######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007289 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مجموع الفتاوى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007289 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7289 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7289 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1416هـ/1995م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مجموع الفتاوى] # المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ~~(المتوفى: 728ه) # المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم # الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة ~~العربية السعودية # عام النشر: 1416ه/1995م # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] PageV00P000 ### | فهرس الكتب والرسائل والمسائل المودعة في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية # - الاحتجاج بالقدر 8 / 303 - 370 # - الأربعون حديثا التي يرويها ابن تيمية 18 / 76 - 120 # - أقسام القرآن 13 / 329 - 375 # - أقدم ما قيل في القضاء والقدر 8 / 81 - 158 # - الإكليل في المتشابه والتأويل 13 / 270 - 313 # - أمراض القلوب وشفاؤها 10 / 91 - 137 # - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 28 / 121 - 178 # - أهل الصفة 11 / 37 - 70 # - إيضاح الدلالة على عموم الرسالة 19 / 9 - 65 # - الإيمان الكبير 7 / 5 - 460 # - الإيمان الأوسط 7 / 460 - 640 # - البغدادية فيما يحل من الطلاق ويحرم 33 / 5 - 43 # - التبيان في نزول القرآن 12 / 246 - 257 # - التحفة العراقية في الأعمال القلبية 10 / 5 - 90 # - تفسير سورة الأحزاب 28 / 424 - 467 # - تفسير سورة الإخلاص 17 / 214 - 503 # - تفسير سورة الكوثر 1 / 224 - 228 # - تفسير سورة النور 15 / 280 - 427 # - تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية 13 / 14 / 15 / 16 / 17 # - تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال 6 / 68 - 144 # - جواب أهل العلم والايمان أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن 17 / 5 - ~~305 # - الجواب الباهر في زوار المقابر 27 / 314 - 443 # - الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الاسلام من بدع الجهمية والصوفية 2 ~~/ 286 - 316 # - الحسبة 28 / 60 - 120 # - الحسنة والسيئة 14 / 229 - 425 # - حقيقة مذهب الاتحاديين 2 / 134 - 285 # - الحقيقة والمجاز 20 / 400 - 497 # - الحموية الكبرى 5 / 5 - 120 # - رأس الحسين 27 / 450 - 489 # - الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم 2 / 362 - 451 # - الرد على الأخنائي 27 / 214 - 288 # - رسالة الى أصحابه وهو في السجن 28 / 30 - 59 # - الرسالة الأكملية 6 / 68 - 144 # - رسالة الى أهل البحرين 6 / 485 - 506 # - رسالة الى ms0001 نصر المنبجي 2 / 452 - 479 # - الرسالة التدمرية 3 / 1 - 128 # - الرسالة العرشية 6 / 545 - 583 # - رسالة في علم الظاهر والباطن 13 / 230 - 269 # - رسالة في معنى القياس 20 / 504 - 585 # - رسالة في الهلال 25 / 126 - 201 # - الرسالة القبرصية 28 / 601 - 630 # - الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات 6 / 351 - 373 # - رفع الملام عن الأئمة الأعلام 20 / 231 - 290 # - السماع 11 / 587 - 602 # - السماع والرقص 11 / 557 - 586 # - سؤال حول حديث (لا اله إلا أنت سبحانك.. 10 / 237 - 336 # - سؤال عن الحديث المروي في الأبدال 11 / 433 - 444 # - السياسة الشرعية 28 / 244 - 397 # - شرح حديث إنما الأعمال بانيات 18 / 244 - 284 # - شرحت حديث اني حرمت الظلم 18 / 136 - 209 # - شرح حديث كان الله ولم يكن شيء قبله 18 / 210 - 243 # - شرح حديث النزول 5 / 321 - 582 # - صحة مذهب أهل المدينة 20 / 294 - 396 # - الصوفية والفقراء 11 / 5 - 24 # - العبودية 10 / 149 - 236 # - العقيدة الواسطية 3 / 129 - 159 # - فتوى في حكم القيام والانحناء والألقاب 1 / 372، 374، 377، 26 / 311 # - فتوى في النصيرية 35 / 145 - 160 # - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 11 / 156 - 310 # - الفرقان بين الحق والباطل 13 / 5 - 229 # - قاعدة في الأسماء والصفات.. 6 / 144 - 184 # - قاعدة في توحيد الملة وتعدد الشرائع 19 / 106 - 128 # - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 1 / 142 - 368 # - قاعدة في الاسم والمسمى 6 / 185 - 212 # - قاعدة في أهل السنة والجماعة 3 / 278 - 292 # - قاعدة في تصويب المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم 19 / 203 - 227 # - قاعدة في توحيد الألوهية 1 / 20 - 36 # - قاعدة في القرآن وكلام الله 12 / 5 - 36 # - قاعدة في المعجزات والكرامات 11 / 311 - 362 # - قاعدة في مواضع الأئمة في مجامع الأمة 35 / 36 - 46 # - القاعدة المراكشية 5 / 153 - 193 # - القرآن العظيم كلام الله 12 / 117 - 161 # - القضاء والقدر 8 / 262 - 271 # - الكيلانية 12 / 323 - 501 # - مراتب الإرادة 8 / 181 - 196 # - المرشدة أصلها وتأليفها 11 / 476 - 491 # - مسألة الأحرف 12 / 37 - 116 # - مسألة في اتباع الرسول بصريح ms0002 المعقول 10 / 430 - 453 # - مسألة في الفقر والتصوف 11 / 25 - 36 # - مسألة القدر 8 / 245 - 255 # - المسألة المصرية في القرآن 12 / 162 - 234 # - مسألة وضع الجوائح 30 / 263 - 302 # - المظالم المشتركة 30 / 337 - 355 # - معارج الوصول 19 / 155 - 202 # - مقدمة في أصول التفسير 13 /329 - 375 # - مناظرة حول الواسطية 3 / 160 -193 # - مناظرة في الحمد والشكر بين ابن تيمية وابن المرحل 11 / 135 - 155 # منسك ابن تيمية 26 / 98 - 159 # - نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان 9 / 82 - 254 # - نقض المنطق 4 / 1 - 190 # - الهجر الجميل والصفح الجميل 10 / 666 - 677 # - الواسطة بين الحق والخلق 1 / 121 - 128 # - الوصية الصغرى 10 / 653 - 665 # - الوصية الكبرى 3 / 363 - 430 # المراجع: ### | 1 - # رسالة لفضيلة الشيخ د. عبد الرحمن بن صالح المحمود في مؤلفات شيخ الإسلام ### | 2 - # الإشارات إلى أسماء الرسائل المودعة في بطون المجلدات والمجلات للشيخ ~~مشهور بن حسن PageV00P000 # الجزء الأول # كتاب توحيد الألوهية # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون} العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون الذي: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} الذي {يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} الذي دل على وحدانيته في إلهيته ~~أجناس الآيات وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات وأظهر قدرته ~~على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوع الأحوال ~~المختلفات وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها إلا رب السموات، وأعلم ~~بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي ~~العباد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات، وهو ~~المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيء من ms0003 الموجودات، ~~وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيء في نعوت الكمال أو يلحقه شيء من ~~الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذي خلق # PageV01P001 # السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا # أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ~~الله عزيزا حكيما، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس ~~وتراه نعيما؛ ومنذرين لمن عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذابا أليما، ~~وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره ~~المشركون. كما قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} وجعل لكل ~~منهم شرعة ومنهاجا ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجا. وختمهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أفضل الأولين والآخرين، وصفوة رب العالمين، الشاهد البشير ~~النذير الهادي السراج المنير الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور ~~وهداهم إلى صراط العزيز الحميد. {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب شديد} . # بعثه بأفضل المناهج والشرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه ~~أفضل الكتب والأنباء، وجعله مهيمنا على ما بين يديه من كتب السماء. وجعل ~~أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ~~يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله. هو شهيد عليهم وهم شهداء على ~~الناس في الدنيا والآخرة بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة وعصمهم ~~أن يجتمعوا على ضلالة إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة وأكمل لهم ~~دينهم وأتم عليهم نعمه ورضي لهم الإسلام دينا وأظهره على # PageV01P002 # الدين كله إظهارا بالنصرة والتمكين وإظهارا بالحجة والتبيين، وجعل فيهم ~~علماءهم ورثة الأنبياء يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب، وطائفة ~~منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى حين ~~الحساب، وحفظ لهم ms0004 الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى: {إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} . فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل ~~كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل، وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به ~~بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله ~~أهل العلم والدين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين لتدوم بهم النعمة على الأمة ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيا بهم ~~دين الله الذي بعث به رسوله، وبين الله بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق ~~أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، ~~وملك يوم الدين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الناس أجمعين أرسله ~~والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال. فلم يزل صلى الله ~~عليه وسلم يجتهد في تبليغ الدين وهدي العالمين وجهاد الكفار والمنافقين حتى ~~طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل البهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان، ~~وظهر نور الفرقان واشتهرت تلاوة القرآن، وأعلن بدعوة الأذان، # PageV01P003 # واستنار بنور الله أهل البوادي والبلدان، وقامت حجة الله على الإنس ~~والجان، لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان صلاة يرضى بها الملك الديان وسلم تسليما مقرونا ~~بالرضوان. أما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع ~~رسوله. {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين} فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور، ومستقر ~~النجاة الذي عنه لا تحور. فإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله فلا ~~عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب في ms0005 دين الله؛ وما سوى ذلك فضلال عن سبيله. ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} " ~~أخرجاه في الصحيحين، وقال: صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية ~~الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي {أنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، ~~وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} ". وفي ~~الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنه كان يقول في خطبته {خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} . وقد ~~ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعا من القرآن كقوله ~~تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقوله تعالى: # PageV01P004 # {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} . وقوله تعالى {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله ~~لا يحب الكافرين} . وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم} . فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل ~~متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده. وقد قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا} . فما أوحاه الله إليه يهدي الله به من يشاء من عباده، ~~كما أنه صلى الله عليه وسلم بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى: {قل إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} . وقال تعالى: {قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} . فبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم تبين الكفر من الإيمان، والربح من ms0006 الخسران والهدى من ~~الضلال، والنجاة من الوبال، والغي من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة ~~من أهل النار، والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين. ~~فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب فإن هذا ~~إذا فات حصل الموت في الدنيا. وذاك إذا فات حصل العذاب. فحق على كل أحد بذل ~~جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته إذ # PageV01P005 # هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم. والطريق إلى ~~ذلك الرواية والنقل. إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل. بل كما أن نور العين لا ~~يرى إلا مع ظهور نور قدامه فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس ~~الرسالة. فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام. وكان معرفة ما أمر ~~الله به رسوله واجبا على جميع الأنام. والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب ~~والسنة، وبهما أتم على أمته المنة. قال تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون} {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ~~ولا تكفرون} . وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقال تعالى: ~~{واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} وقال ~~تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقال تعالى عن الخليل: {ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} وقال تعالى: ~~{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} . وقد قال غير واحد من ~~العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير وقتادة والشافعي وغيرهم (الحكمة) : هي ~~السنة لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب ~~والحكمة، والكتاب: القرآن وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه هو السنة. ms0007 # PageV01P006 # وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه من حديث أبي رافع وأبي ~~ثعلبة وغيرهما أنه قال: {لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من ~~أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وبينكم القرآن فما وجدنا فيه من ~~حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله ~~معه. وفي رواية ألا وإنه مثل الكتاب} . ولما كان القرآن متميزا بنفسه - لما ~~خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس كما قال تعالى: {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} وكان منقولا بالتواتر - لم يطمع أحد في تغيير شيء من ~~ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه ~~بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به ~~بعض العباد. فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد أهل الهدى والسداد، فدحروا ~~حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن ~~من الزيادة في ذلك والنقصان. وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى ~~المسلمين - مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث - بدفع ما وقع ~~في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي: الذي لا ~~يسوغ عنه العدول؛ ومنه الخفي: الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول. وقام ~~علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، ~~وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف ~~والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، # PageV01P007 # ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله ~~معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ ~~الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتصبر على مرارة الاغتراب، ~~ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله. ~~كما جعل البيت مثابة للناس وأمنا يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه ms0008 ~~أمورا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال ~~حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدي المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق، ~~الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون. فمن كان مخلصا في أعمال الدين يعملها ~~لله كان من أولياء الله المتقين أهل النعيم المقيم. كما قال تعالى: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} {لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز ~~العظيم} . وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين: ~~أحدهما: ثناء المثنين عليه. الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح؛ أو ~~ترى له. {فقيل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه؛ ~~قال: تلك عاجل بشرى المؤمن} . وقال البراء بن عازب: سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله {لهم البشرى في الحياة الدنيا} فقال: {هي الرؤيا الصالحة ~~يراها الرجل الصالح؛ أو ترى له} . والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الربان الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من ~~أعظم أولياء الله المتقين وحزبه # PageV01P008 # المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات. كما ~~قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} قال ابن ~~عباس: يرفع الله [الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم ~~درجات] (1) . # وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعله ~~سلما إلى الدراية. فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا ~~المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه ~~المنة " أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم ~~وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، ~~وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي ~~من العاطل. وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة: فإن أهل ~~العلم منهم والدين هم ms0009 من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما ~~يظهر الصبح لذي عينين. عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو ~~منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول كما قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن ~~إلا حقا، وإذا اجتمع أهل PageV01P009 # الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقا، ولكل من الطائفتين من الاستدلال ~~على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حفي، والله تعالى ~~يلهمهم الصواب في هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، وكما عرف ~~ذلك بالتجربة الوجودية؛ فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، ~~لما صدقوا في موالاة الله ورسوله؛ ومعاداة من عدل عنه. قال تعالى: {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه} . # وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قياما بهذه ~~الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم؛ ~~بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، عملا بقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ~~أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} وقوله ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون} . ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح من السعي ~~المشكور والعمل المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين، ms0010 وصيانته عن إحداث ~~المفترين، وهم في ذلك على درجات، منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ~~ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة ~~بمعانيه. # PageV01P010 # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلغ عنه من شهد لمن غاب، ~~ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: {بلغوا عني ولو ~~آية؛ وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؛ ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار} . وقال أيضا في خطبته في حجة الوداع: {ألا ليبلغ الشاهد الغائب فرب ~~مبلغ أوعى من سامع} . وقال أيضا: {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى ~~من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه؛ ~~ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم ~~جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} . وفي هذا دعاء منه لمن بلغ ~~حديثه وإن لم يكن فقيها ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ؛ ~~لما أعطي المبلغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدا من ~~أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم يقال: نضر ~~ونضر، والفتح أفصح. ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة ~~الحديث حتى قال الشافعي رضي الله عنه إذا رأيت رجلا من أهل الحديث فكأني ~~رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال الشافعي هذا؛ لأنهم ~~في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي ~~أيضا أهل الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل؛ لأنهم حفظوا لنا اه. # PageV01P011 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: ### | قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته # قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . أخبر ~~سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما وصى به ms0011 الثلاثة المذكورين. وهؤلاء هم أولو العزم المأخوذ عليهم ~~الميثاق في قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم} . وقوله: {ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به} فجاء في حق محمد باسم الذي وبلفظ الإيحاء، وفي سائر الرسل بلفظ " ~~الوصية ". # ثم قال: {أن أقيموا الدين} وهذا تفسير الوصية، و (أن) : المفسرة التي ~~تأتي بعد فعل من معنى القول لا من لفظه. كما في قوله: {ثم أوحينا إليك أن ~~اتبع} . {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} ~~والمعنى قلنا لهم: اتقوا الله. فكذلك قوله: {أن أقيموا الدين} في معنى قال: ~~لكم من الدين ما وصى به رسلا قلنا أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، فالمشروع ~~لنا هو الموصى به، والموحى، وهو: {أقيموا الدين} فأقيموا الدين مفسر # PageV01P012 # للمشروع لنا الموصى به الرسل، والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقد ~~يقال: الضمير في أقيموا عائد إلينا. ويقال هو عائد إلى المرسل. ويقال هو ~~عائد إلى الجميع. وهذا أحسن ونظيره. أمرتك بما أمرت به زيدا. أن أطع الله، ~~ووصيتكم بما وصيت بني فلان: أن افعلوا. فعلى الأول: يكون بدلا من (ما) أي ~~شرع لكم أن أقيموا وعلى الثاني: شرع (ما خاطبهم. أقيموا فهو بدل أيضا، وذكر ~~ما قيل للأولين. وعلى الثالث: شرع الموصى به (أقيموا) فلما خاطب بهذه ~~الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا، ومقولة لهم: علم أن الضمير عائد إلى ~~الطائفتين جميعا. وهذا أصح إن شاء الله. والمعنى على التقديرين الأولين ~~يرجع إلى هذا، فإن الذي شرع لنا: هو الذي وصى به الرسل، وهو الأمر بإقامة ~~الدين والنهي عن التفرق فيه؛ ولكن التردد في أن الضمير تناولهم لفظه؛ وقد ~~علم أنه قيل لنا مثله؛ أو بالعكس؛ أو تناولنا جميعا # وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا ~~فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذي أوحاه إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم. فيحتمل شيئين: ms0012 أحدهما: أن يكون ما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم يدخل فيه شريعته التي تختص بنا؛ فإن جميع ما بعث به محمد صلى الله ~~عليه وسلم قد أوحاه إليه من الأصول والفروع بخلاف نوح وغيره من الرسل؛ ~~فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به؛ من إقامة الدين، وترك التفرق فيه. ~~والدين الذي اتفقوا عليه: هو الأصول. فتضمن الكلام أشياء: # PageV01P013 # أحدها: أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام والدين ~~المختص بنا؛ وهو الإسلام والإيمان الخاص. الثاني: أنه أمرنا بإقامة هذا ~~الدين كله المشترك والمختص ونهانا عن التفرق فيه. الثالث: أنه أمر المرسلين ~~بإقامة الدين المشترك، ونهاهم عن التفرق فيه. الرابع: أنه لما فصل بقوله: ~~{والذي أوحينا إليك} بين قوله: {ما وصى به نوحا} وقوله: {وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى} أفاد ذلك. # ثم قال بعد ذلك: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} ~~فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بين لهم ما يتقون؛ فإن الله ~~ما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. [وأخبر أنهم ما ~~تفرقوا إلا بغيا، والبغي مجاوزة الحد، كما قال ابن عمر. . . (1) : الكبر ~~والحسد] ؛ وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس في علم، ولا قصد به البغي ~~كتنازع العلماء السائغ، والبغي إما تضييع للحق، وإما تعد للحد؛ فهو إما ترك ~~واجب، وإما فعل محرم؛ فعلم أن موجب التفرق هو ذلك. وهذا كما قال عن أهل ~~الكتاب: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فأخبر أن نسيانهم حظا مما ~~ذكروا به - وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به - كان سببا لإغراء العداوة ~~والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف ~~المتنازعة في أصول دينها، وكثير من فروعه من أهل PageV01P014 # الأصول والفروع ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد؛ ممن يغلب عليه ~~الموسوية أو العيسوية حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين ms0013 اللتين قالت كل واحدة: ~~ليست الأخرى على شيء. كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة ~~والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة كل منهما ينفي طريقة الآخر ويدعي أنه ~~ليس من أهل الدين، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين؛ فتقع بينهما ~~العداوة والبغضاء. وذلك: أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، ~~وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه. قال تعالى: {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} وقال: {فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وقال: {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} وقال: ~~{أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال: {إنما المشركون نجس} وقال: ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} . فنجد كثيرا ~~من المتفقهة والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع ~~اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به؛ إيجابا، أو استحبابا، ولا ~~يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته ~~طهارة القلب فقط؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا؛ ويترك من طهارة ~~البدن ما أمر به إيجابا، أو استحبابا. فالأولون يخرجون إلى الوسوسة ~~المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع ~~اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من # PageV01P015 # الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود. والآخرون ~~يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل ~~بما تجب معرفته من الشر - الذي يجب اتقاؤه - من سلامة الباطن، ولا يفرقون ~~بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة ~~الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ~~ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى. وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ~~ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، ~~وإما عدوانا وفعلا للظلم. والبغي تارة يكون ms0014 من بعضهم على بعض وتارة يكون في ~~حقوق الله، وهما متلازمان ولهذا قال: {بغيا بينهم} فإن كل طائفة بغت على ~~الأخرى، فلم تعرف حقها الذي بأيديها ولم تكف عن العدوان عليها. وقال تعالى: ~~{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} وقال تعالى: ~~{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} . وقال تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل ~~الكتاب والحكم والنبوة} الآية وقال تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك وقال: ~~{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وقال: {إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال: {فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا ~~من # PageV01P016 # المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ~~لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه. كما قال في الآية الأولى: {كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} وقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} ~~{فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} . فظهر أن سبب الاجتماع ~~والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر ~~به باطنا، وظاهرا. وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به، والبغي بينهم. ~~ونتيجة الجماعة: رحمة الله، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، ~~وبياض الوجوه. ونتيجة الفرقة: عذاب الله، ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم منهم. وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة ~~قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة ~~الله ورحمته: بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد، أو قول، أو عمل، فلو كان ms0015 ~~القول، أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن ذلك طاعة لله، ~~ولا سببا لرحمته، وقد احتج بذلك أبو بكر عبد العزيز في أول " التنبيه " نبه ~~على هذه النكتة. # PageV01P017 # وقال: # فصل: # قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهي ~~الصحابة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت {ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ~~إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم ~~تحيط من ورائهم} وفي حديث أبي هريرة المحفوظ: {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن ~~تناصحوا من ولاه الله أمركم} . فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث؛ ~~إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث ~~تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح ~~الدنيا والآخرة. وبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله وحق لعباده، فحق الله ~~أن نعبده ولا نشرك به شيئا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين؛ وهذا معنى إخلاص ~~العمل لله، كما جاء في الحديث الآخر. وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما ~~الخاص فمثل بر كل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره؛ فهذه من فروع الدين؛ لأن ~~المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية. وأما الحقوق ~~العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية؛ فحقوق الرعاة مناصحتهم؛ وحقوق الرعية ~~لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون # PageV01P018 # على ضلالة؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله ~~جميعا؛ فهذه الخصال تجمع أصول الدين. وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه ~~مسلم عن تميم الداري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الدين النصيحة ~~الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم} . فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في ~~حق الله وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي ~~مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن ms0016 لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، ~~وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذر ~~استيعابها على سبيل التعيين. # PageV01P019 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما. # وبعد: فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة ~~واستعانة قال الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} الآية. وقال تعالى: {وما بكم من ~~نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} . وقال تعالى: {وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} . وقال ~~تعالى في الآية الأخرى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله} . وقال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وقال تعالى: ~~{فاعبده وتوكل عليه} . وقال تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} . وقال تعالى: ~~{يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير} . وقال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات} . وقال تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} الآية. # PageV01P020 # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} وقال تعالى: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك ~~إلا ms0017 وجهه له الحكم وإليه ترجعون} وقال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت ~~وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} {الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما} الآية. وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} الآية. ونظائر هذا في القرآن كثير، ~~وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة لا سيما أهل العلم والإيمان منهم، ~~فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع. ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها ~~مقدمة. وذلك أن العبد بل كل حي بل وكل مخلوق سوى الله هو فقير محتاج إلى ~~جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة؛ ~~والمضرة هي من جنس الألم والعذاب؛ فلا بد له من أمرين: أحدهما: هو المطلوب ~~المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به. # والثاني: هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه. ~~وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء: أحدها: أمر ~~هو محبوب مطلوب الوجود. # PageV01P021 # والثاني: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم. والثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب ~~المحبوب. والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه، فهذه الأربعة الأمور ضرورية ~~للعبد بل ولكل حي لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها؛ وأما ما ليس بحي فالكلام ~~فيه على وجه آخر. إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه: - أحدها: أن الله ~~تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، وهو المعين على ~~المطلوب وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه؛ فهو سبحانه ~~الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب؛ لكن على أكمل الوجوه، ~~والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب؛ فالأول من معنى الألوهية. ~~والثاني من معنى الربوبية؛ إذ الإله: هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة ~~وإجلالا وإكراما والرب: هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع ~~أحواله من العبادة وغيرها؛ وكذلك قوله تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} . ~~وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} . وقوله: ms0018 {عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير} . وقوله تعالى {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده} . وقوله ~~تعالى: {عليه توكلت وإليه متاب} وقوله: {وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين ~~الجامعين. # PageV01P022 # الوجه الثاني: أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ~~ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم؛ وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ولا ~~شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه؛ ولا شيء يعطيهم في الدنيا ~~أعظم من الإيمان به. وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم ~~في خلقه لهم وربوبيته إياهم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم؛ وبذلك يصيرون ~~عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح؛ ولا نعيم ولا لذة؛ بدون ذلك بحال. ~~بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. ولهذا ~~كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله ~~إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله؛ رأس الأمر. ~~فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق، وقرره أهل الكلام؛ فلا يكفي وحده، ~~بل هو من الحجة عليهم، وهذا معنى ما يروى: {يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، ~~وخلقتك لي، فبحقي عليك أن لا تشتغل بما خلقته لك، عما خلقتك له} . واعلم أن ~~هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح ~~الذي رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أتدري ما حق الله ~~على عباده؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال قلت: ~~الله ورسوله أعلم. قال: حقهم أن لا يعذبهم} . # PageV01P023 # وهو يحب ذلك، ويرضى به؛ ويرضى عن أهله، ويفرح بتوبة من عاد إليه؛ كما أن ~~في ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه؛ وقد بينت بعض معنى محبة ms0019 الله لذلك وفرحه ~~به في غير هذا الموضع. فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ~~ويتنعم بالتوجه إليه؛ إلا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له ~~به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة ~~التذاذ أكل طعام المسموم {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله ~~رب العرش عما يصفون} فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة ~~غير الله لم يكن إلها حقا؛ إذ الله لا سمي له ولا مثل له؛ فكانت تفسد ~~لانتفاء ما به صلاحها، هذا من جهة الإلهية. وأما من جهة الربوبية فشيء آخر؛ ~~كما نقرره في موضعه. واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به ~~شيئا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام ~~والشراب؛ وبينهما فروق كثيرة. فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها ~~إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو: فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره: وهي ~~كادحة إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه. ~~ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى ~~نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال، وتارة أخرى ~~يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد # PageV01P024 # يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك. وأما إلهه فلا بد له منه في كل ~~حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا (إبراهيم الخليل صلى ~~الله عليه وسلم {لا أحب الآفلين} .وكان أعظم آية في القرآن الكريم: {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم} . وقد بسطت الكلام في معنى القيوم في موضع آخر، ~~وبينا أنه الدائم الباقي الذي لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه. ~~واعلم أن هذا الوجه مبني على أصلين: أحدهما: على أن نفس ms0020 الإيمان بالله ~~وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل ~~الإيمان، وكما دل عليه القرآن؛ لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: ~~أن عبادته تكليف ومشقة. وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار؛ أو ~~لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه وإن كان في الأعمال ~~الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس - والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال ~~المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب} ~~الآية، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: {أجرك على قدر نصبك} - فليس ذلك هو ~~المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، ~~وهذا يفسر في موضعه. ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق ~~القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة ~~والمتفقهة؛ وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي؛ كقوله: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} . # PageV01P025 # {لا تكلف إلا نفسك} {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} أي وإن وقع في ~~الأمر تكليف؛ فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمي جميع الشريعة تكليفا، مع ~~أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك ~~لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق ~~الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدا. قال الله تعالى: ~~{فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} فهذا أصل. (الأصل الثاني: النعيم ~~في الدار الآخرة أيضا مثل النظر إليه لا كما يزعم طائفة من أهل الكلام ~~ونحوهم أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق: من المأكول والمشروب والمنكوح ~~ونحو ذلك، بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق سبحانه وتعالى، كما في ~~الدعاء المأثور: {اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في ~~غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة} . رواه النسائي وغيره وفي صحيح " مسلم " ~~وغيره عن " صهيب " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {: إذا دخل ms0021 أهل الجنة ~~الجنة نادى مناد يا أهل الجنة؛ إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. ~~فيقولون: ما هو ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار قال: ~~فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه - سبحانه. فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ~~إليه، وهو الزيادة} . فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مع كمال تنعمهم ~~بما أعطاهم الله في الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه؛ وإنما ~~يكون أحب إليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره. فإن ~~اللذة تتبع الشعور بالمحبوب، فكلما كان الشيء أحب إلى الإنسان كان حصوله ~~ألذ له، وتنعمه به أعظم. # PageV01P026 # وروي أن يوم الجمعة يوم المزيد، وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة، وفي ~~الأحاديث والآثار ما يصدق هذا، قال الله تعالى في حق الكفار: {كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون} {ثم إنهم لصالو الجحيم} . فعذاب الحجاب أعظم أنواع ~~العذاب. ولذة النظر إلى وجهه أعلى اللذات؛ ولا تقوم حظوظهم من سائر ~~المخلوقات مقام حظهم منه تعالى. وهذان الأصلان ثابتان في الكتاب والسنة؛ ~~وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية العارفون؛ وعليهما ~~أهل السنة والجماعة؛ وعوام الأمة؛ وذلك من فطرة الله التي فطر الناس عليها. ~~وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة؛ وبالذوق والوجد أخرى - إذا ~~أنكر اللذة - فإن ذوقها ووجدها ينفي إنكارها. وقد يحتجون بالقياس في ~~الأمثال تارة؛ وهي الأقيسة العقلية. الوجه الثالث: أن المخلوق ليس عنده ~~للعبد نفع ولا ضرر؛ ولا عطاء ولا منع؛ ولا هدى ولا ضلال؛ ولا نصر ولا ~~خذلان؛ ولا خفض ولا رفع؛ ولا عز ولا ذل؛ بل ربه هو الذي خلقه ورزقه؛ وبصره ~~وهداه وأسبغ عليه نعمه؛ فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره؛ وإذا أصابه ~~بنعمة لم يرفعها عنه سواه؛ وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله؛ ~~وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من ~~الأول؛ لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن؛ وجد أن الله يدعو عباده بهذا ms0022 ~~الوجه إلى الأول. فهذا الوجه يقتضي؛ التوكل على الله والاستعانة به. ~~ودعاءه. ومسألته، دون ما سواه. ويقتضي أيضا محبة الله وعبادته لإحسانه إلى ~~عبده، وإسباغ # PageV01P027 # نعمه عليه؛ وحاجة العبد إليه في هذه النعم، ولكن إذا عبدوه وأحبوه؛ ~~وتوكلوا عليه من هذا الوجه؛ دخلوا في الوجه الأول؛ ونظيره في الدنيا من نزل ~~به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق؛ فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى ~~فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا؛ ~~ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه. والقرآن مملوء من ذكر ~~حاجة العباد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم؛ ومن ذكر ما وعدهم ~~في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا؛ فهذا ~~الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه. الوجه الرابع: إن ~~تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه؛ إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في ~~عبادة الله؛ فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته؛ ضره وأهلكه؛ وكذلك ~~من النكاح واللباس؛ وإن أحب شيئا حبا تاما بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه؛ أو ~~يفارقه. وفي الأثر المأثور: {أحبب ما شئت فإنك مفارقه. واعمل ما شئت فإنك ~~ملاقيه. وكن كما شئت فكما تدين تدان} . واعلم أن كل من أحب شيئا لغير الله ~~فلا بد أن يضره محبوبه؛ ويكون ذلك سببا لعذابه؛ ولهذا كان الذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله؛ يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة ~~شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته. يقول: أنا كنزك. أنا مالك. وكذلك نظائر هذا في ~~الحديث: يقول الله يوم القيامة: {يا ابن آدم؛ أليس عدلا مني أن أولي كل رجل ~~منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟} وأصل التولي # PageV01P028 # الحب؛ فكل من أحب شيئا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه؛ وأصلاه ~~جهنم وساءت مصيرا؛ فمن أحب شيئا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد؛ أو فقد؛ ~~فإن فقد عذب ms0023 بالفراق وتألم؛ وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل ~~له من اللذة؛ وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء؛ وكل من أحب شيئا دون ~~الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته؛ فصارت المخلوقات وبالا عليه إلا ~~ما كان لله وفي الله؛ فإنه كمال وجمال للعبد؛ وهذا معنى ما يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الدنيا ملعونة ملعون ما فيها؛ إلا ذكر الله ~~وما والاه} . رواه الترمذي؛ وغيره. الوجه الخامس: أن اعتماده على المخلوق ~~وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته؛ فإنه يخذل من تلك الجهة؛ وهو أيضا معلوم ~~بالاعتبار والاستقراء؛ ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك ~~الجهة؛ ولا استنصر بغير الله إلا خذل. وقد قال الله تعالى: {واتخذوا من دون ~~الله آلهة ليكونوا لهم عزا} {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} . ~~وهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والاستعانة في المخلوق؛ فلما قال: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} كان صلاح العبد في عبادة الله واستعانته. وكان في ~~عبادة ما سواه؛ والاستعانة بما سواه؛ مضرته وهلاكه وفساده. الوجه السادس: ~~إن الله سبحانه غني. حميد. كريم. واجد. رحيم، فهو سبحانه محسن إلى عبده مع ~~غناه عنه؛ يريد به الخير ويكشف عنه الضر؛ لا لجلب منفعة إليه من العبد؛ ولا ~~لدفع مضرة؛ بل رحمة وإحسانا؛ والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم؛ ~~فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه؛ ويجلبوا # PageV01P029 # له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما. وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى ~~فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله. فإنهم إذا ~~أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر ~~فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم؛ ~~وسماع كلامهم؛ ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته؛ أو جماله ~~أو كرمه؛ فهو يجب أن ينال حظه من تلك المحبة؛ ولولا التذاذه بها لما أحبه؛ ~~وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو ms0024 مال؛ أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو - ولو ~~بالدعاء أو الثناء - فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله؛ فأجناد ~~الملوك؛ وعبيد المالك؛ وأجراء الصانع؛ وأعوان الرئيس؛ كلهم إنما يسعون في ~~نيل أغراضهم به؛ لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم؛ إلا أن يكون قد علم ~~وأدب من جهة أخرى؛ فيدخل ذلك في الجهة الدينية؛ أو يكون فيها طبع عدل؛ ~~وإحسان من باب المكافأة والرحمة؛ وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة ~~نفسه؛ وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه؛ وقسم بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا؛ ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا. إذا ~~تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك. بالقصد الأول؛ بل إنما يقصد ~~منفعته بك وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر إذا لم يراع العدل؛ فإذا ~~دعوته؛ فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه. والرب سبحانه يريد لك؛ ولمنفعتك بك؛ ~~لا لينتفع بك. وذلك منفعة عليك بلا مضرة. فتدبر هذا؛ فملاحظة هذا الوجه ~~يمنعك أن ترجو المخلوق أو # PageV01P030 # تطلب منه منفعة لك، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول؛ كما أنه لا يقدر ~~عليه. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس؛ وترك الإحسان إليهم؛ واحتمال الأذى ~~منهم؛ بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم؛ وكما لا تخفهم فلا ترجهم؛ وخف الله في ~~الناس ولا تخف الناس في الله؛ وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله؛ ~~وكن ممن قال الله فيه: {وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} . وقال فيه: {إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} . الوجه السابع: أن غالب الخلق ~~يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك؛ فإن صاحب الحاجة أعمى لا ~~يعرف إلا قضاءها. الوجه الثامن: إنه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض؛ ~~فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله؛ ولا يقصدون دفعها إلا لغرض ~~لهم في ذلك. الوجه التاسع: أن الخلق لو ms0025 اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا ~~بأمر قد كتبه الله لك؛ ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه ~~الله عليك؛ فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله؛ ولا يضرونك إلا بإذن الله؛ فلا ~~تعلق بهم رجاءك. قال الله تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا ~~في عتو ونفور} . والنصر يتضمن دفع الضرر؛ والرزق يتضمن حصول المنفعة # PageV01P031 # قال الله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت} {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف} وقال تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنا} وقال الخليل عليه السلام {رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات} الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {هل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم} بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟. # PageV01P032 # فصل: # جماع هذا أنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك؛ ولا قادر عليها؛ ولا مريد ~~لها كما ينبغي؛ فغيرك من الناس أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك؛ ولا قادرا ~~عليها؛ ولا مريدا لها؛ والله - سبحانه - هو الذي يعلم ولا تعلم؛ ويقدر ولا ~~تقدر؛ ويعطيك من فضله العظيم؛ كما في حديث الاستخارة: {اللهم إني أستخيرك ~~بعلمك؛ وأستقدرك بقدرتك؛ وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر؛ وتعلم ~~ولا أعلم؛ وأنت علام الغيوب} . # PageV01P033 # فصل: # وهو مثل المقدمة لهذا الذي أمامه، وهو أن كل إنسان فهو همام حارث حساس ~~متحرك بالإرادة، بل كل حي فهو كذلك له علم وعمل بإرادته. والإرادة هي ~~المشيئة والاختيار، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو ~~المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله، فإن حصل بفعل العبد فلا ~~بد من قدرة وقوة؛ وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره؛ وإن كان منه ومن ~~الخارج فلا بد من الأسباب كالآلات ونحو ذلك، فلا بد لكل حي من إرادة، ولا ~~بد لكل مريد من عون يحصل به مراده. فصار العبد مجبولا على ms0026 أن يقصد شيئا ~~ويريده؛ ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده هذا أمر حتم لازم ضروري ~~في حق كل إنسان يجده في نفسه. لكن المراد والمستعان على قسمين: منه ما يراد ~~لغيره، ومنه ما يراد لنفسه. والمستعان: منه ما هو المستعان لنفسه، ومنه ما ~~هو تبع للمستعان وآلة له، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذي ~~يذل له الطالب ويحبه، وهو الإله المقصود، ومنه ما يراد لغيره، وهو بحيث ~~يكون المراد هو ذلك الغير، فهذا مراد بالعرض. ومن المستعان ما يكون هو ~~الغاية التي يعتمد عليه العبد؛ ويتوكل عليه؛ ويعتضد به؛ ليس عنده فوقه غاية ~~في الاستعانة ومنه ما يكون تبعا لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب؛ والمال مع ~~المالك؛ والآلات مع الصانع. # PageV01P034 # فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس؛ وجدهم لا ينفكون عن هذين ~~الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها؛ وهو إلهها. ~~ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها؛ سواء ~~كان ذلك هو الله أو غيره وإذا فقد يكون عاما وهو الكفر، كمن عبد غير الله ~~مطلقا، وسأل غير الله مطلقا، مثل عباد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون ~~منهم الحاجات، ويفزعون إليهم في النوائب. وقد يكون خاصا في المسلمين، مثل ~~من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة، حتى صار عبد ذلك، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم {تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة تعس ~~عبد الخميلة: إن أعطي رضي، وإن منع سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش} ~~وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ~~ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقائه أو أمواله هي ~~التي تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ~~ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسئول. وما أكثر ما تستلزم العبادة ~~الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره؛ خضع له وذل؛ ms0027 ~~وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى ~~يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه؛ كما يصيب كثيرا ممن يحب المال أو يحب من ~~يحصل له به العز والسلطان. وأما من أحبه القلب وأراده وقصده؛ فقد لا ~~يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه؛ كاستشعار ~~المحب قدرة المحبوب على وصله # PageV01P035 # فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه؛ وإلا فلا؛ فالأقسام ثلاثة ~~فقد يكون محبوبا غير مستعان، وقد يكون مستعانا غير محبوب؛ وقد يجتمع فيه ~~الأمران. فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو ~~إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه؛ - وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في ~~استعانته وعبادته - تبين أن قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} كلام جامع محيط ~~أولا وآخرا، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة. إما أن يعبد غير الله ~~ويستعينه - وإن كان مسلما - فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وإما ~~أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله ~~وعبادته وحده لا شريك له؛ وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم؛ ورزقهم، ~~وهدايتهم، من جهته: من الملوك والأغنياء والمشايخ. وإما أن يستعينه - وإن ~~عبد غيره - مثل كثير من ذوي الأحوال؛ وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو ~~الظاهر، وأهل الكشف والتأثير؛ الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ~~ويلجئون إليه؛ لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله؛ وغير اتباع دينه ~~وشريعته التي بعث الله بها رسوله. والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا ~~إياه؛ ولا يستعينون إلا به؛ وهذا القسم الرباعي قد ذكر فيما بعد أيضا؛ لكنه ~~تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة وتارة يكون بحسب المستعان؛ فهنا هو بحسب ~~المعبود والمستعان؛ لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد ~~بحسب عبادة الله واستعانته؛ فإن الناس فيها على أربعة أقسام. # PageV01P036 # وقال شيخ الإسلام ### | : فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه: # فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، ms0028 هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام ~~عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا؛ وما فعل بك لا ~~يقدر عليه غيره. ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر: فهو الذي يأتي ~~بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره (*) . كما قال ~~تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في ~~غرور} {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور} . وهو ~~سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه؛ فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به ~~نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم؛ الودود المجيد؛ وهو قادر بنفسه، وقدرته من ~~لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته: لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه؛ ~~بل هو الغني عن العالمين {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني ~~كريم} {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} {وقال ~~موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} . وفي الحديث ~~الصحيح الإلهي: {يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم PageV01P037 # وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا؛ ولو ~~كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا؛ ولو قاموا في ~~صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا} إلى ~~آخر الحديث. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له ~~بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره؛ بل أفعاله ~~من كماله: كمل ففعل؛ وإحسانه وجوده من كماله لا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره ~~بوجه من الوجوه؛ بل كلما يريده فعله؛ فإنه فعال لما يريد. وهو سبحانه بالغ ~~أمره؛ فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا ~~يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ms0029 ظهير؛ ~~وليس له ولي من الذل. # PageV01P038 # فصل: # والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له: كان أقرب إليه، ~~وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما ~~قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من ~~شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل: # بين التذلل والتدلل نقطة ... في رفعها تتحير الأفهام # ذاك التذلل شرك ... فافهم يا فتى بالخلف (1) # فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من ~~الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم: كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى ~~احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من ~~حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيء. ولهذا قال حاتم ~~الأصم، لما سئل فيم السلامة من الناس؟ قال: أن يكون شيؤك لهم مبذولا وتكون ~~من شيئهم آيسا، لكن إن كنت معوضا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت ~~الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر وإن كانوا إليك ~~أحوج خضعوا لك. فالرب سبحانه: أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه. وأفقر ~~ما تكون PageV01P039 # إليه. والخلق: أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم، لأنهم كلهم ~~محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم ~~جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها، ~~ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة. والرب تعالى يعلم ~~مصالحك ويقدر عليها، ويريدها رحمة منه وفضلا، وذلك صفته من جهة نفسه، لا ~~شيء آخر جعله مريدا راحما، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه ~~الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئا إلا ~~لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، ~~لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس ~~كذلك. فهم ثلاثة أصناف: ظالم. وعادل. ms0030 ومحسن. فالظالم: الذي يأخذ منك مالا ~~أو نفعا ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك. والعادل: المكافئ. كالبايع لا ~~لك ولا عليك كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه كالزوجين ~~والمتبايعين والشريكين. والمحسن الذي يحسن لا لعوض يناله منك. فهذا إنما ~~عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه ~~من الأجر، أو طلب مدح - الخلق وتعظيمهم، أو التقرب إليك، إلى غير ذلك. وبكل ~~حال: ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع. وسائر الخلق إنما يكرمونك ~~ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما # PageV01P040 # بطريق المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج ~~إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون ~~إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بني أمر العالم، وأما بطريق ~~الإحسان منك إليهم. فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما ~~يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك ~~وتركوك فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم، وأغراضهم. فهؤلاء كلهم من الملوك ~~إلى من دونهم تجد أحدهم سيدا مطاعا وهو في الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذي ~~أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجا ~~إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك. والرب تعالى: ~~يمتنع أن يكون المخلوق الآخرين له أو متفضلا عليه؛ ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته: {الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا ~~فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا} رواه البخاري من ~~حديث أبي أمامة بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك ~~له في ذلك؛ بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله؛ وسعادة العبد في كمال ~~افتقاره إلى الله، واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، ~~أي بموجب علمه ذلك. فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا ~~يعلم، بل يظنه باقيا فإذا علم ms0031 بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم ~~فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن ~~تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد ~~الله. # PageV01P041 # فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن ~~يكون إلا فقيرا إلى خالقه، وليس أحد غنيا بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد ~~الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ~~ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بسط هذا في مواضع. والإنسان يذنب دائما فهو ~~فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته ~~وإحسانه: لما وجد خير أصلا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما ~~وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر ولا ~~تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ~~ذنوب العباد. كما قال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} والمراد بالسيئات: ما يسوء العبد من المصائب وبالحسنات: ما يسره ~~من النعم. كما قال: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} فالنعم والرحمة والخير ~~كله من الله فضلا وجودا من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان ~~تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة ~~المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع. والمصائب: بسبب ذنوب ~~العباد وكسبهم. كما قال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} . والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها: فهو سبحانه ~~المنعم. بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد وجعله ~~مسلما طائعا، كما قال الخليل: {الذي خلقني فهو يهدين} وقال: {واجعلنا ~~مسلمين # PageV01P042 # لك} وقال: {اجعلني مقيم الصلاة} وقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فسأل ربه أن يجعله مسلما وأن يجعله مقيم ~~الصلاة. ms0032 وقال: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} الآية: قال ~~في آخرها: {فضلا من الله ونعمة} . وفي صحيح أبي داود وابن حبان: {اهدنا سبل ~~السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها ~~عليك، قابليها، وأتممها علينا} وفي الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم} وفي ~~الدعاء الذي رواه الطبراني عن ابن عباس قال: مما دعا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشية عرفة: {اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري ~~وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير ~~الوجل المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال ~~المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ~~ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير ~~المسئولين، ويا خير المعطين} . و ### | لفظ العبد في القرآن: # يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده. كما قال: ~~{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وأما قوله {إلا من اتبعك من الغاوين} ~~فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: {عينا يشرب ~~بها عباد الله} {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} {واذكر عبدنا ~~داود} و {نعم العبد إنه أواب} {واذكر عبدنا أيوب} {واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب} {فوجدا عبدا من عبادنا} {سبحان # PageV01P043 # الذي أسرى بعبده} {إنه كان عبدا شكورا} {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا} {فأوحى إلى عبده ما أوحى} {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} {تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده} . ونحو هذا كثير. وقد يطلق لفظ العبد على ~~المخلوقات كلها، كقوله: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} {أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} قد يقال في هذا: إن المراد به ~~الملائكة والأنبياء إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى. ~~فقد قال: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} . وفي الحديث ~~الصحيح الذي رواه مسلم في ms0033 الدجال: {فيوحي الله إلى المسيح أن لي عبادا لا ~~يدان لأحد بقتالهم} وهذا كقوله: {بعثنا عليكم عبادا لنا} فهؤلاء لم يكونوا ~~مطيعين لله، لكنهم معبدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره. وقد يكون كونهم ~~عبيدا: هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارا كقوله: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وقوله: {إلا آتي الرحمن عبدا} أي ذليلا ~~خاضعا. ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن ~~عبادة الله كان في الدنيا، ثم قال: {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا} فذكر بعدها أنه يأتي منفردا كقوله {ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة} وقال: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون} {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} الآية. وقال: {بل له ~~ما في السماوات والأرض كل له قانتون} فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين ~~مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة فإن هذا # PageV01P044 # لا يقال طوعا وكرها فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا ~~وكرها، فأما ما لا فعل له فيه: فلا يقال له ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل ~~الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه. ~~منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه. ومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار. ~~ومنها: خضوعهم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته. ومنها: ~~انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شيء، فإن سائر البشر لا يمكنون العبد من ~~مراده بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذي يكرهه، وهو مما أمر الله به، ~~وعصيانهم له في بعض ما أمر به - وإن كان هو التوحيد - لا يمنع كونهم قانتين ~~خاضعين مستسلمين كرها كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم، فإنهم ~~خاضعون للدين الذي بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه في أمور. والمؤمن يخضع ~~لأمر ربه طوعا، وكذلك لما يقدره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أمر به من ~~الصبر وغيره طوعا، فهو مسلم لله طوعا خاضع له طوعا، والسجود مقصوده الخضوع، ~~وسجود كل شيء بحسبه ms0034 سجودا يناسبها ويتضمن الخضوع للرب. وأما فقر المخلوقات ~~إلى الله: بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها ~~وأفعالها إلا به. فهذا: أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، ~~وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد. ~~وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث # PageV01P045 # دليل افتقار الأنبياء إلى محدثها، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه ~~لها دليل افتقارها فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق ~~الرازق. والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها ~~مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها؛ لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن ~~غنى الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله ~~غنيا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهي معدومة وهي موجودة فإذا كانت ~~معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه: أنه لا ~~يوجد إلا بالخالق هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم، وهذا الافتقار ~~أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها ~~وقنوتها أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف. ولكن ~~طائفة تدعي أن افتقارها وخضوعها وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها ~~وقنوتها، وإن كان ذلك بلسان الحال ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله. ~~وقل للأرض من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج نباتها وثمارها، فإن لم ~~تجبك حوارا وإلا أجابتك اعتبارا، وهذا يقوله الغزالي وغيره، وهو أحد الوجوه ~~التي ذكرها أبو بكر بن الأنباري في قوله: {كل له قانتون} قال: كل مخلوق ~~قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه، وهو ~~الذي ذكره الزجاج في قوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض} قال: إسلام ~~الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله ~~عليها، وهذا المعنى صحيح لكن الصواب # PageV01P046 # الذي عليه جمهور علماء السلف والخلف: ms0035 أن القنوت والاستلام والتسبيح أمر ~~زائد على ذلك، وهذا كقول بعضهم: إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده ~~الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم في قوله: {وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده} . قال: تسبيحه دلالته على صانعه فتوجب بذلك تسبيحا من ~~غيره، والصواب أن لها تسبيحا وسجودا بحسبها. والمقصود أن فقر المخلوقات إلى ~~الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه ~~فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات، كما قد بسط الكلام على هذا في ~~مواضع، وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولي والتمثيلي فإن ~~القياس البرهاني العقلي سواء صيغ بلفظ الشمول كالأشكال المنطقية، أو صيغ ~~بلفظ التمثيل، وبين أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد، ~~وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا الموضع. والتحقيق: أن العلم ~~بأن المحدث لا بد له من محدث هو علم فطري ضروري في المعينات الجزئية، وأبلغ ~~مما هو في القضية الكلية، فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد ~~استقرار جزئياتها في الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية التي يجعلها كثير ~~من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم، الكل أعظم من الجزء أو ~~النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ~~ونحو ذلك، فإنه أي كلي تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر ~~له القضية الكلية كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض وأن الدرهم ~~أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها # PageV01P047 # وأن الجبل أكبر من بعضه وكذلك النقيضان وهما: الوجود والعدم، فإن العبد ~~إذا تصور وجود أي شيء كان وعدمه علم أن ذلك الشيء لا يكون موجودا معدوما في ~~حالة واحدة وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضي بالجزئيات المعينة، ~~وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك. ولما كان القياس الكلي ~~فائدته أمر مطلق لا معين: كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب. كما ~~نزل به القرآن، وفطر الله ms0036 عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، ~~لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات استعمل قياس ~~الأولى لا القياس الذي يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من ~~النقائص والعيوب التي لا كمال فيها. فالباري تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك، ~~وما ثبت للمخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه كالحياة والعلم والقدرة: ~~فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية ~~وبين القياس: أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه، فكل ~~مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه في مواضع. ثم الفطر ~~تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه ~~بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه: ~~مثل كون الاسم يدل على المسمى فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف ~~أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضي تصور المدلول عليه وتصور ~~أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو ~~لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه، # PageV01P048 # فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه؛ لكن قد لا يكون ~~الإنسان عالما بالإضافة ولا كونه دليلا، فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف ~~أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد ~~أن يكونوا يعرفونه؛ حتى يعلمون أن هذه دلائل مستلزمة له. والمقصود أن هذه ~~الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم ~~الرأي والسمع. والمتفلسفة كابن سينا الرازي ومن اتبعهما، قالوا: إن طريق ~~إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لا بد له من واجب، قالوا: ~~والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب ~~على التقديرين؛ وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، وركبها من كلام المتكلمين ~~وكلام سلفه؛ فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسمه هو ms0037 إلى واجب ~~وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا؛ بل زعم أنه ممكن. وهذا التقسيم لم ~~يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حذاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه ~~وجمهور العقلاء وغيرهم، وقد بينا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود، متلازمان ~~عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك، ~~إلا ما أحدثه هؤلاء فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ~~ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب ~~الوجود، ولا قديما أزليا. ثم إن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود ~~فليس في دليلهم أنه مغاير للسموات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه ~~الغزالي وغيره، لكن # PageV01P049 # عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا، لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبا، هذا ~~عمدتهم. وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النظار يبينون فساد هذا ~~القول كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه. وذلك أن لفظ الواجب صار فيه ~~اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم فتكون الذات ~~واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات ~~واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهي المخلوقات، والمبدع لها هو ~~الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن ~~الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ~~ممن يدعي التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق كما قد بسط ~~القول عليه في مواضع. والمقصود هنا الكلام أولا: في أن سعادة العبد في كمال ~~افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي في أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ~~ذلك من الذل والخضوع والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع ~~استغناء فيطغى. كما قال تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى} {أن رآه استغنى} ~~وقال: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء ~~عريض} وفي الآية الأخرى: {كان يئوسا} # PageV01P050 # فصل: # والسعادة في معاملة ms0038 الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في ~~الله وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا ~~لمكافأتهم وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم. كما جاء في الأثر: " ارج ~~الله في الناس ولا ترج الناس في الله وخف الله في الناس ولا تخف الناس في ~~الله " أي: لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم لا رجاء مدحهم ~~ولا خوفا من ذمهم بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتي وما تذر بل افعل ~~ما أمرت به وإن كرهوه. وفي الحديث: {إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط ~~الله أو تذمهم على ما لم يؤتك الله} فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام ~~بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره ~~فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه فإنه إنما يحمل ~~الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم ~~بأمر الله؛ لما يرجوه منهم. وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من ~~النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك ~~وكفاك مؤنتهم فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف ~~اليقين وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك: فالأمر في ذلك إلى الله ~~لا لهم # PageV01P051 # فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك ~~من ضعف يقينك فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك؛ لكن من ~~حمده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو المحمود ومن ذمه الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم فهو المذموم. ولما {قال بعض وفد بني تميم: يا محمد أعطني ~~فإن حمدي زين وإن ذمي شين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الله عز ~~وجل} . وكتبت عائشة إلى معاوية وروي أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من ms0039 أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله ~~لم يغنوا عنه من الله شيئا} هذا لفظ المرفوع ولفظ الموقوف: " من أرضى الله ~~بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله عاد ~~حامده من الناس له ذاما " هذا لفظ المأثور عنها وهذا من أعظم الفقه في ~~الدين. والمرفوع أحق وأصدق فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان ~~عبده الصالح والله يتولى الصالحين وهو كاف عبده {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} . فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب وأما ~~كون الناس كلهم يرضون عنه: فقد لا يحصل ذلك لكن يرضون عنه إذا سلموا من ~~الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من ~~الله شيئا كالظالم الذي يعض على يده يقول: {يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} وأما كون حامده ينقلب ذاما: ~~فهذا يقع كثيرا ويحصل في العاقبة فإن العاقبة للتقوى لا يحصل ابتداء عند ~~أهوائهم وهو سبحانه أعلم. # فالتوحيد ضد الشرك فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله فعبده # PageV01P052 # لا يشرك به شيئا كان موحدا. ومن توحيد الله وعبادته: التوكل عليه والرجاء ~~له والخوف منه فهذا يخلص به العبد من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم وترك ~~العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم. وبطاعة ربه واجتناب ~~معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه وقد قال تعالى في الحديث القدسي: {قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} . فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد وكما في ~~الحديث الذي رواه الطبراني في الدعاء: {يا عبادي: إنما هي أربع واحدة لي ~~وواحدة لك وواحدة بيني وبينك: وواحدة بينك وبين خلقي فالتي لي: تعبدني لا ~~تشرك بي شيئا. والتي لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه. والتي بيني ~~وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة. والتي بينك وبين خلقي فأت إليهم ما تحب ~~أن يؤتوه إليك} والله يحب النصفين. ms0040 ويحب أن يعبدوه. وما يعطيه الله العبد ~~من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب وهو ~~إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج أولا وهو محتاج إلى ~~الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى ~~العبادة. فهو يطلب ما يحتاج إليه أولا ليتوسل به إلى محبوب الرب الذي فيه ~~سعادته. كذلك قوله: {عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه} فإنه يحب الثواب ~~الذي هو جزاء العمل فالعبد إنما يعمل لنفسه {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~ثم إذا طلب العبادة: فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له محصلة لسعادته محصنة ~~له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له وإن كان الرب يحب ذلك ~~فهو يطلبه من حيث هو ملائم له فمن عبد الله لا يشرك به شيئا: أحبه وأثابه ~~فيحصل # PageV01P053 # للعبد ما يحبه من النعم تبعا لمحبوب الرب وهذا كالبائع والمشتري البائع ~~يريد من المشتري أولا الثمن ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع والمشتري ~~يريد السلعة ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن. فالرب يحب أن يحب. ومن ~~لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به والعبد يحب ما يحتاج إليه ~~وينتفع به ومن لوازم ذلك؛ محبته لعبادة الله فمن عبد الله وأحسن إلى الناس ~~فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له. ومن طلب من العباد ~~العوض ثناء أو دعاء أو غير ذلك لم يكن محسنا إليهم لله. ومن خاف الله فيهم ~~ولم يخفهم في الله كان محسنا إلى الخلق وإلى نفسه فإن خوف الله يحمله على ~~أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم ~~حيث خاف غير الله ورجاه لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه ~~بكل وجه إما بمداهنتهم ومراءاتهم وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله ~~وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله وهو إذا لم ms0041 يخف الله فهو مختار للعدوان ~~عليهم فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟ فتجد هذا الضرب ~~كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر، مهينا ذليلا إذا قهر فهو يخاف ~~الناس بحسب ما عنده من ذلك وهذا مما يوقع الفتن بين الناس. وكذلك إذا رجاهم ~~فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفا من ~~الله عز وجل وهذا موجود كثير في الناس تجدهم يخاف بعضهم بعضا ويرجو بعضهم ~~بعضا وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر ويطلب ظلمه فهم ظالمون بعضهم لبعض ظالمون ~~في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره ظالمون لأنفسهم فإن هذا من الذنوب ~~التي تعذب النفس بها وعليها وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة كالشرك والزنا ~~فإن الإنسان إذا لم يخف # PageV01P054 # من الله اتبع هواه ولا سيما إذا كان طالبا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى ~~طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها وليس عندها من ذكر الله ~~وعبادته ما تستريح إليه وبه؛ فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب ~~المحرمات وقول الزور وذكر ماجريات النفس والهزل واللعب ومخالطة قرناء السوء ~~وغير ذلك ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى. فإن الإنسان خلق محتاجا ~~إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ونفسه مريدة دائما ولا بد لها من مراد يكون ~~غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به وليس ذلك إلا لله وحده؛ فلا تطمئن ~~القلوب إلا به ولا تسكن النفوس إلا إليه و {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} فكل مألوه سواه يحصل به الفساد ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة ~~الله وحده لا شريك له. فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين: عبدت غيره؛ من ~~الآلهة التي يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم؛ فأشركت بالله بعبادة غيره ~~واستعانته؛ فتعبد غيره وتستعين به لجهلها بسعادتها التي تنالها بعبادة ~~خالقها والاستعانة به؛ فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر وبالاستعانة به ~~تستغني عن الاستعانة بالخلق وإذا ms0042 لم يكن العبد كذلك: كان مذنبا محتاجا ~~وإنما غناه في طاعة ربه وهذا حال الإنسان؛ فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب ~~خطاء فلا بد له من ربه؛ فإنه الذي يسدي مغافره ولا بد له من الاستغفار من ~~ذنوبه. قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فبالتوحيد ~~يقوى العبد ويستغني ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ~~وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ~~فلا يزول فقر العبد وفاقته # PageV01P055 # إلا بالتوحيد؛ فإنه لا بد له منه وإذا لم يحصل له لم يزل فقيرا محتاجا ~~معذبا في طلب ما لم يحصل له. والله تعالى: {لا يغفر أن يشرك به} . إذا حصل ~~مع التوحيد الاستغفار حصل له غناه وسعادته وزال عنه ما يعذبه ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والاستعانة به كما ~~هو مفتقر إلى عبادته؛ فلا بد أن يشهد دائما فقره إلى الله وحاجته في أن ~~يكون معبودا له وأن يكون معينا له؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ من ~~الله إلا إليه. قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي يخوفكم ~~بأوليائه. هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور؛ كابن عباس وغيره وأهل اللغة ~~كالفراء وغيره. قال ابن الأنباري: والذي نختاره في الآية: يخوفكم أولياءه. ~~تقول العرب أعطيت الأموال: أي أعطيت القوم الأموال؛ فيحذفون المفعول الأول. ~~قلت: وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له في تخويف ~~ناس بناس ضرورة؛ فحذف الأول لأنه ليس مقصودا. وقال بعض المفسرين: يخوف ~~أولياءه المنافقين والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار في إنما ~~نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس. وقد قال: {يخوف أولياءه فلا تخافوهم} ~~الضمير عائد إلى أولياء الشيطان؛ الذين قال فيهم: {فاخشوهم} قبلها والذي ~~قال الثاني: فسرها من جهة المعنى وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن ~~سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائما وإن كانوا ذوي عدد وعدد وأما ms0043 ~~المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار أو أنهم أرادوا المفعول ~~الأول؛ أي: يخوف # PageV01P056 # المنافقين أولياءه وهو يخوف الكفار كما يخوف المنافقين؛ ولو أريد أنه ~~يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه؛ هو قوله: {فلا تخافوهم} . ~~وأيضا فإنه يعد أولياءه ويمنيهم؛ ولكن الكفار: يلقي الله في قلوبهم الرعب ~~من المؤمنين. والشيطان لا يختار ذلك. قال تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم ~~من الله} وقال: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} ولكن الذين قالوا ذلك من ~~السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو ~~فصاروا بذلك منافقين؛ وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم ~~كما قال تعالى: {ولكنهم قوم يفرقون} وقال: {فإذا جاء الخوف} الآية فكلا ~~القولين صحيح من حيث المعنى؛ لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان ~~مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من ~~خوفه الشيطان منهم. فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ويجعل ~~ناسا خائفين منهم. ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء ~~الشيطان ولا يخاف الناس كما قال: {فلا تخشوا الناس واخشون} فخوف الله أمر ~~به وخوف أولياء الشيطان نهى عنه. قال تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته ~~وقال: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} وقال: ~~{فإياي فارهبون} # وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك فهذا # PageV01P057 # كلام ساقط لا يجوز؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدا فإن من ~~لا يخاف الله أذل من أن يخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه ~~قد نهى الله عنه وإذا قيل قد يؤذيني قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له وإذا ~~أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله؛ وإنما يسلط على العبد بذنوبه وأنت ~~إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه ms0044 عليك فإنه قال: ~~{ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه. فإذا ~~خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك كما قال: {وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} . وفي الآثار: {يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ~~ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلت قلوب الملوك عليه ~~رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك؛ ولكن توبوا ~~إلي وأطيعون أعطفهم عليكم} . ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: ~~{أولما أصابتكم مصيبة} الآية وقال: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} ~~الآيات - والأكثرون يقرءون قاتل - والربيون الكثير عند جماهير السلف ~~والخلف: هم الجماعات الكثيرة قال ابن مسعود وابن عباس في رواية عنه ~~والفراء: ألوف كثيرة وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة ~~وقرئ بالحركات الثلاث في الراء فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا ~~معه: الذين ما وهنوا وما ضعفوا. وأما على قراءة أبي عمرو وغيره ففيها ~~وجهان: - أحدهما: يوافق الأول أي الربيون يقتلون فما وهنوا أي ما وهن من ~~بقي منهم # PageV01P058 # لقتل كثير منهم أي ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم بل قاموا ~~بأمر الله في القتال حتى أدالهم الله عليهم وصارت كلمة الله هي العليا. ~~والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقي ~~منهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدا قد ~~قتل لكن هذا لا يناسب لفظ الآية فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا ~~ولو أريد أن النبي قتل ومعه ناس لم يخافوا؛ لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم ~~هو المناسب لها؛ فإذا كثروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة. وأيضا لم يكن فيه ~~حجة على الصحابة؛ فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم فيقولون ولم يهنوا؛ ~~لأنهم ألوف ونحن قليلون. وأيضا فقوله: {وكأين من نبي} يقتضي كثرة ذلك وهذا ~~لا يعرف أن أنبياء كثيرين قتلوا في الجهاد. وأيضا ms0045 فيقتضي أن المقتولين مع ~~كل واحد منهم ربيون كثير وهذا لم يوجد؛ فإن من قبل موسى من الأنبياء لم ~~يكونوا يقاتلون وموسى وأنبياء بني إسرائيل لم يقتلوا في الغزو؛ بل ولا يعرف ~~نبي قتل في جهاد فكيف يكون هذا كثيرا ويكون جيشه كثيرا والله سبحانه أنكر ~~على من ينقلب سواء كان النبي مقتولا أو ميتا فلم يذمهم إذا مات أو قتل على ~~الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب ولهذا تلاها الصديق رضي الله عنه بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك. ثم ذكر بعدها معنى آخر: ~~وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم # PageV01P059 # خلق كثير. وهم لا يهنون فيكون ذكر الكثرة مناسبا لأن من قتل مع الأنبياء ~~كثير وقتل الكثير من الجنس يقتضي الوهن فما وهنوا وإن كانوا كثيرين ولو ~~وهنوا دل على ضعف إيمانهم ولم يقل هنا: ولم ينقلبوا على أعقابهم فلو كان ~~المراد أن نبيهم قتل لقال فانقلبوا على أعقابهم لأنه هو الذي أنكره إذا مات ~~النبي أو قتل فأنكر سبحانه شيئين: الارتداد إذا مات أو قتل والوهن والضعف ~~والاستكانة لما أصابهم في سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال: {فما ~~وهنوا لما أصابهم} إلخ. ولم يقل: فما وهنوا لقتل النبي ولو قتل وهم أحياء ~~لذكر ما يناسب ذلك ولم يقل: {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} ومعلوم أن ~~ما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبي. وأيضا فكون النبي ~~قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير: لا يستلزم أن يكون النبي معهم في الغزاة ~~بل كل من اتبع النبي وقاتل على دينه فقد قاتل معه وكذلك كل من قتل على دينه ~~فقد قتل معه وهذا الذي فهم الصحابة؛ فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى ~~الله عليه وسلم حتى فتحوا البلاد شاما ومصرا وعراقا ويمنا وعربا وعجما ~~وروما ومغربا ومشرقا وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه فإن الذين قاتلوا وأصيبوا ~~وهم على دين الأنبياء كثيرون ويكون ms0046 في هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم ~~القيامة فإنهم كلهم يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه وإن كان ~~قد مات والصحابة الذين يغزون في السرايا والنبي ليس معهم: كانوا معه ~~يقاتلون وهم داخلون في قوله: {محمد رسول الله والذين معه} الآية وفي قوله: ~~{والذين آمنوا من بعد وهاجروا # PageV01P060 # وجاهدوا معكم} الآية. ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدا ~~للمطاع ناظرا إليه. وقد قيل في: {ربيون} هنا: إنهم العلماء فلما جعل هؤلاء ~~هذا كلفظ الرباني وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين. والأول أصح ~~من وجوه: - أحدها: أن الربانيين عين الأحبار وهم الذين يربون الناس وهم ~~أئمتهم في دينهم ولا يكون هؤلاء إلا قليلا. الثاني: أن الأمر بالجهاد ~~والصبر لا يختص بهم. وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين وإن كانوا قد ~~أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل. الثالث: أن استعمال لفظ الرباني في ~~هذا ليس معروفا في اللغة. الرابع: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفا ~~في اللغة بل المعروف فيها هو الأول والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا ~~نون والقراءة المشهورة (ربي بالكسر وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب ~~الراء وقد قرئ بالضم فعلم أنها لغات. الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر ~~والثبات كل من يأمره بالجهاد سواء كان من الربانيين أو لم يكن. السادس: أنه ~~لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: {لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار} الآية. وفي قوله: {ولكن كونوا ربانيين} فهناك ~~ذكرهم به مناسب. السابع: قيل: إن الرباني منسوب إلى الرب فزيادة الألف ~~والنون كاللحياني وقيل إلى تربيته الناس وقيل إلى ربان السفينة وهذا أصح ~~فإن # PageV01P061 # الأصل عدم الزيادة في النسبة لأنهم منسوبون إلى التربية وهذه تختص بهم ~~وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك بل كل عبد له فهو منسوب إليه إما ~~نسبة عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين ولا سمى به رسله ms0047 ~~وأنبياءه فإن الرباني من يرب الناس كما يرب الرباني السفينة ولهذا كان ~~الربانيون يذمون تارة ويمدحون أخرى ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط ~~وهذا هو الوجه الثامن: أنها إن جعلت مدحا فقد ذموا في مواضع وإن لم تكن ~~مدحا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح وإذا كان منسوبا إلى رباني ~~السفينة بطل قول من يجعل الرباني منسوبا إلى الرب فنسبة الربيين إلى الرب ~~أولى بالبطلان. التاسع: أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب: فلا تدل النسبة ~~على أنهم علماء نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله وهذا يعم جميع المؤمنين فكل ~~من عبد الله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله والصحابة كلهم كذلك ~~ولم يسموا ربانيين ولا ربيين وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن ~~عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم ~~والخلفاء أفضل منهم ولم يسموا ربانيين وإن كانوا هم الربانيين وقال ~~إبراهيم: كان علقمة من الربانيين ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس ~~بصغار العلم قبل كباره فهم أهل الأمر والنهي والإخبار يدخل فيه من أخبر ~~بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر أو ينه وذلك هو المنقول عن السلف ~~في الرباني نقل عن علي قال: " هم الذين يغذون الناس بالحكمة # PageV01P062 # ويربونهم عليها " وعن ابن عباس قال: " هم الفقهاء المعلمون ". قلت: أهل ~~الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء ~~الحكماء. قال ابن قتيبة: وأحدهم رباني وهم العلماء المعلمون. قال أبو عبيد: ~~أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف ~~الربانيين. قلت: اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذي ينزلها ويقوم ~~لمصلحتها ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون لأنهم لم يكونوا على ~~شريعة منزلة من الله عز وجل. # PageV01P063 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قال الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} ms0048 . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} . وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع ~~مثل قوله تعالى {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه} وقوله: {فباءوا بغضب على غضب} وقوله: {فباءوا بغضب من الله وضربت ~~عليهم المسكنة} . وقال في النصارى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل} . وقال: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه} وقال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون} {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . وقال ~~تعالى: {ما كان لبشر # PageV01P064 # أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} ~~{ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . ولما أمرنا ~~الله سبحانه: أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين ~~للمغضوب عليهم وللضالين كان ذلك ما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى ~~هذين الطريقين وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ~~{لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~قالوا يا رسول ms0049 الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن} ؟ وهو حديث صحيح. وكان ~~السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم: ففيه شبه من اليهود ~~ومن انحرف من العباد: ففيه شبه من النصارى كما يرى في أحوال منحرفة أهل ~~العلم: من تحريف الكلم عن مواضعه وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر وأمر ~~الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك. # وكما يرى في منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو في الأنبياء الصالحين ~~والابتداع في العبادات والرهبانية والصور والأصوات. ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا تطروني كما أطرت النصارى # PageV01P065 # عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله} ولهذا حقق الله له ~~نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} . ~~وقال تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} . وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} . ولهذا يشرع في التشهد وفي سائر الخطب ~~المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحقق عبوديته لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في المسيح من ~~دعوى الألوهية حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: " أجعلتني لله ندا؟ ~~بل ما شاء الله وحده ". وقال أيضا لأصحابه: {لا تقولوا ما شاء الله وشاء ~~محمد بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد} وقال: {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} . وقال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وقال: {إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ~~ذلك} . # والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في ~~الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية وطائفة من جهال المتصوفة يعتقدون ~~نحو ذلك في الأنبياء والصالحين فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا ~~من ms0050 الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به ~~الكتاب والسنة عنهم. قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: {وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم # PageV01P066 # جنات تجري من تحتها الأنهار} والتعزير: النصر والتوقير والتأييد. وقال ~~تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه} فهذا في حق الرسول ثم قال في حق الله تعالى: {وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا} وقال تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون} . وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} . {قل أطيعوا الله والرسول ~~فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} . وقال تعالى: {إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} . وقال ~~تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا} . وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا من ~~القرآن وقال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم} وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وقال تعالى: {إنما ~~كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا وأولئك # PageV01P067 # هم المفلحون} {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده. كما قال: {فإياي ~~فارهبون} . وقال: {وإياي فاتقون} وقال: {فلا تخشوا الناس ms0051 واخشون} . وقال: ~~{إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} وقال تعالى: {لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} وقال تعالى: {النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} . وقال صلى الله عليه وسلم {لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. وقال له عمر: والله ~~يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل أحد إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون ~~أحب إليك من نفسك فقال: فأنت أحب إلي من نفسي قال: الآن يا عمر} . فقد بين ~~الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته وتعزيره وتوقيره ونصره ~~وتحكيمه والرضى بحكمه والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه وتقديمه ~~على النفس والأهل والمال ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق. وأخبر ~~أن طاعته طاعته فقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ومبايعته مبايعته ~~فقال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وقرن بين اسمه واسمه في ~~المحبة فقال: {أحب إليكم من الله ورسوله} . وفي الأذى فقال: {إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله} وفي الطاعة والمعصية فقال: {ومن يطع الله ورسوله} . ~~{ومن يعص الله ورسوله} وفي الرضا فقال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} فهذا ~~ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي. # PageV01P068 # فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال: {واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا} {إياك نعبد وإياك نستعين} . {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء} وقد جمع بينهما في مواضع كقوله: {فاعبده وتوكل ~~عليه} . وقوله: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده} . وقوله: {عليه ~~توكلت وإليه أنيب} . وكذلك التوكل كما قال: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} ~~وقال: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} وقال: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ms0052 ونعم الوكيل} . والدعاء لله وحده سواء كان ~~دعاء العبادة أو دعاء المسألة والاستعانة كما قال تعالى: {وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا} {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا} {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} وقال تعالى: {فادعوا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} وقال: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون ~~من المعذبين} وقال: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه} . وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال: {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا} روي عن ابن مسعود: أن قوما كانوا يدعون الملائكة # PageV01P069 # والمسيح وعزيرا فقال الله: هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه ~~ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم وترجونه وتتقربون إليه. وقال تعالى: {وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله} ؟ وقال: {والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} . ~~وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن: كثير جدا بل ~~هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله} ~~وقال: {إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحا} ~~وقال: {من كان آخر كلامه لا إله إلا الله: وجبت له الجنة} وهو قلب الدين ~~والإيمان. وسائر الأعمال كالجوارح له. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله: ~~فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها: ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه} فبين بهذا أن النية عمل القلب ms0053 وهي أصل العمل. ~~وإخلاص الدين لله وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ~~جاء به هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ولهذا أنكرنا ~~على الشيخ يحيى الصرصري: ما يقوله في قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد. ونحو ذلك. # PageV01P070 # وكذلك ما يفعله كثير من الناس من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم ~~والاستعانة بهم أحياء وأمواتا فإني أنكرت ذلك في مجالس عامة وخاصة وبينت ~~للناس التوحيد ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة. وهو دين ~~الإسلام العام الذي بعث الله به جميع الرسل. كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال: {وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال: {يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون} وقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} وقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} . {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: يا معاذ أتدري ما ~~حق الله على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم} ~~وقال لابن عباس: {إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} . ويدخل ~~في العبادة الخشية والإنابة والإسلام والتوبة كما قال تعالى: {الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} وقال: {فلا تخشوا الناس ~~واخشون} وقال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} وقال ms0054 الخليل: {ولا أخاف ما تشركون به ~~إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا # PageV01P071 # تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} . وقال: {ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم} إلى قوله: {أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم ~~مؤمنين} {وإياي فاتقون} وقال: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه} وقال ~~نوح: {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} . فجعل العبادة والتقوى لله وجعل له ~~أن يطاع. كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} . وكذلك ~~قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم: {فاتقوا الله وأطيعون} ~~فجعلوا التقوى لله وجعلوا لهم أن يطاعوا. وكذلك في مواضع كثيرة جدا من ~~القرآن: {اتقوا الله} {اتقوا الله} . {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} . وكذلك. . . (1) وقال: {عليه توكلت وإليه ~~أنيب} وقال: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} وقال عن إبراهيم: {إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} . وقالت بلقيس: {إني ظلمت نفسي وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين} وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا} وقال: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه} وقال: {وتوبوا إلى الله جميعا} {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى ~~الله متابا} وقال: {فتوبوا إلى بارئكم} {توبوا إلى الله توبة نصوحا} ~~والاستغفار: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} PageV01P072 # {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} . والاسترزاق والاستنصار كما في صلاة ~~الاستسقاء والقنوت على الأعداء قال: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له} وقال: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} والاستغاثة كما قال: {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} والاستجارة كما قال: {قل من بيده ملكوت كل شيء ~~وهو يجير ولا يجار عليه إن ms0055 كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} ~~والاستعاذة كما قال: {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} وقال: {وقل ~~رب أعوذ بك من همزات الشياطين} {وأعوذ بك رب أن يحضرون} . وقال: {فإذا قرأت ~~القرآن} الآية. وتفويض الأمر كما قال مؤمن آل فرعون: {وأفوض أمري إلى الله ~~إن الله بصير بالعباد} . وفي الحديث المتفق عليه في الدعاء الذي علمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يقال عند المنام: " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت ~~وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك ". وقال: {وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} وقال: {الله الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع} فالولي الذي يتولى أمرك كله والشفيع الذي يكون شافعا ~~فيه أي عونا فليس للعبد دون الله من ولي يستقل ولا ظهير معين وقال: {وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} وقال: {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وقال: ~~{أم اتخذوا من # PageV01P073 # دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله ~~الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير} . {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . وقال: ~~{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} . فالعبادة ~~والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة ~~والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له فالعبادة متعلقة ~~بألوهيته والاستعانة متعلقة بربوبيته والله رب العالمين لا إله إلا هو ولا ~~رب لنا ms0056 غيره لا ملك ولا نبي ولا غيره بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن ~~تجعل له ندا وهو خلقك والشرك أن تجعل لغيره شركا أي نصيبا في عبادتك وتوكلك ~~واستعانتك كما قال من قال: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وكما ~~قال تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} وكما قال: ~~{أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} ~~وكما قال: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} . وأصناف العبادات: الصلاة ~~بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع ~~والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده. ولا يجوز أن ~~يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده لا لشمس ولا لقمر # PageV01P074 # ولا لملك ولا لنبي ولا صالح ولا لقبر نبي ولا صالح هذا في جميع ملل ~~الأنبياء وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام ~~للمخلوقات ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا أن يسجد له. وقال: {لو ~~كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها} ~~. ونهى عن الانحناء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد. ~~وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال ~~تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} وقال: ~~{إنما نطعمكم لوجه الله} وقال: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة ~~الله وتثبيتا من أنفسهم} وقال: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون} فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ~~ولا لنبي ولا لصالح كما يفعل بعض السؤال والمعظمين كرامة لفلان وفلان ~~يقسمون بأشياء: إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين كما ~~يقال: بكر وعلي ونور الدين أرسلان والشيخ عدي والشيخ جاليد. وكذلك الحج لا ~~يحج إلا إلى بيت الله فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس ms0057 إلا به ولا يوقف إلا ~~بفنائه لا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح ولا بوثن وكذلك ~~الصيام لا يصام عبادة إلا لله فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر ولا ~~لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك. # PageV01P075 # وهذا كله تفصيل الشهادتين اللتين هما أصل الدين: شهادة أن لا إله إلا ~~الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله والإله من يستحق إن يؤلهه العباد ويدخل ~~فيه حبه وخوفه فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله وما كان من أمور ~~الرسالة فهو حق الرسول. ولما كان أصل الدين الشهادتين: كانت هذه الأمة ~~الشهداء ولها وصف الشهادة. والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة ولهذا قالوا: ~~{ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} ولهذا كان ~~المحققون على أن الشهادتين أول واجبات الدين كما عليه خلص أهل السنة وذكره ~~منصور السمعاني والشيخ عبد القادر وغيرهما وجعله أصل الشرك وغيروا بذلك ملة ~~التوحيد التي هي أصل الدين كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين ~~ما لم يأذن به الله. ومن أسباب ذلك: الخروج عن الشريعة الخاصة التي بعث ~~الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم إلى القدر المشترك الذي فيه مشابهة ~~الصابئين أو النصارى أو اليهود وهو القياس الفاسد المشابه لقياس الذين ~~قالوا: {إنما البيع مثل الربا} فيريدون أن يجعلوا السماع جنسا واحدا والملة ~~جنسا واحدا ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه ولا بين المأمور به والمنهي عنه. ~~فالسماع الشرعي الديني سماع كتاب الله وتزيين الصوت به وتحبيره كما قال صلى ~~الله عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} وقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع ~~لحبرته لك تحبيرا. والصور والأزواج والسراري التي أباحها الله تعالى. # PageV01P076 # والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} {رجال} . وهذا المعنى يقرر قاعدة ~~اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. وينهى أن يشبه الأمر الديني ~~الشرعي بالطبيعي البدعي لما بينهما من القدر المشترك كالصوت الحسن ليس هو ms0058 ~~وحده مشروعا حتى ينضم إليه القدر المميز كحروف القرآن فيصير المجموع من ~~المشترك والمميز هو الدين النافع. # PageV01P077 # وقال - رحمه الله -: ### | فصل: في ألا يسأل العبد إلا الله # قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لابن عباس: {إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله} . ~~وفي الترمذي: {ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن ~~لم ييسره لم يتيسر} وفي الصحيح أنه قال لعدي بن مالك والرهط الذين بايعهم ~~معه: {لا تسألوا الناس شيئا} فإن سوط أحدهم يسقط من يده: فلا يقول لأحد ~~ناولني إياه وفي الصحيح في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب: {هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون} والاسترقاء طلب الرقية ~~وهو نوع من السؤال. وأحاديث النهي عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله: {لا ~~تحل المسألة إلا لثلاثة} وقوله: {لأن يأخذ أحدكم حبله} الحديث وقوله {لا ~~تزال المسألة بأحدهم.} وقوله: {من سأل الناس وله ما يغنيه.} وأمثال ذلك. ~~وقوله: {من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس: لم تسد فاقته} الحديث. فأما سؤال ~~ما يسوغ مثله من العلم: فليس من هذا الباب لأن المخبر # PageV01P078 # لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلى ذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم {هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال} ولكن من ~~المسائل ما ينهى عنه. كما قال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} الآية. وكنهيه ~~عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك. وأما سؤاله لغيره أن يدعو له: فقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمر: {لا تنسنا من دعائك} وقال: {إذا سمعتم المؤذن: ~~فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم ~~سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ~~وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة} وقد يقال في هذا: هو ms0059 طلب من الأمة الدعاء له لأنهم إذا دعوا له ~~حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم كما قال للذي قال: أجعل ~~صلاتي كلها عليك؟ فقال: {إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك} ~~فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم كسائر أمره إياهم بما أمر به وذلك لما في ~~ذلك من المصلحة لهم فإنه قد صح عنه أنه قال: {ما من رجل يدعو لأخيه بظهر ~~الغيب بدعوة: إلا وكل الله به ملكا كلما دعا دعوة قال الملك الموكل به: ~~آمين ولك مثله} . # PageV01P079 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # العبادات مبناها على الشرع والاتباع # لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد ~~الله وحده لا شريك له. والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة ~~من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا عنك من ~~الله شيئا} الآية. وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله} . فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم من واجب ومستحب لا يعبده بالأمور المبتدعة كما ثبت في السنن من حديث ~~العرباض بن سارية " قال " الترمذي ": حديث حسن صحيح. وفي مسلم " أنه كان ~~يقول في خطبته: {خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} . # وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده فلا يصلي إلا لله ولا يصوم إلا لله # PageV01P080 # ولا يحج إلا بيت الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يخاف إلا الله ولا ينذر ~~إلا لله ولا يحلف إلا بالله. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت} . وفي السنن: {من حلف بغير الله فقد أشرك} وعن ابن مسعود " لأن أحلف ~~بالله كاذبا ms0060 أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا " لأن الحلف بغير الله شرك ~~والحلف بالله توحيد. وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق ولهذا كان غاية ~~الكذب أن يعدل بالشرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله مرتين أو ثلاثا} وقرأ قوله تعالى {ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} وإذا كان الحالف ~~بغير الله قد أشرك فكيف الناذر لغير الله؟ . والنذر أعظم من الحلف ولهذا لو ~~نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين. مثل أن ينذر لغير الله ~~صلاة أو صوما أو حجا أو عمرة أو صدقة. ولو حلف ليفعلن شيئا لم يجب عليه أن ~~يفعله قيل يجوز له أن يكفر عن اليمين ولا يفعل المحلوف عليه كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير وليكفر عن يمينه} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى عن النذر وقال: {إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل} فإذا كان ~~النذر لا يأتي بخير فكيف بالنذر للمخلوق ولكن النذر لله يجب الوفاء به إذا ~~كان في طاعة وإذا كان معصية لم يجز الوفاء باتفاق العلماء وإنما تنازعوا # PageV01P081 # هل فيه بدل أو كفارة يمين أم لا؟ لما رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه} . فمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة فهو ~~من الضالين كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة أو تدفع عنهم ~~مضرة. وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين وقد تخاطبهم بكلام وقد تحمل ~~أحدهم في الهواء وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة وقد تأتيه بنفقة أو طعام أو ~~كسوة أو غير ذلك كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب وهذا ms0061 ~~كثير موجود في هذا الزمان وغير هذا الزمان للضالين المبتدعين المخالفين ~~للكتاب والسنة إما بعبادة غير الله وإما بعبادة لم يشرعها الله. # وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا ~~شيطانيا أو حالا بهتانيا فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء ~~منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من ~~البدعة إما كفر وإما فسق وإما جهل بالشرع. فإن الشيطان قصده إغواء بحسب ~~قدرته فإن قدر على أن يجعلهم كفارا جعلهم كفارا وإن لم يقدر إلا على جعلهم ~~فساقا أو عصاة وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها ~~يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فينتفع ~~منهم بذلك. # PageV01P082 # ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي ولهذا يوجد كثير من الناس ~~يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله لا يكون من كرامات أولياء ~~الله المتقين. ومن هؤلاء: من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس ثم ~~يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله ~~ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه ~~من الإحرام والوقوف بعرفة ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة فإنه ~~ركن لا يتم الحج إلا به بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمي الجمار ويطوف للوداع ~~وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات. إلى غير ذلك من واجبات الحج. ~~وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء يحمل أحدهم بثيابه ~~فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة. حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى ~~بعرفة. ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفا ~~فيظن أنه ذلك الرجل وقف ms0062 بعرفة. فإذا قال له ذلك الشيخ أنا لم أذهب العام ~~إلى عرفة ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ وإنما هو شيطان تمثل على صورته ~~ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرا وهي أحوال شيطانية قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} . وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {إنا نحن نزلنا # PageV01P083 # الذكر وإنا له لحافظون} وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} - إلى قوله - ~~{كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} ونسيانها هو ترك الإيمان ~~والعمل بها وإن حفظ حروفها قال ابن عباس: " تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل ~~بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة " وقرأ هذه الآية. فمن ~~اتبع ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة ~~هداه الله وأسعده ومن أعرض عن ذلك ضل وشقي وأضله الشيطان وأشقاه. فالأحوال ~~الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان فإن هذه حال أوليائه. ~~قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون} وتكون نعمة لله على عبده المؤمن في دينه ودنياه فتكون الحجة ~~في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين مثلما كانت معجزات نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين مثل البركة التي تحصل ~~في الطعام والشراب كنبع الماء من بين أصابعه ومثل نزول المطر بالاستسقاء ~~ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء ومثل الأخبار الصادقة والنافعة بما ~~غاب عن الحاضرين وأخبار الأنبياء لا تكذب قط. وأما أصحاب الأحوال الشيطانية ~~فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون أخرى ولا بد في أعمالهم من مخالفة ~~للأمر. قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك ~~أثيم} الآيتين. ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات ~~والأقذار # PageV01P084 # التي تحبها الشياطين ومرتكبا للفواحش أو ظالما للناس في أنفسهم وأموالهم ~~وغير ذلك. والله تعالى قد حرم: {الفواحش ما ظهر ms0063 منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله} الآية. وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه ~~بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وهذه جملة لها بسط طويل لا ~~يتسع له هذا المكان. والله أعلم. # PageV01P085 # وقال شيخ الإسلام: ### | فصل جامع: # قد كتبت فيما تقدم في مواضع قبل بعض القواعد: وآخر مسودة الفقه: أن جماع ~~الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم وهذا أصل جامع عظيم. وتفصيل ذلك: أن ~~الله خلق الخلق لعبادته فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات وهو إخلاص ~~الدين كله لله وما لم يحصل فيه هذا المقصود: فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب ~~الله في الآخرة وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا. وكل ما نهى ~~عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم. ولهذا ~~جمع بينهما سبحانه في قوله: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين} فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول ~~الدين والاعتصام بالكتاب وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~كالشرك وتحريم الطيبات أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم كإبليس ~~ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب ~~فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب ومن خالف الدين الحق ~~كله كالكفار بالأنبياء أو بعضه ككفار أهل الكتاب. وقد جمع سبحانه في هذه ~~السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين. # PageV01P086 # أحدهما: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم ~~الطيبات. فالأول: شرع من الدين ما لم يأذن به الله. والثاني: تحريم لما لم ~~يحرمه الله. وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار: عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الله تعالى: {إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين فحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} . ولهذا ~~كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه: ms0064 هو الغالب على النصارى ومن ~~ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب ~~على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة بل أصول دين اليهود فيه آصار ~~وأغلال من التحريمات ولهذا قال لهم المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} ~~وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة وأفعال مجملة فالذين في قلوبهم ~~زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. قررته في غير هذا ~~الموضع بأن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له والعدل الذي نفعله نحن هو ~~جماع الدين يرجع إلى ذلك فإن إخلاص الدين لله أصل العدل كما أن الشرك بالله ~~ظلم عظيم. # PageV01P087 # وقال شيخ الإسلام: # اعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به. قال الله تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي الصحيحين أنه ~~صلى الله عليه وسلم {سئل: أي الذنب أعظم؟ . قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك} ~~. والند المثل. قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} . وقال ~~تعالى: {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار} . فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية ~~فقد كفر بإجماع الأمة. فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته: لأنه ~~المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما ~~سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها؟ . قال الله تعالى: ~~{وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين} وقال تعالى: {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} . وقال الله تعالى: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} . وقال تعالى: {ولا تجعلوا ~~مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين} . وقال تعالى: {قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا # PageV01P088 # له الدين} فالله - سبحانه - هو المستحق أن يعبد لذاته. قال تعالى: {الحمد ~~لله رب العالمين} فذكر (الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع ms0065 ~~المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} . فهذا تفصيل لقوله: {الحمد لله رب العالمين} . فهذا يدل على أنه ~~لا معبود إلا الله وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه فقوله: {إياك نعبد} ~~إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته: من المحبة والخوف والرجاء والأمر ~~والنهي. {وإياك نستعين} إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض ~~والتسليم لأن الرب - سبحانه وتعالى - هو المالك وفيه أيضا معنى الربوبية ~~والإصلاح. والمالك: الذي يتصرف في ملكه كما يشاء. فإذا ظهر للعبد من سر ~~الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى قال تعالى: {تبارك الذي ~~بيده الملك وهو على كل شيء قدير} فلا يرى نفعا ولا ضرا ولا حركة ولا سكونا ~~ولا قبضا ولا بسطا ولا خفضا ولا رفعا إلا والله - سبحانه وتعالى - فاعله ~~وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات. ~~وهو علم صفة الربوبية. والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سر الكلمات ~~التكليفيات فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم ~~الإلهية. والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم: يكون بعد كشف علم الربوبية # PageV01P089 # وهو علم التدبير الساري في الأكوان كما قال عز وجل: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} . فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ووفقه لذلك ~~بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته فإن هذين ~~المشهدين عليهما مدار الدين فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال ~~داخلة في مشهد الربوبية. ولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة ~~والخوف والرجاء كما ذكرنا وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك ~~الاختيار. وجميع العبوديات داخلة في ذلك. ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد ~~الأول ورأى قيام الله عز وجل على جميع الأشياء وهو القيام على كل نفس بما ~~كسبت وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه ~~وإرادته ms0066 القادرة فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق وعطل الأمر والنهي ~~والنبوات ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية. وإن كان ذلك المشهد قد ~~أدهشه وغيب عقله لقوة سلطانه الوارد وضعف قوة البصيرة أن يجمع بين المشهدين ~~فهذا معذور منقوص إلا من جمع بين المشهدين: الأمر الشرعي ومشهد الأمر ~~الكوني الإرادي وقد زلت في هذا المشهد أقدام كثيرة من السالكين لقلة ~~معرفتهم بما بعث الله به المرسلين وذلك لأنهم عبدوا الله على مرادهم منه ~~ففنوا بمرادهم عن مراد الحق - عز وجل - منهم لأن الحق يغني بمراده ومحبوبه ~~ولو عبدوا الله على مراده # PageV01P090 # مراده منهم لم ينلهم شيء من ذلك لأن العبد إذا شهد عبوديته ولم يكن ~~مستيقظا لأمر سيده لا يغيب بعبادته عن معبوده ولا بمعبوده عن عبادته بل ~~يكون له عينان ينظر بأحدهما إلى المعبود كأنه يراه كما {قال صلى الله عليه ~~وسلم لما سئل عن الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك} والأخرى ينظر بها إلى أمر سيده ليوقعه على الأمر الشرعي الذي يحبه ~~مولاه ويرضاه. فإذا تقرر هذا فالشرك إن كان شركا يكفر به صاحبه. وهو نوعان: ~~- شرك في الإلهية وشرك في الربوبية. فأما الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل ~~لله ندا - أي: مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو ~~الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال الله تعالى: {ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} ~~الآية {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} الآية {أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب} وقال تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} - إلى ~~قوله - {الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} . {وقال ~~النبي صلى الله ms0067 عليه وسلم لحصين: كم تعبد. قال: ستة في الأرض وواحدا في ~~السماء قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: ألا ~~تسلم فأعلمك كلمات فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم قل: اللهم ألهمني ~~رشدي وقني شر نفسي} وأما الربوبية فكانوا مقرين بها قال الله تعالى: {ولئن ~~سألتهم من خلق # PageV01P091 # السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} وقال: {قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله} إلى قوله: {فأنى تسحرون} وما اعتقد أحد ~~منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره وإنما كان ~~شركهم كما ذكرنا أن اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وهذا ~~المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك ~~وهذا كقوله: {قالوا وهم فيها يختصمون} {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ ~~نسويكم برب العالمين} . وكذا من خاف أحدا كما يخاف الله أو رجاه كما يرجو ~~الله وما أشبه ذلك. وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه ~~هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل ~~فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره ~~فقد أشرك بربوبيته. ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي ~~الأول مثلا فيشكره على ما أولاه من النعم وينظر إلى من أسدى إليه المعروف ~~فيكافئه عليه لقوله عليه السلام {من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم ~~تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه} لأن النعم كلها ~~لله تعالى كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} وقال تعالى: {كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة فإنه هو ~~الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده فالمعطي هو الذي ~~أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره. فهو الأول والآخر. # PageV01P092 # ومما يقوي هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله ms0068 عنه ~~{واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله ~~لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت ~~الأقلام وجفت الصحف} قال الترمذي: هذا حديث صحيح. فهذا يدل على أنه لا ينفع ~~في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية. ~~فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم وأراح الناس ~~من لومه وذمه إياهم وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنور ~~قلبه ومن توكل على الله فهو حسبه ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله من ~~عرف الناس استراح. يريد - والله أعلم - أنهم لا ينفعون ولا يضرون. وأما ~~الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه مثل أن يحب مع الله غيره. ~~فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين والأعمال الصالحة فليست من ~~هذا الباب لأن هذه تدل على حقيقة المحبة لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب ~~وما أحبه ويكره ما يكرهه ومن صحت محبته امتنعت مخالفته لأن المخالفة إنما ~~تقع لنقص المتابعة ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} الآية. فليس الكلام في هذا. # PageV01P093 # إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى فهذا لا شك أنه نقص ~~في توحيد المحبة لله وهو دليل على نقص محبة الله تعالى إذ لو كملت محبته لم ~~يحب سواه. ولا يرد علينا الباب الأول لأن ذلك داخل في محبته. وهذا ميزان لم ~~يجر عليك: كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت، وكلما ~~ضعفت كثرت محبوباته وانتشرت. وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف ~~العبد من ربه لم يخف شيئا سواه قال الله تعالى {الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق وعلى قدر ~~نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة ms0069 وكذا الرجاء وغيره. فهذا ~~هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى. وقد ~~روي أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وطريق التخلص من هذه الآفات ~~كلها الإخلاص لله عز وجل قال الله تعالى {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد ولا ~~زهد إلا بتقوى والتقوى متابعة الأمر والنهي. # PageV01P094 # فصل: # ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل فتعتصم به فتقل ~~آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته. فنقول اعلم أن محركات القلوب ~~إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء. وأقواها المحبة وهي مقصودة ~~تراد لذاتها لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة ~~قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} والخوف ~~المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد في السير ~~إلى محبوبه وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه والخوف يمنعه أن يخرج عن ~~طريق المحبوب والرجاء يقوده فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له فإنه ~~لا تحصل له العبودية بدونه وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره. فإن قيل ~~فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه فأي شيء ~~يحرك القلوب؟ قلنا يحركها شيئان - أحدهما كثرة الذكر للمحبوب لأن كثرة ذكره ~~تعلق القلوب به ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير فقال تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} {وسبحوه بكرة وأصيلا} الآية. والثاني: ~~مطالعة آلائه ونعمائه قال الله تعالى {فاذكروا آلاء الله لعلكم # PageV01P095 # تفلحون} وقال تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} . وقال تعالى {وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} وقال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فإذا ~~ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من ~~الأشجار والحيوان وما ms0070 أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلا بد ~~أن يثير ذلك عنده باعثا وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر ~~والعرض والحساب ونحوه وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو وما ~~ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع. وإنما الغرض مبلغ التنبيه على ~~تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة والله - سبحانه وتعالى - أعلم وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV01P096 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل: ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله ~~أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون} . وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسر الظلم بالشرك وقال ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح {إن الشرك ~~لظلم عظيم} } فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات ~~والسفليات وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانا وبين ~~أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدي. وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن ~~الحنيف في مواضع فإن الإشراك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل دع جليله وهو ~~شرك في العبادة والتأله وشرك في الطاعة والانقياد وشرك في الإيمان والقبول. ~~فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون بدعاء ~~غير الله تارة وبنوع من عبادته أخرى وبهما جميعا تارة ومن أشرك هذا الشرك ~~أشرك في الطاعة. # PageV01P097 # وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء ~~يشركون شرك الطاعة وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما قرأ ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} فقال يا ~~رسول الله ما عبدوهم فقال ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا ~~عليهم الحلال فأطاعوهم} . فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه ~~والحرام ما حرمه والحلال ما حلله والدين ما شرعه ms0071 إما دينا وإما دنيا وإما ~~دنيا ودينا. ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا ~~في طاعته بغير سلطان من الله وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير ~~وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك. وأما الشرك الثالث فكثير من أتباع المتكلمة ~~والمتفلسفة بل وبعض المتفقهة والمتصوفة بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل ~~قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية ومن تصحيح بعض المقالات ~~وإفساد بعضها ومدح بعضها وبعض القائلين وذم بعض بلا سلطان من الله. ويخاف ~~ما أشركه في الإيمان والقبول ولا يخاف إشراكه بالله شخصا في الإيمان به ~~وقبول قوله بغير سلطان من الله. وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين ~~والعلماء المبلغين والشهداء الصادقين وغير ذلك. فباب الطاعة والتصديق ينقسم ~~إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع. وأما العبادة والاستعانة والتأله فلا حق ~~فيها للبشر بحال فإنه كما قال القائل ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له. ~~ولا ريب أن من نصرك ورزقك # PageV01P098 # كان له سلطان عليك فالمؤمن يريد أن لا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله ~~ولمن أطاع الله ورسوله. وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه فإذا قصد دفع ~~هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسنا محمودا يصح له دينه بذلك وإن قصد ~~الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذموما وقد يقصد بترك ~~الأخذ غنى نفسه عنهم في ترك أموالهم لهم. فهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه، ~~وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى ~~لا تنقص عليهم أموالهم فلا يذهبها عنهم ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره ~~لهم من الاستيلاء عليه ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم ومنفعة ~~لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء ~~أموالهم لهم حتى يقبلوا منه ويتألفون بالعطاء لهم فكذلك في إبقاء أموالهم ~~لهم وقد يكون في ذلك أيضا حفظ دينهم فإنهم ms0072 إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم ~~أيضا في أنواع من المعاصي ويتركون أنواعا من الطاعات فلا يقبلون الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة. وأما إذا كان ~~الأخذ يفضي إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة فتلك مفاسد ~~أخر وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة ~~إلا إذا كان ذليلا أو فقيرا إليهم ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية ~~إلا مع ذله أو فقره فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة فإذا لم تحصل مكافأة ~~دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم. # PageV01P099 # وللرد وجوه مكروهة مذمومة منها: الرد مراءاة بالتشبه بمن يريد غنى وعزة ~~ورحمة للناس في دينهم ودنياهم. ومنها التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم ~~ويستعلي عليهم بذلك فهذا مذموم أيضا. ومنها البخل عليهم فإنه إذا أخذ منهم ~~احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم فقد يترك الأخذ بخلا عليهم بالمنافع. ومنها ~~الكسل عن الإحسان إليهم فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر ~~والرياء والبخل والكسل. فالحاصل أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه ~~أو لدفع المضرة عنها أو لجلب المنفعة للناس أو دفع المضرة عنهم فإن في ترك ~~أخذه غنى نفسه وعزها وهو منفعة لها وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على ~~القبول من أنواع المفاسد وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم ودفع ~~الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلا قد يضرهم وقد يتركه لمضرة الناس أو ~~لترك منفعتهم فهذا مذموم كما تقدم وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه أو ترك ~~منفعتها إما بأن يكون محتاجا إليه فيضره تركه أو يكون في أخذه وصرفه منفعة ~~له في الدين والدنيا فيتركها من غير معارض مقاوم. فلهذا فصلنا هذه المسألة ~~فإنها مسألة عظيمة وبإزائها مسألة القبول أيضا وفيها التفصيل لكن الأغلب أن ~~ترك الأخذ كان أجود من القبول ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر وإذا صح ms0073 ~~الأخذ كان أفضل أعني الأخذ والصرف إلى الناس. # PageV01P100 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله ~~تعالى فيه: على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى - في طلب الغوث وكذلك ~~يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله تعالى فيه. وأما من ~~توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان ذلك بلفظ ~~الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما وقول القائل: أتوسل إليك ~~يا إلهي برسولك أو أستغيث برسولك عندك أن تغفر لي استغاثة بالرسول حقيقة في ~~لغة العرب وجميع الأمم. قال: ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص ~~قديما وحديثا وأنه يصح إسنادها للمخلوقين وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل ~~وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في ~~أمر الأنبياء والصالحين. قال: وفيما رواه الطبراني: عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قال: استغيثوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يستغاث بي ~~وإنما يستغاث بالله} # PageV01P101 # إن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أنه يستغاث به ونحو ذلك يشير ~~به إلى التوحيد وإفراد الباري بالقدرة: لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك ونجوز ~~أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به يعني في كل ما ~~يستغاث فيه بالله تعالى ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة وأن ~~القائل لا يستغاث به منتقصا له وأنه كافر بذلك؛ لكنه يعذر إذا كان جاهلا. ~~فإذا عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك؛ صار كافرا. والتوسل به ~~استغاثة به كما تقدم فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين: إنه يجوز أن ~~يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح في كل ما يستغاث به الله تعالى؟ ~~وهل يجوز إطلاق ذلك؟ كما قال القائل ms0074 وهل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~أو الصالح أو غيرهما إلى الله تعالى في كل شيء؛ استغاثة بذلك المتوسل به؟ ~~كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم أو الصالح استغاثة به أو لم يكن فهل يعرف أن أحدا من العلماء قال: إنه ~~يجوز التوسل إلى الله بكل نبي وصالح؟ فقد أفتى الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام في فتاويه المشهورة: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ ~~المذكور؟ وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف فمن قال: لا يتوسل بسائر ~~الأنبياء والصالحين. كما أفتى الشيخ عز الدين؟ هل يكفر كما كفره هذا ~~القائل؟ ويكون ما أفتى به الشيخ كفرا بل نفس التوسل به لو قال قائل: لا ~~يتوسل به؛ # PageV01P102 # ولا يستغاث به؛ إلا في حياته وحضوره لا في موته ومغيبه هل يكون ذلك كفرا؟ ~~أو يكون تنقصا؟ ولو قال: ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يستغاث فيه إلا ~~بالله أي: لا يطلب إلا من الله تعالى هل يكون كفرا. أو يكون حقا؟ وإذا نفى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمرا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية ~~هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب أم يجوز نفيه؟ أفتونا رحمكم الله - بجواب ~~شاف كاف موفقين مثابين - إن شاء الله تعالى. # الجواب # الجواب: الحمد لله رب العالمين، لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه ~~يستغاث بشيء من المخلوقات؛ في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا ~~بملك ولا بصالح ولا غير ذلك. بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ ~~أنه لا يجوز إطلاقه. ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي؛ هو استغاثة به بل العامة ~~الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو ~~بحرمته أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما ms0075 يقولونه في ~~أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور؛ فإن المستغيث بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم طالب منه وسائل له والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا ~~يسأل وإنما يطلب به وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به. والاستغاثة طلب ~~الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون والمخلوق ~~يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه # PageV01P103 # منها كما قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} وكما قال: ~~{فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} وكما قال تعالى: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى} . وأما ما لا يقدر عليه إلا الله؛ فلا يطلب إلا من الله؛ ~~ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستسقون به ~~ويتوسلون به كما في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى ~~بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وفي سنن أبي داود: {أن رجلا قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله؛ فقال: شأن ~~الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه} فأقره على قوله نستشفع ~~بك على الله وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك. وقد اتفق المسلمون على أن ~~نبينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة لكن عند أهل السنة ~~أنه يشفع في أهل الكبائر وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب. ~~وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي. فقال: أتوسل إليك برسولك فقد ~~استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم فما يعرف هذا ~~في لغة أحد من بني آدم بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول به مدعو ويفرقون ~~بين المسئول والمسئول به سواء استغاث بالخالق # PageV01P104 # أو بالمخلوق فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك. ولو قال قائل ~~لمن يستغيث به: ms0076 أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل ~~به بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله ~~الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب لكن الإغاثة أخص بالأفعال والإجابة أخص ~~بالأقوال. والتوسل إلى الله بغير نبينا صلى الله عليه وسلم - سواء سمي ~~استغاثة أو لم يسم - لا نعلم أحدا من السلف فعله. ولا روى فيه أثرا ولا ~~نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ففيه حديث في السنن رواه النسائي والترمذي وغيرهما {: أن أعرابيا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إني أصبت في بصري فادع الله ~~لي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك محمد يا محمد إني أتشفع بك في رد بصري. اللهم شفع نبيك ~~في وقال: فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك فرد الله بصره.} فلأجل هذا الحديث ~~استثنى الشيخ التوسل به. وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما: أن هذا التوسل ~~هو الذي ذكر " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فقد ذكر عمر - رضي ~~الله عنه -: أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء ثم توسلوا بعمه ~~العباس بعد موته، وتوسلهم # PageV01P105 # به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله وهذا ~~لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه والنبي صلى الله عليه وسلم كان في ~~مثل هذا شافعا لهم داعيا لهم ولهذا قال في حديث الأعمى: اللهم فشفعه في. ~~فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له فسأل الله أن يشفعه فيه. والثاني: ~~أن التوسل يكون في حياته وبعد موته وفي مغيبه وحضرته ولم يقل أحد: إن من ~~قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها ~~جلية ظاهرة والكفر إنما يكون ms0077 بإنكار ما علم من الدين ضرورة أو بإنكار ~~الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك. واختلاف الناس فيما يشرع من ~~الدعاء وما لا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح؛ وليس هو من ~~مسائل السب عند أحد من المسلمين. وأما من قال: إن من نفى التوسل الذي سماه ~~استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله فأظهر من أن ~~يحتاج إلى جواب؛ بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ~~ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين لا سيما مع قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما} . وأما من قال: ما لا ~~يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به فقد قال الحق بل لو قال كما قال ~~أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وكما قال ~~الشيخ أبو عبد الله القرشي استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون ~~بالمسجون لكان قد أحسن. فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة # PageV01P106 # المطلقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس {إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله} . وإذا نفى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ~~نفسه أمرا كان هو الصادق المصدوق في ذلك كما هو الصادق المصدوق في كل ما ~~يخبر به من نفي وإثبات وعلينا أن نصدقه في كل ما أخبر به من نفي وإثبات ومن ~~رد خبره تعظيما له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه ~~بالعبودية تعظيما له ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه وليس لأحد أن يقابل نفيه ~~بنقيض ذلك البتة. والله أعلم. # PageV01P107 # وسئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - رضي الله عنه -: (*) # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول: لا ~~يستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحرم عليه هذا القول وهل هو كفر ~~أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ~~ينفعه دليله أم لا؟ وإذا قام الدليل ms0078 من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ~~ذلك؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة: أن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن ~~الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم (*) وأنه يشفع لهم. ثم ~~اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من ~~أهل التوحيد أحد. وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ~~ينكروا شفاعته للمؤمنين؛ وهؤلاء مبتدعة ضلال وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل. ~~PageV01P108 # وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة وسواء ~~سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه. وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان ~~الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به؛ كما رواه البخاري في صحيحه عن ~~أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: ~~اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ~~فيسقون. وفي سنن أبي داود وغيره {أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ~~ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في ~~وجوه أصحابه وقال: ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله ~~أعظم من ذلك} وذكر تمام الحديث فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر قوله ~~نستشفع بك على الله بل أقره عليه فعلم جوازه فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ ~~مبتدع؛ وفي تكفيره نزاع وتفصيل. وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن ~~الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب ~~وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك: فهذا مصيب في ذلك بل ~~هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين ms0079 أيضا. كما قال الله تعالى: {ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله} وقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} ~~وكما قال تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء # PageV01P109 # والأرض} وكما قال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ~~وما النصر إلا من عند الله} وقال: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ~~الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا} . فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة: يجب إثباتها والمعاني المنفية ~~بالكتاب والسنة؛ يجب نفيها والعبارة الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن ~~وجدت في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجب إقرارها. وإن وجدت في ~~كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه وإلا رجع فيه إليه. وقد يكون في ~~كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس ~~يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا يرد عليه فهمه. ~~كما روى الطبراني في معجمه الكبير {أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ~~لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله} فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه ~~وسلم المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله وإلا ~~فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن ~~عمر قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستسقي فما ينزل حتى يجيش له ميزاب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال ~~اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب ولهذا قال العلماء المصنفون في ~~أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على ~~الإطلاق إلا الله وأن ms0080 كل # PageV01P110 # غوث فمن عنده وإن كان جعل ذلك على يدي غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ~~ولغيره مجاز. قالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في ~~حديث أبي هريرة قالوا واجتمعت الأمة على ذلك. وقال أبو عبد الله الحليمي: ~~الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال غياث المستغيثين ومعناه المدرك عباده في ~~الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: {اللهم ~~أغثنا اللهم أغثنا} يقال أغاثه إغاثة وغياثا وغوثا وهذا الاسم في معنى ~~المجيب والمستجيب قال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلا أن ~~الإغاثة أحق بالأفعال والاستجابة أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع ~~الآخر. قالوا الفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث. ~~والداعي ينادي بالمدعو والمغيث. وهذا فيه نظر فإن من صيغة الاستغاثة يا لله ~~للمسلمين وقد روي عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول وا غوثاه ويقول إني ~~سمعت الله يقول: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} وفي الدعاء المأثور {: يا ~~حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى ~~نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك} . والاستغاثة برحمته استغاثة به في ~~الحقيقة كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة وكما أن القسم ~~بصفاته قسم به في الحقيقة ففي الحديث: {أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما ~~خلق} وفيه {أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك} . # PageV01P111 # ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: ~~{أعوذ بكلمات الله التامة} قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق. وكذلك ~~القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت} وفي لفظ {من حلف بغير الله فقد أشرك} رواه الترمذي ~~وصححه. ثم قد ثبت في الصحيح: الحلف " بعزة الله " و " لعمر الله " ونحو ذلك ~~مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه ms0081 والاستغاثة ~~بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع ~~فيها مسلم ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما ~~مخطئ ضال. وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا ~~مما يجب نفيها ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا ~~قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها. ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وقول الشيخ أبي عبد الله ~~القرشي المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~المسجون بالمسجون. وفي دعاء موسى عليه السلام " اللهم لك الحمد وإليك ~~المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ~~" ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصا بالله: صح ~~إطلاق نفيه عما سواه ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق ~~الاستغاثة بغير الله ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله. # PageV01P112 # وكذلك الاستغاثة أيضا فيها ما لا يصلح إلا لله وهي المشار إليها بقوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا ~~الله وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستنصار. قال الله تعالى: ~~{وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب ~~العدو ولا يقدر عليه إلا الله. ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة: فإنه يكون ~~إما كافرا وإما فاسقا وإما عاصيا إلا أن يكون مؤمنا مجتهدا مخطئا فيثاب على ~~اجتهاده ويغفر له خطؤه وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به ~~الحجة فإن الله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . وأما إذا قامت ~~عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها: فإنه يعاقب بحسب ذلك إما ~~بالقتل وإما بدونه والله أعلم. # PageV01P113 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # سمى الله آلهتهم التي عبدوها من دونه شفعاء كما سماها شركاء في غير موضع ~~فقال في ms0082 يونس: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون} . وقال: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا} {ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون} {ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء} . وجمع بين الشرك ~~والشفاعة في قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . فهذه الأربعة هي التي يمكن أن يكون ~~لهم بها تعلق. الأول: ملك شيء ولو قل الثاني: شركهم في شيء من الملك. فلا ~~ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها ندا. فإذا انتفت الثلاثة: بقيت الشفاعة ~~فعلقها بالمشيئة. # PageV01P114 # وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا} وقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} الآيتين. وقال ~~في اتخاذهم قربانا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} . وقال: {فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون} . # PageV01P115 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # في الشفاعة المنفية في القرآن، # كقوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل} . وقوله تعالى {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة} ~~وقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} وقوله: {فما لنا ~~من شافعين} {ولا صديق حميم} وقوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} . ~~وقوله: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} وأمثال ذلك. ~~واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر إذ منعوا ~~أن ms0083 يشفع لمن يستحق العذاب أو أن يخرج من النار من يدخلها ولم ينفوا الشفاعة ~~لأهل الثواب في زيادة الثواب. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة ~~والجماعة: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر والقول بأنه يخرج من النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأيضا: فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الشفاعة: فيها - استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم وفيهم المؤمن ~~والكافر وهذا فيه # PageV01P116 # نوع شفاعة للكفار. وأيضا: ففي الصحيح {عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: ~~يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: نعم هو ~~في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار} وعن عبد الله بن ~~الحارث قال: سمعت {العباس يقول: قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك ~~وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم؛ وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح.} ~~وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر ~~عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من ~~النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه} . فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض ~~الكفار أن يخفف عنه العذاب بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابا كما في ~~الصحيح أيضا عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أهون أهل ~~النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه} . وعن أبي سعيد ~~الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أدنى أهل النار عذابا ~~منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه} وعن النعمان بن بشير قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن أهون أهل النار عذابا يوم ~~القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه} وعنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان ~~وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي ms0084 المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه ~~عذابا وإنه لأهونهم عذابا} . # PageV01P117 # وهذا السؤال الثاني يضعف جواب من تأول نفي الشفاعة على الشفاعة للكفار ~~وإن الظالمين هم الكافرون. . . (1) # فيقال: الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهي ~~أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته فأما إذا أذن له في أن يشفع ~~فشفع؛ لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له أي تابعا له في الشفاعة ~~وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول. وقد ثبت بنص القرآن في ~~غير آية: أن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه. كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه} وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} وأمثال ذلك. والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية: ~~أنه قال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع لعلهم يتقون} وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ~~فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع. وأما نفي الشفاعة بدون إذنه: ~~فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه كما أن الولاية التي بإذنه ليست ~~من دونه؛ كما قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون} . وأيضا فقد قال: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون PageV01P118 # شيئا ولا يعقلون} . {قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} فذم ~~الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأخبر أن لله الشفاعة جميعا؛ فعلم أن ~~الشفاعة منتفية عن غيره إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه وتلك فهي له. وقد قال: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ms0085 السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون} . ومما يوضح ذلك: أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: {من قبل أن يأتي ~~يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} ومعلوم أنه إنما ~~نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا كما ~~قال: {وما أدراك ما يوم الدين} {ثم ما أدراك ما يوم الدين} {يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} وقال: {لينذر يوم التلاق} {يوم هم بارزون ~~لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} . لم ينف أن ~~يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه فإنه قد قال: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين} {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} الآيات. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: {حقت محبتي للمتحابين ~~في} ويقول الله تعالى: {أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ~~ظل إلا ظلي} . فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد وأنه لا ينفع أحد ~~ولا يضر إلا بإذن الله وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله ولا يستعان به من ~~دون الله وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل ~~مدع من # PageV01P119 # دعواه الباطلة فلا يبقى من يدعي لنفسه معه شركا في ربوبيته أو إلهيته ولا ~~من يدعي ذلك لغيره بخلاف الدنيا؛ فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد ~~اتخذ غيره ربا وإلها وادعى ذلك مدعون. وفي الدنيا يشفع الشافع عند غيره ~~وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة ويكون خليله فيعينه ويفتدي ~~نفسه من الشر فقد ينتفع بالنفوس والأموال في الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة ~~بالاستقلال وتارة بالإعانة وهي الشفاعة، والأموال بالفداء فنفى الله هذه ~~الأقسام الثلاثة. قال تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل} وقال: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} كما قال: {لا ~~يجزي والد عن ms0086 ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} . فهذا هذا والله أعلم. ~~وعاد ما نفاه الله من الشفاعة إلى تحقيق أصلي الإيمان وهي الإيمان بالله ~~وباليوم الآخر التوحيد والمعاد كما قرن بينهما في مواضع كثيرة. كقوله: {ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} وقوله: {الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} وقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة} وقوله: {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} ~~. وأمثال ذلك. # PageV01P120 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا ~~لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر ~~الله: فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما ~~نهى عنه وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا ~~يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى: وصفاته العليا التي تعجز ~~العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل؛ الذين أرسلهم الله إلى عباده. ~~فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع ~~درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل: فإنهم ملعونون ~~وهم عن ربهم ضالون محجوبون. قال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال ~~تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن # PageV01P121 # أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} {ونحشره يوم القيامة أعمى} . {قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى} قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في ~~الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم ms0087 خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ~~كلمة العذاب على الكافرين} وقال تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين كذبوا بآياتنا ~~يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} {ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} {رسلا ~~مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} . ومثل هذا في ~~القرآن كثير. وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين؛ واليهود؛ ~~والنصارى؛ فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا ~~عن الله # PageV01P122 # أمره وخبره. قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} ومن ~~أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. والسور التي أنزلها الله بمكة ~~مثل: الأنعام؛ والأعراف؛ وذوات: (الر) و (حم) و (طس) ونحو ذلك؛ هي متضمنة ~~لأصول الدين كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. وقد قص الله قصص الكفار ~~الذين كذبوا الرسل وكيف أهلكهم؛ ونصر رسله والذين آمنوا. قال تعالى: {ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} . وقال: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد} . فهذه الوسائط: تطاع وتتبع ويقتدى بها. كما قال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال: ~~{فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون} وقال تعالى: ms0088 {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} . وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من ~~واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل: أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم ~~وهداهم؛ يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه: فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به ~~المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء؛ يجتلبون بهم المنافع ~~ويجتنبون المضار. لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حتى قال: {الله الذي ~~خلق السماوات # PageV01P123 # والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ~~وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له} . وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح ~~والعزير والملائكة: فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء: لا يملكون كشف ~~الضر عنهم ولا تحويلا وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ~~وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} فبين سبحانه: أن اتخاذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كفر. فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل ~~عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية ~~القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات: فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد قال ~~تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ms0089 بل عباد مكرمون} # PageV01P124 # {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقال تعالى: {لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} {لقد جئتم ~~شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} {أن ~~دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} {إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} وقال تعالى: {وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ~~وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . وقال {وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} . وقال تعالى: {ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وقال ~~تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} . ومثل هذا كثير في القرآن. # ومن سوى الأنبياء - من مشايخ العلم والدين - فمن أثبتهم وسائط بين # PageV01P125 # الرسول وأمته يبلغونهم؛ ويعلمونهم؛ ويؤدبونهم؛ ويقتدون بهم؛ فقد أصاب في ~~ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة وإن ~~تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول؛ إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على ~~الإطلاق؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك: إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد قال النبي ms0090 صلى الله عليه وسلم {العلماء ورثة الأنبياء فإن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ ~~بحظ وافر} . وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه - كالحجاب الذين بين ~~الملك ورعيته - بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه؛ فالله إنما ~~يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم؛ فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله؛ كما أن ~~الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك الحوائج للناس؛ لقربهم منهم والناس ~~يسألونهم؛ أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك؛ أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع ~~لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج. فمن ~~أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل. وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أندادا. وفي ~~القرآن من الرد على هؤلاء: ما لم تتسع له هذه الفتوى. فإن الوسائط التي بين ~~الملوك وبين الناس: يكونون على أحد وجوه ثلاثة: - إما لإخبارهم من أحوال ~~الناس بما لا يعرفونه. # PageV01P126 # ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو ~~الأنبياء أو غيرهم: فهو كافر بل هو - سبحانه - يعلم السر وأخفى لا تخفى ~~عليه خافية في الأرض ولا في السماء {وهو السميع البصير} . يسمع ضجيج ~~الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه ~~المسائل. ولا يتبرم بإلحاح الملحين. الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن ~~تدبير رعيته ودفع أعدائه - إلا بأعوان يعينونه - فلا بد له من أنصار وأعوان ~~لذله وعجزه. والله - سبحانه - ليس له ظهير ولا ولي من الذل. قال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} وقال تعالى: {وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا} . وكل ما في الوجود من الأسباب: فهو خالقه وربه ومليكه فهو ~~الغني عن ms0091 كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه؛ بخلاف الملوك المحتاجين إلى ~~ظهرائهم وهم - في الحقيقة - شركاؤهم في الملك. والله تعالى: ليس له شريك في ~~الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير. والوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته والإحسان ~~إليهم ورحمتهم: إلا بمحرك يحركه من خارج. فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه ~~أو من يدل عليه؛ بحيث يكون يرجوه ويخافه: تحركت إرادة الملك # PageV01P127 # وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ ~~المشير وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه. والله ~~تعالى: هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأشياء ~~إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو إذا أجرى نفع العباد ~~بعضهم على بعض: فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو ~~الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع إرادة ~~الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف ~~مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلم أو من يرجوه الرب ويخافه. ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن ~~شئت؛ ولكن ليعزم المسألة؛ فإنه لا مكره له} . والشفعاء الذين يشفعون عنده: ~~لا يشفعون إلا بإذنه كما قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال ~~تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . فبين ~~أن كل من دعي من دونه ليس له ملك ولا شرك في الملك ولا هو ظهير. وأن ~~شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له. ms0092 وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد ~~يكون له ملك وقد يكون شريكا لهم في الملك وقد يكون مظاهرا لهم معاونا لهم ~~على ملكهم وهؤلاء # PageV01P128 # يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم والملك يقبل شفاعتهم: تارة ~~بحاجته إليهم وتارة لخوفه منهم وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ~~ولإنعامهم عليه؛ حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى ~~الزوجة وإلى الولد؛ حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة ~~مملوكه؛ فإذا لم يقبل شفاعته؛ يخاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره. وشفاعة ~~العباد بعضهم عند بعض: كلها من هذا الجنس. فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا ~~لرغبة أو رهبة. والله تعالى: لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل ~~هو الغني قال تعالى: {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} إلى ~~قوله: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في ~~الأرض} . والمشركون: يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة. قال ~~تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} وقال تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} . وأخبر عن ~~المشركين أنهم قالوا ": {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال ~~تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة # PageV01P129 # أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . # فأخبر أن ما يدعي من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله وأنهم يرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ويتقربون إليه. فهو ms0093 - سبحانه - قد نفى ما من الملائكة ~~والأنبياء؛ إلا من الشفاعة بإذنه والشفاعة هي الدعاء. # ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك لكن الداعي ~~الشافع: ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك فلا يشفع شفاعة نهي ~~عنها؛ كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة. قال تعالى: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم} {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} . وقال تعالى في حق المنافقين: ~~{سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} . وقد ثبت في ~~الصحيح: أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين وأخبر أنه لا ~~يغفر لهم. كما في قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} وقوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وقد قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~إنه لا يحب المعتدين} - في الدعاء - ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ~~ما لم يكن الرب ليفعله. مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم أو المغفرة ~~للمشركين ونحو ذلك. أو يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق ~~والعصيان. # PageV01P130 # فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه ~~عدوان. ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه؛ فإنهم معصومون أن يقروا ~~على ذلك. كما قال نوح: {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} ~~قال تعالى: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك ~~به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} . وكل داع شافع دعا الله ~~- سبحانه ms0094 وتعالى - وشفع: فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ~~ومشيئته وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة فهو الذي خلق السبب والمسبب، ~~والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله - سبحانه وتعالى -. وإذا كان ~~كذلك: فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا ~~نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع؛ بل العبد يجب أن ~~يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله - سبحانه وتعالى - والله يقدر له ~~من الأسباب - من دعاء الخلق وغيرهم - ما شاء. والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى ~~للأدنى والأدنى للأعلى: فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون ~~يستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء؛ بل ~~وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه والناس يطلبون الشفاعة يوم ~~القيامة من الأنبياء # PageV01P131 # ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وله شفاعات يختص بها - ومع هذا ~~- فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة} وقد {قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه: يا أخي لا ~~تنسني من دعائك} . فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له؛ ~~ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات ~~التي يثابون عليها مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم في كل ما ~~يعملونه فإنه قد صح عنه أنه قال: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور ~~من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا} وهو داعي الأمة ms0095 ~~إلى كل هدى فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه. وكذلك إذا صلوا عليه فإن ~~الله يصلي على أحدهم عشرا وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له فذلك ~~الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله ~~عليه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ~~بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: ~~آمين ولك مثل ذلك} وفي حديث آخر: {أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب} . # PageV01P132 # ف ### | الدعاء للغير ينتفع به الداعي # والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به ~~الداعي والمدعو له. فمن قال لغيره ادع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو ~~وأخوه متعاونين على البر والتقوى فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، ~~والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى؛ فيثاب المأمور على ~~فعله والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه؛ لكونه دعا إليه لا سيما ومن الأدعية ما ~~يؤمر بها العبد كما قال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} فأمره ~~بالاستغفار ثم قال: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} . فذكر - سبحانه - استغفارهم ~~واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا شيئا لم يأمر الله المخلوق ~~به بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب؛ ففعله هو عبادة لله وطاعة ~~وقربة إلى الله وصلاح لفاعله وحسنة فيه وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله ~~إليه وإنعامه عليه. # بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان. والإيمان قول ~~وعمل يزيد بالطاعة والحسنات وكلما ازداد العبد عملا للخير. ازداد إيمانه. ~~هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} وفي ~~قوله: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} . بل نعم ms0096 ~~الدنيا بدون الدين هل هي من نعمه أم لا؟ فيه قولان مشهوران للعلماء من ~~أصحابنا وغيرهم. # PageV01P133 # والتحقيق: أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه وأما الإنعام ~~بالدين الذي ينبغي طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب فهو الخير الذي ~~ينبغي طلبه باتفاق المسلمين وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة إذ عندهم أن ~~الله هو الذي أنعم بفعل الخير. والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه ~~الصالحة للضدين فقط. والمقصود هنا: أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا ~~إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق إما واجب أو مستحب. فإنه سبحانه لا يطلب من ~~العبد إلا ذلك فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك؟ بل قد حرم على العبد أن ~~يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة. وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ~~ومصلحة المأمور فهذا يثاب على ذلك وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه ~~لانتفاع المأمور فهذا من نفسه أتى ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل ~~قد نهى عنه إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته والله ~~يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده وهذا لم يقصد لا ~~هذا ولا هذا فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه وهو الصلاة. ولا قصد الإحسان ~~إلى المخلوق الذي هو الزكاة وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال؛ لكن ~~فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه ألا ترى أنه قال في حديث ~~السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: أنهم لا يسترقون. وإن كان ~~الاسترقاء جائزا. وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي # PageV01P134 # تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك؛ بل هذا دين المشركين عباد الأوثان ~~كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وإنها وسائل يتقربون بها إلى ~~الله؛ وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: ms0097 {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون} أي فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر والنهي وليؤمنوا بي أن أجيب ~~دعاءهم لي بالمسألة والتضرع. وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} . {وإلى ربك ~~فارغب} وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال ~~تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} . وقال ~~تعالى: {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} . وقد بين الله هذا ~~التوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد غير الله ولا يرجو ~~سواه ولا يتوكل إلا عليه. وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا} {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي يخوفكم أولياءه ~~{فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} وقال تعالى: {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة # PageV01P135 # وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} . فبين أن الطاعة لله ورسوله وأما الخشية ~~فلله وحده. وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله} ونظيره قوله تعالى {الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم ~~عنهم مواد الشرك؛ إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي ~~تألهه القلوب؛ لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف حتى ~~قال لهم: {لا تقولوا ما شاء الله وشاء ms0098 محمد؛ ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء ~~محمد} {وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء ~~الله وحده} وقال: {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} وقال: {من حلف بغير ~~الله فقد أشرك} وقال لابن عباس: {إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن ~~بالله جف القلم بما أنت لاق؛ فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا ~~بشيء كتبه الله لك ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك} وقال ~~أيضا: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله} وقال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} وقال: {لا تتخذوا قبري ~~عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم} وقال في مرضه: {لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور # PageV01P136 # أنبيائهم مساجد} يحذر ما صنعوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن ~~كره أن يتخذ مسجدا. وهذا باب واسع. # ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه: فإنه لا ينكر ما خلقه الله من ~~الأسباب كما جعل المطر سببا لإنبات النبات. قال الله تعالى: {وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} وكما جعل ~~الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما وكما جعل الشفاعة والدعاء سببا لما يقضيه ~~بذلك مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت؛ فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه ~~الله بها ويثيب عليها المصلين عليه؛ لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة ~~أمور: أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخر ~~ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع: لم يحصل ~~المقصود وهو - سبحانه - ما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا ~~يكون إلا أن يشاء الله. الثاني: أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم ~~فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع: كان مبطلا مثل من ms0099 يظن أن النذر ~~سبب في دفع البلاء وحصول النعماء. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {: أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من ~~البخيل} . الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببا إلا ~~أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف؛ فلا يجوز للإنسان أن ~~يشرك بالله فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - # PageV01P137 # وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة - وإن ظن ذلك - فإن الشياطين ~~قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان ~~بعض أغراض الإنسان فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة ~~الحاصلة به إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بتحصيل المصالح وتكميلها ~~وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به: فمصلحته راجحة وما نهى عنه: ~~فمفسدته راجحة وهذه الجمل: لها بسط لا تحتمله هذه الورقة. والله أعلم. # PageV01P138 # وسئل - رحمه الله -: # قال السائل: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ~~الوسيلة والواسطة. # الجواب # فأجاب: الحمد لله إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد وطاعته والصلاة والسلام ~~عليه وسيلة للعبد في قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق؛ وإن أراد أن الله لا ~~يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق أو يقسم عليه به أو أن أنفس الأنبياء ~~بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة في إجابة الدعاء: فقد كذب في ~~ذلك والله أعلم. # PageV01P139 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه ~~وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في ~~حقه. فهو مشروع باتفاق المسلمين وكان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به في ~~حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به. وأما قول ~~القائل: اللهم إني أتوسل إليك به. فللعلماء فيه قولان: كما لهم في ms0100 الحلف به ~~قولان: وجمهور الأئمة كمالك؛ والشافعي؛ وأبي حنيفة: على أنه لا يسوغ الحلف ~~بغيره من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء وهذا ~~إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره؛ ~~ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه؛ ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به ولا ~~يقسم على الله بمخلوق وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به فلذلك جوز ~~التوسل به. ولكن الرواية الأخرى عنه: هي قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به؛ # PageV01P140 # فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء فإنا لا نعلم أحدا من ~~السلف والأئمة قال إنه يقسم به على الله؛ كما لم يقولوا إنه يقسم بهم ~~مطلقا؛ ولهذا أفتى أبو محمد ابن عبد السلام: أنه لا يقسم على الله بأحد من ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم؛ لكن ذكر له أنه روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث في الإقسام به فقال: إن صح الحديث كان خاصا به والحديث المذكور ~~لا يدل على الإقسام به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من كان حالفا ~~فليحلف بالله وإلا فليصمت} وقال: {من حلف بغير الله فقد أشرك} والدعاء ~~عبادة والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع والله ~~أعلم. # PageV01P141 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى ~~وأرشد به من الغي وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. فبلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد ms0101 في الله حق جهاده وعبد ربه حتى أتاه اليقين ~~من ربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. ففرق بين الحق والباطل والهدى ~~والضلال والرشاد والغي وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار وبين أوليائه ~~وأعدائه. فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ~~ما شرعه الله ورسوله. وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس فعلى كل أحد ~~أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمان به ومتابعته هو ~~سبيل الله وهو دين الله، # PageV01P142 # وهو عبادة الله وهو طاعة الله وهو طريق أولياء الله وهو الوسيلة التي أمر ~~الله بها عباده في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة} فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله ~~بالإيمان بمحمد واتباعه. وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد ~~باطنا وظاهرا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته في مشهده ~~ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من ~~الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا بعذر من الأعذار. ولا طريق إلى كرامة الله ~~ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته. وهو صلى ~~الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون فهو أعظم الشفعاء قدرا وأعلاهم جاها عند الله وقد قال تعالى عن ~~موسى {وكان عند الله وجيها} وقال عن المسيح {وجيها في الدنيا والآخرة} . ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء والمرسلين؛ لكن ~~شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له فمن دعا له الرسول ~~وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله ~~بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه ~~وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # ولفظ (التوسل) في عرف الصحابة كانوا يستعلمونه في هذا المعنى. والتوسل ~~بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به وأما بدون ms0102 الإيمان به فالكفار ~~والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة. # PageV01P143 # ولهذا نهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار ونهي عن الاستغفار ~~للمنافقين وقيل له: {سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم} ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في ~~الإيمان قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} . فإذا كان في الكفار من ~~خف كفره بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في ~~إسقاط العذاب بالكلية كما في صحيح مسلم عن {العباس بن عبد المطلب أنه قال: ~~قلت يا رسول الله فهل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ~~نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار} وفي لفظ ~~{: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال نعم وجدته في ~~غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح} وفيه {عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل ~~في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه} وقال {إن أهون أهل النار ~~عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه} . وكذلك ينفع ~~دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب في الدنيا كما كان صلى الله عليه وسلم ~~يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون ". وروي أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا؛ ~~قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى} . # PageV01P144 # وأيضا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه كما ~~دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله وكما دعا لدوس فقال {اللهم اهد دوسا وأت ~~بهم} فهداهم الله وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا ~~منه أن يستسقي لهم فاستسقى لهم ms0103 وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف به قلوبهم ~~كما كان يتألفهم بغير ذلك. وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم ~~أعظم الخلق جاها عند الله لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه ولا شفاعة ~~أعظم من شفاعته. لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم ~~وطاعتهم فإن الإيمان بهم وطاعتهم يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب ~~مطلقا وعاما فكل من مات مؤمنا بالله ورسوله مطيعا لله ورسوله كان من أهل ~~السعادة قطعا ومن مات كافرا بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعا. # وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع ~~فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا ~~تنفعهم - ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها - فلا شفيع أعظم من محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له ~~كما قال تعالى عنه {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} . وقد ~~كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم وأراد ~~بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم} . # PageV01P145 # ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه ~~حليم} {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} وثبت ~~في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {يلقى ~~إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم: ~~ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا ~~رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول ~~الله عز وجل: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: ms0104 انظر ما تحت رجليك ~~فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار} فهذا لما مات ~~مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره وقد قال تعالى للمؤمنين: ~~{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} ~~{ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} . ~~فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه إلا في قول ~~إبراهيم لأبيه {لأستغفرن لك} فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك سيد ~~الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن ~~أزور قبرها فأذن لي} . وفي رواية {أن النبي # PageV01P146 # زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم ~~يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر ~~الموت} وثبت عن أنس في الصحيح {أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال في ~~النار. فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار} . وثبت أيضا في الصحيح ~~{عن أبي هريرة لما أنزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا ~~أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد ~~شمس أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار. يا ~~بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة أنقذي نفسك من النار. ~~فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها} وفي ms0105 رواية ~~عنه {يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله؛ فإني لا أغني عنكم من الله شيئا. ~~يا بني عبد المطلب. لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب لا ~~أغني عنك من الله شيئا. يا صفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله ~~شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله ~~شيئا.} {وعن عائشة لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب. لا أملك ~~لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم} . # وعن {أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ذات ~~يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة ~~على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله. أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا # PageV01P147 # قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ~~فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول: يا رسول الله أغثني. ~~فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد ~~أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول ~~الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك} أخرجاه في الصحيحين وزاد ~~مسلم {لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا ~~رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك} . وفي البخاري عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها ~~على رقبته لها يعار فيقول: يا محمد فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت. ولا ~~يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له ms0106 رغاء فيقول: يا محمد فأقول: لا أملك ~~لك شيئا قد بلغت} . وقوله هنا صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا ~~كقول إبراهيم لأبيه {لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} . # وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين ~~وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق ~~عليها بين المسلمين وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها. وأما شفاعته لأهل ~~الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ~~والزيدية وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها # PageV01P148 # لا بشفاعة ولا غيرها وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار ~~ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب ~~وعقاب. وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم ~~فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله يخرج من النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم يخرجهم ~~بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ويخرج آخرين بشفاعة غيره ويخرج قوما بلا ~~شفاعة. # واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} وبقوله: {ولا يقبل منها ~~عدل ولا تنفعها شفاعة} وبقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة} وبقوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وبقوله: {فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين} . وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا ~~تنفع المشركين كما قال تعالى في نعتهم: {ما سلككم في سقر} {قالوا لم نك من ~~المصلين} {ولم نك نطعم المسكين} {وكنا نخوض مع الخائضين} {وكنا نكذب بيوم ~~الدين} {حتى أتانا اليقين} {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} فهؤلاء نفي عنهم ~~نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا. والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة ~~التي يثبتها ms0107 أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع: من أهل الكتاب والمسلمين ~~الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع ~~الناس بعضهم عند بعض فيقبل # PageV01P149 # المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق ~~المخلوق بالمعاوضة. فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة ~~والأنبياء والصالحين ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص ~~الله فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا كما يتوسل إلى ~~الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير ~~إذن الملوك وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة ~~شفاعته رغبة ورهبة. فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى: {من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه} وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا ~~من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال عن الملائكة: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون} وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} وقال تعالى: ~~{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون} وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} # PageV01P150 # وقال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون} وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ms0108 مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} وقال ~~تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} {يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} وقال صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم ~~فاسمعون} . فهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء ~~والصالحين حتى صوروا تماثيلهم وقالوا: استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم ~~وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا: نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى ~~الله وصوروا تماثيلهم فعبدوهم كذلك وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم ~~المشركين عليها وكفرهم بها. قال الله تعالى عن قوم نوح: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} {وقد أضلوا كثيرا} . ~~قال ابن عباس وغيره: هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا ~~على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم وهذا مشهور في كتب التفسير والحديث # PageV01P151 # وغيرها كالبخاري وغيره وهذه أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها ~~وسد ذريعتها حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى فيها وإن ~~كان المصلي فيها لا يستشفع بهم ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل علي بن أبي ~~طالب فأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه ومحاه ولعن ~~المصورين. وعن {أبي الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب: لأبعثك على ما ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا ~~مشرفا إلا ms0109 سويته وفي لفظ: ولا صورة إلا طمستها} . أخرجه مسلم. # PageV01P152 # فصل ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور. # يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين: أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام ~~وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني دعاؤه وشفاعته وهذا أيضا نافع ~~يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين. ومن أنكر التوسل به بأحد ~~هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا. ولكن التوسل ~~بالإيمان به وبطاعته هو أصل الدين وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ~~للخاصة والعامة فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة. وأما دعاؤه ~~وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضا كافر لكن هذا أخفى من ~~الأول فمن أنكره عن جهل عرف ذلك؛ فإن أصر على إنكاره فهو مرتد. أما دعاؤه ~~وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة. وأما الشفاعة يوم القيامة ~~فمذهب أهل السنة والجماعة - وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين الأربعة وغيرهم - أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة وأنه يشفع ~~فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر. ولا ينتفع بشفاعته ~~إلا أهل التوحيد المؤمنون؛ دون أهل # PageV01P153 # الشرك ولو كان المشرك محبا له معظما له لم تنقذه شفاعته من النار وإنما ~~ينجيه من النار التوحيد والإيمان به ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ~~ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا ~~بغيرها. وفي صحيح البخاري عن {أبي هريرة أنه قال: قلت يا رسول الله أي ~~الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة فقال أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من ~~قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه} . وعنه في صحيح مسلم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني ~~اختبأت دعوتي شفاعة يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من ~~أمتي لا يشرك بالله شيئا} وفي السنن عن عوف بن مالك قال: {قال رسول ms0110 الله ~~أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة ~~فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا} وفي لفظ قال {ومن لقي الله ~~لا يشرك به شيئا فهو في شفاعتي} . وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين ~~الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل ~~وأنزل الكتب كما قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة} وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال ~~لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} # PageV01P154 # وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بعثت ~~بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل ~~رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم} # والمشركون من قريش وغيرهم - الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي صلى ~~الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار - كانوا مقرين ~~بأن الله وحده خلق السموات والأرض كما قال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} وقال: {ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} وقال: ~~{قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل ~~من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} {قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله ~~قل فأنى تسحرون} {بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون} {ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله إذا ms0111 لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون} . وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن ~~آلهتهم مخلوقة ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال ~~تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} # PageV01P155 # وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} وكانوا ~~يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وقال ~~تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون} {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما ~~لهم من ناصرين} {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} . بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم ~~أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم ~~بعضا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لأنفسكم؟ . ~~وهذا كما كانوا يقولون: له بنات فقال تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ~~ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} وقد قال ~~تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} ms0112 {يتوارى من القوم ~~من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب # PageV01P156 # ألا ساء ما يحكمون} {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم} . # والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح. وقوم ~~إبراهيم: فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين. ثم صوروا ~~تماثيلهم ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس ~~والقمر. وكل من هؤلاء يعبدون الجن فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على ~~أشياء وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون ~~الجن فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم قال تعالى: {ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ~~ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} . والملائكة لا ~~تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك ولكن الشياطين ~~قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا ~~إبراهيم أنا المسيح أنا محمد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا عمر أنا عثمان أنا ~~علي أنا الشيخ فلان. وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان أو هذا هو ~~الخضر ويكون أولئك كلهم جنا يشهد بعضهم لبعض. والجن كالإنس فمنهم الكافر ~~ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد الجاهل فمنهم من يحب شيخا فيتزيا ~~في صورته ويقول: أنا فلان. ويكون ذلك في برية ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص ~~طعاما ويسقيه شرابا أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة ~~الغائبة فيظن ذلك # PageV01P157 # الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك وقد يقول: هذا سر الشيخ وهذه ~~رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على صورته. وإنما يكون ذلك جنيا فإن ~~الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان. وقد قال الله تعالى: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون ms0113 عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون ~~الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء ~~عباد الله كما أن الذين يعبدونهم عباد الله وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون ~~عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين. والمشركون من هؤلاء قد ~~يقولون: إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا فإذا ~~أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا فإذا صورنا تمثاله - والتماثيل إما ~~مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم - قالوا: فمقصودنا ~~بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب ~~أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله. فيقول أحدهم: يا سيدي فلان أو يا سيدي جرجس ~~أو بطرس أو يا ستي الحنونة مريم أو يا سيدي الخليل أو موسى بن عمران أو غير ~~ذلك اشفع لي إلى ربك. وقد يخاطبون الميت عند قبره: سل لي ربك. أو يخاطبون ~~الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضرا حيا وينشدون قصائد يقول أحدهم ~~فيها: يا سيدي فلان أنا في حسبك أنا في جوارك اشفع لي إلى الله سل الله لنا ~~أن ينصرنا # PageV01P158 # على عدونا سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن ~~يكشف هذه الكربة. أو يقول أحدهم: سل الله أن يغفر لي. ومنهم من يتأول قوله ~~تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما} ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا ~~بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدا منهم لم يطلب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية ~~مكذوبة على مالك رضي الله عنه سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله ~~تعالى. فهذه الأنواع من خطاب ms0114 الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند ~~قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في ~~المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا ~~من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى. قال الله تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} . # فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة ~~بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم - بمعنى طلب الشفاعة منهم - ~~هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولا ولا أنزل به كتابا وليس ~~هو واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير # PageV01P159 # من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا كله من ~~الشيطان. وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو ~~يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا ~~مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة؛ وهو ~~يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة ~~الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب. وكثير من الناس يذكرون ~~في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو ~~الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك. وجواب هؤلاء من طريقين: ~~أحدهما الاحتجاج بالنص والإجماع. والثاني القياس والذوق والاعتبار ببيان ما ~~في ذلك من الفساد فإن فساد ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة. أما الأول ~~فيقال: قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة ~~وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب. وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء ~~والصالحين ولا يستشفعوا بهم لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم ms0115 فلا يقول أحد: يا ~~ملائكة الله اشفعوا لي عند الله سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو ~~يهدينا. # PageV01P160 # وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا رسول الله ~~ادع الله لي سل الله لي استغفر الله لي سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ~~ينصرني أو يعافيني ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو ~~علي أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ولا يقول: أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك ~~أو أنت تجير من يستجير أو أنت خير معاذ يستعاذ به. ولا يكتب أحد ورقة ~~ويعلقها عند القبور ولا يكتب أحد محضرا أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى ~~من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين ~~كما يفعله النصارى في كنائسهم وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور ~~الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام ~~وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع ~~هذا لأمته. وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك بل أهل الكتاب ليس ~~عندهم عن الأنبياء نقل بذلك كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك ~~ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من ~~أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا ذكر أحد من الأئمة لا في ~~مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا ~~والدين. وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته فتارة بالجدب وتارة ~~بنقص الرزق وتارة بالخوف وقوة العدو وتارة بالذنوب والمعاصي # PageV01P161 # ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ~~ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة ~~الذنوب ولا يقول: ms0116 سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم؛ ~~بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ~~فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين. # وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ~~ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها ~~مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من ~~الحسنات التي يتقرب بها إلى الله. # ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب ~~فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان كما {قال عبد الله بن مسعود: ~~خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم ~~قال: هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} } . ~~فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه ولا يخالف السنة ~~المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم لا سيما وليس معه في بدعته ~~إمام من أئمة المسلمين ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين ولا من # PageV01P162 # يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته ولا ~~يتوقف الإجماع على موافقته. ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان ~~مخصوما بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله فكيف إذا كان المنازع ~~ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم ~~ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. بل إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجبا ولا مستحبا فإنه قد حرم ذلك وحرم ~~ما يفضي إليه كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد: ففي صحيح مسلم ~~عن جندب بن ms0117 عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس {إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك} . وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~قبل موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا. واتخاذ ~~المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك ~~والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين. ~~فحرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد ~~المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك # PageV01P163 # ذريعة إلا أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء ~~عنده فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله ~~وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله. والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس ~~فيه مصلحة راجحة ينهى عنه؛ كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ~~ذلك من المفسدة الراجحة: وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك. وليس ~~في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من ~~الأوقات. ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه ~~الأوقات وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة ~~الراجحة وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل ~~فيها فتفوت مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة؛ بخلاف ما لا سبب ~~له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه ~~مفسدة توجب النهي عنه. فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة ~~الشرك لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها - كما يفعله أهل ~~دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها - كان معلوما أن دعوة ~~الشمس ms0118 والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريما من الصلاة التي نهى عنها ~~لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب. كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد - فنهى عن # PageV01P164 # قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم ~~والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد. # ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية. ~~فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت؛ كما يقصد بالصلاة على ~~جنازته الدعاء له. فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى في ~~المنافقين: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فنهى نبيه عن ~~الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~كافرون. فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دل ذلك على انتفاء ~~هذا النهي عند انتفاء هذه العلة. ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى ~~عليه ويقام على قبره إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي ~~ولم يعلل ذلك بكفرهم. ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام ~~على قبورهم من السنة المتواترة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على موتى ~~المسلمين وشرع ذلك لأمته وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول ~~{سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل} رواه أبو داود وغيره. وكان يزور قبور أهل ~~البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم {السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون ~~ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية. ~~اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم} وفي صحيح # PageV01P165 # مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون} والأحاديث في ذلك صحيحة معروفة. فهذه الزيارة لقبور المؤمنين ~~مقصودها الدعاء لهم. وهذه غير الزيارة المشتركة ms0119 التي تجوز في قبور الكفار ~~كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه {عن أبي هريرة أنه قال: ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ~~استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ~~فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة} فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت ~~تشرع ولو كان المقبور كافرا بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك ~~لا تشرع إلا في حق المؤمنين وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن ~~يطلب من الميت الحوائج أو يطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند ~~قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء. فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة ~~لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك. # ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم ~~والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرما منهيا عنه ولكان ~~صاحبه متعرضا لغضب الله ولعنته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وقال {قاتل الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما صنعوا. وقال {إن من كان قبلكم كانوا # PageV01P166 # يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ~~فإذا كان هذا محرما وهو سبب لسخط الرب ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميت ~~والدعاء عنده وبه واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء ~~الحاجات؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس قال ~~ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب ~~تعظيم قبور صالحيهم. وقد استفاض عن ابن عباس وغيره في صحيح البخاري وفي كتب ~~التفسير وقصص الأنبياء في قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ms0120 ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} أن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم قال ابن عباس: ثم ~~صارت هذه الأوثان في قبائل العرب. وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية ~~للشرك شيئا آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه ~~كصاحب الكتب المضنون بها وغيره ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنهم لا ~~يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ولا أنه يعلم الجزئيات ~~ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم. فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست ~~كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله ~~دعاءه؛ كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة ~~دعائهم. بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات # PageV01P167 # الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلا صالحا قد ~~مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض ~~على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية يفيض على ~~هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك - بل وقد لا ~~تعلم الروح المستشفع بها بذلك - ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه ~~يفيض على المرآة من شعاع الشمس ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من ~~تلك المرآة وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة ~~فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم. وفي هذا القول من ~~أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره. ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من ~~الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم وجعل القبور أوثانا ~~هو أول الشرك ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه ~~وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى ~~القبر ms0121 قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه وهذا يرى عند قبور الأنبياء ~~وغيرهم وإنما هو شيطان فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي ~~فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا في ذلك. وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق ~~هذا الموضع عن ذكره وهي كثيرة جدا والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من ~~القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما والمؤمن ~~العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور: # PageV01P168 # أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في ~~الأرض أو احتجب ولو كان رجلا صالحا أو ملكا أو جنيا مؤمنا لم تضره آية ~~الكرسي وإنما تضر الشياطين كما ثبت في الصحيح من {حديث أبي هريرة لما قال ~~له الجني: اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله ~~حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقك وهو ~~كذوب} . و (منها أن يستعيذ بالله من الشياطين. و (منها أن يستعيذ بالعوذ ~~الشرعية فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد ~~عبادتهم كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد ~~أن تحرقه فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي ~~التياح أنه قال {سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخا كبيرا قد أدرك النبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته ~~الشياطين؟ قال: تحدرت عليه من الشعاب والأودية وفيهم شيطان معه شعلة من نار ~~يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرعب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل قال ما أقول؟ قال ~~قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق ~~وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ms0122 ما يخرج من ~~الأرض ومن شر ما ينزل فيها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق ~~إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن قال فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل} . # PageV01P169 # وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: {قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن عفريتا من الجن جاء يفتك بي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله ~~عز وجل منه فذعته فأردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا ~~فتنظروا إليه ثم ذكرت قول سليمان عليه السلام {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي} فرده الله تعالى خاسئا} . وعن عائشة {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه صلى الله عليه وسلم فصرعه ~~فخنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا ~~دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس} أخرجه النسائي وإسناده على شرط ~~البخاري كما ذكر ذلك أبو عبد الله المقدسي في مختاره الذي هو خير من صحيح ~~الحاكم. وعن أبي سعيد الخدري {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~صلاة الصبح وهو خلفه فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال لو ~~رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي ~~هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية ~~من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين ~~القبلة أحد فليفعل} رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه. وفي صحيح ~~مسلم عن أبي الدرداء أنه قال: {قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه ~~يتناول شيئا فلما فرغ من صلاته قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول شيئا في ~~الصلاة لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك. قال إن عدو الله # PageV01P170 # إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: ms0123 أعوذ بالله منك ثلاث مرات ~~ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فاستأخر. ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة ~~أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان المدينة} . فإذا كانت الشياطين ~~تأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد عبادتهم فيدفعهم الله ~~تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد؛ ~~فكيف من هو دون الأنبياء؟ . فالنبي صلى الله عليه وسلم قمع شياطين الإنس ~~والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال ومن أعظمها الصلاة ~~والجهاد. وأكثر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد فمن كان ~~متبعا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء. وأما من ابتدع دينا ~~لم يشرعوه فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له واتباع نبيه ~~فيما شرعه لأمته وابتدع الغلو في الأنبياء والصالحين والشرك بهم فإن هذا ~~تتلعب به الشياطين قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} وقال تعالى: ~~{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} . و (منها أن يدعو ~~الرائي بذلك ربه تبارك وتعالى ليبين له الحال. و (منها أن يقول لذلك الشخص: ~~أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ~~ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين. وهذا كما إن كثيرا من العباد يرى الكعبة ~~تطوف به ويرى عرشا عظيما # PageV01P171 # وعليه صورة عظيمة ويرى أشخاصا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك ~~الصورة هي الله - تعالى وتقدس - ويكون ذلك شيطانا. وقد جرت هذه القصة لغير ~~واحد من الناس فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في ~~حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في العبادة فرأيت عرشا عظيما وعليه نور ~~فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك. قال: فقلت ~~له أنت الله الذي لا إله إلا هو اخسأ يا عدو الله. قال: فتمزق ذلك النور ~~وصار ms0124 ظلمة وقال يا عبد القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في ~~أحوالك. لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلا. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ ~~قال بقوله لي " حللت لك ما حرمت على غيرك " وقد علمت أن شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل ولأنه قال أنا ربك ولم يقدر أن يقول أنا ~~الله الذي لا إله إلا أنا. ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله وصار هو ~~وأصحابه يعتقدون أنهم يرون الله تعالى في اليقظة ومستندهم ما شاهدوه. وهم ~~صادقون فيما يخبرون به ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان. وهذا قد وقع ~~كثيرا لطوائف من جهال العباد يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا ~~لأن كثيرا منهم رأى ما ظن أنه الله وإنما هو شيطان. وكثير منهم رأى من ظن ~~أنه نبي أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطانا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال {من رآني في # PageV01P172 # المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي} فهذا في رؤية المنام ~~لأن الرؤية في المنام تكون حقا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به في ~~المنام وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا. فمن ظن أن المرئي هو ~~الميت فإنما أتي من جهله ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان. وبعض من رأى هذا - أو صدق من قال أنه رآه - اعتقد أن الشخص ~~الواحد يكون بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول. ومنهم من يقول هذه ~~رقيقة ذلك المرئي أو هذه روحانيته أو هذا معناه تشكل ولا يعرفون أنه جني ~~تصور بصورته. ومنهم من يظن أنه ملك والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة ~~والجن فيهم الكفار والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم تسليما فكثير ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين أرسلان ملائكة. ~~وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم ms0125 روح يقول هي ~~روحانية الكواكب ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين ~~يغوون المشركين. # والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان. فتارة ~~يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها. وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل ~~وتمريض ونحو ذلك. # PageV01P173 # والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان. فتارة ~~يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها. وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل ~~وتمريض ونحو ذلك. وتارة يجلبون له من يريده من الإنس. وتارة يسرقون له ما ~~يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك فيعتقد أنه من كرامات ~~الأولياء وإنما يكون مسروقا. وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان ~~بعيد. فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة ~~مع أنه لم يحج حج المسلمين: لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا ~~والمروة ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال. ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت ~~من غير عمرة شرعية فلا يحرم إذ حاذى الميقات. ومعلوم أن من أراد نسكا بمكة ~~لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرما ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له ~~أو طلب علم كان مأمورا أيضا بالإحرام من الميقات وهل ذلك واجب أو مستحب؟ ~~فيه قولان مشهوران للعلماء. وهذا باب واسع. ومنه السحر والكهانة وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم ~~من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه فإنه ما من ~~أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ~~ذلك ما كان من أسباب ضلاله؛ كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم ~~فيرون من يكون في صورتهم أو يظنون أنه في صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ~~ويقضي بعض حوائجهم فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذي كلمهم وقضى ~~مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين. # PageV01P174 # ومنهم من يقول هو ms0126 ملك من الملائكة والملائكة لا تعين المشركين وإنما هم ~~شياطين أضلوهم عن سبيل الله. وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي ~~يعرفها من هنالك ومن وقعت له ما يطول وصفه. وأهل الجاهلية فيها نوعان: نوع ~~يكذب بذلك كله. ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله. فالأول يقول إنما هذا ~~خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة فمن ~~رأى ذلك وعاينه موجودا أو تواتر عنده ذلك عمن رآه موجودا في الخارج وأخبره ~~به من لا يرتاب في صدقه كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين ~~المبتدعين المشاهدين لذلك والعارفين به بالأخبار الصادقة. ثم هؤلاء ~~المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له ~~واعتقدوا أنه من أولياء الله مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدي فرائض الله حتى ~~ولا الصلوات الخمس ولا يجتنب محارم الله؛ لا الفواحش ولا الظلم؛ بل يكون من ~~أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف الله بها أولياءه في قوله تعالى ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} . فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات # PageV01P175 # والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين. فمنهم ~~من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه ويعتقد فيمن لا يصلي بل ولا يؤمن ~~بالرسل؛ بل يسب الرسل ويتنقص أنه من أعظم أولياء الله المتقين. ومنهم من ~~يبقى حائرا مترددا شاكا مرتابا يقدم إلى الكفر رجلا وإلى الإسلام أخرى ~~وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان. وسبب ذلك أنهم استدلوا على ~~الولاية بما لا يدل عليها فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من ~~الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} . وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم ~~مخالفة للشرع ففيهم من الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذي ~~بعث به نبيه صلى ms0127 الله عليه وسلم. وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم ~~وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهي دلالة وعلامة على ذلك. والجاهل الضال يظن ~~أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله تعالى وأنها علامة ودلالة على إيمانهم ~~وولايتهم لله سبحانه وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك في مسألة (الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان ولم يعلم أن هذه الأحوال التي جعلها دليلا على الولاية تكون للكفار ~~- من المشركين وأهل الكتاب - أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام والدليل ~~مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله فإذا # PageV01P176 # وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان فضلا عن ~~الولاية ولا كانت مختصة بذلك فامتنع أن تكون دليلا عليه. وأولياء الله هم ~~المؤمنون المتقون وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة ~~والفسق. وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة ~~للمسلمين. والمقتصدون قد يستعملونها في المباحات. وأما من استعان بها في ~~المعاصي فهو ظالم لنفسه متعد حد ربه وإن كان سببها الإيمان والتقوى. فمن ~~جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها في طاعة الشيطان فهذا المال وإن ناله بسبب ~~عمل صالح فإذا أنفقه في طاعة الشيطان كان وبالا عليه فكيف إذا كان سبب ~~الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهي تدعو إلى كفر آخر وفسوق وعصيان. ولهذا ~~كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام. ولبسط هذه ~~الأمور موضع آخر. # والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند ~~الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك؛ فإذا شاهد أحدهم ~~القبر انشق وخرج منه شيخ بهي عانقه أو كلمه ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو ~~الشيخ المقبور والقبر لم ينشق؛ وإنما الشيطان مثل له ذلك # PageV01P177 # كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو ~~الشيطان تمثل له في صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط. ومن هؤلاء من يقول ~~لذلك الشخص الذي رآه قد خرج ms0128 من القبر: نحن لا نبقى في قبورنا بل من حين ~~يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشي بين الناس. ومنهم من يرى ذلك الميت في ~~الجنازة يمشي ويأخذ بيده إلى أنواع أخرى معروفة عند من يعرفها. وأهل الضلال ~~إما أن يكذبوا بها وإما أن يظنوها من كرامات أولياء الله ويظنون أن ذلك ~~الشخص هو نفس النبي أو الرجل الصالح أو ملك على صورته وربما قالوا هذه ~~روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت حتى قد يكون من يرى ذلك ~~الشخص في مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون في الساعة الواحدة في مكانين ~~ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته: ليس هو ذلك الإنسي. وهذا ونحوه مما يبين ~~أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم: هم ~~من المشركين الذين يدعون غير الله كالذين يدعون الكواكب والذين اتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا قال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ~~ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون # PageV01P178 # كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} وقال تعالى: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} . ومثل هذا كثير في القرآن: ينهى أن يدعى غير الله لا من ~~الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم؛ فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك؛ بخلاف ~~ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضي إلى ذلك؛ فإن ~~أحدا من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته فإنه ينهى من يفعل ms0129 ~~ذلك؛ بخلاف دعائهم بعد موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وكذلك دعاؤهم في ~~مغيبهم هو ذريعة إلى الشرك. فمن رأى نبيا أو ملكا من الملائكة وقال له " ~~ادع لي " لم يفض ذلك إلى الشرك به بخلاف من دعاه في مغيبه فإن ذلك يفضي إلى ~~الشرك به كما قد وقع فإن الغائب والميت لا ينهى من يشرك بل إذا تعلقت ~~القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعا وقصد مكان قبره أو ~~تمثاله أو غير ذلك كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ~~ومبتدعة المسلمين. # ومعلوم أن الملائكة تدعوا للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى: {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون # PageV01P179 # للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك وقهم عذاب الجحيم} {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} {وقهم السيئات ومن تق ~~السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} وقال تعالى: {تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم} {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما ~~أنت عليهم بوكيل} . فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد. ~~وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين ~~يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه ~~بدون سؤال أحد. وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من ~~الأنبياء والصالحين ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ~~ويشفعون لوجهين: أحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم ~~يطلب منهم وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة في الطلب ~~منهم. الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك ~~بهم ففيه هذه المفسدة فلو قدر أن فيه ms0130 مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ~~ولا مصلحة فيه؛ بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة # PageV01P180 # فيه؛ فإنهم ينهون عن الشرك بهم. بل فيه منفعة وهو أنهم يثابون ويؤجرون ~~على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم فإنهم في دار العمل والتكليف ~~وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة. # وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبا على ~~السائل ولا مستحبا بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل ~~عليه. وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلا على الله ~~أفضل قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} أي ارغب إلى الله لا ~~إلى غيره وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فجعل الإيتاء لله ~~والرسول لقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~فأمرهم بإرضاء الله ورسوله. وأما في الحسب فأمرهم أن يقولوا (حسبنا الله لا ~~يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ويقولوا: {إنا إلى الله راغبون} لم يأمرهم أن ~~يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في ~~الآية الأخرى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لابن عباس {يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ ~~الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله جف القلم بما # PageV01P181 # أنت لاق فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك ~~فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر ~~على ما تكره خيرا كثيرا} وهذا الحديث معروف مشهور؛ ولكن قد يروى مختصرا. ~~وقوله {إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} هو من أصح ما روي ~~عنه. ms0131 وفي المسند لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول ~~لأحد ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا. وفي صحيح ~~مسلم عن عوف بن مالك {أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع طائفة من أصحابه ~~وأسر إليهم كلمة خفية: أن لا تسألوا الناس شيئا. قال عوف: فقد رأيت بعض ~~أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه.} وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير ~~حساب وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون} ~~فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. والرقية من ~~جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك. وقد روي فيه " ولا يرقون " وهو غلط فإن ~~رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه ~~وغيره ولم يكن يسترقي فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره ~~وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة ~~آدم وإبراهيم وموسى وغيرهم. # PageV01P182 # وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل قال " حسبي من ~~سؤالي علمه بحالي " ليس له إسناد معروف وهو باطل بل الذي ثبت في الصحيح عن ~~ابن عباس أنه قال: " حسبي الله ونعم الوكيل " قال ابن عباس: قالها إبراهيم ~~حين ألقي في النار وقالها محمد حين: {قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم} وقد روي أن جبريل قال: هل لك من حاجة؟ قال " أما إليك فلا " وقد ~~ذكر هذا الإمام أحمد وغيره. وأما سؤال الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور في ~~القرآن في غير موضع فكيف يقول حسبي من سؤالي علمه بحالي والله بكل شيء عليم ~~وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه ~~الأمور أسبابا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين. وهو ~~سبحانه يعلم الأشياء على ms0132 ما هي عليه فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ~~ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب ~~التي تقضى بها حاجته كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته. ~~ولكن العبد قد يكون مأمورا في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روي ~~في الحديث {من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} وفي ~~الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من شغله قراءة القرآن عن ~~ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} قال الترمذي حديث حسن غريب. # و ### | أفضل العبادات البدنية الصلاة # وفيها القراءة والذكر والدعاء وكل # PageV01P183 # واحد في موطنه مأمور به ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن وفي الركوع ~~والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر وفي آخرها يؤمر ~~بالدعاء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك ~~والدعاء في السجود حسن مأمور به ويجوز الدعاء في القيام أيضا وفي الركوع ~~وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال ~~المشروع حسن مأمور به. وقد سأل الخليل وغيره قال تعالى عنه: {ربنا إني ~~أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} {ربنا إنك ~~تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} ~~{الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} {رب ~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء} {ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} وقال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} {ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم} {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} . وكذلك دعاء المسلم ms0133 لأخيه حسن ~~مأمور به وقد ثبت في الصحيح عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {ما من رجل يدعو # PageV01P184 # لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك ~~الموكل به: آمين ولك بمثله} أي بمثل ما دعوت لأخيك به. وأما سؤال المخلوق ~~المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به؛ بخلاف سؤال العلم فإن ~~الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} وقال تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون} وهذا لأن العلم يجب بذله فمن سئل عن علم يعلمه ~~فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. وهو يزكو على التعليم لا ينقص ~~بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل ولهذا يشبه بالمصباح. وكذلك من له عند ~~غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة لصاحبها أن يسألها ~~ممن هي عنده وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة التي يتولى قسمتها ~~ولي الأمر للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف والميراث والوصية؛ ~~لأن المستولي يجب عليه أداء الحق إلى مستحقه. ومن هذا الباب سؤال النفقة ~~لمن تجب عليه وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما استطعم موسى والخضر ~~أهل القرية. وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه. وكل واحد من ~~المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه: # PageV01P185 # فالبائع يسأل الثمن والمشتري يسأل المبيع. ومن هذا الباب قوله تعالى ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} . ومن السؤال ما لا يكون مأمورا به ~~والمسئول مأمور بإجابة السائل. قال تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} وقال ~~تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} وقال تعالى: {فكلوا ~~منها وأطعموا القانع والمعتر} ومنه الحديث {إن أحدكم ليسألني المسألة فيخرج ~~بها يتأبطها نارا} وقوله {اقطعوا عني لسان هذا} ms0134 وقد يكون السؤال منهيا عنه ~~نهي تحريم أو تنزيه وإن كان المسئول مأمورا بإجابة سؤاله. فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم كان من كماله أن يعطي السائل وهذا في حقه من فضائله ومناقبه وهو ~~واجب أو مستحب وإن كان نفس سؤال السائل منهيا عنه. ولهذا لم يعرف قط أن ~~الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئا من ذلك ولا سألوه أن يدعو لهم ~~وإن كانوا يطلبون منه أن يدعو للمسلمين كما {أشار عليه عمر في بعض مغازيه ~~لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر: يا رسول الله كيف بنا إذا لقينا ~~العدو غدا رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ~~ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك. وفي رواية: فإن الله ~~سيغيثنا بدعائك.} وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن يدعو ~~الله له ليرد عليه بصره وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس وكما ~~سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ونحو ذلك. ~~وأما الصديق فقد قال الله فيه وفي مثله: {وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله # PageV01P186 # يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف ~~يرضى} وقد ثبت في الصحاح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم {إن أمن الناس ~~علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا} فلم يكن في الصحابة أعظم منه من الصديق في نفسه وماله. وكان ~~أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق فقال تعالى ~~{وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ~~{إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} فلم يكن لأحد عند الصديق نعمة ~~تجزى؛ فإنه كان مستغنيا بكسبه وماله عن كل أحد والنبي صلى الله عليه وسلم ~~كان له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم وتلك النعمة لا تجزى فإن أجر ~~الرسول ms0135 فيها على الله كما قال تعالى: {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين} . وأما علي وزيد وغيرهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان له عندهم نعمة تجزى فإن زيدا كان مولاه فأعتقه. قال تعالى: {وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} وعلي كان في عيال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~والعباس التخفيف عن أبي طالب من عياله فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عليا ~~إلى عياله وأخذ العباس جعفرا إلى عياله وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود ~~هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل # PageV01P187 # الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله ~~كاشترائه المعذبين. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا في خاصة نفسه ~~لا إلى أبي بكر ولا غيره بل لما قال له في سفر الهجرة: إن عندي راحلتين فخذ ~~إحداهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بالثمن " فهو أفضل صديق لأفضل نبي ~~وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب ~~جزاء من أحد من الخلق لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم. ومن الجزاء أن ~~يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا} والدعاء جزاء كما في الحديث {من أسدى إليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه} ~~. وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا ~~حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله. وقال بعض السلف: إذا ~~قال لك السائل: بارك الله فيك فقل: وفيك بارك الله فمن عمل خيرا مع ~~المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا أو ملكا من الملوك أو غنيا ~~من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصا ms0136 لله يبتغي به وجه ~~الله لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره لا من نبي ولا رجل صالح ~~ولا من الملائكة فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين. وهذا ~~هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل # PageV01P188 # فلا يقبل من أحد دينا غيره قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وكان نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ~~وسائر أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام قال نوح: {وأمرت أن أكون من ~~المسلمين} وقال عن إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} وقالت السحرة: {ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين} وقال يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} وقال تعالى: ~~{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا} وقال عن الحواريين: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} . # ودين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له وأن نعبده ~~بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب فيعبد في ~~كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان ~~العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل. وكذلك في أول الإسلام لما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام ~~ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام والعدول عنها ~~إلى الصخرة خروجا عن دين # PageV01P189 # الإسلام. فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه ~~الله من واجب ومستحب فليس بمسلم. ولا ms0137 بد في جميع الواجبات والمستحبات أن ~~تكون خالصة لله رب العالمين؛ كما قال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة} {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وقال تعالى: {تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله ~~مخلصا له الدين} {ألا لله الدين الخالص} . فكل ما يفعله المسلم من القرب ~~الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة ~~الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال هو مأمور بأن يفعله ~~خالصا لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء: لا دعاء ولا غير دعاء ~~فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاء ولا غيره. # وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع ~~ويكون المسئول مأمورا بالإعطاء قبل السؤال وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين ~~بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك صلى الله عليه وسلم فإنه أجل قدرا وأغنى ~~بالله عن غيره. فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير ~~الله وهي من نوع الشرك. ومفسدة إيذاء المسئول وهي من نوع ظلم الخلق. # PageV01P190 # وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس. فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة وقد ~~نزه الله رسوله عن ذلك كله. وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم ~~بها ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات وإن كان هو ينتفع ~~بدعائهم له فهو أيضا ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة ~~فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور ~~من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء} ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ~~الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل ~~أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ولهذا لم تجر عبادة السلف بأن يهدوا ~~إليه ثواب الأعمال لأن له ms0138 مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ~~ثوابهم شيء. وليس كذلك الأبوان فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل ~~أجره وإنما ينتفع الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب كما قال ~~في الحديث الصحيح: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ~~وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له} . فالنبي صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يطلبه من أمته من الدعاء - طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال. فمن ذلك ~~أمره لنا بالصلاة والسلام عليه فهذا أمر الله به في القرآن بقوله: {صلوا ~~عليه وسلموا تسليما} . والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة. # PageV01P191 # ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة} وفي صحيح البخاري عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا ~~الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. حلت له شفاعتي يوم القيامة} فقد رغب ~~المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة وبين أن من سألها له حلت له شفاعته ~~يوم القيامة؛ كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فإن الجزاء من ~~جنس العمل. ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ~~وابن ماجه {أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة ~~فأذن له ثم قال لا تنسنا يا أخي من دعائك} فطلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~من عمر ms0139 أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه وأن يسأل الله له الوسيلة ~~والدرجة الرفيعة وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات فمقصوده نفع المطلوب منه ~~والإحسان إليه. وهو صلى الله عليه وسلم أيضا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم ~~به وينتفع أيضا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له. # PageV01P192 # ومن هذا الباب {قول القائل: إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ ~~قال ما شئت قال: الربع قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك قال: النصف. قال ما ~~شئت وإن زدت فهو خير لك قال: الثلثين. قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قال: ~~أجعل لك صلاتي كلها. قال: إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك} رواه أحمد في مسنده ~~والترمذي وغيرهما. وقد بسط الكلام عليه في (جواب المسائل البغدادية. فإن ~~هذا كان له دعاء يدعو به فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته فإنه كلما صلى عليه مرة ~~صلى الله عليه عشرا وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة " آمين ولك ~~بمثله " فدعاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك. ومن قال لغيره من ~~الناس: ادع لي - أو لنا - وقصد أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو ~~أيضا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح. وأما إن لم ~~يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه فهذا ليس من ~~المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي ~~تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. وهذا ~~كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع. # PageV01P193 # وأما سؤال الميت فليس بمشروع لا واجب ولا مستحب؛ بل ولا مباح؛ ولم يفعل ~~هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من سلف ~~الأمة لأن ذلك فيه ms0140 مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة والشريعة إنما تأمر ~~بالمصالح الخالصة أو الراجحة وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل إما أن يكون ~~مفسدة محضة أو مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع. فقد تبين أن ما فعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء من غيره: هو من باب الإحسان إلى الناس ~~الذي هو واجب أو مستحب. وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة ~~قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم هو من باب الإحسان إلى الموتى ~~الذي هو واجب أو مستحب فإن الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة ~~فالصلاة حق الحق في الدنيا والآخرة والزكاة حق الخلق فالرسول أمر الناس ~~بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده بأن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئا. ومن ~~عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على الجنائز ~~وكزيارة قبور المؤمنين فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك الشرك ~~بالخالق وإيذاء المخلوق فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ولا ~~الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين مؤذين ظالمين ~~لمن يسألونه وكانوا ظالمين لأنفسهم، فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة # PageV01P194 # فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش ~~والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم ~~وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين ~~بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى} وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه ~~يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} رواه الحاكم في صحيحه وقد ثبت عنه في ~~الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اليد العليا خير من اليد السفلى} ~~وقال: {اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة} وهذا ثابت عنه في ~~الصحيح. فأين الإحسان إلى عباد الله من ms0141 إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم؟ وأين ~~التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك ~~به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله، ~~وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في ~~عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر ~~بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا ~~والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها. # PageV01P195 # ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول قال تعالى: {ألم أعهد إليكم ~~يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم} {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} وقال تعالى: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وقال تعالى: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} ~~وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} وذكر الرحمن: هو الذكر الذي أنزل ~~الله على رسوله الذي قال فيه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقال ~~تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقد ~~قال تعالى: {المص} {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين} {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ~~ما تذكرون} وقد قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} {الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد} وقال تعالى: {وكذلك ms0142 أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به # PageV01P196 # من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . # فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بفعل ~~ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر ولا طريق إلى الله إلا ذلك وهذا سبيل ~~أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين. وكل ما خالف ~~ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال ~~تعالى {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن الهوى} {إن هو ~~إلا وحي يوحى} وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا {اهدنا الصراط ~~المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقد ~~روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~{اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} قال الترمذي حديث صحيح. وقال سفيان بن ~~عيينة: كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من ~~عبادنا ففيه شبه من النصارى. وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا فتنة ~~العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. فمن عرف الحق ~~ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} . # PageV01P197 # ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله ~~فيهم: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} فالأول من الغاوين والثاني ~~من الضالين. فإن الغي اتباع الهوى والضلال عدم الهدى قال تعالى: {واتل ~~عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} ~~{ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل ms0143 الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون} وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين} . ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء. نسأل الله ~~أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # PageV01P198 # فصل: # إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ " الوسيلة " و " التوسل فيه إجمال واشتباه ~~يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ~~ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه ~~المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو ~~بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا ~~يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وفي قوله تعالى {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا} . فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ~~ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات ~~والمستحبات فهذه الوسيلة التي # PageV01P199 # أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب وما ليس بواجب ولا ~~مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا. فالواجب والمستحب ~~هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء ~~به الرسول. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه ~~باتباع ما جاء به الرسول لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. والثاني ms0144 لفظ " ~~الوسيلة " في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم {سلوا الله لي ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة} ~~وقوله {من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا ~~تخلف الميعاد حلت له الشفاعة} . فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد ~~من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها ~~للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة ~~لأن الجزاء من جنس العمل فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن ~~يدعو هو لهم فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال إنه من صلى عليه مرة صلى ~~الله عليه بها عشرا. # PageV01P200 # وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة ~~فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته. والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين ~~يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن ~~يعتقدون فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق ~~المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. فأما المعنيان الأولان - ~~الصحيحان باتفاق العلماء: - فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل ~~بالإيمان به وبطاعته. والثاني دعاؤه وشفاعته كما تقدم: فهذان جائزان بإجماع ~~المسلمين ومن هذا قول عمر بن الخطاب: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا ~~إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا أي بدعائه وشفاعته ~~وقوله تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة} أي القربة إليه بطاعته؛ وطاعة رسوله ~~طاعته قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} . فهذا التوسل الأول هو ~~أصل الدين وهذا لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته - ~~كما قال عمر ms0145 - فإنه توسل بدعائه لا بذاته؛ ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى ~~التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل ~~بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل # PageV01P201 # بالعباس: علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته؛ بخلاف التوسل الذي هو ~~الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائما. # فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان: - (أحدها التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم ~~الإيمان إلا به. و (الثاني التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان في حياته ويكون ~~يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. و (الثالث التوسل به بمعنى الإقسام على الله ~~بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ~~ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في ~~شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة ~~مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا ~~هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل ~~بمخلوق ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. قال أبو الحسين القدوري في كتابه ~~الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد ~~من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ~~ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول " بمعاقد العز من عرشك " أو ~~" بحق # PageV01P202 # خلقك ". وهو قول أبي يوسف قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا ~~أكره هذا وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام ~~والمشعر الحرام. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على ~~الخالق فلا تجوز وفاقا. وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا ~~يسأل بمخلوق له معنيان: أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم ~~أحد بالمخلوق فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق ms0146 فلأن يمنع أن يقسم على ~~الخالق بمخلوق أولى وأحرى. وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا ~~يغشى والنهار إذا تجلى {والشمس وضحاها} {والنازعات غرقا} {والصافات صفا} ~~فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ~~ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه بخلاف المخلوق فإن إقسامه بالمخلوقات شرك ~~بخالقها كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من حلف بغير ~~الله فقد أشرك} وقد صححه الترمذي وغيره وفي لفظ {فقد كفر} وقد صححه الحاكم. ~~وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} ~~وقال {لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم} وفي الصحيحين ~~عنه أنه قال {من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله} . # PageV01P203 # وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو ~~حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب ~~الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ~~ولا كفارة في الحلف بذلك. والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك. ~~وقيل هي مكروهة كراهة تنزيه والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد ~~الله بن عباس وعبد الله بن عمر: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف ~~بغير الله صادقا. وذلك لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب. # وإنما نعرف النزاع في الحلف بالأنبياء فعن أحمد في ### | الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم # روايتان. إحداهما لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي. والثانية ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي ~~وأتباعه وابن المنذر وافق هؤلاء. وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم خاصة وعدى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء. ~~وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وإن كان نبيا قول ضعيف ms0147 في الغاية مخالف ~~للأصول والنصوص # PageV01P204 # فالإقسام به على الله - والسؤال به بمعنى الإقسام - هو من هذا الجنس. ~~وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم - وبينهما فرق ~~- فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار القسم وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~قال: {إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره قال ذلك لما قال أنس بن ~~النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: ~~يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفوا فقال صلى الله عليه وسلم إن من ~~عباد الله من لو أقسم على الله لأبره} وقال: {رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب ~~لو أقسم على الله لأبره} رواه مسلم وغيره وقال: {ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ~~ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ ~~مستكبر} وهذا في الصحيحين. وكذلك حديث أنس بن النضر والآخر من إفراد مسلم ~~وقد روي في قوله: {إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أنه قال: ~~منهم البراء بن مالك} وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار ~~يقولون: يا براء أقسم على ربك. فيقسم على الله فتنهزم الكفار. فلما كانوا ~~على قنطرة بالسوس قالوا: يا براء أقسم على ربك. فقال: يا رب أقسمت عليك لما ~~منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد. فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد ~~البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من ~~شرك في دمه وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب. # PageV01P205 # والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا فإن حنثه ولم ~~يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء كما لو ~~حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئا ولم يفعله فالكفارة على الحالف ~~الحانث. # وأما قوله: " سألتك بالله أن تفعل كذا " فهذا سؤال وليس بقسم وفي الحديث ~~{من سألكم ms0148 بالله فأعطوه} ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله. والخلق كلهم ~~يسألون الله مؤمنهم وكافرهم وقد يجيب الله دعاء الكفار فإن الكفار يسألون ~~الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه ~~فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا. وأما الذين يقسمون على ~~الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون. فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك ~~الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام. وأسألك ~~بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ~~وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه ~~وصفاته وليس ذلك إقساما عليه فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته فمغفرته ~~ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم وعفوه من مقتضى اسمه العفو؛ ولهذا لما ~~{قالت عائشة للنبي # PageV01P206 # صلى الله عليه وسلم إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال قولي: اللهم إنك ~~عفو تحب العفو فاعف عني} . وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي وفي الأثر ~~المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلا أن يقول: يا دليل الحيارى دلني على ~~طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين. وجميع ما يفعل الله بعبده من ~~الخير من مقتضى اسمه الرب ولهذا يقال في الدعاء: يا رب يا رب كما قال آدم: ~~{ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقال نوح: ~~{رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين} وقال إبراهيم: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} وكذلك ~~سائر الأنبياء. وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن ~~يقول الداعي يا سيدي يا سيدي وقالوا: قل كما قالت الأنبياء: رب رب واسمه ~~الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في ms0149 غير هذا ~~الموضع ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد في الدعاء. ~~فإذا سئل المسئول بشيء - والباء للسبب - سئل بسبب يقتضي وجود المسئول. فإذا ~~قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض كان كونه ~~محمودا منانا بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل # PageV01P207 # وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه وحمد العبد له سبب إجابة ~~دعائه؛ ولهذا أمر المصلي أن يقول: {سمع الله لمن حمده} أي استجاب الله دعاء ~~من حمده فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه وسلم {أعوذ ~~بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع} أي ~~لا يستجاب. ومنه قول الخليل في آخر دعائه {إن ربي لسميع الدعاء} ومنه قوله ~~تعالى {وفيكم سماعون لهم} وقوله: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك} أي يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك ولهذا ~~أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله ~~سبحانه. {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ~~ولم يصل على نبيه فقال عجل هذا ثم دعاه فقال إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ~~الله والثناء عليه وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليدع بعد بما شاء} ~~أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. {وقال عبد الله بن مسعود: كنت أصلي والنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم ~~بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم سل تعطه} ~~رواه الترمذي وحسنه. فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت ويراد به معرفة المعنى ~~مع ذلك # PageV01P208 # ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم. قال تعالى: {ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم} ثم قال {ولو أسمعهم} على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا ~~الحق ثم {لتولوا وهم معرضون} فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه ms0150 لم ~~يعملوا به. # وإذا قال السائل لغيره: أسأل بالله فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب ~~لإعطاء من سأله به فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق لا سيما إن كان ~~المطلوب كف الظلم فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم وأمره أعظم الأسباب في ~~حض الفاعل فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى. وقد ~~جاء في حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه عن عطية العوفي عن أبي سعيد ~~الخدري {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في ~~دعائه: وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا ~~بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك} . فإن كان ~~هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم وهو حق ~~أوجبه على نفسه لهم كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة ~~الدعاء كما في قوله تعالى {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من ~~فضله} . وكما يسأل بوعده لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده ومنه قول المؤمنين: # PageV01P209 # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} وقوله: {إنه كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} {فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري} . ويشبه هذا مناشدة النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر حيث يقول: {اللهم أنجز لي ما وعدتني} وكذلك ما في التوراة أن الله ~~تعالى غضب على بني إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم ~~فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم. # ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار فسأل كل ~~واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة ~~تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه وهذا سأل بعفته التامة وهذا سأل ~~بأمانته وإحسانه. وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر " اللهم أمرتني ~~فأطعتك ودعوتني ms0151 فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي " ومنه حديث ابن عمر أنه كان يقول ~~على الصفا: " اللهم إنك قلت وقولك الحق {ادعوني أستجب لكم} وإنك لا تخلف ~~الميعاد " ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا. فقد ~~تبين أن قول القائل " أسألك بكذا " نوعان: فإن الباء قد تكون # PageV01P210 # للقسم وقد تكون للسبب فقد تكون قسما به على الله وقد تكون سؤالا بسببه. ~~فأما الأول: فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟ وأما ~~الثاني وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن ~~أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك ومن الناس من يجوز ذلك فنقول: قول ~~السائل لله تعالى: " أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين ~~وغيرهم أو بجاه فلان أو بحرمة فلان " يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه وهذا ~~صحيح. فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ~~ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا مع أنه سبحانه قال: {من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} . ويقتضي أيضا أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له ~~الاقتداء بهم فيه كان سعيدا ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيدا ~~ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم ~~حتى يسأل الله بذلك بل جاههم ينفعه أيضا إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به ~~عن الله أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين وينفعه أيضا إذا دعوا له وشفعوا ~~فيه. فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة ولا منه سبب يقتضي الإجابة لم ~~يكن متشفعا بجاههم ولم يكن سؤاله بجاههم نافعا له عند الله بل يكون قد سأل # PageV01P211 # بأمر أجنبي عنه ليس سببا لنفعه. ولو قال الرجل لمطاع كبير: " أسألك بطاعة ~~فلان لك وبحبك له على طاعتك وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك لكان قد سأله ~~بأمر أجنبي لا تعلق له به فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ومحبته لهم ~~وتعظيمه لأقدارهم ms0152 مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس في ذلك ما يوجب إجابة ~~دعاء من يسأل بهم وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم أو سبب منهم ~~لشفاعتهم له فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب. # نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحبته له وطاعته له ~~واتباعه لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب ~~والوسائل. والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل ~~التوحيد لا أهل الشرك وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة كما في الصحيح أنه ~~قال {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة ~~صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي ~~إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد. فمن سأل الله لي ~~الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة} وفي الصحيح {أن أبا هريرة قال له: أي ~~الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال من قال لا إله إلا الله خالصا من ~~قلبه} . فبين صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان ~~أعظم توحيدا وإخلاصا لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فإذا شفع ~~محمد صلى الله عليه وسلم حد له ربه حدا فيدخلهم الجنة وذلك بحسب # PageV01P212 # ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من ~~سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة فبين أن شفاعته تنال ~~باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له ~~به. # وأما السؤال بحق فلان فهو مبني على أصلين: أحدهما ما له من الحق عند الله ~~والثاني هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة؟ أما الأول فمن الناس ~~من يقول: للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل وقاس المخلوق على الخالق ms0153 كما ~~يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم. ومن الناس من يقول: لا حق للمخلوق ~~على الخالق بحال لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره كما يقول ذلك من يقوله ~~من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة. ومنهم من يقول: بل كتب ~~الله على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم ~~على نفسه لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس بمخلوقاته بل هو بحكم رحمته ~~وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم كما قال في الحديث ~~الصحيح الإلهي: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا ~~تظالموا} . وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} . وقال تعالى: {وكان ~~حقا علينا نصر المؤمنين} وفي الصحيحين {عن معاذ عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: يا معاذ أتدري ما حق الله على # PageV01P213 # عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا. يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله ~~أعلم قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم} فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده ~~الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره وعلى الثاني يستحقون ما ~~أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه. فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق ~~يسأل به - كما روي أن الله تعالى قال لداود: وأي حق لآبائك علي؟ - فهو صحيح ~~إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب ~~للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه ~~حقا بعبادتهم. وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه ~~يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ~~ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى ~~العوض والمجازاة على ذلك ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل ~~كذا؟ يمن عليه بما يفعله معه وإن ms0154 لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه. وتخيل ~~مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه أن عمل ~~الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غني عن الخلق كما في قوله تعالى {إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} وقوله تعالى {من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} وقوله تعالى {إن تكفروا # PageV01P214 # فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} وقوله ~~تعالى {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} وقال تعالى: في ~~قصة موسى عليه السلام {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} ~~{وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} وقال ~~تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا} وقال ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين} . وقد بين سبحانه أنه المان بالعمل فقال تعالى: {يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين} وقال تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} {فضلا من الله ونعمة ~~والله عليم حكيم} . وفي الحديث الصحيح الإلهي: {يا عبادي إنكم لن تبلغوا ~~ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل ~~والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ~~ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم # PageV01P215 # مسألته ما نقص ms0155 ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر} . # وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. # منها أن الرب تعالى غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره ~~بوجه من الوجوه. والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية. # ومنها أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة ~~التائبين فهو الذي يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ~~ومشيئته. وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو ~~المنعم على عباده بالإيمان بخلاف القدرية. والمخلوق قد يحصل له ما يحبه ~~بفعل غيره. # ومنها أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما قال ~~قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم ولا ينهاهم عما ~~نهاهم عنه بخلا عليهم بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم. بخلاف المخلوق ~~الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلا عليه. وهذا أيضا ظاهر ~~على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون: إنه لم يأمر ~~العباد إلا بخير ينفعهم ولم ينههم إلا عن شر يضرهم؛ بخلاف المجبرة الذين ~~يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم. و (منها أنه سبحانه ~~هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك ~~مما به يحصل العلم والعمل الصالح وهو الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا ~~به. ولهذا قال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا # PageV01P216 # لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق} وليس ~~يقدر المخلوق على شيء من ذلك. # و (منها أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء ~~النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها فكيف والعبادة من نعمته أيضا. و ~~(منها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن يدخل أحد ~~الجنة بعمله وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها ms0156 إلى مغفرة الله لها: {ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم {لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله} لا يناقض قوله تعالى {جزاء بما كانوا ~~يعملون} . فإن المنفي نفي بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعت هذا بهذا ~~وما أثبت أثبت بباء السبب فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء ~~ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى ~~وعفوه فهو ضال كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لن ~~يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمة منه وفضل وروي بمغفرته} ومن هذا أيضا الحديث الذي في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله لو عذب أهل سمواته ~~وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من ~~أعمالهم} الحديث. # ومن قال: بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر # PageV01P217 # الله بوقوعه فإن الله صادق لا يخلف الميعاد وهو الذي أوجبه على نفسه ~~بحكمته وفضله ورحمته وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به يسأل ~~الله تعالى إنجاز وعده أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات ~~كالأعمال الصالحة فهذا مناسب وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك ~~الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص وذلك سؤال بأمر أجنبي عن هذا السائل ~~لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه. # وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التي تقتضي ما يفعله بالعباد من الهدى ~~والرزق والنصر. فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به. فقول المنازع: لا يسأل ~~بحق الأنبياء فإنه لا حق للمخلوق على الخالق: ممنوع فإنه قد ثبت في ~~الصحيحين حديث معاذ الذي تقدم إيراده وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} . فيقال للمنازع: الكلام في هذا في ~~مقامين: - أحدهما ms0157 في حق العباد على الله. والثاني في سؤاله بذلك الحق. أما ~~الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم ووعد السائلين بأن ~~يجيبهم وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد قال الله تعالى: {وعد الله حقا ومن ~~أصدق من الله قيلا} {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} فهذا مما يجب وقوعه # PageV01P218 # بحكم الوعد باتفاق المسلمين. وتنازعوا: هل عليه واجب بدون ذلك؟ على ثلاثة ~~أقوال - كما تقدم. قيل: لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك. وقيل: بل يجب عليه ~~واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده. وقيل: هو أوجب على نفسه وحرم ~~على نفسه فيجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما حرمه على نفسه كما ثبت ~~في الصحيح من حديث أبي ذر كما تقدم. والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين لكن ~~تنازعوا في الظلم الذي لا يقع فقيل: هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا ~~يكون ظلما لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير وإما مخالفة الأمر الذي يجب ~~عليه طاعته وكلاهما ممتنع منه. وقيل: بل ما كان ظلما من العباد فهو ظلم ~~منه: وقيل: الظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا ~~قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} قال ~~المفسرون: هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه والهضم أن يهضم من ~~حسناته. وقال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما} {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} . وأما المقام الثاني ~~فإنه يقال: ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو # PageV01P219 # حق؛ لكن الكلام في السؤال بذلك فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سببا ~~لإجابة السؤال حسن السؤال به كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه. وأما إذا قال ~~السائل: بحق فلان وفلان فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن ~~يكرمهم بثوابه ms0158 ويرفع درجاتهم - كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه - فليس في ~~استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سببا لمطلوب هذا السائل ~~فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة. وهذا لا ~~يستحق ما استحقه ذلك. فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضي إجابة هذا. وإن ~~قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له وإن لم ~~يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب. وإن قال: السبب هو محبتي له وإيماني ~~به وموالاتي له فهذا سبب شرعي وهو سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ~~ومحبته لله ورسوله؛ وطاعته لله ورسوله لكن يجب الفرق بين المحبة لله ~~والمحبة مع الله: فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق فقد جعله ندا لله وهذه ~~المحبة تضره ولا تنفعه وأما من كان الله تعالى أحب إليه مما سواه وأحب ~~أنبياءه وعباده الصالحين له فحبه لله تعالى هو أنفع الأشياء والفرق بين ~~هذين من أعظم الأمور. # فإن قيل: إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين - تارة ~~يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته (وهذا أعظم الوسائل وتارة يتوسل بذلك # PageV01P220 # في الدعاء كما ذكرتم نظائره - فيحمل قول القائل: أسألك بنبيك محمد على ~~أنه أراد: أني أسألك بإيماني به وبمحبته وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته ~~ونحو ذلك وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع. قيل: من أراد هذا المعنى فهو ~~مصيب في ذلك بلا نزاع وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد مماته من السلف - كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن ~~الإمام أحمد وغيره كان هذا حسنا. وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع. ولكن ~~كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى فهؤلاء الذين أنكر ~~عليهم من أنكر. وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه ~~وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا ~~المعنى بهذا اللفظ. ms0159 # فإن قيل: فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم قيل: الرحم توجب على صاحبها حقا ~~لذي الرحم كما قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ~~ومن قطعها قطعه الله} وقال {لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي الرحمن وقالت: ~~هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من ~~قطعك؟ قالت: بلى قد رضيت} وقال صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: أنا ~~الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته} ~~. # PageV01P221 # وقد روي عن علي أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر ~~على علي. وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث {أن رجلا قال: يا رسول ~~الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال نعم الدعاء لهما ~~والاستغفار لهما وإنفاذ وعدهما من بعدهما وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من ~~قبلهما} وفي الحديث الآخر حديث ابن عمر {من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود ~~أبيه بعد أن يولي} . فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره. # والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن ~~يسأل الله تعالى بمخلوق: لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما ~~تقدم. (أحدهما) الإقسام على الله سبحانه وتعالى به وهذا منهي عنه عند ~~جماهير العلماء كما تقدم كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر ~~باتفاق العلماء. و (الثاني) السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ~~ذلك آثار عن بعض السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع. وليس عنه حديث ثابت قد ~~يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علمه أن يقول: {أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك محمد نبي الرحمة} ms0160 وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه إنما ~~توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو # PageV01P222 # طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء وقد أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول: {اللهم شفعه في} ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله. ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ~~الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: " اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ": يدل على أن ~~التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان ~~هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال ~~بالعباس. وشاع النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين؛ دون الإقسام بهم؛ لأن ~~بين السؤال والإقسام فرقا: فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة ~~والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم والمقسم لا يقسم إلا على ~~من يرى أنه يبر قسمه فإبرار القسم خاص ببعض العباد. وأما إجابة السائلين ~~فعام؛ فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافرا وفي الصحيح ~~عن النبي أنه قال: {ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ~~إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ~~من الخير مثلها # PageV01P223 # وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذا نكثر قال الله ~~أكثر} . # وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة ~~وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز - ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك ~~فضلا أن يجعل هذا من مسائل السب؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوز التوسل به ~~بمعنى الإقسام به أو السؤال به: ms0161 فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلا ~~عن أن يقول مالك: إن هذا سب للرسول أو تنقص له. بل المعروف عن مالك أنه كره ~~للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي وقال: قل كما قالت الأنبياء: يا رب يا رب يا ~~كريم. وكره أيضا أن يقول: يا حنان يا منان فإنه ليس بمأثور عنه. فإذا كان ~~مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده أن يسأل ~~الله بمخلوق نبيا كان أو غيره وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة ~~لم يسألوا الله بمخلوق لا نبي ولا غيره بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ~~فيسقون. وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا ~~أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه لم ينقل عن ~~أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى بمخلوق # PageV01P224 # لا به ولا بغيره لا في الاستسقاء ولا غيره وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن ~~شاء الله تعالى؛ فلو كان السؤال به معروفا عند الصحابة لقالوا لعمر: إن ~~السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس فلم نعدل عن الأمر ~~المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض ~~أقاربه وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف ~~السببين مع القدرة على أعلاهما - ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة ~~الذي يضرب به المثل في الجدب. والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه ~~من الصحابة والتابعين فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر ~~بالعباس؛ وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في ~~الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا: وإن كانوا من أقارب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهو أفضل اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم إنه ~~يسأل الله تعالى في ms0162 ذلك لا بنبي ولا بغير نبي. # وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك ~~عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب ~~عليهم ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ~~ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا؛ بل هو التوسل بشفاعته يوم ~~القيامة ولكن من الناس من يحرف نقلها وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى # PageV01P225 # والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة؛ قبره بل ذكر هناك ما هو ~~المعروف عن مالك وأصحابه وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم؛ كما كان حال حياته وكذلك عند ذكره ~~وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه. وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني ~~فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا ~~أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما ~~رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه. وقال مصعب بن ~~عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني ~~حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يوما في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما ~~أنكرتم علي ما ترون لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا ~~نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - ~~وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر ~~لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة. ولقد ~~اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صامتا ~~وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين ~~يخشون الله. # PageV01P226 # ولقد كان عبد الرحمن بن ms0163 القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى ~~لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت الزهري - وكان ~~لمن أهنأ الناس وأقربهم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما ~~عرفك ولا عرفته ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين ~~فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ~~ويتركوه. فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ثم ذكر ~~حكاية بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة قالوا: حدثنا أبو العباس ~~أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر حدثنا أبو بكر محمد ~~بن أحمد بن الفرح حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدثنا يعقوب بن ~~إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين ~~مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك. يا أمير ~~المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوما فقال: {لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} الآية ومدح قوما فقال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله} الآية وذم قوما فقال: {إن الذين ينادونك # PageV01P227 # من وراء الحجرات} الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر ~~فقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه ~~السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله ~~تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما} . قلت وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد ~~الرازي لم يدرك مالكا لا سيما في زمن ms0164 أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي ~~بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة. وتوفي محمد ~~بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب ~~العلم إلا وهو كبير مع أبيه وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو ~~زرعة وابن وارة وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه ~~وأحذق بالكذب منه. وقال يعقوب بن شبيبة: كثير المناكير. وقال النسائي: ليس ~~بثقة. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات. وآخر من روى الموطأ عن ~~مالك هو أبو مصعب وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك ~~على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة تسع وخمسين ~~ومائتين وفي الإسناد أيضا من لا تعرف حاله. وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من ~~أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه # PageV01P228 # ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف ~~إلا من جهته هذا إن ثبت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا ~~يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن ~~مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء وإنما يعتمدون على رواية ~~المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها ~~واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟ . مع أن قوله " وهو ~~وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة " إنما يدل على ~~توسل آدم وذريته به يوم القيامة وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة وهذا ~~حق؛ كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع ~~لهم فيردهم آدم إلى نوح ثم يردهم نوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى ~~إلى عيسى ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال {أنا سيد ~~ولد آدم يوم القيامة ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي ms0165 يوم القيامة ولا فخر} ~~ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه: - (أحدها قوله " أستقبل القبلة ~~وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو؟ " فقال " ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم " فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من ~~الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد ~~أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده ولا يستقبل القبر ويدعو ~~لنفسه بل إنما يستقبل # PageV01P229 # القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. هذا قول أكثر ~~العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم. وعند أصحاب أبي ~~حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا. ثم منهم من قال: يجعل الحجرة ~~على يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه. ومنهم من قال: بل ~~يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم ومع هذا فكره مالك أن يطيل ~~القيام عند القبر لذلك. قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك قال لا أرى أن ~~يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لكن يسلم ويمضي " قال: وقال ~~نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر ~~فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبي بكر السلام على ~~أبي. ثم ينصرف. ورئي واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المنبر ثم وضعها على وجهه. قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي كان أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا برمانة المنبر التي تلقاء القبر ~~بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن ~~الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وعند ابن القاسم ~~للمروذي: ويدعو لأبي بكر وعمر. قال مالك في رواية ابن وهب: يقول السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وقال في المبسوط: ms0166 ويسلم على أبي بكر ~~وعمر. # PageV01P230 # قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الصلاة ولأبي بكر وعمر بلفظ السلام لما في حديث ابن عمر من الخلاف. وهذا ~~الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب قال مالك في رواية ابن وهب: ~~إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى ~~القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر. فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة ~~عليه كما تقدم تفسيره. # وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره قال: وقال ~~مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف ~~بالقبر وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج ~~إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ~~ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا ~~يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام ~~المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك: لم ~~يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما ~~أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا ~~خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا قال ولذلك رأى. . . (1) PageV01P231 # قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ~~لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. قال: وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} {اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} قال: وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {لا تجعلوا قبري عيدا} . قال ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر ~~لا يلتصق به ولا يمسه ms0167 ولا يقف عنده طويلا وفي (العتبية يعني عن مالك: يبدأ: ~~بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب مواضع التنفل ~~فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق وأما في الفريضة ~~فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في ~~البيوت. فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا ~~القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك ~~إطالة القيام لذلك وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ~~وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له فإنه تحية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل ~~القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عن أحد ~~من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف بدعائه لنفسه. # PageV01P232 # وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته ~~فهذا لم يفعله أحد من السلف ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعا ~~لفعله الصحابة والتابعون وكذلك السؤال به فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟ . ~~فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله " استقبله واستشفع به " كذب ~~على مالك مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي يفعلها ~~مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء ~~لنفسه فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لي أو ادع ~~لي أو يشتكي إليه مصائب الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من ~~الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له أو يشتكي ~~إليهم المصائب فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم ~~من مبتدعة هذه الأمة؛ ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين ms0168 ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين وإن ~~كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلغ سلام البعيد. ~~وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من حديث ~~حيوة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من أحد يسلم علي إلا رد ~~الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} . وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في ~~السلام عليه عند قبره صلوات الله # PageV01P233 # وسلامه عليه فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في ~~الدين. ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها وإنما يرويها من يروي ~~الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما. [وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن ~~عمر العمري - وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه - مثل قوله: {من زارني بعد مماتي ~~فكأنما زارني في حياتي} فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين] (*) فإن من ~~زاره في حياته وكان مؤمنا به كان من أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين ~~إليه المجاهدين معه وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا تسبوا ~~أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه} أخرجاه في الصحيحين. والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة ~~بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه فكيف ~~بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين؟ بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهي عنه. ~~وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو ~~مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب ~~لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته فكيف بالسفر المنهي ~~عنه وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه ~~عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ لم ms0169 يكن عليه PageV01P234 # أن يوفي بنذره بل ينهى عن ذلك. ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى ~~للصلاة ففيه قولان للشافعي: أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد. ~~والثاني لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما ~~كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر ~~عنده. وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه} . وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب ~~بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه؟ ~~وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستعظمه. وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة القبور وقيل لأن الزائر أفضل من ~~المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك. والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر ~~مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك فإن زيارة قبور ~~الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: # PageV01P235 # زيارة شرعية وزيارة بدعية. # فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على ~~أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية. والثاني: أن ~~يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم؛ أو ~~لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت؛ أو ~~أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء ~~فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها. فإذا كان لفظ " الزيارة " مجملا يحتمل ~~حقا وباطلا عدل عنه إلى لفظ. لا لبس فيه كلفظ " السلام " عليه ولم يكن لأحد ~~أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته فإن هذه كلها ~~أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة والثابت عنه ~~صلى الله عليه ms0170 وسلم أنه قال {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة} هذا ~~هو الثابت في الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبري. وهو صلى الله عليه ~~وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم ~~يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان ~~نصا في محل النزاع. ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو ~~وأمي صلوات الله عليه وسلامه. ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد ~~الملك وكان نائبه على المدينة # PageV01P236 # عمر بن عبد العزيز أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد وكانت الحجر من ~~جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذ ~~وبنوا الحائط البراني مسنما محرفا فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد ~~الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} ~~لأن ذلك يشبه السجود لها وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما ~~نهي عن اتخاذها مساجد ونهي عن قصد الصلاة عندها وإن كان المصلي إنما يقصد ~~الصلاة لله سبحانه والدعاء له. فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل ~~الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذي سد الله ورسوله ذريعته وهذا ~~بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم. وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن ~~السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام} رواه النسائي ~~وأبو حاتم في صحيحه وروي نحوه عن أبي هريرة. فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه ~~الملائكة. وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أكثروا علي من الصلاة في كل يوم ~~جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي يومئذ فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني ~~منزلة} . وفي ms0171 مسند الإمام أحمد: حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن # PageV01P237 # أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني} ورواه أبو داود. قال القاضي عياض وروى أبو بكر بن أبي شيبة ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من صلى علي عند قبري ~~سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته} . وهذا قد رواه محمد بن مروان السدي عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا هو السدي الصغير وليس بثقة وليس هذا ~~من حديث الأعمش. وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان ~~عن أبي بكر الحنفي: حدثنا عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ~~سمعت الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {صلوا في بيوتكم ~~ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتي عيدا. صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم ~~وسلامكم يبلغني} . وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن ~~بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {لا تتخذوا قبري ~~عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} فما أنت ورجل بالأندلس منه ~~إلا سواء. وروي هذا المعنى عن علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي ~~بن أبي طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في ~~مختاره الذي # PageV01P238 # هو أصح من صحيح الحاكم. وذكر القاضي عياض عن الحسن بن علي قال: إذا دخلت ~~فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~{لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث كنتم} . # ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها " ولم ms0172 تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة " إنما يدل على أنه يوم القيامة ~~تتوسل الناس بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث لكن إذا كان الناس ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته ~~في حياته فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة ~~- أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره. ومعلوم أن هذا لم يأمر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم ولا سنه لأمته ولا فعله أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من ~~الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل ~~لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة أدلتها الشرعية مع علو قدر ~~مالك وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها؟ ~~وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم ~~أنه لا يقول مثل هذا. ثم قال في الحكاية: " استقبله واستشفع به فيشفعك الله ~~" والاستشفاع به # PageV01P239 # معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة ~~وكما كان أصحابه يستشفعون به. ومنه الحديث الذي في السنن {أن أعرابيا قال: ~~يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا نستشفع ~~بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ~~ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك إنه لا ~~يستشفع به على أحد من خلقه} وذكر تمام الحديث. فأنكر قوله " نستشفع بالله ~~عليك " ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله وإنما ~~أنكر أن يكون الله شافعا إلى المخلوق ولهذا لم ينكر قوله " نستشفع بك على ~~الله " فإنه هو الشافع المشفع. وهم - لو كانت الحكاية صحيحة - إنما يجيئون ~~إليه لأجل طلب شفاعته صلى الله عليه وسلم ولهذا ms0173 قال في تمام الحكاية: {ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} الآية وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه ~~الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم واستغفاره لهم ~~دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم. وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته ~~فإنما يقال في ذلك " استشفع به فيشفعه الله فيك " لا يقال: فيشفعك الله ~~فيه. وهذا معروف الكلام ولغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر ~~العلماء يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه. فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه ~~هو الشفيع المستشفع به. # PageV01P240 # لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له فإن هذا ليس هو الذي شفع فمحمد صلى ~~الله عليه وسلم الشفيع المشفع ليس المشفع الذي يستشفع به. ولهذا يقول في ~~دعائه: يا رب شفعني فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع ~~طالبي شفاعته فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟ وأيضا فإن طلب شفاعته ~~ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ~~ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابه القدماء وإنما ذكر هذا بعض ~~المتأخرين: ذكروا حكاية عن العتبي أنه رأى أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية ~~وأنه رأى في المنام أن الله غفر له. وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل ~~المذاهب المتبوعين. الذين يفتى الناس بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها ~~دليلا شرعيا. ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره ~~مشروعا لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ~~ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك " لا يصلح آخر هذه ~~الأمة إلا ما أصلح أولها " قال: ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم ~~كانوا يفعلون ذلك. فمثل هذا الإمام كيف يشرع دينا لم ينقل عن أحد السلف ~~ويأمر الأمة أن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار - بعد موت الأنبياء ~~والصالحين - منهم عند قبورهم وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة؟ # PageV01P241 # ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية ms0174 يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون ~~لفظ الشفاعة في معنى التوسل فيقول أحدهم: اللهم إنا نستشفع إليك بفلان ~~وفلان أي نتوسل به. ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره " قد تشفع به " ~~من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائبا لم يسمع ~~كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء ~~الأمة؛ بل ولا هو لغة العرب فإن الاستشفاع طلب الشفاعة. والشافع هو الذي ~~يشفع السائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه. وأما ~~الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس ~~هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول: نعم هذا سؤال به ~~ودعاؤه ليس هو استشفاعا به. ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة - كما غيروا ~~الشريعة - وسموا هذا استشفاعا أي سؤالا بالشافع صاروا يقولون " استشفع به ~~فيشفعك " أي يجيب سؤالك به وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع ~~واللغة وليس لفظها من ألفاظ مالك. نعم قد يكون أصلها صحيحا ويكون مالك قد ~~نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول اتباعا للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع ~~الصوت في مسجده ويكون مالك أمر بما أمر الله به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك ~~مما يليق بمالك أن يأمر به. # PageV01P242 # ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه فإن كثيرا من ~~الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام ~~الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك ~~الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة ~~خلاف ذلك. وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة ~~وغيرهم وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معاني أخر مخالفة ms0175 ~~لمعانيهم ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون: إنا ~~موافقون للأنبياء وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة ~~والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل من وضع " المحدث ~~" و " المخلوق " و " المصنوع " على ما هو معلول وإن كان عنده قديما أزليا ~~ويسمي ذلك " الحدوث الذاتي " ثم يقول: نحن نقول إن العالم محدث وهو مراده. ~~ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم وإنما المحدث ~~عندهم ما كان بعد أن لم يكن. وكذلك يضعون لفظ " الملائكة " على ما يثبتونه ~~من العقول والنفوس وقوى النفس. ولفظ " الجن " و " الشياطين " على بعض قوى ~~النفس ثم يقولون: نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من ~~الملائكة والجن والشياطين. # PageV01P243 # ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك مثل أن ~~يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلا وأبدا وأنه ~~مبدع لكل ما سواه أو بتوسطه حصل كل ما سواه والعقل الفعال عندهم عنه يصدر ~~كل ما تحت فلك القمر ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة ~~عندهم من هو رب كل ما سوى الله ولا رب كل ما تحت فلك القمر ولا من هو قديم ~~أزلي أبدي لم يزل ولا يزال. ويعلم أن الحديث الذي يروى {أول ما خلق الله ~~العقل} حديث باطل عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لو كان حقا لكان حجة ~~عليهم فإن لفظه {أول ما خلق الله العقل} بنصب الأول على الظرفية {فقال له: ~~أقبل فأقبل. ثم قال له: أدبر فأدبر. فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ~~فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب} وروي {لما خلق الله العقل} ~~فالحديث لو كان ثابتا معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه وأنه خلق قبل ~~غيره وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات. و " العقل " في لغة ~~المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا يراد به القوة التي ms0176 بها يعقل وعلوم وأعمال ~~تحصل بذلك لا يراد بها قط في لغة: جوهر قائم بنفسه فلا يمكن أن يراد هذا ~~المعنى بلفظ العقل. مع أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ذكروه من جهة ~~العقل الصريح وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهي أمرهم فيه إلى ~~إثبات النفس التي تفارق البدن بالموت وإلى إثبات ما تجرده النفس من ~~المعقولات القائمة بها؛ فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق في هذا الباب. # PageV01P244 # والمقصود هنا أن كثيرا من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم ~~ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله كما يوجد في كلام صاحب (الكتب المضنون ~~بها وغيره مثل ما ذكره في " اللوح المحفوظ " حيث جعله النفس الفلكية ولفظ " ~~القلم " حيث جعله العقل الأول ولفظ " الملكوت " و " الجبروت " و " الملك " ~~حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل ولفظ " الشفاعة " حيث جعل ذلك فيضا يفيض ~~من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدري وسلك في هذه الأمور ~~ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط في موضع آخر. والمقصود هنا ذكر من يقع ~~ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول صلى الله عليه وسلم كلفظ القديم فإنه ~~في لغة الرسول التي جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقا بغيره كقوله ~~تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} وقال تعالى عن إخوة يوسف: {تالله إنك لفي ~~ضلالك القديم} وقوله تعالى {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون} . وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود ~~غيره إن لم يكن مسبوقا بعدم نفسه ويجعلونه - إذا أريد به هذا - من باب ~~المجاز ولفظ " المحدث " في لغة القرآن يقابل للفظ " القديم " في القرآن. ~~وكذلك لفظ " الكلمة " في القرآن والحديث وسائر لغة العرب إنما يراد به ~~الجملة التامة كقوله صلى الله عليه وسلم {كلمتان حبيبتان إلى الرحمن # PageV01P245 # خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم} وقوله {إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل ms0177 شيء ما خلا ~~الله باطل} ومنه قوله تعالى {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا} وقوله تعالى {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ~~الآية وقوله تعالى {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} ~~وأمثال ذلك؛ ولا يوجد لفظ الكلام في لغة العرب إلا بهذا المعنى. والنحاة ~~اصطلحوا على أن يسموا (الاسم وحده (والفعل (والحرف كلمة ثم يقول بعضهم: وقد ~~يراد بالكلمة الكلام؛ فيظن من اعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب وكذلك لفظ " ~~ذوي الأرحام " في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين فيدخل فيهم ~~العصبة وذوو الفروض وإن شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب ثم صار ذلك في ~~اصطلاح الفقهاء اسما لهؤلاء دون غيرهم فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو ~~المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة ونظائر هذا كثيرة. ~~ولفظ " التوسل " و " الاستشفاع " ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول ~~وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم. والعلم يحتاج إلى نقل ~~مصدق ونظر محقوق. والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ~~ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فهذا ما يتعلق ~~بهذه الحكاية. # PageV01P246 # ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلم ~~عليه في كل مكان؛ فهذا مما اتفق عليه المسلمون وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث ~~الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه مقاما محمودا الذي ~~وعده. فهذه الوسيلة التي شرع لنا أن نسألها الله تعالى - كما شرع لنا أن ~~نصلي عليه ونسلم عليه - هي حق له كما أن الصلاة عليه والسلام حق له صلى ~~الله عليه وسلم. # والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته ~~وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله. وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها ~~إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وطاعته وهذا التوسل به ms0178 ~~فرض على كل أحد. وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما يسأله الناس يوم القيامة ~~أن يشفع لهم وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره مثل توسل ~~الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته - فهذا نوع ثالث هو ~~ومن باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه فمن شفع له الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولا يشفع له. ولكن بعض الناس ظن ~~أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به فظن هذا مشروعا ~~مطلقا لكل أحد في حياته ومماته وظنوا # PageV01P247 # أن هذا مشروع في حق الأنبياء والملائكة بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم ~~الصلاح وإن لم يكن صالحا في نفس الأمر. وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك ~~حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث - لا في ~~الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - ~~وإنما يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة ~~التي يختلقها الكذابون بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمد الكذب فإن ~~هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه بخلاف من يتعمد ~~الكذب فإن أحمد لم يرو في مسنده عن أحد من هؤلاء. ولهذا تنازع الحافظ أبو ~~العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟ ~~فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج ~~وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة؛ ولا منافاة بين القولين. فإن ~~الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث ~~به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث ~~كثيرة من هذا النوع وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا ~~إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن الغالب على ~~ما ذكره في الموضوعات أنه باطل ms0179 باتفاق العلماء. # PageV01P248 # وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع ~~الذي تعمد صاحبه الكذب والكذب كان قليلا في السلف. # أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع ~~الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق. ولا ~~كان فيهم من قال إنه أتاه الخضر فإن خضر موسى مات كما بين هذا في غير هذا ~~الموضع والخضر الذي يأتي كثيرا من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي أو ~~إنسي كذاب ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر فإن الملك لا يكذب ~~وإنما يكذب الجني والإنسي. وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ~~ذكره في هذا الموضع. وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس. ~~وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها كما ~~فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال ~~الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط الكلام ~~على ذلك في مواضع. وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل ~~مكة والمدينة والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم وقد عرف ~~الكذب بعد هؤلاء في طوائف. # PageV01P249 # وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا ~~وفيمن بعدهم. ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان ~~جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق. فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط ~~والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف بخلاف ما تعمد صاحبه ~~الكذب؛ ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن كأبي ~~داود والترمذي مثل مشيخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه ~~عن جده وإن كان أبو داود يروي في سننه منها ms0180 فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط ~~أبي داود في سننه. والمقصود أن هذه الأحاديث التي تروى في ذلك من جنس ~~أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة بل الموضوعة التي يرويها من يجمع في ~~الفضائل والمناقب الغث والسمين كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل ~~الأوقات وفضائل العبادات وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك ~~فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب ~~موضوعة؛ ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست ~~صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل ~~الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب. # PageV01P250 # وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم ~~أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل ~~الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما ~~أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في ~~وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروي في الترغيب ~~والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه ~~بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله. وهذا كالإسرائيليات: يجوز أن يروى ~~منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به ~~في شرعنا ونهى عنه في شرعنا. فأما أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات ~~التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من ~~الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة. ومن نقل عن أحمد أنه كان ~~يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ولكن كان في عرف ~~أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. ~~والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف ms0181 متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف ~~الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف ~~خفيف لا يمنع من ذلك. # PageV01P251 # وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح وحسن وضعيف - هو أبو عيسى ~~الترمذي في جامعه. والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس ~~بشاذ. فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد ~~الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ~~ونحوهما. وهذا مبسوط في موضعه. والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو ~~السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا ~~يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها مثل الحديث الذي يروى عن ~~عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده {أن أبا بكر الصديق أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني. فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قل: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك وبموسى ~~نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد ~~وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته} وذكر تمام الحديث. وهذا الحديث ذكره رزين بن ~~معاوية العبدري في جامعه ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ~~ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه قد رواه من صنف في عمل (اليوم ~~والليلة كابن السني وأبي نعيم وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا ~~يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء. وقد رواه الشيخ الأصبهاني ~~في كتاب فضائل الأعمال وفي هذا # PageV01P252 # الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة. ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن ~~الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا حديث حسن مع أنه ليس ~~بالمتصل قال أبو موسى: ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن ~~الصديق رضي الله عنه وعبد الملك ليس بذاك القوي وكان بالري ms0182 وأبوه وجده ~~ثقتان. قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب. قال يحيى بن ~~معين: هو كذاب. وقال السعدي: دجال كذاب. وقال أبو حاتم بن حبان: يضع ~~الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد بن ~~حنبل: ضعيف. وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد. وقال الدارقطني: ~~هو وأبوه ضعيفان. وقال الحاكم في (كتاب المدخل: عبد الملك بن هارون بن ~~عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة: وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في ~~كتاب (الموضوعات وقول الحافظ أبي موسى " هو منقطع " يريد أنه لو كان رجاله ~~ثقات فإن إسناده منقطع. وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة ~~لهذا في استفتاح أهل الكتاب به كما سيأتي ذكره وخالف فيه عامة ما نقله ~~المفسرون وأهل السير وما دل عليه القرآن وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه: ~~من أنه متروك إما لتعمده الكذب وإما لسوء حفظه وتبين أنه لا حجة لا في هذا ~~ولا في ذاك. ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه # PageV01P253 # عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفا عليه {إنه لما اقترف آدم الخطيئة ~~قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي قال: وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك ~~لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق ~~إليك. قال: صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك} وهذا الحديث رواه الحاكم في ~~مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم العوفي عن إسماعيل بن سلمة عنه. قال ~~الحاكم: وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب وقال الحاكم: هو ~~صحيح. ورواه الشيخ أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة موقوفا على عمر من حديث ~~عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا ~~ورواه الآجري أيضا من طريق آخر من ms0183 حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ~~موقوفا عليه وقال حدثنا هارون بن يوسف التاجر حدثنا أبو مروان العثماني ~~حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال؛ {من ~~الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك. ~~قال الله تعالى: وما يدريك ما محمد؟ قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوبا على ~~عرشك: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك} . قلت: ورواية ~~الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال في (كتاب المدخل إلى ~~معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم # PageV01P254 # روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل ~~فيها عليه. # قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد بن ~~حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم وقال أبو حاتم بن ~~حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل ~~وإسناد الموقوف فاستحق الترك. وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله ~~فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي ~~موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملي: الذي ~~فيه ذكر وصي المسيح وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن ~~الجوزي وغيرهما وكذا أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهي عند أئمة أهل ~~العلم بالحديث موضوعة ومنها ما يكون موقوفا يرفعه. ولهذا كان أهل العلم ~~بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح ~~لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه وإن كان الصواب أغلب عليه. ~~وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي فإن ~~تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرا وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن ~~خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث. # PageV01P255 # فإن هؤلاء وإن كان ms0184 في بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن في هذا الباب من ~~الحاكم ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ولا يبلغ تصحيح ~~مسلم مبلغ تصحيح البخاري بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب؛ ~~والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه وقد ذكر الترمذي أنه ~~لم ير أحدا أعلم بالعلل منه ولهذا كان من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف ~~في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له ~~بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه. ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري ~~مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه. بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه ~~نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه كما روى في ~~حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات ~~كما روى أنه صلى بركوعين. والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل ~~الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم وقد بين ذلك الشافعي وهو قول البخاري ~~وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع ~~فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم. ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان ~~له إبراهيمان. ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب وكذلك روى مسلم {خلق ~~الله التربة يوم السبت} ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخاري ~~وغيرهما فبينوا أن هذا غلط ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P256 # والحجة مع هؤلاء فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة ~~وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة وقد روي إسناد ~~أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم ~~طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن ms0185 يتزوج بأم حبيبة وأن يتخذ معاوية ~~كاتبا. وغلطه في ذلك طائفة من الحفاظ. ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها ~~بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علما قطعيا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالها. وبسط الكلام في هذا له موضع آخر. وهذا ~~الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه ~~مع زيادات أخر كما ذكر القاضي عياض قال: وحكى أبو محمد المكي وأبو الليث ~~السمرقندي وغيرهما {أن آدم عند معصيته قال: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي ~~- قال ويروى تقبل توبتي - فقال الله له: من أين عرفت محمدا؟ قال رأيت في كل ~~موضع من الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله قال ويروى: محمد ~~عبدي ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك؛ فتاب عليه وغفر له} . ومثل هذا لا ~~يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإن هذا ~~من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا تعلم صحتها إلا بنقل # PageV01P257 # ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن ~~منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار (المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم ~~يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين؛ فكيف إذا نقلها من لا ~~ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين؟ بل إنما ينقلها عمن ~~هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه واضطرب عليه فيها اضطرابا يعرف ~~به أنه لم يحفظ ذلك. ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين ~~الذين يعتمد على نقلهم وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في ~~(كتب المبتدأ وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم وحينئذ فكان ~~الاحتجاج بها مبنيا على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ والنزاع في ~~ذلك مشهور. لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد ~~شرعنا بخلافه وهذا إنما هو ms0186 فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أو بما تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن ~~هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين. ومن هذا الباب ~~حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس ~~مرفوعا أنه قال: {من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب ~~هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه ~~على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في إدبار صلواته: ~~اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل # PageV01P258 # مثلك ولا يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى ~~روحك وكلمتك ووجيهك} وذكر تمام الدعاء. وموسى بن عبد الرحمن هذا من ~~الكذابين قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حبان: ~~دجال يضع الحديث وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابا في التفسير ~~جمعه من كلام الكلبي ومقاتل ويروى نحو هذا - دون الصوم - عن ابن مسعود من ~~طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود ~~وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب وقال الدارقطني: متروك ~~وقال ابن حبان: كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك. ويروى هذا عن عمر بن ~~عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول. ورواه أبو ~~الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري: حدثنا أبو الأشعث حدثنا ~~زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال {من ~~سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الأيام السبعة على هؤلاء ~~الكلمات} . قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء. وقد رواه أبو موسى ~~المديني في أماليه وأبو عبد الله المقدسي على عادة أمثالهم في رواية ما ~~يروى في الباب سواء كان صحيحا أو ضعيفا كما ms0187 اعتاده أكثر المتأخرين من ~~المحدثين أنهم يروون ما روى به الفضائل ويجعلون العهدة # PageV01P259 # في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة ~~والأشخاص والعبادات. كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره ~~حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة ~~وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية. وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في ~~فضائل الصحابة وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في (فضائل الخلفاء) في كتاب ~~مفرد وفي أول (حلية الأولياء) وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز ~~الكناني وأبو علي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ وما يرويه أبو بكر الخطيب ~~وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد ~~الغني وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث فإنهم كثيرا ما يروون في تصانيفهم ما ~~روي مطلقا على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما ~~روي وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب ومنكر وضعيف؛ وقد لا يتكلم. ~~وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم؛ مثل مالك بن ~~أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن ~~عيينة وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود ومحمد ~~بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن المنذر وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري ~~وغير هؤلاء؛ فإن هؤلاء الذين # PageV01P260 # يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها ~~وتمييز رجالها. وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال؛ ليميزوا بين هذا ~~وهذا لأجل معرفة الحديث؛ كما يفعل أبو أحمد بن عدي وأبو حاتم البستي وأبو ~~الحسن الدارقطني وأبو بكر الإسماعيلي وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقي ~~وأبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم الزنجاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو ~~محمد بن حزم وأمثال هؤلاء؛ فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر. ولم نذكر من لا ~~يروي ms0188 بإسناد - مثل كتاب (وسيلة المتعبدين لعمر الملا الموصلي وكتاب ~~(الفردوس لشهريار الديلمي وأمثال ذلك - فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات؛ وفيما ~~يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير. والمقصود هنا: أنه ليس في هذا الباب حديث ~~واحد مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق ~~أهل المعرفة بحديثه؛ بل المروي في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه ~~من الموضوعات إما تعمدا من واضعه وإما غلطا منه. وفي الباب آثار عن السلف ~~أكثرها ضعيفة. فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا؛ وهم ~~عبد الله ومصعب ابنا الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان وذكره ~~ابن أبي الدنيا في كتاب (مجابي الدعاء ورواه من طريق إسماعيل بن أبان ~~الغنوي # PageV01P261 # عن سفيان الثوري عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبي أنه قال: " لقد رأيت ~~عجبا كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن ~~الزبير وعبد الملك بن مروان؛ فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل ~~رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة. ثم ~~قالوا: قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة ~~فقام فأخذ بالركن اليماني ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم؛ أسألك ~~بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة نبيك أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني ~~الحجاز ويسلم علي بالخلافة؛ ثم جاء فجلس. ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليماني ~~ثم قال: اللهم إنك رب كل شيء وإليك يصير كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء ~~ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق وتزوجني بسكينة بنت الحسين. ثم قام ~~عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليماني ثم قال: اللهم رب السموات السبع؛ ~~ورب الأرض ذات النبت بعد القفر أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك ~~وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك " إلى آخره. # قلت: وإسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب قال أحمد ms0189 بن ~~حنبل: كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه. وقال يحيى بن معين: وضع ~~حديثا على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعني المأمون # PageV01P262 # وقال البخاري ومسلم وأبو زرعة والدارقطني: متروك. وقال الجوزجاني: ظهر ~~منه على الكذب. وقال أبو حاتم: كذاب. وقال ابن حبان: يضع على الثقات. وطارق ~~بن عبد العزيز الذي ذكر أن الثوري روى عنه لا يعرف من هو. قال: فإن طارق بن ~~عبد العزيز المعروف الذي روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة. وقد خولف ~~فيها فرواها أبو نعيم عن الطبراني: حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش حدثنا أبو ~~حاتم السجستاني حدثنا الأصمعي قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ~~قال: " اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير وعبد الله بن عمر ~~فقالوا: تمنوا. فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة وقال ~~عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة ~~العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد الله بن عمر: ~~أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنال كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غفر له ~~". قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم وليس فيه سؤال ~~بالمخلوقات. # وفي الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه: ادع بكذا وكذا ~~ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء وقد ذكر بعض هذه الحكايات ~~من جمع الأدعية وروي في ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه # PageV01P263 # ابن أبي الدنيا في كتاب (مجابي الدعاء قال: حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن ~~محمد بن كثير بن رفاعة يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس ~~بطنه فقال: بك داء لا يبرأ. قال: ما هو؟ قال: الدبيلة. قال فتحول الرجل ~~فقال: الله الله الله ربي لا أشرك به شيئا اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم تسليما يا محمد إني ms0190 أتوجه بك إلى ربك وربي ~~يرحمني مما بي. قال فجس بطنه فقال: قد برئت ما بك علة. قلت: فهذا الدعاء ~~ونحوه قد روي أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي ~~التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء ونهى عنه آخرون. فإن كان مقصود ~~المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين ~~الطائفتين وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع وما تنازعوا فيه ~~يرد إلى الله والرسول. وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه ~~سائغ في الشريعة فإن كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب ~~والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان ~~والكنائس وغير ذلك ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه ~~وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم. ~~فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته وإن كان الغرض مباحا # PageV01P264 # فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة جاءت بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات من الشرك ~~والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد لكن لما ~~كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أن كثيرا من ~~الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت مصلحته ~~راجحة على مفسدته أمر به الشارع. فهذا أصل يجب اعتباره ولا يجوز أن يكون ~~الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه. والعبادات ~~لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء ~~لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا. وفي الجملة فقد نقل عن بعض ~~السلف والعلماء السؤال به بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء ~~والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم فهذا مما لم يفعله أحد ~~من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص فيه أحد من أئمة ~~المسلمين. وحديث الأعمى الذي ms0191 رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من ~~التوسل بدعائه فإن {الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ~~بأن يرد الله عليه بصره. فقال له إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك فقال. بل ~~ادعه فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك # PageV01P265 # بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ~~هذه ليقضيها اللهم فشفعه في} فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشفاعته ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال: " وشفعه في " فسأل ~~الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه. وهذا الحديث ذكره العلماء في ~~معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة ~~دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه ~~لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره. وهذا الحديث - حديث الأعمى - قد رواه ~~المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره: رواه البيهقي من حديث عثمان بن ~~عمر عن شعبة عن أبي جعفر الليثي قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن ~~عثمان بن حنيف {أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله ~~أن يعافيني فقال له إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت قال فادعه ~~فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في ~~حاجتي هذه فيقضيها لي اللهم فشفعه في وشفعني فيه قال فقام وقد أبصر} ومن ~~هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر. ومنها ما رواه النسائي وابن ~~ماجه أيضا وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ~~من حديث أبي جعفر وهو غير الليثي هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا ~~هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب # PageV01P266 # وأيضا فالترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء ms0192 بل ~~رووه إلى قوله {اللهم شفعه في} . قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا ~~عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان ~~بن حنيف {أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله ~~أن يعافيني قال إن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن ~~وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي ~~الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم شفعه في} . ~~قال البيهقي: رويناه في (كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة ~~قال: ففعل الرجل فبرأ قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي. ~~قلت. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي قال ~~أحمد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني: سمعت عمارة بن ~~خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف {أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا نبي الله ادع الله أن يعافيني قال إن شئت أخرت ذلك فهو ~~خير لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال: لا بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن ~~يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه فتقضى لي وتشفعني ~~فيه وتشفعه في قال ففعل الرجل فبرئ} . # PageV01P267 # رواه البيهقي أيضا من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم عن أبي ~~جعفر المديني - وهو الخطمي - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف {عن عثمان بن ~~حنيف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ~~ذهاب بصره فقال يا رسول الله: ليس لي قائد وقد شق علي؛ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك ~~وأتوجه ms0193 إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلى عن بصري ~~اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا ولا طال ~~الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط} . فرواية شبيب عن روح عن ~~أبي جعفر الليثي خالفت رواية شعبة وحماد بن سلمة في الإسناد والمتن؛ فإن في ~~تلك أنه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وفي هذه أنه رواه عن أبي أمامة ~~سهل وفي تلك الرواية أنه قال: فشفعه في وشفعني فيه وفي هذه وشفعني في نفسي. ~~لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام الدستوائي عن أبي جعفر. ورواه ~~البيهقي من هذا الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته - إن كانت ~~صحيحة - رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي عن شبيب بن سعيد عن ~~روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة سهل بن العتبية أن رجلا ~~كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر ~~في حاجته فلقي الرجل عثمان بن حنيف # PageV01P268 # فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد ~~فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا ~~محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح ~~معك. قال فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى بعد عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ ~~بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: انظر ما كانت لك من ~~حاجة. فذكر حاجته فقضاها له. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف ~~فقال له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في: ~~فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته ولكن {سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له ms0194 النبي صلى الله عليه وسلم ~~أوتصبر؟ فقال له: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال ائت الميضأة ~~فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي ~~الرحمة يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي لي عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني ~~في نفسي قال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل ~~علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط} . قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن ~~سعيد عن أبيه بطوله وساقه من رواية يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب بن ~~سعيد. قال: ورواه أيضا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن ~~عمه - وهو عثمان بن حنيف - ولم يذكر إسناد هذه الطرق. # PageV01P269 # قلت: وقد رواه النسائي في كتاب (عمل اليوم والليلة) من هذه الطريق من ~~حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه ~~عثمان بن حنيف. ورواه أيضا من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر ~~عن عمارة بن خزيمة ولم يروه أحد من هؤلاء - لا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ~~ماجه - من تلك الطريق الغريبة التي فيها الزيادة: طريق شبيب بن سعيد عن روح ~~بن القاسم. لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن ~~عمر: حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن ~~حنيف {أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن ~~يعافيني فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت قال: فادعه. فأمره ~~أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي ~~هذه اللهم فشفعه في وشفعني فيه} قال الحاكم على شرطهما. ثم رواه من طريق ~~شبيب بن سعيد الحبطي وعون بن عمارة عن روح ms0195 بن القاسم عن أبي جعفر الليثي ~~المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه {عثمان بن حنيف أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره وقال: يا رسول الله ليس لي ~~قائد وقد شق علي فقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك # PageV01P270 # محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي لي عن بصري اللهم ~~فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث ~~حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط} . قال الحاكم: على شرط البخاري. وشبيب ~~هذا صدوق روى له البخاري ولكنه قد روى له عن روح بن الفرج أحاديث مناكير ~~رواها ابن وهب وقد ظن أنه غلط عليه. ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد عن ~~الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي بزيادة ~~كان ذلك عليه في الحديث؛ لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال {فشفعه في وشفعني ~~في نفسي} وأولئك قالوا {فشفعه في وشفعني فيه} ومعنى قوله " وشفعني فيه " أي ~~في دعائه وسؤاله لي فيطابق قوله " وشفعه في ". قال أبو أحمد بن عدي في ~~كتابه المسمى (بالكامل في أسماء الرجال - ولم يصنف في فنه مثله -: شبيب بن ~~سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب بالمناكير وحدث عن ~~يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة وذكر عن علي بن المديني أنه ~~قال: هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس كان يختلف في تجارة إلى مصر وجاء بكتاب ~~صحيح قال: وقد كتبها عنه ابنه أحمد بن شبيب. وروى عن عدي حديثين عن ابن وهب ~~عن شبيب هذا عن روح بن الفرج: أحدهما: عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن ~~سلام قال: مر بنا رجل فقالوا إن هذا قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P271 # والثاني عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين ms0196 عن أمه فاطمة حديث ~~دخول المسجد قال ابن عدي: كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن أمه ~~فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عدي. ~~ولشبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري وهي أحاديث مستقيمة. ~~وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير. وحديثي روح بن الفرج اللذين أمليتهما ~~يرويهما ابن وهب عن شبيب وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب ~~نسخة الزهري: ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي ~~يرويها عنه ولعل شبيبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ~~ويهم وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب. قلت: هذان الحديثان اللذان أنكرهما ~~ابن عدي عليه: رواهما عن روح بن القاسم وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه ~~عن روح بن القاسم. وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضا كما رواه عنه ~~ابناه لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه. وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي فعلم ~~أنه محفوظ عنه وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب وهذا صحيح إن كان ~~قد غلط وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون ~~غلط عليه في هذا الحديث وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة فلهذا لم ~~يحيلوا الغلط عليه. # PageV01P272 # والرجل قد يكون حافظا لما يرويه عن شيخ؛ غير حافظ لما يرويه عن آخر: مثل ~~إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين؛ فإنه يغلط فيه؛ بخلاف ما يرويه ~~عن الشاميين. ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري. ومثل هذا كثير ~~فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم - إن كان الأمر كما ~~قاله ابن عدي - وهذا محل نظر. وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم من ~~حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد: ورواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد ~~الله بن وهب ms0197 عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الليثي ~~المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف {أن رجلا كان يختلف ~~إلى عثمان بن عفان في حاجة له فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له ~~عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: ~~اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا ~~محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ورح حتى أروح ~~معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على ~~الطنفسة وقال: حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى ~~كانت هذه الساعة وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده ~~فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت ~~إلي حتى كلمته في. فقال له عثمان بن حنيف: # PageV01P273 # والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا ~~إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أفتصبر؟ فقال: يا رسول ~~الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت ~~الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات فقال عثمان بن حنيف: ~~فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ~~ضر قط.} قال الطبراني روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمير بن يزيد ~~وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي: والحديث ~~صحيح. قلت والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن ~~شعبة وذلك إسناد صحيح: يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر وطريق ابن وهب ~~هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي فإنه لم ms0198 يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه؛ بل ~~ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف وليس كذلك بل في حديث ~~الأعمى أنه قال {اللهم فشفعه في وشفعني فيه - أو قال - في نفسي} . وهذه لم ~~يذكرها ابن وهب في روايته فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن ~~عدي فلم يتقن الرواية. وقد روى أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد ~~بن سلمة فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر ~~الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف {أن # PageV01P274 # رجلا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع ~~الله لي قال اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيي محمد نبي الرحمة. يا محمد أستشفع بك على ربي في رد بصري اللهم فشفعني ~~في نفسي وشفع نبيي في رد بصري وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك فرد الله عليه ~~بصره} . قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر هذا - الذي حدث عنه حماد بن سلمة - ~~اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق ~~عثمان بن عمر عن شعبة. قلت: وهذه الطريق فيها {فشفعني في نفسي} مثل طريق ~~روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهي قوله: {وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك - ~~أو قال - فعل مثل ذلك} . وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن ~~شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل ~~هذه الرواية قد تكون بالمعنى وقوله {وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك} قد يكون ~~مدرجا من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل " ~~وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك " بل قال " وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ". ~~وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون ~~عثمان بن حنيف ms0199 ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بالدعاء ~~المشروع؛ بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم ولفظ ~~الحديث يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P275 # أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول {اللهم ~~فشفعه في} وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعيا ~~شافعا له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في ~~الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم. وفيه أيضا أنه قال {وشفعني فيه} وليس ~~المراد أنه يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم - وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له ~~الوسيلة ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال {من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. حلت له ~~شفاعتي يوم القيامة} . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ~~فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ~~فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة} . وسؤال الأمة له الوسيلة هو ~~دعاء له وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من جنس العمل فمن صلى عليه صلى ~~عليه الله ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة # PageV01P276 # لشفاعته شفع له صلى الله عليه وسلم كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة فأمره أن ~~يدعو الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة في الشفاعة؛ فلهذا قال: {اللهم ~~فشفعه في وشفعني فيه} . وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ~~هذا هو ms0200 من كرامة الرسول على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته؛ فهو ~~كشفاعته يوم القيامة في الخلق ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول {فشفعه في ~~وشفعني فيه} بخلاف قوله " وشفعني في نفسي " فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا ~~من هذا الطريق الغريب. وقوله {وشفعني فيه} رواه عن شعبة رجلان جليلان: ~~عثمان بن عمر وروح بن عبادة. وشعبة أجل من روى هذا الحديث ومن طريق عثمان ~~بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذي والنسائي وابن ماجه: رواه الترمذي عن ~~محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة. ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سيار ~~عن عثمان بن عمر وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان ~~هؤلاء أحفظ للفظ الحديث. مع أن قوله {وشفعني في نفسي} إن كان محفوظا مثل ما ~~ذكرناه وهو أنه طلب أن يكون شفيعا لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردا كسائر السائلين. ~~ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان # PageV01P277 # يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع ~~غيره. فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه ~~وإعراض أهل السنن عنها واضطراب لفظها وأن راويها عرف له - عن روح هذا - ~~أحاديث منكرة. ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة ~~فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا ~~يدل على ما فهمه بل على خلافه. # ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه - مع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له - كان هذا كلاما باطلا؛ مع أن عثمان بن ~~حنيف لم يأمره أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ولا أن يقول فشفعه في ~~ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه وإنما أمره ببعضه وليس هناك ms0201 من النبي ~~صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة؛ فلو قال بعد موته " فشفعه ~~في " لكان كلاما لا معنى له ولهذا لم يأمر به عثمان. والدعاء المأثور عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به والذي أمر به ليس مأثورا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة ~~في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره ~~من # PageV01P278 # الصحابة عليه - وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لا ~~يوافقه - لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها بل غايته أن يكون ذلك ~~مما يسوغ فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول. ~~ولهذا نظائر كثيرة: مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ~~ويأخذ لأذنيه ماء جديدا وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ~~ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل وروي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول هو ~~موضع الغل. فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعا لهما فقد خالفهم في ~~ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا. والوضوء الثابت ~~عنه صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ~~ماء جديد للأذنين ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين ولا مسح العنق ولا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يطيل غرته فليفعل. بل هذا من ~~كلام أبي هريرة جاء مدرجا في بعض الأحاديث وإنما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء} وكان صلى الله ~~عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق قال أبو هريرة: من استطاع أن ~~يطيل غرته فليفعل وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة وهذا لا معنى له ~~فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل وإنما في اليد والرجل الحجلة. والغرة ~~لا يمكن ms0202 إطالتها فإن الوجه # PageV01P279 # يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس والحجلة لا يستحب إطالتها ~~وإطالتها مثلة. وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله ~~عليه وسلم وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه ~~على شجرة صب عليها ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا ولم ~~يستحب ذلك جمهور العلماء؛ كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل ابن ~~عمر. ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به. وذلك ~~لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل فإذا فعل فعلا على وجه ~~العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان ~~بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يستلم الحجر ~~الأسود وأن يصلي خلف المقام وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة ~~وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ومزدلفة ~~وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده - مثل أن ينزل بمكان ويصلي ~~فيه لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه - فإذا قصدنا تخصيص ~~ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي # PageV01P280 # كان ينهى عنها عمر بن الخطاب؛ كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن ~~سليمان التيمي عن المعرور (1) بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى ~~الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم ~~فاتخذوها كنائس وبيعا فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض. فلما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله ~~رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس ms0203 متابعة بل ~~تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها ونهى المسلمين ~~عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة ~~ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. وهذا هو الأصل فإن ~~المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على ~~كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعلها استحبابا أو لحاجة عارضة تنازعوا ~~فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان ~~أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك. ومن هذا وضع ابن عمر يده على ~~مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن زاذان ~~بالكوفة فإن هذا لما لم يكن PageV01P281 # مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته؛ لم ~~يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة؛ بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد ~~الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا لأنه سنة ~~مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أو يقال في التعريف: إنه لا ~~بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. وهكذا يقول أئمة العلم في هذا ~~وأمثاله: تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الاجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم ~~يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين. فإن ذلك إنما ~~يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن ~~يشرع؛ وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون في ~~الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ~~ولا مكروها إلا ما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه. وهكذا في الإباحات كما ~~استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء ~~المنتشر حتى قيل هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وغيرهما من الصحابة ms0204 لم ~~يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة. وكذلك الكراهة والتحريم مثل كراهة ~~عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى ~~التمتع أو التمتع مطلقا؛ # PageV01P282 # أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك؛ أو رأى أنه ليس ~~للمسافر أن يصوم في السفر. ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس وقول ابن عمر: ~~إن الكتابية لا يجوز نكاحها وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر ~~وابن مسعود للجنب أن يتيمم وقول علي وزيد وابن عمر في المفوضة: إنه لا مهر ~~لها إذا مات الزوج وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتد ~~أبعد الأجلين وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما ~~يفعل بالحلال. وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج وقول ابن عباس ~~وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وابن مسعود: إن ~~المبتوتة لها السكنى والنفقة. وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب ~~فيه الرد إلى الله والرسول ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما ~~شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن قال من العلماء " إن قول الصحابي حجة " فإنما قاله إذا لم يخالفه ~~غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارا على ~~القول فقد يقال " هذا إجماع إقراري " إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد ~~منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم ~~يخالفه فقد يقال " هو حجة ". # PageV01P283 # وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق وأما إذا لم يعرف هل وافقه ~~غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل ~~العلم وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل ms0205 ~~من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعيا له ولا شافعا فيه فقد علمنا أن عمر ~~وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل ~~كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به. بل قال ~~عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل ~~سمنا حتى يخصب الناس ثم لما استسقى بالعباس قال: " اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " ~~فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته وهو من ~~أظهر الإجماعات الإقرارية. ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما ~~استسقى بالناس. فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته ~~كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ~~ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق ~~وهو أفضل الوسائل # PageV01P284 # وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما ~~توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن ~~المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته. وحديث الأعمى حجة لعمر ~~وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى ~~الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته وقال له في الدعاء: ~~{قل اللهم فشفعه في} . وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا ~~بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل ~~بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان المخالف لعمر محجوجا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى ms0206 الله عليه وسلم حجة عليه لا له والله ~~أعلم. # وأما القسم الثالث مما يسمى " توسلا " فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شيئا يحتج به أهل العلم - كما تقدم بسط الكلام على ذلك ~~- وهو الإقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم فإنه ~~لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثابتا لا في ~~الإقسام أو السؤال به. ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين. وإن ~~كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى # PageV01P285 # عنه فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ~~ورسوله ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من مسائل ~~العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن القائل ~~بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير ~~الله؛ لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك. وقد اتفق ~~العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي وأن ~~هذا النذر شرك لا يوفي به. وكذلك الحلف بالمخلوقات لا تنعقد به اليمين ولا ~~كفارة فيه حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه كما تقدم ~~ذكره ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين بل نهى عن الحلف بهذه اليمين. فإذا لم يجز أن يحلف ~~بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله؟ . ~~وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضا مما منع منه غير واحد من العلماء ~~والسنن الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على ذلك ~~فإن هذا إنما يفعله على أنه قربة وطاعة وأنه ms0207 مما يستجاب به الدعاء. وما كان ~~من هذا النوع فإما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبا # PageV01P286 # وكل ما كان واجبا أو مستحبا في العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأمته فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبا ولا مستحبا ~~ولا يكون قربة وطاعة ولا سببا لإجابة الدعاء وقد تقدم بسط الكلام على هذا ~~كله. فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة ~~وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعا عندهم. وأيضا فقد تبين أنه سؤال لله ~~تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء وأنه كالسؤال بالكعبة والطور والكرسي ~~والمساجد وغير ذلك من المخلوقات ومعلوم أن سؤال الله بالمخلوقات ليس هو ~~مشروعا كما أن الإقسام بها ليس مشروعا بل هو منهي عنه. فكما أنه لا يسوغ ~~لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بنفس مخلوق؛ وإنما ~~يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء كما تقدم تفصيله. لكن قد روي في ~~جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم ولكن ليس في المنقول عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيء ثابت بل كلها موضوعة. وأما النقل عمن ليس قوله حجة ~~فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت والحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه وفيه: {بحق ~~السائلين عليك وبحق # PageV01P287 # ممشاي هذا} رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قال إذا خرج إلى الصلاة: ~~اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا ~~بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من ~~النار وأن تدخلني الجنة وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت خرج ~~معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته} . ~~وهذا الحديث ms0208 هو من رواية عطية الصالحية عن أبي سعيد وهو ضعيف بإجماع أهل ~~العلم وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضا ولفظه لا حجة فيه فإن حق السائلين ~~عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه ~~الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم ~~وقد تقدم بسط الكلام على ذلك. وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار ~~بأعمالهم: فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه؛ وسأله هذا بعفته العظيمة عن ~~الفاحشة؛ وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة لأن هذه الأعمال أمر الله بها ~~ووعد الجزاء لأصحابها فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله. {ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} وقال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي ~~يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} وقال تعالى: {قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم # PageV01P288 # جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ~~والله بصير بالعباد} {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا ~~عذاب النار} وكان ابن مسعود يقول في السحر: اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني ~~فأطعت وهذا سحر فاغفر لي. وأصل هذا الباب أن يقال: الإقسام على الله بشيء ~~من المخلوقات أو السؤال له به إما أن يكون مأمورا به إيجابا أو استحبابا أو ~~منهيا عنه نهي تحريم أو كراهة أو مباحا لا مأمورا به ولا منهيا عنه. وإذا ~~قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال: بل ~~يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها. فمن قال إن هذا مأمور به أو مباح في ~~المخلوقات جميعها: لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا ~~يقوله مسلم. فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التي أقسم بها ~~في كتابه لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر ~~والأنثى والشمس وضحاها والقمر ms0209 إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا ~~يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها - ويسأل الله ~~تعالى ويقسم عليه بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ~~ويسأل بالذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا - ~~ويسأل بالطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع # PageV01P289 # والبحر المسجور - ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا وسائر ما أقسم الله به ~~في كتابه. فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته. ~~فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته ~~وحكمته وعظمته وعزته فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه. ~~ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع. بل ذكر غير واحد ~~الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك ~~بل ذلك شرك منهي عنه. ومن سأل الله بها: لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى وبكل ~~نفس ألهمها فجورها وتقواها ويسأله بالرياح والسحاب والكواكب والشمس والقمر ~~والليل والنهار والتين والزيتون وطور سينين ويسأله بالبلد الأمين مكة ~~ويسأله حينئذ بالبيت والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من ~~المخلوقات ويلزم أن يسأله بالمخلوقات التي عبدت من دون الله؛ كالشمس والقمر ~~والكواكب والملائكة والمسيح والعزير وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم ~~يعبد من دونه. ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من ~~أعظم البدع المنكرة في دين الإسلام ومما يظهر قبحه للخاص والعام. ويلزم من ~~ذلك أن يقسم على الله تعالى بالإقسام والعزائم التي تكتب في # PageV01P290 # الحروز والهياكل التي تكتبها الطرقية والمعزمون؛ بل ويقال: إذا جاز ~~السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى فحينئذ تكون العزائم ~~والإقسام التي يقسم بها على الجن مشروعة في دين الإسلام وهذا الكلام يستلزم ~~الكفر والخروج من دين الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين. وإن قال قائل: ~~بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات إما الأنبياء دون ~~غيرهم أو نبي دون ms0210 غيره كما جوز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء والصالحين ~~دون غيرهم. قيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه ~~لا يجعل شيء منها ندا لله تعالى فلا يعبد ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ~~ولا يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه ولا يقسم بمخلوق كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} ~~وقال {لا تحلفوا إلا بالله} وفي السنن عنه أنه قال {من حلف بغير الله فقد ~~أشرك} . # فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ~~يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء ~~والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبي ونبي. وهذا كما قد سوى الله تعالى بين ~~جميع المخلوقات في ذم الشرك بها وإن كانت معظمة. قال تعالى: {ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة # PageV01P291 # ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا} . قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير ~~والملائكة فقال تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون ~~رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي. وقد ~~قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فبين ~~أن الطاعة لله والرسول: فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وبين أن الخشية ~~والتقوى لله وحده؛ فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق. وقال تعالى: ~~{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى ms0211 الله راغبون} وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك ~~فارغب} . فبين سبحانه وتعالى أنه كان ينبغي لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ~~ورسوله ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون فذكر # PageV01P292 # الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله في ~~تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ووعيده. فالحلال ما حلله الله ~~ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله؛ ولهذا قال ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فليس لأحد أن يأخذ ~~من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله والأموال المشتركة له كمال الفيء ~~والغنيمة والصدقات عليه أن يرضى بما آتاه الله ورسوله منها وهو مقدار حقه ~~لا يطلب زيادة على ذلك. ثم قال تعالى: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل " ~~ورسوله " فإن الحسب هو الكافي والله وحده كاف عباده المؤمنين كما قال ~~تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي هو وحده حسبك ~~وحسب من اتبعك من المؤمنين. هذا هو القول الصواب الذي قاله جمهور السلف ~~والخلف كما بين في موضع آخر. والمراد أن الله كاف للرسول ولمن اتبعه فكل من ~~اتبع الرسول فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه ثم قال تعالى: {سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله} فذكر الإيتاء لله ورسوله لكن وسطه بذكر الفضل فإن الفضل ~~لله وحده بقوله: {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} ثم قال تعالى: {إنا إلى ~~الله راغبون} فجعل الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات. ~~فقد تبين أن الله سوى بين المخلوقات في هذه الأحكام لم يجعل لأحد من # PageV01P293 # المخلوقين - سواء كان نبيا أو ملكا - أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب ~~إليه ولا يخشى ولا يتقي. وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . فقد تهدد سبحانه ms0212 ~~من دعا شيئا من دون الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا في ملكه ~~وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين؛ فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات: رغبة ~~ورهبة وعبادة واستعانة ولم يبق إلا الشفاعة وهي حق؛ لكن قال الله تعالى ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . وهكذا دلت الأحاديث الصحيحة في ~~الشفاعة يوم القيامة {إذا أتى الناس آدم وأولي العزم نوحا وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم فيردهم كل واحد إلى الذي بعده إلى أن يأتوا المسيح فيقول ~~لهم: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال صلى ~~الله عليه وسلم فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت ساجدا وأحمد ربي ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال لي: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع ~~وسل تعطه واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة} وذكر تمام الخبر. ~~فبين المسيح أن محمدا هو الشافع المشفع لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر؛ وبين محمد عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجه الشفعاء # PageV01P294 # وأكرمهم على الله تعالى أنه يأتي فيسجد ويحمد لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن ~~له فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع وذكر أن ربه يحد له حدا ~~فيدخلهم الجنة. وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذي يكرم الشفيع بالإذن ~~له في الشفاعة والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له ثم يحد للشفيع حدا ~~فيدخلهم الجنة. فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره. وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو ~~عنده الذي فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته ~~وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه. وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه ~~وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها فليس ~~لمخلوق أن يقسم به ولا يتقي ولا يتوكل عليه؛ وإن كان أفضل المخلوقات ولا ~~يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين فضلا عن غيرهم من المشايخ والصالحين. ~~فسؤال الله تعالى بالمخلوقات: إن كان بما ms0213 أقسم به وعظمه من المخلوقات فيسوغ ~~السؤال بذلك كله وإن لم يكن سائغا لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك والتفريق في ~~ذلك بين معظم ومعظم؛ كتفريق من فرق فزعم أنه يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون ~~بعض وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر. # ولو فرق مفرق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به قيل له فيجب الإيمان ~~بالملائكة والنبيين ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير والحور # PageV01P295 # العين والولدان وغير ذلك أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب ~~الإيمان بها؟ أم يجوز السؤال بها كذلك؟ . فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم ~~يكن المسئول به سببا لإجابة الدعاء فلا فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق كما ~~لا فرق بين القسم بمخلوق ومخلوق وكل ذلك غير جائز. فتبين أنه لا يجوز ذلك ~~كما قاله من قاله من العلماء والله أعلم. # وأما قوله تعالى {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} فكانت اليهود ~~تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم؛ لم يكونوا يقسمون ~~على الله بذاته ولا يسألون به؛ أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأمي ~~لنتبعه ونقتل هؤلاء معه. هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل ~~القرآن فإنه قال تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون} والاستفتاح الاستنصار وهو ~~طلب الفتح والنصر؛ فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه فبهذا ~~ينصرون ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو ~~أقسموا به نصروا؛ ولم يكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه. وما ذكره بعض المفسرين من ~~أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة ~~المستفيضة المخالفة له. وقد ذكرنا طرفا من ذلك في (دلائل النبوة وفي كتاب ~~(الاستغاثة # PageV01P296 # الكبير. و (كتب السير و (دلائل النبوة و (التفسير مشحونة بذلك. قال أبو ~~العالية وغيره: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى ms0214 الله عليه وسلم على ~~مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نغلب ~~المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا ~~للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} . وروى ~~محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: ~~مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود ~~وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا ~~تزال بيننا وبينهم شرور؛ فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب ~~زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم - كثيرا ما كنا نسمع ذلك منهم ~~- فلما بعث الله محمدا رسولا من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ~~ما كانوا يتوعدونا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل ~~هؤلاء الآيات التي في البقرة: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين} . ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام ~~مفسري السلف إلا هذا وهذا لم يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف؛ بل ذكروا ~~الإخبار به أو سؤال الله أن يبعثه؛ فروى ابن أبي حاتم عن أبي رزين عن ~~الضحاك # PageV01P297 # عن ابن عباس في قوله تعالى {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} ~~قال: يستظهرون؛ يقولون: نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك يكذبون. وروي عن ~~معمر عن قتادة في قوله تعالى {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} ~~قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} . وروي ~~بإسناده عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد قال أخبرني عكرمة - أو سعيد ~~بن جبير - عن ابن عباس أن يهود كانوا ms0215 يستفتحون على الأوس والخزرج برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به ~~وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور ~~وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته ~~فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا ~~نذكر لكم فأنزل الله تعالى في ذلك: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين} . وروي بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ~~قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: ~~اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. ~~فلما بعث الله محمدا # PageV01P298 # ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال الله {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} . وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل بسكينة فكلما ~~التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي ~~الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا ~~بهذا الدعاء هزموا غطفان. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به ~~فأنزل الله تعالى {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به} وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال: أدت الضرورة إلا ~~إخراجه. وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس ~~وهو عند أهل العلم بالرجال متروك؛ بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين ~~وغيره من الأئمة في ms0216 حقه. قلت: وهذا الحديث من جملتها وكذلك الحديث الآخر ~~يرويه عن أبي بكر كما تقدم. ومما يبين ذلك أن قوله تعالى {وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا} إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود ~~المجاورين للمدينة أولا كبني قينقاع وقريظة والنضير وهم الذين كانوا ~~يحالفون الأوس والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم # PageV01P299 # فحارب أولا بني قينقاع ثم النضير - وفيهم نزلت سورة الحشر - ثم قريظة عام ~~الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر كالبيهقي؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم ~~يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا ~~بهذا الدعاء؛ وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع ~~لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله. ومما ينبغي أن يعلم أن مثل هذا ~~اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به والإقسام به على الله تعالى لم يكن مثل ~~هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام لأنه أولا لم يثبت وليس في الآية ما ~~يدل عليه ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعا لنا فإن الله تعالى قد أخبر عن ~~سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا: ~~{لنتخذن عليهم مسجدا} ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور ولفظ الآية ~~إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به. وهذا كقوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} والاستفتاح طلب الفتح ~~وهو النصر ومنه الحديث المأثور {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال هل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم؟} . وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله ~~تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبي ~~إليهم لينتصروا به عليهم؛ لا لأنهم أقسموا على الله وسألوا به ولهذا قال ~~تعالى {فلما ms0217 جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على # PageV01P300 # الكافرين} فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد ~~أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها ~~عليه فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟ . وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم ~~كانوا ينصرون فقد بينا أنه شاذ وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب ~~فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل كانوا مغلوبين معهم وكانوا يحالفون ~~العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت قريظة حلفاء الأوس وكانت النضير حلفاء ~~الخزرج. وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف ~~خلافه والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك فقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة ~~أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت ~~عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} . فاليهود - من حين ضربت عليهم الذلة أينما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس - لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على ~~العرب ولا غيرهم وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام والذلة ضربت ~~عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه. قال تعالى: {يا عيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ~~كما قال عيسى ابن مريم # PageV01P301 # للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة ~~من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} ~~وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ~~قال تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون} . # فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره في حياته صلى الله عليه ms0218 وسلم ~~وبعد موته يقسمون بذاته؛ بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته فكيف ~~يقال في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى وسؤالهم من الأنبياء والملائكة ~~وغيرهم؛ وقد قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . قالت طائفة من ~~السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير وغيرهما فنهى ~~الله عن ذلك وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون ~~إليه وإنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم. وقد قال تعالى: ~~{ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون} . # PageV01P302 # ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره مسجدا وأن يتخذ عيدا ~~وقال في مرض موته {: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد} يحذر ما صنعوا أخرجاه في الصحيحين. وقال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} رواه مالك في ~~موطئه وقال: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد ~~فقولوا: عبد الله ورسوله} متفق عليه. وقال: {لا تقولوا: ما شاء الله وشاء ~~محمد. بل ما شاء الله ثم شاء محمد} . {وقال له بعض الأعراب: ما شاء الله ~~وشئت فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده} . وقد قال الله تعالى ~~له: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا} وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . وقال ~~تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} . وهذا تحقيق التوحيد مع ms0219 أنه صلى الله عليه ~~وسلم أكرم الخلق على الله وأعلاهم منزلة عند الله. وقد روى الطبراني في ~~معجمه الكبير {أن منافقا كان يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر: قوموا نستغيث ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله} . وفي صحيح مسلم في آخره ~~أنه قال قبل أن يموت بخمس {إن من كان # PageV01P303 # قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك} . وفي صحيح مسلم أيضا وغيره أنه قال: {لا تجلسوا على القبور ~~ولا تصلوا إليها} . وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - وله طرق ~~متعددة عن غيرهما - أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي ~~هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى} . وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد ~~المسجد فليأته. ثم ذكر الحديث {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} ذكره ~~القاضي إسماعيل في مبسوطه. ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه ولا ~~فرق في ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم. ولله تبارك وتعالى حق لا يشركه ~~فيه أحد لا الأنبياء ولا غيرهم وللأنبياء حق وللمؤمنين حق ولبعضهم على بعض ~~حق. فحقه تبارك وتعالى أن يعبدوه لا يشركوا به كما تقدم في حديث معاذ ومن ~~عبادته تعالى أن يخلصوا له الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه ولا يجعلوا ~~لله ندا: لا في محبته ولا خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به كما في ~~الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وسلم {من مات وهو يدعو ندا من دون الله دخل ~~النار} {وسئل: أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك} . {وقيل له: ~~ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده} . # PageV01P304 # وقد قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~وقال تعالى: {فلا ms0220 تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} {وقال الله لا تتخذوا ~~إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} {فإياي فاعبدون} وقال تعالى: ~~{فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} وقال تعالى في فاتحة الكتاب التي هي أم ~~القرآن {إياك نعبد وإياك نستعين} وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {فلا ~~تخشوا الناس واخشون} وقال تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله} . ولهذا لما كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل ~~صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون} {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} . وفي الصحيحين ~~{عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم ~~نفسه؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذاك الشرك كما قال العبد ~~الصالح: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} } . وقال تعالى: {ومن ~~يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} . # PageV01P305 # فجعل الطاعة لله والرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده فلا يخشى إلا الله ولا يتقي إلا الله. وقال تعالى: {فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} . وقال تعالى: {فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} . وقال تعالى {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} . فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول في أول الكلام وآخره كقوله ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} مع جعله الفضل لله ~~وحده ms0221 والرغبة إلى الله وحده. وهو تعالى وحده حسبهم لا شريك له في ذلك. # وروى البخاري عن ابن عباس في قوله {حسبنا الله ونعم الوكيل} قال: قالها ~~إبراهيم حين ألقي في النار وقال محمد حين {قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وقال تعالى: {يا ~~أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} . ومعنى ذلك عند جماهير السلف ~~والخلف أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما بسط ذلك بالأدلة ~~وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسائط بيننا وبين الله في أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ~~ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله. # PageV01P306 # فعلينا أن نحب الله ورسوله ونطيع الله ورسوله ونرضي الله ورسوله قال ~~تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} وقال تعالى: {أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول} وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال ~~تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} . وفي الصحيحين عن أنس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: ~~من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار} وقد قال تعالى {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} . فالإيمان بالله والرسول ~~والتعزير والتوقير للرسول وتعزيره نصره ومنعه والتسبيح بكرة وأصيلا لله ~~وحده فإن ذلك من العبادة لله والعبادة هي لله وحده: فلا يصلى إلا لله ولا ~~يصام إلا لله ولا يحج إلا إلى بيت الله ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد ~~الثلاثة لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله ولا ينذر ms0222 إلا لله ~~ولا يحلف إلا بالله ولا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا بالله. وأما ما خلقه ~~الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر # PageV01P307 # المخلوقات فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق كما جعل الرسل ~~واسطة في التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب وليس في المخلوقات ~~شيء يستقل بإبداع شيء بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه ولا بد من دفع ~~المعارض عنه وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده فما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن بخلاف الرسالة فإن الرسول وحده كان واسطة في تبليغ رسالته إلى ~~عباده. # وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال ~~الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} وقال تعالى: ~~{إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} . وكذلك دعاء الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل الله تعالى: المحل ~~قابلا له وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم يغفر لهم قال الله ~~تعالى: {سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} . ~~وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز وجل في أمره ونهيه ~~ووعده ووعيده وخبره فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به ونطيعهم فيما ~~أوجبوا وأمروا وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل؛ لا نفرق بين أحد ~~منهم ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتدا مباح الدم. وإذا تكلمنا فيما ~~يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد بينا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين ~~لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص: فلا يشرك بهم ولا يتوكل ~~عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ولا يقسم # PageV01P308 # على الله بهم ولا يتوسل بذواتهم وإنما يتوسل بالإيمان بهم وبمحبتهم ~~وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم وطاعتهم فيما أمروا ~~وتصديقهم فيما أخبروا وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه. # والتوسل ms0223 بذلك على وجهين: # أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال كحديث الثلاثة ~~الذين أووا إلى الغار فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج ~~كربتهم وقد تقدم بيان ذلك. # والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه فإن الأعمال ~~الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى ~~سعادة الدنيا والآخرة ومثل هذا كقول المؤمنين: {ربنا إننا سمعنا مناديا ~~ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء ومثل ذلك ~~ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى {إنه كان فريق من عبادي ~~يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} وأمثال ذلك كثير. # وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته فإنه يكون على ~~وجهين: # أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان يطلب منه في ~~حياته وكما يطلب منه يوم القيامة حين يأتون آدم ونوحا ثم الخليل ثم # PageV01P309 # موسى الكليم ثم عيسى ثم يأتون محمدا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ~~فيطلبون منه الشفاعة. # والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ~~ودعائه كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره فإنه طلب منه الدعاء ~~والشفاعة فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول {اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك به اللهم فشفعه في} فأمره أن يسأل الله تعالى قبول ~~شفاعته؛ بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول - والرسول لم يدع له ~~ولم يشفع فيه - فهذا توسل بما لم يوجد وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا ~~له وشفع فيه. ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء ~~كما تقدم فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس وسألوا الله تعالى مع دعاء ~~العباس فإنهم استشفعوا جميعا ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم فصار ~~التوسل بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله ولا ~~يكون بدون ذلك. ms0224 فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة لا ينازع في واحد منها أحد من ~~أهل العلم والإيمان. # ودين الإسلام مبني على أصلين وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله: وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر فلا تحب مخلوقا كما ~~تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ومن سوى # PageV01P310 # بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله وهو من الذين بربهم ~~يعدلون وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق ~~السموات والأرض. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات ~~والأرض كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى: {أئنكم لتشهدون ~~أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فصاروا مشركين ~~لأنهم أحبوهم كحبه لا أنهم قالوا إن آلهتهم خلقوا كخلقه. كما قال تعالى: ~~{أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} . وهذا استفهام إنكار ~~بمعنى النفي أي ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فإنهم مقرون أن آلهتهم لم ~~يخلقوا كخلقه. وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط قال تعالى: {ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} وقال صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني ~~إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون} . (الأصل الثاني أن نعبده بما ~~شرع على ألسن رسله لا نعبده إلا بواجب أو مستحب والمباح إذا قصد به الطاعة ~~دخل في ذلك. # PageV01P311 # والدعاء من جملة العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث ms0225 ~~بهم - مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب - ~~كان مبتدعا في الدين مشركا برب العالمين متبعا غير سبيل المؤمنين. ومن سأل ~~الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعا بدعة ما أنزل ~~الله بها من سلطان فإن ذم من خالفه وسعى في عقوبته كان ظالما جاهلا معتديا. ~~وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله وكان حكمه منقوضا بإجماع المسلمين ~~وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوج منه إلى أن ينفذ له هذا ~~الحكم ويعان عليه وهذا كله مجمع عليه بين المسلمين ليس فيه خلاف لا بين ~~الأئمة الأربعة ولا غيرهم. وقد بسط الكلام على هذه الأمور في مجلدات من ~~جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد تتعلق بحكم الحكام وما يجوز لهم الحكم فيه وما ~~لا يجوز. وهو مؤلف مفرد يتعلق بأحكام هذا الباب لا يحسن إيراد شيء من فصوله ~~هاهنا؛ لإفراد الكلام في هذا الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته وسيأتي ~~إيراد ما اختصر منه وحررت فصوله في ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل ~~لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى معرفة هذا الأمر المهم. وبالله التوفيق. # وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استفتيت عن # PageV01P312 # التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فكتبت في ذلك جوابا مبسوطا وقد أحببت ~~إيراده هنا لما في ذلك من مزيد الفائدة فإن هذه القواعد - المتعلقة بتقرير ~~التوحيد وحسم مادة الشرك والغلو - كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك ~~نورا على نور. والله المستعان. # وصورة السؤال: # المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من ~~الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين. # وصورة الجواب: # الحمد لله رب العالمين، أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في ~~الشفاعة. ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن ms0226 من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل ~~الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق. فله صلى الله عليه وسلم شفاعات ~~يختص بها لا يشركه فيها أحد وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين ~~لكن ما له فيها أفضل مما لغيره فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم ~~على ربه عز وجل وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما ~~يضيق هذا الموضع عن بسطه ومن ذلك " المقام # PageV01P313 # المحمود " الذي يغبطه به الأولون والآخرون وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة ~~منها في الصحيحين أحاديث متعددة وفي السنن والمساند مما يكثر عدده. # وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين ~~خاصة في رفع بعض الدرجات وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا. وأجمع أهل العلم على ~~أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما ثبت في صحيح ~~البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن ~~عبد المطلب فقال " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون. وفي البخاري أيضا عن ابن عمر ~~أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر - وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال ~~اليتامى عصمة للأرامل والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن ~~الخطاب قد جاء مفسرا في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس الاستشفاع به وهو ~~أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ونحن ~~نقدمه بين أيدينا شافعا وسائلا لنا بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم # وكذلك معاوية بن أبي سفيان - لما أجدب الناس بالشام - استسقى بيزيد بن ~~الأسود الجرشي فقال: " اللهم إنا نستشفع - ونتوسل - بخيارنا. يا يزيد ارفع ~~يديك " فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا. # PageV01P314 # ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا من ~~أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0227 فهو أحسن. وهذا الاستشفاع والتوسل ~~حقيقته التوسل بدعائه؛ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون ~~معه كما {أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله ~~يغثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا ~~اللهم أغثنا وما في السماء قزعة؛ فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعا ~~لا يرون فيه الشمس؛ حتى دخل عليهم الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول الله ~~انقطعت السبل وتهدم البنيان فادع الله يكشفها عنا. فرفع يديه وقال اللهم ~~حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ~~فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب} . والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما. ~~وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره {أن رجلا قال له: إنا نستشفع بك على ~~الله ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي ذلك ~~في وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من ~~خلقه شأن الله أعظم من ذلك} . وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص - في ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - هو استشفاع بدعائه وشفاعته ليس هو ~~السؤال بذاته؛ فإنه لو كان هذا # PageV01P315 # السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق ولكن ~~لما كان معناه هو الأول أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " نستشفع ~~بالله عليك " ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع ~~إليه أن يقضي حاجة الطالب؛ والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضي ~~حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله: - ~~شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم ~~يتكلم به عالم. وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكلاهما خطأ وضلال؛ بل هو سبحانه المسئول ms0228 المدعو الذي ~~يسأله كل من في السموات والأرض؛ ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه ~~وكل من وجبت طاعته من المخلوقين فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى فالرسل ~~يبلغون عن الله أمره؛ فمن أطاعهم فقد أطاع الله ومن بايعهم فقد بايع الله. ~~قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله} . وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما ~~تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: {على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما ~~لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة} وقال صلى الله ~~عليه وسلم {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} . # PageV01P316 # وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيما وفي الحديث ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه ~~لما أعتقت وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه وكان زوجها يحبها ~~فجعل يبكي فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمسكه فقالت أتأمرني؟ فقال ~~لا إنما أنا شافع} . وإنما قالت " أتأمرني؟ " وقال: " إنما أنا شافع " لما ~~استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته فإنه لا يجب قبول ~~شفاعته ولهذا لم يلمها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته ~~فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها. # والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعا إلى مخلوق بل هو ~~سبحانه أعلى شأنا من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه. قال تعالى: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين} . ودل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع ~~به إلى ms0229 الله عز وجل: أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الدنيا والآخرة؛ ~~فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم وفي أن ~~يدخلوا الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن ~~لا يدخلها ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها. # PageV01P317 # ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين ~~للثواب. ولكن كثيرا من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل ~~الكبائر فقالوا: لا يشفع لأهل الكبائر بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا ~~يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها ~~ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى ~~الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل الإيمان ~~أحد؛ بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من ~~إيمان لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته ~~بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه والاستشفاع به ~~طلب شفاعته والشفاعة دعاء. # فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته - مثل الإقسام بذاته أو ~~بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم بدعائهم - فليس هذا مشهورا عند ~~الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا ~~استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيا كالعباس وكيزيد بن الأسود ولم ~~يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس # PageV01P318 # وكيزيد بل كانوا يصلون عليه في دعائهم وقد قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فجعلوا هذا بدلا عن ~~ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه وقد كان ~~من ms0230 الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء ~~بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو ~~السؤال به؛ فيقولون: نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما ~~يفعله بعض الناس. وروى بعض الجهال {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم؛} وهذا الحديث كذب ~~ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من ~~أهل العلم بالحديث مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء ~~والمرسلين وقد أخبرنا سبحانه عن موسى وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند ~~الله فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ~~الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} وقال تعالى: {إذ قالت الملائكة يا ~~مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين} . فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز وجل؛ فكيف ~~بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون؛ وصاحب ~~الكوثر # PageV01P319 # والحوض المورود الذي آنيته عدد نجوم السماء وماؤه أشد بياضا من اللبن ~~وأحلى من العسل ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا؟ . وهو صاحب الشفاعة ~~يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم - نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ويتقدم هو إليها وهو صاحب اللواء آدم ومن ~~دونه تحت لوائه وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز وجل وهو إمام الأنبياء ~~إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله. # ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} وقال تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ms0231 عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ~~جميعا} {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ~~وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا} . والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له ~~في حصول المطلوب والله تعالى لا شريك له كما قال سبحانه: {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ~~. # PageV01P320 # وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ ~~القبور مساجد ولعن من يفعل ذلك ونهى عن اتخاذ قبره عيدا وذلك لأن أول ما ~~حدث الشرك في بني آدم كان في قوم نوح. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة ~~قرون كلهم على الإسلام. وثبت ذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقد قال الله تعالى عن قومه إنهم ~~قالوا: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} {وقد ~~أضلوا كثيرا} . قال غير واحد من السلف: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم؛ وقد ذكر البخاري ~~في صحيحه هذا عن ابن عباس وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب وسمى قبائل ~~العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام. فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حسم مادة الشرك بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد - ~~وإن كان المصلي يصلي لله عز وجل كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس لئلا ~~يشابه المصلين للشمس؛ وإن كان المصلي إنما يصلي لله تعالى وكان الذي يقصد ~~الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذي لا يقصد إلا الصلاة لله ~~عز وجل - لم يكونوا يفعلون ذلك. وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو ms0232 ~~التوسل بالإيمان به وطاعته # PageV01P321 # ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته ~~مجردة عن هذا وهذا. فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئا من ذلك ولا ~~دعوا بمثل هذه الأدعية - وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما ~~أمر الله به رسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا ~~بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم - دل عدولهم عن التوسل ~~بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} رواه مالك في موطئه ورواه غيره وفي سنن ~~أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وفي الصحيحين أنه قال في مرض موته {لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا قالت ~~عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي صحيح مسلم عن ~~جندب {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس إني أبرأ إلى الله ~~أن يكون لي منكم خليل ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ~~فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # PageV01P322 # قال: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: ~~عبد الله ورسوله} . وقد روى الترمذي حديثا صحيحا {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه علم رجلا أن يدعو فيقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي ~~اللهم شفعه في} وروى النسائي نحو هذا الدعاء. وفي الترمذي وابن ماجه ms0233 عن ~~عثمان بن حنيف {أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله ~~أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك. فقال: فادعه. فأمره ~~أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد نبي الرحمة يا رسول الله يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه ~~لتقضى اللهم فشفعه في} قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي عن ~~عثمان بن حنيف ولفظه {أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي ~~عن بصري. قال فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه ~~إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري ~~اللهم فشفعه في قال فرجع وقد كشف الله عن بصره} . # وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد # PageV01P323 # الخطمى المديني قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف ~~{أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ادع الله ~~أن يعافيني فقال إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال: لا ~~بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: ~~اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك ~~إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى اللهم فشفعني فيه وشفعه في. قال ففعل الرجل ~~فبرأ} . فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء. فمن الناس من يقول: ~~هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا. وهذا يحتج به من يتوسل بذاته ~~بعد موته وفي مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى ~~الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم ~~ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا إلى أن يطيعوه فسواء ms0234 ~~عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع الجميع عندهم توسل به وسواء أطاعوه أو ~~لم يطيعوه ويظنون أن الله تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل به بزعمهم ولم يدع ~~له الرسول كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه ودعا له الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى وأن ما أمر به ~~الأعمى مشروع لهم. وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا فلا هم موافقون لشرع الله ~~ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله. # PageV01P324 # ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في ~~مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها والفرق ثابت ~~شرعا وقدرا بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدع له ولا ~~يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر. وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلهذا قال في دعائه " اللهم فشفعه في ". فعلم أنه شفيع فيه ولفظه: {إن شئت ~~صبرت وإن شئت دعوت لك فقال: ادع لي} فهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يدعو له فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضا لنفسه ~~ويقول في دعائه " اللهم فشفعه في " فدل ذلك على أن معنى قوله: " أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك محمد " أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر " اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ". فالحديثان معناهما واحد فهو صلى ~~الله عليه وسلم علم رجلا أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا ~~يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلا ~~عنه. فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن ~~لم يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به - وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ~~وأقربهم إليه وسيلة - إلى أن يتوسلوا ms0235 بغيره ممن ليس مثله. # PageV01P325 # وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان ~~عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا - ~~مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم ~~أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم ~~يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون ~~تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن - دليل على أن ~~المشروع ما سلكوه دون ما تركوه. ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ~~ما فعلوه دون ما تركوه وذلك أن التوسل به حيا هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو ~~من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع؛ فما زال المسلمون يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم. وأما بعد موته فلم يكن الصحابة ~~يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره كما يفعله كثير من الناس ~~عند قبور الصالحين؛ يسأل أحدهم الميت حاجته أو يقسم على الله به ونحو ذلك. ~~وإن كان قد روي في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين؛ بل طلب الدعاء مشروع من كل ~~مؤمن لكل مؤمن حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه في ~~العمرة: {لا تنسنا يا أخي من دعائك} - إن صح # PageV01P326 # الحديث - وحتى {أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرني أن ~~يستغفر للطالب} وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير. وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا ~~علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ~~فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة} مع أن طلبه من أمته ~~الدعاء ليس ms0236 هو طلب حاجة من المخلوق بل هو تعليم لأمته ما ينتفعون به في ~~دينهم وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره: فإنا إذا صلينا ~~عليه مرة صلى الله علينا عشرا وإذا سألنا الله له الوسيلة حلت علينا شفاعته ~~يوم القيامة وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا من غير أن ينقص ~~من أجرنا شيء؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: {من دعا إلى هدى كان له من ~~الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا} وهو الذي دعا ~~أمته إلى كل خير وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء. ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا ~~يحجون عنه # PageV01P327 # ولا يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له لأن كل ما يعمله المسلمون من ~~صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيء؛ بخلاف الوالدين فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون ~~لوالديه مثل أجره ولهذا يهدي الثواب لوالديه وغيرهما. ومعلوم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مطيع لربه عز وجل في قوله تعالى {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ~~ربك فارغب} فهو صلى الله عليه وسلم لا يرغب إلى غير الله وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال: {يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون} . فهؤلاء من أمته وقد ~~مدحهم بأنهم لا يسترقون والاسترقاء أن يطلب من غيره أن يرقيه والرقية من ~~نوع الدعاء وكان هو صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه وغيره ولا يطلب من أحد أن ~~يرقيه ورواية من روى في هذا: " لا يرقون " ضعيفة غلط؛ فهذا مما يبين حقيقة ~~أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذي غيره أفضل ~~منه؛ فإن من لا يسأل الناس - بل لا يسأل إلا الله - أفضل ممن يسأل الناس ~~ومحمد صلى ms0237 الله عليه وسلم سيد ولد آدم. # ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر لأنه أكمل إخلاصا وأبعد ~~عن الشرك فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه إلى دعاء # PageV01P328 # من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفي الحديث: {أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب ~~لغائب} وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل ~~يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة ~~قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله} . وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ~~ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته فلهذا كان طلب ~~الدعاء جائزا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه والأفعال التي يقدر ~~عليها. فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله ~~سبحانه لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم ولا يجوز ~~أن يقال لغير الله: اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو ~~اهد قلوبنا ونحو ذلك؛ ولهذا روى الطبراني في معجمه {أنه كان في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق: قوموا بنا نستغيث ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاءوا إليه فقال إنه لا ~~يستغاث بي وإنما يستغاث بالله} وهذا في الاستعانة مثل ذلك. فأما ما يقدر ~~عليه البشر فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه: # PageV01P329 # {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} وفي دعاء موسى عليه السلام {اللهم لك ~~الحمد وإليك المشتكى وإليك المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان؛ ولا حول ~~ولا قوة إلا بك} وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة الغريق بالغريق. وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} . قال طائفة ms0238 من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال ~~الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي كما ~~ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي ~~فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون ~~لنا ويستغفرون مع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم. وكذلك الأنبياء والصالحون ~~وإن كانوا أحياء في قبورهم وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار ~~فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف لأن ذلك ذريعة إلى ~~الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى؛ بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنه ~~لا يفضي إلى الشرك؛ ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد ~~الموت هو بالأمر الكوني # PageV01P330 # فلا يؤثر فيه سؤال السائلين بخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه يشرع إجابة ~~السائل وبعد الموت انقطع التكليف عنهم. وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . ~~فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر وقال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال تعالى: ~~{ما من شفيع إلا من بعد إذنه} وقال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا ~~شفيع} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} وقال تعالى عن صاحب يس: {وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من ms0239 دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن ~~عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم ~~فاسمعون} وقال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال تعالى: ~~{يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} وقال تعالى: ~~{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} . # PageV01P331 # فالشفاعة نوعان: - أحدهما: الشفاعة التي نفاها الله تعالى كالتي أثبتها ~~المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم وهي شرك. والثاني: أن يشفع ~~الشفيع بإذن الله وهذه التي أثبتها الله تعالى لعباده الصالحين ولهذا كان ~~سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد. قال: ~~{فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال: أي محمد ارفع رأسك وقل ~~يسمع وسل تعطه واشفع تشفع} فإذا أذن له في الشفاعة شفع صلى الله عليه وسلم ~~لمن أراد الله أن يشفع فيه. قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل ~~والاستشفاع به - بمعنى أن يكون هو داعيا للمتوسل به - أن يشرع ذلك في مغيبه ~~وبعد موته؛ مع أنه هو لم يدع للمتوسل به بل المتوسل به أقسم له أو سأل ~~بذاته مع كون الصحابة فرقوا بين الأمرين؛ وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن ~~توسل به ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل دعاء الخلق فهو أفضل الخلق وأكرمهم على ~~الله فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق فكيف يقاس هذا ~~بمن لم يدع له الرسول ولم يشفع له؟ ومن سوى بين من دعا له الرسول وبين من ~~لم يدع له الرسول وجعل هذا التوسل كهذا التوسل فهو من أضل الناس. وأيضا ~~فإنه ليس في طلب الدعاء منه ودعائه هو والتوسل بدعائه ضرر # PageV01P332 # بل هو خير بلا شر وليس في ذلك محذور ولا مفسدة فإن أحدا من الأنبياء ~~عليهم السلام لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان ~~شركا أصغر كما نهى النبي صلى الله عليه ms0240 وسلم من سجد له عن السجود له وكما ~~قال {لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء ~~محمد} وأمثال ذلك. وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك ~~بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ~~ورسوله} أخرجاه في الصحيحين وقال {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} وقال {لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا. # وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن ~~لا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق " ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " كما قال تعالى {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} . قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما ~~أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله ~~والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى {فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . # PageV01P333 # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه له: اللهم اجعل عملي كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وقال تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} . وفي الصحيحين عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ~~رد} وفي لفظ في الصحيح {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} وفي الصحيح ~~وغيره أيضا يقول الله تعالى: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك ~~فيه غيري فأنا منه بريء؛ وهو كله للذي أشرك} . ولهذا قال الفقهاء: العبادات ~~مبناها على التوقيف كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قبل ms0241 الحجر الأسود ~~وقال " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك " والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول ~~وطاعته. وموالاته ومحبته. وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما وضمن ~~لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته. فقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} ~~وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم} وأمثال ذلك في القرآن كثير. # ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة # PageV01P334 # ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به وما لم ~~يعلمه أمسك عنه ولا يقفو ما ليس له به علم ولا يقول على الله ما لم يعلم ~~فإن الله تعالى قد حرم ذلك كله. وقد جاء في الأحاديث النبوية ذكر ما سأل ~~الله تعالى به كقوله صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا ~~إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا ~~قيوم} رواه أبو داود وغيره وفي لفظ: {اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت ~~الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد} رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. # وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف ~~بالمخلوقات؛ فلو حلف بالكعبة أو بالملائكة؛ أو بالأنبياء أو بأحد من الشيوخ ~~أو بالملوك لم تنعقد يمينه؛ ولا يشرع له ذلك؛ بل ينهى عنه إما نهي تحريم؛ ~~وإما نهي تنزيه. فإن للعلماء في ذلك قولين. والصحيح أنه نهي تحريم. ففي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان حالفا فليحلف بالله ~~أو ليصمت} وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال {من حلف بغير الله ~~فقد أشرك} ولم يقل أحد ms0242 من العلماء المتقدمين أنه تنعقد اليمين بأحد من ~~الأنبياء إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم فإن عن أحمد روايتين في أنه ~~تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف في سائر الأنبياء ~~وهذا ضعيف. وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ ولم يقل به أحد من ~~العلماء # PageV01P335 # فيما نعلم والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا تنعقد ~~اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح. وكذلك الاستعاذة ~~بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج السلف ~~- كأحمد وغيره - على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أعوذ بكلمات الله التامات} قالوا: فقد استعاذ بها ولا ~~يستعاذ بمخلوق. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا بأس بالرقى ~~ما لم تكن شركا} فنهى عن الرقى التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالجن كما ~~قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} . # ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والإقسام التي يستعملها بعض الناس في حق ~~المصروع وغيره التي تتضمن الشرك؛ بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك ~~خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز. فإذا لا ~~يجوز أن يقسم لا قسما مطلقا ولا قسما على غيره إلا بالله عز وجل ولا يستعيذ ~~إلا بالله عز وجل. والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه وإما أن ~~يكون طالبا بذلك السبب: كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم؛ وكما يتوسل ~~بدعاء الأنبياء والصالحين. # PageV01P336 # فإن كان إقساما على الله بغيره فهذا لا يجوز. وإن كان سؤالا بسبب يقتضي ~~المطلوب كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله مثل السؤال بالإيمان ~~بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز. وإن كان سؤالا بمجرد ذات ~~الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع وقد نهى عنه غير واحد من العلماء ~~وقالوا: إنه لا يجوز ورخص فيه بعضهم والأول أرجح كما تقدم ms0243 وهو سؤال بسبب لا ~~يقتضي حصول المطلوب بخلاف من كان طالبا بالسبب المقتضي لحصول المطلوب ~~كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة فهذا جائز؛ لأن دعاء ~~الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب ~~الله لنا وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة كما ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ~~والوسيلة هي الأعمال الصالحة وقال تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة} . # وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ~~ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضي إجابة دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة ~~ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا صحيحا ولا ~~مشهورا عن السلف. وقد نقل في (منسك المروذي) عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به # PageV01P337 # وأكثر العلماء على النهي في الأمرين ولا ريب أن لهم عند الله الجاه ~~العظيم - كما قال تعالى في حق موسى وعيسى عليهما السلام وقد تقدم ذكر ذلك - ~~لكن ما لهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم ونحن ننتفع ~~من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم؛ فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا ~~بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا أعظم الوسائل. وأما التوسل بنفس ~~ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكون وسيلة فالمتوسل ~~بالمخلوق إذا لم يتوسل بالإيمان بالمتوسل به ولا بطاعته فبأي شيء يتوسل؟ . # والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له ~~عند ذلك مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده ~~وهذا جائز. وإما أن يقسم عليه كما يقول بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان ~~وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز ولا ~~يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق. وإما أن يسأل بسبب يقتضي المطلوب كما قال ms0244 ~~الله تعالى. {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} وسيأتي بيان ذلك. وقد ~~تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز ولا يجوز أن يقسم بمخلوق ~~أصلا وأما التوسل إليه بشفاعة المأذون لهم في الشفاعة فجائز والأعمى كان قد ~~طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له كما طلب الصحابة منه # PageV01P338 # الاستسقاء وقوله " أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة " أي بدعائه وشفاعته ~~لي ولهذا تمام الحديث " اللهم فشفعه في ". فالذي في الحديث متفق على جوازه ~~وليس هو مما نحن فيه وقد قال تعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~. فعلى قراءة الجمهور بالنصب: إنما يسألون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم ~~بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله. وأما على ~~قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف: هو قولهم أسألك بالله وبالرحم وهذا ~~إخبار عن سؤالهم وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه فإن كان دليلا على جوازه ~~فمعنى قوله أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم - والقسم هنا لا يسوغ - لكن ~~بسبب الرحم أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا كسؤال الثلاثة ~~لله تعالى بأعمالهم الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشفاعته. ومن هذا الباب ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن ~~أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه وليس هذا من باب ~~الإقسام؛ فإن الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما ~~وجب بسبب جعفر وجعفر حقه على علي. # ومن هذا الباب: الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {في دعاء الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ~~وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة # PageV01P339 # ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك. أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر ~~لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} . وهذا الحديث في إسناده عطية ~~العوفي وفيه ضعف ms0245 فإن كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا ~~الباب لوجهين: - (أحدهما) لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين وبحق ~~الماشين في طاعته وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق ~~أوجبه الله تعالى وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئا. ومنه قوله ~~تعالى {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وقوله تعالى {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين} وقوله تعالى {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله} . وفي الصحيح في حديث معاذ {حق الله على عباده أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا ~~يعذبهم} . وفي الصحيح عن أبي ذر {عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ~~عن ربه تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما. فلا تظالموا} . وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة ~~والإثابة؛ بذلك فذاك سؤال لله بأفعاله؛ كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله صلى ~~الله عليه وسلم {أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا ~~أحصي ثناء عليك # PageV01P340 # أنت كما أثنيت على نفسك} فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله كالسؤال ~~بإثابته التي هي فعله. وروى الطبراني في (كتاب الدعاء {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الله يقول: يا عبدي إنما هي أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة ~~بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي؛ فالتي لي أن تعبدني لا تشرك بي شيئا ~~والتي هي لك أجزيك بها أحوج ما تكون إليه والتي بيني وبينك منك الدعاء ومني ~~الإجابة والتي بينك وبين خلقي فأت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك} . ~~وتقسيمه في الحديث إلى قوله: واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث ~~الفاتحة حيث يقول الله تعالى: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ نصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل} . والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى ~~يحب النصفين؛ لكن هو سبحانه يحب أن يعبد؛ وما يعطيه العبد ms0246 من الإعانة ~~والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته والعبد يطلب ~~ما يحتاج إليه أولا؛ وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى ~~الصراط المستقيم؛ وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما ~~يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن كنا خرجنا عن المراد. (الوجه الثاني) أن ~~الدعاء له سبحانه وتعالى والعمل له سبب لحصول مقصود العبد فهو كالتوسل ~~بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته وقد تقدم أن الدعاء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح إما أن يكون إقساما به # PageV01P341 # أو سببا به فإن كان قوله " بحق السائلين عليك " إقساما فلا يقسم على الله ~~إلا به وإن كان سببا فهو سبب بما جعله هو سبحانه سببا وهو دعاؤه وعبادته. ~~فهذا كله يشبه بعضه بعضا وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء ~~منه ولا عمل صالح منا. # وإذا قال السائل: أسألك بحق الملائكة أو بحق الأنبياء وحق الصالحين؛ ولا ~~يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء - فإذا لم يجز له أن يحلف به ولا يقسم على ~~مخلوق به فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يقسم به وإنما يتسبب به فليس ~~في مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده ولكن لا بد من سبب منه كالإيمان ~~بالملائكة والأنبياء أو منهم كدعائهم. ولكن كثيرا من الناس تعودوا كما ~~تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله. ~~وإذا قال القائل: أسألك بحق فلان أو بجاهه: أي أسألك بإيماني به ومحبتي له ~~وهذا من أعظم الوسائل. قيل: من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح لكن ليس هذا ~~مقصود عامة هؤلاء فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك أو بإيماني ~~برسولك ومحبتي له ونحو ذلك فقد أحسن في ذلك كما قال تعالى في دعاء ~~المؤمنين: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ~~ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} ms0247 وقال تعالى: ~~{الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} وقال ~~تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت # PageV01P342 # خير الراحمين} وقال تعالى: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا ~~مع الشاهدين} . وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتني فأطعت ودعوتني فأجبت ~~وهذا سحر فاغفر لي. ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا ~~إلى الغار وانطبقت عليهم الصخرة ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم الصالحة ففرج ~~عنهم وهو ما ثبت في الصحيحين. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن ~~خراش العجلاني وإسماعيل بن إبراهيم قالا حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس ~~قال: دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض ثقيل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ~~ثوبه وله أم عجوز كبيرة عند رأسه فالتفت إليها بعضنا وقال: يا هذه احتسبي ~~مصيبتك عند الله. قالت: وما ذاك مات ابني؟ قلنا: نعم. قالت: أحق ما تقولون؟ ~~قلنا: نعم. فمدت يديها إلى الله فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت ~~إلى رسولك رجاء أن تعقبني عند كل شدة فرجا فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم. ~~قال: فكشفت الثوب عن وجهه فما برحنا حتى طعمنا معه. # وروي في كتاب الحلية لأبي نعيم {أن داود قال: بحق آبائي عليك إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب. فأوحى الله تعالى إليه: يا داود وأي حق لآبائك علي؟} وهذا ~~وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليها. # PageV01P343 # وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه. ~~وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء. يحقق هذا الأمر أن التوسل به ~~والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح فمعناه في لغة الصحابة أن ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته؛ ودعاؤه ~~وشفاعته صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل عند الله عز وجل. وأما في لغة ~~كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته والله ms0248 تعالى لا ~~يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال أقسمت عليك يا ~~رب بملائكتك ولا بكعبتك ولا بعبادك الصالحين كما لا يجوز أن يقسم الرجل ~~بهذه الأشياء بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته ولهذا كانت السنة أن ~~يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته فيقول {أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ~~المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم وأسألك ~~بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك} . الحديث كما جاءت به السنة. وأما أن ~~يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين الإسلام: وكذلك قوله ~~" اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك ~~الأعظم وجدك الأعلى وبكلماتك التامات ". # PageV01P344 # مع أن هذا الدعاء الثالث في جواز الدعاء به قولان للعلماء قال الشيخ أبو ~~الحسن القدوري في كتابه المسمى بشرح الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا ~~يوسف قال: قال أبو حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول ~~" بمعاقد العز من عرشك " أو " بحق خلقك ". وهو قول أبي يوسف قال أبو يوسف: ~~" معقد العز من عرشه " هو الله فلا أكره هذا وأكره أن يقول: " بحق أنبيائك ~~ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام " قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز ~~لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز - يعني وفاقا - وهذا من أبي حنيفة ~~وأبي يوسف وغيرهما يقتضي المنع أن يسأل الله بغيره. فإن قيل: الرب سبحانه ~~وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس لنا أن نقسم عليه إلا به. فهلا قيل: ~~يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته وأن لا يقسم على مخلوق إلا بالخالق تعالى؟ قيل ~~لأن إقسامه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء عليه وذكر آياته وإقسامنا نحن ~~بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه أو تصديق خبر أو تكذيبه. ومن ~~قال لغيره: أسألك بكذا. ms0249 فإما أن يكون مقسما فهذا لا يجوز بغير الله تعالى ~~والكفارة في هذا على المقسم لا على المقسم عليه كما صرح بذلك أئمة الفقهاء. ~~وإن لم يكن مقسما فهو من باب السؤال فهذا لا كفارة فيه على واحد منهما. ~~فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق وذلك لا يجوز. وإما أن ~~يكون سائلا به وقد تقدم تفصيل ذلك. وإذا قال " بالله أفعل كذا " # PageV01P345 # فلا كفارة فيه على واحد منهما وإذا قال: " أقسمت عليك بالله لتفعلن أو " ~~والله لتفعلن " فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف. والذي يدعو بصيغة السؤال ~~فهو من باب السؤال به وأما إذا أقسم على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت ~~عليك يا رب لتفعلن كذا كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف فقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {رب أشعث أغبر ذي طمرين ~~مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره} وفي الصحيح {أنه قال لما قال أنس ~~بن النضر: والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أنس كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره} وهذا من باب الحلف بالله لتفعلن ~~هذا الأمر فهو إقسام عليه تعالى به وليس إقساما عليه بمخلوق. وينبغي للخلق ~~أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة فإن ذلك لا ريب في ~~فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم {إذا كانت ~~لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي} حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو ~~في شيء من كتب الحديث وإنما المشروع الصلاة عليه في دعاء. ولهذا لما ذكر ~~العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه لم يذكروا فيما شرع ~~للمسلمين في هذه الحال ms0250 التوسل به كما لم يذكر أحد من العلماء # PageV01P346 # دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال؛ وإن كان ~~بينهما فرق؛ فإن دعاء غير الله كفر ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى ~~والغائبين - لا الأنبياء ولا غيرهم - عن أحد من السلف وأئمة العلم وإنما ~~ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين بخلاف قولهم: أسألك ~~بجاه نبينا أو بحقه فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله ولم يكن مشهورا ~~بينهم ولا فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بل السنة تدل على النهي عنه ~~كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. ورأيت في فتاوي الفقيه أبي ~~محمد بن عبد السلام قال: لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن صح حديث الأعمى: فلم يعرف صحته - ثم رأيت عن ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا: لا يجوز الإقسام على ~~الله بأحد من الأنبياء ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به - وقد تقدم ~~أن هذا الحديث لا يدل إلا على التوسل بدعائه ليس من باب الإقسام بالمخلوق ~~على الله تعالى ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم. والذين يتوسلون ~~بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم - وهو من أنفع الأمور لهم ~~- إلى ما ليس كذلك فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء ~~وقد أمر الله بها. والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة ~~والإجماع قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} . # PageV01P347 # وفي الصحيح عنه أنه قال. {من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا} وعن فضالة ~~بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم ms0251 يحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا ~~صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه ثم يصلي على النبي ثم يدعو بعده بما شاء} رواه ~~أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث صحيح. ~~وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول؛ ثم صلوا علي؛ فإنه من ~~صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل الله ~~لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة} . وفي سنن أبي داود والنسائي عنه {أن رجلا ~~قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قل كما يقولون فإذا انتهيت سل تعطه} وفي المسند عن جابر بن عبد الله قال " ~~من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل ~~على محمد وارض عنه رضاء لا سخط بعده استجاب الله له دعوته؟ . وعن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الدعاء لا يرد بين الأذان ~~والإقامة} رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن. # PageV01P348 # وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ساعتان تفتح ~~فيهما أبواب السماء قلما ترد على داع دعوته: عند حصول النداء والصف في سبيل ~~الله} رواه أبو داود. وفي المسند والترمذي وغيرهما عن الطفيل بن أبي بن كعب ~~عن أبيه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام ~~فقال يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة. جاء الموت ~~بما فيه} . {قال أبي: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك ~~من صلاتي؟ قال ما شئت قلت؛ الربع؟ قال: ما شئت ms0252 وإن زدت فهو خير لك قلت: ~~النصف. قال؟ ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت: الثلثين؟ قال ما شئت وإن زدت ~~فهو خير لك قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر ~~دنياك وآخرتك وفي لفظ إذا تكفى همك ويغفر ذنبك} . وقول السائل: أجعل لك من ~~صلاتي؟ يعني من دعائي؛ فإن الصلاة في اللغة هي الدعاء قال تعالى: {وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم صل على آل ~~أبي أوفى} {وقالت: امرأة: صل علي يا رسول الله وعلى زوجي فقال صلى الله ~~عليك وعلى زوجك} . فيكون مقصود السائل أي يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به ~~أستجلب به # PageV01P349 # الخير وأستدفع به الشر فكم أجعل لك من الدعاء قال: " ما شئت " فلما انتهى ~~إلى قوله: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال {إذا تكفى همك ويغفر ذنبك} . وفي ~~الرواية الأخرى {إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك} . وهذا غاية ~~ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات؛ فإن الدعاء فيه تحصيل ~~المطلوب واندفاع المرهوب كما بسط ذلك في مواضعه. # وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية ~~البدعية فينبغي اتباع ذلك. والمراتب في هذا الباب ثلاث: - إحداها أن يدعو ~~غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: ~~يا سيدي فلان أغثني أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك أو انصرني على عدوي. ~~ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله. والمستغيث بالمخلوقات قد يقضي الشيطان حاجته ~~أو بعضها وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن ~~استغاث به؛ وإنما هو شيطان دخله وأغواه لما أشرك بالله كما يتكلم الشيطان ~~في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك ومثل هذا واقع كثيرا في زماننا وغيره ~~وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي أو بغيري وذكروا أنه أتى شخص ~~على صورتي أو صورة غيري وقضى حوائجهم ms0253 فظنوا أن ذلك من بركة الاستغاثة بي أو ~~بغيري وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ ~~الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون الماضية كما ثبت ذلك فهذا ~~أشرك بالله نعوذ بالله من ذلك # PageV01P350 # وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي كما يفعله طائفة من الجهال ~~المشركين. وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاة أفضل من ~~استقبال القبلة حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام. ~~وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج حتى يقول إن السفر إليه مرات ~~يعدل حجة وغلاتهم يقولون: الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة. ~~ونحو ذلك فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه. # الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي أو ~~ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها فهذا أيضا لا ~~يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة؛ ~~وإن كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم {السلام عليكم ~~أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. يغفر الله ~~لنا ولكم نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم واغفر لنا ولهم} . وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ~~إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام} . # PageV01P351 # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {ما من مسلم يسلم ~~علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} لكن ليس من المشروع أن يطلب ~~من الأموات لا دعاء ولا غيره. وفي موطأ مالك أن ابن عمر كان يقول: ms0254 " السلام ~~عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت " ثم ينصرف. ~~وعن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو لأبي بكر وعمر. ~~وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون ~~مستقبلي الحجرة وإن كان قد وقع في بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية ~~والعامة من لا اعتبار بهم فلم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في ~~الأمة لسان صدق عام. # ومذهب الأئمة الأربعة - مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد - وغيرهم من أئمة ~~الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يدعو ~~لنفسه فإنه يستقبل القبلة. واختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة - ~~مالك والشافعي وأحمد -: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه وقال أبو ~~حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم. ~~ثم في مذهبه قولان: # PageV01P352 # قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام وأما ~~في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة. والحكاية ~~التي تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة فأمره بذلك ~~وقال: " هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ": كذب على مالك ليس لها إسناد معروف ~~وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره ~~إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون ~~القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك وذكر أنه من البدع ~~التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان وقال: لا يصلح آخر هذه الأمة ~~إلا ما أصلح أولها. ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فإن الآثار المتواترة ~~عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ولو ms0255 كان استقبال ~~الحجرة عند الدعاء مشروعا لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم ~~والداعي يدعو الله وحده. وقد نهي عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى ~~كما نهي عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في صحيح مسلم ~~وغيره عن أبي مرثد # PageV01P353 # الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا إليها} . فلا يجوز أن يصلي إلى شيء من القبور لا قبور الأنبياء ولا ~~غيرهم لهذا الحديث الصحيح. # ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر بل هذا من ~~البدع المحدثة وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين ~~عند الدعاء فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت ~~نفسه أولى أن لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة ~~له بطريق الأولى. فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا: لا يطلب منه أن ~~يدعو الله له ولا غير ذلك ولا يجوز أن يشكى إليه شيء من مصائب الدنيا ~~والدين؛ ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى ~~الشرك وهذا يفضي إلى الشرك لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له ~~في ذلك من الأجر والثواب وبعد الموت ليس مكلفا بل ما يفعله من ذكر لله ~~تعالى ودعاء ونحو ذلك - كما أن موسى يصلي في قبره؛ وكما صلى الأنبياء خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ببيت المقدس وتسبيح أهل الجنة ~~والملائكة - فهم يمتعون بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره ~~لهم ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد. وحينئذ. فسؤال السائل ~~للميت لا يؤثر في ذلك شيئا؛ بل ما جعله الله فاعلا له هو يفعله وإن لم ~~يسأله العبد؛ كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به وهم إنما # PageV01P354 # يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وقالوا ms0256 ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون} فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه وتعالى. ولا يلزم من جواز الشيء في ~~حياته جوازه بعد موته؛ فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل ~~مسجدا. ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجدا؛ كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال {: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ~~يحذر ما فعلوا. ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي صحيح ~~مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم في حياته يصلي خلفه وذلك من أفضل الأعمال ولا يجوز بعد ~~موته أن يصلي الرجل خلف قبره وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتي وأن ~~يقضي ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته. وأمثال ذلك كثير. وقد كره مالك ~~وغيره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا اللفظ ~~لم يرد. والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب. وهذا اللفظ ~~صار مشتركا في عرف المتأخرين يراد به الزيارة البدعية: التي في معنى الشرك؛ ~~كالذي يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده. # PageV01P355 # والزيارة الشرعية: هي أن يزوره لله تعالى: للدعاء له والسلام عليه كما ~~يصلي على جنازته. فهذا الثاني هو المشروع ولكن كثير من الناس لا يقصد ~~بالزيارة إلا المعنى الأول فكره مالك أن يقول: زرت قبره لما فيه من إيهام ~~المعنى الفاسد الذي يقصده أهل البدع والشرك. # الثالثة أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه. وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور ~~عن الصحابة بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره. وقد تبين ما في ~~لفظ " التوسل " من الاشتراك بين ms0257 ما كانت الصحابة تفعله وبين ما لم يكونوا ~~يفعلونه فإن لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ولغتهم هو التوسل والتوجه ~~بدعائه وشفاعته. ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن وإن كان بعض ~~الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو فاستعينوا بأهل القبور} ~~فهذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين ~~بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد في شيء من كتب الحديث ~~المعتمدة. # PageV01P356 # وقد قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا} وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك - عن اتخاذ القبور مساجد ~~ونحو ذلك - ولعن أهله تحذيرا من التشبه بهم فإن ذلك أصل عبادة الأوثان. كما ~~قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا} . فإن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح. فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما تقدم ذكر ذلك عن ابن ~~عباس وغيره من علماء السلف. فمن فهم معنى قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده وأنه يستعان ~~بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله والتوكل لا ~~يكون إلا عليه {وما النصر إلا من عند الله} فالنصر المطلق - وهو خلق ما ~~يغلب به العدو - لا يقدر عليه إلا الله وفي هذا القدر كفاية لمن هداه الله ~~والله أعلم. وهذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الشرك هو ~~كذلك في شرائع غيره من الأنبياء: ففي التوراة أن موسى عليه السلام نهى بني ~~إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة ~~الله لمن فعله؛ وذلك أن دين الأنبياء عليهم ms0258 السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم ~~كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إنا معشر ~~الأنبياء ديننا واحد} . # PageV01P357 # وقد قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون} {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} وقال تعالى: ~~{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه وأقيموا ~~الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون} وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره من ~~الأولين والآخرين كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # PageV01P358 # فصل: # وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله وما نهى الله عنه ورسوله - في حق أشرف ~~الخلق وأكرمهم على الله عز وجل وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين وأفضل ~~الأولين والآخرين وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاها عند الله تبارك وتعالى ~~- تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به ولا يتخذ ~~قبره وثنا يعبد ولا يدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته. ولا يجوز ~~لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي ~~فلانا أغثني وانصرني وادفع عني أو أنا في حسبك ونحو ذلك؛ بل كل هذا من ~~الشرك الذي حرم الله ورسوله وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ~~وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم - لما كانوا ~~من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان ~~ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل ~~المكاشفة كما ms0259 تخاطب الشياطين الكهان وبعض ذلك صدق لكن لا بد أن يكون في ذلك ~~ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق. # PageV01P359 # وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن ~~الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك أو يظن أن الله تعالى صور ملكا - ~~على صورته - فعل ذلك ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله وإنما هو الشيطان ~~تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين في الأصنام ~~وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب وهو ~~اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم؛ وأعرف من ذلك وقائع كثيرة ~~في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي ~~استغاثوا به قد جئنا في الهواء ودفعنا عنهم ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ~~ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ~~ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين ~~والميتين وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان. ~~وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضا من ~~يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم. ~~وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم غاية أحدهم أن يجرى له بعض هذه الأمور أو يحكى ~~لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل. ومن هؤلاء ~~من يأتي إلى قبر الشيخ # PageV01P360 # الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو ~~غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله من الشياطين. وهذا ~~من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان. وقد قال الخليل عليه السلام ~~{واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} كما قال ~~نوح عليه السلام ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيرا من الناس إلا ms0260 بسبب اقتضى ~~ضلالهم ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض بل ~~إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب: منهم من صورها على صور الأنبياء ~~والصالحين. ومنهم: من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر. ومنهم من ~~جعلها لأجل الجن. ومنهم: من جعلها لأجل الملائكة. فالمعبود لهم في قصدهم ~~إنما هو الملائكة والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر. وهم في نفس الأمر ~~يعبدون الشياطين: فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر لهم ما يدعوهم ~~إلى ذلك كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون} . وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه ~~أنه إنما يدعو # PageV01P361 # الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به وأما إن كان ~~ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن. وقد يطلب الشيطان المتمثل له في ~~صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب ~~الخمر أو أن يقرب لهم الميتة وأكثرهم لا يعرفون ذلك بل يظنون أن من يخاطبهم ~~إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب ويظنون أن رجال الغيب ~~أولياء الله غائبون عن أبصار الناس وأولئك جن تمثلت بصور الإنس أو رئيت في ~~غير صور الإنس وقال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا} كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا ~~الوادي من سفهائه وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سببا لطغيان الجن ~~وقالت: الإنس تستعيذ بنا وكذلك الرقى؛ والعزائم الأعجمية: هي تتضمن أسماء ~~رجال من الجن يدعون؛ ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين ~~بسبب ذلك في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى: {واتبعوا ما ~~تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من ms0261 أحد ~~حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا # PageV01P362 # ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون} . وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين ~~قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها ويكون مع ذلك زنديقا يجحد الصلاة وغيرها ~~مما فرض الله ورسوله ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله وإنما يقترن به ~~أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى إذا آمن بالله ~~ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله فارقته تلك الشياطين وذهبت تلك ~~الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات؛ وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا ~~بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من ~~هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~أعظم. وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق ~~والعصيان بحسب ظهور أسبابها فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان ~~والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وحيث ظهر ~~الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية والشخص الواحد الذي ~~يجتمع فيه هذا وهذا الذي تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق ~~يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال. والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام ~~مثل البخشية والطونية والبدى # PageV01P363 # ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند ~~الجوار وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ~~ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذي يغنى لهم به يمشي في الهواء ويضرب رأس ~~أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب له ويطوف الإناء الذي يشربون ~~منه عليهم ولا يرون من يحمله ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه ~~طعاما يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة. وذلك من الشياطين تأتيه من تلك ~~المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به. وهذه الأمور كثيرة ms0262 عند من ~~يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم وعند التتار من هذا أنواع ~~كثيرة. # وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول بل دعوا ~~الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما ~~فيهم مما يرضي الشيطان. ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل يحمل ~~أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت ~~بمزدلفة ولا يطوف طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة ~~من كرامات الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به. فإن مثل هذا الحج ~~ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة ~~لأولياء الله فهو ضال جاهل. ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل ~~بهم مثل هذا فإنهم أجل # PageV01P364 # قدرا من ذلك وقد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من الإسكندرية ~~إلى عرفة فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال: هل كتبتموني؟ قالوا ~~أنت: لم تحج كما حج الناس أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذي ~~يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج. وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن ~~يحج معهم في الهواء فقال لهم: هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم ~~تحجوا كما أمر الله ورسوله. # ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء وعلى ~~أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذان هما حقيقة قولنا: ~~" أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". فالإله هو الذي ~~تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما. ~~والله عز وجل له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ~~ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله. والرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه فالحلال ms0263 ما حلله والحرام ~~ما حرمه والدين ما شرعه؛ والرسول صلى الله عليه وسلم واسطة بين الله وبين ~~خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده وتحليله وتحريمه؛ وسائر ما بلغه من ~~كلامه. وأما في إجابة الدعاء وكشف البلاء والهداية والإغناء فالله تعالى هو ~~الذي يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم؛ وهو سبحانه قادر على # PageV01P365 # إنزال النعم وإزالة الضر والقسم من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد ~~أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم. والأسباب التي بها يحصل ذلك هو ~~خلقها ويسرها. فهو مسبب الأسباب وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد. {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} فأهل ~~السموات يسألونه وأهل الأرض يسألونه وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن ~~سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم بل يسمع ضجيج الأصوات ~~باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يبرمه إلحاح الملحين بل يحب الإلحاح ~~في الدعاء. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الأحكام أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابتهم كما قال ~~تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} {ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو} {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} إلى ~~غير ذلك من مسائلهم. فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فلم يقل سبحانه " فقل " بل قال ~~تعالى: {فإني قريب أجيب دعوة الداع} . فهو قريب من عباده كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء فقال: ~~{أيها الناس أربعوا على أنفسكم # PageV01P366 # فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا قام ~~أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه ولا عن يمينه فإن عن ~~يمينه ms0264 ملكا ولكن عن يساره أو تحت قدمه} وهذا الحديث في الصحيح من غير وجه. ~~وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر المخلوقات ~~لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش. وقد ~~جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرا إلى أسفله فالسماء لا تفتقر ~~إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض ~~وما بينهما الذي وصف نفسه بقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل بل هو ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذي كل ما سواه ~~مفتقر إليه وهو مستغن عن كل ما سواه. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ~~قد بين فيه التوحيد الذي بعث الله به رسوله قولا وعملا فالتوحيد القولي مثل ~~سورة الإخلاص {قل هو الله أحد} والتوحيد العملي {قل يا أيها الكافرون} ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P367 # يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك. وقد كان ~~أيضا يقرأ في ركعتي الفجر وركعتي الطواف: {قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا} الآية. وفي الركعة الثانية بقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . فإن ~~هاتين الآيتين؛ فيهما دين الإسلام وفيهما الإيمان القولي والعملي فقوله ~~تعالى {آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط} إلى آخرها يتضمن الإيمان القولي والإسلام. وقوله: {قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} - الآية إلى آخرها - يتضمن ~~الإسلام والإيمان العملي فأعظم نعمة أنعمها ms0265 الله على عباده الإسلام ~~والإيمان وهما في هاتين الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم. # فهذا آخر السؤال والجواب الذي أحببت إيراده هنا بألفاظه؛ لما اشتمل عليه ~~من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب مع الاختصار. فإن التوحيد ~~هو سر القرآن ولب الإيمان وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور ~~وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد والله أعلم. # PageV01P368 # قال شيخ الإسلام في قول القائل: # أسألك بحق السائلين عليك وما في معناه؟ . # الجواب: # أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك: فإنه قد روي في حديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه؛ لكن لا يقوم بإسناده حجة؛ وإن صح هذا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم ~~وحق العابدين له أن يثيبهم وهو كتب ذلك على نفسه. كما قال: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} . فهذا سؤال الله بما أوجبه ~~على نفسه كقول القائلين: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} . وكدعاء ~~الثلاثة: الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن ~~يثيبهم عليها. اه. # PageV01P369 # ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد ~~فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذي كان عليه إبراهيم ~~والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ~~ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من ~~الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك فقال لهم ~~وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه فإن ~~الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك ~~له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكا ولا شمسا ولا قمرا ~~ولا كوكبا ولا نشرك معه نبيا من الأنبياء ولا صالحا {إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي ms0266 الرحمن عبدا} . وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا ~~تطلب من غيره مثل إنزال المطر وإنبات النبات وتفريج الكربات والهدى من ~~الضلالات وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر ~~عليه إلا الله. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ~~ونتبعهم # PageV01P370 # ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم. كما قال نوح؛ وصالح وهود وشعيب: ~~{أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده؛ والطاعة ~~لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ~~ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي؛ وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب ~~كان كافرا حتى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر فلما سمعوا ~~ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه. ثم ~~انصرفوا من عنده. # PageV01P371 # سئل - رحمه الله -: # عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم؟ وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره ~~كذلك؟ # فأجاب: أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل ~~قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك: فلا يجوز؛ بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا ~~كما {قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: ~~لا} {ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: ما هذا ~~يا معاذ؟ قال يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك ~~عن أنبيائهم. فقال: كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها يا معاذ إنه لا ينبغي السجود إلا ~~لله} . وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا ~~قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ~~ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل. وأما إذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم ~~يفعله لأفضى إلى ضربه # PageV01P372 # أو حبسه أو أخذ ماله أو ms0267 قطع رزقه الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من ~~الضرر فإنه يجوز عند أكثر العلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل ~~المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره؛ ولكن عليه مع ذلك أن ~~يكرهه بقلبه ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان ومن علم الله منه الصدق ~~أعانه الله تعالى وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك. وذهب طائفة إلى أنه ~~لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال: ويروى ذلك عن ابن عباس ونحوه قالوا إنما ~~التقية باللسان وهو الرواية الأخرى عن أحمد. وأما فعل ذلك لأجل فضول ~~الرياسة والمال فلا وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله ~~تعالى: كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوي معنى جائزا والله أعلم. # PageV01P373 # وسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني؛ أبو العباس أحمد ابن ~~تيمية رحمه الله تعالى - عن " النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام ~~عند قدوم شخص معين معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ~~ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنا وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت ~~وأيضا المصادفات في المحافل وغيرها وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض ~~هل يجوز ذلك أم يحرم؟ فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعا ليس فيه له قصد هل يحرم ~~عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنا بذلك دائما ~~هل يأثم على ذلك أم لا؟ وإذا قال سجدت لله هل يصح ذلك أو لا؟ . # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما ~~يفعله كثير من الناس؛ بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من ~~كراهته # PageV01P374 # لذلك؛ ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له كما {روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0268 أنه قام لعكرمة} {وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: قوموا ~~إلى سيدكم} وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه. والذي ~~ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى وهدي خير القرون ~~إلى ما هو دونه. وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم ~~يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد. # وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن. وإذا كان من عادة ~~الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا أعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ~~ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له لأن ذلك أصلح لذات ~~البين وإزالة التباغض والشحناء؛ وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: ~~فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله صلى الله عليه ~~وسلم {من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار} فإن ذلك أن ~~يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء؛ ولهذا فرقوا بين أن ~~يقال قمت إليه وقمت له والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم ~~للقاعد. [وقد ثبت في صحيح مسلم: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم ~~قاعدا # PageV01P375 # صلوا قياما أمرهم بالقعود. وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها ~~بعضا} ] (*) وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم ~~الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات ~~السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الإمكان. فمن لم يعقد ذلك ولم يعرف أنه ~~العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة: ~~فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت ~~أدناهما. PageV01P376 # فصل: # وأما الانحناء عند التحية: فينهى عنه كما في ms0269 الترمذي {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا} ولأن الركوع ~~والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل؛ وإن كان هذا على وجه التحية في غير ~~شريعتنا كما في قصة يوسف: ( {وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل} وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله بل قد تقدم نهيه عن القيام كما ~~يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص ~~يدخل في النهي عنه. # PageV01P377 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة ~~كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة واسم ~~عبد شمس بن عبد مناف وبعضهم عبد اللات وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة ~~وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ~~ذلك مما قد يشرك بالله. ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغير النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده فسمى جماعات من أصحابه: عبد الله وعبد ~~الرحمن كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه ~~عبد العزى فسماه عبد الرحمن وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم. ونحو ~~هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في ~~المشايخ فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن # PageV01P378 # الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله كما قد يقوم في ~~نفوس النصارى من المسيح وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية وقد يتوبون ~~لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة والنصارى للمسيح أو لبعض ~~القديسين. وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق ~~لربهم كما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغير الأسماء الشركية إلى ~~الأسماء الإسلامية والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية وعامة ما سمى به ~~النبي صلى الله ms0270 عليه وسلم عبد الله وعبد الرحمن. كما قال تعالى: {قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} فإن هذين الاسمين ~~هما أصل بقية أسماء الله تعالى. وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده ~~بعامة أسماء الله الحسنى وكذلك أهل بيتنا: غلب على أسمائهم التعبيد لله ~~كعبد الله؛ وعبد الرحمن؛ وعبد الغني؛ والسلام؛ والقاهر؛ واللطيف؛ والحكيم؛ ~~والعزيز؛ والرحيم والمحسن؛ والأحد؛ والواحد؛ والقادر؛ والكريم؛ والملك؛ ~~والحق. وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها ~~حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة} وكان من شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني # PageV01P379 # عبيد الله كما قالوا ذلك يوم بدر؛ وحنين؛ والفتح؛ والطائف؛ فكان شعار ~~المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا ~~بني عبيد الله PageV01P380 # الجزء الثاني # كتاب توحيد الربوبية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: قال شيخ الإسلام ~~أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه - بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب ~~العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. ### | قاعدة أولية: # أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا: هو الإيمان ~~بالله ورسوله وعند الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحي الله إليه كما قال # PageV02P001 # خاتم الأنبياء: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها} . ~~وقال الله تعالى له: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي} وقال: {ووجدك ضالا فهدى} وقال: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت ms0271 من قبله لمن الغافلين} . # PageV02P002 # فأخبر أنه كان قبله من الغافلين. وقال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} . وفي صحيح البخاري في خطبة عمر لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ~~- كلام معناه - أن الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به فإنكم. . . (1) ~~(*) . # وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير. كقوله: {لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل} وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . وقوله: {ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك} ~~الآية (2) قوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} الآية. ~~وقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} ؟ وقوله: {وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها PageV02P003 # فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم} ؟ الآية. وقوله: {يا ~~معشر الجن والإنس} الآية. ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على ~~الأبواب إذا جمعوا فيها أصناف العلم: ابتدأها بأصل العلم والإيمان. كما ~~ابتدأ البخاري صحيحه ببدء الوحي ونزوله؛ فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان ~~على الرسول أولا ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به ثم ~~بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به فرتبه الترتيب الحقيقي. وكذلك الإمام ~~أبو محمد الدارمي صاحب (المسند) : ابتدأ كتابه بدلائل النبوة وذكر في ذلك ~~طرفا صالحا. وهذان الرجلان: أفضل بكثير من مسلم؛ والترمذي ونحوهما؛ ولهذا ~~كان أحمد بن حنبل: يعظم هذين ونحوهما؛ لأنهم فقهاء في الحديث أصولا وفروعا. # ولما كان أصل العلم والهدى: هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب ~~والحكمة: كان ذكره طريق الهداية بالرسالة - التي هي القرآن وما جاءت به ~~الرسل - كثيرا جدا. كقوله: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} وقوله: ~~{هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} . وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم} وقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل} {من قبل هدى للناس} وقوله: {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من ms0272 الظلمات إلى النور بإذن ربهم} وقوله: {فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا} {ونحشره يوم القيامة أعمى} وقوله: {وإنك # PageV02P004 # لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله} وقال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله وفيكم رسوله} ؟ . فيعلم أن آيات الله والرسول تمنع الكفر ~~وهذا كثير. # وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن كقوله: ~~{هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب} الآية. ثم ذم الذين كفروا والذين ~~نافقوا وقوله: {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} وقوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} . فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول ~~إلى الغاية إلا المؤمنين الصالحين. # وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان وأهل النار هم أهل الكفر فيما شاء ~~الله من الآيات حتى صار ذلك معلوما علما شائعا متواترا اضطراريا من دين ~~الرسول عند كل من بلغته رسالته. وربط السعادة مع إصلاح العمل به في مثل ~~قوله: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} وقوله: ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} . ~~وأحبط الأعمال الصالحة بزواله في مثل قوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة} وقوله: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد} وقوله: {مثل ما ~~ينفقون # PageV02P005 # في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم} الآية وقوله: ~~{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ونحو ذلك كثير. وذكر حال ~~جميع الأمم المهدية أنهم كذلك في قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} الآية. ولهذا ~~أمر أهل العقل بتدبره وأهل السمع بسمعه فدعا فيه إلى التدبر والتفكير ~~والتذكر والعقل والفهم وإلى الاستماع والإبصار والإصغاء والتأثر بالوجل ~~والبكاء وغير ذلك وهذا باب واسع. ولما كان الإقرار بالصانع فطريا - كما قال ~~صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة} الحديث - فإن ms0273 الفطرة تتضمن ~~الإقرار بالله والإنابة إليه وهو معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو الذي ~~يعرف ويعبد وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع. وكان المقصود بالدعوة: ~~وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له والعبادة أصلها ~~عبادة القلب المستتبع للجوارح فإن القلب هو الملك والأعضاء جنوده. وهو ~~المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد. ~~وإنما ذلك بعلمه وحاله كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله: بمعرفته ومحبته: ~~هو أصل الدعوة في القرآن. فقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~. # PageV02P006 # وقال في صدر البقرة - بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر ومنافق - ~~فقال بعد ذلك: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون} وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته وقدرته ثم أتبع ذلك بتقريره ~~النبوة بقوله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} . والمتكلم يستحسن ~~مثل هذا التأليف ويستعظمه حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق ~~لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولا: من تقرير الربوبية ثم ~~تقرير النبوة ثم تلقي السمعيات من النبوة كما هي الطريقة المشهورة الكلامية ~~للمعتزلة والكرامية والكلابية والأشعرية. ومن سلك هذه الطريق في إثبات ~~الصانع أولا بناء على حدوث العالم ثم إثبات صفاته نفيا وإثباتا بالقياس ~~العقلي - على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف: إما في المسائل وإما في ~~الدلائل - ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات من المعاد والثواب والعقاب ~~والخلافة والتفضيل والإيمان بطريق مجمل. وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه: ~~هو تلك القضايا التي يسمونها العقليات وهي أصول دينهم. وقد بنوها على ~~مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة؛ فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس ~~التي بنوا عليها ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة. وهم قسمان: قسم بنوا على ~~هذه العقليات القياسية: الأصول العلمية دون العملية كالأشعرية، # PageV02P007 # وقسم بنوا عليها الأصول العلمية والعملية كالمعتزلة حتى إن هؤلاء يأخذون ~~القدر المشترك ms0274 في الأفعال بين الله وبين عباده فما حسن من الله حسن من ~~العبد وما قبح من العبد قبح من الله؛ ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال. ولا ~~شك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة بنائهم الدين على ~~القياس الفاسد الكلامي وردهم لما جاء به الكتاب والسنة. والآخرون لما ~~شاركوهم في بعض ذلك لحقهم من الذم والعيب بقدر ما وافقوهم فيه؛ وهو ~~موافقتهم في كثير من دلائلهم؛ التي يزعمون أنهم يقررون بها أصول الدين ~~والإيمان وفي طائفة من مسائلهم التي يخالفون بها السنن والآثار وما عليه ~~أهل العقل والدين. وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم فإنا قد كتبنا فيه أشياء ~~في غير هذا الموضع. وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين ~~وفروعه - في الدلائل والمسائل - بأكمل المناهج. # والمتكلم يظن أنه بطريقته - التي انفرد بها - قد وافق طريقة القرآن: تارة ~~في إثبات الربوبية وتارة في إثبات الوحدانية وتارة في إثبات النبوة وتارة ~~في إثبات المعاد وهو مخطئ في كثير من ذلك أو أكثره مثل هذا الموضع. فإنه قد ~~أخطأ المتكلم في ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه. # PageV02P008 # منها: أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم ~~به كاستلزام العلم بالشعاع: العلم بالشمس من غير احتياج إلى قياس كلي يقال ~~فيه: وكل محدث فلا بد له من محدث؛ أو كل ممكن فلا بد له من مرجح؛ أو كل ~~حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية؛ ومن غير احتياج إلى أن يقال: سبب ~~الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث فقط - كما تقوله المعتزلة؟ أو الإمكان - ~~كما يقوله الجمهور؟ حتى يرتبون عليه أن الثاني حال باقية مفتقرة إلى الصانع ~~على القول الثاني الصحيح دون الأول فإني قد بسطت هذا الموضع في غير هذا ~~المكان وبينت ما هو الحق؛ من أن نفس الذوات المخلوقة مفتقرة إلى الصانع وأن ~~فقرها وحاجتها إليه وصف ذاتي لهذه الموجودات المخلوقة كما أن الغنى وصف ~~ذاتي للرب الخالق وأنه لا ms0275 علة لهذا الافتقار غير نفس الماهية وعين الآنية ~~كما أنه لا علة لغناه غير نفس ذاته. فلك أن تقول: لا علة لفقرها وغناه؛ إذ ~~ليس لكل أمر علة؛ فكما لا علة لوجوده وغناه: لا علة لعدمها إذا لم يشأ ~~كونها ولا لفقرها إليه إذا شاء كونها وإن شئت أن تقول: علة هذا الفقر وهذا ~~الغنى: نفس الذات وعين الحقيقة. ويدل على ذلك أن الإنسان يعلم فقر نفسه ~~وحاجتها إلى خالقه من غير أن يخطر بباله أنها ممكنة والممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم أو أنها محدثة والمحدث المسبوق بالعدم؛ بل قد يشك في قدمها ~~أو يعتقده. وهو يعلم فقرها وحاجتها إلى بارئها فلو لم يكن للفقر إلى الصانع ~~علة إلا الإمكان أو # PageV02P009 # الحدوث لما جاز العلم بالفقر إليه؛ حتى تعلم هذه العلة؛ إذ لا دليل عندهم ~~على الحاجة إلى المؤثر إلا هذا. وحينئذ: فالعلم بنفس الذوات المفتقرة ~~والآنيات المضطرة توجب العلم بحاجتها إلى بارئها وفقرها إليه؛ ولهذا سماها ~~الله آيات. فهذان مقامان: أحدهما: أنها مفتقرة إلى المؤثر الموجب أو ~~المحدث: لهاتين العلتين. الثاني: أن كل مفتقر إلى المؤثر: الموجب أو ~~المحدث؛ فلا بد له منه. وهو كلام صحيح في نفسه؛ لكن ليس الطريق مفتقرا إليه ~~وفيه طول وعقبات تبعد المقصود. أما المقام الأول: فالعلم بفقرها غير مفتقر ~~إلى دليل على ذلك من إمكان أو حدوث. وأما الثاني: فإن كونها مفتقرة إليه ~~غير مفتقر إلى أن يستدل عليه بقياس كلي: من أن كل ممكن فلا بد له من موجب ~~وكل محدث فلا بد له من محدث لأنها آية له يمتنع أن تكون دونه أو أن تكون ~~غير آية له. والقلب بفطرته يعلم ذلك؛ وإن لم يخطر بقلبه وصف الإمكان ~~والحدوث. والنكتة: أن وصف الإمكان والحدوث لا يجب أن يعتبره القلب لا في ~~فقر ذواتها ولا في أنها آية لباريها؛ وإن كانا وصفين ثابتين. وهما أيضا ~~دليل صحيح؛ لكن أعيان الممكنات آية لعين خالقها الذي ليس كمثله شيء؛ بحيث ~~لا يمكن أن يقع ms0276 شركة فيه. # PageV02P010 # وأما قولنا كل ممكن فله مرجح وكل محدث فله محدث: فإنما يدل على محدث ~~ومرجح وهو وصف كلي يقبل الشركة؛ ولهذا القياس العقلي لا يدل على تعيين ~~وإنما يدل على الكلي المطلق فلا بد إذا من التعيين. فالقياس دليل على وصفية ~~مطلقة كلية. وأيضا فإذا استدل على الصانع بوصف إمكانها أو حدوثها أو هما ~~جميعا لم يفتقر ذلك إلى قياس كلي؛ بأن يقال: وكل محدث فلا بد له من محدث أو ~~كل ممكن فلا بد له من مرجح فضلا عن تقرير هاتين المقدمتين بل علم القلب ~~بافتقار هذا الممكن وهذا المحدث كعلمه بافتقار هذا الممكن وهذا المحدث. ~~فليس العلم بحكم المعينات مستفادا من العلم الكلي الشامل لها؛ بل قد يكون ~~العلم بحكم المعين في العقل قبل العلم بالحكم الكلي العام. كما أن العلم ~~بأن العشرة ضعف الخمسة: ليس موقوفا على العلم بأن كل عدد له نصفية فهو ضعف ~~نصفيه. وعلى هذا جاء قوله: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ؟ قال ~~جبير ابن مطعم: لما سمعتها أحسست بفؤادي قد تصدع. وهو استفهام إنكار يقول ~~أوجدوا من غير مبدع؟ فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون ويعلمون أنهم ~~لم يكونوا نفوسهم وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه لا يحتاج أن ~~يستدل عليه: بأن كل كائن محدث أو كل ممكن لا يوجد بنفسه ولا يوجد من غير ~~موجد وإن كانت هذه القضية العامة النوعية صادقة؛ لكن العلم بتلك المعينة ~~الخاصة؛ إن لم يكن سابقا لها فليس متأخرا عنها؛ ولا دونها في الجلاء. # PageV02P011 # وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ وذكرت دعوة الأنبياء؛ عليهم ~~السلام أنه جاء بالطريق الفطرية كقولهم: {أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض} ؟ وقول موسى: {رب السماوات والأرض} وقوله في القرآن: {اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} {الذي جعل لكم الأرض فراشا} بين ~~أن نفس هذه الذوات آية لله؛ كما أشرنا إليه أولا من غير حاجة إلى ذينك ~~المقامين؛ ولما وبخهم بين ms0277 حاجتهم إلى الخالق بنفوسهم؛ من غير أن تحتاج إلى ~~مقدمة كلية: هم فيها وسائر أفرادها سواء؛ بل هم أوضح. وهذا المعنى قررته ~~مبسوطا في غير هذا. # الوجه الثاني: في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية إن الله أمر بعبادته ~~التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها لم يقتصر على مجرد الإقرار ~~به كما هو غاية الطريقة الكلامية فلا وافقوا لا في الوسائل ولا في المقاصد ~~فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة موصلة إلى عين المقصود ~~وتلك قياسية بعيدة؛ ولا توصل إلا إلى نوع المقصود لا إلى عينه. وأما ~~المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له فجمع بين قوتي الإنسان العلمية ~~والعملية: الحسية والحركية الإرادية الإدراكية والاعتمادية: القولية ~~والعملية حيث قال: {اعبدوا ربكم} فالعبادة لا بد فيها من معرفته والإنابة ~~إليه والتذلل له والافتقار إليه؛ وهذا هو المقصود؛ والطريقة الكلامية؛ إنما ~~تفيد مجرد الإقرار؛ والاعتراف بوجوده # PageV02P012 # وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة: كان وبالا على صاحبه؛ وشقاء له كما ~~جاء في الحديث: {أشد الناس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه} ~~كإبليس اللعين؛ فإنه معترف بربه مقر بوجوده؛ لكن لما لم يعبده كان رأس ~~الأشقياء وكل من شقي فباتباعه له. كما قال: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين} . فلا بد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه مع أنه معترف بالرب؛ ~~مقر بوجوده وإنما أبى واستكبر عن الطاعة؛ والعبادة؛ والقوة العلمية مع ~~العملية بمنزلة الفاعل والغاية؛ ولهذا قيل العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر ~~والمراد بالعمل هنا عمل القلب الذي هو إنابته إلى الله وخشيته له حتى يكون ~~عابدا له. فالرسل والكتب المنزلة: أمرت بهذا وأوجبته بل هو رأس الدعوة ~~ومقصودها وأصلها والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة؛ توافق على ~~المقصود العملي؛ لكن لا بعلم؛ بل بصوت مجرد أو بشعر مهيج؛ أو بوصف حب مجمل. ~~فكما أن الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل. فهذه الطريقة فيها عمل ~~ناقص بلا علم. والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم ~~والعمل ms0278 كاملين. # ففاتحة دعوة الرسل: الأمر بالعبادة. قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} وقال صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل # PageV02P013 # الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله} وذلك يتضمن ~~الإقرار به وعبادته وحده فإن الإله هو المعبود ولم يقل حتى يشهدوا أن لا رب ~~إلا الله؛ فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له التي لها خلق الخلق وبها ~~أمروا. وكذلك قوله لمعاذ: {إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما ~~تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله} وقال نوح عليه ~~السلام {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وكذلك الرسل في سورة الأعراف ~~وغيرها. وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} وقال للرسل جميعا: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} وقال ~~تعالى: {لإيلاف قريش} {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} {فليعبدوا رب هذا ~~البيت} {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وقال: {إنما أمرت أن أعبد رب ~~هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء} وقال: {قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ~~ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} وقال في الفاتحة: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} وقال: {فاعبده وتوكل عليه} وقال: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم ~~له سميا} ؟ وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} . # PageV02P014 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: ### | فصل: في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل # وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان - كما قد كتبته أولا في بيان أصل ~~العلم الإلهي والذي أكتبه هنا: - بيان الفرق بين المنهاج النبوي الإيماني ~~العلمي الصلاحي والمنهاج الصابئ الفلسفي وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي ~~والعبادي المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم. وذلك أن الأنبياء عليهم السلام ~~دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب واللسان وعبادته متضمنة لمعرفته ~~وذكره. فأصل علمهم وعملهم: هو العلم بالله والعمل لله؛ ms0279 وذلك فطري كما قد ~~قررته في غير هذا الموضع في موضعين أو ثلاثة وبينت أن أصل العلم الإلهي ~~فطري ضروري وأنه أشد رسوخا في النفوس من مبدإ العلم الرياضي كقولنا: إن ~~الواحد نصف الاثنين ومبدأ العلم الطبيعي. كقولنا: إن الجسم # PageV02P015 # لا يكون في مكانين لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر وأما ~~العلم الإلهي: فما يتصور أن تعرض عنه فطرة. وبسط هذا له موضع غير هذا. ~~وإنما الغرض هنا: أن الله - سبحانه - لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات ~~والآخر الذي إليه تصير الحادثات؛ فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم ~~وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق ~~صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته. وإذا حصل لهم ذلك: فما سواه إما فضل نافع ~~وإما فضول غير نافعة؛ وإما أمر مضر. ثم من العلم به: تتشعب أنواع العلوم ~~ومن عبادته وقصده: تتشعب وجوه المقاصد الصالحة والقلب بعبادته والاستعانة ~~به: معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق واعتصم بالدليل الهادي والبرهان ~~الوثيق فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان وإما في السلامة عن الجهل ~~والكفر. وبهذا جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور؛ وضرب مثل المؤمن - وهو المقر بربه علما وعملا - بالحي والبصير ~~والسميع والنور والظل. وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة ~~والحرور. وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس وإذا غفل عن ~~ذكر الله وسوس. # PageV02P016 # فتبين بذلك: أن ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق ~~وظلم. وقال الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقال: {إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} وقال: {ومن يعتصم بالله فقد هدي ~~إلى صراط مستقيم} ونحو ذلك من النصوص. وفي الدعاء الذي علمه الإمام أحمد ~~لبعض أصحابه: يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين واجعلني من عبادك ~~الصالحين. ولهذا: كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على ms0280 أن الله يسمى ~~دليلا ومنع ابن عقيل وكثير من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلا؛ لاعتقادهم أن ~~الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو الدال وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في ~~عرف استعمالهم من الفرق بين الدال والدليل. وجوابه من وجهين: - أحدهما: أن ~~الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكل دليل دال وليس كل ~~دال دليلا وليس هو من أسماء الآلات التي يفعل بها فإن فعيلا ليس من أبنية ~~الآلات كمفعل ومفعال. وإنما سمي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام ~~أدلة: باعتبار أنها تدل من يستدل بها كما يخبر عنها بأنها تهدي وترشد وتعرف ~~وتعلم وتقول وتجيب وتحكم وتفتي وتقص وتشهد وإن لم يكن لها في ذلك قصد ~~وإرادة ولا حس وإدراك كما هو مشهور في الكلام العربي وغيره. فما ذكروه من ~~الفرق والتخصيص: لا أصل له في كلام العرب. # PageV02P017 # الثاني: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها فقد قال الله ~~تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب: {فبي يسمع وبي يبصر وبي يعقل وبي ~~ينطق وبي يبطش وبي يسعى} والمسلم يقول: استعنت بالله واعتصمت به. وإذا كان ~~ما سوى الله من الموجودات: الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم ~~تكن؛ بل ويستدل بالمعدوم؛ فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى على أن الذي ~~في الدعاء المأثور: " يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين واجعلني من ~~عبادك الصالحين ": يقتضي أن تسميته دليلا باعتبار أنه دال لعباده لا بمجرد ~~أنه يستدل به كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان ~~والأقوال والأفعال. ومن أسمائه الهادي وقد جاء أيضا البرهان؛ ولهذا يذكر عن ~~بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربي ولم أعرف ربي بالأشياء. وقال بعضهم هو ~~الدليل لي على كل شيء؛ وإن كان كل شيء - لئلا يعذبني - عليه دليلا. وقيل ~~لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس: لم يزل دهره في ~~التباس خارجا عن المنهاج ظاعنا ms0281 في الاعوجاج: عرفته بما عرف به نفسه ووصفته ~~بما وصف به نفسه؛ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله وهو نور الإيمان ~~وأن وصف اللسان حصل بكلام الله وهو نور القرآن. # PageV02P018 # وقال آخر للشيخ: # قالوا ائتنا ببراهين فقلت لهم ... أنى يقوم على البرهان برهان؟ # وقال الشيخ العارف للمتكلم: اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز ~~النفوس عن ردها فأجابه: بأنه ضروري. وقال الشيخ إسماعيل الكوراني للشيخ ~~المتكلم: أنتم تقولون: إن الله يعرف بالدليل. ونحن نقول: إنه تعرف إلينا ~~فعرفناه: يعني إنه تعرف بنفسه وبفضله. مع أن كلام هذين الشيخين فيه إشارة ~~إلى الطريقة العبادية وقد تكلمت عليها في غير هذا الموضع. فإذا كان الحق. ~~الحي. القيوم الذي هو رب كل شيء ومليكه ومؤصل كل أصل ومسبب كل سبب وعلة: هو ~~الدليل والبرهان والأول والأصل الذي يستدل به العبد ويفزع إليه ويرد جميع ~~الأواخر إليه في العلم: كان ذلك سبيل الهدى وطريقه كما أن الأعمال والحركات ~~لما كان الله مصدرها وإليه مرجعها: كان المتوكل عليه في عمله القائل أنه لا ~~حول ولا قوة إلا بالله مؤيدا منصورا. فجماع الأمر: أن الله هو الهادي وهو ~~النصير {وكفى بربك هاديا ونصيرا} . وكل علم فلا بد له من هداية وكل عمل فلا ~~بد له من قوة. فالواجب # PageV02P019 # أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا ~~إياه ولا يستنصر إلا إياه. والعبد لما كان مخلوقا مربوبا مفطورا مصنوعا: ~~عاد في علمه وعمله إلى خالقه وفاطره وربه وصانعه فصار ذلك ترتيبا مطابقا ~~للحق وتأليفا موافقا للحقيقة؛ إذ بناء الفرع على الأصل وتقديم الأصل على ~~الفرع: هو الحق فهذه الطريقة الصحيحة الموافقة لفطرة الله وخلقته ولكتابه ~~وسنته. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة (1) أن {رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قام إلى صلاة الليل يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا ~~فيه يختلفون: اهدني لما اختلف ms0282 فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم} . وأما الطريقة الفلسفية الكلامية: فإنهم ابتدءوا بنفوسهم فجعلوها ~~هي الأصل الذي يفرعون عليه والأساس الذي يبنون عليه فتكلموا في إدراكهم ~~للعلم: أنه تارة يكون بالحس وتارة بالعقل وتارة بهما. وجعلوا العلوم الحسية ~~والبديهية ونحوها: هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها. ثم زعموا أنهم إنما ~~يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية والحسابية والأخلاق ~~فجعلوا هذه الثلاثة هي الأصول PageV02P020 # التي يبنون عليها سائر العلوم؛ ولهذا يمثلون ذلك في أصول العلم والكلام ~~بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لا يكون في مكانين وأن الضدين - كالسواد ~~والبياض - لا يجتمعان. فهذان الفنان متفق عليهما. وأما الأخلاق مثل: ~~استحسان العلم والعدل والعفة والشجاعة. فجمهور الفلاسفة والمتكلمين ~~يجعلونها من الأصول لكنها من الأصول العامة ومنهم من لا يجعلها من الأصول؛ ~~بل يجعلها من الفروع. التي تفتقر إلى دليل. وهو قول غالب المتكلمة ~~المنتصرين للسنة في تأويل القدر فكان الذي أصلوه واتفقوا عليه من المعارف: ~~أمرا قليل الفائدة. نزر الجدوى وهو الأمور السفلية. ثم إذا صعدوا من هذه ~~المقدمات والدلائل إلى الأمور العلوية فلهم طريقان: أما المتكلمة المتبعون ~~للنبوات: فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع العالم والصفات التي بها ~~تثبت النبوة على طريقهم ثم إذا أثبتوا النبوة: تلقوا منها السمعيات وهي ~~الكتاب والسنة والإجماع وفروع ذلك. وأما المتفلسفة: فهم في الغالب يتوسعون ~~في الأمور الطبيعية ولوازمها؛ ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها. ثم ~~المتألهون منهم يصعدون إلى واجب # PageV02P021 # الوجود وإلى العقول والنفوس. ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء من جهة أن ~~الوجود لا بد فيه من واجب. وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل ~~والمقاصد: أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب - الكثير والسلامة - خير قليل ~~فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. ثم إنه ~~يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا. وأما الوسائل: فإن ~~هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرا ms0283 قبل الوصول ومقدماتها ~~في الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء. ~~ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل إلا نادرا. فكل رئيس ~~من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين: له طريقة في الاستدلال تخالف طريقة الرئيس ~~الآخر بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقة الآخر ويعتقد كل منهما أن ~~الله لا يعرف إلا بطريقته؛ وإن كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف يخالفونه ~~فيها. مثال ذلك: أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف إلا بإثبات ~~حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه؛ ثم لهم في إثبات حدوثه طرق: ~~فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراض؛ وهي صفات الأجسام. ثم القدرية من المعتزلة ~~وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع والنبوة: لا يمكن إلا بعد اعتقاد # PageV02P022 # أن العبد هو المحدث لأفعاله وإلا انتقض الدليل ونحو ذلك من الأصول التي ~~يخالفهم فيها جمهور المسلمين. وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث ~~الأجسام بحدوث الحركات: يجعلون هذا هو الدليل على نفي ما دل عليه ظاهر ~~السمعيات من أن الله يجيء؛ وينزل ونحو ذلك. والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو ~~الدليل على أن الله ليس له صفة؛ لا علم ولا قدرة؛ ولا عزة؛ ولا رحمة؛ ولا ~~غير ذلك؛ لأن ذلك بزعمهم أعراض تدل على حدوث الموصوف. وأكثر المصنفين في ~~الفلسفة - كابن سينا - يبتدئ بالمنطق ثم الطبيعي والرياضي أو لا يذكره. ثم ~~ينتقل إلى ما عنده من الإلهي. وتجد المصنفين في الكلام يبتدئون بمقدماته في ~~الكلام: في النظر والعلم. والدليل - وهو من جنس المنطق - ثم ينتقلون إلى ~~حدوث العالم. وإثبات محدثه. ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى ~~الموجود والمعدوم وينظر في الوجود وأقسامه كما قد يفعله الفيلسوف في أول ~~العلم الإلهي. فأما الأنبياء فأول دعوتهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله. # PageV02P023 # وقد اعترف الغزالي بأن طريق الصوفية هو الغاية؛ لأنهم يطهرون قلوبهم مما ~~سوى الله ويملئونها بذكر الله وهذا مبدأ دعوة الرسول؛ لكن الصوفي الذي ليس ~~معه الإثارة النبوية مفصلة ms0284 يستفيد بها إيمانا مجملا؛ بخلاف صاحب الإثارة ~~النبوية فإن المعرفة عنده مفصلة. فتدبر طرق العلم والعمل ليتميز لك طريق ~~أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق وطريق العلم والعرفان من ~~طريق الجهل والنكران. # PageV02P024 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # فصل: # قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة، في قيام الممكنات ~~والمحدثات بالواجب القديم؛ وهذا المعنى حق؛ فإن الله رب كل شيء ومليكه؛ لكن ~~يستشهدون على ذلك بقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} ويقولون إن معنى الآية: أن ~~كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك أو هو عدم محض ونفي صرف وإنما له الوجود من ~~جهة ربه فهو هالك باعتبار ذاته موجود بوجه ربه أي من جهته هو موجود. ثم ~~منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية الاتحادية والحلولية؛ فيقول: إن ذلك ~~الوجه هو وجود الكائنات ووجه الله هو وجوده فيكون وجوده وجود الكائنات لا ~~يميز بين الوجود الواجب والوجود الممكن - كما هو قول ابن عربي وابن سبعين ~~ونحوهما - وهو لازم لمن جعل وجوده وجودا مطلقا لا يتميز بحقيقة تخصه سواء ~~جعله وجودا مطلقا بشرط الإطلاق - كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة - ~~أو جعله وجودا مطلقا لا بشرط - كما يقوله الاتحادية. # PageV02P025 # وهم يسلمون من القواعد العقلية - مما هو يعلم بضرورة العقل ما يوجب أن ~~يكون الموجود - بشرط الإطلاق - إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان ~~كالحيوان المطلق بشرط الإطلاق والإنسان المطلق بشرط الإطلاق ونحو ذلك. وأن ~~المطلق لا بشرط ليس له حقيقة غير الوجود العيني والذهني ليس في الأعيان ~~الموجودة وجود مطلق سوى أعيانها كما ليس في هذا الإنسان وهذا الإنسان إنسان ~~مطلق وراء هذا الإنسان؛ فيكون وجود الرب على الأول ذهنيا وعلى الثاني نفس ~~وجود المخلوقات. وقول الجهمية من المتقدمين والمتأخرين؛ لا يخرج عن هذين ~~القولين؛ وهو حقيقة التعطيل؛ لكن هم يثبتونه أيضا. فيجمعون بين النفي ~~والإثبات. فيبقون في الحيرة؛ ولهذا يجعلون الحيرة منتهى المعرفة ويروون عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مكذوبا عليه ms0285 {أعلمكم بالله أشدكم حيرة} ~~وأنه قال: {اللهم زدني فيك تحيرا} ويجمعون بين النقيضين ملتزمين لذلك. # وهذا قول القرامطة الباطنية والاتحادية وهو لازم لقول الفلاسفة والمعتزلة ~~وإن لم يصرح هؤلاء بالتزامه؛ بخلاف الباطنية والاتحادية من المتصوفة. فإنهم ~~يصرحون بالتزامه ويذكرون ذلك عن الحلاج. والمقصود هنا أن يقال: أما كون ~~وجود الخالق هو وجود المخلوق؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان؛ وهو من ~~أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية ~~التحقيق والعرفان وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV02P026 # وأما كون المخلوق لا وجود له إلا من الخالق - سبحانه - فهذا حق ثم جميع ~~الكائنات هو خالقها وربها ومليكها لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وخلقه هو ~~خالق كل شيء سبحانه وتعالى. لكن الكلام هنا في تفسير الآية بهذا فإن ~~المعاني: تنقسم إلى حق وباطل. فالباطل: لا يجوز أن يفسر به كلام الله. ~~والحق: إن كان هو الذي دل عليه القرآن فسر به وإلا فليس كل معنى صحيح يفسر ~~به اللفظ لمجرد مناسبة كالمناسبة التي بين الرؤيا والتعبير؛ وإن كانت خارجة ~~عن وجوه دلالة اللفظ كما تفعله القرامطة والباطنية إذ دلالة اللفظ على ~~المعنى سمعية: فلا بد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث قد دل على ~~المعنى به لا يكتفي في ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى. إذ ~~الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها: لا يحصي عددها إلا الله. ~~وهذا عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام ~~والبيان وأما عند من لا يعتبر المناسبة: فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى؛ لا ~~سيما إذا علم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه؛ فحمله على غير ذلك لمجرد ~~المناسبة كذب على الله. ثم إن كان مخالفا لما علم من الشريعة فهو دأب ~~القرامطة وإن لم يكن مخالفا فهو حال كثير من جهال الوعاظ والمتصوفة الذين ~~يقولون بإشارات لا يدل اللفظ # PageV02P027 # عليها نصا ولا قياسا وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ms0286 ما دل اللفظ عليه ~~ويجعلون المعنى المشار إليه مفهوما من جهة القياس والاعتبار فحالهم كحال ~~الفقهاء العالمين بالقياس؛ والاعتبار وهذا حق إذا كان قياسا صحيحا لا فاسدا ~~واعتبارا مستقيما لا منحرفا. وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية ~~فنقول: تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين؛ من ~~أن المعنى كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. هو أحسن من ذلك التفسير ~~المحدث؛ بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث وهذا يبين بوجوه بعضها ~~يشير إلى الرجحان وبعضها يشير إلى البطلان. الأول: أنه لم يقل كل شيء هالك ~~إلا من جهته إلا من وجهه ولكن قال إلا وجهه. وهذا يقتضي أن ثم أشياء تهلك ~~إلا وجهه. فإن أريد بوجهه وجوده: اقتضى أن كل ما سوى وجوده هالك فيقتضي أن ~~تكون المخلوقات هالكة. وليس الأمر كذلك. وهو أيضا على قول الاتحادية؛ فإنه ~~عندهم ما ثم إلا وجود واحد فلا يصح أن يقال كل ما سوى وجوده هالك إذ ما ثم ~~شيء يخبر عنه بأنه سوى وجوده إذ أصل مذهبهم نفي السوى والغير في نفس الأمر. ~~وهذا يتم بالوجه الثاني: وهو أنه إذا قيل المراد بالهالك الممكن الذي لا ~~وجود له من جهته. فيكون المعنى كل شيء ليس وجوده من نفسه إلا هو. قيل ~~استعمال لفظ الهالك في الشيء الموجود المخلوق لأجل أن وجوده من ربه لا من ~~نفسه: لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا. # PageV02P028 # والقرآن قد فرق في اسم الهلاك بين شيء وشيء. فقال تعالى: {إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد} وقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقال تعالى: {وهم ~~ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} وقال تعالى: ~~{وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وقال ~~تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} وقال ~~تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} وقال {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل ms0287 ~~يوم القيامة} وقال: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} ~~{قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله} ~~وقال: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} وقالت الملائكة: {إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية} وقال: {ألم نهلك الأولين} {ثم نتبعهم الآخرين} . فهذه الآيات: ~~تقتضي أن الهلاك استحالة وفساد في الشيء الموجود كما سنبينه لا أنه يعني ~~أنه ليس وجوده من نفسه إذ جميع المخلوقات تشترك في هذا. الوجه الثالث: أن ~~يقال على هذا التقدير يكون المعنى أن كل ما سواه ممكن قابل للعدم ليس وجوده ~~من نفسه وهذا المعنى ليس هو الذي يقصدونه وإنما مقصودهم أن كل ما سواه ~~فوجوده منه وبين المعنيين فرق واضح فإن الخبر عن الشيء بأنه ممكن قابل ~~العدم ليس وجوده من نفسه غير الخبر عنه بأنه موجود وإن وجوده من الله. # PageV02P029 # الوجه الرابع: أن يقال إذا كان المراد أن كل ما سواه ممكن والضمير عائد ~~إلى واجب الوجود - إلى الله الذي خلق الكائنات - كان هذا من باب إيضاح ~~الواضح فإنه من المعلوم أن كل ما سوى واجب الوجود: فهو ممكن وأن كل ما هو ~~مخلوق له فهو ممكن. الوجه الخامس: أن يقال: اسم الوجه في الكتاب والسنة ~~إنما يذكر في سياق العبادة له والعمل له والتوجه إليه فهو مذكور في تقرير ~~ألوهيته وعبادته وطاعته لا في تقرير وحدانية كونه خالقا وربا وذلك المعنى ~~هو العلة الغائية وهذا هو العلة الفاعلية والعلة الغائية هي المقصودة التي ~~هي أعلى وأشرف بل هي علة فاعلية للعلة الفاعلية ولهذا: قدمت في مثل قوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} وفي مثل قوله: {فاعبده وتوكل عليه} . وقال تعالى: ~~{وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} . ~~وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} {إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} وقال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} . وإذا كان كذلك كان حمل ms0288 اسم الوجه في ~~هذه الآية: على ما يدل عليه في سائر الآيات أولى من حمله على ما يدل عليه ~~لفظ الوجه في شيء من الكتاب والسنة بل هذا هو الواجب دون ذاك؛ لأن هذا ~~استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب والكتاب قد ورد بغيره حيث ذكر. الوجه ~~السادس: أن اسم الهلاك يراد به الفساد وخروجه عما يقصد به # PageV02P030 # ويراد، وهذا مناسب لما لا يكون لله فإنه فاسد لا ينتفع به في الحقيقة بل ~~هو خارج عما يجب قصده وإرادته. قال تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} أخبر أنهم يهلكون أنفسهم بنهيهم عن الرسول ~~ونأيهم عنه ومعلوم أن من نأى عن اتباع الرسول ونهى غيره عنه - وهو الكافر - ~~فإن هلاكه بكفره هو حصول العذاب المكروه له دون النعيم المقصود. وقال ~~تعالى: {إن امرؤ هلك} . # وقال: (1) PageV02P031 # وقال - قدس الله روحه -: (*) # فصل: # ثم يقال هذا أيضا يقتضي أن كلا منهما: ليس واجبا بنفسه غنيا قيوما؛ بل ~~مفتقرا إلى غيره في ذاته وصفاته كما كان مفتقرا إليه في مفعولاته وذلك أنه ~~إذا كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر في مفعولاته عاجزا عن الانفراد بها إذ ~~الاشتراك مستلزم لذلك كما تقدم؛ (*) فإما أن يكون قابلا للقدرة على ~~الاستقلال بحيث يمكن ذلك فيه أو لا يمكن. والثاني: ممتنع لأنه لو امتنع أن ~~يكون الشيء مقدورا ممكنا لواحد: لامتنع أن يكون مقدورا ممكنا لاثنين فإن ~~حال الشيء في كونه مقدورا ممكنا. لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده فإذا ~~امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لواحد: امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لاثنين ~~وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدورا عليه لاثنين وهو ممكن: جاز أن يكون أيضا ~~لواحد وهذا بين إذا كان الإمكان والامتناع لمعنى في الممكن - المفعول ~~المقدور عليه - إذ صفات ذاته لا تختلف في الحال. وكذلك إذا كان لمعنى في ~~القادر فإن القدرة القائمة باثنين لا تمتنع أن تقوم PageV02P032 # بواحد بل إمكان ذلك: معلوم ببديهة العقل؛ بل من المعلوم ببديهة العقل ms0289 أن ~~الصفات بأسرها من القدرة وغيرها كلما كان محلها متحدا مجتمعا كان أكمل لها ~~من أن يكون متعددا متفرقا. ولهذا كان الاجتماع والاشتراك في الخلق بأن يوجب ~~لها من القوة والقدرة ما لا يحصل لها إذا تفرقت وانفردت وإن كانت إحداها ~~باقية بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الأجسام المتفرقة قد قام بكل منها ~~قدرة؛ فإذا قدر اتحادها واجتماعها: كانت تلك القدرة أقوى وأكمل لأنه حصل ~~لها من الاتحاد والاجتماع: بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق والتعداد. ~~وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين - إذا قدر أن ذينك الاثنين كانا شيئا ~~واحدا - تكون القدرة أكمل فكيف لا تكون مساوية للقدرة القائمة بمحلين؟ وإذا ~~كان من المعلوم أن المحلين المتباينين اللذين قام بهما قدرتان إذا قدر ~~أنهما محل واحد وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد: علم أن ~~المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين - إذا قدر أنهما بعينهما - ~~قادر واحد قد قام به ما قام بهما: لم ينقص بذلك بل يزيد فعلم أنه يمكن أن ~~يكون كل منهما: قابلا للقدرة على الاستقلال وأن ذلك ممكن فيه. فتبين أنه من ~~الممكن في المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادرا عليه بل من ~~الممكن أن يكونا شيئا واحدا قادرا عليه؛ فتبين أن كلا منهما يمكن أن يكون ~~أكمل مما هو عليه وأن يكون بصفة أخرى. # PageV02P033 # إذا كان يمكن في كل منهما أن تتغير ذاته وصفاته. ومعلوم أنه هو لا يمكن ~~أن يكمل نفسه وحده ويغيرها إذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل ~~عنه فأن يكون عاجزا عن تكميل نفسه وتغييرها أولى؟ . وإذا كان هذا يمكن أن ~~يتغير ويكمل وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه؛ بل يكون فيه ~~إمكان وافتقار إلى غيره والتقدير أنه واجب الوجود بنفسه غير واجب الوجود ~~بنفسه فيكون واجبا ممكنا. وهذا تناقض إذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون ~~نفسه كافية في حقيقة ذاته وصفاته لا يكون في شيء من ذاته ms0290 وصفاته مفتقرا إلى ~~غيره؛ إذ ذلك كله داخل في مسمى ذاته بل ويجب أن لا يكون مفتقرا إلى غيره في ~~شيء من أفعاله ومفعولاته. فإن أفعاله القائمة به داخلة في مسمى نفسه ~~وافتقاره إلى غيره في بعض المفعولات: يوجب افتقاره في فعله وصفته القائمة ~~به؛ إذ مفعوله صدر عن ذلك فلو كانت ذاته كاملة غنية: لم تفتقر إلى غيره في ~~فعلها؛ فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه: دليل عدم غناه وعلى حاجته إلى ~~الغير؛ وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه. ولهذا لما كان ~~وجوب الوجود: من خصائص رب العالمين والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين: ~~كان الاستقلال بالفعل من خصائص # PageV02P034 # رب العالمين وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين ~~فليس في المخلوقات ما هو مستقل بشيء من المفعولات وليس فيها ما هو وحده علة ~~قائمة وليس فيها ما هو مستغنيا عن الشريك في شيء من المفعولات بل لا يكون ~~في العالم شيء موجود عن بعض الأسباب إلا بمشاركة سبب آخر له. فيكون - وإن ~~سمي علة - علة مقتضية سببية؛ لا علة تامة ويكون كل منهما شرطا للآخر؛ كما ~~أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه من الفعل فكل ما في المخلوق - ~~مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مدبرا - فله شريك هو له كالشرط ~~وله معارض هو له مانع وضد وقد قال سبحانه: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} والزوج ~~يراد به النظير المماثل والضد المخالف وهو الند. فما من مخلوق إلا له شريك ~~وند. والرب سبحانه وحده هو الذي لا شريك له ولا ند بل ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن. ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك؛ ~~لأن ذلك يقتضي الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك إلا لله ~~وحده؟ ولهذا - وإن نازع بعض الناس: في كون العلة تكون ذات أوصاف وادعى أن ~~العلة لا تكون إلا ذات وصف واحد - فإن أكثر ms0291 الناس خالفوا في ذلك وقالوا: ~~يجوز أن تكون ذات أوصاف بل قيل لا تكون في المخلوق # PageV02P035 # علة ذات وصف واحد أو ليس في المخلوق ما يكون وحده علة ولا يكون في ~~المخلوق علة إلا ما كان مركبا من أمرين فصاعدا. فليس في المخلوق واحد يصدر ~~عنه شيء فضلا عن أن يقال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ بل لا يصدر من ~~المخلوق شيء: إلا عن اثنين فصاعدا وأما الواحد الذي يفعل وحده فليس إلا ~~الله. فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له: فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة ~~له والوحدانية مستلزمة للكمال والكمال مستلزم لها والاشتراك مستلزم للنقصان ~~والنقصان مستلزم له. وكذلك الوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير: والقيام ~~بنفسه ووجوبه بنفسه وهذه الأمور - من الغنى والوجوب بالنفس والقيام بالنفس ~~- مستلزمة للوحدانية؛ والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير والإمكان بالنفس ~~وعدم القيام بالنفس. وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم ~~للاشتراك وهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها وهي من دلائل ~~إمكان المخلوقات المشهودات وفقرها وأنها من بدئه فهي من أدلة إثبات الصانع؛ ~~لأن ما فيها من الافتراق والتعداد والاشتراك: يوجب افتقارها وإمكانها ~~والممكن المفتقر لا بد له من واجب غني بنفسه وإلا لم يوجد. ولو فرض تسلسل ~~الممكنات المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة. والممكن قد علم # PageV02P036 # بالاضطرار أنه يفتقر في وجوده إلى غيره فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فإنه ~~يعلم أنه فقير أيضا في وجوده إلى غيره فلا بد من غني بنفسه واجب الوجود ~~بنفسه وإلا لم يوجد ما هو فقير ممكن بحال. وهذه المعاني تدل على توحيد ~~الربوبية وعلى توحيد الإلهية وهو التوحيد الواجب الكامل الذي جاء به ~~القرآن؛ لوجوه: قد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع مثل أن المتحركات ~~لا بد لها من حركة إرادية ولا بد للإرادة من مراد لنفسه وذلك هو الإله ~~والمخلوق يمتنع أن يكون مرادا لنفسه كما يمتنع أن يكون فاعلا بنفسه؛ فإذا ~~امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما. وأيضا ~~فالإله ms0292 الذي هو المراد لنفسه - إن لم يكن ربا - امتنع أن يكون معبودا لنفسه ~~ومن لا يكون ربا خالقا لا يكون مدعوا مطلوبا منه مرادا لغيره؛ فلأن لا يكون ~~معبودا مرادا لنفسه من باب الأولى فإثبات الإلهية يوجب إثبات الربوبية ونفي ~~الربوية يوجب نفي الإلهية؛ إذ الإلهية هي الغاية وهي مستلزمة للبداية ~~كاستلزام العلة الغائية للفاعلية. وكل واحد من وحدانية الربوبية والإلهية - ~~وإن كان معلوما بالفطرة الضرورية البديهية وبالشرعية النبوية الإلهية - فهو ~~أيضا معلوم بالأمثال الضرورية التي هي المقاييس العقلية. لكن المتكلمون ~~إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية، # PageV02P037 # وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بني آدم وإنما نازعوا في بعض تفاصيله ~~كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية والقدرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة ~~والمعتزلة ومن يدخل فيهم وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب الذي ~~دخل من أقر أنه لا خالق إلا الله ولا رب غيره من أصناف المشركين. كما قال ~~تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} كما قد بسطنا هذا في غير ~~هذا الموضع. # PageV02P038 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # فصل: قاعدة # قد كتبت ما يتعلق بها في الكراس الذي قبل هذا. # أصل الإثبات والنفي والحب والبغض: هو شعور النفس بالوجود والعدم ~~والملاءمة والمنافرة. فإذا شعرت بثبوت ذات شيء أو صفاته: اعتقدت ثبوته ~~وصدقت بذلك. ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت إجلاله وإكرامه صدقت ومدحته وأثنت ~~عليه. وإذا شعرت بانتفائه أو انتفاء صفات الكمال عنه: اعتقدت انتفاء ذلك. ~~وإن لم تشعر لا بثبوت ولا انتفاء: لم تعتقد واحدا منهما ولم تصدق ولم تكذب ~~وربما اعتقدت الانتفاء إذا لم تشعر بالثبوت وإن لم تشعر أيضا بالعدم. وبين ~~الشعور بالعدم وعدم الشعور بالوجود فرق بين وهي منزلة الجهل الذي يؤتى منها ~~أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه والذي من جهل شيئا عاداه. # PageV02P039 # ثم إذا اعتقدت الانتفاء كذبت بالثبوت وذمته وطعنت فيه؛ هذا إذا كان ما ~~استشعرت وجوده أو عدمه محمودا وأما إن كان مذموما: كان ms0293 الأمر بالعكس. وكذلك ~~إذا شعرت بما يلائمها أحبته وأرادته وإن شعرت بما ينافيها أبغضته وكرهته ~~وإن لم تشعر بواحد منهما أو شعرت بما ليس بملائم ولا مناف: فلا محبة ولا ~~بغضة؛ وربما أبغضت. ما لم يكن منافيا إذ لم يكن ملائما. وبين الشعور ~~بالمنافي وعدم الشعور بالملائم: فرق بين؛ لكن هذا محمود فإن ما لم يلائم ~~الإنسان: فلا فائدة له فيه ولا منفعة فيكون الميل إليه من باب العبث ~~والمضرة. فينبغي الإعراض عنه لأنه لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فالميل ~~إليه مضرة ثم يتبع الحب للشخص؛ أو العمل: الصلاة عليه والثناء عليه. كما ~~يتبع البغض: اللعنة له والطعن عليه وما لم يكن محبوبا. ولا مبغضا لا يتبعه ~~ثناء ولا دعاء ولا طعن ولا لعن. # ولما كان في نفس الأمر وجود محبوب مألوه: كان أصل السعادة الإيمان بذلك ~~وأصل الإيمان: قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو المحبة على ~~سبيل الخضوع إذ لا ملائمة لأرواح العباد: أتم من ملاءمة إلهها الذي هو الله ~~الذي لا إله إلا هو. ولما كان الإيمان جامعا لهذين المعنيين وكان تعبير من ~~عبر عنه بمجرد # PageV02P040 # التصديق ناقصا قاصرا: انقسم الأمة إلى ثلاث فرق: - فالجامعون حققوا كلا ~~معنييه من القول التصديقي والعمل الإرادي. وفريقان فقدوا أحد المعنيين: ~~فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء والوجود والعدم ~~والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر. والصوفيون: غالب ~~طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة والإرادة والكراهة والحركات العملية؛ ~~فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة. وأما أهل العلم والإيمان: ~~فجامعون بين الأمرين؛ بين التصديق العلمي والعمل الحبي. ثم إن تصديقهم عن ~~علم وعملهم وحبهم عن علم فسلموا من آفتي منحرفة المتكلمة والمتصوفة وحصلوا ~~ما فات كل واحدة منهما من النقص؛ فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان: ~~إحداهما: القول بلا علم - إن كان متكلما - والعمل بلا علم - إن كان متصوفا ~~- وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة. والثاني: ~~فوت المتكلم العمل وفوت المتصوف القول والكلام. وأهل السنة ms0294 الباطنة ~~والظاهرة: كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم وكان كل واحد من قولهم ~~وعملهم مقرونا بالآخر. وهؤلاء هم المسلمون حقا # PageV02P041 # الباقون على الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين. فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود ومنحرفة أهل ~~التصوف فيهم شبه النصارى؛ ولهذا غلب على الأولين جانب الحروف وما يدل عليه ~~من العلم والاعتقاد. وعلى الآخرين جانب الأصوات وما يثيره من الوجد ~~والحركة. ومن تمام ذلك أن الله أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهذه الطرق الثلاثة: هي النافعة ~~في العلم والعمل وتشبه ما يذكره أهل المنطق من البرهان والخطابة والجدل. ~~بقي الشعر والسفسطة - التي هي الكذب المموه - فنفى الله ذلك بقوله: {هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} {يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون} {والشعراء يتبعهم الغاوون} إلى آخر السورة فذكر الأفاكين؛ ~~وهم المسفسطون وذكر الشعراء. وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب لما ~~قال له: يا خليفة رسول الله تألف الناس فأخذ بلحيته وقال: يا ابن الخطاب ~~أجبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى أم على ~~شعر مفتعل؟ فذكر الحديث المفترى والشعر المفتعل كما ذكر الله الأفاكين ~~والشعراء وكان الإفك في القوة الخبرية. والشعر في القوة العملية الطلبية ~~فتلك ضلال وهذه غواية. # PageV02P042 # ولهذا: يقترن أحدهما بالآخر كثيرا في مثل المليين من الرهبان وفاسدي ~~الفقراء وغيرهم ثم لما كان الشعر مستفادا من الشعور - فهو يفيد إشعار النفس ~~بما يحركها وإن لم يكن صدقا بل يورث محبة أو نفرة أو رغبة أو رهبة؛ لما فيه ~~من التخييل وهذا خاصة الشعر - فلذلك وصفهم بأنهم يتبعهم الغاوون. والغي ~~اتباع الشهوات؛ لأنه يحرك الناس حركة الشهوة والنفرة والفرح والحزن بلا علم ~~وهذا هو الغي؛ بخلاف الإفك فإن فيه إضلالا في العلم بحيث يوجب اعتقاد الشيء ~~على خلاف ما هو به. وإذا كانت النفس تتحرك تارة عن تصديق وإيمان وتارة عن ~~شعر. والثاني مذموم ms0295 إلا ما استثنى منه قال تعالى: {وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} فالذكر خلاف الشعر فإنه حق وعلم يذكره ~~القلب وذاك شعر يحرك النفس فقط. ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الاعتياض ~~بسماع القصائد والأشعار عن سماع القرآن والذكر فإنه يعطيهم مجرد حركة حب أو ~~غيره من غير أن يكون ذلك تابعا لعلم وتصديق؛ ولهذا يؤثره من يؤثره على سماع ~~القرآن ويعتل بأن القرآن حق نزل من حق والنفوس تحب الباطل وذلك لأن القول ~~الصدق والحق: يعطي علما واعتقادا بجملة القلب والنفوس المبطلة لا تحب الحق. ~~ولهذا أثره باطل يتفشى من النفس فإنه فرع لا أصل له؛ ولكن له تأثير في ~~النفس من جهة التحريك والإزعاج والتأثير. لا من جهة التصديق والعلم # PageV02P043 # والمعرفة؛ ولهذا يسمون القول حاديا لأنه يحدو النفوس أي يبعثها ويسوقها ~~كما يحدو حادي العيس. وأما الحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن؛ فإنه ~~يعطي التصديق والعمل فهو نافع منفعة عظيمة. وإنما قلت: إن هذه الثلاثة تشبه ~~من بعض الوجوه الأقيسة الثلاثة التي هي: البرهانية والخطابية والجدلية ~~وليست هي؛ بل أكمل من وجوه كثيرة لوجوه: - أحدها: أن التي في القرآن تجمع ~~نوعي: العلم والعمل الخبر والطلب على أكمل الوجوه؛ بخلاف الأقيسة المنطقية. ~~وذلك أن القياس العقلي المنطقي: إنما فائدته مجرد التصديق في القضايا ~~الخبرية سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه؛ فإن كانت مواد القياس يقينية: كان ~~برهانا سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن؛ وهو يفيد اليقين وإن كانت ~~مشهورة؛ أو مقبولة سمي خطابة سواء كانت يقينية أو لم تكن وذلك يفيد ~~الاعتقاد والتصديق الذي هو بين اليقين والظن ليس أنه يفيد الظن دون اليقين؛ ~~إذ ليس في كونها مشهورة ما يمنع أن تكون يقينية مفيدة لليقين. وفرق بين ما ~~لا يجب أن يفيد اليقين وما يمنع إفادة اليقين. فالمشهورة من حيث هي مشهورة: ~~تفيد التصديق والإقناع والاعتقاد. ثم إن عرف أنها # PageV02P044 # يقينية أفادت اليقين أيضا. وإن عرف أنها غير يقينية لم تفد ms0296 إلا الظن؛ وإن ~~لم تشعر النفس بواحد منهما: بقي اعتقادا مجردا لا يثبت له اليقين ولا ينفى ~~عنه. وأما الحكمة في القرآن: فهي معرفة الحق وقوله والعمل به كما كتبت ~~تفسيرها في غير هذا الموضع. والموعظة الحسنة: تجمع التصديق بالخبر والطاعة ~~للأمر؛ ولهذا يجيء الوعظ في القرآن مرادا به الأمر والنهي بترغيب وترهيب. ~~كقوله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} وقوله: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله} ~~وقوله: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة} أي يتعظون بها ~~فينتبهون وينزجرون. وكذلك الجدل الأحسن: يجمع الجدل للتصديق وللطاعة. الوجه ~~الثاني: - ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر - بأن يقال: - الناس ثلاثة أقسام: ~~إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة؛ وإما أن يعترف به؛ لكن لا ~~يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل؛ وإما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن ~~لأن الجدال في مظنة الإغضاب فإذا كان بالتي هي أحسن: حصلت منفعته بغاية ~~الإمكان كدفع الصائل. الوجه الثالث: أن كلام الله لا يشتمل إلا على حق ~~يقين؛ لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان: بكون المقدمة ~~مشهورة أو مسلمة غير # PageV02P045 # يقينية بل إذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة أو مسلمة فلا بد ~~وأن تكون يقينية. فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون ~~المقدمة صادقة أو بمجرد كونها مشهورة وإن لم تكن صادقة فمثل هذه المقدمة لا ~~يشتمل عليها كلام الله الذي كله حق وصدق وهو أصدق الكلام وأحسن الحديث. ~~فصاحب الحكمة: يدعي بالمقدمات الصادقة سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن ~~لما فيه من إدراك الدق واتباع الحق. وصاحب الموعظة: يدعي من المقدمات ~~الصادقة بالمشهورة لأنه قد لا يفهم الخفية من الحق ولا ينازع في المشهورة. ~~وصاحب الجدل: يدعي بما يسلمه من المقدمات الصادقة مشهورة كانت أو لم تكن إذ ~~قد لا ينقاد إلى ما لا يسلمه سواء كان جليا أو خفيا وينقاد لما يسلمه سواء ~~كان جليا أو خفيا فهذا ms0297 هذا. وليس الأمر كما يتوهمه الجهال الضلال من الكفار ~~المتفلسفة وبعض المتكلمة من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية وعري عن ~~البرهانية أو اشتمل على قليل منها بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة ~~البرهانية وتكون تارة خطابية وتارة جدلية مع كونها برهانية. والأقيسة ~~العقلية - التي اشتمل عليها القرآن - هي الغاية في دعوة الخلق إلى الله كما ~~قال: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} في أول سبحان وآخرها ~~وسورة الكهف والمثل هو القياس؛ ولهذا اشتمل القرآن # PageV02P046 # على خلاصة الطرق الصحيحة التي توجد في كلام جميع العقلاء من المتكلمة ~~والمتفلسفة وغيرهم. ونزه الله عما يوجد في كلامهم؛ من الطرق الفاسدة ويوجد ~~فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد في كلام البشر بحال. الوجه الرابع: أن هنا ~~نكتة ينبغي التفطن لها فإنها نافعة وذلك أن المقدمة المذكورة في القياس ~~الذي هو مثل لها وصف ذاتي ووصف إضافي: فالوصف الذاتي لها: أن تكون مطابقة ~~فتكون صدقا أو لا تكون مطابقة فتكون كذبا وجميع المقدمات المذكورة في أمثال ~~القرآن هي صدق والحمد لله رب العالمين. وأما الوصف الإضافي: فكونها معلومة ~~عند زيد أو مظنونة أو مسلمة أو غير مسلمة: فهذا أمر لا ينضبط. فرب مقدمة هي ~~يقينية عند شخص قد علمها وهي مجهولة فضلا عن أن تكون مظنونة عند من لم ~~يعلمها فكون المقدمة يقينية أو غير يقينية أو مشهورة أو غير مشهورة أو ~~مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية وإضافية لها تعرض بحسب شعور الإنسان بها. ~~ولهذا تنقلب المظنونة؛ بل المجهولة في حقه يقينية معلومة والممنوعة مسلمة؛ ~~بل والمسلمة ممنوعة. والقرآن كلام الله الذي أنذر به جميع الخلق لم يخاطب ~~به واحدا بعينه حتى يخاطب بما هو عنده يقيني من المقدمات أو مشهور أو مسلم. ~~فمقدمات الأمثال فيه: اعتبر فيها الصفة الذاتية وهي كونها صدقا وحقا # PageV02P047 # يجب قبوله وأما جهة التصديق: فتتعدد وتتنوع إذ قد يكون لهذا من طرق ~~التصديق بتلك المقدمة ما ليس لعمرو مثل أن يكون هذا يعلمها ms0298 بالإحساس ~~والرؤية وهذا يعلمها بالسماع والتواتر كآيات الرسول وقصة أهل الفيل وغير ~~ذلك. فما كان جهة تصديقه عاما للناس: أمكن ذكره جهة التصديق به كآيات ~~الربوبية المعلومة بالإحساس دائما. وما كان جهة تصديقه متنوعا: أحيل كل قوم ~~على الطريق التي يصدقون بها. وقد يقال في مثل هذا: {ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} . فإن مخاطبة المعين: قد ~~يعلم بها ما هو عنده يقيني أو مشهور من اليقين: أو مسلم منه. وبهذا يتبين ~~لك أن تقسيم المنطقيين لمقدمات القياس: إلى المستيقن والمشهور والمسلم؛ ليس ~~ذلك وصفا لازما للقضية بل هو بحسب ما اتفق للمصدق بها وربما انقلب الأمر ~~عنده ويظهر لك من هذا أنما يشهدون عليه أنه ليس بيقيني أو ليس مشهورا وليس ~~بمسلم ليست الشهادة صحيحة. إذ سلب ذلك إنما يصح في حق قوم معينين لا في حق ~~جميع البشر. وكذلك الشهادة عليه بأنه يقيني أو مشهور أو مسلم إنما هو في حق ~~من ثبت له هذا الوصف. وأيضا القياس حق ثابت لا يتبدل وما يقوله هؤلاء يتغير ~~ويتبدل # PageV02P048 # ولا يستمر اللهم إلا في الأمور التي قضت سنة الله باشتراك الناس فيها من ~~الحسابيات. والطبيعيات. وهذان الفنان ليسا مقصود الدعوة النبوية. ولا ~~معرفتهما شرطا في السعادة ولا محصلا لها وإنما المقصود الفن الإلهي. ~~ومقدمات القياس فيه: هي من القسم الأول الذي تختلف فيه أحكام المقدمات ~~بالنسب والإضافة. فتدبر هذا فإنه خالص نافع عظيم القدر. يوضح هذا الفصل أن ~~القرآن - وإن كان كلام الله - فإن الله أضافه إلى الرسول المبلغ له من ~~الملك والبشر فأضافه إلى الملك في قوله: {فلا أقسم بالخنس} {الجواري الكنس} ~~إلى قوله: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} ~~فهذا جبرائيل. فإن هذه صفاته لا صفات محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ~~{وما صاحبكم بمجنون} أضافه إلينا امتنانا علينا بأنه صاحبنا كما قال: ~~{والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} . {ولقد رآه بالأفق المبين} ms0299 {وما ~~هو على الغيب بضنين} فهو محمد. أي بمتهم وعلى القراءة الأخرى: ببخيل. وزعم ~~بعض المتفلسفة أنه جبرائيل أيضا وهو العقل الفاعل الفائض وهو من تحريف ~~الكلم عن مواضعه فإن صفات جبرائيل تقدمت وإنما هذا وصف محمد. ثم قال: {وما ~~هو بقول شيطان رجيم} لما أثبت أنه قول # PageV02P049 # الملك: نفى أن يكون قول الشيطان. كما قال في الشعراء: {نزل به الروح ~~الأمين} {على قلبك} إلى قوله: {وما تنزلت به الشياطين} {وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون} إلى قوله: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك ~~أثيم} {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} . وأضافه إلى الرسول البشري في قوله: ~~{فلا أقسم بما تبصرون} {وما لا تبصرون} {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول ~~شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب ~~العالمين} فنفى عنه أن يكون قول شاعر أو كاهن وهما من البشر. كما ذكر في ~~آخر الشعراء: أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم. كالكهنة الذين يلقون ~~إليهم السمع وأن الشعراء يتبعهم الغاوون. فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان ~~بالرسول من البشر لما نفاهما: علم أن الرسول الكريم: هو المصطفى من البشر ~~فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس كما أنه في سورة التكوير: لما ~~كان الشيطان قد يشبه بالملك - فنفى أن يكون قول شيطان رجيم - علم أن الرسول ~~المذكور هو المصطفى من الملائكة. وفي إضافته إلى هذا الرسول تارة وإلى هذا ~~تارة: دليل على أنه إضافة بلاغ وأداء لا إضافة إحداث لشيء منه أو إنشاء كما ~~يقوله بعض المبتدعة الأشعرية من أن حروفه ابتداء جبرائيل أو محمد مضاهاة ~~منهم في نصف قولهم لمن قال: إنه قول البشر من مشركي العرب ممن يزعم أنه ~~أنشأه # PageV02P050 # بفضله وقوة نفسه ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعاني والحروف تأليفه؛ ~~لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء. فالكاهن مستمد من ~~الشياطين. {والشعراء يتبعهم الغاوون} وكلاهما في لفظه وزن. هذا سجع وهذا ~~نظم وكلاهما له معان من ms0300 وحي الشياطين. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. من همزه ونفثه ونفخه} وقال: ~~" همزه الموتة ونفثه الشعر ونفخه الكبر " وقوله تعالى {وما هو بقول شيطان ~~رجيم} ينفي الأمرين كما أنه في السورة الأخرى قال: {وما هو بقول شاعر} {ولا ~~بقول كاهن} وكذلك قال في الشعراء: {وما تنزلت به الشياطين} مطلقا. ثم ذكر ~~علامة من تنزل عليه الشياطين: بأنه أفاك أثيم وأن الشعراء يتبعهم الغاوون. ~~فظاهر القرآن: ليس فيه أن الشعراء تتنزل عليهم الشياطين إلا إذا كان أحدهم ~~كذابا أثيما فالكذاب: في قوله وخبره. والأثيم: في فعله وأمره. وذاك والله ~~أعلم: لأن الشعر يكون من الشيطان تارة ويكون من النفس أخرى. كما أنه إذا ~~كان حقا يكون من روح القدس كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا ~~لحسان بن ثابت: اللهم أيده بروح القدس} وقال: {اهجهم - أو هاجهم - وجبرائيل ~~معك} فلما نفى قسم الشيطان نفى قسم النفس؛ ولهذا قال: {يتبعهم الغاوون} ~~وألغى اتباع الشهوات التي هي هوى النفوس. # PageV02P051 # ولهذا قال أبو حيان ما كان من نفسك فأحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها ~~عنه وما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك: فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه ~~فهذا والله أعلم سبب ذلك. وأما التقسيم إلى الكاهن والشاعر من جهة المعنى ~~فهو - والله أعلم - لأن الكلام نوعان: خبر وإنشاء. والكاهن يخبر بالغيوب ~~مخلطا فيه الصدق بالكذب لا يأتون بالحق محضا وإذا ألقى الشيطان في أمنية ~~أحدهم شيئا في القلب: لم ينسخ منه بل أكثرهم كاذبون. كما قال تعالى وكما ~~بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكهان لما قال: {إنهم يزيدون في ~~الكلمة مائة كذبة} بخلاف الرسول والنبي والمحدث كما في قراءة ابن عباس ~~وغيره: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} . والقراءة العامة ليس فيها المحدث؛ ~~إذ يجوز أن يقر على بعض الخطأ ويدخل الشيطان في أمنيته بعض ما يلقيه فلا ~~ينسخ بخلاف الرسول والنبي فإنه لا بد من نسخ ما يلقي ms0301 الشيطان وأن يحكم الله ~~آياته لأنه حق والمحدث مأمور بأن يعرض ما يحدثه على ما جاء به الرسول. ~~ولهذا ألقى الشيطان لعمر وهو محدث في قصة الحديبية وقصة موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقصة اختلافه وهشام بن حكيم في سورة الفرقان فأزاله عنه نور ~~النبوة. # PageV02P052 # وأما الشاعر فشأنه التحريك للنفوس فهو من باب الأمر الخاص المرغب؛ فلهذا ~~قيل فيهم: {يتبعهم الغاوون} فضررهم في الأعمال لا في الاعتقادات وأولئك ~~ضررهم في الاعتقادات ويتبعها الأعمال؛ ولهذا قال: {أفاك أثيم} . ومعنى ~~الكهانة والشعر: موجود في كثير من المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة والمتفقهة ~~والعامة والمتفقرة الخارجين عن الشريعة الذين يتكلمون بالغيوب عن كهانة ~~ويحركون النفوس بالشعر ونحوه وهم من أتباع المتنبئين الكذابين لهم مادة من ~~الشياطين. كما قد رأيناه كثيرا في أنواع من هذه الطوائف وغيرها لمن نور ~~الله صدره وقذف في قلبه من نوره. # PageV02P053 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة: إما مجردة؛ وإما منحرفة إلى يهودية ~~أو نصرانية من أهل المنطق والقياس الطالبين للعلم والكلام ومن أهل العمل ~~والوجد الطالبين للمعرفة. والحال: أهل الحروف. وأهل الأصوات سلكوا في أصل ~~العلم الإلهي طريقين: كل منهم سلك طريقا. وقد يسلك بعضهم هذا في وقت وهذا ~~في وقت وربما جمع بعضهم بين الطريقين. وأكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق ~~إلا أحد هذين كما يذكره جماعات: مثل ابن الخطيب ومن نحا نحوه بل مثل أبي ~~حامد لما حصر الطرق في الكلام والفلسفة؛ الذي هو النظر؛ والقياس؛ أو في ~~التصوف والعبادة؛ الذي هو العمل والوجد ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف ~~الثلاثة. بل أبو حامد لما ذكر في المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال أحواله ~~في طرق العلم وأحوال العالم وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم - وهو ~~السفسطة بشبهها المعروفة - وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريبا من شهرين؛ هو ~~فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال حتى شفى # PageV02P054 # الله عنه ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة ms0302 والاعتدال ورجعت الضروريات ~~العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن وتبين ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب ~~كلام؛ بل بنور قذفه الله في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكبر المعارف قال: ~~فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق رحمة الله الواسعة. ثم ~~قال: انحصرت طرق الطالبين عندي في أربع فرق: - المتكلمون: وهم يدعون أنهم ~~أهل الرأي والنظر. والباطنية: وهم يدعون أنهم أصحاب التعلم والمخصصون ~~بالاقتباس من الإمام المعصوم. والفلاسفة: وهم يدعون أنهم أصحاب المنطق. ~~والبرهان. والصوفية: ويدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المكاشفة والمشاهدة. ~~فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة فهؤلاء هم السالكون سبل ~~طريق الحق؛ فإن سد الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع. ثم ذكر أن مقصود ~~الكلام وفائدته: الذب عن السنة بالجدل لا تحقيق الحقائق وأن ما عليه ~~الباطنية باطل وأن الفلسفة بعضها حق وبعضها كفر والحق منها لا يفي ~~بالمقصود. ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية وعلم أنها لا تحصل إلا ~~بعلم # PageV02P055 # وعمل فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب ~~المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي ~~يزيد؛ حتى طلع على كنه مقاصدهم العلمية. ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب أحوال ~~لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم. قد حصله ولم يبق إلا ما لا ~~سبيل إليه بالتعلم والسماع؛ بل بالذوق والسلوك. قال: وكان قد حصل معي من ~~العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم ~~الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله وبالنبوة وباليوم الآخر. وهذه الأصول ~~الثلاثة - من الإيمان - كانت قد رسخت في نفسي بالله لا بدليل معين مجرد بل ~~بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها وكان قد ظهر عندي أنه لا ~~مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وذكر أنه تخلى عشر سنين. إلى أن قال: ~~انكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر ~~الذي أذكره لينتفع به. أني علمت يقينا ms0303 أن الصوفية هم السالكون لطريق الله ~~خاصة وأن سيرتهم أحسن السير؛ وطريقتهم أصوب الطرق؛ وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ ~~بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من ~~العلماء؛ ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم؛ ويبدلوه بما هو خير منه: لم ~~يجدوا إليه سبيلا. # PageV02P056 # فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم: مقتبسة من مشكاة نور ~~النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. وبالجملة فماذا ~~يقول القائلون في طريق طهارتها؟ وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما ~~سوى الله ومفتاحها استغراق القلب بذكر الله. قلت: يستفاد من كلامه أن أساس ~~الطريق: هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما قررته غير ~~مرة. وهذا أول الإسلام؛ الذي جعله هو النهاية وبينت الفرق بين طريق ~~الأنبياء وطريق الفلاسفة. والمتكلمين لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة ~~والحديث من العارفين؛ فلهذا لم يذكرها وهي الطريقة المحمدية المحضة الشاهدة ~~على جميع الطرق. والسهروردي الحلبي المقتول سلك النظر والتأله جميعا؛ لكن ~~هذا صابئي محض فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته بخلاف ذينك ~~وأمثالهما. ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء كجمهور ~~المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وبعض الحنبلية. ومنهم من لا يعرف ~~ابتداء: إلا طريقة الرياضة والتجرد والتصوف ككثير من الصوفية والفقراء ~~الذين وقعوا في الاتحاد والتأله المطلق. مثل: عبد الله الفارسي والعفيف ~~التلمساني ونحوهما. ومنهم من قد يجمع كالصدر القونوي ونحوه. # PageV02P057 # والغالب عليهم عالم التوهم فتارة يتوهمون ما له حقيقة وتارة يتوهمون ما ~~لا حقيقة له كتوهم إلهية البشر وتوهم النصارى وتوهم المنتظر وتوهم الغوث ~~المقيم بمكة: أنه بواسطته يدبر أمر السماء والأرض؛ ولهذا يقول التلمساني ~~ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل. ولهذا أصيب صاحب الخلوة بثلاث ~~توهمات: أحدها: أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعدادا. والثاني: أن ~~يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض. والثالث: أنه يتوهم أنه يصل إلى ~~مطلوبه بدون سبب وأكثر ms0304 اعتماده على القوة الوهمية؛ فقد تعمل الأوهام أعمالا ~~لكنها باطلة كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية؛ نظرا أو ~~عملا؛ بل سلكوا الصابئية. ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه: أكثر الأحمدية ~~واليونسية والحريرية وكثير من العدوية وأصحاب الأوحد الكرماني وخلق كثير من ~~المتصوفة والمتفقرة بأرض المشرق؛ ولهذا تغلب عليهم الإباحة فلا يؤمنون ~~بواجبات الشريعة ومحرماتها. وهم إذا تألهوا في تأله مطلق: لا يعرفون من هو ~~إلههم بالمعرفة القلبية؛ وإن حققه عارفوهم الزنادقة جعلوه الوجود المطلق. ~~ومنهم من يتأله الصالحين من البشر وقبورهم ونحو ذلك. فتارة يضاهئون ~~المشركين وتارة يضاهئون # PageV02P058 # النصارى وتارة يضاهئون الصابئين وتارة يضاهئون المعطلة الفرعونية ونحوهم ~~من الدهرية وهم من الصابئين؛ لكن كفار في الأصل. والخالص منهم: يعبد الله ~~وحده؛ لكن أكثر ما يعبده: بغير الشريعة القرآنية المحمدية فهم منحرفون؛ إما ~~عن شهادة أن لا إله إلا الله؛ وإما عن شهادة أن محمدا رسول الله وقد كتبته ~~في غير هذا. # وكل واحد من طريقي النظر والتجرد: طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة بل ~~كل منهما واجب لا بد منه ولا تتم السعادة إلا به والقرآن كله يدعو إلى ~~النظر والاعتبار والتفكر وإلى التزكية والزهد والعبادة. وقد ذكر القرآن ~~صلاح القوة النظرية العلمية والقوة الإرادية العملية: في غير موضع كقوله ~~{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فالهدى كمال ~~العلم ودين الحق كمال العمل. كقوله: {أولي الأيدي والأبصار} وقوله: {كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . وقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} وقوله: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح} وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد} لكن النظر النافع أن يكون ~~في دليل فإن النظر في غير دليل لا يفيد العلم بالمدلول عليه والدليل هو ~~الموصل إلى المطلوب والمرشد إلى المقصود والدليل التام هو الرسالة ~~والصنائع. وكذلك العبادة التامة فعل ما أمر به العبد وما جاءت به الرسل وقد ~~وقع # PageV02P059 # الخطأ في الطريقين من حيث: أخذ كل منهما أو ms0305 مجموعهما مجردا في الابتداء ~~عن الإيمان بالله وبرسول. . . (1) . بل اقتصر فيهما على مجرد ما يحصله نظر ~~القلب وذوقه الموافق لما جاءت به الرسل تارة والمخالف لما جاءت به أخرى في ~~مجرد النظر العقلي ومجرد العبادات العقلية أو الصعود عن ذلك إلى النظر ~~الملي والعبادات الملية والواجب أنه لا بد في كل واحد من النظر والعمل من ~~أن يوجد فيه العقلي والملي والشرعي فلما قصروا: وقع كل من الفريقين؛ إما في ~~الضلال؛ وإما في الغواية وإما فيهما. وحاصلهم: إما الجهل البسيط؛ أو الكفر ~~البسيط أو الجهل المركب أو الكفر المركب مع الجهل والظلم. وذلك أن طريقة ~~أهل النظر والقياس: مدارها على مقدمة لا بد منها في كل قياس يسلكه الآدميون ~~وهي مقدمة كلية جامعة تتناول المطلوب وتتناول غيره بمعنى أنها لا تمنع غيره ~~من الدخول؛ وإن لم يكن له وجود في الخارج فهي لا تتناول المطلوب لخاصيته بل ~~بالقدر المشترك بينه وبين غيره والمطلوب بها هو الله تعالى فلم يصلوا إليه ~~إلا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره من القضايا الإيجابية والسلبية. والمشترك ~~بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه أصلا فلم يعرفوا الله PageV02P060 # بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به وحكموا على القدر ~~المشترك بأحكام سلبية أو إيجابية؛ فإنها تصح في الجملة؛ لأن ما انتفى عن ~~المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز وليس ما انتفى عن الخاص المميز ~~انتفى عن العام؛ فما نفيته عن الحيوان أو عن النبي: انتفى عن الإنسان ~~والرسول. وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو النبي. ~~ولهذا كان قوله: {لا نبي بعدي} ينفي الرسول؛ وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك ~~بصفة العموم ثبت للخاص وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص فإذا ~~ثبت حكم لكل نبي دخل فيه الرسول. وأما إذا ثبت للنبي مطلقا: لم يجب أن يثبت ~~للرسول وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية والإيجابية: أمور لا تصدق إلا ~~عليه ولا يصح أن يوصف بها غيره؛ كما ms0306 إذا وصف نبي بمجموع صفات لا توجد في ~~غيره. لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه وأما عينه فلا يعرف ~~بمجموع تلك القضايا الكلية فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم ~~بالسلب والعدم؛ إذا كان القياس صحيحا. ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في ~~القرآن - وهي المقاييس العقلية - دالة على النفي في مثل قوله: {ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم} ؟ الآية ~~ومثل قوله: {وضرب الله مثلا رجلين} الآيات وقوله: {يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله} الآية؛ وقوله: {قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون} الآية وقوله: {ما اتخذ الله # PageV02P061 # من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} ~~وأمثال ذلك من الأمثال - وهي القياسات - التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء ~~لازمه أو نحو ذلك. ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة والكلام ~~في جانب الربوبية: إنما هي المعارف السلبية. ثم لم يقتصروا على مقدار ما ~~يعلمه العقل من القياس بل تعدوا ذلك؛ فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد مثل ~~نفي الصفات النبوية الخبرية: بل ونفي الفلاسفة؛ والمعتزلة للصفات التي ~~يثبتها متكلمو أهل الإثبات ويسمونها الصفات العقلية؛ لإثباتهم إياها ~~بالقياس العقلي. ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك؛ الذي ~~هو مدلول القضية الكلية التي لا بد منها في القياس؛ مثل أن ينفي الإرادة أو ~~الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم والقدر المشترك في المخلوقين ~~تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق ~~وصفات الخلق - تبعا لانتفاء ما يختص به الخلق - فيعطلون كما أن أهل التمثيل ~~يثبتون ما يختص به الخلق - تبعا للقدر المشترك - وكلاهما قياس خطأ. ففي هذه ~~الصفات بل وفي الذوات ثلاث اعتبارات: # أحدها: ما تختص به ذات الرب وصفاته. # والثاني: ما يختص به المخلوق وصفاته. # PageV02P062 # والثالث: المعنى المطلق الجامع. # فاستعمال القياس الجامع في ms0307 نفي الأول خطأ وكذلك استعماله في إثبات الثاني ~~وأما استعماله في إثبات الثالث فيحتاج إلى إدراك العقل لثبوت المعنى الجامع ~~الكلي وهذا أصل القياس والدليل فإن لم يعرف العقل بنفسه - أو بواسطة قياس ~~آخر - ثبوت هذا وإلا لم يستقم القياس. وكذلك في معارفهم الثبوتية لا يأتون ~~إلا بمعان مطلقة مجملة. مثل ثبوت الوجود ووجوب الوجود أو كونه ربا أو صانعا ~~أو أولا أو مبدأ أو قديما ونحو ذلك من المعاني الكلية التي لا يعلم بها ~~خصوص الرب تعالى إذ القياس لا يدل على الخصوص فإنه إذا استدل بأن كل ممكن ~~فلا بد له من موجب وبأن كل محدث فلا بد له من محدث: كان مدلول هذا القياس ~~أمرا عاما وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع. وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد: ~~فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا إله إلا الله إن لم يغلوا ~~فيقتصروا على مجرد الله الله ويعتقدون أن ذلك أفضل وأكمل. كما فعله كثير ~~منهم وربما اقتصر بعضهم على هو هو. أو على قوله: لا هو إلا هو لأن هذا ~~الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقا ليس فيه بنفسه ذكر لله ~~إلا بقصد المتكلم. فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو كما ~~يصرح به بعضهم ويقول: لا هو إلا هو أو لا موجود إلا هو وهذا عند الاتحادية # PageV02P063 # أجود من قول لا إله إلا الله لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعوني القرمطي ~~حتى يقول بعضهم. لا إله إلا الله ذكر العابدين والله الله ذكر العارفين وهو ~~ذكر المحققين ويجعل ذكره يا من لا هو إلا هو وإذا قال الله الله إنما يفيد ~~مجرد ثبوته فقد ينضم إلى ذلك نفي غيره لا نفي إلهية غيره فيقع صاحبه في ~~وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوى إذا كان في مقام الفناء فهذا ~~قريب أما اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو فهذا هو الضلال. ويضمون إلى ذلك ~~نوعا من التصفية مثل ترك الشهوات ms0308 البدنية من الطعام والشراب والرياسة ~~والخلوة وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة والعبادة المطلقة فيصلون أيضا ~~إلى تأله مطلق ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ذلك من نحو ما يصل إليه ~~أرباب القياس. ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية من ~~الطعام والاجتماع بالناس فإن سببها إنما هو ذلك التجرد فإذا زال زال؛ ولهذا ~~قيل كل حال أعطاكه الجوع فإنه يذهب بالشبع كما قد تتوارى معرفة الأولى ~~المطلقة بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية ولا ريب أن القياس يفضي إلى ~~معرفة بحسب مقتضاه وأن الرياضة والتأله يفضي إلى معرفة بحسب مقتضاه لكن ~~معرفة مطلقة بسبب قد يثبت وقد يزول وكثيرا ما يفضي إلى الاتحاد والحلول ~~والإباحة وذلك لأنهم يجردون التأله عما لا بد منه من صالح البشر فإذا ~~احتاجوا إليها أعرضوا عن التأله. فهم إما آلهة عند نفوسهم وإما زنادقة أو ~~فساق ولهذا حدثني الشيخ # PageV02P064 # الصالح يوسف من أصحابنا أنه رآني في المنام وأنا أخاطبهم (1) . # والمعرفة الحاصلة بذلك: هي المعرفة التي تصلح حال العبد وتجب عليه؛ لكن ~~قد يحصل مع صدق الطلب - بواسطة القياس أو بواسطة الوجد - وصول إلى الرسالة ~~فيتلقى حينئذ من الرسالة ما يصلح حاله ويعرفه المعرفة التامة والعلم النافع ~~الواجب عليه - وهي الطريق الشرعية النبوية التي ذكرناها أولا - وقد لا يحصل ~~ذلك فيقع كثير منهم في الاستغناء عن النبوة اعتقادا أو حالا بالإعراض عما ~~جاءت به؛ فيفوته من الإيمان والعلم والمعرفة - التي جاء بها الرسول - ما ~~يضل بفواته في الدنيا عن الهدى ويشقى به الشقاء الأكبر كحال الكافرين ~~بالرسول وإن آمنوا بوجود الرب من اليهود والنصارى والصابئين فإن في ~~المسلمين من ينافق في الرسول كما كفر هؤلاء به ظاهرا وهذا النفاق كثير جدا ~~قديما وحديثا. وقد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة ومواجيد فاسدة يحكم بمقتضاها ~~في الربوبية أحكاما فاسدة مثل: أحكام المنحرفة إلى صابئية أو يهودية أو ~~نصرانية من الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة الذين انحرفوا إما إلى تعطيل ~~للصفات وتكذيب بها. وإما إلى تمثيل لها وتشبيه. ms0309 وإما إلى اعتقاد أن الرب هو ~~الوجود المطلق الذي لا يتميز وأن عين PageV02P065 # الوجود: هو عين الخالق وأنه ليس وراء السموات والأرض شيء آخر؛ وإنما هذه ~~الأشياء كلها مراتب للصفات وأن الربوبية والإلهية: مراتب ذهنية شكوكية. ~~وأما في الحقيقة: فليس إلا عين ذاته فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ما ~~ترى إلا عين الحق. ويحسبون - ويحسب كثير بسببهم - أن هذا التوحيد: هو توحيد ~~الصديقين الذين عرفوا الله وقالوا: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. كما يحسب ~~المتكلم الزائغ أن توحيده - الذي هو نفي الصفات - هو توحيد الأنبياء؛ ~~والصديقين؛ الذين عرفوا الله؛ ولهذا يقع في هؤلاء الشرك كثيرا؛ حتى يسجد ~~بعضهم لبعض؛ كما يقع في القسم الآخر تحريم الحلال من العقود والعبادات ~~المباحة. فاقتسم الفريقان: ما ذم الله به المشركين من الشرك وتحريم الحلال. ~~. . (1) وهكذا يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة للنصارى. وظهر في الآخرين من ~~الآصار والأغلال وجحود الحق وقسوة القلوب: ما يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة ~~لليهود. هذا في غير الغالية منهم وأما الغالية من الصنفين: فعندهم أن ~~معرفتهم وحالهم فوق معرفة الأنبياء وحالهم. كما يقول التلمساني: القرآن ~~يوصل إلى الجنة وكلامنا يوصل إلى الله. PageV02P066 # وكما يزعم الفارابي: أن الفيلسوف أكمل من النبي؛ وإنما خاصة النبي جودة ~~التخييل للحقائق؛ إلى أنواع من الزندقة والكفر يلتحقون فيها بالإسماعيلية؛ ~~والنصيرية؛ والقرامطة؛ والباطنية؛ ويتبعون فرعون؛ والنمروذ وأمثالهما من ~~الكافرين بالنبوات أو النبوة والربوبية. وهذا كثير جدا في هؤلاء وهؤلاء ~~وسبب ذلك عدم أصل في قلوبهم وهو الإيمان بالله والرسول. فإن هذا الأصل إن ~~لم يصحب الناظر والمريد والطالب في كل مقام. وإلا خسر خسرانا مبينا وحاجته ~~إليه كحاجة البدن إلى الغذاء أو الحياة إلى الروح. فالإنسان بدون الحياة ~~والغذاء لا يتقوم أبدا ولا يمكنه أن يعلم ولا أن يعلم. كذلك الإنسان بدون ~~الإيمان بالله ورسوله لا يمكنه أن ينال معرفة الله ولا الهداية إليه وبدون ~~اهتدائه إلى ربه: لا يكون إلا شقيا معذبا وهو حال الكافرين بالله ورسوله ~~ومع الإيمان بالله ورسوله إذا نظر ms0310 واستدل: كان نظره في دليل وبرهان - وهو ~~ثبوت الربوبية والنبوة - وإذا تجرد وتصفى كان معه من الإيمان ما يذوقه بذلك ~~ويجده. ثم هذا النظر وهذا الذوق يجتلب له ما وراء ذلك من أنواع المعالم ~~الربانية والمواجيد الإلهية. والعلم والوجد متلازمان. وذلك: أن الأنبياء ~~والمرسلين: عرفوا الله بالوحي المعرفة التي هي معرفة وعبدوه العبادة التي ~~هي حق له بحسب ما منحهم الله تعالى. وهم درجات في ذلك؛ لكن عرفوا من خصوص ~~الربوبية ما لا يقوم به # PageV02P067 # مجرد القياس النظري ولا يناله مجرد الذوق الإرادي ثم أخبروا عن ذلك. ولا ~~بد في الوصف والإخبار من أن يذكر المسمى الموصوف بالأسماء والأوصاف ~~المتواطئة التي فيها اشتراك وتمييز عن المخلوقات بما يقطع الشركة؛ لأن ~~القصد بالإخبار والوصف تعريف المخاطبين؛ والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات ~~التي هي خصوص ذات الله وصفاته. فلو أخبروا بذلك وحده مجردا لم يعرفوا شيئا ~~بل ربما أنكروا ذلك. فإذا خوطبوا بالمعاني المشتركة وأزيل مفسدة الاشتراك ~~بما يقطع التماثل كقوله: {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له كفوا أحد} ونحو ذلك ~~كانوا أحد رجلين: إما رجل مؤمن آمن بمعاني تلك الصفات على الوجه المطلق ~~الجملي وأثبتها لله على وجه يليق به ويختص به لا يشركه فيه مخلوق؛ فهذا ~~غاية الممكن في حال هؤلاء. وإما رجل قذف الله في قلبه من نوره وهدايته ~~الخاصة ما أشهده شيئا من الخصوصيات التي هي أعيان تلك الأسماء والصفات ~~فيعلم ذلك لا بمجرد القياس ولا بمجرد الوجد بل بشهود على مطابق لما أخبرت ~~به الرسل وتدله على صحة شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل ويحصل له نصيب من ~~النبوة فإن النبوة انقطعت بكمالها وإما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع. ولا بد ~~أن يكون في بعض الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النبي فيصدقه فيه؛ لشهوده ~~بعض ما أخبر به النبي ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت ما لم يشهده وهذه حال ~~الصديقين مع الأنبياء. # PageV02P068 # وذلك نظير من وصف له ملك مدينة بأنواع من الصفات فقدم حتى رأى ms0311 بعض شئونه ~~التي دلته على صدق المخبر فيما لم يشهد. ولست أجعل مجرد هذه الشهادة مصدقة؛ ~~فإن المخبر قد يصدق في بعض ويخطئ في بعض وإنما ذلك بواسطة إخبار المخبر - ~~أي رسول الله - وشهوده منه ما يوجب له امتناع الكذب عليه كما يذكر في غير ~~هذا الموضع. فإن قلت: فمن أين له ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله حتى يصير ~~ذلك أصلا يبنى عليه وينتقل معه إلى ما بعده؟ فأهل القياس والوجد: إنما ~~تعبوا التعب الطويل - في تقرير هذا الأصل - في نفوسهم؛ ولهذا يسمي ~~المتكلمون كل ما يقرر الربوبية والنبوة: العقليات والنظريات ويسميها أولئك ~~الذوقيات والوجديات ورأوا أن ما لا يتم معرفة الله ورسوله إلا به فمعرفته ~~متقدمة على ذلك؛ وإلا لزم الدور. فسموا تلك عقليات والعقليات لا تنال إلا ~~بالقياس العقلي المنطقي. قلت. جواب هذا من وجوه: أحدها: المعارضة بالمثل؛ ~~فإن سالك سبيل النظر القياسي أو الإرادة الذوقية: من أين له ابتداء أن سلوك ~~هذا الطريق يحصل له علما ومعرفة ليس معه ابتداء إلا مجرد إخبار مخبر بأنه ~~سلك هذا الطريق فوصل أو خاطر يقع في قلبه سلوك هذا الطريق: إما مجوزا ~~للوصول أو متحريا أو غير ذلك أو سلوكا ابتداء بلا انتهاء؛ وليس ذلك مختصا ~~بالعلم الإلهي؛ بل كل العلوم لا بد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها ~~مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد. # PageV02P069 # إذ لو كان كل طالب العلم حين يطلبه قد نال ذلك العلم: لم يكن طالبا له ~~والطريق التي يسلكها قد يعلم أنها تفضي به إلى العلم. لكن الكلام في أول ~~الأوائل ودليل الأدلة وأصل الأصول. فإنه لو كان حين ينظر فيه يعلم أنه دليل ~~مفض لم يمكن ذلك حتى يعلم ارتباطه بالمدلول فإن الدليل إن لم يستلزم ~~المدلول: لم يكن دليلا. والعلم بالاستلزام موقوف على العلم بالملزوم ~~واللازم فلا يعلم أنه دليل على المدلول المعين حتى يعلم ثبوت المدلول ~~المعين ويعلم أنه ملزوم له وإذا علم ذلك: استغنى عن الاستدلال به على ~~ثبوته؛ وإنما يفيده ms0312 التذكير به لا ابتداء العلم به وإنما يقع الاشتباه هنا؛ ~~لأنه كثيرا ما يعرف الإنسان ثبوت شيء ثم يطلب الطريق إلى معرفة صفاته ~~ومشاهدة ذاته؛ إما بالحس؛ وإما بالقلب فيسلك طريقا يعلم أنها موصلة إلى ذلك ~~المطلوب؛ لأنه قد علم أن تلك الطريق مستلزم لذلك المطلوب الذي علم ثبوته ~~قبل ذلك. كمن طلب أن يحج إلى الكعبة التي قد علم وجودها فيسلك الطريق التي ~~يعلم أنها تفضي إلى الكعبة؛ لإخبار الناس له بذلك أو يستدل بمن يعلم أنه ~~عارف بتلك الطريق فسلوكه للطريق بنفسه بعد علمه أنها طريق - المقصود - ~~بإخبار الواصلين أو سلوكه بدليل خريت - يهديه في كل منزلة - لا يكون إلا ~~بعد العلم بثبوت المطلوب وثبوت أن هذا طريق ودليل. وهكذا حال الطالبين ~~لمعرفة الله والمريدين له والسائرين إليه قد عرفوا وجوده أولا # PageV02P070 # وهم يطلبون معرفة صفاته أو مشاهدة قلوبهم له في الدنيا. فيسلكون الطريق ~~الموصلة إلى ذلك بالإيمان والقرآن. فالإيمان: نظير سلوك الرجل الطريق التي ~~وصفها له السالكون فإنهم متفقون على ذلك. والقرآن: تصديق الرسل فيما تخبر ~~به وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة ولا بد في طريق الله منهما. وأما ~~الشيء الذي لم يعلم العقل ثبوته أولا إذا سلك طريقا يفضي إلى العلم به - ~~فلا يسلكها ابتداء إلا بطريق التقليد والمصادرة - كسائر مبادئ العلوم - ~~فإذا كان لا بد في الطريقة القياسية والعملية من تقليد في الأول - في سلوكه ~~فيما لم يعلم أنه طريق وأنه مفض إلى المطلوب - أو أن المطلوب موجود. ~~فالطريقة الإيمانية - إذا فرض أنها كذلك - لم يقدح ذلك فيها بل تكون هي ~~أحق؛ لوجوه كثيرة. ونذكر بعضها إن شاء الله. بل لا طريق إلا هي أو ما يفضي ~~إليها أو يقترن بها فهي شرط قطعا في درك المطلوب وما سواها ليس بشرط؛ بل ~~يحصل المطلوب دونه وقد يضر بحصول المطلوب فلا يحصل أو يحصل نقيضه وهو ~~الشقاء الأعظم على التقديرين فتلك الطريق مفضية قطعا ولا فساد فيها وما ~~سواها يعتريه الفساد كثيرا وهو لا يوصل ms0313 وحده بل لا بد من الطريقة ~~الإيمانية. # PageV02P071 # الوجه الثاني في الجواب: أن الطريقة القياسية والرياضية إذا سلكها الرجل ~~وأفضت به إلى المعرفة - إن أفضت - علم حينئذ أنه سلك طريقا صحيحا وأن ~~مطلوبه قد حصل وأما قبل ذلك فهو لا يعرف فأدنى أحوال الإيمانية - ولا دناءة ~~فيها - أن تكون كذلك. فإنه إذا أخذ الإيمان بالله ورسله مسلما ونظر في ~~موجبه وعمل بمقتضاه: حصل له بأدنى سعي مطلوبه من معرفة الله وأن الطريق ~~التي سلكها صحيحة فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته يقرر ~~عنده علما يقينيا بصحة ذلك أبلغ بكثير مما ذكر أولا. الوجه الثالث: أن ~~الإقرار بالله قسمان؛ فطري وإيماني. فالفطري: - وهو الاعتراف بوجود الصانع ~~- ثابت في الفطرة. كما قرره الله في كتابه في مواضع وقد بسطت القول فيه في ~~غير هذا الموضع. فلا يحتاج هذا إلى دليل؛ بل هو أرسخ المعارف وأثبت العلوم ~~وأصل الأصول. وأما الإقرار بالرسول: فبأدنى نظر فيما جاء به أو في حاله أو ~~في آياته أو نحو ذلك من شئونه يحصل العلم بالنبوة: أقوى بكثير مما يحصل ~~المطالب القياسية والوجدية في الأمور الإلهية؛ ثم إذا قوى النظر في أحواله: ~~حصل من اليقين الضروري الذي لا يمكن دفعه ما يكون أصلا راسخا. وبسط هذا ~~مذكور في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا بيان خطأ من مسلك طريق القياس أو ~~الرياضة دون الإيمان ابتداء. وأما تقرير طريقة الإيمان فشأنه عظيم وأعظم ~~مما كتبته هنا. الوجه الرابع: أنا نخاطب المسلمين المتسمين بالإيمان الذين ~~غرض أحدهم # PageV02P072 # معرفة الله الخاصة؛ التي يمتاز بها العلماء والعارفون: عن العامة؛ فيسلك ~~بعضهم طريقة أهل القياس المبتدع والفلاسفة والمتكلمين وبعضهم: طريقة أهل ~~الرياضة والإرادة المبتدعة من المتفلسفة والمتصوفة معرضا عما جاء به الرسول ~~في تفاصيل هذه الأمور؛ فإن هؤلاء إذا كانوا عالمين بصدق الرسول - المبلغ عن ~~ربه الهادي إليه الداعي إليه الذي أكمل له الدين وأنزل عليه الكتاب تبيانا ~~لكل شيء - كيف يدعون الاستدلال بما جاء به والاقتداء به إلى ما ms0314 ذكر من ~~الطريقين؟ الوجه الخامس: أن أكثر من سلك الطريقين المنحرفين: لم يعتقد أن ~~هناك طريقا ثالثا - كما يذكره رجال من فضلاء العالم الغالطين في القواعد ~~الكبار - فهم ينتقلون من مادة فلسفية صابئية: إلى مادة إرادية نصرانية إلى ~~مادة كلامية يهودية. وأهل فلسفتهم يوما مع ذوي إرادتهم ويوما مع ذوي كلامهم ~~وهم متهوكون في هذه المجاراة. والطريقة الإيمانية النبوية المحمدية الدينية ~~السنية الأثرية: لا يهتدون إليها ولا يعرفونها ولا يظنون أنها طريقة إلى ~~مطلوبهم ولا تفضي إلى مقصودهم؛ وذلك لعدم وجود من يسلكها في اعتقادهم أو ~~كبتوا نفوسهم عنها ظلما؛ فلضلالهم عنها أو غوايتهم وجهلهم بها أو ظلمهم ~~أنفسهم: أعرضوا عنها. فإن قلت: فالقرآن يأمر بالنظر في الآيات. # PageV02P073 # قلت: النظر لا ريب في صحته في الجملة وأنه إذا كان في دليل أفضى إلى ~~العلم بالمدلول وإذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به. الذي هو رأس ~~العبادة كما أن العبادة والإرادة لا ريب في صحتها في الجملة وأنها إذا كانت ~~على منهاج الأنبياء أفضت إلى رضوان الله؛ لكن عليك أن تفرق بين الآيات. ~~وبين القياس كما قد بيناه في غير هذا الموضع. فإن الآية: هي العلامة. وهي ~~ما تستلزم بنفسها لما هي آية عليه من غير توسط حد أوسط ينتظم به قياس مشتمل ~~على مقدمة كلية؛ كالشعاع فإنه آية الشمس وكذلك النبات للمطر في الأرض القفر ~~والدخان للنار وإن لم ينعقد في النفس قياس؛ بل العقل يعلم تلازمهما بنفسه ~~فيعلم من ثبوت الآية ثبوت لازمها والعلم بالتلازم قد يكون فطريا وقد لا ~~يكون. الوجه السادس: أن تينك الطريقين ليستا باطلا محضا؛ بل يفضي كل منهما ~~إلى حق ما؛ لكن ليس هو الحق الواجب وكثيرا ما يقترن معه الباطل فلا يحصل ~~بكل منهما بمجرده أداء الواجب ولا اجتناب المحرم ولا تحصلان المقصود الذي ~~فيه سعادة العبد من نجاته ونعيمه بعد مبعث الرسول. أما الطريقة النظرية ~~القياسية: فإنه لا بد فيها من الاستدلال بالممكن على الواجب أو المحدث على ~~المحدث أو ms0315 بالحركة على المحرك وذلك يعطي فاعلا عظيما من حيث الجملة. وكذلك ~~الطريقة الرياضية الذوقية تعطي انقياد القلب وخضوعه إلى الصانع # PageV02P074 # المطلق وكل منهما لا بد فيها من علم اضطراري يضطر القلب إليه إذ القلب لا ~~يحصل له علم إلا من جنس الاضطراري ابتداء بتوسط الضروري؛ فإن النظر يبنى ~~على مقدمات تنتهي إلى ما هو من جنس الضروري. إما بتوسط الحس أو مجردا عن ~~الحس. فالطريق القياسية تفيد العلم بتوسط مقدمات ضرورية مثل أن يقال: ~~الوجود المعلوم إما ممكن وإما واجب والممكن لا يوجد إلا بواجب. فثبت وجود ~~الواجب على التقديرين. ومثل أن يقال: العالم محدث أو كثير منه محدث. ~~والثاني ضروري والأول يستدل عليه. ثم يقال: وكل محدث فله محدث. # أو يقال: لا شك أن ثم وجودا وهو إما قديم وإما محدث والمحدث لا بد له من ~~قديم فثبت وجود القديم على التقديرين. كما يقال: لا ريب أن ثم وجودا وهو ~~إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب فثبت وجود الواجب على ~~التقديرين. وقد يقال: أيضا لا ريب أن ثم وجودا وهو إما مصنوع أو غير مصنوع ~~أو مخلوق أو غير مخلوق أو مفطور أو غير مفطور والمصنوع أو المخلوق أو ~~المفطور: لا بد له من صانع وخالق وفاطر. فثبت وجود ما ليس بمصنوع ولا مفطور ~~ولا مخلوق على التقديرين. # PageV02P075 # فهذه الوجوه وما يشبهها تدل على وجود واجب قديم ليس بمصنوع؛ لكن الشأن في ~~تعيينه؛ فإن عامة الدهرية يقولون: هذا هو العالم أو شيء قائم به. ثم إن ~~افتقار الممكن إلى الواجب والمحدث إلى القديم والمصنوع إلى الصانع مقدمة ~~ضرورية؛ وإن كان طائفة من النظار يستدلون على هذه المقدمة وعلى أن الممكن ~~لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والجمهور على الاكتفاء بالضرورة ~~فيهما. والطريق العبادية تفيد العلم بتوسط الرياضة وصفاء النفس فإنه حينئذ ~~يحصل للقلب علم ضروري؛ كما قال الشيخ إسماعيل الكوراني لعز الدين بن عبد ~~السلام لما جاء إليه يطلب علم المعرفة - وقد سلك ms0316 الطريقة الكلامية - فقال: ~~أنتم تقولون إن الله يعرف بالدليل ونحن نقول: عرفنا نفسه فعرفناه. وكما قال ~~نجم الدين الكبرى لابن الخطيب ورفيقه المعتزلي وقد سألاه عن علم اليقين؟ ~~فقال: هو واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فأجابهما: بأن علم ~~اليقين عندنا هو موجود بالضرورة لا بالنظر وهو جواب حسن. فإن العلم ~~الضروري: هو الذي يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه. فالقائس إن ~~لم يحصل له العلم الضروري ابتداء وإلا فلا بد أن يبني نظره وقياسه على ~~مقدمات ضرورية. ثم حينئذ يحصل له العلم. ولهذا: قال طائفة منهم أبو المعالي ~~الجويني: إن جميع العلوم ضرورية # PageV02P076 # باعتباراتها بعد وجود النظر الصحيح في الدليل تحصل العلم ضرورة؛ لكن منها ~~ما هو ضروري عند تصور طرفي القضية ومنها ما هو ضروري بعد تأمل ونظر ومنها ~~ما هو ضروري بعد النظر في دليل ذي مقدمتين أو مقدمات. فقال الشيخ العارف: ~~نحن نجد العلم وجدا ضروريا بالطريق التي نسلكها من تزكية النفس وإصلاح ~~القلب الذي هو حامل العلم وداعيه فكل منهما يفيض الله العلم على قلبه ~~وينزله على فؤاده؛ ولكن أحدهما بتحصيل العلم المقارن للعلم المطلوب الذي هو ~~المقدمات والآخر بإصلاح طالب العلم الذي يريد أن يكون عالما - وهو القلب - ~~بمنزلة من يخطب امرأة فتارة تجمل لها وتعرض حتى رأته فرغبت فيه وخطبته ~~وتارة بأن أرسل إليها من تأنس إليه وتطيعه فخطبها له فأجابت فكان سعي الأول ~~وعمله في إصلاح نفسه وتعرضه لها حتى ترغب وكان سعي الثاني في تحصيل الرسول ~~المطاع حتى تجيب. وبمنزلة من يصيد صيدا. لكن مجرد النظر والعمل مجتمعين ~~ومنفردين: لا يحصلان إلا أمرا مجملا كما هو الواقع وذلك صحيح. فإن ثبوت ~~الأمر المجمل حق؛ فإن ضما إلى ذلك ما يعلم بنور الرسالة من الأمر المفصل ~~حصل الإيمان النافع وزال ما يخاف من سوء عاقبة ذينك الطريقين. وهذه حال من ~~تحيز من أهل النظر الكلامي والعمل العبادي إلى اتباع الرسول والإيمان به؛ ~~فقبل منه وأخذ عنه # PageV02P077 # وإن لم ms0317 يضم أحدهما إلى ذلك ما جاء به الرسول فإما أن يضم ضده أو لا يضم ~~شيئا؛ فإن ضم إلى ذلك ضد ما جاء به الرسول: وقع في التكذيب وهو الكفر ~~المركب وإن لم يضم إليه شيء بقي في الكفر البسيط سواء كان في ريب أو في ~~إعراض وغفلة. # فإن حال الكافر: لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا؛ فإن لم يتصورها فهو ~~في غفلة عنها وعدم إيمان بها. كما قال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا} وقال: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم ~~تبلغه الرسالة والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. فلهذا قرن ~~التكذيب بالغفلة وإن تصور ما جاء به الرسول وانصرف فهو معرض عنه كما قال ~~تعالى. {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} وكما قال: {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ~~وكما قال: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا} . وإن كان مع ذلك لا حظ له؛ لا مصدق ولا مكذب ولا محب ولا مبغض فهو ~~في ريب منه كما أخبر بذلك عن حال كثير من الكفار منافق وغيره كما قال: ~~{إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون} وكما قال موسى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح # PageV02P078 # وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب} {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} {قالت لهم رسلهم ~~إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن ms0318 الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن ~~نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . فأخبر سبحانه: ~~عن مناظرة الكفار للرسل في الربوبية أولا فإنهم في شك من الله الذي يدعونهم ~~إليه وفي النبوة ثانيا بقولهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} وهذا بحث كفار ~~الفلاسفة بعينه؛ وإن كان مكذبا له فهو التكذيب والتكذيب أخص من الكفر. فكل ~~مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر. وليس كل كافر مكذبا بل قد يكون مرتابا إن ~~كان ناظرا فيه أو معرضا عنه بعد أن لم يكن ناظرا فيه وقد يكون غافلا عنه لم ~~يتصوره بحال لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه. وكل واحد من ~~الأمرين في أن يضم إلى المعرفة المجملة إما تكذيب وإما كفر بلا تكذيب؛ واقع ~~كثيرا في سالكي الطريقين النظر في القياس المجرد والعمل بالعبادة المجردة. ~~مثال ذلك أن كثيرا من النظار أثبت واجب الوجود أو صانع العالم وذهبوا في ~~تعيينه وصفاته مذاهب يضيق هذا الموضع عن تفصيلها - معروفة # PageV02P079 # في كتب المقالات من أهل ملتنا وغير أهل ملتنا - مقالات الإسلاميين ~~المصلين ومقالات غيرهم. وكثير من العباد المتأخرين أثبت أيضا ذلك إثباتا ~~مجملا وتوهموا فيه أنواعا من التوهمات الكفرية الذي يصفها عارفوهم. فمنهم ~~من توهمه الوجود المطلق المشترك بين الموجودات كالإنسان المطلق مع أعيانه ~~وأفراده فإذا تعين الوجود لم يكن إياه إذ المطلق ليس هو المعين كما يقوله ~~الصدر القونوي. ومنهم من توهم أن وجود الممكنات هو عين وجوده الفائض عليها ~~كما يذكره صاحب الفصوص. ومنهم يتوهمه جملة الوجود وكل معين فهو جزء منه ~~كالبحر مع أمواجه وأعضاء الإنسان مع الإنسان. فليس هو ما يختص بكل معين؛ ~~لكنه مجموع الكائنات؛ كالعفيف التلمساني وعبد الله الفارسي البلياني ~~ويقولون: إن كل موجود فهو مرتبة من مراتب الوجود أو مظهر من مظاهره بمنزلة ~~أمواج البحر معه وأعضاء الإنسان معه وأجزاء الهوى مع الهواء أو بمنزلة هذا ~~الإنسان وهذا الحيوان مع الحيوان المطلق والإنسان المطلق. # ويقول شاعرهم ابن ms0319 إسرائيل: # وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقال: # وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم # PageV02P080 # ولهذا: ليس عندهم للإنسان غاية وراء نفسه وإنما غايته أن ينكشف الغطاء عن ~~نفسه فيرى أن نفسه هي الحق وكان قبل ذلك محجوبا عنها فلما شاهد الحقيقة رأى ~~أنه هو كما قال ابن إسرائيل: # ما بال عيسك لا يقر قرارها ... إلام ضللك لا تني منتقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا # وكما يقول بعضهم: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه [الأشياء] (*) # والله يقول: {إن إلى ربك الرجعى} ويقول: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا} ويقول: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} ويقول: {إنا لله وإنا ~~إليه راجعون} ونحو ذلك. # وقال التلمساني وكان راسخ القدم في هذه الزندقة التي أسموا بها التوحيد ~~والحقيقة: # توهمت قدما أن ليلى تبرقعت ... وأن حجابا دونها يمنع اللثما # فلاحت فلا والله ما كان حجبها ... سوى أن طرفي كان عن حبها أعمى # وله شعر كثير في هذا الفن: # هي الجوهر الصرف القديم وإن بدا ... لها خبث أتت به فهو حادث PageV02P081 # حلفت لهم ما كان منها غير ذاتها ... فقالوا اتئد فيها فإنك حانث # وله: # وقل لحبيبك مت وجدا وذب طربا ... فيها وقل لزوال العقل لا تزل # واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل # ولهذا: يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات. وتحريم المحرمات ~~وإنما يرون الإيجاب والتحريم للمحجوبين عندهم الذين لم يشهدوا أنه هو حقيقة ~~الكون؛ فمن العابد؟ ومن المعبود؟ ومن الآمر؟ ومن المأمور؟ كما قال صاحب ~~الفتوحات في أولها: # الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف؟ # إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف؟ # وعندهم أن التكليف هو في مرتبة من مراتب الأسماء والصفات وهو مرتبة ~~الممتحن. # قال بعضهم: # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة ms0320 قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # PageV02P082 # ومنشأ هذين عن الصابئة - كما يبين ذلك عند التأمل - فإن الصابئة الخارجين ~~عن التوحيد لله وحده لا شريك له - كالمشركين والمجوس - مثل فرعون موسى ~~ونمرود إبراهيم؛ وغيرهم من البشر: معترفون بالوجود المطلق. ولهذا: كان أفضل ~~علوم الفلاسفة هو علم ما بعد الطبيعة أعني بهم الفلاسفة المشائين الذين ~~يتبعون " أرسطو " فإنه عندهم المعلم الأول الذي صنف في أنواع التعاليم من ~~أجزاء المنطق والعلم الطبيعي كالحيوان والمكان والسماء والعالم والآثار ~~العلوية وصنف فيما بعد الطبيعة - وهو عندهم غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم - ~~وهو العلم الذي يسميه متأخرو الفلاسفة - كابن سينا: (العلم الإلهي) . ~~وموضوع هذا العلم عند أصحابه: هو الوجود المطلق ولواحقه مثل الكلام في ~~الموجود والمعدوم ثم في تقسيم الموجود إلى واجب وممكن. وقديم ومحدث وعلة ~~ومعلول وجوهر وعرض ونحو ذلك. ثم الكلام في أنواع هذه الأقسام وأحكامها. ~~مثل: تقسيم العلل إلى الأنواع الأربعة وهى: الفاعل والغاية اللذان هما ~~سببان لوجود الشيء والمادة والصورة اللذان هما سببان لحقيقة المركب وتقسيم ~~الأعراض إلى الأجناس المقالية التسعة وهي: الكيف والكم والوضع والأين ومتى ~~والإضافة والملك وأن يفعل وأن ينفعل؛ أو جعلها خمسة على ما بينهم من ~~الاختلاف # PageV02P083 # وفي آخر علم ما بعد الطبيعة حرف اللام - كأنه هو العلة الغائية الذي إليه ~~الحركة؛ كما أثبت المعلم الأول وجوده بطريق الاستدلال بالحركة - الذي تكلم ~~فيه المعلم الأول على واجب الوجود لذاته؛ بكلام مختصر ذكر فيه قدرا يسيرا ~~من أحكامه وهو الذي كان يقول فيه ابن سينا (1) فهذا ما عند المعلم الأول من ~~معرفة الله. # وأما النبوات والرسل: فليس لهؤلاء فيها كلام معروف؛ لا نفيا ولا إثباتا. ~~وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية - الإبراهيمية التوحيدية - ~~تارة بنبوة عيسى - لما ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام ومصر ~~والروم وغيرها - ثم بنبوة خاتم المرسلين وأظهر الله من نور النبوة شمسا ~~طمست ضوء الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفي بعض نور النبوة؛ فعرب ~~بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في ms0321 أثناء الدولة ~~العباسية. ثم طلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم فعربت ودرسها الناس ~~وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية ~~كالحساب والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية فأما الإلهية: فكلامهم فيها ~~نزر وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقينا؛ وعند المسلمين من العلوم الإلهية ~~الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورا وهدى، PageV02P084 # بل متكلموهم الذين ينسبون إلى البدع عندهم من العلم الإلهي بمقاييسهم ~~المستخرجة أضعاف أضعاف أضعاف ما عند حذاق المتفلسفة. ثم بعد ذلك لما صار ~~فيهم من يتحذق على طريقتهم في علم ما بعد الطبيعة كالفارابي وابن سينا ~~ونحوهم وصنف ابن سينا كتبا زاد فيها بمقتضى الأصول المشتركة: أشياء لم ~~يذكرها المتقدمون وسمي ذلك العلم الإلهي وتكلم في النبوات والكرامات ~~ومقامات العارفين بكلام فيه شرف ورفعة بالنسبة إلى كلام المتقدمين. وإن كان ~~عند العلوم الإلهية النبوية: فيه من القصور والتقصير والنفاق والجهل ~~والضلال والكفر ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان وإنما راج ~~على من سلك طريق المتفلسفة؛ لأنه قرب إليهم معرفة الله والنبوات والمعجزات ~~والولاية بحسب أصول الصابئة الفلاسفة - لا بحسب الحق في نفسه - بما أشرق ~~على جهالاتهم من نور الرسالة وبرهان النبوة. كما فعله نسطور النصراني الذي ~~كان في زمن المأمون الذي تنسب إليه النسطورية في التثليث والاتحاد؛ لكنه ~~بما أضاء عليه من نور المسلمين أزال كثيرا من فساد عقيدة النصراني وبقي ~~عليه منها بقايا عظيمة. وكذلك يحيى بن عدي النصراني لما تفلسف قرب مذهب ~~النصارى في التثليث إلى أصول الفلاسفة في العقل والعاقل والمعقول. # PageV02P085 # ولهذا الفلاسفة المحضة - الباقون على محض كلام المشائين - يرون أن ابن ~~سينا صانع المليين لما رأوا من تقريبه وجهلوا فيما قالوا وكذبوا لم يصانع ~~ولكن قال - بموجب الحق وبموافقة أصولهم العقلية - ما قاله من الحق الذي أقر ~~به كما أن الفلاسفة الإلهيين المشائين وغيرهم متفقون على الإقرار بواجب ~~الوجود وببقاء الروح بعد الموت وبأن الأعمال الصالحة تنفع بعد الموت ms0322 ~~ويخالفهم في ذلك فلاسفة كثيرون من الطبيعيين وغيرهم بل وبين الإلهيين من ~~الفلاسفة خلاف في بعض ذلك حتى الفارابي وهو عندهم المعلم الثاني يقال: إنه ~~اختلف كلامه في ذلك. فقال تارة ببقاء الأنفس كلها وتارة ببقاء النفوس ~~العالمة دون الجاهلة. كما قاله في آراء المدينة الفاضلة وتارة كذب بالأمرين ~~وزعم الضال الكافر: أن النبوة خاصتها جودة تخييل الحقائق الروحانية وكلامهم ~~المضطرب في هذا الباب كثير ليس الغرض هنا ذكره. وإنما الغرض أن العلم ~~الأعلى عندهم والفلسفة الأولى علم ما بعد الطبيعة وهو الوجود المطلق ~~ولواحقه؛ حتى إن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين - كابن الخطيب وغيره ~~- يتكلمون في أصول الفقه الذي هو علم إسلامي محض؛ فيبنونه على تلك الأصول ~~الفلسفية. كقول ابن الخطيب وغيره في أول أصول الفقه موافقة لابن سينا ومن ~~قبله: العلوم الجزئية لا تقرر مبادئها فيها؛ لئلا يلزم الدور فإن مبدأ ~~العلم أصوله # PageV02P086 # وهو لا يعرف إلا بعدها. فلو عرفت أصوله بمسائله المتوقفة على أصوله: للزم ~~الدور بل توجد أصوله مسلمة ويقدر في علم أعلى منه حتى ينتهي إلى العلم إلا ~~على الناظر في الوجود ولواحقه وهذا قالوه في مثل الطب والحساب إن الطبيب ~~إنما هو طبيب ينظر في بدن الحيوان وأخلاطه وأعضائه ليحفظه صحته إن كانت ~~موجودة ويعيدها إليه إن كانت مفقودة وبدن الحيوان جزء من المولدات في الأرض ~~وكذلك أخلاطه. فأعم منه: النظر في المولدات من الأركان الأربعة؛ الماء ~~والهواء والنار والأرض. وأعم من ذلك النظر في الجسم المستحيل ثم في الجسم ~~المطلق فما من علم يتعلق بموضوع ببعض الموجودات العينية أو العلمية إلا ~~وأعم منه: ما يشترك هو وغيره فيه. فأما إدخال العلم بالله الذي هو أعلى ~~العلوم وأشرفها في هذا وجعله جزءا من أجزاء العلم الأعلى - عندهم - الناظر ~~في الوجود ولواحقه وكذلك ما يتبع ذلك من العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فهذا ### | منشأ الضلال القياسي. # ويتبين ذلك من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه هو الأعلى وهو الأكبر ولهذا: ~~كان شعار أكمل ms0323 الملل هو: الله أكبر في صلواتهم وأذانهم وأعيادهم كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: {يا عدي: ما يفرك أيفرك أن يقال لا ~~إله إلا الله # PageV02P087 # يا عدي فهل تعلم من إله إلا الله يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله ~~أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله} وبهذا: تبين صواب من قال من الفقهاء إنه ~~لا يجوز إبدال هذه الكلمة بقولنا: الله الكبير مع أن كشف هذا له موضع آخر. ~~وقال: { {سبح اسم ربك الأعلى} فقال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ~~سجودكم فالله هو الأعلى وهو الأكبر} والعلم مطابق للمعلوم فيجب أن تكون ~~معرفته وعلمه: أكبر العلوم وأعلاها. الثاني: أن الله - سبحانه - هو الحق ~~الموجود بنفسه وسائر ما سواه خلق من خلقه مربوب مقهور تحت قدرته وهو خالق ~~الأشياء مسبب أسبابها فالعلم به أصل للعلم بما سواه وسبب كما أن ذاته كذلك ~~والعلم بالسبب يفيد العلم بالمسبب. الثالث: معرفة أن الوجود المطلق هو ~~المعرفة بالقدر المشترك بينه وبين ما سواه وهو علم بالحد الأوسط في قياسه ~~على خليقته ومعلوم أن ذلك ليس فيه علم بحقيقته ولا بحقيقة ما سواه وإنما هو ~~علم بوصف مشترك بينهما فكيف يكون العلم بوصف مشترك أعلى من العلم بحقيقة كل ~~منهما وسائر ما يختص به عن غيره من الأنواع والأعيان؟ . وكذلك معرفة الذات ~~المطلقة وما هو كل من الأمور المشتركة: هو من هذا الباب. # PageV02P088 # الرابع: أن الوجود المطلق والذات المطلقة ونحو ذلك: إما: أن يراد به ~~الإطلاق الخاص وهو الذي لا يدخل فيه المقيد. كما يقال: الماء المطلق فهذا ~~لا وجود له في الخارج عن العقل والذهن كما أن الوجود الكلي العام والذات ~~الكلية العامة؛ لا وجود لها في الخارج؛ وإنما يعرض للحقائق هذا العموم وهذا ~~الإطلاق من حيث هي معقولة في الأذهان لا من حيث هي ثابتة في الأعيان. فكيف ~~يكون أعلى العلوم وأشرفها معلومه هو المثل الذهنية لا الحقائق الوجودية ~~والمثل إنما هي تابعة لتلك وإلا ms0324 لكانت جهلا لا علما؛ وإما أن يراد به ~~الإطلاق العام وهو ما لا يمنع شيئا من الدخول فيه وهو المطلق من كل قيد حتى ~~عن الإطلاق. فالمطلق بهذا الاعتبار له وجود في الخارج على القول الصحيح. ~~لكن لا يوجد مطلقا لا يوجد إلا معينا فإما موجود مطلق بشرط الإطلاق فلا ~~وجود له وهو المطلق الخاص فالمطلق العام لما كان يدخل فيه المقيد صح أن ~~يوجد في الخارج فإذا كان الوجود المطلق ولواحقه ليس بموجود في الخارج مطلقا ~~ولا يوجد في الخارج إلا معين امتنع أن يكون أعلى العلوم. إنما وجود معلومه ~~في الأذهان لا في الأعيان. ولو جاز ترجيح العلم بالمثل الذهنية على الحقائق ~~الخارجية: لجاز ترجيح المثل على الحقائق ولكان العلم بالرب والملائكة ~~والنبيين: أفضل من ذات الرب والملائكة والنبيين وهذا لا يقوله عاقل. # PageV02P089 # الخامس: أن القوم إنما أتوا من جهة أنهم بنوا أمرهم في علومهم جميعا على ~~القياس ولا بد في القياس من قضية كلية وحد أوسط يكون أعم من الموصوف ~~المحكوم عليه المبتدأ الموضوع. وما من حد وقضية إلا وثم ما هو أعم منه: مثل ~~أن يقول الإنسان فأعم منه الحيوان فأعم منه الجسم النامي فأعم منه الجسم ~~السفلي فأعم منه الجسم فأعم منه الجوهر فأعم منه الموجود سواء كان جنسا ~~ذاتيا كما يقوله بعضهم أو وصفا عرضيا كما يقوله الحذاق. فلو قيل أعلى ~~العلوم القياسية: العلوم بالموجود ولواحقه؛ لكون معلومه أعم الموضوعات: ~~لكان له مساغ ولعل هذا مرادهم. لكن العلم القياسي لا يفيد بنفسه معرفة ~~حقيقة شيء من الأشياء الموجودة إلا إذا كان له نظير مماثل فيعرف أحد ~~المثلين بنفسه والآخر بقياسه على نظيره وهذا القدر منتف في العلم بالله، لا ~~يوجد مثله ونظيره، ثم قد عارضهم المتكلمون بما هو أعلى من الوجود وهو ~~المعلوم والمذكور فقالوا: أعلى المعلوم وأعم الأسماء والحدود: المعلوم ~~والمذكور؛ لأنه يدخل فيه الموجود والمعدوم بنوعي الوجود: واجبه وممكنه ~~ونوعي المعدوم ممكنه وممتنعه؛ فكان يجب أن يقال العلم الأعلى الناظر في ~~المعلوم ms0325 ولواحقه وهذا أعم وأوسع وكون الشيء معلوما أمر يعرض له؛ لا صفة ~~ذاتية؛ وكذلك كونه موجودا إذ هو في الحقيقة: كونه بحيث يجده الواجد هذا ~~مقتضى الاسم: # PageV02P090 # وإن عنى به بعضهم كونه حقا في نفسه فهذا ليس هو حقيقته التي هي هو كما قد ~~قرر هذا في غير هذا الموضع. وأن من قال من المتفلسفة أو المتكلمة أن حقيقة ~~الرب هي وجوده أو وجوب وجوده أو أنهم علموا حقيقته فقد أخطأ في ذلك خطأ ~~قبيحا وأن هذا بمنزلة من قال حقيقة سائر الكائنات كونها ممكنة وهؤلاء بعداء ~~عن الله محجوبون عن معرفته لم يعرفوا منه إلا صفة كلية من صفاته فظنوا أنهم ~~عرفوا حقيقته. وبهذا يتبين لك أن من قال العلم الأعلى هو علم ما بعد ~~الطبيعة وهو الناظر في الوجود ولواحقه؛ فإنما حقيقة ذلك أنه أعلى في ذهن ~~الطالب لمعرفة الله بالقياس على خلقه؛ لا أنه أعلى في نفسه؛ ولا أن معلومه ~~أعلى ولا أعلى عند من عرف حقائق الموجودات ولا أعلى عند من عرف الله ~~بالفطرة؛ فضلا عمن عرفه بالشرعة؛ فضلا عمن عرفه بالولاية؛ فضلا عمن عرفه ~~بالوحي والنبوة؛ فضلا عمن عرفه بالرسالة فضلا عمن عرفه بالكلام؛ فضلا عمن ~~عرفه بالرؤية. فلما كان منتهى الفلاسفة الصابئية وأعلى علمهم: هو الوجود ~~المطلق وكان أصل التجهم وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة وكان ~~هؤلاء الاتحادية في الأصل جهمية وأنه بما فيهم من النصرانية - المشاركة ~~للصابئة صار بينهم وبين الصابئة نسب - صار معبودهم وإلههم هو # PageV02P091 # الوجود المطلق وزعموا أن ذلك هو الله مضاهاة لما عليه خلق من قدماء ~~الفلاسفة من تعطيل الصانع وإثبات الوجود المطلق حتى يصح قول فرعون: {وما رب ~~العالمين} . وإن كان الفلاسفة المسلمون لا يوافقون على ذلك بل يقرون بالرب ~~الذي صدر عنه العالم؛ لكنهم بتعظيمهم للوجود المطلق صاروا متفقين متقاربين ~~ومن تأمل كلام النصير الطوسي الصابئي الفيلسوف وكلام الصدر القونوي ~~النصراني الاتحادي الفيلسوف وكلام الإسماعيلية في البلاغ الأكبر والناموس ~~الأعظم - الذي يقول فيه: أقرب الناس ms0326 إلينا الفلاسفة ليس بيننا وبينهم خلاف ~~إلا في واجب الوجود فإنهم يقرون به ونحن ننكره - عرف ما بين هؤلاء من ~~المناسبة. وكذلك المراسلة التي بين الصدر والنصير في إثبات النصير لواجب ~~الوجود على طريقة الصابئة الفلاسفة وجعل الصدر ذلك هو الوجود المطلق لا ~~المعين وأنه هو الله علم حقيقة ما قلته وعلم وجه اتفاقهم على الضلال والكفر ~~وأن النصير أقرب من حيث اعترافه بالرب الصانع المتميز عن الخلق لكنه أكفر ~~من جهة بعده عن النبوة والشرائع والعبادات. وأن الصدر أقرب من جهة تعظيمه ~~للعبادات والنبوات والتأله على طريقة النصارى؛ لكنه أكفر من حيث أن معبوده ~~لا حقيقة له وإنما يعبد الوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الخارج # PageV02P092 # ولهذا كان الصدر أكفر قولا وأقل كفرا في عمله والنصير أكفر عملا وأقل ~~كفرا في قوله وكلاهما كافر في قوله وعمله؛ ولهذا: يظهر للعقلاء من عموم ~~المسلمين من كلام الصدر أنه إفك وزور وغرور مخالف لما جاء به الرسول؛ كما ~~يظهر لهم من أفعال النصير أنه مروق وإعراض عما جاء به الرسول؛ ولهذا: كان ~~النصير أقرب إلى العلماء لأن في كلامه ما هو حق كما أن الصدر أقرب إلى ~~العباد؛ لأن في فعاله ما هو عبادة. # PageV02P093 # وقال: # فصل: # وقد تفرق الناس في هذا المقام - الذي هو غاية مطالب العباد - فطائفة من ~~الفلاسفة ونحوهم: يظنون أن كمال النفس في مجرد العلم ويجعلون العلم - الذي ~~به تكمل ما يعرفونه هم من - علم ما بعد الطبيعة ويجعلون العبادات رياضة ~~لأخلاق النفس حتى تستعد للعلم. فتصير النفس عالما معتزلا موازيا للعالم ~~الموجود. وهؤلاء ضالون؛ بل كافرون من وجوه: - منها: أنهم اعتقدوا الكمال من ~~مجرد العلم كما اعتقد جهم والصالحي والأشعري - في المشهور من قوليه - وأكثر ~~أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم؛ لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية؛ فإن ~~الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله وأولئك يجعلون كمال النفس: في أن ~~تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود والمطلق بشرط الإطلاق؛ إنما يكون في ~~الأذهان لا في الأعيان ms0327 والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا في الخارج إلا معينا. ~~وإن علموا الوجود الكلي المنقسم إلى واجب وممكن فليس لمعلوم علمهم # PageV02P094 # وجود في الخارج وهكذا من تصوف وتأله على طريقتهم كابن عربي وابن سبعين ~~ونحوهما. وأيضا: فإن الجهمية يقرون بالرسل وبما جاءوا به فهم في الجملة ~~يقرون بأن الله خلق السموات والأرض وغير ذلك مما جاءت به الرسل؛ بخلاف ~~المتفلسفة. وبالجملة: فكمال النفس ليس في مجرد العلم بل لا بد مع العلم ~~بالله من محبته وعبادته والإنابة إليه فهذا عمل النفس وإرادتها ودال علمها ~~ومعرفتها. الوجه الثاني: أنهم ظنوا أن العلم الذي تكمل به النفس هو علمهم ~~وكثير منه جهل لا علم. الثالث: أنهم لم يعرفوا العلم الإلهي الذي جاءت به ~~الرسل وهو العلم الأعلى؛ الذي تكمل به النفس مع العمل بموجبه. الرابع: أنهم ~~يرون أنه إذا حصل لهم ذاك العلم: سقطت عنهم واجبات الشرع وأبيحت لهم ~~محرماته وهذه طريقة الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم؛ مثل أبي يعقوب ~~السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وأتباعه وطريقة من وافقهم من ملاحدة ~~الصوفية الذين يتأولون قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أنك تعمل حتى ~~يحصل لك العلم فإذا حصل العلم سقط عنك العمل وقد قيل للجنيد إن قوما ~~يقولون: إنهم يصلون من طريق البر إلى أن تسقط عنهم الفرائض وتباح لهم ~~المحارم - أو نحو هذا الكلام - فقال: الزنا والسرقة وشرب الخمر: خير من ~~هذا. # PageV02P095 # ومن هؤلاء من يكون طلبه للمكاشفة ونحوها من العلم: أعظم من طلبه لما فرض ~~الله عليه ويقول في دعائه: اللهم أسألك العصمة في الحركات والسكنات ~~والخطوات والإرادات والكلمات؛ من الشكوك؛ والظنون؛ والإرادة؛ والأوهام ~~الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب وأصل المسألة: أن المكنة التي هي الكمال ~~عندهم من المكنة وطائفة أخرى: عندهم أن الكمال في القدرة والسلطان والتصرف ~~في الوجود: نفاذ الأمر والنهي؛ إما بالملك والولاية الظاهرة وإما بالباطن. ~~وتكون عبادتهم ومجاهدتهم - لذلك وكثير من هؤلاء يدخل في الشرك والسحر فيعبد ~~الكواكب والأصنام؛ لتعينه الشياطين على مقاصده وهؤلاء أضل وأجهل من الذين ms0328 ~~قبلهم وغاية من يعبد الله: يطلب خوارق العادات يكون له نصيب من هذا؛ ولهذا ~~كان منهم من يرى طائرا ومنهم يرى ماشيا ومنهم (1) . # وفيهم جهال ضلال. وطائفة تجعل الكمال في مجموع الأمرين فيدخلون في أقوال ~~وأعمال من الشرك والسحر ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه من الإخبار ~~بالأمور الغائبة وعلى ما ينفذ به تصرفهم في العالم. والحق المبين: أن كمال ~~الإنسان أن يعبد الله علما وعملا كما أمره ربه PageV02P096 # وهؤلاء هم عباد الله وهم المؤمنون والمسلمون وهم أولياء الله المتقون ~~وحزب الله المفلحون وجند الله الغالبون وهم أهل العلم النافع والعمل الصالح ~~وهم الذين زكوا نفوسهم وكملوها كملوا القوة النظرية العلمية والقوة ~~الإرادية العملية كما قال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار} وقال تعالى: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} ~~{وما ينطق عن الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال ~~تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} وقال تعالى: ~~{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} وقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} . # PageV02P097 # وقال أيضا: # فصل: # حقيقة مذهب الاتحادية - كصاحب الفصوص ونحوه - الذي يئول إليه كلامهم ~~ويصرحون به في مواضع - أن الحقائق تتبع العقائد؛ وهذا أحد أقوال ~~السوفسطائية؛ فكل من قال شيئا أو اعتقده؛ فهو حق في نفس هذا القائل ~~المعتقد؛ ولذا يجعلون الكذب حقا ويقولون العارف لا يكذب أحدا فإن الكذب هو ~~أيضا أمر موجود وهو حق في نفس الكاذب؛ فإن اعتقده كان حقا في اعتقاده ~~وكلامه. ولو قال ما لم يعتقده كان حقا في كلامه فقط. ولهذا يأمر المحقق أن ~~تعتقد كل ما يعتقده الخلائق كما قال: # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # ومعلوم أن الاعتقادات المتناقضة لا تكون معتقداتها في الخارج؛ لكن في نفس ~~المعتقد؛ ولهذا ms0329 يأمرون بالتصديق بين النقيضين والضدين ويجعلون هذا من أصول ~~طريقهم وتحقيقهم ومعلوم أن النقيضين: لا يجتمعان في الخارج؛ لكن يمكن ~~اعتقاد اجتماعهما فيكون ذلك حقا في نفس المعتقد وهم يدعون أن ذلك يحصل كشفا ~~فكشفهم متناقض فخاطبت بذلك بعضهم فقال: كلاهما # PageV02P098 # حق كالذي كشف له أن الزهرة فوق عطارد والذي كشف له أنها تحت عطارد فقال ~~هي من كشف هذا فوق عطارد وفي كشف هذا تحت عطارد وأمثال ذلك؛ فجعلوا الحقائق ~~الثابتة تتبع الكشف والاعتقاد والقول. [ولهذا يقولون سر حيث شئت فإن الله ~~ثم وقل ما شئت فيه فإن الواسع الله] (*) . ومضمون هذا الأصل أن كل إنسان: ~~يقول ما شاء ويعتقد ما شاء من غير تمييز بين حق وباطل وصادق وكاذب وأنه لا ~~ينكر في الوجود شيء وهكذا يقولون. هذا من جهة الخبر والعلم وأما من جهة ~~الأمر والعمل فإن محققهم يقول: ما عندنا حرام؛ ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا ~~حرام فقلنا حرام عليكم فما عندهم أمر ولا نهي كما قال القاضي الذي هو تلميذ ~~صاحب الفصوص فيما أنشدنيه الشاهد ابن عمد الملقب بعرعيه (1) : # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # وحينئذ فما يبقى للأقوال والأفعال إلا مجرد القدرة؛ ولهذا هم يمشون مع ~~الكون دائما فأي شيء وجد وكان: كان عندهم حقا؛ فالحلال ما وجدته وحل بيدك ~~والحرام ما حرمته والحق ما قلته كائنا ما كان والباطل ما لم يقله أحد. ~~وهؤلاء شر من المباحية الملاحدة الذين يجرون مع محض القدر. فإن أولئك ~~يعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب وهؤلاء PageV02P099 # عطلوا أيضا الصانع والرسالة والحقائق كلها وجعلوا الحقائق بحسب ما يكشف ~~للإنسان ولم يجعلوا للحقائق في أنفسها حقائق تتحقق به يكون ثابتا وبنقيضه ~~منتفيا؛ بل هذا عندهم يفيده الإطلاق: ألا تقف مع معتقد بل تعتقد جميع ما ~~اعتقده الناس فإن كانت أقوالا متناقضة فإن الوجود يسع هذا كله ووحدة الوجود ~~تسع هذا كله. ومعلوم أن الوجود إنما يسع وجود هذه الاعتقادات ms0330 لا يسع تحقق ~~المعتقدات في أنفسها وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء فإن الاعتقاد ~~الباطل. والقول الكاذب: هو موجود داخل في الوجود لكن هذا لا يقتضي أن يكون ~~حقا وصدقا فإن الحق والصدق إذا أطلق على الأقوال الخبرية لا يراد به مجرد ~~وجودها؛ فإن هذا أمر معلوم بالحس وعلى هذا التقدير فكلها حق وصدق. ومن ~~المعلوم أن السائل عن حقها وصدقها: هي عنده منقسمة إلى حق وباطل وصدق وكذب ~~والمراد بكونها حقا وصدقا: كونها مطابقة للخبر أو غير مطابقة ثم قد تكون ~~مطابقة في اعتقاد القائل دون الخارج؛ وهذا هو الخطأ. وقد يسمى كذبا وقد لا ~~يطلق عليه ذلك. فالأول: كقول النبي صلى الله عليه وسلم {كذب أبو السنابل} ~~وقوله: {كذب من قالها إن له لأجرين اثنين إنه لجاهد} مجاهد وقول عبادة: كذب ~~أبوكم، وقول ابن عباس: كذب نوف. # PageV02P100 # والثاني: كقوله صلى الله عليه وسلم {لم أنس ولم تقصر فقال له ذو اليدين ~~بلى قد نسيت} . وكأن الفرق والله أعلم: - أن من أخبر مع تفريطه في الطريق ~~الذي يعلم به صوابه وخطأه فأخطأ سمي كاذبا - بخلاف من لم يفرط - لأنه (1) ~~تكلم بلا حجة ولا دليل مجازفة فأخطأ بخلاف من أخبر غير مفرط. {وهذا الفرق ~~يصلح أن يفرق به فيمن حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه إن ~~حلف مجازفا بلا أصل يرجع إليه مثل من حلف أن هذا غراب أو ليس بغراب بلا ~~مستند أصلا فبان خطأ؛ [فإن هذا يحنث وذلك يحنث مثل هذا وإن لم يعلم خطأه ~~وإن أصاب وهي مسألة حلفه أنه في الجنة] وهذا كما تقول: المفتي إذا أفتى ~~بغير علم أنه أثم وإن أصاب وكذلك المصلي إلى القبلة بغير اجتهاد وكذلك ~~المفسر للقرآن برأيه} (*) . ولهذا تجد هؤلاء في أخبارهم من أكثر الناس كذبا ~~بل الكذب كالصدق عندهم فيستعملونه بحسب الحاجة ولا يبالون إذا أخبروا عن ~~الشيء الواحد بخبرين متناقضين وتجدهم في أعمالهم بحسب أهوائهم فيعملون ~~العملين المتناقضين أيضا إذا وافق هذا هو ms0331 أهم في وقت وهذا هو أهم في وقت. ~~وهم دائما مع المطاع سواء كان مؤمنا أو كافرا أو برا أو فاجرا أو صديقا أو ~~زنديقا والتتار قبل إسلامهم وإن شركوهم في هذا: فهم أحسن منهم في الخبريات ~~إذ التتار لا يخبرون عن الأمور الإلهية: بالخبرين المتناقضين بل أحدهم إما ~~أن يعتقد الشيء علما أو تقليدا أو لا يعتقد شيئا فإما أن يجمع PageV02P101 # بين النقيضين فلا فهؤلاء شر حالا من مثل التتار ولهذا ليس لهم عاقبة ~~فإنهم ليسوا متقين يميزون بين مأمور ومحظور وصدق وكذب والعاقبة إنما هي ~~للمتقين وإنما قيام أحدهم: بقدر ما يكون قادرا. ومعلوم أن قدرة أحدهم لا ~~تدوم بل يعمل بها من الأعمال ما يكون سبب الوبال؛ ولا ريب أن هؤلاء مندرجون ~~في قوله تعالى {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} وفي قوله: ~~{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} وقوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه} وفي قوله: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} وفي قوله: {صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون} . وفي قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل} . [ولا ريب أن الحق نوعان: حق موجود وبه يتعلق الخبر ~~الصادق وحق مقصود: وبه يتعلق الأمر الحكيم والعمل الصالح وضد الحق: الباطل ~~ومن الباطل الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم {كل لهو يلهو الرجل به فهو ~~باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق} والحق ~~الموجود إذا أخبر عنه بخلافه كان كذبا] (*) وهؤلاء لا يميزون بين الحق ~~والباطل بين الحق الموجود الذي ينبغي اعتقاده والباطل المعدوم الذي ينبغي ~~نفيه في الخبر PageV02P102 # عنهما ولا بين الحق المقصود الذي ينبغي اعتماده والباطل الذي ينبغي ~~اجتنابه بل يقصدون ms0332 ما هووه وأمكنهم منهما. وأصدق الحق الموجود: ما أخبر ~~الله بوجوده والخبر الحق المقصود ما أمر الله به؛ وإن شئت قلت أصدق خبر عن ~~الحق الموجود خبر الله وخير أمر بالحق المقصود أمر الله والإيمان يجمع هذين ~~الأصلين: تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. وإذا قرن بينهما قيل: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والعمل خير من القول كما قال الحسن البصري: " ~~ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي؛ ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ". # PageV02P103 # وسئل الشيخ: # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد وتعلق كل منهم بسبب. ومنهم ~~من قال: إن يونس القتات يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب وأليم العقاب. ~~ومنهم من يزعم أن عليا الحريري كان قد أعطي من الحال ما إنه إذا خلا ~~بالنساء والمردان يصير فرجه فرج امرأة. ومنهم من يدعي النبوة ويدعي أنه لا ~~بد له من الظهور في وقت فيعلو دينه وشريعته؛ وأن من شريعته السوداء تحريم ~~النساء وتحليل الفاحشة اللوطية وتحريم شيء من الأطعمة وغيرها؛ كالتين ~~واللوز والليمون. وتبعه طائفة: منهم من كان يصلي فترك الصلاة ويجتمع به نفر ~~مخصوصون في كثير من الأيام إلخ.فأجاب: أما قول القائل إن يونس القتاتي يخلص ~~أتباعه ومريديه من سوء الحساب وأليم العذاب يوم القيامة. # PageV02P104 # فيقال جوابا عاما: من ادعى أن شيخا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة ~~من العذاب: فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله ~~شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله ~~لا أغني عنك من الله شيئا سلوني ما شئتم من مالي} وثبت عنه في الصحيح أنه ~~قال: {لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء فيقول: يا ~~رسول الله أغثني فأقول: لا ms0333 أغني عنك من الله شيئا قد بلغتك الحديث بتمامه.} ~~وذكر مثل ذلك في غير ذلك من الأقوال. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول مثل هذا لأهل بيته وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه؛ من ~~المهاجرين والأنصار - يقول إنه ليس يغني عنهم من الله شيئا - فكيف يقال: في ~~شيخ غايته أن يكون من التابعين لهم بإحسان؟ وقد قال تعالى: {وما أدراك ما ~~يوم الدين} {ثم ما أدراك ما يوم الدين} {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله} وقال: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} وأمثال ذلك من ~~نصوص القرآن والسنة. وقد علم أنه ليس للأنبياء وغيرهم يوم القيامة إلا ~~الشفاعة. وقد ثبت في الصحيح {أن الناس يأتون آدم ليشفع فيقول: نفسي نفسي ~~وكذلك يقول نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - وهؤلاء هم أولوا العزم من الرسل - # PageV02P105 # وهم أفضل الخلق ويقول لهم عيسى: اذهبوا إلى محمد؛ عبد غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فيقول: أي محمد ارفع ~~رأسك وقل يسمع واسأل تعط واشفع تشفع؛ فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة} وذكر مثل ~~ذلك في المرة الثانية. فهذا خير الخلق وأكرمهم على الله إذا رأى ربه لا ~~يشفع حتى يسجد له ويحمده ثم يأذن له في الشفاعة؛ فيحد له حدا يدخلهم الجنة. ~~وهذا تصديق قوله تعالى {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ؟ إلى غير ذلك من ~~الآيات. وقد جاء في الحديث الصحيح: أنه تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون؛ ~~لكن بإذنه في أمور محدودة ليس الأمر إلى اختيار الشافع. فهذا فيمن علم أنه ~~يشفع فلو قال قائل: إن محمدا يخلص كل مريديه من النار: لكان كاذبا بل في ~~أمته خلق يدخلون النار ثم يشفع فيهم؛ وأما الشيوخ فليس لهم شفاعة كشفاعته ~~والرجل الصالح قد يشفعه الله فيمن يشاء ولا شفاعة إلا في أهل الإيمان. وأما ~~المنتسبون إلى الشيخ يونس: فكثير منهم كافر بالله ورسوله لا يقرون بوجوب ~~الصلاة الخمس وصيام شهر ms0334 رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله؛ بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام: ما يعرفه من ~~عرفهم. # PageV02P106 # وأما من كان فيهم من عامتهم - لا يعرف أسرارهم وحقائقهم - فهذا يكون معه ~~إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم؛ فإن خواصهم ~~مثل الشيخ سلول وجهلان والصهباني وغيرهم: فهؤلاء لم يكونوا يوجبون الصلاة؛ ~~بل ولا يشهدون للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وفي أشعارهم - كشعر ~~الكوجلي وغيره - من سب النبي صلى الله عليه وسلم وسب القرآن والإسلام: ما ~~لا يرضى به لا اليهود ولا النصارى. ثم منهم من يقول هذا الشعر ليونس. ومنهم ~~من يقول: هو مكذوب على يونس لكن من المعلوم المشاهد أنهم ينشدون الكفر ~~ويتواجدون عليه ويبول أحدهم في الطعام ويقول يشرح كبدي يونس أو ماء ورد ~~يونس ويستحلون الطعام الذي فيه البول ويرون ذلك بركة. وأما كفرياتهم: مثل ~~قولهم وأنا حميت الحمى وأنا سكنت فيه وأنا تركت الخلائق في مجاري التيه ~~موسى على الطور لما خر لي ناجا وصاحب أقرب أنا جنبوه حتى جا يوم القيامة ~~يرى الخلائق أفواجا إلى نبيه عيسى يقضي لهم حاجا. ويقولون: تعالوا نخرب ~~الجامع ونجعل منه جماره ونكسر خشب المنبر ونعمل منه زناره ونحرق ورقا ونعمل ~~منه طنباره ننتف لحية القاضي ونعمل منه أوتاره. أنا حملت على العرش حتى صج ~~وأنا صرخت في محمد حتى هج وأن البحار السبعة من هيبتي ترتج. # PageV02P107 # وأمور أخر أعظم من هذا وأعظم من أن تذكر؛ لما فيها من الكفر الذي هو أعظم ~~من قول الذين قالوا: إن لله ولدا. وأما قول القائل إن من الشيوخ من كان ~~يتحول فرجه فرج امرأة: فكذب مختلق؛ بل في طريقه من المنكرات المخالفة لدين ~~الإسلام ما يعرفه من يعرف دين الإسلام وأصحابه ينقلون عنه كفريات سطروها ~~عنه كقوله: لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا ومعلوم أن قتل نبي واحد من ~~أعظم الكفر وفي الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم {أشد ms0335 الناس ~~عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي} . وإذا قيل: هذا قاله مشاهدة ~~للحقيقة القدرية الكونية. أن الله خالق أفعال العباد كان العذر أقبح من ~~الذنب فإنه لو كان القدر حجة: لم يكن على إبليس وفرعون وسائر الكفار ملام ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة وهذا المحتج بالقدر لو تعدى عليه أحد لقاتله ~~وغضب عليه. فإن كان القدر حجة: فهو حجة يفعل به ما يريد وإن لم يكن حجة لم ~~يؤذ آدميا فكيف يكون حجة لمن يكفر بالله ورسوله؟ . وآدم عليه السلام إنما ~~حج موسى لأن موسى لامه لما أصابه من المصيبة لم يلمه لحق الله تعالى في ~~الذنب فإن آدم تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له بل قال له: بماذا ~~أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال: تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق ~~بأربعين سنة فحج آدم موسى. # PageV02P108 # وكذا يؤمر كل من أصابه مصيبة من جهة أبيه وغيره أن يسلم لقدر الله كما ~~قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} . قال علقمة: هو الرجل تصيبه ~~المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وأما الذنوب: فعلى العبد أن ~~لا يفعلها؛ فإن فعلها فعليه أن يتوب منها فمن تاب وندم أشبه أباه آدم ومن ~~أصر واحتج أشبه عدوه إبليس. قال الله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك} فالمؤمن مأمور أن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب. # PageV02P109 # فصل: # وأما الذي يدعي النبوة وأنه يبيح الفاحشة اللوطية ويحرم النكاح وما ذكر ~~من ذلك: فهذا أمر أظهر من أن يقال عنه؛ فإنه من الكافرين وأخبث المرتدين ~~وقتل هذا ومن اتبعه واجب بإجماع المسلمين والواحد من هؤلاء إما أن يخاطب ~~بالحجة لعل الله أن يتوب عليه ويهديه؛ وإما أن يقام عليه الحد فيقتل. فمن ~~كان قادرا على أحد الأمرين لزمه ذلك ومن عجز عن هذا وهذا فلا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها؛ لكن عليه أن يعرف المعروف ويحبه وينكر المنكر ويبغضه ويفعل ~~ما يقدر عليه من ms0336 الأمرين - من الأمر والنهي - كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال ذرة} . والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P110 # المسئول من إحسان شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين - أثابه الله الجنة ~~- أن يفتينا في رجلين تشاجرا في هذين البيتين المذكورين؛ وهما قول القائل: # الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف # إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف # فقال أحد الرجلين: هذا القول كفر؛ فإن القائل جعل الرب والعبد حقا واحدا ~~ليس بينهما فرق وأبطل التكليف. فقال له الرجل الثاني: ما فهمت المعنى ورميت ~~القائل بما لم يعتقده ويقصده فإن القائل قال: الرب حق والعبد حق؛ أي الرب ~~حق في ربوبيته والعبد حق في عبوديته فلا الرب عبدا ولا العبد ربا كما زعمت. ~~ثم قال: يا ليت شعري من المكلف؟ مع علمه أن التكليف حق. فحار لمن ينسبه في ~~القيام به فقال: إن قلت عبد فذاك ميت. والميت: ليس له من نفسه حركة؛ بل من ~~غيره يقلبه كما يشاء وكذلك العبد - وإن كان # PageV02P111 # حيا - فإنه مع ربه: كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه فعل بغير الله لأنه ~~سبحانه لو لم يقو العبد على القيام بالتكليف: لما قدر على ذلك. فالفعل لله ~~حقيقة. وللعبد مجازا ودليل ذلك قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ ~~أي لا حول عن المعصية ولا قوة على الطاعة: إلا بالله. وقد علم أن الرب ليس ~~عليه تكليف لأنه لا مكلف له والعبد ليس يقوم بما كلف به إلا بالله والتكليف ~~حق. فتعجب القائل عند شهوده لهذه الحال وحار في ذلك مع الإقرار به وأنه على ~~العبد حق فما ينبغي لعاقل أن يقع فيمن لا يفهم كلامه بل التقصير من الفهم ~~القصير فمع أيهما الحق؟ # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه # فقال: الحمد لله، كلام هذا ms0337 الثاني كلام باطل وخوض فيما لم يحط بعلمه ولم ~~يعرف حقيقته ولا هو عارف بحقيقة قول ابن عربي وأصله الذي تفرع منه هذا ~~الشعر وغيره ولا هو أخذ بمقتضى هذا اللفظ ومدلوله. # فأما أصل ابن عربي فهو أن الوجود واحد وأن الوجود الواجب هو عين الوجود ~~الممكن والقول بأن المعدوم شيء وأعيان المعدومات ثابتة في العدم ووجود الحق ~~قاض عليها فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV02P112 # ولهذا قال: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة ~~بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال: {أنا ربكم الأعلى} أي وإن كان ~~الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم ~~ولما علمت السحرة صدقه فيما قال: لم ينكروه وأقروا له بذلك. فقالوا له: ~~{فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} والدولة لك فصح قول فرعون: ~~{أنا ربكم الأعلى} وإن كان عين الحق. قال: ومن أسمائه الحسنى العلي؛ على من ~~وما ثم إلا هو؛ وعن ماذا وما هو إلا هو. إلى قوله: ومن عرف ما قررناه في ~~الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه فالآمر ~~الخالق المخلوق والأمر المخلوق هو الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو ~~العين الواحدة. وقال: ألا ترى أن الحق يظهر بصفات الخلق؟ فكل صفات الحق حق ~~له كما أن صفات المحدثات حق للخالق ونحو ذلك مما يكثر في كلامه وهذا الرجل ~~له ترتيب في سلوكه من جنس ترتيب الملاحدة القرامطة. فأول ما يظهر اعتقاد ~~معتزلة الكلابية الذين ينفون الصفات الخبرية ويثبتون الصفات السبعة أو ~~الثمانية ثم بعد ذلك اعتقاد الفلاسفة الذين ينفون الصفات ويثبتون وجودا ~~واجبا مجردا صدرت عنه الممكنات. # PageV02P113 # ثم بعد هذا يجعل هذا الوجود هو وجود كل موجود فليس عنده وجودان: أحدهما ~~واجب والآخر ممكن. ولا أحدهما خالق والآخر مخلوق؛ بل عين الوجود الواجب هو ~~عين الوجود الممكن مع تعدد المراتب والمراتب ms0338 عنده هي الأعيان الثابتة في ~~العدم على زعم من يقول: إن المعدوم شيء ولا ريب أن من جعل المعدوم شيئا ~~ثابتا في الخارج عن الذهن: فقوله باطل. لكن أولئك يقولون: إن الخالق جعل ~~لهذه الأعيان وجودا مخلوقا وابن عربي يقول: بل نفس وجوده فاض عليها فهي ~~مفتقرة إليه في وجوده وهو مفتقر إلى ثبوتها؛ ولهذا قال: فيعبدني وأعبده ~~ويحمدني وأحمده؛ ولهذا امتنع التكليف عنده فإن التكليف يكون من مكلف لمكلف؛ ~~أحدهما آمرا والآخر مأمورا فامتنع التكليف. ولهذا مثل ما يوجد من الكلام ~~والسمع: بقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به} فلما كان المحدث هنا هو المحدث: جعل هذا ~~مثلا لوجود الرب فعنده كل كلام في الوجود كلامه وهو المتكلم عنده وهو ~~المستمع. ولهذا يقول: إن قلت عبد فذاك ميت. وفي موضع آخر رأيته بخطه. # PageV02P114 # إن قلت عبد فذاك نفي، لأن العبد ليس له عنده وجود مخلوق بل وجوده هو ~~الوجود الواجب القديم عنده وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. فإن كلام الرجل ~~يفسر بعضه بعضا وهذا الأصل - وهو القول بوحدة الوجود - قوله وقول ابن سبعين ~~وصاحبه الششتري والتلمساني والصدر القونوي وسعيد الفرغاني وعبد الله ~~البلياني وابن الفارض صاحب نظم السلوك وغير هؤلاء من أهل الإلحاد القائلين ~~بالوحدة والحلول والاتحاد. وأما مدلول هذا الشعر: فإن قوله: يا ليت شعري من ~~المكلف؟ : استفهام إنكار للمكلف ثم قال: إن قلت عبد فذاك ميت وفي موضع آخر ~~قال فذاك نفي. وكلاهما باطل؛ فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم منتف؛ ولكن ~~الله هو الذي جعله موجودا ثابتا وهذا هو دين المسلمين أن كل ما سوى الله ~~مخلوق لله موجود بجعل الله له وجودا؛ فليس لشيء من الأشياء وجود إلا بإيجاد ~~الله له وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم (1) . . . موجودا حيا ناطقا ~~فاعلا مريدا قادرا؛ بل هذا كله. . . (2) لا يمنع ثبوت ذواتها وصفاتها ~~وأفعالها. PageV02P115 # فهو سبحانه هو الذي جعل الحي حيا ms0339 بل هو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي ~~مصليا كما قال الخليل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} وقال: {رب اجعلني مقيم ~~الصلاة ومن ذريتي} . وهذه مسألة خلق أفعال العبيد وهي مذهب أهل السنة ~~والجماعة مع اتفاقهم على أن العبد مأمور منهي مثاب معاقب موعود متوعد وهو ~~سبحانه - الذي جعل الأبيض أبيض والأسود أسود والطويل طويلا والقصير قصيرا ~~والمتحرك متحركا والساكن ساكنا والرطب رطبا واليابس يابسا والذكر ذكرا ~~والأنثى أنثى والحلو حلوا والمر مرا. ومع هذا فالأعيان تتصف بهذه الصفات ~~والله تعالى خالق الذوات وصفاتها فأي عجب من اتصاف الذات المخلوقة بصفاتها؟ ~~ومن أين يكون الله خالق ذلك كله بالحق؟ فإذا قال القائل: الرب حق والعبد ~~حق: فإن أراد به أن هذا الحق هو عين هذا: فهذا هو الاتحاد والإلحاد وهذا هو ~~الذي ينافي التكليف؛ وإن أراد أن العبد حق مخلوق خلقه الخالق: فهذا مذهب ~~المسلمين وذلك لا ينافي أن يكون الخالق ممكنا للمخلوق كما أنه خالق له. ~~وقوله: إن قلت عبد فذاك ميت. كذب؛ فإن العبد ليس بميت بل هو حي أحياه الله ~~تعالى كما قال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ؟ والله لا ~~يكلف الميت وإنما يكلف الحي؛ وإذا قيل إنه أراد بقوله ميت أنه باعتبار نفسه ~~لا حياة له. قيل: تفسير مراده بهذا فاسد لفظا ومعنى أما اللفظ فلأن كلامه ~~لا يقتضي ذلك وأما المعنى فلأنه إذا فسر ذلك لم يناف التكليف. # PageV02P116 # فإذا كان ميتا - لولا إحياء الله - وقد أحياه الله فقد صار حيا بإحياء ~~الله له؛ وحينئذ فالله إنما كلف حيا لم يكلف ميتا وأما أقوال إخوان ~~الملاحدة والمحامين عنهم أنه قال: ليت شعري من المكلف؟ مع علمه بأن التكليف ~~حق فحار لمن ينسبه في القيام به. فقال: إن قلت عبد فذاك ميت. والميت: ليس ~~له من نفسه حركة؛ بل من غيره يقلبه كما يشاء. وكذلك العبد - وإن كان حيا - ~~فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه فعل بغير الله. فيقال لهم: ~~هذا العذر باطل ms0340 من وجوه: أحدها: لأنه لا حيرة هنا؛ بل المكلف هو العبد بلا ~~امتراء ولا حيرة فإن الله يمتنع أن يكون هو المكلف بالصيام والطواف ورمي ~~الجمار؛ بل هو الآمر بذلك والعبد هو المأمور بذلك ومن حار هل المأمور بذلك ~~الله أو العبد؟ فهو إما يكون فاسد العقل مجنونا؛ وإما فاسد الدين ملحدا ~~زنديقا. وكون الله خالقا للعبد ولفعله: لا يمنع أن يكون العبد هو المأمور ~~المنهي؛ فإنه لم يقل أحد قط إن الله هو الذي يركع ويسجد ويطوف ويرمي الجمار ~~ويصوم شهر رمضان؛ بل جميع الأمة متفقون على أن العبد هو الراكع؛ الساجد ~~الصائم العابد لا نزاع في ذلك بين أهل السنة والقدرية. الثاني: أن قوله إن ~~العبد - وإن كان حيا - فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل: ليس بصحيح؛ فإن الميت ~~ليس له إحساس ولا إرادة؛ لما يقوم # PageV02P117 # به من الحركة ولا قدرة على ذلك ولا يوصف بأنه يحب الفعل أو يبغضه أو ~~يريده أو يكرهه ولا أنه يركع ويسجد ويصوم ويحج ويجاهد العدو. وقول من قال ~~بهذا: لا يحمد الميت على فعل الغاسل ولا يذم ولا يثاب ولا يعاقب وأما العبد ~~فإن الله جعله حيا مريدا قادرا فاعلا وهو يصوم ويصلي ويحج ويقتل ويزني ~~باختياره ومشيئته والله خالق ذاته وصفاته وأفعاله فله مشيئة والله خالق ~~مشيئته كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين} . وله قدرة والله خالق قدرته وهو مصل صائم حاج معتمر ~~والله خالقه وخالق أفعاله فتمثيله بالميت تمثيل باطل. الثالث أن يقال: إن ~~كان كالميت مع الغاسل؛ فيكون الغاسل هو المكلف فيكون الله هو المكلف فيلزم ~~أن يكون الرب هو المكلف. الرابع: أن عقلاء بني آدم متفقون على ما فطرهم ~~الله عليه من أن العبد الحي يؤمر وينهى ويحمد ويذم على أفعاله الاختيارية ~~متفقون على أن من احتج بالقدر على ظلمه وفواحشه: لم يقبل ذلك منه فلو ظلم ~~ظالم لغيره: لم يقبل أحد منه أن يدفع عن نفسه ms0341 الملام بالقدر. وأما الميت ~~فليس في العقلاء من يذمه ولا يأمره ولا ينهاه فكيف يقاس هذا بهذا؟ . وأما ~~قول القائل: فإن الله لو لم يقو العبد على التكليف: لما قدر على ذلك # PageV02P118 # فكلام صحيح؛ لكن ليس فيه ما ينافي أن يكون مكلفا مأمورا منهيا مصليا ~~صائما قاتلا زانيا. # وأما قوله: فالفعل لله حقيقة؛ وللعبد مجاز. فهذا كلام باطل بل العبد هو ~~المصلي الصائم الحاج المعتمر المؤمن وهو الكافر الفاجر القاتل الزاني ~~السارق حقيقة والله تعالى لا يوصف بشيء من هذه الصفات بل هو منزه عن ذلك؛ ~~لكنه هو الذي جعل العبد فاعلا لهذه الأفعال فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة ~~وهي فعل العبد أيضا حقيقة. ولكن طائفة من أهل الكلام - المثبتين للقدر - ~~ظنوا أن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق؛ فلما اعتقدوا أن أفعال العباد ~~مخلوقة مفعولة لله: قالوا فهي فعله. فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ ~~فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق ~~محقق. ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات ~~الفعل والعبد فعل صفاته. والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة؛ من ~~الفرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق؛ فأفعال العباد هي كغيرها من ~~المحدثات مخلوقة مفعولة لله: كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة ~~لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة وهذه الأفعال هي فعل ~~العبد القائم به ليست قائمة بالله ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ~~ومفعولاته؛ # PageV02P119 # وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته والعبد فاعل لهذه ~~الأفعال وهو المتصف بها وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك ~~كله مخلوق لله فهي فعل العبد ومفعولة للرب. لكن هذه الصفات: لم يخلقها الله ~~بتوسط قدرة العبد ومشيئته؛ بخلاف أفعاله الاختيارية؛ فإنه خلقها بتوسط خلقه ~~لمشيئة العبد وقدرته كما خلق غير ذلك؛ من المسببات بواسطة أسباب أخر وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع؛ ولكن هذا قدر ms0342 ما وسعته هذه الورقة والله أعلم. # PageV02P120 # ما تقول السادة العلماء - أئمة الدين وهداة المسلمين -: # في كتاب بين أظهر الناس زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس بإذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في منام زعم أنه رآه؛ وأكثر كتابه ضد لما أنزله الله من ~~كتبه المنزلة وعكس وضد عن أقوال أنبيائه المرسلة؛ فمما قال فيه: إن آدم ~~عليه السلام إنما سمي إنسانا لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين ~~الذي يكون به النظر. وقال في موضع آخر: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه. ~~وقال في قوم نوح عليه السلام إنهم لو تركوا عبادتهم لود وسواع ويغوث ويعوق ~~ونسر: لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء. ثم قال: فإن للحق في كل ~~معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ~~ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة: كالأعضاء في الصورة المحسوسة. ثم قال في ~~قوم هود عليه السلام بأنهم حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنم ~~في حقهم ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق مما أعطاهم هذا المقام الذوقي ~~اللذيذ من جهة المنة فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي ~~كانوا عليها وكانوا على صراط الرب المستقيم. # PageV02P121 # ثم إنه أنكر فيه حكم الوعيد في حق كل من حقت عليه كلمة العذاب من سائر ~~العبيد فهل يكفر من يصدقه في ذلك أم لا؟ أو يرضى به منه أم لا؟ وهل يأثم ~~سامعه إذا كان عاقلا بالغا ولم ينكره بلسانه أو بقلبه أم لا؟ أفتونا ~~بالوضوح والبيان كما أخذ الميثاق للتبيان فقد أضر الإهمال بالضعفاء والجهال ~~والله المستعان وعليه الاتكال أن يعجل بالملحدين النكال؛ لصلاح الحال وحسم ~~مادة الضلال. # فأجاب: # الحمد لله، هذه الكلمات المذكورة المنكورة: كل كلمة منها هي من الكفر ~~الذي لا نزاع فيه بين أهل الملل من المسلمين؛ واليهود والنصارى؛ فضلا عن ~~كونه كفرا في شريعة الإسلام. فإن قول القائل: إن آدم للحق تعالى بمنزلة ~~إنسان العين من العين الذي ms0343 يكون به النظر: يقتضي أن آدم جزء من الحق تعالى ~~وتقدس وبعض منه وأنه أفضل أجزائه وأبعاضه؛ وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم ~~وهو معروف من أقوالهم. الكلمة الثانية: توافق ذلك وهو قوله: إن الحق المنزه ~~هو الخلق المشبه. ولهذا قال في تمام ذلك: فالأمر الخالق المخلوق والأمر ~~المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون ~~الكثيرة {فانظر ماذا ترى} {يا أبت افعل ما تؤمر} والولد عين أبيه فما رأى ~~يذبح # PageV02P122 # سوى نفسه ففديناه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش: من ظهر بصورة إنسان وظهر ~~بصورة؛ لا بحكم ولد من هو عين الوالد {وخلق منها زوجها} فما نكح سوى نفسه. ~~وقال في موضع: وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال: إن العالم صورته ~~وهويته. وقال: ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو وعن ماذا وما ~~هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات. فالمسمى محدثات هي ~~العلية لذاتها وليست إلا هو. إلى أن قال: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في ~~حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه سواه فهو ظاهر لنفسه ~~باطن عنه - وهو المسمى أبو سعيد الخراز - وغير ذلك من أسماء المحدثات. إلى ~~أن قال: فالعلي لنفسه: هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور ~~الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا ~~وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة. وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات ~~المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم ألا ترى المخلوق يظهر ~~بصفات الحق فهي من أولها إلى آخرها صفات له كما هي صفات المحدثات حق للحق ~~وأمثال هذا الكلام. فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم ~~وأمثاله # PageV02P123 # مثل صاحبه القونوي والتلمساني وابن سبعين والششتري وابن الفارض وأتباعهم؛ ~~مذهبهم الذي هم عليه: أن الوجود واحد؛ ويسمون أهل وحدة الوجود ويدعون ~~التحقيق والعرفان ms0344 وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات فكل ما يتصف ~~به المخلوقات من حسن وقبيح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم: عين الخالق وليس ~~للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها أصلا؛ بل عندهم ما ثم ~~غير أصلا للخالق ولا سواه. ومن كلماتهم: ليس إلا الله. فعباد الأصنام لم ~~يعبدوا غيره عندهم لأنه ما عندهم له غير؛ ولهذا جعلوا قوله تعالى {وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه} بمعنى قدر ربك أن لا تعبدوا إلا إياه؛ إذ ليس عندهم ~~غير له تتصور عبادته فكل عابد صنم إنما عبد الله. ولهذا جعل صاحب هذا ~~الكتاب: عباد العجل مصيبين وذكر أن موسى أنكر على هارون إنكاره عليهم عبادة ~~العجل. وقال: كان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب ~~العجل؛ لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبدوا إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا ~~وقع؛ فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتباعه فإن ~~العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء. ولهذا يجعلون فرعون من ~~كبار العارفين المحققين وأنه كان مصيبا في دعواه الربوبية. كما قال في هذا ~~الكتاب: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه جار في العرف ~~الناموسي لذلك. قال: {أنا ربكم الأعلى} # PageV02P124 # أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما: فأنا الأعلى منهم؛ بما أعطيته في ~~الظاهر من الحكم فيهم. ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله: لم ينكروه؛ ~~بل أقروا له بذلك وقالوا له: {فاقض ما أنت قاض} فالدولة لك فصح قول فرعون: ~~{أنا ربكم الأعلى} وأنه كان عين الحق. ويكفيك معرفة بكفرهم: أن من أخف ~~أقوالهم أن فرعون مات مؤمنا؛ بريا من الذنوب كما قال: وكان موسى قرة عين ~~لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق فقبضه طاهرا مطهرا ليس فيه شيء ~~من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام والإسلام يجب ~~ما قبله. وقد علم بالاضطرار من دين أهل ms0345 الملل المسلمين واليهود والنصارى: ~~أن فرعون من أكفر الخلق بالله؛ بل لم يقص الله في القرآن قصة كافر باسمه ~~الخاص أعظم من قصة فرعون ولا ذكر عن أحد من الكفار من كفره وطغيانه وعلوه: ~~أعظم مما ذكر عن فرعون. وأخبر عنه وعن قومه أنهم يدخلون أشد العذاب فإن لفظ ~~آل فرعون: كلفظ آل إبراهيم وآل لوط وآل داود وآل أبي أوفى؛ يدخل فيها ~~المضاف باتفاق الناس فإذا جاءوا إلى أعظم عدو لله من الإنس أو من هو من ~~أعظم أعدائه: فجعلوه مصيبا محقا فيما كفره به الله: علم أن ما قالوه أعظم ~~من كفر اليهود والنصارى فكيف بسائر مقالاتهم؟ . # PageV02P125 # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها: على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته ليس ~~في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. والسلف والأئمة ~~كفروا الجهمية لما قالوا إنه في كل مكان وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف ~~يكون في البطون والحشوش والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك. فكيف بمن يجعله نفس ~~وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟ . واتفق سلف الأمة ~~وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته. ولا في أفعاله ~~وقال: من قال من الأئمة من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به ~~نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. وأين المشبهة ~~المجسمة من هؤلاء؟ فإن هؤلاء غاية كفرهم: أن يجعلوه مثل المخلوقات. لكن ~~يقولون: هو قديم وهي محدثة وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات وجعلوه نفس الأجسام ~~المصنوعات ووصفوه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بهما كل كافر وكل فاجر ~~وكل شيطان وكل سبع وكل حية من الحيات فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه ~~وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. والله تعالى ينتقم لنفسه ولدينه ولكتابه ~~ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم. # PageV02P126 # وهؤلاء يقولون: إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم؛ حيث قالوا: {إن الله هو ~~المسيح} فكلما قالته النصارى في المسيح: يقولونه في الله وكفر النصارى جزء ~~من كفر هؤلاء. ولما ms0346 قرءوا هذا الكتاب المذكور على أفضل متأخريهم؛ قال له ~~قائل: هذا الكتاب يخالف القرآن. فقال: القرآن كله شرك. وإنما التوحيد في ~~كلامنا هذا: يعني أن القرآن يفرق بين الرب والعبد وحقيقة التوحيد عندهم أن ~~الرب هو العبد؛ فقال له القائل: فأي فرق بين زوجتي وبنتي إذا؟ قال: لا فرق ~~لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. وهؤلاء إذا قيل في ~~مقالتهم إنها كفر: لم يفهم هذا اللفظ حالها فإن الكفر جنس تحته أنواع ~~متفاوتة بل كفر كل كافر جزء من كفرهم؛ ولهذا قيل لرئيسهم أنت نصيري. فقال: ~~نصير جزء مني وكان عبد الله بن المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وهؤلاء شر من أولئك الجهمية فإن ~~أولئك كان غايتهم القول بأن الله في كل مكان وهؤلاء قولهم أنه وجود كل ~~مكان؛ ما عندهم موجودان؛ أحدهما حال والآخر محل. ولهذا قالوا: إن آدم من ~~الله بمنزلة إنسان العين من العين وقد علم المسلمون واليهود والنصارى؛ ~~بالاضطرار من دين المرسلين: أن من قال عن أحد من البشر إنه جزء من الله ~~فإنه كافر في جميع الملل إذ النصارى لم تقل هذا # PageV02P127 # - وإن كان قولها من أعظم الكفر - لم يقل أحد إن عين المخلوقات هي جزء ~~الخالق ولا أن الخالق هو المخلوق ولا الحق المنزه هو الخلق المشبه. # وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الحق: بقدر ما ~~تركوا منها: هو من الكفر المعلوم بالاضطرار من جميع الملل فإن أهل الملل ~~متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام وكفروا من يفعل ذلك وأن ~~المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله كما ~~قال الله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} . وقال الخليل: {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم ms0347 الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال ~~الخليل: {لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} ~~وقال الخليل - وهو إمام الحنفاء الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب ~~واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله - {يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . وهذا ~~أكثر وأظهر عند أهل الملل من. اليهود والنصارى - فضلا عن المسلمين - من أن ~~يحتاج أن يستشهد عليه بنص خاص فمن قال: إن عباد الأصنام لو تركوهم لجهلوا ~~من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء فهو أكفر من # PageV02P128 # اليهود والنصارى ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود ~~والنصارى يكفرون عباد الأصنام فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلا من ~~الحق بقدر ما ترك منها؟ مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر ~~حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية ~~في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبود بل هو أعظم من كفر عباد ~~الأصنام؛ فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط كما قالوا: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} . وقال الله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} . وكانوا مقرين بأن الله خالق ~~السموات والأرض وخالق الأصنام كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} . ~~قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ثم يعبدون غيره ~~وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك؛ ~~ولهذا قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} . وهؤلاء ~~أعظم كفرا من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابدا لله لا عابدا لغيره ~~وأن الأصنام من الله؛ بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان # PageV02P129 # وبمنزلة ms0348 قوى النفس من النفس؛ وعباد الأصنام: اعترفوا بأنها غيره وأنها ~~مخلوقة ومن جهة أن عباد الأصنام من العرب: كانوا مقرين بأن للسموات والأرض ~~ربا غيرهما خلقهما وهؤلاء ليس عندهم للسموات والأرض وسائر المخلوقات رب ~~مغاير للسموات والأرض وسائر المخلوقات بل المخلوق هو الخالق. ولهذا جعل قوم ~~عاد وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم وجعلهم في عين القرب وجعل أهل النار ~~يتمتعون في النار كما يتمتع أهل الجنة في الجنة. وقد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام: أن قوم عاد وثمود وفرعون وقومه وسائر من قص الله قصته من الكفار ~~أعداء الله وأنهم معذبون في الآخرة وأن الله لعنهم وغضب عليهم فمن أثنى ~~عليهم وجعلهم من المقربين ومن أهل النعيم: فهو أكفر من اليهود والنصارى من ~~هذا الوجه. وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء وبيان كفرهم وإلحادهم ~~فإنهم من جنس القرامطة الباطنية والإسماعيلية الذين كانوا أكفر من اليهود ~~والنصارى وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل كما قال الشيخ إبراهيم ~~الجعبري لما اجتمع بابن عربي - صاحب هذا الكتاب - فقال: رأيته شيخا نجسا ~~يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله. # PageV02P130 # وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام - لما قدم القاهرة وسألوه عنه - قال: ~~هو شيخ سوء كذاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا فقوله: يقول بقدم ~~العالم؛ لأن هذا قوله وهذا كفر معروف فكفره الفقيه أبو محمد بذلك ولم يكن ~~بعد ظهر من قوله: إن العالم هو الله وإن العالم صورة الله وهوية الله فإن ~~هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم الذين يثبتون واجب الوجود ويقولون ~~إنه صدر عنه الوجود الممكن. وقال عنه من عاينه من الشيوخ: إنه كان كذابا ~~مفتريا وفي كتبه - مثل الفتوحات المكية وأمثالها - من الأكاذيب ما لا يخفى ~~على لبيب - هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين ومن القونوي والتلمساني ~~وأمثاله من أتباعه فإذا كان الأقرب بهذا الكفر - الذي هو أعظم من كفر ~~اليهود والنصارى - فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام؟ ولم أصف ms0349 عشر ما يذكرونه ~~من الكفر. ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لم يعرف حالهم كما التبس أمر ~~القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون وانتسبوا إلى التشيع فصار ~~المتبعون مائلين إليهم غير عالمين بباطن كفرهم. ولهذا كان من مال إليهم أحد ~~رجلين: إما زنديقا منافقا؛ وإما جاهلا ضالا. وهكذا هؤلاء الاتحادية: ~~فرءوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة # PageV02P131 # زنديقا منافقا؛ وإما جاهلا ضالا. وهكذا هؤلاء الاتحادية: فرءوسهم هم أئمة ~~كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة فإنه من أعظم ~~الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر وهم الذين يفهمون قولهم ~~ومخالفتهم لدين المسلمين ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أو أثنى ~~عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ ~~يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو أو من قال إنه صنف هذا الكتاب ~~وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق؛ بل تجب عقوبة كل من ~~عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم فإن القيام على هؤلاء من أعظم ~~الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء ~~والملوك والأمراء وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله. فضررهم في ~~الدين: أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كقطاع الطريق ~~وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم ولا يستهين بهم من لم ~~يعرفهم فضلالهم وإضلالهم: أعظم من أن يوصف وهم أشبه الناس بالقرامطة ~~الباطنية. ولهذا هم يريدون دولة التتار ويختارون انتصارهم على المسلمين إلا ~~من كان عاميا من شيعهم وأتباعهم فإنه لا يكون عارفا بحقيقة أمرهم. ولهذا ~~يقرون اليهود والنصارى على ما هم عليه ويجعلونهم على حق كما يجعلون عباد ~~الأصنام على حق وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر ومن # PageV02P132 # كان محسنا للظن بهم - وادعى أنه لم يعرف حالهم - عرف حالهم فإن لم ~~يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم. وأما من ms0350 قال لكلامهم ~~تأويل يوافق الشريعة؛ فإنه من رءوسهم وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكيا فإنه يعرف ~~كذب نفسه فيما قاله وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أكفر من النصارى ~~فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلا كان عن تكفير النصارى بالتثليث ~~والاتحاد أبعد. والله أعلم. # PageV02P133 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} {مالك يوم الدين} وأشهد أن لا ~~إله إلا الله الأحد الحق المبين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين. ~~صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وعلى سائر إخوانه المرسلين. # أما بعد: فقد وصل كتابك تلتمس فيه بيان مذهب هؤلاء الاتحادية وبيان ~~بطلانه وأنك كنت قد سمعت مني بعض البيان لفساد قولهم وضاق الوقت بك عن ~~استتمام بقية البيان وأعجلك السفر؛ حتى رأيت عندكم بعض من ينصر قولهم ممن ~~ينتسب إلى الطريقة والحقيقة وصادف مني كتابك موقعا ووجدت محلا قابلا. وقد ~~كتبت بما أرجو أن ينفع الله به المؤمنين ويدفع به بأس هؤلاء # PageV02P134 # الملاحدة المنافقين الذين يلحدون في أسماء الله وآياته المخلوقات ~~والمنزلات في كتابه المبين ويبين الفرق بين ما عليه أهل التحقيق واليقين من ~~أهل العلم والمعرفة المهتدين وبين ما عليه هؤلاء الزنادقة المتشبهين ~~بالعارفين كما تشبه بالأنبياء من تشبه من المتنبئين كما شبهوا بكلام الله ~~ما شبهوه به من الشعر المفتعل وأحاديث المفترين ليتبين أن هؤلاء من جنس ~~الكفار المنافقين المرتدين أتباع فرعون والقرامطة الباطنيين وأصحاب مسيلمة ~~والعنسي ونحوهما من المفترين وأن أهل العلم والإيمان من الصديقين والشهداء ~~والصالحين سواء كانوا من المقربين السابقين أو من المقتصدين أصحاب اليمين ~~هم من أتباع إبراهيم الخليل وموسى الكليم ومحمد المبعوث إلى الناس أجمعين. ~~قد فرق الله في كتابه المبين الذي جعله حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~من الحق بين الحق والباطل والهدى والضلال والمؤمنين والكافرين وقال تعالى: ~~{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال: {أم ms0351 نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال: {أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} . وقد بين حال من تشبه بالأنبياء ~~وبأهل العلم والإيمان من أهل الكذب والفجور الملبوس عليهم اللابسين وأخبر ~~أن لهم تنزلا ووحيا ولكن من الشياطين فقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم # PageV02P135 # إنكم لمشركون} وقال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على ~~كل أفاك أثيم} . وأخبر أن كل من ارتد عن دين الله فلا بد أن يأتي الله بدله ~~بمن يقيم دينه المبين فقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم} . وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام ~~وينظمونه من الشعر بين حديث مفترى وشعر مفتعل. وإليهما أشار أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه لما قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه به: يا خليفة رسول ~~الله تألف الناس. فأخذ بلحيته وقال: يا ابن الخطاب أجبارا في الجاهلية ~~خوارا في الإسلام؟ علام أتألفهم أعلى حديث مفترى؟ أم شعر مفتعل؟ يقول: إني ~~لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الأسدي. ~~وهذان النوعان: هما اللذان يعارض بهما القرآن أهل الفجور والإفك المبين قال ~~تعالى: {فلا أقسم بما تبصرون} {وما لا تبصرون} {إنه لقول رسول كريم} {وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} # PageV02P136 # {تنزيل من رب العالمين} وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} {نزل به ~~الروح الأمين} إلى قوله {وما تنزلت به الشياطين} إلى آخر السورة. فذكر في ~~هذه السورة علامة الكهان الكاذبين والشعراء الغاوين ونزهه عن هذين الصنفين ~~كما في سورة الحاقة. وقال تعالى {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين} إلى آخر السورة. فالرسول هنا جبريل وفي الآية الأولى ms0352 محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولهذا نزه محمدا هناك عن أن يكون شاعرا أو كاهنا ونزه هنا الرسول ~~إليه أن يكون من الشياطين. # PageV02P137 # فصل: # اعلم - هداك الله وأرشدك - أن تصور مذهب هؤلاء: كما في بيان فساده لا ~~يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا ~~يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم؛ لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة بل وهم ~~أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ولهذا يتناقضون كثيرا في قولهم؛ ~~وإنما ينتحلون شيئا ويقولونه أو يتبعونه. ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق ~~ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم مع استشعارهم أنهم مفترقون. ولهذا لما ~~بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم وسر مذهبهم صاروا يعظمون ذلك ~~ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم وبذلوا لي من طاعة ~~نفوسهم وأموالهم ما يحل عن الوصف كما تبذله النصارى لرؤسائهم والإسماعيلية ~~لكبرائهم وكما بذل آل فرعون لفرعون. وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين: ~~إما جاهل بحقيقة أمرهم وإما ظالم يريد علوا في الأرض وفسادا أو جامع بين ~~الوصفين. وهذه حال # PageV02P138 # أتباع فرعون الذين قال الله فيهم {فاستخف قومه فأطاعوه} . وحال القرامطة ~~مع رؤسائهم. وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا} إلى قوله ~~{والعنهم لعنا كبيرا} وقال تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} ~~إلى قوله: {وما هم بخارجين من النار} . # PageV02P139 # فصل: # حقيقة قول هؤلاء: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها ~~غيره ولا شيء سواه ألبتة ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول ~~رأوه محجوبا عن معرفة قولهم خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم لأن من قال: إن ~~الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال وهذا تثنية عندهم ~~وإثبات لوجودين: أحدهما: وجود الحق الحال. والثاني: وجود المخلوق المحل وهم ~~لا يقرون بإثبات وجودين ألبتة. ولا ريب أن هذا القول أقل ms0353 كفرا من قولهم وهو ~~قول كثير من الجهمية الذين كان السلف يردون قولهم وهم الذين يزعمون أن الله ~~بذاته في كل مكان. وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به ~~بل جعلهم خلق من الأئمة - كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم ~~والحديث من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة. وهو ~~قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم. ولا ريب أن إلحاد هؤلاء ~~المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هذه الجهمية الأولى ~~وتجهمها وزندقتها. # PageV02P140 # وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان أحدهما لا يرضونه لأن الاتحاد على ~~وزن الاقتران والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون ~~بوجودين أبدا والطريق الثاني صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما ~~سأبينه من اضطرابهم. وهذه الطريقة إما على مذهب ابن عربي فإنه يجعل الوجود ~~غير الثبوت ويقول إن وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات فيصح الاتحاد بين ~~الوجود والثبوت وأما على قول من لا يفرق فيقول إن الكثرة الخيالية صارت ~~وحدة بعد الكشف أو الكثرة العينية صارت وحدة إطلاقية. # PageV02P141 # فصل: # ولما كان أصلهم الذي بنوا عليه: أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود ~~الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر ~~والفسوق والعصيان: - عين وجود الرب لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته وإن كان ~~مخلوقا له مربوبا مصنوعا له قائما به. وهم يشهدون أن في الكائنات تفرقا ~~وكثرة ظاهرة بالحس والعقل فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة ووحدة ترفع التفرق ~~مع ثبوتها فاضطربوا على ثلاث مقالات. أنا أبينها لك وإن كانوا هم لا يبين ~~بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره لعدم كمال شهود الحق وتصوره. # PageV02P142 # المقالة الأولى: مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم. # وهي مع كونها كفرا فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام ~~الجيد كثيرا ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره بل هو كثير الاضطراب فيه ~~وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى. ~~والله أعلم ms0354 بما مات عليه. فإن مقالته مبنية على أصلين: - أحدهما: أن ~~المعدوم شيء ثابت في العدم موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة. وأول ~~من ابتدع هذه المقالة في الإسلام: أبو عثمان الشحام شيخ أبي علي الجبائي ~~وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة وهؤلاء يقولون ~~إن كل معدوم يمكن وجوده فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم؛ لأنه ~~لولا ثبوتها؛ لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه ~~ولما صح قصد ما يراد إيجاده لأن القصد يستدعي التمييز والتمييز لا يكون إلا ~~في شيء ثابت. لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها ~~وقد كفرهم # PageV02P143 # بها طوائف من متكلمة السنة - فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها ولا يقولون ~~إن عين وجودها عين وجود الحق. وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون: عين ~~وجودها عين وجود الحق فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم متحدة بوجود ~~الحق القائم بها. وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه. وابن عربي ~~إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن وليس هذا قول المعتزلة فهذا فرق ~~ثالث. وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت في العدم - سواء قالوا بأن ~~وجودها خلق لله أو هو الله - يقولون إن الماهيات والأعيان غير مجعولة ولا ~~مخلوقة وإن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وقد يقولون الوجود صفة ~~للموجود. وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم أو ~~القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو إياه وإن كان ~~بينهما قدر مشترك؛ فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ~~ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء بل هي كائنة بعد أن لم تكن. وكذلك الصفات ~~والأعراض القائمة بأجسام السموات والاستحالات القائمة بالعناصر من حركات ~~الكواكب والشمس والقمر والسحاب # PageV02P144 # والمطر والرعد والبرق وغير ذلك كل هذا حادث غير قديم عند كل ذي حس سليم؛ ~~فإنه يرى ذلك بعينه. والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم أو بأن ~~مادته قديمة يقولون ms0355 بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم ويقولون إن ~~مواد جميع العالم قديمة دون صوره. واعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه ~~لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورا حقيقيا؛ فإن هذا لا يكون ~~إلا للحق. فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده حتى يقال كيف ~~اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم إياه ولا ينبغي للإنسان أن يعجب فما ~~من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس ولهذا وصف ~~الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم {صم بكم عمي} وأنهم {لا يفقهون} وأنهم ~~{لا يعقلون} وأنهم {لفي قول مختلف} {يؤفك عنه من أفك} وأنهم {في ريبهم ~~يترددون} وأنهم {يعمهون} . وإنما نشأ - والله أعلم - الاشتباه على هؤلاء من ~~حيث رأوا أن الله - سبحانه - يعلم ما لم يكن قبل كونه - أو - {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في ~~علمه وإرادته وقدرته؛ فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك. وإنما ~~هو متميز في علم الله وكتابه والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم # PageV02P145 # الممكن والمعدوم المستحيل ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ويعلم ما يكون ~~كالقيامة والحساب ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون كما يعلم ما أخبر ~~الله به عن أهل النار {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} وأنهم {ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم} وأنه {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وأنه {لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} وأنهم {لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا} وأنه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من ~~أحد أبدا} ونحو ذلك من الجمل الشرطية التي يعلم فيها انتفاء الشرط أو ~~ثبوته. فهذه الأمور التي نعلمها نحن ونتصورها: إما نافين لها أو مثبتين لها ~~في الخارج أو مترددين ليس بمجرد تصورنا لها يكون لأعيانها ثبوت في الخارج ~~عن علمنا وأذهاننا كما نتصور جبل ياقوت ms0356 وبحر زئبق وإنسانا من ذهب وفرسا من ~~حجر؛ فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج بل العالم ~~يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا. ~~وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة} . وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: رب ~~وما أكتب؟ قال: اكتب # PageV02P146 # ما هو كائن إلى يوم القيامة} وقال ابن عباس: " إن الله خلق الخلق وعلم ما ~~هم عاملون ثم قال لعلمه " كن كتابا " فكان كتابا؟ ثم أنزل تصديق ذلك في ~~كتابه فقال: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب} ~~". وهذا هو معنى الحديث الذي رواه أحمد في مسنده {عن ميسرة الفجر قال: قلت ~~يا رسول الله متى كنت نبيا} وفي رواية {متى كتبت نبيا؟ - قال. وآدم بين ~~الروح والجسد} هكذا لفظ الحديث الصحيح. وأما ما يرويه هؤلاء الجهال: كابن ~~عربي في الفصوص وغيره من جهال العامة {كنت نبيا وآدم بين الماء والطين كنت ~~نبيا وآدم لا ماء ولا طين} فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم ~~الصادقين ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل فإن ~~آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الله خلقه من تراب وخلط التراب بالماء ~~حتى صار طينا؛ وأيبس الطين حتى صار صلصالا كالفخار فلم يكن له حال بين ~~الماء والطين مركب من الماء والطين ولو قيل بين الماء والتراب لكان أبعد عن ~~المحال مع أن هذه الحال لا اختصاص لها وإنما قال {بين الروح والجسد} وقال ~~{وإن آدم لمنجدل في طينته} لأن جسد آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه ~~كما قال ms0357 تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} الآية: وقال تعالى: {وإذ ~~قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال} الآيتين. وقال تعالى: {الذي أحسن ~~كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} الآيتين وقال تعالى: {إذ قال ربك # PageV02P147 # للملائكة إني خالق بشرا من طين} الآية. والأحاديث في خلق آدم ونفخ الروح ~~فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما. فأخبر صلى الله عليه وسلم {أنه ~~كان نبيا أي كتب نبيا وآدم بين الروح والجسد} . وهذا - والله أعلم لأن هذه ~~الحالة فيها يقدر التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق فيقدر لهم ويظهر ~~لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه كما أخرج الشيخان في ~~الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات: حديث الصادق المصدوق وهو من الأحاديث ~~المستفيضة التي تلقاها أهل العلم بالقبول وأجمعوا على تصديقها؛ وهو حديث ~~الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: {إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك فيؤمر ~~بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح} ~~- وقال - {فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ~~وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق ~~عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة} فلما أخبر الصادق المصدوق: ~~أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح ~~وآدم هو أبو البشر كان أيضا من المناسب لهذا أن يكتب بعد خلق جسده وقبل نفخ ~~الروح فيه ما يكون # PageV02P148 # منه ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم؛ فهو أعظم الذرية قدرا وأرفعهم ~~ذكرا. فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كتب نبيا حينئذ وكتابة نبوته ms0358 هو معنى ~~كون نبوته؛ فإنه كون في التقدير الكتابي ليس كونا في الوجود العيني إذ ~~نبوته لم يكن وجودها حتى نبأه الله تعالى على رأس أربعين سنة من عمره صلى ~~الله عليه وسلم كما قال تعالى له: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} ~~الآية. وقال: {ألم يجدك يتيما فآوى} ؟ الآية. وقال: {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص} الآية. ولذلك جاء هذا المعنى مفسرا في حديث العرباض بن سارية عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إني عبد الله مكتوب خاتم النبيين ~~وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ~~ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام} ~~هذا لفظ الحديث من رواية ابن وهب. حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن ~~عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض رواه البغوي في شرح السنة هكذا ورواه ~~الليث بن سعد عنه نحوه ورواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مهدي: حدثنا ~~معاوية بن صالح بالإسناد عن العرباض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{إني عبد الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك: ~~دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين ~~يرين} وقوله # PageV02P149 # {لمنجدل في طينته} أي ملتف ومطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه ~~الروح بعد. وقد روي {أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من ~~الأبواب والقباب والأوراق} وروي في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث ~~الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ. وقد تقدم لفظ الحديث ~~الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما {قيل له متى كنت نبيا؟ قال وآدم بين ~~الروح والجسد} وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق الشيخ أبي الفرج ابن ~~الجوزي في (الوفا بفضائل المصطفى صلى الله عليه وسلم: حدثنا أبو جعفر محمد ~~بن عمرو حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ثنا محمد بن ms0359 صالح ثنا محمد بن سنان ~~العوفي ثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان عن ~~{ميسرة قال قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال لما خلق الله الأرض واستوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش: كتب على ساق العرش محمد رسول الله ~~خاتم الأنبياء وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على ~~الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد فلما أحياه الله ~~تعالى: نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك فلما غرهما ~~الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه} . وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل ~~النبوة: ومن طريق الشيخ أبي الفرج حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن رشدين ~~ثنا أحمد بن سعيد الفهري # PageV02P150 # ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ~~عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لما أصاب آدم ~~الخطيئة رفع رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا غفرت لي فأوحى إليه وما محمد؟ ~~ومن محمد؟ فقال: يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك فإذا عليه ~~مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك عليك؛ إذ قرنت ~~اسمه مع اسمك. فقال: نعم قد غفرت لك وهو آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما ~~خلقتك} فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة. وفي ~~الصحيحين عن عائشة قالت: {أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه ~~الخلاء؛ فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ~~قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى ~~فجأه الحق وهو بحراء فأتاه الملك فقال له: اقرأ. قال: لست بقارئ. قال: ~~فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: لست بقارئ قال ms0360 ~~فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت. لست بقارئ ثم ~~أخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني؛ فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~{خلق الإنسان من علق} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره} ~~الحديث بطوله. فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم يكن قارئا وهذه السورة ~~أول ما أنزل الله عليه وبها صار نبيا ثم أنزل عليه سورة المدثر وبها صار # PageV02P151 # رسولا لقوله: {قم فأنذر} ولهذا ذكر سبحانه في هذه السورة الوجود العيني ~~والوجود العلمي وهذا أمر بين يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع فإن ~~الشيء لا يكون قبل كونه. وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها: فهذا حق ~~لا ريب فيه وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة وجاءت به الآثار. وهذا العلم والكتاب: هو القدر الذي ينكره غالية ~~القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار ~~كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما. وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر ~~وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال الوارد عليه وهو ترك العمل لأجله ~~فأجاب صلى الله عليه وسلم عن ذلك ففي الصحيحين عن {علي بن أبي طالب قال: ~~كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد ~~وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد - أو ~~قال - ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد ~~كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع ~~العمل فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل ~~الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ فقال: اعملوا فكل ميسر: أما أهل ~~السعادة # PageV02P152 # فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة - ~~ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى} إلى آخر الآيات} وفي رواية: ms0361 {كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه ~~فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار قالوا يا رسول ~~الله ففيم العمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا: اعملوا فكل ميسر لما خلق له - ثم قرأ ~~{فأما من أعطى} } الآية. وفي الصحيحين أيضا عن عمران بن حصين قال: {قيل يا ~~رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال نعم قال فقيل: ففيم يعمل ~~العاملون؟ فقال كل ميسر لما خلق له} وفي رواية: {أن رجلين من مزينة أتيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ~~اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبت الحجة عليهم؟ فقال لا. بل شيء قضي ~~عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله: {ونفس وما سواها} {فألهمها ~~فجورها وتقواها} } . وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: {جاء سراقة بن ~~مالك بن جعشم قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل ~~اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال لا بل ~~فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال: ففيم العمل؟ قال اعملوا فكل ~~ميسر} . # PageV02P153 # وفي صحيح مسلم {عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة - قال: وعرشه على الماء} . وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت أنه ~~قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم ~~يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: رب ما أكتب؟ قال اكتب ~~مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة} يا بني سمعت رسول الله ms0362 صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {من مات على غير هذا فليس مني} ورواه الترمذي من وجه آخر عن الوليد ~~بن عبادة أنه قال: دعاني - يعني أباه - عند الموت فقال: يا بني اتق الله ~~واعلم أنك إن تتق الله تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره وإن مت على ~~غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن أول ~~ما خلق الله القلم فقال اكتب قال ما أكتب؟ قال اكتب القدر ما كان وما هو ~~كائن إلى الأبد} . # وفي الترمذي أيضا عن أبي خزامة (1) عن أبيه {أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من ~~قدر الله تعالى شيئا؟ قال هي من قدر الله} . لكن إنما ثبتت في التقدير ~~المعدوم الممكن الذي سيكون فأما المعدوم PageV02P154 # الممكن الذي لا يكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة قبل وقتها ~~وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك فهذا المعدوم ممكن وهو شيء ثابت في العدم عند ~~من يقول المعدوم شيء ومع هذا فليس بمقدر كونه والله يعلمه على ما هو عليه ~~يعلم أنه ممكن وأنه لا يكون. وكذلك الممتنعات مثل شريك الباري وولده فإن ~~الله يعلم أنه {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} ويعلم أنه ليس له ~~شريك في الملك ولا ولي من الذل ويعلم أنه حي قيوم {لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~ويعلم أنه {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} . وهذه ~~المعدومات الممتنعة: ليست شيئا باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم فظهر أنه ~~قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد إذ العلم واسع؛ فإذا توسع ~~المتوسع وقال المعدوم شيء في العلم أو موجود في العلم أو ثابت في العلم ~~فهذا صحيح أما أنه في نفسه شيء فهذا باطل؛ وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في ~~هذه المسألة. # والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف: أن ms0363 ### | المعدوم ليس في نفسه شيئا # وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع ~~القديم قال الله تعالى لزكريا: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} فأخبر أنه ~~لم يك شيئا وقال تعالى: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} ~~؟ وقال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ؟ . # PageV02P155 # فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا هم ~~أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع. ولو كان المعدوم شيئا لم يتم ~~الإنكار إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شيء لكن هو معدوم فيكون الخالق ~~لهم شيئا معدوما. وقال تعالى: {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} ولو ~~كان المعدوم شيئا لكان التقدير: لا يظلمون موجودا ولا معدوما والمعدوم لا ~~يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم. وأما قوله {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} فهو ~~إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم ليس إخبارا عن الزلزلة في هذه ~~الحال؛ ولهذا قال: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} ولو أريد به ~~الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير. وقوله تعالى {إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} قد استدل به من قال المعدوم ~~شيء وهو حجة عليه؛ لأنه أخبر أنه يريد الشيء وأنه يكونه وعندهم أنه ثابت في ~~العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه والقرآن قد أخبر أن نفسه تراد وتكون ~~وهذا من فروع هذه المسألة. # فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة وأن ~~ماهية كل شيء عين وجوده وأنه ليس وجود الشيء قدرا زائدا على ماهيته بل ليس ~~في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته وليس ~~وجوده وثبوته في الخارج زائدا على ذلك. # PageV02P156 # وأولئك يقولون الوجود قدر زائد على الماهية ويقولون الماهيات غير مجعولة ~~ويقولون وجود كل شيء ms0364 زائد على ماهيته ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود ~~والواجب والممكن فيقول: الوجود الواجب عين الماهية. وأما الوجود الممكن فهو ~~زائد على الماهية. وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشيء ~~ولا يعلم وجوده وأن الوجود مشترك بين الموجودات وماهية كل شيء مختصة به. ~~ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر فإنا قد بينا الفرق بين الوجود العلمي ~~والعيني؛ وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك ~~فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام: ليس هو ثبوتها في الخارج عن ~~ذلك وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التي هي هي فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم ~~وجودها الذهني ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقي الخارجي. فقول القائل: قد ~~تصورت حقيقة الشيء وعينه ونفسه وماهيته وما علمت وجوده أو حصل وجوده العلمي ~~وما حصل وجوده العيني الحقيقي ولم يعلم ماهيته الحقيقية ولا عينه الحقيقية ~~ولا نفسه الحقيقية الخارجية فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته؛ إلا أن أحد ~~اللفظين قد يعبر به عن الذهني والآخر عن الخارجي فجاء الفرق من جهة المحل ~~لا من جهة الماهية والوجود. وأما قولهم: إن الوجود مشترك والحقيقة لا ~~اشتراك فيها - فالقول فيه كذلك فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا ~~اشتراك فيه كما أن الحقيقة المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها؛ ~~وإنما العلم يدرك الموجود المشترك # PageV02P157 # كما يدرك الماهية المشتركة فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج وما في ~~الخارج ليس فيه اشتراك ألبتة والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة في ~~الخارج لم يكن فيها اشتراك وإنما الاشتراك فيما يدركه من الأمور المطلقة ~~العامة وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم وإنما فيه المطلق ~~لا بشرط الإطلاق وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينا. فينبغي للعاقل أن يفرق ~~بين ثبوت الشيء ووجوده في نفسه وبين ثبوته ووجوده في العلم فإن ذاك هو ~~الوجود العيني الخارجي الحقيقي وأما هذا فيقال له الوجود الذهني والعلمي ~~وما من شيء إلا له هذان الثبوتان ms0365 فالعلم يعبر عنه باللفظ ويكتب اللفظ بالخط ~~فيصير لكل شيء أربع مراتب: وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في ~~اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي. ولهذا كان أول ما ~~أنزل الله على نبيه سورة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ذكر فيها النوعين فقال: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} فذكر جميع المخلوقات ~~بوجودها العيني عموما ثم خصوصا فخص الإنسان بالخلق بعدما عم غيره ثم قال: ~~{اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} فخص ~~التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم وذكر القلم لأن التعليم بالقلم ~~هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ فإن الخط يطابقه وتعليم اللفظ هو البيان ~~وهو مستلزم لتعليم العلم لأن العبارة تطابق المعنى. # PageV02P158 # فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث: اللفظي والعلمي والرسمي؛ ~~بخلاف ما لو أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ذلك مستوعبا ~~للمراتب. فذكر في هذه السورة الوجود العيني والعلمي وأن الله سبحانه هو ~~معطيهما؛ فهو خالق الخلق وخالق الإنسان وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان. ~~فأما إثبات وجود الشيء في الخارج قبل وجوده فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل ~~والسمع وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع. # PageV02P159 # فصل: # فهذا أحد أصلي ابن عربي. وأما الأصل الآخر فقولهم إن وجود الأعيان نفس ~~وجود الحق وعينه وهذا انفردوا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود ~~والنصارى والمجوس والمشركين وإنما هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين ~~لوجود الصانع كما سنبينه إن شاء الله. فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي ~~نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق لأن وجود الأعيان مغتذ ~~بالأعيان الثابتة في العدم ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود وبالفرق من حيث ~~الماهية والأعيان ويزعم أن هذا هو سر القدر لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ~~ثابت لها في العدم في أنفسها فهي التي أحسنت وأساءت وحمدت وذمت والحق لم ~~يعطها شيئا إلا ما كانت عليه في حال العدم. فتدبر كلامه كيف ms0366 انتظم شيئين: ~~إنكار وجود الحق وإنكار خلقه لمخلوقاته فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ~~ولا بخلق ومنكر لرب العالمين فلا رب ولا عالمون مربوبون إذ ليس إلا أعيان ~~ثابتة ووجود قائم بها فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب ولا الأعيان ~~مخلوقة ولا الوجود مخلوق. وهذا يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي؛ ~~لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابتة في العدم وأما الظاهر فهو وجود الخلق. # PageV02P160 # فصل: # وأما صاحبه الصدر الفخر الرومي فإنه لا يقول إن الوجود زائد على الماهية ~~فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه لكنه أكفر وأقل علما وإيمانا وأقل ~~معرفة بالإسلام وكلام المشايخ؛ ولما كان مذهبهم كفرا كان كل من حذق فيه كان ~~أكفر فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم وعنده أن ~~الله هو الوجود ولا بد من فرق بين هذا وهذا فرق بين المطلق والمعين فعنده ~~أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز وأنه إذا تعين وتميز فهو ~~الخلق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها. وهذا القول قد صرح فيه بالكفر ~~أكثر من الأول وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة وإن كان الأول أفسد من جهة ~~تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها وذلك أنه على القول الأول يمكن أن يجعل ~~للحق وجودا خارجا عن أعيان الممكنات وأنه فاض عليها فيكون فيه اعتراف بوجود ~~الرب القائم بنفسه الغني عن خلقه وإن كان فيه كفر من جهة أنه جعل المخلوق ~~هو الخالق والمربوب هو الرب بل لم يثبت خلقا أصلا ومع هذا فما رأيته صرح ~~بوجود الرب متميزا عن الوجود القائم بأعيان الممكنات. # PageV02P161 # وأما هذا فقد صرح بأنه ما ثم سوى الوجود المطلق الساري في الموجودات ~~المعينة؛ والمطلق ليس له وجود مطلق فما في الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق ~~ولا إنسان مطلق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق بل لا يوجد إلا في شيء معين. # والحقائق لها ثلاث اعتبارات: اعتبار العموم والخصوص والإطلاق. # فإذا قلنا: حيوان عام أو إنسان عام أو ms0367 جسم عام أو وجود عام فهذا لا يكون ~~إلا في العلم واللسان وأما الخارج عن ذلك فما ثم شيء موجود في الخارج يعم ~~شيئين؛ ولهذا كان العموم من عوارض صفات الحي. فيقال: علم عام وإرادة عامة ~~وغضب عام وخبر عام وأمر عام. ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضا كما في الحديث ~~الذي في سنن أبي داود {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلي وهو يدعو فقال: ~~يا علي عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض} وفي الحديث ~~أنه {لما نزل قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} عم وخص} . رواه مسلم من حديث ~~موسى بن طلحة عن أبي هريرة. وتوصف الصفة بالعموم كما في حديث التشهد: ~~{السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد ~~صالح لله في السماء والأرض} . وأما إطلاق من أطلق أن العموم من عوارض ~~الألفاظ فقط فليس كذلك إذ معاني الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من ~~الألفاظ؛ وسائر الصفات # PageV02P162 # كالإرادة؛ والحب؛ والبغض؛ والغضب؛ والرضا يعرض لها من العموم والخصوص ما ~~يعرض للقول وإنما المعاني الخارجة عن الذهن هي الموجودة في الخارج كقولهم: ~~مطر عام وخصب عام؛ هذه التي تنازع الناس: هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجازا؟ ~~على قولين: - (أحدهما مجاز لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا يقع إلا ~~حيث يقع الآخر فليس هناك عموم وقيل بل حقيقة لأن المطر المطلق قد عم. وأما ~~الخصوص فيعرض لها إذا كانت موجودة في الخارج فإن كل شيء له ذات وعين تختص ~~به ويمتاز بها عن غيره: أعني الحقيقة العينية الشخصية التي لا اشتراك فيها ~~مثل: هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم وما عرض لها في الخارج فإنه يعرض ~~لها في الذهن. فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية فإنها تشمل ~~الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات. وأما الإطلاق فيعرض لها إذا كانت في ~~الذهن بلا ريب فإن العقل يتصور إنسانا مطلقا ووجودا مطلقا. وأما في الخارج ~~فهل يتصور شيء مطلق؟ هذا فيه قولان قيل: المطلق ms0368 له وجود في الخارج فإنه جزء ~~من المعين وقيل لا وجود له في الخارج إذ ليس في الخارج إلا معين مقيد ~~والمطلق الذي يشترك فيه العدد لا يكون جزءا من المعين الذي لا يشركه فيه. ~~والتحقيق: أن المطلق بلا شرط أصلا يدخل فيه المقيد المعين وأما المطلق # PageV02P163 # بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المعين المقيد وهذا كما يقول الفقهاء: الماء ~~المطلق فإنه بشرط الإطلاق فلا يدخل فيه المضاف وأما المطلق لا بشرط فيدخل ~~فيه المضاف. فإذا قلنا: الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس ~~فالثلاثة أقسام الماء: الطهور هو الماء المطلق الذي لا يدخل فيه ما ليس ~~بطهور كالعصارات والمياه النجسة فالماء المقسوم هو المطلق لا بشرط والماء ~~الذي هو قسيم للماءين هو المطلق بشرط الإطلاق. لكن هذا الإطلاق والتقييد ~~الذي قاله الفقهاء في اسم الماء إنما هو في الإطلاق والتقييد اللفظي وهو ما ~~دخل في اللفظ المطلق كلفظ ماء أو في اللفظ المقيد كلفظ ماء نجس أو ماء ورد. ~~وأما ما كان كلامنا فيه أولا فإنه الإطلاق والتقييد في معاني اللفظ ففرق ~~بين النوعين فإن الناس يغلطون لعدم التفريق بين هذين غلطا كثيرا جدا وذلك ~~أن كل اسم فإما أن يكون مسماه معينا لا يقبل الشركة كأنا وهذا وزيد ويقال ~~له المعين والجزء وإما أن يقبل الشركة فهذا الذي يقبل الشركة هو المعنى ~~الكلي المطلق وله ثلاث اعتبارات كما تقدم. وأما ### | اللفظ المطلق والمقيد # فمثال تحرير رقبة ولم تجدوا ماء وذلك أن المعنى قد يدخل في مطلق اللفظ ~~ولا يدخل في اللفظ المطلق أي يدخل في اللفظ لا بشرط الإطلاق ولا يدخل في ~~اللفظ بشرط الإطلاق كما قلنا # PageV02P164 # في لفظ الماء؛ فإن الماء يطلق على المني وغيره كما قال: {من ماء دافق} ~~ويقال: ماء الورد لكن هذا لا يدخل في الماء عند الإطلاق لكن عند التقييد؛ ~~فإذا أخذ القدر المشترك بين لفظ الماء المطلق ولفظ الماء المقيد فهو المطلق ~~بلا شرط الإطلاق فيقال: الماء ينقسم إلى مطلق ومضاف ومورد ms0369 التقسيم ليس له ~~اسم مطلق لكن بالقرينة يقتضي الشمول والعموم وهو قولنا الماء ثلاثة أقسام. ~~فهنا أيضا ثلاثة أشياء: مورد التقسيم وهو الماء العام وهو المطلق بلا شرط ~~لكن ليس له لفظ مفرد إلا لفظ مؤلف والقسم المطلق وهو اللفظ بشرط إطلاقه ~~والثاني اللفظ المقيد وهو اللفظ بشرط تقييده. وإنما كان كذلك لأن المتكلم ~~باللفظ إما أن يطلقه أو يقيده ليس له حال ثالثة فإذا أطلقه كان له مفهوم ~~وإذا قيده كان له مفهوم ثم إذا قيده إما أن يقيده بقيد العموم أو بقيد ~~الخصوص؛ فقيد العموم كقوله: الماء ثلاثة أقسام وقيد الخصوص كقوله: ماء ~~الورد. وإذا عرف الفرق بين تقييد اللفظ وإطلاقه وبين تقييد المعنى وإطلاقه ~~عرف أن المعنى له ثلاثة أحوال: إما أن يكون أيضا مطلقا أو مقيدا بقيد ~~العموم أو مقيدا بقيد الخصوص. والمطلق من المعاني نوعان: مطلق بشرط الإطلاق ~~ومطلق لا بشرط. وكذلك الألفاظ المطلق منها قد يكون مطلقا بشرط الإطلاق ~~كقولنا الماء المطلق # PageV02P165 # والرقبة المطلقة وقد يكون مطلقا لا بشرط الإطلاق كقولنا إنسان. فالمطلق ~~المقيد بالإطلاق لا يدخل فيه المقيد بما ينافي الإطلاق فلا يدخل ماء الورد ~~في الماء المطلق وأما المطلق لا بقيد فيدخل فيه المقيد كما يدخل الإنسان ~~الناقص في اسم الإنسان. فقد تبين أن المطلق بشرط الإطلاق من المعاني ليس له ~~وجود في الخارج فليس في الخارج إنسان مطلق بل لا بد أن يتعين بهذا أو ذاك ~~وليس فيه حيوان مطلق وليس فيه مطر مطلق بشرط الإطلاق. وأما المطلق بشرط ~~الإطلاق من الألفاظ كالماء المطلق فمسماه موجود في الخارج لأن شرط الإطلاق ~~هنا في اللفظ فلا يمنع أن يكون معناه معينا وبشرط الإطلاق هناك في المعنى ~~والمسمى المطلق بشرط الإطلاق لا يتصور إذ لكل موجود حقيقة يتميز بها وما لا ~~حقيقة له يتميز بها ليس بشيء وإذا كان له حقيقة يتميز بها فتمييزه يمنع أن ~~يكون مطلقا من كل وجه فإن المطلق من كل وجه لا تمييز له فليس لنا موجود هو ms0370 ~~مطلق بشرط الإطلاق ولكن العدم المحض قد يقال: هو مطلق بشرط الإطلاق إذ ليس ~~هناك حقيقة تتميز ولا ذات تتحقق؛ حتى يقال تلك الحقيقة تمنع غيرها بحدها أن ~~تكون إياها. # PageV02P166 # وأما المطلق من المعاني لا بشرط: فهذا إذا قيل بوجوده في الخارج فإنما ~~يوجد معينا متميزا مخصوصا والمعين المخصوص يدخل في المطلق لا بشرط ولا يدخل ~~في المطلق بشرط الإطلاق إذ المطلق لا بشرط أعم ولا يلزم إذا كان المطلق بلا ~~شرط موجودا في الخارج: أن يكون المطلق المشروط بالإطلاق موجودا في الخارج؛ ~~لأن هذا أخص منه. فإذا قلنا: حيوان أو إنسان أو جسم أو وجود مطلق فإن عنينا ~~به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج وإن عنينا المطلق لا بشرط ~~فلا يوجد إلا معينا مخصوصا فليس في الخارج شيء إلا معين متميز منفصل عما ~~سواه بحده وحقيقته. فمن قال: إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين: ~~فحقيقة قوله إنه ليس للحق وجود أصلا ولا ثبوت إلا نفس الأشياء المعينة ~~المتميزة والأشياء المعينة ليست إياه فليس شيئا أصلا. وتلخيص النكتة: أنه ~~لو عنى به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج فلا يكون للحق وجود ~~أصلا وإن عنى به المطلق بلا شرط فإن قيل بعدم وجوده في الخارج فلا كلام وإن ~~قيل بوجوده فلا يوجد إلا معينا فلا يكون للحق وجود إلا وجود الأعيان. فيلزم ~~محذوران. (أحدهما أنه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات. والثاني التناقض ~~وهو قوله إنه الوجود المطلق دون المعين. # PageV02P167 # فتدبر قول هذا؛ فإنه يجعل الحق في الكائنات: بمنزلة الكلي في جزئياته ~~وبمنزلة الجنس والنوع والخاصة والفصل في سائر أعيانه الموجودة الثابتة في ~~العدم. وصاحب هذا القول: يجعل المظاهر والمراتب في المتعينات كما جعلها ~~الأول في الأعيان الثابتة في العدم. # PageV02P168 # فصل: # وأما التلمساني ونحوه: فلا يفرق بين ماهية ووجود ولا بين مطلق ومعين بل ~~عنده ما ثم سوى. ولا غير بوجه من الوجوه وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض ~~له بمنزلة أمواج البحر في ms0371 البحر وأجزاء البيت من البيت فمن شعرهم: # البحر لا شك عندي في توحده ... وإن تعدد بالأمواج والزبد # فلا يغرنك ما شاهدت من صور ... فالواحد الرب ساري العين في العدد # ومنه: # فما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد # ولا ريب أن هذا القول: هو أحذق في الكفر والزندقة فإن التمييز بين الوجود ~~والماهية وجعل المعدوم شيئا أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين وجعل ~~المطلق شيئا وراء المعينات في الذهن قولان ضعيفان باطلان. وقد عرف من حدد ~~النظر: أن من جعل في هذه الأمور الموجودة في الخارج شيئين: - (أحدهما) ~~وجودها. # PageV02P169 # والثاني ذواتها أو جعل لها حقيقة مطلقة موجودة زائدة على عينها الموجودة ~~فقد غلط غلطا قويا واشتبه عليه ما يأخذه من العقل من المعاني المجردة ~~المطلقة عن التعيين ومن الماهيات المجردة عن الوجود الخارجي بما هو موجود ~~في الخارج من ذلك ولم يدر أن متصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود ~~حاصل بذاته كما يتصور المعدومات والممتنعات والمشروطات ويقدر ما لا وجود له ~~ألبتة مما يمكن أو لا يمكن ويأخذ من المعينات صفات مطلقة فيه ومن الموجودات ~~ذوات متصورة فيه. لكن هذا القول أشد جهلا وكفرا بالله تعالى؛ فإن صاحبه لا ~~يفرق بين المظاهر والظاهر ولا يجعل الكثرة والتفرقة إلا في ذهن الإنسان لما ~~كان محجوبا عن شهود الحقيقة فلما انكشف غطاؤه عاين أنه لم يكن غير وأن ~~الرائي عين المرئي والشاهد عين المشهود. # PageV02P170 # فصل: # واعلم أن هذه المقالات: لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه؛ ~~ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة ~~قوله: إن الوجود واحد ورد ذلك وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين. وإنما ~~حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار وإنما كان الكفر الحلول العام أو ~~الاتحاد أو الحلول الخاص؛ وذلك أن القسمة رباعية لأن من جعل الرب هو العبد ~~حقيقة؛ فإما أن يقول بحلوله فيه؛ أو اتحاده به وعلى التقديرين فإما أن يجعل ~~ذلك ms0372 مختصا ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عاما لجميع الخلق. فهذه أربعة ~~أقسام: # الأول: هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول إن ~~اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحول الماء في الإناء وهؤلاء حققوا كفر ~~النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين وكان أولهم في زمن المأمون؛ وهذا قول من ~~وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه ~~حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته وغالية النساك # PageV02P171 # الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون في الولاية أو في بعضهم: ~~كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. # والثاني: هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولا وهم ~~السودان والقبط يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن ~~بالماء وهو قول من وافق هؤلاء من غالية. المنتسبين إلى الإسلام. # والثالث: هو الحلول العام وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن ~~طائفة من الجهمية المتقدمين وهو قول غالب متعبدة الجهمية؛ الذين يقولون: إن ~~الله بذاته في كل مكان؛ ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله: {وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض} وقوله: {وهو معكم} والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام ~~أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث. # الرابع: الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود ~~الكائنات وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين: من جهة أن أولئك قالوا ~~إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء ~~يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره. والثاني من ~~جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء # PageV02P172 # جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ وإذا كان الله ~~تعالى قد قال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} الآية. ~~فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس ~~والأنتان وكل شيء وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: {نحن ~~أبناء الله وأحباؤه} وقال لهم: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ms0373 أنتم بشر ممن ~~خلق} الآية فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ~~ليسوا غيره ولا سواه؟ ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه؟ وأن كل ناطق في ~~الكون فهو عين السامع؟ كما في قوله صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز ~~لأمتي عما حدثت به أنفسها} وأن الناكح عين المنكوح حتى قال شاعرهم: - وتلتذ ~~إن مرت على جسدي يدي لأني في التحقيق لست سواكم واعلم أن هؤلاء لما كان ~~كفرهم - في قولهم: إن الله هو مخلوقاته كلها - أعظم من كفر النصارى بقولهم: ~~{إن الله هو المسيح ابن مريم} وكان النصارى ضلالا أكثرهم لا يعقلون مذهبهم ~~في التوحيد إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل حيث يجعلون الرب جوهرا واحدا ~~ثم يجعلونه ثلاثة جواهر ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التي هي ~~الأقانيم والخواص عندهم ليست جواهر فيتناقضون مع كفرهم. كذلك هؤلاء ~~الملاحدة الاتحادية ضلال أكثرهم لا يعقلون قول # PageV02P173 # رءوسهم ولا يفقهونه وهم في ذلك كالنصارى كلما كان الشيخ أحمق وأجهل كان ~~بالله أعرف وعندهم أعظم. ولهم حظ من عبادة الرب الذي كفروا به كالنصارى هذا ~~ما دام أحدهم في الحجاب فإذا ارتفع الحجاب عن قلبه وعرف أنه هو: فهو ~~بالخيار بين أن يسقط عن نفسه الأمر والنهي ويبقى سدى يفعل ما أحب وبين أن ~~يقوم بمرتبة الأمر والنهي لحفظ المراتب؛ وليقتدي به الناس المحجوبون وهم ~~غالب الخلق ويزعمون أن الأنبياء كانوا كذلك إذ عدوهم كاملين. # PageV02P174 # فصل: # مذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني: مركب من ~~ثلاثة مواد: سلب الجهمية وتعطيلهم. ومجملات الصوفية: وهو ما يوجد في كلام ~~بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه ~~عن المسيح فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم وأيضا كلمات المغلوبين على ~~عقلهم الذين تكلموا في حال سكر. ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم، ~~وكلامهم في الوجود المطلق والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب والإمكان ~~وما في ذلك من حق وباطل. فهذه المادة أغلب على ابن سبعين ms0374 والقونوي والثانية ~~أغلب على ابن عربي ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام: والكل مشتركون في التجهم ~~والتلمساني أعظمهم تحقيقا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها وأكفرهم ~~بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر. # PageV02P175 # بيان ذلك أنه قال: هو في كان متجل بوحدته الذاتية عالما بنفسه وبما يصدر ~~عنه وأن المعلومات بأسرها كانت منكشفة في حقيقة العلم شاهدا لها. فيقال له: ~~قد أثبت علمه بما يصدر منه وبمعلومات يشهدها غير نفسه ثم ذكرت أنه عرض نفسه ~~على هذه الحقائق الكونية المشهودة المعدومة فعند ذلك عبر " بأنا " وظهرت ~~حقيقة النبوة التي ظهر فيها الحق واضحا وانعكس فيها الوجود المطلق وأنه هو ~~المسمى باسم الرحمن كما أن الأول هو المسمى باسم الله، وسقت الكلام إلى أن ~~قلت: وهو الآن على ما عليه كان فهذا الذي علم أنه يصدر عنه وكان مشهودا له ~~معدوما في نفسه هو الحق أو غيره؟ فإن كان الحق فقد لزم أن يكون الرب كان ~~معدوما وأن يكون صادرا عن نفسه ثم أنه تناقض. وإن كان غيره فقد جعلت ذلك ~~الغير هو مرآة لانعكاس الوجود المطلق وهو الرحمن فيكون الخلق هو الرحمن. ~~فأنت حائر بين أن تجعله قد علم معدوما صدر عنه فيكون له غير وليس هو الرحمن ~~وبين أن تجعل هذا الظاهر الواصف هو إياه وهو الرحمن فلا يكون معدوما ولا ~~صادرا عنه وإما أن تصف الشيء بخصائص الحق الخالق تارة وبخصائص العبد ~~المخلوق تارة فهذا مع تناقضه كفر من أغلظ الكفر وهو نظير قول النصارى: ~~اللاهوت الناسوت لكن هذا أكفر من وجوه متعددة. # PageV02P176 # فصل: # الوجه الأول: أن هذه الحقائق الكونية - التي ذكرت أنها كانت معدومة في ~~نفسها مشهودة أعيانها في علمه في تجليه المطلق الذي كان فيه متحدا بنفسه ~~بوحدته الذاتية - هل خلقها وبرأها وجعلها موجودة بعد عدمها أم لم تزل ~~معدومة؟ فإن كانت لم تزل معدومة: فيجب أن لا يكون شيء من الكونيات موجودا ~~وهذا مكابرة للحس؛ والعقل؛ والشرع ولا يقوله عاقل ولم يقله عاقل. وإن كانت ~~صارت موجودة ms0375 بعد عدمها: امتنع أن تكون هي إياه؛ لأن الله لم يكن معدوما ~~فيوجد. وهذا يبطل الاتحاد ووجب حينئذ أن يكون موجودا ليس هو الله بل هو ~~خلقه ومماليكه وعبيده؛ وهذا يبطل قولك وهو الآن لا شيء معه على ما عليه ~~كان. # الثاني: أن قولك تركبت الخلقة الإلهية من كان إلى سر شأنه أو قولك: ظهر ~~الحق فيه أو نحو ذلك من الألفاظ التي يطلقها هؤلاء الاتحادية في هذا ~~الموضع. مثل قولهم: ظهر الحق وتجلى وهذه مظاهر الحق ومجاليه وهذا مظهر إلهي ~~ومجلى إلهي ونحو ذلك: أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ # PageV02P177 # أو تعني به أنه صار ظاهرا متجليا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني به أنه ظهر ~~لخلقه بها وتجلى بها وأنه ما ثم قسم رابع؟ . فإن عنيت الأول - وهو قول ~~الاتحادية - فقد صرحت بأن عين المخلوقات - حتى الكلاب والخنازير والنجاسات ~~والشياطين والكفار - هي ذات الله أو هي وذات الله متحدتان أو ذات الله حالة ~~فيها وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا: {إن الله هو المسيح ابن مريم} ~~وإن الله ثالث ثلاثة وأن الله يلد ويولد وأن له بنين وبنات. وإذا صرحت بهذا ~~عرف المسلمون قولك فألحقوك ببني جنسك فلا حاجة إلى ألفاظ مجملة يحسبها ~~الظمآن ماء ويا ليته إذا جاءها لم يجدها شيئا بل يجدها سما ناقعا. وإن عنيت ~~أنه صار ظاهرا متجليا لها فهذا حقيقة أنه صار معلوما لها ولا ريب أن الله ~~يصير معروفا لعبده؛ لكن كلامك في هذا باطل من وجهين. من جهة أنك جعلته ~~معلوما للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها واعتقدت أنها إذا كانت ~~معلومة يجوز أن تصير عالمة وهذا عين الباطل: من جهة أنه إذا علم أن الشيء ~~سيكون لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالما قادرا فاعلا. ومن جهة أن هذا ليس ~~حكم جميع الكائنات المعلومة بل بعضها هو الذي يصح منه العلم. # PageV02P178 # وأما إن قلت إن الله يعلم بها - لكونها آيات دالة عليه -: فهذا حق؛ وهو ~~دين ms0376 المسلمين وشهود العارفين لكنك لم تقل هذا لوجهين: # أحدهما: أنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة لا في حال ~~كونها معدومة معلومة وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة ولا أنه أعطى ~~شيئا خلقه بل جعلت نفسه هو المتجلي لها. # الوجه الثاني: أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها لا أنه دل بها خلقه ~~وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب والله قد أخبر في كتابه أنه ~~يجعل في هذه المصنوعات آيات والآية مثل العلامة والدلالة كما قال: {وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} إلى قوله: {لآيات لقوم يعقلون} ~~وتارة يسميها نفسها آية كما قال تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} ~~وهذا الذي ذكره الله في كتابه هو الحق. فإذا قيل في نظير ذلك: تجلى بها ~~وظهر بها كما يقال علم وعرف بها كان المعنى صحيحا؛ لكن لفظ التجلي والظهور ~~في مثل هذا الموضع غير مأثور وفيه إيهام وإجمال فإن الظهور والتجلي يفهم ~~منه الظهور والتجلي للعين لا سيما لفظ التجلي فإن استعماله في التجلي للعين ~~هو الغالب وهذا مذهب الاتحادية صرح به ابن عربي وقال: فلا تقع العين إلا ~~عليه. وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق ~~المسلمين بل قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{واعلموا أن أحدا # PageV02P179 # منكم لن يرى ربه حتى يموت} ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى فإن اللفظ ~~يصير مشتركا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي ~~يظهر فيها مثال المرئي وكلاهما باطل؛ فإن ذات الله ليست في المخلوقات ولا ~~في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة ولكن ظهورها دلالتها ~~عليه وشهادتها له وأنها آيات له على نفسه وصفاته سبحانه وبحمده كما نطق ~~بذلك كتاب الله. (الوجه الثالث) أن مقارنة الألف والنون المعبر عنها " بأنا ~~" واللفظة التي هي " حقيقة النبوة " و " الروح الإضافي " هذه الأشياء داخلة ms0377 ~~في مسمى أسماء الله؛ بحيث تكون مما يدخل في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة ~~أم ليست داخلة في مسمى أسمائه؟ فإن كان الأول: فتكون جميع المخلوقات داخلة ~~في مسمى أسماء الله وتكون المخلوقات جزءا من الله وصفة له وإن كان الثاني: ~~فهذه الأشياء معدومة ليس لها وجود في أنفسها فكيف يتصور أن تكون موجودة لا ~~موجودة ثابتة لا ثابتة منتفية لا منتفية؟ وهذا تقسيم بين وهو أحد ما يكشف ~~حقيقة هذا التلبيس. فإن هذه الأمور التي كانت معلومة له معدومة عند نزول ~~الخلية ظهرت هذه الأمور التي ذكرها فهذه الأمور الظاهرة المعلومة بعد هذا ~~النزول قد صارت " أنا " وحقيقة نبوة وروحا إضافيا وفعل ذات ومفعول ذات ~~ومعنى وسائط فإن كان جميع ذلك في الله ففيه كفران عظيمان: كون جميع ~~المخلوقات جزءا من الله # PageV02P180 # وكونه متغيرا هذه التغيرات التي هي من نقص إلى كمال ومن كمال إلى نقص وإن ~~كانت خارجة عن ذاته فهذه الأشياء كانت معدومة ولم يخلقها عندهم خارجة عنه ~~فكيف يكون الحال؟ . (الوجه الرابع) أن عقدة حقيقة النبوة وما معها: إما أن ~~يكون شيئا قائما بنفسه أو صفة له أو لغيره فإن كان قائما بنفسه فإما أن ~~يكون هو الله أو غيره فإن كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة الظاهرة ~~وهو حقيقة النبوة وهو الروح الإضافي. وقد قال بعد هذا: إنه جعل الروح ~~الإضافي في صورة فعل ذاته وأنه أعطى محمدا عقدة نبوته فيكون قد جعل نفسه ~~صورة فعله وأعطى محمدا ذاته وهذا مع أنه من أبين الكفر وأقبحه فهو متناقض ~~فمن المعطي ومن المعطى؟ إذا كان أعطى ذاته لغيره وإن كانت هذه الأشياء ~~أعيانا قائمة بنفسها وهي غير الله - فسواء كانت ملائكة أو غيرها؛ من كل ما ~~سوى الله من الأعيان فهو خلق من خلق الله مصنوع مربوب والله خالق كل شيء ~~فهو قد جعل ظهور الحق واصفا وأنه المسمى باسم الرحمن فيكون المسمى باسم ~~الرحمن الواصف لنفسه مخلوقا وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد ms0378 الذين: {قيل ~~لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} ؟ ومن إلحاد الذين قيل فيهم: {وهم ~~يكفرون بالرحمن} فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين ~~وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقا من مخلوقاته. وأما إن كان المراد ~~بهذه الحقيقة وما معها صفة: فإما أن تكون صفة لله # PageV02P181 # أو لغيره فإن كانت صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم الرحمن فإن ذلك ~~اسم لنفس الله لا لصفاته والسجود لله لا لصفاته والدعاء لله لا لصفاته وإن ~~كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم. وهذا تقسيم لا محيص عنه فإن هذا ~~الملحد في أسماء الله جعل هذه العقدة التي سماها (عقدة حقيقة النبوة وجعلها ~~صورة علم الحق بنفسه وجعلها مرآة لانعكاس الوجود المطلق محلا لتميز صفاته ~~القديمة وأن الحق ظهر فيه بصورته وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به وهو المسمى ~~باسم الرحمن ثم ذكر أنه أعطى محمدا هذه العقدة. ومعلوم أن المسمى باسم ~~الرحمن هو المسمى باسم الله كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} فيكون هو سبحانه هذه العقدة التي أعطاها ~~لمحمد وإن كانت صفة له أو غيره فتكون هي الرحمن فهذا الملحد دائر بين أن ~~يكون الرحمن هو خلق من خلق الله أو صفة من صفاته وبين أن يكون الرحمن قد ~~وهبه الله لمحمد وكل من القسمين من أسمج الكفر وأبشعه. (الوجه الخامس) أن ~~قوله لهذه الحقيقة طرفان: طرف إلى الحق المواجه إليها الذي ظهر فيه الوجود ~~الأعلى واصفا وطرف إلى ظهور العالم منه وهو المسمى بالروح الإضافي. فذكر في ~~هذا الكلام ظهور الوجود وظهور العالم وقد تقدم أن الحق كان ولم يكن معه شيء ~~وهو متجل بنفسه بوحدته الذاتية وأنه لما نزلت الخلية # PageV02P182 # الإلهية ظهرت عقدة حقيقة النبوة فصارت مرآة لانعكاس الوجود فظهر الحق فيه ~~بصورة وصفة واصفا. وقد ذكر في هذا الكلام الحق المواجه إليها والوجود ~~الأعلى الذي ظهر في هذا الحق والطرف الذي لها إلى الحق فقد ms0379 ذكر هنا ثلاثة ~~أشياء: الحق والوجود والطرف وقد جعل فيما تقدم: الحق هو الوجود المطلق الذي ~~انعكس وهو الحق الذي ظهر فيه واصفا فتارة يجعل الحق هو الوجود المطلق وتارة ~~يجعل الوجود المطلق قد ظهر في هذا الحق وهذا تناقض. ثم يقال له: هذان عندك ~~عبارة عن الرب تعالى فقد جعلته ظاهرا وجعلته مظهرا فإن عنيت بالظهور الوجود ~~فيكون الرب قد وجد مرة بعد مرة وهذا كفر شنيع فكيف يتصور تكرر وجوده؟ وكيف ~~يتصور أن يكون قد وجد في نفسه بعد أن لم يكن موجودا في نفسه؟ وإن عنيت به ~~الوضوح والتجلي فليس هناك مخلوق يظهر له ويتجلى إذ العالم بعد لم يخلق وأنت ~~قلت ظهر الحق فيه واصفا وسميته الرحمن ولم تجعل ظهوره معلوما ولا مشهودا ~~فكيف يتصور أن يكون متجليا لنفسه بعد أن لم يكن متجليا؟ فإن هذا وصف له ~~بأنه لم يكن يعلم نفسه حتى علمها. وأيضا فقد قلت: إنه كان متجليا لنفسه ~~بوحدته فهذا كفر وتناقض. (الوجه السادس) أن هذا التحير والتناقض مثل تحير ~~النصارى وتناقضهم في الأقانيم. # PageV02P183 # فإنهم يقولون: الآب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة وهي إله واحد. والمتدرع ~~بناسوت المسيح هو الابن ويقولون: هي الوجود والعلم والحياة والقدرة. فيقال ~~لهم: إن كانت هذه صفات فليست آلهة ولا يتصور أن يكون المتدرع بالمسيح إلها ~~إلا أن يكون هو الآب وإن كانت جواهر: وجب أن لا تكون إلها واحدا؛ لأن ~~الجواهر الثلاثة لا تكون جوهرا واحدا وقد يمثلون ذلك بقولنا زيد العالم ~~القادر الحي فهو بكونه عالما ليس هو بكونه قادرا. فإذا قيل لهم هذا كله لا ~~يمنع أن يكون ذاتا واحدة لها صفات متعددة وأنتم لا تقولون ذلك. وأيضا: ~~فالمتحد بالمسيح إذا كان إلها: امتنع أن يكون صفة وإنما يكون هو الموصوف؛ ~~وأنتم لا تقولون بذاك فما هو الحق لا تقولونه: وما تقولونه ليس بحق وقد قال ~~تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} . ~~فالنصارى حيارى متناقضون إن ms0380 جعلوا الأقنوم صفة امتنع أن يكون المسيح إلها ~~وإن جعلوه جوهرا امتنع أن يكون الإله واحدا وهم يريدون أن يجعلوا المسيح ~~الله ويجعلوه ابن الله ويجعلوا الآب والابن وروح القدس # PageV02P184 # إلها واحدا. ولهذا وصفهم الله في القرآن بالشرك تارة وجعلهم قسما غير ~~المشركين تارة؛ لأنهم يقولون الأمرين وإن كانوا متناقضين. وهكذا حال هؤلاء ~~فإنهم يريدون أن يقولوا بالاتحاد وأنه ما ثم غير ويريدون أن يثبتوا وجود ~~العالم؛ فجعلوا ثبوت العالم في علمه وهو شاهد له وجعلوه متجليا لذلك ~~المشهود له فإذا تجلى فيه كان هو المتجلي لا غيره وكانت تلك الأعيان ~~المشهودة هي العالم. # وهذا الرجل وابن عربي: يشتركان في هذا ولكن يفترقان من وجه آخر. # فإن ابن عربي يقول: وجود الحق ظهر في الأعيان الثابتة في نفسها. فإن شئت ~~قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق والخلق وإن شئت قلت ~~لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك. # وأما هذا فإنه يقول: تجلى الأعيان المشهودة له فقد قالا في جميع الخلق ما ~~يشبه قول ملكية النصارى في المسيح حيث قالوا: بأن اللاهوت والناسوت صارا ~~جوهرا واحدا له أقنومان. وأما التلمساني فإنه لا يثبت تعددا بحال؛ فهو مثل ~~يعاقبة النصارى وهم أكفرهم والنصارى قالوا بذلك في شخص واحد وقالوا: إن ~~اللاهوت يتدرع بالناسوت بعد أن لم يكن متدرعا به. # PageV02P185 # وهؤلاء قالوا: إنه في جميع العالم وأنه لم يزل فقالوا بعموم ذلك ولزومه ~~والنصارى قالوا بخصوصه وحدوثه حتى قال قائلهم: النصارى إنما كفروا لأنهم ~~خصصوا. وهذا المعنى: قد ذكره ابن عربي في غير موضع من الفصوص وذكر أن إنكار ~~الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص وإلا فالعارف المكمل من ~~عبده في كل مظهر؛ وهو العابد والمعبود؛ وأن عباد الأصنام لو تركوا عبادتهم: ~~لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها وأن موسى إنما أنكر على هارون: لكون ~~هارون نهاهم عن عبادة العجل؛ لضيق هارون وعلم موسى ms0381 بأنهم ما عبدوا إلا الله ~~وأن هارون إنما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله في كل صورة وأن أعظم مظهر ~~عبد فيه هو الهوى فما عبد أعظم من الهوى؛ لكن ابن عربي يثبت أعيانا ثابتة ~~في العدم. وهذا ابن حمويه إنما أثبتها مشهودة في العلم فقط وهذا القول هو ~~الصحيح؛ لكن لا يتم معه ما طلبه من الاتحاد ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق ~~الاتحاد وأقرب إلى الإسلام وإن كان أكثرهم تناقضا وهذيانا فكثرة الهذيان ~~خير من كثرة الكفر. ومقتضى كلامه هذا: أنه جعل وجوده مشروطا بوجود العالم ~~وإن كان له وجود ما غير العالم كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن ~~كان قائما بالحدقة فعلى هذا يكون الله مفتقرا إلى العالم محتاجا إليه ~~كاحتياج نور العين # PageV02P186 # إلى الجفنين. وقد قال الله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء} إلى آخر الآية. فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير ~~إلى أموالهم ليعطيها الفقراء؛ فكيف قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته ~~بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت كما ينتشر نور العين ويتفرق ~~ويعدم إذا عدم الجفن؟ . وقد قال في كتابه: {إن الله يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا ولئن زالتا} الآية. فمن يمسك السموات والأرض؟ وقال في كتابه: {ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} الآية. وقال: {رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها} وقال {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي ~~العظيم} {ولا يئوده} لا يثقله ولا يكرثه. وقد جاء في الحديث؛ حديث أبي ~~داود: {ما السموات والأرض وما بينهما في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ~~والكرسي في العرش كتلك الحلقة في الفلاة} وقد قال في كتابه: {وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} الآية. وقد ثبت في الصحاح من ~~حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود: {إن الله يمسك السموات والأرض بيده} ~~فمن يكون في قبضته السموات والأرض وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يئوده ~~حفظهما # PageV02P187 # وبأمره ms0382 تقوم السماء والأرض وهو الذي يمسكهما أن تزولا أيكون محتاجا ~~إليهما مفتقرا إليهما إذا زالا تفرق وانتشر؟ . وإذا كان المسلمون يكفرون من ~~يقول: إن السموات تقله أو تظله؛ لما في ذلك من احتياجه إلى مخلوقاته فمن ~~قال: إنه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله ~~فإنه كافر؟ لأن الله غني عن العالمين حي قيوم هو الغني المطلق وما سواه ~~فقير إليه مع أن أصل الاستواء على العرش: ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف ~~الأمة وأئمة السنة بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل فكيف بمن ~~يقول إنه مفتقر إلى السموات والأرض وأنه إذا ارتفعت السموات والأرض: تفرق ~~وانتشر وعدم؟ فأين حاجته في الحمل إلى العرش من حاجة ذاته إلى ما هو دون ~~العرش؟ . ثم يقال لهؤلاء: إن كنتم تقولون بقدم السموات والأرض ودوامها: ~~فهذا كفر. وهو قول بقدم العالم وإنكار انفطار السموات والأرض وانشقاقهما ~~وإن كنتم تقولون بحدوثهما فكيف كان قبل خلقهما؟ هل كان منتشرا متفرقا ~~معدوما ثم لما خلقهما صار موجودا مجتمعا؟ هل يقول هذا عاقل؟ . فأنتم دائرون ~~بين نوعين من الكفر مع غاية الجهل والضلال فاختاروا أيهما شئتم: إن صور ~~العالم لا تزال تفنى ويحدث في العالم بدلها مثل الحيوان والنبات والمعادن ~~ومثل ما يحدثه الله في الجو من السحاب والرعد والبرق والمطر وغير ذلك فكلما ~~عدم شيء من ذلك: ينتقص من نور الحق ويتفرق # PageV02P188 # ويعدم بقدر ما عدم من ذلك وكلما زاد شيء من ذلك: زاد نوره واجتمع ووجد. ~~وأما إن عنى أن نور الله باق بعد زوال السموات والأرض؛ لكن لا يظهر فيه شيء ~~فما الشيء الذي يظهر بعد عدم هذه الأشياء؟ وأي تأثير للسموات والأرض في حفظ ~~نور الله؟ . وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ~~يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل ms0383 الليل حجابه النور ~~- أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه} وقال عبد ~~الله بن مسعود: " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه ~~". فقد أخبر الصادق المصدوق: أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~أدركه بصره من السموات والأرض وغيرهما فمن يكون سبحات وجهه تحرق السموات ~~والأرض وإنما حجابه هو الذي يمنع هذا الإحراق أيكون نوره إنما يحفظ ~~بالسموات والأرض؟ . (الوجه السابع قوله فالعلويات جفنها الفوقاني والسفليات ~~جفنها التحتاني والتفرقة البشرية في السفليات أهداب الجفن الفوقاني والنفس ~~الكلية سوادها والروح الأعظم بياضها. يقال له: فإذا كان العالم هو هذه # PageV02P189 # العين: فالعين الأخرى أي شيء هي؟ وبقية الأعضاء أين هي؟ هذا لازم قولك إن ~~عنيت بالعين المتعين وإن عنيت الذات والنفس - وهو ما تعين فيه - فقد جعلت ~~نفس السموات والأرض والحيوان والملائكة: أبعاضا من الله وأجزاء منه وهذا ~~قول هؤلاء الزنادقة الفرعونية الاتحادية الذين أتبعهم الله في الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين. فيقال له: فعلى هذا لم يخلق الله شيئا ولا ~~هو رب العالمين لأنه إما أن يخلق نفسه أو غيره فخلقه لنفسه محال وهذا معلوم ~~بالبديهة أن الشيء لا يخلق نفسه؛ ولهذا قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم ~~هم الخالقون} ؟ يقول: أخلقوا من غير خالق أم هم خلقوا أنفسهم؟ . ولهذا قال ~~جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية أحسست ~~بفؤادي قد انصدع. فقد علموا أن الخالق لا يكون هو المخلوق بالبديهة وخلقه ~~لغيره ممتنع على أصلهم؛ لأن هذه الأشياء أجزاء منه ليست غيرا له. (الوجه) ~~الثامن أنه جعل البشر أهداب جفن حقيقة الله وهم دائما يزيدون وينقصون ~~ويموتون ويحيون وفيهم الكافر والمؤمن والفاجر والبر فتكون أهداب جفن حقيقة ~~الله: لا تزال مفرقة كاشرة فاسدة ويكون المشركون واليهود والنصارى: أجفان ~~حقيقته وقد لعن من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء فكيف بمن جعلهم من نفسه؟ ~~. # PageV02P190 # (الوجه التاسع) أنه متناقض من حيث ms0384 جعل الروح بياضها والنفس الكلية سوادها ~~والسموات الجفن الأعلى والأرضون الجفن الأسفل. ومعلوم أن جفني عين الإنسان: ~~محيطان بالسواد والبياض والروح والنفس عنده هي فوق السموات والأرض ليست بين ~~السماء والأرض كما أن سواد العين وبياضها بين الجفنين فهذا التمثيل مع أنه ~~من أقبح الكفر: ففيه من الجهالة والتناقض ما تراه. (الوجه العاشر) أن النفس ~~الكلية اسم تلقاه عن الصابئة الفلاسفة. وأما الروح: فإن مقصوده بها هو الذي ~~يسمونه العقل وهو أول الصادرات وسماه هو روحا وهذا بناه على مذهب الصابئة ~~وليس هذا من دين الحنفاء وقد بينا فساد ذلك في غير هذا الموضع. لكن الصابئة ~~الفلاسفة خير من هؤلاء؛ فإنهم يقرون بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول ~~والنفوس والأفلاك والأرض لا يجعلونها إياه وهؤلاء يجعلونها إياه. فقولهم ~~إنما ينطبق على المعطلة مثل فرعون - وحزبه - الذي قال: {وما رب العالمين} ؟ ~~وقال: {ما علمت لكم من إله غيري} وقال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب} {أسباب السماوات} الآية. فإن فرعون: يقر بوجود هذا العالم ويقول: ~~ما فوقه رب ولا له خالق غيره. # PageV02P191 # فهؤلاء إذا قالوا إنه عين السموات والأرض: فقد جحدوا ما جحده فرعون ~~وأقروا بما أقر به فرعون؛ إلا أن فرعون لم يسمه إلها ولم يقل هو الله. ~~وهؤلاء قالوا: هذا هو الله فهم مقرون بالصانع؛ لكن جعلوه هو الصنعة. فهم في ~~الحقيقة معطلون وفي اعتقادهم مقرون. وفرعون بالعكس: كان منكرا للصانع في ~~الظاهر وكان في الباطن مقرا به؛ فهو أكفر منهم؛ وهم أضل منه وأجهل؛ ولهذا ~~يعظمونه جدا. (الوجه الحادي عشر) قول القائل: بل هذا هو الحق الصريح ~~المتبع؛ لا ما يرى المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه المتحير في بيداء ضلالته ~~وجهله. فيقال: من الذي قال هذا الحق من الأولين والآخرين؟ وهذا كتاب الله ~~من أوله إلى آخره الذي هو كلام الله ووحيه وتنزيله ليس فيه شيء من هذا ولا ~~في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أئمة الإسلام ~~ومشايخه إلا ms0385 عن هؤلاء المفترين على الله الذين هم في مشايخ الدين: نظير ~~جنكيزخان في أمر الحرب فديانتهم تشبه دولته ولعل إقراره بالصانع: خير من ~~إقرارهم؛ لكن بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون خيرا من التتار من هذا الوجه. ~~وأما محققوهم وجمهورهم: فيجوز عندهم التهود والتنصر والإسلام # PageV02P192 # والإشراك لا يحرمون شيئا من ذلك بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شيء ولا ~~يجب عليه شيء. ومعلوم أن التتار الكفار: خير من هؤلاء فإن هؤلاء مرتدون عن ~~الإسلام من أقبح أهل الردة والمرتد شر من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة وإذا ~~كان أبو بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة: فقتال هؤلاء أولى. # وأما ما حكاه عن الذي سماه الشيخ المحقق العالم الرباني الغوث السابع (في ~~الشمعة من أنه قال: اعلم أن العالم بمجموعه حدقة عين الله التي لا تنام ~~إلخ. فالكلام عليه من وجوه. (أحدها) أن تسمية قائل مثل هذا المقال: محققا ~~وعالما وربانيا عين الضلالة والغواية بل هذا كلام لا تقوله لا اليهود ولا ~~النصارى ولا عباد الأوثان. فإن كان الذي قاله مسلوب العقل: كان حكمه حكم ~~غيره في أن الله رفع عنه القلم وإن كان عاقلا فجرأة على الله الذي يقول: ~~{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} {لقد جئتم شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه} ~~إلى آخر الآيات. وقال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ~~{لا يسبقونه بالقول} إلى قوله: {الظالمين} وقال {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ~~ابن مريم} إلى قوله: {وإليه المصير} . # PageV02P193 # فإذا كان هذا قوله فيمن يقول: إنهم أبناؤه وأحباؤه فكيف قوله فيمن يقول: ~~إنهم أهداب جفنه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # الوجه الثاني: أن هذا الشيخ الضال - الذي قال هذا الكفر والضلال - قد نقض ~~آخر كلامه بأوله فإن لفظ العين: مشترك بين نفس الشيء وبين العضو المبصر ~~وبين مسميات أخر وإذا قال بعين الشيء فهو من العين التي بمعنى النفس أي ~~تميز ms0386 بنفسه عن غيره فإذا قال: إن العالم بمجموعه حدقة عين الله - التي لا ~~تنام - فالعين هنا بمعنى البصر. ثم قال في آخر كلامه: ونعني بعين الله ما ~~يتعين الله فيه؛ فهذا من العين بمعنى النفس وهذه العين ليس لها حدقة ولا ~~أجفان وإنما هذا بمنزلة من قال: نبعت العين وفاضت وشربنا منها واغتسلنا ~~ووزنتها في الميزان؛ فوجدتها عشرة مثاقيل؛ وذهبها خالص. وسبب هذا: أنه كان ~~كثيرا ما كان يتصرف في حروف بلا معان. # الوجه الثالث: أنه تناقض من وجه آخر؛ فإنه إذا كان العالم هو حدقة العين؛ ~~فينبغي أن يكون قد بقي من الله بقية الأعضاء غير العين فإذا قال في آخر ~~كلامه: والله هو نور العين كان الله جزءا من العين أو صفة له فقد جعل - في ~~أول كلامه - العالم جزءا من الله وفي آخر كلامه جعل الله جزءا من العالم ~~وكل من القولين كفر بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله: {وجعلوا له ~~من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين} {أم اتخذ مما يخلق بنات # PageV02P194 # وأصفاكم بالبنين} ؟ فإذا كان الله كفر من جعل له من عباده جزءا فكيف من ~~جعل عباده تارة جزءا منه وتارة جعله هو جزءا منهم. فلعن الله أرباب هذه ~~المقالات وانتصر لنفسه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم. الوجه ~~الرابع: أنه تناقض من جهة أخرى فإنه إذا قال: العين ما يتعين الله فيه ~~والعالم كله حدقة عينه التي لا تنام؛ فقد جعله متعينا في جميع العالم؛ فإذا ~~قال بعدها وهو نور العين بقيت سائر أجزاء العين؛ من الأجفان؛ والأهداب ~~والسواد؛ والبياض لم يتعين فيها فقد جعله متعينا فيها غير متعين فيها. ~~(الوجه الخامس) أن نور العين: مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها فإذا ~~كان الله في العالم كالنور في العين؛ وجب أن يكون محتاجا إلى العالم. واعلم ~~أن هذا القول يشبه قول الحلولية؛ الذين يقولون: هو في العالم كالماء في ~~الصوفة وكالحياة في الجسم ونحو ذلك ويقولون: هو بذاته في كل مكان؛ ms0387 وهذا قول ~~قدماء الجهمية الذين كفرهم أئمة الإسلام وحكي عن الجهم أنه كان يقول: هو ~~مثل هذا الهواء أو قال هو هذا الهواء. وقوله أولا: هو حدقة عين الله يشبه ~~قول الاتحادية فإن الاتحادية يقولون: هو مثل الشمعة التي تتصور في صور ~~مختلفة وهي واحدة فهو عندهم الوجود؛ واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة. # PageV02P195 # ولهذا كان صاحب هذه المقالات: متخبطا لا يستقر عند المسلمين الموحدين ~~المخلصين ولا هو عند هؤلاء الملاحدة الاتحادية من محققيهم العارفين. فإن ~~هؤلاء كلهم من جنس النصيرية والإسماعيلية مقالات هؤلاء في الرب من جنس ~~مقالات أولئك وأولئك فيهم المتمسك بالشريعة وفيهم المتخلي عنها وهؤلاء كذلك ~~لكن أولئك أحذق في الزندقة وهم يعلمون أنهم معطلون مثل فرعون وهؤلاء جهال ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # الوجه السادس: قوله: أن العلويات والسفليات لو ارتفعت: لانبسط نور الله ~~تعالى: بحيث لا يظهر فيه شيء أصلا؛ وهذا كلام مجمل ولا ريب أن قائل هذه ~~المقالة من المذبذبين بين الكافرين والمؤمنين لا هو من المؤمنين ولا من ~~الاتحادية المحضة؛ لكنه قد لبس الحق بالباطل وذلك أن الاتحادية يقولون إن ~~عين السموات والأرض لو زالت لعدم الله وهذا اللفظ يصرح به بعضهم وأما ~~غالبهم فيشيرون إليه إشارة وعوامهم لا يفهمون هذا من مذهب الباقين فإن ~~هؤلاء من جنس القرامطة والباطنية وأولئك إنما يصلون إلى البلاغ الأكبر الذي ~~هو آخر مراتب خواصهم. ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية: عن صاحب هذه ~~المقالة أنه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف. فقلت له: ~~هذا من أبطل الباطل بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد ~~والإلحاد وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه مثل # PageV02P196 # قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر فيه ~~شيء. فيقال له: إذا ارتفعت العلويات والسفليات: فما تعني بانبساطه؟ أتعني ~~تفرقه وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الأجفان؟ أم تعني أنه ينبسط شيء ~~موجود؟ وما الذي ينبسط حينئذ؟ أهو نفس الله أم ms0388 صفة من صفاته؟ وعلى أي شيء ~~ينبسط؟ وما الذي يظهر فيه أو لا يظهر؟ . فإن عنيت الأول وهو مقتضى أول ~~كلامك لأنك قلت: وإنما قلنا إن العلويات والسفليات أجفان عين الله لأنهما ~~يحافظان على ظهور النور فلو قطعت أجفان عين الإنسان؛ لتفرق نور عينه وانتشر ~~بحيث لا يرى شيئا أصلا فكذلك العلويات والسفليات لو ارتفعت: لانبسط نور ~~الله بحيث لا يظهر فيه شيء أصلا. وقد قلت: إن الله هو نور العين والروح ~~الأعظم بياضها والنفس الكلية سوادها. ومعلوم أن نور العين على ما ذكرته ~~بشرط وجوده هو الأجفان فإذا ارتفع الشرط ارتفع المشروط فيكون العالم عندك ~~شرطا في وجود الله فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله لانتفاء شرطه وإن ~~أثبت له ذاتا غير العالم فهذا أحد قولي الاتحادية. فإنهم تارة يجعلون وجود ~~الحق: هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها # PageV02P197 # وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات وهذا تعطيل محض للصانع وهو ~~قول القونوي والتلمساني وهو قول صاحب الفصوص في كثير من كلامه وتارة يجعلون ~~له وجودا قائما بنفسه ثم يجعلون نفس ذلك الوجود هو أيضا وجود المخلوقات ~~بمعنى أنه فاض عليها؛ وهذا أقل كفرا من الأول وإن كان كلاهما من أغلظ الكفر ~~وأقبحه. وفي كلام صاحب الفصوص وغيره - في بعض المواضع - ما يوافق هذا القول ~~وكذلك كلام هذا فإنه قد يشير إلى هذا المعنى. ثم مع ذلك: هل يجعلون وجوده ~~مشروطا بوجود العالم فيكون محتاجا إلى العالم أو لا يجعلون؟ قد يقولون هذا ~~وقد يقولون هذا. # السابع: أنهم يمدحون الضلال والحيرة والظلم والخطأ والعذاب الذي عذب الله ~~به الأمم ويقلبون كلام الله وكلام رسوله قلبا يعلم فساده بضرورات العقول ~~مثل قول صاحب الفصوص: لو أن نوحا ما جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه فدعاهم ~~جهارا ثم دعاهم إسرارا - إلى أن قال: وذكر عن قومه أنهم تصاموا عن دعوته ~~لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ~~في حق قومه؛ من الثناء عليهم بلسان الذم ms0389 وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته ~~لما فيها من الفرقان والأمر قرآن لا فرقان. ومن أقيم في القرآن: لا يصغى ~~إلى الفرقان؛ وإن كان فيه. فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه ونهى عنه ~~ويأتون من الإفك # PageV02P198 # والفرية على الله والإلحاد في أسماء الله وآياته بما: {تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} كقول صاحب الفصوص في فص نوح. {مما ~~خطيئاتهم أغرقوا} فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة. ~~{فأدخلوا نارا} في عين الماء في المحمدتين {وإذا البحار سجرت} سجرت التنور ~~إذا أوقدته {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} فكان الله عين أنصارهم ~~فهلكوا فيه إلى الأبد فلو أخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة: لنزلوا عن هذه ~~الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله وبالله بل هو الله. {وقال نوح رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين} الذين استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم ~~طلبا للستر لأنه دعاهم ليغفر لهم والغفر الستر {ديارا} أحدا حتى تعم ~~المنفعة كما عمت الدعوة {إنك إن تذرهم} أي تدعهم وتتركهم {يضلوا عبادك} أي ~~يحيروهم ويخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظروا ~~أنفسهم أربابا بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدا فهم العبيد الأرباب {ولا ~~يلدوا} أي ما ينتجون ولا يظهرون {إلا فاجرا} أي مظهرا ما ستر {كفارا} أي ~~ساترا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر ثم يسترونه بعد ظهوره فيحار الناظر ~~ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ولا الكافر في كفره والشخص واحد {رب اغفر لي} ~~أي استرني واستر مراحلي فيجهل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك # PageV02P199 # {وما قدروا الله حق قدره} {ولوالدي} أي من كنت نتيجة عنهما وهما العقل ~~والطبيعة {ولمن دخل بيتي} أي: قلبي {مؤمنا} مصدقا بما يكون فيه من الأخبار ~~الإلهية وهو ما حدثت به أنفسها {وللمؤمنين} من العقول {والمؤمنات} من ~~النفوس {ولا تزد الظالمين} من الظلمات أهل الغيب المكتنفين داخل الحجب ~~الظلمانية {إلا تبارا} أي هلاكا فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم. ms0390 ~~وهذا كله: من أقبح تبديل كلام الله وتحريفه ولقد ذم الله أهل الكتاب في ~~القرآن على ما هو دون هذا فإنه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وأنهم: ~~{يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} ~~{ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون} . وهؤلاء قد حرفوا كلام الله عن مواضعه أقبح تحريف وكتبوا كتب ~~النفاق والإلحاد بأيديهم وزعموا أنها من عند الله. تارة يزعمون أنهم يأخذون ~~من حيث يأخذ الملك الذي يوحي به إلى النبي فيكونون فوق النبي بدرجة. وتارة ~~يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله فيكون أحدهم في علمه بنفسه بمنزلة علم ~~الله به؛ لأن الأخذ من معدن واحد. وتارة يزعم أحدهم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعطاه في منامه هذا النفاق # PageV02P200 # العظيم والإلحاد البليغ وأمره أن يخرج به إلى أمته وأنه أبرزه كما حده له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان وكان جماعة من ~~الفضلاء - حتى بعض من خاطبني فيه وانتصر له - يرى أنه كان يستحل الكذب ~~ويختارون أن يقال: كان يتعمد الكذب وأن ذلك هو أهون من الكفر ثم صرحوا بأن ~~مقالته كفر وكان ممن يشهد عليه بتعمد الكذب غير واحد من عقلاء الناس ~~وفضلائهم؛ من المشايخ والعلماء. ومعلوم أن هذا من أبلغ الكذب على الله ~~ورسوله وأنه من أحق الناس بقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} وكثير من المتنبئين الكذابين - كالمختار بن أبي ~~عبيد وأمثاله - لم يبلغ كذبهم وافتراؤهم إلى هذا الحد. بل مسيلمة الكذاب لم ~~يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد وهؤلاء كلهم كان يعظم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويقر له بالرسالة؛ لكن كان يدعي أنه رسول آخر ولا ينكر وجود الرب ولا ~~ينكر القرآن في الظاهر وهؤلاء جحدوا الرب وأشركوا به كل شيء وافتروا هذه ~~الكتب التي قد يزعمون أنها أعظم ms0391 من القرآن ويفضلون نفوسهم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من بعض الوجوه كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم الأولياء. ~~وحدثني الثقة عن الفاجر التلمساني أنه كان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه ~~توحيد وإنما التوحيد في كلامنا. # PageV02P201 # وأما الضلال والحيرة: فما مدح الله ذلك قط ولا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {زدني فيك تحيرا} ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث ولا هو ~~في شيء من كتب الحديث ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث؛ بل ولا من يعرف ~~الله ورسوله وكذلك احتجاجه بقوله: {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا} . وإنما هذا حال المنافقين المرتدين؛ فإن الضلال والحيرة مما ذمه ~~الله في القرآن قال الله تعالى في القرآن: {قل أندعو من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران} ؟ الآية. وهكذا يريد هؤلاء الضالون؛ المتحيرون؛ ~~أن يفعلوا بالمؤمنين يريدون أن يدعوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~وهي المخلوقات والأوثان والأصنام وكل ما عبد من دون الله ويريدون أن يردوا ~~المؤمنين على أعقابهم يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت ويصيروا حائرين ضالين {كالذي استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا} . وقال تعالى: {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم} إلى قوله: {يعمهون} أي يحارون. وقال تعالى: {وارتابت قلوبهم فهم ~~في ريبهم يترددون} . وقال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فأمر بأن # PageV02P202 # نسأله هداية الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم المغايرين للمغضوب ~~عليهم وللضالين. وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال ~~والحيرة مخالفة لكتب الله ورسله ولما فطر الله عليه عباده من العقول ~~والألباب. # PageV02P203 # فصل: # في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين ما ذكرنا من مذهبه فإن أكثر الناس ~~قد لا يفهمونه. # قال في فص يوسف - بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى الله كظل ms0392 الشخص وتناقض ~~في التشبيه -: فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات فمن حيث هوية ~~الحق هو وجوده ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات فكما لا يزول ~~عنه باختلاف الصور اسم الظل: كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم العالم أو ~~اسم سوى الحق فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق لأنه الواحد الأحد ومن حيث ~~كثرة الصور هو العالم فتفطن وتحقق ما أوضحناه لك. وإذا كان الأمر على ما ~~ذكرته لك: فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي وهذا معنى الخيال أي خيل لك أنه ~~أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الوجود الحق وليس كذلك في نفس الأمر؛ ألا تراه ~~في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال؛ ~~لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته؛ فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك؟ ~~وما نسبتك إلى الحق وبما أنت حق وبها أنت عالم وسوى وغير؟ وما شاكل هذه ~~الألفاظ. # PageV02P204 # وقال في أول الفصوص - بعد فص حكمة إلهية في كلمة آدمية (وفص حكمة نفسية ~~في كلمة شيثية - وقد قسم العطاء بأمر الله وإنما يكون عن سؤال وعن غير سؤال ~~وذكر القسم الذي لا يسأل لأن شيئا هو هبة الله إلى أن قال: " ومن هؤلاء من ~~يعلم أن علم الله به في جميع أحواله: هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل ~~وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به. وهو ما كان ~~عليه في حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف من أهل الله ~~أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين: منهم من ~~يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا. والذي يعلمه مفصلا: أعلى وأتم من ~~الذي يعلمه مجملا فإنه يعلم ما تعين في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه ~~بما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وعن انتقالات ~~الأحوال ms0393 عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة ~~علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله ~~سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ~~ذلك - أي على أحوال عينه - فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على ~~أحوال عينه الثابتة - التي تقع صورة الوجود عليها - أن يطلع في هذه الحال ~~على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا ~~صورة لها. # PageV02P205 # فبهذا القدر نقول: إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في ~~إفادتها العلم ومن هنا يقول الله: {حتى نعلم} وهي كلمة محققة المعنى ما هي ~~كما يتوهم من ليس له هذا المشرب وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم ~~للتعلق وهو أعلى وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه المسألة لولا أنه أثبت ~~العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات وبهذا انفصل عن المحقق من ~~أهل الله صاحب الكشف والشهود. ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: إن الأعطيات إما ~~ذاتية أو أسمائية فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا ~~عن تجل إلهي والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا لصورة استعداد العبد ~~المتجلى له وغير ذلك لا يكون فإذن المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة ~~الحق وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه ~~كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور ~~أو صورتك إلا فيها. فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى ~~له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا وأجهد في ~~نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا ألبتة ~~حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرئي: ذهب إلى أن الصورة المرئية بين ~~بصر ms0394 الرائي وبين المرآة هذا أعظم ما قدر عليه من العلم والأمر كما قلناه ~~وذهبنا إليه. وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا: ذقت الغاية ~~التي ليس # PageV02P206 # فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا ~~الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ~~وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه فاختلط الأمر ~~وانبهم فمنا من جهل في علمه فقال: والعجز عن درك الإدراك إدراك ومنا من علم ~~فلم يقل مثل هذا القول وهو أعلى القول بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه ~~العجز وهذا هو أعلى عالم بالله. وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل صلى الله ~~عليه وسلم وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة ~~الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة ~~الولي الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ~~فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان والولاية لا ~~تنقطع أبدا. فالمرسلون من حيث كونهم أولياء: لا يرون ما ذكرناه إلا من ~~مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء ~~تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ~~ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. ~~وقد ظهر في ظاهر شرعنا: ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر؛ في أسارى بدر ~~بالحكم فيهم وفي تأبير النخل؛ فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل # PageV02P207 # شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله ~~هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ذكرناه. ~~ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى ~~موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة ms0395 غير أنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يراها - إلا كما قال - لبنة واحدة. وأما خاتم الأولياء: فلا بد له ~~من هذه الرؤية فيرى ما مثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى في الحائط ~~موضع لبنتين واللبن من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ~~ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة فلا بد من أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك ~~اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط. والسبب الموجب ~~لكونه رآها لبنتين: أنه تابع لشرع خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم في الظاهر ~~وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن ~~الله تعالى في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه رأى الأمر على ما ~~هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ ~~من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. فإن فهمت ما أشرت ~~به فقد حصل لك العلم النافع فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد ~~يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته # PageV02P208 # فإنه بحقيقته موجود وهو قوله صلى الله عليه وسلم {كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين} وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث. وكذلك خاتم ~~الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا ~~إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية والاتصاف بها من أجل كون ~~الله يسمى بالولي الحميد. فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم ~~للولاية مثل نسبة الأنبياء والرسل معه فإنه الولي الرسول النبي. وخاتم ~~الأولياء: الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات ~~خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب ~~الشفاعة؛ فعين بشفاعته حالا خاصا ما عمم؛ وفي هذه الحال الخاص تقدم على ~~الأسماء الإلهية؛ فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء ms0396 إلا بعد ~~شفاعة الشافعين ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص. فمن فهم المراتب ~~والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام اه. # فهذا الفصل قد ذكر فيه حقيقة مذهبه التي يبني عليها سائر كلامه فتدبر ما ~~فيه من الكفر الذي: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا} وما فيه من جحد خلق الله وأمره وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه وما ~~فيه من الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم # PageV02P209 # بالدعاوى الكاذبة التي ليس عليها حجة بل هي معلومة الفساد بأدنى عقل ~~وإيمان وأيسر ما يسمع من كتاب وقرآن وجعل الكفار والمنافقين والفراعنة هم ~~أهل الله وخاصته أهل الكشوف وذلك باطل من وجوه: # أحدها: أنه أثبت له عينا ثابتة قبل وجوده ولسائر الموجودات وأن ذلك ثابت ~~له ولسائر أحواله وكل ما كان موجودا من الأعيان والصفات والجواهر والأعراض ~~فعينه ثابتة قبل وجوده. وهذا ضلال قد سبق إليه كما تقدم. # الثاني: أنه جعل علم الله بالعبد إنما حصل له من علمه بتلك العين الثابتة ~~في العدم التي هي حقيقة العبد لا من نفسه المقدسة وأن علمه بالأعيان ~~الثابتة في العدم وأحوالها تمنعه أن يفعل غير ذلك وأن هذا هو سر القدر. ~~فتضمن هذا وصف الله تعالى بالفقر إلى الأعيان وغناها عنه ونفي ما استحقه ~~بنفسه من كمال علمه وقدرته ولزوم التجهيل والتعجيز وبعض ما في هذا الكلام ~~المضاهاة لما ذكره الله عمن قال فيه {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء} الآية فإنه جعل حقائق الأعيان الثابتة في العدم غنية عن ~~الله في حقائقها وأعيانها وجعل الرب مفتقرا إليها في علمه بها فما استفاد ~~علمه بها إلا منها يستفيد العبد العلم بالمحسوسات من إدراكه لها مع غنى تلك ~~المدركات عن المدرك. # PageV02P210 # والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه القديم الأزلي ~~الذي هو من لوازم نفسه المقدسة لم يستفد علمه بها منها: {ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير} فقد دلت هذه الآية على وجوب علمه ms0397 بالأشياء من وجوه ~~انتظمت البراهين المذكورة لأهل النظر والاستدلال القياس العقلي من أهل ~~الكلام والفلسفة وغيرهم: # أحدها: أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير وذلك يتضمن تقديرها في ~~العلم قل تكونها في الخارج. # الثاني: أن ذلك مستلزم للإرادة؛ والمشيئة والإرادة مستلزمة لتصور المراد ~~والشعور به وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام. # الثالث: أنها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم بأصل الأمر وسببه يوجب ~~العلم بالفرع المسبب فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر عنه. # الرابع: أنه في نفسه لطيف يدرك الدقيق؛ خبير يدرك الخفي وهذا هو مقتضى ~~العلم بالأشياء فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام فهو في علمه بالأشياء ~~مستغن بنفسه عنها كما هو غني بنفسه في جميع صفاته ثم إذا رأى الأشياء بعد ~~وجودها وسمع كلام عباده ونحو ذلك؛ فإنما يدرك ما أبدع وما خلق وما هو مفتقر ~~إليه ومحتاج من جميع وجوهه لم يحتج في علمه وإدراكه إلى غيره ألبتة؛ فلا ~~يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس الأشياء الثابتة الغنية في ~~ثبوتها عنه. # PageV02P211 # وأما جحود قدرته: فلأنه جعل الرب لا يقدر إلا على تجليه في تلك الأعيان ~~الثابتة في العدم الغنية عنه فقدرته محدودة بها مقصورة عليها مع غناها عنه ~~وثبوت حقائقها بدونه؛ وهذا عنده هو السر الذي أعجز الله أن يقدر على غير ما ~~خلق فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة ولا ينقص منه ذرة ولا يزيد في ~~المطر قطرة ولا ينقص منه قطرة ولا يزيد في طول الإنسان ولا ينقص منه ولا ~~يغير شيئا من صفاته ولا حركاته ولا سكناته ولا ينقل حجرا عن مقره ولا يحول ~~ماء عن ممره ولا يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا؛ ~~ففي الجملة لا يقدر إلا على ما وجد لأن ما وجد فعينه ثابتة في العدم ولا ~~يقدر على أكثر من ظهوره في تلك الأعيان. وهذا التجهيل والتعجيز الذي ذكره ~~وزعم أنه هو سر القدر - وإن كان قد تضمن ms0398 بعض ما قاله غيره من الضلال - ففيه ~~من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين. فإن القائلين بأن المعدوم شيء: ~~يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن ولا يجعلون علمه بالأشياء مستفادا من ~~الأشياء قبل أن يكون وجودها ولا أن خلقه وقدرته مقصورة على ما علمه منها ~~فإنه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه ~~ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما خلق هو كون الأعيان الثابتة في العدم ~~لا تقبل سوى هذا الوجود؛ بل يمكن عندهم وجودها على صفة أخرى هي أيضا من ~~الممكن الثابت في العدم. فلا يفضي قولهم لا إلى تجهيل ولا إلى تعجيز من هذا ~~الوجه؛ وإنما قد يقولون # PageV02P212 # المانع من ذلك: أن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها فعلمه بأنه لا أكمل من هذا ~~يمنعه أن يريد ما ليس أكمل بحكمته فيجعلون المانع أمرا يعود إلى نفسه ~~المقدسة؛ حتى لا يجعلونه ممنوعا من غيره. فأين من لا يجعل له مانعا من غيره ~~ولا راد لقضائه ممن يجعله ممنوعا مصدودا؟ وأين من يجعله عالما بنفسه ممن ~~يجعله مستفيدا للعلم من غيره؟ وممن هو غني عنه؟ هذا مع أن أكثر الناس ~~أنكروا على من قال: ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم. # الثالث: أنه زعم أن من الصنف الذي جعله أعلى أهل الله من يكون في علمه ~~بمنزلة علم الله لأن الأخذ من معدن واحد إذا كشف له عن أحوال الأعيان ~~الثابتة في العدم فيعلمها من حيث علمها الله إلا أنه من جهة العبد عناية من ~~الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه. يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله ~~على ذلك فجعل علمه وعلم الله من معدن واحد. # الرابع: أنه جعل الله عالما بها بعد أن لم يكن عالما واتبع المتشابه الذي ~~هو قوله: حتى نعلم وزعم أنها كلمة محققة المعنى بناء على أصله الفاسد أن ~~وجود العبد هو عين وجود الرب فكل مخلوق علم ما لم يكن ms0399 علمه فهو الله علم ما ~~لم يكن علمه. وهذا الكفر ما سبقه إليه كافر فإن غاية المكذب بقدر الله أن ~~يقول: إن الله علم ما لم يكن عالما؛ أما أنه يجعل كل ما تجدد لمخلوق من ~~العلم فإنما تجدد # PageV02P213 # لله وأن الله لم يكن عالما بما علمه كل مخلوق حتى علمه ذلك المخلوق فهذا ~~لم يفتره غيره. (الخامس) أنه زعم أن التجلي الذاتي بصورة استعداد المتجلي ~~والمتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وأنه لا يمكن أن يرى الحق مع ~~علمه بأنه ما رأى صورته إلا فيه وضرب المثل بالمرآة؛ فجعل الحق هو المرآة ~~والصورة في المرآة هي صورته. وهذا تحقيق ما ذكرته من مذهبه: أن وجود ~~الأعيان عنده وجود الحق والأعيان كانت ثابتة في العدم فظهر فيها وجود الحق ~~فالمتجلى له وهو العبد لا يرى الوجود مجردا عن الذوات ما يرى إلا الذوات ~~التي ظهر فيها الوجود فلا سبيل له إلى رؤية الوجود أبدا. وهذا عنده هو ~~الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق وما بعده إلا العدم المحض فهو ~~مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها. وذلك لأن ~~العبد لا يرى نفسه - التي هي عينه - إلا في وجود الحق الذي هو وجوده والعبد ~~مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها لأن أسماء الحق عنده هي النسب ~~والإضافات التي بين الأعيان وبين وجود الحق؛ وأحكام الأسماء هي الأعيان ~~الثابتة في العدم وظهور هذه الأحكام بتجلي الحق في الأعيان. والأعيان التي ~~هي حقيقة العيان: هي مرآة الحق التي بها يرى أسماءه؛ # PageV02P214 # وظهور أحكامها فإنه إذا ظهر في الأعيان: حصلت النسبة التي بين الوجود ~~والأعيان - وهي الأسماء - وظهرت أحكامها - وهي الأعيان - ووجود هذه الأعيان ~~هو الحق؛ فلهذا قال وليست سوى عينه فاختلط الأمر وانبهم. فتدبر هذا من ~~كلامه وما يناسبه؛ لتعلم ما يعتقده من ذات الحق وأسمائه وأن ذات الحق عنده ~~هي نفس وجود المخلوقات وأسماءه هي النسب التي بين الوجود والأعيان وأحكامها ~~هي الأعيان ms0400 لتعلم كيف اشتمل كلامه على الجحود لله ولأسمائه ولصفاته وخلقه ~~وأمره وعلى الإلحاد في أسماء الله وآياته؟ فإن هذا الذي ذكره غاية الإلحاد ~~في أسماء الله وآياته؛ الآيات المخلوقة والآيات المتلوة فإنه لم يثبت له ~~اسما ولا آية إذ ليس إلا وجودا واحدا؛ وذاك ليس هو اسما ولا آية والأعيان ~~الثابتة ليست هي أسماءه ولا آياته؛ ولما أثبت شيئين فرق بينهما بالوجود ~~والثبوت - وليس بينهما فرق - اختلط الأمر عليه وانبهم. وهذا حقيقة قوله: ~~وسر مذهبه؛ الذي يدعي أنه به أعلم العالم بالله وأنه تقدم بذلك على الصديق ~~الذي جهل فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك؛ وتقدم به على المرسلين الذين ~~ما علموا ذلك إلا من مشكاته وفيه من أنواع الكفر والضلال ما يطول عدها: # منها: الكفر بذات الله إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق. # PageV02P215 # ومنها: الكفر بأسماء الله؛ فإنها ليست عنده إلا أمور عدمية فإذا قلنا: ~~{الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} فليس الرب عنده إلا نسبة إلى ~~الثبوت. # السادس: أنه قال: فاختلط الأمر وانبهم أو هو على أصله الفاسد مختلط منبهم ~~وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين قد بين الله بكتابه الحق من الباطل ~~والهدى من الضلال. قال: فمنا من جهل في علمه فقال: العجز عن درك الإدراك ~~إدراك وهذا الكلام مشهور عندهم نسبته إلى أبي بكر الصديق فجعله جاهلا وإن ~~كان هذا اللفظ لم يحفظ عن أبي بكر ولا هو مأثور عنه في شيء من النقول ~~المعتمدة وإنما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر نحوا من ذلك عن بعض ~~التابعين غير مسمى وإنما يرسل عنه إرسالا من جهة من يكثر الخطأ في ~~مراسيلهم. كما يحكون عن {عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر إذا تخاطبا كنت كالزنجي بينهما} . وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة ~~وإنما الذي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: {خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر فقال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ~~ذلك العبد ms0401 ما عند الله فبكى أبو بكر فقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا} أو ~~كما قال. فجعل الناس يقولون: عجبا لهذا الشيخ يبكي أن ذكر رسول الله # PageV02P216 # صلى الله عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به فكان أبو بكر هو ~~أعلمهم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاصده في كلامه؛ وإن كانوا ~~كلهم مشتركين في فهمه. وهذا كما في الصحيح أنه {قيل لعلي رضي الله عنه هل ~~ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؟ وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شيئا لما يعهده إلى الناس؟ فقال: لا والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة: ~~وفيها العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر} . وبهذا الحديث ونحوه من ~~الأحاديث الصحيحة: استدل العلماء على أن كل ما يذكر عن علي وأهل البيت؛ من ~~أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهم كذب عليهم ~~مثل ما يذكر منه الجفر والبطاقة والجدول وغير ذلك وما يأثره القرامطة ~~الباطنية عنهم فإنه قد كذب على جعفر الصادق رضي الله عنه ما لم يكذب على ~~غيره. وكذلك كذب على علي رضي الله عنه وغيره من أئمة أهل البيت رضي الله ~~عنهم كما قد بين هذا وبسط في غير هذا الموضع. وهكذا يكذب قوم من النساك ~~ومدعي الحقائق على أبي بكر وغيره وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطبه ~~بحقائق يفهمها عمر مع حضوره؛ ثم قد يدعون أنهم عرفوها وتكون حقيقتها زندقة ~~وإلحادا. # PageV02P217 # وكثير من هؤلاء الزنادقة والجهال: قد يحتج على ذلك بحديث {أبي هريرة حفظت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين: أما أحدهما فبثثته فيكم؛ وأما ~~الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا الحلقوم} وهذا الحديث صحيح؛ لكن الجراب الآخر ~~لم يكن فيه شيء من علم الدين ومعرفة الله وتوحيده الذي ms0402 يختص به أولياؤه. ~~ولم يكن أبو هريرة من أكابر الصحابة الذين يخصون بمثل ذلك - لو كان هذا مما ~~يخص به - بل كان في ذلك الجراب أحاديث الفتن التي تكون بين المسلمين فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما سيكون من الفتن التي تكون بين ~~المسلمين ومن الملاحم التي تكون بينهم وبين الكفار. ولهذا لما كان مقتل ~~عثمان وفتنة ابن الزبير ونحو ذلك: قال ابن عمر: لو أخبركم أبو هريرة أنكم ~~تقتلون خليفتكم وتهدمون البيت وغير ذلك لقلتم: كذب أبو هريرة فكان أبو ~~هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث الفتن قبل وقوعها؛ لأن ذلك مما لا يحتمله ~~رءوس الناس وعوامهم. وكذلك قد يحتجون بحديث حذيفة بن اليمان وأنه صاحب السر ~~الذي لا يعلمه غيره وحديث حذيفة معروف لكن السر الذي لا يعلمه غيره: هو ~~معرفته بأعيان المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك. ويقال: إنهم كانوا هموا ~~بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم فأخبر حذيفة بأعيانهم؛ ولهذا كان عمر لا يصلي إلا على من صلى عليه ~~حذيفة؛ لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها. وقد ثبت في الصحيح عن حذيفة ~~أنه لما ذكر الفتن وأنه أعلم الناس بها # PageV02P218 # بين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصه بحديثها ولكن حدث الناس كلهم ~~قال: " وكان أعلمنا أحفظنا ". ومما يبين هذا: أن في السنن {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان عام الفتح قد أهدر دم جماعة: منهم عبد الله بن أبي سرح ~~فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فتوقف عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ساعة ثم بايعه وقال: أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلي وقد ~~أمسكت عن هذا فيضرب عنقه؟ فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله هلا أومأت ~~إلي؟ فقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين} فهذا ونحوه مما يبين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستوي ظاهره وباطنه لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه ~~كما ms0403 تدعيه الزنادقة من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنسكة ونحوهم. # السابع: أنه قال: " ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول بل أعطاه ~~العلم والسكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله وليس هذا العلم إلا ~~لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأولياء والرسل: إلا من مشكاة ~~الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم؛ حتى إن ~~الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء. فإن الرسالة والنبوة ~~- أعني نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا؛ فالمرسلون ~~من كونهم أولياء: لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من ~~دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا # PageV02P219 # في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا ~~يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى - إلى ~~قوله - ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن. ففي ~~هذا الكلام من أنواع الإلحاد والكفر وتنقيص الأنبياء والرسل ما لا تقوله لا ~~اليهود ولا النصارى؛ وما أشبهه في هذا الكلام بما ذكر في قول القائل: فخر ~~عليهم السقف من تحتهم أن هذا لا عقل ولا قرآن. وكذلك ما ذكره هنا - من أن ~~الأنبياء والرسل تستفيد من خاتم الأولياء الذي بعدهم - هو مخالف للعقل فإن ~~المتقدم لا يستفيد من المتأخر. ومخالف للشرع فإنه معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام: أن الأنبياء والرسل أفضل من الأولياء الذين ليسوا أنبياء ولا ~~رسلا. وقد يزعم أن العلم - الذي هو عنده - أعلى العلم وهو القول بوحدة ~~الوجود وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق وحقيقة تعطيل الصانع وجحده وهو ~~القول الذي يظهره فرعون فلم يكفه زعمه أن هذا حق حتى زعم أنه أعلى العلم ~~ولم يكفه ذلك حتى زعم أن الرسل إنما يرونه من مشكاة خاتم الأولياء. فجعل ~~خاتم الأولياء أعلم بالله من جميع الأنبياء والرسل وجعلهم يرون العلم بالله ~~من مشكاته. ثم ms0404 أخذ يبين ذلك فقال: فإن الرسالة والنبوة: - أعني نبوة ~~التشريع ورسالته - # PageV02P220 # ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ~~ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف بالأولياء الذين ليسوا أنبياء ولا ~~رسلا؟ وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبيا ~~ورسولا فإن هذا كفر ظاهر فزعموا أنه إنما تنقطع نبوة التشريع ورسالته يعني ~~وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق - وهي الولاية عندهم - فلم تنقطع وهذه ~~الولاية عندهم هي أفضل من النبوة والرسالة ولهذا قال ابن عربي في بعض ~~كلامه: - مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي وقال في الفصوص في: ~~(كلمة عزيرية) فإذا سمعت أحدا من أهل الله تعالى يقول أو ينقل إليك عنه أنه ~~قال: الولاية أعلى من النبوة: فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه. # أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول؛ فإنه يعني بذلك في شخص واحد وهو أن ~~الرسول عليه السلام من حيث هو ولي: أتم منه من حيث هو نبي ورسول لا أن ~~الولي التابع له أعلى منه فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدا فيما هو تابع له ~~فيه إذ لو أدركه لم يكن تابعا له ". وإذا حققوا على ذلك قالوا: إن ولاية ~~النبي فوق نبوته وإن نبوته فوق رسالته لأنه يأخذ بولايته عن الله ثم يجعلون ~~مثل ولايته ثابتة لهم ويجعلون ولاية خاتم الأولياء أعظم من ولايته وأن ~~ولاية الرسول تابعة لولاية خاتم الأولياء الذي ادعوه. # PageV02P221 # وفي هذا الكلام أنواع قد بيناها في غير هذا الموضع: (منها) أن دعوى ~~المدعي وجود خاتم الأولياء على ما ادعوه باطل لا أصل له. ولم يذكر هذا أحد ~~من المعروفين قبل هؤلاء إلا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في ~~كتاب (ختم الولاية) وقد ذكر في هذا الكتاب ما هو خطأ وغلط مخالف للكتاب ~~والسنة والإجماع. وهو - رحمه الله تعالى وإن كان فيه فضل ومعرفة وله من ~~الكلام الحسن المقبول والحقائق النافعة أشياء محمودة - ففي كلامه من ms0405 الخطأ: ~~ما يجب رده ومن أشنعها ما ذكره في كتاب (ختم الولاية) مثل دعواه فيه أنه ~~يكون في المتأخرين من درجته عند الله أعظم من درجة أبي بكر وعمر وغيرهما. ~~ثم إنه تناقض في موضع آخر؛ لما حكى عن بعض الناس أن الولي يكون منفردا عن ~~الناس فأبطل ذلك واحتج بأبي بكر وعمر وقال: يلزم هذا أن يكون أفضل من أبي ~~بكر وعمر وأبطل ذلك. ومنها أنه ذكر في كتابه ما يشعر أن ترك الأعمال ~~الظاهرة - ولو أنها التطوعات المشروعة - أفضل في حق الكامل ذي الأعمال ~~القلبية وهذا أيضا خطأ عند أئمة الطريق فإن أكمل الخلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وما زال محافظا على ما ~~يمكنه من الأوراد والتطوعات البدنية إلى مماته. # PageV02P222 # (ومنها) ما ادعاه من خاتم الأولياء الذي يكون في آخر الزمان وتفضيله ~~وتقديمه على من تقدم من الأولياء وأنه يكون معهم كخاتم الأنبياء مع ~~الأنبياء. وهذا ضلال واضح؛ فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما ثبت ~~ذلك بالنصوص المشهورة. وخير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث ~~الصحيح: {خير القرون قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم} وفي الترمذي وغيره أنه {قال في أبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل ~~الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين} قال الترمذي حديث حسن. ~~وفي صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال له ابنه: يا أبت من خير ~~الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا بني أبو بكر " قال: ثم ~~من؟ قال: " ثم عمر " وروى بضع وثمانون نفسا عنه أنه قال: " خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ". وهذا باب واسع وقد قال تعالى: {فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} وهذه ~~الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ms0406 ثم ~~الصالحون. وقد {نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفضل أحد منا نفسه على ~~يونس بن متى -} مع قوله {ولا تكن كصاحب الحوت} وقوله {وهو مليم} - تنبيها ~~على أن غيره أولى أن لا يفضل أحد نفسه عليه ففي صحيح البخاري عن ابن # PageV02P223 # مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقولن أحدكم إني خير من يونس ~~ابن متى} وفي صحيح البخاري أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ما ينبغي لعبد أن يكون خيرا من يونس بن متى} وفي لفظ: {أن يقول: أنا خير ~~من يونس بن متى} وفي البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب} وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - يعني رسول الله - {لا ينبغي ~~لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى} وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ: {فيما يرويه عن ربه لا ينبغي لعبد أن يقول ~~أنا خير من يونس بن متى} وهذا فيه نهي عام. وأما ما يرويه بعض الناس أنه ~~قال: {لا تفضلوني على يونس بن متى} ويفسره باستواء حال صاحب المعراج وحال ~~صاحب الحوت: فنقل باطل وتفسير باطل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {اثبت ~~أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد} وأبو بكر أفضل الصديقين. ولفظ خاتم ~~الأولياء: لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا له ذكر في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي فإن الله يقول: {ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} الآية " فكل من كان مؤمنا تقيا ~~كان لله وليا ". وهم على درجتين: السابقون المقربون وأصحاب اليمين ~~المقتصدون كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان ~~والمطففين. # PageV02P224 # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ms0407 الله عليه وسلم أنه قال: ~~{يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ~~يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فالمتقربون إلى الله بالفرائض: ~~هم الأبرار المقتصدون أصحاب اليمين والمتقربون إليه بالنوافل التي يحبها ~~بعد الفرائض. هم السابقون المقربون وإنما تكون النوافل بعد الفرائض. وقد ~~قال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر ابن الخطاب: اعلم أن لله عليك حقا بالليل ~~لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل وأنه لا يقبل النافلة حتى ~~تؤدي الفريضة. و ### | الاتحادية يزعمون أن قرب النوافل: يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه # وأن قرب الفرائض: يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله وهذا فاسد من وجوه ~~كثيرة بل كفر صريح كما بيناه في غير هذا الموضع. وإذا كان خاتم الأولياء ~~آخر مؤمن تقي في الدنيا فليس ذلك الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم بل أفضلهم ~~وأكملهم سابقوهم الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم فإنه كلما كان الولي ~~أعظم اختصاصا بالرسول وأخذا عنه وموافقة له: كان أفضل إذ الولي لا يكون ~~وليا لله إلا بمتابعة الرسول باطنا وظاهرا؛ فعلى قدر المتابعة للرسول: يكون ~~قدر الولاية لله. # PageV02P225 # والأولياء وإن كان فيهم محدثون كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد ~~فعمر} فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر؛ وأبو بكر ~~أفضل منه إذ هو الصديق فالمحدث - وإن كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى ~~فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم كما قال أبو الحسن ~~الشاذلي: قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء ms0408 به الكتاب والسنة ولم تضمن لنا ~~العصمة في الكشوف والإلهام. ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافا عند كتاب الله ~~وكان أبو بكر الصديق يبين له أشياء تخالف ما يقع له كما بين له يوم ~~الحديبية ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ويوم قتال مانعي الزكاة وغير ~~ذلك وكان عمر بن الخطاب يشاور الصحابة؛ فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه ~~وربما قال القول: فترد عليه امرأة من المسلمين قوله وتبين له الحق فيرجع ~~إليها ويدع قوله كما قدر الصداق وربما يرى رأيا فيذكر له حديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيعمل به ويدع رأيه وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه في ~~قضايا متعددة وكان يقول القول فيقال له: أصبت فيقول والله ما يدري عمر أصاب ~~الحق أم أخطأه؟ . فإذا كان هذا إمام المحدثين فكل ذي قلب يحدثه قلبه عن ربه ~~إلى يوم القيامة هو دون عمر فليس فيهم معصوم بل الخطأ يجوز عليهم كلهم وإن # PageV02P226 # كان طائفة تدعي أن الولي محفوظ وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة ~~والحكيم الترمذي قد أشار إلى هذا - فهذا باطل مخالف للسنة والإجماع. ولهذا ~~اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس: يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإن كانوا متفاضلين في الهدى والنور والإصابة؛ ولهذا ~~كان الصديق أفضل من المحدث لأن الصديق يأخذ من مشكاة النبوة فلا يأخذ إلا ~~شيئا معصوما محفوظا. وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ والكتاب والسنة تميز ~~صوابه من خطئه؛ وبهذا صار جمع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسنة لا بد ~~لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما ~~خالف ذلك فهو باطل وإن كانوا مجتهدين فيه والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ~~ويغفر لهم خطأهم. ومعلوم أن السابقين الأولين أعظم اهتداء واتباعا للآثار ~~النبوية فهم أعظم إيمانا وتقوى وأما آخر الأولياء: فلا يحصل له مثل ما حصل ~~لهم. والحديث الذي يروى: {مثل أمتي كمثل الغيث لا يدرى ms0409 أوله خير أم آخره؟} ~~قد تكلم في إسناده وبتقدير صحته إنما معناه يكون في آخر الأمة من يقارب ~~أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير كما يشتبه على بعض الناس طرفا ~~الثوب مع القطع بأن الأول خير من الآخر ولهذا قال: " لا يدرى " ومعلوم أن ~~هذا السلب ليس عاما لها فإنه لا بد أن يكون معلوما أيهما أفضل. # PageV02P227 # ثم إن هذا خاتم الأولياء صار مرتبة موهومة لا حقيقة له وصار يدعيها لنفسه ~~أو لشيخه طوائف وقد ادعاها غير واحد ولم يدعها إلا من في كلامه من الباطل ~~ما لم تقله اليهود ولا النصارى كما ادعاها صاحب الفصوص وتابعه صاحب الكلام ~~في الحروف وشيخ من أتباعهم كان بدمشق وآخر كان يزعم أنه المهدي الذي يزوج ~~بنته بعيسى ابن مريم وأنه خاتم الأولياء ويدعي هؤلاء وأمثالهم من الأمور ما ~~لا يصلح إلا لله وحده كما قد يدعي المدعي منهم لنفسه أو لشيخه ما ادعته ~~النصارى في المسيح. ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الأمر: على أن الولي يأخذ ~~عن الله بلا واسطة والنبي يأخذ بواسطة الملك فلهذا صار خاتم الأولياء أفضل ~~عندهم من هذه الجهة وهذا باطل وكذب فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بواسطة ~~الرسول إليه وإذا كان محدثا قد ألقي إليه شيء: وجب عليه أن يزنه بما جاء به ~~الرسول من الكتاب والسنة. وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه: - من وراء ~~حجاب كما كلم موسى. وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء. ~~وبالإيحاء وهذا فيه للولي نصيب وأما المرتبتان الأوليان: فإنهما للأنبياء ~~خاصة فالأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين إلا ~~بتوسط رسل الله إليهم ولو لم يكن إلا عرضه على ما جاء به الرسول # PageV02P228 # ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة نبي أو رسول فكيف يكونون آخذين عن ~~الله بلا واسطة ويكون هذا الأخذ أعلى وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى ولا ~~إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما نزلت على الأنبياء؟ وهذا دين ms0410 المسلمين ~~واليهود والنصارى. # وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية: فبنوا على أصلهم الفاسد: أن الله هو ~~الوجود المطلق الثابت لكل موجود وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر - وإن ~~كانت من وساوس الشيطان - يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن الله بلا واسطة وأنهم ~~يكلمون كما كلم موسى بن عمران وفيهم من يزعمون أن حالهم أفضل من حال موسى ~~بن عمران؛ لأن موسى سمع الخطاب من الشجرة وهم - على زعمهم - يسمعون الخطاب ~~من حي ناطق كما يذكر عن صاحب الفصوص أنه قال: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وأعانهم على ذلك: ما اعتقدوه من مذاهب الجهمية وأتباعهم الذين يزعمون أن ~~تكليم الله لموسى إنما كان من جنس الإلهام وأن العبد قد يرى الله في الدنيا ~~إذا زال عن عينه المانع إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد وإنما ~~الحجاب متصل به؛ فإذا ارتفع شاهد الحق. وهم لا يشاهدون إلا ما يتمثلونه من ~~الوجود المطلق الذي لا حقيقة له إلا في أذهانهم أو من الوجود المخلوق. ~~فيكون الرب المشهود عندهم - الذي # PageV02P229 # يخاطبهم في زعمهم - لا وجود له إلا في أذهانهم أو لا وجود له إلا وجود ~~المخلوقات؛ وهذا هو التعطيل للرب تعالى ولكتبه ولرسله والبدع دهليز الكفر ~~والنفاق كما أن التشيع دهليز الرفض والرفض دهليز القرمطة والتعطيل فالكلام ~~الذي فيه تجهم هو دهليز التجهم والتجهم دهليز الزندقة والتعطيل. وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {واعلموا أن أحدا منكم لن ~~يرى ربه حتى يموت} ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله يرى في الآخرة ~~وأنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه. وفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ~~كلام معروف لعائشة وابن عباس فعائشة أنكرت الرؤية وابن عباس ثبت عنه في ~~صحيح مسلم أنه قال: {رأى محمد ربه بفؤاده مرتين} وكذلك ذكر أحمد عن أبي ذر ~~وغيره أنه أثبت رؤيته بفؤاده وهذا المنصوص عن ابن عباس وأبي ذر وغيرهما هو ~~المنصوص عن أحمد ms0411 وغيره من أئمة السنة ولم يثبت عن أحد منهم إثبات الرؤية ~~بالعين في الدنيا كما لم يثبت عن أحد منهم إنكار الرؤية في الآخرة. ولكن ~~كلا القولين تقول به طوائف من الجهمية فالنفي يقول به متكلمة الجهمية ~~والإثبات يقول به بعض متصوفة الجهمية كالاتحادية وطائفة من غيرهم وهؤلاء ~~الاتحادية يجمعون بين النفي والإثبات كما يقول ابن سبعين: عين ما ترى ذات ~~لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى. ونحو ذلك لأن مذهبهم # PageV02P230 # مستلزم الجمع بين النقيضين فهم يقولون في عموم الكائنات ما قالته النصارى ~~في المسيح ولهذا تنوعوا في ذلك تنوع النصارى في المسيح. ومن الأنواع التي ~~في دعواهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من بعض الوجوه فإن هذا ~~لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذي ولا غيره من المشايخ المعروفين بل ~~الرجل أجل قدرا وأعظم إيمانا من أن يفتري هذا الكفر الصريح ولكن أخطأ شبرا ~~ففرعوا على خطئه ما صار كفرا. وأعظم من ذلك: زعمهم أن الأولياء والرسل من ~~حيث ولايتهم تابعون لخاتم الأولياء وآخذون من مشكاته فهذا باطل بالعقل ~~والدين فإن المتقدم لا يأخذ من المتأخر والرسل لا يأخذون من غيرهم. وأعظم ~~من ذلك: أنه جعلهم تابعين له في العلم بالله الذي هو أشرف علومهم وأظهر من ~~ذلك أنه جعل العلم بالله هو مذهب أهل وحدة الوجود القائلين بأن وجود ~~المخلوق: هو عين وجود الخالق. فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد ~~درجة: واستشهاده على تفضيل غير النبي عليه بقصة عمر وتأبير النخل فهل يقول ~~مسلم إن عمر كان أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم برأيه في الأسرى؟ أو أن ~~الفلاحين الذين يحسنون صناعة التأبير أفضل من الأنبياء في ذلك؟ ثم ما قنع ~~بذلك حتى قال: فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل علم وكل مرتبة ~~وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله هنالك مطلبهم. # PageV02P231 # فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن تقدمه عليه بالعلم بالله ~~وتقدم خاتم ms0412 الأنبياء عليه بالتشريع فقط؛ وهذا من أعظم الكفر الذي يقع فيه ~~غالية المتفلسفة وغالية المتصوفة وغالية المتكلمة الذين يزعمون أنهم في ~~الأمور العلمية أكمل من الرسل كالعلم بالله ونحو ذلك وأن الرسل إنما تقدموا ~~عليهم بالتشريع العام الذي جعل لصلاح الناس في دنياهم. وقد يقولون: إن ~~الشرائع قوانين عدلية وضعت لمصلحة الدنيا فأما المعارف والحقائق والدرجات ~~العالية في الدنيا والآخرة: فيفضلون فيها أنفسهم وطرقهم على الأنبياء وطرق ~~الأنبياء. وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين: أن هذا من أعظم الكفر ~~والضلال وكان ذلك من سبب جحد حقائق ما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان بالله ~~واليوم الآخر وزعمهم أن ما يقوله هؤلاء في هذا الباب هو الحق. وصاروا في ~~أخبار الرسل تارة يكذبونها وتارة يحرفونها وتارة يفوضونها وتارة يزعمون أن ~~الرسل كذبوا لمصلحة العموم. ثم عامة الذين يقولون هذه المقالات: يفضلون ~~الأنبياء والرسل على أنفسهم إلا الغالية منهم كما تقدم فهؤلاء من شر الناس ~~قولا واعتقادا. وقد كان عندنا شيخ من أجهل الناس كان يعظمه طائفة من ~~الأعاجم ويقال إنه خاتم الأولياء؛ يزعم أنه يفسر العلم بوجهين وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما فسره بوجه واحد وأنه هو أكمل من النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV02P232 # وهذا تلقاه من صاحب الفصوص وأمثال هذا في هذه الأوقات كثيرون وسبب ضلال ~~المتفلسفة: وأهل التصوف والكلام: الموافقة لضلالهم وليس هذا موضع الإطناب ~~في بيان ضلال هذا وإنما الغرض التنبيه على أن صاحب الفصوص وأمثاله قالوا ~~قول هؤلاء. فأما كفر من يفضل نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ~~صاحب الفصوص - فظاهر؛ ولكن من هؤلاء من لا يرى ذلك؛ ولكن يرى أن له طريقا ~~إلى الله غير اتباع الرسول ويسوغ لنفسه اتباع تلك الطريق وإن خالف شرع ~~الرسول ويحتجون بقصة موسى والخضر. ولا حجة فيها لوجهين: # أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباع ~~موسى فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ms0413 {أن ~~موسى لما سلم على الخضر قال: وأنى بأرضك السلام؟ قال أنا موسى قال: موسى ~~بني إسرائيل؟ قال نعم قال: إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ~~وأنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه} . ولهذا قال نبينا صلى الله عليه ~~وسلم {فضلنا على الناس بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا فأي رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره وأحلت لي الغنائم ~~ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى # PageV02P233 # الناس عامة} وقال: {أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت ~~الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة} وقد قال ~~تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} وقال تعالى: {قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا} الآية. فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول ~~الله إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم عربهم وعجمهم ملوكهم وزهادهم الأولياء ~~منهم وغير الأولياء فليس لأحد الخروج عن متابعته باطنا وظاهرا ولا عن ~~متابعة ما جاء به من الكتاب والسنة في دقيق ولا جليل لا في العلوم ولا ~~الأعمال وليس لأحد أن يقول له كما قال الخضر لموسى وأما موسى فلم يكن ~~مبعوثا إلى الخضر. # الثاني: أن قصة الخضر ليس فيها مخالفة للشريعة بل الأمور التي فعلها تباح ~~في الشريعة إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر ولهذا لما بين أسبابها ~~لموسى وافقه على ذلك ولو كان مخالفا لشريعته لم يوافقه بحال. وقد بسطنا هذا ~~في غير هذا الموضع فإن خرق السفينة مضمونه أن المال المعصوم يجور للإنسان ~~أن يحفظه لصاحبه بإتلاف بعضه؛ فإن ذلك خير من ذهابه بالكلية كما جاز للراعي ~~- على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - أن يذبح الشاة؛ التي خاف عليها الموت ~~وقصة الغلام مضمونها جواز قتل الصبي الصائل ولهذا قال ابن عباس لنجدة: وأما ~~الغلمان فإن كنت تعلم ms0414 منهم ما علمه الخضر # PageV02P234 # من ذلك الغلام فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم. وأما إقامة الجدار ففيها فعل ~~المعروف بلا أجرة مع الحاجة إذا كان لذرية قوم صالحين. (الوجه الثامن) أنه ~~قال: ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط إلى آخر كلامه وهو ~~متضمن أن العلم نوعان: (أحدهما) علم الشريعة وهو يأخذ عن الله كما يأخذ ~~النبي فإنه قال: والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل ~~في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما ~~هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ~~ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا. وهذا الذي زعمه - من أن الولي يأخذ عن ~~الله في السر ما يتبع فيه الرسل كأئمة العلماء مع أتباعهم - فيه من الإلحاد ~~ما لا يخفى على من يؤمن بالله ورسله فإن هذا يدعي أنه أوتي مثل ما أوتي رسل ~~الله ويقول إنه أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ويجعل الرسل بمنزلة معلمي الطب ~~والحساب والنحو وغير ذلك؛ إذا عرف المتعلم الدليل الذي قال به معلمه فينبغي ~~موافقته له لمشاركته له في العلم لا لأنه رسول وواسطة من الله إليه في ~~تبليغ الأمر والنهي. وهذا الكفر يشبه كفر مسيلمة الكذاب ونحوه ممن يدعي أنه ~~مشارك للرسول في الرسالة وكان يقول مؤذنه أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا ~~الله. # PageV02P235 # (والنوع الثاني) علم الحقيقة وهو فيه فوق الرسول كما قال: هو موضع اللبنة ~~الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به ~~إلى الرسول فقد ادعى أن هذا العلم الذي هو موضع اللبنة الذهبية - وهو علم ~~الباطن والحقيقة - هو فيه فوق الرسول لأنه يأخذه من حيث يأخذ الملك العلم ~~الذي يوحي به إلى الرسول والرسول يأخذه من الملك وهو يأخذه من فوق الملك من ~~حيث يأخذه الملك وهذا فوق دعوى مسيلمة الكذاب فإن مسيلمة لم يدع أنه أعلى ~~من الرسول في علم ms0415 من العلوم الإلهية وهذا ادعى أنه فوقه في العلم بالله. ثم ~~قال: فإن فهمت ما أشرت به: فقد حصل لك العلم النافع. ومعلوم أن هذا الكفر ~~فوق كفر اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى لا ترضى أن تجعل أحدا من ~~المؤمنين فوق موسى وعيسى وهذا يزعم أنه هو وأمثاله ممن يدعي أنه خاتم ~~الأولياء أنه فوق جميع الرسل وأعلم بالله من جميع الرسل وعقلاء الفلاسفة لا ~~يرضون بهذا وإنما يقول مثل هذا غلاتهم وأهل الحمق منهم الذين هم من أبعد ~~الناس عن العقل والدين. (التاسع) قوله: فكل نبي من لدن آدم - إلى آخر الفصل ~~- تضمن أن جميع الأنبياء والرسل لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم النبيين ليوطن ~~لنفسه بذلك أن جميع الأنبياء: لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم الأولياء # PageV02P236 # وكلاهما ضلال فإن الرسل ليس منهم أحد يأخذ من آخر إلا من كان مأمورا ~~باتباع شريعته كأنبياء بني إسرائيل والرسل الذين بعثوا فيهم الذين أمروا ~~باتباع التوراة كما قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} الآية. ~~وأما إبراهيم: فلم يأخذ عن موسى وعيسى. ونوح: لم يأخذ عن إبراهيم ونوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى: لم يأخذوا عن محمد وإن بشروا به وآمنوا به كما قال ~~تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} الآية. قال ~~ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد وأخذ العهد على ~~قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. (العاشر) قوله: فإنه بحقيقته ~~موجود وهو قوله: {كنت نبيا وآدم بين الماء والطين} بخلاف غيره من الأنبياء ~~وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين: كذب واضح مخالف ~~لإجماع أئمة الدين وإن كان هذا يقوله طائفة من أهل الضلال والإلحاد. فإن ~~الله علم الأشياء وقدرها قبل أن يكونها ولا تكون موجودة بحقائقها إلا حين ~~توجد ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ولم تكن حقيقته صلى الله عليه ~~وسلم موجودة قبل أن يخلق إلا كما كانت حقيقة غيره بمعنى أن ms0416 الله علمها ~~وقدرها. لكن كان ظهور خبره واسمه مشهورا أعظم من غيره فإنه كان مكتوبا # PageV02P237 # في التوراة والإنجيل وقبل ذلك كما روى الإمام أحمد في مسنده عن العرباض ~~بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إني لعبد الله مكتوب خاتم ~~النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم ~~وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني كأنه خرج منها نورا أضاءت له قصور ~~الشام} . وحديث ميسرة الفجر: {قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ وفي لفظ متى ~~كتبت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد} وهذا لفظ الحديث. وأما قوله: {كنت ~~نبيا وآدم بين الماء والطين} فلا أصل له لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث ~~بهذا اللفظ وهو باطل فإنه لم يكن بين الماء والطين إذ الطين ماء وتراب ولكن ~~لما خلق الله جسد آدم قبل نفخ الروح فيه: كتب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقدرها كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: {إن خلق أحدكم يجعل في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر ~~بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أو سعيدا ثم ينفخ فيه ~~الروح} وروي أنه كتب اسمه على ساق العرش ومصاريع الجنة. فأين الكتاب ~~والتقدير من وجود الحقيقة؟ . وما يروى في هذا الباب من الأحاديث: هو من هذا ~~الجنس مثل كونه كان نورا يسبح حول العرش أو كوكبا يطلع في السماء ونحو ذلك ~~كما ذكره # PageV02P238 # ابن حمويه - صاحب ابن عربي - وذكر بعضه عمر الملا في وسيلة المتعبدين ~~وابن سبعين وأمثالهم ممن يروي الموضوعات المكذوبات باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث. فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى أنه اجتمع بي قديما ~~شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه يسميه أصحابه سلطان الأقطاب وتفاوضنا في كتاب ~~الفصوص وكان معظما له ولصاحبه؛ حتى أبديت له بعض ما ms0417 فيه فهاله ذلك وأخذ ~~يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب. (الحادي عشر) قوله: وخاتم ~~الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين - إلى قوله - فخاتم الرسل من حيث ~~ولايته نسبته مع الختم للولاية كنسبة الأولياء والرسل معه - إلى آخر الكلام ~~- ذكر فيه ما تقدم من كون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الختم ~~المدعى كسائر الأنبياء والرسل معه يأخذ من مشكاته العلم بالله الذي هو أعلى ~~العلم وهو وحدة الوجود أنه مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. ~~فعين حالا خاصا ما عمم - إلى قوله - ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام ~~الخاص. فكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: أنه قال: أنا سيد ~~ولد آدم في الشفاعة خاصة وألحد وافترى من حيث زعم أنه سيد في الشفاعة فقط ~~لا في بقية المراتب؛ بخلاف الختم المفترى فإنه سيد في العلم بالله وغير ذلك ~~من المقامات. # PageV02P239 # ولقد كنت أقول: لو كان المخاطب لنا من يفضل إبراهيم أو موسى أو عيسى على ~~محمد صلى الله عليه وسلم: لكانت مصيبة عظيمة لا يحتملها المسلمون فكيف بمن ~~يفضل رجلا من أمة محمد على محمد وعلى جميع الأنبياء والرسل في أفضل العلوم ~~ويدعي أنهم يأخذون ذلك من مشكاته؟ وهذا العلم هو غاية الإلحاد والزندقة. ~~وهذا المفضل من أضل بني آدم وأبعدهم عن الصراط المستقيم وإن كان له كلام ~~كثير ومصنفات متعددة وله معرفة بأشياء كثيرة وله استحواذ على قلوب طوائف من ~~أصناف المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة والمتفقهة والعامة فإن هذا الكلام من ~~أعظم الكلام ضلالا عند أهل العلم والإيمان والله أعلم. وقد تبين أن في هذا ~~الكلام من الكفر والتنقيص بالرسل والاستخفاف بهم والغض منهم؛ بل والكفر بهم ~~وبما جاءوا به: ما لا يخفى على مؤمن وقد حدثني أحد أعيان الفضلاء: أنه سمع ~~الشيخ إبراهيم الجعبري - رحمة الله عليه - يقول: رأيت ابن عربي - وهو شيخ ~~نجس - يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله. ولقد صدق ms0418 فيما قال؛ ~~ولكن هذا بعض الأنواع التي ذكرها من الكفر. وكذلك قول أبي محمد بن عبد ~~السلام: هو شيخ سوء مقبوح كذاب # PageV02P240 # يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا - هو حق عنه؛ لكنه بعض أنواع ما ذكره من ~~الكفر؛ فإن قوله: لم يكن قد تبين له حاله وتحقق وإلا فليس عنده رب وعالم ~~كما تقوله الفلاسفة الإلهيون الذين يقولون بواجب الوجود؛ وبالعالم الممكن؛ ~~بل عنده وجود العالم هو وجود الله وهذا يطابق قول الدهرية الطبائعية الذين ~~ينكرون وجود الصانع مطلقا ولا يقرون بوجود واجب غير العالم. كما ذكر الله ~~عن فرعون وذويه؛ وقوله مطابق لقول فرعون لكن فرعون لم يكن مقرا بالله ~~وهؤلاء يقرون بالله ولكن يفسرونه بالوجود الذي أقر به فرعون فهم أجهل من ~~فرعون وأضل؛ وفرعون أكفر منهم: إذ في كفره من العناد والاستكبار ما ليس في ~~كفرهم كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال له ~~موسى: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} . # وجماع أمر صاحب الفصوص وذويه: هدم أصول الإيمان الثلاثة؛ فإن أصول ~~الإيمان: الإيمان بالله؛ والإيمان برسله؛ والإيمان باليوم الآخر. فأما ~~الإيمان بالله: فزعموا أن وجوده وجود العالم ليس للعالم صانع غير العالم. ~~وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل ومنهم من # PageV02P241 # يأخذ العلم بالله - الذي هو التعطيل ووحدة الوجود - من مشكاته وأنهم ~~يساوونه في أخذ العلم بالشريعة عن الله. وأما الإيمان باليوم الآخر فقد ~~قال: # فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وبالوعيد الحق عين تعاين # وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم يباين # وهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال: # إن النار تصير لأهلها طبيعة نارية يتمتعون بها وحينئذ: فلا خوف ولا محذور ~~ولا عذاب؛ لأنه أمر مستعذب. ثم إنه في الأمر والنهي: عنده الآمر والناهي ~~والمأمور والمنهي: واحد؛ ولهذا كان أول ما قاله في الفتوحات المكية التي هي ~~أكبر كتبه: # الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف؟ # إن ms0419 قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أنى يكلف؟ # وفي موضع آخر " فذاك ميت " رأيته بخطه. وهذا مبني على أصله فإن عنده ما ~~ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن المكلف؟ وعلى أصله هو المكلف والمكلف ~~كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا. # PageV02P242 # وكما قال ابن الفارض في قصيدته: التي نظمها على مذهبهم وسماها نظم ~~السلوك: # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # ومضمونها: هو القول بوحدة الوجود وهو مذهب ابن عربي وابن سبعين وأمثالهم ~~كما قال: # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل عابد ساجد إلي ... حقيقتة بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى سواي فلم ... تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة # إلى قوله: # وما زلت إياها وإياي ... لم تزل ولا فرق؛ بل ذاتي لذاتي أحبت # ومثل هذا كثير والله أعلم. وحدثني صاحبنا الفقيه الصوفي أبو الحسن علي بن ~~قرباص: أنه دخل على الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني فوجده يصنف كتابا. فقال: ~~ما هذا؟ فقال: هذا في الرد على ابن سبعين وابن الفارض وأبي الحسن الجزلي ~~والعفيف التلمساني. وحدثني عن جمال الدين ابن واصل وشمس الدين الأصبهاني: ~~أنهما كانا # PageV02P243 # ينكران كلام ابن عربي ويبطلانه ويردان عليه وأن الأصبهاني رأى معه كتابا ~~من كتبه فقال له: إن اقتنيت شيئا من كتبه فلا تجئ إلي أو ما هذا معناه. وأن ~~ابن واصل لما ذكر كلامه في التفاحة التي انقلبت عن حوراء فتكلم معها أو ~~جامعها فقال: والله الذي لا إله إلا هو يكذب. ولقد بر في يمينه. وحدثني ~~صاحبنا العالم الفاضل أبو بكر بن سالار: عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ~~- شيخ وقته - عن الإمام أبي محمد ابن عبد السلام أنهم سألوه عن ابن عربي ~~لما دخل مصر فقال: شيخ سوء كذاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا وكان ~~تقي الدين يقول: هو صاحب خيال واسع. حدثني بذلك غير واحد من الفقهاء ~~المصريين ممن سمع كلام ابن دقيق العيد. ms0420 وحدثني ابن بحير عن رشيد الدين سعيد ~~وغيره أنه قال: كان يستحل الكذب هذا أحسن أحواله. وحدثني الشيخ العالم ~~العارف كمال الدين المراغي شيخ زمانه أنه لما قدم وبلغه كلام هؤلاء في ~~التوحيد قال: قرأت على العفيف التلمساني من كلامهم شيئا فرأيته مخالفا ~~للكتاب والسنة فلما ذكرت ذلك له قال: القرآن ليس فيه توحيد بل القرآن كله ~~شرك ومن اتبع القرآن لم يصل إلى التوحيد قال فقلت له: ما الفرق عندكم بين ~~الزوجة والأجنبية والأخت الكل واحد؟ قال # PageV02P244 # لا فرق بين ذلك عندنا وإنما هؤلاء المحجوبون اعتقدوه حراما فقلنا هو حرام ~~عليهم عندهم وأما عندنا فما ثم حرام. وحدثني كمال الدين المراغي؛ أنه لما ~~تحدث مع التلمساني في هذا المذهب قال - وكنت أقرأ عليه في ذلك - فإنهم ~~كانوا قد عظموه عندنا ونحن مشتاقون إلى معرفة (فصوص الحكم فلما صار يشرحه ~~لي أقول هذا خلاف القرآن والأحاديث فقال: ارم هذا كله خلف الباب واحضر بقلب ~~صاف حتى تتلقى هذا التوحيد - أو كما قال - ثم خاف أن أشيع ذلك عنه فجاء إلي ~~باكيا وقال: استرعني ما سمعته مني. وحدثني أيضا كمال الدين أنه اجتمع ~~بالشيخ أبي العباس الشاذلي تلميذ الشيخ أبي الحسن فقال عن التلمساني: هؤلاء ~~كفار هؤلاء يعتقدون أن الصنعة هي الصانع. قال: وكنت قد عزمت على أن أدخل ~~الخلوة على يده فقلت: أنا لا آخذ عنه هذا وإنما أتعلم منه أدب الخلوة فقال ~~لي: مثلك مثل من يريد أن يتقرب إلى السلطان على يد صاحب الأتون والزبال ~~فإذا كان الزبال هو الذي يقربه إلى السلطان: كيف يكون حاله عند السلطان؟ . ~~وحدثنا أيضا قال: قال لي قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد: إنما ~~استولت التتار على بلاد المشرق؛ لظهور الفلسفة فيهم؛ وضعف # PageV02P245 # الشريعة فقلت له: ففي بلادكم مذهب هؤلاء الذين يقولون بالاتحاد وهو شر من ~~مذهب الفلاسفة؟ فقال: قول هؤلاء لا يقوله عاقل بل كل عاقل يعلم فساد قول ~~هؤلاء - يعني أن فساده ظاهر - فلا يذكر هذا فيما يشتبه على ms0421 العقلاء بخلاف ~~مقالة الفلاسفة فإن فيها شيئا من المعقول وإن كانت فاسدة. وحدثني تاج الدين ~~الأنباري الفقيه المصري الفاضل أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت ~~ابن عربي شيخا مخضوب اللحية وهو شيخ نجس يكفر بكل كتاب أنزله الله وكل نبي ~~أرسله الله. وحدثني الشيخ رشيد الدين بن المعلم أنه قال: كنت وأنا شاب ~~بدمشق أسمع الناس يقولون عن ابن عربي والخسروشاهي: أن كلاهما زنديق - أو ~~كلاما هذا معناه - وحدثني عن الشيخ إبراهيم الجعبري: أنه حضر ابن الفارض ~~عند الموت وهو ينشد: # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # وحدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الأنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري ~~يقول: رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض وهما شيخان أعميان يمشيان ~~ويتعثران ويقولان كيف الطريق؟ أين الطريق؟ . # PageV02P246 # وحدثني شهاب الدين المزي عن شرف الدين ابن الشيخ نجم الدين ابن الحكيم عن ~~أبيه أنه قال: قدمت دمشق فصادفت موت ابن عربي فرأيت جنازته كأنما ذر عليها ~~الرماد فرأيتها لا تشبه جنائز الأولياء - أو قال - فعلمت أن هذه أو نحو هذا ~~وعن أبيه عن الشيخ إسماعيل الكوراني أنه كان يقول: ابن عربي شيطان وعنه أنه ~~كان يقول عن الحريري إنه شيطان. وحدثني شهاب الدين عن القاضي شرف الدين ~~البازيلي أن أباه كان ينهاه عن كلام ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين. # PageV02P247 # فصل: # في بعض ما يظهر به كفرهم وفساد قولهم. وذلك من وجوه: # أحدها: أن حقيقة قولهم: أن الله لم يخلق شيئا ولا ابتدعه ولا برأه ولا ~~صوره؛ لأنه إذا لم يكن وجود إلا وجوده فمن الممتنع أن يكون خالقا لوجود ~~نفسه أو بارئا لذاته فإن العلم بذلك من أبين العلوم وأبدها للعقول إن الشيء ~~لا يخلق نفسه ولهذا قال سبحانه: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} . ~~فإنهم يعلمون أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق ويعلمون أن الشيء لا يخلق ~~نفسه فتعين أن لهم ms0422 خالقا. وعند هؤلاء الكفار الملاحدة الفرعونية. أنه ما ثم ~~شيء يكون الرب قد خلقه أو برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة ونفسه المقدسة لا ~~تكون إلا مخلوقة مربوبة مصنوعة مبروءة؛ لامتناع ذلك في بدائه العقول وذلك ~~من أظهر الكفر عند جميع أهل الملل والآراء. وأما على رأي صاحب الفصوص: فما ~~ثم إلا وجوده والذوات الثابتة في العدم الغنية عنه ووجوده لا يكون مخلوقا ~~والذوات غنية عنه فلم يخلق الله شيئا. # PageV02P248 # الثاني: أن عندهم أن الله ليس رب العالمين ولا مالك الملك إذ ليس إلا ~~وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك وقد ~~صرحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناء على أن وجوده ~~مفتقر إلى ذوات الأشياء وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده فالأشياء مالكة ~~لوجوده فهو ملك الملك. # الثالث: أن عندهم أن الله لم يرزق أحدا شيئا ولا أعطى أحدا شيئا ولا رحم ~~أحدا ولا أحسن إلى أحد ولا هدى أحدا. ولا أنعم على أحد نعمة ولا علم أحدا ~~علما ولا علم أحدا البيان وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير ولا ~~شر ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا إضلال أصلا. وأن هذه ~~الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده فليس هناك غير يصل إليه ولا أحد سواه ~~ينتفع بها ولا عبد يكون مرزوقا أو منصورا أو مهديا. ثم على رأي صاحب ~~الفصوص: أن هذه الذوات ثابتة في العدم والذوات هي أحسنت وأساءت ونفعت وضرت ~~وهذا عنده سر القدر. وعلى رأي الباقين ما ثم ذات ثابتة غيره أصلا بل هو ذام ~~نفسه بنفسه ولا عن نفسه بنفسه وقاتل نفسه بنفسه وهو المرزوق المضروب ~~المشتوم وهو الناكح والمنكوح والآكل والمأكول وقد صرحوا بذلك تصريحا بينا. # الرابع: أن عندهم أن الله هو الذي يركع ويسجد ويخضع ويعبد # PageV02P249 # ويصوم ويجوع ويقوم وينام وتصيبه الأمراض والأسقام وتبتليه الأعداء ويصيبه ~~البلاء وتشتد به اللأواء وقد صرحوا بذلك؛ وصرحوا بأن ms0423 كل كرب يصيب النفوس ~~فإنه هو الذي يصيبه الكرب وأنه إذا نفس الكرب فإنما يتنفس عنه ولهذا كره ~~بعض هؤلاء - الذين هم من أكفر خلق الله وأعظمهم نفاقا وإلحادا وعتوا على ~~الله وعنادا - أن يصبر الإنسان على البلاء لأن عندهم أنه هو المصاب ~~المبتلي. وقد صرحوا بأنه موصوف بكل نقص وعيب فإنه ما ثم من يتصف بالنقائص ~~والعيوب غيره؛ فكل عيب ونقص وكفر وفسوق في العالم: فإنه هو المتصف به لا ~~متصف به غيره؛ كلهم متفقون على هذا في الوجود. ثم صاحب الفصوص يقول: إن ذلك ~~ثابت في العدم وغيره يقول: ما ثم سوى وجود الحق الذي هو متصف بهذه المعايب ~~والمثالب. (الخامس) أن عندهم أن الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى. والذين عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا والذين عبدوا الشعرى ~~والنجم والشمس والقمر. والذين عبدوا المسيح وعزيرا والملائكة وسائر من عبد ~~الأوثان والأصنام: من قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وبني إسرائيل وسائر ~~المشركين من العرب: ما عبدوا إلا الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله وقد ~~صرحوا بذلك في مواضع كثيرة مثل قول صاحب الفصوص في فص الكلمة النوحية. # PageV02P250 # {ومكروا مكرا كبارا} لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من ~~البداية فيدعى إلى الغاية {أدعو إلى الله} فهذا عين المكر {على بصيرة} ففيه ~~أن الأمر له كله فأجابوه مكرا كما دعاهم - إلى أن قال - فقالوا في مكرهم: ~~{لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} . فإنهم إذا ~~تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها ~~خاصا يعرفه من عرفه ويجهله من جهله في المحمديين: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه} أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق ~~والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة ~~الروحانية. فما عبد غير الله في كل معبود؛ فالأدنى من تخيل فيه الألوهية ~~فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ms0424 ولا غيره. ولهذا قال تعالى: {قل سموهم} فلو ~~سموهم لسموهم حجرا وشجرا وكوكبا. ولو قيل لهم: من عبدتم؟ لقالوا: إلها ~~واحدا ما كانوا يقولون: الله ولا الإله إلا على ما تخيل؛ بل قال: هذا مجلى ~~إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر؛ فالأدنى صاحب التخيل يقول: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} والأعلى العالم يقول: {فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا} حيث ظهر: {وبشر المخبتين} الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا: " إلها " ~~ولم يقولوا: " طبيعة ". وقال أيضا في فص الهارونية: ثم قال هارون لموسى: ~~{إني خشيت أن # PageV02P251 # تقول فرقت بين بني إسرائيل} فتجعلني سببا في تفريقهم فإن عبادة العجل ~~فرقت بينهم فكان فيهم من عبده اتباعا للسامري وتقليدا له ومنهم من توقف عن ~~عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك فخشي هارون أن ينسب ذلك ~~التفريق بينهم إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده ~~أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء ~~إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون: لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه ~~فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربي هارون ~~تربية علم وإن كان أصغر منه في السن. ولذلك لما قال له هارون ما قال: رجع ~~إلى السامري فقال له: {فما خطبك يا سامري} يعني فيما صنعت من عدولك إلى ~~صورة العجل على الاختصاص وساق الكلام إلى أن قال: فكان عدم قوة إرداع هارون ~~بالفعل: أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة ~~من الله ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك: ~~فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية. ولهذا ما بقي نوع من ~~الأنواع: إلا وعبد إما عبادة تأله وإما عبادة تسخير ولا بد من ذلك لمن عقل ~~وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة ~~في قلبه. ms0425 # PageV02P252 # ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثر الدرجات في ~~عين واحدة فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل ~~درجة مجلى إلهيا عبد فيها. وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال: ~~{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} فهو أعظم معبود فإنه لا يعبد شيء إلا به ولا ~~يعبد هو إلا بذاته. وفيه أقول: وحق الهوى أن الهوى: سبب الهوى ولولا الهوى ~~في القلب ما عبد الهوى ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله كيف تمم في حق ~~من عبد هواه واتخذه إلها فقال: {وأضله الله على علم} والضلالة الحيرة وذلك ~~أنه لما رأى هذا العابد ما عبد إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من ~~عبادة من عبده من الأشخاص حتى أن عبادة الله كانت عن هوى أيضا؛ فإنه لو لم ~~يقع له في ذلك الجناب المقدس هوى وهو الإرادة بمحبة ما عبد الله ولا آثره ~~على غيره. وكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتخذها إلها ما اتخذها ~~إلا بالهوى فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات تتنوع في ~~العابدين فكل عابد أمرا ما: يكفر من يعبد سواه والذي عنده أدنى تنبه يحار ~~لاتحاد الهوى: بل لأحدية الهوى كما ذكر فإنه عين واحدة في كل عابد {وأضله ~~الله} أي حيره الله على علم؛ بأن كل عابد ما عبد إلا هواه ولا استعبده إلا ~~هواه سواء # PageV02P253 # صادف الأمر المشروع أو لم يصادف والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى ~~للحق يعبد فيه. ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص شجر أو حجر أو حيوان؛ ~~أو إنسان أو كوكب أو ملك؛ هذا اسم الشخصية فيه والألوهية مرتبة تخيل العابد ~~له أنها مرتبة معبوده وهي على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد؛ المعتكف ~~على هذا المعبود في هذا المجلى المختص بحجر. ولهذا قال بعض من لم يعرف ~~مقاله جهالة: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مع تسميتهم إياهم ms0426 ~~آلهة كما قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} فما أنكروه بل ~~تعجبوا من ذلك فإنهم وقفوا مع كثرة الصورة ونسبة الألوهية لها فجاء الرسول ~~ودعاهم إلى إله واحد يعرف ولا يشهد بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في ~~قولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} لعلمهم بأن تلك الصور ~~حجارة. ولذلك قامت الحجة عليهم بقوله: {قل سموهم} فما يسمونهم إلا بما ~~يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة كحجر وخشب وكوكب وأمثالها. وأما العارفون ~~بالأمر على ما هو عليه: فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور؛ لأن ~~مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول الذي آمنوا به ~~عليهم الذي به سموا مؤمنين فهم عباد الوقت مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك ~~الصور أعيانها وإنما عبدوا الله فيها بحكم سلطان التجلي # PageV02P254 # الذي عرفوه منهم وجهله المنكر الذي لا علم له بما يتجلى وستره العارف ~~المكمل من نبي أو رسول أو وارث عنهم. فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصور لما ~~انتزح عنها رسول الوقت اتباعا للرسول طمعا في محبة الله إياهم بقوله: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فدعا إلى إله يصمد إليه ويعلم من ~~حيث الجملة ولا يشهد ولا تدركه الأبصار بل هو يدرك الأبصار للطفه وسريانه ~~في أعيان الأشياء فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة ~~أشباحها وصورها الظاهرة فهو اللطيف الخبير والخبرة ذوق والذوق تجلي والتجلي ~~في الصور فلا بد منها ولا بد منه فلا بد أن يعبده من رآه بهواه. إن فهمت ~~هذا اه. فتدبر حقيقة ما عليه هؤلاء: فإنهم أجمعوا على كل شرك في العالم ~~وعدلوا بالله كل مخلوق وجوزوا أن يعبد كل شيء ومع كونهم يعبدون كل شيء ~~فيقولون: ما عبدنا إلا الله. فاجتمع في قولهم أمران: كل شرك وكل جحود ~~وتعطيل؛ مع ظنهم أنهم ما عبدوا إلا الله؛ ومعلوم أن هذا خلاف دين المرسلين ~~كلهم؛ وخلاف دين أهل الكتاب كلهم والملل كلها؛ بل وخلاف دين المشركين ms0427 أيضا؛ ~~وخلاف ما فطر الله عليه عباده مما يعقلونه بقلوبهم ويجدونه في نفوسهم وهو ~~في غاية الفساد والتناقض والسفسطة والجحود لرب العالمين. وذلك أنه علم ~~بالاضطرار: أن الرسل كانوا يجعلون ما عبده المشركون # PageV02P255 # غير الله؛ ويجعلون عابده عابدا لغير الله مشركا بالله عادلا به جاعلا له ~~ندا فإنهم دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ وهذا هو دين الله؛ ~~الذي أنزل به كتبه؛ وأرسل به رسله؛ وهو الإسلام العام؛ الذي لا يقبل الله ~~من الأولين والآخرين غيره؛ ولا يغفر لمن تركه بعد بلاغ الرسالة؛ كما قال: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . وهو الفارق بين ~~أهل الجنة وأهل النار والسعداء والأشقياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{من كان آخر كلامه لا إله إلا الله: وجبت له الجنة} وقال: {من مات وهو يعلم ~~أن لا إله إلا الله: وجبت له الجنة} وقال: {إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد ~~عند الموت: إلا وجد روحه لها روحا وهي رأس الدين} وكما قال: {أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها: عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} . وفضائل هذه الكلمة ~~وحقائقها وموقعها من الدين: فوق ما يصفه الواصفون ويعرفه العارفون؛ وهي ~~حقيقة الأمر كله؛ كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} فأخبر سبحانه أنه يوحي إلى كل رسول بنفي ~~الألوهية عما سواه وإثباتها له وحده. وزعم هؤلاء الملاحدة المشركون: أن كل ~~شيء يستحق الألوهية كاستحقاق الله لها وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون # PageV02P256 # الرحمن آلهة يعبدون} وزعم هؤلاء الملاحدة أن كل شيء فإنه إله معبود؛ ~~فأخبر - سبحانه - أنه لم يجعل من دون الرحمن آلهة وقال تعالى: {ولقد بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فأمر الله سبحانه ~~بعبادته واجتناب الطاغوت. وعند هؤلاء: ms0428 أن الطواغيت جميعها فيها الله أو هي ~~الله ومن عبدها فما عبد إلا الله وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم} الآيتين. فأمر سبحانه بعبادة الرب الخالق لهذه ~~الآيات؛ وعند هؤلاء الملاحدة الملاعين: هو عين هذه الآيات ونهى - سبحانه - ~~أن يجعل الناس له أندادا وعندهم هذا لا يتصور فإن الأنداد هي عينه فكيف ~~يكون ندا لنفسه؟ والذين عبدوا الأنداد فما عبدوا سواه. ثم إن هؤلاء ~~الملاحدة: احتجوا بتسمية المشركين لما عبدوه إلها كما قالوا {أجعل الآلهة ~~إلها واحدا} واعتقدوا أنهم لما سموهم آلهة كانت تسمية المشركين دليلا على ~~أن الإلهية ثابتة لهم. وهذه الحجة: قد ردها الله على المشركين في غير موضع ~~كقوله سبحانه عن هود في مخاطبته للمشركين من قومه: {أتجادلونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم} الآية هذا رد لقوله: {أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ~~ما كان يعبد آباؤنا} فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميتهم إياها ~~آلهة # PageV02P257 # ومعبودين تسمية ابتدعوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من حجة ولا سلطان ~~والحكم ليس إلا لله وحده. وقد أمر هو - سبحانه - أن لا يعبد إلا إياه فكيف ~~يحتج بقول مشركين لا حجة لهم؟ وقد أبطل الله قولهم؟ وأمر الخلق أن لا ~~يعبدوا إلا إياه دون هذه الأوثان التي سماها المشركون آلهة وعند الملاحدة ~~عابدو الأوثان ما عبدوا إلا الله. ثم إن المشركين أنكروا على الرسول حيث ~~جاءهم ليعبدوا الله وحده ويذروا ما كان يعبد آباؤهم فإذا كانوا هم ما زالوا ~~يعبدون الله وحده كما تزعمه الملاحدة: فلم يدعوا إلى ترك ما يعبده آباؤهم؛ ~~بل جاءهم - ليعبد كل شيء كان يعبده آباؤهم - هو وغيره من الأنبياء. وكذلك ~~قال سبحانه في سورة يوسف عنه: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان} إلى قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقال ~~سبحانه: {أفرأيتم اللات والعزى} {ومناة الثالثة الأخرى} إلى ms0429 قوله: {ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى} . وهذه الثلاثة المذكورة في هذه السورة: هي الأوثان ~~العظام الكبار التي كان المشركون ينتابونها من أمصارهم؛ فاللات: كانت حذو ~~قديد بالساحل # PageV02P258 # لأهل المدينة والعزى: كانت قريبة من عرفات لأهل مكة ومناة: كانت بالطائف ~~لثقيف وهذه الثلاث هي أمصار أرض الحجاز. أخبر - سبحانه - أن الأسماء التي ~~سماها المشركون أسماء ابتدعوها: لا حقيقة لها فهم إنما يعبدون أسماء لا ~~مسميات لها؛ لأنه ليس في المسمى من الألوهية ولا العزة ولا التقدير شيء ~~ولما ينزل الله سلطانا بهذه الأسماء؛ إن يتبع المشركون إلا ظنا لا يغني من ~~الحق شيئا؛ في أنها آلهة تنفع وتضر ويتبعوا أهواء أنفسهم. وعند الملاحدة ~~أنهم إذا عبدوا أهواءهم فقد عبدوا الله وقد قال سبحانه عن إمام الأئمة ~~وخليل الرحمن وخير البرية - بعد محمد صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبيه: ~~{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} {يا أبت إني قد ~~جاءني من العلم ما لم يأتك} - إلى قوله - {فتكون للشيطان وليا} فنهاه وأنكر ~~عليه أن يعبد الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنه شيئا. وعلى زعم ~~هؤلاء الملحدين - فما عبدوا غير الله في كل معبود - فيكون الله هو الذي لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئا وهو الذي نهاه عن عبادته وهو الذي أمره ~~بعبادته. وهكذا قال أحذق طواغيتهم الفاجر التلمساني في قصيدة له: # يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار # PageV02P259 # فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمى ... عن العيان إلى أوهام أخبار # وعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهي يا جاري # وقد قال أيضا إبراهيم لأبيه: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا} وعندهم أن الشيطان مجلى إلهي ينبغي تعظيمه ومن عبده فما عبد ~~غير الله وليس الشيطان غير الرحمن حتى نعصيه وقد قال سبحانه: {ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم} إلى ms0430 قوله: {تعقلون} فنهاهم عن عبادة الشيطان وأمرهم بعبادة ~~الله سبحانه وحده وعندهم عبادة الشيطان هي عبادته أيضا فينبغي أن يعبد ~~الشيطان وجميع الموجودات فإنها عينه. وقال تعالى أيضا عن إمام الخلائق خليل ~~الرحمن أنه لما: {رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} ~~{فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين} {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت ~~قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي} - إلى قوله - {وهم ~~مهتدون} وقال أيضا: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم} إلى قوله: {حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال تعالى: {وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني} . الآية ~~وقال تعالى: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} - إلى قوله ~~- {إذ نسويكم برب العالمين} # PageV02P260 # وقال تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~إلى قوله: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} . فهذا الخليل الذي ~~جعله الله إمام الأئمة الذين يهتدون بأمره؛ من الأنبياء والمرسلين بعده ~~وسائر المؤمنين قال: {إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا} . وعند الملاحدة الذي أشركوه: هو عين الحق ليس غيره ~~فكيف يتبرأ من الله الذي وجه وجهه إليه؟ وأحد الأمرين لازم على أصلهم؛ إما ~~أن يعبده في كل شيء من المظاهر بدون تقييد ولا اختصاص - وهو حال المكمل ~~عندهم - فلا يتبرأ من شيء وإما أن يعبده في بعض المظاهر كفعل الناقصين ~~عندهم. وأما التبريء من بعض الموجودات فقد قال: إن قوم نوح لو تركوهم ~~لتركوا من الحق بقدر ما تركوا من تلك الأوثان والرسل قد تبرأت من الأوثان ~~فقد تركت الرسل من الحق شيئا كثيرا وتبرءوا من الله الذي دعوا الخلق إليه ~~والمشركون - على زعمهم - أحسن حالا من المرسلين لأن المشركين عبدوه في بعض ~~المظاهر ولم يتبرءوا من ms0431 سائرها والرسل تبرءوا منه في عامة المظاهر. ثم قول ~~إبراهيم: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} باطل على أصلهم فإنه لم ~~يفطرها إذ هي ليست غيره فما أجدرهم بقوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} # PageV02P261 # الآية. ثم قول الخليل: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله} الآية. وهذه حجة الله التي آتاها إبراهيم على قومه بقوله: كيف أخاف ~~ما عبدتموه من دون الله؟ وهي المخلوقات المعبودة من دونه وعندهم ليست ~~معبودة من دونه ومن لم يخفها فلم يخف الله فالرسل لم يخافوا الله. وقول ~~الخليل: {أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} لم يصح عندهم ~~فإنهم لم يشركوا بالله شيئا إذ ليس ثم غيره حتى يشركوه به بل المعبود الذي ~~عبدوه هو الله وأكثر ما فعلوه: أنهم عبدوه في بعض المظاهر وليس في هذا أنهم ~~جعلوا غيره شريكا له في العبادة. وقوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ~~قال: {لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألم تسمعوا إلى ~~قول العبد الصالح {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} ؟} فقد أخبر الله ~~ورسوله أن الشرك ظلم عظيم وأن الأمن هو لمن آمن بالله ولم يخلط إيمانه بشرك ~~وعلى زعم هؤلاء الملاحدة: فإيمان الذين خلطوا إيمانهم بشرك: هو الإيمان ~~الكامل التام وهو إيمان المحقق العارف عندهم لأن من آمن بالله في جميع ~~مظاهره وعبده في كل موجود: هو أكمل ممن لم يؤمن به حيث لم يظهر ولم يعبده ~~إلا من حيث لا يشهد ولا يعرف وعندهم لا يتصور أن يوجد إلا في المخلوق فمن ~~لم يعبده في شيء # PageV02P262 # من المخلوقات أصلا فما عبده في الحقيقة أصلا وإذا أطلقوا أنه عبده فهو ~~لفظ لا معنى له أي إذا فسروه بالتخصيص فيكون بالتخصيص بمعنى ms0432 أنه خصص بعض ~~المظاهر بالعبادة وهذا عندهم نقص لا من جهة ما أشركه وعبده وإنما هو من جهة ~~ما تركه فليس عندهم في الشرك ظلم ولا نقص إلا من جهة قلته وإلا فإذا كان ~~الشرك عاما كان أكمل وأفضل. وكذلك أيضا قول الخليل لقومه: {إنا برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله} تبرأ عندهم من الحق الذي ظهر فيهم وفي آلهتهم ~~وكذلك كفره به ومعاداته لهم كفر بالحق عندهم ومعاداة له. ثم قوله: {حتى ~~تؤمنوا بالله وحده} كلام لا معنى له عندهم فإنهم كانوا مؤمنين بالله وحده ~~إذ لا يتصور عندهم غيره وإنما غايتهم أنهم عبدوه في بعض المظاهر وتركوا ~~بعضها من غير كفر به فيها. وكذلك سائر ما قصه عن إبراهيم من معاداته لما ~~عبده أولئك هو عندهم معاداة لله لأنه ما عبد غير الله كما زعم الملحدون ~~محتجين بقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} قالوا. وما قضى الله شيئا ~~إلا وقع. وهذا هو الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه والكذب على ~~الله فإن " قضى " هنا ليست بمعنى القدر والتكوين بإجماع المسلمين بل ~~وبإجماع العقلاء حتى يقال: ما قدر الله شيئا إلا وقع وإنما هي بمعنى أمر ~~وما أمر الله به فقد يكون وقد لا يكون؛ فتدبر هذا التحريف. # PageV02P263 # وكذلك قوله ما حكم الله بشيء إلا وقع كلام مجمل؛ [فإن الحكم يكون بمعنى ~~الأمر الديني وهو الأحكام الشرعية كقوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام} الآية] (*) وقوله: {ومن أحسن من الله ~~حكما} وقوله: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} ويكون الحكم حكما بالحق والتكوين ~~والفعل كقوله: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي} وقوله: ~~{قال رب احكم بالحق} . ولهذا كان بعض السلف يقرءون ووصى ربك أن لا تعبدوا ~~إلا إياه ذكره ثعلب عن ابن عباس وذكروا أنها كذلك في بعض المصاحف ولهذا قال ~~في سياق الكلام: {وبالوالدين إحسانا} الآية وساق أمره ووصاياه إلى أن قال: ~~{ذلك مما أوحى إليك ms0433 ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا} . فختم الكلام بمثل ما فتحه به من أمره بالتوحيد ونهيه عن ~~الشرك ليس هو إخبارا أنه ما عبد أحد إلا الله وأن الله قدر ذلك وكونه وكيف ~~وقد قال: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} ؟ وعندهم ليس في الوجود شيء يجعل ~~إلها آخر فأي شيء عبد فهو نفس الإله ليس آخر غيره. ومثل معاداة إبراهيم ~~والمؤمنين لله - على زعمهم - حيث عادى العابدين والمعبودين وما عبد غير ~~الله وما عبد الله غير الله فهو عين كل عابد وعين كل معبود فكذلك قوله ~~تعالى {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء PageV02P264 # تلقون إليهم بالمودة} وعلى زعمهم ما لله عدو أصلا وأنه ما ثم غير ولا سوى ~~بحيث يتصور أن يكون عدو نفسه أو عدو الذوات التي لا يظهر إلا بها. # السادس: أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم كما صرح به حيث قال: ~~إن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية. ~~وقال أيضا صاحب الفصوص: {وبشر المخبتين} الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ~~ولم يقولوا طبيعة: {وقد أضلوا كثيرا} أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه ~~والنسب: {ولا تزد الظالمين} لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول ~~الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق: {إلا ضلالا} أي إلا حيرة وفي المحمدي ~~زدني فيك تحيرا. {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} له ~~فالمحير له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الطريق ~~المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته فله " ~~من " و " إلى " وما بينهما وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه " من " ~~ولا غاية فتحكم عليه " إلى " فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم اه. # PageV02P265 # وقال بعض شعرائهم: # ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ضلك لا يني متنقلا؟ # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا # فعندهم الإنسان هو غاية ms0434 نفسه وهو معبود نفسه وليس وراءه شيء يعبده أو ~~يقصده أو يدعوه أو يستجيب له؛ ولهذا كان قولهم حقيقة قول فرعون. وكنت أقول ~~لمن أخاطبه إن قولهم هو حقيقة قول فرعون حتى حدثني بعض من خاطبته في ذلك من ~~الثقات العارفين: أن بعض كبرائهم لما دعا هذا المحدث إلى مذهبهم وكشف له ~~حقيقة سرهم. قال: فقلت له هذا قول فرعون؟ قال: نعم ونحن على قول فرعون فقلت ~~له: الحمد لله الذي اعترفوا بهذا فإنه مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. ~~وقد جعل صاحب الطريق المستطيل: صاحب خيال ومدح الحركة المستديرة الحائرة ~~والقرآن يأمر بالصراط المستقيم ويمدحه ويثني على أهله لا على المستدير؛ ففي ~~أم الكتاب: {اهدنا الصراط المستقيم} وقال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل} وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا} الآيتين. وقال تعالى في موسى وهارون: {وآتيناهما الكتاب المستبين} ~~{وهديناهما # PageV02P266 # الصراط المستقيم} وقال تعالى: {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات ~~لقوم يذكرون} وقال عن إبليس: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} {ثم ~~لآتينهم} الآية وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا ~~من المؤمنين} . وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه فإنه قعد لهم على صراط ~~الله المستقيم فصدهم عنه حتى كفروا بربهم وآمنوا أن نفوسهم هي معبودهم ~~وإلههم. وقال تعالى في حق خاتم الرسل: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط ~~الله} الآية. وأيضا فإن الله يقول: {وردوا إلى الله مولاهم الحق} وقال ~~تعالى: {إن إلينا إيابهم} {ثم إن علينا حسابهم} وقال تعالى: {إلى الله ~~مرجعكم جميعا} الآية وقال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه} وهؤلاء عندهم ما ثم إلا أنت وأنت إلى الآن مردود إلى الله وما زلت ~~مردودا إليه وليس هو شيء غيرك حتى ترد إليه أو ترجع إليه أو تكدح إليه أو ~~تلاقيه ولهذا حدثونا أن ابن الفارض لما احتضر أنشد بيتين: # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت: فقد ms0435 ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # PageV02P267 # وذلك أنه كان يتوهم أنه هو الله وأنه ما ثم مرد إليه ومرجع إليه غير ما ~~كان هو عليه فلما جاءته ملائكة الله تنزع روحه من جسمه وبدا له من الله ما ~~لم يكن يحتسب تبين له أن ما كان عليه أضغاث أحلام من الشيطان. وكذلك حدثني ~~بعض أصحابنا عن بعض من أعرفه وله اتصال بهؤلاء عن الفاجر التلمساني: أنه ~~وقت الموت تغير واضطرب قال: دخلت عليه وقت الموت فوجدته يتأوه فقلت له: مم ~~تتأوه؟ فقال: من خوف الفوت فقلت سبحان الله ومثلك يخاف الفوت وأنت تدخل ~~الفقير إلى الخلوة فتوصله إلى الله في ثلاثة أيام فقال ما معناه: زال ذلك ~~كله وما وجدت لذلك حقيقة. # السابع: أن عندهم من يدعي الإلهية من البشر كفرعون والدجال المنتظر أو ~~ادعيت فيه وهو من أولياء الله نبيا كالمسيح أو غير نبي كعلي أو ليس من ~~أولياء الله كالحاكم بمصر وغيرهم فإنه عند هؤلاء الملاحدة المنافقين يصحح ~~هذه الدعوى. وقد صرح صاحب الفصوص بتصحيح هذه الدعوى كدعوى فرعون وهم كثيرا ~~ما يعظمون فرعون فإنه لم يتقدم لهم رأس في الكفر مثله ولا يأتي متأخر لهم ~~مثل الدجال الأعور الكذاب وإذا نافقوا المؤمنين وأظهروا الإيمان قالوا: إنه ~~مات مؤمنا وأنه لا يدخل النار وقالوا: ليس في القرآن ما يدل على دخوله ~~النار. # PageV02P268 # وأما في حقيقة أمرهم فما زال عندهم عارفا بالله بل هو الله وليس عندهم ~~نار فيها ألم أصلا كما سنذكره إن شاء الله عنهم؛ ولكن يتفطن بهذا لكون ~~البدع مظان النفاق كما أن السنن شعائر الإيمان. قال صاحب الفصوص في فص ~~الحكمة التي في " الكلمة الموسوية " لما تكلم على قوله: {وما رب العالمين} ~~قال: وهنا سر كبير فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي فجعل الحد ~~الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم أو ما ظهر فيه من صور ~~العالم فكأنه قال له في جواب قوله: {وما ms0436 رب العالمين} قال الذي يظهر فيه ~~صور العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض {إن كنتم موقنين} أو يظهر ~~هو بها. فلما قال فرعون لأصحابه إنه لمجنون - كما قلنا في معنى كونه مجنونا ~~أي لمستور عنه - علم ما سألته عنه إذ لا يتصور أن يعلمه أصلا زاد موسى في ~~البيان ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي؛ لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك فقال: ~~{رب المشرق والمغرب} فجاء بما يظهر ويستر وهو الظاهر والباطن {وما بينهما} ~~وهو قوله: {وهو بكل شيء عليم} {إن كنتم تعقلون} أي إن كنتم أصحاب تقييد فإن ~~العقل للتقييد. والجواب الأول: جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود فقال ~~له: {إن كنتم موقنين} أي أهل كشف ووجود فقد أعلمتكم بما تيقنتموه في كشفكم ~~ووجودكم. # PageV02P269 # فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد أجبتكم بالجواب الثاني إن كنتم أهل عقل ~~وتقييد وحصرتم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون ~~فضله وصدقه وعلم موسى أن فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهية ~~فعلم أن سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال؛ فلذلك أجاب: فلو علم منه ~~غير ذلك لخطأه في السؤال. فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم: خاطبه ~~فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون فقال له: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك ~~من المسجونين} والسين في السجن من حروف الزوائد أي لأسترنك فإنك أجبت بما ~~أيدتني به أن أقول مثل هذا القول فإن قلت لي بلسان الإشارة: فقد جهلت يا ~~فرعون بوعيدك إياي والعين واحدة فكيف فرقت؟ فيقول فرعون: إنما فرقت المراتب ~~العين؛ ما تفرقت العين ولا انقسمت في ذاتها؛ ومرتبتي الآن التحكم فيك يا ~~موسى بالفعل وأنا أنت بالعين وأنا غيرك بالرتبة. وساق الكلام إلى أن قال: ~~ولما كان فرعون في منصب الحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف وأنه جار في ~~العرف الناموسي لذلك قال: {أنا ربكم الأعلى} أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ~~ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم ms0437 فيكم. ولما علمت ~~السحرة صدقه فيما قال لهم: لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له: {فاقض ما ~~أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} فالدولة لك # PageV02P270 # فصح قوله: {أنا ربكم الأعلى} وإن كان عين الحق: فالصورة لفرعون فقطع ~~الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل؛ لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك ~~الفعل؛ فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها؛ لأن الأعيان الثابتة اقتضتها فلا ~~تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات الله ~~وليست كلمة الله سوى أعيان الموجودات. # PageV02P271 # فصل: # ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة المدعون للتحقيق ~~والعرفان: ما يأثرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كان الله ولا شيء ~~معه وهو الآن على ما عليه كان} عند الاتحادية الملاحدة، وهذه الزيادة وهو ~~قوله: {وهو الآن على ما عليه كان} كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق وليس هو في شيء من دواوين ~~الحديث لا كبارها ولا صغارها ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ~~ضعيف ولا بإسناد مجهول وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية ~~فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم - وهو التعطيل والإلحاد -. ~~ولكن أولئك قد يقولون: كان الله ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه ~~كان فقال هؤلاء: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان وقد اعترف ~~بأن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أعلم هؤلاء بالإسلام ابن ~~عربي فقال في كتاب: (ما لا بد للمريد منه) وكذلك جاء في السنة {كان الله ~~ولا شيء معه} قال: " وزاد العلماء وهو الآن على ما عليه كان فلم يرجع إليه # PageV02P272 # من خلقه العالم وصف لم يكن عليه ولا عالم موجود فاعتقد فيه من التنزيه مع ~~وجود العالم ما تعتقده فيه ولا عالم ولا شيء سواه ". # وهذا الذي قاله هو قول كثير من متكلمي أهل ms0438 القبلة. # ولو ثبت على هذا لكان قوله من جنس قول غيره؛ لكنه متناقض ولهذا كان مقدم ~~الاتحادية الفاجر التلمساني: يرد عليه في مواضع يقرب فيها إلى المسلمين كما ~~يرد عليه المسلمون المواضع التي خرج فيها إلى الاتحاد. وإنما الحديث ~~المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري عن عمران بن حصين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه ~~على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض} . وهذه الزيادة ~~الإلحادية وهو قولهم: وهو الآن على ما عليه كان قصد بها المتكلمة المتجهمة ~~نفي الصفات التي وصف بها نفسه؛ من استوائه على العرش ونزوله إلى السماء ~~الدنيا وغير ذلك فقالوا: كان في الأزل ليس مستويا على العرش وهو الآن على ~~ما عليه كان فلا يكون على العرش لما يقتضي ذلك من التحول والتغير. # ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين: # أحدهما: أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش: بمنزلة المعية # PageV02P273 # ويسميها ابن عقيل الأحوال. وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين جميع أهل ~~الأرض من المسلمين وغيرهم؛ إذ لا يقتضي ذلك تغيرا ولا استحالة. (والثاني) ~~أن ذلك وإن اقتضى تحولا من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن فهو مثل مجيئه ~~وإتيانه ونزوله وتكليمه لموسى وإتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ذلك مما ~~دلت عليه النصوص وقال به أكثر أهل السنة والحديث وكثير من أهل الكلام وهو ~~لازم لسائر الفرق. وقد ذكرنا نزاع الناس في ذلك في قاعدة الفرق بين الصفات ~~والمخلوقات والصفات الفعلية. وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا: وهو ~~الآن على ما عليه كان ليس معه غيره كما كان في الأزل ولا شيء معه قالوا: إذ ~~الكائنات ليست غيره ولا سواه فليس إلا هو: فليس معه شيء آخر لا أزلا ولا ~~أبدا؛ بل هو عين الموجودات ونفس الكائنات وجعلوا المخلوقات المصنوعات: هي ~~نفس الخالق البارئ المصور. وهم دائما يهذون بهذه الكلمة: {وهو الآن على ما ~~عليه كان} وهي أجل ms0439 عندهم من: {قل هو الله أحد} ومن آية الكرسي لما فيها من ~~الدلالة على الاتحاد الذي هو إلحادهم وهم يعتقدون أنها ثابتة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنها من كلامه ومن أسرار معرفته وقد بينا أنها كذب مختلق ~~على النبي صلى الله عليه وسلم لم يقلها؛ ولم يروها أحد من أهل العلم ولا هي ~~شيء من دواوين الحديث؛ # PageV02P274 # بل اتفق العارفون بالحديث على أنها موضوعة ولا تنقل هذه الزيادة عن إمام ~~مشهور في الأمة بالإمامة وإنما مخرجها ممن يعرف بنوع من التجهم وتعطيل بعض ~~الصفات ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح: ~~{كان الله ولا شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء} وهذا ~~إنما ينفي وجود المخلوقات من السموات والأرض وما فيهما من الملائكة والإنس ~~والجن؛ لا ينفي وجود العرش. ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف: إلى أن العرش ~~متقدم على القلم واللوح. مستدلين بهذا الحديث وحملوا قوله: {أول ما خلق ~~الله القلم فقال له: اكتب فقال: وما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة} على هذا الخلق المذكور في قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء} . وهذا نظير حديث أبي رزين العقيلي المشهور ~~في كتب المسانيد والسنن أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول ~~الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: كان في عماء ما فوقه هواء وما ~~تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء} فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل ~~فيه العماء وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله: {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وفي ذلك آثار معروفة. # PageV02P275 # والدليل على أن هذا الكلام - وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان - كلام ~~باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع والاعتبار وجوه: - (أحدها) أن الله قد ~~أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عموما وخصوصا مثل قوله: {هو الذي ~~خلق ms0440 السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} إلى قوله: {وهو معكم ~~أين ما كنتم} وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله: {أين ~~ما كانوا} وقوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقال: {والله ~~مع الصابرين} في موضعين وقوله: {إنني معكما أسمع وأرى} {لا تحزن إن الله ~~معنا} {وقال الله إني معكم} {إن معي ربي سيهدين} . وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا سافر يقول: {اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ~~اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا} فلو كان الخلق عموما وخصوصا ليسوا ~~غيره ولا هم معه بل ما معه شيء آخر: امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته فإن ~~المعية توجب شيئين: كون أحدهما مع الآخر فلما أخبر الله أنه مع هؤلاء علم ~~بطلان قولهم: {هو الآن على ما عليه كان} لا شيء معه؛ بل هو عين المخلوقات ~~وأيضا فإن المعية لا تكون إلا من الطرفين فإن معناها المقارنة والمصاحبة ~~فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر: امتنع ألا يكون الآخر معه فمن الممتنع أن ~~يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلا بل هم هو. # PageV02P276 # (الوجه الثاني) أن الله قال في كتابه: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا} وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين} وقال: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا ~~وجهه} . فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلها آخر ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقا ~~أو يقول: إن معه عبدا مملوكا أو مربوبا فقيرا أو معه شيئا موجودا خلقه كما ~~قال: {لا إله إلا هو} ولم يقل لا موجود إلا هو أو لا هو إلا هو أو لا شيء ~~معه إلا هو: بمعنى أنه نفس الموجودات وعينها. وهذا كما قال: {وإلهكم إله ~~واحد} فأثبت وحدانيته في الألوهية ولم يقل إن الموجودات واحد فهذا التوحيد ~~الذي في ms0441 كتاب الله: هو توحيد الألوهية وهو أن لا تجعل معه ولا تدعو معه ~~إلها غيره فأين هذا من أن يجعل نفس الوجود هو إياه؟ . وأيضا: فنهيه أن يجعل ~~معه أو يدعو معه إلها آخر دليل على أن ذلك ممكن كما فعله المشركون الذين ~~دعوا مع الله آلهة أخرى فلو كانت تلك الآلهة هي إياه - ولا شيء معه أصلا - ~~امتنع أن يدعى معه آلهة أخرى. فهذه النصوص: تدل على أن معه أشياء ليست ~~بآلهة ولا يجوز أن تجعل آلهة ولا تدعى آلهة وأيضا فعند الملحدين يجوز أن ~~يعبد كل شيء؛ ويدعى كل شيء؛ إذ لا يتصور أن يعبد غيره فإنه هو الأشياء. # PageV02P277 # فيجوز للإنسان حينئذ: أن يدعو كل شيء من الآلهة المعبودة من دون الله؛ ~~وهو عند الملاحدة ما دعا معه إلها آخر فجعل نفس ما حرمه الله وجعله شركا: ~~جعله توحيدا والشرك عنده لا يتصور بحال. (الوجه الثالث) أن الله لما كان ~~ولا شيء معه: لم يكن معه سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس ولا ~~دواب ولا شجر ولا جنة ولا نار ولا جبال ولا بحار. فإن كان الآن على ما عليه ~~كان: فيجب أن لا يكون معه شيء من هذه الأعيان وهذا مكابرة للعيان وكفر ~~بالقرآن والإيمان. (الوجه الرابع) أن الله كان ولا شيء معه ثم كتب في الذكر ~~كل شيء كما جاء في الحديث الصحيح فإن كان لا شيء معه فيما بعد: فما الفرق ~~بين حال الكتابة وقبلها وهو عين الكتابة واللوح عند الفراعنة الملاحدة. # PageV02P278 # فصل: # وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية - الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته - ~~أن فرعون كان مؤمنا وأنه لا يدخل النار وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل ~~على عذابه بل فيه ما ينفيه كقوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} قالوا: ~~فإنما أدخل آله دونه. وقوله: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} قالوا ~~إنما أوردهم ولم يدخلها قالوا: ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنو ms0442 إسرائيل ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه. وهذا القول كفر ~~معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام لم يسبق ابن عربي إليه - فيما أعلم - ~~أحد من أهل القبلة؛ بل ولا من اليهود ولا من النصارى؛ بل جميع أهل الملل ~~مطبقون على كفر فرعون. فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه ~~بدليل فإنه لم يكفر أحد بالله ويدعي لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون. ~~ولهذا ثنى الله قصته في القرآن في مواضع فإن القصص إنما هي أمثال # PageV02P279 # مضروبة للدلالة على الإيمان وليس في الكفار أعظم من كفره والقرآن قد دل ~~على كفره وعذابه في الآخرة في مواضع: (أحدها قوله تعالى في القصص: {فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين} إلى قوله: ~~{وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} . فأخبر ~~سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه وأخبر أنهم كانوا قوما فاسقين وأخبر أنهم ~~{قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} وأخبر أن فرعون: قال: {ما علمت لكم من إله ~~غيري} وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله موسى وأنه يظنه كاذبا وأخبر أنه ~~استكبر فرعون وجنوده وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله وأنه أخذ فرعون وجنوده ~~فنبذهم في اليم؛ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى ~~النار ويوم القيامة لا ينصرون وأنه أتبعهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم ~~من المقبوحين. فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين ~~الداعين إلى النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم المقبوحين في الدار ~~الآخرة. وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون وهو في الآخرة مقبوح غير منصور ~~وهذا إخبار عن غاية العذاب وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن وهو ~~قوله: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} # PageV02P280 # {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} وهذا إخبار عن فرعون وقومه؛ أنه حاق بهم سوء العذاب في البرزخ ~~وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب وهذه الآية إحدى ms0443 ما استدل به العلماء ~~على عذاب البرزخ. وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال: لما سمعوا آل فرعون ~~فظنوا أن فرعون خارج منهم؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه بل فرعون داخل في آل ~~فرعون بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة يتبين ذلك بوجوه: - (أحدهما) ~~أن لفظ آل فلان في الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك الشخص مثل قوله في الملائكة ~~الذين ضافوا إبراهيم: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} {إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين} {إلا امرأته} ثم قال: {فلما جاء آل لوط المرسلون} {قال} يعني لوطا: ~~{إنكم قوم منكرون} وكذلك قوله: {إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم ~~بسحر} ثم قال بعد ذلك: {ولقد جاء آل فرعون النذر} {كذبوا بآياتنا كلها ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} . ومعلوم أن لوطا داخل في آل لوط في هذه المواضع، ~~وكذلك فرعون: داخل في آل فرعون المكذبين المأخوذين ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم} # PageV02P281 # وكذلك قوله: {كما باركت على آل إبراهيم} فإبراهيم داخل في ذلك وكذلك قوله ~~للحسن: {إن الصدقة لا تحل لآل محمد} . وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: {كان القوم إذا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلي عليهم ~~فأتى أبي بصدقة فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى} وأبو أوفى هو صاحب الصدقة. ~~ونظير هذا الاسم أهل البيت فإن الرجل يدخل في أهل بيته كقول الملائكة: ~~{رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {سلمان ~~منا أهل البيت} وقوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ~~وذلك لأن آل الرجل من يئول إليه ونفسه ممن يئول إليه وأهل بيته هم من يأهله ~~وهو ممن يأهل أهل بيته. فقد تبين أن الآية التي ظنوا أنها حجة لهم: هي حجة ~~عليهم في تعذيب فرعون مع سائر آل فرعون في البرزخ وفي يوم القيامة ويبين ~~ذلك: أن الخطاب في القصة ms0444 كلها إخبار عن فرعون وقومه. قال تعالى: {ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر ~~كذاب} إلى قوله: {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد} إلى قوله: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} ~~{أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى} إلى قوله: {وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب} {النار # PageV02P282 # يعرضون عليها غدوا وعشيا} إلى قوله {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد} . فأخبر عقب قوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} ~~عن محاجتهم في النار وقول الضعفاء للذين استكبروا وقول المستكبرين للضعفاء: ~~{إنا كل فيها} ومعلوم أن فرعون هو رأس المستكبرين وهو الذي استخف قومه ~~فأطاعوه ولم يستكبر أحد استكبار فرعون فهو أحق بهذا النعت والحكم من جميع ~~قومه. (الموضع الثاني) - وهو حجة عليهم لا لهم - قوله تعالى تعالى: ~~{فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود} إلى قوله: {بئس الرفد المرفود} فأخبر أنه يقدم ~~قومه ولم يقل يسوقهم وأنه أوردهم النار. ومعلوم أن المتقدم إذا أورد ~~المتأخرين النار: كان هو أول من يردها وإلا لم يكن قادما؛ بل كان سائقا؛ ~~يوضح ذلك أنه قال: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة} فعلم أنه وهم يردون ~~النار وأنهم جميعا ملعونون في الدنيا والآخرة. وما أخلق المحاج عن فرعون أن ~~يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} ~~وأيضا فقد قال الله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم ~~يونس لما آمنوا} يقول: هلا آمن قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس. # PageV02P283 # وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} إلى قوله: {سنة الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم ~~آمنوا عند رؤية البأس وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ وأن هذه ms0445 سنة الله ~~الخالية في عباده. وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون: {آلآن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين} فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار أي الآن تؤمن ~~وقد عصيت قبل؟ فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعا أو مقبولا فمن قال: إنه ~~نافع مقبول فقد خالف نص القرآن وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده. يبين ~~ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا: لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم يونس ~~فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين فإن الإغراق هو عذاب على كفره فإذا لم ~~يكن كافرا لم يستحق عذابا. وقوله بعد هذا: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية} يوجب أن يعتبر من خلفه ولو كان إنما مات مؤمنا لم يكن المؤمن مما ~~يعتبر بإهلاكه وإغراقه. وأيضا فإن {النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن ~~مسعود بقتل أبي جهل قال: هذا فرعون هذه الأمة} فضرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى. # PageV02P284 # فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد مات مؤمنا؟ ومعلوم أن من ~~مات مؤمنا: لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله ~~وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة: يأتي مع قارون وفرعون وهامان ~~وأبي بن خلف} . # PageV02P285 # سئل الشيخ الإمام الرباني شيخ الإسلام بحر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة ~~علامة الورى وارث الأنبياء. أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية - رضي ~~الله عنه -: # عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ذكرها عنه جماعة من الناس فيهم من انتسب ~~إلى الدين. فمن ذلك: قال بعض السلف: إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها ~~فسماها خلقا. وقال الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل: أن الله ظهر في الأشياء ~~حقيقة واحتجب بها مجازا فمن كان من أهل الحق والجمع: شهدها مظاهر ومجالي ms0446 ~~ومن كان من أهل المجاز والفرق: شهدها ستورا وحجبا قال: وقال في قصيدة له: - # لقد حق لي رفض الوجود وأهله ... وقد علقت كفاي جمعا بموجدي # PageV02P286 # ثم بعد مدة غير البيت بقوله: # لقد حق لي عشق الوجود وأهله # فسألته عن ذلك فقال: مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ثم يراها ~~مظاهر ومجالي فيحق له العشق لها كما قال بعضهم: # أقبل أرضا سار فيها جمالها ... فكيف بدار دار فيها جمالها # قال: وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس: # رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشاكلا فتشابه الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # لبس صورة العالم؛ فظاهره خلقه وباطنه حقه. وقال بعض السلف: عين ما ترى ~~ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى الله فقط والكثرة وهم. قال الشيخ قطب ~~الدين ابن سبعين: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك. الله فقط والكثرة وهم. وقال ~~الشيخ محيي الدين ابن عربي: # يا صورة أنس سرها معنائي ... ما خلقك للأمر ترى لولائي # شئناك فأنشأناك خلقا بشرا ... لتشهدنا في أكمل الأشياء # PageV02P287 # وفيه: طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج فقال له الشيخ: يا بني طف ~~ببيت ما فارقه الله طرفة عين. قال: وقيل عن رابعة العدوية: أنها حجت فقالت: ~~هذا الصنم المعبود في الأرض والله ما ولجه الله ولا خلا منه. وفيه للحلاج: # سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب # ثم بدا مستترا ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب # قال وله: # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جمع ما اعتقدوه # وله أيضا: بيني وبينك إني تزاحمني ... فارفع بحقك إنيي من البين # قال: وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول: وبهذه الإنية التي ~~طلب الحلاج رفعها تصرفت الأغيار في دمه ولذلك قال السلف: الحلاج نصف رجل ~~وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة. وفيه لمحيي الدين ابن ~~عربي: # والله ما هي إلا حيرة ظهرت ... وبي حلفت وإن المقسم الله # وقال فيه: المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن ms0447 الله - تبارك # PageV02P288 # وتعالى - اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله ~~كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة. قال ~~ابن الفارض في قصيدته السلوك: # وشاهد إذا استجليت نفسك ... من ترى بغير مراء في المرآة الصقيلة # أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر ... إليك بها عند انعكاس الأشعة؟ # قال: وقال ابن إسرائيل الأمر أمران: أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر ~~الذي بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله والأمر الذي بغير واسطة ~~لا يمكن رده وهو قوله تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} . فقال له فقير: إن الله قال لآدم بلا واسطة: لا تقرب الشجرة - فقرب ~~وأكل. فقال: صدقت وذلك أن آدم إنسان كامل؛ ولذلك قال شيخنا علي الحريري: ~~آدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله لآدم " لا تقرب ~~الشجرة " ظاهرا وكان أمره " كل " باطنا فأكل فكذلك قوله تعالى. وإبليس كان ~~توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد. فغير الله عليه وقال: ~~{اخرج منها} . وقال شخص لسيدي يا سيدي حسن إذا كان الله يقول لنبيه: {ليس ~~لك من الأمر شيء} أيش نكون نحن؟ فقال سيدي له: ليس الأمر كما تقول أو تظن ~~فقوله له: {ليس لك من الأمر شيء} عين الإثبات للنبي صلى الله # PageV02P289 # عليه وسلم كقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} {إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} . وفيه لأوحد الدين ~~الكرماني: # ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين # وقال غيره: # لا تحسب بالصلاة والصوم تنال ... قربا ودنوا من جمال وجلال # فارق ظلم الطبع وكن متحدا ... بالله وإلا كل دعواك محال # وغيره للحلاج: # إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # يشاهد حقا حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر # وللشيخ نجم الدين ابن إسرائيل: # الكون يناديك ألا تسمعني ... من ألف أشتاتي ومن فرقني ms0448 # انظر لتراني منظرا معتبرا ... ما في سوى وجود من أوجدني # وله أيضا: # ذرات وجود الكون للحق شهود ... أن ليس لموجود سوى الحق وجود # والكون وإن تكثرت عدته ... منه وإلى علاه يبدو ويعود # PageV02P290 # وله أيضا: # برئت إليك من قولي وفعلي ... ومن ذاتي براءة مستقيل # وما أنا في طراز الكون شيء ... لأني مثل ظل مستحيل # وللعفيف التلمساني: # أحن إليه وهو قلبي وهل يرى ... سواي أخو وجد يحن لقلبه؟ # ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ... وما بعده إلا لإفراط قربه # وقال بعض السلف: التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه. ومن ذلك أيضا: ~~التوحيد لا يعرفه إلا الواحد ولا تصح العبارة عن الواحد وذلك أنه لا يعبر ~~عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له. قال: وسمعت الشيخ محمد بن بشر ~~النواوي يقول: ورد سيدنا الشيخ علي الحريري إلى جامع نوى قال الشيخ محمد: ~~فجئت إليه فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال: يا بني وقفت مع المحبة مدة ~~فوجدتها غير المقصود؛ لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ثم ~~وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك؛ لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو ~~أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا. وفيه: سمعت من الشيخ نجم الدين ابن ~~إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من # PageV02P291 # شيخنا الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال يا نجم رأيت لهاتي ~~الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرضين ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما ~~وصل إلى الأرض من دمي قطرة. فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي ~~الشيخ حسن بن علي الحريري: يا سيدي حسن ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه ~~إله مثل فرعون ونمروذ وأمثالهما فقال: إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل ~~خلق الله أو أعرف خلق الله فقلت له: صدقت؛ وذلك أنه قد سمعت جدك يقول: رأيت ~~كذا وكذا؛ فذكر ما ذكره الشيخ نجم الدين عن الشيخ. وفيه قال بعض السلف: من ms0449 ~~كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب. فالمطلوب من السادة العلماء: ~~- أن يبينوا هذه الأقوال وهل هي حق أو باطل؟ وما يعرف به معناها؟ وما يبين ~~أنها حق أو باطل؟ وهل الواجب إنكارها أو إقرارها أو التسليم لمن قالها؟ وهل ~~لها وجه سائغ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها إما مع المعرفة بحقيقتها؟ وإما ~~مع التسليم المجمل لمن قالها. # PageV02P292 # والمتكلمون بها هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل؟ وهل يمكن تأويل ~~ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى؟ وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها ~~إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك ~~وترك الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها؟ بينوا ذلك مأجورين. # PageV02P293 # فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين هذه الأقوال المذكورة: تشتمل ~~على أصلين باطلين مخالفين لدين المسلمين واليهود والنصارى مع مخالفتهما ~~للمنقول والمعقول. (أحدهما) الحلول والاتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة ~~الوجود كالذين يقولون: إن الوجود واحد فالوجود الواجب للخالق: هو الوجود ~~الممكن للمخلوق كما يقول ذلك أهل الوحدة كابن عربي وصاحبه القونوي وابن ~~سبعين وابن الفارض صاحب القصيدة التائية - نظم السلوك - وعامر البصري ~~السيواسي الذي له قصيدة تناظر قصيدة ابن الفارض. والتلمساني الذي شرح ~~(مواقف النفري وله شرح الأسماء الحسنى على طريقة هؤلاء وسعيد الفرغاني الذي ~~شرح قصيدة ابن الفارض والششتري صاحب الأزجال الذي هو تلميذ ابن سبعين وعبد ~~الله البلياني وابن أبي المنصور المتصوف المصري صاحب فك الأزرار عن أعناق ~~الأسرار وأمثالهم. ثم من هؤلاء من يفرق بين الوجود والثبوت - كما يقوله ابن ~~عربي - ويزعم # PageV02P294 # أن الأعيان ثابتة في العدم غنية عن الله في أنفسها ووجود الحق هو وجودها ~~والخالق مفتقر إلى الأعيان في ظهور وجوده بها وهى مفتقرة إليه في حصول ~~وجودها الذي هو نفس وجوده. وقوله مركب من قول من قال المعدوم شيء وقول من ~~يقول: وجود الخالق هو وجود المخلوق ويقول: فالوجود المخلوق هو الوجود ~~الخالق والوجود الخالق هو الوجود المخلوق كما هو ms0450 مبسوط في موضع آخر. ومنهم ~~من يفرق بين الإطلاق والتعيين كما يقول القونوي ونحوه فيقولون: إن الواجب ~~هو الوجود المطلق لا بشرط وهذا لا يوجد مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان ~~فما هو كلي في الأذهان لا يكون في الأعيان إلا معينا وإن قيل: إن المطلق ~~جزء من المعين لزم أن يكون وجود الخالق جزءا من وجود المخلوق والجزء لا ~~يبدع الجميع ويخلقه فلا يكون الخالق موجودا. ومنهم من قال: إن البارئ هو ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما يقول ابن سينا وأتباعه فقوله أشد فسادا. ~~فإن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان؛ فقول هؤلاء ~~بموافقة من هؤلاء - الذين يلزمهم التعطيل - شر من قول الذين يشبهون أهل ~~الحلول والاتحاد. وآخرون يجعلون الوجود الواجب والوجود الممكن) بمنزلة ~~المادة # PageV02P295 # والصورة التي تقولها المتفلسفة أو قريب من ذلك كما يقوله ابن سبعين ~~وأمثاله. وهؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد وهي لا تخرج عن وحدة الوجود ~~والحلول أو الاتحاد وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد ~~المطلق؛ بخلاف من يقول بالمعين كالنصارى والغالية (من الشيعة الذين يقولون ~~بإلهية علي أو الحاكم أو الحلاج أو يونس القنيني أو غير هؤلاء ممن ادعيت ~~فيه الإلهية. فإن هؤلاء: قد يقولون بالحلول المقيد الخاص وأولئك يقولون ~~بالإطلاق والتعميم. ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص ~~وكذلك يقولون في المشركين عباد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على ~~بعض المظاهر دون بعض وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقا على وجه ~~الإطلاق والعموم. ولا ريب أن في قول هؤلاء من الكفر والضلال: ما هو أعظم من ~~كفر اليهود والنصارى. وهذا المذهب شائع في كثير من المتأخرين وكان طوائف من ~~الجهمية يقولون به وكلام ابن عربي في فصوص الحكم وغيره وكلام ابن سبعين # PageV02P296 # وصاحبه الششتري وقصيدة ابن الفارض (نظم السلوك وقصيدة عامر البصري وكلام ~~العفيف التلمساني وعبد الله البلياني والصدر القونوي وكثير من شعر ابن ~~إسرائيل وما ينقل من ذلك عن شيخه الحريري؛ وكذلك نحو ms0451 منه يوجد في كلام كثير ~~من الناس غير هؤلاء هو مبني على هذا المذهب - مذهب الحلول والاتحاد ووحدة ~~الوجود -. وكثير من أهل السلوك الذين لا يعتقدون هذا المذهب: يسمعون شعر ~~ابن الفارض وغيره فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب فإن هذا الباب وقع فيه ~~من الاشتباه والضلال ما حير كثيرا من الرجال. وأصل ضلال هؤلاء: أنهم لم ~~يعرفوا مباينة الله لمخلوقاته وعلوه عليها وعلموا أنه موجود فظنوا أن وجوده ~~لا يخرج عن وجودها بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها. ولما ~~ظهرت الجهمية - المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه - افترق الناس في هذا ~~الباب على أربعة أقوال: - فالسلف والأئمة يقولون: إن الله فوق سمواته مستو ~~على عرشه بائن من خلقه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وكما ~~علم المباينة والعلو بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح وكما فطر الله ~~على ذلك خلقه؛ من إقرارهم به وقصدهم إياه سبحانه وتعالى. # PageV02P297 # (والقول الثاني) قول معطلة الجهمية ونفتهم وهم الذين يقولون. لا هو داخل ~~العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايث له؛ فينفون الوصفين المتقابلين ~~اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من ~~غيرهم. (والقول الثالث) قول حلولية الجهمية الذين يقولون: إنه بذاته في كل ~~مكان كما يقول ذلك النجارية - أتباع حسين النجار - وغيرهم من الجهمية ~~وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد: من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد ~~الجهمية وصوفيتهم وعامتهم والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما ~~قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء. وذلك ~~لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم فإن ~~القلب يطلب موجودا فإذا لم يطلب ما فوق العالم: طلب ما هو فيه. وأما الكلام ~~والعلم والنظر: فيتعلق بموجود ومعدوم فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون ~~الرب بصفات السلب والنفي - التي لا يوصف بها إلا المعدوم - لم يكن مجرد ~~العلم والكلام ينافي عدم المعبود المذكور بخلاف القصد والإرادة والعبادة ~~فإنه ms0452 ينافي عدم المعبود. ولهذا تجد الواحد من هؤلاء - عند نظره وبحثه - ~~يميل إلى النفي وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول؛ وإذا قيل له هذا ينافي ~~ذلك قال: هذا مقتضى # PageV02P298 # عقلي ونظري وذاك مقتضى ذوقي ومعرفتي ومعلوم أن الذوق والوجد إن لم يكن ~~موافقا للعقل والنظر وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما. (والقول الرابع) قول ~~من يقول إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان وهذا قول طوائف من ~~أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله وقد ذكر الأشعري في المقالات هذا عن ~~طوائف ويوجد في كلام - السالمية - كأبي طالب المكي وأتباعه: كأبي الحكم بن ~~برجان وأمثاله - ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا. ~~وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه: وقع فيه كثير من متأخري الصوفية؛ ~~ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه: كما في قول الجنيد - لما سئل عن التوحيد ~~- فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم ~~والمحدث. وقد أنكر ذلك عليه ابن عربي - صاحب الفصوص - وادعى أن الجنيد ~~وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد لما أثبتوا الفرق بين الرب والعبد بناء ~~على دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد وزعم أنه لا يميز بين ~~القديم والمحدث إلا من ليس بقديم ولا محدث وهذا جهل فإن المعرفة بأن هذا ~~ليس ذاك والتمييز بين هذا وذاك: لا يفتقر إلى أن يكون العارف المميز بين ~~الشيئين ليس هو أحد الشيئين؛ بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذلك الإنسان الآخر ~~مع أنه أحدهما فكيف لا يعلم أنه غير ربه؛ وإن كان هو أحدهما؟ . # PageV02P299 # (الأصل الثاني) الاحتجاج بالقدر على المعاصي وعلى ترك المأمور وفعل ~~المحظور) فإن القدر يجب الإيمان به ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر ~~الله ونهيه ووعده ووعيده. والناس - الذين ضلوا في القدر - على ثلاثة أصناف: ~~قوم آمنوا بالأمر والنهي والوعد والوعيد؛ وكذبوا بالقدر وزعموا أن من ~~الحوادث ما لا يخلقه الله كالمعتزلة ونحوهم. وقوم آمنوا بالقضاء ms0453 والقدر ~~ووافقوا أهل السنة والجماعة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه؛ لكن عارضوا هذا بالأمر والنهي وسموا هذا ~~حقيقة وجعلوا ذلك معارضا للشريعة. وفيهم من يقول: إن مشاهدة القدر تنفي ~~الملام والعقاب وإن العارف يستوي عنده هذا وهذا. وهم في ذلك متناقضون ~~مخالفون للشرع والعقل والذوق والوجد؛ فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم ~~وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر والعاجز ولا بين الطيب ~~والخبيث ولا بين العادل والظالم؛ بل يفرقون بينهما ويفرقون أيضا بموجب ~~أهوائهم وأغراضهم لا بموجب الأمر والنهي ولا يقفون لا مع القدر ولا مع ~~الأمر؛ بل كما # PageV02P300 # قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب يوافق ~~هواك تمذهبت به. ولا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم: إلا ~~وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقا ~~ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا لله فيكون حبه وبغضه وموالاته ~~ومعاداته: بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده لا بحسب أمر الله ونهيه ومحبته ~~وبغضه وولايته وعداوته. إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد. فإن هذا ~~مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه والشر الذي لا خير فيه؛ إذ لو جاز أن يحتج ~~كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من ظالم باغ ولا أخذ لمظلوم حقه من ~~ظالمه ولفعل كل أحد ما يشتهيه من غير معارض يعارضه فيه وهذا فيه من الفساد ~~ما لا يعلمه إلا رب العباد. فمن المعلوم بالضرورة: أن الأفعال تنقسم إلى ما ~~ينفع العباد وإلى ما يضرهم والله قد بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~المؤمنين بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~فمن لم يتبع شرع الله ودينه: تبع ضده من الأهواء والبدع وكان احتجاجه ~~بالقدر من الجدل بالباطل ليدحض به الحق لا من باب الاعتماد عليه ولزمه أن ms0454 ~~يجعل كل من جرت عليه المقادير من أهل المعاذير. # PageV02P301 # وإن قال: أنا أعذر بالقدر من شهده وعلم أن الله خالق فعله ومحركه لا من ~~غاب عن هذا الشهود أو كان من أهل الجحود. قيل له: فيقال لك وشهود هذا وجحود ~~هذا من القدر؟ فالقدر متناول لشهود هذا وجحود هذا؟ فإن كان هذا موجبا للفرق ~~مع شمول القدر لهما: فقد جعلت بعض الناس محمودا وبعضهم مذموما مع شمول ~~القدر لهما؟ وهذا رجوع إلى الفرق واعتصام بالأمر والنهي وحينئذ فقد نقضت ~~أصلك وتناقضت فيه وهذا لازم لكل من دخل معك فيه. ثم مع فساد هذا الأصل ~~وتناقضه: فهو قول باطل وبدعة مضلة. فمن جعل الإيمان بالقدر وشهوده عذرا في ~~ترك الواجبات وفعل المحظورات؟ بل الإيمان بالقدر حسنة من الحسنات وهذه لا ~~تنهض بدفع جميع السيئات فلو أشرك مشرك بالله وكذب رسوله ناظرا إلى أن ذلك ~~مقدر عليه: لم يكن ذلك غافرا لتكذيبه ولا مانعا من تعذيبه فإن الله لا يغفر ~~أن يشرك به سواء كان المشرك مقرا بالقدر وناظرا إليه أو مكذبا به أو غافلا ~~عنه فقد قال إبليس: {بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} ~~فأصر واحتج بالقدر فكان ذلك زيادة في كفره وسببا لمزيد عذابه. وأما آدم ~~عليه السلام فإنه قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين} قال تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه # PageV02P302 # هو التواب الرحيم} فمن استغفر وتاب كان آدميا سعيدا ومن أصر واحتج بالقدر ~~كان إبليسيا شقيا؛ وقد قال تعالى لإبليس {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} . وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين في الحقائق فإنهم يسلكون ~~أنواعا من الحقائق التي يجدونها ويذوقونها ويحتجون بالقدر فيما خالفوا فيه ~~الأمر فيضاهئون المشركين الذين كانوا يبتدعون دينا لم يشرعه الله ويحتجون ~~بالقدر على مخالفة أمر الله. (والصنف الثالث) من الضالين في القدر: من خاصم ~~الرب في جمعه بين القضاء والقدر والأمر والنهي - كما يذكرون ذلك على لسان ~~إبليس ms0455 - وهؤلاء خصماء الله وأعداؤه. وأما أهل الإيمان: فيؤمنون بالقضاء ~~والقدر والأمر والنهي ويفعلون المأمور ويتركون المحظور ويصبرون على المقدور ~~كما قال تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فالتقوى ~~تتناول فعل المأمور وترك المحظور والصبر يتضمن الصبر على المقدور. وهؤلاء ~~إذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب وأن ما ~~أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم فسلموا الأمر لله وصبروا ~~على ما ابتلاهم به. وأما إذا جاء أمر الله فإنهم يسارعون في الخيرات ~~ويسابقون إلى # PageV02P303 # الطاعات ويدعون ربهم رغبا ورهبا ويجتنبون محارمه ويحفظون حدوده ويستغفرون ~~الله ويتوبون إليه من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده؛ علما منهم بأن ~~التوبة فرض على العباد دائما واقتداء بنبيهم حيث يقول في الحديث الصحيح: ~~{أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه ~~في اليوم مائة مرة} وفي رواية {أكثر من سبعين مرة} وآخر سورة نزلت عليه: ~~{إذا جاء نصر الله والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . وإذا عرف هذان الأصلان: فعليهما ينبني ~~جواب ما في هذا السؤال من الكلمات ويعرف ما دخل في هذه الأمور من الضلالات. # فقول القائل: إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها فسماها خلقا - هو من ~~أقوال أهل الوحدة والحلول والاتحاد وهو باطل؛ فإن اللطيف إن كان هو الكثيف: ~~فالحق هو الخلق ولا تلطيف ولا تكثيف وإن كان اللطيف غير الكثيف: فقد ثبت ~~الفرق بين الحق والخلق وهذا هو الحق وحينئذ فالحق لا يكون خلقا فلا يتصور ~~أن ذات الحق تكون خلقا بوجه من الوجوه كما أن ذات المخلوق لا تكون ذات ~~الخالق بوجه من الوجوه. وكذلك قول الآخر: " ظهر فيها حقيقة واحتجب عنها ~~مجازا " فإنه إن كان الظاهر غير المظاهر فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد وإن ~~لم يكن أحدهما غير الآخر فلا يتصور ظهور ولا احتجاب. # PageV02P304 # ثم قوله: " فمن كان من أهل الحق ms0456 شهدها مظاهر ومجالي ومن كان من أهل الفرق ~~شهدها ستورا وحجبا " كلام ينقض بعضه بعضا فإنه إن كان الوجود واحدا لم يكن ~~أحد الشاهدين غير الآخر ولم يكن الشاهد غير المشهود. ولهذا قال بعض شيوخ ~~هؤلاء: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب. فقال له آخر: فمن الذي كذب؟ ~~فأفحمه. وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه: كان هو الذي يكذب ~~ويظلم ويأكل ويشرب وهذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص وغيره: ~~إنه موصوف بجميع صفات الذم وإنه هو الذي يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ويوصف ~~بالمعايب والنقائص كما أنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم. قال: فالعلي ~~بنفسه هو الذي يكون له جميع الصفات الثبوتية والسلبية سواء كانت محمودة ~~عقلا وشرعا وعرفا أو مذمومة عقلا وشرعا وعرفا وليس ذلك إلا لمسمى الله ~~خاصة. وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وقد أخبر بذلك عن نفسه ~~وبصفات النفس وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق وكلها حق له ~~كما أن صفات المخلوق حق للخالق. # وقول القائل: لقد حق لي عشق الوجود وأهله # يقتضي أنه يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر ويعشق الكلاب # PageV02P305 # والخنازير والبول والعذرة وكل خبيث مع أنه باطل عقلا وشرعا فهو كاذب في ~~ذلك متناقض فيه فإنه لو آذاه مؤذ وآلمه ألما شديدا لأبغضه وعاداه بل اعتدى ~~في أذاه فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا محرم شرعا. # وما ذكر عن بعضهم من قوله " عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ~~ترى) " هو من كلام ابن سبعين وهو من أكابر أهل الشرك والإلحاد والسحر ~~والاتحاد وكان من أفضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوف المتفلسفة. وقول ~~" ابن عربي " ظاهره خلقه وباطنه حقه " هو قول أهل الحلول وهو متناقض في ذلك ~~فإنه يقول بالوحدة فلا يكون هناك موجودان؛ أحدهما باطن والآخر ظاهر ~~والتفريق بين الوجود والعين: تفريق لا حقيقة له بل هو من أقوال أهل الكذب ~~والمين. # وقول ابن سبعين " رب مالك ms0457 وعبد هالك وأنتم ذلك؛ الله فقط والكثرة وهم) " ~~هو موافق لأصله الفاسد في أن وجود المخلوق وجود الخالق؛ ولهذا قال: وأنتم ~~ذلك. فإنه جعل العبد هالكا أي لا وجود له فلم يبق إلا وجود الرب فقال: ~~وأنتم ذلك وكذلك قال: الله فقط والكثرة وهم؛ فإنه على قوله لا موجود إلا ~~الله. ولهذا كان يقول هو وأصحابه في ذكرهم: ليس إلا الله بدل قول المسلمين ~~لا إله إلا الله. # PageV02P306 # وكان الشيخ قطب الدين بن القسطلاني يسميهم " الليسية " ويقول: احذروا ~~هؤلاء الليسية ولهذا قال: والكثرة وهم وهذا تناقض فإن قوله " وهم " يقتضي ~~متوهما؛ فإن كان المتوهم هو الوهم فيكون الله هو الوهم؛ وإن كان المتوهم هو ~~غير الوهم فقد تعدد الوجود وكذلك إن كان المتوهم هو الله: فقد وصف الله ~~بالوهم الباطل وهذا مع أنه كفر فهو يناقض قوله: الوجود واحد وإن كان ~~المتوهم غيره فقد أثبت غير الله وهذا يناقض أصله ثم متى أثبت غيرا لزمت ~~الكثرة فلا تكون الكثرة وهما بل تكون حقا. والبيتان المذكوران عن ابن عربي ~~مع تناقضهما: مبنيان على هذا الأصل؛ فإن قوله: يا صورة أنس سرها معنائي " ~~خطاب على لسان الحق يقول لصورة الإنسان يا صورة أنس سرها معنائي؛ أي هي ~~الصورة وأنا معناها وهذا يقتضي أن المعنى غير الصورة وهو يقتضي التعدد ~~والتفريق بين المعنى والصورة فإن كان وجود المعنى هو وجود الصورة - كما ~~يصرح به - فلا تعدد؛ وإن كان وجود هذا غير وجود هذا: فهو متناقض في قوله. ~~وقوله: ما خلقك للأمر ترى لولائي # PageV02P307 # كلام مجمل يمكن أن يريد به معنى صحيحا أي لولا الخالق لما وجد المكلفون ~~ولا خلق لأمر الله لكن قد عرف أنه لا يقول بهذا وأن مراده الوحدة والحلول ~~والاتحاد؛ ولهذا قال: - شئناك فأنشأناك خلقا بشرا كي تشهدنا في أكمل ~~الأشياء فبين أن العبيد يشهدونه في أكمل الأشياء وهي الصورة الإنسانية وهذا ~~يشير إلى الحلول - وهو حلول الحق في الخلق - لكنه متناقض في كلامه؛ فإنه لا ~~يرضى بالحلول ولا يثبت ms0458 موجودين حل أحدهما في الآخر بل عنده وجود الحال هو ~~عين وجود المحل؛ لكنه يقول بالحلول بين الثبوت والوجود فوجود الحق حل في ~~ثبوت الممكنات وثبوتها حل في وجوده؛ وهذا الكلام لا حقيقة له في نفس الأمر ~~فإنه لا فرق بين هذا وهذا؛ لكنه هو مذهبه المتناقض في نفسه. # وأما الرجل الذي طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الأب فقال: طف ~~ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط ": فهذا كفر بإجماع المسلمين فإن الطواف ~~بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله وأما الطواف بالأنبياء والصالحين ~~فحرام بإجماع المسلمين؛ ومن اعتقد ذلك دينا فهو كافر سواء طاف ببدنه أو ~~بقبره. وقوله: " ما فارقه الله طرفة عين قط ": إن أراد به الحلول المطلق ~~العام فهو مع بطلانه متناقض فإنه لا فرق حينئذ بين الطائف والمطوف به فلم ~~يكن طواف # PageV02P308 # هذا بهذا أولى من العكس؛ بل هذا يستلزم أنه يطاف بالكلاب والخنازير ~~والكفار والنجاسات والأقذار وكل خبيث وكل ملعون؛ لأن الحلول والاتحاد العام ~~يتناول هذا كله. وقد قال مرة شيخهم الشيرازي لشيخه التلمساني وقد مر بكلب ~~أجرب ميت: هذا أيضا من ذات الله؟ فقال: وثم خارج عنه؟ ومر التلمساني ومعه ~~شخص بكلب فركضه الآخر برجله فقال: لا تركضه فإنه منه وهذا مع أنه من أعظم ~~الكفر والكذب الباطل في العقل والدين: فإنه متناقض فإن الراكض والمركوض ~~واحد وكذلك الناهي والمنهي فليس شيء من ذلك بأولى بالأمر والنهي من شيء ولا ~~يعقل مع الوحدة تعدد وإذا قيل مظاهر ومجالي: قيل إن كان لها وجود غير وجود ~~الظاهر والمتجلي فقد ثبت التعدد وبطلت الوحدة؛ وإن كان وجود هذا هو وجود ~~هذا: لم يبق بين الظاهر والمظهر والمتجلي فيه فرق. وإن أراد بقوله: ما ~~فارقه الله طرفة عين الحلول الخاص - كما تقوله النصارى في المسيح - لزم أن ~~يكون هذا الحلول ثابتا له من حين خلق - كما تقوله النصارى في المسيح - فلا ~~يكون ذلك حاصلا له بمعرفته وعبادته وتحقيقه وعرفانه. وحينئذ فلا يكون فرق ~~بينه ms0459 وبين غيره من الآدميين فلماذا يكون الحلول ثابتا له دون غيره؟ وهذا شر ~~من قول النصارى؛ فإن النصارى ادعوا ذلك في المسيح لكونه خلق من غير أب ~~وهؤلاء الشيوخ لم يفضلوا في نفس التخليق وإنما فضلوا بالعبادة والمعرفة ~~والتحقيق والتوحيد. # PageV02P309 # وهذا أمر حصل لهم بعد أن لم يكن لهم فإذا كان هذا هو سبب الحلول: وجب أن ~~يكون الحلول فيهم حادثا لا مقارنا لخلقهم وحينئذ فقولهم إن الرب ما فارق ~~أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين قط - كلام باطل كيفما قدر. # وأما ما ذكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت: " إنه الصنم المعبود في ~~الأرض " فهو كذب على رابعة ولو قال هذا من قاله لكان كافرا يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل وهو كذب فإن البيت لا يعبده المسلمون؛ ولكن يعبدون رب البيت ~~بالطواف به والصلاة إليه وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا ~~خلا منه كلام باطل عليها. وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره ~~في هذا المعنى فلأي مزية يطاف به ويصلى إليه ويحج دون غيره من البيوت؟ وقول ~~القائل: ما ولج الله فيه " - كلام صحيح. وأما قوله: ما خلا منه فإن أراد أن ~~ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى فهو باطل وهو مناقض لقوله ما ولج فيه ~~وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه ~~فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب أن لا يكون للبيت مزية على غيره من البيوت إذ ~~الموجودات كلها عندهم كذلك. # PageV02P310 # وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج: - سبحان من أظهر ناسوته سر سنا ~~لاهوته الثاقب حتى بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب فهذه قد بين ~~بها الحلول الخاص) كما تقول النصارى في المسيح - وكان أبو عبد الله بن خفيف ~~الشيرازي - قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج - يذب عنه فلما أنشد هذين ~~البيتين قال: لعن الله من قال هذا. وقوله وله: - عقد الخلائق في الإله ~~عقائدا وأنا اعتقدت ms0460 جميع ما اعتقدوه فهذا البيت يعرف لابن عربي فإن كان قد ~~سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به: فإضافته إلى الحلاج صحيحة وهو كلام ~~متناقض باطل. فإن الجمع بين النقيضين في الاعتقاد في غاية الفساد. ~~والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب ~~الأخرى لا يمكن الجمع بينهما. وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما ~~يناقض صريح العقل وأنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين وأن من سلك ~~طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه ~~أهل السفسطة. # PageV02P311 # ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام أعظم من الأولياء والأنبياء جاءوا بما ~~تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون ~~بمحارات العقول لا بمحالات العقول وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول ~~صحيحة وأن الجمع بين النقيضين صحيح وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول ~~صحيح. ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام يتخيلون في نفوسهم أمورا يتخيلونها ~~ويتوهمونها فيظنونها ثابتة في الخارج وإنما هي خيالاتهم والخيال الباطل ~~يتصور فيه ما لا حقيقة له. ولهذا يقولون: أرض الحقيقة هي أرض الخيال كما ~~يقول ذلك ابن عربي وغيره؛ ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغاني شارح ~~قصيدة ابن الفارض - وكان من شيوخهم. وأما قوله: - بيني وبينك إني تزاحمني ~~فارفع بحقك إنيي من البين فإن هذا الكلام يفسر بمعان ثلاثة يقوله الملحد ~~ويقوله الزنديق ويقوله الصديق. فالأول: مراده به طلب رفع ثبوت إنيته حتى ~~يقال إن وجوده هو وجود الحق وإنيته هي إنية الحق فلا يقال إنه غير الله ولا ~~سواه. # PageV02P312 # ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة: إن الحلاج نصف رجل؛ وذلك أنه لم ترفع له ~~الإنية بالمعنى فرفعت له صورة: يقولون إنه لما لم ترفع إنيته في الثبوت في ~~حقيقة شهوده رفعت صورة فقتل وهذا القول مع ما فيه من الكفر والإلحاد: فهو ~~متناقض ينقض بعضه بعضا فإن قوله: بيني وبينك إني تزاحمني خطاب لغيره وإثبات ~~إنية بينه وبين ربه؛ وهذا إثبات أمور ثلاثة ms0461 ولذلك يقول: فارفع بحقك إنيي من ~~البين طلب من غيره أن يرفع إنيته وهذا إثبات لأمور ثلاثة. وهذا المعنى ~~الباطل هو الفناء الفاسد وهو الفناء عن وجود السوى فإن هذا فيه طلب رفع ~~الإنية - وهو طلب الفناء - والفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود السوى وفناء ~~عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى. فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة ~~كما فسروا به كلام الحلاج - وهو أن يجعل الوجود وجودا واحدا -. وأما ~~الثاني: - وهو الفناء عن شهود السوى - فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين ~~كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام وهو أن يغيب بموجوده عن ~~وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم ~~يكن ويبقى من لم يزل؛ وهذا كما يحكى أن # PageV02P313 # رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء فألقى المحب نفسه خلفه ~~فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. فهذا حال من ~~عجز عن شهود شيء من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض ~~لطائفة من السالكين. ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية ~~السلوك حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية فلا يفرقون بين ~~المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه. وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر ~~وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله ~~فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار: لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون ~~معذورا. وأما النوع الثالث: وهو الفناء عن عبادة السوى - فهذا حال النبيين ~~وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه ~~وبخشيته عن خشية ما سواه وطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل ~~على ما سواه؛ فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة ~~إبراهيم. ويدخل في هذا: أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله ~~ولا يبغض إلا لله ولا ms0462 يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني ~~الشرعي الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. # PageV02P314 # ومن قال: فارفع بحقك إني من البين بمعنى أن يرفع هو نفسه فلا يتبع هواه ~~ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته بل يكون عمله لله لا لهواه وعمله بالله ~~وبقوته لا بحوله وقوته كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} فهذا حق ~~محمود. وهذا كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: ~~خدايي كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال - أي اترك اتباع هواك ~~والاعتماد على نفسك - فيكون عملك لله واستعانتك بالله كما قال تعالى: ~~{فاعبده وتوكل عليه} . # والقول المحكي عن ابن عربي: وبي حلفت وأن المقسم الله هو أيضا من إلحادهم ~~وإفكهم: جعل نفسه حالفة بنفسه وجعل الحالف هو الله فهو الحالف والمحلوف به ~~كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه فهو المرسل والمرسل إليه ~~والرسول. وكما قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك: # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # PageV02P315 # وما كان بي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة # إلى أن قال: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي # فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # وأما المنقول عن عيسى ابن مريم صلوات الله عليه فهو كذب عليه وهو كلام ~~ملحد كاذب وضعه على المسيح وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا نصراني فإنه لا ~~يوافق قول النصارى فإن قوله: إن الله اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من ~~نوره آدم وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور ~~وآدم المرآة) : فهذا الكلام - مع ما فيه من الكفر والإلحاد - متناقض وذلك ~~أن الله سبحانه ms0463 يرى نفسه كما يسمع كلام نفسه وهذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو عبد مخلوق لله - قال لأصحابه: {إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم ~~من بين يدي} فإذا كان المخلوق قد يرى ما خلفه - وهو أبلغ من رؤية نفسه - ~~فالخالق تعالى كيف لا يرى نفسه؟ وأيضا فإن شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق آدم: ~~يقتضي أنه لم يكن في الأزل يرى نفسه حتى خلق آدم. # PageV02P316 # ثم ذلك الشوق إن كان قديما: كان ينبغي أن يفعل ذلك في الأزل وإن كان ~~محدثا فلا بد من سبب يقتضي حدوثه مع أنه قد يقال: الشوق أيضا صفة نقص ولهذا ~~لم يثبت ذلك في حق الله تعالى وقد روي: {طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا ~~إلى لقائهم أشوق} وهو حديث ضعيف. وقوله: فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة ~~وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة - يقتضي أن يكون آدم مخلوقا من المسيح وهذا ~~نقيض الواقع فإن آدم خلق قبل المسيح والمسيح خلق من مريم ومريم من ذرية آدم ~~فكيف يكون آدم مخلوقا من ذريته؟ . وإن قيل: المسيح هو نور الله فهذا القول ~~- وإن كان من جنس قول النصارى - فهو شر من قول النصارى فإن النصارى يقولون: ~~إن المسيح هو الناسوت واللاهوت الذي هو الكلمة هي جوهر الابن وهم يقولون: ~~اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح لا يقولون: إن آدم خلق من ~~المسيح إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت جميعا وذلك يمتنع أن يخلق منه ~~آدم وأيضا فهم لا يقولون: إن آدم خلق من لاهوت المسيح. وأيضا فقول القائل: ~~إن آدم خلق من نور الله الذي هو المسيح؛ إن أراد به نوره الذي هو صفة لله: ~~فذاك ليس هو المسيح الذي هو قائم بنفسه؛ إذ يمتنع أن يكون القائم بنفسه صفة ~~لغيره وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه: فمعلوم أن المسيح لم يكن شيئا ~~موجودا منفصلا قبل خلق آدم فامتنع على كل تقدير أن يكون آدم مخلوقا من نور ~~الله ms0464 الذي هو المسيح. # PageV02P317 # وأيضا فإذا كان آدم كالمرآة وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها: لزم أن يكون ~~الظاهر في آدم هو مثال ذاته لا أن آدم هو ذاته ولا مثال ذاته ولا كذاته. ~~وحينئذ فإن كان المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى: فيرى مثال ذاته العلمي ~~في آدم. فالرب تعالى يعرف نفسه فكان المثال العلمي إذا أمكن رؤيته كانت ~~رؤيته للعلم المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم وإن ~~كان المراد أن آدم نفسه مثال لله: فلا يكون آدم هو المرآة؛ بل يكون هو ~~كالمثال الذي في المرآة. وأيضا فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور: هو قول ~~النصارى الذين يخصونه بأنه الله أو ابن الله وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول ~~النصارى قولهم بعموم الاتحاد حيث جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله ~~النصارى في المسيح. # وأما قول ابن الفارض: وشاهد إذا استجليت ذاتك من ترى بغير مراء في المرآة ~~الصقيلة أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر إليك بها عند انعكاس الأشعة؟ فهذا ~~تمثيل فاسد وذلك أن الناظر في المرآة يرى مثال نفسه فيرى نفسه بواسطة ~~المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة فقولهم بوحدة الوجود باطل وبتقدير صحته ليس ~~هذا مطابقا له. # PageV02P318 # وأيضا فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل شيء، فتخصيصهم ~~بعد هذا آدم أو نحو المسيح يناقض قولهم بالعموم وإنما يخص المسيح ونحوه من ~~يقول بالاتحاد الخاص كالنصارى والغالية من الشيعة وجهال النساك ونحوهم. ~~وأيضا فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه في المرآة: فالمرآة خارجة عن نفسه فيرى ~~نفسه أو مثال نفسه في غيره والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى فليس هناك ~~مظهر مغاير للظاهر ولا مرآة مغايرة للرائي. وهم يقولون: إن الكون مظاهر ~~الحق) فإن قالوا: المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة وإن قالوا: ~~المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شيء في شيء ولا تجلى شيء في شيء ولا ظهر ~~شيء لشيء ولا تجلى شيء لشيء وكان قوله: # وشاهد إذا ms0465 استجليت نفسك من ترى # كلاما متناقضا؛ لأن هنا مخاطبا ومخاطبا ومرآة تستجلى فيها الذات فهذه ~~ثلاثة أعيان فإن كان الوجود واحدا بالعين بطل هذا الكلام وكل كلمة يقولونها ~~تنقض أصلهم. # PageV02P319 # فصل: # وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل: الأمر أمران: أمر بواسطة وأمر بغير ~~واسطة إلى آخره - فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني ~~والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني؛ وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر ~~بغير واسطة كلام باطل فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة فإن الله ~~كلم موسى وأمره بلا واسطة وكذلك كلم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمره ليلة ~~المعراج وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية. وأما الأمر ~~الكوني: فقول القائل إنه بلا واسطة خطأ بل الله تعالى خلق الأشياء بعضها ~~ببعض وأمر التكوين ليس هو خطابا يسمعه المكون المخلوق فإن هذا ممتنع؛ ولهذا ~~قيل: إن كان هذا خطابا له بعد وجوده لم يكن قد كون بكن؛ بل كان قد كون قبل ~~الخطاب وإن كان خطابا له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع. وقد قيل في جواب ~~هذا: إنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم وإن كان معدوما في العين. وأما ما ~~ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب. # PageV02P320 # وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله " لا ~~تقرب " ظاهرا وكان أمره " بكل " باطنا. فيقال: إن أريد بكونه قال " كل " ~~باطنا أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع ودين: فهذا كذب وكفر وإن كان أراد ~~أنه خلق ذلك وقدره وكونه: فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات ~~فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. وإن قيل: إن آدم شهد الأمر ~~الكوني القدري وكان مطيعا لله بامتثاله له. كما يقول هؤلاء: إن العارف ~~الشاهد للقدر يسقط عنه الملام. فهذا مع أنه معلوم بطلانه بالضرورة من دين ~~الإسلام فهو كفر باتفاق المسلمين. فيقال: الأمر الكوني يكون موجودا قبل ~~وجود المكون لا يسمعه العبد وليس ms0466 امتثاله مقدورا له بل الرب هو الذي يخلق ~~ما كونه بمشيئته وقدرته والله تعالى ليس له شريك في الخلق والتكوين. والعبد ~~وإن كان فاعلا بمشيئته وقدرته والله خالق كل ذلك فتكوين الله للعبد ليس هو ~~أمرا لعبد موجود في الخارج يمكنه الامتثال وكذلك ما خلقه من أحواله ~~وأعماله: خلقه بمشيئته وقدرته و: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} فكل ما كان من المكونات فهو داخل في هذا الأمر. # PageV02P321 # وأكل آدم من الشجرة وغير ذلك من الحوادث: داخل تحت هذا كدخول آدم؛ فنفس ~~أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم. فقول القائل: إنه قال لآدم ~~في الباطن: " كل " مثل قوله إنه قال للكافر اكفر وللفاسق افسق والله لا ~~يأمر بالفحشاء ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يوجد منه خطاب ~~باطن ولا ظاهر للكفار والفساق والعصاة: بفعل الكفر والفسوق والعصيان وإن ~~كان ذلك واقعا بمشيئته وقدرته وخلقه وأمره الكوني فالأمر الكوني ليس هو ~~أمرا للعبد أن يفعل ذلك الأمر بل هو أمر تكوين لذلك الفعل في العبد أو أمر ~~تكوين لكون العبد على ذلك الحال. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان هلوعا {إذا ~~مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} وهو الذي جعل المسلمين مسلمين كما ~~قال الخليل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} فهو سبحانه ~~جعل العباد على الأحوال التي خلقهم عليها وأمره لهم بذلك أمر تكوين بمعنى ~~أنه قال لهم كونوا كذلك فيكونون كذلك كما قال للجماد: كن فيكون. فأمر ~~التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان وهو لا يفتقر إلى علم المأمور ولا ~~إرادته ولا قدرته لكن العبد قد يعلم ما جرى به القدر في أحواله كما يعلم ما ~~جرى به القدر في أحوال غيره وليس في ذلك علم منه بأن الله أمره في الباطن؛ ~~بخلاف ما أمره في الظاهر بل أمره بالطاعة باطنا # PageV02P322 # وظاهرا ونهاه عن المعصية باطنا وظاهرا وقدر ما يكون فيه من طاعة ومعصية ~~باطنا ms0467 وظاهرا وخلق العبد وجميع أعماله باطنا وظاهرا وكون ذلك بقوله " كن " ~~باطنا وظاهرا. # وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به ولا يحتج به ~~والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض فإن القدر إن كان حجة وعذرا: لزم ~~أن لا يلام أحد؛ ولا يعاقب ولا يقتص منه وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه - ~~إذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته - أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ~~ولا يذمه؛ وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحد أن يفعله فهو ممتنع طبعا ~~محرم شرعا. ولو كان القدر حجة وعذرا: لم يكن إبليس ملوما ولا معاقبا ولا ~~فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار ولا كان جهاد الكفار جائزا ولا ~~إقامة الحدود جائزا ولا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل ~~ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه. ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلا في فطر ~~الخلق وعقولهم: لم تذهب إليه أمة من الأمم ولا هو مذهب أحد من العقلاء ~~الذين يطردون قولهم فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته ~~ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة؛ إن لم يكن أحدهما ملتزما مع الآخر ~~نوعا من الشرع فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده. # PageV02P323 # لكن الشرائع تتنوع: فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل ~~وتارة لا تكون كذلك ثم المنزلة: تارة تبدل وتغير - كما غير أهل الكتاب ~~شرائعهم - وتارة لا تغير ولا تبدل وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا ~~يدخل. وأما القدر: فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه فإذا فعل فعلا ~~محرما بمجرد هواه وذوقه ووجده؛ من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته ~~استند إلى القدر كما قال المشركون: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ms0468 وإن أنتم إلا تخرصون} ~~{قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فبين أنهم ليس عندهم علم ~~بها كانوا عليه من الدين وإنما يتبعون الظن. والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل ~~أحد الاحتجاج بالقدر فإنه لو خرب أحد الكعبة؛ أو شتم إبراهيم الخليل أو طعن ~~في دينهم لعادوه وآذوه كيف وقد عادوا النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء ~~به من الدين وما فعله هو أيضا من المقدور. فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة ~~لكان للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو ~~مقدر فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر إن كان الاحتجاج به صحيحا ~~ولكن كانوا يتعمدون على # PageV02P324 # ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم ~~يخرصون. {وموسى لما قال لآدم: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم عليه ~~السلام - فيما قال لموسى - لم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق ~~بأربعين عاما؟ فحج آدم موسى} لم يكن آدم عليه السلام محتجا على فعل ما نهي ~~عنه بالقدر ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله بل آحاد المؤمنين لا ~~يفعلون مثل هذا فكيف آدم وموسى؟ . وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى ~~وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو دون نبي على فعل تاب منه فكيف بنبي من ~~الأنبياء؟ وآدم يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج إلى التوبة ولم يجر ما ~~جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك ولو كان القدر حجة لكان لإبليس وغيره وكذلك ~~موسى يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق ولا بنو إسرائيل ~~بالصعقة وغيرها كيف وقد قال موسى {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقال: {أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} وهذا باب واسع. وإنما كان لوم ~~موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقتهم بآدم من أكل الشجرة؛ ولهذا قال: ~~{لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة} ؟ واللوم لأجل المصيبة ms0469 التي لحقت الإنسان ~~نوع واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر # PageV02P325 # فإن الأب لو فعل فعلا افتقر به حتى تضرر بنوه فأخذوا يلومونه لأجل ما ~~لحقهم من الفقر: لم يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب. والعبد مأمور أن يصبر ~~على المقدور ويطيع المأمور وإذا أذنب استغفر. كما قال تعالى: {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه} . قال طائفة من السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم. # فمن احتج بالقدر على ترك المأمور وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد ~~عكس الإيمان والدين وصار من حزب الملحدين المنافقين وهذا حال المحتجين ~~بالقدر. فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره فلا ينظر إلى القدر ~~ولا يسلم له وإذا أذنب ذنبا أخذ يحتج بالقدر فلا يفعل المأمور ولا يترك ~~المحظور ولا يصبر على المقدور ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله ~~المتقين وأئمة المحققين الموحدين وإنما هو من أعداء الله الملحدين وحزب ~~الشيطان اللعين. وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين ~~والإيمان تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر وأعظمهم ظلما وعدوانا وأذل الناس ~~إذا قهر وأعظمهم جزعا ووهنا؛ كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن ~~الإيمان بالكتاب والمقاتلة من أصناف الناس. # PageV02P326 # والمؤمن إن قدر عدل وأحسن وإن قهر وغلب صبر واحتسب كما قال كعب بن زهير ~~في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم - التي أولها بانت سعاد ~~إلخ - في صفة المؤمنين: - ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم يوما وليسوا مجازيعا ~~إذا نيلوا وسئل بعض العرب عن شيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~رأيته يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر. وقد قال تعالى: {قالوا أئنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين} وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ms0470 كيدهم شيئا} وقال ~~تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ~~من الملائكة مسومين} وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة فالصبر يدخل فيه الصبر ~~على المقدور والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور. فمن رزق هذا وهذا ~~فقد جمع له الخير بخلاف من عكس فلا يتقي الله بل يترك طاعته متبعا لهواه ~~ويحتج بالقدر ولا يصبر إذا ابتلي ولا ينظر حينئذ إلى القدر فإن هذا حال ~~الأشقياء كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي ~~مذهب وافق هواك تمذهبت به. # PageV02P327 # يقول: أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقا لطاعتك فتنسى نعمة الله عليك إن جعلك ~~مطيعا له وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب؛ بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور ~~عليه بخلاف مراده أو المحرك الذي لا إرادة له ولا قدرة ولا علم وكلاهما ~~خطأ. وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: إذا عمل ~~العبد حسنة فقال: أي ربي أنا فعلت هذه الحسنة قال له ربه أنا يسرتك لها ~~وأنا أعنتك عليها. فإن قال: أي ربي أنت أعنتني عليها ويسرتني لها قال له ~~ربه: أنت عملتها وأجرها لك. وإذا فعل سيئة فقال أي ربي أنت قدرت علي هذه ~~السيئة. قال له ربه: أنت اكتسبتها وعليك وزرها فإن قال أي ربي إني أذنبت ~~هذا الذنب وأنا أتوب منه قال له ربه: أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك. وهذا ~~باب مبسوط في غير هذا الموضع. وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة ~~والتصوف شهود القدر فقط من غير شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك ~~المأمور وفعل المحظور وهذا أعظم الضلال. ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه: ~~كان أكفر من اليهود والنصارى والمشركين لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا ~~يطرد قوله. وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله: آدم كان أمره بكل باطنا ~~فأكل ms0471 وإبليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد # PageV02P328 # فغير الله عليه وقال: {اخرج منها} الآية - فإن هذا - مع ما فيه من ~~الإلحاد - كذب على آدم وإبليس فإن آدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة وأنه ~~هو الظالم لنفسه وتاب من ذلك ولم يقل إن الله ظلمني ولا أن الله أمرني في ~~الباطن بالأكل قال تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب ~~الرحيم} وقال تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين} وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال: {رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} . وأما قوله: رآه غيرا فلم يسجد - فهذا شر ~~من الاحتجاج بالقدر فإن هذا قول أهل الوحدة الملحدين وهو كذب على إبليس فإن ~~إبليس لم يمتنع من السجود لكونه غيرا بل قال: {أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} ولم تؤمر الملائكة بالسجود لكون آدم ليس غيرا بل المغايرة ~~بين الملائكة وآدم ثابتة معروفة والله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} {قالوا ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} . # وكانت الملائكة وآدم: معترفين بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له ولهذا ~~دعوه دعاء العبد ربه فآدم يقول: {ربنا ظلمنا أنفسنا} والملائكة تقول: {لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا} وتقول: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} الآية وقد قال تعالى: {قل أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} وقال تعالى: {أغير الله أتخذ وليا # PageV02P329 # فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} وقال: {أفغير الله أبتغي حكما ~~وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} . فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون ~~أمروه بعبادة غير الله ولا اتخاذ غير الله وليا ولا حكما فلم يكونوا ~~يستحقون الإنكار فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت غير يمكن عبادته واتخاذه ~~وليا وحكما وأنه من فعل ذلك فهو ms0472 مشرك بالله كما قال تعالى: {فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين} وقال: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا} وأمثال ذلك. # وأما قول القائل: إن قوله: {ليس لك من الأمر شيء} عين الإثبات للنبي صلى ~~الله عليه وسلم كقوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} . {إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} فهذا بناء على قول أهل ~~الوحدة والاتحاد وجعل معنى قوله: {ليس لك من الأمر شيء} أن فعلك هو فعل ~~الله لعدم المغايرة وهذا ضلال عظيم من وجوه: # أحدهما: أن قوله: {ليس لك من الأمر شيء} نزل في سياق قوله: {ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} . # PageV02P330 # وقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم من ~~الكفار أو يلعنهم في القنوت فلما أنزل الله هذه الآية: ترك ذلك} فعلم أن ~~معناها إفراد الرب تعالى بالأمر وأنه ليس لغيره أمر؛ بل إن شاء الله تعالى ~~قطع طرفا من الكفار وإن شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة وإن شاء تاب عليهم وإن ~~شاء عذبهم. وهذا كما قال في الآية الأخرى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} ~~ونحو ذلك قوله تعالى {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} {قل ~~إن الأمر كله لله} . # الوجه الثاني: أن قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} لم يرد به أن ~~فعل العبد هو فعل الله تعالى - كما تظنه طائفة من الغالطين - فإن ذلك لو ~~كان صحيحا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ~~ولكن الله مشى ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب ويقال ~~للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم ويقال مثل ذلك للآكل والشارب ~~والصائم والمصلي ونحو ذلك. ms0473 وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ ~~كفرت ولكن الله كفر ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال ~~مثل هذا: فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين. # PageV02P331 # ولكن معنى الآية أن {النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر رماهم ولم يكن في ~~قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذ رماهم بالتراب وقال: شاهت الوجوه} ~~لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم ~~كلهم بقدرته. يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل فالرمي الذي أثبته له ~~ليس هو الرمي الذي نفاه عنه فإن هذا مستلزم للجمع بين النقيضين بل نفى عنه ~~الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء وكذلك إذا رمى سهما فأوصله الله ~~إلى العدو إيصالا خارقا للعادة: كان الله هو الذي أوصله بقدرته. (الوجه ~~الثالث) أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد) فهذا ~~المعنى حق وقد قال الخليل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} فالله هو الذي جعل ~~المسلم مسلما وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} ~~{وإذا مسه الخير منوعا} فالله هو الذي خلقه هلوعا لكن ليس في هذا أن الله ~~هو العبد؛ ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق ولا أن الله حال في العبد. ~~فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخلق حال في المخلوق أو ~~وجوده وجود المخلوق باطل. وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى ~~القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد. # PageV02P332 # (الوجه الرابع) أن قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} لم ~~يرد به إنك أنت الله) وإنما أراد إنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه فمن ~~بايعك فقد بايع الله كما أن من أطاعك فقد أطاع الله ولم يرد بذلك أن الرسول ~~هو الله؛ ولكن الرسول أمر بما أمر الله به. فمن أطاعه فقد أطاع الله كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {من أطاعني فقد أطاع الله ومن ms0474 أطاع أميري فقد ~~أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني} ومعلوم أن أميره ~~ليس هو إياه. ومن ظن في قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} أن ~~المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو - ~~مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده - قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره ~~وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلا لفعلك: لكان هذا قدرا مشتركا ~~بينه وبين سائر الخلق وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة ~~الكذاب فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله وعلى هذا ~~التقدير فالمبايع هو الله أيضا فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ~~ولهذا وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في ~~هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله. وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية ~~الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن ~~أقاتل الله ونحو هذا # PageV02P333 # الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة. # وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء؛ بل هو قول النصارى ومن وافقهم من ~~الغالية وهو باطل أيضا فإن الله سبحانه قال له: {ليس لك من الأمر شيء} ~~وقال: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} ~~وقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} وقال: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا} {ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما} . ~~فقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} بين قوله: {إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} ولهذا قال: {يد الله فوق أيديهم} ومعلوم ~~أن يد النبي صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على ~~يده في البيعة فعلم أن يد الله فوق أيديهم ليست هي ms0475 يد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله ~~فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ببيعتهم. ألا ترى أن كل من وكل ~~شخصا يعقد مع الوكيل: كان ذلك عقدا مع الموكل؟ ومن وكل نائبا له في معاهدة ~~قوم فعاهدهم عن مستنيبه: كانوا معاهدين لمستنيبه؟ ومن وكل رجلا في إنكاح أو ~~تزويج: كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟ وقد قال تعالى: {إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن # PageV02P334 # لهم الجنة} الآية ولهذا قال في تمام الآية: {ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما} . فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح وأن الله ~~إذا كان قد قال لنبيه: {ليس لك من الأمر شيء} فأيش نكون نحن؟ وقد ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ~~ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله} . # وأما قول القائل: # ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين # فهذا قول مبني على قول هؤلاء وهو باطل متناقض فإن مبناه على أنه يرى الله ~~بعينه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {واعلموا أن ~~أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} . وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدا من ~~المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا وعلى ~~هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~وأئمة المسلمين. ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما: أنهم ~~قالوا إن محمدا رأى ربه بعينه بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما ~~تقييدها بالفؤاد # PageV02P335 # وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه وقوله: {أتاني ~~البارحة ربي في أحسن صورة} الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان ~~بالمدينة ms0476 في المنام هكذا جاء مفسرا. وكذلك حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس ~~وغيرهما - مما فيه رؤية ربه - إنما كان بالمدينة كما جاء مفسرا في الأحاديث ~~والمعراج كان بمكة كما قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى} وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وقد ~~ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له: {لن تراني} وأن رؤية الله أعظم من إنزال ~~كتاب من السماء كما قال تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} فمن قال إن أحدا ~~من الناس يراه؛ فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ودعواه أعظم من دعوى من ~~ادعى أن الله أنزل عليه كتابا من السماء. والناس في رؤية الله على ثلاثة ~~أقوال: - فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة ~~بالأبصار عيانا وأن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه؛ لكن يرى في المنام ويحصل ~~للقلوب - من المكاشفات والمشاهدات - ما يناسب حالها. ومن الناس من تقوى ~~مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه؛ # PageV02P336 # وهو غالط ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع. (والقول الثاني) قول نفاة الجهمية أنه لا ~~يرى في الدنيا ولا في الآخرة. (والثالث) قول من يزعم أنه يرى في الدنيا ~~والآخرة. وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات فيقولون: إنه لا يرى ~~في الدنيا ولا في الآخرة وإنه يرى في الدنيا والآخرة. وهذا قول ابن عربي - ~~صاحب الفصوص - وأمثاله؛ لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى وهو ~~وجود الحق عندهم. ثم من أثبت الذات قال: يرى متجليا فيها ومن فرق بين ~~المطلق والمعين قال: لا يرى إلا مقيدا بصورة. وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين: ~~إنكار رؤية الله وإثبات رؤية المخلوقات ويجعلون المخلوق هو الخالق أو ~~يجعلون الخالق حالا في المخلوق وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في ~~الخارج وبين وجودها: هو ms0477 قول من يقول: بأن المعدوم شيء في الخارج وهو قول ~~باطل وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق. وأما ~~التفريق بين المطلق والمعين -) مع أن المطلق لا يكون هو في الخارج مطلقا - ~~فيقتضي أن يكون الرب معدوما وهذا هو جحود الرب وتعطيله # PageV02P337 # وإن جعلوه ثابتا في الخارج جعلوه جزءا من الموجودات فيكون الخالق جزءا من ~~المخلوق أو عرضا قائما بالمخلوق وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع. وأما تناقضه فقوله: ما غبت عن القلب ولا عن عيني ما ~~بينكم وبيننا من بين يقتضي المغايرة وأن المخاطب غير المخاطب وأن المخاطب ~~له عين وقلب لا يغيب عنهما المخاطب؛ بل يشهده القلب والعين والشاهد غير ~~المشهود. وقوله: ما بينكم وبيننا من بين فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير ~~المخاطب وهذا إثبات لاثنين وإن قالوا: هذه مظاهر ومجالي. قيل: فإن كانت ~~المظاهر والمجالي غير الظاهر والمتجلي فقد ثبتت التثنية وبطلت الوحدة وإن ~~كان هو إياها فقد بطل التعدد فالجمع بينهما تناقض. # وقول القائل: # فارق ظلم الطبع وكن متحدا بالله ... وإلا فكل دعواك محال # إن أراد الاتحاد المطلق: فالمفارق هو المفارق وهو الطبع وظلم الطبع وهو ~~المخاطب بقوله: " وكن متحدا بالله " وهو المخاطب بقوله: " كل دعواك محال " ~~وهو القائل هذا القول وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى. # PageV02P338 # وإن أراد الاتحاد المقيد) : فهو ممتنع؛ لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا ~~فإن كانا بعد الاتحاد اثنين - كما كانا قبل الاتحاد - فذلك تعدد وليس ~~باتحاد. وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث - كما يتحد الماء واللبن والنار ~~والحديد ونحو ذلك مما يثبته النصارى بقولهم في الاتحاد - لزم من ذلك أن ~~يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره؛ فإنه لا بد أن ~~يستحيل. وهذا ممتنع على الله تعالى ينزه عنه؛ لأن الاستحالة تقتضي عدم ما ~~كان موجودا والرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له يمتنع العدم ~~على شيء من ذلك ولأن صفات الرب اللازمة له ms0478 صفات كمال فعدم شيء منها نقص ~~يتعالى الله عنه ولأن اتحاد المخلوق بالخالق: يقتضي أن العبد متصف بالصفات ~~القديمة اللازمة لذات الرب وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق فإن العبد ~~يلزمه الحدوث والافتقار والذل. والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة وهو ~~- سبحانه - قديم غني عزيز بنفسه يستحيل عليه نقيض ذلك فاتحاد أحدهما ~~بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفا بنقيض صفاته: من الحدوث والفقر والذل ~~والعبد متصفا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي والعز الذاتي وكل ذلك ~~ممتنع وبسط هذا يطول. # PageV02P339 # ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين ~~أنه لا بد من تمييز المحدث عن القديم. ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن ~~الخالق بائن عن مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من ~~مخلوقاته بل الرب رب والعبد عبد: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} . وإن ~~كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفي) : وهو أن يحب العبد ما يحبه ~~الله ويبغض ما يبغضه الله ويرضى بما يرضي الله ويغضب لما يغضب الله ويأمر ~~بما يأمر الله به وينهى عما ينهى الله عنه ويوالي من يواليه الله ويعادي من ~~يعاديه الله ويحب لله ويبغض لله ويعطي لله ويمنع لله؛ بحيث يكون موافقا ~~لربه تعالى. فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله كما في الحديث الذي ~~رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول ~~الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن # PageV02P340 # شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ms0479 يكره الموت وأكره مساءته ولا ~~بد له منه} . وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة: # منها: أنه قال: {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة} فأثبت نفسه ووليه ~~ومعادي وليه وهؤلاء ثلاثة ثم قال: {وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} فأثبت عبدا يتقرب إليه ~~بالفرائض ثم بالنوافل وأنه لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه فإذا أحبه كان ~~العبد يسمع به. ويبصر به ويبطش به ويمشي به. وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب ~~بالنوافل وبعده: هو عين العبد وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه لا ~~يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة المذكورة في الحديث فالحديث مخصوص بحال مقيد ~~وهم يقولون بالإطلاق والتعميم فأين هذا من هذا. # وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح: {إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ~~ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم ~~فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه. ~~ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها في أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: ~~أنت ربنا} فيجعلون هذا حجة لقولهم إنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل ~~صورة. # PageV02P341 # وهذا الحديث حجة عليهم في هذا أيضا فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة ~~وهو عندهم - في الآخرة - المنكرون الذين قالوا نعوذ بالله منك هذا مكاننا ~~حتى يأتينا ربنا. وهؤلاء الملاحدة يقولون إن العارف يعرفه في كل صورة فإن ~~الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم. وهذا جهل منهم ~~فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه ~~فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما حمدهم - سبحانه ~~وتعالى - عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه فلهذا ~~قال في الحديث: {وهو يسألهم ويثبتهم وقد نادى المنادي: ليتبع كل قوم ما ~~كانوا يعبدون} . ثم يقال لهؤلاء الملاحدة: ms0480 إذا كان عندكم هو الظاهر في كل ~~صورة فهو المنكر وهو المنكر كما قال بعض هؤلاء لآخر: من قال لك أن في الكون ~~سوى الله فقد كذب وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟ . وذكر ابن عربي أنه دخل ~~على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال: ما أبصر غيره أبول عليه فقال ~~له شيخه فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عني. ومر شيخان منهم ~~التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت فقال الشيرازي للتلمساني: هذا ~~أيضا من ذاته؟ فقال التلمساني هل ثم شيء خارج عنها؟ # PageV02P342 # وكان التلمساني قد أضل شيخا زاهدا عابدا ببيت المقدس يقال له أبو يعقوب ~~المغربي المبتلى حتى كان يقول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا ~~أرى الله. ويقول: نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية ~~فيه ويجعل هذا الكلام له تسبيحا يتلوه كما يتلو التسبيح. # وأما قول الشاعر: # إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر # يشاهد حقا حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر # فهذا الكلام - مع أنه كفر - هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول فإن الفناء ~~والغيب: هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر وبالمعروف عن المعرفة وبالمعبود عن ~~العبادة؛ حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وهذا مقام الفناء الذي يعرض ~~لكثير من السالكين لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة؛ بخلاف الفناء ~~الشرعي فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه ~~وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه فإن هذا تحقيق التوحيد ~~والإيمان. # وأما النوع الثالث من الفناء - وهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن ~~وجود الخالق هو وجود المخلوق - فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة. # PageV02P343 # والمقصود هنا أن قوله: يغيب عن المذكور كلام جاهل فإن هذا لا يحمد أصلا ~~بل المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر لا يغيب عن المذكور في سطوات الذكر. ~~اللهم إلا أن يريد ms0481 أنه غاب عن المذكور فشهد المخلوق وشهد أنه الخالق ولم ~~يشهد الوجود إلا واحدا ونحو ذلك من المشاهد الفاسدة؛ فهذا شهود أهل الإلحاد ~~لا شهود الموحدين ولعمري إن من شهد هذا الشهود الإلحادي فإنه يرى صلاة ~~العارفين من الكفر. # الكون يناديك أما تسمعني من ألف أشتاتي ومن فرقني؟ انظر لتراني منظرا ~~معتبرا ما في سوى وجود من أوجدني فهو من أقوال هؤلاء الملاحدة وأقوالهم كفر ~~متناقض باطل في العقل والدين فإنه إذا لم يكن فيه إلا وجود من أوجده: كان ~~ذلك الوجود هو الكون المنادي وهو المخاطب المنادى وهو الأشتات المؤلفة ~~المفرقة وهو المخاطب الذي قيل له: انظر. وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم ~~الأزلي: قد أوجد نفسه وفرقها وألفها. فهذا جمع بين النقيضين فإن الواجب ~~بنفسه لا يكون مفعولا مصنوعا والشيء الواحد لا يكون خالقا مخلوقا قديما ~~محدثا واجبا بنفسه واجبا بغيره فإن هذا جمع بين النقيضين. # PageV02P344 # فالواجب هو الذي لا تقبل ذاته العدم والممكن هو الذي تقبل ذاته العدم ~~فيمتنع أن يكون الشيء الواحد قابلا للعدم غير قابل للعدم والقديم هو الذي ~~لا أول لوجوده والمحدث هو الذي له أول فيمتنع كون الشيء الواحد قديما ~~محدثا. ولولا أنه قد علم مرادهم بهذا القول: لأمكن أن يراد بذلك: ما في سوى ~~الوجود الذي خلقه من أوجدني: وتكون إضافة الوجود إلى الله) إضافة الملك لكن ~~قد علم أنه لم يرد هذا ولأن هذه العبارة لا تستعمل في هذا المعنى وإنما ~~يراد بوجود الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته وهكذا قول القائل: - ذات وجود ~~الكون للخلق شهود أن ليس لموجود سوى الحق وجود مراده به أن وجود الكون هو ~~نفس وجود الحق) وهذا هو قول أهل الوحدة وإلا فلو أراد أن وجود كل موجود من ~~المخلوقات هو من الحق تعالى - فليس لشيء وجود من نفسه وإنما وجوده من ربه ~~والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم وإنما حصل لها الوجود من ~~خالقها وبارئها فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغني عنه لحظة لا ms0482 في الدنيا ~~ولا في الآخرة - لكان قد أراد معنى صحيحا وهو الذي عليه أهل العقل والدين ~~من الأولين والآخرين. وهؤلاء القائلون بالوحدة: قولهم متناقض؛ ولهذا ~~يقولون: # PageV02P345 # الشيء ونقيضه وإلا فقوله: منه وإلا علاه يبدئ ويعيد يناقض الوحدة فمن هو ~~البادي والعائد منه وإليه إذا لم يكن إلا واحدا. # وقوله: وما أنا في طراز الكون شيء لأني مثل ظل مستحيل يناقض الوحدة لأن ~~الظل مغاير لصاحب الظل فإذا شبه المخلوق بالظل لزم إثبات اثنين كما إذا ~~شبهه بالشعاع فإن شعاع الشمس ليس هو نفس قرص الشمس وكذلك إذا شبهه بضوء ~~السراج وغيره. والنصارى تشبه الحلول والاتحاد بهذا. (وقلت لمن حضرني منهم ~~وتكلم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار ~~والخالق بالنار والشمس فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره فإن كل ما سوى الله ~~- على هذا - هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم ~~وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟ . وجعلت أردد عليه ~~هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيدا وتبين له وللحاضرين ~~أن قولهم باطل لا حقيقة له وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد ~~وإما مشترك بين المسيح وغيره وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل. ~~(وذكرت له) أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها # PageV02P346 # فإن المسيح صلى الله عليه وسلم وإن كان جاء بإحياء الموتى فالموتى الذين ~~أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة} ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: {ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم} وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك. وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد ~~من الأنبياء والنصارى يصدقون بذلك. وأما جعل العصا حية: فهذا أعظم من إحياء ~~الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة وأما ~~جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع العصي والحبال: فهذا أبلغ في القدرة وأندر ms0483 فإن ~~الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حيات. وأما إنزال المائدة من السماء: فقد ~~كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن والسلوى وينبع لهم من الحجر من ~~الماء: ما هو أعظم من ذلك فإن الحلوى أو اللحم دائما هو أجل في نوعه وأعظم ~~في قدره مما كان على المائدة؛ من الزيتون والسمك وغيرهما. وذكرت له نحوا من ~~ذلك؛ مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية) ليس له وجه وأن ~~سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من المخلوقات وإما أن ~~يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل مع أن بعض الرسل كإبراهيم ~~وموسى: قد يكون أكمل في ذلك منه وأما # PageV02P347 # خلقه من امرأة بلا رجل: فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك فإنه خلق ~~من بطن امرأة وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل فإن هذا ليس بمعتاد. فما ~~من أمر يذكر في المسيح صلى الله عليه وسلم إلا وقد شركه فيه أو فيما هو ~~أعظم منه غيره من بني آدم فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل وأن ما يدعونه له ~~إن كان ممكنا فلا اختصاص له به وإن كان ممتنعا فلا وجود له فيه ولا في ~~غيره. ولهذا قال هؤلاء الاتحادية: إن النصارى إنما كفروا بالتخصيص وهذا ~~أيضا باطل فإن في الاتحاد عموما وخصوصا. والمقصود هنا أن تشبيه الاتحادية ~~أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم بالوحدة) وكذلك قول الآخر: - أحن إليه ~~وهو قلبي وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه؟ ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري وما ~~بعده إلا لإفراط قربه هو - مع ما قصده به من الكفر والاتحاد - كلام متناقض ~~فإن حنين الشيء إلى ذاته متناقض ولهذا قال: وهل يرى سواي أخو وجد يحن ~~لقلبه؟ . وقوله: وما بعده إلا لإفراط قربه متناقض؛ فإنه لا قرب ولا بعد عند # PageV02P348 # أهل الوحدة فإنها تقتضي اثنين يقرب أحدهما من الآخر والواحد لا يقرب من ~~ذاته ولا يبعد من ذاته. # وأما قول القائل: ms0484 التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه فهذا أيضا من ~~قول أهل الوحدة وهو - مع كفره - قول متناقض فإنه قد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد وأن أقوال المشركين الذين ~~قالوا: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} ~~والذين قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} والذين قالوا: {وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} {إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء} والذين قالوا: {حرقوه وانصروا آلهتكم} ونحو هؤلاء ليس هذا هو ~~لسان التوحيد. وأما تناقض هذا القول على أصلهم فإن الوجود إن كان واحدا كان ~~إثبات التعدد تناقضا فإذا قال القائل: الوجود واحد وقال الآخر: ليس بواحد؛ ~~بل متعدد كان هذان القولان متناقضين فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر. وإذا ~~قال قائل: الألسنة كلها لسانه: فقد صرح بالتعدد في قوله: الألسنة كلها وذلك ~~يقتضي أن لا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان فثبت التعدد وبطلت الوحدة. # PageV02P349 # وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم فإنه ينقض أصلهم فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد. ~~فإن قالوا: الوجود واحد بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا ~~صحيح؛ لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود ~~هذا بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي كالاشتراك في الأسماء التي يسميها ~~النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام. ~~فالاشتراك في هذه الأسماء: هو مستلزم لتباين الأعيان وكون أحد المشتركين ~~ليس هو الآخر. وهذا مما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات فإنه ~~أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود فإذا كان وجود الفلك مباينا ~~مخالفا لوجود الذرة والبعوضة؛ فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق ~~من مباينة وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر. وهذا وغيره مما يبين بطلان ~~قول ذلك الشيخ حيث قال: لا يعرف التوحيد إلا الواحد ولا تصح العبارة عن ~~التوحيد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغير ومن ms0485 أثبت غيرا فلا توحيد له. فإن ~~هذا الكلام - مع كفره - متناقض فإن قوله: لا يعرف التوحيد إلا واحد) يقتضي ~~أن هناك واحدا يعرفه وأن غيره لا يعرفه هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا ~~يعرفه وإثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه # PageV02P350 # وإثبات للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه فقوله بعد هذا: ومن أثبت غيرا ~~فلا توحيد له يناقض هذا. وقوله: إنه لا تصح العبارة عن التوحيد: كفر بإجماع ~~المسلمين فإن الله قد عبر عن توحيده ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ~~ذكر التوحيد؛ بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد. وقد قال ~~تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} ولو لم يكن يصح عنه عبارة لما نطق به أحد. وأفضل ما نطق ~~به الناطقون: هو التوحيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أفضل الذكر لا ~~إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} وقال: {من كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة} . لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة - وهو وحدة ~~الوجود - أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج فإن الوحدة العينية ~~الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى ~~أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما: ~~يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الإنسان ليس هو ذاك ~~وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك. # PageV02P351 # وقوله: لا يعبر عنه إلا بغير يقال له (أولا التعبير عن التوحيد يكون ~~بالكلام والله يعبر عن توحيده بكلامه فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من ~~صفاته: لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله ولا يطلق عليه بأنه ~~غير الله؛ لأن لفظ الغير: قد يراد به ما يباين غيره وصفات الله لا تباينه ~~ويراد به ما لم ms0486 يكن إياه وصفة الله ليست إياه ففي أحد الاصطلاحين يقال إنه ~~غيره وفي الاصطلاح الآخر لا يقال إنه غير. فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقرونا ~~ببيان المراد؛ لئلا يقول المبتدع إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير ~~الله فهو مخلوق فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه: ليس هو ~~صفة قائمة به؛ بل مخلوقة في غيره فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد ~~كماله ما هو من أعظم الإلحاد وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة ~~تكفيرا مطلقا؛ وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر ~~تاركها. وأيضا فيقال لهؤلاء الملاحدة إن لم يكن في الوجود غيره بوجه من ~~الوجوه لزم أن يكون كلام الخلق وأكلهم وشربهم ونكاحهم وزناهم وكفرهم وشركهم ~~وكل ما يفعلونه من القبائح: هو نفس وجود الله. ومعلوم أن من جعل هذا صفة ~~لله كان من أعظم الناس كفرا وضلالا فمن قال إنه عين وجود الله: كان أكفر ~~وأضل فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود القائم بنفسه وأئمة هؤلاء ~~الملاحدة كابن عربي يقول: # PageV02P352 # وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فيجعلون كلام المخلوقين ~~- من الكفر والكذب وغير ذلك - كلاما لله. وأما هذا الملحد فزاد على هؤلاء ~~فجعل كلام الخلق وعبادتهم نفس وجوده لم يجعل ذلك كلاما له بل نفى أن يكون ~~هذا كلاما له لئلا يثبت غيرا له. # وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع وبالعلوم العقلية الضرورية: إثبات غير ~~الله تعالى وأن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى ليس هو الله ~~ولا صفة من صفات الله. ولهذا أنكر الله على من عبد غيره - ولو لم يكن هناك ~~غير لما صح الإنكار - قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} وقال تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} وقال ~~تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} وقال تعالى: {أفغير ~~الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} ms0487 . # وكذلك قول القائل: وجدت المحبة غير المقصود؛ لأنها لا تكون إلا من غير ~~لغير وغير ما ثم ووجدت التوحيد غير المقصود؛ لأن التوحيد ما يكون إلا من ~~عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا: هو كلام فيه من الكفر ~~والإلحاد والتناقض ما لا يخفى. # PageV02P353 # فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين: أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ~~ومحبتهم له كقوله تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقوله: {يحبهم ~~ويحبونه} وقوله: {أحب إليكم من الله ورسوله} وقوله: {إن الله يحب المتقين} ~~{يحب المحسنين} {يحب التوابين ويحب المتطهرين} {يحب المقسطين} . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة ~~الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار} . وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله ~~تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه ~~السلام. وأول من أظهر ذلك في الإسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد ~~الله القسري يوم الأضحى بواسط وقال: أيها الناس: ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه. وقوله: ~~المحبة ما تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم) كلام باطل من كل وجه. فإن قوله ~~لا تكون إلا من غير ليس بصحيح فإن الإنسان يحب نفسه وليس غيرا لنفسه والله ~~يحب نفسه وقوله ما ثم غير: باطل فإن المخلوق # PageV02P354 # غير الخالق والمؤمنون غير الله وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من ~~مقدمتي الحجة باطلة - قوله لا تكون إلا من غير لغير وقوله غير ما ثم - فإن ~~الغير موجود والمحبة تكون من المحب لنفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه ~~في هذا القول ويقول كما ms0488 قال ابن الفارض. وكذلك قوله: التوحيد لا يكون إلا ~~من عبد لرب) ولو أنصف الناس ما رأوا عابدا ولا معبودا: كلا المقدمتين باطل ~~فإن التوحيد يكون من الله لنفسه فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى: {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو} والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه فقد وحد نفسه ~~بنفسه كقوله: {وإلهكم إله واحد} وقوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~إنما هو إله واحد} وقوله: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} وأمثال ذلك. وأما ~~المقدمة الثانية: فقوله إن الناس لو أنصفوا ما رأوا عابدا ولا معبودا - مع ~~أنه غاية في الكفر والإلحاد - كلام متناقض فإنه إذا لم يكن ثم عابد ولا ~~معبود بل الكل واحد: فمن هم الذين لا ينصفون؟ إن كانوا هم الله؟ فيكون الله ~~هو الذي لا ينصف وإن كانوا غير الله فقد ثبت الغير ثم إذا فسروه على كفرهم ~~وقالوا إن الله هو الذي لا ينصف وهو الذي يأكل ويشرب ويكفر كما يقول ذلك ~~كثير منهم مثل ما قال بعضهم لشيخه: الفقير إذا صح أكل بالله فقال له الآخر: ~~الفقير إذا صح أكل الله. وقد صرح ابن عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو الذي ~~يجوع ويعطش # PageV02P355 # ويمرض ويبول وينكح وينكح وأنه موصوف بكل نقص وعيب لأن ذلك هو الكمال ~~عندهم. كما قال في " الفصوص ": فالعلي بنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي ~~يستقصي به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا ~~وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة ~~وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص ~~والذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق؟ فهي كلها من أولها إلى آخرها ~~صفات للعبد كما أن صفات العبد من أولها إلى آخرها صفات الله تعالى. وهذا ~~المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه فإنه يقال له: فأنت الكامل في نفسك ~~الذي لا ترى عابدا ولا معبودا نعاملك بموجب مذهبك فتضرب وتوجع وتهان وتصفع ~~وإذا ms0489 تظلم ممن فعل به ذلك واشتكى وصاح منه وبكى قيل له: ما ثم غير ولا عابد ~~ولا معبود فلم يفعل بك هذا غيرك بل الضارب هو المضروب والشاتم هو المشتوم ~~والعابد هو المعبود فإن قال: تظلم من نفسه واشتكى من نفسه قيل له أيضا: فقل ~~عبد نفسه فإذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد قيل له: فأثبت عابدا ومعبودا ~~وهما واحد. ثم يقال له: هذا الذي يضحك ويضرب: هو نفس الذي يبكي ويصيح؟ وهذا ~~الذي شبع وروي: هو نفس هذا الذي جاع وعطش؟ فإن اعترف بأنه # PageV02P356 # غيره أثبت المغايرة وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا فبين العابد ~~والمعبود أولى وأحرى. وإن قال: بل هو هو - عومل معاملة السوفسطائية فإن هذا ~~القول من أقبح السفسطة. فيقال: فإذا كان هو هو فنحن نضربك ونقتلك والشيء ~~قتل نفسه وأهلك نفسه. والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول: {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} لكون نفسه أمرته بالسوء والنفس أمارة بالسوء لكن جهة أمرها ليست ~~جهة فعلها بل لا بد من نوع تعدد؛ إما في الذات وإما في الصفات وكل أحد يعلم ~~بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي ظلم ذاك ليس هو إياه وليس هو بمنزلة ~~الرجل الذي ظلم نفسه. وإذا كان هذا في المخلوقين: فالخالق أعظم مباينة ~~للمخلوقين من هذا لهذا. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ولولا ~~أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس سادات ~~الأنام ومشايخ الإسلام وأهل التوحيد والتحقيق. وأفضل أهل الطريق حتى فضلوهم ~~على الأنبياء والمرسلين وأكابر مشايخ الدين: لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد ~~هذه الأقوال وإيضاح هذا الضلال. ولكن يعلم أن الضلال لا حد له وأن العقول ~~إذا فسدت: لم يبق لضلالها حد معقول فسبحان من فرق بين نوع الإنسان؛ فجعل ~~منه من هو أفضل العالمين وجعل منه من هو شر من الشياطين ولكن تشبيه هؤلاء ~~بالأنبياء # PageV02P357 # الأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولي الألباب هو الذي يوجب جهاد ~~هؤلاء الملحدين الذين يفسدون الدنيا والدين. والمقصود ms0490 هنا: رد هذه الأقوال ~~وبيان الهدى من الضلال. # وأما توبة من قالها وموته على الإسلام فهذا يرجع إلى الملك العلام فإن ~~الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ومن الممكنات أنه قد تاب على ~~أصحاب هذه المقالات والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب والذنب ~~وإن عظم والكفر وإن غلظ وجسم فإن التوبة تمحو ذلك كله والله سبحانه لا ~~يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: ~~{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها ~~للتائبين. وأما قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} فإنها مقيدة خاصة؛ لأنها في حق غير التائبين لا يغفر لهم الشرك وما ~~دون الشرك معلق بمشيئة الله تعالى. وأما الحكاية المذكورة عن الذي قال: إنه ~~التقم العالم كله وأراد أن يقول: أنا الحق وأختها التي قيل فيها: إن ~~الإلهية لا يدعيها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله - هو من هذا الباب. # PageV02P358 # والفقير الذي قال: ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله - مثل فرعون ~~ونمرود) وأمثالهما - هو الذي أصاب ونطق بالصواب وسدد في الخطاب. ولكن هؤلاء ~~الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله ويدعون أنهم خير من موسى وأمثاله حتى أنه ~~حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم وحسن إسلامه - رحمه ~~الله - وكان قد اجتمع بالشيرازي أحد شيوخ هؤلاء ودعاه إلى هذا القول وزينه ~~له فحدثني بذلك فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم وأن قولهم من جنس قول فرعون. ~~فقال لي: إنه لما دعاه حسن الشيرازي إلى هذا القول قال له: قولكم هذا يشبه ~~قول فرعون فقال: نعم ونحن على قول فرعون وكان عبد السيد إذ ذاك لم يسلم بعد ~~فقال: أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون قال له ولم؟ قال لأن موسى أغرق ~~فرعون. فانقطع فاحتج عليه بالنصر ms0491 القدري الذي نصر الله به موسى لا بكونه ~~كان رسولا صادقا قلت لعبد السيد: وأقر لك أنه على قول فرعون؟ قال نعم قلت ~~فمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم: هو ~~قول فرعون فإذا كان قد أقر بهذا فقد حصل المقصود. فهذه المقالات وأمثالها ~~من أعظم الباطل وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها وأنه باطل والواجب ~~إنكارها؛ فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين أولى من إنكار ~~دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون لا سيما وأقوال هؤلاء شر من ~~أقوال اليهود والنصارى وفرعون ومن عرف # PageV02P359 # معناها واعتقدها كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: ~~{جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرا من ~~كفار أهل الكتاب وكان في الدرك الأسفل من النار. وليس لهذه المقالات وجه ~~سائغ ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحا فإنما يحمل عليها إذا لم ~~يعرف مقصود صاحبها وهؤلاء قد عرف مقصودهم كما عرف دين اليهود والنصارى ~~والرافضة ولهم في ذلك كتب مصنفة وأشعار مؤلفة وكلام يفسر بعضه بعضا. وقد ~~علم مقصودهم بالضرورة فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلفت إليه ويجب بيان ~~معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها وخيف عليه أن يحسن الظن بها أو أن ~~يضل فإن ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون ~~أنها سموم وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة. ~~فإن هؤلاء: غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله وهذه مصيبة في دنياه قد ~~تكون سببا لرحمته في الآخرة وأما هؤلاء: فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد ~~في آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله وهم في ~~الباطن من المحاربين لله ورسوله ويظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب ~~ألفاظ أولياء الله المحققين فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله ~~فيصير منافقا عدوا لله. # PageV02P360 # ولقد ضربت لهم ms0492 مرة مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم فذهبوا ~~بهم إلى قبرص لينصروهم فقال لي بعض من كان قد انكشف له ضلالهم من أتباعهم ~~لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى وهؤلاء كانوا يجعلوننا ~~شرا من النصارى والأمر كما قاله هذا القائل. وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء ~~من أولياء الله وأن كلامهم كلام العارفين المحققين من هو من أهل الخير ~~والدين ما لا أحصيهم فمنهم من دخل في إلحادهم وفهمه وصار منهم؛ ومنهم من ~~كان يؤمن بما لا يعلم ويعظم ما لا يفهم ويصدق بالمجهولات. وهؤلاء هم أصلح ~~الطوائف الضالين وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله ورسوله ولا يعلم أنهم أعداء ~~الله ورسوله ويوالي المشركين وأهل الكتاب ظانا أنهم من أهل الإيمان وأولي ~~الألباب وقد دخل بسبب هؤلاء الجهال المعظمين لهم من الشر على المسلمين ما ~~لا يحصيه إلا رب العالمين. وهذا الجواب: لم يتسع لأكثر من هذا الخطاب والله ~~أعلم بالصواب. # PageV02P361 # وسئل: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ~~في الكلام الذي تضمنه كتاب " فصوص الحكم " وما شاكله من الكلام الظاهر في ~~اعتقاد قائله: أن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق وأن ما ثم غير كمن ~~قال في شعره: أنا وهو واحد ما معنا شيء ومثل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ~~ومثل: إذا كنت ليلى وليلى أنا وكقول من قال: لو عرف الناس الحق ما رأوا ~~عابدا ولا معبودا. وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل ولا في ~~السنة ولا في كلام الخلفاء الراشدين والسلف الصالحين. ويدعي القائل لذلك: ~~أنه يحب الله سبحانه وتعالى والله تعالى يقول: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} والله سبحانه وتعالى ذكر خير # PageV02P362 # خلقه بالعبودية في غير موضع فقال تعالى عن خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ~~{فأوحى إلى عبده ما أوحى} وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام {إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه} وقال تعالى: {لن ms0493 يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون} - الآية. فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده ~~فكيف بمن يعتقد هذا الاعتقاد: تارة في نفسه وتارة في الصور الحسنة: من ~~النسوان والمردان ويقولون: إن هذا الاعتقاد له سر خفي وباطن حق وإنه من ~~الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق. فهل في هذه الأقوال سر ~~خفي يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله أن يجتهد على التمسك ~~بها والوصول إلى حقائقها - كما زعم هؤلاء - أم باطنها كظاهرها؟ وهذا ~~الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به أم هو الكفر ~~بعينه؟ . وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين ورثة ~~الأنبياء والمرسلين أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين؟ وإن ترك ما أجمع ~~عليه أئمة المسلمين ووافق هؤلاء المذكورين فماذا يكون من أمر الله له يوم ~~الدين؟ . أفتونا مأجورين أثابكم الله الكريم. # PageV02P363 # فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام ابن تيمية - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، ما تضمنه كتاب " فصوص الحكم " وما شاكله من ~~الكلام: فإنه كفر باطنا وظاهرا؛ وباطنه أقبح من ظاهره. وهذا يسمى مذهب أهل ~~الوحدة وأهل الحلول وأهل الاتحاد. وهم يسمون أنفسهم المحققين. وهؤلاء ~~نوعان: نوع يقول بذلك مطلقا كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله: مثل ~~ابن سبعين وابن الفارض. والقونوي والششتري والتلمساني وأمثالهم ممن يقول: ~~إن الوجود واحد ويقولون: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق لا يثبتون موجودين ~~خلق أحدهما الآخر بل يقولون: الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق. # PageV02P364 # ويقولون: إن وجود الأصنام هو وجود الله وإن عباد الأصنام ما عبدوا شيئا ~~إلا الله. ويقولون: إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص ~~والذم. ويقولون: إن عباد العجل ما عبدوا إلا الله وأن موسى أنكر على هارون ~~لكون هارون أنكر عليهم عبادة العجل وأن موسى كان بزعمهم من العارفين ms0494 الذين ~~يرون الحق في كل شيء بل يرونه عين كل شيء وأن فرعون كان صادقا في قوله: ~~{أنا ربكم الأعلى} بل هو عين الحق ونحو ذلك مما يقوله صاحب الفصوص. ويقول ~~أعظم محققيهم: إن القرآن كله شرك لأنه فرق بين الرب والعبد؛ وليس التوحيد ~~إلا في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحدا فلم كانت الزوجة حلالا ~~والأم حراما؟ فقال: الكل عندنا واحد ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام. ~~فقلنا: حرام عليكم. وكذلك ما في شعر ابن الفارض في قصيدته التي سماها نظم ~~السلوك كقوله: # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # PageV02P365 # وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل سجدة # وقوله: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # وقوله: # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنها أعظم كفرا وإلحادا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ~~ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه ~~أعظم كفرا وكذبا وجهلا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام. ولهذا فإن ~~كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته - كان أعظم كفرا وفسقا ~~كالتلمساني؛ فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب وأخبرهم بحقيقته فأخرجه ~~ذلك إلى الفعل فكان يعظم اليهود والنصارى والمشركين ويستحل المحرمات ويصنف ~~للنصيرية كتبا على مذهبهم يقرهم فيها على عقيدتهم الشركية. وكذلك ابن سبعين ~~كان من أئمة هؤلاء وكان له من الكفر والسحر # PageV02P366 # الذي يسمى السيميا والموافقة للنصارى والقرامطة والرافضة: ما يناسب ~~أصوله. فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرا ~~وإلحادا. وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ويعتقدون ~~أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير ~~من الناس فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب ~~إيمانهم التقليدي وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم وتسليما لهم ~~بحسب ms0495 جهلهم وضلالهم؛ ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ~~ضال. وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته حال في كل مكان ~~ولكن أهل وحدة الوجود: حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية. ~~وأما النوع الثاني: فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين كالنصارى ~~الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي ~~طالب وطائفة من أهل بيته، والحاكمية الذين يقولون بذلك في الحاكم، ~~والحلاجية الذين يقولون بذلك في الحلاج، واليونسية الذين يقولون # PageV02P367 # بذلك في يونس وأمثال هؤلاء ممن يقول بإلهية بعض البشر وبالحلول والاتحاد ~~فيه ولا يجعل ذلك مطلقا في كل شيء. ومن هؤلاء من يقول بذلك في بعض النسوان ~~والمردان أو بعض الملوك أو غيرهم؛ فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين ~~قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وأما الأولون: فيقولون بالإطلاق. ~~ويقولون: النصارى إنما كفروا بالتخصيص. وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى ~~وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى؛ ولهذا يقولون بالحلول تارة ~~وبالاتحاد أخرى وبالوحدة تارة فإنه مذهب متناقض في نفسه؛ ولهذا يلبسون على ~~من لم يفهمه. فهذا كله كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم ومن شك في كفر ~~هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود ~~والنصارى والمشركين. ولكن هؤلاء يشبهون بشيء آخر وهو ما يعرض لبعض العارفين ~~في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر فإنه قد يعرض لأحدهم - لقوة ~~استيلاء الوجد والذكر عليه - من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره فيغيب ~~بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده. # PageV02P368 # ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين كما يذكرون أن رجلا كان ~~يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال له: أنا ~~وقعت؛ فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني. فظننت أنك أني. وينشدون: - رق ~~الزجاج وراقت الخمر وتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا ms0496 قدح وكأنما قدح ~~ولا خمر وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين وليست حالا لازمة لكل سالك ولا ~~هي أيضا غاية محمودة بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرا ~~كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل من هذا وأتم. والمعنى الذي ~~يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السوى وفناء عن شهود السوى ~~وفناء عن وجود السوى. فالأول: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبخوفه ~~عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما ~~سواه وبمحبته عن محبة ما سواه؛ وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل ~~الله به رسله وأنزل به كتبه وهو تحقيق " لا إله إلا الله " فإنه يفنى من ~~قلبه كل تأله لغير الله ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله وكل من كان أكمل ~~في هذا التوحيد كان أفضل عند الله. # PageV02P369 # والثاني: أن يفنى عن شهود ما سوى الله وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية ~~حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك. وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب ~~على الله وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه فإنه إذا شهد أن ~~الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه المعبود لا إله إلا هو الذي أرسل الرسل ~~وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق ~~أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرا: كان أتم معرفة وشهودا وإيمانا وتحقيقا ~~من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في ~~الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق. لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز ~~معه عن شهود هذا وهذا كان معذورا للعجز لا محمودا على النقص والجهل. ~~والثالث: الفناء عن وجود السوى؛ وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب الفصوص ~~وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق وما ثم غير ولا سوى في ~~نفس الأمر. فهؤلاء قولهم أعظم كفرا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام. ~~وأيضا ms0497 فإن ولاية الله: هي موافقته بالمحبة لما يحب والبغض لما يبغض والرضا ~~بما يرضى والسخط بما يسخط والأمر بما يأمر به والنهي عما ينهى عنه ~~والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه كما في صحيح البخاري # PageV02P370 # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: من ~~عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها؛ فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه؛ وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} فهذا أصح حديث روي في الأولياء. ~~فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم لقوله: " كنت سمعه وبصره ويده ~~ورجله " والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة: - منها قوله: {من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة} فأثبت معاديا محاربا ووليا غير المعادي وأثبت لنفسه ~~سبحانه هذا وهذا. ومنها قوله: {وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه} فأثبت عبدا متقربا إلى ربه وربا افترض عليه فرائض. ومنها قوله: {ولا ~~يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} فأثبت متقربا ومتقربا إليه ومحبا ~~ومحبوبا غيره. وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. ومنها قوله: {فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر # PageV02P371 # به} إلى آخره. فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور وهو عندهم قبل المحبة ~~وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد ~~عندهم ولا كثرة في الوجود؛ ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها ~~موجودة نقضوا قولهم. وإن جعلوها ثابتة في العدم - كما يقوله ابن عربي - أو ~~جعلوها المعينات والمطلق هو الحق - كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول: ~~المعدوم شيء وقول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات. ms0498 ~~والأول: قول طائفة من المعتزلة وهو قول ابن عربي. والثاني: قول طائفة من ~~الفلاسفة وهو قول القونوي صاحب ابن عربي وكلا القولين باطلان عند العقلاء ~~ولهذا كان التلمساني أحذق منهما فلم يثبت شيئا وراء الوجود. كما قيل: - وما ~~البحر إلا الموج لا شيء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد لكن هؤلاء الضلال من ~~الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا: وجود المخلوق هو وجود الخالق وهؤلاء الملاحدة ~~قالوا: هذا هو هذا؛ ولهذا صاروا يقولون بالحلول من وجه لكون الوجود في كل ~~الذوات أو بالعكس وبالاتحاد من وجه لاتحادهما؛ وحقيقة قولهم هي وحدة ~~الوجود. # PageV02P372 # وفي الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم. # والحديث حق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فإن ولي الله لكمال ~~محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله؛ فما يسمعه ~~مما يحبه الحق أحبه وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه وما يراه مما يحبه الحق ~~أحبه وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه؛ ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز ~~به بين الحق والباطل؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~على صحته {اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني ~~نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل ~~لي نورا} . فولي الله فيه من الموافقة لله: ما يتحد به المحبوب والمكروه ~~والمأمور والمنهي ونحو ذلك فيبقى محبوب الحق محبوبه ومكروه الحق مكروهه ~~ومأمور الحق مأموره وولي الحق وليه وعدو الحق عدوه؛ بل المخلوق إذا أحب ~~المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا حتى قد يتألم أحدهما بتألم الآخر ~~ويلتذ بلذته. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم: كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر} ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين ويسوءه ما ~~يسوءوهم ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم. # PageV02P373 # فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين: ليس هو أن ذات ms0499 أحدهما هي بعينها ذات ~~الآخر ولا حلت فيه بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله وشعب ~~ذلك: مثل محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله. فإذا كان هذا معقولا ~~بين المؤمنين: فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما يحبه ويبغضه ويأمر به ~~وينهى عنه ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده: كيف تكون ذات أحدهما هي الأخرى ~~أو حالة فيها؟ . فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين ~~الذي هو باطل ومما هو من أحوال أهل الإيمان ومن ولاية الله تعالى وموافقته ~~فيما يحبه ويرضاه وتوابع ذلك: تبين لك جواب مسائل السائل. وهؤلاء قد يجدون ~~من كلام بعض المشايخ - كلمات مشتبهة مجملة - فيحملونها على المعاني الفاسدة ~~كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء فيدعون المحكم ويتبعون ~~المتشابه. # فقول القائل: إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق: كفر صريح لا سيما ~~إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق؛ وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين ~~وأولياءه المتقين فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر ~~به؛ فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه. ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط: كان ~~الحق يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم؛ إذ ذلك متلازم من الطرفين. # PageV02P374 # ولا يقال في أفضل هؤلاء: إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق؛ لكن ~~يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله يد الله فوق أيديهم} وقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال: ~~{والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة} وأمثال ذلك. وأما سائر العباد: فإن الله خالقهم ومالكهم ~~وربهم وخالق قدرتهم وأفعالهم ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه: ~~كان محبا لأهله مكرما لهم وما كان منها مما يسخطه ويكرهه: كان مبغضا لأهله ~~مهينا لهم. وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله ليست صفة له ولا فعلا قائما ~~بذاته. وقوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} فمعناه: وما أوصلت ms0500 إذ ~~حذفت ولكن الله أوصل المرمي؛ فإن {النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رمى ~~المشركين بقبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه} فأوصلها الله إلى وجوه المشركين ~~وعيونهم؛ وكانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم ~~والرمي له مبدأ وهو الحذف ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت الله لنبيه المبدأ ~~بقوله: {إذ رميت} ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: {ولكن الله رمى} ~~وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي؛ فإن هذا تناقض. # PageV02P375 # والله تعالى - مع أنه هو خالق أفعال العباد - فإنه لا يصف نفسه بصفة من ~~قامت به تلك الأفعال؛ فلا يسمي نفسه مصليا ولا صائما ولا آكلا ولا شاربا ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقول القائل: " ما ثم غير " ~~إذا أراد به ما يريده أهل الوحدة أي ما ثم غير موجود سوى الله: فهذا كفر ~~صريح. ولو لم يكن ثم غير لم يقل: {أغير الله أتخذ وليا} ولم يقل {أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} فإنهم كانوا يأمرونه بعبادة الأوثان فلو ~~لم يكن غير الله لم يصح قوله: {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ولم ~~يقل: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} ولم يقل ~~الخليل {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين} ولم يقل: {إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين} فإن إبراهيم لم يعاد ربه ولم يتبرأ من ربه؛ فإن لم تكن تلك الآلهة ~~التي كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون غير الله: لكان إبراهيم قد تبرأ ~~من الله وعادى الله وحاشا إبراهيم من ذلك. وهؤلاء الملاحدة في أول أمرهم ~~ينفون الصفات ويقولون: القرآن هو الله أو غير الله. فإذا قيل لهم: غير ~~الله. قالوا: فغير الله مخلوق. وفي آخر أمرهم يقولون: ما ثم موجود غير الله ~~أو يقولون العالم لا هو الله ولا هو غيره. ويقولون: # PageV02P376 # وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فينكرون على أهل السنة ~~إذا أثبتوا الصفات ms0501 ولم يطلقوا عليها اسم الغير وهم لا يطلقون على المخلوقات ~~اسم الغير وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم فإنهم في ضلال مبين. وأما قول ~~الشاعر في شعره: أنا من أهوى ومن أهوى أنا؟ وقوله: إذا كنت ليلى وليلى أنا. ~~فهذا إنما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعي كاتحاد أحد المتحابين بالآخر ~~الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر ويبغض ما يبغض ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ~~ما يفعل وهو تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين إذ كان قد استغرق في ~~محبوبه حتى فني به عن رؤية نفسه كقول الآخر: غبت بك عني فظننت أنك أني فإما ~~أن يكون غالطا مستغرقا بالفناء أو يكون عنى التماثل والتشابه واتحاد ~~المطلوب والمرهوب لا الاتحاد الذاتي. فإن أراد الاتحاد الذاتي - مع عقله ~~لما يقول - فهو كاذب مفتر مستحق لعقوبة المفترين. وأما قول القائل: لو رأى ~~الناس الحق لما رأوا عابدا ولا معبودا: فهذا من جنس قول الملاحدة الاتحادية ~~الذين لا يفرقون بين الرب والعبد؛ # PageV02P377 # وقد تقدم بيان قول هؤلاء وهؤلاء يجمعون بين الضلال والغي بين شهوات الغي ~~في بطونهم وفروجهم وبين مضلات الفتن. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم} حتى ~~يبلغ الأمر بأحدهم إلى أن يهوى المردان ويزعم أن الرب تعالى تجلى في أحدهم ~~ويقولون: هو الراهب في الصومعة؛ وهذه مظاهر الجمال؛ ويقبل أحدهم الأمرد ~~ويقول: أنت الله. ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب ~~العالمين أو أنه خلق السموات والأرض ويقول أحدهم لجليسه: أنت خلقت هذا وأنت ~~هو وأمثال ذلك. فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطؤها الذي ~~تفترشه؛ وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منهم صرفا ~~ولا عدلا. ومن قال: إن لقول هؤلاء سرا خفيا وباطن حق وإنه من الحقائق التي ~~لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق: فهو أحد رجلين - إما أن يكون من كبار ~~الزنادقة أهل الإلحاد ms0502 والمحال وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال. ~~فالزنديق يجب قتله؛ والجاهل يعرف حقيقة الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد ~~الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله. # PageV02P378 # ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق. وهذا السر هو ~~أشد كفرا وإلحادا من ظاهره؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه ~~كثير من الناس. ولهذا تجد كثيرا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد ~~قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها ظانا أنها من كلام أهل التوحيد ~~والمعرفة وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه ~~طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإما أن يتوقفوا عنه ~~أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة؛ وإما أن ينكروه إنكارا مجملا ~~من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك وهذا حال أكثر الخلق معهم. وأئمتهم إذا رأوا ~~من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا: هذا من علماء الرسوم وأهل الظاهر ~~وأهل القشر وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة وهذا يحتاج إلى ~~شروط وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه ~~وتجهيل لمن لم يصل إليه. وإن رأوه عارفا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: ~~هو من كبار العارفين. # PageV02P379 # وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل ~~المراتب والمجالي. وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام. وهذا ~~كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم. فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم ~~شديد. والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا والله أعلم. # PageV02P380 ### | فصل: # فيما عليه أهل العلم والإيمان # من الأولين والآخرين مما يشبه الاتحاد والحلول الباطل وهو حق - وإن سمي ~~حلولا أو اتحادا - وهو ما عليه أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة وأهل ~~المعرفة واليقين من جميع الطوائف بدلالة الكتاب والسنة. أما الحلول: فلا ~~ريب أن من علم شيئا فلا بد أن يبقى في قلبه منه ms0503 أثر ونعت وليس حاله بعد ~~العلم به كحاله قبل العلم به حتى يكون العلم نسبة محضة بمنزلة العلو ~~والسفول. فإن المستعلي إذا نزل زال علوه والسافل إذا اعتلى زال سفوله ~~والعلم لا يزول؛ بل يبقى أثره بكل حال؛ فإذا كان مع العلم به يحبه أو يرجوه ~~أو يخافه: كان لهذه الأحوال أثر ونعت آخر وراء العلم والشعور وإن كانا قد ~~يتلازمان. فإذا ذكره بلسانه: كانت هذه الآثار أعظم. وإذا خضع له بسائر ~~جوارحه: كان ذلك أعظم وأعظم. وهذه المعاني هي في الأصل مشتركة في كل مدرك ~~ومدرك ومحب ومحبوب وذاكر ومذكور وسواء كان على وجه العبادة كعبادة الله # PageV02P381 # وحده لا شريك له أو عبادة الأنداد من الذين اتخذوا من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله أو على غير وجه العبادة كمحب الإخوان والولدان والنسوان ~~والأوطان وغير ذلك من الأكوان. فالمؤمن الذي آمن بالله بقلبه وجوارحه ~~إيمانه يجمع بين علم قلبه وحال قلبه: تصديق القلب وخضوع القلب ويجمع قول ~~لسانه وعمل جوارحه وإن كان أصل الإيمان هو ما في القلب أو ما في القلب ~~واللسان؛ فلا بد أن يكون في قلبه التصديق بالله والإسلام له هذا قول قلبه ~~وهذا عمل قلبه وهو الإقرار بالله. والعلم قبل العمل والإدراك قبل الحركة ~~والتصديق قبل الإسلام والمعرفة قبل المحبة وإن كانا يتلازمان؛ لكن علم ~~القلب موجب لعمله ما لم يوجد معارض راجح وعمله يستلزم تصديقه إذ لا تكون ~~حركة إرادية ولا محبة إلا عن شعور لكن قد تكون الحركة والمحبة فيها فساد ~~إذا لم يكن الشعور والإدراك صحيحا. قال عمر بن عبد العزيز: " من عبد الله ~~بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح " فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر: ~~فلا يكون إلا عن علم ولهذا أمر الله ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه ~~وإخلاص الدين له ونحو ذلك فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعا: علم ~~القلب وحاله وإن دخل في ذلك قول اللسان وعمل الجوارح أيضا فإن وجود الفروع ~~الصحيحة مستلزم لوجود الأصول؛ وهذا ms0504 ظاهر ليس الغرض هنا بسطه وإنما الغرض ~~(1) . PageV02P382 # فصل: # وهو أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له: ما يوجب أن ~~يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه لا ~~أنه حلول ذات المعروف المحبوب لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته. قال ~~الله تعالى. {نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} الآية قال أبي بن كعب: ~~" مثل نوره في قلب المؤمن " فهذه هي الأنوار التي تحصل في قلوب المؤمنين. ~~وقد قيل في قوله تعالى {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} إنه الكفر بذلك؛ ~~فإن من كفر بالإقرار الذي هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله والإسلام ~~له: المتضمن للاعتقاد والانقياد لإيجاب الواجبات وتحريم المحرمات وإباحة ~~المباحات: فهو كافر؛ إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول ~~الإيمان لنا فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك وهذا قد يسمى المثل والمثال؛ لأنه ~~قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العالم وكذلك الحب يكون فيه تمثيل ~~المحبوب في المحب. ثم من الناس من يدعي أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال ~~كما يقوله قوم من المتفلسفة ومنهم من ينكر حصول شيء من هذا المثال في شيء ~~من العلم والحب. والتحقيق: أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين ~~حتى # PageV02P383 # يتخيل صورة المحبوب وقد لا يحصل تخيل حسي وليس هذا المثل من جنس الحقيقة ~~أصلا؛ وإنما لما كان العلم مطابقا للمعلوم وموافقا له غير مخالف له كان بين ~~المطابق والمطابق والموافق والموافق نوع تناسب وتشابه ونوع ما من أنواع ~~التمثيل فإن المثل يضرب للشيء لمشاركته إياه من بعض الوجوه وهنا قطعا ~~اشتراك ما واشتباه ما. وقد قيل في قوله تعالى {ليس كمثله شيء} وقوله: {وله ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض} أنه هذا وفي حديث مأثور: {ما وسعني أرضي ~~ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن النقي التقي الوداع اللين} ويقال: القلب ~~بيت الرب وهذا هو نصيب العباد من ربهم وحظهم من الإيمان به كما جاء ms0505 عن بعض ~~السلف أنه قال: إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله؟ فلينظر كيف ~~منزلة الله من قلبه؟ فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه. ~~وروي مرفوعا من حديث أيوب بن عبد الله بن خالد بن صفوان عن جابر بن عبد ~~الله رواه أبو يعلى الموصلي وابن أبي الدنيا في كتاب الذكر ولهذا قال أبناء ~~يعقوب: {نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق} فإن ألوهية الله متفاوتة في ~~قلوبهم على درجات عظيمة تزيد وتنقص ويتفاوتون فيها تفاوتا لا ينضبط طرفاه ~~حتى قد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق شخصين: هذا خير ~~من ملء الأرض من مثل هذا} فصار واحد # PageV02P384 # من الآدميين خيرا من ملء الأرض من بني جنسه؛ وهذا تباين عظيم لا يحصل ~~مثله في سائر الحيوان. وإلى هذا المعنى أشار من قال: " ما سبقكم أبو بكر ~~بفضل صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه ". وهو اليقين والإيمان. ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم {وزنت بالأمة فرجحت ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم ~~وزن عمر بالأمة فرجح ثم رفع الميزان} وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~عنه الصديق {أيها الناس: سلوا الله اليقين والعافية فلم يعط أحد بعد اليقين ~~خيرا من العافية} رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه وقال ~~رقبة بن مصقلة للشعبي: " رزقك الله اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه ~~ولا يعتمد في الدين إلا عليه ". وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن [سيار، ~~وحدثنا جعفر، عن عمران القصير] (1) قال {قال موسى: يا رب أين أجدك؟ قال: يا ~~موسى عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقترب إليها كل يوم شبرا؛ ولولا ذلك ~~لاحترقت قلوبهم} . وقد يتوسع في العبارة عن هذا المعنى حتى يقال: ما في ~~قلبي إلا الله ما عندي إلا الله كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح عن الله عز وجل: أما علمت أن عبدي فلانا مرض؟ فلو عدته ~~لوجدتني ms0506 عنده} ويقال: ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره # ويقال: PageV02P385 # مثالك في عيني وذكراك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب؟ # وهذا القدر يقوى قوة عظيمة حتى يعبر عنه بالتجلي والكشف ونحو ذلك باتفاق ~~العقلاء ويحصل معه القرب منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد} وقال الله تعالى في الحديث القدسي {من تقرب ~~إلي شبرا تقربت إليه ذراعا} . لكن هل في تقرب العبد إلى الله حركة إلى الله ~~أو إلى بعض الأماكن؟ اتفقوا على أنه قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض ~~الأمكنة المشرفة التي يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته ~~كالحج إلى بيته والقصد إلى مساجده ومنه قول إبراهيم: {إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين} . وأما حركة روحه إلى مثل السموات وغيرها من الأمكنة: فأقر به ~~جمهور أهل الإسلام وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاءون ومن وافقهم وحركة روحه ~~أو بدنه إلى الله أقر بها أهل الفطرة وأهل السنة والجماعة وأنكرها كثير من ~~أهل الكلام. وأما القرب من الله إلى عبده: هل هو تابع لتقرب العبد وتقريبه ~~الذي هو علمه أو عمله أو هناك قرب آخر من الرب؟ . هذا فيه كلام ليس هذا ~~موضعه. # PageV02P386 # ومن لم يثبت إلا الأول: فهم في قرب الرب على قولين: # أحدهما: أنه تجليه وظهوره له. # والثاني: أنه مع ذلك دنو العبد منه واقترابه الذي هو بعمله وحركته: ~~وللقرب معنى آخر: وهو التقارب بمعنى المناسبة كما يقال: هذا يقارب هذا. ~~وليس هذا موضعه. # فصل: # وأما ما يشبه الاتحاد: فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين ~~الأخرى ولا عين صفتها بعين صفتها إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ~~ثالثة كاتحاد الماء واللبن فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث وليس ماء محضا ولا ~~لبنا محضا. وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال ومن ~~هنا يعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه فإن استحالته محال؛ وإنما تتحد ~~الأسباب والأحكام في العين وتتحد الأسماء والصفات في ms0507 النوع - مثل ~~المتحاربين المتخالين الذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر ويبغض ما ~~يبغضه ويتنعم بما يتنعم به ويتألم بما يتألم به؛ وهذا فيه مراتب ودرجات لا ~~تنضبط؛ فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد. # PageV02P387 # وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما التي هي - مثلا - المحبوب والمكروه ~~هو واحد بالعين كالرسول الذي يحبه كل المؤمنين؛ فهم متحدون في محبته بمعنى ~~أن محبوبهم واحد ومحبة هذا من نوع محبته هذا؛ لا أنها عينها. فهذا في اتحاد ~~الناس بعضهم ببعض وهي الأخوة والخلة الإيمانية التي قال فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد ~~الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} أخرجاه في ~~الصحيحين فجعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو اللذين تجمعهما نفس ~~واحدة. ولهذا سمى الله الأخ المؤمن نفسا لأخيه في غير موضع من الكتاب ~~والسنة قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} وقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ~~وقال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} وقال: ~~{فسلموا على أنفسكم} وقال: {فاقتلوا أنفسكم} . فالعبد المؤمن إذا أناب إلى ~~ربه وعبده ووافقه حتى صار يحب ما يحب ربه ويكره ما يكره ربه ويأمر بما يأمر ~~به ربه وينهى عما ينهى عنه ربه ويرضى بما يرضي ربه ويغضب لما يغضب له ربه ~~ويعطي من أعطاه ربه ويمنع من منع ربه فهو العبد الذي قال فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود من حديث القاسم عن أبي أمامة: {من أحب ~~لله وأبغض # PageV02P388 # لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان} وصار هذا العبد دينه كله لله ~~وأتى بما خلق له من العبادة. فقد اتحدت أحكام هذه الصفات التي له وأسبابها ~~بأحكام صفات الرب وأسبابها. وهم في ذلك على درجات؛ فإن كان نبيا كان له من ~~الموافقة لله ما ليس لغيره والمرسلون فوق ذلك وأولو العزم أعظم ونبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم له الوسيلة العظمى في كل مقام. ms0508 فهذه الموافقة هي ~~الاتحاد السائغ سواء كان واجبا أو مستحبا وفي مثل هذا جاءت نصوص الكتاب ~~والسنة. قال الله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم} وقال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} وقال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} وقال تعالى: {أحب ~~إليكم من الله ورسوله} وقال تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} . ومن هذا ~~الباب قول المسيح - إن ثبت هذا اللفظ عنه - " أنا وأبي واحد من رآني فقد ~~رأى أبي " ونحو ذلك؛ فإنه مثل قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله} وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ونحو ذلك من اللفظ الذي فيه ~~تشابه. # PageV02P389 # فصل: # وجاء في " أولياء الله " الذين هم المتقون نوع من هذا: فروى البخاري في ~~صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: من عادى ~~لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن ~~سألني لأعطينه؛ ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فأول ما في ~~الحديث قوله: {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة} فجعل معاداة عبده ~~الولي معاداة له؛ فعين عدوه عين عدو عبده وعين معاداة وليه عين معاداته ~~ليسا هما شيئين متميزين ولكن ليس الله هو عين عبده ولا جهة عداوة عبده عين ~~جهة عداوة نفسه وإنما اتفقا في النوع. ثم قال: {فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ~~ويده ورجله} وفي رواية في غير الصحيح: {فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي} فقوله: # PageV02P390 # " بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " بين معنى قوله: {كنت سمعه وبصره ~~ويده ورجله} لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب ms0509 والقدم وإنما يبقى هو ~~المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك فإن العبد بحسب أعضائه ~~وقواه يكون إدراكه وحركته؛ فإذا كان إدراكه وحركته بالحق؛ ليس بمعنى خلق ~~الإدراك والحركة فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لا يحبه وإنما للمحبوب ~~الحق من الحق من هذه الإعانة بقدر ما له من المعية والربوبية والإلهية؛ فإن ~~كل واحدة من هذه الأمور عامة وخاصة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: عبدي مرضت فلم تعدني فيقول: رب كيف ~~أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض؟ فلو عدته ~~لوجدتني عنده. عبدي جعت فلم تطعمني. فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ ~~فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي} ففي هذا ~~الحديث ذكر المعنيين الحقين ونفى المعنيين الباطلين وفسرهما. فقوله: " جعت ~~ومرضت " لفظ اتحاد يثبت الحق. وقوله: {لوجدتني عنده ووجدت ذلك عندي} نفي ~~للاتحاد العيني بنفي الباطل وإثبات لتمييز الرب عن العبد. # PageV02P391 # وقوله: {لوجدتني عنده} لفظ ظرف؛ وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق؛ ~~الذي هو بالإيمان لا بالذات. ويفسر قوله: {مرضت فلم تعدني} فلو كان الرب ~~عين المريض والجائع لكان إذا عاده وإذا أطعمه يكون قد وجده إياه وقد وجده ~~قد أكله. وفي قوله في المريض: {وجدتني عنده} وفي الجائع: {لوجدت ذلك عندي} ~~فرقان حسن؛ فإن المريض الذي تستحب عيادته ويجد الله عنده: هو المؤمن بربه ~~الموافق لإلهه الذي هو وليه؛ وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب ~~إطعامه فإن الله يقول: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة} فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة: فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه ~~لعبده. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تصدق ~~بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يأخذها بيمينه ~~فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل ms0510 الجبل العظيم} وقال: ~~{إن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقع بيد السائل} . لكن الأشبه: أن هذا ~~العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض وهو العبد الولي الذي فيه نوع ~~اتحاد وإن كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمي. ونظير القرض: النصر في ~~مثل قوله تعالى {وليعلم الله من ينصره # PageV02P392 # ورسله بالغيب} وقوله: {إن تنصروا الله ينصركم} ونحو ذلك لكن النصر فيه ~~معنى؛ لكن لا يقال في مثله جعت. فقد ذكر الله في القرآن القرض والنصر وجعله ~~له هذا في الرزق وهذا في النصر وجاء في الحديث العيادة وهذه الثلاثة هي ~~المذكورة في قوله تعالى {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} وقوله: ~~{مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} وإنما في الحديث أمر البأساء والضراء فقط؛ ~~لأن ذلك ينفرد به الواحد المخاطب بقوله: {عبدي مرضت وجعت} فلذلك عاتبه. ~~وأما النصر: فيحتاج في العادة إلى عدد؛ فلا يعتب فيه على أحد معين غالبا أو ~~المقصود بالحديث التنبيه وفي القرآن النصر والرزق وليس فيه العيادة؛ لأن ~~النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص. وأما العيادة: فإنما تكون لمن ~~يجد الحق عنده. # PageV02P393 # فصل: # فهذان المعنيان صحيحان ثابتان بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان. أما ~~الأول - وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة -: فهذا فرض على كل أحد ولا ~~بد لكل مؤمن منه؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم ~~لنفسه؛ وإن تركه كله فهو كافر بربه. وأما الثاني - وهو موافقة ربه فيما ~~يحبه ويكرهه ويرضاه ويسخطه - فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين: ~~الذين تقربوا إلى الله بالنوافل - التي يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض ~~التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها. ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من ~~الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأحمال: ~~أحبهم الله تعالى. فقال: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} ~~فعلوا محبوبه فأحبهم فإن الجزاء من جنس العمل مناسب له مناسبة المعلول ~~لعلته. ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتي العبد بعين ms0511 كل حركة يحبها الله؛ ~~فإن هذا ممتنع. وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة ~~والظاهرة؛ # PageV02P394 # والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة كما قال بعض ~~السلف: " قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه وقوة المنافق في جسمه وضعفه في ~~قلبه " ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {المرء مع من أحب} {وقال: إن بالمدينة ~~لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر} وقال: ~~{فهما في الأجر سواء} في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذي قال: ~~{لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل} فإنهما لما استويا في عمل ~~القلب وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو ~~صحيح مقيم} . # PageV02P395 # فصل: # وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد؛ فإن الاتحاد ~~فيه حق وباطل لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه ولم ~~يكن ذلك بذنب منه: كان معذورا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل فإن القلم ~~رفع عن المجنون حتى يفيق؛ وإن كان مخطئا في ذلك كان داخلا في قوله: {ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} . ~~وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم فألقى ~~الآخر نفسه خلفه. فقال: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني فظننت ~~أنك أني. فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق وفي ~~غير جانبه وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه ~~وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه وبمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده ~~فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده؛ فقد يقول في هذه الحال: أنا الحق أو ~~سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك وهو ms0512 سكران بوجد المحبة الذي هو ~~لذة وسرور بلا تمييز. # PageV02P396 # وذلك السكران: يطوى ولا يروى إذا لم يكن سكره بسبب محظور. فأما إذا كان ~~السبب محظورا: لم يكن السكران معذورا وأما أهل الحلول: فمنهم من يغلب عليه ~~شهود القلب وتجليه حتى يتوهم أنه رأى الله بعيني رأسه. ولهذا ذكر ذلك طائفة ~~من العباد الأصحاء غلطا منهم وقد ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الدجال ودعواه الربوبية قال: واعلموا أن ~~أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث الدجال. فإنه لما ادعى الربوبية ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرقانين ظاهرين لكل أحد أحدهما: أنه أعور والله ~~ليس بأعور الثاني: أن أحدا منا لن يرى ربه حتى يموت وهذا إنما ذكره في ~~الدجال مع كونه كافرا؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التي تقوي الشبهة في قلوب ~~العامة. # PageV02P397 # فصل: # فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذي فيه نوع حق ~~تبين أيضا ما في المطلق من ذلك. فنقول: لا ريب أن الله رب العالمين رب ~~السموات والأرضين وما بينهما ورب العرش العظيم رب المشرق والمغرب لا إله ~~إلا هو فاتخذه وكيلا ربكم ورب آبائكم الأولين رب الناس ملك الناس إله ~~الناس. وهو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل خلق الزوجين الذكر والأنثى من ~~نطفة إذا تمنى. وهو رب كل شيء ومليكه وهو مالك الملك؛ يؤتي الملك من يشاء ~~وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى الرحمن على ~~العرش استوى له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير {ما من دابة إلا هو ~~آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} . قلوب العباد ونواصيهم بيده وما من ~~قلب إلا وهو بين إصبعين من ms0513 أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن ~~يزيغه أزاغه. وهو الذي # PageV02P398 # أضحك وأبكى وأغنى وأقنى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وينزل ~~من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ويبث فيها من كل دابة. وهو {الذي ~~خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} . ~~{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} {وهو ~~الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} ~~وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وهو القائم بالقسط القائم على ~~كل نفس بما كسبت الخالق البارئ المصور. {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها} . وما شاء الله لا قوة إلا بالله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ منه إلا إليه. فهذه المعاني وما ~~أشبهها من معاني ربوبيته وملكه وخلقه ورزقه وهدايته ونصره وإحسانه وبره ~~وتدبيره وصنعه ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه ~~سميع بصير لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ~~يبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء. فهذا كله ~~حق. وهو محض توحيد الربوبية؛ وهو مع هذا قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأحسن ~~كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. # PageV02P399 # وهذا صنع الله الذي أتقن كل شيء والخير كله بيديه وهو أرحم الراحمين وهو ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها كما أقسم على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: {والله لله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها} إلى نحو هذه المعاني ~~التي تقتضي شمول حكمته وإتقانه وإحسانه خلق كل شيء وسعة رحمته وعظمتها ~~وأنها سبقت غضبه كل هذا حق. فهذان الأصلان عموم خلقه وربوبيته وعموم إحسانه ~~وحكمته: ms0514 أصلان عظيمان وإن كان من الناس من يكفر ببعض الأول كالقدرية الذين ~~يخرجون أفعال العباد عن خلقه ويضيفونها إلى محض فعل ذي الاختيار أو الطبيعة ~~الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله سبحانه ويضيفونه إما إلى الطبع أو إلى ~~جسم فيه طبع أو إلى فلك أو إلى نفس أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة ~~عن إقامة نفسها فهي عن إقامة غيرها أعجز. ومن الناس من يجحد بعض الثاني أو ~~يعرض عنه متوهما خلو شيء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وإتقانه وعن حكمته ويظن ~~قصور رحمته. وعجزها من القدرية الإبليسية أو المجوسية وغيرهم. وإذا كان ~~كذلك: فجميع الكائنات: آيات له شاهدة دالة مظهرة لما هو مستحق له من ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وعن مقتضى أسمائه وصفاته خلق الكائنات. فإن ~~الرحم شجنة من الرحمن خلق الرحم وشق لها من اسمه؛ وهو الرازق # PageV02P400 # ذو القوة المتين يرزق من يشاء بغير حساب وهو الهادي النصير يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم وينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد. وهو الحكيم العليم الرحيم الذي أظهر من آثار علمه وحكمته ورحمته ~~ما لا يحصيه إلا هو. فهو رب العالمين والعالمون ممتلئون بما فيهم من آثار ~~أسمائه وصفاته وكل شيء يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم من الناس من يدرك ~~ما فيها من الدلالة والشهادة بالعلم والمعرفة. ومن خرق الله سمعه سمع تأويب ~~الجبال والطير وعلم منطق الطير. فإذا فسر ظهوره وتجليه بهذا المعنى: فهذا ~~صحيح ولكن لفظ الظهور والتجلي فيه إجمال كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ~~وإذا قال القائل: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله لأنه ربه والرب متقدم ~~على العبد أو رأيت الله بعده؛ لأنه آيته ودليله وشاهده؛ والعلم بالمدلول ~~بعد الدليل أو رأيت الله فيه بمعنى ظهور آثار الصانع في صنعته فهذا صحيح. ~~بل القرآن كله يبين هذا ويدل عليه وهو دين المرسلين وسبيل الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو اعتقاد المسلمين أهل ~~السنة ms0515 والجماعة ومن يدخل فيهم من أهل العلم والإيمان ذوي المعرفة واليقين ~~أولياء الله المتقين. # PageV02P401 ### | فصل:في الغلط في ذلك # ثم إن كثيرا من أهل التوجه إلى الله إذا أقبلوا على ذكره وعبادته ~~والإنابة إليه: شهدوا بقلوبهم هذه الربوبية الجامعة وهذه الإحاطة العامة ~~فإنه بكل شيء محيط وهو سبحانه الحق الذي خلق السموات والأرض ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وهو سبحانه نور السموات ~~والأرض {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} الآية. وهو ~~سبحانه ليس عنده ليل ولا نهار. نور السموات من نور وجهه. هكذا قال عبد الله ~~بن مسعود: " لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار لو ~~كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه " هكذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى. # PageV02P402 # فقد يشهد العبد القدر المشترك بين المصنوعات وهو الحق الموجود فيها الذي ~~هو شامل لها فيظن أنه الخالق لمطابقته له في نوع من العموم وإنما هو صنعه ~~وخلقه ثم قد يرتقي إلى حجاب من حجبه النورية أو النارية فيظن أنه هو ثم ~~يرتقي إلى نوره وما يظهر من أثر صفاته؛ فقد يقع بعض هؤلاء في نحو من مذهب ~~أهل الاتحاد المطلق العام؛ فإن تداركهم الله برحمته فاعتصموا بحبل الله ~~واتبعوا هدى الله: علموا أن هذا كله مخلوق لله وأن الخالق ليس هو المخلوق ~~وأن جميعهم عباد لله وربما قد يقع هذا في نوع من الفناء أو السكر فيكون ~~مخطئا غالطا وإن كان ذلك مغفورا له إذا كان بسبب غير محظور كما ذكرنا نظيره ~~في الاتحاد المعين. # PageV02P403 # فصل: # وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته: فكذلك يشهد ~~إلهيته العامة؛ فإنه الذي في السماء إله وفي الأرض إله إله في السماء ms0516 وإله ~~في الأرض {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} وكذلك قوله: {وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض} - الآية على أحد القولين على وقف من يقف عند ~~قوله {وفي الأرض} فإن المعنى هو في السموات الله وفي الأرض الله ليس فيهما ~~من هو الله غيره. وهذا وإن كان مشابها لقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي ~~الأرض إله} فهو أبلغ منه. ونظيره قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} وقد قال: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} ~~وقال تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وقال: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} وقوله تعالى {ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو # PageV02P404 # والآصال} وقوله: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} وقوله تعالى ~~{وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} وقوله: {سبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} {يسبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} ونحو ذلك - من معاني ألوهيته وخضوع ~~الكائنات وإسلامها له وافتقارها إليه وسؤالها إياه ودعاء الخلق إياه؛ إما ~~دعاء عبادة وإما دعاء مسألة وإما دعاؤهما جميعا. # ومن أعرض عنه وقت الاختيار: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه} {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى ~~قرار أرضه فإنه باطل إلا وجهه الكريم كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في ~~مبدئها نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها وإلا كانت باطلة. فهذه المعاني ~~التي فيها تأله الكائنات إياه وتعلقها به. والمعاني الأول التي فيها ~~ربوبيته إياهم: وخلقه لهم: يوجب أن يعلم ms0517 أنه رب الناس ملك الناس إله الناس ~~وأنه رب العالمين لا إله إلا هو والكائنات ليس لها من نفسها شيء بل هي عدم ~~محض ونفي صرف وما بها من وجود: فمنه وبه. # PageV02P405 # ثم إنه إليه مصيرها ومرجعها؛ وهو معبودها وإلهها لا يصلح أن يعبد إلا هو ~~كما لم يخلقها إلا هو لما هو مستحقه بنفسه ومتفرد به من نعوت الإلهية التي ~~لا شريك له فيها ولا سمي له وليس كمثله شيء. فهو الأول الذي ليس قبله شيء ~~وهو الآخر الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن الذي ~~ليس دونه شيء وهو معنا أينما كنا ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع وهم ~~فيها درجات. وكذلك ربوبيته لهم وعبوديتهم التي هم بها معبدون له وكذلك ~~ألوهيتهم إياه وألوهيته لهم وعبادتهم التي هم بها عابدون وكذلك قربه منهم ~~وقربهم منه. # PageV02P406 # فصل: # فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين كنبي أو رجل صالح ونحو ذلك. قد ~~بينا ما فيه من الحق المحض وما فيه من الحق الملبوس بباطل وسنبين إن شاء ~~الله ما فيه من الباطل المحض. وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله سبحانه ~~ويتولاه أو يظن به ذلك فإنه بذلك تظهر ألوهية الله في عبده وتظهر إنابة ~~العبد إلى ربه وموافقته له في محبته ورضاه وأمره ونهيه. وقد يشتبه بهذا قسم ~~آخر؛ وهو ما يظهره الرب من آثار ربوبيته في بعض عباده وإن كان ذلك ليس ~~مأمورا به ولا هو عبادة له مثل ما يعطيه من ملكه وسلطانه بعض الملوك ~~المسلطين ممن قد يكون مسلما وقد لا يكون كفرعون وجنكسخان ونحوهما وما يهبه ~~من الرزق والمال لبعض عباده وما يقسمه من الجمال لبعض عباده من الرجال ~~والنساء. وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف أو يهبه من الأحوال أو يعطيه # PageV02P407 # من خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات سواء كان هؤلاء مؤمنين ~~أو كفارا مثل الأعور الدجال ونحوه. فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المعين ~~من ms0518 آثار الربوبية وأحكام القدرة أكثر مما يقوم بغيره كما يقوم بالقسم الأول ~~من آثار الألوهية وأحكام الشرع أكثر مما يقوم بغيره؛ وقد يجتمع القسمان في ~~عبد كما يجتمع في الملائكة والأنبياء والأولياء: مثل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم والمسيح ابن مريم وغيرهما. فهذا القسم وحده كاف في أحكام الكلمات ~~الكونية كالقسم الأول في أحكام الكلمات الدينية؛ فإن الحوادث إنما تكون ~~بمشيئة الله وقدرته. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ ويعوذ ويأمر ~~بالاستعاذة بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر. فالكلمات ~~التي بها كون الله الكائنات لا يخرج عنها بر ولا فاجر؛ فما من ملك ولا ~~سلطان ولا مال ولا جمال ولا علم ولا حال ولا كشف ولا تصرف إلا وهو بمشيئته ~~وقدرته وكلماته التامات ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به ومنه ما هو ~~مكروه لله منهي عنه بل مباح أو عفو. وإذا كان واقعا بمشيئة الله وقدرته ~~وكلمته ولا يقدر على ذلك غيره وهو مضاف إلى الله من جهة ربوبيته وملكه. ~~فبينه وبين القسم الأول من الاشتراك والمشابهة ما أوجب أن أقواما غلطوا في ~~أمر الله فجعلوه في القسمين واحدا. # PageV02P408 # بل غلطوا أيضا في نفس الرب فألحقوا بعض العباد المعبدين من القسم الثاني ~~ببعض العباد العابدين من القسم الأول ودخلوا في الاتحاد والحلول من هذا ~~الوجه حتى عبد من عبد فرعون والدجال وعبد آخرون الصور الجميلة ونحو ذلك ~~ويزعمون أن هذا مظاهر الجمال؛ وكفر هؤلاء بالعبادات والإيمان تارة ~~وبالمعبود أخرى. ولما كان المقصود هنا بيان الحق من ذلك أو ما فيه حق: ~~ذكرنا هذا. أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره ~~الديني وخلقه الكوني. فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه سواء ~~في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا ~~يخرج عن مشيئته شيء ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وقد كذب ببعض ذلك القدرية ~~المجوسية من هذه الأمة وغيرها ms0519 وهم الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال ~~عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم ولا يقدر على أن يفعل بعباده من ~~الخير أكثر مما فعله بهم؛ بل ولا على أفعالهم؛ فليس هو على كل شيء قدير أو ~~أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة ~~مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ ولما عرف بالعقل والذوق. ثم إنه ~~قابلهم قوم شر منهم وهم القدرية المشركية الذين رأوا الأفعال # PageV02P409 # واقعة بمشيئته وقدرته. فقالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} ولو كره الله شيئا لأزاله وما في العالم إلا ما يحبه الله ~~ويرضاه وما ثم عاص وأنا كافر برب يعصى وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع ~~الإرادة؛ وربما استدلوا بالجبر وجعلوا العبد مجبورا والمجبور معذور والفعل ~~لله فيه لا له؛ فلا لوم عليه. فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله وبأمر الله ~~ونهيه وثوابه وعقابه ووعده ووعيده ودينه وشرعه كفرا لا ريب فيه وهم أكفر من ~~اليهود والنصارى بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات ~~العقلية. فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية وبالآيات والسياسات ~~العقلية. وأما الأولون: ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه. وهؤلاء أعداء ~~الله وأعداء جميع رسله بل أعداء جميع عقلاء بني آدم بل أعداء أنفسهم؛ فإن ~~هذا القول لا يمكن أحدا أن يطرده ولا يعمل به ساعة من زمان إذ لازمه: أن لا ~~يدفع ظلم ظالم ولا يعاقب معتد ولا يعاقب مسيء لا بمثل إساءته ولا بأكثر ~~منها. وأكثر هؤلاء إنما يشيرون إلى ذلك عند أهواء أنفسهم لرفع الملام عنهم ~~وإلا فإذا كان لهم هذا مع أحد قابلوه وقاتلوه واعتدوا عليه أيضا ولا يقفون # PageV02P410 # عند حد ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة بل هم كما قال الله {وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} ظلمة جهال مثل السبع العادي يفعلون بحكم ~~الأهواء المحضة ويدفعون عن أنفسهم الملام والعذل أو ما يجب عليهم من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ms0520 بالجبر الباطل وبملاحظة القدر النافذ معرضين عن ~~الأمر والنهي ولا يفعلون مثل ذلك بمن اعتدى عليهم وظلمهم وآذاهم بل ولا بمن ~~قصر في حقوقهم بل ولا بمن أطاع الله: فأمر بما أمر الله به ونهى عما نهى ~~الله عنه. وقد بسطت الكلام في هؤلاء القدرية والقسم الأول وذكرت القدرية ~~الإبليسية في غير هذا الموضع؛ وإنما الغرض هنا التنبيه على معاقد الأقوال. ~~وقد فرق الله في كتابه بين القسمين بين من قام بكلماته الكونيات وبين من ~~اتبع كلماته الدينيات وذلك في أمره وإرادته وقضائه وحكمه وإذنه وبعثه ~~وإرساله؛ فقال في الأمر الديني الشرعي: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى} {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} {إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة} . وقال في الأمر الكوفي القدري: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وكذلك قوله: ~~{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} على أحد الأقوال. ~~وقال في الإرادة الدينية الشرعية {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} # PageV02P411 # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج} . # وقال في الإرادة الكونية القدرية: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم} . # وبهذا الجمع والتفريق تزول الشبهة في مسألة الأمر الشرعي: هل هو مستلزم ~~للإرادة الكونية أم لا؟ فإن التحقيق أنه غير مستلزم للإرادة الكونية ~~القدرية؛ وإن كان مستلزما للإرادة الدينية الشرعية. # وقال في الإذن الديني: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله} . # وقال في الإذن الكوني: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} . # وقال في القضاء الديني: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر ربك بذلك. # وقال في القضاء الكوني: {فقضاهن سبع ms0521 سماوات في يومين} . # وقال في الحكم الديني: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت # PageV02P412 # لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله ~~يحكم ما يريد} وقال: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} وقال: {أفحكم الجاهلية ~~يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . وقال في الحكم الكوني: {فلن ~~أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} . وقد يجمع ~~الحكمين مثل ما في قوله: {إن الحكم إلا لله} وكذلك فعله: {والله يقضي ~~بالحق} . وقال في البعثين والإرسالين: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} ~~{بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} وقوله: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا} {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} وقد قال: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين تؤزهم أزا} وقال: {وأرسلنا الرياح لواقح} . # PageV02P413 # فصل: # وأما كفرهم بالمعبود: فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه ~~بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد مثل من يعبد الصور الجميلة ويقول: هذا مظهر ~~الجمال أو الملك المطاع الجبار ويقول: هو مظهر الجلال أو مظهر رباني ونحو ~~ذلك وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق لكن يشبه ما فيه ~~الحق من جهة؛ إذ كلاهما بالله ومن الله؛ وأنه لله؛ ولهذا يسوي بينهما أهل ~~الحلول والاتحاد المطلق كما سنبينه إن شاء الله. فهؤلاء الاتحادية ~~والحلولية - الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة -: هم ~~فرع على أولئك ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق كما مع أولئك: ألفاظ ~~متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين ولكن مع هؤلاء قول فرعون؛ {أنا ربكم ~~الأعلى} و {ما علمت لكم من إله غيري} وقول الدجال: " أنا ربكم " ونحو ذلك. ~~فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين ومعهم تشبيه الكونيات ~~بالدينيات والكونيات عامة لا اختصاص فيها فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد ~~والحلول المطلق منهم في المعين اعتقادا وقولا وإن كانوا من # PageV02P414 # جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان - كما هو الواقع - لشبهة اختصاصه ~~ببعض ms0522 الأحكام الكونية. وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد. وإنما ~~ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق فنبهت على ~~ذلك ليفطن لموضع ضلالهم؛ فإذا علم حقيقة هذه الأمور: علم حقيقة {قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل} فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين. والحق له معنيان ~~أحدهما: الموجود الثابت والثاني: المقصود النافع كقول النبي {: الوتر حق} . # و ### | الباطل نوعان # أيضا: # أحدهما: المعدوم. وإذا كان معدوما كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده ~~باطلا؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه يصح بصحته ويبطل ~~ببطلانه؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلا كان الاعتقاد والخبر كذلك؛ وهو ~~الكذب. # الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد كقوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض ~~وما بينهما باطلا} وكقول النبي {: كل لهو يلهو # PageV02P415 # به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من ~~الحق} {وقوله عن عمر: إن هذا رجل لا يحب الباطل} وما لا منفعة فيه: فالأمر ~~به باطل وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل. ومن ~~هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل. فالصحيح: ما ترتب ~~عليه أثره وحصل به مقصوده. والباطل: ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به ~~مقصوده؛ ولهذا كانت أعمال الكفار باطلا. فإن الكافر من جهة كونه كافرا ~~يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه فيكون ذلك باطلا ويعبد ما لا تنفعه عبادته ~~ويعمل له ويأمر به فيكون ذلك أيضا باطلا. ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال ~~صاروا يشبهون أهل الحق؛ فلذلك قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب} وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم} {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق ~~من ربهم كفر عنهم ms0523 سيئاتهم وأصلح بالهم} {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ~~وأن الذين # PageV02P416 # آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} إلى قوله: {ولا ~~تبطلوا أعمالكم} وقال: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~وقال تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ~~ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا} . فبين أن المن والأذى يبطل الصدقة ~~فيجعلها باطلا لا حقا كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضا. وقد عمم ~~بقوله: {ولا تبطلوا أعمالكم} أي لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ~~ولا فائدة. وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كابن عربي فرأوا أن ~~الحق هو الموجود فكل موجود حق. فقالوا: ما في العالم باطل؛ إذ ليس في ~~العالم عدم. قالوا: والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلا. وإنما أتوا من ~~جهة اللفظ المجمل. فإن الشيء له مرتبتان: مرتبة باعتبار ذاته؛ فهو إما ~~موجود فيكون حقا؛ وإما معدوم فيكون باطلا. ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان ~~واللسان والبنان وهو العلم والقول # PageV02P417 # والكتاب؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشيء فإن كانت مطابقة ~~موافقة كانت حقا وإلا كانت باطلا فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق موجود ~~وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم: كان الخبر والاعتقاد حقا؛ وإن كان ~~بالعكس كان باطلا؛ وإن كان الخبر والاعتقاد أمرا موجودا. فكونه حقا أو ~~باطلا باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه. ولا يجوز إطلاق القول ~~بأنه حق لمجرد كونه موجودا إلا بقرينة تبين المراد. وهكذا العمل والقصد ~~والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة فإن حصلت وكانت نافعة: كان حقا ~~وإن لم تحصل أو حصل ما لا منفعة فيه: كان باطلا. وبهذين الاعتبارين يصير في ~~الوجود ما هو من الباطل كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع ما يوافق ~~ذلك من عقل وذوق وكشف خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة. قال الله تعالى: ~~{أنزل ms0524 من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال} . # PageV02P418 # شبه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن فيختلط بالشبهات ~~والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد وبالذهب والفضة والحديد ~~ونحوه إذا أذيب بالنار فاحتمل الزبد فقذفه بعيدا عن القلب وجعل ذلك الزبد ~~هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه؛ وأما ما ينفع الناس من الماء ~~والمعادن فهو مثل الحق النافع فيستقر ويبقى في القلب. وقد تقدم قوله تعالى ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} إلى قوله: {ذلك بأن الذين ~~كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم} . فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى ~~لم تنفعهم وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم فكفرت سيئاتهم وأصلح الله ~~بالهم: أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولا وعملا اعتقادا واقتصادا خبرا وأمرا. ~~وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم وإن كان حقا من ~~وجه. وهذا تحقيق ما قلناه؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه وللمقصود ~~بالعمل فإذا كان ذلك باطلا لا حقيقة له كان التابع كذلك وإن كان موجودا. ~~وكذلك ما تقدم من قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم} وقوله: {ولا تبطلوا أعمالكم} ~~ونحو ذلك من إبطال ما قد مضى ووجد إنما هو عدم لعدم فائدته لا عدم ذاته؛ ~~فإن ذاته انقضت كما انقضى ما لم يبطل من الأعمال فكيف # PageV02P419 # يقال: لا باطل في الوجود؟ ثم يجعل هذا ذريعة إلى أن ذلك الموجود الذي فيه ~~الحق والباطل هو عين الله؛ لأنه هو الحق ولا يميز بين الحق الخالق والحق ~~المخلوق؟ فتدبر كيف اشتمل مثل هذا الكلام على هاتين المقدمتين الباطلتين؟ ~~وكيف استزلوا عقول الضعفاء بهذه الشبهة؟ وقالوا: قوله " ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل ms0525 " والباطل هو المعدوم فكل ما سوى الله معدوم والموجود ليس ~~بمعدوم. فالموجود ليس فيه سوي وإنما السوي هو العدم. فإن هذا مبني على ~~المقدمتين الباطلتين. إحداهما: قولهم: إن الباطل هو المعدوم؛ فإنه ليس كذلك ~~بل المعدوم باطل وليس كل موجود باطلا بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو ~~باطل كما تقدم: وهو الأعمال التي لا تنفع والأخبار التي ليست بصدق وما ~~يندرج في هذين من المقاصد والعقائد. الثانية: لو كان لا باطل إلا المعدوم ~~لكان الموجود حقا وكل موجود. فقد يسمى حقا مع القرينة المفسرة باعتبار ~~وجوده وإن كان باطلا لانتفاء حقيقته التي بها جاز إطلاق الحق عليه لكن الحق ~~حقان: حق خالق وحق مخلوق. # PageV02P420 # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن ~~عباس - يقول: {إذا قام من الليل اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن ~~فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيم السموات ~~والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك حق والجنة حق والنار حق ~~والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك ~~خاصمت وإليك حاكمت.} وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة؛ ومنه ما ~~هو حق من مخلوقات الله ليس هو الله: ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو ~~السوي وهو العدم؛ وأما الموجود فهو هو. وأيضا فنفس الحديث حجة عليهم. فإن ~~قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " لفظ عام يدخل فيه كل موجود سوى ~~الله؛ فإن لفظ: " الشيء " يعم كل الموجود بالاتفاق ويدخل فيه ما له وجود ~~ذهني أو لفظي أو رسمي كتابي وإن لم يكن له وجود حقيقي من المعدومات ~~والممتنعات؛ فهذا نص في أن كثيرا من الموجودات باطل ولا يجوز أن يراد به: ~~كل معدوم ما خلا الله فهو باطل لخمسة أوجه: # أحدها: أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات ومثل هذا ~~الاستثناء يدل على ms0526 التناول بخلاف الاستثناء من غير موجب # PageV02P421 # كقوله: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} فإن ذلك لا يدل على التناول ~~فلو كان التقدير: كل معدوم ما خلا الله باطل للزم أن يكون الحق تعالى ~~معدوما وهذا أبطل الباطل. # الثاني: أن " كل شيء " نص في الوجود لا يجوز قصرها على المعدومات ~~بالاتفاق. # الثالث: أن المعدوم لا يدخل في لفظ " كل شيء " عند أهل السنة وعامة ~~العقلاء فضلا عن كونه يختص به. # الرابع: أنه لو كان المعنى: كل معدوم فهو باطل لكان هذا من باب تحصيل ~~الحاصل بل لفظ " العدم " أدل على النفي من لفظ الباطل. فكيف يبين الجلي ~~بالخفي؟ . الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: " كل ما سوى الله باطل " فإن هذه ~~العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ وإن كانت تلك ~~العبارة لا تدل أيضا على مرادهم. وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه فقد عرف ~~أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهي الباطل اللذين تقدم تفسيرهما. # أحدهما - وهو المقصود النافع. والباطل ما لا منفعة في قصده وكل شيء ما ~~خلا الله - إذا كان له القصد والعمل - كان ذلك باطلا والأمر به # PageV02P422 # باطل وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله أو يعبدون الله ~~بغير أمر الله ولا شرعه. فإن قيل: فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس ~~العين المقصودة. قلت: بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذي قصدت له ~~كما جاء في الحديث: {أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا ~~وجهك الكريم} . وذلك: أنه إذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو ~~المنفي فالشيء ينفى لانتفاء وجوده في الجملة كقوله تعالى: {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} و {ليس كمثله شيء} وقوله: {ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله} وقوله {لا إله إلا الله} وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {: لا نبي بعدي} . وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التي هو ms0527 ~~بها هو كما ذكرناه؛ فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل والباطل معدوم وهذا ~~{كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان: ليسوا بشيء} ومنه قوله تعالى ~~تعالى: {يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم} . وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه إما مطلقا وإما ~~بالنسبة إلى غيره كقول النبي صلى الله عليه وسلم {: ليس المسكين بهذا ~~الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان وإنما المسكين الذي ~~لا يجد غنى يغنيه # PageV02P423 # ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافا} . ونحو ذلك قوله في ~~المفلس والرقوب ونظائر كل من هذه الأقسام الثلاثة كثيرة. فالشيء المقصود ~~لأمر هو باطل منتف إذا انتفت فائدته ومقصوده فكل ما سوى الله لا يجوز أن ~~يكون معبودا ولا مستعانا فقد انتفى مما سوى الله هذا المعنى المقصود فهو ~~باطل وكل ما سوى الله لا يجوز أن يكون صمدا مقصودا ولا معبودا ولا فائدة في ~~قصده ولا منفعة في عبادته واستعانته: فهو باطل. وهذا واضح وهذا عموم محفوظ ~~لا يستثنى منه شيء. وبيان ذلك: أن كل ما سوى الله فإما أن يقصد لنفسه وإما ~~أن يقصد لغيره. فالمقصود لغيره: مثل ما يقصد الخبز للأكل والثوب للبس ~~والسلاح للدفع ونحو ذلك؛ وهو ما خلقه الله لنفع بني آدم من الأعيان؛ فإن ~~هذه إنما تقصد لغيرها لا لذاتها وكذلك المال الذي يقصد به جلب منفعة أو دفع ~~مضرة إنما يقصد لغيره لا لنفسه وكل ما قصد لغيره فإنما المقصود في الحقيقة ~~ذلك الغير. وهذا مراد له بحيث إن حصل ذلك الغير المقصود لنفسه وإلا كان هذا ~~مما لا فائدة فيه ولا منفعة فيكون من باب الباطل الذي ينفى ويقال فيه: ليس ~~بشيء؛ وهو باطل ويلحق بالمعدوم. # PageV02P424 # فثبت أنه إن لم يحصل في كل قصد مقصود لنفسه وإلا كان باطلا والمقصود ~~لنفسه إن لم يكن هو الله كان باطلا؛ فإن المقصود لنفسه هو المعبود؛ ومن عبد ~~غير الله كان باطلا وعبادته ms0528 باطلة؛ لأنه لا منفعة فيه ولا في عبادته بل ذلك ~~ضرر محض. قال الله تعالى: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} وهذا عام في كل ~~معبود وهذا حقيقة الدين. فإن الله إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له ~~وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض ليستعينوا به على عبادته؛ فمن لم ~~يستعن بهذه الأشياء على عبادته فعمله كله وقصده باطل ولا منفعة فيه بل فيه ~~الضرر. فثبت أن كل قصد ومقصود سوى الله باطل سواء كان مقصودا لنفسه أو ~~لغيره سوى الله وإنما الحق أن يقصد الله أو يقصد ما يستعان به على قصد ~~الله. وهذا تحقيق قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " بأحد وجهي الحق ~~والباطل وهو كونه مقصودا ومطلوبا وهو أظهر وجهيه. الثاني: أن كل ما خلا ~~الله فهو معدوم بنفسه ليس له من نفسه وجود ولا حركة ولا عمل ولا نفع لغيره ~~منه إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبرؤه وتصويره فكل الأشياء إذا تخلى ~~عنها الله فهي باطل يكفي في عدمها وبطلانها نفس تخليه عنها وأن لا يقيمها ~~هو بخلقه ورزقه؛ وإذا كانت باطلة في أنفسها - والحق إنما هو لله وبالله ومن ~~الله - صدق قول القائل: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " باعتبارين: # PageV02P425 # أحدهما: أن صنعه على هذا التقدير ليس مستغنيا عنه ولا قائما بسواه ولا ~~خارجا عنه؛ فأدخل في اسمه على سبيل التبع لا لأنه جزء من المسمى وكثيرا ما ~~يدخل في الاسم الجامع والأسماء العامة أشياء على سبيل التبع لا لأنها جزء ~~من المسمى كما لو قال: بعتك هذا الفرس دخل فيه نعله. ولو قال القائل: دخل ~~زيد إلى داري كانت ثيابه داخلة في حكم اسمه وكذلك إذا قيل: حملت زيدا وركب ~~زيد على الدابة وإذا قيل: بنو هاشم: دخل فيهم مواليهم لقوله صلى الله عليه ~~وسلم {مولى القوم منهم} وقد يدخل فيهم الحليف وابن الأخت؛ وهذا مشهور في ~~كلام العرب وأهل المغازي. # الاعتبار الثاني: أن القائل إذا قال: ms0529 جاء القوم ما خلا زيدا فإن " خلا " ~~هنا فعل ناقص من أخوات " كان " وزيدا منصوب به؛ وفيه ضمير مرفوع وذلك ~~الضمير عائد على " ما " أخت الذي وهي الموصولة؛ وهذه الجملة صلة " ما " ~~وكان تقدير الكلام: قام القوم الذين هم خلا زيدا لكن " ما " يحتمل الواحد ~~والاثنين والجميع والضمير يعود إلى لفظها أكثر من معناها. فقوله: رأيت ما ~~رأيته من الرجال: أحسن من قولك: ما رأيتهم من الرجال. وباب: ومنهم من يستمع ~~إليك أكثر وأفصح من قوله: " من يستمعون " ولهذا قوي فصار: ما خلا زيدا يقوم ~~مقام الذي خلا والذين خلوا واللاتي خلون ونحو ذلك. تقول: قامت النسوة ما ~~خلا هندا. ولفظ " ما " إما أن يكون له موضع من الإعراب وهو الوصف # PageV02P426 # لما قبله أو النصب على الحال أو لا موضع له؛ وإذا كان التقدير: كل شيء في ~~حال خلوه عن الله باطل أو كل شيء خلا الله فهو باطل أو كل الأشياء حال ~~كونها خلت الله أو التي خلت الله باطل؛ فخلوها الله قد يتضمن معنى خلوها ~~منه. ومعلوم أنها متى خلته أي خلت منه: كانت باطلا وإنما قيامها بأن لا ~~تتخلى منه بل تتقوم به. وهذا. . . (1) في الأصل دون غيره من أدوات ~~الاستثناء. # وأصل هذا المعنى مقصود من هذا. . . (2) في قول النبي صلى الله عليه وسلم. # وهذا التوحيد وتفسيره المذكور في قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " ~~هو نحو مما ذكر في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} بعد قوله: {فلا تكونن ~~ظهيرا للكافرين} {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ~~ولا تكونن من المشركين} {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الإشراك ~~وأن يدعو معه إلها آخر وقوله: {لا إله إلا هو} يقتضي أظهر الوجهين وهو أن ~~كل شيء هالك إلا ما كان لوجهه من الأعيان والأعمال وغيرهما. روي عن أبي ~~العالية ms0530 قال: " إلا ما أريد به وجهه وعن " جعفر الصادق " إلا دينه " ~~ومعناهما واحد. PageV02P427 # وقد روي عن عبادة بن الصامت قال " يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال: ميزوا ~~ما كان لله منها. قال: فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى في ~~النار ". وقد روي عن علي ما يعم. ففي تفسير الثعلبي عن صالح بن محمد عن ~~سليمان بن عمرو عن سالم الأفطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب ~~" أن رجلا سأله فلم يعطه شيئا. فقال: أسألك بوجه الله فقال له علي. كذبت ~~ليس بوجه الله سألتني إنما وجه الله الحق ألا ترى إلى قوله: {كل شيء هالك ~~إلا وجهه} يعني الحق - ولكن سألتني بوجهك الخلق " وعن مجاهد " إلا هو " وعن ~~الضحاك " كل شيء هالك إلا الله والجنة والنار والعرش " وعن ابن كيسان " إلا ~~ملكه ". وذلك أن لفظ " الوجه " يشبه أن يكون في الأصل مثل الجهة كالوعد ~~والعدة والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهي ~~أخص من الفعل كالأكل والإكلة. فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال ~~الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل ثم إنه ~~يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه إليه كما في اسم الخلق ودرهم ضرب ~~الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال: أردت هذا الوجه ~~أي هذه الجهة والناحية. ومنه قوله: {ولله المشرق # PageV02P428 # والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} أي قبلة الله ووجهة الله هكذا قال ~~جمهور السلف وإن عدها بعضهم في الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك ~~أن معنى قوله: {فأينما تولوا} أي تتولوا أي تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى إلى ~~مفعول واحد بمعنى يتولاها. ونظير: ولي وتولى: قدم وتقدم وبين وتبين كما ~~قال: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} وقال: {بفاحشة مبينة} وهو الوجه الذي ~~لله والذي أمر الله أن نستقبل. فإن قوله: {ولله المشرق والمغرب} يدل على أن ~~وجه الله هناك من المشرق والمغرب الذي هو لله كما في ms0531 آية القبلة: {سيقول ~~السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فلما سألوا عن سبب التولي عن القبلة ~~أخبر أن له المشرق والمغرب. # وأما لفظ " وجهة " مثل قوله: {ولكل وجهة هو موليها} فقد يظن أيضا أنه ~~مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وأنها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك. ~~لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة. وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما ~~الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك. فالقبلة: ما ~~استقبل والوجهة: ما توجه إليه والبدعة: ما ابتدع والذبحة: ما ذبح؛ ولهذا صح ~~ولم تحذف فاؤه؛ لأن الحذف إنما هو من المصدر لا من # PageV02P429 # بقية الأسماء كالصفات وما يشبهها مثل أسماء الأمكنة والأزمنة والآلات ~~والمفاعيل وغير ذلك. وأما قول بعض الفقهاء: إن الوجه مشتق من المواجهة: فلا ~~دليل عليه بل قد عارضه من قال: هو مشتق من الوجاهة؛ وكلاهما ضعيف. وإنما ~~المواجهة مشتق من الوجه كما أن المشافهة مشتق من الشفة والمناظرة - بمعنى ~~المقابلة - مشتقة من النظر والمعاينة من العين. وأما اشتقاق الوجه الذي هو ~~المتوجه. من الوجه الذي هو التوجه؛ فهذا أشبه؛ لأن توجهه: هو فعله المختص ~~به الذي لا يفتقر فيه إلى غيره بخلاف المواجهة فإنها تستدعي اثنين والإنسان ~~هو حارث همام وهمه هو توجهه وإنما يتوجه بهذا العضو إلى أي شيء أراده وتوجه ~~إليه. ومن هذا الباب قوله تعالى {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه} وقوله تعالى {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا} وقول الخليل ونبينا والمؤمنين في الصلاة: {وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} وقوله تعالى {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون} الآية وقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها} وقوله: {فأقم وجهك للدين القيم} وقوله: {وأن أقم ms0532 وجهك للدين حنيفا ~~ولا تكونن من المشركين} وقول النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P430 # للذي علمه دعاء النوم: {اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك} وقال زيد ~~بن عمرو بن نفيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا فهذه ~~ثلاثة ألفاظ: أسلم وجهه ووجه وجهه وأقام وجهه. قال قدماء المفسرين في قوله ~~تعالى أسلم وجهه أي أخلص في دينه وعمله لله وقال بعضهم: فوض أمره إلى الله ~~وقد قيل: خضع وتواضع لله. وهذا الثالث يليق بالإسلام اللازم فإن وجهه هو ~~قصده وتوجهه الذي هو أصل عمله وهو عمل قلبه الذي هو ملك بدنه فإذا توجه ~~قلبه تبعه أيضا توجه وجهه فاستتبع القصد الذي هو الأصل من القلب الذي هو ~~الأصل للعمل الذي هو تبع من الوجه وسائر البدن الذي هو تبع فيكون قد أسلم ~~عمله الباطن والظاهر وأعضاءه الباطنة والظاهرة لله؛ أي سلمه له وأخلصه لله ~~كما في الإسلام اللازم وهو قوله: {أسلمت لرب العالمين} وقوله عن بلقيس: ~~{إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقوله عن إبراهيم ~~وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} أي منقادة ~~مخلصة. وكذلك توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض: توجيه قصده وإرادته ~~وعبادته وذلك يستتبع الوجه وغيره وإلا فمجرد توجيه العضو من غير عمل القلب ~~لا يفيد شيئا. # PageV02P431 # قال الزجاج في قوله: {وجهت وجهي} أي جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله رب ~~العالمين وكذلك قوله: {وأقيموا وجوهكم} فإن الوجوه التي هي المقاصد والنيات ~~التي هي عمل القلب وهي أصل الدين: تارة تقام وتارة تزاغ كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه} فإقامة الوجه ضد ~~إزاغته وإمالته وهو الصراط المستقيم. فإذا قوم قصده وسدده ولم ينحرف يمينا ~~ولا شمالا كان قصده لله رب العالمين كما قال: {لا شرقية ولا غربية} وكذلك ~~قال الربيع بن أنس: " اجعلوا سجودكم ms0533 خالصا لله " فلا تسجدوا إلا لله. وروي ~~عن الضحاك وابن قتيبة " إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا ~~يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي كأنه أراد صلوا لله عند كل مسجد لا تخصوا مسجدا ~~دون مسجد. وعلى هذين القولين يتوجه ما ذكرناه. وروي عن مجاهد والسدي وابن ~~زيد: " توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة ". وعلى هذا: فإقامة الوجه ~~استقبال الكعبة وهذا فيه نظر؛ فإن هذه الآية مكية والكعبة إنما فرضت في ~~المدينة إلا أن يراد بإقامة الوجه الاستقبال المأمور به. # PageV02P432 # وإنما وقع النزاع هنا لقوله تعالى {عند كل مسجد} بخلاف قوله تعالى {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا} . فقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي دينه وإرادته ~~وعبادته والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى وهو قولهم: ما ~~أريد به وجهه وهو نظير قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فكل ~~معبود دون الله باطل وكل ما لا يكون لوجهه فهو هالك فاسد باطل وسياق الآية ~~يدل عليه وفيه المعنى الآخر. فإن الإلهية تستلزم الربوبية؛ ولهذا قال: {له ~~الحكم وإليه ترجعون} . وفي هذا قول آخر يقوله كثير من أهل العلم: أن الوجه ~~في مثل قوله: أسلم وجهه وأقم وجهك ووجهت وجهي: هو الوجه الظاهر كما أنه ~~كذلك بالاتفاق في قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} وفي قوله: {فولوا ~~وجوهكم شطره} وفي قوله: {فاغسلوا وجوهكم} وقد جاء الوجه في صفات الله في ~~مواضع من الكتاب والسنة ليس هذا موضعها. قالوا: لكن الوجه إذا وجه: تبعه ~~سائر الإنسان وإذا أسلم: فقد أسلم سائر الإنسان وإذا أقيم فقد أقيم سائره؛ ~~لأنه هو المتوجه أولا من الأعضاء الظاهرة للقاصد الطالب؛ ولهذا يذكر كثيرا ~~على وجه الاستلزام لسائر صاحبه، # PageV02P433 # ويعبر به عنه لكن هل هذا من باب الحقيقة العرفية التي تقلب الاسم من ~~الخصوص إلى العموم أو الحقيقة اللغوية باقية وهو من باب الدلالة اللزومية؟ ~~فيه قولان. وكذلك في سائر الأعضاء حتى لو قال لعبده: يدك أو رجلك حر أو قال ~~لزوجته: ms0534 يدك أو رجلك طالق إن أعطيتني ألفا ثم قطع العضو قبل الإعطاء. فمن ~~قال: إن اللفظ عبارة عن الجميع أوقع الطلاق والعتق. ومن قال: إن الاسم ~~للعضو فقط لم يسر العتق عنده إلى سائر الجملة؛ لعدم تبعيضه. وقال: إنه لا ~~يقع شيء في هذه الصورة. وإلى هذا الأصل يعود معنى قول من قال: كل شيء هالك ~~إلا وجهه كما قد قيل في قوله: {كل من عليها فان} {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} فإن بقاء وجهه المذوى بالجلال والإكرام: هو بقاء ذاته. # PageV02P434 # فصل: # وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب بل اتحاد ذات عبد بذات عبد أو حلول حقيقة ~~في حقيقة كحلول الماء في الوعاء: فهذا باطل قطعا بل ذلك باطل في العبد مع ~~العبد؛ فإنه لا تتحد ذاته بذاته ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر. وهذا هو ~~الذي وقعت فيه الاتحادية والحلولية؛ من النصارى وغيرهم؛ من غالية هذه الأمة ~~وغيرها وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين فصارتا متحدتين أو حلول ~~إحداهما في الأخرى فهذا بين البطلان. وأبطل منه قول من يقول: ما زال واحدا ~~وما ثم تعدد أصلا. وإنما التعدد في الحجاب فلما انكشف الأمر رأيت أني أنا ~~وكل شيء هو الله سواء قال بالوحدة مطلقا أو بوحدة الوجود المطلق دون المعين ~~أو بوحدة الوجود دون الأعيان الثابتة في العدم. فهذه وما قبلها مذاهب أهل ~~الكفر والضلال كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان والعلم والهدى. ومن كفر ~~بالحق من ذلك أو آمن بالباطل. # PageV02P435 # فهما في طرفي نقيض. كاليهود والنصارى. وأما المؤمنون: فيؤمنون بحق ذلك ~~دون باطله وكتاب الله وسنة رسوله فيهما الهدى والنور وفيهما بيان الصراط ~~المستقيم: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. فأما إثبات الحق من ذلك وهو ما يحصل لأنبياء الله وأوليائه ~~الذين هم المتقون من السابقين والمقتصدين وما قد يحصل من ذلك لكل مؤمن مثل ~~محبتهم لله تعالى ومحبته لهم ورضوانهم عنه ورضوانه عنهم: فقد قال الله ~~تعالى: {فسوف يأتي الله ms0535 بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} وقال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} وقال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} وقال تعالى: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن ~~الله يحب المتقين} وقال تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله ~~يحب المتقين} وقال: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} ~~وقال: {فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} ~~وقال: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وقال: {فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} . وقال: {إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} وقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} # PageV02P436 # إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} وقال: {واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا} وقال: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {أولئك هم خير البرية} {جزاؤهم عند ربهم ~~جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه} ~~. وقال النبي {: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} {إن الله جميل يحب ~~الجمال} {إن الله نظيف يحب النظافة} {إن الله وتر يحب الوتر} {إن الله يحب ~~معالي الأخلاق ويكره سفسافها} وقال: {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ~~ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ~~ولاه الله أموركم} . وفي القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب ~~والمناجاة والمناداة والخلة ونحو ذلك: ما هو كثير وكذلك في السنة. وهذا مما ~~اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة وأهل المعرفة والعبادة والعلم ~~والإيمان. ms0536 وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين: المضارعين للصابئين ~~ومن وافقهم والمضارعين لليهود والنصارى من الجهمية أو من فيه تجهم وإن كان ~~الغالب عليه السنة. # PageV02P437 # فتارة ينكرون أن الله يخالل أحدا أو يحب أحدا أو يواد أحدا أو يكلم أحدا ~~أو يتكلم ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده ~~وتارة بإرادته الإحسان إليهم وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل. ويحرفون ~~الكلم عن مواضعه في محبة العبد له؛ بأنه إرادة طاعته أو محبته على إحسانه. ~~وأما إنكار الباطل: فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد وكفر من جعل له ~~ولدا أو والدا أو شريكا فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن - التي ~~هي صفة الرحمن ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سورة من القرآن ~~ما صح في فضلها حتى أفرد الحفاظ مصنفات في فضلها كالدارقطنى وأبي نعيم وأبي ~~محمد الخلال وأخرج أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددة - قال فيها: {قل هو ~~الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} . وعلى ~~هذه السورة اعتماد الأئمة في التوحيد كالإمام أحمد والفضيل بن عياض وغيرهما ~~من الأئمة قبلهم وبعدهم. فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء وهي جماع ما ~~ينسب إليه المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة والجن بل والنبات ونحو ~~ذلك؛ فإنه # PageV02P438 # ما من شيء من المخلوقات إلا ولا بد أن يكون له شيء يناسبه: إما أصل وإما ~~فرع وإما نظير أو اثنان من ذلك أو ثلاثة. وهذا في الآدميين والجن والبهائم ~~ظاهر. وأما الملائكة: فإنهم وإن لم يتوالدوا بالتناسل فلهم الأمثال ~~والأشباه؛ ولهذا قال سبحانه: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} {ففروا ~~إلى الله} قال بعض السلف: لعلكم تتذكرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. ~~ولهذا كان في هذه السورة الرد على من كفر من اليهود والنصارى والصابئين ~~والمجوس والمشركين. فإن قوله: {لم يلد} رد لقول من يقول: إن له بنين وبنات ~~من الملائكة أو البشر مثل من يقول الملائكة بنات ms0537 الله أو يقول: المسيح أو ~~عزير ابن الله كما قال تعالى عنهم: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا ~~له بنين وبنات بغير علم} وقال تعالى: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} ~~{أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد ~~الله وإنهم لكاذبون} {أاصطفى البنات على البنين} {ما لكم كيف تحكمون} {أفلا ~~تذكرون} {أم لكم سلطان مبين} {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} {وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} وقال تعالى: {وقالت اليهود ~~عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} {اتخذوا # PageV02P439 # أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} وقد أخبر أن هذا ~~مضاهاة لقول الذين كفروا من قبل. وقد قيل: إنهم قدماؤهم. وقيل: مشركو العرب ~~وفيهما نظر. فإن مشركي العرب الذين قالوا هذا ليسوا قبل اليهود والنصارى ~~وقدمائهم منهم فلعله الصابئون المشركون الذين كانوا قبل موسى والمسيح بأرض ~~الشام ومصر وغيرها الذين يجعلون الملائكة أولادا له كما سنبينه. وقال ~~تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} وهو قول ~~من قال من العرب: إن الملائكة بنات الله. وقال تعالى: {ويجعلون لما لا ~~يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون} {ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم} {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ~~ألا ساء ما يحكمون} {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ~~وهو العزيز الحكيم} وقال تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور ~~مبين} {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} {وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام ~~غير مبين} {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون} . # PageV02P440 # وهذا القدر الذي عابه الله على من ms0538 جعل الملائكة بناته من العرب مع ~~كراهتهم أن يكون لهم بنات فنظيره في النصارى؛ فإنهم يجعلون لله ولدا ~~وينزهون أكابر أهل دينهم عن أن يكون لأحدهم صاحبة أو ولدا فيجعلون لله ما ~~يكرهونه لأكابر دينهم. وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} {لقد جئتم ~~شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} {أن ~~دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} {إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا} . وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا} {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} {فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} ~~. # ف ### | نهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين # وعن أن يقولوا على الله إلا الحق، # PageV02P441 # وذكر القول الحق في المسيح ثم قال لهم: {فآمنوا بالله ورسله} لأنهم كفروا ~~بالله بتثليثهم وكفروا برسله بالاتحاد والحلول. فكفروا بأصلي الإسلام العام ~~التي هي الشهادة لله بالوحدانية في الألوهية والشهادة للرسل بالرسالة وذكر ~~أن المسيح والملائكة لا يستنكفون عن عبادته؛ لأن من الناس من جعل الملائكة ~~أولاده كالمسيح وعبدوا الملائكة والمسيح. # ولهذا قال: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} فذكر الملائكة والنبيين جميعا. وقد نفى ~~في ms0539 كتابه عن نفسه الولادة ونفى اتخاذ الولد جميعا. فقال: {وقل الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل} وقال ~~تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} الآية وقال: {الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} وقال: {وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما لاعبين} {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ~~إن كنا فاعلين} {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ~~مما تصفون} {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون} {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} {أم اتخذوا آلهة # PageV02P442 # من الأرض هم ينشرون} {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب ~~العرش عما يصفون} وقال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ~~{لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} . ومعلوم أن الذين خرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم والذين قالوا: ولد الله؛ وإنهم لكاذبون والذين قالوا: ~~المسيح ابن الله وعزير ابن الله: لم يرد عقلاؤهم ولادة حسية من جنس ولادة ~~الحيوان بانفصال جزء من ذكره في أنثاه يكون منه الولد. فإن النصارى ~~والصابئين متفقون على نفي ذلك وكذلك مشركو العرب ما أظن عقلاؤهم كانوا ~~يعتقدون ذلك وإنما وصفوا الولادة العقلية الروحانية مثل ما يقوله النصارى: ~~إن الجوهر الذي هو الله من وجه وهو الكلمة من وجه تدرعت بإنسان مخلوق من ~~مريم فيقولون تدرع اللاهوت بالناسوت فظاهره - وهو الدرع والقميص - بشر ~~وباطنه - وهو المتدرع - لاهوت هو الابن الذي هو الكلمة لتولد هذا من الأب ~~الذي هو جوهر الوجود. # فهذه البنوة مركبة عندهم من أصلين:: # أحدهما: أن الجوهر الذي هو الكلمة تولد من الجوهر الذي هو الأب كتولد ~~العلم والقول من العالم القائل. # PageV02P443 # والثاني: أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به وذلك الجوهر هو الأب ms0540 من ~~وجه وهو الابن من وجه. فلهذا حكى الله عنهم تارة أنهم يقولون: المسيح ابن ~~الله. وتارة أنهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وأما حكايته عنهم ~~أنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة فالمفسرون يقولون: الله والمسيح وأمه كما ~~قال: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ~~ولهذا قال في سياق الكلام: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة} أي غاية المسيح الرسالة وغاية أمه: الصديقية لا يبلغان ~~إلى اللاهوتية؛ فهذا حجة هذا. وهو ظاهر. ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك ~~الأقانيم الثلاثة وهي الأب والابن وروح القدس وهذا فيه نظر. فأما قوله: ~~{وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون} {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} فإن قوله: {بديع السماوات والأرض} أي ~~مبدعهما كما ذكر مثل ذلك في البقرة؛ وليس المراد أنهما بديعة سماواته وأرضه ~~كما تحتمله العربية لولا السياق. لأن المقصود نفي ما زعموه من خرق البنين ~~والبنات له ومن كونه اتخذ ولدا. # PageV02P444 # وهذا ينتفي بضده كونه أبدع السموات ثم قال: {أنى يكون له ولد} وذكر ثلاثة ~~أدلة على نفي ذلك. أحدها: كونه ليس له صاحبة؛ فهذا نفي الولادة المعهودة: ~~وقوله: {وخلق كل شيء} نفي للولادة العقلية وهي التولد؛ لأن خلق كل شيء ~~ينافي تولدها عنه. وقوله: {وهو بكل شيء عليم} يشبه - والله أعلم - أن يكون ~~لما ادعت النصارى أن المتحد به هو الكلمة التي يفسرونها بالعلم والصابئة ~~القائلون بالتولد والعلة لا يجعلونه عالما بكل شيء - ذكر أنه بكل شيء عليم ~~لإثبات هذه الصفة له ردا على الصابئة ونفيها عن غيره ردا على النصارى. وإذا ~~كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس - التي يزعمون أنها الملائكة - ~~أظهر في كونهم يقولون إنه ولد الملائكة وأنهم بنوه وبناته فالعقول بنوه ~~والنفوس بناته: من قول النصارى. ودخل ms0541 في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى ~~الإسلام حتى أني أعرف كبيرا لهم سئل عن العقل والنفس: فقال بمنزلة الذكر ~~والأنثى. فقد جعلهم كالابن والبنت وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول ~~عن العلة؛ فلا يمكنه أن يفك ذاته عن معلوله ولا معلوله عنه كما لا يمكنه أن ~~يفصل نفسه عن نفسه بمنزلة شعاع الشمس مع الشمس وأبلغ. # PageV02P445 # وهؤلاء يقولون: إن هذه الأرواح التي ولدها متصلة بالأفلاك: الشمس والقمر ~~والكواكب كاتصال اللاهوت بجسد المسيح فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح ~~إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة؛ وهم أحق بالشرك من النصارى؛ فإنهم يعبدون ما ~~يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه ولا صفة من صفاته والنصارى يزعمون ~~أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله لا لما ولده من المعلولات. ثم من عبد ~~الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم: اتخذ الأصنام على صورهم ~~وطبائعهم؛ فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام. ولهذا كان الخليل إمام ~~الحنفاء: مخاطبا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس والقمر والذين عبدوا ~~الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع. وقد ذكر الله قصتهم في القرآن ~~في غير موضع وأولئك هم الصابئون المشركون الذين ملكهم نمروذ. وعلماؤهم ~~الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم الذين كانوا بأرض الشام والجزيرة والعراق ~~وغيرها وجزائر البحر قبل النصارى وكانوا بهذه البلاد في أيام بني إسرائيل ~~وهم الذين كانوا يقاتلون بني إسرائيل فيغلبون تارة ويغلبون تارة وسنحاريب ~~وبختنصر ونحوهما: هم ملوك الصابئة بعد الخليل. والنمروذ الذي كان في زمانه. # PageV02P446 # فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة ~~والكفار والمنافقين فيها: من إثبات الولادة لله وإن كان كثير من الناس لا ~~يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات؛ لأن ذلك يحتاج إلى شيئين: إلى تصور ~~مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ وإلى تصور معنى القرآن والجمع بينهما. فتجد ~~المعنى الذي عنوه قد دل القرآن على ذكره وإبطاله. وأما اتحاد الولد فيفسر ~~بعين الولادة. وهو من باب الأفعال لا من باب الصفات كما يقوله طائفة من ~~النصارى في المسيح. # PageV02P447 # فصل: ms0542 # فهذا نفي كونه - سبحانه - والدا لشيء أو متخذا لشيء ولدا بأي وجه من وجوه ~~الولادة أو اتخاذ الولد أيا كان. وأما نفي كونه مولودا: فيتضمن نفي كونه ~~متولدا بأي نوع من التوالد من أحد من البشر وسائر ما تولد من غيره: فهو رد ~~على من قال المسيح هو الله. ورد على الدجال الذي يقول: أنه الله ورد على من ~~قال في بشر: أنه الله من غالية هذه الأمة في علي وبعض أهل البيت أو بعض ~~المشايخ كما قال قوم ذلك في علي وطائفة من أهل البيت وقالوه في الأنبياء ~~أيضا وقاله قوم في الحلاج وقوم في الحاكم بمصر وقوم في الشيخ عدي وقوم في ~~يونس القنيني وقوم يعمونه في المشايخ ويصوبون هذا كله. فقوله سبحانه: {ولم ~~يولد} نفي لهذا كله؛ فإن هؤلاء كلهم مولودون؛ والله لم يولد. ولهذا لما ذكر ~~الله المسيح في القرآن قال: ابن مريم بخلاف سائر الأنبياء كقوله: {لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح} وقوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل} وقوله: # PageV02P448 # {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} وقوله: {يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} وقوله: ~~{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} وقوله: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله} . # وفي ذلك فائدتان: # إحداهما: بيان أنه مولود والله لم يولد. # والثانية: نسبته إلى مريم؛ بأنه ابنها ليس هو ابن الله. # وأما قوله: {لن يستنكف المسيح} الآية وقوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله} فإنه حكى قولهم الذي قالوه وهم قد نسبوه ~~إلى الله أنه ابنه فلم يضمنوا ذلك قولهم المسيح ابن مريم. وقوله: {ولم يكن ~~له كفوا أحد} نفي للشركاء والأنداد يدخل فيه كل من جعل شيئا كفوا لله في ~~شيء من خواص الربوبية مثل خلق الخلق والإلهية؛ كالعبادة له ودعائه ونحو ~~ذلك. فهذه نكت تبين اشتمال كتاب الله على إبطال قول ms0543 من يعتقد في أحد من ~~البشر الإلهية؛ باتحاد أو حلول أو غير ذلك. # PageV02P449 # فصل: # وأما هؤلاء الملاحدة: فإنهم لا يقتصرون في كفرهم على أنه ولد شيئا أو ~~اتخذ ولدا أو أنه بشر مولود؛ لاتحاد الرب به. فإن هذا جميعه يقتضي إثبات ~~شيئين متميزين اتحد أحدهما بالآخر أو حل فيه وهذا إنما يقوله من يقول ~~بالاتحاد الخاص المقيد أو الحلول الخاص المقيد. وهؤلاء عندهم ما ثم غيره ~~ولا سواه ولم يخلق شيئا ولا هو رب شيء ولا مالك شيء ولا له عبد ولا عابد ~~ولا داع يدعوه فيجيبه ولا مضطر يضطر إليه فيجيبه ولا سائل يسأله فيجيبه ~~وإنما يشهد العبد هذه المعاني؛ إذا كان محجوبا عن شهود الوحدة المطلقة في ~~خياله. فإذا انكشف حجاب قلبه عندهم: رأى ما ثم اثنين بوجه من الوجوه حتى ~~يكون أحدهما خالقا والآخر مخلوقا أو أحدهما عابدا والآخر ربا أو أحدهما ~~والدا والآخر مولودا أو أحدهما شريكا للآخر أو شفيعا عنده حتى يتقرب ~~بعبادته إليه. # PageV02P450 # وهذا قول الحذاق منهم كالتلمساني وابن الفارض؛ والتلمساني أعرف بحقائق ~~قولهم. # وأما ابن عربي فيقول: هذا كله في الذوات الثابتة في العدم لا في شيء ~~موجود فأما الوجود فلا يتصور أن يكون فيه رب وعبد وخالق ومخلوق وداع ومجيب ~~وإنما الوجود لما فاض على الأعيان فظهر فيها حصل التفرق من جهة الأعيان؛ ~~كتفرق النور في الزجاج؛ لاختلاف ألوانه. فهؤلاء؛ يرد عليهم القرآن في مواضع ~~لا تحصى وقصص الله التي قصها عن فرعون الذي هو رئيسهم: يتضمن الرد عليهم؛ ~~فإن فرعون أنكر رب العالمين وأن يكون لموسى إله يطلع إليه ولم ينكر هذا ~~الوجود الذي هو العالم. وكذلك هؤلاء: إنما يقرون بهذا الوجود الذي هو هذا ~~العالم فما ثم غيره عندهم ويقولون: هو الله وهو الإنسان الكبير. # PageV02P451 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد ابن تيمية: إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر ~~فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه ونصره ms0544 على شياطين ~~الإنس والجن في جهره وإخفائه ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته ~~وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته وإرادته ومحبته؛ حتى يظهر ~~للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية وبين المؤمنين الصادقين ~~الصالحين ومن تشبه بهم من المنافقين كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته. # أما بعد، فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة ~~في الدين والدنيا وجعل له عند خاصة المسلمين - الذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا - منزلة علية ومودة إلهية؛ لما منحه # PageV02P452 # الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى ~~والعبادة. وقد بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل ~~معرفة فأخرج بمحبة الله ورسوله - التي هي أصل الأعمال - المحبة التي فيها ~~إشراك وإجمال كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره} . ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق ~~الإيماني والوجد الديني كما في الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} ~~فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقا بمحبة الله ورسوله ~~الفاضلة وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الإيمان. وفي صحيح مسلم عن العباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: {ذاق طعم الإيمان من رضي ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا} # PageV02P453 # فجعل ذوق طعم الإيمان معلقا بالرضى بهذه الأصول كما جعل الوجد معلقا ~~بالمحبة؛ ليفرق ms0545 صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل ~~الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة وبين ما أمر الله به ورسوله وبين ~~غيره كما قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة ~~فهو باطل إذ كان كل من أحب شيئا فله ذوق بحسب محبته. ولهذا طالب الله تعالى ~~مدعي محبته بقوله: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} قال الحسن البصري: ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية؛ فجعل محبة العبد لله موجبة ~~لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده. وقد ذكر نعت ~~المحبين في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فنعت ~~المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت الله به رسوله الجامع بين معنى ~~الجلال والجمال المفرق في الملتين قبلنا: وهو الشدة والعزة على أعداء الله ~~والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله؛ ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل ~~مطلق كما قال فيه كبير من كبرائهم: # مشرد عن الوطن ... مبعد عن السكن # PageV02P454 # يبكي الطول والدمن ... يهوي ولا يدري لمن # فالشيخ - أحسن الله إليه - قد جعل الله فيه من النور والمعرفة - الذي هو ~~أصل المحبة والإرادة - ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة عن ~~المجملة المشتركة وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضا في التوحيد قال ~~الله تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد - وواجبة في كل صلاة - ~~أن يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله ~~يقول: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ~~سأل فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي وإذا ~~قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي وإذا قال: {مالك يوم الدين} ~~قال: مجدني عبدي أو قال فوض إلي عبدي وإذا قال: {إياك نعبد ms0546 وإياك نستعين} ~~قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~قال: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب ~~وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ومعاني القرآن في المفصل ومعاني المفصل ~~في أم الكتاب ومعاني # PageV02P455 # أم الكتاب في هاتين الكلمتين: {إياك نعبد وإياك نستعين} وهذا المعنى قد ~~ثناه الله في مثل قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وفي مثل قوله: {عليه توكلت ~~وإليه أنيب} وقوله: {عليه توكلت وإليه متاب} . {وكان النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم يقول في نسكه: اللهم هذا منك ولك} . فهو سبحانه مستحق التوحيد ~~الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين لي: دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة ~~والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته ودعاء ~~المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما ~~يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر. ~~ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب ~~فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر وسبحان الله؛ والحمد لله ولا إله إلا الله ~~وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك. وفي السؤال: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا} {رب اغفر لي ولوالدي} {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين} {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا} {رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} ونحو ذلك. # PageV02P456 # وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة ~~الشاملة لكل مخلوق؛ من الأعيان والصفات. وهذه الأمور قائمة بكلمات الله ~~الكونية التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول: {أعوذ ~~بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ~~ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج ~~منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا ms0547 طارقا يطرق بخير يا ~~رحمن} . فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضا ومطلوب منه ~~وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي؛ الذي هو عبادته وحده لا شريك له ~~وطاعته وطاعة رسوله والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه والحب فيه والبغض ~~فيه ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول: فهو يشبه القدرية المشركية الذين ~~قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} . ومن أخذ بالثاني دون الأول: ~~فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد ولا ~~شاء جميع الكائنات كما تقول المعتزلة والرافضة ويقع في (كلام كثير من ~~المتكلمة والمتفقهة. والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن ~~الأوامر والنواهي وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر وهو ~~كثير في المتألهة # PageV02P457 # الخارجين عن الشريعة خفو العدو (1) وغيرهم؛ فإن لهم زهادات وعبادات فيها ~~ما هو غير مأمور به فيفيدهم أحوالا فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه ~~الرهبان وعباد البدود. ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: كثير من ~~الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة ~~فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والولي من يكون منازعا للقدر لا من يكون ~~موافقا له. وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية أي أن المسلم ~~مأمور أن يفعل ما أمر الله به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد ~~قدرت فيدفع قدر الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في ~~كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم {إن الدعاء والبلاء ~~ليلتقيان بين السماء والأرض} وفي الترمذي {قيل يا رسول الله؟ أرأيت أدوية ~~نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال هن ~~من قدر الله} . وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضا عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {يقول الله يا ابن آدم إنما هي ~~أربع: واحدة لي وواحدة ms0548 لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي؟ فأما ~~PageV02P458 # التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما ~~تكون إليه وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي ~~بينك وبين خلقي فأت إلى الناس بما تحب أن يأتوه إليك} . # ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما: للعبد ~~فيه ثلاث مقامات: # أحدها: مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات. # والثاني: مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده. وبمعبوده عن ~~عبادته وبموحده عن توحيده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه؛ فهذا فناء عن ~~إدراك السوي وهو فناء القاصرين. وأما الفناء الكامل المحمدي: فهو الفناء عن ~~عبادة السوي والاستعانة بالسوي وإرادة وجه السوي وهذا في الدرجة الثالثة ~~وهو شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة فيشهد قيام الكائنات مع ~~تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته. ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ ~~بناصيتها وأنه على كل شيء وكيل وأنه رب العالمين وأن قلوب العباد ونواصيهم ~~بيده لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ~~ولا مذل سواه؛ ويشهد أيضا # PageV02P459 # فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له. ~~وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام ~~والإيمان العام؛ وبه أنزلت السور المكية؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى: {شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وبقوله: {واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وبقوله تعالى: {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ولهذا ترجم البخاري عليه ~~باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد. وقد قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ms0549 يحزنون} فجمع في الملل الأربع: {من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} وذلك قبل النسخ والتبديل. وخص في أول الآية ~~المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا} والشرعة هي الشريعة والمنهاج هو الطريقة والدين الجامع هو الحقيقة ~~الدينية وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية فالحقيقة المقصودة الدينية ~~الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين. # PageV02P460 # فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: {خير أمة أخرجت للناس} وبها أنزلت السور المدنية؛ إذ في المدينة ~~النبوية شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود. # فهذا التوحيد: هو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ ~~الطريقة وعلماء الدين لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر ~~سكر وغيبة عن السوي والسكر وجد بلا تمييز. فقد يقول في تلك الحال: سبحاني ~~أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد ~~البسطامي أو غيره من الأصحاء وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى؛ إذا ~~لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه. فأما إذا كان السبب ~~محظورا لم يكن السكران معذورا لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني؛ ~~فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات. ~~وفي مثل هذا الحال: غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى ~~النصارى في المسيح ودعوى الغالية في علي وأهل البيت ودعوى قوم من الجهال ~~الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما وربما اشتبه عليهم الاتحاد ~~النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي. # PageV02P461 # فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قال: {يقول الله: عبدي مرضت فلم تعدني فيقول كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول أما علمت أنه مرض عبدي فلان؛ فلو عدته لوجدتني عنده. عبدي ~~جعت فلم تطعمني فيقول ربي: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن ~~عبدي ms0550 فلانا جاع؛ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي} . ففسر ما تكلم به في هذا ~~الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله: {لوجدت ذلك عندي} ولم يقل لوجدتني قد ~~أكلته ولقوله: {لوجدتني عنده} ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب يتفق هو ~~ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ما ~~يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه. وهؤلاء هم الذين يرضى الحق ~~لرضاهم ويغضب لغضبهم والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه ~~وسلم. ولهذا قال تعالى فيه: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وقال: ~~{والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال {من يطع الرسول فقد أطاع الله} . " وقد ~~جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح قالها فهذا ~~معناها كقوله أنا وأبي واحد. من رآني فقد رأى أبي " ونحو ذلك # PageV02P462 # وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن لما ~~قدم وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح. وقد ~~جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي} فأخبر في ~~هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي ~~يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه. وقد غلط من زعم أن هذا ~~قرب النوافل وأن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى ~~تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل؛ فهذه المعاني وما يشبهها ~~هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية أتباع الأنبياء والمرسلين. وقد بلغني ~~أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب ms0551 الاتحادية وكنت قد كتبت إلى ~~خدمتكم كتابا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال ~~هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحدا بعينه وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين ~~فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به وأما هؤلاء الاتحادية ~~فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم. # PageV02P463 # وقد كتبت في ذلك كتابا ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد ~~الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم - وكفى به عليما - لولا أني أرى دفع ~~ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو ~~شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن ~~تكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها؛ ولكن الشيخ - أحسن الله تعالى إليه - ~~يعلم أن مقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال ~~الرسل: أن يكون الدين كله لله وهو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: ~~{إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} . ~~وقال سبحانه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} وقال ~~تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وهؤلاء موهوا على السالكين: ~~التوحيد - الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل - بالاتحاد الذي ~~سموه توحيدا وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق. وإنما كنت قديما ممن يحسن ~~الظن بابن عربي ويعظمه: لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من ~~" الفتوحات " " والكنة " " والمحكم المربوط " " والدرة الفاخرة " " ومطالع ~~النجوم " ونحو ذلك. ولم نكن بعد اطلعنا على # PageV02P464 # حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب ~~الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا. ~~فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية ~~والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء: وجب البيان. وكذلك كتب إلينا من أطراف ~~الشام: رجال ms0552 سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقية مقصودهم. ~~والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحقق قصده من نصحه للإسلام ~~وأهله ولإخوانه السالكين - يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ~~ومغفرته في الدنيا والآخرة. # وهؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر: لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة ~~التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية ~~فإن كل واحد من الاتحاد والحلول: إما معين في شخص وإما مطلق. أما الاتحاد ~~والحلول المعين: كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ ~~من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معين؛ إما بالاتحاد كاتحاد ~~الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط؛ وإما ~~بالحلول وهو قول النسطورية وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول ~~الملكانية. # PageV02P465 # وأما الحلول المطلق وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه ~~أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك. وأما ما جاء به ~~هؤلاء من الاتحاد العام. فما علمت أحدا سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع ~~مثل فرعون والقرامطة - وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو ~~عين وجود الخلق وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود ~~المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب ~~العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير. لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ~~ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم؛ لأنه أمر مبهم. # (الأول) أن يقولوا: إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية ~~أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق ~~فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق ويفرقون بين ~~الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك. ويقولون: إن الله ~~سبحانه لم يعط أحدا شيئا ولا أغنى أحدا ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده ~~فاض على الذوات فلا تحمد ms0553 إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك. # PageV02P466 # ويقولون: إن هذا هو سر القدر وأن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة ~~رؤيته لها ثابتة في العدم خارجا عن نفسه المقدسة. ويقولون: إن الله تعالى ~~لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله ~~سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وأنهم يكونون أفضل من ~~خاتم الرسل من بعض الوجوه؛ لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي ~~يوحى به الرسل. ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير ~~الله تعالى وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه وأن قوله تعالى ~~{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} معنى حكم؛ لا معنى أمر فما عبد غير الله في ~~كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع. ويقولون: إن الدعوة إلى الله ~~تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية وأن قوم نوح ~~قالوا: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا} لأنهم لو تركوهم لتركوا من ~~الحق بقدر ما تركوا منهم؛ لأن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه وينكره ~~من أنكره وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى ~~المعنوية في الصورة الروحانية وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر ~~حتى عبد. فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر والعارف يقول: هذا مجلى إلهي ينبغي ~~تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا # PageV02P467 # وإن عباد الأصنام ما أخطئوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر ~~والعارف يعبد كل شيء. والله يعبد أيضا كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء ~~والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه وهو خليل كل ~~شيء بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود ~~والثبوت وليست أمورا عدمية. ويقولون: " من أسمائه الحسنى: العلي عن ماذا ~~وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها ms0554 ~~وليست إلا هو وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع ~~". وأن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم ~~اتساعه وأن موسى كان أوسع في العلم؛ فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وأن أعلى ~~ما عبد الهوى وأن كل من اتخذ آلهه هواه فما عبد إلا الله وفرعون كان عندهم ~~من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في قوله: {أنا ربكم الأعلى} وفي قوله: ~~{ما علمت لكم من إله غيري} . وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين ~~وأقول إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع؛ حتى ~~حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون نحن على قول فرعون. # PageV02P468 # وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بما مات الرجل ~~عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء ~~منهم والأموات {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} . # والمقصود: أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم أنه جاء به: وهو ما إذا فهمه المسلم علم بالاضطرار أن جميع ~~الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل؛ من ~~اليهود والنصارى والصابئين: يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف ~~منه كله؟ . ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون ~~بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب. ولا يقول أحد منهم ~~إنه عين المخلوقات ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى إنهم يقولون لو ~~زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله؛ وهذا مركب من أصلين: # أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم - كما يقوله كثير من المعتزلة ~~والرافضة - وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع. وكثير من ~~متكلمة أهل الإثبات - كالقاضي أبي بكر - كفر من يقول بهذا. # PageV02P469 # وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا ms0555 بين علم الله بالأشياء قبل كونها - ~~وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ - وبين ثبوتها في الخارج ~~عن علم الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه ~~وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين ~~الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي. # ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي ~~علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} فذكر المراتب الأربع: وهي الوجود ~~العيني الذي خلقه والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن ~~الله تعالى علمه. ولهذا ذكر التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة. # وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم ~~الله تعالى - وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو ~~أربعمائة سنة وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص. # والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات: هو عين وجود الخالق ليس غيره ~~ولا سواه؛ وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ ~~والعلماء وهو قول بقية الاتحادية لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن ~~كلاما في مواضع كثيرة فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر # PageV02P470 # فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر ~~به المشايخ من الأخلاق والعبادات ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه ~~سلوكهم فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ومن فهمها منهم ووافقه ~~فقد تبين قوله. # (وأما) صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفا فهو أبعد عن الشريعة ~~والإسلام ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بالعفيف يقول: كان شيخي القديم ~~متروحنا متفلسفا والآخر فيلسوفا متروحنا - يعني الصدر الرومي - فإنه كان قد ~~أخذ عنه ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود وغيره يقول إن ~~الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان المطلق ms0556 والحيوان ~~المعين والجسم المطلق والجسم المعين؛ والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقا ~~لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة. فحقيقة قوله: إنه ليس لله سبحانه ~~وجود أصلا ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات؛ ولهذا ~~يقول هو وشيخه: إن الله تعالى لا يرى أصلا وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا ~~صفة ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة: عين وجوده - تعالى ~~الله عما يقولون. (وأما) الفاجر التلمساني: فهو أخبث القوم وأعمقهم في ~~الكفر؛ فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي ولا يفرق بين ~~المطلق والمعين # PageV02P471 # كما يفرق الرومي ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه. وأن العبد ~~إنما يشهد السوى ما دام محجوبا فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له ~~الأمر. ولهذا: كان يستحل جميع المحرمات؛ حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول ~~البنت والأم والأجنبية شيء واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء ~~المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه ~~توحيد وإنما التوحيد في كلامنا. وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة وإذا ~~أحسن القول يقول: القرآن يوصل إلى الجنة وكلامنا يوصل إلى الله تعالى؛ وشرح ~~الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له. وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء ~~وشعره في صناعة الشعر جيد؛ ولكنه كما قيل: لحم خنزير في طبق صيني وصنف ~~للنصيرية عقيدة؛ وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات ~~بمنزلة أمواجه: وأما ابن سبعين: فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة ~~الوجود وأنه ما ثم غير وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك لكن لم يصرح هل ~~يقول بمثل قول التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن عربي؟ وهو إلى كلام ~~التلمساني أقرب لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي # PageV02P472 # ما كفره أحد قط مثل التلمساني وآخر يقال له البلياني من مشايخ شيراز. # ومن شعره: # وفي كل شيء له آية تدل على ms0557 أنه عينه # وأيضا: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذائقه # وأيضا: وتلتذ إن مرت على جسدي يدي لأني في التحقيق لست سواكم # وأيضا: ما بال عيسك لا يقر قرارها وإلام ظلك لا يني متنقلا فلسوف تعلم أن ~~سيرك لم يكن إلا إليك إذا بلغت المنزلا # وأيضا: ما الأمر إلا نسق واحد ما فيه من حمد ولا ذم وإنما العادة قد خصصت ~~والطبع والشارع في الحكم وأيضا: يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني والوجد أصدق ~~نهاء وأمار فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي عن العيان إلى أوهام أخبار # PageV02P473 # فعين ما أنت تدعوني إليه إذا حققته تره المنهي يا جاري # وأيضا وما البحر إلا الموج لا شيء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد # إلى أمثال هذه الأشعار وفي النثر ما لا يحصى ويوهمون الجهال أنهم مشايخ ~~الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل سعيد ~~بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والأوزاعي ~~وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والشافعي ~~وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله بن المبارك وشقيق البلخي ~~ومن لا يحصى كثرة. إلى مثل المتأخرين: مثل الجنيد بن محمد القواريري وسهل ~~بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم - إلى أبي طالب المكي ~~إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ ~~أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم ~~والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا ~~بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين. كل ~~هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وإن الله سبحانه # PageV02P474 # ليس هو خلقه ولا جزءا من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو - سبحانه وتعالى - ~~متميز بنفسه المقدسة بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته وبذلك جاءت الكتب ~~الأربعة الإلهية؛ من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله ~~تعالى عباده وعلى ms0558 ذلك دلت العقول. وكثيرا ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء ~~أكبر أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإسلام وأن هؤلاء مقدمة الدجال ~~الأعور الكذاب الذي يزعم أنه هو الله. فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن ~~بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم. وأما على رأي صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر ~~والمستجليات: يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم؛ وأما على رأي الرومي ~~فإن بعض المتعينات يكون أكبر فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض؛ وأما على ~~البقية فالكل أجزاء منه وبعض الجزء أكبر من بعض. فالدجال عند هؤلاء: مثل ~~فرعون من كبار العارفين وأكبر من الرسل بعد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه ~~وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فموسى قاتل فرعون الذي يدعي ~~الربوبية ويسلط الله تعالى مسيح الهدى - الذي قيل فيه إنه الله تعالى وهو ~~بريء من ذلك - على مسيح الضلالة الذي قال: إنه الله. # PageV02P475 # ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~{إنه أعور} وكونه قال: {واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} وابن ~~الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا؛ لأن ظهور ~~دلائل الحدوث والنقص على الدجال؛ أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور. فلما ~~رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية: ~~ظهر سبب دلالة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته بهذه العلامة فإنه بعث ~~رحمة للعالمين فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر أو يقول إنه ~~هو البشر: كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية عنه. وقد ~~خاطبني قديما شخص من خيار أصحابنا - كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه - ~~وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه. وجاء إلينا شخص كان يقول. إنه خاتم ~~الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال: أنا الحق كان الله تعالى هو المتكلم على ~~لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله ~~تعالى ms0559 من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب؛ فبينت له فساد ~~هذا وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران وكان من خاطبه ~~هؤلاء أعظم من موسى؛ لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون ~~من الجن الناطق. # PageV02P476 # وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد ~~العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه وبين الاتحاد المعين ~~الذي يذهب إليه النصارى والغالية. # وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود ~~كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحا ~~وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث ~~وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه فإن ~~كثيرا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور ~~الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه. وهذا كما قال بعض الناس: ~~متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء. وذلك لأن ~~متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات. وأما ~~المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجودا لا معدوما فيحتاج ~~أن يعبد المخلوقات؛ إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر: كالشمس والقمر ~~والبشر والأوثان وغير ذلك فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم وهم لا ~~يوحدون الله - سبحانه وتعالى - وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين ~~المخلوقات فهم بربهم يعدلون. # PageV02P477 # ولهذا حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: إن أرض ~~الإسلام لا تسعه؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان. ~~وهذا حقيقة قول الاتحادية وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد ~~تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية؛ فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام ~~قالوا ليس بكذا ليس بكذا ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله ~~المسلمون لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل عليهم السلام. وإذا ms0560 ~~صار لأحدهم ذوق ووجد: تأله وسلك طريق الاتحادية وقال: إنه هو الموجودات ~~كلها؛ فإذا قيل له أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدي وهذا ذوقي. ~~فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل ~~وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فإن علم القلب وحاله ~~متلازمان فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال. ولو سلك ~~هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين عليهم السلام - الذين أمروا بعبادة الله ~~تعالى وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله - ~~واتبعوا طريق السابقين الأولين: لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة ~~العين فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل # PageV02P478 # جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل والصابئة المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات ~~مجمل فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات: {إن الله بكل شيء عليم} وعلى ~~كل شيء قدير وأنه سميع بصير وسع كل شيء رحمة وعلما وفي النفي {ليس كمثله ~~شيء} {ولم يكن له كفوا أحد} {هل تعلم له سميا} {سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون} {وسلام على المرسلين} . وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على ~~الشيخ - أيد الله تعالى به الإسلام ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ~~ونور قلبه - فإن ما فيه نكت مختصرة فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب ولكن ~~ذكرت للشيخ - أحسن الله تعالى إليه - ما اقتضى الحال أن أذكره - وحامل ~~الكتاب مستوف عجلان وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم ~~وخاصتهم ويهديهم إلى ما يقربهم وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال ~~الله سبحانه فيهم: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} . # PageV02P479 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج ~~ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلما كما قتل بعض الأنبياء؟ ويقول: الحلاج ~~من أولياء الله فماذا يجب عليه بهذا الكلام وهل قتل بسيف الشريعة؟ # فأجاب: # الحمد ms0561 لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها ~~فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول ~~والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد كقوله: أنا الله. وقوله: ~~إله في السماء وإله في الأرض. وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله ~~إلا الله وأن الله خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق و {إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق} الآيات وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم} الآيتين. فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق ~~المسلمون على كفرهم بالله # PageV02P480 # ورسوله: كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم فمن قال ~~بالحلول والاتحاد في غير المسيح - كما تقوله الغالية في علي وكما تقوله ~~الحلاجية في الحلاج والحاكمية في الحاكم وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول ~~النصارى لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم. وهؤلاء من جنس أتباع ~~الدجال الذي يدعي الإلهية ليتبع مع أن الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر ~~وللأرض أنبتي فتنبت: وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة ~~ويقتل رجلا مؤمنا ثم يأمر به فيقوم ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال فمن ~~ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق: كان دون هذا الدجال. والحلاج: كانت له ~~مخاريق وأنواع من السحر وله كتب منسوبة إليه في السحر. وبالجملة فلا خلاف ~~بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وأن البشر يكون إلها ~~وهذا من الآلهة: فهو كافر مباح الدم وعلى هذا قتل الحلاج. ومن قال: إن الله ~~نطق على لسان الحلاج وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله ~~هو القائل على لسانه: أنا الله فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل ~~في البشر ولا تكلم على لسان بشر ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما ~~أمرهم ببلاغه فيقول على ألسنة الرسل ms0562 ما أمرهم # PageV02P481 # بقوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أما إن الله قال على لسان نبيه ~~سمع الله لمن حمده} . فإن كل واحد من المرسل والرسول: قد يقال إنه يقول على ~~لسان الآخر كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: قل على لساني ما شئت وكما ~~يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت فمثل هذا معناه مفهوم. وأما إن ~~الله هو المتكلم على البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع: فهذا كفر ~~صريح وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم لكونه ~~مصطلما في حال من أحوال الفنا والسكر فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما ~~القلم فالقول وإن كان باطلا لكن القائل غير مؤاخذ. ومثل هذا يعرض لمن ~~استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل كما يقال: إن محبوبا ألقى نفسه في ~~اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت خلفي؟ قال: غبت بك عني ~~فظننت أنك أني. وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته ~~وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته. فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل ~~- بحيث يرفع عنه القلم - لم يكن معاقبا على ما تكلم به في هذه الحال مع ~~العلم بأنه خطأ وضلال وأنه حال ناقص؛ لا يكون لأولياء الله. # PageV02P482 # وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله مثل كتابة دمه على الأرض: ~~الله الله وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك: فكله كذب. فقد جمع المسلمون ~~أخبار الحلاج في مواضع كثيرة كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء - وقد ~~شهد مقتله - وكما ذكر - إسماعيل بن علي الحطفي في تاريخ بغداد - وقد شهد ~~قتله - وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه وكما ذكر القاضي أبو يعلى ~~في المعتمد وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم وغيرهم وكما ~~ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي؛ فيما جمعا من أخباره. وقد ذكر ~~الشيخ أبو عبد ms0563 الرحمن السلمي في طبقات الصوفية: إن أكثر المشايخ أخرجوه عن ~~الطريق ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ؛ الذين عدهم من ~~مشايخ الطريق. وما نعلم أحدا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير لا من ~~العلماء ولا من المشايخ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره وأبلغ ~~من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله في الظاهر فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد ~~وهذا أيضا خطأ. وقول القائل: إنه قتل ظلما قول باطل فإن وجوب قتله على ما ~~أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين؛ لكن لما كان يظهر الإسلام ~~ويبطن الإلحاد إلى أصحابه: صار زنديقا فلما أخذ وحبس أظهر التوبة والفقهاء ~~متنازعون في قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها وهو مذهب مالك وأهل # PageV02P483 # المدينة ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه وهو أحد القولين في مذهب أبي ~~حنيفة ووجه في مذهب الشافعي؛ والقول الآخر تقبل توبته. وقد اتفقوا على أنه ~~إذا قتل مثل هذا لا يقال قتل ظلما. # وأما قول القائل: إن الحلاج من أولياء الله. # فالمتكلم بهذا جاهل قطعا متكلم بما لا يعلم لو لم يظهر من الحلاج أقوال ~~أهل الإلحاد - فإن ولي الله من مات على ولاية الله يحبه ويرضى عنه والشهادة ~~بهذا لغير من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة: لا تجوز عند كثير من ~~العلماء أو أكثرهم. وذهبت طائفة من السلف كابن الحنفية وعلي بن المديني: ~~إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل من ~~استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا خيرا فقال: وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا ~~عليها شرا فقال: وجبت وجبت قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت ~~لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء ~~الله في الأرض} . فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن إما ~~بنص وإما بشهادة الأمة - فالحلاج: ms0564 ليس من هؤلاء؛ فجمهور الأمة يطعن عليه ~~ويجعله من # PageV02P484 # أهل الإلحاد - إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله ونحو ذلك ~~مما يختص به بعض أهل الصلاح. فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ~~ضال من وجوه: أحدها: أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ~~ظلما وكان وليا لله فقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ~~ومحمد بن سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى والسهروردي وأمثال هؤلاء كثير ~~ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء إنهم قتلوا ظلما وأنهم كانوا من أولياء ~~الله فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء. وأما الأنبياء فقتلهم الكفار وكذلك ~~الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار وعثمان وعلي والحسين ونحوهم قتلهم ~~الخوارج البغاة لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين كمالك ~~والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. فإن الأئمة متفقون على تحريم دماء هؤلاء ~~وهم متفقون على دم الحلاج وأمثاله. الوجه الثاني: إن الإطلاع على أولياء ~~الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق الولاية وهو الإيمان والتقوى. ومن أعظم ~~الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد - كأهل الحلول والاتحاد - فمن ~~وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفا بالإيمان # PageV02P485 # والتقوى فلا يكون عارفا بطريق أولياء الله؛ فلا يجوز أن يميز بين أولياء ~~الله وغيرهم. الثالث: إن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته فيكون ~~من جنسه فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه كشهادة اليهود والنصارى والرافضة ~~لأنفسهم على أنهم على الحق وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا ~~صدقه مردودة فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ~~أنهم أهل ضلال؟ . الرابع: أن يقال: أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه ~~وبين الله أو لم يتب: فهذا غيب يعلمه الله منه وأما كونه إنما كان يتكلم ~~بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان ~~وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرا في رفع القلم وكذلك ms0565 الشبهة التي ترفع ~~معها قيام الحجة: قد تكون عذرا في الظاهر. فهذا لو فرض: لم يجز أن يقال قتل ~~ظلما ولا يقال إنه موافق له على اعتقاده ولا يشهد بما لا يعلم: فكيف إذا ~~كان الأمر بخلاف ذلك وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعي فيه ~~الاصطلام والشبهة. وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة ~~والإلحاد وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام. # PageV02P486 # ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به ونعرف طريق الله الذي ~~أمرنا به وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل وأنه يجب قتل مثله وأما ~~نفس الشخص المعين؟ هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو ~~غيرها؟ فهذا أمر إلى الله ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك والله أعلم. # PageV02P487 # سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس ابن تيمية - رضي الله عنه -: # عمن يقول: إن ما ثم إلا الله، فقال شخص كل من قال هذا الكلام فقد كفر. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، قول القائل ما ثم إلا الله: لفظ مجمل يحتمل معنى صحيحا ومعنى ~~باطلا فإن أراد ما ثم خالق إلا الله ولا رب إلا الله ولا يجيب المضطرين ~~ويرزق العباد إلا الله فهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو الذي ~~يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه؛ فإنه لا ~~مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد كما قال تعالى ~~في فاتحة الكتاب: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقال تعالى: {فاعبده وتوكل ~~عليه} وقال: {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} . فهذه ~~المعاني كلها صحيحة وهي من صريح التوحيد وبها جاء القرآن # PageV02P488 # فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله كما قال تعالى: {فلا تخشوا ~~الناس واخشون} وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ms0566 الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء} إلى قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون} . وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله قال الله تعالى: {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو ~~العزيز الحكيم} وقال تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون} . ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله كما ~~قال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} . ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا ~~الله كما قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . ولا يدعوا إلا الله كما ~~قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {فلا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة. # PageV02P489 # وأما إن أراد القائل: " ما ثم إلا الله " ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ~~ما ثم موجود إلا الله ويقولون: ليس إلا الله أي ليس موجود إلا الله ~~ويقولون: إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق والخالق هو المخلوق والمخلوق هو ~~الخالق والعبد هو الرب والرب هو العبد ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين ~~لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد ونحو ~~ذلك من المعاني التي توجد في كلام ابن عربي الطائي وابن سبعين وابن الفارض ~~والتلمساني ونحوهم من الاتحادية. وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية ~~الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان ويجعلونه مختلطا بالمخلوقات حتى إن ~~هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات أو يجعلون وجود ذلك وجوده فمن ~~أراد هذه المعاني فهو ملحد ضال يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P490 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {لا تسبوا الدهر ms0567 فإن الله هو الدهر} فهل هذا ~~موافق لما يقوله الاتحادية: بينوا لنا ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله، قوله {لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر} : مروي بألفاظ أخر ~~كقوله: {يقول الله: يؤذيني ابن آدم. يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ~~الليل والنهار} وفي لفظ: {لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر يقلب الليل ~~والنهار} وفي لفظ: {يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر} . فقوله في ~~الحديث {بيدي الأمر أقلب الليل والنهار} يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان ~~فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل والنهار؛ فدل نفس ~~الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه كما دل عليه قوله تعالى: {ألم تر أن ~~الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ~~يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار} . وإزجاء السحاب سوقه. والودق المطر. # PageV02P491 # فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض ~~فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي ثم قال: {يقلب الله الليل والنهار} إذ ~~تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر الذي هو سبب خلق ~~النبات والحيوان والمعدن وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال المتضمن رفع ~~قوم وخفض آخرين. وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله: {وجعل ~~الظلمات والنور} وقوله: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في ~~فلك يسبحون} وقوله: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا} وقوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب} . وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان. ولا ~~يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة. والحركة مقدارها ~~من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة والسكون والسواد والبياض. ~~ولا يقول عاقل إن خالق ms0568 العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى ~~الجواهر والأعيان فإن الأعراض لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به ~~والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به ~~في نفسه من غيره فكيف يكون هو الخالق؟ . ثم أن يستغني بنفسه وأن يحتاج إليه ~~ما سواه وهذه صفة الخالق سبحانه فكيف يتوهم أنه من النوع الأول. # PageV02P492 # وأهل الإلحاد - القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد - لا يقولون إنه ~~هو الزمان ولا إنه من جنس الأعراض والصفات؛ بل يقولون هو مجموع العالم أو ~~حال في مجموع العالم. فليس في الحديث شبهة لهم لو لم يكن قد بين فيه أنه - ~~سبحانه - مقلب الليل والنهار فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب ~~الليل والنهار. إذا تبين هذا: ف ### | للناس في الحديث قولان # معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم. أحدهما: وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء أن ~~هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم؛ فإنهم ~~إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان يقول أحدهم ~~قبح الله الدهر الذي شتت شملنا ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا. ~~وكثيرا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا كقولهم: يا دهر فعلت كذا. ~~وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور ويضيفونها إلى الدهر فيقع السب على الله ~~تعالى؛ لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها والدهر مخلوق له هو الذي يقلبه ~~ويصرفه. والتقدير: أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها؛ فإذا سب ~~الدهر فمقصوده سب الفاعل وإن أضاف الفعل إلى الدهر فالدهر لا فعل له؛ وإنما ~~الفاعل هو الله وحده. # PageV02P493 # وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق فجعل يقول: لعن الله من قضى ~~بهذا أو أفتى بهذا ويكون ذلك من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وفتياه فيقع ~~السب عليه وإن كان الساب - لجهله - أضاف الأمر إلى المبلغ في الحقيقة ~~والمبلغ له فعل من التبليغ ms0569 بخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه. والقول ~~الثاني: قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية: إن الدهر من ~~أسماء الله تعالى ومعناه القديم الأزلي. ورووا في بعض الأدعية: يا دهر يا ~~ديهور يا ديهار وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء ~~وهو الآخر ليس بعده شيء؛ فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهرا ~~بكل حال. فقد أجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله سبحانه ~~وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان أو ما يجري مجرى الزمان؛ فإن الناس ~~متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار. وكذلك ما يجري مجرى ذلك في ~~الجنة كما قال تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} . قالوا على مقدار ~~البكرة والعشي في الدنيا؛ وفي الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد والجنة ليس ~~فيها شمس ولا قمر؛ ولكن تعرف الأوقات بأنوار أخر قد روي أنها تظهر من تحت ~~العرش فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار. # PageV02P494 # وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر؟ هذا مما تنازع فيه الناس ~~فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون كما أثبتوا الكليات المجردة في ~~الخارج التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المطلقة؛ وأثبتوا الهيولى التي ~~هي مادة مجردة عن الصور وأثبتوا الخلاء جوهرا قائما بنفسه. وأما جماهير ~~العقلاء من الفلاسفة وغيرهم: فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج ~~وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها فيظن الغالطون أن هذا الثابت في ~~الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان كما ظنوا مثل ذلك في الوجود ~~المطلق مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن؛ وليس في الخارج ~~إلا شيء معين وهي الأعيان وما يقوم بها من الصفات فلا مكان إلا الجسم أو ما ~~يقوم به ولا زمان إلا مقدار الحركة ولا مادة مجردة عن الصور؛ بل ولا مادة ~~مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض ولا صورة إلا ما هو عرض قائم ~~بالجسم أو ms0570 ما هو جسم يقوم به العرض وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع. ~~وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار والله أعلم. ~~PageV02P495 # الجزء الثالث # كتاب مجمل اعتقاد السلف # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني - رضي الله عنه وأرضاه -: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه وسلم أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما ~~سمعوه مني في بعض المجالس؛ من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر ~~لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب # PageV03P001 # فيهما. فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة ~~والعباد: لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى ~~بيان الهدى من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل ~~تارات وما يعتري القلوب في ذلك: من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات ~~فالكلام في باب التوحيد والصفات: هو من باب الخبر الدائر بين النفي ~~والإثبات والكلام في الشرع والقدر: هو من باب الطلب والإرادة: الدائر بين ~~الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض: نفيا وإثباتا. # والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات؛ والتصديق والتكذيب وبين ~~الحب والبغض والحض والمنع؛ حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر ~~معروف عند العامة والخاصة ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم كما ذكر ذلك ~~الفقهاء في كتاب الإيمان وكما ذكره المقسمون للكلام؛ من أهل النظر والنحو ~~والبيان فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي ~~والإثبات، والإنشاء أمر أو ms0571 نهي أو إباحة وإذا كان كذلك: فلا بد للعبد أن ~~يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما ~~يضاد هذه الحال ولا بد له في أحكامه # PageV03P002 # من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته ~~ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه: من القول والعمل ويؤمن بشرعه ~~وقدره إيمانا خاليا من الزلل وهذا يتضمن (التوحيد في عبادته وحده لا شريك ~~له: وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل والأول يتضمن (التوحيد في العلم ~~والقول كما دل على ذلك سورة {قل هو الله أحد} ودل على الآخر سورة: {قل يا ~~أيها الكافرون} وهما سورتا الإخلاص وبهما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك. # فأما الأول وهو - التوحيد في الصفات - فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله ~~بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله: نفيا وإثباتا؛ فيثبت لله ما أثبته ~~لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. # وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير ~~تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل. # وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير ~~إلحاد: لا في أسمائه ولا في آياته فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في ~~أسمائه وآياته كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} وقال تعالى: {إن الذين يلحدون # PageV03P003 # في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة اعملوا ما شئتم} الآية. فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع ~~نفي مماثلة المخلوقات: إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى: ~~{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . ففي قوله {ليس كمثله شيء} رد للتشبيه ~~والتمثيل وقوله: {وهو السميع البصير} . رد للإلحاد والتعطيل. # والله سبحانه: بعث رسله (بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات ms0572 على ~~وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى ~~{فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} قال أهل اللغة: {هل تعلم له سميا} ~~أي نظيرا يستحق مثل اسمه. ويقال: مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن ~~عباس (هل تعلم له سميا مثيلا أو شبيها وقال تعالى {لم يلد ولم يولد} {ولم ~~يكن له كفوا أحد} وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} وقال ~~تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما # PageV03P004 # يصفون} {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شيء وهو بكل شيء عليم} ؟ وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ~~ليكون للعالمين نذيرا} {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك} وقال تعالى: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} {أم ~~خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد الله ~~وإنهم لكاذبون} {أاصطفى البنات على البنين} {ما لكم كيف تحكمون} {أفلا ~~تذكرون} {أم لكم سلطان مبين} {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} {وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} {سبحان الله عما يصفون} ~~{إلا عباد الله المخلصين} إلى قوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} {وسلام ~~على المرسلين} {والحمد لله رب العالمين} . فسبح نفسه عما يصفه المفترون ~~المشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه؛ إذ ~~هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات وأما ~~(الإثبات المفصل: فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله: ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم} الآية بكمالها وقوله: {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} السورة وقوله: {وهو العليم الحكيم} {وهو العليم القدير} {وهو ~~السميع البصير} {وهو العزيز الحكيم} {وهو الغفور الرحيم} # PageV03P005 # {وهو الغفور ms0573 الودود} {ذو العرش المجيد} {فعال لما يريد} {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} وقوله: ~~{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقوله: {فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} الآية ~~وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} وقوله: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} وقوله: {إن الذين ~~كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون} وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} وقوله: {وكلم الله موسى تكليما} وقوله: ~~{وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ~~أين شركائي الذين كنتم تزعمون} وقوله {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون} وقوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمن الرحيم} {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر # PageV03P006 # سبحان الله عما يشركون} {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ~~يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} . # إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أسماء الرب تعالى وصفاته فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل ~~وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه ~~طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم ~~من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة ~~والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم: فإنهم على ms0574 ضد ذلك يصفونه ~~بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له ~~عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان فقولهم ~~يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل؛ فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات ~~والجمادات؛ ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات. فغلاتهم ~~يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ~~ولا جاهل لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات وإذا ~~وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات # PageV03P007 # فسلبوا النقيضين وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من ~~الكتاب وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه ~~بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات وقد علم ~~بالاضطرار. أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه؛ قديم ~~أزلي؛ لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن ~~الوجوب أو الوجود أو القدم. وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه ~~بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ~~وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من ~~الموجودات وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم مكابرة ~~للقضايا البديهات وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة ~~والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من ~~المعتزلة ومن اتبعهم؛ فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات فمنهم ~~من جعل العليم والقدير؛ والسميع؛ والبصير؛ كالأعلام المحضة المترادفات ~~ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر ~~فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات # PageV03P008 # والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح ~~المنقول مذكور في غير هذه الكلمات وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في ~~نظيره وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل ولو أمعنوا النظر لسووا ~~بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات كما تقتضيه المعقولات؛ ولكانوا ms0575 من ~~الذين أوتوا العلم الذين يرون أنما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد. ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات ~~يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات. وذلك أنه قد علم بضرورة العقل ~~أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات: ~~كالحيوان والمعدن والنبات والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع وقد علم ~~بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من موجد كما قال ~~تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} فإذا لم يكونوا خلقوا من غير ~~خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم. # وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو ~~محدث ممكن يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود وهذا # PageV03P009 # موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود ~~هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام: لا يقتضي ~~تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره. ~~فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود وأن البعوض شيء موجود: إن هذا ~~مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود ~~غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق ~~وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود: فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره؛ مع ~~أن الاسم حقيقة في كل منهما ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء؛ ~~وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض ~~مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن ~~الإضافة والتخصيص؛ ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند ~~الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص: اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند ~~الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. # فقد سمى الله نفسه حيا ms0576 فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وسمى بعض ~~عباده حيا؛ فقال: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} وليس هذا الحي ~~مثل هذا الحي لأن قوله الحي اسم لله مختص به وقوله: # PageV03P010 # {يخرج الحي من الميت} اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا ~~وجردا عن التخصيص؛ ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم ~~من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به ~~الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق ولا بد من هذا في جميع أسماء الله ~~وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه ~~بالإضافة والاختصاص: المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ~~سبحانه وتعالى. # وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال: {وبشروه ~~بغلام عليم} يعني إسحاق وسمى آخر حليما فقال: {فبشرناه بغلام حليم} يعني ~~إسماعيل وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم، وسمى نفسه سميعا بصيرا ~~فقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} وسمى بعض ~~عباده سميعا بصيرا فقال: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا} وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير وسمى نفسه بالرءوف ~~الرحيم. فقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم ~~فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز # PageV03P011 # عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} وليس الرءوف كالرءوف ولا ~~الرحيم كالرحيم وسمى نفسه بالملك. فقال: {الملك القدوس} وسمى بعض عباده ~~بالملك فقال {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} {وقال الملك ائتوني به} ~~وليس الملك كالملك. وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن وسمى بعض عباده بالمؤمن ~~فقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} وليس المؤمن كالمؤمن وسمى ~~نفسه بالعزيز فقال: {العزيز الجبار المتكبر} وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: ~~{قالت امرأة العزيز} وليس العزيز كالعزيز وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى ms0577 ~~بعض خلقه بالجبار المتكبر قال: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} ~~وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة وكذلك سمى ~~صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: {ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء} {أنزله بعلمه} وقال: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ~~وقال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} وسمى صفة المخلوق ~~علما وقوة فقال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وقال: {وفوق كل ذي علم ~~عليم} وقال: {فرحوا بما عندهم من العلم} وقال: {الله الذي # PageV03P012 # خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} وقال: ~~{ويزدكم قوة إلى قوتكم} وقال: {والسماء بنيناها بأيد} أي بقوة وقال: {واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد} أي ذا القوة وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة ووصف ~~نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال: {لمن شاء منكم أن يستقيم} {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقال: {إن هذه تذكرة} {فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} ~~وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: {تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم} ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ~~{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال: {رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه} ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته ~~مثل إرادته ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه وكذلك وصف نفسه بأنه ~~يمقت الكفار ووصفهم بالمقت فقال: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} وليس المقت مثل المقت # PageV03P013 # وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد كما وصف عبده بذلك فقال: {ويمكرون ويمكر ~~الله} وقال {إنهم يكيدون كيدا} {وأكيد كيدا} وليس المكر كالمكر ولا الكيد ~~كالكيد ووصف نفسه بالعمل فقال: {أولم يروا ms0578 أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون} ووصف عبده بالعمل فقال {جزاء بما كانوا يعملون} ~~وليس العمل كالعمل ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة فقال: {وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا} وقال: {ويوم يناديهم} وقال: {وناداهما ربهما} ~~ووصف عباده بالمناداة والمناجاة فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون} وقال: {إذا ناجيتم الرسول} وقال: {إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان} وليس المناداة ولا المناجاة كالمناجاة والمناداة ~~ووصف نفسه بالتكليم في قوله: {وكلم الله موسى تكليما} وقوله: {ولما جاء ~~موسى لميقاتنا وكلمه ربه} وقوله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله} ووصف عبده بالتكليم في قوله: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} وليس التكليم كالتكليم ~~ووصف نفسه بالتنبئة ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: {وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما ~~نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} وليس الإنباء ~~كالإنباء # PageV03P014 # ووصف نفسه بالتعليم ووصف عبده بالتعليم فقال: {الرحمن} {علم القرآن} {خلق ~~الإنسان} {علمه البيان} وقال: {تعلمونهن مما علمكم الله} وقال: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} وليس التعليم كالتعليم وهكذا وصف نفسه بالغضب ~~فقال: {وغضب الله عليهم ولعنهم} ووصف عبده بالغضب في قوله: {فرجع موسى إلى ~~قومه غضبان أسفا} وليس الغضب كالغضب ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه فذكر ~~ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش ووصف بعض خلقه بالاستواء ~~على غيره في مثل قوله: {لتستووا على ظهوره} وقوله: {فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك} وقوله: {واستوت على الجودي} وليس الاستواء كالاستواء ووصف ~~نفسه ببسط اليدين فقال: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} ووصف بعض خلقه ببسط اليد في ~~قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى ms0579 عنقك ولا تبسطها كل البسط} وليس اليد كاليد ~~ولا البسط كالبسط؛ وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود: فليس إعطاء الله ~~كإعطاء خلقه ولا جوده كجودهم ونظائر هذا كثيرة. # PageV03P015 # فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي مماثلته بخلقه فمن قال: ليس ~~لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا ~~استوى: كان معطلا جاحدا ممثلا لله بالمعدومات والجمادات ومن قال له علم ~~كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضاي أو يدان كيداي أو استواء ~~كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات؛ بل لا بد من إثبات بلا تمثيل ~~وتنزيه بلا تعطيل ويتبين هذا (بأصلين شريفين) ومثلين مضروبين - ولله المثل ~~الأعلى - و (بخاتمة جامعة) # PageV03P016 # فصل: # فأما الأصلان: فأحدهما أن يقال: # القول في بعض الصفات كالقول في بعض # فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع ~~بسمع بصير ببصر متكلم بكلام مريد بإرادة ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في ~~محبته ورضاه وغضبه وكراهته فيجعل ذلك مجازا ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض ~~المخلوقات من النعم والعقوبات فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته ~~بل القول في أحدهما كالقول في الآخر؛ فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة ~~المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل وإن قلت: إن له إرادة ~~تليق به؛ كما أن للمخلوق إرادة تليق به قيل لك: وكذلك له محبة تليق به ~~وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به وإن ~~قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له: والإرادة # PageV03P017 # ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: ~~وهذا غضب المخلوق وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته؛ إن ~~نفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين؛ فهذا ~~منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات وإن قال: أنه لا حقيقة لهذا ms0580 إلا ~~ما يختص بالمخلوقين؛ فيجب نفيه عنه قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام ~~والعلم والقدرة فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له: فيما نفاه كما ~~يقوله هو لمنازعه فيما أثبته فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام ~~قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات فإنه يبين للمعتزلي أن هذه ~~الصفات يتصف بها القديم ولا تكون كصفات المحدثات فهكذا يقول له المثبتون ~~لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل ~~لأن الفعل الحادث دل على القدرة والتخصيص دل على الإرادة والإحكام دل على ~~العلم وهذه الصفات مستلزمة للحياة والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام ~~أو ضد ذلك # PageV03P018 # قال له سائر أهل الإثبات: # لك جوابان: أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول ~~المعين فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه وليس لك ~~أن تنفيه بغير دليل لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت والسمع قد دل ~~عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم ~~عن المعارض المقاوم الثاني أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت ~~به تلك من العقليات فيقال نفع العباد بالإحسان إليهم دل على الرحمة كدلالة ~~التخصيص على المشيئة وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين يدل ~~على بغضهم كما قد ثبت بالشهادة والخبر: من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ~~والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ~~ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة؛ كما يدل التخصيص ~~على المشيئة وأولى لقوة العلة الغائية؛ ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما ~~في مخلوقاته من النعم والحكم: أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من ~~الدلالة على محض المشيئة # PageV03P019 # وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول: إنه ~~حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة قيل له: لا فرق بين ~~إثبات الأسماء وإثبات الصفات فإنك ms0581 إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة ~~يقتضي تشبيها أو تجسيما لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم ~~قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم فإن نفيت ~~ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانف الأسماء بل وكل شيء لأنك ~~لا تجده في الشاهد إلا للجسم فكل ما يحتج به من نفى الصفات يحتج به نافي ~~الأسماء الحسنى؛ فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات وإن كان ~~المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات وقال لا أقول: هو موجود ولا حي ولا ~~عليم ولا قدير؛ بل هذه الأسماء لمخلوقاته إذ هي مجاز لأن إثبات ذلك يستلزم ~~التشبيه بالموجود الحي العليم قيل له: كذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا ~~عليم ولا قدير كان ذلك تشبيها بالمعدومات وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات ~~فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه ~~النقيضان من الممتنعات فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودا معدوما # PageV03P020 # أو لا موجودا ولا معدوما ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم ~~أو الحياة والموت أو العلم والجهل أو يوصف بنفي الوجود والعدم ونفي الحياة ~~والموت ونفي العلم والجهل فإن قلت إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا ~~لهما وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة؛ لا تقابل السلب والإيجاب فإن ~~الجدار لا يقال له أعمى ولا بصير ولا حي ولا ميت إذ ليس بقابل لهما قيل لك: ~~أولا هذا لا يصح في الوجود والعدم فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب ~~باتفاق العقلاء؛ فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر وأما ما ذكرته من الحياة ~~والموت والعلم والجهل: فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون ~~والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية وقد قال الله ~~تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} فسمى الجماد ميتا وهذا مشهور في لغة العرب ~~وغيرهم وقيل لك ms0582 ثانيا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ~~ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك - فالأعمى الذي يقبل الاتصاف ~~بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدا منهما فأنت فررت من تشبيهه ~~بالحيوانات القابلة لصفات الكمال ووصفته بصفات الجامدات التي لا تقبل ذلك # PageV03P021 # وأيضا فما لا يقبل الوجود والعدم: أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم؛ ~~بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعا فما نفيت عنه قبول الوجود ~~والعدم. كان أعظم امتناعا مما نفيت عنه الوجود والعدم وإذا كان هذا ممتنعا ~~في صرائح العقول فذاك أعظم امتناعا؛ فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل ~~العدم هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد وهؤلاء الباطنية منهم ~~من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم؛ ورفعهما كجمعهما. ومن يقول لا أثبت ~~واحدا منهما فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد ~~منهما في نفس الأمر وإنما هو كجهل الجاهل وسكوت الساكت الذي لا يعبر عن ~~الحقائق وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعا مما يقدر قبوله ~~لهما - مع نفيهما عنه - فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت ولا العلم ولا ~~الجهل ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس ولا العمى ولا البصر ولا ~~السمع ولا الصمم: أقرب إلى المعدوم الممتنع مما يقدر قابلا لهما - مع ~~نفيهما عنه - وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن ~~وما جاز لواجب الوجود - قابلا - وجب له؛ لعدم توقف صفاته على غيره؛ فإذا ~~جاز القبول وجب؛ وإذا جاز وجود القبول وجب وقد بسط هذا في موضع آخر وبين ~~وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه وقيل له أيضا: ~~اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات: ليس هو # PageV03P022 # التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات وإنما نفت ما ~~يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو ~~امتناعه؛ فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه - ~~سبحانه وتعالى وأما ما ms0583 نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل وتسميتك ذلك تشبيها ~~وتجسيما تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب ~~نفيه؛ ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ~~ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل وبهذه الطريقة: أفسدت الملاحدة ~~على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ ~~الغي والضلالة وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم ~~تعدد الصفات وهذا تركيب ممتنع قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب وعقل وعاقل ~~ومعقول وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ ولذة. أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من ~~هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم وأنتم تثبتونه ~~وتسمونه توحيدا فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا ~~قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة؛ وليس هو ~~تركيبا ممتنعا # PageV03P023 # وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو ~~معنى كونه قادرا ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا؛ فمن جوز أن تكون ~~هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة ثم إنه متناقض فإنه إن جوز ~~ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا فيكون الوجود واحدا بالعين لا بالنوع ~~وحينئذ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق يعدم بعدم ~~وجوده ويوجد بعد عدمه: هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل ~~العدم وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب موصوفا بكل تشبيه وتجسيم وكل نقص وكل ~~عيب؛ كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود الذين طردوا هذا الأصل الفاسد وحينئذ ~~فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير وهذا باب مطرد فإن كل واحد من ~~النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات: لا ينفي شيئا فرارا مما هو محذور إلا ~~وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت ~~موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه ms0584 عن غيره ولا يكون فيها مماثلا لخلقه ~~فيقال له: هكذا القول في جمع الصفات وكل ما تثبته من الأسماء والصفات: فلا ~~بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات ولولا ذلك لما فهم الخطاب؛ ولكن ~~نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه: أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في ~~الخيال. # PageV03P024 # وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال: # القول في الصفات كالقول في الذات: # فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فإذا كان ~~له ذات حقيقة لا تماثل الذوات. فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر ~~الصفات فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك ~~وغيرهما رضي الله عنهما الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب ~~والسؤال عن الكيفية بدعة لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة ~~عنه وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا ~~قال: لا أعلم كيفيته قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية ~~الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له؛ فكيف تطالبني ~~بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته ~~وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال # PageV03P025 # لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر ~~وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ~~ونزولهم واستواؤهم وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات: ~~فإن من أثبت شيئا ونفى شيئا بالعقل - إذا - ألزم فيما نفاه من الصفات التي ~~جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته ولو طولب بالفرق بين ~~المحذور في هذا وهذا: لم يجد بينهما فرقا ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات ~~دون بعض - الذين يوجبون فيما نفوه: إما التفويض؛ وإما التأويل المخالف ~~لمقتضى اللفظ - قانون مستقيم. فإذا قيل لهم: لم تأولتم هذا وأقررتم هذا ~~والسؤال فيهما واحد؟ ms0585 لم يكن لهم جواب صحيح فهذا تناقضهم في النفي وكذا ~~تناقضهم في الإثبات؛ فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها ~~فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر: لزمهم في ~~المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه فإذا قال قائل: ~~تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه: هو إرادته للثواب والعقاب؛ كان ما يلزمه في ~~الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط # PageV03P026 # ولو فسر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب فإنه يلزمه في ذلك ~~نظير ما فر منه فإن الفعل لا بد أن يقوم أولا بالفاعل والثواب والعقاب ~~المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب ~~فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا وإن ~~أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات. # PageV03P027 # فصل: # وأما المثلان المضروبان: فإن الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا عما في الجنة ~~من المخلوقات: من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن؛ فأخبرنا أن ~~فيها لبنا وعسلا وخمرا وماء ولحما وحريرا وذهبا وفضة وفاكهة وحورا وقصورا ~~وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا ~~الأسماء وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء ~~للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها؛ بل بينهما من التباين ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى: فالخالق - سبحانه وتعالى - أعظم مباينة للمخلوقات ~~منه مباينة المخلوق للمخلوق ومباينته لمخلوقاته: أعظم من مباينة موجود ~~الآخرة لموجود الدنيا إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من ~~الخالق إلى المخلوق وهذا بين واضح، ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث ~~فرق: # فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم # PageV03P028 # الآخر مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة وأن ~~مباينة الله لخلقه أعظم والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في ~~الآخرة من الثواب والعقاب ونفوا كثيرا مما أخبر ms0586 به من الصفات؛ مثل طوائف من ~~أهل الكلام والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا كالقرامطة والباطنية والفلاسفة ~~أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن ~~نفسه وعن اليوم الآخر، ثم إن كثيرا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب؛ ~~فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها: لها تأويلات باطنة ~~تخالف ما يعرفه المسلمون منها كما يتأولون من الصلوات الخمس وصيام شهر ~~رمضان وحج البيت فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام رمضان ~~كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم ونحو ذلك من التأويلات التي ~~يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل - صلوات الله عليهم - وتحريف ~~لكلام الله ورسوله عن مواضعه وإلحاد في آيات الله وقد يقولون الشرائع تلزم ~~العامة دون الخاصة فإذا صار الرجل # PageV03P029 # من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم: رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات ~~وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب ~~وهؤلاء الباطنية: هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود ~~والنصارى وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات: يحتج به كل من ~~كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم فإذا أثبت ~~لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات - كما دل على ذلك الآيات ~~البينات - كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول ويهدم أساس الإلحاد ~~والضلالات والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه فإن ~~الله لا مثيل له؛ بل له " المثل الأعلى " فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوقات ~~في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده ولكن يستعمل في حقه المثل ~~الأعلى وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه ~~عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن ~~مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم: فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة ~~المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم وهكذا القول في المثل الثاني، # PageV03P030 # وهو أن ms0587 الروح التي فينا - فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية وقد أخبرت ~~النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما ~~تسل الشعرة من العجينة والناس مضطربون فيها؛ فمنهم طوائف من أهل الكلام ~~يجعلونها جزءا من البدن أو صفة من صفاته كقول بعضهم: أنها النفس أو الريح ~~التي تردد في البدن وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن ومنهم ~~طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم وهي أمور لا ~~يتصف بها إلا ممتنع الوجود فيقولون: لا هي داخلة في البدن ولا خارجة ولا ~~مباينة له ولا مداخلة له ولا متحركة ولا ساكنة ولا تصعد ولا تهبط ولا هي ~~جسم ولا عرض وقد يقولون: أنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في ~~الخارج وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة وقد يقولون: أنها لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا مباينة له ولا مداخلة وربما قالوا ليست داخلة في أجسام ~~العالم ولا خارجة عنها مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية ~~فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي ~~تلحقها بالمعدوم والممتنع # PageV03P031 # وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل قالوا: بل هذا ممكن ~~بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها وقد غفلوا عن كون ~~الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان؛ فيعتمدون فيما يقولونه ~~في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال ~~واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير وسبب ذلك أن الروح - التي تسمى ~~بالنفس الناطقة عند الفلاسفة - ليست هي من جنس هذا البدن ولا من جنس ~~العناصر والمولدات منها؛ بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس فصار هؤلاء ~~لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة وأولئك ~~يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ وإطلاق القول عليها ~~بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل فإن لفظ الجسم للناس فيه ms0588 أقوال ~~متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد ~~والبدن وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسما؛ ولهذا يقولون: الروح والجسم؛ كما ~~قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} وقال ~~تعالى: {وزاده بسطة في العلم والجسم} # PageV03P032 # وأما أهل الكلام: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود؛ ومنهم من يقول: هو ~~القائم بنفسه ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة ومنهم من يقول: ~~هو المركب من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية ~~ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا بل هو مما يشار إليه ويقال: ~~إنه هنا أو هناك؛ فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت ~~- كما قال صلى الله عليه وسلم {أن الروح إذا خرجت تبعها البصر وأنها تقبض ~~ويعرج بها إلى السماء} - كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح والمقصود: أن الروح ~~إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة: تصعد وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ~~ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها ~~نظيرا. والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره. فإذا كانت الروح ~~متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات: فالخالق أولى ~~بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته؛ وأهل العقول هم ~~أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها. # PageV03P033 # فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها ومن مثلها بما يشاهده من ~~المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات ~~مستحقة لما لها من الصفات: الخالق - سبحانه وتعالى - أولى أن يكون من نفى ~~صفاته جاحدا معطلا ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا " وهو - سبحانه وتعالى - ~~ثابت بحقيقة الإثبات مستحق لما له من الأسماء والصفات. # PageV03P034 # فصل: # وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة ### | القاعدة الأولى: # أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي # فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ~~ونحو ms0589 ذلك والنفي كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم وينبغي أن يعلم أن النفي ليس ~~فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا ~~كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض؛ والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فهو ~~كما قيل: ليس بشيء؛ فضلا عن أن يكون مدحا أو كمالا ولأن النفي المحض يوصف ~~به المعدوم والممتنع والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. # PageV03P035 # فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات مدح كقوله: ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} إلى قوله: {ولا ~~يئوده حفظهما} فنفي السنة والنوم: يتضمن كمال الحياة والقيام؛ فهو مبين ~~لكمال أنه الحي القيوم وكذلك قوله: {ولا يئوده حفظهما} أي لا يكرثه ولا ~~يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر ~~على الشيء بنوع كلفة ومشقة فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته وكذلك قوله: ~~{لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} فإن نفي العزوب مستلزم ~~لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض وكذلك قوله: {ولقد خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب ~~والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من ~~التعب والكلال ما يلحقه وكذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} إنما نفى الإدراك ~~الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم ~~لا يرى وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا وإنما ~~المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي؛ كما أنه لا يحاط به وإن علم فكما أنه ~~إذا علم لا يحاط به علما: فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية # PageV03P036 # فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحا وصفة كمال وكان ذلك ~~دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها لكنه دليل على إثبات الرؤية مع ms0590 عدم ~~الإحاطة وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وإذا تأملت ذلك: ~~وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتا هو مما لم يصف الله به نفسه فالذين لا يصفونه ~~إلا بالسلوب: لم يثبتوا في الحقيقة إلها محمودا بل ولا موجودا وكذلك من ~~شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا لا يتكلم أو لا يرى أو ليس فوق العالم أو ~~لم يستو على العرش ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباينا للعالم ~~ولا محايثا له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم؛ وليست هي صفة ~~مستلزمة صفة ثبوت ولهذا " قال محمود بن سبكتكين " لمن ادعى ذلك في الخالق: ~~ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم. وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ~~ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات ~~أو المعدومات فهذه الصفات: منها ما لا يتصف به إلا المعدوم ومنها ما لا ~~يتصف به إلا الجمادات والناقص فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل ~~للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره ولا قديم ولا محدث ~~ولا متقدم على العالم ولا مقارن له # PageV03P037 # ومن قال: إنه ليس بحي ولا ميت ولا سميع ولا بصير ولا متكلم لزمه أن يكون ~~ميتا أصم أعمى أبكم. فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر ~~وما لم يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير قيل له: هذا اصطلاح ~~اصطلحتموه وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام: يمكن وصفه ~~بالموت والعمى والخرس والعجمة وأيضا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ~~ونقائضها فإن الله قادر على جعل الجماد حيا كما جعل عصى موسى حية ابتلعت ~~الحبال والعصي وأيضا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصا ممن لا ~~يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها. فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا ~~العمى ولا الكلام ولا الخرس: أعظم نقصا من الحي الأعمى الأخرس فإذا قيل: إن ~~الباري ms0591 لا يمكن اتصافه بذلك: كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف ~~بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك؛ مع أنه إذا جعل غير قابل لها كان تشبيها له ~~بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها. وهذا تشبيه بالجمادات؛ لا ~~بالحيوانات، فكيف من قال ذلك غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي # PageV03P038 # وأيضا فنفس نفي هذه الصفات نقص كما أن إثباتها كمال فالحياة من حيث هي هي ~~مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك؛ وما كان صفة كمال: فهو سبحانه أحق أن يتصف ~~به من المخلوقات فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به: لكان المخلوق أكمل ~~منه. # واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم: ينفون عنه تعالى اتصافه ~~بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود ولا حي ولا ليس بحي ومعلوم ~~أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين. وآخرون ~~وصفوه بالنفي فقط فقالوا ليس بحي ولا سميع ولا بصير؛ وهؤلاء أعظم كفرا من ~~أولئك من وجه وأولئك أعظم كفرا من هؤلاء من وجه فإذا قيل لهؤلاء هذا مستلزم ~~وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا ~~لذلك وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادا وكذلك من ضاهى هؤلاء - وهم الذين ~~يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه إذا قيل هذا ممتنع في ضرورة العقل كما ~~إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث - ولا واجب ولا ممكن ولا قائم بنفسه ولا قائم ~~بغيره قالوا هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك والقبول إنما يكون من ~~المتحيز فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين. # PageV03P039 # فيقال لهم علم الخلق بامتناع الخلو منه هذين النقيضين: هو علم مطلق لا ~~يستثنى منه موجود والتحيز المذكور: إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط ~~به فهذا هو الداخل في العالم؛ وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات؛ أي ~~مباين لها متميز عنها فهذا هو الخروج فالمتحيز يراد به تارة ما ms0592 هو داخل ~~العالم وتارة ما هو خارج العالم فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل ~~العالم ولا خارجه، فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن ~~هذا معنى آخر وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل؛ كما فعل أولئك ~~بقولهم ليس بحي ولا ميت ولا موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل. # PageV03P040 # القاعدة الثانية: # أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به - سواء عرفنا معناه أو ~~لم نعرف - لأنه الصادق المصدوق؛ فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن ~~الإيمان به وإن لم يفهم معناه وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها مع أن ~~هذا الباب يوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة وما ~~تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد بل ولا له: أن يوافق أحدا ~~على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده فإن أراد حقا قبل وإن أراد باطلا رد ~~وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه بل يوقف ~~اللفظ ويفسر المعنى كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فلفظ الجهة ~~قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا كما إذا أريد بالجهة نفس العرش ~~أو نفس السموات وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد ~~بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه كما ~~فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك وقد علم أن ما ~~ثم موجود # PageV03P041 # إلا الخالق والمخلوق والخالق مباين للمخلوق - سبحانه وتعالى - ليس في ~~مخلوقاته شيء من ذاته؛ ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: ~~أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات أم تريد ~~بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات وكذلك ~~يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن ~~الله ms0593 داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو ~~باطل وكذلك لفظ التحيز: إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم ~~وأكبر؛ بل قد وسع كرسيه السموات والأرض وقد قال الله تعالى: {وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} . ~~وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقبض الله الأرض ~~ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟} وفي حديث آخر: ~~{وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة} وفي حديث ابن عباس: {ما السموات ~~السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم} وإن ~~أراد به أنه منحاز عن المخلوقات؛ أي مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها: ~~فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. # PageV03P042 # القاعدة الثالثة: # إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد فإنه يقال: لفظ ~~الظاهر فيه إجمال واشتراك فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات ~~المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد؛ ولكن السلف ~~والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن ~~والحديث كفرا وباطلا والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي ~~وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال والذين يجعلون ظاهرها ذلك ~~يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجا ~~إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ~~ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل (فالأول كما قالوا في قوله: {عبدي جعت فلم ~~تطعمني} الحديث وفي الأثر الآخر: {الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن ~~صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} وقوله: {قلوب العباد بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن} فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق # PageV03P043 # فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم ms0594 تدل إلا على ~~حق أما (الواحد فقوله: {الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله ~~فكأنما صافح الله وقبل يمينه} صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله ولا ~~هو نفس يمينه؛ لأنه قال: {يمين الله في الأرض} وقال: {فمن قبله وصافحه ~~فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به ففي نفس ~~الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله؛ وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف يجعل ~~ظاهره كفرا لأنه محتاج إلى التأويل. مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن ~~عباس؟ وأما الحديث الآخر: فهو في الصحيح مفسرا: {يقول الله عبدي جعت فلم ~~تطعمني فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي ~~فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي مرضت فلم تعدني فيقول: رب كيف ~~أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتني عنده} وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولا يجع ولكن مرض عبده ~~وجاع عبده فجعل جوعه جوعه ومرضه مرضه مفسرا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك ~~عندي ولو عدته لوجدتني عنده؛ فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل # PageV03P044 # وأما قوله {قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن} فإنه ليس في ظاهره ~~أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا في قول القائل ~~هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء ~~والأرض لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض ونظائر هذا كثيرة ومما يشبه ~~هذا القول أن يجعل اللفظ نظيرا لما ليس مثله كما قيل في قوله {ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي} ؟ فقيل هو مثل قوله: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا أنعاما} ؟ فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي؛ ~~فصار شبيها بقوله: {فبما كسبت أيديكم} وهنا أضاف الفعل إليه فقال: {لما ~~خلقت} ثم قال: {بيدي} وأيضا: فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة ms0595 بصيغة المفرد وفي ~~اليدين ذكر لفظ التثنية كما في قوله: {بل يداه مبسوطتان} وهناك أضاف الأيدي ~~إلى صيغة الجمع فصار كقوله: {تجري بأعيننا} . وهذا في (الجمع نظير قوله: ~~{بيده الملك} وبيده الخير في (المفرد فالله سبحانه وتعالى يذكر نفسه تارة ~~بصيغة المفرد مظهرا أو مضمرا وتارة بصيغة الجمع كقوله: {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا} وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي ~~التعظيم الذي يستحقه؛ وربما تدل على معاني أسمائه # PageV03P045 # وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال: {ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} لما كان كقوله: {مما عملت أيدينا} وهو نظير ~~قوله: {بيده الملك} وبيده الخير ولو قال خلقت بصيغة الإفراد لكان مفارقا ~~له؛ فكيف إذا قال خلقت بيدي؟ بصيغة التثنية هذا مع دلالات الأحاديث ~~المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن كما هو ~~مبسوط في موضعه مثل قوله: {المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا} وأمثال ~~ذلك وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر ~~النصوص المتفق على معناها - والظاهر هو المراد في الجميع - فإن الله لما ~~أخبر أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير واتفق أهل السنة وأئمة ~~المسلمين على أن هذا على ظاهره وأن ظاهر ذلك مراد: كان من المعلوم أنهم لم ~~يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا وكذلك لما اتفقوا ~~على أنه حي حقيقة عالم حقيقة قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق ~~الذي هو حي عليم قدير؛ فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى {يحبهم ويحبونه} {رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه} وقوله: {ثم استوى على العرش} أنه على ظاهره لم يقتض ~~ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق ولا حبا كحبه ولا رضا كرضاه # PageV03P046 # فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا ms0596 ~~يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص ~~به لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفي؛ ~~وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات ~~فيكون الكلام في الجميع واحدا وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام ~~وهي أبعاض لنا كالوجه واليد: ومنها ما هو معان وأعراض وهي قائمة بنا: ~~كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف ~~نفسه بأنه حي عليم قدير: لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ~~ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم ~~يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا بل ~~صفة الموصوف تناسبه. فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين ~~فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة ~~الخالق إليه وليس المنسوب كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما ~~قال صلى الله عليه وسلم {ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر} فشبه الرؤية ~~بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي. # PageV03P047 # وهذا يتبين ب: # القاعدة الرابعة: # وهو أن كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها؛ أو أكثرها أو ~~كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في ~~(أربعة أنواع من المحاذير: - (أحدها كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات ~~المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل (الثاني أنه إذا جعل ذلك هو ~~مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة ~~بالله. فيبقى مع جنايته على النصوص؛ وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - ~~حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ~~ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال ~~الله تعالى (الثالث أنه ينفي تلك ms0597 الصفات عن الله - عز وجل - بغير علم؛ ~~فيكون معطلا لما يستحقه الرب # PageV03P048 # الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو ~~صفات المعدومات فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله ~~بالمنقوصات والمعدومات وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو ~~التمثيل بالمخلوقات. فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل ~~يكون ملحدا في أسماء الله وآياته. # مثال ذلك أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على ~~المخلوقات واستوائه على العرش - فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل ~~الموافق للسمع؛ وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع. وليس في ~~الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينه ولا مداخله ~~فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش: كان استواؤه كاستواء ~~الإنسان على ظهور الفلك والأنعام؛ كقوله: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون} {لتستووا على ظهوره} فيتخيل له أنه إذا كان مستويا على العرش كان ~~محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام فلو غرقت السفينة لسقط ~~المستوي عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا أنه لو عدم ~~العرش لسقط الرب سبحانه وتعالى ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس ~~استواؤه بقعود ولا استقرار # PageV03P049 # ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء؛ ~~فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار ~~وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا وإن لم يدخل في مسمى ذلك ~~إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم وقد علم أن ~~بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقا معروفة. ولكن المقصود هنا أن ~~يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره وكأن هذا الخطأ من خطئه في مفهوم ~~استوائه على العرش حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك ~~وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك؛ لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة ~~كما أضاف ms0598 إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى كما ذكر أنه قدر ~~فهدى وأنه بنى السماء بأيد وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ~~ذلك. فلم يذكر استواء مطلقا يصلح للمخلوق ولا عاما يتناول المخلوق كما لم ~~يذكر مثل ذلك في سائر صفاته وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة فلو ~~قدر - على وجه الفرض الممتنع - أنه هو مثل خلقه - تعالى عن ذلك - لكان ~~استواؤه مثل استواء خلقه أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم أنه ~~الغني عن الخلق وأنه الخالق للعرش ولغيره وأن كل ما سواه مفتقر إليه # PageV03P050 # وهو الغني عن كل ما سواه وهو لم يذكر إلا استواء يخصه لم يذكر استواء ~~يتناول غيره ولا يصلح له - كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه ~~إلا ما يختص به - فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويا على العرش كان ~~محتاجا إليه وأنه لو سقط العرش لخر من عليه؟ سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك ~~وتوهمه أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن ~~الخلق؟ بل لو قدر أن جاهلا فهم مثل هذا وتوهمه لبين له أن هذا لا يجوز وأنه ~~لم يدل اللفظ عليه أصلا كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب ~~نفسه. فلما قال سبحانه وتعالى: {والسماء بنيناها بأيد} فهل يتوهم متوهم أن ~~بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وجبل ~~طين وأعوان؟ ثم قد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل ~~عاليه مفتقرا إلى سافله فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض ~~والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله والسموات فوق الأرض وليست ~~مفتقرة إلى حمل الأرض لها؛ فالعلي الأعلى رب كل شيء # PageV03P051 # ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه: كيف يجب أن يكون محتاجا إلى ms0599 خلقه أو عرشه؟ ~~أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟ ~~وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه وتعالى أحق به ~~وأولى وكذلك قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} ~~من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو جاهل ضال ~~بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك فإن حرف ~~(في متعلق بما قبله وبما بعده - فهو بحسب المضاف إليه ولهذا يفرق بين كون ~~الشيء في المكان وكون الجسم في الحيز وكون العرض في الجسم وكون الوجه في ~~المرآة وكون الكلام في الورق فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصة يتميز بها عن ~~غيره وإن كان حرف (في مستعملا في ذلك فلو قال قائل: العرش في السماء أو في ~~الأرض؟ لقيل في السماء ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل الجنة ~~في السماء؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات بل ولا الجنة فقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سألتم الله الجنة ~~فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن} فهذه ~~الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك. مع أن الجنة في # PageV03P052 # السماء يراد به العلو سواء كانت فوق الأفلاك أو تحتها قال تعالى: {فليمدد ~~بسبب إلى السماء} وقال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ولما كان قد ~~استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى؛ وأنه فوق كل شيء كان ~~المفهوم من قوله: إنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق كل شيء. وكذلك ~~الجارية لما قال لها أين الله؟ قالت في السماء إنما أرادت العلو مع عدم ~~تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها وإذا قيل: العلو فإنه يتناول ما فوق ~~المخلوقات كلها فما فوقها كلها هو في السماء ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ~~ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق ms0600 العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل: العرش ~~في السماء فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق وإن قدر أن ~~السماء المراد بها الأفلاك: كان المراد إنه عليها كما قال: {ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل} وكما قال: {فسيروا في الأرض} وكما قال: {فسيحوا في الأرض} ~~ويقال: فلان في الجبل وفي السطح وإن كان على أعلى شيء فيه. # PageV03P053 # القاعدة الخامسة: # أنا نعلم لما أخبرنا به من وجه دون وجه. فإن الله قال: {أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وقال: {أفلم ~~يدبروا القول} وقال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو ~~الألباب} وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} . فأمر بتدبر ~~الكتاب كله وقد قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} وجمهور سلف ~~الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} وهذا هو ~~المأثور عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم # PageV03P054 # وروي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من ~~كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه ~~إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب وقد روي عن مجاهد وطائفة: أن الراسخين في ~~العلم يعلمون تأويله وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته ~~إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها ولا منافاة بين القولين عند ~~التحقيق فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان: # أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله: أن ~~التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليل ~~يقترن به وهذا هو الذي عناه أكثر من ms0601 تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص ~~الصفات وترك تأويلها؛ وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل؟ . # الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين ~~للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين في التفسير - واختلف علماء ~~التأويل ومجاهد إمام المفسرين؛ قال الثوري: " إذا جاءك التفسير عن مجاهد ~~فحسبك به " وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما فإذا ذكر أنه ~~يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره. # PageV03P055 # الثالث من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال ~~الله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل ~~قد جاءت رسل ربنا بالحق} . فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر ~~الله به فيه مما يكون: من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك ~~كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: {يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل} فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا الثاني: هو ~~تفسير الكلام وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه أو تعرف علته ~~أو دليله وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج ومنه قول ~~عائشة. {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي} يتأول القرآن يعني قوله: {فسبح بحمد ربك ~~واستغفره} وقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي فإن نفس الفعل ~~المأمور به: هو تأويل الأمر به ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر ~~والكلام خبر وأمر ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل ~~اللغة كما # PageV03P056 # ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء؛ لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ~~ونهى عنه؛ لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلم أتباع بقراط ~~وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة؛ ولكن تأويل الأمر ~~والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر. إذا عرف ذلك: فتأويل ما ms0602 أخبر ~~الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات ~~هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات وتأويل ما أخبر ~~الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد ولهذا ما ~~يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه لأن ما أخبر الله به عن نفسه ~~وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا كما ~~أخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وخمرا ونحو ذلك وهذا يشبه ما في الدنيا ~~لفظا ومعنى؛ ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته فأسماء الله تعالى وصفاته أولى ~~وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه أن لا يكون لأجلها الخالق ~~مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر ~~عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد ويعلم بها ما في الغائب بواسطة ~~العلم بما في الشاهد؛ مع العلم بالفارق المميز وأن ما أخبر الله به من ~~الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد وفي الغائب # PageV03P057 # ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فنحن إذا أخبرنا الله ~~بالغيب الذي اختص به: من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا ~~فهمه بذلك الخطاب وفسرنا ذلك وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التي لم تكن ~~بعد؛ وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ولهذا ~~لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} ~~قالوا: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ~~وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم والكيف مجهول ومن الله ~~البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا الإيمان فبين أن الاستواء معلوم وأن ~~كيفية ذلك مجهول، ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف، والأئمة ينفون علم ~~العباد بكيفية صفات الله وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله فلا يعلم ما هو ~~إلا هو، وقد قال النبي: {لا أحصي ثناء عليك أنت ms0603 كما أثنيت على نفسك} وهذا ~~في صحيح مسلم وغيره وقال في الحديث الآخر: {اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك ~~سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك} وهذا الحديث في المسند، وصحيح أبي حاتم وقد أخبر فيه أن ~~لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده. # PageV03P058 # فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. ~~والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير سميع بصير غفور رحيم؛ إلى غير ذلك من ~~أسمائه وصفاته. فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة وبين الرحمة ~~والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع ~~تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات وكذلك ~~أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب. ~~وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء ~~وغير ذلك ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها هل هي من قبيل المترادفة - ~~لاتحاد الذات - أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل: السيف ~~والصارم والمهند وقصد بالصارم معنى الصرم وفي المهند النسبة إلى الهند؛ ~~والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات ومما يوضح هذا أن الله ~~وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ~~ومنه ما هو متشابه فينبغي أن يعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه؛ والإحكام ~~والتشابه الذي يخص بعضه قال # PageV03P059 # الله تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} فأخبر أنه أحكم آياته كلها، ~~وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} فأخبر أنه كله ~~متشابه والحكم هو الفصل بين الشيئين فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحكم فصل ~~بين المتشابهات علما وعملا إذا ميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والنافع ~~والضار وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار فيقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا ~~أخذت على يديه وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة وهو ms0604 ما أحاط بالحنك ~~من اللجام وإحكام الشيء إتقانه فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب ~~في أخباره وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان ~~فقد سماه الله حكيما بقوله: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} فالحكيم بمعنى ~~الحاكم؛ كما جعله يقص بقوله: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم فيه يختلفون} وجعله مفتيا في قوله: {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب} أي ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن وجعله هاديا ومبشرا في قوله: {إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات} وأما ~~التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: {ولو كان # PageV03P060 # من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهو الاختلاف المذكور في ~~قوله: {إنكم لفي قول مختلف} {يؤفك عنه من أفك} . فالتشابه هنا: هو تماثل ~~الكلام وتناسبه: بحيث يصدق بعضه بعضا؛ فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في ~~موضع آخر؛ بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته؛ وإذا نهى عن شيء لم يأمر به ~~في موضع آخر بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته إذا لم يكن هناك نسخ ~~وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك بل يخبر بثبوته أو بثبوت ~~ملزوماته وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته بل ينفيه أو ينفي لوازمه بخلاف القول ~~المختلف الذي ينقض بعضه بعضا فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به ~~وينهى عنه في وقت واحد ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر ~~فالأقوال المختلفة هنا: هي المتضادة. والمتشابهة: هي المتوافقة وهذا ~~التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ فإذا كانت المعاني يوافق بعضها ~~بعضا ويعضد بعضها بعضا ويناسب بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض ويقتضي بعضها ~~بعضا: كان الكلام متشابها؛ بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضا فهذا ~~التشابه العام: لا ينافي الإحكام العام بل هو مصدق له فإن الكلام # PageV03P061 # المحكم المتقن يصدق بعضه بعضا لا يناقض بعضه بعضا بخلاف الإحكام الخاص؛ ~~فإنه ms0605 ضد التشابه الخاص والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع ~~مخالفته له من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس إنه هو أو هو مثله وليس ~~كذلك والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر وهذا التشابه ~~إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما ثم من الناس من لا ~~يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه ومنهم من يهتدي إلى ذلك؛ فالتشابه ~~الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية بحيث يشتبه على بعض ~~الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه كما ~~إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن ~~أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وإن كان مشبها له من بعض الوجوه ومن ~~هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل ~~حتى تشتبه على بعض الناس؛ ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه ~~عليه الحق بالباطل والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات لأنه تشبيه للشيء ~~في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه فمن عرف الفصل بين الشيئين: اهتدى للفرق ~~الذي يزول به الاشتباه # PageV03P062 # والقياس الفاسد؛ وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء ~~فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل ~~التشابه والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس ~~من جهة التأويل والقياس؛ فالتأويل: في الأدلة السمعية، والقياس: في الأدلة ~~العقلية وهو كما قال والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، ~~والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة وقد وقع بنو آدم في عامة ما ~~يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر إلى من يدعي التحقيق ~~والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا ~~أنه هو فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق مع أنه لا شيء أبعد عن ms0606 ~~مماثلة شيء وأن يكون إياه أو متحدا به؛ أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق ~~فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها حتى ظنوا وجودها وجوده؛ ~~فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه. وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى ~~الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع ~~وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم # PageV03P063 # التشبيه والتركيب فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي فخالفوا ما ~~اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ~~ونحو ذلك من أقسام الموجودات وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في ~~مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه وزعموا أن ~~في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة مثل وجود مطلق وحيوان مطلق وجسم مطلق ~~ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل والشرع وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في ~~الأعيان وهذا كله من نوع الاشتباه ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت ~~من بعض الوجوه وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف؛ وهؤلاء ~~لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي ~~يبين ما بينهما من الفصل والافتراق وهذا كما أن لفظ (إنا) و (نحن) وغيرهما ~~من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم ~~الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون له؛ لا شركاء له فإذا ~~تمسك النصراني بقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} ونحوه على تعدد الآلهة ~~كان المحكم كقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى ~~واحدا يزيل ما هناك من # PageV03P064 # الاشتباه؛ وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة ~~والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم وأما حقيقة ما دل ~~عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات وما له من الجنود الذين يستعملهم في ~~أفعاله فلا يعلمهم إلا هو {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وهذا من تأويل ms0607 ~~المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا ~~لك بعطاء فقد علم أنه هو وأعوانه مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا ~~به وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك والله - ~~سبحانه وتعالى - لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات ~~اليوم الآخر ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا حقائق ما ~~صدرت عنه من المشيئة والقدرة وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ ~~المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة وإن زال ~~الاشتباه بما يميز أحد النوعين: من إضافة أو تعريف كما إذا قيل: فيها أنهار ~~من ماء فهناك قد خص هذا الماء بالجنة فظهر الفرق بينه، وبين ماء الدنيا لكن ~~حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا وهو مع ما أعده الله لعباده ~~الصالحين - مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - من التأويل ~~الذي لا يعلمه إلا الله # PageV03P065 # وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها التي هي حقيقة لا يعلمها إلا ~~هو؛ ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم - من ~~الذين يحرفون الكلم عن مواضعه - تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير ~~تأويله كما قال أحمد: في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية ~~فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله وإنما ذمهم لكونهم ~~تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه وإن كان لا يشتبه ~~على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله ولم ينف مطلق لفظ التأويل ~~كما تقدم: من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به فذلك لا ~~يعاب بل يحمد ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها فذاك لا ~~يعلمه إلا هو وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ومن لم يعرف هذا: اضطربت ~~أقواله مثل طائفة يقولون إن التأويل باطل وإنه يجب إجراء ms0608 اللفظ على ظاهره ~~ويحتجون بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} ويحتجون بهذه الآية على ~~إبطال التأويل وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا ~~يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل مطلقا وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر ~~الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو. # PageV03P066 # وأما ### | التأويل المذموم والباطل: # فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف ~~اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك ويدعون أن في ظاهره من ~~المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل ويصرفونه إلى معان ~~هي نظير المعاني التي نفوها عنه فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه فإن كان ~~الثابت حقا ممكنا كان المنفي مثله وإن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت ~~مثله وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله تعالى: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد؛ أو بما ~~لا معنى له أو بما لا يفهم منه شيء وهذا مع أنه باطل فهو متناقض لأنا إذا ~~لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه؛ لا ~~مكان أن يكون له معنى صحيح وذلك المعنى الصحيح: لا يخالف الظاهر المعلوم ~~لنا فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على ~~خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على ~~هذا التقدير. فإن تلك المعاني التي دل عليها قد لا نكون عارفين بها ولأنا ~~إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ ~~أولى؛ لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به؛ فإذا ~~كان اللفظ لا إشعار له بمعنى # PageV03P067 # من المعاني ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعرا بما أريد به فلأن لا ~~يكون مشعرا بما لم يرد به أولى فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ ms0609 متأول بمعنى ~~أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح فضلا عن أن يقال: إن ~~هذا التأويل لا يعلمه إلا الله. اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره ~~المختص بالخلق فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لا بد وأن يكون له تأويل ~~يخالف ظاهره. لكن إذا قال هؤلاء: أنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر أو أنها ~~تجري على المعاني الظاهرة منها كانوا متناقضين وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى ~~وهناك معنى: في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسا وإن أرادوا بالظاهر مجرد ~~اللفظ أي تجري على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم ~~للتأويل أو إثباته تناقضا؛ لأن من أثبت تأويلا أو نفاه فقد فهم معنى من ~~المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها ~~في هذا الباب. # PageV03P068 # القاعدة السادسة: # أنه لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله ~~مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي ~~التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد وذلك أنه ما من شيئين إلا ~~بينهما قدر مشترك وقدر مميز فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه ~~قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل؛ وإن أردت أنه مشابه له ~~من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته وأنتم إنما ~~أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على ~~أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له ~~ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول؛ ~~فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض ~~الوجوه كما في الأسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه ~~مفسرا بمعنى من المعاني ثم أن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: ms0610 إنه مشبه ~~ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس من التشبيه. # PageV03P069 # وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة ~~الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل فمن قال إن لله ~~علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو ~~أخص وصف الإله فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ~~ممثلا بهذا الاعتبار ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا بل يقولون: أخص ~~وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين وأنه بكل شيء عليم وأنه على ~~كل شيء قدير وأنه إله واحد ونحو ذلك؛ والصفة لا توصف بشيء من ذلك ثم من ~~هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات إنها قديمة بل يقول: الرب بصفاته قديم ~~ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة ولا يقول: هو وصفاته قديمان. ومنهم من ~~يقول: هو وصفاته قديمان؛ ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء ~~من خصائصه فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات ~~الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن أن تختص ~~بالقدم وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم وليست الصفات ~~إلها ولا ربا كما أن النبي محدث وصفاته محدثة وليست صفاته نبيا. # PageV03P070 # فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل: كان هذا بحسب ~~اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد ~~يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع وإنما ~~الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية والقرآن قد نفى مسمى المثل ~~والكفء والند ونحو ذلك ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ~~ولا كفؤه ولا نده فلا يدخل في النص وأما العقل: فلم ينف مسمى التشبيه في ~~اصطلاح المعتزلة وكذلك أيضا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز ~~والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا ms0611 لسائر الأجسام ~~وهذا هو التشبيه وكذلك يقول: هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات ~~وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك ويقولون: ~~الصفات قد تقوم بما ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان ~~جسما فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسما وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم ~~التشبيه فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من ~~أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله. # PageV03P071 # وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من ~~مثبتة الصفات والعلو؛ لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية كما هو أول قولي ~~القاضي أبي يعلى فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه وقد يقولون: أن ما ~~يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات والعاقل إذا تأمل وجد ~~الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن ~~إثبات الصفات مستلزم للتجسيم والأجسام متماثلة. والمثبتون يجيبون عن هذا ~~تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع المقدمة الثانية وتارة بمنع كل من ~~المقدمتين وتارة بالاستفصال ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء ~~فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من ~~الهيولى والصورة ونحو ذلك فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة وعلى ~~أنها متماثلة فهذا يبنى على صحة ذلك؛ وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه ~~متماثل وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك (والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه ~~على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام والمثبتون ينازعونهم في ~~اعتقادهم؛ كإطلاق الرافضة النصب على # PageV03P072 # من تولى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بناء على أن من أحبهما فقد أبغض ~~عليا رضي الله عنه ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة ~~الأولى؛ ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه ~~وأكثر العقلاء على خلاف ذلك وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع ~~وبينا فيه حجج من يقول بتماثل ms0612 الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من ~~يقول بتماثلها وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل ~~وذلك أنه إذا أثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون ~~بها الجسم وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم: كان هذا وحده ~~كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى التشبيه لكن نفي التجسيم ~~يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما؛ ~~ثم يقال: والأجسام متماثلة فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا ممتنع ~~عليه. لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي ~~التجسيم؛ فيكون أصل نفيه نفي الجسم وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله # PageV03P073 # وإنما المقصود هنا: أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي ~~التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه ويفترقان من وجه بخلاف ~~الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه ~~طريقة صحيحة وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفى مماثلة غيره له فيها فإن ~~هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد: وهو أن لا يشركه ~~شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على ~~وجه لا يماثله فيه أحد؛ ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به ~~نفسه من الصفات ونفي مماثلته بشيء من المخلوقات. # فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك ~~الوجه ووجب له ما وجب له وامتنع عليه ما امتنع عليه. # قيل: هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ~~ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا قيل: ~~إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمي بعض المخلوقات حيا سمعيا عليما بصيرا ~~فإذا قيل: يلزم ms0613 أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودا حيا ~~عليما سميعا بصيرا قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى ~~فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا إمكانا ولا نقصا ولا شيئا مما ينافي صفات ~~الربوبية # PageV03P074 # وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو الحي أو ~~العلم أو العليم أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير أو القدرة أو ~~القدير والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر؛ فلم يقع بينهما ~~اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم فإن ما ~~يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا ~~فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدرة ولم يكن في ذلك شيء مما يدل ~~على خصائص المخلوقين كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق لم يكن في إثبات ~~هذا محذور أصلا؛ بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لا بد بينهما ~~من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود ولهذا لما اطلع الأئمة ~~على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا ~~وربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء فإذا نفى القدر المشترك مطلقا لزم ~~التعطيل العام. # والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى كالحياة والعلم والقدرة بل الوجود ~~والثبوت والحقيقة ونحو ذلك: تجب لوازمها فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت ~~اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا ~~بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك # PageV03P075 # والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم وهذا الموضع من ~~فهمه فهما جيدا وتدبره: زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من ~~الأذكياء في هذا المقام وقد بسط هذا في مواضع كثيرة وبين فيها أن القدر ~~المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وأن معنى اشتراك ~~الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ms0614 ذلك الوجه وأن ذلك المعنى العام ~~يطلق على هذا وهذا؛ لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء ~~موجود فيه بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله ولما كان الأمر ~~كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام؛ فتارة يظن أن إثبات القدر ~~المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات ~~حذرا من ملزومات التشبيه وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على تقدير ~~فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة ولكثرة الاشتباه في ~~هذا المقام: وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائد على ~~ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما ~~وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها # PageV03P076 # وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ~~ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات؛ ~~فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها؛ ~~وتارة يبقى في الشك والتحير وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات وما وقع ~~من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه ~~الجمل المختصرة وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته ~~الموجودة في الخارج؛ بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في ~~الخارج؛ وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك فهذه الألفاظ ~~كلها متواطئة فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها فالمشكك نوع من المتواطئ ~~العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى ~~متفاضلا في موارده أو متماثلا. وبينا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن ~~لا في الخارج فلا فرق بين الثبوت والوجود لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي ~~والعيني مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة ولكن هو العلم التابع ~~للعالم القائم به وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف: ms0615 لها ~~وجود في # PageV03P077 # الأذهان وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها ~~المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها ~~التنبيه على جمل مختصرة جامعة من فهمها علم قدر نفعها وانفتح له باب الهدى ~~وإمكان إغلاق باب الضلال؛ ثم بسطها وشرحها له مقام آخر؛ إذ لكل مقام مقال " ~~والمقصود ": هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه ~~عنه - كما يفعله كثير من المصنفين - خطأ لمن تدبر ذلك وهذا من طرق النفي ~~الباطلة. # PageV03P078 # فصل: # وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما ~~يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن ~~والبكاء ونحو ذلك ويريدون الرد على اليهود: الذين يقولون إنه بكى على ~~الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه الله ~~فإن كثيرا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك ويقولون ~~لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا وذلك ممتنع وبسلوكهم مثل ~~هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة نفاة الأسماء والصفات فإن هذه ~~الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه: # أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل ~~والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ~~ما ليس في ذلك وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام والدليل معرف ~~للمدلول ومبين له؛ فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى كما لا ~~يفعل مثل ذلك في الحدود. # PageV03P079 # الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات: يمكنهم أن يقولوا نحن ~~لا نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم فيصير ~~نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال فيصير كلام من وصف الله بصفات ~~الكمال وصفات النقص واحدا ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد وهذا ~~في غاية الفساد # الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة واتصافه بصفات ~~الكمال واجب ثابت بالعقل ms0616 والسمع فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة # الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون فكل من أثبت شيئا منهم ألزمه ~~الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات كما أن كل من نفى شيئا منهم ألزمه الآخر ~~بما يوافقه فيه من النفي. فمثبتة الصفات - كالحياة والعلم والقدرة والكلام ~~والسمع والبصر - إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات ~~أعراض والعرض لا يقوم إلا بالجسم أو لأنا لا نعرف موصوفا بالصفات إلا جسما. ~~قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير. وقلتم: ليس بجسم؛ ~~وأنتم لا تعلمون موجودا حيا عالما قادرا إلا جسما فقد أثبتموه على خلاف ما ~~علمتم فكذلك نحن وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيا عالما قادرا؛ بلا حياة ولا علم ~~ولا قدرة وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل # PageV03P080 # ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض أو من ~~وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء أو بالوجه واليد ونحو ذلك إذا ~~قالوا: هذا يقتضي التجسيم لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم قالت ~~لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ~~والكلام وهذا هكذا؛ فإذا كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن ~~أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك؛ فالتفريق بينهما تفريق بين ~~المتماثلين ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق ~~طريقا فاسدا: لم يسلكه أحد من السلف والأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله ~~بالجسم لا نفيا ولا إثباتا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك لأنها عبارات ~~مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره ~~على اليهود وغيرهم من الكفار: ما هو من هذا النوع؛ بل هذا هو من الكلام ~~المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة. # PageV03P081 # فصل: # وأما في طرق الإثبات، فمعلوم - أيضا - أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد ~~نفي التشبيه إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه ms0617 من ~~الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه - مع نفي التشبيه وأن ~~يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه كما لو وصفه مفتر عليه ~~بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه. وكما لو قال المفتري: يأكل ~~لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم؛ كما ~~يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم. ولجاز أن يقال: له ~~أعضاء كثيرة لا كأعضائهم كما قيل: له وجه لا كوجوههم ويدان لا كأيديهم. حتى ~~يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك مما يتعالى الله عز وجل عنه سبحانه ~~وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات ~~الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت ~~التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات فلا بد من إثبات فرق في ~~نفس الأمر # PageV03P082 # فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ ~~به السمع قيل له أولا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه فما ~~أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات؛ والخبر دليل على المخبر عنه ~~والدليل لا ينعكس؛ فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه فما لم يرد به السمع ~~يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع؛ إذا لم يكن نفاه ~~ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة فلا بد من ذكر ما ~~ينفيها من السمع وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها وأيضا: فلا ~~بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى فإن الأمور المتماثلة في ~~الجواز والوجوب والامتناع: يمتنع اختصاص بعضها دون بعض في الجواز والوجوب ~~والامتناع فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي ولا بد من ~~اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد ~~من أمر يوجب ms0618 نفي ما يجب نفيه عن الله كما أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ~~ثابت وإن كان السمع كافيا كان مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه فما الفرق ~~في نفس الأمر بين هذا وهذا؟ فيقال: كلما نفي صفات الكمال الثابتة لله فهو ~~منزه عنه فإن ثبوت أحد # PageV03P083 # الضدين يستلزم نفي الآخر فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه وأنه قديم ~~واجب القدم: علم امتناع العدم والحدوث عليه وعلم أنه غني عما سواه فالمفتقر ~~إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه: ليس هو موجودا بنفسه بل بنفسه ~~وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه فلا يوجد إلا به. وهو سبحانه ~~غني عن كل ما سواه فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه؛ وهو سبحانه قدير قوي فكل ~~ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه وهو سبحانه حي قيوم فكل ما نافى حياته ~~وقيوميته فهو منزه عنه وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات ~~الكمال ما قد ورد فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه كما ينفي عنه المثل والكفؤ ~~فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف ~~إثبات ضده فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه. فطرق العلم بنفي ما ~~ينزه عنه الرب متسعة لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه ~~والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير: الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين ~~المتماثلين حتى أن كل من أثبت شيئا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه ~~وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي فقالوا: # PageV03P084 # : لا يقال لا موجود ولا ليس بموجود ولا حي ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه ~~بالموجود أو المعدوم فلزم نفي النقيضين: وهو أظهر الأشياء امتناعا ثم إن ~~هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات: أعظم مما فروا ~~منه من التشبيه بالأحياء الكاملين فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه ~~متسعة لا تحتاج إلى هذا وقد تقدم أن ما ms0619 ينفى عنه - سبحانه - النفي المتضمن ~~للإثبات إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال فإن المعدوم يوصف بالنفي ~~والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس هذا مدحا له لأن مشابهة الناقص في صفات ~~النقص نقص مطلقا كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه ~~عنه الرب تبارك وتعالى والنقص ضد الكمال؛ وذلك مثل أنه قد علم أنه حي ~~والموت ضد ذلك فهو منزه عنه؛ وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة فإن النوم ~~أخو الموت وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة والأكل والشرب ونحو ذلك من ~~الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ~~ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه. وكل من يحتاج إلى من يحمله ~~أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه # PageV03P085 # ليس مستغنيا عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب والآكل والشارب أجوف والمصمت ~~الصمد أكمل من الآكل والشارب ولهذا كانت الملائكة صمدا لا تأكل ولا تشرب ~~وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق ~~فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله تعالى: ~~{الله الصمد} والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب وهذه السورة هي نسب ~~الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب وقال في حق المسيح وأمه: {ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} فجعل ~~ذلك دليلا على نفي الألوهية فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى ~~والأحرى والكبد والطحال ونحو ذلك: هي أعضاء الأكل والشرب فالغني المنزه عن ~~ذلك: منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف ~~بالعمل والفعل؛ إذ ذاك من صفات الكمال؛ فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر ~~على الفعل. وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه وكذلك ~~البكاء والحزن: هو مستلزم الضعف والعجز الذي ينزه عنه سبحانه؛ بخلاف الفرح ~~والغضب: فإنه من صفات ms0620 الكمال فكما يوصف بالقدرة دون # PageV03P086 # العجز وبالعلم دون الجهل وبالحياة دون الموت وبالسمع دون الصمم وبالبصر ~~دون العمى وبالكلام دون البكم: فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن وبالضحك دون ~~البكاء ونحو ذلك وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ ~~له ولا سمي له وليس كمثله شيء فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من ~~المخلوقات ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات فيعلم قطعا ~~أنه ليس من جنس المخلوقات لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب ولا الهواء ~~ولا الماء ولا الأرض ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم ولا غير ذلك بل ~~يعلم أن حقيقته عن مماثلات شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق وأن ~~مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر ~~فإن الحقيقتين إذا تماثلتا: جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى ووجب لها ~~ما وجب لها. فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على ~~المحدث المخلوق من العدم والحاجة وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب ~~والفناء فيكون الشيء الواحد واجبا بنفسه غير واجب بنفسه موجودا معدوما وذلك ~~جمع بين النقيضين وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر ~~كبصري أو يد كيدي ونحو ذلك تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا # PageV03P087 # وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه واستيفاء طرق ذلك؛ ~~لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك ~~وطرقه وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه ~~سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه. فنثبت ما علمنا ثبوته وننفي ما علمنا نفيه ~~ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته والله أعلم. # PageV03P088 # (ا) القاعدة السابعة: # أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه " السمع " يعلم " بالعقل " أيضا والقرآن ~~يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه؛ كما ذكر الله ذلك في غير ~~موضع. فإنه ms0621 سبحانه وتعالى: بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته ~~وعلمه وغير ذلك: ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه؛ كما بين أيضا ما دل على ~~نبوة أنبيائه؛ وما دل على المعاد وإمكانه فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: ~~- من جهة أن الشارع أخبر بها. ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل ~~بها عليها والأمثال المضروبة في القرآن هي " أقيسة عقلية " وقد بسط في غير ~~هذا الموضع وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا وكثير من أهل ~~الكلام يسمي هذه " الأصول العقلية " لاعتقاده أنها # PageV03P088 # (ب) لا تعلم إلا بالعقل فقط فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق ~~الذي هو النبي لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل ثم إنهم قد ~~يتنازعون في الأصول التي تتوقف إثبات النبوة عليها. " فطائفة " تزعم: أن ~~تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ~~ذلك ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل و " طائفة " تزعم أن حدوث ~~العالم من هذه الأصول وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه وإثبات ~~حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات، وإما ~~بحدوث الأفعال القائمة بها فيجعلون نفي أفعال الرب ونفي صفاته من الأصول ~~التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب ~~والسنة على نقيض قولهم لظنهم أن العقل عارض السمع - وهو أصله - فيجب تقديمه ~~عليه والسمع: إما أن يؤول وإما أن يفوض وهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون ~~الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم لما تقدم وهؤلاء يضلون من وجوه: # PageV03P088 # (ج) (منها) : ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة وليس الأمر كذلك بل القرآن ~~بين من الدلائل العقلية - التي تعلم بها المطالب الدينية - ما لا يوجد مثله ~~في كلام أئمة النظر فتكون هذه المطالب: شرعية عقلية و (منها: ظنهم أن ~~الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها وهم مخطئون قطعا في ~~انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه فإن طرق العلم ms0622 بصدق الرسول كثيرة كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع و (منها: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة وقد تكون ~~باطلة (ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل ويكونون غالطين في ~~ذلك؛ فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من ~~المجهولات؛ لا من المعقولات وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا: أن من " صفات الله تعالى " ما قد يعلم بالعقل كما يعلم أنه ~~عالم وأنه قادر وأنه حي؛ كما أرشد إلى ذلك قوله: {ألا يعلم من خلق} وقد ~~اتفق النظار من مثبتة الصفات: على أنه يعلم بالعقل (عند المحققين أنه حي؛ ~~عليم؛ قدير؛ مريد؛ وكذلك السمع؛ والبصر والكلام. يثبت # PageV03P088 # (د) بالعقل عند المحققين بل وكذلك الحب والرضا والغضب. يمكن إثباته ~~بالعقل وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل كما أثبتته ~~بذلك الأئمة: مثل أحمد بن حنبل وغيره. ومثل: عبد العالي المكي وعبد الله بن ~~سعيد بن كلاب؛ بل وكذلك إمكان الرؤية: يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن ~~كل موجود تصح رؤيته ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته. وهذه ~~الطريق أصح من تلك وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين بتقسيم دائر ~~بين النفي والإثبات كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية فإن ~~ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم: أحق به من ~~الممكن المحدث والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود ~~هنا: أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا ~~الباب: أنه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين: للزم اتصافه ~~بالأخرى؛ فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت؛ ولو لم يوصف # PageV03P088 # (ه) بالقدرة لوصف بالعجز؛ ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم ~~والخرس والبكم وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه. ~~فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى وتلك صفة نقص ينزه ms0623 ~~عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أولى. وهذه الطريق غير قولنا ~~إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق؛ فالخالق أولى فإن طريق إثبات صفات ~~الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها وقد اعترض طائفة من ~~النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس؛ حتى صار كثير من ~~أهل الإثبات يظن صحته ويضعف الإثبات به مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار ~~حتى الآمدي وأمثاله (1) مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من ~~الجهمية. فقالوا: القول بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات؛ كالسمع والبصر ~~والكلام مع كونه حيا: لكان متصفا بما يقابلها. # فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما فنقول: ~~PageV03P088 # (و) أما المتقابلان فلا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة وهو إما ألا ~~يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب: أو يصح ذلك في أحد الطرفين؛ ولأنهما ~~متقابلان بالسلب والإيجاب وهو تقابل التناقض؛ والتناقض هو اختلاف القضيتين ~~بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما؛ ~~كقولنا: زيد حيوان زيد ليس بحيوان. ومن خاصة استحالة اجتماع طرفيه في الصدق ~~والكذب: أنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين من جهة واحدة ~~ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب؛ إذ كون الموجود واجبا بنفسه ~~وممكنا بنفسه. لا يجتمعان ولا يرتفعان فإذا جعلتم هذا التقسيم: وهما " ~~النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان " فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان وليس ~~هما السلب والإيجاب فلا يصح حصر النقيضين - اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان ~~- في السلب والإيجاب وحينئذ فقد ثبت وصفان - شيئان - لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان؛ وهو خارج عن الأقسام الأربعة على هذا فمن جعل الموت معنى وجوديا: ~~فقد يقول إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب؛ وكذلك ~~العلم والجهل والصمم والبكم ونحو ذلك # PageV03P088 # (ز) (الوجه الثاني) : أن يقال: هذا القسيم يتداخل؛ فإن العدم والملكة: ~~يدخل في السلب والإيجاب وغايته أنه نوع منه والمتضايفان يدخلان في ~~المتضادين إنما ms0624 هما نوع منه فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب: فلا يدخل في ~~العدم والملكة - وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له - ولهذا جعل من ~~خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه. إلى آخره قيل له: عن هذا جوابان: - ~~أحدهما: أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين: أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف ~~الشيء به والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به. فيقال: الأول إثبات ما يمكن ~~اتصافه ولا يجب والثاني: إثبات ما يجب اتصافه به؛ فيكون المراد به سلب ~~ممتنع. وإثبات الواجب. كقولنا زيد حيوان فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر ~~فإن هذا سلب ممتنع وعلى هذا التقدير فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم - ~~كقولنا المثلث إما موجود وإما معدوم - يكون من قسم العدم والملكة وليس ~~كذلك. فإن # PageV03P088 # (ح) ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد على المتقابلين جميعا ولا يخلو ~~شيء من الممكنات عن الوجود والعدم. وأيضا فإنه على هذا التقدير - فصفات ~~الرب كلها واجبة له - فإذا قيل إما أن يكون حيا أو عليما أو سميعا أو بصيرا ~~أو متكلما؛ أو لا يكون: كان مثل قولنا: إما أن يكون موجودا؛ وإما أن لا ~~يكون. وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب فيكون الآخر مثله وبهذا يحصل ~~المقصود. فإن قيل: هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات: قيل له ~~هذا إنما اشتركا فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان؛ فأما الرب تعالى: ~~فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة ضرورة؛ فإنه لا يمكن اتصافه بها وبعدمها ~~باتفاق العقلاء. فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيا وتارة ميتا وتارة أصم وتارة ~~سميعا وهذا يوجب اتصافه بالنقائص؛ وذلك منتف قطعا؛ بخلاف من نفاها وقال: إن ~~نفيها ليس بنقص لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها فإن من قال هذا لا يمكنه أن ~~يقول: إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصا فإن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة. وقيل له أيضا: أنت في تقابل السلب والإيجاب إن اشترطت العلم ~~بإمكان الطرفين: لم يصح أن تقول واجب ms0625 الوجود؛ إما موجود وإما معدوم؛ # PageV03P088 # (ط) والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم؛ لأن أحد الطرفين هنا معلوم ~~الوجود. والآخر معلوم الامتناع وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول ~~إما أن يكون حيا وإما ألا يكون؛ وإما أن يكون سميعا بصيرا وإما أن لا يكون؛ ~~لأن النفي إن كان ممكنا صح التقسيم وإن كان ممتنعا: كان الإثبات واجبا وحصل ~~المقصود فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ~~ذلك كما ذكر في الاعتراض؛ لكن غايته: أنه إما سميع وإما ليس بسميع وإما ~~بصير وإما ليس ببصير؛ والمنازع يختار النفي فيقال له: على هذا التقدير: ~~فالمثبت واجب؛ والمسلوب ممتنع. فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له وإما أن ~~تكون ممتنعة عليه والقول بالامتناع لا وجه له؛ إذ لا دليل عليه بوجه. بل قد ~~يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع؛ فإنه لا يمكن أن يستدل على ~~امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات؛ وقد علم فساد ذلك ~~وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له. واعلم أن هذا يمكن أن يجعل طريقة ~~مستقلة في إثبات صفات الكمال له فإنها إما واجبة له وإما ممتنعة عليه ~~والثاني باطل فتعين الأول؛ لأن كونه قابلا # PageV03P088 # (ى) لها خاليا عنها يقتضي أن يكون ممكنا وذلك ممتنع في حقه وهذه طريقة ~~معروفة لمن سلكها من النظار (الجواب الثاني أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا زيد ~~إما عاقل وإما غير عاقل؛ وإما عالم وإما ليس بعالم وإما حي وإما غير حي ~~وإما ناطق وإما غير ناطق. وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها لم ~~يكن هذا داخلا في قسم تقابل السلب والإيجاب ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم ~~بالضرورة وخلاف اتفاق العقلاء وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره. ومعلوم أن ~~مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم منه صدق إحداهما كذب ~~الأخرى فلا يجتمعان في الصدق والكذب فهذه شروط التناقض موجود فيها. وغاية ~~فرقهم أن يقولوا إذا قلنا: ms0626 هو إما بصير وإما ليس ببصير: كان إيجابا وسلبا ~~وإذا قلنا: إما بصير؛ وإما أعمى: كان ملكة وعدما وهذه منازعة لفظية وإلا ~~فالمعنى في الموضعين سواء. فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب وهذا ~~يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: أنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر فإن ~~الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ العمى (الوجه الثالث أن يقال: ~~التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن # PageV03P088 # (ك) يختلفا بالسلب والإيجاب وإما أن لا يختلفا بذلك بل يكونان إيجابيين ~~أو سلبيين. فالأول هو النقيضان. والثاني إما أن يمكن خلو المحل عنهما وإما ~~أن لا يمكن والأول: هما الضدان كالسواد والبياض. والثاني: هما في معنى ~~النقيضين وإن كانا ثبوتيين كالوجوب والإمكان والحدوث والقدم والقيام بالنفس ~~والقيام بالغير والمباينة والمجانبة ونحو ذلك ومعلوم أن الحياة والموت ~~والصمم والبكم والسمع: ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما ~~كالحمرة بين السواد والبياض فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى ~~تعين الآخر (الوجه الرابع: المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم ~~والقدرة والكلام ونحوها: أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها ولهذا كان ~~الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى وحينئذ فإذا كان البارئ منزها عن نفي هذه ~~الصفات؛ مع قبوله لها فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى إذ بتقدير ~~قبوله لها يمتنع منع المتقابلين واتصافه بالنقائص ممتنع فيجب اتصافه بصفات ~~الكمال وبتقدير عدم قبوله # PageV03P088 # (ل) لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص وهذا أشد امتناعا ~~فثبت أن اتصافه بذلك ممكن وأنه واجب له وهو المطلوب. وهذا في غاية الحسن ~~(الوجه الخامس. أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه ~~بثبوت فإذا عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي - هو أن يعلم ثبوت ذلك في ~~الخارج - كان هذا باطلا لوجهين: - أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا ~~توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة وهو قولكم - لكن هذا ~~اصطلاح محض - وألا تصفوا هذه الجمادات ms0627 بالموت والصمت وقد جاء القرآن بذلك. ~~قال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} فهذا في " الأصنام " وهي من الجمادات ~~وقد وصفت بالموت والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والموتان قال أهل اللغة: ~~الموتان بالتحريك خلاف الحيوان يقال: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان أي ~~اشتر الأرض والدور؛ ولا تشتر الرقيق والدواب؛ وقالوا أيضا: الموات ما لا ~~روح فيه فإن قيل: فهذا إنما يسمى مواتا باعتبار قوله " للحياة " التي هي ~~إحياء الأرض: قيل وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان وأن الجماد ~~يوصف بالحياة إذا كان قابلا للزرع والعمارة؛ والخرس ضد النطق والعرب تقول # PageV03P088 # (م) " لبن أخرس " أي خاثر لا صوت له في الإناء " وسحابة خرساء " ليس فيها ~~رعد ولا برق " وعلم أخرس " إذا لم يسمع له في الجبل صوت صدى " ويقال: " ~~كتيبة خرساء " قال أبو عبيدة: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس له فقاقع ~~وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت؛ فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه؛ ~~بخلاف الخرس فإنه عجز عن النطق. ومع هذا فالعرب تقول: " ما له صامت ولا ~~ناطق " فالصامت الذهب والفضة والناطق الإبل والغنم فالصامت من اللبن: ~~الخاثر والصموت: الدرع التي صمت إذا لم يسمع له صوت. ويقولون: دابة عجماء ~~وخرساء لما لا تنطق ولا يمكن منها النطق في العادة ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {العجماء جبار} وكذلك في " العمياء " تقول العرب: عمى الموج يعمي ~~عما إذا رمى بالقذى والزبد؛ و " الأعميان " السيل والجمل الهائج. وعمى عليه ~~الأمر إذا التبس ومنه قوله تعالى {فعميت عليهم الأنباء يومئذ} وهذه الأمثلة ~~قد يقال في بعضها إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت؛ ولكن فيها ما ~~لا يقبل كموت الأصنام. الثاني: أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك فإن الله ~~سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة كما جعل عصى موسى حية تبتلع الحبال ~~والعصي - وإذا كان # PageV03P088 # (ن) في إمكان العادات: كان ذلك مما قد علم ms0628 بالتواتر - وأنتم أيضا قائلون ~~به في مواضع كثيرة وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ~~ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك فيكون الخالق أولى بهذا الإمكان ~~وإن عنيتم الإمكان الذهني - وهو عدم العلم بالامتناع - فهذا حاصل في حق ~~الله فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام (الوجه السادس أن ~~يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي فإمكان الوصف للشيء يعلم ~~تارة بوجوه له أو بوجوده لنظيره أو بوجوده لما هو الشيء أولى بذلك منه ~~ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام: ثابت للموجودات ~~المخلوقة وممكن لها. فإمكانها للخالق تعالى أولى وأحرى؛ فإنها صفات كمال. ~~وهو قابل للاتصاف بالصفات؛ وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لاتصف ~~بأضدادها (الوجه السابع أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته سواء سميت ~~عمى وصمما وبكما أو لم تسم. والعلم بذلك ضروري فأما إذا قدرنا موجودين ~~أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم والآخر ليس كذلك: كان الأول أكمل من الثاني ولهذا ~~عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات؛ فقال تعالى عن # PageV03P088 # (س) إبراهيم الخليل: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} ~~وقال أيضا في قصته: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وقال تعالى عنه: {هل ~~يسمعونكم إذ تدعون} {أو ينفعونكم أو يضرون} {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون} {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين} وكذلك في قصة موسى في العجل: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} وقال تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} فقابل بين الأبكم العاجز ~~وبين الآمر بالعدل: الذي هو على صراط مستقيم. # PageV03P088 # فصل: # وأما الأصل الثاني - وهو التوحيد في العبادات - المتضمن للإيمان بالشرع ~~والقدر جميعا. فنقول: لا بد من الإيمان بخلق الله وأمره ms0629 فيجب الإيمان بأن ~~الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر ~~المقادير وكتبها حيث شاء كما قال تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} . ويجب الإيمان بأن ~~الله أمر بعبادته وحده لا شريك له كما خلق الجن والإنس لعبادته وبذلك أرسل ~~رسله وأنزل كتبه وعبادته تتضمن # PageV03P089 # كمال الذل والحب له وذلك يتضمن كمال طاعته {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى: ~~{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال ~~تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} فأمر ~~الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح: " {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد والأنبياء إخوة لعلات ~~وإن أولى الناس بابن مريم لأنا؛ إنه ليس بيني وبينه نبي} وهذا الدين هو دين ~~الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين فإن ~~جميع الأنبياء على دين الإسلام قال الله تعالى عن نوح {واتل عليهم نبأ نوح ms0630 ~~إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري # PageV03P090 # بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم} إلى قوله: {وأمرت أن ~~أكون من المسلمين} . وقال عن إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه} إلى قوله؛ {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} إلى قوله: ~~{فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وقال عن موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} وقال في خبر المسيح: {وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} وقال فيمن ~~تقدم من الأنبياء: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} وقال عن ~~بلقيس أنها قالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ~~فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده؛ فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم ~~يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر ~~والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. فهذا دين الإسلام الذي ~~لا يقبل الله غيره؛ وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ~~ذلك الوقت؛ فإذا أمر في أول الأمر باستقبال # PageV03P091 # الصخرة ثم أمرنا ثانيا باستقبال الكعبة: كان كل من الفعلين حين أمر به ~~داخلا في الإسلام فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين؛ وإنما تنوع بعض ~~صور الفعل وهو وجه المصلى فكذلك الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة ~~والمنهاج والوجه والمنسك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا كما لم يمنع ~~ذلك في شريعة الرسول الواحد والله تعالى جعل من دين الرسل: أن أولهم يبشر ~~بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به قال الله تعالى: {وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال ~~فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} قال ابن عباس: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ ~~عليه الميثاق لئن بعث محمد ms0631 وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وقال تعالى: ~~{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} وجعل الإيمان متلازما وكفر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ~~ببعض # PageV03P092 # قال الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} ~~{أولئك هم الكافرون حقا} وقال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ~~فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون ~~إلى أشد العذاب} إلى قوله: {تعملون} وقد قال لنا: {قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ~~{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله ونحن له ~~مسلمون فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن ~~مسلما ولا مؤمنا؛ بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن. كما ذكروا أنه ~~لما أنزل الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون: فأنزل الله: {ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فقالوا: لا نحج فقال تعالى: {ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين} فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما ~~له على عباده من حج البيت؛ كما # PageV03P093 # قال صلى الله عليه وسلم " {بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج ~~البيت} ولهذا لما وقف النبي ms0632 صلى الله عليه وسلم بعرفة أنزل الله تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وقد ~~تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ " وهو نزاع ~~لفظي " فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ~~المتضمن لشريعة القرآن: ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام ~~اليوم عند الإطلاق يتناول هذا وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث ~~الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء. # ورأس الإسلام مطلقا شهادة أن لا إله إلا الله وبها بعث جميع الرسل كما ~~قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وقال عن الخليل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما ~~تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ~~يرجعون} وقال تعالى عنه: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} ~~{فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم # PageV03P094 # العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله} وقال {واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ؟ وذكر عن رسله: كنوح وهود ~~وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وقال عن ~~أهل الكهف: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} {وربطنا على قلوبهم إذ ~~قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا} إلى قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} وقد قال سبحانه: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ذكر ذلك في موضعين من ~~كتابه وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك ms0633 بالأنبياء، والشرك ~~بالكواكب، والشرك بالأصنام - وأصل الشرك الشرك بالشيطان - فقال عن النصارى: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال تعالى: {وإذ ~~قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} {ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه # PageV03P095 # الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} ~~إلى قوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون} ؟ فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ومعلوم ~~أن أحدا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم ~~شاركوا الله في خلق السموات والأرض. بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له ~~صانعان متكافئان في الصفات والأفعال. بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلها ~~مساويا لله في جميع صفاته بل عامة المشركين بالله: مقرون بأنه ليس شريكه ~~مثله بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكا أو نبيا أو كوكبا ~~أو صنما؛ كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما ملك " فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ~~وقال: " {لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ~~لا شريك لك} وقد ذكر أرباب المقالات: ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين ~~في الملل والنحل والآراء والديانات فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له ~~في خلق جميع المخلوقات ولا مماثل له في جميع الصفات؛ بل من أعظم # PageV03P096 # ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين " النور " و " الظلمة ~~" وأن ms0634 النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: ~~أحدهما: أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له والثاني: أنها قديمة لكنها ~~لم تفعل إلا الشر فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور وقد ~~أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه في ~~كتابه فقال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال تعالى: {قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} إلى قوله ~~{فأنى تسحرون} إلى قوله {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب ~~كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} وقال: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وبهذا وغيره: يعرف ما وقع من الغلط في مسمى ~~التوحيد فإن عامة # PageV03P097 # المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر: غايتهم أن يجعلوا ~~التوحيد (ثلاثة أنواع) . فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في ~~صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم ~~هو الثالث وهو " توحيد الأفعال " وهو أن خالق العالم واحد وهم يحتجون على ~~ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أن هذا هو التوحيد ~~المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله حتى قد يجعلوا معنى ~~الإلهية القدرة على الاختراع ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم أولا: لم يكونوا يخالفونه في هذا بل كانوا يقرون ~~بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا وهم مع هذا مشركون ~~فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك؛ ولكن غاية ما يقال: ms0635 ~~إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله كالقدرية وغيرهم؛ لكن ~~هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم وإن قالوا إنهم خلقوا ~~أفعالهم وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات ~~مبدعة لبعض الأمور هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة # PageV03P098 # مخلوقة لا يقولون إنها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق فأما من أنكر ~~الصانع فذاك جاحد معطل للصانع كالقول الذي أظهر فرعون والكلام الآن مع ~~المشركين بالله المقرين بوجوده فإن هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه ~~هؤلاء المشركون بل يقرون به مع أنهم مشركون كما ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام وكذلك " النوع الثاني " - وهو ~~قولهم: لا شبيه له في صفاته - فإنه ليس في الأمم من أثبت قديما مماثلا له ~~في ذاته سواء قال إنه يشاركه. أو قال: إنه لا فعل له؛ بل من شبه به شيئا من ~~مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له ~~مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه؛ فإن ذلك يستلزم ~~الجمع بين النقيضين كما تقدم وعلم أيضا بالعقل أن كل موجودين قائمين ~~بأنفسهما فلا بد بينهما من قدر مشترك كاتفاقهما في مسمى الوجود والقيام ~~بالنفس والذات ونحو ذلك فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض وإنه لا بد من ~~إثبات خصائص الربوبية وقد تقدم الكلام على ذلك ثم إن الجهمية من المعتزلة ~~وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد فصار من قال: إن لله علما أو ~~قدرة أو إنه يرى في الآخرة أو إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق يقولون: ~~إنه مشبه ليس بموحد # PageV03P099 # وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى وقالوا: من قال ~~إن الله عليم قدير عزيز حكيم: فهو مشبه ليس بموحد وزاد عليهم غلاة الغلاة ~~وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات؛ لأن في كل منهما تشبيها له وهؤلاء ~~كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما ms0636 فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات ~~والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيههم - بزعمهم - له بالأحياء ومعلوم أن ~~هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلا وهو سبحانه ~~وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلا فرق بين ~~إثبات الذات وإثبات الصفات؛ فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة ~~للذوات: لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك فصار هؤلاء الجهمية ~~المعطلة يجعلون هذا توحيدا؛ ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون أنفسهم ~~الموحدين وكذلك " النوع الثالث " وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته أو ~~لا جزء له أو لا بعض له؛ لفظ مجمل فإن الله سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد؛ فيمتنع عليه أن يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من ~~أجزاء؛ لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه ~~وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله ويجعلون ذلك من ~~التوحيد # PageV03P100 # فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل ولو كان ~~جميعه حقا؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم ~~به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بل لا بد أن يعترفوا ~~أنه لا إله إلا الله وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع كما ظنه ~~من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظنوا أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون ~~غيره وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا ~~إله إلا هو. فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل ~~الإله الحق هو الذي يستحق بأن يعبد فهو إله بمعنى مألوه؛ لا إله بمعنى آله؛ ~~والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر ~~وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار؛ أهل الإثبات للقدر المنتسبون ms0637 إلى ~~السنة إنما هو توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء ومع هذا فالمشركون كانوا ~~مقرين بذلك مع أنهم مشركون وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى ~~المعرفة والتحقيق والتوحيد: غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد ~~وأن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا سيما إذا غاب العارف بموجوده ~~عن # PageV03P101 # وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية ~~بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية ~~وراءها ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ولا يصير ~~الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله أو من سادات ~~الأولياء وطائفة من أهل التصوف والمعرفة: يقررون هذا التوحيد مع إثبات ~~الصفات فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المباين ~~لمخلوقاته، وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا، ~~وهذا شر من حال كثير من المشركين وكان جهم ينفي الصفات ويقول بالجبر فهذا ~~تحقيق قول جهم لكنه إذا أثبت الأمر والنهي والثواب والعقاب: فارق المشركين ~~من هذا الوجه لكن جهما ومن اتبعه يقول بالإرجاء؛ فيضعف الأمر والنهي ~~والثواب والعقاب عنده. # والنجارية والضرارية وغيرهم: يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع ~~مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات. # PageV03P102 # والكلابية والأشعرية: خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله ~~الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة كما فصلت أقوالهم ~~في غير هذا الموضع وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم ~~متقاربة. والكلابية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب الذي سلك ~~الأشعري خطته وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي ~~ونحوهما. خير من الأشعرية في هذا وهذا فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة ~~أقرب كان قوله أعلى وأفضل والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم ~~إليه أحد حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون ms0638 ~~المنافق مؤمنا؛ لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، ~~وأما في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في ~~أقوالها مخالفة للسنة وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات ويقاربون قول جهم ~~لكنهم # PageV03P103 # ينفون القدر؛ فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ وغلوا فيه؛ فهم ~~يكذبون بالقدر ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالأمر والنهي ~~والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم ~~الخوارج: الحرورية وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم ~~بنور النبوة قويت البدعة فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع ~~إعراضهم عن الأمر والنهي: شر من القدرية المعتزلة ونحوهم: أولئك يشبهون ~~المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء} والمشركون شر من المجوس فهذا أصل عظيم على المسلم ~~أن يعرفه؛ فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أصل الإيمان من أهل الكفر وهو ~~الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله. وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما مع ~~ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة. # PageV03P104 # فإقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه: لا ينجيه من عذاب الله ~~إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو؛ ~~وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر فلا بد من ~~الكلام في هذين الأصلين: # الأصل الأول " توحيد الإلهية " # فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين ~~الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله قال تعالى: {ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم ms0639 في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} ~~فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون وقال تعالى عن مؤمن يس ~~{وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} ~~{إني آمنت بربكم فاسمعون} وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} فأخبر سبحانه عن ~~شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} وقال تعالى: {ما لكم من # PageV03P105 # دونه من ولي ولا شفيع} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى: {وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ~~وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل ~~الله هذه الآية يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون ms0640 ~~رحمته ويخافون عذابه ومن تحقيق التوحيد: أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقا ~~لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة والتوكل والخوف والخشية والتقوى كما قال ~~تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} وقال تعالى: {إنا ~~أنزلنا # PageV03P106 # إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} وقال تعالى: {قل إني أمرت ~~أن أعبد الله مخلصا له الدين} وقال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون} إلى قوله: {الشاكرين} وكل من الرسل يقول لقومه: {اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره} وقد قال تعالى في التوكل: {وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين} {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقال: {قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} . فقال في الإتيان: ~~{ما آتاهم الله ورسوله} وقال في التوكل: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل: ~~ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي ~~بلغه الرسول فإن الحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه قال تعالى: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وأما الحسب فهو الكافي ~~والله وحده كاف عبده كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} فهو وحده ~~حسبهم كلهم، وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} ~~أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله فهو كافيكم كلكم # PageV03P107 # وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض الغالطين إذ هو وحده ~~كاف نبيه وهو حسبه ليس معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول وهذا في اللغة ~~كقول الشاعر: # فحسبك والضحاك سيف مهند # وتقول العرب: حسبك وزيدا درهم أي يكفيك وزيدا جميعا درهم وقال في الخوف ~~والخشية والتقوى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون} فأثبت الطاعة لله والرسول وأثبت الخشية والتقوى لله وحده كما قال ~~نوح عليه ms0641 السلام {إني لكم نذير مبين} {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} فجعل ~~العبادة والتقوى لله وحده وجعل الطاعة للرسول؛ فإنه من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله. وقد قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} وقال تعالى: {فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال الخليل عليه السلام {وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية ~~شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: وأينا لم يظلم ~~نفسه؟ # PageV03P108 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إنما هو الشرك أولم تسمعوا إلى قول ~~العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم} . وقال تعالى: {فإياي فارهبون} {وإياي ~~فاتقون} ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: " ~~{من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله ~~شيئا.} وقال: " {ولا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ~~ثم شاء محمد} ففي الطاعة: قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو، وفي المشيئة: ~~أمر أن يجعل ذلك بحرف " ثم " وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله فمن أطاع ~~الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول بخلاف المشيئة فليست مشيئة ~~أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد بل ما شاء ~~الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله. # الأصل الثاني: حق الرسول صلى الله عليه وسلم. # فعلينا أن نؤمن به ونطيعه ونتبعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال # PageV03P109 # ذلك قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال تعالى: {والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ms0642 حتى يأتي الله بأمره} وقال تعالى: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} وأمثال ذلك. # PageV03P110 # فصل: # وإذا ثبت هذا: فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره: بقضائه ~~وشرعه. وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية ~~ومشركية وإبليسية فالمجوسية: الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ ~~فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته ~~وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا ~~بالقضاء والقدر وأنكروا الأمر والنهي؛ قال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فمن احتج على تعطيل الأمر ~~والنهي بالقدر فهو من هؤلاء وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة ~~والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين لكن جعلوا هذا ~~متناقضا من الرب - سبحانه وتعالى - وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر ذلك عن ~~إبليس مقدمهم؛ كما نقله أهل المقالات ونقل عن أهل الكتاب. # PageV03P111 # والمقصود أن هذا مما تقوله أهل الضلال؛ وأما أهل الهدى والفلاح: فيؤمنون ~~بهذا وهذا ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وأحاط بكل شيء علما وكل شيء أحصاه في إمام ~~مبين ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته ~~وربوبيته وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه: ما هو من أصول الإيمان. ومع هذا ~~فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات؛ كما قال ~~تعالى: {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا ~~به من كل الثمرات} وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} ~~وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} فأخبر أنه يفعل بالأسباب ومن ~~قال: إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما ms0643 خلقه الله ~~من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان ~~التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد ~~أشرك بالله وأضاف فعله إلى غيره وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو ~~مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه ولا بد من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه ~~الله عنه فليس في # PageV03P112 # الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده قال تعالى: {ومن ~~كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد ولهذا ~~من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد - لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد - ~~كان جاهلا فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء - لا واحد ولا اثنان - ~~إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ~~فالنار التي خلق الله فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل ~~الاحتراق؛ فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما وقد يطلى ~~الجسم بما يمنع إحراقه والشمس التي يكون عنها الشعاع لا بد من جسم يقبل ~~انعكاس الشعاع عليه فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف: لم يحصل الشعاع تحته وقد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع والمقصود هنا: أنه لا بد من " الإيمان بالقدر " ~~فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس: هو نظام التوحيد فمن ~~وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده ولا ~~بد من الإيمان بالشرع وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد كما بعث ~~الله بذلك رسله وأنزل كتبه # PageV03P113 # والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا فإنه لا بد له من حركة يجلب بها ~~منفعته، وحركة يدفع بها مضرته؛ والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفعه ~~والأفعال التي تضره وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده؛ فلا يمكن ~~للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما ms0644 يفعلونه ويتركونه. وليس ~~المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم بل الإنسان المنفرد لا بد ~~له من فعل وترك؛ فإن الإنسان همام حارث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{أصدق الأسماء حارث وهمام} وهو معنى قولهم متحرك بالإرادات فإذا كان له ~~إرادة فهو متحرك بها ولا بد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار؟ وهل ~~يصلحه أو يفسده؟ وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم ~~بالأكل والشرب وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم ~~يعرفونه بالاستدلال كالذي يهتدون به بعقولهم وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف ~~الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم لهم وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال ~~هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل أم ليس لها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل؟ كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع وبينا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه. فإنهم ~~اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل وهو # PageV03P114 # أن يكون الفاعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به وسببا لما يبغضه ويؤذيه ~~وهذا القدر يعلم بالعقل تارة وبالشرع أخرى وبهما جميعا أخرى؛ لكن معرفة ذلك ~~على وجه التفصيل ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال: من السعادة ~~والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف إلا بالشرع فما أخبرت به الرسل من تفاصيل ~~اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم كما أن ما ~~أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم وإن ~~كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان وجاء ~~به الكتاب هو ما دل عليه قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} وقوله تعالى {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي إنه سميع قريب} وقوله تعالى {قل إنما أنذركم بالوحي} ولكن توهمت ~~طائفة أن للحسن والقبح معنى ms0645 غير هذا وأنه يعلم بالعقل وقابلتهم طائفة أخرى ~~ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح: يخرج عن هذا فكلا الطائفتين ~~اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم ~~غلطت # PageV03P115 # ثم إن كلتا الطائفتين لما كانتا تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط ~~والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية ودلت عليه الشواهد العقلية: ~~تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح هل ذلك ممتنع ~~لذاته وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح وأنه سبحانه منزه عن ذلك لا ~~يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين والقولان في الانحراف من ~~جنس القولين المتقدمين أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال ~~والطاعة والمعصية والأبرار والفجار وأهل الجنة وأهل النار والرحمة والعذاب؛ ~~فلا جعلوه محمودا على ما فعله من العدل أو ما تركه من الظلم ولا ما فعله من ~~الإحسان والنعمة وما تركه من التعذيب والنقمة والآخرون نزهوه بناء على ~~القبح العقلي الذي أثبتوه ولا حقيقة له وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، ~~وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء ~~في توحيد الربوبية ووقف عند الحقيقة الكونية: لم يميز بين العلم والجهل ~~والصدق والكذب والبر والفجور والعدل والظلم والطاعة والمعصية والهدى ~~والضلال والرشاد والغي وأولياء الله وأعدائه وأهل الجنة وأهل النار وهؤلاء ~~مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه فهم # PageV03P116 # مخالفون أيضا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس فإن أحدهم لا بد ~~أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء فيميز بين ما يأكل ويشرب وما لا يأكل ولا يشرب ~~وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك وهذا التمييز بين ما ينفعه ~~ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية. # ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائما: فقد افترى وخالف ~~ضرورة الحس؛ ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ~~ذلك مما يشغل عن الإحساس ببعض الأمور فأما أن يسقط ms0646 إحساسه بالكلية مع وجود ~~الحياة فيه فهذا ممتنع فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه بل يرى في منامه ما ~~يسوءه تارة وما يسره أخرى فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء ~~والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض فهي مع نقص ~~صاحبها - لضعف تمييزه - لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقا ومن نفى ~~التمييز في هذا المقام مطلقا وعظم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية ~~والدينية: قدرا وشرعا وغلط في خلق الله وفي أمره حيث ظن أن وجود هذا؛ لا ~~وجود له وحيث ظن أنه ممدوح ولا مدح في عدم التمييز: العقل والمعرفة. وإذا ~~سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد أن لا أريد أو أن العارف لا حظ له وأنه يصير ~~كالميت بين يدي الغاسل ونحو ذلك فهذا إنما يمدح # PageV03P117 # منه سقوط إرادته التي يؤمر بها وعدم حظه الذي لا يؤمر بطلبه وأنه كالميت ~~في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه ومن أراد بذلك أنه تبطل ~~إرادته بالكلية وأنه لا يحس باللذة والألم؛ والنافع والضار فهذا مخالف ~~لضرورة الحس والعقل. ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل. # والفناء يراد به ثلاثة أمور: # أحدها: هو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب وهو ~~أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به: فيفنى عن عبادة غيره ~~بعبادته وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله وعن التوكل على غيره بالتوكل ~~عليه وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله؛ وعن خوف غيره بخوفه بحيث لا ~~يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما كما قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} فهذا كله هو ~~مما أمر الله به ورسوله وأما (الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية ~~وهو ms0647 أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذكوره ~~عن ذكره # PageV03P118 # وبمعروفه عن معرفته بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى فهذا ~~حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين وليس هو من لوازم طريق الله ولهذا لم يعرف ~~مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم وللسابقين الأولين ومن جعل هذا نهاية ~~السالكين فهو ضال ضلالا مبينا وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ ~~بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض ليس هو من اللوازم ~~التي تحصل لكل سالك وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوي بحيث يرى أن ~~وجود المخلوق هو عين وجود الخالق وأن الوجود واحد بالعين فهو قول أهل ~~الإلحاد والاتحاد الذين هم من أضل العباد وأما مخالفتهم لضرورة العقل ~~والقياس: فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله فإنه إذا كان مشاهدا ~~للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور فعومل بموجب ذلك مثل أن يضرب ~~ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد ~~نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور فخلق الله ~~وقدره ومشيئته: متناول لك وله وهو يعمكما فإن كان القدر حجة لك فهو حجة ~~لهذا وإلا فليس بحجة لا لك ولا له فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر ~~إلى القدر ويعرض # PageV03P119 # عن الأمر والنهي والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ~~المقدور كما قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} . وقال في ~~قصة يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فالتقوى فعل ~~ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه ولهذا قال الله تعالى: {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} فأمره مع الاستغفار ~~بالصبر؛ فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ms0648 " {يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي ~~نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} وقال: ~~" {إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة} . ~~وكان يقول " {اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به ~~مني؛ اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي وكل ذلك عندي؛ اللهم اغفر لي ما ~~قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت ~~المؤخر} وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه ~~فتاب عليه وهداه؛ وعن إبليس أبي الجن - لعنه الله - أنه أصر متعلقا بالقدر ~~فلعنه وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم # PageV03P120 # قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد ~~والاستغفار في غير آية كما قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقال تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه} وقال ~~تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} {ألا تعبدوا إلا ~~الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا إلى أجل مسمى} وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: " ~~{يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار؛ ~~فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} وقد ذكر سبحانه عن ذي النون أنه نادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال تعالى: {فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين} قال النبي صلى الله عليه وسلم " {دعوة أخي ذي ~~النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه} وجماع ذلك أنه لا بد له في ~~الأمر من أصلين ولا بد له في ms0649 القدر من أصلين. # PageV03P121 # ففي " الأمر " عليه الاجتهاد في الامتثال علما وعملا فلا تزال تجتهد في ~~العلم بما أمر الله به والعمل بذلك. ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في ~~المأمور وتعديه الحدود ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال ~~بالاستغفار فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ~~وقد قال الله تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} فقاموا بالليل وختموه ~~بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قول الله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~{ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا} وفي الصحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه ~~وسجوده: " {سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي} يتأول القرآن وأما في ~~" القدر " فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به ويتوكل عليه ويدعوه؛ ~~ويرغب إليه ويستعيذ به ويكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك الشر وعليه أن ~~يصبر على المقدور ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه؛ وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه ومن هذا الباب احتجاج آدم ~~وموسى لما قال: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ~~وأسجد لك ملائكته؛ لماذا أخرجتنا # PageV03P122 # ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه فبكم ~~وجدت مكتوبا علي من قبل أن أخلق: {وعصى آدم ربه فغوى} قال: بكذا وكذا فحج ~~آدم موسى وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب فإن آدم قد كان تاب منه ~~والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك. ~~وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب وأن يستغفروا من المعائب كما ~~قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فمن راعى الأمر والقدر ~~كما ذكر: كان عابدا لله مطيعا له مستعينا به متوكلا عليه من الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ وحسن أولئك رفيقا. # وقد جمع ms0650 الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع كقوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} وقوله: ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} فالعبادة لله ~~والاستعانة به {وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الأضحية # PageV03P123 # اللهم منك ولك} فما لم يكن بالله لا يكون؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله ~~وما لم يكن بالله فلا ينفع ولا يدوم. # ولا بد في عبادته من أصلين. # أحدهما إخلاص الدين له والثاني موافقة أمره الذي بعث به رسله؛ ولهذا كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا؛ وقال الفضيل بن عياض في قوله ~~تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي: ما ~~أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا؛ والخالص أن يكون لله ~~والصواب أن يكون على السنة ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما ~~شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به الله من عبادة غيره وفعل ما لم ~~يشرعه من الدين كما قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله} كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله. والدين الحق أنه ~~لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه. # ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام: # PageV03P124 # فالمؤمنون المتقون هم له وبه يعبدونه ويستعينونه. وطائفة تعبده من غير ~~استعانة ولا صبر فتجد عند أحدهم تحريا للطاعة والورع ولزوم السنة؛ لكن ليس ~~لهم توكل واستعانة وصبر؛ بل فيهم عجز وجزع. وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر ~~من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة فقد ms0651 يمكن أحدهم ويكون له نوع من ~~الحال باطنا وظاهرا ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ~~ولكن لا عاقبة له فإنه ليس من المتقين والعاقبة للتقوى؛ فالأولون لهم دين ~~ضعيف ولكنه مستمر باق؛ إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز؛ وهؤلاء لأحدهم حال ~~وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة وشر الأقسام ~~من لا يعبده ولا يستعينه؛ فهو لا يشهد أن علمه لله ولا أنه بالله فالمعتزلة ~~ونحوهم - من القدرية الذين أنكروا القدر - هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي ~~والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية: خير من المعتزلة ولكن فيهم ~~من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي. والوعد والوعيد # PageV03P125 # حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك ويصيرون أيضا ~~معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم فهم معتزلة من هذا الوجه وقد يكون ما وقعوا ~~فيه من البدعة شرا من بدعة أولئك المعتزلة وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة. ~~وإنما دين الله ما بعث به رسله وأنزل به كتبه وهو الصراط المستقيم وهو ~~طريقة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير القرون وأفضل الأمة وأكرم ~~الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي ~~عن السابقين الأولين رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: " {خير القرون القرن الذي بعثت ~~فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} وكان عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه يقول: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه ~~الفتنة؛ أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوبا ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا؛ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى ms0652 ~~المستقيم. # PageV03P126 # وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق ~~من كان قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن أخذتم يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه {خط ~~لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط حوله خطوطا عن يمينه وشماله ثم ~~قال: هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} } وقد ~~أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه ~~والنصارى عبدوا الله بغير علم. ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة ~~العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون؛ وقال تعالى: ~~{فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري ~~فإن له معيشة ضنكا} قال ابن عباس رضي الله عنهما تكفل الله لمن قرأ القرآن ~~وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وقرأ هذه الآية # PageV03P127 # وكذلك قوله تعالى {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} {أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون وذلك خلاف المغضوب عليهم ~~والضالين فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم؛ صراط ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # PageV03P128 # سأل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # أحد قضاة واسط أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له وأهل بيته. # فأجابه: # بسم الله الرحمن ms0653 الرحيم # الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: إقرارا به ~~وتوحيدا؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ~~تسليما مزيدا. # أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل ~~السنة والجماعة - وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد ~~الموت والإيمان بالقدر: خيره وشره. # ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه # PageV03P129 # به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ~~ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . ~~فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في ~~أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا ~~سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه - سبحانه وتعالى - فإنه سبحانه ~~أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه ثم رسله صادقون مصدوقون؛ ~~بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ولهذا قال سبحانه وتعالى: سبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فسبح نفسه ~~عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص ~~والعيب وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات فلا ~~عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعم الله عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد دخل ~~في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل # PageV03P130 # ثلث القرآن حيث يقول: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} ~~{ولم يكن له كفوا أحد} وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما ms0654 في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم} ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه ~~من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح وقوله سبحانه: {وتوكل على الحي الذي ~~لا يموت} وقوله سبحانه: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم} وقوله: {وهو الحكيم الخبير} {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيها} {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه} وقوله: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما} # PageV03P131 # وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقوله: {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} وقوله: {إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} ~~وقوله: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} وقوله: {ولو ~~شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد} وقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وقوله: ~~{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ~~وقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقوله: {إن ms0655 الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} . وقوله: {وهو الغفور الودود} ~~وقوله: بسم الله الرحمن الرحيم {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} {وكان ~~بالمؤمنين رحيما} {ورحمتي وسعت كل شيء} {كتب ربكم على نفسه الرحمة} {إن ~~الله غفور رحيم} {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين} # PageV03P132 # وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه} وقوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقوله: {ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم} وقوله: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ~~وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي ~~الأمر} وقوله {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك} {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} وقوله: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله: {ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقوله: {واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا} {وحملناه على ذات ألواح ودسر} {تجري بأعيننا جزاء لمن كان ~~كفر} {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني} وقوله: {قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} ~~{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير # PageV03P133 # ونحن أغنياء} {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون} وقوله: {إنني معكما أسمع وأرى} وقوله: {ألم يعلم بأن الله يرى} ~~{الذي يراك حين تقوم} {وتقلبك في الساجدين} {إنه هو السميع العليم} {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقوله: {وهو شديد المحال} ~~وقوله: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} وقوله {ومكروا مكرا ومكرنا ~~مكرا وهم لا يشعرون} وقوله: {إنهم يكيدون ms0656 كيدا} {وأكيد كيدا} وقوله: {إن ~~تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} {وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} وقوله: {ولله العزة ~~ولرسوله} وقوله عن إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} وقوله: {تبارك اسم ربك ~~ذي الجلال والإكرام} وقوله: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} {ولم ~~يكن له كفوا أحد} {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} {ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} {وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ # PageV03P134 # ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} ~~{يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير} {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} {الذي له ~~ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا} {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} {عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون} {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} ~~{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~وقوله: {الرحمن على العرش استوى} {ثم استوى على العرش} في ستة مواضع: في ~~سورة الأعراف قوله: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش} وقال في سورة يونس عليه السلام {إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقال في سورة الرعد: ~~{الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش} وقال في سورة ~~طه: {الرحمن على العرش استوى} وقال في سورة الفرقان: {ثم استوى على العرش ~~الرحمن} وقال في ms0657 سورة الم السجدة: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما # PageV03P135 # في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقال في سورة الحديد: {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقوله: {يا عيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي} {بل رفعه الله إليه} {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور} {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون ~~كيف نذير} وقوله: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} ~~وقوله: {لا تحزن إن الله معنا} {إنني معكما أسمع وأرى} {إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون} {واصبروا إن الله مع الصابرين} {كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} وقوله: {ومن أصدق من الله ~~حديثا} {ومن أصدق من الله قيلا} {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم} {وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا} {وكلم الله # PageV03P136 # موسى تكليما} {منهم من كلم الله} {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ~~{وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} {وإذ نادى ربك موسى أن ائت ~~القوم الظالمين} {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} {ويوم ~~يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} {ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين} {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ~~{وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون} {يريدون أن يبدلوا ms0658 كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} ~~{واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته} {إن هذا القرآن يقص على ~~بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} . {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} {لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} {وإذا بدلنا ~~آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين} وقوله: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} ~~{على الأرائك ينظرون} {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} {لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد} . وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير من تدبر القرآن طالبا ~~للهدى منه تبين له طريق الحق. # PageV03P137 # فصل: # في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # فالسنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه؛ وما وصف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة ~~بالقبول وجب الإيمان بها كذلك. مثل قوله صلى الله عليه وسلم " {ينزل ربنا ~~إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني ~~فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له} ؟ " متفق عليه وقوله ~~صلى الله عليه وسلم " {لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته} الحديث ~~متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم " {يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما ~~الآخر كلاهما يدخل الجنة} متفق عليه # PageV03P138 # وقوله: {عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل ~~يضحك يعلم أن فرجكم قريب} حديث حسن وقوله {لا تزال جهنم يلقى فيها وهي ~~تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله - وفي رواية: عليها قدمه - ~~فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط} متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم " ~~{يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي ms0659 بصوت: إن الله يأمرك ~~أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار} متفق عليه، وقوله: {ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان} وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية ~~المريض: {ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما ~~رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا وخطايانا؛ أنت رب ~~الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ} حديث ~~حسن. رواه أبو داود وغيره وقوله: {ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء} ~~حديث صحيح وقوله: {والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم ~~عليه} حديث حسن رواه أبو داود وغيره {وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: ~~أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت أنت رسول الله. قال: أعتقها ~~فإنها مؤمنة} رواه مسلم # PageV03P139 # وقوله: {أفضل الإيمان: أن تعلم أن الله معك حيثما كنت} حديث حسن وقوله: " ~~{إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه فإن الله قبل ~~وجهه ولكن عن يساره أو تحت قدمه} متفق عليه وقوله: " {اللهم رب السموات ~~السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة ~~والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء؛ وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ~~وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر} رواه مسلم وقوله ~~لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: " {أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته} متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم " {إنكم سترون ربكم كما ~~ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها: فافعلوا} متفق عليه. إلى أمثال هذه ~~الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله ms0660 عليه وسلم عن ربه بما يخبر به. # PageV03P140 # فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما ~~أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل؛ بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط ~~في (باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية؛ وأهل التمثيل ~~المشبهة. وهم وسط في (باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية وفي باب ~~(وعيد الله بين المرجئة والوعيدية: من القدرية وغيرهم وفي (باب أسماء ~~الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية (وفي أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج # PageV03P141 # فصل: # وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في ~~كتابه وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه ~~سبحانه فوق سمواته على عرشه علي على خلقه وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ~~ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} وليس ~~معنى قوله: {وهو معكم} أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ~~ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق؛ بل القمر آية من ~~آيات الله من أصغر مخلوقاته هو موضوع في السماء؛ وهو مع المسافر وغير ~~المسافر أينما كان؛ وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع ~~إليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه ~~- من أنه فوق العرش وأنه معنا - حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن ~~يصان عن الظنون # PageV03P142 # الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله: {في السماء} أن السماء تقله أو تظله؛ ~~وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان؛ فإن الله ms0661 قد وسع كرسيه السموات ~~والأرض وهو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على ~~الأرض إلا بإذنه. {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} . # فصل: # وقد دخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب كما جمع بين ذلك في ~~قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الآية ~~وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالذكر: {أيها الناس ~~اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته} وما ذكر في الكتاب والسنة - من قربه ومعيته - لا ~~ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو ~~علي في دنوه قريب في علوه. # PageV03P143 # فصل: # ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~منه بدأ وإليه يعود؛ وأن الله تعالى تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي ~~أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره؛ ولا ~~يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه بل إذا قرأه الناس ~~أو كتبوه بذلك في المصاحف: لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة ~~فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا ~~مؤديا. وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني ~~ولا المعاني دون الحروف. # فصل: # وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله: الإيمان بأن ~~المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها ~~سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته يرونه سبحانه وهم في ~~عرصات القيامة ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله سبحانه وتعالى. # PageV03P144 # فصل: # ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه فأما ~~الفتنة: فإن الناس يفتنون في ms0662 قبورهم. فيقال للرجل: " {من ربك وما دينك ومن ~~نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي وأما ~~المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة ~~من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق} ثم ~~بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد ~~الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان ~~رسوله وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة ~~غرلا وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق. وتنصب الموازين فتوزن فيها أعمال ~~العباد {فمن ثقلت موازينه فأولئك # PageV03P145 # هم المفلحون} {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم ~~خالدون} . وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ ~~كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال سبحانه وتعالى: {وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} {اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا} . ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره ~~بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة وأما الكفار: فلا يحاسبون محاسبة من ~~توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون ~~عليها ويقررون بها ويجزون بها. وفي عرصة القيامة: الحوض المورود لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم ~~السماء طوله شهر وعرضه شهر من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا والصراط ~~منصوب على متن جهنم - وهو الجسر الذي بين الجنة والنار - يمر الناس عليه ~~على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم ~~من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد # PageV03P146 # ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم ~~من يزحف زحفا ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف ms0663 ~~الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة. فإذا عبروا عليه وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ~~دخول الجنة وأول من يستفتح باب الجنة: محمد صلى الله عليه وسلم وأول من ~~يدخل الجنة من الأمم: أمته. # وله صلى الله عليه وسلم - في القيامة - ثلاث شفاعات: - # أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع ~~الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي ~~إليه وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ وهاتان ~~الشفاعتان خاصتان له وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار وهذه ~~الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم فيشفع فيمن استحق النار أن لا ~~يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها ويخرج الله تعالى من النار أقواما ~~بغير # PageV03P147 # شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ ~~الله لها أقواما فيدخلهم الجنة وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب ~~والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من ~~السماء، والآثار من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ~~من ذلك: ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه وجده. # وتؤمن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - بالقدر: خيره وشره والإيمان ~~بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين: - فالدرجة الأولى: الإيمان بأن ~~الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وعلم ~~جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح ~~المحفوظ مقادير الخلق: {فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما ~~أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ~~ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف} كما قال سبحانه ~~وتعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير} وقال: {ما أصاب من # PageV03P148 # مصيبة في الأرض ولا ms0664 في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير} وهذا التقدير - التابع لعلمه سبحانه - يكون في مواضع جملة ~~وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء: وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ ~~الروح فيه بعث إليه ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أو سعيد؛ ونحو ذلك فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ~~ومنكره اليوم قليل وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته ~~الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في ~~السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ~~إلا ما يريد وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. ~~فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ~~ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته. ~~وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ~~ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد # PageV03P149 # والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم؛ والعبد هو المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر والمصلي والصائم؛ وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة؛ ~~والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وهذه الدرجة من القدر: ~~يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه ~~الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ~~ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها. # PageV03P150 # فصل: # ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، ~~وعمل القلب واللسان والجوارح وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم ~~مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج؛ بل ~~الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه وتعالى ms0665 في آية القصاص: ~~{فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} # ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما ~~تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى {فتحرير ~~رقبة مؤمنة} . وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} وقوله صلى الله عليه وسلم: # PageV03P151 # {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس ~~إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن} . ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان ~~أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم # فصل: # ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " كما وصفهم الله به في قوله تعالى {والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} وطاعة النبي في قوله: " {لا ~~تسبوا أصحابي. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصيفه} . ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع: من فضائلهم ~~ومراتبهم. فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من ~~أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن {الله قال ~~لأهل # PageV03P152 # بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم} وبأنه ~~لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف ms0666 وأربعمائة. ويشهدون ~~بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة كالعشرة وكثابت بن ~~قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة. ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعن غيره من أن خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما ~~دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم عثمان في ~~البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي - رضي الله ~~عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل فقدم قوم عثمان ~~وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليا وقوم توقفوا؛ لكن استقر أمر أهل السنة ~~على تقديم عثمان وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول ~~التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن المسألة التي يضلل المخالف ~~فيها هي " مسألة الخلافة " وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من ~~هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله. # PageV03P153 # ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم ~~وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم: {أذكركم الله في ~~أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي} وقال أيضا للعباس عمه - وقد اشتكى إليه ~~أن بعض قريش يجفو بني هاشم - فقال: {والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم ~~لله ولقرابتي} وقال: {إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل ~~كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني ~~هاشم} . # ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ويؤمنون ~~بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده وأول من ~~آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية والصديقة بنت الصديق ~~رضي الله عنهما التي قال فيها ms0667 النبي صلى الله عليه وسلم " {فضل عائشة على ~~النساء كفضل الثريد على سائر الطعام} . # ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم. ومن طريقة ~~النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة. # PageV03P154 # ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد ~~زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون ~~وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن ~~كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق ~~والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنه يغفر لهم من السيئات ~~ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن ~~بعدهم وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنهم خير القرون " " ~~وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم " ثم ~~إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر ~~له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس ~~بشفاعته أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب ~~المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران وإن ~~أخطئوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور لهم؟ ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم ~~قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله ~~والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح # PageV03P155 # ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم ~~يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة ~~من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. # ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله ~~على أيديهم من خوارق العادات ms0668 في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة ~~والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة ~~من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة. # PageV03P156 # فصل: # ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " {عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} . ويعلمون أن أصدق ~~الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ويؤثرون كلام ~~الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم على هدي كل أحد وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة. # وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة؛ وإن كان لفظ ~~الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين؛ " والإجماع " هو الأصل الثالث ~~الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما ~~عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين؛ والإجماع ~~الذي ينضبط: هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت ~~الأمة. # PageV03P157 # فصل: # ثم هم مع هذه الأصول: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه ~~الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا ~~كانوا أو فجارا ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة ويعتقدون ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم " {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ~~وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم} وقوله: " {مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم: كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ~~بالحمى والسهر} ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر ~~القضاء ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويعتقدون معنى قوله: " ~~{أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} . ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي ~~من حرمك، وتعفو عمن ظلمك؛ ويأمرون ms0669 ببر الوالدين، وصلة الأرحام وحسن الجوار ~~والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك؛ وينهون عن ~~الفخر # PageV03P158 # والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق؛ ويأمرون بمعالي ~~الأخلاق وينهون عن سفسافها وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره: ~~فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة. " وطريقتهم " هي دين الإسلام الذي بعث ~~الله به محمدا. لكن لما {أخبر النبي أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة -} وفي حديث عنه أنه قال: " {هم من ~~كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} صار المتمسكون بالإسلام المحض ~~الخالص عن الشوب: هم أهل السنة والجماعة؛ وفيهم الصديقون والشهداء ~~والصالحون ومنهم أعلام الهدى؛ ومصابيح الدجى؛ أولوا المناقب المأثورة ~~والفضائل المذكورة؛ وفيهم الأبدال: الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ~~ودرايتهم وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي: " {لا تزال طائفة من ~~أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة} . ~~فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب ~~لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا. # PageV03P159 # قال - رحمه الله تعالى -: # بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} {مالك ~~يوم الدين} وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا ~~معين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ الذي أرسله إلى الخلق أجمعين صلى الله ~~عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وعلى سائر عباد الله الصالحين أما ~~بعد: فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة ~~المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من ~~الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد. لما سعى إليه قوم من الجهمية؛ ~~والاتحادية؛ والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد. فأمر الأمير بجمع القضاة ~~الأربعة؛ قضاة المذاهب الأربعة؛ وغيرهم من نوابهم؛ والمفتين والمشايخ؛ ممن ~~له حرمة وبه اعتداد. ms0670 وهم لا يدرون # PageV03P160 # ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس ~~وسبعمائة فقال لي: هذا المجلس عقد لك فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن ~~اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى ~~الاعتقاد. وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك. # فقلت: أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ~~ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ~~ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم وأما الكتب فما كتبت إلى ~~أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من ~~يسألني: من أهل الديار المصرية وغيرهم وكان قد بلغني أنه زور علي كتاب إلى ~~الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرفة ولم ~~أعلم بحقيقته؛ لكن علمت أنه مكذوب. وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني ~~عن مسائل في الاعتقاد وغيره فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة # PageV03P161 # فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين: أن ~~يكتب؛ فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد ~~والإمامة والتفضيل. وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف ~~الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا ~~تمثيل وأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود والإيمان بأن ~~الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها؛ ونهى عن المعصية وكرهها. والعبد ~~فاعل حقيقة والله خالق فعله وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص وأن لا ~~نكفر أحدا من أهل القبلة بالذنوب ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدا ~~وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأن مرتبتهم ms0671 في ~~الفضل كترتيبهم في الخلافة ومن قدم عليا على عثمان: فقد أزرى بالمهاجرين ~~والأنصار وذكرت هذا أو نحوه؛ فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما ~~أمليته؛ لكنه كتب إذ ذاك ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواما ~~يكذبون علي؛ كما قد كذبوا علي غير مرة. وإن أمليت الاعتقاد من حفظي: ربما ~~يقولون كتم بعضه؛ # PageV03P162 # أو داهن ودارى؛ فأنا أحضر عقيدة مكتوبة؛ من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر ~~إلى الشام. وقلت قبل حضورها كلاما قد بعد عهدي به وغضبت غضبا شديدا؛ لكني ~~أذكر أني قلت: أنا أعلم أن أقواما كذبوا علي وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت ~~بكلام احتجت إليه؛ مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري؟ ومن ~~الذي أوضح دلائله وبينه؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال؟ حين تخلى عنه كل ~~أحد؛ ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهرا لحجته مجاهدا عنه ~~مرغبا فيه؟ فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في فكيف يصنعون بغيري ولو أن ~~يهوديا طلب من السلطان الإنصاف: لوجب عليه أن ينصفه؛ وأنا قد أعفو عن حقي ~~وقد لا أعفو؛ بل قد أطلب الإنصاف منه وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ~~ليوافقوا على افترائهم وقلت كلاما أطول من هذا الجنس؛ لكن بعد عهدي به ~~فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محيي الدين: بأن يكتب ذلك. وقلت أيضا: كل من ~~خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه وما أدري هل قلت هذا قبل ~~حضورها أو بعده؛ لكنني قلت أيضا بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرت فيها فصلا: ~~إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة وكل جملة فيها خلاف لطائفة من ~~الطوائف ثم # PageV03P163 # أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل فحضرت " العقيدة الواسطية " ~~وقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - ~~شيخ يقال له " رضي الدين الواسطي " من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجا وكان ~~من أهل الخير والدين وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة ms0672 التتر من غلبة ~~الجهل والظلم ودروس الدين والعلم وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ~~ولأهل بيته فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض ~~عقائد أئمة السنة فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت فكتبت ~~له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر وقد انتشرت بها نسخ كثيرة؛ في مصر؛ ~~والعراق؛ وغيرهما. فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة وأعطاها ~~لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا والجماعة الحاضرون ~~يسمعونها ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء والأمير أيضا: يسأل عن ~~مواضع فيها وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف ~~والهوى ما قد علم الناس بعضه وبعضه بسبب الاعتقاد وبعضه بغير ذلك. ولا يمكن ~~ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات: في هذه المجالس فإنه # PageV03P164 # كثير لا ينضبط؛ لكن أكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك ومع أنه ~~كان يجري رفع أصوات ولغط لا ينضبط. فكان مما اعترض علي بعضهم - لما ذكر في ~~أولها ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير ~~تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فقال: - ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ~~ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ~~ظاهره؛ إما وجوبا وإما جوازا فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله ~~تعالى في كتابه وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى مثل تأويل بعض ~~الجهمية لقوله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} أي جرحه بأظافير الحكمة ~~تجريحا ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم: من الجهمية والرافضة ~~والقدرية وغيرهم فسكت وفي نفسي ما فيها. # وذكرت في غير هذا المجلس: أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن ~~التحريف اسم جاء القرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب ~~والسنة فنفيت ما ذمه الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا ~~إثبات؛ لأنه لفظ له عدة ms0673 معان كما بينته في موضعه من القواعد # PageV03P165 # فإن معنى لفظ " التأويل " في كتاب الله: غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح ~~المتأخرين؛ من أهل الأصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من ~~أهل التفسير والسلف؛ لأن من المعاني التي قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول ~~عن بعض السلف؛ فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته ~~وهو منقول عن السلف: فليس من التحريف وقلت له أيضا: ذكرت في النفي التمثيل ~~ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: {ليس كمثله ~~شيء} وقال: {هل تعلم له سميا} وكان أحب إلي من لفظ ليس في كتاب الله ولا في ~~سنة رسوله وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعنى به معنى فاسد ولما ~~ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا ~~يلحدون في أسماء الله وآياته: جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك؛ لاستشعاره ما ~~في ذلك من الرد الظاهر عليه؛ ولكن لم يتوجه له ما يقوله؛ وأراد أن يدور ~~بالأسئلة التي أعلمها: فلم يتمكن لعلمه بالجواب ولما ذكرت آية الكرسي: أظنه ~~سأل الأمير عن قولنا: لا يقربه شيطان حتى يصبح فذكرت حديث أبي هريرة في ~~الذي كان يسرق صدقة الفطر وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه وأخذوا يذكرون ~~نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ~~ذلك # PageV03P166 # فقلت: قولي من غير تكييف ولا تمثيل: ينفي كل باطل وإنما اخترت هذين ~~الاسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة، ومالك وابن عيينة ~~وغيرهم - المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم والكيف ~~مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " فاتفق هؤلاء السلف: على أن ~~التكييف غير معلوم لنا فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة. وهو أيضا منفي بالنص ~~فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته وهذا من ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قد قررت ms0674 ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في ~~التأويل والمعنى والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله وكذلك ~~التمثيل: منفي بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي ~~التكييف، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي ~~الذي نقل أنه مذهب السلف وهو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها ~~مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في ~~الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات: إثبات وجود ~~لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات: إثبات وجود لا إثبات تكييف # PageV03P167 # فقال أحد كبار المخالفين: فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام فقلت ~~له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل إنه يوصف الله بما وصف به نفسه ~~وبما وصفه به رسوله وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال ~~وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة: يريد إظهار أن ينفي عنا ما ~~يقول وينسبه البعض إلينا فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم ~~فقلت: ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل وقلت في صدرها: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ~~وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل ~~ثم قلت: وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة ~~بالقبول وجب الإيمان بها كذلك إلى أن قلت: إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح ~~التي يخبر فيها رسول الله بما يخبر به فإن الفرقة الناجية - أهل السنة ~~والجماعة -: يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه من غير تحريف ~~ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل هم وسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي ~~الوسط في الأمم # PageV03P168 # فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل ~~المشبهة ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالأتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف ~~الناصر وخافهم ms0675 قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد ~~يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك ~~قطع مخاصمة الخصوم فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام ~~أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله ~~وهذه عقيدة محمد وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين ~~فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة - التي أثنى عليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال: " {خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم} - يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك وعلي أن آتي ~~بنقول جميع الطوائف - عن القرون الثلاثة توافق ما ذكرته - من الحنفية، ~~والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والصوفية، ~~وغيرهم # PageV03P169 # وقلت أيضا: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد - رحمه الله - لما انتهى إليه ~~من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره ~~وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره: كان كلامه وعلمه في هذا ~~الباب أكثر من غيره فصار إماما في السنة أظهر من غيره وإلا فالأمر كما قاله ~~بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء - قال: المذهب لمالك والشافعي والظهور ~~لأحمد بن حنبل يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام وإن كان ~~لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض ولما ~~جاء فيها: وما وصف به النبي ربه في الأحاديث الصحاح: التي تلقاها أهل العلم ~~بالقبول ولما جاء حديث أبى سعيد - المتفق عليه في الصحيحين عن النبي يقول ~~الله يوم القيامة: " {يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله ~~يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار} الحديث - سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح؟ ~~فقلت: نعم. هو في الصحيحين ولم يخالف في ذلك أحد واحتاج المنازع ms0676 إلى ~~الإقرار به ووافق الجماعة على ذلك. # وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت، لأن ذلك طلب منه # فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت ~~القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي - كما نقله فخر الدين بن الخطيب (*) ~~PageV03P170 # وغيره - كذب مفترى لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من ~~أصحاب أحمد ولا غيرهم وأخرجت كراسا قد أحضرته مع العقيدة فيه ألفاظ أحمد ~~مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الإمام أحمد وما جمعه ~~صاحبه أبو بكر المروذي من كلام الإمام أحمد وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه: ~~أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق: فهو جهمي ومن قال غير مخلوق: فهو مبتدع. ~~قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب ~~الحديث وقال: إنه يقول به. قلت: فكيف بمن يقول: لفظي قديم؟ فكيف بمن يقول: ~~صوتي غير مخلوق؟ فكيف بمن يقول: صوتي قديم؟ ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين ~~تكلم الله بصوت وبين صوت العبد كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق ~~أفعال العباد وغيره من أئمة السنة وأحضرت جواب مسألة كنت سئلت عنها قديما، ~~فيمن حلف بالطلاق في مسألة " الحرف والصوت " ومسألة " الظاهر في العرش " ~~فذكرت من الجواب القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها وأن إطلاق القول ~~أن # PageV03P171 # القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت: كلاهما بدعة حدثت بعد ~~المائة الثالثة وقلت: هذا جوابي. وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من ~~المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضرا في المجلس فلما وصل إليهم الجواب ~~أسكتهم وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله: حصل ~~مقصودهم من الشناعة وإن أجبت بما يقولونه هم: حصل مقصودهم من الموافقة، ~~فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة وليس هو ما يقولونه هم ولا ما ~~ينقلونه عن أهل السنة، إذ قد يقوله بعض الجهال بهتوا لذلك، وفيه: أن القرآن ~~كله كلام الله حروفه ms0677 ومعانيه ليس القرآن اسما لمجرد الحروف ولا لمجرد ~~المعاني. وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل - لبيان كثرة تناقضه ~~وأنه لا يستقر على مقالة؛ واحدة وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين ~~- عندي عقيدة للشيخ أبي البيان. فيها أن من قال: إن حرفا من القرآن مخلوق ~~فقد كفر. وقد كتبت عليها بخطك أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه وأنك تدين ~~الله بها فاعترف بذلك فأنكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ذلك. فقال ~~ابن الوكيل: هذا نص الشافعي. وراجعه في ذلك مرارا فلما اجتمعنا في المجلس ~~الثاني: ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس نقل في كتاب # PageV03P172 # الانتصار عن الشافعي مثل ما نقلت فلما كان في المجلس الثالث: أعاد ابن ~~الوكيل الكلام في ذلك. فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت ~~في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين: أنه من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فهو ~~كافر، فأعاده مرارا فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبا شديدا ورفع صوته. وقال: ~~هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة ~~مثل إمام الحرمين وغيره وما نصبر على تكفير أصحابنا. فأنكر ابن الوكيل أنه ~~قال ذلك. وقال: ما قلت ذلك، وإنما قلت أن من أنكر حرفا من القرآن فقد كفر. ~~فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا: ما قلت إلا كذا وكذا وقالوا: ما ينبغي لك أن ~~تقول قولا وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا. فلما حرفوا: قال ما سمعناه ~~قال هذا، حتى قال نائب السلطان: واحد يكذب وآخر يشهد والشيخ كمال الدين ~~مغضب فالتفت إلى قاضي القضاة نجم الدين الشافعي يستصرخه للانتصار على ابن ~~الوكيل حيث كفر أصحابه. فقال القاضي نجم الدين: ما سمعت هذا. فغضب الشيخ ~~كمال الدين وقال كلاما لم أضبط لفظه إلا أن معناه: أن هذا غضاضة على ~~الشافعي وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا ينتصر لهم. ولم أسمع من الشيخ ~~كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين واستثبت غيري ممن حضر هل ms0678 سمع منه ~~في حقه شيئا؟ فقالوا: لا. لكن القاضي اعتقد # PageV03P173 # أن التعيير لأجله ولكونه قاضي المذهب ولم ينتصر لأصحابه وأن الشيخ كمال ~~الدين قصده ذلك. فغضب قاضي القضاة نجم الدين. وقال: اشهدوا علي أني عزلت ~~نفسي وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والاستحقاق وعفته عن التكلم في أعراض ~~الجماعة ويستشهد بنائب السلطان في ذلك. وقلت له كلاما مضمونه تعظيمه ~~واستحقاقه، لدوام المباشرة في هذه الحال. ولما جاءت مسألة القرآن: " ومن ~~الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله. غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود " ~~نازع بعضهم في كونه " منه بدأ وإليه يعود " وطلبوا تفسير ذلك. فقلت: أما ~~هذا القول: فهو المأثور الثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال: " ~~أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن ~~فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ". وقد جمع غير واحد ما في ~~ذلك من الآثار عن النبي والصحابة والتابعين كالحافظ أبي الفضل بن ناصر ~~والحافظ أبي عبد الله المقدسي وأما معناه: فإن قولهم: منه بدأ. أي هو ~~المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقول الجهمية: أنه خلق في ~~الهوى أو غيره أو بدأ من عند غيره. وأما إليه يعود: فإنه يسري به في آخر ~~الزمان من المصاحف والصدور فلا # PageV03P174 # يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف ووافق على ذلك غالب ~~الحاضرين وسكت المنازعون. وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس بأن أريته ~~العقيدة التي جمعها الإمام القادري التي فيها أن القرآن كلام الله خرج منه ~~فتوقف في هذا اللفظ. فقلت: هكذا قال النبي: " {ما تقرب العباد إلى الله ~~بمثل ما خرج منه} يعني القرآن وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه تقرب إلى الله ~~بما استطعت فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه. وقال أبو بكر الصديق ~~- لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب - إن هذا الكلام لم يخرج من إل - يعني رب -. ~~وجاء فيها: ومن الإيمان به: الإيمان ms0679 بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~منه بدأ وإليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن - الذي أنزله ~~الله على محمد - هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول ~~بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف: ~~لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من ~~قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا فتمعض بعضهم من إثبات كونه كلام ~~الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة # PageV03P175 # ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه ولما بين ~~له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم، وشعر الشعراء المضاف إليهم: هو ~~كلامهم حقيقة فلا يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك. فوافق الجماعة ~~كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن وأن الله تكلم حقيقة وأن القرآن كلام الله ~~حقيقة لا كلام غيره. ولما ذكر فيها: أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله ~~مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا: استحسنوا هذا الكلام وعظموه وأخذ أكبر ~~الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام كابن الوكيل وغيره وأظهر الفرح بهذا التلخيص ~~وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة وشفيت الصدور ويذكر أشياء من هذا النمط. ~~ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه: استحسنوا ذلك ~~وعظموه. # وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر وأنه على درجتين إلى غير ذلك مما فيها ~~من القواعد الجليلة. وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملي وفي الإيمان، ~~لكن اعترض على ذلك بما سأذكره. # PageV03P176 # وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها ~~والبحث فيها عن أربعة أسئلة: - الأول: قولنا ومن أصول الفرقة الناجية: أن ~~الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان ~~والجوارح. قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة ~~الناجية من لم يقل بذلك: مثل أصحابنا ms0680 المتكلمين الذين يقولون إن الإيمان هو ~~التصديق ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار وإذا لم يكونوا من الناجين: ~~لزم أن يكونوا هالكين. وأما الأسئلة الثلاثة: وهي التي كانت عمدتهم ~~فأوردوها على قولنا وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما ~~أخبر الله في كتابه وتواتر عن رسول الله وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه ~~سبحانه فوق سمواته على عرشه علي على خلقه وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم ~~عاملون كما جمع بين ذلك في قوله تعالى {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} . وليس ~~معنى قوله: {وهو معكم} أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ~~ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق # PageV03P177 # بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع ~~المسافر أينما كان وغير المسافر، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن ~~عليهم مطلع إليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره ~~الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ~~ولكن يصان على الظنون الكاذبة. السؤال الثاني: قال بعضهم: نقر باللفظ ~~الوارد مثل حديث العباس حديث الأوعال والله فوق العرش، ولا نقول فوق ~~السموات ولا نقول على العرش. وقالوا أيضا: نقول: {الرحمن على العرش استوى} ~~ولا نقول الله على العرش استوى ولا نقول مستو وأعادوا هذا المعنى مرارا، أي ~~أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه ولا يبدل بلفظ يرادفه ولا يفهم له معنى ~~أصلا. ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلا، ونبسط الكلام في هذا في المجلس ~~الثاني كما سنذكره إن شاء الله تعالى. السؤال الثالث: قالوا: التشبيه ~~بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء. السؤال الرابع: ms0681 ~~قالوا: قولك حق على حقيقته الحقيقة هي المعنى اللغوي ولا يفهم من الحقيقة ~~اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات ~~الحقيقة هو محض التجسيم ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة # PageV03P178 # فأجبتهم عن الأسئلة بأن قولي اعتقاد الفرقة الناجية هي الفرقة التي وصفها ~~النبي بالنجاة حيث قال: " {تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون ~~في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} . ~~فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي وأصحابه رضي الله عنهم وهم ومن اتبعهم ~~الفرقة الناجية فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد ~~وينقص وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ~~ومعناه وإذا خالفهم من بعدهم لما يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف ~~في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا ~~مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه ~~الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ ~~الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات ~~الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ~~ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا ~~كما يقال من صمت نجا. وأما السؤال الثاني: فأجبتهم أولا بأن كل لفظ قلته ~~فهو مأثور عن النبي مثل لفظ فوق السموات ولفظ على العرش وفوق # PageV03P179 # العرش وقلت: اكتبوا الجواب فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة: ~~قد طال المجلس اليوم فيؤخر هذا إلى مجلس آخر وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه ~~في ذلك المجلس. فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا ~~تنتشر أسئلتهم واعتراضهم وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب ~~ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم ويتأملوا العقيدة ms0682 ~~فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق على أن يكون تمام ~~الكلام يوم الجمعة وقمنا على ذلك. وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان ~~المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة وأرغم به أهل البدعة والضلالة وفي ~~نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في المجلس الثاني وأخذوا في تلك الأيام ~~يتأملونها ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد مثل المسألة ~~الحموية في الاستواء والصفات الخبرية وغيرها. # PageV03P180 # فصل: # فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب وقد أحضروا أكثر ~~شيوخهم ممن لم يكن حاضرا ذلك المجلس وأحضروا معهم زيادة " صفي الدين الهندي ~~" وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام وبحثوا فيما بينهم ~~واتفقوا وتواطئوا وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه، لأن المجلس ~~الأول أتاهم بغتة وإن كان أيضا بغتة للمخاطب الذي هو المسئول والمجيب ~~والمناظر. فلما اجتمعنا: وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة ~~الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم: حمدت الله بخطبة الحاجة، خطبة ابن مسعود رضي ~~الله عنه ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة ~~والاختلاف. وقال لنا في القرآن: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ~~وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} . # PageV03P181 # وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق ~~والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين ~~السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك: كشفت له ~~الأسرار وهتكت الأستار وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، ~~وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا ~~المجلس فإن للسلم كلاما وللحرب كلاما. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول ~~هذا أنا حنبلي ويقول هذا أنا أشعري ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور ~~لا يعرفون حقيقتها. وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ms0683 ذكرته وأحضرت ~~(كتاب تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري - رحمه ~~الله - تأليف الحافظ أبي القاسم بن عساكر - رحمه الله -. وقلت: لم يصنف في ~~أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه ~~" الإبانة ". فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة: سأل الأمير عن معنى المعتزلة ~~فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي وهو أول اختلاف ~~حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر. وقالت الجماعة: # PageV03P182 # إنه مؤمن. وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة بين ~~المنزلتين، وخلدوه في النار واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه - رحمه ~~الله تعالى - فسموا معتزلة. وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه: ليس كما قلت، ~~ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام وسمي المتكلمون متكلمين ~~لأجل تكلمهم في ذلك وكان أول من قالها عمرو بن عبيد ثم خلفه بعد موته عطاء ~~بن واصل هكذا قال وذكر نحوا من هذا. فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب ~~مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا ~~أصبت في الجواب ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون ~~وبعدها في أواخر المائة الثانية وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير في ~~زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية ولم يكن ~~أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها وإنما أول بدعتهم تكلمهم ~~في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب ~~الملل والنحل. فقلت: الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين لم سموا متكلمين؟ ~~لم يذكره في اسم المعتزلة # PageV03P183 # والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة وأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت. ~~وقلت: في ضمن كلامي أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام وأول من ابتدعها وما ~~كان سبب ابتداعها. وأيضا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين ~~فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة ms0684 الكلام وكانوا ~~يقولون عن واصل بن عطاء: إنه متكلم ويصفونه بالكلام ولم يكن الناس اختلفوا ~~في مسألة الكلام. وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن ~~واصل كما ذكره المعترض قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان ~~قرينه. وقد روي أن واصلا تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبي ما ~~كان يتكلم بأحسن من هذا، وفصاحته مشهورة حتى قيل إنه كان ألثغ وكان يحترز ~~عن الراء حتى قيل له: أمر الأمير أن يحفر بئر. فقال: أوعز القائد أن يقلب ~~قليب في الجادة. ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري: قال الشيخ المقدم ~~فيهم لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر ومن أكبر أئمة الإسلام لكن قد ~~انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء. # PageV03P184 # فقلت: أما هذا فحق وليس هذا من خصائص أحمد بل ما من إمام إلا وقد انتسب ~~إليه أقوام هو منهم بريء قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم وانتسب إلى ~~الشافعي أناس هو بريء منهم وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم، وقد ~~انتسب إلى موسى عليه السلام أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى عليه ~~السلام أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء ~~منهم، ونبينا قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف ~~الملاحدة والمنافقين من هو بريء منهم. وذكر في كلامه، أنه انتسب إلى أحمد ~~ناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام. فقلت: المشبهة والمجسمة في غير ~~أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية وفيهم ~~من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر وأهل جيلان فيهم شافعية ~~وحنبلية. قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم. وكان من ~~تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية وتكلمت على لفظ الحشوية - ما ~~أدري جوابا عن سؤال الأمير أو غيره أو عن غير جواب - فقلت: هذا اللفظ أول ~~من ابتدعه ms0685 المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة # PageV03P185 # والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس: هم عموم ~~الناس وجمهورهم وهم غير الأعيان المتميزين يقولون هذا من حشو الناس كما ~~يقال هذا من جمهورهم. وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، وقال: كان عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنه حشويا: فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا كما تسميهم ~~الرافضة الجمهور. وقلت - لا أدري في المجلس الأول أو الثاني - أول من قال ~~إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي. وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام ~~أحمد - رحمه الله - حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم أبو داود المروذي ~~الخلال، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي بن حامد، القاضي أبو يعلى، ~~أبو الخطاب بن عقيل؟ ورفعت صوتي وقلت: سمهم قل لي منهم؟ من هم؟ . أبكذب ابن ~~الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟ ~~كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون: إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ~~ومداد الكاتبين وأن الصوت والمداد قديم أزلي من قال هذا؟ وفي أي كتاب وجد ~~هذا عنهم؟ قل لي. وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ~~ادعاه والمقدمة التي نقلها عنهم، وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه ~~كبير الجماعة # PageV03P186 # وشيخهم وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه؛ وأمرت بقراءة ~~العقيدة جميعها عليه؛ فإنه لم يكن حاضرا في المجلس الأول إنما أحضروه في ~~الثاني انتصارا به. وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس أنه اجتمع به ~~وقال له: أخبرني عن هذا المجلس فقال: ما لفلان ذنب ولا لي فإن الأمير سأل ~~عن شيء فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر. وقال: قلت لهم أنتم ما لكم على ~~الرجل اعتراض فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل وهما قولان ~~للأشعري. وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها ~~وفيها قول ترك التأويل. قال الحاكي لي: فقلت له: بلغني عنك أنك قلت في آخر ~~المجلس - لما أشهد ms0686 الجماعة على أنفسهم بالموافقة - لا تكتبوا عني نفيا ولا ~~إثباتا فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في ~~المجلس الأول. والثاني: لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق أن ~~أظهر مخالفتهم فسكت عن الطائفتين. # PageV03P187 # وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ فرأى بعض ~~الجماعة أن ذلك تطويل وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال ~~وأعظمه لفظ الحقيقة فقرءوه عليه؛ فذكر هو بحثا حسنا يتعلق بدلالة اللفظ ~~فحسنته ومدحته عليه وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة عليم حقيقة سميع حقيقة ~~بصير حقيقة وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف؛ ولو ~~نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك: فلا ريب أن الله موجود والمخلوق موجود ولفظ ~~الوجود سواء كان مقولا عليهما بطريق الاشتراك اللفظي فقط أو بطريق التواطؤ ~~المتضمن للاشتراك لفظا ومعنى أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطؤ. فعلى كل ~~قول: فالله موجود حقيقة والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على ~~الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أرجح في ذلك المقام قولا من هذه ~~الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضي تحصل على كل مقصودي. وكان مقصودي تقرير ما ~~ذكرته على قول جميع الطوائف وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت ~~وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل ~~المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية ~~والحنفية وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس وخافوا انتصار الخصوم فيه ~~وخافوا على نفوسهم أيضا # PageV03P188 # من تفرق الكلمة فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته أو لم يكن من ~~أئمة أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس ~~العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. ~~فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب ~~السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في ms0687 الباطن. من أنه الحق حتى ~~قال لي بعض الأكابر من الحنفية - وقد اجتمع بي - لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت ~~على ذلك لانقطع النزاع. # ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر ~~والمنازع من إظهار الموافقة. فقلت: لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا ~~اختصاص وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث؛ وقلت أيضا هذا اعتقاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثا أو ~~إجماعا سلفيا وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين ~~والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية. وقلت لمن خاطبني من ~~أكابر الشافعية - لأبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي ~~وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم ولينتصرن كل ~~شافعي وكل من قال بقول الأشعري # PageV03P189 # الموافق لمذهب السلف وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية ~~قول لا أصل له في كلامه وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان ليس ~~للأشعري قولان. # فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي سمي بها المخلوق كلفظ ~~الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن على الأقوال الثلاثة: ~~تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما: هو متواطئ ~~وقال الآخر هو مشترك؛ لئلا يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أن ~~هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا؟ . فمن قال إن وجود ~~كل شيء عين ماهيته قال: إنه مقول بالاشتراك ومن قال إن وجوده قدر زائد على ~~ماهيته قال: إنه مقول بالتواطؤ. فأخذ الأول يرجح قول من يقول: إن الوجود ~~زائد على الماهية؛ لينصر أنه مقول بالتواطؤ. فقال الثاني: ليس مذهب الأشعري ~~وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته فأنكر الأول ذلك. فقلت: أما متكلمو أهل ~~السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته؛ # PageV03P190 # وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة إن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته ms0688 ~~وكل منهما أصاب من وجه فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ كما قد ~~قررته في غير هذا الموضع وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين. وأما ~~بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه: فهو من الغلط المضاف ~~إلى ابن الخطيب فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته: لا يجب أن يكون ~~الاسم مقولا عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظي فقط كما في جميع أسماء ~~الأجناس. فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ وليس ~~عين هذا السواد هو عين هذا السواد إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما ~~وهو المطلق الكلي؛ لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في الذهن ولا يلزم ~~من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك ~~تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الأسماء الموجودة في الغالب (وهي أسماء ~~الأجناس اللغوية وهو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه سواء كان اسم ~~عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو لم يكن. ~~بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك. وكلها ~~أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة. وطلب بعضهم إعادة قراءة ~~الأحاديث المذكورة في العقيدة؛ ليطعن في # PageV03P191 # بعضها فعرفت مقصوده. فقلت: كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال: حديث ~~العباس بن عبد المطلب - وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين ~~عبد العظيم من قول البخاري في تأريخه: عبد الله بن عميرة لا يعرف له سماع ~~من الأحنف - فقلت: هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه ~~والترمذي وغيرهم: فهو مروي من طريقين مشهورين فالقدح في أحدهما لا يقدح في ~~الآخر. فقال: أليس مداره على ابن عميرة وقد قال البخاري: لا يعرف له سماع ~~من الأحنف؟ . فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي ~~اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا ms0689 إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قلت والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة ~~سماعه من الأحنف لم ينف معرفة الناس بهذا فإذا عرف غيره - كإمام الأئمة ابن ~~خزيمة - ما ثبت به الإسناد: كانت معرفته وإثباته مقدما على نفي غيره وعدم ~~معرفته. ووافق الجماعة على ذلك وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق ~~أن أحكيه وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة ولكن لها تعلق بما ~~أجبت به في مسائل ولها تعلق بما قد يفهمونه من # PageV03P192 # العقيدة. فأحضر بعض أكابرهم " كتاب الأسماء والصفات " للبيهقي - رحمه ~~الله تعالى - فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف فقلت: لعلك تعني قوله ~~تعالى {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} فقال: نعم. قد قال ~~مجاهد والشافعي يعني قبلة الله. فقلت: نعم: هذا صحيح عن مجاهد والشافعي ~~وغيرهما وهذا حق وليست هذه الآية من آيات الصفات. ومن عدها في الصفات فقد ~~غلط كما فعل طائفة؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: {ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} والمشرق والمغرب الجهات. والوجه هو ~~الجهة؛ يقال أي وجه تريده؟ أي أي جهة وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة كما ~~قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} ولهذا قال: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~أي تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم. وصلى الله على محمد. # PageV03P193 # [نقل الشيخ علم الدين: أن الشيخ - قدس الله روحه - قال: - في مجلس نائب ~~السلطنة الأفرم - لما سأله عن اعتقاده وكان الشيخ أحضر عقيدته " الواسطية " ~~قال - هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام؛ فقرئت في ~~المجلس. ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال: كان سبب كتابتها أن بعض قضاة ~~واسط من أهل الخير والدين شكا ما الناس فيه - ببلادهم في دولة التتر - من ~~غلبة الجهل والظلم] (*) ودروس الدين والعلم؛ وسألني أن أكتب له " عقيدة " ~~فقلت له: قد كتب الناس عقائد أئمة السنة؛ فألح في السؤال، وقال: ما أحب إلا ~~عقيدة تكتبها أنت. ms0690 فكتبت له هذه العقيدة - وأنا قاعد بعد العصر فأشار ~~الأمير لكاتبه فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا فاعترض بعضهم على قولي فيها: ~~ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله: من غير تحريف ~~ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي هو صرف ~~اللفظ عن ظاهره: إما وجوبا وإما جوازا. PageV03P194 # فقلت: إني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء ~~القرآن بذمه؛ وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة فنفيت ما ذمه ~~الله من التحريف ولم أذكر فيها لفظ التأويل؛ لأنه لفظ له عدة معان؛ كما ~~بينته في موضعه من القواعد. فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير لفظ ~~التأويل في اصطلاح المتأخرين من أهل الأصول والفقه. وغير معنى لفظ التأويل ~~في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف. وقلت لهم ذكرت في النفي التمثيل ولم ~~أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: {ليس كمثله شيء} . ~~وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا ويعرضون بما ينسبه بعض ~~الناس إلينا من ذلك. فقلت قولي من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل؛ وإنما ~~اخترت هذين الاسمين: لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك ~~وابن عيينة وغيرهم المقالة - التي تلقاها العلماء بالقبول - الاستواء معلوم ~~والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فاتفق هؤلاء السلف على أن ~~الكيف غير معلوم لنا فنفيت ذلك اتباعا لسلف الأمة. وهو أيضا منفي بالنص. ~~فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة # PageV03P195 # الموصوف وحقيقة صفاته غير معلومة وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ~~كما قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في " التأويل والمعنى " والفرق بين ~~علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله. وكذلك التمثيل منفي بالنص والإجماع ~~القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف؛ إذ كنه الباري غير معلوم ~~للبشر. وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف: وهو " ~~إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ms0691 مع نفي الكيفية والتشبيه عنها؛ إذ ~~الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات: يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا ~~كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف؛ فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ~~لا إثبات تكييف ". فقال أحد كبراء المخالفين فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم؛ ~~لا كالأجسام. فقلت له أنا وبعض الفضلاء إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به ~~نفسه وبما وصفه به رسوله وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا. ~~وأول من قال إن الله جسم: هشام بن الحكم الرافضي. وأما قولنا: فهم الوسط في ~~فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله بين ~~أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة فقيل لي أنت صنفت اعتقاد الإمام ~~أحمد وأرادوا قطع النزاع لكونه مذهبا متبوعا. # PageV03P196 # فقلت: ما خرجت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم؛ ليس للإمام أحمد اختصاص ~~بهذا. وقلت: قد أمهلت من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد ~~عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك وعلي أن آتي بنقول جميع ~~الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث وغيرهم. ثم طلب المنازع الكلام في (مسألة ~~الحرف والصوت فقلت: هذا الذي يحكى عن أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد ~~المصاحف قديم أزلي كذب مفترى لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين. ~~وأخرجت كراسا وفيه ما ذكره أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " عن الإمام ~~أحمد وما جمعه صاحبه أبو بكر المروذي من كلام أحمد وكلام أئمة زمانه في أن ~~من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. قلت: ~~فكيف بمن يقول لفظي أزلي؟ فكيف بمن يقول صوتي قديم فقال المنازع: إنه انتسب ~~إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام فقلت: المشبهة والمجسمة ~~في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم: فهؤلاء أصناف الأكراد كلهم ~~شافعية وفيهم من التشبيه ms0692 والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم ~~شافعية وحنبلية؛ وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم ~~والكرامية المجسمة كلهم حنفية. # PageV03P197 # وقلت له: من في أصحابنا حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم أبو داود ~~المروذي الخلال، أبو بكر عبد العزيز أبو الحسن التميمي بن حامد القاضي، أبو ~~يعلى أبو الخطاب بن عقيل؛ ورفعت صوتي وقلت: سمهم قل لي من منهم؟ . أبكذب ~~ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين ~~كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون: القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد ~~الكاتبين؛ وأن الصوت والمداد قديم أزلي. من قال هذا؟ وفي أي كتاب وجد عنهم ~~هذا؟ قل: لي. وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه ~~والمقدمة التي نقلها عنهم. # ولما جاءت " مسألة القرآن " وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود: نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك فقلت: أما ~~هذا القول: فهو المأثور والثابت عن السلف. مثل ما نقله عمرو بن دينار قال: ~~أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق؛ إلا القرآن ~~فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. ومعنى منه بدأ أي هو المتكلم ~~به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق في الهواء أو ~~غيره وبدأ من غيره. وأما إليه يعود: فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف ~~والصدور # PageV03P198 # فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف. ووافق على ذلك غالب ~~الحاضرين. فقلت: هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " {ما تقرب العباد إلى ~~الله بمثل ما خرج منه} ": يعني القرآن. وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه تقرب ~~إلى الله بما استطعت؛ فلن يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه. وقلت: ~~وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو كلام الله ms0693 حقيقة؛ لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه ~~حكاية عن كلام الله أو عبارة؛ بل إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف ~~لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة. فإن الكلام إنما يضاف ~~حقيقة إلى من قاله مبتدئا. لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. فامتعض بعضهم من ~~إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تكلم به حقيقة ثم إنه سلم ~~ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه؛ وهذا لا يصح نفيه وأن أقوال المتقدمين ~~المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة. ولما ذكرت فيها ~~أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا ~~استحسنوا هذا الكلام وعظموه. وذكرت ما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه ~~فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته؛ لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن ~~الظنون الكاذبة # PageV03P199 # وليس معنى قوله {وهو معكم أين ما كنتم} أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا ~~توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق ~~بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته؛ وهو موضوع في السماء وهو مع ~~المسافر أينما كان. # ولما ذكرت: أن جميع أسماء الله التي يسمى بها المخلوق - كلفظ " الوجود ": ~~الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن: تنازع كبيران هل هو مقول ~~بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما هو متواطئ. وقال آخر هو مشترك لئلا ~~يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده ~~هل هو عين ماهيته أم لا؟ فمن قال: إن وجود كل شيء عين ماهيته قال: إنه مقول ~~بالاشتراك ومن قال إن وجوده قدر زائد على ماهيته قال: إنه مقول بالتواطؤ ~~فأخذ الأول يرجح قول من يقول: إن الوجود زائد على الماهية لينصر أنه مقول ~~بالتواطؤ فقال الثاني: مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته؛ فأنكر ~~الأول ذلك. فقلت: أما متكلمو أهل السنة فعندهم أن ms0694 وجود كل شيء عين ماهيته؛ ~~وأما القول الآخر: فهو قول المعتزلة: أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته. ~~وكل منهما أصاب من وجه؛ فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ. كما قد ~~قررته في غير هذا الموضع. # PageV03P200 # وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عين وجود ماهيته فهو ~~من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب؛ فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته: ~~لا يجب أن يكون الاسم مقولا عليه وعلى غيره بالاشتراك اللفظي فقط؛ كما في ~~جميع أسماء الأجناس: فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد ~~بالتواطؤ وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد؛ إذ الاسم دال على القدر ~~المشترك بينهما وهو المطلق الكلي؛ لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في ~~الذهن. ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج ~~فإنه على ذلك تنتفي " الأسماء المتواطئة " وهي جمهور الأسماء الموجودة في ~~اللغات وهي " أسماء الأجناس اللغوية " وهو الاسم المعلق على الشيء وما ~~أشبهه - سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا ~~أو فقهيا أو لم يكن. بل اسم الجنس في اللغة تدخل فيه الأجناس والأصناف ~~والأنواع ونحو ذلك. وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة. ~~قال الذهبي: ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد (*) . PageV03P201 # وكتب عبد الله ابن تيمية لأخيه زين الدين: # بسم الله الرحمن الرحيم من أخيه " عبد الله ابن تيمية " إلى الشيخ الإمام ~~العالم الفاضل الصدر الكبير " زين الدين " زينه الله تعالى بحلية أوليائه ~~وأكرمه في الدنيا والآخرة بكرامة أصفيائه وجعل له البشرى بالنصر الأكبر على ~~أعدائه وأوزعه شكر النعماء؛ خصوصا أفضل نعمائه: بما من الله به سبحانه من ~~النصر العزيز للإسلام وللسنة وأهلها على حزب الشيطان وأوليائه. أما بعد: ~~فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل، وأصلي على نبيه ~~محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وأعرفه بما من الله سبحانه علينا ms0695 وعلى ~~المسلمين أجمعين بالنصر الأكبر والفتح المبين. وهو وإن كانت العقول تعجز عن ~~دركه على التفضيل والألسن عن وصفه عن التكميل. لكن نذكر منه ما يسر الله ~~سبحانه ملخصا خاليا عن التطويل. # PageV03P202 # وهو أنه - لما كان يوم الاثنين الثامن من رجب - جمع نائب السلطان القضاة ~~الأربعة ونوابهم والمفتين والمشايخ: نجم الدين، وشمس الدين وتقي الدين، ~~وجمال الدين، وجلال الدين: نائب نجم الدين، وشمس الدين بن العز: نائب شمس ~~الدين، وعز الدين: نائب تقي الدين، ونجم الدين: نائب جمال الدين، والشيخ ~~كمال الدين بن الزملكاني، والشيخ كمال الدين بن الشرشي، وابن الوكيل من ~~الشافعية، والشيخ برهان الدين بن عبد الحق من الحنفية، والشيخ شمس الدين ~~الحريري من المالكية، والشيخ شهاب الدين المجد من الشافعية، والشيخ محمد بن ~~قوام، والشيخ محمد بن إبراهيم الأرموي. ثم سأل نائب السلطان عن الاعتقاد. ~~فقال: ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني؛ بل الاعتقاد يؤخذ عن الله ~~سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف الأمة. يؤخذ من ~~كتاب الله تعالى، ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة ~~وما ثبت عن سلف الأمة. فقال الأمير نريد أن تكتب لنا صورة الاعتقاد فقال ~~الشيخ: إذا قلت الساعة شيئا من حفظي: قد يقول الكذابون قد كتم بعضه أو ~~داهن. بل أنا أحضر ما كتبته قبل هذا المجلس بسنين متعددة قبل مجيء التتار. ~~فأحضرت " الواسطية " وسبب تسميتها بذلك: أن الذي طلبها من الشيخ رجل من ~~قضاة واسط - من أصحاب الشافعي - قدم حاجا من نحو عشر سنين وكان فيه صلاح ~~كبير وديانة كبيرة فالتمس من الشيخ أن يكتب له عقيدة فقال له # PageV03P203 # الشيخ: الناس قد كتبوا في هذا الباب شيئا كثيرا فخذ بعض عقائد أهل السنة ~~فقال: أحب أن تكتب لي أنت. فكتب له - وهو قاعد في مجلسه بعد العصر هذه " ~~العقيدة ". ذكر الشيخ للأمير معنى هذا الكلام ثم قرئت على الحاضرين من ~~أولها إلى آخرها كلمة كلمة وبحث في مواضع منها، وفيهم من في ms0696 قلبه من الشيخ ~~ما لا يعلمه إلا الله وكان ظنهم أنهم إذا تكلموا معه في هذا الكتاب أظهروا ~~أنه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة. وأوردوا ثلاثة أسئلة - في ثلاث ~~مواضع - وهي " تسميتها باعتقاد أهل الفرقة الناجية " وقول: " استوى حقيقة " ~~وقول: " فوق السموات " فقال الشيخ للكاتب الذي أقعده نائب السلطان وهو ~~الشيخ كمال الدين بن الزملكاني: اكتب جوابها - وكان المجلس قد طال من الضحى ~~إلى قريب العصر - فأشاروا بتأخير ذلك إلى مجلس ثان - وهو يوم الجمعة ثاني ~~عشر رجب - فاجتمعوا هم وحضر معهم الصفي الهندي وحضرت أنا المجلس الثاني؛ ~~وما علمت بالمجلس الأول حين حضروا - وقد كانوا بحثوا في تلك الأيام بالفصوص ~~وطالعوه - واتفقوا على أنهم لا يبقوا ممكنا. فلما حضرت بعد صلاة الجمعة ~~واستقر المجلس: أثنى الناس على الصفي الهندي وقال جماعة منهم هو شيخ ~~الجماعة وكبيرهم في هذا؛ وعليه اشتغل الناس في هذا الفن واتفقوا على أنه ~~يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد. # PageV03P204 # فخطب الشيخ فحمد الله وأثنى عليه بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه ثم قال: ~~إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف وربنا ~~واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد وديننا واحد؛ وأصول الدين ليس بين السلف ~~وأئمة الإسلام فيها خلاف؛ ولا يحل فيها الافتراق لأن الله تعالى يقول: ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ويقول: {إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء} . وهذا الباب قد تنازع الناس فيه؛ ويقول هذا: ~~أنا حنبلي ويقول هذا: أنا أشعري وقد أحضرت كتب الأشعري وكتب أكابر أصحابه: ~~مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني وأحضرت أيضا من نقل مذاهب السلف: من المالكية ~~والشافعية والحنبلية وأهل الحديث وشيوخ الصوفية وأنهم كلهم متفقون على ~~اعتقاد واحد. وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة: مثل محمد بن الحسن ~~والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين وقرأ فصلا مما ذكره ~~الحافظ ابن عساكر في كتابه " الإبانة " وأنه يقول بقول الإمام أحمد. وأحضر ~~" كتاب التمهيد ms0697 " للقاضي أبي بكر بن الباقلاني. وأحضر " النقول " عن مالك ~~وأكابر أصحابه: مثل ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وغيرهما من كبار أصحاب ~~مالك بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش. وقال أما الذي أذكره فهو مذهب ~~السلف وأحضر ألفاظهم وألفاظ من # PageV03P205 # نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية وأذكر ~~موافقة ذلك من الكتاب والسنة وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل وإن كان الله ~~تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد لله رب العالمين؛ وإن خالف مخالف ~~لذلك كان في كلام الآخر ما أقوله وأكشف الأسرار وأهتك الأستار وأبين ما ~~يحتاج إليه بيانه وأجتمع بالسلطان وأقول له كلاما آخر. وكان يوما عظيما ~~مشهودا بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمرا عظيما وبحث عن أشياء خارجة ~~عن " العقيدة الواسطية " لما أحضر لهم جوابه: في مسألة القرآن ومسألة ~~الاستواء - لما سئل عنها قديما من نحو اثنتي عشرة سنة - وقرأ عليهم من ذلك ~~الجواب وسألوه عن ألفاظ في المسألة " الحموية " وأوردوا عليه جميع ما في ~~أنفسهم من الأجوبة وقالوا هذا سؤالنا وما بقي في أنفسنا شيء فلما أجاب ~~الشيخ عن أسئلتهم وافقوه وانفصل المجلس على ذلك وكان قال لهم كل من خالف ~~شيئا مما قلته فليكتب بخطه خلافه ولينقل فيما خالف في ذلك عن السلف؛ أو ~~يكتب كل شخص عقيدة وتعرض هذه العقائد على ولاة الأمور ويعرف أيها الموافق ~~للكتاب والسنة. وقال أيضا من جاء بحرف واحد عن السلف بخلاف ما ذكرت فأنا ~~أصير إليه وأنا أحضر نقل جميع الطوائف أنهم ذكروا مذهب السلف كما وضعته ~~وأنا موافق السلف # PageV03P206 # ومناظر على ذلك؛ وجميع أئمة الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والصوفية موافقون ما أقوله. وسألوه عن ~~الظاهر هل هو موافق أم لا؟ فقال هذا ليس في " العقيدة " وأنا أتبرع بالجواب ~~عن أكثر من حكى مذهب السلف - كالخطابي وأبي بكر الخطيب والبغوي وأبي بكر ~~وأبي القاسم التميمي وأبي الحسن الأشعري وابن الباقلاني وأبي عثمان ~~الصابوني وأبي عمر بن عبد ms0698 البر والقاضي أبي يعلى والسيف الآمدي وغيرهم في ~~نفي الكيفية والتشبيه عنها وأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات: ~~يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله؛ فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لإثبات ~~كيفية؛ فكذلك إثبات الصفات: إثبات وجود لا إثبات كيفية. # وقد نقل طائفة. . . (1) (*) أن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد. قال: ~~والجمع بين النقلين أن الظاهر لفظ مشترك؛ فالظاهر الذي لا يليق إلا ~~بالمخلوق غير مراد وأما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد: ~~أنه هو المراد في أسماء الله تعالى، وصفاته مثل الحي والعليم والقدير ~~والسميع والبصير؛ وجرت بحوث دقيقة لا يفهمها إلا قليل من الناس. وبين أن ~~الله تعالى فوق عرشه على الوجه الذي يليق بجلاله؛ ولا أقول PageV03P207 # فوقه كالمخلوق على المخلوق كما تقوله المشبهة ولا يقال إنه لا فوق ~~السموات ولا على العرش رب كما تقوله المعطلة الجهمية بل يقال إنه فوق ~~سمواته على عرشه بائن من خلقه. وتكلم على لفظ الجهة؛ وأنه معنى مشترك وعلى ~~لفظ الحقيقة. وسئل عن مسألة القرآن والصوت فأجاب بالتفصيل وكان أجاب به ~~قديما - فقال: من قال إن صوت العبد بالقرآن ومداد المصحف قديم فهو مخطئ ضال ~~ولم يقل بهذا أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ولا غيرهم. وما نقل عنهم أنهم ~~يقولون ليس القرآن إلا الصوت المسموع من القارئ والمداد الذي في المصحف وهو ~~مع ذلك قديم فهذا كذب مفترى. ما قاله أحمد وأحضر نصوص الإمام أحمد وأصحابه ~~وأصحاب مالك والشافعي والأشعري وغيرهم: أن من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق ~~فهو مبتدع، فكيف بمن يقول صوتي به غير مخلوق أو يقول صوتي به قديم وحرر ~~الكلام فيها وإن إطلاق القول بنفي الحرف بدعة: لم يتكلم به الإمام أحمد ولا ~~غيره من الأئمة المتبوعين. بل مذهب السلف أن القرآن كلام الله: حروفه ~~ومعانيه؛ والكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا؛ لا إلى من قاله مبلغا ~~مؤديا وأن الله تكلم بصوت وذكر حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي ms0699 في ~~الصحيحين. فأخذ نائب # PageV03P208 # المالكي يقول: أنت تقول: إن الله ينادي بصوت فقال له الشيخ: هكذا قال ~~نبيك إن كنت مؤمنا به، وهكذا قال محمد بن عبد الله إن كان رسولا عندك. وجعل ~~نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم: هكذا قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقولون نعم. فيقول فمن قال بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أي شيء يقال له. وقال له كل شيء قلته من عندك قلته؟ فقال بل أنقله ~~جميعا عن نبي الأمة صلى الله عليه وسلم وأبين أن طوائف الإسلام تنقله عن ~~السلف كما نقلته وأن أئمة الإسلام عليه وأنا أناظر عليه وأعلم كل من ~~يخالفني بمذهبه. وانزعج الشيخ انزعاجا عظيما على نائب المالكي والصفي ~~الهندي وأسكتهما سكوتا لم يتكلما بعده بما يذكر. وجزئيات الأمور لا يتسع ~~لها هذا الورق، وبعد المجلس حمل بعض الشافعية النقل من تفسير القرطبي بأن ~~السلف لم ينكر أحد منهم أن الله تعالى استوى على العرش حقيقة وأنهم لا ~~يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون إلا بما أخبرت به رسله، وخص العرش بذلك لأنه ~~أعظم المخلوقات وإنما جهلوا كيفية الاستواء وأنه لا تعلم حقيقته؛ كما قال ~~مالك رحمه الله الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والإيمان ~~به واجب والسؤال عنه بدعة فقال المالكي ما كنا نعرف هذا. # PageV03P209 # وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره: من الكذب والاختلاق والتناقض بما ~~عليه الحال ما لا يوصف. فجميع ما يرد إليك مما يناقض ما ذكرت: من الأكاذيب؛ ~~والاختلاقات فتعلم ذلك. ولم ندر إلى الآن كيف وقع الأمر في مصر؛ إلا ما في ~~كتاب السلطان أنه بلغنا أن الشيخ فلانا كتب عقيدة يدعو إليها وأن بعض الناس ~~أنكرها فليعقد له مجلس لذلك ولتطالع ما يقع وتكشف أنت ذلك كشفا شافيا ~~وتعرفنا به. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى الشيخ الإمام الكبير ~~العالم الفاضل قرة العين عز الدين أفضل السلام وكذلك كل فرد من الأهل ~~والأصحاب والمعارف والسلام. # PageV03P210 # قال الإمام أبو العباس: ms0700 أحمد ابن تيمية في " جواب ". ورقة أرسلت إليه في ~~السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة. # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: أرسله بالهدى ودين ~~الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. صلى الله عليه وآله وسلم ~~تسليما. أما بعد قد وصلت " الورقة " التي فيها رسالة الشيخين الجليلين ~~العالمين الناسكين القدوتين. أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه وكتب في ~~قلوبهم الإيمان وأدخلهم مدخل صدق وأخرجهم مخرج صدق وجعلهم ممن ينصر به ~~السلطان: سلطان العلم والحجة والبيان والبرهان. وسلطان القدرة والنصر ~~بالسنان والأعوان. وجعلهم من أوليائه المتقين وجنده الغالبين: لمن ناوأهم ~~من الأقران ومن أئمة المتقين: الذين جمعوا بين الصبر # PageV03P211 # والإيقان؛ والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان؛ ومنتقم من حزب ~~الشيطان: لعباد الرحمن. لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته. من الابتلاء ~~والامتحان. الذي يخلص الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان؛ ~~إذ قد دل كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكل من الداعي إلى الإيمان ~~والعقوبة لذوي السيئات والطغيان قال الله تعالى: {الم} {أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} . {أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا ساء ما يحكمون} . فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون ~~الطالب وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر ~~في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} إلى قوله {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} . وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه ~~عند الفتنة الذي يعبد الله فيها على حرف ms0701 وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر ~~من هو عليه بل لا يثبت الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا قال ~~تعالى: {ومن الناس من يعبد الله # PageV03P212 # على حرف} الآية وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} . وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} . وأخبر سبحانه أنه عند وجود ~~المرتدين؛ فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين فقال {من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} الآية. وهؤلاء هم الشاكرون ~~لنعمة الإيمان الصابرون على الامتحان كما قال تعالى: {وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} {وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة ~~نؤته منها وسنجزي الشاكرين} {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا ~~لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} {وما ~~كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة والله يحب المحسنين} . فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر: ~~كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيرا له؛ كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر ~~كان خيرا له وإن أصابته ضراء # PageV03P213 # فصبر كان خيرا له} " والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير ~~موضع من كتابه. ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال وكل واحد ~~من السراء والضراء في حقه يفضي إلى قبيح المآل؛ فكيف إذا كان ذلك في الأمور ~~العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ ~~الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد ms0702 والبهتان. فالحمد لله حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. ~~والله هو المسئول أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة ويتم عليكم نعمه الباطنة والظاهرة وينصر دينه وكتابه وعباده ~~المؤمنين على الكافرين والمنافقين: الذي أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في ~~كتابه المبين. وأنتم فابشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في ~~الصدور. وشأن هذه " القضية " وما يتعلق بها أكبر مما يظنه من لا يراعي إلا ~~جزئيات الأمور. ولهذا كان فيما خاطبت به أمين الرسول علاء الدين الطيبرسي ~~أن قلت: هذه " القضية " ليس الحق فيها لي بل لله ولرسوله وللمؤمنين من شرق ~~الأرض إلى مغربها؛ وأنا لا يمكنني أن أبدل الدين ولا أنكس راية المسلمين. ~~ولا أرتد عن دين الإسلام لأجل فلان وفلان. # PageV03P214 # نعم يمكنني أن لا أنتصر لنفسي ولا أجازي من أساء إلي وافترى علي ولا أطلب ~~حظي ولا أقصد إيذاء أحد بحقي وهذا كله مبذول مني ولله الحمد ونفسي طيبة ~~بذلك وكنت قد قلت له الضرر في هذه " القضية " ليس علي؛ بل عليكم. فإن الذين ~~أثاروها من أعداء الإسلام: الذين يبغضونه ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه ~~ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم. وهم دبروا عليكم حيلة يفسدون بها ~~ملتكم ودولتكم وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار وبعضهم مقيم بالشام وغيره؛ ~~ولهذه القضية أسرار لا يمكنني أن أذكرها ولا أسمي من دخل في ذلك حتى ~~تشاوروا نائب السلطان فإن أذن في ذلك ذكرت لك ذلك وإلا فلا يقال ذلك له وما ~~أقوله فاكشفوه أنتم فاستعجب من ذلك وقال يا مولانا: ألا تسمي لي أنت أحدا؟ ~~فقلت: وأنا لا أفعل ذلك فإن هذا لا يصلح. لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم ~~قصدوا فساد دينكم ودنياكم. وجعلوني إماما تسترا؛ لعلمهم بأني أواليكم وأسعى ~~في صلاح دينكم ودنياكم وسوف إن شاء الله ينكشف الأمر. قلت له وإلا فأنا على ~~أي شيء أخاف إن قتلت كنت من أفضل الشهداء وكان علي الرحمة والرضوان ms0703 إلى يوم ~~القيامة وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا والعذاب في الآخرة ~~ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله أني إن قتلت # PageV03P215 # لأجل دين الله وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم الله علي ووالله ما ~~أطيق أن أشكر نعمة الله علي في هذا الحبس وليس لي ما أخاف الناس عليه لا ~~أقطاعي ولا مدرستي ولا مالي ولا رياستي وجاهي. وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ~~ما أنتم فيه من الرياسة والمال وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا ~~والآخرة وهذا كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة. وقلت: هؤلاء الذين ~~بمصر من الأمراء والقضاة والمشايخ: إخواني وأصحابي؛ أنا ما أسأت إلى أحد ~~منهم قط ومازلت محسنا إليهم فأي شيء بيني وبينهم ولكن لبس عليهم المنافقون ~~أعداء الإسلام. وأنا أقول لكم - لكن لم يتفق أني قلت هذا له - إن في ~~المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم؛ وإن لم يكن منافقا كما قال ~~تعالى: {وفيكم سماعون لهم} وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} . والنفاق له شعب ودعائم؛ كما أن للإيمان ~~شعبا ودعائم؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {آية ~~المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان} وفيهما أيضا أنه ~~قال: " {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ~~ائتمن خان} ". # PageV03P216 # وقلت له: هذه القضية أكبر مما في نفوسكم؛ فإن طائفة من هؤلاء الأعداء ~~ذهبوا إلى بلاد التتر. فقال: إلى بلاد التتر؟ فقلت نعم. هم من أحرص الناس ~~على تحريك الشر عليكم إلى أمور أخرى لا يصلح أن أذكرها لك. وكان قد قال لي: ~~فأنت تخالف المذاهب الأربعة؛ وذكر حكم القضاة الأربعة فقلت له: بل الذي ~~قلته عليه الأئمة الأربعة المذاهب وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابا: ~~من كتب الحنفية والمالكية والشافعية ms0704 وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها ~~توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها. ولم يستطع ~~المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد ~~من أئمة الإسلام وسلفه. وكان لما أعطاني الدرج. فتأملته فقلت له: هذا كله ~~كذب؛ إلا كلمة واحدة. وهي أنه استوى على العرش حقيقة؛ لكن بلا تكييف ولا ~~تشبيه. قلت وهذا هو في " العقيدة " بهذا اللفظ بلا تكييف ولا تمثيل ولا ~~تحريف ولا تعطيل. فقال: فاكتب خطك بهذا. قلت: هذا مكتوب قبل ذلك في " ~~العقيدة " ولم أقل: بما يناقضه؛ فأي فائدة في تجديد الخط. وقلت: هذا اللفظ ~~قد حكى إجماع أهل السنة والجماعة عليه غير واحد من العلماء: المالكية ~~والشافعية وأهل الحديث وغيرهم؛ وما في علماء الإسلام من ينكر ذلك إلا هؤلاء ~~الخصوم. # PageV03P217 # قلت: فإن هؤلاء يقولون: ما فوق العرش رب يدعى ولا فوق السماء إله يعبد؛ ~~وما هناك إلا العدم المحض والنفي الصرف وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ~~يعرج به إلى الله تعالى؛ ولكن صعد إلى السماء ونزل. وأن الداعي لا يرفع ~~يديه إلى الله. ومنهم من يقول: إن الله هو هذا الوجود؛ وأنا الله؛ وأنت ~~الله؛ والكلب والخنزير والعذرة ويقول: إن الله حال في ذلك. فاستعظم ذلك ~~وهاله أن أحدا يقول هذا. فقال " هؤلاء " يعني ابن مخلوف وذويه فقلت: هؤلاء ~~ما سمعت كلامهم ولا خاطبوني بشيء؛ فما يحل لي أن أقول عنهم ما لم أعلمه؛ ~~ولكن هذا قول الذين نازعوني بالشام وناظروني وصرحوا لي بذلك وصرح أحدهم ~~بأنه لا يقبل من الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في هذا الباب مما ~~يخالفهم. وجعل الرجل في أثناء الكلام يصغي لما أقوله ويعيه: لما رأى غضبي ~~ولهذا بلغني من غير وجه أنه خرج فرحا مسرورا بما سمعه مني. وقال: هذا على ~~الحق وهؤلاء قد ضيعوا الله وإلا فأين هو الله؟ وهكذا يقول كل ذي فطرة ~~سليمة. كما قاله: جمال الدين الأخرم للملك الكامل لما خاطبه الملك الكامل ms0705 ~~في أمر هؤلاء فقال له الأخرم: هؤلاء قد ضيعوا إلهك فاطلب لك إلها تعبده، ~~ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حي حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة سميع ~~حقيقة بصير حقيقة إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وإنما ينكر ذلك # PageV03P218 # الفلاسفة الباطنية. فيقولون: نطلق عليه هذه الأسماء ولا نقول إنها حقيقة. ~~وغرضهم بذلك جواز نفيها فإنهم يقولون: لا حي حقيقة ولا ميت حقيقة ولا عالم ~~ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا سميع ولا أصم. فإذا قالوا إن هذه الأسماء ~~مجاز: أمكنهم نفي ذلك لأن علامة المجاز صحة نفيه. فكل من أنكر أن يكون ~~اللفظ حقيقة لزمه جواز إطلاق نفيه فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة ~~فإنه يقول ليس الرحمن على العرش استوى كما أن من قال إن لفظ الأسد للرجل ~~الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة فإنه يلزمه صحة نفيه. فيقول: هذا ليس ~~بأسد ولا بحمار ولكنه آدمي وهؤلاء يقولون لهم لا يستوي الله على العرش. ~~كقول إخوانهم ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم ~~مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه يقابلونه بالنفي ~~والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب؛ لكن هؤلاء لا ينفون اللفظ مطلقا. ~~وقال الطلمنكي أحد أئمة المالكية - قبل ابن عبد البر والباجي وطب قتهما - ~~في " كتاب الوصول إلى معرفة الأصول ": أجمع المسلمون من أهل السنة على أن ~~معنى {وهو معكم أين ما كنتم} ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق ~~السموات بذاته مستو على العرش كيف شاء. وقال أيضا: قال أهل السنة: في قول ~~الله تعالى: {الرحمن على العرش # PageV03P219 # استوى} إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة؛ لا على المجاز. ~~وقال ابن عبد البر في " التمهيد " - شرح الموطأ وهو أشرف كتاب صنف في فنه - ~~لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت لا يختلف أهل الحديث في صحته. ~~وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما ms0706 قالت ~~الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنه في كل مكان؛ وليس على ~~العرش. قال: والدليل على صحة ما قاله: أهل الحق قول الله تعالى: {الرحمن ~~على العرش استوى} وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وقال ~~{تعرج الملائكة والروح إليه} وقال {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} وذكر ~~آيات. إلى أن قال: وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من ~~حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا خالفهم فيه مسلم. وهذا مثل ما ~~ذكر محمد بن طاهر عن أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس بعض المتكلمين فقال: " ~~كان الله ولا عرش " فقال: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش. أخبرنا عن هذه ~~الضرورات التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ~~ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة. فضرب بيده على رأسه وقال: حيرني ~~الهمداني، حيرني الهمداني: أراد الشيخ أن إقرار # PageV03P220 # الفطر بأن معبودها ومدعوها فوق: هو أمر ضروري عقلي فطري لم تستفده من ~~مجرد السمع بخلاف الاستواء على العرش - بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~- فإن هذا علم من جهة السمع. ولهذا ### | لا تعرف أيام الأسبوع إلا من جهة المقرين بالنبوات # فأما من لا يعرف ذلك كالترك المشركين فليس في لغتهم أسماء أيام الأسبوع. ~~وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة في يوم واحد في الأسبوع كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى} ". وبسط ابن ~~عبد البر الكلام في ذلك. إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} فلا حجة فيه لهم؛ لأن ~~علماء الصحابة والتابعين قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في ~~كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله: قال أبو عمر: أهل السنة مجمعون ~~على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها ~~على الحقيقة؛ لا ms0707 على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئا ولا يحدون فيه صفة ~~محصورة. وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها؛ ولا ~~يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم - عند من أقر ~~بها - نافون للمعبود والحق ما نطق به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وهم أئمة الجماعة. # PageV03P221 # وقال أيضا الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر: في هذه المسألة وما ~~أشبهها: الإيمان بما جاء عن النبي والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في ~~شيء منه. وقال السجزي في " الإبانة " وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة، ~~وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق: متفقون على ~~أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة ~~بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما ~~شاء. فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء. وقال الشيخ عبد ~~القادر في " الغنية " أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات - على وجه ~~الاختصار - فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد صمد. إلى أن قال: وهو بجهة ~~العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء. قال: ولا يجوز ~~وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش. إلى أن قال: ~~وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش. قال: ~~وكونه على العرش في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا تكييف. وذكر الشيخ " ~~نصر المقدسي " في " كتاب الحجة " عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة ~~عن مذاهب أهل السنة؟ فقالا أدركنا العلماء في جميع # PageV03P222 # الأمصار: حجازا وعراقا ومصر وشاما ويمنا؛ فكان من مذاهبهم: أن الإيمان ~~قول وعمل يزيد وينقص. والقرآن كلام الله منزل؛ غير مخلوق بجميع جهاته إلى ~~أن قال: وإن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف. أحاط بكل شيء علما. ms0708 وقال الشيخ نصر في ~~أثناء الكتاب إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام: من اتباع كتاب ~~الله وسنة رسول الله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء. فاذكر مذهبهم وما ~~أجمعوا عليه. فالجواب: أن الذي أدركنا عليه أهل العلم ومن بلغني قوله من ~~غيرهم. فذكر مجمل " اعتقاد أهل السنة " وفيه: وأن الله مستو على عرشه بائن ~~من خلقه. كما قال: في كتابه. وقال أبو الحسن الكرجي الشافعي في " قصيدته ~~المشهورة في السنة ": # عقيدتهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب # وقال القرطبي - صاحب التفسير الكبير - في قوله تعالى {ثم استوى على العرش ~~الرحمن} قال هذه " مسألة الاستواء " وللعلماء فيها كلام. فذكر قول ~~المتكلمين. ثم قال: كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك. ~~بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله، كما نطق به كتابه وأخبرت # PageV03P223 # به رسله. قال: ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، ~~وإنما جهلوا كيفية الاستواء. فإنه لا تعلم حقيقته. ثم قال: بعد أن حكى ~~أربعة عشر قولا - وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء ~~الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف. بائن ~~من جميع خلقه. هذا مذهب السلف الصالح فيما نقله الثقات عنهم. ولما اجتمعنا ~~بدمشق وأحضر فيما أحضر كتب أبي الحسن الأشعري: مثل " المقالات " و " ~~الإبانة " وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك والبيهقي وغيرهم. وأحضر ~~كتاب " الإبانة " وما ذكر ابن عساكر في كتاب " تبيين كذب المفتري فيما نسب ~~إلى الأشعري " وقد نقله بخطه أبو زكريا النووي. وقال فيه: فإن قال قائل: قد ~~أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة: فع ~~رفونا قولكم الذي به تقولون. قيل له: قولنا: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ~~وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. ونحن بذلك معتصمون وبما كان ~~يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف ~~قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل الذي أبان الله به ms0709 الحق عند ظهور الضلال ~~وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين. # PageV03P224 # وذكر الاعتقاد الذي ذكره في " المقالات " عن أهل السنة ثم احتج على أبواب ~~الأصول مثل " مسألة القرآن " " والرؤية " " والصفات " # ثم قال: باب ذكر الاستواء. # فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء: قيل بأن الله مستو على عرشه. كما ~~قال سبحانه: {الرحمن على العرش استوى} وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} وقال سبحانه: {بل رفعه الله إليه} وقال فرعون: {يا هامان ابن ~~لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات. وقال: {أأمنتم من في السماء ~~أن يخسف بكم الأرض} والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذي هو على ~~السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال: {وجعل القمر فيهن نورا} لم يرد ~~أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا. ورأينا المسلمين جميعا يرفعون ~~أيديهم إذا دعوا نحو العرش. قال وقد قال قائلون: من المعتزلة والجهمية ~~والحرورية إن معنى قوله {الرحمن على العرش استوى} أي استولى وملك وقهر. ~~والله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قاله أهل الحق. قال: ~~ولو كان كما قالوا: كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة السفلى؛ لأن ~~الله قادر على كل شيء وقدر ذلك. # PageV03P225 # وساق الكلام إلى أن قال: ومما يؤكد لكم أن الله مستو على عرشه دون ~~الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله من قوله " {ينزل الله إلى ~~سماء الدنيا كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ~~يطلع الفجر} " ثم ذكر الأحاديث. وقال تعالى {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا} قال: وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى ~~السماء. وذكر دلائل. إلى أن قال: كل ذلك يدل على أن الله ليس في خلقه ولا ~~خلقه فيه وأنه عز وجل مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما ms0710 يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. جل عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم له حقيقة ولا أوجبوا له ~~بذكرهم إياه وحدانية، إذا كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم على ~~النفي في التأويل: يريدون بذلك فيما زعموا التنزيه ونفي التشبيه، فنعوذ ~~بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل، وهذا باب واسع لا يحصر فيه كلام ~~العلماء من جميع الطوائف وما في ذلك من الدلائل العقلية والنقلية وما يعارض ~~ذلك أيضا من حجج النفاة والجواب عنها، وقد كتبت في هذا ما يجيء عدة مجلدات ~~وذكرت فيها مقالات الطوائف جميعها، وحججها الشرعية والعقلية واستوعبت ما ~~ذكره الرازي في كتاب " تأسيس التقديس " " ونهاية العقول " وغير ذلك، حتى ~~أتيت على مذاهب # PageV03P226 # الفلاسفة المشائين أصحاب أرسطو وغير المشائين متقدميهم ومتأخريهم: كأفضل ~~متأخريهم " ابن سينا " وأوحدهم في زمانه " أبي البركات " وذكرت حججهم. فإني ~~أعلم أن هذا الباب قد كثر فيه الاضطراب وحار فيه طوائف من الفضلاء ~~الأذكياء؛ لتعارض الأدلة عندهم. وقررت الأدلة اللفظية الصحيحة وميزت بينها ~~وبين الشبهات الفاسدة، مع ما يجيء في ضمن ذلك من أصول عظيمة وقواعد جسيمة. ~~من أولها - وهو من أجل الأمور عند كثير من الناس - من تقرير استدارة ~~الأفلاك. فإني قررت ذلك وذكرت كلام من ذكر إجماع المسلمين على ذلك: مثل ابن ~~المنادي وابن حزم وابن الجوزي وما يتعلق بذلك من الأمور الحسابية السمعية ~~من الكتاب والسنة إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. وأيضا لما كنت في البرج ذكر ~~لي أن بعض الناس علق مؤاخذة على الفتيا " الحموية " وأرسلت إلي وقد كتبت ~~فيما بلغ مجلدات ولا حول ولا قوة إلا بالله. والناس يعلمون أنه كان بين ~~الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفا لقلوب ~~المسلمين وطلبا لاتفاق كلمتهم واتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله ~~وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل ~~المتكلمين المنتسبين # PageV03P227 # إلى الإمام أحمد رحمه الله ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك ~~في كتبه. وكما قال ms0711 أبو إسحاق الشيرازي: إنما نفقت الأشعرية عند الناس ~~بانتسابهم إلى الحنابلة وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز ~~وأبي الحسن التميمي ونحوهما يذكرون كلامه في كتبهم بل كان عند متقدميهم ~~كابن عقيل عند المتأخرين، لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله وأما ~~الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها فإنه كلما كان عهد ~~الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول. وكنت أقرر هذا للحنبلية - ~~وأبين أن الأشعري، وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ ~~الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث ~~بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره ~~كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم. وكذلك ابن عقيل كان تلميذ ابن الوليد وابن ~~التبان المعتزليين ثم تاب من ذلك، وتوبته مشهورة بحضرة الشريف أبي جعفر. ~~وكما أن في أصحاب أحمد من يبغض ابن عقيل ويذمه: فالذين يذمون الأشعري ليسوا ~~مختصين بأصحاب أحمد بل في جمع الطوائف من هو كذلك. ولما أظهرت كلام الأشعري ~~- ورآه الحنبلية - قالوا: هذا خير من # PageV03P228 # كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة. وأظهرت ما ذكره ابن ~~عساكر في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيري ~~فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة ومعلوم أن في جميع الطوائف من ~~هو زائغ ومستقيم. مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدا قط في أصول ~~الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ~~ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وقد قلت لهم غير مرة: أنا ~~أمهل من يخالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة ~~يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك. وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة ~~بألفاظهم وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف. هذا مع أني دائما ومن ~~جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس ms0712 نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير ~~وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من ~~خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى وإني أقرر أن الله قد غفر ~~لهذه الأمة خطأها: وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل ~~العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم ~~على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ {بل عجبت ~~ويسخرون} وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي # PageV03P229 # فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه. كان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ {بل ~~عجبت} . وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد ربه وقالت: من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومع هذا لا نقول لابن عباس ~~ونحوه من المنازعين لها: إنه مفتر على الله. وكما نازعت في سماع الميت كلام ~~الحي وفي تعذيب الميت ببكاء أهله وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف إلى ~~الاقتتال. مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعا مؤمنتان، وأن ~~الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم، لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو ~~متأول والتأويل يمنع الفسوق. وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة ~~من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين ~~الإطلاق والتعيين. وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول ~~الكبار وهي مسألة " الوعيد " فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله ~~كذا. فإن هذه مطلقة عامة. وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو ~~كذا. ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب ~~مكفرة أو شفاعة مقبولة. # PageV03P230 # والتكفير هو من الوعيد. فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول، لكن ~~قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية ms0713 بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ~~ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ~~ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت ~~دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: " {إذا أنا مت ~~فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني ~~عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ~~ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له} ". فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ~~ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا ~~يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل ~~الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا. # PageV03P231 # فصل: # ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تعلمون أني من ~~أكثر الناس استعمالا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله ~~بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة: فنحن مأمورون ~~بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن. ومن المعلوم أن الله ~~تعالى يقول: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} فمن كان ~~مؤمنا فإنه الأعلى بنص القرآن. وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقال: ~~{إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} {كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي} والله محقق وعده لمن هو كذلك كائنا من كان. ومما يجب أن يعلم أنه لا ~~يسوغ في العقل ولا الدين طلب رضا المخلوقين لوجهين: # أحدهما: أن هذا غير ممكن. كما قال الشافعي رضي الله عنه رضا الناس غاية ~~لا تدرك. فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه ودع ما سواه ولا تعانه. # والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله. كما قال تعالى: # PageV03P232 # {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وعلينا أن نخاف الله فلا نخاف أحدا إلا الله ~~كما قال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ms0714 مؤمنين} . وقال: {فلا تخشوا ~~الناس واخشون} وقال: {فإياي فارهبون} {وإياي فاتقون} . فعلينا أن نخاف الله ~~ونتقيه في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا ولا جوارحنا ونؤدي إليهم حقوقهم ~~بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة ~~منهم. ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما كتبت عائشة إلى معاوية: " ~~أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه ~~الناس وعاد حامده من الناس ذاما، ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله ~~عنه وأرضى عنه الناس ". فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه واجتناب ~~سخطه والعاقبة له ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا مع أن المرسل فرح بهذه ~~الأمور جوانيه في الباطن وكل ما يظهره فإنه مراءاة لقرينه، وإلا فهما في ~~الباطن متباينان. وثم أمور تعرفها خاصتهم، ويكفيك الطيبرسي قد تواتر عنه ~~الفرح والاستبشار بما جرى مع أنه المخاصم المغلظ عليه. وهذا سواء كان أو لم ~~يكن. الأصل الذي يجب اتباعه هو الأول وقول النبي " {لا تبدءوهم بقتال وإن ~~أكثبوكم فارموهم بالنبل} ". على الرأس والعين ولم نرم إلا بعد أن قصدوا ~~شرنا وبعد أن أكثبونا ولهذا نفع الله بذلك. # PageV03P233 # فصل: # ما ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين " فهذا لا يصلح، بل فيه ~~ضرر على ذلك الشخص وعلي وفساد عام، وذلك أنكم تعلمون عن القاضي " بدر الدين ~~" أني كنت من أعظم الناس موالاة له ومناصرة ومعاونة له ومدافعة لأعدائه عنه ~~في أمور متعددة، بل ما أعلم أحدا أكثر في مخالصة له ومعاونة. وذلك لله وحده ~~لا لرغبة، ولا لرهبة مني. وقطعة قوية مما حصل لي من الأذى - بدمشق وبمصر ~~أيضا - إنما هو بسبب انتصاري له ولنوابه: مثل الزرعي والتبريزي وغيرهما من ~~حاشيته وتنويهي بمحاسنه في مصر أيضا قد عرفت بذلك فإنه حزب الردى وغيره ~~يعادوني على ذلك. والله يعلم أن منزلته عندي ومكانته من قلبي ليست قريبة من ~~منزلة غيره فضلا عن أن تكون مثلها. وحاشا لله أن ms0715 يشبه بدر الدين بمن فرق ~~الله بينه وبينه من وجوه كثيرة زائدة. وفي سنن أبي داود عن {عائشة قالت: ~~أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم} ". # PageV03P234 # وعندي من أظلم الناس من يقرن بينه وبين غيره في مرتبة واحدة بالشام أو ~~بمصر وما زال بدر الدين مظلوما بمثل هذا من الإقران وأنا أعتقد من أعظم ما ~~أتقرب به إلى الله نصره وموالاته ومعاونته. . . (1) أنتم تعرفون في هذا ~~خصوصا بهذه الديار فإنه ينبغي أن تكون معاونة له ومناصرة له أكثر مما كانت ~~بالشام، لأن في كثير من هؤلاء من النفرة عنه والكذب والفجور ما ليس في ~~غيرهم. فأنا أحب وأختار كل ما فيه علو قدره في الدنيا والدين. ولا أحب أن ~~أجعله غرضا لسهام الأعداء. بل ما عملت معه ومع غيره وما أعمل معهم فأجري ~~فيه على الله الذي يقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره} . ولهذا لما ذكر الطيبرسي القضاة وأجملهم: قلت له إنما دخل في ~~هذه القضية " ابن مخلوف " وذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين، فجعل ~~يتبسم لما جعلت أقول هذا كأنه يعرفه وكأنه مشهور بقبح السيرة. وقلت ما لابن ~~مخلوف والدخول في هذا؟ هل ادعى أحد علي دعوى مما يحكم به؟ أم هذا الذي ~~تكلمت فيه هو من أمر العلم العام؟ : مثل تفسير القرآن ومعاني الأحاديث ~~والكلام في الفقه وأصول الدين. وهذه المرجع فيها PageV03P235 # إلى من كان من أهل العلم بها والتقوى لله فيها، وإن كان السلطان والحاكم ~~من أهل ذلك تكلم فيها من هذه الجهة وإذ عزل الحاكم لم ينعزل ما يستحقه من ~~ذلك كالإفتاء ونحوه ولم يقيد الكلام في ذلك بالولاية. وإن كان السلطان ~~والحاكم ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه لم يحل له الكلام فيه، فضلا ~~عن أن يكون حاكما. وابن مخلوف ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه. قلت: ~~فأما القاضي بدر الدين فحاشا لله. ذاك فيه من الفضيلة والديانة ما يمنعه أن ~~يدخل في ms0716 هذا الحكم المخالف لإجماع المسلمين من بضعة وعشرين وجها. قلت ومن ~~أصر على أن هذا الحكم الذي حكم به ابن مخلوف هو حكم شرع محمد: فهو بعد قيام ~~الحجة عليه كافر. فإن صبيان المسلمين يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن ~~هذا الحكم لا يرضى به اليهود ولا النصارى، فضلا عن المسلمين. وذكرت له بعض ~~الوجوه الذي يعلم بها فساد هذا الحكم، وهي مكتوبة مع " الشرف محمد ". وكذلك ~~نزهت القاضي " شمس الدين السروجي " عن الدخول في مثل هذا الحكم. وقلت له ~~أنتم ما كان مقصودكم الحكم الشرعي، وإنما كان مقصودكم دفع # PageV03P236 # ما سمعتموه من تهمة الملك، ولما علمت الحكام أن في القضية أمر الملك ~~أحجموا وخافوا من الكلام خوفا يعذرهم الله فيه أو لا يعذرهم. لكن لولا هذا ~~لتكلموا بأشياء. ولو كان هذا الحكم شاذا أو فيه غرض لذي سيف لكان عجائب. ~~فقالوا يا مولانا من يتكلم في أمر الملك. نحن ما نتكلم. دعنا من الكلام في ~~الملك. فقلت: أيها النائم أخليكم من الملك وهذه الفتنة التي قد ملأتم بها ~~الدنيا هل أثارها إلا ذلك ونحن قد سمعنا هذا بدمشق. لكن ما اعتقدنا أن ~~عاقلا يصدق بذلك. وهؤلاء القوم بعد أن خرج من أنفسهم تهمة الملك إذا ذكر ~~لهم بعض ما يقوله المنازعون لي يستعظمونه جدا ويرون مقابلة قائلها بأعظم ~~العقوبة فإن الله سبحانه يقول: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا} . فيعلم أني لو أطلب هذا ذهبت ~~الطيور بي وببدر الدين كل مذهب، وقيل إن بيننا في الباطن اتفاقات. فأنا ~~أعمل معه ما أرجو جزاءه من الله وهو يعمل بموجب دينه. وأيضا " فبدر الدين " ~~لا يحتمل من كلام الناس وأذاهم - ما يفعله مثل هؤلاء - رجل له منصب وله ~~أعداء وأنا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فقد فعلوا غاية ما قدروا عليه ~~وما بقي إلا نصر الله الذي وعد به رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد. # PageV03P237 # وأيضا فيعلم أن هذا ms0717 إما أن يتعلق بالحكم أو لا فإن تعلق به لم يكن للخصم ~~المدعى عليه أن يختار حكم حاكم معين، بل يجب إلى من يحكم بالعلم والعدل، ~~وإن لم يتعلق بالحاكم فذاك أبعد. وأيضا فأنا لم يدع علي دعوى يختص بها ~~الحاكم من الحدود والحقوق: مثل قتل أو قذف أو مال ونحوه، بل في مسائل العلم ~~الكلية: مثل التفسير والحديث والفقه وغير ذلك. وهذا فيه ما اتفقت عليه ~~الأمة وفيه ما تنازعت فيه. والأمة إذا تنازعت - في معنى آية أو حديث أو حكم ~~خبري أو طلبي - لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم، ~~فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة. ولو جاز هذا لجاز أن ~~يحكم حاكم بأن قوله تعالى {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} هو الحيض والأطهار ~~ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس، قوله أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى {أو ~~لامستم النساء} هو الوطء، والمباشرة فيما دونه أو بأن الذي بيده عقدة ~~النكاح هو الزوج أو الأب والسيد. وهذا لا يقوله أحد. وكذلك الناس إذا ~~تنازعوا في قوله: {الرحمن على العرش استوى} فقال: هو استواؤه بنفسه وذاته ~~فوق العرش ومعنى الاستواء معلوم ولكن كيفيته مجهولة. وقال قوم: ليس فوق ~~العرش رب ولا هناك شيء أصلا. ولكن # PageV03P238 # معنى الآية: أنه قدر على العرش ونحو ذلك. لم يكن حكم الحاكم لصحة أحد ~~القولين، وفساد الآخر مما فيه فائدة. ولو كان كذلك لكان من ينصر القول ~~الآخر يحكم بصحته إذ يقول: وكذلك باب العبادات: مثل كون مس الذكر ينقض أو ~~لا، وكون العصر يستحب تعجيلها أو تأخيرها والفجر يقنت فيه دائما أو لا أو ~~يقنت عند النوازل ونحو ذلك. والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة ~~أحد أمرين. إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف ~~الأمة. لقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} . وإذا ~~تنازعوا فهم كلامهم: إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ms0718 ما جاء به ~~الكتاب والسنة دعا الناس إليه وأن يقر الناس على ما هم عليه. كما يقرهم على ~~مذاهبهم العملية. فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة ~~للشريعة - كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية. فهذه على السلطان ~~إنكارها؛ لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر ~~وترك الصلاة ونحو ذلك. ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة ~~والأزمنة حتى # PageV03P239 # يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى ~~يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة ~~الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة. وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست ~~مشروعة: قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . ولهذا قال الفقهاء ~~في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها ~~كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وكما ~~طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق ~~وأقروا به، ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب. وأما إلزام السلطان ~~في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة: فهذا لا يجوز ~~باتفاق المسلمين ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك، إلا إذا ~~كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء وهذا ~~بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر ~~علم قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. ~~نعم للحاكم إثبات ما قاله زيد أو عمرو ثم بعد ذلك إن كان ذلك القول مختصا ~~به كان مما يحكم فيه الحكام، # PageV03P240 # وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس. فأما كون هذا القول ~~ثابتا عند زيد ببينة أو إقرار أو خط: فهذا يتعلق بالحكام. ولا ريب أن مثل " ~~بدر الدين " من أعدل الناس وأحبهم في أهل الصدق والعدل ومن أشد ms0719 الناس بغضا ~~لشهود الزور ولو كان متمكنا منهم لعمل أشياء فهذا لو احتيج فيه إلى مثل " ~~بدر الدين " لكان هو الحاكم الذي ينبغي أن يتولاه، دون من هو مشهور ~~بالفجور. لكن هذه المحاضر التي عندهم ما تساوي مدادها وهم يعرفون كذبها ~~وبطلانها وأنا لا أكره المحاقة عليها عنده ليثبت عنده الحق دون الباطل، فإن ~~كان يجيب إلى ذلك فيا حبذا لكني أخاف أن يحصل له أذى في بالقدح في بعض ~~الناس. فهو يستخير الله فيما يفعله والله يخير له في جميع الأمور. بل أختار ~~أنا وغيري المحاقة على ذلك عند بعض نوابه كالقاضي " جمال الدين الزرعي " ~~فإنه من عدول القضاة وإلا " فبدر الدين " أجل قدرا من أن يكلف ذلك لو كنت ~~محتاجا إلى ذلك. فأما: والأمر ظهر عند الخاصة والعامة فلا يحتاج إليه كما ~~قلت " للطيبرسي ": الكتاب من السلطان الذي كتب على لسان السلطان وأخبر عن ~~ذلك بجميع ما أخبر من الكذب ومخالفة الشريعة: أمور عظيمة بنحو عشرة أوجه ~~والكتاب الذي كتب على لسان " غازان " كان أقرب إلى الشريعة من هذا الكتاب ~~الذي كتب على لسان السلطان. وسواء # PageV03P241 # بأن فعل ذلك أو لم يفعله فإني أعتقد وأدين الله بأن نصره ومعاونته على ~~البر والتقوى وعلى نفوذ صدقه وعدله دون كذب الغير وظلمه، وعلى رفع قدره على ~~الغير من أعظم الواجبات ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد أرسل إلي الشيخ " ~~نصر " يعرض علي إن كنت أختار إحضار المحاضر لأتمكن من القدح فيها. فقلت له ~~في الجواب: هي أحقر وأقل من أن يحتاج دفعها إلى حضورها فإني قد بينت بضعة ~~وعشرين وجها أن هذا الحاكم خارج عن شريعة الإسلام بإجماع المسلمين: أهل ~~المذاهب الأربعة وغيرهم. # PageV03P242 # فصل: # ومما ينبغي أن تعلمه: أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية - ابن ~~مخلوف وغيره - وقد أداروا الرأي بينهم وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون ~~متهوكون. والطيبرسي طلب مني غير مرة ترك المحاقة. فقلت له: أنا ما بغيت على ~~أحد ولا قلت لأحد: وافقني على اعتقادي وإلا ms0720 فعلت بك ولا أكرهت أحدا بقول ~~ولا عمل، بل ما كتبت في ذلك شيئا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح ~~السائل واحتراقه وكثرة مراجعته ولا عادتي مخاطبة الناس في هذا ابتداء. ~~وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه وأكرموهم عليه: فيبينون ~~للناس ما الذي أمروهم به وما الذي نهوهم عنه. فإن كانوا أمروهم بما أمرهم ~~الله به ورسوله: فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ~~ورسوله. وإن كانوا أمروا بحق وباطل ونهوا عن حق وباطل وأمروا ونهوا عن أمور ~~لا يعرفون حقيقتها. كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين وكان الحاكم بذلك من ~~القاضيين اللذين في النار ولم تجز طاعتهم في ذلك بل تحرم. # PageV03P243 # وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة، لكن من أنكر شيئا مما قلته فليقل: ~~إني أنكر كذا ويكتب خطه بما أنكره ويوجه إنكاره له وأنا أكتب خطي بالجواب ~~ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين - شرقا وغربا - وأنا قائل ذلك. وقد ~~قلت قبل ذلك بدمشق: هذه الإنكارات المجملة لا تفيد شيئا بل من أنكر شيئا ~~فليكتب خطه بما أنكره وبحجته وأنا أكتب خطي بجواب ذلك ويرى أهل العلم ~~والإيمان الكلامين فهذا هو الطريق في الأمور العامة. وأما الألفاظ التي لا ~~تكتب فيكثر فيها التخليط والزيادة والنقصان كما قد وقع وقد قلت فيما قلته ~~للطيبرسي: هذا الأمر الذي عملتموه فساد في ملتكم ودولتكم وشريعتكم والكتاب ~~" السلطاني " الذي كتب على لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة ~~الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه. وكتاب " غازان " الذي قرئ على منبر ~~الشام أقرب إلى شريعة الإسلام من هذا الذي كتب على لسان سلطان المسلمين ~~وقرئ على منابر الإسلام، فإذا كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم وعلى ~~القضاة ويبدل دين الإسلام فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم؟ وكذلك أرسلت مع ~~الفتاح إلى نائب السلطان أقول هذا الاعتقاد عندكم وهو الذي بحثه علماء ~~الشام فمن كان منكرا منه شيئا فليبينه. # PageV03P244 # ومما يجب أن يعلم أن الذي ms0721 يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا ~~بحجة وبيان، إذ ليس لأحد أن يلزم أحدا بشيء ولا يحظر على أحد شيئا بلا حجة ~~خاصة، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله. الذي أوجب على ~~الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه وخبره مصدق فيما علمناه وما ~~لم نعلمه وأما غيره إذا قال هذا صواب أو خطأ فإن لم يبين ذلك بما يجب به ~~اتباعه فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالما بما ينكره وما يقدر الناس ~~عليه فليس لأحد من خلق الله كائنا من كان أن يبطل قولا أو يحرم فعلا إلا ~~بسلطان الحجة وإلا كان ممن قال الله فيه: {إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} وقال فيه: {الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} . هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني ~~فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية. ~~فأنا لا أتعدى حدود الله فيه. بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل ~~وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا ~~فيه. قال الله تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} . وقال ~~تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله # PageV03P245 # والرسول} الآية. وقال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} . وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك ~~بمثل أن تطيع الله فيه {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} . وقال ~~تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} ~~وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم إلى ذلك ~~كله وأبينه بيانا يفهمه الخاص والعام أن ms0722 الذي أقوله: هو الموافق لضرورة ~~العقل والفطرة وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأن المخالف ~~لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فلو كنت أنا المبتدئ ~~بالإنكار والتحديث بمثل هذا: لكانت الحجة متوجهة عليهم فكيف إذا كان الغير ~~هو المبتدئ بالإنكار {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ~~الآيتين {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن ~~جندنا لهم الغالبون} {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد} . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى سائر الجماعة وتخص ~~" بدر الدين " بأكرم تحية وسلام وتوقفه على هذه الأوراق إن شئت، فإنه كان ~~يقول في بعض الأمور: ما عن المحبوب. سر محجوب وبشر بكل # PageV03P246 # ما يسر الله به عباده المؤمنين وينتقم به من الكافرين والمنافقين، فإني ~~أعرف جملا مما يتجرعه هو وذووه من أهل الترؤس بالباطل من ذوي الكذب ~~والمحال. والله ناصر دينه وناصر عباده المؤمنين على مناوئيهم بالباطل لكن ~~ليس هذا موضع الإخبار بتفاصيل سارة. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV03P247 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله ~~إلا الله، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم تسليما. أما ~~بعد: فقد وصلت ورقتك التي ذكرت فيها إخبارك الشيخ باجتماع الرسول بي وما ~~أخبرته من الكلام وأن الشيخ قال: " اعلم أني والله قد عظم عندي كيف وقعت ~~الصورة على هذا إلى آخره. وأنه قال: تجتمع بالشيخ وتتفق معه - على ما يراه ~~هو ويختاره. إن يكن كما قلت أو غيره - فتسلم عليه وتقول له: أما هذه القضية ~~ليس لي فيها غرض معين أصلا ولست فيها إلا واحدا من المسلمين. لي ما لهم ~~وعلي ما عليهم، # PageV03P248 # وليس لي ولله الحمد حاجة إلى شيء معين يطلب من المخلوق ولا في ضرر ms0723 يطلب ~~زواله من المخلوق بل أنا في نعمة من الله سابغة ورحمة عظيمة أعجز عن شكرها. ~~ولكن علي أن أطيع الله ورسوله وأطيع أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، ~~فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دل عليه " ~~الكتاب " و " السنة " واتفق عليه " أئمة الأمة " قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{لا طاعة لمخلوق في معصية الله} " " {إنما الطاعة في المعروف} " وأن أصبر ~~على جور الأئمة وأن لا أخرج عليهم في فتنة؛ لما في الصحيح عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ~~عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية} ". ومأمور أيضا مع ~~ذلك أن أقول: أو أقوم: بالحق حيث ما كنت، لا أخاف في الله لومة لائم كما ~~أخرجا في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: " {بايعنا رسول الله على السمع ~~والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر ~~أهله، وأن # PageV03P249 # نقول - أو نقوم - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم} ". فبايعهم ~~على هذه " الأصول الثلاثة الجامعة " وهي الطاعة في طاعة الله، وإن كان ~~الآمر ظالما، وترك منازعة الأمر أهله، والقيام بالحق بلا مخافة من الخلق. ~~والله سبحانه قد أمر في كتابه عند تنازع الأمة بالرد إلى الله ورسوله، لم ~~يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلا. وقد قال الأئمة: إن أولي الأمر صنفان ~~العلماء والأمراء. وهذا يدخل فيه مشايخ الدين وملوك المسلمين: كل منهم يطاع ~~فيما إليه من الأمر. كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العبادات ويرجع إليهم ~~في معاني القرآن والحديث، والإخبار عن الله، وكما يطاع هؤلاء في الجهاد ~~وإقامة الحد وغير ذلك: مما يباشرونه ms0724 من الأفعال التي أمرهم الله بها. وإذا ~~اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~تجتمع على ضلالة وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة. وهذه القضية قد جرى ~~فيها ما جرى مما ليس هذا موضع ذكره. وكنت تبلغني بخطابك وكتابك عن الشيخ ما ~~تبلغني. وقد رأيت وسمعت موافقتي على كل ما فيه طاعة الله ورسوله، وعدم ~~التفاتي إلى المطالبة بحظوظي أو مقابلة من يؤذيني وتيقنت هذا مني فما الذي ~~يطلب من المسلم فوق هذا وأشرت بترك المخافة ولين الجانب وأنا مجيب إلى هذا ~~كله. فجاء الفتاح أولا فقال: يسلم عليك النائب. وقال: إلى متى يكون المقام # PageV03P250 # في الحبس؟ . أما تخرج؟ هل أنت مقيم على تلك الكلمة أم لا؟ . وعلمت أن ~~الفتاح ليس في استقلاله بالرسالة مصلحة لأمور لا تخفى. فقلت له: سلم على ~~النائب وقل له أنا ما أدري ما هذه الكلمة؟ وإلى الساعة لم أدر على أي شيء ~~حبست؟ ولا علمت ذنبي؟ . وأن جواب هذه الرسالة لا يكون مع خدمتك، بل يرسل من ~~ثقاته - الذين يفهمون ويصدقون - أربعة أمراء؛ ليكون الكلام معهم مضبوطا عن ~~الزيادة والنقصان. فأنا قد علمت ما وقع في هذه القصة من الأكاذيب. فجاء بعد ~~ذلك الفتاح ومعه شخص ما عرفته لكن ذكر لي أنه يقال له علاء الدين الطيبرسي ~~ورأيت الذين عرفوه أثنوا عليه بعد ذلك خيرا وذكروه بالحسنى، لكنه لم يقل ~~ابتداء من الكلام: ما يحتمل الجواب بالحسنى فلم يقل الكلمة التي أنكرت: كيت ~~وكيت ولا استفهم هل أنت مجيب إلى كيت وكيت. ولو قال ما قال: - من الكذب علي ~~والكفر والمجادلة - على الوجه الذي يقتضي الجواب بالحسنى لفعلت ذلك فإن ~~الناس يعلمون أني من أطول الناس روحا وصبرا على مر الكلام وأعظم الناس عدلا ~~في المخاطبة لأقل الناس، دع (لولاة الأمور لكنه جاء مجيء المكره على أن ~~أوافق إلى ما دعا إليه وأخرج درجا فيه # PageV03P251 # من الكذب والظلم والدعاء إلى معصية الله والنهي عن طاعته ما ms0725 الله به عليم ~~وجعلت كلما أردت أن أجيبه وأحمله رسالة يبلغها لا يريد أن يسمع شيئا من ذلك ~~ويبلغه بل لا يريد إلا ما مضمونه الإقرار بما ذكر والتزام عدم العود إليه ~~والله تعالى يقول: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ~~ظلموا منهم} . فمتى ظلم المخاطب لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن بل ~~قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - لعروة بن مسعود بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قال: إني لأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك - امصص ~~بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من ~~كانوا. وقد قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين} . فمن كان مؤمنا فهو الأعلى كائنا من كان. ومن حاد الله ورسوله فقد ~~قال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} . وأنا أو غيري ~~من أي القسمين كنت فإن الله يعاملني وغيري بما وعده فإن قوله الحق {وعد ~~الله لا يخلف الله وعده} فقلت له في ضمن الكلام: الحق في هذه القصة ليس لي، ~~ولكن لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من شرق الأرض إلى غربها. وأنا لا أعني ~~تبديل الدين وتغييره، وليس لأجلك، أو أجل غيرك أرتد عن دين الإسلام: وأقر ~~بالكفر والكذب والبهتان. راجعا عنه أو موافقا عليه. # PageV03P252 # ولما رأيته يلح في الأمر بذلك أغلظت عليه في الكلام. وقلت دع هذا الفشار ~~وقم رح في شغلك. فأنا ما طلبت منكم أن تخرجوني - وكانوا قد أغلقوا الباب ~~القائم الذي يدخل منه إلى الباب المطبق - فقلت أنا افتحوا لي الباب حتى ~~أنزل يعني فرغ الكلام. وجعل غير مرة يقول لي: أتخالف المذاهب الأربعة فقلت: ~~أنا ما قلت: إلا ما يوافق المذاهب الأربعة، ولم يحكم علي أحد من الحكام إلا ~~ابن مخلوف وأنت كنت ذلك اليوم حاضرا. وقلت له أنت وحدك تحكم أو أنت وهؤلاء. ~~فقال: بل أنا وحدي فقلت له: أنت خصمي، فكيف تحكم علي؟ فقال: كذا ms0726 ومد صوته ~~وانزوى إلى الزاوية. وقال: قم، قم. فأقاموني وأمروا بي إلى الحبس ثم جعلت ~~أقول: أنا وإخوتي غير مرة: أنا أرجع وأجيب وإن كنت أنت الحاكم وحدك. فلم ~~يقبل ذلك مني. فلما ذهبوا بي إلى الحبس حكم بما حكم به وأثبت ما أثبت وأمر ~~في الكتاب السلطاني بما أمر به فهل يقول أحد من اليهود أو النصارى دع ~~المسلمين إن هذا حبس بالشرع فضلا عن أن يقال: شرع محمد بن عبد الله. وهذا ~~مما يعلم الصبيان الصغار بالاضطرار من دين الإسلام أنه مخالف لشرع محمد بن ~~عبد الله. وهذا الحاكم هو وذووه دائما يقولون فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن ~~عبد الله. # PageV03P253 # وهذا الحكم مخالف لشرع الله - الذي أجمع المسلمون عليه - من أكثر من ~~عشرين وجها. ثم النصارى في حبس حسن: يشركون فيه بالله ويتخذون فيه الكنائس ~~فيا ليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى ويا ليتنا سوينا بالمشركين وعباد ~~الأوثان بل لأولئك الكرامة ولنا الهوان. فهل يقول من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذا. وبأي ذنب حبس إخوتي في ~~دين الإسلام غير الكذب والبهتان ومن قال: إن ذلك فعل بالشرع فقد كفر بإجماع ~~المسلمين. وقلت له في ضمن الكلام أنت لو ادعى عليك رجل بعشرة دراهم وأنت ~~حاضر في البلد، غير ممتنع من حضور مجلس الحاكم لم يكن للحاكم أن يحكم عليك ~~في غيبتك هذا في الحقوق فكيف بالعقوبات التي يحرم فيها ذلك بإجماع ~~المسلمين. ثم هذا الرجل قد ظهر كذبه غير مرة. ذلك اليوم كذب علي في أكثر ما ~~قاله وهذه الورقة التي أمر بكتابتها أكثرها كذب والكتاب السلطاني الذي كتب ~~بأمره مخالف للشريعة من نحو عشرة أوجه وفيه من الكذب على المجلس الذي عقد ~~أمور عظيمة قد علمها الخاص والعام. فإذا كان الكتاب # PageV03P254 # الذي كتب على لسان السلطان وقرئ على منابر الإسلام أخبر فيه عن أهل ~~المجلس: من الأمراء والقضاة بما هو من أظهر الكذب والبهتان، فكيف فيما غاب ms0727 ~~عنهم. قلت وهو دائما يقول عني: إني أقول إن الله في زاوية ولد ولدا وهذا ~~كله كذب. وشهرته بالكذب والفجور يعلمه الخاص والعام. فهل يصلح مثل هذا أن ~~يحكم في أصول الدين ومعاني الكتاب والسنة وهو لا يعرف ذلك ورأيته هنا يتبسم ~~تبسم العارف بصحة ما قلته فكأن سيرة هذا الحاكم مشهورة بالشر بين المسلمين. ~~وأخذ يقول لي: هذه المحاضر ووجدوا بخطك فقلت أنت كنت حاضرا ذلك اليوم. هل ~~أراني أحد ذلك اليوم خطأ أو محضرا؟ أو قيل لي شهد عليك بكذا أو سمع لي ~~كلام، بل حين شرعت أحمد الله وأثني عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم} " منعوني من حمد الله. ~~وقالوا: لا تحمد الله بل أجب. فقلت لابن مخلوف: ألك أجيب أو لهذا المدعي؟ ~~وكان كل منهما قد ذكر كلاما أكثره كذب. فقال: أجب المدعي. فقلت: فأنت وحدك ~~تحكم أو أنت وهؤلاء القضاة فقال: بل أنا وحدي. فقلت: فأنت خصمي فكيف يصح ~~حكمك علي فلم تطلب مني الاستفسار عن وجه المخاصمة؟ ، فإن هذا كان # PageV03P255 # خصما: من وجوه متعددة معروفة عند جميع المسلمين. ثم قلت: أما ما كان بخطي ~~فأنا مقيم عليه. وأما المحاضر: فالشهود فيها فيهم من الأمور القادحة في ~~شهادتهم وجوه متعددة تمنع قبول شهادتهم بإجماع المسلمين والذي شهدوا به فقد ~~علم المسلمون خاصتهم وعامتهم بالشام وغيره ضد ما شهدوا به. وهذا القاضي " ~~شرف الدين " بن المقدسي قد سمع منه الناس العدول أنه كان يقول أنا على ~~عقيدة فلان حتى قبل موته بثلاث دخلت عليه فيما يرى مع طائفة فقال قدامهم: ~~أنا أموت على عقيدتك يا فلان، لست على عقيدة هؤلاء يعني الخصوم، وكذلك ~~القاضي شهاب الدين الخولي غير مرة يقول: في قفاك أنا على عقيدته. والقاضي " ~~إمام الدين " قد شهد على العدول أنه قال ما ظهر في كلامه شيء ومن تكلم فيه ~~عزرته. وقال لي في أثناء كلامه: فقد قال بعض القضاة: أنهم أنزلوك ms0728 عن ~~الكرسي. فقلت: هذا من أظهر الكذب الذي يعلمه جميع الناس ما أنزلت من الكرسي ~~قط ولا استتابني أحد قط عن شيء ولا استرجعني. وقلت قد وصل إليكم المحضر ~~الذي فيه خطوط مشايخ الشام وسادات الإسلام - والكتاب الذي فيه كلام الحكام: ~~الذين هم خصومي كجمال الدين المالكي، وجلال الدين الحنفي وما ذكروا فيه مما ~~يناقض # PageV03P256 # هذه المحاضر. وقول المالكي ما بلغني قط أنه استتيب ولا منع من فتيا ولا ~~أنزل ولا كذا ولا كذا. ولا ثبت عليه عندي قط شيء يقدح في دينه وكذلك قول ~~سائر العلماء والحكام في غيبتي. وأما الشهادات ففيها أمور عظيمة فتدبروها ~~فكيف وشهود المحضر فيهم من موانع الشهادة أمور تقال عند الحاجة. # PageV03P257 # فصل معترض: # ذكرت في ورقتك أنك قلت للشيخ: في نفسي أن تطلب لي المحاضر حتى ينظر هو ~~فيها. فإن كان له دافع وإلا فالجماعة كلهم معذورون، وهذا مما لا حاجة إليه ~~أصلا وهذه المحاضر أقل وأحقر من أن يحتاج الرد عليها إلى حضرتها فإني قد ~~بينت - ببضع وعشرين وجها: أن هذا الحكم خارج عن شريعة الإسلام بإجماع ~~المسلمين: المذاهب الأربعة وسائر أئمة الدين. وقلت للرسول: ما لابن مخلوف ~~ونحوه في أن يتعرض إلى علم الدين الذي غيره أعلم به منه: مثل تفسير القرآن ~~وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومقالات السلف وأصول الدين التي لا ~~يعرفها وهذه الأمور إنما يرجع فيها إلى من يعرفها فإن كان السلطان، أو ~~نائبه الحاكم يعرفها كان في ذلك كسائر العارفين بها وإلا فلا أمر لهم فيها، ~~كما لا يراجع في الاستفتاء إلا من يحسن الفتيا. وقلت له أنا لم يصدر مني قط ~~إلا جواب مسائل، وإفتاء مستفت مما كاتبت أحدا أبدا ولا خاطبته في شيء من ~~هذا، بل يجيئني الرجل المسترشد المستفتي بما أنزل الله على رسوله، فيسألني ~~مع بعده، وهو محترق على طلب الهدى # PageV03P258 # أفيسعني في ديني أن أكتمه العلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من ~~سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم ms0729 القيامة بلجام من نار} ". وقد قال ~~الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} أفعلى أمرك أمتنع عن ~~جواب المسترشد لأكون كذلك؟ وهل يأمرني بهذا السلطان أو غيره من المسلمين؟ . ~~ولكن أنتم ما كان مقصودكم إلا دفع أمر الملك لم بلغكم من الأكاذيب فقال يا ~~مولانا: دع أمر الملك. أحد ما يتكلم في الملك. فقلت: " إيه " الساعة ما بقي ~~أحد يتكلم في الملك وهل قامت هذه الفتنة إلا لأجل ذلك؟ ونحن سمعنا - بهذا - ~~ونحن بالشام أن المثير لها تهمة الملك لكن ما اعتقدنا أن أحدا يصدق هذا. ~~وذكرت له أن هذه القصة ليس ضررها علي فإني أنا من أي شيء أخاف إن قتلت كنت ~~من أفضل الشهداء وكان ذلك سعادة في حقي: يترضى بها علي إلى يوم القيامة ~~ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة فإن جمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~يعلمون أني أقتل على الحق الذي بعث الله به رسوله. وإن حبست فوالله إن حبسي ~~لمن أعظم نعم الله علي وليس لي ما أخاف الناس عليه: لا مدرسة ولا إقطاع ولا ~~مال ولا رئاسة ولا شيئا من الأشياء. # PageV03P259 # ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم: فإن الذين سعوا فيها من الشام أنا أعلم ~~أن قصدهم فيها كيدكم وفساد ملتكم ودولتكم. وقد ذهب بعضهم إلى بلاد التتر ~~وبعضهم مقيم هناك. فهم الذين قصدوا فساد دينكم ودنياكم وجعلوني إماما ~~بالتستر، لعلمهم بأني أواليكم وأنصح لكم وأريد لكم خير الدنيا والآخرة. ~~والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف، وإلا فأنا لم يكن بيني وبين أحد بمصر ~~عداوة ولا بغض ومازلت محبا لهم، مواليا لهم: أمرائهم ومشايخهم وقضاتهم. ~~فقال لي فما الذي أقوله لنائب السلطان؟ فقلت: سلم عليه وبلغه كل ما سمعت. ~~فقال: هذا كثير. فقلت: ملخصه أن الذي في هذا الدرج أكثره كذب. وأما هذه ~~الكلمة " استوى حقيقة " فهذه قد ذكر غير واحد من علماء الطوائف - المالكية ~~وغير ms0730 المالكية - أنه أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وما أنكر ذلك أحد من ~~سلف الأمة ولا أئمتها. بل ما علمت عالما أنكر ذلك، فكيف أترك ما أجمع عليه ~~أهل السنة ولم ينكره أحد من العلماء. وأشرت بذلك إلى أمور: منها ما ذكره ~~الإمام " أبو عمر الطلمنكي " وهو أحد أئمة المالكية قبل الباجي وابن عبد ~~البر وهذه الطبقة. قال: وأجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى {وهو معكم أين ~~ما كنتم} ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو ~~على عرشه كيف شاء. وقال # PageV03P260 # أيضا: قال أهل السنة في قول الله {الرحمن على العرش استوى} إن الاستواء ~~من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز. وقال أبو عبد الله ~~القرطبي صاحب التفسير المشهور في قوله تعالى {ثم استوى على العرش} قال: هذه ~~" مسألة الاستواء " للعلماء فيها كلام وأجزاء، وقد بينا أقوال العلماء فيها ~~في كتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " وذكرنا فيها أربعة عشر قولا. ~~إلى أن قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ~~ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى. كما نطق به كتابه ~~وأخبرت رسله. قال: ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. ~~وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء: فإنه لا ~~تعلم حقيقته. كما قال مالك " الاستواء معلوم " يعني في اللغة والكيف مجهول ~~والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وقال هذا الشيخ ~~المشهور بمصر وغيرها في كتاب " شرح الأسماء " قال: وذكر الإمام أبو بكر ~~محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له الرسالة التي سماها " برسالة ~~الأسماء إلى مسألة الاستواء " لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء - قول ~~" الطبري يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير وأبي محمد بن أبي زيد، والقاضي ~~عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الحديث والفقه. قال: وهو ظاهر بعض كتب القاضي ~~أبي بكر " وأبي الحسن يعني # PageV03P261 # الأشعري وحكاه عنه يعني ms0731 القاضي أبا بكر القاضي عبد الوهاب أيضا: وهو أنه ~~سبحانه مستو على العرش بذاته. وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه. قال الإمام ~~أبو بكر وهو الصحيح الذي أقول به، من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون ~~فيه ولا مماسة. قال الشيخ أبو عبد الله: هذا قول القاضي أبي بكر في " كتاب ~~تمهيد الأوائل " له وقاله الأستاذ أبو بكر بن فورك في " شرح أوائل الأدلة " ~~له. وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين، وقول ~~الخطابي في " شعار الدين " ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا: وأظهر ~~الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار. إن الله على عرشه ~~كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه، بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب ~~السلف الصالح فيما نقله عنهم الثقات. هذا كله لفظه. وقال الشيخ أبو نصر ~~السجزي في كتاب " الإبانة " له: وأئمتنا - كسفيان الثوري ومالك بن أنس ~~وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل ~~بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه - متفقون على أن الله سبحانه ~~بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق ~~العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء. فمن خالف ~~شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء. # PageV03P262 # وقال أبو بكر بن عبد البر في " كتاب التمهيد " في شرح الموطأ - وهو أجل ~~ما صنف في فنه: لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل ~~صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وهو حديث منقول من طرق سوى هذه ~~من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في ~~السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت: الجماعة. وهو من حجتهم على ~~المعتزلة في قولهم إن الله بكل مكان وليس على العرش. قال في الدليل على صحة ~~ما قاله أهل الحق قول ms0732 الله {الرحمن على العرش استوى} وقال {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} وقال {تعرج الملائكة والروح إليه} وقال لعيسى {إني متوفيك ورافعك ~~إلي} وذكر آيات. إلى أن قال: وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى ~~أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا خالفهم فيه مسلم وبسط ~~الكلام في ذلك. إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا} فلا حجة لهم في ظاهر الآية، لأن علماء الصحابة ~~والتابعين - الذين حمل عنهم التأويل - قالوا في تأويل هذه الآية: هو على ~~العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. # PageV03P263 # وذكر عن الضحاك بن مزاحم أنه قال في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة} قال: ~~هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا. وعن سفيان الثوري مثل ذلك. وعن ابن ~~مسعود قال: الله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قال أبو عمر بن ~~عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة ~~كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من ~~أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيها ما قال ~~القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة ~~الجماعة وقال أبو عمر: الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه ~~المسألة وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ~~والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في شيء منه. وقال الشيخ العارف أبو ~~محمد عبد القادر بن أبي صالح الكيلاني في كتاب " الغنية " له: أما معرفة ~~الصانع بالآيات والدلالات - على وجه الاختصار - فهو أن يعرف ms0733 ويتيقن أن الله ~~واحد أحد. إلى أن قال وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط ~~علمه بالأشياء. قال: ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء ~~على العرش. كما قال {الرحمن على العرش استوى} وذكر الآيات والأحاديث إلى أن ~~قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء # PageV03P264 # من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش. قال وكونه على العرش مذكور في ~~كل كتاب أنزل على نبي أرسل بلا كيف. وذكر كلاما طويلا. وقال الإمام أبو ~~الحسن الكرجي الشافعي في مقدمته المشهورة في " اعتقاد أهل السنة " وهي ~~منقولة من خط الشيخ أبي عمرو بن الصلاح: # عقيدتهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب # وهذه الآثار لم أذكرها كلها للرسول لكن هي مما أشرت إليه بقولي: إني لم ~~أقل شيئا من نفسي وإنما قلت ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وهذا الموضع ~~يضيق بها في ذلك من كلام الأمة فقال لي: نعم هو مستو على العرش حقيقة بذاته ~~بلا تكييف ولا تشبيه. قلت نعم وهذا هو في " العقيدة " فقال فاكتب هذه ~~الساعة أو قال اكتب هذا أو نحو هذا فقلت هذا هو مكتوب بهذا اللفظ في ~~العقيدة التي عندكم التي بحثت بدمشق واتفق عليها المسلمون فأي شيء هو الذي ~~أريده؟ وقلت له: أنا قد أحضرت أكثر من خمسين كتابا - من كتب أهل الحديث ~~والتصوف والمتكلمين والفقهاء الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية - توافق ما قلت. وقلت: أنا أمهل من خالفني ثلاث سنين أن يجيء ~~بحرف واحد عن أئمة الإسلام يخالف ما قلته. فما الذي أصنعه؟ فلما خرج ~~الطيبرسي والفتاح عاد الفتاح بعد ساعة فقال: يسلم عليك # PageV03P265 # نائب السلطان وقال: فاكتب لنا الآن " عقيدة " بخطك فقلت: سلم على نائب ~~السلطان، وقل له: لو كتبت الساعة شيئا لقال القائل: قد زاد ونقص أو غير ~~الاعتقاد وهكذا بدمشق لما طلبوا الاعتقاد لم أتهم إلا بشيء قد كتب متقدما. ~~قلت: وهذا الاعتقاد هو الذي قرئ بالشام في المجالس الثلاثة وقد أرسله إليكم ms0734 ~~نائبكم مع البريد والجميع عندكم ثم أرسل لكم مع العمري ثانيا لما جاء ~~الكتاب الثاني ما قاله: القضاة والعلماء والمحضر وكتاب البخاري الذي قرأه ~~المزي، والاعتقاد ليس هو شيئا أبتدئه من عندي حتى يكون كل يوم لي اعتقاد ~~وهو ذلك الاعتقاد بعينه والنسخة بعينها. فانظروا فيها فراح، ثم عاد، وطلب ~~أن أكتب بخطي أي شيء كان. فقلت فما الذي أكتبه قال مثل العفو وألا تتعرض ~~لأحد. فقلت: نعم هذا أنا مجيب إليه، ليس غرضي في إيذاء أحد، ولا الانتقام ~~منه ولا مؤاخذته. وأنا عاف عمن ظلمني. وأردت أن أكتب هذا ثم قلت مثل هذا ما ~~جرت العادة بكتابته فإن عفو الإنسان عن حقه لا يحتاج إلى هذا. وتعلم أن ~~الأمر لما جرى على هذا الوجه كاد بعض القلوب يتغير على الشيخ وظنوا أن هذا ~~الدرج قد أقر به، وأن ذلك يناقض ما كان يقوله ويرسل به. فجعلت أنا وأخي ~~ندفع ذلك. ونقول: هذا من فعل ابن مخلوف وقد تحققت أنا أن ذلك من عمل ابن ~~مخلوف. ويعرف الشيخ أن مثل هذه القضية التي قد اشتهرت وانتشرت لا تندفع # PageV03P266 # على هذا الوجه، فأنا أبذل غاية ما وسعني من الإحسان، وترك الانتقام، ~~وتأليف القلوب، لكن هو يعرف خلقا كثيرا ممن بالديار المصرية، وأن الإنسان ~~لا ينجو من شرهم وظلمهم إلا بأخذ طريقين: أحدهما مستقر، والآخر متقلب. ~~(الأول: أن يكون له من الله تأييد وسلطان والتجاء إليه واستعانة به وتوكل ~~عليه واستغفار له وطاعة له: يدفع به عنه شر شياطين الإنس والجن. وهذه ~~الطريقة هي الثابتة الباقية. والطريق الثاني: إن جاء من ذي جاه، فإنهم ~~يراعون ذا الجاه ما دام جاهه قائما فإذا انقلب جاهه كانوا من أعظم الناس ~~قياما عليه هم بأعيانهم، حتى إنهم قد يضربون القاضي بالمقارع ونحو ذلك مما ~~لا يكاد يعرف لغيرهم أعداؤه ومبغضوه كثيرون وقد دخل في إثباتات وأملاك وغير ~~ذلك متعلقة بالدولة وغير الدولة. فلو حصل من ذوي الجاه من له غرض في نقض ~~أحكامه ونقل الأملاك ms0735 كان ذلك من أيسر الأمور عليه: أما أن يكتب ردته، ~~وأحكام المرتد لا تنفذ لأنه قد علم منه الخاص والعام أنه جعل ما فعل في هذه ~~القضية شرع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والإنسان متى حلل الحرام ~~- المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه ~~- كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء. وفي مثل هذا # PageV03P267 # نزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله، ولفظ الشرع يقال في عرف ~~الناس على ثلاثة معان: " الشرع المنزل " وهو ما جاء به الرسول وهذا يجب ~~اتباعه ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني " الشرع المؤول " وهو آراء العلماء ~~المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم، وليس ~~لأحد أن يلزم عموم الناس به ولا يمنع عموم الناس منه. والثالث " الشرع ~~المبدل " وهو الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو على الناس ~~بشهادات الزور ونحوها والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا ~~نزاع. كمن قال: إن الدم والميتة حلال - ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك. فلو ~~كان الذي حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك أو الأشعري، لم يكن له أن يلزم ~~جميع الناس به ويعاقب من لم يوافقه عليه باتفاق الأمة، فكيف والقول الذي ~~يقوله ويلزم به هو خلاف نص مالك وأئمة أصحابه وخلاف نص الأشعري وأئمة ~~أصحابه: كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الطبري، # PageV03P268 # وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي؟ وغير هؤلاء، ~~كلهم مصرحون بمثل ما قلناه، وبنقيض ما قاله. ولهذا اصطلحت الحنبلية ~~والأشعرية واتفق الناس كلهم. ولما رأى الحنبلية كلام أبي الحسن الأشعري ~~قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق وزال ما كان في القلوب من الأضغان ~~وصار الفقهاء من الشافعية وغيرهم: يقولون الحمد لله على اتفاق كلمة ~~المسلمين. ثم لو فرض أن هذا الذي حكم فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد: ms0736 لم يكن له ~~أن ينقض حكم غيره فكيف إذا نقض حكم حكام الشام جميعهم بلا شبهة، بل بما ~~يخالف دين المسلمين بإجماع المسلمين ولو زعم زاعم أن حكام الشام مكرهون، ~~ففيهم من يصرح بعدم الإكراه غير واحد وهؤلاء بمصر كانوا أظهر إكراها لما ~~اشتهر عند الناس أنه فعل ذلك لأجل غرض الدولة المتعلق بالملك وأنه لولا ذلك ~~لتكلم الحكام بأشياء وهذا ثابت عن حكام مصر. فكيف وهذا الحكم الذي حكم به ~~مخالف لشريعة الإسلام من بضعة وعشرين وجها؟ وعامتها بإجماع المسلمين، ~~والوجوه مكتوبة مع الشرف محمد فينبغي أن يعرف الشيخ " نصر " بحقيقة الأمر ~~وباطن القضية ليطبها بتدبيره. فأنا ليس مرادي إلا طاعة الله ورسوله وما ~~يخاف على المصريين إلا من بعضهم في بعض: كما جرت به العادة. وقد سمعتم ما ~~جرى بدمشق - مع أن # PageV03P269 # أولئك أقرب إلى الاتفاق - من تجديد القاضي المذكور إسلامه عند القاضي ~~الآخر. وأنا لما كنت هناك كان هذا الآذن " يحيى الحنفي " فذهب إلى القاضي ~~تقي الدين الحنبلي وجدد إسلامه وحكم بحقن دمه لما قام عليه بعض أصحابهم في ~~أشياء. وكان من مدة لما كان القاضي حسام الدين الحنفي مباشرا لقضاء الشام: ~~أراد أن يحلق لحية هذا الأذرعي وأحضر الموسى والحمار ليركبه ويطوف به فجاء ~~أخوه عرفني ذلك فقمت إليه ولم أزل به حتى كف عن ذلك. وجرت أمور لم أزل فيها ~~محسنا إليهم. وهذه الأمور ليست من فعلي ولا فعل أمثالي. نحن إنما ندخل فيما ~~يحبه الله ورسوله والمؤمنون، ليس لنا غرض مع أحد، بل نجزي بالسيئة الحسنة ~~ونعفو ونغفر. وهذه القضية قد انتشرت وظهر ما فعل فيها وعلمه الخاص والعام. ~~فلو تغيرت الأحوال حتى جاء أمير أو وزير له في نقل ملك قد أثبته أو حكم به: ~~لكان هذا عند المصريين من أسهل ما يكون. فيثبتون ردته والمرتد أحكامه ~~مردودة باتفاق العلماء ويعود ضرره على الذين أعانوه ونصروه بالباطل من أهل ~~الدولة وغيرهم. وهذا أمر كبير لا ينبغي إهماله. فالشيخ خبير يعرف عواقب ~~الأمور. # PageV03P270 # وأنا ms0737 والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة ~~كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ~~ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع ~~علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونا ~~للشيطان على إخواني المسلمين. ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه، لكن ~~هذه مسألة قد فعلوها زورا والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة في ~~دينهم ودنياهم. ولن ينقطع الدور وتزول الحيرة إلا بالإنابة إلى الله ~~والاستغفار والتوبة وصدق الالتجاء. فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # وأما ما ذكرت عن الشيخ " نصر " أنه قال: كنت أوثر أن لا يحسوا به إلا وقد ~~خرج خشية أن يعلم فلان وفلان فيطلعوا ويتكلموا. فتكثر الغوغاء والكلام ~~فعرفه أن كل من قال حقا: فأنا أحق من سمع الحق والتزمه وقبله. سواء كان ~~حلوا أو مرا وأنا أحق أن يتوب من ذنوبه التي صدرت منه، بل وأحق بالعقوبة ~~إذا كنت أضل المسلمين عن دينهم. وقد قلت فيما مضى: ما ينبغي لأحد أن يحمله ~~تحننه لشخص وموالاته له على أن يتعصب معه بالباطل أو يعطل لأجله حدود الله ~~تعالى، بل قد قال # PageV03P271 # النبي صلى الله عليه وسلم " {من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد ~~الله في أمره} ". وهذا الذي يخافه - من قيام " العدو " ونحوه في المحضر ~~الذي قدم به من الشام إلى ابن مخلوف فيما يتعلق بالاستغاثة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم - إن أظهروه كان وباله عليهم ودل على أنهم مشركون لا يفرقون بين ~~دين المسلمين ودين النصارى. فإن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من ~~دين الإسلام أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل ~~إلا على الله، وأن من عبد ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو دعاه أو استغاث به ~~فهو مشرك. ms0738 فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل أو يا ~~ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ~~ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك، بل هذا كله من ~~خصائص الإلهية. وهذه مسائل شريفة معروفة قد بينها العلماء وذكروا الفرق بين ~~حقوق الله التي يختص بها [دون] (1) الرسل. والحقوق التي له ولرسله، كما ~~يميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله: {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} ~~فالتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح بكرة وأصيلا لله. PageV03P272 # وكما قال: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} . ~~فالطاعة لله ولرسوله والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: {أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} فيجعلون العبادة والتقوى لله وحده ويجعلون لهم ~~الطاعة قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} {وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به ~~أحدا} {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} {قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ملتحدا} . وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين} . وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال تعالى. {من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ~~وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . وقال ~~تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا ms0739 عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم # PageV03P273 # تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون} فمن اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فقد كفر بعد إسلامه ~~باتفاق المسلمين؛ ولأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد ~~على القبور وعن أن يجعل لله ندا في خصائص الربوبية: ففي الصحيحين عنه أنه ~~قال: " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} " يحذر ما ~~فعلوا وفي الصحيح عنه أنه قال: " {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وفي السنن عنه أنه ~~قال: " {لا تتخذوا قبري عيدا} ". وروي عنه أنه قال: " {اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد} ". {وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا؟ قل ~~ما شاء الله وحده} ". ولهذا قال العلماء: من زار قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه لا يستلمه ولا يقبله ولا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق: الذي ~~يستلم ويقبل منه الركن الأسود ويستلم الركن اليماني. ولهذا اتفق العلماء ~~على أنه لا يشرع تقبيل شيء من الأحجار ولا استلامه - إلا الركنان اليمانيان ~~- حتى " مقام إبراهيم " الذي بمكة لا يقبل ولا يتمسح به فكيف بما سواه من ~~المقامات والمشاهد # PageV03P274 # وأنت لما ذكرت في ذلك اليوم هذا قلت لك هذا من أصول الإسلام. فإذا كان ~~القاضي لا يفرق بين دين الإسلام ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه فكيف ~~أصنع أنا؟ . # ولكن من يتخذ نفيسة ربا ويقول: إنها تجير الخائف وتغيث الملهوف وأنا في ~~حسبها ويسجد لها ويتضرع في دعائها مثل ما يتضرع في دعاء رب الأرض والسموات ~~ويتوكل على حي قد مات ولا يتوكل على الحق الذي لا يموت، فلا ريب أن إشراكه ~~بمن هو أفضل منها يكون أقوى. قال تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ~~ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} . وحديث {معاذ ~~لما رجع ms0740 من الشام فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا معاذ ~~فقال: رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا ~~معاذ: أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا له؟ قال لا قال: فلا تسجد لي، فلو ~~كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها} . فمن لا ينهى ~~الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين. كيف ينهى عما هو أقل ~~منه؟ ومن دعا رجلا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه ~~إلهين من دون الله. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV03P275 # أنه قال: " {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله} ". بل من سوغ أن يدعى المخلوق ومنع من دعاء الخالق ~~الذي فيه تحقيق صمديته وإلهيته فقد ناقض " الإسلام " في النفي والإثبات: ~~وهو شهادة أن لا إله إلا الله. وأما حقوق رسول الله - بأبي هو وأمي - مثل ~~تقديم محبته على النفس والأهل والمال، وتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته ~~واتباع سنته وغير ذلك فعظيمة جدا. [وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما ~~في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن {النبي صلى الله عليه وسلم علم شخصا ~~أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا ~~رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في} " فهذا ~~التوسل به حسن] (*) . وأما دعاؤه والاستغاثة به: فحرام. والفرق بين هذين ~~متفق عليه بين المسلمين. المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو ~~غيره إلا على سبيل استحضاره، لا على سبيل الطلب منه وأما الداعي والمستغيث ~~فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه والله هو رب العالمين ~~PageV03P276 # ومالك الملك وخالق كل شيء وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه وهو القريب الذي ~~يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى: عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. وأنا قد صنفت كتابا كبيرا سميته " الصارم المسلول ms0741 على ~~شاتم الرسول " وذكرت في هذه المسألة ما لم أعرف أحدا سبق إليه. وكذلك هذه " ~~القواعد الإيمانية " قد كتبت فيها فصولا هي من أنفع الأشياء في أمر الدين. ~~ومما ينبغي أن يعرف به الشيخ أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية ~~ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعلى ابن مخلوف ونحوهما، فإنه قد طلب مني ما ~~يجعل سببا لذلك ولم أجب إليه فإني إنما أنا لون واحد والله ما غششتهما قط ~~ولو غششتهما كتمت ذلك. وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى. ولا ريب أن الأصل ~~الذي تصلح عليه الأمور رجوع كل شخص إلى الله وتوبته إليه في هذا العشر ~~المبارك. فإذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر. فإن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون وهذه قضية كبيرة كلما كانت تزداد ظهورا تزداد انتشارا. ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده وصلى الله على محمد ~~وآله وسلم تسليما. # PageV03P277 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى وتقدس: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون} {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون} {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن ~~عباس وغيره: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ~~{فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون} {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} . # PageV03P278 # وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي {عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخوارج أنهم كلاب أهل النار} وقرأ هذه الآية {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ms0742 ~~قال الإمام أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد خرجها ~~مسلم في صحيحه وخرج البخاري طائفة منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم. يقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية - وفي ~~رواية - يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان} ". # والخوارج هم أول من كفر المسلمين يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في ~~بدعتهم ويستحلون دمه وماله. وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من ~~خالفهم فيها. وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ~~ورسوله فيتبعون الحق ويرحمون الخلق. # وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في أثناء خلافة ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فعاقب الطائفتين. أما الخوارج فقاتلوه ~~فقتلهم وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه ~~وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر. وروي عنه من وجوه كثيرة أنه قال: خير ~~هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ورواه عنه البخاري في صحيحه. # PageV03P279 # فصل: # ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات لا ~~يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم فإن كان الإمام ~~مستورا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة ~~إلا خلف من علم باطن أمره بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف ~~المسلم المستور ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من ~~يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون ~~صلاة المأموم وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد. وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي ~~إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر ~~عند عامة ms0743 أهل السنة والجماعة. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم. وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء ~~يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب كما نقل ذلك عن أحمد ~~أنه ذكر ذلك لمن سأله. ولم يقل أحمد إنه لا تصح إلا خلف من أعرف حاله. # PageV03P280 # ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك ~~الزمان مظهرين للتشيع وكانوا باطنية ملاحدة وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع ~~وظهرت بالديار المصرية - أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه لأجل ~~ذلك ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين وظهرت فيها كلمة السنة ~~المخالفة للرافضة ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر. فالصلاة خلف المستور ~~جائزة باتفاق علماء المسلمين ومن قال إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا ~~يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة، وقد كان الصحابة رضوان الله ~~عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من ~~الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة الصبح ~~أربعا وجلده عثمان بن عفان على ذلك. وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ~~يصلون خلف الحجاج بن يوسف. وكان الصحابة والتا بعون يصلون خلف ابن أبي عبيد ~~وكان متهما بالإلحاد وداعيا إلى الضلال. # PageV03P281 # فصل: # ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع ~~فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} وقد ثبت في الصحيح أن الله ~~تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم. والخوارج المارقون الذين أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة الدين من ms0744 الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من ~~الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام ~~وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ~~ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم. وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم ~~بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف ~~المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا ~~يحل لأحد من هذه # PageV03P282 # الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة ~~فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب ~~أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه. والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم ~~وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة الوداع " {إن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا} " وقال " ~~{كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه} ". وقال " {من صلى صلاتنا ~~واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله} " وقال " {إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا ~~القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه} " وقال: " {لا ترجعوا ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض} " وقال " {إذا قال المسلم لأخيه يا كافر ~~فقد باء بها أحدهما} " وهذه الأحاديث كلها في الصحاح. و ### | إذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك # كما {قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق ~~هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن ~~الله قد اطلع # PageV03P283 # على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟} وهذا في الصحيحين. ~~وفيهما أيضا: من حديث الإفك: {أن أسيد بن الحضير. قال لسعد بن عبادة: ms0745 إنك ~~منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهم} . فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق ولم يكفر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة. وكذلك ثبت في ~~الصحيحين عن {أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله إلا الله وعظم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره وقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال ~~لا إله إلا الله؟ وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ~~يومئذ} . ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة لأنه كان متأولا ظن ~~جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا. فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من ~~أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: {وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين} فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على ~~بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل. # PageV03P284 # ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين، لا يعادون ~~كمعاداة الكفار فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ~~ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من ~~القتال والتلاعن وغير ذلك. وقد ثبت في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا ~~من غيرهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك} " وأخبر أن ~~الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا ~~وبعضهم يسبي بعضا. وثبت في الصحيحين {لما نزل قوله تعالى {قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال أعوذ ~~بوجهك {أو ms0746 يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال هاتان أهون} ". هذا مع أن ~~الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن البدعة والاختلاف وقال: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة} " وقال: " {الشيطان # PageV03P285 # مع الواحد وهو من الاثنين أبعد} " وقال: " {الشيطان ذئب الإنسان كذئب ~~الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم} ". فالواجب على المسلم ~~إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي ~~المؤمنين ولا يعاديهم وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده ~~فعل ذلك وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإذا كان قادرا على أن يولي في ~~إمامة المسلمين الأفضل ولاه وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه. ~~وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى ~~طاعة الله ورسوله أفضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ~~" {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ~~فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم ~~سنا} ". وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم. وأما ~~إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه ~~الجمعة والجماعة جهلا وضلالا وكان قد رد بدعة ببدعة. حتى إن المصلي الجمعة ~~خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم حتى قال أحمد بن ~~حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين لأن الصحابة ~~لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف # PageV03P286 # أهل الفجور والبدع ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب ~~استطاعته أن يعيد الصلاة. ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلى بحسب ~~استطاعته أن لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم ms0747 الماء والتراب إذا ~~صلى بحسب حاله والمحبوس وذووا الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة ~~والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب ~~استطاعته. وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت ~~عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة بل أبلغ من ذلك ~~أن من كان يترك الصلاة جهلا بوجوبها لم يأمره بالقضاء فعمر وعمار لما أجنبا ~~وعمر لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء وأبو ذر لما ~~كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة ~~منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء. والذين أكلوا في رمضان حتى ~~يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء وكانوا قد ~~غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر} هو الحبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إنما هو ~~سواد الليل وبياض النهار} " ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيء في صلاته لم يأمره ~~بإعادة ما تقدم من الصلوات والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة ~~وغيرهما بعد أن نسخت (بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصاروا يصلون إلى الصخرة ~~حتى بلغهم # PageV03P287 # النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم ~~بشرع منسوخ. # وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل ~~البلاغ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل ~~يثبت المبتدأ دون الناسخ. والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقوله {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " {ما أحد أحب إليه العذر ~~من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين} ". فالمتأول والجاهل ~~المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرا. # PageV03P288 # فصل: # أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله ms0748 وأن محمدا رسول الله وأن ذلك ~~حق يجزم به المسلمون ويقطعون به ولا يرتابون وكل ما علمه المسلم وجزم به ~~فهو يقطع به وإن كان الله قادرا على تغييره فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه ~~ويقطع بأن الله قادر على ما يشاء وإذا قال المسلم أنا أقطع بذلك فليس مراده ~~أن الله لا يقدر على تغييره بل من قال إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق ~~وإحيائهم من قبورهم وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل. والذين يكرهون لفظ القطع من أصحاب أبي عمرو بن مرزوق هم ~~قوم أحدثوا ذلك من عندهم ولم يكن هذا الشيخ ينكر هذا، ولكن أصل هذا أنهم ~~كانوا يستثنون في الإيمان كما نقل ذلك عن السلف فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن ~~شاء الله ويستثنون في أعمال البر فيقول أحدهم. صليت إن شاء الله. ومراد ~~السلف من ذلك الاستثناء إما لكونه لا يقطع بأنه فعل الواجب كما أمر الله ~~ورسوله فيشك في قبول الله لذلك فاستثنى ذلك أو للشك في العاقبة أو يستثني ~~لأن الأمور جميعها إنما تكون بمشيئة الله كقوله تعالى: {لتدخلن # PageV03P289 # المسجد الحرام إن شاء الله} مع أن الله علم بأنهم يدخلون لا شك في ذلك أو ~~لئلا يزكي أحدهم نفسه. وكان أولئك يمتنعون عن القطع في مثل هذه الأمور ثم ~~جاء بعدهم قوم جهال فكرهوا لفظ القطع في كل شيء ورووا في ذلك أحاديث مكذوبة ~~وكل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو واحد من علماء ~~المسلمين أنه كره لفظ القطع في الأمور المجزوم بها فقد كذب عليه. وصار ~~الواحد من هؤلاء يظن أنه إذا أقر بهذه الكلمة فقد أقر بأمر عظيم في الدين ~~وهذا جهل وضلال من هؤلاء الجهال لم يسبقهم إلى هذا أحد من طوائف المسلمين ~~ولا كان شيخهم أبو عمرو بن مرزوق ولا أصحابه في حياته ولا خيار أصحابه بعد ~~موته يمتنعون من هذا اللفظ مطلقا بل إنما فعل ms0749 هذا طائفة من جهالهم. كما أن ~~طائفة أخرى زعموا أن من سب الصحابة لا يقبل الله توبته وإن تاب ورووا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " {سب أصحابي ذنب لا يغفر} " وهذا الحديث ~~كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في ~~شيء من كتب المسلمين المعتمدة وهو مخالف للقرآن لأن الله قال {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} هذا في حق من لم يتب. وقال في ~~حق التائبين {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا # PageV03P290 # من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} فثبت ~~بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن كل من تاب تاب الله عليه. ~~ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين، وقال: هو ساحر أو شاعر أو ~~مجنون أو معلم أو مفتر وتاب تاب الله عليه. وقد كان طائفة يسبون النبي من ~~أهل الحرب ثم أسلموا وحسن إسلامهم وقبل النبي منهم: منهم أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد ~~ارتد وكان يكذب على النبي ويقول: أنا كنت أعلمه القرآن ثم تاب وأسلم وبايعه ~~النبي على ذلك. وإذا قيل: سب الصحابة حق لآدمي. قيل: المستحل لسبهم ~~كالرافضي يعتقد ذلك دينا كما يعتقد الكافر سب النبي دينا. فإذا تاب وصار ~~يحبهم ويثني عليهم ويدعو لهم محا الله سيئاته بالحسنات. ومن ظلم إنسانا ~~فقذفه أو اغتابه أو شتمه ثم تاب قبل الله توبته. لكن إن عرف المظلوم مكنه ~~من أخذ حقه وإن قذفه أو اغتابه ولم يبلغه ففيه قولان للعلماء هما روايتان ~~عن أحمد: أصحهما أنه لا يعلمه أني اغتبتك وقد قيل بل يحسن إليه في غيبته ~~كما أساء إليه في غيبته. كما قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن ~~اغتبته. فإذا كان الرجل قد سب الصحابة أو غير الصحابة ms0750 وتاب فإنه يحسن إليهم ~~بالدعاء لهم والثناء عليهم بقدر # PageV03P291 # ما أساء إليهم والحسنات يذهبن السيئات. كما أن الكافر الذي كان يسب النبي ~~ويقول إنه كذاب إذا تاب وشهد أن محمدا رسول الله الصادق المصدوق وصار يحبه ~~ويثني عليه ويصلي عليه: كانت حسناته ماحية لسيئاته، والله تعالى {يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} وقد قال تعالى {حم} ~~{تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} وصلى الله على محمد وصحبه وسلم. # PageV03P292 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: (*) # هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ فإن قيل بالجواز: فما ~~وجهه؟ وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل. وإذا قيل ~~بالجواز: فهل يجب ذلك؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه؟ وهل يكفي ~~في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع؟ ~~وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به؟ وهل ~~ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا؟ وإذا قيل بالوجوب: فما ~~الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك - وقد ~~كان عليه السلام حريصا على هدي أمته؟ والله أعلم. PageV03P293 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين # أما المسألة الأولى: فقول السائل - هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من ~~مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا؟ - سؤال ورد ~~بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة. فإن المسائل التي هي من أصول ~~الدين - التي تستحق أن تسمى أصول الدين - أعني الدين الذي أرسل الله به ~~رسوله وأنزل به كتابه: لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي فيها كلام؛ بل ~~هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها ms0751 من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور ~~الدين؛ وأنها مما يحتاج إليه الدين، ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب ~~أحد أمرين. إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم ~~يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعا. وهو من أعظم ~~مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء ~~به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا. فإن جهله ~~بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه. وجهله ~~بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو # PageV03P294 # وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات. وجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول ~~الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول ~~لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم ~~فضلا عن عامتهم. وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا ~~أو قولا وعملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد. أو دلائل ~~هذه المسائل. # أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من ~~هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر. إذ هذا من أعظم ~~ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به ~~الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه. وكتاب الله الذي نقل ~~الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول ~~الله التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام ~~الواجب والمستحب. والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا ~~آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة؛ الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا ~~النعمة ورضي لنا الإسلام دينا؛ الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~وبشرى # PageV03P295 # للمسلمين {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} . وإنما ms0752 يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ~~ذلك من كان ناقصا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: ~~{لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وإن كان ذلك كثيرا في كثير ~~من المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث والمتفقهة والمتصوفة. # وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل الأصولية " فإنه وإن كان يظن ~~طوائف من المتكلمين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق. ~~فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر ~~معقولات محضة. فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما؛ بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم: ~~أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد؛ بل الأمر ما عليه سلف ~~الأمة وأئمتها - أهل العلم والإيمان - من أن الله سبحانه وتعالى بين من ~~الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء ~~قدره. ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وذلك كالأمثال ~~المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي قال فيها {ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل} فإن الأمثال المضروبة هي " الأقيسة العقلية " ~~سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل. ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو # PageV03P296 # القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ البرهان في ~~اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين. ومما يوضح هذا أن العلم ~~الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع ولا بقياس ~~شمولي تستوي أفراده؛ فإن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء فلا يجوز أن ~~يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها - ولهذا ~~لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية ~~لم يصلوا بها إلى يقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة ~~والاضطراب؛ لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها. ولكن يستعمل في ذلك قياس ~~الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال ms0753 تعالى: {ولله المثل الأعلى} مثل ~~أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه: وهو ~~ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم فالواجب القديم أولى به. وكل كمال ~~لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق - المربوب المعلول المدبر ~~فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره - فهو أحق به منه. وأن كل نقص وعيب في ~~نفسه - وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع ~~المخلوقات والمحدثات والممكنات - فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك وتعالى بطريق ~~الأولى. وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود وأما الأمور العدمية ~~فالممكن بها أحق ونحو ذلك. # PageV03P297 # ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب ~~كما استعمل نحوها الإمام أحمد. ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ~~ذلك جاء القرآن في تقرير " أصول الدين " من مسائل التوحيد والصفات والمعاد ~~ونحو ذلك. ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد؛ والعلم به تابع للعلم ~~بإمكانه فإن الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان؛ ولم يسلك ~~في ذلك ما يسلكه " طوائف من أهل الكلام " حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد ~~الإمكان الذهني فيقولون: هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير ~~وجوده محال فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير ~~وجوده محال. والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهني ~~حقيقته عدم العلم بالامتناع. وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم ~~بالإمكان الخارجي؛ بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع. ولا معلوم ~~الإمكان الخارجي وهذا هو الإمكان الذهني. فالله سبحانه وتعالى لم يكتف في ~~بيان إمكان المعاد بهذا. إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم ~~يعلم الذهن امتناعه؛ بخلاف الإمكان الخارجي. فإنه إذا علم بطل أن يكون ~~ممتنعا. والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة ~~بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ ms0754 منه فإن وجود الشيء دليل ~~على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه. # PageV03P298 # ثم إنه إذا بين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا ~~فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك. ~~فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا} وقوله {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى ~~وهو الخلاق العليم} وقوله {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم ~~يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} . وقوله ~~{لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} فإنه من المعلوم ببداهة العقول ~~أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ - وأن ~~هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك. وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة ~~الأولى في مثل قوله: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ولهذا ~~قال بعد ذلك: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} وقال: {إن كنتم في ريب ~~من البعث فإنا خلقناكم من تراب} الآية. وكذلك ما ذكره في قوله {وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} {قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة} الآيات. فإن قوله تعالى {من يحيي العظام وهي رميم} قياس حذفت إحدى ~~مقدمتيه لظهورها والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب ~~الذي ذكره بقوله: # PageV03P299 # {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} وهذا استفهام ~~إنكار متضمن للنفي: أي لا أحد يحيي العظام وهي رميم. فإن كونها رميما يمنع ~~عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة: المنافية للحياة التي مبناها ~~على الحرارة والرطوبة ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من ~~الشبهات. والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحيي العظام وهي رميم فلا أحد ~~يحييها ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع ms0755 الإحياء. وبين سبحانه ~~إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال {يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة} وقد أنشأها من التراب ثم قال: {وهو بكل خلق عليم} ~~ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء واستحال. ثم قال: {الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا} فبين أنه أخرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب وذلك ~~أبلغ في المنافاة لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة ~~واليبوسة؛ فالرطوبة تقبل من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة. ثم قال: {أوليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وهذه مقدمة معلومة ~~بالبديهة - ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم ~~عند المخاطب كما قال سبحانه {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا} ثم بين قدرته العامة بقوله {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} . # PageV03P300 # وفي هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على ~~المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه. وكذلك ما استعمله ~~سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة سواء سموها حسية أو ~~عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة - التي جعلوها جوهر الابن - منه ~~وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية ~~التسعة: التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول ~~بمنزلة الذكور، والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم ~~وأربابهم القريبة، وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة على ~~الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم يجعلون النفس الفلكية ~~عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم: الذين جعلوا ~~له بنين وبنات. قال تعالى {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} وقال تعالى {ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون} {ولد الله وإنهم لكاذبون} وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما ~~يزعم هؤلاء: أن العقول أو العقول والنفوس " هي الملائكة " وهي متولدة عن ~~الله فقال الله ms0756 تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} {وإذا ~~بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} {يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون} {للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل # PageV03P301 # الأعلى وهو العزيز الحكيم} إلى قوله {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} وقال تعالى {أم ~~اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ~~ظل وجهه مسودا وهو كظيم} {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} ~~{وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون} . وقال تعالى {أفرأيتم اللات والعزى} إلى قوله {ألكم الذكر وله ~~الأنثى} {تلك إذا قسمة ضيزى} أي جائرة وغير ذلك في القرآن. فبين سبحانه أن ~~الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما ~~تكرهون أن يكون لكم وتستخفون من إضافته إليكم مع أنه واقع لا محالة ولا ~~تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم. وكذلك ~~قوله في التوحيد {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي كخيفة ~~بعضكم بعضا كما في قوله {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} وفي قوله {لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} وفي قوله {ولا تلمزوا أنفسكم} ~~وفي قوله {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} وفي قوله {ولا تخرجون أنفسكم ~~من دياركم} إلى قوله {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} فإن المراد في هذا كله ~~من نوع واحد. فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه فيما له حتى ~~يخاف مملوكه كما يخاف نظيره # PageV03P302 # بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرا فكيف ترضون لي أن تجعلوا ما هو ~~مخلوقي ومملوكي شريكا لي: يدعى ويعبد - كما أدعى وأعبد - كما كانوا يقولون ~~في تلبيتهم لبيك لا شريك ms0757 لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك - وهذا باب واسع ~~عظيم جدا ليس هذا موضعه. # وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين ~~من المسائل والدلائل: التي تستحق أن تكون أصول الدين. وأما ما يدخله بعض ~~الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين؛ وإن أدخله فيه مثل ~~" المسائل " والدلائل " الفاسدة: مثل نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من ~~المسائل. ومثل " الاستدلال " على حدوث العالم بحدوث " الأعراض " التي هي ~~صفات الأجسام القائمة بها: إما الأكوان وإما غيرها وتقرير المقدمات التي ~~يحتاج إليها هذا الدليل: من إثبات " الأعراض " التي هي الصفات أولا أو ~~إثبات " بعضها " كالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق " ~~وإثبات حدوثها " ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون، وإبطال انتقالها من محل ~~إلى محل - ثم إثبات " امتناع خلو الجسم " ثالثا؛ إما عن كل جنس من أجناس ~~الأعراض: بإثبات أن الجسم قابل لها وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده؛ ~~وإما عن الأكوان - وإثبات " امتناع حوادث لا أول لها " رابعا وهو مبني على ~~مقدمتين: # PageV03P303 # إحداهما: أن الجسم لا يخلو عن " الأعراض " التي هي الصفات (والثانية أن ~~ما لا يخلو عن " الصفات " التي هي الأعراض فهو محدث لأن الصفات التي هي ~~الأعراض لا تكون إلا محدثة وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض ~~كالأكوان وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى. ~~فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمدا لم يدع الناس بها إلى الإقرار ~~بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق " أهل الكلام " كالأشعري وغيره ~~بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة وأئمتها وذكروا أنها محرمة ~~عندهم. بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم ~~يمنع ثبوت المدعي بها مطلقا. ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد ~~الأمرين له لازم؛ إما أن يطلع على ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين ~~بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة أو يرجح هذا تارة وهذا تارة. ms0758 كما هو حال ~~طوائف منهم. وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل. ~~كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع ~~حركات أهل الجنة. والتزم قوم لأجلها - كالأشعري وغيره - أن الماء والهواء ~~والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك. والتزم قوم لأجلها وأجل غيرها: أن جميع ~~" الأعراض " كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال لأنهم احتاجوا إلى ~~جواب النقض # PageV03P304 # الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام ~~بصفاتها. فقالوا: صفات " الأجسام " أعراض أي أنها تعرض وتزول فلا تبقى بحال ~~بخلاف صفات الله فإنها باقية. وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة ~~للمعلوم بالحس. والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي ~~صفات الرب مطلقا أو نفي بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو ~~قيام الصفات بها والدليل يجب طرده. والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به ~~وهو أيضا في غاية الفساد والضلال. ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار ~~رؤية الله في الآخرة وعلوه على عرشه. إلى أمثال ذلك من اللوازم التي ~~التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم ~~فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين ~~الذي شرعه الله لعباده. وأما الدين الذي قال الله فيه {أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله} فذاك له أصول وفروع بحسبه. وإذا عرف أن ~~مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام - لما فيه من ~~الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات - تبين أن الذي هو عند الله ورسوله ~~وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن # PageV03P305 # الرسول. وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له ~~لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل كما أن ~~لازم الحق حق. وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام ~~وأهله: إذ ذلك يتناول ms0759 لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات ~~الباطلة. فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم ~~والإيمان. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه - إذا احتيج إلى ~~ذلك وكانت المعاني صحيحة - كمخاطبة العجم: من الروم والفرس والترك بلغتهم ~~وعرفهم فإن هذا جائز حسن للحاجة. وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه ولهذا ~~قال النبي لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة ولدت بأرض ~~الحبشة لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها - {يا أم خالد هذا سنا} ~~والسنا بلسان الحبشة الحسن؛ لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يترجم ~~القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة وكذلك يقرأ المسلم ما ~~يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم. ويترجمها بالعربية. كما أمر النبي ~~زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك حيث لم يأمن من ~~اليهود عليه. # PageV03P306 # فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة ~~كلفظ " الجوهر " و " العرض " و " الجسم " وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي ~~يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما ~~يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات. كما ~~قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون في الكتاب مخالفون ~~للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على ~~جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه. فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها ~~بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب والسنة: بحيث يثبت الحق الذي أثبته ~~الكتاب والسنة وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق؛ ~~بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ: نفيا وإثباتا: في ~~الوسائل والمسائل؛ من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم. ~~وهذا من مثارات الشبهة، فإنه لا يوجد في كلام النبي ولا أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا أحد من الأئمة المتبوعين: أنه علق ms0760 بمسمى لفظ " الجوهر " " ~~والجسم " " والتحيز " والعرض " ونحو ذلك شيئا من أصول الدين: لا الدلائل ~~ولا المسائل؛ والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها، تارة لاختلاف ~~الوضع، وتارة لاختلافهم في المعنى الذي هو مدلول اللفظ كمن يقول " الجسم " ~~هو المؤلف ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه؟ # PageV03P307 # أو الجوهران فصاعدا؟ أو الستة؟ أو الثمانية؟ أو غير ذلك؟ ومن يقول هو ~~الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وأنه مركب من المادة والصورة، ومن يقول ~~هو الموجود أو الموجود القائم بنفسه؛ وأن الموجود لا يكون إلا كذلك. والسلف ~~والأئمة - الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ~~ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين: في ~~دلائله وفي مسائله: نفيا وإثباتا. فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة ~~بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ؛ ليتبين ما وافق الحق من ~~معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ~~وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي ~~يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم. وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة. ~~ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر ~~الموافق والمخالف. # وأما قول السائل فإن قيل بالجواز: فما وجهه وقد فهمنا منه عليه السلام ~~النهي عن الكلام في بعض المسائل؟ فيقال قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب ~~السؤال وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله # PageV03P308 # فلا يجوز أن ينهى عنها بحال بخلاف ما سمي أصول الدين وليس هو أصولا في ~~الحقيقة. لا دلائل ولا مسائل، أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من ~~شرع من الدين ما لم يأذن به الله. # وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور ~~منها ms0761 القول على الله بلا علم كقوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} . ~~ومنها أن يقال عليه غير الحق كقوله {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق} وقوله {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق} ومنها الجدل بغير علم كقوله {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به ~~علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله ~~{يجادلونك في الحق بعدما تبين} . ومنها الجدل بالباطل كقوله {وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق} . ومنها الجدل في آياته كقوله {ما يجادل في آيات ~~الله إلا الذين كفروا} وقوله {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} وقوله {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه} وقوله {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} ونحو ذلك ~~قوله {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب # PageV03P309 # له حجتهم داحضة عند ربهم} وقوله {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} ~~وقوله {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} . ومن ~~الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف كقوله: {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} إلى قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ~~. قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة ~~والفرقة، وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله} إلى قوله {ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا} وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله {وما ms0762 اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} وفي مثل قوله {ولا ~~يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} وفي مثل قوله {وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} . وكذلك سنة رسول الله توافق كتاب الله ~~كالحديث المشهور عنه الذي روى مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو وسائره معروف ~~في مسند أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده {أن رسول # PageV03P310 # الله خرج على أصحابه - وهم يتناظرون في القدر - ورجل يقول: ألم يقل الله: ~~كذا ورجل يقول: ألم يقل الله: كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال أبهذا ~~أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا: ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل ~~كتاب الله ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه ~~وما نهيتم عنه فاجتنبوه} هذا الحديث أو نحوه. وكذلك قوله: {المراء في ~~القرآن كفر} وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة {أن النبي قرأ قوله: {هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} ~~فقال النبي: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ~~فاحذروهم} . وأما أن يكون الكتاب أو السنة نهى عن معرفة المسائل التي يدخل ~~فيما يستحق أن يكون من أصول دين الله فهذا لا يكون اللهم إلا أن ننهى عن ~~بعض ذلك في بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل، كقول عبد ~~الله بن مسعود " ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة ~~لبعضهم " وكقول علي رضي الله عنه " حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". أو مثل قول حق يستلزم فسادا # PageV03P311 # أعظم من تركه فيدخل في قوله {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} رواه مسلم. # وأما ms0763 قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما ~~يقتضي وجوبه. فيقال: لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول ~~إيمانا عاما مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على ~~الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن ~~وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلى سبيل الرب ~~بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك - مما أوجبه ~~الله على المؤمنين - فهو واجب على الكفاية منهم. # وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم، وما ~~أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما ~~يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما ~~لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على ~~من ليس كذلك. وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن ~~أو لا بد # PageV03P312 # من الوصول إلى القطع؟ فيقال: الصواب في ذلك التفصيل. # فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد ~~يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا يجوز الاستدلال فيها بغير ~~دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد، فهذا الذي قالوه ~~على إطلاقه وعمومه: خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. ثم ~~هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما يحتجون فيها بالأدلة ~~التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن أن تكون من ~~الظنيات؛ حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة حجة في موضع ويقطع ~~ببطلانها في موضع آخر بل منهم من غاية كلامه كذلك؛ وحتى قد يدعي كل من ~~المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر. وأما التفصيل فما أوجب ~~الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما ms0764 أوجبه الله من ذلك كقوله {اعلموا أن ~~الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} وقوله {فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك} وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به. وقد تقرر في ~~الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~وقوله صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} أخرجاه ~~في الصحيحين. # PageV03P313 # فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة - من هذه المسائل الدقيقة - قد يكون ~~عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين؛ لا شرعي ولا ~~غيره لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر ~~عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين؛ بل ذلك هو الذي ~~يقدر عليه. لا سيما إذا كان مطابقا للحق. فالاعتقاد المطابق للحق ينفع ~~صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه. لكن ينبغي أن ~~يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق: فإنما هو ~~لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل إلى ~~معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: {فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما ~~فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية. وكما في ~~الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي أنه قال {ستكون فتن قلت ~~فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما ~~بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ~~ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو ~~الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به ms0765 الأهواء ولا تلتبس به # PageV03P314 # الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء وفي ~~رواية ولا تختلف به الآراء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا} {يهدي إلى الرشد} من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم ~~به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم} . قال تعالى: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال تعالى: {المص} ~~{كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} إلى قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم ~~من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} وقال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب ~~لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات ~~الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} ~~. فذكر سبحانه أنه سيجزي الصادف عن آياته مطلقا - سواء كان مكذبا أو لم يكن ~~- سوء العذاب بما كانوا يصدفون: يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به ~~الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه ~~اتباعا لما يهواه أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر. وقد ~~يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به. ولهذا أخبر الله في غير موضع من ~~كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد ~~في عقليات وأمور غير ذلك وجعل # PageV03P315 # ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} وقال تعالى: {فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ms0766 ~~يستهزئون} {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين} {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} وقال تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} . وقال تعالى: {إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله} والسلطان هو الحجة المنزلة من ~~عند الله كما قال تعالى: {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به ~~يشركون} وقال تعالى {أم لكم سلطان مبين} {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} ~~وقال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان} . وقد طالب سبحانه من اتخذ دينا بقوله {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم} . فالكتاب: الكتاب، والأثارة كما قال من قال من السلف: هي ~~الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخط أيضا. إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط ~~وذلك لأن الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ~~ويقيد بالخط فيكون كل ذلك من آثاره. # PageV03P316 # وقال تعالى في نعت المنافقين: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن ~~يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} {فكيف إذا ~~أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا} {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا} . وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال ~~من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين ~~الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو " عقليات " من الأمور المأخوذة عن بعض ~~الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار. فمن كان ~~خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن ms0767 والإيمان مثلا أو لتعديه حدود ~~الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله: فهو ~~الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد؛ بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا ~~وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه. ~~كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} إلى قوله: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # PageV03P317 # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} . وقد ثبت في صحيح مسلم {أن الله ~~قال قد فعلت} وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس {أن النبي لم يقرأ بحرف من ~~هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك} . فهذا يبين استجابة هذا ~~الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا. # وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق - والحال هذه - فيقال: ~~هذه العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف أن ~~الخلاف المحقق فيها نوعان: # أحدهما: ما اتفق الناس على جوازه ووقوعه؛ وإنما تنازعوا في إطلاق القول ~~عليه بأنه لا يطاق. # والثاني: ما اتفقوا على أنه لا يطاق؛ لكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم ~~يتنازعوا في عدم وقوعه. فإما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه ~~لا يطاق وتنازعوا في وقوع الأمر به؛ فليس كذلك. # فالنوع الأول: كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في " استطاعة ~~العبد " وهي قدرته وطاقته. هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله أو يجب أن تكون ~~متقدمة على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه.؟ فمن قال ~~بالأول لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما لا يطيقه # PageV03P318 # إذا لم يكن عنده قدرة إلا مع الفعل. ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو ~~المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم ما دل عليه القرآن وهو ms0768 أن " ~~الاستطاعة " التي هي مناط الأمر والنهي وهي المصححة للفعل لا يجب أن تقارن ~~الفعل. وأما " الاستطاعة " التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له. " ~~فالأولى " كقوله {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . وقول ~~{النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ~~فإن لم تستطع فعلى جنب} ومعلوم أن الحج والصلاة تجب على المستطيع سواء فعل ~~أو لم يفعل. فعلم أن هذه الاستطاعة لا تجب أن تكون مع الفعل. " والثانية " ~~كقوله تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} . قوله تعالى ~~{وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا} {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا} على قول من يفسر الاستطاعة بهذه وأما على تفسير ~~السلف والجمهور فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم، ~~فنفوسهم لا تستطيع إرادته؛ وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه وهذه حال ~~من صده هواه ورأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها: فقد أخبر ~~أنه لا يستطيع ذلك وهذه " الاستطاعة " هي المقارنة للفعل الموجبة له. # PageV03P319 # وأما " الأولى " فلولا وجودها لم يثبت التكليف بقوله: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} وقوله تعالى {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها} وأمثال ذلك فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم ~~يستطيعوا سمع ما أنزل إلى الرسول فهم من هذا القسم. وكذلك أيضا تنازعهم في ~~" المأمور به " الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن ~~الناس من يقول إن هذا غير مقدور عليه، كما أن غالية القدرية يمنعون أن ~~يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون. وذلك لاتفاق الفريقين على أن ~~خلاف المعلوم لا يكون ممكنا ولا مقدورا عليه، وقد خالفهم في ذلك جمهور ~~الناس. وقالوا: هذا منقوض عليهم بقدرة الله تعالى وقالوا إن الله يعلمه على ~~ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد؛ غير واقع ولا كائن: لعدم إرادة ~~العبد له أو لبغضه إياه ونحو ذلك لا ms0769 لعجزه عنه وهذا النزاع يزول بتنويع ~~القدرة عليه كما تقدم فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل وإن كان مقدور ~~" القدرة المصححة للفعل " التي هي مناط الأمر والنهي. (وأما النوع الثاني ~~فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا يطيق الأعمى والأقطع ~~والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران فمثل هذا النوع قد اتفقوا على أنه غير ~~واقع في الشريعة. # PageV03P320 # وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلا حتى نازع بعضهم في " الممتنع لذاته ~~كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة العقل مع أن ذلك لم ~~يرد في الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة - كمن يزعم أن أبا ~~لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن - فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من ~~جميع الطوائف. بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار - المستلزم لموته على الكفر ~~- وأنه أسمع هذا الخطاب: ففي هذا الحال انقطع تكليفه ولم ينفعه الإيمان ~~حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا} وقال تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} . ~~والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل ~~المأمور به وتارة إلى جواز الأمر. ومن هنا شبه من شبه من المتكلمين على ~~الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا: لوقوع بعض ~~الأقسام التي لا يجعلها عامة المسلمين من باب ما لا يطاق. والنزاع فيها لا ~~يتعلق بمسائل الأمر والنهي؛ وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر. ثم إنه جعل ~~جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على أنه غير مقدور ~~عليه وقاس أحد النوعين بالآخر. وذلك من " الأقيسة " التي اتفق المسلمون؛ بل ~~وسائر أهل الملل؛ بل وسائر العقلاء على بطلانها - فإن من قاس الصحيح ~~المأمور بالأفعال - كقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله # PageV03P321 # علم أنه لا يفعل - على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع ~~بين ما يعلم ms0770 الفرق بينهما بالاضطرار عقلا ودينا وذلك من مثارات الأهواء بين ~~القدرية وإخوانهم الجبرية وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من ~~البدع الحادثة في الإسلام. كإطلاق القول: بأن الناس مجبورون على أفعالهم ~~وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه؛ وإن قصد به الرد ~~على " القدرية " الذين لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ولا بأنه شاء ~~الكائنات. وقالوا هذا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد والباطل ~~بالباطل؛ ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ~~ما يبين ردهم لذلك. وأما إذا فصل مقصود القائل وبين بالعبارة التي لا يشتبه ~~فيها الحق بالباطل: ما هو الحق وميز بين الحق والباطل: كان هذا من الفرقان ~~وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفتهم الأئمة بأنهم ~~مختلفون في كتاب الله مخالفون لكتاب الله متفقون على ترك كتاب الله وأنهم ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويحرفون الكلم عن مواضعه ويخدعون جهال الناس ~~بما يشبهون عليهم، ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين ~~لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية ولهذا ~~ترجم الإمام أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " فقال: (الرد على القدرية ~~وقولهم إن الله # PageV03P322 # أجبر العباد على المعاصي، ثم روي عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد ~~قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر؛ فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته ~~أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. ~~وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا في القرآن ولا في السنة؛ فأهاب أن أقول ~~ذلك؛ ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن ~~رسول الله؛ وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة ~~والتصديق. فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي ~~التابعين من أحسن الأجوبة. أما " الزبيدي " فمحمد بن الوليد صاحب الزهري ~~فإنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن ms0771 يجبر أو يعضل فنفى الجبر وذلك ~~لأن الجبر المعروف في اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما تقول الفقهاء ~~في " باب النكاح " هل تجبر المرأة على النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ~~ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها ~~منعها مما ترضاه وتختاره. فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل؛ لأن الله ~~سبحانه قادر على أن يجعل العبد محبا راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما ~~يتركه. كما هو الواقع فلا يكون العبد مجبورا على ما يختاره ويرضاه ويريده ~~وهي: " أفعاله # PageV03P323 # الاختيارية " ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه ولا يريده وهي " ~~تركه الاختيارية ". وأما " الأوزاعي " فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عنا ~~به هذا المعنى حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة: فيفضي إلى إطلاق لفظ ~~مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ. وإن قيل: إنه أريد به معنى ~~صحيح. قال الخلال: أنبأنا المروذي قال سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد ~~الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري الجبر، وقال: الله تعالى جبل ~~العباد. قال المروذي: أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد ~~القيس - يعني قوله الذي في صحيح مسلم - {إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم ~~والأناة. فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما. فقال: بل خلقين ~~جبلت عليهما فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى} . ~~ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق الأفعال بقوله تعالى: {إن الإنسان خلق ~~هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} فأخبر تعالى أنه خلق ~~الإنسان على هذه الصفة. وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي؛ لأن الزبيدي ~~نفى الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه إذ هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد ~~يقتضي نفي الحق والباطل كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتاب ~~السنة " فقال: ثنا # PageV03P324 # محمد بن بكار ثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب أنه قال إنما سمي ~~الجبار لأنه يجبر الخلق على ms0772 ما أراد. فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل ~~المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا في المحتمل ~~المعنى الفاسد خشية أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعا. وهكذا يقال في نفي ~~الطاقة على المأمور: فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في ~~المأمور. وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: قال الخلال: ~~أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يناظر خالد ~~بن خداش يعني في القدر - فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله: إنما أكره من هذا ~~أن يقول أجبر الله. وقال أنبأنا المروذي قلت لأبي عبد الله رجل يقول إن ~~الله أجبر العباد: فقال هكذا لا تقل. وأنكر هذا وقال يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء. وقال أنبأنا المروذي قال كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف ~~العكبري وقال إنه تنزه عن ميراث أبيه؛ فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر ~~العباد على المعاصي فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد على ما ~~أراد، أراد بذلك إثبات القدر، فوضع أحمد بن علي كتابا: يحتج فيه فأدخلته ~~على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة فقال: ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا: علي ~~ابن رجاء حين قال جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر، وأنكر على ~~أحمد بن علي في وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب وقال # PageV03P325 # لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال " جبر العباد ". فقلت لأبي ~~عبد الله فما الجواب في هذه المسألة؟ قال يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. ~~قال المروذي في هذه المسألة؟ إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: ~~" لم يجبر "، وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة ~~اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثه، وأنكر على من رد ~~بشيء من جنس الكلام؛ إذا لم يكن له فيها إمام مقدم. قال المروذي فما كان ~~بأسرع من ms0773 أن قدم أحمد بن علي من عكبر ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبر فأدخلت ~~أحمد بن علي على أبي عبد الله. فقال: يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب ادفعه ~~إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبر وأستغفر الله - عز وجل - ~~فقال: أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه فرجعوا إليه، وقد بسطنا الكلام ~~في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل الفاسد الذي ظنه ~~المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق الذي يسمونه جبرا ينافي الأمر والنهي. ~~حتى جعله القدرية منافيا للأمر والنهي مطلقا. وجعله طائفة من الجبرية ~~منافيا لحسن الفعل وقبحه وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه ~~القائم به المعلوم بالعقل؛ ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك. إلا كما ينافيه ~~بمعنى كون الفعل ملائما للفاعل ونافعا له؛ وكونه منافيا للفاعل وضارا له. # PageV03P326 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # ما الذي يجب على المكلف اعتقاده؟ وما الذي يجب عليه علمه؟ وما هو العلم ~~المرغب فيه؟ وما هو اليقين؟ وكيف يحصل؟ وما العلم بالله؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما قوله: ما الذي يجب على المكلف اعتقاده فهذا ~~فيه إجمال وتفصيل. أما الإجمال فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله، ~~ويقر بجميع ما جاء به الرسول: من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، وما أمر به الرسول ونهى بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر ~~به. فلا بد من تصديقه فيما أخبر؛ والانقياد له فيما أمر. وأما التفصيل فعلى ~~كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده؛ من أن الرسول أخبر به وأمر به وأما ما أخبر ~~به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به؛ ولم يمكنه العلم بذلك؛ فهو لا يعاقب على ~~ترك الإقرار به مفصلا وهو داخل في إقراره # PageV03P327 # بالمجمل العام ثم إن قال خلاف ذلك متأولا كان مخطئا يغفر له خطؤه؛ إذا لم ~~يحصل منه تفريط ولا عدوان ولهذا يجب على العلماء من ms0774 الاعتقاد ما لا يجب على ~~آحاد العامة، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ ~~بدار جهل. وأما ما علم ثبوته بمجرد القياس العقلي دون الرسالة؛ فهذا لا ~~يعاقب إن لم يعتقده. وأما قول طائفة من أهل الكلام: إن الصفات الثابتة ~~بالعقل هي التي يجب الإقرار بها؛ ويكفر تاركها بخلاف ما ثبت بالسمع؛ فإنهم ~~تارة ينفونه وتارة يتأولونه أو يفوضون معناه وتارة يثبتونه لكن يجعلون ~~الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية فهذا لا أصل له عن سلف الأمة ~~وأئمتها إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة؛ وبالأدلة ~~الشرعية يميز بين المؤمن والكافر؛ لا بمجرد الأدلة العقلية. # وأما قوله: ما الذي يجب عليه علمه؟ فهذا أيضا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف ~~أن يعلم ما أمر الله به فيعلم ما أمر بالإيمان به؟ وما أمر بعلمه؛ بحيث لو ~~كان له ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة، ولو كان له ما يحج به ~~لوجب عليه تعلم علم الحج وكذلك أمثال ذلك. ويجب على عموم الأمة علم جميع ما ~~جاء به الرسول بحيث لا يضيع من العلم الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمته شيء وهو ما دل # PageV03P328 # عليه الكتاب والسنة لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين فرض على ~~الكفاية: إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. وأما " العلم المرغب فيه جملة ~~" فهو العلم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته لكن يرغب كل شخص في ~~العلم الذي هو إليه أحوج؛ وهو له أنفع وهذا يتنوع؛ فرغبة عموم الناس في ~~معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم. وكل شخص ~~منهم يرغب في كل ما يحتاج إليه من ذلك ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون ~~رغبته في عمل ينافيها أنفع من غير ذلك. # وأما " اليقين " فهو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه وهو معنى ما ~~يقولون: " ماء يقن " إذا استقر عن الحركة، وضد اليقين الريب. وهو نوع ms0775 من ~~الحركة والاضطراب يقال: رابني يريبني ومنه في الحديث: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مر بظبي حاقف فقال لا يريبه أحد} ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم ~~القلب، وعمل القلب. فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر؛ ومع هذا فيكون في ~~قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب ~~كل شيء ومليكه؛ ولا خالق غيره؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فهذا قد ~~تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك؛ إما لغفلة ~~القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام، وإن لم تكن ضدا لأصل العلم، ~~وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك. # PageV03P329 # وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {سلوا الله اليقين والعافية فما أعطي أحد بعد اليقين شيئا خيرا من ~~العافية فسلوهما الله} فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا؛ بخلاف غيرهم فإن ~~الابتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه. قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} ألا ترى إلى قوله تعالى {الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل} . فهذه حال هؤلاء. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ~~وكان الله بما تعملون بصيرا} إلى قوله: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا} {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا} . وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} الآيتين. ~~وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر ~~الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق. # PageV03P330 # والثالث: العمل بموجب العلم قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ms0776 يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} والضمير ~~عائد على القرآن. كما قال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق} الآية. وأما قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من ~~المتكلمة والمتصوفة: أن الضمير عائد إلى الله؛ وأن المراد ذكر طريق معرفته ~~بالاستدلال بالعقل؛ فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة وهو مخالف لما ~~اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. فبين سبحانه أنه يرى الآيات المشهودة ليبين ~~صدق الآيات المسموعة مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية لأنه سبحانه لم ~~يدل عباده بالقرآن بمجرد الخبر - كما يظنه طوائف من أهل الكلام يظنون أن ~~دلالة القرآن إنما هو بطريق الخبر، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر ~~الذي هو الرسول، والعلم بصدقه موقوف على إثبات الصانع؛ والعلم بما يجب ~~ويجوز ويمتنع عليه؛ والعلم بجواز بعثة الرسل؛ والعلم بالآيات الدالة على ~~صدقهم ويسمون هذه الأصول العقليات؛ لأن السمع عندهم موقوف عليها وهذا غلط ~~عظيم وهو من أعظم ضلال طوائف من أهل الكلام والبدع، فإن الله سبحانه بين في ~~كتابه كل ما يحتاج إليه في أصول الدين قرر فيه # PageV03P331 # التوحيد؛ والنبوة؛ والمعاد بالبراهين التي لا ينتهي إلى تحقيقها نظر؛ ~~خلاف المتكلمين من المسلمين والفلاسفة وأتباعهم، واحتج فيه بالأمثال ~~الصمدية؛ التي هي المقاييس العقلية المفيدة لليقين وقد بسطنا الكلام في غير ~~هذا الموضع. وأما الآيات المشهودة فإن ما يشهد وما يعلم بالتواتر: من ~~عقوبات مكذبي الرسل ومن عصاهم، ومن نصر الرسل وأتباعهم على الوجه الذي وقع ~~وما علم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة له وانتقامه من أهل ~~معصيته وجعل الدائرة عليهم: فيه عبرة تبين أمره ونهيه؛ ووعده ووعيده؛ وغير ~~ذلك مما يوافق القرآن. ولهذا قال تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا} إلى قوله: {فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار} . فهذا بين الاعتبار في أصول ms0777 الدين وإن كان قد تناول ~~الاعتبار في فروعه وكذلك قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة} إلى قوله: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} . ~~وأما العمل، فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره ومخالفته تضعفه؛ بل قد ~~تذهبه قال الله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقال تعالى: {ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} وقال تعالى: {ولو أنهم # PageV03P332 # فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} الآيات. وقال: {قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} الآية. ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم} الآية. # وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان: أحدهما: العلم به نفسه؛ وبما هو ~~متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى. وهذا العلم ~~إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة فإنه لا بد أن يعلم أن الله يثيب ~~على طاعته؛ ويعاقب على معصيته؛ كما شهد به القرآن والعيان وهذا معنى قول ~~أبي حيان التيمي - أحد أتباع التابعين - العلماء ثلاثة: عالم بالله ليس ~~عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله، وعالم بالله وبأمر ~~الله. فالعالم بالله الذي يخشى الله والعالم بأمر الله الذي يعرف الحلال ~~والحرام. وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: إنما العالم من يخشى الله. ~~وقال - عبد الله بن مسعود: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. ~~والنوع الثاني يراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية كما في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه ترخص في شيء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنه # PageV03P333 # فقال: ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها والله إني لأعلمكم بالله ~~وأخشاكم له} وفي رواية {والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده} فجعل العلم ~~به هو العلم بحدوده. وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين ~~علي بن ms0778 أبي طالب - رضي الله عنه حيث قال: إن كان الله في صدري لعظيما وإن ~~كنت بذات الله لعليما أراد بذلك أحكام الله، فإن لفظ الذات في لغتهم لم يكن ~~كلفظ الذات في اصطلاح المتأخرين بل يراد به ما يضاف إلى الله كما قال خبيب ~~رضي الله عنه. وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ومنه ~~الحديث: {لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله} . ومنه قوله ~~تعالى {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} {وهو عليم بذات الصدور} ونحو ذلك. ~~فإن ذات تأنيث (ذو) وهو يستعمل مضافا يتوصل به إلى الوصف بالأجناس فإذا كان ~~الموصوف مذكرا قيل ذو كذا؛ وإن كان مؤنثا قيل ذات كذا كما يقال ذات سوار. ~~فإن قيل أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته: أي فيما أمر به ~~وأحبه؛ ولأجله. ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضا ~~إنها ذات علم وقدرة وكلام ونحو ذلك حذفوا الإضافة وعرفوها فقالوا: الذات ~~الموصوفة # PageV03P334 # أي النفس الموصوفة فإذا قال هؤلاء المؤكدون " الذات " فإنما يعنون به ~~النفس الحقيقية؛ التي لها وصف ولها صفات. والصفة والوصف تارة يراد به ~~الكلام الذي يوصف به الموصوف؛ كقول الصحابي في {قل هو الله أحد} أحبها ~~لأنها صفة الرحمن وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام: كالعلم ~~والقدرة. والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه وتقول: إنما الصفات مجرد ~~العبارة التي يعبر بها عن الموصوف. والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد ~~يفرقون بين الصفة والوصف فيجعلون الوصف هو القول؛ والصفة المعنى القائم ~~بالموصوف. وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد من لفظ الصفة والوصف مصدر ~~في الأصل؛ كالوعد والعدة؛ والوزن والزنة؛ وأنه يراد به تارة هذا؛ وتارة ~~هذا. ولما كان أولئك الجهمية ينفون أن يكون لله وصف قائم به: علم أو قدرة؛ ~~أو إرادة أو كلام - وقد أثبتها المسلمون - صاروا يقولون: هؤلاء أثبتوا صفات ~~زائدة على الذات. وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا ms0779 ~~الإطلاق ويقولون: الصفات زائدة على الذات التي وصفوا - لها صفات ووصف - ~~فيشعرون الناس أن هناك ذاتا متميزة عن الصفات وأن لها صفات متميزة عن ~~الذات. ويشنع نفاة الصفات بشناعات ليس هذا موضعها وقد بينا فسادها في غير ~~هذا الموضع. # PageV03P335 # والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا ولا يمكن وجود ذات ~~خالية عن الصفات. فدعوى المدعي وجود حي عليم قدير بصير بلا حياة ولا علم ~~ولا قدرة؛ كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيا عليما قديرا بل ~~دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث عري عن جميع الصفات ممتنع في صريح ~~العقل. ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم؛ لما أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات صار ~~مناظرهم يقول: أنا أثبت الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات؛ أي لا أقتصر ~~على مجرد إثبات ذات بلا صفات. ولم يعن بذلك أنه في الخارج ذات ثابتة ~~بنفسها؛ ولا مع ذلك صفات هي زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات ولهذا كان ~~من الناس من يقول: الصفات غير الذات. كما يقوله المعتزلة؛ والكرامية؛ ثم ~~المعتزلة تنفيها: والكرامية تثبتها. ومنهم من يقول: الصفة لا هي الموصوف ~~ولا هي غيره. كما يقوله طوائف من الصفاتية كأبي الحسن الأشعري وغيره. ومنهم ~~من يقول كما قالت الأئمة: لا نقول الصفة هي الموصوف؛ ولا نقول: هي غيره؛ ~~لأنا لا نقول: لا هي هو؛ ولا هي غيره فإن لفظ الغير فيه إجمال قد يراد به ~~المباين للشيء أو ما قارن أحدهما الآخر؛ وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان؛ ~~ويراد بالغير: أن ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر. # PageV03P336 # وعلى الأول فليست الصفة غير الموصوف ولا بعض الجملة غيرها. وعلى الثاني ~~فالصفة غير الموصوف وبعض الجملة غيرها. فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ ~~الغير على الصفة نفيا أو إثباتا؛ لما في ذلك من الإجمال والتلبيس؛ حيث صار ~~الجهمي يقول: القرآن هو الله أو غير الله، فتارة يعارضونه بعلمه فيقولون: ~~علم الله هو الله أو غيره؛ إن كان ms0780 ممن يثبت العلم؛ أو لا يمكنه نفيه. وتارة ~~يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين: النفي والإثبات لما فيه من التلبيس بل ~~يستفصل السائل فيقال له: إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة لا ~~تباينه؛ فليست غيره. وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل ~~الإجمال؛ وإن لم يكن هو فهو غير بهذا الاعتبار والله تعالى أعلم وصلى الله ~~على محمد. # PageV03P337 # فصل: # ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف وأرباب العمل والصوت عن القرآن ~~والإيمان: تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل ~~علمهم ويفردونه ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له. والمعقولات عندهم هي ~~الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن. وكثير من ~~المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة ~~لا تحصل إلا مع عدمه ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل. ويمدحون ~~السكر والجنون والوله وأمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال ~~العقل والتمييز كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم ~~صدقه وكلا الطرفين مذموم، بل العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح ~~الأعمال وبه يكمل العلم # PageV03P338 # والعمل؛ لكنه ليس مستقلا بذلك؛ بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة ~~قوة البصر التي في العين؛ فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين ~~إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز ~~وحده عن دركها وإن عزل بالكلية: كانت الأقوال والأفعال مع عدمه: أمورا ~~حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة. فالأحوال ~~الحاصلة مع عدم العقل ناقصة والأقوال المخالفة للعقل باطلة. والرسل جاءت ~~بما يعجز العقل عن دركه. لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه لكن المسرفون فيه ~~قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا وهي ~~باطل وعارضوا بها النبوات وما جاءت به والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة ~~ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم ~~على غيرهم. ms0781 وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض أهل الحديث تارة بعزل العقل ~~عن محل ولايته وتارة بمعارضة السنن به. فهذا الانحراف الذي بين الحرفية ~~والصوتية في العقل التمييزي بمنزلة الانحراف الذي بينهم في الوجد القلبي ~~فإن الصوتية صدقوا وعظموه وأسرفوا # PageV03P339 # فيه حتى جعلوه هو الميزان وهو الغاية كما يفعل أولئك في العقل والحرفية ~~أعرضت عن ذلك وطعنت فيه ولم تعده من صفات الكمال. وسبب ذلك أن أهل الحرف ~~لما كان مطلوبهم العلم وبابه هو العقل وأهل الصوت لما كان مطلوبهم العمل ~~وبابه الحب: صار كل فريق يعظم ما يتعلق به ويذم الآخر مع أنه لا بد من علم ~~وعمل: عقل علمي. وعمل ذهني وحب. تمييز وحركة. قال وحال. حرف وصوت. وكلاهما ~~إذا كان موزونا بالكتاب والسنة كان هو الصراط المستقيم والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم. # PageV03P340 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه - # فصل: # وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين، وفرعه، وسائر دعائمه وشعبه داخلة ~~فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين} وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ~~الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} . وفي الخطبة: {من يطع الله ورسوله فقد ~~رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا} وقال: {ومن يطع ~~الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} وقال: {ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} ~~{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} . ~~وكذلك علق الأمور بمحبة الله ورسوله كقوله: {أحب إليكم من الله # PageV03P341 # ورسوله} وبرضا الله ورسوله كقوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وتحكيم ~~الله ورسوله كقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} وقوله: {وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما ms0782 أنزل الله وإلى الرسول} وأمر عند التنازع بالرد إلى ~~الله والرسول فقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وجعل المغانم لله والرسول فقال: ~~{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ونظائر هذا متعددة. فتعليق ~~الأمور من المحبة والبغضة والموالاة والمعاداة والنصرة والخذلان والموافقة ~~والمخالفة والرضا والغضب والعطاء والمنع؛ بما يخالف هذه الأصول المنزلة من ~~عند الله مما هو " أخص منها " أو " أعم منها " أو " أعم من وجه وأخص من وجه ~~" فالأعم: ما عليه المتفلسفة ومن اتبعهم - من ضلال المتكلمة والمتصوفة ~~والممالك المؤسسة على ذلك كملك الترك وغيرهم. - في تسويغ التدين بغير ما ~~جاء به محمد رسول الله وإن عظم محمدا وجعل دينه أفضل الأديان وكذلك من سوغ ~~النجاة والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته. و " الأعم من وجه الأخص من وجه ": ~~مثل الأنساب. والقبائل؛ والأجناس العربية والفارسية والرومية والتركية أو ~~الأمصار والبلاد. # PageV03P342 # و " الأخص مطلقا ": الانتساب إلى جنس معين من أجناس بعض شرائع الدين ~~كالتجند للمجاهدين والفقه للعلماء والفقر والتصوف للعباد. أو الانتساب إلى ~~بعض فرق هذه الطوائف كإمام معين أو شيخ أو ملك أو متكلم من رءوس المتكلمين ~~أو مقالة أو فعل تتميز به طائفة أو شعار هذه الفرق من اللباس من عمائم أو ~~غيرها كما يتعصب قوم للخرقة أو اللبسة يعنون الخرقة الشاملة للفقهاء ~~والفقراء أو المختصة بأحد هذين أو بعض طوائف أحد هؤلاء أو لباس التجند أو ~~نحو ذلك. كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة بين الأمة؛ وأهلها خارجون عن ~~السنة والجماعة داخلون في البدع والفرقة؛ بل دين الله تعالى: أن يكون رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم هو المطاع أمره ونهيه المتبوع في محبته ومعصيته ~~ورضاه وسخطه وعطائه ومنعه وموالاته ومعاداته ونصره وخذلانه. ويعطي كل شخص ~~أو نوع من أنواع العالم من الحقوق: ما أعطاهم إياه الرسول. فالمقرب من قربه ~~والمقصى من أقصاه والمتوسط من وسطه ويحب من هذه الأمور: أعيانها وصفاتها ما ~~يحبه الله ورسوله منها ويكره ms0783 منها ما كرهه الله ورسوله منها ويترك منها - ~~لا محبوبا ولا مكروها - ما تركه الله ورسوله كذلك - لا محبوبا ولا مكروها. ~~ويؤمر منها بما أمر الله به ورسوله وينهى عما نهى الله عنه ورسوله # PageV03P343 # ويباح منها ما أباحه الله ورسوله ويعفى عما عفا الله عنه ورسوله ويفضل ~~منها ما فضله الله ورسوله ويقدم ما قدمه الله ورسوله ويؤخر ما أخره الله ~~ورسوله ويرد ما تنوزع منها إلى الله ورسوله. فما وضح اتبع وما اشتبه بين ~~فيه. وما كان منها من الاجتهاديات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله ~~كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة أو فعلها في وقتها فلم ~~يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين وكما قطع بعضهم نخل بني ~~النضير وبعضهم لما يقطع فأقر الله الأمرين. وكما ذكر الله عن داود وسليمان: ~~أنهما حكما في الحرث ففهم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم ~~به. وكما قال صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا ~~اجتهد فأخطأ فله أجر} . فما وسعه الله ورسوله وسع وما عفا الله عنه ورسوله ~~عفا عنه. وما اتفق عليه المسلمون من إيجاب، أو تحريم أو استحباب أو إباحة ~~أو عفو بعضهم لبعض عما أخطأ فيه وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به فهو مما ~~أمر الله به ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة. ودل على ~~أن الأمة لا تجتمع على ضلالة على ما هو مسطور في مواضعه. # PageV03P344 # وسئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم " تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة ". ما الفرق؟ ~~وما معتقد كل فرقة من هذه الصنوف؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند؛ كسنن أبي داود والترمذي ~~والنسائي وغيرهم ولفظه {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار ~~إلا واحدة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ~~وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في ms0784 النار إلا واحدة} وفي لفظ ~~{على ثلاث وسبعين ملة} وفي رواية {قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ ~~قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} وفي رواية قال {هي الجماعة ~~يد الله على الجماعة} . ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة ~~وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم. # PageV03P345 # وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ولا تبلغ ~~الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها بل ~~قد تكون الفرقة منها في غاية القلة. وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة ~~والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة. ~~وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات؛ ~~لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة. . . (1) هي إحدى الثنتين والسبعين لا ~~بد له من دليل فإن الله حرم القول بلا علم عموما؛ وحرم القول عليه بلا علم ~~خصوصا؛ فقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} وقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} {إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم} . وأيضا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى ~~فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة؛ ~~ويجعل من خالفها أهل البدع وهذا ضلال مبين. فإن أهل الحق والسنة لا يكون ~~متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر؛ وطاعته في كل ما أمر وليست ~~PageV03P346 # هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ms0785 جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومن خالفه كان من ~~أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في ~~الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق. وبهذا يتبين أن أحق ~~الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة؛ الذين ليس لهم متبوع ~~يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أعلم الناس بأقواله ~~وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها وأئمتهم فقهاء فيها وأهل معرفة ~~بمعانيها واتباعا لها: تصديقا وعملا وحبا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن ~~عاداها الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ~~ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما ~~جاء به الرسول بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي ~~يعتقدونه ويعتمدونه. وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد ~~والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ~~ورسوله ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف؛ فما ~~كان من معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه؛ وما كان منها مخالفا للكتاب ~~والسنة # PageV03P347 # أبطلوه؛ ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس فإن اتباع الظن جهل واتباع هوى ~~النفس بغير هدى من الله ظلم. وجماع الشر الجهل والظلم قال الله تعالى: ~~{وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} إلى آخر السورة. وذكر التوبة لعلمه ~~سبحانه وتعالى أنه لا بد لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم ثم يتوب الله ~~على من يشاء فلا يزال العبد المؤمن دائما يتبين له من الحق ما كان جاهلا به ~~ويرجع عن عمل كان ظالما فيه. وأدناه ظلمه لنفسه كما قال تعالى: {الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وقال تعالى {هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال تعالى {الر} {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ms0786 إلى النور} . ومما ينبغي أيضا أن يعرف ~~أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام: على درجات منهم من ~~يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور ~~دقيقة. ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه؛ ~~فيكون محمودا فيما رده من الباطل وقاله من الحق؛ لكن يكون قد جاوز العدل في ~~رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف ~~منها؛ ورد بالباطل باطلا بباطل أخف منه وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين ~~إلى السنة والجماعة. # PageV03P348 # ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين؛ ~~يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ. والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين ~~خطأهم في مثل ذلك. ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها: لهم ~~مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من والى ~~موافقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه ~~في مسائل الآراء والاجتهادات؛ واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل ~~التفرق والاختلافات. ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع " ~~الخوارج " المارقون. وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه؛ وخرج البخاري منها غير وجه. وقد قاتلهم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فلم ~~يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين إذ كانوا في ~~ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء؛ وصنف قاتلوا مع هؤلاء؛ وصنف أمسكوا ~~عن القتال وقعدوا. وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال. فالخوارج لما فارقوا ~~جماعة المسلمين وكفروهم واستحلوا قتالهم جاءت السنة # PageV03P349 # بما جاء فيهم؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ms0787 السهم من الرمية أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} . وقد كان ~~أولهم خرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى قسمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم {قال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله ~~أضرب عنق هذا المنافق فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم} الحديث. فكان مبدأ البدع ~~هو الطعن في السنة بالظن والهوى؛ كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه. ~~وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن ~~أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما - إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين ~~قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. فقيل لابن ~~المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد. وكان يقول: إنا ~~لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وهذا الذي ~~قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم قالوا: # PageV03P350 # إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة كما لا يدخل فيهم ~~- المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة. وقال آخرون ~~من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة وجعلوا ~~أصول البدع خمسة فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من " المبتدعة الخمسة " ~~اثنا عشر فرقة وعلى قول الأولين: يكون كل طائفة من " المبتدعة الأربعة " ~~ثمانية عشر فرقة. وهذا يبنى على أصل آخر وهو " تكفير أهل البدع " فمن أخرج ~~الجهمية منهم لم يكفرهم فإنه لا يكفر سائر أهل البدع بل يجعلهم من أهل ~~الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله هم في النار مثل ما جاء في سائر ~~الذنوب مثل أكل مال اليتيم وغيره كما قال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} . ومن أدخلهم فيهم فهم ms0788 على ~~قولين: منهم من يكفرهم كلهم وهذا إنما قاله بعض المستأخرين المنتسبين إلى ~~الأئمة أو المتكلمين. وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير " ~~المرجئة " و " الشيعة " المفضلة ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا ~~يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع - من هؤلاء ~~وغيرهم - خلافا # PageV03P351 # عنه أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم وهذا غلط على مذهبه ~~وعلى الشريعة. ومنهم من لم يكفر أحدا من هؤلاء إلحاقا لأهل البدع بأهل ~~المعاصي قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا ~~بذنب فكذلك لا يكفرون أحدا ببدعة. # والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير " الجهمية المحضة " الذين ~~ينكرون الصفات وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى؛ ولا يباين الخلق؛ ~~ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة بل القرآن مخلوق وأهل الجنة ~~لا يرونه كما لا يراه أهل النار وأمثال هذه المقالات. وأما الخوارج ~~والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره. وأما القدرية الذين ينفون ~~الكتابة والعلم فكفروهم ولما يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال. ~~وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين: # أحدهما: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا ~~منافقا فإن الله منذ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهاجر ~~إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به وكافر به مظهر الكفر # PageV03P352 # ومنافق مستخف بالكفر. ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة ~~البقرة ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين؛ وآيتين في الكفار؛ وبضع عشر آية في ~~المنافقين. وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن كقوله: ~~{ولا تطع الكافرين والمنافقين} . وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا} . وقوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} . ~~وعطفهم على الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام وإلا فهم في الباطن شر من ~~الكفار كما قال تعالى: ms0789 {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} . وكما ~~قال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله} . وكما قال: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين} {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} . وإذا كان كذلك ~~فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر ويكثر مثل هذا في الرافضة ~~والجهمية فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة. وأول من ابتدع الرفض كان ~~منافقا. وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق. ولهذا كان الزنادقة المنافقون ~~من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية ~~لقربهم منهم. ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرا لكن فيه جهل ~~وظلم # PageV03P353 # حتى أخطأ ما أخطأ من السنة؛ فهذا ليس بكافر ولا منافق ثم قد يكون منه ~~عدوان وظلم يكون به فاسقا أو عاصيا؛ وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا له خطؤه؛ ~~وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر ~~إيمانه وتقواه فهذا أحد الأصلين. والأصل الثاني: أن المقالة تكون كفرا: ~~كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ~~ذوات المحارم ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به ~~جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع ~~الإسلام فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه ~~أنزل على الرسول ومقالات الجهمية هي من هذا النوع فإنها جحد لما هو الرب ~~تعالى عليه ولما أنزل الله على رسوله. وتغلط مقالاتهم من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدا ~~مشهورة وإنما يردونها بالتحريف. الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع وإن ~~كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان ~~الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله. # PageV03P354 # الثالث: أنهم ms0790 يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها؛ ~~لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن ~~الحق معهم لما يوردونه من الشبهات. ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ~~ورسوله باطنا وظاهرا؛ وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من ~~أصناف المبتدعة فهؤلاء ليسوا كفارا قطعا بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي؛ ~~وقد يكون منهم المخطئ المغفور له؛ وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون ~~معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه. وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا ~~به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان} وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك. وإذا عرف أصل البدع ~~فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنبا ما ليس بذنب، ويرون ~~اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ~~ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر ~~الأصلي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم {يقتلون أهل الإسلام ويدعون ~~أهل الأوثان} ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما؛ وكفروا أهل صفين - ~~الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة. # PageV03P355 # وأصل قول الرافضة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي نصا قاطعا ~~للعذر؛ وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفر؛ وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص ~~وكفروا بالإمام المعصوم؛ واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين وغيروا الشريعة ~~وظلموا واعتدوا؛ بل كفروا إلا نفرا قليلا: بضعة عشر أو أكثر ثم يقولون: إن ~~أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين. وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا. ~~وأكثرهم يكفر من خالف قولهم ويسمون أنفسهم المؤمنين ومن خالفهم كفارا ~~ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالا من ~~مدائن المشركين والنصارى ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض ~~جمهور المسلمين. وعلى معاداتهم ومحاربتهم: كما عرف من موالاتهم الكفار ~~المشركين ms0791 على جمهور المسلمين؛ ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور ~~المسلمين؛ ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين. ومنهم ظهرت أمهات ~~الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم ولا ريب أنهم أبعد ~~طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة ~~بالمخالفة للسنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي فإذا قال ~~أحدهم: أنا سني فإنما معناه لست رافضيا. ولا ريب أنهم شر من الخوارج: لكن ~~الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة وموالاتهم الكفار ~~أعظم من سيوف # PageV03P356 # الخوارج فإن القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة ~~وهم منتسبون إليهم وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق؛ والروافض معروفون ~~بالكذب. والخوارج مرقوا من الإسلام وهؤلاء نابذوا الإسلام. وأما القدرية ~~المحضة فهم خير من هؤلاء بكثير وأقرب إلى الكتاب والسنة لكن المعتزلة ~~وغيرهم من القدرية هم جهمية أيضا وقد يكفرون من خالفهم ويستحلون دماء ~~المسلمين فيقربون من أولئك. وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة بل ~~قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة؛ وما كانوا يعدون إلا من أهل ~~السنة؛ حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة. ولما كان قد نسب إلى ~~الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبعون: تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم ~~المرجئة المفضلة تنفيرا عن مقالتهم كقول سفيان الثوري: من قدم عليا على أبي ~~بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وما أرى يصعد له إلى الله عمل ~~مع ذلك. أو نحو هذا القول. قاله لما نسب إلى تقديم على بعض أئمة الكوفيين. ~~وكذلك قول أيوب السختياني: من قدم عليا ع لي عثمان فقد أزرى بالمهاجرين ~~والأنصار قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين. وقد روي أنه رجع عن ذلك. ~~وكذلك قول الثوري ومالك والشافعي وغيرهم في ذم المرجئة لما نسب إلى الإرجاء ~~بعض المشهورين. # PageV03P357 # وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جار على كلام من تقدم من أئمة الهدى ليس ~~له قول ابتدعه ولكن أظهر السنة وبينها؛ وذب عنها وبين حال مخالفيها وجاهد ~~عليها؛ ms0792 وصبر على الأذى فيها لما أظهرت الأهواء والبدع؛ وقد قال الله تعالى: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فالصبر ~~واليقين بهما تنال الإمامة في الدين فلما قام بذلك قرنت باسمه من الإمامة ~~في السنة ما شهر به وصار متبوعا لمن بعده كما كان تابعا لمن قبله. وإلا ~~فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم ~~التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها ~~أصبر. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. والله أعلم. # PageV03P358 # فصل: # قاعدة: # الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس. مثل تقابلهم في ~~بعض الأفعال يتخذها بعضهم دينا واجبا أو مستحبا أو مأمورا به في الجملة. ~~وبعضهم يعتقدها حراما مكروها أو محرما أو منهيا عنه في الجملة. مثال ذلك " ~~سماع الغناء " فإن طائفة من المتصوفة والمتفقرة تتخذه دينا وإن لم تقل ~~بألسنتها أو تعتقد بقلوبها أنه قربة - فإن دينهم حال؛ لا اعتقاد: فحالهم ~~وعملهم هو استحسانها في قلوبهم ومحبتهم لها ديانة وتقربا إلى الله. وإن كان ~~بعضهم قد يعتقد ذلك وقوله بلسانه. وفيهم من يعتقد ويقول: ليس قربة - لكن ~~حالهم هو كونه قربة ونافعا في الدين ومصلحا للقلوب. ويغلو فيه من يغلو؛ حتى ~~يجعل التاركين له كلهم خارجين عن ولاية الله وثمراتها من المنازل العلية. # PageV03P359 # وبإزائهم من ينكر جميع أنواع الغناء ويحرمه ولا يفصل بين غناء الصغير ~~والنساء في الأفراح وغناء غيرهن وغنائهن في غير الأفراح. ويغلو من يغلو في ~~فاعليه حتى يجعلهم كلهم فساقا أو كفارا. وهذان الطرفان من اتخاذ ما ليس ~~بمشروع دينا أو تحريم ما لم يحرم دين الجاهلية والنصارى: الذي عابه الله ~~عليهم كما قال تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} وقال تعالى فيما رواه مسلم ~~في صحيحه من حديث عياض بن حمار: {إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ~~وحرمت عليهم ما ms0793 أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} وقال ~~في حق النصارى: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق} . ~~ومثال ذلك: أن يحصل من بعضهم " تقصير في المأمور " أو " اعتداء في المنهي ~~": إما من جنس الشبهات وإما من جنس الشهوات: فيقابل ذلك بعضهم بالاعتداء في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو بالتقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. والتقصير والاعتداء: إما في المأمور به والمنهي عنه شرعا وإما في ~~نفس أمر الناس ونهيهم: هو الذي استحق به أهل الكتاب العقوبة حيث قال: {ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من ~~الله # PageV03P360 # ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون} فجعل ذلك بالمعصية والاعتداء. والمعصية: مخالفة الأمر ~~وهو التقصير والاعتداء مجاوزة الحد. وكذلك يضمن كل " مؤتمن على مال " إذا ~~قصر وفرط في ما أمر به وهو المعصية إذا اعتدى بخيانة أو غيرها؛ ولهذا قال: ~~{ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فالإثم هو المعصية والله أعلم. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم محارم فلا ~~تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا ~~تسألوا عنها} فالمعصية تضييع الفرائض وانتهاك المحارم: وهو مخالفة الأمر ~~والنهي والاعتداء مجاوزة حدود المباحات. وقال تعالى: {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} فالمعصية مخالفة ~~أمره ونهيه والاعتداء مجاوزة ما أحله إلى ما حرمه وكذلك قوله - والله أعلم ~~-: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} فالذنوب: المعصية والإسراف: ~~الاعتداء ومجاوزة الحد. واعلم أن " مجاوزة الحد " هي نوع من مخالفة النهي ~~لأن اعتداء الحد محرم منهي عنه فيدخل في قسم المنهي عنه؛ لكن المنهي عنه ~~قسمان: منهي عنه مطلقا كالكفر فهذا فعله إثم ومنهي عنه. # PageV03P361 # وقسم أبيح منه أنواع ومقادير وحرم الزيادة على تلك الأنواع والمقادير ~~فهذا فعله عدوان. وكذلك قد يحصل العدوان ms0794 في المأمور به كما يحصل في المباح ~~فإن الزيادة على المأمور به قد يكون عدوانا محرما وقد يكون مباحا مطلقا وقد ~~يكون مباحا إلى غاية فالزيادة عليها عدوان. ولهذا التقسيم قيل في " الشريعة ~~" هي الأمر والنهي والحلال والحرام والفرائض والحدود والسنن والأحكام. " ~~فالفرائض " هي المقادير في المأمور به. و " الحدود " النهايات لما يجوز من ~~المباح المأمور به وغير المأمور به. # PageV03P362 # وقال شيخ الإسلام: قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى ~~السنة والجماعة؛ المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة. أبي البركات عدي ~~بن مسافر الأموي " - رحمه الله - ومن نحا نحوهم - وفقهم الله لسلوك سبيله ~~وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعلهم معتصمين بحبله ~~المتين؛ مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج؛ الخارجين عما بعث الله به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من الشرعة والمنهاج؛ حتى يكونوا ممن أعظم الله ~~عليهم المنة؛ بمتابعة الكتاب والسنة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: ~~فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل؛ وهو # PageV03P363 # على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم - صلى ~~الله عليه وسلم - وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى؛ وأعظمهم عنده ~~درجة؛ محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ~~أما بعد: فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة ~~وجعلهم خير أمة أخرجت للناس فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على ~~الله. وجعلهم أمة وسطا أي عدلا خيارا ولذلك جعلهم شهداء على الناس هداهم ~~لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه ثم خصهم بعد ذلك بما ~~ميزهم به ms0795 وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم. (فالأول مثل " أصول ~~الإيمان " وأعلاها وأفضلها هو " التوحيد " وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ~~كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم # PageV03P364 # وموسى وعيسى} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} . ومثل ~~الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسله كما قال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ~~ومثل قوله تعالى {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} ومثل ~~قوله تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير} إلى آخرها. ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ~~الثواب والعقاب كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به حيث قال: {إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ومثل أصول ~~الشرائع كما ذكر في سورة " الأنعام " و " الأعراف " و " سبحان " وغيرهن من ~~السور المكية: من أمره بعبادته وحده لا شريك له وأمره ببر الوالدين وصلة ~~الأرحام والوفاء بالعهود والعدل في المقال؛ وتوفية الميزان والمكيال؛ ~~وإعطاء السائل والمحروم؛ وتحريم قتل النفس بغير # PageV03P365 # الحق وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ وتحريم الإثم والبغي بغير الحق ~~وتحريم الكلام في الدين ms0796 بغير علم؛ مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين ~~لله والتوكل على الله والرجاء لرحمة الله والخوف من الله والصبر لحكم الله ~~والقيام لأمر الله؛ وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله ~~والناس أجمعين. إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع ~~من القرآن كالسور المكية وبعض المدنية. (وأما الثاني فما أنزله الله في ~~السور المدنية من شرائع دينه وما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فإن ~~الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة وامتن على المؤمنين بذلك وأمر أزواج ~~نبيه بذكر ذلك فقال: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم} وقال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقال: {واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة} . قال غير واحد من السلف: الحكمة هي السنة. ~~لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه رضي الله عنهن سوى القرآن هو سننه صلى ~~الله عليه وسلم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله ~~معه} وقال حسان بن عطية: كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن. # PageV03P366 # وهذه " الشرائع " التي هدى الله بها هذا النبي وأمته مثل: الوجهة والمنسك ~~والمنهاج وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد وهذه القراءة ~~والركوع والسجود واستقبال الكعبة. ومثل فرائض الزكاة ونصبها التي فرضها في ~~أموال المسلمين: من الماشية والحبوب والثمار والتجارة والذهب والفضة ومن ~~جعلت له؛ حيث يقول: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله والله عليم حكيم} . ومثل صيام شهر رمضان ومثل حج البيت الحرام ومثل ~~الحدود التي حدها لهم: في المناكح والمواريث والعقوبات والمبايعات ومثل ~~السنن التي سنها لهم: من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات ~~والجماعات في الكسوف والاستسقاء وصلاة الجنازة والتراويح. وما ms0797 سنه لهم في ~~العادات مثل: المطاعم والملابس والولادة والموت ونحو ذلك: من السنن والآداب ~~والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم: في الدماء والأموال والأبضاع ~~والأعراض والمنافع والأبشار وغير ذلك من الحدود والحقوق إلى غير ذلك مما ~~شرعه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم # PageV03P367 # وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم؛ فجعلهم متبعين لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم؛ إذ كانت كل أمة إذا ~~ضلت أرسل الله تعالى رسولا إليهم؛ كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى {وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير} . # ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده فعصم الله أمته أن ~~تجتمع على ضلالة. # وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما ~~كان الكتاب والسنة حجة. ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة ~~والجماعة: عن أهل الباطل؛ الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما مضت عليه جماعة المسلمين. فإن الله أمر ~~في كتابه باتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولزوم سبيله وأمر بالجماعة ~~والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال ~~تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا} وقال تعالى: # PageV03P368 # {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال تعالى: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة} وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق ms0798 بكم عن سبيله} وقال تعالى في أم الكتاب: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} . فأمر ~~سبحانه في " أم الكتاب " التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ~~الزبور ولا في الفرقان مثلها والتي أعطيها نبينا صلى الله عليه وسلم من كنز ~~تحت العرش التي لا تجزئ صلاة إلا بها: أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم: كاليهود ولا الضالين كالنصارى. ~~وهذا " الصراط المستقيم " هو دين الإسلام المحض وهو ما في كتاب الله تعالى ~~وهو " السنة والجماعة " فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم روي عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد ~~كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: {ستفترق هذه # PageV03P369 # الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة} وفي ~~رواية {من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} . وهذه الفرقة الناجية " ~~أهل السنة " وهم وسط في النحل؛ كما أن ملة الإسلام وسط في الملل فالمسلمون ~~وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين؛ لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى ~~فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، ولا جفوا عنهم ~~كما جفت اليهود؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا ~~فريقا. بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم ~~وأطاعوهم ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا كما قال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} ms0799 . # ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في " المسيح " فلم يقولوا هو الله ولا ابن ~~الله # PageV03P370 # ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتانا ~~عظيما حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود بل قالوا هذا عبد الله ورسوله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه. وكذلك المؤمنون " وسط في ~~شرائع دين الله " فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء. ويثبت ~~كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: {سيقول السفهاء من ~~الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} وبقوله: {وإذا قيل لهم آمنوا ~~بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا ~~لما معهم} . ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا ~~بما شاءوا وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى كما ذكر الله ذلك عنهم ~~بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} . قال {عدي بن حاتم ~~رضي الله عنه قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: ما عبدوهم؛ ولكن أحلوا لهم ~~الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم} . والمؤمنون قالوا: " لله ~~الخلق والأمر " فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ ~~فأطاعوا كل ما أمر الله به. وقالوا: {إن الله يحكم ما يريد} . وأما المخلوق ~~فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما. وكذلك في صفات الله ~~تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق # PageV03P371 # الناقصة؛ فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء. وقالوا: يد الله مغلولة. وقالوا: ~~إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق ~~بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق؛ ويغفر ويرحم ويتوب على ~~الخلق ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ~~ند ولم يكن له كفوا أحد وليس كمثله شيء. فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ~~ما سواه عباد له فقراء إليه {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم ms0800 عدا} {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} . ومن ذلك أمر ~~الحلال والحرام. فإن اليهود كما قال الله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} فلا يأكلون ذوات الظفر؛ مثل الإبل والبط. ولا ~~شحم الثرب والكليتين؛ ولا الجدي في لبن أمه. إلى غير ذلك مما حرم عليهم من ~~الطعام واللباس وغيرهما؛ حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا. ~~والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمرا وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى ~~لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث ~~وجميع المحرمات وباشروا جميع النجاسات وإنما قال لهم المسيح {ولأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم} # PageV03P372 # ولهذا قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في ~~قوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون} . وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق. فهم ~~في " باب أسماء الله وآياته وصفاته " وسط بين " أهل التعطيل " الذين يلحدون ~~في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه؛ حتى يشبهوه ~~بالعدم والموات وبين " أهل التمثيل " الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه ~~بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل. ~~وهم في " باب خلقه وأمره " وسط بين المكذبين بقدرة الله؛ الذين # PageV03P373 # لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين المفسدين ~~لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا ms0801 عمل. فيعطلون ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: {لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} . فيؤمن أهل السنة بأن ~~الله على كل شيء قدير. فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنقاذ ~~مراده وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له ~~قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبورا؛ إذ المجبور من أكره على ~~خلاف اختياره والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد ~~والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس له نظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في " باب الأسماء والأحكام والوعد ~~الوعيد " وسط بين الوعيدية؛ الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين ~~في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء ~~والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالوعيد والعقاب ~~بالكلية. # PageV03P374 # فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس ~~معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في ~~النار. بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من ~~إيمان وأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم ~~أيضا في " أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وسط بين ~~الغالية. الذين يغالون في علي رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، ~~وكفروا الأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبيا أو إلها وبين الجافية الذين ~~يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله عنهما ويستحلون دماءهما ودماء من ~~تولاهما. ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما ويقدحون في خلافة علي رضي الله ~~عنه وإمامته. وكذلك في سائر " أبواب ms0802 السنة " هم وسط. لأنهم متمسكون بكتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما اتفق عليه السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. # PageV03P375 # فصل: # وأنتم أصلحكم الله قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين ~~الله وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل ~~الكتاب. والإسلام أعظم النعم وأجلها فإن الله لا يقبل من أحد دينا سواه ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} . ~~وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة مثل كثير من بدع ~~الروافض والجهمية والخوارج والقدرية بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب ~~بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره أو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم ~~عليه بذلك فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين ولهذا كثر فيكم من أهل ~~الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين ~~وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله ~~به الدين ويعز به المؤمنين. وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال ~~الزكية والطريقة المرضية وله المكاشفات والتصرفات. # PageV03P376 # وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين فإن قدماء ~~المشايخ الذين كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ الإسلام " أبي الحسن علي بن أحمد ~~بن يوسف القرشي الهكاري " وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي " ~~ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله ~~به أقدارهم ورفع به منارهم. والشيخ عدي " - قدس الله روحه - كان من أفاضل ~~عباد الله الصالحين وأكابر المشايخ المتبعين وله من الأحوال الزكية ~~والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك. وله في الأمة صيت مشهور، ولسان ~~صدق مذكور وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ ~~الذين سلك سبيلهم كالشيخ الإمام الصالح " أبي الفرج عبد الواحد بن ms0803 محمد بن ~~علي الأنصاري الشيرازي ثم " الدمشقي " وكشيخ الإسلام الهكاري " ونحوهما. ~~وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول " أهل السنة والجماعة " ~~بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ~~ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى ~~منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد مع أنه لا بد وأن يوجد في ~~كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل # PageV03P377 # المرجوحة والدلائل الضعيفة؛ كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد (مع ما ~~يعرفه أهل البصيرة، وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب ~~والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس ~~وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلظ الاختلاف ~~والافتراق وحصول العداوة والشقاق. فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب " قوة ~~الجهل والظلم " اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: {وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا} فإذا من الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا ~~الضلال وقد قال سبحانه: {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقد قال تعالى: {وجعلنا ~~منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} . وأنتم تعلمون - ~~أصلحكم الله - أن " السنة " التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها: ~~هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: في أمور الاعتقادات وأمور العبادات ~~وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله وما تركه من قول وعمل. ثم ما كان عليه ~~السابقون والتابعون لهم بإحسان. # PageV03P378 # وذلك " في دواوين الإسلام المعروفة ": مثل صحيحي البخاري ومسلم وكتب ~~السنن. مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك ومثل ~~المسانيد المعروفة؛ كمثل مسند الإمام أحمد وغيره. ويوجد في كتب " التفاسير ~~" و " المغازي " وسائر " كتب الحديث " جملها وأجزائها من الآثار ما ms0804 يستدل ~~ببعضها على بعض. وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى ~~حفظ الله الدين على أهله. وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار ~~المروية في أبواب " عقائد أهل السنة " مثل: حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن ~~مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي؛ وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في ~~طبقتهم. ومثلها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم ~~في كتبهم. ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وأبي بكر الخلال ~~وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وأبي بكر الآجري وأبي الحسن ~~الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله ابن ~~بطة؛ وأبي عمرو الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي وأبي ذر ~~الهروي. وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل ~~المعرفة. وقد يروي كثير من الناس: في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات # PageV03P379 # وعامة أبواب الدين: أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي قسمان: - منها ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال ~~فضلا عن أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والقسم الثاني من الكلام: ~~ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس ويكون حقا. أو مما ~~يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبا لقائله فيعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث مثل المسائل التي وضعها الشيخ " أبو الفرج ~~عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري " وجعلها محنة يفرق فيها بين السني ~~والبدعي وهي " مسائل معروفة " عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجعلها من كلامه وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه ~~مكذوب مفترى. وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة ففيها ما إذا ~~خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع مثل أول نعمة أنعم بها على عبده فإن هذه ~~المسألة فيها نزاع بين أهل السنة والنزاع ms0805 فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن ~~اللذة التي يعقبها ألم؛ هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة. ~~فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب فإن السنة هي الحق دون ~~الباطل؛ وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة: فهذا " أصل عظيم " لأهل ~~الإسلام عموما ولمن يدعي السنة خصوصا. # PageV03P380 # فصل: # وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه. والله تعالى ما ~~أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما ~~إفراط فيه وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من ~~أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيرا ممن ينتسب إليه؛ حتى أخرجه عن كثير من ~~شرائعه؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما ~~يمرق السهم من الرمية. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين منه؛ ~~فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب وأبي ~~سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن ~~عمر وابن مسعود " رضي الله عنهم وغير هؤلاء. {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكر الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند ~~الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} وفي رواية {شر ~~قتيل تحت أديم السماء خير # PageV03P381 # قتيل من قتلوه} وفي رواية {لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل} . وهؤلاء لما خرجوا في خلافة ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قاتلهم هو وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على ~~قتالهم. واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام. وهكذا كل من فارق جماعة ~~المسلمين وخرج عن سنة رسول ms0806 الله صلى الله عليه وسلم وشريعته من أهل الأهواء ~~المضلة والبدع المخالفة. ولهذا قاتل المسلمون أيضا " الرافضة " الذين هم شر ~~من هؤلاء وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم. ~~ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر ويكفرون من يقول: إن الله يرى في ~~الآخرة أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ويكفرون من ~~خالفهم في بدعهم التي هم عليها. فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف ~~ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر ~~ويقنتون في الصلوات الخمس ويحرمون الفقاع وذبائح أهل الكتاب وذبائح من ~~خالفهم من المسلمين لأنهم عندهم كفار ويقولون على الصحابة رضي # PageV03P382 # الله عنهم أقوالا عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا إلى أشياء أخر، فقاتلهم ~~المسلمون بأمر الله ورسوله. فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة؛ حتى ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو ~~السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام والسنة حتى يدعي السنة من ~~ليس من أهلها بل قد مرق منها وذلك " بأسباب ": - منها الغلو الذي ذمه الله ~~تعالى في كتابه حيث قال: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه} إلى قوله: {وكفى بالله وكيلا} وقال تعالى. {قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم والغلو في ~~الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين} وهو حديث صحيح. ومنها ~~التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز: ومنها أحاديث تروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة يسمعها ~~الجاهل بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه. # PageV03P383 # " وأضل ms0807 الضلال " اتباع الظن والهوى كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: ~~{إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} وقال في حق ~~نبيه صلى الله عليه وسلم {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ~~ينطق عن الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما ~~الجهل والظلم فالضال هو الذي لا يعلم الحق والغاوي الذي يتبع هواه. وأخبر ~~أنه ما ينطق عن هوى النفس؛ بل هو وحي أوحاه الله إليه فوصفه بالعلم ونزهه ~~عن الهوى. وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب ~~إلى السنة وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين. وهي فصول: # PageV03P384 # الفصل الأول: # أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما ~~نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان بل كفر شنيع. وقد يقولون من أنواع ~~الكفر ما لا يروون فيه حديثا؛ مثل حديث يروونه: {إن الله ينزل عشية عرفة ~~على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة} . # وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقائله من أعظم ~~القائلين على الله غير الحق ولم يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلا ~~بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقال أهل العلم - كابن قتيبة وغيره - هذا وأمثاله إنما ~~وضعه الزنادقة الكفار ليشينوا به على أهل الحديث ويقولون: إنهم يروون مثل ~~هذا. وكذلك حديث آخر: فيه {أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام ~~الحجيج وعليه جبة صوف} أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا ~~يقوله من عرف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV03P385 # وهكذا حديث فيه {أن الله يمشي على الأرض فإذا كان موضع خضرة قالوا: هذا ~~موضع قدميه} ويقرءون قوله تعالى {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتها} هذا أيضا كذب باتفاق العلماء. ولم يقل الله فانظر إلى آثار خطى ~~الله ms0808 وإنما قال: آثار رحمة الله ورحمته هنا النبات. وهكذا أحاديث في بعضها ~~{أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه في الطواف} وفي بعضها {أنه رآه وهو ~~خارج من مكة} وفي بعضها {أنه رآه في بعض سكك المدينة} إلى أنواع أخر. وكل ~~حديث فيه {أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض} فهو كذب ~~باتفاق المسلمين وعلمائهم هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه ~~أحد منهم. # وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدا صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ~~ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج وكانت عائشة رضي الله عنها ~~وطائفة معها تنكر ذلك ولم ترو عائشة رضي الله عنها في ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ولا سألته عن ذلك. ولا نقل في ذلك عن الصديق رضي الله ~~عنه كما يروونه ناس من الجهال: {أن أباها سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: نعم. وقال لعائشة: لا} فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء. ولهذا ذكر ~~القاضي " أبو يعلى " وغيره: أنه اختلفت الرواية عن الإمام # PageV03P386 # أحمد - رحمه الله - هل يقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني ~~رأسه؟ أو يقال بعين قلبه. أو يقال: رآه ولا يقال بعيني رأسه ولا بعين قلبه؟ ~~على ثلاث روايات. وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: {رأيت ربي في ~~صورة كذا وكذا} يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما وفيه ~~{أنه وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري} هذا الحديث لم يكن ~~ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم وقال: رأيت كذا وكذا} وهو ~~في رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما ~~كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن ms0809 والسنة المتواترة كما قال الله ~~تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ~~فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة كما جاء مفسرا في كثير من طرقه ~~{إنه كان رؤيا منام} مع أن رؤيا الأنبياء وحي لم يكن رؤيا يقظة ليلة ~~المعراج. وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ير ربه ~~بعينيه في الأرض وأن الله لما ينزل له إلى الأرض وليس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قط حديث فيه {أن الله نزل له إلى الأرض} بل الأحاديث الصحيحة: ~~{أن الله يدنو عشية عرفة} وفي رواية {إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى # PageV03P387 # ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من ~~يستغفرني فأغفر له؟} . # وثبت في الصحيح: {أن الله يدنو عشية عرفة} وفي رواية {إلى سماء الدنيا ~~فيباهي الملائكة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ما ~~أراد هؤلاء} ؟ وقد روي {أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان} إن صح الحديث ~~فإن هذا مما تكلم فيه أهل العلم. وكذلك ما روى بعضهم: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل من حراء تبدى له ربه على كرسي بين السماء والأرض} غلط ~~باتفاق أهل العلم، بل الذي في الصحاح: {أن الذي تبدى له الملك الذي جاءه ~~بحراء في أول مرة وقال له: اقرأ فقلت: لست بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد؛ ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: لست بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد؛ ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} ~~{اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} } فهذا أول ~~ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحدث عن فترة الوحي. قال: {فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا؛ فرفعت رأسي فإذا ~~الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض} رواه جابر رضي ~~الله عنه في ms0810 الصحيحين. فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين السماء ~~والأرض وذكر أنه رعب # PageV03P388 # منه فوقع في بعض الروايات الملك فظن القارئ أنه الملك وأنه الله وهذا غلط ~~وباطل. وبالجملة أن كل حديث فيه {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ~~بعينيه في الأرض} وفيه {أنه نزل له إلى الأرض} وفيه {أن رياض الجنة من ~~خطوات الحق} وفيه {أنه وطئ على صخرة بيت المقدس} كل هذا كذب باطل باتفاق ~~علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم. وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه ~~قبل الموت فدعواه باطل باتفاق أهل السنة والجماعة؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على ~~أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت. وثبت ذلك في صحيح ~~مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه لما ذكر الدجال ~~قال: واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} . وكذلك روي هذا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر: يحذر أمته فتنة الدجال وبين لهم " أن أحدا ~~منهم لن يرى ربه حتى يموت " فلا يظنن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه. ~~ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها ~~وتجلياتها هو على مراتب كثيرة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم {لما سأله ~~جبريل عليه السلام عن الإحسان قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك} . # PageV03P389 # وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه؛ فإذا ~~كان إيمانه صحيحا لم يره إلا في صورة حسنة وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما ~~يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها " تعبير ~~وتأويل " لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق. وقد يحصل لبعض الناس في ~~اليقظة أيضا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام: فيرى بقلبه مثل ما ~~يرى النائم. وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه فهذا كله يقع في ~~الدنيا. وربما ms0811 غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك ~~بعيني رأسه حتى يستيقظ فيعلم أنه منام وربما علم في المنام أنه منام. فهكذا ~~من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه ~~فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك وكل من قال من العباد المتقدمين أو ~~المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم ~~والإيمان. نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في ~~عرصات القيامة؛ كما تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ~~{إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب وكما ترون ~~القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب} . # PageV03P390 # وقال صلى الله عليه وسلم {جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما ~~وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وما بين ~~القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن} ~~وقال صلى الله عليه وسلم {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة ~~إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ~~ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؛ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ~~فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة} . وهذه الأحاديث ~~وغيرها في الصحاح؛ وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول؛ واتفق عليها أهل ~~السنة والجماعة؛ وإنما يكذب بها أو يحرفها " الجهمية " ومن تبعهم من ~~المعتزلة والرافضة ونحوهم: الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك ~~وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة. ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم في الآخرة؛ وبين تصديق الغالية؛ بأنه يرى ~~بالعيون في الدنيا وكلاهما باطل. وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني ~~رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض ~~الأشخاص: إما بعض الصالحين أو بعض المردان أو بعض الملوك أو غيرهم ms0812 عظم ~~ضلالهم # PageV03P391 # وكفرهم وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى ~~ابن مريم. بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس ~~أنا ربكم ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويقول للخربة: أخرجي كنوزك ~~فتتبعه كنوزها وهذا هو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته. وقال: ~~{ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال} وقال: {إذا جلس أحدكم ~~في الصلاة فليستعذ بالله من أربع ليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ~~وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة ~~المسيح الدجال} . فهذا ادعى الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق حتى قال ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم {إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور واعلموا أن ~~أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} فذكر لهم علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع ~~الناس؛ لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن من الناس من يضل فيجوز أن يرى ربه في ~~الدنيا في صورة البشر كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك وهؤلاء قد يسمون " ~~الحلولية " و " الاتحادية ". وهم صنفان: - " قوم " يخصونه بالحلول أو ~~الاتحاد في بعض الأشياء. كما يقوله النصارى # PageV03P392 # في المسيح عليه السلام والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه؛ وقوم في ~~أنواع من المشايخ وقوم في بعض الملوك وقوم في بعض الصور الجميلة؛ إلى غير ~~ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى. و " صنف " يعمون فيقولون ~~بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات - حتى الكلاب والخنازير والنجاسات ~~وغيرها - كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية: كأصحاب ابن ~~عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني والبلياني وغيرهم ". ومذهب جميع ~~المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب أن الله سبحانه خالق العالمين ~~ورب السموات والأرض وما بينهما؛ ورب العرش العظيم والخلق جميعهم عباده وهم ~~فقراء إليه. وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه؛ ومع هذا فهو ~~معهم أينما كانوا؛ كما قال سبحانه وتعالى: ms0813 {هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} . ~~فهؤلاء " الضلال الكفار " الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه وربما زعم ~~أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه وربما يعين أحدهم آدميا إما شخصا؛ # PageV03P393 # أو صبيا؛ أو غير ذلك؛ ويزعم أنه كلمهم يستتابون. فإن تابوا وإلا ضربت ~~أعناقهم وكانوا كفارا؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى {الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم} فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ~~ومن المقربين فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد ~~كفرهم وعظم كفرهم؛ بل الذين قالوا إنه اتخذ ولدا حتى قال: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا} {لقد جئتم شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا} {أن دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} ~~{إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} فكيف بمن يزعم في شخص ~~من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليا رضي الله عنه ~~أو غيره من أهل البيت هو الله، وهؤلاء هم " الزنادقة " الذين حرقهم علي - ~~رضي الله عنه - بالنار وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة وقذفهم فيها بعد ~~أن أجلهم ثلاثا ليتوبوا فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار واتفقت الصحابة - رضي ~~الله عنهم - على قتلهم لكن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان مذهبه أن ~~يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء وقصتهم معروفة عند العلماء. # PageV03P394 # فصل: # وكذلك الغلو في بعض المشايخ: إما في الشيخ عدي " ويونس القتي أو الحلاج ~~وغيرهم؛ بل الغلو في علي بن أبى طالب - رضي الله عنه - ونحوه بل الغلو في ~~المسيح عليه السلام ونحوه. فكل من غلا في حي؛ أو في رجل صالح كمثل علي - ~~رضي الله عنه - أو " عدي " أو نحوه؛ أو فيمن ms0814 يعتقد فيه الصلاح؛ كالحلاج أو ~~الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل ~~أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده أو يقول إذا ذبح شاة: باسم ~~سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره أو يدعوه من دون الله تعالى؛ مثل أن ~~يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو ~~أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ أو نحو هذه الأقوال ~~والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى فكل هذا ~~شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل ~~الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر. # PageV03P395 # والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى - مثل: الشمس والقمر والكواكب ~~والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث ~~ويعوق ونسر أو غير ذلك - لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق؛ أو أنها ~~تنزل المطر أو أنها تنبت النبات وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة ~~والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما ~~نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فأرسل الله ~~رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة؛ ولا دعاء استغاثة. وقال ~~تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . قال طائفة من السلف: كان ~~أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة؛ فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم ~~يتقربون إلي كما تتقربون ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما ~~تخافون عذابي، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فأخبر ms0815 سبحانه: أن ما يدعى من ~~دون الله ليس له مثقال ذرة # PageV03P396 # في الملك ولا شرك في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به وأنه لا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل ~~لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} وقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} الآية. وعبادة ~~الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به ~~الكتب فقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى {قال له ~~رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده} وقال: ~~{لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد؛ ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد} ونهى عن ~~الحلف بغير الله فقال: {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} # PageV03P397 # وقال: {من حلف بغير الله فقد أشرك} وقال: {لا تطروني كما أطرت النصارى ~~عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله} . ولهذا اتفق العلماء ~~على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها. ونهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن السجود له ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك وقال: {لا يصلح السجود ~~إلا لله} وقال: {لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد ~~لزوجها} وقال لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه ms0816 -: {أرأيت لو مررت بقبري أكنت ~~ساجدا له؟ قال: لا. قال: فلا تسجد لي} . ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~اتخاذ القبور مساجد؛ فقال في مرض موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك ~~لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال قبل أن يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ~~فلا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني} ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور، ~~ولا تشرع الصلاة عند القبور؛ بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة. # PageV03P398 # والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن قال الله ~~تعالى في كتابه عن المنافقين {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره} فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: {السلام ~~عليكم أهل دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا ~~تحرمنا أجرهم؛ ولا تفتنا بعدهم؛ واغفر لنا ولهم} . وذلك أن من أكبر أسباب ~~عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، قال الله تعالى في ~~كتابه: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا} . قال طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين؛ فلما ماتوا عكفوا ~~على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها. ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأن ~~التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام فلا يشبه بيت المخلوق ~~ببيت الخالق. وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت ~~الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ms0817 اسمه. فلا تقصد بيوت ~~المخلوقين فتتخذ عيدا كما قال صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا بيتي عيدا} كل ~~هذا لتحقيق # PageV03P399 # التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر ~~لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} ولهذا ~~كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} . وقال صلى الله ~~عليه وسلم ( {من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} . والإله: الذي ~~يألهه القلب عبادة له واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالا وإكراما. # PageV03P400 # فصل: # ومن ذلك الاقتصاد في السنة؛ واتباعها كما جاءت - بلا زيادة ولا نقصان - ~~مثل الكلام: في (القرآن) # و (سائر الصفات) فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله؛ ~~منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن ~~سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وكان من التابعين الأعيان - قال: ما زلت ~~أسمع الناس يقولون ذلك. والقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم هو هذا القرآن الذي يقرءوه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم وهو كلام ~~الله لا كلام غيره؛ وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام ~~لمن قاله مبتدئا لا لمن قاله مبلغا مؤديا قال الله تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وهذا القرآن في ~~المصاحف كما قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} وقال تعالى: ~~{يتلو صحفا مطهرة} {فيها كتب قيمة} . وقال: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب ~~مكنون} . والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه كل ذلك يدخل في القرآن ~~وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف؛ كما قال النبي # PageV03P401 # صلى الله عليه وسلم {من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات} وقال ms0818 ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. ~~وإذا كتب المسلمون مصحفا فإن أحبوا أن لا ينقطوه ولا يشكلوه جاز ذلك؛ كما ~~كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل؛ لأن القوم كانوا عربا ~~لا يلحنون. وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار ~~في زمن التابعين. ثم فشا " اللحن " فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر ثم ~~شكلت بمثل خط الحروف؛ فتنازع العلماء في كراهة ذلك. وفيه خلاف عن الإمام ~~أحمد - رحمه الله - وغيره من العلماء قيل: يكره ذلك لأنه بدعة: وقيل: لا ~~يكره للحاجة إليه. وقيل يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب. والصحيح أنه ~~لا بأس به. والتصديق بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يتكلم ~~بصوت؛ وينادي آدم عليه السلام بصوت؛ إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه ~~الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة: القرآن كلام ~~الله تعالى غير مخلوق. حيث تلي وحيث # PageV03P402 # كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن: إنها مخلوقة لأن ذلك يدخل فيه ~~القرآن المنزل ولا يقال: غير مخلوقة لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد. ولم ~~يقل قط أحد من أئمة السلف: أن أصوات العباد بالقرآن قديمة بل أنكروا على من ~~قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق. وأما من قال: إن المداد قديم: فهذا من ~~أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} فأخبر ~~أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال ليس القرآن في المصحف؛ وإنما في ~~المصحف مداد وورق أو حكاية وعبارة. فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله ~~الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف - ~~على الوجه الذي يعرفه الناس - له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء. وكذلك من ~~زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ضال. ms0819 كمن ~~قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من ~~زاد وقال: إن المداد قديم فهو ضال. كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله. # PageV03P403 # وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد ~~وقطعة من الحائط: كلام الله فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا ~~هو كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي وكلاهما ~~خارج عن السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة نفيا ~~وإثباتا وإنها حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل فإن من قال: إن ~~المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم فهو ضال جاهل ومن قال: إن إعراب ~~حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع. بل الواجب أن يقال: هذا القرآن ~~العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت معانيه، ~~ويقال: ما بين اللوحين جميعه كلام الله. فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق ~~على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام الله. وإن كان غير منقوط ولا مشكول: ~~كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة؛ كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام ~~الله. فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة ~~له ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه. # PageV03P404 # فصل: # وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر " الصحابة " و " القرابة " - رضي ~~الله عنهم - فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من ~~السابقين والتابعين لهم بإحسان. وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه؛ وذكرهم في ~~آيات من كتابه؛ مثل قوله تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج ~~شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} وقال ms0820 تعالى: {لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا} . وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن ~~أمير المؤمنين علي بن أبي # PageV03P405 # طالب - رضي الله عنه - أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ~~رضي الله عنهما واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان ~~بعد عمر رضي الله عنهما وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {خلافة ~~النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا} وقال صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} . وكان أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين. وقد اتفق عامة أهل السنة ~~من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر؛ ثم ~~عثمان؛ ثم علي رضي الله عنهم. ودلائل ذلك وفضائل الصحابة ك ثير؛ ليس هذا ~~موضعه. وكذلك نؤمن " بالإمساك عما شجر بينهم " ونعلم أن بعض المنقول في ذلك ~~كذب. وهم كانوا مجتهدين؛ إما مصيبين لهم أجران؛ أو مثابين على عملهم الصالح ~~مغفور لهم خطؤهم؛ وما كان لهم من السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - ~~فإن الله يغفرها لهم: إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة؛ أو غير ~~ذلك. فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم {خير القرون ~~قرني الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم} وهذه خير أمة أخرجت للناس. # PageV03P406 # ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق ~~من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي ~~الله عنه - عن النبي صلى الله ms0821 عليه وسلم أنه قال: {تمرق مارقة على حين فرقة ~~من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق} . وفي هذا الحديث دليل على ~~أنه مع كل طائفة حق؛ وأن عليا رضي الله عنه أقرب إلى الحق. وأما الذين ~~قعدوا عن القتال في الفتنة؛ كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما رضي الله ~~عنهم فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة وعلى ذلك أكثر ~~أهل الحديث. وكذلك " آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم " لهم من الحقوق ~~ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم ~~مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: {قولوا: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} . وآل محمد هم ~~الذين حرمت عليهم الصدقة هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل؛ وغيرهما من ~~العلماء - رحمهم الله - فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الصدقة لا ~~تحل لمحمد ولا لآل محمد} وقد قال الله تعالى في كتابه: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وحرم الله عليهم الصدقة لأنها # PageV03P407 # أوساخ الناس وقد قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان؛ وبغضهما نفاق. ~~وفي المسانيد والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس - لما شكا ~~إليه جفوة قوم لهم قال: {والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من ~~أجلي} . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله اصطفى ~~بني إسماعيل؛ واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل؛ واصطفى قريشا من كنانة ~~واصطفى بني هاشم من قريش؛ واصطفاني من بني هاشم} . وقد كانت الفتنة لما ~~وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف ~~عن علي رضي الله عنه مثل كثير من أهل الشام؛ ممن كان إذ ذاك يسب عليا رضي ~~الله عنه ويبغضه. ms0822 وقوم ممن يحب عليا رضي الله عنه ويغلو فيه ينحرف عن عثمان ~~رضي الله عنه مثل كثير من أهل العراق؛ ممن كان يبغض عثمان ويسبه رضي الله ~~عنه. ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك؛ حتى سبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وزاد ~~البلاء بهم حينئذ. والسنة محبة عثمان وعلي جميعا وتقديم أبي بكر وعمر ~~عليهما رضي الله # PageV03P408 # عنهم لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا جميعا. وقد ~~نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت؛ وأمر بالاعتصام بحبله. فهذا موضع يجب ~~على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله فإن السنة مبناها على العلم ~~والعدل؛ والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالرافضة لما ~~كانت تسب " الصحابة " صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة ثم كفرت ~~الصحابة وقالت عنهم أشياء قد ذكرنا حكمهم فيها في غير هذا الموضع. ولم يكن ~~أحد إذ ذاك يتكلم في " يزيد بن معاوية " ولا كان الكلام فيه من الدين ثم ~~حدثت بعد ذلك أشياء فصار قوم يظهرون لعنة يزيد بن معاوية. وربما كان غرضهم ~~بذلك التطرق إلى لعنة غيره فكره أكثر أهل السنة لعنة أحد بعينه فسمع بذلك ~~قوم ممن كان يتسنن؛ فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى. وصار ~~الغلاة فيه على طرفي نقيض هؤلاء يقولون: إنه كافر زنديق وإنه قتل ابن بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة ليأخذ بثأر أهل ~~بيته الذين قتلوا كفارا مثل جده لأمه عتبة بن ربيعة وخاله الوليد؛ وغيرهما ~~ويذكرون عنه من الاشتهار بشرب الخمر وإظهار الفواحش أشياء. # PageV03P409 # وأقوام يعتقدون أنه كان إماما عادلا هاديا مهديا وأنه كان من الصحابة أو ~~أكابر الصحابة وأنه كان من أولياء الله تعالى. وربما اعتقد بعضهم أنه كان ~~من الأنبياء ويقولون: من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم. ويروون عن ~~الشيخ " حسن بن عدي " أنه كان كذا وكذا وليا؛ ومن وقفوا فيه وقفوا على ~~النار: لقولهم في يزيد. وفي ms0823 زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظما ونثرا. ~~وغلوا في الشيخ عدي " وفي يزيد " بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي " ~~الكبير - قدس الله روحه - فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع ~~وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا الشيخ حسنا وجرت فتن لا يحبها الله ولا ~~رسوله. وهذا الغلو في يزيد من الطرفين خلاف لما أجمع عليه أهل العلم ~~والإيمان. فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ~~ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء؛ ولا ~~كان من المشهورين بالدين والصلاح وكان من شبان المسلمين؛ ولا كان كافرا ولا ~~زنديقا؛ وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم وكان فيه ~~شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه. وجرت في إمارته أمور ~~عظيمة: - أحدها مقتل الحسين رضي الله عنه وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر # PageV03P410 # الفرح بقتله؛ ولا نكت بالقضيب على ثناياه - رضي الله عنه - ولا حمل رأس ~~الحسين - رضي الله عنه - إلى الشام لكن أمر بمنع الحسين رضي الله عنه ~~وبدفعه عن الأمر. ولو كان بقتاله فزاد النواب على أمره؛ وحض الشمر بن ذي ~~الجوشن على قتله لعبيد الله بن زياد؛ فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد فطلب ~~منهم الحسين رضي الله عنه أن يجيء إلى يزيد؛ أو يذهب إلى الثغر مرابطا؛ أو ~~يعود إلى مكة. فمنعوه رضي الله عنه إلا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن سعد ~~بقتاله - فقتلوه مظلوما - له ولطائفة من أهل بيته. رضي الله عنهم وكان قتله ~~- رضي الله عنه - من المصائب العظيمة فإن قتل الحسين، وقتل عثمان قبله: ~~كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة وقتلتهما من شرار الخلق عند الله. ~~ولما قدم أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيرهم إلى ~~المدينة، وروي عنه أنه لعن ابن زياد على قتله. وقال: كنت أرضى من طاعة أهل ~~العراق بدون قتل الحسين لكنه مع ms0824 هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له ~~والأخذ بثأره: كان هو الواجب عليه فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب ~~مضافا إلى أمور أخرى. وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء. # PageV03P411 # وأما الأمر الثاني: فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه ~~وأهله فبعث إليهم جيشا؛ وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ~~ويبيحها ثلاثا فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون ويفتضون ~~الفروج المحرمة. ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة وتوفي يزيد وهم ~~محاصرون مكة وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره. ولهذا كان الذي عليه ~~معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لا يسب ولا يحب قال صالح بن أحمد بن حنبل ~~" قلت لأبي: إن قوما يقولون: إنهم يحبون يزيد. قال: يا بني وهل يحب يزيد ~~أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني ~~ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟ . وروي عنه قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن ~~معاوية؟ فقال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ . ~~فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك. لا يحبونه محبة الصالحين ~~وأولياء الله؛ ولا يسبونه، فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين؛ لما روى ~~البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {أن رجلا كان يدعى حمارا ~~وكان يكثر شرب الخمر وكان كلما أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضربه. ~~فقال # PageV03P412 # رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} . ومع هذا فطائفة ~~من أهل السنة يجيزون لعنه لإنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم ما يجوز لعن ~~فاعله. وطائفة أخرى ترى محبته لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة؛ وبايعه ~~الصحابة. ويقولون: لم يصح عنه ما نقل عنه وكانت له محاسن أو كان مجتهدا ~~فيما فعله. والصواب هو ما عليه الأئمة: من أنه لا يخص بمحبة ms0825 ولا يلعن. ومع ~~هذا فإن كان فاسقا أو ظالما فالله يغفر للفاسق والظالم لا سيما إذا أتى ~~بحسنات عظيمة. وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له} وأول ~~جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله ~~عنه. وقد يشتبه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان فإن يزيد بن أبي ~~سفيان كان من الصحابة، وكان من خيار الصحابة وهو خير آل حرب، وكان أحد ~~أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في فتوح الشام ومشى أبو بكر ~~في ركابه يوصيه مشيعا له فقال له: يا خليفة رسول الله: إما أن تركب وإما أن ~~أنزل. فقال: لست براكب ولست بنازل إني أحتسب خطاي هذه # PageV03P413 # في سبيل الله. فلما توفي بعد فتوح الشام في خلافة عمر ولى عمر رضي الله ~~عنه مكانه أخاه معاوية وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان وأقام معاوية ~~بالشام إلى أن وقع ما وقع، فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد ~~بن معاوية وامتحان المسلمين به فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة ~~والجماعة فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة ~~وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل وهو خطأ بين. # PageV03P414 # فصل: # وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله: مثل ~~أن يقال للرجل: أنت شكيلي، أو قرفندي، فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله ~~بها من سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في ~~الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي. والواجب على المسلم ~~إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب ~~الله وسنة رسوله. وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما فقال: أنت على ms0826 ملة علي أو ملة عثمان؟ فقال: لست على ~~ملة علي ولا على ملة عثمان بل أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذلك كان كل من السلف يقولون: كل هذه الأهواء في النار: ويقول أحدهم: ما ~~أبالي أي النعمتين أعظم؟ على أن هداني الله للإسلام أو أن جنبني هذه ~~الأهواء، والله تعالى قد سمانا في القرآن: المسلمين المؤمنين عباد الله فلا ~~نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم - وسموها هم ~~وآباؤهم - ما أنزل الله بها من سلطان. # PageV03P415 # بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي ~~والمالكي والشافعي والحنبلي أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم أو مثل ~~الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني وإلى الأمصار كالشامي والعراقي ~~والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا ~~يعادي عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان. # وأولياء الله الذين هم أولياؤه: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون فقد أخبر ~~سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى {ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى ~~الله عنه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حال أولياء الله وما صاروا ~~به أولياء ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {يقول الله - تبارك وتعالى -: من عادى لي وليا فقد بارزني # PageV03P416 # بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي ms0827 يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه} . فقد ذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله تعالى على درجتين: ~~(إحداهما) : التقرب إليه بالفرائض. (والثانية) : هي التقرب إلى الله ~~بالنوافل بعد أداء الفرائض. فالأولى درجة " المقتصدين " الأبرار أصحاب ~~اليمين. والثانية درجة " السابقين " المؤمنين كما قال الله تعالى: {إن ~~الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} ~~{يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك} {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما يمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربه المقربون صرفا. ~~وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه فكل من آمن بالله ورسوله ~~واتقى الله فهو من أولياء الله. # PageV03P417 # والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وأوجب عليهم معاداة ~~الكافرين. # فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} {يا أيها الذين آمنوا من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} . فقد أخبر سبحانه أن ولي المؤمن ~~هو الله ورسوله، وعباده المؤمنين وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة ~~سواء كان من أهل ms0828 نسبة أو بلدة أو مذهب أو طريقة أو لم يكن وقال الله تعالى: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} وقال تعالى: {إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~بعضهم أولياء بعض} إلى # PageV03P418 # قوله {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} وقال ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} إلى قوله تعالى {فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} . وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال. {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد ~~الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} وفي الصحاح ~~أيضا أنه قال: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه} وفي ~~الصحاح أيضا أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه} وقال صلى الله عليه وسلم {المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه} ~~وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسنة كثيرة. وقد جعل الله فيها عباده ~~المؤمنين بعضهم أولياء بعض وجعلهم إخوة وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين ~~وأمرهم سبحانه بالائتلاف ونهاهم عن الافتراق والاختلاف فقال: {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} . وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} الآية. فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن تفترق وتختلف # PageV03P419 # حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى؛ بلا برهان من ~~الله تعالى. وقد برأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ممن كان هكذا. فهذا فعل ~~أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم. ~~وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله وأقل ما في ذلك أن يفضل ~~الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه. وإنما الواجب أن يقدم ~~من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ~~ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله؛ وينهى ms0829 عما نهى الله عنه ورسوله وأن ~~يرضى بما رضي الله به ورسوله؛ وأن يكون المسلمون يدا واحدة فكيف إذا بلغ ~~الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره وقد يكون الصواب معه وهو الموافق ~~للكتاب والسنة؛ ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل ~~من أخطأ يكون كافرا ولا فاسقا بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ~~{وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وثبت في الصحيح أن الله قال: قد ~~فعلت} . لا سيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم # PageV03P420 # على مذهب الشافعي " أو منتسبا إلى الشيخ عدي " ثم بعد هذا قد يخالف في ~~شيء وربما كان الصواب معه فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله؟ مع ما قد ذكر الله ~~تعالى من حقوق المسلم والمؤمن. وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة ~~لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا التفريق ~~الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها؛ وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط ~~الأعداء عليها. وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء} . فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم ~~العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ ~~فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب. وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} إلى قوله: {ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون} فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع؛ والنهي # PageV03P421 # عن الاختلاف والفرقة ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من ~~شريعة الله تعالى. فمن اعتقد في ms0830 بشر أنه إله؛ أو دعا ميتا؛ أو طلب منه ~~الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب. فإن تاب وإلا ~~ضربت عنقه. ومن فضل أحدا من " المشايخ " على النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~اعتقد أن أحدا يستغني عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم استتيب. فإن ~~تاب وإلا ضربت عنقه. وكذلك من اعتقد أن أحدا من " أولياء الله " يكون مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى عليه السلام فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى عليه السلام ولا كان ~~يجب عليه طاعته بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه؛ ~~وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وكان مبعوثا إلى بني ~~إسرائيل. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم {وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ~~وبعثت إلى الناس عامة} . ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين: ~~إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر ~~يجب قتله. # PageV03P422 # وكذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة ابتدعها ليست في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو ~~بالقتل أو القتال. فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف، وأكرم المتقون ~~من جميع الطوائف؛ كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم. وتصلح أمر المسلمين. ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة ~~وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن ~~المنكر؛ فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله وينهونهم عما نهى الله عنه ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. (فالأول مثل شرائع الإسلام: وهي الصلوات الخمس ~~في مواقيتها وإقامة الجمعة والجماعات من الواجبات والسنن الراتبات: ~~كالأعياد وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وغير ذلك. وكذلك ~~الصدقات المشروعة والصوم المشروع وحج البيت الحرام. ومثل الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان ms0831 بالقدر خيره وشره؛ ومثل ~~الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومثل سائر ~~ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة ومثل إخلاص الدين لله ~~والتوكل على الله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما # PageV03P423 # سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه والصبر لحكم الله والتسليم ~~لأمر الله ومثل: صدق الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الجار ~~واليتيم والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك والعدل في المقال ~~والفعال؛ ثم الندب إلى مكارم الأخلاق؛ مثل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ~~وتعفو عمن ظلمك؛ قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل} {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم} {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} . وأما " ~~المنكر " الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو أن يدعو مع الله ~~إلها آخر؛ إما الشمس وإما القمر أو الكواكب؛ أو ملكا من الملائكة أو نبيا ~~من الأنبياء؛ أو رجلا من الصالحين أو أحدا من الجن أو تماثيل هؤلاء أو ~~قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى أو يستغاث به أو يسجد له فكل ~~هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله. وقد حرم الله قتل ~~النفس بغير حقها وأكل أموال الناس بالباطل إما # PageV03P424 # بالغصب وإما بالربا أو الميسر كالبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال ~~والميزان والإثم والبغي بغير الحق. وكذلك مما حرمه الله تعالى أن يقول ~~الرجل على الله ما لا يعلم مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو ~~لا يعلم صحتها أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة ms0832 من ~~علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كانت من صفات النفي والتعطيل مثل ~~قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السموات؛ وإنه لا يرى في الآخرة؛ ~~وإنه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك مما كذبوا به الله ورسوله أو كانت من صفات ~~الإثبات والتمثيل مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق أو أنهم ~~يرونه بأعينهم أو أن السموات تحويه وتحيط به أو أنه سار في مخلوقاته إلى ~~غير ذلك من أنواع الفرية على الله. وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات؛ فأحدث لهم ~~الشيطان عبادات ضاهاها بها مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له؛ ~~فشرع لهم شركاء؛ وهي عبادة ما سواه والإشراك به. وشرع لهم الصلوات الخمس ~~وقراءة القرآن فيها والاستماع # PageV03P425 # له؛ والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضا فأول سورة أنزلها على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم {اقرأ باسم ربك الذي خلق} أمر في أولها بالقراءة؛ وفي ~~آخرها بالسجود بقوله تعالى: {واسجد واقترب} . ولهذا كان أعظم الأذكار التي ~~في الصلاة قراءة القرآن؛ وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له وقال ~~تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} وقال تعالى: {وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} . وكان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون وكان عمر ~~بن الخطاب يقول لأبي موسى رضي الله عنهما ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون ~~{ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى رضي الله عنه وهو يقرأ؛ فجعل ~~يستمع لقراءته فقال: يا أبا موسى: مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك ~~فقال: لو علمت لحبرته لك تحبيرا وقال: لله أشد أذنا أي استماعا إلى الرجل ~~يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} . وهذا هو سماع المؤمنين ~~وسلف ms0833 الأمة وأكابر المشايخ كمعروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان ~~الداراني ونحوهم. وهو سماع المشايخ # PageV03P426 # المتأخرين الأكابر كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي ~~مدين وغيرهم من المشايخ - رحمهم الله -. وأما المشركون فكان سماعهم كما ~~ذكره الله تعالى في كتابه؛ بقوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية} . قال السلف: المكاء الصفير. والتصدية التصفيق باليد فكان ~~المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون يتخذون ذلك عبادة وصلاة ~~فذمهم الله على ذلك وجعل ذلك من الباطل الذي نهى عنه. # فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء ~~في بعض أمورهم وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا فعله أكابر المشايخ. # وأما سماع الغناء على وجه اللعب فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان ~~كما جاءت به الآثار فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه. وعماد الدين الذي لا ~~يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ~~ما لا يجب من الاعتناء بغيرها. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى ~~عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها ~~كان لما سواها من عمله أشد إضاعة. # PageV03P427 # وهي أول ما أوجبه الله من العبادات والصلوات الخمس تولى الله إيجابها ~~بمخاطبة رسوله ليلة المعراج وهي آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمته وقت فراق الدنيا جعل يقول: {الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم} وهي أول ~~ما يحاسب عليه العبد من عمله؛ وآخر ما يفقد من الدين. فإذا ذهبت ذهب الدين ~~كله؛ وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} وقد ~~قال الله في كتابه: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا} . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره: إضاعتها تأخيرها ~~عن وقتها؛ ms0834 ولو تركوها كانوا كفارا. وقال تعالى: {حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى} والمحافظة عليها: فعلها في أوقاتها وقال تعالى: {فويل ~~للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت. ~~وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل ولا تأخير ~~صلاة الليل إلى النهار؛ لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما. لكن يجوز عند ~~الحاجة أن. يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما ~~ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما وذلك لمثل ~~المسافر والمريض وعند المطر ونحو ذلك من الأعذار. # PageV03P428 # وقد أوجب الله على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقتهم كما قال الله تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة كاملة ~~وركوع وسجود كامل فإن كان عادما للماء؛ أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو ~~غير ذلك؛ وهو محدث أو جنب يتيمم الصعيد الطيب؛ وهو التراب. يمسح به وجهه ~~ويديه ويصلي؛ ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء. وكذلك إذا كان محبوسا أو ~~مقيدا أو زمنا أو غير ذلك صلى على حسب حاله؛ وإذا كان بإزاء عدوه صلى أيضا ~~صلاة الخوف قال الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا} {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} إلى ~~قوله: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} إلى قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ~~إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} . ويجب على أهل القدرة من ~~المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال والنساء حتى الصبيان. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {مروهم بالصلاة لسبع؛ واضربوهم على تركها لعشر؛ ~~وفرقوا بينهم في المضاجع} . والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من ~~الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل، فمن العلماء من # PageV03P429 # يقول: يكون مرتدا كافرا لا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين. ومنهم من ms0835 ~~يقول يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس والزاني المحصن. وأمر الصلاة عظيم ~~شأنها أن تذكر ههنا فإنها قوام الدين وعماده وتعظيمه تعالى لها في كتابه ~~فوق جميع العبادات؛ فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة ويقرنها بالزكاة تارة ~~وبالصبر تارة وبالنسك تارة كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~وقوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة} وقوله: {فصل لربك وانحر} وقوله: {إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين} . وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها؛ كما ذكره في سورة ~~{سأل سائل} وفي أول سورة " المؤمنون ". قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون} ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} {والذين هم ~~للزكاة فاعلون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} {والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون} {والذين هم على صلواتهم يحافظون} {أولئك هم ~~الوارثون} {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} فنسأل الله العظيم أن ~~يجعلنا وإياكم من الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. PageV03P430 # الجزء الرابع # كتاب مفصل الاعتقاد # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. # سئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين؟ ما الصواب ~~منهما؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين؟ وفي أهل الحديث: هل هم أولى بالصواب ~~من غيرهم؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها ~~وعلمها غيرهم؟ . # فأجاب: - الحمد لله. هذه المسائل بسطها يحتمل مجلدات لكن نشير إلى المهم ~~منها والله الموفق. قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير # PageV04P001 # سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . وقد شهد الله ~~لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان بالإيمان. فعلم قطعا أنهم ~~المراد بالآية ms0836 الكريمة فقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات ~~تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} وقال تعالى: {لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} . فحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه ~~الله ما تولى وأصلاه جهنم. فمن سبيلهم في الاعتقاد: " الإيمان بصفات الله ~~تعالى وأسمائه " التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على ~~لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ~~ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين؛ ولا سمات ~~المحدثين بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها؛ ومعناها إلى المتكلم ~~بها. وقال بعضهم - ويروى عن الشافعي -: " آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله ". وعلموا أن المتكلم بها ~~صادق لا شك في صدقه فصدقوه ولم يعلموا حقيقة معناها فسكتوا عما لم يعلموه. ~~وأخذ ذلك الآخر عن الأول ووصى بعضهم # PageV04P002 # بعضا بحسن الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم وحذروا من التجاوز لهم والعدول ~~عن طريقتهم وبينوا لنا سبيلهم ومذهبهم ونرجو أن يجعلنا الله تعالى ممن ~~اقتدى بهم في بيان ما بينوه؛ وسلوك الطريق الذي سلكوه. والدليل على أن ~~مذهبهم ما ذكرناه: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نقل مصدق لها مؤمن بها قابل لها؛ غير مرتاب فيها؛ ولا شاك ~~في صدق قائلها ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها ولا تأولوه ولا شبهوه ~~بصفات المخلوقين إذ لو فعلوا شيئا من ذلك لنقل عنهم ولم يجز أن يكتم ~~بالكلية. إذ لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته لجريان ~~ذلك في القبح مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفعل ما لا يحل. بل بلغ من ~~مبالغتهم في السكوت عن هذا: أنهم كانوا إذا رأوا ms0837 من يسأل عن المتشابه ~~بالغوا في كفه تارة بالقول العنيف؛ وتارة بالضرب وتارة بالإعراض الدال على ~~شدة الكراهة لمسألته. ولذلك لما بلغ عمر - رضي الله عنه - أن صبيغا يسأل عن ~~المتشابه أعد له عراجين النخل فبينما عمر يخطب قام فسأله عن: {والذاريات ~~ذروا} {فالحاملات وقرا} وما بعدها. فنزل عمر فقال: " لو وجدتك محلوقا لضربت ~~الذي فيه عيناك بالسيف " ثم أمر به فضرب ضربا شديدا وبعث به إلى البصرة ~~وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسا إلا قالوا: " ~~عزمة أمير المؤمنين " فتفرقوا عنه حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما كان ~~في نفسه شيئا فأذن عمر في مجالسته # PageV04P003 # فلما خرجت الخوارج أتي فقيل له: هذا وقتك فقال: لا نفعتني موعظة العبد ~~الصالح. # ولما سئل " مالك بن أنس " - رحمه الله تعالى - فقيل له: يا أبا عبد الله ~~{الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء - يعني ~~العرق - وانتظر القوم ما يجيء منه فيه. فرفع رأسه إلى السائل وقال: " ~~الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ~~وأحسبك رجل سوء ". وأمر به فأخرج. ومن أول الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب ~~بغير ما أجاب به مالك وسلك غير سبيله. وهذا الجواب من مالك - رحمه الله - ~~في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات. مثل النزول والمجيء واليد والوجه ~~وغيرها. فيقال في مثل النزول: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب ~~والسؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات إذ هي بمثابة الاستواء الوارد ~~به الكتاب والسنة. وثبت عن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - أنه قال: " ~~اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب: على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي ~~جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير ~~تفسير ولا # PageV04P004 # وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفارق الجماعة. فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في ms0838 ~~الكتاب والسنة ثم سكتوا. فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة " انتهى. فانظر ~~- رحمك الله - إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة ولا خير فيما ~~خرج عن إجماعهم. ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه. وأولوا ~~ذلك؛ فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه. وثبت عن إسماعيل ~~بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب ~~والسنة يعرفون ربهم - تبارك وتعالى - بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله ~~وشهد له بها رسوله؛ على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات. ~~ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف المشبه ولا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية. وقد أعاذ الله " أهل ~~السنة " من التحريف والتكييف ومن عليهم بالتفهيم والتعريف حتى سلكوا سبيل ~~التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه واكتفوا بنفي النقائص ~~بقوله عز من قائل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وبقوله تعالى: {ولم ~~يكن له كفوا أحد} ". وقال سعيد بن جبير: " ما لم يعرفه البدريون فليس من ~~الدين ". وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال: سألت الشافعي - رحمه الله ~~تعالى - # PageV04P005 # عن صفات الله تعالى؟ فقال: " حرام على العقول أن تمثل الله تعالى؛ وعلى ~~الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع؛ وعلى النفوس أن تفكر؛ وعلى الضمائر ~~أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو ~~على لسان نبيه " عليه الصلاة والسلام. وثبت عن الحسن البصري أنه قال: " لقد ~~تكلم مطرف على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده. قالوا: وما هو ~~يا أبا سعيد؟ قال: " الحمد لله الذي من الإيمان به: الجهل بغير ما وصف به ~~نفسه ". وقال سحنون " من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه ". وثبت ~~عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير - أنه قال: " أصول السنة " - فذكر ~~أشياء - ثم قال: وما نطق به القرآن والحديث مثل: {وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم} ومثل: ms0839 {والسماوات مطويات بيمينه} وما أشبه هذا من ~~القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة ~~ونقول: {الرحمن على العرش استوى} ومن زعم غير هذا فهو جهمي ". فمذهب السلف ~~رضوان الله عليهم إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها. لأن ~~الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات وإثبات الذات إثبات وجود؛ لا ~~إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات. وعلى # PageV04P006 # هذا مضى السلف كلهم، ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك ~~لخرجنا عن المقصود في هذا الجواب. فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى ~~بما قدمناه ومن كان قصده الجدال والقيل والقال والمكابرة لم يزده التطويل ~~إلا خروجا عن سواء السبيل والله الموفق. # وقد ثبت ما ادعيناه من مذهب السلف رضوان الله عليهم بما نقلناه جملة عنهم ~~وتفصيلا واعتراف العلماء من أهل النقل كلهم بذلك. ولم أعلم عن أحد منهم ~~خلافا في هذه المسألة بل لقد بلغني عمن ذهب إلى التأويل لهذه الآيات ~~والأخبار من أكابرهم: الاعتراف بأن مذهب السلف فيها ما قلناه. ورأيته لبعض ~~شيوخهم في كتابه قال: " اختلف أصحابنا في أخبار الصفات فمنهم من أمرها كما ~~جاءت من غير تفسير ولا تأويل مع نفي التشبيه عنها. وهو مذهب السلف " فحصل ~~الإجماع على صحة ما ذكرناه بقول المنازع والحمد لله. وما أحسن ما جاء عن " ~~عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة " أنه قال: " عليك بلزوم السنة فإنها ~~لك بإذن الله عصمة. فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها وإنما سنها ~~من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطإ والحمق والتعمق. فارض لنفسك بما ~~رضوا به لأنفسهم. فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا. ولهم كانوا على ~~كشفها أقوى. وبتفصيلها لو كان فيها أحرى # PageV04P007 # وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون ~~الثلاثة؛ فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث حدث ~~بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع ms0840 غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته ~~فكره على ما تلقوه عن نبيهم؛ وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان. ولقد وصفوا منه ~~ما يكفي؛ وتكلموا منه بما يشفي. فمن دونهم مقصر؛ ومن فوقهم مفرط. لقد قصر ~~دونهم أناس فجفوا؛ وطمح آخرون فغلوا؛ وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم ~~". # PageV04P008 # فصل: # وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو. فنبين ~~ذلك بالقياس المعقول؛ من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} فأخبر: أنه ~~سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق. ثم قال: {أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك. ~~فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات ~~الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم. فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما ~~يخالفهم فيه طريقا أخرى؛ مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر ~~والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ~~ذلك. وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها: فهم أكمل الناس عقلا؛ ~~وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا ~~وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم ~~سمعا # PageV04P009 # ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا. وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر ~~الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل. فكل من استقرأ أحوال ~~العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق ~~العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال وكذلك أهل السنة ~~والحديث تجدهم كذلك متمتعين. وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ~~ويصححه قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} وقال: {ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} ~~{ولهديناهم صراطا مستقيما} . وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين ~~غيرهم فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم. ms0841 وتارة بإقرار ~~مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم أو بشهادتهم على مخالفيهم ~~بالضلال والجهل. وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض. ~~وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى وتشهد بالضلال على كل ~~من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم. فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء ~~الله في الأرض: فهذا أمر ظاهر معلوم بالحس والتواتر لكل من سمع كلام ~~المسلمين لا تجد في الأمة عظم أحد تعظيما أعظم مما عظموا به ولا تجد غيرهم ~~يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه كما لا ينقص إلا بقدر ما خالفهم. # PageV04P010 # حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقر بذلك كما قال الإمام ~~أحمد: " آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز " فإن الحياة بسبب اشتراك الناس ~~في المعاش يعظم الرجل طائفته فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف بالحق من ~~عموم الخلق. ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته: مسح المتوكل موضع الصلاة ~~عليه فوجد ألف ألف وستمائة ألف؛ سوى من صلى في الخانات والبيوت وأسلم يومئذ ~~من اليهود والنصارى عشرون ألفا. وهو إنما نبل عند الأمة باتباع الحديث ~~والسنة. وكذلك الشافعي وإسحاق وغيرهما إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل ~~الحديث والسنة. وكذلك البخاري وأمثاله إنما نبلوا بذلك وكذلك مالك ~~والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وغيرهم إنما نبلوا في عموم الأمة وقبل قولهم ~~لما وافقوا فيه الحديث والسنة وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب ~~المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة إما لعدم بلاغها إياه ~~أو لاعتقاده ضعف دلالتها أو رجحان غيرها عليها. وكذلك المسائل الاعتقادية ~~الخبرية؛ لم ينبل أحد من الطوائف ورءوسهم عند الأمة إلا بما معه من الإثبات ~~والسنة فالمعتزلة أولا - وهم فرسان الكلام - إنما يحمدون ويعظمون عند ~~أتباعهم وعند من يغضي عن مساوئهم لأجل محاسنهم عند المسلمين بما وافقوا فيه ~~مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث وردهم على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن ~~السنة والحديث: من إمامة الخلفاء # PageV04P011 # وعدالة الصحابة وقبول الأخبار وتحريف ms0842 الكلم عن مواضعه والغلو في علي ونحو ~~ذلك. وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من ~~إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا ~~فيه الخوارج من تكفير علي وعثمان وغيرهما وما كفروا به المسلمين من الذنوب ~~ويستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة من إدخال الواجبات في الإيمان. ولهذا ~~قالوا بالمنزلة وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة. وكذلك متكلمة أهل الإثبات ~~مثل الكلابية والكرامية والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم ~~الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ~~والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم وكذلك ~~استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة؛ والرافضة والقدرية من أنواع ~~المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة. فحسناتهم نوعان: إما ~~موافقة أهل السنة والحديث. وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان ~~تناقض حججهم. ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو ~~كليهما. وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبه وينتصر له # PageV04P012 # بذلك. فالمصنف في مناقبه الدافع للطعن واللعن عنه - كالبيهقي؛ والقشيري ~~أبي القاسم؛ وابن عساكر الدمشقي - إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل ~~السنة والحديث أو بما رده من أقوال مخالفيهم لا يحتجون له عند الأمة ~~وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى ~~ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخه الأول " أبي علي "؛ وولده " ~~أبي هاشم ". لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات؛ والقدر ~~والإمامة؛ والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان وله من الردود على ~~المعتزلة والقدرية؛ والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم: ما أوجب أن يمتاز ~~بذلك عن أولئك؛ ويعرف له حقه وقدره {قد جعل الله لكل شيء قدرا} وبما وافق ~~فيه السنة والحديث صار له من القبول والأتباع ما صار. لكن الموافقة التي ~~فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله: هي من جنس المجاهد المنتصر. # فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان " يحيى بن يحيى ms0843 " يقول: " الذب عن ~~السنة أفضل من الجهاد " والمجاهد قد يكون عدلا في سياسته وقد لا يكون وقد ~~يكون فيه فجور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم} " ولهذا مضت السنة بأن يغزى مع كل أمير ~~برا كان أو فاجرا والجهاد عمل مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة # PageV04P013 # وهو مع النية الحسنة مشكور باطنا وظاهرا ووجه شكره: نصره للسنة والدين ~~فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه. فحمد الرجال عند ~~الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين الله وسنة رسوله وشرعه ~~من جميع الأصناف؛ إذ الحمد إنما يكون على الحسنات. والحسنات: هي ما وافق ~~طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره، وهذا هو السنة. ~~فالخير كله - باتفاق الأمة - هو فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا ~~بمخالفة ذلك. ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل ~~الإيمان بمخالفته السنة والشريعة. # وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام والمتكلمين الصفاتية كابن كرام؛ وابن ~~كلاب والأشعري. وما تكلم فيه من تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين ~~فيها من جميع طوائف الفقهاء؛ وأهل الحديث والصوفية إلا بما يقولون إنهم ~~خالفوا فيه السنة والحديث لخفائه عليهم أو إعراضهم عنه أو لاقتضاء أصل قياس ~~- مهدوه - رد ذلك كما يقع نحو ذلك في المسائل [العلمية] (*) . PageV04P014 # فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النص إنما يكون لعدم علمه به أو ~~لاعتقاده صحة ما عارضه لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط من ~~المخالف وعدوان فيستحق من الذم ما لا يستحقه في النص الخفي وكذلك فيما يوقع ~~الفرقة والاختلاف؛ يعظم فيه أمر المخالفة للسنة. ولهذا اهتم كثير من الملوك ~~والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية ~~وغيرهم على المنابر؛ حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة. فلعنوا الكلابية ~~والأشعرية: كما ms0844 كان في مملكة الأمير " محمود بن سبكتكين " وفي دولة ~~السلاجقة ابتداء وكذلك الخليفة القادر؛ ربما اهتم بذلك واستشار المعتزلة من ~~الفقهاء ورفعوا إليه أمر القاضي " أبي بكر " ونحوه وهموا به حتى كان يختفي ~~وإنما تستر بمذهب الإمام أحمد وموافقته ثم ولى النظام وسعوا في رفع اللعنة ~~واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدامغاني الحنفي وأبي إسحاق ~~الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية. وقد قيل: إن ~~أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم ويعزر من ~~يلعنهم وعلل الدامغاني: بأنهم طائفة من المسلمين. وعلل أبو إسحاق - مع ذلك ~~-: بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع المخالفين للسنة فلم يمكن المفتي أن ~~يعلل رفع الذم إلا بموافقة السنة والحديث. [وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي ~~محمد فتوى طويلة فيها أشياء حسنة قد سئل بها عن مسائل متعددة قال فيها] (*) ~~: PageV04P015 # ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان ويعزر فاعله تعزيرا ~~بليغا رادعا وأما لبس الحلق والدمالج والسلاسل والأغلال والتختم بالحديد ~~والنحاس فبدعة وشهرة. وشر الأمور محدثاتها وهي لهم في الدنيا وهي لباس أهل ~~النار وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك. ولا يجوز السجود لغير الله من ~~الأحياء والأموات ولا تقبيل القبور ويعزر فاعله. ومن لعن أحدا من المسلمين ~~عزر على ذلك تعزيرا بليغا. والمؤمن لا يكون لعانا وما أقر به من عود اللعنة ~~عليه قال: ولا تحل الصلاة عند القبور ولا المشي عليها من الرجال والنساء ~~ولا تعمل مساجد للصلاة فإنه " {اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد} ". قال: وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر. وعادت ~~اللعنة عليه فمن لعن من ليس أهلا للعنة وقعت اللعنة عليه. والعلماء أنصار ~~فروع الدين والأشعرية أنصار أصول الدين. قال: وأما دخولهم النيران فمن لا ~~يتمسك بالقرآن فإنه فتنة لهم ومضلة لمن يراهم كما يفتتن الناس بما يظهر على ~~يدي الدجال فإنه من ظهر على يديه خارق فإنه يوزن بميزان الشرع فإن كان على ms0845 ~~الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك ~~فتنة كما يظهر على يدي الدجال من إحياء الميت وما يظهر من جنته وناره. فإن ~~الله يضل من لا خلاق له بما يظهر على يدي هؤلاء. # PageV04P016 # وأما من تمسك بالشرع الشريف: فإنه لو رأى من هؤلاء من يطير في الهواء؛ أو ~~يمشي على الماء؛ فإنه يعلم أن ذلك فتنة للعباد. انتهى. فالفقيه أبو محمد ~~أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن لأجل ما نصروه من " أصول الدين " ~~وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من خالف القرآن ~~والسنة والحديث. ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق يقول: " إنما نفقت الأشعرية عند ~~الناس بانتسابهم إلى الحنابلة " وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ~~ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد ولهذا قال أبو القاسم بن عساكر ~~في مناقبه: " ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين ~~حتى حدثت فتنة " ابن القشيري " ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح ~~الأشعري بمدحة؛ إلا إذا وافق السنة والحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة ~~السنة والحديث. وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث ~~واتفاق شهاداتهم على أن الحق في ذلك. ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة ~~والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه. فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول ~~الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي " ~~أبو بكر بن الباقلاني " لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره. ~~وأما مثل الأستاذ أبي المعالي؛ # PageV04P017 # وأبي حامد؛ ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما ~~وافقوا فيه السنة والحديث وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه ~~الموافق للسنة والحديث ومما ذكروه في الأصول مما يوافق السنة والحديث وما ~~ردوه مما يخالف السنة والحديث. وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا ~~لم يصح ذلك. وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في ~~أوائل ms0846 الدولة السلجوقية حتى غلبت على الشام والعراق وأخرجت الخليفة القائم ~~ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة فجاءت بعد ذلك ~~السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر. ~~وكان في وقتهم من الوزراء مثل: " نظام الملك " ومن العلماء مثل: " أبي ~~المعالي الجويني " فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ~~ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك. وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك ~~الذين وافقوه: " كأبي الوليد الباجي " والقاضي " أبي بكر بن العربي " ~~ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث وأما الأكابر: مثل " ابن حبيب ~~" و " ابن سحنون " ونحوهما؛ فلون آخر. وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من ~~الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة # PageV04P018 # السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل " القدر " و " الإرجاء " ونحو ذلك ~~بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة. وكذلك ما ذكره في " باب ~~الصفات " فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في ~~الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في ~~مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك. # لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة ~~في القرآن والصفات وإن كان " أبو محمد بن حزم " في مسائل الإيمان والقدر ~~أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره لكن قد خالط من ~~أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في ~~معاني مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى. وبمثل هذا صار ~~يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن ~~له كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق وكما نفى خرق العادات ونحوه ~~من عبادات القلوب. مضموما إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر والإسراف ~~في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر. وإن كان له من الإيمان والدين ~~والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر؛ ويوجد في كتبه ms0847 من كثرة ~~الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال؛ # PageV04P019 # والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره. ~~فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح. وله من ~~التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله ~~لغيره من الفقهاء. وتعظيم أئمة الأمة وعوامها للسنة والحديث وأهله في ~~الأصول والفروع من الأقوال والأعمال: أكثر من أن يذكر هنا. # وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى وإن ~~ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك مثل: دولة المهدي والرشيد ~~ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. ~~كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي ~~قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله، والرشيد كان كثير ~~الغزو والحج. وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل ~~المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ~~{الفتنة هاهنا} "؛ ظهر حينئذ كثير من البدع وعربت أيضا إذ ذاك طائفة من كتب ~~الأعاجم - من المجوس الفرس والصابئين الروم والمشركين الهند - وكان المهدي ~~من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين ~~الزنادقة كذلك. وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهدا للصلوات في أوقاتها من ~~بني أمية # PageV04P020 # فإن أولئك كانوا كثير الإضاعة لمواقيت الصلاة كما جاءت فيهم الأحاديث: " ~~{سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا ~~صلاتكم معهم نافلة} ". # لكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة وكانت الشريعة أعز ~~وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم. # وفي دولة " أبي العباس المأمون " ظهر " الخرمية " ونحوهم من المنافقين ~~وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات ~~الصابئين وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة. ~~فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوي ما قوي من حال المشركين ~~وأهل الكتاب؛ كان من ms0848 أثر ذلك: ما ظهر من استيلاء الجهمية؛ والرافضة؛ وغيرهم ~~من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه ~~صاحبه عقلا وعدلا وإنما هو جهل وظلم إذ التسوية بين المؤمن والمنافق؛ ~~والمسلم والكافر أعظم الظلم وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل فتولد من ~~ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته ~~وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه. وكان في أيام " ~~المتوكل " قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط # PageV04P021 # العمرية؛ وألزموا الصغار فعزت السنة والجماعة وقمعت الجهمية والرافضة ~~ونحوهم. # وكذلك في أيام " المعتضد " والمهدي (*) والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين ~~كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم. وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت ~~السنة بحسب ذلك. وفي دولة " بني بويه " ونحوهم: الأمر بالعكس فإنهم كان ~~فيهم أصناف المذاهب المذمومة. قوم منهم زنادقة وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ~~ومعتزلة ورافضة وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم. فحصل في أهل الإسلام ~~والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام ~~وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة. ~~ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه: كان الإسلام ~~والسنة في مملكته أعز فإنه غزا المشركين من أهل الهند ونشر من العدل ما لم ~~ينشره مثله. فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة. وكذلك ~~السلطان " نور الدين محمود " الذي كان بالشام؛ عز أهل الإسلام والسنة في ~~زمنه وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة ~~والجهمية ونحوهم. وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس PageV04P022 # ووزارة ابن هبيرة لهم فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام. ولهذا كان له من ~~العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره. وما يوجد من إقرار أئمة الكلام ~~والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال ومن شهادة أئمة ~~الكلام والفلسفة بعضهم على بعض كذلك؛ فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع وكذلك ms0849 ~~ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير وأئمة السنة ~~والحديث لا يرجع منهم أحد لأن " الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه ~~أحد " وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع ~~الضلال وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال. وهذا باب واسع كما قدمناه. ~~وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الآخرين ~~وأقرب إلى الحق فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل ~~الملل مع المسلمين وحالهم معهم. # وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض ~~أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول: إنما يعيبهم بقلة المعرفة؛ أو بقلة ~~الفهم. أما الأول: فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة؛ أو بآثار لا تصلح ~~للاحتجاج. وأما الثاني: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة بل قد يقولون ~~القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك. # PageV04P023 # والأمر راجع إلى شيئين: - إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة ~~كالأحاديث الموضوعة وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذ كان اتباع ~~الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث. وثانيا إلى فهم معناه كاتباع القرآن. ~~فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين. ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم ~~بهذا. ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل " ~~الأصول والفروع " وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن ~~والحديث ما لا يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله؛ ووضعوه على غير ~~موضعه. ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ~~ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق ~~والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول ~~وزورا وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات فهذا لا ينكره ~~إلا جاهل أو ظالم وقد رأيت من هذا عجائب. لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك ~~كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من ms0850 الظلم ~~والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر ~~يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم # PageV04P024 # أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث ~~بالنسبة إلى غيرهم. وبيان ذلك: أن ما ذكر من فضول الكلام الذي لا يفيد مع ~~اعتقاد أنه طريق إلى التصور والتصديق - هو في أهل الكلام والمنطق أضعاف ~~أضعاف أضعاف ما هو في أهل الحديث؛ فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف ~~احتجاج هؤلاء بالحدود والأقيسة الكثيرة العقيمة؛ التي لا تفيد معرفة؛ بل ~~تفيد جهلا وضلالا وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف هؤلاء ~~من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر وما أحسن قول الإمام أحمد: " ~~ضعيف الحديث خير من رأي فلان ". ثم لأهل الحديث من المزية: أن ما يقولونه ~~من الكلام الذي لا يفهمه بعضهم هو كلام في نفسه حق وقد آمنوا بذلك وأما ~~المتكلمة: فيتكلفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق وأهل الحديث ~~لا يستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة بل إما في تأييده؛ ~~وإما في فرع من الفروع وأولئك يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض ~~الأصول الحقة الثابتة. # إذا عرف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين ~~للرسل: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} وقال تعالى: # PageV04P025 # {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول} ~~إلى قوله: {والعنهم لعنا كبيرا} ومثل هذا في القرآن كثير. وإذا كانت " ~~سعادة الدنيا والآخرة " هي باتباع المرسلين. فمن المعلوم أن أحق الناس ~~بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم ~~المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان وهم الطائفة الناجية من أهل ~~كل ملة وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة. فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما ~~عندهم من أمور الرسالة ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن ~~الرسول؛ مما يجهله ms0851 غيرهم أو يكذب به. والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ~~عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ المبين. وخاتم الرسل محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنزل الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه؛ فهو ~~الأمين على جميع الكتب وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله وكان أنصح الخلق ~~لعباد الله وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في ~~الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين. فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما ~~وأعلاهم درجة: أعظمهم اتباعا وموافقة له علما وعملا. وأما غير أتباعه من ~~أهل الكلام؛ فالكلام في أقيستهم التي هي حججهم # PageV04P026 # وبراهينهم على معارفهم وعلومهم وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئا من السنة ~~والحديث؛ من المتكلمين والفلاسفة. فالكلام في هذا المقام واسع لا ينضبط هنا ~~لكن المعلوم من حيث الجملة: أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا ~~وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم؛ لا يكاد - والله أعلم - ~~تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك. # وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم - وأنا إذ ذاك ~~صغير قريب العهد من الاحتلام - كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل ~~وإما في المسائل إما أن يقولوا مسألة تكون حقا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة ~~وإما أن تكون المسألة باطلا. فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا وذكر " مسألة ~~التوحيد " فقلت: التوحيد حق. لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى ~~أذكر لك ما فيه. فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه - وكان ~~أيضا من المتعصبين لهم - فذكر ذلك له قال فأخذ يعظم ذلك علي فقلت: أنا لا ~~أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين. ويدلك على ذلك أمور: - ~~أحدها: أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا وأضعف الناس علما ويقينا وهذا ~~أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر هنا. ~~وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل ومن المعلوم: أن ~~الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا ms0852 فيه منفعة وأحسن # PageV04P027 # أحوال صاحبه: أن يكون بمنزلة العامي وإنما العلم في جواب السؤال. ولهذا ~~تجد غالب حججهم تتكافأ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر. # وقد قيل: إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك ~~- صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هو ~~صناعته التي يحسن الكلام فيها وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدي في ~~طريقهم كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي " أكثر ~~الناس شكا عند الموت أهل الكلام ". وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس ~~في هذا الباب - باب الحيرة والشك والاضطراب - لكن هو مسرف في هذا الباب؛ ~~بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق بخلاف غيره؛ فإنه يحقق شيئا ويثبت على ~~نوع من الحق لكن بعض الناس قد يثبت على باطل محض بل لا بد فيه من نوع من ~~الحق. وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام: ابن واصل ~~الحموي كان يقول: " أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر ~~المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح ~~عندي شيء " ولهذا أنشد الخطابي: # حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور # فإذا كانت هذه حال حججهم فأي لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا؟ # PageV04P028 # وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا إلى الحشو أهل الحديث والسنة؟ الذين هم ~~أعظم الناس علما ويقينا وطمأنينة وسكينة؛ وهم الذين يعلمون؛ ويعلمون أنهم ~~يعلمون؛ وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون. فأما ما أوتيه علماء أهل ~~الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى: فأمر يجل عن الوصف. ولكن عند ~~عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة ~~المتكلمين. وهذا ظاهر مشهود لكل أحد. غاية ما يقوله أحدهم: أنهم جزموا بغير ~~دليل وصمموا بغير حجة وإنما معهم التقليد. وهذا القدر قد يكون في كثير من ~~العامة. لكن جزم العلم غير جزم الهوى. فالجازم بغير علم يجد ms0853 من نفسه أنه ~~غير عالم بما جزم به والجازم بعلم يجد من نفسه أنه عالم؛ إذ كون الإنسان ~~عالما وغير عالم مثل كونه سامعا ومبصرا وغير سامع ومبصر فهو يعلم من نفسه ~~ذلك: مثل ما يعلم من نفسه كونه محبا ومبغضا ومريدا وكارها؛ ومسرورا ~~ومحزونا؛ ومنعما ومعذبا؛ وغير ذلك. ومن شك في كونه يعلم مع كونه يعلم - فهو ~~بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم وذلك نظير من شك في كونه سمع ورأى؛ أو ~~جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه. والغلط أو الكذب يعرض للإنسان في كل ~~واحد من طرفي النفي والإثبات لكن هذا الغلط أو الكذب العارض لا يمنع أن ~~يكون الإنسان جازما بما لا يشك فيه من ذلك كما يجزم بما يجده من الطعوم ~~والأراييح وإن كان قد يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو مرا. # PageV04P029 # فالأسباب العارضة لغلط الحس الباطن أو الظاهر والعقل: بمنزلة المرض ~~العارض لحركة البدن والنفس والأصل هو الصحة في الإدراك وفي الحركة. فإن ~~الله خلق عباده على الفطرة. وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة؛ ~~كالمرة الصفراء العارضة للطعم وكالحول في العين ونحو ذلك وإلا فمن حاسب ~~نفسه على ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما ~~جزمهم لنوع من الهوى كما قال تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} ~~وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} . ولهذا تجد اليهود يصممون ~~ويصرون على باطلهم لما في نفوسهم من الكبر والحسد والقسوة وغير ذلك من ~~الأهواء. وأما النصارى فأعظم ضلالا منهم وإن كانوا في العادة والأخلاق أقل ~~منهم شرا فليسوا جازمين بغالب ضلالهم بل عند الاعتبار تجد من ترك الهوى من ~~الطائفتين ونظر نوع نظر تبين له الإسلام حقا. والمقصود هنا: أن معرفة ~~الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم: مرجعه إلى وجود نفسه عالمة. ولهذا لا نحتج ~~على منكر العلم إلا بوجودنا نفوسنا عالمة؛ كما احتجوا على منكري الأخبار ~~المتواترة بأنا نجد ms0854 نفوسنا عالمة بذلك وجازمة به كعلمنا وجزمنا بما ~~أحسسناه. وجعل المحققون وجود العلم بخبر من الأخبار هو الضابط في حصول ~~التواتر؛ إذ لم يحدوه بعدد ولا صفة؛ بل متى حصل العلم كان هو المعتبر، ~~والإنسان يجد نفسه عالمة وهذا حق. # PageV04P030 # فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل فإن علمه بمقدمات ~~ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها فلو احتاج علمه بكونه عالما ~~إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل؛ ولهذا لا يحس الإنسان بوجود العلم عند ~~وجود سببه إن كان بديهيا؛ أو إن كان نظريا إذا علم المقدمتين. وبهذا استدل ~~على منكري إفادة النظر العلم وإن كان في هذه المسألة تفصيل ليس هذا موضعه. ~~فالغرض: أن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك الدليل ~~كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع للصوت والترائي للشمس أو الهلال أو ~~غير ذلك. والعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله ~~الله من الأسباب وعامة ذلك بملائكة الله تعالى. فإن الله سبحانه ينزل بها ~~على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء. ولهذا {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس} " وقال تعالى: {كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال صلى الله عليه وسلم " {من طلب القضاء ~~واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ~~ملكا يسدده} " وقال عبد الله بن مسعود: " كنا نتحدث أن السكينة تنطق على ~~لسان عمر " وقال ابن مسعود أيضا: " إن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك: ~~إيعاد بالخير وتصديق بالحق. ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق " وهذا ~~الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ # PageV04P031 # عنه وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهو كلام جامع لأصول ~~ما يكون من العبد من علم وعمل من شعور وإرادة. وذلك: أن العبد له قوة ~~الشعور والإحساس والإدراك وقوة الإرادة والحركة وإحداهما أصل الثانية ~~مستلزمة لها. ms0855 والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها. فهو بالأولى يصدق بالحق ~~ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع الملائم له؛ ويبغض الضار المنافي له. ~~والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ~~ومعرفة الباطل والتكذيب به ومعرفة النافع الملائم والمحبة له ومعرفة الضار ~~المنافي والبغض له بالفطرة. فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة وما كان حقا ~~نافعا عرفته الفطرة فأحبته واطمأنت إليه. وذلك هو المعروف وما كان باطلا ~~معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة فأنكرته. قال تعالى: {يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر} . والإنسان كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال: " {أصدق الأسماء حارث وهمام} " فهو دائما يهم ويعمل لكنه لا يعمل ~~إلا ما يرجو نفعه أو دفع مضرته ولكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد ~~باطل إما في نفس المقصود: فلا يكون نافعا ولا ضارا وإما في الوسيلة: فلا ~~تكون طريقا إليه. وهذا جهل. وقد يعلم أن هذا الشيء يضره ويفعله ويعلم أنه ~~ينفعه ويتركه؛ لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم ~~آخر جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذاك. ولهذا قال أبو العالية: " سألت أصحاب ~~محمد # PageV04P032 # صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ؟ فقالوا. كل من عصى الله فهو جاهل وكل من ~~تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجيا. ~~وإن كان راهبا خائفا لم يسع إلا في النجاة ولم يهرب إلا من الخوف فالرجاء ~~لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلب المحبوب أو ~~فوات المكروه فكل بني آدم له اعتقاد؛ فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء وله قصد ~~وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه أو لوجود المحبوب ~~عنده؛ أو لدفع المكروه عنه. والله خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله فإذا ~~كذب بالحق فلم يصدق به ولم يرج الخير فيقصده ويعمل ms0856 له: كان خاسرا بترك ~~تصديق الحق وطلب الخير فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟ فكيف إذا صدق ~~بالباطل وأراد الشر؟ فذكر عبد الله بن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ~~ولمة من الشيطان فلمة الملك تصديق بالحق وهو ما كان من غير جنس الاعتقاد ~~الفاسد ولمة الشيطان هو تكذيب بالحق وإيعاد بالشر وهو ما كان من جنس إرادة ~~الشر وظن وجوده: إما مع رجائه إن كان مع هوى نفس وإما مع خوفه إن كان غير ~~محبوب لها. وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر. # PageV04P033 # فمبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة: من لمة الملك. ومبدأ الاعتقاد الباطل ~~والإرادة الفاسدة: من لمة الشيطان. قال الله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} وقال تعالى: {إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه} أي: يخوفكم أولياءه وقال تعالى: {وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} . والشيطان ~~وسواس خناس إذا ذكر العبد ربه خنس فإذا غفل عن ذكره وسوس فلهذا كان ترك ذكر ~~الله سببا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب ومن ذكر ~~الله تعالى: تلاوة كتابه وفهمه ومذاكرة العلم كما قال معاذ بن جبل: " ~~ومذاكرته تسبيح ". # وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل فقال ~~بعضهم: ذلك على سبيل التولد. وقال المنكرون للتولد: بل ذلك بفعل الله ~~تعالى. والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له. وهذا ينصره المنتسبون للسنة ~~من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وقالت المتفلسفة: بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد ~~النفس لقبول الفيض. وقد يزعمون أن العقل الفعال هو " جبريل ". فأما قول ~~القائلين " إن ذلك بفعل الله " فهو صحيح بناء على أن الله هو معلم كل علم ~~وخالق كل شيء؛ لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب # PageV04P034 # الخاص وأما قول القائلين بالتولد: فبعضه حق وبعضه باطل فإن كان دعواهم أن ~~العلم ms0857 المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد؛ فذلك باطل قطعا ولكن هو حاصل ~~بأمرين: قدرة العبد والسبب الآخر كالقوة التي في السهم والقبول الذي في ~~المحل. ولا ريب أن النظر هو بسبب ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم. وأما ~~زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال: فمن الخرافات التي لا دليل عليها. وأبطل ~~من ذلك زعمهم: أن ذلك هو جبريل وزعمهم: أن كل ما يحصل في عالم العناصر من ~~الصور الجسمانية وكمالاتها: فهو من فيضه وبسببه فهو من أبطل الباطل. ولكن ~~إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية: صحيح في الجملة. فإن الله سبحانه وتعالى ~~يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره ولفظ " الملك " ~~يدل على ذلك. وبذلك أخبرت الأنبياء وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا ~~يتسع هذا الموضع لذكره كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في ملائكة تخليق ~~الجنين وغيره. وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر يكون هو رب هذا العالم ~~فهذا باطل. وليس هذا موضع استقصاء ذلك ولكن لا بد أن يعلم أن المبدأ في ~~شعور النفس وحركتها: هم الملائكة أو الشياطين فالملك يلقي التصديق بالحق ~~والأمر بالخير والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر. والتصديق ~~والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان؛ كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته. # PageV04P035 # فإذا كان النظر في دليل هاد - كالقرآن - وسلم من معارضات الشيطان. تضمن ~~ذلك النظر العلم والهدى. ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند ~~القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته؛ بأن تكون مقدمتاه ~~أو إحداهما متضمنة للباطل أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم: ~~فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين ~~للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم. فإذا كان الناظر لا بد له ~~من منظور فيه. والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علما؛ بل ربما ~~خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات؛ يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب إلى ~~معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصور. وأما ms0858 النظر المفيد للعلم: فهو ما ~~كان في دليل هاد. والدليل الهادي - على العموم والإطلاق - هو " كتاب الله " ~~و " سنة نبيه " فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر: هو ما يفيد وينفع ~~ويحصل الهدى وهو بذكر الله وما نزل من الحق. فإذا أراد النظر والاعتبار في ~~الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره؛ كما ~~قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم} . وقال تعالى: {وكذلك أوحينا # PageV04P036 # إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وأما النظر في ~~مسألة معينة وقضية معينة؛ لطلب حكمها والتصديق بالحق فيها؛ والعبد لا يعرف ~~ما يدله على هذا أو هذا: فمجرد هذا النظر لا يفيد. بل قد يقع له تصديقات ~~يحسبها حقا وهي باطل. وذلك من إلقاء الشيطان. وقد يقع له تصديقات تكون حقا ~~وذلك من إلقاء الملك. وكذلك إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن فقد ~~يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدي بالقرآن وقد لا يفهمه أو يحرف ~~الكلم عن مواضعه فيضل به ويكون ذلك من الشيطان. كما قال تعالى: {وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال: {يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} وقال: {فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم} وقال: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى} وقال: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} . فالناظر في ~~الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لعشى في بصره وكذلك ~~أعمى القلب. # PageV04P037 # وأما الناظر في المسألة: ms0859 فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل ~~الهادي وإلى أن يهتدي به وينتفع. فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه ~~الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة: وهو ذكر الله تعالى والغفلة ~~عنه. فإن الشيطان وسواس خناس فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل عن ذكر الله ~~وسوس. و " ذكر الله " يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان. والله سبحانه هو رب كل ~~شيء ومليكه وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود فذكره ~~والعلم به أصل لكل علم وذكره في القلب. والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد ~~الإيمان كما قال " جندب بن عبد الله البجلي " وغيره من الصحابة: " تعلمنا ~~الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا " ولهذا كان أول ما أنزل الله على ~~نبيه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فأمره أن يقرأ باسم الله؛ فتضمن هذا الأمر ~~بذكر الله وما نزل من الحق وقال: {باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} ~~{اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . فذكر ~~سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا وهو الإنسان وأنه ~~المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر ~~المراتب ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب. # PageV04P038 # وحقيقة الأمر: أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى طالب سائل ~~فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله كما قال: " {يا عبادي كلكم ضال ~~إلا من هديته فاستهدوني أهدكم} " وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~" {اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما أختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} ". ومما يوضح ذلك: أن ~~الطالب للعلم بالنظر والاستدلال والتفكر والتدبر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر ~~في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه ومتى كان العلم مستفادا بالنظر فلا بد ~~أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما ms0860 لا يحتاج حصوله إلى ~~نظر؛ فيكون ذلك المعلوم أصلا وسببا للتفكر الذي يطلب به معلوما آخر ولهذا ~~كان الذكر متعلقا بالله لأنه سبحانه هو الحق المعلوم وكان التفكر في ~~مخلوقاته كما قال الله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} . وقد جاء الأثر: " {تفكروا في المخلوق ~~ولا تتفكروا في الخالق} "؛ لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة ~~والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات. # PageV04P039 # وأما الخالق - جل جلاله سبحانه وتعالى - فليس له شبيه ولا نظير فالتفكر ~~الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد. ~~وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه: يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال ~~بمجرد التفكير والتقدير - أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه. ~~فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك: فيدخل فيها التفكير والتقدير كما ~~جاء به الكتاب والسنة ولهذا كان كثير من أرباب العبادة والتصوف يأمرون ~~بملازمة الذكر ويجعلون ذلك هو باب الوصول إلى الحق. وهذا حسن إذا ضموا إليه ~~تدبر القرآن والسنة واتباع ذلك وكثير من أرباب النظر والكلام يأمرون ~~بالتفكر والنظر ويجعلون ذلك هو الطريق إلى معرفة الحق. والنظر صحيح إذا كان ~~في حق ودليل كما تقدم فكل من الطريقين فيها حق لكن يحتاج إلى الحق الذي في ~~الأخرى ويجب تنزيه كل منهما عما دخل فيها من الباطل وذلك كله باتباع ما جاء ~~به المرسلون؛ وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع؛ وبينا طرق أهل ~~العبادة والرياضة والذكر؛ وطريق أهل الكلام والنظر والاستدلال؛ وما في كل ~~منهما من مقبول ومردود؛ وبينا ما جاءت به الرسالة من الطريق الكاملة ~~الجامعة لكل حق. وليس هذا موضع بسط ذلك. # PageV04P040 # وإنما المقصود هنا: أن الإنسان محس بأنه عالم: يجد ذلك ويعرفه بغير واسطة ~~أحد؛ كما يحس بغير ذلك. و ### | حصول العلم في القلب # كحصول الطعام في الجسم فالجسم يحس بالطعام والشراب؛ وكذلك القلوب تحس بما ~~يتنزل إليها ms0861 من العلوم التي هي طعامها وشرابها كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن} " وكما ~~قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} وفي ~~الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {مثل ما بعثني ~~الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضا وكانت منها طائفة قبلت الماء ~~فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس ~~وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل ~~من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل من لم ~~يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} ". فضرب مثل الهدى والعلم ~~الذي ينزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض. وكما أن لله ملائكة ~~موكلة بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم. هذا رزق القلوب ~~وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها قال الحسن # PageV04P041 # البصري في قوله تعالى {ومما رزقناهم ينفقون} قال: " إن من أعظم النفقة ~~نفقة العلم " أو نحو هذا الكلام وفي أثر آخر: " {نعمت العطية ونعمت الهدية: ~~الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم} ". وفي أثر آخر عن ~~أبي الدرداء: " {ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له مؤمنين ~~فيتفرقون وقد نفعهم الله بها} " أو ما يشبه هذا الكلام. وعن كعب بن عجرة ~~قال: " {ألا أهدي لك هدية؟ فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم} ". ~~وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~{أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علما ثم يعلمه أخاه المسلم} " وقال معاذ بن ~~جبل: " عليكم بالعلم فإن طلبه عبادة وتعلمه لله حسنة وبذله لأهله قربة ~~وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة والبحث عنه جهاد ومذاكرته تسبيح ". ولهذا كان ~~معلم الخير ms0862 يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر والله وملائكته يصلون ~~على معلم الناس الخير لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء. وعكسه كاتموا ~~العلم فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون قال طائفة من السلف: " إذا كتم ~~الناس العلم. فعمل بالمعاصي احتبس القطر فتقول البهائم: اللهم [العن] (*) ~~عصاة بني آدم فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم ". وإذا كان علم الإنسان بكونه ~~عالما مرجعه إلى وجوده ذلك وإحساسه في نفسه بذلك - وهذا أمر موجود بالضرورة ~~- لم يكن لهم أن يخبروا عما PageV04P042 # في نفوس الناس: بأنه ليس بعلم بغير حجة فإن عدم وجودهم من نفوسهم ذلك لا ~~يقتضي أن الناس لم يجدوا ذلك لا سيما إذا كان المخبرون يخبرون عن اليقين ~~الذي في أنفسهم؛ عمن لا يشكون في علمه وصدقه ومعرفته بما يقول. وهذا حال ~~أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين ~~والطمأنينة والعلم الضروري كما في الحكاية المحفوظة عن " نجم الدين الكبرى ~~" لما دخل عليه متكلمان أحدهما أبو عبد الله الرازي. والآخر: من متكلمي ~~المعتزلة وقالا: يا شيخ بلغنا: أنك تعلم علم اليقين. فقال: نعم أنا أعلم ~~علم اليقين. فقالا: كيف يمكن ذلك ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم ~~يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا؟ - وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام - ~~فقال: ما أدري ما تقولان. ولكن أنا أعلم علم اليقين فقالا: صف لنا علم ~~اليقين فقال: علم اليقين - عندنا - واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ~~ردها فجعلا يقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها ويستحسنان ~~هذا الجواب. وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي أو ~~بديهي ونظري. فالنظري الكسبي: لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية ~~فتلك لا تحتاج إلى دليل وإلا لزم الدور أو التسلسل. والعلم الضروري: هو ~~الذي # PageV04P043 # يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه فالمرجع في كونه ضروريا ~~إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه. فأخبر الشيخ: أن علومهم ضرورية وأنها ترد ms0863 ~~على النفوس على وجه تعجز عن دفعه فقالا له: ما الطريق إلى ذلك؟ فقال: ~~تتركان ما أنتما فيه وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة. فقال ~~الرازي: أنا مشغول عن هذا. وقال المعتزلي: أنا قد احترق قلبي بالشبهات وأحب ~~هذه الواردات فلزم الشيخ مدة ثم خرج من محل عبادته وهو يقوله: والله يا ~~سيدي ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة - يعني: المثبتين للصفات؛ فإن ~~المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة - وذلك أنه علم علما ضروريا لا يمكنه دفعه ~~عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم وأن يكون بائنا منه له صفات ~~تختص به وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو عدم محض. وهذا موضع ~~الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني لأبي المعالي الجويني ~~لما أخذ يقول على المنبر: كان الله ولا عرش فقال: يا أستاذ دعنا من ذكر ~~العرش - يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع - أخبرنا عن هذه الضرورة التي ~~نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط " يا الله " إلا وجد من قلبه ضرورة ~~تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: ~~فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني ونزل. # PageV04P044 # وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~علم بالسمع. الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة. وأما ~~كونه عاليا على مخلوقاته بائنا منهم: فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي ~~يشترك فيها جميع بني آدم. وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر ~~وقلبه له أذكر كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالفطرة ~~المنزلة فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا ~~تستقل الفطرة به. فهذا هذا. والله أعلم. # PageV04P045 # فصل: # والحاصل: أن كل من استحكم في بدعته يرى أن قياسه يطرد؛ لما فيه من ~~التسوية بين المتماثلين عنده - وإن استلزم ذلك كثرة مخالفة النصوص - وهذا ms0864 ~~موجود في المسائل العلمية الخبرية والمسائل العملية الإرادية: تجد المتكلم ~~قد يطرد قياسه طردا مستمرا فيكون في ظاهر الأمر أجود ممن نقضها وتجد المستن ~~الذي شاركه في ذلك القياس قد يقول ما يناقض ذلك القياس في مواضع؛ مع ~~استشعار التناقض تارة وبدون استشعاره تارة وهو الأغلب. وربما يخيل بفروق ~~ضعيفة فهو في نقض علته والتفريق بين المتماثلين فيها يظهر أنه دون الأول في ~~العلم والخبرة وطرد القول وليس كذلك؛ بل هو خير من الأول. فإن ذلك القياس ~~الذي اشتركا فيه كان فاسدا في أصله: لمخالفة النص والقياس الصحيح فالذي ~~طرده أكثر فسادا وتناقضا من هذا الذي نقضه. وهذا شأن كل من وافق غيره على ~~قياس ليس هو في نفس الأمر بحق وكان أحدهما من النصوص في مواضع ما يخالف ذلك ~~القياس وهذا يسميه الفقهاء في مواضع كثيرة: الاستحسان. فتجد القائلين ~~بالاستحسان الذي تركوا فيه القياس لنص خيرا من الذين طردوا القياس وتركوا ~~النص. # PageV04P046 # ولهذا يروى عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر فإنكم إن أخذتم ~~بمقاييسه حرمتم الحلال وحللتم الحرام " فإن زفر كان كثير الطرد لما يظنه من ~~القياس مع قلة علمه بالنصوص. وكان أبو يوسف نظره بالعكس؛ كان أعلم بالحديث ~~منه ولهذا توجد المسائل التي يخالف فيها زفر أصحابه عامتها قياسية ولا يكون ~~إلا قياسا ضعيفا عند التأمل وتوجد المسائل التي يخالف فيها أبو يوسف أبا ~~حنيفة واتبعه محمد عليها؛ عامتها اتبع فيها النصوص والأقيسة الصحيحة لأن ~~أبا يوسف رحل بعد موت أبي حنيفة إلى الحجاز واستفاد من علم السنن التي كانت ~~عندهم ما لم تكن مشهورة بالكوفة وكان يقول: " لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع ~~كما رجعت " لعلمه بأن صاحبه ما كان يقصد إلا اتباع الشريعة لكن قد يكون عند ~~غيره من علم السنن ما لم يبلغه. وهذا أيضا حال كثير من الفقهاء بعضهم مع ~~بعض فيما وافقوا عليه من قياس لم تثبت صحته بالأدلة المعتمدة فإن الموافقة ~~فيه توجب طرده ثم أهل النصوص قد ينقضونه ms0865 والذين لا يعلمون النصوص يطردونه. ~~وكذلك هذه حال أكثر متكلمة أهل الإثبات مع متكلمة النفاة؛ في مسائل الصفات ~~والقدر وغير ذلك قد يوافقونهم على قياس فيه نفي ثم يطرده أولئك فينفون به ~~ما أثبتته النصوص والمثبتة لا تفعل ذلك # PageV04P047 # بل لا بد من القول بموجب النص فربما قالوا ببعض معناها وربما فرقوا بفرق ~~ضعيف. وأصل ذلك: موافقة أولئك على القياس الضعيف وذلك في مثل مسائل الجسم ~~والجوهر وغير ذلك. وهكذا تجد هذا حال من أعان ظالما في الأفعال فإن الأفعال ~~لا تقع إلا عن إرادة؛ فالظالم يطرد إرادته فيصيب من أعانه أو يصيب ظلما لا ~~يختاره هذا فيريد المعين أن ينقض الطرد ويخص علته ولهذا يقال: من أعان ~~ظالما بلي به وهذا عام في جميع الظلمة من أهل الأقوال والأعمال؛ وأهل البدع ~~والفجور. وكل من خالف الكتاب والسنة من خبر أو أمر أو عمل فهو ظالم. فإن ~~الله أرسل رسله ليقوم الناس بالقسط ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم وقد ~~بين الله سبحانه له من القسط ما لم يبينه لغيره وأقدره على ما لم يقدر عليه ~~غيره فصار يفعل ويأمر بما لا يأمر به غيره ويفعله. وذلك أن بني آدم في كثير ~~من المواضع قد لا يعلمون حقيقة القسط ولا يقدرون على فعله بل ما كان إليه ~~أقرب وبه أشبه كان أمثل وهي الطريقة المثلى وقد بسطنا هذا في مواضع قال ~~تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط} وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال: ~~{فاتقوا الله # PageV04P048 # ما استطعتم} وقال صلى الله عليه وسلم " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} ". والمقصود: أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة ~~والجماعة من المعرفة واليقين والطمأنينة والجزم الحق والقول الثابت والقطع ~~بما هم عليه أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين. وهب أن ~~المخالف لا يسلم ذلك فلا ريب أنهم يخبرون عن أنفسهم بذلك ويقولون: إنهم ~~يجدون ذلك. وهو وطائفته يخبرون بضد ذلك ولا يجدون عندهم إلا الريب. فأي ~~الطائفتين ms0866 أحق بأن يكون كلامها موصوفا بالحشو؟ أو يكون أولى بالجهل والضلال ~~والإفك والمحال؟ . وكلام المشايخ والأئمة من أهل السنة والفقه والمعرفة في ~~هذا الباب أعظم من أن نطيل به الخطاب. # PageV04P049 # الوجه الثاني: # أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول وجزما بالقول في ~~موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين. فإن ~~الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم " هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. ~~قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد " ولهذا قال بعض ~~السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: " من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر ~~التنقل ". وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم ~~رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع ~~المحن وفتنوا بأنواع الفتن وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل ~~الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة حتى ~~كان مالك رحمه الله يقول: " لا تغبطوا أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء ". ~~يقول: إن الله لا بد أن يبتلي المؤمن فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى: ~~{الم} أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون {ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا # PageV04P050 # وليعلمن الكاذبين} وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون} وقال تعالى: {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} . ومن صبر من ~~أهل الأهواء على قوله فذاك لما فيه من الحق إذ لا بد في كل بدعة - عليها ~~طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوافق عليه ~~أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها إذ الباطل المحض لا يقبل بحال. # وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ms0867 أضعاف ما ~~هو عند أهل الكلام والفلسفة؛ بل المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من ~~المتكلم. # لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف ~~ولهذا تجد مثل " أبي الحسين البصري " وأمثاله أثبت من مثل " ابن سينا " ~~وأمثاله. وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع ~~دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان. وأهل السنة ~~والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان ~~إلى الاتفاق والائتلاف أقرب فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة ~~إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات بل وفي الطبيعيات والرياضيات ~~وصفات الأفلاك: من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال. # PageV04P051 # وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل مثل " أبي الحسن الأشعري " في كتاب ~~المقالات ومثل القاضي " أبي بكر " في كتاب الدقائق من مقالاتهم بقدر ما ~~يذكره الفارابي وابن سينا؛ وأمثالهما أضعافا مضاعفة. وأهل الإثبات من ~~المتكلمين - مثل الكلابية والكرامية والأشعرية - أكثر اتفاقا وائتلافا من ~~المعتزلة فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا حتى ليكفر ~~التلميذ أستاذه من جنس ما بين الخوارج وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ~~ذلك ما يطول وصفه ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء ~~من القرآن والحديث وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ~~ذلك وقدم غيره عليه قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم} فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا ~~وفعلا وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة فمن خالفهم في شيء فاته من ~~الرحمة بقدر ذلك. ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا ~~أعظم اختلافا والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة ~~والحديث كانوا أعظم افتراقا في هذه لا سيما الرافضة فإنه يقال: إنهم أعظم ~~الطوائف اختلافا وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة ~~فإنهم أقرب إلى ذلك منهم. # PageV04P052 # وأبو محمد ms0868 بن قتيبة - في أول كتاب مختلف الحديث - لما ذكر أهل الحديث ~~وأئمتهم وأهل الكلام وأئمتهم: كفى بذكر أئمة هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم؛ ~~ووصف أئمة هؤلاء وأقوالهم وأفعالهم بما يبين لكل أحد: أن أهل الحديث هم أهل ~~الحق والهدى وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل. وأيضا ~~المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال: إما عن سوء عقيدة ونفاق وإما ~~عن مرض في القلب وضعف إيمان. ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود ~~والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد وعامة شيوخهم يرمون ~~بالعظائم وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة ففي زهد بعض العامة من أهل ~~السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه. ومن المعلوم أن العلم أصل العمل وصحة ~~الأصول توجب صحة الفروع والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما ~~الحاجة؛ وإما الجهل فأما العالم بقبح الشيء الغني عنه فلا يفعله اللهم إلا ~~من غلب هواه عقله واستولت عليه المعاصي فذاك لون آخر وضرب ثان. وأيضا فإنه ~~لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقالة يكفر قائلها عموم ~~المسلمين حتى أصحابه وفي التعميم ما يغني عن التعيين فأي فريق # PageV04P053 # أحق بالحشو والضلال من هؤلاء؟ وذلك يقتضي وجود الردة فيهم كما يوجد ~~النفاق فيهم كثيرا. وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها ~~مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم ~~في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين ~~المسلمين؛ بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها ~~وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد ~~سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك؛ ~~فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم ~~شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومثل ~~تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرا من ms0869 رؤسائهم ~~وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى ~~الإسلام فقد حكي عن الجهم بن صفوان: أنه ترك الصلاة أربعين يوما لا يرى ~~وجوبها؛ كرؤساء العشائر مثل الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ونحوهم ممن ارتد ~~عن الإسلام ودخل فيه ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن ~~كذلك. أو يقال: هم لما فيهم من العلم يشبهون بعبد الله بن أبي سرح الذي كان # PageV04P054 # كاتب الوحي فارتد ولحق بالمشركين فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه عام ~~الفتح ثم أتى به عثمان إليه فبايعه على الإسلام. فمن صنف في مذهب المشركين ~~ونحوهم أحسن أحواله أن يكون مسلما. فكثير من رءوس هؤلاء هكذا تجده تارة ~~يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق وقد يكون ~~له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق ~~والحكايات عنهم بذلك مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول مختلف ~~الحديث وقد حكى أهل المقالات لبعضهم عن بعض من ذلك طرفا كما يذكره أبو عيسى ~~الوراق والنوبختي وأبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو ~~عبد الله الشهرستاني وغيرهم ممن يذكر مقالات أهل الكلام. وأبلغ من ذلك: أن ~~منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في ~~عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ~~ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام. # ومن العجب: أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا ~~أهل نظر واستدلال وأنهم ينكرون حجة العقل. وربما حكي إنكار النظر عن بعض ~~أئمة السنة وهذا مما ينكرونه عليهم. # PageV04P055 # فيقال لهم: ليس هذا بحق. فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به ~~القرآن هذا أصل متفق عليه بينهم. والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر ~~والتدبر في غير آية ولا يعرف عن ms0870 أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها ~~أنه أنكر ذلك بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر ~~والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك ولكن وقع اشتراك في لفظ " النظر ~~والاستدلال " ولفظ " الكلام " فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل ~~نظرهم وكلامهم واستدلالهم فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر ~~والاستدلال. وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمي ما وضعه " أصول الدين " ~~وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم. فإذا أنكر ~~أهل الحق والسنة ذلك قال المبطل: قد أنكروا أصول الدين. وهم لم ينكروا ما ~~يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين وهي أسماء ~~سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فالدين ما شرعه الله ~~ورسوله وقد بين أصوله وفروعه ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين ~~دون أصوله كما قد بينا هذا في غير هذا الموضع فهكذا لفظ النظر والاعتبار ~~والاستدلال ". وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة ~~كما كان # PageV04P056 # الزهري يقول: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة " وقال مالك ~~" السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ". وذلك أن السنة ~~والشريعة والمنهاج: هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله. ~~والرسول: هو الدليل الهادي الخريت في هذا الصراط كما قال تعالى: {إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} . وقال ~~تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} وقال تعالى: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} {وقال عبد الله بن ~~مسعود خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم ~~قال: هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ms0871 بكم عن سبيله} } . ~~وإذا تأمل العاقل - الذي يرجو لقاء الله - هذا المثال وتأمل سائر الطوائف ~~من الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة ومن أقرب منهم إلى السنة من ~~أهل الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم وأن كلا منهم له سبيل ~~يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث ويدعي أن سبيله هو الصواب - وجدت ~~أنهم المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى. إن هو ~~إلا وحي يوحى. والعجب أن من هؤلاء من يصرح بأن عقله إذا عارضه الحديث - لا ~~سيما # PageV04P057 # في أخبار الصفات - حمل الحديث على عقله وصرح بتقديمه على الحديث وجعل ~~عقله ميزانا للحديث فليت شعري هل عقله هذا كان مصرحا بتقديمه في الشريعة ~~المحمدية فيكون من السبيل المأمور باتباعه أم هو عقل مبتدع جاهل ضال حائر ~~خارج عن السبيل؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. # وهؤلاء الاتحادية وأمثالهم إنما أتوا من قلة العلم والإيمان بصفات الله ~~التي يتميز بها عن المخلوقات وقلة اتباع السنة وطريقة السلف في ذلك بل قد ~~يعتقدون من التجهم ما ينافي السنة تلقيا لذلك عن متفلسف أو متكلم فيكون ذلك ~~الاعتقاد صادا لهم عن سبيل الله كلما أرادت قلوبهم أن تتقرب إلى ربها وتسلك ~~الصراط المستقيم إليه وتعبده - كما فطروا عليه وكما بلغتهم الرسل من علوه ~~وعظمته - صرفتهم تلك العوائق المضلة عن ذلك حتى تجد خلقا من مقلدة الجهمية ~~يوافقهم بلسانه وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة وأكثرهم لا يفهمون ما النفي ~~الذي يقولونه بألسنتهم؟ بل يجعلونه تنزيها مطلقا مجملا. ومنهم من لا يفهم ~~قول الجهمية. بل يفهم من النفي معنى صحيحا ويعتقد أن المثبت يثبت نقيض ذلك ~~ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك. مثل أن يفهم من قولهم: ليس في جهة ولا له مكان ~~ولا هو في السماء: أنه ليس في جوف السموات وهذا معنى صحيح؛ وإيمانه بذلك حق ~~ولكن # PageV04P058 # يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك وليس كذلك. بل مرادهم: أنه ~~ما فوق العرش شيء أصلا ولا فوق ms0872 السموات إلا عدم محض؛ ليس هناك إله يعبد ولا ~~رب يدعى ويسأل ولا خالق خلق الخلائق ولا عرج بالنبي إلى ربه أصلا هذا ~~مقصودهم. # وهذا هو الذي أوقع الاتحادية في قولهم: هو نفس الموجودات؛ إذ لم تجد ~~قلوبهم موجودا إلا هذه الموجودات؛ إذا لم يكن فوقها شيء آخر وهذا من ~~المعارف الفطرية الشهودية الوجودية: أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق؛ أو ~~وجود آخر مباين له متميز عنه لا سيما إذا علموا أن الأفلاك مستديرة وأن ~~الأعلى هو المحيط. فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق؛ أو موجود ~~فوقه. فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجود آخر ولا فوق العالم شيء؛ لزم ~~أن يقولوا: هو هذا الوجود المخلوق؛ كما قال الاتحادية. وهذه بعينها هي حجة ~~الاتحادية. وهذا بعينه هو مشرب قدماء الجهمية وحدثائهم كما يقولون: هو في ~~كل مكان وليس هو في مكان. ولا يختص بشيء. يجمعون دائما بين القولين ~~المتناقضين لأنهم يريدون إثبات موجود؛ وليس عندهم شيء فوق العالم. فتعين أن ~~يكون هو العالم أو يكون فيه. ثم يريدون إثبات شيء غير المخلوق؛ # PageV04P059 # فيقولون: ليس هو في العالم كما ليس خارجا عنه؛ أو يقولون: هو وجود ~~المخلوقات دون أعيانها أو يقولون: هو الوجود المطلق فيثبتونه فيما يثبتون ~~إذا كانت قلوبهم متشابهة في النفي والتعطيل وهو إنكار موجود حقيقي مباين ~~للمخلوقات عال عليها. وإنما يفترقون فيما يثبتونه ويكرهون فطرهم وعقولهم ~~على قبول المحال المتناقض فيقولون: هو في العالم وليس هو فيه أو هو العالم ~~وليس إياه أو يغلبون الإثبات فيقولون: بل هو نفس الوجود أو النفي فيقولون: ~~ليس في العالم ولا خارجا عنه أو يدينون بالإثبات في حال وبالنفي في حال إذا ~~غلب على أحدهم عقله غلب النفي وهو أنه ليس في العالم وإذا غلب عليه الوجد ~~والعبادة رجح الإثبات وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو لا تجد جهميا إلا على ~~أحد هذه الوجوه الأربعة وإن تنوعوا فيما يثبتونه - كما ذكرته لك - فهم ~~مشتركون في التعطيل. وقد ms0873 رأيت منهم ومن كتبهم؛ وسمعت منهم وممن يخبر عنهم ~~من ذلك ما شاء الله. وكلهم على هذه الأحوال ضالون عن معبودهم وإلههم ~~وخالقهم. ثم رأيت كلام السلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك. فمن الله ~~علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنا بالله وبرسوله. وكل هؤلاء يجد نفسه ~~مضطربة في هذا الاعتقاد لتناقضه في نفسه. وإنما يسكن بعض اضطرابه نوع تقليد ~~لمعظم عنده أو خوفه من مخالفة أصحابه أو زعمه أن هذا من حكم الوهم والخيال ~~دون العقل. # PageV04P060 # وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم ولا هو ~~العالم الذي ترده فطرهم وشهودهم وعقولهم؛ غير ما في الفطرة من الإقرار ~~بصانع فوق العالم فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف وذاك إنكار الفطرة ~~بالباطل المنكر. # ومن هذا الباب: ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة: أن ~~الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي يذكر على المنبر: " ~~كان الله ولا عرش " ونفى الاستواء - على ما عرف من قوله وإن كان في آخر ~~عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين أمه وعجائز نيسابور - قال فقال الشيخ ~~أبو جعفر " يا أستاذ دعنا من ذكر العرش - يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع - ~~أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط " يا الله " ~~إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه ~~الضرورة عن قلوبنا؟ ". فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال. " حيرني ~~الهمداني ". أو كما قال ونزل. فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بني آدم فأخبر أن ~~العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة ~~بخلاف الإقرار بعلو الله على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء فإن هذا ~~أمر فطري ضروري نجده في قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى فكيف ندفع هذه ~~الضرورة عن قلوبنا. # PageV04P061 # {والجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله؟ قالت: في ~~السماء قال: أعتقها فإنها ms0874 مؤمنة} جارية أعجمية أرأيت من فقهها وأخبرها بما ~~ذكرته؟ وإنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها وأقرها النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك وشهد لها بالإيمان. فليتأمل العاقل ذلك يجده ~~هاديا له على معرفة ربه والإقرار به كما ينبغي؛ لا ما أحدثه المتعمقون ~~والمتشدقون ممن سول لهم الشيطان وأملى لهم. ومن أمثلة ذلك: أن الذين لبسوا ~~الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلمين تجدهم يعدون من الأسرار المصونة ~~والعلوم المخزونة: ما إذا تدبره من له أدنى عقل ودين وجد فيه من الجهل ~~والضلال ما لم يكن يظن أنه يقع فيه هؤلاء حتى قد يكذب بصدور ذلك عنهم مثل ~~تفسير حديث المعراج الذي ألفه أبو عبد الله الرازي الذي احتذى فيه حذو ابن ~~سينا وعين القضاة الهمداني فإنه روى حديث المعراج. بسياق طويل وأسماء عجيبة ~~وترتيب لا يوجد في شيء من كتب المسلمين لا في الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة ~~ولا الضعيفة المروية عند أهل العلم. وإنما وضعه بعض السؤال والطرقية أو بعض ~~شياطين الوعاظ أو بعض الزنادقة. ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج - الموجود ~~في كتب الحديث والتفسير والسيرة وعدوله عما يوجد في هذه الكتب إلى ما لم ~~يسمع من عالم ولا يوجد # PageV04P062 # في أثارة من علم - فسره بتفسير الصابئة الضالة المنجمين وجعل معراج ~~الرسول ترقيه بفكره إلى الأفلاك وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب: فآدم ~~هو القمر وإدريس هو الشمس والأنهار الأربعة هي العناصر الأربعة وأنه عرف ~~الوجود الواجب المطلق ثم إنه يعظم ذلك ويجعله من الأسرار والمعارف التي يجب ~~صونها عن أفهام المؤمنين وعلمائهم حتى إن طائفة ممن كانوا يعظمونه لما رأوا ~~ذلك تعجبوا منه غاية التعجب وجعل بعض المتعصبين له يدفع ذلك حتى أروه ~~النسخة بخط بعض المشايخ المعروفين الخبيرين بحاله وقد كتبها في ضمن كتابه ~~الذي سماه: " المطالب العالية " وجمع فيه عامة آراء الفلاسفة والمتكلمين. # وتجد أبا حامد الغزالي - مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام ~~والأصول وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد وتبحره ms0875 في العلوم الإسلامية ~~أكثر من أولئك - يذكر في كتاب " الأربعين " ونحوه كتابه: " المضنون به على ~~غير أهله "؛ فإذا طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق وغاية المطالب ~~وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه قد غيرت عباراتهم وترتيباتهم ومن لم ~~يعلم حقائق مقالات العباد ومقالات أهل الملل يعتقد أن ذاك هو السر الذي كان ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأنه هو الذي يطلع عليه المكاشفون ~~الذين أدركوا الحقائق بنور إلهي. فإن أبا حامد كثيرا ما يحيل في كتبه على ~~ذلك النور الإلهي وعلى ما يعتقد # PageV04P063 # أنه يوجد للصوفية والعباد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكشفها لهم ~~حتى يزنوا بذلك ما ورد به الشرع. وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ~~ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب. وآتاه الله إيمانا مجملا - ~~كما أخبر به عن نفسه - وصار يتشوف إلى تفصيل الجملة فيجد في كلام المشايخ ~~والصوفية ما هو أقرب إلى الحق؛ وأولى بالتحقيق من كلام الفلاسفة والمتكلمين ~~والأمر كما وجده لكن لم يبلغه من الميراث النبوي الذي عند خاصة الأمة من ~~العلوم والأحوال: وما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة حتى ~~نالوا من المكاشفات العلمية والمعاملات العبادية ما لم ينله أولئك. فصار ~~يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق حيث لم يكن عنده طريق ~~غيرها لانسداد الطريقة الخاصة السنية النبوية عنه بما كان عنده من قلة ~~العلم بها ومن الشبهات التي تقلدها عن المتفلسفة والمتكلمين حتى حالوا بها ~~بينه وبين تلك الطريقة. ولهذا كان كثير الذم لهذه الحوائل ولطريقة العلم. ~~وإنما ذاك لعلمه الذي سلكه والذي حجب به عن حقيقة المتابعة للرسالة. وليس ~~هو بعلم وإنما هو عقائد فلسفية وكلامية كما قال السلف: " العلم بالكلام هو ~~الجهل "؛ وكما قال أبو يوسف: " من طلب العلم بالكلام تزندق ". # PageV04P064 # ولهذا صار طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه حتى ~~كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام - فيما علقه عنه - ينكر أن يكون " بداية ~~الهداية ms0876 " من تصنيفه؛ ويقول: إنما هو تقول عليه مع أن هذه الكتب مقبولها ~~أضعاف مردودها والمردود منها أمور مجملة وليس فيها عقائد ولا أصول الدين. ~~وأما " المضنون به على غير أهله " فقد كان طائفة أخرى من العلماء يكذبون ~~ثبوته عنه وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه لعلمهم ~~بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضا ولكن كان هو وأمثاله - كما قدمت - مضطربين ~~لا يثبتون على قول ثابت. لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى ~~طريقة خاصة الخلق ولم يقدر لهم سلوك طريق خاصة هذه الأمة الذين ورثوا عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم العلم والإيمان وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن - ~~كما قدمناه - وأهل الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأتباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك كما جاءت ~~به الرسالة. # ولهذا كان الشيخ " أبو عمرو بن الصلاح " يقول - فيما رأيته بخطه -: أبو ~~حامد كثر القول فيه ومنه. فأما هذه الكتب - يعني المخالفة للحق - فلا يلتفت ~~إليها. وأما الرجل فيسكت عنه ويفوض أمره إلى الله. # PageV04P065 # ومقصوده: أنه لا يذكر بسوء لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ وتوبة المذنب ~~تأتي على كل ذنب وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله ولأن مغفرة الله ~~بالحسنات منه ومن غيره وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب فلا ~~يقدم الإنسان على انتفاء (*) ذلك في حق معين إلا ببصيرة لا سيما مع كثرة ~~الإحسان والعلم الصحيح والعمل الصالح والقصد الحسن. وهو يميل إلى الفلسفة ~~لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية. ولهذا فقد رد عليه علماء ~~المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه قال: " شيخنا أبو حامد دخل ~~في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر ". وقد حكي عنه من القول ~~بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه. ورد عليه أبو عبد الله المازري ~~في كتاب أفرده ورد عليه أبو بكر الطرطوشي ورد عليه أبو الحسن المرغيناني ~~رفيقه رد عليه كلامه في مشكاة ms0877 الأنوار ونحوه ورد عليه الشيخ أبو البيان ~~والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وحذر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواوي ~~وغيرهما ورد عليه ابن عقيل وابن الجوزي وأبو محمد المقدسي وغيرهم. # وهذا باب واسع فإن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين من PageV04P066 # المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لهم في كلام الرسول ثلاث طرق: # طريقة التخييل وطريقة التأويل وطريقة التجهيل. # فأهل التخييل هم الفلاسفة والباطنية الذين يقولون: إنه خيل أشياء لا ~~حقيقة لها في الباطن وخاصية النبوة عندهم التخييل. (وطريقة التأويل) طريقة ~~المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم يقولون: إن ما قاله له تأويلات ~~تخالف ما دل عليه اللفظ وما يفهم منه وهو - وإن كان لم يبين مراده ولا بين ~~الحق الذي يجب اعتقاده - فكان مقصوده أن هذا يكون سببا للبحث بالعقل حتى ~~يعلم الناس الحق بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم ~~ليثابوا على ذلك فلم يكن قصده لهم البيان والهداية والإرشاد والتعليم بل ~~قصده التعمية والتلبيس ولم يعرفهم الحق حتى ينالوا الحق بعقلهم ويعرفوا ~~حينئذ أن كلامه لم يقصد به البيان فيجعلوا حالهم في العلم مع عدمه خيرا من ~~حالهم مع وجوده. وأولئك المتقدمون كابن سينا وأمثاله ينكرون على هؤلاء ~~ويقولون: ألفاظه كثيرة صريحة لا تقبل التأويل لكن كان قصده التخييل وأن ~~يعتقد الناس الأمر على خلاف ما هو عليه. # وأما الصنف الثالث الذين يقولون: إنهم أتباع السلف فيقولون: إنه لم يكن ~~الرسول يعرف معنى ما أنزل عليه من هذه الآيات ولا أصحابه # PageV04P067 # يعلمون معنى ذلك بل لازم قولهم: أنه هو نفسه لم يكن يعرف معنى ما تكلم به ~~من أحاديث الصفات بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه والذين ينتحلون مذهب السلف ~~يقولون: إنهم لم يكونوا يعرفون معاني النصوص بل يقولون ذلك في الرسول. وهذا ~~القول من أبطل الأقوال ومما يعتمدون عليه من ذلك ما فهموه من قوله تعالى ~~{وما يعلم تأويله إلا الله} ويظنون أن التأويل هو المعنى الذي يسمونه هم ~~تأويلا وهو مخالف للظاهر. ثم هؤلاء ms0878 قد يقولون: تجري النصوص على ظاهرها ~~وتأويلها لا يعلمه إلا الله ويريدون بالتأويل: ما يخالف الظاهر وهذا تناقض ~~منهم. وطائفة يريدون بالظاهر ألفاظ النصوص فقط والطائفتان غالطتان في فهم ~~الآية. وذلك أن لفظ " التأويل " قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاثة ~~معان: # أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يئول إليه الكلام وإن وافق ظاهره. وهذا ~~هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق} ومنه {قول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن ~~يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي يتأول ~~القرآن} . # PageV04P068 # والثاني يراد بلفظ التأويل: " التفسير " وهو اصطلاح كثير من المفسرين ~~ولهذا قال مجاهد - إمام أهل التفسير: إن " الراسخين في العلم " يعلمون ~~تأويل المتشابه فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه ~~الراسخون. # والثالث أن يراد بلفظ " التأويل ": صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ~~ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك. وهذا التأويل لا يكون إلا ~~مخالفا لما يدل عليه اللفظ ويبينه. وتسمية هذا تأويلا لم يكن في عرف السلف ~~وإنما سمى هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله ~~والكلام وظن هؤلاء أن قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} يراد به هذا ~~المعنى ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين: قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا ~~الله. وقوم يقولون: إن الراسخين في العلم يعلمونه وكلتا الطائفتين مخطئة. # فإن هذا التأويل في كثير من المواضع - أو أكثرها وعامتها - من باب تحريف ~~الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي ~~اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في ~~آثارهم بالشهب. وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه: " الرد ~~على # PageV04P069 # الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ~~" فعاب أحمد عليهم ms0879 أنهم يفسرون القرآن بغير ما هو معناه. ولم يقل أحمد ولا ~~أحد من الأئمة: إن الرسول لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها ولا ~~قالوا: إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. ~~كيف؟ وقد أمر الله بتدبر كتابه قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته} ولم يقل: بعض آياته وقال: {أفلا يتدبرون القرآن} وقال: ~~{أفلم يدبروا القول} وأمثال ذلك في النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر ~~الناس القرآن كله وأنه جعله نورا وهدى لعباده ومحال أن يكون ذلك مما لا ~~يفهم معناه وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ~~القرآن - عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود - أنهم قالوا: " كنا إذا تعلمنا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم ما فيها من ~~العلم والعمل " قالوا: " فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا " وهذه الأمور ~~مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أن من يقول في الرسول وبيانه ~~للناس مما هو من قول الملاحدة فكيف يكون قوله في السلف؟ حتى يدعي اتباعه ~~وهو مخالف للرسول والسلف عند نفسه وعند طائفته فإنه قد أظهر من قول النفاة ~~ما كان الرسول يرى عدم إظهاره لما فيه من فساد الناس. وأما عند أهل العلم ~~والإيمان فلا. # PageV04P070 # وقول النفاة باطل باطنا وظاهرا والرسول صلى الله عليه وسلم ومتبعوه ~~منزهون عن ذلك بل مات صلى الله عليه وسلم وتركنا على المحجة البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وأخبرنا أن: " كل ما حدث بعده من محدثات ~~الأمور فهو بدعة وكل بدعة ضلالة ". وربما أنشد بعض أهل الكلام بيت مجنون ~~بني عامر: وكل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فمن قال من الشعر ما ~~هو حكمة أو تمثل ببيت من الشعر فيما تبين له أنه حق كان قريبا. أما إثبات ~~الدعوى بمجرد كلام منظوم من شعر أو غيره فيقال لصاحبه: ينبغي أن تبين أن ~~السلف لا يقرون بمن انتحلتهم. وهذا ظاهر فيما ms0880 ذكره هو وغيره ممن يقولون عن ~~السلف ما لم يقولوه ولا ينقله عنهم أحد له معرفة بحالهم وعدل فيما نقل فإن ~~الناقل لا بد أن يكون عالما عدلا. فإن فرض أن أحدا نقل مذهب السلف كما ~~يذكره؛ فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي وأبي حامد ~~الغزالي وابن الخطيب وأمثالهم ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون ~~به من عوام أهل الصناعة فضلا عن خواصها ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف ~~البخاري ومسلما وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة ولا يميزون بين ~~الحديث الصحيح المتواتر # PageV04P071 # عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب وكتبهم أصدق شاهد ~~بذلك ففيها عجائب. وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة ~~والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة ~~معروفة. هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم ~~رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم. وهذا أبو حامد ~~الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد ~~والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر ~~أمره على طريقة أهل الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف " ~~إلجام العوام عن علم الكلام ". # وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام ~~اللذات: " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي ~~عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات ~~{الرحمن على العرش استوى} {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~وأقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون # PageV04P072 # به علما} {هل تعلم له سميا} ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي] ~~وكان يتمثل كثيرا: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وهذا إمام ms0881 الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف. وكان ~~يقول: " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ~~ما بلغ ما اشتغلت به " وقال عند موته: " لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل ~~الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته ~~فالويل لابن الجويني وها أنذا أموت على عقيدة أمي - أو قال -: عقيدة عجائز ~~نيسابور ". وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: " أخبر ~~أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم " وكان ينشد: لعمري ~~لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ~~على ذقن أو قارعا سن نادم وابن الفارض - من متأخري الاتحادية صاحب القصيدة ~~التائية المعروفة " بنظم السلوك " وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ ~~فهو أخبث من لحم # PageV04P073 # خنزير في صينية من ذهب. # وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك الله أعلم بها وبما اشتملت عليه وقد نفقت ~~كثيرا وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد - لما ~~حضرته الوفاة أنشد: # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # ولقد كان من أصول الإيمان: أن يثبت الله العبد بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة كما قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} . ~~والكلمة: أصل العقيدة. فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء وأطيب ~~الكلام والعقائد: كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله. وأخبث الكلام ~~والعقائد: كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله. فإن ذلك باطل لا حقيقة له ~~ولهذا قال ms0882 سبحانه: {ما لها من قرار} ولهذا كان كلما بحث الباحث وعمل العامل ~~على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وبعدا عن الحق وعلما ~~ببطلانها كما قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع # PageV04P074 # الحساب} {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور} . فذكر سبحانه مثلين: - (أحدهما: مثل الكفر والجهل المركب الذي ~~يحسبه صاحبه موجودا وفي الواقع يكون خيالا معدوما كالسراب وأن القلب عطشان ~~إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء. فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سرابا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب. وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن ~~السنة والجماعة. (والمثل الثاني: مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين ~~فيه صاحبه حقا ولا يرى فيه هدى والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلا بد ~~فيه من جهل مركب. فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الاعتقاد الفاسد ~~ويبين حال عدم معرفة الحق - وهو يشبه حال المغضوب عليهم والضالين - حال ~~المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى. ~~فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة. # PageV04P075 # ومن أمثلة ما ينسبه كثير من أتباع المشايخ والصوفية إلى المشايخ ~~الصادقين: من الكذب والمحال أو يكون من كلامهم المتشابه الذي تأولوه على ~~غير تأويله أو يكون من غلطات بعض الشيوخ وزلاتهم أو من ذنوب بعضهم وخطئهم ~~مثل: كثير من البدع والفجور الذي يفعله بعضهم بتأويل سائغ أو بوجه غير سائغ ~~فيعفى عنه أو يتوب منه أو يكون له حسنات يغفر له بها أو مصائب يكفر عنه بها ~~أو يكون من كلام المتشبهين بأولياء الله من ذوي الزهادات والعبادات ~~والمقامات وليس هو من أولياء الله المتقين ms0883 بل من الجاهلين الظالمين ~~المعتدين أو المنافقين أو الكافرين. وهذا كثير ملأ العالم تجد كل قوم يدعون ~~من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعي المرسلون وأن ذلك عند خواصهم وأن ~~ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا بالتسليم ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة وتفسيرات ~~باطلة. مثل قولهم عن عمر: " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث هو وأبو ~~بكر بحديث وكنت كالزنجي بينهما " فيجعلون عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصديقه كالزنجي وهو حاضر يسمع الكلام. ثم يدعي أحدهم أنه علم ذلك بما قذف ~~في قلبه ويدعي كل منهم: أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل ولو ذكرت ما ~~في هذا الباب من أصناف الدعاوى الباطلة لطال. فمنهم من يجعل للشيخ قصائد ~~يسميها " جنيب القرآن " ويكون وجده بها وفرحه بمضمونها أعظم من القرآن ~~ويكون فيها من الكذب والضلال أمور. # PageV04P076 # ومنهم من يجعل له قصائد في الاتحاد وأنه خالق جميع الخلق وأنه خلق ~~السموات والأرض وأنه يسجد له ويعبد. ومنهم من يصف ربه في قصائده بما نقل في ~~الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم التي هي كذب مفترى وكفر ~~صريح: مثل مواكلته ومشاربته ومماشاته ومعانقته ونزوله إلى الأرض وقعوده في ~~بعض رياض الأرض ونحو ذلك. ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم ~~المصونة التي تكون لخواص أولياء الله المتقين. ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند ~~الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدعون ~~أخذها عن أهل البيت إما من العلوم الدينية وإما من علم الحوادث الكائنة ما ~~هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي بكتمانها والإيمان بما لا يعلم ~~حقيقته من ذلك. وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى. فإن هذه الطائفة " الرافضة " ~~من أكثر الطوائف كذبا وادعاء للعلم المكتوم ولهذا انتسبت إليهم الباطنية ~~والقرامطة. # وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص ~~أصحابه فيخبرهم بانتفاء ms0884 ذلك. ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفي ~~ذلك عن نفسه. # PageV04P077 # وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن " أبي ~~جحيفة " قال: " سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطيه الله الرجل في ~~كتابه وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ~~وأن لا يقتل مسلم بكافر " ولفظ البخاري " هل عندكم شيء من الوحي غير ما في ~~كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه ~~الله رجلا في القرآن ". وفي الصحيحين عن إبراهيم التيمي عن أبيه - وهذا من ~~أصح إسناد على وجه الأرض - عن علي قال: " ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه ~~الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حرام ما بين عير إلى ثور " ~~وفي رواية لمسلم " خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا كتابا ~~نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة - قال: وصحيفته معلقة في قراب سيفه ~~- فقد كذب فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وفيها قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {المدينة حرام} الحديث. # وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق: فمن أكبر الأشياء كذبا ~~حتى يقال: ما كذب على أحد ما كذب على جعفر رضي الله عنه. ومن هذه الأمور ~~المضافة كتاب " الجفر " الذي يدعون أنه كتب فيه # PageV04P078 # الحوادث والجفر: ولد الماعز. يزعمون أنه كتب ذلك في جلده وكذلك كتاب " ~~البطاقة " الذي يدعيه ابن الحلي ونحوه من المغاربة ومثل كتاب: " الجدول " ~~في الهلال و " الهفت " عن جعفر وكثير من تفسير القرآن وغيره. # ومثل كتاب " رسائل إخوان الصفا " الذي صنفه جماعة في دولة بني بويه ~~ببغداد وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة ~~المبدلين وبين الحنيفية وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة وفيه من ~~الكفر والجهل شيء كثير ومع هذا فإن ms0885 طائفة من الناس - من بعض أكابر قضاة ~~النواحي - يزعم أنه من كلام جعفر الصادق. وهذا قول زنديق وتشنيع جاهل. ~~[ومثل ما يذكره بعض العامة من ملاحم " ابن غنضب "؛ ويزعمون أنه كان معلما ~~للحسن والحسين. وهذا شيء لم يكن في الوجود باتفاق أهل العلم وملاحم " ابن ~~غنضب " إنما صنفها بعض الجهال في دولة نور الدين ونحوها وهو شعر فاسد يدل ~~على أن ناظمه جاهل] . وكذلك عامة هذه الملاحم المروية بالنظم ونحوه عامتها ~~من الأكاذيب وقد أحدث في زماننا من القضاة والمشايخ غير واحدة منها وقد ~~قررت بعض هؤلاء على ذلك بعد أن ادعى قدمها وقلت له: بل أنت صنفتها ولبستها ~~PageV04P079 # على بعض ملوك المسلمين لما كان المسلمون محاصري عكة وكذلك غيره من القضاة ~~وغيرهم لبسوا على غير هذا الملك. # وباب ### | الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الأمور الدينية # لأن تشوف الذين يغلبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر وإن كان لأهل الدين ~~إلى ذلك تشوف لكن تشوفهم إلى الدين أقوى وأولئك ليس لهم من الفرقان بين ~~الحق والباطل من النور ما لأهل الدين. فلهذا كثر الكذابون في ذلك ونفق منه ~~شيء كثير وأكلت به أموال عظيمة بالباطل وقتلت به نفوس كثيرة من المتشوفة ~~إلى الملك ونحوها. ولهذا ينوعون طرق الكذب في ذلك ويتعمدون الكذب فيه: تارة ~~بالإحالة على الحركات والأشكال الجسمانية الإلهية من حركات الأفلاك ~~والكواكب. والشهب والرعود والبروق والرياح وغير ذلك وتارة بما يحدثونه هم ~~من الحركات والأشكال كالضرب بالرمل والحصا والشعير والقرعة باليد ونحو ذلك ~~مما هو من جنس الاستقسام بالأزلام؛ فإنهم يطلبون علم الحوادث بما يفعلونه ~~من هذا الاستقسام بها سواء كانت قداحا أو حصى أو غير ذلك مما ذكره أهل ~~العلم بالتفسير. فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شيء من الأجسام ~~ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس؛ بخلاف الفأل الشرعي وهو الذي ~~كان # PageV04P080 # يعجب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يخرج متوكلا على الله فيسمع الكلمة ~~الطيبة: {وكان يعجبه الفأل ويكره ms0886 الطيرة} لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن ~~الله والتوكل عليه والطيرة معارضة لذلك فيكره للإنسان أن يتطير وإنما تضر ~~الطيرة من تطير لأنه أضر نفسه. فأما المتوكل على الله فلا. وليس المقصود ~~ذكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارة وخطئها تارات. وإنما الغرض: أنهم يتعمدون ~~فيها كذبا كثيرا من غير أن تكون قد دلت على ذلك دلالة كما يتعمد خلق كثير ~~الكذب في الرؤيا التي منها الرؤيا الصالحة وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة وكما كانت الجن تخلط بالكلمة تسمعها من السماء مائة كذبة ثم تلقيها ~~إلى الكهان. ولهذا ثبت في صحيح مسلم {عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: ~~يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا ~~يأتون الكهان. قال: فلا تأتهم. قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: ذاك شيء ~~يجدونه في صدورهم فلا يصدهم. قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: كان نبي من ~~الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك} . فإذا كان ما هو من أجزاء النبوة ومن ~~أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه الكذب الكثير فكيف بما هو في نفسه مضطرب لا ~~يستقر على أصل؟ فلهذا تجد عامة من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية ~~مثل أهل الاتحاد. فإن ابن عربي - في كتاب " عنقاء مغرب " وغيره - أخبر ~~بمستقبلات كثيرة # PageV04P081 # عامتها كذب وكذلك ابن سبعين وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من ~~حساب الجمل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي ~~ورثوه من الصابئة؛ كما فعل أبو نصر الكندي وغيره من الفلاسفة؛ وكما فعل بعض ~~من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي؛ ومن تكلم في تأويل وقائع النساك ~~من المائلين إلى التشيع. وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه ~~الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة وخاطبت في ذلك طوائف منهم وكنت ~~أحلف لهم أن هذا كذب مفترى وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء وطلبت مباهلة ~~بعضهم - لأن ذلك كان متعلقا بأصول الدين ms0887 - وكانوا من الاتحادية الذين يطول ~~وصف دعاويهم. فإن شيخهم الذي هو عارف وقته وزاهده عندهم: كانوا يزعمون أنه ~~هو المسيح الذي ينزل وأن معنى ذلك نزول روحانية عيسى عليه السلام وأن أمه ~~اسمها مريم وأنه يقوم بجمع الملل الثلاث: وأنه يظهر مظهرا أكمل من مظهر ~~محمد وغيره من المرسلين. ولهم مقالات من أعظم المنكرات يطول ذكرها ووصفها. # ثم إن من عجيب الأمر: أن هؤلاء المتكلمين المدعين لحقائق الأمور العلمية ~~والدينية المخالفين للسنة والجماعة يحتج كل منهم بما يقع له من حديث # PageV04P082 # موضوع أو مجمل لا يفهم معناه وكلما وجد أثرا فيه إجمال نزله على رأيه ~~فيحتج بعضهم بالمكذوب مثل المكذوب المنسوب إلى عمر " كنت كالزنجي " ومثل ما ~~يروونه من " سر المعراج " وما يروونه من " أن أهل الصفة سمعوا المناجاة من ~~حيث لا يشعر الرسول. فلما نزل الرسول أخبروه فقال: من أين سمعتم؟ فقالوا: ~~كنا نسمع الخطاب ". حتى أني لما بينت لطائفة - تمشيخوا وصاروا قدوة للناس ~~-: أن هذا كذب ما خلقه الله قط. قلت: ويبين لك ذلك أن المعراج كان بمكة بنص ~~القرآن وبإجماع المسلمين والصفة إنما كانت بالمدينة فمن أين كان بمكة أهل ~~صفة؟ . وكذلك احتجاجهم بأن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه مع المشركين لما انتصروا وزعموا أنهم مع الله ليحتجوا بذلك على ~~متابعة الواقع سواء كان طاعة لله أو معصية وليجعلوا حكم دينه هو ما كان كما ~~قال الذين أشركوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} وأمثال هذه ~~الموضوعات كثيرة. وأما المجملات: فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذكر ~~بعض خفي العلم كقول علي رضي الله عنه " حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ~~ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ " وقول عبد الله بن مسعود: # PageV04P083 # " ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " وقول ~~عبد الله بن عباس في تفسير الآيات: " ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت ~~وكفرك بها تكذيبك بها ". وهذه الآثار حق لكن ينزل كل منهم ذاك ms0888 الذي لم يحدث ~~به على ما يدعيه هو من الأسرار والحقائق التي إذا كشفت وجدت من الباطل ~~والكفر والنفاق حتى إن أبا حامد الغزالي " في منهاج القاصدين " وغيره هو ~~وأمثاله تمثل بما يروى عن علي بن الحسين أنه قال: يا رب جوهر علم لو أبوح ~~به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما ~~يأتونه حسنا فإذا كانت هذه طرق هؤلاء الذين يدعون من التحقيق وعلوم الأسرار ~~ما خرجوا به عن السنة والجماعة وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية ~~مختصة بهم فآمنوا بمجملها ومتشابهها وأنهم منحوا من حقائق العبادات وخالص ~~الديانات ما لم يمنح الصدر الأول حفاظ الإسلام وبدور الملة ولم يتجرءوا ~~عليها برد وتكذيب مع ظهور الباطل فيها تارة. وخفائه أخرى. فمن المعلوم أن ~~العقل والدين يقتضيان أن جانب النبوة والرسالة أحق بكل تحقيق وعلم ومعرفة ~~وإحاطة بأسرار الأمور وبواطنها. هذا لا ينازع فيه مؤمن. ونحن الآن في ~~مخاطبة من في قلبه إيمان. # PageV04P084 # وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول وأعلمهم بأقواله ~~وأفعاله وحركاته وسكناته ومدخله ومخرجه وباطنه وظاهره وأعلمهم بأصحابه ~~وسيرته وأيامه وأعظمهم بحثا عن ذلك وعن نقلته وأعظمهم تدينا به واتباعا له ~~واقتداء به. وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظا له ومعرفة بصحيحه وسقيمه ~~وفقها فيه وفهما يؤتيه الله إياه في معانيه وإيمانا وتصديقا. وطاعة ~~وانقيادا واقتداء واتباعا مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم وتمييزهم ~~وعظيم مكاشفاتهم ومخاطباتهم. فإنهم أسد الناس نظرا وقياسا ورأيا وأصدق ~~الناس رؤيا وكشفا. أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين أن هؤلاء أحق بالصدق ~~والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم وأن عندهم من العلوم ما ينكرها ~~الجاهل والمبتدع وأن الذي عندهم هو الحق المبين وأن الجاهل بأمرهم والمخالف ~~لهم هو الذي معه من الحشو ما معه ومن الضلال كذلك. وهذا باب يطول شرحه. فإن ~~النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال. والأقوال ~~إخبارات وإنشاءات كالأمر والنهي. فأحسن الحديث وأصدقه ms0889 كتاب الله. خبره أصدق ~~الخبر وبيانه أوضح البيان وأمره أحكم الأمر {فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون} ، وكل # PageV04P085 # من اتبع كلاما أو حديثا - مما يقال: إنه يلهمه صاحبه ويوحى إليه أو أنه ~~ينشئه ويحدثه مما يعارض به القرآن - فهو من أعظم الظالمين ظلما. ولهذا لما ~~ذكر الله سبحانه قول الذين ما قدروا الله حق قدره حيث أنكروا الإنزال على ~~البشر ذكر المتشبهين به المدعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة. فإن المماثل ~~له: إما أن يقول: إن الله أوحى إلي أو يقول: أوحي إلي وألقي إلي وقيل لي ~~ولا يسمي القائل. أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له. ووجه ~~الحصر: أنه إما أن يحذف الفاعل أو يذكره وإذا ذكره فإما أن يجعله من قول ~~الله أو من قول نفسه. فإنه إذا جعله من كلام الشياطين لم يقبل منه وما جعله ~~من كلام الملائكة فهو داخل فيما يضيفه إلى الله وفيما حذف فاعله فقال ~~تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه ~~شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} . وتدبر كيف جعل الأولين في حيز الذي ~~جعله وحيا من الله ولم يسم الموحي؟ فإنهما من جنس واحد في ادعاء جنس ~~الإنباء وجعل الآخر في حيز الذي ادعى أن يأتي بمثله ولهذا قال: {ممن افترى ~~على الله كذبا} ثم قال: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} فالمفتري للكذب ~~والقائل: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء: من جملة الاسم الأول وقد قرن به الاسم ~~الآخر فهؤلاء الثلاثة المدعون لشبه النبوة. وقد تقدم قبلهم المكذب للنبوة. # PageV04P086 # فهذا يعم جميع أصول الكفر التي هي تكذيب الرسل أو مضاهاتهم كمسيلمة ~~الكذاب وأمثاله. وهذه هي " أصول البدع " التي نردها نحن في هذا المقام لأن ~~المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو يعارض قول ~~الرسول بما يجعله نظيرا له: من رأي أو كشف أو نحو ذلك. # فقد تبين أن الذين يسمون هؤلاء ms0890 وأئمتهم حشوية هم أحق بكل وصف مذموم ~~يذكرونه وأئمة هؤلاء أحق بكل علم نافع وتحقيق وكشف حقائق واختصاص بعلوم لم ~~يقف عليها هؤلاء الجهال المنكرون عليهم المكذبون لله ورسوله. فإن نبزهم ~~بالحشوية: إن كان لأنهم يروون الأحاديث بلا تمييز؛ فالمخالفون لهم أعظم ~~الناس قولا لحشو الآراء والكلام الذي لا تعرف صحته بل يعلم بطلانه وإن كان: ~~لأن فيهم عامة لا يميزون؛ فما من فرقة من تلك الفرق إلا ومن أتباعها من ~~أجهل الخلق وأكفرهم وعوام هؤلاء هم عمار المساجد بالصلوات وأهل الذكر ~~والدعوات وحجاج البيت العتيق والمجاهدون في سبيل الله وأهل الصدق والأمانة ~~وكل خير في العالم. فقد تبين لك أنهم أحق بوجوه الذم وأن هؤلاء أبعد عنها ~~وأن الواجب على الخلق أن يرجعوا إليهم؛ فيما اختصهم الله به من الوراثة ~~النبوية التي لا توجد إلا عندهم. # PageV04P087 # وأيضا فينبغي النظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به: أيهما ~~أحق؟ وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة كما ~~ذكر العلماء - كأبي حاتم وغيره - أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث ~~حشوية. ونحن نتكلم بالأسماء التي لا نزاع فيها مثل: لفظ " الإثبات؛ والنفي ~~" فنقول: من المعلوم أن هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يقرونه ~~على ظاهره. فكل من كان عنه أبعد كان أعظم ذما بذلك: كالقرامطة ثم الفلاسفة ~~ثم المعتزلة وهم يذمون بذلك المتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية ~~والأشعرية والفقهاء والصوفية وغيرهم. فكل من اتبع النصوص وأقرها سموه بذلك ~~ومن قال بالصفات العقلية مثل: العلم والقدرة؛ دون الخبرية ونحو ذلك سمى ~~مثبتة الصفات الخبرية حشوية كما يفعل أبو المعالي الجويني وأبو حامد ~~الغزالي ونحوهما. ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمد يتبعه في فقهه وكلامه ~~لكن أبو محمد كان أعلم بالحديث وأتبع له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء. ~~وأبو المعالي أكثر اتباعا للكلام وهما في العربية متقاربان. وهؤلاء يعيبون ~~منازعهم إما لجمعه حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه. أو لكون ~~اتباع الحديث في ms0891 مسائل الأصول من مذهب # PageV04P088 # الحشو: لأنها مسائل علمية والحديث لا يفيد ذلك؛ لأن اتباع النصوص مطلقا ~~في المباحث الأصولية الكلامية حشو؛ لأن النصوص لا تفي بذلك؛ فالأمر راجع ~~إلى أحد أمرين: إما ريب في الإسناد أو في المتن: إما لأنهم يضيفون إلى ~~الرسول ما لم يعلم أنه قاله كأخبار الآحاد ويجعلون مقتضاها العلم وإما ~~لأنهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلوما وليس هو بمعلوم لما في الأدلة ~~اللفظية من الاحتمال. ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق يبطل العلم بما ~~بعث الله به رسوله. تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوا ذلك وتارة يقول: لا نعلم ~~ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلم بقولهم أو بمعناه: لم يستفد من ~~جهتهم علم فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول من المقالات وقد أمن على نفسه أن ~~يعارض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وكل ثغرها بذينك الدامحين الدافعين لجنود ~~الرسول عنه الطاعنين لمن احتج بها. وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس ~~النبوة؛ وإن كان يقر بتعظيمهم وكمالهم: إقرار من لا يتلقى من جهتهم علما ~~فيكون الرسول عنده بمنزلة خليفة: يعطي السكة والخطبة رسما ولفظا كتابة ~~وقولا من غير أن يكون له أمر أو نهي مطاع. فله صورة الإمامة بما جعل له من ~~السكة والخطبة وليس له حقيقتها. وهذا القدر - وإن استجازه كثير من الملوك - ~~لعجز بعض الخلفاء عن # PageV04P089 # القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة كما يفعل ذلك كثير من نواب ~~الولاة لضعف مستنيبه وعجزه؟ فيتركب من تقدم ذي المنصب والبيت وقوة نائبه ~~صلاح الأمر أو فعل ذلك لهوى ورغبة في الرئاسة ولطائفته دون من هو أحق بذلك ~~منه وسلك مسلك المتغلبين بالعدوان - فمن المعلوم أن المؤمن بالله ورسوله لا ~~يستجيز أن يقول في الرسالة: إنها عاجزة عن تحقيق العلم وبيانه حتى يكون ~~الإقرار بها مع تحقيق العلم الإلهي من غيرها موجبا لصلاح الدين ولا يستجيز ~~أن يتعدى عليها بالتقدم بين يدي الله ورسوله ويقدم علمه وقوله على علم ~~الرسول وقوله ولا ms0892 يستجيز أن يسلط عليها التأويلات العقلية ويدعي أن ذلك من ~~كمال الدين وأن الدين لا يكون كاملا إلا بذلك. وأحسن أحواله: أن يدعي أن ~~الرسول كان عالما بأن ما أخبر به له تأويلات وتبيان غير ما يدل عليه ظاهر ~~قوله ومفهومه وأنه ما ترك ذلك إلا لأنه ما كان يمكنه البيان بين أولئك ~~الأعراب ونحوهم وأنه وكل ذلك إلى عقول المتأخرين وهذا هو الواقع منهم. فإن ~~المتفلسفة تقول: إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق لأن إظهارها يفسد ~~الناس ولا تحتمل عقولهم ذلك ثم قد يقولون: إنهم عرفوها. وقد يقول بعضهم: لم ~~يعرفوها. أو أنا أعرف بها منهم ثم يبينونها هم بالطرق القياسية الموجودة ~~عندهم. ولم يعقلوا أنه إن كان العلم بها ممكنا فهو ممكن لهم كما يدعون أنه ~~ممكن لهم وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم. وكذلك التعبير # PageV04P090 # وبيان العلم بالخطاب والكتاب إن لم يكن ممكنا فلا يمكنكم ذلك وأنتم ~~تتكلمون وتكتبون علمكم في الكتب. وإن كان ذلك ممكنا فلا يصح قولكم: " لم ~~يمكن الرسل ذلك ". وإن قلتم: يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم - ~~وهذا قولهم - فمن المعلوم: أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون علمكم ~~عند خاصتكم. ومن المعلوم: أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره ~~وظواهرها أعلم وهو بذلك أقوم: كان أحق بالاختصاص به. ولا ريب أن أهل الحديث ~~أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول وعلم خاصته: مثل الخلفاء الراشدين وسائر ~~العشرة. ومثل: أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن ~~سلام وسلمان الفارسي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي ذر الغفاري؛ وعمار ~~بن ياسر؛ وحذيفة بن اليمان ومثل سعد بن معاذ؛ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة ~~وعباد بن بشر وسالم مولى أبي حذيفة وغير هؤلاء: ممن كان أخص الناس بالرسول ~~وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك. فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء ~~وببواطن أمورهم وأتبعهم لذلك. فيكون عندهم العلم: علم خاصة الرسول وبطانته ~~كما أن خواص الفلاسفة ms0893 يعلمون علم # PageV04P091 # أئمتهم وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم وخواص القرامطة والباطنية ~~يعلمون علم أئمتهم وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء فإن خاصة كل إمام ~~أعلم بباطن أموره مثل مالك بن أنس: فإن ابن القاسم لما كان أخص الناس به ~~وأعلمهم ببطن أمره اعتمد أتباعه على روايته حتى إنه تؤخذ عنه مسائل السر ~~التي رواها ابن أبي الغمر وإن طعن بعض الناس فيها وكذلك أبو حنيفة: فأبو ~~يوسف ومحمد وزفر أعلم الناس به وكذلك غيرهما. وقد يكتب العالم كتابا أو ~~يقول قولا فيكون بعض من لم يشافهه به أعلم بمقصوده من بعض من شافهه به كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {فرب مبلغ أوعى من سامع} لكن بكل حال لا بد ~~أن يكون المبلغ من الخاصة العالمين بحال المبلغ عنه كما يكون في أتباع ~~الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم. # ومن المستقر في أذهان المسلمين: أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين ~~قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله والرسول فهؤلاء أتباع الرسول حقا ~~وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ ~~والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكى الناس بها. وهؤلاء هم الذين جمعوا بين ~~البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال ~~الله تعالى فيهم: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار} # PageV04P092 # فالأيدي القوة في أمر الله والأبصار البصائر في دين الله فبالبصائر يدرك ~~الحق ويعرف وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه. فهذه الطبقة كان ~~لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل؛ ففجرت من النصوص ~~أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهما خاصا كما قال أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل: " هل خصكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: لا؛ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ~~إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب ~~الذي أنبتته الأرض الطيبة. وهو الذي تميزت ms0894 به هذه الطبقة عن الطبقة ~~الثانية؛ وهي التي حفظت النصوص فكان همها حفظها وضبطها؛ فوردها الناس ~~وتلقوها بالقبول؛ واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها؛ وبذروها ~~في أرض قابلة للزرع والنبات؛ ورووها كل بحسبه. {قد علم كل أناس مشربهم} . ~~وهؤلاء الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم {نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها؛ ثم أداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه وليس بفقيه؛ ورب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه} . وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة؛ وترجمان ~~القرآن. مقدار ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ نحو العشرين ~~حديثا الذي # PageV04P093 # يقول فيه: " سمعت ورأيت " وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه ~~والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها قال أبو محمد بن حزم: وجمعت ~~فتواه في سبعة أسفار كبار وهي بحسب ما بلغ جامعها وإلا فعلم ابن عباس ~~كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس وقد ~~سمعوا ما سمع وحفظوا القرآن كما حفظه ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي ~~وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم وذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه ~~من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه؛ بل هو حافظ الأمة على ~~الإطلاق: يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا؛ فكانت همته مصروفة إلى ~~الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه وهمة ابن عباس: مصروفة إلى التفقه ~~والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها. وهكذا ورثتهم ~~من بعدهم: اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص لا على خيال فلسفي ولا رأي ~~قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات. لا جرم كانت الدائرة والثناء الصدق ~~والجزاء العاجل والآجل: لورثة الأنبياء التابعين لهم في الدنيا والآخرة. ~~فإن المرء على دين خليله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . # PageV04P094 # وبكل حال: فهم أعلم الأمة بحديث الرسول وسيرته ومقاصده وأحواله. ونحن لا ~~نعني بأهل ms0895 الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل ~~من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا واتباعه باطنا وظاهرا وكذلك ~~أهل القرآن. وأدنى خصلة في هؤلاء: محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن ~~معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما. ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من ~~فقهاء غيرهم وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم وأمراؤهم أحق بالسياسة ~~النبوية من غيرهم وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم. # ومن المعلوم: أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد ~~عن معرفة الحديث وأبعد عن اتباعه من هؤلاء. هذا أمر محسوس بل إذا كشفت ~~أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله وبواطن ~~أموره وظواهرها حتى لتجد كثيرا من العامة أعلم بذلك منهم ولتجدهم لا يميزون ~~بين ما قاله الرسول وما لم يقله بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه وحديث ~~مكذوب موضوع عليه. وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان ~~موضوعا أو غير موضوع فيعدلون إلى أحاديث يعلم خاصة الرسول بالضرورة ~~اليقينية أنها مكذوبة عليه عن أحاديث يعلم خاصته بالضرورة اليقينية أنها ~~قوله وهم # PageV04P095 # لا يعلمون مراده بل غالب هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن فضلا عن الحديث بل ~~كثير منهم لا يحفظون القرآن أصلا. فمن لا يحفظ القرآن ولا يعرف معانيه ولا ~~يعرف الحديث ولا معانيه من أين يكون عارفا بالحقائق المأخوذة عن الرسول ~~وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب ~~كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد ~~كانت عنهما أنأى حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره ~~بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلم صحة الحديث وربما قال: لقوله عليه ~~السلام كذا وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب وما لم يبلغنا ~~أكثر. وحدثني: ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجل ~~يسمى شمس الدين الأصبهاني شيخ الأيكي فأعطوه جزءا ms0896 من الربعة فقرأ: بسم الله ~~الرحمن الرحيم {المص} حتى قيل له: ألف لام ميم صاد. # فتأمل هذه الحكومة العادلة ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون ~~عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب. ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن " ~~ابن أبي قتيلة " أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة فقال: قوم سوء. فقام الإمام ~~أحمد - وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق زنديق. ودخل بيته. فإنه عرف ~~مغزاه. # PageV04P096 # وعيب المنافقين للعلماء بما جاء به الرسول قديم من زمن المنافقين الذين ~~كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم ~~" الأبدال " لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين ~~الذين لا يعرف لهم حقيقة كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب ~~عنهم فيه: هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال وهذا في الأمرين ~~جميعا. وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة الظاهرون على ~~الحق. لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم. وهو الذي وعد الله ~~بظهوره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. # PageV04P097 # فصل: # وتلخيص النكتة: أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم ~~يعلموها وإذا علموها: فإما أنه كان يمكنهم بيانها بالكلام والكتاب أو لا ~~يمكنهم ذلك وإذا أمكنهم ذلك البيان: فإما أن يمكن للعامة وللخاصة أو للخاصة ~~فقط. فإن قال: إنهم لم يعلموها وإن الفلاسفة والمتكلمين أعلم بها منهم ~~وأحسن بيانا لها منهم؛ فلا ريب أن هذا قول الزنادقة المنافقين. وسنتكلم ~~معهم بعد هذا؛ إذا الخطاب هنا لبيان أن هذا قول الزنادقة وأنه لا يقوله إلا ~~منافق أو جاهل. وإن قال: إن الرسل مقصدهم صلاح عموم الخلق وعموم الخلق لا ~~يمكنهم فهم هذه الحقائق الباطنة فخاطبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك ~~وأظهروا الحقائق العقلية في القوالب الحسية؛ فتضمن خطابهم عن الله وعن ~~اليوم الآخر: من التخييل والتمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما ينتفع به عموم ~~الناس في أمر الإيمان بالله وبالمعاد. وذلك يقرر في النفوس من عظمة الله ms0897 ~~وعظمة اليوم الآخر ما يحض النفوس على عبادة الله وعلى الرجاء والخوف؛ ~~فينتفعون # PageV04P098 # بذلك وينالون السعادة بحسب إمكانهم واستعدادهم؛ إذ هذا الذي فعلته الرسل ~~هو غاية الإمكان في كشف الحقائق لعموم النوع البشري ومقصود الرسل: حفظ ~~النوع البشري وإقامة مصلحة معاشه ومعاده. فمعلوم: أن هذا قول حذاق الفلاسفة ~~مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما وهو قول كل حاذق وفاضل من المتكلمين في ~~القدر الذي يخالف فيه أهل الحديث. فالفارابي يقول: " إن خاصة النبوة جودة ~~تخييل الأمور المعقولة في الصور المحسوسة " أو نحو هذه العبارة. وابن سينا ~~يذكر هذا المعنى في مواضع ويقول: " ما كان يمكن موسى بن عمران مع أولئك ~~العبرانيين ولا يمكن محمدا مع أولئك العرب الجفاة أن يبينا لهم الحقائق على ~~ما هي عليه فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك وإن فهموه على ما هو عليه انحلت ~~عزماتهم عن اتباعه لأنهم لا يرون فيه من العلم ما يقتضي العمل ". وهذا ~~المعنى يوجد في كلام أبي حامد الغزالي وأمثاله ومن بعده: طائفة منه في ~~الإحياء وغير الإحياء وكذلك في كلام الرازي. وأما الاتحادية ونحوهم من ~~المتكلمين: فعليه مدارهم ومبنى كلام الباطنية والقرامطة عليه لكن هؤلاء ~~ينكرون ظواهر الأمور العملية # PageV04P099 # والعلمية جميعا وأما غير هؤلاء فلا ينكرون العمليات الظاهرة المتواترة ~~لكن قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم كما يقولون مثل ذلك في الأمور ~~الخبرية. ومدار كلامهم: على أن الرسالة متضمنة لمصلحة العموم علما وعملا. ~~وأما الخاصة فلا. وعلى هذا يدور كلام أصحاب " رسائل إخوان الصفا " وسائر ~~فضلاء المتفلسفة. ثم منهم من يوجب اتباع الأمور العملية من الأمور الشرعية ~~وهؤلاء كثيرون في متفقهتهم ومتصوفتهم وعقلاء فلاسفتهم. وإلى هنا كان ينتهي ~~علم ابن سينا إذ تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية. فإن قدماء ~~الفلاسفة كانوا يوجبون اتباع النواميس التي وضعها أكابر حكماء البلاد فلأن ~~يوجبوا اتباع نواميس الرسل أولى. فإنهم - كما قال ابن سينا -: " اتفق ~~فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدي ~~". # وكل عقلاء الفلاسفة متفقون على أنه ms0898 أكمل وأفضل النوع البشري وأن جنس ~~الرسل أفضل من جنس الفلاسفة المشاهير ثم قد يزعمون أن الرسل والأنبياء ~~حكماء كبار وأن الفلاسفة الحكماء أنبياء صغار وقد يجعلونهم صنفين. وليس هذا ~~موضع شرح ذلك. فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع. وإنما الغرض: أن هؤلاء ~~الأساطين من الفلاسفة والمتكلمين غاية # PageV04P100 # ما يقولون: هذا القول ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلي الحاصر ~~لئلا يخرج عنه قسم ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملا: إما جاهل ~~وإما منافق والمنافق جاهل وزيادة كما سنبينه إن شاء الله. والجاهل هنا فيه ~~شعبة نفاق وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق. فقلنا: إن من زعم ~~أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق وأحسن بيانا لها: فهذا زنديق ~~منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين. وسيجيء الكلام معه. وإن قال: ~~إن الرسل كانوا أعظم علما وبيانا لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها أو لا يمكن ~~بيانها مطلقا أو يمكن الأمران للخاصة. قلنا: فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت ~~عنه الرسل من العلم والبيان. إن قلتم: لا يمكن علمها. قلنا: فأنتم وأكابركم ~~لا يمكنكم علمها بطريق الأولى. وإن قلتم: لا يمكنهم بيانها. قلنا: فأنتم ~~وأكابركم لا يمكنكم بيانها. وإن قلتم: يمكن ذلك للخاصة دون العامة. قلنا: ~~فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون العامة. # PageV04P101 # فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك: جعلوا ~~السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان. وهذا من مقالات ~~الزنادقة؛ لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل ~~عقلا وتحقيقا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة. فهذا من مقالات ~~المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم ~~وأكملهم وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها. # وإذا سلم ذلك فأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم: هم أهل الحديث وأهل ~~السنة. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: " أصول السنة عندنا: ~~التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0899 والاقتداء بهم ~~وترك البدع وكل بدعة ضلالة. والسنة عندنا: آثار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن أي دلالات على معناه. # ولهذا ذكر العلماء: أن ### | الرفض أساس الزندقة # وأن أول من ابتدع الرفض إنما كان منافقا زنديقا وهو عبد الله بن سبأ فإنه ~~إذا قدح في السابقين الأولين فقد قدح في نقل الرسالة أو في فهمها أو في ~~اتباعها. فالرافضة تقدح تارة في علمهم بها وتارة في اتباعهم لها - وتحيل ~~ذلك على أهل البيت وعلى المعصوم الذي ليس له وجود في الوجود. والزنادقة من ~~الفلاسفة والنصيرية وغيرهم: يقدحون تارة في النقل: وهو # PageV04P102 # قول جهالهم. وتارة يقدحون في فهم الرسالة: وهو قول حذاقهم كما يذهب إليه ~~أكابر الفلاسفة والاتحادية ونحوهم. حتى كان التلمساني مرة مريضا فدخل عليه ~~شخص ومعه بعض طلبة الحديث فأخذ يتكلم على قاعدته في الفكر: أنه حجاب وأن ~~الأمر مداره على الكشف وغرضه كشف الوجود المطلق فقال ذلك الطالب: فما معنى ~~قول أم الدرداء: " أفضل عمل أبي الدرداء: التفكر؟ " فتبرم بدخول مثل هذا ~~عليه وقال للذي جاء به: كيف يدخل علي مثل هذا؟ ثم قال: أتدري يا بني ما مثل ~~أبي الدرداء وأمثاله؟ مثلهم: مثل أقوام سمعوا كلاما وحفظوه لنا حتى نكون ~~نحن الذين نفهمه ونعرف مراد صاحبه ومثل بريد حمل كتابا من السلطان إلى ~~نائبه أو نحو ذلك؛ فقد طال عهدي بالحكاية حدثني بها الذي دخل عليه وهو ثقة ~~يعرف ما يقول في هذا. وكان له في هذه الفنون جولان كثير. وكذلك ابن سينا ~~وغيره: يذكر من التنقص بالصحابة ما ورثه من أبيه وشيعته القرامطة؛ حتى ~~تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجة النوع الإنساني إلى الإمامة عرضوا ~~بقول الرافضة الضلال لكن أولئك يصرحون من السب بأكثر مما يصرح به هؤلاء. # ولهذا تجد بين " الرافضة " " والقرامطة " " والاتحادية " اقترانا ~~واشتباها. يجمعهم أمور. منها: الطعن في خيار هذه الأمة وفيما عليه أهل ~~السنة والجماعة وفيما # PageV04P103 # استقر من أصول الملة وقواعد الدين ويدعون باطنا امتازوا ms0900 به واختصوا به ~~عمن سواهم ثم هم مع ذلك متلاعنون متباغضون مختلفون كما رأيت وسمعت من ذلك ~~ما لا يحصى كما قال الله عن النصارى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة} وقال عن اليهود: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} . وكذلك المتكلمون المخلطون الذين ~~يكونون تارة مع المسلمين - وإن كانوا مبتدعين - وتارة مع الفلاسفة ~~الصابئين. وتارة مع الكفار المشركين. وتارة يقابلون بين الطوائف وينتظرون ~~لمن تكون الدائرة. وتارة يتحيرون بين الطوائف. وهذه الطائفة الأخيرة قد ~~كثرت في كثير ممن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم لا سيما ~~لما ظهر المشركون من الترك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المائة ~~السابعة. # وكان كثير ممن ينتسب إلى الإسلام فيه من النفاق والردة ما أوجب تسليط ~~المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين. فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في ~~دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار للعلم. وهذان هما ~~مقدمتا الزندقة كما قدمناه. ثم يعتمد فيما أقر به من أمور الإسلام على ما ~~علم بالاضطرار من دين الإسلام مثل العبادات والمحرمات الظاهرة وكذلك ~~الإقرار بمعاد الأجساد - بعد الاطلاع على التفاسير والأحاديث - يجعل العلم ~~بذلك مستفادا من أمور كثيرة؛ فلا يعطل تعطيل # PageV04P104 # الفلاسفة؛ الصابئين ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين. وكذلك " ~~الصحابة " وإن كان يقول بعدالتهم فيما نقلوه وبعلمهم في الجملة لكن يزعم في ~~مواضع: أنهم لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه إذ لم يجد مأثورا عنهم ~~التكلم بلغة الفلاسفة ويجعل هذا حجة له في الرد على من زعم. . . (1) . # وكذلك هذه المقالات لا تجدها إلا عند أجهل المتكلمين في العلم وأظلمهم من ~~هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة والمتشيعة والاتحادية في " الصحابة " مثل قول ~~كثير من العلماء والمتأمرة: أنا أشجع منهم وإنهم لم يقاتلوا مثل العدو الذي ~~قاتلناه ولا باشروا الحروب مباشرتنا ولا ساسوا سياستنا وهذا لا تجده إلا في ~~أجهل الملوك وأظلمهم. فإنه ms0901 إن أراد أن نفس ألفاظهم وما يتوصلون به إلى بيان ~~مرادهم من المعاني لم يعلموه: فهذا لا يضرهم؛ إذ العلم بلغات الأمم ليس مما ~~يجب على الرسل وأصحابهم بل يجب منه ما لا يتم التبليغ إلا به؛ فالمتوسطون ~~بينهم من التراجمة يعلمون لفظ كل منهما ومعناه. فإن كان المعنيان واحدا ~~كالشمس والقمر وإلا علموا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق فينقل لكل ~~منهما مراد صاحبه؛ كما يصور المعاني ويبين ما بين المعنيين من التماثل ~~والتشابه والتقارب. PageV04P105 # فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول. وفيما جاء به بيان الحجة على ~~بطلان كفر كل كافر وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك ~~الكفار؛ كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ~~أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله بالحق ~~وجاءه من البيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحق ~~من قياسهم. وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار - من حكم ~~أو دليل - يندرج فيما علمه الصحابة. وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد قوله: ~~{وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} {وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} فبين أن من هجر القرآن فهو ~~من أعداء الرسول وأن هذه العداوة أمر لا بد منه ولا مفر عنه ألا ترى إلى ~~قوله تعالى {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} . والله تعالى قد أرسل نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى جميع العالمين وضرب الأمثال فيما أرسله به لجميعهم كما ~~قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} ~~فأخبر أنه ضرب لجميع الناس في هذا القرآن من كل مثل. # PageV04P106 # ولا ريب أن ### | الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات؛ # كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو ms0902 المسلمين - في تحصنهم وتسلحهم - على ~~صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه ~~الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في ~~الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا ~~لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - ~~وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما يكون العربي ~~المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي. فقد جاء ~~في الحديث: {خيار عجمكم: المتشبهون بعربكم. وشرار عربكم المتشبهون بعجمكم} ~~. ولهذا لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف رماهم بالمنجنيق؛ ~~وقاتلهم قتالا لم يقاتل غيرهم مثله في المزاحفة: كيوم بدر وغيره وكذلك لما ~~حوصر المسلمون عام الخندق اتخذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه في غير ~~الحصار. وقيل: إن سلمان أشار عليهم بذلك فسلموا ذلك له لأنه طريق إلى فعل ~~ما أمر الله به ورسوله. # وقد قررنا في قاعدة " السنة والبدعة ": أن البدعة في الدين هي ما لم ~~يشرعه # PageV04P107 # الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب. فأما ما أمر به ~~أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي ~~شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواء كان هذا مفعولا على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يكن فما فعل بعده بأمره - من قتال المرتدين ~~والخوارج المارقين وفارس والروم والترك وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب وغي ر ذلك - هو من سنته. ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يقول: " سن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سننا: الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال ~~لطاعة الله وقوة على دين الله. ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من ~~خالفها؛ من اهتدى بها فهو مهتد. ومن استنصر بها فهو منصور. ومن خالفها ~~واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ". ~~فسنة خلفائه الراشدين: هي مما ms0903 أمر الله به ورسوله وعليه أدلة شرعية مفصلة ~~ليس هذا موضعها. فكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب وإقامة الحجة ~~عليهم بما بينه من أعلام رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبما في كتبهم من ~~ذلك وما حرفوه وبدلوه من دينهم وصدق بما جاءت به الرسل قبله؛ حتى إذا سمع ~~ذلك الكتابي العالم المنصف وجد ذلك كله من أبين الحجة وأقوم البرهان. # PageV04P108 # والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف وإلا فالظالم يجحد ~~الحق الذي يعلمه: وهو المسفسط والمقرمط أو يمتنع عن الاستماع والنظر في ~~طريق العلم: وهو المعرض عن النظر والاستدلال. فكما أن الإحساس الظاهر لا ~~يحصل للمعرض ولا يقوم للجاحد فكذلك الشهود الباطن لا يحصل للمعرض عن النظر ~~والبحث. بل طالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه. ولهذا سمي مجتهدا كما يسمى ~~المجتهد في العبادة وغيرها مجتهدا كما قال بعض السلف: " ما المجتهد فيكم ~~إلا كاللاعب فيهم " وقال أبي بن كعب وابن مسعود: " اقتصاد في سنة خير من ~~اجتهاد في بدعة " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} وقال معاذ بن جبل ويروى مرفوعا ~~وهو محفوظ عن معاذ: {عليكم بالعلم. فإن تعليمه حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته ~~تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة} فجعل ~~الباحث عن العلم مجاهدا في سبيل الله. ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع ~~العدل قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ~~ظلموا منهم} فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن. وإذا حصل من مسلمة ~~أهل الكتاب الذين علموا ما عندهم بلغتهم وترجموا لنا بالعربية انتفع بذلك ~~في مناظرتهم ومخاطبتهم كما كان عبد الله بن سلام # PageV04P109 # وسلمان الفارسي وكعب الأحبار وغيرهم يحدثون بما عندهم من العلم وحينئذ ~~يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول ويكون حجة عليهم من وجه وعلى ~~غيرهم من وجه آخر كما بيناه في موضعه. ms0904 # والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة كما تتقارب الأسماء في ~~الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب ~~فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري ~~بمجرد المعرفة بالعربية. والمعاني الصحيحة إما مقاربة لمعاني القرآن أو ~~مثلها أو بعينها وإن كان في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائص عظيمة. فإذا ~~أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن في القرآن بنقل أو عقل مثل أن ينقل عما ~~في كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أو خلاف ~~ما ذكره الله في كتبهم كزعمهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم ~~بتحميم الزاني دون رجمه: أمكن للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~يطلبوا التوراة ومن يقرءوها بالعربية ويترجمها من ثقات التراجمة كعبد الله ~~بن سلام ونحوه لما قال لحبرهم: " ارفع يدك عن آية الرجم " فإذا هي تلوح. ~~ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين منهما بعد أن أقام عليهم الحجة من ~~كتابهم. وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم وقال: {اللهم إني # PageV04P110 # أول من أحيا أمرك إذ أماتوه} ولهذا قال ابن عباس - في قوله: {إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} قال -: محمد صلى ~~الله عليه وسلم من النبيين الذين أسلموا وهو لم يحكم إلا بما أنزل الله ~~عليه كما قال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} . وكذلك يمكن أن يقرأ من ~~نسخة مترجمة بالعربية قد ترجمها الثقات بالخط واللفظ العربيين يعلم بهما ما ~~عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المسلمين أو ممن يعلم خطهم منا: كزيد بن ~~ثابت ونحوه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم ذلك والحديث معروف ~~في السنن وقد احتج به البخاري في (باب ترجمة الحاكم وهل يجوز ترجمان؟ قال: ~~وقال خارجة بن زيد بن ثابت {عن زيد بن ثابت: أن النبي أمره أن يتعلم كتاب ~~اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه وأقرأته كتبهم ms0905 إذا كتبوا ~~إليه} . والمكاتبة بخطهم والمخاطبة بلغتهم: من جنس واحد وإن كانا قد ~~يجتمعان وقد ينفرد أحدهما عن الآخر مثل كتابة اللفظ العربي بالخط العبري ~~وغيره من خطوط الأعاجم وكتابة اللفظ العجمي بالخط العربي وقيل: يكتفى بذلك. ~~ولهذا قال سبحانه: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} . ~~فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل # PageV04P111 # ما يخالف ذلك فإنهم كانوا: يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ويكذبون في ~~كلامهم وكتابهم. فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة. # فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين مثل الذي ~~يروى عن موسى أنه قال: " تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض " أمكننا أن ~~نقول لهم: في أي كتاب هذا؟ أحضروه - وقد علمنا أن هذا ليس في كتبهم وإنما ~~هو مفترى مكذوب وعندهم النبوات التي هي مئتان وعشرون و (كتاب المثنوي الذي ~~معناه المثناة وهي التي جعلها عبد الله بن عمرو فينا من أشراط الساعة فقال: ~~" لا تقوم الساعة حتى يقرأ فيهم بالمثناة ليس أحد يغيرها قيل: وما المثناة؟ ~~قال: ما استكتب من غير كتاب الله ". وكذلك إذا سئلوا عما في الكتاب من ذكر ~~أسماء الله وصفاته لتقام الحجة عليهم وعلى غيرهم بموافقة الأنبياء ~~المتقدمين لمحمد صلى الله عليه وسلم فحرفوا الكلم عن مواضعه: أمكن معرفة ~~ذلك كما تقدم. وإن ذكروا حجة عقلية فهمت أيضا مما في القرآن بردها إليه: ~~مثل إنكارهم للنسخ بالعقل حتى قالوا: لا ينسخ ما حرمه ولا ينهى عما أمر به. ~~فقال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} # PageV04P112 # قال البراء بن عازب - كما في الصحيحين - " هم اليهود " فقال سبحانه: {قل ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . فذكر ما في النسخ من ~~تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية ms0906 ومن كون الأمر الثاني قد يكون أصلح وأنفع ~~فقوله: {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} بيان للأصلح الأنفع وقوله: {من ~~يشاء} رد للأمر إلى المشيئة. وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين ~~حيث قالوا: التكليف إما تابع لمحض المشيئة كما يقوله قوم أو تابع للمصلحة ~~كما يقوله قوم. وعلى التقديرين فهو جائز. ثم إنه سبحانه بين وقوع النسخ ~~بتحريم الحلال في التوراة بأنه أحل لإسرائيل أشياء ثم حرمها في التوراة وأن ~~هذا كان تحليلا شرعيا بخطاب لم يكونوا استباحوه بمجرد البقاء على الأصل حتى ~~لا يكون رفعه نسخا كما يدعيه قوم منهم وأمر بطلب التوراة في ذلك. وهكذا ~~وجدناه فيها كما حدثنا بذلك مسلمة أهل الكتاب في غير موضع. # وهكذا مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم فإن الصابئي الفيلسوف ~~إذا ذكر ما عند قدماء الصابئة الفلاسفة من الكلام - الذي عرب وترجم ~~بالعربية وذكره - إما صرفا وإما على الوجه الذي تصرف فيه متأخروهم بزيادة ~~أو نقصان وبسط واختصار ورد بعضه وإتيان بمعان # PageV04P113 # أخر ليست فيه ونحو ذلك - فإن ذكر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل " الطب " ~~و " الحساب " المحض التي يذكرون فيها ذلك وكتب من أخذ عنهم مثل: محمد بن ~~زكريا الرازي وابن سينا ونحوهما من الزنادقة الأطباء ما غايته: انتفاع ~~بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز. كما يجوز السكنى في ~~ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يهود خيبر وكما استأجر النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين " ابن أريقط " - رجلا من بني الديل - ~~هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية وائتمناه على أنفسهما ودوابهما ~~وواعداه غار ثور صبح ثالثة وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مسلمهم وكافرهم وكان يقبل نصحهم. وكل هذا في الصحيحين وكان أبو طالب ~~ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويذب عنه مع شركه وهذا كثير. فإن المشركين ~~وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى: {ومن أهل ms0907 الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه ~~قائما} ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا ~~كان ثقة نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه ~~من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة ~~مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك. فأخذ علم الطب من كتبهم مثل ~~الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه # PageV04P114 # بل هذا أحسن. لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها ~~الخيانة ليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة بل هي مجرد انتفاع بآثارهم ~~كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك. وإن ذكروا ما يتعلق " بالدين ~~" فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالا وإن أحالوا ~~معرفته على القياس العقلي فإن وافق ما في القرآن فهو حق وإن خالفه ففي ~~القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ففي القرآن الحق والقياس البين الذي يبين بطلان ~~ما جاءوا به من القياس وإن كان ما يذكرونه مجملا فيه الحق - وهو الغالب على ~~الصابئة المبدلين مثل " أرسطو " وأتباعه وعلى من اتبعهم من الآخرين - قبل ~~الحق ورد الباطل والحق من ذلك لا يكون بيان صفة الحق فيه كبيان صفة الحق في ~~القرآن. فالأمر في هذا موقوف على معرفة القرآن ومعانيه وتفسيره وترجمته. # و ### | الترجمة والتفسير " ثلاث طبقات ": # أحدها: ترجمة مجرد اللفظ مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف ففي هذه الترجمة تريد ~~أن تعرف أن الذي يعني بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعني باللفظ عند ~~هؤلاء. فهذا علم نافع. إذ كثير من الناس يقيد المعنى باللفظ فلا يجرده عن ~~اللفظين جميعا. # PageV04P115 # والثاني: ترجمة المعنى وبيانه بأن يصور المعنى للمخاطب فتصوير المعنى له ~~وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ كما يشرح للعربي كتابا عربيا قد سمع ~~ألفاظه العربية لكنه لم يتصور ms0908 معانيه ولا فهمها وتصوير المعنى يكون بذكر ~~عينه أو نظيره إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب يكون ذلك المركب ~~صور ذلك المعنى: إما تحديدا وإما تقريبا. (الدرجة الثالثة: بيان صحة ذلك ~~وتحقيقه بذكر الليل والقياس الذي يحقق ذلك المعنى إما بدليل مجرد وإما ~~بدليل يبين علة وجوده. وهنا قد يحتاج إلى ضرب أمثلة ومقاييس تفيده التصديق ~~بذلك المعنى كما يحتاج في " الدرجة الثانية " إلى أمثلة تصور له ذلك ~~المعنى. وقد يكون نفس تصوره مفيدا للعلم بصدقه. وإذا كفى تصور معناه في ~~التصديق به لم يحتج إلى قياس ومثل ودليل آخر. فإذا عرف القرآن هذه المعرفة: ~~فالكلام الذي يوافقه أو يخالفه من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين لا ~~بد فيه من الترجمة للفظ والمعنى أيضا. وحينئذ فالقرآن فيه تفصيل كل شيء كما ~~قال تعالى: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء} ~~وقال {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} . ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ ~~القرآن لفظه ومعناه كما أمر بذلك # PageV04P116 # الرسول ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك وأن تبليغه إلى العجم قد ~~يحتاج إلى ترجمة لهم فيترجم لهم بحسب الإمكان. والترجمة قد تحتاج إلى ضرب ~~أمثال لتصوير المعاني فيكون ذلك من تمام الترجمة. # وإذا كان من المعلوم: أن أكثر المسلمين بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم ~~لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه؛ فلأن يعجز غيرهم عن ترجمة ما عنده ~~وبيانه أولى بذلك. لأن عقل المسلمين أكمل وكتابهم أقوم قيلا وأحسن حديثا ~~ولغتهم أوسع لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة؛ بل فيها باطل كثير. ~~فإن ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعب. لأنه ليس لها نظير من الحق من كل ~~وجه. فإذا سئلنا عن كلام يقولونه: هل هو حق أو باطل؟ ومن أين يتبين الحق ~~فيه والباطل. قلنا: - من القول - بالحجة والدليل؛ كما كان المشركون وأهل ~~الكتاب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل أو يناظرونه وكما ~~كانت الأمم تجادل رسلها. إذ كثير ms0909 من الناس يدعي موافقة الشريعة للفلسفة. # مثال ذلك: إذا ذكروا " العقول العشرة " " والنفوس التسعة " وقالوا: إن ~~العقل الأول هو الصادر الأول عن الواجب بذاته وأنه من لوازم ذاته ومعلول له ~~وكذلك الثاني عن الأول وإن لكل فلك عقلا ونفسا. # PageV04P117 # قيل: قولكم " عقل ونفس " لغة لكم فلا بد من ترجمتها وإن كان اللفظ عربيا ~~فلا بد من ترجمة المعنى. فيقولون: " العقل " هو الروح المجردة عن المادة - ~~وهي الجسد وعلائقها - سموه عقلا ويسمونه مفارقا ويسمون تلك: المفارقات ~~للمواد؛ لأنها مفارقة للأجساد؛ كما أن روح الإنسان إذا فارقت جسده كانت ~~مفارقة للمادة التي هي الجسد. " والنفس ": هي الروح المدبرة للجسم مثل نفس ~~الإنسان إذا كانت في جسمه. فمتى كانت في الجسم كانت محركة له. فإذا فارقته ~~صارت عقلا محضا: أي يعقل العلوم من غير تحريك بشيء من الأجسام فهذه العقول ~~والنفوس. # وهذا الذي ذكرناه من أحسن الترجمة عن معنى ### | العقل والنفس # وأكثرهم لا يحصلون ذلك. # قالوا: وأثبتنا لكل فلك نفسا: لأن الحركة اختيارية فلا تكون إلا لنفس. ~~ولكل نفس عقلا: لأن العقل كامل لا يحتاج إلى حركة والمتحرك يطلب الكمال فلا ~~بد أن يكون فوقه ما يشبه به وما يكون علة له. # ولهذا كانت حركة أنفسنا للتشبه بما فوقنا من العقول. وكل ذلك تشبه بواجب ~~الوجود بحسب الإمكان. والأول لا يصدر عنه إلا عقل. لأن النفس تقتضي جسما ~~والجسم فيه # PageV04P118 # كثرة والصادر عنه لا يكون إلا واحدا. ولهم في الصدور اختلاف كثير ليس هذا ~~موضعه. قيل لهم: أما إثباتكم أن في السماء أرواحا: فهذا يشبه ما في القرآن ~~وغيره من كتب الله؛ ولكن ليست هي " الملائكة " كما يقول الذين يزعمون منكم ~~أنهم آمنوا بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله. # ويقولون: ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة والفلسفة فإنهم ~~قالوا: العقول والنفوس عند الفلاسفة: هي الملائكة عند الأنبياء وليس كذلك ~~لكن تشبهها من بعض الوجوه. # فإن اسم الملائكة والملك يتضمن أنهم رسل الله كما قال تعالى: {جاعل ~~الملائكة رسلا} وكما قال: ms0910 {والمرسلات عرفا} فالملائكة رسل الله في تنفيذ ~~أمره الكوني الذي يدبر به السموات والأرض كما قال تعالى: {حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وكما قال: {بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون} وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة فإنه قال: {ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده} وقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي ~~حكيم} وقال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} . وملائكة الله ~~لا يحصي عددهم إلا الله كما قال تعالى: {وما جعلنا أصحاب # PageV04P119 # النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ~~كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} . وقيل ~~لهم: الذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يحصر حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع ~~أصابع إلا ملك قائم أو قاعد أو راكع؛ أو ساجد} وقال الله تعالى: {تكاد ~~السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في ~~الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم} . فمن جعلهم عشرة أو تسعة عشر أو زعم ~~أن التسعة عشر الذين على سقر: هم العقول والنفوس؛ فهذا من جهله بما جاء عن ~~الله ورسوله. وضلاله في ذلك بين: إذا لم تتفق الأسماء في صفة المسمى ولا في ~~قدره كما تكون الألفاظ المترادفة. وإنما اتفق المسميان في كون كل منهما ~~روحا متعلقا بالسموات. وهذا من بعض صفات ملائكة السموات فالذي أثبتوه هو ~~بعض # PageV04P120 # الصفات لبعض الملائكة وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم ~~وأعدادهم في غاية القلة أقل مما يؤمن به السامرة من الأنبياء بالنسبة إلى ~~الأنبياء؛ إذ هم لا يؤمنون بنبي بعد ms0911 موسى ويوشع. كيف؟ وهم لم يثبتوا ~~للملائكة من الصفة إلا مجرد ما علموه من نفوسهم مجرد العلم للعقول والحركة ~~الإرادية للنفوس. ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم والأحوال ~~والإرادات والأعمال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال ووصفهم في القرآن بالتسبيح ~~والعبادة لله أكثر من أن يذكر هنا كما ذكر تعالى في خطابه للملائكة وأمره ~~لهم بالسجود لآدم. وقوله تعالى {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون} وقوله تعالى {إن الذين عند ربك لا يستكبرون ~~عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} وقوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقوله تعالى: ~~{الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} وقوله تعالى {الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به # PageV04P121 # ويستغفرون للذين آمنوا} . وقوله تعالى {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله} . وقوله تعالى {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين} {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} . وقوله تعالى {إذ يوحي ربك ~~إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} . وقوله تعالى {ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} . وقال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها} وقوله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} وقوله تعالى {الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} وقوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون} وقوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون} وقوله تعالى {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ms0912 بكم} وقوله تعالى {في ~~صحف مكرمة} {مرفوعة مطهرة} {بأيدي سفرة} {كرام بررة} . وقوله تعالى {وإن ~~عليكم لحافظين} {كراما كاتبين} {يعلمون ما تفعلون} وقوله تعالى {أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} وقوله تعالى {ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقوله تعالى {والصافات صفا} {فالزاجرات زجرا} ~~{فالتاليات ذكرا} وقوله تعالى {فاستفتهم ألربك # PageV04P122 # البنات ولهم البنون} {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} {ألا إنهم من ~~إفكهم ليقولون} {ولد الله وإنهم لكاذبون} - إلى قوله تعالى - {وإنا لنحن ~~الصافون} {وإنا لنحن المسبحون} . وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون ~~الصف الأول ويتراصون في الصف} وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس عن مالك بن ~~صعصعة في حديث المعراج {عن النبي صلى الله عليه وسلم - لما ذكر صعوده إلى ~~السماء السابعة - قال: فرفع لي البيت المعمور؛ فسألت جبريل؟ فقال: هذا ~~البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك؛ إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما ~~عليهم} . وقال البخاري: وقال همام عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أمن القارئ فأمنوا فإنه من وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه} وفي الرواية الأخرى في الصحيحين ~~{إذا قال: آمين فإن الملائكة في السماء تقول: آمين} . وفي الصحيح أيضا عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال ~~الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه} وفي # PageV04P123 # الصحيح عن عروة {عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - ~~فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه؛ فتوحيه إلى ~~الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم} . وفي الصحيحين ms0913 عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتبعون مجالس ~~الذكر. فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى ~~يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء ~~فيسألهم الله - وهو أعلم - من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في ~~الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وما يسألوني؟ ~~قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب قال: فكيف لو ~~رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك. قال: ~~وهل رأوا ناري؟ قالوا: يا رب لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ~~ويستغفرونك. قال فيقول: قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما ~~استجاروا قال: يقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم. قال. ~~فيقول: وله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم} . # PageV04P124 # وفي الصحيحين {عن عروة عن عائشة حدثته: أنها قالت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت: ~~وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد ~~كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا ~~وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها ~~جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث ~~الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم ~~قال: يا محمد فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا ~~يشرك به شيئا} . وأمثال هذه الأحاديث الصحاح مما فيها ذكر الملائكة الذين ~~في السموات وملائكة الهواء والجبال وغير ذلك كثيرة. وكذلك الملائكة ~~المتصرفون في أمور بني آدم مثل قوله صلى ms0914 الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~عليه - حديث الصادق المصدوق - إذ يقول: {ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع ~~كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح} وفي الصحيح ~~حديث البراء بن عازب قال: {قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: اهجهم - أو ~~هاجهم - وجبريل معك} وفي الصحيح أيضا {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ~~أجب عني اللهم أيده # PageV04P125 # بروح القدس} وفي الصحيح عن أنس قال: " كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة ~~بني غنم موكب جبريل " وفي الصحيحين عن عائشة: أن {الحارث بن هشام قال: يا ~~رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده ~~علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ~~ما يقول} . وإتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة أعرابي ~~وتارة في صورة دحية الكلبي ومخاطبته وإقراؤه إياه كثيرا: أعظم من أن يذكر ~~هنا. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم {يتعاقبون ~~فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر ثم يعرج ~~الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون} . وفي الصحيحين {عن عائشة قالت: ~~حشوت للنبي صلى الله عليه وسلم وسادة فيها تماثيل كأنها نمرقة فجاء فقام ~~وجعل يتغير وجهه فقلت: ما لنا يا رسول الله؟ قال: ما بال هذه الوسادة؟ ~~قالت: وسادة جعلتها لك لتضطجع عليها قال: أما علمت أن الملائكة لا تدخل ~~بيتا فيه صورة إن من صنع الصور يعذب يوم القيامة يقال: أحيوا ما خلقتم} وفي ~~الصحيحين # PageV04P126 # {عن ابن عباس قال: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل} . وكذلك في ~~الصحيحين {عن عبد الله بن عمر قال: وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ~~فقال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا ms0915 صورة} وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في ~~مصلاه الذي صلى فيه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث} . وأمثال هذه ~~النصوص التي يذكر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم وأفعالهم: ما يمنع أن ~~تكون على ما يذكرونه من " العقول والنفوس " أو أن يكون جبريل هو " العقل ~~الفعال " وتكون ملائكة الآدميين هي القوى الصالحة والشياطين هي القوى ~~الفاسدة كما يزعم هؤلاء. # وأيضا فزعمهم أن العقول والنفوس - التي جعلوها الملائكة وزعموا أنها ~~معلولة عن الله صادرة عن ذاته صدور المعلول عن علته - هو قول بتولدها عن ~~الله. وأن الله ولد الملائكة. وهذا مما رده الله ونزه نفسه عنه وكذب قائله ~~وبين كذبه بقوله: {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} وقال تعالى: ~~{ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد الله وإنهم لكاذبون} {أاصطفى البنات على ~~البنين} {ما لكم كيف تحكمون} {أفلا تذكرون} {أم لكم سلطان مبين} {فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين} وبقوله: {وجعلوا لله شركاء # PageV04P127 # الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} ~~وقوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} ~~{لقد جئتم شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا} {أن دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا} . فأخبر أنهم معبدون. أي مذللون مصرفون مدينون مقهورون ~~ليسوا كالمعلول المتولد تولدا لازما لا يتصور أن يتغير عن ذلك. وأخبر أنهم ~~عباد لله لا يشبهون به كما يشبه المعلول بالعلة والولد بالوالد كما يزعمه ~~هؤلاء الصابئون. وقال تعالى: {وقالوا ms0916 اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون} {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون} فأخبر أنه يقتضي كل شيء بقوله " كن " لا بتولد المعلول ~~عنه. وكذلك قال سبحانه: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} {بديع السماوات والأرض أنى يكون ~~له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} . # PageV04P128 # فأخبر أن التولد لا يكون إلا عن أصلين كما تكون النتيجة عن مقدمتين وكذلك ~~سائر المعلولات المعلومة لا يحدث المعلول إلا باقتران ما تتم به العلة. ~~فأما الشيء الواحد وحده فلا يكون علة ولا والدا قط لا يكون شيء في هذا ~~العالم إلا عن أصلين ولو أنهما الفاعل والقابل كالنار والحطب والشمس والأرض ~~فأما الواحد وحده فلا يصدر عنه شيء ولا يتولد. فبين القرآن أنهم أخطئوا ~~طريق القياس في العلة والتولد حيث جعلوا العالم يصدر عنه بالتعليل والتولد. ~~وكذلك قال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} ؟ خلاف قولهم: إن الصادر ~~عنه واحد. وهذا وفاء بما ذكره الله تعالى من قوله: {ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} إذ قد تكفل بذلك في حق كل من خرج عن اتباع ~~الرسول فقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا} (فذكر) الوحدانية والرسالة إلى قوله: {ويوم يعض الظالم على يديه ~~يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} فكل ~~من خرج عن اتباع الرسول فهو ظالم بحسب ذلك. والمبتدع ظالم بقدر ما خالف من ~~سنته {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} {وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} {وقال الذين كفروا لولا ~~نزل # PageV04P129 # عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} {ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} . وهؤلاء ms0917 الصابئة قد أتوا بمثل وهو ~~قولهم: " الواحد لا يصدر عنه ويتولد عنه إلا واحد والرب واحد فلا يصدر عنه ~~إلا واحد يتولد عنه " فأتى الله بالحق وأحسن تفسيرا وبين أن الواحد لا يصدر ~~عنه شيء ولا يتولد عنه شيء أصلا وأنه لم يتولد عنه شيء ولم يصدر عنه شيء ~~ولكن خلق كل شيء خلقا وأنه خلق من كل شيء زوجين اثنين. ولهذا قال مجاهد - ~~وذكره البخاري في صحيحه - في الشفع والوتر: " أن الشفع هو الخلق فكل مخلوق ~~له نظير والوتر هو الله الذي لا شبيه له " فقال: {أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة} . وذلك أن الآثار الصادرة عن العلل والمتولدات في الموجودات لا ~~بد فيها من شيئين (أحدهما: يكون كالأب. (والآخر: يكون كالأم القابلة. وقد ~~يسمون ذلك الفاعل والقابل كالشمس مع الأرض والنار مع الحطب فأما صدور شيء ~~واحد عن شيء واحد فهذا لا وجود له في الوجود أصلا. وأما تشبيههم ذلك ~~بالشعاع مع الشمس وبالصوت - كالطنين - مع الحركة والنقر فهو أيضا حجة لله ~~ورسوله والمؤمنين عليهم. وذلك: أن الشعاع إن # PageV04P130 # أريد به نفس ما يقوم بالشمس: فذلك صفة من صفاتها وصفات الخالق ليست ~~مخلوقة ولا هي من العالم الذي فيه الكلام. وإن أريد بالشعاع ما ينعكس على ~~الأرض: فذلك لا بد فيه من شيئين وهما الشمس التي تجري مجرى الأب الفاعل ~~والأرض التي تجري مجرى الأم القابلة. وهي الصاحبة للشمس. وكذلك الصوت لا ~~يتولد إلا عن جسمين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه فيتولد الصوت الموجود في ~~أجسام العالم عن أصلين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه. فمهما احتجوا به من ~~القياس فالذي جاء الله به هو الحق وأحسن تفسيرا وأحسن بيانا وإيضاحا للحق ~~وكشفا له. وأيضا فجعلها علة تامة لما تحتها ومؤكدة له وموجبة له حتى ~~يجعلونها مبادئنا ويجعلونها لنا كالآباء والأمهات وربما جعلوا العقل هو ~~الأب والنفس هي الأم. وربما قال بعضهم: " الوالدان " العقل والطبيعة كما ~~قال صاحب الفصوص في قول نوح {اغفر لي ولوالدي} ms0918 أي من كنت نتيجة عنهما وهما ~~العقل والطبيعة. وحتى يسمونها الأرباب والآلهة الصغرى ويعبدونها. وهو كفر ~~مخالف لما جاءت به الرسل. # PageV04P131 # وبهذا وصف بعض السلف الصابئة بأنهم يعبدون الملائكة. وكذلك في الكتب ~~المعربة عن قدمائهم: أنهم كانوا يسمونها الآلهة والأرباب الصغرى كما كانوا ~~يعبدون الكواكب أيضا. والقرآن ينفي أن تكون أربابا أو أن تكون آلهة ويكون ~~لها غير ما للرسول الذي لا يفعل إلا بعد أمر مرسله ولا يشفع إلا بعد أن ~~يؤذن له في الشفاعة. وقد رد الله ذلك على من زعمه من العرب والروم وغيرهم ~~من الأمم فقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وقال تعالى: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير} . وقد تقدم بعض الأحاديث في صعق الملائكة إذا قضى الله ~~بالأمر الكوني أو بالوحي الديني. وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا ~~تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: ~~{بل عباد مكرمون} الآية. # PageV04P132 # وقال تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك وما كان ربك نسيا} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ~~نزلت الآية في الذين يدعون الملائكة والنبيين. واستقصاء القول في ذلك ليس ~~هذا موضعه. فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم " بجوامع الكلم ~~". فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة كلية عامة لما كان متفرقا ms0919 منتشرا في ~~كلام غيره. ثم إنه يسمي كل شيء بما يدل على صفته المناسبة للحكم المذكور ~~المبين وما يبين وجه دلالته. فإن تنزيهه نفسه عن الولد والولادة واتخاذ ~~الولد: أعم وأقوم من نفيه بلفظ العلة. فإن العلة أصلها التغيير كالمرض الذي ~~يحيل البدن عن صحته والعليل ضد الصحيح. وقد قيل: إنه لا يقال " معلول " إلا ~~في الشرب يقال: شرب الماء علا بعد نهل وعللته إذا سقيته مرة ثانية. # وأما استعمال اسم " العلة " في الموجب للشيء أو المقتضي له فهو من عرف ~~أهل الكلام وهي - وإن كان بينهما وبين العلة اللغوية مناسبة من جهة التغير ~~- فالمناسبة في لفظ " التولد " أظهر. ولهذا كان في الخطاب أشهر. يقول ~~الناس: # PageV04P133 # هذا الأمر يتولد عنه كذا وهذا يولد كذا وقد تولد عن ذلك الأمر كيت وكيت: ~~لكل سبب اقتضى مسببا من الأقوال والأعمال حتى أهل الطبائع يقولون: " ~~الأركان والمولدات " يريدون ما يتولد عن الأصول الأربعة - التراب والماء ~~والهواء والنار - من معدن ونبات وحيوان. فنفيه سبحانه عن نفسه أن يلد شيئا ~~اقتضى أن لا يتولد عنه شيء ونفيه أن يتخذ ولدا يقتضي أنه لم يفعل ذلك بشيء ~~من خلقه على سبيل التكريم وأن العباد لا يصلح أن يتخذ شيئا منهم بمنزلة ~~الولد. وهذا يبطل دعوى من يدعي مثل ذلك في المسيح وغيره ومن يقول: {نحن ~~أبناء الله} ومن يقول: الفلسفة هي التشبه بالإله. فإن الولد يكون من جنس ~~والده ويكون نظيرا له وإن كان فرعا له. ولهذا كان هؤلاء القائلون بهذه ~~المعاني من أعظم الخلق قولا بالتشبيه والتمثيل وجعل الأنداد له والعدل ~~والتسوية. ولهذا كانت الفلاسفة الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على ~~وجه التولد والتعليل يجعلونها له أندادا ويتخذونها آلهة وأربابا بل قد لا ~~يعبدون إلا إياها ولا يدعون سواها ويجعلونها هي المبدعة لما سواها مما ~~تحتها. فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك. و {تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} {الذي له ملك السماوات ~~والأرض # PageV04P134 # ولم ms0920 يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (1) . # فإن هؤلاء جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم و ~~" الجن " قد قيل: إنه يعم الملائكة؛ كما قيل في قوله: {وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا} وإن كان قد قيل في سبب ذلك: زعم بعض مشركي العرب: أن الله صاهر ~~إلى الجن فولدت الملائكة. فقد كانوا يعبدون الملائكة أيضا كما عبدتها ~~الصابئة الفلاسفة كما قال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} يعني أن الملائكة لم تأمرهم ~~بذلك وإنما أمرتهم بذلك الجن ليكونوا عابدين للشياطين التي تتمثل لهم كما ~~يكون للأصنام شياطين. # وكما تنزل الشياطين على بعض من يعبد الكواكب ويرصدها حتى تنزل عليه صورة ~~فتخاطبه. وهو شيطان من الشياطين. ولهذا قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} ~~{ولقد أضل منكم جبلا كثيرا PageV04P135 # أفلم تكونوا تعقلون} وقال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا} فهم وإن لم يقصدوا عبادة الشيطان وموالاته ولكنهم في ~~الحقيقة يعبدونه ويوالونه. فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المبتدعة ~~مؤمنون بقليل مما جاءت به الرسل في أمر الملائكة؛ في صفتهم وأقدارهم. وذلك: ~~أن هؤلاء القوم إنما سلكوا سبيل الاستدلال بالحركات الفلكية والقياس على ~~نفوسهم؛ مع ما جحدوه وجهلوه من خلق الله وإبداعه. وسبب ذلك: ما ذكره طائفة ~~ممن جمع أخبارهم: أن أساطينهم الأوائل: كفيثاغورس وسقراط؛ وأفلاطون كانوا ~~يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام؛ ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من ~~أصحاب داود وسليمان وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء؛ ولم يكن عنده من ~~العلم بأثارة الأنبياء ما عند سلفه. وكان عنده قدر يسير من الصابئية ~~الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية ms0921 وصارت قانونا مشى عليه أتباعه ~~واتفق أنه قد يتكلم في طبائع الأجسام أو في صورة المنطق أحيانا بكلام صحيح. ~~" وأما الأولون " فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع بمنزلة مبتدعة المتكلمين في ~~المسلمين مثل: أبي الهذيل وهشام بن الحكم ونحوهما ممن وضع مذهبا # PageV04P136 # في " أبواب أصول الدين " فاتبعه على ذلك طائفة. إذ كان أئمة المسلمين - ~~مثل مالك وحماد بن زيد والثوري ونحوهم - إنما تكلموا بما جاءت به الرسالة ~~وفيه الهدى والشفاء فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين: يعتاض عنه بما عند ~~هؤلاء. وهذا سبب ظهور البدع في كل أمة وهو خفاء سنن المرسلين فيهم. وبذلك ~~يقع الهلاك. ولهذا كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة قال مالك رحمه الله ~~" السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك " وهذا حق. فإن ~~سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم وأن من لم يركبها فقد كذب ~~المرسلين. واتباع السنة هو اتباع الرسالة التي جاءت من عند الله فتابعها ~~بمنزلة من ركب مع نوح السفينة باطنا وظاهرا. والمتخلف عن اتباع الرسالة ~~بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح عليه السلام وركوب السفينة معه. وهكذا إذا ~~تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلال ~~وكفر وجد القرآن والسنة كاشفين لأحوالهم مبينين لحقهم مميزين بين حق ذلك ~~وباطله. والصحابة كانوا أعلم الخلق بذلك كما كانوا أقوم الخلق بجهاد الكفار ~~والمنافقين كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: " من كان منكم مستنا فليستن ~~بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد: كانوا أبر هذه ~~الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله # PageV04P137 # لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على ~~الهدى المستقيم ". فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم. وهذا ~~قليل في المتأخرين كما يقال: " من العجائب فقيه صوفي وعالم زاهد " ونحو ~~ذلك. فإن أهل بر القلوب وحسن الإرادة وصلاح المقاصد يحمدون على سلامة ~~قلوبهم من الإرادات المذمومة ويقترن بهم كثيرا عدم ms0922 المعرفة وإدراك حقائق ~~أحوال الخلق التي توجب الذم للشر والنهي عنه والجهاد في سبيل الله وأهل ~~التعمق في العلوم قد يدركون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في أنواع ~~الغي والضلالات وأصحاب محمد كانوا أبر الخلق قلوبا وأعمقهم علما. ثم إن ~~أكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف المذموم من ~~المتكلمين والمتعبدين: وهو القول والعمل بلا علم وطلب ما لا يدرك. وأصحاب ~~محمد كانوا - مع أنهم أكمل الناس علما نافعا وعملا صالحا - أقل الناس تكلفا ~~يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله بها ~~أمة وهذا من منن الله على هذه الأمة. وتجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات ~~والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدعة والآراء المخترعة لم يكن لهم في ~~ذلك سلف إلا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين. # PageV04P138 # ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: {إني سأخلق أمة أفضلها على كل أمة وليس ~~لها علم ولا حلم فقال المسيح: أي رب كيف تفضلهم على جميع الأمم وليس لهم ~~علم ولا حلم؟ قال: أهبهم من علمي وحلمي} وهذا من خواص متابعة الرسول. فأيهم ~~كان له أتبع كان في ذلك أكمل كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر ~~لكم والله غفور رحيم} {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} . وكذلك في ~~الصحيحين من {حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر مثلنا ومثل الأمم قبلنا: ~~كالذي استأجر أجراء فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ~~فعملت اليهود؛ ثم قال. من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت ~~النصارى. ثم قال: من يعمل لي إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ فعملت ~~المسلمون. فغضبت اليهود والنصارى. وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا؟ قال: ~~فهل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا قال: ms0923 فهو فضلي أوتيه من أشاء} . فدل ~~الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع هذا الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل ~~الكتابين قبلهم فكيف بمن هو دونهم من الصابئة؟ دع مبتدعة الصابئة من ~~المتفلسفة ونحوهم. # PageV04P139 # ومن المعلوم: أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه. فلهم من فضل ~~الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض ~~السلف: " أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل ". فهذا الكلام تنبيه ~~على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد ~~والسنان. وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام. والمقصود: التنبيه على أن كل من ~~زعم بلسان حاله أو مقاله: أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور ~~الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله ~~واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكو ~~بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث فهو - إن كان من المؤمنين بالرسل - ~~فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا فهو منافق خالص من الذين {وإذا ~~قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم ~~السفهاء ولكن لا يعلمون} وقد يكون من {الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم} ومن {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ~~عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} . وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح ~~الذي لا ريب فيه - وإن كان ذلك ظاهرا بالفطرة لكل سليم الفطرة - فإنه متى ~~كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم # PageV04P140 # بالحقائق وأقومهم قولا وحالا: لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك ~~وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق. ولا يقال: هذه الفطرة ~~يغيرها ما يوجد في المنتسبين إلى السنة والحديث من تفريط وعدوان لأنه يقال: ~~إن ذلك في غيرهم أكثر والواجب مقابلة الجملة بالجملة في المحمود والمذموم ~~هذه هي المقابلة العادلة. وإنما غير الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة ~~واتباع ذلك ms0924 مع ما يوجد في المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم وإحسان ~~لبعض العمل. فيكون ذلك شبهة في قبول غيره وترجيح صاحبه. ولا غرض لنا في ذكر ~~الأشخاص. وقد ذكر أبو محمد بن قتيبة في أول كتاب " مختلف الحديث " وغيره من ~~العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من الأمور المبينة لما ذكرناه. وإنما ~~المقصود: ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية التي تعرف بحقائق الأمور ~~الخبرية النظرية وتوصل إلى حقائق الأمور الإرادية العملية. فمتى كان غير ~~الرسول قادرا على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك؟ فالرسول أعلم ~~بذلك وأحرص على الهدى وأقدر على بيانه منه. وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم. ~~وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: # PageV04P141 # {اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم. فإنك ~~تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب} . فعلمنا صلى الله عليه ~~وسلم أن نستخير الله بعلمه فيعلمنا من علمه ما نعلم به الخير ونستقدره ~~بقدرته فيجعلنا قادرين. إذ الاستفعال هو طلب الفعل كما قال في الحديث ~~الصحيح: يقول الله تعالى: {يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني ~~أطعمكم يا عبادي: كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم} . فاستهداء الله ~~طلب أن يهدينا واستطعامه طلب أن يطعمنا هذا قوت القلوب وهذا قوت الأجسام ~~وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته. ثم قال: {وأسألك من فضلك العظيم} ~~فهذا السؤال من جوده ومنه وعطائه وإحسانه الذي يكون بمشيئته ورحمته وحنانه. ~~ولهذا قال: {فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم} ولم يقل: إني لا أرحم ~~نفسي؛ لأنه في مقام الاستخارة يريد الخير لنفسه ويطلب ذلك. لكنه لا يعلمه ~~ولا يقدر عليه إن لم يعلمه الله إياه ويقدره عليه. فإذا كان الرسول أعلم ~~الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة ~~وأقدر الخلق على البيان والعبارة: امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصه ~~معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه؛ # PageV04P142 # فامتنع ms0925 أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء ~~الحديث. وإذا لم يكن في الطوائف من هو أعلم بالحقائق وأبين لها منه: وجب أن ~~يكون كل ما يذمون به من جهل بعضهم هو في طائفة المخالف الذام لهم أكثر. ~~فيكون الذام لهم جاهلا ظالما فيه شعبة نفاق؛ إذا كان مؤمنا. وهذا هو ~~المقصود. ثم إن هذا الذي بيناه مشهود بالقلب أعلم ذلك في كل أحد ممن أعرف ~~مفصلا. وهذه جملة يمكن تفصيلها من وجوه كثيرة؛ لكن ليس هذا موضعه. # PageV04P143 # فصل: # وأما قول من قال إن الحشوية على ضربين أحدهما: لا يتحاشى من الحشو ~~والتشبيه والتجسيم. والآخر: تستر بمذهب السلف. ومذهب السلف إنما هو التوحيد ~~والتنزيه؛ دون التشبيه والتجسيم وكذا جميع المبتدعة يزعمون هذا فيهم كما ~~قال القائل: وكل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فهذا الكلام فيه ~~حق وباطل. فمن الحق الذي فيه: ذم من يمثل الله بمخلوقاته ويجعل صفاته من ~~جنس صفاتهم. وقد قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} وقال تعالى: {ولم يكن له ~~كفوا أحد} وقال: {هل تعلم له سميا} . وقد بسطنا القول في ذلك وذكرنا ~~الدلالات العقلية التي دل عليها كتاب الله في نفي ذلك وبينا منه ما لم ~~يذكره النفاة الذين يتسمون بالتنزيه ولا يوجد في كتبهم ولا يسمع من أئمتهم؛ ~~بل عامة حججهم التي يذكرونها حجج ضعيفة. لأنهم يقصدون إثبات حق وباطل فلا ~~يقوم على ذلك حجة مطردة # PageV04P144 # سليمة عن الفساد بخلاف من اقتصد في قوله وتحرى القول السديد. فإن الله ~~يصلح عمله كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا} {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} . وفيه من الحق الإشارة إلى ~~الرد على من انتحل مذهب السلف مع الجهل بمقالهم أو المخالفة لهم بزيادة أو ~~نقصان. فتمثيل الله بخلقه والكذب على السلف من الأمور المنكرة سواء سمي ذلك ~~حشوا أو لم يسم. وهذا يتناول كثيرا من غالية المثبتة الذين يروون أحاديث ~~موضوعة في الصفات ms0926 مثل حديث " عرق الخيل " و " نزوله عشية عرفة على الجمل ~~الأورق حتى يصافح المشاة ويعانق الركبان " " وتجليه لنبيه في الأرض " أو " ~~رؤيته له على كرسي بين السماء والأرض " أو " رؤيته إياه في الطواف " أو " ~~في بعض سكك المدينة " إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة. فقد رأيت من ذلك ~~أمورا من أعظم المنكرات والكفران. وأحضر لي غير واحد من الناس من الأجزاء ~~والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى رسوله. وقد وضع لتلك ~~الأحاديث أسانيد؛ حتى إن منهم من عمد إلى كتاب صنفه " الشيخ أبو الفرج ~~المقدسي " فيما يمتحن به السني من البدعي. فجعل ذلك الكتاب مما أوحاه الله ~~إلى نبيه ليلة المعراج وأمره أن يمتحن به الناس فمن أقر به فهو سني ومن لم ~~يقر به فهو بدعي وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم يقلها هو ولا ~~عاقل. والناس المشهورون قد يقول أحدهم من المسائل # PageV04P145 # والدلائل ما هو حق أو فيه شبهة حق. فإذا أخذ الجهال ذلك فغيروه صار فيه ~~من الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال. والمقصود: أن كلامه فيه حق وفيه من ~~الباطل أمور: - (أحدها قوله: " لا يتحاشى من الحشو والتجسيم " ذم للناس ~~بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والذي مدحه زين وذمه شين: هو الله. ~~والأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين: لا تكون إلا من الأسماء ~~التي أنزل الله بها سلطانه ودل عليها الكتاب والسنة أو الإجماع كالمؤمن ~~والكافر والعالم والجاهل والمقتصد والملحد. فأما هذه " الألفاظ الثلاثة " ~~فليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ولا نطق بها أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها لا نفيا ولا إثباتا. وأول من ابتدع الذم بها " المعتزلة " الذين ~~فارقوا جماعة المسلمين فاتباع سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة ترك للقول ~~السديد الواجب في الدين واتباع لسبيل المبتدعة الضالين. وليس فيها ما يوجد ~~عن بعض السلف ذمه إلا لفظ " التشبيه " فلو اقتصر عليه لكان له قدوة من ~~السلف الصالح ms0927 ولو ذكر الأسماء التي نفاها الله في القرآن مثل لفظ " الكفؤ ~~والند والسمي " وقال: " منهم من لا يتحاشى من التمثيل ونحوه ": لكان قد ذم ~~بقول نفاه الله في كتابه ودل القرآن على ذم قائله ثم ينظر: هل قائله موصوف ~~بما وصفه به من الذم أم لا؟ . # PageV04P146 # فأما الأسماء التي لم يدل الشرع على ذم أهلها ولا مدحهم فيحتاج فيها إلى ~~مقامين: # أحدهما: بيان المراد بها. # والثاني: بيان أن أولئك مذمومون في الشريعة. والمعترض عليه له أن يمنع ~~المقامين فيقول: لا نسلم أن الذين عنيتهم داخلون في هذه الأسماء التي ~~ذممتها ولم يقم دليل شرعي على ذمها وإن دخلوا فيها. فلا نسلم أن كل من دخل ~~في هذه الأسماء فهو مذموم في الشرع. # الوجه الثاني: أن هذا الضرب الذي قلت: " إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه ~~والتجسيم " إما أن تدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التي دل عليها الكتاب ~~والسنة أو لا تدخلهم. فإن أدخلتهم كنت ذاما لكل من أثبت الصفات الخبرية. ~~ومعلوم أن هذا مذهب عامة السلف ومذهب أئمة الدين. بل أئمة المتكلمين يثبتون ~~الصفات الخبرية في الجملة. وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد بن كلاب وأبي ~~الحسن الأشعري وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي ~~والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك ~~وأبي محمد بن اللبان وأبي علي بن شاذان وأبي القاسم القشيري وأبي بكر ~~البيهقي وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من # PageV04P147 # يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عنهم: إثبات كل ~~صفة في القرآن. وأما الصفات التي في الحديث: فمنهم من يثبتها ومنهم من لا ~~يثبتها. فإذا كنت تذم جميع أهل الإثبات من سلفك وغيرهم لم يبق معك إلا ~~الجهمية: من المعتزلة ومن وافقهم على نفي الصفات الخبرية: من متأخري ~~الأشعرية ونحوهم. ولم تذكر حجة تعتمد. فأي ذم لقوم في أنهم لا يتحاشون مما ~~عليه سلف الأمة وأئمتها وأئمة الذام لهم؟ وإن لم تدخل في اسم ms0928 " الحشوية " ~~من يثبت الصفات الخبرية لم ينفعك هذا الكلام بل قد ذكرت أنت في غير هذا ~~الموضع هذا القول. وإذا كان الكلام لا يخرج به الإنسان عن أن يذم نفسه أو ~~يذم سلفه - الذين يقر هو بإمامتهم وأنهم أفضل ممن اتبعهم - كان هو المذموم ~~بهذا الذم على التقديرين. وكان له نصيب من الخوارج الذين قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأولهم: {لقد خبت وخسرت إن لم أعدل} يقول: إذا كنت مقرا ~~بأني رسول الله وأنت تزعم أني أظلم فأنت خائب خاسر. وهكذا من ذم من يقر ~~بأنهم خيار الأمة وأفضلها وأن طائفته إنما تلقت العلم والإيمان منهم. هو ~~خائب خاسر في هذا الذم. وهذه حال الرافضة في ذم الصحابة. # PageV04P148 # الوجه الثالث قوله: " والآخر يتستر بمذهب السلف " إن أردت بالتستر ~~الاستخفاء بمذهب السلف؛ فيقال: ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا في بلاد ~~أهل البدع؛ مثل بلاد الرافضة والخوارج. فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم ~~إيمانه واستنانه؛ كما كتم مؤمن آل فرعون إيمانه؛ وكما كان كثير من المؤمنين ~~يكتم إيمانه. حين كانوا في دار الحرب. فإن كان هؤلاء في بلد أنت لك فيه ~~سلطان - وقد تستروا بمذهب السلف - فقد ذممت نفسك؛ حيث كنت من طائفة يستر ~~مذهب السلف عندهم؛ وإن كنت من المستضعفين المستترين بمذهب السلف فلا معنى ~~لذم نفسك. وإن لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذم قوم بلفظ " التستر ". ~~وإن أردت بالتستر: أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا ~~خوطب أحدهم قال: أنا على مذهب السلف - وهذا الذي أراده. والله أعلم - فيقال ~~له: لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ~~ذلك منه بالاتفاق. فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا. فإن كان موافقا له ~~باطنا وظاهرا: فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا. وإن كان ~~موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن: فهو بمنزلة المنافق. فتقبل منه ~~علانيته وتوكل سريرته إلى الله. فإنا لم نؤمر ms0929 أن ننقب عن قلوب الناس ولا ~~نشق بطونهم. # PageV04P149 # وأما قوله: " مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه ~~". # فيقال له: لفظ " التوحيد والتنزيه والتشبيه والتجسيم " ألفاظ قد دخلها ~~الاشتراك بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم. وكل طائفة تعني بهذه ~~الأسماء ما لا يعنيه غيرهم. فالجهمية من المعتزلة وغيرهم يريدون " بالتوحيد ~~والتنزيه ": نفي جميع الصفات " وبالتجسيم والتشبيه ": إثبات شيء منها حتى ~~إن من قال: " إن الله يرى " أو " إن له علما " فهو عندهم مشبه مجسم. وكثير ~~من المتكلمة الصفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفي الصفات الخبرية أو ~~بعضها وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها. والفلاسفة تعني بالتوحيد: ما ~~تعنيه المعتزلة وزيادة حتى يقولون: ليس له إلا صفة سلبية أو إضافية أو ~~مركبة منهما. والاتحادية تعني بالتوحيد: أنه هو الوجود المطلق ولغير هؤلاء ~~فيه اصطلاحات أخرى. وأما التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب: ~~فليس هو متضمنا شيئا من هذه الاصطلاحات بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده ~~لا يشركوا # PageV04P150 # به شيئا فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها - هذا في ~~العمل. وفي القول: هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. فإن كنت ~~تعني أن مذهب السلف: هو التوحيد بالمعنى الذي جاء به الكتاب والسنة: فهذا ~~حق. وأهل الصفات الخبرية لا يخالفون هذا. وإن عنيت أن مذهب السلف: هو ~~التوحيد والتنزيه الذي يعنيه بعض الطوائف: فهذا يعلم بطلانه كل من تأمل ~~أقوال السلف الثابتة عنهم الموجودة في كتب آثارهم؛ فليس في كلام أحد من ~~السلف كلمة توافق ما تختص به هذه الطوائف ولا كلمة تنفي الصفات الخبرية. ~~ومن المعلوم: أن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فليرجع في ذلك إلى ~~الآثار المنقولة عنهم وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من ~~رأى قولا عنده هو الصواب قال: " هذا قول السلف لأن السلف لا يقولون إلا ~~الصواب وهذا هو الصواب " فهذا هو الذي يجرئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم: ~~أنه على مذهب السلف فقائل ms0930 هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب ~~السلف بلا نقل عنهم بل بدعواه: أن قوله هو الحق. وأما أهل الحديث: فإنما ~~يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة # PageV04P151 # يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام وتارة يروون نفس قولهم في هذا ~~الباب كما سلكناه في جواب الاستفتاء. فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ~~ذكرنا طريقين: أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم ومن روى ذلك من ~~أهل العلم بالأسانيد المعتبرة. والثاني: أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من ~~جميع طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة ومن أهل الحديث والتصوف وأهل ~~الكلام كالأشعري وغيره. فصار مذهب السلف منقولا بإجماع الطوائف وبالتواتر ~~لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع. ثم ~~لفظ " التجسيم " لا يوجد في كلام أحد من السلف لا نفيا ولا إثباتا فكيف يحل ~~أن يقال: مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته بلا ذكر لذلك اللفظ ولا لمعناه ~~عنهم؟ . وكذلك لفظ " التوحيد " بمعنى نفي شيء من الصفات لا يوجد في كلام ~~أحد من السلف. وكذلك لفظ " التنزيه " بمعنى نفي شيء من الصفات الخبرية لا ~~يوجد في كلام أحد من السلف. # PageV04P152 # نعم لفظ " التشبيه " موجود في كلام بعضهم وتفسيره معه كما قد كتبناه عنهم ~~وأنهم أرادوا بالتشبيه تمثيل الله بخلقه دون نفي الصفات التي في القرآن ~~والحديث. وأيضا فهذا الكلام لو كان حقا في نفسه لم يكن مذكورا بحجة تتبع. ~~وإنما هو مجرد دعوى على وجه الخصومة التي لا يعجز عنها من يستجيز ويستحسن ~~أن يتكلم بلا علم ولا عدل. ثم إنه يدل على قلة الخبرة بمقالات الناس من أهل ~~السنة والبدعة فإنه قال: " وكذا جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف ~~" فليس الأمر كذلك بل الطوائف المشهورة بالبدعة كالخوارج والروافض لا يدعون ~~أنهم على مذهب السلف بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف. فالرافضة تطعن في أبي ~~بكر وعمر وعامة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان وسائر أئمة الإسلام. فكيف يزعمون أنهم على مذهب ms0931 السلف ولكن ينتحلون ~~مذهب أهل البيت كذبا وافتراء. وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليا وجمهور ~~المسلمين من الصحابة والتابعين؛ فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟ . (الوجه ~~الرابع) أن هذا الاسم ليس له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد ~~من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين ولا شيخ أو عالم # PageV04P153 # مقبول عند عموم الأمة. فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذم به لا نص ولا ~~إجماع ولا ما يصح تقليده للعامة. فإذا كان الذم بلا مستند للمجتهد ولا ~~للمقلدين عموما كان في غاية الفساد والظلم؛ إذ لو ذم به بعض من يصلح لبعض ~~العامة تقليده لم يكن له أن يحتج به؛ إذ المقلد الآخر لمن يصلح له تقليده ~~لا يذم به. ثم مثل أبي محمد وأمثاله لم يكن يستحل أن يتكلم في كثير من فروع ~~الفقه بالتقليد فكيف يجوز له التكلم في أصول الدين بالتقليد؟ والنكتة: أن ~~الذام به إما مجتهد وإما مقلد أما المجتهد فلا بد له من نص أو إجماع أو ~~دليل يستنبط من ذلك. فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية. وقد قدمنا بيان ~~ذلك. وذكرنا أن الحمد والذم والحب والبغض والوعد والوعيد والموالاة ~~والمعاداة ونحو ذلك من أحكام الدين. لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله ~~بها سلطانه. فأما تعليق ذلك بأسماء مبتدعة فلا يجوز بل ذلك من باب شرع دين ~~لم يأذن به الله. وأنه لا بد من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ~~والمعتزلة أيضا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف وتطعن في كثير منهم وفيما ~~رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم بل تكفر أيضا من يخالف أصولهم ~~التي انتحلوها من السلف والخلف فلهم من الطعن في علماء # PageV04P154 # السلف وفي علمهم ما ليس لأهل السنة والجماعة. وليس انتحال مذهب السلف من ~~شعائرهم وإن كانوا يقررون خلافة الخلفاء الأربعة. ويعظمون من أئمة الإسلام ~~وجمهورهم ما لا يعظمه أولئك فلهم من القدح في كثير منهم ما ليس هذا موضعه. ~~" وللنظام " من القدح ms0932 في الصحابة ما ليس هذا موضعه. وإن كان من أسباب ~~انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصير ~~وعدوان وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب في خلافها فإن ما حصل من ~~ذلك صار فتنة للمخالف لهم: ضل به ضلالا كبيرا: فالمقصود هنا: أن المشهورين ~~من الطوائف - بين أهل السنة والجماعة - العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف ~~بل أشهر الطوائف بالبدعة: الرافضة حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع ~~إلا الرفض والسني في اصطلاحهم: من لا يكون رافضيا. وذلك لأنهم أكثر مخالفة ~~للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن وأكثر قدحا في سلف الأمة وأئمتها وطعنا في ~~جمهور الأمة من جميع الطوائف فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر ~~بالبدعة. # فعلم أن ### | شعار أهل البدع: # هو ترك انتحال اتباع السلف. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن ~~مالك: " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ". # PageV04P155 # وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية مع الفقهاء ~~والصوفية و أهل الحديث: فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف؛ بل قد ~~يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم كان ~~بمذهب السلف أعلم وله أتبع. وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر ~~استنانها وقلة ابتداعها. أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع: ~~فهذا باطل قطعا. فإن ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم. يوضح ~~ذلك: أن كثيرا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون ~~بمخالفة السلف - في مثل مسألة الإيمان. ومسألة تأويل الآيات والأحاديث - ~~يقولون: " مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وأما المتكلمون من ~~أصحابنا: فمذهبهم كيت وكيت " وكذلك يقولون: " مذهب السلف: أن هذه الآيات ~~والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول. والمتكلمون يريدون تأويلها إما ~~وجوبا وإما جوازا " ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين. هذا ~~منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم. أفلا عاقل يعتبر؟ ومغرور يزدجر؟ : إن السلف ~~ثبت ms0933 عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف ثم يحدث مقالة تخرج عنهم. أليس هذا صريحا: ~~إن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه وعلمه المتأخرون وهذا فاسد ~~بضرورة العلم الصحيح والدين المتين. # PageV04P156 # وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة كما ~~يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي والرازي وغيرهم. ~~ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد. فلا يثبتون على دين واحد ~~وتغلب عليهم الشكوك. وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة. وتارة ~~يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف ويقولون: " طريقة السلف أسلم ~~وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم " فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان ~~والتحقيق والعرفان والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه أو الخطأ والجهل. ~~وغايتهم عندهم: أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا ~~شعبة من الرفض فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف - كما يقوله من يقوله من ~~الرافضة والخوارج - ولا تفسيقا لهم - كما يقوله من يقوله من المعتزلة ~~والزيدية وغيرهم - كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا ونسبة لهم إلى الذنوب ~~والمعاصي وإن لم يكن فسقا فزعما: أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم ~~وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة ~~وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة ~~- في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها -: القرن ~~الأول ثم # PageV04P157 # الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير وجه وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة: من علم وعمل وإيمان وعقل ودين ~~وبيان وعبادة وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر ~~المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم؛ كما قال عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحي لا ~~تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد: أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما ~~وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ms0934 وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم ~~وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " وقال غيره: " عليكم بآثار ~~من سلف فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه ~~". هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم {لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه ~~حتى تلقوا ربكم} فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير في أعظم المعلومات وهو معرفة ~~الله تعالى؟ هذا لا يكون أبدا. وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في ~~رسالته: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك ~~به هدى ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا " وأيضا فيقال لهؤلاء الجهمية ~~الكلابية - كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله - كيف تدعون طريقة السلف ~~وغاية ما عند السلف: أن يكونوا # PageV04P158 # موافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن عامة ما عند السلف من العلم ~~والإيمان: هو ما استفادوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي أخرجهم الله به ~~من الظلمات إلى النور وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد الذي قال الله فيه: ~~{هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} {لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} وقال تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} وقال تعالى: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض} . وأبو محمد وأمثاله قد سلكوا مسلك الملاحدة ~~الذين يقولون: إن الرسول لم يبين الحق في باب التوحيد ولا بين للناس ما هو ~~الأمر عليه في نفسه ms0935 بل أظهر للناس خلاف الحق والحق: إما كتمه وإما أنه كان ~~غير عالم به. # فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به ~~الرسول في الأمور العلمية كالتوحيد والمعاد وغير ذلك يقولون: إن الرسول ~~أحكم الأمور العملية المتعلقة بالأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية # PageV04P159 # وأتى بشريعة عملية هي أفضل شرائع العالم ويعترفون بأنه لم يقرع العالم ~~ناموس أفضل من ناموسه ولا أكمل منه. فإنهم رأوا حسن سياسته للعالم وما ~~أقامه من سنن العدل ومحاه من الظلم. وأما الأمور العلمية التي أخبر بها - ~~من صفات الرب وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار - ~~فلما رأوها تخالف ما هم عليه صاروا في الرسول فريقين. فغلاتهم يقولون: إنه ~~لم يكن يعرف هذه المعارف؛ وإنما كان كماله في الأمور العملية. العبادات ~~والأخلاق. وأما الأمور العلمية: فالفلاسفة أعلم بها منه؛ بل ومن غيره من ~~الأنبياء. وهؤلاء يقولون: إن عليا كان فيلسوفا وأنه كان أعلم بالعلميات من ~~الرسول وأن هارون كان فيلسوفا وكان أعلم بالعلميات من موسى. وكثير منهم ~~يعظم فرعون ويسمونه أفلاطون القبطي ويدعون أن صاحب مدين الذي تزوج موسى ~~ابنته - الذي يقول بعض الناس إنه شعيب - يقول هؤلاء: إنه أفلاطون أستاذ ~~أرسطو ويقولون: إن أرسطو هو الخضر - إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من ~~الجهل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال. أقل ما فيه جهلهم بتواريخ ~~الأنبياء. فإن أرسطو باتفاقهم كان وزيرا # PageV04P160 # للإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ به اليهود والنصارى التاريخ ~~الرومي. وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة. وقد يظنون أن هذا هو " ذو ~~القرنين " المذكور في القرآن وأن أرسطو كان وزيرا لذي القرنين المذكور في ~~القرآن وهذا جهل. فإن هذا الإسكندر بن فيلبس لم يصل إلى بلاد الترك ولم يبن ~~السد وإنما وصل إلى بلاد الفرس. وذو القرنين المذكور في القرآن وصل إلى شرق ~~الأرض وغربها وكان متقدما على هذا يقال: إن اسمه الإسكندر بن دارا وكان ~~موحدا مؤمنا؛ وذاك مشركا: كان يعبد هو وقومه الكواكب والأصنام ويعانون ms0936 ~~السحر كما كان أرسطو وقومه من اليونان مشركين يعبدون الأصنام ويعانون السحر ~~ولهم في ذلك مصنفات وأخبارهم مشهورة وآثارهم ظاهرة بذلك. فأين هذا من هذا. ~~والمقصود هنا: بيان ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء به الرسول. ~~و (الفريق الثاني منهم يقولون: إن الرسول كان يعلم الحق الثابت في نفس ~~الأمر في التوحيد والمعاد ويعرف أن الرب ليس له صفة ثبوتية وأنه لا يرى ولا ~~يتكلم وأن الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال وأن الأبدان لا تقوم وأنه ~~ليس لله ملائكة هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحي # PageV04P161 # من عنده ويصعدون إليه؛ ولكن يقول بما عليه هؤلاء الباطنية في الباطن لكن ~~ما كان يمكنه إظهار ذلك للعامة. لأن هذا إذا ظهر لم تقبله عقولهم وقلوبهم ~~بل ينكرونه وينفرون منه. فأظهر لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في ~~دينهم وإن كان في ذلك تلبيس عليهم وتجهيل لهم واعتقادهم الأمر على خلاف ما ~~هو عليه؛ لما في ذلك من المصلحة لهم. ويجعلون أئمة الباطنية - كبني عبيد بن ~~ميمون القداح الذين ادعوا أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ ولم يكونوا ~~من أولاده؛ بل كان جدهم يهوديا ربيبيا لمجوسي وأظهروا التشيع. ولم يكونوا ~~في الحقيقة على دين واحد من الشيعة: لا الإمامية ولا الزيدية؛ بل ولا ~~الغالية الذين يعتقدون إلهية علي أو نبوته؛ بل كانوا شرا من هؤلاء كلهم. ~~ولهذا كثر تصانيف علماء المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وكثر غزو ~~المسلمين لهم. وقصصهم معروفة. وابن سينا وأهل بيته كانوا من أتباع هؤلاء ~~على عهد حاكمهم المصري. ولهذا دخل ابن سينا في الفلسفة. وهؤلاء يجعلون محمد ~~بن إسماعيل هو الإمام المكتوم وأنه نسخ شرع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~ويقولون: إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا أئمة معصومين؛ بل قد يقولون: إنهم ~~أفضل من الأنبياء وقد يقولون. إنهم آلهة يعبدون. ولهذا أرسل الحاكم غلامه " ~~هشتكير " الدرزي إلى وادي تيم الله بن ثعلبة # PageV04P162 # بالشام؛ فأضل أهل تلك الناحية وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون ms0937 بإلهية ~~الحاكم وقد أخرجهم عن دين الإسلام فلا يرون الصلوات الخمس ولا صيام شهر ~~رمضان ولا حج البيت الحرام ولا تحريم ما حرمه الله ورسوله من الميتة والدم ~~ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك. وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولا إلى التشيع ~~والتزام ما توجبه الرافضة وتحريم ما يحرمونه؛ ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد ~~درجة حتى ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام وأن المقصود: هو معرفة ~~أسرارهم وهو العلم الذي به تكمل النفس كما تقوله الفلاسفة الملاحدة. فمن ~~حصل له هذا العلم وصل إلى الغاية وسقطت عنه العبادات التي تجب على العامة ~~كالصلوات الخمس وصيام رمضان وحج البيت وحلت له المحرمات التي لا تحل لغيره. ~~فهؤلاء يجعلون الرسول صلى الله عليه وسلم - إذا عظموه وقالوا: كان كاملا في ~~العلم - من جنس رءوسهم الملاحدة وأنه كان يظهر للعامة خلاف ما يبطنه ~~للخاصة. وقد بينا من فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ما لا يناسبه هذا ~~المقام. فإن المقصود هنا: أن هؤلاء النفاة للعلو وللصفات الخبرية كصاحب ~~اللمعة وأمثاله يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء: إن الذي أظهره ليس هو ~~الحق الثابت في نفس الأمر لأن ذلك ما كان يمكنه إظهاره للعامة. فإذا # PageV04P163 # كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه فكيف قولهم في أتباعه " من سلف الأمة " ~~من الصحابة والتابعين؟ . ومن كان هذا أصل قوله في الرسول والسابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار: كان مخالفا لهم لا موافقا لا سيما إذا أظهر النفي ~~الذي كان الرسول وخواص أصحابه عنده يبطنونه ولا يظهرونه. فإنه يكون مخالفا ~~لهم أيضا. وهذا المسلك يراه عامة النفاة كابن رشد الحفيد وغيره. وفي كلام ~~أبي حامد الغزالي من هذا قطعة كبيرة. وابن عقيل وأمثاله قد يقولون أحيانا ~~هذا لكن ابن عقيل الغالب عليه إذا خرج عن السنة أن يميل إلى التجهم ~~والاعتزال في أول أمره؛ بخلاف آخر ما كان عليه. فقد خرج إلى السنة المحضة. # وأبو حامد يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات ~~الإسلامية ولهذا رد ms0938 عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي ~~فإنه قال: " شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما ~~قدر " وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه ورد ~~عليه العلماء المذكورون قبل. # PageV04P164 # فصل: # ثم قال المعترض: قال أبو الفرج بن الجوزي في الرد على الحنابلة: " إنهم ~~أثبتوا لله سبحانه عينا وصورة ويمينا وشمالا ووجها زائدا على الذات وجبهة ~~وصدرا ويدين ورجلين وأصابع وخنصرا وفخذا وساقا وقدما وجنبا وحقوا وخلفا ~~وأماما وصعودا ونزولا وهرولة وعجبا؛ لقد كملوا هيئة البدن وقالوا: يحمل على ~~ظاهره وليست بجوارح ومثل هؤلاء لا يحدثون فإنهم يكابرون العقول وكأنهم ~~يحدثون الأطفال ". # قلت: الكلام على هذا فيه أنواع: # الأول: بيان ما فيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة ~~العلمية. # الثاني: بيان أنه رد بلا حجة ولا دليل أصلا. # الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل. # أما " أولا ": فإن هذا المصنف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنفه # PageV04P165 # في الرد على الحنابلة كما ذكر هذا وإنما رد به - فيما ادعاه - على بعضهم. ~~وقصد أبا عبد الله بن حامد والقاضي أبا يعلى وشيخه أبا الحسن بن الزاغوني ~~ومن تبعهم؛ وإلا فجنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم ولا حكى عنهم ~~ما أنكره؛ بل هو يحتج في مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية كما يذكره ~~من كلام التميميين. مثل رزق الله التميمي وأبي الوفا بن عقيل. ورزق الله ~~كان يميل إلى طريقة سلفه كجده أبي الحسن التميمي وعمه أبي الفضل التميمي ~~والشريف أبي علي بن أبي موسى هو صاحب أبي الحسن التميمي وقد ذكر عنه أنه ~~قال: " لقد خري القاضي أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء " ~~وسنتكلم على هذا بما ييسره الله متحرين للكلام بعلم وعدل. ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله: فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ~~ينفيه طائفة أخرى منهم ومنهم من يمسك عن ms0939 النفي والإثبات جميعا. ففيهم جنس ~~التنازع الموجود في سائر الطوائف لكن نزاعهم في مسائل الدق؛ وأما الأصول ~~الكبار فهم متفقون عليها ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعا وافتراقا لكثرة ~~اعتصامهم بالسنة والآثار لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال ~~المبينة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره. وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة ~~واتباع سبيل السلف الطيب. ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة - ~~فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها - ينتحلونه. # PageV04P166 # ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل. فإن هذا أمر لا بد منه في العالم ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لا بد من وقوعه وأنه لما سأل ~~ربه أن لا يلقي بأسهم بينهم منع ذلك. فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة ~~والجماعة من نوع تنازع لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة كما ~~أنه لا بد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف لكنه لا يزال في هذه الأمة ~~طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة. ولهذا ~~لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة: كان منتحلا ~~للإمام أحمد ذاكرا أنه مقتد به متبع سبيله. وكان بين أعيان أصحابه من ~~الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف حتى إن أبا بكر ~~عبد العزيز يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكر من حجج أصحابه لأنه ~~كان عنده من متكلمة أصحابه. # وكان من أعظم المائلين إليهم التميميون: أبو الحسن التميمي وابنه وابن ~~ابنه ونحوهم؛ وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني ~~من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور. ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي ~~في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمد على ما ~~نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. وله في هذا الباب ~~مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه؛ ولم يذكر فيه ألفاظه وإنما ذكر جمل ~~الاعتقاد ms0940 بلفظ نفسه وجعل يقول: " وكان أبو عبد الله ". وهو بمنزلة من يصنف # PageV04P167 # كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن ~~كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده؛ فإن الناس في ~~نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن ~~أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب ~~الشريعة؛ بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة ~~وأعماله وأفهم لمراده. فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم. ~~ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة كما يختلف بعض أهل الحديث في ~~النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم. ~~فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة. ولا أمران متناقضان في ~~الحقيقة إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ. وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~فليس بمعصوم. فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين. وأمرين متناقضين ولم ~~يشعر بالتناقض. لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يحتاج إلى تمييز ومعرفة - وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض ~~والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير - لم يستنكر وقوع نحو من ~~هذا في غيره؛ بل هو أولى بذلك. لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على ~~رسوله ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره. لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب ~~والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله وبه يعرف سبيله وهو حجته على ~~عباده؛ # PageV04P168 # فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك وذهب هداه وعميت سبيله؛ ~~إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه؛ بل هذا ~~الرسول آخر الرسل. وأمته خير الأمم. ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على ~~الحق بإذن الله. لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. حتى تقوم الساعة. # الوجه الثاني: ms0941 أن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب: لم يثبت على قدم ~~النفي ولا على قدم الإثبات؛ بل له من الكلام في الإثبات نظما ونثرا ما أثبت ~~به كثيرا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنف. فهو في هذا الباب مثل كثير ~~من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع ~~كثيرة من الصفات كما هو حال أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي. # الوجه الثالث: أن باب الإثبات ليس مختصا بالحنبلية ولا فيهم من الغلو ما ~~ليس في غيرهم؛ بل من استقرأ مذاهب الناس وجد في كل طائفة من الغلاة في ~~النفي والإثبات ما لا يوجد مثله في الحنبلية ووجد من مال منهم إلى نفي باطل ~~أو إثبات باطل # PageV04P169 # فإنه لا يسرف إسراف غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات؛ بل تجد في ~~الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجد مثله في ~~الحنبلية. وإنما وقع الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دب إليهم من ~~غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات إذ أصل السنة ~~مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء. وكان علم " الإمام ~~أحمد وأتباعه " له من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاص والعام ~~ممن له بالسنة وأهلها نوع إلمام وأما أهل الجهل والضلال: الذين لا يعرفون ~~ما بعث الله به الرسول ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين ~~الروايات المكذوبة والآراء المضطربة: فأولئك جاهلون قدر الرسول والسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن فهم بمقادير الأئمة ~~المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين إذ كانوا أشبه بمن شاق الرسول ~~واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان وهم في هذه الأحوال إلى ~~الكفر أقرب منهم للإيمان: تجد أحدهم يتكلم في " أصول الدين وفروعه " بكلام ~~من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان ولا ~~عرف حال سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة ~~ولا عرف مما ms0942 بعث الله به نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال والغي ~~والرشاد. # PageV04P170 # وتجد وقيعة هؤلاء في " أئمة السنة وهداة الأمة " من جنس وقيعة الرافضة ~~ومن معهم من المنافقين في أبي بكر وعمر؛ وأعيان المهاجرين والأنصار؛ ووقيعة ~~اليهود والنصارى ومن تبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ووقيعة الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين ~~وقد ذكر الله في كتابه من كلام الكفار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين ~~وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرة للمعتبر؛ وبينة للمستبصر؛ وموعظة للمتهوك ~~المتحير. # وتجد عامة أهل الكلام ومن أعرض عن جادة السلف - إلا من عصم الله - يعظمون ~~أئمة الاتحاد بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد ويتكلفون لها محامل غير ~~ما قصدوه. ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشهادة بالإمامة والولاية ~~لهم وأنهم أهل الحقائق: ما الله به عليم. هذا ابن عربي يصرح في فصوصه: أن ~~الولاية أعظم من النبوة؛ بل أكمل من الرسالة ومن كلامه: مقام النبوة في ~~برزخ فويق الرسول ودون الولي وبعض أصحابه يتأول ذلك بأن ولاية النبي أفضل ~~من نبوته وكذلك ولاية الرسول أفضل من رسالته أو يجعلون ولايته حاله مع الله ~~ورسالته حاله مع الخلق وهذا من بليغ الجهل. فإن الرسول إذا خاطب الخلق ~~وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية بل هو ولي # PageV04P171 # الله في تلك الحال كما هو ولي الله في سائر أحواله فإنه ولي الله ليس ~~عدوا له في شيء من أحواله. وليس حاله في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلى ~~ودعا الله وناجاه. وأيضا: فما يقول هذا المتكلف في قول هذا المعظم: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لبنة من فضة وهو لبنتان من ذهب وفضة ويزعم أن ~~لبنة محمد صلى الله عليه وسلم هي العلم الظاهر ولبنتاه: الذهب علم الباطن ~~والفضة علم الظاهر وأنه يتلقى ذلك بلا واسطة؛ ويصرح في فصوصه أن رتبة ~~الولاية أعظم من رتبة النبوة لأن الولي يأخذ بلا واسطة والنبي بواسطة ~~فالفضيلة التي زعم أنه امتاز بها ms0943 على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عنده ~~مما شاركه فيه. وبالجملة: فهو لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء ~~فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو متابعه فيه في الظاهر كما يوافق المجتهد ~~المجتهد والرسول الرسول فليس عنده من اتباع الرسول والتلقي عنه شيء أصلا لا ~~في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية. وأيضا: فإنه لم يرض أن يكون ~~معه كموسى مع عيسى وكالعالم مع العالم في الشرع الذي وافقه فيه بل ادعى أنه ~~يأخذ ما أقره عليه من الشرع من الله في الباطن فيكون أخذه للشرع عن الله ~~أعظم من أخذ الرسول. # PageV04P172 # وأما ما ادعى امتيازه به عنه وافتقار الرسول إليه - وهو موضع اللبنة ~~الذهبية - فزعم أنه يأخذه عن المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى ~~الرسول. فهذا كما ترى في حال هذا الرجل وتعظيم بعض المتأخرين له. وصرح ~~الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة أحب إليه من ~~قتل مائة كافر لأن ضرر هذا في الدين أعظم. ولا نطيل الكلام في هذا المقام ~~لأنه ليس المقصود هنا. وأيضا فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم شرعية سمعية ~~لا تطلق بمجرد الرأي فهم في الامتناع من هذه الأسماء أحق بالعذر ممن امتنع ~~من تسمية صفاته أعراضا. وذلك أن الصفات التي لنا: منها ما هو عرض كالعلم ~~والقدرة ومنها ما هو جسم وجوهر قائم بنفسه كالوجه واليد وتسمية هذه جوارح ~~وأعضاء أخص من تسميتها أجساما لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع ~~والتصرف وجواز التفريق والبعضية. # PageV04P173 # الوجه الرابع: أن هذا السؤال لا يختص بهؤلاء بل إثبات جنس هذه الصفات قد ~~اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة وأئمة ~~أهل الكلام من الكلابية والكرامية والأشعرية كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه ~~واليد ونحو ذلك. وقد ذكر الأشعري في كتاب المقالات أن هذا مذهب أهل الحديث ~~وقال: إنه به يقول. فقال في جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث: " جملة ~~مقالة ms0944 أهل السنة وأصحاب الحديث: الإقرار بكذا وكذا وأن الله على عرشه استوى ~~وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} ~~وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} وأن له وجها كما قال: {ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وقد قدمنا فيما تقدم أن جميع أئمة الطوائف ~~هم من أهل الإثبات وما من شيء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في ~~الحنبلية - سواء كان الصواب فيه مع المثبت أو مع النافي أو كان فيه تفصيل - ~~إلا وذلك موجود فيما شاء الله # PageV04P174 # من أهل الحديث والصوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم؛ بل هو ~~موجود في الطوائف التي لا تنتحل السنة والجماعة والحديث ولا مذهب السلف مثل ~~الشيعة وغيرهم ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجد في هذه الطوائف. ~~وكذلك في أهل الكتابين - أهل التوراة والإنجيل - توجد هذه المذاهب ~~المتقابلة في النفي والإثبات وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل ~~في النفي والإثبات حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة ~~الصفاتية ولكن جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب: من الذين آمنوا ~~واليهود والنصارى والصابئة المهتدين وجنس النفي على غير المتبعين للرسل ~~أغلب: من المشركين والصابئة المبتدعة. وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهب ~~سلف الأمة وأئمتها بألفاظها وألفاظ من نقل ذلك من جميع الطوائف: بحيث لا ~~يبقى لأحد من الطوائف اختصاص بالإثبات. # ومن ذلك: ما ذكره شيخ الحرمين: أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في ~~كتابه الذي سماه " الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع ~~والفضول " وكان من أئمة الشافعية - ذكر فيه من كلام الشافعي ومالك والثوري ~~وأحمد بن حنبل والبخاري - صاحب الصحيح - # PageV04P175 # وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن ~~راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم. وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه ~~على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام وذكر " أنه اقتصر في النقل عنهم - دون ~~غيرهم - لأنهم هم المقتدى بهم ms0945 والمرجوع شرقا وغربا إلى مذاهبهم ولأنهم أجمع ~~لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها: من جودة ~~الحفظ والبصيرة والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة والإجماع والسند والرجال ~~والأحوال ولغات العرب ومواضعها والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمنقول ~~والمعقول والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة وظهور الأمانة والديانة: ممن ~~سواهم ". قال: " وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم ~~من الأئمة - وإن كانوا في منصب الإمامة - لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه ~~مجملا من شرائطها إذ ليس هذا موضعا لبيانها ". قال: " ووجه ثالث لا بد من ~~أن نبين فيه فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزاما للحجة على كل من ينتحل ~~مذهب إمام يخالفه في العقيدة فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه أو يبدعه أو ~~يكفره فانتحال مذهبه - مع مخالفته # PageV04P176 # له في العقيدة - مستنكر والله شرعا وطبعا فمن قال: أنا شافعي الشرع أشعري ~~الاعتقاد قلنا له: هذا من الأضداد لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي ~~أشعري الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول قلنا: قد ~~ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد ~~". قال: " وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية وهذه والله سبة ~~وعار وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة ~~الكبار فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم: الجهمية والمعتزلة والقدرية ~~والواقفية وتكفيرهم اللفظية ". وبسط الكلام في مسألة اللفظ إلى أن قال -: " ~~فأما غير ما ذكرناه من الأئمة: فلم ينتحل أحد مذهبهم فلذلك لم نتعرض للنقل ~~عنهم ". قال: " فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذا على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل ~~اختياره من أصحاب الحديث وهم الأئمة: الشافعي ومالك والثوري وأحمد إذ لا ~~نرى أحدا ينتحل مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم؟ . - قلنا: لأن من ذكرناه من ~~الأئمة - سوى هؤلاء - أرباب المذاهب في الجملة إذ كانوا قدوة في عصرهم ثم ~~اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب ms0946 الأئمة المعتبرة. وذلك أن ابن عيينة كان ~~قدوة ولكن لم يصنف في # PageV04P177 # الذي كان يختاره من الأحكام وإنما صنف أصحابه وهم الشافعي وأحمد وإسحاق ~~فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم. وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه قال ~~الشافعي: " لم يرزق الأصحاب " إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا ~~يخطئهما؛ فاندرج مذهبه تحت مذهبهما. وأما الأوزاعي فلا نرى له في أعم ~~المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك أو قول الثوري أو قول الشافعي: فاندرج ~~اختياره أيضا تحت اختيار هؤلاء. وكذلك اختيار إسحاق يندرج تحت مذهب أحمد ~~لتوافقهما. قال: " فإن قيل: فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في ~~اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت: من التعليقة للشيخ أبي حامد ~~الإسفرائيني التي هي ديوان الشرائع وأم البدائع: في بيان الأحكام ومذاهب ~~العلماء الأعلام وأصول الحجج العظام؛ في المختلف والمؤتلف. قال: " وأما ~~اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصلاة والأحكام - مما قرأته وسمعته من ~~مجموعيهما - فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور. وأما البخاري فلم ~~أر له اختيارا ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول: استنبط البخاري في ~~الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق. فلهذه المعاني نقلنا عن ~~الجماعة الذين سميناهم دون غيرهم إذ هم أرباب # PageV04P178 # المذاهب في الجملة ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط الإمامة وليس ~~من سواهم في درجتهم وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم. # ثم ذكر بعد ذلك الفصل الثاني عشر: في ذكر خلاصة تحوي مناصيص الأئمة بعد ~~أن أفرد لكل منهم فصلا - قال: " لما تتبعت أصول ما صح لي روايته فعثرت فيها ~~بما قد ذكرت من عقائد الأئمة فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها ~~وافتتحت كل " فصل " بنيف من المحامد يكون لإمامتهم إحدى الشواهد داعية إلى ~~اتباعهم ووجوب وفاقهم وتحريم خلافهم وشقاقهم فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة ~~في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغنا عن الصحابة ~~والتابعين إذ لا يسع مسلما خلافه ولا يعذر فيه فإن الحق لا ms0947 يخرج عنهم لأنهم ~~الأدلاء وأرباب مذاهب هذه الأمة والصدور والسادة والعلماء القادة أولوا ~~الدين والديانة والصدق والأمانة والعلم الوافر والاجتهاد الظاهر ولهذا ~~المعنى اقتدوا بهم في الفروع فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله حتى صاروا ~~أرباب المذاهب في المشارق والمغارب فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم ~~وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه ". قال: " فإنا نعلم قطعا أنهم أعرف ~~قطعا بما صح من معتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده لجودة ~~معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة ولقرب عصرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه كما بيناه في أول الكتاب ". # PageV04P179 # قال: " ثم أردت - ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان - أن أذكر خلاصة مناصيصهم ~~متضمنة بعض ألفاظهم. فإنها أقرب إلى الحفظ وهي اللباب لما ينطوي عليه ~~الكتاب فاستعنت بمن عليه التكلان وقلت: إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه ~~فصلان: # أحدهما: في ### | بيان السنة وفضلها. # والثاني: في هجران البدعة وأهلها. # أما الفصل الأول: فاعلم أن " السنة " طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتسنن بسلوكها وإصابتها وهي " أقسام ثلاثة ": أقوال وأعمال وعقائد. ~~فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة. والأفعال: مثل سنن الصلاة ~~والصيام والصدقات المذكورة ونحو السير المرضية والآداب المحكية فهذان ~~القسمان في عداد التأكيد والاستحباب واكتساب الأجر والثواب. والقسم الثالث: ~~سنة العقائد وهي من الإيمان إحدى القواعد ". قال: " وها أنا ذا أذكر بعون ~~الله خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا وأضيف إليه ما دون في كتب الأصول مما لم ~~يبلغني عنهم مطلقا وأرتبها مرشحة وببعض مناصيصهم موشحة بأوجز لفظ على قدر ~~وسعي ليسهل حفظه على من يريد أن يعي فأقول: ليعلم المستن أن سنة العقائد ~~على " ثلاثة أضرب ": ضرب يتعلق بأسماء الله وذاته وصفاته. وضرب يتعلق برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته وضرب يتعلق بأهل الإسلام في أولاهم ~~وأخراهم. # PageV04P180 # أما الضرب الأول: فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة جاء بها ~~كتابه وأخبر بها الرسول أصحابه فيما رواه الثقات وصححه النقاد الأثبات ودل ~~القرآن المبين والحديث الصحيح المتين ms0948 على ثبوتها. قال رحمه الله تعالى " ~~وهي أن الله تعالى أول لم يزل وآخر لا يزال أحد قديم وصمد كريم عليم حليم ~~علي عظيم رفيع مجيد وله بطش شديد وهو يبدئ ويعيد فعال لما يريد قوي قدير ~~منيع نصير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} إلى سائر أسمائه وصفاته من ~~النفس والوجه والعين والقدم واليدين والعلم والنظر والسمع والبصر والإرادة ~~والمشيئة والرضى والغضب والمحبة والضحك والعجب والاستحياء؛ والغيرة ~~والكراهة والسخط والقبض والبسط والقرب والدنو والفوقية والعلو والكلام ~~والسلام والقول والنداء والتجلي واللقاء والنزول؛ والصعود والاستواء وأنه ~~تعالى في السماء وأنه على عرشه بائن من خلقه. قال مالك: إن الله في السماء ~~وعلمه في كل مكان " وقال عبد الله بن المبارك " نعرف ربنا فوق سبع سمواته ~~على العرش بائنا من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ههنا - وأشار إلى ~~الأرض " وقال سفيان الثوري: {وهو معكم أين ما كنتم} قال: " علمه " قال ~~الشافعي: إنه على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء " قال أحمد: " إنه ~~مستو على العرش عالم بكل مكان " وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ~~شاء وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء # PageV04P181 # وإنه يعلو على كرسيه والإيمان بالعرش والكرسي وما ورد فيهما من الآيات ~~والأخبار. وأن الكلم الطيب يصعد إليه وتعرج الملائكة والروح إليه وأنه خلق ~~آدم بيديه وخلق القلم وجنة عدن وشجرة طوبى بيديه وكتب التوراة بيديه وأن ~~كلتا يديه يمين. وقال ابن عمر: " خلق الله بيديه أربعة أشياء: آدم والعرش ~~والقلم وجنة عدن وقال لسائر الخلق: كن فكان " وأنه يتكلم بالوحي كيف يشاء ~~قالت عائشة رضي الله عنها " لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في ~~بوحي يتلى ". وأن القرآن كلام الله بجميع جهاته منزل غير مخلوق ولا حرف منه ~~مخلوق منه بدأ وإليه يعود قال عبد الله بن المبارك: " من كفر بحرف من ~~القرآن فقد كفر ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر " وأن الكتب المنزلة ~~على الرسل مائة - وأربعة ms0949 كتب - كلام الله غير مخلوق قال أحمد: وما في اللوح ~~المحفوظ وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف فهو كلام ~~الله غير مخلوق " قال البخاري: " وأقول: في المصحف قرآن وفي صدور الرجال ~~قرآن فمن قال غير هذا يستتاب؛ فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر ". قال وذكر ~~الشافعي المعتقد بالدلائل فقال " لله أسماء وصفات جاء بها # PageV04P182 # كتابه؛ وأخبر بها نبيه أمته؛ لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ~~ردها - إلى أن قال - نحو إخبار الله سبحانه إيانا أنه سميع بصير وأن له ~~يدين لقوله: {بل يداه مبسوطتان} وأن له يمينا بقوله: {والسماوات مطويات ~~بيمينه} وأن له وجها لقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله: {ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام} وأن له قدما لقوله: {حتى يضع الرب فيها قدمه} يعني ~~جهنم. وأنه يضحك من عبده المؤمن {لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في ~~سبيل الله: إنه لقي الله وهو يضحك إليه} وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأنه ليس بأعور {لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الدجال فقال: إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور} وأن ~~المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وأن له ~~إصبعا لقوله صلى الله عليه وسلم {ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن} . قال: " وسوى ما نقله الشافعي أحاديث جاءت في الصحاح والمسانيد ~~وتلقتها الأمة بالقبول والتصديق نحو ما في الصحيح من حديث الذات وقوله: {لا ~~شخص أغير من الله} وقوله: {أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير من سعد ~~والله أغير مني} وقوله: {ليس أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه ~~وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم # PageV04P183 # الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقوله: {يد الله ملأى} وقوله: {بيده الأخرى ~~الميزان يخفض ويرفع} وقوله: {إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون ~~السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك} ms0950 . ونحوه قوله: {ثلاث حثيات من حثيات ~~الرب} وقوله: {لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه} وقوله في {حديث أبي رزين: قلت: ~~يا رسول الله فما يفعل ربنا بنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له ~~صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم ~~فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة} أخرجه أحمد في المسند. وحديث: ~~{القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ~~فيلقيهم في نهر من أنهار الجنة يقال له. نهر الحياة} . ونحو الحديث: {رأيت ~~ربي في أحسن صورة} ونحو قوله: {خلق آدم على صورته} وقوله: {يدنو أحدكم من ~~ربه حتى يضع كنفه عليه} وقوله: {كلم أباك كفاحا} وقوله: {ما منكم من أحد ~~إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له} وقوله: {يتجلى لنا ربنا ~~يوم القيامة ضاحكا} . وفي حديث المعراج في الصحيح: {ثم دنا الجبار رب العزة ~~فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى} وقوله: {كتب كتابا فهو عنده فوق ~~العرش # PageV04P184 # إن رحمتي سبقت غضبي} وقوله: {لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ ~~حتى يضع رب العزة فيها قدمه - وفي رواية: رجله - فينزوي بعضها إلى بعض ~~وتقول: قد قد وفي رواية قط قط بعزتك} . ونحو قوله: {فيأتيهم الله في صورته ~~التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا} وقوله: {يحشر الله العباد ~~فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان} . إلى ~~غيرها من الأحاديث هالتنا أو لم تهلنا بلغتنا أو لم تبلغنا اعتقادنا فيها ~~وفي الآي الواردة في الصفات: أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ~~ولا نتأولها وعلى العقول لا نحملها وبصفات الخلق لا نشبهها ولا نعمل رأينا ~~وفكرنا فيها ولا نزيد عليها ولا ننقص منها بل نؤمن بها ونكل علمها إلى ~~عالمها كما فعل ذلك السلف الصالح وهم القدوة لنا في كل علم. روينا عن إسحاق ~~أنه قال: " لا نزيل صفة مما وصف الله ms0951 بها نفسه أو وصفه بها الرسول عن جهتها ~~لا بكلام ولا بإرادة إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف الله ~~به نفسه في القرآن إنما هي صفاته ولا يعقل نبي مرسل ولا ملك مقرب تلك ~~الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب عز وجل. فإما أن يدرك أحد من بني آدم ~~تلك الصفات فلا يدركه أحد - الحديث إلى آخره # PageV04P185 # ". وكما روينا عن مالك والأوزاعي وسفيان؛ والليث وأحمد بن حنبل أنهم ~~قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: " أمروها كما جاءت ". وكما روي عن ~~محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - أنه قال في الأحاديث التي جاءت: {إن الله ~~يهبط إلى السماء الدنيا} ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها ~~الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها. ولا نفسرها ". انتهى كلام الكرخي رحمه الله ~~تعالى. والعجب أن هؤلاء المتكلمين إذا احتج عليهم بما في الآيات والأحاديث ~~من الصفات قال: قالت الحنابلة: إن الله: كذا وكذا بما فيه تشنيع وترويج ~~لباطلهم والحنابلة اقتفوا أثر السلف وساروا بسيرهم ووقفوا بوقوفهم بخلاف ~~غيرهم والله الموفق. النوع الثاني أن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ~~ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم. فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز ~~عنه أحد. والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب: لكان عليه أن يذكر ~~من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم. فقد قال الله عز وجل ~~لنبيه # PageV04P186 # صلى الله عليه وسلم {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن} وقال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} . ~~فلو كان خصم من يتكلم بهذا الكلام - سواء كان المتكلم به أبو الفرج أو غيره ~~من أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة - لكان ينبغي أن يذكر الحجة ويعدل عما لا ~~فائدة فيه إذ كان في مقام الرد عليهم دع (1) والمنازعون له - كما ادعاه - ~~هم عند جميع الناس أعلم منه بالأصول والفروع. وهو في كلامه ورده لم يأت ~~بحجة أصلا لا حجة سمعية ولا ms0952 عقلية. وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام ~~- قد خالفها أكثر منها من أهل الكلام - فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية ~~كما فعل هذا المعترض. ومن يرد على الناس بالمعقول إن لم يبين حجة عقلية ~~وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات كمعصوم الرافضة وغوث الصوفية. فأما ~~قوله: " إن مثل هؤلاء لا يحدثون " فيقال له: قد بعث الله الرسل إلى جميع ~~الخلق ليدعوهم إلى الله. فمن الذي أسقط الله مخاطبته من الناس؟ دع من تعرف ~~أنت وغيرك ممن فضلهم الله ما ليس هذا موضعه. ولو أراد سفيه أن يرد على ~~الراد بمثل رده لم يعجز عن ذلك. وكذلك قوله: " إنهم يكابرون العقول ". ~~فنقول: المكابرة للعقول PageV04P187 # إما أن تكون في إثبات ما أثبتوه وإما أن تكون في تناقضهم بجمع (1) من ~~إثبات هذه الأمور ونفي الجوارح. أما الأول: فباطل. فإن المجسمة المحضة التي ~~تصرح بالتجسيم المحض وتغلو فيه لم يقل أحد قط: إن قولها مكابرة للعقول ولا ~~قال أحد. إنهم لا يخاطبون؛ بل الذين ردوا على غالية المجسمة - مثل هشام بن ~~الحكم وشيعته - ولم يردوا عليهم من الحجج العقلية إلا بحجج تحتاج إلى نظر ~~واستدلال. والمنازع لهم - وإن كان مبطلا في كثير مما يقوله - فقد قابلهم ~~بنظير حججهم ولم يكونوا عليه بأظهر منه عليهم إذ مع كل طائفة حق وباطل. ~~وإذا كان مثل " أبي الفرج بن الجوزي " إنما يعتمد في نفي هذه الأمور على ما ~~يذكره نفاة النظار فأولئك لا يكادون يزعمون في شيء من النفي والإثبات أنه ~~مكابرة للمعقول؛ حتى جاحدوا الصانع الذين هم أجهل الخلق وأضلهم وأكفرهم ~~وأعظمهم خلافا للعقول لا يزعم أكثر هؤلاء الذين انتصر بهم أبو الفرج: أن ~~قولهم مكابرة للمعقول بل يزعمون أن العلم بفساد قولهم إنما يعلم بالنظر ~~والاستدلال. وهذا القول - وإن كان يقوله جل هؤلاء النفاة من أهل الكلام - ~~فليس هو طريقة مرضية. لكن المقصود: أن هؤلاء النفاة لا يزعمون أن العلم ~~بفساد PageV04P188 # قول المثبتة معلوم بالضرورة ولا أن قولهم مكابرة للعقل وإن شنعوا عليهم ms0953 ~~بأشياء ينفر عنها كثير من الناس فذاك ليستعينوا بنفرة النافرين على دفعهم ~~وإخماد قولهم؛ لا لأن نفور النافرين عنهم يدل على حق أو باطل ولا لأن قولهم ~~مكابرة للعقل أو معلوم بضرورة العقل أو ببديهته فساده. هذا لم أعلم أحدا من ~~أئمة النفاة أهل النظر يدعيه في شيء من أقواله المثبتة وإن كان فيها من ~~الغلو ما فيها. ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين أو محبة الموافقين: لا ~~يدل على صحة قوله ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدى من الله بل الاستدلال ~~بذلك هو استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله. فإن اتباع الإنسان لما ~~يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه ورد القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى ~~من الله قال تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} وقال: {فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} وقال تعالى لداود: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} وقال تعالى: ~~{فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا ~~في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا ~~عن سواء السبيل} وقال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود # PageV04P189 # ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} . فمن اتبع أهواء ~~الناس بعد العلم الذي بعث الله به رسوله وبعد هدى الله الذي بينه لعباده: ~~فهو بهذه المثابة. ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع والتفرق - المخالفين ~~للكتاب والسنة - أهل الأهواء: حيث قبلوا ما أحبوه وردوا ما أبغضوه بأهوائهم ~~بغير هدى من الله. وأما قول المعترض عن أبي الفرج: " وكأنهم يخاطبون ~~الأطفال " فلم تخاطب الحنابلة إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان الذين هم أعرف بالله وأحكامه وسلمنا لهم ms0954 أمر الشريعة ~~وهم قدوتنا فيما أخبروا عن الله وشرعه. وقد أنصف من أحال عليهم وقد شاقق من ~~خرج عن طريقتهم وادعى أن غيرهم أعلم بالله منهم أو أنهم علموا وكتموا وأنهم ~~لم يفهموا ما أخبروا به أو أن عقل غيرهم في (باب معرفة الله أتم وأكمل ~~وأعلم مما نقلوه وعقلوه وقد قدمنا ما فيه كفاية في هذا الباب والله الموفق. ~~{ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . # PageV04P190 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله وقدس سره -: # فصل: # الأقوال نوعان: أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة؛ يجب أن يكون معناها ~~حقا عرفه من عرفه وجهله من جهله والبحث عنها إنما هو عما أرادته الأنبياء؛ ~~فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذي يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى ~~ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعا له؛ فإن وافقه قبله وإلا رده وتكلف له من ~~التحريف ما يسميه تأويلا مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرا من ذلك أو أكثره لم ~~ترده الأنبياء فهو محرف للكلم عن مواضعه لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه ~~الراسخون في العلم. النوع الثاني: ما ليس منقولا عن الأنبياء فمن سواهم ليس ~~معصوما فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده ومعرفة صلاحه من فساده # PageV04P191 # فمن قال من أهل الكلام: إنه لا يفعل الأشياء بالأسباب؛ بل يفعل عندها لا ~~بها ولا يفعل لحكمة ولا في الأفعال المأمور بها ما لأجله كانت حسنة ولا ~~المنهي عنها ما لأجله كانت سيئة فهذا مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع ~~الأمة من السلف. # وأول من قاله في الإسلام جهم بن صفوان الذي أجمعت الأمة على ضلالته؛ فإنه ~~أول من أنكر الأسباب والطبائع كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفي الصفات ~~وأول من قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة. ونصوص الكتاب والسنة ~~في إبطال هذا كثيرة جدا كقوله: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} ~~فسلب النار طبيعتها. وقوله: {لنخرج به حبا ونباتا} وقوله: {حتى إذا أقلت ~~سحابا ms0955 ثقالا} فأخبر أن الرياح تقل السحاب أي تحمله فجعل هذا الجماد فاعلا ~~بطبعه. وقال: {اهتزت وربت وأنبتت} فجعلها فاعلة بطبعها. وقوله: {فأنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم} وهو الكثير المنفعة والزوج الصنف. والأدلة في ذلك ~~كثيرة يخبر فيها أنه يخلق بالأسباب والحكم وأخبر أنه قائم بالقسط وأنه لا ~~يظلم الناس شيئا فلا يضع شيئا في غير موضعه ولا يسوي بين مختلفين ولا يفرق ~~بين متماثلين كما قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم} الآية. ~~وقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} الآية ~~وقال: {أفنجعل المسلمين # PageV04P192 # كالمجرمين} الآية. وقال: {وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا الظلمات} الآية ~~وغيرها كثير. وقوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية. فدلت هذه ~~الآية وغيرها: على أن ما أمرهم به هو معروف في نفسه تعرفه القلوب فهو مناسب ~~لها مصلح لفسادها؛ ليس معنى كونه معروفا أنه مأمور به إذ هذا قدر مشترك ~~فعلم أن ما يأمر به رسوله مختص وما نهى عنه مختص بأنه منكر محذور وما يحله ~~مختص بأنه طيب وما يحرمه مختص بأنه خبيث ومثل هذا كثير في القرآن وغيره من ~~الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P193 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:: # الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهيته (*) قاعدة عظيمة عامة وتمامها ~~بالجواب عما يعارضها. # فإن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين لقول عمر: نعمت البدعة ~~وبأشياء أحدثت بعده صلى الله عليه وسلم وليست مكروهة: للأدلة من الإجماع ~~والقياس. وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من ~~العادة؛ بمنزلة من إذا قيل لهم: {تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} . وما أكثر من يحتج به من المنتسبين إلى ~~علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم وقد يبدي ذووا العلم له مستندا من ~~الأدلة الشرعية؛ والله يعلم أن قوله لها وعمله بها: ليس مستندا إلى ذلك؛ ~~وإنما يذكرها دفعا لمن يناظره. والمجادلة المحمودة: ms0956 إنما هي إبداء المدارك ~~التي هي مستند الأقوال والأعمال PageV04P194 # وأما إظهار غير ذلك: فنوع من النفاق في العلم والعمل وهذه " قاعدة " دلت ~~عليها السنة والإجماع مع الكتاب قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله} . فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو ~~أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به ~~الله ومن اتبعه في ذلك: فقد اتخذ شريكا لله شرع في الدين ما لم يأذن به ~~الله وقد يغفر له لأجل تأويل إذا كان مجتهدا: الاجتهاد الذي يعفى معه عن ~~المخطئ؛ لكن لا يجوز اتباعه في ذلك كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} . فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن الله به: من ~~تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب: فقد لحقه من هذا الذم نصيب كما يلحق ~~الآمر الناهي. ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه. فيتخلف الذم لفوات شرطه أو ~~وجود مانعه. وإن كان المقتضي له قائما ويلحق الذم من تبين له الحق؛ فتركه ~~أو قصر في طلبه فلم يتبين له أو أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ذلك. وأيضا: ~~فإن الله عاب على المشركين شيئين: - " أحدهما ": أنهم أشركوا به ما لم ينزل ~~به سلطانا. # " الثاني ": تحريمهم ما لم يحرمه الله كما بينه صلى الله عليه وسلم في ~~حديث # PageV04P195 # عياض عند مسلم وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فجمعوا بين الشرك والتحريم والشرك يدخل فيه ~~كل عبادة لم يأذن الله بها فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة؛ وإما ~~مستحبة: ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب به إلى الله ومنهم من ابتدع دينا ~~عبد به الله كما أحدثت النصارى من العبادات. # و ### | أصل الضلال في أهل الأرض # إنما نشأ من هذين إما اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه. # ولهذا كان ms0957 الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم. أن الأعمال " عبادات ~~وعادات "؛ فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله؛ والأصل في ~~العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها ~~لما أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به. # PageV04P196 # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه - # عن رجل قال: إذا كان المسلمون مقلدين والنصارى مقلدين واليهود مقلدين: ~~فكيف وجه الرد على النصارى واليهود وإبطال مذهبهم والحالة هذه؟ وما الدليل ~~القاطع على تحقيق حق المسلمين وإبطال باطل الكافرين؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، هذا القائل كاذب ضال في هذا القول وذلك أن التقليد المذموم هو ~~قبول قول الغير بغير حجة؛ كالذين ذكر الله عنهم أنهم {وإذا قيل لهم اتبعوا ~~ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} قال تعالى: {أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} وقال: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} {فهم ~~على آثارهم يهرعون} ونظائر هذا في القرآن كثير. فمن اتبع دين آبائه وأسلافه ~~لأجل العادة التي تعودها وترك اتباع الحق # PageV04P197 # الذي يجب اتباعه: فهذا هو المقلد المذموم وهذه حال اليهود والنصارى؛ بل ~~أهل البدع والأهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم في غير ~~الحق؛ كما قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسول} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيل} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقال تعالى. {ويوم ~~يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا} إلى قوله: {خذولا} . وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} إلى قوله: {وما ~~هم بخارجين من النار} وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} إلى ~~قوله: {إن الله قد حكم بين العباد} وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من ms0958 أطاع ~~مخلوقا في معصية الله: كان له نصيب من هذا الذم والعقاب. والمطيع للمخلوق ~~في معصية الله ورسوله: إما أن يتبع الظن؛ وإما أن يتبع ما يهواه وكثير ~~يتبعهما. وهذه حال كل من عصى رسول الله: من المشركين وأهل الكتاب؛ من ~~اليهود والنصارى ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة كما قال تعالى: # PageV04P198 # {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} إلى ~~قوله: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} و " السلطان " هو الكتاب المنزل من عند ~~الله وهو الهدى الذي جاءهم من عند الله كما قال تعالى: {أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} وقال: {إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم} إلى قوله: {ببالغيه} . وقال لبني آدم: {فإما ~~يأتينكم مني هدى} إلى قوله: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} . وبيان ذلك: أن ~~الشخص إما أن يبين له أن ما بعث الله به رسوله حق ويعدل عن ذلك إلى اتباع ~~هواه أو يحسب أن ما هو عليه من ترك ذلك هو الحق فهذا متبع للظن والأول متبع ~~لهواه. . . (1) اجتماع الأمرين: قال تعالى في صفة الأولين: {فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقال تعالى: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وقال تعالى: ~~{الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} إلى قوله: {ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون} . وقال تعالى في صفة الأخسرين: {قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا} PageV04P199 # الآية وقال: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء} . فالأول: حال المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كما ~~هو موجود في اليهود. والثاني: حال الذين يعملون بغير علم قال تعالى: {وإن ~~كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله} . وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه ~~وكذلك من اتبع الرسول بغير بصيرة ولا تبين وهو الذي يسلم بظاهره من غير ms0959 أن ~~يدخل الإيمان إلى قلبه كالذي يقال له في القبر: من ربك؟ (1) وما دينك؟ وما ~~نبيك؟ . فيقول: هاه هاه لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا فقلته - هو مقلد - ~~فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها ~~الإنسان لصعق؛ أي لمات. وقد قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} فمن لم يدخل الإيمان في ~~قلبه وكان مسلما في الظاهر: فهو من المقلدين المذمومين. فإذا تبين أن ~~المقلد مذموم - وهو من اتبع هوى من لا يجوز اتباعه - كالذي يترك طاعات رسل ~~الله ويتبع ساداته وكبراءه أو يتبع الرسول ظاهرا PageV04P200 # من غير إيمان في قلبه: تبين أن اليهود والنصارى كلهم مقلدون تقليدا ~~مذموما وكذلك المنافقون من هذه الأمة. # وأما أهل البدع: ففيهم بر وفجور وبيان ذلك من وجوه: # أحدها: أن اليهود والنصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون موسى وعيسى صلى الله ~~عليهما وسلم إنما يتبعونهم لأجل أنهم رسل الله وما من طريق تثبت بها نبوة ~~موسى وعيسى إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى. مثال ذلك: إذا قال ~~اليهود والنصارى: قد ثبت بالنقل المتواتر أن موسى وعيسى مع دعواه النبوة ~~ظهرت على يديه الآيات الدالة على صدقه وأنه جاء من الدين والشريعة ما يعلم ~~أنه لم يجئ به مفتر كذاب - ظهرت على يديه الآيات الدالة على صدقه - وإنما ~~يجيء به مع دعوى النبوة نبي صادق. قيل له: كل من هاتين الطريقتين دليل يثبت ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى. فإنه من المعلوم أن الذين ~~نقلوا ما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والشريعة ونقلوا ما ~~جاء به من الآيات المعجزات: أعظم من الذين نقلوا مثل ذلك عن موسى وعيسى وما ~~جاء به من هذين النوعين: أعظم مما جاء به موسى وعيسى؛ بل من نظر بعقله في ~~هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم النافع والعمل الصالح وما عند ~~اليهود والنصارى: علم أن بينهما ms0960 # PageV04P201 # من الفرق أعظم مما بين العرم والعرق. فإن الذي عند المسلمين: من توحيد ~~الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله ومعرفة اليوم الآخر ~~وصفة الجنة والنار والثواب والعقاب والوعد والوعيد: أعظم وأجل بكثير مما ~~عند اليهود والنصارى. وهذا بين لكل من يبحث عن ذلك. وما عند المسلمين من ~~العبادات الظاهرة والباطنة: مثل الصلوات الخمس؛ وغيرها من الصلوات؛ ~~والأذكار والدعوات: أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب. وما عندهم من الشريعة في ~~المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات: أعظم وأجل مما عند أهل ~~الكتاب. فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح وهذا يظهر لكل أحد بأدنى ~~نظر لا يحتاج إلى كثير سعي. والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير يحصل لهم: ~~فإنما حصل بنبيهم صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يمكن مع هذا أن يكون موسى وعيسى ~~نبيين ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس بنبي وأن اليهود والنصارى على الحق؟ . # PageV04P202 # فما هم عليه من الهدى ودين الحق: أعظم مما عند اليهود والنصارى؛ وذلك ~~إنما تلقوه من نبيهم. # وهذا القدر يعترف به كل عاقل - من اليهود والنصارى - يعترفون بأن دين ~~المسلمين حق وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من أطاعه منهم دخل ~~الجنة بل يعترفون بأن دين الإسلام خير من دينهم؛ كما أطبقت على ذلك ~~الفلاسفة كما قال ابن سينا وغيره: أجمع فلاسفة العالم على أنه لا يقرع ~~العالم ناموس أعظم من هذا الناموس؛ لكن من لم يتبعه يعلل نفسه بأنه لا يجب ~~عليه اتباعه؛ لأنه رسول إلى العرب الأميين دون أهل الكتاب؛ لأنه إن كان ~~دينه حقا فديننا أيضا حق والطريق إلى الله تعالى متنوعة ويشبهون ذلك بمذاهب ~~الأئمة فإنه وإن كان أحد المذاهب يرجح على الآخر فأهل المذاهب الأخرى ليسوا ~~كفارا ولا من أهل الكتاب. هذه الشبهة التي يضل بها المتكايسون من أهل ~~الكتاب والمتفلسفة ونحوهم وبطلانها ظاهر؛ فإنه كما علم علما ضروريا متواترا ~~أنه دعا المشركين إلى الإيمان فقد علم بمثل ذلك أنه دعا أهل الكتاب إلى ~~الإيمان ms0961 به وأنه جاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين؛ فجاهد بني قينقاع وبني ~~النضير وقريظة وأهل خيبر وهؤلاء كلهم يهود وسبى ذريتهم ونساءهم وغنم ~~أموالهم وأنه غزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه؛ حتى قتل في محاربتهم ~~زيد بن محمد # PageV04P203 # مولاه الذي كان تبناه وجعفر وغيرهما من أهله وأنه ضرب الجزية على نصارى ~~نجران. وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده: جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من ~~قاتلهم وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون. وهذا القرآن ~~الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به: مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى ~~اتباعه ويكفر من لم يتبعه منهم ويذمه ويلعنه؛ والوعيد له كما في تكفير من ~~لم يتبعه من المشركين وذمه والوعيد كما قال تعالى: {يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم} الآية وفي القرآن من قوله يا أهل ~~الكتاب يا بني إسرائيل: ما لا يحصى إلا بكلفة. وقال تعالى: {لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} الآية. إلى قوله. {خير البرية} ومثل ~~هذا في القرآن كثير جدا. وقد قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض} وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس} . واستفاض عنه صلى الله عليه وسلم {فضلت على الأنبياء بخمس} ~~ذكر فيها أنه قال: {كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة} بل ~~تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى الجن والإنس؛ فإذا علم بالاضطرار ~~بالنقل المتواتر - الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته - أنه دعا أهل الكتاب ~~إلى # PageV04P204 # الإيمان به وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم وأنه أمر بقتالهم حتى ~~يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وأنه قاتلهم بنفسه وسراياه وأنه ~~ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم. فحاصر بني ~~قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات وحاصر بني النضير ثم أجلاهم إلى خيبر؛ وفي ذلك ~~أنزل الله سورة الحشر. ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا ms0962 العهد وقتل رجالهم وسبى ~~حريمهم وأخذ أموالهم وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب؛ وقاتل أهل خيبر ~~حتى فتحها وقتل من قتل من رجالهم وسبى من سبى من حريمهم وقسم أرضهم بين ~~المؤمنين وقد ذكرها الله تعالى في سورة الفتح؛ وضرب الجزية على النصارى ~~وفيهم أنزل الله سورة آل عمران؛ وغزا النصارى عام تبوك وفيها أنزل الله ~~سورة براءة. وفي عامة السور المدنية؛ مثل البقرة وآل عمران والنساء ~~والمائدة وغير ذلك من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا تتسع ~~هذه الفتوى لعشره. ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين ~~والأنصار الذي يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له وأطوعهم لأمره وأحفظهم لعهده؛ ~~وقد غزوا الروم كما غزوا فارس وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس ~~فقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون. # PageV04P205 # ومن الأحاديث الصحيحة عنه قوله صلى الله عليه وسلم {والذي نفسي بيده لا ~~يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي: إلا دخل النار} . ~~قال سعيد بن جبير: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب ~~فالنار موعده} ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالاضطرار فإذا كان الأمر ~~كذلك: لزم بأنه رسول الله إلى كل الطوائف؛ فإنه يقرر بأنه رسول الله إلى ~~أهل الكتاب وغيرهم؛ فإن رسول الله لا يكذب ولا يقاتل الناس على طاعته بغير ~~أمر الله ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله. فمن قال: إن ~~الله أمره بذلك وفعله ولم يكن الله أمره بذلك: كان كاذبا مفتريا ظالما: ~~{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} وكان ~~مع كونه ظالما مفتريا: من أعظم المريدين علوا في الأرض وفسادا وكان أشر من ~~الملوك الجبابرة الظالمين؛ فإن الملوك الجبابرة الذين يقاتلون الناس على ~~طاعتهم: لا يقولون إنا رسل الله إليكم ومن أطاعنا دخل الجنة ومن عصانا دخل ~~النار؛ بل فرعون وأمثاله لا يدخلون ms0963 في مثل هذا ولا يدخل في هذا إلا نبي ~~صادق أو متنبئ كذاب؛ كمسيلمة والأسود وأمثالهما. فإذا علم أنه نبي كيف ما ~~كان: لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقا وإذا كان رسول الله وجبت طاعته في ~~كل ما يأمر به كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} ~~وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب # PageV04P206 # وأنه تجب عليهم طاعته: كان ذلك حقا؛ ومن أقر بأنه رسول الله وأنكر أن ~~يكون مرسلا إلى أهل الكتاب بمنزلة من يقول: إن موسى كان رسولا ولم يكن يجب ~~أن يدخل أرض الشام ولا يخرج بني إسرائيل من مصر وأن الله لم يأمره بذلك وأن ~~الله لم يأمره بالسبت ولا أنزل عليه التوراة ولا كلمه على الطور ومن يقول ~~إن عيسى كان رسول الله لم يبعث إلى بني إسرائيل ولا كان يجب على بني ~~إسرائيل طاعته وأنه ظلم اليهود وأمثال ذلك من المقالات التي هي أكفر ~~المقالات. ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} إلى قوله: {والذين ~~آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} الآية. وقال لبني إسرائيل: ~~{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} إلى قوله: {وما الله بغافل عما ~~تعملون} . فهذه الطريقة الواضحة البينة القاطعة: يبين بها لكل مسلم ويهودي ~~ونصراني أن دين المسلمين هو الحق دون اليهود والنصارى؛ فإنها مبنية على ~~مقدمتين: - (إحداهما: أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته وهدى أمته ~~أبين وأوضح تعلم بكل طريق تعلم بها نبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ~~وزيادة؛ فلا يمكن القول بأنهما نبيين دونه لأجل ذلك؛ وإن شاء الرجل استدل ~~على ذلك بنفس الدعوة وما جاء به وإن شاء بالكتاب الذي بعث به وإن شاء # PageV04P207 # بما عليه أمته وإن شاء بما بعث به من المعجزات فكل طريق من هذه الطرق إذا ~~تبين بها نبوة موسى وعيسى: كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بها أبين ms0964 ~~وأكمل. (والمقدمة الثانية: أنه أخبر أن رسالته عامة إلى أهل الأرض من ~~المشركين وأهل الكتاب وأنه لم يكن مرسلا إلى بعض الناس دون بعض وهذا أمر ~~معلوم بالضرورة والنقل المتواتر والدلائل القطعية. وأما اليهود والنصارى: ~~فأصل دينهم حق كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} لكن كل من الدينين مبدل منسوخ؛ فإن اليهود بدلوا ~~وحرفوا ثم نسخ بقية شريعتهم بالمسيح صلى الله عليه وسلم. ونفس الكتب التي ~~بأيدي اليهود والنصارى - مثل نبوة الأنبياء وهي أكثر من عشرين نبوة وغيرها ~~- تبين أنهم بدلوا وأن شريعتهم تنسخ وتبين صحة رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإن فيها من الإعلام والدلائل على نبوة خاتم المرسلين: ما قد صنف فيه ~~العلماء مصنفات وفيها أيضا من التناقض والاختلاف ما يبين أيضا وقوع التبديل ~~وفيها من الأخبار من نحو بعدها ما يبين أنها منسوخة؛ فعندهم ما يدل على هذه ~~المطالب. وقد ناظرنا غير واحد # PageV04P208 # من أهل الكتاب وبينا لهم ذلك وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف وصاروا ~~يناظرون أهل دينهم ويبينون ما عندهم من الدلائل على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولكن هذه الفتيا لا تحتمل غير ذلك. وهذا من الحكمة في إبقاء أهل ~~الكتاب بالجزية؛ إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر: ما ~~يبين أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الذي بعثت به الرسل قبله ~~وأخبر من توحيد الله وصفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله. قال تعالى: ~~{قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله} وقوله: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} وقال ~~تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ~~. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ms0965 يشك ولم يسأل؛ ولكن هذا حكم معلق بشرط ~~والمعلق بالشرط يعدم عند عدمه وفي ذلك سعة لمن شك أو أراد أن يحتج أو يزداد ~~يقينا. # PageV04P209 # فصل: # فهذه الطريقة بينة في مناظرة أهل الكتاب؛ وأما إن كان المخاطب لا يقر ~~بنبوة نبي من الأنبياء؛ لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما: فللمخاطبة طرق منها: ~~أن نسلك في الكلام بين أهل الملل وغيرهم - من المشركين والصابئين ~~والمتفلسفة والبراهمة وغيرهم - نظير الكلام بين المسلمين وأهل الكتاب. ~~فنقول: من المعلوم لكل عاقل له أدنى نظر وتأمل: أن أهل الملل أكمل في ~~العلوم النافعة والأعمال الصالحة؛ ممن ليس من أهل الملل؛ فما من خير يوجد ~~عند غير المسلمين من أهل الملل: إلا عند المسلمين ما هو أكمل منه وعند أهل ~~الملل ما لا يوجد عند غيرهم وذلك أن العلوم والأعمال نوعان: # نوع يحصل بالعقل: كعلم الحساب والطب وكالصناعة من الحياكة والخياطة ~~والتجارة ونحو ذلك. فهذه الأمور عند أهل الملل كما هي عند غيرهم؛ بل هم ~~فيها أكمل فإن علوم المتفلسفة - من علوم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك ~~- من متفلسفة الهند واليونان وعلوم فارس والروم؛ لما صارت إلى المسلمين: ~~هذبوها ونقحوها؛ لكمال عقولهم وحسن ألسنتهم وكان # PageV04P210 # كلامهم فيها أتم وأجمع وأبين وهذا يعرفه كل عاقل وفاضل؛ وأما ما لا يعلم ~~بمجرد العقل كالعلوم الإلهية وعلوم الديانات: فهذه مختصة بأهل الملل وهذه ~~منها ما يمكن أن يقام عليه أدلة عقلية؛ فالآيات الكتابية مستنبطة من ~~الرسالة. فالرسل هدوا الخلق وأرشدوهم إلى دلالة العقول عليها فهي عقلية ~~شرعية فليس لمخالف الرسول أن يقول هذه لم تعلم إلا بخبرهم؛ فإثبات خبرهم ~~بها دور؛ بل يقال بعدالتهم وإرشادهم وتبيينهم للمعقول: صارت معلومة بالعقل ~~والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية. وبهذه العلوم: يعلم صحة ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وبطلان قول من خالفوه. (النوع الثاني: ما لا ~~يعلم إلا بخبر الرسل فهذا يعلم بوجوه: - منها: اتفاق الرسل على الإخبار به ~~من غير تواطؤ ولا اتفاق بينهم فإن المخبر إما أن يكون صادقا ms0966 خبره مطابقا ~~لمخبره وإما أن لا يكون وإذا لم يكن خبره مطابقا لمخبره: فإما أن يكون ~~متعمدا للكذب وإما أن يكون مخطئا فإذا قدر عدم الخطأ والتعمد: كان خبره ~~صدقا لا محالة. ومعلوم أنه إذا أخبر واحد عن علوم طويلة فيها تفاصيل كثيرة: ~~لا يمكن في العادة خطؤهم وأخبر غيره قبل ذلك مع الجزم بأنهما لم يتواطآ ولا ~~يمكن أن يقال إنه يمكن الكذب في مثل ذلك: أفاد خبرهما العلم وإن لم يعلم # PageV04P211 # حالهما فلو ناجى رجلا بحضرة رجال وحدث بحديث طويل فيه أسرار تتعلق به وفي ~~رجل بتلك الأمور الأسرار ثم جاء آخر قد علمنا أنه لم يتفق مع المخبر الأول ~~فأخبر عن تلك المناجاة والأسرار مثل ما أخبر به الأول: جزمنا قطعا بصدقهما. ~~ومعلوم أن موسى أخبر بما أخبر به قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وقبل ~~أن يبعث المسيح. ومعلوم أيضا لكل من كان عالما بحال محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنه نشأ بين قوم أميين لا يقرءون كتابا ولا يعلمون علوم الأنبياء وأنه ~~لم يكن عندهم من يعلم ما في التوراة والإنجيل ونبوة الأنبياء. وقد أخبر ~~محمد صلى الله عليه وسلم من توحيد الله وصفاته وأسمائه وملائكته وعرشه ~~وكرسيه وأنبيائه ورسله وأخبارهم وأخبار مكذبيهم: بنظير ما يوجد في كتب ~~الأنبياء من التوراة وغيرها. فمن تدبر التوراة والقرآن: علم أنهما جميعا ~~يخرجان من مشكاة واحدة كما ذكر ذلك النجاشي وكما قال ورقة بن نوفل: هذا هو ~~الناموس الذي كان يأتي موسى. ولهذا قرن الله تعالى بين التوراة والقرآن في ~~مثل هذا في قوله: {لولا # PageV04P212 # أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} إلى قوله: {إن ~~كنتم صادقين} وقالت الجن: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه} الآية. وقال: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله ~~كتاب موسى إماما ورحمة} وقال: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من ms0967 شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} ~~إلى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} . فهذه الطريقة: ~~كل من علم ما جاء به موسى والنبيون قبله وبعده وما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم علم علما يقينا أنهم كلهم مخبرون عن الله صادقون في الإخبار وأنه ~~يمتنع - والعياذ بالله - خلاف الصدق من خطأ وكذب. ومن الطرق: الطرق الواضحة ~~القاطعة المعلومة إلى قيام الساعة بالتواتر من أحوال أتباع الأنبياء وأحوال ~~من كذبهم وكفر بهم حال نوح وقومه وهود وقومه وصالح وقومه وحال إبراهيم ~~وقومه وحال موسى وفرعون وحال محمد صلى الله عليه وسلم وقومه. وهذا الطريق ~~قد بينها الله في غير موضع من كتابه كقوله: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب ~~من بعدهم} إلى قوله: {فكيف كان عقاب} وقال: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم ~~نوح وعاد وثمود} {وقوم إبراهيم وقوم لوط} # PageV04P213 # {وأصحاب مدين وكذب موسى} إلى قوله: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} ~~إلى قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون ~~بها} وقوله {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} {وبالليل أفلا تعقلون} وقال {إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين} . فبين أنه تارك آثار القوم المعذبين للمشاهدة ويستدل ~~بذلك على عقوبة الله لهم وقال تعالى: {وكم أهلكنا من القرون} الآيتين. فذكر ~~طريقين يعلم بهما ذلك. # أحدهما: ما يعاين ويعقل بالقلوب. # والثاني: ما يسمع. فإنه قد تواتر عند كل أحد حال الأنبياء ومصدقهم ~~ومكذبهم وعاينوا من آثارهم ما دل على أنه سبحانه عاقب مكذبهم وانتقم منه ~~وأنهم كانوا على الحق الذي يحبه ويرضاه وأن من كذبهم كان على الباطل الذي ~~يغضب الله على أهله وأن طاعة الرسل طاعة لله ومعصيتهم معصية لله. ومن الطرق ~~أيضا أن يعلم ما تواتر من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاهرة وأنه يمتنع أن ~~تكون المعجزة على يد مدعي النبوة وهو كذاب من غير تناقض ولا تعارض كما هو ~~مبسوط؛ في غير هذا الموضع. # PageV04P214 # ومن الطرق: أن الرسل جاءوا ms0968 من العلوم النافعة والأعمال الصالحة بما هو ~~معلوم عند كل عاقل لبيب ولا ينكره إلا جاهل غاو. وهذه الفتيا لا تسع البسط ~~الكثير فإذا تبين صدقهم وجب التصديق في كل ما أخبروا به. ووجب الحكم بكفر ~~من آمن ببعض وكفر ببعض. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV04P215 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية - قدس الله روحه -: # عن " الروح " هل هي قديمة أو مخلوقة؟ وهل يبدع من يقول بقدمها أم لا؟ وما ~~قول أهل السنة فيها وما المراد بقوله عز وجل: {قل الروح من أمر ربي} ؟ هل ~~المفوض إلى الله تعالى أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما؟ بينوا ذلك من ~~الكتاب والسنة. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها وسائر أهل السنة وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد ~~من أئمة المسلمين مثل " محمد بن نصر المروزي " الإمام المشهور الذي هو أعلم ~~أهل زمانه بالإجماع والاختلاف أو من أعلمهم. وكذلك " أبو محمد بن قتيبة " ~~قال في " كتاب اللقط " لما تكلم على خلق الروح قال: النسم الأرواح. قال: ~~وأجمع الناس على أن الله خالق الجثة # PageV04P216 # وبارئ النسمة أي خالق الروح. وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في ~~هذه المسألة سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة قال: هذا مما لا ~~يشك فيه من وفق للصواب إلى أن قال: والروح من الأشياء المخلوقة وقد تكلم في ~~هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ وردوا على من يزعم أنها غير ~~مخلوقة. وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابا كبيرا في " الروح ~~والنفس " وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئا كثيرا؛ وقبله الإمام محمد بن ~~نصر المروزي وغيره والشيخ أبو يعقوب الخراز وأبو يعقوب النهرجوري والقاضي ~~أبو يعلى وغيرهم؛ وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ~~ذلك في روح عيسى بن مريم لا سيما ms0969 في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في ~~الرد على " الزنادقة والجهمية " فقال في أوله: الحمد لله الذي جعل في كل ~~زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم ~~على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من ~~قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس ~~وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين؛ وانتحال المبطلين ~~وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة؛ فهم ~~مختلفون في الكتاب؛ مخالفون للكتاب؛ متفقون على مخالفة الكتاب؛ يقولون على ~~الله؛ وفي الله؛ وفي كتاب # PageV04P217 # الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين وتكلم على ما يقال: إنه متعارض من ~~القرآن إلى أن قال: " وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من ~~القرآن والحديث وأضلوا بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله: ~~أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام كان أكثر ~~كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال لهم (السمنية) فعرفوا الجهم ~~فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا: ~~دخلنا في دينك. فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا: ألست تزعم أن لك إلها؟ ~~قال الجهم: بلى (1) : فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت ~~كلامه؟ قال: لا. قالوا: فهل شممت له رائحة؟ قال: لا. قالوا له: فوجدت له ~~مجسا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من ~~يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة ~~النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذاته فإذا أراد أن ~~يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما ~~شاء وهو روح غائب عن الأبصار. فاستدرك ms0970 الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال ~~للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟ قال بلى (2) . قال: فهل رأيت روحك؟ قال: ~~لا. قال: فهل سمعت PageV04P218 # كلامه؟ قال: لا. قال: فوجدت له حسا ومجسا؟ قال: لا. قال: كذلك الله لا ~~يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون ~~في مكان دون مكان. وساق الإمام أحمد الكلام في " القرآن " و " الرؤية " ~~وغير ذلك إلى أن قال: ثم إن الجهم ادعى أمرا فقال: إنا وجدنا آية في كتاب ~~الله تدل على القرآن أنه مخلوق فقلنا: أي آية؟ قال: قول الله: {إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} وعيسى مخلوق. ~~فقلنا إن الله منعك الفهم في القرآن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على ~~القرآن لأنه يسميه مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر ~~والنهي يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا ~~يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ~~ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى في قول الله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله وكلمته ألقاها إلى مريم} فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: ~~كن؛ فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله قول ~~وليس الكن مخلوقا. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن ~~الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة وقالت النصارى: # PageV04P219 # عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال: إن هذه ~~الخرقة من هذا الثوب. وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس هو الكلمة. قال: ~~وقول الله: وروح منه يقول من أمره كان الروح فيه كقوله: {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} يقول من أمره وتفسير روح الله: أنها روح ~~بكلمة الله خلقها الله كما يقال: عبد الله وسماء ms0971 الله فقد ذكر الإمام أحمد: ~~إن زنادقة النصارى هم الذين يقولون: إن روح عيسى من ذات الله وبين أن إضافة ~~الروح إليه إضافة ملك وخلق كقولك: عبد الله وسماء الله؛ لا إضافة صفة إلى ~~موصوف فكيف بأرواح سائر الآدميين؟ وبين أن هؤلاء الزنادقة الحلولية يقولون ~~بأن الله إذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه. وقال الشيخ أبو سعيد ~~الخراز أحد أكابر المشايخ الأئمة من أقران الجنيد فيما صنفه في أن الأرواح ~~مخلوقة وقد احتج بأمور منها: لو لم تكن مخلوقة لما أقرت بالربوبية. وقد قال ~~لهم حين أخذ الميثاق - وهم أرواح في أشباح: كالذر - {ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا} وإنما خاطب الروح مع الجسد وهل يكون الرب إلا لمربوب؟ قال: ولأنها ~~لو لم تكن مخلوقة ما كان على النصارى لوم في عبادتهم عيسى ولا حين قالوا: ~~إنه ابن الله وقالوا: هو الله. # PageV04P220 # قال: ولأنه لو كان الروح غير مخلوق ما دخلت النار ولأنها لو كانت غير ~~مخلوقة لما حجبت عن الله ولا غيبت في البدن ولا ملكها ملك الموت ولما كانت ~~صورة توصف؛ ولأنها لو لم تكن مخلوقة لم تحاسب ولم تعذب ولم تتعبد ولم تخف ~~ولم ترج. ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ وأرواح الكفار سود مثل الحمم. وقال ~~صلى الله عليه وسلم {أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترتع في الجنة وتأوي ~~في فناء العرش. وأرواح الكفار في برهوت} . وقال الشيخ أبو يعقوب النهرجوري: ~~هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة. خلقها الله من الملكوت كما خلق آدم من ~~التراب وكل عبد نسب روحه إلى ذات الله أخرجه ذلك إلى التعطيل والذين نسبوا ~~الأرواح إلى ذات الله هم أهل الحلول الخارجون إلى الإباحة وقالوا إذا صفت ~~أرواحنا من أكدار نفوسنا فقد اتصلنا؛ وصرنا أحرارا ووضعت عنا العبودية ~~وأبيح لنا كل شيء من اللذات من النساء والأموال وغير ذلك. وهم زنادقة هذه ~~الأمة وذكر عدة مقالات لها وللزنادقة. قلت: واعلم أن القائلين بقدم الروح ~~صنفان: (صنف من الصابئة الفلاسفة يقولون: ms0972 هي قديمة أزلية لكن ليست من # PageV04P221 # ذات الرب كما يقولون ذلك: في العقول والنفوس الفلكية ويزعم من دخل من أهل ~~الملل فيهم أنها هي الملائكة. وصنف من زنادقة هذه الأمة وضلالها من ~~المتصوفة والمتكلمة والمحدثة يزعمون أنها من ذات الله وهؤلاء أشر قولا من ~~أولئك وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت وهو روحه. ونصف ناسوت وهو ~~جسده: نصفه رب ونصفه عبد. وقد كفر الله النصارى بنحو من هذا القول في ~~المسيح فكيف بمن يعم ذلك في كل أحد؟ حتى في فرعون: وهامان وقارون وكل ما دل ~~على أن الإنسان عبد مخلوق مربوب وأن الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه فهو يدل ~~على أن روحه مخلوقة. فإن الإنسان عبارة عن البدن والروح معا بل هو بالروح ~~أخص منه بالبدن وإنما البدن مطية للروح كما قال أبو الدرداء. إنما بدني ~~مطيتي فإن رفقت بها بلغتني وإن لم أرفق بها لم تبلغني. وقد رواه ابن منده ~~وغيره عن ابن عباس قال: لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم ~~الروح والبدن فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات: فيقول البدن للروح: أنت ~~أمرتني؛ فيبعث الله ملكا يقضي بينهما؛ فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى ~~دخلا بستانا؛ فرأى المقعد فيه ثمرا معلقا؛ فقال للأعمى: إني أرى ثمرا ولكن # PageV04P222 # لا أستطيع النهوض إليه وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه ولكني لا ~~أراه؛ فقال له المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه؛ فحمله وجعل يأمره فيسير به ~~إلى حيث يشاء فقطع الثمرة؛ قال " الملك ": فعلى أيهما العقوبة؟ فقالا ~~عليهما جميعا قال فكذلك أنتما. وأيضا فقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب ويقال لها: اخرجي أيتها الروح ~~الطيبة كانت في الجسد الطيب: اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد ~~الخبيث ويقال للأولى أبشري بروح وريحان ويقال للثانية: أبشري بحميم وغساق ~~وآخر من شكله أزواج. وأن أرواح المؤمنين تعرج إلى السماء وأن أرواح الكفار ~~لا تفتح لها أبواب السماء. وفي صحيح مسلم عن عبد ms0973 الله بن شقيق عن {أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها قال ~~حماد فذكر من طيب ريحها وذكر المسك؛ قال فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت ~~من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه؛ فينطلق به إلى ربه؛ ثم ~~يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل؛ قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد ~~وذكر من نتنها وذكر لعنا فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض ~~قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة رضي الله عنه فلما ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم النتن رد على أنفه ريطة كانت عليه} . # PageV04P223 # وفي {حديث المعراج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى آدم وأرواح ~~بنيه عن يمينه وشماله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علونا السماء ~~فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن شماله أسودة قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا ~~نظر قبل شماله بكى قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال قلت: يا ~~جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم صلى الله عليه وسلم وهذه الأسودة عن يمينه ~~وشماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار ~~فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى} . وقد ثبت أيضا أن أرواح ~~المؤمنين والشهداء وغيرهم في الجنة قال الإمام أحمد في رواية حنبل أرواح ~~الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة والأبدان في الدنيا يعذب الله من ~~يشاء؛ ويرحم بعفوه من يشاء وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن أرواح ~~الموتى: أتكون في أفنية قبورها؟ أم في حواصل طير؟ أم تموت كما تموت ~~الأجساد؟ فقال قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {نسمة المؤمن ~~إذا مات طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه} . وقد ~~روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر ~~كالزرازير يتعارفون فيها ويرزقون ms0974 من ثمرها قال: وقال بعض الناس: أرواح ~~الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل في الجنة معلقة بالعرش. وقد روى ~~مسلم في صحيحه عن مسروق قال: سألنا عبد الله - يعني ابن # PageV04P224 # مسعود - عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: {إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح ~~في الجنة حيث تشاء؛ ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ~~هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ - ففعل ~~بهم ذلك ثلاث مرات - فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب ~~نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ~~ليس لهم حاجة تركوا} . وقد قال الله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} ~~{ارجعي إلى ربك راضية مرضية} {فادخلي في عبادي} {وادخلي جنتي} فخاطبها ~~بالرجوع إلى ربها وبالدخول في عباده ودخول جنته وهذا تصريح بأنها مربوبة. ~~والنفس هنا هي الروح التي تقبض وإنما تتنوع صفاتها كما {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح - لما ناموا عن صلاة الفجر في السفر - قال: إن ~~الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء - وفي رواية - قبض أنفسنا حيث شاء} ~~وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت} والمقبوض المتوفى هي الروح كما في صحيح مسلم عن {أم ~~سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره ~~فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال: # PageV04P225 # لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال: ~~اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين ~~واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له ms0975 في قبره ونور له فيه} . وروى مسلم ~~أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألم تروا أن ~~الإنسان إذا مات شخص بصره قالوا: بلى. قال: فكذلك حين يتبع بصره نفسه} ~~فسماه تارة روحا وتارة نفسا. وروى أحمد بن حنبل وابن ماجه. عن شداد بن أوس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر؛ ~~فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت} . ~~ودلائل هذا الأصل وبيان مسمى " الروح والنفس " وما فيه من الاشتراك كثير لا ~~يحتمله هذا الجواب وقد بسطناه في غير هذا الموضع. فقد بان بما ذكرناه أن من ~~قال: إن أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من أعظم أهل البدع الحلولية ~~الذين يجر قولهم إلى التعطيل بجعل العبد هو الرب وغير ذلك من البدع الكاذبة ~~المضلة. # وأما قوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} فقد قيل إن الروح هنا ليس هو روح ~~الآدمي وإنما هو ملك في قوله {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} # PageV04P226 # وقوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} وقوله: {تنزل الملائكة والروح فيها ~~بإذن ربهم} . وقيل: بل هو روح الآدمي والقولان مشهوران وسواء كانت الآية ~~تعمهما أو تتناول أحدهما فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة لوجهين: ~~أحدهما أن الأمر في القرآن يراد به المصدر تارة ويراد به المفعول تارة أخرى ~~وهو المأمور به؛ كقوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وقوله: {وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا} وهذا في لفظ غير الأمر؛ كلفظ الخلق والقدرة والرحمة ~~والكلمة وغير ذلك. ولو قيل إن الروح بعض أمر الله أو جزء من أمر الله. ونحو ~~ذلك مما هو صريح في أنها بعض أمر الله؛ لم يكن المراد بلفظ الأمر إلا ~~المأمور به لا المصدر؛ لأن الروح عين قائمة بنفسها؛ تذهب وتجيء وتنعم وتعذب ~~وهذا لا يتصور أن يكون مسمى مصدر أمر يأمر أمرا. وهذا قول سلف الأمة ~~وأئمتها وجمهورها. ومن قال من المتكلمين إن ms0976 الروح عرض قائم بالجسم؛ فليس ~~عنده مصدر أمر يأمر أمرا. والقرآن إذا سمي أمر الله فالقرآن كلام " الله " ~~والكلام اسم مصدر كلم يكلم تكليما وكلاما وتكلم تكلما وكلاما. فإذا سمي ~~أمرا بمعنى المصدر كان ذلك مطابقا لا سيما والكلام نوعان: أمر وخبر. # PageV04P227 # أما الأعيان القائمة بأنفسها فلا تسمى أمرا لا بمعنى المفعول به وهو ~~المأمور به كما سمي المسيح كلمة لأنه مفعول بالكلمة وكما يسمى المقدور قدرة ~~والجنة رحمة والمطر رحمة في مثل قوله: {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي ~~الأرض بعد موتها} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه ~~قال للجنة: {أنت رحمتي أرحم بك من شئت} وقوله: {إن الله خلق الرحمة - يوم ~~خلقها - مائة رحمة} ونظائر ذلك كثيرة وهذا جواب أبي سعيد الخراز قال: فإن ~~قيل: قد قال تعالى: {قل الروح من أمر ربي} وأمره منه قيل أمره تعالى هو ~~المأمور به المكون بتكوين المكون له. # وكذلك قال ابن قتيبة في (كتاب المشكل) : أقسام الروح فقال: هي روح ~~الأجسام التي يقبضها الله عند الممات والروح جبريل. قال تعالى: {نزل به ~~الروح الأمين} وقال: {وأيدناه بروح القدس} أي جبريل. والروح فيما ذكره ~~المفسرون ملك عظيم من ملائكة الله تعالى يقوم وحده فيكون صفا وتقوم ~~الملائكة صفا وقال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} قال: ~~ونسب الروح إلى الله لأنه بأمره أو لأنه بكلمته. والوجه الثاني: أن لفظة ~~(من) في اللغة قد تكون لبيان الجنس كقولهم. باب من حديد. وقد تكون لابتداء ~~الغاية كقولهم. خرجت من مكة فقوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} ليس نصا في ~~أن الروح بعض الأمر ومن # PageV04P228 # جنسه بل قد تكون لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر وصدرت عنه وهذا معنى جواب ~~الإمام أحمد في قوله. وروح منه حيث قال: (وروح منه) يقول: من أمره كان ~~الروح منه كقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} ونظير ~~هذا أيضا قوله. {وما بكم من نعمة ms0977 فمن الله} . فإذا كانت المسخرات والنعم من ~~الله ولم تكن بعض ذاته بل منه صدرت لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح. ~~روح منه. أنها بعض ذات الله. ومعلوم أن قوله: {وروح منه} أبلغ من قوله: ~~{الروح من أمر ربي} فإذا كان قوله وروح منه لا يمنع أن يكون مخلوقا ولا ~~يوجب أن يكون بعضا له فقوله: {الروح من أمر ربي} أولى بأن لا يمنع أن يكون ~~مخلوقا ولا يوجب أن يكون ذلك بعضا له بل ولا بعضا من أمره. وهذا الوجه ~~يتوجه إذا كان الأمر هو الأمر الذي هو صفة من صفات الله فهذان الجوابان كل ~~منهما مستقل ويمكن أن يجعل منهما جواب مركب فيقال: قوله: {الروح من أمر ~~ربي} إما أن يراد بالأمر المأمور به أو صفة لله تعالى وإن أريد به الأول ~~أمكن أن تكون الروح بعض ذلك فتكون مخلوقة. وإن أريد بالأمر صفة (الله) كان ~~قوله الروح من أمر ربي كقوله وروح منه وقوله: جميعا منه ونحو ذلك. وإنما ~~نشأت الشبهة حيث ظن الظان أن الأمر صفة لله قديمة وأن روح # PageV04P229 # بني آدم بعض تلك الصفة ولم تدل الآية على واحد من المقدمتين والله سبحانه ~~أعلم. وقد يجيء اسم الروح في القرآن بمعنى آخر كقوله: {وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا} وقوله: {كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} ونحو ذلك. ~~فالقرآن الذي أنزله الله كلامه ولكن ليس الكلام في هذا مما يتعلق بالسؤال. # وأما قول السائل هل المفوض إلى الله أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما؟ ~~فليس هذا من خصائص الكلام في الروح؛ بل لا يجوز لأحد أن يقفو ما ليس له به ~~علم ولا يقول على الله ما لا يعلم. قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم ~~إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} . وقال تعالى. {قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ms0978 تقولوا على الله ما لا تعلمون} . وقال ~~تعالى: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} وقد ~~قالت الملائكة لما قال لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} {قالوا ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} وقد قال موسى ~~للخضر: {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} وقال الخضر لموسى لما نقر ~~العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور ~~من هذا البحر. # PageV04P230 # وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه ~~الكتاب والسنة لا في ذاتها ولا في صفاتها وأما الكلام بغير علم فذلك محرم ~~في كل شيء ولكن قد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في بعض سكك المدينة فقال بعضهم. سلوه عن الروح. وقال بعضهم لا ~~تسألوه فيسمعكم ما تكرهون قال فسألوه وهو متكئ على العسيب فأنزل الله هذه ~~الآية} . فبين بذلك أن ملك الرب عظيم وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن ~~يحيط به الآدميون وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا فلا يظن من يدعي العلم ~~أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه ولا كل ما في الوجود فما يعلم جنود ربك ~~إلا هو. # PageV04P231 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قائل يقول: إن لم يتبين لي حقيقة ماهية الجن وكنه صفاتهم؛ وإلا فلا ~~أتبع العلماء في شيء. # فأجاب: # أما كونه لم يتبين له كيفية الجن وماهياتهم؛ فهذا ليس فيه إلا إخباره ~~بعدم علمه لم ينكر وجودهم؛ إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب ~~والسنة فإن من الناس من رآهم وفيهم من رأى من رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر ~~واليقين. ومن الناس من كلمهم وكلموه ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف ~~فيهم: وهذا يكون للصالحين وغير الصالحين ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم: ~~لطال الخطاب. وكذلك ما جرى لغيرنا؛ لكن الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون ~~على ms0979 ما يشترك الناس في علمه لا يكون بما يختص بعلمه المجيب إلا أن يكون ~~الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به. # PageV04P232 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن الجان المؤمنين: هل هم مخاطبون " بفروع الإسلام " كالصوم والصلاة وغير ~~ذلك من العبادات؟ أو هم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟ # فأجاب: # لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق ومنهيون عن أعمال غير ~~التكذيب فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في ~~الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويا لما على الإنس في ~~الحد لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم. ~~وهذا ما لم أعلم فيه نزاعا بين المسلمين. وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفر ~~والفسوق والعصيان منهم يستحقون لعذاب النار كما يدخلها من الآدميين؛ لكن ~~تنازعوا في أهل الإيمان منهم؛ فذهب الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وأبي يوسف ومحمد: إلى أنهم يدخلون الجنة. وروي في حديث رواه الطبراني {أنهم ~~يكونون في ربض الجنة. يراهم الإنس من حيث لا يرونهم} . # PageV04P233 # وذهب طائفة منهم أبو حنيفة - فيما نقل عنه - إلى أن المطيعين منهم يصيرون ~~ترابا كالبهائم ويكون ثوابهم النجاة من النار. وهل فيهم رسل أم ليس فيهم ~~إلا نذر؟ على قولين: فقيل: فيهم رسل لقوله تعالى {يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم} . وقيل: الرسل من الإنس؛ والجن فيهم النذر وهذا أشهر؛ فإنه ~~أخبر عنهم باتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم {ولوا إلى قومهم ~~منذرين} {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} الآية قالوا ~~وقوله: {ألم يأتكم رسل منكم} كقوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} وإنما ~~يخرج من المالح وكقوله {وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} والقمر في ~~واحدة. وأما التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم: فدلائله كثيرة مثل ~~ما في مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أتاني ~~داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن فانطلقوا فأرانا آثارهم وآثار ~~نيرانهم وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ms0980 ذكر اسم الله عليه يقع في أيدكم ~~أوفر ما يكون وكل بعرة علف لدوابكم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تستنجوا بالعظم والروث} وذلك لئلا يفسد عليهم طعامهم وعلفهم وهنا يبين أنما ~~أباح لهم من ذلك ما ذكر اسم الله عليه دون ما لم يذكر اسم الله عليه. # PageV04P234 # وقال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} إلى قوله. {إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب} فأخبر عن الشيطان أنه يخاف الله والعقوبة إنما تكون على ~~ترك مأمور أو فعل محظور وليس هو هنا التصديق. وأيضا فإبليس الذي هو أبو ~~الجن. لم تكن معصيته تكذيبا فإن الله أمره بالسجود وقد علم أن الله أمره ~~ولم يكن بينه وبين الله رسول يكذبه ولما امتنع عن السجود لآدم عاقبه الله ~~العقوبة البليغة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا سجد ابن آدم ~~اعتزل الشيطان يبكي} الحديث. وقد قال تعالى في قصة سليمان: {ولسليمان الريح ~~غدوها شهر ورواحها شهر} إلى قوله. {عذاب السعير} وقد جعل في ذلك ما أمرهم ~~به من طاعة سليمان وقد قال تعالى عن إبليس. إنه عصى ولم يقل كذب وقد قال ~~تعالى. عن الجن. {يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} إلى قوله. ~~{ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} الآية. فأمروا بإجابة داعي ~~الله الذي هو الرسول. والإجابة والاستجابة هي طاعة الأمر والنهي وهي ~~العبادة التي خلق لها الثقلان؛ كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} . ومن قال " إن العبادة " هي المعرفة الفطرية الموجودة فيها وأن ~~ذلك هو الإيمان وهو داخل في الثقلين فقط: فإن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ~~الثقلين كافر والله أخبر بكفر إبليس وغيره من الجن والإنس وقد قال تعالى: # PageV04P235 # {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وأخبر أنه يملؤها منه ومن ~~أتباعه وهذا يبين أنه لا يدخلها إلا من اتبعه فعلم أن من يدخلها من الكفار ~~والفساق من أتباع إبليس؛ ومعلوم أن الكفار ليسوا بمؤمنين ولا عارفين ms0981 الله ~~معرفة يكونون بها مؤمنين. ولكن اللام لبيان الجملة الشرعية المتعلقة ~~بالإرادة الشرعية كما في قوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} وقوله {يريد الله ليبين لكم} الآية. وقد تكون لبيان العاقبة الكونية ~~كما في قوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} الآية؛ وهذا كقوله ~~تعالى: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} أي خلق قوما ~~للاختلاف. وقوما للرحمة وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~فاللام في قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وإن كانت هي ~~اللام في هذه الآية فإن مدلولها لام إرادة الفاعل ومقصوده ولهذا تنقسم في ~~كتاب الله إلى إرادة دينية وإرادة كونية؛ كما تنقسم في كتاب الله تعالى ~~الكلمات والأمر والحكم والقضاء والتحريم والإذن وغير ذلك. وأيضا فقوله ~~تعالى {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا} إلى قوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم # PageV04P236 # كانوا كافرين} . فبين أن الثقلين جميعا تلت عليهم الرسل آيات الله ولهذا ~~لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة على الصحابة قال " للجن كانوا " ~~الحديث. دعاهم إلى طاعة الله لما فيه من الأمر والنهي؛ لا إلى مجرد حديث لا ~~طاعة معه فإن مثل هذا التصديق كان مع إبليس فلم يغن عنه من الله شيئا. ~~والدلائل الدالة على هذا الأصل وما في الحديث والآثار: من كون الجن يحجون ~~ويصلون ويجاهدون وأنهم يعاقبون على الذنب: كثيرة جدا. وقد قال تعالى فيما ~~أخبر عنهم {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} قالوا مذاهب ~~شتى مسلمين ويهود ونصارى وشيعة وسنة. # فأخبر أن منهم الصالحين ومنهم دون الصالحين فيكون: إما مطيعا في ذلك ~~فيكون مؤمنا وإما عاصيا في ذلك فيكون كافرا ولا ينقسم مؤمن إلى صالح وإلى ~~غير صالح فإن غير الصالح لا يعتقد صلاحه لترك الطاعات فالصالح هو القائم ~~بما وجب عليه؛ ودون الصالح لا بد أن يكون عاصيا في بعض ما أمر به وهو ms0982 قسم ~~غير الكافر فإن الكافر لا يوصف بمثل ذلك وهذا يبين أن فيهم من يترك بعض ~~الواجبات والله أعلم. # PageV04P237 # سئل - رحمه الله -: # عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم {إن النطفة تكون أربعين يوما نطفة ثم ~~أربعين يوما علقة ثم أربعين مضغة ثم يكون التصوير والتخطيط والتشكيل} ثم ~~ورد عن حذيفة بن أسيد: {أنه إذا مر للنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ~~تعالى إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول ~~يا رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق وما الأجل؟} وذكر الحديث فما ~~الجمع بين الحديثين؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما الحديث الأول فهو في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: {إن ~~أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع # PageV04P238 # فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل ~~أهل الجنة فيدخلها} . وفي طريق آخر: وفي رواية. {ثم يبعث الله ملكا ويؤمر ~~بأربع كلمات ويقال اكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح} ~~فهذا الحديث الصحيح ليس فيه ذكر التصوير متى يكون؛ لكن فيه أن الملك يكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قبل نفخ الروح وبعد أن يكون مضغة. وحديث ~~أنس بن مالك الذي في الصحيح يوافق هذا وهو مرفوع قال: {إن الله عز وجل وكل ~~بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن ~~يقضي خلقها قال الملك: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق ms0983 فما ~~الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه} . فبين في هذا أن الكتابة تكون بعد أن يكون ~~مضغة. وأما حديث حذيفة بن أسيد فهو من أفراد مسلم ولفظه. " سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " {إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة. بعث الله ~~إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها. ثم يقول يا رب ~~أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك؛ ثم يقول يا رب رزقه؟ فيقضي ~~ربك ما شاء ويكتب الملك؛ ثم يقول. يا رب أجله؟ فيقضي # PageV04P239 # ربك ما شاء ويكتب الملك؛ ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما ~~أمر ولا ينقص} . فهذا الحديث فيه أن تصويرها بعد اثنتين وأربعين ليلة وأنه ~~بعد تصويرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها يقول الملك يا رب ~~أذكر أم أنثى؟ ومعلوم أنها لا تكون لحما وعظما حتى تكون مضغة. فهذا موافق ~~لذلك الحديث في أن كتابة الملك تكون بعد ذلك إلا أن يقال: المراد تقدير ~~اللحم والعظام. وقد روي هذا الحديث بألفاظ فيها إجمال بعضها أبين من بعض؛ ~~فمن ذلك ما رواه مسلم أيضا عن حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {إن النطفة تكون في الرحم أربعين ليلة؛ ثم يتسور عليها الذي يخلقها ~~فيقول: يا رب أذكر؛ أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرا؛ أو أنثى. ثم يقول: يا رب ~~سوي أو غير سوي؟ فيجعله الله تعالى سويا أو غير سوي ثم يقول: يا رب ما أجله ~~وخلقه؟ ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا} . فهذا فيه بيان أن كتابة رزقه وأجله ~~وشقاوته وسعادته. بعد أن يجعله ذكرا أو أنثى وسويا أو غير سوي. وفي لفظ ~~لمسلم قال: {يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة أو ~~بخمس وأربعين ليلة. فيقول: يا رب أشقي؛ أو سعيد؟ فيكتب. يا رب أذكر أم ~~أنثى؟ فيكتب رزقه ويكتب عمله وأثره وأجله؛ # PageV04P240 # ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص} فهذا اللفظ فيه تقديم كتابة ~~السعادة والشقاوة؛ ولكن ms0984 يشعر بأن ذلك يكتب بحيث مضت الأربعون. ولكن هذا ~~اللفظ لم يحفظه رواته كما حفظ غيره. ولهذا شك أبعد الأربعين؛ أو خمس ~~وأربعين؟ وغيره إنما ذكر أربعين أو اثنين وأربعين. وهو الصواب؛ لأن من ذكر ~~اثنين وأربعين ذكر طرفي الزمان ومن قال أربعين حذفهما ومثل هذا كثير في ذكر ~~الأوقات فقدم المؤخر وأخر المقدم. أو يقال: إنه لم يذكر ذلك بحرف (ثم فلا ~~تقتضي ترتيبا وإنما قصد أن هذه الأشياء تكون بعد الأربعين. وحينئذ فيقال: ~~أحد الأمرين لازم؛ إما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربعين ثم تكون عقب ~~المائة والعشرين؛ ولا محذور في الكتابة مرتين؛ ويكون المكتوب (أولا فيه ~~كتابة الذكر والأنثى. أو يقال: إن ألفاظ هذا الحديث لم تضبط حق الضبط. ~~ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه؛ ولهذا أعرض البخاري عن روايته وقد يكون أصل ~~الحديث صحيحا ويقع في بعض ألفاظه اضطراب فلا يصلح حينئذ أن يعارض بها ما ~~ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه؛ الذي لم تختلف ألفاظه؛ بل قد صدقه غيره ~~من الحديث الصحيح؛ فقد تلخص الجواب أنما عارض الحديث المتفق عليه: إما أن ~~يكون موافقا له في الحقيقة؛ وإما أن يكون # PageV04P241 # غير محفوظ فلا معارضة ولا ريب أن ألفاظه لم تضبط كما تقدم ذكر الاختلاف ~~فيها؛ وأقر بها اللفظ الذي فيه تقدم التصوير على تقدير الأجل والعمل ~~والشقاوة والسعادة وغاية ما يقال فيه إنه يقتضي أنه قد يخلق في الأربعين ~~الثانية قبل دخوله في الأربعين الثالثة وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا ~~نعلم أنه باطل؛ بل قد ذكر النساء: أن الجنين يخلق بعد الأربعين وأن الذكر ~~يخلق قبل الأنثى. وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء: إن الجنين لا يخلق ~~في أقل من واحد وثمانين يوما فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون ~~إذا صار مضغة ولا يكون مضغة إلا بعد الثمانين؛ والتخليق ممكن قبل ذلك وقد ~~أخبر به من أخبر من النساء ونفس العلقة يمكن تخليقها. والله أعلم وصلى الله ~~على محمد وعلى ms0985 آله وصحبه وسلم. # PageV04P242 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # ردا لقول من قال: كل مولود على ما سبق له في علم الله أنه سائر إليه: # معلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة؛ فجميع البهائم هي مولودة على ما ~~سبق في علم الله لها؛ وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقا على الفطرة. وأيضا: فلو ~~كان المراد ذلك لم يكن لقوله {فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه} معنى: ~~فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فلا فرق بين التهويد والتنصير. ~~ثم قال: فتمثيله صلى الله عليه وسلم بالبهيمة التي ولدت جمعاء؛ ثم جدعت: ~~يبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه. ثم يقال: وقولكم خلقوا خالين من المعرفة ~~والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما؛ بل يكون القلب كاللوح ~~الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر فهذا قول ~~فاسد جدا. # PageV04P243 # فحينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد ~~والتنصير والإسلام؛ وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال: فأبواه ~~يسلمانه ويهودانه وينصرانه؛ فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذكر الملل الفاسدة ~~دون الإسلام: علم أن حكمه في حصول سبب مفصل غير حكم الكفر. ثم قال: ففي ~~الجملة كل ما كان قابلا للمدح والذم على السواء لا يستحق مدحا ولا ذما ~~والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~. وأيضا: فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما ~~يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم فكيف ~~تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟ والله أعلم. # PageV04P244 # سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم - {كل مولود يولد على الفطرة} ما معناه؟ : ~~أراد فطرة الخلق أم فطرة الإسلام؟ . وفي قوله: {الشقي من شقي في بطن أمه} ~~الحديث. هل ذلك خاص أو عام. وفي البهائم والوحوش هل يحييها الله يوم ~~القيامة أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما قوله صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه ms0986 أو يمجسانه} فالصواب أنها فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها وهي فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: {ألست ~~بربكم قالوا بلى} . وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد ~~الصحيحة. فإن حقيقة " الإسلام " أن يستسلم لله؛ لا لغيره وهو معنى لا إله ~~إلا الله وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال: {كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟} بين أن سلامة القلب من النقص ~~كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله: {إني خلقت عبادي حنفاء ~~فاجتالتهم الشياطين وحرمت # PageV04P245 # عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} . ولهذا ~~ذهب الإمام أحمد رضي الله عنه في المشهور عنه: إلى أن الطفل متى مات أحد ~~أبويه الكافرين حكم بإسلامه؛ لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة. وقد روي ~~عنه؛ وعن ابن المبارك وعنهما: أنهم قالوا " يولد على ما فطر عليه من شقاوة ~~وسعادة " وهذا القول لا ينافي الأول فإن الطفل يولد سليما وقد علم الله أنه ~~سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء ~~وقد علم الله أنها ستجدع. وهذا معنى ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغلام الذي قتله ~~الخضر: طبع يوم طبع كافرا؛ ولو ترك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا} يعني طبعه ~~الله في أم الكتاب أي كتبه وأثبته كافرا؛ أي أنه إن عاش كفر بالفعل. ولهذا ~~{لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يموت من أطفال المشركين وهو ~~صغير قال: الله أعلم بما كانوا عاملين} أي الله يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر ~~لو بلغوا. ثم إنه قد جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms0987 " {إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم ~~ويبعث إليهم رسولا في عرصة القيامة فمن أجابه أدخله الجنة ومن عصاه أدخله ~~النار} فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه ويجزيهم على ما ظهر من العلم ~~وهو إيمانهم وكفرهم؛ لا على مجرد العلم. # PageV04P246 # وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث. ومثل ~~الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى ~~الشمس والاعتقادات الباطلة العارضة من تهود وتنصر وتمجس: مثل حجاب يحول بين ~~البصر ورؤية الشمس. وكذلك أيضا كل ذي حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في ~~الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرا. ولا يلزم من كونهم مولودين ~~على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا ~~من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق: الذي ~~هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلما. وهذه القوة العلمية ~~العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع: هي فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها. # وأما الحديث المذكور: فقد صح عن ابن مسعود أنه كان يقول: " الشقي من شقي ~~في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره " وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - {إن أحدكم يجمع ~~خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، # PageV04P247 # ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح} . وهذا عام في كل نفس ~~منفوسة قد علم الله سبحانه - بعلمه الذي هو صفة له - الشقي من عباده ~~والسعيد وكتب سبحانه ذلك في اللوح المحفوظ ويأمر الملك أن يكتب حال كل ~~مولود ما بين خلق جسده ونفخ الروح فيه إلى كتب أخر يكتبها الله ليس هذا ~~موضعها. ومن أنكر العلم القديم في ذلك فهو كافر. # وأما ms0988 البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة. قال ~~تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} وقال تعالى: {وإذا الوحوش ~~حشرت} وقال تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} وحرف (إذا إنما يكون لما يأتي لا محالة. ~~والأحاديث في ذلك مشهورة فإن الله عز وجل يوم القيامة يحشر البهائم ويقتص ~~لبعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابا. فتصير ترابا. فيقول الكافر حينئذ ~~{يا ليتني كنت ترابا} ومن قال إنها لا تحيا فهو مخطئ في ذلك أقبح خطأ؛ بل ~~هو ضال أو كافر والله أعلم. # PageV04P248 # وقال أيضا - رحمه الله -:: # {كل مولود يولد على الفطرة} فإنه سبحانه فطر القلوب على أن ليس في ~~محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله؛ وإلا فكلما أحبه ~~المحب يجد من نفسه أن قلبه يطلب سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ~~ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من أجناسه؛ ولهذا قال: {ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب} . # PageV04P249 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # ذكر الله الحفظة الموكلين ببني آدم الذين يحفظونهم ويكتبون أعمالهم: في ~~مواضع من كتابه. قال تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم} {وهو القاهر فوق ~~عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون} . وقال تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار} {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله} . وقال تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين} {وإن عليكم لحافظين} {كراما ~~كاتبين} {يعلمون ما تفعلون} . وقال تعالى: {والسماء والطارق} {وما أدراك ما ~~الطارق} {النجم الثاقب} {إن كل نفس لما عليها حافظ} وقال تعالى: {ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ms0989 {إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد} وقال تعالى # PageV04P250 # {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} . وقال تعالى: {وترى كل أمة ~~جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون} {هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} وقال تعالى: {ويقولون يا ~~ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} وقال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} {وكل ~~صغير وكبير مستطر} وقال تعالى. . . (1) . PageV04P251 # سئل شيخ الإسلام: # هل الملائكة الموكلون بالعبد هم الموكلون دائما أم كل يوم ينزل الله إليه ~~ملكين غير أولئك؟ وهل هو موكل بالعبد ملائكة بالليل وملائكة بالنهار؟ وقوله ~~عز وجل: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون} فما معنى الآية # فأجاب: # الحمد لله، الملائكة أصناف؛ منهم من هو موكل بالعبد دائما. ومنهم ملائكة ~~يتعاقبون بالليل والنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فيسألهم - ~~وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم ~~يصلون ومنهم ملائكة فضل عن كتاب الناس يتبعون مجالس الذكر. (وأعمال العباد ~~تجمع جملة وتفصيلا فترفع أعمال الليل قبل أعمال النهار وأعمال النهار قبل ~~أعمال الليل تعرض الأعمال على الله في كل يوم اثنين وخميس فهذا كله مما ~~جاءت به الأحاديث الصحيحة وأما إنه كل يوم تبدل عليه الملكان: فهذا لم ~~يبلغنا فيه شيء. والله أعلم. # PageV04P252 # سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له ~~حسنة} الحديث. فإذا كان الهم سرا بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة ~~عليه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، قد روي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة قال: {إنه إذا ~~هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة} . والتحقيق: ms0990 ~~أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء كما هو قادر على ~~أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان. فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له ~~من الكشف ما يعلم به أحيانا ما في قلب الإنسان: فالملك الموكل بالعبد أولى ~~بأن يعرفه الله ذلك. وقد قيل في قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ~~أن المراد به الملائكة: والله قد جعل الملائكة تلقي في نفس العبد الخواطر ~~كما قال عبد الله بن مسعود: " إن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك تصديق ~~بالحق ووعد # PageV04P253 # بالخير ولمة الشيطان تكذيب بالحق وإيعاد بالشر ". وقد ثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال: {ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن ~~قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله قد أعانني عليه فلا ~~يأمرني إلا بخير} . فالسيئة التي يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان: ~~علم بها الشيطان. والحسنة التي يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك: علم ~~بها الملك أيضا بطريق الأولى وإذا علم بها هذا الملك: أمكن علم الملائكة ~~الحفظة لأعمال بني آدم. # PageV04P254 # سئل: # عن عرض الأديان عند الموت: هل لذلك أصل في الكتاب والسنة أم لا؟ وقوله ~~صلى الله عليه وسلم {إنكم لتفتنون في قبوركم} ما المراد بالفتنة؟ وإذا ارتد ~~العبد - والعياذ بالله - هل يجازى بأعماله الصالحة قبل الردة أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو ~~أمرا عاما لكل أحد ولا هو أيضا منتفيا عن كل أحد بل من الناس من تعرض عليه ~~الأديان قبل موته؛ ومنهم من لا تعرض عليه وقد وقع ذلك لأقوام. وهذا كله من ~~فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا: منها: ما في ~~الحديث الصحيح {أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ في صلاتنا من ~~أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ms0991 ومن فتنة ~~المسيح الدجال} . ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ ~~لأنه وقت الحاجة. # PageV04P255 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {الأعمال بخواتيمها} ~~وقال صلى الله عليه وسلم {إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع؛ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن ~~العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع؛ فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها} . ولهذا روي: {أن الشيطان أشد ما ~~يكون على ابن آدم حين الموت يقول لأعوانه: دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن ~~تظفروا به أبدا} . وحكاية عبد الله بن أحمد بن حنبل مع أبيه وهو يقول: لا ~~بعد. لا بعد: مشهورة. ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك لما روى ~~أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من ملك زادا ~~أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج: فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء ~~نصرانيا} . قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قال عكرمة لما نزلت هذه الآية: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} قالت ~~اليهود والنصارى نحن مسلمون. فقال الله لهم: {ولله على الناس حج البيت} ~~فقالوا لا نحجه فقال الله تعالى {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} . # PageV04P256 # وأما الفتنة في القبور فهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان ~~فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم " محمد "؟ فيثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني ومحمد ~~نبيي. ويقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه. ~~فينتهرانه انتهارة شديدة - وهي آخر فتنه التي يفتن بها المؤمن - فيقولان ~~له: كما قالا أولا. وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الفتنة من ms0992 حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم رضي ~~الله عنهم وهي عامة للمكلفين؛ إلا النبيين فقد اختلف فيهم. وكذلك اختلف في ~~غير المكلفين كالصبيان والمجانين. فقيل: لا يفتنون لأن المحنة إنما تكون ~~للمكلفين وهذا قول القاضي وابن عقيل. وعلى هذا فلا يلقنون بعد الموت. وقيل ~~يلقنون ويفتنون أيضا وهذا قول أبي حكيم وأبي الحسن بن عبدوس ونقله عن ~~أصحابه وهو مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة كما هو قول أكثر ~~أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام. وهو الذي ذكره أبو الحسن ~~الأشعري رضي الله عنه عن أهل السنة واختاره وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد. # وأما " الردة عن الإسلام " بأن يصير الرجل كافرا مشركا أو كتابيا # PageV04P257 # فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء كما نطق بذلك القرآن في ~~غير موضع. كقوله: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة} وقوله: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ~~وقوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} وقوله: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} . ولكن تنازعوا فيما: إذا ارتد؛ ثم عاد إلى الإسلام. هل تحبط الأعمال ~~التي عملها قبل الردة أم لا تحبط إلا إذا مات مرتدا؟ على قولين مشهورين؛ ~~هما قولان في مذهب الإمام أحمد والحبوط: مذهب أبي حنيفة ومالك. والوقوف: ~~مذهب الشافعي. وتنازع الناس أيضا في " المرتد ". هل يقال كان له إيمان صحيح ~~يحبط بالردة؟ أم يقال بل بالردة تبينا أن إيمانه كان فاسدا؟ وأن الإيمان ~~الصحيح لا يزول ألبتة؟ على قولين لطوائف الناس وعلى ذلك يبنى قول المستثنى: ~~أنا مؤمن - إن شاء الله - هل يعود الاستثناء إلى كمال الإيمان؟ أو يعود إلى ~~الموافاة في المآل والله أعلم. # PageV04P258 # وسئل: # هل جميع الخلق حتى - الملائكة - يموتون؟ # فأجاب: # الذي عليه أكثر الناس، أن جميع الخلق يموتون (*) حتى الملائكة وحتى ~~عزرائيل ملك الموت. وروي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة ms0993 الله عليه؛ وإنما ~~يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع " أرسطو " وأمثالهم ومن دخل معهم من ~~المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى: كأصحاب " رسائل إخوان الصفا " ~~وأمثالهم ممن زعم أن " الملائكة " هي العقول والنفوس وأنه لا يمكن موتها ~~بحال بل هي عندهم آلهة وأرباب لهذا العالم والقرآن وسائر الكتب: تنطق بأن ~~الملائكة عبيد مدبرون كما قال سبحانه: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} ~~. وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال: {وكم PageV04P259 # من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى} . والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم كما هو قادر على ~~إماتة البشر والجن ثم إحيائهم. وقد قال سبحانه: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه} . وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير وجه وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: {إن الله إذا تكلم ~~بالوحي أخذ الملائكة مثل الغشي} وفي رواية {إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا} ~~وفي رواية {سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن ~~قلوبهم أي أزيل الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق فينادون: ~~الحق الحق} فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغشي؛ فإذا ~~جاز عليهم صعق الغشي جاز صعق الموت؛ وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا ولا ~~هذا؛ وصعق الغشي هو مثل صعق موسى عليه السلام قال تعالى: {فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} . # والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات: نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله: ~~{ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} . # PageV04P260 # ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ms0994 ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} # وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين فإن الجنة ليس ~~فيها موت ومتناول لغيرهم. ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله فإن الله ~~أطلق في كتابه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن ~~الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا ~~أدري هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله؟} وهذه الصعقة قد قيل إنها ~~رابعة وقيل إنها من المذكورات في القرآن. وبكل حال: النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد توقف في موسى وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ ~~فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر بكل من استثنى الله: لم يمكنا ~~نحن أن نجزم بذلك وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ~~ذلك مما لم يخبر به وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر. والله أعلم وصلى الله ~~على محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV04P261 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # فصل: # مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات " القيامة الكبرى " وقيام ~~الناس من قبورهم والثواب والعقاب: هناك وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ - ~~ما بين الموت إلى يوم القيامة - هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة؛ ~~وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع. لكن من أهل الكلام من يقول: ~~هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن؛ كقول من يقول ~~ذلك من المعتزلة والأشعرية. ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط. بناء على ~~أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن ميسرة وابن ~~حزم. # PageV04P262 # ومنهم من يقول: بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما قاله طائفة من أهل ~~الحديث وابن الزاغوني يميل إلى هذا في مصنفه في حياة الأنبياء في قبورهم ~~وقد بسط الكلام على ms0995 هذا في مواضع. والمقصود هنا: أن كثيرا من أهل الكلام ~~ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ولا ثواب ولا عقاب ويزعمون أنه لم يدل ~~على ذلك القرآن والحديث كما أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقا ~~زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن وهو غلط؛ بل القرآن قد بين في غير موضع ~~بقاء النفس بعد فراق البدن وبين النعيم والعذاب في البرزخ. وهو سبحانه ~~وتعالى في السورة الواحدة يذكر " القيامة الكبرى " و " الصغرى " كما في ~~سورة الواقعة فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى وأن الناس يكونون أزواجا ~~ثلاثة كما قال تعالى: {إذا وقعت الواقعة} {ليس لوقعتها كاذبة} {خافضة ~~رافعة} {إذا رجت الأرض رجا} {وبست الجبال بسا} {فكانت هباء منبثا} {وكنتم ~~أزواجا ثلاثة} . ثم إنه في آخرها ذكر القيامة الصغرى بالموت وأنهم ثلاثة ~~أصناف بعد الموت فقال: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} {وأنتم حينئذ تنظرون} ~~{ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} {فلولا إن كنتم غير مدينين} ~~{ترجعونها إن كنتم صادقين} {فأما إن كان من المقربين} {فروح وريحان وجنة ~~نعيم} {وأما إن كان من أصحاب اليمين} {فسلام لك من أصحاب اليمين} {وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين} # PageV04P263 # {فنزل من حميم} {وتصلية جحيم} فهذا فيه أن النفس تبلغ الحلقوم وأنهم لا ~~يمكنهم رجعها وبين حال المقربين وأصحاب اليمين والمكذبين حينئذ. وفي سورة ~~القيامة: ذكر أيضا القيامتين فقال: {لا أقسم بيوم القيامة} ثم قال: {ولا ~~أقسم بالنفس اللوامة} وهي نفس الإنسان. وقد قيل: إن النفس تكون لوامة وغير ~~لوامة وليس كذلك. بل نفس كل إنسان لوامة فإنه ليس بشر إلا يلوم نفسه ويندم ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة فهذا إثبات النفس. ثم ذكر معاد البدن فقال: ~~{أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} {بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه} {يسأل أيان يوم القيامة} . ووصف حال القيامة إلى ~~قوله: {تظن أن يفعل بها فاقرة} . ثم ذكر الموت فقال {كلا إذا بلغت التراقي} ~~وهذا إثبات للنفس وأنها تبلغ التراقي كما قال ms0996 هناك: {بلغت الحلقوم} ~~والتراقي متصلة بالحلقوم. ثم قال {وقيل من راق} يرقيها وقيل: من صاعد يصعد ~~بها إلى الله؟ والأول أظهر؛ لأن هذا قبل الموت فإنه قال: {وظن أنه الفراق} ~~فدل على أنهم يرجونه ويطلبون له راقيا يرقيه وأيضا فصعودها لا يفتقر إلى ~~طلب من يرقى بها فإن لله ملائكة يفعلون ما يؤمرون والرقية أعظم الأدوية ~~فإنها دواء # PageV04P264 # روحاني؛ ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة المتوكلين: لا ~~يسترقون} والمراد أنه يخاف الموت ويرجو الحياة بالراقي؛ ولهذا قال: {وظن ~~أنه الفراق} ثم قال: {والتفت الساق بالساق} {إلى ربك يومئذ المساق} فدل على ~~نفس موجودة قائمة بنفسها تساق إلى ربها والعرض القائم بغيره لا يساق ولا ~~بدن الميت فهذا نص في إثبات نفس تفارق البدن تساق إلى ربها كما نطقت بذلك ~~الأحاديث المستفيضة في قبض روح المؤمن وروح الكافر. ثم ذكر بعد هذا صفة ~~الكافر بقوله مع هذا الوعيد الذي قدمه: {فلا صدق ولا صلى} وليس المراد أن ~~كل نفس من هذه النفوس كذلك. وكذلك سورة " ق " هي في ذكر وعيد القيامة ومع ~~هذا قال فيها: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} ثم قال بعد ~~ذلك: {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} فذكر القيامتين: الصغرى والكبرى ~~وقوله: {وجاءت سكرة الموت بالحق} أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب وهو ~~الحق الذي أخبرت به الرسل ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت؛ فإن ~~هذا مشهور لم ينازع فيه ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال: جاءت بالحق. ~~وقوله: {ذلك ما كنت منه تحيد} فالإنسان وإن كره الموت فهو يعلم أنه تلاقيه ~~ملائكته وهذا كقوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} واليقين # PageV04P265 # ما بعد الموت كما قال {النبي صلى الله عليه وسلم أما عثمان بن مظعون فقد ~~جاءه اليقين من ربه} وإلا فنفس الموت - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع ~~فيه أحد حتى يسمى يقينا. وذكر عذاب القيامة والبرزخ معا في غير موضع: ذكره ~~في ms0997 قصة آل فرعون فقال: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} {النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقال في قصة قوم ~~نوح: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} ~~مع إخبار نوح لهم بالقيامة في قوله: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} {ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} . # وقد ذكرنا في غير موضع: أن الرسل قبل محمد أنذروا بالقيامة الكبرى تكذيبا ~~لمن نفى ذلك من المتفلسفة وقال عن المنافقين: {سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم} قال غير واحد من العلماء: المرة الأولى في الدنيا والثانية في ~~البرزخ؛ {ثم يردون إلى عذاب عظيم} في الآخرة. وقال تعالى في الأنعام: {ولو ~~ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون} {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم} وهذه صفة حال الموت وقوله: # PageV04P266 # {أخرجوا أنفسكم} دل على وجود النفس التي تخرج من البدن وقوله: {اليوم ~~تجزون عذاب الهون} دل على وقوع الجزاء عقب الموت. وقال تعالى في الأنفال: ~~{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق} {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} وهذا ذوق له ~~بعد الموت. وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أتى المشركين يوم بدر في القليب ناداهم: يا فلان يا فلان هل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا؟ فقد وجدت ما وعدني ربي حقا} . وهذا دليل على وجودهم وسماعهم ~~وأنهم وجدوا ما وعدوه بعد الموت من العذاب وأما نفس قتلهم فقد علمه الأحياء ~~منهم. وقال تعالى في سورة النساء: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} وهذا خطاب لهم إذا توفتهم ~~الملائكة؛ وهم لا ms0998 يعاينون الملائكة إلا وقد يئسوا من الدنيا ومعلوم أن ~~البدن لم يتكلم لسانه؛ بل هو شاهد: يعلم أن الذي يخاطب الملائكة هو النفس ~~والمخاطب لا يكون عرضا. وقال تعالى في النحل: {الذين تتوفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم فألقوا السلم # PageV04P267 # ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} {فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} وهذا إلقاء للسلم إلى حين الموت ~~وقول للملائكة ما كنا نعمل من سوء وهذا إنما يكون من النفس. وقد قال في ~~النحل: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون} وقال في السجدة: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} ~~{نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم ~~فيها ما تدعون} وقد ذكروا أن هذا التنزل عند الموت. وقال تعالى في سورة آل ~~عمران: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون} {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين} وقال قبل ذلك في سورة البقرة: {ولا تقولوا لمن يقتل ~~في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} . وأيضا فقال تعالى: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} وهذا # PageV04P268 # بيان لكون النفس تقبض وقت الموت؛ ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه: وهو ~~الذي قضى عليه الموت ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى. وهذا إنما يكون في شيء ~~يقوم بنفسه لا في عرض قائم بغيره فهو بيان لوجود النفس المفارقة بالموت. ~~والأحاديث الصحيحة توافق هذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم {باسمك ربي ~~وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين} ms0999 . وقال - لما ناموا عن صلاة الصبح -: {إن الله قبض ~~أرواحنا حيث شاء} . وقال تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون} {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون} {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم ~~وهو أسرع الحاسبين} فهذا توف لها بالنوم إلى أجل الموت الذي ترجع فيه إلى ~~الله وإخبار أن الملائكة تتوفاها بالموت ثم يردون إلى الله والبدن وما يقوم ~~به من الأعراض لا يرد إنما يرد الروح. وهو مثل قوله في يونس: {وردوا إلى ~~الله} وقال تعالى: {إن إلى ربك الرجعى} وقال تعالى: {يا أيتها النفس ~~المطمئنة} {ارجعي إلى ربك # PageV04P269 # راضية مرضية} {فادخلي في عبادي} {وادخلي جنتي} وقال تعالى. {قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} وتوفي الملك إنما يكون لما هو ~~موجود قائم بنفسه؛ وإلا فالعرض القائم بغيره لا يتوفى فالحياة القائمة ~~بالبدن لا تتوفى بل تزول وتعدم كما تعدم حركته وإدراكه. وقال تعالى في ~~المؤمنين {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} {لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} فقوله: ~~{ارجعون} طلب لرجع النفس إلى البدن كما قال في الواقعة: {فلولا إن كنتم غير ~~مدينين} {ترجعونها إن كنتم صادقين} وهو يبين أن النفس موجودة تفارق البدن ~~بالموت قال تعالى: {إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} . ~~آخره. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV04P270 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن " الروح المؤمنة " أن الملائكة تتلقاها وتصعد بها إلى السماء التي ~~فيها الله. # فأجاب: # أما الحديث المذكور في " قبض روح المؤمن وأنه يصعد بها إلى السماء التي ~~فيها الله ": فهذا حديث معروف جيد الإسناد وقوله " فيها الله " بمنزلة قوله ~~تعالى {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ms1000 الأرض فإذا هي تمور} {أم أمنتم من ~~في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} وبمنزلة ما ثبت في ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية معاوية بن الحكم: أين الله ~~قالت: في السماء قال: من أنا قالت أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة} ~~. وليس المراد بذلك أن السماء تحصر الرب وتحويه كما تحوي الشمس والقمر ~~وغيرهما فإن هذا لا يقوله مسلم ولا يعتقده عاقل فقد قال سبحانه وتعالى: ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض} والسموات في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلاة ~~والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والرب # PageV04P271 # سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه؛ ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقال تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} وقال: ~~{فسيحوا في الأرض} وقال: {يتيهون في الأرض} وليس المراد أنهم في جوف النخل ~~وجوف الأرض؛ بل معنى ذلك أنه فوق السموات وعليها بائن من المخلوقات كما ~~أخبر في كتابه عن نفسه أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش. وقال: {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} وقال تعالى: {تعرج الملائكة ~~والروح إليه} وقال: {بل رفعه الله إليه} . وأمثال ذلك في الكتاب والسنة ~~وجواب هذه المسألة مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV04P272 ### | سئل: # هل يتكلم الميت في قبره؟ : # فقال: # وأما سؤال السائل هل يتكلم الميت في قبره فجوابه أنه يتكلم وقد يسمع أيضا ~~من كلمه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنهم ~~يسمعون قرع نعالهم} وثبت عنه في الصحيح {أن الميت يسأل في قبره؛ فيقال له: ~~من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول: ~~الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي. ويقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي ~~بعث فيكم؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا ~~به واتبعناه؛ وهذا تأويل قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ms1001 } . وقد صح عن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنها نزلت في عذاب القبر وكذلك يتكلم المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت ~~الناس يقولون شيئا فقلته؛ فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء ~~إلا الإنسان.} وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {لولا أن لا تدافنوا لسألت الله ~~أن يسمعكم عذاب القبر مثل الذي أسمع} وثبت عنه في الصحيح أنه {نادى ~~المشركين يوم بدر: لما ألقاهم في القليب. وقال: ما أنتم بأسمع لما أقول ~~منهم} . والآثار في هذا كثيرة منتشرة والله أعلم. # PageV04P273 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات تدخل الروح في جسده ويجلس ويجاوب منكرا ~~ونكيرا فيحتاج موتا ثانيا # فأجاب: # عود الروح إلى بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة ~~الدنيا؛ وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه كما أن النشأة الأخرى ليست ~~مثل هذه النشأة؛ وإن كانت أكمل منها بل كل موطن في هذه الدار وفي البرزخ ~~والقيامة: له حكم يخصه؛ ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع ~~له في قبره ويسأل ونحو ذلك وإن كان التراب قد لا يتغير فالأرواح تعاد إلى ~~بدن الميت وتفارقه. وهل يسمى ذلك موتا؟ فيه قولان. قيل يسمى ذلك موتا. ~~وتأولوا على ذلك قوله تعالى {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قيل إن ~~الحياة الأولى في هذه الدار والحياة الثانية في القبر. # PageV04P274 # والموتة الثانية في القبر والصحيح أن هذه الآية كقوله: {وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} فالموتة الأولى قبل هذه الحياة والموتة ~~الثانية بعد هذه الحياة. وقوله تعالى {ثم يحييكم} بعد الموت. قال تعالى: ~~{منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} وقال: {قال فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون} . فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى ~~وتفارقه متى شاء الله تعالى لا يتوقت ذلك بمرة ولا مرتين والنوم أخو الموت. ~~ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: باسمك اللهم ms1002 ~~أموت وأحيا} {وكان إذا استيقظ يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ~~وإليه النشور} فقد سمى النوم موتا والاستيقاظ حياة. وقد قال تعالى: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} فبين أنه يتوفى الأنفس على نوعين: فيتوفاها حين ~~الموت ويتوفى الأنفس التي لم تمت بالنوم ثم إذا ناموا فمن مات في منامه ~~أمسك نفسه ومن لم يمت أرسل نفسه. ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~أوى إلى فراشه قال: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها ~~وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين} . والنائم يحصل له في ~~منامه لذة وألم وذلك يحصل للروح والبدن حتى # PageV04P275 # إنه يحصل له في منامه من يضربه؛ فيصبح والوجع في بدنه ويرى في منامه أنه ~~أطعم شيئا طيبا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود. فإذا كان النائم يحصل لروحه ~~وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به - والذي إلى جنبه لا يحس به - حتى قد ~~يصيح النائم من شدة الألم؛ أو الفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه وقد ~~يتكلم إما بقرآن وإما بذكر وإما بجواب. واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينه ~~مغمضة ولو خوطب لم يسمع فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أنه يسمع قرع نعالهم؟ وقال: {ما أنتم أسمع لما أقول منهم} . ~~والقلب يشبه القبر؛ ولهذا {قال صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة العصر ~~يوم الخندق: ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا} وفي لفظ: {قلوبهم وقبورهم ~~نارا} وفرق بينهما في قوله: {بعثر ما في القبور} {وحصل ما في الصدور} وهذا ~~تقريب وتقرير لإمكان ذلك. ولا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم ~~والعذاب - مثلما - يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ ~~وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا ~~قال السائل: الميت لا يتحرك في قبره والتراب لا ms1003 يتغير ونحو ذلك مع أن هذه ~~المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم. وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV04P276 # و ### | سئل: # عن الصغير وعن الطفل إذا مات، هل يمتحن؟ # إلخ. . . # (1) الوقوف فيهم وأن يقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ولبسطه موضع آخر. ~~وإذا مات الطفل فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير؟ فيه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره. أحدهما: أنه لا يمتحن وأن المحنة إنما تكون على من كلف في ~~الدنيا قاله طائفة منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل. والثاني: أنهم يمتحنون ~~ذكره أبو حكيم الهمداني وأبو الحسن بن عبدوس ونقله عن أصحاب الشافعي. وعلى ~~هذا التفصيل " تلقين الصغير والمجنون ": من قال إنه يمتحن في القبر لقنه ~~ومن قال لا يمتحن لم يلقنه. وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~{أنه صلى الله عليه وسلم صلى على طفل. فقال: اللهم قه عذاب القبر وفتنة ~~القبر} وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة وإنهم مكلفون ~~يوم القيامة كما هو قول أكثر أهل العلم PageV04P277 # وأهل السنة من أهل الحديث والكلام وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن ~~أهل السنة واختاره وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد والله أعلم. # وإذا دخل أطفال المؤمنين الجنة فأرواحهم وأرواح غيرهم من المؤمنين في ~~الجنة وإن كانت درجاتهم متفاضلة والصغار يتفاضلون بتفاضل آبائهم وتفاضل ~~أعمالهم - إذا كانت لهم أعمال - فإن إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس هو كغيره والأطفال الصغار يثابون على ما يفعلونه من الحسنات وإن كان ~~القلم مرفوعا عنهم في السيئات؛ كما ثبت في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رفعت إليه امرأة صبيا من محفة فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر} ~~رواه مسلم في صحيحه. وفي السنن أنه {قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها ~~لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} وكانوا يصومون الصغار يوم عاشوراء وغيره ~~فالصبي يثاب على صلاته وصومه وحجه وغير ذلك من أعماله ويفضل بذلك على من لم ms1004 ~~يعمل كعمله وهذا غير ما يفعل به إكراما لأبويه كما أنه في النعم الدنيوية ~~قد ينتفع بما يكسبه وبما يعطيه أبواه ويتميز بذلك على من ليس كذلك. وأرواح ~~المؤمنين في الجنة كما جاءت بذلك الآثار وهو كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {نسمة المؤمن تعلق من الجنة} أي تأكل ولم يوقت في ذلك وقت قبل يوم ~~القيامة. # PageV04P278 # والأرواح مخلوقة بلا شك وهي لا تعدم ولا تفنى؛ ولكن موتها مفارقة الأبدان ~~وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان. وأهل الجنة الذين يدخلونها ~~على صورة أبيهم آدم عليه السلام طول أحدهم ستون ذراعا. كما ثبت ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة. وقد قال بعض الناس: إن أطفال الكفار يكونون خدم أهل ~~الجنة ولا أصل لهذا القول. وقد ثبت في الصحيحين أن الجنة يبقى فيها فضل عن ~~أهل الدنيا فينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الجنة فإذا كان يسكن من ينشئه ~~من الجنة من غير ولد آدم في فضول الجنة فكيف بمن دخلها من ولد آدم وأسكن في ~~غير فضولها؟ فليسوا أحق بأن يكونوا من أهل الجنة؛ ممن ينشأ بعد ذلك ويسكن ~~فضولها. وأما الورود المذكور في قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} فقد فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح رواه مسلم في صحيحه عن جابر: ~~{بأنه المرور على الصراط} والصراط هو الجسر؛ فلا بد من المرور عليه لكل من ~~يدخل الجنة من كان صغيرا في الدنيا ومن لم يكن. (والولدان الذين يطوفون على ~~أهل الجنة: خلق من خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا؛ بل أبناء أهل الدنيا ~~إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين في ~~طول ستين ذراعا؛ كما تقدم. وقد روي أن العرض سبعة أذرع. والله أعلم. # PageV04P279 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن الصغير هل يحيا ويسأل أو يحيا ولا يسأل؟ وبماذا يسأل عنه؟ وهل يستوي ~~في الحياة والسؤال من يكلف ومن لا يكلف؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما من ليس مكلفا كالصغير ms1005 والمجنون فهل يمتحن في ~~قبره ويسأله منكر ونكير؟ على قولين للعلماء. أحدهما: أنه يمتحن وهو قول ~~أكثر أهل السنة ذكره أبو الحسن بن عبدوس عنهم وذكره أبو حكيم النهرواني ~~وغيرهما. والثاني أنه لا يمتحن في قبره كما ذكره القاضي أبو يعلى وابن عقيل ~~وغيرهما. قالوا لأن المحنة إنما تكون لمن يكلف في الدنيا. ومن قال بالأول: ~~يستدل بما في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه {أنه صلى الله عليه وسلم ~~صلى على صغير لم يعمل خطيئة قط فقال: اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر} ~~وهذا يدل على أنه يفتن. # PageV04P280 # وأيضا: فهذا مبني على أن أطفال الكفار الذين لم يكلفوا في الدنيا يكلفون ~~في الآخرة كما وردت بذلك أحاديث متعددة وهو القول الذي حكاه أبو الحسن ~~الأشعري عن أهل السنة والجماعة فإن النصوص عن الأئمة كالإمام أحمد وغيره: ~~الوقف في أطفال المشركين كما ثبت في الصحيحين عن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عنهم فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين} . وثبت في صحيح البخاري من ~~حديث سمرة أن منهم من يدخل الجنة. وثبت في صحيح مسلم أن الغلام الذي قتله ~~الخضر طبع يوم طبع كافرا فإن كان الأطفال وغيرهم فيهم شقي وسعيد: فإذا كان ~~ذلك لامتحانهم في الدنيا لم يمنع امتحانهم في القبور؛ لكن هذا مبني على أنه ~~لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة وإن شهد لهم مطلقا ولو ~~شهد لهم مطلقا. فالطفل الذي ولد بين المسلمين قد يكون منافقا بين مؤمنين. ~~والله أعلم # PageV04P281 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه وهو بمصر -: # عن " عذاب القبر ". هل هو على النفس والبدن أو على النفس؛ دون البدن؟ ~~والميت يعذب في قبره حيا أم ميتا؟ وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد فهل ~~يتشاركان في العذاب والنعيم؟ أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟ # فأجاب - رضي الله عنه وجعل جنة الفردوس منقلبه ومثواه آمين -: # الحمد لله رب العالمين، بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق ~~أهل ms1006 السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن ~~والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما ~~يكون للروح منفردة عن البدن. وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ ~~هذا فيه قولان مشهوران # PageV04P282 # لأهل الحديث والسنة والكلام وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل ~~السنة والحديث؛ قول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح؛ وأن ~~البدن لا ينعم ولا يعذب. وهذا تقوله " الفلاسفة " المنكرون لمعاد الأبدان؛ ~~وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. ويقوله كثير من " أهل الكلام " من المعتزلة ~~وغيرهم: الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند القيام من ~~القبور. وقول من يقول: إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب وإنما الروح هي ~~الحياة وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وأصحاب أبي الحسن ~~الأشعري كالقاضي أبي بكر وغيرهم؛ وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن. ~~وهذا قول باطل؛ خالفه الأستاذ أبو المعالي الجويني وغيره؛ بل قد ثبت في ~~الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة ~~أو معذبة. " والفلاسفة " الإلهيون يقولون بهذا لكن ينكرون معاد الأبدان ~~وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان؛ لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون ~~الأبدان؛ وكلا القولين خطأ وضلال لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل ~~الإسلام وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام بل من ~~يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام. # PageV04P283 # والقول الثالث: الشاذ. قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب بل ~~لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ~~ونحوهم الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق ~~البدن وأن البدن لا ينعم ولا يعذب. # فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة؛ لأنهم ~~يقرون بالقيامة الكبرى. # فإذا عرفت هذه الأقوال الثلاثة الباطلة فاعلم أن مذهب " سلف الأمة ~~وأئمتها " أن الميت إذا مات يكون ms1007 في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه ~~ولبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وأنها تتصل بالبدن ~~أحيانا فيحصل له معها النعيم والعذاب. ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت ~~الأرواح إلى أجسادها وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الأبدان متفق ~~عليه عند المسلمين واليهود والنصارى وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث ~~والسنة. وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أثبت ذلك طائفة منهم ~~وأنكره أكثرهم. # PageV04P284 # ونحن نذكر ما يبين ما ذكرناه فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير ~~فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما في الصحيحين عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر ~~فكان لا يستتر من بوله ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر ~~واحدة. فقالوا يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ~~ييبسا} . وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت {قال: بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حائط لبني النجار على بغلة - ونحن معه - إذ جالت به فكادت تلقيه ~~فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة. فقال من يعرف هذه القبور؟ فقال رجل أنا. ~~قال: فمتى هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في ~~قبورها؛ فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ~~منه ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ ~~بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من عذاب النار قالوا: نعوذ بالله ~~من عذاب النار. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا: ~~نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة ~~الدجال قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال} . وفي صحيح مسلم وسائر السنن عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ms1008 # PageV04P285 # صلى الله عليه وسلم قال: {إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليقل أعوذ ~~بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن ~~فتنة المسيح الدجال} . وفي صحيح مسلم وغيره عن {ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من ~~القرآن اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من ~~فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات} . وفي صحيح البخاري ~~ومسلم عن {أبي أيوب الأنصاري قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت ~~الشمس. فقال: يهود يعذبون في قبورهم} . وفي الصحيحين عن {عائشة رضي الله ~~عنها قالت: دخلت علي عجوز من عجائز يهود المدينة فقالت: إن أهل القبور ~~يعذبون في قبورهم. قالت: فكذبتها ولم أنعم أن أصدقها قالت: فخرجت فدخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله عجوز من عجائز أهل ~~المدينة دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم. فقال: صدقت. إنهم ~~يعذبون عذابا يسمعه البهائم كلها فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب ~~القبر.} وفي صحيح أبي حاتم البستي عن {أم مبشر رضي الله عنها قالت: دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في حائط وهو يقول: تعوذوا بالله من عذاب # PageV04P286 # القبر فقلت: يا رسول الله للقبر عذاب؟ فقال: إنهم ليعذبون في قبورهم ~~عذابا تسمعه البهائم} . قال بعضهم: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا ~~مغلت إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين؛ كالإسماعيلية والنصيرية وسائر ~~القرامطة: من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما؛ فإن أهل ~~الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى. والجهال تظن ~~أنهم من ذرية فاطمة وأنهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل. فقد قيل: ~~إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل. والحديث ~~في هذا كثير لا يتسع له هذا السؤال. وأحاديث المسألة ms1009 كثيرة أيضا كما في ~~الصحيحين والسنن عن {البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: المسلم إذا سئل في قبره شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله؛ فذلك قول الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة} } وفي لفظ: {نزلت في عذاب القبر يقال له من ربك؟ ~~فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد. وذلك قول الله تعالى: {يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء} .} وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد ~~مطولا كما في سنن أبي داود # PageV04P287 # وغيره عن {البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار. فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ~~ينكت به الأرض؛ فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ~~ثلاثا. وذكر صفة قبض الروح وعروجها إلى السماء ثم عودها إليه. إلى أن قال: ~~وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له يا هذا من ربك؟ وما ~~دينك؟ ومن نبيك؟} . وفي لفظ: {فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ ~~فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان. ما ~~هذا الرجل الذي أرسل فيكم؟ قال: فيقول. هو رسول الله. فيقولان: وما يدريك؟ ~~فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فذلك قول الله: {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} قال: فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوا له في الجنة ~~وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ~~قال: ويفسح له مد بصره قال: وإن الكافر فذكر موته. وقال: وتعاد روحه إلى ~~جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ ms1010 فيقول هاه هاه لا أدري. ~~فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه. هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن ~~كذب عبدي فافرشوا له من النار وألبسوه من النار # PageV04P288 # وافتحوا له بابا إلى النار قال: ويأتيه من حرها وسمومها قال: ويضيق عليه ~~قبره حتى تختلف فيه أضلاعه قال: ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ~~ضرب بها جبل لصار ترابا قال: فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب ~~إلا الثقلين فيصير ترابا. ثم تعاد فيه الروح} . فقد صرح الحديث بإعادة ~~الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه وهذا بين في أن العذاب على الروح والبدن ~~مجتمعين. وقد روي مثل حديث البراء في قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب ~~رواه أبو هريرة وحديثه في المسند وغيره ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت إذا ~~وضع في قبره يسمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين فإن كان مؤمنا كانت ~~الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الصدقة عن شماله وكان فعل ~~الخير من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه فيأتيه الملكان من قبل ~~رأسه؛ فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى عن يمينه ويقول الصيام: ما قبلي ~~مدخل. ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من قبل رجليه ~~فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قبلي مدخل فيقول ~~له: اجلس. فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أصغت للغروب. فيقول: دعوني حتى أصلي. ~~فيقولون: إنك ستصلي. أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ~~ما تقولون فيه؟ وماذا # PageV04P289 # تشهد به عليه؟ فيقول: محمد. نشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند الله. ~~فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يفتح له باب إلى ~~الجنة. فيقال: هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها؛ فيزداد غبطة وسرورا؛ ثم ~~يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له ms1011 فيه ويعاد الجسد لما بدئ منه وتجعل ~~روحه نسم طير يعلق في شجر الجنة قال: فذلك قوله تعالى {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} } . وذكر في الكفر ضد ذلك أنه {قال: يضيق عليه قبره إلى أن ~~تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال الله تعالى: {له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} } هذا الحديث أخصر. وحديث البراء المتقدم أطول ما ~~في السنن فإنهم اختصروه لذكر ما فيه من عذاب القبر وهو في المسند وغيره ~~بطوله. وهو حديث حسن ثابت {يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إن العبد ~~المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا: نزلت إليه ملائكة ~~بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ~~فيجلسون منه مد البصر؛ ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه. فيقول: أيتها ~~النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة ورضوان قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من ~~في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين # PageV04P290 # حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة ~~مسك وجدت على وجه الأرض قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من ~~الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون: فلان بن فلان بأحسن ~~أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فينتهون به إلى السماء الدنيا ~~فيستفتحون له فيفتح له قال: فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي ~~تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة. فيقول: اكتبوا كتاب عبدي في ~~عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى قال: فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه} وذكر المسألة كما ~~تقدم {قال: ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: أبشر بالذي يسرك فهذا ~~يومك الذي قد كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ~~فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم ms1012 الساعة رب أقم الساعة رب أقم الساعة ~~حتى أرجع إلى أهلي ومالي} قال: {وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من ~~الآخرة وانقطاع من الدنيا: نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم ~~المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول ~~أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه فتفرق في أعضائه كلها ~~فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول؛ فتتقطع معها العروق والعصب ~~قال: فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها ~~في تلك المسوح قال: فيخرج منها كأنتن ما يكون من جيفة وجدت على وجه الأرض ~~فيصعدون بها # PageV04P291 # فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ ~~فيقولون: فلان بن فلان؛ بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا؛ حتى ~~ينتهوا إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لها ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين} ثم يقول الله تعالى: اكتبوا كتابه في ~~سجين - في الأرض السفلى - قال: فتطرح روحه طرحا ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} قال: فتعاد روحه في جسده؛ ~~فيأتيه ملكان فيجلسانه؛ فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه؛ هاه؛ لا أدري} ~~وساق الحديث كما تقدم إلى أن قال {: ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح؛ ~~فيقول: أبشر بالذي يسوءك؛ هذا عملك الذي قد كنت توعد؛ فيقول: من أنت فوجهك ~~الوجه الذي لا يأتي بالخير؟ قال: أنا عملك السوء. فيقول: رب لا تقم الساعة ~~ثلاث مرات} . ففي هذا الحديث أنواع من العلم: منها: أن الروح تبقى بعد ~~مفارقة البدن؛ خلافا لضلال المتكلمين؛ وأنها تصعد وتنزل خلافا لضلال ~~الفلاسفة؛ وأنها تعاد إلى البدن وأن الميت يسأل فينعم أو يعذب كما سأل عنه ~~أهل السؤال وفيه أن عمله الصالح أو السيئ يأتيه في صورة حسنة أو قبيحة. وفي ms1013 ~~الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي # PageV04P292 # صلى الله عليه وسلم قال: {إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ~~ليسمع خفق نعالهم أتاه ملكان فيقررانه. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل ~~محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه محمد عبد الله ورسوله قال: فيقول انظر ~~إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيراهما كليهما} قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره ~~سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون ". ثم نرجع إلى حديث أنس ~~{ويأتيان الكافر والمنافق فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا ~~أدري كنت أقول كما يقول الناس. فيقول: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطارق من ~~حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين} . وروى الترمذي ~~وأبو حاتم في صحيحه - وأكثر اللفظ له - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ~~{قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قبر أحدكم الإنسان: أتاه ملكان ~~أسودان أزرقان يقال لهما منكر والآخر نكير. فيقولان له: ما كنت تقول في هذا ~~الرجل محمد؟ فهو قائل: ما كان يقول؛ فإن كان مؤمنا قال: هو عبد الله ورسوله ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: إنا كنا ~~لنعلم أنك تقول ذلك. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه. ويقال ~~له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان له: نم. كنومة العروس: الذي ~~لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا ~~قال: # PageV04P293 # لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته. فيقولان: إنا كنا نعلم أنك ~~تقول ذلك. ثم يقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه ~~فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك} وهذا الحديث فيه اختلاف ~~أضلاعه وغير ذلك مما يبين أن البدن نفسه يعذب. وعن أبي هريرة رضي ms1014 الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا احتضر الميت أتته الملائكة بحريرة ~~بيضاء. فيقولون. اخرجي كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا حتى ~~يأتوا به باب السماء. فيقولون: ما أطيب هذا الريح متى جاءتكم من الأرض؟ ~~فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه ~~يسألونه ماذا فعل فلان فيقولون دعوه فإنه في غم الدنيا فإذا قال إنه أتاكم ~~قالوا ذهب إلى أمه الهاوية. وأن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح. ~~فيقولون: اخرجي مسخوطا عليك إلى عذاب الله فتخرج كأنتن جيفة حتى يأتوا به ~~أرواح الكفار} رواه النسائي والبزار رواه مسلم مختصرا عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه. وعند الكافر ونتن رائحة روحه فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ريطة كانت عليه على أنفه هكذا. والريطة: ثوب رقيق لين مثل الملاءة. وأخرجه ~~أبو حاتم في صحيحه وقال: {إن المؤمن إذا حضره الموت حضرت ملائكة الرحمة ~~فإذا قبضت نفسه جعلت في حريرة بيضاء فتنطلق بها إلى باب السماء فيقولون ما ~~وجدنا ريحا أطيب من هذه الرائحة فيقال: دعوه # PageV04P294 # يسترح فإنه كان في غم الدنيا. فيقال: ما فعل فلان ما فعلت فلانة؟ وأما ~~الكافر إذا قبضت روحه ذهب بها إلى الأرض تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا ~~أنتن من هذه فيبلغ بها في الأرض السفلى} ففي هذه الأحاديث ونحوها اجتماع ~~الروح والبدن في نعيم القبر وعذابه وأما انفراد الروح وحدها فقد تقدم بعض ~~ذلك. وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما ~~نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم يبعثه} رواه ~~النسائي ورواه مالك والشافعي كلاهما. وقوله " يعلق " بالضم أي يأكل وقد نقل ~~هذا في غير هذا الحديث. فقد أخبرت هذه النصوص أن الروح تنعم مع البدن الذي ~~في القبر - إذا شاء الله - وإنما تنعم في الجنة وحدها وكلاهما حق. وقد روى ~~ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت عن ms1015 مالك بن أنس قال: " بلغني أن الروح ~~مرسلة تذهب حيث شاءت " وهذا يوافق ما روي: " أن الروح قد تكون على أفنية ~~القبور " كما قال مجاهد: إن الأرواح تدوم على القبور سبعة أيام يوم يدفن ~~الميت لا تفارق ذلك وقد تعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة " كما في ~~الحديث الذي صححه ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ~~من رجل يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله ~~عليه روحه حتى يرد عليه السلام} . # PageV04P295 # وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة ~~وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} . وهذا ~~الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه مما يبين أن ~~الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب - إذا شاء الله ذلك - كما يشاء وأن ~~الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة ومعذبة. ولهذا أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالسلام على الموتى كما ثبت في الصحيح والسنن {أنه كان يعلم ~~أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر ~~لنا ولهم} . وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في ~~قبورهم ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة ولكن لا يجب ~~ذلك أن يكون دائما على البدن في كل وقت؛ بل يجوز أن يكون في حال دون حال. # PageV04P296 # وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقام عليهم فقال: يا أبا جهل ms1016 بن هشام يا أمية ~~بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم ~~حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فسمع عمر رضي الله عنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وقد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي ~~بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم ~~فسحبوا فألقوا في قليب بدر.} وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما {أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما ~~وعدكم ربكم حقا؟ وقال إنهم ليسمعون الآن ما أقول فذكر ذلك لعائشة فقالت: ~~وهم ابن عمر. إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم ليعلمون الآن أن ~~الذي قلت لهم هو الحق ثم قرأت قوله تعالى {إنك لا تسمع الموتى} حتى قرأت ~~الآية} . وأهل العلم بالحديث والسنة: اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر ~~وإن كانا لم يشهدا بدرا فإن أنسا روى ذلك عن أبي طلحة وأبو طلحة شهد بدرا. ~~كما روى أبو حاتم في صحيحه عن أنس عن أبي طلحة رضي الله عنه {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في ~~طوى من أطواء بدر وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عرصتهم ثلاث ليال: # PageV04P297 # فلما كان اليوم الثالث: أمر براحلته فشد عليها فحركها ثم مشى وتبعه ~~أصحابه. وقالوا: ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته؛ حتى قام على شفاء الركى؛ ~~فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم ~~الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. فهل وجدتم ما وعدكم ربكم ~~حقا؟ قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول ~~منهم} . قال قتادة: أحياهم الله حتى سمعهم توبيخا ms1017 وتصغيرا ونقمة وحسرة ~~وتنديما. وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك. والنص الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيره وليس في ~~القرآن ما ينفي ذلك فإن قوله: {إنك لا تسمع الموتى} إنما أراد به السماع ~~المعتاد الذي ينفع صاحبه فإن هذا مثل ضرب للكفار والكفار تسمع الصوت لكن لا ~~تسمع سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} . فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا ~~يجب أن ينفى عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن ~~الكفار؛ بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به وأما سماع آخر ~~فلا ينفى عنهم. # PageV04P298 # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين ~~فهذا موافق لهذا فكيف يدفع ذلك؟ ومن العلماء من قال: إن الميت في قبره لا ~~يسمع ما دام ميتا كما قالت عائشة. واستدلت به من القرآن وأما إذا أحياه ~~الله فإنه يسمع كما قال قتادة: أحياهم الله له. وإن كانت تلك الحياة لا ~~يسمعون بها كما نحن لا نرى الملائكة والجن ولا نعلم ما يحس به الميت في ~~منامه وكما لا يعلم الإنسان ما في قلب الآخر وإن كان قد يعلم ذلك من أطلعه ~~الله عليه. وهذه جملة يحصل بها مقصود السائل وإن كان لها من الشرح والتفصيل ~~ما ليس هذا موضعه فإن ما ذكرناه من الأدلة البينة على ما سأل عنه ما لا ~~يكاد مجموعا. والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV04P299 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # سأل سائل: بماذا يخاطب الناس يوم البعث؟ وهل يخاطبهم الله تعالى بلسان ~~العرب؟ وهل يصح أن لسان أهل النار الفارسية وأن لسان أهل الجنة العربية # فأجبته بعد: # الحمد لله رب العالمين، لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ ولا بأي لغة ~~يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن الله تعالى لم ms1018 يخبرنا بشيء من ذلك ولا رسوله ~~عليه الصلاة والسلام ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين ولا أن العربية لغة ~~أهل النعيم الأبدي ولا نعلم نزاعا في ذلك بين الصحابة رضي الله عنهم بل ~~كلهم يكفون عن ذلك لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول ولا قال الله تعالى ~~لأصحاب الثرى ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين. فقال ناس: يتخاطبون ~~بالعربية. وقال آخرون إلا أهل النار فإنهم يجيبون بالفارسية وهي لغتهم في ~~النار. # PageV04P300 # وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية لأنها لغة آدم وعنها تفرعت اللغات. وقال ~~آخرون: إلا أهل الجنة فإنهم يتكلمون بالعربية. وكل هذه الأقوال لا حجة ~~لأربابها لا من طريق عقل ولا نقل بل هي دعاوى عارية عن الأدلة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم وأحكم. # PageV04P301 ### | سئل: # عن الميزان، هل هو عبارة عن العدل؟ أم له كفتان؟ # فأجاب: # " الميزان " هو ما يوزن به الأعمال وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة مثل قوله تعالى {فمن ثقلت موازينه} {ومن خفت موازينه} وقوله: {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم} " {وقال عن ساقي عبد الله بن ~~مسعود: لهما في الميزان أثقل من أحد} وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة وصححه ~~الترمذي والحاكم وغيرهما: {في الرجل الذي يؤتى به فينشر له تسعة وتسعون ~~سجلا كل سجل منها مد البصر فيوضع في كفة ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا ~~إله إلا الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فطاشت السجلات وثقلت البطاقة} ~~. وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات ~~على السيئات وبالعكس فهو ما به تبين العدل. والمقصود بالوزن العدل كموازين ~~الدنيا. وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من ~~الغيب. # PageV04P302 # قال الشيخ: # وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: " الله أعلم بما كانوا عاملين " كما ~~أجاب بذلك النبي صلى الله عليه ms1019 وسلم في الحديث الصحيح وطائفة من أهل الحديث ~~وغيرهم قالوا: إنهم كلهم في النار. وذكر أنه من نصوص أحمد وهو غلط على ~~أحمد. وطائفة جزموا بأنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو الفرج ابن الجوزي ~~وغيره واحتجوا بحديث فيه {رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إبراهيم ~~الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل يا رسول الله وأطفال المشركين؟ قال: ~~وأطفال المشركين} ". والصواب أن يقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " ولا ~~نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث: {أنهم يوم القيامة في ~~عرصات القيامة يؤمرون وينهون فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار} . وهذا ~~هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. والتكليف إنما ~~ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار. # PageV04P303 # وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ. فيقال لأحدهم: ~~من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون} الآية. وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله ~~لعباده في الموقف إذا قيل: {ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون؛ فيتبع المشركون ~~آلهتهم ويبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب في غير الصورة التي يعرفون فينكرونه ~~ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفونها فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهور ~~المنافقين كقرون البقر يريدون السجود فلا يستطيعون. وذكر قوله: {يوم يكشف ~~عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} } الآية. والكلام على هذه الأمور ~~مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم. # PageV04P304 ### | سئل عن الكفار: # هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟ # فأجاب: # هذه " المسألة " تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم فممن قال ~~إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي والقاضي أبو يعلى ~~وغيرهم وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي من أصحاب أحمد وأبو سليمان ~~الدمشقي وأبو طالب المكي. وفصل الخطاب أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم ~~وتوبيخهم عليها ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات. فإن أريد بالحساب ~~المعنى الأول فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا ms1020 الاعتبار. وإن أريد المعنى الثاني ~~فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر. ~~وإن أريد أنهم يتفاوتون في العقاب؛ فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من # PageV04P305 # عقاب من قلت سيئاته ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب كما أن أبا طالب أخف ~~عذابا من أبي لهب. وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب} وقال تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر} والنار دركات ~~فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذابا من بعض - لكثرة سيئاته وقلة حسناته - ~~كان الحساب لبيان مراتب العذاب لا لأجل دخولهم الجنة. # PageV04P306 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية - قدس الله روحه -: # عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا؟ # فأجاب: # لا يكفر بمجرد الذنب فإنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير ~~المحصن يجلد ولا يقتل والشارب يجلد والقاذف يجلد والسارق يقطع. ولو كانوا ~~كفارا لكانوا مرتدين ووجب قتلهم وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف. # PageV04P307 # سئل: # عن رجل مسلم يعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة ويغرس له غراس ~~باسمه. ثم يعمل ذنوبا يستوجب بها النار فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه ~~في الجنة وهو في النار. # فأجاب: # إن تاب عن ذنوبه توبة نصوحا، فإن الله يغفر له ولا يحرمه ما كان وعده؛ بل ~~يعطيه ذلك. وإن لم يتب وزنت حسناته وسيئاته فإن رجحت حسناته على سيئاته كان ~~من أهل الثواب وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب. وما أعد له ~~من الثواب يحبط حينئذ بالسيئات التي زادت على حسناته كما أنه إذا عمل سيئات ~~استحق بها النار ثم عمل بعدها حسنات: تذهب السيئات والله أعلم. # PageV04P308 # و ### | سئل: # عن الشفاعة في " أهل الكبائر " من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهل ~~يدخلون الجنة أم لا؟ . # فأجاب: # إن أحاديث الشفاعة في " أهل الكبائر " ثابتة متواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة ms1021 ~~المسلمين؛ وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم. ولا ~~يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان بل كلهم يخرجون من النار ~~ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل. فينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم الجنة ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV04P309 # و ### | سئل: # عن " أطفال المؤمنين " هل يدومون على حالتهم التي ماتوا عليها؟ أم يكبرون ~~ويتزوجون؟ # وكذلك البنات هل يتزوجن؟ # الجواب: # الحمد لله، إذا دخلوا الجنة دخلوها كما يدخلها الكبار على صورة أبيهم آدم ~~طوله ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع ويتزوجون كما يتزوج الكبار. ومن مات من ~~النساء ولم يتزوجن فإنها تزوج في الآخرة. وكذلك من مات من الرجال فإنه ~~يتزوج في الآخرة. والله تعالى أعلم. # PageV04P310 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # هل يتناسل أهل الجنة؟ . " والولدان " هل هم ولدان أهل الجنة؟ وما حكم ~~الأولاد وأرواح أهل الجنة والنار إذا خرجت من الجسد هل تكون في الجنة تنعم؟ ~~أم تكون في مكان مخصوص إلى حيث يبعث الله الجسد؟ وما حكم ولد الزنا إذا مات ~~يكون من أهل الأعراف أو في الجنة؟ وما الصحيح في أولاد المشركين هل هم من ~~أهل النار أو من أهل الجنة؟ وهل تسمى الأيام في الآخرة كما تسمى في الدنيا ~~مثل السبت والأحد. # فأجاب: # " الولدان " الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة؛ ليسوا بأبناء ~~أهل الدنيا بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يكمل خلقهم كأهل الجنة على ~~صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة في طول ستين ذراعا. وقد روي أيضا أن العرض ~~سبعة أذرع. وأرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار؛ تنعم أرواح ~~المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان. # PageV04P311 # و " ولد الزنا " إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة وإلا جوزي بعمله كما يجازى ~~غيره والجزاء على الأعمال؛ لا على النسب وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن ~~يعمل عملا خبيثا كما يقع كثيرا. كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل ~~الخير؛ ms1022 فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه وأكرم الخلق عند الله أتقاهم. وأما ~~" أولاد المشركين " فأصح الأجوبة فيهم جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما في الصحيحين " {ما من مولود إلا يولد على الفطرة} " الحديث {قيل يا ~~رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما ~~كانوا عاملين} " فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار. ويروى " {أنهم ~~يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة ومن ~~عصى دخل النار} ". ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في ~~النار. والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار لكن تعرف البكرة ~~والعشية بنور يظهر من قبل العرش والله أعلم. # PageV04P312 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قيل له: إنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أن أهل الجنة ~~يأكلون ويشربون ويتمتعون ولا يبولون ولا يتغوطون} " فقال: من أكل وشرب: بال ~~وتغوط. ثم قيل له: إن في الجنة طيورا إذا اشتهى صار قدامه على أي صورة أراد ~~من الأطعمة وغيرها فقال: هذا فشار. هل بجحده هذا يكفر ويجب قتله أم لا؟ # فأجاب: # الأكل والشرب في الجنة ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين. وهو ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وكذلك الطيور والقصور في الجنة بلا ريب كما ~~وصف ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك إن ~~أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون لم يخالف من المؤمنين بالله ~~ورسوله أحد وإنما المخالف في ذلك أحد رجلين: إما كافر وإما منافق. أما ~~الكافر فإن اليهود والنصارى ينكرون الأكل والشرب والنكاح في # PageV04P313 # الجنة يزعمون أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة والأرواح ~~الطيبة مع نعيم الأرواح وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمها ~~وعذابها. وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم ~~فيقرون بحشر الأرواح فقط وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط. وطوائف من الكفار ~~والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية فلا يقرون لا ms1023 بمعاد الأرواح؛ ولا ~~الأجساد. وقد بين الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح ~~والأجساد ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بيانا في غاية التمام ~~والكمال. وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة ~~المشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم ~~المعاد الروحاني وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلف من قول ~~المجوس والصابئة ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام وطائفة ممن ~~ضاهوهم: من كاتب أو متطبب أو متكلم أو متصوف كأصحاب " رسائل إخوان الصفا " ~~وغيرهم أو منافق. وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان؛ فإن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك بيانا شافيا قاطعا للعذر # PageV04P314 # وتواتر ذلك عند أمته خاصها وعامها وقد ناظره بعض اليهود في جنس هذه ~~المسألة وقال: {يا محمد أنت تقول: إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ومن يأكل ~~ويشرب لا بد له من خلاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم رشح كرشح المسك} ". ~~ويجب على ولي الأمر قتل من أنكر ذلك ولو أظهر التصديق بألفاظه فكيف بمن ~~ينكر الجميع؟ والله أعلم. # PageV04P315 # سئل - رحمه الله -: # هل أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون بتلذذ كالدنيا؟ وهل تبعث هذه ~~الأجسام بعينها؟ وهل عيسى حي أم ميت؟ وهل إذا نزل يحكم بشريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أم بشريعته الأولى أم تحدث له شريعة؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # أما أهل الجنة فيأكلون ويشربون وينكحون متنعمين بذلك بإجماع المسلمين كما ~~نطق به الكتاب والسنة وإنما ينكر ذلك من ينكره من اليهود والنصارى. وهذه ~~الأجساد هي التي تبعث كما نطق به الكتاب والسنة. وعيسى حي في السماء لم يمت ~~بعد. وإذا نزل من السماء لم يحكم إلا بالكتاب والسنة؛ لا بشيء يخالف ذلك ~~والله أعلم. # PageV04P316 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه - # فصل: # وأفضل " الأنبياء " بعد محمد صلى الله عليه وسلم " إبراهيم الخليل " كما ~~ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه خير البرية} ~~". وكذلك قال ms1024 العلماء: منهم الربيع بن خثيم قال: لا أفضل على نبينا أحدا ~~ولا أفضل على إبراهيم بعد نبينا أحدا. PageV04P317 # سئل - رحمه الله تعالى -: # فيمن يقول: إن غير الأنبياء يبلغ درجتهم بحيث يأمنون مكر الله هل يأثم ~~بهذا الاعتقاد؟. # فأجاب: # من اعتقد أن في أولياء الله من لا يجب عليه اتباع المرسلين وطاعتهم فهو ~~كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل مثل من يعتقد أن في أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم من يستغني عن متابعته كما استغنى الخضر عن متابعة موسى فإن موسى لم ~~تكن دعوته عامة بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مبعوث إلى كل أحد فيجب ~~على كل أحد متابعة أمره وإذا كان من اعتقد سقوط طاعته عنه كافرا؛ فكيف من ~~اعتقد أنه أفضل منه؟ أو أنه يصير مثله. وأما من اعتقد أن من الأولياء من ~~يعلم أنه من أهل الجنة كما بشر غير واحد من الصحابة بالجنة وكما قد يعرف ~~الله بعض الأولياء أنه من أهل الجنة فهذا لا يكفر. ومع هذا فلا بد له من ~~خشية الله تعالى والله أعلم. # PageV04P318 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون ~~الصغائر فكفره رجل بهذه فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب؟ وهل قال أحد منهم بعصمة ~~الأنبياء مطلقا؟ وما الصواب في ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس هو كافرا باتفاق أهل الدين ولا هذا من مسائل ~~السب المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله ~~مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفي عقوبة الساب؛ ومع هذا فهم متفقون على أن ~~القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة فضلا أن يكون قائل ذلك كافرا ~~أو فاسقا؛ فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول ~~أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر " ~~أبو الحسن الآمدي " أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل ~~التفسير والحديث والفقهاء بل ms1025 هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة ~~والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول. ~~. . (1) PageV04P319 # وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم ~~وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير ~~معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع ~~بحال وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا ~~لذلك: الرافضة فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو ~~والتأويل. وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته وقالوا بعصمة علي والاثني عشر ~~ثم " الإسماعيلية " الذين كانوا ملوك القاهرة وكانوا يزعمون أنهم خلفاء ~~علويون فاطميون وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم ~~وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم ونحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو ~~حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم - قال: ظاهر مذهبهم الرفض ~~وباطنه الكفر المحض. وقد صنف " القاضي أبو يعلى " وصف مذاهبهم في كتبه ~~وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين ~~بالعصمة وقد يكفرون من ينكر القول بها وهؤلاء الغالية هم كفار باتفاق ~~المسلمين فمن كفر القائلين بتجويز الصغائر عليهم كان مضاهيا لهؤلاء ~~الإسماعيلية والنصيرية والرافضة والاثني عشرية. ليس هو قول أحد من أصحاب ~~أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا المتكلمين - المنتسبين إلى السنة ~~المشهورين - كأصحاب # PageV04P320 # أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ~~وأبي عبد الله محمد بن كرام وغير هؤلاء. ولا أئمة التفسير ولا الحديث ولا ~~التصوف. ليس التكفير بهذه المسألة قول هؤلاء فالمكفر بمثل ذلك يستتاب فإن ~~تاب وإلا عوقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا إلا أن يظهر منه ما ~~يقتضي كفره وزندقته فيكون حكمه حكم أمثاله. وكذلك المفسق بمثل هذا القول ~~يجب أن يعزر بعد إقامة الحجة عليه؛ فإن هذا تفسيق لجمهور أئمة الإسلام. ~~وأما التصويب والتخطئة في ms1026 ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء ~~المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة. وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط ~~طويل لا تحتمله هذا الفتوى. والله أعلم؟ . # PageV04P321 # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجلين تنازعا في أمر نبي الله " عيسى ابن مريم " - عليه السلام - فقال ~~أحدهما: إن عيسى ابن مريم توفاه الله ثم رفعه إليه؛ وقال الآخر: بل رفعه ~~إليه حيا. فما الصواب في ذلك. وهل رفعه بجسده أو روحه أم لا؟ وما الدليل ~~على هذا وهذا؟ وما تفسير قوله تعالى {إني متوفيك ورافعك إلي} ؟ # فأجاب: # الحمد لله، عيسى عليه السلام حي وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " {ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية} " وثبت في الصحيح عنه " {أنه ينزل على ~~المنارة البيضاء شرقي دمشق وأنه يقتل الدجال} ". ومن فارقت روحه جسده لم ~~ينزل جسده من السماء وإذا أحيي فإنه يقوم من قبره. وأما قوله تعالى {إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك ~~الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله ~~يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أن ليس في ذلك خاصية. وكذلك قوله: ~~{ومطهرك من الذين كفروا} ولو # PageV04P322 # كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره ~~من الأنبياء. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ~~وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه} فقوله هنا: {بل رفعه الله إليه} يبين ~~أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه؛ إذ لو أريد ~~موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه؛ بل مات. [فقوله: {بل رفعه الله إليه} يبين ~~أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه] (*) . ولهذا ~~قال من قال ms1027 من العلماء: {إني متوفيك} أي قابضك أي قابض روحك وبدنك يقال: ~~توفيت الحساب واستوفيته ولفظ التوفي لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن ~~ولا توفيهما جميعا إلا بقرينة منفصلة. وقد يراد به توفي النوم كقوله تعالى: ~~{الله يتوفى الأنفس حين موتها} وقوله: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما ~~جرحتم بالنهار} وقوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} وقد ذكروا في ~~صفة توفي المسيح ما هو مذكور في موضعه. والله تعالى أعلم. PageV04P323 # سئل الشيخ - رحمه الله تعالى -: # هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه ~~حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ # فأجاب: # لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث؛ بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب ~~مختلق وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه " السابق ~~واللاحق " وذكره أبو القاسم السهيلي في " شرح السيرة " بإسناد فيه مجاهيل ~~وذكره أبو عبد الله القرطبي في " التذكرة " وأمثال هذه المواضع فلا نزاع ~~بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبا كما نص عليه أهل العلم وليس ~~ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث؛ لا في الصحيح ولا في السنن ولا في ~~المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة ولا ذكره أهل كتب المغازي ~~والتفسير وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح. لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى ~~على متدين فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ~~فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين: # PageV04P324 # من جهة إحياء الموتى: ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى ~~من نقل غيره فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب. والخطيب البغدادي هو ~~في كتاب " السابق واللاحق " مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين ~~عن شخص واحد سواء كان الذي يروونه صدقا أو كذبا وابن شاهين يروي الغث ~~والسمين. والسهيلي إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل. ثم هذا خلاف الكتاب ~~والسنة الصحيحة ms1028 والإجماع. قال الله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله ~~عليما حكيما} {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} . فبين الله تعالى: أنه لا ~~توبة لمن مات كافرا. وقال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} فأخبر أن سنته في ~~عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس؛ فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من ~~النصوص. وفي صحيح مسلم: " {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أين أبي؟ ~~قال: إن أباك في النار. فلما أدبر دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار} ". ~~وفي صحيح مسلم أيضا أنه قال: " {استأذنت ربي أن أزور قبر أمي # PageV04P325 # فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فزوروا القبور فإنها ~~تذكر الآخرة} ". وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: " {إن أمي مع أمك في ~~النار} " فإن قيل: هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع ~~ولهذا ذكر ذلك من ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة وهذا باطل لوجوه: - ~~(الأول: إن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ كقوله في أبي لهب: {سيصلى ~~نارا ذات لهب} وكقوله في الوليد: {سأرهقه صعودا} . وكذلك في: " {إن أبي ~~وأباك في النار} " و " {إن أمي وأمك في النار} " وهذا ليس خبرا عن نار يخرج ~~منها صاحبها كأهل الكبائر؛ لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما ولو كان ~~قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك فإن الأعمال بالخواتيم ومن مات ~~مؤمنا فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعا. (الثاني: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه " بالحجون " عند مكة عام ~~الفتح وأما أبوه فلم يكن هناك ولم يزره إذ كان مدفونا بالشام في غير طريقه ~~فكيف يقال: أحيي له؟ . (الثالث: إنهما لو ms1029 كانا مؤمنين إيمانا ينفع كانا أحق ~~بالشهرة والذكر من عميه: حمزة والعباس؛ وهذا أبعد مما يقوله الجهال من ~~الرافضة ونحوهم # PageV04P326 # من أن أبا طالب آمن ويحتجون بما في " السيرة " من الحديث الضعيف وفيه أنه ~~تكلم بكلام خفي وقت الموت. ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما كان {قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عمك الشيخ الضال كان ينفعك فهل نفعته بشيء؟ فقال: وجدته ~~في غمرة من نار فشفعت فيه حتى صار في ضحضاح من نار في رجليه نعلان من نار ~~يغلي منهما دماغه ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار} ". هذا باطل ~~مخالف لما في الصحيح وغيره فإنه كان آخر شيء قاله: هو على ملة عبد المطلب ~~وأن العباس لم يشهد موته مع أن ذلك لو صح لكان أبو طالب أحق بالشهرة من ~~حمزة والعباس فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفا عن سلف ~~أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين كحمزة ~~والعباس وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم كان هذا من أبين الأدلة ~~على أن ذلك كذب. (الرابع: أن الله تعالى قال {قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} - إلى قوله - {لأستغفرن ~~لك وما أملك لك من الله من شيء} الآية. وقال تعالى {وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} ~~. فأمر بالتأسي بإبراهيم والذين معه؛ إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار. ~~وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه والله أعلم. # PageV04P327 # سئل - رحمه الله -: # عن هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى " موسى " عليه السلام ~~وهو يصلي في قبره ورآه وهو يطوف بالبيت ورآه في السماء؛ وكذلك بعض ~~الأنبياء. وهل إذا مات أحد يبقى له عمل؟ والحديث أنه ينقطع عمله. وهل ينتفع ~~بهذه الصلاة والطواف؟ وهل رأى الأنبياء بأجسادهم في هذه الأماكن أم ~~بأرواحهم؟ # فأجاب: ms1030 # الحمد لله رب العالمين، أما رؤيا موسى عليه السلام في الطواف فهذا كان ~~رؤيا منام لم يكن ليلة المعراج كذلك جاء مفسرا كما رأى المسيح أيضا ورأى ~~الدجال. وأما رؤيته ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى ~~آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة ~~وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى في السادسة وإبراهيم في السابعة ~~أو بالعكس فهذا رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم. وقد قال بعض الناس: لعله ~~رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا ليس بشيء. # PageV04P328 # لكن " عيسى " صعد إلى السماء بروحه وجسده وكذلك قد قيل في " إدريس ". ~~وأما " إبراهيم " " وموسى " وغيرهما فهم مدفونون في الأرض. والمسيح - صلى ~~الله عليه وسلم وعلى سائر النبيين - لا بد أن ينزل إلى الأرض على المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير كما ثبت ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة؛ ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس ~~وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره. وآدم كان ~~في سماء الدنيا لأن نسم بنيه تعرض عليه: أرواح السعداء - والأشقياء لا تفتح ~~لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط - فلا بد ~~إذا عرضوا عليه أن يكون قريبا منهم. وأما كونه رأى موسى قائما يصلي في قبره ~~ورآه في السماء أيضا فهذا لا منافاة بينهما فإن أمر الأرواح من جنس أمر ~~الملائكة. في اللحظة الواحدة تصعد وتهبط كالملك ليست في ذلك كالبدن. وقد ~~بسطت الكلام على أحكام الأرواح بعد مفارقة الأبدان في غير هذا الموضع وذكرت ~~بعض ما في ذلك من الأحاديث والآثار والدلائل. # PageV04P329 # وهذه الصلاة ونحوها مما يتمتع بها الميت ويتنعم بها كما يتنعم أهل الجنة ~~بالتسبيح فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس في الدنيا النفس؛ فهذا ليس ~~من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل بل نفس هذا العمل هو من النعيم ~~الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به. وقول النبي ms1031 صلى الله عليه وسلم " {إذا مات ~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو ~~له} يريد به العمل الذي يكون له ثواب لم يرد به نفس العمل الذي يتنعم به ~~فإن أهل الجنة يتنعمون بالنظر إلى الله ويتنعمون بذكره وتسبيحه ويتنعمون ~~بقراءة القرآن ويقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ~~فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها. ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم ومناجاته وإن كانت ~~هذه الأمور في الدنيا أعمالا يترتب عليها الثواب؛ فهي في الآخرة أعمال ~~يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله وشربه ونكاحه وهذه كلها أعمال أيضا؛ والأكل ~~والشرب والنكاح في الدنيا مما يؤمر به ويثاب عليه مع النية الصالحة وهو في ~~الآخرة نفس الثواب الذي يتنعم به والله أعلم. وهذا قدر ما احتملته هذه ~~الورقة فإن هذه المسائل لها بسط طويل. # PageV04P330 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن " الذبيح " من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو: إسماعيل أو ~~إسحاق؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء وكل ~~منهما مذكور عن طائفة من السلف وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد ونصر ~~أنه إسحاق اتباعا لأبي بكر عبد العزيز وأبو بكر اتبع محمد بن جرير. ولهذا ~~يذكر أبو الفرج ابن الجوزي: أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق وإنما ينصره ~~هذان ومن اتبعهما ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه. وذكر ~~الشريف أبو علي بن أبي موسى: أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل وهذا هو ~~الذي رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: مذهب أبي أنه إسماعيل وفي الجملة ~~فالنزاع فيها مشهور لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل وهذا الذي عليه ~~الكتاب والسنة والدلائل المشهورة وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل ~~الكتاب. # PageV04P331 # وأيضا فإن فيها أنه قال لإبراهيم: اذبح ابنك وحيدك. وفي ترجمة أخرى: ~~بكرك. وإسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب لكن ~~أهل الكتاب ms1032 حرفوا فزادوا إسحاق فتلقى ذلك عنهم من تلقاه وشاع عند بعض ~~المسلمين أنه إسحاق وأصله من تحريف أهل الكتاب. ومما يدل على أنه إسماعيل ~~قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات. قال تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وقد ~~انطوت البشارة على ثلاث. على أن الولد غلام ذكر وأنه يبلغ الحلم وأنه يكون ~~حليما. وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: {ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين} ؟ وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة ~~وجوده ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى {إن إبراهيم لأواه حليم} {إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب} لأن الحادثة شهدت بحلمهما: {فلما بلغ معه السعي ~~قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} - إلى قوله - {وفديناه بذبح عظيم} ~~{وتركنا عليه في الآخرين} {سلام على إبراهيم} {كذلك نجزي المحسنين} {إنه من ~~عبادنا المؤمنين} {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} {وباركنا عليه وعلى ~~إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} . فهذه القصة تدل على أنه ~~إسماعيل من وجوه: - (أحدها: أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولا فلما استوفى ~~ذلك قال: # PageV04P332 # {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} {وباركنا عليه وعلى إسحاق} فبين أنهما ~~بشارتان: بشارة بالذبيح وبشارة ثانية بإسحاق وهذا بين. (الثاني: أنه لم ~~يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع وفي سائر المواضع يذكر ~~البشارة بإسحاق خاصة كما في سورة هود: من قوله تعالى {وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفا ~~للوعد في يعقوب. وقال تعالى: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام ~~عليم} {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} وقال تعالى في ~~سورة الحجر: {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم} {قال أبشرتموني على أن ~~مسني الكبر فبم تبشرون} {قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} ولم يذكر ~~أنه الذبيح ثم لما ذكر البشارتين جميعا: البشارة ms1033 بالذبيح والبشارة بإسحاق ~~بعده كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح. ويؤيد ذلك أنه ذكر ~~هبته وهبة يعقوب لإبراهيم في رحمه الله {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا ~~جعلنا صالحين} وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة ~~والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ولم يذكر ~~الله الذبيح. # الوجه الثالث: أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم ولما ذكر البشارة بإسحاق ~~ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع والتخصيص لا بد له من حكمة، # PageV04P333 # وهذا مما يقوي اقتران الوصفين والحلم هو مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح. ~~وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى. {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من ~~الصابرين} وهذا أيضا وجه ثالث فإنه قال في الذبيح: {يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وقد وصف الله إسماعيل أنه من الصابرين ~~ووصف الله تعالى إسماعيل أيضا بصدق الوعد في قوله تعالى {إنه كان صادق ~~الوعد} لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به. الوجه الرابع: أن ~~البشارة بإسحاق كانت معجزة؛ لأن العجوز عقيم؛ ولهذا قال الخليل عليه السلام ~~{أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} وقالت امرأته: {أألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا} وقد سبق أن البشارة بإسحاق في حال الكبر وكانت البشارة ~~مشتركة بين إبراهيم وامرأته. وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه ~~السلام وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به وهذا مما يوافق ما نقل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الصحيح وغيره: من أن إسماعيل لما ولدته هاجر ~~غارت سارة فذهب إبراهيم # PageV04P334 # بإسماعيل وأمه إلى مكة وهناك أمر بالذبح. وهذا مما يؤيد أن هذا الذبيح ~~دون ذلك. ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق أن الله تعالى قال: ~~{فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟ والبشارة ~~بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب ولا خلاف بين الناس أن قصة ~~الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب بل ms1034 يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه ~~السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب. ومما يدل على ذلك: أن ~~قصة الذبيح كانت بمكة {والنبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة كان قرنا ~~الكبش في الكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسادن: إني آمرك أن تخمر ~~قرني الكبش فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة ما يلهي المصلي} . ولهذا جعلت ~~منى محلا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما اللذان بنيا ~~البيت بنص القرآن. ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا ~~غيرهم لكن بعض المؤمنين من أهل الكتاب يزعمون أن قصة الذبح كانت بالشام ~~فهذا افتراء. فإن هذا لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك # PageV04P335 # الجبل وربما جعل منسكا كما جعل المسجد الذي بناه إبراهيم وما حوله من ~~المشاعر. وفي المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه وأسئلة أوردها طائفة كابن ~~جرير والقاضي أبي يعلى والسهيلي ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها والجواب ~~عنها. والله عز وجل أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما. # PageV04P336 # وسئل - رحمه الله -: # عن " الخضر " و " إلياس ": هل هما معمران؟ بينوا لنا رحمكم الله تعالى. # فأجاب: # إنهما ليسا في الأحياء؛ ولا معمران (*) ؛ وقد سأل إبراهيم الحربي أحمد بن ~~حنبل عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما فقال الإمام ~~أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه؛ وما ألقى هذا إلا شيطان. وسئل " ~~البخاري " عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض ~~أحد} "؟ وقال أبو الفرج ابن الجوزي: قوله تعالى {وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد} وليس هما في الأحياء والله أعلم. PageV04P337 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # هل كان الخضر عليه السلام نبيا أو وليا؟ وهل هو حي إلى الآن؟ وإن كان حيا ~~فما تقولون فيما روي عن النبي صلى ms1035 الله عليه وسلم أنه قال: " {لو كان حيا ~~لزارني} " هل هذا الحديث صحيح أم لا؟ # فأجاب: # أما نبوته: فمن بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه ولا ~~إلى غيره من الناس وأما قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد اختلف في ~~نبوته (*) ومن قال إنه نبي: لم يقل إنه سلب النبوة؛ بل يقول هو كإلياس نبي؛ ~~لكنه لم يوح إليه في هذه الأوقات وترك الوحي إليه في مدة معينة ليس نفيا ~~لحقيقة النبوة كما لو فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء مدة ~~رسالته. وأكثر العلماء على أنه لم يكن نبيا مع أن نبوة من قبلنا يقرب كثير ~~منها من الكرامة والكمال في الأمة. وإن كان كل واحد من النبيين أفضل من كل ~~PageV04P338 # واحد من الصديقين كما رتبه القرآن وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من ~~أبي بكر الصديق} " وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " {إن كان الرجل ~~ليسمع الصوت فيكون نبيا} ". وفي هذه الأمة من يسمعه ويرى الضوء وليس بنبي؛ ~~لأن ما يراه ويسمعه يجب أن يعرضه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن وافقه فهو حق وإن خالفه تيقن أن الذي جاء من عند الله يقين لا يخالطه ~~ريب ولا يحوجه أن يشهد عليه بموافقة غيره. وأما حياته: فهو حي. والحديث ~~المذكور لا أصل له ولا يعرف له إسناد بل المروي في مسند الشافعي وغيره: أنه ~~اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن قال إنه لم يجتمع بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقد قال ما لا علم له به فإنه من العلم الذي لا يحاط به. ومن ~~احتج على وفاته بقول النبي صلى الله عليه وسلم " {أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه ~~على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد} " فلا حجة ~~فيه فإنه يمكن أن ms1036 يكون الخضر إذ ذاك على وجه الأرض. ولأن الدجال - وكذلك ~~الجساسة - الصحيح أنه كان حيا موجودا # PageV04P339 # على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو باق إلى اليوم لم يخرج وكان في ~~جزيرة من جزائر البحر. فما كان من الجواب عنه كان هو الجواب عن الخضر وهو ~~أن يكون لفظ الأرض لم يدخل في هذا الخبر أو يكون أراد صلى الله عليه وسلم ~~الآدميين المعروفين وأما من خرج عن العادة فلم يدخل في العموم كما لم تدخل ~~الجن وإن كان لفظا ينتظم الجن والإنس. وتخصيص مثل هذا من مثل هذا العموم ~~كثير معتاد. والله أعلم. # PageV04P340 # وسئل: # عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم وقت الساعة؟ # فأجاب: # أما الحديث المسئول عنه كونه صلى الله عليه وسلم " يعلم وقت الساعة " فلا ~~أصل له ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد وقت الساعة نص أصلا بل قد ~~قال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض} أي خفي على أهل السموات ~~والأرض وقال تعالى لموسى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} قال ابن عباس ~~وغيره: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلع عليها؟ وفي الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة وهو في مسلم من حديث عمر {أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: متى ~~الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل} ". فأخبر أنه ليس بأعلم بها ~~من السائل وكان السائل في صورة أعرابي ولم يعلم أنه جبريل إلا بعد أن ذهب ~~وحين أجابه لم يكن يظنه إلا أعرابيا فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~قال عن نفسه: إنه ليس بأعلم بالساعة من # PageV04P341 # أعرابي فكيف يجوز لغيره أن يدعي علم ميقاتها وإنما أخبر الكتاب والسنة ~~بأشراطها وهي علاماتها وهي كثيرة تقدم بعضها وبعضها لم يأت بعد. ومن تكلم ~~في وقتها المعين مثل الذي صنف كتابا سماه " الدر المنظم في معرفة الأعظم " ~~وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها والذين ms1037 تكلموا على ذلك من " حروف ~~المعجم " والذي تكلم في " عنقاء مغرب " وأمثال هؤلاء فإنهم وإن كان لهم ~~صورة عظيمة عند أتباعهم فغالبهم كاذبون مفترون وقد تبين لديهم من وجوه ~~كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم؛ وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار وقد ~~قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} . # PageV04P342 # سئل شيخ الإسلام: # عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل # فأجاب: # بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار ~~البداية فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم ~~مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. ~~وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة. ~~قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح ~~كل منهم على حقه (*) . PageV04P343 # وسئل: عن " المطيعين " من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هل هم أفضل من ~~الملائكة؟ # فأجاب: # قد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه قال: {إن الملائكة قالت: يا رب جعلت بني ~~آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم ~~الدنيا قال: لا أفعل ثم أعادوا عليه قال: لا أفعل ثم أعادوا عليه مرتين أو ~~ثلاثا فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان} ~~ذكره عثمان بن سعيد الدارمي ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب " السنن " (*) ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وعن عبد الله بن سلام أنه قال: ما خلق ~~الله خلقا أكرم عليه من محمد فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل فقال للسائل: ~~" أتدري ما جبريل وما ميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر ~~وما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم " وما علمت عن أحد ~~من الصحابة ما يخالف ذلك. وهذا ms1038 هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من ~~أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وهو: أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة. ~~ولنا في هذه المسألة " مصنف " مفرد ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين. ~~PageV04P344 # سئل الشيخ - رحمه الله -: عن " آدم " لما خلقه الله ونفخ فيه من روحه ~~وأسجد له ملائكته: هل سجد ملائكة السماء والأرض؟ أم ملائكة الأرض خاصة؟ وهل ~~كان جبرائيل وميكائيل مع من سجد؟ وهل كانت الجنة التي سكنها جنة الخلد ~~الموجودة؟ أم جنة في الأرض خلقها الله له؟ ولما أهبط هل أهبط من السماء إلى ~~الأرض؟ أم من أرض إلى أرض مثل بني إسرائيل. # فأجاب: # الحمد لله. بل أسجد له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى ~~{فسجد الملائكة كلهم أجمعون} فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق؛ فإن ~~قوله: {الملائكة} يقتضي جميع الملائكة؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام ~~يقتضي العموم: كقوله: " رب الملائكة والروح " فهو رب جميع الملائكة # الثاني: {كلهم} وهذا من أبلغ العموم. # الثالث قوله: {أجمعون} وهذا توكيد للعموم. فمن قال إنه لم يسجد له جميع ~~الملائكة؛ بل ملائكة الأرض فقد رد القرآن # PageV04P345 # بالكذب والبهتان وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود ~~والنصارى؛ وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون " الملائكة " ~~قوى النفس الصالحة " والشياطين " قوى النفس الخبيثة ويجعلون سجود الملائكة ~~طاعة القوى للعقل وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل؛ ونحو ذلك من ~~المقالات التي يقولها أصحاب " رسائل إخوان الصفا " وأمثالهم من القرامطة ~~الباطنية ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة. وقد يوجد نحو هذه ~~الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه. ومذهب المسلمين ~~واليهود والنصارى: ما أخبر الله به في القرآن ولم يكن في المأمورين بالسجود ~~أحد من الشياطين؛ لكن أبوهم إبليس هو كان مأمورا فامتنع وعصى وجعله بعض ~~الناس من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود وبعضهم من الجن لأن له قبيلا ~~وذرية ولكونه خلق من نار والملائكة خلقوا من نور. والتحقيق: أنه كان منهم ~~باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا ms1039 باعتبار مثاله ولم يخرج من ~~السجود لآدم أحد من الملائكة: لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا غيرهما. وما ذكره ~~صاحب خواص القرآن وأمثاله من خلاف فأقوالهم باطلة قد بينا فسادها وبطلانها ~~بكلام مبسوط ليس هذا موضعه. وهذا مما استدل به أهل السنة على أن آدم وغيره ~~من الأنبياء والأولياء # PageV04P346 # أفضل من جميع الملائكة؛ لأن الله أمر الملائكة بالسجود له إكراما له؛ ~~ولهذا قال إبليس: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} فدل على أن آدم كرم على من ~~سجد له. و " الجنة " التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة ~~والجماعة: هي جنة الخلد ومن قال: إنها جنة في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة ~~أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين ~~فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة. والكتاب والسنة يردان هذا ~~القول وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول. قال تعالى: {وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} ~~{وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} إلى قوله: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} فقد أخبر أنه سبحانه أمرهم بالهبوط ~~وأن بعضهم عدو لبعض ثم قال: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} . وهذا ~~يبين أنهم لم يكونوا في الأرض وإنما أهبطوا إلى الأرض؛ فإنهم لو كانوا في ~~الأرض وانتقلوا إلى أرض أخرى كانتقال قوم موسى من أرض إلى أرض لكان مستقرهم ~~ومتاعهم إلى حين في الأرض قبل الهبوط وبعده؛ وكذلك قال في الأعراف لما قال ~~إبليس {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} {قال فاهبط منها فما يكون ~~لك أن تتكبر فيها} . # PageV04P347 # فقوله: {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} يبين اختصاص السماء ~~بالجنة بهذا الحكم؛ فإن الضمير في قوله: {منها} عائد إلى معلوم غير مذكور ~~في اللفظ وهذا بخلاف قوله: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} فإنه لم يذكر ~~هناك ما أهبطوا فيه وقال هنا: {اهبطوا} لأن ms1040 الهبوط يكون من علو إلى سفل ~~وعند أرض السراة حيث كان بنو إسرائيل حيال السراة المشرفة على المصر الذي ~~يهبطون إليه ومن هبط من جبل إلى واد قيل له: هبط. (وأيضا فإن بني إسرائيل ~~كانوا يسيرون ويرحلون والذي يسير ويرحل إذا جاء بلدة يقال: نزل فيها؛ لأن ~~في عادته أنه يركب في سيره فإذا وصل نزل عن دوابه. يقال: نزل العسكر بأرض ~~كذا ونزل القفل بأرض كذا؛ لنزولهم عن الدواب. ولفظ النزول كلفظ الهبوط فلا ~~يستعمل هبط إلا إذا كان من علو إلى سفل. وقوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} {قال اهبطوا} الآيتين. فقوله هنا بعد ~~قوله: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} يبين ~~أنهم هبطوا إلى الأرض من غيرها وقال: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون} دليل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك بمكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه ~~يخرجون وإنما صاروا إليه لما أهبطوا من الجنة. # PageV04P348 # والنصوص في ذلك كثيرة وكذلك كلام السلف والأئمة. وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {احتج آدم وموسى ~~فقال موسى: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ~~ملائكته فلماذا أخرجتنا وذريتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي ~~اصطفاك الله برسالته وكلامه فهل تجد في التوراة: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال ~~نعم قال: فلماذا تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فقال: فحج آدم ~~موسى} " وموسى إنما لام آدم لما حصل له وذريته بالخروج من الجنة من المشقة ~~والنكد فلو كان ذلك بستانا في الأرض لكان غيره من بساتين الأرض يعوض عنه. ~~(وآدم عليه السلام احتج بالقدر؛ لأن العبد مأمور على أن يصبر على ما قدره ~~الله من المصائب ويتوب إليه ويستغفره من الذنوب والمعائب. والله أعلم. # PageV04P349 # قال شيخ الإسلام: # فصل في المسألة المشهورة بين الناس في " التفضيل بين الملائكة والناس " # قال: الكلام ms1041 إما أن يكون في التفضيل بين الجنس: الملك والبشر؛ أو بين ~~صالحي الملك والبشر. أما الأول وهو أن يقال: أيما أفضل: الملائكة أو البشر؟ ~~فهذه كلمة تحتمل أربعة أنواع: (*) # النوع الأول أن يقال: هل كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد ~~الملائكة؟ فهذا لا يقوله عاقل فإن في الناس: الكفار والفجار والجاهلين ~~والمستكبرين والمؤمنين وفيهم من هو مثل البهائم والأنعام السائمة بل ~~الأنعام أحسن حالا من هؤلاء كما نطق بذلك القرآن في مواضع مثل قوله تعالى. ~~{إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} وقال # PageV04P350 # تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} وقال: {ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون} والدواب جمع دابة وهو كل ما دب في سماء وأرض من إنس وجن وملك ~~وبهيمة ففي القرآن ما يدل على تفضيل البهائم على كثير من الناس في خمس ~~آيات. وقد وضع " ابن المرزبان " كتاب (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس ~~الثياب وقد جاء في ذلك من المأثور ما لا نستطيع إحصاءه مثل ما في مسند ~~أحمد: {رب مركوبة أكثر ذكرا من راكبها} ". وفضل البهائم عليهم من وجوه: ~~أحدها: أن البهيمة لا سبيل لها إلى كمال وصلاح أكثر مما تصنعه والإنسان له ~~سبيل لذلك فإذا لم يبلغ صلاحه وكماله الذي خلق له بان نقصه وخسرانه من هذا ~~الوجه. وثانيها: أن البهائم لها أهواء وشهوات: بحسب إحساسها وشعورها ولم ~~تؤت تمييزا وفرقانا بين ما ينفعها ويضرها والإنسان قد أوتي ذلك. وهذا الذي ~~يقال: الملائكة لهم عقول بلا شهوات والبهائم لها شهوات بلا عقول والإنسان ~~له شهوات وعقل. فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة أو مثل الملائكة ~~ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه. PageV04P351 # وثالثها: أن هؤلاء لهم العقاب والنكال والخزي على ما يأتونه من الأعمال ~~الخبيثة فهذا ms1042 يقتل وهذا يعاقب وهذا يقطع وهذا يعذب ويحبس هذا في العقوبات ~~المشروعة. وأما العقوبات المقدرة فقوم أغرقوا وقوم أهلكوا بأنواع العذاب ~~وقوم ابتلوا بالملوك الجائرة: تحريقا وتغريقا وتمثيلا وخنقا وعمى. والبهائم ~~في أمان من ذلك. ورابعها: أن لفسقة الجن والإنس في الآخرة من الأهوال ~~والنار والعذاب والأغلال وغير ذلك مما أمنت منه البهائم ما بين فضل البهائم ~~على هؤلاء إذا أضيف إلى حال هؤلاء. وخامسها: أن البهائم جميعها مؤمنة بالله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم مسبحة بحمده قانتة له وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {أنه ليس على وجه الأرض شيء إلا وهو يعلم أني رسول الله إلا ~~فسقة الجن والإنس} ". النوع الثاني أنه يقال: مجموع الناس أفضل من مجموع ~~الملائكة من غير توزيع الأفراد وهذا على القول بتفضيل صالحي البشر على ~~الملائكة فيه نظر؛ لا علم لي بحقيقته فإنا نفضل مجموع القرن الثاني على ~~القرن الثالث مع علمنا أن كثيرا من أهل القرن الثالث أفضل من كثير من أهل ~~القرن الثاني. # PageV04P352 # النوع الثالث أنا إذا قابلنا الفاضل بالفاضل والذي يلي الفاضل بمن يليه ~~من الجنس الآخر فأي القبيلين أفضل؟ فهذا مع القول بتفضيل صالحي البشر يقال: ~~لا شك أن المفضولين من الملائكة أفضل من كثير من البشر وفاضل البشر أفضل من ~~فاضليهم لكن التفاوت الذي بين " فاضل الطائفتين " أكثر والتفاوت بين " ~~مفضولهم " هذا غير معلوم والله أعلم بخلقه. النوع الرابع أن يقال: حقيقة ~~الملك والطبيعة الملكية أفضل أم حقيقة البشر والطبيعة البشرية؟ وهذا كما ~~أنا نعلم أن حقيقة الحي إذ هو حي أفضل من الميت وحقيقة القوة والعلم من حيث ~~هي كذلك أفضل من حقيقة الضعف والجهل وحقيقة الذكر أفضل من حقيقة الأنثى ~~وحقيقة الفرس أفضل من حقيقة الحمار وكان في نوع المفضول ما هو خير من كثير ~~من أعيان النوع الفاضل: كالحمار والفأرة والفرس الزمن والمرأة الصالحة مع ~~الرجل الفاجر والقوي الفاجر مع الضعيف الزمن. والوجه في انحصار القسمة في ~~هذه الأنواع - فإن كثيرا من الكلمات المهمة ms1043 تقع الفتيا فيها مختلفة والرأي ~~مشتبها لفقد التمييز والتفضيل - أن كل شيء إما أن نقيده من جهة الخصوص أو ~~العموم أو الإطلاق. فإذا قلت: بشر # PageV04P353 # وملك. إما أن تريد هذا البشر الواحد فيكون خاصا أو جميع جنس البشر فيكون ~~عاما أو تريد البشر مطلقا مجردا عن قيد العموم والخصوص وضبطه القليل ~~والكثير والنوع الأول في التفضيل عموما وخصوصا والثاني عموما والثالث خصوصا ~~والرابع في الحقيقة المطلقة المجردة. فنقول حينئذ: المسألة على هذا الوجه ~~لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك ~~وبعضهم على تفضيل البشر وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين ~~الصالح وغيره. لكن الذي سنح لي - والله أعلم بالصواب - أن حقيقة الملك أكمل ~~وأرفع وحقيقة الإنسان أسهل وأجمع. وتفسير ذلك: أنا إذا اعتبرنا الحقيقتين ~~وصفاتهما النفسية والتبعية: اللازمة الغالبة الحياة والعلم والقدرة: في ~~اللذات والشهوات وجدنا أولا خلق الملك أعظم صورة ومحله أرفع وحياته أشد ~~وعلمه أكثر وقواه أشد وطهارته ونزاهته أتم ونيل مطالبه أيسر وأتم وهو عن ~~المنافي والمضاد أبعد لكن تجد هذه الصفات للإنسان - بحسب حقيقته - منها ~~أوفر حظا ونصيبا من الحياة والخلق والعلم والقدرة والطهارة وغير ذلك. وله ~~أشياء ليست للملك من إدراكه دقيق الأشياء: حسا وعقلا وتمتعه بما يدركه ~~ببدنه وقلبه وهو يأكل ويشرب وينكح ويتمنى ويتغذى # PageV04P354 # ويتفكر إلى غير ذلك من الأحوال التي لا يشاركه فيها الملك. لكن حظ الملك ~~من القدر المشترك الذي بينهما أكثر وما اشتركا فيه من الأمور أفضل بكثير ~~مما اختص به الإنسان. " مثاله ": مثل رجل معه مائة دينار وآخر معه خمسون ~~درهما أو خمسون دينارا أو خمسون فلسا وإذا كان الأمر كذلك ففصل الجواب كما ~~سبق. وإن أردت الإطلاق: فالحقيقة الملكية بلوازمها أفضل من الحقيقة ~~الإنسانية بلوازمها هذا لا شك فيه فإنما يلزم حقيقة الإنسان من حياة وحس ~~وعلم وعمل ونيل لذة وإدراك شهوة ليست بشيء. وإنما تعددت أصنافه إلى ما يشبه ~~حقيقة الملك؛ كحال من علم من كل شيء طرفا ليس بالكثير ms1044 إلى حال من أتقن ~~العلم بالله وبأسمائه وآياته ولا يشبه حال من معه درهم إلى حال من معه درة ~~ولا يشبه حال من يسوس الناس كلهم إلى حال من يسوس إنسانا وفرسا. وقد دل على ~~هذا دلالة بينة قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} فدل على أنهم لم ~~يفضلوا على الجميع وقوله: {ممن} للتبعيض. فإن قلت: هذا الاستدلال مفهوم ~~للمخالف وأنت مخالف لهذا منازع فيه. # PageV04P355 # فيقال لك: تخصيص الكثير بالذكر لا يدل على مخالفة غيره بنفي ولا إثبات ~~وأيضا فإن مفهومه: أنهم لم يفضلوا على ما سوى الكثير فإذا لم يفضلوا فقد ~~يساوون بهم وقد يفضل أولئك عليهم فإن الأحوال ثلاثة: إما أن يفضلوا على من ~~بقي أو يفضل أولئك عليهم أو يساوون بهم. قال: واختلاف الحقائق والذوات لا ~~بد أنها تؤثر في اختلاف الأحكام والصفات وإذا اختلفت حقيقة البشر والملك ~~فلا بد أن يكون أحد الحقيقتين أفضل فإن كونهما متماثلتين متفاضلتين ممتنع. ~~وإذا ثبت أن أحدهما أفضل بهذه القضية المعقولة؛ وثبت عدم فضل البشر بتلك ~~الكلمة الإلهية؛ ثبت فضل الملك وهو المطلوب. # وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى السنة: أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من ~~الملائكة. وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر وأتباع الأشعري على ~~قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشيء. ~~وحكي عن بعض متأخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة وربما حكي ذلك عن بعض من ~~يدعي السنة ويواليها. وذكر لي عن بعض من تكلم في أعمال القلوب أنه قال: أما ~~الملائكة المدبرون للسموات والأرض وما بينهما والموكلون ببني آدم؛ فهؤلاء ~~أفضل # PageV04P356 # من هؤلاء الملائكة. وأما الكروبيون الذين يرتفعون عن ذلك فلا أحد أفضل ~~منهم وربما خص بعضهم نبينا صلى الله عليه وسلم. واستثناؤه من عموم البشر ~~إما تفضيلا على جميع أعيان الملائكة أو على المدبرين منهم أمر العالم. هذا ~~ما بلغني من كلمات الآخرين في هذه المسألة. ms1045 وكنت أحسب أن القول فيها محدث ~~حتى رأيتها أثرية سلفية صحابية فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول فيها فقلنا ~~حينئذ بما قاله السلف فروى أبو يعلى الموصلي في " كتاب التفسير " المشهور ~~له عن عبد الله بن سلام - وكان عالما بالكتاب الأول والكتاب الثاني - إذ ~~كان كتابيا وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الخاتمة ووصية معاذ ~~عند موته وأنه أحد العلماء الأربعة الذين يبتغى العلم عندهم. قال: ما خلق ~~الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم الحديث عنه. قلت: ولا ~~جبرائيل ولا ميكائيل قال: يا ابن أخي أوتدري ما جبرائيل وميكائيل؟ إنما ~~جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل: الشمس والقمر؛ وما خلق الله تعالى خلقا ~~أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم. وروى عبد الله في " التفسير " (*) ~~وغيره عن معمر عن زيد بن أسلم أنه قال: {قالت الملائكة: يا ربنا جعلت لبني ~~آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون فاجعل لنا الآخرة. فقال: وعزتي لا أجعل ~~صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان} . PageV04P357 # وكذلك قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم ولعن الممتنع عن السجود له ~~وهذا تشريف وتكريم له. وقد قال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل ~~آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة؛ وليس في هذا تفضيل له ~~عليهم؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله ~~بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها وقالوا: السجود لغير الله محرم بل ~~كفر. والجواب: أن السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله ~~ويدل على ذلك وجوه: - أحدها: قوله لآدم: ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له معنى ~~ومن التمييز في اللسان أن يقال: سجدت له وسجدت إليه. كما قال تعالى: {لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} وقال ~~{ولله يسجد من في السماوات والأرض} . # وأجمع المسلمون على: أن السجود لغير الله محرم وأما الكعبة فقد كان النبي ms1046 ~~صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ثم صلى إلى الكعبة وكان يصلي إلى ~~عنزة ولا يقال لعنزة وإلى عمود شجرة ولا يقال لعمود ولا لشجرة؛ والساجد ~~للشيء يخضع له بقلبه ويخشع له بفؤاده؛ وأما الساجد إليه فإنما يولي وجهه ~~وبدنه إليه ظاهرا كما يولي وجهه إلى بعض # PageV04P358 # النواحي إذا أمه كما قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} . والثاني: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود أو ~~يزعم أنه خير منه. فإن القبلة قد تكون أحجارا وليس في ذلك تفضيل لها على ~~المصلين إليها وقد يصلي الرجل إلى عنزة وبعير وإلى رجل ولا يتوهم أنه مفضل ~~بذلك فمن أي شيء فر الشيطان؟ هذا هو العجب العجيب والثالث: أنه لو جعل آدم ~~قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة إذ جعلت ~~قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات؛ فهذه القصة الطويلة التي قد جعلت علما ~~له ومن أفضل النعم عليه وجاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها وامتن عليه ليس ~~فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات مع أن بعض ما أوتيه من ~~الإيمان والعلم والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت ~~له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به في شيء نزرا قليلا جدا ~~هذا ما لا يقوله عاقل. وأما قولهم: لا يجوز السجود لغير الله. فيقال لهم: ~~إن قيلت هذه الكلمة على الجملة فهي كلمة عامة تنفي بعمومها جواز السجود ~~لآدم وقد دل دليل خاص على أنهم سجدوا له والعام لا يعارض ما قابله من ~~الخاص. وثانيها: أن السجود لغير الله حرام علينا وعلى الملائكة. أما الأول ~~فلا دليل وأما الثاني فما الحجة فيه؟ # PageV04P359 # وثالثها أنه حرام أمر الله به أو حرام لم يأمر به والثاني حق ولا شفاء ~~فيه وأما الأول فكيف يمكن أن يحرم بعد أن أمر الله تعالى به؟ ورابعها: أبو ~~يوسف وإخوته خروا له سجدا ms1047 ويقال: كانت تحيتهم؛ فكيف يقال: إن السجود حرام ~~مطلقا؟ وقد كانت البهائم تسجد للنبي صلى الله عليه وسلم والبهائم لا تعبد ~~الله. فكيف يقال يلزم من السجود لشيء عبادته؟ وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم. {ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها} لعظم ~~حقه عليها ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمرا أحدا أن يعبد. # وسابعها (1) : وفيه التفسير أن يقال: أما الخضوع والقنوت بالقلوب ~~والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه ~~وتعالى وحده وهو في غيره ممتنع باطل. وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ ~~أمرنا الله تعالى أن نسجد له ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا ~~لذلك الغير طاعة لله عز وجل إذ أحب أن نعظم من سجدنا له ولو لم يفرض علينا ~~السجود لم يجب ألبتة فعله فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة ~~يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم. وسجود إخوة يوسف له تحية ~~وسلام ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له. PageV04P360 # ولم يأت أن آدم سجد للملائكة بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب ~~العالمين ولعل ذلك - والله أعلم بحقائق الأمور - لأنهم أشرف الأنواع وهم ~~صالحو بني آدم ليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا لله رب العالمين وهم أكفاء ~~بعضهم لبعض فليس لبعضهم مزية بقدر ما يصلح له السجود ومن سواهم فقد سجد لهم ~~من الملائكة للأب الأقوم ومن البهائم للابن الأكرم. وأما قولهم: لم يسبق ~~لآدم ما يوجب الإكرام له بالسجود فلغو من القول هذي به بعض من اعتزل ~~الجماعة فإن نعم الله تعالى وأياديه وآلائه على عباده ليست بسبب منهم ولو ~~كانت بسبب منهم فهو المنعم بذلك السبب فهو المنعم به ويشكرهم على نعمه؛ وهو ~~أيضا باطل على قاعدتهم لا حاجة لنا إلى بيانه هاهنا. وقوله: {وله يسجدون} ~~فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر فالقصد منه - والله أعلم - الفضل بينهم وبين ~~البشر ms1048 الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره فأخبرهم أن الملائكة لا تعبد غيره ~~ثم هذا عام وتلك الآية خاصة فيستثنى آدم ثم يقال: السجود على ضربين سجود ~~عبادة محضة وسجود تشريف. فأما الأول فلا يكون إلا لله وأما الثاني فلم قلت ~~إنه كذلك؟ والآية محمولة على الأول توفيقا بين الدلائل. وأما السؤال الثاني ~~فروي عن بعض الأولين: أن الملائكة الذين # PageV04P361 # سجدوا لآدم ملائكة في الأرض فقط؛ لا ملائكة السموات. ومنهم من يقول: ~~ملائكة السموات دون الكروبيين وانتحى ذلك بعض المتأخرين واستنكر سجود ~~الأعليين من الملائكة لآدم مع عدم التفاتهم إلى ما سوى الله ورووا في ذلك: ~~" إن من خلق الله خلق لا يدرون: أخلق آدم أم لا "؟ ونزع بقوله: {أستكبرت أم ~~كنت من العالين} والعالون هم ملائكة السماء وملائكة السماء لم يؤمروا ~~بالسجود لآدم فاعلم أن هذه المقالة أولا ليس معها ما يوجب قبولها؛ لا مسموع ~~ولا معقول إلا خواطر وسوانح ووساوس مادتها من عرش إبليس يستفزهم بصوته ليرد ~~عنهم النعمة التي حرص على ردها عن أبيهم قديما أو مقالة قد قالها من يقول ~~الحق والباطل لكن معنا ما يوجب ردها من وجوه. أحدها: أنه خلاف ما عليه ~~العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة وإذا كان لا بد من التقليد فتقليدهم ~~أولى. وثانيها: أنه خلاف ظاهر الكتاب العزيز وخلاف نصه فإن الاسم المجموع ~~المعرف بالألف واللام يوجب استيعاب الجنس قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم} فسجود الملائكة يقتضي جميع الملائكة هذا مقتضى اللسان الذي ~~نزل به القرآن فالعدول عن موجب القول العام إلى الخصوص لا بد له من دليل ~~يصلح له وهو معدوم. # PageV04P362 # وثالثها: أنه قال: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} فلو لم يكن الاسم الأول ~~يقتضي الاستيعاب والاستغراق لكان توكيده بصيغة كل موجبة لذلك ومقتضية له ثم ~~لو لم يفد تلك الإفادة لكان قوله أجمعون توكيدا وتحقيقا بعد توكيد وتحقيق ~~ومن نازع في موجب الأسماء العامة فإنه لا ينازع فيها بعد توكيدها بما يفيد ~~العموم بل إنما يجاء بصيغة التوكيد قطعا ms1049 لاحتمال الخصوص وأشباهه. وقد بلغني ~~عن بعض السلف أنه قال: ما ابتدع قوم بدعة إلا في القرآن ما يردها ولكن لا ~~يعلمون فلعل قوله: {كلهم أجمعون} جيء به لزعم زاعم يقول: إنما سجد له بعض ~~الملائكة لا كلهم وكانت هذه الكلمة ردا لمقالة هؤلاء. ومن اختلج في سره وجه ~~الخصوص بعد هذا التحقيق والتوكيد فليعز نفسه في الاستدلال بالقرآن والفهم ~~فإنه لا يثق بشيء يؤخذ منه يا ليت شعري لو كانت الملائكة كلهم سجدوا وأراد ~~الله أن يخبرنا بذلك فأي كلمة أتم وأعم أم يأتي قول يقال: أليس هذا من أبين ~~البيان؟ . # ورابعها: أن هذه الكلمة تكررت في القرآن وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حديث الشفاعة {وأسجد لك ملائكته} وكذلك في محاجة موسى وآدم ومن الناس من ~~يقول: إن القول العام إذا قرن به الخاص وجب أن يقرن به البيان فلا يجوز ~~تأخيره عنه لئلا يقع السامع في اعتقاد الجهل؛ ولم يقترن بشيء من هذه ~~الكلمات دليل تخصيص فوجب القطع بالعموم. وقال آخرون - وهو الأصوب -: يجوز ~~تأخير البيان عن وقت الخطاب # PageV04P363 # لكن بعد البحث عن دليل التخصيص والله أعلم. فيجب القول بالعموم وإذا كانت ~~القصة قد تكررت وليس فيها ما يدل على الخصوص فليس دعوى الخصوص فيها من ~~البهتان. وأما إنكارهم لسجود الكروبيين فليس بشيء لأنهم سجدوا طاعة وعبادة ~~لربهم وزاد قائل ذلك أنهم أفضل من آدم إذا ثبت أنهم لم يسجدوا والحكايات ~~المرسلة لا تقيم حقا ولا تهدم باطلا؛ وتفسيرهم {العالين} بالكروبيين قول في ~~كتاب الله سبحانه وتعالى بلا علم ولا يعرف ذلك عن إمام متبع. ولا في اللفظ ~~دليل عليه وقيل: {أستكبرت} أطلبت أن تكون كبيرا من هذا الوقت؟ أم كنت عاليا ~~قبل ذلك؟ ولا حاجة بنا إلى تفسير كلام الله بآرائنا والله أعلم بتفسيره. ~~وهاهنا (سؤال ثالث وهو: أن السجود له قد يكون الساجدون سجدوا له مع فضلهم ~~عليه فإن الفاضل قد يخدم المفضول فنقول: اعلم أن منفعة الأعلى للأدنى غير ~~مستنكرة؛ فإن سيد القوم ms1050 خادمهم فالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل الناس وأنفع ~~الناس للناس لكن منفعته في الحقيقة يعود إليه ثوابها وتمام التقرب إلى الله ~~يحصل بنفع خلقه فهذا يصلح أن يورد على من احتج بتدبيرهم لنا ففضلهم علينا ~~لكثرة منفعتهم لنا وأما نفس السجود فلا منفعة فيه للسجود له إلا مجرد تعظيم ~~وتشريف وتكريم ولا يصلح ألبتة أن يكون من هو أفضل أسفل ممن دونه وتحته في ~~الشرف والمحقق؛ لا المتوهم؛ فافهم هذا فإن تحته سرا. # PageV04P364 # الدليل الثاني: قوله قصصا عن إبليس: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} ؟ . فإن ~~هذا نص في تكريم آدم على إبليس إذ أمر بالسجود له. الدليل الثالث: إن الله ~~تعالى خلق آدم بيده كما ذكر ذلك في الكتاب والسنة والملائكة لم يخلقهم بيده ~~بل بكلمته وهذا يقوله جميع من يدعي الإسلام سنيهم ومبتدعهم - بل وعليه أهل ~~الكتاب فإن الناس في يدي الله على ثلاثة أقوال: - أما أهل السنة فيقولون: ~~يدا الله صفتان من صفات ذاته حكمها حكم جميع صفاته: من حياته وعلمه وقدرته ~~وإرادته وكلامه. فيثبتون جميع صفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها أنبياؤه ~~وإن شاركت أسماء صفاته أسماء صفات غيره. كما أن له أسماء قد يسمى بها غيره ~~مثل: رءوف رحيم عليم سميع بصير حليم صبور شكور قدير مؤمن علي عظيم كبير مع ~~نفي المشابهة في الحقيقة والمماثلة كما في قوله تعالى {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} جمعت هذه الآية بين الإثبات والتنزيه ونسبة صفاته إليه ~~كنسبة خلقه إليه والنسبة والإضافة تشابه النسبة والإضافة. ومن هذا الوجه ~~جاء الاشتراك في أسمائه وأسماء صفاته كما شبهت الرؤية برؤية الشمس والقمر ~~تشبيها للرؤية لا للمرئي كما ضرب مثله مع عباده المملوكين كمثل بعض خلقه مع ~~مملوكيهم وله المثل الأعلى في السموات فتدبر # PageV04P365 # هذا فإنه مجلاة شبهة ومصفاة كدر فجميع ما نسمعه وينسب إليه ويضاف: من ~~الأسماء والصفات: هو كما يليق بالله ويصلح لذاته. والفريقان الآخران - أهل ~~التشبيه والتمثيل -: منهم من يقول: يد كيدي - تعالى الله عن ذلك ms1051 - وأهل ~~النفي والتعطيل يقولون: اليدان هما: النعمتان والقدرتان والله أكبر كبيرا. ~~وبكل حال اتفق هؤلاء كلهم على أن لآدم فضيلة ومزية ليست لغيره إذ خلقه ~~بيده. (الوجه الثالث: إن ذلك معدود في النعم التي أنعم الله بها على آدم ~~حين قال له موسى: " خلقك الله بيده ". وكذلك يقال له: يوم القيامة؛ وإنما ~~ذكروا ذلك له في النعم التي خصه الله بها من بين المخلوقين دون الذي شورك ~~فيها فهذا بيان واضح دليل على فضله على سائر الخلق كما ذكر زيد بن أسلم أن ~~الله تعالى قال للملائكة: " {لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن ~~فكان} ". (الدليل الرابع: ما احتج به بعض أصحابنا على تفضيل الأنبياء على ~~الملائكة بقوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} وقوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} واسم {العالمين} ~~يتناول الملائكة والجن والإنس وفيه نظر؟ لأن أصناف العالمين قد يراد به # PageV04P366 # جميع أصناف الخلق كما في قوله تعالى {الحمد لله رب العالمين} وقد يراد به ~~الآدميون فقط على اختلاف أصنافهم كما في قوله تعالى {أتأتون الذكران من ~~العالمين} {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} وهم كانوا لا ~~يأتون البهائم ولا الجن. وقد يراد بالعالمين أهل زمن واحد كما في قوله: ~~{اخترناهم على علم على العالمين} . فقوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران} الآية. تحتمل جميع أصناف الخلق ويحتمل أن المراد بنو ~~آدم فقط. وللمحتج بها أن يقول: اسم العالمين عام لجميع أصناف المخلوقات ~~التي بها يعلم الله وهي آيات له ودلالات عليه لا سيما أولو العلم منهم مثل: ~~الملائكة فيجب إجراء الاسم على عمومه إلا إذا قام دليل يوجب الخصوص. وقد ~~احتج أيضا بقوله: {ولقد كرمنا بني آدم} الآية. وهو دليل ضعيف بل هو بالضد ~~كما قررناه. (الدليل الخامس: قوله: {إني جاعل في الأرض خليفة} وفيها دليل ~~على تفضيل الخليفة من وجهين: " أولهما " أن الخليفة يفضل على من هو خليفة ~~عليه ms1052 وقد كان في الأرض ملائكة وهذا غايته أن يفضل على من في الأرض من ~~الملائكة. " وثانيهما ": أن الملائكة طلبت من الله تعالى أن يكون # PageV04P367 # الاستخلاف فيهم والخليفة منهم حيث قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء} الآية. فلولا أن الخلافة درجة عالية أعلى من درجاتهم لما طلبوها ~~وغبطوا صاحبها. # الدليل السابع (1) : تفضيل بني آدم عليهم بالعلم حين سألهم الله عز وجل ~~عن علم الأسماء فلم يجيبوه؛ واعترفوا أنهم لا يحسنونها فأنبأهم آدم بذلك؛ ~~وقد قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} . # والدليل الثامن (2) : وهو أول الأحاديث ما رواه حماد بن سلمة عن أبي ~~المهزم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لزوال الدنيا ~~على الله أهون من قتل رجل مؤمن والمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين ~~عنده} ". وهذا نص في أن المؤمنين أكرم على الله من الملائكة المقربين. ثم ~~ذكر ما رواه الخلال عن {أبي هريرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وذكر كلاما قال في آخره: ادنوا ووسعوا لمن خلفكم فدنا الناس وانضم بعضهم ~~إلى بعض فقال رجل: أنوسع للملائكة أو للناس؟ قال: للملائكة إنهم إذا كانوا ~~معكم لم يكونوا من بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وشمائلكم. ~~قالوا: ولم لا يكونون من بين أيدينا ومن خلفنا؟ أمن فضلنا عليهم أو من ~~فضلهم علينا؟ قال: نعم. أنتم أفضل من الملائكة} ". PageV04P368 # رواه الخلال وفيه القطع بفضل البشر على الملائكة لكن لا يعرف حال إسناده ~~فهو موقوف على صحة إسناده. وروى عبد الله بن أحمد في " كتاب السنة " عن ~~عروة بن رويم قال: أخبرني الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن ~~الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون ويشربون ويلبسون ~~ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا شيئا من ذلك ~~فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة} . وذكر الحديث مرفوعا كما تقدم موقوفا عن ~~زيد بن أسلم عن أبيه. وزيد بن أسلم زيد في علمه وفقهه وورعه ms1053 حتى إن كان علي ~~بن الحسين ليدع مجالس قومه ويأتي مجلسه فلامه الزهري في ذلك فقال: إنما ~~يجلس حيث ينتفع؛ أو قال يجد صلاح قلبه. وقد كان يحضر مجلسه نحو أربعمائة ~~طالب للعلم أدنى خصلة فيهم الباذل ما في يده من الدنيا ولا يستأثر بعضهم ~~على بعض فلا يقول مثل هذا القول إلا عن. . . (1) بين والكذب على الله عز ~~وجل أعظم من الكذب على رسوله. وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين ~~كانوا يتناقلون بينهم: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم ~~لذلك ولم يخالف أحد PageV04P369 # منهم في ذلك إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء فقد ~~كان ذلك كالمستقر عندهم. # الدليل الحادي عشر (1) : أحاديث المباهاة مثل: {إن الله تعالى ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا وعشية عرفة فيباهي ملائكته بالحاج وكذلك يباهي بهم ~~المصلين يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى} وكلا ~~الحديثين في صحيح مسلم. والمباهاة لا تكون إلا بالأفاضل. فإن قيل هذه ~~الأخبار رواها آحاد غير مشهورين ولا هي بتلك الشهرة فلا توجب علما والمسألة ~~علمية. قلنا: " أولا " من قال إن المطلق في هذه القضية اليقين الذي لا يمكن ~~نقيضه؟ بل يكفي فيها الظن الغالب وهو حاصل. ثم ما المراد بقوله: علمية؟ ~~أتريد أنه لا علم؟ فهذا مسلم. ولكن كل عقل راجح يستند إلى دليل فإنه علم ~~وإن كان فرقة من الناس لا يسمون علما إلا ما كان يقينا لا يقبل الانتقاض ~~وقد قال تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} وقد استوفى القول في ذلك في غير هذا ~~الموضع فإن أريد علمية: لأن المطلوب الاستيقان؛ فهذا لغو من القول لا دليل ~~عليه ولو كان حقا لوجب الإمساك عن الكلام في كل أمر غير علمي إلا باليقين ~~وهو تهافت بين. ثم نقول: هي بمجموعها وانضمام بعضها إلى بعض ومجيئها من ~~PageV04P370 # طرق متباينة قد توجب اليقين لأولي الخبرة بعلم الإسناد وذوي البصيرة ~~بمعرفة الحديث ورجاله فإن هذا علم اختصوا به كما اختص ms1054 كل قوم بعلم؛ وليس من ~~لوازم حصول العلم لهم حصوله لغيرهم إلا أن يعلموا ما علموا مما به يميزون ~~بين صحيح الحديث وضعيفه. والعلوم على اختلاف أصنافها وتباين صفاتها لا توجب ~~اشتراك العقلاء فيها لا سيما السمعيات الخبريات وإن زعم فرقة من أولي الجدل ~~أن الضروريات يجب الاشتراك فيها فإن هذا حق في بعض الضروريات؛ لا في جميعها ~~مع تجويزنا عدم الاشتراك في شيء من الضروريات لكن جرت سنة الاشتراك بوقوع ~~الاشتراك في بعضها فغلط أقوام فجعلوا وجوب الاشتراك في جميعها فجحدوا كثيرا ~~من العلم الذي اختص به غيرهم. ثم نقول: لو فرضنا أنها لا تفيد العلم وإنما ~~تفيد ظنا غالبا؛ أو أن المطلوب هو الاستيقان؛ فنقول: المطلوب حاصل بغير هذه ~~الأحاديث وإنما هي مؤكدة مؤيدة لتجتمع أجناس الأدلة على هذه المقالة. # الدليل الثاني عشر (1) : قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل ~~صالحي البشر على الملائكة وتروى على رءوس الناس ولو كان هذا منكرا لأنكروه ~~فدل على اعتقادهم ذلك. وهذا إن لم يفد اليقين القاطع فإن بعض الظن لم يقصر ~~عن القوي PageV04P371 # الغالب وربما اختلف ذلك باختلاف الناس واختلاف أحوالهم. # الدليل الثالث عشر (1) : وهو البحث الكاشف عن حقيقة المسألة - وهو أن ~~نقول: التفضيل إذا وقع بين شيئين فلا بد من معرفة الفضيلة ما هي؟ ثم ينظر ~~أيهما أولى بها؟ . وأيضا فإنا إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا ~~ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ونالوا ~~الزلفى وسكنوا الدرجات العلى وحياهم الرحمن وخصهم بمزيد قربه وتجلى لهم؛ ~~يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم. ~~فلينظر الباحث في هذا الأمر فإن أكثر الغالطين لما نظروا في الصنفين رأوا ~~الملائكة بعين التمام والكمال ونظروا الآدمي وهو في هذه الحياة الخسيسة ~~الكدرة التي لا تزن عند الله جناح بعوضة وليس هذا بالإنصاف. فأقول: فضل أحد ~~الذاتين على الأخرى إنما هو بقربها من الله تعالى ومن مزيد اصطفائه وفضل ~~اجتبائه لنا وإن كنا نحن لا ms1055 ندرك حقيقة ذلك. هذا على سبيل الإجمال وعلى حسب ~~الأمور التي هي في نفسها خبر محض وكمال صرف مثل الحياة والعلم والقدرة ~~والزكاة والطهارة والطيب والبراءة من النقائص والعيوب فنتكلم على الفضلين: ~~(أما الأول: فإن جنة عدن خلقها الله تعالى وغرسها بيده ولم يطلع على ~~PageV04P372 # ما فيها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وقال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح ~~المؤمنون. جاء ذلك في أحاديث عديدة وأنه ينظر إليها في كل سحر وهي داره ~~فهذه كرامة الله تعالى لعباده المؤمنين التي لم يطلع عليها أحد من الملائكة ~~ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الأسفلين من غير عكس ولا يقال: هذا في حق ~~المرسلين فإنها إنما بنيت لهم لكن لم يبلغوا بعد إبان سكناها وإنما هي معدة ~~لهم؛ فإنهم ذاهبون إلى كمال ومنتقلون إلى علو وارتفاع وهو جزاؤهم وثوابهم. ~~وأما الملائكة فإن حالهم اليوم شبيهة بحالهم بعد ذلك فإن ثوابهم متصل وليست ~~الجنة مخلوقة (*) وتصديق هذا قوله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين} . فحقيقة ما أعده الله لأوليائه غيب عن الملائكة وقد غيب عنهم أولا ~~حال آدم في النشأة الأولى وغيرها. وفضل عباد الله الصالحين يبين فضل الواحد ~~من نوعهم؛ فالواحد من نوعهم إذا ثبت فضلهم على جميع الأعيان والأشخاص ثبت ~~فضل نوعهم على جميع الأنواع إذ من الممتنع ارتفاع شخص من أشخاص النوع ~~المفضول إلى أن يفوق جميع الأشخاص والأنواع الفاضلة فإن هذا تبديل الحقائق ~~وقلب الأعيان عن صفاتها النفسية؛ لكن ربما فاق بعض أشخاص النوع الفاضل مع ~~PageV04P373 # امتياز ذلك عليه بفضل نوعه وحقيقته كما أن في بعض الخيل ما هو خير من بعض ~~الخيل ولا يكون خيرا من جميع الخيل. إذا تبين هذا فقد حدث العلماء المرضيون ~~وأولياؤه المقبولون: أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه على ~~العرش معه. روى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد؛ في تفسير: {عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا} وذكر ذلك من وجوه أخرى مرفوعة وغير مرفوعة قال ms1056 ابن جرير: ~~وهذا ليس مناقضا لما استفاضت به الأحاديث من أن المقام المحمود هو الشفاعة ~~باتفاق الأئمة من جميع من ينتحل الإسلام ويدعيه لا يقول إن إجلاسه على ~~العرش منكرا (*) - وإنما أنكره بعض الجهمية ولا ذكره في تفسير الآية منكر ~~-. وإذا ثبت فضل فاضلنا على فاضلهم ثبت فضل النوع على النوع أعني صالحنا ~~عليهم. " وأما الذوات " فإن ذات آدم خلقها الله بيده وخلقها الله على صورته ~~ونفخ فيه من روحه ولم يثبت هذا لشيء من الذوات وهذا بحر يغرق فيه السابح لا ~~يخوضه إلا كل مؤيد بنور الهداية وإلا وقع إما في تمثيل أو في تعطيل. فليكن ~~ذو اللب على بصيرة أن وراء علمه مرماة بعيدة وفوق كل ذي علم عليم. وليوقن ~~كل الإيقان بأن ما جاءت به الآثار النبوية حق ظاهرا وباطنا وإن قصر عنه ~~عقله ولم يبلغه علمه {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} فلا ~~تلجن باب إنكار ورود إمساك وإغماض - ردا PageV04P374 # لظاهره وتعجبا من باطنه - حفظا لقواعدك التي كتبتها بقواك وضبطتها بأصولك ~~التي عقلتك عن جناب مولاك. إياك مما يخالف المتقدمين من التنزيه وتوق ~~التمثيل والتشبيه ولعمري إن هذا هو الصراط المستقيم؛ الذي هو أحد من السيف؛ ~~وأدق من الشعر ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. # وأما الصفات التي تتفاضل فمن ذلك الحياة السرمدية والبقاء الأبدي في ~~الدار الآخرة وليس للملك أكثر من هذا؛ وإن كانت حياتنا هذه منغوصة بالموت ~~فقد أسلفت أن التفضيل إنما يقع بعد كمال الحقيقتين حتى لا يبقى إلا البقاء ~~وغير ذلك من العلم الذي امتازت به الملائكة. فنقول: غير منكر اختصاص كل ~~قبيل من العلم بما ليس للآخر فإن الوحي للرسل على أنحاء كما قال تعالى: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء} فبين أن الكلام للبشر على ثلاثة أوجه: منها واحد يكون بتوسط ~~الملك. ووجهان آخران ليس للملك فيهما وحي وأين الملك ms1057 من ليلة المعراج ويوم ~~الطور وتعليم الأسماء وأضعاف ذلك؟ . ولو ثبت أن علم البشر في الدنيا لا ~~يكون إلا على أيدي الملائكة - وهو والله باطل - فكيف يصنعون بيوم القيامة ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P375 # " {فيفتح الله علي من محامده والثناء عليه بأشياء يلهمنيها لم يفتحها على ~~أحد قبلي} ". وإذا تبين هذا: أن العلم مقسوم من الله؛ وليس كما زعم هذا ~~الغبي بأنه لا يكون إلا بأيدي الملائكة على الإطلاق وهو قول بلا علم بل ~~الذي يدل عليه القرآن أن الله تعالى اختص آدم بعلم لم يكن عند الملائكة وهو ~~علم الأسماء الذي هو أشرف العلوم وحكم بفضله عليهم لمزيد العلم فأين العدول ~~عن هذا الموضع إلى بنيات الطريق؟ ومنها القدرة. وزعم بعضهم أن الملك أقوى ~~وأقدر وذكر قصة جبرائيل بأنه شديد القوى وأنه حمل قرية قوم لوط على ريشة من ~~جناحه فقد آتى الله بعض عباده أعظم من ذلك فأغرق جميع أهل الأرض بدعوة نوح ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إن من عباد الله من لو أقسم على الله ~~لأبره} " {ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره} وهذا عام ~~في كل الأشياء وجاء تفسير ذلك في آثار: إن من عباد الله من لو أقسم على ~~الله أن يزيل جبلا أو الجبال عن أماكنها لأزالها وأن لا يقيم القيامة لما ~~أقامها وهذا مبالغة. ولا يقال: إن ذلك يفضل بقوة خلقت فيه وهذا بدعوة ~~يدعوها لأنهما في الحقيقة يؤولان إلى واحد هو مقصود القدرة ومطلوب القوة ~~وما من # PageV04P376 # أجله يفضل القوي على الضعيف. ثم هب أن هذا في الدنيا فكيف تصنعون في ~~الآخرة؟ وقد جاء في الأثر: " {يا عبدي أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني أجعلك ~~تقول للشيء كن فيكون يا عبدي أنا الحي الذي لا يموت أطعني أجعلك حيا لا ~~تموت} " وفي أثر: " {إن المؤمن تأتيه التحف من الله: من الحي الذي لا يموت ~~إلى الحي الذي لا يموت} " فهذه غاية ليس وراءها مرمى كيف ms1058 لا وهو بالله يسمع ~~وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي؟ فلا يقوم لقوته قوة. وأما الطهارة والنزاهة ~~والتقديس والبراءة عن النقائص والمعائب والطاعة التامة الخاصة لله التي ليس ~~معها معصية ولا سهو ولا غفلة وإنما أفعالهم وأقوالهم على وفق الأمر فقد قال ~~قائل من أين للبشر هذه الصفات؟ وهذه الصفات على الحقيقة هي أسباب الفضل كما ~~قيل: لا أعدل بالسلامة شيئا. فالجواب من وجوه: # أحدها: إنا إذا نظرنا إلى هذه الأحوال في الآخرة كانت في الآخرة للمؤمنين ~~على أكمل حال وأتم وجه وقد قدمنا أن الكلام ليس في تفضيلهم في هذه الحياة ~~فقط بل عند الكمال والتمام والاستقرار في دار الحيوان وفيه وجه قاطع لكل ما ~~كان من جنس هذا الكلام فأين هم من أقوام تكون وجوههم مثل القمر ومثل الشمس ~~لا يبولون ولا يتمخطون ولا يبصقون ما فيهم ذرة من العيب ولا من النقص # الوجه الثاني: إن هذا بعينه هو الدليل على فضل الآدمي والملائكة # PageV04P377 # مخلوقون على طريقة واحدة وصفة لازمة لا سبيل إلى انفكاكهم عنها والبشر ~~بخلاف ذلك. (الوجه الثالث: أن ما يقع من صالحي البشر من الزلات والهفوات ~~ترفع لهم به الدرجات وتبدل لهم السيئات حسنات فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ومنهم من يعمل سيئة تكون سبب دخول الجنة ولو لم يكن - العفو أحب ~~إليه لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه وكذلك فرحه بتوبة عبيده وضحكه من ~~علم العبد أنه لا يغفر الذنوب إلا الله فافهم هذا فإنه من أسرار الربوبية ~~وبه ينكشف سبب مواقعة المقربين الذنوب. (الوجه الرابع: ما روي: " أن ~~الملائكة لما استعظمت خطايا بني آدم ألقى الله تعالى على بعضهم الشهوة ~~فواقعوا الخطيئة " وهو احتجاج من الله تعالى على الملائكة، وأما العبادة ~~فقد قالوا إن الملائكة دائمو العبادة والتسبيح ومنهم قيام لا يقعدون وقعود ~~لا يقومون وركوع لا يسجدون وسجود لا يركعون {يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون} . والجواب: أن الفضل بنفس العمل وجودته لا بقدره وكثرته كما قال ~~تعالى: {إنا جعلنا ما على ms1059 الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} وقال: ~~{إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} ورب تسبيحة من إنسان أفضل من ملء الأرض من ~~عمل غيره وكان إدريس يرفع له في اليوم مثل عمل جميع أهل # PageV04P378 # الأرض؛ وإن الرجلين ليكونان في الصف وأجر ما بين صلاتهما كما بين السماء ~~والأرض. وقد روي: " {أن أنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين} ". وقد ~~قالوا: إن علماء الآدميين مع وجود المنافي والمضاد أحسن وأفضل. ثم هم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس؛ وأما النفع ~~المتعدي والنفع للخلق وتدبير العالم فقد قالوا هم تجري أرزاق العباد على ~~أيديهم وينزلون بالعلوم والوحي ويحفظون ويمسكون وغير ذلك من أفعال ~~الملائكة. والجواب: أن صالح البشر لهم مثل ذلك وأكثر منه ويكفيك من ذلك ~~شفاعة الشافع المشفع في المذنبين وشفاعته في البشر كي يحاسبوا وشفاعته في ~~أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة. ثم بعد ذلك تقع شفاعة الملائكة وأين هم من ~~قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ؟ وأين هم عن الذين: {ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ؟ وأين هم ممن يدعون إلى الهدى ودين الحق؛ ومن ~~سن سنة حسنة؟ وأين هم من قوله صلى الله عليه وسلم " {إن من أمتي من يشفع في ~~أكثر من ربيعة ومضر} "؟ وأين هم من الأقطاب والأوتاد والأغواث؛ والأبدال ~~والنجباء؟ (1) . # فهذا - هداك الله - وجه التفضيل بالأسباب المعلومة؛ ذكرنا منه أنموذجا ~~PageV04P379 # نهجنا به السبيل وفتحنا به الباب إلى درك فضائل الصالحين من تدبر ذلك ~~وأوتي منه حظا رأى وراء ذلك ما لا يحصيه إلا الله وإنما عدل عن ذلك قوم لم ~~يكن لهم من القول والعلم إلا ظاهره ولا من الحقائق إلا رسومها؛ فوقعوا في ~~بدع وشبهات وتاهوا في مواقف ومجازات وها نحن نذكر ما احتجوا به. (الحجة ~~الأولى: قوله تعالى {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون} والذي يريد إثبات ذل الأعاظم وانقياد الأكابر: إنما يبدأ بالأدنى ~~فالأدنى مترقيا إلى الأعلى فالأعلى ليرقى المخاطب في فهم ms1060 عظمة من انقيد له ~~وأطيع درجة درجة؛ وإلا فلو فوجئ بانقياد الأعظم ابتداء: لما حصل تبين مراتب ~~العظمة؛ ولو وقع ذكر الأدنى بعد ذلك ضائعا؛ بل يكون رجوعا ونقصا. ولهذا جرت ~~فطرة الخلق أن يقال: فلان لا يأتيني وفلان يأتيني أي كيف يستنكف عن الإتيان ~~إلي؟ وفلان أكرم منه وأعظم وهو يأتيني ولا يقال لا يأبى فلان أن يكرمك ولا ~~من هو فوقه. فالانتقال من المسيح إلى الملائكة دليل على فضلهم؛ كيف وقد ~~نعتوا بالقرب الذي هو عين الفضائل و " الجواب ": زعم القاضي أن هذا ليس من ~~عطف الأعلى على الأدنى؛ وإنما هو عطف ساذج. قال: وذلك أن قوما عبدوا المسيح ~~وزعموا أنه ابن الله سبحانه وقوما عبدوا الملائكة وزعموا أنها بنات الله ~~كما حكى الله تعالى # PageV04P380 # عن الفريقين فبين الله تعالى في هذه: أن هؤلاء الذين عبدتموهم من دوني هم ~~عبادي لن يستنكفوا عن عبادتي وأنهما لو استنكفا عن عبادتي لعذبتهما عذابا ~~أليما والمسيح هو الظاهر وهو من نوع البشر وهذا الكلام فيه نظر. والله أعلم ~~بحقيقته. ثم نقول: إن كان هذا هو المراد فلا كلام وإن أريد أن الانتقال من ~~الأدنى إلى الأعلى: فاعلم - نور الله قلبك وشرح صدرك للإسلام - أن للملائكة ~~خصائص ليست للبشر؛ لا سيما في الدنيا. هذا ما لا يستريب فيه لبيب أنهم ~~اليوم على مكان وأقرب إلى الله وأظهر جسوما وأعظم خلقا وأجمل صورا وأطول ~~أعمارا وأيمن آثارا إلى غير ذلك من الخصال الحميدة مما نعلمه ومما لا ~~نعلمه. وللبشر أيضا خصائص ومزايا؛ لكن الكلام في مجموع كل واحدة من ~~المزيتين أيهما أفضل: هذا طريق ممهد لهذه الآية وما بعدها. وهو وراء ذلك؛ ~~فحيث جرى ما يوجب تفضيل الملك فلما تميزوا به واختصوا به من الأمور التي لا ~~تنبغي لمن دونهم فيها أن يتفضل عليهم فيما هو من أسبابها. وذلك أن المسيح ~~لو فرض استنكافه عن عبادة الله: فإنما هو لما أيده الله من الآيات كما أبرأ ~~الأكمه والأبرص وأحيا الموتى وغير ذلك؛ ولأنه ms1061 خرج في خلقه عن بني آدم وفي ~~عزوفه عن الدنيا وما فيها: أعطي الزهد؛ وما من صفة من هذه الصفات إلا ~~والملائكة أظهر منه فيها فإنهم كلهم خلقوا من # PageV04P381 # غير أبوين ومن غير أم؛ وقد كان فرس جبريل يحيى به التراب الذي يمر عليه؛ ~~وعلم ما يدخر العباد في بيوتهم على الملائكة سهل. وفي حديث {أبرص وأقرع ~~وأعمى: أن الملك مسح عليهم فبرءوا} " فهذه الأمور التي من أجلها عبد المسيح ~~وجعل ابن الله عز وجل للملائكة منها أوفر نصيب وأعلى منها وأعظم مما للمسيح ~~وهم لا يستنكفون عن عبادته فهو أحق خلق أن لا يستنكف؛ وأما القرب من الله ~~والزلفى لديه فأمور وراء هذه الآيات. وأيضا فأقصى ما فيها تفضيلهم على ~~المسيح؛ إذ هو في هذه الحياة الدنيا؛ وأما إذا استقر في الآخرة وكان ما كان ~~مما لست أذكر: فمن أين يقال إنهم هناك أفضل منه؟ . (الحجة الثانية: قوله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك} ومثله في هود فالاحتجاج في هذا من وجوه: - ~~أحدها: أنه قرن استقرار خزائنه وعلم الغيب بنفي القول بأنه ملك وسلبها عن ~~نفسه في نسق واحد فإذا كان حال من يعلم الغيب ويقدر على الخزائن أفضل من ~~حال من لا يكون كذلك: وجب أن يكون حال الملك أفضل من حال من ليس بملك وإن ~~كان نبينا كما في الآية. وثانيها: أنه إنما نفى عن نفسه حالا أعظم من حاله ~~الثابتة ولم ينف حالا # PageV04P382 # دون حاله؛ لأن من اتصف بالأعلى فهو على ما دونه أقدر؛ فدل على أن حال ~~الملك أفضل من حاله أن يكون ملكا وهو المطلوب. وثالثها: ما ذكر القاضي أنه ~~لولا ما استقر في نفوس المخاطبين من أن الملك أعظم؛ لما حسن مواجهتهم بسلب ~~شيء هو دون مرتبته وهذا الاعتقاد الذي كان في نفوس المخاطبين: أمر قرروا ~~عليه ولم ينكره عليهم فثبت أنه حق. والجواب من وجوه: (أحدها: أنه ms1062 نفى أن ~~يكون عالما بالغيب وعنده خزائن الله ونفى أن يكون ملكا لا يأكل ولا يشرب ~~ولا يتمتع؛ وإذا نفى ذلك عن نفسه: لم يجب أن يكون الملك أفضل منه ألا ترى ~~أنه لو قال: ولا أنا كاتب ولا أنا قارئ لم يدل على أن الكاتب والقارئ أفضل ~~ممن ليس بكاتب ولا قارئ فلم يكن في الآية حجة. وأيضا ما قال القاضي إنهم ~~طلبوا صفات الألوهية وهي العلم والقدرة والغنى: وهي: أن يكون عالما بكل شيء ~~قديرا على كل شيء غنيا عن كل شيء - فسلب عن نفسه صفات الألوهية ولهذا ~~قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} وقال تعالى: محتجا ~~عنه: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق} فكأنهم أرادوا منه صفة الملائكة أن يكون # PageV04P383 # متلبسا بها فإن الملائكة صمد لا يأكلون ولا يشربون والبشر لهم أجواف ~~يأكلون ويشربون؛ فكان الأمر إلى هذه الصفة وهذا بين إن شاء الله. (وثانيها: ~~أن الآخر أكمل في أمر من الأمور فنفى عن نفسه حال الملك في ذلك ولم يلزم أن ~~يكون له فضيلة يمتاز بها وقد تقدم مثل هذا فيما ذكر من حال الملك وعظمته ~~وأنه ليس للبشر من نوعه مثله؛ ولكن لم لا قلت من غير نوعه للبشر ما هو أفضل ~~منه؟ . ولهذا إذا سئل الإنسان عما يعجز عنه: قد يقول لست بملك وإن كان ~~المؤمن أفضل من حال الجن والملك من الملوك. (وثالثها أن أقصى ما فيه تفضيل ~~الملك في تلك الحال ولو سلم ذلك لم ينف أن يكون فيما بعد أفضل من الملك؛ ~~ولهذا تزيد قدرته وعلمه وغناه في الآخرة وهذا كما لو قال الصبي: لا أقول ~~إني شيخ ولا أقول إني عالم ومن الممكن ترقيه إلى ذلك وأكمل منه. (الحجة ~~الثالثة: قول إبليس لآدم وحواء: {إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} ~~تقديره كراهة أن تكونا أو لئلا تكونا؛ فلولا أن كونهما ملكين حالة هي أكمل ~~من كونهما بشرين: لما أغراهما ms1063 بها ولما ظنا أنها هي الحالة العليا؛ ولهذا ~~قرنها بالخلود والخالد أفضل من الفاني والملك أطول حياة من الآدمي فيكون ~~أعظم عبادة وأفضل من الآدمي. # PageV04P384 # والجواب من وجوه: # أحدها: ما ذكره القاضي أن قوله: {إلا أن تكونا ملكين} ظن أن الملائكة خير ~~منهما كما ظن أنه خير من آدم وكان مخطئا. وقوله: {أو تكونا من الخالدين} ~~ظنا منه أنهما يؤثران الخلود؛ لما في ذلك من السلامة من الأمراض والأسقام ~~والأوجاع والآفات والموت؛ لأن الخالد في الجنة هذه حاله ولم يخرج هذا مخرج ~~التفضيل على الأنبياء ألا ترى أن الحور والولدان المخلوقين في الجنة خالدون ~~فيها وليسوا بأفضل من الأنبياء؟ وثانيها أن الملك أفضل من بعض الوجوه وكذلك ~~الخلود آثر عندهما فمالا إليه. # وثالثها: أن حالهما تلك كانت حال ابتداء لا حال انتهاء فإنهما في ~~الانتهاء قد صارا إلى الخلود الذي لا حظر فيه ولا معه ولا يعقبه زوال وكذلك ~~يصيران في الانتهاء إلى حال هي أفضل وأكمل من حال الملك الذي أراداها أولا ~~وهذا بين. # الحجة الرابعة: قوله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} ~~فبدأ بهم والابتداء إنما يكون بالأفضل والأشرف فالأفضل والأشرف كما بدأ ~~بذلك في قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين} فبدأ بالأكمل والأفضل. # PageV04P385 # والجواب: أن الابتداء قد يكون كثيرا بغير الأفضل بل يبتدأ بالشيء لأسباب ~~متعددة كما في قوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم} ولم يدل ذلك على أن نوحا أفضل من إبراهيم والنبي صلى الله عليه ~~وسلم أفضل؛ وكذلك قوله: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} لا ~~يدل على أن المسلم أفضل من المؤمن؛ فلعله - والله أعلم - إنما بدأ بهم لأن ~~الملائكة أسبق خلقا ورسالة؛ فإنهم أرسلوا إلى الجن والإنس؛ فذكر الأول ~~فالأول: في الخلق والرسالة: على ترتيبهم في الوجود. وقد قال تعالى: {يهب ~~لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} والذكور أفضل من الإناث. وقال: ~~{والتين والزيتون} {والشمس وضحاها} الآيات. و {فيهما فاكهة ms1064 ونخل ورمان} إلى ~~غير ذلك ولم يدل التقديم في شيء من هذه المواضع على فضل المبدوء به فعلم أن ~~التقديم ليس لازما للفضل. (الحجة الخامسة: قوله تعالى {فلما رأينه أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} فدل على أن ~~الملك أفضل من البشر وهن إنما أردن أن يتبين لهن حال هي أعظم من حال البشر. ~~وقد أجابوا عنه بجوابين. أحدهما أنهن لم يعتقدن أن الملائكة أحسن من جميع ~~النبيين وإن لم يروهم لمخبر # PageV04P386 # أخبرهم فسكن إلى خبره فلما هالهن حسنه قلن: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم} لأن هذا الحسن ليس بصفة بشر. وثانيهما: أنهن اعتقدن أن الملائكة خير ~~من النبيين فكان هذا الاعتقاد خطأ منهن ولا يقال إنه لما لم يقرن بالإنكار ~~دل على أنه حق فإن قولهن: {ما هذا بشرا} خطأ. وقولهن: {إن هذا إلا ملك ~~كريم} خطأ أيضا في غيبتهن (*) عنه أنه بشر وإثباتهن أنه ملك وإن لم يقرن ~~بالإنكار: دل على أنه حق وأن قولهن: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} خطأ ~~في نفيهن عنه البشرية وإثباتهن له الملائكية؛ وإن لم يقرن بالإنكار لغيبة ~~عقولهن عند رؤيته فلم يلمن في تلك الحال على ذلك. وأقول أيضا: إن النسوة لم ~~يكن يقصدن أنه نبي؛ بل ولا أنه من الصالحين إذ ذاك ولم يشهدن له فضلا على ~~غيره من البشر في الصلاح والدين وإنما شهدن بالفضل في الجمال والحسن وسباهن ~~جماله فشبهنه بحال الملائكة وليس هذا من التفضيل في شيء من الذي نريد. ثم ~~نقول: إذا كان التفضيل بالجمال حقا: فقد ثبت أن أهل الجنة تدخل الزمرة ~~الأولى ووجوههم كالشمس والذين يلونهم كالقمر الحديث؛ فهذه حال السعداء عند ~~المنتهى وإن كان في الجمال والملك تفضيل: فإنما هو في هذه الحياة الدنيا؛ ~~لعلم علمه النساء وأكثر الناس. PageV04P387 # وأما ما فضل الله عباده الصالحين وما أعده الله من الكرامة: فأكثر الناس ~~عنه بمعزل ليس لهم نظر إليه وكذلك ما ms1065 آتاهم الله من العلم الذي غبطتهم ~~الملائكة به من أول ما خلقهم وهو مما به يفضلون. فهذا الجواب وما قبله. ~~(الحجة السادسة: قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين} {مطاع ثم أمين} فهذه صفة جبرائيل. ثم قال: {وما صاحبكم بمجنون} فوصف ~~جبرائيل بالكرم والرسالة والقوة والتمكين عنده وأنه مطاع وأنه أمين فوصفه ~~بهذه الصفات الفاضلة ثم عطف عليه بقوله: {وما صاحبكم بمجنون} فأضاف الرسول ~~البشري إلينا وسلب عنه الجنون وأثبت له رؤية جبرائيل ونفى عنه البخل ~~والتهمة وفي هذا تفاوت عظيم بين البشر والملائكة وبين الصفات والنعم وهذا ~~قاله بعض المعتزلة زل به عن سواء السبيل. والجواب: أولا: أين هو من قوله: ~~{ألم نشرح لك صدرك} إلى آخرها وقوله: {والضحى} {والليل إذا سجى} ؟ وقوله: ~~{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآيات: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} ؟ . ~~وأين هو عن قصة المعراج التي تأخر فيها جبرائيل عن مقامه؟ ثم أين هو عن ~~الخلة؟ وهو التقريب؛ فهذا نزاع من لم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم قدره. # PageV04P388 # ثم نقول ثانيا: لما كان جبرائيل هو الذي جاء بالرسالة وهو صاحب الوحي وهو ~~غيب عن الناس؛ لم يروه بأبصارهم ولم يسمعوا كلامه بآذانهم وزعم زاعمون أن ~~الذي يأتيه شيطان يعلمه ما يقول أو أنه إنما يعلمه إياه بعض الإنس. أخبر ~~الله العباد أن الرسول الذي جاء به ونعته أحسن النعت. وبين حاله أحسن ~~البيان وذلك كله إنما هو تشريف لمحمد صلى الله عليه وسلم ونفى عنه ما زعموه ~~وتقرير للرسالة؛ إذ كان هو صاحبه الذي يأتي بالوحي فقال: {إنه لقول رسول ~~كريم} أي أن الرسول البشري لم ينطق به من عند نفسه وإنما هو مبلغ يقول ما ~~قيل له؛ فكان في اسم الرسول إشارة إلى محض التوسط والسعاية. ثم وصفه ~~بالصفات التي تنفي كل عيب؛ من القوة والمكنة والأمانة والقرب من الله ~~سبحانه فلما استقر حال الرسول الملكي بين أنه من جهته وأنه لا يجيء إلا ~~بالخير. وكان الرسول ms1066 البشري معلوم ظاهره عندهم وهو الذي يبلغهم الرسالة ~~ولولا هؤلاء لما أطاقوا الأخذ عن الرسول الملكي؛ وإنما قال: {صاحبكم} إشارة ~~إلى أنه قد صحبكم سنين قبل ذلك ولا سابقة له بما تقولون فيه وترمونه؛ من ~~الجنون والسحر وغير ذلك؛ وأنه لولا سابقته وصحبته إياكم لما استطعتم الأخذ ~~عنه؛ ألا تسمعه يقول: # PageV04P389 # {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} - تمييزا - من المرسلين؛ ثم حقق رسالته ~~بأنه رأى جبرائيل وأنه مؤتمن على ما يأخذه عنه فقام أمر الرسالة بهاتين ~~الصفتين وجاء على الوجه الأبلغ والأكمل والأصلح. وقد احتجوا بآيات تقدم ~~التنبيه على مقاصدها؛ من وصف الملائكة بالتسبيح والطاعة والعبادة وغير ذلك. ~~(الحجة السابعة: الحديث المشهور الصحيح عن الله عز وجل أنه قال: {من ذكرني ~~في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه} ". والملأ ~~الذي يذكر الله الذاكر فيه هم: (الملائكة وقد نطق الحديث بأنهم أفضل من ~~الملأ الذين يذكر العبد فيهم ربه وخير منهم وقد قال بعضهم: وكم من ملإ ذكر ~~الله فيه والرسول حاضر فيهم؛ بل وقع ذلك في مجالس الرسول كلهم فأين العدول ~~عن هذا الحديث الصحيح الجواب: أن هذا الحديث صحيح وهو أجود وأقوى ما احتجوا ~~به وقد أجابوا عنه بوجهين: # أحدهما أضعف من الآخر وهو أن الخير يجوز أن يرجع إلى الذكر لا إلى ~~المذكور فيهم تقديره ذكرته ذكرا خيرا من ذكره لأن ذكر الله كلامه وهذا ليس ~~بشيء فإن الخير مجرور صفة للملإ وقد وصل بقوله منهم ولم يقل منه ولولا ذلك ~~المعنى لقيل ذكرته في ملإ خيرا # PageV04P390 # منه بالنصب وصلة الضمير الذكر. وهذا من أوضح الكلام لمن له فقه بالعربية ~~ونعوذ بالله من التنطع. (وثانيهما أنه محمول على ملأ خير منه ليس فيهم نبي ~~فإن الحديث عام عموما مقصودا شاملا كيف لا؛ والأنبياء والأولياء هم أهل ~~الذكر ومجالسهم مجالس الرحمة؟ فكيف يجيء استثناؤهم؟ لكن هنا أوجه متوجهة: - ~~(أحدها: " أن الملأ الأعلى " الذين يذكر الله من ذكره فيهم: هم صفوة ~~الملائكة وأفضلهم والذاكر ms1067 فيهم للعبد هو الله يقال ينبغي أن يفرض على ~~موازنة أفضل بني آدم يجتمعون في مجلس نبيه صلى الله عليه وسلم وإن كان أفضل ~~البشر لكن الذين حوله ليس أفضل من بقي من البشر الفضلاء فإن الرسل ~~والأنبياء أفضل منهم. (وثانيها: أن مجلس أهل الأرض إن كان فيه جماعة من ~~الأنبياء يذكر العبد فيهم ربه: فالله تعالى يذكر العبد في جماعات من ~~الملائكة أكثر من أولئك فيقع الخير للكثرة التي لا يقوم لها شيء فإن ~~الجماعة كلما كثروا كانوا خيرا من القليل. (وثالثها: أنه لعله في الملإ ~~الأعلى جماعة من الأنبياء يذكر الله العبد فيهم؛ فإن أرواحهم هناك. # PageV04P391 # ورابعها: أن من الناس من فرق بين الخير والأفضل فيقال الخير للأنفع # وخامسها: أنه لا يدل على أن الملأ الأعلى أفضل من هؤلاء الذاكرين إلا في ~~هذه الدنيا وفي هذه الحال لأنهم لم يكملوا بعد ولم يصلحوا أن يصيروا أفضل ~~من الملأ الأعلى فالملأ الأعلى خير منهم في هذه الحالة كما يكون الشيخ ~~العاقل خيرا من عامة الصبيان لأنه إذ ذاك فيه من الفضل ما ليس في الصبيان ~~ولعل في الصبيان في عاقبته أفضل منه بكثير ونحن إنما نتكلم على عاقبة الأمر ~~ومستقره. فليتدبر هذا فإنه جواب معتمد إن شاء الله؛ والله سبحانه أعلم ~~بحقائق خلقه وأفاضلهم وأحكم في تدبيرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ما ~~تيسر تعليقه وأنا عجلان في حين من الزمان والله المستعان وهو المسئول أن ~~يهدي قلوبنا ويسدد ألسنتنا وأيدينا والحمد لله رب العالمين. # PageV04P392 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن " خديجة " " وعائشة ": أمي المؤمنين أيتهما أفضل؟ # فأجاب: # بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام؛ ونصرها وقيامها في الدين لم ~~تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وتأثير عائشة في آخر ~~الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة؛ وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه ~~خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها. # PageV04P393 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأفضل نساء هذه الأمة " خديجة " و " عائشة ms1068 " و " فاطمة ". وفي تفضيل ~~بعضهن على بعض نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. وخديجة وعائشة من أزواجه. فإذا ~~قيل بهذا الاعتبار: إن جملة " أزواجه " أفضل من جملة " بناته " كان صحيحا؛ ~~لأن أزواجه أكثر عددا والفاضلة فيهن أكثر من الفاضلة في بناته. # PageV04P394 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # وأما " نساء النبي صلى الله عليه وسلم " فلم يقل: إنهن أفضل من العشرة ~~إلا أبو محمد بن حزم وهو قول شاذ لم يسبقه إليه أحد وأنكره عليه من بلغه من ~~أعيان العلماء ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول. وحجته التي احتج بها ~~فاسدة؛ فإنه احتج على ذلك بأن المرأة مع زوجها في درجته في الجنة ودرجة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات فيكون أزواجه في درجته وهذا يوجب ~~عليه: أن يكون أزواجه أفضل من الأنبياء جميعهم وأن تكون زوجة كل رجل من أهل ~~الجنة أفضل ممن هو مثله وأن يكون من يطوف على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الولدان ومن يزوج به من الحور العين أفضل من الأنبياء والمرسلين وهذا كله ~~مما يعلم بطلانه عموم المؤمنين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام} " فإنما ~~ذكر فضلها على النساء فقط. وقد ثبت # PageV04P395 # في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كمل من الرجال كثير؛ ~~ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل إما اثنتان أو أربع} " وأكثر أزواجه لسن ~~من ذلك القليل. والأحاديث المفضلة للصحابة كقوله صلى الله عليه وسلم " {لو ~~كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} " يدل على أنه ليس في ~~الأرض أهل: لا من الرجال ولا من النساء أفضل عنده من أبي بكر وكذلك ما ثبت ~~في الصحيح عن علي أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وما دل ~~على هذا من النصوص التي لا يتسع لها هذا الموضع. وبالجملة فهذا قول شاذ لم ~~يسبق إليه أحد من السلف وأبو ms1069 محمد مع كثرة علمه وتبحره وما يأتي به من ~~الفوائد العظيمة: له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه كما يعجب مما ~~يأتي به من الأقوال الحسنة الفائقة وهذا كقوله: إن مريم نبية وإن آسية نبية ~~وإن أم موسى نبية. وقد ذكر القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وأبو المعالي ~~وغيرهم: الإجماع على أنه ليس في النساء نبية والقرآن والسنة دلا على ذلك: ~~كما في قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ~~وقوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} ذكر ~~أن غاية ما انتهت إليه أمه: الصديقية وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV04P396 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # وأما أبو بكر والخضر فهذا يبنى على نبوة الخضر وأكثر العلماء على أنه ليس ~~بنبي وهو اختيار أبي علي بن أبي موسى وغيره من العلماء فعلى هذا أبو بكر ~~وعمر أفضل منه. والقول الثاني: أنه نبي. واختاره أبو الفرج ابن الجوزي ~~وغيره؛ فعلى هذا هو أفضل من أبي بكر؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم وعيسى ~~ابن مريم هما أفضل منه بالاتفاق ومحمد في أول هذه الأمة وعيسى في آخرها. # PageV04P397 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين اختلفا فقال أحدهما: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنهما - أعلم وأفقه من علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقال الآخر: بل ~~علي بن أبي طالب أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر. فأي القولين أصوب؟ وهل هذان ~~الحديثان: وهما قوله: صلى الله عليه وسلم " {أقضاكم علي} " وقوله: " {أنا ~~مدينة العلم وعلي بابها} " صحيحان؟ وإذا كانا صحيحين؛ فهل فيهما دليل أن ~~عليا أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم أجمعين؟ وإذا ادعى مدع: ~~أن إجماع المسلمين على أن عليا رضي الله عنه أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر - ~~رضي الله عنهم أجمعين - يكون محقا أو مخطئا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين: إن عليا أعلم وأفقه ~~من أبي ms1070 بكر وعمر بل ولا من أبي بكر وحده. ومدعي الإجماع على ذلك من أجهل ~~الناس وأكذبهم؛ بل ذكر غير واحد من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر ~~الصديق أعلم من علي. منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروذي؛ ~~أحد أئمة السنة من أصحاب الشافعي ذكر في كتابه: " تقويم الأدلة على الإمام ~~" # PageV04P398 # إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من علي. وما علمت أحدا من الأئمة ~~المشهورين ينازع في ذلك. وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفتي ويأمر وينهي ويقضي ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو ~~بكر يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا جميعا ويوم حنين وغير ذلك من ~~المشاهد والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت يقره على ذلك ويرضى بما يقول ولم ~~تكن هذه المرتبة لغيره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مشاورته لأهل ~~العلم والفقه والرأي من أصحابه: يقدم في الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان ~~يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول عليه السلام على سائر أصحابه. مثل ~~قصة مشاورته في أسرى بدر. فأول من تكلم في ذلك أبو بكر وعمر؛ وكذلك غير ~~ذلك. وقد روي في الحديث أنه قال لهما: " {إذا اتفقتما على أمر لم أخالفكما} ~~" ولهذا كان قولهما حجة في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد - ~~وهذا بخلاف قول عثمان وعلي. وفي السنن عنه أنه قال " {اقتدوا باللذين من ~~بعدي: أبي بكر وعمر} ". ولم يجعل هذا لغيرهما بل ثبت عنه أنه قال: " {عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات # PageV04P399 # الأمور: فإن كل بدعة ضلالة} " فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا ~~يتناول الأئمة الأربعة. وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما. ومرتبة المقتدى ~~به في أفعاله وفيما سنه للمسلمين: فوق سنة المتبع فيما سنه فقط. وفي صحيح ~~مسلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه في سفر فقال: " {إن يطع ~~القوم أبا بكر وعمر يرشدوا} ms1071 . وقد ثبت عن ابن عباس: أنه كان يفتي من كتاب ~~الله. فإن لم يجد فبما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن لم يجد أفتى ~~بقول أبي بكر وعمر؛ ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلي. و " ابن عباس " حبر ~~الأمة وأعلم الصحابة وأفقههم في زمانه؛ وهو يفتي بقول أبي بكر وعمر: مقدما ~~لقولهما على قول غيرهما من الصحابة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال " {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} . وأيضا فأبو بكر وعمر كان ~~اختصاصهما بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق اختصاص غيرهما. وأبو بكر كان أكثر ~~اختصاصا. فإنه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين ومصالح ~~المسلمين. كما روى أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~إبراهيم عن علقمة عن عمر قال: " {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر ~~عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه} . وفي الصحيحين عن عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: أن أصحاب الصفة كانوا # PageV04P400 # ناسا فقراء؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {من كان عنده طعام ~~اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس وأن أبا ~~بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة؛ وأن أبا بكر ~~تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث حتى ~~نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ~~قالت امرأته ما حبسك عن أضيافك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء: عرضوا ~~عليهم العشاء فغلبوهم} . وذكر الحديث. وفي رواية: " {كان يتحدث إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الليل} . وفي سفر الهجرة لم يصحبه غير أبي بكر؛ ~~ويوم بدر لم يبق معه في العريش غيره وقال: " {إن أمن الناس علينا في صحبته ~~وذات يده أبو بكر؛ ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} ~~. وهذا من ms1072 أصح الأحاديث المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة. وفي الصحيحين ~~عن أبي الدرداء قال: " {كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل ~~أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت ~~إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأتيتك فقال: يغفر الله لك ثلاثا ~~ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر وغضب حتى # PageV04P401 # أشفق أبو بكر وقال أنا كنت أظلم يا رسول الله: مرتين فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه ~~وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي فهل أنتم تاركوا لي صاحبي} فما أوذي بعدها. ~~قال البخاري. غامر سبق بالخير. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: {وضع عمر على ~~سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع؛ وأنا فيهم فلم ~~يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت فإذا هو علي؛ وترحم على عمر ~~وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله عز وجل بعمله منك؛ وأيم الله إن ~~كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت ~~أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت أرجو أو أظن أن يجعلك الله معهما} . وفي ~~الصحيحين وغيرهما أنه {لما كان يوم أحد قال أبو سفيان لما أصيب المسلمون: ~~أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ~~أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه. فقال ~~أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ms1073 ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه. فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد # PageV04P402 # كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت عدو الله إن الذين عددت لأحياء ~~وقد بقي لك ما يسوءك} الحديث. فهذا أمير الكفار في تلك الحال إنما سأل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر؛ دون غيرهم: لعلمه بأنهم رءوس ~~المسلمين. النبي ووزيراه. ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فقال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما ~~منه بعد مماته. وكثرة الاختصاص والصحبة - مع كمال المودة والائتلاف والمحبة ~~والمشاركة في العلم والدين: تقتضي أنهما أحق بذلك من غيرهما. وهذا ظاهر بين ~~لمن له خبرة بأحوال القوم. أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه ~~عجز عنها غيره - حتى بينها لهم - لم يحفظ له قول مخالف نصا. هذا يدل على ~~غاية البراعة. وأما غيره فحفظت له أقوال كثيرة خالفت النص لكون تلك النصوص ~~لم تبلغهم. والذي وجد من موافقة " عمر " للنصوص أكثر من موافقة علي وهذا ~~يعرفه من عرف مسائل العلم وأقوال العلماء فيها. وذلك مثل نفقة المتوفى عنها ~~زوجها: فإن قول عمر هو الذي وافق النص دون القول الآخر. وكذلك " مسألة ~~الحرام " قول عمر وغيره فيها: هو الأشبه بالنصوص من القول الآخر وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {قد كان في الأمم # PageV04P403 # قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " {رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت حتى أني لأرى الري ~~يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلي عمر فقالوا ما أولته يا رسول الله قال: ~~العلم} وفي الترمذي وغيره أنه قال: {لو لم أبعث فيكم لبعث عمر} . وأيضا فإن ~~الصديق استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على " الصلاة " التي هي عمود ~~الإسلام وعلى إقامة " المناسك " التي ليس في مسائل العبادات أشكل منها ~~وأقام المناسك قبل ms1074 أن يحج النبي صلى الله عليه وسلم. فنادى أن لا يحج بعد ~~العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فأردفه بعلي بن أبي طالب لينبذ العهد إلى ~~المشركين؛ فلما لحقه قال: أمير. أو مأمور. قال: بل مأمور؛ فأمر أبا بكر على ~~علي بن أبي طالب وكان علي ممن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع ويطيع ~~في الحج وأحكام المسافرين وغير ذلك لأبي بكر وكان هذا بعد غزوة تبوك التي ~~استخلف عليا فيها على المدينة ولم يكن بقي بالمدينة من الرجال إلا منافق أو ~~معذور أو مذنب؛ فلحقه علي فقال: أتخلفني مع النساء والصبيان فقال: " أما ~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ": بين بذلك أن استخلاف علي على ~~المدينة لا يقتضي نقص المرتبة فإن موسى قد استخلف هارون وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم دائما يستخلف رجالا؛ لكن كان يكون بها رجال: وعام تبوك خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين ولم يأذن لأحد في التخلف عن ~~الغزاة؛ لأن العدو كان شديدا والسفر # PageV04P404 # بعيدا وفيها أنزل الله سورة براءة. وكتاب أبي بكر في الصدقات أجمع الكتب ~~وأوجزها ولهذا عمل به عامة الفقهاء وكتاب غيره فيه ما هو متقدم منسوخ فدل ~~ذلك على أنه أعلم بالسنة الناسخة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: وكان أبو ~~بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا فالصحابة في زمن أبي بكر ~~لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع فلا ~~يعرف بينهم في زمانه مسألة واحدة تنازعوا فيها إلا ارتفع النزاع بينهم ~~بسببه كتنازعهم في وفاته صلى الله عليه وسلم ومدفنه وفي ميراثه وفي تجهيز ~~جيش أسامة وقتال مانعي الزكاة؛ وغير ذلك من المسائل الكبار؛ بل كان خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: يعلمهم؛ ويقومهم ويبين لهم ما تزول معه ~~الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون. وبعده لم يبلغ علم أحد وكماله علم أبي بكر ~~وكماله؛ فصاروا يتنازعون في بعض المسائل. كما تنازعوا في الجد ms1075 والإخوة؛ وفي ~~الحرام وفي الطلاق الثلاث؛ وفي غير ذلك من المسائل المعروفة: مما لم يكونوا ~~يتنازعون فيه على عهد أبي بكر وكانوا يخالفون عمر وعثمان وعليا: في كثير من ~~أقوالهم؛ ولم يعرف أنهم خالفوا أبا بكر في شيء مما كان يفتي فيه ويقضي. ~~وهذا يدل على غاية العلم. وقام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام ~~الإسلام؛ فلم يخل بشيء منه؛ بل أدخل الناس من الباب الذي خرجوا منه؛ مع ~~كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين فكمل به من علمهم ودينهم ~~ما لا يقاومه فيه # PageV04P405 # أحد حتى قام الدين كما كان. وكانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ثم بعد هذا سموا عمر وغيره أمير المؤمنين. قال السهيلي ~~وغيره من العلماء: ظهر قوله: {لا تحزن إن الله معنا} في أبي بكر: في اللفظ ~~كما ظهر في المعنى فكانوا يقولون: محمد رسول الله وأبو بكر خليفة رسول ~~الله؛ ثم انقطع هذا الاتصال اللفظي بموته فلم يقولوا لمن بعده: خليفة رسول ~~الله. وأيضا " فعلي بن أبي طالب " تعلم من أبي بكر بعض السنة؛ بخلاف أبي ~~بكر فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب كما في الحديث المشهور الذي في السنن ~~حديث صلاة التوبة عن علي قال: كنت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ~~حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا ~~حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال {ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر ~~الله إلا غفر الله له} . ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين ~~صحبوا عمر وعليا كعلقمة والأسود وشريح القاضي وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر ~~على قول علي. وأما تابعوا أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر ~~من أن يذكر وإنما الكوفة ظهر فيها فقه علي وعلمه بحسب مقامه فيها مدة ~~خلافته. وكل شيعة علي الذين ms1076 صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي ~~بكر # PageV04P406 # وعمر: لا في فقه ولا علم ولا غيرهما؛ بل كل " شيعته " الذين قاتلوا معه ~~عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر؛ إلا من كان علي ينكر ~~عليه ويذمه مع قلتهم في عهد علي وخمولهم: كانوا (ثلاث طوائف: طائفة غلت فيه ~~كالتي ادعت فيه الإلهية وهؤلاء حرقهم علي بالنار. وطائفة كانت تسب أبا بكر ~~وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب منه: وطائفة ~~كانت تفضله على أبي بكر وعمر قال: لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي ~~بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجها وأكثر ~~أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وقد ثبت ~~في صحيح البخاري وغيره من رواية رجال همدان خاصة - التي يقول فيها علي. ولو ~~كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام من رواية سفيان الثوري عن ~~منذر الثوري وكلاهما من همدان. رواه البخاري عن محمد بن كثير. قال: حدثنا ~~سفيان الثوري حدثنا: جامع بن شداد حدثنا: أبو يعلى منذر الثوري عن محمد بن ~~الحنفية قال قلت لأبي: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال: يا بني: أوما تعرف فقلت: لا. فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ~~ثم عمر. # PageV04P407 # وهذا يقوله لابنه: الذي لا يتقيه ولخاصته؛ ويتقدم بعقوبة من يفضله ~~عليهما. والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق ولا يجوز أن ~~يسميه مفتريا. ورأس الفضائل العلم؛ وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء ~~والصحابة وغيرهم: فإنه أعلم منه. قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون} والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير. وأما قوله " ~~{أقضاكم علي} " فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد ~~المشهورة؛ لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف. وإنما ms1077 يروى من طريق من ~~هو معروف بالكذب ولكن قال عمر بن الخطاب: أبي أقرؤنا وعلي أقضانا وهذا قاله ~~بعد موت أبي بكر. والذي في الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت} ~~وليس فيه ذكر علي والحديث الذي فيه ذكر علي مع ضعفه: فيه أن معاذ بن جبل ~~أعلم بالحلال والحرام وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض. فلو قدر صحة هذا الحديث: ~~لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علما من الأعلم بالقضاء لأن الذي يختص ~~بالقضاء إنما هو فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون الباطن بخلافه كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا ~~يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه # PageV04P408 # لا يحل الحرام بل يحرم على المسلم أن يأخذ بقضائه ما قضى له به من حق ~~الغير. وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن: فكان الأعلم به أعلم ~~بالدين. وأيضا فالقضاء نوعان: (أحدهما الحكم عند تجاحد الخصمين مثل أن يدعي ~~أحدهما أمرا يكذبه الآخر فيه فيحكم فيه بالبينة ونحوها. (والثاني ما لا ~~يتجاحدان فيه - يتصادقان - ولكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما كتنازعهما: في ~~قسم فريضة أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر أو فيما يستحقه كل من ~~الشريكين ونحو ذلك. فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام. فإذا أفتاهما ~~من يرضيان بقوله كفاهما ذلك ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما وإنما يحتاجان ~~إلى حاكم عند التجاحد وذاك إنما يكون في الأغلب مع الفجور. وقد يكون مع ~~النسيان؛ فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بر وفاجر وما يختص ~~بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار. ولهذا لما أمر أبو بكر عمر أن ~~يقضي بين الناس مكث حولا لم يتحاكم اثنان في شيء ولو عد ms1078 مجموع ما قضى النبي ~~صلى الله عليه وسلم من هذا النوع لم يبلغ عشر حكومات فأين هذا من كلامه في ~~الحلال والحرام الذي هو قوام دين الإسلام. يحتاج إليه الخاص والعام. # PageV04P409 # وقوله: " {أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل} أقرب إلى الصحة باتفاق ~~علماء الحديث من قوله أقضاكم علي لو كان مما يحتج به وإذا كان ذلك أصح ~~إسنادا وأظهر دلالة: علم أن المحتج بذلك على أن عليا أعلم من معاذ بن جبل ~~جاهل. فكيف من أبي بكر وعمر اللذين هما أعلم من معاذ بن جبل مع أن الحديث ~~الذي فيه ذكر معاذ وزيد يضعفه بعضهم ويحسنه بعضهم. وأما الحديث الذي فيه ~~ذكر علي فإنه ضعيف. وأما حديث " {أنا مدينة العلم} فأضعف وأوهى ولهذا إنما ~~يعد في الموضوعات المكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه. ولهذا ذكره ابن ~~الجوزي في الموضوعات وبين أنه موضوع من سائر طرقه. والكذب يعرف من نفس ~~متنه؛ لا يحتاج إلى النظر في إسناده: فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~" {مدينة العلم} لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد ولا يجوز أن يكون المبلغ ~~عنه واحدا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم ~~للغائب ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن وتلك القرائن إما أن تكون ~~منتفية؛ وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم ~~بالقرآن والسنة المتواترة؛ بخلاف النقل المتواتر: الذي يحصل به العلم للخاص ~~والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل: ظنه مدحا؛ وهو مطرق ~~الزنادقة إلى القدح في علم الدين - إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة. # PageV04P410 # ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر: فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق علي رضي الله عنه. أما أهل ~~المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر وكذلك أهل الشام والبصرة - فإن هؤلاء لم ~~يكونوا يروون عن علي إلا شيئا قليلا وإنما غالب علمه كان في أهل ms1079 الكوفة ومع ~~هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن خلافة علي. ~~وكان أفقه أهل المدينة وأعلمهم تعلموا الدين في خلافة عمر وقبل ذلك لم ~~يتعلم أحد منهم من علي شيئا إلا من تعلم منه لما كان باليمن كما تعلموا ~~حينئذ من معاذ بن جبل. وكان مقام معاذ بن جبل في أهل اليمن وتعليمه لهم ~~أكثر من مقام علي وتعليمه ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ أكثر مما رووه عن ~~علي وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ. ولما قدم علي ~~الكوفة كان شريح قاضيا فيها قبل ذلك. وعلي وجد على القضاء في خلافته شريحا ~~وعبيدة السلماني وكلاهما تفقه على غيره. فإذا كان علم الإسلام انتشر في " ~~مدائن الإسلام ": بالحجاز والشام واليمن والعراق وخراسان ومصر والمغرب قبل ~~أن يقدم إلى الكوفة ولما صار إلى الكوفة عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره ~~من الصحابة ولم يختص علي بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو ~~أكثر منه. # PageV04P411 # " فالتبليغ العام " الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر ~~مما حصل لعلي. " وأما الخاص ": فابن عباس كان أكثر فتيا منه وأبو هريرة ~~أكثر رواية منه وعلي أعلم منهما؛ كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما ~~أيضا. فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج ~~إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص. وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من ~~اختصاص علي بعلم انفرد به عن الصحابة فكله باطل وقد ثبت عنه في الصحيح أنه ~~قيل له: " {هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فقال لا والذي ~~فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه ~~الصحيفة وكان فيها عقول الديات - أي: أسنان الإبل التي تجب فيه الدية - ~~وفيها فكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر} . وفي لفظ: " {هل عهد إليكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى ms1080 الناس فنفى ذلك} إلى غير ~~ذلك من الأحاديث عنه التي تدل على أن كل من ادعى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خصه بعلم فقد كذب عليه. وما يقوله بعض الجهال أنه شرب من غسل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأورثه علم الأولين والآخرين:. من أقبح الكذب البارد ~~فإن شرب غسل الميت ليس بمشروع ولا شرب علي شيئا ولو كان هذا يوجب العلم ~~لشركه في ذلك كل من حضر. ولم يرو هذا أحد من أهل العلم. # PageV04P412 # وكذلك ما يذكر: أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما: ~~فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ونحوهم: الذين هم أكفر منهم بل فيهم من ~~الكفر ما ليس في اليهود والنصارى كالذين يعتقدون إلهيته ونبوته وأنه كان ~~أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان معلما للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في الباطن ونحو هذه المقالات: التي إنما يقولها الغلاة في الكفر والإلحاد ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P413 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على " علي " لقوله ~~له: " {أنت مني وأنا منك} وقوله: " {أنت مني بمنزلة هارون من موسى} وقوله: ~~" {لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله} . . إلخ " وقوله: " {من كنت مولاه ~~فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه} . . إلخ " وقوله: " {أذكركم ~~الله في أهل بيتي} وقوله سبحانه: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية ~~وقوله تعالى {هل أتى على الإنسان} الآية؟ وقوله: {هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم} الآية. # فأجاب: # يجب أن يعلم أولا أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله ~~للمفضول فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل وأما الأمور المشتركة ~~فلا توجب تفضيله على غيره. وإذا كان كذلك ففضائل الصديق - رضي الله عنه - ~~التي تميز بها لم يشركه # PageV04P414 # فيها غيره وفضائل علي مشتركة وذلك أن قوله: " {لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} وقوله: " {لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت؛ ms1081 ~~إلا خوخة أبي بكر} وقوله: " {إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر} ~~وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد: (الأولى: أنه ليس لأحد منهم عليه ~~في صحبته وماله مثل ما لأبي بكر. (الثانية: قوله: " {لا يبقى في المسجد} . ~~. . إلخ " وهذا تخصيص له دون سائرهم؛ وأراد بعض الكذابين أن يروي لعلي مثل ~~ذلك والصحيح لا يعارضه الموضوع (الثالثة: قوله: " {لو كنت متخذا خليلا} نص ~~في أنه لا أحد من البشر استحق الخلة لو أمكنت إلا هو ولو كان غيره أفضل منه ~~لكان أحق بها لو تقع. وكذلك أمره له أن يصلي بالناس مدة مرضه من الخصائص؛ ~~وكذلك تأميره له في المدينة على الحج ليقيم السنة ويمحق آثار الجاهلية فإنه ~~من خصائصه وكذلك قوله في الحديث الصحيح " {ادع أباك وأخاك حتى أكتب لأبي ~~بكر كتابا} وأمثال هذه الأحاديث كثيرة تبين أنه لم يكن في الصحابة من ~~يساويه؛ وأما قوله: " {أنت مني وأنا منك} فقد قالها لغيره وقالها لسلمان ~~والأشعريين. وقال تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} وقوله صلى ~~الله عليه وسلم " {من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا} يقتضي ~~أن من يترك # PageV04P415 # هذه الكبائر يكون منا فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي والنبي منه ~~وقوله في ابنة حمزة: ( {أنت مني وأنا منك} وقوله لزيد: ( {أنت أخونا ~~ومولانا} لا يختص بزيد بل كل مواليه كذلك. وكذلك قوله: " {لأعطين الراية} . ~~. إلخ " هو أصح حديث يروى في فضله وزاد فيه بعض الكذابين أنه أخذها أبو بكر ~~وعمر فهربا وفي الصحيح أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فهذا الحديث ~~رد على الناصبة الواقعين في علي وليس هذا من خصائصه بل كل مؤمن كامل ~~الإيمان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال تعالى: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} وهم الذين قاتلوا أهل الردة وإمامهم أبو بكر وفي ~~الصحيح " {أنه سأله: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: ~~أبوها} وهذا من خصائصه. ms1082 وأما قوله: " {أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى} قاله في غزوة تبوك لما استخلفه على المدينة فقيل استخلفه لبغضه ~~إياه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا استخلف رجلا من أمته وكان ~~بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين وفي غزوة تبوك لم يأذن لأحد فلم يتخلف ~~أحد إلا لعذر أو عاص. فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا فطعن به المنافقون بهذا ~~السبب فبين له أني لم أستخلفك لنقص عندي؛ فإن موسى استخلف هارون وهو شريكه ~~في الرسالة أفما ترضى بذلك؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله وكانوا منه بهذه # PageV04P416 # المنزلة فلم يكن هذا من خصائصه ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم ~~يخف على علي ولحقه يبكي. ومما بين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة ~~تسع وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه؛ لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ ~~العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته: فأي شخص من عترته نبذها حصل ~~المقصود ولكنه أفضل بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحق ~~الناس بالتقدم من سائرهم فلما أمر أبا بكر بعد قوله: " {أما ترضى} . . . ~~إلخ " علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من كل وجه وإنما شبهه ~~به في الاستخلاف خاصة وذلك ليس من خصائصه. وقد شبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى - عليهم الصلاة والسلام - ~~لما أشارا في الأسرى وهذا أعظم من تشبيه علي بهارون ولم يوجب ذلك أن يكونا ~~بمنزلة أولئك الرسل وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثير في ~~الكتاب والسنة وكلام العرب. وأما قوله: " {من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم ~~وال من والاه} . . . إلخ " فهذا ليس في شيء من الأمهات؛ إلا في الترمذي ~~وليس فيه إلا: " {من كنت مولاه فعلي مولاه} وأما الزيادة فليست في الحديث. ~~وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية ولا ريب أنها كذب لوجوه: # PageV04P417 # أحدها: أن الحق لا يدور مع معين إلا ms1083 النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو ~~كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة وأتباعه ~~في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه: كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل. ~~وقوله: " {اللهم انصر من نصره} . . إلخ " خلاف الواقع؛ قاتل معه أقوام يوم ~~" صفين " فما انتصروا وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا: " كسعد " الذي فتح ~~العراق لم يقاتل معه وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا ~~كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله. وكذلك قوله: " {اللهم وال من والاه وعاد ~~من عاداه} مخالف لأصل الإسلام؛ فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع ~~قتالهم وبغي بعضهم على بعض وقوله: " {من كنت مولاه فعلي مولاه} فمن أهل ~~الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره؛ ومنهم من حسنه فإن كان قاله فلم يرد به ~~ولاية مختصا بها؛ بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين ~~والموالاة ضد المعاداة ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم ففيه رد ~~على النواصب. وحديث " {التصدق بالخاتم في الصلاة} كذب باتفاق أهل المعرفة ~~وذلك مبين بوجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع. وأما قوله: يوم غدير خم: ~~أذكركم الله في أهل بيتي فليس من الخصائص # PageV04P418 # بل هو مساو لجميع أهل البيت وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة؛ فإنهم ~~يعادون العباس وذريته؛ بل يعادون جمهور أهل البيت ويعينون الكفار عليهم ~~وأما آية " المباهلة " فليست من الخصائص بل دعا عليا وفاطمة وابنيهما ولم ~~يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة بل لأنهم أخص أهل بيته كما في حديث الكساء: " ~~{اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا} . فدعا لهم وخصهم. ~~و " الأنفس " يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله: {ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا} وقال: {فاقتلوا أنفسكم} أي يقتل بعضكم بعضا وقوله: " {أنت ~~مني وأنا منك} ليس المراد أنه من ذاته ولا ريب أنه أعظم الناس قدرا من ~~الأقارب؛ فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد لبقية القرابة فدخل في ~~ذلك المباهلة وذلك لا يمنع أن يكون في غير ms1084 الأقارب من هو أفضل منه لأن ~~المباهلة وقعت في الأقارب وقوله: {هذان خصمان} الآية فهي مشتركة بين علي ~~وحمزة وعبيدة بل وسائر البدريين يشاركونهم فيها. وأما سورة: {هل أتى على ~~الإنسان} فمن قال إنها نزلت فيه وفي فاطمة وابنيهما فهذا كذب؛ لأنها مكية ~~والحسن والحسين إنما ولدا في المدينة وبتقدير صحته فليس فيه أنه من أطعم ~~مسكينا ويتيما وأسيرا أفضل الصحابة بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل هذا وتدل ~~على استحقاقه للثواب على هذا العمل مع أن غيره من الأعمال من الإيمان بالله ~~والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه. # PageV04P419 # وسئل: عمن يقول: لا أفضل عليا على غيره؛ وإذا ذكر " علي " صلى عليه مفردا ~~هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره؟ # فأجاب: # ليس لأحد أن يخص أحدا بالصلاة عليه دون النبي صلى الله عليه وسلم لا أبا ~~بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليا ومن فعل ذلك فهو مبتدع بل إما أن يصلي ~~عليهم كلهم أو يدع الصلاة عليهم كلهم. بل المشروع أن يقول: " اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى ~~آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ". ومن قال: لا ~~أفضل عليا على غيره فهو مخطئ مخالف للأدلة الشرعية. والله أعلم. # PageV04P420 # سئل: عن قول الشيخ " أبي محمد عبد الله بن أبي زيد " في آخر عقيدته وأن ~~خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وأفضل " الصحابة " الخلفاء الراشدون ~~المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فما الدليل على تفضيل أبي بكر على عمر؟ ~~وتفضيل عمر على عثمان وعثمان على علي؟ فإذا تبين ذلك فهل تجب عقوبة من يفضل ~~المفضول على الفاضل أم لا؟ . بينوا لنا ذلك: بيانا مبسوطا مأجورين إن شاء ~~الله تعالى. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي. فهذا ~~متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين ms1085 بالإمامة في العلم والدين: من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ وهو مذهب مالك وأهل المدينة والليث بن سعد ~~وأهل مصر والأوزاعي وأهل الشام؛ وسفيان الثوري وأبي حنيفة وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق. وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ~~عبيد وغير هؤلاء: من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة. وحكى مالك ~~إجماع أهل المدينة على ذلك فقال ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يشك في تقديم ~~أبي بكر وعمر. # PageV04P421 # وهذا مستفيض عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي صحيح البخاري عن محمد ~~بن الحنفية أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبت من خير الناس بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال يا بني أوما تعرف قلت: لا. قال: أبو بكر. قلت: ~~ثم من؟ قال: عمر. ويروى هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجها وأنه ~~كان يقوله على منبر الكوفة؛ بل قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر ~~إلا جلدته حد المفتري. فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله - رضي ~~الله عنه - ثمانين سوطا. وكان سفيان يقول من فضل عليا على أبي بكر فقد أزرى ~~بالمهاجرين؛ وما أرى أنه يصعد له إلى الله عمل - وهو مقيم على ذلك. وفي ~~الترمذي وغيره روي هذا التفضيل: عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال: " ~~{يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين؛ إلا النبيين ~~والمرسلين} وقد استفاض في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه: من حديث أبي سعيد وابن عباس وجندب بن عبد الله وابن الزبير ~~وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " {لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله} يعني نفسه. وفي الصحيح ~~أنه قال على المنبر: " {إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده. أبو بكر؛ ولو ~~كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل ms1086 الله. ~~ألا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة # PageV04P422 # أبي بكر} . وهذا صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض من يستحق المخالة ~~لو كانت ممكنة من المخلوقين إلا أبا بكر. فعلم أنه لم يكن عنده أفضل منه ~~ولا أحب إليه منه وكذلك في الصحيح أنه {قال عمرو بن العاص: أي الناس أحب ~~إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها} . وكذلك في الصحيح أنه قال ~~لعائشة: " {ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه ~~الناس من بعدي ثم قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر} . وفي الصحيح عنه ~~{أن امرأة قالت يا رسول الله: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تعني الموت - ~~قال: فأتي أبا بكر} . وفي السنن عنه أنه قال: {اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر} . وفي الصحيح عنه أنه كان في سفر فقال: {إن يطع القوم أبا بكر ~~وعمر يرشدوا} . وفي السنن عنه أنه قال: " {رأيت كأني وضعت في كفة والأمة في ~~كفة فرجحت بالأمة ثم وضع أبو بكر في كفة والأمة في كفة فرجح أبو بكر ثم وضع ~~عمر في كفة والأمة في كفة فرجح عمر} . وفي الصحيح أنه {كان بين أبي بكر ~~وعمر كلام فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فلم يفعل. فجاء أبو بكر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك. فقال: اجلس يا أبا بكر يغفر الله لك ~~وندم عمر فجاء إلى منزل أبي بكر فلم يجده فجاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: أيها الناس إني جئت إليكم فقلت: ~~إني رسول الله فقلتم: كذبت وقال أبو بكر صدقت. فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ ~~فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي # PageV04P423 # صاحبي؟ فما أوذي بعدها} وقد تواتر في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما مرض قال: " {مروا أبا بكر فليصل بالناس: مرتين أو ثلاثا حتى ~~قال: إنكن لأنتن صواحب يوسف ms1087 مروا أبا بكر أن يصلي بالناس} . فهذا التخصيص ~~والتكرير والتوكيد: في تقديمه في الإمامة على سائر الصحابة مع حضور عمر ~~وعثمان وعلي وغيرهم مما بين للأمة تقدمه عنده - صلى الله عليه وسلم - على ~~غيره. وفي الصحيح {أن جنازة عمر لما وضعت جاء علي بن أبي طالب يتخلل الصفوف ~~ثم قال: لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت أسمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ~~وذهبت أنا وأبو بكر وعمر} . فهذا يبين ملازمتهما للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في مدخله ومخرجه وذهابه. ولذلك قال " مالك " للرشيد: لما قال له: يا أبا ~~عبد الله أخبرني عن منزلة أبي بكر وعمر: من النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: يا أمير المؤمنين منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته ~~فقال شفيتني يا مالك؟ وهذا يبين أنه كان لهما من اختصاصهما بصحبته ~~ومؤازرتهما له على أمره ومباطنتهما: مما يعلمه بالاضطرار كل من كان عالما ~~بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وسيرته مع أصحابه. ولهذا ~~لم يتنازع في هذا أحد من أهل العلم بسيرته وسنته وأخلاقه؛ وإنما # PageV04P424 # ينفي هذا أو يقف فيه من لا يكون عالما بحقيقة أمور النبي صلى الله عليه ~~وسلم - وإن كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب أو غير ذلك - أو من يكون قد ~~سمع أحاديث مكذوبة: تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل ~~العلم فتوقف في الأمر أو رجح غير أبي بكر. وهذا كسائر الأمور المعلومة ~~بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان غيرهم ~~يشك فيها أو ينفيها: كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه وخروج أهل ~~الكبائر من النار والأحاديث المتواترة عندهم: في الصفات والقدر والعلو ~~والرؤية وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته كما تواترت ~~عندهم عنه؛ وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك كما تواتر عند الخاصة - من أهل العلم ~~عنه ms1088 - الحكم بالشفعة وتحليف المدعى عليه ورجم الزاني المحصن واعتبار النصاب ~~في السرقة وأمثال ذلك من الأحكام التي ينازعهم فيها بعض أهل البدع. ولهذا ~~كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول؛ بخلاف من ~~نازع في مسائل الاجتهاد التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه: ~~كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين وفي القسامة والقرعة وغير ذلك من ~~الأمور التي لم تبلغ هذا المبلغ. وأما " عثمان وعلي ": فهذه دون تلك. فإن ~~هذه كان قد حصل فيها نزاع # PageV04P425 # فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة: رجحوا عليا على عثمان ثم رجع عن ~~ذلك سفيان وغيره. وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي وهي إحدى الروايتين ~~عن مالك؛ لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي كما هو مذهب سائر ~~الأئمة: كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه؛ وغير هؤلاء من ~~أئمة الإسلام. حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان هل يعد من ~~أهل البدعة؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وقد قال أيوب السختياني وأحمد ~~بن حنبل والدارقطني: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. ~~وأيوب هذا إمام أهل السنة وإمام أهل البصرة روى عنه مالك في الموطأ؛ وكان ~~لا يروي عن أهل العراق وروي أنه سئل عن الرواية عنه فقال: ما حدثتكم عن أحد ~~إلا وأيوب أفضل منه. وذكره أبو حنيفة فقال: لقد رأيته قعد مقعدا في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرته إلا اقشعر جسمي. والحجة لهذا ما ~~أخرجاه في الصحيحين وغيرهما {عن ابن عمر أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. كنا نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وفي بعض الطرق ~~يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره} . وأيضا فقد ثبت بالنقل ~~الصحيح في صحيح البخاري وغير البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما ~~جعل الخلافة شورى في ستة أنفس: عثمان وعلي # PageV04P426 # وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ms1089 بن عوف - ولم يدخل معهم سعيد بن زيد وهو ~~أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بني عدي - قبيلة عمر - وقال عن ابنه ~~عبد الله: يحضركم عبد الله وليس له في الأمر شيء ووصى أن يصلي صهيب بعد ~~موته حتى يتفقوا على واحد. فلما توفي عمر واجتمعوا عند المنبر. قال طلحة: ~~ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر ~~فهو لعلي. وقال سعد ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف. فخرج ~~ثلاثة وبقي ثلاثة. فاجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد ويولي ~~واحدا فسكت عثمان وعلي. فقال عبد الرحمن: أنا أخرج. وروي أنه قال عليه عهد ~~الله وميثاقه أن يولي أفضلهما. ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام ~~بلياليها: يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمهات ~~المؤمنين؛ ويشاور أمراء الأمصار - فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر ~~وشهدوا موته - حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لي ثلاثا ما اغتمضت بنوم. ~~فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن ~~ولئن وليت عليا لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. وقال لعلي: عليك عهد الله ~~وميثاقه إن وليتك لتعدلن ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. فقال: ~~إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان. فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين: ~~بيعة رضى واختيار من غير رغبة أعطاهم إياها ولا رهبة خوفهم بها. # PageV04P427 # وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي. فلهذا قال أيوب وأحمد بن حنبل ~~والدارقطني " من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار " فإنه ~~وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ~~ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني. ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد ~~أزرى بهم. ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان لضغن كان في نفس بعضهم على علي ~~وأن أهل الضغن كانوا ذوي شوكة ونحو ذلك مما يقوله أهل الأهواء: فقد نسبهم ~~إلى العجز ms1090 عن القيام بالحق وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق. هذا وهم في ~~أعز ما كانوا وأقوى ما كانوا. فإنه حين مات عمر كان (الإسلام: من القوة ~~والعز والظهور والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا في مثله قط. وكان (عمر ~~أعز أهل الإيمان وأذل أهل الكفر والنفاق إلى حد بلغ في القوة والظهور مبلغا ~~لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور. فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين ~~أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم وجعل خير أمة أخرجت للناس على ~~خلاف ما شهد الله به لهم. وهذا هو أصل " مذهب الرافضة " فإن الذي ابتدع ~~الرفض كان يهوديا أظهر الإسلام نفاقا ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل ~~الإيمان. ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة. فإنه يكون الرجل ~~واقفا ثم يصير # PageV04P428 # مفضلا ثم يصير سبابا ثم يصير غاليا ثم يصير جاحدا معطلا. ولهذا انضمت إلى ~~الرافضة " أئمة الزنادقة " من الإسماعيلية والنصيرية وأنواعهم من القرامطة ~~والباطنية والدرزية وأمثالهم من طوائف الزندقة والنفاق. فإن القدح في خير ~~القرون الذين صحبوا الرسول قدح في الرسول عليه السلام كما قال مالك وغيره ~~من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا ~~صالحا لكان أصحابه صالحين. وأيضا فهؤلاء الذين نقلوا القرآن والإسلام ~~وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين نقلوا فضائل علي وغيره فالقدح ~~فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين وحينئذ فلا تثبت فضيلة؛ لا لعلي ~~ولا لغيره و " الرافضة " جهال ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين ولا دنيا ~~منصورة. فإنه لو طلب منهم الناصبي - الذي يبغض عليا؛ ويعتقد فسقه أو كفره ~~كالخوارج وغيرهم أن يثبتوا إيمان علي؛ وفضله لم يقدروا على ذلك بل تغلبهم ~~الخوارج. فإن فضائل علي إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم الرافضة. فلا ~~يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم. فإذا طعنوا في بعض ms1091 الخلفاء - بما يفترونه ~~عليهم من أنهم طلبوا الرياسة وقاتلوا على ذلك - كان طعن الخوارج في علي ~~بمثل ذلك وأضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال. ولكن الرافضة ~~جهال متبعون الزنادقة. # PageV04P429 # " والقرآن " قد أثنى على " الصحابة " في غير موضع كقوله تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه} . وقوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} . ~~وقال تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} وقال تعالى: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا} . وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} . وفي الصحيحين عن أبي ~~سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي ~~بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} . وقد ثبت ~~عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: " {خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} . وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في ~~فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون. فالقدح ~~فيهم قدح في القرآن والسنة. ولهذا تكلم الناس في تكفير الرافضة بما قد ~~بسطناه في غير هذا الموضع. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P430 # وسئل: - رضي الله عنه عما شجر بين الصحابة: علي ومعاوية وطلحة وعائشة - ~~هل يطالبون به أم لا؟ # فأجاب: # قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليا وطلحة والزبير وعائشة من أهل ~~الجنة. بل قد ثبت في الصحيح " {أنه لا يدخل النار ms1092 أحد بايع تحت الشجرة} . ~~وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان هم من الصحابة ولهم ~~فضائل ومحاسن. وما يحكى عنهم كثير منه كذب؛ والصدق منه إن كانوا فيه ~~مجتهدين: فالمجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر وخطؤه يغفر له. # PageV04P431 # وإن قدر أن لهم ذنوبا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقا إلا إذا انتفت ~~الأسباب المانعة من ذلك وهي عشرة. منها: - التوبة ومنها الاستغفار ومنها ~~الحسنات الماحية ومنها المصائب المكفرة ومنها شفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومنها شفاعة غيره ومنها دعاء المؤمنين ومنها ما يهدى للميت من الثواب ~~والصدقة والعتق ومنها فتنة القبر ومنها أهوال القيامة. وقد ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {خير القرون القرن الذي بعثت فيه ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} . وحينئذ فمن جزم في واحد من هؤلاء بأن ~~له ذنبا يدخل به النار قطعا فهو كاذب مفتر. فإنه لو قال ما لا علم له به ~~لكان مبطلا فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تكلم فيما ~~شجر بينهم - وقد نهى الله عنه: من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل - فهو ~~ظالم معتد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} وقد ~~ثبت عنه في الصحيح أنه قال عن الحسن: " {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به ~~بين فئتين عظيمتين من المسلمين} . # PageV04P432 # وفي الصحيحين عن عمار أنه قال: " {تقتله الفئة الباغية} وقد قال تعالى في ~~القرآن: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} . فثبت بالكتاب والسنة وإجماع ~~السلف على أنهم مؤمنون مسلمون وأن علي بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى ~~بالحق من الطائفة المقاتلة له والله أعلم. # PageV04P433 # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: # فائدة # ومما ينبغي ms1093 أن يعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة ~~والاستغفار للطائفتين جميعا وموالاتهم؛ فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد ~~من العسكر لم يكن إلا مجتهدا متأولا كالعلماء بل فيهم المذنب والمسيء وفيهم ~~المقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كانت ~~مرجوحة مغفورة. " وأهل السنة " تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم ~~لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب ~~والخطأ لكن هم كما قال تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم} الآية. وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا ~~بصورها. # PageV04P434 ### | فصل: في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين # الخلفاء الراشدون الأربعة ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام من ~~أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ~~ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف؛ ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: ~~الذي يسب أبا بكر وعمر. وبهذا سميت الرافضة؛ فإنهم رفضوا زيد بن علي لما ~~تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما فالمبغض لهما هو الرافضي وقيل: ~~إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر. " وأصل الرفض " من المنافقين ~~الزنادقة فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة ~~والنص عليه وادعى العصمة له ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف: ~~حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق وحب بني هاشم إيمان وبغضهم نفاق. وقال ~~عبد الله بن مسعود: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة أي من شريعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم التي أمر بها فإنه قال: " {اقتدوا باللذين من ~~بعدي: أبي بكر وعمر} ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبا لا يجوز ~~التوقف فيه بخلاف عثمان وعلي ففي جواز التوقف فيهما قولان: وكذلك هل يسوغ ~~الاجتهاد في تفضيل علي على عثمان؟ فيه روايتان: (إحداهما: لا يسوغ ذلك فمن ~~فضل عليا على عثمان خرج ms1094 من السنة إلى البدعة لمخالفته لإجماع الصحابة ولهذا ~~قيل: من قدم عليا على عثمان فقد # PageV04P435 # أزرى بالمهاجرين والأنصار. يروى ذلك عن غير واحد: منهم أيوب السختياني ~~وأحمد بن حنبل والدارقطني. والثانية: لا يبدع من قدم عليا لتقارب حال عثمان ~~وعلي إذ السنة هي الشريعة وهي ما شرعه الله ورسوله من الدين وهو ما أمر به ~~أمر إيجاب أو استحباب فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك لكن يجوز ترك المستحب من غير ~~أن يجوز اعتقاد ترك استحبابه؛ ومعرفة استحبابه فرض على الكفاية؛ لئلا يضيع ~~شيء من الدين. فلما قامت " الأدلة الشرعية " على وجوب اتباع أبي بكر وعمر ~~وتقديمهما لم يجز ترك ذلك. وأما (عثمان فأبغضه أو سبه أو كفره أيضا - مع ~~الرافضة - طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج. وأما (علي فأبغضه وسبه أو ~~كفره الخوارج وكثير من بني أمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبوه. فالخوارج تكفر ~~عثمان وعليا وسائر أهل الجماعة. وأما " شيعة علي " الذين شايعوه بعد ~~التحكيم و " شيعة معاوية " التي شايعته بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل ~~وتلا عن بعضهم وتكافر بعضهم ما كان ولم تكن الشيعة التي كانت مع علي يظهر ~~منها تنقص لأبي بكر وعمر ولا فيها من يقدم عليا على أبي بكر وعمر ولا كان ~~سب عثمان شائعا فيها وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرد عليه آخر. وكذلك تفضيل ~~علي عليه لم يكن مشهورا فيها بخلاف سب علي فإنه كان # PageV04P436 # شائعا في أتباع معاوية؛ ولهذا كان علي وأصحابه أولى بالحق وأقرب إلى الحق ~~من معاوية وأصحابه كما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " {تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين ~~بالحق} . وروي في الصحيح أيضا: " {أدنى الطائفتين إلى الحق} . وكان سب علي ~~ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية؛ كما ~~رواه البخاري في صحيحه عن خالد الحذاء {عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ~~ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا ms1095 هو في حائط ~~يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا حتى إذا أتى علي ذكر بناء ~~المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية ~~يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن} ~~. ورواه مسلم عن أبي سعيد أيضا قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار - حين جعل يحفر الخندق - جعل يمسح ~~رأسه ويقول: بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية} . ورواه مسلم أيضا عن أم سلمة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {تقتل عمارا الفئة الباغية} . وهذا ~~أيضا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى ~~الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار - وإن كان متأولا - وهو # PageV04P437 # دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولا ~~أو باغ بلا تأويل وهو أصح (القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليا ~~وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين. وكذلك ~~أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة ~~المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال ويحك ~~وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام: يعني إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم ~~يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة. والقول الثاني: أن كلا ~~منهما مصيب وهذا بناء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب. وهو قول طوائف من ~~أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية. وفيها قول ثالث: أن المصيب واحد لا ~~بعينه ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد والقاضي وغيرهما. وهذا القول يشبه قول ~~المتوقفين في خلافة علي من أهل البصرة وأهل الحديث وأهل الكلام: كالكرامية ~~الذين يقولون: كلاهما كان إماما ويجوزون عقد الخلافة لاثنين. لكن المنصوص ~~عن أحمد تبديع من توقف في خلافة ms1096 علي وقال: هو أضل من حمار أهله وأمر ~~بهجرانه ونهى عن مناكحته ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس ~~غير علي أولى بالحق منه ولا شكوا في ذلك. فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن ~~يكون غير علي أولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال فيه نوع من النصب ~~وإن كان متأولا؛ لكن قد # PageV04P438 # يسكت بعضهم عن تخطئة أحد كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه إمساكا عما شجر ~~بينهم وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين. ولم يسترب أئمة السنة وعلماء ~~الحديث: أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه كما دل عليه النص؛ وإن استرابوا في ~~وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي؛ ومن وصفها بالظلم والبغي - لما جاء من ~~حديث عمار - جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل. يبقى أن يقال: فالله تعالى ~~قد أمر بقتال الطائفة الباغية فيكون قتالها كان واجبا مع علي والذين قعدوا ~~عن القتال هم جملة أعيان الصحابة: كسعد وزيد وابن عمر وأسامة ومحمد بن ~~مسلمة وأبي بكرة وهم يروون النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في القعود ~~عن القتال في الفتنة وقوله صلى الله عليه وسلم " {القاعد فيها خير من ~~القائم والقائم فيها خير من الساعي والساعي فيها خير من الموضع} وقوله: ~~{يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر ~~بدينه من الفتن} وأمره لصاحب السيف عند الفتنة " {أن يتخذ سيفا من خشب} ~~وبحديث أبي بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن يذهب ليقاتل مع علي وهو قوله: ~~صلى الله عليه وسلم " {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار} الحديث. والاحتجاج على ذلك بقوله: " {لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض} وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة حتى قال: لا يختلف ~~أصحابنا أن قعود علي عن القتال كان أفضل # PageV04P439 # له لو قعد وهذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال وتبرمه به ومراجعة الحسن ~~ابنه له في ذلك وقوله له: ألم أنهك ms1097 يا أبت؟ وقوله: لله در مقام قامه سعد بن ~~مالك وعبد الله بن عمر إن كان برا إن أجره لعظيم وإن كان إثما إن خطأه ~~ليسير. وهذا يعارض وجوب طاعته وبهذا احتجوا على الإمام أحمد في ترك التربيع ~~بخلافته فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم: إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ~~ففي ذلك طعن على طلحة والزبير حيث لم يطيعاه بل قاتلاه فقال لهم: أحمد: إني ~~لست من حربهم في شيء: يعني أن ما تنازع فيه علي وإخوانه لا أدخل بينهم فيه؛ ~~لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني وليس ذلك من مسائل ~~العلم التي تعنيني حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم وأنا مأمور بالاستغفار ~~لهم وأن يكون قلبي لهم سليما ومأمور بمحبتهم وموالاتهم ولهم من السوابق ~~والفضائل ما لا يهدر؛ ولكن اعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص وما ثبت بالنص ~~وجب اتباعه وإن كان بعض الأكابر تركه كما أن إمامة " عثمان " وخلافته ثابتة ~~إلى حين انقراض أيامه وإن كان في تخلف بعضهم عن طاعته أو نصرته؛ وفي مخالفة ~~بعضهم له: من التأويل ما فيه إذ كان أهون ما جرى في خلافة علي. وهذا الموضع ~~هو الذي تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف فمن قوم يقولون: بوجوب القتال مع ~~علي كما فعله من قاتل معه وكما يقول كثير # PageV04P440 # من أهل الكلام والرأي الذين صنفوا في قتال أهل البغي حيث أوجبوا القتال ~~معه؛ لوجوب طاعته ووجوب قتال البغاة ومبدأ ترتيب ذلك من فقهاء الكوفة ~~واتبعهم آخرون. ومن قوم يقولون: بل المشروع ترك القتال في الفتنة كما جاءت ~~به النصوص الكثيرة المشهورة كما فعله من فعله من القاعدين عن القتال لإخبار ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {أن ترك القتال في الفتنة خير} و " {أن الفرار ~~من الفتن باتخاذ غنم في رءوس الجبال خير من القتال فيها} وكنهيه لمن نهاه ~~عن القتال فيها وأمره باتخاذ سيف من خشب ولكون علي لم يذم القاعدين عن ~~القتال معه بل ربما غبطهم في ms1098 آخر الأمر. ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا ~~أن ترك علي القتال كان أفضل؛ لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من ~~القائم والبعد عنها خير من الوقوع فيها قالوا: ورجحان العمل يظهر برجحان ~~عاقبته ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدءوه بقتال فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر ~~مما ووقع من خروجهم عن طاعته لكن بالقتال زاد البلاء وسفكت الدماء وتنافرت ~~القلوب وخرجت عليه الخوارج وحكم الحكمان حتى سمي منازعه بأمير المؤمنين ~~فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم يحصل به مصلحة راجحة. وهذا دليل ~~على أن تركه كان أفضل من فعله فإن فضائل الأعمال إنما هي # PageV04P441 # بنتائجها وعواقبها والقرآن إنما فيه قتال الطائفة الباغية بعد الاقتتال؛ ~~فإنه قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} الآية. فلم يأمر بالقتال ابتداء مع ~~واحدة من الطائفتين؛ لكن أمر بالإصلاح وبقتال الباغية. و " إن قيل " ~~الباغية يعم الابتداء والبغي بعد الاقتتال. قيل: فليس في الآية أمر لأحدهما ~~بأن تقاتل الأخرى وإنما هو أمر لسائر المؤمنين بقتال الباغية والكلام هنا: ~~إنما هو في أن فعل القتال من علي لم يكن مأمورا به بل كان تركه أفضل وأما ~~إذا قاتل لكون القتال جائزا وإن كان تركه أفضل أو لكونه مجتهدا فيه وليس ~~بجائز في الباطن: فهنا الكلام في وجوب القتال معه للطائفة الباغية أو ~~الإمساك عن القتال في الفتنة وهو موضع تعارض الأدلة واجتهاد العلماء ~~والمجاهدين من المؤمنين بعد الجزم بأنه وشيعته أولى الطائفتين بالحق فيمكن ~~وجهان: (أحدهما: أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان. ~~إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة ~~والإمكان فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هي التآلف بالمال والمسالمة ~~والمعاهدة كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة والإمام إذا اعتقد ~~وجود القدرة ولم تكن حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح. # PageV04P442 # ومن رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته: علم ms1099 أنه قتال فتنة فلا تجب ~~طاعة الإمام فيه إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص ~~فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة - الذي تركه خير من فعله - لم يجب عليه أن ~~يعدل عن نص معين خاص إلى نص عام مطلق في طاعة أولي الأمر ولا سيما وقد أمر ~~الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول. ويشهد لذلك أن الرسول أخبر ~~بظلم الأمراء بعده وبغيهم ونهى عن قتالهم لأن ذلك غير مقدور؛ إذ مفسدته ~~أعظم من مصلحته؛ كما نهي المسلمون في أول الإسلام عن القتال كما ذكره ~~بقوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} وكما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه مأمورين بالصبر على أذى المشركين والمنافقين والعفو ~~والصفح عنهم حتى يأتي الله بأمره. الوجه الثاني: أنها صارت باغية في أثناء ~~الحال بما ظهر منها من نصب إمام وتسميته أمير المؤمنين ومن لعن إمام الحق ~~ونحو ذلك. فإن هذا بغي بخلاف الاقتتال قبل ذلك فإنه كان قتال فتنة؛ وهو ~~سبحانه قد ذكر اقتتال الطائفتين من المؤمنين ثم قال: {فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى} فلما أمر بالقتال إذا بغت إحدى الطائفتين المقتتلتين دل على أن ~~الطائفتين المقتتلتين قد تكون إحداهما باغية في حال دون حال. فما ورد من ~~النصوص بترك القتال في الفتنة: يكون قبل البغي وما ورد من الوصف بالبغي ~~يكون بعد ذلك؛ وحينئذ يكون القتال مع علي واجبا لما # PageV04P443 # حصل البغي وعلى هذا يتأول ما روى ابن عمر " {إذا حمل على القتال في ذلك} ~~وحينئذ فبعد التحكيم والتشيع وظهور البغي لم يقاتلهم علي ولم تطعه الشيعة ~~في القتال ومن حينئذ ذمت الشيعة بتركهم النصر مع وجوبه وفي ذلك الوقت سموا ~~شيعة وحينئذ صاروا مذمومين بمعصية الإمام الواجب الطاعة وهو أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب ولما تركوا ما يجب من نصره صاروا أهل باطل وظلم إذ ذاك ~~يكون تارة لترك الحق وتارة لتعدي الحق. فصار حينئذ شيعة عثمان الذين مع ~~معاوية ms1100 أرجح منهم؛ ولهذا انتصروا عليهم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من خالفهم} وبذلك استدل معاوية ~~وقام مالك بن يخامر فروي عن معاذ بن جبل أنهم بالشام. وعلي هو من الخلفاء ~~الراشدين ومعاوية أول الملوك فالمسألة هي من هذا الجنس وهو قتال الملوك ~~المسلطين مع أهل عدل واتباع لسيرة الخلفاء الراشدين فإن كثيرا من الناس ~~يبادر إلى الأمر بذلك؛ لاعتقاده أن في ذلك إقامة العدل ويغفل عن كون ذلك ~~غير ممكن بل تربو مفسدته على مصلحته. ولهذا كان مذهب (أهل الحديث ترك ~~الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر أو ~~يستراح من فاجر؛ وقد يكون هذا من أسرار القرآن في كونه لم يأمر بالقتال ~~ابتداء؛ وإنما أمر بقتال الطائفة الباغية بعد اقتتال الطائفتين وأمر ~~بالإصلاح بينهما فإنه إذا اقتتلت طائفتان من أهل # PageV04P444 # الأهواء: كقيس ويمن - إذ الآية نزلت في نحو ذلك - فإنه يجب الإصلاح ~~بينهما وإلا وجب على السلطان والمسلمين أن يقاتلوا الباغية؛ لأنهم قادرون ~~على ذلك فيجب عليهم أداء هذا الواجب وهذا يبين رجحان القول ابتداء ففي ~~الحال الأول لم تكن القدرة تامة على القتال ولا البغي حاصلا ظاهرا وفي ~~الحال الثاني حصل البغي وقوي العجز وهو أولى الطائفتين بالحق وأقربهما إليه ~~مطلقا والأخرى موصوفة بالبغي كما جاء ذلك في الحديث الصحيح من حديث أبي ~~سعيد كما تقدم. وقد كان معاوية والمغيرة وغيرهما يحتجون لرجحان الطائفة ~~الشامية بما هو في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لا ~~تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى ~~تقوم الساعة} فقام مالك بن يخامر فقال: سمعت معاذ بن جبل يقول: " {وهم ~~بالشام} فقال معاوية: وهذا مالك بن يخامر يذكر أنه سمع معاذا يقول. وهم ~~بالشام وهذا الذي في الصحيحين من حديث معاوية فيهما أيضا نحوه من حديث ~~المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لا تزال ms1101 من أمتي أمة ~~ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك} وهذا يحتجون به في رجحان ~~أهل الشام بوجهين: " أحدهما ": أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر إليهم ~~بعد الاقتتال والفتنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا يضرهم من ~~خالفهم} وهذا يقتضي # PageV04P445 # أن الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هي الظاهرة المنصورة فلما انتصر ~~هؤلاء كانوا أهل الحق. " والثاني " أن النصوص عينت أنهم بالشام كقول معاذ ~~وكما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {لا يزال أهل الغرب ظاهرين} قال الإمام أحمد: وأهل الغرب هم أهل الشام. ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو ~~غربه وما يشرق عنها فهو شرقه وكان يسمي أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق ~~كما قال ابن عمر: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إن من البيان لسحرا} . وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في " الشر " أن أصله من المشرق: كقوله: " {الفتنة من هاهنا الفتنة من ~~هاهنا} ويشير إلى المشرق وقوله صلى الله عليه وسلم " {رأس الكفر نحو ~~المشرق} ونحو ذلك. فأخبر أن الطائفة المنصورة القائمة على الحق من أمته ~~بالمغرب وهو الشام وما يغرب عنها والفتنة ورأس الكفر بالمشرق وكان أهل ~~المدينة يسمون أهل الشام أهل المغرب ويقولون عن الأوزاعي: أنه إمام أهل ~~المغرب ويقولون عن سفيان الثوري ونحوه: إنه مشرقي إمام أهل المشرق وهذا لأن ~~منتهى الشام عند الفرات هو على مسامتة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم طول ~~كل منهما وبعد ذلك حران والرقة ونحوهما على مسامتة مكة؛ ولهذا كانت قبلتهم ~~أعدل # PageV04P446 # القبلة بمعنى أنهم يستقبلون الركن الشامي ويستدبرون القطب الشامي من غير ~~انحراف إلى ذات اليمين كأهل العراق ولا إلى ذات الشمال: كأهل الشام. قالوا: ~~فإذا دلت هذه النصوص على أن الطائفة القائمة بالحق من أمته التي لا يضرها ~~خلاف المخالف ولا خذلان الخاذل ms1102 هي بالشام كان هذا معارضا لقوله: " {تقتل ~~عمارا الفئة الباغية} ولقوله: " {تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} وهذا من حجة ~~من يجعل الجميع سواء والجميع مصيبين أو يمسك عن الترجيح وهذا أقرب. وقد ~~احتج به من هؤلاء على أولئك لكن هذا القول مرغوب عنه وهو من أقوال النواصب ~~فهو مقابل بأقوال الشيعة والروافض هؤلاء أهل الأهواء وإنما نتكلم هنا مع ~~أهل العلم والعدل. ولا ريب أن هذه النصوص لا بد من الجمع بينها والتأليف ~~فيقال: أما قوله صلى الله عليه وسلم " {لا يزال أهل الغرب ظاهرين} ونحو ذلك ~~مما يدل على ظهور أهل الشام وانتصارهم فهكذا وقع وهذا هو الأمر؛ فإنهم ما ~~زالوا ظاهرين منتصرين. وأما قوله عليه السلام " {لا تزال طائفة من أمتي ~~قائمة بأمر الله} ومن هو ظاهر فلا يقتضي أن لا يكون فيهم من فيه بغي ومن ~~غيره أولى بالحق منهم بل فيهم هذا وهذا. وأما قوله: " {تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق} فهذا دليل على أن عليا # PageV04P447 # ومن معه كان أولى بالحق إذ ذاك من الطائفة الأخرى وإذا كان الشخص أو ~~الطائفة مرجوحا في بعض الأحوال لم يمنع أن يكون قائما بأمر الله وأن يكون ~~ظاهرا بالقيام بأمر الله عن طاعة الله ورسوله وقد يكون الفعل طاعة وغيره ~~أطوع منه. وأما كون بعضهم باغيا في بعض الأوقات؛ مع كون بغيه خطأ مغفورا أو ~~ذنبا مغفورا: فهذا أيضا لا يمنع ما شهدت به النصوص؛ وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبر عن جملة أهل الشام وعظمتهم ولا ريب أن جملتهم كانوا أرجح في ~~عموم الأحوال. وكذلك عمر بن الخطاب كان يفضلهم في مدة خلافته على أهل ~~العراق حتى قدم الشام غير مرة وامتنع من الذهاب إلى العراق واستشار فأشار ~~عليه أنه لا يذهب إليها وكذلك حين وفاته لما طعن أدخل عليه أهل المدينة ~~أولا وهم كانوا إذ ذاك أفضل الأمة ثم أدخل عليه أهل الشام ثم أدخل عليه أهل ~~العراق وكانوا آخر من دخل عليه - هكذا في الصحيح. وكذلك الصديق ms1103 كانت عنايته ~~بفتح الشام أكثر من عنايته بفتح العراق حتى قال: لكفر من كفور الشام أحب ~~إلي من فتح مدينة بالعراق. والنصوص التي في كتاب الله وسنة رسوله وأصحابه ~~في فضل الشام وأهل الغرب على نجد والعراق وسائر أهل المشرق أكثر من أن تذكر ~~هنا بل عن # PageV04P448 # النبي صلى الله عليه وسلم من النصوص الصحيحة في ذم المشرق وأخباره " {بأن ~~الفتنة ورأس الكفر منه} ما ليس هذا موضعه وإنما كان فضل المشرق عليهم بوجود ~~أمير المؤمنين علي وذاك كان أمرا عارضا؛ ولهذا لما ذهب علي ظهر منهم من ~~الفتن والنفاق والردة والبدع: ما يعلم به أن أولئك كانوا أرجح. وكذلك أيضا ~~لا ريب أن في أعيانهم من العلماء والصالحين من هو أفضل من كثير من أهل ~~الشام كما كان علي وابن مسعود وعمار وحذيفة ونحوهم أفضل من أكثر من بالشام ~~من الصحابة لكن مقابلة الجملة وترجيحها لا يمنع اختصاص الطائفة الأخرى بأمر ~~راجح. والنبي صلى الله عليه وسلم ميز أهل الشام بالقيام بأمر الله دائما ~~إلى آخر الدهر وبأن الطائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدهر فهو إخبار عن أمر ~~دائم مستمر فيهم مع الكثرة والقوة وهذا الوصف ليس لغير الشام من أرض ~~الإسلام؛ فإن الحجاز - التي هي أصل الإيمان نقص في آخر الزمان: منها العلم ~~والإيمان والنصر والجهاد وكذلك اليمن والعراق والمشرق. وأما الشام فلم يزل ~~فيها العلم والإيمان ومن يقاتل عليه منصورا مؤيدا في كل وقت فهذا هذا والله ~~أعلم. وهذا يبين رجحان الطائفة الشامية من بعض الوجوه مع أن عليا كان أولى # PageV04P449 # بالحق ممن فارقه ومع أن عمارا قتلته الفئة الباغية كما جاءت به النصوص ~~فعلينا أن نؤمن بكل ما جاء من عند الله ونقر بالحق كله ولا يكون لنا هوى ~~ولا نتكلم بغير علم؛ بل نسلك سبل العلم والعدل وذلك هو اتباع الكتاب ~~والسنة؛ فأما من تمسك ببعض الحق دون بعض فهذا منشأ الفرقة والاختلاف. ولهذا ~~لما اعتقدت طوائف من الفقهاء وجوب القتال مع علي جعلوا ذلك ms1104 " قاعدة فقهية " ~~فيما إذا خرجت طائفة على الإمام بتأويل سائغ وهي عنده راسلهم الإمام فإن ~~ذكروا مظلمة أزالها عنهم وإن ذكروا شبهة بينها فإن رجعوا وإلا وجب قتالهم ~~عليه وعلى المسلمين. ثم إنهم أدخلوا في هذه القاعدة " قتال الصديق لمانعي ~~الزكاة " و " قتال علي للخوارج المارقين "؛ وصاروا فيمن يتولى أمور ~~المسلمين من الملوك والخلفاء وغيرهم يجعلون أهل العدل من اعتقدوه لذلك ثم ~~يجعلون المقاتلين له بغاة لا يفرقون بين قتال الفتنة المنهي عنه والذي تركه ~~خير من فعله كما يقع بين الملوك والخلفاء وغيرهم وأتباعهم: كاقتتال الأمين ~~والمأمون وغيرهما؛ وبين قتال " الخوارج " الحرورية والمرتدة والمنافقين " ~~كالمزدكية " ونحوهم. وهذا تجده في الأصل من رأي بعض فقهاء أهل الكوفة ~~وأتباعهم ثم الشافعي وأصحابه ثم كثير من أصحاب أحمد الذين صنفوا باب قتال ~~أهل البغي نسجوا على منوال أولئك تجدهم هكذا فإن الخرقي نسج على منوال # PageV04P450 # المزني، والمزني نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن وإن كان ذلك في بعض ~~التبويب والترتيب. والمصنفون في الأحكام: يذكرون قتال البغاة والخوارج ~~جميعا وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في " قتال البغاة " حديث إلا حديث ~~كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع. وأما كتب الحديث المصنفة مثل: صحيح ~~البخاري والسنن فليس فيها إلا قتال أهل الردة والخوارج وهم أهل الأهواء ~~وكذلك كتب السنة المنصوصة عن الإمام أحمد ونحوه. وكذلك - فيما أظن - كتب ~~مالك وأصحابه ليس فيها باب قتال البغاة وإنما ذكروا أهل الردة وأهل الأهواء ~~وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله وهو الفرق بين القتال لمن خرج ~~عن الشريعة والسنة فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القتال ~~لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك فارتكب الأولون ~~ثلاثة محاذير: - الأول: قتال من خرج عن طاعة ملك معين وإن كان قريبا منه ~~ومثله - في السنة والشريعة - لوجود الافتراق والافتراق هو الفتنة. # PageV04P451 # والثاني: التسوية بين هؤلاء وبين المرتدين عن بعض شرائع الإسلام. # والثالث: التسوية بين هؤلاء ms1105 وبين قتال الخوارج المارقين من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية؛ ولهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء ~~الملوك وولاة الأمور ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على أنهم أهل ~~العدل وأولئك البغاة؛ وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم أو أئمة ~~الكلام أو أئمة المشيخة على نظرائهم مدعين أن الحق معهم أو أنهم أرجح بهوى ~~قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالاجتهاد وهذا كثير في علماء الأمة وعبادها ~~وأمرائها وأجنادها وهو من البأس الذي لم يرفع من بينها؛ فنسأل الله العدل؛ ~~فإنه لا حول ولا قوة إلا به. ولهذا كان أعدل الطوائف " أهل السنة " أصحاب ~~الحديث. وتجد هؤلاء إذا أمروا بقتال من مرق من الإسلام أو ارتد عن بعض ~~شرائعه يأمرون أن يسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يسبى لهم ~~ذرية ولا يغنم لهم مال ولا يجهز لهم على جريح ولا يقتل لهم أسير ويتركون ما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وسار به علي في قتال الخوارج وما أمر الله ~~به رسوله وسار به الصديق في قتال مانعي الزكاة فلا يجمعون بين ما فرق الله ~~بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين؛ ويفرقون بين ما جمع ~~الله بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P452 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن إسلام " معاوية بن أبي سفيان " متى كان؟ وهل كان إيمانه كإيمان غيره ~~أم لا؟ وما قيل فيه غير ذلك؟ . # فأجاب: # إيمان " معاوية بن أبي سفيان " - رضي الله عنه - ثابت بالنقل المتواتر ~~وإجماع أهل العلم على ذلك؛ كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة مثل أخيه " ~~يزيد " بن أبي سفيان ومثل سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل ~~والحارث بن هشام. وأبي أسد بن أبي العاص بن أمية وأمثال هؤلاء. فإن هؤلاء ~~يسمون " الطلقاء ": فإنهم آمنوا عام فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة قهرا ~~وأطلقهم ومن عليهم وأعطاهم وتألفهم وقد روي: أن معاوية ms1106 بن أبي سفيان أسلم ~~قبل ذلك وهاجر كما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ~~الحجبي - قبل فتح مكة - وهاجروا إلى المدينة فإن كان هذا صحيحا فهذا من ~~المهاجرين. # PageV04P453 # وأما إسلامه عام الفتح مع من ذكر فمتفق عليه بين العلماء؛ سواء كان أسلم ~~قبل ذلك أو لم يكن إسلامه إلا عام فتح مكة؛ ولكن بعض الكذابين زعم: أنه عير ~~أباه بإسلامه وهذا كذب بالاتفاق من أهل العلم بالحديث. وكان هؤلاء ~~المذكورون من أحسن الناس إسلاما وأحمدهم سيرة: لم يتهموا بسوء ولم يتهمهم ~~أحد من أهل العلم بنفاق كما اتهم غيرهم؛ بل ظهر منهم من حسن الإسلام وطاعة ~~الله ورسوله وحب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وحفظ حدود الله: ما دل ~~على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم ومنهم من أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم واستعمله نائبا له كما استعمل عتاب بن أسيد أميرا على مكة نائبا عنه ~~وكان من خيار المسلمين كان يقول: يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحدا منكم ~~قد تخلف عن الصلاة إلا ضربت عنقه. وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم " ~~أبا سفيان " بن حرب - أبا معاوية - على نجران نائبا له وتوفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو سفيان عامله على نجران. وكان معاوية أحسن إسلاما من ~~أبيه باتفاق أهل العلم كما أن أخاه " يزيد بن أبي سفيان " كان أفضل منه ومن ~~أبيه؛ ولهذا استعمله أبو بكر الصديق رضي الله عنه على قتال النصارى حين فتح ~~الشام وكان هو أحد الأمراء الذين استعملهم أبو بكر الصديق ووصاه بوصية ~~معروفة نقلها أهل العلم واعتمدوا عليها وذكرها # PageV04P454 # مالك في الموطأ وغيره ومشى أبو بكر رضي الله عنه في ركابه مشيعا له فقال ~~له: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل فقال: لست بنازل ولست ~~براكب أحتسب خطاي هذه في سبيل الله عز وجل. وكان عمرو بن العاص أحد الأمراء ~~وأبو عبيدة بن الجراح أيضا وقدم عليهم خالد بن الوليد لشجاعته ms1107 ومنفعته في ~~الجهاد. فلما توفي أبو بكر ولى عمر بن الخطاب أبا عبيدة أميرا على الجميع؛ ~~لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان شديدا في الله فولى أبا عبيدة لأنه كان ~~لينا. وكان أبو بكر رضي الله عنه لينا وخالد شديدا على الكفار فولى اللين ~~الشديد وولى الشديد اللين؛ ليعتدل الأمر وكلاهما فعل ما هو أحب إلى الله ~~تعالى في حقه فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق وكان شديدا على ~~الكفار والمنافقين ونعته الله تعالى بأكمل الشرائع كما قال الله تعالى في ~~نعت أمته: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقال فيهم: {أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} . وقد ثبت ~~في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استشار أصحابه في أسارى بدر ~~وأشار عليه أبو بكر أن يأخذ الفدية منهم وإطلاقهم وأشار عليه عمر بضرب ~~أعناقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى ~~تكون ألين من البز ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الصخر وإن مثلك يا ~~أبا بكر مثل إبراهيم الخليل إذ قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن # PageV04P455 # عصاني فإنك غفور رحيم} ومثل عيسى بن مريم إذ قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ ~~قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ومثل موسى بن عمران إذ قال: ~~{ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم} } وكانا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما نعتهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكانا هما وزيريه من أهل الأرض. وقد ثبت في الصحيح عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما {أن سرير عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع وجاء ~~الناس يصلون عليه قال ابن عباس: فالتفت فإذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~فقال: والله ما على وجه الأرض ms1108 أحد أحب إلي من أن ألقى الله تعالى بعمله من ~~هذا الميت. والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت ~~أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول. دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا ~~وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر} . ثم ثبت في الصحيح أنه {لما كان ~~يوم أحد انهزم أكثر المسلمين فإذا أبو سفيان وكان القوم المرام (1) إذ قال: ~~أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تجيبوه ثم قال: أفي PageV04P456 # القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي ~~القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تجيبوه} الحديث بطوله فهذا أبو سفيان قائد الأحزاب لم يسأل إلا عن هؤلاء ~~الثلاثة: عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لعلمه ~~بأن هؤلاء هم رءوس عسكر المسلمين. وقال الرشيد لمالك بن أنس: أخبرني عن ~~منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: منزلتهما منه في ~~حياته كمنزلتهما بعد وفاته فقال: شفيتني يا مالك فلما توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واستخلف أبا بكر جعل الله تعالى فيه من الشدة ما لم يكن فيه ~~قبل ذلك حتى فاق عمر في ذلك حتى قاتل أهل الردة بعد أن جهز جيش أسامة وكان ~~ذلك تكميلا له لكمال النبي صلى الله عليه وسلم الذي صار خليفة له. ولما ~~استخلف عمر جعل الله فيه من الرأفة والرحمة ما لم يكن فيه قبل ذلك تكميلا ~~له حتى صار أمير المؤمنين ولهذا استعمل هذا خالدا؛ وهذا أبا عبيدة. وكان ~~يزيد بن أبي سفيان على الشام؛ إلى أن ولي عمر؛ فمات يزيد بن أبي سفيان؛ ~~فاستعمل عمر معاوية مكان أخيه يزيد بن أبي سفيان وبقي معاوية # PageV04P457 # على ولايته تمام خلافته ms1109 وعمر ورعيته تشكره وتشكر سيرته فيهم وتواليه ~~وتحبه لما رأوا من حلمه وعدله؛ حتى أنه لم يشكه منهم مشتك ولا تظلمه منهم ~~متظلم، ويزيد بن معاوية ليس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ولد ~~في خلافة عثمان؛ وإنما سماه يزيد باسم عمه من الصحابة. وقد شهد معاوية؛ ~~وأخوه يزيد؛ وسهيل بن عمرو؛ والحارث بن هشام وغيرهم من مسلمة الفتح مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين؛ ودخلوا في قوله تعالى {ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا ~~وذلك جزاء الكافرين} وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغزوة الطائف لما حاصروا الطائف ورماها بالمنجنيق ~~وشهدوا النصارى بالشام وأنزل الله فيها سورة براءة؛ وهي غزوة العسرة التي ~~جهز فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العسرة بألف بعير في سبيل الله ~~تعالى فاعوزت وكملها بخمسين بعيرا فقال النبي: " {ما ضر عثمان ما فعل بعد ~~اليوم} " وهذا آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيها قتال. وقد ~~غزا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين غزاة بنفسه ولم # PageV04P458 # يكن القتال إلا في تسع غزوات: بدر وأحد وبني المصطلق والخندق وذي قرد ~~وغزوة الطائف وأعظم جيش جمعه النبي صلى الله عليه وسلم كان بحنين والطائف ~~وكانوا اثني عشر ألفا. وأعظم جيش غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم جيش تبوك ~~فإنه كان كثيرا لا يحصى غير أنه لم يكن فيه قتال. وهؤلاء المذكورون دخلوا ~~في قوله تعالى {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} فإن هؤلاء الطلقاء ~~مسلمة الفتح: هم ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم ~~أنفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما رضي الله عنهم. وهم أيضا داخلون فيمن ~~رضي الله عنهم حيث قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم ms1110 بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فإن السابقين هم الذين ~~أسلموا قبل الحديبية كالذين بايعوه تحت الشجرة الذين أنزل الله فيهم: {لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} كانوا أكثر من ألف وأربعمائة ~~وكلهم من أهل الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} " وكان فيهم حاطب بن أبي بلتعة ~~وكانت له سيئات # PageV04P459 # معروفة مثل مكاتبته للمشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وإساءته ~~إلى مماليكه وقد ثبت في الصحيح {أن مملوكه جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: والله يا رسول الله لا بد أن يدخل حاطب النار. فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم كذبت. إنه شهد بدرا والحديبية} ". وثبت في الصحيح أنه ~~{لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أرسل ~~علي بن أبي طالب والزبير إلى المرأة التي كان معها الكتاب فأتيا بها فقال: ~~ما هذا يا حاطب فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك ارتدادا عن ديني ولا ~~رضيت بالكفر بعد الإسلام ولكن كنت امرأ ملصقا في قريش لم أكن من أنفسهم ~~وكان من معك من أصحابك لهم بمكة قرابات يحمون بها أهاليهم فأحببت إذ فاتني ~~ذلك أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي فقال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنق ~~هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن ~~الله قال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم} . وفي هذا الحديث بيان أن الله يغفر ~~لهؤلاء السابقين - كأهل بدر والحديبية - من الذنوب العظيمة بفضل سابقتهم ~~وإيمانهم وجهادهم؛ ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم بها كما لم تجب معاقبة حاطب ~~مما كان منه. وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين علي وطلحة والزبير ~~ونحوهم: # PageV04P460 # فإنه إما أن يكون اجتهادا لا ذنب فيه فلا كلام. فقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {إذا اجتهد الحاكم فأصاب ms1111 فله أجران وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر} ". وإن كان هناك ذنب فقد ثبت أن هؤلاء رضي الله عنهم وغفر ~~لهم ما فعلوه؛ فلا يضرهم ما وقع منهم من الذنوب إن كان قد وقع ذنب؛ بل إن ~~وقع من أحدهم ذنب كان الله محاه بسبب قد وقع من الأسباب التي يمحص الله بها ~~الذنوب، مثل أن يكون قد تاب فيتوب الله عليه أو كان له حسنات تمحو السيئات ~~أو يكون قد كفر عنه ببلاء ابتلاه به فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ~~ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله من خطاياه} ". وأما من بعد هؤلاء السابقين ~~الأولين وهم الذين أسلموا بعد الحديبية فهؤلاء دخلوا في قوله تعالى {وكلا ~~وعد الله الحسنى} وفي قوله تعالى {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه} وقد أسلم قبل فتح مكة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن ~~طلحة الحجبي وغيرهم. وأسلم بعد الطلقاء أهل الطائف وكانوا آخر الناس إسلاما ~~وكان منهم عثمان بن أبي العاص الثقفي الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أهل الطائف وكان من خيار الصحابة؛ مع تأخر إسلامه. # PageV04P461 # فقد يتأخر إسلام الرجل ويكون أفضل من بعض من تقدمه بالإسلام كما تأخر ~~إسلام عمر فإنه يقال: إنه أسلم تمام الأربعين وكان ممن فضله الله على كثير ~~ممن أسلم قبله وكان عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف أسلموا ~~قبل عمر على يد أبي بكر وتقدمهم عمر. وأول من أسلم من الرجال الأحرار ~~البالغين أبو بكر ومن الأحرار الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة ومن ~~النساء خديجة أم المؤمنين وهذا باتفاق أهل العلم. وقد قال الله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} إلى قوله تعالى {والذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ms1112 حقا لهم مغفرة ~~ورزق كريم} {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} . فهذه ~~عامة. وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} ~~{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا # PageV04P462 # الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف ~~رحيم} . فهذه الآية والتي قبلها: تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين ~~إلى يوم القيامة؛ فكيف لا يدخل فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذين آمنوا به وجاهدوا معه؟ . وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: " {المهاجر من هجر ما نهى الله عنه} " فمن كان قد أسلم من الطلقاء ~~وهجر ما نهى الله عنه كان له معنى هذه الهجرة فدخل في قوله تعالى {والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} كما دخل في قوله تعالى ~~{وكلا وعد الله الحسنى} . وقد قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} فهذا ~~يتناول الذين آمنوا مع الرسول مطلقا. وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصحاح وغيرها من غير # PageV04P463 # وجه أنه قال: " {خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم} ". وثبت عنه في الصحيح {أنه كان بين عبد الرحمن وبين خالد ~~كلام فقال: يا خالد لا تسبوا أصحابي. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} ms1113 " قال ذلك لخالد ونحوه ممن أسلم ~~بعد الحديبية بالنسبة إلى السابقين الأولين. يقول: إذا أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصف مده. وهؤلاء الذين أسلموا بعد الحديبية دخلوا ~~في قوله تعالى {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} بهذه المنزلة. وكيف ~~يكون بعد أصحابه؟ والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قليلا أو كثيرا لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك فمن صحبه سنة أو شهرا أو ~~يوما أو ساعة أو رآه مؤمنا فله من الصحبة بقدر ذلك كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {يغزوا فئام من الناس فيقولون: هل ~~فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ: هل فيكم من رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيفتح لهم؛ ثم يغزوا فئام من الناس ~~فيقولون: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله # PageV04P464 # صلى الله عليه وسلم؟ - وفي لفظ - هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقولون: ~~هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - وفي لفظ - ~~من صحب من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيفتح ~~لهم} " وفي بعض الطرق فيذكر في الطبقة الرابعة كذلك. فقد علق النبي صلى ~~الله عليه وسلم الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب ~~من رآه مؤمنا به. وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة؛ ولو كانت أعمالهم ~~أكثر من أعمال الواحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم. # PageV04P465 # فصل: # إذا تبين هذا؛ فمن المعلوم أن الطريق التي بها يعلم إيمان الواحد من ~~الصحابة هي الطريق التي بها يعلم إيمان نظرائه والطريق التي تعلم بها صحبته ~~هي الطريق التي يعلم بها ms1114 صحبة أمثاله. فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح ~~مثل: معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل؛ وصفوان بن أمية والحارث بن ~~هشام؛ وسهيل بن عمرو. وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على ~~الإسلام إلى حين الموت. ومعاوية أظهر إسلاما من غيره فإنه تولى أربعين سنة؛ ~~عشرين سنة نائبا لعمر وعثمان مع ما كان في خلافة علي رضي الله عنه وعشرين ~~سنة مستوليا؛ وأنه تولى سنة ستين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين ~~سنة. وسلم إليه الحسن بن علي رضي الله عنهما الأمر عام أربعين الذي يقال له ~~عام الجماعة؛ لاجتماع الكلمة وزوال الفتنة بين المسلمين. وهذا الذي فعله ~~الحسن رضي الله عنه مما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في ~~صحيح البخاري وغيره عن أبي بكر - رضي الله عنه - أن النبي # PageV04P466 # صلى الله عليه وسلم قال: " {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين ~~عظيمتين من المسلمين} " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مما أثنى به على ~~ابنه الحسن ومدحه على أن أصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~وذلك حين سلم الأمر إلى معاوية وكان قد سار كل منهما إلى الآخر بعساكر ~~عظيمة. فلما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بالإصلاح وترك القتال ~~دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله فدل ~~على أن الاقتتال لم يكن مأمورا به ولو كان معاوية كافرا لم تكن تولية كافر ~~وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله؛ بل دل الحديث على أن معاوية ~~وأصحابه كانوا مؤمنين؛ كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين؛ وأن الذي فعله الحسن ~~كان محمودا عند الله تعالى محبوبا مرضيا له ولرسوله. وهذا كما ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: " {تمرق ~~مارقة على حين فرقة من الناس فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفي لفظ فتقتلهم ~~أدناهم إلى الحق} " فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا ms1115 الطائفتين ~~المقتتلتين - علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه - على حق وأن عليا وأصحابه كانوا ~~أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. فإن علي بن أبي طالب هو الذي قاتل ~~المارقين وهم " الخوارج الحرورية " الذين كانوا من شيعة علي ثم خرجوا عليه ~~وكفروه وكفروا من والاه ونصبوا له العداوة وقاتلوه ومن معه. وهم الذين أخبر ~~عنهم النبي # PageV04P467 # صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة المستفيضة؛ بل المتواترة حيث قال ~~فيهم: " {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة ~~آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليدين له عضل عليها شعرات تدردر} ". وهؤلاء هم ~~الذين نصبوا العداوة لعلي ومن والاه وهم الذين استحلوا قتله وجعلوه كافرا ~~وقتله أحد رءوسهم " عبد الرحمن بن ملجم المرادي " فهؤلاء النواصب الخوارج ~~المارقون إذ قالوا: إن عثمان وعلي بن أبي طالب ومن معهما كانوا كفارا ~~مرتدين فإن من حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة وما ثبت ~~بالكتاب والسنة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم وثناء الله عليهم ورضاه عنهم ~~وإخباره بأنهم من أهل الجنة ونحو ذلك من النصوص ومن لم يقبل هذه الحجج لم ~~يمكنه أن يثبت إيمان علي بن أبي طالب وأمثاله. فإنه لو قال هذا الناصبي ~~للرافضي: إن عليا كان كافرا أو فاسقا ظالما وأنه قاتل على الملك: لطلب ~~الرياسة؛ لا للدين وأنه قتل " من أهل الملة " من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالجمل وصفين وحروراء ألوفا مؤلفة ولم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم كافرا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة ونحو هذا الكلام - الذي ~~تقوله النواصب المبغضون لعلي رضي الله عنه - # PageV04P468 # لم يمكن أن يجيب هؤلاء النواصب إلا أهل السنة والجماعة؛ الذين يحبون ~~السابقين الأولين كلهم ويوالونهم. فيقولون لهم: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة ~~والزبير ونحوهم ثبت بالتواتر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وثبت في القرآن ثناء ms1116 ~~الله عليهم والرضى عنهم وثبت بالأحاديث الصحيحة ثناء النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليهم خصوصا وعموما كقوله في الحديث المستفيض عنه: " {لو كنت متخذا من ~~أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} " وقوله: " {إنه قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} " وقوله عن عثمان: " {ألا أستحي ~~ممن تستحي منه الملائكة} "؟ وقوله لعلي: " {لأعطين الراية رجلا يحب الله ~~ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه} " وقوله: " {لكل نبي حواريون ~~وحواري الزبير} " وأمثال ذلك. وأما الرافضي فلا يمكنه إقامة الحجة على من ~~يبغض عليا من النواصب كما يمكن ذلك أهل السنة الذين يحبون الجميع. فإنه إن ~~قال: إسلام علي معلوم بالتواتر. قال له: وكذلك إسلام أبي بكر وعمر وعثمان ~~ومعاوية وغيرهم وأنت تطعن في هؤلاء إما في إسلامهم؛ وإما في عدالتهم. فإن ~~قال: إيمان علي ثبت بثناء النبي صلى الله عليه وسلم. قلنا له: هذه الأحاديث ~~إنما نقلها الصحابة الذين تطعن أنت فيهم ورواة فضائلهم: سعد بن أبي # PageV04P469 # وقاص وعائشة وسهل بن سعد الساعدي وأمثالهم والرافضة تقدح في هؤلاء. فإن ~~كانت رواية هؤلاء وأمثالهم ضعيفة بطل كل فضيلة تروى لعلي ولم يكن للرافضة ~~حجة وإن كانت روايتهم صحيحة ثبتت فضائل علي وغيره؛ ممن روى هؤلاء فضائله: ~~كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. فإن قال الرافضي: فضائل علي متواترة عند ~~الشيعة - كما يقولون: إن النص عليه بالإمامة متواتر - قيل له أما " الشيعة ~~" الذين ليسوا من الصحابة: فإنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~سمعوا كلامه ونقلهم نقل مرسل منقطع إن لم يسنده إلى الصحابة لم يكن صحيحا. ~~والصحابة الذين تواليهم الرافضة نفر قليل - بضعة عشر وإما نحو ذلك - وهؤلاء ~~لا يثبت التواتر بنقلهم لجواز التواطؤ على مثل هذا العدد القليل، والجمهور ~~الأعظم من الصحابة الذين نقلوا فضائلهم تقدح الرافضة فيهم؛ ثم إذا جوزوا ~~على الجمهور الذين أثنى عليهم القرآن الكذب والكتمان فتجويز ذلك على نفر ~~قليل أولى وأجوز. وأيضا فإذا قال الرافضي: إن أبا بكر وعمر ms1117 وعثمان كان ~~قصدهم الرياسة والملك فظلموا غيرهم بالولاية. قال لهم: هؤلاء لم يقاتلوا ~~مسلما على الولاية وإنما قاتلوا المرتدين والكفار وهم الذين كسروا كسرى ~~وقيصر وفتحوا بلاد فارس وأقاموا الإسلام وأعزوا الإيمان وأهله وأذلوا الكفر ~~وأهله. # PageV04P470 # وعثمان هو دون أبي بكر وعمر في المنزلة. ومع ذلك فقد طلبوا قتله وهو في ~~ولايته فلم يقاتل المسلمين ولا قتل مسلما على ولايته؛ فإن جوزت على هؤلاء ~~أنهم كانوا ظالمين في ولايتهم أعداء الرسول: كانت حجة الناصبي عليك أظهر. ~~وإذا أسأت القول في هؤلاء ونسبتهم إلى الظلم والمعاداة للرسول وطائفته: كان ~~ذلك حجة للخوارج النواصب المارقين عليك. فإنهم يقولون: أيما أولى أن ينسب ~~إلى طلب الرياسة: من قاتل المسلمين على ولايته - ولم يقاتل الكفار - ~~وابتدأهم بالقتال ليطيعوه؛ وهم لا يطيعونه وقتل من " أهل القبلة " الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق؛ ويصومون شهر رمضان ~~ويقرءون القرآن ألوفا مؤلفة؛ ومن لم يقاتل مسلما؛ بل أعزوا أهل الصلاة ~~والزكاة ونصروهم وآووهم أو من قتل وهو في ولايته لم يقاتل ولم يدفع عن نفسه ~~حتى قتل في داره وبين أهله رضي الله عنه؟ فإن جوزت على مثل هذا أن يكون ~~ظالما للملك ظالما للمسلمين بولايته فتجويز هذا على من قاتل على الولاية ~~وقتل المسلمين عليها أولى وأحرى. وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليس ~~لها عقل صريح؛ ولا نقل صحيح ولا دين مقبول؛ ولا دنيا منصورة بل هم من أعظم ~~الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد كما دخل فيهم ~~النصيرية؛ # PageV04P471 # والإسماعيلية وغيرهم فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم وإلى أعداء ~~الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم ويعمدون إلى الصدق الظاهر ~~المتواتر يدفعونه وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه؛ فهم كما قال ~~فيهم الشعبي - وكان من أعلم الناس بهم - لو كانوا من البهائم لكانوا حمرا ~~ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدهم فرية مثل ~~ما يذكرون عن معاوية. فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبي صلى الله ms1118 ~~عليه وسلم كما أمر غيره وجاهد معه وكان أمينا عنده يكتب له الوحي وما اتهمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي. وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من ~~أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ~~ولايته. وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه أبا سفيان إلى أن مات ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ولايته فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاما ~~من أبيه باتفاق المسلمين وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولى أباه فلأن ~~تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى؛ ولم يكن من أهل الردة قط ولا نسبه أحد ~~من أهل العلم إلى الردة فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الذين ينسبون أبا ~~بكر وعمر وعثمان وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم. # PageV04P472 # والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم: إنه مات ووجهه إلى الشرق ~~والصليب على وجهه وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه. ~~ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية من ملوك بني أمية وبني العباس كعبد ~~الملك بن مروان وأولاده وأبي جعفر المنصور وولديه - الملقبين بالمهدي ~~والهادي - والرشيد وأمثالهم من الذين تولوا الخلافة وأمر المؤمنين؛ فمن نسب ~~واحدا من هؤلاء إلى الردة وإلى أنه مات على دين النصارى لعلم كل عاقل أنه ~~من أعظم الناس فرية فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابة. بل ~~يزيد ابنه مع ما أحدث من الأحداث من قال فيه: إنه كافر مرتد فقد افترى ~~عليه. بل كان ملكا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين وأكثر الملوك لهم ~~حسنات ولهم سيئات وحسناتهم عظيمة وسيئاتهم عظيمة فالطاعن في واحد منهم دون ~~نظرائه إما جاهل وإما ظالم. وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين منهم من تكون ~~حسناته أكثر من سيئاته ومنهم من قد تاب من سيئاته ومنهم من كفر الله عنه ~~ومنهم من قد ms1119 يدخله الجنة ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته ومنهم من قد يتقبل ~~الله فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو ~~من أقوال أهل البدع والضلال. # PageV04P473 # وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار. وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لعن الله الخمرة وعاصرها ~~ومعتصرها وحاملها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها} ". وصح ~~عنه: {أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يكثر شربها يدعى ~~حمارا وكان كلما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم جلده فأتى به إليه ليجلده ~~فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} ". وقد لعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شارب الخمر عموما ونهى عن لعنة المؤمن المعين. كما أنا ~~نقول ما قال الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا} فلا ينبغي لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه في النار لإمكان ~~أن يتوب أو يغفر له الله بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة أو ~~يعفو الله عنه أو غير ذلك. فهكذا الواحد من الملوك أو غير الملوك وإن كان ~~صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار. ومن دخل في ~~ذلك كان من أهل البدع والضلال؛ فكيف إذا كان للرجل حسنات عظيمة يرجى له بها ~~المغفرة مع ظلمه كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه # PageV04P474 # قال: " {أول جيش يغزو قسطنطينية مغفور له} " وأول جيش غزاها كان أميرهم " ~~يزيد بن معاوية " وكان معه في الغزاة أبو أيوب الأنصاري وتوفي هناك وقبره ~~هناك إلى الآن. ولهذا كان المقتصدون من أئمة السلف يقولون في يزيد وأمثاله: ~~إنا لا نسبهم ولا نحبهم أي لا نحب ما صدر منهم من ظلم. والشخص الواحد يجتمع ~~فيه ms1120 حسنات وسيئات وطاعات ومعاص وبر وفجور وشر فيثيبه الله على حسناته ~~ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعله ~~من الشر. فأما من كانت سيئاته صغائر فقد وافقت المعتزلة على أن الله ~~يغفرها. وأما صاحب الكبيرة فسلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا ~~يشهدون له بالنار بل يجوزون أن الله يغفر له كما قال تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذه في حق من لم يشرك فإنه ~~قيدها بالمشيئة وأما قوله تعالى {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فهذا في حق من تاب ولذلك ~~أطلق وعم. والخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد في النار ثم ~~إنهم # PageV04P475 # قد يتوهمون في بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر كما تتوهم الخوارج في ~~عثمان وعلي وأتباعهما أنهم مخلدون في النار كما يتوهم بعض ذلك في مثل ~~معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهما ويبنون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين: # إحداهما: أن فلانا من أهل الكبائر. # والثانية: أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار. وكلا القولين باطل. وأما ~~الثاني فباطل على الإطلاق. وأما الأول فقد يعلم بطلانه وقد يتوقف فيه. ومن ~~قال عن معاوية وأمثاله؛ ممن ظهر إسلامه وصلاته وحجه وصيامه أنه لم يسلم ~~وأنه كان مقيما على الكفر فهو بمنزلة من يقول ذلك في غيره كما لو ادعى مدع ~~ذلك في العباس وجعفر وعقيل وفي أبي بكر وعمر وعثمان. وكما لو ادعى أن الحسن ~~والحسين ليسا ولدي علي بن أبي طالب إنما هما أولاد سلمان الفارسي ولو ادعى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج ابنتي أبي بكر وعمر ولم يزوج بنتيه ~~عثمان؛ بل إنكار إسلام معاوية أقبح من إنكار هذه الأمور فإن منها ما لا ~~يعرفه إلا العلماء. وأما إسلام معاوية وولايته على المسلمين والإمارة ~~والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق ولو أنكر منكر إسلام علي أو ms1121 ادعى بقاءه ~~على الكفر؛ لم يحتج # PageV04P476 # عليه إلا بمثل ما يحتج به على من أنكر إسلام أبي بكر؛ وعمر؛ وعثمان ~~ومعاوية وغيرهم. وإن كان بعضهم أفضل من بعض فتفاضلهم لا يمنع اشتراكهم في ~~ظهور إسلامهم. وأما قول القائل: إيمان معاوية كان نفاقا؛ فهو أيضا من الكذب ~~المختلق. فإنه ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق؛ بل العلماء ~~متفقون على حسن إسلامه؛ وقد توقف بعضهم في حسن إسلام أبي سفيان - أبيه - ~~وأما معاوية؛ وأخوه يزيد فلم يتنازعوا في حسن إسلامهما كما لم يتنازعوا في ~~حسن إسلام عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأمثالهم من ~~مسلمة الفتح وكيف يكون رجلا متوليا على المسلمين أربعين سنة نائبا ومستقلا ~~يصلي بهم الصلوات الخمس ويخطب ويعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~ويقيم فيهم الحدود ويقسم بينهم فيأهم ومغانمهم وصدقاتهم ويحج بهم ومع هذا ~~يخفي نفاقه عليهم كلهم؟ وفيهم من أعيان الصحابة جماعة كثيرة. بل أبلغ من ~~هذا أنه - ولله الحمد - لم يكن من الخلفاء الذين لهم ولاية عامة من خلفاء ~~بني أمية وبني العباس أحد يتهم بالزندقة والنفاق وبنو أمية لم ينسب أحد ~~منهم إلى الزندقة والنفاق وإن كان قد ينسب الرجل منهم إلى نوع من البدعة أو ~~نوع من الظلم لكن لم ينسب أحد منهم من أهل العلم إلى زندقة ونفاق. # PageV04P477 # وإنما كان المعروفون بالزندقة والنفاق بني عبيد القداح الذين كانوا بمصر ~~والمغرب وكانوا يدعون أنهم علويون وإنما كانوا من ذرية الكفار فهؤلاء قد ~~اتفق أهل العلم على رميهم بالزندقة والنفاق وكذلك رمي بالزندقة والنفاق قوم ~~من ملوك النواحي الخلفاء من بني بويه وغير بني بويه؛ فأما خليفة عام ~~الولاية في الإسلام فقد طهر الله المسلمين أن يكون ولي أمرهم زنديقا منافقا ~~فهذا مما ينبغي أن يعلم ويعرف فإنه نافع في هذا الباب. واتفق العلماء على ~~أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول ~~الملوك؛ كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث: ms1122 " {يكون الملك نبوة ورحمة ~~ثم تكون خلافة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض} " وكان ~~في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرا من ملك غيره. ~~وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة فإنه قد ثبت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا} " وكان أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون ~~الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم " {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء # PageV04P478 # الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ~~فإن كل محدثة بدعة} ". وقد تنازع كثير من الناس في خلافة علي؛ وقالوا: ~~زمانه زمان فتنة لم يكن في زمانه جماعة وقالت طائفة: يصح أن يولى خليفتان ~~فهو خليفة ومعاوية خليفة؛ لأن الأمة لم تتفق عليه ولم تنتظم في خلافته. ~~والصحيح الذي عليه الأئمة: أن عليا رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين بهذا ~~الحديث فزمان علي كان يسمي نفسه أمير المؤمنين والصحابة تسميه بذلك. قال ~~الإمام أحمد بن حنبل: " من لم يربع بعلي رضي الله عنه في الخلافة فهو أضل ~~من حمار أهله " ومع هذا فلكل خليفة مرتبة. فأبو بكر وعمر لا يوازنهما أحد ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر ~~وعمر} " ولم يكن نزاع بين شيعة علي الذين صحبوه في تقديم أبي بكر وعمر وثبت ~~عن علي من وجوه كثيرة أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ~~جلدته حد المفتري. وإنما كانوا يتنازعون في عثمان وعلي رضي الله عنهما لكن ~~ثبت تقديم عثمان على علي باتفاق السابقين على مبايعة (عثمان طوعا بلا كره؛ ~~بعد أن جعل عمر الشورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد # PageV04P479 # وعبد الرحمن بن عوف. وتركها " ثلاثة " وهم: طلحة والزبير وسعد. فبقيت في ~~" ثلاثة " عثمان وعلي وعبد الرحمن. فولي أحدهما فبقي عبد الرحمن يشاور ~~المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ms1123 ثلاثة أيام ثم أخبر أنهم لم ~~يعدلوا بعثمان. ونقل وفاته وولايته: حديث طويل فمن أراده فعليه بأحاديث ~~الثقات. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وسلم. # PageV04P480 # قال شيخ الإسلام رحمه الله: # فصل: افترق الناس في " يزيد " بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق: طرفان ~~ووسط. # فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرا منافقا وأنه سعى في قتل سبط رسول الله ~~تشفيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاما منه وأخذا بثأر جده عتبة ~~وأخي جده شيبة وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها؛ وقالوا: تلك أحقاد ~~بدرية وآثار جاهلية وأنشدوا عنه: # لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرءوس على ربي جيرون # نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح ... فلقد قضيت من النبي ديوني # وقالوا: إنه تمثل بشعر ابن الزبعرى الذي أنشده يوم أحد: # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # PageV04P481 # قد قتلنا الكثير من أشياخهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل # وأشياء من هذا النمط. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر ~~وعمر وعثمان؛ فتكفير يزيد أسهل بكثير. # والطرف الثاني يظنون أنه كان رجلا صالحا وإمام عدل وأنه كان من " الصحابة ~~" الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على يديه وبرك عليه ~~وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر. وربما جعله بعضهم نبيا ويقولون عن " ~~الشيخ عدي " أو حسن المقتول - كذبا عليه - إن سبعين وليا صرفت وجوههم عن ~~القبلة لتوقفهم في يزيد. وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من ~~الضلال. فإن الشيخ عديا كان من بني أمية وكان رجلا صالحا عابدا فاضلا ولم ~~يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التي يقولها غيره كالشيخ " أبي الفرج " ~~المقدسي فإن عقيدته موافقة لعقيدته؛ لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال من ~~الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل والغلو في الشيخ عدي وفي يزيد والغلو في ~~ذم الرافضة بأنه لا تقبل لهم توبة وأشياء أخر. وكلا ms1124 القولين ظاهر البطلان ~~عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من ~~أهل العلم المعروفين بالسنة ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي ~~وخبرة. # PageV04P482 # والقول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد ~~إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافرا؛ ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع " الحسين ~~" وفعل ما فعل بأهل الحرة ولم يكن صاحبا ولا من أولياء الله الصالحين وهذا ~~قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا (ثلاث فرق: فرقة ~~لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد ~~وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين. قال صالح بن أحمد: قلت ~~لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد فقال: يا بني وهل يحب يزيد أحد يؤمن ~~بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني ومتى رأيت ~~أباك يلعن أحدا. وقال مهنا: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ~~فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل قلت: وما فعل؟ قال: قتل من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها قلت: فيذكر عنه ~~الحديث؟ قال: لا يذكر عنه حديث. وهكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره. وقال أبو ~~محمد المقدسي لما سئل عن يزيد: فيما بلغني لا يسب ولا يحب. وبلغني أيضا أن ~~جدنا أبا عبد الله ابن تيمية سئل عن يزيد. فقال: لا تنقص ولا تزد. وهذا ~~أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها. # PageV04P483 # أما ترك سبه ولعنته فبناء على أنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه أو بناء ~~على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريما وإما تنزيها. فقد ثبت في ~~صحيح البخاري عن عمر في قصة " حمار " الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما ~~لعنه بعض الصحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا تلعنه فإنه يحب الله ~~ورسوله} " وقال: " {لعن المؤمن كقتله} " متفق عليه. هذا ms1125 مع أنه قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها فقد ثبت أن النبي لعن ~~عموما شارب الخمر ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين. وهذا كما أن ~~نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى والزاني والسارق فلا نشهد بها عامة ~~على معين بأنه من أصحاب النار؛ لجواز تخلف المقتضي عن المقتضى لمعارض راجح: ~~إما توبة؛ وإما حسنات ماحية؛ وإما مصائب مكفرة؛ وإما شفاعة مقبولة؛ وإما ~~غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع. فهذه ثلاثة مآخذ. ومن اللاعنين من ~~يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول لا لكراهة في ~~اللعنة. وأما ترك محبته فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين؛ وليس واحدا منهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{المرء مع من أحب} " ومن آمن بالله واليوم الآخر: لا يختار أن يكون مع يزيد ~~ولا مع أمثاله من الملوك؛ الذين ليسوا بعادلين. # PageV04P484 # ولترك المحبة " مأخذان ": أحدهما: أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما ~~يوجب محبته فبقي واحدا من الملوك المسلطين. ومحبة أشخاص هذا النوع ليست ~~مشروعة؛ وهذا المأخذ ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلا. والثاني: ~~أنه صدر عنه ما يقتضي ظلمه وفسقه في سيرته؛ وأمر الحسين وأمر أهل الحرة. ~~وأما الذين لعنوه من العلماء كأبي الفرج بن الجوزي وإلكيا الهراسي وغيرهما: ~~فلما صدر عنه من الأفعال التي تبيح لعنته ثم قد يقولون هو فاسق وكل فاسق ~~يلعن. وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه كما لعن أهل صفين ~~بعضهم بعضا في القنوت فلعن علي وأصحابه في قنوت الصلاة رجالا معينين من أهل ~~الشام؛ وكذلك أهل الشام لعنوا مع أن المقتتلين من أهل التأويل السائغ: ~~العادلين والباغين: لا يفسق واحد منهم. وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار؛ وإن ~~كان لا يلعن سائر الفساق كما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من ~~أهل المعاصي وأشخاصا من العصاة؛ وإن لم يلعن جميعهم فهذه (ثلاثة ms1126 مآخذ ~~للعنته. وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه كالغزالي والدستي فلهم مأخذان: # PageV04P485 # أحدهما: أنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم وكانت ~~فيه خصال محمودة وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره فيقولون: ~~هو مجتهد مخطئ ويقولون: إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولا وأنكر ذلك عليهم ~~ابن عمر وغيره وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به بل ظهر منه التألم ~~لقتله وذم من قتله ولم يحمل الرأس إليه وإنما حمل إلى ابن زياد. (والمأخذ ~~الثاني: أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " {أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له} " وأول جيش غزاها كان ~~أميره يزيد. " والتحقيق ". أن هذين القولين يسوغ فيهما الاجتهاد؛ فإن ~~اللعنة لمن يعمل المعاصي مما يسوغ فيها الاجتهاد وكذلك محبة من يعمل حسنات ~~وسيئات بل لا يتنافى عندنا أن يجتمع في الرجل الحمد والذم والثواب والعقاب؛ ~~كذلك لا يتنافى أن يصلى عليه ويدعى له وأن يلعن ويشتم أيضا باعتبار وجهين. ~~فإن أهل السنة: متفقون على أن فساق أهل الملة - وإن دخلوا النار أو استحقوا ~~دخولها فإنهم - لا بد أن يدخلوا الجنة فيجتمع فيهم الثواب والعقاب؛ ولكن ~~الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب ومن ~~استحق العقاب لا يستحق الثواب. والمسألة مشهورة؛ وتقريرها في غير هذا ~~الموضع. # PageV04P486 # وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة في الجنائز فإن موتى ~~المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه ~~لكن الحال الأول أوسط وأعدل؛ وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي؛ لما قدموا دمشق ~~في الفتنة الكبيرة وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات؛ فسألني. فيما سألني: ~~ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ~~ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه. فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالما؟ ~~أما قتل الحسين؟ . فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف ms1127 وأمثاله: ~~نقول كما قال الله في القرآن: ألا لعنة الله على الظالمين ولا نحب أن نلعن ~~أحدا بعينه؛ وقد لعنه قوم من العلماء؛ وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد؛ لكن ~~ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل " الحسين " أو أعان على قتله أو ~~رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفا ~~ولا عدلا. قال: فما تحبون أهل البيت؟ قلت: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه ~~فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم {قال: خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: أيها الناس إني تارك ~~فيكم الثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال: وعترتي # PageV04P487 # أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي} " قلت لمقدم: ~~ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد " قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟ قلت: من أبغضهم ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ~~ثم قلت للوزير المغولي لأي شيء قال عن يزيد وهذا تتري؟ قال: قد قالوا له إن ~~أهل دمشق نواصب قلت بصوت عال: يكذب الذي قال هنا ومن قال هذا: فعليه لعنة ~~الله، والله ما في أهل دمشق نواصب وما علمت فيهم ناصبيا ولو تنقص أحد عليا ~~بدمشق لقام المسلمون عليه لكن كان - قديما لما كان بنو أمية ولاة البلاد - ~~بعض بني أمية ينصب العداوة لعلي ويسبه وأما اليوم فما بقي من أولئك أحد. # PageV04P488 # سئل: # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد؛ ومنهم من يقول: إن الدين ~~فسد من قبل " هذه " وهو من حين أخذت الخلافة من علي بن أبي طالب فإن الذين ~~تولوا مكانه لم يكونوا أهلا للولاية فلم تصح توليتهم ولم يصح للمسلمين بعد ~~ذلك عقد ms1128 من عقودهم لا عقد نكاح ولا غيره وأن جميع من تزوج بعد تلك الواقعة ~~فنكاحه فاسد؛ وكذلك العقود جميعها فاسدة والولايات وغيرها. ويزعم قائل هذا: ~~أن الله صليب وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط الصليب ويقرر للناس ~~أن اليهود والنصارى على حق وكذلك المجوس وغيرهم. # فأجاب: - رحمه الله تعالى -: أما هذا الجاهل فهو شبيه في جهله بالرافضة ~~الذين يكذبون؛ وخرافاتهم التي لا تروج إلا على جاهل لا يعرف أصول الإسلام ~~كالذين ذكروا في هذا السؤال. وقيل إنهم يقولون إن الدين فسد من حين أخذت ~~الخلافة من علي وذلك # PageV04P489 # من حين موت النبي صلى الله عليه وسلم وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا ~~أهلا للولاية وأن عقود المسلمين باطلة وأن الله صليب ويقرر دين اليهود ~~والنصارى والمجوس: فإن هذا زنديق من شر الزنادقة من جنس قرامطة الباطنية ~~كالنصيرية والإسماعيلية وأتباعهم. ولهذا يتكلم بالتناقض فإن من يقرر دين ~~اليهود والنصارى والمجوس ويطعن في دين الخلفاء الراشدين المهديين والسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار: لا يكون إلا من أجهل الناس وأكفرهم ولو كان ~~من المؤمنين الذين يعلمون أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس وأن خير الأمة ~~القرن الأول ثم الذين يلونه ثم الذين يلونه؛ لما كان مقررا لدين الكفار ~~طاعنا في دين المهاجرين والأنصار والرد على هذا ونحوه مبسوط في غير هذا ~~الموضع. وقد ذكرنا في ذلك في الرد على الرافضة ما لا يتسع له هذا الموضع. ~~ومثل هذا القول لا يقوله من يؤمن بأن محمدا رسول الله فنجيب من يقر أن ~~محمدا رسول الله فنبين له مما جاء به ما يزيل شبهته فأما من يطعن في نبوته ~~فنكلمه من وجه آخر ولكل مقام مقال. # PageV04P490 # سئل - رحمه الله -: # هل يصح عند أهل العلم: أن عليا رضي الله عنه قاتل الجن في البئر؟ ومد يده ~~يوم خيبر فعبر العسكر عليها وأنه حمل في الأحزاب فافترقت قدامه سبع عشرة ~~فرقة وخلف كل فرقة رجل يضرب بالسيف يقول أنا علي وأنه كان له ms1129 سيف يقال له ~~ذو الفقار وكان يمتد ويقصر وأنه ضرب به مرحبا وكان على رأسه جرن من رخام ~~فقصم له ولفرسه بضربة واحدة ونزلت الضربة في الأرض ومناد ينادي في الهواء: ~~لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وأنه رمى في المنجنيق إلى حصن الغراب ~~وأنه بعث إلى كل نبي سرا وبعث مع النبي صلى الله عليه وسلم جهرا وأنه كان ~~يحمل في خمسين ألفا وفي عشرين ألفا وفي ثلاثين ألفا وحده وأنه لما برز إليه ~~مرحب من خيبر ضربه ضربة واحدة فقده طولا وقد الفرس عرضا ونزل السيف في ~~الأرض ذراعين أو ثلاثة وأنه مسك حلقة باب خيبر وهزها فاهتزت المدينة ووقع ~~من على السور شرفات فهل صح من ذلك شيء # فأجاب: # الحمد لله، هذه الأمور المذكورة كذب مختلق باتفاق أهل العلم والإيمان # PageV04P491 # لم يقاتل علي ولا غيره من الصحابة الجن ولا قاتل الجن أحد من الإنس؛ لا ~~في بئر ذات العلم ولا غيرها. والحديث المروي في قتاله للجن موضوع مكذوب ~~باتفاق أهل المعرفة ولم يقاتل علي قط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعسكر كان خمسين ألفا أو ثلاثين ألفا فضلا عن أن يكون وحده قد حمل فيهم ~~ومغازيه التي شهدها مع رسول الله وقاتل فيها كانت تسعة: بدرا وأحدا والخندق ~~وخيبر وفتح مكة ويوم حنين وغيرها. وأكثر ما يكون المشركون في الأحزاب وهي ~~الخندق وكانوا محاصرين للمدينة ولم يقتتلوا هم والمسلمون كلهم وإنما كان ~~يقتتل قليل منهم وقليل من الكفار وفيها قتل علي عمرو بن عبد ود العامري ولم ~~يبارز علي وحده قط إلا واحدا ولم يبارز اثنين. وأما مرحب يوم خيبر: فقد ثبت ~~في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لأعطين الراية رجلا يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه} " فأعطاها لعلي وكانت ~~أيام خيبر أياما متعددة؛ وحصونها فتح على يد علي رضي الله عنه بعضها. وقد ~~روي أثر أنه قتل مرحبا وروي أنه قتله محمد بن ms1130 مسلمة ولعلهما مرحبان وقتله ~~القتل المعتاد ولم يقده جميعه ولا قد الفرس ولا نزل # PageV04P492 # السيف إلى الأرض ولا نزل لعلي ولا لغيره سيف من السماء ولا مد يده ليعبر ~~الجيش ولا اهتز سور خيبر لقلع الباب ولا وقع شيء من شرفاته وإن خيبر لم تكن ~~مدينة وإنما كانت حصونا متفرقة ولهم مزارع. ولكن المروي أنه ما قلع باب ~~الحصن حتى عبره المسلمون ولا رمى في منجنيق قط وعامة هذه المغازي التي تروى ~~عن علي وغيره: قد زادوا فيها أكاذيب كثيرة؛ مثل ما يكذبون في سيرة عنترة ~~والأبطال وجميع الحروب التي حضرها علي رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة حروب الجمل وصفين وحرب أهل النهروان. والله أعلم. # PageV04P493 # سئل: # عمن قال: إن عليا قاتل الجن في البئر؟ وأنه حمل على اثني عشر ألفا ~~وهزمهم؟ . # فأجاب: # لم يحمل أحد من الصحابة وحده لا في اثني عشر ألفا ولا في عشرة آلاف لا ~~علي ولا غيره؛ بل أكثر عدد اجتمع على النبي صلى الله عليه وسلم هم الأحزاب ~~الذين حاصروه بالخندق وكانوا قريبا من هذه العدة وقتل علي رجلا من الأحزاب ~~اسمه " عمرو بن عبد ود العامري ". ولم يقاتل أحد من الإنس للجن لا علي ولا ~~غيره بل علي كان أجل قدرا من ذلك والجن الذين يتبعون الصحابة يقاتلون كفار ~~الجن لا يحتاجون في ذلك إلى قتال الصحابة معهم. # PageV04P494 # سئل: # عن " {فاطمة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله إن ~~عليا يقوم الليالي كلها إلا ليلة الجمعة فإنه يصلي الوتر ثم ينام إلى أن ~~يطلع الفجر فقال: إن الله يرفع روح علي كل ليلة جمعة تسبح في السماء إلى ~~طلوع الفجر} " فهل ذلك صحيح أم لا؟ وهل هذا صحيح عن علي أنه قال: اسألوني ~~عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض؟ # فأجاب: وأما الحديث المذكور عن علي فكذب؛ ما رواه أحد من أهل العلم. وأما ~~قوله: اسألوني عن طرق السماء فإنه قاله ms1131 ولم يرد بذلك طريقا للهدى؛ وإنما ~~يريد بمثل هذا الكلام الأعمال الصالحة التي يتقرب بها والله أعلم. # PageV04P495 # سئل - رحمه الله -: # عن رجل قال عن " علي " بن أبي طالب - رضي الله عنه - إنه ليس من أهل ~~البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة # فأجاب: # أما كون علي بن أبي طالب من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ~~وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى دليل؛ بل هو أفضل أهل البيت وأفضل ~~بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أدار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا} ". وأما الصلاة عليه منفردا فهذا ينبني ~~على أنه هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفردا؟ مثل أن يقول: ~~اللهم صل على عمر أو علي. وقد تنازع العلماء في ذلك. فذهب مالك والشافعي ~~وطائفة من الحنابلة: إلى أنه لا يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~منفردا كما روي عن ابن عباس أنه قال: لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV04P496 # وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب: صلى الله عليك. وهذا القول أصح وأولى. ~~ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلي أو غيره بالصلاة عليه دون غيره ~~مضاهاة للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث يجعل ذلك شعارا معروفا باسمه: هذا هو ~~البدعة. # PageV04P497 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # هل صح عند أحد من أهل العلم والحديث أو من يقتدى به في دين الإسلام أن ~~أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب " - رضي الله عنه - قال: إذا أنا مت ~~فأركبوني فوق ناقتي وسيبوني فأينما بركت ادفنوني. فسارت ولم يعلم أحد قبره؟ ~~فهل صح ذلك أم لا؟ وهل عرف أحد من أهل العلم أين دفن أم لا؟ وما كان ms1132 سبب ~~قتله؟ وفي أي وقت كان؟ ومن قتله؟ . ومن قتل الحسين؟ وما كان سبب قتله؟ وهل ~~صح أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم سبوا؟ وأنهم أركبوا على الإبل عراة ~~ولم يكن عليهم ما يسترهم فخلق الله تعالى للإبل التي كانوا عليها سنامين ~~استتروا بها. وأن الحسين لما قطع رأسه داروا به في جميع البلاد وأنه حمل ~~إلى دمشق وحمل إلى مصر ودفن بها؟ وأن يزيد بن معاوية هو الذي فعل هذا بأهل ~~البيت فهل صح ذلك أم لا؟ . وهل قائل هذه المقالات مبتدع بها في دين الله؟ ~~وما الذي يجب عليه إذا # PageV04P498 # تحدث بهذا بين الناس؟ وهل إذا أنكر هذا عليه منكر هل يسمى آمرا بالمعروف ~~ناهيا عن المنكر أم لا؟ أفتونا مأجورين وبينوا لنا بيانا شافيا. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما ما ذكر من توصية أمير المؤمنين " علي بن أبي ~~طالب " - رضي الله عنه - إذا مات أركب فوق دابته وتسيب ويدفن حيث تبرك وأنه ~~فعل ذلك به؛ فهذا كذب مختلق باتفاق أهل العلم. لم يوص علي بشيء من ذلك ولا ~~فعل به شيء من ذلك ولم يذكر هذا أحد من المعروفين بالعلم والعدل وإنما يقول ~~ذلك من ينقل عن بعض الكذابين. ولا يحل أن يفعل هذا بأحد من موتى المسلمين ~~ولا يحل لأحد أن يوصي بذلك بل هذا مثلة بالميت ولا فائدة في هذا الفعل؛ ~~فإنه إن كان المقصود تعمية قبره فلا بد إذا بركت الناقة من أن يحفر له قبر ~~ويدفن فيه وحينئذ يمكن أن يحفر له قبر ويدفن به بدون هذه المثلة القبيحة ~~وهو أن يترك ميتا على ظهر دابة تسير في البرية. وقد تنازع العلماء في " ~~موضع قبره ". والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة؛ وأنه ~~أخفي قبره لئلا ينبشه " الخوارج " الذين كانوا يكفرونه ويستحلون قتله؛ فإن ~~الذي قتله واحد من الخوارج وهو عبد الرحمن # PageV04P499 # بن ملجم المرادي وكان قد تعاهد هو وآخران على قتل علي وقتل معاوية وقتل ~~عمرو بن ms1133 العاص؛ فإنهم يكفرون هؤلاء كلهم وكل من لا يوافقهم على أهوائهم. ~~وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذمهم خرج مسلم في صحيحه ~~حديثهم من عشرة أوجه وخرجه البخاري من عدة أوجه وخرجه أصحاب السنن والمساند ~~من أكثر من ذلك. قال صلى الله عليه وسلم فيهم: " {يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم؛ يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم ~~قتل عاد - وفي رواية - أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم عند الله يوم القيامة يقتلون أهل الإسلام} ". وهؤلاء اتفق الصحابة - ~~رضي الله عنهم - على قتالهم لكن الذي باشر قتالهم وأمر به علي - رضي الله ~~عنه - كما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~{تمرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} " فقتلهم ~~علي - رضي الله عنه - بالنهروان وكانوا قد اجتمعوا في مكان يقال له: " ~~حروراء " ولهذا يقال لهم الحرورية. وأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم حتى رجع ~~منهم نحو نصفهم ثم إن الباقين قتلوا " عبد الله بن خباب " وأغاروا على سرح ~~المسلمين فأمر # PageV04P500 # علي الناس بالخروج إلى قتالهم وروى لهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم وذكر العلامة التي فيهم: أن فيهم رجلا مخدج اليدين ناقص اليد على ~~ثديه مثل البضعة من اللحم تدردر. ولما قتلوا وجد فيهم هذا المنعوت. فلما ~~اتفق الخوارج - الثلاثة - على قتل أمراء المسلمين الثلاثة: قتل عبد الرحمن ~~بن ملجم " عليا " رضي الله عنه يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان عام أربعين ~~اختبأ له فحين خرج لصلاة الفجر ضربه؛ وكانت السنة أن الخلفاء ونوابهم ~~الأمراء الذين هم ملوك المسلمين هم الذين يصلون بالمسلمين الصلوات الخمس ~~والجمع والعيدين والاستسقاء والكسوف ونحو ذلك كالجنائز: فأمير الحرب هو ~~أمير الصلاة الذي هو إمامها. وأما الذي أراد قتل " معاوية " فقالوا: إنه ~~جرحه فقال الطبيب: إنه يمكن علاجك لكن لا يبقى لك نسل؛ ويقال: إنه ms1134 من حينئذ ~~اتخذ معاوية المقصورة في المسجد واقتدى به الأمراء ليصلوا فيها هم وحاشيتهم ~~خوفا من وثوب بعض الناس على أمير المؤمنين وقتله وإن كان قد فعل فيها مع ~~ذلك ما لا يسوغ وكره من كره الصلاة في نحو هذه المقاصير. وأما الذي أراد ~~قتل " عمرو بن العاص " فإن عمرا كان قد استخلف ذلك اليوم رجلا - اسمه خارجة ~~- فظن الخارجي أنه عمرو فقتله فلما تبين له قال: أردت عمرا وأراد الله ~~خارجة فصارت مثلا. # PageV04P501 # فقيل إنهم كتموا قبر " علي " وقبر " معاوية " وقبر " عمرو " خوفا عليهم ~~من الخوارج ولهذا دفنوا معاوية داخل الحائط القبلي من المسجد الجامع في قصر ~~الإمارة الذي كان يقال له الخضراء وهو الذي تسميه العامة قبر " هود ": وهود ~~باتفاق العلماء لم يجئ إلى دمشق بل قبره ببلاد اليمن حيث بعث؛ وقيل بمكة ~~حيث هاجر؛ ولم يقل أحد: إنه بدمشق. وأما " معاوية " الذي هو خارج " باب ~~الصغير " فإنه معاوية بن يزيد الذي تولى نحو أربعين يوما وكان فيه زهد ~~ودين. فعلي دفن هناك وعفا قبره فلذلك لم يظهر قبره. وأما المشهد الذي ~~بالنجف فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي بل قيل إنه قبر المغيرة ~~بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة ~~سنة؛ مع كثرة المسلمين: من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة. وإنما ~~اتخذوا ذلك مشهدا في ملك بني بويه - الأعاجم - بعد موت علي بأكثر من ~~ثلاثمائة سنة ورووا حكاية فيها: أن الرشيد كان يأتي إلى تلك وأشياء لا تقوم ~~بها حجة. # وأما السؤال عن سبي أهل البيت وإركابهم الإبل حتى نبت لها سنامان وهي ~~البخاتي ليستتروا بذلك فهذا من أقبح الكذب وأبينه؛ وهو مما افتراه الزنادقة # PageV04P502 # والمنافقون الذين مقصودهم الطعن في الإسلام وأهله: من أهل البيت وغيرهم ~~فإن من سمع مثل هذا وشهرته وما فيه من الكذب قد يظن أو يقول: إن المنقول ~~إلينا من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء هو من هذا الجنس ثم إذا تبين ms1135 أن ~~الأمة سبت أهل بيت نبيها: كان فيها من الطعن في خير أمة أخرجت للناس ما لا ~~يعلمه إلا الله؛ إذ كل عاقل يعلم أن الإبل البخاتي كانت مخلوقة موجودة قبل ~~أن يبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وقبل وجود أهل البيت كوجود غيرها من ~~الإبل والغنم والبقر والخيل والبغال والمعز. وإنما هذا الكذب نظير كذبهم ~~بأن عليا - رضي الله عنه - نصب يده بخيبر فوطئته البغلة فقال لها قطع الله ~~نسلك فإن كل عاقل يعلم أن البغلة لم يكن لها نسل قط. هذا مع أنهم لم يكن ~~معهم بخيبر بغلة بل لم يكن للمسلمين بغال وأول بغلة صارت لهم التي أهداها ~~المقوقس - صاحب مصر - للنبي صلى الله عليه وسلم حتى مات وهي عنده. وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {صنفان من أهل ~~النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات مائلات مميلات على رءوسهن مثل ~~أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط مثل أذناب ~~البقر يضربون بها عباد الله} ". فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه أصحاب ~~العصائب الكبار التي ستكون بعد موته بأسنمة البخاتي فلولا أنهم كانوا ~~يعرفونها لم يفهموا وهذه العصائب قد # PageV04P503 # ظهرت بعده بمدة طويلة في هذا الزمان ونحوه ثم إن البخاتي لا يستتر راكبها ~~إذا كان عاريا ولو شاء الله أن يستتر من عري - بغير حق - لستره بما يصلح له ~~كما ستر إبراهيم الخليل لما جرد وألقي في المنجنيق. ومما يبين ظهور الكذب ~~في هذا أن المسلمين ما زالوا يسبون الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ومع هذا ~~فما علم أنهم قط كانوا يرحلون النساء مجردات بادية أبدانهن بل غاية ما يظهر ~~من المرأة المسبية وجهها أو يداها أو قدمها. ولم يعلم في الإسلام أن أهل ~~البيت سبى أحد منهم أحد من المسلمين في وقت من الأوقات؛ مع العلم بأنهم من ~~أهل البيت اللهم إلا أن يقع في أثناء ما تسبيه المسلمون من لا يعلم ms1136 أنه من ~~أهل البيت كامرأة سباها العدو ثم استنقذها المسلمون وإذا تبين أنها كانت ~~حرة الأصل أرسلوها وإن كان في ضمن ذلك من لا يعرف من يخفي نسبها ويستحل ~~منها ما حرم الله من هو زنديق منافق فالله أعلم بحقيقة ذلك لكن لم يكن شيء ~~من ذلك علانية في الإسلام قط. وهذا مما يقوله هؤلاء الجهال أن الحجاج بن ~~يوسف قتل الأشراف وأراد قطع دابرهم وهذا من الجهل بأحوال الناس؛ فإن الحجاج ~~مع كونه مبيرا سفاكا للدماء قتل خلقا كثيرا لم يقتل من أشراف بني هاشم أحدا ~~قط بل سلطانه عبد الملك بن مروان نهاه عن التعرض لبني هاشم وهم الأشراف ~~وذكر أنه أتى إلى الحرب لما تعرضوا لهم يعني لما قتل الحسين. # PageV04P504 # ولا يعلم في خلافة عبد الملك والحجاج نائبه على العراق أنه قتل أحدا من ~~بني هاشم. والذي يذكر لنا السبي أكثر ما يذكر مقتل الحسين وحمل أهله إلى ~~يزيد لكنهم جهال بحقيقة ما جرى حتى يظن الظان منهم أن أهله حملوا إلى مصر ~~وأنهم قتلوا بمصر وأنهم كانوا خلقا كثيرا حتى إن منهم من إذا رأى موتى ~~عليهم آثار القتل قال: هؤلاء من السبي الذين قتلوا؛ وهذا كله جهل وكذب. ~~والحسين - رضي الله عنه ولعن من قتله ورضي بقتله - قتل يوم عاشوراء عام ~~واحد وستين. # وكان الذي حض على قتله الشمر بن ذي الجوشن صار يكتب في ذلك إلى نائب ~~السلطان على العراق عبيد الله بن زياد؛ وعبيد الله هذا أمر - بمقاتلة ~~الحسين - نائبه عمر بن سعد بن أبي وقاص بعد أن طلب الحسين منهم ما طلبه ~~آحاد المسلمين لم يجئ معه مقاتلة؛ فطلب منهم أن يدعوه إلى أن يرجع إلى ~~المدينة أو يرسلوه إلى يزيد بن عمه أو يذهب إلى الثغر يقاتل الكفار ~~فامتنعوا إلا أن يستأسر لهم أو يقاتلوه فقاتلوه حتى قتلوه وطائفة من أهل ~~بيته وغيرهم. ثم حملوا ثقله وأهله إلى يزيد بن معاوية إلى دمشق ولم يكن ~~يزيد أمرهم بقتله ولا ظهر منه ms1137 سرور بذلك ورضى به بل قال كلاما فيه ذم لهم؛ ~~حيث نقل عنه أنه قال: لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ~~وقال: # PageV04P505 # لعن الله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد - والله لو كان بينه وبين ~~الحسين رحم لما قتله - يريد بذلك الطعن في استلحاقه حيث كان أبوه زياد ~~استلحق حتى كان ينتسب إلى أبي سفيان صخر بن حرب - وبنو أمية وبنو هاشم ~~كلاهما بنو عبد مناف. وروي أنه لما قدم على يزيد ثقل الحسين وأهله ظهر في ~~داره البكاء والصراخ لذلك وأنه أكرم أهله وأنزلهم منزلا حسنا وخير ابنه ~~عليا بين أن يقيم عنده وبين أن يذهب إلى المدينة فاختار المدينة. والمكان ~~الذي يقال له سجن علي بن الحسين بجامع دمشق باطل لا أصل له. لكنه مع هذا لم ~~يقم حد الله على من قتل الحسين رضي الله عنه ولا انتصر له بل قتل أعوانه ~~لإقامة ملكه وقد نقل عنه أنه تمثل في قتل الحسين بأبيات تقتضي من قائلها ~~الكفر الصريح كقوله: # لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرءوس إلى ربي جيروني # نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح ... فلقد قضيت من النبي ديوني # وهذا الشعر كفر. # ولا ريب أن " يزيد " تفاوت الناس فيه فطائفة تجعله كافرا؛ بل تجعله هو ~~وأباه كافرين؛ بل يكفرون مع ذلك أبا بكر وعمر ويكفرون عثمان وجمهور ~~المهاجرين والأنصار وهؤلاء الرافضة من أجهل خلق الله وأضلهم وأعظمهم # PageV04P506 # كذبا على الله عز وجل ورسوله والصحابة والقرابة وغيرهم؛ فكذبهم على يزيد ~~مثل كذبهم على أبي بكر وعمر وعثمان؛ بل كذبهم على يزيد أهون بكثير. وطائفة ~~تجعله من أئمة الهدى وخلفاء العدل وصالح المؤمنين وقد يجعله بعضهم من ~~الصحابة وبعضهم يجعله نبيا. وهذا أيضا من أبين الجهل والضلال؛ وأقبح الكذب ~~والمحال بل كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات والقول فيه كالقول ~~في أمثاله من الملوك. وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع. وأما ~~الحسين - رضي الله عنه - فقتل بكربلاء ms1138 قريب من الفرات ودفن جسده حيث قتل ~~وحمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة هذا الذي رواه البخاري في ~~صحيحه وغيره من الأئمة. وأما حمله إلى الشام إلى يزيد: فقد روي ذلك من وجوه ~~منقطعة لم يثبت شيء منها بل في الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق ~~فإنه يذكر فيها أن " يزيد " جعل ينكت بالقضيب على ثناياه؛ وأن بعض الصحابة ~~الذين حضروه - كأنس بن مالك وأبي برزة - أنكر ذلك وهذا تلبيس. فإن الذي جعل ~~ينكت بالقضيب إنما كان عبيد الله بن زياد؛ هكذا في الصحيح والمساند. وإنما ~~جعلوا مكان عبيد الله بن زياد " يزيد " وعبيد الله لا ريب أنه أمر بقتله ~~وحمل الرأس إلى بين يديه. ثم إن ابن زياد قتل بعد ذلك لأجل ذلك # PageV04P507 # ومما يوضح ذلك أن الصحابة المذكورين كأنس وأبي برزة لم يكونوا بالشام ~~وإنما كانوا بالعراق حينئذ وإنما الكذابون جهال بما يستدل به على كذبهم. ~~وأما حمله إلى مصر فباطل باتفاق الناس وقد اتفق العلماء كلهم على أن هذا ~~المشهد الذي بقاهرة مصر الذي يقال له " مشهد الحسين " باطل ليس فيه رأس ~~الحسين ولا شيء منه وإنما أحدث في أواخر دولة " بني عبيد الله بن القداح " ~~الذين كانوا ملوكا بالديار المصرية مائتي عام إلى أن انقرضت دولتهم في أيام ~~" نور الدين محمود " وكانوا يقولون: إنهم من أولاد فاطمة ويدعون الشرف وأهل ~~العلم بالنسب يقولون ليس لهم نسب صحيح ويقال: إن جدهم كان ربيب الشريف ~~الحسيني فادعوا الشرف لذلك. فأما مذاهبهم وعقائدهم فكانت منكرة باتفاق أهل ~~العلم بدين الإسلام وكانوا يظهرون التشيع وكان كثير من كبرائهم وأتباعهم ~~يبطنون مذهب القرامطة الباطنية وهو من أخبث مذاهب أهل الأرض أفسد من اليهود ~~والنصارى ولهذا كان عامة من انضم إليهم أهل الزندقة والنفاق والبدع: ~~المتفلسفة والمباحية والرافضة وأشباه هؤلاء ممن لا يستريب أهل العلم ~~والإيمان في أنه ليس من أهل العلم والإيمان. فأحدث هذا " المشهد " في ~~المائة الخامسة نقل من عسقلان. وعقيب ذلك بقليل انقرضت دولة ms1139 الذين ابتدعوه ~~بموت العاضد آخر ملوكهم. # PageV04P508 # والذي رجحه أهل العلم في موضع رأس الحسين بن علي - رضي الله عنهما - هو ~~ما ذكره الزبير بن بكار في كتاب " أنساب قريش " والزبير بن بكار هو من أعلم ~~الناس وأوثقهم في مثل هذا ذكر أن الرأس حمل إلى المدينة النبوية ودفن هناك ~~وهذا مناسب. فإن هناك قبر أخيه الحسن وعم أبيه العباس وابنه علي وأمثالهم. ~~قال أبو الخطاب بن دحية - الذي كان يقال له: " ذو النسبين بين دحية والحسين ~~" في كتاب " العلم المشهور في فضل الأيام والشهور " - لما ذكر ما ذكره ~~الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن: أنه قدم برأس الحسين وبنو أمية مجتمعون ~~عند عمرو بن سعيد فسمعوا الصياح فقالوا: ما هذا؟ فقيل: نساء بني هاشم يبكين ~~حين رأين رأس الحسين بن علي قال: وأتى برأس الحسين بن علي فدخل به على عمرو ~~فقال: والله لوددت أن أمير المؤمنين لم يبعث به إلي قال ابن دحية: فهذا ~~الأثر يدل أن الرأس حمل إلى المدينة ولم يصح فيه سواه والزبير أعلم أهل ~~النسب وأفضل العلماء بهذا السبب قال: وما ذكر من أنه في عسقلان في مشهد ~~هناك فشيء باطل لا يقبله من معه أدنى مسكة من العقل والإدراك فإن بني أمية ~~- مع ما أظهروه من القتل والعداوة والأحقاد - لا يتصور أن يبنوا على الرأس ~~مشهدا للزيارة. هذا؛ وأما ما افتعله " بنو عبيد " في أيام إدبارهم وحلول ~~بوارهم وتعجيل دمارهم؛ في أيام الملقب " بالقاسم عيسى بن الظافر " وهو الذي ~~عقد له بالخلافة # PageV04P509 # وهو ابن خمس سنين وأيام لأنه ولد يوم الجمعة الحادي من المحرم سنة أربع ~~وأربعين وخمسمائة وبويع له صبيحة قتل أبيه الظافر يوم الخميس سلخ المحرم ~~سنة تسع وأربعين وخمسمائة وله من العمر ما قدمنا فلا تجوز عقوده ولا عهوده ~~وتوفي وله من العمر إحدى عشرة سنة وستة أشهر وأيام لأنه توفي لليلة الجمعة ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة فافتعل في أيامه بناء ~~المشهد المحدث بالقاهرة ms1140 ودخول الرأس مع المشهدي العسقلاني أمام الناس ~~ليتوطن في قلوب العامة ما أورد من الأمور الظاهرة وذلك شيء افتعل قصدا أو ~~نصب غرضا وقضوا ما في نفوسهم لاستجلاب العامة عرضا والذي بناه " طلائع بن ~~رزيك " الرافضي. وقد ذكره جميع من ألف في مقتل الحسين أن الرأس المكرم ما ~~غرب قط وهذا الذي ذكره أبو الخطاب بن دحية في أمر هذا المشهد وأنه مكذوب ~~مفترى هو أمر متفق عليه عند أهل العلم. والكلام في هذا الباب وأشباهه متسع ~~فإنه بسبب مقتل عثمان ومقتل الحسين وأمثالهما جرت فتن كثيرة؛ وأكاذيب ~~وأهواء؛ ووقع فيها طوائف من المتقدمين والمتأخرين وكذب على أمير المؤمنين ~~عثمان وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنواع من الأكاذيب يكذب بعضها شيعتهم ~~ونحوهم ويكذب بعضها مبغضوهم لا سيما بعد مقتل عثمان فإنه عظم الكذب ~~والأهواء. # PageV04P510 # وقيل في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مقالات من الجانبين؛ علي بريء ~~منها. وصارت البدع والأهواء والكذب تزداد حتى حدث أمور يطول شرحها، مثل ما ~~ابتدعه كثير من المتأخرين يوم عاشورا فقوم يجعلونه مأتما يظهرون فيه ~~النياحة والجزع وتعذيب النفوس وظلم البهائم وسب من مات من أولياء الله ~~والكذب على أهل البيت وغير ذلك من المنكرات المنهي عنها بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم واتفاق المسلمين. والحسين رضي الله عنه أكرمه ~~الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله أو ~~رضي بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء فإنه وأخوه سيدا شباب أهل ~~الجنة وكانا قد تربيا في عز الإسلام لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على ~~الأذى في الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلا ~~لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة والله سبحانه قد شرع ~~الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: {وبشر الصابرين} {الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms1141 ~~" {ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في ~~مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته واخلف له خيرا منها} ". ~~ومن أحسن ما يذكر هنا: أنه قد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن فاطمة بنت # PageV04P511 # الحسين عن أبيها الحسين - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " {ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث عندها ~~استرجاعا كتب الله له مثلها يوم أصيب} " هذا حديث رواه عن الحسين ابنته ~~فاطمة التي شهدت مصرعه. وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد ~~فكان في محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها فيكون للإنسان من الأجر مثل ~~الأجر يوم أصيب بها المسلمون. وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم ~~الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. ففي الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {ليس منا ~~من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية} ". وفي الصحيحين عن أبي ~~موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: {أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الحالقة؛ ~~والصالقة؛ والشاقة} ". وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري: {أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر ~~بالأحساب # PageV04P512 # والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت وقال: النائحة ~~إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب} ~~". والآثار في ذلك متعددة. فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين ولعنهم ~~وسبهم وإعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك ~~مما لا يحصيه إلا الله تعالى. وقوم ms1142 من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث ~~موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعارا في هذا اليوم يعارضون به شعار ذلك القوم ~~فقابلوا باطلا بباطل وردوا بدعة ببدعة وإن كانت إحداهما أعظم في الفساد ~~وأعون لأهل الإلحاد مثل الحديث الطويل الذي روي فيه: " {من اغتسل يوم ~~عاشوراء لم يمرض ذلك العام ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام} " ~~وأمثال ذلك من " الخضاب يوم عاشوراء والمصافحة فيه " ونحو ذلك فإن هذا ~~الحديث ونحوه كذب مختلق باتفاق من يعرف علم الحديث وإن كان قد ذكره بعض أهل ~~الحديث وقال: إنه صحيح وإسناده على شرط الصحيح فهذا من الغلط الذي لا ريب ~~فيه كما هو مبين في غير هذا الموضع. ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين ~~الاغتسال يوم عاشوراء ولا الكحل فيه والخضاب وأمثال ذلك ولا ذكره أحد من ~~علماء المسلمين الذين يقتدى بهم # PageV04P513 # ويرجع إليهم في معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ولا فعل ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي. ولا ذكر مثل هذا ~~الحديث في شيء من الدواوين التي صنفها علماء الحديث لا في المسندات: كمسند ~~أحمد وإسحاق وأحمد بن منيع [و] (*) الحميدي والدالاني وأبو يعلى الموصلي؛ ~~وأمثالها. ولا في المصنفات على الأبواب: كالصحاح؛ والسنن. ولا في الكتب ~~المصنفة الجامعة للمسند والآثار مثل موطأ مالك ووكيع وعبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور؛ وابن أبي شيبة؛ وأمثالها. ثم إن أهل الأهواء ظنت أن من يفعل هذا أنه ~~يفعله على سبيل نصب العداوة لأهل البيت والاشتفاء منهم فعارضهم من تسنن ~~وأجاب عن ذلك بإجابة بين فيها براءتهم من النصب واستحقاقهم لموالاة أهل ~~البيت وأنهم أحق بذلك من غيرهم. وهذا حق. لكن دخلت عليهم الشبهة والغلط في ~~ظنهم أن هذه الأفعال حسنة مستحبة والله أعلم بمن ابتدأ وضع ذلك وابتداعه هل ~~كان قصده عداوة أهل البيت أو عداوة غيرهم؟ فالهدى بغير هدى من الله - أو ~~غير ذلك - ضلالة. ونحن علينا أن نتبع ما أنزل إلينا ms1143 من ربنا من الكتاب ~~والحكمة ونلزم الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم؛ من النبيين ~~والصديقين PageV04P514 # والشهداء؛ والصالحين. ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق؛ ونأمر بما أمر ~~الله به وهو " المعروف " وننهى عما نهى عنه وهو " المنكر "؛ وأن نتحرى ~~الإخلاص لله في أعمالنا؛ فإن هذا هو دين " الإسلام " قال الله تعالى: {بلى ~~من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} . وقال تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} {فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} . ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} - إلى قوله - {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس: تبيض وجوه ~~أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. وقال تعالى {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} # PageV04P515 # وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . وليس الكذب في هذا " المشهد " ~~وحده؛ بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء وغيرهم كذب مثل القبر الذي يقال له: ~~" قبر نوح " قريب من بعلبك في سفح جبل لبنان ومثل القبر الذي في قبلة مسجد ~~جامع دمشق الذي يقال له: " قبر هود " فإنما هو قبر معاوية بن أبي سفيان ~~ومثل القبر الذي في شرقي دمشق الذي يقال له: " قبر أبي بن كعب " فإن أبيا ~~لم يقدم دمشق باتفاق العلماء. وكذلك ما يذكر في دمشق من قبور " أزواج النبي ~~" صلى الله عليه وسلم وإنما توفين بالمدينة النبوية. وكذلك ما يذكر في مصر ~~من قبر " علي ms1144 بن الحسين " أو " جعفر الصادق " أو نحو ذلك هو كذب باتفاق أهل ~~العلم فإن علي بن الحسين وجعفرا الصادق إنما توفيا بالمدينة وقد قال عبد ~~العزيز الكناني: - الحديث المعروف - ليس في قبور الأنبياء ما ثبت إلا قبر " ~~نبينا " قال غيره: وقبر " الخليل " أيضا. وسبب اضطراب أهل العلم بأمر ~~القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن ~~تتخذ القبور مساجد فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه. # PageV04P516 # فأما العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه مضبوط ومحروس ~~كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وفي الصحاح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا ~~يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة} ". وأصل هذا الكذب هو ~~الضلال والابتداع والشرك فإن الضلال ظنوا أن شد الرحال إلى هذه المشاهد؛ ~~والصلاة عندها والدعاء والنذر لها؛ وتقبيلها واستلامها وغير ذلك من أعمال ~~البر والدين حتى رأيت كتابا كبيرا قد صنفه بعض أئمة الرافضة " محمد بن ~~النعمان " الملقب بالشيخ المفيد شيخ الملقب بالمرتضى وأبي جعفر الطوسي سماه ~~" الحج إلى زيارة المشاهد " ذكر فيه من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأهل بيته وزيارة هذه المشاهد والحج إليها ما لم يذكر مثله في الحج إلى بيت ~~الله الحرام. وعامة ما ذكره من أوضح الكذب وأبين البهتان حتى أني رأيت في ~~ذلك من الكذب والبهتان أكثر مما رأيته من الكذب في كثير من كتب اليهود ~~والنصارى وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة؛ ~~ليصدوا به الناس عن سبيل الله. ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل ~~الشرك المضاد لإخلاص الدين لله كما ذكره ابن عباس وغيره من السلف في قوله ~~تعالى عن قوم نوح: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا # PageV04P517 # ولا يغوث ويعوق ونسرا} {وقد أضلوا كثيرا} قالوا هذه أسماء قوم صالحين ~~كانوا ms1145 في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم. وقد ذكر ~~ذلك البخاري في صحيحه وبسطه وبينه في أول كتابه في قصص الأنبياء وغيرها. ~~ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما ~~صنفوه واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ولرسوله حتى فتنوا ~~أمما كثيرة وصدوهم عن دين الله. وأقل ما صار شعارا لهم تعطيل المساجد ~~وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم ~~يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من أئمة الدين؛ بل نهى الله عنه ورسوله ~~عباده المؤمنين. وأما المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق ~~وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم ونحو ذلك من ضلالتهم. وأول من ابتدع ~~القول بالعصمة لعلي وبالنص عليه في الخلافة: هو رأس هؤلاء المنافقين " عبد ~~الله بن سبأ " الذي كان يهوديا فأظهر الإسلام وأراد فساد دين الإسلام كما ~~أفسد بولص دين النصارى وقد أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتل هذا لما ~~بلغه أنه يسب أبا بكر وعمر حتى هرب منه # PageV04P518 # كما أن عليا حرق الغالية الذين ادعوا فيه الإلهية وقال في المفضلة: لا ~~أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. فهؤلاء الضالون ~~المفترون أتباع الزنادقة المنافقون يعطلون شعار الإسلام وقيام عموده وأعظمه ~~سنن الهدى التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الإفك والبهتان ~~فلا يصلون جمعة ولا جماعة. ومن يعتقد هذا فقد يسوي بين المشاهد والمساجد ~~حتى يجعل العبادة: كالصلاة والدعاء والقراءة والذكر وغير ذلك مشروعا عند ~~المقابر كما هو مشروع في المساجد وربما فضل بحاله أو بقاله: العبادة عند ~~القبور والمشاهد على العبادة في بيوت الله التي هي المساجد حتى تجد أحدهم ~~إذا أراد الاجتهاد في الدعاء والتوبة ونحو ذلك قصد قبر من يعظمه كشيخه أو ~~غير شيخه فيجتهد عنده في الدعاء والتضرع ms1146 والخشوع والرقة ما لا يفعله مثله ~~في المساجد ولا في الأسحار ولا في سجوده لله الواحد القهار. وقد آل الأمر ~~بكثير من جهالهم إلى أن صاروا يدعون الموتى ويستغيثون بهم كما تستغيث ~~النصارى بالمسيح وأمه فيطلبون من الأموات تفريج الكربات وتيسير الطلبات ~~والنصر على الأعداء ورفع المصائب والبلاء وأمثال ذلك مما لا يقدر عليه إلا ~~رب الأرض والسماء. حتى أن أحدهم إذا أراد الحج لم يكن أكثر همه الفرض الذي ~~فرضه # PageV04P519 # الله عليه وهو " حج بيت الله الحرام " وهو شعار الحنيفية ملة إبراهيم ~~إمام أهل دين الله بل يقصد المدينة. ولا يقصد ما رغب فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الصلاة في مسجده حيث قال في الحديث الصحيح: " {صلاة في مسجدي ~~هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام} "؛ ولا يهتم بما أمر ~~الله به من الصلاة والسلام على رسوله حيث كان ومن طاعة أمره واتباع سنته ~~وتعزيره وتوقيره وهو أن يكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين بل أن ~~يكون أحب إليه من نفسه؛ بل يقصد من زيارة قبره أو قبر غيره ما لم يأمر الله ~~به ورسوله ولا فعله أصحابه ولا استحسنه أئمة الدين. وربما كان مقصوده بالحج ~~من زيارة قبره أكثر من مقصوده بالحج وربما سوى بين القصدين وكل هذا ضلال عن ~~الدين باتفاق المسلمين بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور - قبر نبي أو ~~غيره - منهي عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا يجوزون قصد الصلاة فيه بناء ~~على أنه سفر معصية؛ لقوله الثابت في الصحيحين: " {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} " وهو أعلم الناس ~~بمثل هذه المسألة. وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف بل موضوع بل قد # PageV04P520 # كره مالك وغيره من أئمة المدينة أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإنما المسنون السلام عليه إذا أتى قبره صلى الله عليه وسلم وكما ~~كان الصحابة والتابعون يفعلون إذا أتوا قبره؛ ms1147 كما هو مذكور في غير هذا ~~الموضع. ومن ذلك الطواف بغير الكعبة وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع ~~الطواف إلا بالبيت المعمور فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالقبة التي في جبل عرفات ولا غير ذلك. وكذلك ~~اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين ~~اليمانيين؛ فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم. وقد قيل: إنه يقبل ~~وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله؛ كجوانب البيت ~~والركنين الشاميين؛ ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور ~~الأنبياء والصالحين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد} " وفي رواية لمسلم: " {لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} " # PageV04P521 # وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس قالا: {لما نزل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه: فإذا اغتم بها كشفها عنه وجهه؛ ~~فقال وهو كذلك: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} " ~~يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين أيضا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وفي ~~صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: {سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل موته بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} ". وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد ~~الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {لا تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا إليها} ". وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه ms1148 - قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " {الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} " رواه أهل ~~السنن؛ # PageV04P522 # كأبي داود والترمذي وابن ماجه وعلله بعضهم بأنه روي مرسلا وصححه الحافظ ~~(*) . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: {لما اشتكى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكر له بعض نسائه أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: ~~مارية. وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتيا أرض الحبشة؛ فذكرتا من حسنها وتصاوير ~~فيها فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله} ". وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - قال: " {لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج} ". رواه أهل السنن: كأبي داود والنسائي ~~والترمذي. وقال حديث حسن وفي بعض النسخ صحيح. وفي موطأ مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} "؛ وفي سنن أبي ~~داود عنه أنه قال: " {لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر} ". ~~وأما العبادات في المساجد: كالصلاة والقراءة والدعاء. ونحو ذلك: فقد قال ~~تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~PageV04P523 # خرابها} وقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة} الآية. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان} فإن الله تعالى يقول: {إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله} الآية. وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} الآية. وقال تعالى. {وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه} الآية. وقال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} . وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {صلاة الرجل في المسجد تفضل على ~~صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة - وفي لفظ - صلاة الجماعة أفضل من ~~صلاة أحدكم بخمس وعشرين درجة} ms1149 ". وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما ~~فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي ~~بالناس ثم أنطلق برجال معي معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق ~~عليهم بيوتهم بالنار} ". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه ~~قال: {أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس ~~لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له ~~فيصلي في بيته فرخص # PageV04P524 # له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب} ". ~~وفيه أيضا عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: من سره أن يلقى الله غدا ~~مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادي بهن. فإن الله شرع لنبيكم سنن ~~الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف ~~في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر ~~فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة ~~يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها خطيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف ~~عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين رجلين حتى ~~يقام في الصف. وهذا باب واسع قد نبهنا بما كتبناه على سبيل الهدى في هذا ~~الأمر الفارق بين أهل التوحيد الحنفاء أهل ملة إبراهيم المتبعين لدين الله ~~الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وبين من لبس الحق بالباطل وشاب الحنيفية ~~بالإشراك. قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . # PageV04P525 # وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ms1150 الله مخلصين له الدين حنفاء} ~~الآية. وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} . والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV04P526 # قال شيخ الإسلام رحمه الله: # فصل: # وأما " الصحابة " و " التابعون ": فقال غير واحد من الأئمة: إن كل من صحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن لم يصحبه مطلقا؛ وعينوا ذلك في مثل ~~معاوية وعمر بن عبد العزيز؛ مع أنهم معترفون بأن سيرة عمر بن عبد العزيز ~~أعدل من سيرة معاوية قالوا: لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا ~~يساويه ما يحصل لغيرهم بعلمه. واحتجوا بما في الصحيحين أنه قال: " {لا ~~تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصيفه} " قالوا: فإذا كان جبل أحد ذهبا لا يبلغ نصف مد أحدهم كان ~~في هذا من التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المسألة بسط وبيان لا يحتمله هذا المكان. # PageV04P527 # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجلين تنازعا في ساب " أبي بكر "؛ أحدهما يقول: يتوب الله عليه وقال ~~الآخر: لا يتوب الله عليه؟ . # فأجاب: # الصواب الذي عليه أئمة المسلمين أن كل من تاب تاب الله عليه كما قال الله ~~تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} فقد ذكر في هذه الآية أنه ~~يغفر للتائب الذنوب جميعا؛ ولهذا أطلق وعمم. وقال في الآية الأخرى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذا في غير التائب ~~ولهذا قيد وخصص. وليس سب بعض الصحابة بأعظم من سب الأنبياء؛ أو سب الله ~~تعالى و " اليهود والنصارى " الذين يسبون نبينا سرا ms1151 بينهم إذا تابوا ~~وأسلموا قبل ذلك منهم باتفاق المسلمين والحديث الذي يروى: " {سب صحابتي ذنب ~~لا يغفر} ": كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشرك الذي لا يغفره ~~الله يغفره # PageV04P528 # لمن تاب باتفاق المسلمين وما يقال: إن في ذلك حقا لآدمي يجاب عنه من " ~~وجهين ": (أحدهما: أن الله قد أمر بتوبة " السارق " و " الملقب " ونحوهما ~~من الذنوب التي تعلق بها حقوق العباد كقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} {فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} وقال: {ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} ومن ~~توبة مثل هذا أن يعوض المظلوم من الإحسان إليه بقدر إساءته إليه. (الوجه ~~الثاني: أن هؤلاء متأولون؛ فإذا تاب الرافضي من ذلك واعتقد فضل الصحابة ~~وأحبهم ودعا لهم: فقد بدل الله السيئة بالحسنة كغيره من المذنبين. # PageV04P529 # وسئل: عن " جماعة " اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد ومنهم من إذا قرئ ~~عليه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي يكون راويها " عبد الله بن ~~مسعود "؛ أو قيل له: هذا مذهب عبد الله بن مسعود شرع في تنقيصه وأخذ يقدح ~~فيه ويجعله ضعيف الرواية ويزعم أنه كان بين الصحابة منقوصا حتى أن بعضهم لم ~~يثبت في المصاحف قراءته وأنه كان يحذف من القرآن المعوذتين؟ # فأجاب رحمه الله: # " ابن مسعود " - رضي الله عنه - من أجلاء الصحابة وأكابرهم حتى كان يقول ~~فيه عمر بن الخطاب: كنيف ملئ علما. وقال أبو موسى: ما كنا نعد " عبد الله ~~بن مسعود " إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من كثرة ما نرى ~~دخوله وخروجه. وقال له صلى الله عليه وسلم " {إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن ~~تسمع بسوادي حتى أنهاك} " وفي السنن: " {اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر ~~وعمر وتمسكوا بهدي ابن أم عبد} ". وفي الصحيح {من سره أن يقرأ القرآن غضا ~~كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن ms1152 أم عبد} ولما فتح العراق بعثه عليهم ليعلمهم ~~الكتاب والسنة فهو أعلم الصحابة # PageV04P530 # الذين بعثهم إلى العراق وقال فيه أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا ~~الحبر فيكم. وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني ~~تبلغه الإبل لأتيته. وهو أحد الثلاثة الذين سماهم معاذ بن جبل عند - موته ~~لما بكى مالك بن يخامر السكسكي فقال له معاذ بن جبل: ما يبكيك؟ فقال: والله ~~ما أبكي على رحم بيني وبينك ولا على دنيا أصيبها منك ولكن أبكي على العلم ~~والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ~~ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند " أربعة " فإن أعياك هؤلاء؛ فسائر أهل ~~الأرض أعجز فسمى له " ابن مسعود " و " أبي بن كعب " و " عبد الله بن سلام " ~~وأظن الرابع " أبا الدرداء ". وسئل علي عن علماء الناس؟ فقال: واحد بالعراق ~~ابن مسعود. وابن مسعود في العلم من طبقة عمر وعلي وأبي ومعاذ. وهو من ~~الطبقة الأولى من علماء الصحابة؛ فمن قدح فيه أو قال: هو ضعيف الرواية فهو ~~من جنس الرافضة الذين يقدحون في أبي بكر وعمر وعثمان وذلك يدل على إفراط ~~جهله بالصحابة أو زندقته ونفاقه. # PageV04P531 # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل يناظر مع آخر في " مسألة المصراة " وردها إذا أراد المشتري فاستدل ~~من ادعى جواز الرد بحديث أبي هريرة المتفق عليه؛ فعارضه الخصم بأن قال: " ~~أبو هريرة " لم يكن من فقهاء الصحابة. وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب كثرة ~~الرواية ونهاه عن الحديث وقال: إن عدت تحدث فعلت وفعلت وكذا أنكر عليه ابن ~~عباس وعائشة أشياء. فهل ما ذكره الخصم صحيح أم لا؟ وما يجب على من تكلم في ~~أبي هريرة بهذا الكلام؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا الراد مخطئ من وجوه: # أحدها: قوله إنه لم يكن من فقهاء الصحابة؛ فإن عمر بن الخطاب ولى أبا ~~هريرة على البحرين؛ وهم خيار المسلمين الذين هاجر وفدهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهم وفد " عبد القيس ms1153 ". وكان أبو هريرة - أميرهم - هو الذي ~~يفتيهم بدقيق الفقه؛ مثل " مسألة # PageV04P532 # المطلقة " دون الثلاث؛ إذا تزوجت زوجا أصابها هل تعود إلى الأول على ~~الثلاث؟ - كما هو قول ابن عباس وابن عمر وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن عمر ~~بناء على أن إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث كما هدمت الثلاث - أو تعود على ~~ما بقي؟ كما هو قول عمر وغيره من أكابر الصحابة وهو مذهب مالك والشافعي ~~وأحمد في المشهور عنه؛ بناء على أن إصابة الزوج الثاني إنما هي غاية ~~التحريم الثابت بالطلاق الثلاث فهو الذي يرتفع بها والمطلقة دون الثلاث لم ~~تحرم فلا ترفع الإصابة منها شيئا؛ فأفتى أبو هريرة بهذا القول. ثم سأل عمر ~~فأقره على ذلك وقال: لو أفتيت بغيره لأوجعتك ضربا. وكذلك أفتى أبو هريرة في ~~دقائق " مسائل الفقه " مع فقهاء الصحابة؛ كابن عباس وغيره من أشهر الأمور. ~~وأقواله المنقولة في فتاويه تدل على ذلك. وإذا كان عمر وعلي أفقه من عمران ~~بن حصين وأبي موسى الأشعري: لم يخرجا بذلك من الفقه وكذلك إذا كان معاذ ~~وابن مسعود ونحوهما أفقه من أبي هريرة وعبد الله بن عمر ونحوهما: لم يخرجا ~~بذلك من الفقه. (الثاني أن يقال لهذا المعترض: جميع علماء الأمة عملت بحديث ~~أبي هريرة فيما يخالف القياس والظاهر كما عملوا جميعهم بحديثه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها} ". ~~وعمل أبو حنيفة # PageV04P533 # مع الشافعي وأحمد وغيرهما بحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم " {من أكل ~~أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه} " مع أن القياس عند أبي ~~حنيفة أنه يفطر؛ فترك القياس لحديث أبي هريرة ونظائر ذلك تطول. ومالك مع ~~الشافعي وأحمد عملوا بحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا مع ~~أن القياس عند مالك أنه لا يغسل؛ لأنه طاهر عنده بل الأئمة يتركون القياس ~~لما هو دون حديث أبي هريرة كما ترك أبو حنيفة القياس في مسألة " القهقهة " ~~بحديث مرسل ms1154 لا يعرف من رواه من الصحابة وحديث أبي هريرة أثبت منه باتفاق ~~الأمة. (الثالث أن يقال: المحدث إذا حفظ اللفظ الذي سمعه لم يضره أن لا ~~يكون فقيها كالملقنين بحروف القرآن وألفاظ التشهد والأذان ونحو ذلك. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم " {نضر الله امرأ سمع حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه ~~فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه} " وهذا بين في أنه ~~يؤخذ حديثه الذي فيه الفقه من حامله الذي ليس بفقيه؛ ويأخذ عمن هو دونه في ~~الفقه؛ وإنما يحتاج في الرواية إلى الفقه إذا كان قد روي بالمعنى فخاف أن ~~غير الفقيه يغير المعنى وهو لا يدري. و " أبو هريرة " كان من أحفظ الأمة ~~وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم " بالحفظ " قال: فلم أنس شيئا سمعته ~~بعد؛ ولهذا روى حديث المصراة وغيره بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV04P534 # الرابع: أن الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث أبي هريرة كعمر وابن عمر ~~وابن عباس وعائشة ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك. # الخامس: أن أحدا من الصحابة لا يطعن في شيء رواه أبو هريرة بحيث قال: إنه ~~أخطأ في هذا الحديث؛ لا عمر ولا غيره؛ بل كان لأبي هريرة مجلس إلى حجرة ~~عائشة فيحدث ويقول: يا صاحبة الحجرة هل تنكرين مما أقول شيئا؟ فلما قضت ~~عائشة صلاتها لم تنكر مما رواه لكن قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن يسرد الحديث سردكم ولكن كان يحدث حديثا لو عده العاد لحفظه. فأنكرت ~~صفة الأداء لا ما أداه. وكذلك ابن عمر قيل له: هل تنكر مما يحدث أبو هريرة ~~شيئا؟ فقال: لا ولكن أخبر وجبنا. فقال أبو هريرة ما ذنبي إن كنت حفظت ~~ونسوا. وكانوا يستعظمون كثرة روايته حتى يقول بعضهم أكثر أبو هريرة؛ حتى ~~{قال أبو هريرة: الناس يقولون أكثر أبو هريرة والله الموعد؛ أما إخواني من ~~المهاجرين: فكان يشغلهم الصفق بالأسواق. وأما إخواني من الأنصار: فكان ~~يشغلهم عمل أموالهم، ms1155 وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكنت أشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا؛ ولقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثا. ثم قال: أيكم يبسط ثوبه فبسطت ثوبي. فدعا لي. فلم أنس بعد شيئا ~~سمعته منه صلى الله عليه وسلم} . # PageV04P535 # وروي عنه أنه كان يجزئ الليل " ثلاثة أجزاء ": ثلثا يصلي وثلثا يكرر على ~~الحديث وثلثا ينام. فقد بين أن سبب حفظه ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقطع العلائق ودعاؤه له. وكان عمر بن الخطاب يستدعي الحديث من أبي هريرة ~~ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا توعده على ذلك. ولكن كان عمر يحب التثبت في ~~الرواية؛ حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث. ولهذا طلب من أبي موسى ~~الأشعري من يوافقه على حديث الاستئذان؛ مع أن أبا موسى من أكابر الصحابة ~~وثقاتهم باتفاق الأئمة. (السادس: أن الصحابة كانوا يرجعون في مسائل الفقه ~~إلى من هو دون أبي هريرة في الفقه كما رجع عمر بن الخطاب إلى حمل بن مالك ~~وغيره في " دية الجنين " وكما رجع عثمان بن عفان إلى الفريعة بنت مالك في ~~لزوم المتوفى عنها " لمنزل الوفاة " وكما رجع عمر بن الخطاب وغيره في " ~~توريث المرأة من دية زوجها " إلى الضحاك بن سفيان الكلابي وكما رجع زيد بن ~~ثابت وغيره إلى امرأة من الأنصار في سقوط طواف الوداع عن الحائض. # PageV04P536 # وكذلك ابن مسعود لما أفتى " المفوضة المتوفى عنها " بمهر المثل؛ فقام ~~رجال من أشجع فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق ~~بمثل ما قضيت به؛ ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا وأبو بكر الصديق ورث الجدة ~~بحديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن سلمة ونظائر هذا كثيرة. (السابع: أن يقال: ~~المخالف لحديث أبي هريرة في " المصراة " يقول: إنه يخالف الأصول أو قياس ~~الأصول. فيقال له: بل القول فيه كالقول في نظائره التي اتبعت فيها النصوص ms1156 ~~فهذا الحديث ورد فيما يخالف غيره لا فيما يماثل غيره؛ والقياس هو التسوية ~~بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين؛ وذلك أن من خالفه يقول: إنه أثبت ~~الرد بالمعيب وقدر بدل المتلف؛ بل إن كان من المثليات ضمن بمثله وإلا ~~فقيمته وهذا مضمون بغير مثل ولا قيمة وجعل الضمان على المشتري والخراج ~~بالضمان. فيقال له: الرد يثبت بالتدليس ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الأئمة ~~" والمدلس " الذي أظهر أن المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه ~~وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب. # PageV04P537 # ويقال له: المشتري لم يضمن اللبن الحادث على ملكه. ولكن ضمن ما في الضرع؛ ~~فإنه لما اشترى المصراة وفيها لبن تلف عنده: كان عليه ضمانه؛ وإنما قدر ~~الشارع البدل لأنه اختلط اللبن القديم باللبن الحادث فلم يبق يعرف مقدار ~~اللبن القديم. فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته فقدر الشارع في ذلك ~~بدلا يقطع به النزاع كما قدر ديات النفس وديات الأعضاء ومنافعها ونحو ذلك ~~من المقدرات التي يقطع بها نزاع الناس فإنه إذا أمكن العلم بمقدار الحق: ~~كان هو الواجب. وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى ~~الحق. فتارة يأمر بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن؛ إقامة للظن مقام العلم ~~عند تعذر العلم ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الإبهام. وتارة ~~يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق؛ ورد المشتري للصاع ~~بدل ما أخذ من اللبن من هذا الباب. وفي المسألة حكاية ثانية ذكرها " أبو ~~سعيد بن السمعاني " عن الشيخ العارف يوسف الهمداني عن الشيخ الفقيه أبي ~~إسحاق الشيرازي عن القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا جلوسا بالجامع ببغداد ~~فجاء خراساني سألنا عن المصراة. فأجبناه فيها واحتججنا بحديث أبي هريرة ~~فطعن في أبي هريرة # PageV04P538 # فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته ~~فقتلته. ونظير هذه ما ذكره الطبراني في " كتاب السنة " عن زكريا بن يحيى ~~الساجي قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول ms1157 الله صلى الله عليه ~~وسلم فاسترعنا في المشي ومعنا شاب ماجن. فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة ~~الملائكة. لا تكسروها. قال: فما زال حتى جفته رجلاه ولهذا نظائر نسأل الله ~~تعالى الاعتصام بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع ما أقام من ~~دليله والله سبحانه أعلم. # PageV04P539 # وسئل أيضا: رحمه الله تعالى عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ~~ويصومون ويحجون ويخرجون الزكاة ويجاهدون أنفسهم في مرضاة الله غير أنهم ~~يكفرون سابي صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجوا لأحد توبة إذا تاب ~~وأن المصر على ذلك مخلد في النار ومن قال بتوبتهم يسموهم " الرجوية " ولا ~~يصلون إلا مع من يتحققون عقيدته وما يتفوه أحدهم من شيء أو يسأل عن شيء إلا ~~يقول: إن شاء الله. فهل هم مصيبون في أفعالهم؟ أم مخطئون في أقوالهم؟ # فأجاب: # الحمد لله، هؤلاء قوم مسلمون لهم ما لأمثالهم من المسلمين يثيبهم الله ~~على إيمانهم بالله ورسوله وطاعتهم لله ورسوله؛ ولا يذهب بذلك إيمانهم ~~وتقواهم بما غلطوا فيه من هذه المسائل كسائر طوائف المسلمين الذين أصابوا ~~في جمهور ما يعتقدونه ويعملونه؛ وقد غلطوا في قليل من ذلك فهؤلاء بمنزلة ~~أمثالهم من المسلمين. # PageV04P540 # وقولهم: إن توبة ساب الصحابة لا تقبل وأنه مخلد في النار خطأ بل الذي ~~عليه " السلف والأئمة ": كالأئمة الأربعة وغيرهم: أن توبة الرافضي تقبل كما ~~تقبل توبة أمثاله والحديث الذي يروى: " {سب صحابتي ذنب لا يغفر} " حديث ~~باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولو قدر صحته فالمراد به من لم يتب فإن الله ~~يأخذ حق الصحابة منه. وأما من تاب فقد قال الله تعالى: {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} وهذا ~~في حق التائب: أخبر أنه يغفر جميع الذنوب وساب الصحابة إذا كان يعتقد جواز ~~ذلك فهذا مبتدع ضال كسائر الضلال والحق في ذلك لله كمن سب الرسول معتقدا ~~أنه ساحر أو كاذب فإذا أسلم هذا قبل الله إسلامه. كذلك الرافضي إذا ms1158 تبين له ~~الحق وتاب قبل الله منه وإن كان يقر بتحريم ذلك فهذا ظالم كمن قذف غيره ~~واغتابه ومظالم العباد تصح التوبة منها ويدعو لهم ويثني عليهم بقدر ما ~~لعنهم وسبهم فإن الحسنات يذهبن السيئات. وإذا قال القائل: هذا حجر؛ وقال: ~~لا أقطع بأن هذا حجر فهذا مخطئ؛ لكن إن كان مراده أني إذا قطعت بأنه حجر ~~فقد جعلت الله عاجزا عن تغييره فإنه يقال له: بل هو الآن حجر قطعا والله ~~قادر # PageV04P541 # على تغييره وإن كان مراده بقوله إن شاء الله أن الله قادر على تغييره ~~فهذا المعنى صحيح؛ وإن كان شاكا في كونه حجرا فهذا متجاهل يعزر على ذلك. ~~وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ~~فمن قال: لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا ~~مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم. ~~والله أعلم. PageV04P542 # الجزء الخامس # كتاب الأسماء والصفات # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده # سئل شيخ الإسلام: العالم الرباني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية - رحمه الله تعالى -: # ما قول السادة العلماء أئمة الدين في " آيات الصفات " كقوله تعالى: ~~{الرحمن على العرش استوى} وقوله: {ثم استوى على العرش} وقوله: {ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان} إلى غير ذلك من آيات الصفات و " أحاديث الصفات " ~~كقوله: صلى الله عليه وسلم {إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن} ~~وقوله: {يضع الجبار قدمه في النار} إلى غير ذلك وما قالت العلماء فيه ~~وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV05P005 # والسابقون الأولون: من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ وما ~~قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وهذا ~~هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره؛ فإن الله ms1159 سبحانه وتعالى بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه ~~بإذنه وسراجا منيرا وأمره أن يقول: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني} . فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي ~~أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر ~~دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه ~~على بصيرة وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته - ~~محال مع هذا وغيره: أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا ~~مشتبها ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز ~~عليه وما يمتنع عليه. فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ~~ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك ~~الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا # PageV05P006 # ومن المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كل شيء ~~حتى الخراءة وقال: {تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها ~~بعدي إلا هالك} وقال فيما صح عنه أيضا: {ما بعث الله من نبي إلا كان حقا ~~عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم} . وقال ~~أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في ~~السماء إلا ذكر لنا منه علما. وقال {عمر بن الخطاب: قام فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مقاما فذكر بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل ~~النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه} رواه البخاري. ومحال مع ~~تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين - وإن ms1160 دقت - أن يترك تعليمهم ما ~~يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي ~~معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب. بل ~~هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية فكيف يتوهم من في قلبه ~~أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على ~~غاية التمام ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل ~~قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال أيضا أن ~~تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - كانوا غير # PageV05P007 # عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم ~~والقول وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع. # أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة ~~يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم ~~مطالبه؛ أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته. وليست ~~النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر. وهذا أمر معلوم ~~بالفطرة الوجدية فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي - الذي هو من أقوى ~~المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم هذا لا ~~يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضا عن الله وأعظمهم إكبابا على طلب ~~الدنيا والغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فكيف يقع في أولئك؟ وأما كونهم كانوا ~~معتقدين فيه غير الحق أو قائليه: فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال ~~القوم. ثم الكلام في هذا الباب عنهم: أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى ~~وأضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه ولا يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من ~~السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف؛ بل ولا عرف ~~الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من ms1161 أن " طريقة السلف ~~أسلم # PageV05P008 # وطريقة الخلف أعلم وأحكم " - وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض ~~العلماء قد يعني بها معنى صحيحا. فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة ~~الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف: إنما أتوا من حيث ظنوا: ~~أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك ~~بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني} وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها ~~بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب " تلك المقالة " ~~التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في ~~تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم. وبين ~~الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر ~~صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من ~~الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لا بد ~~للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى - وهي التي ~~يسمونها طريقة السلف - وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف - وهي التي ~~يسمونها طريقة الخلف - فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والكفر بالسمع؛ ~~فإن النفي إنما اعتمدوا فيه # PageV05P009 # على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه. ~~فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين: كانت النتيجة ~~استجهال السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة ~~الصالحين من العامة؛ لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقائق ~~العلم الإلهي وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. ثم هذا القول ~~إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة؛ بل في غاية الضلالة. كيف يكون ~~هؤلاء المتأخرون - لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر ~~في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم وأخبر الواقف على نهاية ~~إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول: # لعمري لقد طفت المعاهد ms1162 كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من ~~كتبهم كقول بعض رؤسائهم: # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # PageV05P010 # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: {الرحمن على ~~العرش استوى} {إليه يصعد الكلم الطيب} واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} ~~{ولا يحيطون به علما} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي اه. ويقول الآخر ~~منهم: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني ~~عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان وها أنا أموت على عقيدة ~~أمي اه. ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام. ثم ~~هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر: لم يوجد عندهم من ~~حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر ~~كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضلون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون: ~~أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء ~~الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق ~~الكتاب وبه نطقوا الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر ~~أتباع الأنبياء فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق ~~المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب ~~المقابلة # PageV05P011 # ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لا سيما العلم بالله ~~وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ ~~المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود ~~والنصارى ms1163 والصابئين وأشكالهم وأشباههم: أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل ~~القرآن والإيمان وإنما قدمت " هذه المقدمة " لأن من استقرت هذه المقدمة ~~عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره وعلم أن الضلال والتهوك ~~إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم وإعراضهم ~~عما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى وتركهم البحث ~~عن طريقة السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله ~~بإقراره على نفسه وبشهادة الأمة على ذلك وبدلالات كثيرة؛ وليس غرضي واحدا ~~معينا وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء. وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من ~~أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها ثم عامة ~~كلام الصحابة والتابعين ثم كلام سائر الأئمة: مملوء بما هو إما نص وإما ~~ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق كل شيء وهو على كل ~~شيء وإنه فوق العرش وأنه فوق السماء: مثل قوله تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} {إني متوفيك ورافعك إلي} {أأمنتم من في السماء ~~أن يخسف بكم الأرض} {أم أمنتم # PageV05P012 # من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} {بل رفعه الله إليه} {تعرج الملائكة ~~والروح إليه} {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} {يخافون ربهم ~~من فوقهم} {ثم استوى على العرش} في ستة مواضع {الرحمن على العرش استوى} {يا ~~هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ~~وإني لأظنه كاذبا} {تنزيل من حكيم حميد} {منزل من ربك بالحق} إلى أمثال ذلك ~~مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة. وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا ~~بالكلفة مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه ونزول الملائكة ~~من عند الله وصعودها إليه؛ وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل ~~والنهار: فيخرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم. وفي ~~الصحيح في حديث الخوارج: {ألا تأمنوني وأنا أمين من ms1164 في السماء يأتيني خبر ~~السماء صباحا ومساء} وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره {ربنا الله ~~الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل ~~رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك ~~وشفاء من شفائك على هذا الوجع} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا ~~اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء} وذكره. ~~وقوله في حديث الأوعال {والعرش فوق ذلك والله فوق عرشه وهو يعلم # PageV05P013 # ما أنتم عليه} رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وقوله في الحديث الصحيح ~~للجارية {أين الله؟ قالت في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: ~~أعتقها فإنها مؤمنة} . وقوله في الحديث الصحيح: {إن الله لما خلق الخلق كتب ~~في كتاب موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي} وقوله في حديث قبض الروح ~~{حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى} . {وقول عبد الله بن رواحة ~~الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا} # وقول {أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم هو ~~وغيره من شعره فاستحسنه وقال: آمن شعره وكفر قلبه حيث قال: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ما يناله بصر العي ... ن ترى دونه الملائك صورا} # وقوله في الحديث الذي في المسند: {إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا ~~رفع يديه إليه أن يردهما صفرا} . وقوله في الحديث: {يمد يديه إلى السماء # PageV05P014 # يا رب يا رب} إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ ~~المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم ~~الضرورية أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته ms1165 ~~المدعوين - أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك ~~جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام؛ إلا من اجتالته الشياطين عن ~~فطرته. ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مائين أو ألوفا. # ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من ~~سلف الأمة - لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن الأئمة الذين ~~أدركوا زمن الأهواء والاختلاف - حرف واحد يخالف ذلك لا نصا ولا ظاهرا. ولم ~~يقل أحد منهم قط إن الله ليس في السماء ولا إنه ليس على العرش ولا إنه ~~بذاته في كل مكان ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ولا إنه لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا إنه لا متصل ولا منفصل ولا إنه لا تجوز الإشارة ~~الحسية إليه بالأصابع ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع ~~حضره الرسول صلى الله عليه وسلم جعل يقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم. ~~فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد غير مرة} وأمثال ~~ذلك كثيرة. فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة ~~في # PageV05P015 # الكتاب والسنة؛ من هذه العبارات ونحوها؛ دون ما يفهم من الكتاب والسنة ~~إما نصا وإما ظاهرا فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص وإما ظاهر في ~~خلاف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه لا نصا ~~ولا ظاهرا؛ حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة ~~يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها. ~~لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك ~~أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم ms1166 وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل ~~عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة: ~~أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في ~~أصل الدين. فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا ~~تطلبوا معرفة الله عز وجل وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا لا من الكتاب ~~ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة. ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا ~~له من الصفات فصفوه به - سواء كان موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن - وما ~~لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به. # PageV05P016 # ثم هم ههنا فريقان: أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه - ومنهم من ~~يقول: بل توقفوا فيه - وما نفاه قياس عقولكم - الذي أنتم فيه مختلفون ~~ومضطربون اختلافا أكثر من جميع من على وجه الأرض - فانفوه وإليه عند ~~التنازع فارجعوا. فإنه الحق الذي تعبدتكم به؛ وما كان مذكورا في الكتاب ~~والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم - على طريقة ~~أكثرهم - فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه؛ لكن لتجتهدوا ~~في تخريجه على شواذ اللغة ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام. أو أن تسكتوا عنه ~~مفوضين علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات؛ هذا حقيقة الأمر ~~على رأي هؤلاء المتكلمين. وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم وهو ~~لازم لجماعتهم لزوما لا محيد عنه ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في ~~معرفة الله وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله وأن الناس ~~عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول؛ بل إلى مثل ما ~~كانوا عليه في الجاهلية وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء ~~كالبراهمة والفلاسفة - وهم المشركون - والمجوس وبعض الصابئين. وإن كان هذا ~~الرد لا يزيد الأمر إلا شدة؛ ولا يرتفع الخلاف به؛ إذ لكل فريق طواغيت ~~يريدون أن يتحاكموا إليهم وقد أمروا أن ms1167 يكفروا بهم. وما أشبه حال هؤلاء ~~المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون # PageV05P017 # أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا} {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} . فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من ~~الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا ~~عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علما وعملا بهذه الطريق التي سلكناها ~~والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها ~~دلائل: إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين أو الصابئين أو بعض ~~ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل فلان وفلان أو عمن قال كقولهم؛ ~~لتشابه قلوبهم. قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه} الآية. ولازم هذه المقالة: أن لا ~~يكون الكتاب هدى للناس ولا بيانا ولا شفاء # PageV05P018 # لما في الصدور ولا نورا ولا مردا عند التنازع لأنا نعلم بالاضطرار أن ما ~~يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده: لم يدل عليه الكتاب ~~والسنة لا نصا ولا ظاهرا. وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: {ولم ~~يكن له كفوا أحد} {هل تعلم له سميا} . وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل ~~الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله: {هل تعلم ~~له سميا} لقد أبعد النجعة وهو إما ملغز وإما مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي ~~مبين. ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة: خيرا لهم في أصل ms1168 ~~دينهم. لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد؛ وإنما الرسالة زادتهم عمى ~~وضلالة. يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ولا أحد من سلف ~~الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه. ولكن اعتقدوا الذي ~~تقتضيه مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالف ظاهره فلا ~~تعتقدوا ظاهره أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه وما لا فتوقفوا ~~فيه أو انفوه؟ . ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق ~~على ثلاث # PageV05P019 # وسبعين فرقة فقد علم ما سيكون. ثم قال: {إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به ~~لن تضلوا: كتاب الله} . وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية {هم من كان ~~على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} . فهلا قال من تمسك بالقرآن أو بدلالة ~~القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات: فهو ضال؟ ~~وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون ~~الثلاثة - في هذه المقالة - وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين. ~~ثم أصل هذه المقالة - مقالة التعطيل للصفات - إنما هو مأخوذ عن تلامذة ~~اليهود والمشركين وضلال الصابئين؛ فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة ~~في الإسلام - أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة وأن معنى ~~استوى بمعنى استولى ونحو ذلك - هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن ~~صفوان؛ وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه. وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن ~~أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم وأخذها طالوت من ~~لبيد بن الأعصم: اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV05P020 # وكان الجعد بن درهم هذا - فيما قيل - من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من ~~الصابئة والفلاسفة - بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض ~~المتأخرين في سحرهم - ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين كما أن ~~كسرى ملك الفرس والمجوس وفرعون ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة وبطليموس ملك ms1169 ~~اليونان وقيصر ملك الروم. فهو اسم جنس لا اسم علم. فكانت الصابئة - إلا ~~قليلا منهم - إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم الفلاسفة وإن كان الصابئ قد لا ~~يكون مشركا؛ بل مؤمنا بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقال: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا ~~كفارا أو مشركين؛ كما أن كثيرا من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا ~~كفارا أو مشركين فأولئك الصابئون - الذين كانوا إذ ذاك - كانوا كفارا أو ~~مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل. # PageV05P021 # ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو ~~مركبة منهما وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم فيكون ~~الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة. وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ ~~عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته وأخذها الجهم أيضا - فيما ذكره الإمام أحمد ~~وغيره - لما ناظر " السمنية " بعض فلاسفة الهند - وهم الذين يجحدون من ~~العلوم ما سوى الحسيات - فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين ~~والمشركين والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين. ثم لما ~~عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية: زاد البلاء؛ مع ما ~~ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم. ولما ~~كان في حدود المائة الثالثة: انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها ~~مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته وكلام الأئمة مثل مالك ~~وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن ~~عياض وبشر الحافي وغيرهم: كثير في ذمهم وتضليلهم. # PageV05P022 # وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس - مثل أكثر التأويلات التي ~~ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها أبو عبد الله محمد ms1170 بن عمر ~~الرازي في كتابه الذي سماه " تأسيس التقديس " ويوجد كثير منها في كلام خلق ~~كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي ~~الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم - هي بعينها ~~تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه؛ وإن كان قد يوجد في كلام بعض ~~هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضا ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بينت أن عين ~~تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه ~~عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري صنف كتابا ~~سماه: (رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد ~~حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي ~~أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من ~~جهته وجهة غيره ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم ~~حقيقة ما كان عليه السلف وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم. ~~ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم # PageV05P023 # كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب ~~المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله. ~~والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور ~~والعاقل يسير وينظر. وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن ~~أن نذكر ههنا إلا قليلا منه؛ مثل كتاب السنن للالكائي والإبانة لابن بطة ~~والسنة لأبي ذر الهروي والأصول لأبي عمرو الطلمنكي وكلام أبي عمر بن عبد ~~البر والأسماء والصفات للبيهقي وقبل ذلك السنة للطبراني ولأبي الشيخ ~~الأصبهاني ولأبي عبد الله بن منده ولأبي أحمد العسال الأصبهانيين. وقبل ذلك ~~السنة للخلال والتوحيد لابن خزيمة وكلام أبي العباس بن سريج والرد على ~~الجهمية لجماعة: مثل البخاري وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي ~~وقبل ذلك ms1171 السنة لعبد الله بن أحمد والسنة لأبي بكر بن الأثرم والسنة لحنبل ~~وللمروزي ولأبي داود السجستاني ولابن أبي شيبة والسنة لأبي بكر بن أبي عاصم ~~وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري وكتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد ~~الدارمي وغيرهم. وكلام أبي العباس عبد العزيز المكي صاحب الحيدة في الرد ~~على الجهمية وكلام نعيم بن حماد الخزاعي وكلام غيرهم وكلام الإمام أحمد بن ~~حنبل # PageV05P024 # وإسحاق بن راهويه ويحيى بن سعيد ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم. ~~وقبل: لعبد الله بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة. وعندنا من الدلائل ~~السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. وأنا أعلم أن المتكلمين ~~النفاة لهم شبهات موجودة ولكن لا يمكن ذكرها في الفتوى فمن نظر فيها وأراد ~~إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير. فإذا كان أصل هذه المقالة - مقالة ~~التعطيل والتأويل - مأخوذا عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب ~~نفس مؤمن - بل نفس عاقل - أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ~~ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. # PageV05P025 # فصل: # ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو ~~وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون؛ الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث ~~قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف: أنهم ~~يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن ~~غير تكييف ولا تمثيل ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ~~ولا أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ لا سيما إذا ~~كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في ~~البيان والتعريف والدلالة والإرشاد. وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في ~~نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكما نتيقن أن ms1172 الله ~~سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة: فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله ~~شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن ~~الله منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ويمتنع ~~عليه الحدوث لامتناع العدم # PageV05P026 # عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب ~~وجوده بنفسه سبحانه وتعالى. ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل فلا يمثلون ~~صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف ~~به نفسه ووصفه به رسوله. فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا ~~الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته. وكل واحد من فريقي التعطيل ~~والتمثيل: فهو جامع بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من ~~أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك ~~المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلوا أولا وعطلوا آخرا وهذا ~~تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه ~~وصفاتهم وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله ~~سبحانه وتعالى. فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن ~~يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا وكل ذلك من المحال ونحو ذلك من ~~الكلام: فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على ~~أي جسم كان وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم. إما استواء يليق بجلال الله ~~تعالى ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم ~~من سائر الأجسام وصار هذا مثل قول المثل: إذا كان للعالم صانع فإما أن # PageV05P027 # يكون جوهرا أو عرضا. وكلاهما محال؛ إذ لا يعقل موجود إلا هذان. وقوله: ~~إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ ~~إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف ~~الله به نفسه وامتاز الأول بتعطيل كل ms1173 اسم للاستواء الحقيقي وامتاز الثاني ~~بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين. # والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط؛ من أن الله مستو على عرشه استواء ~~يليق بجلاله ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~وأنه سميع بصير ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض ~~التي لعلم المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته ~~خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها. واعلم أنه ليس في العقل الصريح ~~ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلا؛ لكن هذا ~~الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق فمن كان في قلبه شبهة ~~وأحب حلها فذلك سهل يسير. ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة - من ~~المتأولين لهذا الباب - في أمر مريج فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل ~~يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل ومن يحيل أن لله علما وقدرة وأن يكون ~~كلامه غير مخلوق ونحو # PageV05P028 # ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل؛ بل من ينكر حقيقة حشر ~~الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر ~~إلى التأويل ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه ~~مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء: إنه ليس لواحد منهم ~~قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي ~~الآخر أن العقل أحاله. فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟ فرضي الله ~~عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: " أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما ~~جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء ". وكل من هؤلاء ~~مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه: - (أحدها بيان أن العقل لا تحيل ذلك. ~~و (الثاني أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. و (الثالث أن عامة هذه ~~الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها ms1174 بالاضطرار كما أنه جاء ~~بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان. فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل ~~القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات. ~~(الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص؛ وإن # PageV05P029 # كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه ~~مجملا إلى غير ذلك من الوجوه. على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول: ~~معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. وإذا ~~كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ومن المعلوم ~~للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأنه بين للناس ما أخبرهم به من ~~أمور الإيمان بالله واليوم الآخر. والإيمان بالله واليوم الآخر: يتضمن ~~الإيمان بالمبدأ والمعاد وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله ~~تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وقال ~~تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} وقال تعالى: {وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده} وقد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده. ومعلوم ~~للمؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره بذلك وأنصح من ~~غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق ~~للأمة وأفصحهم فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلوم أن ~~المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته: # PageV05P030 # كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان ~~علمه وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في ~~كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين - ومع وجود ~~القدرة التامة والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد؛ فعلم قطعا أن ما بينه من ~~أمر الإيمان بالله واليوم ms1175 الآخر: حصل به مراده من البيان وما أراده من ~~البيان فهو مطابق لعلمه وعلمه بذلك أكمل العلوم. فكل من ظن أن غير الرسول ~~أعلم بهذا منه أو أكمل بيانا منه أو أحرص على هدي الخلق منه: فهو من ~~الملحدين لا من المؤمنين. والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم في ~~هذا الباب على سبيل الاستقامة. # وأما المنحرفون عن طريقهم: فهم " ثلاث طوائف ": أهل التخييل وأهل التأويل ~~وأهل التجهيل. # فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه. ~~فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما ~~هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ~~ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم ~~الحقائق على ما هي عليه. ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها وكذلك ~~من الأشخاص # PageV05P031 # الذين يسمونهم الأولياء من علمها ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو ~~أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين. وهذه مقالة غلاة الملحدين من ~~الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية. ومنهم من يقول: بل ~~الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما ~~يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق. ويقول ~~هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل وإلى ~~اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع ~~أن ذلك باطل. قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن ~~الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. ~~(وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى. ويقول: إنما ~~يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة ~~الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم. (وأما أهل التأويل فيقولون: إن ~~النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ولكن ~~قصد بها معاني ولم ms1176 يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها؛ ولكن أراد أن ~~ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ~~ومقصوده امتحانهم وتكليفهم # PageV05P032 # وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحق ~~من غير جهته وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ~~ذلك. والذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم: هم هؤلاء؛ إذ كان نفور الناس ~~عن الأولين مشهورا بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة ~~وهم - في الحقيقة - لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا؛ لكن أولئك ~~الملاحدة ألزموهم في النصوص - نصوص المعاد - نظير ما ادعوه في نصوص الصفات. ~~فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان وقد علمنا ~~فساد الشبه المانعة منه. وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن ~~الرسل جاءت بإثبات الصفات. ونصوص الصفات في الكتب الإلهية: أكثر وأعظم من ~~نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون ~~المعاد وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر ~~شيئا منها أحد من العرب. فعلم أن إقرار العقول بالصفات: أعظم من إقرارها ~~بالمعاد وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات فكيف يجوز مع هذا أن يكون ~~ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به وما أخبر به من المعاد هو على ما ~~أخبر به # PageV05P033 # وأيضا؛ فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه ~~وبدلوه ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما بدل وحرف ~~لكان إنكار ذلك عليهم أولى فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك ~~تعجبا منهم وتصديقا لها ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات مثل لفظ ~~التجسيم والتشبيه ونحو ذلك؛ بل عابهم بقولهم: {يد الله مغلولة} وقولهم: {إن ~~الله فقير ونحن أغنياء} وقولهم: إنه استراح لما خلق السموات والأرض فقال ~~تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب} . والتوراة ms1177 مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن ~~والحديث؛ وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن تتأول الصفات ~~التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى والثاني ~~مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان. (وأما ~~الصنف الثالث وهم (أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع ~~السلف. يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله ~~إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا السابقون الأولون ~~عرفوا ذلك. وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله مع ~~أن الرسول تكلم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه. # PageV05P034 # وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} فإنه ~~وقف أكثر السلف على قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} . وهو وقف صحيح لكن ~~لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره؛ وبين " التأويل " الذي انفرد الله ~~تعالى بعلمه؛ وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو " التأويل " ~~المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك. فإن لفظ " التأويل " يراد به ~~ثلاث معان: " فالتأويل " في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن ~~الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك فلا يكون معنى ~~اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء؛ وظنوا أن مراد الله ~~تعالى بلفظ التأويل ذلك وأن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ~~ولا يعلمه المتأولون. ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجري على ظاهرها فظاهرها ~~مراد مع قولهم: إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض ~~وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة: من أصحاب " الأئمة الأربعة " ~~وغيرهم. # والمعنى الثاني " أن التأويل " هو تفسير الكلام - سواء وافق ظاهره أو لم ~~يوافقه - وهذا هو " التأويل " في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم. وهذا " ~~التأويل " يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف # PageV05P035 # من السلف عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ms1178 العلم} كما ~~نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن ~~قتيبة وغيرهم وكلا القولين حق باعتبار. كما قد بسطناه في موضع آخر؛ ولهذا ~~نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق. والمعنى الثالث أن التأويل هو ~~الحقيقة التي يؤول الكلام إليها - وإن وافقت ظاهره - فتأويل ما أخبر الله ~~به في الجنة - من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك - هو ~~الحقائق الموجودة أنفسها؛ لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه ~~باللسان وهذا هو " التأويل " في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال: ~~{يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} وقال تعالى: {هل ينظرون ~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا ~~بالحق} وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . # وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. وتأويل " الصفات " هو الحقيقة ~~التي انفرد الله تعالى بعلمها وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف - ~~كمالك وغيره -: الاستواء معلوم والكيف مجهول؛ فالاستواء معلوم - يعلم معناه ~~ويفسر ويترجم بلغة أخرى - وهو من # PageV05P036 # التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وأما كيفية ذلك الاستواء فهو ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد ~~الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: - ~~تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه ~~العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب. وهذا كما ~~قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} . وكذلك علم وقت الساعة ~~ونحو ذلك فهذا من التأويل الذي لا يعلمه ms1179 إلا الله تعالى. وإن كنا نفهم ~~معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى: ~~{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وقال: {أفلم يدبروا القول} فأمر ~~بتدبر القرآن لا بتدبر بعضه. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين ~~كانوا يقرءوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم ~~كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى ~~يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ~~جميعا. # PageV05P037 # وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى ~~خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها. وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا ~~وفي كتاب الله بيانها وقال مسروق: ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في ~~القرآن ولكن علمنا قصر عنه. وهذا باب واسع قد بسط في موضعه. # والمقصود هنا: التنبيه على أصول " المقالات الفاسدة " التي أوجبت الضلالة ~~في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن من جعل ~~الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه ولا جبريل - جعله غير عالم ~~بالسمعيات ولم يجعل القرآن هدى ولا بيانا للناس. ثم هؤلاء ينكرون العقليات ~~في هذا الباب بالكلية فلا يجعلون عند الرسول وأمته في " باب معرفة الله عز ~~وجل " لا علوما عقلية ولا سمعية؛ وهم قد شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه ~~متعددة وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى السلف من ~~الجهل كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف ~~الملاحدة. ونحن نذكر من " ألفاظ السلف " بأعيانها " وألفاظ من نقل مذهبهم " ~~- إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع - ما يعلم به مذهبهم. # PageV05P038 # روى أبو بكر البيهقي في " الأسماء والصفات " بإسناد صحيح عن الأوزاعي ~~قال: كنا - والتابعون متوافرون -: نقول إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه ~~ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته. وقد حكى الأوزاعي - وهو أحد " الأئمة ~~الأربعة ms1180 " في عصر تابع التابعين: الذين هم " مالك " إمام أهل الحجاز و " ~~الأوزاعي " إمام أهل الشام و " الليث " إمام أهل مصر و " الثوري " إمام أهل ~~العراق - حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق ~~العرش وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر ~~لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. ~~وروى أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري ~~عن تفسير الأحاديث فقالا: - أمروها كما جاءت. وروى أيضا عن الوليد بن مسلم ~~قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي: عن الأخبار ~~التي جاءت في الصفات. فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا أمروها ~~كما جاءت بلا كيف. فقولهم - رضي الله عنهم - " أمروها كما جاءت " رد على ~~المعطلة وقولهم: " بلا كيف " رد على الممثلة. والزهري ومكحول: هما أعلم ~~التابعين في زمانهم # PageV05P039 # والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقتهم حماد بن ~~زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما. وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن ~~عبد الله قال سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: ~~قال " عمر بن عبد العزيز ": سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر ~~بعده سننا. الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين ~~الله ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ولا النظر في شيء خالفها من اهتدى ~~بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ~~ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وروى الخلال بإسناد - كلهم ~~أئمة ثقات - عن سفيان بن عيينة. قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ~~{الرحمن على العرش استوى} كيف استوى. قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق. وهذا ~~الكلام مروي عن " مالك بن أنس " تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه. ms1181 ~~(منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى؛ ~~قال: كنا عند مالك بن أنس؛ فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله: # PageV05P040 # {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ~~ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة. وما أراك إلا مبتدعا؛ ثم أمر به أن يخرج. فقول ربيعة ومالك: الاستواء ~~غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب موافق لقول الباقين: أمروها ~~كما جاءت بلا كيف فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان ~~القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما ~~قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ولما قالوا: أمروها كما جاءت ~~بلا كيف فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. ~~وأيضا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى؛ ~~وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي ~~الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف فمن قال: ~~إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف فلو كان مذهب السلف نفي ~~الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف. وأيضا: فقولهم: أمروها كما جاءت ~~يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان؛ فلو ~~كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن # PageV05P041 # يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد؛ أو أمروا لفظها ~~مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما ~~جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول. # وروى الأثرم في " السنة " وأبو عبد الله بن بطة في " الإبانة " وأبو عمرو ~~الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون - وهو أحد " أئمة المدينة الثلاثة " الذين هم مالك بن ms1182 أنس وابن ~~الماجشون وابن أبي ذئب - وقد سئل عما جحدت به الجهمية: " أما بعد: فقد فهمت ~~ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة " الرب العظيم " الذي فاقت ~~عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة ~~قدرته وردت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسيرة. وإنما أمروا ~~بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وإنما يقال " كيف " لمن لم يكن مرة ثم ~~كان. فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو ~~إلا هو. وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة ~~شيء منه حد أو منتهى - يعرفه عارف أو يحد قدره واصف؟ - على أنه الحق المبين ~~لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته ~~عجزها عن تحقيق # PageV05P042 # صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرا يجول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر؛ لما ~~يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك ~~الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم {ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} . اعرف - رحمك الله - غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه ~~بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها؛ إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما ~~لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟ ~~فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد {استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران} فصار يستدل - بزعمه - على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن ~~قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي فجحد ما ~~سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى ~~جحد قول الله عز وجل: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} فقال: لا يراه ~~أحد ms1183 يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم ~~القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} قد ~~قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون. إلى أن قال: - وإنما جحد رؤية ~~الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه # PageV05P043 # قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك ~~مؤمنين وكان له جاحدا. {وقال المسلمون: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس ليس ~~دونها سحاب. قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه ~~سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك} . وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط ~~وينزوي بعضها إلى بعض} {وقال لثابت بن قيس: لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك ~~البارحة} {وقال فيما بلغنا إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة ~~إجابتكم فقال له رجل من العرب إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم قال لا نعدم من رب ~~يضحك خيرا} . إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه. وقال تعالى: {وهو السميع ~~البصير} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} وقال ~~تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وقال تعالى: {والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} . فوالله ~~ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته: إلا صغر نظيرها منهم ~~عندهم إن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم # PageV05P044 # فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه ~~كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه - لا هذا ولا هذا - لا نجحد ما وصف ولا ~~نتكلف معرفة ما لم يصف. اعلم - رحمك الله - أن العصمة في الدين أن تنتهي في ~~الدين حيث انتهى بك ولا تجاوز ما ms1184 قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف ~~وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في ~~الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة: فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف ~~من نفسه عيبا؛ ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرا. وما أنكرته نفسك ولم تجد ~~ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك - من ذكر صفة ربك - فلا تكلفن علمه ~~بعقلك؛ ولا تصفه بلسانك؛ واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه فإن تكلفك ~~معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكار ما وصف منها؛ فكما أعظمت ما جحده ~~الجاحدون مما وصف من نفسه: فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف ~~منها. فقد - والله - عز المسلمون؛ الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف؛ وينكرون ~~المنكر وبإنكارهم ينكر؛ يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما ~~بلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ~~ولا تسمية غيره من الرب مؤمن. # PageV05P045 # وما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما ~~سمي وما وصف الرب تعالى من نفسه. والراسخون في العلم - الواقفون حيث انتهى ~~علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها - لا ~~ينكرون صفة ما سمي منها جحدا ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا؛ لأن الحق ~~ترك ما ترك وتسمية ما سمى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله ~~جهنم وساءت مصيرا وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين ". وهذا كله ~~كلام ابن الماجشون الإمام " فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية ~~- موافقا لغيره من الأئمة - وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من ~~إثباتها كذا وكذا كما تقوله الجهمية - أنه يلزم أن يكون جسما أو عرضا فيكون ~~محدثا. # وفي كتاب " الفقه الأكبر " المشهور عند أصحاب أبي حنيفة؛ الذي رووه ~~بالإسناد عن أبي مطيع " الحكم بن عبد الله ms1185 البلخي " قال: سألت أبا حنيفة عن ~~الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدا بذنب ولا تنف أحدا به من الإيمان؛ وتأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم ~~يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~توالي أحدا دون أحد؛ وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله عز وجل. # PageV05P046 # قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم؛ ولأن يفقه ~~الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع: " الحكم ~~بن عبد الله " قلت: أخبرني عن أفضل الفقه. قال: تعلم الرجل الإيمان ~~والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة. وذكر مسائل " الإيمان " ثم ذكر ~~مسائل " القدر " والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه. ثم قال: قلت: ~~فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك أناس فيخرج ~~على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال لا. قلت: ولم وقد أمر الله ورسوله بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال هو كذلك؛ لكن ما يفسدون ~~أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام. قال: وذكر الكلام في قتل ~~الخوارج والبغاة. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في ~~السماء أم في الأرض: فقد كفر لأن الله يقول: {الرحمن على العرش استوى} ~~وعرشه فوق سبع سموات. قلت: فإن قال إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري ~~العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ ~~لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل - وفي لفظ - سألت ~~أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض. قال قد كفر. قال ~~لأن الله # PageV05P047 # يقول: {الرحمن على العرش استوى} وعرشه فوق سبع سموات قال فإنه يقول على ~~العرش استوى ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء قال إذا أنكر أنه في ~~السماء فقد ms1186 كفر. ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفر ~~الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؛ فكيف يكون الجاحد ~~النافي الذي يقول ليس في السماء؛ أو ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على ~~كفره بقوله: {الرحمن على العرش استوى} قال: وعرشه فوق سبع سموات. وبين بهذا ~~أن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} يبين أن الله فوق السموات فوق ~~العرش وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش. ثم إنه أردف ~~ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء ~~أم في الأرض قال: لأنه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين؛ وأنه ~~يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون ~~الله في السماء؛ واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى ~~لا من أسفل وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية فإن القلوب مفطورة على ~~الإقرار بأن الله # PageV05P048 # في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل وقد جاء اللفظ الآخر صريحا ~~عنه بذلك. فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروى هذا اللفظ بإسناد ~~عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في " كتاب الفاروق " وروى ~~أيضا ابن أبي حاتم: أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - ~~قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب؛ فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد ~~الله على التوبة؛ فامتحنه هشام؛ فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من ~~خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه؛ ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردوه ~~إلى الحبس فإنه لم يتب. وروي أيضا عن يحيى بن معاذ الرازي " أنه قال: إن ~~الله على العرش بائن من الخلق وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا؛ لا ~~يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط ms1187 ~~منه الذات بالأقذار والأنتان. وروي أيضا عن ابن المديني لما سئل ما قول أهل ~~الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش ~~استوى؛ فسئل عن قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} فقال: اقرأ ما ~~قبلها: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} . # PageV05P049 # وروي أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه؛ ~~وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن ~~تفسير قوله: {الرحمن على العرش استوى} فقال: تفسيره كما يقرأ هو على العرش ~~وعلمه في كل مكان؛ ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله. وروى أبو القاسم ~~اللالكائي " الحافظ. الطبري؛ صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور ~~في " أصول السنة " بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق ~~الفقهاء كلهم - من المشرق إلى المغرب - على الإيمان بالقرآن والأحاديث؛ ~~التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل: ~~من غير تفسير؛ ولا وصف ولا تشبيه؛ فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا؛ ~~ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا؛ فمن قال: بقول جهم فقد فارق ~~الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء. محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك ~~وطبقتهما من العلماء. وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور ~~السلبية غالبا أو دائما. وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير " الجهمية ~~المعطلة " الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون ~~من الأثبات. # PageV05P050 # وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه ~~الأحاديث التي يقول فيها {ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره} {وإن جهنم لا ~~تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه} {والكرسي موضع القدمين} وهذه الأحاديث في " ~~الرؤية " هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض؛ ms1188 غير أنا إذا سئلنا عن ~~تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها. # أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد؛ ~~وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل: ما هو أشهر من أن يوصف وقد كان في ~~الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء ~~يفسرها: أي تفسير الجهمية. وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله ~~بن المبارك: أن رجلا قال له يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة - عنى صفة ~~الرب - فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهية لذلك ولكن إذا ~~نطق الكتاب بشيء قلنا به وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا. أراد ~~ابن المبارك: أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به ~~الكتاب والآثار. وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك ~~أنه قيل له: # PageV05P051 # بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول ~~كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض - وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. وروي ~~بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية. ~~فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء. وروى ابن أبي حاتم في ~~كتاب " الرد على الجهمية " عن سعيد بن عامر الضبعي - إمام أهل البصرة علما ~~ودينا من شيوخ الإمام أحمد - أنه ذكر عنده الجهمية فقال: أشر قولا من ~~اليهود والنصارى وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن ~~الله على العرش وهم قالوا: ليس على شيء. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام ~~الأئمة من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب ~~فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا ~~أهل الذمة ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. وروى عبد الله بن الإمام أحمد ~~بإسناده عن عباد بن العوام - الواسطي إمام أهل واسط من طبقة ms1189 شيوخ الشافعي ~~وأحمد - قال: كلمت بشرا المريسي وأصحاب بشر؛ فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن ~~يقولوا: ليس في السماء شيء. وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه ~~قال: ليس في أصحاب # PageV05P052 # الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء أرى ~~والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في " كتاب ~~الرد على الجهمية " عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا ~~إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وإن الله ليس ~~على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. وعن الأصمعي قال: قدمت ~~امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود ~~على محدود فقال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة. وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ ~~أحمد والبخاري وطبقتهما - قال: ناظرت جهميا؛ فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن ~~في السماء ربا. وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن ~~النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ~~الله في السماء وعلمه في كل مكان؛ لا يخلو من علمه مكان. وقال الشافعي: ~~خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده. # PageV05P053 # وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم تقول " زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات ". وهذا ~~مثل قول الشافعي. وقصة أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر ~~المريسي حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه قد ذكرها ابن أبي حاتم ~~وغيره. # وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين " الإمام المشهور من ~~أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في " أصول السنة " قال فيه: باب الإيمان ~~بالعرش قال: " ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو ~~والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه ms1190 كيف شاء كما أخبر عن نفسه في ~~قوله: {الرحمن على العرش استوى} وقوله: {ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في ~~الأرض} الآية. فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى. وذكر حديث {أبي رزين ~~العقيلي؛ قلت يا رسول الله أين ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: # PageV05P054 # في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء} قال محمد: ~~العماء السحاب الكثيف المطبق - فيما ذكره الخليل - وذكر آثارا أخر. # ثم قال: باب الإيمان بالكرسي قال محمد بن عبد الله: " ومن قول أهل السنة ~~أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين. ثم ذكر {حديث أنس الذي فيه ~~التجلي يوم الجمعة في الآخرة وفيه فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على ~~كرسيه ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر؛ ثم يجيء النبيون ~~فيجلسون عليها} . وذكر ما ذكره: يحيى بن سالم " صاحب التفسير المشهور ": ~~حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني؛ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين؛ ولا ~~يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه. وذكر من حديث أسد بن موسى؛ ثنا حماد بن سلمة ~~عن زر عن ابن مسعود قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة ~~عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام ~~وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ~~ما أنتم عليه. # ثم قال في باب الإيمان بالحجب قال: ومن قول أهل السنة إن الله بائن # PageV05P055 # من خلقه يحتجب عنهم بالحجب فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ~~{كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وذكر آثارا في الحجب. # ثم قال في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى ~~سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا وذكر الحديث من طريق ~~مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن ms1191 وضاح عن الزهري عن ابن عباد. ~~قال: ومن أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ~~ووكيع: كانوا يقولون: إن النزول حق قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن ~~النزول قال: نعم أومن به ولا أحد فيه حدا وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر ~~به ولا أحد فيه حدا. قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش ~~في السماء دون الأرض وهو أيضا بين في كتاب الله وفي غير حديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه} وقال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} ~~{أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} وقال: {وهو القاهر فوق عباده} وقال تعالى: {يا ~~عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} وقال: {بل رفعه الله إليه} . وذكر من طريق ~~مالك: {قول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ # PageV05P056 # قالت في السماء. قال من أنا؟ قالت أنت رسول الله. قال: فأعتقها} . قال ~~والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في ~~الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم. وقال قبل ذلك في " الإيمان بصفات الله ~~تعالى وأسمائه " قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ~~ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما والعجز عن ما لم يدع إليه ~~إيمانا وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه ~~على لسان نبيه. وقد قال - وهو أصدق القائلين - {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~وقال: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم} وقال: {ويحذركم ~~الله نفسه} وقال: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} وقال: {فإنك بأعيننا} ~~وقال: {ولتصنع على عيني} وقال: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} وقال: {والأرض جميعا قبضته ms1192 يوم ~~القيامة} الآية. وقال: {إنني معكما أسمع وأرى} وقال: {وكلم الله موسى ~~تكليما} . وقال تعالى: {الله نور السماوات والأرض} الآية وقال: {الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم} الآية. وقال: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ~~ومثل هذا في القرآن كثير # PageV05P057 # فهو تبارك وتعالى نور السموات والأرض كما أخبر عن نفسه وله وجه ونفس وغير ~~ذلك مما وصف به نفسه ويسمع ويرى ويتكلم هو الأول لا شيء قبله والآخر الباقي ~~إلى غير نهاية ولا شيء بعده والظاهر العالي فوق كل شيء والباطن بطن علمه ~~بخلقه فقال: {وهو بكل شيء عليم} قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم. وذكر: " ~~أحاديث الصفات " ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه ~~بها نبيه وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق ~~الإيمان اه. # وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره. وكذلك ~~كلام الناقلين لمذهبهم. مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة ~~في " الغنية عن الكلام وأهله " قال: " فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء ~~منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي ~~الكيفية والتشبيه عنها وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله وحققها قوم من ~~المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في سلوك ~~الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي ~~والمقصر عنه. # PageV05P058 # والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذى في ~~ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات ~~وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد ~~وتكييف. فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله ~~لنفسه؛ ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة ولا معنى السمع والبصر ~~العلم؛ ms1193 ولا نقول إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي ~~جوارح وأدوات للفعل ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ~~ورد بها؛ ووجب نفي التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء؛ وعلى هذا جرى قول ~~السلف في أحاديث الصفات " هذا كله كلام الخطابي. # وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف ~~على ذلك. وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوا منه من العلماء من لا ~~يحصى عددهم مثل أبي بكر الإسماعيلي والإمام يحيى بن عمار السجزي وشيخ ~~الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب " منازل السائرين " و " ذم الكلام " وهو ~~أشهر من أن يوصف وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر ~~النمري إمام المغرب وغيرهم. # PageV05P059 # وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب " الحلية " في عقيدة له قال في أولها: " ~~طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ قال فمما اعتقدوه أن ~~الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله ~~يقولون بها؛ ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من ~~خلقه والخلق بائنون منه: لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في ~~سمائه دون أرضه وخلقه ". وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه " محجة الواثقين ~~ومدرجة الوامقين " تأليفه: " وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو ~~عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية إنه بكل مكان؛ خلافا لما نزل في ~~كتابه: " {أأمنتم من في السماء} {إليه يصعد الكلم الطيب} {الرحمن على العرش ~~استوى} له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السموات والأرض وهو قوله: ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض} . وكرسيه جسم والأرضون السبع والسموات السبع ~~عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة؛ وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية؛ بل يوضع ~~كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه؛ كما قاله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه - تعالى وتقدس - يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ~~والملائكة صفا صفا؛ كما قال تعالى: {وجاء ربك والملك ms1194 صفا صفا} وزاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين ~~عباده فيغفر لمن يشاء من # PageV05P060 # مذنبي الموحدين ويعذب من يشاء. كما قال تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} . وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني - شيخ الصوفية في حدود ~~المائة الرابعة في بلاده - قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة ~~وموعظة من الحكمة؛ وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف وأهل ~~المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: " وإن الله استوى على ~~عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول. وأنه ~~عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون؛ بلا حلول ولا ممازجة ~~ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق. ~~وإن الله عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى ~~لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: {فيقول: ~~هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ~~يطلع الفجر} ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل. فمن أنكر ~~النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا " اه. وقال ~~الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في " كتاب السنة " ثنا ~~أبو بكر الأثرم ثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي حدثنا الليث # PageV05P061 # بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث - قال أبو بكر هو صاحب الفضيل - ~~قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله ~~تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا النزول ~~والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع؛ كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يباهي ~~وكما يشاء أن يضحك وكما يشاء أن يطلع. ms1195 فليس (لنا أن نتوهم كيف وكيف؟ . فإذا ~~قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء. ~~ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في " أفعال العباد ". ونقل شيخ ~~الإسلام بإسناده في كتابه " الفاروق " فقال: ثنا يحيى بن عمار ثنا أبي ثنا ~~يوسف بن يعقوب ثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل. وقال ~~عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه " التعرف بأحوال العباد والمتعبدين ~~" قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين وذكر أنه يوقعهم في القنوط ثم في ~~الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد. فقال: " من أعظم ما يوسوس في " التوحيد " ~~بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل. فقال ~~بعد ذكر حديث الوسوسة: # PageV05P062 # واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في ~~معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ضياء أو إشراق أو جمال أو سنح مسائل أو شخص ~~متمثل: فالله تعالى بغير ذلك؛ بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر ألا تسمع لقوله: ~~{ليس كمثله شيء} وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} أي لا شبيه ولا نظير ولا ~~مساوي ولا مثل أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته؟ وشامخ ~~سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك: كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك. فرد بما ~~بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ. فإن ~~اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب - تعالى وتقدس - في ~~كتابه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو ~~وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ~~ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم - رحمك ~~الله تعالى - أن الله تعالى واحد لا كالآحاد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد - إلى أن قال - خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في ~~قديم ms1196 الأزل بصدق الحقائق لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا واسما كان منه ~~بريا تبارك وتعالى؛ فكان هاديا سيهدي وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق وغافرا ~~سيغفر وفاعلا سيفعل ولم يحدث له # PageV05P063 # الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة ~~فعله. كذلك قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} بمعنى أنه سيجيء؛ ~~فلم يستحدث الاسم بالمجيء وتخلف الفعل لوقت المجيء فهو جاء سيجيء ويكون ~~المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه لأن ذلك فعل الربوبية ~~فيستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود فلا ~~تذهب في أحد الجانبين؛ لا معطلا ولا مشبها وارض لله بما رضي به لنفسه وقف ~~عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة ~~التنقير. إلى أن قال: " فهو تبارك وتعالى القائل: أنا الله لا الشجرة ~~الجائي قبل أن يكون جائيا؛ لا أمره المتجلي لأوليائه في المعاد؛ فتبيض به ~~وجوههم وتفلج به على الجاحدين حجتهم المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل ~~مكان - تبارك وتعالى - الذي كلم موسى تكليما. وأراه من آياته فسمع موسى ~~كلام الله؟ لأنه قربه نجيا. تقدس أن يكون كلامه مخلوقا أو محدثا أو مربوبا ~~الوارث بخلقه لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه ~~مبسوطتان وهما غير نعمته خلق آدم ونفخ فيه من روحه - وهو أمره - تعالى ~~وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوا كبيرا ~~الشائي له المشيئة العالم له العلم الباسط يديه بالرحمة النازل كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا ليتقرب # PageV05P064 # إليه خلقه بالعبادة وليرغبوا إليه بالوسيلة القريب في قربه من حبل الوريد ~~البعيد في علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس. إلى أن قال: {إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . القائل: {أأمنتم من في السماء أن يخسف ~~بكم الأرض فإذا هي تمور} {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} ~~تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو ms1197 في السماء جل عن ذلك علوا كبيرا " اه. # وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه ~~المسمى " فهم القرآن " قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ وأن النسخ لا يجوز ~~في الأخبار قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ولا أسماءه يجوز ~~أن ينسخ منها شيء. إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا ~~أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر ~~أنه عالم بالغيب وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات ولا قدرة له ولا ~~يتكلم ولا كلام كان منه وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك. فإذا ~~عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز فإن تلوت آية في ~~ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: {حتى إذا أدركه ~~الغرق قال آمنت} الآيات وقال: {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} # PageV05P065 # وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار لأنه آمن عند ~~الغرق وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: {فأوردهم ~~النار} وقال: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} ولم يقل بفرعون. قال: وهكذا ~~الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} ~~كذلك قوله: {فليعلمن الله الذين صدقوا} فأقر التلاوة على استئناف العلم من ~~الله عز وجل عن أن يستأنف علما بشيء لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه ~~لم يقدر أن يصنعه - نجده ضرورة - قال: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ~~قال: وإنما قوله {حتى نعلم المجاهدين} إنما يريد حتى نراه فيكون معلوما ~~موجودا؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون؛ ويعلمه ~~موجودا كان قد كان؛ فيعلم في وقت واحد معدوما موجودا وإن لم يكن وهذا محال. ~~وذكر كلاما في هذا في الإرادة. إلى أن قال: وكذلك قوله: {إنا معكم مستمعون} ms1198 ~~ليس معناه أن يحدث له سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قوم من " ~~أهل السنة " أن الله استماعا في ذاته فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث ~~منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما ~~أدركته أذنه من الصوت. وكذلك قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} ~~لا يتحدث بصرا محدثا في ذاته وإنما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل ~~يعلمه قبل كونه. # PageV05P066 # إلى أن قال: " وكذلك قوله تعالى {وهو القاهر فوق عباده} وقوله: {الرحمن ~~على العرش استوى} وقوله: {أأمنتم من في السماء} وقوله: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وقال: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه} وقال: {تعرج الملائكة والروح إليه} وقال لعيسى: {إني متوفيك ~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} الآية وقال: {بل رفعه الله إليه} وقال: ~~{إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته} . وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا حيث هو فقال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} أي طلبه وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} . قال ~~أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك لهذا أبدا. كذلك قوله: {وهو الذي في السماء إله ~~وفي الأرض إله} وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقوله: {وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم} الآية فليس هذا بناسخ لهذا ولا هذا ضد لذلك. واعلم أن هذه ~~الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء أو ~~ينتقل فيها لانتقالها ويتبعض فيها على أقدارها ويزول عنها عند فنائها جل ~~وعز عن ذلك وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال؛ فزعموا أن الله # PageV05P067 # تعالى في كل مكان بنفسه كائنا كما هو على العرش؛ لا فرقان بين ذلك ثم ~~أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ ms1199 لأن كل من يثبت ~~شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه واحتجوا بهذه الآيات ~~أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا ~~كالشيء في الشيء. قال: " أبو عبد الله لنا قوله: {حتى نعلم} {فسيرى الله} ~~{إنا معكم مستمعون} فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا ويسمعه ~~مسموعا ويبصره مبصرا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر. وأما قوله: {وإذا ~~أردنا} إذا جاء وقت كون المراد فيه. وإن قوله: {على العرش استوى} {وهو ~~القاهر فوق عباده} الآية. {أأمنتم من في السماء} {إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا} فهذا وغيره مثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها منزه عن الدخول في ~~خلقه لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه ~~فوق عباده؛ لأنه قال: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} يعني فوق ~~العرش والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء ~~وقد قال مثل ذلك في قوله: {فسيحوا في الأرض} يعني على الأرض؛ لا يريد ~~الدخول في جوفها وكذلك قوله: {يتيهون في الأرض} يعني على الأرض؛ لا يريد ~~الدخول في جوفها وكذلك قوله: {لأصلبنكم في جذوع النخل} يعني فوقها عليها. # PageV05P068 # وقال {أأمنتم من في السماء} ثم فصل فقال: {أن يخسف بكم الأرض} ولم يصل ~~فلم يكن لذلك معنى - إذا فصل قوله: {من في السماء} ثم استأنف التخويف ~~بالخسف - إلا أنه على عرشه فوق السماء. وقال تعالى: {يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه} وقال: {تعرج الملائكة والروح إليه} . فبين عروج ~~الأمر وعروج الملائكة ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: {في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} فقال: صعودها إليه وفصله من قوله إليه كقول ~~القائل: أصعد إلى فلان في ليلة أو يوم وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في ms1200 ~~يوم فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل وإن كانوا لم يروه ولم ~~يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو ~~قال تعالى: {بل رفعه الله إليه} ولم يقل عنده. وقال فرعون: {يا هامان ابن ~~لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى} ثم استأنف ~~الكلام فقال: {وإني لأظنه كاذبا} فيما قال لي إن إلهه فوق السموات. فبين ~~الله سبحانه وتعالى أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال: وعمد لطلبه حيث ~~قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه ~~في بيته أو في بدنه أو حشه. فتعالى الله عن ذلك ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح # PageV05P069 # قال أبو عبد الله: وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها - ولم يقطعها كما ~~قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه - فقال: {ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض} فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ثم ختم الآية ~~بالعلم بقوله: {إن الله بكل شيء عليم} . فبدأ بالعلم وختم بالعلم: فبين أنه ~~أراد أنه يعلمهم حيث كانوا؛ لا يخفون عليه ولا يخفى عليه مناجاتهم. ولو ~~اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو. فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم ~~مناجاتكم لكان صادقا - ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق - فإن أبوا إلا ~~ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن ~~من هو مع الاثنين فأكثر؛ هو معهم لا فيهم ومن كان مع شيء خلا جسمه وهذا ~~خروج من قولهم. وكذلك قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} لأن ما ~~قرب من الشيء ليس هو في الشيء ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل ~~الوريد. وكذلك قوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} لم يقل في ~~السماء ثم قطع - كما قال: {أأمنتم من في السماء} ثم قطع فقال: {أن يخسف بكم ms1201 ~~الأرض} - فقال: {وهو الذي في السماء إله} يعني إله أهل السماء وإله أهل ~~الأرض وذلك موجود في " اللغة " تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ ~~وأمير في سمرقند؛ وإنما هو في موضع واحد ويخفى عليه ما وراؤه فكيف العالي ~~فوق الأشياء لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره فهو إله فيهما # PageV05P070 # إذ كان مدبرا لهما وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأشباه والأمثال " ~~اه. # وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه " اعتقاد ~~التوحيد بإثبات الأسماء والصفات " قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال ~~المهاجرين والأنصار في توحيد الله عز وجل ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولا ~~واحدا وشرعا ظاهرا وهم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~حتى قال {عليكم بسنتي} وذكر الحديث وحديث {لعن الله من أحدث حدثا} قال: ~~فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف - وهم الذين أمرنا بالأخذ ~~عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من " ~~الأسماء والصفات " كما اختلفوا في الفروع ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل ~~إلينا؛ كما نقل سائر الاختلاف - فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم؛ حتى ~~أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين؛ ~~حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ولله ~~المنة. ثم إني قائل - وبالله أقول - إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر ~~الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين فخاضوا في ~~ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار وصار معولهم ~~على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به على مخالفة السنة ~~والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس فتأولوا على ما وافق ~~هواهم # PageV05P071 # وصححوا بذلك مذهبهم: احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ المؤمنين ~~ومنهاج الأولين؛ خوفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمته ومنع المستجيبين له ms1202 حتى حذرهم. ثم ذكر: أبو عبد الله ~~خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون في القدر وغضبه وحديث {لا ~~ألفين أحدكم} وحديث {ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة} فإن الناجية ما كان ~~عليه هو وأصحابه؛ ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة ولم ~~يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان؛ المعروفين بنقل الأخبار ~~ممن لا يقبل المذاهب المحدثة. فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة ~~والأمانة الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة. إلى أن قال: ~~فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر " أسماء الله عز وجل ~~" في كتابه وما بين صلى الله عليه وسلم من " صفاته " في سنته وما وصف به عز ~~وجل مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام ~~عقولنا بطلب الكيفية بذلك ومما قد أمرنا بالاستسلام له - إلى أن قال: - ثم ~~إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى ~~في كتابه بعد التحقيق بما بدأ من أسمائه وصفاته وأكد عليه السلام بقوله # PageV05P072 # فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله. إلى أن ~~قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل. فقال: لموسى عليه السلام {واصطنعتك ~~لنفسي} وقال: {ويحذركم الله نفسه} . ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ~~عليه السلام فقال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} وقال عز وجل: ~~{كتب ربكم على نفسه الرحمة} . وأكد عليه السلام صحة إثبات ذلك في سنته ~~فقال: {يقول الله عز وجل: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي} وقال: {كتب ~~كتابا بيده على نفسه: إن رحمتي غلبت غضبي} وقال: {سبحان الله رضا نفسه} ~~وقال في محاجة آدم لموسى: {أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه} فقد صرح ~~بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفسا وأثبت له الرسول ذلك فعلى من صدق الله ~~ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه ويكون ذلك مبنيا ms1203 على ظاهر قوله: {ليس ~~كمثله شيء} . ثم قال: " فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ~~عليه السلام بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به صلى الله عليه وسلم وإن مما ~~قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: {الله ~~نور السماوات والأرض} ثم قال عقيب ذلك: {نور على نور} وبذلك دعاه # PageV05P073 # صلى الله عليه وسلم {أنت نور السموات والأرض} ثم ذكر حديث أبي موسى: ~~{حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ~~من خلقه} وقال: سبحات وجهه جلاله ونوره نقله عن الخليل وأبي عبيد وقال: قال ~~عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه. ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي ~~وذكر قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . والحديث: {يا حي يا ~~قيوم برحمتك أستغيث} . قال: ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له ~~وجها موصوفا بالجلال والإكرام فأثبت لنفسه وجها - وذكر الآيات. ثم ذكر حديث ~~أبي موسى المتقدم فقال في هذا الحديث من أوصاف الله عز وجل لا ينام موافق ~~لظاهر الكتاب: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وأن له " وجها " موصوفا بالأنوار وأن ~~له " بصرا " كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير. ثم ذكر الأحاديث في إثبات ~~الوجه وفي إثبات السمع والبصر والآيات الدالة على ذلك. ثم قال: ثم إن الله ~~تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة وذكر ~~الأحاديث في ذلك ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت. # PageV05P074 # ثم ذكر حديث: {يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله} وهي ~~رواية البخاري وفي رواية أخرى يضع عليها قدمه. ثم ما رواه مسلم البطين عن ~~ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله وذكر ~~قول مسلم البطين نفسه وقول السدي وقول وهب بن منبه وأبي مالك وبعضهم يقول: ~~موضع قدميه وبعضهم يقول واضع رجليه عليه. ثم قال: ms1204 " فهذه الروايات قد رويت ~~عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم متداولة ~~في الأقوال ومحفوظة في الصدر ولا ينكر خلف عن السلف ولا ينكر عليهم أحد من ~~نظرائهم نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم إلى أن حدث في آخر الأمة من ~~قلل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم ~~ومكالمتهم وأمرنا أن لا نعود مرضاهم ولا نشيع جنائزهم فقصد هؤلاء إلى هذه ~~الروايات فضربوها بالتشبيه وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام ~~المقاييس وكفر المتقدمين وأنكروا على الصحابة والتابعين؛ وردوا على الأئمة ~~الراشدين فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس وجوابه ~~لنجدة الحروري؛ ثم حديث " الصورة " وذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا واختلاف ~~الناس في تأويله. # PageV05P075 # ثم قال: " وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده مما خالفنا ~~فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة - إن شاء الله -. ثم ~~ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على ~~تقديم " الصديق " وأنه أفضل الأمة. ثم قال: وكان الاختلاف في " خلق الأفعال ~~" هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة وذكر ~~إثبات القدر. ثم ذكر الخلاف في أهل " الكبائر " ومسألة " الأسماء والأحكام ~~" وقال: قولنا فيها إنهم مؤمنون على الإطلاق وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم ~~وإن شاء عفا عنهم. وقال: أصل " الإيمان " موهبة يتولد منها أفعال العباد ~~فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ~~ونقصانه. وقال: قولنا إنه يزيد وينقص. قال: ثم كان الاختلاف في القرآن ~~مخلوقا وغير مخلوق فقولنا وقول أئمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق وإنه ~~صفة الله منه بدأ قولا وإليه يعود حكما. ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: ~~قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة وذكر الحجة. ثم قال: ~~اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في ~~كل ms1205 الأزمنة وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود. فنقول: ونعتقد: أن ~~الله عز وجل له عرش وهو على عرشه فوق سبع سمواته # PageV05P076 # بكل أسمائه وصفاته؛ كما قال: {الرحمن على العرش استوى} {يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض} ولا نقول إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه لأنه ~~عالم بما يجري على عباده {ثم يعرج إليه} . إلى أن قال: " ونعتقد أن الله ~~تعالى خلق الجنة والنار وإنهما مخلوقتان للبقاء؛ لا للفناء. إلى أن قال: ~~ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى. إلى أن ~~قال: " ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: " هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ". # ونعتقد أن للرسول صلى الله عليه وسلم " حوضا " ونعتقد أنه أول شافع وأول ~~مشفع وذكر " الصراط " و " الميزان " و " الموت " وأن المقتول قتل بأجله ~~واستوفى رزقه. إلى أن قال: " ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا في ثلث الليل الآخر؛ فيبسط يده فيقول: " ألا هل من سائل " الحديث ~~وليلة النصف من شعبان وعشية عرفة وذكر الحديث في ذلك. قال: ونعتقد أن الله ~~تعالى كلم موسى تكليما. واتخذ إبراهيم خليلا وأن الخلة غير الفقر؛ لا كما ~~قال أهل البدع. ونعتقد أن الله تعالى خص محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية. ~~واتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح ~~خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله {إن الله عنده علم الساعة} الآية. # PageV05P077 # ونعتقد المسح على الخفين: ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم ونعتقد الصبر ~~على السلطان من قريش؛ ما كان من جور أو عدل. ما أقام الصلاة من الجمع ~~والأعياد. والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة. والصلاة في الجماعة حيث ينادى ~~لها واجب؛ إذا لم يكن عذر أو مانع والتراويح سنة؛ ونشهد أن من ترك الصلاة ~~عمدا فهو كافر والشهادة والبراءة بدعة والصلاة على من مات من أهل القبلة ~~سنة؛ ولا ننزل أحدا جنة ولا نارا حتى يكون الله ينزلهم؛ والمراء والجدال في ~~الدين بدعة. ms1206 ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم إلى الله ونترحم على عائشة ونترضى عنها؛ والقول في اللفظ والملفوظ؛ ~~وكذلك في الاسم والمسمى بدعة؛ والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة. ~~واعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين ~~مجملا من غير استقصاء؛ إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل الإبانة ~~والديانة إلا أني أحببت أن أذكر " عقود أصحابنا المتصوفة " فيما أحدثته ~~طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله ~~من ذلك. إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سماه " التبصير " ~~كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم؛ وسألوه أن يصنف لهم # PageV05P078 # ما يعتقده ويذهب إليه؛ فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ ~~فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة. ونسب هذه المقالة إلى " ~~الصوفية " قاطبة لم يخص طائفة. فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين ~~منهم؛ وكان من نسب إليه ذلك القول - بعد أن ادعى على الطائفة - ابن أخت عبد ~~الواحد بن زيد؛ والله أعلم بمحله عند المخلصين؛ فكيف بابن أخته. وليس إذا ~~أحدث الزائغ في نحلته قولا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس ~~من أحدث قولا في الفقه؛ وليس فيه حديث يناسب ذلك؛ ينسب ذلك إلى جملة ~~الفقهاء والمحدثين. واعلم أن لفظ " الصوفية " وعلومهم تختلف فيطلقون ~~ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم فمن لم يداخلهم ~~على التحقيق ونازل ما هم عليه رجع عنهم وهو خاسئ وحسير. ثم ذكر إطلاقهم لفظ ~~" الرؤية " بالتقييد. فقال: كثيرا ما يقولون رأيت الله يقول. وذكر عن جعفر ~~بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال رأيت الله ثم عبدته. ~~فقال السائل كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بتحديد الأعيان؛ ولكن رؤية ~~القلوب بتحقيق الإيقان ثم قال: " وإنه تعالى يرى في الآخرة كما أخبر في ~~كتابه وذكره رسوله صلى الله عليه ms1207 وسلم. هذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال ~~من أهل الغباوة فينا. # PageV05P079 # وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم وذكر ~~ذلك في حجة الوداع فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر ~~على المؤمنين - إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ ~~من العلم والعبادات - فذلك كفر بالله وقائل ذلك قائل بالإباحة وهم ~~المنسلخون من الديانة. وإن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية " العشق " على الله ~~تعالى وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما ~~فيه إنه بدعة وضلالة وفيما نص الله من ذكر المحبة كفاية. # وإن مما نعتقده: أن الله لا يحل في المرئيات وأنه المتفرد بكمال أسمائه ~~وصفاته بائن من خلقه مستو على عرشه وأن القرآن كلامه غير مخلوق - حيث ما ~~تلي ودرس وحفظ - ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم خليلا وحبيبا والخلة لهما منه على خلاف ما قاله ~~المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة. إلى أن قال: " والخلة والمحبة صفتان لله ~~هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه وصفات الخلق من المحبة ~~والخلة جائز عليها الكيف؛ فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في ~~التعريف قد انتفى عنهما التشبيه فالإيمان به واجب واسم الكيفية عن ذلك ~~ساقط. # PageV05P080 # ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات وإنما حرم الله ~~الغش والظلم وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس ~~الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء إنما حرم الله ورسوله ~~الفساد؛ لا الكسب والتجارات؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم ~~القيامة وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه ~~من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة؛ والمعتقد أن ~~الأرض تخلو من الحلال والناس يتقلبون في الحرام؛ فهو مبتدع ضال إلا أنه يقل ~~في موضع ويكثر في ms1208 موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض. # ومما نعتقده أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله ~~وطعامه؛ جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته؛ فليس علينا الكشف عما ~~قاله. فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز إلا من داخل الظلمة. ومن ينزع ~~عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل ~~الصديق غلامه؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال ~~فاختلطا فلا يطلق عليه الحلال ولا الحرام إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ ~~لدينه كما فعل الصديق. وأجاز ابن مسعود وسلمان الأكل منه وعليه التبعة ~~والناس طبقات والدين الحنيفية السمحة. # وإن مما نعتقد أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه # PageV05P081 # الخوف والرجاء وكل من ادعى " الأمن " فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن ~~نفسه: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} وقد أفردت كشف عورات من قال ~~بذلك. ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه ~~فيبقى على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء ~~والصديقين والشهداء والصالحين ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء ~~الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق الآخرية: ~~فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علة أو رأفة؛ فصار معتوها أو مجنونا أو ~~مبرسما وقد اختلط عقله أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل وذهب عنه ~~التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة. ومن زعم الإشراف على ~~الخلق: يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله - بغير الوحي المنزل من قول رسول ~~صلى الله عليه وسلم - فهو خارج عن الملة ومن ادعى أنه يعرف مآل الخلق ~~ومنقلبهم وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم - بغير الوحي من قول الله وقول ~~رسوله - فقد باء بغضب من الله. و " الفراسة " حق على أصول ما ذكرناه وليس ~~ذلك مما رسمناه في شيء ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاته - ويشير في ms1209 ذلك إلى ~~غير آية العظمة والتوفيق والهداية - وأشار إلى صفاته عز وجل القديمة: فهو ~~حلولي قائل باللاهوتية والالتحام وذلك كفر لا محالة. # PageV05P082 # ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة. ومن قال إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول ~~النصارى - النسطورية - في المسيح وذلك كفر بالله العظيم. ومن قال: إن شيئا ~~من صفات الله حال في العبد؛ أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛ والقرآن ~~كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق؛ وأنه كيفما تلي وقرئ وحفظ: فهو صفة ~~الله عز وجل؛ وليس الدرس من المدروس ولا التلاوة من المتلو لأنه عز وجل ~~بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق ومن قال بغير ذلك فهو كافر. # ونعتقد أن القراءة " الملحنة " بدعة وضلالة. وأن " القصائد " بدعة. ~~ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه وإظهار نعت ~~الصالحين وصفة المتقين فذلك جائز وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم ~~أولى به وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر ~~واستماع الغناء والربعيات على الله كفر والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين على ~~أحكام الدين فسق وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب. وحرام على كل من ~~يسمع القصائد والربعيات الملحنة - الجائي بين أهل الأطباع - على أحكام ~~الذكر إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ومعرفة أسمائه وصفاته وما يضاف ~~إلى الله تعالى من ذلك؛ وما لا يليق به عز وجل مما هو منزه عنه فيكون ~~استماعه كما قال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} الآية. # PageV05P083 # وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة ~~فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف بما وصفت ~~من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به عز وجل مما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا ~~وصف؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط والأصل في ذلك أنها بدعة والفتنة فيها غير ~~مأمونة على استماع الغناء. و " الربعيات " بدعة وذلك مما أنكره المطلبي ~~ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق ms1210 والاقتداء بهم أولى من ~~الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين ولا لهم قدم عند المخلصين. وبلغني أنه قيل ~~لبشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئا يقال له القصائد. قال مثل أيش؟ ~~قال مثل قوله: اصبري يا نفس حتى تسكني دار الجليل فقال: حسن وأين يكون ~~هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال قلت ببغداد فقال كذبوا - والله الذي لا إله ~~غيره - لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك. قال أبو عبد الله: ومما نقول - وهو ~~قول أئمتنا - إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان ~~أعلى فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله صلى الله عليه وسلم ~~{لأن يأخذ أحدكم حبله} الحديث ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط ~~موسومة من التعفف والاستغناء # PageV05P084 # عما في أيدي الناس؛ ومن جعل السؤال حرفة - وهو صحيح - فهو مذموم في ~~الحقيقة خارج. ونقول: إن المستمع إلى " الغناء والملاهي " فإن ذلك كما قال ~~عليه السلام {الغناء ينبت النفاق في القلب} وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة. # والذي نختار: قول أئمتنا: إن ### | ترك المراء في الدين # والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق ومن زعم أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واسط يؤدي وأن المرسل إليهم أفضل: فهو كافر بالله ومن قال بإسقاط ~~الوسائط على الجملة فقد كفر اه. # ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني " ~~قال في كتاب " الغنية ": أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه ~~الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال: وهو بجهة العلو ~~مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء {إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقداره ألف سنة مما تعدون} ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال إنه ~~في السماء على العرش كما قال: {الرحمن على العرش استوى} . # PageV05P085 # وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق ms1211 صفة الاستواء من غير تأويل ~~وأنه استواء الذات على العرش (قال: وكونه على العرش: مذكور في كل كتاب أنزل ~~على كل نبي أرسل بلا كيف وذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع وذكر في ~~سائر الصفات نحو هذا. ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جدا. ~~قال أبو عمر بن عبد البر ": روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن ~~عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد " في أحاديث الصفات " أنهم كلهم قالوا: ~~أمروها كما جاءت؛ قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل ~~الثقات أو جاء عن أصحابه رضي الله عنهم فهو علم يدان به؛ وما أحدث بعدهم ~~ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة. وقال في " شرح الموطأ " لما ~~تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت النقل صحيح من جهة الإسناد ولا ~~يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق - سوى هذه - من أخبار العدول عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى ~~من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على " المعتزلة " في ~~قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة. قال: والدليل على صحة ما ~~قال أهل الحق قول الله - وذكر بعض الآيات - # PageV05P086 # إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من ~~حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم. وقال أبو عمر ~~بن عبد البر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} هو على العرش ~~وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله وقال أبو عمر أيضا: أهل ~~السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان ~~بها وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز إلا إنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا ~~يحدون فيه صفة ms1212 محصورة. وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: ~~فكلهم ينكرونها ولا يحملون شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها ~~مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون: بما نطق ~~به كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة. هذا ~~كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب. # وفي عصره الحافظ " أبو بكر البيهقي " مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي ~~الحسن الأشعري وذبه عنهم قال: في كتابه " الأسماء والصفات ". باب ما جاء في ~~إثبات اليدين صفتين - لا من حيث الجارحة - لورود خبر # PageV05P087 # الصادق به قال الله تعالى: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ~~وقال: {بل يداه مبسوطتان} . وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب مثل قوله في ~~غير حديث في حديث الشفاعة: {يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده} ومثل ~~قوله في الحديث المتفق عليه: {أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح ~~بيده} وفي لفظ: {وكتب لك التوراة بيده} ومثل ما في صحيح مسلم {أنه سبحانه ~~غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده} ومثل قوله صلى الله عليه وسلم {تكون ~~الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته ~~في السفر؛ نزلا لأهل الجنة} . وذكر أحاديث مثل قوله: {بيدي الأمر} {والخير ~~في يديك} {والذي نفس محمد بيده} و {أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء ~~النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل} وقوله: {المقسطون عند الله على ~~منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين} وقوله: {يطوي الله السموات ~~يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين ~~المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين ~~المتكبرون؟} . وقوله: {يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ~~أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على ~~الماء # PageV05P088 # وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع} وكل هذه الأحاديث في الصحاح. وذكر أيضا ~~قوله: ms1213 {إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت. قال: ~~اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة} وحديث {إن الله لما خلق آدم مسح ~~على ظهره بيده} إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع. ثم قال " البيهقي ": ~~أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار ~~في هذا الباب؛ وكذلك قال في " الاستواء على العرش " وسائر الصفات الخبرية؛ ~~مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين. وقال القاضي أبو يعلى في كتاب " إبطال ~~التأويل " لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ~~ظاهرها وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق؛ ولا ~~يعتقد التشبيه فيها؛ لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة. وذكر بعض ~~كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن ~~سلمة وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي والأسود ~~بن سالم وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا ~~الباب. وفي حكاية ألفاظهم طول. # PageV05P089 # إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين ~~حملوها على ظاهرها؛ ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها؛ فلو كان ~~التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة. # وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري " المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة ~~إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في " اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين ~~" وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم. ثم قال (مقالة أهل ~~السنة وأصحاب الحديث جملة. قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله تعالى؛ وما رواه الثقات عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يردون شيئا من ذلك وأن الله واحد أحد فرد صمد ~~لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق ~~وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ms1214 من في القبور وأن ~~الله على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} وأن له يدين بلا كيف كما ~~قال: {خلقت بيدي} وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} وأن له عينين بلا كيف كما ~~قال {تجري بأعيننا} وأن له وجها كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} . وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت ~~المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علما كما قال: {أنزله بعلمه} وكما قال: ~~{وما تحمل من أنثى ولا # PageV05P090 # تضع إلا بعلمه} وأثبتوا له السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته ~~المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة} وذكر مذهبهم في القدر. إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم ~~لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقرون أن الله يرى ~~بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه ~~الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون قال عز وجل: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون} وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء. إلى أن ~~قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا يشهدون ~~على أحد من أهل الكبائر بالنار. إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في ~~الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من ~~دينهم ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها ~~الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يقولون كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم. إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء ~~يوم القيامة كما قال تعالى: {وجاء ربك والملك # PageV05P091 # صفا صفا} وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال: {ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد} إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة ~~القرآن وكتابة الآثار والنظر في الآثار؛ ms1215 والنظر في الفقه مع الاستكانة ~~والتواضع؛ وحسن الخلق مع بذل المعروف؛ وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة ~~والشكاية وتفقد المآكل والمشارب. قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون ~~إليه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب؛ وما توفيقنا إلا ~~بالله وهو المستعان. # وقال الأشعري أيضا في " اختلاف أهل القبلة في العرش " فقال: قال أهل ~~السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم؛ ولا يشبه الأشياء وإنه استوى على ~~العرش؛ كما قال: {الرحمن على العرش استوى} ولا نتقدم بين يدي الله في ~~القول؛ بل نقول استوى بلا كيف وإن له وجها كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام} . وأن له يدين كما قال {خلقت بيدي} وأن له عينين كما قال: ~~{تجري بأعيننا} وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} . وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا ~~شيئا إلا ما وجدوه في # PageV05P092 # الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت ~~المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى. # وقال أيضا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه " الإبانة في أصول ~~الديانة " وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند ~~من يطعن عليه - فقال: - (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة. فإن قال قائل ~~قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة؛ ~~فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا ~~الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا وما روي ~~عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو ~~عبد الله أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون ~~ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل؛ والرئيس الكامل؛ الذي أبان ~~الله به الحق ودفع به الضلال؛ وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ ~~الزائغين وشك الشاكين؛ فرحمة الله عليه من إمام مقدم ms1216 وجليل معظم وكبير ~~مفهم. " وجملة قولنا " أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به ~~من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ~~ذلك شيئا؛ # PageV05P093 # وأن الله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا؛ وأن " ~~محمدا عبده ورسوله " أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأن ~~الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله ~~مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} وأن له وجها كما قال: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت ~~بيدي} وكما قال: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وأن له عينين بلا كيف ~~كما قال: {تجري بأعيننا} - وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا وذكر ~~نحوا مما ذكر في الفرق إلى أن قال: ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس ~~كل إسلام إيمانا وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز ~~وجل وأنه عز وجل يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية ~~الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال: " وإن الإيمان " قول ~~وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى ~~سماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول {هل من سائل؟ هل من مستغفر؟} وسائر ما ~~نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل: # PageV05P094 # ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما ~~كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ولا نقول على الله ~~ما لا نعلم. ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وجاء ربك والملك صفا ~~صفا} وإن الله يقرب ms1217 من عباده كيف شاء كما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} وكما قال: {ثم دنا فتدلى} {فكان قاب قوسين أو أدنى} . إلى أن قال: ~~وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابا بابا. ثم تكلم على ~~أن الله يرى واستدل على ذلك؛ ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ~~ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق ~~ورد عليه. ثم قال: (باب ذكر الاستواء على العرش فقال إن قال قائل ما تقولون ~~في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على ~~العرش استوى} وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~وقال تعالى {بل رفعه الله إليه} وقال تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه} وقال تعالى حكاية عن فرعون {يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب} # PageV05P095 # {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} كذب موسى في قوله ~~إن الله فوق السموات وقال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ~~فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال {أأمنتم من في ~~السماء} لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السموات وكل ما علا فهو سماء ~~فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال {أأمنتم من في السماء} يعني جميع السموات ~~وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات ~~فقال تعالى: {وجعل القمر فيهن نورا} ولم يرد أن القمر يملؤهن وأنه فيهن ~~جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء: لأن الله ~~على عرشه الذي هو فوق السموات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم ~~نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض. ثم قال: # فصل: # وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله {الرحمن ~~على العرش استوى} أنه استولى وقهر وملك وأن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا ~~أن ms1218 يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في # PageV05P096 # الاستواء إلى القدرة فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ~~السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش ~~وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء - وهو ~~عز وجل مستول على الأشياء كلها - لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى ~~السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان ~~قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو ~~على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو ~~عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء ~~كلها. وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل. ثم قال: (باب الكلام ~~في الوجه والعينين والبصر واليدين وذكر الآيات في ذلك. ورد على المتأولين ~~لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته: مثل قوله فإن سئلنا أتقولون ~~لله يدان؟ قيل: نقول ذلك وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} ~~وقوله تعالى {لما خلقت بيدي} وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن ~~الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة ~~بيده} وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله خلق ~~آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده} # PageV05P097 # وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا ~~بيدي ويريد بها النعمة وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري ~~مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن ~~يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة: بطل أن يكون معنى قوله تعالى ~~{بيدي} النعمة. وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه. # وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم - وهو أفضل ms1219 ~~المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده - قال في ~~" كتاب الإبانة " تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ ~~قيل له قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وقوله تعالى {ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي} فأثبت لنفسه وجها ويدا. فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون ~~وجهه ويده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا لا يجب هذا ~~كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك ~~على الله سبحانه وتعالى وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون ~~جوهرا؛ لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك # PageV05P098 # وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره ~~وسائر صفات ذاته عرضا واعتلوا بالوجود. وقال: " فإن قال فهل تقولون إنه في ~~كل مكان "؟ . قيل له: معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ~~{الرحمن على العرش استوى} وقال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} وقال: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} ~~. قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي ~~يرغب عن ذكرها؛ ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص ~~بنقصانها إذا بطل منها ما كان؛ ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا ~~وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. ~~وقال أيضا في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: هي ~~الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه ~~والعينان واليدان والغضب والرضا. وقال في " كتاب التمهيد " كلاما أكثر من ~~هذا - لكن ليست النسخة حاضرة عندي - وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل ~~هذا الباب كثير لمن يطلبه وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن ~~كل كلام. # PageV05P099 # " وملاك الأمر " أن ms1220 يهب الله للعبد حكمة وإيمانا بحيث يكون له عقل ودين ~~حتى يفهم ويدين ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء؛ ولكن كثيرا من الناس ~~قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنا للظن بهم دون غيرهم ومتوهما ~~أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم؛ فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى ~~يؤتى بشيء من كلامهم. ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم؛ فلو ~~أنهم أخذوا بالهدى: الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب ~~الحق أن يزدادوا هدى ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة؛ ثم لا يتمسك ~~بما جاءت به من الحق: ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: {وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو ~~الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} فإن ~~اليهود قالوا لا نؤمن إلا بما أنزل علينا. قال الله تعالى لهم {فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم يقول ~~سبحانه وتعالى لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون ولا لما جاءتكم به سائر ~~الأنبياء تتبعون ولكن إنما تتبعون أهواءكم فهذا حال من لم يقبل الحق لا من ~~طائفته ولا من غيرها مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان. # وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه " الرسالة النظامية " اختلف ~~مسالك العلماء في هذه الظواهر؛ فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي # PageV05P100 # الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء ~~الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب. فقال: والذي نرتضيه رأيا ~~وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع ~~الأمة وهو حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة. وقد درج صحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها - وهم صفوة الإسلام ~~والمستقلون بأعباء ms1221 الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة ~~والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها - فلو كان تأويل هذه ~~الظواهر مسوغا أو محتوما: لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع ~~الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل: كان ذلك ~~هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ~~ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى؛ فليجر آية ~~الاستواء والمجيء. وقوله {لما خلقت بيدي} {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} وقوله: {تجري بأعيننا} وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره ~~على ما ذكرناه. قلت: وليعلم السائل أن الغرض " من هذا الجواب " ذكر ألفاظ ~~بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب؛ وليس كل من ذكرنا شيئا من ~~قوله - من المتكلمين وغيرهم - يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره؛ ~~ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به؛ وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه. # PageV05P101 # المشهور عنه؛ الذي رواه أبو داود في سننه: اقبلوا الحق من كل من جاء به؛ ~~وإن كان كافرا - أو قال فاجرا - واحذروا زيغة الحكيم. قالوا: كيف نعلم أن ~~الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورا أو قال كلاما هذا معناه. ~~فأما تقرير ذلك بالدليل وإماطة ما يعرض من الشبه وتحقيق الأمر على وجه يخلص ~~إلى القلب ما يبرد به من اليقين ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه ~~فما تتسع له هذه الفتوى وقد كتبت شيئا من ذلك قبل هذا وخاطبت ببعض ذلك بعض ~~من يجالسنا وربما أكتب - إن شاء الله - في ذلك ما يحصل به المقصود. وجماع ~~الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر ~~كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه ~~والإلحاد في أسماء الله وآياته. ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه ~~بعضا ألبتة؛ مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة ms1222 من أن الله فوق العرش ~~يخالفه الظاهر من قوله: {وهو معكم أين ما كنتم} . وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه} ونحو ذلك فإن هذا غلط. # PageV05P102 # وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في ~~قوله سبحانه وتعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} . فأخبر أنه فوق العرش ~~يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الأوعال: {والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه} . وذلك أن كلمة (مع في ~~اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة؛ من غير وجوب ~~مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على ~~المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم ~~معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه ~~حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة. ثم هذه " المعية " تختلف أحكامها بحسب الموارد ~~فلما قال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها} إلى قوله: {وهو معكم أين ~~ما كنتم} . دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم؛ ~~شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه وهذا ~~ظاهر الخطاب وحقيقته. # PageV05P103 # وكذلك في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله: {هو ~~معهم أين ما كانوا} الآية. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في ~~الغار: {لا تحزن إن الله معنا} كان هذا أيضا حقا على ظاهره ودلت الحال على ~~أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. وكذلك قوله تعالى {إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وكذلك قوله لموسى وهارون: {إنني ~~معكما ms1223 أسمع وأرى} . هنا المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر ~~والتأييد. وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي فيشرف عليه أبوه من فوق السقف ~~فيقول: لا تخف؛ أنا معك أو أنا هنا؛ أو أنا حاضر ونحو ذلك. ينبهه على ~~المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه؛ ففرق بين معنى المعية وبين ~~مقتضاها؛ وربما صار مقتضاها من معناها. فيختلف باختلاف المواضع. فلفظ " ~~المعية " قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورا لا ~~يقتضيها في الموضع الآخر؛ فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على ~~قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ~~ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ~~ظاهرها. # PageV05P104 # ونظيرها من بعض الوجوه " الربوبية والعبودية " فإنهما وإن اشتركتا في أصل ~~الربوبية والعبودية فلما قال: {برب العالمين} {رب موسى وهارون} كانت ربوبية ~~موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق؛ فإن من أعطاه الله ~~من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره. ~~وكذلك قوله: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} و {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا} . فإن العبد تارة يعني به المعبد فيعم الخلق كما في قوله: {إن ~~كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} وتارة يعني به العابد فيخص؛ ~~ثم يختلفون فمن كان أعبد علما وحالا كانت عبوديته أكمل؛ فكانت الإضافة في ~~حقه أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع. ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض ~~الناس " مشككة " لتشكك المستمع فيها هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من ~~قبيل المشتركة في اللفظ فقط والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس ~~المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك وإن كانت ~~نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ. ومن علم أن " المعية " ~~تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات - كإضافة # PageV05P105 # الربوبية مثلا - وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش وأن الله ms1224 يوصف ~~بالعلو والفوقية الحقيقية ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط لا حقيقة ولا ~~مجازا: علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف. ثم من توهم أن كون الله ~~في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب - إن نقله عن غيره - ~~وضال - إن اعتقده في ربه - وما سمعنا أحدا يفهم هذا من اللفظ ولا رأينا ~~أحدا نقله عن واحد ولو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول الله ورسوله " ~~إن الله في السماء " إن السماء تحويه لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول هذا ~~شيء لعله لم يخطر ببالنا. وإذا كان الأمر هكذا: فمن التكلف أن يجعل ظاهر ~~اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه ثم يريد أن يتأوله؛ بل عند الناس " أن ~~الله في السماء " " وهو على العرش " واحد؛ إذ السماء إنما يراد به العلو ~~فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه ~~وتعالى وسع السموات والأرض وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن ~~العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته فكيف يتوهم بعد ~~هذا أن خلقا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} ~~وقال: {فسيروا في الأرض} بمعنى (على ونحو ذلك وهو كلام عربي حقيقة لا مجازا ~~وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة. # PageV05P106 # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل ~~وجهه فلا يبصق قبل وجهه} الحديث. حق على ظاهره وهو سبحانه فوق العرش وهو ~~قبل وجه المصلي؛ بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات. فإن الإنسان لو أنه يناجي ~~السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت أيضا ~~قبل وجهه. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك - ولله المثل ~~الأعلى ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق ~~بالمخلوق - فقال النبي صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيرى ms1225 ربه ~~مخليا به فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله هذا القمر ~~كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله؛ فالله أكبر} أو كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقال: {إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر} فشبه ~~الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي فالمؤمنون إذا رأوا ربهم ~~يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه؛ كما يرى الشمس والقمر ولا ~~منافاة أصلا. ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله: ~~يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد. # PageV05P107 # واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع ~~اعتقاد أن ظاهرها غير مراد وهذا اللفظ " مجمل " فإن قوله: ظاهرها غير مراد ~~يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين؛ مثل أن يراد بكون " ~~الله قبل وجه المصلي " أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه وإن " الله معنا ~~" ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال: إن مذهب ~~السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ~~ظاهر الآيات والأحاديث فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في ~~غير هذا الموضع. اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس ~~فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا في هذا الإطلاق. فإن الظهور ~~والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس وهو من الأمور النسبية. وكان أحسن من ~~هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر حتى يكون قد ~~أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظا ومعنى. وإن كان الناقل عن السلف أراد ~~بقوله: الظاهر غير مراد عندهم أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات ~~والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته ولا يختص بصفة المخلوقين بل هي واجبة ~~لله أو ms1226 جائزة عليه جوازا ذهنيا أو جوازا خارجيا # PageV05P108 # غير مراد فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب؛ فما يمكن أحد ~~قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل - لا نصا ولا ظاهرا - أنهم كانوا ~~يعتقدون أن الله ليس فوق العرش ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد ~~حقيقة. وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف ويقولون إن طريقة ~~أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف - بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن ~~هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه وتعالى - ولكن السلف ~~أمسكوا عن تأويلها والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ~~ذلك ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل ~~وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره. وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على ~~السلف: أما في كثير من الصفات فقطعا: مثل أن الله تعالى فوق العرش فإن من ~~تأمل كلام السلف المنقول عنهم - الذي لم يحك هنا عشره - علم بالاضطرار أن ~~القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط ~~وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك. والله يعلم أني بعد البحث ~~التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل - لا نصا ~~ولا ظاهرا ولا بالقرائن - على نفي الصفات الخبرية # PageV05P109 # في نفس الأمر؛ بل الذي رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل - إما نصا وإما ~~ظاهرا - على تقرير جنس هذه الصفات ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ ~~بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة؛ وما رأيت أحدا منهم نفاها. ~~وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه؛ مع ~~إنكارهم على من ينفي الصفات أيضا؛ كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: ~~من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما ~~وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. وكانوا إذا ms1227 رأوا الرجل قد أغرق في نفي ~~التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي معطل؛ وهذا كثير جدا في ~~كلامهم فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات ~~مشبها - كذبا منهم وافتراء - حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم بذلك حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من ~~الأنبياء مشبهة؛ موسى حيث قال: {إن هي إلا فتنتك} وعيسى حيث قال: {تعلم ما ~~في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ومحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {ينزل ~~ربنا} . وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة: مثل مالك وأصحابه والثوري ~~وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق بن ~~راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة. # PageV05P110 # وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه: " تنزيه ~~أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة " ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا ~~الباب وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب " أهل السنة " بلقب افتراه - ~~يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد - كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ~~بألقاب افتروها. فالروافض تسميهم نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة ~~تسميهم شكاكا والجهمية تسميهم مشبهة وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت ~~وغثاء وغثرا إلى أمثال ذلك. كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم ~~تارة مجنونا وتارة شاعرا وتارة كاهنا وتارة مفتريا. قالوا فهذه علامة الإرث ~~الصحيح والمتابعة التامة فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم ~~بأسماء مذمومة مكذوبة - وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة - ~~فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات؛ ~~باطنا وظاهرا. وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر والذين ~~وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن والذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب ~~الإمكان: فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به # PageV05P111 # ويسمونهم بأسماء مكذوبة - وإن اعتقدوا صدقها - كقول الرافضي: ms1228 من لم يبغض ~~أبا بكر - رضي الله عنه - وعمر: فقد أبغض عليا؛ لأنه لا ولاية لعلي إلا ~~بالبراءة منهما ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيا؛ بناء على هذه الملازمة ~~الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب. وكقول القدري: من ~~اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد: فقد سلب من العباد ~~الاختيار والقدرة وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة. ~~وكقول الجهمي: من قال إن الله فوق العرش: فقد زعم أنه محصور وأنه جسم مركب ~~محدود وأنه مشابه لخلقه. وكقول الجهمية المعتزلة: من قال إن لله علما وقدرة ~~فقد زعم أنه جسم مركب وأنه مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا ~~بجوهر متحيز وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن ~~الأجسام متماثلة. ومن حكى عن الناس " المقالات " وسماهم بهذه الأسماء ~~المكذوبة - بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها - فهو وربه والله من ~~ورائه بالمرصاد ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. # PageV05P112 # وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها " ستة أقسام " ~~كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة. " قسمان " يقولان: تجري على ظواهرها. و " ~~قسمان " يقولان: هي على خلاف ظاهرها. و " قسمان " يسكتون. أما الأولون ~~فقسمان: (أحدهما من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين ~~فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف وإليهم يتوجه الرد بالحق. ~~(الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجري ظاهر اسم العليم ~~والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك؛ على ظاهرها اللائق بجلال ~~الله؛ فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث وإما عرض قائم به. ~~فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك: في حق ~~العبد أعراض؛ والوجه واليد والعين في حقه أجسام فإذا كان # PageV05P113 # الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما وقدرة وكلاما ومشيئة - وإن ~~لم يكن ذلك عرضا؛ يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين - جاز أن يكون وجه ms1229 ~~الله ويداه صفات ليست أجساما يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين. وهذا ~~هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام ~~الباقين لا يخالفه؛ وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات. فكما أن ذات الله ~~ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات فصفاته ثابتة حقيقية من غير ~~أن تكون من جنس صفات المخلوقات. فمن قال: لا أعقل علما ويدا إلا من جنس ~~العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؛ ~~ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته؛ فمن لم يفهم من ~~صفات الرب - الذي ليس كمثله شيء - إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ~~ودينه. وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي كيف استوى أو كيف ينزل ~~إلى سماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك ~~لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم ~~بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف؛ فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة ~~لموصوف # PageV05P114 # لم تعلم كيفيته وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ~~ينبغي لك. بل هذه " المخلوقات في الجنة " قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس ~~في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء وقد أخبر الله تعالى: أنه لا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من ~~خلق الله كذلك فما ظنك بالخالق سبحانه وتعالى. وهذه " الروح " التي في بني ~~آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها؛ أفلا ~~يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في ~~البدن وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء؛ وأنها تسل منه وقت النزع كما ms1230 نطقت ~~بذلك النصوص الصحيحة لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم - حيث ~~نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه وتخبطوا فيها حيث ~~رأوها من غير جنس البدن وصفاته فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه ~~الصفات ثابتة لها بحسبها إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص؛ فيكونون ~~قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك. ولا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن ~~كالدم والبخار مثلا؛ أو صفة من # PageV05P115 # صفات البدن والحياة وأنها مختلفة الأجساد ومساوية لسائر الأجساد في الحد ~~والحقيقة كما يقول طوائف من أهل الكلام بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير ~~البدن؛ وأنها ليست مماثلة له؛ وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا ~~مجازا؛ فإذا كان مذهبنا في حقيقة " الروح " وصفاتها بين المعطلة والممثلة: ~~فكيف الظن بصفات رب العالمين؟ . وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها؛ أعني ~~الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط وأن الله لا ~~صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما أو يثبتون ~~بعض الصفات - وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر - أو يثبتون ~~الأحوال دون الصفات ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ~~ما قد عرف من مذاهب المتكلمين. فهؤلاء قسمان: قسم يتأولونها ويعينون المراد ~~مثل قولهم: استوى بمعنى استولى؛ أو بمعنى علو المكانة والقدر أو بمعنى ظهور ~~نوره للعرش؛ أو بمعنى انتهاء الخلق إليه؛ إلى غير ذلك من معاني المتكلمين. ~~وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها؛ لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة ~~خارجية عما علمناه: # وأما القسمان الواقفان: # PageV05P116 # فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله؛ ويجوز أن لا ~~يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. # وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون ~~على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. ~~فهذه " الأقسام الستة " لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها. والصواب في ~~كثير ms1231 من آيات الصفات وأحاديثها؛ القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث ~~الدالة على أن الله - سبحانه وتعالى - فوق عرشه ويعلم طريقة الصواب في هذا ~~وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك؛ دلالة لا تحتمل النقيض؛ ~~وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض وتردد المؤمن في ذلك هو ~~بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ~~ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن {عائشة رضي ~~الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل ~~قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} وفي رواية لأبي داود: ~~{أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك} . # PageV05P117 # فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله ~~وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين: انفتح له طريق الهدى؛ ثم إن كان ~~قد خبر نهايات أقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب؛ وعرف أن غالب ما ~~يزعمونه برهانا هو شبهة ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة ~~لها؛ أو شبهة مركبة من قياس فاسد؛ أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية؛ أو دعوى ~~إجماع لا حقيقة له؛ أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ~~ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم - أوهمت الغر ~~ما يوهمه السراب للعطشان - ازداد إيمانا وعلما بما جاء به الكتاب والسنة ~~فإن " الضد يظهر حسنه الضد " وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما ~~وبقدره أعرف إذا هدي إليه. فأما المتوسطون من المتكلمين فيخاف عليهم ما لا ~~يخاف على من لم يدخل فيه وعلى من قد أنهاه نهايته فإن من لم يدخل فيه فهو ~~في عافية ومن أنهاه فقد عرف الغاية فما بقي يخاف ms1232 من شيء آخر فإذا ظهر له ~~الحق وهو عطشان إليه قبله وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات ~~المأخوذة تقليدا لمعظمة هؤلاء. وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: ~~نصف متكلم ونصف # PageV05P118 # متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا ~~يفسد الأبدان وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم ~~في الغالب {لفي قول مختلف} {يؤفك عنه من أفك} يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ~~ليس هو فيما يقوله على بصيرة وأن حجته ليست ببينة وإنما هي كما قيل فيها: - ~~حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور ويعلم العليم البصير بهم أنهم ~~من وجه مستحقون ما قاله الشافعي رضي الله عنه حيث قال: حكمي في أهل الكلام ~~أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء ~~من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم ~~بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم وترفقت ~~بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا ذكاء وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما وأعطوا سمعا ~~وأبصارا وأفئدة {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} . ومن كان عليما ~~بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم # PageV05P119 # حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم وعلم أن من ابتغى ~~الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا. فنسأل الله العظيم ~~أن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين آمين. والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين ~~وآله وصحبه أجمعين. # PageV05P120 # سئل شيخ الإسلام: - قدس الله روحه -: (*) # عن " علو الله تعالى واستوائه على عرشه "؟ # فأجاب: # قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله " بالعلو والاستواء على ~~العرش والفوقية " في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: ~~في القرآن " ألف دليل " أو أزيد: تدل على ms1233 أن الله تعالى عال على الخلق وأنه ~~فوق عباده. وقال غيره: فيه " ثلاثمائة " دليل تدل على ذلك؛ مثل قوله: {إن ~~الذين عند ربك} {وله من في السماوات والأرض ومن عنده} فلو كان المراد بأن ~~معنى عنده في قدرته - كما يقول الجهمي - لكان الخلق كلهم عنده؛ فإنهم كلهم ~~في قدرته ومشيئته ولم يكن فرق بين من في السموات ومن في الأرض ومن عنده. ~~كما أن الاستواء على العرش لو كان المراد به الاستيلاء عليه لكان مستويا ~~على جميع المخلوقات ولكان مستويا على العرش قبل أن يخلقه دائما والاستواء ~~PageV05P121 # مختص بالعرش بعد خلق السموات والأرض كما أخبر بذلك في كتابه؛ فدل على أنه ~~تارة كان مستويا عليه وتارة لم يكن مستويا عليه؛ ولهذا كان العلو من الصفات ~~المعلومة بالسمع مع العقل؛ والشرع عند الأئمة المثبتة وأما الاستواء على ~~العرش: فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط دون العقل. والمقصود: أنه تعالى وصف ~~نفسه بالمعية وبالقرب. و " المعية " معيتان: عامة وخاصة. فالأولى قوله ~~تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} . والثانية قوله تعالى {إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون} إلى غير ذلك من الآيات. وأما " القرب " فهو كقوله: ~~{فإني قريب} وقوله: {ونحن أقرب إليه منكم} . وافترق الناس في هذا المقام ~~(أربع فرق: " فالجهمية " النفاة الذين يقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج ~~العالم ولا فوق ولا تحت؛ لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته؛ بل الجميع عندهم ~~متأول أو مفوض وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص؛ كالخوارج والشيعة ~~والقدرية والمرجئة وغيرهم؛ إلا الجهمية؛ فإنه ليس معهم عن الأنبياء كلمة ~~واحدة توافق ما يقولونه من النفي. ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط: " ~~الجهمية " خارجون عن # PageV05P122 # الثلاث وسبعين فرقة وهذا أعدل الوجهين لأصحاب أحمد ذكرهما أبو عبد الله ~~ابن حامد وغيره. (وقسم ثان يقولون: إنه بذاته في كل مكان كما يقول ذلك ~~النجارية وكثير من الجهمية عبادهم وصوفيتهم وعوامهم. ويقولون: إنه عين وجود ~~المخلوقات. كما يقوله: " أهل الوحدة " القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون ~~قوله مركبا من ms1234 الحلول والاتحاد. وهم يحتجون بنصوص " المعية " و " القرب " ~~ويتأولون نصوص العلو والاستواء وكل نص يحتجون به حجة عليهم؛ فإن " المعية " ~~أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه وعندهم أنه في كل مكان وفي نصوصهم ما يبين ~~نقيض قولهم؛ فإنه قال: {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} ~~فكل من في السموات والأرض يسبح والمسبح غير المسبح. وقال: {له ملك السماوات ~~والأرض} فبين أن الملك له؛ ثم قال: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم} . وفي الصحيح: {أنت الأول فليس قبلك شيء} . . . إلخ. فإذا ~~كان هو الأول: كان هناك ما يكون بعده وإذا كان آخرا كان هناك ما الرب بعده ~~وإذا كان ظاهرا ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه وإذا كان باطنا ~~ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفى عنها أن تكون دونه. # PageV05P123 # ولهذا قال ابن عربي: من أسمائه الحسنى العلي على من يكون عليا وما ثم إلا ~~هو وعن ماذا يكون عليا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين ~~الموجودات؛ فالمسمى محدثات هي العلية هي لذاتها وليست إلا هو. قال الخراز: ~~وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله يعرف بجمعه ~~بين الأضداد فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره؛ وما ثم من تراه ~~غيره؛ وما ثم من يبطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه وهو باطن عن نفسه وهو المسمى ~~أبو سعيد الخراز اه. و " المعية " لا تدل على الممازجة والمخالطة وكذلك لفظ ~~" القرب " فإن عند الحلولية أنه في حبل الوريد كما هو عندهم في سائر ~~الأعيان؛ وكل هذا كفر وجهل بالقرآن. (الثالث: قول من يقول: هو فوق العرش ~~وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص وهذه لا أصرف واحدا منها عن ~~ظاهره؛ وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في " المقالات الإسلامية " وهو موجود ~~في كلام طائفة من السالمية والصوفية ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي ~~وابن برجان وغيرهما مع ms1235 ما في كلام أكثرهم من التناقض. ولهذا كان أبو علي ~~الأهوازي - الذي صنف مثالب ابن أبي بشر ورد على أبي القاسم بن عساكر - هو ~~من السالمية. # PageV05P124 # وكذلك ذكر الخطيب البغدادي: أن جماعة أنكروا على أبي طالب بعض كلامه في ~~الصفات. وهذا " الصنف الثالث " وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن ~~مخالفتها من الصنفين الأولين؛ فإن الأول لم يتبع شيئا من النصوص؛ بل خالفها ~~كلها. و " الثاني " ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة ~~اشتبهت عليه معانيها. وأما هذا الصنف فيقول: أنا اتبعت النصوص كلها؛ لكنه ~~غالط أيضا؛ فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة؛ ~~وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده؛ ولصريح ~~المعقول وللأدلة الكثيرة. وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة. يقولون: إنه فوق ~~العرش. ويقولون: نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف؛ كما يذكر مثل ذلك أبو ~~طالب وغيره ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان؛ وما يتبع ~~ذلك. فإن قالوا: إن العرش كذلك نقضوا قولهم: إنه نفسه فوق العرش. وإن قالوا ~~بحلوله بذاته في قلوب العارفين؛ كان ذلك قولا بالحلول الخاص. # PageV05P125 # وقد وقع طائفة من الصوفية - حتى صاحب " منازل السائرين " في توحيده ~~المذكور في آخر المنازل - في مثل هذا الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون ~~عن مثل هذا. سئل الجنيد عن التوحيد. فقال: هو إفراد الحدوث عن القدم. فبين ~~أنه لا بد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق فلا يخلط ~~أحدهما بالآخر. وهؤلاء يقولون في أهل المعرفة ما قالته النصارى في المسيح ~~والشيعة في أئمتها؛ وكثير من الحلولية والإباحية ينكر على الجنيد وأمثاله ~~من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما قالوه من نفي الحلول وما ~~قالوه في إثبات الأمر والنهي ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها ~~هو وأمثاله من الحلولية والإباحية. (الرابع هم " سلف الأمة وأئمتها " أئمة ~~أهل العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة؛ فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما ~~جاء به الكتاب والسنة ms1236 من غير تحريف للكلم عن مواضعه؛ أثبتوا أن الله فوق ~~سمواته على عرشه؛ بائن من خلقه وهم بائنون منه. وهو أيضا مع العباد عموما ~~بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية وهو أيضا قريب مجيب؛ ~~ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {اللهم أنت الصاحب في السفر؛ # PageV05P126 # والخليفة في الأهل} فهو مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه؛ ولا يلزم ~~من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم كما قال: {محمد رسول الله والذين معه} ~~أي على الإيمان. لا أن ذاته في ذاتهم؛ بل هم مصاحبون له. وقوله: {فأولئك مع ~~المؤمنين} يدل على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم؛ فالله تعالى عالم بعباده ~~وهو معهم أينما كانوا وعلمه بهم من لوازم المعية؛ كما قالت المرأة: زوجي ~~طويل النجاد؛ عظيم الرماد؛ قريب البيت من الناد فهذا كله حقيقة ومقصودها: ~~أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم بكثرة الطعام؛ وقرب البيت من موضع ~~الأضياف. وفي القرآن: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا ~~لديهم يكتبون} فإنه يراد برؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك وأنه يعلم هل ذلك ~~خير أو شر؟ فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات. وكذلك إثبات القدرة على ~~الخلق؛ كقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} وقوله: {أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} والمراد التخويف بتوابع ~~السيئات ولوازمها: من العقوبة والانتقام. وهكذا كثير مما يصف الرب نفسه ~~بالعلم بأعمال العباد؛ تحذيرا وتخويفا ورغبة للنفوس في الخير. ويصف نفسه ~~بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ مراد منه وقد أريد أيضا لازم ~~ذلك المعنى. فقد أريد ما يدل # PageV05P127 # عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة والالتزام؛ فليس اللفظ مستعملا في ~~اللازم فقط بل أريد به مدلوله الملزوم وذلك حقيقة. وأما " القرب " فذكره ~~تارة بصيغة المفرد كقوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب} وفي ~~الحديث: {أربعوا على أنفسكم} إلى أن قال {إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من ~~عنق ms1237 راحلته} . وتارة بصيغة الجمع كقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ~~وهذا مثل قوله: {نتلوا عليك} و {نقص عليك} و {علينا جمعه وقرآنه} و {علينا ~~بيانه} فالقراءة هنا حين يسمعه من جبريل والبيان هنا بيانه لمن يبلغه ~~القرآن. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ~~القرآن من جبريل وجبريل سمعه من الله عز وجل وأما قوله: نتلوا ونقص ونحوه؛ ~~فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم؛ الذي له أعوان يطيعونه فإذا فعل ~~أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا. كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد. ~~وهو منا هذا الجيش ونحو ذلك. ومن هذا الباب قوله تعالى: {الله يتوفى ~~الأنفس} فإنه سبحانه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت كما قال {توفته ~~رسلنا} {قل يتوفاكم ملك الموت} وكذلك ذوات الملائكة تقرب من المحتضر. ~~وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} . # PageV05P128 # فإنه سبحانه وتعالى هو وملائكته: يعلمون ما توسوس به نفس العبد من حسنة ~~وسيئة والهم في النفس قبل العمل. فقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} هو ~~قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل ~~الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض؛ ولهذا قال في تمام ~~الآية: {إذ يتلقى المتلقيان} فقوله (إذ) ظرف. فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل ~~الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول. فهذا كله خبر عن الملائكة. وقوله: ~~{فإني قريب} " وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " هذا إنما جاء في الدعاء ~~لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال كما في ~~الحديث: {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} ونحو ذلك. وقوله: {من تقرب ~~إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني ~~يمشي أتيته هرولة} فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه؛ لكن قد يكون ~~قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضا قرب بنفسه. (فالأول: كمن ~~تقرب ms1238 إلى مكة أو حائط الكعبة فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون ~~منه فعل. # PageV05P129 # والثاني: كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الأثر " ~~الإلهي ". فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة مثل قوله: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} ونحو ذلك فهذا قرب ~~الرب نفسه إلى عبيده وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا. وفي الحديث الصحيح: ~~{إن الله تعالى يدنو عشية عرفة ويباهي الملائكة بأهل عرفة} فهذا القرب كله ~~خاص في بعض الأحوال دون بعض وليس في الكتاب والسنة - قط - قرب ذاته من جميع ~~المخلوقات في كل حال؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص ~~المقيد فجعلوه عاما مطلقا؛ كما جعل إخوانهم الاتحادية ذلك في مثل قوله: ~~{كنت سمعه} وقوله {فيأتيهم في صورة غير صورته} وأن الله تعالى قال على لسان ~~نبيه: {سمع الله لمن حمده} وكل هذه النصوص حجة عليهم. فإذا تبين ذلك؛ ~~فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى؛ والروح لها عروج يناسبها. فتقرب ~~إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله عز وجل منها قريبا ~~قربا يلزم من تقربها؛ ويكون منه قرب آخر؛ كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل ~~وإلى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا. والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم ~~من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير # PageV05P130 # ذلك الوقت. وهذا مناسب لنزوله إلى سماء الدنيا وقوله: {هل من داع؟ هل من ~~سائل؟ هل من تائب} ؟ . ثم إن هذا النزول: هل هو كدنوه عشية عرفة؟ لا يحصل ~~لغير الحاج في سائر البلاد - إذ ليس بها وقوف مشروع ولا مباهاة الملائكة ~~وكما أن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر ~~رمضان: إنما هو للمسلمين الذين يصومون رمضان؛ لا الكفار الذين لا يرون له ~~حرمة وكذلك اطلاعه يوم بدر وقوله لهم: {اعملوا ما شئتم} كان مختصا بأولئك - ~~أم هو عام؟ فيه كلام ليس ms1239 هذا موضعه. والكلام في هذا القرب: من جنس الكلام ~~في نزوله كل ليلة ودنوه عشية عرفة وتكليمه لموسى من الشجرة وقوله: {أن بورك ~~من في النار ومن حولها} . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما قاله السلف في ~~مثل ذلك: مثل حماد بن زيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما؛ من أنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا ولا يخلو منه العرش وبينا أن هذا هو الصواب؛ وإن كان طائفة ممن يدعي ~~السنة يظن خلو العرش منه. # وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال: ~~ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما قيل في ذلك: عن أحمد بن حنبل # PageV05P131 # في رسالته إلى مسدد وطعن في هذه الرسالة. وقال: إنها مكذوبة على أحمد ~~وتكلم على راويها " البردعي أحمد بن محمد ". وقال: إنه مجهول لا يعرف في ~~أصحاب أحمد. وطائفة تقف لا تقول: يخلو ولا: لا يخلو وتنكر على من يقول ذلك. ~~منهم: الحافظ عبد الغني المقدسي. وأما من يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم ~~فهذا من أعظم الجهل وإن وقع فيه طائفة من الرجال. والصواب: قول " السلف ": ~~أنه ينزل ولا يخلو منه العرش وروح العبد في بدنه لا تزال ليلا ونهارا إلى ~~أن يموت ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت العرش وهي لم تفارق جسده. وكذلك أقرب ~~ما يكون من ربه وهو ساجد وروحه في بدنه وأحكام الأرواح مخالف لأحكام ~~الأبدان فكيف بالملائكة فكيف برب العالمين. والليل يختلف: فيكون ثلث الليل ~~بالمشرق قبل ثلثه بالمغرب ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ~~ليلهم وإلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم. لا يشغله شأن عن شأن وكذلك سبحانه لا ~~يشغله سمع عن سمع. ولا تغلطه المسائل؛ بل هو سبحانه يكلم العباد يوم ~~القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا. # PageV05P132 # وقد قيل لابن عباس: كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة؟ قال: كما ~~يرزقهم كلهم في ساعة واحدة. والله سبحانه في الدنيا يسمع دعاء الداعين ~~ويجيب السائلين ms1240 مع اختلاف اللغات وفنون الحاجات والواحد منا قد يكون له قوة ~~سمع يسمع كلام عدد كثير من المتكلمين كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة؛ ~~لكن لا يكون إلا عددا قليلا قريبا منه ويجد في نفسه قربا ودنوا وميلا إلى ~~بعض الناس الحاضرين والغائبين دون بعض ويجد تفاوت ذلك الدنو والقرب. و " ~~الرب تعالى " واسع عليم وسع سمعه الأصوات كلها وعطاؤه الحاجات كلها. ومن ~~الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الإنسان: إذا مال إلى جهة انصرف ~~عن الأخرى وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه؛ فيجد نفسه تقرب من نفوس كثيرين ~~من الناس؛ من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا. و " بالجملة " ~~فقرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه: أمر معروف لا يجهل؛ فإن ~~القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة والذكر والخشية ~~والتوكل. وهذا متفق عليه بين الناس كلهم؛ بخلاف القرب # PageV05P133 # الذي قبله؛ فإن هذا ينكره الجهمي الذي يقول: ليس فوق السموات رب يعبد ولا ~~إله يصلى له ويسجد وهذا كفر وفند. و " الأول ": ينكره الكلابية ومن يقول: ~~لا تقوم الأمور الاختيارية به ومن أتباع الأشعري من أصحاب أحمد وغيره من ~~يجعل الرضا والغضب والفرح والمحبة: هي الإرادة وتارة يجعلونها صفات أخر ~~قديمة غير الإرادة. ثم قال بعد كلام طويل: هذا يبين أن كل من أقر بالله ~~فعنده من الإيمان بحسب ذلك ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار: ~~لم يكفر بجحده. وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله؛ وإن ~~اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته؛ إلا من كان منافقا يظهر الإيمان ~~بلسانه ويبطن الكفر بالرسول؛ فهذا ليس بمؤمن. وكل من أظهر الإسلام ولم يكن ~~منافقا فهو مؤمن. له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو ممن يخرج من ~~النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ويدخل في هذا جميع المتنازعين ~~في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم؛ ولو كان لا ms1241 يدخل الجنة إلا من يعرف ~~الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم أو ~~أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة؛ بل يدخلون الجنة وتكون منازلهم متفاضلة ~~بحسب إيمانهم ومعرفتهم. # PageV05P134 # وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعبد الله به وأتي آخر بأكثر من ذلك عجز ~~عنه الأول لم يحمل ما لا يطيق وإن يحصل له بذلك فتنة: لم يحدث بحديث يكون ~~له فيه فتنة. فهذا " أصل عظيم " في تعليم الناس ومخاطبتهم والخطاب العام ~~بالنصوص التي اشتركوا في سماعها؛ كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في ~~معنى ذلك. والله تعالى أعلم. # PageV05P135 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله أيضا -: # عن علو الله على سائر مخلوقاته؟ . # فأجاب: # أما " علو الله تعالى على سائر مخلوقاته " وأنه كامل الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى: فالذي يدل عليه منها " الكتاب " قوله تعالى {إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وقوله: {إني متوفيك ورافعك إلي} وقوله: ~~{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} {أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا} ؟ وقوله: {بل رفعه الله إليه} وقوله: {تعرج ~~الملائكة والروح إليه} وقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه} وقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} . وقوله: {ثم استوى على العرش} في ستة ~~مواضع؛ وقوله: {الرحمن على العرش استوى} وقوله إخبارا عن فرعون: {وقال ~~فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى ~~إله موسى} وقوله: {تنزيل من حكيم حميد} وقوله: {منزل من ربك بالحق} وأمثال ~~ذلك. # PageV05P136 # والذي يدل عليه من " السنة " قصة معراج الرسول إلى ربه ونزول الملائكة من ~~عند الله وصعودها إليه وقوله: في الملائكة الذين يتعاقبون في الليل ~~والنهار: {فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم} . وفي ~~حديث الخوارج: {ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء} وفي حديث الرقية: ~~{ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك} وفي حديث الأوعال: {والعرش فوق ذلك ~~والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه} وفي حديث ms1242 قبض الروح {حتى يعرج بها ~~إلى السماء التي فيها الله} . وفي " سنن أبي داود " عن جبير بن مطعم قال: ~~{أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس ~~وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع ~~بالله عليك؛ فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ~~وقال: ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله ~~أعظم من ذلك إن الله على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا وقال ~~بأصابعه مثل القبة} . وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله؛ {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما خطب خطبة عظيمة يوم عرفات في أعظم جمع حضره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جعل يقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم. فيرفع إصبعه إلى ~~السماء # PageV05P137 # وينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد غير مرة} . وحديث {الجارية لما سألها: ~~أين الله؟ قالت: في السماء. فأمر بعتقها وعلل ذلك بإيمانها} . وأمثاله ~~كثيرة. وأما الذي يدل عليه من " الإجماع " ففي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي ~~الله عنه - قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول ~~زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماواته. # وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بم ~~نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما قالت ~~الجهمية: إنه هاهنا في الأرض. # وبإسناد صحيح عن سليمان بن حرب - الإمام - سمعت حماد بن زيد - وذكر ~~الجهمية - فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. # وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي - إمام أهل البصرة علما ودينا ~~- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى وقد اجتمع أهل ~~الأديان مع المسلمين على أن الله تعالى على العرش وقالوا هم: ليس على العرش ~~شيء. # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة - إمام ms1243 الأئمة -: من لم يقل: إن الله فوق ~~سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ~~ألقي على مزبلة لئلا يتأذى به أهل القبلة ولا أهل الذمة. # PageV05P138 # وروى " الإمام أحمد " قال: أنا شريح بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن ~~نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان؛ ~~لا يخلو من علمه مكان. وحكى الأوزاعي - أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي ~~التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث ~~إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق؛ حكى - شهرة القول في زمن التابعين ~~بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية وإنما قاله بعد ظهور ~~جهم المنكر لكون الله فوق عرشه النافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف ~~خلافه. وروى الخلال بأسانيد - كلهم أئمة - عن سفيان بن عيينة قال: سئل ~~ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} كيف ~~استوى؟ قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة ومن ~~الرسول البلاغ وعلينا التصديق. وهذا مروي: عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن أو نحوه. وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاه الله تعالى ~~في سمائه وجمع عليه قلوب عباده. ولو يجمع ما قاله الشافعي في هذا الباب ~~لكان فيه كفاية؛ ومن أصحاب الشافعي عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي له ~~كتاب: " الرد على الجهمية " وقرر فيه " # PageV05P139 # " مسألة العلو " وأن الله تعالى فوق عرشه. والأئمة في الحديث والفقه ~~والسنة والتصوف المائلون إلى الشافعي ما من أحد منهم إلا له كلام فيما ~~يتعلق بهذا الباب ما هو معروف يطول ذكره. وفي كتاب: " الفقه الأكبر " ~~المشهور عن أبي حنيفة يروونه بأسانيد عن أبي مطيع " الحكم بن عبد الله " ~~قال: سألت أبا حنيفة عن " الفقه الأكبر " فقال: لا تكفرن أحدا بذنب؛ إلى أن ~~قال: عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر؛ لأن الله يقول: ms1244 ~~{الرحمن على العرش استوى} وعرشه فوق سبع سموات - قلت: فإن قال: إنه على ~~العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أم في الأرض. قال: هو كافر - وإنه يدعي ~~من أعلى لا من أسفل. وسئل علي بن المديني عن قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم} الآية؟ قال: اقرأ ما قبله {ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض} الآية. وروي عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش ~~كما وصف في كتابه وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وأبو يوسف لما بلغه عن ~~المريسي أنه ينكر الصفات الخبرية وأن الله فوق عرشه؛ أراد ضربه فهرب؛ فضرب ~~رفيقه ضربا بشعا وعن أصحاب أبي حنيفة في هذا الباب ما لا يحصى. # PageV05P140 # ونقل أيضا عن مالك: أنه نص على استتابة الدعاة إلى " مذهب جهم " ونهى عن ~~الصلاة خلفهم. ومن أصحابه محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور ~~قال: في الكتاب الذي صنفه في " أصول السنة ". # باب الإيمان بالعرش # قال: ومن قول أهل السنة إن الله خلق العرش وخصه بالعلو والارتفاع فوق ~~جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} إلى أن قال: فسبحان من بعد فلا يري وقرب بعلمه وقدرته. وأما ~~أحمد بن حنبل وأصحابه فهم أشهر في هذا الباب؛ وبه ائتم أبو الحسن علي بن ~~إسماعيل الأشعري المتكلم - صاحب الطريقة المنسوبة إليه - قال: # فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة؛ ~~والقدرية؛ والجهمية؛ والحرورية والرافضة؛ والمرجئة فعرفونا قولكم الذي ~~تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ~~بها ندين الله: التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا محمد وما روي عن الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث. ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول أبو عبد الله ~~أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون ولما خالف ~~قوله مخالفون؛ لأنه الإمام # PageV05P141 # الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان ms1245 الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به ~~المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين؛ فرحمة الله عليه ~~من إمام مقدم؛ وجليل معظم وكبير مفهم. وجملة قولنا: بأنا نقر بالله؛ ~~وملائكته؛ وكتبه؛ ورسله؛ وبما جاءوا به من عند الله؛ وبما رواه الثقات عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله واحد لا إله إلا ~~هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ~~ودين الحق وأن الجنة حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور. وأن الله مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} ونعود ~~فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين؛ إلى أن قال: ~~(باب ذكر الاستواء على العرش إلى أن قال: فإن قال قائل: فما تقولون في ~~الاستواء؟ قيل له: إن الله مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش ~~استوى} . # PageV05P142 # فصل: # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: {الرحمن ~~على العرش استوى} أنه استولى وملك وقهر وأنه في كل مكان. وجحدوا أن يكون ~~على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا بالاستواء إلى القدرة؛ فلو كان هذا كما ~~ذكروا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء. إلى ~~أن قال - وأكثروا في هذا - وقد اتفق الأئمة جميعهم من المشرق والمغرب على ~~الإيمان بالقرآن: والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر ~~اليوم شيئا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق ~~الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا؛ ولكن أقروا بما في الكتاب والسنة ثم ~~سكتوا؛ فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فإنه وصفه بصفة لا شيء. # PageV05P143 # فصل: # والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى استولى وجوه: # أحدها: أن هذا التفسير لم يفسره أحد من ms1246 السلف من سائر المسلمين من ~~الصحابة والتابعين فإنه لم يفسره أحد في الكتب الصحيحة عنهم بل أول من قال ~~ذلك: بعض الجهمية والمعتزلة؛ كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب " ~~المقالات " وكتاب " الإبانة ". # الثاني: أن معنى هذه الكلمة مشهور؛ ولهذا لما سئل ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن ومالك بن أنس عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} قالا: الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. ولا يريد أن: ~~الاستواء معلوم في اللغة دون الآية - لأن السؤال عن الاستواء في الآية كما ~~يستوي الناس. # الثالث: أنه إذا كان معلوما في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلوما في ~~القرآن. # PageV05P144 # الرابع: أنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلوما لم يحتج أن يقول: ~~الكيف مجهول لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي إلا ما قد علم أصله كما نقول إنا ~~نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو. # الخامس: الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام في ~~المخلوقات كالربوبية والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا ~~تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم} وكما في دعاء الكرب؛ فلو كان استوى بمعنى استولى - كما هو عام في ~~الموجودات كلها - لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال: استوى على السماء وعلى ~~الهوى والبحار والأرض وعليها ودونها ونحوها؛ إذ هو مستو على العرش. فلما ~~اتفق المسلمون على أنه يقال: استوى على العرش ولا يقال: استوى على هذه ~~الأشياء مع أنه يقال استولى على العرش والأشياء علم أن معنى استوى خاص ~~بالعرش ليس عاما كعموم الأشياء. # السادس؛ أنه أخبر بخلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران ~~بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه ~~على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق ms1247 السموات والأرض} مع أن العرش كان ~~مخلوقا قبل ذلك فمعلوم أنه ما زال مستوليا عليه # PageV05P145 # قبل وبعد فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما ~~كان مختصا بالعرش. (السابع: أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى ~~استولى؛ إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور: # ثم استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه ~~وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف ~~إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة؛ وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في ~~كتابه " الإفصاح " قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ ~~فقال: هذا ما لا تعرفه العرب؛ ولا هو جائز في لغتها وهو إمام في اللغة على ~~ما عرف من حاله فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل. # الثامن: أنه روي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى ~~استولى إلا في حق من كان عاجزا ثم ظهر والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا ~~يغالبه في حال فامتنع أن يكون بمعنى استولى. فإذا تبين هذا فقول الشاعر: ثم ~~استوى بشر على العراق # PageV05P146 # لفظ مجازي لا يجوز حمل الكلام عليه إلا مع قرينة تدل على إرادته واللفظ ~~المشترك بطريق الأولى ومعلوم أنه ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالآية ~~الاستيلاء. " وأيضا " فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا ~~فيما كان منازعا مغالبا فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى؛ والله لم ~~ينازعه أحد في العرش فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع النزاع في ~~إرادة المعنى الأعم لم يجب حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم ~~فيه وهؤلاء ادعوا أنه بمعنى استولى في اللغة مطلقا والاستواء في القرآن في ~~غير موضع مثل قوله: {استويت أنت ومن ms1248 معك على الفلك} {واستوت على الجودي} ~~{لتستووا على ظهوره} وفي حديث عدي: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~بدابته فلما وضع رجله في الغرز قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: ~~الحمد لله} . (التاسع: أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من ~~لغة العرب العرباء ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء لم يجب أن يكون من لغة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله؛ ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف ~~في الكتاب والسنة وهو الذي يراد به ولا يجوز أن يراد معنى آخر. (العاشر: ~~أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأئمة # PageV05P147 # عنه؛ فضلا عن الصحابة؛ فضلا عن الله ورسوله؛ فلو كان الكلام في الكتاب ~~والسنة كلاما نفهم منه معنى ويريدون به آخر لكان في ذلك تدليس وتلبيس ومعاذ ~~الله أن يكون ذلك فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر هذا اللفظ في هذا المعنى ~~ليس حقيقة بالاتفاق؛ بل حقيقة في غيره ولو كان حقيقة فيه للزم الاشتراك ~~المجازي فيه وإذا كان مجازا عن بعض العرب أو مجازا اخترعه من بعده أفتترك ~~اللغة التي يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته. (الحادي عشر: أن ~~هذا اللفظ - الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من ~~الخاصة والعامة عادة ودينا - إن جعل الطريق إلى فهمه بيت شعر أحدث فيؤدي ~~إلى محذور؛ فلو حمل على معنى هذا البيت للزم تخطئة الأئمة الذين لهم مصنفات ~~في الرد على من تأول ذلك؛ ولكان يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والأئمة وللزم أن الله امتحن عباده بفهم هذا دون هذا مع ~~ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص الكتاب والسنة؛ والله سبحانه لا يكلف نفسا ~~إلا وسعها وهذا مستحيل على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والأئمة. (الثاني عشر: أن معنى الاستواء معلوم علما ظاهرا بين الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير ms1249 المحدث بعده باطلا قطعا وهذا قول يزيد بن ~~هارون الواسطي؛ فإنه قال: إن من قال: {الرحمن على العرش استوى} # PageV05P148 # خلاف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمي. ومنه قول مالك: الاستواء معلوم ~~وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا؟ ~~أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة. والسؤال عن النزول ولفظ ~~الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه؛ فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون وإنما ~~البدعة السؤال عن الكيفية. ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نورا فلينظر ~~في شيء من الهيئة وهي الإحاطة والكروية ولا بد من ذكر الإحاطة ليعلم ذلك. # PageV05P149 # فصل: # اعلم أن " الأرض " قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهي في الماء المحيط ~~بأكثرها؛ إذ اليابس السدس وزيادة بقليل والماء أيضا مقبب من كل جانب للأرض ~~والماء الذي فوقها بينه وبين السماء كما بيننا وبينها مما يلي رءوسنا وليس ~~تحت وجه الأرض إلا وسطها ونهاية التحت المركز؛ فلا يكون لنا جهة بينة إلا ~~جهتان: العلو والسفل وإنما تختلف الجهات باختلاف الإنسان. فعلو الأرض وجهها ~~من كل جانب. وأسفلها ما تحت وجهها - ونهاية المركز - هو الذي يسمى محط ~~الأثقال فمن وجه الأرض والماء من كل وجهة إلى المركز يكون هبوطا ومنه إلى ~~وجهها صعودا وإذا كانت سماء الدنيا فوق الأرض محيطة بها فالثانية كروية ~~وكذا الباقي. والكرسي فوق الأفلاك كلها والعرش فوق الكرسي ونسبة الأفلاك ~~وما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة والجملة بالنسبة إلى العرش ~~كحلقة في فلاة. والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن لفظ " الفلك ~~" يدل على الاستدارة ومنه قوله تعالى {وكل في فلك يسبحون} قال ابن عباس: في ~~فلكة كفلكة المغزل. ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا استدار. وأهل الهيئة ~~والحساب متفقون على ذلك. # PageV05P150 # وأما " العرش " فإنه مقبب؛ لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم ~~قال؛ {أتى رسول الله صلى الله عليه أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس ~~وجاع العيال وذكر الحديث إلى أن ms1250 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا} وقال بأصبعه مثل القبة. ولم ~~يثبت أنه فلك مستدير مطلقا بل ثبت أنه فوق الأفلاك وأن له قوائم: كما جاء ~~في الصحيحين عن أبي سعيد قال: {جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد لطم وجهه فقال: يا محمد إن رجلا من أصحابك لطم وجهي. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ادعوه فدعوه. فقال: لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول ~~الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: يا خبيث ~~وعلى محمد فأخذتني غضبة فلطمته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا ~~بين الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا ~~بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور} ~~. وفي " علوه " قوله صلى الله عليه وسلم {إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ~~فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة} -. فقد ~~تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها وأنه مقبب وأن له # PageV05P151 # قوائم وعلى كل تقدير فهو فوق سواء كان محيطا بالأفلاك أو غير ذلك؛ فيجب ~~أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق - سبحانه وتعالى - في ~~غاية الصغر؛ لقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} الآية. # قاعدة عظيمة في إثبات علوه تعالى: # وهو واجب بالعقل الصريح والفطرة الإنسانية الصحيحة. وهو أن يقال: كان ~~الله ولا شيء معه ثم خلق العالم؛ فلا يخلو إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل ~~عنه وهذا محال: تعالى الله عن مماسة الأقذار وغيرها وإما أن يكون خلقه ~~خارجا عنه ثم دخل فيه وهذا محال أيضا تعالى أن يحل في خلقه - وهاتان لا ~~نزاع فيهما بين أحد من المسلمين - وإما أن يكون خلقه خارجا عن نفسه الكريمة ~~ولم يحل فيه فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره ولا يليق بالله إلا هو. وهذه ~~القاعدة للإمام أحمد ms1251 من حججه على الجهمية في زمن المحنة. وذكر الأشعري في " ~~المقالات " مقالة محمد بن كلاب الذي ائتم به الأشعري: أنه يعرف بالعقل أن ~~الله فوق العالم والاستواء بالسمع وبأخبار الرسل الذين بعثوا بتكميل الفطر ~~ولا تبديل لفطرة الله وجاءت الشريعة بها خلافا لأهل الضلال من الفلاسفة ~~وغيرهم فإنهم قلبوا الحقائق. اه. # PageV05P152 # سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية -رحمه الله -: # عن رجلين تباحثا في " مسألة الإثبات للصفات والجزم بإثبات العلو على ~~العرش ". # فقال أحدهما: لا يجب على أحد معرفة هذا ولا البحث عنه؛ بل يكره له كما ~~قال الإمام مالك للسائل: وما أراك إلا رجل سوء. وإنما يجب عليه أن يعرف ~~ويعتقد أن الله تعالى واحد في ملكه وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه؛ بل ومن ~~تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي. فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم ~~مخطئ؟ فإذا كان مخطئا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات ~~الصفات والعلو على العرش - الذي هو أعلى المخلوقات - ويعرفوه؟ وما معنى ~~التجسيم والحشو؟ . أفتونا وابسطوا القول بسطا شافيا يزيل الشبهات في هذا ~~مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. # PageV05P153 # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على ~~الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل؛ فلا يكون الرجل مؤمنا ~~حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحقيق شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله. فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما ~~يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة؛ إذ الكاذب ليس ~~برسول فيما يكذبه وقد قال الله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} ~~{لأخذنا منه باليمين} {ثم لقطعنا منه الوتين} . و " بالجملة " فهذا معلوم ~~بالاضطرار من دين الإسلام؛ لا يحتاج إلى تقريره هنا؛ وهو الإقرار بما جاء ~~به ms1252 النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما جاء به من القرآن والسنة كما قال الله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ~~وقال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة} . وقال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا # PageV05P154 # في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} . ومما جاء به الرسول: رضاه عن السابقين الأولين؛ ~~وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} . ومما ~~جاء به الرسول: إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} . ومما جاء به ~~الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: {وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين} وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~وقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس} . ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم ~~يكتم منها شيئا؛ فإن كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة؛ كما أن ~~الكذب يناقض موجب الرسالة. ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من ~~الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه معصوم من الكذب فيها. والأمة تشهد له بأنه ~~بلغ الرسالة كما أمره الله وبين ما أنزل إليه من ربه وقد أخبر الله بأنه قد ~~أكمل الدين؛ وإنما # PageV05P155 # كمل بما بلغه؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم ms1253 أنه بلغ جميع الدين ~~الذي شرعه الله لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم {تركتكم على البيضاء ~~ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك} . وقال: {ما تركت من شيء يقربكم ~~إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به وما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد ~~حدثتكم به} . وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر ~~يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما. إذا تبين هذا: فقد وجب على كل ~~مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى: من " أسماء الله وصفاته " مما جاء ~~في القرآن وفي السنة الثابتة عنه كما كان عليه السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار؛ والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ~~فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك ~~من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد {حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما ~~فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا} . وقد ~~قام عبد الله بن عمر - وهو من أصاغر الصحابة - في تعلم البقرة ثماني سنين ~~وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة. وهذا معلوم من وجوه: # PageV05P156 # أحدها أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم ~~بالقرآن - المنزل عليهم - لفظا ومعنى؛ بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد ~~فإنه قد علم أنه من قرأ كتابا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ~~ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغبا في فهمه وتصور معانيه فكيف بمن قرءوا كتاب ~~الله تعالى المنزل إليهم الذي به هداهم الله وبه عرفهم الحق والباطل والخير ~~والشر والهدى والضلال والرشاد والغي. فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور ~~معانيه أعظم الرغبات؛ بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثا فإنه يرغب في ~~فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام ms1254 الله من المبلغ عنه؛ بل ومن المعلوم أن رغبة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في ~~تعريفهم حروفه فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذا اللفظ ~~إنما يراد للمعنى. (الوجه الثاني أن الله سبحانه وتعالى قد حضهم على تدبره ~~وتعقله واتباعه في غير موضع كما قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته} . وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ~~وقال تعالى: {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} وقال ~~تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} . فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره: علم أن معانيه مما ~~يمكن # PageV05P157 # الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها فكيف لا يكون ذلك ممكنا للمؤمنين؛ وهذا ~~يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم. # الوجه الثالث أنه قال تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} ~~وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} فبين أنه أنزله عربيا ~~لأن يعقلوا والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه. (الوجه الرابع أنه ذم من ~~لا يفهمه فقال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا} {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} ~~وقال تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} فلو كان المؤمنون ~~لا يفقهونه أيضا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى ~~به. (الوجه الخامس أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم ~~المعنى واتباعه فقال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وقال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} وقال تعالى: {ومنهم ~~من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} وأمثال ذلك. # PageV05P158 # وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت ms1255 الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا ~~وقالوا: ماذا قال آنفا؟ أي الساعة وهذا كلام من لم يفقه قوله فقال تعالى: ~~{أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} . فمن جعل السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني ~~القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه. # الوجه السادس أن الصحابة رضي الله عنهم فسروا للتابعين القرآن كما قال ~~مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقف عند كل آية منه ~~وأسأله عنها. ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به # وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل ~~لأتيته وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا ~~يحصيه إلا الله. والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل ~~العلم بها. فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافا كثيرا؛ ولو ~~كان ذلك معلوما عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه. # PageV05P159 # فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة؛ بل وعن أئمة التابعين في القرآن ~~أكثره لا يخرج عن وجوه: - (أحدها أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير ~~عبارة صاحبه فالمسمى واحد وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر مع ~~أن كلاهما حق؛ بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى وتسمية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بأسمائه وتسمية القرآن العزيز بأسمائه فقال تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} . فإذا قيل: ~~الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام فهي كلها أسماء لمسمى واحد سبحانه ~~وتعالى وإن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر. ~~ومثال " هذا التفسير " كلام العلماء في تفسير {الصراط المستقيم} فهذا يقول: ~~هو الإسلام وهذا يقول هو القرآن أي اتباع القرآن وهذا يقول: السنة والجماعة ~~وهذا يقول: طريق العبودية وهذا يقول: طاعة الله ورسوله. ومعلوم أن الصراط ~~يوصف بهذه الصفات ms1256 كلها ويسمى بهذه الأسماء كلها ولكن كل واحد منهم دل ~~المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط وينتفع بمعرفة ذلك النعت. # PageV05P160 # الوجه الثاني أن يذكر كل منهم من تفسير " الاسم " بعض أنواعه أو أعيانه ~~على سبيل التمثيل للمخاطب؛ لا على سبيل الحصر والإحاطة كما لو سأل أعجمي عن ~~معنى لفظ " الخبز " فأرى رغيفا وقيل هذا هو فذاك مثال للخبز وإشارة إلى ~~جنسه؛ لا إلى ذلك الرغيف خاصة. ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى {فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} . فالقول الجامع أن " الظالم ~~لنفسه " هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور و " المقتصد ": القائم بأداء ~~الواجبات وترك المحرمات و " السابق بالخيرات ": بمنزلة المقرب الذي يتقرب ~~إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق. ثم إن كلا منهم يذكر نوعا من ~~هذا. فإذا قال القائل: " الظالم " المؤخر للصلاة عن وقتها و " المقتصد " ~~المصلي لها في وقتها و " السابق " المصلي لها في أول وقتها حيث يكون ~~التقديم أفضل. وقال آخر: " الظالم لنفسه " هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا ~~يؤدي زكاة ماله و " المقتصد " القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم ~~وقرى الضيف والإعطاء في النائبة و " السابق " الفاعل المستحب بعد الواجب ~~كما # PageV05P161 # فعل الصديق الأكبر حين جاء بماله كله؛ ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئا. ~~وقال آخر: " الظالم لنفسه " الذي يصوم عن الطعام لا عن الآثام و " المقتصد ~~" الذي يصوم عن الطعام والآثام و " السابق " الذي يصوم عن كل ما لا يقربه ~~إلى الله تعالى - وأمثال ذلك - لم تكن هذه الأقوال متنافية بل كل ذكر نوعا ~~مما تناولته الآية. (الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية " سببا " ~~ويذكر الآخر " سببا " آخر - لا ينافي الأول - ومن الممكن نزولها لأجل ~~السببين جميعا أو نزولها مرتين: مرة لهذا ومرة لهذا. وأما ما صح عن السلف ~~أنهم: اختلفوا فيه " اختلاف تناقض " فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا ~~فيه كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة - كبعض مسائل ms1257 الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك - لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن ~~مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجملها منقولة عنه بالتواتر. وقد تبين ~~أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة؛ وأمر أزواج نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن (من آيات الله والحكمة) . # PageV05P162 # وقد قال غير واحد من السلف: إن " الحكمة " هي السنة؛ وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم {ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه} . فما ثبت عنه من السنة فعلينا ~~اتباعه؛ سواء قيل إنه في القرآن؛ ولم نفهمه نحن أو قيل ليس في القرآن؛ كما ~~أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان؛ فعلينا أن نتبعهم ~~فيه؛ سواء قيل إنه كان منصوصا في السنة ولم يبلغنا ذلك أو قيل إنه مما ~~استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة. # PageV05P163 # فصل: # فإذا تبين ذلك: فوجوب إثبات " العلو لله تعالى " ونحوه يتبين من وجوه: - # أحدها أن يقال: إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وغير المتواترة ~~وكلام السابقين والتابعين وسائر القرون الثلاثة: مملوء بما فيه إثبات العلو ~~لله تعالى على عرشه بأنواع من الدلالات ووجوه من الصفات وأصناف من ~~العبارات؛ تارة يخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش. وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع. وتارة يخبر بعروج ~~الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه كقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} {إني ~~متوفيك ورافعك إلي} {تعرج الملائكة والروح إليه} وقوله تعالى {إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده ~~كقوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} {قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق} {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم} {حم. تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم} . # PageV05P164 # وتارة يخبر " بأنه العلي الأعلى " كقوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} ~~وقوله: {وهو العلي العظيم} . وتارة يخبر بأنه في " السماء " كقوله تعالى: ~~{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} {أم أمنتم من في ms1258 ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا} . فذكر السماء دون الأرض ولم يعلق بذلك ألوهية ~~أو غيرها كما ذكر في قوله تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ~~وقال تعالى {وهو الله في السماوات وفي الأرض} . وكذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟} {وقال للجارية: أين الله؟ ~~قالت في السماء. قال: أعتقها فإنها مؤمنة} . وتارة يجعل بعض الخلق " عنده " ~~دون بعض كقوله تعالى: {وله من في السماوات والأرض} . ويخبر عمن عنده ~~بالطاعة كقوله: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون} فلو كان موجب العندية معنى عاما كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ~~ذلك: لكان كل مخلوق عنده؛ ولم يكن أحد مستكبرا عن عبادته بل مسبحا له ساجدا ~~وقد قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وهو # PageV05P165 # سبحانه وصف الملائكة بذلك ردا على الكفار المستكبرين عن عبادته وأمثال ~~هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة. وأما الأحاديث والآثار عن " الصحابة ~~والتابعين " فلا يحصيها إلا الله تعالى. فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت ~~فيه هذه النصوص من إثبات علو الله نفسه على خلقه هو الحق أو الحق نقيضه؛ إذ ~~الحق لا يخرج عن النقيضين؛ وإما أن يكون نفسه فوق الخلق؛ أو لا يكون فوق ~~الخلق - كما تقول الجهمية -. ثم تارة يقولون: لا فوقهم ولا فيهم ولا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا مباين ولا محايث وتارة يقولون: هو بذاته في كل مكان ~~وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه. فإما أن يكون الحق ~~إثبات ذلك؛ أو نفيه فإن كان نفي ذلك هو الحق فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا ~~قط - لا نصا ولا ظاهرا - ولا الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة ~~المسلمين؛ لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم ولا يمكن أحد أن ينقل عن واحد ~~من هؤلاء أنه نفى ذلك أو أخبر به. وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء: فأكثر ~~من أن يحصى أو ms1259 يحصر # PageV05P166 # فإن كان الحق هو النفي - دون الإثبات - والكتاب والسنة والإجماع إنما دل ~~على الإثبات ولم يذكر النفي أصلا: لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا ~~بالحق في هذا الباب؛ بل نطقوا بما يدل - إما نصا وإما ظاهرا - على الضلال ~~والخطأ المناقض للهدى والصواب. ومعلوم أن من اعتقد هذا في " الرسول ~~والمؤمنين " فله أوفر حظ من قوله تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . ~~فإن القائل إذا قال: هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها أو خلاف ما دلت ~~عليه أو أنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه؛ وإنما أريد بها علو ~~المكانة ونحو ذلك - كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع. فيقال ~~له: فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق (به باطنا وظاهرا؛ بل ~~ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه؛ فإن غاية ~~ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة والباطن المخالف للظاهر. ومعلوم ~~باتفاق العقلاء: أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ~~ما يدل على إرادة المعنى المجازي؛ فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين ~~للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه كان # PageV05P167 # عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد؛ لا سيما ~~إذا كان باطلا لا يجوز اعتقاده في الله فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا ~~في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفا عليهم؛ ولو لم يخاطبهم بما ~~يدل على ذلك فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول ~~النفاة: هو اعتقاد باطل؟ . فإذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد ~~من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلا؛ بل هم دائما لا يتكلمون إلا ~~بالإثبات امتنع حينئذ أن لا يكون مرادهم الإثبات وأن يكون النفي ms1260 هو الذي ~~يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه؛ وإنما أظهروا ما ~~يخالفه وينافيه وهذا كلام مبين؛ لا مخلص لأحد عنه؛ لكن للجهمية المتكلمة ~~هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام. أما " المتفلسفة والقرامطة " فيقولون؛ ~~إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون وربما ~~يقولون إنهم كذبوا لأجل مصلحة العامة فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار ~~الإثبات وإن كان في نفس الأمر باطلا. وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة ~~والكفر الواضح: قول متناقض في نفسه فإنه يقال: لو كان الأمر كما تقولون ~~والرسل من جنس رؤسائكم؛ # PageV05P168 # لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك؛ ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر؛ ~~فكأن يكون النفي مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلا وعلما ومعرفة والأمر بالعكس؛ ~~فإن من تأمل كلام " السلف والأئمة " وجد أعلم الأمة - عند الأمة - كأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان ~~الفارسي وأبي بن كعب وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد ~~الله بن عمرو وأمثالهم؛ هم أعظم الخلق إثباتا. وكذلك أفضل التابعين: مثل ~~سعيد بن المسيب وأمثاله والحسن البصري وأمثاله وعلي بن الحسين وأمثاله ~~وأصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس وهم من أجل التابعين. بل النقول عن هؤلاء ~~في الإثبات يجبن عن إثباته كثير من الناس وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار ~~وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري ما يروى: {أن من العلم كهيئة ~~المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة ~~بالله} تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات؛ لأن ذلك ثابت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والسابقين والتابعين لهم بإحسان بخلاف النفي فإنه لا يوجد ~~عنهم ولا يمكن حمله عليه. وقد جمع علماء الحديث من المنقول عن السلف في ~~الإثبات ما لا يحصي # PageV05P169 # عدده إلا رب السموات ولم يقدر أحد أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد إلا ~~أن يكون من الأحاديث المختلفة ms1261 التي ينقلها من هو من أبعد الناس عن معرفة ~~كلامهم. ومن هؤلاء من يتمسك " بمجملات " سمعها: بعضها كذب وبعضها صدق مثل ~~ما ينقلونه عن عمر أنه قال: {كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما} . # فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر؛ وبتقدير صدقه فهو مجمل. فإذا قال أهل ~~الإثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل عنهما كان أولى ~~من قول النفاة إنهما يتكلمان بالنفي. وكذلك حديث جراب {أبي هريرة لما قال: ~~حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين: أما أحدهما فبثثته فيكم وأما ~~الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم.} فإن هذا حديث صحيح؛ لكنه مجمل. وقد ~~جاء مفسرا: أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم والفتن ولو قدر أن فيه ما ~~يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي؛ بل الثابت المحفوظ من أحاديث أبي ~~هريرة كحديث " إتيانه يوم القيامة " وحديث " النزول " و " الضحك " وأمثال ~~ذلك كلها على الإثبات؛ ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد من جنس قول النفاة. # وأما " الجهمية المتكلمة " فيقولون: إن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه ~~الخطاب هو العقل؛ فاكتفى بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة. # PageV05P170 # فيقال لهم " أولا ": فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما يفيدهم مجرد الضلال؛ ~~وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم: كان الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال ولم ~~ينصب لهم أسباب الهدى وأحالهم في الهدى على نفوسهم فيلزم على قولهم أن ~~تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم؛ بل ضرتهم. ويقال ~~لهم " ثانيا ": فالرسول صلى الله عليه وسلم قد بين الإثبات الذي هو أظهر في ~~العقل من قول النفاة؛ مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه ونحو ذلك - ~~من الأمور التي تعلم بالعقل - أعظم مما يعلم نفي الجهمية وهو لم يتكلم بما ~~يناقض هذا الإثبات فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو أخفى وأدق؟ ~~وكلامه لم يدل عليه؛ بل دل على نقيضه وضده ومن نسب هذا ms1262 إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فالله حسيبه على ما يقول. و " المراتب ثلاث ": إما أن يتكلم ~~بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما. ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم ~~بما يضل وهنا يعرف بالعقل أن الإثبات لم يسكت عنه؛ بل بينه وكان ما جاء به ~~السمع موافقا للعقل؛ فكان الواجب فيما ينفيه العقل أن يتكلم فيه بالنفي؛ ~~كما فعل فيما يثبته العقل وإذا لم يفعل ذلك كان السكوت عنه أسلم للأمة. أما ~~إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات وأراد منهم أن لا يعتقدوا إلا النفي؛ ~~لكون مجرد عقولهم تعرفهم به فإضافة هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~أعظم أبواب الزندقة والنفاق. # PageV05P171 # ويقال لهم " ثالثا " من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة؛ بل ~~العقل الصريح إنما يوافق ما أثبته الرسول وليس بين المعقول الصريح والمنقول ~~الصحيح تناقض أصلا وقد بسطنا هذا في " مواضع " بينا فيها أن ما يذكرون من ~~المعقول المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو جهل وضلال ~~تقلده متأخروهم عن متقدميهم وسموا ذلك عقليات وإنما هي جهليات ومن طلب منه ~~تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع إلا إلى مجرد تقليدهم. فهم ~~يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليدا لمن توهموا أنه عالم بالعقليات. وهم ~~مع " أئمتهم الضلال " كقوم فرعون معه حيث قال الله تعالى {فاستخف قومه ~~فأطاعوه} وقال تعالى عنه: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا ~~أنهم إلينا لا يرجعون} {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين} {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ~~{وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} وفرعون هو ~~إمام النفاة. ولهذا صرح محققو النفاة بأنهم على قوله كما يصرح به الاتحادية ~~من الجهمية النفاة؛ إذ هو أنكر العلو وكذب موسى فيه وأنكر تكليم الله لموسى ~~قال تعالى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ms1263 لأظنه كاذبا} . # PageV05P172 # والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه أنكر " الصانع " بلسانه فقال: {وما رب ~~العالمين} وطلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى فلو لم يكن موسى أخبره أن إلهه ~~فوق لم يقصد ذلك؛ فإنه هو لم يكن مقرا به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن ~~إثبات العلو لا منه ولا من موسى؛ فلا يقصد الاطلاع ولا يحصل به ما قصده من ~~التلبيس على قومه بأنه صعد إلى إله موسى؛ ولكان صعوده إليه كنزوله إلى ~~الآبار والأنهار وكان ذلك أهون عليه؛ فلا يحتاج إلى تكلف الصرح. {ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم لما عرج به ليلة الإسراء وجد في السماء الأولى آدم عليه ~~السلام وفي الثانية يحيى وعيسى ثم في الثالثة يوسف ثم في الرابعة إدريس ثم ~~في الخامسة هارون ثم وجد موسى وإبراهيم ثم عرج إلى ربه ففرض عليه خمسين ~~صلاة ثم رجع إلى موسى. فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن ~~أمتك لا تطيق ذلك قال: فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف لأمتي وذكر أنه رجع ~~إلى موسى ثم رجع إلى ربه مرارا} فصدق موسى في أن ربه فوق السموات وفرعون ~~كذب موسى في ذلك. " والجهمية النفاة ": موافقون لآل فرعون أئمة الضلال. و " ~~أهل السنة والإثبات ": موافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى وقال تعالى: {ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} {وجعلناهم أئمة يهدون # PageV05P173 # بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~عابدين} وموسى ومحمد من آل إبراهيم؛ بل هم سادات آل إبراهيم صلوات الله ~~عليهم أجمعين. # الوجه الثاني: في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات وعلو الله على السموات أن ~~يقال: من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة؛ وأن الله أنزل ~~الكتاب تبيانا لكل شيء؛ وأن معرفة ما يستحقه الله وما ينزه عنه هو من أجل ~~أمور الدين وأعظم أصوله؛ وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء. فكيف يجوز ~~أن يكون هذا الباب لم يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفصله ms1264 ولم يعلم ~~أمته ما يقولون في هذا الباب وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركوا على الطريقة ~~البيضاء وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم: أبما تقوله النفاة أو بأقوال أهل ~~الإثبات (الوجه الثالث) أن يقال: كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة ~~للعبادة: لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من ~~الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا ~~يسألون عنه ولا يشتاقون إلى معرفته ولا تطلب قلوبهم الحق وهم ليلا ونهارا ~~يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعا وخيفة ورغبا ورهبا والقلوب مجبولة ~~مفطورة على طلب العلم بهذا ومعرفة الحق فيه وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها ~~إلى كثير من الأمور ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول # PageV05P174 # المراد وهم قادرون على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم وسؤال بعضهم بعضا. ~~وقد سألوه عما هو دون هذا: سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم {وسأله ~~أبو رزين: أيضحك ربنا؟ فقال: نعم فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرا} . ثم إنهم ~~لما سألوه عن (الرؤية) قال: {إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر} فشبه ~~الرؤية بالرؤية؛ لا المرئي بالمرئي. والنفاة لا يقولون يرى كما ترى الشمس ~~والقمر؛ بل قولهم الحقيقي أنه لا يرى بحال ومن قال يرى موافقة لأهل الإثبات ~~ومنافقة لهم: فسر الرؤية بمزيد علم فلا تكون كرؤية الشمس والقمر. والمقصود ~~هنا: أنهم لا بد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه وإذا سألوه فلا بد أن ~~يجيبهم. ومن المعلوم بالاضطرار أن ما تقوله الجهمية النفاة لم ينقل عن أحد ~~من أهل التبليغ عنه وإنما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الإثبات. (الوجه ~~الرابع أن يقال: إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو نعتقد ~~قول أهل الإثبات أو لا نعتقد واحدا منهما. فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول ~~النفاة: وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ وأنه ليس فوق # PageV05P175 # السموات رب ولا على العرش إله وأن محمدا ms1265 صلى الله عليه وسلم لم يعرج به ~~إلى الله وإنما عرج به إلى السموات فقط لا إلى الله وأن الملائكة لا تعرج ~~إلى الله بل إلى ملكوته وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء وأمثال ~~ذلك. وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام ~~كقولهم ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان؛ وأمثال هذه ~~العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص ومقصدهم بها ~~أنه ليس فوق السموات رب؛ ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى الله. ~~و (المقصود: أنه إن كان الذي يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفي؛ فالصحابة ~~والتابعون أفضل منا فقد كانوا يعتقدون هذا النفي والرسول صلى الله عليه ~~وسلم كان يعتقده وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا وهو إما واجب علينا أو ~~مستحب لنا؛ فلا بد أن يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو واجب علينا ~~ويندبنا إلى ما هو مستحب لنا ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات ~~لمحبوب الله ومرضيه وما يقرب إليه؛ لا سيما مع قوله عز وجل: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين وهو ~~عندهم " التوحيد " الذي لا يخالفه إلا شقي فكيف لا يعلم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أمته التوحيد؟ وكيف لا يكون " التوحيد " معروفا عند الصحابة ~~والتابعين؟ . والفلاسفة والمعتزلة # PageV05P176 # ومن اتبعهم يسمون مذهب النفاة " التوحيد " وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه ~~الموحدين؛ إذ عندهم مذهب النفاة هو " التوحيد ". وإذا كان كذلك: كان من ~~المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد علم بالاضطرار ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة. فعلم أنه ~~ليس بواجب ولا مستحب؛ بل علم أنه ليس من " التوحيد " الذي شرعه الله تعالى ~~لعباده. وإن كان يحب منا مذهب الإثبات؛ وهو الذي أمرنا به؛ فلا بد أيضا أن ~~يبين ذلك لنا. # ومعلوم ms1266 أن في الكتاب والسنة من إثبات " العلو والصفات " أعظم مما فيهما ~~من إثبات الوضوء والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم؛ وخبيث المطاعم؛ ونحو ~~ذلك من " الشرائع ". فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملا والرسول صلى ~~الله عليه وسلم مبلغا مبينا؛ والتوحيد عن السلف مشهورا معروفا. والكتاب ~~والسنة يصدق بعضه بعضا؛ والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق. والقرآن ~~كله حق ليس فيه إضلال ولا دل على كفر ومحال؛ بل هو الشفاء والهدى والنور. ~~وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة؛ فقولهم مؤتلف غير مختلف ومقبول غير ~~مردود. # PageV05P177 # وإن كان الذي يحبه الله منا أن لا نثبت ولا ننفي؛ بل نبقى في الجهل ~~البسيط وفي ظلمات بعضها فوق بعض لا نعرف الحق من الباطل ولا الهدى من ~~الضلال ولا الصدق من الكذب؛ بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين ~~الحيارى {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} لا مصدقين ولا ~~مكذبين: لزم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وعدم العلم بما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الصفات ~~التامات وعدم العلم بالحق من الباطل ويحب منا الحيرة والشك. ومن المعلوم أن ~~الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال؛ وإنما يحب الدين والعلم ~~واليقين. وقد ذم " الحيرة " بقوله تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله ~~هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي ~~إليه تحشرون} . وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وفي صحيح مسلم ~~وغيره عن عائشة رضي الله عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV05P178 # كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ فاطر ~~السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم ms1267 بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم} . فهو صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق ~~فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف؟ وقد قال الله تعالى له: ~~{وقل رب زدني علما} . وما يذكره بعض الناس عنه أنه قال: {زدني فيك تحيرا} ~~كذب باتفاق أهل العلم بحديثه صلى الله عليه وسلم بل هذا سؤال من هو حائر ~~وقد سأل المزيد من الحيرة ولا يجوز لأحد أن يسأل ويدعو بمزيد الحيرة إذا ~~كان حائرا؛ بل يسأل الهدى والعلم؛ فكيف بمن هو هادي الخلق من الضلالة؟ . ~~وإنما ينقل مثل هذا عن بعض الشيوخ الذين لا يقتدى بهم في مثل هذا إن صح ~~النقل عنه، وقول هؤلاء الواقفة الذين لا يثبتون ولا ينفون وينكرون الجزم ~~بأحد القولين: يلزم عليه أمور: # أحدها أن من قال هذا: فعليه أن ينكر على النفاة؛ فإنهم ابتدعوا ألفاظا ~~ومعاني لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة. وأما المثبتة إذا اقتصروا على ~~النصوص: فليس له الإنكار عليهم وهؤلاء # PageV05P179 # الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو يقرونهم وإنما يعارضون المثبتة ~~فعلم أنهم أقروا أهل البدعة وعادوا أهل السنة. # الثاني أن يقال: عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحبه الله ~~ورسوله فهذا القول باطل. # الثالث أن يقال: الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين. ~~غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات يسكت. فأما من ~~علم الحق بدليله الموافق لبيان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فليس للواقف ~~الشاك الحائر أن ينكر على هذا العالم الجازم المستبصر المتبع للرسول العالم ~~بالمنقول والمعقول. # الرابع أن يقال: السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة وقالوا بالإثبات ~~وأفصحوا به وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته ~~في هذا المكان وكلام الأئمة المشاهير: مثل مالك والثوري والأوزاعي وأبي ~~حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن ms1268 سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح ~~والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأئمة أصحاب مالك وأبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد: موجود كثير لا يحصيه أحد. وجواب مالك في ذلك صريح في ~~الإثبات فإن السائل قال له: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف ~~استوى؟ فقال مالك: الاستواء # PageV05P180 # معلوم والكيف مجهول وفي لفظ: استواؤه معلوم - أو معقول - والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. فقد أخبر رضي الله عنه بأن نفس ~~الاستواء معلوم وأن كيفية الاستواء مجهولة وهذا بعينه قول أهل الإثبات. ~~وأما " النفاة " فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته؛ بل عند هذا القائل ~~الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول: غير معلوم وإذا كان الاستواء مجهولا لم ~~يحتج أن يقال: الكيف مجهول لا سيما إذا كان الاستواء منتفيا فالمنتفي ~~المعدوم لا كيفية له حتى يقال: هي مجهولة أو معلومة. وكلام مالك صريح في ~~إثبات الاستواء وأنه معلوم وأن له كيفية؛ لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا ~~نعلمها نحن. ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية فإن السؤال إنما ~~يكون عن أمر معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية استوائه وليس كل ما كان معلوما ~~وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية ~~نقلوا عن مالك أنه قال: الله في السماء وعلمه في كل مكان حتى ذكر ذلك مكي - ~~خطيب قرطبة - في " كتاب التفسير " الذي جمعه من كلام مالك ونقله أبو عمرو ~~الطلمنكي وأبو عمر بن عبد البر وابن أبي زيد في المختصر وغير واحد ونقله ~~أيضا عن مالك غير هؤلاء ممن لا يحصى عددهم: مثل أحمد بن حنبل وابنه عبد ~~الله والأثرم والخلال والآجري وابن بطة وطوائف # PageV05P181 # غير هؤلاء من المصنفين في السنة ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ~~ينقل هذا الإثبات. والقول الذي قاله مالك: قاله قبله ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن - شيخه - كما رواه عنه سفيان بن عيينة. وقال عبد العزيز بن عبد الله ~~بن ms1269 أبي سلمة الماجشون كلاما طويلا يقرر مذهب الإثبات ويرد على النفاة قد ~~ذكرناه في غير هذا الموضع. # وكلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم وكلام أئمة المالكية ~~وقدمائهم في الإثبات كثير مشهور؛ حتى علماءهم حكوا إجماع أهل السنة ~~والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر ~~أئمة السلف ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا. وهو إنما ~~ذكر هذا في مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين؛ لأنه عند أئمة السنة من ~~الاعتقادات التي يلقنها كل أحد. ولم يرد على " ابن أبي زيد " في هذا إلا من ~~كان من أتباع الجهمية النفاة لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة ولا أنه مخالف ~~للكتاب والسنة؛ ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله أن ما قاله مخالف ~~للعقل. وقالوا: إن ابن أبي زيد لم يكن يحسن فن الكلام الذي يعرف فيه ما ~~يجوز على الله عز وجل وما لا يجوز. # PageV05P182 # والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من المتأخرين تلقوا هذا الإنكار ~~عن متأخري الأشعرية - كأبي المعالي وأتباعه - وهؤلاء تلقوا هذا الإنكار عن ~~الأصول التي شاركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية فالجهمية - من ~~المعتزلة وغيرهم - هم أصل هذا الإنكار. وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ~~الإثبات رادون على الواقفة والنفاة مثل ما رواه البيهقي وغيره عن الأوزاعي ~~قال: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به ~~السنة من صفاته. وقال أبو مطيع البلخي في كتاب " الفقه الأكبر " المشهور: ~~سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض. قال: قد كفر؛ ~~لأن الله عز وجل يقول: {الرحمن على العرش استوى} وعرشه فوق سبع سمواته فقلت ~~إنه يقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض؛ فقال ~~إذا أنكر أنه في السماء كفر؛ لأنه تعالى في أعلى عليين؛ وأنه يدعى من أعلى ~~لا من أسفل. وقال عبد الله بن نافع ms1270 كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء ~~وعلمه في كل مكان. وقال معدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى {وهو معكم ~~أين ما كنتم} قال علمه. وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه ابن ~~أبي حاتم والبخاري # PageV05P183 # وعبد الله بن أحمد وغيرهم: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا ليس في ~~السماء شيء وقال علي بن الحسن بن شقيق قلت لعبد الله بن المبارك: بماذا ~~نعرف ربنا؟ قال؛ بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. قلت بحد؟ قال: بحد ~~لا يعلمه غيره وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه؛ وهو أيضا ~~صحيح ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة. وقال رجل ~~لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما أدعو على ~~الجهمية. قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء. وقال ~~جرير بن عبد الحميد؛ كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم وإنما يحاولون أن ~~يقولوا ليس في السماء إله رواه ابن أبي حاتم. ورواه هو وغيره بأسانيد ثابتة ~~عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله عز ~~وجل كلم موسى بن عمران وأن يكون على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ~~ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى على ~~خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي. وقال سعيد بن عامر الضبعي - وذكر ~~عنده الجهمية فقال - هم أشر قولا من اليهود والنصارى قد أجمع أهل الأديان ~~مع المسلمين على أن الله على العرش وقالوا هم ليس عليه شيء. # PageV05P184 # وقال عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشرا المريسي وأصحابه فرأيت آخر ~~كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا ~~يوارثوا. وهذا كثير في كلامهم. وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات ~~الناس " مقالة أهل السنة وأهل الحديث " كما ms1271 ذكره أبو الحسن الأشعري في ~~كتابه الذي صنفه في " اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين " فذكر فيه أقوال ~~الخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة وغيرهم. ثم قال: ذكر " مقالة أهل ~~السنة وأصحاب الحديث " وجملة قولهم: الإقرار بالله عز وجل وملائكته وكتبه ~~ورسله وبما جاء من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يردون من ذلك شيئا - إلى أن قال - وأن الله على عرشه كما قال: ~~{الرحمن على العرش استوى} وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى {لما خلقت ~~بيدي} وأقروا أن لله علما كما قال: {أنزله بعلمه} {وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه} وأثبتوا السمع والبصر؛ ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته ~~المعتزلة وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وإن ~~الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} إلى أن ~~قال: ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ ويصدقون بالأحاديث التي جاءت ~~عن رسول الله # PageV05P185 # صلى الله عليه وسلم مثل: {إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من ~~مستغفر فأغفر له؟} كما جاء في الحديث. ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما ~~قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ~~{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وذكر أشياء كثيرة إلى أن قال: فهذه جملة ما ~~يأمرون به ويستعملونه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب. # قال الأشعري أيضا في " مسألة الاستواء " قال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس ~~بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} ~~ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأن له يدين ~~بلا كيف كما قال تعالى: {لما خلقت بيدي} . وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا ~~كما جاء في الحديث. قال: وقالت المعتزلة استوى على عرشه بمعنى استولى. # وقال الأشعري أيضا في كتابه " الإبانة في أصول الديانة " في ms1272 باب الاستواء ~~إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول له إن الله مستو على عرشه ~~كما قال: {الرحمن على العرش استوى} وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب} وقال: ~~{بل رفعه الله إليه} . وقال حكاية عن فرعون: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} كذب ~~فرعون موسى في قوله: # PageV05P186 # إن الله فوق السموات. وقال الله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور} فالسموات فوقها العرش وكل ما علا فهو سماء وليس إذا ~~قال: {أأمنتم من في السماء} يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو ~~أعلى السموات ألا ترى أنه ذكر السموات فقال: {وجعل القمر فيهن نورا} ولم ~~يرد أنه يملأ السموات جميعا؟ ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا ~~نحو السماء؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله ~~على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش. # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: أن معنى استوى استولى ~~وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل ~~الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين ~~العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها ~~وعلى الحشوش والأخلية فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن ~~يقال: هو مستو على الأشياء كلها ولما لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال: ~~إن الله مستو على الأشياء كلها وعلى الحشوش والأخلية بطل أن يكون معنى ~~الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها. وقد نقل هذا عن ~~الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه كابن فورك والحافظ ابن عساكر في كتابه ~~الذي جمعه في " تبيين كذب المفتري فيما ينسب # PageV05P187 # إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري " وذكر اعتقاده الذي ذكره في أول " الإبانة ~~" وقوله فيه: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية ~~والحرورية والرافضة ms1273 والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي ~~بها تدينون قيل له: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي ندين بها التمسك ~~بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل - ~~نضر الله وجهه - قائلون ولما خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل ~~والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح المنهاج به ~~وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام ~~مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين. " وجملة قولنا ": إنا نقر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذكر ما تقدم وغيره من جمل كثيرة أوردت في غير هذا ~~الموضع. # وقال أبو بكر الآجري في " كتاب الشريعة " الذي يذهب إليه أهل العلم: أن ~~الله تعالى على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل شيء قد أحاط بجميع ما خلق ~~في السموات العلى وجميع ما في سبع أرضين يرفع إليه أفعال العباد. فإن قال ~~قائل: أي شيء معنى قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم} الآية قيل له علمه والله على عرشه وعلمه محيط # PageV05P188 # بهم؛ كذا فسره أهل العلم. والآية يدل أولها وآخرها أنه العلم وهو على ~~عرشه هذا قول المسلمين. والقول الذي قاله الشيخ " محمد بن أبي زيد " وأنه ~~فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه قد تأوله بعض المبطلين بأن رفع ~~المجيد. ومراده أن الله هو المجيد بذاته وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة ~~أن يقال: الرحمن بذاته والرحيم بذاته والعزيز بذاته. وقد قال ابن أبي زيد ~~في خطبة " الرسالة " أيضا على العرش استوى وعلى الملك احتوى ففرق بين ~~الاستواء والاستيلاء على قاعدة الأئمة المتبوعين ومع هذا فقد صرح ابن أبي ~~زيد في " المختصر " بأن الله في سمائه دون أرضه هذا لفظه والذي قاله ابن ms1274 ~~أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطوائف. وقد ذكر أبو عمرو ~~الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه " الوصول إلى معرفة الأصول ": أن أهل ~~السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه. وكذلك ذكره محمد ~~بن عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه ذكر ذلك عن أهل ~~السنة والجماعة. وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته ~~المشهورة في السنة التي كتبها إلى ملك بلاده. # PageV05P189 # وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب " الإبانة " له. قال: وأئمتنا ~~كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل ~~بن عياض وأحمد وإسحاق: متفقون على أن الله فوق العرش بذاته؛ وأن علمه بكل ~~مكان وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو العباس الطرقي والشيخ عبد القادر ~~الجيلي ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام وشيوخه. # وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني - صاحب " حلية الأولياء " وغير ذلك من ~~المصنفات المشهورة في الاعتقاد الذي جمعه: - طريقنا طريق السلف المتبعين ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال: ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع ~~صفاته القديمة لا يزول ولا يحول؛ لم يزل عالما بعلم بصيرا ببصر سميعا بسمع ~~متكلما بكلام وأحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله. وكذلك سائر ~~كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءا ومتلوا ~~ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه ~~بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن من قصد ~~القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن ~~الجهمي عندهم كافر. وذكر أشياء إلى أن قال: # PageV05P190 # وأن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في " العرش واستواء ~~الله عليه " يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من ~~خلقه والخلق بائنون منه؛ لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في ~~سمائه دون ms1275 أرضه. وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك. وقال يحيى بن ~~عثمان في " رسالته ": لا نقول كما قالت الجهمية إنه بداخل الأمكنة وممازج ~~كل شيء ولا نعلم أين هو؛ بل نقول هو بذاته على عرشه وعلمه محيط بكل شيء ~~وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله: {وهو معكم أين ما كنتم} . ~~وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد " شيخ الصوفية: في هذا العصر أحببت أن أوصي ~~أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف ~~من المتقدمين والمتأخرين؛ فذكر أشياء من الوصية إلى أن قال فيها: وإن الله ~~استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل والاستواء معلوم والكيف مجهول؛ وإنه مستو ~~على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة ~~وإنه عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى ~~لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ~~ولا تأويل ومن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال. # PageV05P191 # وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في ~~كتاب " الرسالة في السنة " له: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق ~~سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة؛ لم ~~يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته. قال: وإمامنا أبو عبد ~~الله الشافعي احتج في كتابه " المبسوط " في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في ~~الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر {معاوية بن الحكم وأنه ~~أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة؛ وسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن إعتاقه إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا فقال لها: أين ربك؟ ~~فأشارت إلى السماء فقال: أعتقها فإنها مؤمنة} فحكم بإيمانها لما أقرت أن ~~ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وقال الحافظ أبو بكر ~~البيهقي: " باب القول في الاستواء ": قال الله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوى} {ثم استوى على العرش} {وهو القاهر ms1276 فوق عباده} {يخافون ربهم من ~~فوقهم} {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} {أأمنتم من في السماء} ~~وأراد من فوق السماء؛ كما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} بمعنى على جذوع ~~النخل. وقال {فسيحوا في الأرض} أي على الأرض وكل ما علا فهو سماء والعرش ~~أعلى السموات. فمعنى الآية أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات. ~~قال: # PageV05P192 # وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية: أن الله ~~بذاته في كل مكان وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم} إنما أراد بعلمه لا بذاته. ~~وقال أبو عمر بن عبد البر في " شرح الموطأ " لما تكلم على حديث النزول قال: ~~هذا حديث لم يختلف أهل الحديث في صحته وفيه دليل أن الله في السماء على ~~العرش من فوق سبع سموات؛ كما قالت الجماعة؛ وهو من حجتهم على المعتزلة قال: ~~وهذا أشهر عند الخاصة والعامة وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه ~~اضطرار لم يوقفهم عليه أحد؛ ولا أنكره عليهم مسلم. وقال أبو عمر أيضا: أجمع ~~علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: {ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} هو على العرش وعلمه في كل مكان؛ وما ~~خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف؛ إذ لم ينقل ~~عنهم غير ذلك؛ إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية؛ فنسأل الله العظيم أن يختم لنا بخير ولسائر المسلمين وأن لا يزيغ ~~قلوبنا بعد إذ هدانا؛ بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين والحمد لله وحده. # PageV05P193 # سئل شيخ الإسلام ركن الشريعة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية " - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # عن قول الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا} هل الاستواء والنزول حقيقة أم لا؟ وما ~~معنى كونه حقيقة؟ وهل الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له كما ms1277 يقوله ~~الأصوليون أم لا؟ وما يلزم من كون آيات الصفات حقيقة؟ . # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، القول في الاستواء والنزول كالقول في سائر ~~الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله تعالى " سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات " سما نفسه: حيا ~~عليما حكيما قديرا سميعا بصيرا غفورا رحيما إلى سائر أسمائه الحسنى. قال ~~الله تعالى: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} وقال: {ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض} # PageV05P194 # وقال: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقال: {والسماء بنيناها بأيد} ~~أي بقوة وقال: {ورحمتي وسعت كل شيء} . وقال عن ملائكته: {ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما} وقال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {ورضوان من الله أكبر} ~~وقال: {وغضب الله عليهم ولعنهم} وقال: {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا} وقال تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} وقال: {منهم من كلم الله} ~~وقال: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} وقال: {إنني معكما أسمع وأرى} وقال: ~~{وكان الله سميعا بصيرا} وقال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وقال ~~تعالى: {يحبهم ويحبونه} وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ~~من الغمام والملائكة} وقال تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} . وأمثال ذلك؛ ~~فالقول في بعض هذه الصفات كالقول في بعض. ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف ~~الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ~~ولا تعطيل؛ ولا تكييف ولا تمثيل. فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف ~~بها نفسه؛ ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين؛ بل هو سبحانه {ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير} ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. # PageV05P195 # وقال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف ~~الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيها. ومذهب السلف ms1278 ~~بين مذهبين وهدى بين ضلالتين: إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} رد على أهل التشبيه والتمثيل. وقوله: {وهو السميع ~~البصير} - رد على أهل النفي والتعطيل فالممثل أعشى والمعطل أعمى: الممثل ~~يعبد صنما والمعطل يعبد عدما. وقد اتفق جميع أهل الإثبات على أن الله حي ~~حقيقة عليم حقيقة قدير حقيقة سميع حقيقة بصير حقيقة مريد حقيقة متكلم ~~حقيقة؛ حتى المعتزلة النفاة للصفات قالوا: إن الله متكلم حقيقة؛ كما قالوا ~~- مع سائر المسلمين - إن الله عليم حقيقة قدير حقيقة؛ بل ذهب طائفة منهم ~~كأبي العباس الناشي إلى أن هذه الأسماء حقيقة لله مجاز للخلق. وأما جمهور ~~المعتزلة مع المتكلمة الصفاتية - من الأشعرية الكلابية والكرامية والسالمية ~~وأتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل ~~الحديث والصوفية - فإنهم يقولون: إن هذه الأسماء حقيقة للخالق سبحانه ~~وتعالى؛ وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة أيضا. ويقولون: إن له علما حقيقة ~~وقدرة حقيقة وسمعا حقيقة وبصرا حقيقة. # PageV05P196 # وإنما ينكر أن تكون هذه الأسماء حقيقة النفاة من القرامطة الإسماعيلية ~~الباطنية ونحوهم من المتفلسفة الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى ويقولون: ~~ليس بحي ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا موجود ولا معدوم؛ فهؤلاء ~~ومن ضاهاهم ينفون أن تكون له حقيقة ثم يقول بعضهم: إن هذه الأسماء لبعض ~~المخلوقات وأنها ليست له حقيقة ولا مجازا. وهؤلاء الذين يسميهم المسلمون ~~الملاحدة؛ لأنهم ألحدوا في أسماء الله وآياته وقد قال الله تعالى: {ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون} وقال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} وهؤلاء شر ~~من المشركين الذين أخبر الله عنهم بقوله: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} وقال تعالى: {كذلك ~~أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم ~~يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} . فإن ~~أولئك المشركين إنما أنكروا اسم ms1279 الرحمن فقط وهم لا ينكرون أسماء الله ~~وصفاته؛ ولهذا كانوا عند المسلمين أكفر من اليهود والنصارى. ولو كانت أسماء ~~الله وصفاته مجازا يصح نفيها عند الإطلاق؛ لكان يجوز أن الله ليس بحي ولا ~~عليم ولا قدير ولا سميع ولا بصير ولا يحبهم ولا يحبونه ولا استوى على ~~العرش؛ ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي ~~على ما أثبته # PageV05P197 # الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات؛ بل هذا جحد للخالق وتمثيل له ~~بالمعدومات وقد قال أبو عمر بن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار ~~بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا ~~على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك. ولا يحدون فيه صفة محصورة ~~وأما " أهل البدع " من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونها ~~على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ~~لا مثبتون. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة وهم وأئمة ~~الجماعة. وهذا الذي حكاه ابن عبد البر عن المعتزلة ونحوهم هو في بعض ما ~~ينفونه من الصفات وأما فيما يثبتونه من الأسماء والصفات كالحي والعليم ~~والقدير والمتكلم فهم يقولون: إن ذلك حقيقة ومن أنكر أن يكون شيء من هذه ~~الأسماء والصفات حقيقة إنما أنكره لجهله مسمى الحقيقة أو لكفره وتعطيله لما ~~يستحقه رب العالمين وذلك أنه قد يظن أن إطلاق ذلك يقتضي أن يكون المخلوق ~~مماثلا للخالق فيقال له: هذا باطل؛ فإن الله موجود حقيقة والعبد موجود ~~حقيقة؛ وليس هذا مثل هذا والله تعالى له ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة ~~وليس ذاته كذوات المخلوقات. وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة وللعبد علم وسمع ~~وبصر حقيقة؛ وليس # PageV05P198 # علمه وسمعه وبصره مثل علم الله وسمعه وبصره ولله كلام حقيقة وللعبد كلام ~~حقيقة؛ وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين. ولله تعالى استواء على عرشه ~~حقيقة وللعبد استواء على الفلك حقيقة؛ وليس استواء الخالق كاستواء ~~المخلوقين؛ فإن الله لا يفتقر إلى ms1280 شيء ولا يحتاج إلى شيء بل هو الغني عن كل ~~شيء. والله تعالى يحمل العرش وحملته بقدرته ويمسك السموات والأرض أن تزولا. ~~فمن ظن أن قول الأئمة: إن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي أن يكون استواؤه ~~مثل استواء العبد على الفلك والأنعام لزمه أن يكون قولهم: إن الله له علم ~~حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة وكلام حقيقة يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره ~~وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم. # PageV05P199 # فصل: # وأما قول السائل: ما معنى كون ذلك حقيقة؟ " فالحقيقة " هو اللفظ المستعمل ~~فيما وضع له وقد يراد بها المعنى الموضوع للفظ الذي يستعمل اللفظ فيه. ~~فالحقيقة أو المجاز هي من عوارض الألفاظ في اصطلاح أهل الأصول وقد يجعلونه ~~من عوارض المعاني لكن الأول أشهر وهذه الأسماء والصفات لم توضع لخصائص ~~المخلوقين عند الإطلاق ولا عند الإضافة إلى الله تعالى ولكن عند الإضافة ~~إليهم. فاسم العلم يستعمل مطلقا ويستعمل مضافا إلى العبد كقوله: {شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط} ويستعمل مضافا إلى ~~الله كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} فإذا أضيف العلم إلى ~~المخلوق لم يصلح أن يدخل فيه علم الخالق سبحانه ولم يكن علم المخلوق كعلم ~~الخالق وإذا أضيف إلى الخالق كقوله: {أنزله بعلمه} لم يصلح أن يدخل فيه علم ~~المخلوقين ولم يكن علمه كعلمهم. وإذا قيل: العلم مطلقا أمكن تقسيمه فيقال: ~~العلم ينقسم إلى العلم القديم والعلم المحدث؛ فلفظ العلم عام فيهما متناول ~~لهما بطريق الحقيقة وكذلك إذا # PageV05P200 # قيل: الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن؛ وكذلك إذا قيل في ~~الاستواء: ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق؛ وكذلك إذا قيل: ~~الإرادة والرحمة والهبة تنقسم إلى إرادة الله ومحبته ورحمته وإرادة العبد ~~ومحبته ورحمته. فمن ظن أن " الحقيقة " إنما تتناول صفة العبد المخلوقة ~~المحدثة دون صفة الخالق كان في غاية الجهل؛ فإن صفة الله أكمل وأتم وأحق ~~بهذه الأسماء الحسنى فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب كما لا نسبة ms1281 بين ~~ذاته وذاته فكيف يكون العبد مستحقا للأسماء الحسنى حقيقة: فيستحق أن يقال ~~له: عالم قادر سميع بصير؛ والرب لا يستحق ذلك إلا مجازا ومعلوم أن كل كمال ~~حصل للمخلوق فهو من الرب سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى؛ فكل كمال حصل ~~للمخلوق فالخالق أحق به؛ وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه ~~عنه؛ ولهذا كان الله " المثل الأعلى " فإنه لا يقاس بخلقه ولا يمثل بهم ولا ~~تضرب له الأمثال. فلا يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل بمثل؛ ولا في قياس ~~شمول تستوي أفراده بل {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} . ومن الناس ~~من يسمي هذه الأسماء " المشككة " لكون المعنى في أحد المحلين أكمل منه في ~~الآخر فإن الوجود بالواجب أحق منه بالممكن والبياض بالثلج أحق منه بالعاج ~~وأسماؤه وصفاته من هذا الباب؛ فإن الله تعالى يوصف بها على # PageV05P201 # وجه لا يماثل أحدا من المخلوقين وإن كان بين كل قسمين قدرا مشتركا وذلك ~~القدر المشترك هو مسمى اللفظ عند الإطلاق فإذا قيد بأحد المحلين تقيد به. ~~فإذا قيل: وجود وماهية وذات كان هذا الاسم متناولا للخالق والمخلوق وإن كان ~~الخالق أحق به من المخلوق وهو حقيقة فيهما. فإذا قيل: وجود الله وماهيته ~~وذاته اختص هذا بالله؛ ولم يبق للمخلوق دخول في هذا المسمى وكان حقيقة لله ~~وحده. وكذلك إذا قيل وجود المخلوق وذاته اختص ذلك بالمخلوق وكان حقيقة ~~للمخلوق. فإذا قيل: وجود العبد وماهيته وحقيقته لم يدخل الخالق في هذا ~~المسمى وكان حقيقة للمخلوق وحده. والجاهل يظن أن اسم الحقيقة إنما يتناول ~~المخلوق وحده وهذا ضلال معلوم الفساد بالضرورة في " العقول " و " الشرائع " ~~و " اللغات " فإنه من المعلوم بالضرورة أن بين كل موجودين قدرا مشتركا ~~وقدرا مميزا والدال على ما به الاشتراك وحده لا يستلزم ما به الامتياز ~~ومعلوم بالضرورة من دين المسلمين أن الله مستحق للأسماء الحسنى وقد سمى بعض ~~عباده ببعض تلك الأسماء كما سمى العبد سميعا بصيرا وحيا وعليما وحكيما ~~ورءوفا رحيما وملكا وعزيزا ومؤمنا وكريما ms1282 وغير ذلك. مع العلم بأن الاتفاق ~~في الاسم لا يوجب مماثلة الخالق بالمخلوق وإنما يوجب الدلالة على أن بين ~~المسميين قدرا مشتركا فقط؛ مع أن المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع. # PageV05P202 # وأما " اللغات " فإن جميع أهل اللغات - من العرب والروم والفرس والترك ~~والبربر وغيرهم - يقع مثل هذا في لغاتهم وهو حقيقة في لغات جميع الأمم؛ بل ~~يعلمون أن الله أحق بأن يكون قادرا فاعلا من العبد؛ وأن استحقاق اسم الرب ~~القادر له حقيقة أعظم من استحقاق العبد لذلك وكذلك غيره من الأسماء الحسنى. # وقول الناس: إن بين المسميين قدرا مشتركا لا يريدون بأن يكون في الخارج ~~عن الأذهان أمرا مشتركا بين الخالق والمخلوق؛ فإنه ليس بين مخلوق ومخلوق في ~~الخارج شيء مشترك بينهما فكيف بين الخالق والمخلوق؛ وإنما توهم هذا من ~~توهمه من أهل " المنطق اليوناني " ومن اتبعهم حتى ظنوا أن في الخارج ماهيات ~~مطلقة مشتركة بين الأعيان المحسوسة ثم منهم من يجردها عن الأعيان كأفلاطون؛ ~~ومنهم من يقول: لا تنفك عن الأعيان: كأرسطو وابن سينا وأشباههما. وقد بسطنا ~~الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينا ما دخل على من اتبعهم من الضلال في ~~هذا الموضع في " المنطق والإلهيات " حتى إن طوائف من النظار قالوا: إنا إذا ~~قلنا: إن وجود الرب عين ماهيته - كما هو قول أهل الإثبات ومتكلمة أهل ~~الصفات: كابن كلاب والأشعري وغيرهما - يلزم من ذلك أن يكون لفظ " الوجود " ~~مقولا عليهما بالاشتراك اللفظي كما ذكره أبو عبد الله الرازي عن الأشعري ~~وأبي الحسين البصري وغيرهم؛ وليس هذا مذهبهم؛ # PageV05P203 # بل مذهبهم: أن لفظ " الوجود " مقول بالتواطؤ وأنه ينقسم إلى قديم ومحدث ~~مع قولهم: إن وجود الرب عين ماهيته؛ فإن لفظ الوجود عندهم كلفظ الماهية. ~~وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة وماهية الرب عين ذاته فكذلك ~~الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ووجود الرب عين ذاته ووجود العبد عين ذاته ~~وذات الشيء هي ماهيته. فاللفظ من الألفاظ المتواطئة ولكن بالإضافة يخص أحد ~~المسميين والمسميان إذا اشتركا في ms1283 مسمى الوجود والذات والماهية لم يكن ~~بينهما في الخارج أمر مشترك يكون زائدا على خصوصية كل واحد كما يظنه أرسطو ~~وابن سينا والرازي وأمثالهم؛ بل ليس في الخارج وجود مطلق ولا ماهية مطلقة ~~ولا ذات مطلقة. أما المطلق بشرط الإطلاق فقد اتفق هؤلاء وغيرهم على أنه ليس ~~بموجود في الخارج وأن على تقدير ثبوته عن أفلاطون وأتباعه هو قول باطل ~~ضرورة. وأما المطلق لا بشرط فقد يظن أنه في الخارج وأنه جزء من المعين وهذا ~~غلط؛ بل ليس في الخارج إلا المعينات وليس في الخارج مطلق يكون جزء معين لكن ~~هؤلاء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف؛ بناء على أن # PageV05P204 # الموصوف مركب من تلك الصفات التي يسمونها الأجزاء الذاتية. كما يقولون: ~~الإنسان مركب من الحيوان والناطق؛ أو من الحيوانية والناطقية؛ وهذا التركيب ~~تركيب ذهني؛ فالماهية المركبة في الذهن مركبة من هذه الأمور وهي أجزاء تلك ~~الماهية. وأما الحقيقة الموجودة في الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات؛ ولكن ~~كثيرا من هؤلاء اشتبه عليه الوجود الذهني بالخارجي وهذا الغلط وقع كثيرا في ~~أقوال المتفلسفة؛ فأوائلهم كأصحاب فيثاغورس كانوا يقولون بوجود أعداد مجردة ~~عن المعدودات في الخارج؛ وأصحاب أفلاطون يقولون: بوجود المثل الأفلاطونية ~~وهي الحقائق المطلقة عن المعينات في الخارج. وهذه الحقائق مقارنة للمعينات ~~في الخارج كما أثبتوا جواهر عقلية؛ وهي المجردات: كالمادة والهيولى؛ ~~والعقول والنفوس على قول بعضهم. ومن هذا الباب تفريقهم بين الصفات الذاتية ~~المتقدمة للماهية التي تتركب منها الأنواع ويسمونها الأجناس والفصول؛ وبين ~~الصفات العارضة اللازمة للماهية التي يسمونها خواصا وأعراضا عامة؛ وهذه ~~الخمسة هي الكليات وهي الجنس والفصل والنوع والعرض العام والخاصة وقد وقع ~~بسبب ذلك من الغلط في " منطقهم " وفي " الإلهيات " ما ضل به كثير من الخلق؛ ~~وقد نبهنا على ذلك في غير هذا الموضع بما لا يتسع له هذا الموضع؛ ولهذا كان ~~لفظ المركب # PageV05P205 # عندهم يقال على خمسة معان: على المركب من الوجود والماهية والمركب من ~~الذات والصفات والمركب من الخاص والعام والمركب من المادة والصورة ~~والقائلون ms1284 بالجوهر الفرد يثبتون التركيب من الجواهر المفردة. والمحققون من ~~أهل العلم يعلمون أن تسمية مثل هذه المعاني تركيبا أمر اصطلاحي وهو إما أمر ~~ذهني لا وجود له في الخارج وإما أن يعود إلى صفات متعددة قائمة بالموصوف ~~وهذا حق. فإن مذهب أهل السنة والجماعة: إثبات الصفات لله تعالى؛ بل صفات ~~الكمال لازمة لذاته يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له؛ بل يمتنع ~~تحقق ذات من الذوات عرية عن جميع الصفات وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع. ~~والمقصود هنا: أنه إذا قيل هذا إنسان فالمشار إليه بهذا المسمى بإنسان؛ ~~وليس الإنسان المطلق جزءا من هذا وليس الإنسان هنا إلا مقيدا وإنما يوجد ~~مطلقا في الذهن؛ لا في الخارج. وإذا قيل هذا في الإنسانية فالمعنى أن ~~بينهما تشابها فيها؛ لا أن هناك شيئا موجودا في الأعيان يشتركان فيه. ~~فليتدبر اللبيب هذا فإنه يحل شبهات كثيرة ومن فهم هذا الموضع تبين له غلط ~~من جعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي لا المعنوي وغلط من جعل أسماء ~~الله تعالى أعلاما محضة لا تدل على معان ومن زعم أن في الخارج # PageV05P206 # حقائق مطلقة يشترك فيها الأعيان وعلم أن ما يستحق الرب لنفسه لا يشركه ~~فيه غيره بوجه من الوجوه ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات. ~~وأما المخلوق فقد يماثله غيره في صفاته لكن لا يشركه في غير ما يستحقه منها ~~والأسماء المتواطئة المقولة على هذا وهذا حقيقة في هذا وهذا. فإذا كانت ~~عامة لهما تناولتهما وإن كانت مطلقة لم يمنع تصورهما من اشتراكهما فيها وإن ~~كانت مقيدة اختصت بمحلها. فإذا قال: وجود الله وذات الله وعلم الله وقدرة ~~الله وسمع الله وبصر الله وإرادة الله. وكلام الله؛ ورحمة الله وغضب الله ~~واستواء الله ونزول الله ومحبة الله؛ وإرادة الله ونحو ذلك كانت هذه ~~الأسماء كلها حقيقة لله تعالى من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات ومن ~~غير أن يماثله فيها شيء من المخلوقات. وإذا قال: وجود العبد وذاته وماهيته ms1285 ~~وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستواؤه؛ ونزوله: كان هذا حقيقة للعبد ~~مختصة به من غير أن تماثل صفات الله تعالى. بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن ~~في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه كما أخبر ~~أن فيها لبنا؛ وعسلا وخمرا ولحما؛ وحريرا وذهبا وفضة وحورا وقصورا ونحو ذلك ~~وقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. # PageV05P207 # فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا ~~وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه والاسم يتناولها حقيقة. ومعلوم أن ~~الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى ~~من أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته؟ وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة وهل يكون أحق ~~بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض مع أن مباينته ~~للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق. والجاهل يضل بقول المتكلمين: إن العرب ~~وضعوا لفظ الاستواء لاستواء الإنسان على المنزل أو الفلك أو استواء السفينة ~~على الجودي ونحو ذلك من استواء بعض المخلوقات فهذا كما يقول القائل: إنما ~~وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لما يكون محله حدقة وأجفانا وأصمخة وأذنا ~~وشفتين وهذا ضلال في الشرع وكذب وإنما وضعوا لفظ الرحمة والعلم والإرادة ~~لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد وهذا كله جهل منه. فإن العرب إنما وضعت ~~للإنسان ما أضافته إليه فإذا قالت: سمع العبد وبصره وكلامه وعلمه وإرادته ~~ورحمته فما يخص به يتناول ذلك خصائص العبد. وإذا قيل: سمع الله وبصره ~~وكلامه وعلمه وإرادته ورحمته كان هذا متناولا لما يخص به الرب لا يدخل في ~~ذلك شيء من خصائص المخلوقين فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول ~~شيئا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله كان جاهلا جدا بدلالات ~~اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز. # PageV05P208 # وهؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق: ثم ~~ينفون ذلك ويعطلونه فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق وينفون مضمون ~~ذلك ms1286 ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته وألحدوا في أسماء ~~الله وآياته وخرجوا عن القياس العقلي والنص الشرعي فلا يبقى بأيديهم لا ~~معقول صريح ولا منقول صحيح ثم لا بد لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل الإثبات ~~من الأسماء والصفات فإذا أثبتوا البعض ونفوا البعض قيل لهم: ما الفرق بين ~~مما أثبتموه ونفيتموه؟ ولم كان هذا حقيقة ولم يكن هذا حقيقة؟ لم يكن لهم ~~جواب أصلا وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعا وقدرا. وقد تدبرت كلام عامة من ~~ينفي شيئا مما أثبته الرسل من الأسماء والصفات فوجدتهم كلهم متناقضين؛ ~~فإنهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافي لما أثبتوه؛ فيلزمهم إما ~~إثبات الأمرين وإما نفيهما؛ فإذا نفوهما فلا بد لهم أن يقولوا بالواجب ~~الوجود وعدمه جميعا وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة الغلاة من القرامطة ~~وغلاة المتفلسفة؛ فإنهم إذا أخذوا ينفون النقيضين جميعا؛ فالنقيضان كما ~~أنهما لا يجتمعان؛ فلا يرتفعان. ومن جهة إن ما يسلبون عنه النقيضين لا بد ~~أن يتصوروه وأن يعبروا عنه؛ فإن التصديق مسبوق بالتصور ومتى تصوروه وعبروا ~~عنه كقولهم الثابت والواجب أو أي شيء قالوه لزمهم فيه من إثبات القدر ~~المشترك نظير ما يلزمهم فيما نفوه # PageV05P209 # ولا يمكن أن يتصور شيء من ذلك مع قولهم: أسماء الله مقولة بالاشتراك ~~اللفظي فقط. فإن المشتركين اشتراكا لفظيا لا معنويا كلفظ المشترى المقول ~~على الكوكب والمبتاع وسهيل المقول على الكوكب وعلى ابن عمرو فإنه إذا سمع ~~المستمع قائلا يقول له: جاءني سهيل بن عمرو وهذا هو المشتري لهذه السلعة لم ~~يفهم من هذا اللفظ كوكبا أصلا إلا أن يعرف أن اللفظ موضوع له فإذا لم تكن ~~أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا إلا أن يعرفوا ما يخص ~~ذاته وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته فلم يعرفوا شيئا. # ثم إن العلم بانقسام الوجود إلى قديم ومحدث وأمثال ذلك علم ضروري فالقادح ~~سوفسطائي. وكذلك العلم بأن بين الاسمين قدرا مشتركا علم ضروري. وإذا قيل: ~~إن اللفظ ms1287 حقيقة فيهما لم يحتج ذلك إلى أن يكون أهل اللغة قد تكلموا باللفظ ~~مطلقا فعبروا عن المعنى المطلق المشترك؛ فإن المعاني التي لا تكون إلا ~~مضافة إلى غيرها: كالحياة والعلم والقدرة والاستواء؛ بل واليد وغير ذلك مما ~~لا يكون إلا صفة قائمة بغيره أو جسما قائما بغيره بحيث لا يوجد في الخارج ~~مجردا عن محله. ولكن أهل النظر لما أرادوا تجريد المعاني الكلية المطلقة ~~عبروا عنها بالألفاظ الكلية المطلقة وأهل اللغة في ابتداء خطابهم يقولون - ~~مثلا -: جاء زيد وهذا وجه زيد؛ ويشيرون إلى ما قام به من المجيء والوجه ~~فيفهم المخاطب ذلك. # PageV05P210 # ثم يقولون تارة أخرى: جاء عمرو ورأيت وجه عمرو وجاء الفرس ورأيت وجه ~~الفرس فيفهم المستمع أن بين هذه قدرا مشتركا وقدرا مميزا وأن لعمرو مجيئا ~~ووجها نسبته إليه كنسبة مجيء زيد ووجهه إليه فإذا علم أن عمرا مثل زيد علم ~~أن مجيئه مثل مجيئه ووجهه مثل وجهه وإن علم أن الفرس ليست مثل زيد بل ~~تشابهه من بعض الوجوه علم أن مجيئها ووجهها ليس مجيء زيد ووجهه بل تشبهه في ~~بعض الوجوه. وكذلك إذا قيل: جاءت الملائكة ورأت الأنبياء وجوه الملائكة علم ~~أن للملائكة مجيئا ووجوها نسبتها إليها كنسبة مجيء الإنسان ووجهه إليه ثم ~~معرفته بحقيقة ذلك تبع معرفته بحقيقة الملائكة؛ فإن كان لا يعرف الملائكة: ~~إلا من جهة الجملة ولا يتصور كيفيتهم كان ذلك في مجيئهم ووجوههم لا يعرفها ~~إلا من حيث الجملة ولا يتصور كيفيتها. وكذلك إذا قيل: جاءت الجن فاللفظ في ~~جميع هذه المواضع يدل على معانيها بطريق الحقيقة بل إذا قيل: حقيقة الملك ~~وماهيته ليست مثل حقيقة الجني وماهيته كان لفظ الحقيقة والماهية مستعملا ~~فيهما على سبيل الحقيقة وكان من الأسماء المتواطئة مع أن المسميات قد صرح ~~فيها بنفي التماثل. وكذلك إذا قيل خمر الدنيا ليس كمثل خمر الآخرة ولا ~~ذهبها مثل ذهبها ولا لبنها مثل لبنها ولا # PageV05P211 # عسلها مثل عسلها كان قد صرح في ذلك بنفي التماثل مع أن الاسم مستعمل فيها ms1288 ~~على سبيل الحقيقة. ونظائر هذا كثيرة؛ فإنه لو قال القائل: هذا المخلوق ما ~~هو مثل هذا المخلوق وهذا الحيوان الذي هو الناطق ليس مثل الحيوان الذي هو ~~الصامت أو هذا اللون الذي هو الأبيض ليس مثل الأسود أو الموجود الذي هو ~~الخالق ليس هو مثل الموجود الذي هو المخلوق ونحو ذلك كانت هذه الأسماء ~~مستعملة على سبيل الحقيقة في المسميين الذين صرح بنفي التماثل بينهما ~~فالأسماء المتواطئة إنما تقتضي أن يكون بين المسميين قدرا مشتركا وإن كان ~~المسميان مختلفين أو متضادين. # فمن ظن أن أسماء الله تعالى وصفاته إذا كانت حقيقة لزم أن يكون مماثلا ~~للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم كان من أجهل الناس وكان أول كلامه ~~سفسطة وآخره زندقة لأنه يقتضي نفي جميع أسماء الله تعالى وصفاته وهذا هو ~~غاية الزندقة والإلحاد. ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة ~~والمجاز: كان متناقضا في قوله متهافتا في مذهبه مشابها لمن آمن ببعض الكتاب ~~وكفر ببعض. وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف ~~والأئمة # PageV05P212 # في غاية الاستقامة والسداد والصحة والاطراد وأنه مقتضى المعقول الصريح ~~والمنقول الصحيح وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من ~~أفك خارجا عن موجب العقل والسمع مخالفا للفطرة والسمع والله يتم نعمته ~~علينا وعلى سائر إخواننا المسلمين المؤمنين ويجمع لنا ولهم خير الدنيا ~~والآخرة. وهذا لا تعلق له بصفات الله تعالى قال بعضهم: قد قال الله تعالى: ~~{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} فقد ذم الله من اتخذ إلها جسدا؛ و " الجسد " هو ~~الجسم؛ فيكون الله قد ذم من اتخذ إلها هو جسم. وإثبات هذه الصفات يستلزم أن ~~يكون جسما وهذا منتف بهذا الدليل الشرعي. فهذا خلاصة ما يقوله من يزعم أنه ~~يعتمد في ذلك على الشرع فيقال له: هذا باطل من وجوه: (أحدها أن هذا إذا دل ~~إنما يدل على نفي أن ms1289 يكون جسدا؛ لا على نفي أن يكون جسما والجسم في اصطلاح ~~هؤلاء - نفاة الصفات - أعم من الجسد. فإن الجسم ينقسم عندهم إلى كثيف ~~ولطيف؛ بخلاف الجسد. فإن أردت بقولك الجسم اللغوي - وهو الذي قال أهل اللغة ~~إنه هو # PageV05P213 # الجسد - قيل لك: لا يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون جسدا وهو ~~الجسم اللغوي. فإنا نعلم بالضرورة أن الهواء يعلو على الأرض وليس هو بجسد؛ ~~والجسد هو الجسم اللغوي. فقول القائل: لو كان مستويا على العرش لكان جسما. ~~والجسم هو الجسد والجسد منتف بالشرع: كلام ملبس. فإنه إن عنى بالجسم الجسد: ~~كانت المقدمة الأولى ممنوعة؛ فإن عاقلا لا يقول إنه لو كان فوق العرش لكان ~~جسدا؛ ولا يقول عاقل إنه لو كان له علم وقدرة: لكان جسدا ولا يقول عاقل: ~~إنه لو كان يرى ويتكلم لكان جسدا وبدنا. فإن الملائكة لهم علم وقدرة وترى ~~وتتكلم وكذلك الجن وكذلك الهواء يعلو على غيره وليس بجسد. وإن عنى بالجسم ~~ما يعنيه أهل الكلام؛ من أنه الذي يشار إليه وجعلوا كل ما يشار إليه جسما ~~وكل ما يرى جسما أو كل ما يمكن أنه يرى أو يوصف بالصفات فهو جسم أو كل ما ~~يعلو على غيره ويكون فوقه فهو جسم. فيقال له: فالجسد والجسم بهذا التفسير ~~الكلامي ليس هو جسدا في لغة العرب؛ بل هو منقسم إلى غليظ ورقيق إلى ما هو ~~جسد وإلى ما ليس بجسد. # PageV05P214 # ولذا يقول الفقهاء: النجاسة إن كانت متجسدة كالميتة فحكمها كذا وإن كانت ~~غير متجسدة كالبول فحكمها كذا. وإذا قدر أن الدليل على أنه ليس بجسد لم ~~يلزم أن لا يكون جسما بهذا الاصطلاح؛ لأن الجسم أعم عندهم من الجسد ولا ~~يلزم من نفي الخاص نفي العام؛ كما إذا قلت ليس هو بإنسان فإنه لا يلزم أنه ~~ليس بحيوان. فلفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعناه في عرف أهل ~~الكلام؛ فإذا كان معناه في اللغة هو معنى الجسد - وهذا منتف بما ذكر من ~~الدليل - بطل ms1290 قول من نفى الاستواء بالذات؛ أو غيره من الصفات. بأنه لو كان ~~موصوفا بذلك: لكان جسما فإن التلازم حينئذ منتف فإحدى المقدمتين باطلة؛ إما ~~الأولى وإما الثانية. ونظير هذا أن يقول: لو كان له علم وقدرة لكان محلا ~~للأعراض وما كان محلا للأعراض فهو محل الآفات والعيوب فلا يكون قدوسا ولا ~~سلاما لأن أهل اللغة قالوا: العرض بالتحريك ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه ~~فلو جاز أن تقوم به هذه لكان تعالى وتقدس معيبا ناقصا وهو سبحانه مقدس عن ~~ذلك؛ إذ هو السلام القدوس. فيقال: لفظ العرض مشترك بين ما ذكر من معناه في ~~اللغة وبين معناه في عرف أهل الكلام فإن معناه - عند من يسمي العلم والقدرة # PageV05P215 # مطلقا عرضا - ما قام بغيره كالحياة والعلم والقدرة والحركة. والسكون ونحو ~~ذلك. وآخرون يقولون: هو ما لا يبقى زمانين. ويقولون: إن صفات الخالق باقية ~~بخلاف ما يقوم بالمخلوقات من الصفات؛ فإنها لا تبقى زمانين. والمقصود هنا: ~~أنه إذا قال لو قام به العلم والقدرة لكان عرضا وما قام به العرض قامت به ~~الآفات كلام فيه تلبيس؛ فإن إحدى المقدمتين باطلة. فإن لفظ العرض إن فسر ~~بالصفة فالمقدمة الثانية باطلة؛ وإن فسر بما يعرض للإنسان من المرض ونحوه ~~فالمقدمة الأولى باطلة. ونظير ذلك أن يقول: لو كان قد استوى على العرش لكان ~~قد أحدث حدثا وقامت به الحوادث؛ لأن الاستواء فعل حادث - كان بعد أن لم يكن ~~- فلو قام به الاستواء لقامت به الحوادث ومن قامت به الحوادث فقد أحدث حدثا ~~والله تعالى منزه عن ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم {لعن الله من أحدث ~~حدثا أو آوى محدثا} ولقوله: {وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} . ~~فإنه يقال له: الحادث في اللغة ما كان بعد أن لم يكن والله تعالى يفعل ما ~~يشاء؛ فما من فعل يفعله إلا وقد حدث بعد أن لم يكن. # PageV05P216 # وأما المحدثات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فهي المحدثات في ~~الدين وهو أن يحدث الرجل ms1291 بدعة في الدين لم يشرعها الله والإحداث في الدين ~~مذموم من العباد والله يحدث ما يشاء لا معقب لحكمه. فاللفظ المشتبه المجمل ~~إذا خص في الاستدلال وقع فيه الضلال والإضلال. وقد قيل إن أكثر اختلاف ~~العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. # الوجه الثاني: في بيان بطلان ما ذكر من الاستدلال أن يقال: إن الله ~~سبحانه منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات: لا أجساد الآدميين ولا ~~أرواحهم ولا غير ذلك من المخلوقات؛ فإنه لو كان من جنس شيء من ذلك بحيث ~~تكون حقيقته كحقيقته للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر ويجب له ~~ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم أن يكون ~~القديم الواجب الوجود بنفسه؛ غير قديم واجب الوجود بنفسه وأن يكون المخلوق ~~الذي يمتنع غناه غنيا يمتنع افتقاره إلى الخالق؛ وأمثال ذلك من الأمور ~~المتناقضة والله تعالى نزه نفسه أن يكون له كفؤ أو مثل أو سمي أو ند. # فهذه الأدلة الشرعية والعقلية يعلم بها تنزه الله تعالى أن يكون من جنس ~~أجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات؛ لكن المستدل على ذلك بقوله: # PageV05P217 # {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار} استدل بحجة ضعيفة ~~فإن " الجسد " وإن كان قد قال الجوهري وغيره: إن الجسد هو البدن يقال منه ~~تجسد كما يقال: من الجسم تجسم والجسد أيضا الزعفران ونحوه من الصبغ وهو ~~الدم أيضا. كما قال النابغة: # وما أريق على الأصنام من جسد # فليس المراد بالجسد في القرآن لا هذا ولا هذا فليس المراد من العجل أن له ~~بدنا مثل بدن الآدميين ولا بدنا كأبدان البقر فإن العجل لم يكن كذلك والعرب ~~تقول جسد به الدم يجسد جسدا إذا لصق به فهو جاسد وجسد. قال الشاعر: # ساعد به جسد مورس ... من الدماء مائع ويبس # والجسد الأحمر والجسد ما أشبع صبغه من الثياب؛ لكمال ما لصق به من الصبغ ~~فاللفظ فيه معنى التكاثف والتلاصق؛ ولهذا يقول الفقهاء نجاسة متجسدة ms1292 وغير ~~متجسدة وهو في القرآن يراد به الجسد المصمت المتلاصق المتكاثف أو الذي لا ~~حياة فيه. وقد ذكر الله تعالى لفظة الجسد في أربعة مواضع. فقال تعالى: {وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} وقال تعالى: # PageV05P218 # {وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} وقال: {واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار} وقال تعالى: {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار} كأنه ~~عجل مصمت لا جوف له. وقد يقال: إنه لا حياة فيه خار خورة. ولم يقل عجلا له ~~جسد له بدن له جسم؛ لأنه من المعلوم أن كل عجل له جسد هو بدنه وهو جسمه ~~والعجل المعروف جسد فيه روح. والمقصود: أن ما أخرجه كان جسدا مصمتا لا روح ~~فيه حتى تبين نقصه وأنه كان مسلوب الحياة والحركة. وقد روي: أنه إنما خار ~~خورة واحدة وقد يقال: إن أريد بالجسد المصمت أو الغليظ ونحوه فلم قيل إن ~~ذلك ذكر لبيان نقصه من هذا الوجه؛ بل من هذا الوجه ضلوا به وإنما كان النقص ~~من جهة {أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} وقد يقال: إذا كان لا حياة فيه ~~فالنقص كان فيه من جهة عدم الحياة وغيرها من صفات الكمال؛ لا من جهة كونه ~~له بدن أو ليس له بدن؛ فالآدمي له بدن. ولو أخرج لهم عجلا كسائر العجول أو ~~آدميا كاملا أو فرسا حيا أو جملا أو غير ذلك من الحيوان: لكان أيضا له بدن ~~ولكن ذلك أعجوبة عظيمة وكانت الفتنة به أشد؛ ولكن الله سبحانه بين أن ~~المخرج كان موصوفا بصفات النقص يحقق ذلك. # PageV05P219 # الوجه الثالث: وهو أنه سبحانه قال: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم ~~سبيلا} فلم يذكر فيما عابه به كونه ذا جسد؛ ولكن ذكر فيما عابه به {أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك. ~~فعلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبا ~~ونقصا وهذه الحجة نظير ms1293 احتجاجهم بالأفول فإنهم غيروا معناه في اللغة وجعلوه ~~الحركة فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب العالمين ولو كان كما ~~ذكروه: لكان حجة عليهم لا لهم. (الوجه الرابع) : أن الله تعالى وصفه بكونه ~~عجلا جسدا له خوار ثم قال: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} وقال ~~في السورة الأخرى: {فكذلك ألقى السامري} {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ~~فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا} فلم يقتصر في وصفه على مجرد كونه جسدا. بل وصفه بأن له ~~خوارا وبين أنه لا يكلمهم ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. فالموجب لنقصه إما أن ~~يكون مجموع الصفات أو بعضها أو كل واحد منها؛ فإن كان المجموع لم يدل على ~~أن نقصها واحدة نقص وإن كان بعضها فليس كونه جسدا بأولى من كونه له خوار. ~~وليس هذا وهذا بأولى من كونه مسلوب # PageV05P220 # التكلم والقدرة على النفع والضر وإن كان كل منهما؛ فمعلوم أنهم إنما ضلوا ~~بخواره ونحو ذلك. والله تعالى إنما احتج عليهم بعدم التكلم والقدرة على ~~النفع والضر. (الوجه الخامس) : أنه ليس في القرآن دلالة على أن كونه جسدا ~~وكونه له خوار صفة نقص؛ وإنما الذي دل عليه القرآن أن كونه لا يكلمهم ولا ~~يقدر على نفعهم وضرهم نقص يبين ذلك: أن الخوار هو الصوت والإنسان الذي ~~يصوت؛ ويقال: خار يخور الثور وهو يكلم غيره وقد يهديه السبيل. والله سبحانه ~~بين أن صفات العجل ناقصة عن صفات الإنسان الذي يكلم غيره ويهديه؛ فالعابد ~~أكمل من المعبود يبين هذا أنه لو كلمهم لكان أيضا مصوتا فلو كان ذكر الصوت ~~لبيان نقصه لبطل الاستدلال بقوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} فإن ~~تكليمه لهم لو كلمهم إنما كان يكون بصوت يسمعونه منه. فعلم أن ذكر التصويت ~~لم يكن لكونه صفة نقص فكذلك ذكر الجسد. وبالجملة: من ذكر أن القرآن دل على ~~هذا وهذا هو العيب الذي عابه به وجعله ms1294 دليلا على نفي إلهيته؛ فقد قال على ~~القرآن ما لا يدل عليه؛ بل هو على نقيضه أدل. # PageV05P221 # الوجه السادس: أن الله تعالى ذكر عن الخليل صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} وقال تعالى: {قال ~~هل يسمعونكم إذ تدعون} {أو ينفعونكم أو يضرون} {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون} فاحتج على نفي إلهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر؛ ~~مع كون كل منهما له بدن وجسم سواء كان حجرا أو غيره. فلو كان مجرد هذا ~~الاحتجاج كافيا لذكره إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة ~~والسلام؛ بل إنما احتجوا بمثل ما احتج الله به من نفي صفات الكمال عنها: ~~كالتكلم والقدرة والحركة وغير ذلك. # الوجه السابع: أن يقال: ما ذكره الله تعالى إما أن يكون دالا على أن ~~الإله سبحانه موصوف ببعض هذه الصفات؛ وإما أن لا يدل. فإن لم يدل بطل ما ~~ذكروه؛ وإن دل فهو يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى وهو التكليم للعباد ~~والسمع والبصر والقدرة والنفع والضر. وهذا يقتضي أن تكون الآيات دليلا على ~~إثبات الصفات؛ لا على نفيها، ونفاة الصفات إنما نفوها لزعمهم أن إثباتها ~~يقتضي التجسيم والتجسيد. فالآيات التي احتجوا بها هي عليهم لا لهم. وهذا ~~أمر قد وجدناه مطردا في عامة ما يحتج به نفاة الصفات من الآيات فإنما تدل ~~على نقيض مطلوبهم لا على مطلوبهم. # PageV05P222 # الوجه الثامن: أنه إذا كان كل جسم جسدا وكل ما عبد من دون الله تعالى من ~~الشمس والقمر والكواكب والأوثان وغير ذلك: أجساما وهي أجساد فإن كان الله ~~ذكر هذا في العجل لينفي به عنه الإلهية: لزم أن يطرد هذا الدليل في جميع ~~المعبودات. ومعلوم أن الله لم يذكر هذا في غير العجل: أنه ذكر كونه جسدا ~~لبيان سبب افتتانهم به لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم؛ بل احتج عليهم بكونه ~~لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا. # الوجه التاسع: أنه ms1295 سبحانه قال في الأعراف: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم ~~أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} وللناس في ~~هذه الآية قولان: # أحدهما: أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل من المعبود. # الثاني: أنه ذكر ذلك لأن المعبود يجب أن يكون موصوفا بنقيض هذه الصفات ~~فإن قيل بالقول الأول أمكن أن يقال بمثله في آية العجل. فلا يكون فيه تعرض ~~لصفات الإله؛ وإن قيل بالثاني: وجب أن يتصف الرب تعالى بما نفاه عن ~~الأصنام. وحينئذ: فإن كانت هذه الأمور أجساما كانت هذه الدلالة معارضة # PageV05P223 # لما ذكر في تلك الآية وإن لم تكن أجساما بطل نفيهم لها عن الله تعالى؛ ~~ووجب أن يوصف الله عز وجل بما جاء به الكتاب والسنة من الأيدي وغيرها ولا ~~يجب أن تكون أجساما ولا يكون تجسيما وإذا لم يكن هذا تجسيما فإثبات العلو ~~أولى أن لا يكون تجسيما فدل على أنه لا يكون تجسيما فدل على أن الشرع مناقض ~~لما ذكروه. (الوجه العاشر) : أن يقال: دلالة الكتاب والسنة على إثبات صفات ~~الكمال وأنه نفسه فوق العرش أعظم من أن تحصر؛ كقوله: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} وقوله: {بل رفعه الله إليه} وقوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} ~~وقوله: {إن الذين عند ربك} . وقد قيل: إن ذلك يبلغ ثلاثمائة آية وهي دلائل ~~جلية بينة مفهومة: من القرآن معقولة: من كلام الله تعالى. فإن كان إثبات ~~هذا يستلزم أن يكون الله جسما وجسدا: لم يمكن دفع موجب هذه النصوص بما ذكر ~~في قصة العجل؛ لأنه ليس فيها أن مجرد كونه جسدا هو النقص - الذي عابه الله ~~وجعله مانعا من إلهيته - وإن كان إثبات العلو والصفات لا يستلزم أن يكون ~~جسما وجسدا بطل أصل كلامهم؛ في - أن عمدتهم - أن إثبات العلو يقتضي التجسيم ~~والتجسد؛ فإذا سلموا أنه لا يستلزم التجسيم والتجسد؛ لم يكن لهم دليل على ~~نفي ذلك. # PageV05P224 # وحينئذ فإذا دلت قصة العجل أو غيرها على امتناع كون الرب تعالى جسدا أو ~~جسما؛ ms1296 لم يكن بين النصوص منافاة؛ بل يوصف بأنه نفسه فوق العرش وينفي عنه ما ~~يجب نفيه عنه سبحانه وتعالى. والمقصود: أن الشرع ليس فيه ما يوافق النفاة ~~للعلو وغيره من الصفات؛ بوجه من الوجوه. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV05P225 # قال شيخ الإسلام: # فصل في الجمع بين " علو الرب عز وجل وبين قربه ": من داعيه وعابديه. # فنقول: قد وصف الله نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على ~~العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي: في ~~القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله عال على الخلق وأنه فوق عباده. ~~وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك مثل قوله: {إن الذين عند ربك} ~~{وله من في السماوات والأرض ومن عنده} فلو كان المراد بأن معنى " عنده " في ~~قدرته كما يقول الجهمية لكان الخلق كلهم في قدرته ومشيئته؛ لم يكن فرق بين ~~من في السموات ومن في الأرض ومن عنده؛ كما أن الاستواء لو كان المراد به ~~الاستيلاء لكان مستويا على جميع المخلوقات؛ ولكان مستويا على العرش قبل أن ~~يخلقه دائما. والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السموات والأرض كما أخبر بذلك ~~في # PageV05P226 # كتابه؛ فدل على أنه تارة كان مستويا عليه وتارة لم يكن مستويا عليه؛ ~~ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند أئمة المثبتة وأما ~~الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل. والمقصود: أنه ~~تعالى وصف نفسه أيضا بالمعية والقرب. والمعية معيتان: عامة وخاصة. فالأولى ~~كقوله: {وهو معكم أين ما كنتم} والثانية كقوله: {إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون} إلى غير ذلك من الآيات. وأما " القرب " فهو كقوله: {فإني ~~قريب} . وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} {ونحن أقرب إليه منكم} وقد ~~افترق الناس في هذا المقام " أربع فرق ". " فالجهمية النفاة " الذين ~~يقولون: ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت لا يقولون بعلوه ~~ولا بفوقيته بل الجميع عندهم متأول أو مفوض. وجميع أهل البدع ms1297 قد يتمسكون ~~بنصوص: كالخوارج والشيعة والقدرية والرافضة والمرجئة وغيرهم؛ إلا الجهمية ~~فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي؛ ولهذا ~~قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط: # PageV05P227 # إن الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد ~~ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وغيره. " وقسم ثان " يقولون: إنه بذاته في كل ~~مكان كما يقول النجارية وكثير من الجهمية - عبادهم وصوفيتهم وعوامهم - ~~يقولون: إنه عين وجود المخلوقات كما يقوله " أهل الوحدة " القائلون بأن ~~الوجود واحد ومن يكون قوله مركبا من الحلول والاتحاد؛ وهم يحتجون بنصوص " ~~المعية والقرب "؛ ويتأولون نصوص " العلو والاستواء ". وكل نص يحتجون به حجة ~~عليهم؛ فإن المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه وعندهم أنه في كل مكان. ~~وفي النصوص ما يبين نقيض قولهم؛ فإنه قال: {سبح لله ما في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم} فكل من في السموات والأرض يسبح والمسبح غير المسبح ثم ~~قال: {له ملك السماوات} فبين أن الملك له. ثم قال: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} . وفي الصحيح: {أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء؛} فإذا كان هو الأول كان هناك ما يكون بعده وإذا كان آخرا كان هناك ما ~~الرب بعده وإذا كان ظاهرا ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه وإذا ~~كان باطنا ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفي عنها أن تكون دونه. # PageV05P228 # ولهذا قال " ابن عربي ": من أسمائه الحسنى " العلي " على من يكون عليا ~~وما ثم إلا هو وعلى ماذا يكون عليا وما يكون إلا هو؛ فعلوه لنفسه وهو من ~~حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو. ~~ثم قال: قال الخراز: وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه ~~بأن الله يعرف بجمعه بين الأضداد؛ فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ~~ظهوره وما ثم من تراه غيره ms1298 وما ثم من بطن عنه سواه؛ فهو ظاهر لنفسه وهو ~~باطن عن نفسه وهو المسمى " أبو سعيد الخراز ". # " والمعية " لا تدل على الممازجة والمخالطة وكذلك لفظ القرب؛ فإن عند ~~الحلولية أنه في حبل الوريد كما هو عندهم في سائر الأعيان وكل هذا كفر وجهل ~~بالقرآن. " والقسم الثالث " من يقول: هو فوق العرش وهو في كل مكان. ويقول: ~~أنا أقر بهذه النصوص وهذه لا أصرف واحدا منها عن ظاهره. وهذا قول طوائف ~~ذكرهم الأشعري في " المقالات الإسلامية " وهو موجود في كلام طائفة من ~~السالمية والصوفية. ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي وابن برجان ~~وغيرهما مع ما في كلام أكثرهما من التناقض؛ ولهذا لما كان أبو علي الأهوازي ~~- الذي صنف " مثالب ابن أبي بشر " ورد على أبي القاسم بن عساكر - هو من ~~السالمية وكذلك ذكر " الخطيب البغدادي ": أن جماعة أنكروا على أبي طالب ~~كلامه في الصفات. # PageV05P229 # وهذا الصنف الثالث وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها من ~~الصنفين الأولين. فإن الأول لم يتبع شيئا من النصوص؛ بل خالفها كلها. ~~والثاني ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت عليه ~~معانيها. وأما هذا الصنف فيقول: أنا اتبعت النصوص كلها لكنه غالط أيضا. فكل ~~من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة ~~الكثيرة. وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة يقولون: إنه فوق العرش. ويقولون: ~~نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف كما يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره. ومعلوم ~~أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك فإن قالوا: إن ~~العرش كذلك نقضوا قولهم: إنه نفسه فوق العرش. وإن قالوا بحلوله بذاته في ~~قلوب العارفين كان هذا قولا بالحلول الخالص. وقد وقع في ذلك طائفة من " ~~الصوفية " حتى صاحب " منازل السائرين " في توحيده المذكور في آخر المنازل ~~في مثل هذا الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون من مثل هذا. سئل " الجنيد ~~" عن ms1299 التوحيد فقال: هو إفراد الحدوث عن القدم. فبين أنه لا بد للموحد من ~~التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق # PageV05P230 # فلا يختلط أحدهما بالآخر وهؤلاء يقولون في أهل المعرفة ما قالته النصارى ~~في المسيح والشيعة في أئمتها؛ وكثير من الحلولية والإباحية ينكر على الجنيد ~~وأمثاله من شيوخ أهل المعرفة المتبعين للكتاب والسنة ما قالوه من نفي ~~الحلول وما قالوه في إثبات الأمر والنهي ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة ~~كما كملها هو وأمثاله من الحلولية والإباحية. وأما " القسم الرابع " فهم ~~سلف الأمة وأئمتها: أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة فإنهم أثبتوا ~~وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم أثبتوا أن ~~الله تعالى فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه بائنون وهو أيضا ~~مع العباد عموما بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية وهو ~~أيضا قريب مجيب؛ ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: {اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل} فهو ~~سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته ~~مختلطة بذواتهم كما قال: {محمد رسول الله والذين معه} أي (معه على الإيمان) ~~لا أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له. وقوله: {فأولئك مع المؤمنين} يدل ~~على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما ~~كانوا وعلمه بهم من لوازم المعية؛ كما قالت المرأة: زوجي طويل النجاد عظيم ~~الرماد قريب البيت من الناد: فهذا كله # PageV05P231 # حقيقة ومقصودها: أن تعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم بكثرة الطعام ~~وقرب البيت من موضع الأضياف. وفي القرآن: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم} ~~الآية فإنه يراد برؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك؛ وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر ~~فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات. وكذلك إثبات القدرة على الخلق ~~كقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} وقوله: {أم حسب الذين ~~يعملون السيئات أن ms1300 يسبقونا ساء ما يحكمون} والمراد التخويف بتوابع السيئات ~~ولوازمها من العقوبة والانتقام. وهكذا كثيرا ما يصف الرب نفسه بالعلم ~~وبالأعمال: تحذيرا وتخويفا وترغيبا للنفوس في الخير. ويصف نفسه بالقدرة ~~والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ مراد منه وقد أريد أيضا لازم ذلك ~~المعنى؛ فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة وبالالتزام؛ ~~فليس اللفظ مستعملا في اللازم فقط بل أريد به مدلوله الملزوم وذلك حقيقة. ~~وأما لفظ " القرب " فقد ذكره تارة بصيغة المفرد وتارة بصيغة الجمع؛ # PageV05P232 # فالأول إنما جاء في إجابة الداعي: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع} وكذلك في الحديث: {أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} ~~وجاء بصيغة الجمع في قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وهذا مثل قوله: ~~{نتلوا عليك} {نحن نقص عليك} {فإذا قرأناه} و {إن علينا جمعه وقرآنه} و ~~{علينا بيانه} . فالقرآن هنا حين يسمعه من جبريل والبيان هنا بيانه لمن ~~يبلغه القرآن. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سمع القرآن من جبريل وجبريل سمعه من الله عز وجل. وأما قوله. {نتلوا} ~~و {نقص} {فإذا قرأناه} فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له ~~أعوان يطيعونه فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا: كما يقول الملك: ~~نحن فتحنا هذا البلد وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه ~~والله تعالى رب الملائكة وهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ولا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم ~~وهو غني عنهم؛ وليس هو كالملك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها ~~عنه فكان قوله لما فعله بملائكته: نحن فعلنا أحق وأولى من قول بعض الملوك. # PageV05P233 # وهذا اللفظ هو من " المتشابه " الذي ذكر أن النصارى احتجوا به على النبي ~~صلى الله عليه وسلم على التثليث لما وجدوا في القرآن {إنا فتحنا لك} ms1301 ونحو ~~ذلك؛ فذمهم الله حيث تركوا المحكم من القرآن: أن الإله واحد وتمسكوا ~~بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره: والذي معه أعوانه الذين هم ~~عبيده وخلقه واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة وهي فتنة القلوب بتوهم ~~آلهة متعددة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~فإنهما قولان للسلف وكلاهما حق. فمن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون ~~تأويله قال: - إن تأويله ما يؤول إليه وهو ما أخبر القرآن عنه في قوله إنا ~~ونحن - هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض ~~وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله ولا يعلم صفتهم غيره ولا يعلم كيف يأمرهم ~~يفعلون إلا هو قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وكل من الملائكة وإن ~~علم حال نفسه وغيره؛ فلا يعلم جميع الملائكة ولا جميع ما خلق الله من ذلك. ~~ومن قال: إن الراسخين يعلمون تأويله قال: " التأويل " هو التفسير وهو إعلام ~~الناس بالخطاب. فالراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن كله وما بين الله ~~من معانيه كما استفاضت بذلك الآثار عن السلف. فالراسخون في العلم يعلمون أن ~~قوله: # PageV05P234 # (نحن) إن الله فعل ذلك بملائكته وإن كانوا لا يعرفون عدد الملائكة ولا ~~أسماءهم ولا صفاتهم وحقائق ذواتهم؛ ليس الراسخون كالجهال الذين لا يعرفون ~~(إنا) و (نحن) ؛ بل يقولون: ألفاظا لا يعرفون معانيها أو يجوزون أن تكون ~~الآلهة ثلاثة متعددة أو واحدا لا أعوان له. ومن هذا قول الله تعالى: {الله ~~يتوفى الأنفس} فإنه سبحانه يتوفاها برسله كما قال: {توفته رسلنا} {يتوفاكم ~~ملك الموت} فإنه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت. وقوله: {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} هو قراءة جبريل له عليه والله قرأه بواسطة جبريل كما ~~قال: {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فهو مكلم لمحمد بلسان جبريل ~~وإرساله إليه وهذا ثابت للمؤمنين كما قال تعالى {قد نبأنا الله من أخباركم} ~~وإنباء الله لهم إنما كان بواسطة محمد إليهم. وكذلك قوله: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا} {وما ms1302 أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} فهو أنزل على ~~المؤمنين بواسطة محمد. وكذلك ذوات الملائكة تقرب من ذات المحتضر؛ وقوله: ~~{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فإنه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس ~~به نفس العبد كما ثبت في الصحيحين: {إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال ~~الله لملائكته: اكتبوها له حسنة فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات وإذا ~~هم بسيئة} # PageV05P235 # إلى آخر الحديث. فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة و " الهم " ~~إنما يكون في النفس قبل العمل. وأبلغ من ذلك أن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم، وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه. فقوله: {ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد} هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله منه وهو رب ~~الملائكة والروح وهم لا يعلمون شيئا إلا بأمره؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد ~~من حبل الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إليه من بعض؛ ولهذا قال في تمام ~~الآية: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} {ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد} وهذا كقوله: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون} فقوله إذ ظرف فأخبر أنهم {أقرب إليه من حبل الوريد} ~~حين يتلقى المتلقيان ما يقول {عن اليمين} قعيد {وعن الشمال قعيد} ثم قال ~~{ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} أي شاهد لا يغيب. فهذا كله خبر عن ~~الملائكة فقوله: {فإني قريب} و {هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} فهذا ~~إنما جاء في الدعاء لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال وإنما ذكر ذلك في ~~بعض الأحوال وقد قال في الحديث: {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} . ~~وقال تعالى: {واسجد واقترب} والمراد القرب من الداعي في سجوده كما قال: ~~{وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم} فأمر # PageV05P236 # بالاجتهاد في الدعاء في السجود مع قرب العبد من ربه وهو ساجد. وقد أمر ~~المصلي أن يقول في سجوده: ms1303 {سبحان ربي الأعلى} رواه أهل السنن. وكذلك حديث ~~ابن مسعود: {إذا سجد العبد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم ~~سجوده وذلك أدناه} رواه أبو داود. وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم: {أنه صلى ~~الله عليه وسلم صلى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع ~~ثم سجد نحو قراءته يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده: سبحان ربي ~~الأعلى} وذلك أن السجود غاية الخضوع والذل من العبد وغاية تسفيله وتواضعه: ~~بأشرف شيء فيه لله - وهو وجهه - بأن يضعه على التراب فناسب في غاية سفوله ~~أن يصف ربه بأنه الأعلى، والأعلى أبلغ من العلي؛ فإن العبد ليس له من نفسه ~~شيء؛ هو باعتبار نفسه عدم محض وليس له من الكبرياء والعظمة نصيب. وكذلك في ~~" العلو في الأرض " ليس للعبد فيه حق؛ فإنه سبحانه ذم من يريد العلو في ~~الأرض: كفرعون وإبليس. وأما المؤمن فيحصل له العلو بالإيمان؛ لا بإرادته له ~~كما قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . ~~فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى فهو سبحانه ~~الأعلى والعبد الأسفل كما أنه الرب والعبد العبد وهو الغني والعبد # PageV05P237 # الفقير وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية فكلما كملها قرب العبد ~~إليه؛ لأنه سبحانه بر جواد محسن يعطي العبد ما يناسبه فكلما عظم فقره إليه ~~كان أغنى؛ وكلما عظم ذله له كان أعز؛ فإن النفس - لما فيها من أهوائها ~~المتنوعة وتسويل الشيطان لها - تبعد عن الله حتى تصير ملعونة بعيدة من ~~الرحمة. " واللعنة " هي البعد؛ ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو في الأرض؛ ~~والسجود فيه غاية سفولها؛ قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين} . وفي الصحيح: {لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر} ~~وقال لإبليس {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} وقال: {وكلمة الله هي ~~العليا} فهذا وصف لها ثابت. لكن من أراد أن يعلي غيرها جوهد وقال: {من قاتل ~~لتكون ms1304 كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} . و " كلمة الله " هي خبره ~~وأمره: فيكون أمره مطاعا مقدما على أمر غيره وخبره مطاعا مقدما على خبر ~~غيره وقال: {ويكون الدين كله لله} " والدين " هو العبادة والطاعة والذل ~~ونحو ذلك يقال: دنته فدان: أي ذللته فذل. كما قيل: # هو دان أذكر هو الدي ... ن دراكا بغزوة وصيال # ثم دانت بعد الرباب وكانت ... كعذاب عقوبة الأقوال # PageV05P238 # فإذا كانت العبادة والطاعة والذل له تحقق أنه أعلى في نفوس العباد عندهم ~~كما هو الأعلى في ذاته كما تصير كلمته هي العليا في نفوسهم كما هي العليا ~~في نفسها وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل شيء؛ كما قال ~~صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: {يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله ~~إلا الله؟ فهل تعلم من إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله ~~أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟} وهذا يبطل قول من جعل أكبر بمعنى كبير. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد} وهو ~~الإسلام وهو الاستسلام لله؛ لا لغيره بأن تكون العبادة والطاعة له والذل ~~وهو حقيقة لا إله إلا الله. ولا ريب أن ما سوى هذا لا يقبل وهو سبحانه يطاع ~~في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان؛ فلا إسلام بعد مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا فيما جاء به وطاعته وهي ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا ~~من سفه نفسه وهو " الأمة " الذي يؤتم به كما أن " القدوة " هو الذي يقتدى ~~به وهو " الإمام " كما في قوله {إني جاعلك للناس إماما} وهو " القانت " ~~والقنوت دوام الطاعة وهو الذي يطيع الله دائما والحنيف المستقيم إلى ربه ~~دون ما سواه. # وقوله: {من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا # PageV05P239 # تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} فقرب الشيء من الشيء مستلزم ~~لقرب الآخر منه لكن قد يكون ms1305 قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه ~~أيضا قرب بنفسه فالأول كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة فكلما قرب منه قرب ~~الآخر منه من غير أن يكون منه فعل والثاني كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو ~~إليه كما تقدم في هذا الأثر الإلهي فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت ~~به نصوص متعددة مثل قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب} {فأما إن كان من المقربين} {عينا يشرب بها المقربون} {ولا الملائكة ~~المقربون} {ومن المقربين} {وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه} ~~الحديث. وفي الحديث {أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر} . وقد ~~بسطنا الكلام على هذه الأحاديث ومقالات الناس في هذا المعنى في " جواب ~~الأسئلة المصرية على الفتيا الحموية " فهذا قرب الرب نفسه إلى عبده وهو مثل ~~نزوله إلى السماء الدنيا. وفي الحديث الصحيح: {إن الله يدنو عشية عرفة} ~~الحديث فهذا القرب كله خاص وليس في الكتاب والسنة قط قرب ذاته من جميع ~~المخلوقات في كل حال؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص ~~المقيد فجعلوه عاما مطلقا كما جعل إخوانهم " الاتحادية " ذلك في مثل قوله: ~~{كنت سمعه} وفي قوله: {فيأتيهم في صورة غير صورته} وإن الله قال على لسان ~~نبيه: {سمع الله لمن حمده} . # PageV05P240 # وكل هذه النصوص حجة عليهم؛ فإذا فصل تبين ذلك؛ فالداعي والساجد يوجه روحه ~~إلى الله والروح لها عروج يناسبها فتقرب من الله تعالى بلا ريب بحسب تخلصها ~~من الشوائب فيكون الله عز وجل منها قريبا قربا يلزم من قربها ويكون منه قرب ~~آخر كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا ~~وفي الزهد لأحمد عن عمران القصير {أن موسى عليه السلام قال: يا رب أين ~~أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم إني أدنو منهم كل يوم باعا لولا ذلك ~~لانهدموا} فقد يشبه هذا قوله: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} إلى ~~آخره. وظاهر قوله: {فإني ms1306 قريب} يدل على أن القرب نعته ليس هو مجرد ما يلزم ~~من قرب الداعي والساجد ودنوه عشية عرفة هو لما يفعله الحاج ليلتئذ من ~~الدعاء والذكر والتوبة؛ وإلا فلو قدر أن أحدا لم يقف بعرفة لم يحصل منه ~~سبحانه ذلك الدنو إليهم. فإنه يباهي الملائكة بأهل عرفة فإذا قدر أنه ليس ~~هناك أحد لم يحصل؛ فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم إليه كما دل عليه ~~الحديث الآخر. والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب ~~والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا ~~وقوله: {هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من تائب} . ثم إن هذا النزول هل هو ~~كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال؟ فإن في بلاد # PageV05P241 # الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول كما أن دنوه عشية ~~عرفة لا يحصل لغير الحجاج في سائر البلاد؛ إذ ليس لها وقوف مشروع ولا ~~مباهاة الملائكة وكما أن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار وتصفيد ~~الشياطين إذا دخل شهر رمضان - إنما هو للمسلمين الذين يصومونه لا الكفار ~~الذين لا يرون له حرمة. وكذلك اطلاعه يوم بدر وقوله لهم: {اعملوا ما شئتم} ~~كان مختصا بأولئك أم هو عام؟ فيه كلام ليس هذا موضعه. والكلام في هذا " ~~القرب " من جنس الكلام في نزوله كل ليلة ودنوه عشية عرفة وتكليمه لموسى من ~~الشجرة وقوله {أن بورك من في النار ومن حولها} وقد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع وذكرنا ما قاله السلف في ذلك: كحماد بن زيد وإسحاق وغيرهما ~~من أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش وبينا أن هذا هو الصواب ~~وإن كان طائفة ممن يدعي السنة يظن خلو العرش منه وقد صنف أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش ~~وضعف ما نقل في ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال: إنها مكذوبة على أحمد ms1307 ~~وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال: إنه مجهول لا يعرف في أصحاب ~~أحمد. " وطائفة " تقف لا تقول: يخلو ولا: لا يخلو وتنكر على من يقول ذلك # PageV05P242 # منهم الحافظ عبد الغني المقدسي. وأما من يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم ~~فهذا من أعظم الجهل؛ وإن وقع فيه طائفة من الرجال. وأما من لا يعتقد أن ~~الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله: لا بخلو ولا بغير خلو وقال بعض أكابرهم ~~لبعض المثبتين: ينزل أمره. فقال: من عند من ينزل؟ أنت ليس عندك هناك أحد؛ ~~أثبت أنه هناك ثم قل: ينزل أمره. وهذا نظير قول إسحاق بن راهويه بحضرة ~~الأمير عبد الله بن طاهر. والصواب قول السلف: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ~~وروح العبد في بدنه لا تزال ليلا ونهارا إلى أن يموت ووقت النوم تعرج وقد ~~تسجد تحت العرش وهي لم تفارق جسده وكذلك {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد} وروحه في بدنه وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان؛ فكيف بالملائكة؟ ~~فكيف برب العالمين؟ . والليل يختلف فيكون - ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه ~~بالمغرب ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم وإلى سماء ~~هؤلاء في ثلث ليلهم لا يشغله شأن عن شأن وكذلك قربه من الداعي المتقرب إليه ~~والساجد لكل واحد بحسبه حيث كان وأين كان والرجلان يسجدان في موضع واحد ~~ولكل واحد قرب يخصه لا يشركه فيه الآخر. # PageV05P243 # والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء والذي بلغها بلاغا مبينا هو أعلم ~~الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم بيانا؛ وأعظمهم بلاغا؛ فلا يمكن أحدا أن ~~يعلم ويقول: مثل ما علمه الرسول، وقاله. وكل من من الله عليه ببصيرة في ~~قلبه تكون معه معرفة بهذا؛ ثم قال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} وقال في ضدهم: ~~{والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم} . وقوله تعالى {الظاهر} ms1308 ضمن معنى العالي كما قال: {فما ~~اسطاعوا أن يظهروه} ويقال: ظهر الخطيب على المنبر وظاهر الثوب أعلاه بخلاف ~~بطانته. وكذلك ظاهر البيت أعلاه وظاهر القول ما ظهر منه وبان وظاهر الإنسان ~~خلاف باطنه فكلما علا الشيء ظهر؛ ولهذا قال: {أنت الظاهر فليس فوقك شيء} ~~فأثبت الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء ولم يقل ليس شيء أبين منك ~~ولا أعرف. وبهذا تبين خطأ من فسر (الظاهر) بأنه المعروف كما يقوله من يقول ~~الظاهر بالدليل الباطن بالحجاب كما في كلام أبي الفرج وغيره فلم يذكر مراد ~~الله ورسوله وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح وقال: {أنت الباطن فليس دونك ~~شيء} فيهما معنى الإضافة لا بد أن يكون البطون والظهور لمن # PageV05P244 # يظهر ويبطن وإن كان فيهما معنى التجلي والخفاء ومعنى آخر كالعلو في ~~الظهور فإنه سبحانه لا يوصف بالسفول. وقد بسطنا هذا في الإحاطة لكن إنما ~~يظهر من الجهة العالية علينا فهو يظهر علما بالقلوب وقصدا له ومعاينة إذا ~~رئي يوم القيامة وهو باد عال ليس فوقه شيء ومن جهة أخرى يبطن فلا يقصد منها ~~ولا يشهد وإن لم يكن شيء أدنى منه؛ فإنه من ورائهم محيط فلا شيء دونه ~~سبحانه. # PageV05P245 # فصل: في تمام الكلام في القرب # والرب سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل بل هو سبحانه يكلم ~~العباد يوم القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا. قيل لابن عباس: كيف ~~يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم ~~بالقمر ليلة البدر} . والله سبحانه في الدنيا يسمع دعاء الداعين ويجيب ~~السائلين؛ مع اختلاف اللغات وفنون الحاجات. والواحد منا قد يكون له قوة سمع ~~يسمع كلام عدد كثير من المتكلمين كما أن بعض المقرئين يسمع قراءة عدة؛ لكن ~~لا يكون إلا عددا قليلا قريبا منه والواحد منا يجد في نفسه قربا ودنوا ~~وميلا إلى بعض الناس ms1309 الحاضرين والغائبين؛ دون بعض ويجد تفاوت ذلك الدنو ~~والقرب. والرب تعالى واسع عليم وسع سمعه الأصوات كلها وعطاؤه الحاجات كلها. # PageV05P246 # ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الإنسان إذا مال إلى جهة ~~انصرف عن الأخرى وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه فيجد نفسه تقرب من نفوس ~~كثير من الناس؛ من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا. وكذلك يجد ~~في نفسه خضوعا لبعض الناس ومحبة ويجد فيها نأيا وبعدا عن آخرين وارتفاعا ~~وإقبالا على قوم وإعراضا عن قوم غير ما هو قائم بالبدن. ففي الجملة: ما نطق ~~به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو مقيد مخصوص؛ لا مطلق عام ~~لجميع الخلق فبطل قول الحلولية كما قال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} ~~فهذا قربه من داعيه. وأما قربه من عابديه ففي مثل قوله: {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} . وقوله: {ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ~~ما افترضته عليه} وقال: {من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا} فهذا قربه إلى ~~عبده وقرب عبده إليه؛ ودنوه عشية عرفة إلى السماء الدنيا لا يخرج عن ~~القسمين؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: {أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة} فدنوه ~~لدعائهم. وأما نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة؛ فإن كان لمن يدعوه ويسأله ~~ويستغفره فإن ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرب إلى عابديه ما لا يحصل في ~~غيره # PageV05P247 # فهو من هذا وإن كان مطلقا فيكون بسبب الزمان كونه يصلح لهذا وإن لم يقع ~~فيه. ونظيره " ساعة الإجابة " يوم الجمعة روي أنها مقيدة بفعل الجمعة وهي ~~من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة؛ ولهذا تكون مقيدة بفعل ~~الجمعة فمن لم يصل الجمعة لغير عذر ويعتقد وجوبها لم يكن له فيها نصيب وأما ~~من كانت عادته الجمعة ثم مرض أو سافر فإنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح ~~مقيم وكذلك المحبوس ونحوه فهؤلاء لهم مثل أجر من ms1310 شهد الجمعة فيكون دعاؤهم ~~كدعاء من شهدها. وقد تكون الرحمة التي تنزل على الحجاج عشية عرفة وعلى من ~~شهد الجمعة تنتشر بركاتها إلى غيرهم من أهل الأعذار فيكون لهم نصيب من ~~إجابة الدعاء وحظ مع من شهد ذلك كما في شهر رمضان فهذا موجود لمن يحبهم ~~ويحب ما هم فيه من العبادة فيحصل لقلبه تقرب إلى الله ويود لو كان معهم. ~~وأما الكافر والمنافق الذي لا يرى الحج برا ولا الجمعة فرضا وبرا بل هو ~~معرض عن محبة ذلك وإرادته فهذا قلبه بعيد عن رحمة الله فإن رحمة الله قريب ~~من المحسنين وهذا ليس منهم. وروي في ساعة الجمعة أنها آخر النهار فيكون ~~سببها الوقت. وقد ثبت في الصحيح {أن في الليل ساعة يستجاب الدعاء فيها كما ~~في يوم الجمعة وذلك كل ليلة وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل ~~الآخر} . # PageV05P248 # فصل: # وأما قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه: فهذا أمر معروف لا ~~يجهل؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة والذكر ~~والخشية والتوكل وهذا متفق عليه بين الناس كلهم؛ بخلاف القرب الذي قبله؛ ~~فإن هذا ينكره الجهمي الذي يقول: ليس فوق السموات رب يعبد ولا إله يصلى له ~~ويسجد وهذا كفر وفند. والأول تنكره الكلابية ومن يقول: لا تقوم الأمور ~~الاختيارية به. ومن أتباع " الأشعري " من أصحاب أحمد وغيره من يجعل الرضا ~~والغضب والفرح والمحبة: هي الإرادة. وتارة يجعلونها صفات أخرى قديمة غير ~~الإرادة وهذا القرب الذي في القلب المتفق عليه هو قرب المثال العلمي في ~~الحقيقة وذلك مستلزم لمحبته؛ فإن من أحب شخصا تمثل في قلبه ووجده قريبا إلى ~~قلبه وإذا ذكره حضر في قلبه وقد يحصل للإنسان بمحبوبه المخلوق فناء عن نفسه ~~كما قال القائل: غبت بك عني فظننت أنك أني # PageV05P249 # ومنه قول القائل: حاضر في القلب أبصره ... لست أنساه فأذكره # وقول الآخر: مثالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب # وهذا هو " المثل الأعلى " الذي ms1311 قال الله فيه: {وله المثل الأعلى} وكقوله: ~~{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} {وهو الله في السماوات وفي الأرض} ~~وهو " المثل " في قوله: {ليس كمثله شيء} فإنه سبحانه لا يماثله شيء أصلا ~~فنفسه المقدسة لا يماثلها شيء من الموجودات وصفاتها لا يماثلها شيء من ~~الصفات وما في القلوب من معرفته لا يماثله شيء من المعارف ومحبته لا ~~يماثلها شيء فله " المثل الأعلى " كما أنه في نفسه الأعلى. وقد قال تعالى: ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة ~~الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن ~~لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير} وغير ذلك. # PageV05P250 # ويشبه مثل هذا بمثل هذا وذلك يتضمن تشبيه ذات هذا بذات هذا؛ فإن الخبر عن ~~الأشياء إنما يكون بعد معرفتها وهو سبحانه أخبر أولا عن " المثل العلمي " ~~الذي يسمى الصورة الذهنية ثم إذا كان الخبر صادقا فإنه يستدل به على أن ~~الحقيقة مطابقة لما تصوره؛ ولهذا كان الناس إنما يعبرون عن الشيء ويصفونه ~~بما يعرفونه وتتنوع أسماؤه عندهم لتنوع ما يعرفونه من صفاته. ومن رأى الله ~~عز وجل في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائي إن كان صالحا ~~رآه في صورة حسنة؛ ولهذا رآه النبي صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة. و " ~~المشاهدات " التي قد تحصل لبعض العارفين في اليقظة كقول ابن عمر لابن ~~الزبير لما خطب إليه ابنته في الطواف: أتحدثني في النساء ونحن نتراءى الله ~~عز وجل في طوافنا وأمثال ذلك إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود لكن رؤية ~~النبي صلى الله عليه وسلم لربه فيها كلام ليس هذا موضعه؛ فإن ابن عباس قال: ~~رآه بفؤاده مرتين. فالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بما لم يشركه فيه غيره. ~~وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعا ~~لا ينحصر؛ بل الخلق في إيمانهم " بالله " و " كتابه " و " رسوله " متنوعون؛ # PageV05P251 # فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول ms1312 مثال علمي بحسب معرفته مع اشتراكهم في ~~الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله - فهم متنوعون في ذلك متفاضلون. وكذلك ~~إيمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور الغيب وكذلك ما يخبر به ~~الناس بعضهم بعضا من أمور الغيب هو كذلك بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات ~~وهم متنوعون في الرؤية والسماع فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم ~~يتبين للآخر حتى قد يختلفون فيثبت هذا ما لا يثبت الآخر فكيف فيما أخبروا ~~به من الغيب. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم عن الغيب بأحاديث كثيرة ~~وليس كلهم سمعها مفصلة والذين سمعوا ما سمعوا ليس كلهم فهم مراده بل هم ~~متفاضلون في السمع والفهم كتفاضل معرفتهم وإيمانهم بحسب ذلك حتى يثبت أحدهم ~~أمورا كثيرة والآخر لا يثبتها لا سيما من علق بقلبه شبه النفاة؛ فهو ينفي ~~ما أثبته الكتاب والسنة وما عليه أهل الحق. وهذا يبين لك أن هؤلاء كلهم ~~مؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر - وإن كانوا متفاضلين في الإيمان ~~- إلا من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين. ثم ~~هم يتفاضلون في العلم والإرادة فإذا كان أحدهم أكثر محبة لله وذكرا وعبادة ~~كان الإيمان عنده أقوى وأرسخ من حيث المحبة والعبادة لله وإن كان لغيره من ~~العلم بالأسماء والصفات ما ليس له. # PageV05P252 # فصاحب المحبة والذكر والتأله يحصل له من حضور الرب في قلبه وأنسه به ما ~~لا يحصل لمن ليس مثله. وكذلك الإيمان بالرسول قد يكون أحد الشخصين أعلم ~~بصفاته والآخر أكثر محبة له وكذلك الأشخاص - المشهورون - قد يكون الرجل ~~أعلم بما رأى والآخر أكثر محبة له و {الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ~~ائتلف وما تناكر منها اختلف} وتعارفها تناسبها وتشابهها فيما تعلمه وتحبه ~~وتكرهه. وكثير من هؤلاء العباد الذي يشهد قلبه الصورة المثالية ويفنى فيما ~~شهده يظن أنه رأى الله بعينه؛ لأنه لما استولى على قلبه سلطان الشهود ولم ~~يبق له عقل يميز به والمشاهد للأمور هو القلب لكن تارة شاهدها بواسطة الحس ms1313 ~~الظاهر وتارة بنفسه فلا يبقى أيضا يميز بين الشهودين فإن غاب عن الفرق بين ~~الشهودين ظن أنه رآه بعينه؛ وإن غاب عن الفرق بين الشاهد والمشهود ظن أنه ~~هو كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: ليس في الجبة إلا الله. وكما قال الآخر: ~~غبت بك عني؛ فظننت أنك أني وكان المحبوب قد ألقى نفسه في الماء فألقى المحب ~~نفسه خلفه. وهذا كله من قوة شهود القلب وضعف العقل بمنزلة ما يراه النائم؛ ~~فإنه لغيبة عقله بالنوم يظن أن ما يراه هو بعينه الظاهرة وما يسمعه يسمعه # PageV05P253 # بأذنه الظاهرة وما يتكلم به يتكلم به بلسانه بالحس الظاهر؛ وعينه مغمضة ~~ولسانه ساكت. وقد يقوى تصوره الخيالي في النوم حتى يتصل بالحس الظاهر فيبقى ~~النائم يقرأ بلسانه ويتكلم بلسانه تبعا لخياله ومع هذا فعقله غائب لا يشعر ~~بذلك كما يحصل مثل ذلك للسكران والمجنون وغيرهما. ولهذا جاءت الشريعة بأن ~~القلم مرفوع عن النائم والمجنون والمغمى عليه ولم يختلفوا إلا فيمن زال ~~عقله بسبب محرم. وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك ~~ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده وهذا يبين أن ~~عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله - وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم ~~وصفاته - إلا من كان منافقا - يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول - ~~فهذا ليس بمؤمن؛ وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من ~~الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ~~ذرة من الإيمان ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف ~~عقائدهم. ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم - أو أكثرهم - لا يستطيعون هذه ~~المعرفة؛ بل يدخلونها # PageV05P254 # وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم وإذا كان الرجل قد حصل له ~~إيمان يعرف الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل ms1314 ما لا يطيق وإن ~~كان يحصل له بذلك فتنة لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة. فهذا أصل عظيم في ~~تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها: ~~كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في معنى ذلك. والله أعلم. وصلى الله ~~على محمد وآله وصحبه. # PageV05P255 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عن رجلين اختلفا في الاعتقاد، فقال أحدهما: من لا يعتقد أن الله سبحانه ~~وتعالى في السماء فهو ضال. وقال الآخر: إن الله سبحانه لا ينحصر في مكان ~~وهما شافعيان فبينوا لنا ما نتبع من عقيدة " الشافعي " رضي الله عنه وما ~~الصواب في ذلك؟ # الجواب: # الحمد لله، اعتقاد الشافعي - رضي الله عنه - واعتقاد " سلف الإسلام " (*) ~~كمالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وهو ~~اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن ~~عبد الله التستري وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول ~~الدين. وكذلك أبو حنيفة - رحمة الله عليه - فإن الاعتقاد الثابت عنه في ~~التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان وهو ما نطق به الكتاب والسنة. PageV05P256 # قال الشافعي في أول خطبة " الرسالة ": الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه ~~وفوق ما يصفه به خلقه. فبين - رحمه الله - أن الله موصوف بما وصف به نفسه ~~في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال أحمد بن حنبل: لا ~~يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير ~~تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يثبتون له ما أثبته لنفسه من ~~الأسماء الحسنى والصفات العليا ويعلمون أنه {ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} لا في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله. إلى أن قال: وهو الذي خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش؛ وهو الذي كلم ~~موسى ms1315 تكليما؛ وتجلى للجبل فجعله دكا؛ ولا يماثله شيء من الأشياء في شيء من ~~صفاته فليس كعلمه علم أحد ولا كقدرته قدرة أحد ولا كرحمته رحمة أحد ولا ~~كاستوائه استواء أحد ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره ولا كتكليمه تكليم ~~أحد ولا كتجليه تجلي أحد. والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحما ولبنا ~~وعسلا وماء وحريرا وذهبا. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الدنيا ~~مما في الآخرة إلا الأسماء. # PageV05P257 # فإذا كانت هذه المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة - مع ~~اتفاقها في الأسماء - فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق ~~للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حيا عليما سميعا بصيرا وبعضها ~~رءوفا رحيما؛ وليس الحي كالحي ولا العليم كالعليم ولا السميع كالسميع ولا ~~البصير كالبصير ولا الرءوف كالرءوف ولا الرحيم كالرحيم. وقال في سياق حديث ~~الجارية المعروف: {أين الله؟ قالت: في السماء} لكن ليس معنى ذلك أن الله في ~~جوف السماء وأن السموات تحصره وتحويه فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها؛ بل هم متفقون على أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه؛ ليس ~~في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقد قال مالك بن ~~أنس: إن الله فوق السماء وعلمه في كل مكان - إلى أن قال -: فمن اعتقد أن ~~الله في جوف السماء محصور محاط به وأنه مفتقر إلى العرش أو غير العرش - من ~~المخلوقات - أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه: فهو ضال ~~مبتدع جاهل ومن اعتقد أنه ليس فوق السموات إله يعبد ولا على العرش رب يصلى ~~له ويسجد وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه؛ ولا نزل القرآن من عنده: فهو معطل ~~فرعوني ضال مبتدع - وقال - بعد كلام طويل - والقائل الذي قال: من لم يعتقد ~~أن الله في السماء فهو ضال: # PageV05P258 # إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به: ~~فقد أخطأ. وإن أراد ms1316 بذلك من لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها من أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه: فقد أصاب ~~فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذبا للرسول صلى الله عليه وسلم متبعا لغير ~~سبيل المؤمنين؛ بل يكون في الحقيقة معطلا لربه نافيا له؛ فلا يكون له في ~~الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده. وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع ~~فرعون المعطل. والله قد فطر العباد - عربهم وعجمهم - على أنهم إذا دعوا ~~الله توجهت قلوبهم إلى العلو ولا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا قال بعض ~~العارفين: ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه - قبل أن يتحرك لسانه - ~~معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة. وذكر من بعد كلام طويل - الحديث: ~~{كل مولود يولد على الفطرة} . ولأهل الحلول والتعطيل في هذا الباب شبهات ~~يعارضون بها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما أجمع سلف الأمة ~~وأئمتها؛ وما فطر الله عليه عباده وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة. ~~فإن هذه الأدلة كلها متفقة # PageV05P259 # على أن الله فوق مخلوقاته عال عليها قد فطر الله على ذلك العجائز ~~والصبيان والأعراب في الكتاب؛ كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {كل مولود يولد على الفطرة؛ ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء؟} ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} . وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز: ~~عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب وعليك بما فطرهم الله عليه فإن الله ~~فطر عباده على الحق والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة ~~وتغييرها. وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم: فيريدون أن يغيروا ~~فطرة الله ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات لا يفهم كثير من الناس ~~مقصودهم بها؛ ولا يحسن أن يجيبهم. وأصل ضلالتهم تكلمهم بكلمات مجملة؛ لا ms1317 ~~أصل لها في كتابه؛ ولا سنة رسوله؛ ولا قالها أحد من أئمة المسلمين كلفظ ~~التحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفا بحل شبهاتهم بينها ومن لم ~~يكن عارفا بذلك فليعرض عن كلامهم ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة كما ~~قال: {وإذا رأيت الذين # PageV05P260 # يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} . ومن يتكلم في ~~الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله ~~بالباطل. وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه؛ فينسبون إلى ~~الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة: من الاعتقادات ما لم يقولوا. ~~ويقولون لمن اتبعهم: هذا اعتقاد الإمام الفلاني؛ فإذا طولبوا بالنقل الصحيح ~~عن الأئمة تبين كذبهم. وقال الشافعي: حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا ~~بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك ~~الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. قال أبو يوسف القاضي: من طلب الدين ~~بالكلام تزندق. قال أحمد: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. قال بعض العلماء: ~~المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما. المعطل أعمى والممثل أعشى؛ ودين الله ~~بين الغالي فيه والجافي عنه. وقد قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ~~والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل. انتهى والحمد لله رب العالمين. # PageV05P261 # سئل شيخ الإسلام: # عمن يعتقد " الجهة " هل هو مبتدع أو كافر أو لا؟ # فأجاب: # أما من اعتقد الجهة؛ فإن كان يعتقد أن الله في داخل المخلوقات تحويه ~~المصنوعات وتحصره السموات ويكون بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته فهذا مبتدع ~~ضال. وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله - إلى العرش أو غيره ~~- فهو أيضا مبتدع ضال. وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين فيقول: ~~استواء الله كاستواء المخلوق أو نزوله كنزول المخلوق ونحو ذلك فهذا مبتدع ~~ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في ~~شيء من الأشياء ودلت على أن الله غني عن كل شيء ودلت على أن الله مباين ~~المخلوقات ms1318 عال عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات ~~وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؛ وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه لا ~~يفتقر إلى شيء من # PageV05P262 # المخلوقات؛ بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش بقدرته ولا ~~يمثل استواء الله باستواء المخلوقين؛ بل يثبت الله ما أثبته لنفسه من ~~الأسماء والصفات وينفى عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء: ~~لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله. فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف ~~الأمة وأئمتها. فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ~~فيعلمون أن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وتجلى ~~للجبل فجعله دكا هشيما. ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به ~~نفسه؛ وينزهون الله عن صفات النقص والعيب ويثبتون له صفات الكمال ويعلمون ~~أنه ليس له كفؤ أحد في شيء من صفات الكمال قال نعيم بن حماد الخزاعي: من ~~شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف ~~الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. والله أعلم # PageV05P263 ### | حكاية مناظرة في الجهة والتحيز # صورة ما طلب من الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله ورضي عنه - حين ~~جيء به من دمشق على البريد واعتقل بالجب بقلعة الجبل بعد عقد المجلس بدار ~~النيابة وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان وعقد المجلس ~~يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة وفيه اعتقل رحمة الله ~~عليه. وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز؛ وأن لا يقول: ~~إن كلام الله حرف وصوت قائم به؛ ms1319 بل هو معنى قائم بذاته؛ وأنه سبحانه وتعالى ~~لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات ~~وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها. # فأجاب عن ذلك: # أما قول القائل: يطلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز: فليس في ~~كلامي إثبات هذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا بدعة وأنا لم أقل إلا ما ~~جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه الأمة. فإن أراد قائل هذا القول: أنه ليس ~~فوق السموات رب ولا فوق العرش # PageV05P264 # إله وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلا العدم المحض؛ فهذا ~~باطل مخالف لإجماع سلف الأمة. وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته ~~ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي؛ فإني قائله فما ~~الفائدة في تجديده؟ . وأما قول القائل: لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم ~~به؛ بل هو معنى قائم بذاته: فليس في كلامي هذا أيضا ولا قلته قط؛ بل قول ~~القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة وقوله معنى قائم بذاته: بدعة لم ~~يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع؛ بل في ~~كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وأما قول القائل: ~~لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية فليس هذا اللفظ في كلامي؛ بل في كلامي ~~إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية مثل قوله إنه لا يشار إليه ~~فإن هذا النفي أيضا بدعة. فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه من أن الله ليس ~~محصورا في المخلوقات وغير ذلك من المعاني الصحيحة: فهذا حق؛ وإن أراد أن من ~~دعا الله لا يرفع إليه يديه؛ فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله في الدعاء. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله يستحي ms1320 من عبده إذا رفع يديه أن ~~يردهما صفرا} . # PageV05P265 # وإذا سمى المسمي ذلك إشارة حسية وقال: إنه لا يجوز. لم يقبل ذلك منه. ~~وأما قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام: فأنا ما ~~فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط. وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد ~~المستهدي؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من سئل عن علم يعلمه فكتمه ~~ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار} . وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون} . ولا يؤمر العالم بما يوجب لعنة الله عليه والله ~~أعلم. # والحمد لله رب العالمين. # PageV05P266 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله - عن هذه الأبيات: # يا سادة العلماء أفتونا بما ... يشفي الغليل فماء صبري آسن # عن قول ناظم عقد أصل عقيدة ... في حق حق الحق ليس يداهن # يا منكرا أن الإله مباين ... للخلق يا مفتون بل يا فاتن # هب قد ضللت فأين أنت فإن تكن ... أنت المباين فهو أيضا بائن # أو قلت لست مباينا قلنا إذن ... فبالاتحاد أو الحلول تشاحن # أو قلت يلزم منه شيء داخلا ... قلنا نعم ما الرب فينا ساكن # إن قلت يلزم أنه في حيز ... أو صار في جهة فعقلك واهن # فلقد كذبت فإنه لا حيز ... إلا مكان وهو منه بائن # وكذا الجهات فإنها عدمية ... في حقه والحق في ذا بائن # PageV05P267 # إذ ليس فوق الحق ذات غيره ... حتى تقدر وهو فيها قاطن # أو قلت ما هو داخل أو خارج ... هذا يدل بأن ما هو كائن # إذ قد جمعت نقائضا ووصفته ... عدما بها هل أنت عنها ظاعن # ما قال ما هو ظاهر أو باطن ... لكنه هو ظاهر هو باطن # فارجع وتب من قال مثلك إنه ... لمعطل والكفر فيه كامن # وتفضلوا بجوابه من نظمكم ... هل صادق فيما ادعى أو ماين # فصلا بفصل ظاهر فالله لل ... مفتي المصيب بخير آخر ضامن # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، جواب المنازعين ms1321 عن مثل هذا الكلام أنهم يقولون ~~هذا الكلام يتضمن شيئين: # أحدهما: الاستدلال على أن الرب تعالى مباين للعالم خارج عنه. # والثاني: الجواب عن حجة من نفى ذلك واستدل بأن ذلك يستلزم القول بالتحيز ~~والجهة وهما باطلان وبطلان اللازم يقتضي بطلان الملزوم. فأما استدلاله فإن ~~مضمونه أنك إما أن تكون مباينا للخالق وإما أن لا تكون مباينا فإن قلت: إنك ~~مباين لزم أيضا أن يكون مباينا لك؛ لأن # PageV05P268 # المباينة من باب المفاعلة التي يلزم من ثبوتها من أحد الجانبين ثبوتها في ~~الجانب الآخر عقلا، وكذلك هو في اللغة إلا في مواضع قيل إنها مستثناة بل ~~متأولة: مثل قولهم: عاقبت اللص وداققت النعل وعافاك الله ونحو ذلك. فإن ~~قلت: لست مباينا له لزمك القول بالحلول أو الاتحاد؛ فإنه ما لم يكن مباينا ~~لغيره متميزا عنه كان مجامعا له مداخلا له بحيث هو يحايثه ويجامعه ويداخله ~~كما تحايث الصفة محلها الذي قامت به والصفة المشاركة لها بالقيام به؛ فإن ~~التفاحة مثلا طعمها ولونها ليس هو بمباين لها بل هو محايث لها ومجامع لها ~~وذلك الطعم محايث اللون، والمباينة هي المفارقة وهي ضد المجامعة فلما كانت ~~الصفة التي تسمى العرض تحايث محلها - الذي يسمى الجسم - وتحايث عرضا آخر ~~كان من المعلوم أن مثل هذا منتف عن الله سبحانه وتعالى؛ فإنه ليس بعرض ولا ~~صفة من الصفات؛ بل هو قائم بنفسه مستغن عن محل يقوم به فلا يجوز عليه ~~محايثة المخلوقات والحلول؛ إذ القول بنفي الجسم مع إثبات هذا التقسيم تناقض ~~بين. وإذا كان هذا القول مستلزما للتجسيم لزمه ما يلزم القائلين بالتجسيم ~~وقد خاطب نفاة ذلك بأنهم مفتونون وفاتنون وادعى أن من قال ذلك فإنه معطل ~~وأن " الكفر في قوله كامن ". وهذا يستلزم تكفير من نفى التجسيم وقد علم ما ~~في القول من الوبال العظيم. قالت المثبتة نحن نجيبكم بجوابين: إجمالي ~~وتفصيلي. # PageV05P269 # أما الجواب الإجمالي فإنا نقول قولكم: " لا نسلم أن هذه القضية ضرورية " ~~منع غير مقبول؛ فإن المقدمات الضرورية لا يجوز منعها ولو ms1322 جاز منع الضروريات ~~لم يمكن الاستدلال ولا إقامة حجة على منكر؛ فإن المستدل غايته أن يستدل ~~بدليل مؤلف من مقدمات ضرورية؛ فلو جاز منع الضرورية لم يصح الاستدلال؛ ~~وكذلك ما ذكره من الاستدلال على أنها ليست بضرورية أو ليست بصحيحة لا يقبل ~~أيضا؛ فإن الضروريات هي الأصل للنظريات؛ فلو جاز القدح في الضروريات ~~بالنظريات لكان ذلك قدحا في الأصل بفرعه وذلك يستلزم بطلان الفرع والأصل ~~جميعا؛ فإن الفرع إذا كان فاسدا لم تجز المعارضة به وإن كان صحيحا لزم أن ~~يكون أصله صحيحا؛ فلا يجوز أن يكون قادحا في الأصل. فثبت أنه على التقديرين ~~لا يجوز معارضة الضروريات بالنظريات. فإن قيل: فهب أنه لا يجوز في المقدمات ~~الضرورية أن تمانع ولا أن تعارض بالنظريات؛ فإذا ادعى المستدل على أن ~~المقدمة ضرورية فهل يكون قوله حجة على مناظره. قيل: ليس مجرد دعواه ~~الضرورية حجة على خصمه لكن من علم أن القضية ضرورية فقد حصل له العلم بذلك ~~وهو لا يكابر نفسه؛ وسواء علمها غيره أو لم يعلمها؛ وسواء سلمها له أو ~~نازعه فيها. فما علمه هو ضرورة لا يمكنه أن يشك فيه. # PageV05P270 # وأما طريق إلزامه لمنازعه فإنه يستشهد على ذلك بتسليم أرباب العقول ~~السليمة التي لم يعارضها عقد ولا قصد يخالف فطرتها فإذا كان أهل العقول ~~السليمة التي لا هوى لها ولا اعتقاد يخالف ذلك تقر بأن هذه القضية معلومة ~~عندهم بالضرورة علم أن الأمر كذلك وأن المنازع فيها قد تغيرت فطرته التي ~~فطر عليها لاعتقاد أو هوى فإن الحس كما قد يعرض له ما يوجب غلطه فكذلك ~~العقل يعرض له ما يوجب غلطه. ومما يبين أن هذه القضية حق أن جميع الكتب ~~المنزلة من السماء وجميع الأنبياء جاءوا بما يوافقها لا بما يخالفها وكذلك ~~" سلف هذه الأمة " من الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها؛ لا ~~يخالفونها. ولم يخالف هذه القضية الضرورية من له في الأمة لسان صدق؛ بل ~~أكثر أهل الكلام والفلسفة يقولون بموجبها وإنما خالفها طائفة من المتفلسفة ~~وطائفة من ms1323 المتكلمين: كالمعتزلة ومن اتبعهم؛ والذين خالفوها - عقلاؤهم ~~وعلماؤهم - تناقضوا في ذلك وادعوا الضرورة في قضايا من جنسها وهي أبين منها ~~ومن أنكر منهم ذلك أدى به الأمر إلى جحد عامة الضروريات والحسيات فالمنكر ~~لهذه القضية الضرورية هو بين أمرين: إما أن يستلزم جحد عامة الضروريات وإما ~~أن يقر بقضايا - من جنسها ضرورية - دون هذه في القوة والجلاء يبين ذلك أن ~~الذين قالوا: إن الخالق سبحانه ليس هو جسم ولا متحيز تنازعوا بعد ذلك: هل ~~هو فوق العالم أم ليس فوق العالم؟ فقال طوائف # PageV05P271 # كثيرة: هو فوق العالم بل هو فوق العرش وهو مع هذا ليس بجسم ولا متحيز. ~~وهذا يقوله طوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية وطوائف من أتباع الأئمة ~~من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية وهذا هو ~~الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث والسنة. وقال طوائف منهم: ليس فوق العالم ~~ولا فوق العالم شيء أصلا ولا فوق العرش شيء. وهذا قول الجهمية والمعتزلة ~~وطوائف من متأخري الأشعرية والفلاسفة النفاة؛ والقرامطة الباطنية أو أنه في ~~كل مكان بذاته كما يقول ذلك طوائف من عبادهم ومتكلميهم وصوفيتهم وعامتهم. ~~ومنهم من يقول: ليس هو داخلا فيه ولا خارجا عنه ولا حالا فيه وليس في مكان ~~من الأمكنة؛ فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعا وهذا قول طوائف من ~~متكلميهم ونظارهم. و (الأول هو الغالب على عامتهم وعبادهم وأهل المعرفة ~~والتحقيق منهم و (الثاني هو الغالب على نظارهم ومتكلميهم وأهل البحث منهم ~~والقياس فيهم. وكثير منهم يجمع بين القولين؛ ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب ~~الوصفين المتقابلين كليهما فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه. وفي حال ~~تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون # PageV05P272 # بالحلول في كل موجود - من البهائم وغيرها - بل " بالاتحاد " بكل شيء؛ بل ~~يقولون " بالوحدة " التي معناها أنه عين وجود الموجودات. وسبب ذلك: أن ~~الدعاء والعبادة والقصد والإرادة والتوجه يطلب موجودا؛ بخلاف النظر والبحث ~~والكلام؛ فإن العلم والكلام والبحث والقياس والنظر يتعلق بالموجود والمعدوم ms1324 ~~فإذا لم يكن القلب في عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه النفي والسلب وأعرض عن ~~الإثبات بخلاف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة فإنه يطلب موجودا يقصده ~~ويسأله ويعبده والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم فلا ينفي في السلب ما يكون ~~مقصودا أو معبودا. فالمخالف لهذا النظم إذا كان من النفاة للمتقابلين يقول: ~~أنا أقول: لا هو مباين ولا أقول بالحلول والاتحاد فلم قلت: إني إذا لم أقل ~~بالمباينة يلزمني القول بالحلول أو الاتحاد؟ هذا هو الذي يقوله أئمة النفاة ~~لمثل هذا الناظم؛ وحينئذ فيقول المثبتة القائلون بالمباينة والخروج - ومن ~~قال من النفاة إنه في كل مكان - وهو الظاهر من قولهم وقول محققيهم وعارفيهم ~~- نحن نعلم بالضرورة أن الموجود إما أن يكون مباينا لغيره. وإما أن يكون ~~محايثا ونعلم بالضرورة أن من أثبت موجودين ليس أحدهما داخلا في الآخر - ~~محايثا له - ولا خارجا عنه - مباينا له - فقد خالف ضرورة العقل؛ وهذا العلم ~~مركوز في فطر جميع الناس إلا من يقلد قول النفاة. # PageV05P273 # ونفي هذين جميعا هو من أقوال القرامطة الباطنية الذين هم أئمة الجهمية؛ ~~فإن جهما مع القرامطة وغلاة المتفلسفة يقولون: لا نقول: هو شيء ولا ليس ~~بشيء كما يقولون: لا نقول: هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا ~~جاهل ولا قديم ولا محدث. وأمثال ذلك. وهذه المقالات فسادها معلوم بالضرورة ~~العقلية وإن كان قد تواطأ عليها جماعة كثيرة؛ فإن الجماعة الذين يقلدون ~~مذهبا تلقاه بعضهم عن بعض - يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات كما يجوز ~~الاتفاق على الكذب مع المواطئة والاتفاق؛ ولهذا يوجد في أهل المذاهب ~~الباطلة كالنصارى والرافضة والفلاسفة من يصر على القول الذي يعلم فساده ~~بالضرورة. وإنما الممتنع ما يمتنع على " أهل التواتر " وهو اتفاق الجماعة ~~العظيمة على الكذب من غير مواطأة ولا اتفاق فيمتنع عليهم جحد ما يعلم ثبوته ~~بالاضطرار وإثبات ما يعلم نفيه بالاضطرار؛ لأن هذا اتفاق على الكذب. وأهل ~~التواتر لا يتصور منهم الكذب؛ فأما إذا لقنوا قولا بشبهة وحجج واعتقدوا ms1325 ~~صحته جاز أن يصروا على اعتقاده وإن كان مخالفا لضرورة العقل وإن كانوا ~~جماعة عظيمة؛ ولهذا يطبع الله على قلوب الكفار فلا يعرفون الحق قال الله ~~تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} وقال تعالى: ~~{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقال تعالى: {كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار} # PageV05P274 # وإنما تؤخذ الضروريات من القلوب السليمة والعقول المستقيمة: التي لم تمرض ~~بما تقلدته من العقائد وتعودته من المقاصد. # والمثبتة يقولون: من ذكر له قول النفاة - من أجناس بني آدم السليمة الفطر ~~- علم بالضرورة فساده؛ وكلما كان أذكى واحد ذهنا كان علمه بفساده أشد؛ بل ~~هم يقولون: إن العلم بالقضية المعينة المطلوب إثباتها " وهو علو الله تعالى ~~على العالم " معلوم بالفطرة والضرورة ويعلمون بطلان نقيضها بالفطرة ~~والضرورة؛ فيعلمون بالضرورة القضية العامة والقضية الخاصة فيعلمون أن ~~الخالق فوق العالم ويعلمون امتناع وجود موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ~~ولا مداخلا له ويعلمون أنه إذا لم يكن مباينا كان مداخلا محايثا فيلزم ~~الحلول والاتحاد. ولا ريب أن هذا هو الذي عليه جماهير الأمم من بني آدم أما ~~من يثبت العلو والمباينة فقوله ظاهر وأما الذين لا يقرون بالعلو والمباينة ~~فجمهورهم لا يعلمون ضد ذلك إلا أنه في كل مكان ولو عرض عليهم نفي هذا وهذا ~~لم يتصوروه ولم يعقلوه وبهذا احتج أهل الحلول والاتحاد - من محققيهم - ~~كالصدر القونوي وأمثاله على نفاة ذلك منهم فقال: قد سلمتم لنا أنه ليس خارج ~~العالم ولا مباينا له؛ وما لم يكن كذلك لم يعقل إلا أن يكون وجود الممكنات ~~أو في وجود الممكنات؛ إذ لا يعقل إلا هذا؛ أو هذا. ثم هذا وأمثاله يقولون: ~~هو الوجود المطلق وإن فرق ما بينه وبين الأشياء فرق ما بين # PageV05P275 # المطلق والمعين وهذا يشبه الفرق بين جنس الإنسان وأعيان الناس وجنس ~~الحيوان وأعيان الحيوان فيكون الرب مثل الجنس أو العرض العام لسائر ~~الموجودات. ومعلوم أن هذا لا يكون له وجود متميز بنفسه مباين للمخلوقات؛ إذ ~~الكليات - كالجنس والنوع والفصل ms1326 والخاصة والعرض العام - لا توجد في الخارج ~~منفصلة عن الأعيان الموجودة. وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلاء ~~وإنما يحكى الخلاف في ذلك عن شيعة أفلاطون " ونحوه: الذين يقولون بإثبات " ~~المثل الأفلاطونية " وهي الكليات المجردة عن الأعيان خارج الذهن وعن شيعة " ~~فيثاغورس " في إثبات العدد المطلق خارج الذهن. والمعلم الأول " أرسطو " ~~وأتباعه متفقون على بطلان قول هؤلاء وهؤلاء فلو ظنوا أن الباري تعالى هو ~~الوجود المطلق بهذا الاعتبار لوقعوا فيما فروا منه؛ فإن هذا يستلزم مباينته ~~لوجود المخلوقات وانفصاله عنها؛ مع أن عاقلا لا يقول: إن صفة تكون مبدعة ~~للموصوف ولا إن " الكليات " هي المبدعة لمعيناتها. والمقصود هنا أن جماهير ~~الخلائق من مثبتة علو الله على خلقه ومن نفاة ذلك على اختلاف أصنافهم ~~يقولون بإثبات هذا التقسيم والحصر وهو أن الشيء إما أن يكون مباينا لغيره ~~وإما أن يكون محايثا مداخلا؛ فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. ويقولون: إن هذا ~~معلوم بالضرورة قال النفاة: لا نسلم أن هذه القضية # PageV05P276 # ضرورية؛ بدليل أنا نعقل الإنسانية المشتركة بين الأناسي وغيرها من ~~الكليات المعقولة وغيرها وليست داخل العالم ولا خارجه وأيضا فإن أرسطو ~~وأتباعه من الفلاسفة. وطائفة من أهل الكلام أثبتوا أن النفس الناطقة كذلك ~~والعقول والنفوس ولم يكونوا قائلين بما يعلم فساده بالضرورة. وأيضا فإن ~~العقل الصريح يعلم تقسيم الشيء إلى مباين ومحايث وما ليس بمباين ولا محايث ~~وتقسيمه إلى داخل وخارج وما ليس بداخل ولا خارج وتقسيمه إلى متحيز وقائم ~~بالمتحيز وما ليس بمتحيز ولا قائم بمتحيز. ولا يعلم فساد هذا التقسيم ~~بالاضطرار كما يعلم أن الواحد نصف الاثنين. وأيضا فهذا الذي ذكرتموه من ~~لزوم المباينة والمحايثة والدخول والخروج إنما يعقل فيما هو جسم متحيز فإذا ~~قدرنا متحيزين لزم أن يكون أحدهما إما داخلا في الآخر أو خارجا منه فأما ~~إذا قدرنا موجودا ليس بجسم ولا متحيز لم يمنع أن يكون مباينا لغيره ولا ~~محايثا له ولا داخلا فيه ولا خارجا عنه بل ينفى عن القسمين وحينئذ فهذا ~~التقسيم والحصر يستلزم كون ms1327 الباري جسما متحيزا في جهة وذلك باطل. ولا نريد ~~بالتحيز أن يكون قد أحاط به " حيز " وجودي كما أجاب عنه الناظم ولا بالجهة ~~أن يكون في " أين " موجود كما أجاب الناظم أيضا بل نريد بالتحيز الذي في ~~الجهة أن يكون بحيث يشار إليه بالحس أنه هاهنا أو هناك # PageV05P277 # ولا ريب أن ما كان فوق العالم فلا بد أن يشار إليه بأنه هناك وهذا هو ~~القول بالتحيز والجهة عندنا. وإذا كان هذا التقسيم مستلزما لإثبات الجهة ~~والتحيز لم يكن هذا التقسيم صحيحا إلا أن يكون القول بالجهة والتحيز صحيحا ~~والناظم لم يذكر دليلا على صحة القول بالتحيز والجهة والجسم. # ثم نقول الأدلة النظرية الدالة على نفي التحيز والجهة والجسم تنفي صحة ~~هذا التقسيم والحصر؛ فإنه إذا قدر موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا في جهة ~~أمكن أن يعقل أنه ليس مباينا لغيره ولا محايثا له وإذا كان كذلك فكلما ينفى ~~القول بالتجسيم يبطل هذا الاستدلال. وكذلك " الاتحاد " فإن الاتحاد إذا كان ~~مع بقاء الاثنين على ما كانا عليه فلا اتحاد بل هما اثنان باقيان على ~~صفاتهما كما كانا وإن عنى به استحالة إلى نوع ثالث كما يتحد الماء واللبن ~~والماء والخمر فيصيران نوعا ثالثا لا هو ماء محض ولا لبن محض فهذا لا يكون ~~إلا بعد استحالة أحدهما وفساد يعرض لذاته والله تعالى منزه عن ذلك؛ فإنه هو ~~واجب الوجود بنفسه قديم بذاته وصفاته لا يجوز عليه عدم شيء من صفاته فيمتنع ~~في حقه الاستحالة والفساد بمضمون الدليل أن المخلوق إما أن يكون مباينا ~~للخالق والخالق مباين وإما أن يلزم الحلول والاتحاد وهما باطلان فتعين ~~الأول. # PageV05P278 # واعتراض المنازع على هذا يكون بعد بيان معنى المباينة؛ فإن أهل الكلام ~~والنظر يطلقون المباينة بإزاء " ثلاثة " معان؛ بل " أربعة ". # أحدها المباينة المقابلة للمماثلة والمشابهة والمقاربة # والثاني: المباينة المقابلة للمحايثة والمجامعة والمداخلة والمخارجة ~~والمخالطة. # والثالث المباينة المقابلة للمماسة والملاصقة؛ فهذه المباينة أخص من التي ~~قبلها؛ فإن ما باين الشيء فلم يداخله قد يكون مماسا له ms1328 متصلا به وقد يكون ~~منفصلا عنه غير مجاور له هذه المباينة الثالثة ومقابلها تستعمل فيما يقوم ~~بنفسه خاصة: كالأجسام فيقال: هذه العين إما أن تكون مماسة لهذه وإما أن ~~تكون مباينة. وأما المباينة التي قبلها وما يقابلها فإنها تعم ما يقوم ~~بنفسه وما يقوم بغيره والعرض القائم بنفسه ليس مباينا له. ولا يقال: إنه ~~مماس له فيقال: هذا اللون إما أن يكون مباينا لهذه العين أو لهذا الطعم ~~وإما أن يكون محايثا له مجامعا مداخلا ونحو ذلك من العبارات؛ وإن استعمل ~~مستعمل لفظ المماسة والملاصقة في قيام الصفة بموصوفها كان ذلك نزاعا لفظيا. # وأما النوع الأول فكما يروى عن الحسن البصري أنه قال: رأيناهم متقاربين ~~في العافية فإذا جاء البلاء تباينوا تباينا عظيما أي تفاضلوا وتفاوتوا. ~~ويقال: هذا قد بان عن نظرائه أي خرج عن مماثلتهم ومشابهتهم ومقاربتهم بما ~~امتاز به من الفضائل. ويقال: بين هذا وهذا بون بعيد وبين بعيد. # PageV05P279 # والنوع الثاني كقول عبد الله بن المبارك لما قيل له: بماذا نعرف ربنا ~~قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية: ~~إنه هاهنا. وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والبخاري وابن خزيمة ~~وعثمان بن سعيد وخلق كثير من أئمة السلف رضي الله عنهم - ولم ينقل عن أحد ~~من السلف خلاف ذلك. وحبس هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - ~~رجلا حتى يقول: الرحمن على العرش استوى ثم أخرجه وقد أقر بذلك فقال: أتقول ~~إنه مباين؟ فقال: لا. فقال: ردوه فإنه جهمي فالمباينة في كلام هؤلاء الأئمة ~~وأمثالهم لم يريدوا بها عدم المماثلة فإن هذا لم ينازع فيه أحد ولا ألزموا ~~الناس بأن يقروا بالمباينة الخاصة فإنهم قالوا: بائن من خلقه ولم يقولوا: ~~بائن من العرش وحده فجعلوا المباينة بين المخلوقات عموما ودخل في ذلك العرش ~~وغيره فإنه من المخلوقات فعلم أنهم لم يتعرضوا في هذه المباينة لإثبات ~~ملاصقة ولا نفيها. ولكن قد يقول بعض النفاة: أنا أريد بالمباينة عدم ms1329 ~~المحايثة والمداخلة فقط من غير أن أدخل في ذلك معنى الخروج. وقد يوصف ~~المعدوم بمثل هذه المباينة فيقول: إن المعدوم مباين للموجود بهذا الاعتبار ~~وهذا معنى " رابع " من معاني المباينة. وإذا عرف أن " المباينة " قد يريد ~~بها الناس هذا وهذا فلا ريب أن # PageV05P280 # " المعنى الأول " ثابت باتفاق الناس؛ فإنهم متفقون على أن الله تبارك ~~وتعالى ليس له مثل من الموجودات وأن مباينته للمخلوقين في صفاتهم أعظم من ~~مباينة كل مخلوق لمخلوق وأنه أعظم وأكبر من أن يكون مماثلا لشيء من ~~المخلوقات أو مقاربا له في صفاته؛ لكن هذا المعنى ليس هو الذي قصده الناظم ~~ولا قصد أيضا " المعنى الثالث " لأنه جعل نفي المباينة يستلزم الحلول ~~والاتحاد وهذا إنما هو " المعنى الثاني " وإلا " فالمعنى الثالث " نفيه ~~يستلزم الملاصقة والمماسة والناظم لم يذكر ذلك. وهذا المعنى " الثالث " ~~يستلزم الثاني من غير عكس؛ فإن المباينة الخاصة المقابلة للملاصقة صفة ~~تستلزم المباينة العامة المقابلة للمداخلة والمحايثة من غير عكس. وإذا عرف ~~أن الناظم أراد هذه المباينة العامة وهي المباينة المشهورة في اللغة وكلام ~~الناس وكلام العلماء فإن المنازعين له يقولون: لا نسلم أنه إذا لم يكن ~~مباينا لزم الحلول أو الاتحاد؛ فإن هذا مثل قول القائل: إذا لم يكن خارجا ~~عن العالم كان داخلا فيه وقد علم أن المخالف له يقول: لا هو داخل العالم ~~ولا هو خارجه فكذلك يقول: لا مباين ولا محايث ولا مجامع ولا مفارق ويقول: ~~إنما نفيت المباينة والمحايثة جميعا والحلول والاتحاد يدخلان في المحايثة ~~فلا أسلم إذا لم أكن مباينا للخالق أن يكون حالا في أو متحدا بي. وهذا ~~معلوم من قول النفاة؛ فإن " النفاة " الذين يقولون: إن الخالق ليس فوق ~~العالم ولا خارجا عنه مباينا له منهم من يقول: إنه حال فيه أو متحد به # PageV05P281 # وقد وافقهم على ذلك طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ~~ومتأخري أهل الحديث والصوفية. ثم هؤلاء الذين ينفون علوه بنفسه على العالم ~~هم في رؤيته على قولين: منهم من يقول: إنه تجوز رؤيته ms1330 وذلك واقع في الآخرة ~~وهذا قول كل من انتسب إلى السنة والجماعة من طوائف أهل الكلام وغيرهم ~~كالكلابية والكرامية والأشعرية وقول أهل الحديث قاطبة وشيوخ الصوفية وهو ~~المشهور عند أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء وعامة هؤلاء يثبتون ~~الصفات؛ كالعلم والقدرة ونحو ذلك. ومنهم طائفة ينفون الصفات مع دعواهم أنهم ~~يثبتون الرؤية: كابن حزم وأبي حامد في بعض أقواله. و (القول الثاني قول من ~~ينكر الرؤية كالمعتزلة وأمثالهم من الجهمية المحضة من المتفلسفة والقرامطة ~~وغيرهم وكذلك ينفون الصفات ويقولون بإثبات ذات بلا صفات وهل يوصف بالأحوال؟ ~~على قولين. أو يقولون بإثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق لا يوصف بشيء من ~~الأمور الثبوتية كما هو قول ابن سينا وأمثاله مع قولهم في أصولهم المنطقية: ~~إن المطلق بشرط الإطلاق يوجد في الخارج لكنه هل هو نفس المعين أو كلي مقارب ~~للمعين. # PageV05P282 # فالصواب عندهم هو الأول ولكن الثاني هو قول كثير من أهل المنطق مع تناقض ~~أقوالهم في ذلك وبنوا على هذا من الجهالات ما لا يحصيه إلا الله تعالى؛ كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع وعلى هذا فإذا جعل هو الموجود المطلق لا بشرط. ~~وقيل: إن المطلق جزء من المعين ملازم له كان الوجود الواجب جزءا من ~~الموجودات الممكنة وإذا قيل: ليس في الخارج مطلق مغاير للأعيان الموجودة ~~وهو الصواب. إذ ليس في هذا الإنسان جواهر بعدد ما يوصف فإذا قيل هو جسم ~~حساس قائم متحرك بالإرادة ناطق لم يكن في الإنسان المعين جواهر قائمة ~~بأنفسها غير ذلك المعين وهذا المعلوم بالضرورة. وعلى هذا فإذا قيل إن الحق ~~هو الوجود المطلق لا بشرط كان الوجود الواجب هو عين وجود الممكنات فلا يكون ~~هناك موجودان أحدهما واجب والآخر ممكن وهذا قول أهل الوحدة وهو تصريح بنفي ~~واجب الوجود المبدع للموجودات الممكنة وتصريح بأن الوجود الواجب يقبل العدم ~~والحدوث كما نشاهده من حدوث الحوادث وعدمها وهذا مع أنه كفر صريح فهو من ~~أعظم الجهل القبيح وكل من قال: إن الرب وجود مطلق لزمته هذه ms1331 الأقوال ونحوها ~~التي مضمونها نفي وجوده؛ وكذلك إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات أمر يقدره ~~الذهن وإلا فوجوده في الخارج ممتنع ولفظ ذات يقتضي ذلك؛ فإن ذات هي في ~~الأصل تأنيث ذو وأصل الكلمة ذات الصفات أي: النفس ذات الصفات فلفظ الذات ~~معناه الصاحبة والمستلزمة للصفات هذا من جهة اللفظ. # PageV05P283 # وأما من جهة المعنى فلأن كل موجود لا بد له من حقيقة يختص بها يتميز بها ~~عما سواه وكل من الموجودات يقال له: ذات فكلها مشتركة في مسمى الذات كما هي ~~مشتركة في مسمى الوجود فلا بد أن يكون لكل من الذاتين ما تختص به عن الأخرى ~~كما أنه لا بد لكل من الموجودين ما يميزه عن الآخر فإذا قدر ذات مطلقة لا ~~اختصاص لها كان ذلك ممتنعا كوجود مطلق لا اختصاص له. فلا بد أن تختص كل ذات ~~بما يخصها وذلك الذي يخصها ما توصف به من الخصائص فذات لا حقيقة لها توصف ~~بها محال. والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود: التنبيه على ~~مجامع مقالات الناس في هذا المقام وإن جميع الناس يلزمهم القول بهذه القضية ~~الضرورية التي ذكرها أهل الإثبات وهو امتناع وجود موجودين ليس أحدهما داخلا ~~في الآخر ولا خارجا عنه ولا مباينا له ولا محايثا له وامتناع وجود موجود لا ~~يشار إليه ولا إلى محله وإن من أنكر هذه القضية لزمه أحد أمرين: إما ~~الإقرار بقضايا ضرورية هذه أبين منها. وإما جحد عامة القضايا الضرورية ~~الحسية. وذكرت مقالات الناس ليتبين مناظرة بعضهم لبعض في هذا المقام. فيقول ~~المثبتون لمباينة الله: مستو على عرشه ليس بجسم ولا متحيز فاستواؤه على ~~عرشه ثابت بالسمع وعلوه ومباينته معلوم بالعقل مع السمع. # PageV05P284 # وإذا لم يكن متحيزا بطلت دلائل النفاة لكونه على العرش: كقولهم؛ إما أن ~~يكون أكبر من العرش وإما أن يكون أصغر وإما أن يكون مساويا للعرش. وكقولهم: ~~إذا كان كذلك كان له مقدار مخصوص فيستدعي مخصصا ونحو ذلك؛ فإن المثبتة تقول ~~لهم: هذا إنما يلزم ms1332 إذا كان جسما متحيزا؛ فأما إذا كان فوق العرش ولم يكن ~~جسما متحيزا لم يلزم شيء من هذه اللوازم. # وحينئذ فنفاة العلو هم بين أمرين: إن سلموا أنه على العرش مع أنه ليس ~~بجسم ولا متحيز بطل كل دليل لهم على نفي علوه على عرشه؛ فإنهم إنما بنوا ~~ذلك على أن علوه على العرش مستلزم لكونه جسما متحيزا واللازم منتف فينتفي ~~الملزوم؛ فإذا لم تثبت الملازمة لم يكن لهم دليل على النفي ولا يبقى للنصوص ~~الواردة في الكتاب والسنة - بإثبات علوه على العالم ما يعارضها وهذا هو ~~المطلوب. وإن قالوا: متى قلتم: على العرش لزم أن يكون متحيزا أو جوهرا ~~منفردا وإثبات العلو على العرش مع نفي التحيز معلوم الفساد بالضرورة. قيل ~~لهم: لا ريب أن هذا القول أقرب إلى المعقول من إثبات موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه؛ فإنا إذا عرضنا على عقول العقلاء قول قائلين: أحدهما يقول بوجود ~~موجود خارج لا داخل العالم ولا خارجه وآخر يقول بوجود موجود خارج العالم ~~وليس بجسم كان القول الأول أبعد عن المعقول # PageV05P285 # وكانت الفطرة والضرورة للأول أعظم إنكارا فإن كان حكم هذه الفطرة ~~والضرورة مقبولا لزم بطلان الأول وإن لم يكن مقبولا لم يجز إنكارهم للقول ~~الثاني وعلى التقديرين لا يبقى لهم حجة على أنه ليس بخارج العالم وهو ~~المطلوب. وهذا تقرير لا حيلة لهم فيه يبين به تناقض أصولهم وأنهم يقبلون ~~حكم الفطرة ويردونه بالتشهي والتحكم؛ بل يردون من أحكام الفطرة والضرورة ما ~~هو أقوى وأبين وأبده للعقول مما يقبلونه. والمقصود هنا بيان أنه مباين ~~للعالم خارج عنه وهم إنما ينفون ذلك بأنه يستلزم أن يكون متحيزا: إما جسما ~~وإما جوهرا منفردا وذلك أنه إن كان ما يحاذي هذا الجانب من العرش غير ما ~~يحاذي هذا الجانب كان منقسما وكان جسما وإن لم يكن غيره كان في الصغر ~~بمنزلة الجوهر الفرد وهذا لا يقوله عاقل. فإذا قال لهم طوائف من المثبتة: ~~يمكن أن يكون فوق العرش ولا يقبل إثبات هذه ms1333 المحاذاة ولا نفيها؛ لأن ذلك ~~إنما يكون أن لو كان متحيزا؛ فإذا لم يكن متحيزا أمكن أن يكون فوق العالم ~~ولا يوصف بإثبات ذلك ولا بنفيه وقالوا: إثبات العلو مع عدم المحاذاة ~~والمسامتة غير معقول أو معلوم الفساد. # PageV05P286 # فيقال لهم: إثبات الوجود مع عدم المباينة والمحايثة والدخول والخروج أبعد ~~عن العقل وأبين فسادا في المعقول، وكل عاقل سليم الفطرة إذا عرضت عليه وجود ~~موجود خارج العالم غير محايث للعالم ووجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ~~تكون نفرة فطرته عن الثاني أعظم وإن قدر أن فطرته تقبل الثاني فقبولها ~~للأول أعظم. وحينئذ فما يذكره النفاة من إمكان وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه: إما أن يكون مقبولا وإما أن لا يكون. فإن لم يكن مقبولا بطل أصل ~~قولهم وإن كان مقبولا فكلما دل على ذلك كانت دلالته على إمكان وجود موجود ~~خارج العالم ليس بمتحيز أقوى وأظهر؛ فإنه إذا ثبت أن هذا ممكن في العقل ~~فذاك أولى بالإمكان وإذا كان ذلك ممكنا لم يكن ما يذكرونه من الأدلة على ~~نفي التحيز نافيا لعلوه على العالم وارتفاعه على عرشه فلا يكون لهم دليل ~~على نفي ذلك وهذا هو المطلوب. فإذا بطل ما ينفون به ذلك - فمعلوم أن ~~السمعيات تدل على ذلك إما دلالة قطعية وإما ظاهرة والظواهر التي لا معارض ~~لها لا يجوز صرفها عن ظواهرها؛ فكيف إذا قيل: إن العلو والمباينة معلوم ~~بالفطرة والضرورة والأدلة العقلية النظرية كما هو مبسوط في موضعه. ومما ~~يوضح هذا أن النفاة إذا أثبتوا موجودا لا داخل العالم ولا خارجه فإنهم لا ~~يثبتونه بضرورة - لا وجوده ولا إمكان وجوده - بل كلاهما يثبتونه # PageV05P287 # بالنظر؛ بخلاف المثبتة فإنهم يقولون: امتناع هذا معلوم بالضرورة. وقد ~~يقولون: علو الخالق معلوم أيضا بالفطرة التي فطر الناس عليها التي هي من ~~أقوى العلوم الضرورية؛ فإن ما فطر الناس عليه من المعارف أقوى من كونهم ~~مضطرين إليه من المعارف التي لا يضطرون إليها إلا بعد تصور طرفيها؛ أو بعد ~~نوع من ms1334 التأمل. والضروري قد يفسر بما يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه ~~الانفكاك عنه وقد يفسر بما يحصل للعبد بدون كسبه واختياره. والمقصود أن ~~القول بوجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل أحد من العقلاء إنه ~~معلوم بالضرورة وكذلك سائر لوازم هذا القول: مثل كونه ليس بجسم ولا متحيز ~~ونحو ذلك؛ لم يقل أحد من العقلاء: إن هذا النفي معلوم بالضرورة؛ بل عامة ما ~~يدعى في ذلك أنه من العلوم النظرية والعلوم النظرية لا بد أن تنتهي إلى ~~مقدمات ضرورية؛ وإلا لزم " الدور القبلي " و " التسلسل " فيما له مبدأ حادث ~~وكل هذين معلوم الفساد بالضرورة متفق على فساده بين العقلاء. وإذا كان ~~كذلك؛ فما من مقدمة ضرورية يبنى عليها الإمكان أو الإثبات: كوجود موجود لا ~~داخل العالم ولا خارجه؛ إلا وانتفاء هذه النتيجة أقوى في العقل من تلك ~~المقدمة والجزم بكونها ضرورية أقوى من الجزم بكون مقدمة الدليل المعارض ~~ضرورية # PageV05P288 # يوضح ذلك: أن المعارض غايته أن يقول: لو كان خارج العالم لكان جسما أو ~~لكان متحيزا وذلك منتف فلا يكون خارج العالم؛ والدليل الذي ينفون به ذلك: ~~مقدماته فيها من الخفاء والاشتباه ما لا يخفى على من نظر في ذلك. وبسبب ما ~~فيها من الخفاء والاشتباه أحسن الظن بها كثير من الناس وحسن ظنهم بها مستند ~~إلى تقليد من قالها؛ لا إلى جزم عقولهم بها؛ فهم ينهون العامة عن تقليد ~~الرسل فيما أخبرت به من صفات الله تعالى؛ لزعمهم أن العقل عارضها؛ مع الجزم ~~بأن الرسل لا تقول إلا حقا. وهم يقلدون رءوسهم في معارضة ذلك بمقدمات ~~يزعمونها عقليات وأتباعهم لم تجزم بها عقولهم لكنهم يقلدون رءوسهم فيها. ~~ولهذا تجدهم إذا حققوا الأمر فيها ونوزعوا فيها وبين لهم مستند المنع فيها ~~لجئوا إلى الجهل الصريح فإما أن يحيلوا بالجواب على من مات وغاب - وهو عند ~~التحقيق أوغل منهم في الارتياب والاضطراب - وإما أن يخرجوا عما يجب في ~~المناظرة والجدال إلى حال أهل الظلم وسفهاء الرجال. وإما أن يتوهموا أن ms1335 هذا ~~كفر يخالف الدين. وهم في قولهم قد خالفوا الكتاب والرسول واتبعوا غير سبيل ~~المؤمنين وقالوا ما لم يقله أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من أئمة ~~المسلمين. ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على # PageV05P289 # مقدماته؛ بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى؛ فالفلاسفة تقدح في دليل ~~المعتزلة على نفي الصفات؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل ~~المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسما ~~ولا متحيزا؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض ~~والحركات وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. بل ~~الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر: أن هذا الدليل الذي استدلوا به ~~على حدوث العالم - وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها - هو دليل ~~محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم وذكر في مصنف له ~~آخر بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم وأبو حامد الغزالي ~~وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات وبينوا ~~عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم؛ بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد ~~وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر ~~فيه الأشعري ما ذكر. فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات ~~دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني عليه النفي كان في هذا دليل على أن ~~تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها وإن قيل: إن ~~هؤلاء # PageV05P290 # قدحوا في هذه المقدمات الضرورية. قيل: فإذا جوزتم على أئمة النفاة أن ~~يقدحوا بالباطل في المقدمات الضرورية فالتي يستدل بها أهل الإثبات أولى ~~وأحرى. وقد بسط في غير هذا الموضع الكلام على أدلة النفاة ومقدمات تلك ~~الأدلة على وجه التفصيل بحيث يبين لكل ذي عقل خروج أصحابها عن سواء السبيل ~~وأنهم قوم سفسطوا في العقليات ms1336 وقرمطوا في السمعيات ليس معهم على نفيهم لا ~~عقل ولا سمع ولا رأي سديد ولا شرع؛ بل معهم شبهات يظنها من يتأملها بينات ~~{كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب} . ولهذا تغلب عليهم الحيرة والارتياب والشك ~~والاضطراب. وقد صارت تلك الشبهات عندهم مقدمات مسلمة يظنونها عقليات أو ~~برهانيات وإنما هي مسلمات لما فيها من الاشتراك والاشتباه فلا تجد لهم ~~مقدمة إلا وفيها ألفاظ مشتبهة فيها من الإجمال والالتباس ما يضل بها من يضل ~~من الناس وكيف تكون النتيجة المثبتة بمثل هذه المقدمات دافعة لتلك القضايا ~~الضروريات؟ وهذا الذي قد نبه عليه في هذا المقام: كلما أمعن الناظر فيه ~~وفيما تكلم أهل النفي فيه: ازداد بصيرة ومعرفة بما فيه؛ فإنه لا يتصور أن ~~يبنى النفي على مقدمات ضرورية تساوي في جزم العقل بها مقدمات أهل الإثبات ~~الجازمة # PageV05P291 # لفساد نتيجتهم وهو قولهم: إنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه جزما لا ~~يساويه فيه جزم العقل بالمقدمات التي تبنى عليها هذه النتيجة الثابتة؛ ~~امتنع أن يزول ذلك الجزم العقلي الضروري بنتيجة مقدمات ليست مثله في الجزم. ~~وهذا الكلام قبل النظر في تلك المقدمات المعارضة لهذا الجزم هل هي صحيحة أو ~~فاسدة وإنما المقصود هنا أنه لا يصلح للمناظرة ولا يقبل في المناظرة أن ~~يعارض هذا الجزم المستقر في الفطرة بما يزعمه من الأدلة النظرية وهذا ~~المقام كاف في دفعه؛ وإن لم تحل شبهاته كما يكفي في دفع السوفسطائي أن ~~يقال: إنما تنفيه قضايا ضرورية فلا يقبل نفيها بما يذكر من الشبه النظرية. # وأما الجواب الثاني التفصيلي: فهو بيان فساد حجج النفاة على إمكان ما ~~ادعوه. قالت المثبتة: ما ذكرتموه من الحجج على إثبات موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه حجج سوفسطائي. أما الإنسانية المشتركة بين الأناسي ونحوها من " ~~الكليات " فهذه لا يقال إنها موجودة خارج الذهن لا داخل العالم ولا خارجه؛ ~~فإنها أمور ثابتة في الذهن والتصور وإذا قيل إنها موجودة ms1337 في الخارج فلا بد ~~أن تكون عينا قائمة بنفسها أو صفة قائمة بالعين. ولا ريب أنها لا توجد في ~~الخارج كلية مطلقة بشرط ما هو معقول بشرط الإطلاق وإنما توجد في الخارج ~~معينة مشخصة. # PageV05P292 # فقول القائل: إن التفتيش يخرج من المحسوس ما هو معقول: إن أراد به أنه ~~معقول ثابت في العقل فما هو ثابت في العقل ليس هو الموجود في الخارج بعينه. ~~وإن أراد أن في المحسوس الموجود في الخارج أمرا معقولا ليس هو في الذهن ~~فهذا باطل؛ فليس في الإنسان المعين إلا ما هو معين وهو هذا الإنسان المعين ~~- بدنه وروحه وصفاته - وهذا كله أمر معين؛ مقيد مشخص ليس هو كليا ولا ~~مطلقا. وما ذكره مع إثبات المتباينين - عقولا ونفوسا - لا داخل العالم ولا ~~خارجه ليس بحجة بل هم مخصومون بهذه الحجة وغيرها كما يخصم بها نظراؤهم؛ لا ~~سيما وقولهم بذلك أبين فسادا وأدحض حجة من أقوال نفاة الصفات والعلو فكيف ~~يستدل على القول بما هو أضعف منه وأبعد عن الحق وقد علم أن عامة العقلاء من ~~أهل الملل وغيرهم يردون هذا عليهم. وأما قوله: إنهم لم يكونوا بذلك قائلين ~~ما يعلم فساده بالضرورة؛ فليس الأمر كذلك؛ بل المثبتة الذين يقولون: إن ~~الموجودين لا بد أن يكونا متباينين أو متحايثين يقولون: إن ما ادعاه هؤلاء ~~مما يخالف هذا معلوم الفساد بالضرورة. بل أئمة " أهل الكلام " النافون ~~للعلو يدعون العلم الضروري: بأن الممكن إما جسم أو قائم بجسم وإنما أثبته ~~هؤلاء المتفلسفة من موجودات # PageV05P293 # ممكنة ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام: كالعقل والنفس والهيولى ~~والصورة التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا ~~أعراضا لأجسام. فإن أئمة " أهل النظر " يقولون: إن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة. كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام. ~~ومن لم يهتد لهذا كالشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم فهم ناظروا الفلاسفة ~~مناظرة ضعيفة ولم يثبتوا فساد أصولهم كما بين ذلك أئمة النظر الذين هم أجل ~~منهم وسلم هؤلاء للفلاسفة مناظرة ms1338 ضعيفة ولم يبينوا فساد أصولهم؛ إلى مقدمات ~~باطلة استزلوهم بها عن أشياء من الحق بخلاف أئمة أهل النظر كالقاضي أبي بكر ~~وأبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي وأبي الحسين البصري وأبي عبد الله ~~بن الهيصم الكرامي وأبي الوفاء علي بن عقيل. ومن قبل هؤلاء: مثل أبي علي ~~الجبائي وابنه أبي هاشم وأبي الحسن الأشعري والحسن بن يحيى النوبختي. ومن ~~قبل هؤلاء: كأبي عبد الله محمد بن كرام وابن كلاب وجعفر بن مبشر وجعفر بن ~~حرب وأبي إسحاق النظام وأبي الهذيل العلاف وعمرو بن بحر الجاحظ؛ وهشام ~~الجواليقي وهشام بن الحكم وحسين بن محمد النجار وضرار بن عمرو الكوفي وأبي ~~عيسى محمد بن عيسى # PageV05P294 # برغوث وحفص الفرد وغير هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله من أئمة أهل النظر ~~والكلام؛ فإن مناظرة هؤلاء للمتفلسفة خير من مناظرة أولئك. وهؤلاء وغيرهم ~~لا يسلمون للفلاسفة إمكان وجود ممكن لا هو جسم ولا قائم بجسم. بل قد صرح ~~أئمتهم بأن بطلان هذا " القسم الثالث " معلوم بالضرورة بل قد بين أبو محمد ~~عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الصفاتية: كأبي العباس القلانسي وأبي الحسن ~~الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد وغيرهم من انحصار الموجودات في المباين ~~والمحايث وأن قول من أثبت موجودا غير مباين ولا محايث معلوم الفساد ~~بالضرورة مثل ما بين أولئك انحصار الممكنات في الأجسام وأعراضها وأبلغ. ~~وطوائف من النظار قالوا؛ ما ثم موجود إلا جسم أو قائم بجسم - إذا فسر الجسم ~~بالمعنى الاصطلاحي؛ لا اللغوي كما هو مستقر في فطر العامة. وهذا قول كثير ~~من الفلاسفة أو أكثرهم وكذلك أيضا الأئمة الكبار كالإمام أحمد في رده على ~~الجهمية وعبد العزيز المكي في رده على الجهمية وغيرهما بينوا أن ما ادعاه ~~النفاة من إثبات قسم ثالث ليس بمباين ولا محايث معلوم الفساد بصريح العقل ~~وأن هذه من القضايا البينة التي يعلمها العقلاء بعقولهم وإثبات لفظ الجسم ~~ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة؛ كما لم يثبتوا # PageV05P295 # لفظ التحيز ولا نفوه ولا ms1339 لفظ الجهة ولا نفوه ولكن أثبتوا الصفات التي جاء ~~بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات. ومن نظر في كلام الناس في هذا ~~الباب وجد عامة المشهورين بالعقل والعلم يصرحون بأن إثبات وجود موجود لا ~~محايث للآخر ولا مباين ونحو ذلك معلوم [الفساد أو البطلان] (*) بصريح العقل ~~وضرورته. # وأما الحجة الثالثة فقوله: إن العقل يقسم المعلوم إلى مباين ومحايث وما ~~ليس بمباين ولا محايث ونظائره. فيقال له: التقسيم المعلوم إلى واجب وممكن ~~وما ليس بواجب ولا ممكن وإلى قديم ومحدث وما ليس بقديم ولا محدث وإلى قائم ~~بنفسه وقائم بغيره وما ليس بقائم بنفسه ولا بغيره وأمثال ذلك من تقديرات ~~الذهن. ومعلوم أن مثل ذلك لا يدل على إمكان ذلك في الخارج فليس كل ما فرضه ~~الذهن من الأقسام والتقديرات في الأذهان يكون ممكنا أو موجودا في الأعيان ~~بل الذهن يقسم ما يخطر له إلى واجب وممتنع وممكن وإلى موجود ومعدوم؛ فالذهن ~~يقدر كل ما يخطر بالبال ومعلوم أن في ذلك من الممتنعات ما لا يجوز وجوده ~~خارج الذهن. وأما قوله: إن التقسيم إلى مباين ومحايث لا يعلم فساده كما لا ~~يعلم فساد أن الواحد نصف الاثنين. فنقول: إن القضايا الضرورية ليس من شرطها ~~أن PageV05P296 # تكون مفرداتها بينة لكل أحد؛ بل شرطها أن تكون مفرداتها إذا تصورت جزم ~~العقل بها وتصور الواحد نصف الاثنين بين لكل أحد؛ فلهذا كان التصديق التابع ~~له أبين من غيره ولهذا لم يكن هذا في العقل كبيان أن خمسة وخمسين وربعا ~~وثمنا: نصف مائة وعشرة ونصف وربع وكلاهما ضروري. ونظائر هذا كثيرة ومعنى ~~المباين والمحايث ليس بينا ابتداء إذ اللفظ فيه إجمال كما تقدم ولكن إذا ~~بين معناه لأهل العقل جزموا بانتفاء " قسم ثالث " كما أن معنى القديم ~~والمحدث والواجب والممكن والجوهر والعرض ونحو ذلك؛ لما لم يكن بينا بنفسه ~~لعامة العقلاء لم يجزموا بانحصار الموجود في هذين القسمين؛ فإذا بين لهم ~~المعنى جزموا بذلك. فإذا قيل للعقلاء: موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون هذا ~~خارجا عن ms1340 الآخر مباينا له ولا داخلا فيه ولا بعيدا ولا قريبا منه ولا بعيدا ~~عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه ولا ~~يتصور أن يشير أحدهما إلى الآخر ولا يذهب إليه ولا يقرب منه ولا يبعد عنه ~~ولا يتحرك إليه ولا عنه ولا يقبل إليه ولا يعرض عنه ولا يحتجب عنه ولا ~~يتجلى له ولا يظهر لعينه ولا يستتر عنه. وأمثال هذه المعاني التي يقولها ~~النفاة علم العقلاء بالاضطرار امتناع وجود مثل هذين. # PageV05P297 # وأما قول المعارض: إن هذا إنما يعقل فيما هو جسم متحيز فإذا قدر ما ليس ~~بجسم ولا متحيز خلا عن هذين القسمين ولم تنحصر القسمة حينئذ في أحدهما. ~~فيقال: أولا لفظ " الجسم " و " الحيز " و " الجهة " ألفاظ فيها إجمال ~~وإبهام وهي ألفاظ " اصطلاحية " وقد يراد بها معان متنوعة ولم يرد الكتاب ~~والسنة في هذه الألفاظ لا بنفي ولا إثبات ولا جاء عن أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها فيها نفي ولا إثبات أصلا؛ فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية؛ ~~لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع؛ بل ولا أثر لا عن صاحب أو تابع ولا إمام ~~من المسلمين بل الأئمة الكبار أنكروا على المتكلمين بها وجعلوها من أهل ~~الكلام الباطل المبتدع؛ وقالوا فيهم أقوالا غليظة معروفة عن الأئمة؛ كقول ~~الشافعي رحمه الله حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف ~~بهم في القبائل والعشائر؛ ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على ~~الكلام. وبالجملة فمعلوم أن الألفاظ " نوعان ": لفظ ورد في الكتاب والسنة ~~أو الإجماع؛ فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه؛ ~~لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا والأمة لا تجتمع على ضلالة. # PageV05P298 # والثاني: لفظ لم يرد به دليل شرعي كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل ~~الكلام والفلسفة هذا يقول: هو متحيز. وهذا يقول. ليس بمتحيز وهذا يقول: هو ~~في جهة. وهذا يقول: ليس هو في جهة. وهذا يقول: هو ms1341 جسم أو جوهر. وهذا يقول: ~~ليس بجسم ولا جوهر. فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات ~~حتى يستفسر المتكلم بذلك فإن بين أنه أثبت حقا أثبته وإن أثبت باطلا رده ~~وإن نفى باطلا نفاه وإن نفى حقا لم ينفه وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه ~~الأسماء بين الحق والباطل: في النفي والإثبات. فمن قال: إنه في جهة وأراد ~~بذلك أنه داخل محصور في شيء من المخلوقات - كائنا من كان - لم يسلم إليه ~~هذا الإثبات وهذا قول الحلولية. وإن قال: إنه مباين للمخلوقات فوقها لم ~~يمانع في هذا الإثبات؛ بل هذا ضد قول الحلولية. ومن قال: ليس في جهة فإن ~~أراد أنه ليس مباينا للعالم ولا فوقه لم يسلم له هذا النفي. وكذلك لفظ ~~المتحيز يراد به ما أحاط به شيء موجود كقوله تعالى {أو متحيزا إلى فئة} ~~ويراد به ما انحاز عن غيره وباينه. فمن قال: إن الله متحيز # PageV05P299 # بالمعنى الأول لم يسلم له ومن أراد أنه مباين للمخلوقات سلم له المعنى ~~وإن لم يطلق اللفظ. إذا تبين هذا: فإذا قال هذا قائل: هذا التقسيم معلوم ~~بالاضطرار فقيل له: هذا إنما يعقل في متحيز أو ذي جهة ولم يكن هذا قادحا ~~فيما علم بالاضطرار بل يقول: إما أن يكون هذا لازما وإما أن لا يكون. فإن ~~لم يكن لازما بطل السؤال وإن كان لازما فلازم الضروري حق؛ فإن القضايا ~~الضرورية إذا كانت مستلزمة لأمور دل ذلك على صحة تلك اللوازم ولم يكن ~~الاستدلال على بطلانها بنفي تلك اللوازم؛ لأن نفيها نظري والنظري لا يقدح ~~في الضروري. وقوله: إذا قدر موجود ليس بمتحيز ولا في جهة يصح فيه هذا ~~التقسيم فيقال له: ثبوته على هذا التقدير لا يقتضي ثبوته في نفس الأمر إلا ~~أن يكون التقدير ثابتا في نفس الأمر وهذا التقسيم ينفي ثبوت هذا التقدير في ~~نفس الأمر وإذا كان التقسيم معلوما بالاضطرار كان من لوازم ذلك انتفاء هذا ~~التقدير فلا يقبل إثبات هذا التقدير بالنظر؛ ms1342 لأن ذلك يتضمن القدح في ~~الضروري بالنظري. وإذا لم يكن إلى إثبات هذا التقدير سبيل لم يضر فساد ~~التقسيم بتقدير ثبوته؛ لأن ذلك يتضمن فساد التقسيم بتقدير ثبوت ما لم يثبت ~~ولا يمكن إثباته # PageV05P300 # وأيضا فلو قدر أن إثبات هذا التقدير ممكن كان هذا من باب المعارضة؛ لا من ~~باب منع شيء من المقدمات والمعارضة تحتاج إلى إقامة الدليل ابتداء وسوف ~~نتكلم على ذلك. ولو قال المعترض: أنا أمنع صحة التقسيم وأجعل هذا سند منعي ~~لم يصح؛ لأنه يقال: المنع إما أن يكون مقدمة لم يدل عليها والمستدل قد بين ~~صحة التقسيم بالضرورة فلا يصح منعه لكن إذا أثبت إمكان وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه كان هذا استدلالا على نقيض قول المنازع وحينئذ يكون غاصبا ~~لمنصب الاستدلال؛ فإن الغصب هو منع المقدمة بإثبات نقيض المطلوب. وحقيقته ~~أنه يقول: لو صح دليل المستدل لفسد مذهبي ومذهبي لم يفسد لكيت وكيت؛ فهذا ~~غصب لمنصب الاستدلال فلا يقبل. وهكذا هذا: إذا منع التقسيم بإثبات هذا ~~التقدير؛ فهذا التقدير هو مذهبه. إذ يدعي وجود موجود لا يقبل هذا التقسيم ~~وهذا محل النزاع. فإذا استدل على إمكانه كان غاصبا فلا يقبل منه فتبين أن ~~الدلالة تامة. وصار هذا الاعتراض بمنزلة أن يقال: إذا قدر موجود ليس بقديم ~~ولا محدث لم يصح تقسيم الموجود إلى محدث وقديم؛ وإذا قدر موجود ليس بواجب ~~ولا ممكن ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره لم يصح تقسيم الموجود إلى الواجب ~~والممكن والقائم بنفسه والقائم بغيره ومعلوم أن التقسيم المعلوم # PageV05P301 # بالاضطرار لا يفسد بتقدير نقيضه أو ما يستلزم نقيضه وإنما يفسد التقسيم ~~بثبوت ما يناقضه فإذا كان المناقض لا يعلم إلا بالنظر لم يصح أن يكون ~~مناقضا فعلم أن هذا من باب معارضة الضروري بالنظري فلا يكون مقبولا ولا ~~يكون حقا. # ثم للناس في هذا المقام أربعة أجوبة: قول من يقول: هذا التقسيم معقول ~~مطلقا - وهذا التقدير لا أتكلم في ثبوته ولا نفيه؛ لأن ذلك يقدح في ~~الضروريات بالنظريات ms1343 وذلك غير مقبول بمنزلة حجج السوفسطائية. فإن ما علمناه ~~بالاضطرار وقدح فيه بعض الناس بالنظر والجدل لم يكن علينا أن نجيب عن ~~المعارض جوابا مفصلا يبين حله بل يكفينا أن نعلم أنه فاسد لأنه عارض ~~الضروري وما عارضه فهو فاسد - وهذا جواب خلق كثير من أهل الحديث والفقه ~~والكلام وغيرهم عن مثل هذا. وهؤلاء يقول أحدهم: لا أقول: إنه متحيز ولا غير ~~متحيز؛ ولا في جهة ولا في غير جهة بل أعلم أنه مباين للعالم وأنه يمتنع أن ~~يكون لا مباينا ولا مداخلا. وهذا كما قال القرمطي الباطني: لا أقول: هو ~~موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز؛ لأن ذلك من صفات ~~الأجسام. فإن الجسم ينقسم إلى حي وميت وعالم وجاهل وقادر وعاجز وموجود ~~ومعدوم فإذا # PageV05P302 # قدرنا ما ليس بجسم لم يكن عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا عاجزا ولا حيا ~~ولا ميتا كان كلام القرمطي هذا بمنزلة كلام هؤلاء الجهمية؛ أنه لا داخل ~~العالم ولا خارجه. وقول جهم والقرامطة من جنس واحد؛ كما نقله عن الفريقين ~~أصحاب المقالات وقالوا: إنه لا يقال: هو شيء ولا ليس بشيء. فمن نفى عنه هذه ~~المتقابلات التي لا بد للموجود من أحدهما لمن يمكنه قطع القرامطة؛ ولهذا ~~كانت مناظرة هؤلاء للقرامطة مناظرة ضعيفة كما هو مبسوط في موضعه. (الجواب ~~الثاني: قول من يقول؛ بل أقول: إنه ليس بمتحيز ولا في جهة وأقول مع ذلك: ~~إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول: إنه فوق العالم وليس بجسم ولا جوهر ~~ولا متحيز؛ كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والأشعرية، والكرامية ومن ~~وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية. فإذا قيل ~~لهؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا: إثبات موجود لا ~~محايث ولا مباين أظهر فسادا في ضرورة العقل من هذا؛ فإن كان قضاء العقل ~~مقبولا كان قولكم فاسدا وحينئذ حصل المطلوب من كونه مباينا للعالم. وإن كان ~~قضاء العقل مردودا بطلت حجتكم على إبطال قولنا: إنه ms1344 فوق العالم مباين له ~~وليس بجسم ولا جوهر وإذا لم يكن ثم حجة على بطلان # PageV05P303 # كونه فوق العالم لم يجز نفي ذلك؛ وحينئذ فالسمعيات قد دلت على ذلك مع ~~الفطرة فلزم على هذا التقدير أن يكون مباينا للعالم. فهذا " تحقيق جيد " قد ~~تقدم التنبيه عليه أيضا؛ فإن هؤلاء النفاة يجعلون العقل حجة لهم ولا ~~يجعلونه حجة عليهم ويحتجون على خصومهم بقضايا ضرورية ويخالفونهم في القضايا ~~الضرورية فيما هو أبين منها وكل ما يطعنون به حجة على مخالفتهم: مثل قولهم: ~~هذا من قضايا الوهم والخيال؛ لا من قضايا العقل فيطعن به في حجتهم هذه. ~~فيقال: نفيكم لوجود موجود مباين ليس بجسم ولا متحيز هو من قضايا الوهم ~~والخيال؛ لا من قضايا العقل فليتدبر الفاضل هذا المقام. (الجواب الثالث: ~~قول من يلتزم أنه متحيز أو في جهة أو أنه جسم ويقول: لا دلالة على نفي شيء ~~من ذلك وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة. فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس ~~معلوما بالضرورة وإنما يدعون النظر ونفاة ذلك لم يتفقوا على دليل واحد بل ~~كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر - فالفلاسفة الذين ينفون ذلك بناء على نفي ~~الصفات يطعن النفاة من أهل الكلام مع غيرهم - من العقلاء وأهل الإثبات - في ~~أدلتهم بالطعون المعروفة التي تبين فساد أدلتهم، والمتكلمون الذين ينفون ~~ذلك يطعنون على الفلاسفة النفاة - مع غيرهم من العقلاء وأهل الإثبات - في ~~أدلتهم وهو الدليل المبني على حدوث ما قامت به الأعراض والأفعال. # PageV05P304 # والكلام على أقوال أهل الإثبات المثبتة لفساد أدلة النفاة وما في هذه ~~المواضع من الأقوال المشتبهة والكلام الدقيق والبحوث العقلية: مبسوط مذكور ~~في غير هذا الموضع. (الجواب الرابع: جواب أهل الاستفصال وهم الذين يقولون: ~~لفظ " التحيز " و " الجهة " و " الجوهر " ونحو ذلك ألفاظ مجملة ليس لها أصل ~~في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها: في ~~حق الله تعالى؛ لا نفيا ولا إثباتا. وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ~~ليس من مذهب ms1345 " أهل السنة والجماعة " بلا ريب ولا عليه دليل شرعي؛ بل ~~الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه " أهل الكلام " الخائضون في ذلك فإذا تكلمنا ~~معهم بالبحث العقلي استفصلناهم عما أرادوه بهذه الألفاظ. فإن قال المثبت: ~~المراد بكونه متحيزا وجسما وفي جهة: إنه في جوف المخلوقات؛ أو إن المخلوقات ~~تحوزه أو إنه يماثلها أو يجوز عليه ما يجوز عليها ونحو ذلك. فهذا باطل. ~~ومباينته للعالم لا يقتضي أن يكون على هذا التقدير متحيزا ولا في جهة ولا ~~جسما. وإن قال النافي لذلك: إن ما كان فوق العالم فهو في جهة وهو متحيز وهو ~~جسم وذلك محال. # PageV05P305 # قيل له: نفي أنه مباين للعالم باطل وملزوم الباطل باطل فإذا كان نفي ~~مسميات هذه الألفاظ ملزوما لنفي المباينة كان نفيها باطلا؛ والأدلة ~~المذكورة على نفي مسماها بهذا الاعتبار باطلة. ويقول المثبت نفي مباينته ~~للعالم وعلوه على خلقه باطل؛ بل هذه الأمور مستلزمة لتكذيب الرسول فيما ~~أثبته لربه وأخبر به عنه وهو كفر أيضا لكن ليس كل من تكلم بالكفر يكفر حتى ~~تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره فإذا قامت عليه الحجة كفر حينئذ؛ بل نفي هذه ~~الأمور مستلزم للتكفير للرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه؛ بل نفي للصانع ~~وتعطيل له في الحقيقة. وإذا كان نفي هذه الأشياء مستلزما للكفر بهذا ~~الاعتبار وقد نفاها طوائف كثيرة من أهل الإيمان فلازم المذهب ليس بمذهب؛ ~~إلا أن يستلزمه صاحب المذهب فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظا أو يثبتونها ~~بل ينفون معاني أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر وهم لا يعلمون ~~بالملازمة بل يتناقضون وما أكثر تناقض الناس لا سيما في هذا الباب وليس ~~التناقض كفرا. ويقول الناظم: أنا أخبرت أن من قال ذلك: هو مفتون وفاتن وهذا ~~حق؛ لأنه فتن غيره بقوله وفتنه غيره؛ وليس كل من فتن يكون كافرا وادعيت أن ~~من قال ذلك كان قوله مستلزما للتعطيل؛ فيكون الكفر كامنا # PageV05P306 # في قوله. والكامن في الشيء لا يجب أن يكون ظاهرا فيه ولو كان الكفر ظاهرا ms1346 ~~في قوله للزم تكفير القائل. أما إذا كان كامنا وهو خفي لم يكفر به من لم ~~يعلم حقيقة ما تضمنه من الكفر وإن كان متضمنا للكفر ومستلزما له. # وأما لفظ " التجسيم " فهذا لفظ مجمل لا أصل له في الشرع؛ فنفيه وإثباته ~~يفتقر إلى تفصيل ودليل كما تقدم. وأما إن قال المثبت لذلك: المراد به أنه ~~فوق العالم ومباين له. قيل له: هذا المعنى صحيح وإن قال النافي لذلك: ~~المراد أنه لا تحوزه المخلوقات ولا تماثله. قيل له: هذا المعنى صحيح. ولا ~~منافاة بين قوليكما؛ فإنه فوق العالم مباين له والمخلوقات لا تحصره ولا ~~تحوزه ولا يفتقر إلى العرش ولا غيره؛ مع أنه عال عليها مباين لها وليس ~~مماثلا لها ولا يجوز عليه ما يجوز عليها. فهذه المعاني صحيحة من النافي ~~والمثبت مقبولة؛ وتلك المعاني منهما مردودة والحمد لله رب العالمين. ولأن ~~هذا الذي يجيب به أهل الإثبات للدهرية: من أنه سبحانه تقوم به الأفعال التي ~~يشاؤها ويقدر عليها وبذلك يخلق المخلوقات المنفصلة عنه مطابق لما جاءت به ~~الآثار المأثورة عن الرسل صلوات الله عليهم فإن الله أخبر أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. وقبل: استوائه # PageV05P307 # على العرش: {استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين} فهذا ونحوه مما جاء في مبدأ الخلق. وأما الإعادة ~~فقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} . وقد ثبت في الصحيح عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقبض الله الأرض ويطوي ~~السماء بيمينه؛ ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض؟} وفي الصحيحين عن ابن ~~عمر: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الآية ثم قال: يطوي ~~الله السموات بيمينه ويقبض الأرض بيده الأخرى ثم يقول: أنا الملك أنا ~~القدوس أنا السلام أنا المؤمن؛ أنا المهيمن؛ أنا العزيز أنا الجبار؛ أنا ~~المتكبر؛ أنا الذي ms1347 بدأت الدنيا ولم تكن شيئا أنا الذي أعيدها وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبض بيديه ويبسطهما. والمنبر يتحرك من أسفله حتى ~~إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم.} وعن ابن عباس أنه قال: ~~" ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في كف ~~أحدكم " وروي أنه قال: " يرمي بها كما يرمي الصبي بالكرة ". فهذا يبين أن ~~الأفلاك لا نسبة لها إلى قدرة الله تعالى مع كونه سبحانه وتعالى يطوي ~~السماء ويقبض الأرض. # PageV05P308 # وفي الصحيحين عن {ابن مسعود أن رجلا من اليهود قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله إذا كان يوم القيامة فإنه يمسك السماء على إصبع والأرض على ~~إصبع والشجر والثرى على إصبع والجبال على إصبع والخلائق على إصبع. قال: ~~فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقول الحبر؛ ثم قرأ قوله ~~تعالى {وما قدروا الله حق قدره} الآية.} فهذا بين من عمل الرب تبارك وتعالى ~~ما يدفع شبه المتفلسفة. # PageV05P309 # فصل: (*) # وهذا " التقسيم " الذي ذكره السائل هو معروف في كلام السلف والأئمة ~~يحتجون به على الجهمية النفاة: كمباينته لخلقه وعلوه على عرشه قال (الإمام ~~أحمد في كتابه الذي كتبه في " الرد على الجهمية والزنادقة ". (بيان ما ~~أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: {الرحمن على ~~العرش استوى} وقال: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} ~~فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش وفي السموات ~~وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ويتلون ~~آيات من القرآن: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} . قلنا: قد عرف المسلمون ~~أماكن كثيرة ليس فيها من عظيم الرب شيء فقالوا: أي شيء؟ قلنا: أحشاؤكم ~~وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظيم الرب ~~شيء؛ وقد أخبرنا أنه في السماء فقال: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور} وقد ms1348 قال جل ثناؤه: {إليه يصعد الكلم الطيب} وقال ~~تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي} PageV05P310 # وقال تعالى: {بل رفعه الله إليه} وقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ~~ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} الآية. وقال تعالى: {يخافون ربهم من ~~فوقهم} وقال تعالى: {ذي المعارج} {تعرج الملائكة والروح إليه} وقال تعالى: ~~{وهو القاهر فوق عباده} وقال تعالى: {وهو العلي العظيم} . قال فهذا خبر ~~الله أنه في السماء. ووجدنا كل شيء في أسفل مذموما يقول جل ثناؤه: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار} وقال تعالى: {وقال الذين كفروا ربنا ~~أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} ~~. وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان والشياطين مكانهم مكان؟ . ~~فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد ولكن معنى قوله عز وجل: {وهو ~~الله في السموات وفي الأرض} يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض ~~وهو الله على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش؛ لا يخلو من علم الله مكان ~~ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وذلك قوله: {لتعلموا أن الله على كل ~~شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} . وقال من الاعتبار في ذلك: لو أن ~~رجلا كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه شيء صاف لكان نظر ابن آدم قد أحاط ~~بالقدح من غير أن # PageV05P311 # يكون ابن آدم في القدح والله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من ~~غير أن يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى: لو أن رجلا بنى دارا بجميع ~~مرافقها ثم أغلق بابها وخرج. كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم ~~سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله عز وجل - وله ~~المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو؟ وما هو؟ من غير أن يكون ~~في شيء مما خلق. وما تأول الجهمية من قول الله عز وجل: {ما يكون من ms1349 نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم} فقالوا: إن الله عز وجل معنا وفينا. وقلنا: لم قطعتم ~~الخبر من قوله؟ إن الله يقول: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} يعني بعلمه فيهم {أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} ففتح الخبر بعلمه ~~وختمه بعلمه. ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه: هل يغفر الله ~~لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال نعم فقد زعم أن الله تعالى مباين خلقه ~~وأن خلقه دونه. وإن قال: لا كفر. قال: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب ~~على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس ~~الله كان ولا شيء؟ # PageV05P312 # فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه؟ فإنه ~~يصير إلى " ثلاثة أقاويل ": واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه ~~قد كفر حين زعم أنه خلق الجن والإنس والشياطين في نفسه. وإن قال: خلقهم ~~خارجا من نفسه ثم دخل فيهم: كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في مكان رجس ~~وقذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع ~~وهو قول أهل السنة. فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بالعقل الصريح والفطرة ~~البديهية؛ من أنه لا بد أن يكون خلق الخلق داخلا في نفسه أو خارجا عنه وأنه ~~إذا كان خارجا عن نفسه فإما أن يكون حل فيه بعد ذلك أو لم يزل مباينا فذكر ~~الأقسام الثلاثة. وقال أيضا في أثناء كلامه: فلما ظهرت الحجة على الجهمي ~~بما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء من غير أن يكون مماسا للشيء ولا ~~مباينا له فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو ms1350 مماسا؟ قال: لا. قلنا: فكيف ~~يكون في شيء غير # PageV05P313 # مماس له ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب. فقال: بلا كيف. فخدع الجهال بهذه ~~الكلمة وموه عليهم. وكذلك قال عبد العزيز المكي صاحب الشافعي صاحب " الحيدة ~~" المشهورة في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية قال: باب قول الجهمية في ~~قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} . زعمت الجهمية أن قول الله: ~~{الرحمن على العرش استوى} إنما المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على ~~مصر استوى على الشام يريد استولى عليها. # باب البيان لذلك: # يقال له: أيكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه فإذا ~~قال: لا. قيل: فمن زعم ذلك قال: من زعم ذلك فهو كافر. يقال له: يلزمك أن ~~تقول: إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك أن الله أخبر ~~أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على عرشه بعد ~~خلقه السموات والأرض قال الله عز وجل: {الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} وقوله: ~~{الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون # PageV05P314 # بحمد ربهم} وقوله: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} وقوله؛ {ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان} فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول: ~~المدة الذي كان العرش فيها قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه إذ ~~كان {ثم استوى على العرش} معناه عندك استولى فإنما استولى بزعمك في ذلك ~~الوقت لا قبله. وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. قال: اقبلوا البشرى ~~يا أهل اليمن قالوا؛ قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان ~~الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء} " وروي عن ~~{أبي رزين العقيلي - وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته - أنه قال: ~~يا رسول الله: أين كان ms1351 ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء فوقه ~~هواء وتحته هواء} . فيقال: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما يقول: ~~استوى فلان على السرير؛ فيكون السرير قد حوى فلانا وحده إذا كان عليه؟ ~~فيلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه؛ لأنا لا نعقل ~~الشيء على الشيء إلا هكذا. # PageV05P315 # فيقال: أما قولك: كيف استوى؟ فإن الله تعالى لا يجري عليه كيف وقد أخبرنا ~~أنه {استوى على العرش} ولم يخبرنا كيف استوى. لأنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم ~~تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم عليهم أن يقولوا عليه ما لا ~~يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله تعالى. ~~ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله تعالى محدود وقد حوته الأماكن إذ ~~زعمت في دعواك أنه في الأماكن؛ لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد ~~حواه كما تقول العرب: فلان في البيت والماء في الجب فالبيت قد حوى فلانا ~~والجب قد حوى الماء. ويلزمك أشنع من ذلك؛ لأنك قلت أفظع مما قالت به ~~النصارى وذلك أنهم قالوا: إن الله عز وجل في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد ~~فكفروا بذلك وقيل لهم: ما عظمتم الله إذ جعلتموه في بطن مريم. وأنتم ~~تقولون: إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم. ~~ويلزمك أيضا أن تقول: إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه ~~في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال: فلما شنعت مقالته قال: ~~أقول: إن الله في كل مكان لا كالشيء # PageV05P316 # في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء خارجا عن الشيء ولا مباينا ~~للشيء. قال: يقال له: أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول ~~على أنك لا تعبد شيئا؛ لأنه لو كان شيئا داخلا في القياس والمعقول لأن يكون ~~داخلا في الشيء أو خارجا عنه فلما لم يكن في قولك شيئا استحال أن يكون ~~الشيء في ms1352 الشيء أو خارجا من الشيء فوصفت - لعمري - ملتبسا لا وجود له وهو ~~دينك وأصل مقالتك التعطيل. فهذا " عبد العزيز المكي " قد بين أن القياس ~~والمعقول يوجب أن ما لا يكون داخلا في الشيء ولا خارجا منه فإنه لا يكون ~~شيئا وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له فالقياس هو الأدلة العقلية ~~والمعقول العلوم الضرورية. وكذلك قال: " أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ~~" إمام المتكلمة الصفاتية: كالقلانسي والأشعري وأتباعه فيما جمعه أبو بكر ~~بن فورك من كلام الأشعري أيضا فذكر ابن فورك كلام ابن كلاب أنه قال: وأخرج ~~من النظر والخبر قول من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه فنفاه نفيا ~~مستويا؛ لأنه لو قيل له: صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر من هذا ورد ~~أخبار الله نصا وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول وزعم أن هذا هو ~~التوحيد الخالص والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص وهم عند أنفسهم ~~قياسون. # PageV05P317 # قال: فإن قالوا: هذا إفصاح بخلو الأماكن منه وانفراد العرش به قيل: إن ~~كنتم تعنون بخلو الأماكن من تدبيره وأنه عالم فلا. وإن كنتم تذهبون إلى ~~خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى ~~الله على العرش ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض واستوى على الجدار وفي صدر ~~البيت. وقال أبو محمد بن كلاب أيضا: يقال لهم: أهو فوق ما خلق: فإن قالوا: ~~نعم. قيل: ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق فإن قالوا: بالقدرة والعزة. قيل ~~لهم: ليس هذا سؤالنا. وإن قالوا: المسألة خطأ. قيل لهم: فليس هو فوق فإن ~~قالوا: نعم ليس هو فوق قيل لهم: وليس هو تحت فإن قالوا: ولا تحت أعدموه؛ ~~لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم. وإن قالوا: هو تحت وهو فوق قيل لهم: فوق ~~تحت وتحت فوق. وقال ابن كلاب أيضا: يقال لهم: إذا قلنا: الإنسان لا مماس ~~ولا مباين للمكان فهذا محال فلا بد ms1353 من نعم قيل لهم. فهو لا مباين ولا مماس؟ ~~فإذا قالوا نعم قيل لهم: فهو بصفة المحال الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم؟ ~~فإذا قالوا: نعم قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة كما كان بصفة ~~المحال من هذه الجهة. وقيل لهم: أليس لا يقال لما هو ثابت في الإنسان لا ~~مماس ولا مباين؟ # PageV05P318 # فإذا قالوا: نعم قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: ~~لا يوصف بهما قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق فلم لا يقولون ~~عدم كما يقولون للإنسان عدم؛ إذا وصفتموه بصفة العدم؟ . وقيل لهم: إذا كان ~~عدم المخلوق وجودا له كان جهل المخلوق علما له؛ لأنكم وصفتم العدم الذي هو ~~للمخلوق وجودا له وإذا كان العدم وجودا كان الجهل علما والعجز قدرة. وقال ~~ابن كلاب أيضا: ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه ~~وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا يجيز " الأين " ويقوله ويستصوب قول القائل: ~~إنه في السماء وشهد له بالإيمان عند ذلك؛ وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون ~~" الأين " ويحرمون القول به. قال: ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحق بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك فتوهمي أنه عز ~~وجل محدود وأنه في مكان دون مكان. ولكن قولي إنه في كل مكان؛ لأنه هو ~~الصواب دون ما قلت. كلا فلقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه ~~بما فيه وأنه أصوب الإيمان بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله ~~شهد لها بالإيمان حين قالته وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به ~~وشاهد له؟ قال: ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ~~ذكرنا # PageV05P319 # من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي وقد غرس في تبينه في الفطرة ومعارف ~~الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؛ لأنك لا تسأل أحدا من الناس ~~عنه عربيا ولا عجميا ms1354 ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول: أين ربك؟ إلا قال في ~~السماء. إن أفصح أو أومأ بيده أو أشار بطرفه - إن كان لا يفصح؛ ولا يشير ~~إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل. ولا رأينا أحدا إذا دعاه إلا رافعا ~~يده إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان ~~كما يقولون وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار ~~واهتدى جهم ورجلان معه نعوذ بالله من مضلات الفتن. فهذا وأمثاله كلام ابن ~~كلاب وأبي الحسن الأشعري وأتباعه وعنه أخذ الحارث المحاسبي هذا وقد ذكر ~~الحارث المحاسبي في كتاب " فهم القرآن " هو وغيره من ذلك ما هو مذكور في ~~غير هذا الموضع؛ فإن كلام السلف والأئمة في ذلك كثير والله أعلم. # PageV05P320 # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ما يقول سيدنا وشيخنا - شيخ ~~الإسلام وقدوة الأنام أيده الله ورضي عنه -: # في رجلين تنازعا في " حديث النزول ": أحدهما مثبت والآخر ناف. # فقال المثبت: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر فقال النافي: كيف ينزل؟ فقال المثبت: ينزل بلا كيف فقال النافي: يخلو ~~منه العرش أم لا يخلو؟ فقال المثبت: هذا قول مبتدع ورأي مخترع فقال النافي: ~~ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب فقال له المثبت: هذا جوابك. فقال ~~النافي: إنما ينزل أمره ورحمته فقال المثبت: أمره ورحمته ينزلان كل ساعة ~~والنزول قد وقت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الليل الآخر فقال ~~النافي: الليل لا يستوي وقته في البلاد فقد يكون الليل في بعض البلاد # PageV05P321 # خمس عشرة ساعة ونهارها تسع ساعات ويكون في بعض البلاد ست عشرة ساعة ~~والنهار ثمان ساعات وبالعكس؛ فوقع الاختلاف في طول الليل وقصره بحسب ~~الأقاليم والبلاد وقد يستوي الليل والنهار في بعض البلاد وقد يطول الليل في ~~بعض البلاد حتى يستوعب أكثر الأربع وعشرين ساعة ويبقى النهار عندهم وقت ~~يسير؛ فيلزم على هذا أن يكون ثلث الليل ms1355 دائما ويكون الرب دائما نازلا إلى ~~السماء. والمسئول إزالة الشبه والإشكال وقمع أهل الضلال. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، أما القائل الأول الذي ذكر نص النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقد أصاب فيما قال فإن هذا القول الذي قاله؛ قد استفاضت به السنة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة ~~والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول. ومن قال ما قاله الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فقوله حق وصدق وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني؛ ~~كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني؛ فإن أصدق الكلام كلام الله ~~وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا ~~الكلام وأمثاله علانية وبلغه الأمة تبليغا عاما لم يخص به أحدا دون أحد ولا ~~كتمه عن أحد وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه # PageV05P322 # وترويه في المجالس الخاصة والعامة واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في ~~المجالس الخاصة والعامة: " كصحيحي البخاري ومسلم " " وموطأ مالك " " ومسند ~~الإمام أحمد " " وسنن أبي داود " والترمذي " والنسائي " وأمثال ذلك من كتب ~~المسلمين. لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله ~~بصفات المخلوقين ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه؛ فقد أخطأ في ذلك ~~وإن أظهر ذلك منع منه وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضا ~~في ذلك. فإن وصفه سبحانه وتعالى في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر ~~الصفات؛ كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان ووصفه بأنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ووصفه بالإتيان والمجيء في مثل قوله ~~تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} وقوله: ~~{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} وكذلك قوله تعالى {خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقوله: ms1356 {والسماء بنيناها بأيد} ~~وقوله: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء} وقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه} وأمثال ذلك من الأفعال التي # PageV05P323 # وصف الله تعالى بها نفسه التي تسميها النحاة أفعالا متعدية وهي غالب ما ~~ذكر في القرآن أو يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول به بل لا تتعدى ~~إليه إلا بحرف الجر: كالاستواء إلى السماء وعلى العرش والنزول إلى السماء ~~الدنيا ونحو ذلك. فإن الله وصف نفسه بهذه الأفعال. ووصف نفسه بالأقوال ~~اللازمة والمتعدية في مثل قوله: {وإذ قال ربك للملائكة} وقوله: {وكلم الله ~~موسى تكليما} وقوله تعالى {وناداهما ربهما} وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين} وقوله: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} وقوله: ~~{الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله ~~حديثا} وقوله: {الله نزل أحسن الحديث} وقوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى على ~~بني إسرائيل بما صبروا} وقوله: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} وقوله: {ولقد ~~صدقكم الله وعده} . وكذلك وصف نفسه بالعلم والقوة والرحمة؛ ونحو ذلك كما في ~~قوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين} وقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} وقوله: {ورحمتي وسعت ~~كل شيء} ونحو ذلك مما وصف به نفسه في كتابه وما صح عن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن القول في جميع ذلك من جنس واحد. # PageV05P324 # ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في النفي والإثبات. والله سبحانه وتعالى قد نفى عن نفسه ~~مماثلة المخلوقين فقال الله تعالى: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ~~ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فبين أنه لم يكن أحد كفوا له وقال تعالى: ~~{هل تعلم له سميا} فأنكر أن يكون له سمي وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله ~~أندادا} وقال تعالى: ms1357 {فلا تضربوا لله الأمثال} وقال تعالى: {ليس كمثله شيء} ~~. ففيما أخبر به عن نفسه: من تنزيهه عن الكفؤ والسمي والمثل والند وضرب ~~الأمثال له؛ بيان أن لا مثل له في صفاته؛ ولا أفعاله؛ فإن التماثل في ~~الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات فإن الذاتين المختلفتين يمتنع ~~تماثل صفاتهما وأفعالهما إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات فإن ~~الصفة تابعة للموصوف بها والفعل أيضا تابع للفاعل؛ بل هو مما يوصف به ~~الفاعل فإذا كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين حتى إنه يكون ~~بين الصفات من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الموصوفين: كالإنسانين كما ~~كانا من نوع واحد فتختلف مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلاف ذاتيهما ويتشابه ~~ذلك بحسب تشابه ذلك. كذلك إذا قيل: بين الإنسان والفرس تشابه من جهة أن هذا ~~حيوان وهذا # PageV05P325 # حيوان واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل وغير ذلك من الأمور؛ كان بين ~~الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين: وذلك أن الذات المجردة ~~عن الصفة لا توجد إلا في الذهن فالذهن يقدر ذاتا مجردة عن الصفة ويقدر ~~وجودا مطلقا لا يتعين وأما الموجودات في أنفسها فلا يمكن فيها وجود ذات ~~مجردة عن كل صفة ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص. # وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: " أنا أثبت صفات الله زائدة على ~~ذاته ": فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات. فإن ~~النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات فقال أهل الإثبات: نحن نقول ~~بإثبات صفات زائدة على ما أثبته هؤلاء. وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا ~~يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا بل هذا بمنزلة من قال: أثبت إنسانا؛ لا حيوانا ~~ولا ناطقا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا له قدرة ولا حياة ولا حركة ولا ~~سكون أو نحو ذلك أو قال: أثبت نخلة ليس لها ساق ولا جذع ولا ليف ولا غير ~~ذلك؛ فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل. # ولهذا كان السلف والأئمة ms1358 يسمون نفاة الصفات " معطلة " لأن حقيقة قولهم ~~تعطيل ذات الله تعالى؛ وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولهم مستلزم للتعطيل؛ ~~بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون: هو موجود قديم واجب؛ ثم ينفون # PageV05P326 # لوازم وجوده؛ فيكون حقيقة قولهم: موجود ليس بموجود حق ليس بحق خالق ليس ~~بخالق فينفون عنه النقيضين: إما تصريحا بنفيهما وإما إمساكا عن الإخبار ~~بواحد منهما. ولهذا كان محققوهم " وهم القرامطة " ينفون عنه النقيضين فلا ~~يقولون: موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لا حي ولا عالم ولا لا عالم. قالوا: ~~لأن وصفه بالإثبات تشبيه له بالموجودات ووصفه بالنفي فيه تشبيه له ~~بالمعدومات. فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل. ~~ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد ~~شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن. ففروا في زعمهم من ~~تشبيهه بالموجودات والمعدومات ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود ~~بخلاف المعدومات الممكنات. وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات ~~والمعدومات الممكنات. وما فر منه هؤلاء الملاحدة ليس بمحذور. فإنه إذا سمي ~~حقا موجودا قائما بنفسه حيا عليما رءوفا رحيما وسمي المخلوق بذلك؛ لم يلزم ~~من ذلك أن يكون مماثلا للمخلوق أصلا. ولو كان هذا حقا لكان كل موجود مماثلا ~~لكل موجود؛ ولكان كل معدوم مماثلا لكل معدوم. ولكان كل ما ينفى عنه شيء من ~~الصفات مماثلا لكل ما ينفى عنه ذلك الوصف. # PageV05P327 # فإذا قيل: السواد موجود كان على قول هؤلاء قد جعلنا كل موجود مماثلا ~~للسواد. وإذا قلنا: البياض معدوم كنا قد جعلنا كل معدوم مماثلا للبياض. ~~ومعلوم أن هذا في غاية الفساد ويكفي هذا خزيا لحزب الإلحاد. وإذا لم يلزم ~~مثل ذلك في السواد الذي له أمثال بلا ريب؛ فإذا قيل في خالق العالم إنه ~~موجود لا معدوم حي لا يموت قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين يلزم أن يكون ~~مماثلا لكل موجود ومعدوم وحي وقائم؛ ولكل ما ينفى عنه العدم وما ينفى ms1359 عنه ~~صفة العدم وما ينفى عنه الموت والنوم كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا ~~يموتون وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء ~~الأجناس سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه؛ وسواء سميت ~~مشككة وقيل: إن المشككة نوع من المتواطئة - إما أن تستعمل " مطلقة وعامة " ~~كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وخالق ومخلوق والعلم ~~ينقسم إلى قديم ومحدث. وإما أن تستعمل " خاصة معينة " كما إذا قيل: وجود ~~زيد وعمرو وعلم زيد وعمرو وذات زيد وعمرو. فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ~~ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج؛ فإن ما يختص به ~~المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره. # PageV05P328 # فإذا قيل: علم زيد ونزول زيد واستواء زيد ونحو ذلك؛ لم يدل هذا إلا على ~~ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك لم يدل على ما يشركه فيه ~~غيره. لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو وعلمنا أن علمه نظير علمه ونزوله ~~نظير نزوله واستواءه نظير استوائه فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول ~~والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ فإذا كان هذا في صفات المخلوق؛ فذلك في ~~الخالق أولى. فإذا قيل: علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ~~ونحو ذلك؛ لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى؛ ولم ~~يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو لأنا هناك علمنا ~~التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو؛ وهنا نعلم أن الله لا ~~مثل له ولا كفو ولا ند؛ فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره ولا ~~كلامه مثل كلام غيره ولا استواءه مثل استواء غيره ولا نزوله مثل نزول غيره ~~ولا حياته مثل حياة غيره. # ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات ~~المخلوقات. فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات ms1360 ~~النقص مطلقا ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله. فهذان المعنيان جمعا ~~التنزيه وقد دل عليهما قوله تعالى: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} . فالاسم ~~" الصمد " يتضمن صفات الكمال والاسم " الأحد " يتضمن نفي المثل كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة. # PageV05P329 # فالقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى ~~موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها. فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه هو ~~كما يناسب ذاته ويليق بها كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها ~~ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته؛ ولهذا قال بعضهم: إذا قال ~~لك السائل: كيف ينزل أو كيف استوى أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق؟ ~~فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته؛ فقل له: وأنا ~~لا أعلم كيفية صفاته فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. ~~فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين - وهذا هو ~~الوارد في الكتاب والسنة - وأما إذا قيلت مطلقة وعامة - كما يوجد في كلام ~~النظار: الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ~~ذلك - فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام والعلم معنى مطلق وعام والمعاني لا ~~تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان؛ فلا يكون موجود وجودا ~~مطلقا أو عاما إلا في الذهن ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن ولا يكون ~~إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن؛ وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها ~~إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها. فليتدبر العاقل هذا المقام الفارق فإنه ~~زل فيه خلق من أولي النظر الخائضين # PageV05P330 # في الحقائق حتى ظنوا أن هذه المعاني العامة المطلقة الكلية تكون موجودة ~~في الخارج كذلك؛ وظنوا أنا إذا قلنا: إن الله عز وجل موجود حي عليم والعبد ~~موجود حي عليم؛ أنه ms1361 يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد وأن ~~يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب بل وفي كل موجود ولا بد أن يكون ~~للرب ما يميزه عن المخلوق فيكون فيه جزءان: # أحدهما: لكل مخلوق وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات. # والثاني: يختص به وهو المميز له عن سائر الموجودات ثم لا يذكرون فيما ~~يختص به إلا ما يلزم فيه مثل ذلك. # فإذا قالوا: يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ماهيته أو نحو ذلك؛ كان ذلك ~~بمنزلة قولهم يمتاز بوجوده؛ فإن الذات والحقيقة والماهية تستعمل مطلقا ~~ومعينا كلفظ الوجود سواء. وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار حتى ~~قال طائفة: إن لفظ الوجود وغيره مقول بالاشتراك اللفظي فقط وحكوا ذلك عن كل ~~من قال بنفي الأحوال - وهم عامة أهل الإثبات - فصار مضمون نقلهم أن مذهب ~~عامة أهل الإسلام ومتكلمة الإثبات - كابن كلاب والأشعري وابن كرام وغيرهم ~~بل ومحققي المعتزلة: كأبي الحسين البصري وغيره - أن لفظ الموجود وغيره - ~~مما يسمى الله به ويسمى به المخلوق - إنما يقال بالاشتراك اللفظي فقط من ~~غير أن يكون بين المسميين معنى عام: كلفظ المشتري إذا سمي به المبتاع ~~والكوكب ولفظ سهيل المقول على الكوكب والرجل # PageV05P331 # وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه فإن هؤلاء متفقون على أن هذه الأسماء ~~عامة متواطئة - كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك - تقبل التقسيم ~~والتنويع وذلك لا يكون إلا في الأسماء المتواطئة كما نقول: الموجود ينقسم ~~إلى قديم ومحدث وواجب وممكن. بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم: كأبي عبد الله ~~الرازي وأمثاله من المتأخرين يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظي ~~فقط وبين هذا التقسيم في هذه الأسماء؛ مع قولهم إن التقسيم لا يكون إلا في ~~الألفاظ المتواطئة المشتركة لفظا ومعنى لا يكون في المشترك اشتراكا لفظيا. ~~ومن جملتها التي يسمونها المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التي ليس ~~بينها معنى مشترك عام. فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين - ~~بالنظر والتحقيق للفلسفة والكلام قد ضلوا في هذا النقل ms1362 - وهذا البحث في مثل ~~هذا الأصل ضلال لا يقع فيه أضعف العوام - وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق ~~من القواعد الفاسدة التي هي عن الهدى والرشد حائدة؛ حيث ظنوا أن الكليات ~~المطلقة ثابتة في الخارج جزءا من المعينات؛ وأن ذلك يقتضي تركيب المعين من ~~ذلك الكلي المشترك ومما يختص به؛ فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب تعالى ~~الواجب الوجود مركبا من الوجود المشترك ومما يختص به من الوجوب أو الوجود ~~أو الماهية. مع أنه من المشهور عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات ~~في الأذهان لا في الأعيان. # PageV05P332 # ومن هداه الله تعالى يعلم أن الموجودات لا تشترك في شيء موجود فيها أصلا؛ ~~بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال وأنا إذا قلنا: إن هذا ~~الإنسان حي متكلم أو حيوان ناطق ونحو ذلك؛ لم يكن ما له من الحيوانية أو ~~الناطقية أو النطق والحياة مشتركا بينه وبين غيره بل له ما يخصه ولغيره ما ~~يخصه ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما وغير ذلك من ~~صفاتهما. ومن قال: إن الإنسان مركب مما به الاشتراك: وهو الحيوانية وما به ~~من الامتياز: وهو النطق؛ فإن أراد بذلك أن هذا تركيب ذهني - فإنا إذا ~~تصورنا في أذهاننا حيوانا ناطقا؛ كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني والنطق ~~جزأه الآخر وكان الحيوان جزءا له أشباه أكثر من أشباه الناطق. وإذا تصورنا ~~مسمى حيوان ومسمى ناطق؛ كان مسمى الحيوان يعم الإنسان وغيره وكان مسمى ~~الناطق يخصه - فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح لكن ليس هذا ~~ضابطا. بل هو بحسب ما يتصوره الإنسان سواء كان تصوره حقا أو باطلا. ومتى ~~أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور وبجزئها الخارج عنها ~~اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام وأراد بتمام ~~الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة؛ فهذا صحيح لكن هذا لا يقتضي أن # PageV05P333 # تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة ولا أن ~~يكون بعض ms1363 صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيا لها وبعضها خارجا عن ~~الحقيقة عارضا لها؛ كما يزعمه أهل المنطق اليوناني. وهذا الموضع مما ضلوا ~~فيه وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ذلك من النظار وقلدهم في ~~ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه ولم يتصوره تصورا تاما. وإن أرادوا ~~بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق - وإحدى الصفتين يوجد نظيرها في سائر ~~الحيوان والأخرى مختصة بالإنسان - فهذا معنى صحيح. وإن أرادوا به أن ~~حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره فقد غلطوا فإن حيوانية كل حيوان كناطقية كل ~~ناطق وذلك مختص بمحله. وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجودا موصوفا بأنه ~~حيوان غير الموجود الموصوف بأنه ناطق وصاهل وأن الإنسان مركب من هذا ~~الموجود وهذا الموجود والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود؛ فقد غلطوا ~~بل لا موجود إلا هذا الإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق وهذا الفرس الموصوف ~~بأنه حيوان صاهل وكذلك سائر الحيوانات والموجودات. فقول القائل: الإنسان ~~مركب من هذا وهذا إذا أريد به أن هنا شيئا # PageV05P334 # مركبا وأن له جزأين متباينين هو مركب منهما؛ كان جاهلا بل هو شيء واحد ~~موصوف بصفتين لا يوجد إلا بصفتيه ولا توجد صفتاه إلا به. وهذا المعنى صحيح: ~~وهو أن الإنسان موصوف بأنه حيوان وأنه ناطق حقيقة وأنه ذات مستلزمة لصفاتها ~~لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له. لكن هذا ليس في الخارج تركيبا، وليس ~~في الخارج صفة لازمة ذاتية وأخرى عرضية لازمة للماهية وأخرى لازمة لوجوده ~~بل ليس في الخارج إلا الموجود المعين وصفاته تنقسم إلى: لازمة له وعارضة ~~وهو لا يوجد بدون شيء من صفاته اللازمة؛ فليس فيها ما هو لازم للذات ~~الموجودة في الخارج ولكن ليس بلازم لها بل لازم للموجود في الخارج؛ كما يظن ~~ذلك من يظنه من المنطقيين. وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان ~~بما يوجد في الأعيان فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج وظنوا أن ~~الماهية مغايرة للوجود وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره ms1364 الذهن. وأما ~~أن يكون في الخارج مثلث: له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في ~~الخارج؛ فهذا غلط بين. فإذا فهم هذا في صفة المخلوق؛ فالخالق أبعد عما سماه ~~هؤلاء تركيبا. # PageV05P335 # فإذا قيل: إن الله سبحانه وتعالى حي عليم قدير؛ فهو موصوف بأنه الحي ~~العليم القدير. وإذا قيل: هو موجود واجب بنفسه؛ فهو سبحانه موصوف بالوجود ~~والوجوب فلا مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود ولا هو مركب من جزأين؛ ولا ~~صفات مقومة تكون أجزاء لوجوده ولا نحو ذلك مما يدعى من التركيب الذي هو ~~ممتنع في المخلوق؛ فهو في الخالق أشد امتناعا. ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل ~~عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة له وليس هذا هو المعقول من لفظ ~~التركيب وهؤلاء أحدثوا اصطلاحا لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من ~~أهل اللغة؛ ولا من طوائف أهل العلم فجعلوا لفظ التركيب يتناول " خمسة أنواع ~~": # أحدها: التركيب من الوجود والماهية؛ لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج غير ~~ماهيته ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها يدخل في هذا المتصور ويلازمها ~~الخارج عنها ما يلزم هذا التصور. وهذان المعنيان هما ما يدل عليه اللفظ. # والثاني: التركيب من الجنس والفصل كقولهم: إن الإنسان مركب من الحيوانية ~~والناطقية وقد يضمون إلى ذلك التركيب من المعنى العام والخاص؛ يسمى تركيبا ~~من جنس وفصل أو من خاصة وعرض عام. # الثالث: التركيب من الذات والصفات كمسمى الحي العالم القادر # PageV05P336 # وتركيب الجسم من أجزائه الحسية عند من يقول إنه مركب من الجواهر المفردة ~~(1) ، أو تركيبه من الجزأين العقليين عند من يقول إنه مركب من المادة ~~والصورة. وأما التركيب " الأول " و " الثاني " فنازعهم جمهور العقلاء في ~~ثبوتهما في الخارج ويقولون: ليس في الخارج تركيب بهذا الاعتبار. والتركيب " ~~الرابع " و " الخامس ": فيه نزاع مشهور بين العقلاء منهم من يثبت في الجسم ~~أحد التركيبين ومنهم من يقول ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا. وأما " ~~الرابع " فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلاء ما أعلم من ينازعهم ms1365 فيه نزاعا ~~معنويا (*) ؛ لكن حكي عن طائفة من أهل النظر؛ كعبد الرحمن بن كيسان الأصم ~~وغيره؛ أنهم نفوا الأعراض ولم يثبتوا الأعراض زائدة على الجسم ونفوا كون ~~الحركة زائدة على الجسم. وخالفهم الأكثرون في ذلك. وهذا - والله أعلم - ~~نزاع لفظي وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه أم تكون الأعراض ~~زائدة على مسمى الجسم؟ وإلا فعاقل لا ينكر وجود الطعم واللون والرائحة ~~والحركة وغير ذلك من الصفات القائمة بالموصوفات. PageV05P337 # وهذا يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فمن ~~أراد بالذات " الذات المجردة " فالصفات زائدة عليها ومن أراد بالذات " ~~الذات الموصوفة " فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها. ~~ثم إن هؤلاء زعموا أنهم ينفون هذه الأنواع؛ فأما " الأنواع الأربعة " فمن ~~قال: إنها منتفية عن المخلوق فهي عن الخالق أشد انتفاء؛ وأما " النوع ~~الرابع ": فمن نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فهذا نزاع ~~لفظي ومن نازع في ثبوت هذه الصفات في نفس الأمر ونفى أن يكون لله علم وقدرة ~~ومشيئة وجعل هذه الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف: فهذا قوله معلوم ~~الفساد بعد التصور التام. وإذا علم أنه سبحانه حي عليم قدير ومعنى كونه حيا ~~ليس معنى كونه عليما ومعنى كونه عليما ليس معنى كونه قديرا؛ فهذا هو إثبات ~~الصفات. فإن قال القائل؛ إن معنى كونه عليما هو معنى كونه مريدا قديرا حيا؛ ~~فهذا مكابرة. وكذلك إذا ادعى أن هذه المعاني هي معنى الذات الموصوفة بها. ~~وإن اعترف بثبوت هذه المعاني لله وقال: أنا أنفي أن يكون الله مفتقرا إلى ~~ذوات أو معان بها يصير حيا عالما قادرا: فهذا مناظرة منه لمثبتة الأحوال # PageV05P338 # كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وغيرهما ممن يقول: إن له علما وعالمية؛ ~~وعالميته معنى زائد على علمه. وهذا القول: قول بعض الصفاتية؛ وجمهورهم ~~ينكرون هذا. ويقولون: بل معنى العلم هو معنى العالم. # وفي مسائل الصفات " ثلاثة أمور ": # أحدها: الخبر عنه بأنه حي عليم قدير؛ فهذا متفق ms1366 على إثباته وهذا يسمى ~~الحكم. # والثاني: أن هذه معان قائمة بذاته وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات السلف ~~والأئمة والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف. # والثالث: الأحوال. وهو العالمية والقادرية وهذه قد تنازع فيها مثبتو ~~الصفات ونفاتها؛ فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال دون الصفات والقاضي أبو ~~بكر وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال ~~والصفات. # وأما جماهير " أهل السنة " فيثبتون الصفات دون الأحوال وهذا لبسطه موضع ~~آخر. # PageV05P339 # والمقصود هنا: الكلام على التركيب لفظا ومعنى وبيان أن هؤلاء لهم فيه ~~اصطلاح مخالف لجمهور العقلاء وأنهم مضطرون إلى الإقرار بثبوت ما نفوه ولكن ~~هؤلاء يقولون: هذا اشتراك والاشتراك تشبيه ويقولون: هذه أجزاء وهذا تركيب ~~من هذه الأجزاء ثم إنهم لا يقدرون على نفي هذا الذي سموه اشتراكا وتشبيها ~~ولا على نفي هذه الأمور التي سموها أجزاء وتركيبا وتقسيما فإنهم يقولون: هو ~~عاقل ومعقول وعقل ولذيذ ولذة وملتذ وعاشق ومعشوق وعشق. وقد يقولون: هو عالم ~~قادر مريد ثم يقولون: العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة؛ فيجعلون كل صفة ~~هي الأخرى. ويقولون: العلم هو العالم - وقد يقولون: هو المعلوم - فيجعلون ~~الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات. وهذه أقوال رؤسائهم وهي في غاية الفساد ~~في صريح المعقول؛ فهم مضطرون إلى الإقرار بما يسمونه تشبيها وتركيبا ~~ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب والتقسيم؛ فليتأمل اللبيب كذبهم ~~وتناقضهم وحيرتهم وضلالهم؛ ولهذا يئول بهم الأمر إلى الجمع بين النقيضين أو ~~الخلو عن النقيضين. ثم إنهم ينفون عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لزعمهم أن ذلك تشبيه وتركيب. ويصفون أهل الإثبات ~~بهذه الأسماء وهم الذين ألزموها بمقتضى أصولهم ولا حيلة لهم في دفعها. فهم: ~~كما قال القائل: رمتني بدائها وانسلت # PageV05P340 # وهم لم يقصدوا هذا التناقض؛ ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية ~~التي زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها ووجود الكليات المشتركة في ~~أعيانها. فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التي جعلوها قوانين تمنع مراعاتها ~~الذهن أن يضل في فكره أوقعتهم في هذا الضلال ms1367 والتناقض. ثم إن هذه القوانين ~~فيها ما هو صحيح لا ريب فيه؛ وذلك يدل على تناقضهم وجهلهم فإنهم قد قرروا ~~في القوانين المنطقية: أن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه؛ ~~بخلاف الجزئي. وقرروا أيضا أن الكليات لا تكون كلية إلا في الأذهان: دون ~~الأعيان. وأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الذهن وهذه قوانين صحيحة. ~~ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم أن الواجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط ~~الإطلاق عن كل أمر ثبوتي. أو كما يقوله طائفة منهم: إنه الوجود المطلق بشرط ~~الإطلاق عن كل أمر ثبوتي وسلبي؛ كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة ~~الباطنية المنتسبين إلى التشيع والمنتسبين إلى التصوف. أو يقوله طائفة ~~ثالثة: إنه الوجود المطلق لا بشرط كما تقوله طائفة منهم. وهم متفقون على أن ~~المطلق بشرط الإطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية # PageV05P341 # لا يكون في الخارج موجودا. # فالمطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي؛ أولى أن لا يكون موجودا. فإن ~~المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما سواء والمقيد بسلب الوجود يختص ~~بالعدم دون الوجود والمطلق لا بشرط إنما يوجد مطلقا في الأذهان. وإذا قيل: ~~هو موجود في الخارج؛ فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيدا لا أنه يوجد في ~~الخارج مطلقا فإن هذا باطل؛ وإن كانت طائفة تدعيه. فمن تصور هذا تصورا ~~تاما؛ علم بطلان قولهم وهذا حق معلوم بالضرورة. فهذا القانون الصحيح لم ~~ينتفعوا به في إثبات وجود الرب؛ بل جعلوه مطلقا بشرط الإطلاق عن النقيضين ~~أو عن الأمور الوجودية. أو لا بشرط وذلك لا يتصور إلا في الأذهان. ~~والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان وهم يفرون من التشبيه ~~بوجه من الوجوه؛ ثم يقولون: الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن فهما مشتركان في ~~مسمى الوجود وكذلك لفظ الماهية والحقيقة والذات. ومهما قيل: هو ينقسم إلى ~~واجب وممكن. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فقد اشتركت الأقسام في المعنى ~~العام الكلي الشامل لما تشابهت فيه فهذا تشبيه يقولون به وهم يزعمون أنهم ms1368 ~~ينفون كل ما يسمى تشبيها حتى نفوا الأسماء فكان الغلاة من الجهمية ~~والباطنية لا يسمونه شيئا فرارا من ذلك. # PageV05P342 # وأي شيء أثبتوه؛ لزمهم فيه مثل ذلك وإلا لزم أن لا يكون وجود واجب الوجود ~~ممكنا وقديما ومحدثا وأن المحدث والممكن لا بد له من قديم ومن المعلوم ~~بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن وأن المحدث الممكن لا بد له من قديم ~~واجب بنفسه؛ فثبوت النوعين ضروري لا بد منه. وحقيقة الأمر أن لفظ المطلق قد ~~يعنى به ما هو كلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه. ويمتنع أن يكون ~~شيء موجود في الخارج قائما بنفسه أو صفة لغيره بهذا الاعتبار؛ فضلا عن أن ~~يكون رب العالمين الأحد الصمد كذلك. وقد يراد بالمطلق: المجرد عن الصفات ~~الثبوتية أو عن الثبوتية والسلبية جميعا؛ والمطلق لا بشرط الإطلاق. وهذا ~~إذا قدر جعل معينا خاصا لا كليا فإنه يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع ~~الكليات المطلقة بشرط لكونها كلية. فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة في ~~الخارج والكليات مطابقة لها. وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية ~~وسلبية؛ فهذا يمتنع تحققه في الخارج كليا وجزئيا. وكذلك المجرد عن أن يوصف ~~بصفة ثبوتية بل هذا أولى بالامتناع منه. وإذا كان هذا قد شارك سائر ~~الموجودات في مسمى الوجود ولم يميز عنها إلا بالقيود السلبية وهي قد امتازت ~~عنه بالقيود الوجودية؛ # PageV05P343 # كان كل ممكن في الوجود أكمل من هذا الذي زعموا أنه واجب الوجود فإن ~~الوجود الكلي مشترك بينه وبينها ولم يميز عنها إلا بعدم وامتازت عنه بوجود ~~فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها إذ الوجود أكمل من العدم. ~~وأما إذا قيل: هو الوجود لا بشرط. فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي المطابق ~~لكل موجود وهذا لا يكون كليا إلا في الذهن. وأما في الخارج؛ فلا يوجد إلا ~~معينا. ومن الناس من قال: إن هذا الكلي جزء من المعينات. فإن كان الأول هو ~~الصواب؛ لزم أن يكون ms1369 الموجود الواجب معدوما في الخارج أو أن يكون عين ~~الواجب عين الممكن كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة الوجود وإن كان ~~الثاني هو الصواب؛ لزم أن يكون وجوده جزءا من كل موجود؛ فيكون الواجب ~~الوجود جزءا من وجود الممكنات. ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء لا ~~يكون هو الخالق له كله بل يمتنع أن يكون خالقا لنفسه فضلا عن أن يكون خالقا ~~لما هو بعضه إذ الكل أعظم من الجزء فإذا امتنع أن يكون خالقا للجزء؛ ~~فامتناع كونه خالقا للكل أظهر وأظهر. فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة ~~الله وباطل المنطق أوقعهم في غاية الكذب والجهل بالله {ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور} و {الله ولي # PageV05P344 # الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات} . وهو القائل: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} ~~وهو القائل: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ما رواه مسلم في ~~صحيحه: {اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . # PageV05P345 # فصل: # وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ~~ما شهدناه فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ~~ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في أذهاننا قضايا عامة ms1370 كلية ثم ~~إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا. ~~فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعا وعطشا وشبعا وريا وحبا وبغضا ولذة وألما ~~ورضى وسخطا لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عن ~~غيرنا. وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد: حياة وقدرة وعلما وكلاما لم نفهم ما ~~نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك. وكذلك لو لم نشهد موجودا لم نعرف وجود ~~الغائب عنا فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ ~~المتواطئ. فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ~~ونثبته وهذا خاصة العقل. ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه ولم نعلم أمورا ~~عامة ولا أمورا غائبة عن إحساسنا الظاهرة والباطنة ولهذا من لم يحس الشيء ~~ولا نظيره لم يعرف حقيقته. # PageV05P346 # ثم إن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب ~~وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك. فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك ~~في الدنيا؛ لم نفهم ما وعدنا به؛ ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل ~~هذه؛ حتى قال ابن عباس رضي الله عنه ليس في الدنيا مما في الجنة إلا ~~الأسماء وهذا تفسير قوله {وأتوا به متشابها} على أحد الأقوال. فبين هذه ~~الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من ~~بعض الوجوه وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه أو أبغضناه ونفرنا عنه ~~وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا. وهذا من التأويل الذي لا ~~نعلمه نحن بل يعلمه الله تعالى؛ ولهذا كان قول من قال: " إن المتشابه لا ~~يعلم تأويله إلا الله " حقا وقول من قال: " إن الراسخين في العلم يعلمون ~~تأويله " حقا. وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان. فالذين قالوا إنهم يعلمون تأويله مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ~~ومعناه وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ms1371 ~~يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث بل كان يتكلم بألفاظ لها ~~معان لا يعرف معانيها ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله؛ أرادوا به الكيفية ~~الثابتة التي اختص # PageV05P347 # الله بعلمها: ولهذا كان السلف: كربيعة ومالك بن أنس وغيرهما يقولون: ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول. وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون والإمام ~~أحمد بن حنبل وغيرهم. وفي غير ذلك من الصفات. فمعنى الاستواء معلوم وهو ~~التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون والكيفية هي التأويل المجهول لبني ~~آدم وغيرهم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك ما وعد به في ~~الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به وأما كيفيته فقد قال تعالى: {فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " {يقول الله تعالى: أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} ". # فما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين: نعلم تفسيره ومعناه ونفهم الكلام ~~الذي خوطبنا به ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ~~ونفرق بين مسميات هذه الأسماء وأما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن ~~نعلمها نحن ولا نعلم متى تكون الساعة. وتفصيل ما أعد الله عز وجل لعباده لا ~~يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل. بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ~~تبارك وتعالى. فإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر بين الخالق والمخلوق ~~أعظم؛ # PageV05P348 # فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبرياءه وفضله: أعظم وأكبر مما بين مخلوق ~~ومخلوق. فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق: بينهما ~~من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا - ولا يمكن أن نعلمه؛ بل هو من ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى - فصفات الخالق عز وجل أولى ~~أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله ~~تبارك وتعالى وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه كل أحد بل ms1372 منه ما ~~يعلمه الراسخون ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة ومنه ما لا يعلمه إلا ~~الله. كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن التفسير على أربعة ~~أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير ~~تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب. ولفظ " ~~التأويل " في كلام السلف لا يراد به إلا التفسير أو الحقيقة الموجودة في ~~الخارج التي يؤول إليها: كما في قوله تعالى {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي ~~تأويله} الآية. وأما استعمال التأويل: بمعنى أنه صرف اللفظ عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو لمطلق الدليل؛ ~~فهذا اصطلاح # PageV05P349 # بعض المتأخرين؛ ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا ~~المعنى. ثم لما شاع هذا بين المتأخرين: صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في ~~قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} . ثم طائفة تقول: لا يعلمه إلا الله ~~وقالت طائفة: بل يعلمه الراسخون. وكلتا الطائفتين غالطة؛ فإن هذا لا حقيقة ~~له بل هو باطل والله يعلم انتفاءه وأنه لم يرده. وهذا مثل تأويلات القرامطة ~~الباطنية والجهمية وغيرهم من أهل الإلحاد والبدع. وتلك التأويلات باطلة ~~والله لم يردها بكلامه وما لم يرده لا نقول إنه يعلم أنه مراده فإن هذا كذب ~~على الله عز وجل. والراسخون في العلم لا يقولون على الله تبارك وتعالى ~~الكذب؛ وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله عز وجل عن نفسه - بل وبطريق ~~الاعتبار أن الله المثل الأعلى - أن الله يوصف بصفات الكمال: موصوف بالحياة ~~والعلم والقدرة وهذه صفات كمال. والخالق أحق بها من المخلوق. فيمتنع أن ~~يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق. ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل ~~على معنى مشترك كلي: يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم ~~وتثبت هذه المعاني لله؛ لم نكن قد عرفنا عن الله شيئا ولا صار في قلوبنا ~~إيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ms1373 # PageV05P350 # ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه. فإن جميع هذه الأمور لا ~~تكون إلا مع العلم ولا يمكن العلم إلا بإثبات " تلك المعاني " التي فيها من ~~الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا. ومن ~~فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة؛ حصل له من العلم ~~والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ~~مما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين ومن سادة أهل العلم والإيمان وتبين له أن القول في بعض " صفات ~~الله " كالقول في سائرها وأن القول في صفاته كالقول في " ذاته " وأن من ~~أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشاركة أحدهما ~~الأخرى فيما به نفاها؛ كان متناقضا. فمن نفى النزول والاستواء أو الرضى ~~والغضب أو العلم والقدرة أو اسم العليم أو القدير أو اسم الموجود فرارا ~~بزعمه من تشبيه تركيب وتجسيم؛ فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره ~~فيما نفاه هو وأثبت المثبت. فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء ~~والرضى والغضب: يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة؛ والسمع ~~والبصر والقدرة والعلم. وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع ~~والبصر: يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي العليم والقدير والسميع ~~والبصير. وكل ما يستدل به على نفي هذه الأسماء: يمكن منازعه أن يستدل به ~~على نفي الموجود والواجب. # PageV05P351 # ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه يمتنع عليه ~~العدم؛ فإن الموجود: إما ممكن ومحدث؛ وإما واجب وقديم. والممكن المحدث لا ~~يوجد إلا بواجب قديم فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم ~~نفي الموجود الواجب القديم ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلقا؛ علم أن من ~~عطل شيئا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزما تعطيل ~~الموجود المشهود. ومثال ذلك: أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك من ~~صفات الأجسام ms1374 فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب والله سبحانه ~~منزه عن هذه اللوازم؛ فيلزم تنزيهه عن الملزوم. أو قال؛ هذه حادثة والحوادث ~~لا تقوم إلا بجسم مركب وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ~~ذلك هو من صفات الأجسام. فإنه يقال له: وكذلك الإرادة والسمع والبصر والعلم ~~والقدرة: من صفات الأجسام فإنا كما لا نعقل ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى إلا ~~جسما؛ لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسما. فإذا قيل: سمعه ~~ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا وإرادته ليست كإرادتنا وكذلك علمه وقدرته: قيل ~~له: وكذلك رضاه ليس كرضانا وغضبه ليس كغضبنا وفرحه ليس كفرحنا ونزوله ~~واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا. # PageV05P352 # فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام ولا ~~يعقل نزول إلا الانتقال والانتقال يقتضي تفريغ حيز وشغل آخر فلو كان ينزل؛ ~~لم يبق فوق العرش رب. قيل: ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ~~ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه ~~وتعالى كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي: {يا عبادي إنكم لن ~~تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني} فهو منزه عن الإرادة التي لا ~~يعقل في الشاهد. إلا هي. وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا بدخول صوت في ~~الصماخ وذلك لا يكون إلا في أجوف؛ والله سبحانه أحد صمد منزه عن مثل ذلك بل ~~وكذلك البصر والكلام لا يعقل في الشاهد إلا في محل أجوف؛ والله سبحانه أحد ~~صمد منزه عن ذلك. قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وخلق من ~~السلف: " الصمد " الذي لا جوف له. وقال آخرون: هو السيد الذي كمل في سؤدده ~~وكلا القولين حق؛ فإن لفظ " الصمد " في اللغة يتناول هذا وهذا والصمد في ~~اللغة السيد؛ " والصمد " أيضا المصمد والمصمد المصمت وكلاهما معروف في ~~اللغة. # PageV05P353 # ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صمد والآدميون جوف. وهذا أيضا دليل ~~آخر؛ ms1375 فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم ~~عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " {خلقت ~~الملائكة من نور وخلق الجان من نار؛ وخلق آدم مما وصف لكم} " فإذا كانوا ~~مخلوقين من نور؛ وهم لا يأكلون ولا يشربون؛ بل هم صمد ليسوا جوفا كالإنسان ~~وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة ~~وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق تعالى ~~أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميين؛ فإن كليهما مخلوق. ~~والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى. ~~وكذلك " روح ابن آدم " تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد كما ثبت ذلك بالنصوص ~~الصحيحة والمعقولات الصريحة ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن ~~وأفعاله. فإذا لم يجز أن يقال: إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي ~~هو الجسد وهي مقرونة به وهما جميعا الإنسان فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلا ~~للجسم الذي هو بدنه؛ فكيف يجوز أن يجعل الرب تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله ~~مثل الجسم وصفاته وأفعاله؟! # فإن أراد النافي التزام أصله؛ وقال: أنا أقول ليس له كلام يقوم به؛ بل # PageV05P354 # كلامه مخلوق؛ قيل له: فيلزمك في السمع والبصر فإن البصريين من المعتزلة ~~يثبتون الإدراك. فإن قال: أنا أقول بقول البغداديين منهم - فلا أثبت له ~~سمعا ولا بصرا ولا كلاما يقوم به؛ بل أقول كلامه مخلوق من مخلوقاته لأن ~~إثبات ذلك تجسيم وتشبيه بل ولا أثبت له إرادة كما لا يثبتها البغداديون؛ بل ~~أجعلها سلبا أو إضافة فأقول: معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مكره أو ~~بمعنى كونه خالقا وآمرا - قيل له: فيلزمك ذلك في كونه حيا عالما قادرا فإن ~~المعتزلة مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر وقيل له: أنت لا تعرف حيا عالما ~~قادرا إلا جسما؛ فإذا جعلته حيا عالما قادرا؛ لزمك التجسيم والتشبيه. فإن ~~زاد في التعطيل وقال: أنا لا أقول بقول المعتزلة؛ بل بقول الجهمية ms1376 المحضة ~~والباطنية من الفلاسفة والقرامطة فأنفي الأسماء مع الصفات ولا أسميه حيا ~~ولا عالما ولا قادرا ولا متكلما إلا مجازا بمعنى السلب والإضافة: أي هو ليس ~~بجاهل ولا عاجز وجعل غيره عالما قادرا - قيل له: فيلزمك ذلك في كونه موجودا ~~واجبا بنفسه قديما فاعلا؛ فإن جهما قد قيل: إنه كان يثبت كونه فاعلا قادرا؛ ~~لأن الإنسان عنده ليس بقادر ولا فاعل فلا تشبيه عنده في ذلك. وإذا وصل إلى ~~هذا المقام؛ فلا بد له أن يقول بقول طائفة منهم فيقول: # PageV05P355 # أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم فلا أقول موجود ولا معدوم أو لا موجود ولا ~~غير موجود بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لا بنفي ولا إثبات. وإما أن يقول: ~~أنا لا أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبي؛ فلا أقول موجود بل أقول ليس بمعدوم. ~~وإما أن يقال: بل هو معدوم؛ فالقسمة حاصرة. فإنه؛ إما أن يصفه بأمر ثبوتي ~~فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم وإما أن يقول لا أصفه بالثبوت ~~بل بسلب العدم فلا أقول موجود بل ليس بمعدوم. # وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالأول ~~وقال لا أثبت واحدا من النقيضين: لا الوجود ولا العدم. قيل: هب أنك تتكلم ~~بذلك بلسانك؛ ولا تعتقد بقلبك واحدا من الأمرين بل تلتزم الإعراض عن معرفة ~~الله وعبادته وذكره فلا تذكره قط ولا تعبده ولا تدعوه ولا ترجوه ولا تخافه؛ ~~فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به فامتناعك من إثبات أحد ~~النقيضين لا يستلزم رفع النقيضين في نفس الأمر؛ فإن النقيضين لا يمكن ~~رفعهما؛ بل في نفس الأمر لا بد أن يكون الشيء - أي شيء كان - إما موجودا ~~وإما معدوما إما أن يكون وإما ألا يكون وليس بين النفي والإثبات واسطة ~~أصلا. ونحن نذكر ما في نفس الأمر سواء جحدته أنت أو اعترفت به وسواء # PageV05P356 # ذكرته أو أعرضت عنه؛ فإعراض الإنسان عن رؤية الشمس والقمر والكواكب ~~والسماء لا يدفع وجودها ولا ms1377 يدفع ثبوت أحد النقيضين؛ بل بالضرورة " الشمس " ~~إما موجودة وإما معدومة فإعراض قلبك ولسانك عن ذكر الله كيف يدفع وجوده ~~ويوجب رفع النقيضين فلا بد أن يكون إما موجودا وإما معدوما في نفس الأمر. ~~وكذلك من قال: أنا لا أقول موجود؛ بل أقول ليس بمعدوم؛ فإنه يقال: سلب أحد ~~النقيضين إثبات للآخر فأنت غيرت العبارة؛ إذ قول القائل: ليس بمعدوم يستلزم ~~أن يكون موجودا فأما إذا لم يكن معدوما؛ إما أن يكون موجودا؛ وإما ألا يكون ~~لا موجودا ولا معدوما. وهذا " القسم الثالث " يوجب رفع النقيضين وهو مما ~~يعلم فساده بالضرورة فوجب أنه إذا لم يكن معدوما أن يكون موجودا. وإن قال: ~~بل ألتزم أنه معدوم؛ قيل له: فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات ~~ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن - كما نعلم نحن أنا ~~حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث والمطر والنبات حادث والدواب حادثة ~~وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها بقوله: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد # PageV05P357 # موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون} وهذه الحوادث المشهورة يمتنع أن تكون واجبة ~~الوجود بذاتها؛ فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه وهذه كانت ~~معدومة ثم وجدت؛ فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها ~~فإن كليهما قد تحقق فيها؛ فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ~~ممكن. فنقول حينئذ: الموجود والمحدث الممكن لا بد له من موجد قديم واجب ~~بنفسه؛ فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه وهذا ~~من أظهر المعارف الضرورية؛ فإن الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ~~ذاته عضوا ولا قدرا فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير ولا يجعل رأسه أكبر ~~مما هو ولا أصغر وكذلك أبواه لا ms1378 يقدران على شيء من ذلك. ومن المعلوم ~~بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من محدث وهذه قضية ضرورية معلومة ~~بالفطرة حتى للصبيان؛ فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ~~ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد؛ لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير ~~محدث؛ بل يعلم أنه لا بد للحادث من محدث؛ فإذا قيل: فلان ضربك؛ بكى حتى ~~يضرب ضاربه؛ فكان في فطرته الإقرار # PageV05P358 # بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: {أم خلقوا من غير ~~شيء أم هم الخالقون} . " وفي الصحيحين {عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في ~~فداء أسارى بدر قال: وجدت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ~~قال: فلما سمعت هذه الآية {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ؟ أحسست ~~بفؤادي قد انصدع} . وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام ~~الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول: {أم ~~خلقوا من غير شيء} أي: من غير خالق خلقهم؛ أم هم خلقوا أنفسهم وهم يعلمون ~~أن كلا النقيضين باطل؛ فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى. وهنا طرق ~~كثيرة مثل أن يقال: الوجود إما قديم وإما محدث والمحدث لا بد له من قديم ~~والموجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب ونحو ذلك. وعلى كل ~~تقدير فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه وموجود ممكن محدث كائن ~~بعد أن لم يكن. وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود وهو لا يعقل موجودا في ~~الشاهد إلا جسما؛ فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذي ادعاه. # فعلم أن من نفى شيئا من صفات الله بمثل هذه الطريقة فإن نفيه باطل # PageV05P359 # ولو لم يرد الشرع بإثبات ذلك ولا دل أيضا عليه العقل. فكيف ينفى بمثل ذلك ~~ما دل الشرع والعقل على ثبوته فيتبين أن كل من نفى شيئا من الصفات - لأن ~~ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم - لزمه ما ms1379 ألزم به غيره وحينئذ فيكون الجواب ~~مشاركا. وأيضا فإذا كان هذا لازما على كل تقدير؛ علم أن الاستدلال به على ~~نفي الملزوم باطل فإن الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال؛ ولهذا لا يوجد ~~الاستدلال بمثل هذا في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها وإنما هو مما أحدثته ~~الجهمية والمعتزلة وتلقاه عنهم كثير من الناس: ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن ~~الرب؛ مثل أن ينفي عنه النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها: كالجهل والعجز ~~والحاجة وغير ذلك. وهذا تنزيه صحيح؛ ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم ~~التجسيم والتشبيه فيعارض بما أثبته؛ فيلزمه التناقض. ومن هنا دخلت " ~~الملاحدة الباطنية " على المسلمين حتى ردوا عن الإسلام خلقا عظيما صاروا ~~يقولون لمن نفى شيئا عن الرب - مثل من ينفي بعض الصفات أو جميعها أو ~~الأسماء الحسنى - ألم تنف هذا؟ لئلا يلزم التشبيه والتجسيم فيقول: بلى ~~فيقول: وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته؛ فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئا ~~بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه؛ ولا يذكره بلسانه ولا ~~يعبده ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه بل يعطل نفسه عن الإيمان به وقد عرف ~~تناقض هؤلاء. # PageV05P360 # وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون؛ كان تناقضه أعظم؛ فإنه يقال له: ~~فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع كان قديما أزليا واجبا بنفسه - ومن ~~المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم - وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب ~~وممكن وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان: أحدهما قديم واجب. والآخر محدث ~~ممكن؛ فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم بل هذا يلزمك بصريح قولك فإن ~~العالم المشهود جسم تقوم به الحركات فإن الفلك جسم وكذلك الشمس والقمر ~~والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات؛ فجحدت رب العالمين لئلا تجعل ~~القديم الواجب جسما تقوم به الصفات والحركات ثم في آخر أمرك جعلت القديم ~~الأزلي الواجب الوجود بنفسه أجساما متعددة تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم ~~بها الصفات والحركات مع ما فيها من الافتقار والحاجة. فإن ms1380 الشمس والقمر ~~والكواكب محتاجة إلى محالها التي هي فيها ومواضعها التي تحملها وتدور بها ~~والأفلاك كل منها محتاج إلى ما سواه إلى غير ذلك من دلائل نقصها وحاجتها. # PageV05P361 # والمقصود هنا: أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجودا - وموصوفا ~~بصفات الكمال لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم وجعل نفي هذا اللازم ~~دليلا على نفي ما جعله ملزوما له - لزمه في آخر الأمر ما فر منه من جعله ~~الموجود الواجب جسما يشبه غيره مع أنه وصفه بصفات النقص التي يجب تنزيه ~~الرب عنها ومع أنه جحد الخالق جل جلاله؛ فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من ~~كفر عامة المشركين فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه ولزمه مع ~~هذا أنه من أجهل بني آدم وأفسدهم عقلا ونظرا وأشدهم تناقضا. وهكذا يفعل ~~الله بالذين يلحدون في أسمائه وآياته - مع دعوى النظر والمعقول والبرهان ~~والقياس كفرعون وأتباعه - قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~وسلطان مبين} {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} {فلما جاءهم ~~بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال} {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ~~أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} {وقال موسى إني عذت بربي وربكم ~~من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب} {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين # PageV05P362 # في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ~~وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب} {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد} {ويا قوم إني أخاف عليكم ms1381 يوم التناد} {يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} {ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} {الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار} {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} ~~{أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} . وقال تعالى: {إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} {يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} {ولقد آتينا موسى الهدى ~~وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} {هدى وذكرى لأولي الألباب} {فاصبر إن وعد الله ~~حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} {إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير} . # PageV05P363 # وسبب ذلك أن لفظ " الجسم " و " التشبيه " فيه إجمال واشتباه كما سنبينه ~~إن شاء الله تعالى؛ فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو ~~المراد بالجسم في اللغة فإن الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذي ~~في اللغة كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء وسنأتي بذلك؛ وإنما يريدون ~~بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء واعتقدوا أن كل ما تقوم به الصفات فهو ~~مركب من أجزاء وهذا الاعتقاد باطل. بل الرب موصوف بالصفات وليس جسما مركبا ~~لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة كما يدعون كما سنبينه إن شاء ~~الله تعالى؛ فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال بل غلطوا في ~~هذا التلازم. وأما ما هو لازم لا ريب فيه؛ فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن ~~الله ms1382 تعالى. فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل وإحدى المقدمتين باطلة: إما ~~الأولى وإما الثانية كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذه قواعد مختصرة جامعة ~~وهي مبسوطة في مواضع أخرى. # PageV05P364 # فصل: # إذا تبين هذا فقول السائل: كيف ينزل؟ بمنزلة قوله: كيف استوى؟ وقوله: كيف ~~يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف: يعلم ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن ~~مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل: مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن؛ فإنه قد روي من غير وجه أن سائلا سأل مالكا عن قوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا رجل ~~سوء ثم أمر به فأخرج. ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك وقد روي هذا ~~الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا ولكن ليس إسناده مما يعتمد ~~عليه وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك: في أنا لا نعلم كيفية ~~استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب ~~فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم ~~كيفيته ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة ولا نعلم كيفية ذلك ونعلم ~~معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك. # PageV05P365 # وأما سؤال السائل: هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه؟ - وإمساك المجيب عن ~~هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته - ~~وسؤال السائل له عن هذا إن كان نفيا لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فخطأ منه وإن كان استرشادا فحسن وإن كان تجهيلا للمسئول؛ فهذا فيه تفصيل. ~~فإن المثبت الذي لم يثبت إلا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ونفى علمه ~~بالكيفية؛ فقوله سديد لا يرد عليه سؤاله والمعترض الذي يعترض عليه بهذا ~~السؤال؛ اعتراضه باطل فإن ذلك لا يقدح في جواب المجيب. # وقول المسئول: هذا قول مبتدع ورأي مخترع ms1383 - حيدة منه عن الجواب - يدل على ~~جهله بالجواب السديد؛ ولكن لا يدل هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به ~~الرسول حق ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح. ومما يبين ذلك: ~~أن هذا المعترض إما أن يقر بأن الله فوق العرش وإما أن لا يكون مقرا بذلك. ~~فإن لم يكن مقرا بذلك؛ كان قوله: هل يخلو العرش منه أم لا يخلو؟ كلاما ~~باطلا؛ لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش. وإن قال المعترض: أنا ~~ذكرت هذا التقسيم لأنفي نزوله وأنفي العلو - لأنه إن قال: يخلو منه العرش ~~لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه وأن لا يكون وقت النزول هو ~~العلي الأعلى بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به. وإن قال: إن العرش لا ~~يخلو منه قيل له: فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل فإن نزوله بدون خلو ~~العرش منه لا يعقل - فيقال لهذا المعترض: # PageV05P366 # هذا الاعتراض باطل لا ينفعك لأن الخالق سبحانه وتعالى موجود بالضرورة ~~والشرع والعقل والاتفاق. فهو إما أن يكون مباينا للعالم فوقه وإما أن يكون ~~مداخلا للعالم محايثا وإما أن يكون لا هذا ولا هذا. فإن قلت: إنه محايث ~~للعالم بطل قولك فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته في كل مكان؛ لم يمتنع عندك ~~خلو ما فوق العرش منه بل هو دائما خال منه لأنه هناك ليس عندك شيء ثم يقال ~~لك: وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل مكان وأنه مع هذا ينزل إلى السماء ~~الدنيا؟ فإن قلت: نعم؛ قيل لك: فإذا نزل هل يخلو منه بعض الأمكنة أو لا ~~يخلو؟ فإن قلت: يخلو منه بعض الأمكنة؛ كان هذا نظير خلو العرش منه. فإن ~~قلت: لا يخلو منه مكان؛ كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه. فإن جوزت هذا؛ ~~كان لخصمك أن يجوز هذا. فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك بل قولك أبعد عن ~~المعقول لأن نزول من هو فوق العالم أقرب ms1384 إلى المعقول من نزول من هو حال في ~~جميع العالم فإن نزول هذا لا يعقل بحال وما فررت منه من الحلول وقعت في ~~نظيره بل منازعك الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم ~~وينزل إلى العالم أشد تعظيما لله منك ويقال له: هل يعقل موجودان قائمان ~~بأنفسهما أحدهما محايث للآخر؟ فإن قال: لا؛ بطل قوله. وإن قال: نعم؛ قيل ~~له: فليعقل أنه فوق العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ~~فإن هذا أقرب إلى العقل مما إذا قلت: إنه حال في العالم. # PageV05P367 # وإن قلت؛ إنه لا مباين للعالم ولا مداخل له؛ قيل لك: فهل يعقل موجودان ~~قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا محايثا له؟ فإن جمهور العقلاء ~~يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة فإذا قال: نعم يعقل ذلك فيقال له: فإن ~~جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مباينا للعالم ولا محايثا له فوجود مباين ~~للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق العالم أقرب إلى المعقول؛ فإنك ~~إن كنت لا تثبت من الوجود إلا ما تعقل له حقيقة في الخارج فأنت لا تعقل في ~~الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخلا في الآخر ولا محايثا له ~~وإن كنت تثبت ما لا تعقل حقيقته في الخارج فوجود موجودين أحدهما مباين ~~للآخر أقرب إلى المعقول؛ ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش منه أقرب إلى ~~المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل العالم فإن حكمت بالقياس؛ فالقياس ~~عليك لا لك؛ وإن لم تحكم به؛ لم يصح استدلالك على منازعك به. وأما قول ~~السائل: ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب: فيقال له: الجواب على " وجهين ~~" جواب معترض ناف لنزوله وعلوه وجواب مثبت لنزوله وعلوه وأنت لم تسأل سؤال ~~مستفت بل سألت سؤال معترض ناف. وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ساقط لا ينفعك ~~فإنه سواء قيل: إنه يخلو منه العرش أو قيل لا يخلو منه العرش ليس في ذلك ms1385 ما ~~يصحح قولك إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا قولك إنه بذاته في كل مكان. ~~وإذا # PageV05P368 # بطل هذان القولان تعين " الثالث " وهو: أنه سبحانه وتعالى فوق سمواته على ~~عرشه بائن من خلقه وإذا كان كذلك؛ بطل قول المعترض. هذا إن كان المعترض غير ~~مقر بأنه فوق العرش وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو عن النزول فقال: ينزل ~~أمره. فقال له السائل: فمن ينزل؟ ما عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ ~~. من العدم المحض فبهت. وإن كان المعترض من المثبتة للعلو ويقول: إن الله ~~فوق العرش؛ لكن لا يقر بنزوله؛ بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذي ~~هو مأمور به وهو مخلوق من مخلوقاته؛ فيجعل النزول مفعولا محدثا يحدثه الله ~~في السماء كما يقال مثل ذلك في استوائه على العرش؛ فيقال له: هذا التقسيم ~~يلزمك فإنك إن قلت: إذا نزل يخلو منه العرش؛ لزم المحذور الأول وإن قلت: لا ~~يخلو منه العرش؛ أثبت نزولا مع عدم خلو العرش منه وهذا لا يعقل على أصلك. ~~وإن قال: إنما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته؛ قيل له: أي شيء أثبته مع عدم فعل ~~اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب؛ لا يمكن أن يراد به أصلا ~~مع تحريف الكلم عن مواضعه؛ فجمعت بين شيئين: بين أن مما أثبته لا يمكن أن ~~يعقل من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أنك حرفت كلام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. فإن قلت: الذي ينزل ملك. قيل: هذا باطل من وجوه: # PageV05P369 # منها: أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض كما قال تعالى: ~~{ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} وقال تعالى: {وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك} . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ~~وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين ~~باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم ms1386 بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم ~~وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون} . وكذلك ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن لله ملائكة سياحين فضلا يتتبعون ~~مجالس الذكر. فإذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ينادون: هلموا إلى ~~حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال فيسألهم ربهم - وهو أعلم ~~بهم -: ما يقول عبادي؟ قال فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك} . ~~وفي رواية لمسلم: {إن لله ملائكة سيارة فضلا عن كتاب الناس يتبعون مجالس ~~الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر؛ قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا حتى يملئوا ما ~~بينهم وبين سماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا أو صعدوا إلى السماء. قال: ~~فيسألهم الله عز وجل - وهو أعلم بهم -: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا # PageV05P370 # من عند عبادك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك} . ~~الحديث بطوله. (الوجه الثاني أنه قال فيه: {من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني ~~فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟} . وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك ~~عن الله بل الذي يقول الملك: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ~~ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ثم يوضع له ~~القبول في الأرض} وذكر في البغض مثل ذلك. فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم ~~بصيغة المخاطب؛ بل يقول: إن الله أمر بكذا أو قال كذا. وهكذا إذا أمر ~~السلطان مناديا ينادي فإنه يقول: يا معشر الناس أمر السلطان بكذا ونهى عن ~~كذا ورسم بهذا لا يقول أمرت بكذا ونهيت عن كذا بل لو قال ذلك بودر إلى ~~عقوبته. وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية فإنهم تأولوا تكليم الله ~~لموسى عليه السلام بأنه أمر ملكا فكلمه فقال لهم أهل السنة: لو كلمه ملك لم ~~يقل {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} بل كان يقول كما قال المسيح ~~عليه السلام {ما قلت لهم ms1387 إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} . ~~فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول # PageV05P371 # لمحمد صلى الله عليه وسلم {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك} ويقول: إن الله يأمرك بكذا ويقول كذا لا يمكن أن يقول ~~ملك من الملائكة {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ولا يقول {من ~~يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟} ولا يقول {لا ~~يسأل عن عبادي غيري} كما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما وسندهما صحيح أنه ~~يقول: {لا أسأل عن عبادي غيري} . وهذا أيضا مما يبطل حجة بعض الناس فإنه ~~احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث أنه يأمر مناديا فينادي فإن هذا ~~إن كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الرب يقول ذلك ويأمر مناديا ~~بذلك؛ لا أن المنادي يقول {من يدعوني فأستجيب له؟} ومن روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته ~~الأمة خلفا عن سلف - فاسد في المعقول فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما ~~روى بعضهم ينزل بالضم وكما قرأ بعضهم ( {وكلم الله موسى تكليما} ) ونحو ذلك ~~من تحريفهم اللفظ والمعنى. وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك قيل: ~~الرحمة التي تثبتها إما أن تكون عينا قائمة بنفسها وإما أن تكون صفة قائمة ~~في غيرها. # PageV05P372 # فإن كانت عينا وقد نزلت إلى السماء الدنيا لم يمكن أن تقول من يدعوني ~~فأستجيب له؟ كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك. وإن كانت صفة من الصفات فهي لا ~~تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من محل. ثم لا يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ~~ولا محلها. ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا فأي منفعة ~~لنا في ذلك؟ وإن قال: بل الرحمة ما ينزله ms1388 على قلوب قوام الليل في تلك ~~الساعة من حلاوة المناجاة والعبادة وطيب الدعاء والمعرفة وما يحصل في ~~القلوب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه فإن ~~هذا أمر معروف يعرفه قوام الليل قيل له: حصول هذا في القلوب حق لكن هذا ~~ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يصعد بعد ~~نزوله وهذا الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر؛ لكن هذا النور ~~والبركة والرحمة التي في القلوب هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته ~~سبحانه وتعالى. كما وصف نفسه " بالنزول عشية عرفة " في عدة أحاديث صحيحة ~~وبعضها في " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم ~~عرفة وأنه عز وجل ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟} وعن ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا ~~كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ~~فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا # PageV05P373 # ضاحين من كل فج عميق} وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ~~ويقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا} فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى ~~السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثا ~~غبرا ما أراد هؤلاء؟ فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم ~~من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه لكن ليس هذا ~~الذي في قلوبهم هو الذي يدنو إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج. ~~والجهمية ونحوهم من المعطلة: إنما يثبتون مخلوقا بلا خالق وأثرا بلا مؤثر ~~ومفعولا بلا فاعل وهذا معروف من أصولهم وهذا من فروع أقوال الجهمية. وأيضا ~~فيقال له: وصف نفسه ms1389 بالنزول كوصفه في القرآن بأنه {خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش} وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان وبأنه نادى ~~موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة وبالمجيء والإتيان في قوله: ~~{وجاء ربك والملك صفا صفا} وقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} . والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم ~~الجمعة وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث فبينوا له أن القرآن ~~يصدق معنى هذا الحديث كما احتج به إسحاق # PageV05P374 # بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر: أمير خراسان. ~~قال أبو عبد الله الرباطي: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر ~~إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ فقال: نعم فقال له بعض قواد ~~عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم قال: كيف ~~ينزل؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال له الرجل: أثبته فوق فقال له ~~إسحاق: قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} فقال الأمير عبد الله بن ~~طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يجيء ~~يوم القيامة من يمنعه اليوم. # ثم بعد هذا إذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ " هذه مسألة أخرى " ~~تكلم فيها أهل الإثبات. فمنهم من قال: لا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن ~~الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد وعن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد ~~وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم. ومنهم من أنكر ذلك وطعن في هذه الرسالة ~~وقال: راويها عن أحمد بن حنبل مجهول لا يعرف. والقول الأول معروف عند ~~الأئمة كحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه # PageV05P375 # وغيرهما قال الخلال في " كتاب السنة ": حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا ~~أحمد بن محمد المقدمي ثنا سليمان بن حرب قال: سأل ms1390 بشر بن السري حماد بن زيد ~~فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا} يتحول ~~من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف ~~شاء. ورواه ابن بطة في كتاب " الإبانة " فقال: حدثني أبو القاسم حفص بن عمر ~~الأردبيلي حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا سليمان بن حرب قال سأل بشر بن السري ~~حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء {ينزل الله إلى سماء ~~الدنيا} أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه ~~يقرب من خلقه كيف شاء. وقال ابن بطة: وحدثنا أبو بكر النجاد ثنا أحمد بن ~~علي الأبار ثنا علي بن خشرم قال: قال إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله ~~بن طاهر فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟ ~~قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلت: نعم رواها الثقات الذين ~~يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن ~~يخلو العرش منه. قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا وقد رواها اللكائي أيضا ~~بإسناد منقطع واللفظ مخالف لهذا. وهذا الإسناد أصح وهذه والتي قبلها ~~حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات. فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه يقرب ~~من خلقه كيف شاء فأثبت قربه إلى خلقه مع # PageV05P376 # كونه فوق عرشه وعبد الله بن طاهر - وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان ~~يعرف أن الله فوق العرش وأشكل عليه أنه ينزل لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو ~~منه العرش فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش وقال له: يقدر أن ينزل من ~~غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم فقال له إسحاق: لم تتكلم في ~~هذا؟ يقول: فإذا كان قادرا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه فلا ~~يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش وكان هذا أهون من ms1391 اعتراض ~~من يقول: ليس فوق العرش شيء فينكر هذا وهذا. ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم ~~في " السنة " قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي قال: حدثني الليث ~~بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا ~~قال الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. ~~أراد الفضيل بن عياض رحمه الله مخالفة الجهمي الذي يقول إنه لا تقوم به ~~الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا ~~غير ذلك من الأفعال الاختيارية القائمة به. فقال الفضيل: إذا قال لك ~~الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما شاء. فأمره ~~أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الأفعال القائمة بذاته التي يشاؤها لم ~~يرد من المفعولات المنفصلة عنه. ومثل ذلك يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف ~~أنهم قالوا في حديث النزول يفعل الله ما يشاء. قال اللالكائي: حدثنا المسير ~~بن عثمان حدثنا # PageV05P377 # أحمد بن الحسين: ثنا أحمد بن علي الأبار قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ~~إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل؛ فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يريد: ~~فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به - كالقاضي أبي بكر ومن ~~اتبعه وابن عقيل والقاضي عياض وغيرهم - يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم: ~~" يفعل ما يشاء " أن يحدث شيئا منفصلا عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلا. ~~وهذا أوجبه أصلان لهم: (أحدهما أن الفعل عندهم هو المفعول والخلق هو ~~المخلوق، فهم يفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله تعالى {خلق السموات والأرض} ~~وأمثاله: إن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته بل حاله قبل ~~أن يخلق وبعد ما خلق سواء لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي؛ لا ~~وجودي كما يقولون مثل ذلك في كونه يسمع أصوات العباد ويرى أعمالهم وفي كونه ~~كلم موسى وغيره وكونه أنزل القرآن أو ms1392 نسخ منه ما نسخ؛ وغير ذلك فإنه لم ~~يتجدد عندهم إلا مجرد " نسبة " و " إضافة " الخالق والمخلوق وهي أمر عدمي ~~لا وجودي. وهكذا يقولون: في استوائه على العرش إذا قالوا: إنه فوق العرش ~~وهذا قول ابن عقيل وغيره وهو أول قولي القاضي أبي يعلى. ويسمي ابن عقيل هذه ~~" النسبة " الأحوال؛ ولعله يشبهها " بالأحوال " التي يثبتها من يثبتها من ~~النظار # PageV05P378 # ويقولون هي لا موجودة ولا معدومة كما يقول ذلك أبو هاشم والقاضيان: أبو ~~بكر وأبو يعلى وأبو المعالي الجويني في أول قوليه. وأكثر الناس خالفوهم في ~~هذا الأصل وأثبتوا له تعالى فعلا قائما بذاته وخلقا غير المخلوق - ويسمى ~~التكوين - وهو الذي يقول به قدماء الكلابية كما ذكره الثقفي والضبعي ~~وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خزيمة في العقيدة التي كتبوها وقرءوها ~~على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة لما وقع بينهم النزاع في " مسألة ~~القرآن ". وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة ~~المالكية والشافعية وهو الذي ذكره البغوي في " شرح السنة " عن أهل السنة ~~وذكره البخاري إجماع العلماء كما بسط ذلك في مواضع أخر. و " الأصل الثاني ~~": نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته ويسمون ذلك " حلول الحوادث ~~". فلما كانوا نفاة لهذا امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري يحصل بقدرته ~~ومشيئته؛ لا لازم ولا متعد؛ لا نزول ولا مجيء ولا استواء ولا إتيان ولا خلق ~~ولا إحياء ولا إماتة ولا غير ذلك. فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ~~ما يشاء على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل؛ لكن كلام السلف صريح في أنهم لم ~~يريدوا ذلك وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذي يقوم به. # PageV05P379 # والفضيل بن عياض رحمه الله لم يرد أنه يخلو منه العرش؛ بل أراد مخالفة ~~الجهمية؛ فإن قوله: " يفعل ما يشاء " لا يتضمن أنه لا بد أن يكون تحت العرش ~~بل كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف: كالأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهما. ~~ومنهم من أنكر ما روي عن أحمد في رسالته ms1393 إلى مسدد وقال: راويها عن أحمد ~~مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي. وأهل الحديث في ~~هذا على " ثلاثة أقوال ": منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو كما يقول ~~ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، ~~وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن منده مصنفا في ~~الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش وسماه: " الرد على من زعم أن الله ~~في كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له مكان وعلى من تأول النزول على غير ~~النزول ". وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في " أقوال أهل ~~السنة " عن أبي الحسن محمد بن علي المروزي عن محمد بن إبراهيم الدينوري عن ~~علي بن أحمد بن محمد بن موسى عن أحمد بن محمد البردعي التميمي قال: لما ~~أشكل على مسدد بن مسرهد أمر السنة وما وقع فيه الناس من " القدر " # PageV05P380 # و " الرفض " و " الاعتزال " و " الإرجاء " و " القرآن " كتب إلى " أحمد ~~بن حنبل ": أن اكتب إلي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه: بسم ~~الله الرحمن الرحيم أما بعد ثم ذكر فيها؛ وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا ~~يخلو منه العرش وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى. وزعم عبد ~~الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما وحكمه عند أهل ~~الأثر حكم حديث منكر وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول لا يعرف في أصحاب ~~أحمد من اسمه " أحمد بن محمد ": فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن ~~محمد بن هانئ وأبي بكر الأثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبي بكر المروذي ~~(*) وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن ~~محمد بن غالب القاص غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق. وزاد ابن ~~الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي ms1394 وأحمد بن خالد أبا العباس ~~البراني وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~صالح الأسدي وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي وأحمد بن محمد بن يحيى ~~الكحال وأحمد بن محمد بن البخاري وأحمد بن محمد بن بطة PageV05P381 # وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذي؛ وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة ~~الترمذي. وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي قال: ولم يعد هذا فيمن ~~روى عن مسدد أيضا. قال: وهذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من الصحابة على لفظ واحد منهم: أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص ~~ومعاذ بن جبل وأبو أمامة وعقبة بن عامر وأبو ثعلبة المروذي ورفاعة بن عرابة ~~الجهني وعبادة بن الصامت وعمر بن عبسة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو موسى ~~الأشعري وجابر بن عبد الله وجبير بن مطعم وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة ~~وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ؛ ولا من رواه من ~~الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم. ثم ساق الأحاديث بألفاظها؛ وذكر أن أحدا ~~منهم لم يقل هذا اللفظ. قال: وهو لفظ موافق لرأي من زعم أنه لا يخلو منه ~~مكان ورأى من زعم أنه ليس له مكان. قال: وتأويل من تأول النزول على غير ~~النزول مخالف لقول من قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة ولقوله: ~~فلا يزال كذلك إلى الفجر. قلت: القائلون بذلك لم يقولوا: إن هذا اللفظ في ~~الحديث؛ وليس في # PageV05P382 # الحديث أيضا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش؛ كما يدعيه المدعون ~~لذلك فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك ولا لفظ النفاة له. وهؤلاء ~~يقولون: إنهم يتأولون النزول على غير النزول؛ بل قد يكون من هؤلاء من ينفي ~~نزولا يقوم به ويجعل النزول مخلوقا منفصلا عنه؛ وعامة رد ابن منده المستقيم ~~إنما يتناول ms1395 هؤلاء؛ لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا ~~يفضلون أباه أبا عبد الله عليه وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي وغيره ~~يتكلمون فيه في ذلك كما هو معروف عنهم. قال عبد الرحمن: قال أبي في الرد ~~على من تأول النزول على غير النزول واحتج في إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث ~~موضوعة وادعى المدبر أنه يقول بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه وأنكر ~~في خطبته ما أنزل الله في كتابه من حجته وما بين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من أنه ينزل بذاته وتأول النزول على معنى الأمر والنهي؛ لا حقيقة النزول. ~~وزعم أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات فأبطل جميع ما ~~أخرج في هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث واعتماده على التأويل ~~الباطل والمعقول الفاسد. وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} نفى التشبيه من جميع ~~الجهات وكل المعاني ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأئمة إلا ~~بهذا الطريق الذي هو # PageV05P383 # به أولى ثم قصد تعليل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافا من قول ~~الراوي " ينزل " و " يقول إذا مضى نصف الليل " وقال بعضهم " ثلث الليل ونصف ~~الليل " قال ابن منده وليس هذا اختلافا ولكنه جهل واحتج معها بحديث محمد بن ~~يزيد بن سنان عن أبيه عن زيد بن أبي أنيسة عن طارق عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه يأمر مناديا ينادي كل ~~ليلة ". وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه. زعم أن يحيى بن سعيد القطان وابن ~~مهدي والبخاري ومسلما؛ أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددا ~~منه وجهلا وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص. رواه محاضر وغير واحد قال ~~{إن الله ينزل كل ليلة} . وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر. عن ~~زيد بن أبي أنيسة عن طارق. عن سعيد بن جبير. عن ابن عباس قوله {إن الله ~~ينزل كل ليلة} . وأما حديث الحسن؛ عن عثمان بن ms1396 أبي العاص فقد تقدم الكلام ~~عليه فيما ذكرنا؛ وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح؛ قال ولو سكت عن ~~معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن؛ إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ في قلبه ~~تبطيل الأخبار الصحاح واعتماد معقوله الفاسد. # PageV05P384 # قلت فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قولا. ثم ~~قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده هذا. قال: حدثنا محمد ~~بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن محمد الوراق ثنا زكريا بن يحيى الساجي ثم ~~قال عبد الرحمن: حدثني أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه ~~رجل كلامي من أصحاب الكلام فقال له: تقولون إن الله على عرشه لا يزول؛ ثم ~~تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد: إن الله على ~~عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء. قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد ~~وسليمان بن حرب أرادا بقولهما يقرب من خلقه كيف شاء؛ أرادا أن لا يزول عن ~~مكانه؛ فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة. قال: وحدثنا عبد ~~الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي قال أنبأنا ~~عبد الله بن أحمد بن حراش قال حدثنا أحمد بن الحسن بن زياد حدثنا إبراهيم ~~بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن ~~برب يزول عن مكانه فقال له أنا أومن برب يفعل ما يشاء. قال: رواه جماعة عن ~~فضيل بن عياض. قال: ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب إليه الزنادقة فلا ~~يبقى خلاف بين من يقول: أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول: أنا أومن ~~برب لا يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به # PageV05P385 # الكتاب والسنة. ثم روي بإسناده عن الفضيل بن عياض إذا قال الجهمي أنا ~~أكفر برب ينزل ويصعد فقل آمنت: برب يفعل ما يشاء. قلت: زكريا بن يحيى ms1397 ~~الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث وكثير ~~مما نقل في كتاب " مقالات الإسلاميين " من مذهب أهل السنة والحديث وذكر ~~عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش وأنه يقرب من خلقه كيف شاء. ~~ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته: أنه يخلق ~~أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا كما قال: إنه يخلق في العرش معنى ~~يسميه استواء. وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل ~~بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق ~~والإحسان وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه. # والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش ~~بذاته ولكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم في ~~نفي قيام الحوادث به والسلف الذين قالوا يفعل ما يشاء وينزل كيف شاء وكما ~~شاء والفضيل بن عياض الذي قال: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن ~~مكانه فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء مرادهم نقيض هذا القول. ورد أبي عبد ~~الله بن منده متناول لهؤلاء وعلى هذا فلا يبقى # PageV05P386 # خلاف بين من يقول ينزل ويصعد وبين من ينفي ذلك وذلك لأن الأفعال المنفصلة ~~لم ينازع فيها أحد من المسلمين فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري ~~القائم به؛ ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه ~~وأنه لا يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث. وروى ~~بإسناده من " كتاب السنة " لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال أخبرنا محمد بن ~~محمد بن الحسن؛ حدثني أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبناني ثنا عبد الله ~~بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا موسى بن داود أبو معمر ثنا عباد بن العوام ~~قال: قدم علينا شريك فسألته عن الحديث {إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان} ~~. قلنا: إن قوما ينكرون هذه الأحاديث قال فما ms1398 يقولون؟ قلنا: يطعنون فيها ~~فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة ~~وبالحج وبالصوم فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث. قال: وأما حديث إسحاق بن ~~راهويه فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه. قال: ~~والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بريدة عن أحمد بن عبد الله بن محمد بن بشير ~~عن الترمذي: # PageV05P387 # سمعت إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوما ~~فقالوا له: أيها الأمير؛ إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه وهو كافر يزعم أن ~~الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش. قال: فغضب ~~عبد الله وبعث إلي فدخلت عليه وسلمت؛ فلم يرد علي السلام غضبا ولم يستجلسني ~~ثم رفع رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت لا أدري قال: ~~تزعم أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه ~~العرش؟ فقلت أيها الأمير لست أنا قلته قاله النبي صلى الله عليه وسلم ثنا ~~أبو بكر بن عياش عن إسحاق عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة ~~وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ينزل ~~الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ . من يسألني ~~فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له} ولكن مرهم يناظروني. قال فلما ذكرت له النبي ~~صلى الله عليه وسلم سكن غضبه وقال لي اجلس فجلست. فقلت: مرهم أيها الأمير ~~يناظروني. قال ناظروه قال فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم ~~لا يستطيع؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رءوسهم. فقلت: أيها الأمير مرهم يجيبوا ~~فسكتوا. فقال ويحك يا إسحاق ماذا سألتهم قال: قلت: أيها الأمير قل لهم ~~يستطيع أن ينزل؛ ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال فأيش هذا؟ قلت: إن زعموا ~~أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش؟ فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ~~ومثلهم وقد ms1399 كفروا. وإن زعموا أنه يستطيع # PageV05P388 # أن ينزل ولا يخلو منه العرش فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء ولا ~~يخلو منه المكان. قال عبد الرحمن: والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن ~~طاهر ما أخبرنا أبي ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن ~~حاتم سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مخلد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا ~~يعقوب هذه الأحاديث التي تروونها في النزول - يعني وغير ذلك - ما هي؟ قلت: ~~أيها الأمير هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام ونقلها العلماء ~~فلا يجوز أن ترد؛ هي كما جاءت بلا كيف. فقال عبد الله: صدقت ما كنت أعرف ~~وجوهها إلى الآن قال عبد الرحمن: ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول ~~وتبطل قول من يقول: هي كما جاءت بلا كيف؛ فيقال: بل مخاطبة إسحاق لعبد الله ~~بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية؛ ~~ولكن هذه المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره: كما نقلوا ~~في مناظرة أحمد بن حنبل وغيره هذا ينقل ما لا ينقله هذا: كما نقل صالح وعبد ~~الله والمروذي وغيرهم وكلهم ثقات وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر. قال الشيخ ~~أبو عثمان النيسابوري " الصابوني " الملقب بشيخ الإسلام في رسالته في السنة ~~قال: ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه وتعالى # PageV05P389 # فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه في قوله: {إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} وذكر عدة آيات من ~~ذلك؛ فإن هذا ذكره الله في سبعة مواضع من القرآن قال: وأهل الحديث يثبتون ~~في ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره ~~ويطلقون ما أطلقه الله سبحانه من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره ~~ويكلون علمه إلى الله تعالى و {يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ~~أولو الألباب} . وروي بإسناده من ms1400 طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله: ~~{الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؛ فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا؛ وأمر أن يخرج ~~من المجلس. وروي بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال: نعرف ربنا ~~بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه؛ ولا نقول كما قالت الجهمية: بأنه هاهنا ~~وأشار بيده إلى الأرض. وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - يعني الحافظ - ~~في كتاب " التاريخ " الذي جمعه لأهل نيسابور وفي كتاب " معرفة أصول الحديث ~~" اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن ~~هانئ سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله ~~على عرشه قد # PageV05P390 # استوى فوق سبع سمواته؛ فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب؛ وإلا ضربت ~~عنقه وألقي على بعض المزابل. قال الشيخ أبو عثمان: ويثبت أصحاب الحديث نزول ~~الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ~~ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه ~~إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره؛ ويكلون علمه إلى الله ~~سبحانه وتعالى وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان ~~المذكورين في قوله تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~وقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} وقال: أخبرنا أبو بكر بن زكريا ~~سمعت أبا حامد الشرقي سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف قالا: سمعنا ~~إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا ~~يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر ~~الرب كيف إنما ينزل بلا كيف. قال: وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت ~~أبا زكريا يحيى بن ms1401 محمد العنبري سمعت إبراهيم بن أبي طالب سمعت أحمد بن ~~سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن ~~طاهر ذات يوم # PageV05P391 # وحضر إسحاق بن إبراهيم رحمه الله فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال: نعم ~~فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال: ~~نعم قال: كيف ينزل؟ فقال إسحاق: أثبته فوق. فقال أثبته فوق. فقال إسحاق: ~~قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} فقال الأمير عبد الله: هذا يوم ~~القيامة فقال إسحاق: أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم ~~وقال أبو عثمان: قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله ~~ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد قال الله عز وجل: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~وقال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف فلو شاء ~~سبحانه أن يبين كيف ذلك فعل؛ فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه ~~إذ كنا قد أمرنا به في قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} . وروى عبد ~~الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل قال: سألت إسحاق بن إبراهيم قلت: ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم {ينزل الله إلى السماء الدنيا} قال: نعم ~~ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء. وقال # PageV05P392 # عن حرب: لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل ~~المخلوقين لقول الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} . وروي أيضا عن ~~حرب قال: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب ms1402 الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين ~~بها وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدي وغيرهم. كان قولهم: ~~إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء {ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير} . وروي أيضا عن حرب: قال: قال إسحاق بن إبراهيم: لا ~~يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر ~~في أمر المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ~~ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأنه الخالق يصنع كيف ~~شاء. وروى أيضا عن محمد بن سلام قال: سأل فضالة عبد الله بن المبارك عن ~~النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال عبد الله: يا ضعيف تجد خداي خوشيركن: ~~ينزل كيف شاء. وروي عن ابن المبارك قال: من قال لك يا مشبه فاعلم أنه جهمي ~~وقال عبد الرحمن بن منده: إياك أن تكون فيمن يقول: أنا أومن برب يفعل ما ~~يشاء ثم تنفي ما في الكتاب والسنة مما شاء الله وأوجب على خلقه # PageV05P393 # الإيمان به: أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا ~~والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن الله لا يخلو منه مكان. وروي حديث مرفوع من ~~طريق نعيم بن حماد عن جرير عن ليث عن بشر عن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته} . قلت: ضعف أبو ~~القاسم إسماعيل التيمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعا ورواه ابن الجوزي ~~في " الموضوعات " وقال أبو القاسم التيمي: " ينزل " معناه صحيح أنا أقر به ~~لكن لم يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (*) وقد يكون المعنى ~~صحيحا وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور؛ كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وبذاته ~~خلق السموات والأرض وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما وهو بنفسه وذاته استوى ~~على العرش؛ ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه وهو نفسه فعلها. ~~فالمعنى صحيح؛ وليس كل ما بين ms1403 به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من ~~القرآن ومرفوعا. فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده مع أنه استوعب طرق ~~هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: {ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا ~~الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال ~~PageV05P394 # كذلك إلى الفجر} وفي لفظ: {إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء ~~الدنيا وفي لفظ حتى ينشق الفجر ثم يرتفع وفي رواية يقول: لا أسأل عن عبادي ~~غيري من ذا الذي يسألني فأعطيه؟} وفي رواية عمرو بن عبسة: {أن الرب يتدلى ~~في جوف الليل إلى السماء الدنيا وفي لفظ: حتى ينشق الفجر ثم يرتفع} وذكر ~~نزوله عشية عرفة من عدة طرق وكذلك ليلة النصف من شعبان وذكر نزوله يوم ~~القيامة في ظلل من الغمام وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة ~~وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه وأمثال ذلك من الأحاديث وهو ينكر على من ~~يقول إنه لا يخلو منه العرش ويجعل هذا مثل قول من يقول: إنه في كل مكان ومن ~~يقول: إنه ليس في مكان. وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد ~~القولين: قول من يقول: إنه ينزل نزولا يخلو منه العرش. وقول من يقول: ما ثم ~~نزول أصلا كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته باختياره. وهاتان " ~~الطائفتان " ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي ~~يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر. ثم منهم من ينفي النزول عنه ينزهه عن مثل ذلك. ~~ومنهم من أثبت له نزولا من هذا الجنس يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر؛ فأولئك ~~يقولون: هذا القول باطل؛ فتعين الأول؛ كما يقول من يقابلهم ذلك القول باطل ~~فتعين الثاني. وهو يحمل كلام السلف " يفعل # PageV05P395 # ما يشاء " على أنه نزول يخلو منه العرش ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول ~~منفصل عن الله. " وفي ms1404 الجملة ": فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة ~~من أهل الحديث. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش وهو المأثور عن الأئمة ~~المعروفين بالسنة ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو ~~منه وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق فقد ذكرنا الرواية ~~الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطة وغيره وذكرنا أيضا اللفظ الثابت عن ~~سليمان بن حرب عن حماد بن زيد؛ رواه الخلال وغيره. وأما " رسالة أحمد بن ~~حنبل " إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد ~~وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب " الإبانة " ~~واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه. # PageV05P396 # فصل: # وقد تأول قوم - من المنتسبين إلى " السنة والحديث " - حديث النزول وما ~~كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم: كالإتيان والمجيء والهبوط ~~ونحو ذلك ونقلوا في ذلك قولا لمالك ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من ~~أصحاب أحمد - كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره - عن أحمد في تأويل هذا الباب ~~روايتين؛ بخلاف غير هذا الباب فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعا. وطرد ابن ~~عقيل الروايتين في " التأويل " في غير هذه الصفة؛ وهو تارة يوجب التأويل ~~وتارة يحرمه وتارة يسوغه. والتأويل عنده تارة " للصفات الخبرية مطلقا " ~~ويسميها الإضافات - لا الصفات - موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة كأبي ~~علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان - وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري - ~~وأبو الفرج بن الجوزي مع ابن عقيل على ذلك في بعض كتبه مثل " كف التشبيه ~~بكف التنزيه " ويخالفه في بعض كتبه. # PageV05P397 # والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعا في التأويل لا في هذه ~~الصفات ولا في غيرها. وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية: أن ~~أحمد لم يتأول إلا " ثلاثة أشياء ": {الحجر الأسود يمين الله في الأرض} ~~{وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن} {وإني أجد نفس الرحمن من قبل ~~اليمن} فهذه الحكاية ms1405 كذب على أحمد لم ينقلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يعرف أحد ~~من أصحابه نقل ذلك عنه. وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف ~~لا علمه بما قال ولا صدقه فيما قال. وأيضا: وقع النزاع بين أصحابه. هل ~~اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلا نقل ~~عنه في " المحنة " أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف} ~~ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه. وقالوا له: لا يوصف ~~بالإتيان والمجيء إلا مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله: - وأحمد وغيره من أئمة ~~السنة - فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران كما ~~ذكر مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة والمراد منه ثواب ~~الأعمال. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما ~~يجيئان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف يحاجان # PageV05P398 # عن أصحابهما} وهذا الحديث في الصحيح: فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما ~~يحاجان عن القارئ: علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله وأخبر ~~بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها كما أخبر بمجيء غير ~~ذلك من الأعمال. وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع: هل يقلب الله ~~العمل جوهرا قائما بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر؟ وكذلك قوله: {يؤتى ~~بالموت في صورة كبش أملح} . والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ؛ التي هي ~~عمله وذلك هو ثواب قارئ القرآن؛ ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به ~~وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين. فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ~~ادعوه. ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال قيل: إنما يأتي أمره هكذا ms1406 نقل حنبل؛ ولم ~~ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في " المحنة " كعبد الله بن أحمد وصالح بن ~~أحمد والمروذي وغيره؛ فاختلف أصحاب أحمد في ذلك. فمنهم من قال: غلط حنبل لم ~~يقل أحمد هذا. وقالوا حنبل له غلطات معروفة وهذا منها وهذه طريقة أبي إسحاق ~~بن شاقلا. # PageV05P399 # ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم. يقول: إذا كان أخبر ~~عن نفسه بالمجيء والإتيان ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق؛ بل تأولتم ذلك ~~على أنه جاء أمره فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن لا أنه نفسه هو الجائي فإن ~~التأويل هنا ألزم فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن وثوابه عمل له ~~لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن. فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم ~~تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ~~ثوابه بطريق الأولى والأحرى. وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن ~~يكون موافقا لهم عليه وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا. فإن هذا الحديث له ~~نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله ~~وأعمال العباد مخلوقة وثوابها مخلوق. ولهذا قال أحمد وغيره من السلف: أنه ~~يجيء ثواب القرآن والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب ~~وأفعاله. وذهب " طائفة ثالثة " من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا: ذلك ~~الوقت وجعلوا هذا رواية عنه ثم من يذهب منهم إلى التأويل - كابن عقيل وابن ~~الجوزي وغيرهما - يجعلون هذه عمدتهم. حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في ~~تفسيره؛ ولا يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها. # PageV05P400 # ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية ويبين أنه لا ~~يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره بل هو ينكر على من يقول ذلك. والذين ~~ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من " الأفعال " لهم قولان: منهم من ~~يتأول ذلك بالقصد؛ كما تأول بعضهم قوله: {ثم استوى إلى السماء} بالقصد وهذا ~~هو ms1407 الذي ذكره ابن الزاغوني. ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره وهو ~~المذكور في رواية حنبل. وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم - كالقاضي أبي يعلى ~~وغيره ممن يوافق أبا الحسن الأشعري - على أن " الفعل " هو المفعول؛ وأنه لا ~~يقوم بذاته فعل اختياري. يقولون: معنى النزول والاستواء وغير ذلك: أفعال ~~يفعلها الرب في المخلوقات. وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره ~~قالوا: الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويا وهذا قول أبي الحسن بن ~~الزاغوني. وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف؛ وليس الأمر كذلك. كما قد بسط في ~~موضعه. وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن # PageV05P401 # أبي حبيب؛ لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل لا يقبل أحد منهم نقله ~~عن مالك. ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر وفي إسنادها من لا نعرفه. # واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث: في النزول ~~والإتيان والمجيء وغير ذلك. هل يقال إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة ~~وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على " ثلاثة أقوال " ذكرها القاضي أبو ~~يعلى في كتاب " اختلاف الروايتين والوجهين ". # فالأول قول أبي عبد الله بن حامد وغيره. # والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. # والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات ~~اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر بن ~~عبد الرحمن وغيره (*) . ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ وهم في ~~المعنى منهم من يتصوره مجملا ومنهم من يتصوره مفصلا؛ إما مع الإصابة وإما ~~مع الخطأ. والذين أثبتوا هذه رواية عن " أحمد " هم وغيرهم - ممن ينتسب إلى ~~السنة والحديث - لهم في تأويل ذلك قولان: PageV05P402 # أحدهما: أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره. والثاني: أن المراد بذلك ~~عمده وقصده. وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} ~~قالوا قصد وعمد. وهذا تأويل طائفة من أهل العربية منهم أبو محمد ms1408 عبد الله ~~بن قتيبة ذكر في كتاب " مختلف الحديث " له: الذي رد فيه على أهل الكلام ~~الذين يطعنون في الحديث. فقال: قالوا حديث في التشبيه يكذبه القرآن ~~والإجماع. قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ينزل الله - ~~تبارك وتعالى - إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع؟ ~~فأستجيب له. أو مستغفر؟ فأغفر له} و {ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة} . و ~~{ينزل ليلة النصف من شعبان} . وهذا خلاف لقوله تعالى {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا} وقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} . ~~فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان. ولا يشغله شأن عن شأن. ونحن نقول في ~~قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} أنه معهم بالعلم بما هم عليه ~~كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمرك: # PageV05P403 # احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك؛ فإني معك؛ يريد أنه لا ~~يخفى علي تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك؛ والبحث عن أمورك؛ فإذا جاز هذا في ~~المخلوق والذي لا يعلم الغيب: فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز. وكذلك ~~هو بكل مكان يراك لا يخفى عليه شيء مما في الأماكن هو فيها بالعلم بها ~~والإحاطة فكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله: ~~{الرحمن على العرش استوى} أي استقر؟ قال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك} أي استقررت ومع قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه} ؟ . وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف ~~تعرج الملائكة والروح يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء ~~إذا صعد والله ذو المعارج والمعارج الدرج. فما هذه الدرج؟ فإلى من تؤدي ~~الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى ولو أن هؤلاء ~~رجعوا إلى فطرهم وما ms1409 ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق: لعلموا أن الله هو ~~العلي وهو الأعلى وبالمكان الرفيع وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه والأيدي ~~ترتفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر والرزق. # PageV05P404 # وهناك الكرسي والعرش والحجب والملائكة. يقول الله تبارك وتعالى {وله من ~~في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} {يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون} . وقال في الشهداء: {أحياء عند ربهم يرزقون} قيل ~~لهم شهداء: لأنهم يشهدون ملكوت الله واحدهم شهيد كما يقال: عليم وعلماء ~~وكفيل وكفلاء. وقال عز وجل: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا} أي ~~لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم؛ لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته لا ~~عند غيره. والأمم كلها؛ عجمها وعربها تقول: إن الله عز وجل في السماء ما ~~تركت على فطرتها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث {أن رجلا أتى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أين الله؟ قالت: في السماء. قال من أنا؟ قالت أنت رسول الله؛ ~~فقال هي مؤمنة وأمره بعتقها} . # وقال أمية بن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا # PageV05P405 # وصورا جمع أصور وهو المائل العنق وهكذا قيل في حملة العرش صور وكل من حمل ~~شيئا ثقيلا على كاهله أو على منكبه لم يجد بدا من أن يميل عنقه. وفي " ~~الإنجيل " أن المسيح عليه السلام قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. ~~وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم - الذي في السماء - يغفر ~~لكم كلكم انظروا إلى طير السماء: فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في ~~الأهواء وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم أفلستم أفضل منهن؟ ومثل هذا ~~من الشواهد كثير يطول به الكتاب. قال ابن قتيبة: وأما قوله تعالى {وهو الذي ~~في السماء إله وفي الأرض ms1410 إله} فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما وإنما ~~أراد أنه إله السماء ومن فيها وإله الأرض ومن فيها. ومثل هذا من الكلام ~~قولك: هو بخراسان أمير وبمصر أمير؛ فالإمارة تجتمع له فيهما وهو حال ~~بأحدهما أو بغيرهما. هذا واضح لا يخفى. فإن قال لنا: كيف النزول منه جل ~~وعز؟ قلنا لا نحكم على النزول منه بشيء؛ ولكنا نبين كيف النزول منا وما ~~تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما أراد. # PageV05P406 # والنزول منا يكون بمعنيين: أحدهما: الانتقال من مكان إلى مكان كنزولك من ~~الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار. والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشيء ~~بالإرادة والنية. كذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير وأشباه هذا من ~~الكلام. ومثال ذلك إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب - وهو لا يريد ~~المصير إليهم - فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينا وإذا ~~صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالا وإذا سرت إلى أرض كذا فاعل هضبة ~~هناك حتى تشرف عليهم؛ وأنت لا تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك إنما تريد ~~افعله بنيتك وقصدك. وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحزاب تشتمهم وصرت إلى ~~الخلفاء تطعن عليهم وجئت إلى العلم تزهد فيه ونزلت عن معالي الأخلاق إلى ~~الدناءة؛ ليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم وإنما يراد به القصد إلى ~~الشيء بالإرادة والعزم والنية، وكذلك قوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون} لا يراد به أنه معهم بالحلول؛ ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة. ~~وكذلك قوله عز وجل: {من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا ~~تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} . # PageV05P407 # قال: ثنا عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه {أن موسى عليه السلام لما ~~نودي من الشجرة {فاخلع نعليك} أسرع الإجابة وتابع التلبية وما كان ذلك إلا ~~استئناسا منه بالصوت وسكونا إليه. وقال: إني أسمع صوتك وأحس حسك ولا أدري ~~مكانك فأين أنت؟ . قال: أنا فوقك ms1411 وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك من ~~نفسك} يريد أني أعلم بك منك؛ لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما ~~وراءك وإذا سموت بطرفك إلى ما هو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك وأنا لا يخفى ~~علي خافية منك في جميع أحوالك. ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت: ~~شغلوا قلوبهم عن الله بحب الدنيا ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت ~~إليهم بطرف الفائدة ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول؛ ~~ولكن تجول هناك بالفكر والقصد والإقبال. وكذلك قول أبي ممندية الأعرابي ~~قال: اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كظيظ يعني التقاء وأنشد فيه: - جياد ~~بها صرعى لهن كظيظ ولو قال قائل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{اطلعت في الجنة PageV05P408 # فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء} إن ~~اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسنا. قلت: وتأويل المجيء والإتيان ~~والنزول ونحو ذلك - بمعنى القصد والإرادة ونحو ذلك - هو قول طائفة. وتأولوا ~~ذلك في قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء} وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك: هو ~~إحدى الروايتين عن أحمد. والصواب: أن جميع هذه التأويلات مبتدعة لم يقل أحد ~~من الصحابة شيئا منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان؛ وهي خلاف المعروف ~~المتواتر عن أئمة السنة والحديث: أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة. ولكن ~~بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة وتكون ~~إما غلطا أو محرفة؛ كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من أئمة السلف في ~~النزول " يفعل الله ما يشاء " فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق منفصل عن ~~الله وأنهم أرادوا بقولهم: (يفعل الله ما يشاء) هذا المعنى وليس الأمر ~~كذلك؛ كما تقدمت الإشارة إليه. [وآخرون - كالقاضي أبي يعلى في " إبطال ~~التأويل " - قالوا لم يرد الأوزاعي أن النزول من صفات الفعل وإنما أراد ~~بهذا الكلام بقوله: يفعل الله ما يشاء وشبهوا ذلك (*) بقوله تعالى: {وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل # PageV05P409 # عباد مكرمون} ms1412 {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} فزعموا أن قوله " ~~سبحانه ": ليس تنزيها له عن اتخاذ الولد] (*) - بناء على أصلهم الفاسد وهو: ~~أن الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال - بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه. وكذلك ~~جعلوا قول الأوزاعي وغيره: إن النزول ليس بفعل يشاؤه الله؛ لأنه عندهم من ~~صفات الذات لا من صفات الفعل بناء على أصلهم وأن الأفعال الاختيارية لا ~~تقوم بذات الله. فلو كان صفة فعل لزم أن لا يقوم بذاته؛ بل يكون منفصلا ~~عنه. وهؤلاء يقولون: النزول من صفات الذات ومع هذا فهو عندهم أزلي كما ~~يقولون مثل ذلك في الاستواء والمجيء والإتيان والرضى والغضب والفرح والضحك ~~وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية لله وإنها قديمة أزلية لا تتعلق ~~بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب وهو أن الرب لا ~~يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره؛ بل من هؤلاء من يقول إنه لا يتكلم ~~بمشيئته وقدرته ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره. بل من هؤلاء من ~~يقول إن الفعل قديم أزلي وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته وقدرته وأكثر العقلاء ~~يقولون فساد هذا معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا PageV05P410 # مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة: إن الفلك قديم أزلي وإنه أبدعه ~~بقدرته ومشيئته. وجمهور العقلاء يقولون: الشيء المعين من الأعيان والصفات ~~إذا كان حاصلا بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزليا. فلما كان من أصل ابن كلاب ~~ومن وافقه كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري ~~والقضاة أبي بكر بن الطيب وأبي يعلى بن الفراء وأبي جعفر السماني وأبي ~~الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان؛ كأبي المعالي الجويني وأمثاله؛ وأبي ~~الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما: أن الرب لا يقوم به ما ~~يكون بمشيئته وقدرته ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث ووافقوا في ذلك ~~الجهم بن صفوان وأتباعه من الجهمية والمعتزلة صاروا فيما ms1413 ورد في الكتاب ~~والسنة من صفات الرب على أحد قولين: إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة ~~عنه. فيقولون: كلام الله مخلوق بائن عنه؛ لا يقوم به كلام. وكذلك رضاه ~~وغضبه وفرحه ومجيئه وإتيانه ونزوله وغير ذلك هو مخلوق منفصل عنه لا يتصف ~~الرب بشيء يقوم به عندهم. وإذا قالوا هذه الأمور من صفات الفعل: فمعناه ~~أنها منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه؛ لا أنها صفات قائمة به. # PageV05P411 # ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون ~~على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني ~~قديمة أزلية ويقولون نزوله ومجيئه وإتيانه وفرحه وغضبه ورضاه؛ ونحو ذلك: ~~قديم أزلي كما يقولون: إن القرآن قديم أزلي. ثم منهم من يجعله معنى واحدا ~~ومنهم من يجعله حروفا أو حروفا وأصواتا قديمة أزلية مع كونه مرتبا في نفسه. ~~ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده وترتيب ماهيته كما قد بسطنا الكلام على هذه ~~الأمور في غير هذا الموضع على هذه الأقوال وقائليها؛ وأدلتها السمعية ~~والعقلية في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة - ~~أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث - كالأوزاعي ومالك بن أنس وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه وأمثالهم؛ بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن سلك ~~سبيلهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين: موجودة في الكتب التي ينقل فيها ~~أقوالهم بألفاظها بالأسانيد المعروفة عنهم. كما يوجد ذلك في كتب كثيرة مثل ~~كتاب " السنة " " والرد على الجهمية " # PageV05P412 # لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري؛ ولأبي داود السجستاني ولعبد الله ~~بن أحمد بن حنبل ولأبي بكر الأثرم ولحنبل بن إسحاق ولحرب الكرماني ولعثمان ~~بن سعيد الدارمي ولنعيم بن حماد الخزاعي ولأبي بكر الخلال ولأبي بكر بن ~~خزيمة ولعبد الرحمن بن أبي حاتم ولأبي القاسم الطبراني ولأبي الشيخ ~~الأصبهاني ولأبي عبد الله بن منده ms1414 ولأبي عمرو الطلمنكي وأبي عمر بن عبد ~~البر. وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك مثل تفسير عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد ودحيم وسنيد وابن جرير الطبري وأبي بكر بن المنذر؛ وتفسير عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم؛ وغير ذلك من كتب التفسير التي ينقل فيها ألفاظ الصحابة ~~والتابعين في معاني القرآن بالأسانيد المعروفة. فإن معرفة مراد الرسول ~~ومراد الصحابة هو أصل العلم وينبوع الهدى؛ وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ~~ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب كما يظنون أن مذهب السلف في آيات ~~الصفات وأحاديثها. أنه لا يفهم أحد معانيها؛ لا الرسول ولا غيره ويظنون أن ~~هذا معنى قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} مع نصرهم للوقف على ذلك؛ ~~فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنا لا يفهم معناه؛ بل تكلم ~~بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وأن جبريل كذلك؛ وأن الصحابة والتابعين ~~كذلك. # PageV05P413 # وهذا ضلال عظيم وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله عليه ~~وسلم ظن أهل التخييل وظن أهل التحريف والتبديل وظن أهل التجهيل. وهذا مما ~~بسط الكلام عليه في مواضع. والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم ~~صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا. والمقصود هنا: الكلام على من يقول ينزل ولا يخلو منه العرش وإن أهل ~~الحديث في هذا على ثلاثة أقوال: منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو كما ~~يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش وقد ~~صنف عبد الرحمن بن منده مصنفا في الإنكار على من قال: لا يخلو من العرش أو ~~لا يخلو منه العرش - كما تقدم بعض كلامه -. وكثير من أهل الحديث يتوقف عن ~~أن يقول يخلو أو لا يخلو. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش. وكثير منهم ~~يتوقف عن أن يقال: يخلو أو لا يخلو لشكهم في ذلك وأنهم لم يتبين لهم جواب ~~أحد الأمرين وأما مع كون الواحد ms1415 منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين لكن يمسك في ~~ذلك لكونه ليس في الحديث # PageV05P414 # ولما يخاف من الإنكار عليه. وأما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن ~~طائفة قليلة منهم. والقول الثالث - وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة ~~وأئمتها - أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى ~~السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب ~~والسنة وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف ~~فوقهم بل الله منزه عن ذلك وسنتكلم عليه إن شاء الله وهذه المسألة تحتاج ~~إلى بسط. # وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته؛ فهذا غلط لوجوه وقد تقدم ~~التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من ~~النفاة للعلو والنزول جميعا؛ فيجاب أيضا بوجوه: (أحدها: أن الأمر والرحمة ~~إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة وإما أن يراد بها صفات ~~وأعراض. فإن أريد الأول. فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت وهذا خص ~~النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا والملائكة لا يختص نزولهم لا ~~بهذا الزمان ولا بهذا المكان. وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب ~~العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك؛ فهذا ~~حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا. # PageV05P415 # الثاني: أن في الحديث الصحيح {أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول لا ~~أسأل عن عبادي غيري} ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره. # الثالث: أنه قال: {ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني ~~فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ~~يطلع الفجر} ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤاله ~~إلا الله وأمره ورحمته لا تفعل شيئا من ذلك. # الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه؛ وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو ~~فوق العالم فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال ms1416 بعض النفاة لبعض المثبتين: ~~ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل ~~منه لا أمر ولا رحمة ولا غير ذلك فبهت النافي وكان كبيرا فيهم. (الخامس: ~~أنه قد روي في عدة أحاديث: " ثم يعرج " وفي لفظ " ثم يصعد ". # السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة وأنه ينادي عن الله كما حرف ~~بعضهم لفظ الحديث فرواه " ينزل " من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديا ~~ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه؟ من ~~يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت في " الصحيحين " " وموطأ # PageV05P416 # مالك و " مسند أحمد بن حنبل " وغير ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أحب الله العبد نادى في السماء يا ~~جبريل إني أحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل؛ ثم ينادي جبريل: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض} وقال في البغض ~~مثل ذلك. فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين نداء الله ونداء ~~جبريل فقال في نداء الله: {يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه} وقال في نداء ~~جبريل {إن الله يحب فلانا فأحبوه} وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا بل ~~وموجب جميع اللغات فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن ~~غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء ~~السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان إذا أمر غيره بالنداء - وهذا كما ~~قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه لم يكن هو ~~المتكلم. فيقال لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو ~~يخاطبه؛ فإن المنادي ينادي: معاشر الناس أمر السلطان بكذا أو رسم بكذا لا ~~يقول إني أنا أمرتكم بذلك. ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى ~~تأمرنا والمنادي كل ليلة يقول: {من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ ~~من يستغفرني فأغفر له؟} كما ms1417 في ندائه # PageV05P417 # لموسى عليه السلام {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري} وقال: {أنا الله رب العالمين} . ومعلوم أن الله لو أمر ملكا أن ~~ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: " من يدعوني فأستجيب له؟ من ~~يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ولا يقول: " لا أسأل عن عبادي غيري ~~". # وأما قول المعترض: إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم ~~والتأخر والطول والقصر. فيقال له: الجواب عن هذا كالجواب عن قولك: هل يخلو ~~منه العرش أو لا يخلو منه؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش؛ ~~فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك؛ بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول ~~الخلق. وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع. (أحدها: أن ~~يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف ~~به مما يلزم المثبت فإن كان مما يحتج به من المعقول حجة صحيحة؛ لزم بطلان ~~النفي فيلزم الإثبات؛ إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. وإن كان باطلا؛ لم يبطل ~~به الإثبات فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة النبوية وهذا كما إذا ~~قال: لو كان فوق العرش لكان جسما وذلك ممتنع؛ فيقال له: للناس هنا ثلاثة ~~أقوال: # PageV05P418 # منهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم. # ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم. # ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول هو جسم ولا ليس بجسم ثم من هؤلاء ~~من يسكت عن هذا النفي والإثبات؛ لأن كليهما بدعة في الشرع. ومنهم من يستفصل ~~عن مسمى الجسم. فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين أن علوه على ~~العرش لا يستلزم ذلك وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك المعنى. فالجسم ~~في اللغة هو البدن والله منزه عن ذلك وأهل الكلام قد يريدون بالجسم ما هو ~~مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة. وكثير منهم ينازع في كون ~~الأجسام المخلوقة مركبة ms1418 من هذا وهذا؛ بل أكثر العقلاء من بني آدم عندهم أن ~~السموات ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة؛ فكيف ~~يكون رب العالمين مركبا من هذا وهذا؟ فمن قال: إن الله جسم وأراد بالجسم ~~هذا المركب؛ فهو مخطئ في ذلك. ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله؛ فقد أصاب ~~في نفيه عن الله لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده. ولفظ التركيب قد ~~يراد به أنه ركبه مركب أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع أو أنه يقبل ~~التفريق والله منزه عن ذلك كله. # PageV05P419 # وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في ~~الدعاء وأنه يقال: هو هنا وهناك ويراد به القائم بنفسه ويراد به الموجود. ~~ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه وهو عند السلف وأهل السنة ترفع الأيدي ~~إليه في الدعاء وهو فوق العرش. فإذا سمى المسمي ما يتصف بهذه المعاني جسما؛ ~~كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسما وتسمية الآخر ما له حياة ~~وعلم وقدرة جسما. ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات: (أحدها أن ~~تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة؛ فلا أهل اللغة ~~يسمون هذا جسما بل الجسم عندهم هو البدن كما نقله غير واحد من أئمة اللغة ~~وهو مشهور في كتب اللغة. قال الجوهري في " صحاحه " المشهور: قال أبو زيد: ~~الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان وقال الأصمعي: الجسم والجثمان الجسد ~~والجثمان الشخص قال: والأجسم الأضخم بالبدن وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر ~~أي ركبت أجسمه وجسيمه أي معظمه قال: وكذلك تجسمت الرجل والجبل أي ركبت ~~أجسمه. وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن؛ في قوله تعالى {وزاده ~~بسطة في العلم والجسم} وفي قوله تعالى {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} والجسم ~~قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ كما يقال هذا الثوب # PageV05P420 # له جسم وهذا ليس له جسم أي له غلظ وضخامة بخلاف هذا وقد يراد بالجسم نفس ~~الغلظ والضخم. ms1419 وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو ~~المؤلف المركب وأن استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة؛ ~~قالوا: لأن كل ما يشار إليه؛ فإنه يتميز منه شيء عن شيء وكل ما كان كذلك؛ ~~فهو مركب من الجواهر المنفردة التي كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز ~~منه جانب عن جانب أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان كما يقول ~~ذلك بعض الفلاسفة. قالوا: وإذا كان هذا مركبا مؤلفا؛ فالجسم في لغة العرب ~~هو المؤلف المركب بدليل أنهم يقولون: رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو إذا كثر ~~ذهابه في الجهات وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم: أجسم وجسيم إلا كثرة ~~الأجزاء المنضمة والتأليف؛ لأنهم لا يقولون: أجسم فيمن كثرت علومه وقدره ~~وسائر تصرفاته وصفاته غير الاجتماع حتى إذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه ~~قيل: أجسم ورجل جسيم؛ فدل ذلك على أن قولهم: جسم؛ مفيد للتأليف. فهذا أصل ~~قول هؤلاء النفاة وهو مبني على أصلين: سمعي لغوي ونظري عقلي فطري. أما ~~السمعي اللغوي فقولهم: إن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب # PageV05P421 # واستدلوا عليه بقوله: هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابا في الجهات وأن ~~هذا يقتضي أنهم اعتبروا كثرة الأجزاء. فيقال: أما " المقدمة الأولى " وهو: ~~أن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر؛ ~~جسما؛ فهذا لا يوجد في لغة العرب ألبتة ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم ~~يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسما ولا يسمون روح الإنسان جسما. بل ~~من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح؛ ولهذا قال تعالى {وإذا رأيتهم ~~تعجبك أجسامهم} يعني أبدانهم دون أرواحهم الباطنة. وقد ذكر نقلة اللغة أن ~~الجسم عندهم هو الجسد. ومن المعروف في اللغة أن هذا اللفظ يتضمن الغلظ ~~والكثافة فلا يسمون الأشياء القائمة بنفسها إذا كانت لطيفة كالهواء وروح ~~الإنسان وإن كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من بعض لكن لا يسمى في ms1420 اللغة ~~ذلك جسما ولا يقولون في زيادة أحدهما على الآخر: هذا أجسم من هذا ولا ~~يقولون هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق؛ وإن كان أكبر منه وإن ~~كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من الأجزاء. فليس كل ~~ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسما ولا يوجد في الكلام قبض جسمه ولا ~~صعد بجسمه إلى السماء ولا أن الله يقبض # PageV05P422 # أجسامنا حيث يشاء ويردها حيث شاء: إنما يسمون ذلك روحا ويفرقون بين مسمى ~~الروح ومسمى الجسم كما يفرقون بين البدن والروح وكما يفرقون بين الجسد ~~والروح فلا يطلقون لفظ الجسم على الهواء؛ فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد؛ ~~قال الجوهري: الجسد البدن تقول فيه تجسد كما تقول في الجسم تجسم؛ كما تقدم ~~نقله عن أئمة اللغة أن الجسم هو الجسد. فعلم أن هذين اللفظين مترادفان أو ~~قريب من الترادف؛ ولهذا يقولون لهذا الثوب جسد؛ كما يقولون له جسم إذا كان ~~غليظا ثخينا صفيقا وتقول العلماء النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة ~~وقد لا تكون مستجسدة كالرطوبة ويسمون الدم جسدا كما قال النابغة: - فلا ~~لعمر الذي قد زرته حججا ... وما أريق على الأنصاب من جسد # كما يقولون: له جسم، فبطل ما ذكروه عن اللغة أن كل ما يتميز منه شيء عن ~~شيء يسمونه جسما. " المقدمة الثانية ": أنه لو سلم ذلك فقولهم: إن هذا " ~~جسم " يطلقونه عند تزايد الأجزاء هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر ~~المنفردة: وهذا لو قدر أنه صحيح؛ فأهل اللغة لم يعتبروه ولا قال أحد منهم ~~ذلك؛ فعلم أنهم إنما لحظوا غلظه وكثافته. وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء ~~وقلتها: فهذا لا يتصوره # PageV05P423 # أكثر عقلاء بني آدم فضلا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم أرادوا ذلك ~~بقولهم جسيم وأجسم. والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما لا يفهمه ~~إلا بعض الناس وإثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس؛ فلا يكون مسمى ~~الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا ms1421 بعض الناس وهو المركب من ذلك. وأما " الأصل ~~الثاني العقلي " فقولهم؛ إن كل ما يشار إليه بأنه هنا أو هناك؛ فإنه مركب ~~من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة. وهذا بحث عقلي وأكثر عقلاء بني ~~آدم - من أهل الكلام وغير أهل الكلام - ينكرون أن يكون ذلك مركبا من ~~الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وإنكار ذلك قول ابن كلاب وأتباعه من ~~الكلابية - وهو إمام الأشعري في مسائل الصفات - وهو قول الهشامية والنجارية ~~والضرارية وبعض الكرامية. وهؤلاء الذين أثبتوا " الجوهر الفرد " زعموا أنا ~~لا نعلم: لا بالحس ولا بالضرورة أن الله أبدع شيئا قائما بنفسه وأن جميع ما ~~نشهده مخلوق - من السحاب والمطر والحيوان والنبات والمعدن وبني آدم وغير ~~بني آدم - فإن ما فيه أنه أحدث أكوانا في الجواهر المنفردة كالجمع والتفريق ~~والحركة والسكون وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث أبداننا قائمة ~~بأنفسها أو شجرا وثمرا أو شيئا آخر قائما بنفسه وإنما أحدث عندهم أعراضا. ~~وأما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة. ثم من يقول: إنها محدثة منهم من ~~يقول: إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث؛ ~~فهو حادث. # PageV05P424 # قالوا: فبهذا " الدليل العقلي " وأمثاله علمنا أنه ما أبدع شيئا قائما ~~بنفسه؛ لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر. وهؤلاء في " ~~معاد الأبدان " يتكلمون فيه على هذا الأصل: فمنهم من يقول يفرق الأجزاء ثم ~~يجمعها. ومنهم من يقول: يعدمها ثم يعيدها. واضطربوا ههنا فيما إذا أكل ~~حيوان حيوانا فكيف يعاد؟ وادعى بعضهم أن الله يعدم جميع أجزاء العالم؛ ~~ومنهم من يقول: هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه. ثم " المعاد " عندهم ~~يفتقر أن يبتدئ هذه الجواهر والجهم بن صفوان منهم يقول بعدمها بعد ذلك ~~ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث عنده في المستقبل كامتناع ~~دوامها في الماضي وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم الحركات وهؤلاء ينكرون ~~استحالة الأجسام بعضها إلى بعض أو انقلاب جنس إلى جنس بل الجواهر عندهم ~~متماثلة والأجسام مركبة منها وما ms1422 ثم إلا تغيير التركيب فقط لا انقلاب ولا ~~استحالة. ولا ريب أن جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم على إنكار هذا ~~والأطباء والفقهاء ممن يقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود ~~في كتبهم. والأجسام عندهم ليست متماثلة؛ بل الماء يخالف الهواء والهواء ~~يخالف التراب وأبدان الناس تخالف النبات؛ ولهذا صارت النفاة إذا أثبت أحد ~~شيئا من الصفات؛ كان ذلك مستلزما لأن يكون الموصوف عندهم جسما - وعندهم ~~الأجسام متماثلة - فصاروا يسمونه مشبها بهذه المقدمات التي تلزمهم مثل # PageV05P425 # ما ألزموه لغيرهم وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح وكلها ~~مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل ~~بسبب هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرا لا يهون عليه إبطال عقله ~~ودينه والخروج عن الإيمان والقرآن؛ فإن ذلك كله متطابق على إثبات الصفات. ~~ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبا من الأجزاء ومماثلا ~~للمخلوقات؛ فإنه يعلم أيضا بطلان هذا وإن الرب عز وجل يجب تنزيهه عن هذا؛ ~~فإنه سبحانه أحد صمد و " الأحد " ينفي التمثيل و " الصمد " ينفي أن يكون ~~قابلا للتفريق والتقسيم والبعضية سبحانه وتعالى فضلا عن كونه مؤلفا مركبا: ~~ركب وألف من الأجزاء؛ فيفهمون من يخاطبون أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل ~~إلا في بدن مثل بدن الإنسان بل وقد يصرحون بذلك ويقولون: الكلام لا يكون ~~إلا من صورة مركبة مثل فم الإنسان ونحو ذلك مما يدعونه. وإذا قال " النفاة ~~" لهم: متى قلتم إنه يرى؛ لزم أن يكون مركبا مؤلفا؛ لأن المرئي لا يكون إلا ~~بجهة من الرائي وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا جسما والجسم مؤلف مركب ~~من الأجزاء. أو قالوا: إن الرب إذا تكلم بالقرآن أو غيره من الكلام؛ لزم ~~ذلك وإذا كان فوق العرش؛ لزم ذلك وصار المسلم العارف بما قاله الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يعلم أن الله يرى في الآخرة لما تواتر عنده من الأخبار عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ms1423 # PageV05P426 # وكذلك يعلم أن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام ويعلم أن الله فوق ~~العرش بما تواتر عنده عن الرسول بما يدل على ذلك مع ما يوافق ذلك من ~~القضايا الفطرية التي خلق الله عليها عباده. وإذا قالوا له: - هذا يستلزم ~~أن يكون الله مركبا من الأجزاء المنفردة والمركب لا بد له من مركب؛ فيلزم ~~أن يكون الله محدثا؛ إذ المركب يفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه تكون غيره وما ~~افتقر إلى غيره؛ لم يكن غنيا واجب الوجود بنفسه - حيروه وشككوه إن لم ~~يجعلوه مكذبا لما جاء به الرسول مرتدا عن بعض ما كان عليه من الإيمان مع أن ~~تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله. فيقال لهم: أما كون الرب ~~سبحانه وتعالى مركبا ركبه غيره. فهذا من أظهر الأمور فسادا وهذا معلوم ~~فساده بضرورة العقل. ومن قال هذا فهو من أكفر الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة ~~لله وليس في الطوائف المشهورين من يقول بهذا. وكذلك إذا قيل: هو مؤلف أو ~~مركب - بمعنى أنه كانت أجزاؤه متفرقة فجمع بينها كما يجمع بين أجزاء ~~المركبات من الأطعمة والأدوية والثياب والأبنية - فهذا التركيب من اعتقده ~~في الله؛ فهو من أكفر الناس وأضلهم؛ ولم يعتقده أحد من الطوائف المشهورة في ~~الأمة. بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات # PageV05P427 # الرب ليست مركبة هذا التركيب وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة. # وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام ~~والتجزئة فهذا من أكفر الناس وأجهلهم وقوله شر من قول الذين يقولون: إن لله ~~ولدا بمعنى أنه انفصل منه جزء فصار ولدا له وقد بسطنا الكلام على هذا في ~~تفسير {قل هو الله أحد} وفي غير ذلك. وكذلك إذا قيل: هو جسم بمعنى أنه مركب ~~من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة؛ فهذا باطل بل هو أيضا باطل في ~~المخلوقات فكيف في الخالق سبحانه وتعالى وهذا مما يمكن أن يكون قد قاله بعض ~~المجسمة الهشامية والكرامية وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم؛ إذ من هؤلاء من ~~يقول: ms1424 إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر المنفردة ويقولون مع ذلك: إن الرب ~~جسم وأظن هذا قول بعض الكرامية فإنهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد وهم ~~متفقون على أنه سبحانه جسم. لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم؛ هل ~~المراد به أنه موجود قائم بنفسه أو المراد به أنه مركب؟ فالمشهور عن أبي ~~الهيصم وغيره من نظارهم أنه يفسر مراده؛ بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه ~~لا بمعنى أنه مؤلف مركب. وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون؛ ~~فإنهم لم يثبتوا معنى فاسدا في حق الله تعالى لكن قالوا إنهم أخطئوا في ~~تسمية كل ما هو قائم بنفسه أو ما هو # PageV05P428 # موجود جسما من جهة اللغة؛ قالوا: فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الجسم إلا ~~على المركب. والتحقيق: أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة: أولئك الذين ~~يسمون كل ما هو قائم بنفسه جسما وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع ~~الأيدي إليه جسما وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب؛ وأن أهل اللغة يطلقون ~~لفظ الجسم على كل ما كان مركبا. فالخطأ في اللغة والابتداع في الشرع: مشترك ~~بين الطائفتين. وأما المعاني: فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله ~~أو نفى ما أثبت الله ورسوله؛ فهو مخطئ عقلا كما هو مخطئ شرعا. بل أولئك ~~يقولون لهم: نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسما في غير محل ~~النزاع ثم ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي ~~اتفقنا نحن وأنتم عليها؛ فبينا أنه لا يختص لأن ذلك مبني على أن الأجسام ~~مركبة ونحن نمنع ذلك ونقول: ليست مركبة من الجواهر المنفردة. ولهذا كره ~~السلف والأئمة - كالإمام أحمد وغيره - أن ترد البدعة بالبدعة فكان أحمد في ~~مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق وألزمه " أبو عيسى محمد بن ~~عيسى برغوث " أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسما وهذا منتف؛ فلم ~~يوافقه أحمد: لا على نفي ذلك ولا على إثباته؛ ms1425 بل قال: {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} . # PageV05P429 # ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به. وإذا لم يعرف مراد ~~المتكلم به لم يوافقه؛ لا على إثباته ولا على نفيه. فإن ذكر معنى أثبته ~~الله ورسوله أثبتناه وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي ~~المبين ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع محرفة في اللغة ومعانيها ~~متناقضة في العقل؛ فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل ~~الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة. وكذلك أيضا لفظ " الجبر " كره السلف ~~أن يقال جبر وأن يقال: ما جبر؛ فروى الخلال في كتاب " السنة " عن أبي إسحاق ~~الفزاري - الإمام - قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان فسألاني عن القدر ~~فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله أنت أولى ~~بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال: تكلما فقالا: قدم علينا ~~ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر - ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب؛ ~~إلى أن قلنا: إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا ~~به ورزقنا ما حرم علينا فقال: أجبهما يا أبا إسحاق قلت رحمك الله أنت أولى ~~بالجواب فقال أجبهما؛ فكرهت أن أخالفه؛ فقلت: يا هؤلاء إن الذين آتوكم بما ~~أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى ~~مثل ما خرجوا إليه؛ فقال أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق. وروي أيضا عن بقية بن ~~الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر؛ فقال الزبيدي: أمر الله أعظم ~~وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن # PageV05P430 # يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر ~~أصلا من القرآن والسنة؛ فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق ~~والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ~~وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق. وروي عن أبي ms1426 بكر ~~المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: تقول إن الله أجبر العباد؟ فقال: هكذا لا ~~تقول وأنكر هذا وقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. وقال المروذي: كتب ~~إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه. ~~فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي؛ فرد عليه أحمد بن رجاء ~~فقال: إن الله جبر العباد - أراد بذلك إثبات القدر - فوضع أحمد بن علي ~~كتابا يحتج فيه. فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة قال: ويضع كتابا ~~وأنكر عليهما جميعا: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد وعلى القدري الذي ~~قال: لم يجبر وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه ~~لوضعه الكتاب. وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر ~~العباد. فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ فقال: يضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء. قال الخلال: وأخبرنا المروذي في هذه المسألة أنه سمع ~~أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: لم يجبر وعلى من رد عليه جبر؛ فقال ~~أبو عبد الله: كلما ابتدع # PageV05P431 # رجل بدعة اتسعوا في جوابها. وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة وأنكر ~~على من رد شيئا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم. قال المروذي: ~~فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل ~~عكبرا (*) فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله؛ فقال: يا أبا عبد الله هذا ~~الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر ~~الله؛ فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه. قال ~~المروزي: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان ~~الثوري جبر وقال: الله تعالى جبل العباد. قال المروذي: أظنه أراد قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس. قلت هذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع ms1427 وإنما المقصود التنبيه على أن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن ~~والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله فلا يأتون بلفظ ~~محدث مبتدع في النفي والإثبات بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط بل كل قوم ~~يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك كلفظ الجسم والجهة والحيز ~~والجبر ونحو ذلك؛ بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده ~~بسائر ألفاظه ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان بما قاله مجملا. ولو ~~قدر معنى صحيح - والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر PageV05P432 # به - لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين بخلاف ما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإن التصديق به واجب. والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير ~~مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة. ولما انتشر الكلام ~~المحدث ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة؛ ~~صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل يبين للمؤمن ~~ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال أو يخلص منها - إن كان قد وقع - ويدفع ~~عن نفسه في الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلا ~~والنافي له ينفي الحق والباطل. فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفرت القلوب. ~~وإذا ألزموه ما يلزمونه من التجسيم - الذي يدعونه نفر إذا قالوا له: هذا ~~يستلزم التجسيم؛ لأن هذا لا يعقل إلا في جسم - لم يحسن نقض ما قالوه ولم ~~يحسن حله وكلهم متناقضون. وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل ~~منه إلا ما يعقل في # PageV05P433 # قليل من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم. وهذا ms1428 في غاية الجهل؛ فإن ~~من المخلوقات مخلوقات لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا. ولا يلزم أن ~~يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلا لها فكيف يكون مماثلا ~~لما شاهدوه. وهذا الكلام في لفظ الجسم من حيث " اللغة ". وأما " الشرع " ~~فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء: ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف ~~الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم؛ بل النفي والإثبات بدعة في الشرع. ~~وأما من جهة العقل فبينهم نزاع فيما اتفقوا على تسميته جسما: كالسماء ~~والأرض والريح والماء ونحو ذلك مما يشار إليه ويختص بجهة وهو متحيز. قد ~~تنازعوا هل هو مركب من جواهر لا تقبل القسمة أو من مادة وصورة أو لا من هذا ~~ولا من هذا؟ وأكثر العقلاء على القول الثالث. وكل من القولين الأولين قاله ~~طائفة من النظار. والأول كثير في أهل الكلام والثاني كثير في الفلاسفة؛ لكن ~~قول الطائفتين باطل معلوم بالعقل بطلانه عند أهل القول الثالث. # وإذا كان كذلك، فإذا قال القائل: أنا أقول إنه فوق العرش وإنه ترفع ~~الأيدي إليه ونحو ذلك؛ وليس كل ما كان كذلك كان مركبا من أجزاء مفردة # PageV05P434 # ولا من المادة والصورة العقليين؛ كان الكلام مع هذا في التلازم. فإذا قال ~~الثاني: بل كل ما كان فوق غيره وكل ما كان يشار إليه بالأيدي؛ فلا يكون إلا ~~مركبا إما من هذا؛ وإما من هذا: كان هذا بمنزلة قول الآخر: كل ما كان حيا ~~قادرا عالما؛ فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان له حياة وعلم ~~وقدرة؛ فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان سميعا بصيرا متكلما ~~فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب بناء على أن كل موجود قائم بنفسه هو جسم ~~وكل جسم فهو مركب هذا التركيب. ومعلوم أن هذا باطل عند جماهير العلماء ~~والعقلاء باتفاقهم؛ فإني لا أعلم طائفة من العقلاء المعتبرين أنهم قالوا: ~~هو جسم؛ وهو مركب هذا التركيب بل الذي أعرف أنهم قالوا: ms1429 هو جسم كالهشامية ~~والكرامية لا يفسرون كلهم الجسم بما هو مركب هذا التركيب بل إنما نقل هذا ~~عن بعضهم وقد ينقل عن بعضهم مقالات ينكرها بعضهم: كما نقل عن مقاتل بن ~~سليمان وهشام بن الحكم مقالات ردية. ومن الناس من رد هذا النقل عن مقاتل بن ~~سليمان فرده كثير من الناس. وأما النقل عن هشام فرده كثير من أتباعه. ومن ~~قدر أنه قال ذلك من الناس؛ فقوله باطل كسائر من قال على الله الباطل؛ كما ~~حكي عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة وإنهم يصفونه بالنقائص التي تعالى ~~الله عنها؛ كوصفه أنه أجوف وأنه بكى حتى رمد وعادته الملائكة وعض أصابعه ~~حتى خرج منها الدم وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق. # PageV05P435 # وأمثال هذه الأقوال التي فيها الافتراء على الله تعالى ووصفه بالنقائص ما ~~يعلم بطلانه بصريح المعقول وصحيح المنقول. # وهكذا إذا قال القائل: إنه لو نزل إلى سماء الدنيا؛ للزم الحركة ~~والانتقال والحركة والانتقال من خصائص الأجسام أو قال: للزم أن يخلو منه ~~العرش وذلك محال؛ فإن للناس في هذا ثلاثة أقوال. (أحدها قول من يقول: ينزل ~~وليس بجسم. وقول من يقول: ينزل وهو جسم. وقول من لا ينفي الجسم ولا يثبته؛ ~~إما إمساكا عنهما لكون ذلك بدعة وتلبيسا كما تقدم وإما مع تفصيل المراد ~~وإقرار الحق وبطلان الباطل وبيان الصواب من المعاني العقلية التي اشتبهت في ~~هذا؛ مثل أن يقال: النزول والصعود والمجيء والإتيان ونحو ذلك مما هو أنواع ~~جنس الحركة لا نسلم أنه مخصوص بالجسم الصناعي الذي يتكلم المتكلمون في ~~إثباته ونفيه بل يوصف به ما هو أعم من ذلك. ثم هنا طريقان: أحدهما أن هذه ~~الأمور توصف بها الأجسام والأعراض فيقال: جاء البرد وجاء الحر وجاءت الحمى ~~ونحو ذلك من الأعراض. وإذا كانت الأعراض توصف بالمجيء والإتيان؛ علم أن ذلك ~~ليس من خصائص الأجسام فلا يجوز أن يوصف بهذه # PageV05P436 # الأفعال حقيقة مع أنه ليس بجسم وهذه طريقة الأشعري ومن تبعه من نظار أهل ~~الحديث وأتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ms1430 كالقاضي أبي يعلى وغيره وهذا معنى ما ~~حكاه في " المقالات " عن أهل السنة والحديث. ولهذا كان قول ابن كلاب ~~والأشعري والقلانسي ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أصحاب ~~أحمد وغيرهم؛ إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش. وكذلك يقولون في ~~النزول: ومعنى ذلك أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن ~~يقوم به - نفسه - فعل اختياري سواء قالوا: إن الفعل هو المفعول أو لم ~~يقولوا بذلك وكذلك النزول عندهم؛ فهم يجعلون الأفعال اللازمة بمنزلة ~~الأفعال المتعدية وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل اختياري لأن ذلك ~~حادث؛ فقيامه به يستلزم أن تقوم به الحوادث فنفوا ذلك لهذا الأصل الذي ~~اعتقدوه. (الطريق الثاني: أن يقال: المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف ~~به روح الإنسان التي تفارقه بالموت وتسمى النفس وتوصف به الملائكة وليس ~~نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده؛ فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق ~~السموات ثم تهبط إلى الأرض فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن ~~يسير لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا ~~الزمان. # PageV05P437 # وكذلك صعودها ثم عودها إلى البدن في النوم واليقظة ولهذا يشبه بعض الناس ~~نزولها إلى القبر بالشعاع لكن ليس هذا مثالا مطابقا. فإن نفس الشمس لا تنزل ~~والشعاع الذي يظهر على الأرض هو عرض من الأعراض يحدث بسبب الشمس ليس هو ~~الشمس ولا صفة قائمة بها والروح نفسها تصعد وتنزل؛ ففي الحديث المشهور حديث ~~البراء بن عازب رضي الله عنه في قبض الروح وفتنة القبر - وقد رواه الإمام ~~أحمد وغيره ورواه أبو داود أيضا واختصره وكذلك النسائي وابن ماجه ورواه أبو ~~عوانة في " صحيحه " بطوله وفي روايته عن زاذان: سمعت البراء وذلك يبطل قول ~~من قال: إنه لم يسمعه منه. ورواه الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي معاوية ~~قال: حدثنا الأعمش ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عمرو زاذان {عن البراء بن ~~عازب رضي الله عنهما قال: خرجنا مع ms1431 رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة ~~فانتهينا إلى القبر ولما يلحد} وذكر الحديث بطوله ورواه الحاكم أيضا من ~~حديث محمد بن الفضل قال: حدثنا الأعمش فذكره. وقال في آخره: حدثنا فضيل ~~حدثني أبي عن أبي حازم عن أبي هريرة بهذا الحديث إلا أنه قال: {أرقد رقدة ~~كرقدة من لا يوقظه إلا أحب الناس إليه} . قال: وقد رواه شعبة وزائدة ~~وغيرهما عن الأعمش ورواه مؤمل عن # PageV05P438 # الثوري عنه قال: وهو على شرطهما قد احتجا بالمنهال بن عمرو قال: وقد روى ~~ابن جرير عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: " ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم المؤمن والكافر " ثم ذكر طرفا من حديث القبر وقد رواه الإمام أحمد في ~~" مسنده " عن عبد الرزاق حدثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو ~~الحديث بطوله. قال: وكذلك أبو خالد الدالاني وعمرو بن قيس الملائي والحسن ~~بن عبيد الله النخعي عن المنهال ورواه شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب فقال؛ ~~عن المنهال عن زاذان عن أبي البختري قال: سمعت البراء قال: وهذا وهم من ~~شعيب فقد رواه معمر ومهدي بن ميمون وعباد بن عباد عن يونس التامر. وقال ~~الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: وأما حديث البراء رواه المنهال بن عمرو عن ~~زاذان عن البراء فحديث مشهور رواه عن المنهال الجم الغفير ورواه عن البراء: ~~عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة وغيرهما ورواه عن زاذان عطاء بن السائب. قال: ~~وهو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته وقال الحافظ أبو عبد الله بن ~~منده: هذا الحديث إسناده متصل مشهور رواه جماعة عن البراء. وقال الإمام ~~أحمد في " المسند " حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن المنهال ابن عمرو عن ~~زاذان {عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: خرجنا # PageV05P439 # مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى ~~القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على ~~رءوسنا الطير وفي يده عود ms1432 ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من ~~عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من ~~الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم ~~الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد بصره ~~ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى ~~مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ~~فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ~~ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه ~~الأرض فيصعدون بها؛ فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة بين السماء ~~والأرض؛ إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن ~~أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا ~~فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ~~حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في ~~عليين وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ~~الله ربي فيقولان له وما دينك؟ فيقول: # PageV05P440 # ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله ~~فآمنت به وصدقت؛ فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة ~~وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ~~ويفسح له في قبره مد بصره. قال: فيأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب ~~الريح؛ فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت ~~فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم ~~الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وقال ms1433 وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع ~~من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم ~~المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: ~~أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتتفرق في جسده ~~فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في ~~يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت ~~على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما ~~هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها ~~في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح له فلا يفتح له. ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون # PageV05P441 # الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في ~~الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان ~~سحيق} فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ ~~فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ~~فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي ~~مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له ~~بابا إلى النار؛ فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ~~ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا ~~يومك الذي كنت توعد فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: ~~أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة} . قلت: هذا قد رواه عن البراء ~~بن عازب غير واحد غير زاذان منهم: عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد. قال ~~الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق ms1434 بن منده في كتاب " الروح والنفس ": ~~حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا أبو النضر هاشم ~~بن قاسم ثنا عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت {عن البراء بن عازب قال: خرجنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في # PageV05P442 # جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس وجلسنا حوله كأن ~~على أكتافنا فلق الصخر وعلى رءوسنا الطير فأزم قليلا - والإزمام السكوت - ~~فلما رفع رأسه قال: إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا ~~وحضره ملك الموت؛ نزلت عليه ملائكة من السماء معهم كفن من الجنة وحنوط من ~~الجنة فيجلسون منه مد بصره. وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه ثم يقول: اخرجي ~~أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه؛ فتسيل نفسه كما تقطر ~~القطرة من السقاء. فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا ~~الثقلين ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء ~~الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل ~~سماء. فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين فيقول الرب عز وجل: ردوا ~~عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم ~~تارة أخرى فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ~~ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فيقول: الله ~~ربي فيقولان: صدقت. ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام فيقولان له صدقت. ~~ثم يقال له من نبيك؟ فيقول محمد رسول الله؛ فيقولان: صدقت. ثم يفسح له في ~~قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: جزاك الله خيرا ~~فوالله ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فيقول: ~~وأنت جزاك الله خيرا فمن أنت؟ فقال: أنا عملك الصالح. ثم يفتح له باب إلى # PageV05P443 # الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة. وإن الكافر إذا كان ~~في انقطاع من الدنيا وإقبال ms1435 من الآخرة وحضره ملك الموت؛ نزل عليه من السماء ~~ملائكة معهم كفن من نار وحنوط من نار. قال: فيجلسون منه مد بصره وجاء ملك ~~الموت فجلس عند رأسه ثم قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى غضب الله ~~وسخطه؛ فتتفرق روحه في جسده كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين؛ فيستخرجها كما ~~يستخرج السفود من الصوف المبلول فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء ~~والأرض إلا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه؛ فيقول الرب ~~تبارك وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها ~~أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى؛ فترد روحه إلى مضجعه؛ فيأتيه منكر ونكير ~~يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف ~~وأبصارهما كالبرق الخاطف؛ فيجلسانه ثم يقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري؛ ~~فينادى من جانب القبر لا دريت؛ فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من ~~بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح ~~الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: جزاك الله شرا؛ فوالله ما علمت إن كنت ~~بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصية الله فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك ~~الخبيث ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة} . ~~وقال ابن منده: رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمود بن غيلان وغيرهما عن أبي ~~النضر. # PageV05P444 # ومن ذلك حديث ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن ~~أبي هريرة. وقد رواه الإمام أحمد في " مسنده " وغيره. وقال الحافظ أبو نعيم ~~الأصبهاني: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه: اتفق الإمامان: محمد بن ~~إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج على ابن أبي ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء ~~وسعيد بن يسار وهم من شرطهما ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ~~ابن أبي فديك وعنه دحيم بن إبراهيم. قلت: وقد رواه عن ابن أبي ذئب غير واحد ~~ولكن هذا سياق حديث ابن أبي فديك لتقدمه؛ قال ms1436 ابن أبي فديك: حدثني محمد بن ~~أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن الميت تحضره الملائكة؛ فإذا كان الرجل ~~الصالح فيقولون: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة ~~وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان قال: فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها ~~إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان فيقولون: ~~مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ~~ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز ~~وجل. وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد ~~الخبيث. اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله # PageV05P445 # أزواج. فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: ~~من هذا؟ فيقال: فلان فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد ~~الخبيث ارجعي ذميمة فإنها لن تفتح لك أبواب السماء؛ فترسل بين السماء ~~والأرض فتصير إلى قبره. فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم ~~يقال: ما كنت تقول في الإسلام؟ (1) . فيقول: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد ~~رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا} . وذكر تمام الحديث. ~~والمقصود أن في حديث أبي هريرة قوله: " فيصير إلى قبره " كما في حديث ~~البراء بن عازب وحديث أبي هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء بن عازب وفي ~~بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله كما ذكره الحاكم مع أن سائر الأحاديث ~~الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن؛ إذ المسألة للبدن بلا روح ~~قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ~~ابن ميسرة وابن حزم. ولو كان كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص. وزعم ابن ~~حزم أن " العود " لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه وليس الأمر كما قاله ~~بل رواه غير زاذان عن البراء وروي عن ms1437 غير البراء مثل عدي بن ثابت وغيره. ~~وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد مع أن زاذان PageV05P446 # من الثقات روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره وروى له مسلم في " صحيحه " ~~وغيره؛ قال يحيى بن معين: هو ثقة وقال حميد بن هلال وقد سئل عنه فقال هو ~~ثقة لا يسأل عن مثل هؤلاء وقال ابن عدي أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة ~~وكان يتبع الكرابيسي وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه. وأما المنهال بن عمرو ~~فمن رجال البخاري وحديث " عود الروح " قد رواه عن غير البراء أيضا وحديث ~~زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول. # وأرواح المؤمنين في الجنة وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن؛ كما أنها ~~تكون في البدن ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم. أما كونها في الجنة ~~ففيه أحاديث عامة؛ وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء واحتجوا بالأحاديث ~~المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره. فالأول مثل حديث الزهري ~~المشهور الذي رواه مالك عن الزهري في " موطئه " وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما ~~وقد رواه الإمام أحمد في " المسند " وغيره. قال الزهري: أخبرنا عبد الرحمن ~~بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك الأنصاري - وهو أحد الثلاثة ~~الذين تيب عليهم - كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إنما ~~نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده} فأخبر أنه ~~يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده # PageV05P447 # يعني في النشأة الآخرة. قال أبو عبد الله ابن منده: ورواه يونس والزبيدي ~~والأوزاعي وابن إسحاق. وقال عمرو بن دينار وابن أخي الزهري عن الزهري عن ~~عبد الرحمن بن كعب عن أبيه قال. . . قال صالح بن كيسان وابن أخي الزهري عن ~~الزهري عن عبد الرحمن بن كعب أنه بلغه أن كعبا قال. . . رواه الإمام أحمد ~~والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قلت: وفي الحديث المشهور ~~حديث محمد بن عمرو عن أبي ms1438 سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رواه أبو حاتم في " صحيحه " وقد رواه أيضا الأئمة. قال {إن الميت ليسمع خفق ~~نعالهم حين يولون عنه. فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن ~~يمينه وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف ~~والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي ~~مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول ~~الزكاة: ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة ~~والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل. فيقال له: اجلس فيجلس ~~قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما ~~تقول فيه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي؛ فيقولون: إنك ستفعل أخبرنا عما # PageV05P448 # نسألك عنه. فقال: عم تسألوني؟ فيقولون: ما تقول في هذا الرجل الذي كان ~~فيكم؛ ما تشهد عليه به؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند ~~الله؛ فيقال: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى ثم ~~يفتح له بابا من أبواب الجنة فيقال له: ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك ~~فيها؛ فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له ذلك ~~مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو عصيت ربك فيزداد غبطة وسرورا؛ ثم يفسح ~~له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه. ويعاد جسده كما بدئ وتجعل نسمته في ~~نسم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة. وفي لفظ: وهو في طير يعلق في شجر ~~الجنة قال أبو هريرة: قال الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وفي لفظ ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ ~~منه} . وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى} ليست هي النشأة الثانية. ورواه الحاكم في " صحيحه ms1439 ~~" عن معمر عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال {إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ~~فيقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ~~ريح مسك حتى إنهم ليناوله بعضهم # PageV05P449 # بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي ~~جاءتكم من الأرض وكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين ~~فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه فيسألونه: ما فعل فلان؟ قال: ~~فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال لهم: ما أتاكم ~~فإنه قد مات؛ يقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فإن ملائكة ~~العذاب تأتيه فتقول: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وسخطه فتخرج ~~كأنتن ريح جيفة فينطلقون به إلى باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح كلما ~~أتوا على أرض قالوا ذلك حتى يأتوا به أرواح الكفار} . قال الحاكم: تابعه ~~هشام الدستوائي عن قتادة. وقال همام بن يحيى؛ عن قتادة عن أبي الجوزاء عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. والكل صحيح وشاهدها حديث ~~البراء بن عازب. وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل ~~الحذائي كما رواه معمر. قال: ورواه أبو موسى وبندار عن معاذ بن هشام عن ~~أبيه عن قتادة مثله مرفوعا. ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفا ورواه همام عن ~~قتادة عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة؛ مرفوعا نحوه. وقد روى هذا الحديث ~~النسائي والبزار في " مسنده " وأبو حاتم في " صحيحه " # PageV05P450 # وقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة قال {إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ~~ملكان فصعدا بها فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: فيقول أهل السماء: روح ~~طيبة جاءت من قبل الأرض؛ صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه؛ فينطلق بها ~~إلى ربه ثم يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه ~~وذكر ms1440 من نتنها وذكر لعنا فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. ~~قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا} . وقد ثبت في الصحيح {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم باسمك ربي وضعت جنبي وبك ~~أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك ~~الصالحين} وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول {اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها ~~لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فارحمها؛ وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به ~~عبادك الصالحين} . ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء وعودها إلى ~~البدن: ما بين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله. وروينا عن ~~الحافظ أبي عبد الله محمد بن منده في كتاب " الروح والنفس " حدثنا أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن الحسن الحراني ثنا أحمد # PageV05P451 # بن شعيب ثنا موسى بن أيمن عن مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: {الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها} قال: تلتقي أرواح الأحياء في المنام ~~بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح ~~الأحياء إلى أجسادها. وروى الحافظ أبو محمد ابن أبي حاتم في " تفسيره " ~~حدثنا عبد الله بن سليمان ثنا الحسن؛ ثنا عامر عن الفرات؛ ثنا أسباط عن ~~السدي {والتي لم تمت في منامها} . قال: يتوفاها في منامها. قال: فتلتقي روح ~~الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان. قال: فترجع روح الحي إلى جسده في ~~الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا. قال: وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده ~~فتحبس. وهذا أحد القولين وهو أن قوله: {فيمسك التي قضى عليها الموت} أريد ~~بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي. والقول الثاني - وعليه الأكثرون - أن ~~كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم وأما التي ms1441 توفيت وفاة ~~الموت فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدمها بقوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} ~~وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن الله قال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل ~~مسمى} فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم ~~وأما التي # PageV05P452 # توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية ~~التقاء الموتى بالنيام. والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن الله ذكر ~~توفيتين: توفي الموت وتوفي النوم وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى. ~~ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك؛ ويرسل من لم تمت. ~~وقوله: {يتوفى الأنفس حين موتها} يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في ~~النوم؛ فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في ~~الأخرى؛ وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف. وما ذكر من التقاء أرواح النيام ~~والموتى لا ينافي ما في الآية؛ وليس في لفظها دلالة عليه؛ لكن قوله: {فيمسك ~~التي قضى عليها الموت} يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة؛ سواء ~~توفاها في اليقظة أو في النوم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم ~~أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها؛ لك مماتها ومحياها؛ فإن أمسكتها فارحمها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين} فوصفها بأنها في حال توفي ~~النوم إما ممسكة وإما مرسلة. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي ثنا عمر بن عثمان؛ ~~ثنا بقية؛ ثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر الحضرمي أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أعجب من رؤيا الرجل أنه ~~يبيت فيرى الشيء # PageV05P453 # لم يخطر له على بال؛ فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الشيء؛ فلا تكون ~~رؤياه شيئا؛ فقال علي بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن ~~الله يقول: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ms1442 ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} فالله يتوفى الأنفس كلها ~~فما رأت - وهي عنده في السماء - فهو الرؤيا الصادقة وما رأت - إذا أرسلت ~~إلى أجسادها - تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها فأخبرتها بالأباطيل وكذبت ~~فيها؛ فعجب عمر من قوله. وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في ~~كتاب " الروح والنفس " وقال: هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره ولفظه. ~~قال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين؛ يقول الله تعالى: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجل مسمى} والأرواح يعرج بها في منامها فما رأت وهي في السماء ~~فهو الحق فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها. فما رأت ~~من ذلك فهو الباطل. قال الإمام أبو عبد الله بن منده: وروي عن أبي الدرداء ~~قال: روى ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعيني عن أبي عثمان الأصبحي عن أبي ~~الدرداء قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان ~~طاهرا أذن لها بالسجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود. رواه زيد بن ~~الحباب وغيره. # PageV05P454 # وروى ابن منده حديث علي وعمر رضي الله عنهما مرفوعا حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد ثنا محمد بن شعيب ثنا ابن عياش بن أبي إسماعيل وأنا الحسن ~~بن علي أنا عبد الرحمن بن محمد ثنا قتيبة والرازي ثنا محمد بن حميد ثنا أبو ~~زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي ثنا الأزهر بن عبد الله الأزدي عن محمد بن ~~عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: {لقي عمر بن الخطاب علي بن ~~أبي طالب فقال: يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت ثلاثة أشياء ~~أسألك عنهن فهل عندك منهن علم؟ فقال علي بن أبي طالب: وما هن؟ قال: الرجل ~~يحب الرجل ولم ير منه خيرا: والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا. فقال: نعم ~~سمعت ms1443 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الأرواح جنود مجندة تلتقي في ~~الهواء فتشام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف قال عمر: واحدة. ~~قال عمر: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه فبينما هو قد نسيه إذ ذكره. فقال: نعم ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من القلوب قلب إلا وله سحابة ~~كسحابة القمر فبينما القمر يضيء إذ تجللته سحابة فأظلم؛ إذ تجلت عنه فأضاء؛ ~~وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي إذ تجلت عنه فذكر. قال عمر: اثنتان. ~~قال: والرجل يرى الرؤيا: فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب. فقال: نعم سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد ينام فيمتلئ نوما إلا عرج بروحه ~~إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ ~~دون العرش # PageV05P455 # فهي الرؤيا التي تكذب. فقال عمر: ثلاث كنت في طلبهن؛ فالحمد لله الذي ~~أصبتهن قبل الموت.} ورواه من وجه ثالث: أن ابن عباس سأل عنه عمر فقال: ~~حدثنا أحمد بن سليمان بن أيوب ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد ثنا آدم بن ~~أبي إياس ثنا إسماعيل بن عياش عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي عن ابن أبي طلحة ~~القرشي أن ابن عباس رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير ~~المؤمنين أشياء أسألك عنها؟ قال: سل عما شئت؛ فقال: يا أمير المؤمنين مم ~~يذكر الرجل ومم ينسى؟ ومم تصدق الرؤيا ومم تكذب؟ فقال له عمر أما قولك مم ~~يذكر الرجل ومم ينسى؛ فإن على القلب طخاة مثل طخاة القمر فإذا تغشت القلب ~~نسي ابن آدم فإذا تجلت عن القلب ذكر مما كان ينسى. وأما مم تصدق الرؤيا ومم ~~تكذب؛ فإن الله يقول: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق وما كان منها دون ~~ملكوت السماء فهي التي تكذب. قلت: وفي هذين الطريقين ذكر أن التي تكذب ما ~~لم ms1444 يكمل وصولها إلى العلو. وفي الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها. ~~وكلا الأمرين ممكن؛ فإن الحكم يختلف لفوات شرطه أو وجود مانعه عن ذلك. قال ~~عكرمة ومجاهد إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح # PageV05P456 # وأصله في الجسد. فتبلغ حيث شاء الله فما دام ذاهبا فإن الإنسان نائم. ~~فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان؛ فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله ~~متصل بالشمس. قال ابن منده: وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي عن ~~علي بن يزيد السمرقندي - وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبير ~~- قال: إن الأرواح تمتد من منخر الإنسان ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان ~~فلو خرج الروح لمات كما أن السراج لو فرقت بينها وبين الفتيلة لطفئت. ألا ~~ترى أن تركب النار في الفتيلة وضوءها وشعاعها ملأ البيت فكذلك الروح تمتد ~~من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء وتجول في البلدان وتلتقي مع ~~أرواح الموتى. فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه ~~وكان المرء في اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من ~~الباطل رجع إليه روحه فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله عز وجل على حسب ~~صدقه. وإن كان خفيفا نزقا يحب الباطل والنظر إليه فإذا نام وأراه الله أمرا ~~من خير أو شر رجع روحه فحيث ما رأى شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف ~~عليه كما يقف في يقظته وكذلك يؤدي إلى قلبه فلا يعقل ما رأى لأنه خلط الحق ~~بالباطل؛ فلا يمكن معبر يعبر له وقد اختلط الحق بالباطل. قال الإمام ابن ~~منده: ومما يشهد لهذا الكلام ما ذكرناه عن عمر وعلي وأبي الدرداء رضي الله ~~عنهم. قلت: وخرج ابن قتيبة في كتاب " تعبير الرؤيا " قال: حدثني # PageV05P457 # حسين بن حسن المروزي أخبرنا ابن المبارك عبد الله ثنا المبارك {عن الحسن ~~أنه قال: أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله تبارك وتعالى: انظروا ~~إلى عبدي روحه ms1445 عندي وجسده في طاعتي} . وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع ~~أنها في البدن. علم أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه. ~~وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج الروح ونزولها لا من جنس عروج البدن ~~ونزوله. وصعود الرب عز وجل فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه تعالى أبعد ~~عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق. وإذا قيل: الصعود والنزول ~~والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة؛ قيل: والحركة أيضا أصناف مختلفة فليست ~~حركة الروح كحركة البدن ولا حركة الملائكة كحركة البدن. والحركة يراد بها ~~انتقال البدن والجسم من حيز ويراد بها أمور أخرى كما يقوله كثير من ~~الطبائعية والفلاسفة: منها الحركة في الكم كحركة النمو والحركة في الكيف ~~كحركة الإنسان من جهل إلى علم وحركة اللون أو الثياب من سواد إلى بياض ~~والحركة في الأين كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان: في ~~النمو والزيادة أو في الذبول والنقصان؛ وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى ~~حيز. ومن قال: إن الجواهر المفردة تنتقل؛ فقوله غلط كما هو مبسوط في موضعه. # PageV05P458 # وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها فيسود الجسم بعد ابيضاضه ~~ويحلو بعد مرارته بعد أن لم يكن كذلك. وهذه حركات واستحالات وانتقالات وإن ~~لم يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز وكذلك الجسم الدائر في موضع واحد ~~كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه وإن لم يزل متحركا. وهذه ~~الحركات كلها في الأجسام وأما في الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب ومن ~~سخط إلى رضا. ومن كراهة إلى إرادة ومن جهل إلى علم ويجد الإنسان من حركات ~~نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده. وذلك من جنس آخر غير جنس حركات ~~بدنه. وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم؛ وإن ما يوصف به الرب ~~تبارك وتعالى هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله؛ وحينئذ فإذا قال السلف ~~والأئمة: كحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من أئمة أهل السنة ms1446 أنه ~~ينزل ولا يخلو منه العرش؛ لم يجز أن يقال: إن ذلك ممتنع بل إذا كان المخلوق ~~يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف ~~البدن به كان جواز ذلك في حق الرب تبارك وتعالى أولى من جوازه من المخلوق ~~كأرواح الآدميين والملائكة. # ومن ظن أن ما يوصف به الرب عز وجل لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بني ~~آدم. فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان. # PageV05P459 # وأصل هذا أن " قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته " لا يستلزم أن تخلو ~~ذاته من فوق العرش؛ بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال ذلك من ~~قاله من السلف؛ وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة قال تعالى: {إذ قال ~~موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون} {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين} {يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم} {وألق عصاك فلما رآها تهتز ~~كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} ~~{إلا من ظلم} وقال في السورة الأخرى {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ~~من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ~~أو جذوة من النار لعلكم تصطلون} {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} وقال ~~تعالى: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا} {وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} فأخبر أنه ناداه من جانب الطور وأنه قربه ~~نجيا وقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى ~~موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} {ولكنا أنشأنا ms1447 قرونا فتطاول عليهم العمر ~~وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين} {وما كنت ~~بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يتذكرون} وقال تعالى: # PageV05P460 # {هل أتاك حديث موسى} {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى} {اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى} {فقل هل لك إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ربك فتخشى} {فأراه الآية ~~الكبرى} . وقال ابن أبي حاتم في " تفسيره ": حدثنا علي بن الحسين حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة حدثنا معاوية بن هشام حدثنا شريك عن عطاء عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى {فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار ومن حولها} قال. كان ذلك النار قال الله من في النور ~~ونودي أن بورك من في النور. حدثنا علي بن الحسين؛ ثنا محمد بن حمزة؛ ثنا ~~علي بن الحسين بن واقد؛ عن أبيه عن يزيد النحوي أن عكرمة حدثني عن ابن عباس ~~{أن بورك من في النار} قال: كان ذلك النار نوره {ومن حولها} أي بورك من في ~~النور ومن حول النور. وكذلك روي بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس: {فلما ~~جاءها نودي أن بورك من في النار} يعني نفسه قال: كان نور رب العالمين في ~~الشجرة ومن حولها. حدثنا أبي؛ ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري؛ ثنا أبو ~~معاوية؛ عن شيبان؛ عن عكرمة: {أن بورك من في النار} قال: كان الله في نوره. ~~حدثنا أبو زرعة ثنا ابن أبي شيبة ثنا علي بن جعفر المدائني عن ورقاء عن ~~عطاء بن السائب؛ عن سعيد بن جبير: {أن بورك من في النار} قال: ناداه وهو في ~~النور. # PageV05P461 # حدثنا علي بن الحسين المنجاني؛ ثنا سعيد بن أبي مريم؛ ثنا مفضل بن أبي ~~فضالة حدثني ابن ضمرة: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} ~~قال: إن موسى كان على شاطئ الوادي - إلى أن قال - فلما قام أبصر النار ms1448 فسار ~~إليها فلما أتاها {نودي أن بورك من في النار} قال: إنها لم تكن نارا ولكن ~~كان نور الله وهو الذي كان في ذلك النور وإنما كان ذلك النور منه؛ وموسى ~~حوله. حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ثنا مكي بن إبراهيم ثنا موسى ~~بن عبيدة؛ عن محمد بن كعب في قوله عز وجل {أن بورك من في النار ومن حولها} ~~قال: النار نور الرحمة؛ قال: ضوء من الله تعالى {ومن حولها} موسى ~~والملائكة. وروي بإسناده عن ابن عباس {ومن حولها} قال: الملائكة. قال: وروي ~~عن عكرمة والحسن وسعيد بن جبير وقتادة مثل ذلك. وروي عن السدي وحده {أن ~~بورك من في النار} قال: كان في النار ملائكة. وفي " صحيح مسلم " عن أبي ~~عبيدة {عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع ~~كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع ~~إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل # PageV05P462 # عمل الليل حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه} . ثم قرأ أبو عبيدة: {أن بورك من في النار ومن حولها} . ~~وذكر من تفسير الوالبي عن ابن عباس {أن بورك من في النار} يقول: قدس وعن ~~مجاهد: {أن بورك من في النار} بوركت النار. كذلك كان يقول ابن عباس وفي ~~السورة الأخرى: ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة وقوله {من الشجرة} هو بدل من قوله {من شاطئ الوادي الأيمن} فالشجرة ~~كانت فيه وقال أيضا: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} والطور هو الجبل ~~فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادي فإن شاطئ الوادي جانبه ~~وقال {وما كنت بجانب الغربي} أي بالجانب الغربي وجانب المكان الغربي؛ فدل ~~على أن هذا الجانب الأيمن هو الغربي لا الشرقي فذكر أن النداء كان من موضع ~~معين وهو الوادي المقدس طوى من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور ms1449 الأيمن من ~~الشجرة. وذكر أنه قربه نجيا فناداه وناجاه وذلك المنادي له والمناجي له هو ~~الله رب العالمين لا غيره ونداؤه ومناجاته قائمة به ليس ذلك مخلوقا منفصلا ~~عنه كما يقوله من يقول: إن الله لا يقوم به كلام؛ بل كلامه منفصل عنه ~~مخلوق؛ وهو سبحانه وتعالى ناداه وناجاه ذلك الوقت كما دل عليه القرآن لا ~~كما يقوله من يقول: لم يزل مناديا مناجيا له ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك ~~النداء القديم الذي لم يزل ولا يزال. # PageV05P463 # فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدا منها أحد من السلف. وإذا كان المنادي ~~هو الله رب العالمين وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه؛ دل ذلك على ما ~~قاله السلف من قربه ودنوه من موسى عليه السلام مع أن هذا قرب مما دون ~~السماء. وقد جاء أيضا من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من ~~أيوب عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام ولفظه - الذي ساقه البغوي ~~- أنه أظله غمام ثم نودي: يا أيوب؟ أنا الله يقول: أنا قد دنوت منك أنزل ~~منك قريبا لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة لا على وجه ~~الاعتماد عليها وحدها وهو سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه فقال تبارك ~~وتعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} . وثبت ~~في " الصحيحين {عن أبي موسى أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ~~فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال: أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم ~~لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته} . " وفي الصحيحين " {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا ~~تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} . # PageV05P464 # وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه ms1450 فوق العرش ~~سواء قالوا مع ذلك: إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا. وأما من ~~ينكر ذلك: - فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض ~~الوجوه فيكونون قريبين منه وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: ~~الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة. ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم ~~ويفسر قربه بإثابته. وهذا تفسير جمهور الجهمية؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا ~~تقريب أصلا. ومما يدخل في معاني القرب - وليس في الطوائف من ينكره - قرب ~~المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل من أحب شيئا فإنه لا ~~بد أن يعرفه ويقرب من قلبه والذي يبغضه يبعد من قلبه. لكن هذا ليس المراد ~~به أن ذاته نفسها تحل في قلوب العارفين العابدين وإنما في القلوب معرفته ~~وعبادته ومحبته والإيمان به؛ ولكن العلم يطابق المعلوم. وهذا الإيمان الذي ~~في القلوب هو " المثل الأعلى " الذي له في السموات والأرض وهو معنى قوله ~~تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} وقوله {وهو الله في السماوات ~~وفي الأرض} . # PageV05P465 # وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم: فجعلوه حلول ~~الذات واتحادها بالعابد والعارف من جنس قول النصارى في المسيح وهو قول باطل ~~كما قد بسط في موضعه. والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول ~~المعروف للسلف والأئمة وهو قول الأشعري وغيره من الكلابية؛ فإنهم يثبتون ~~قرب العباد إلى ذاته وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته ونحو ذلك ~~ويقولون: الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويا على العرش. وهذا أيضا قول ~~ابن عقيل وابن الزاغوني وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم. # وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال ~~الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستوائه على العرش. وهذا مذهب ~~أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر. ~~وأول من أنكر هذا في الإسلام " الجهمية " ومن وافقهم من المعتزلة وكانوا ~~ينكرون الصفات والعلو على العرش ثم جاء ابن كلاب فخالفهم في ذلك وأثبت ms1451 ~~الصفات والعلو على العرش لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور الاختيارية؛ ~~ولهذا أحدث قوله في القرآن: إنه قديم لم يتكلم به بقدرته. ولا يعرف هذا ~~القول عن أحد من السلف؛ بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير # PageV05P466 # مخلوق وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في ~~مواضع غير هذا. فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلاما قائما به؛ ~~هم الذين يقولون إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه. وأما من قال: القرآن مخلوق ~~أو قديم فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه. فمن قال ~~منهم: بهذا مع هذا؛ كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم. ~~وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم على ~~أصل المقالة ولم يعرف حقيقتها ولوازمها؛ فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض ~~كلامه في هذا الباب. فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالإثبات ~~وليس على النفي دليل واحد: لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر؛ وإنما أصله ~~قول الجهمية فلما جاء ابن كلاب فرق ووافقه كثير من الناس على ذلك فصار كثير ~~من الناس يقر بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة وبما يقوله ~~النفاة مما يناقض ذلك ولا يهتدي للتناقض {والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} . وبهذا يحصل الجواب عما احتج به من قال: إن ثلث الليل يختلف ~~باختلاف البلاد. وهذا قد احتج به طائفة وجعلوا هذا دليلا على ما يتأولون ~~عليه حديث النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس # PageV05P467 # نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش ~~منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته. فإذا قدر النزول هكذا كان ~~ممتنعا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها فإن ~~بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ابتداء العمارة من المشرق ~~ومنتهاها ms1452 من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية وكل خمس عشرة فهي ساعة ~~معتدلة والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار إذا ~~كان الليل والنهار متساويين - كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب ~~الصيف وأول الخريف الذي تسميه الربيع - بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من ~~الآخر وكل واحد اثنتا عشرة ساعة؛ فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر ~~فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب كما تطلع على هؤلاء ~~قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر. فإن الشمس على أي موضع كانت ~~مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند نصف النهار فإنها تضيء على ما ~~أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية والمجموع ~~مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة ستة شرقية وستة غربية وهو النهار المعتدل. ~~ولا يزال لها هذا النهار لكن يخفى ضوءها بسبب ميلها إلى جانب الشمال # PageV05P468 # والجنوب؛ فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي ~~شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين - ~~الشمالي والجنوبي - نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك إنها على ذلك ~~المكان دولابية مثل الدولاب وإنها عند القطبين رحاوية تشبه حركة الرحى ~~وإنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف. والمعمور المسكون من ~~الأرض يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل. والكلام على هذا ~~لبسطه موضع آخر: ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ~~وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن " الفلك " مستدير. وقد ذكر إجماع ~~علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي ~~له نحو " أربعمائة مصنف " وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد وأبو محمد ~~بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. والمقصود هنا: أن الشمس إذا طلعت على ~~أول البلاد الشرقية فإنه حينئذ يكون إما وقت غروبها وإما قريبا من وقت ~~غروبها على آخر البلاد الغربية فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين ms1453 ~~درجة وخلفها تسعين درجة؛ فهذا منتهى نورها. فإذا طلعت عليهم كان بينها ~~وبينهم تسعون درجة وكذلك على كل بلد تطلع عليه؛ والحاسب يفرق بين الدرجات ~~كما يفرق بين الساعات فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة ~~درجة بحسب ذلك الزمان # PageV05P469 # فيكون بينها وبين المغرب أيضا تسعون درجة من ناحية المغرب وإذا صار بينها ~~وبين مكان تسعون درجة غربية غابت كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة ~~شرقية وإذا توسطت عليهم - وهو وقت استوائها قبل أن تدلك وتزيغ ويدخل وقت ~~الظهر - كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية. وإذا كان كذلك - ~~والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق ~~عليه الشيخان: البخاري ومسلم واتفق علماء الحديث على صحته هو: " إذا بقي ~~ثلث الليل الآخر " وأما رواية النصف والثلثين فانفرد بها مسلم في بعض طرقه ~~وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر ~~". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة ~~كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث والذي لا شك فيه ~~إذا بقي ثلث الليل الآخر. فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر " ~~النزول " أيضا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو ~~الصادق المصدوق؛ ويكون النزول أنواعا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول ~~ثم إذا انتصف وهو أبلغ ثم إذا بقي ثلث الليل وهو أبلغ الأنواع الثلاثة. ~~ولفظ " الليل والنهار " في كلام الشارع إذا أطلق فالنهار من طلوع الفجر # PageV05P470 # كما في قوله سبحانه وتعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ~~وكما في قوله صلى الله عليه وسلم {صم يوما وأفطر يوما} وقوله: {كالذي يصوم ~~النهار ويقوم الليل} ونحو ذلك فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر وكذلك ~~وقت صلاة الفجر وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة ~~والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة وكذلك في مثل قوله ms1454 صلى الله عليه وسلم ~~{صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة} . ولهذا قال العلماء - ~~كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - إن صلاة الفجر من صلاة النهار. وأما إذا قال ~~الشارع صلى الله عليه وسلم " نصف النهار " فإنما يعني به النهار المبتدئ من ~~طلوع الشمس؛ لا يريد قط - لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين ~~بنصف النهار - النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل ~~الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء - لما رأى كلام العلماء أن الصائم ~~المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على ~~قولين هما روايتان عن أحمد - ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي ~~أوله طلوع الفجر. وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق ~~وبين مسمى نصف النهار فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء ~~أمته هو من طلوع الشمس والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع ~~الفجر. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل فهذا ~~الليل # PageV05P471 # المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف - وهو الذي ~~ينتهي إلى طلوع الشمس وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم {وقت العشاء ~~إلى نصف الليل أو إلى الثلث} فهو هذا الليل. وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث ~~الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير ~~هذا. وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: ~~{أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه} واليوم ~~المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر. فإن كان المراد بالحديث ~~هذا وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم ~~بأربع ساعات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني ms1455 ~~فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر} - فقد أخبر بدوامه إلى طلوع ~~الفجر وفي رواية: " إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر ". وقد قال تعالى: ~~{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} تشهده ملائكة الليل والنهار وقد ~~قيل: يشهده الله وملائكته. وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك؛ ~~فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان وأما النزول ~~الذي في النصف أو الثلثين: فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه فهو أكثر دواما من ~~ذلك. # PageV05P472 # وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس؛ كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون ~~قريبا من ثمن الزمان وتسعه وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبا من سدسه ~~وربعه وأكثر من ذلك. ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد ~~الغربي كما قد عرف والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة مائة وثمانون درجة فلو ~~قدر أن لكل مقدار ساعة - وهو خمس عشرة درجة من المعمور - ثلثا غير ثلث ~~مقدار الساعة الأخرى لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثا والنزول يدوم في كل ثلث ~~مقدار سدس الزمان فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلا ونهارا أنه يدوم بقدر ~~الليل والنهار ست مرات إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثا فكيف ~~النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟ . فكل أهل ~~بلد من البلاد يبقى نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من ~~مستغفر؟ سدس الزمان والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام ولله ~~الحمد قد انتشر من المشرق إلى المغرب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: {زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي ~~منها} . وإنما ذكرنا هذا لأنه قد يقال: إن هذا " النزول والدعاء " إنما هو ~~لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن " نزول عشية # PageV05P473 # عرفة " إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه وكما أن رمضان إذا دخل ~~فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان ms1456 وعنهم تغلق أبواب ~~النار وتصفد شياطينهم " وأما الكفار " الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا ~~يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب ~~النار ولا تصفد شياطينهم. وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى بل المقصود أن ~~النزول إن كان خاصا بالمؤمنين؛ فهم ولله الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى ~~المغرب وإن كان عاما؛ فهو أبلغ فعلى كل تقدير لا بد أن يدوم النزول الإلهي ~~على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل ليل صيفهم قصير قيل ~~وليل شتائهم طويل فيعادل هذا هذا وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم ~~ولهذا جاء في الأثر {الشتاء ربيع المؤمن: يصوم نهاره ويقوم ليله} . وإذا ~~كان كذلك - فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات ~~وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد - لم يكن اللازم ~~أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم ~~إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد؛ وكان المجموع ستة أثلاث فإذا ~~قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث لزم أن لا ~~يزال تحت العرش أو تحت السموات أو حيث تخيل الجاهل أن الله محصور فيه؛ فلا ~~يكون قط فوق العرش. # PageV05P474 # وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر وأن أول كل بلد بعد الثلث ~~الآخر يقدر ما بينهما وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ~~ليل البلد الغربي. وأيضا إن كانت مداخلة فلا بد أن يدوم النزول على كل بلد ~~ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم؛ فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد. ~~وأيضا فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد فهو يختلف بعرضها أيضا. فكلما ~~كان البلد أدخل في الشمال؛ كان ليله في الشتاء أطول وفي الصيف أقصر. وما ~~كان قريبا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر ms1457 من ليل ذاك وليله في ~~الصيف أطول من ليل ذاك؛ فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي. وحينئذ ~~فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم فيختلف مقداره بمقادير الليل في ~~الشمال والجنوب كما اختلف في المشرق والمغرب. وأيضا فإنه إذا صار ثلث الليل ~~عند قوم؛ فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد؛ فيحصل النزول ~~الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق أيضا عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم وهكذا ~~إلى آخر العمارة. فلو كان كما توهمه الجاهل من أنه يكون تحت العرش وتكون ~~فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعا من وجوه كثيرة. # PageV05P475 # " منها " أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته " ومنها " أنه يجب ~~على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدا ليقع كذلك " ~~ومنها " أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم إن أمكن مع ذلك ~~أن يكون قد نزل على غيرهم أيضا ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم ~~والتأخير والطول والقصر. فهذا خلاف ما تخيلوه فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا ~~نازلا كنزول العباد من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم وهو أيضا في ~~تلك الساعة نازلا على سماء آخرين مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر ~~عنهم أو يزيد أو يقصر. وحكي عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها ~~عند نزوله؟ قال: يرفعها ثم يضعها وهو قادر على ذلك. فهؤلاء الذين يتخيلون ~~ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم كلهم ~~ضالون؛ ثم يصيرون قسمين. " قسم " علموا أن ذلك باطل وظنوا أن هذا ظاهر النص ~~ومدلوله وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك؛ فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلا ~~يحرفون به الكلم عن مواضعه. وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء ويزعمون أن ~~هذا " مذهب السلف ". # PageV05P476 # ويقولون: إن قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} يدل على أن معنى المتشابه ~~لا يعلمه إلا الله والحديث منه متشابه ms1458 - كما في القرآن - وهذا من متشابه ~~الحديث؛ فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يدر هو ما يقول ~~ولا ما عني بكلامه - وهو المتكلم به ابتداء. فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا ~~بأحد من عقلاء بني آدم فضلا عن الأنبياء فضلا عن أفضل الأولين والآخرين ~~وأعلم الخلق وأفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم وهم مع ذلك ~~يدعون أنهم أهل السنة وأن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل ~~السنة. ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه. ولو تصوروا ذلك ~~لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء وهم لا يرتضون ~~مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله وهم ~~مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام وقولهم يتضمن أعظم ~~القدح؛ لكن لم يعرفوا ذلك. ولازم القول ليس بقول فإنهم لو عرفوا أن هذا ~~يلزمهم ما التزموه. " وقسم ثان " من الممثلين لله بخلقه لما رأوا أن قول ~~هؤلاء منكر وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق قالوا مثل تلك الجهالات: ~~من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء أو أن السموات ترتفع ثم تعود ونحو ذلك ~~مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولب. # PageV05P477 # وقد ثبت في " الصحيحين " أنه ينزل وفي لفظ: {: ينزل كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر} وفي حديث آخر: {أقرب ما يكون الرب من ~~عبده في جوف الليل الآخر} وفي صحيح مسلم: {إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ~~حين يمضي ثلث الليل} وفي صحيح مسلم أيضا: {إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل ~~الله إلى سماء الدنيا} فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد يبطل قول من ~~يظن أنه يخلو منه العرش ويصير تحت العرش أو تحت السماء. وأما " النزول " ~~الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد؛ فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد ~~لخلق كثير ويكون قدره لبعض الناس ms1459 أكثر بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من ~~عباده دون بعض فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه. وجميع ما وصف ~~به الرب عز وجل نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في ~~المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص. وأما قربه مما يقرب منه فهو ~~خاص لمن يقرب منه كالداعي والعابد وكقربه عشية عرفة ودنوه إلى السماء ~~الدنيا لأجل الحجاج وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض ~~البلاد وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يدن إليها ولا إلى ~~سمائها الدنيا وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحجاج وكذلك نزوله ~~بالليل. وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة ~~وكل # PageV05P478 # منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه وذلك ~~المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك {قال أبو رزين: للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه ~~كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال: يا رسول الله كيف؟ ونحن جميع وهو ~~واحد فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر كلكم يراه مخليا به؛ ~~فالله أكبر} . وقال رجل لابن عباس رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد في ~~ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. وكذلك ما ثبت في " صحيح مسلم " ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله: قسمت الصلاة ~~بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال ~~العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال العبد: ~~{الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال العبد: {مالك يوم الدين} ~~قال الله: مجدني عبدي فإذا قال العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذه ~~بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم ms1460 غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هؤلاء لعبدي ~~ولعبدي ما سأل} . فهذا يقوله سبحانه وتعالى: لكل مصل قرأ الفاتحة فلو صلى ~~الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة ~~من # PageV05P479 # لا يحصي عدده إلا الله وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا كما ~~يحاسبهم كذلك فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة وكذلك سمعه ~~لكلامهم يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم؛ يسمع دعاءهم سمع ~~إجابة ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه ~~المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله وهو ~~الذي يرزق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء من البدن على مقداره ~~وصفته المناسبة له وكذلك من الزرع. وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يئوده ~~حفظهما فإذا كان لا يئوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل فكيف يئوده العلم ~~بذلك أو سمع كلامهم أو رؤية أفعالهم أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} وهذه الآية مما ~~تبين خطأ هؤلاء فإنه سبحانه وتعالى قال: {وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ويقول ~~أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض} . # PageV05P480 # وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أبلغ من ذلك والسياق لمسلم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده ~~اليمنى ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين ~~المتكبرون} ؟ رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواه عثمان بن أبي شيبة قال: ~~{يطوي الله السموات يوم ms1461 القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك ~~أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول: أنا ~~الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟} . وفي حديث عبد الله بن مقسم {عن عبد ~~الله بن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: يأخذ ~~الجبار سمواته وأرضه - وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها - ويقول: أنا الرحمن ~~أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا ~~الجبار أنا المتكبر أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا أنا الذي أعيدها أين ~~الجبارون أين المتكبرون؟ ويتميل رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت ~~إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول أساقط هو برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟} رواه ابن منده وابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وسعيد ~~بن منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة. فإذا كان سبحانه يطوي ~~السموات كلها بيمينه وهذا قدرها عنده - كما # PageV05P481 # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما السموات السبع والأرضون السبع وما ~~فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم وهو سبحانه بين لنا من ~~عظمته بقدر ما نعقله كما قال عبد العزيز الماجشون: والله ما دلهم على عظيم ~~ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم - إن ذلك الذي ~~ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم. وقد قال تعالى: {لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار} قال ابن أبي حاتم في " تفسيره ": حدثنا أبو زرعة ثنا ~~منجاب بن الحارث ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية العوفي عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه {عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: ~~{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لو أن الجن والإنس والشياطين ~~والملائكة؛ منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا} - ~~فمن هذه عظمته كيف يحصره مخلوق من المخلوقات سماء أو غير سماء؟ حتى يقال: ms1462 ~~إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه أو يصير شيء من المخلوقات ~~يحصره ويحيط به سبحانه وتعالى. فإذا قال القائل: هو قادر على ما يشاء؛ قيل: ~~فقل: هو قادر على أن ينزل سبحانه وتعالى وهو فوق عرشه وإذا استدللت بمطلق ~~القدرة والعظمة من غير تمييز فما كان أبلغ في القدرة والعظمة؛ فهو أولى بأن ~~يوصف به مما ليس # PageV05P482 # كذلك؛ فإن من توهم العظيم الذي لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به ~~مخلوقه الصغير وجعل هذا من باب القدرة والعظمة؛ فقوله: إنه ينزل مع بقاء ~~عظمته وعلوه على العرش؛ أبلغ في القدرة والعظمة وهو الذي فيه موافقة الشرع ~~والعقل. # وهذا كما قد يقوله طائفة " منهم أبو طالب المكي " قال: إن شاء وسعه أدنى ~~شيء وإن شاء لم يسعه شيء وإن أراد عرفه كل شيء وإن لم يرد لم يعرفه شيء؛ إن ~~أحب وجد عند كل شيء وإن لم يحب لم يوجد عند شيء وقد جاوز الحد والمعيار ~~وسبق القيل والأقدار ذو صفات لا تحصى؛ وقدر لا يتناهى؛ ليس محبوسا في صورة ~~ولا موقوفا بصفة ولا محكوما عليه بكلم ولا يتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في ~~صورة لاثنين؛ ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان؛ بل لكل تجل منه صورة ولكل عبد ~~عند ظهوره صفة وعن كل نظرة كلام؛ وبكل كلمة إفهام ولا نهاية لتجليه؛ ولا ~~غاية لأوصافه. قلت: أبو طالب رحمه الله هو وأصحابه " السالمية " أتباع ~~الشيخ أبي الحسن بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري - لهم من المعرفة ~~والعبادة والزهد واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل ~~السنة ما هم معروفون به وهم منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة: الإمام ~~أحمد بن حنبل وسهل بن عبد الله التستري ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس ~~كبيت الشيخ أبي محمد وغيرهم وفيهم من هو على مذهب الشافعي. # PageV05P483 # فالذين ينتسبون إليهم أو يعظمونهم ويقصدون متابعتهم أئمة هدى رضوان الله ~~عليهم أجمعين. وهم في ذلك كأمثالهم ms1463 من أهل السنة والجماعة. وقل طائفة من ~~المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع؛ ولهذا ~~يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد ~~والتفسير والحديث؛ من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات ~~الناس ألوانا والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به لا ~~لكراهته لما عليه الرسول. وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء أنكروا بعض ما وقع من ~~كلام أبي طالب في الصفات - من نحو الحلول وغيره - أنكرها عليهم أئمة العلم ~~والدين ونسبوهم إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في ~~أبي علي الأهوازي لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري وهذا مناقبه وكان ~~أبو علي الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول. والقاضي أبو يعلى ~~له كتاب صنفه في الرد على السالمية. وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه - ~~كالقاضي أبي يعلى وغيره وكأصحاب الأشعري وغيرهم من ينازعهم - من جنس تنازع ~~الناس تارة يرد عليهم حق وباطل؛ وتارة يرد عليهم حق من حقهم وتارة يرد باطل ~~بباطل وتارة يرد باطل بحق. # PageV05P484 # وكذلك ذكر الخطيب البغدادي في " تاريخه " أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ~~ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات. وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول ~~سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ الذين أخذوا عنه كأبي الحكم بن برجان ونحوه. ~~وأما أبو إسماعيل الأنصاري صاحب " منازل السائرين " فليس في كلامه شيء من ~~الحلول العام لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل ~~إلى ما سماه هو: " مقام التوحيد " وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب لكن ~~كنى عنه. وأما " الحلول العام " ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه؛ مع ~~تبريه من لفظ الحلول فإنه ذكر كلاما كثيرا حسنا في التوحيد كقوله: عالم لا ~~يجهل قادر لا يعجز، حي لا يموت قيوم لا يغفل حليم لا يسفه سميع بصير ملك لا ~~يزول ملكه قديم ms1464 بغير وقت آخر بغير حد كائن لم يزل إلى أن قال: وإنه أمام كل ~~شيء ووراء كل شيء وفوق كل شيء ومع كل شيء ويسمع كل شيء وأقرب إلى كل شيء من ~~ذلك الشيء وإنه مع ذلك غير محل للأشياء وإن الأشياء ليست محلا له وإنه على ~~العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه وإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء ~~قدير وبكل شيء # PageV05P485 # محيط. وذكر كلاما آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه ثم ~~قال: والله جل جلاله وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه متوحد بأوصافه بائن من ~~جميع خلقه لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض ليس في ذاته سواه ولا في سواه ~~من ذاته شيء ليس في الخلق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق. قلت: وهذا ~~ينفي الحلول كما نفاه أولا. # ثم قال: # فصل: شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين # فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء وأقرب من كل شيء فهو ~~المعطي المانع الهادي المضل لا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع إلا الله ~~كما لا إله إلا الله ويشهد قرب الله منه ونظره إليه وقدرته عليه وحيطته به؛ ~~فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء ويذكره في كل شيء ويخلو قلبه له من كل ~~شيء ويرجع إليه بكل شيء ويتأله إليه دون كل شيء ويعلم أن الله أقرب إلى ~~القلب من وريده وأقرب إلى الروح من حياته وأقرب إلى البصر من نظره وأقرب ~~إلى اللسان من ريقه - بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب - وأنه تعالى على ~~العرش في ذلك كله وأنه رفيع الدرجات من الثرى؛ كما هو رفيع الدرجات من ~~العرش وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه # PageV05P486 # من العرش وأن العرش غير ملاصق له بحس ولا تمكن فيه ولا يذكر فيه بوجس ولا ~~ناظر إليه بعين ولا يحاط به فيدرك لأنه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته؛ ~~ولا نصيب للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم ms1465 به؛ واجد لما أوجده منه من أن الله ~~عليه وأن العرش مطمئن به وأن الله محيط بعرشه فوق كل شيء وفوق تحت كل شيء ~~فهو فوق الفوق تحت التحت لا يحد بتحت فيكون له فوق؛ لأنه العلي الأعلى. أين ~~كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان. ولا يحد بمكان. ولا يفقد من مكان ولا ~~يوجد بمكان؛ فالتحت للأسفل والفوق للأعلى وهو سبحانه فوق كل فوق في العلو ~~وفوق كل تحت في السمو: هو فوق ملائكة الثرى كما هو فوق ملائكة العرش ~~والأماكن الممكنات؛ ومكانه مشيئته ووجوده قدرته والعرش والثرى فما بينهما: ~~هو حد للخلق الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة في قبضته وهو أعلى من ذلك محيط ~~بجميع ذلك كما لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم ولا نهاية لعلوه ولا فوق ~~لسموه ولا بعد في دنوه. إلى أن قال: وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء ولا يبعد ~~عليه شيء قريب من كل شيء بوصفه وهو القدرة والدراك والأشياء مبعدة ~~بأوصافها: # PageV05P487 # وهو البعد والحجب فالبعد والإبعاد حكم مشيئته والحدود والأقطار حجب ~~بريته. إلى أن قال: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} {ثم استوى على العرش} ~~{وهو معكم أين ما كنتم} غير متصل بالخلق ولا مفارق وغير مماس للكون ولا ~~متباعد بل منفرد بنفسه متوحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء ولا يقترن به شيء أقرب ~~من كل شيء بقرب هو وصفه وهو محيط بكل شيء بحيطة هي نعته وهو مع كل شيء وفوق ~~كل شيء وأمام كل شيء ووراء كل شيء؛ بعلوه ودنوه وهو قربه؛ فهو وراء الحول ~~الذي هو وراء حملة العرش وهو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح وهو مع ذلك ~~فوق كل شيء وهو محيط بكل شيء وليس هو تعالى في هذا مكانا لشيء ولا مكانا له ~~شيء وليس كمثله في كل هذا شيء لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه ولا ~~نظير له في عباده ولا شبيه له في إيجاده وهو أول في آخريته بأولية ms1466 هي صفته ~~وآخر في أوليته بآخرية هي نعته وباطن في ظهوره بباطنية هي قربه وظاهر في ~~باطنيته بظهور هو علوه؛ لم يزل كذلك أولا ولا يزال كذلك آخرا ولم يزل كذلك ~~باطنا؛ ولا يزال كذلك ظاهرا. إلى أن قال: هو على عرشه بإخباره لنفسه؛ ~~فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه؛ والعرش محتاج إلى مكان؛ والرب ~~عز وجل غير محتاج إليه؛ كما قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} الرحمن ~~اسم والاستواء # PageV05P488 # نعته متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته؛ ليس بمضطر إلى مكان يسعه ~~ولا حامل يحمله. إلى أن قال: وهو لا يسعه غير مشيئته ولا يظهر إلا في أنوار ~~صفته ولا يوجد إلا في سعة البسطة. فإذا قبض أخفى ما أبدى؛ وإذا بسط أعاد ما ~~أخفى. وكذلك جعله في كل رسم كون؛ وفعله بكل اسم مكان؛ ومما جل فظهر ومما دق ~~فاستتر. لا يسعه غير مشيئته بقربه. ولا يعرف إلا بشهوده. ولا يرى إلا ~~بنوره؛ هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب ولهم ذلك عند المشاهدة ~~بالأبصار ولا يعرف إلا بمشيئته إن شاء وسعه أدنى شيء وإن لم يشأ لم يسعه كل ~~شيء. إن أراد عرفه كل شيء وإن لم يرد لم يعرفه شيء إن أحب وجد عند كل شيء. ~~وإن لم يحب لم يوجد بشيء. وذكر تمام كلامه كما حكيناه من قبل. قلت: وهذا ~~الذي ذكره من قربه وإطلاقه وأنه لا يتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في صورة ~~لاثنين هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم وتجليه لقلوبهم - ~~لا أن هذا هو وصفه في نفس الأمر وأنه كما تحصل هذه التجليات المختلفة تحصل ~~يوم القيامة للعيون -. وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين؛ ~~يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا حتى إن فيهم خلقا ~~منهم من المتقدمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم؛ لما يغلب على ~~قلوبهم # PageV05P489 # من المعرفة والذكر والمحبة يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم ويحصل لهم فناء ~~واصطلام فيظنون ms1467 أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم ولا يكون ذلك إلا في القلب ~~ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى الله بعينه في الدنيا. # وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين وهو غلط محض حتى أورث مما ~~يدعيه هؤلاء شكا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله في الجملة ~~وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ ~~فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين ومنهم من يقول يجوز ذلك. وهذا كله ~~ضلال فإن أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في ~~الدنيا ولم يتنازعوا إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد روي نفي ~~رؤيتنا له في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه: منها ما ~~رواه مسلم في " صحيحه {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ذكر الدجال ~~قال: واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} وموسى بن عمران عليه ~~السلام قد سأل الرؤية فذكر الله سبحانه قوله: {لن تراني} وما أصاب موسى من ~~الصعق. وهؤلاء: منهم من يقول: إن موسى رآه وإن الجبل كان حجابه فلما جعل ~~الجبل دكا رآه وهذا يوجد في كلام أبي طالب ونحوه. ومنهم من يجعل الرائي هو ~~المرئي؛ فهو الله فيذكرون اتحادا وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى # PageV05P490 # كان الرائي هو المرئي فما رآه عندهم موسى بل رأى نفسه بنفسه وهذا يدعونه ~~لأنفسهم. والاتحاد والحلول باطل. وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن ~~والقلب؛ لا في الظاهر؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح ولم يقولوا ~~إن أحدا رأى اللاهوت الباطن المتدرع بالناسوت. وهذا الغلط يقع كثيرا في ~~السالكين. يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في الخارج؛ في ذلك بمنزلة ~~الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم؛ حيث يتصورون أشياء بعقولهم كالكليات ~~والمجردات ونحو ذلك فيظنونها ثابتة في الخارج وإنما هي في نفوسهم؛ ولهذا ~~يقول أبو القاسم السهيلي وغيره: نعوذ بالله من قياس ms1468 فلسفي وخيال صوفي. ~~ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء. وأما الذين جمعوا الآراء ~~الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربي وأمثاله؛ فهم من أضل ~~أهل الأرض. ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى فكان قد ~~عرف ما يعرض لبعض السالكين فلما سئل عن التوحيد قال: التوحيد إفراد الحدوث ~~عن القدم. فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرا عن الحلول والاتحاد. ~~فجاءت # PageV05P491 # الملاحدة كابن عربي ونحوه فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل ~~مذهبهم الفاسد. والجنيد وأمثاله أئمة هدى ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك ~~غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من ~~الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى. وقد خطب ~~عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته وهو في الطواف؛ فقال: أتحدثني في ~~النساء ونحن نتراءى الله في طوافنا فهذا كله وما أشبهه لم يريدوا به أن ~~القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين الله حتى تكافح الروح ذات الله كما يرى هو ~~نفسه؛ فإن هذا لا يمكن لأحد في الدنيا ومن جوز ذلك إنما جوزه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم كقول ابن عباس: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين ولكن هذا التجلي ~~يحصل بوسائط بحسب إيمان العبد ومعرفته وحبه؛ ولهذا تتنوع أحوال الناس في ~~ذلك كما تتنوع رؤيتهم لله تعالى في المنام فيراه كل إنسان بحسب إيمانه ويرى ~~في صور متنوعة. فهذا الذي قاله أبو طالب وهؤلاء: إذا قيل مثله فيما يحصل في ~~القلوب كان مقاربا مع أن في بعض ذلك نظرا. وإما أن يقال: إن الرب تعالى في ~~نفسه هو كذلك فليس الأمر كذلك. # أما قوله: أقرب إلى الروح من حياته وأقرب إلى البصر من نظره وإلى # PageV05P492 # اللسان من ريقه بقرب هو وصفه، وقوله: أقرب من حبل الوريد، فهذا ليس في ~~كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قاله أحد من السلف: لا ~~من الصحابة ولا من ms1469 التابعين لهم بإحسان ولا الأئمة الأربعة وأمثالهم من ~~أئمة المسلمين ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة والتصوف. وليس في ~~القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلا بل قربه الذي في القرآن خاص ~~لا عام؛ كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان} فهو سبحانه قريب ممن دعاه. وكذلك ما في " الصحيحين " {عن أبي موسى ~~الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكانوا يرفعون ~~أصواتهم بالتكبير؛ فقال: يا أيها الناس؛ اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من ~~عنق راحلته} فقال: " إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم " لم يقل إنه قريب إلى ~~كل موجود وكذلك قول صالح عليه السلام {فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب ~~مجيب} هو كقول شعيب {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} ~~ومعلوم أن قوله {قريب مجيب} مقرون بالتوبة والاستغفار أراد به قريب مجيب ~~لاستغفار المستغفرين التائبين إليه كما أنه رحيم ودود بهم وقد قرن القريب ~~بالمجيب. ومعلوم أنه لا يقال إنه مجيب لكل موجود وإنما الإجابة لمن سأله ~~ودعاه فكذلك قربه سبحانه وتعالى. # PageV05P493 # وأسماء الله المطلقة كاسمه: السميع والبصير والغفور والشكور والمجيب ~~والقريب لا يجب أن تتعلق بكل موجود؛ بل يتعلق كل اسم بما يناسبه واسمه ~~العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوما تعلق بكل شيء. وأما قوله تعالى ~~{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ~~{إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} {ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد} وقوله: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} {وأنتم حينئذ تنظرون} {ونحن ~~أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} فالمراد به قربه إليه بالملائكة وهذا هو ~~المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف قالوا: ملك الموت أدنى إليه من ~~أهله ولكن لا تبصرون الملائكة وقد قال طائفة: {ونحن أقرب إليه} بالعلم وقال ~~بعضهم: ms1470 بالعلم والقدرة ولفظ بعضهم بالقدرة والرؤية. وهذه الأقوال ضعيفة ~~فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود حتى يحتاجوا أن ~~يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية؛ ولكن بعض الناس لما ظنوا أنه يوصف بالقرب ~~من كل شيء تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء. وكأنهم ظنوا أن ~~لفظ " القرب " مثل لفظ " المعية " فإن لفظ المعية في سورة # PageV05P494 # الحديد والمجادلة في قوله تعالى {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} وقوله ~~تعالى {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة} . وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. # وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ~~ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال ابن أبي حاتم في " ~~تفسيره " حدثنا أبي ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن معمر عن نوح بن ميمون ~~المضروب عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ~~{وهو معكم أين ما كنتم} قال هو على العرش وعلمه معهم. قال: وروي عن سفيان ~~الثوري أنه قال: علمه معهم. وقال: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم ~~الدورقي حدثنا نوح بن ميمون المضروب ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن ~~الضحاك بن مزاحم؛ في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله ~~{أين ما كانوا} # PageV05P495 # قال: هو على العرش وعلمه معهم. ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان هذا ~~وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح كما جرح مقاتل بن سليمان. وقال ms1471 عبد الله بن ~~أحمد: ثنا أبي ثنا نوح بن ميمون المضروب عن بكير بن معروف ثنا أبو معاوية ~~عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا} قال: هو على العرش وعلمه معهم. وقال علي بن الحسن بن شقيق: حدثنا ~~عبد الله بن موسى صاحب عبادة ثنا معدان - قال ابن المبارك: إن كان أحد ~~بخراسان من الأبدال فمعدان - قال: سألت سفيان الثوري عن قوله {وهو معكم أين ~~ما كنتم} قال: علمه. وقال حنبل بن إسحاق في كتاب " السنة ": قلت لأبي عبد ~~الله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} و {ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله تعالى {إلا هو معهم أين ما كانوا} ~~قال: علمه عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء شاهد. علام الغيوب يعلم الغيب ~~ربنا على العرش بلا حد ولا صفة وسع كرسيه السموات والأرض. وقد بسط الإمام ~~أحمد الكلام على معنى المعية في " الرد على الجهمية ". ولفظ المعية في كتاب ~~الله جاء عاما كما في هاتين الآيتين وجاء خاصا كما في قوله: # PageV05P496 # {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقوله: {إنني معكما أسمع ~~وأرى} وقوله: {لا تحزن إن الله معنا} . فلو كان المراد أنه بذاته مع كل ~~شيء؛ لكان التعميم يناقض التخصيص؛ فإنه قد علم أن قوله: {لا تحزن إن الله ~~معنا} أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار وكذلك قوله: {إن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. وأيضا ~~فلفظ " المعية " ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى ~~الذاتين بالأخرى؛ كما في قوله: {محمد رسول الله والذين معه} وقوله: {فأولئك ~~مع المؤمنين} وقوله: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} وقوله: {وجاهدوا ~~معكم} . ومثل هذا كثير؛ فامتنع أن يكون قوله: {وهو ms1472 معكم} يدل على أن ذاته ~~مختلطة بذوات الخلق. وأيضا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم فكان ~~السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر ~~وبين أن لفظ المعية في اللغة - وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة - ~~فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه ويكون حكم معيته في كل ~~موطن بحسبه فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان ويخص بعضهم بالإعانة ~~والنصر والتأييد. وقد قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل. حدثنا ~~محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف: عن ~~مقاتل بن سليمان # PageV05P497 # في قوله تعالى {يعلم ما يلج في الأرض} من المطر {وما يخرج منها} من ~~النبات {وما ينزل من السماء} من القطر {وما يعرج فيها} ما يصعد إلى السماء ~~من الملائكة {وهو معكم أين ما كنتم} يعني بقدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما ~~كنتم. وبهذا الإسناد عن مقاتل بن سليمان قال: بلغنا والله أعلم في قوله ~~تعالى. {هو الأول} قال قبل كل شيء {والآخر} قال: بعد كل شيء {والظاهر} قال: ~~فوق كل شيء {والباطن} قال: أقرب من كل شيء؛ وإنما نعني بالقرب بعلمه وقدرته ~~وهو فوق عرشه {وهو بكل شيء عليم} يعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم ~~القيامة بكل شيء نطقوا به سيئ أو حسن. وهذا ليس مشهورا عن مقاتل كشهرة ~~الأول الذي روي عنه من وجوه لم يجزم بما قاله بل قال: بلغنا وهو الذي فسر ~~الباطن بالقريب ثم فسر القرب بالعلم والقدرة ولا حاجة إلى هذا. وقد ثبت في ~~" الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء} وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي الله ~~عنهما في تفسير هذه الأسماء وحديث " الإدلاء " ما قد بسطنا القول عليه في ~~مسألة الإحاطة. ms1473 # PageV05P498 # وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة في تفسيره؛ وهو يبين أنه ليس معنى الباطن ~~أنه القرب ولا لفظ الباطن يدل على ذلك ولا لفظ القرب في الكتاب والسنة على ~~جهة العموم كلفظ المعية ولا لفظ القرب في اللغة والقرآن كلفظ المعية فإنه ~~إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعني به المجامعة والمقارنة والمصاحبة ولا يدل ~~على قرب إحدى الذاتين من الأخرى ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل: هو ~~معهم؛ دل على أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم وهو مع ذلك فوق عرشه؛ كما ~~أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} فأخبر سبحانه أنه مع علوه على ~~عرشه يعلم كل شيء فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الأشياء. وكذلك في حديث " ~~الأوعال " الذي في " السنن {قال النبي صلى الله عليه وسلم والله فوق عرشه ~~ويعلم ما أنتم عليه} ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال: هو فوق عرشه ~~وهو قريب من كل شيء؛ بل قال: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} وقال: {وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب} . قال ~~ابن أبي حاتم: ثنا أبي ثنا يحيى بن المغيرة ثنا جرير عن عبدة بن # PageV05P499 # أبي برزة السجستاني عن الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده قال: {جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} ~~} . إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم. ولا يقال في هذا: قريب بعلمه ~~وقدرته؛ فإنه عالم بكل شيء قادر ms1474 على كل شيء وهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا ~~عنه وإنما سألوا عن قربه إلى من يدعوه ويناجيه؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فأخبر أنه قريب مجيب. ~~وطائفة من أهل السنة تفسر " القرب " في الآية والحديث بالعلم؛ لكونه هو ~~المقصود فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل مقصوده وهذا هو الذي ~~اقتضى أن يقول من يقول: إنه قريب من كل شيء بمعنى العلم والقدرة؛ فإن هذا ~~قد قاله بعض السلف كما تقدم عن مقاتل بن حيان وكثير من الخلف؛ لكن لم يقل ~~أحد منهم إن نفس ذاته قريبة من كل شيء. وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين؛ ~~من يقول: إنه فوق العرش ومن يقول إنه ليس فوق العرش. وقد ذكر ابن أبي حاتم ~~بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون قال: {الرحمن على ~~العرش استوى} يعلم وهو كذلك ما توسوس به # PageV05P500 # أنفسنا منا؛ وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد وكيف لا يكون كذلك وهو ~~أعلم بما توسوس به أنفسنا منا فكيف بحبل الوريد وكذلك قال أبو عمرو ~~الطلمنكي قال: ومن سأل عن قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فاعلم أن ~~ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه والدليل من ذلك صدر الآية؛ فقال ~~الله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد} لأن الله لما كان عالما بوسوسته؛ كان أقرب إليه من حبل الوريد ~~وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس. ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون ~~معبوده مخالطا لدم الإنسان ولحمه وأن لا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى ~~يقول: خالق ومخلوق لأن معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه فهو ~~على قوله ممتزج به غير مباين له. قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على ~~أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه وتعالى الله عن قول أهل الزيغ وعما ~~يقول الظالمون ms1475 علوا كبيرا. قال: وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت ~~{ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا ~~يقدرون له على حيلة # PageV05P501 # ولا يدفعون عنه الموت وقد قال تعالى: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وقال ~~تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} . قلت: وهكذا ذكر غير واحد من ~~المفسرين مثل الثعلبي وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: {ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد} وأما في قوله {ونحن أقرب إليه منكم} فذكر أبو الفرج ~~القولين: إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس وإنه القرب بالعلم. ~~وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد ~~العبد ومن الميت ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك ~~بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا؛ فإن المراد بقوله: ~~{ونحن أقرب إليه منكم} أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية؛ ~~فإنه لم يقل: ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر أنه ينبئهم يوم ~~القيامة بما عملوا وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى ~~على العرش فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع تفريق القرآن بينهما. وكذلك قال أبو ~~حامد موافقا لأبي طالب المكي في بعض ما قال مخالفا له في البعض؛ فإنه من ~~نفاة علو الله نفسه على العرش وإنما المراد عنده أنه قادر عليه مستول عليه ~~أو أنه أفضل منه. قال: وإنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله # PageV05P502 # والمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول ~~والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطيف قدرته مقهورون في ~~قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى؛ فوقيته لا تزيده قربا إلى ~~العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ~~وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل ms1476 ~~شيء شهيد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه ~~لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء إلى أن قال: وإنه بائن بصفاته من خلقه ليس ~~في ذاته سواه ولا في سواه ذاته. قلت: فالفوقية التي ذكرها في القدرة ~~والاستيلاء " فوقية القدرة " وهو أنه أفضل المخلوقات " والقرب " الذي ذكره ~~هو العلم أو هو العلم والقدرة. وثبوت علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو ~~مما اتفق عليه المسلمون وتفسير قربه بهذا قاله جماعة من العلماء لظنهم أن ~~القرب في الآية هو قربه وحده: ففسروها بالعلم لما رأوا ذلك عاما. قالوا: هو ~~قريب من كل موجود بمعنى العلم وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم. وقوله: {ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد} لا يجوز أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان ~~بالشيء أعلم من غيره لا يقال: إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به ولا ~~لمجرد قدرته عليه. # PageV05P503 # ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يسر من القول وما يجهر به وعالم بأعماله؛ ~~فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإن حبل الوريد ~~قريب إلى القلب ليس قريبا إلى قوله الظاهر وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه. ~~قال تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} {ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير} وقال تعالى: {يعلم السر وأخفى} وقال تعالى: {ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب} وقال تعالى: {أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} . وقال تعالى: ~~{ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} ~~ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم؛ أنه قال تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس ms1477 به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} {إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} فأخبر أنه يعلم ما توسوس به نفسه ثم ~~قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فأثبت العلم؛ وأثبت القرب وجعلهما ~~شيئين فلا يجعل أحدهما هو الآخر. وقيد القرب بقوله: {إذ يتلقى المتلقيان عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد} {ما يلفظ من قول إلا لديه} # PageV05P504 # وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد أو أن ذاته أقرب ~~إلى الميت من أهله؛ فهذا في غاية الضعف؛ وذلك أن الذين يقولون: إنه في كل ~~مكان أو أنه قريب من كل شيء بذاته لا يخصون بذلك شيئا دون شيء ولا يمكن ~~مسلما أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله ولا إنه قريب من حبل الوريد ~~دون سائر الأعضاء. وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم في جميع بدن ~~الإنسان؛ أو قريب من جميع بدن الإنسان أو هو في أهل الميت كما هو في الميت؛ ~~فكيف يقول ونحن أقرب إليه منكم إذا كان معه ومعهم على وجه واحد وهل يكون ~~أقرب إلى نفسه من نفسه وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه ~~قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد} {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} فقيد القرب بهذا الزمان ~~وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان ~~الحافظان اللذان يكتبان كما قال: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} . ~~ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن ~~لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب. وكذلك قوله في الآية الأخرى: ~~{فلولا إذا بلغت الحلقوم} {وأنتم حينئذ # PageV05P505 # تنظرون} {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} فلو أراد قرب ذاته لم يخص ~~ذلك بهذه الحال ولا قال: {ولكن لا تبصرون} فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك ~~من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ms1478 ولكن نحن لا نبصره والرب تعالى لا يراه في ~~هذه الحال؛ لا الملائكة ولا البشر. وأيضا فإنه قال: {ونحن أقرب إليه منكم} ~~فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال. وذات ~~الرب سبحانه وتعالى إذا قيل: هي في مكان أو قيل: قريبة من كل موجود؛ لا ~~يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال؛ ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء. ولا ~~يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب} فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر قد يكون ~~كافرا أو فاجرا أو مؤمنا أو مقربا؛ ولهذا قال تعالى: {فأما إن كان من ~~المقربين} {فروح وريحان وجنة نعيم} {وأما إن كان من أصحاب اليمين} {فسلام ~~لك من أصحاب اليمين} {وأما إن كان من المكذبين الضالين} {فنزل من حميم} ~~{وتصلية جحيم} ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من ~~حوله وقد يكون حوله قوم مؤمنون. وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن ~~والكافر كما قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} وقال: ~~{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} وقال: ~~{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو # PageV05P506 # أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله ~~غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم ثم إلى ربكم ترجعون} . ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ~~{ونحن أقرب إليه منكم} {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وهذا كقوله سبحانه ~~{نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} وقال {نحن نقص عليك ~~أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} وقال: {إن علينا جمعه وقرآنه} ~~{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن علينا بيانه} . فإن مثل هذا اللفظ إذا ~~ذكره الله تعالى في كتابه دل ms1479 على أن المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده ~~وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة نحن يقولها المتبوع المطاع العظيم الذي له ~~جنود يتبعون أمره وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم وهو خالقهم ~~وربهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم؛ فكان لفظ نحن ~~هنا هو المناسب. وكذلك قوله: {ونعلم ما توسوس به نفسه} فإنه سبحانه يعلم ~~ذلك وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر # PageV05P507 # حسنات. وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة وإن ~~تركها لله كتبت حسنة} . فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ~~ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد روي عن ابن عيينة أنهم يشمون ~~رائحة طيبة فيعلمون أنه هم بحسنة ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه هم بسيئة ~~وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في ~~قلب ابن آدم يعلمونه بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه؛ بل الشيطان يلتقم ~~قلبه فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس؛ ويعلم هل ذكر الله أم ~~غفل عن ذكره ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له. وقد ثبت في " ~~الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر صفية رضي الله عنها {أن ~~الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم} . وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن ~~آدم مما تواترت به الآثار سواء كان العبد مؤمنا أو كافرا. وإما أن تكون ذات ~~الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل لم يقله أحد من سلف الأمة ولا ~~نطق به كتاب ولا سنة بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك. ~~ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فهنا هو نفسه سبحانه # PageV05P508 # وتعالى ms1480 القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة؛ وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: {إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ~~إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} . ~~وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعي فهو أقرب إليه من عنق راحلته. ~~وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن ~~الله فوق العرش ومعنى آخر فيه نزاع. فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون ~~بتقريبه قلب الداعي إليه كما يقرب إليه قلب الساجد؛ كما ثبت في " الصحيح ": ~~{أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه ~~من ربه وإن كان بدنه على الأرض. ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر ~~إليه قريبا بالضرورة. وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته كما أن من ~~قرب من مكة قربت مكة منه. وقد وصف الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة ~~والبشر فقال: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} ~~وقال: {والسابقون السابقون} {أولئك المقربون} وقال تعالى: {فأما إن كان من ~~المقربين} {فروح وريحان وجنة نعيم} وقال تعالى: {عينا يشرب بها المقربون} ~~وقال: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} وقال: ~~{وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} . # PageV05P509 # وأما قرب الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه الكلابية ومن ~~يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته. وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا ~~يمنعون ذلك وكذلك كثير من أهل الكلام. فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~ونزوله عشية عرفة ونحو ذلك هو من هذا الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى ~~السماء الدنيا وكذلك تكليمه لموسى عليه السلام فإنه لو أريد مجرد تقريب ~~الحجاج وقوام الليل إليه لم يخص نزوله بسماء الدنيا كما لم يخص ذلك في ~~إجابة الداعي وقرب العابدين له قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان} . وقال: {من ms1481 تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا} ~~وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء ~~على تقربه باختياره. فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربا ~~إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. فكذلك قرب الرب من قلب العابد وهو ما يحصل ~~في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به وهو المثل الأعلى؛ وهذا أيضا لا ~~نزاع فيه؛ وذلك أن العبد يصير محبا لما أحب الرب مبغضا لما أبغض مواليا لمن ~~يوالي؛ معاديا لمن يعادي؛ فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ~~ويرضاه. وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه وموالاة الرب لعبده. فإن ~~الولاية ضد العداوة و " الولاية " تتضمن المحبة والموافقة و " العداوة " ~~تتضمن البغض # PageV05P510 # والمخالفة. وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره الموت وأكره ~~مساءته ولا بد له منه} . فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض ولا ~~يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبا لله كما قال تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال تعالى: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} وقال تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} وقال ~~تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} وقال: {فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} وقال تعالى: {إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين} وقال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص} وقال تعالى: {فيه رجال ms1482 يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين} وقال تعالى: {وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} . # PageV05P511 # فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين في سبيله وأنه يحب المتقين ~~والصابرين والتوابين والمتطهرين وهو سبحانه يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو ~~استحباب. وقوله: {ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ~~يقتضي أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس به العبد نفسه كما ~~قال: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} فهو ~~يسمع ومن يشاء من الملائكة يسمعون ومن شاء من الملائكة. وأما الكتابة فرسله ~~يكتبون كما قال ههنا: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقال تعالى: ~~{إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} فأخبر بالكتابة بقوله نحن؛ ~~لأن جنده يكتبون بأمره. وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة لأنه يسمع ~~بنفسه وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره والملائكة يكتبون. فقوله: {ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد} مثل قوله: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} لما كانت ملائكته ~~متقربين إلى العبد بأمره كما كانوا يكتبون عمله بأمره قال ذلك وقربه من كل ~~أحد بتوسط الملائكة كتكليمه كل أحد بتوسط الرسل؛ كما قال تعالى: {وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء} . # PageV05P512 # فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل؛ وذاك قربه إليهم عند الاحتضار ~~وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة على اللسان وقال تعالى: {وإن عليكم ~~لحافظين} {كراما كاتبين} {يعلمون ما تفعلون} . # وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمع منه القرآن وهو الذي يقرؤه بنفسه ~~بلا واسطة عند قراءة كل قارئ كما غلطوا في القرب وهم طائفة من متأخري أهل ~~الحديث ومتأخري الصوفية. ومن الناس من يفسر قول القائلين: بأنه أقرب إلى كل ~~شيء من نفس ذلك الشيء؛ بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها وإنما هي موجودة ~~بخلق الرب سبحانه وتعالى لها وهي باقية بإبقائه وهو سبحانه وتعالى ما شاء ~~كان وما لم ms1483 يشأ لم يكن؛ فلا موجود إلا بإيجاده؛ ولا باق إلا بإبقائه. فلو ~~قدر أنه لم يشأ خلقها وتكوينها لكانت باقية على العدم لا وجود لها أصلا؛ ~~فصار هو أقرب إليها من ذواتها؛ فتكوين الشيء وخلقه وإيجاده هو فعل الرب ~~سبحانه وتعالى وبه كان الشيء موجودا وكان ذاتا محققة في الخارج. والموجود ~~دائما محتاج إلى خالقه لا يستغني عنه طرفة عين فكان موجودا بنسبته إلى ~~خالقه ومعدوما بنسبته إلى نفسه فإنه بالنظر إلى نفسه لا يستحق إلا العدم؛ ~~فكان الرب أقرب إلى المخلوقات من المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار. وقد ~~يفسر بعضهم قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} بهذا المعنى؛ فإن الأشياء ~~كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض؛ ونفي صرف؛ وإنما هي موجودة # PageV05P513 # تامة بالوجه الذي لها إلى الخالق وهو تعلقها به وبمشيئته وقدرته فباعتبار ~~هذا الوجه كانت موجودة وبالوجه الذي يلي أنفسها لا تكون إلا معدومة. وقد ~~يفسرون بذلك قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل # ولا يقال: هذه المقالة صحيحة في نفسها فإنها لولا خلق الله للأشياء لم ~~تكن موجودة ولولا إبقاؤه لها لم تكن باقية. وقد تكلم النظار في سبب ~~افتقارها إليه هل هو الحدوث - فلا تحتاج إلا في حال الإحداث كما يقول ذلك ~~من يقوله من الجهمية والمعتزلة ونحوهم - أو هو الإمكان الذي يظن أنه يكون ~~بلا حدوث بل بكون الممكن المعلول قديما أزليا ويمكن افتقارها في حال البقاء ~~بلا حدوث كما يقوله ابن سينا وطائفة؟ . وكلا القولين خطأ كما قد بسط في ~~موضعه وبين أن الإمكان والحدوث متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من ~~الأولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه؛ فإنهم أيضا يقولون: ~~إن كل ممكن فهو محدث وإنما خالفهم في ذلك ابن سينا وطائفة. ولهذا أنكر ذلك ~~عليه إخوانه من الفلاسفة كابن رشد وغيره والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق ~~فالفقر وصف لازم لها دائما لا تزال مفتقرة إليه. # PageV05P514 # والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار؛ لا أن هذين الوصفين جعلا الشيء ~~مفتقرا بل فقر الأشياء ms1484 إلى خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة كما أن غنى ~~الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة وكذلك المخلوق لا يفتقر ~~في اتصافه بالفقر إلى علة بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقرا ~~لازما لها ولا يستغنى إلا بالله. وهذا من معاني (الصمد) وهو الذي يفتقر ~~إليه كل شيء ويستغني عن كل شيء. بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته ومن جهة ~~إلهيته؛ فما لا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم. ~~وهذا تحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . فلو لم يخلق شيئا بمشيئته ~~وقدرته لم يوجد شيء وكل الأعمال إن لم تكن لأجله - فيكون هو المعبود ~~المقصود المحبوب لذاته - وإلا كانت أعمالا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى ~~العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية؛ بل العلة الغائية بها صار ~~الفاعل فاعلا ولولا ذلك لم يفعل. فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح ~~قط شيء من الأعمال والحركات بل كان العالم يفسد وهذا معنى قوله: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ولم يقل لعدمتا؛ وهذا معنى قول لبيد: ألا كل ~~شيء ما خلا الله باطل # PageV05P515 # وهو كالدعاء المأثور: {أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل ~~إلا وجهك الكريم} . ولفظ " الباطل " يراد به المعدوم ويراد به ما لا ينفع ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم {كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه ~~بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته لزوجته فإنهن من الحق} . {وقوله عن عمر رضي ~~الله عنه إن هذا الرجل لا يحب الباطل} ومنه قول القاسم بن محمد لما سئل عن ~~الغناء قال: إذا ميز الله يوم القيامة الحق من الباطل في أيهما يجعل ~~الغناء؟ قال السائل: من الباطل؛ قال: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} . ومنه ~~قوله تعالى {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} . فإن ~~الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل لا ينفع؛ والمقصود منها لا ms1485 يحصل؛ ~~فهو باطل واعتقاد ألوهيتها باطل أي غير مطابق واتصافها بالإلهية في أنفسها ~~باطل لا بمعنى أنه معدوم. ومنه قوله تعالى {بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق} وقوله: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا} فإن الكذب باطل لأنه غير مطابق وكل فعل ما لا ينفع باطل لأنه ليس له ~~غاية موجودة محمودة. # PageV05P516 # فقول النبي صلى الله عليه وسلم {أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل ~~شيء ما خلا الله باطل} هذا معناه. أن كل معبود من دون الله باطل كقوله: ~~{ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} وقال تعالى: {قل من ~~يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} {فذلكم ~~الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} وقد قال قبل هذا: ~~{وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} كما قال في ~~الأنعام: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} {ثم ردوا ~~إلى الله مولاهم الحق} وقال: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ~~آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} . ودخل عثمان أو غيره على ابن مسعود - وهو مريض ~~- فقال: كيف تجدك؟ قال أجدني مردودا إلى الله مولاي الحق. قال تعالى: {يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} {يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين} وقد أقروا بوجوده في الدنيا ~~لكن في ذلك اليوم يعلمون أنه الحق المبين دون ما سواه؛ ولهذا قال: {هو ~~الحق} بصيغة الحصر فإنه يومئذ لا يبقى أحد يدعي فيه الإلهية ولا أحد يشرك ~~بربه أحدا. # PageV05P517 # فصل: # وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقا فلا يوصف بالسفول ولا علو شيء ~~عليه بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى وهو الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء كما أخبر النبي ms1486 صلى الله عليه وسلم وأنه ليس كمثله شيء ~~فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية لا النزول ولا الاستواء ولا غير ~~ذلك؛ فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله والأدلة ~~العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه؛ ولكن السمع والعقل يناقضان البدع ~~المخالفة للكتاب والسنة والسلف؛ بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا ~~يقرون أفعاله من الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه. قال أبو محمد بن ~~أبي حاتم في " تفسيره " ثنا عصام بن الرواد ثنا آدم ثنا أبو جعفر عن الربيع ~~عن أبي العالية {ثم استوى إلى السماء} يقول: ارتفع. قال: وروي عن الحسن ~~يعني البصري والربيع بن أنس مثله كذلك. وذكر البخاري في " صحيحه " في " ~~كتاب التوحيد " قال: قال أبو العالية: # PageV05P518 # {استوى إلى السماء} ارتفع فسوى خلقهن. وقال مجاهد: {استوى على العرش} علا ~~على العرش. وكذلك ذكر ابن أبي حاتم في " تفسيره " في قوله: {ثم استوى على ~~العرش} وروي بهذا الإسناد عن أبي العالية وعن الحسن وعن الربيع مثل قول أبي ~~العالية. وروي بإسناده {ثم استوى على العرش} قال: في اليوم السابع. وقال ~~أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله عرشا ~~وعلى أنه مستو على عرشه وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه قال: فأجمع ~~المسلمون من أهل السنة على أن معنى: {وهو معكم أين ما كنتم} ونحو ذلك في ~~القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. ~~قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرحمن على العرش استوى} الاستواء من الله ~~على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز واستدلوا بقول الله: {فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك} وبقوله: {لتستووا على ظهوره} وبقوله: ~~{واستوت على الجودي} . إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا على أقوال: ~~فقال مالك رحمه الله إن الاستواء معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب ~~والسؤال عنه بدعة. وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم وهم ~~كثير: إن معنى ms1487 استوى على العرش: استقر وهو قول القتيبي وقال غير هؤلاء: ~~استوى أي ظهر. وقال # PageV05P519 # أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى علا وتقول العرب: استويت على ظهر ~~الفرس بمعنى علوت عليه واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه ويقال: ~~استويت على السطح بمعناه وقال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك} وقال: {لتستووا على ظهوره} وقال {واستوت على الجودي} وقال: {استوى ~~على العرش} بمعنى علا على العرش. وقول الحسن: وقول مالك من أنبل جواب وقع ~~في هذه المسألة وأشده استيعابا لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء ~~المعقول وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه. ثم تكلم على فساد ~~قول من تأول استوى بمعنى استولى. وقال الثعلبي وقال الكلبي ومقاتل: {ثم ~~استوى على العرش} يعني استقر قال وقال أبو عبيدة؛ صعد. وقيل استولى. وقيل: ~~ملك. واختار هو ما حكاه عن الفراء وجماعة أن معناه أقبل على خلق العرش وعمد ~~إلى خلقه قال: ويدل عليه قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} أي عمد إلى ~~خلق السماء. وهذا الوجه من أضعف الوجوه؛ فإنه قد أخبر أن العرش كان على ~~الماء قبل خلق السموات والأرض وكذلك ثبت في " صحيح البخاري " عن عمران بن ~~حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كان الله ولم يكن شيء قبله ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض} . # PageV05P520 # فإذا كان العرش مخلوقا قبل خلق السموات والأرض فكيف يكون استواؤه عمده ~~إلى خلقه له؟ لو كان هذا يعرف في اللغة: أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد ~~إلى فعله وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازا لا في نظم ولا في ~~نثر. # ومن قال: استوى بمعنى عمد: ذكره في قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} ~~لأنه عدي بحرف الغاية كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا ولا يقال: عمدت ~~على كذا ولا قصدت عليه مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في ms1488 اللغة أيضا ~~ولا هو قول أحد من مفسري السلف؛ بل المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك كما ~~قدمناه عن بعضهم. وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام لما ظهر إنكار ~~أفعال الرب التي تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره؛ فحينئذ صار يفسر ~~القرآن من يفسره بما ينافي ذلك كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما ~~يوافق أقاويلهم. وأما أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا بل أقوال ~~السلف الثابتة عنهم متفقة في هذا الباب؛ لا يعرف لهم فيه قولان؛ كما قد ~~يختلفون أحيانا في بعض الآيات. وإن اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو ~~إثبات علو الله على العرش. فإن قيل إذا كان الله لا يزال عاليا على ~~المخلوقات كما تقدم فكيف يقال: ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم ~~علا على العرش؟ قيل: هذا كما أخبر # PageV05P521 # أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد وروي " ثم يعرج " هو سبحانه لم يزل ~~فوق العرش فإن صعوده من جنس نزوله. وإذا كان في نزوله لم يصر شيء من ~~المخلوقات فوقه؛ فهو سبحانه يصعد وإن لم يكن منها شيء فوقه. وقوله: {ثم ~~استوى إلى السماء} إنما فسروه بأنه ارتفع لأنه قال قبل هذا؛ {أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} {وجعل فيها ~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} ~~{ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} {فقضاهن سبع سماوات في يومين} وهذه نزلت في سورة (حم) بمكة. ~~ثم أنزل الله في المدينة سورة البقرة {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} فلما ذكر ~~أن استواءه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض وخلق ما فيها؛ تضمن معنى ~~الصعود لأن السماء فوق الأرض فالاستواء إليها ms1489 ارتفاع إليها. فإن قيل: فإذا ~~كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام فقبل ذلك ~~لم يكن على العرش؟ قيل الاستواء علو خاص فكل مستو على شيء عال عليه وليس كل ~~عال على شيء مستو عليه. ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليا على غيره إنه مستو ~~عليه واستوى عليه # PageV05P522 # ولكن كل ما قيل فيه إنه استوى على غيره؛ فإنه عال عليه: والذي أخبر الله ~~أنه كان بعد خلق السموات والأرض " الاستواء " لا مطلق العلو مع أنه يجوز ~~أنه كان مستويا عليه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء ثم لما ~~خلق هذا العالم كان عاليا عليه ولم يكن مستويا عليه؛ فلما خلق هذا العالم ~~استوى عليه؛ فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له كما أن عظمته ~~وكبرياءه وقدرته كذلك وأما " الاستواء " فهو فعل يفعله سبحانه وتعالى ~~بمشيئته وقدرته؛ ولهذا قال فيه: {ثم استوى} . ولهذا كان الاستواء من الصفات ~~السمعية المعلومة بالخبر. وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل ~~الإثبات من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع وهذا اختيار أبي محمد ~~بن كلاب وغيره وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جماهير أهل السنة والحديث ~~ونظار المثبتة. وهذا الباب ونحوه إنما اشتبه على كثير من الناس؛ لأنهم ~~صاروا يظنون أن ما وصف الله عز وجل به من جنس ما توصف به أجسامهم فيرون ذلك ~~يستلزم الجمع بين الضدين؛ فإن كونه فوق العرش مع نزوله يمتنع في مثل ~~أجسامهم لكن مما يسهل عليهم معرفة إمكان هذا معرفة أرواحهم وصفاتها ~~وأفعالها وأن الروح قد تعرج من النائم إلى السماء وهي لم تفارق البدن كما ~~قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} وكذلك الساجد قال # PageV05P523 # النبي صلى الله عليه وسلم {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} . وكذلك ~~تقرب الروح إلى الله في غير حال السجود مع أنها ms1490 في بدنه. ولهذا يقول بعض ~~السلف: القلوب جوالة: قلب يجول حول العرش وقلب يجول حول الحش. وإذا قبضت ~~الروح عرج بها إلى الله في أدنى زمان ثم تعاد إلى البدن فتسأل وهي في ~~البدن. ولو كان الجسم هو الصاعد النازل لكان ذلك في مدة طويلة وكذلك ما وصف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حال الميت في قبره وسؤال منكر ونكير له ~~والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث البراء بن عازب ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أقعد الميت في ~~قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} } . وكذلك في " صحيح البخاري " ~~وغيره عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن العبد إذا ~~وضع في قبره - وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فأقعداه ~~فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فيقول أشهد أنه عبد الله ~~ورسوله. فيقول له انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعا. # PageV05P524 # وأما الكافر والمنافق فيقول: هاه هاه لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطرقة من ~~حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين} . والناس في مثل ~~هذا على " ثلاثة أقوال " منهم من ينكر إقعاد الميت مطلقا لأنه قد أحاط ~~ببدنه من الحجارة والتراب ما لا يمكن قعوده معه وقد يكون في صخر يطبق عليه ~~وقد يوضع على بدنه ما يكشف فيوجد بحاله ونحو ذلك. ولهذا صار بعض الناس إلى ~~أن عذاب القبر إنما هو على الروح فقط كما يقوله ابن ميسرة وابن حزم. وهذا ~~قول منكر عند عامة أهل السنة والجماعة. وصار آخرون إلى أن نفس البدن يقعد ~~على ما فهموه من النصوص. وصار آخرون ms1491 يحتجون بالقدرة وبخبر الصادق ولا ~~ينظرون إلى ما يعلم بالحس والمشاهدة وقدرة الله حق وخبر الصادق حق؛ لكن ~~الشأن في فهمهم. وإذا عرف أن النائم يكون نائما وتقعد روحه وتقوم وتمشي ~~وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالا وأمورا بباطن بدنه مع روحه ويحصل لبدنه وروحه ~~بها نعيم وعذاب؛ مع أن جسده مضطجع؛ وعينيه مغمضة وفمه مطبق # PageV05P525 # وأعضاءه ساكنة وقد يتحرك بدنه لقوة الحركة الداخلة وقد يقوم ويمشي ويتكلم ~~ويصيح لقوة الأمر في باطنه؛ كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره؛ فإن ~~روحه تقعد وتجلس وتسأل وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه؛ مع كونه مضطجعا ~~في قبره. وقد يقوى الأمر حتى يظهر ذلك في بدنه وقد يرى خارجا من قبره ~~والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به فيتحرك بدنه ويمشي ويخرج من قبره وقد ~~سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ~~ومن يقعد بدنه أيضا إذا قوي الأمر لكن هذا ليس لازما في حق كل ميت؛ كما أن ~~قعود بدن النائم لما يراه ليس لازما لكل نائم بل هو بحسب قوة الأمر. وقد ~~عرف أن أبدانا كثيرة لا يأكلها التراب كأبدان الأنبياء وغير الأنبياء من ~~الصديقين وشهداء أحد وغير شهداء أحد والأخبار بذلك متواترة. لكن المقصود أن ~~ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من إقعاد الميت مطلقا هو متناول لقعودهم ~~ببواطنهم وإن كان ظاهر البدن مضطجعا. ومما يشبه هذا إخباره صلى الله عليه ~~وسلم بما رآه ليلة المعراج من الأنبياء في السموات وأنه رأى آدم وعيسى ~~ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم وأخبر ~~أيضا أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره؛ وقد رآه أيضا في السموات. ومعلوم أن ~~أبدان الأنبياء في القبور إلا عيسى وإدريس. وإذا كان موسى قائما يصلي في ~~قبره ثم رآه في السماء # PageV05P526 # السادسة مع قرب الزمان؛ فهذا أمر لا يحصل للجسد. ومن هذا الباب أيضا نزول ~~الملائكة صلوات الله عليهم وسلامه: جبريل وغيره. فإذا عرف ms1492 أن ما وصفت به ~~الملائكة وأرواح الآدميين من جنس الحركة والصعود والنزول وغير ذلك لا يماثل ~~حركة أجسام الآدميين وغيرها مما نشهده بالأبصار في الدنيا وأنه يمكن فيها ~~ما لا يمكن في أجسام الآدميين كان ما يوصف به الرب من ذلك أولى بالإمكان ~~وأبعد عن مماثلة نزول الأجسام بل نزوله لا يماثل نزول الملائكة وأرواح بني ~~آدم وإن كان ذلك أقرب من نزول أجسامهم. وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو ~~مثل قعود البدن فما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ " ~~القعود والجلوس " في حق الله تعالى كحديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهما أولى أن لا يماثل صفات أجسام ~~العباد. # PageV05P527 # فصل: # نزاع الناس في معنى " حديث النزول " وما أشبهه في الكتاب والسنة من ~~الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب سبحانه وتعالى مثل المجيء والإتيان ~~والاستواء إلى السماء وعلى العرش بل وفي الأفعال المتعدية مثل الخلق ~~والإحسان والعدل وغير ذلك هو ناشئ عن نزاعهم في أصلين: # أحدهما: أن الرب تعالى هل يقوم به فعل من الأفعال؛ فيكون خلقه للسموات ~~والأرض فعلا فعله غير المخلوق أو أن فعله هو المفعول والخلق هو المخلوق؟ ~~على قولين معروفين: والأول هو المأثور عن السلف وهو الذي ذكره البخاري في ~~كتاب خلق أفعال العباد " عن العلماء مطلقا ولم يذكر فيه نزاعا. وكذلك ذكره ~~البغوي وغيره مذهب أهل السنة وكذلك ذكره أبو علي الثقفي والضبعي وغيرهما من ~~أصحاب ابن خزيمة في " العقيدة " التي اتفقوا هم وابن خزيمة على أنها مذهب ~~أهل السنة وكذلك ذكره الكلاباذي في كتاب " التعرف لمذهب # PageV05P528 # التصوف " أنه مذهب الصوفية وهو مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم وبعض ~~المصنفين في " الكلام " كالرازي ونحوه ينصب الخلاف في ذلك معهم فيظن الظان ~~أن هذا مما انفردوا به وهو قول السلف قاطبة وجماهير الطوائف وهو قول جمهور ~~أصحاب أحمد متقدموهم كلهم وأكثر المتأخرين منهم وهو أحد قولي القاضي أبي ~~يعلى. وكذلك هو قول ms1493 أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث وأكثر أهل الكلام: ~~كالهشامية أو كثير منهم والكرامية كلهم وبعض المعتزلة وكثير من أساطين ~~الفلاسفة: متقدميهم ومتأخريهم. وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية وأكثر ~~المعتزلة والأشعرية إلى أن الخلق هو نفس المخلوق وليس لله عند هؤلاء صنع ~~ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات أنفسها وهو قول طائفة من الفلاسفة ~~المتأخرين؛ إذا قالوا بأن الرب مبدع كابن سينا وأمثاله. و (الحجة المشهورة ~~لهؤلاء المتكلمين أنه لو كان خلق المخلوقات بخلق لكان ذلك الخلق إما قديما ~~وإما حادثا. فإن كان قديما لزم قدم كل مخلوق وهذا مكابرة. وإن كان حادثا ~~فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به وإن لم يقم به كان الخلق قائما بغير ~~الخالق وهذا ممتنع. وسواء قام به أو لم يقم به يفتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر ~~ويلزم التسلسل هذا عمدتهم. و (جواب السلف والجمهور عنها بمنع مقدماتها كل ~~طائفة تمنع مقدمة ويلزمهم ذلك إلزاما لا محيد لهم عنه. # PageV05P529 # أما الأولى فقولهم: لو كان قديما لزم قدم المخلوق؛ يمنعهم ذلك من يقول: ~~بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق والمخلوق محدث كما يقول ذلك من يقوله من ~~الكلابية والحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث ~~وقالوا: أنتم وافقتمونا على أن إرادته قديمة أزلية مع تأخر المراد كذلك ~~الخلق هو قديم أزلي وإن كان المخلوق متأخرا. ومهما قلتموه في الإرادة ~~ألزمناكم نظيره في الخلق. وهذا جواب إلزامي جدلي لا حيلة لهم فيه. وأما ~~المقدمة الثانية وهي قولهم: لو كان حادثا قائما بالرب لزم قيام الحوادث وهو ~~ممتنع؛ فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث وأساطين الفلاسفة وكثير من ~~متقدميهم ومتأخريهم وكثير من أهل الكلام: كالهشامية والكرامية؛ وقالوا: لا ~~نسلم انتفاء اللازم وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على ذلك في " الأصل ~~الثاني ". وأما الثالث فقولهم: إن لم تقم به فهو محال؛ فهذا لم يمنعهم إياه ~~إلا طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم فمنهم من قال: بل الخلق يقوم ~~بالمخلوق ومنهم من يقول: ms1494 بل الخلق ليس في محل كما تقول المعتزلة البصريون: ~~فعل بإرادة لا في محل وهذا ممتنع لا أعرفه عن أحد من السلف وأهل الحديث ~~والفقهاء والصوفية والفلاسفة. # PageV05P530 # وأما المقدمة الرابعة وهي قولهم: الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر؛ فقد ~~منعهم من ذلك عامة من يقول بخلق حادث من أهل الحديث والكلام والفلسفة ~~والفقه والتصوف وغيرهم: كأبي معاذ التومني وزهير الإبري والهشامية ~~والكرامية وداود بن علي الأصبهاني وأصحابه وأهل الحديث والسلف الذين ذكرهم ~~البخاري وغيره وقالوا: إذا خلق السموات والأرض بخلق لم يلزم أن يحتاج ذلك ~~الخلق إلى خلق آخر ولكن ذلك الخلق يحصل بقدرته ومشيئته وإن كان ذلك الخلق ~~حادثا. والدليل على فساد إلزامهم أن الحادث إما أن يكفي في حصوله القدرة ~~والمشيئة وإما أن لا يكفي. فإن لم يكف ذلك؛ بطل قولهم إن المخلوقات تحدث ~~بمجرد القدرة والإرادة بلا خلق وإذا بطل قولهم؛ تبين أنه لا بد للمخلوق من ~~خالق خلقه وهو المطلوب. وإن كفى في حصول المخلوق القدرة والمشيئة جاز حصول ~~هذا الخلق الذي يخلق به المخلوقات بالقدرة والمشيئة ولم يحتج إلى خلق آخر؛ ~~فتبين أنه على كل تقدير؛ لا يلزم أن يقال: خلقت المخلوقات بلا خلق بل يجوز ~~أن يقال: خلقت بخلق وهو المطلوب. وتبين أن النفاة ليس لهم قط حجة مبنية على ~~مقدمة إلا وقد نقضوا تلك المقدمة في موضع آخر؛ فمقدمات حجتهم كلها منتقضة. ~~وأيضا فمن المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل لا يكون إلا # PageV05P531 # بفعل يقوم بذاته. وأما نفس فعله القائم بذاته فلا يفتقر إلى فعل آخر بل ~~يحصل بقدرته ومشيئته؛ ولهذا كان القائلون بهذا يقولون: إن الخلق حادث ولا ~~يقولون هو مخلوق؛ وتنازعوا هل يقال: إنه محدث؟ على قولين. وكذلك يقولون: ~~إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه هو حديث وهو أحسن الحديث. وليس بمخلوق ~~باتفاقهم ويسمى حديثا وحادثا. وهل يسمى محدثا؟ على قولين لهم. ومن كان من ~~عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على المخلوق المنفصل - كما كان هذا ~~الاصطلاح هو المشهور ms1495 عند المتناظرين الذين تناظروا في القرآن في محنة ~~الإمام أحمد رحمه الله وكانوا لا يعرفون للمحدث معنى إلا المخلوق المنفصل - ~~فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال القرآن محدث بل من قال ~~إنه محدث فقد قال إنه مخلوق. ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على " ~~داود " لما كتب إليه أنه تكلم بذلك؛ فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه ~~أراد هذا فأنكره أئمة السنة. وداود نفسه لم يكن هذا قصده بل هو وأئمة ~~أصحابه متفقون على أن كلام الله غير مخلوق وإنما كان مقصوده أنه قائم ~~بنفسه؛ هو قول غير واحد من أئمة السلف وهو قول البخاري وغيره. والنزاع في ~~ذلك بين أهل السنة " لفظي "؛ فإنهم متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل ~~ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته وكان أئمة السنة: # PageV05P532 # كأحمد وأمثاله والبخاري وأمثاله وداود وأمثاله وابن المبارك وأمثاله وابن ~~خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن أبي شيبة وغيرهم؛ متفقين على أن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته؛ ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم؛ وأول من شهر عنه ~~أنه قال ذلك هو ابن كلاب. وكان " الإمام أحمد " يحذر من الكلابية وأمر بهجر ~~الحارث المحاسبي لكونه كان منهم. وقد قيل عن الحارث أنه رجع في القرآن عن ~~قول ابن كلاب وأنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت. وممن ذكر ذلك عنه ~~الكلاباذي في كتاب " التعرف لمذهب التصوف ". والمقصود هنا: أن قول القائل: ~~لو كان خلقه للأشياء ليس هو الأشياء لافتقر الخلق إلى خلق آخر فيكون الخلق ~~مخلوقا: ممنوع. بل الخلق يحصل بقدرة الرب ومشيئته والمخلوق يحصل بالخلق. ~~وأما المقدمة الخامسة وهو أن ذلك يفضي إلى التسلسل؛ فهذه المقدمة تقال على ~~وجهين: (أحدهما أن الخلق يفتقر إلى خلق آخر وذلك الخلق إلى خلق آخر كما ~~تقدم. والثاني أن يقال: هب أنه لا يفتقر إلى خلق لكن يفتقر إلى سبب يحصل به ~~الخلق. وإن لم يسم ذلك خلقا وذلك السبب إنما تم عند وجود # PageV05P533 # الخلق؛ فتمامه حادث وكل حادث فلا ms1496 بد له من سبب؛ إذ لو كان ذلك الخلق لا ~~يفتقر إلى سبب حادث للزم وجود الحادث بلا سبب حادث. وإن قيل: إن السبب ~~التام قديم؛ لزم من ذلك تأخر المسبب عن سببه التام؛ وهذا ممتنع. وهنا ~~للقائلين بأن ### | الخلق غير المخلوق # وأن الخلق حادث أربعة أجوبة: # أحدها: قول من يقول: الخلق الحادث لا يفتقر إلى سبب حادث لا إلى خلق ولا ~~إلى غيره؛ قالوا: أنتم يا معشر المنازعين كلكم يقول إنه قد يحدث حادث بلا ~~سبب حادث فإنه من قال: المخلوق غير الخلق؛ فالمخلوقات كلها حادثة عنده بلا ~~سبب حادث ومن قال: الخلق قديم فلا ريب أن القديم لا اختصاص له بوقت معين؛ ~~فالمخلوق الحادث في وقته المعين له لم يحصل له سبب حادث. قالوا: وإذا كان ~~هذا لازما على كل تقدير؛ لم يخص بجوابه بل نقول المخلوق حدث بالخلق والخلق ~~حصل بقدرة الله ومشيئته القديمة من غير افتقار إلى سبب آخر وهذا قول كثير ~~من الطوائف من أهل الحديث والكلام كالكرامية وغيرهم. الجواب الثاني قول من ~~يقول من المعتزلة: إن الخلق الحادث قائم بالمخلوق أو قائم لا بمحل كما ~~يقولون في الإرادة إنها حادثة لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها بل أحدثها ~~بمجرد القدرة. # PageV05P534 # الجواب الثالث: جواب معمر وأصحابه الذين يسمون " أهل المعاني " فإنهم ~~يقولون بالتسلسل في آن واحد فيقولون: إن الخلق له خلق وللخلق خلق وللخلق ~~خلق آخر وهلم جرا لا إلى نهاية وذلك موجود كله في آن واحد وهذا مشهور عنهم. ~~و (الجواب الرابع قول من يقول: الخلق الحادث يفتقر إلى سبب حادث وكذلك ذلك ~~السبب وهلم جرا. وهذا يستلزم دوام نوع ذلك وهذا غير ممتنع؛ فإن مذهب السلف ~~أن الله لم يزل متكلما إذا شاء وكلماته لا نهاية لها وكل كلام مسبوق بكلام ~~قبله لا إلى نهاية محدودة وهو سبحانه يتكلم بقدرته ومشيئته. وكذلك يقولون: ~~الحي لا يكون إلا فعالا كما قاله البخاري وذكره عن نعيم بن حماد. وعثمان بن ~~سعيد وابن خزيمة ms1497 وغيرهم ولا يكون إلا متحركا كما قال عثمان بن سعيد الدارمي ~~وغيره وكل منهما يذكر أن ذلك مذهب أهل السنة. وهكذا يقول ذلك من أساطين ~~الفلاسفة من ذكر قوله بذلك في غير هذا الموضع من متقدميهم ومتأخريهم. قالوا ~~وهذا تسلسل في الآثار والبرهان إنما دل على امتناع التسلسل في المؤثرين فإن ~~هذا مما يعلم فساده بصريح المعقول وهو مما اتفق العقلاء على امتناعه كما ~~بسط الكلام عليه في موضع آخر. # PageV05P535 # فأما كونه سبحانه وتعالى يتكلم كلمات لا نهاية لها وهو يتكلم بمشيئته ~~وقدرته فهذا هو الذي يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول وهو مذهب سلف ~~الأمة وأئمتها والفلاسفة توافق على دوام هذا النوع وقدماء أساطينهم يوافقون ~~على قيام ذلك بذات الله كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم. والذين قالوا إن ~~ذلك ممتنع هم أهل الكلام المحدث في الإسلام من الجهمية والمعتزلة وهم الذين ~~استدلوا على حدوث كل ما تقوم به الحوادث بامتناع حوادث لا أول لها. ومن هنا ~~يظهر. # الأصل الثاني الذي تبنى عليه أفعال الرب تعالى اللازمة والمتعدية وهو أنه ~~سبحانه هل تقوم به الأمور الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته أم لا؟ فمذهب ~~السلف وأئمة الحديث وكثير من طوائف الكلام والفلاسفة جواز ذلك. وذهب نفاة ~~الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة والكلابية من مثبتة الصفات إلى ~~امتناع قيام ذلك به. أما " نفاة الصفات " فإنهم ينفون هذا وغيره ويقولون: ~~هذا كله أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم والأجسام محدثة فلو قامت به ~~الصفات؛ لكان محدثا. أما " الكلابية " فإنهم يقولون: نحن نقول تقوم به ~~الصفات ولا نقول هي أعراض فإن العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب تبارك ~~وتعالى عندنا باقية بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات؛ فإن الأعراض عندنا ~~لا تبقى زمانين. # PageV05P536 # وأما جمهور العقلاء فنازعوهم في هذا وقالوا: بل السواد والبياض الذي كان ~~موجودا من ساعة هو هذا السواد بعينه كما قد بسط في غير هذا الموضع إذ ~~المقصود هنا التنبيه على مقالات الطوائف في هذا الأصل. قالت " الكلابية ": ~~وأما الحوادث فلو قامت به للزم ms1498 أن لا يخلو منها فإن القابل للشيء لا يخلو ~~عنه وعن ضده. وإذا لم يخل منها لزم أن يكون حادثا فإن هذا هو الدليل على ~~حدوث الأجسام. هذا عمدتهم في هذا الأصل؛ والذين خالفوهم قد يمنعون ~~المقدمتين كليهما وقد يمنعون واحدة منهما. وكثير من أهل الكلام والحديث ~~منعوا الأولى: كالهشامية والكرامية؛ وأبي معاذ وزهير الإبري وكذلك الرازي ~~والآمدي وغيرهما من الأشعرية منعوا المقدمة الأولى وبينوا فسادها؛ وأنه لا ~~دليل لمن ادعاها على دعواه. بل قد يكون الشيء قابلا للشيء وهو خال منه ومن ~~ضده كما هو الموجود؛ فإن القائلين بهذا الأصل التزموا أن كل جسم له طعم ~~ولون وريح؛ وغير ذلك من أجناس الأعراض التي تقبلها الأجسام. فقال جمهور ~~العقلاء: هذا مكابرة ظاهرة؛ ودعوى بلا حجة وإنما التزمته الكلابية لأجل هذا ~~الأصل. وأما (المقدمة الثانية؛ وهو منع دوام نوع الحادث فهذه يمنعها أئمة ~~السنة والحديث القائلون بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته؛ وأن كلماته لا ~~نهاية لها؛ والقائلون بأنه لم يزل فعالا؛ كما يقوله البخاري وغيره. والذين ~~يقولون # PageV05P537 # الحركة من لوازم الحياة فيمتنع وجود حياة بلا حركة أصلا؛ كما يقوله ~~الدارمي وغيره وقد روى الثعلبي في " تفسيره " بإسناده عن جعفر بن محمد ~~الصادق رضي الله عنه أنه سئل عن قوله تعالى {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} لم ~~خلق الله الخلق؟ فقال: لأن الله كان محسنا بما لم يزل فيما لم يزل إلى ما ~~لم يزل فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه وكان غنيا عنهم لم يخلقهم لجر ~~منفعة ولا لدفع مضرة ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتى يفصلوا ~~بين الحق والباطل فمن أحسن كافأه بالجنة ومن عصى كافأه بالنار. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {وكان الله غفورا رحيما} {وكان الله عليما ~~حكيما} ونحو ذلك قال: كان ولم يزل ولا يزال. ويمنعها أيضا جمهور الفلاسفة ~~ولكن الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية يقولون بامتناعها وهي من ~~الأصول الكبار التي يبتنى عليها الكلام في كلام الله تعالى وفي خلقه. ms1499 وهذا ~~القول هو أصل الكلام المحدث في الإسلام الذي ذمه السلف والأئمة. فإن أصحاب ~~هذا الكلام في الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم ظنوا أن معنى كون الله خالقا ~~لكل شيء - كما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه أهل الملل من المسلمين ~~واليهود والنصارى وغيرهم - أنه سبحانه وتعالى لم يزل معطلا # PageV05P538 # لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء أصلا بل هو وحده موجود بلا كلام يقوله ولا ~~فعل يفعله. ثم إنه أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته المنفصلة عنه. فأحدث ~~العالم. وظنوا أن ما جاءت به الرسل واتفق عليه أهل الملل - من أن كل ما سوى ~~الله مخلوق والله خالق كل شيء - هذا معناه وأن ضد هذا قول من قال بقدم ~~العالم أو بقدم مادته فصاروا في كتبهم الكلامية لا يذكرون إلا قولين. ~~أحدهما: قول المسلمين وغيرهم من أهل الملل أن العالم محدث ومعناه عندهم ما ~~تقدم. والثاني: قول الدهرية الذين يقولون: العالم قديم وصاروا يحكون في كتب ~~الكلام والمقالات أن مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود والنصارى ~~وغيرهم أن الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ثم إنه أحدث ~~العالم؛ ومذهب الدهرية أن العالم قديم. والمشهور عن القائلين بقدم العالم ~~أنه لا صانع له؛ فينكرون الصانع جل جلاله. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ~~قال من الفلاسفة بقدم العالم " أرسطو " صاحب التعاليم الفلسفية: المنطقي ~~والطبيعي والإلهي. وأرسطو وأصحابه القدماء يثبتون في كتبهم العلة الأولى ~~ويقولون: إن الفلك يتحرك للتشبه بها؛ فهي علة له بهذا الاعتبار إذ لولا ~~وجود من تشبه به الفلك لم يتحرك وحركته # PageV05P539 # من لوازم وجوده فلو بطلت حركته لفسد. ولم يقل أرسطو: إن العلة الأولى ~~أبدعت الأفلاك؛ ولا قال هو موجب بذاته كما يقوله من يقول من متأخري ~~الفلاسفة كابن سينا وأمثاله ولا قال: إن الفلك قديم وهو ممكن بذاته؛ بل كان ~~عندهم ما عند سائر العقلاء أن الممكن هو الذي يمكن وجوده وعدمه ولا يكون ~~كذلك إلا ما كان محدثا والفلك عندهم ms1500 ليس بممكن بل هو قديم لم يزل وحقيقة ~~قولهم إنه واجب لم يزل ولا يزال. فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام ~~المتقدمة القول بقدم العالم إلا عمن ينكر الصانع. فلما أظهر من أظهر من ~~الفلاسفة كابن سينا وأمثاله أن العالم قديم عن علة موجبة بالذات قديمة صار ~~هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم ~~من إنكار صانع العالم وصاروا أيضا يطلقون ألفاظ المسلمين من أنه مصنوع ~~ومحدث ونحو ذلك ولكن مرادهم بذلك أنه معلول قديم أزلي لا يريدون بذلك. أن ~~الله أحدث شيئا بعد أن لم يكن وإذا قالوا: إن الله خالق كل شيء فهذا معناه ~~عندهم؛ فصار المتأخرون من المتكلمين يذكرون هذا القول والقول المعروف عن ~~أهل الكلام في معنى حدوث العالم الذي يحكونه عن أهل الملل كما تقدم كما ~~يذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم. وهذا الأصل الذي ابتدعه ~~الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام من امتناع # PageV05P540 # دوام فعل الله وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم وجعلوا ذلك أصل دين ~~المسلمين فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو ~~حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها يكون ~~معها أو بعدها وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث. وكثير منهم لا يذكر ~~على ذلك دليلا لكون ذلك ظاهرا إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث ~~المعين. لكن من تفطن منهم للفرق فإنه يذكر دليلا على ذلك بأن يقول: الحوادث ~~لا تدوم بل يمتنع وجود حوادث لا أول لها. ومنهم من يمنع أيضا وجود حوادث لا ~~آخر لها كما يقول ذلك إماما هذا الكلام: الجهم بن صفوان وأبو الهذيل: ولما ~~كان حقيقة هذا القول أن الله سبحانه لم يكن قادرا على الفعل في الأزل؛ بل ~~صار قادرا على الفعل بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ كان هذا مما أنكره المسلمون ~~على هؤلاء حتى إنه كان من البدع التي ms1501 ذكروها: من بدع الأشعري في الفتنة ~~التي جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع والقصة مشهورة. ثم إن أهل ~~الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة والجهمية ومن ~~اتبعهم من سائر الطوائف يقولون: إن دين الإسلام إنما يقوم على هذا الأصل ~~وأنه لا يعرف أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا # PageV05P541 # الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل فلا بد من إثبات العلم ~~بالصانع أولا ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه. قالوا: وهذا لا يمكن ~~معرفته إلا بهذه الطريقة فإنه لا سبيل إلى معرفة الصانع فيما زعموا إلا ~~بمعرفة مخلوقاته ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات إلا بهذه الطريق فيما ~~زعموا ويقول أكثرهم: أول ما يجب على الإنسان معرفة الله؛ ولا يمكن معرفته ~~إلا بهذا الطريق. ويقول كثير منهم: إن هذه طريقة إبراهيم الخليل عليه ~~السلام المذكورة في قوله {لا أحب الآفلين} قالوا: فإن إبراهيم استدل ~~بالأفول - وهو الحركة والانتقال - على أن المتحرك لا يكون إلها. قالوا: ~~ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفا لذلك من وصف ~~الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبيا لم يعرف إلا بهذا ~~الدليل العقلي فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول ~~الله وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي يقولون إنه عارض السمع والعقل. ~~ونقول إذا تعارض السمع والعقل امتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السمع دون ~~العقل؛ لأن العقل هو أصل السمع فلو جرح أصل الشرع كان جرحا له. ولأجل هذه ~~الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية وقالوا: # PageV05P542 # القرآن مخلوق؛ ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار؛ ولأجلها قال ~~العلاف بفناء حركاتهم؛ ولأجلها فرع كثير من أهل الكلام؛ كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. فقال لهم الناس: أما قولكم إن هذه الطريق هي الأصل في معرفة ~~دين الإسلام ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا مما يعلم فساده ~~بالاضطرار من دين الإسلام. فإنه من المعلوم لكل ms1502 من علم حال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وما جاء به من الإيمان والقرآن أنه لم يدع الناس بهذه ~~الطريق أبدا ولا تكلم بها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان فكيف ~~تكون هي أصل الإيمان والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس إيمانا لم يتكلموا بها ~~ألبتة ولا سلكها منهم أحد. والذين علموا أن هذه طريق مبتدعة حزبان؛ (حزب ~~ظنوا أنها صحيحة في نفسها لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها وغموضها وما ~~يخاف على سالكها من الشك والتطويل. وهذا قول جماعة كالأشعري في رسالته إلى ~~الثغر والخطابي والحليمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي بكر البيهقي وغير ~~هؤلاء. (والثاني: قول من يقول: بل هذه الطريقة باطلة في نفسها ولهذا ذمها ~~السلف وعدلوا عنها. وهذا قول أئمة السلف كابن المبارك والشافعي وأحمد # PageV05P543 # بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وأبي يوسف ومالك بن أنس وابن الماجشون عبد ~~العزيز وغير هؤلاء من السلف. وحفص الفرد لما ناظر الشافعي في مسألة القرآن ~~- وقال القرآن مخلوق وكفره الشافعي - كان قد ناظره بهذه الطريقة. وكذلك أبو ~~عيسى محمد بن عيسى برغوث - كان من المناظرين للإمام أحمد بن حنبل في مسألة ~~القرآن بهذه الطريقة. # وقد ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون إن ~~الله لا يتكلم ولا يتحرك. وأما عبد الله بن المبارك فكان مبتلى بهؤلاء في ~~بلاده ومذهبه في مخالفتهم كثير وكذلك الماجشون في الرد عليهم وكلام السلف ~~في الرد على هؤلاء كثير وقال لهم الناس: إن هذا الأصل الذي ادعيتم إثبات ~~الصانع به وأنه لا يعرف أنه خالق للمخلوقات إلا به هو بعكس ما قلتم بل هذا ~~الأصل يناقض كون الرب خالقا للعالم ولا يمكن مع القول به القول بحدوث ~~العالم؛ ولا الرد على الفلاسفة. فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به ~~نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة؛ لا للإسلام نصروا ولا لعدوه ~~كسروا بل كان ما ابتدعوه مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم ~~فأفسدوا عقله ودينه # PageV05P544 # واعتدوا به ms1503 على من نازعهم من المسلمين وفتحوا لعدو الإسلام بابا إلى ~~مقصوده. فإن حقيقة قولهم - إن الرب لم يكن قادرا ولا كان الكلام والفعل ~~ممكنا له ولم يزل كذلك دائما مدة أو تقدير مدة لا نهاية لها ثم إنه تكلم ~~وفعل من غير سبب اقتضى ذلك وجعلوا مفعوله هو فعله وجعلوا فعله وإرادة فعله ~~قديمة أزلية والمفعول متأخرا وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا ~~مرجح - وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة وأنكروا صفاته ~~ورؤيته وقالوا كلامه مخلوق؛ وهو خلاف دين الإسلام. والذين اتبعوهم وأثبتوا ~~الصفات قالوا يريد جميع المرادات بإرادة واحدة وكل كلام تكلم به أو يتكلم ~~به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض وإذا رئي رئي لا بمواجهة ولا ~~بمعاينة وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت؛ ثم لما وجدت لم يقم به أمر ~~موجود؛ بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك؛ إلى أمثال هذه الأقوال ~~التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح. ثم لما رأت " الفلاسفة " أن ~~هذا مبلغ علم هؤلاء وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء وعلموا فساد هذا ~~أظهروا قولهم بقدم العالم واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع؛ بل ~~لا بد لكل متجدد من سبب حادث # PageV05P545 # وليس هناك سبب؛ فيكون الفعل دائما ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن ~~يبينوا فسادها وهو: أنه إذا كان دائما؛ لزم قدم الأفلاك والعناصر. ثم إنهم ~~لما أرادوا تقرير " النبوة " جعلوها فيضا يفيض على نفس النبي من العقل ~~الفعال أو غيره؛ من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا ولا يميز ~~بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين ولا يعلم الجزئيات ولا نزل ~~من عنده ملك بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي أو هو العقل الفعال ~~وأنكروا: أن تكون السموات والأرض خلقت في ستة أيام وأن السموات تنشق وتنفطر ~~وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. وزعموا أن ما جاء ms1504 به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور مما يخيل إليهم بما ~~ينتفعون به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك ومن غير أن تكون الرسل بينت ~~الحقائق وعلمت الناس ما الأمر عليه. ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. و " حقيقة قولهم " أن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع ~~الناس وهل كانوا جهالا على قولين لهم. إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر ~~الصريح والكذب البين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين. # PageV05P546 # وقد بين في غير هذا الموضع: أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ ~~والتبديل وإن تظاهروا بالإسلام؛ فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما ~~كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال حذيفة ~~بن اليمان رضي الله عنه المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأنهم كانوا يسرون نفاقهم وهم ~~اليوم يعلنونه. ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب ~~منه؛ فإن هؤلاء إنما ظهروا في الإسلام في أثناء " الدولة العباسية " وآخر " ~~الدولة الأموية " لما عربت الكتب اليونانية ونحوها وقد بسط الرد عليهم في ~~غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا ~~عليهم لم يكن الأمر كما قالوه بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة ولهذا يوجد ~~كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين: كابن ~~عربي وابن سبعين وغيرهما. وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم ~~يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين ويعينهم أولئك على من ينصر ~~الله ورسوله؛ فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانا. ~~ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله: {لا أحب الآفلين} كذب ظاهر ~~على إبراهيم؛ فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير ~~وهو من الأمور الظاهرة في اللغة وسواء أريد بالأفول ms1505 ذهاب ضوء # PageV05P547 # القمر والكواكب بطلوع الشمس أو أريد به سقوطه من جانب المغرب؛ فإنه إذا ~~طلعت الشمس يقال: إنها غابت الكواكب واحتجبت وإن كانت موجودة في السماء ~~ولكن طمس ضوء الشمس نورها. وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في ~~طلوع الشمس بعد أفول القمر وإبراهيم عليه السلام لم يقل: {لا أحب الآفلين} ~~لما رأى الكوكب يتحرك؛ والقمر والشمس بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب. فإن ~~كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - ~~كما ادعوه - كانت قصة إبراهيم حجة عليهم؛ فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في ~~السماء إلى حين المغيب دليلا على نفي ذلك؛ بل إنما جعل الدليل مغيبه. فإن ~~كان ما ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحا فإنه حجة على نقيض مطلوبهم وعلى ~~بطلان كون الحركة دليل الحدوث. لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا ولا كان ~~قوله: {هذا ربي} أنه رب العالمين ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبا من ~~الكواكب خلق السموات والأرض وكذلك الشمس والقمر ولا كان المشركون قوم ~~إبراهيم يعتقدون ذلك؛ بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب ويدعونها ~~ويبنون لها الهياكل ويعبدون فيها أصنامهم وهو دين الكلدانيين والكشدانيين ~~والصابئين المشركين؛ لا الصابئين الحنفاء وهم الذين صنف صاحب " السر ~~المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " كتابه على دينهم. # PageV05P548 # وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك ~~وكانوا قبل ظهور دين المسيح عليه السلام وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما ~~موضع بعض هياكلهم: هذا هيكل المشتري وهذا هيكل الزهرة. وكانوا يصلون إلى ~~القطب الشمالي؛ وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال. والفلاسفة اليونانيون ~~كانوا من جنس هؤلاء المشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويصنعون السحر وكذلك ~~أهل مصر وغيرهم. وجمهور المشركين كانوا مقرين برب العالمين والمنكر له قليل ~~مثل فرعون ونحوه. وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع ولهذا قال لهم إبراهيم ~~الخليل: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين} فعادى كل ما يعبدونه إلا ms1506 رب العالمين وقال تعالى: {قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك ~~من الله من شيء} وقال الخليل عليه السلام {أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم ~~وما تعملون} وقال تعالى في سورة الأنعام؛ {فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين} {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن # PageV05P549 # يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} {وكيف أخاف ما أشركتم ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} قال الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} . # ولما فسر هؤلاء " الأفول " بالحركة وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه ~~دخلت الملاحدة من هذا الباب ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول ~~بالإمكان الذي ادعوه حيث قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة ~~وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين. قالوا: فقول إبراهيم {لا أحب الآفلين} ~~أي لا أحب الممكن المعلول وإن كان قديما أزليا. وأين في لفظ الأفول ما يدل ~~على هذا المعنى؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه. وجاء بعدهم من جنس ~~من زاد في التحريف فقال: المراد " بالكواكب والشمس والقمر " هو النفس ~~والعقل الفعال والعقل الأول وقد ذكر ذلك أبو حامد الغزالي في بعض كتبه ~~وحكاه عن غيره في بعضها. وقال هؤلاء الكواكب والشمس والقمر لا يخفى على ~~عاقل أنها ليست رب العالمين بخلاف النفس والعقل. ودلالة لفظ الكوكب والشمس ~~والقمر على هذه المعاني لو كانت موجودة # PageV05P550 # من عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية كما ms1507 يتأولون العلميات مع العمليات ~~ويقولون: الصلوات الخمس معرفة أسرارنا وصيام رمضان كتمان أسرارنا والحج هو ~~الزيارة لشيوخنا المقدسين. وفتح لهم هذا الباب " الجهمية والرافضة " حيث ~~صار بعضهم يقول: الإمام المبين علي بن أبي طالب والشجرة الملعونة في القرآن ~~بنو أمية والبقرة المأمور بذبحها عائشة واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين. ~~وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين كالذين ~~يقولون: {والتين والزيتون} {وطور سينين} {وهذا البلد الأمين} أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكذلك قوله: {كزرع أخرج شطأه} أبو بكر {فآزره} ~~عمر {فاستغلظ} هو عثمان {فاستوى على سوقه} هو علي. وقول بعض الصوفية: {اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى} هو القلب {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} هي النفس. ~~وأمثال هذه التحريفات. لكن منها ما يكون معناه صحيحا وإن لم يكن هو المراد ~~باللفظ وهو الأكثر في إشارات الصوفية. وبعض ذلك لا يجعل تفسيرا؛ بل يجعل من ~~باب الاعتبار والقياس وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى {لا يمسه ~~إلا المطهرون} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا تدخل الملائكة بيتا فيه ~~كلب} . فإذا كان ورقه {لا يمسه إلا المطهرون} فمعانيه لا يهتدي بها إلا ~~القلوب # PageV05P551 # الطاهرة وإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه كلب فالمعاني التي تحبها ~~الملائكة لا تدخل قلبا فيه أخلاق الكلاب المذمومة ولا تنزل الملائكة على ~~هؤلاء وهذا لبسطه موضع آخر. # والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام لما فتحوا " باب القياس الفاسد ~~في العقليات والتأويل الفاسد في السمعيات "؛ صار ذلك دهليزا للزنادقة ~~الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة في العقليات والقرمطة في ~~السمعيات وصار كل من زاد في ذلك شيئا دعاه إلى ما هو شر منه؛ حتى انتهى ~~الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها كما قال لهم رئيسهم ~~بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة. ولهذا ~~قال من قال من السلف: البدع بريد الكفر والمعاصي بريد النفاق. # ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع ms1508 أن معنى كون الله خالقا لكل شيء هو ما ~~تقدم: أنه لم يزل غير فاعل لشيء ولا متكلم بشيء حتى أحدث العالم؛ لزمهم أن ~~يقولوا: إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه. فإنه لو كان ~~له كلام قديم أو كلام غير مخلوق؛ لزم قدم العالم على الأصل الذي أصلوه لأن ~~الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته. وأما كلام ~~يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة؛ فهذا لم يكن يتصوره # PageV05P552 # أحد من العقلاء ولا نعرف أن أحدا قاله بل ولا يخطر ببال جماهير الناس حتى ~~أحدث القول به ابن كلاب. وإنما ألجأه إلى هذا: أن أولئك المتكلمين لما ~~أظهروا موجب أصلهم وهو القول بأن القرآن مخلوق أظهروا ذلك في أوائل المائة ~~الثانية فلما سمع ذلك علماء الأمة أنكروا ذلك ثم صار كلما ظهر قولهم أنكره ~~العلماء - وكلام السلف والأئمة في إنكار ذلك مشهور متواتر - إلى أن صار ~~لهؤلاء المتكلمين الكلام المحدث في دولة المأمون عز وأدخلوه في ذلك وألقوا ~~إليه الحجج التي لهم. وقالوا إما أن يكون العالم مخلوقا أو قديما. وهذا ~~الثاني كفر ظاهر معلوم فساده بالعقل والشرع. وإذا كان العالم مخلوقا محدثا ~~بعد أن لم يكن؛ لم يبق قديم إلا الله وحده. فلو كان العالم قديما؛ لزم أن ~~يكون مع الله قديم آخر. وكذلك الكلام إن كان قائما بذاته؛ لزم دوام الحوادث ~~وقيامها بالرب وهذا يبطل الدليل الذي اشتهر بينهم على حدوث العالم. وإن كان ~~منفصلا عنه لزم وجود المخلوق في الأزل؛ وهذا قول بقدم العالم. فلما امتحن ~~الناس بذلك واشتهرت هذه المحنة وثبت الله من ثبته من أئمة السنة؛ وكان ~~الإمام - الذي ثبته الله وجعله إماما للسنة حتى صار أهل العلم بعد ظهور ~~المحنة يمتحنون الناس به فمن وافقه كان سنيا وإلا كان بدعيا - هو الإمام ~~أحمد بن حنبل فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. # PageV05P553 # وكان " المأمون " لما صار إلى الثغر بطرسوس كتب بالمحنة كتابا إلى نائبه ~~بالعراق ms1509 " إسحاق بن إبراهيم " فدعا العلماء والفقهاء والقضاة؛ فامتنعوا عن ~~الإجابة والموافقة فأعاد عليه الجواب فكتب كتابا ثانيا يقول فيه عن ~~القاضيين: بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا فاضرب أعناقهما ~~ويقول عن الباقين إن لم يجيبوا فقيدهم فأرسلهم إلي. فأجاب القاضيان وذكرا ~~لأصحابهما أنهما مكرهان وأجاب أكثر الناس قبل أن يقيدهم لما رأوا الوعيد ~~ولم يجب ستة أنفس فقيدهم فلما قيدوا أجاب الباقون إلا اثنين: أحمد بن حنبل ~~ومحمد بن نوح النيسابوري؛ فأرسلوهما مقيدين إليه؛ فمات محمد بن نوح في ~~الطريق ومات المأمون قبل أن يصل أحمد إليه وتولى أخوه أبو إسحاق وتولى ~~القضاء أحمد بن أبي دؤاد وأقام أحمد بن حنبل في الحبس من سنة ثماني عشرة ~~إلى سنة عشرين. ثم إنهم طلبوه وناظروه أياما متعددة فدفع حججهم وبين فسادها ~~وأنهم لم يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر وأنه ~~ليس لهم أن يبتدعوا قولا ويلزموا الناس بموافقتهم عليه ويعاقبوا من خالفهم. ~~وإنما يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله؛ ويعاقب من عصى الله ورسوله؛ فإن ~~الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله؛ ~~ليس لأحد في هذا حكم وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله؛ وتحريم # PageV05P554 # ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به ورسوله. وجرت في ذلك أمور ~~يطول شرحها. ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن أمرهم؛ وأنهم معطلة للصفات ~~يقولون: إن الله لا يرى ولا له علم ولا قدرة وإنه ليس فوق العرش رب؛ ولا ~~على السموات إله؛ وإن محمدا لم يعرج به إلى ربه إلى غير ذلك من أقوال ~~الجهمية النفاة؛ كثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة؛ ~~وبالكلام الحق تارة؛ وبالباطل تارة. وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد ~~عبد الله بن سعيد بن كلاب وكان له فضل وعلم ودين. ومن قال: إنه ابتدع ما ~~ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين - كما يذكره طائفة في مثالبه ويذكرون ~~أنه أوصى أخته ms1510 بذلك - فهذا كذب عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة ~~والجهمية الذين رد عليهم؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول ~~النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الرد على الجهمية؛ وصار ينقل ~~هذا من ليس من المعتزلة من السالمية ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ~~ينفرون عنه لبدعته في القرآن؛ ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء ~~الجهمية والمعتزلة عليه. ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه ~~وهو خير وأقرب إلى السنة منهم. # PageV05P555 # وكان " أبو الحسن الأشعري " لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبي محمد بن ~~كلاب فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبي علي ~~الأهوازي يذكرون في مثالب أبي الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم ~~عليه لأن الأشعري بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره ~~حتى جعلهم في قمع السمسمة. " وابن كلاب " لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد ~~أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام بل وافقهم عليه. وهؤلاء ~~الذين يذمون ابن كلاب والأشعري بالباطل هم من أهل الحديث. والسالمية من ~~الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والأشعري ~~على هذا موافق للجهمية على أصل قولهم الذي ابتدعوه. وهم إذا تكلموا في " ~~مسألة القرآن " وأنه غير مخلوق أخذوا كلام ابن كلاب والأشعري فناظروا به ~~المعتزلة والجهمية وأخذوا كلام الجهمية والمعتزلة فناظروا به هؤلاء وركبوا ~~قولا محدثا من قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد من السلف ووافقوا ابن ~~كلاب والأشعري وغيرهما على قولهم: إن القرآن قديم واحتجوا بما ذكره هؤلاء ~~على فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم. وهم مع هؤلاء. وجمهور المسلمين ~~يقولون: إن القرآن العربي كلام الله وقد تكلم الله به بحرف وصوت فقالوا: إن ~~الحروف والأصوات قديمة الأعيان أو الحروف # PageV05P556 # بلا أصوات وإن الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية ~~الأعيان لم تزل ولا تزال؛ كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في ~~موضع آخر. والمقصود ms1511 هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف وابن كلاب أحدث ما ~~أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه وقد بين فساد ~~قولهم بنفي علو الله ونفي صفاته. وصنف كتبا كثيرة في أصل التوحيد والصفات ~~وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية وبين فيها أن علو الله على ~~خلقه ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة. وكذلك ذكرها الحارث المحاسبي في كتاب " فهم القرآن " ~~وغيره؛ بين فيه من علو الله واستوائه على عرشه ما بين به فساد قول النفاة؛ ~~وفرح الكثير من النظار الذين فهموا أصل قول المتكلمين وعلموا ثبوت الصفات ~~لله وأنكروا القول بأن كلامه مخلوق؛ فرحوا بهذه الطريقة التي سلكها ابن ~~كلاب: كأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والثقفي؛ ومن تبعهم: كأبي ~~عبد الله بن مجاهد وأصحابه والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي ~~بكر بن فورك وغير هؤلاء. وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن ~~كلاب والقلانسي # PageV05P557 # والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات فيبينون فساد قولهم: بأن القرآن مخلوق ~~وغير ذلك وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار ~~السنة وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة ~~وإثبات الصفات والقدر وغير ذلك من أصول السنة. لكن " الأصل العقلي " الذي ~~بنى عليه ابن كلاب قوله في كلام الله وصفاته هو أصل الجهمية والمعتزلة ~~بعينه وصاروا إذا تكلموا في خلق الله السموات والأرض وغير ذلك من المخلوقات ~~إنما يتكلمون بالأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم؛ فيقولون قول أهل ~~الملة كما نقله أولئك ويقررونه بحجة أولئك. وكانت " محنة الإمام أحمد " سنة ~~عشرين ومائتين وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم فإن كتب الفلاسفة ~~قد عربت وعرف الناس أقوالهم. فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون ~~الجهمية ومن اتبعهم ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من ms1512 جهة العقل؛ ~~طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع وأظهر الكفر الصريح ~~وقاتلوا المسلمين وأخذوا الحجر الأسود كما فعلته قرامطة البحرين. وكان ~~قبلهم قد فعل بابك الخرمي مع المسلمين ما هو مشهور. وقد ذكر القاضي أبو بكر ~~بن الباقلاني وغيره من كشف أسرار # PageV05P558 # " الباطنية " وهتك أستارهم فإنه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية. ~~وصاروا يحتجون في كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها أرسطو وأتباعه من الفلاسفة ~~وهو أن الحركة يمتنع أن يكون لها ابتداء ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء ~~ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا؛ فصار هؤلاء الفلاسفة ~~وهؤلاء المتكلمون كلاهما يستدل على قوله بالحركة. فأرسطو وأتباعه يقولون: ~~إن الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد أن لم يكن ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلا ~~بعد أن لم يكن؛ ولأنه من المعلوم بصريح المعقول أن الذات إذا كانت لا تفعل ~~شيئا ثم فعلت بعد أن لم تفعل؛ فلا بد من حدوث حادث من الحوادث وإلا فإذا ~~قدرت على حالها وكانت لا تفعل فهي الآن لا تفعل فإذا كانت الآن تفعل؛ لزم ~~دوام فعلها. ويقولون: قبل وبعد مستلزم للزمان فمن قال بحدوث الزمان لزمه ~~القول بقدمه من حيث هو قائل بحدوثه. ويقولون: الزمان مقدار الحركة فيلزم من ~~قدمه قدمها ويلزم من قدم الحركة قدم المتحرك - وهو الجسم - فيلزم ثبوت جسم ~~قديم ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو الفلك؛ ولكن ليس لهم على هذا حجة كما ~~قد بسط في موضع آخر. وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية ~~والكرامية يردون عليهم ويدعون أن القادر المختار يرجح أحد المقدورين ~~المتماثلين على الآخر المماثل له بلا سبب أصلا وعلى هذا الأصل بنوا كون ~~الله خالقا للمخلوقات. # PageV05P559 # ثم نفاة الصفات يقولون: رجح بمجرد القدرة وكذلك أصل القدرية. والمعتزلة ~~جمعت بين الأمرين. وأما المثبتة كالكلابية والكرامية فيدعون أنه رجح بمشيئة ~~قديمة أزلية. وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء. ولهذا صار كثير من ~~المصنفين في هذا الباب كالرازي ومن قبله من أئمة الكلام والفلسفة - ~~كالشهرستاني ms1513 ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة - لا يوجد عندهم إلا العلة ~~الفلسفية أو القادرية المعتزلية أو الإرادية الكلابية. وكل من الثلاثة منكر ~~في العقل والشرع؛ ولهذا كانت بحوث الرازي في مسألة القادر المختار في غاية ~~الضعف من جهة المسلمين وهي على قول الدهرية أظهر دلالة. واحتج أهل الكلام ~~المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها ويقولون: لو وجدت حوادث لا أول ~~لها؛ لكنا إذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل الهجرة وقابلنا ~~بينهما؛ فإما أن يتساويا - وهو ممتنع - لأنه يكون الزائد مثل الناقص وإما ~~أن يتفاضلا فيكون فيما لا يتناهى تفاضلا وهو ممتنع. ويذكرون حججا أخرى قد ~~بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع. وقد تكلم الناس في هذه " الحجة " ~~ونحوها وبينوا فسادها؛ بأن التفاضل إنما يقع من الطرف المتناهي لا من الطرف ~~الذي لا يتناهى وبأن هذا # PageV05P560 # منقوض بالحوادث المستقبلة؛ فإن كون الحادث ماضيا أو مستقبلا أمر إضافي؛ ~~ولهذا منع أئمة هذا القول - كجهم والعلاف - وجود حوادث لا تتناهى في ~~المستقبل وقال جهم بفناء الجنة والنار وقال العلاف بفناء الحركات وهذا كله ~~مبسوط في موضع آخر. وصار " طائفة أخرى " قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء - ~~كالرازي والآمدي وغيرهما - يصنفون الكتب الكلامية فينصرون فيها ما ذكره ~~المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من " حدوث العالم " بطريقة المتكلمين ~~المبتدعة هذه وهو امتناع حوادث لا أول لها ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف ~~الرازي " المباحث الشرقية " ونحوها؛ ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على ~~امتناع حوادث لا أول لها وأن الزمان والحركة والجسم لها بداية ثم ينقض ذلك ~~كله ويجيب عنه ويقرر حجة من قال: إن ذلك لا بداية له. وليس هذا تعمدا منه ~~لنصر الباطل؛ بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه. فإذا ~~وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدح به فإن من شأنه ~~البحث المطلق بحسب ما يظهر له فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح ~~فيه من ms1514 كلام هؤلاء وكذلك يصنع بالآخرين ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه ~~يتعمد الكلام الباطل؛ وليس # PageV05P561 # كذلك بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له ~~وهو متناقض في عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن ~~المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند ~~السلف ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة يشتمل على كلام باطل - كلام ~~هؤلاء وكلام هؤلاء: - فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر ~~بما ينقض به. ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق ~~" طريقة القرآن " اقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} {إليه يصعد ~~الكلم الطيب} واقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به علما} ومن جرب ~~مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة ~~الأصول الكبار حتى إنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل وزعم أنه لا ~~يعرف عنه جوابا وبنى إثبات الصانع على ذلك؛ فلا يقرر في كتبه لا إثبات ~~الصانع ولا حدوث العالم ولا وحدانية الله ولا النبوات ولا شيئا من الأصول ~~التي يحتاج إلى معرفتها. والرازي - وإن كان يقرر بعض ذلك - فالغالب على ما ~~يقرره أنه ينقضه في موضع آخر لكن هو أحرص على تقرير الأصول التي يحتاج إلى ~~معرفتها من # PageV05P562 # الآمدي. ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد ~~جميعه موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ووجد صريح المعقول ~~مطابقا لصحيح المنقول. لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول وحصل ~~اضطراب في المعقول به؛ فحصل نقص في معرفة السمع والعقل وإن كان هذا النقص ~~هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته فالعجز يكون عذرا للإنسان في أن ~~الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأئمة في أن ms1515 ~~من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به. وأما من قال ~~من الجهمية ونحوهم: إنه قد يعذب العاجزين ومن قال من المعتزلة ونحوهم من ~~القدرية: إن كل مجتهد فإنه لا بد أن يعرف الحق وإن من لم يعرفه فلتفريطه لا ~~لعجزه فهما قولان ضعيفان وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة ~~يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا. فيقال " لأرسطو وأتباعه " ممن رأى دوام ~~الفاعلية ولوازمها: العقل الصريح لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم: لا ~~فلك ولا غيره؛ وإنما يدل على أن الرب لم يزل فاعلا. وحينئذ فإذا قدر أنه لم ~~يزل يخلق شيئا بعد شيء كان كل ما سواه مخلوقا محدثا مسبوقا بالعدم ولم يكن ~~من العالم شيء قديم وهذا التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا تنفونه ونفس قدر ~~الفعل هو # PageV05P563 # المسمى بالزمان فإن الزمان إذا قيل: إنه مقدار الحركة كان جنس الزمان ~~مقدار جنس الحركة لا يتعين في ذلك أن يكون مقدار حركة الشمس أو الفلك. # وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وخلق ذلك ~~من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض وهو الدخان الذي هو البخار كما ~~قال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين} وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجودا ~~كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين وكما عليه أهل الكتاب كما ذكر ~~هذا كله في موضع آخر. وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة هذه الشمس وهذا الفلك؛ ~~فإن هذا مما خلق في تلك الأيام بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى. وكذلك إذا ~~شق الله هذه السموات وأقام القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة قال تعالى: {ولهم ~~رزقهم فيها بكرة وعشيا} . وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه تبارك وتعالى يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة وأن أعلاهم منزلة من ~~يرى الله تعالى كل يوم مرتين وليس في الجنة ms1516 شمس ولا قمر ولا هناك حركة فلك ~~بل ذلك الزمان مقدر بحركات كما جاء في الآثار أنهم يعرفون ذلك بأنوار تظهر ~~من جهة العرش. # PageV05P564 # وإذا كان مدلول الدليل العقلي أنه لا بد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئا ~~بعد شيء فهذا إنما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام ~~المحدث - الذي ذمه السلف والأئمة - الذين قالوا: إن الرب لم يزل معطلا عن ~~الفعل والكلام. فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم ~~بصريح المعقول هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على من ~~ابتدع في ملته ما يخالف أقواله. وكان ما علم بالشرع مع صريح العقل أيضا راد ~~لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله بل القول " بقدم ~~العالم " قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه؛ فليس أهل الملة وحدهم تبطله ~~بل أهل الملل كلهم وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب ~~ومشركي الهند وغيرهم من الأمم. وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن ~~هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل ~~شيء والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء وأن هذا ~~العالم كله مخلوق والله خالقه وربه وهذه الأمور مبسوطة في موضعها. والمقصود ~~هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة " حديث النزول " وأمثاله وهما " ~~الأصلان المتقدمان " ومن تمام الأصل الثاني لفظ " الحركة " هل يوصف الله ~~بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل # PageV05P565 # وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة ~~أقوال. وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد ~~وغيرهم. وقد ذكر القاضي أبو يعلى الأقوال الثلاثة عن أصحاب الإمام أحمد في ~~" الروايتين والوجهين " وغير ذلك من الكتب. وقبل ذلك ينبغي أن يعرف أن لفظ ~~الحركة والانتقال والتغير والتحول ونحو ذلك ألفاظ مجملة؛ فإن المتكلمين ~~إنما يطلقون لفظ الحركة على الحركة المكانية وهو ms1517 انتقال الجسم من مكان إلى ~~مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الأول وشغل الثاني: كحركة أجسامنا من حيز إلى ~~حيز وحركة الهواء والماء والتراب والسحاب من حيز إلى حيز؛ بحيث يفرغ الأول ~~ويشغل الثاني؛ فأكثر المتكلمين لا يعرفون للحركة معنى إلا هذا. ومن هنا ~~نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة؛ فإنهم ظنوا أن جميعها إنما ~~تدل على هذا وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا كالذين فهموا من نزوله إلى ~~السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته فلا يكون هو الظاهر الذي ليس ~~فوقه شيء ولا يكون هو العلي الأعلى ويلزمهم أن لا يكون مستويا على العرش ~~بحال كما تقدم. والفلاسفة يطلقون لفظ " الحركة " على كل ما فيه تحول من حال ~~إلى حال. ويقولون أيضا: حقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول والخروج من القوة ~~إلى الفعل يسيرا يسيرا بالتدريج. قالوا: وهذه العبارات دالة على معنى ~~الحركة # PageV05P566 # وقد يحدون بها الحركة. وهم متنازعون في الرب تعالى هل تقوم به جنس ~~الحركة؟ على قولين. وأصحاب " أرسطو " جعلوا الحركة مختصة بالأجسام ويصفون ~~النفس بنوع من الحركة؛ وليست عندهم جسما فيتناقضون. وكانت الحركة عندهم " ~~ثلاثة أنواع " فزاد ابن سينا فيها قسما رابعا فصارت " أربعة ". ويجعلون ~~الحركة جنسا تحته أنواع: حركة في الكيف وحركة في الكم. وحركة في الوضع ~~وحركة في الأين. " فالحركة في الكيف " هي تحول الشيء من صفة إلى صفة؛ مثل ~~اسوداده واحمراره واخضراره واصفراره ومثل مصيره حلوا وحامضا ومثل تغير ~~رائحته؛ وكذلك في النفوس كعلم الإنسان بعد جهله وحبه بعد بغضه وإيمانه بعد ~~كفره وفرحه بعد حزنه ورضاه بعد غضبه؛ كل هذه الأحوال النفسانية حركة في ~~الكيف وهذا مما احتج به من جوز منهم الحركة؛ فإن إرادته لإحداث الشيء عندهم ~~حركة. و " الحركة في الكم " مثل امتداد الشيء مثل كبر الحيوان بعد صغره ~~وطوله بعد قصره ومثل امتداد الشجر والنبات وامتداد عروقه في الأرض وأغصانه ~~في الهواء فهذا حركة في المقدار والكمية؛ كما أن الأول حركة في الصفات ~~والكيفية. ms1518 # PageV05P567 # وأما " الحركة في الوضع "؛ فمثل دوران الشيء في موضع واحد؛ كدوران " ~~الفلك " و " المنجنون " الذي يسمى الدولاب وكحركة الرحى وغير ذلك فإنه لا ~~ينتقل من حيز إلى حيز؛ بل حيزه واحد لكن يختلف في أوضاعه فيكون الجزء منه ~~تارة محاذيا للجهة العليا فيصير محاذيا للجهة السفلى؛ أو للجهة اليمنى ~~فيصير محاذيا للجهة اليسرى. وهذا النوع يقولون: إن ابن سينا زاده. ~~(والرابع: الحركة في الأين وهي الحركة المكانية وهو انتقاله من حيز إلى ~~حيز. وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل. فكل من فعل ~~فعلا فقد تحرك عندهم؛ ويسمون أحوال النفس حركة فيقولون: تحركت فيه المحبة ~~وتحركت فيه الحمية وتحرك غضبه وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون: فيقال: ~~سكن غضبه قال تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} فوصف الغضب ~~بالسكوت وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ومعاوية بن قرة وعكرمة: (ولما ~~سكن بالنون وعلى القراءة المشهورة (بالتاء قال المفسرون: سكت الغضب أي سكن. ~~وكذلك قال أهل اللغة؛ الزجاج وغيره. قال الجوهري: سكت الغضب مثل سكن؛ ~~فالسكون أخص؛ فكل # PageV05P568 # ساكت ساكن وليس كل ساكن ساكتا وإذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا؛ ~~وهذا وصف للأعراض النفسانية بالحركة والسكون. والأشعري قد استدل على أن ~~الحركة وأنواعها لا تختص بالأجسام بما وجد من استعمالهم ذلك في الأعراض؛ ~~قال: فإنهم يقولون: جاءت الحمى وجاء البرد وجاءت العافية وجاء الشتاء وجاء ~~الحر. ونحو ذلك مما يوصف بالمجيء والإتيان من الأعراض. ومجيء هذه الأعراض ~~هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى حال. فإن قيل: ما وصف بالحركة والسكون من ~~هذه الأعراض فإنما هو لتحرك المحل الحامل لذلك العرض - وإلا فالعرض لا يقوم ~~بنفسه ولا يفارق محله؛ فإن الحمى والحر والبرد يقوم بالهواء الذي يحمل الحر ~~والبرد. وكذلك الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا حركة الدم؛ فإذا ~~سكن غليان الدم سكن الغضب. قيل: ليس الأمر كذلك؛ بل هذا يستعمل فيما يحدث ~~من الأعراض في المحل شيئا فشيئا وإن لم يكن ms1519 هناك جسم ينتقل معه كما تقدم من ~~الحركة في الكيفيات والصفات؛ فإن الماء إذا سخن حدثت فيه الحرارة وسخن ~~الوعاء الذي فيه الماء من غير انتقال جسم حار إليه وإذا وضع الماء المسخن ~~في المكان البارد برد من غير انتقال جسم بارد إليه. وكذلك الحمى حرارة أو ~~برودة تقوم بالبدن من غير أن ينتقل إلى كل جزء # PageV05P569 # من البدن جسم حار أو بارد. والغضب - وإن كان بعض الناس يقول: إنه غليان ~~دم القلب فهو - صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنما ذلك أثره؛ ~~فإن حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإن مبدأ الغضب من النفس هي التي تتصف ~~به أولا ثم يسري ذلك إلى الجسم وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال ~~النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين وهو من الأحوال ~~النفسانية؛ لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وييأس من ~~ذلك؛ فيغور دمه والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة؛ فينبسط دمه. ~~والحركة والسكون والطمأنينة التي توصف بها النفس ليست مماثلة لما يوصف به ~~الجسم قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} والاطمئنان هو السكون؛ قال ~~الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانا وطمأنينة: أي سكن قال تعالى: {يا أيتها ~~النفس المطمئنة} {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} وكذلك للقلوب سكينة تناسبها. ~~قال تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} . وكذلك " الريب " حركة النفس للشك ومنه الحديث: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر بظبي حاقف فقال لا يريبه أحد} ويقال: رابني منه ريب و ~~{دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} وقال: {الكذب ريبة والصدق طمأنينة} فجعل ~~الطمأنينة ضد الريبة وكذلك اليقين ضد الريب. واليقين يتضمن معنى # PageV05P570 # الطمأنينة والسكون ومنه ماء يقن وكذلك يقال: انزعج. وأزعجه فانزعج أي ~~أقلقه ويقال ذلك لمن قلقت نفسه ولمن قلق بنفسه وبدنه حتى فارق مكانه؛ وكذلك ~~يقال: قلقت نفسه؛ واضطربت نفسه ونحو ذلك من أنواع الحركة. ويسمى ما يألفه ~~جنس الإنسان ويحبه سكنا؛ لأنه يسكن إليه. ms1520 ويقال: فلان يسكن إلى فلان ويطمئن ~~إليه ويقال: القلب يسكن إلى فلان ويطمئن إليه إذا كان مأمونا معروفا ~~بالصدق؛ فإن الصدق يورث الطمأنينة والسكون. وقد سميت الزوجة سكنا قال ~~تعالى: {خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} ~~وقال: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه وبدنه ~~جميعا. وقد يكون بدن الشخص ساكنا ونفسه متحركة حركة قوية وبالعكس قد يسكن ~~قلبه وبدنه متحرك. والمحب للشيء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه؛ ولهذا ~~يقال: العشق حركة نفس فارغة. فالقلوب تتحرك إلى الله تعالى بالمحبة ~~والإنابة والتوجه وغير ذلك من أعمال القلوب وإن كان البدن لا يتحرك إلى ~~فوق. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد} . ومع هذا فبدنه أسفل ما يكون. فينبغي أن يعرف أن الحركة جنس تحته ~~أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك. وما يوصف به نفس الإنسان من إرادة ~~ومحبة وكراهة وميل ونحو ذلك # PageV05P571 # كلها فيها تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس وذلك حركة لها بحسبها؛ ~~ولهذا يعبر عن هذه المعاني بألفاظ الحركة فيقال: فلان يهفو إلى فلان كما ~~قيل: # يهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من دارة البان # وهذا اللفظ يستعمل في حركة الشيء الخفيف بسرعة كما يقال: هفا الطائر ~~بجناحه أي خفق وطار وهفا الشيء في الهواء إذا ذهب كالصوفة ونحوها (*) ومر ~~الظبي يهفو أي يطفر ومنه قيل للزلة: هفوة كما سميت زلة والزلة حركة خفيفة ~~وكذلك الهفوة. وكذلك يسمى المحب المشتاق الذي صار حبه أقوى من العلاقة " ~~صبا " وحاله صبابة وهو رقة الشوق وحرارته والصب المحب المشتاق وذلك لانصباب ~~قلبه إلى المحبوب كما ينصب الماء الجاري والماء ينصب من الجبل أي ينحدر. ~~فلما كان في انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة الصب " صبابة " وهذا ~~يستعمل في المحبة المحمودة والمذمومة. ومنه الحديث: {أن أبا عبيدة رضي الله ~~عنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في ms1521 سرية بكى صبابة وشوقا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم} . والصبابة والصب متفقان في الاشتقاق الأكبر. والعرب ~~تعاقب بين الحرف المعتل PageV05P572 # والحرف المضعف كما يقولون: تقضى البازي وتقضض وصبا يصبو: معناه مال وسمي ~~الصبي صبيا لسرعة ميله. قال الجوهري: والصبي أيضا من الشوق يقال منه تصابى ~~وصبا يصبو صبوة وصبوا أي مال إلى الجهل والفتوة وأصبته الجارية. وقد يستعمل ~~هذا في الميل المحمود على قراءة من قرأ: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين} بلا همزة في قراءة نافع فإنه لا يهمز " الصابئين " في ~~جميع القرآن. وبعضهم قد حمده الله تعالى؛ وكذلك يقال: حن إليه حنينا؛ ومنه ~~حنا في الاشتقاق الأكبر يحنو عليه حنوا. قال الجوهري: حنوت عليه عطفت عليه ~~ويحني عليه أي يعطف مثل تحنن كما قال الشاعر: # تحنى عليك النفس من لاعج الهوى ... فكيف تحنيها وأنت تهينها # وقال: الحنين: الشوق وتوقان النفس ويقال حن إليه يحن حنينا فهو حان ~~والحنان الرحمة يقال حن عليه يحن حنانا ومنه قوله تعالى {وحنانا من لدنا ~~وزكاة} والحنان بالتشديد: ذو الرحمة وتحنن عليه ترحم والعرب تقول: حنانيك ~~يا رب وحنانك بمعنى واحد أي رحمتك وهذا كلام الجوهري. # وفي الأثر في تفسير " الحنان المنان ": أن الحنان هو الذي يقبل على من ~~أعرض عنه والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال وهذا باب واسع. # PageV05P573 # والمقصود هنا أن هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة والحركة العامة هي ~~التحول من حال إلى حال؛ ومنه قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي " ~~الصحيحين " {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى رضي الله عنه ~~ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى قال: لا حول ولا قوة إلا بالله} ~~. وفي " صحيح مسلم " وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال ~~المؤذن: الله أكبر؛ فقال الرجل: الله أكبر فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله؛ فقال: ~~أشهد أن ms1522 محمدا رسول الله ثم قال: حي على الصلاة؛ فقال: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ثم قال: حي على الفلاح فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: الله ~~أكبر الله أكبر فقال: الله أكبر الله أكبر} . فلفظ الحول يتناول كل تحول من ~~حال إلى حال والقوة هي القدرة على ذلك التحول؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على ~~أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك ~~إلا بالله. ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول: لا حول من معصيته إلا ~~بعصمته. ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. والصواب الذي عليه الجمهور هو ~~التفسير الأول وهو الذي يدل عليه # PageV05P574 # اللفظ فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية وكذلك القوة لا تختص بالقوة ~~على الطاعة بل لفظ الحول يعم كل تحول. ومنه لفظ " الحيلة " ووزنها فعلة ~~بالكسر وهي النوع المختص من الحول كما يقال: الجلسة والقعدة واللبسة ~~والإكلة والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي النوع الخاص وهو بالفتح المرة الواحدة. ~~فالحيلة أصلها حولة لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء كما في ~~لفظ ميزان وميقات وميعاد وزنه مفعال؛ وقياسه موزان وموقات؛ لكن لما جاءت ~~الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء قال تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة} من الحيل؛ فإنها نكرة في سياق النفي ~~فتعم جميع أنواع الحيل. وكذلك لفظ " القوة " قال تعالى: {الله الذي خلقكم ~~من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} ولفظ القوة قد ~~يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره؛ فهو قدرة أرجح من غيرها أو القدرة ~~التامة. ولفظ " القوة " قد يعم القوة التي في الجمادات بخلاف لفظ القدرة؛ ~~فلهذا كان المنفي بلفظ القوة أشمل وأكمل. فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن ~~قدرة إلا به بطريق الأولى. وهذا باب واسع. والمقصود هنا أن الناس متنازعون ~~في جنس " الحركة العامة " التي تتناول ما يقوم بذات ms1523 الموصوف من الأمور ~~الاختيارية كالغضب والرضا والفرح # PageV05P575 # وكالدنو والقرب والاستواء والنزول بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان ~~وغير ذلك على ثلاثة أقوال: (أحدها قول من ينفي ذلك مطلقا وبكل معنى فلا ~~يجوز أن يقوم بالرب شيء من الأمور الاختيارية. فلا يرضى على أحد بعد أن لم ~~يكن راضيا عنه ولا يغضب عليه بعد أن لم يكن غضبان ولا يفرح بالتوبة بعد ~~التوبة؛ ولا يتكلم بمشيئته وقدرته إذا قيل إن ذلك قائم بذاته. وهذا القول ~~أول من عرف به هم " الجهمية والمعتزلة " وانتقل عنهم إلى الكلابية ~~والأشعرية والسالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة: كأبي الحسن ~~التميمي وابنه أبي الفضل وابن ابنه رزق الله؛ والقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~وأبي الحسن بن الزاغوني وأبي الفرج بن الجوزي؛ وغير هؤلاء من أصحاب أحمد - ~~وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض كلامه - وكأبي المعالي الجويني وأمثاله ~~من أصحاب الشافعي وكأبي الوليد الباجي وطائفة من أصحاب مالك وكأبي الحسن ~~الكرخي وطائفة من أصحاب أبي حنيفة. (والقول الثاني: إثبات ذلك وهو قول ~~الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة. ~~وأما الذين أثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل في ذلك قيام الأمور والأفعال # PageV05P576 # الاختيارية بذاته؛ فهذا قول طوائف غير هؤلاء: كأبي الحسين البصري وهو ~~اختيار أبي عبد الله بن الخطيب الرازي وغيره من النظار وذكر طائفة: أن هذا ~~القول لازم لجميع الطوائف. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في ~~كتاب نقضه على بشر المريسي ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث وذكره حرب ~~بن إسماعيل الكرماني: لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر عن أهل السنة والحديث ~~قاطبة وذكر ممن لقي منهم على ذلك: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وعبد ~~الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور. وهو قول أبي عبد الله بن حامد ~~وغيره. وكثير من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح لكن لا يطلق هذا ~~اللفظ لعدم مجيء الأثر به كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في ms1524 كلامهم ~~على حديث النزول. والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو ~~الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل وغير ذلك من الأفعال ~~اللازمة. قال " أبو عمرو الطلمنكي ": أجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - ~~على أن # PageV05P577 # الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفا صفا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء ~~وكيف يشاء قال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة وقضي الأمر} وقال تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} . قال: ~~وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار ~~كيف شاء لا يحدون في ذلك شيئا ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح قال: وسألت ~~يحيى بن معين عن النزول فقال نعم. أقر به ولا أحد فيه حدا. (والقول الثالث ~~الإمساك عن النفي والإثبات وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء ~~والصوفية - كابن بطة وغيره. وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد ~~الأمرين ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما ولكن لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات. ~~والذي يجب القطع به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه. فمن ~~وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعا كمن قال إنه ~~ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار كقول من ~~يقول: إنه يخلو منه العرش؛ فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلا لآخر؛ فهذا باطل ~~يجب تنزيه الرب عنه كما تقدم. # PageV05P578 # وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية؛ ~~فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه الأعلى وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} . فإن ~~كان لفظ العلو لا يقتضي علو ذاته فوق العرش؛ لم يلزم أن يكون على العرش. ~~وحينئذ فلفظ النزول ونحوه يتأول قطعا إذ ليس هناك شيء يتصور منه النزول. ~~وإن كان لفظ العلو يقتضي علو ذاته فوق العرش فهو سبحانه الأعلى من كل شيء ~~كما أنه أكبر من كل شيء. فلو صار تحت شيء من ms1525 العالم لكان بعض مخلوقاته أعلى ~~منه ولم يكن هو الأعلى وهذا خلاف ما وصف به نفسه. وأيضا فقد أخبر: أنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش فإن لم يكن استواؤه على ~~العرش يتضمن أنه فوق العرش؛ لم يكن الاستواء معلوما وجاز حينئذ ألا يكون ~~فوق العرش شيء؛ فيلزم تأويل النزول وغيره. وإن كان يتضمن أنه فوق العرش ~~فيلزم استواؤه على العرش وقد أخبر أنه استوى عليه لما خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وأخبر بذلك عند إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك بألوف من السنين ودل # PageV05P579 # كلامه على أنه عند نزول القرآن مستو على عرشه فإنه قال: {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله ~~بما تعملون بصير} . وفي حديث الأوعال الذي رواه أهل السنن كأبي داود ~~والترمذي وغيرهما لما مرت سحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم {أتدرون ما ~~هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: السحاب قالوا: السحاب قال: والمزن: ~~قالوا: والمزن وذكر السموات وعددها وكم بين كل سماءين ثم قال: والله فوق ~~عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه} . وكذلك في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو ~~داود وغيره عن جبير بن مطعم قال: {أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي ~~فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال وهلكت الأنعام؛ ~~فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله؟ ~~إن الله على عرشه وعرشه على سمواته مثل القبة وأشار بيده} . # PageV05P580 # وهذا إخبار عن أنه سبحانه فوق العرش في تلك الحال كما دل عليه القرآن كما ~~أخبر ms1526 أنه استوى على العرش وأنه معنا أينما كنا. وكونه معنا أمر خاص؛ فكذلك ~~كونه مستويا على العرش. وكذلك سائر النصوص تبين وصفه بالعلو على عرشه في ~~هذا الزمان؛ فعلم أن الرب سبحانه لم يزل عاليا على عرشه. فلو كان في نصف ~~الزمان أو كله تحت العرش أو تحت بعض المخلوقات؛ لكان هذا مناقضا لذلك. ~~وأيضا فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء؛ وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء} وهذا نص في ~~أن الله ليس فوقه شيء وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول والآخر ~~وكذلك الباطن فلا يزال ظاهرا ليس فوقه شيء ولا يزال باطنا ليس دونه شيء. ~~وأيضا فحديث أبي ذر وأبي هريرة وقتادة المذكور في تفسير هذه " الأسماء ~~الأربعة " الذي فيه ذكر الإدلاء قد ذكرناه في " مسألة الإحاطة " وهو مما ~~يبين أن الله لا يزال عاليا على المخلوقات مع ظهوره وبطونه وفي حال نزوله ~~إلى السماء الدنيا. # PageV05P581 # وأيضا فقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} فمن هذه عظمته ~~يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير ~~هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها وتلقيها.اه ~~PageV05P582 # الجزء السادس # الجزء الثاني من كتاب الأسماء والصفات # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # فصل: # تقرب العبد إلى الله في مثل قوله: {واسجد واقترب} وقوله: {اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة} وقوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} ~~وقوله: {فأما إن كان من المقربين} . وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروي عن ربه: {من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا} الحديث. وقوله: {ما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه} الحديث. وكذلك ms1527 " القربان " كقوله: {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما} ~~. وقوله: {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} . ونحو ذلك - لا ريب أنه بعلوم ~~وأعمال يفعلها العبد وفي ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال. # PageV06P005 # ثم لا يخلو مع ذلك: إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك: وإذا تحركت: ~~فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله أو إلى شيء آخر وإذا كانت إلى ذات الله ~~بقي النظر في قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب العبد ~~وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا. # فالأول: قول " المتفلسفة " الذين يقولون: إن الروح لا داخل البدن ولا ~~خارجه وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب ~~إلى الملة. فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه ~~وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة ~~المعنى ويقولون: الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح ~~فممتنعة عندهم. وكذلك يقولون: في قرب الملائكة. والذي أثبتوه من تزكية ~~النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه؛ لكن نفيهم ما زاد على ذلك ~~خطأ؛ لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التي تظهر فيها آثار الرب ~~كالمساجد والسموات والعارفين. وعند هؤلاء معراج النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين ~~القضاة (1) (*) وابن الخطيب في " المطالب العالية ". PageV06P006 # الثاني: قول المتكلمة الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش. وإن نسبة ~~العرش والكرسي إليه سواء وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن يثبتون حركة ~~العبد والملائكة فيقولون: قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن ~~المشرفة عند الله وهي السموات وحملة العرش والجنة وبذلك يفسرون معراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى ~~الأماكن المشرفة كثبوت " العبادات " وإنما النزاع في حركة نفسه. ويسلم ~~الأولون " حركة النفس " بمعنى تحولها من حال إلى حال؛ لا بمعنى الانتقال من ~~موضع إلى موضع واتفاقهم على ms1528 حركة الجسم وحركة الروح أيضا عند الآخرين إلى ~~كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات والمساجد وأولياء الله ومواضع أسماء ~~الله وآياته فهو حركة إلى. . . (1) # الثالث: قول: " أهل السنة والجماعة " الذين يثبتون أن الله على العرش وأن ~~حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ~~ملائكة السماء الثانية وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء ~~صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق ~~من خلقه وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعا. ~~وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب. PageV06P007 # ثم " قرب الرب من عبده " هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب إلى ~~الشيء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو ~~قرب آخر يفعله الرب كما أنك إذا قربت إلى الشيء المتحرك إليك تحرك أيضا ~~إليك فمنك فعل ومنه فعل آخر. هذا فيه قولان " لأهل السنة " مبنيان على ما ~~تقدم من قاعدة الصفات الفعلية كمسألة النزول وغيرها وقد تقدم الكلام في ~~ذلك. وعلى هذا فما روي من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في " ~~الزهد لأحمد " أن موسى قال: يا رب أين أجدك؟ قال: " عند المنكسرة قلوبهم من ~~أجلي أقترب إليها كل يوم شبرا ولولا ذلك لاحترقت ". هذا القرب عند ~~المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال. ثم ~~المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان عال ~~وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه وفي ~~جواز دنو ذات الله القولان وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع. # وعلى مذهب " النفاة " من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا ~~تجليه وظهوره لعبده. إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة ~~الباطنة أو الظاهرة بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس # PageV06P008 # والقمر فيقول: جاءني ms1529 الشمس والقمر وهذا قول " النفاة " من المتفلسفة ~~والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة ~~ومنهم من يوافقهم في المعنى الذي قصدوه. وأما على مذهب " أهل السنة ~~والجماعة " من السلف وأهل الحديث وأهل المعرفة ومن اتبعهم من الفقهاء ~~والصوفية والعامة وأهل الكلام أيضا؛ فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون ~~بحركة من العبد وقرب منه ودنو إليه وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد ~~فإن هذا علم وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه فهو كشف وعمل. ولا ~~ينكر الأشعرية ونحوهم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة فإن ذلك ممكن ~~وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم. وقد شبه بعضهم مجيء الله بقوله: ~~{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أي الموقن به من الموت وما بعده. قلت: هذا ~~مثل قوله: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} وقوله: {فإذا جاءت الصاخة} وقوله: ~~{فقد جاء أشراطها} وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه. قلت: وليس هو مجرد ظهوره ~~وتجليه وإن كان متضمنا لذلك؛ بل هو متضمن لحركة العبد إليه ثم إن كان ساكنا ~~كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضا ~~وإن كان العبد ذاهبا إليه وهكذا # PageV06P009 # مجيء اليقين ومجيء الساعة (1) ، وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست ~~متصلة بالعبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {حجابه النور - أو النار - ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه} فهي حجب تحجب العباد عن ~~الإدراك كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر. فإذا زالت تجلت ~~الشمس والقمر. وأما حجبها لله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم؛ فإن ~~الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وهو يرى دبيب النملة ~~السوداء على الصخرة الصماء في الليلة السوداء ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى ~~مخلوقاته كما قال: {لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه} ~~فالبصر يدرك الخلق كلهم وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور ms1530 أو النار. ~~والجهمية لا تثبت له حجبا أصلا؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش ويروون الأثر ~~المكذوب عن علي " أنه سمع قصابا يحلف لا والذي احتجب بسبع سموات فعلاه ~~بالدرة فقال: يا أمير المؤمنين أكفر عن يميني؟ قال لا؛ ولكنك حلفت بغير ~~الله ". فهذا لا يعرف له إسناد ولو ثبت كان علي قد فهم من المتكلم أنه عنى ~~أنه محتجب عن إدراكه لخلقه فهذا باطل قطعا؛ بخلاف احتجابه عن إدراك خلقه ~~له. PageV06P010 # ويدل على ذلك الحديث الصحيح: {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل ~~الجنة: إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض ~~وجوهنا. ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب ~~فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة} . وعند ~~من أثبت الرؤية من المتجهمة أن حجاب كل أحد معه وكشفه خلق الإدراك فيه لا ~~أنه حجاب منفصل. وأما إتيانه ونزوله ومجيئه بحركة منه وانتقال: فهذا فيه ~~القولان لأهل السنة من أصحابنا وغيرهم والله أعلم. والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # PageV06P011 # وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: # الذين يجعلون الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة. ويوجد " هذا ~~التفسير " في كلام طائفة كأبي حامد الغزالي وأمثاله: ولا يثبت هؤلاء قربا ~~حقيقيا - وهو القرب المعلوم المعقول - ومن جعل قرب عباده المقربين ليس ~~إليه؛ وإنما هو إلى ثوابه وإحسانه فهو معطل مبطل. وذلك أن ثوابه وإحسانه ~~يصل إليهم ويصلون إليه. ويباشرهم ويباشرونه بدخوله فيهم ودخولهم فيه بالأكل ~~واللباس. فإذا كانوا يكونون في نفس جنته ونعيمه وثوابه كيف يجعل أعظم ~~الغايات قربهم من إحسانه ولا سيما والمقربون هم فوق أصحاب اليمين الأبرار. ~~الذين كتابهم في عليين {وما أدراك ما عليون} {كتاب مرقوم} {يشهده المقربون} ~~{إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} ~~{يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} {ومزاجه من ~~تسنيم} {عينا يشرب بها المقربون} . قال ابن عباس: ms1531 {يشرب بها المقربون} صرفا ~~وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. # PageV06P012 # فقد أخبر أن الأبرار في نفس النعيم وأنهم يسقون من الشراب الذي وصفه الله ~~تعالى ويجلسون على الأرائك ينظرون فكيف يقال: إن المقربين - الذين هم أعلى ~~من هؤلاء بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجا - إنما تقريبهم هو مجرد ~~النعيم الذي أولئك فيه؟ هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل. (المسألة الثانية ~~في " قربه " الذي هو من لوازم ذاته: مثل العلم والقدرة فلا ريب أنه قريب ~~بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بهم عالما ولم يزل عليهم قادرا ~~هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية ~~والرافضة ونحوهم أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من الرافضة والمعتزلة ~~وغيرهم. " وأما قربه بنفسه من مخلوقاته " قربا لازما في وقت دون وقت؛ ولا ~~يختص به شيء: فهذا فيه للناس قولان. فمن يقول هو بذاته في كل مكان يقول ~~بهذا ومن لا يقول بهذا لهم أيضا فيه قولان. (أحدهما إثبات هذا القرب وهو ~~قول طائفة من المتكلمين والصوفية وغيرهم يقولون: هو فوق العرش ويثبتون هذا ~~القرب. وقوم يثبتون هذا القرب؛ دون كونه على العرش. وإذا كان قرب عباده منه ~~نفسه وقربه منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل الحديث ~~والفقهاء والصوفية وأهل الكلام لم يجب أن يتأول كل نص فيه # PageV06P013 # ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون ~~كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه بل يبقى هذا من الأمور الجائزة ~~وينظر في النص الوارد فإن دل على هذا حمل عليه وإن دل على هذا حمل عليه ~~وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء. وإن كان في موضع قد دل عندهم على ~~أنه هو يأتي ففي موضع آخر دل على أنه يأتي بعذابه كما في قوله تعالى {فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد} وقوله تعالى {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} . ~~فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس ms1532 في هذا الموضع إذا تنازع النفاة ~~والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد ~~- دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا ~~تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما ~~رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى ~~الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات. كقوله تعالى: {فرطت في جنب الله} ~~. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة ~~في كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية # PageV06P014 # وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير ~~الصفات. وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان ~~إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية ~~والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم ومذهب ~~بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية ~~فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا ~~تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك ~~غيرها. (مثال ذلك قوله تعالى {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله} . أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها " أولئك ~~" كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل " النافية " تفسيرها بغير الصفة ~~حجة لهم في موارد النزاع. ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود وكنت قد ~~قلت: أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا ~~مما ذكرته كانت له الحجة وفعلت وفعلت وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا ~~بما ذكره البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " في قوله تعالى {ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد ~~قبلة الله فقال أحد كبرائهم - في المجلس الثاني - قد أحضرت نقلا عن السلف ~~بالتأويل ms1533 فوقع في قلبي ما أعد فقلت: لعلك قد ذكرت ما روي # PageV06P015 # في قوله تعالى {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} قال: ~~نعم. قلت: المراد بها قبلة الله فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من ~~السلف. ولم يكن هذا السؤال يرد علي؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة ~~الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيدا كما في ~~الأجوبة فلم أر إحقاقهم في هذا المقام بل قلت هذه الآية ليست من آيات ~~الصفات أصلا ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات. قال: ~~أليس فيها ذكر الوجه فلما قلت: المراد بها قبلة الله. قال: أليست هذه من ~~آيات الصفات؟ قلت: لا. ليست من موارد النزاع فإني إنما أسلم أن المراد ~~بالوجه - هنا - القبلة فإن " الوجه " هو الجهة في لغة العرب يقال: قصدت هذا ~~الوجه وسافرت إلى هذا " الوجه " أي: إلى هذه الجهة وهذا كثير مشهور فالوجه ~~هو الجهة. وهو الوجه: كما في قوله تعالى {ولكل وجهة هو موليها} أي متوليها ~~فقوله تعالى: {وجهة هو موليها} كقوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} كلتا ~~الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة ~~هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله. قلت: والسياق يدل عليه لأنه ~~قال: {فأينما تولوا} وأين من الظروف وتولوا أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع ~~استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا ~~بعد قوله: {ولله المشرق والمغرب} وهي الجهات كلها كما في الآية الأخرى: {قل ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . # PageV06P016 # فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف؛ كأنه قال جهة ~~الله وقبلة الله. ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي قبلة ~~الله ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء ~~في الحديث: {إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه} وكما في قوله: ms1534 ~~{لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلا عليه فإذا انصرف صرف وجهه ~~عنه} ويقول: إن الآية دلت على المعنيين. فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه. ~~والغرض أنه إذا قيل: " فثم قبلة الله " لم يكن هذا من التأويل المتنازع ~~فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم ~~المثبتة فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه وإن كانت دالة على ~~ثبوت صفة فذاك شيء آخر ويبقى دلالة قولهم: {فثم وجه الله} على فثم قبلة ~~الله هل هو من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد؟ أو ~~باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث ليس ~~هذا موضعها. (والمثال الثاني: لفظة " الأمر " فإن الله تعالى لما أخبر ~~بقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقال: {ألا له الخلق ~~والأمر} واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق بل هو كلامه وصفة من ~~صفاته بهذه الآية وغيرها صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد ~~فيجعله صفة طردا للدلالة ويجعل دلالته على غير الصفة نقضا لها # PageV06P017 # وليس الأمر كذلك؛ فبينت في بعض رسائلي: أن الأمر وغيره من الصفات يطلق ~~على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى؛ " فالرحمة " صفة لله ويسمى ما خلق رحمة ~~والقدرة من صفات الله تعالى ويسمى " المقدور " قدرة ويسمى تعلقها " ~~بالمقدور " قدرة والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقا والعلم من صفات الله ~~ويسمى المعلوم أو المتعلق علما؛ فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها وتارة ~~يراد نفس التعلق. و " الأمر " مصدر فالمأمور به يسمى أمرا ومن هذا الباب ~~سمي عيسى - صلى الله عليه وسلم - كلمة؛ لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة ~~وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا: عيسى كلمة الله فهو مخلوق ~~والقرآن إذا كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقا؛ فإن عيسى ليس هو نفس كلمة ~~الله وإنما سمي بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف ms1535 سنة المخلوقين فخرقت فيه ~~العادة وقيل له: كن فكان. والقرآن نفس كلام الله. فمن تدبر ما ورد في " باب ~~أسماء الله تعالى وصفاته " وإن دلالة ذلك في بعض المواضع على ذات الله. أو ~~بعض صفات ذاته لا يوجب أن يكون ذلك هو مدلول اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك ~~طردا للمثبت ونقضا للنافي؛ بل ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين ~~معناه من القرآن والدلالات فهذا أصل عظيم مهم نافع في باب فهم الكتاب ~~والسنة والاستدلال بهما مطلقا ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب ~~وطرد الدليل ونقضه فهو # PageV06P018 # نافع في كل علم خبري أو إنشائي وفي كل استدلال أو معارضة: من الكتاب ~~والسنة وفي سائر أدلة الخلق. فإذا كان العبد لا يمتنع أن يتقرب من ربه وأن ~~يقرب منه ربه بأحد المعنيين المتقدمين أو بكليهما؛ لم يمتنع حمل النص على ~~ذلك إذا كان دالا عليه فإن لم يكن دالا عليه لم يجز حمله وإن احتمل هذا ~~المعنى وهذا المعنى وقف. فجواز إرادة المعنى في الجملة غير كونه هو المراد ~~بكل نص. وأما قربه اللازم من عباده: بعلمه وقدرته وتدبيره فقد تقدم. وتقدم ~~ذكر الخلاف في قربه بنفسه قربا لازما وعرف المتفق عليه والمختلف فيه: من ~~قربه العارض واللازم؛ فقوله سبحانه: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به ~~نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} من الناس طوائف عندهم لا يحتاج إلى ~~تأويل ومنهم من يحوجها إلى التأويل. ثم أقول هذه الآية لا تخلو إما أن يراد ~~بها قربه سبحانه؛ أو قرب ملائكته؛ كما قد اختلف الناس في ذلك فإن أريد بها ~~قرب الملائكة فقوله: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} فيكون ~~الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان وأخبر بقرب ~~الملائكة الكرام الكاتبين منه. ودليل ذلك قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد إذ يتلقى} ففسر ذلك بالقرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان وبأي ~~معنى فسر؛ فإن علمه وقدرته عام ms1536 التعلق وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا ~~الوقت وتكون هذه # PageV06P019 # الآية مثل قوله تعالى {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا ~~لديهم يكتبون} ومنه قوله في أول السورة: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ~~وعندنا كتاب حفيظ} . وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه. وإنما الكلام في قوله ~~تعالى {ونحن أقرب} حيث عبر بها عن ملائكته ورسله أو عبر بها عن نفسه أو عن ~~ملائكته ولكن قرب كل بحسبه. فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب الله تعالى ~~منه مطلق؛ كالوجه الثاني إذا أريد به الله تعالى أي: نحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد؛ فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم. وفيه القولان. (أحدهما: إثبات ~~ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية. (والثاني: أن القرب هنا بعلمه؛ ~~لأنه قد قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد} فذكر لفظ العلم هنا دل على القرب بالعلم. ومثل هذه الآية ~~حديث أبي موسى {: إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن ~~الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} فالآية لا تحتاج إلى تأويل ~~القرب في حق الله تعالى إلا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه ومما دل ~~عليه السياق هو ظاهر الخطاب؛ فلا يكون من موارد النزاع. وقد تقدم أنا لا ~~نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما # PageV06P020 # نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن ~~بالرأي. (وتحقيق الجواب هو أن يقال: إما أن يكون قربه بنفسه القرب اللازم ~~ممكنا أو لا يكون. فإن كان ممكنا لم تحتج الآية إلى تأويل وإن لم يكن ممكنا ~~حملت الآية على ما دل عليه سياقها وهو قربه بعلمه. وعلى هذا القول فإما أن ~~يكون هذا هو ظاهر الخطاب الذي دل عليه السياق أو لا يكون. فإن كان هو ظاهر ~~الخطاب فلا كلام؛ إذ لا تأويل حينئذ. وإن لم يكن ظاهر الخطاب؛ فإنما حمل ~~على ذلك لأن الله تعالى قد ms1537 بين في غير موضع من كتابه أنه على العرش وأنه ~~فوق فكان ما ذكره في كتابه في غير موضع أنه فوق العرش مع ما قرنه بهذه ~~الآية من العلم دليلا على أنه أراد قرب العلم؛ إذ مقتضى تلك الآيات ينافي ~~ظاهر هذه الآية على هذا التقدير والصريح يقضي على الظاهر ويبين معناه. ~~ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ~~ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن ~~الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير ~~القرآن بالقرآن؛ ليس تفسيرا له بالرأي. والمحذور إنما هو صرف القرآن عن ~~فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم. وللإمام أحمد - رحمه ~~الله تعالى - رسالة في هذا النوع وهو ذكر # PageV06P021 # الآيات التي يقال: بينها معارضة وبيان الجمع بينها وإن كان فيه مخالفة ~~لما يظهر من إحدى الآيتين أو حمل إحداهما على المجاز. وكلامه في هذا أكثر ~~من كلام غيره من الأئمة المشهورين؛ فإن كلام غيره أكثر ما يوجد في المسائل ~~العملية وأما المسائل العلمية فقليل. وكلام الإمام أحمد كثير في المسائل ~~العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك ومن قال: إن مذهبه ~~نفي ذلك فقد افترى عليه والله أعلم. والكلام على قوله تعالى: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم {إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا؛ إن الذي تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} فمن حمله على قرب نفسه قربا لازما أو عارضا ~~فلا كلام ومن قال: المراد كونه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم وما يتبع ذلك. قال: ~~دل عليه السياق فلا يكون خلاف الظاهر. أو يقول: دل عليه ما في القرآن ~~والسنة من النصوص التي تدل على أنه فوق العرش فيكون تفسير القرآن وتأويله ~~بالكتاب والسنة وهذا لا محذور فيه. واعلم أن من الناس من سلك هذا المسلك في ~~نفس ms1538 " المعية " ويقول: إنه محمول على ما دل عليه السياق. وإن كان خلاف ظاهر ~~الإطلاق أو محمول على خلاف الظاهر لدلالة الآيات أن الله فوق العرش ويجعل ~~بعض القرآن يفسر بعضا لكن نحن بينا أنه ليس في ظاهر المعية ما يوجب ذلك؛ ~~لأنا وجدنا جميع # PageV06P022 # استعمالات " مع " في الكتاب والسنة لا توجب اتصالا واختلاطا فلم يكن بنا ~~حاجة إلى أن نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه. فأما لفظ " القرب " فهو مثل لفظ ~~" الدنو " وضد القرب البعد فاللفظ ظاهر في اللغة. فإما أن يحمل عليه وإما ~~أن يحمل على ما يقال إنه الظاهر الذي دل عليه السياق أو على خلاف الظاهر ~~لدلالة بقية النصوص. وقد روى الطبراني وغيره: أن {ناسا سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى: ~~{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} } . وصلى الله ~~على محمد. # PageV06P023 # وقال رحمه الله: # فصل: # قد كتبت قبل هذا في الجزء الثاني من المرتب: الكلام في " قرب العبد من ~~ربه " وذهابه إليه و " قرب الرب من عبده " وتجلي الرب له وظهوره وما يعترف ~~به المتفلسفة من ذلك؛ ثم المتكلمة ثم أهل السنة وأن ما يثبته هؤلاء من الحق ~~يثبته أهل السنة. ثم يثبت أهل السنة " أشياء " لا يعرفها أهل البدعة؛ ~~لجهلهم وضلالهم؛ إذ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. ثم ~~المعاني الذي يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة صحيحة جيدة؛ ~~لكن الضلال جاء من جهة نفيهم ما زاد عليها وذلك مثل إثبات المتفلسفة " ~~لواجب الوجود " وأن الروح غير البدن " وأنها باقية بعد فراق البدن وأنها ~~منعمة أو معذبة: نعيما وعذابا روحانيين. وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن ~~والنفس الصالحة وغير الصالحة: كل ذلك حق؛ لكن زعمهم أن لا معنى للنصوص إلا ~~ذلك وأن لا حق وراء ذلك # PageV06P024 # وأن " الجنة " و " النار " عبارة عن ذلك؛ وإنما الوصف المذكور في الكتب ~~الإلهية أمثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحاني وأن " الملائكة " و " الجن " ~~هي ms1539 أعراض وهي قوى النفس الصالحة والفاسدة وأن " الروح " لا تتحرك؛ وإنما ~~ينكشف له حقائق الكون فيكون ذلك قربها إلى الله وأن معراج النبي هو من هذا ~~الباب هذا النفي والتكذيب كفر. وكذلك ما يثبته المتكلمة: من أن العبد يتقرب ~~ببدنه وروحه إلى " الأماكن المفضلة " التي يظهر فيها نور الرب كالسموات ~~والمساجد وكذلك الملائكة فهذا صحيح؛ لكن دعواهم أنهم لا يتقربون إلى ذات ~~الله وأن الله ليس على العرش؛ هذا باطل. وإنما الصواب إثبات ذلك وإثبات ما ~~جاءت به النصوص أيضا من قرب العبد إلى ربه وتجلي الرب لعباده بكشف الحجب ~~المتصلة بهم والمنفصلة عنهم وأن القرب والتجلي فيه علم العبد الذي هو ظهور ~~الحق له وعمل العبد الذي هو دنوه إلى ربه. وقد تكلمت في دنو الرب وقربه وما ~~فيه من النزاع بين أهل السنة. ثم بعض المتسننة والجهال: إذا رأوا ما يثبته ~~أولئك من الحق: قد يفرون من التصديق به؛ وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ~~ينازعون أهل السنة في ثبوته؛ بل الجميع صحيح. وربما كان الإقرار بما اتفق ~~على إثباته أهم من الإقرار بما حصل فيه نزاع؛ إذ ذلك أظهر وأبين وهو أصل ~~للمتنازع فيه؛ فيحصل بعض الفتنة في نوع # PageV06P025 # تكذيب ونفي حال أو اعتقاد كحال المبتدعة فيبقى الفريقان في بدعة وتكذيب ~~ببعض موجب النصوص وسبب ذلك أن قلوب المثبتة تبقى متعلقة بإثبات ما نفته ~~المبتدعة. وفيهم نفرة عن قول المبتدعة؛ بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له ~~فيعرضون عن ما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه أو يكذبون به كما قد يصير بعض ~~جهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة ~~يغلون فيها؛ بل بعض المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب ~~اليهود والنصارى بعض ذلك حتى يحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح ~~إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب. [وعن بعض الجهال أنه قال: سبوا ~~عليا كما سبوا عتيقكم كفر بكفر؛ وإيمان بإيمان] (*) . ومثال ذلك في ms1540 " باب ~~الصفات " أن العبد إذا عرف ربه وأحبه؛ بل لو عرف غير الله وأحبه وتألهه؛ ~~يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم في القلب واللسان وقد تقوى به شدة الوجد ~~والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى به عن نفسه. # كما قيل إن رجلا كان يحب آخر؛ فوقع المحبوب في اليم. فألقى الآخر نفسه ~~خلفه فقال: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. وهذا ~~كما قيل: # مثالك في عيني وذكراك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب PageV06P026 # وقال آخر: # ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره # هو مولى قد رضيت به ... ونصيبي منه أوفره # ولقوة الاتصال: زعم بعض الناس أن العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف ~~وآخرون يرون أن المحب قد يتحد بالمحبوب. وهذا إما غلط؛ وإما توسع في ~~العبارة فإنه نوع اتحاد: هو اتحاد في عين المتعلقات من نوع اتحاد في ~~المطلوب والمحبوب والمأمور به والمرضي والمسخوط؛ واتحاد في نوع الصفات من ~~الإرادة والمحبة والأمر والنهي والرضا والسخط بمنزلة اتحاد الشخصين ~~المتحابين. وهذا له تفصيل نذكره في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا: أن ~~المعروف المحبوب في قلب العارف المحب: له أحكام وأخبار صادقة؛ كقوله تعالى: ~~{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} وقوله تعالى {وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض} وقوله تعالى {وأنه تعالى جد ربنا} وقوله: {سبح اسم ربك ~~الأعلى} . وقوله في الاستفتاح: {سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك؛ ولا إله غيرك} . ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها ~~يقر به كل أحد؛ لكن أهل السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه أهل البدعة؛ كما ~~يقرون باستوائه على العرش. # PageV06P027 # ومثل قوله صلى الله عليه وسلم {عبدي مرضت فلم تعدني فيقول: أي رب كيف ~~أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتني عنده} . فقد أخبر أنه عند عبده؛ وجعل مرضه مرضه والإنسان قد تكون ~~عنده محبة وتعظيم لأمير أو عالم أو مكان: بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ms1541 ذكره ~~وموافقته في أقواله وأعماله فيقال: إن أحدهما الآخر كما يقال: أبو يوسف أبو ~~حنيفة. ويشبه هذا من بعض الوجوه: ظهور الأجسام المستنيرة وغيرها في الأجسام ~~الشفافة كالمرآة المصقولة والماء الصافي ونحو ذلك. بحيث ينظر الإنسان في ~~الماء الصافي السماء والشمس والقمر والكواكب. كما قال بعضهم: # إذا وقع السماء على صفاء ... كدر أنى يحركه النسيم # ترى فيه السماء بلا امتراء ... كذاك البدر يبدو والنجوم # وكذاك قلوب أرباب التجلي ... يرى في صفوها الله العظيم # وكذلك نرى في المرآة صورة ما يقابلها من الشمس والقمر والوجوه وغير ذلك. # PageV06P028 # ثم قد يحاذي تلك المرآة مرآة أخرى فترى فيها الصورة التي رئيت في الأولى ~~ويتسلل الأمر فيه. وهذه المرائي المنعكسة تشبه من وجه بعيد ظهور اسم ~~المحبوب المعظم في الورق بالخط والكتابة سواء كان بمداد أو بتنقير أو بغير ~~ذلك فإنه هنا لم يظهر إلا حروف اسمه في جسم لا حس له ولا حركة وفي الأجسام ~~الصقلية ظهرت صورته؛ لكن من غير شعور بالمظهر ولا حركة فالأول مظهر اسمه ~~وهذا مظهر ذاته. وأما في قلوب العباد وأرواحهم: فيظهر المعروف المحبوب ~~المعظم وأسماؤه في القلب الذي يعلمه ويحبه. وذلك نوع أكمل وأرفع من غيره بل ~~ليس له نظير. وإلى ذلك أشار بقوله: {كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه} وهو الذي قال: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقال: {فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} وكذلك قوله: {ليس كمثله شيء} وقوله: {مثل ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} . # PageV06P029 # فصل: # فهذا القدر لا يخالف فيه عاقل فإنه أمر محسوس مدرك وهو أقل مراتب الإقرار ~~بالله؛ بل الإقرار بوجود أي شيء كان وأقل مراتب عبادته ومحبته والتقرب إليه ~~ثم مع ذلك هل يتحرك القلب. والروح العارفة المحبة أم لا حركة لها إلا مجرد ~~التحول من صفة إلى صفة؟ . # الأول مذهب عامة المسلمين. وجمهور الخلق. # والثاني قول المتفلسفة ومن اتبعهم؛ إذ عندهم أن الروح لا داخل البدن ولا ~~خارجه ولا تتحرك ms1542 ولا تسكن. وأما الجمهور فيقرون بتحركها نحو المحبوب ~~المطلوب كائنا ما كان. ويقر جمهور المتكلمين بأنها تتحرك إلى المواضع ~~المشرفة التي تظهر فيها آثار المحبوب وأنواره كتحرك قلوب العارفين وأبدانهم ~~إلى السموات وإلى المساجد ونحو ذلك. وكذلك تحرك ذلك إلى ذات المحبوب من ~~المخلوقين كالأنبياء والملائكة وغيرهم وكل من الفريقين يقر بتجلي الرب ~~وظهوره لقلوب العارفين وهو # PageV06P030 # عندهم حصول الإيمان والعلم والمعرفة في قلوبهم بدلا من الكفر والجهل؛ وهو ~~حصول المثل والحد والاسم في السماء والأرض. وأما حركة روح العبد أو بدنه ~~إلى ذات الرب فلا يقر به من كذب بأن الله فوق العرش من هؤلاء المعطلة ~~الجهمية الذين كان السلف يكفرونهم ويرون بدعتهم أشد البدع ومنهم من يراهم ~~خارجين عن الثنتين والسبعين فرقة: مثل من قال إنه في كل مكان أو إنه لا ~~داخل العالم ولا خارجه؛ لكن عموم المسلمين وسلف الأمة وأهل السنة من جميع ~~الطوائف تقر بذلك؛ فيكون العبد متقربا بحركة روحه وبدنه إلى ربه مع إثباتهم ~~أيضا التقرب منهما إلى الأماكن المشرفة وإثباتهم أيضا تحول روحه وبدنه من ~~حال إلى حال. (فالأول مثل معراج النبي صلى الله عليه وسلم وعروج روح العبد ~~إلى ربه وقربه من ربه في السجود وغير ذلك. (والثاني: مثل الحج إلى بيته ~~وقصده في المساجد. (والثالث: مثل ذكره له ودعائه ومحبته وعبادته وهو في ~~بيته؛ لكن في هذين يقرون أيضا بقرب الروح أيضا إلى الله نفسه فيجمعون بين ~~الأنواع كلها. # PageV06P031 # وأما تجليه لعيون عباده فأقر به المتكلمون الصفاتية؛ كالأشعرية ~~والكلابية. ومن نفى منهم علو الرب على العرش قال: هو بخلق الإدراك في ~~عيونهم ورفع الحجب المانعة. وأما أهل السنة: فيقرون بذلك وبأنه يرفع حجبا ~~منفصلة عن العبد حتى يرى ربه كما جاء في الأحاديث الصحيحة. # PageV06P032 # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عمن يقول: إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر به والعقل دل ~~على تنزيه الباري عز وجل عنه؛ فالأسلم للمؤمن أن يقول: هذا " متشابه " لا ~~يعلم ms1543 تأويله إلا الله. فقال له قائل: هذا لا بد له من ضابط وهو الفرق في ~~الصفات بين المتشابه وغيره؛ لأن دعوى التأويل في كل الصفات باطل وربما أفضى ~~إلى الكفر ويلزم منه أن لا يعلم لصفة من صفاته معنى فلا بد حينئذ من الفرق ~~بين ما يتأول وما لا يتأول فقال: كل ما دل دليل العقل على أنه تجسيم كان ~~ذلك متشابها. فهل هذا صحيح أم لا؟ ابسطوا القول في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه " مسألة " كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها ~~خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية فأما ~~المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا وإنما نشأ ذلك في أوائل ~~المائة الثانية لما ظهر " الجعد بن درهم " وصاحبه " الجهم بن صفوان " ومن ~~اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات. # PageV06P033 # فظهرت مقالة الجهمية النفاة - نفاة الصفات - قالوا: لأن إثبات الصفات ~~يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك؛ لأن " الصفات " ~~التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض ~~لا يقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم؛ لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض ~~الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث. قالوا: وبهذا استدللنا على حدوث ~~الأجسام؛ فإن بطل هذا بطل الاستدلال على حدوث الأجسام فيبطل الدليل على ~~حدوث العالم فيبطل الدليل على إثبات الصفات. قالوا: وإذا كانت الأعراض التي ~~هي الصفات لا تقوم إلا بجسم والجسم مركب من أجزائه والمركب مفتقر إلى غيره ~~ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه والله تعالى غني عن غيره واجب ~~الوجود بنفسه. قالوا: ولأن الجسم محدود متناه؛ فلو كان له صفات لكان محدودا ~~متناهيا؛ وذلك لا بد أن يكون له مخصص خصصه بقدر دون قدر وما افتقر إلى مخصص ~~لم يكن غنيا قديما واجب الوجود بنفسه. قالوا: ولأنه لو قامت به الصفات لكان ~~جسما ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ~~ويمتنع عليه ما يمتنع ms1544 عليها وذلك ممتنع على الله تعالى. # PageV06P034 # وزاد الجهم في ذلك هو والغلاة - من القرامطة والفلاسفة - نحو ذلك فقالوا: ~~وليس له اسم كالشيء والحي والعليم ونحو ذلك؛ لأنه إذا كان له اسم من هذه ~~الأسماء لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم؛ فإن صدق المشتق ~~مستلزم لصدق المشتق منه؛ وذلك يقتضي قيام الصفات به وذلك محال؛ ولأنه إذا ~~سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن مشابهة الغير. وزاد ~~آخرون بالغلو فقالوا: لا يسمى بإثبات ولا نفي ولا يقال: موجود ولا لا موجود ~~ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيها له بالموجودات وفي النفي تشبها له ~~بالمعدومات وكل ذلك تشبيه. فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة ~~مقالتهم وردوها وقابلوها بما تستحق من الإنكار الشرعي وكانت خفية إلى أن ~~ظهرت وقويت شوكة الجهمية في أواخر " المائة الأولى " وأوائل " الثانية " في ~~دولة أولاد الرشيد فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التي دعوا الناس فيها ~~إلى القول بخلق القرآن ولوازم ذلك: مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على أن ~~القرآن هو من جملة الأعراض؛ فلو قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم ~~التشبيه والتجسيم. وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه؛ فجعلوا ~~صفاته من جنس صفات المخلوقين فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى ~~المشبهة الممثلة وكان إمام المعتزلة " أبو الهذيل العلاف " ونحوه من نفاة ~~الصفات قالوا: يقتضي أن يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك. قال هؤلاء: بل ~~هو جسم والجسم # PageV06P035 # هو القائم بنفسه أو الموجود أو غير ذلك من المقالات وطعنوا في أدلة نفاة ~~الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا. ثم من هؤلاء من قال: هو جسم ~~كالأجسام ومنهم من وصفه بخصائص المخلوقات وحكي عن كل واحدة من الطائفتين ~~مقالات شنيعة. وجاء " أبو محمد بن كلاب فقال هو وأتباعه: هو الموصوف ~~بالصفات ولكن ليست الصفات أعراضا؛ إذ هي قديمة باقية لا تعرض ولا تزول ولكن ~~لا يوصف بالأفعال القائمة به كالحركات؛ لأنها تعرض وتزول. فقال ms1545 ابن كرام ~~وأتباعه: لكنه موصوف بالصفات وإن قيل إنها أعراض وموصوف بالأفعال القائمة ~~بنفسه وإن كانت حادثة. ولما قيل لهم: هذا يقتضي أن يكون جسما [قالوا: نعم ~~هو جسم كالأجسام] (*) وليس ذلك ممتنعا دائما وإنما الممتنع أن يشابه ~~المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع ومنهم من قال: أطلق لفظ الجسم لا معناه. ~~وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة في غير هذا الموضع. وأما " ~~السلف والأئمة " فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي أو ~~إثبات بل اعتصموا بالكتاب والسنة ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل فجعلوا ~~كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقا يجب الإيمان به وإن لم ~~تعرف حقيقة معناه وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا ~~أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم فإن كان PageV06P036 # مراده حقا موافقا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة: من نفي أو إثبات ~~قلنا به؛ وإن كان باطلا مخالفا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات ~~منعنا القول به ورأوا أن الطريقة التي جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة ~~لصريح المعقول وصحيح المنقول وهي طريقة الأنبياء والمرسلين. وأن الرسل ~~صلوات الله عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ~~{سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} ~~فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه ~~من النقص والعيب وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن ~~يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه ~~والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز ~~حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - ~~يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تجلى ~~للجبل فجعله دكا؛ وأمثال ms1546 ذلك. ويقول في النفي {ليس كمثله شيء} {هل تعلم له ~~سميا} {فلا تضربوا لله الأمثال} {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فيثبت الصفات وينفي مماثلة المخلوقات. # PageV06P037 # ولما كانت طريقة السلف: أن يصفوا الله بما وصف به نفسه ربما وصفه به ~~رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومخالفو الرسل ~~يصفونه بالأمور السلبية: ليس كذا ليس كذا. فإذا قيل لهم: فأثبتوه. قالوا: ~~هو وجود مطلق أو ذات بلا صفات. وقد علم " بصريح المعقول " أن المطلق بشرط ~~الإطلاق لا يوجد إلا في الأذهان؛ لا في الأعيان وأن المطلق لا بشرط لا يوجد ~~في الخارج مطلقا لا يوجد إلا معينا ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة ~~للمخلوقات بل إما أن يعطلوه أو يجعلوه وجود المخلوقات أو جزأها أو وصفها ~~والألفاظ المجملة يكفون عن معناها. فإذا قال قوم: إن الله في جهة أو حيز ~~وقال قوم: إن الله ليس في جهة ولا حيز استفهموا كل واحد من القائلين عن ~~مراده؛ فإن لفظ الجهة والحيز فيه إجمال واشتراك. فيقولون: ما ثم موجود إلا ~~الخالق والمخلوق والله تعالى منزه بائن عن مخلوقاته؛ فإنه سبحانه خلق ~~المخلوقات بائنة عنه متميزة عنه خارجة عن ذاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولو لم يكن مباينا لكان إما مداخلا لها حالا ~~فيها أو محلا لها والله تعالى منزه عن ذلك. وإما أن لا يكون مباينا لها ولا ~~مداخلا لها فيكون معدوما والله تعالى منزه عن ذلك. والجهمية نفاة الصفات ~~تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد أو يصرحون # PageV06P038 # بذلك وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل فنفاتهم لا يعبدون شيئا ومثبتتهم ~~يعبدون كل شيء ويقال أيضا فإذا كان ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق ~~فالخالق بائن عن المخلوق. فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة. قيل ~~له: الجهة أمر موجود أو معدوم فإن كان أمرا موجودا؛ ولا موجود إلا الخالق ms1547 ~~والمخلوق والخالق بائن عن المخلوق لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة. وإن ~~كانت الجهة أمرا معدوما بأن يسمى ما وراء العالم جهة فإذا كان الخالق ~~مباينا العالم وكان ما وراء العالم جهة مسماة وليس هو شيئا موجودا كان الله ~~في جهة معدومة بهذا الاعتبار. لكن لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم؛ ~~وقوله ليس في شيء غيره؛ فإن المعدوم ليس شيئا باتفاق العقلاء. ولا ريب أن ~~لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودا وتارة معنى معدوما بل المتكلم الواحد ~~يجمع في كلامه بين هذا وهذا فإذا أزيل الاحتمال ظهر حقيقة الأمر فإذا قال ~~القائل: لو كان في جهة لكانت قديمة معه. قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمر ~~موجود سواه فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار. وإذا قال: لو رئي لكان في جهة ~~وذلك محال؛ قيل له: إن أردت بذلك: لكان في جهة موجودة فذلك محال؛ فإن ~~الموجود يمكن رؤيته وإن لم يكن في موجود غيره: كالعالم فإنه يمكن رؤية سطحه ~~وليس هو في عالم آخر. وإن قال: أردت أنه لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو ~~معدوما؛ فإنه إذا كان # PageV06P039 # مباينا للعالم سمي ما وراء العالم جهة. قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في ~~جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعا؟ فإذا قال: لأن ما باين العالم ورئي لا يكون ~~إلا جسما أو متحيزا عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ ~~الجهة. فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره ويراد به ما بان عن غيره - ~~فكان متحيزا عنه - فإن أردت بالمتحيز الأول لم يكن سبحانه متحيزا لأنه بائن ~~عن المخلوقات لا يحوزه غيره وإن أردت الثاني فهو سبحانه بائن عن المخلوقات ~~منفصل عنها ليس هو حالا فيها ولا متحدا بها. # فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل وإلا فكل من نفى شيئا من الأسماء ~~والصفات سمي من أثبت ذلك مجسما قائلا بالتحيز والجهة. فالمعتزلة ونحوهم ~~يسمون الصفاتية - الذين يقولون: إن الله تعالى حي بحياة عليم ms1548 بعلم قدير ~~بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام يسمونهم - مجسمة مشبهة حشوية ~~والصفاتية هم السلف والأئمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات: كالكلابية ~~والكرامية والأشعرية والسالمية وغيرهم من طوائف الأمة قالت نفاة الصفات من ~~الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء: إذا أثبتم له حياة وقدرة ~~وكلاما فهذه أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم وإذا قلتم: يرى فالرؤية لا ~~تكون إلا لمعاين في جهة وهذا يستلزم التجسيم. فإذا قالت الأشعرية ومن ~~اتبعهم: نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها أعراضا؛ لأن العرض ما يعرض لمحله ~~وهذه الصفات باقية لا تزول. قالت لهم النفاة: هذا نزاع لفظي؛ فإن العرض ~~عندكم ينقسم إلى لازم لمحله لا يفارقه - ما دام # PageV06P040 # المحل موجودا - وإلى ما يجوز أن يفارق محله فالأول كالتحيز للجسم بل ~~وكالحيوانية والناطقية للإنسان فإنه ما دام إنسانا لا تفارقه هذه الصفة. ~~وأما قولكم: إن العرض لا يبقى زمانين فهذا شيء انفردتم به من بين سائر ~~العقلاء: وكابرتم به الحس لتنجوا بالمغاليط عن هذه الإلزامات المفحمة ثم ~~إنكم تقولون بتجدد أمثاله فهذا هو معنى بقاء العرض وهذا كما قلتم إنه يرى ~~بلا مواجهة ولا مدابرة ولا يتوجه إليه الرائي بجهة من جهاته فهذا أيضا مما ~~انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقل. قالت لهم النفاة: فأثبتم ما ~~يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو أو نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل ~~والضرورة. ولهذا صار حذاقكم إلى أنكم في الحقيقة موافقون لنا على نفي رؤية ~~الله تعالى ولكن أظهرتم إثباتها لكونه المشهور عند " الحشوية " المشهورين ~~بالسنة والجماعة؛ ليقال: إنكم منهم أو أثبتم ذلك تناقضا منكم فأنتم دائرون ~~بين المناقضة والمداهنة. فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت أسماء ~~الله الحسنى - كما تفعل المعتزلة وهم أئمة الكلام - سماه نفاة أسماء الله ~~الحسنى مشبها حشويا مجسما: كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم ~~وقالوا: إذا قلتم إنه موجود عليم حي قدير فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم ~~والحشو فإن ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات ولأنه لا يعقل موجود حي عليم ~~قدير إلا ms1549 جسما ولأن هذه الأسماء تستلزم الصفات. والصفات تستلزم التجسيم. # PageV06P041 # فإن كان الرجل ممن ينفي الأسماء والصفات - كما تفعله غلاة الجهمية ~~والقرامطة والفلاسفة - فلا بد له أن يثبت أنه موجود. وحينئذ فتقول له ~~النفاة: أنت مجسم مشبه حشوي؛ لأنه إذا كان موجودا فقد شاركه غيره في معنى ~~الوجود وهو التشبيه؛ لأنه لا يعقل موجود إلا جسم أو قائم بجسم؛ فحينئذ ~~يحتاج أن يقول: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت أو لا موجود ولا لا ~~موجود ولا حي ولا لا حي فيلزم نفي النقيضين جميعا وما هو في معنى النقيضين ~~وذلك من أعظم الأمور الباطلة في بديهة العقل مع أنه يلزم على قياس قولهم ~~تشبيهه بالممتنعات؛ لأن ما ليس بموجود ولا معدوم لا يكون له حقيقة أصلا - ~~لا موجودة ولا معدومة - بل هو أمر مقدر في الأذهان لا يتحقق في الأعيان هذا ~~مع ما التزمه من الكفر الصريح. ولو قدر أنه نفى الوجود الواجب القديم ~~بالكلية لكان مع الكفر الذي هو أصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية فإنا ~~نشهد الموجودات ونعلم أن كل موجود إما قديم وإما محدث وإما واجب موجود ~~بنفسه وإما ممكن بنفسه موجود بغيره. وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلا ~~بد له من قديم واجب بنفسه فالوجود بالضرورة يستلزم إثبات موجود قديم. ومن ~~الوجود ما هو ممكن محدث: كما نشهده في المحدثات من الحيوان والنبات. فإذا ~~علم بضرورة العقول أن الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه وفيه ما هو ~~محدث موجود ممكن بنفسه فهذان الموجودان اتفقا في مسمى # PageV06P042 # الوجود وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده فمن لم يثبت ما بين ~~الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق وإلا لزمه أن تكون الموجودات ~~كلها قديمة واجبة بأنفسها أو محدثة ممكنة مفتقرة إلى غيرها وكلاهما معلوم ~~الفساد بالاضطرار. فتعين إثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه ونحن نعلم ~~أن ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات أعظم مما تمتاز به سائر ~~الموجودات بعضها ms1550 عن بعض فإذا كان " الملك " و " البعوض " قد اشتركا في مسمى ~~الوجود والحي مع تفاوت ما بينهما فالخالق سبحانه أولى بمباينته للمخلوقات؛ ~~وإن حصلت الموافقة في بعض الأسماء والصفات. # PageV06P043 # فصل: # إذا ظهرت هذه المقدمة تبين لنا أن قول القائل: كل ما قام دليل العقل على ~~أنه يدل على التجسيم كان متشابها جواب لا ينقطع به النزاع ولا يحصل به ~~الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم. وذلك أنه ~~ما من ناف ينفي شيئا من الأسماء والصفات إلا وهو يزعم: أنه قد قام عنده ~~دليل العقل على أنه يدل على التجسيم فيكون متشابها فيلزم حينئذ أن تكون ~~جميع الأسماء والصفات متشابهات وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وأن لا يفهم من ~~أسماء الله تعالى وصفاته معنى ولا يميز بين معنى الحي والعليم والقدير ~~والرحيم والجبار والسلام ولا بين معنى الخلق والاستواء وبين الإماتة ~~والإحياء ولا بين المجيء والإتيان وبين العفو والغفران. بيان ذلك: أن من ~~نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية ومن وافقهم من ~~الفلاسفة يقولون؛ إذا قلتم؛ إن القرآن غير مخلوق وإن لله تعالى علما وقدرة ~~وإرادة فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على ~~التجسيم؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها: لا تقوم إلا بغيرها سواء سميت ~~صفاتا أو أعراضا أو غير ذلك. # PageV06P044 # قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير ~~معقول. فإن قال المثبت: بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم كما أمكن ~~عندنا وعندكم إثبات عالم قادر ليس بجسم. قالت المثبتة: الرضا والغضب والوجه ~~واليد والاستواء والمجيء وغير ذلك: فأثبتوا هذه الصفات أيضا وقولوا: إنها ~~تقوم بغير جسم. فإن قالوا: لا يعقل رضا وغضب؛ إلا ما يقوم بقلب هو جسم ولا ~~نعقل وجها ويدا إلا ما هو بعض من جسم. قيل لهم: ولا نعقل علما إلا ما هو ~~قائم بجسم ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما إلا ما ms1551 ~~هو قائم بجسم. فلم فرقتم بين المتماثلين؟ وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير ~~جسم وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم وهما في المعقول سواء. فإن قالوا: الغضب ~~هو غليان دم القلب لطلب الانتقام: والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان ~~والخد؛ أو نحو ذلك. قيل لهم: إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه ~~أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمة. ولا سمع إلا ما كان بصماخ ولا ~~كلام إلا ما كان بشفتين ولسان؛ ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو ~~استدفاع مضرة؛ وأنتم تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف ~~صفات العبد؛ فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في ~~الجميع وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة ~~بصفات المخلوقات فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود؛ ولا فرق بين صفة ~~وصفة؛ فإن ما نفيتموه # PageV06P045 # من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه فإما أن تعطلوا الجميع وهو ممتنع؛ ~~وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص ~~به لا يماثله فيه غيره. وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة فالفرق بينهما بإثبات ~~أحدهما ونفي الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل يتضمن الفرق بين ~~المتماثلين والتناقض في المقالتين. فإن قال: دليل العقل دل على أحدهما دون ~~الآخر كما يقال: إنه دل على الحياة والعلم والإرادة؛ دون الرضا والغضب ونحو ~~ذلك. فالجواب من وجوه: (أحدها: أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه؛ ~~فهب أنه لم يعلم بالعقل ثبوت أحدها فإنه لا يعلم نفيه بالعقل أيضا ولا ~~بالسمع فلا يجوز نفيه؛ بل الواجب إثباته إن قام دليل على إثباته وإلا توقف ~~فيه. (الثاني: أن يقال: إنه يمكن إقامة دليل العقل على حبه وبغضه وحكمته ~~ورحمته وغير ذلك من صفاته؛ كما يقام على مشيئته كما قد بين في غير هذا ~~الموضع. (الثالث: أن يقال: السمع دل على ذلك والعقل لا ينفيه فيجب العمل ~~بالدليل السالم عن المعارض. فإن ms1552 عاد فقال: بل العقل ينفي ذلك؛ لأن هذه ~~الصفات تستلزم التجسيم والعقل ينفي التجسيم. قيل له: القول في هذه الصفات ~~التي تنفيها كالقول في الصفات التي أثبتها؛ فإن كان هذا مستلزما # PageV06P046 # للتجسيم فكذلك الآخر وإن لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر. فدعوى ~~المدعي الفرق بينهما بأن أحدهما يستلزم التشبيه أو التجسيم دون الآخر تفريق ~~بين المتماثلين وجمع بين النقيضين؛ فإن ما نفاه في أحدهما أثبته في الآخر ~~وما أثبته في أحدهما نفاه في الآخر فهو يجمع بين النقيضين. ولهذا قال ~~المحققون: كل من نفى شيئا من الأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة فإنه ~~متناقض لا محالة؛ فإن دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما أثبته فإن ~~كان دليل العقل صحيحا بالنفي وجب نفي الجميع وإن لم يكن لم يجب نفي شيء من ~~ذلك فإثبات شيء ونفي نظيره تناقض باطل. فإن قال المعتزلي: إن الصفات تدل ~~على التجسيم؛ لأن الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؛ فلهذا تأولت نصوص الصفات ~~دون الأسماء. قيل له: يلزمك ذلك في الأسماء؛ فإن ما به استدللت على أن من ~~له حياة وعلم وقدرة لا يكون إلا جسما يستدل به خصمك على أن العليم القدير ~~الحي لا يكون إلا جسما. فيقال لك: إثبات حي عليم قدير لا يخلو إما أن ~~يستلزم التجسيم أو لا يستلزم فإن استلزم لزمك إثبات الجسم فلا يكون لرؤيته ~~محدودا على التقديرين وإن لم يستلزم أمكن أن يقال: إن إثبات العلم والقدرة ~~والإرادة لا يستلزم التجسيم فإن كان هذا لا يستلزم فهذا لا يستلزم وإن كان ~~هذا يستلزم فهذا يستلزم فلا فرق بينهما وإن فرق فهو تناقض جلي. فإن قال ~~الجهمي والقرمطي والفلسفي الموافق لهما: أنا أنفي الأسماء # PageV06P047 # والصفات معا قيل له: لا يمكنك أن تنفي جميع الأسماء؛ إذ لا بد من إشارة ~~القلب وتعبير اللسان عما تثبته. فإن قلت: ثابت موجود محقق معلوم قديم واجب. ~~أي شيء قلت كنت قد سميته وهب أنك لا تنطق بلسانك: إما أن تثبت بقلبك موجودا ~~واجبا ms1553 قديما وإما أن لا تثبته فإن لم تثبته كان الوجود خاليا عن موجد واجب ~~قديم وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة وبالاضطرار يعلم أن المحدث ~~الممكن لا يوجد إلا بقديم واجب فصار نفيك له مستلزما لإثباته ثم هذا هو ~~الكفر والتعطيل الصريح الذي لا يقول به عاقل. وإن قلت: أنا لا أخطر ببالي ~~النظر في ذلك ولا أنطق فيه بلساني. قيل لك: إعراض قلبك عن العلم ولسانك عن ~~النطق لا يقتضي قلب الحقائق ولا عدم الموجودات؛ فإن ما كان حقا موجودا ~~ثابتا في نفسك فهو كذلك علمته أو جهلته وذكرته أو نسيته وذلك لا يقتضي إلا ~~الجهل بالله تعالى والغفلة عن ذكر الله والإعراض عنه والكفر به وذلك لا ~~يقتضي أنه في نفسه ليس حقا موجودا له الأسماء الحسنى والصفات العلى. ولا ~~ريب أن هذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة ~~الجهل وضلال الكفر؛ لا يعرفون الله ولا يذكرونه ليس لهم دليل على نفيه ونفي ~~أسمائه وصفاته؛ فإن هذا جزم بالنفي وهم لا يجزمون ولا دليل لهم على النفي؛ ~~وقد أعرضوا عن أسمائه وآياته وصاروا جهالا به؛ كافرين به غافلين عن ذكره؛ ~~موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته. # PageV06P048 # ثم إذا فعلوا ذلك بزعمهم لئلا يقعوا في " التشبيه والتجسيم " قيل لهم: ما ~~فررتم إليه شر مما فررتم عنه فإن الإقرار بالصانع على أي وجه كان خير من ~~نفيه. وأيضا فإن هذا العالم المشهود: كالسماء والأرض إن كان قديما واجبا ~~بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديما واجبا بنفسه وهذا شر مما فررتم منه. ~~وإن لم يكن قديما واجبا بنفسه لزم أن يكون له صانع قديم واجب بنفسه وحينئذ ~~تتضح معرفته وذكره بأن إثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعا ~~وعقلا؛ فإن كان ذلك مستلزما لما سميتموه تشبيها وتجسيما فلازم الحق حق وإن ~~لم يكن مستلزما له أمكنكم إثباته بدون هذا الكلام. فظهر تناقض النفاة كيف ~~صرفت عليهم الدلالات وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض. ms1554 فإن قالت " ~~النفاة ": إنما نفينا الصفات لأن دليلنا على حدوث العالم وإثبات الصانع دل ~~على نفيها؛ فإن الصانع أثبتناه بحدوث العالم وحدوث العالم إنما أثبتناه ~~بحدوث الأجسام والأجسام إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الصفات التي هي الأعراض. ~~أو قالوا: إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التي هي الحركات وإن القابل ~~لها لا يخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ أو أن ما قبل المجيء ~~والإتيان والنزول كان موصوفا بالحركة وما اتصف بالحركة لم يخل منها أو من ~~السكون الذي هو ضدها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فإذا ثبت حدوث ~~الأجسام قلنا: إن المحدث لا بد له من محدث فأثبتنا الصانع بهذا؛ # PageV06P049 # فلو وصفناه بالصفات أو بالأفعال القائمة به لجاز أن تقوم الأفعال والصفات ~~بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلا على حدوث الأجسام فيبطل دليل إثبات الصفات. ~~فيقال لهم: الجواب من وجوه: (أحدها: أن بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم ~~بطلان جميع الأدلة وإثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وإن ~~أمكن ضبط جملها. الثاني: أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا من أئمة المسلمين فلو كانت معرفة الرب عز وجل والإيمان به ~~موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به وهذا من أعظم ~~الكفر باتفاق المسلمين. الثالث: أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا ~~بسلوك هذا السبيل فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبا وإن ~~كانت مستحبة كان مستحبا ولو كان واجبا أو مستحبا لشرعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولو كان مشروعا لنقلته الصحابة. # PageV06P050 ### | فصل: في جمل " مقالات الطوائف " و " موادهم " # أما باب الصفات والتوحيد: فالنفي فيه في الجملة قول " الفلاسفة والمعتزلة ~~وغيرهم من الجهمية " وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق؛ وكذلك بين ~~البغداديين والبصريين اختلاف في السمع والبصر هل هو علم أو إدراك غير ~~العلم؟ وفي الإرادة. وهذا المذهب الذي يسميه السلف: قول جهم لأنه أول من ~~أظهره في الإسلام وقد بينت إسناده فيه في ms1555 غير هذا الموضع؛ أنه متلقى من ~~الصابئة الفلاسفة والمشركين البراهمة واليهود السحرة. والإثبات في الجملة ~~مذهب " الصفاتية " من الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور ~~الصوفية والحنبلية وأكثر المالكية والشافعية إلا الشاذ منهم وكثير من ~~الحنفية أو أكثرهم وهو قول [السلفية] (*) ؛ لكن الزيادة في الإثبات إلى حد ~~التشبيه هو قول الغالية من الرافضة ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين. ~~وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب. PageV06P051 # " فالأشعرية " وافق بعضهم في الصفات الخبرية وجمهورهم وافقهم في الصفات ~~الحديثية؛ وأما في الصفات القرآنية فلهم قولان: فالأشعري والباقلاني ~~وقدماؤهم يثبتونها وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى فإن الأشعري ~~شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند ~~أصحابه وغيرهم؛ وابن الباقلاني أكثر إثباتا بعد الأشعري في " الإبانة " ~~وبعد ابن الباقلاني ابن فورك فإنه أثبت بعض ما في القرآن. و " أما الجويني ~~" ومن سلك طريقته: فمالوا إلى مذهب المعتزلة؛ فإن أبا المعالي كان كثير ~~المطالعة لكتب أبي هاشم قليل المعرفة بالآثار فأثر فيه مجموع الأمرين. ~~والقشيري تلميذ ابن فورك؛ فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ ووقع بينه وبين ~~الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين. و " أما الحنبلية فأبو ~~عبد الله بن حامد قوي في الإثبات جاد فيه ينزع لمسائل الصفات الخبرية؛ وسلك ~~طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى؛ لكنه ألين منه وأبعد عن الزيادة في الإثبات. ~~وأما أبو عبد الله بن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة كأبي بكر # PageV06P052 # الآجري في " الشريعة " واللالكائي في السنن والخلال مثله قريب منه وإلى ~~طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين. [و " أما التميميون " كأبي ~~الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله] (*) فهم أبعد عن الإثبات وأقرب إلى ~~موافقة غيرهم وألين لهم؛ ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية: ~~كالباقلاني والبيهقي؛ فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها ~~البيهقي مع أن القوم ماشون على السنة. وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في ~~كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء؛ بحيث ms1556 يكون ~~الأشعري أحسن قولا منه وأقرب إلى السنة. فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى ~~مذهب أهل الحديث وإمامهم عنه أحمد بن حنبل وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز ~~وغيره في مناظراته: ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث لم يجعله ~~مباينا لهم؛ وكانوا قديما متقاربين إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه ~~على من خرج منهم إلى شيء من الكلام؛ لما في ذلك من البدعة؛ مع أنه في أصل ~~مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرا معروفا. و " الأشعرية ~~" فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية - فيما ~~يحتجون به من القياس العقلي - فرع عليهم؛ وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة ~~القشيري. PageV06P053 # ولا ريب أن " الأشعرية " الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل. ~~وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات. وصنف القاضي أبو يعلى كتابه في " ~~إبطال التأويل " رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره ~~مائلين إليه؛ فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة وأكثر ~~الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل وكان مع القشيرية فيها نوع من ~~الحق مع كثير من الباطل. فابن عقيل إنما وقع في كلامه المادة المعتزلية ~~بسبب شيخه أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان المعتزليين؛ ولهذا له ~~في كتابه " إثبات التنزيه " وفي غيره كلام يضاهي كلام المريسي ونحوه لكن له ~~في الإثبات كلام كثير حسن وعليه استقر أمره في كتاب " الإرشاد " مع أنه قد ~~يزيد في الإثبات لكن مع هذا فمذهبه في الصفات قريب من مذهب قدماء الأشعرية ~~والكلابية في أنه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ويتأول غيره؛ ~~ولهذا يقول بعض الحنبلية أنا أثبت متوسطا بين تعطيل ابن عقيل وتشبيه ابن ~~حامد. والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام ابن سينا في " الشفا ~~" وغيره؛ " ورسائل إخوان الصفا " وكلام أبي حيان التوحيدي. وأما المادة ~~المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة كما أن المادة الفلسفية في كلام ابن ms1557 ~~عقيل قليلة أو معدومة # PageV06P054 # وكلامه في " الإحياء " غالبه جيد لكن فيه مواد فاسدة: مادة فلسفية ومادة ~~كلامية ومادة من ترهات الصوفية؛ ومادة من الأحاديث الموضوعة. وبينه وبين ~~ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات في الصفات؛ فإنه قد يكفر في أحد ~~الصفات بالمقالة التي ينصرها في المصنف الآخر؛ وإذا صنف على طريقة طائفة ~~غلب عليه مذهبها. وأما ابن الخطيب فكثير الاضطراب جدا لا يستقر على حال ~~وإنما هو بحث وجدل بمنزلة الذي يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه؛ بخلاف أبي حامد ~~فإنه كثيرا ما يستقر. و " الأشعرية " الأغلب عليهم أنهم مرجئة في " باب ~~الأسماء والأحكام ". جبرية في " باب القدر "؛ وأما في الصفات فليسوا جهمية ~~محضة بل فيهم نوع من التجهم. و " المعتزلة " وعيدية في " باب الأسماء ~~والأحكام ". قدرية في " باب القدر ". جهمية محضة - واتبعهم على ذلك متأخرو ~~الشيعة وزادوا عليهم الإمامة والتفضيل وخالفوهم في الوعيد - وهم أيضا يرون ~~الخروج على الأئمة. وأما " الأشعرية " فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث ~~وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث. و " الكلابية ~~وكذلك الكرامية " فيهم قرب إلى أهل السنة والحديث وإن كان في مقالة كل من ~~الأقوال ما يخالف أهل السنة والحديث. # PageV06P055 # وأما " السالمية " فهم والحنبلية كالشيء الواحد إلا في مواضع مخصوصة تجري ~~مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوف ومن بدع من أصحابنا هؤلاء يبدع ~~أيضا التسمي في الأصول بالحنبلية وغير ذلك ولا يرى أن يتسمى أحد في الأصول ~~إلا بالكتاب والسنة وهذه " طريقة جيدة " لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ ~~فإن مسائل الدق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لما ~~تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين وقد ينكر الشيء في حال دون حال. ~~وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع: أن المسائل ~~الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سميت تلك " مسائل أصول " وهذه ~~" مسائل فروع " فإن هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين؛ ~~وهو على ms1558 المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب ~~والتخطئة. # وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من ~~مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيرا ما ~~يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل ~~المدينة (1) ، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين " مسائل أصول " ~~والدقيق " مسائل فروع ". PageV06P056 # فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة ~~المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير ~~وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا من جحد ~~تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر كما أن من جحد هذه كفر. وقد يكون ~~الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو ~~الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. وأما ~~الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن ~~إلا بعد معرفتها مفصلة؛ ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق وهم ~~الفقهاء؛ وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية؛ للحاجة ~~الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب ~~الإيمان بها مجملة. وقولنا: إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء: (منها: ~~أنها تنقسم إلى قطعي وظني. و (منها: أن المصيب وإن كان واحدا فالمخطئ قد ~~يكون معفوا عنه وقد يكون مذنبا وقد يكون فاسقا وقد يكون كالمخطئ في الأحكام ~~العملية # PageV06P057 # سواء؛ لكن تلك لكثرة فروعها والحاجة إلى تفريعها: اطمأنت القلوب بوقوع ~~التنازع فيها والاختلاف بخلاف هذه؛ لأن الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل إلا ~~لدرء ما هو أشد منه. فلما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة فروعها وذلك ~~مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع؛ بخلاف الأمور الخبرية؛ ~~فإن الاتفاق قد وقع فيها على الجمل؛ فإذا فصلت بلا نزاع فحسن؛ وإن وقع ~~التنازع في ms1559 تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك. ولهذا ذم أهل ~~الأهواء والخصومات وذم أهل الجدل في ذلك والخصومة فيه؛ لأنه شر وفساد من ~~غير حاجة داعية إليه؛ لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة دقها وجلها. ~~والكلام في ذلك إذا كان بعلم ولا مفسدة فيه ولا يوجب أيضا تكفير كل من أخطأ ~~فيها إلا أن تقوم فيه شروط التكفير هذا لعمري في الاختلاف الذي هو تناقض ~~حقيقي. فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتباري ~~واللفظي فأمره قريب وهو كثير أو غالب على الخلاف في المسائل الخبرية. وأما ~~" الصوفية والعباد " بل وغالب العامة فالاعتبار عندهم بنفس الأعمال الصالحة ~~وتركها؛ فإذا وجدت - دخل الرجل بذلك فيهم - وإن أخطأ في # PageV06P058 # بعض المسائل الخبرية - وإلا لم يدخل ولو أصاب فيها؛ بل هم معرضون عن ~~اعتبارها والأصول عندهم هي. . . (1) ، ويسمون هذه الأصول. . . (2) . ومما ~~يتصل بذلك: أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد وقد تجب في ~~حال دون حال وعلى قوم دون قوم؛ وقد تكون مستحبة غير واجبة وقد تستحب لطائفة ~~أو في حال كالأعمال سواء. وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز ~~تعريفه بها كما قال علي - رضي الله عنه -: " حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ~~ما ينكرون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله " وقال ابن مسعود رضي الله عنه " ما ~~من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ". وكذلك قال ~~ابن عباس - رضي الله عنه - لمن سأله عن قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع ~~سماوات} . الآية فقال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت؟ وكفرك ~~تكذيبك بها. وقال لمن سأله عن قوله تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} هو يوم أخبر الله به؛ الله أعلم به ومثل هذا ~~كثير عن السلف. فإذا كان العلم " بهذه المسائل " قد يكون نافعا وقد يكون ~~ضارا لبعض الناس تبين لك أن القول قد ينكر في حال دون حال ومع شخص ~~PageV06P059 # دون شخص؛ وإن العالم قد ms1560 يقول القولين الصوابين كل قول مع قوم؛ لأن ذلك هو ~~الذي ينفعهم؛ مع أن القولين صحيحان لا منافاة بينهما؛ لكن قد يكون قولهما ~~جميعا فيه ضرر على الطائفتين؛ فلا يجمعهما إلا لمن لا يضره الجمع. وإذا ~~كانت قد تكون قطعية. وقد تكون اجتهادية: سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل ~~العملية وكثير من تفسير القرآن أو أكثره من هذا الباب؛ فإن الاختلاف في ~~كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية؛ لكن ~~قد تقع الأهواء في المسائل الكبار كما قد تقع في مسائل العمل. وقد ينكر أحد ~~القائلين على القائل الآخر قوله إنكارا يجعله كافرا أو مبتدعا فاسقا يستحق ~~الهجر وإن لم يستحق ذلك وهو أيضا اجتهاد. وقد يكون ذلك التغليظ صحيحا في ~~بعض الأشخاص أو بعض الأحوال لظهور السنة التي يكفر من خالفها؛ ولما في ~~القول الآخر من المفسدة الذي يبدع قائله؛ فهذه أمور ينبغي أن يعرفها ~~العاقل؛ فإن القول الصدق إذا قيل: فإن صفته الثبوتية اللازمة أن يكون ~~مطابقا للمخبر. أما كونه عند المستمع معلوما أو مظنونا أو مجهولا أو قطعيا ~~أو ظنيا أو يجب قبوله أو يحرم أو يكفر جاحده أو لا يكفر؛ فهذه أحكام عملية ~~تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. # PageV06P060 # فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما ~~عاما في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه ~~والتكفير له؛ فإن من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام ~~أو ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية. وكذلك العكس إذا رأيت ~~المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له؛ فلا ~~يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب ~~القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى ~~يسمعون في قبورهم؛ فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع. وهو أن ينظر في " شيئين ~~في المقالة ms1561 " هل هي حق؟ أم باطل؟ أم تقبل التقسيم فتكون حقا باعتبار باطلا ~~باعتبار؟ وهو كثير وغالب؟ . ثم النظر الثاني في حكمه إثباتا أو نفيا أو ~~تفصيلا واختلاف أحوال الناس فيه فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولا وعملا ~~وعرف إبطال القول وإحقاقه وحمده فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا إنه ولي ذلك ~~والقادر عليه. # PageV06P061 # فصل: # قد عرف أن الأشياء لها وجود في " الأعيان " ووجود في " الأذهان " ووجود ~~في " اللسان " ووجود في " البنان " وهو: العيني والعلمي واللفظي والرسمي. ~~ثم قال: من قال: إن الوجود العيني والعلمي لا يختلف باختلاف الأعصار ~~والأمصار والأمم؛ بخلاف اللفظي والرسمي فإن اللغات تختلف باختلاف الأمم ~~كالعربية والفارسية والرومية والتركية. وهذا قد يذكره بعضهم في " كلام الله ~~تعالى " أنه هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف الأمم دون الحروف التي تختلف؛ ~~كما هو قول الكلابية والأشعرية ويضمون إلى ذلك أن كتبه إنما اختلفت لاختلاف ~~لفظها فقط؛ فكلامه بالعبرية هو التوراة وبالعربية هو القرآن كما يقولون: إن ~~" المعنى القديم " يكون أمرا ونهيا وخبرا؛ فهذه صفات عارضة له؛ لا أنواع ~~له. ويذكر بعضهم هذا القول مطلقا في " أصول الفقه " في مسائل اللغات ويذكره ~~بعضهم في مسألة الاسم والمسمى وأسماء الله الحسنى كأبي حامد. # PageV06P062 # قلت: وهذا القول فيه نظر وبعضه باطل؛ وذلك أن ألفاظ اللغات (منها متفق ~~عليه كالتنور وكما يوجد من الأسماء المتحدة في اللغات. ومنها: متنوع كأكثر ~~اللغات واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد؛ كاختلاف الاسمين للمسمى الواحد. ~~وكذلك معاني اللغات؛ فإن " المعنى الواحد " الذي تعلمه الأمم؛ وتعبر عنه كل ~~أمة بلسانها؛ قد يكون ذلك المعنى واحدا بالنوع في الأمم؛ بحيث لا يختلف كما ~~يختلف اللفظ الواحد بالعربية. وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعا في الأمم ~~مثل: أن يعلمه أحدهم بنعت ويعبر عنه باعتبار ذلك النعت وتعلمه الأمة الأخرى ~~بنعت آخر وتعبر عنه باعتبار ذلك النعت كما هو الواقع في أسماء الله وأسماء ~~رسوله وكتابه وكثير من الأسماء المعبر بها عن الأشياء المتفق على علمها في ~~الجملة " فتكري وخداي ونست شك ms1562 " ونحو ذلك. وإن كانت أسماء لله تعالى فليس ~~معناها مطابقا من كل وجه لمعنى اسم الله؛ وكذلك " بيغنير وبهشم " ونحو ذلك. ~~ولهذا إذا تأملت الألفاظ التي يترجم بها القرآن - من الألفاظ الفارسية ~~والتركية وغيرها - تجد بين المعاني نوع فرق وإن كانت متفقة في الأصل كما أن ~~اللغتين متفقتان في الصوت وإن اختلفتا في تأليفه؛ وقد تجد التفاوت بينها ~~أكثر من التفاوت بين الألفاظ " المتكافئة " - الواقعة بين المترادفة ~~والمتباينة - كالصارم والمهند؛ وكالريب والشك والمور والحركة والصراط ~~والطريق. # PageV06P063 # وتختلف اللغتان أيضا في قدر ذلك المعنى وعمومه وخصوصه؛ كما تختلف في ~~حقيقته ونوعه وتختلف أيضا في كيفيته وصفته وغير ذلك. بل الناطقان بالاسم ~~الواحد باللغة الواحدة يتصور أحدهما منه ما لم يتصور الآخر حقيقته وكميته ~~وكيفيته وغير ذلك؛ فإذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم الواحد لا يتحد من ~~كل وجه في قلب الناطقين؛ بل ولا في قلب الناطق الواحد في الوقتين؛ فكيف ~~يقال إنه يجب اتحاده في اللغات المتعددة. يوضح ذلك أن ما تعلمه الملائكة ~~منه ليس على حد ما يعلمه البشر وما يعلمه الله فيه ليس على حد ما تعلمه ~~الملائكة؛ لكن الاختلاف اختلاف تنوع لا تضاد. وأما قول من قال: إن معاني ~~الكتب المنزلة سواء ففساده معلوم بالاضطرار فإنا لو عبرنا عن معاني القرآن ~~بالعبرية وعن معاني التوراة بالعربية لكان أحد المعنيين ليس هو الآخر بل ~~يعلم بالاضطرار تنوع معاني الكتب واختلافها اختلاف تنوع أعظم من اختلاف ~~حروفها؛ لما بين العربية والعبرية من التفاوت؛ وكذلك معاني البقرة ليست هي ~~معاني آل عمران. وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر. ولا ينكر أن هذه ~~المختلفات قد تشترك في حقيقة ما كما أن اللغات تشترك في حقيقة ما فإن جاز ~~أن يقال: إنها واحدة مع تنوعها: فكذلك اللغات سواء بل اختلاف المعاني أشد. ~~أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية والأخرى وضعية: فليس كذلك # PageV06P064 # وهذا موضع ينتفع به في " الأسماء واللغات " و " في أصول الدين " و " ~~الفقه " وفي معرفة " ترجمة اللغات ". وأيضا: لم يجر ms1563 العرف بأن اللغة ~~الواحدة واللفظ الواحد يكون النطق به من جميع الناطقين على حد واحد ليس فيه ~~تفاوت أصلا فإن حصل المقصود بالجميع فكذلك المعنى الواحد فإن اللغات وإن ~~اختلفت فقد يحصل أصل المقصود بالترجمة فكذلك المعاني: فإن الترجمة تكون في ~~اللفظ والمعنى. ولهذا سمى المسلمون ابن عباس ترجمان القرآن وهو يترجم ~~اللفظ. # PageV06P065 # فصل: # مما يبين أن طريقة اتباع الأنبياء من " أهل السنة " هي الموصلة إلى الحق ~~دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: أن المقصود هو العلم وطريقه ~~هو الدليل والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل كإثبات الصفات ~~لله مفصلة ونفي الكفؤ عنه. و " الفلاسفة " يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ~~ولا كذا. فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودا مجملا واضطربوا في " أول مقامات ~~ثبوته " وهو أن وجوده هو عين ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية؟ ونحو ذلك من ~~النزاعات الذهنية اللفظية. ومعلوم أن النفي لا وجود له ولا يعلم النفي ~~والعدم إلا بعد العلم بالثبوت والوجود حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا ~~العلم بالمعدوم إلا إذا جعل شيئا لأن العلم - فيما زعموا - لا بد أن يتعلق ~~بشيء والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود فإذا علمنا أنه ~~" لا إله إلا الله " تصورنا إلها موجودا. وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن ~~الله. وكذلك سائر ما ننفيه لا بد أن نتصوره أولا ثم ننفيه ولا نتصوره إلا # PageV06P066 # بعد تصور شيء موجود ثم نتصور ما شابهه أو ما يتركب من أجزائه كتصور بحر ~~زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك: ثم ننفيه؛ وإلا فتصور معدوم مبتدع ~~لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل إبداعه؛ سواء كان من العلوم النظرية ~~أو العلمية كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله. فإنه في الحقيقة تصور معدوم؛ ~~ليوجد؛ كما أن غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع يوجد أو لا يوجد فالمعدوم ~~الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية كما لا تبدع ~~قدرته شيئا من غير مادة وجودية وإنما الإبداع من خصائص الربوبية. ms1564 وكيف ~~يعلم؟ وكيف يفعل؟ باب آخر. فتبين بهذا: أن العلم بالموجود وصفاته هو الأصل ~~وأن العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له وفرع عليه. وأيضا فالعلم بالعدم لا ~~فائدة للعالم به إلا لتمام العلم بالموجود وتمام الموجود في نفسه؛ إذ تصور ~~" لا شيء " لا يستفيد به العالم صفة كمال لكن علمه بانتفاء النقائص مثلا عن ~~الموجود علم بكماله. وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التي هي ~~من الكمال وكذلك تصور ما يراد فعله مفض إلى وجود الفعل وتصور ما يراد تركه ~~مفض إلى الترك الذي هو عدم الشر الذي يكمل الموجود بعدمه. وذلك أن هذا الذي ~~ذكرته في العلم والقول يقال مثله في الإرادة والعمل؛ فإن الإرادة متوجهة ~~إلى الموجود بنفسه الذي هو الفعل ومتوجهة إلى العدم الذي هو الترك على طريق ~~التبع لدفع الفساد عن المقصود الموجود. # PageV06P067 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # قال السائل: المسئول من علماء الإسلام والسادة الأعلام - أحسن الله ~~ثوابهم وأكرم نزلهم ومآبهم - أن يرفعوا حجاب الإجمال ويكشفوا قناع الإشكال ~~عن " مقدمة " جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها ومستندون في آرائهم ~~إليها؛ حاشا مكابرا منهم معاندا وكافرا بربوبية الله جاحدا. وهي أن يقال: " ~~هذه صفة كمال فيجب لله إثباتها وهذه صفة نقص فيتعين انتفاؤها " لكنهم في ~~تحقيق مناطها في أفراد الصفات متنازعون وفي تعيين الصفات لأجل القسمين ~~مختلفون. " فأهل السنة " يقولون: إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة ~~والعلم والكلام وغيرها من " الصفات الخبرية " كالوجه واليدين والعينين ~~والغضب والرضا و " الصفات الفعلية " - كالضحك والنزول والاستواء - صفات ~~كمال وأضدادها صفات نقصان. # PageV06P068 # " والفلاسفة " تقول: اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل ~~بغيره فيكون ناقصا بذاته وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها. " والمعتزلة ~~" يقولون: لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرا إليها وهي مفتقرة إليه ~~فيكون الرب مفتقرا إلى غيره؛ ولأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم. والجسم مركب ~~والمركب ممكن محتاج وذلك عين النقص. ويقولون أيضا: لو قدر على العباد ~~أعمالهم وعاقبهم عليها: كان ظالما وذلك ms1565 نقص. وخصومهم يقولون: لو كان في ~~ملكه ما لا يريده لكان ناقصا. " والكلابية ومن تبعهم " ينفون صفات أفعاله ~~ويقولون: لو قامت به لكان محلا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه ~~قبله وهو نقص وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به. " وطائفة منهم " ينفون ~~صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار. وهكذا نفيهم ~~أيضا لمحبته لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب ومناسبة الرب للخلق نقص: وكذا ~~رحمته لأن الرحمة رقة تكون في الراحم وهي ضعف وخور في الطبيعة وتألم على ~~المرحوم وهو نقص. وكذا غضبه لأن الغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام. وكذا ~~نفيهم لضحكه وتعجبه لأن الضحك خفة روح تكون لتجدد ما يسر واندفاع ما يضر. ~~والتعجب استعظام للمتعجب منه. # PageV06P069 # و " منكرو النبوات " يقولون: ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولا كما ~~أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا. و " المشركون " ~~يقولون: عظمة الرب وجلاله يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب فالتقرب ~~إليه ابتداء من غير شفاء ووسائط غض من جنابه الرفيع. هذا وإن القائلين بهذه ~~" المقدمة " لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها فلو قيل لهم: أيما أكمل؟ ذات ~~توصف بسائر أنواع الإدراكات: من الشم والذوق واللمس أم ذات لا توصف بها ~~كلها؟ لقالوا الأولى أكمل ولم يصفوا بها كلها الخالق. و (بالجملة فالكمال ~~والنقص من الأمور النسبية والمعاني الإضافية فقد تكون الصفة كمالا لذات ~~ونقصا لأخرى وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح: كمال للمخلوق نقص للخالق وكذا ~~التعاظم والتكبر والثناء على النفس: كمال للخالق نقص للمخلوق وإذا كان ~~الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال إنما يكون كمالا بالنسبة إلى ~~الشاهد ولا يلزم أن يكون كمالا للغائب كما بين؛ لا سيما مع تباين الذاتين. ~~وإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل هي كمال أو نقص؟ ~~فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما لأنها قد تكون كمالا لذات نقصا لأخرى على ~~ما ذكر. # PageV06P070 # وهذا من العجب أن " مقدمة " وقع عليها الإجماع ms1566 هي منشأ الاختلاف والنزاع ~~فرضي الله عمن بين لنا بيانا يشفي العليل ويجمع بين معرفة الحكم وإيضاح ~~الدليل إنه تعالى سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، الجواب عن هذا السؤال مبني على " مقدمتين ". (إحداهما أن يعلم ~~أن الكمال ثابت لله بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون ~~وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة وثبوت ~~ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت وثبوت العلم يستلزم ~~نفي الجهل وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز وأن هذا الكمال ثابت له بمقتضى ~~الأدلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع على ذلك. ودلالة القرآن ~~على الأمور (نوعان: (أحدهما خبر الله الصادق فما أخبر الله ورسوله به فهو ~~حق كما أخبر الله به. و (الثاني دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة ~~العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية فهي " شرعية " لأن ~~الشرع دل عليها وأرشد إليها؛ و " عقلية " لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا ~~يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. # PageV06P071 # وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية: صار مدلولا عليه ~~بخبره. ومدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به فيصير ثابتا بالسمع والعقل ~~وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى " الدلالة الشرعية ". وثبوت " معنى ~~الكمال " قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معاني متضمنة لهذا ~~المعنى. فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل ~~الأعلى وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك: كله دال على هذا المعنى. وقد ثبت لفظ ~~" الكامل " فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} أن " الصمد " هو المستحق للكمال وهو السيد الذي كمل في سؤدده ~~والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحكم الذي قد ~~كمل في حكمه والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته ~~والعالم الذي قد ms1567 كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الشريف الذي ~~قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه وتعالى. وهذه صفة لا تنبغي ~~إلا له ليس له كفؤ ولا كمثله شيء. وهكذا سائر صفات الكمال ولم يعلم أحد من ~~الأمة نازع في هذا المعنى؛ بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس؛ بل هم ~~مفطورون عليه فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق؛ فإنهم مفطورون ~~على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شيء. # PageV06P072 # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريا ضروريا ~~في حق من سلمت فطرته وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة وقد يحتاج ~~إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها. وأما لفظ ~~" الكامل ": فقد نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى الله كاملا ~~ويقول: الكامل الذي له أبعاض مجتمعة. وهذا النزاع إن كان في المعنى فهو ~~باطل؛ وإن كان في اللفظ فهو نزاع لفظي. والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له ~~ونفي النقائص عنه مما يعلم بالعقل. وزعمت " طائفة من أهل الكلام " كأبي ~~المعالي والرازي والآمدي وغيرهم: أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو " ~~الإجماع " وأن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع وجعلوا الطريق ~~التي بها نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك؛ وخالفوا ما ~~كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية؛ كالأشعري والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق ومن ~~قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية ~~وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية. ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه ~~الصفات على مجرد السمع ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي ~~الآفات ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي والإجماع إنما ~~يثبت بأدلة سمعية من الكتاب # PageV06P073 # والسنة قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات ~~الدالة على كون الإجماع حجة فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي ~~الذي ms1568 هو القرآن أولى وأحرى. والذي اعتمدوا عليه في النفي من نفي مسمى ~~التحيز ونحوه - مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة؛ ولا أثر عن ~~أحد من الصحابة والتابعين - هو متناقض في العقل لا يستقيم في العقل؛ فإنه ~~ما من أحد ينفي شيئا خوفا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسما إلا ~~قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه؛ وقيل له فيما نفاه نظير ما ~~يقوله فيما أثبته؛ كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا: إنه لا ~~يوصف بالحياة والعلم والقدرة والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو ~~جسم؛ ولا يعقل موصوف إلا جسم. فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ~~ولا يوصف شيء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم ولا يعقل موصوف بهذه الصفات ~~إلا ما هو جسم فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات فإن جاز أن ~~يقال بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه ~~الصفات ما ليس بجسم وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضا وإن قيل: لفظ الجسم " ~~مجمل " أو " مشترك " وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره ولا أن ~~يثبت له خصائص غيره؛ جاز أن يقال: الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله ~~غيره ولا أن يثبت له خصائص غيره. # PageV06P074 # وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو بالعقل مع الشرع كالرضا ~~والغضب والحب والفرح ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل إلا لجسم. قيل لهم هذه ~~بمنزلة الإرادة والسمع: والبصر والكلام فما لزم في أحدهما لزم في الآخر ~~مثله. وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم إذا قالوا ثبوت هذه الصفات ~~يستلزم كثرة المعاني فيه وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا قيل لهم: هذا كما ~~أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة ~~وعاشق ومعشوق وعشق ونحو ذلك. فإن قالوا: هذه ترجع إلى معنى واحد قيل لهم: ~~إن ms1569 كان هذا ممتنعا بطل الفرق وإن كان ممكنا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه ~~فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط ~~في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل ~~وأن نقيض ذلك منتف عنه فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق ~~مستقيم في العقل والشرع؛ دون تلك خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون. # وجمهور أهل الفلسفة والكلام: يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل ~~والفلاسفة تسميه التمام وبيان ذلك من وجوه: # PageV06P075 # منها أن يقال: قد ثبت أن الله قديم بنفسه واجب الوجود بنفسه قيوم بنفسه ~~خالق بنفسه إلى غير ذلك من خصائصه. والطريقة المعروفة في وجوب الوجود تقال ~~في جميع هذه المعاني. فإذا قيل: الوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد ~~له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين فهو مثل أن يقال: الموجود إما ~~قديم وإما حادث والحادث لا بد له من قديم فيلزم ثبوت القديم على التقديرين ~~والموجود إما غني وإما فقير والفقير لا بد له من الغني فلزم وجود الغني على ~~التقديرين. والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم وغير القيوم لا بد له من ~~القيوم؛ فلزم ثبوت القيوم على التقديرين. والموجود إما مخلوق وإما غير ~~مخلوق والمخلوق لا بد له من خالق غير مخلوق؛ فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق ~~على التقديرين ونظائر ذلك متعددة. ثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق إما ~~أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود ممكنا له وإما أن لا ~~يكون. والثاني ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن؛ فلأن ~~يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام ~~في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. فإذا كان الكمال الممكن الوجود ~~ممكنا للمفضول فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى؛ لأن ما كان ممكنا لما هو في ~~وجوده ناقص فلأن يمكن لما هو # PageV06P076 # في وجوده أكمل منه بطريق الأولى لا سيما وذلك أفضل من ms1570 كل وجه فيمتنع ~~اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه بل ما قد ثبت من ~~ذلك للمفضول فالفاضل أحق به؛ فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى. ولأن ذلك ~~الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملا هو أحق ~~بالكمال منه؛ فالذي جعل غيره قادرا أولى بالقدرة والذي علم غيره أولى ~~بالعلم والذي أحيا غيره أولى بالحياة. والفلاسفة توافق على هذا ويقولون: كل ~~كمال للمعلول فهو من آثار العلة والعلة أولى به. وإذا ثبت إمكان ذلك له؛ ~~فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود فإنه واجب له لا يتوقف على غيره ~~فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجودا له إلا بذلك الغير وذلك الغير إن كان ~~مخلوقا له لزم " الدور القبلي " الممتنع؛ فإن ما في ذلك الغير من الأمور ~~الوجودية فهي منه ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر وهذا هو " ~~الدور القبلي " فإن الشيء يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فلأن يمتنع أن يكون ~~فاعلا لفاعله بطريق الأولى والأحرى. وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين ~~فاعلا لما به يصير الآخر فاعلا ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطيا للآخر ~~كماله؛ فإن معطي الكمال أحق بالكمال؛ فيلزم أن يكون كل منهما أكمل من الآخر ~~وهذا ممتنع لذاته فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا وهذا أفضل من ~~هذا وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق ~~الأولى. # PageV06P077 # وأيضا فلو كان كماله موقوفا على ذلك الغير: للزم أن يكون كماله موقوفا ~~على فعله لذلك الغير وعلى معاونة ذلك الغير في كماله ومعاونة ذلك الغير في ~~كماله موقوف عليه؛ إذ فعل ذلك الغير وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا ~~تفتقر إلى غيره فيلزم أن لا يكون كماله موقوفا على غيره. فإذا قيل: كماله ~~موقوف على مخلوقه: لزم أن لا يتوقف على مخلوقه وما كان ثبوته مستلزما لعدمه ~~كان باطلا من نفسه. وأيضا فذلك الغير كل كمال له ms1571 فمنه وهو أحق بالكمال منه ~~ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفا إلا على ما هو من نفسه وذلك متوقف ~~عليه لا على غيره. وإن قيل: ذلك الغير ليس مخلوقا بل واجبا آخر قديما ~~بنفسه. فيقال: إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس فهو الرب والآخر عبده. ~~وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال: لزم " الدور في التأثير " وهو ~~باطل وهو من " الدور القبلي " لا من " الدور المعي الاقتراني " فلا يكون ~~هذا كاملا حتى يجعله الآخر كاملا والآخر لا يجعله كاملا حتى يكون في نفسه ~~كاملا؛ لأن جاعل الكامل كاملا أحق بالكمال ولا يكون الآخر كاملا حتى يجعله ~~كاملا فلا يكون واحد منهما كاملا بالضرورة؛ فإنه لو قيل لا يكون كاملا حتى ~~يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه كاملا حتى يكون كاملا لكان ممتنعا؛ فكيف إذا ~~قيل حتى يجعل ما يجعله كاملا كاملا. وإن قيل: كل واحد له آخر يكمله إلى غير ~~نهاية: لزم " التسلسل # PageV06P078 # في المؤثرات " وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن تقدير مؤثرات لا ~~تتناهى: ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا ~~وجود اجتماعها والمبدع للموجودات لا بد أن يكون موجودا بالضرورة. فلو قدر ~~أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر وهلم جرا؛ للزم أن لا يكون لشيء ~~من هذه الأمور كمال؛ ولو قدر أن الأول كامل لزم الجمع بين النقيضين وإذا ~~كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره: كان الكمال له واجبا بنفسه وامتنع تخلف ~~شيء من الكمال الممكن عنه؛ بل ما جاز له من الكمال وجب له كما أقر بذلك ~~الجمهور من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم؛ بل هذا ~~ثابت في مفعولاته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعا بنفسه أو ~~ممتنعا لغيره؛ فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره أو معدوم إما ~~لنفسه وإما لغيره والممكن إن حصل مقتضيه التام: وجب بغيره وإلا كان ممتنعا ~~لغيره؛ ms1572 والممكن بنفسه: إما واجب لغيره وإما ممتنع لغيره. وقد بين الله ~~سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره وأن غيره لا يساويه في الكمال في مثل قوله ~~تعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} ؟ وقد بين أن الخلق صفة كمال ~~وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم. وقال ~~تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه # PageV06P079 # منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} فبين أن كونه مملوكا عاجزا صفة نقص وأن القدرة والملك والإحسان صفة ~~كمال وأنه ليس هذا مثل هذا وهذا لله وذاك لما يعبد من دونه. وقال تعالى: ~~{وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} وهذا ~~مثل آخر. فالأول مثل العاجز عن الكلام وعن الفعل الذي لا يقدر على شيء. ~~والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم فهو عادل في أمره ~~مستقيم في فعله. فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم ~~فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودا وقد يكون مذموما. فالمحمود هو الذي ~~يستحق صاحبه الحمد فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل. وقال تعالى: ~~{ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} . ~~يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من ~~النقص والظلم فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟ . # PageV06P080 # وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد وهذا كقوله: {وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون} {للذين لا يؤمنون ms1573 بالآخرة ~~مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} {ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن ~~لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} حيث كانوا يقولون: الملائكة ~~بنات الله وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصا وعيبا. والرب ~~تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له " المثل الأعلى " فكل كمال ~~ثبت للمخلوق: فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردا عن النقص وكل ما ينزه ~~عنه المخلوق من نقص وعيب: فالخالق أولى بتنزيهه عنه. وقال تعالى: {هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم. ~~وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ~~ولا الحرور} فبين أن البصير أكمل والنور أكمل والظل أكمل؛ وحينئذ فالمتصف ~~به أولى. {ولله المثل الأعلى} . وقال تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين} فدل # PageV06P081 # ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص وأن الذي يتكلم ويهدي: أكمل ممن لا ~~يتكلم ولا يهدي والرب أحق بالكمال. وقال تعالى: {قل هل من شركائكم من يهدي ~~إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن ~~الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره؛ فلزم أن ~~يكون الهادي بنفسه هو الكامل؛ دون الذي لا يهتدي إلا بغيره. وإذا كان لا بد ~~من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل وقال تعالى في الآية الأخرى: ~~{أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} فدل على أن ~~الذي يرجع إليه القول ويملك الضر والنفع: أكمل منه. ms1574 وقال إبراهيم لأبيه: ~~{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} فدل على أن السميع ~~البصير الغني أكمل وأن المعبود يجب أن يكون كذلك. ومثل هذا في القرآن متعدد ~~من وصف الأصنام بسلب " صفات الكمال " كعدم التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ~~ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات وأن هذه الصفات لا ~~تسلب إلا عن ناقص معيب. # PageV06P082 # وأما " رب الخلق " الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات ~~الكمال وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها؛ وهو يذكر أن ~~الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات. فمن جعل الواجب الوجود لا ~~يقبل الاتصاف: فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى وعاب ~~عابديها. ولهذا كانت " القرامطة الباطنية " من أعظم الناس شركا وعبادة لغير ~~الله؛ إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئا. ~~والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له بل ذكرها ~~لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه فأفاد (الأصلين اللذين بهما يتم ~~التوحيد: وهما إثبات صفات الكمال ردا على أهل التعطيل وبيان أنه المستحق ~~للعبادة لا إله إلا هو ردا على المشركين. والشرك في العالم أكثر من ~~التعطيل؛ ولا يلزم من إثبات " التوحيد " المنافي للإشراك إبطال قول أهل ~~التعطيل؛ ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين ~~إلا ببيان آخر. والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة؛ كالرد على فرعون ~~وأمثاله؛ ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر لأن القرآن شفاء لما في ~~الصدور. ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل وأيضا فإن الله سبحانه # PageV06P083 # أخبر أن له الحمد وأنه حميد مجيد وأن له الحمد في الأولى والآخرة وله ~~الحكم ونحو ذلك من أنواع المحامد. و " الحمد نوعان ": حمد على إحسانه إلى ~~عباده. وهو من الشكر؛ وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله وهذا الحمد ~~لا يكون إلا ms1575 على ما هو في نفسه مستحق للحمد وإنما يستحق ذلك من هو متصف ~~بصفات الكمال وهي أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا ~~خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال ~~فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد ~~فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة وهو أحق من كل محمود بالحمد والكمال من ~~كل كامل وهو المطلوب. # PageV06P084 # فصل: # وأما " المقدمة الثانية " فنقول: لا بد من اعتبار أمرين: # أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود. # والثاني: أن يكون سليما عن النقص؛ فإن النقص ممتنع على الله لكن بعض ~~الناس قد يسمي ما ليس بنقص نقصا؛ فهذا يقال له إنما الواجب إثبات ما أمكن ~~ثبوته من الكمال السليم عن النقص فإذا سميت أنت هذا نقصا وقدر أن انتفاءه ~~يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ولم يكن هذا عند من سماه نقصا من النقص ~~الممكن انتفاؤه. فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت ~~له قيل: وجود المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها؛ أو واحد ~~منها في الأزل ممتنع. ووجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد ممتنع سواء ~~قدر ذلك الآن ماضيا أو مستقبلا؛ فضلا عن أن يكون أزليا وما يستلزم الحوادث ~~المتعاقبة يمتنع وجوده في آن واحد فضلا عن أن يكون أزليا فليس هذا ممكن ~~الوجود فضلا عن أن يكون كمالا؛ لكن فعل الحوادث شيئا بعد شيء أكمل من ~~التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئا بعد أن لم يكن؛ فإن الفاعل القادر على ~~الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل. # PageV06P085 # فإذا قيل: لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته: كان هذا نقصا ~~بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئا بعد شيء وكذلك إذا قيل: جعل الشيء ~~الواحد متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال قيل هذا ممتنع لذاته. وكذلك ~~إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال. قيل: هذا ms1576 ممتنع لنفسه فإن كونه ~~مبدعا يقتضي أن لا يكون واجبا بنفسه؛ بل واجبا بغيره؛ فإذا قيل هو واجب ~~موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره: كان هذا جمعا بين النقيضين. وكذلك إذا ~~قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه - إذا كان اتصافه بها صفة ~~كمال فقد فاتته في الأزل؛ وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص. قيل: ~~الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزليا. وأيضا: فلا ~~يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال؛ بل الكمال أن توجد حيث اقتضت ~~الحكمة وجودها. وأيضا: فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئا بعد شيء. فقول ~~القائل: فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل: جمع بين ~~النقيضين. وأمثال هذا كثير. فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود؛ فما هو ممتنع ~~في نفسه فلا حقيقة له؛ فضلا عن أن يقال: هو موجود. أو يقال: هو كمال ~~للموجود. # PageV06P086 # وأما الشرط الآخر وهو قولنا: الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير ~~بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه - على عبارة ~~من يجعل ما ليس بنقص نقصا. فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض وهو ~~نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا - كالأكل والشرب مثلا. فإن الصحيح ~~الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل ~~والشرب لأن قوامه بالأكل والشرب. فإذا قدر غير قابل له: كان ناقصا عن ~~القابل لهذا الكمال؛ لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره وهو ما ~~يدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات وما لا ~~يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه وما يتوقف كماله ~~على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره فإن الغني عن شيء أعلى من ~~الغني به. والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو ~~كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق وهو كل ما كان مستلزما لإمكان ms1577 ~~العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه أو ~~مستلزما لفقره المنافي لغناه. # PageV06P087 # فصل: # إذا تبين هذا: تبين أن ما جاء به " الرسول " هو الحق الذي يدل عليه ~~المعقول وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة " وهم سلف الأمة ~~وأئمتها " الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات ونزهوه عن ~~مماثلة المخلوقات. فإن الحياة والعلم والقدرة. والسمع والبصر والكلام: صفات ~~كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها فإن من اتصف بهذه الصفات فهو أكمل ممن لا ~~يتصف بها؛ والنقص في انتفائها لا في ثبوتها؛ والقابل للاتصاف بها كالحيوان ~~أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجمادات. وأهل الإثبات يقولون للنفاة: لو ~~لم يتصف بهذه الصفات لاتصف بأضدادها من الجهل والبكم والعمى والصمم. فقال ~~لهم النفاة: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب ~~والإيجاب والمتقابلان تقابل العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت ~~الآخر إذا كان المحل قابلا لهما كالحيوان الذي لا يخلو إما أن # PageV06P088 # يكون أعمى وإما أن يكون بصيرا؛ لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا يوصف ~~لا بهذا ولا بهذا. فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه: أحدها أن ~~يقال: الموجودات " نوعان ": نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي. ونوع لا يقبله ~~كالجماد. ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ذلك. ~~وحينئذ: فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها وأن ~~يكون القابل لها - وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي لا يقبل السمع والبصر - ~~أكمل منه فإن القابل للسمع والبصر - في حال عدم ذلك - أكمل ممن لا يقبل ~~ذلك. فكيف المتصف بها فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال - على قولهم ~~- ممتنعا عليه صفات الكمال. فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء: فشبهتموه ~~بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص: فوصفتموه بما هو أعظم النقص. ~~(الوجه الثاني أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم ~~والملكة: أمر اصطلاحي؛ وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتا كما قال تعالى: ms1578 ~~{والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير أحياء ~~وما يشعرون أيان يبعثون} . # PageV06P089 # الوجه الثالث أن يقال: نفس سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي ~~فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ~~ممن لا يكون كذلك وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد وإذا كان مجرد ~~إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص: وجب ثبوتها لله تعالى؛ ~~لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال؛ بل النقص في عدمه. وكذلك إذا ~~قدرنا موصوفين بهذه الصفات. (أحدهما يقدر على التصرف بنفسه؛ فيأتي ويجيء ~~وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به (والآخر يمتنع ذلك منه ~~فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال: كان هذا القادر على الأفعال التي ~~تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. وإذا قيل قيام هذه الأفعال يستلزم ~~قيام الحوادث به: كان كما إذا قيل قيام الصفات به يستلزم قيام الأعراض به. ~~ولفظ (الأعراض والحوادث لفظان مجملان فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من ~~أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد ~~وفلان قد أحدث حدثا عظيما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} # PageV06P090 # وقال: {لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا} وقال: {إذا أحدث أحدكم فلا ~~يصلي حتى يتوضأ} . ويقول الفقهاء: الطهارة " نوعان " طهارة الحدث وطهارة ~~الخبث. ويقول أهل الكلام: اختلف الناس في " أهل الأحداث " من أهل القبلة: ~~كالربا والسرقة وشرب الخمر. ويقال فلان به عارض من الجن وفلان حدث له مرض. ~~فهذه من النقائص التي ينزه الله عنها. وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح ~~خاص فإنما أحدث ذلك الاصطلاح من أحدثه من أهل الكلام وليست هذه لغة العرب ~~ولا لغة أحد من الأمم؛ لا لغة القرآن ولا غيره؛ ولا العرف العام ولا اصطلاح ~~أكثر الخائضين في العلم؛ بل مبتدعو هذا ms1579 الاصطلاح: هم من أهل البدع المحدثين ~~في الأمة الداخلين في ذم النبي صلى الله عليه وسلم. وبكل حال فمجرد هذا ~~الاصطلاح وتسمية هذه أعراضا وحوادث: لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون ~~المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها. أو يمكنه ذلك ولا يتصف به. و " ~~أيضا " فإذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض وحوادث على ~~اصطلاحهم؛ كالعلم والقدرة والفعل والبطش والآخر يمتنع أن يتصف بهذه الصفات ~~التي هي أعراض وحوادث: كان الأول أكمل كما أن الحي المتصف بهذه الصفات: ~~أكمل من الجمادات. # PageV06P091 # وكذلك إذا قدر " اثنان " أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها ~~والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص؛ فلا يحب لا هذا ولا هذا ~~ولا يرضى لا هذا ولا هذا ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا: كان الأول أكمل من ~~الثاني. ومعلوم أن الله تبارك وتعالى يحب المحسنين والمتقين والصابرين ~~والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال. ~~وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما ببعض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل والكذب ~~ويغضب على من يفعل ذلك والآخر لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب الظالم وبين ~~العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا ولا يغضب لا على هذا ولا على ~~هذا: كان الأول أكمل. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل ~~بوجهه. والآخر لا يمكنه ذلك: إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان وإما ~~لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه: كان الأول أكمل. فالوجه ~~واليدان: لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك ووجه كل شيء بحسب ما ~~يضاف إليه وهو ممدوح به لا مذموم كوجه النهار ووجه الثوب ووجه القوم ووجه ~~الخيل ووجه الرأي وغير ذلك؛ وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه ~~في شيء من موارد الاستعمال سواء قدر الاستعمال حقيقة أو مجازا. # PageV06P092 # " فإن قيل ": من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل ~~بيديه. قيل: ms1580 من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء: هو ~~أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه ولا يمكنه أن يفعل باليد. ~~ولهذا كان " الإنسان " أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء ~~فإذا قدر اثنان أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه والآخر يمكنه الفعل ~~بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل. فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه وبيديه ~~إذا شاء فهو أكمل وأكمل وأما صفات النقص فمثل النوم فإن الحي اليقظان أكمل ~~من النائم والوسنان. والله لا تأخذه سنة ولا نوم وكذلك من يحفظ الشيء بلا ~~اكتراث أكمل ممن يكرثه ذلك؛ والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا ~~يئوده حفظهما. وكذلك من يفعل ولا يتعب: أكمل ممن يتعب. والله تعالى خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب. ولهذا وصف الرب ~~بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز والحياة دون الموت والسمع والبصر ~~والكلام دون الصمم والعمى والبكم والضحك دون البكاء والفرح دون الحزن. # PageV06P093 # وأما الغضب مع الرضا والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضا ~~والحب دون البغض والغضب للأمور المذمومة التي تستحق أن تذم وتبغض. ولهذا ~~كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل: أكمل من اتصافه بمجرد ~~الإعطاء والإعزاز والرفع؛ لأن الفعل الآخر - حيث تقتضي الحكمة ذلك - أكمل ~~مما لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له ومن اعتبر ~~هذا الباب وجده على قانون الصواب والله الهادي لأولي الألباب. # PageV06P094 # فصل: # وأما قول ملاحدة " المتفلسفة " وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له ~~كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه ~~بها. فيقال: قد تقدم أن الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص ~~فيه. وحينئذ فقول القائل يكون ناقصا بذاته إن أراد به أن يكون بدون هذه ~~الصفات ناقصا فهذا حق؛ لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لا بد من صفات الكمال ~~وإلا كان ms1581 ناقصا. وإن أراد به أنه إنما صار كاملا بالصفات التي اتصف بها فلا ~~يكون كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات. فيقال أولا: هذا إنما يتوجه أنه ~~لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه ~~الصفات فإذا كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات فكيف إذا كان ~~كلاهما ممتنعا؟ فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع فإنا نعلم ~~بالضرورة أن " الذات " التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة: ~~ليست أكمل من الذات التي لا تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة. وإذا كان ~~صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل # PageV06P095 # الذات المتصفة؛ فضلا عن أن تكون أكمل منها ويقضي بأن الذات المتصفة بها ~~أكمل علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات فإن قيل بعد ذلك لا ~~تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات. قيل: الكمال بدون هذه ~~الصفات ممتنع وعدم الممتنع ليس نقصا وإنما النقص عدم ما يمكن. وأيضا فإذا ~~ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال وما اتصف به وجب له وامتنع تجرد ذاته عن هذه ~~الصفات؛ فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرا ممتنعا. وإذا قدر ~~للذات تقدير ممتنع وقيل إنها ناقصة بدونه: كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك ~~التقدير؛ لا على امتناع نقيضه كما لو قيل: إذا مات كان ناقصا فهذا يقتضي ~~وجوب كونه حيا كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ~~ناقصة: كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات. وأيضا فقول القائل: اكتمل ~~بغيره ممنوع؛ فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره ولا أنها ليست غيره؛ على ما ~~عليه " أئمة السلف " كالإمام أحمد بن حنبل وغيره وهو اختيار حذاق المثبتة؛ ~~كابن كلاب وغيره. ومنهم من يقول: أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو ولا ~~أطلق عليها أنها ليست غيره ولا أجمع بين السلبين فأقول لا هي هو ولا هي ~~غيره. وهو اختيار طائفة ms1582 من المثبتة كالأشعري؛ وأظن أن قول أبي الحسن ~~التميمي هو هذا أو ما يشبه هذا. # PageV06P096 # ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب: في إطلاقهما جميعا كالقاضي ~~أبي بكر والقاضي أبي يعلى. ومنشأ هذا أن لفظ " الغير " يراد به المغاير ~~للشيء ويراد به ما ليس هو إياه وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعاني ~~فاسدة. ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: يتكمل بغيره. أيريد به ~~بشيء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته؟ أما الأول فممتنع. وأما الثاني ~~فهو حق ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها؛ كما لا يمكن وجودها بدونه ~~وهذا كمال بنفسه لا بشيء مباين لنفسه. وقد نص الأئمة - كأحمد بن حنبل وغيره ~~- وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كلاب وغيره على أن القائل إذا قال: الحمد ~~لله. أو قال: دعوت الله وعبدته. أو قال: بالله. فاسم الله متناول لذاته ~~المتصفة بصفاته؛ وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى. وإذا قيل: هل ~~صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها ~~نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج ~~فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة. والصفات ليست زائدة على الذات ~~المتصفة بالصفات وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات. # PageV06P097 # فصل: # وأما قول القائل: لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها وهي مفتقرة ~~إليه فيكون الرب مفتقرا إلى غيره فهو من جنس السؤال الأول. فيقال أولا: قول ~~القائل: " لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها " يقتضي إمكان جوهر ~~تقوم به الصفات؛ وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات؛ فلو كان أحدهما ممتنعا ~~لبطل هذا الكلام فكيف إذا كان كلاهما ممتنعا؟ فإن تقدير ذات مجردة عن جميع ~~الصفات إنما يمكن في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين في ~~الخارج. ولفظ " ذات " تأنيث ذو وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافا إلى غيره ~~فهم يقولون: فلان ذو علم وقدرة ونفس ذات علم وقدرة. ms1583 وحيث جاء في القرآن أو ~~لغة العرب لفظ " ذو " ولفظ " ذات " لم يجئ إلا مقرونا بالإضافة كقوله ~~{فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} وقوله: {عليم بذات الصدور} . # وقول خبيب رضي الله عنه: وذلك في ذات الإله. . . . # PageV06P098 # ونحو ذلك. لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه يقال إنها ~~ذات علم وقدرة ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه؛ فقالوا: " الذات ~~" وهي لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم؛ ~~كأبي الفتح بن برهان وابن الدهان وغيرهما وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية ~~ورد عليهم آخرون كالقاضي وابن عقيل وغيرهما. (وفصل الخطاب: أنها ليست من ~~العربية العرباء بل من المولدة كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ~~ذلك فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها فيقال: ذات علم وذات قدرة ~~وذات كلام والمعنى كذلك فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا ~~يتصف بصفة ثبوتية أصلا؛ بل فرض هذا في الخارج كفرض عرض يقوم بنفسه لا ~~بغيره. ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها وكلاهما ~~ممتنع فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة وما كان صفة فلا بد له من قائم ~~بنفسه متصف به. ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائما بنفسه لا صفة له ~~سواء سموه جوهرا أو جسما أو غير ذلك ويقولون: وجود جوهر معرى عن جميع # PageV06P099 # الأعراض ممتنع فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما لا ~~يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج فكيف إذا علم أنه ممتنع في ~~الخارج عن الذهن. وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع وإنما يمكن ~~فرضه في العقل فالعقل يقدره في نفسه كما يقدر ممتنعات لا يعقل وجودها في ~~الوجود ولا إمكانها في الوجود. وأيضا " فالرب تعالى " إذا كان اتصافه بصفات ~~الكمال ممكنا - وما أمكن له وجب - امتنع أن يكون مسلوبا صفات الكمال ففرض ~~ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة ms1584 له فرض ممتنع. وحينئذ فإذا كان فرض عدم ~~هذا ممتنعا عموما وخصوصا: فقول القائل: يكون مفتقرا إليها وتكون مفتقرة ~~إليه إنما يعقل مثل هذا في شيئين. يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر فإذا ~~امتنع هذا بطل هذا التقدير. ثم يقال له: ما تعني بالافتقار؟ أتعني أن الذات ~~تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو أن لا يكون ~~أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل فإن الرب ~~ليس بفاعل لصفاته اللازمة له بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته. ~~فكيف تجعل صفاته مفعولة له وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت ~~التلازم فهو حق. # PageV06P100 # وهذا كما يقال: لا يكون موجودا إلا أن يكون قديما واجبا بنفسه ولا يكون ~~عالما قادرا إلا أن يكون حيا فإذا كانت صفاته ملازمة (لذاته كان ذلك أبلغ ~~في الكمال من جواز التفريق بينهما فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال: لم ~~يكن الكمال واجبا له بل ممكنا له؛ وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى غيره ~~وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه؛ فعلم أن التلازم بين الذات وصفات ~~الكمال: هو كمال الكمال. # PageV06P101 # فصل: # وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج وذلك ~~عين النقص. فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ " العرض " على صفاته ثلاث طرق: # منهم من يمنع أن تكون أعراضا: ويقول: بل هي صفات وليست أعراضا كما يقول ~~ذلك الأشعري وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره. # ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما. # ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي كما قالوا في لفظ الغير وكما امتنعوا ~~عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه فإن قول القائل: " العلم عرض " بدعة وقوله: ~~ليس بعرض " بدعة " كما أن قوله " الرب جسم " بدعة وقوله " ليس بجسم " بدعة. ~~وكذلك أيضا لفظ " الجسم " يراد به في اللغة: البدن والجسد كما ذكر ذلك ~~الأصمعي وأبو زيد وغيرهما من أهل اللغة. # وأما أهل الكلام ms1585 فمنهم من يريد به المركب ويطلقه على الجوهر الفرد # PageV06P102 # بشرط التركيب أو على الجوهرين أو على أربعة جواهر أو ستة أو ثمانية أو ~~ستة عشر أو اثنين وثلاثين أو المركب من المادة والصورة. # ومنهم من يقول: هو الموجود أو القائم بنفسه. وعامة هؤلاء وهؤلاء يجعلون ~~المشار إليه متساويا في العموم والخصوص فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه ~~معان بعضها حق وبعضها باطل: صار مجملا. # وحينئذ فالجواب العلمي أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض أنها قائمة ~~بالذات أو صفة للذات ونحو ذلك من المعاني الصحيحة؟ أم تعني بها أنها آفات ~~ونقائص؟ أم تعني بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين؟ فإن عنيت الأول فهو ~~صحيح وإن عنيت الثاني فهو ممنوع وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من ~~يقول: العرض لا يبقى زمانين. فمن قال ذلك وقال: هي باقية قال: لا أسميها ~~أعراضا ومن قال بل العرض يبقى زمانين لم يكن هذا مانعا من تسميتها أعراضا. ~~وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال لك هو حي عليم قدير عندك. وهذه ~~الأسماء لا يسمى بها إلا جسم كما أن هذه الصفات التي جعلتها أعراضا لا يوصف ~~بها إلا جسم فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء: كان جوابا لأهل الإثبات عن ~~إثبات الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك: هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا ~~بجسم؟ أتعني # PageV06P103 # بالجسم المركب الذي كان مفترقا فاجتمع؟ أو ما ركبه مركب فجمع أجزاءه؟ أو ~~ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ أم تعني به ما هو ~~مركب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة؟ أو تعني به ما يمكن الإشارة ~~إليه؟ أو ما كان قائما بنفسه؟ أو ما هو موجود؟ . فإن عنيت " الأول " لم ~~نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضا لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير وإن ~~عنيت به " الثاني " لم نسلم امتناع التلازم؛ فإن الرب تعالى موجود قائم ~~بنفسه مشار إليه عندنا فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير. وقول ~~القائل: المركب ms1586 ممكن إن أراد بالمركب: المعاني المتقدمة مثل كونه كان ~~مفترقا فاجتمع أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال: فلا نسلم المقدمة الأولى ~~التلازمية وإن عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائما بنفسه موصوفا بالصفات ~~فلا نسلم انتفاء الثانية فالقول بالأعراض مركب من (مقدمتين تلازمية ~~واستثنائية بألفاظ مجملة؛ فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال ~~لأحدهما أو كليهما، وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة. # PageV06P104 # فصل: # وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث والحادث إن أوجب ~~له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به. ~~فيقال أولا هذا معارض بنظيره من الحوادث التي يفعلها فإن كليهما حادث ~~بقدرته ومشيئته وإنما يفترقان في المحل. وهذا التقسيم وارد على الجهتين. ~~وإن قيل في الفرق: المفعول لا يتصف به بخلاف الفعل القائم به قيل في ~~الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية؛ ~~فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد أن لم يكن كذلك وهذا التقسيم وارد عليهم. ~~وقد أورده عليهم الفلاسفة في " مسألة حدوث العالم " فزعموا أن صفات الأفعال ~~ليست صفة كمال ولا نقص. فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء " في الأفعال " التي ~~تقوم به إنها ليست كمالا ولا نقصا. فإن قيل: لا بد أن يتصف إما بنقص أو ~~بكمال. قيل: لا بد أن يتصف من # PageV06P105 # الصفات الفعلية إما بنقص وإما بكمال فإن جاز ادعاء خلو أحدهما عن القسمين ~~أمكن الدعوى في الآخر مثله وإلا فالجواب مشترك. وأما " المتفلسفة " فيقال ~~لهم: القديم لا تحله الحوادث ولا يزال محلا للحوادث عندكم فليس القدم مانعا ~~من ذلك عندكم؛ بل عندكم هذا هو " الكمال الممكن " الذي لا يمكن غيره وإنما ~~نفوه عن واجب الوجود؛ لظنهم عدم اتصافه به. وقد تقدم التنبيه على إبطال ~~قولهم في ذلك لا سيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة ~~تامة أزلية موجبة لمعلولها؛ فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها ~~معلولها أو شيء من ms1587 معلولها ومتى تأخر عنها شيء من معلولها كانت علة له ~~بالقوة لا بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب آخر؛ فإن كان المخرج ~~لها من القوة إلى الفعل هو نفسه: صار فيه ما هو بالقوة وهو المخرج له إلى ~~الفعل؛ وذلك يستلزم أن يكون قابلا أو فاعلا وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات ~~التي يسمونها التركيب. وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعا بالضرورة ~~والاتفاق؛ لأن ذلك ينافي وجوب الوجود؛ ولأنه يتضمن " الدور المعي " و " ~~التسلسل في المؤثرات " وإن كان هو الذي صار فاعلا للمعين بعد أن لم يكن ~~امتنع أن يكون علة تامة أزلية فقدم شيء من العالم يستلزم كونه علة تامة في ~~الأزل وذلك يستلزم أن لا يحدث عنه شيء بواسطة وبغير واسطة وهذا مخالف ~~للمشهود. # PageV06P106 # ويقال ثانيا: في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعا: - هذا مبني على ~~تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات والأحوال والإعدام؛ فإن الناس متفقون على ~~تجدد هذه الأمور. وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ فقال: هذه حوادث وهذه ~~متجددات والفروق اللفظية لا تؤثر في الحقائق العلمية. فيقال: تجدد هذه ~~المتجددات إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وإن أوجب له نقصا لم يجز ~~وصفه به. # ويقال ثالثا: الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود وأما الممتنع ~~فليس من الكمال الذي يتصف به موجود والحوادث المتعلقة بقدرته ومشيئته يمتنع ~~وجودها جميعا في الأزل؛ فلا يكون انتفاؤها في الأزل نقصا؛ لأن انتفاء ~~الممتنع ليس بنقص. # ويقال رابعا: إذا قدر ذات تفعل شيئا بعد شيء وهي قادرة على الفعل بنفسها ~~وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئا؛ بل هي كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك ~~كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة. وأما وجودها ~~بحسب الإمكان فهو الكمال. # ويقال خامسا: لا نسلم أن عدم هذه مطلقا نقص ولا كمال ولا وجودها مطلقا ~~نقص ولا كمال؛ بل وجودها في الوقت الذي اقتضته مشيئته وقدرته # PageV06P107 # وحكمته هو الكمال ووجودها بدون ذلك نقص ms1588 وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها ~~كمال ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال. وإذا كان الشيء الواحد ~~يكون وجوده تارة كمالا وتارة نقصا وكذلك عدمه. بطل التقسيم المطلق وهذا كما ~~أن الشيء يكون رحمة بالخلق إذا احتاجوا إليه كالمطر. ويكون عذابا إذا ضرهم ~~فيكون إنزاله لحاجتهم رحمة وإحسانا والمحسن الرحيم متصف بالكمال ولا يكون ~~عدم إنزاله - حيث يضرهم - نقصا بل هو أيضا رحمة وإحسان فهو محسن بالوجود ~~حين كان رحمة وبالعدم حين كان العدم رحمة. # PageV06P108 # فصل: # وأما نفي النافي " للصفات الخبرية " المعينة؛ فلاستلزامها التركيب ~~المستلزم للحاجة والافتقار: فقد تقدم جواب نظيره فإنه إن أريد بالتركيب ما ~~هو المفهوم منه في اللغة أو في العرف العام أو عرف بعض الناس - وهو ما ركبه ~~غيره - أو كان متفرقا فاجتمع أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة ~~أو ما أمكن مفارقة بعضه لبعض فلا نسلم المقدمة الأولى ولا نسلم أن إثبات ~~الوجه واليد مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار. وإن أريد به التلازم على معنى ~~امتياز شيء عن شيء في نفسه وأن هذا ليس هذا: فهذا لازم لهم في الصفات ~~المعنوية المعلومة بالعقل كالعلم والقدرة والسمع والبصر فإن الواحدة من هذه ~~الصفات ليست هي الأخرى؛ بل كل صفة ممتازة بنفسها عن الأخرى وإن كانتا ~~متلازمتين يوصف بهما موصوف واحد. ونحن نعقل هذا في صفات المخلوقين كأبعاض ~~الشمس وأعراضها. وأيضا: فإن أريد أنه لا بد من وجود ما بالحاجة والافتقار ~~إلى مباين له فهو ممنوع وإن أريد أنه لا بد من وجود ما هو داخل في مسمى ~~اسمه؛ وأنه يمتنع وجود الواجب بدون تلك الأمور الداخلة في مسمى اسمه، # PageV06P109 # فمعلوم أنه لا بد له من نفسه فلا بد له مما يدخل في مسماها بطريق الأولى ~~الأحرى. وإذا قيل: هو مفتقر إلى نفسه لم يكن معناه أن نفسه تفعل نفسه؛ ~~فكذلك ما هو داخل فيها؛ ولكن العبارة موهمة مجملة فإذا فسر المعنى زال ~~المحذور. ويقال أيضا: نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير؛ فلا يلزمه أن ms1589 يكون ~~محتاجا إلى الغير فهذا من جهة الإطلاق اللفظي؛ وأما من جهة الدليل العلمي ~~فالدليل دل على وجود موجود بنفسه لا فاعل ولا علة فاعلة وأنه مستغن بنفسه ~~عن كل ما يباينه. وأما الوجود الذي لا يكون له صفة ولا يدخل في مسمى اسمه ~~معنى من المعاني الثبوتية: فهذا إذا ادعى المدعي أنه المعني بوجوب الوجود ~~وبالغني. قيل له: لكن هذا المعنى ليس هو مدلول الأدلة؛ ولكن أنت قدرت أن ~~هذا مسمى الاسم وجعل اللفظ دليلا على هذا المعنى لا ينفعك إن لم يثبت أن ~~المعنى حق في نفسه ولا دليل لك على ذلك؛ بل الدليل يدل على نقيضه. فهؤلاء ~~عمدوا إلى لفظ الغني والقديم والواجب بنفسه فصاروا يحملونها على معاني ~~تستلزم معاني تناقض ثبوت الصفات وتوسعوا في التعبير ثم ظنوا أن هذا الذي ~~فعلوه هو موجب الأدلة العقلية وغيرها. وهذا غلط منهم. # PageV06P110 # فموجب الأدلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير وموجب الأدلة السمعية ~~يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث؛ فليس لأحد أن يقول: إن ~~الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك ~~المعاني؛ هذا من فعل أهل الإلحاد المفترين. فإن هؤلاء عمدوا إلى معان ظنوها ~~ثابتة؛ فجعلوها هي معنى الواحد والواجب والغني والقديم ونفي المثل؛ ثم ~~عمدوا إلى ما جاء في القرآن والسنة من تسمية الله تعالى بأنه أحد وواحد علي ~~ونحو ذلك من نفي المثل والكفؤ عنه. فقالوا: هذا يدل على المعاني التي ~~سميناها بهذه الأسماء وهذا من أعظم الافتراء على الله. وكذلك " المتفلسفة " ~~عمدوا إلى لفظ الخالق والفاعل والصانع والمحدث ونحو ذلك. فوضعوها لمعنى ~~ابتدعوه وقسموا الحدوث إلى نوعين: ذاتي وزماني وأرادوا بالذاتي كون المربوب ~~مقارنا للرب أزلا وأبدا؛ فإن اللفظ على هذا المعنى لا يعرف في لغة أحد من ~~الأمم؛ ولو جعلوا هذا اصطلاحا لهم لم تنازعهم فيه؛ لكن قصدوا بذلك التلبيس ~~على الناس وأن يقولوا نحن نقول بحدوث العالم وأن الله خالق له وفاعل له ~~وصانع ms1590 له ونحو ذلك من المعاني التي يعلم بالاضطرار أنها تقتضي تأخر المفعول ~~لا يطلق على ما كان قديما بقدم الرب مقارنا له أزلا وأبدا. وكذلك فعل من ~~فعل بلفظ " المتكلم " وغير ذلك من الأسماء ولو فعل # PageV06P111 # هذا بكلام سيبويه وبقراط: لفسد ما ذكروه من النحو والطب؛ ولو فعل هذا ~~بكلام آحاد العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة: لفسد العلم بذلك ~~ولكان ملبوسا عليهم فكيف إذا فعل هذا بكلام رب العالمين. وهذه طريقة ~~الملاحدة الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته ومن شاركهم في بعض ذلك. مثل ~~قول من يقول: " الواحد " الذي لا ينقسم ومعنى قوله: لا ينقسم أي لا يتميز ~~منه شيء عن شيء ويقول لا تقوم به صفة. ثم زعموا أن الأحد والواحد في القرآن ~~يراد به هذا. ومعلوم أن كل ما في القرآن من اسم الواحد والأحد كقوله تعالى: ~~{وإن كانت واحدة فلها النصف} وقوله: {قالت إحداهما يا أبت استأجره} وقوله: ~~{ولم يكن له كفوا أحد} وقوله: {وإن أحد من المشركين استجارك} وقوله: {ذرني ~~ومن خلقت وحيدا} وأمثال ذلك يناقض ما ذكروه فإن هذه الأسماء أطلقت على قائم ~~بنفسه مشار إليه يتميز منه شيء عن شيء. وهذا الذي يسمونه في اصطلاحهم جسما. ~~وكذلك إذا قالوا: الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر تتماثل ~~وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} على نفي مسمى هذه الأمور ~~التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث كان هذا افتراء على القرآن؛ ~~فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب؛ ولا لغة القرآن ولا غيرهما. قال تعالى: ~~{وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} . # PageV06P112 # فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الإنسانية فكيف يقال: إن لغة العرب توجب ~~أن كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه. وقال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد} {إرم ذات العماد} {التي لم يخلق مثلها في البلاد} فأخبر أنه لم يخلق ~~مثلها في البلاد وكلاهما بلد؛ فكيف يقال إن كل جسم فهو مثل لكل جسم في ms1591 لغة ~~العرب حتى يحمل على ذلك قوله: {ليس كمثله شيء} . وقد قال الشاعر: ليس كمثل ~~الفتى زهير وقال: ما إن كمثلهم في الناس من بشر ولم يقصد هذا أن ينفي وجود ~~جسم من الأجسام. # وكذلك لفظ ### | " التشابه " ليس هو التماثل في اللغة # قال تعالى: {وأتوا به متشابها} وقال تعالى {متشابها وغير متشابه} ولم يرد ~~به شيئا هو مماثل في اللغة وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة في العقل ~~أو ليست متماثلة؛ فإن هذا مبسوط في موضعه؛ بل المراد أن أهل اللغة التي بها ~~نزل القرآن لا يجعلون مجرد هذا موجبا لإطلاق اسم المثل؛ ولا يجعلون نفي ~~المثل نفيا لهذا فحمل القرآن على ذلك كذب على القرآن. # PageV06P113 # فصل: # وقول القائل: " المناسبة " لفظ مجمل؛ فإنه قد يراد بها التولد والقرابة ~~فيقال: هذا نسيب فلان ويناسبه؛ إذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة ~~والآدمية والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ويراد بها المماثلة فيقال: هذا ~~يناسب هذا: أي يماثله. والله سبحانه وتعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد. ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني وضدها المخالفة. و ~~" المناسبة " بهذا الاعتبار ثابتة فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما ~~يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه وفيما نهى عنه فيتركونه وفيما يعطيه ~~فيصيبونه. والله وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلم نظيف يحب ~~النظافة محسن يحب المحسنين مقسط يحب المقسطين إلى غير ذلك من المعاني؛ بل ~~هو سبحانه يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه ~~وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ~~هذا براحلته كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV06P114 # فإذا أريد " بالمناسبة " هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق وهي من صفات ~~الكمال كما تقدمت الإشارة إليه فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق ~~عنده بين صفات النقص والكمال؛ أو لا يحب صفات الكمال. وإذا قدر موجودان: # أحدهما يحب العلم والصدق والعدل ms1592 والإحسان ونحو ذلك. # والآخر لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا ~~يحب هذا ولا يبغض هذا كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا. فدل على أن من ~~جرده عن " صفات الكمال والوجود " بأن لا يكون له علم كالجماد فالذي يعلم ~~أكمل منه؛ ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم: أكمل ممن يحبهما أو ~~يبغضهما. وأصل " هذه المسألة " الفرق بين محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين ~~إرادته كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة ~~وغيرهم وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. ثم ~~قالت " القدرية ": هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما ~~لم يشأ ويشاء ما لم يكن. وقالت " المثبتة " ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان ولم يرده دينا أو أراده من الكافر ولم ~~يرده من المؤمن # PageV06P115 # فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينا ويحبه من الكافر ولا ~~يحبه من المؤمن. وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ~~وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا ~~يكون شيء إلا بمشيئته ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ~~وأن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا ~~الأصل الفاسد. # PageV06P116 # فصل: # وأما قول القائل: " الرحمة " ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم فهذا ~~باطل. أما " أولا ": فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة؛ ~~وقد قال تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وقد نهى الله عباده عن ~~الوهن والحزن؛ فقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين} وندبهم إلى الرحمة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: {لا تنزع الرحمة إلا من شقي} وقال: {من لا يرحم لا يرحم} وقال: ~~{الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} . ومحال ms1593 ~~أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي؛ ولكن لما كانت الرحمة تقارن في ~~حق كثير من الناس الضعف والخور - كما في رحمة النساء ونحو ذلك - ظن الغالط ~~أنها كذلك مطلقا. # PageV06P117 # وأيضا: فلو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في حق ~~الله تعالى مستلزمة لذلك كما أن العلم والقدرة؛ والسمع والبصر والكلام فينا ~~يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه. وكذلك " الوجود " و " ~~القيام بالنفس " فينا: يستلزم احتياجا إلى خالق يجعلنا موجودين والله منزه ~~في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا فنحن وصفاتنا وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى ~~الغير والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه وهو سبحانه الغني له أمر ~~ذاتي لا يمكن أن يخلو عنه؛ فهو بنفسه حي قيوم واجب الوجود ونحن بأنفسنا ~~محتاجون فقراء. فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال ~~من العلم والقدرة وغير ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان: لم يجب أن ~~يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال ولا يقدر ولا يعلم؛ لكون ذلك ملازما ~~للحاجة فينا. فكذلك " الرحمة " وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة ~~والضعف؛ لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك. وأيضا: فنحن نعلم ~~بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع ~~عنه المضرة؛ والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة: كان الأول أكمل. # PageV06P118 # فصل: # وأما قول القائل: " الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام " فليس بصحيح في ~~حقنا؛ بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام أصلا. ~~وأيضا: فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب ~~كما أن " الحياء " يقارن حمرة الوجه و " الوجل " يقارن صفرة الوجه؛ لا أنه ~~هو. وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم ~~إلى خارج فكان منه الغضب وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل؛ فاصفر ms1594 الوجه ~~كما يصيب الحزين. وأيضا: فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون ~~غضب الله تعالى مثل غضبنا؛ كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا فليس هو ~~مماثلا لنا: لا لذاتنا ولا لأرواحنا وصفاته كذاته. ونحن نعلم بالاضطرار أنا ~~إذا قدرنا موجودين: أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد. والآخر لا فرق عنده ~~بين الصلاح والفساد كان الذي عنده تلك القوة أكمل. # PageV06P119 # ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث ويذم من لا حمية له يدفع ~~بها الظلم عن المظلومين ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع ~~بها الظلم؛ ويعلم أن هذا أكمل من ذلك. ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم ~~الرب بالأكملية في ذلك فقال في الحديث الصحيح: {لا أحد أغير من الله من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال: {أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا ~~أغير منه والله أغير مني} . وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية. فيقال: ~~كل ما سوى الله مخلوق منفعل ونحن وذواتنا منفعلة فكونها انفعالات فينا ~~لغيرنا نعجز عن دفعها: لا يوجب أن يكون الله منفعلا لها عاجزا عن دفعها ~~وكان كل ما يجري في الوجود فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا ما يشاء ولا ~~يشاء إلا ما يكون له الملك وله الحمد. # PageV06P120 # فصل: # وقول القائل: " إن الضحك خفة روح " ليس بصحيح؛ وإن كان ذلك قد يقارنه. ثم ~~قول القائل: " خفة الروح ". إن أراد به وصفا مذموما فهذا يكون لما لا ينبغي ~~أن يضحك منه وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال وإذا قدر حيان ~~أحدهما يضحك مما يضحك منه؛ والآخر لا يضحك قط كان الأول أكمل من الثاني. ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {ينظر إليكم الرب قنطين فيظل يضحك يعلم ~~أن فرجكم قريب فقال له أبو رزين العقيلي: يا رسول الله أو يضحك الرب؟ قال: ~~نعم قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا} . فجعل الأعرابي العاقل - بصحة فطرته - ~~ضحكه دليلا ms1595 على إحسانه وإنعامه؛ فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان ~~المحمود وأنه من صفات الكمال والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك ~~وقد قيل في اليوم الشديد العذاب: إنه {يوما عبوسا قمطريرا} . # PageV06P121 # وقد روي: أن الملائكة قالت لآدم: " حياك الله وبياك " أي أضحكك. والإنسان ~~حيوان ناطق ضاحك؛ وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال فكما أن النطق صفة ~~كمال فكذلك الضحك صفة كمال فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يضحك أكمل ممن ~~لا يضحك وإذا كان الضحك فينا مستلزما لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك وذلك ~~الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقا مقرونة بالنقص كما أن ذواتنا ~~وصفاتنا مقرونة بالنقص ووجودنا مقرون بالنقص ولا يلزم أن يكون الرب موجدا ~~وأن لا تكون له ذات. ومن هنا ضلت القرامطة الغلاة كصاحب " الإقليد " ~~وأمثاله فأرادوا أن ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفي ~~وإثبات فقالوا: لا نقول موجود ولا لا موجود ولا موصوف ولا لا موصوف؛ لما في ~~ذلك - على زعمهم - من التشبيه وهذا يستلزم أن يكون ممتنعا وهو مقتضى ~~التشبيه بالممتنع والتشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شيء من ~~خصائصها وأن يكون مماثلا لها في شيء من صفاته كالحياة والعلم والقدرة فإنه ~~وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق كالحدوث والموت والفناء ~~والإمكان. # PageV06P122 # فصل: # وأما قوله: " التعجب استعظام للمتعجب منه ". فيقال: نعم. وقد يكون مقرونا ~~بجهل بسبب التعجب وقد يكون لما خرج عن نظائره والله تعالى بكل شيء عليم فلا ~~يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه؛ بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما ~~له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه أو لعظمته. فإنه وصف بعض ~~الخير بأنه عظيم. ووصف بعض الشر بأنه عظيم فقال تعالى: {رب العرش العظيم} ~~وقال: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقال: {ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا ms1596 أجرا ~~عظيما} وقال: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا ~~بهتان عظيم} وقال: {إن الشرك لظلم عظيم} . ولهذا قال تعالى: {بل عجبت ~~ويسخرون} على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة. # PageV06P123 # {وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: لقد عجب ~~الله} وفي لفظ في الصحيح: {لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة} . وقال: ~~{إن الرب ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ~~يقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا} وقال: {عجب ربك من شاب ليست له ~~صبوة} وقال: {عجب ربك من راعي غنم على رأس شظية يؤذن ويقيم فيقول الله ~~انظروا إلى عبدي} أو كما قال. ونحو ذلك. # PageV06P124 # فصل: # وأما قول القائل: " لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا ". وقول الآخر: ~~" لو قدر وعذب لكان ظلما والظلم نقص ". فيقال: أما المقالة الأولى فظاهرة: ~~فإنه إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه؛ وما لا يخلقه ~~ولا يحدثه لكان نقصا من وجوه: (أحدها أن انفراد شيء من الأشياء عنه ~~بالأحداث نقص لو قدر أنه في غير ملكه فكيف في ملكه؟ فإنا نعلم أنا إذا ~~فرضنا اثنين: أحدهما يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء والآخر يحتاج ~~إليه بعض الأشياء ويستغني عنه بعضها: كان الأول أكمل فنفس خروج شيء عن ~~قدرته وخلقه نقص وهذه دلائل الوحدانية فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين ~~وليس الكمال المطلق إلا في الوحدانية. فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ~~ممن يحتاج إلى معين ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على ~~فعل البعض ومن افتقر إليه كل شيء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء. # PageV06P125 # ومنها أن يقال: كونه خالقا لكل شيء وقادرا على كل شيء: أكمل من كونه ~~خالقا للبعض وقادرا على البعض. و " القدرية " لا يجعلونه خالقا لكل شيء ولا ~~قادرا ms1597 على كل شيء. و " المتفلسفة " القائلون بأنه علة غائية شر منهم فإنهم ~~لا يجعلونه خالقا لشيء من حوادث العالم - لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من ~~المتحركات ولا خالقا لما يحدث بسبب ذلك ولا قادرا على شيء من ذلك ولا عالما ~~بتفاصيل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما} وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على كل ~~شيء قدير ولا أن الله قد أحاط بكل شيء علما. (ومنها أنا إذا قدرنا مالكين: ~~(أحدهما يريد شيئا فلا يكون ويكون ما لا يريد (والآخر لا يريد شيئا إلا كان ~~ولا يكون إلا ما يريد علمنا بالضرورة أن هذا أكمل. وفي الجملة قول " ~~المثبتة للقدرة " يتضمن أنه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير ~~وأنه ما شاء كان؛ فيقتضي كمال خلقه وقدرته ومشيئته و " نفاة القدر " ~~يسلبونه هذه الكمالات. وأما قوله: " إن التعذيب على المقدر ظلم منه " فهذه ~~دعوى مجردة ليس معهم فيها إلا قياس الرب على أنفسهم ولا يقول عاقل إن كل ما ~~كان نقصا # PageV06P126 # من أي موجود كان: لزم أن يكون نقصا من الله؛ بل ولا يقبح هذا من الإنسان ~~مطلقا؛ بل إذا كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان وأن يفعل به ما فيه تعذيب ~~له حسن ذلك منه؛ كالذي يصنع القز فإنه هو الذي يسعى في أن دود القز ينسجه ~~ثم يسعى في أن يلقى في الشمس ليحصل له المقصود من القز وهو هنا له سعي في ~~حركة الدود التي كانت سبب تعذيبه. وكذلك الذي يسعى في أن يتوالد له ماشية ~~وتبيض له دجاج ثم يذبح ذلك لينتفع به فقد تسبب في وجود ذلك الحيوان تسببا ~~أفضى إلى عذابه؛ لمصلحة له في ذلك. ففي " الجملة ": الإنسان يحسن منه إيلام ~~الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك فليس جنس هذا مذموما ولا قبيحا ولا ظلما ms1598 وإن ~~كان من ذلك ما هو ظلم. وحينئذ فالظلم من الله إما أن يقال: هو ممتنع لذاته؛ ~~لأن الظلم تصرف المتصرف في غير ملكه والله له كل شيء؛ أو الظلم مخالفة ~~الأمر الذي تجب طاعته؛ والله تعالى يمتنع منه التصرف في ملك غيره أو مخالفة ~~أمر من يجب عليه طاعته. فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا: امتنع الظلم ~~منه. وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه؛ ~~ولإخباره أنه لا يفعله؛ ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه إذ كان العدل ~~والرحمة من لوازم ذاته؛ فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه ~~على هذا # PageV06P127 # القول فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة ~~تقتضي تنزيهه عنه. وعلى هذا فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة؛ وهذا يكفينا ~~من حيث الجملة وإن لم نعرف التفصيل وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم ~~علمنا بكيفية ذاته؛ وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنه ذاته ~~فغير معلومة لنا فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه. وكذلك نحن نعلم أنه " ~~حكيم " فيما يفعله ويأمر به وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح ~~فيما علمناه من أصل حكمته؛ فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من ~~تفصيلها. ونحن نعلم أن من علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفا ~~بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه ~~أن يقدح فيما قالوه؛ لعدم علمه بتوجيهه. والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته ~~في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو فاعتراضهم على حكمته أعظم ~~جهلا وتكلفا للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو ~~بغير علم بشيء من ذلك. وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال وهو قولنا: ~~إن الكمال # PageV06P128 # الذي لا نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما يناقضه فيقال: ~~خلق بعض الحيوان وفعله الذي يكون سببا ms1599 لعذابه هل هو نقص مطلقا أم يختلف؟ . ~~وأيضا فإذا كان في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك فأيما أكمل تحصيل ~~ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها؟ وأيضا فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة ~~بدون حصول هذا؟ فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان؛ علم أنه لا يمكنه أن يقول ~~خلق فعل الحيوان الذي يكون سببا لتعذيبه نقص مطلقا. و " المثبتة للقدر " قد ~~تجيب بجواب آخر؛ لكن ينازعهم الجمهور فيه. فيقولون: كونه يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذي يكون مأمورا منهيا الذي يؤمر بشيء وينهى ~~عن شيء. ويقولون إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر وهو ~~سبحانه لا يجوز أن يلحقه ضرر. والجمهور يقولون: إذا قدرنا من يفعل ما يريد ~~بلا حكمة محبوبة تعود إليه ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره: كان الذي يفعل ~~لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل لا لحكمة ولا لرحمة. ويقولون: إذا قدرنا مريدا ~~لا يميز بين مراده ومراد غيره. ومريدا يميز بينهما؛ فيريد ما يصلح أن يراد ~~وينبغي أن يراد؛ دون ما هو بالضد: كان هذا الثاني أكمل. ويقولون: المأمور ~~المنهي الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس # PageV06P129 # فوقه آمر ناه لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل والمحرم ~~عليها ما لا ينبغي أن يفعل وآخر يفعل ما يريده بدون أمر ونهي من نفسه فهذا ~~الملتزم لأمره ونهيه - الواقعين على وجه الحكمة - أكمل من ذلك؛ وقد قال ~~تعالى {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وقال: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} . وقالوا أيضا: إذا قيل يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته وأنه لا مانع له ولا يقدر غيره أن يمنعه ~~مراده ولا أن يجعله مريدا كان هذا أكمل ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا ~~يكون مريدا أو فاعلا لما يريد إلا به. وأما إذا قيل: يفعل ما يريد باعتبار ~~أنه لا يفعل على ms1600 وجه مقتضى العلم والحكمة؛ بل هو (متسفه فيما يفعله وآخر ~~يفعل ما يريد؛ لكن إرادته مقرونة بالعلم والحكمة؛ كان هذا الثاني أكمل. و ~~(جماع الأمر في ذلك: أن كمال القدرة صفة كمال وكون الإرادة نافذة لا تحتاج ~~إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال. وأما كون " الإرادة " لا تميز بين ~~مراد ومراد بل جميع الأجناس عندها سواء فهذا ليس بوصف كمال؛ بل الإرادة ~~المميزة بين مراد ومراد - كما يقتضيه العلم والحكمة - هي الموصوفة بالكمال ~~فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره قدره. ومن نقصه من حكمته ورحمته ~~فلم يقدره حق قدره. والكمال الذي يستحقه إثبات هذا وهذا. # PageV06P130 # فصل: # وأما " منكرو النبوات " وقولهم: ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا ~~كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا: فهذا جهل واضح ~~في حق المخلوق والخالق فإن من أعظم ما تحمد به الملوك خطابهم بأنفسهم ~~لضعفاء الرعية فكيف بإرسال رسول إليهم. وأما في حق الخالق فهو سبحانه أرحم ~~بعباده من الوالدة بولدها وهو قادر مع كمال رحمته فإذا كان كامل القدرة ~~كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم رسولا رحمة منه؟ كما قال تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما أنا ~~رحمة مهداة} ولأن هذا من جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية وبيان ما ~~ينفعهم وما يضرهم كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} فبين ~~تعالى أن هذا من مننه على عباده المؤمنين. # PageV06P131 # فإن كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح في كمال قدرته وإن كان ينكر ~~إحسانه بذلك فهذا قدح في كمال رحمته وإحسانه. فعلم أن إرسال الرسول من أعظم ~~الدلالة على كمال قدرته وإحسانه والقدرة والإحسان من صفات الكمال لا النقص. ~~وأما تعذيب المكذبين فذلك داخل في القدر لما له فيه من الحكمة. # PageV06P132 # فصل: # وأما " قول المشركين ": إن عظمته وجلاله يقتضي أن لا يتقرب ms1601 إليه إلا ~~بواسطة وحجاب والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع فهذا باطل من وجوه: # منها أن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب إما أن يكون قادرا على سماع ~~كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب وإما أن لا يكون قادرا فإن ~~لم يكن قادرا كان هذا نقصا والله تعالى موصوف بالكمال؛ فوجب أن يكون متصفا ~~بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ويجيب دعاءهم ويحسن إليهم بدون حاجة إلى ~~حجاب وإن كان الملك قادرا على فعل أموره بدون الحجاب وترك الحجاب إحسانا ~~ورحمة كان ذلك صفة كمال. وأيضا: فقول القائل: إن هذا غض منه إنما يكون فيمن ~~يمكن الخلق أن يضروه ويفتقر في نفعه إليهم فأما مع كمال قدرته واستغنائه ~~عنهم وأمنه أن يؤذوه فليس تقربهم إليه غضا منه؛ بل إذا كان اثنان: أحدهما ~~يقرب إليه الضعفاء إحسانا إليهم ولا يخاف منهم والآخر لا يفعل ذلك إما خوفا ~~وإما كبرا وإما غير ذلك: كان الأول أكمل من الثاني: # PageV06P133 # وأيضا فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المطاع؛ بل إذا أذن للناس في ~~التقرب منه ودخول داره: لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضا منه فهذا إنكار ~~على من تعبده بغير ما شرع. ولهذا قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا} {وداعيا إلى الله بإذنه} وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} . # PageV06P134 # فصل: # وأما قول القائل: إنه لو قيل لهم أيما أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع ~~الإدراكات من الذوق والشم واللمس؟ أم ذات لا توصف بها؟ لقالوا: الأول أكمل ~~ولم يصفوه بها. فتقول مثبتة الصفات لهم: في هذه الإدراكات ثلاثة أقوال ~~معروفة: أحدها: إثبات هذه الإدراكات لله تعالى كما يوصف بالسمع والبصر. ~~وهذا قول القاضي أبي بكر وأبي المعالي وأظنه قول الأشعري نفسه بل هو قول ~~المعتزلة البصريين الذين يصفونه بالإدراكات. وهؤلاء وغيرهم يقولون: تتعلق ~~به الإدراكات الخمسة أيضا كما تتعلق به الرؤية؛ وقد وافقهم على ذلك القاضي ~~أبو يعلى في ms1602 " المعتمد " وغيره. والقول الثاني: قول من ينفي هذه الثلاثة؛ ~~كما ينفي ذلك كثير من المثبتة أيضا من الصفاتية وغيرهم. وهذا قول طوائف من ~~الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وكثير من أصحاب الأشعري وغيره. والقول ~~الثالث: إثبات إدراك اللمس دون إدراك الذوق؛ لأن الذوق إنما يكون للمطعوم ~~فلا يتصف به إلا من يأكل ولا يوصف به إلا ما يؤكل # PageV06P135 # والله سبحانه منزه عن الأكل بخلاف اللمس فإنه بمنزلة الرؤية وأكثر أهل ~~الحديث يصفونه باللمس وكذلك كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ولا ~~يصفونه بالذوق. وذلك أن نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة: إذا قلتم ~~إنه يرى. فقولوا إنه يتعلق به سائر أنواع الحس. وإذا قلتم إنه سميع بصير ~~فصفوه بالإدراكات الخمسة. فقال " أهل الإثبات قاطبة " نحن نصفه بأنه يرى ~~وأنه يسمع كلامه كما جاءت بذلك النصوص. وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى. وقال ~~جمهور أهل الحديث والسنة: نصفه أيضا بإدراك اللمس لأن ذلك كمال لا نقص فيه. ~~وقد دلت عليه النصوص بخلاف إدراك الذوق فإنه مستلزم للأكل وذلك مستلزم ~~للنقص كما تقدم. وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين. ~~ومنهم من قال: إنه يمكن أن تتعلق به هذه الأنواع كما تتعلق به الرؤية ~~لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود ولم يقولوا إنه متصف بها. وأكثر مثبتي ~~الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية؛ بل قالوا إن المقتضى أمور ~~وجودية لا أن كل موجود يصح رؤيته وبين الأمرين فرق؛ فإن الثاني يستلزم رؤية ~~كل موجود؛ بخلاف الأول؛ وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور وجودية لا يشترط ~~فيها أمور عدمية؛ فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم كان أحق بأن تجوز ~~رؤيته ومنهم من نفى ما سوى السمع والبصر من الجانبين. # PageV06P136 # فصل: # وأما قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبية: فقد بينا أن الذي ~~يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وأنه الكمال الممكن ~~للموجود ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلا والكمال النسبي هو المستلزم للنقص؛ ms1603 ~~فيكون كمالا من وجه دون وجه؛ كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه؛ لأنه ~~ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص. والتعالي والتكبر والثناء على النفس ~~وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية ~~هذا كمال محمود من الرب تبارك وتعالى وهو نقص مذموم من المخلوق. وهذا ~~كالخبر عما هو من خصائص الربوبية؛ كقوله: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني} وقوله تعالى {ادعوني أستجب لكم} وقوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله} وقوله: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا} وقوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله: {إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقوله: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل # PageV06P137 # على الله فهو حسبه} وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض ~~خصائصه وهو في ذلك صادق في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال: هو أيضا ~~من كماله فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضا من كماله. وأما غيره فلو ~~أخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذبا مفتريا والكذب من أعظم العيوب والنقائص. ~~وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقا بل قد ~~يحمد منه إذا كان في ذلك مصلحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم {أنا سيد ولد ~~آدم ولا فخر} . وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية فيذم لفعله ما هو ~~مفسدة لا لكذبه والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه؛ بل له الحمد على كل ~~حال فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود. وأما على قول من يقول: الظلم منه ~~ممتنع لذاته فظاهر. وأما على قول الجمهور من أهل السنة والقدرية فإنه إنما ~~يفعل بمقتضى الحكمة والعدل فأخباره كلها وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة ~~واقعة على وجه الكمال الذي يستحق عليه الحمد وله من الأمور التي يستحق بها ~~الكبرياء والعظمة ms1604 ما هو من خصائصه تبارك وتعالى. فالكبرياء والعظمة له ~~بمنزلة كونه حيا قيوما قديما واجبا بنفسه وأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء ~~قدير وأنه العزيز الذي لا ينال وأنه قهار لكل ما سواه. # PageV06P138 # فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو؛ فما لا يستحقه إلا هو كيف يكون ~~كمالا من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريا منازعا للربوبية في ~~خواصها كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول ~~الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته} . ~~وجملة ذلك: أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب فهذا تحقيق ~~اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه. ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره ~~فادعاؤه منازعة للربوبية وفرية على الله. ومعلوم أن النبوة كمال للنبي وإذا ~~ادعاها المفترون - كمسيلمة وأمثاله - كان ذلك نقصا منهم لا لأن النبوة نقص؛ ~~ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ~~ليس متصفا بذلك كان مذموما ممقوتا وهذا يقتضي أن الرب تعالى متصف بكمال لا ~~يصلح للمخلوق وهذا لا ينافي أن ما كان كمالا للموجود من حيث هو موجود: ~~فالخالق أحق به؛ ولكن يفيد أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه إذا ~~وصف الخالق بما هو منه فالذي للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه. وهذا ~~حق فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء فليس له ~~سمي ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد ~~والغنى المطلق ونحو ذلك أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق؛ # PageV06P139 # فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق: عظمة هي ~~أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها. و " ملخص ذلك " أن المخلوق يذم منه ~~الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه أحيانا ونحو ذلك. وأما قول السائل: فإن قلتم ~~نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل هي كمال أم نقص؟ ms1605 وكذلك نحيل ~~الحكم عليها بأحدهما؛ لأنها قد تكون كمالا لذات نقصا لأخرى على ما ذكر. ~~فيقال: بل نحن نقول الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال مطلق لكل ~~ما يتصف به. وأيضا فالكمال الذي هو كمال للموجود - من حيث هو موجود - يمتنع ~~أن يكون نقصا في بعض الصور؛ لأن ما كان نقصا في بعض الصور تاما في بعض: هو ~~كمال لنوع من الموجودات دون نوع فلا يكون كمالا للموجود من حيث هو موجود. ~~ومن الطرق التي بها يعرف ذلك: أن نقدر موجودين: أحدهما متصف بهذا والآخر ~~بنقيضه فإنه يظهر من ذلك أيهما أكمل وإذا قيل هذا أكمل من وجه وهذا أنقص من ~~وجه لم يكن كمالا مطلقا. والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم. # PageV06P140 # وقال: # فصل: قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه} وقال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى} وقال تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى} و " ~~الحسنى ": المفضلة على الحسنة والواحد الأحاسن. ثم هنا " ثلاثة أقوال ": ~~إما أن يقال: ليس له من الأسماء إلا الأحسن ولا يدعى إلا به؛ وإما أن يقال: ~~لا يدعى إلا بالحسنى؛ وإن سمي بما يجوز - وإن لم يكن من الحسنى - وهذان ~~قولان معروفان. وإما أن يقال: بل يجوز في الدعاء والخبر. وذلك أن قوله: ~~{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال: {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أثبت له الأسماء الحسنى وأمر بالدعاء بها. ~~فظاهر هذا: أن له جميع الأسماء الحسنى. # PageV06P141 # وقد يقال: جنس " الأسماء الحسنى " بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعله ~~الكفار وأمر بالدعاء بها وأمر بدعائه مسمى بها؛ خلاف ما كان عليه المشركون ~~من النهي عن دعائه باسمه " الرحمن ". فقد يقال: قوله {فادعوه بها} أمر أن ~~يدعى بالأسماء الحسنى وأن لا يدعى ms1606 بغيرها؛ كما قال: {ادعوهم لآبائهم} فهو ~~نهي أن يدعوا لغير آبائهم. ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا ~~بالأسماء الحسنى؛ وأما الإخبار عنه: فلا يكون باسم سيئ؛ لكن قد يكون باسم ~~حسن أو باسم ليس بسيئ وإن لم يحكم بحسنه. مثل اسم شيء وذات وموجود؛ إذا ~~أريد به الثابت وأما إذا أريد به " الموجود عند الشدائد " فهو من الأسماء ~~الحسنى وكذلك المريد والمتكلم؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم ~~فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك فإن ذلك ~~لا يكون إلا محمودا. وهكذا كما في حق الرسول حيث قال: {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فأمرهم أن يقولوا يا رسول الله يا نبي الله ~~كما خاطبه الله بقوله: {يا أيها النبي} {يا أيها الرسول} لا يقول يا محمد ~~يا أحمد يا أبا القاسم وإن كانوا يقولون في الإخبار - كالأذان ونحوه -: ~~أشهد أن محمدا رسول الله كما قال تعالى {محمد رسول الله} وقال: {ومبشرا ~~برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} وقال: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله} . # PageV06P142 # فهو سبحانه: لم يخاطب محمدا إلا بنعت التشريف: كالرسول والنبي والمزمل ~~والمدثر؛ وخاطب سائر الأنبياء بأسمائهم مع أنه في مقام الإخبار عنه قد يذكر ~~اسمه. فقد فرق سبحانه بين حالتي الخطاب في حق الرسول وأمرنا بالتفريق ~~بينهما في حقه؛ وكذلك هو المعتاد في عقول الناس إذا خاطبوا الأكابر من ~~الأمراء والعلماء والمشايخ والرؤساء لم يخاطبوهم ويدعوهم إلا باسم حسن؛ وإن ~~كان في حال الخبر عن أحدهم يقال: هو إنسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق ~~ومربوب ومصنوع وابن أنثى ويأكل الطعام ويشرب الشراب. لكن كل ما يذكر من ~~أسمائه وصفاته في حال الإخبار عنه: يدعى به في حال مناجاته ومخاطبته؛ وإن ~~كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه وحدوثه وأسماء الله ليس فيها ما ~~يدل على نقص ولا حدوث؛ بل فيها الأحسن الذي يدل على الكمال وهي التي يدعى ~~بها؛ وإن كان ms1607 إذا أخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ينفي الحسن ولا يجب أن ~~يكون حسنا (1) . # وأما في الأسماء المأثورة فما من اسم إلا وهو يدل على معنى حسن فينبغي ~~تدبر هذا للدعاء وللخبر المأثور وغير المأثور الذي قيل لضرورة حدوث ~~المخالفين - للتفريق بين الدعاء والخبر وبين المأثور الذي يقال - أو ~~تعريفهم لما لم يكونوا به عارفين وحينئذ فليس كل اسم ذكر في مقام يذكر في ~~مقام بل يجب التفريق. PageV06P143 # وقال: # فصل: # في القاعدة العظيمة الجليلة في " مسائل الصفات والأفعال " من حيث قدمها ~~ووجوبها أو جوازها ومشتقاتها أو وجوب النوع مطلقا وجواز الآحاد معينا. ~~فنقول: المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة سواء كانت إضافة اسم إلى ~~اسم أو نسبة فعل إلى اسم أو خبر باسم عن اسم لا يخلو من ثلاثة أقسام: # أحدها إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} ~~وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة} . وفي حديث الاستخارة: {اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك} وفي الحديث الآخر {اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق} فهذا في الإضافة الاسمية. وأما بصيغة الفعل فكقوله: {علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} وقوله: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} . # PageV06P144 # وأما الخبر الذي هو جملة اسمية: فمثل قوله: {والله بكل شيء عليم} {والله ~~على كل شيء قدير} . وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات: إما جملة أو ~~مفرد. فالجملة إما اسمية كقوله: {والله بكل شيء عليم} أو فعلية كقوله: {علم ~~أن لن تحصوه} . أما المفرد فلا بد فيه من إضافة الصفة لفظا أو معنى كقوله: ~~{بشيء من علمه} وقوله: {هو أشد منهم قوة} أو إضافة الموصوف كقوله: {ذو ~~القوة} . و (القسم الثاني: إضافة المخلوقات كقوله: {ناقة الله وسقياها} ~~وقوله: {وطهر بيتي للطائفين} وقوله: {رسول الله} و {عباد الله} وقوله: {ذو ~~العرش} وقوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض} . فهذا القسم لا خلاف بين ~~المسلمين في أنه مخلوق كما أن القسم الأول لم يختلف أهل السنة والجماعة في ~~أنه قديم وغير مخلوق. ms1608 وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات؛ لا في ~~أحكامها وخالفهم بعضهم في قدم العلم وأثبت بعضهم حدوثه وليس الغرض هنا ~~تفصيل ذلك. (الثالث - وهو محل الكلام هنا - ما فيه معنى الصفة والفعل مثل ~~قوله: {وكلم الله موسى تكليما} وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون} وقوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} وقوله: {يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله} {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} وقوله: {إن الله ~~يحكم ما يريد} {فعال لما يريد} . # PageV06P145 # وقوله: {فباءوا بغضب على غضب} وقوله: {وغضب الله عليه ولعنه} وقوله: ~~{فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه} وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} . وقوله: {وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا} {وقل رب اغفر وارحم} {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} . وكذلك قوله: ~~{خلق السموات والأرض} {لما خلقت بيدي} وقوله: {ثم استوى على العرش} {وجاء ~~ربك والملك صفا صفا} {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} . وفي الأحاديث شيء كثير ~~كقوله في حديث " الشفاعة ": {إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولن يغضب بعده مثله} وقوله: {ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما ~~يدخل الجنة} وقوله: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا} الحديث. وأشباه هذا. وهو ~~باب واسع. وقوله: {إذا تكلم الله بالوحي: سمع أهل السموات} . . . (1) (*) ~~فالناس فيه على قولين: أحدهما: - وهو قول المعتزلة والكلابية والأشعرية ~~وكثير من PageV06P146 # الحنبلية ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وغيرهم - إن هذا القسم لا بد أن ~~يلحق بأحد القسمين قبله؛ فيكون: إما قديما قائما به عند من يجوز ذلك وهم ~~الكلابية. وإما مخلوقا منفصلا عنه ويمتنع أن يقوم به نعت أو حال أو فعل أو ~~شيء ليس بقديم. ويسمون هذه المسألة: " مسألة حلول الحوادث بذاته ". ~~ويقولون: يمتنع أن تحل الحوادث بذاته كما يسميها قوم آخرون: فعل الذات ~~بالذات أو في الذات؛ ورأوا أن تجويز ذلك يستلزم حدوثه؛ ms1609 لأن الدليل الذي ~~دلهم على حدوث الأجسام: قيام الحوادث بها؛ فلو قامت به لزم أحد الأمرين: ~~إما حدوثه أو بطلان العلم بحدوث العالم. ومن خالفهم في ذلك قال: دليل حدوث ~~العالم امتناع خلوه عن الحوادث وكونه لا يسبقها وأما إذا جاز أن يسبقها لم ~~يكن في قيامها به ما يدل على الحدوث. ويقول آخرون: إنه ليس هذا هو الدليل ~~على حدوث العالم بل هو ضعيف. ولهم مآخذ أخر. ثم هم فريقان: أحدهما: من يرى ~~امتناع قيام الصفات به أيضا؛ لاعتقاده أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به ~~يقتضي حدوثه أيضا وهؤلاء نفاة الصفات من # PageV06P147 # المعتزلة فقالوا حينئذ: إن القرآن مخلوق وأنه ليس لله مشيئة قائمة به ولا ~~حب ولا بغض ونحو ذلك. وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق أو إضافة ~~وصف من غير قيام معنى به. (والثاني: مذهب الصفاتية أهل السنة وغيرهم الذين ~~يرون قيام الصفات به فيقولون: له مشيئة قديمة وكلام قديم واختلفوا في حبه ~~وبغضه ورحمته وأسفه ورضاه وسخطه ونحو ذلك هل هو بمعنى المشيئة أو صفات أخرى ~~غير المشيئة؟ على قولين. وهذا الاختلاف عند الحنبلية والأشعرية وغيرهم. ~~ويقولون: إن الخلق ليس هو شيئا غير المخلوق وغير الصفات القديمة من المشيئة ~~والكلام. ثم يقولون للمتكلمين في الخلق هل هو المخلوق؟ أربعة أقوال: # أحدها: أن الخلق هو المخلوق. # والثاني: أنه قائم بالمخلوق. # والثالث: أنه معنى قائم بنفسه. # والرابع: أنه قائم بالخالق. [قال القاضي أبو يعلى الصغير: من أصحابنا من ~~قال الخلق هو المخلوق # PageV06P148 # ومنهم من قال: الخلق غير المخلوق] (*) فالخلق صفة قائمة بذاته والمخلوق ~~الموجود المخترع. وهذا بناء على أصلنا وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف ~~بها في القدم وإن كانت المفعولات محدثة. قال: وهذا هو الصحيح. ويقولون في ~~الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك من أنواع الأفعال التي هي أنواع جنس ~~الحركة: أحد قولين: إما أن يجعلوها من باب " النسب " و " الإضافات " المحضة ~~بمعنى أن الله خلق العرش بصفة التحت فصار مستويا عليه وأنه يكشف الحجب ms1610 التي ~~بينه وبين خلقه فيصير جائيا إليهم ونحو ذلك وأن التكليم إسماع المخاطب فقط ~~وهذا قول أهل السنة من أهل هذا القول من الحنبلية ومن وافقهم فيه أو في ~~بعضه من الأشعرية وغيرهم. أو يقول: إن هذه " أفعال محضة " في المخلوقات من ~~غير إضافة ولا نسبة فهذا اختلاف بينهم هل تثبت لله هذه النسب والإضافات مع ~~اتفاق الناس على أنه لا بد من حدوث " نسب " و " إضافات " لله تعالى كالمعية ~~ونحوها؟ ويسمي ابن عقيل هذه النسب: " الأحوال " لله وليست هي " الأحوال " ~~التي تنازع فيها المتكلمون مثل العالمية والقادرية؛ بل هذه النسب والإضافات ~~يسميها الأحوال. ويقول: إن حدوث هذه الأحوال ليس هو حدوث الصفات؛ فإن هذه ~~الأحوال نسب بين الله وبين الخلق فإن ذلك لا يوجب ثبوت معنى قائم ~~PageV06P149 # بالمنسوب إليه كما أن الإنسان يصعد إلى السطح فيصير فوقه ثم يجلس عليه ~~فيصير تحته والسطح متصف تارة بالفوقية والعلو وتارة بالتحتية والسفول من ~~غير قيام صفة فيه ولا تغير. وكذلك إذا ولد للإنسان مولود فيصير أخوه عما ~~وأبوه جدا وابنه أخا وأخو زوجته خالا وتنسب لهم هذه النسب والإضافات من غير ~~تغير فيهم. (والقول الثاني: - وهو قول الكرامية وكثير من الحنبلية وأكثر ~~أهل الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين. وأكثر كلام ~~السلف ومن حكى مذهبهم حتى الأشعري؛ يدل على هذا القول - أن هذه الصفات ~~الفعلية ونحوها؛ المضافة إلى الله: " قسم ثالث " ليست من المخلوقات ~~المنفصلة عنه؛ وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التي لا تتعلق ~~بها مشيئته: لا بأنواعها ولا بأعيانها. وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلم إذا شاء ~~ويسكت إذا شاء ولم يزل متكلما؛ بمعنى أنه لم يزل يتكلم إذا شاء ويسكت إذا ~~شاء وكلامه منه ليس مخلوقا. وكذلك يقولون: وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد ~~إذا شاء ويغضب ويمقت. ويقر هؤلاء أو أكثرهم ما جاء من النصوص على ظاهره مثل ~~قوله: {ثم استوى على العرش} أنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه # PageV06P150 # وأنه يدنو إلى ms1611 عباده ويقرب منهم وينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم ~~القيامة؛ بعد أن لم يكن جائيا. ثم من هؤلاء من قد يقول: تحل " الحوادث " ~~بذاته ومنهم من لا يطلق هذا اللفظ: إما لعدم ورود الأثر به؛ وإما لإيهام ~~معنى فاسد؛ من أن ذلك كحلول " الأعراض " بالمخلوقات؛ كما يمتنع جمهور ~~المتكلمين من تسمية صفاته أعراضا؛ وإن كانت صفات قائمة بالموصوف كالأعراض. ~~وزعم ابن الخطيب أن أكثر الطوائف والعقلاء يقرون بهذا القول في الحقيقة؛ ~~وإن أنكروه بألسنتهم؛ حتى الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية. أما " الفلاسفة ": ~~فإن عندهم أن الإضافات موجودة في الأعيان؛ والله موجود مع كل حادث. و " ~~المعية " صفة حادثة في ذاته وقد صرح أبو البركات البغدادي صاحب " المعتبر " ~~بحدوث علوم وإرادات جزئية في ذاته المعينة. وقال: إنه لا يتصور الاعتراف ~~بكونه إلها لهذا العالم إلا مع القول بذلك. ثم قال: الإجلال من هذا الإجلال ~~واجب والتنزيه من هذا التنزيه لازم. وأما " المعتزلة ": فإن البصريين كأبي ~~علي وأبي هاشم يقولون بحدوث المرئي والمسموع وبه تحدث صفة السمعية والبصرية ~~لله وأبو الحسين البصري يقول بتجدد علوم في ذاته بتجدد المعلومات والأشعرية ~~أيضا يقولون بأن المعدومات لم تكن مسموعة ولا مرئية؛ ثم صارت مسموعة مرئية ~~بعد وجودها وليس السمع والبصر عندهم مجرد نسبة؛ بل هو صفة قائمة بذات ~~السميع # PageV06P151 # البصير وقد يلزمون بقولهم: بأن النسخ هو رفع الحكم أو انتهاؤه. وقولهم ~~علمه بالجزئيات. وكذلك بانقطاع تعلق القدرة والإرادة منه. والتحقيق: أن ~~التصريح بالخلاف في هذا الأصل موجود في عامة الطوائف ليس مخصوصا بأهل ~~الحديث. ثم " النفاة " قد يقال إن هذا القول يلزمهم إذا أثبتوا لله نعوتا ~~غير قديمة؛ فيصير هذا الأصل متفقا عليه وهم قد يعتذرون عن تلك اللوازم؛ ~~تارة بأعذار صحيحة؛ فلا يكون لازما لهم وتارة بأعذار غير صحيحة فيكون لازما ~~لهم وهذا لا ريب فيه. وأما نصوص الكتاب والسنة: فلا ريب أن ظاهرها موافق ~~لهذا القول لكن الأولون قد يتأولونها أو يفوضونها وأما هؤلاء فيقولون: إن ~~فيها نصوصا لا تقبل التأويل. وإن ما قبل ms1612 التأويل قد انضم إليه من القرائن ~~والضمائم (1) (*) . ما يعلم قطعا أن الله ورسوله أراد ذلك؛ أو أن هذا ~~مفهوم. ويقولون: ليس للنفاة دليل معتمد وإنما معهم التقليد لأسلافهم ~~بالشناعة والتهويل على المخاطبين الذين لم يعرفوا دقيق الكلام وأن هذا مذهب ~~عامة أهل الملل وخواص عباد الله وإنما خالف ذلك أهل البدع في الملل ~~والأولون قد يقولون: هذا خلاف الإجماع وهذا كفر وهذا يستلزم التغير والحدوث ~~وقد رأيت للناس في هذا الأصل عجائب. PageV06P152 # وقال الإمام أحمد في الجزء الذي فيه " الرد على الجهمية والزنادقة ": ~~وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان. وقال بعد ~~ذلك: بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم ~~حتى خلق. وكلامه فيه طول. قال: # باب ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى # فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم؛ إنما كون شيئا ~~فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمعه وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان ~~وشفتين. فقلنا: هل يجوز أن يكون لمكون غير الله أن يقول: يا موسى إني أنا ~~ربك؟ أو يقول: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} . ~~فمن زعم أن ذلك غير الله فقد ادعى الربوبية؛ ولو كان كما زعم الجهمي أن ~~الله كون شيئا كأن يقول ذلك المكون: يا موسى إن الله رب العالمين ولا يجوز ~~أن يقول: {إني أنا الله رب العالمين} . وقد قال الله جل ثناؤه: {وكلم الله ~~موسى تكليما} وقال: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} وقال: {إني اصطفيتك ~~على الناس برسالاتي وبكلامي} فهذا منصوص القرآن. وأما ما قالوا إن الله لم ~~يتكلم ولا يكلم: فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن # PageV06P153 # خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {ما ~~منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان} ". وأما قولهم: إن ~~الكلام لا يكون إلا من جوف وفم ms1613 وشفتين ولسان. فنقول: أليس الله قال للسموات ~~والأرض {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} ؟ أتراها أنها قالت بجوف ~~وفم وشفتين ولسان؟ . وقال: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} أتراها أنها ~~يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء وكذلك الله تكلم ~~كيف شاء من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان. فلما خنقته الحجج ~~قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. ~~قلنا: هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة وحديث الزهري ~~قال: {لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم ~~يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها ~~وأنا أقوى من ذلك؛ وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك؛ ولو كلمتك بأكثر من ~~ذلك لمت قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك. فقال: سبحان ~~الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا: فشبهه قال: سمعتم أصوات الصواعق التي ~~تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله} ". وقلنا للجهمية: من القائل يوم ~~القيامة: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت # PageV06P154 # للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ أليس الله هو القائل؟ قالوا: ~~يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كونه فعبر لموسى. قلنا: فمن القائل: ~~{فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} {فلنقصن عليهم بعلم} ؟ أليس ~~الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيئا فيعبر عن الله. فقلنا: ~~قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي ~~تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى ~~مكان. فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم؛ لكن كلامه مخلوق. قلنا: ~~قد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في وقت من ~~الأوقات لا يتكلم؛ وكذلك بنو آدم كانوا ولا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد ms1614 ~~جمعتم بين كفر وتشبيه؛ فتعالى الله عن هذه الصفة علوا كبيرا. بل نقول: إن ~~الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما ولا ~~نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتى ~~خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا ولا ~~نقول إنه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة وذكر كلاما طويلا في تقرير ~~الصفات وأنها لا تنافي التوحيد. # PageV06P155 # ومما يشبه هذا أن الصفات التي هي من جنس الحركة: كالإتيان والمجيء ~~والنزول هل تتأول بمعنى مجيء قدرته وأمره؟ على روايتين: إحداهما هي بمعنى ~~مجيء قدرته وهي رواية حنبل في المحنة. والثانية: تمر كسائر الصفات وهي ظاهر ~~المذهب المشهور عند أصحابنا. ثم منهم من غلط حنبلا ومنهم من قال قاله أحمد ~~إلزاما لهم ومنهم من جعله رواية خاصة كابن الزاغوني وعمم ابن عقيل ذلك في ~~سائر الصفات. وهذا الأصل يتفرع في أكثر مسائل الصفات؛ لا سيما مسألة الكلام ~~والإرادة والصفات المتعلقة بالمشيئة كالنزول والاستواء؛ وهو كان سبب وقوع ~~النزاع بين إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة وبين طائفة من فضلاء ~~أصحابه. # PageV06P156 # فصل: # قال القاضي: قال: " أحمد " في رواية حنبل: لم يزل الله متكلما عالما. ~~غفورا. وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلما إذا شاء. ووجدتها في " ~~المحنة " رواية حنبل لما سأله عبد الرحمن بن إسحاق قاضي " المعتصم " فلامه ~~فقال: ما تقول في القرآن؟ قال فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت. فقلت لعبد ~~الرحمن: القرآن من علم الله ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله قال: ~~فسألت عبد الرحمن فلم يرد علي شيئا وقال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن ~~فقلت: كان الله ولا علم؟ فأمسك. ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله. ~~ثم قال أبو عبد الله: لم يزل الله عالما متكلما يعبد الله بصفاته غير ~~محدودة ولا معلومة ms1615 إلا بما وصف به نفسه ونرد القرآن إلى عالمه إلى الله فهو ~~أعلم به؛ منه بدأ وإليه يعود. وقال في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: ~~لم يزل الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق. وعلى كل جهة. ولا يوصف ~~الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه. # PageV06P157 # وقال أبو بكر عبد العزيز - في الجزء الأول من " كتاب السنة في المقنع " - ~~لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا. فقال: لأصحابنا ~~قولان: # أحدهما: لم يزل متكلما كالعلم؛ لأن ضد الكلام الخرس كما أن ضد العلم ~~الجهل. قال: ومن أصحابنا من قال قد أثبت لنفسه أنه خالق ولم يجز أن يكون ~~خالقا في كل حال؛ بل قلنا إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق وإن لم يكن خالقا ~~في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا؛ كذلك وإن لم يكن متكلما في كل حال لم ~~يبطل أن يكون متكلما؛ بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا ~~متكلما في كل حال. قال القاضي أبو يعلى في كتاب " إيضاح البيان في مسألة ~~القرآن " لما أورد عليه هذا السؤال فقال: نقول إنه لم يزل متكلما وليس ~~بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه؛ نص عليه أحمد في رواية حنبل وساق الكلام ~~إلى أن ذكر عن أبي بكر ما حكاه في المقنع ثم قال: لعل هذا القائل من ~~أصحابنا يذهب إلى قول أحمد بن حنبل في رواية عبد الله " لم يزل متكلما إذا ~~شاء ". قال: والقائل بهذا قائل بحدوث القرآن وقد تأولنا كلام أحمد يتكلم ~~إذا شاء في أول المسألة ولا يشبه هذا وصفه بالخلق والرزق؛ لأن تلك الصفات # PageV06P158 # يجب أن تقدر فيها ذلك؛ وذلك لأننا لو قدرنا وجود الفعل فيما لم يزل أفضى ~~إلى قدم العالم فأما الكلام فهو كالعلم. وقال القاضي في أول المسألة: قول ~~أحمد: لم يزل غفورا بيان أن جميع الصفات قديمة سواء كانت مشتقة من فعل ~~كالغفران والخلق والرزق أو لم تكن ms1616 مشتقة. وقوله: لم يزل متكلما إذا شاء: ~~معناه إذا شاء أن يسمعه. قلت وطريقة القاضي هذه هي طريقة أصحابه وأصحابهم ~~وغيرهم: كابن عقيل وابن الزاغوني. وأما أكثر أهل الحديث من أصحاب أحمد ~~وغيرهم وكثير من أهل الكلام أيضا فيخالفونه في ذلك ويقولون في الفعل أحد ~~قولين: أحدهما: - وهو القول الآخر للقاضي الذي هو الصحيح عند أصحابنا - أما ~~أن الفعل قديم والمفعول مخلوق؛ كما نسلم ذلك لهم في الإرادة والقول المكون: ~~أي الإرادة قديمة والمراد محدث وكما أن المنازع يقول: التكوين قديم فالمكون ~~مخلوق. (والثاني: أن الفعل نفسه عندهم - كالقول كلاهما - غير مخلوق مع أنه ~~يكون في حال دون حال؛ إذ هو قائم بالله والمخلوق لا يكون إلا منفصلا عن ~~الله. ويقولون: إن قول أحمد موافق لما قلناه؛ لأنه قال: لم يزل متكلما إذا ~~شاء # PageV06P159 # ولم يقل لم يزل مكلما إذا شاء والمتعلق بالمشيئة - عند من يقول إنه قديم ~~واجب إنما هو التكليم الذي هو فعل جائز لا التكلم. فبين ذلك أن أحمد - رضي ~~الله عنه - قال في الموضع الآخر: لم يزل الله متكلما عالما غفورا. فذكر ~~الصفات الثلاث: الصفة التي هي قديمة واجبة وهي العلم والتي هي جائزة متعلقة ~~بالمشيئة وهي المغفرة. فهذان متفق عليهما. وذكر أيضا التكلم وهو القسم ~~الثالث: الذي فيه نزاع وهو يشبه العلم من حيث هو وصف قائم به لا يتعلق ~~بالمخلوق ويشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته كما فسره في الموضع الآخر ~~فعلم أن قدمه عنده: أنه لم يزل إذا شاء تكلم وإذا شاء سكت لم يتجدد له وصف ~~القدرة على الكلام التي هي صفة كمال كما لم يتجدد له وصف القدرة على ~~المغفرة. وإن كان الكمال هو أن يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء. وأما قول ~~القاضي إن هذا قول بحدوثه فيجيبون عنه بجوابين. أحدهما ألا يسمى محدثا وأن ~~يسمى حديثا؛ إذ المحدث هو المخلوق المنفصل وأما الحديث فقد سماه الله حديثا ~~وهذا قول الكرامية وأكثر أهل الحديث والحنبلية. والثاني: أنه يسمى محدثا ms1617 ~~كما في قوله: {من ذكر من ربهم محدث} وليس بمخلوق. وهذا قول كثير من الفقهاء ~~وأهل الحديث والكلام # PageV06P160 # كداود بن علي الأصبهاني - صاحب المذهب - لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك ~~وقد يحتج به لأحد قولي أصحابنا. قال المروذي قال أبو عبد الله: من داود بن ~~علي الأصبهاني؟ - لا فرج الله عنه جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن ~~داود الأصبهاني قال: كذبا: إن القرآن محدث وذكر أبو بكر الخلال هذه الرواية ~~في " كتاب السنة " وقال عبد الله بن أحمد: استأذن " داود " على أبي فقال: ~~من هذا. داود؟ لا جبر ود الله قلبه ودود الله قبره فمات مدودا. والإطلاقات ~~قد توهم خلاف المقصود فيقال: إن أردت بقولك محدث أنه مخلوق منفصل عن الله ~~كما يقول الجهمية والمعتزلة والنجارية فهذا باطل لا نقوله؛ وإن أردت بقولك: ~~إنه كلام تكلم الله به بمشيئته بعد أن لم يتكلم به بعينه - وإن كان قد تكلم ~~بغيره قبل ذلك مع أنه لم يزل متكلما إذا شاء فإنا نقول بذلك. وهو الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة وهو قول السلف وأهل الحديث؛ وإنما ابتدع القول الآخر ~~الكلابية والأشعرية؛ ولكن أهل هذا القول لهم قولان. (أحدهما: أنه تكلم بعد ~~أن لم يكن متكلما؛ وإن كان قادرا على الكلام كما أنه خلق السموات والأرض ~~بعد أن لم يكن خلقهما وإن كان قادرا على الخلق. وهذا قول الكرامية وغيرهم ~~ممن يقول إنه تحله الحوادث بعد أن لم تكن تحله وقول من قال: إنه محدث يحتمل ~~هذا القول وإنكار أحمد يتوجه إليه. # PageV06P161 # والثاني: أنه لم يزل متكلما يتكلم إذا شاء. وهذا هو الذي يقوله من يقوله ~~من أهل الحديث. وأصحاب هذا القول: قد يقولون: إن كلامه قديم وأنه ليس بحادث ~~ولا محدث؛ فيريدون نوع الكلام إذ لم يزل يتكلم إذا شاء؛ وإن كان الكلام ~~العيني يتكلم به إذا شاء ومن قال: ليست تحل ذاته الحوادث فقد يريد به هذا ~~المعنى. بناء على أنه لم يحدث نوع الكلام في كيفية ذاته. وقال أبو ms1618 عبد الله ~~بن حامد في " أصوله " ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله يتكلم؛ وأن ~~كلامه (قديم وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته بذلك موصوفا وكلامه قديم غير ~~محدث كالعلم والقدرة وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة متكلم لم يزل ~~موصوفا بذلك ومتكلما كلما شاء وإذا شاء ولا نقول: إنه ساكت في حال ومتكلم ~~في حال. من حين حدوث الكلام. والدليل على إثباته متكلما على ما وصفناه: ~~كتاب الله وسنة نبيه وإجماع أهل الحق إلا طائفة الضلال " المعتزلة " وغيرهم ~~من المتكلمين؛ فإنهم أبوا أن يكون الله متكلما وذكر بعض أدلة الكتاب ~~والسنة. # ثم قال بعد ذلك # PageV06P162 # فصل: # ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلما بالقرآن قبل أن يخلق الخلق ~~وقبل كل الكائنات موجودا وأن الله فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء؛ ~~وإذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله. وأبى ذلك " المعتزلة " فقالوا: ~~حادث بعد وجود المخلوقات. قلت: فقد حكى القولين ابن حامد أيضا مع أنه يذكر ~~الاتفاق عنه على أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء؛ لكنه نفى على القولين ~~أن يقال: هو هو ساكت في حال ومتكلم في حال فأثبت أن يقال: هو متكلم كلما ~~شاء وإذا شاء ولا يقال إنه ساكت في حال. وهكذا تقول الكرامية إنه لا يوصف ~~بالسكوت والنزول فيما لم يزل لكن بين كلامه وكلامهم فرق كما سأحكيه. # قال أبو عبد الله بن حامد في " صفات الفعل ": # PageV06P163 # فصل: # ومما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الحق سبحانه ينزل إلى سماء ~~الدنيا في كل ليلة وينزل يوم عرفة من غير تكييف ولا مثل ولا تحديد ولا شبه ~~وقال: هذا نص إمامنا. قال يوسف بن موسى: قلت " لأبي عبد الله ": ينزل الله ~~إلى سماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم وقال في مسألة " الاستواء ~~على العرش " فيما رواه عنه حنبل: ربنا على العرش بلا حد ولا صفة. وقال في ~~رواية المروذي قيل له عن ms1619 ابن المبارك: يعرف الله على العرش بحد؟ قال: بلغني ~~ذلك وأعجبه. ثم قال أبو عبد الله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام} وقال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} . قال ابن حامد: فالمذهب على ما ~~ذكرنا لا يختلف أن ذاته تنزل ورأيت بعض أصحابنا يروي عن أبي عبد الله في ~~الإتيان أنه قال: يأتي بذاته قال: وهذا على حد التوهم من قائله وخطأ من ~~إضافته إليه كما قررنا عنه من النص. قال ابن حامد: فإذا تقرر هذا الأصل في ~~نزول ذاته من غير صفة ولا حد # PageV06P164 # فإنا نقول: إنه بانتقال من مكانه الذي هو فيه إلا أن طائفة من أصحابنا ~~قالت: ينزل من غير انتقال من مكانه كيف شاء قال: والصحيح ما ذكرنا لا غيره. ~~قال: وقد أبى أصل " هذه المسألة " أهل الاعتزال فقالوا: لا نزول له ولا ~~حركة ولا له من مكانه زوال وهو بكل مكان على ما كان؛ قال: وهذا منهم جهل ~~قبيح لنص الأخبار. وساق بعض الأحاديث المأثورة في ذلك قال: # PageV06P165 # فصل: # ومما يجب التصديق به والرضا: مجيئه إلى الحشر يوم القيامة بمثابة نزوله ~~إلى سمائه وذلك بقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} وقال تعالى: {وأشرقت ~~الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} . قال: وهذا دليل على ~~أنه إذا جاءهم وجلس على كرسيه أشرقت الأرض كلها بأنواره. وعبد العزيز بن ~~يحيى الكناني صاحب " الحيدة " و " الرد على الجهمية والقدرية " كلامه في ~~الحيدة والرد على الجهمية يحتمل ذلك؛ فإن مضمون الحيدة أنه أبطل احتجاج بشر ~~المريسي بقوله: {الله خالق كل شيء} وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} . ثم ~~إنه احتج على المريسي بثلاث حجج: (الأولى أنه قال: إذا كان مخلوقا فإما أن ~~تقول خلقه في نفسه أو خلقه في غيره أو خلقه قائما بنفسه وذاته. قال: فإن ~~قال: خلق كلامه في نفسه فهذا محال ولا تجد السبيل إلى القول به من قياس ولا ~~نظر ولا معقول؛ لأن الله لا يكون مكانا للحوادث # PageV06P166 # ولا يكون فيه ms1620 شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه - تعالى ~~الله عن ذلك وجل وتعظم. وإن قال: خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن ~~كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما. أفيجعل ~~الشعر كلاما لله؟ ويجعل قول القذر كلاما لله؟ ويجعل كلام الفحش والكفر ~~كلاما لله؟ وكل قول ذمه الله وذم قائله كلاما لله؟ وهذا محال لا يجد السبيل ~~إليه ولا إلى القول به لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله. وإن قال ~~خلقه قائما بذاته ونفسه فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به ~~سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم كما لا ~~تكون الإرادة إلا من مريد ولا العلم إلا من عالم ولا القدرة إلا من قدير ~~ولا رئي ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته. فلما استحال من هذه ~~الجهات الثلاث أن يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة. ~~و (الحجة الثانية: اتفق هو وبشر على أنه كان الله ولا شيء وكان ولما يفعل ~~ولم يخلق شيئا. قال له: فبأي شيء أحدث الأشياء؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم ~~تزل. # PageV06P167 # قال " عبد العزيز ": فقلت صدقت أحدثها بقدرته التي لم تزل؛ أفليس تقول ~~إنه لم يزل قادرا؟ قال: بلى. فقلت له: أفتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا ~~أقول هذا. قلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن ~~القدرة وليس الفعل هو القدرة؛ لأن القدرة صفة لله ولا يقال صفة الله هي ~~الله ولا هي غير الله. قال بشر: ويلزمك أنت أيضا أن تقول: إن الله لم يزل ~~يفعل ويخلق فإذا قلت ذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله. فقلت له: ليس لك ~~أن تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل إنه لم يزل الخالق ~~يخلق ولم يزل الفاعل يفعل فتلزمني ما قلت وإنما قلت ms1621 إنه لم يزل الفاعل ~~سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله يقدر عليه ولا يمنعه منه ~~مانع. قال بشر: وأنا أقول: إنه أحدث الأشياء بقدرته. فقل أنت ما شئت. قال ~~عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء وأنه ~~أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته وقلت: إما أنه أحدثها بأمره وقوله ~~عن قدرته فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله ~~أو بإرادة أرادها أو بقدرة قدرها وأي ذلك كان فقد ثبت أن هنا إرادة ومريدا ~~ومرادا وقولا وقائلا ومقولا له وقدرة وقادرا ومقدورا # PageV06P168 # عليه وذلك كله متقدم قبل الخالق وما كان قبل الخالق متقدم فليس هو من ~~الخلق. قلت: قوله قبل الخلق هو المريد القائل القادر وإرادته وقوله وقدرته ~~وأما المراد المقدور عليه المقول له: فإما أن يريد ثبوته في العلم بقوله له ~~كن أو لم يدخل في اللفظ. وهذا الكلام يقتضي أن. . . (1) وقد قال لم يزل ~~سيفعل وقد فسره أيضا بفعله كما تقدم. وذكر أبو عبد الله الحاكم في تاريخ ~~نيسابور في ترجمة الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: قضية طويلة في الخلاف ~~الذي وقع بينه وبين بعض أصحابه: مثل أبي علي الثقفي وأبي بكر أحمد بن إسحاق ~~الضبعي وأبي بكر بن أبي عثمان الزاهد وأبي محمد بن منصور القاضي فذكر أن ~~طائفة رفعوا إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري ~~وأنهم على مذهب الكلابية وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية. قال الحاكم ~~فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم ~~وجرى ذكر كلام الله أقديم لم يزل؟ أو يثبت عند إخباره تعالى أنه تكلم به ~~فوقع بيننا في ذلك خوض. قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل وقال ~~جماعة: إن كلامه قديم غير أنه لا يثبت إلا بإخباره بكلامه. PageV06P169 # فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي وأخبرته بما جرى فقال: ms1622 من أنكر أنه لم يزل ~~فقد اعتقد أن كلام الله محدث وانتشرت " هذه المسألة " في البلد وذهب منصور ~~الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك؛ حتى قال ~~منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم؟ فجمع ~~أبو بكر أصحابه وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام؟ ولم يزدهم على ~~هذا ذلك اليوم. ثم ذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه وأنه صنف في الرد عليهم ~~وأنهم ناقضوه ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث وجعلهم هو ~~كلابية. قال الحاكم: سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت ~~أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به: إن القرآن كلام الله ووحيه ~~وتنزيله غير مخلوق؛ ومن قال: إن القرآن أو شيئا منه وعن وحيه وتنزيله ~~مخلوق. أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل أو يقول: إن ~~أفعال الله مخلوقة؛ أو يقول: إن القرآن محدث؛ أو يقول: إن شيئا من صفات ~~الله صفات الذات أو اسما من أسماء الله مخلوق: فهو عندي جهمي يستتاب؛ فإن ~~تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل؛ هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل ~~الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم. ومن حكى عني خلاف هذا: فهو كاذب باهت ~~ومن نظر في كتبي المصنفة في العلم ظهر له وبان أن الكلابية - لعنهم الله - ~~كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي قد عرف أهل الشرق والغرب؛ ~~أنه لم يصنف أحد # PageV06P170 # في التوحيد وفي القدر وفي أصول العلم مثل تصنيفي؛ فالحاكي خلاف ما في ~~كتبي المصنفة كذبة فسقة. وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء ~~الذين نبغوا في سنيننا هذه: أن الله لا يكرر الكلام فلا هم يفهمون كتاب ~~الله؛ إن الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم وأنه أمر ~~الملائكة بالسجود له؛ فكرر هذا الذكر في غير موضع ms1623 وكرر ذكر كلامه لموسى مرة ~~بعد أخرى وكرر ذكر عيسى ابن مريم في مواضع وحمد نفسه في مواضع فقال: {الحمد ~~لله الذي أنزل على عبده الكتاب} و {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} ~~الآية. و {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وكرر زيادة على ~~ثلاثين كرة: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا ~~يتكلم بشيء مرتين وهذا مقالة من زعم أن كلام الله مخلوق ويتوهم أنه لا يجوز ~~أن يقول: خلق الله شيئا واحدا مرتين. وقال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن ~~إسحاق يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - ~~الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا واغتنم بعض الموافقين السعي في فساد الحال ~~انتصب أبو عمرو الحيري للتوسط فيما بين الجماعة بلا ميل وذكر أنهم اجتمعوا ~~بداره. وقال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام ~~حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية فقد كان أحمد بن حنبل من أشد # PageV06P171 # الناس على عبد الله بن سعيد. وعلى أصحابه؛ مثل الحارث وغيره حتى طال ~~الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب. فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في ~~طبق؛ فأخرجت إليه الطبق وقلت: تأمل ما جمعته بخطي وبينته من هذه المسائل؛ ~~فإن كان فيها شيء تنكره؛ فبين لنا وجهه حتى نرجع عنه فأخذ مني ذلك الطبق ~~وما زال يتأمله وينظر فيه حتى وقف عليه ثم رفع رأسه وقال: لست أرى شيئا لا ~~أقول به وكله مذهبي وعليه رأيت مشايخي. وسألته أن يثبت بخطه آخر تلك الأحرف ~~أنه مذهبه؛ ثم قصده أبو فلان وفلان وفلان وقالوا: إن الأستاذ لم يتأمل ما ~~كتبه بخطه وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال. قال الحاكم: وهذه نسخة الخط ~~يقول أبو بكر أحمد بن إسحاق ويحيى بن منصور: كلام الله صفة من صفات ذاته؛ ~~ليس شيء من كلام الله خلق ولا مخلوق ولا فعل ولا مفعول ولا محدث ولا ms1624 حدث ~~ولا أحداث؛ فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدث؛ أو زعم أن الكلام من صفة ~~الفعل؛ فهو جهمي ضال مبتدع. وأقول: لم يزل الله متكلما ولا يزال متكلما ~~والكلام له صفة ذات لا مثل لكلامه من كلام خلقه ولا نفاد لكلامه لم يزل ~~ربنا بكلامه وعلمه وقدرته وصفات ذاته واحدا؛ لم يزل ولا يزال. كلم ربنا ~~أنبياءه وكلم موسى، والله الذي قال له: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا # PageV06P172 # فاعبدني} ويكلم أولياءه يوم القيامة ويحييهم بالسلام؛ قولا في دار عدنه ~~وينادي عباده فيقول: {ماذا أجبتم المرسلين} ويقول: {لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار} . ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب ويقول لهم: {اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون} . ويخلو الجبار بكل أحد من خلقه فيكلمه؛ ليس بينه وبين ~~أحد منهم ترجمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ويكلم ربنا جهنم فيقول ~~لها: هل امتلأت؟ وينطقها فتقول: هل من مزيد} . فمن زعم أن الله لم يتكلم ~~إلا مرة ولم يتكلم إلا ما تكلم به؛ ثم انقضى كلامه كفر بالله؛ بل لم يزل ~~الله متكلما ولا يزال متكلما لا مثل لكلامه؛ لأنه صفة من صفات ذاته نفى ~~الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه ونفى النفاد عن كلامه كما نفى ~~الهلاك عن نفسه فقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقال: {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} . كلام الله غير بائن عن ~~الله. ليس هو دونه ولا غيره ولا هو؛ بل هو صفة من صفات ذاته كعلمه الذي هو ~~صفة من صفات ذاته لم يزل ربنا عالما ولا يزال عالما ولم يزل متكلما ولا ~~يزال يتكلم؛ فهو الموصوف بالصفات # PageV06P173 # العلى؛ لم يزل بجميع صفاته التي هي صفات ذاته واحدا ولا يزال: {وهو ~~اللطيف الخبير} . كلم موسى فقال له: {إني أنا ربك} فمن زعم أن غير الله ~~كلمه كفر بالله. فإن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من داع ~~فأجيبه؟ هل ms1625 من تائب فأتوب عليه؟ فمن زعم أن علمه ينزل أو أمره ضل بل ينزل ~~إلى سماء الدنيا: المعبود سبحانه الذي يقال له: يا رحمن يا رحيم فيكلم ~~عباده بلا كيف {الرحمن على العرش استوى} بلا كيف لا كما قالت الجهمية إنه ~~على الملك احتوى ولا استولى؛ بل استوى على عرشه بلا كيف وهو الله الذي له ~~الأسماء الحسنى فمن زعم أن اسما من أسمائه مخلوق أو محدث فهو جهمي والله ~~يخاطب عباده عودا وبدءا ويعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه قرنا فقرنا من زعم أن ~~الله لا يخاطب عباده ولا يعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه عودا وبدءا: فهو ضال ~~مبتدع بل الله بجميع صفات ذاته واحد لم يزل ولا يزال وما أضيف إلى الله من ~~صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق وكل شيء أضيف إلى الله بائن ~~عنه دونه مخلوق. وأقول: أفعال العباد كلها مخلوقة؛ وأقول: الإيمان قول وعمل ~~يزيد وينقص؛ وخير الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم ~~عثمان ثم علي. # PageV06P174 # وأقول: إن أهل الكبائر في مشيئة الله إذا ماتوا إن شاء عذبهم ثم غفر لهم ~~وإن شاء غفر لهم من غير تعذيب. وأخبار الآحاد مقبولة إذا نقلها العدول وهي ~~توجب العمل وأخبار التواطؤ توجب العلم والعمل. وصورة خط الإمام ابن خزيمة ~~يقول: محمد بن إسحاق أقر عندي أبو بكر أحمد بن إسحاق وأبو محمد يحيى بن ~~منصور بما تضمن بطن هذا الكتاب؛ وقد ارتضيت ذلك أجمع؛ وهو صواب عندي. قال ~~الحاكم: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد البوشنجي الزاهد يقول في ضمن قصة: لما ~~انتهى إلينا ما وقع بين مشايخ نيسابور من الخلاف خرجت من وطني حتى قصدت ~~نيسابور؛ فاجتمع علي جماعة يسألون عن تلك المسائل؛ فلم أتكلم فيها بقليل ~~ولا كثير. ثم كتبت: القول ما قاله أبو علي. ودخلت الري على عبد الرحمن بن ~~أبي حاتم. فأخبرته بما جرى في نيسابور بين أبي بكر وأصحابه فقال: ما لأبي ~~بكر ms1626 والكلام إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نعلمه. فخرجت من عنده ~~حتى دخلت على أبي العباس الفلاني فشرح لي تلك المسائل شرحا واضحا وقال: كان ~~بعض القدرية من المتكلمين: دفع إلى محمد بن إسحاق فوقع لكلامه عنده قبول. # PageV06P175 # ثم ذكر أنه عرض تلك المسائل على من وجده ببغداد من الفقهاء والمتكلمين ~~فتابعوا أبا العباس على مقالته؛ واغتنموا لأبي بكر بن إسحاق فيما أظهره؛ ~~وأنه بعد ذلك قدم من نيسابور أبو عمرو النجار فكتب لأبي بكر محمد بن إسحاق ~~إلى جماعة من العلماء في تلك المسائل وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر ~~بن خزيمة إلى السلطان. قال الحاكم سمعت أبا علي محمد بن إسحاق الأبيوردي ~~يقول: حضرت قرية فلانة في تسليم لصغير اتباعها (1) عبد الله بن حمشاد من ~~بني فلان وحضرها جماعة من أعيان البلد وكان قد حضرها إسحاق بن أبي الفرد ~~والي نيسابور؛ فأقرأنا كتاب حمويه بن علي إليه بأن يمتثل فيهم أمر أبي بكر ~~محمد بن إسحاق ابن خزيمة من النفي والضرب والحبس. قال: فقام عبد الله بن ~~حمشاد من ذلك المجلس فقال: طوباهم إن كان ما يقال مكذوبا عليهم. قال أبو ~~علي ثم قال لي عبد الله بن حمشاد: من غد ذلك اليوم إني رأيت البارحة في ~~المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك ~~من أمور هؤلاء الكلابية قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: {هذا بلاغ ~~للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} . ~~PageV06P176 # وذكر الحاكم: سمعت أبا محمد الأنماطي العبد الصالح يقول: لما استحكمت تلك ~~الوقعة وصار لا يجتمع عشرة في البلد إلا وقع بينهم تشاجر فيه وصار أكثر ~~العوام يتضاربون فيه؛ خرج أبو عمرو الحيري إلى الري والأمير الشهيد بها حتى ~~ينجز كتبا إلى خليفته: كتاب إلى أبي بكر بن إسحاق بأن ينفي من البلد ~~الأربعة الذين خالفوا أبا بكر. ثم ذكر أنهم عقدوا لهم مجلسا. # وقال شيخ الإسلام أبو ms1627 إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في اعتقاد أهل ~~السنة؛ وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة. ### | باب القول في القرآن # اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه بالتكلم؛ إذ عاب الأصنام والعجل أنها ~~لا تتكلم وهو متكلم كلما شاء تكلم بكلام لا مانع له ولا مكره والقرآن كلامه ~~هو تكلم به؛ وقد تأول ابن عقيل كلام شيخ الإسلام بنحو ما تأول به القاضي ~~كلام أحمد. وقال شيخ الإسلام أيضا في كتاب " مناقب الإمام أحمد بن حنبل " ~~في باب الإشارة عن طريقته في الأصول؛ لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب ~~البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولا هو مخلوق وجرت المحنة العظيمة ثم ~~ظهرت مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي وغيره. إلى أن قال: ثم جاءت طائفة ~~فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم؛ فيكون # PageV06P177 # كلامه حادثا. قال: وهذه سخارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة. فانتبه ~~لها أبو بكر بن إسحاق اللنجرودي ابن خزيمة وكانت حينئذ نيسابور دار الآثار ~~تمد إليها الرقاب وتشد إليها الركاب ويجلب منها العلم. وما ظنك بمجالس يحبس ~~عنها الثقفي والضبعي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان ~~والتثبت والقدر؛ والمحفل لا يسرون بالكلام واشتمام لأهله؛ فابن خزيمة في ~~بيت ومحمد بن إسحاق السراج في بيت وأبو حامد بن الشرقي في بيت. قال شيخ ~~الإسلام: فطار لتلك الفتنة ذاك الإمام أبو بكر؛ فلم يزل يصيح بتشويهها ~~ويصنف في ردها؛ كأنه منذر جيش حتى دون في الدفاتر وتمكن في السرائر؛ ولقن ~~في الكتاتيب ونقش في المحاريب: أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت؛ ~~فجزى الله ذاك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا. ~~قلت: في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم " {الحلال ما أحل الله في ~~كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه} " رواه ~~أبو داود. وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم " {إن الله فرض ms1628 ~~فرائض فلا تضيعوها؛ وحدد حدودا فلا تعتدوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وسكت ~~عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها} ". # PageV06P178 # ويقول الفقهاء في دلالة المنطوق والمسكوت وهو ما نطق به الشارع وهو الله ~~ورسوله وما سكت عنه تارة تكون دلالة السكوت أولى بالحكم من المنطوق؛ وهو ~~مفهوم الموافقة وتارة تخالفه وهو مفهوم المخالفة وتارة تشبهه وهو القياس ~~المحض. فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت؛ لكن السكوت يكون تارة ~~عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه؛ كما قال في الصحيحين عن {أبي ~~هريرة يا رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال ~~أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب} " إلى ~~آخر الحديث. فقد أخبره أنه ساكت وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال ~~سكوته؛ أي سكوته عن الجهر والإعلان لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت ~~لا تصح على قول من يقول: إنه متكلم كما أنه عالم؛ لا يتكلم عند خطاب عباده ~~بشيء؛ وإنما يخلق لهم إدراكا ليسمعوا كلامه القديم سواء قيل هو معنى مجرد ~~أو معنى وحروف؛ كما هو قول ابن كلاب والأشعري ومن قال بذلك من الفقهاء وأهل ~~الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم. فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت وهو ~~المشهور من قولهم أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به ~~الكلام القديم والنصوص # PageV06P179 # تبهرهم مثل قوله: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على ~~الصفا ". وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية: ~~" {أتدرون ماذا قال ربكم الليلة} "؟ وتكليمه لموسى ونداؤه له كما دل عليه ~~الكتاب والسنة وعلى قولهم يجوز أن يسمع كل أحد الكلام الذي سمعه موسى. ثم ~~من تفلسف منهم كالغزالي في " مشكاة الأنوار " وجده يجوز مثل ذلك لأهل ~~الصفاء والرياضة؛ وهو ما يتنزل على قلوبهم من الإلهامات كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون} ". وقول أبي الدرداء ~~وعبادة بن الصامت: " رؤيا المؤمن كلام ms1629 تكلم به الرب عنده في منامه ". ~~فيجعلون " الإيحاء " والإلهام " الذي يحصل في اليقظة والمنام مثل سماع موسى ~~كلام الله سواء لا فرق بينهما. إلا أن موسى قصد بذلك الخطاب وغيره سمع ما ~~خوطب به غيره. ثم عند " التحقيق " يرجعون إلى محض الفلسفة؛ في أنه لا فرق ~~بين موسى وغيره بحال كما أن هؤلاء المتأولة المتفلسفة يجعلون خلع " النعلين ~~" إشارة إلى ترك العالمين و " الطور " عبارة عن العقل الفعال ونحو ذلك من ~~تأويلات # PageV06P180 # الفلاسفة الصابئة ومن حذا حذوهم من القرامطة والباطنية وأصحاب " رسائل ~~إخوان الصفا " ونحوهم. وقد حكى القولين عن أهل السنة - في الإرادة والسمع ~~والبصر أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب " فهم القرآن " فتكلم ~~على قوله: {حتى نعلم المجاهدين} ونحوه وبين أن علم الله قديم؛ وإنما يحدث ~~المعلوم. إلى أن قال: وذلك موجود فينا ونحن جهال وعلمنا محدث قد نعلم أن كل ~~إنسان ميت فكلما مات إنسان قلنا: قد علمنا أنه قد مات من غير أن نكون من ~~قبل موته جاهلين أنه سيموت إلا أنا قد يحدث لنا اللحظ من الرؤية وحركة ~~القلب إذا نظرنا إليه ميتا لأنه ميت والله لا تحدث فيه الحوادث. إلى أن ~~قال: وكذلك قوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} وقوله: {وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية} وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . ~~وليس ذلك منه ببدء الحوادث: إرادة حدثت له ولا أن يستأنف مشيئة لم تكن له؛ ~~وذلك فعل الجاهل بالعواقب الذي يريد الشيء وهو لا يعلم العواقب فلم يزل ~~يريد ما يعلم أنه يكون؛ لم يستحدث إرادة لم تكن؛ لأن الإرادات إنما تحدث ~~على قدر ما يعلم المريد؛ وأما من لم يزل يعلم ما يكون وما لا يكون من خير ~~وشر. فقد أراد ما علم على ما علم؛ لا يحدث له بدو؛ إذ كان لا يحدث فيه علم ~~به. # PageV06P181 # قال أبو عبد الله الحارث: وقد تأول بعض من يدعي السنة وبعض أهل البدع ذلك ~~على الحوادث. ms1630 فأما من ادعى السنة؛ فأراد إثبات " القدر " فقال: " إرادة ~~الله " أي حدث من تقديره سابق الإرادة وأما بعض أهل البدع؛ فزعموا أن ~~الإرادة إنما هي خلق حادث وليست مخلوقة؛ ولكن بها الله كون المخلوقين قال ~~فزعمت أن الخلق غير المخلوقين وأن الخلق هو الإرادة وأنها ليست بصفة لله من ~~نفسه وجل أن يكون شيء حدث بغير إرادة منه وجل عن البدوات وتقلب الإرادات ثم ~~تكلم على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الإرادة كقولهم: متى تريد أن ~~أجيء؟ . إلى أن قال: وكذلك قوله: {إنا معكم مستمعون} ليس معناه: أن يحدث ~~لنا سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم قال: وقد ذهب قوم من أهل السنة أن ~~لله استماعا حادثا في ذاته؛ فذهب إلى ما يعقل من الخلق: أنه يحدث منهم علم ~~سمع؛ لما كان من قول عمن سمعه للقول؛ لأن المخلوق إذا سمع الشيء حدث له عقل ~~فهم عما أدركته أذنه من الصوت. قال: وكذلك قوله: {اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله} لا يستحدث بصرا ولا لحظا محدثا في ذاته؛ وإنما يحدث الشيء فيراه ~~مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه لا يغادر شيئا ولا يخفى عليه منه خافية. ~~وكذلك قال بعضهم: إن رؤية تحدث وقال قوم: إنما معنى (سيرى) # PageV06P182 # و (إنا معكم مستمعون) إنما المسموع والمبصر لم يخف على عيني ولا على سمعي ~~أن أدركه سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله. قال أبو عبد الله: ومن ذهب إلى ~~أنه يحدث لله استماع مع حدوث المسموع وإبصار مع حدوث المبصر: فقد زاد على ~~الله ما لم يقل وإنما على العباد التسليم لما قال الله: إنه سميع بصير ولا ~~نزيد ما لم يقل وإنما معنى ذلك كما قال تعالى: {حتى نعلم} حتى يكون المعلوم ~~وكذلك حتى يكون المبصر والمسموع؛ فلا يخفى على أن يعلمه موجودا ويسمعه ~~موجودا؛ كما علمه بغير حادث علم في الله ولا بصر ولا سمع ولا معنى حدث في ~~ذات الله؛ تعالى عن الحوادث في نفسه. # وقال ms1631 محمد بن الهيصم الكرامي في كتاب (جمل الكلام في أصول الدين) لما ذكر ~~جمل الكلام في " القرآن " وأنها مبنية على خمسة فصول: (أحدها: أن القرآن ~~كلام الله؛ فقد حكى عن " جهم " أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وإنما ~~هو كلام خلقه الله فينسب إليه كما قيل: سماء الله وأرضه وكما قيل: بيت الله ~~وشهر الله. وأما " المعتزلة " فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على ~~الحقيقة؛ ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا منه. قال: ~~وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وإنه تكلم به. # PageV06P183 # والفصل الثاني أن القرآن غير قديم؛ فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن ~~الله كان لم يزل يتكلم بالقرآن وقال أهل الجماعة بل إنه إنما تكلم بالقرآن؛ ~~حيث خاطب به جبرائيل وكذلك سائر الكتب. (والفصل الثالث: أن القرآن غير ~~مخلوق؛ فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا أنه مخلوق. وقال أهل ~~الجماعة: إنه غير مخلوق. (والفصل الرابع: أنه غير بائن من الله؛ فإن ~~الجهمية وأشياعهم من المعتزلة قالوا: إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر ~~كلامه وزعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء ~~فسمعه جبرائيل ولا يصح عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة. ~~وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم ~~به. وذكر في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا ~~من الصفات الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا مخلوقة. # PageV06P184 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. ### | فصل: في " الاسم والمسمى " # هل هو هو أو غيره؟ أو لا يقال هو هو ولا ms1632 يقال هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل ~~في ذلك؟ . فإن الناس قد تنازعوا في ذلك والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة ~~بعد أحمد وغيره والذي كان معروفا عند " أئمة السنة " أحمد وغيره: الإنكار ~~على " الجهمية " الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة. # PageV06P185 # فيقولون: الاسم غير المسمى وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق؛ ~~وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه ~~وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به وهو المسمي لنفسه بما فيه من ~~الأسماء. و " الجهمية " يقولون: كلامه مخلوق وأسماؤه مخلوقة؛ وهو نفسه لم ~~يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به؛ بل قد يقولون: ~~إنه تكلم به وسمى نفسه بهذه الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره؛ لا بمعنى أنه ~~نفسه تكلم بها الكلام القائم به. فالقول في أسمائه هو نوع من القول في ~~كلامه. والذين وافقوا " السلف " على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة ~~يقولون: الكلام والأسماء من صفات ذاته؛ لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته. ويسمي ~~نفسه بمشيئته وقدرته؟ هذا فيه قولان: النفي هو قول " ابن كلاب " ومن وافقه. ~~والإثبات قول " أئمة أهل الحديث والسنة " وكثير من طوائف أهل الكلام ~~كالهشامية والكرامية وغيرهم كما قد بسط هذا في مواضع. (والمقصود هنا أن ~~المعروف عن " أئمة السنة " إنكارهم على من قال أسماء الله مخلوقة وكان ~~الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا # PageV06P186 # مرادهم؛ فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل ~~يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة؛ ولم يعرف أيضا عن أحد من ~~السلف أنه قال الاسم هو المسمى؛ بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة ~~بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم. ثم منهم من أمسك عن القول في هذه ~~المسألة نفيا وإثباتا؛ إذ كان كل من الإطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن ~~إبراهيم الحربي وغيره؛ وكما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه " ~~صريح السنة " ذكر مذهب أهل السنة المشهور ms1633 في القرآن والرؤية والإيمان ~~والقدر والصحابة وغير ذلك. وذكر أن " مسألة اللفظ " ليس لأحد من المتقدمين ~~فيها كلام؛ كما قال لم نجد فيها كلاما عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا إلا ~~عمن في كلامه الشفاء والغناء ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى " أبو عبد ~~الله أحمد بن حنبل " فإنه كان يقول: اللفظية جهمية. ويقول: من قال لفظي ~~بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر أن القول في ~~الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة ~~وأن حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى} وهذا هو ~~القول بأن الاسم للمسمى. وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من ~~أصحاب الإمام أحمد وغيره. والذين قالوا الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين ~~إلى السنة: مثل أبي بكر # PageV06P187 # عبد العزيز وأبي القاسم الطبري واللالكائي وأبي محمد البغوي صاحب " شرح ~~السنة " وغيرهم؛ وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري اختاره أبو بكر بن ~~فورك وغيره. و (القول الثاني وهو المشهور عن أبي الحسن أن الأسماء ثلاثة ~~أقسام تارة يكون الاسم هو المسمى كاسم الموجود. و " تارة " يكون غير المسمى ~~كاسم الخالق. و " تارة " لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير. وهؤلاء ~~الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلف من الحروف ~~هو نفس الشخص المسمى به؛ فإن هذا لا يقوله عاقل. ولهذا يقال: لو كان الاسم ~~هو المسمى لكان من قال " نار " احترق لسانه. ومن الناس من يظن أن هذا ~~مرادهم ويشنع عليهم وهذا غلط عليهم؛ بل هؤلاء يقولون: اللفظ هو التسمية ~~والاسم ليس هو اللفظ؛ بل هو المراد باللفظ؛ فإنك إذا قلت: يا زيد يا عمر ~~فليس مرادك دعاء اللفظ؛ بل مرادك دعاء المسمى باللفظ وذكرت الاسم فصار ~~المراد بالاسم هو المسمى. وهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذكرت ~~أسماؤها فقيل: {محمد رسول الله} {وخاتم النبيين} {وكلم الله موسى تكليما} ~~فليس المراد أن هذا ms1634 اللفظ هو الرسول وهو الذي كلمه الله. وكذلك إذا قيل: ~~جاء زيد وأشهد على عمرو وفلان عدل ونحو ذلك فإنما تذكر الأسماء والمراد بها ~~المسميات وهذا هو مقصود الكلام. # PageV06P188 # فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام المؤلف فإنما المقصود هو ~~المسميات: قال هؤلاء: " الاسم هو المسمى " وجعلوا اللفظ الذي هو الاسم عند ~~الناس هو التسمية كما قال البغوي: والاسم هو المسمى وعينه وذاته. قال الله ~~تعالى: {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} أخبر أن اسمه يحيى. ثم نادى الاسم فقال ~~{يا يحيى} وقال: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها} وأراد الأشخاص ~~المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات. وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} و ~~{تبارك اسم ربك} . قال: ثم يقال " للتسمية " أيضا اسم. واستعماله في ~~التسمية أكثر من المسمى. وقال أبو بكر بن فورك: اختلف الناس في حقيقة " ~~الاسم " ولأهل اللغة في ذلك كلام ولأهل الحقائق فيه بيان وبين المتكلمين ~~فيه خلاف. فأما " أهل اللغة " فيقولون: الاسم حروف منظومة دالة على معنى ~~مفرد ومنهم من يقول إنه قول يدل على مذكور يضاف إليه؛ يعني الحديث والخبر. ~~قال: وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا أيضا في معنى ذلك فمنهم من قال: اسم ~~الشيء هو ذاته وعينه والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه فيسمى اسما توسعا. ~~وقالت الجهمية والمعتزلة. " الأسماء والصفات " هي الأقوال الدالة على ~~المسميات وهو قريب مما قاله بعض أهل اللغة. والثالث: لا هو هو ولا هو غيره؛ ~~كالعلم والعالم ومنهم من قال اسم الشيء هو صفته ووصفه. # PageV06P189 # قال: والذي هو الحق عندنا قول من قال: اسم الشيء هو عينه وذاته واسم الله ~~هو الله وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل أي بالله أفعل وإن اسمه هو هو. ~~قال: وإلى هذا القول ذهب " أبو عبيد القاسم بن سلام " واستدل بقول لبيد. ~~إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والمعنى ثم ~~السلام عليكما؛ فإن اسم السلام هو السلام. قال: واحتج أصحابنا في ذلك بقوله ~~تبارك وتعالى: {تبارك اسم ربك ms1635 ذي الجلال والإكرام} وهذا هو صفة للمسمى لا ~~صفة لما هو قول وكلام وبقوله: {سبح اسم ربك} فإن المسبح هو المسمى وهو الله ~~وبقوله سبحانه: {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} ثم قال: {يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة} فنادى الاسم وهو المسمى. وبأن الفقهاء أجمعوا على أن الحالف باسم ~~الله كالحالف بالله في بيان أنه تنعقد اليمين بكل واحد منهما؛ فلو كان اسم ~~الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه؛ فلما انعقد ولزم ~~بالحنث فيها كفارة دل على أن اسمه هو. ويدل عليه أن القائل إذا قال: ما اسم ~~معبودكم؟ قلنا الله. فإذا قال: # PageV06P190 # وما معبودكم؟ قلنا الله فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدل على ~~أن اسم المعبود هو المعبود لا غير. وبقوله. {ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم} وإنما عبدوا المسميات لا الأقوال التي هي أعراض لا ~~تعبد. قال: فإن قيل: أليس يقال: الله إله واحد وله أسماء كثيرة فكيف يكون ~~الواحد كثيرا؟ قيل إذا أطلق " أسماء " فالمراد به مسميات المسمين والشيء قد ~~يسمى باسم دلالته كما يسمى المقدور قدرة. قال: فعلى هذا يكون معنى قوله: ~~باسم الله: أي بالله والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة وتقديره: بك ~~أستعين وإليك أحتاج وقيل تقدير الكلمة: أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول ~~وأفعل. قلت: لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها ~~المسميات - كما ذكروه في قوله: {يا يحيى} ونحو ذلك - لكان ذلك معنى واضحا ~~لا ينازعه فيه من فهمه لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور ~~الناس من أهل السنة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة مثل دعواهم أن ~~لفظ اسم الذي هو " اس م " معناه ذات الشيء ونفسه وأن الأسماء - التي هي ~~الأسماء - مثل زيد وعمرو هي التسميات؛ ليست هي أسماء المسميات وكلاهما باطل ~~مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن ~~زيدا وعمرا ونحو ذلك هي أسماء الناس والتسمية ms1636 # PageV06P191 # جعل الشيء اسما لغيره هي مصدر سميته تسمية إذا جعلت له اسما و " الاسم " ~~هو القول الدال على المسمى ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى؛ بل قد ~~يراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه ودليل عليه. وأيضا: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ~~ليقولوا إن اسم الله غير مخلوق ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا ~~تنازع فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما ~~قال هؤلاء هي التسميات فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى ووافقوا أهل ~~السنة في اللفظ. ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ ~~اسم وهو " ألف سين ميم " معناه إذا أطلق هو الذات المسماة؛ بل معنى هذا ~~اللفظ هي الأقوال التي هي أسماء الأشياء مثل زيد وعمرو وعالم وجاهل. فلفظ ~~الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسماه. ثم قد عرف أنه إذا أطلق الاسم ~~في الكلام المنظوم فالمراد به المسمى؛ فلهذا يقال: ما اسم هذا؟ فيقال: زيد. ~~فيجاب باللفظ ولا يقال: ما اسم هذا فيقال هو هو؛ وما ذكروه من الشواهد حجة ~~عليهم. أما قوله: {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} ثم ~~قال: {يا يحيى} فالاسم الذي هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من (يا وحا ويا ~~هذا هو اسمه ليس اسمه هو ذاته؛ بل هذا مكابرة. ثم لما ناداه فقال: {يا ~~يحيى} . فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى؛ لم يقصد نداء اللفظ ~~لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه؛ فيعرف # PageV06P192 # حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمى وهذا من فائدة اللغات وقد يدعى بالإشارة ~~وليست الحركة هي ذاته ولكن هي دليل على ذاته. وأما قوله: {تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام} ففيها قراءتان: الأكثرون يقرءون {ذي الجلال} فالرب ~~المسمى: هو ذو الجلال والإكرام. وقرأ ابن عامر: {ذو الجلال والإكرام} وكذلك ~~هي في المصحف الشامي؛ وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء. وأما قوله ~~{ويبقى وجه ربك ms1637 ذو الجلال والإكرام} فهي بالواو باتفاقهم قال ابن الأنباري ~~وغيره {تبارك} تفاعل من البركة والمعنى أن البركة تكتسب وتنال بذكر اسمه؛ ~~فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفي قوله تبارك ربك فإن نفس الاسم ~~عندهم هو نفس الرب؛ فكان هذا تكريرا. وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا ~~صلة والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط ~~فإنه على هذا يكون قول المصلي تبارك اسمك أي تباركت أنت ونفس أسماء الرب لا ~~بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على ~~المسمى. ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر اسم الله عليه وما لا يذكر اسم ~~الله عليه في مثل قوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وقوله: {وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وقوله {واذكروا اسم الله عليه} وقول النبي # PageV06P193 # صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم " {وإن خالط كلبك كلاب أخرى فلا تأكل ~~فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره} ". وأما قوله تعالى {ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} . فليس المراد كما ذكروه: أنكم ~~تعبدون الأوثان المسماة فإن هذا هم معترفون به. والرب تعالى نفى ما كانوا ~~يعتقدونه وأثبت ضده ولكن المراد أنهم سموها آلهة واعتقدوا ثبوت الإلهية ~~فيها؛ وليس فيها شيء من الإلهية فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها ~~آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم ما أنزل الله بها من سلطان؛ ~~لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة كما قال: {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} فتكون عبادتهم لما تصوروه ~~في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنه بألسنتهم وذلك أمر موجود في أذهانهم ~~وألسنتهم لا حقيقة له في الخارج؛ فما عبدوا إلا هذه الأسماء التي تصوروها ~~في أذهانهم وعبروا عن معانيها بألسنتهم؛ وهم لم يقصدوا عبادة الصنم إلا ~~لكونه إلها عندهم وإلهيته هي في أنفسهم؛ لا في الخارج فما ms1638 عبدوا في الحقيقة ~~إلا ذلك الخيال الفاسد الذي عبر عنه. ولهذا قال في الآية الأخرى: {وجعلوا ~~لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} ~~يقول: سموهم بالأسماء التي يستحقونها # PageV06P194 # هل هي خالقة رازقة محيية مميتة أم هي مخلوقة لا تملك ضرا ولا نفعا؟ ؟ ~~فإذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم. قال تعالى: {أم ~~تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له ~~ولو كان موجودا لعلمه موجودا {أم بظاهر من القول} أم بقول ظاهر باللسان لا ~~حقيقة له في القلب؛ بل هو كذب وبهتان. وأما قولهم: إن الاسم يراد به " ~~التسمية " وهو القول: فهذا الذي جعلوه هم تسمية هو الاسم عند الناس جميعهم ~~والتسمية جعله اسما والإخبار بأنه اسم ونحو ذلك وقد سلموا أن لفظ الاسم ~~أكثر ما يراد به ذلك وادعوا أن لفظ الاسم الذي هو " ألف سين ميم ": هو في ~~الأصل ذات الشيء ولكن التسمية سميت اسما لدلالتها على ذات الشيء: تسمية ~~للدال باسم المدلول ومثلوه بلفظ القدرة؛ وليس الأمر كذلك؛ بل التسمية مصدر ~~سمى يسمي تسمية والتسمية نطق بالاسم وتكلم به ليست هي الاسم نفسه وأسماء ~~الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها ليست هي أعيان الأشياء. وتسمية المقدور ~~قدرة هو من باب تسمية المفعول باسم المصدر وهذا كثير شائع في اللغة كقولهم ~~للمخلوق خلق وقولهم درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير ونظائره كثيرة. وابن ~~عطية سلك مسلك هؤلاء وقال: الاسم الذي هو " ألف وسين وميم " يأتي في مواضع ~~من الكلام الفصيح يراد به المسمى ويأتي في مواضع # PageV06P195 # يراد به التسمية نحو قوله صلى الله عليه وسلم " {إن لله تسعة وتسعين ~~اسما} " وغير ذلك ومتى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في ~~هذه الآية: سبح ربك الأعلى أي نزهه. قال: وإذا كان الاسم واحد الأسماء كزيد ~~وعمرو فيجيء في الكلام على ما قلت لك. تقول: زيد قائم تريد المسمى وتقول: ms1639 ~~زيد ثلاثة أحرف تريد التسمية نفسها على معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به صنم ~~أو وثن فيقال له: " إله أو رب ". قلت: هذا الذي ذكروه لا يعرف له شاهد لا ~~من كلام فصيح ولا غير ذلك ولا يعرف أن لفظ اسم " ألف سين ميم " يراد به ~~المسمى بل المراد به الاسم الذي يقولون هو التسمية. وأما قوله: تقول زيد ~~قائم زيد المسمى. فزيد ليس هو " ألف سين ميم " بل زيد مسمى هذا اللفظ فزيد ~~يراد به المسمى ويراد به اللفظ. وكذلك اسم " ألف سين ميم " يراد به هذا ~~اللفظ؛ ويراد به معناه وهو لفظ زيد وعمرو وبكر؛ فتلك هي الأسماء التي تراد ~~بلفظ اسم؛ لا يراد بلفظ اسم نفس الأشخاص؛ فهذا ما أعرف له شاهدا صحيحا فضلا ~~عن أن يكون هو الأصل كما ادعاه هؤلاء. # PageV06P196 # قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه} . فأسماؤه الحسنى مثل: الرحمن الرحيم والغفور الرحيم فهذه الأقوال ~~هي أسماؤه الحسنى وهي إذا ذكرت في الدعاء والخبر يراد بها المسمى. إذا قال: ~~{وتوكل على العزيز الرحيم} فالمراد المسمى ليس المراد أنه يتوكل على ~~الأسماء التي هي أقوال؛ كما في سائر الكلام: كلام الخالق وكلام المخلوقين. ~~وما ذكروه من أن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا: الله. فنجيب في ~~الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدل على أن اسم المعبود هو المعبود: حجة ~~باطلة وهي عليهم لا لهم. فإن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ فقلنا: الله. ~~فالمراد أن اسمه هو هذا القول ليس المراد أن اسمه هو ذاته وعينه الذي خلق ~~السموات والأرض فإنه إنما سأل عن اسمه لم يسأل عن نفسه؛ فكان الجواب بذكر ~~اسمه. وإذا قال: ما معبودكم؟ فقلنا الله: فالمراد هناك المسمى؛ ليس المراد ~~أن المعبود هو القول فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب ~~وإن كان في الموضعين قال الله لكنه في أحدهما أريد هذا القول الذي هو من ~~الكلام وفي الآخر أريد به ms1640 المسمى بهذا القول. كما إذا قيل: ما اسم فلان؟ ~~فقيل: زيد أو عمر فالمراد هو القول. وإذا قال: من أميركم أو من # PageV06P197 # أنكحت؟ فقيل زيد أو عمرو فالمراد به الشخص فكيف يجعل المقصود في الموضعين ~~واحدا. ولهذا قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى} كان المراد أنه نفسه له ~~الأسماء الحسنى. ومنها اسمه الله. كما قال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} فالذي له الأسماء الحسنى هو المسمى بها؛ ~~ولهذا كان في كلام الإمام أحمد أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى؛ وتارة يقول ~~الأسماء الحسنى له أي المسمى ليس من الأسماء؛ ولهذا في قوله {ولله الأسماء ~~الحسنى} لم يقصد أن هذا الاسم له الأسماء الحسنى؛ بل قصد أن المسمى له ~~الأسماء الحسنى. وفي حديث أنس الصحيح {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~نقش خاتمه: محمد رسول الله محمد سطر ورسول سطر والله سطر} ويراد الخط ~~المكتوب الذي كتب به ذلك؛ فالخط الذي كتب به محمد سطر والخط الذي كتب به ~~رسول سطر والخط الذي كتب به الله سطر. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه} " فمعلوم أن ~~المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد أن الشفتين تتحرك ~~بنفسه تعالى. وأما احتجاجهم بقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} وأن المراد سبح ~~ربك الأعلى وكذلك قوله: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} وما أشبه ذلك ~~فهذا للناس فيه قولان معروفان وكلاهما حجة عليهم. # PageV06P198 # منهم من قال: " الاسم " هنا صلة والمراد سبح ربك وتبارك ربك. وإذا قيل: ~~هو صلة فهو زائد لا معنى له؛ فيبطل قولهم إن مدلول لفظ اسم " ألف سين ميم " ~~هو المسمى فإنه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة. ومن قال إنه هو المسمى ~~وأنه صلة كما قاله ابن عطية؛ فقد تناقض فإن الذي يقول هو صلة لا يجعل له ~~معنى؛ كما يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة ms1641 التي تجيء للتوكيد كقوله: ~~{فبما رحمة من الله لنت لهم} و {قال عما قليل ليصبحن نادمين} ونحو ذلك. ومن ~~قال: إنه ليس بصلة بل المراد تسبيح الاسم نفسه فهذا مناقض لقولهم مناقضة ~~ظاهرة. و " التحقيق " أنه ليس بصلة بل أمر الله بتسبيح اسمه كما أمر بذكر ~~اسمه. والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمى وذكره فإن المسبح والذاكر ~~إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه؛ فيقول: سبحان ربي الأعلى فهو نطق بلفظ ربي ~~الأعلى والمراد هو المسمى بهذا اللفظ فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى. ومن ~~جعله تسبيحا للاسم يقول المعنى أنك لا تسم به غير الله ولا تلحد في أسمائه ~~فهذا مما يستحقه اسم الله لكن هذا تابع للمراد بالآية ليس هو المقصود بها ~~القصد الأول. وقد ذكر " الأقوال الثلاثة " غير واحد من المفسرين كالبغوي ~~قال قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} أي قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب ~~جماعة # PageV06P199 # من الصحابة وذكر حديث ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {سبح ~~اسم ربك الأعلى} . فقال: سبحان ربي الأعلى} . قلت: في ذلك حديث عقبة بن ~~عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {لما نزل {فسبح باسم ربك العظيم} قال ~~اجعلوها في ركوعكم ولما نزل: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم} ~~" والمراد بذلك أن يقولوا في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي ~~الأعلى كما ثبت في الصحيح عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {قام ~~بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع نحوا من قيامه يقول: سبحان ربي العظيم ~~وسجد نحوا من ركوعه يقول: سبحان ربي الأعلى} ". وفي السنن عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا قال العبد في ركوعه: سبحان ربي العظيم ~~ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا ~~فقد تم سجوده وذلك أدناه} " وقد أخذ بهذا جمهور العلماء. قال البغوي: وقال ~~قوم معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون. وجعلوا الاسم صلة. قال: ms1642 ~~ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا؛ لأن أحدا لا يقول سبحان اسم الله ~~وسبحان اسم ربنا إنما يقولون: سبحان الله وسبحان ربنا. وكان معنى: {سبح اسم ~~ربك} سبح ربك. قلت: قد تقدم الكلام على هذا والذي: يقول سبحان الله وسبحان ~~ربنا # PageV06P200 # إنما نطق بالاسم الذي هو الله والذي هو ربنا: فتسبيحه إنما وقع على الاسم ~~لكن مراده هو المسمى فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى. وهذا ~~لا ريب فيه لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو " ألف سين ميم " المراد ~~به المسمى. لكن يدل على أن " أسماء الله " مثل الله وربنا وربي الأعلى ونحو ~~ذلك يراد بها المسمى مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمى لكن يراد بها ~~المسمى فأما اسم هذه الأسماء " ألف سين ميم " فلا هو المسمى الذي هو الذات ~~ولا يراد به المسمى الذي هو الذات؛ ولكن يراد به مسماه الذي هو الأسماء ~~كأسماء الله الحسنى في قوله: {ولله الأسماء الحسنى} فلها هذه الأسماء ~~الحسنى التي جعلها هؤلاء هي التسميات وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعا؛ ~~فخالفوا إجماع الأمم كلهم من العرب وغيرهم وخالفوا صريح المعقول وصحيح ~~المنقول. والذين شاركوهم في هذا الأصل وقالوا: الأسماء ثلاثة " قد تكون هي ~~المسمى وقد تكون غيره وقد تكون لا هي هو ولا غيره وجعلوا الخالق والرازق ~~ونحوهما غير المسمى وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمى: غلطوا من وجه ~~آخر فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو " ألف سين ميم " هو مسمى ~~الأسماء؛ فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه ~~واسمه العليم هو الرب العليم الذي العلم صفة له فليس العلم هو المسمى؛ بل ~~المسمى هو العليم؛ فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا هو المسمى ~~وصفته. # PageV06P201 # وفي الخالق الاسم هو المسمى وفعله؛ ثم قولهم إن الخلق هو المخلوق وليس ~~الخلق فعلا قائما بذاته قول ضعيف مخالف لقول جمهور المسلمين. كما قد بسط في ~~موضعه. فتبين أن هؤلاء الذين ms1643 قالوا: " الاسم هو المسمى " إنما يسلم لهم أن ~~أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام أريد به المسمى وهذا مما لا ينازع فيه ~~أحد من العقلاء؛ لا أن لفظ اسم. ألف سين ميم يراد به الشخص. وما ذكروه من ~~قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما فمراده ثم النطق بهذا الاسم ~~وذكره وهو التسليم المقصود؛ كأنه قال ثم سلام عليكم ليس مراده أن السلام ~~يحصل عليهما بدون أن ينطق به ويذكر اسمه. فإن نفس السلام قول فإن لم ينطق ~~به ناطق ويذكره لم يحصل. وقد احتج بعضهم بقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت ~~من لفظ أحداث الأسماء وبني لما مضى ولما لم يكن بعد وهذا لا حجة فيه؛ لأن ~~سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ. وهذا اصطلاح النحويين ~~سموا الألفاظ بأسماء معانيها؛ فسموا قام ويقوم وقم فعلا؛ والفعل هو نفس ~~الحركة؛ فسموا اللفظ الدال عليها باسمها. وكذلك إذا قالوا: اسم معرب ومبني ~~فمقصودهم اللفظ ليس مقصودهم المسمى وإذا قالوا هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه ~~فاعل في اللفظ؛ أي أسند إليه الفعل ولم يرد سيبويه بلفظ الأسماء المسميات ~~كما زعموا؛ ولو أراد ذلك فسدت صناعته. # PageV06P202 # فصل: # وأما الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى فهم إذا أرادوا أن الأسماء التي ~~هي أقوال ليست نفسها هي المسميات فهذا أيضا لا ينازع فيه أحد من العقلاء. ~~وأرباب القول الأول لا ينازعون في هذا؛ بل عبروا عن الأسماء هنا بالتسميات ~~وهم أيضا لا يمكنهم النزاع في أن الأسماء المذكورة في الكلام مثل قوله يا ~~آدم يا نوح يا إبراهيم إنما أريد بها نداء المسمين بهذه الأسماء. وإذا قيل: ~~خلق الله السموات والأرض فالمراد خلق المسمى بهذه الألفاظ؛ لم يقصد أنه خلق ~~لفظ السماء ولفظ الأرض والناس لا يفهمون من ذلك إلا المعنى المراد به ولا ~~يخطر بقلب أحد إرادة الألفاظ؛ لما قد استقر في نفوسهم من أن هذه الألفاظ ~~والأسماء يراد بها المعاني والمسميات؛ فإذا تكلم بها فهذا هو المراد؛ لكن ~~لا يعلم ms1644 أنه المراد إن لم ينطق بالألفاظ والأسماء المبينة للمراد الدالة ~~عليه. وهذا من البيان الذي أنعم الله به على بني آدم في قوله: {خلق ~~الإنسان} {علمه البيان} وقد علم آدم الأسماء كلها سبحانه وتعالى. # PageV06P203 # ولكن هؤلاء الذين أطلقوا من الجهمية والمعتزلة أن الاسم غير المسمى ~~مقصودهم أن أسماء الله غيره؛ وما كان غيره فهو مخلوق. ولهذا قالت الطائفة ~~الثالثة: لا نقول هي المسمى ولا غير المسمى. فيقال لهم: قولكم إن أسماءه ~~غيره مثل قولكم إن كلامه غيره وإن إرادته غيره ونحو ذلك وهذا قول الجهمية ~~نفاة الصفات وقد عرفت شبههم وفسادها في غير هذا الموضع؛ وهم متناقضون من ~~وجوه كما قد بسط في مواضع. فإنهم يقولون: لا نثبت قديما غير الله؛ أو قديما ~~ليس هو الله حتى كفروا أهل الإثبات وإن كانوا متأولين كما قال أبو الهذيل: ~~إن كل متأول كان تأويله تشبيها له بخلقه وتجويزا له في فعله وتكذيبا لخبره ~~فهو كافر؛ وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر ومقصوده تكفير ~~مثبتة الصفات والقدر ومن يقول إن أهل القبلة يخرجون من النار ولا يخلدون ~~فيها. فمما يقال لهؤلاء: إن هذا القول ينعكس عليكم فأنتم أولى بالتشبيه ~~والتجويز والتكذيب؛ وإثبات قديم لا يقال له الله فإنكم تشبهونه بالجمادات ~~بل بالمعدومات بل بالممتنعات وتقولون إنه يحبط الحسنات العظيمة بالذنب ~~الواحد؛ ويخلد عليه في النار وتكذبون بما أخبر به من مغفرته ورحمته # PageV06P204 # وإخراجه أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وإنه من يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وأنتم تثبتون قديما لا يقال له الله ~~فإنكم تثبتون ذاتا مجردة عن الصفات ومعلوم أنه ما ليس بحي ولا عليم ولا ~~قدير؛ فليس هو الله فمن أثبت ذاتا مجردة فقد أثبت قديما ليس هو الله وإن ~~قال أنا أقول إنه لم يزل حيا عليما قديرا فهو قول مثبتة الصفات؛ فنفس كونه ~~حيا ليس هو كونه عالما ونفس كونه عالما ليس هو كونه قادرا ونفس ذلك ليس ms1645 هو ~~كونه ذاتا متصفة بهذه الصفات فهذه معان متميزة في العقل ليس هذا هو هذا. ~~فإن قلتم هي قديمة فقد أثبتم معاني قديمة؛ وإن قلتم هي شيء واحد جعلتم كل ~~صفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف فجعلتم كونه حيا هو كونه عالما وجعلتم ذلك ~~هو نفس الذات ومعلوم أن هذا مكابرة وهذه المعاني هي معاني أسمائه الحسنى ~~وهو سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء. فهو المسمي نفسه بأسمائه الحسنى كما ~~رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه لما سئل عن قوله: {وكان الله عزيزا ~~حكيما} {غفورا رحيما} فقال هو سمى نفسه بذلك وهو لم يزل كذلك؛ فأثبت قدم ~~معاني أسمائه الحسنى وأنه هو الذي سمى نفسه بها. فإذا قلتم إن أسماءه أو ~~كلامه غيره فلفظ " الغير " مجمل؛ إن أردتم أن ذلك شيء بائن عنه فهذا باطل؛ ~~وإن أردتم أنه يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر فقد # PageV06P205 # يذكر الإنسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه؛ بل ولا ~~يخطر له حينئذ أنه عزيز وأنه حكيم فقد أمكن العلم بهذا دون هذا؛ وإذا أريد ~~بالغير هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان؛ لكونه قد يعلم هذا دون هذا ~~وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر فهي معان متلازمة لا يمكن وجود الذات ~~دون هذه المعاني ولا وجود هذه المعاني دون وجود الذات. # واسم " الله " إذا قيل الحمد لله أو قيل بسم الله يتناول ذاته وصفاته لا ~~يتناول ذاتا مجردة عن الصفات ولا صفات مجردة عن الذات وقد نص أئمة السنة - ~~كأحمد وغيره - على أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه فلا يقال: إن علم الله ~~وقدرته زائدة عليه؛ لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات. وهذا ~~إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة فهو صحيح؛ ~~فإن أولئك قصروا في الإثبات فزاد هذا عليهم وقال الرب له صفات زائدة على ما ~~علمتموه. وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر فهو ms1646 كلام ~~متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال إن الصفات زائدة عليها؛ ~~بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتا من الصفات ولا يمكن وجود ~~الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم ~~زيادة الآخر عليه تخيل باطل. وأما الذين يقولون: إن " الاسم للمسمى " كما ~~يقوله أكثر أهل السنة # PageV06P206 # فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول قال الله تعالى: {ولله الأسماء ~~الحسنى} وقال: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {إن لله تسعة وتسعين اسما} " {وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب} " وكلاهما في ~~الصحيحين. وإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ فصلوا؛ فقالوا: ليس هو نفس ~~المسمى ولكن يراد به المسمى؛ وإذا قيل إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون ~~مباينا له فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه ~~فكيف بالخالق وأسماؤه من كلامه؛ وليس كلامه بائنا عنه ولكن قد يكون الاسم ~~نفسه بائنا مثل أن يسمي الرجل غيره باسم أو يتكلم باسمه. فهذا الاسم نفسه ~~ليس قائما بالمسمى؛ لكن المقصود به المسمى فإن الاسم مقصوده إظهار " المسمى ~~" وبيانه. وهو مشتق من " السمو " وهو العلو كما قال النحاة البصريون وقال ~~النحاة الكوفيون هو مشتق من " السمة " وهي العلامة وهذا صحيح في " الاشتقاق ~~الأوسط " وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما فإنه في كليهما (السين ~~والميم والواو والمعنى صحيح فإن السمة والسيما العلامة. ومنه يقال: وسمته ~~أسمه كقوله: {سنسمه على الخرطوم} ومنه التوسم كقوله: {لآيات للمتوسمين} لكن ~~اشتقاقه من " السمو " هو الاشتقاق الخاص الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف ~~وترتيبها ومعناه أخص وأتم فإنهم يقولون # PageV06P207 # في تصريفه سميت ولا يقولون وسمت وفي جمعه أسماء لا أوسام وفي تصغيره سمي ~~لا وسيم. ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم وهذا المعنى أخص. " فإن العلو ~~مقارن للظهور " كلما كان الشيء أعلى كان أظهر وكل ms1647 واحد من العلو والظهور ~~يتضمن المعنى الآخر ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ~~{وأنت الظاهر فليس فوقك شيء} " ولم يقل فليس أظهر منك شيء؛ لأن الظهور ~~يتضمن العلو والفوقية؛ فقال: " فليس فوقك شيء ". ومنه قوله: {فما اسطاعوا ~~أن يظهروه} أي يعلوا عليه. ويقال ظهر الخطيب على المنبر إذا علا عليه. ~~ويقال للجبل العظيم علم؛ لأنه لعلوه وظهوره يعلم ويعلم به غيره. قال تعالى: ~~{ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام} . وكذلك " الراية العالية " التي ~~يعلم بها مكان الأمير والجيوش يقال لها علم وكذلك العلم في الثوب لظهوره ~~كما يقال لعرف الديك وللجبال العالية أعراف لأنها لعلوها تعرف فالاسم يظهر ~~به المسمى ويعلو؛ فيقال للمسمى: سمه: أي أظهره وأعله أي أعل ذكره بالاسم ~~الذي يذكر به؛ لكن يذكر تارة بما يحمد به ويذكر تارة بما يذم به كما قال ~~تعالى: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} وقال: {ورفعنا لك ذكرك} وقال: {وتركنا ~~عليه في الآخرين} {سلام على نوح في العالمين} . وقال في النوع المذموم: ~~{وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} وقال تعالى: ~~{نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون} . فكلاهما ظهر ذكره؛ لكن هذا إمام في ~~الخير وهذا إمام في الشر. # PageV06P208 # وبعض النحاة يقول: سمي اسما لأنه علا على المسمى؛ أو لأنه علا على قسيميه ~~الفعل والحرف؛ وليس المراد بالاسم هذا بل لأنه يعلى المسمى فيظهر؛ ولهذا ~~يقال سميته أي أعليته وأظهرته فتجعل المعلى المظهر هو المسمى وهذا إنما ~~يحصل بالاسم. ووزنه فعل وفعل وجمعه أسماء كقنو وأقناء وعضو وأعضاء. وقد ~~يقال فيه سم وسم بحذف اللام. ويقال: سمى كما قال: والله أسماك سما مباركا. ~~وما ليس له اسم فإنه لا يذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي ~~الذي لا يعرف؛ ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمى وعلم على المسمى ونحو ~~ذلك. ولهذا كان " أهل الإسلام والسنة " الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه ~~ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه ويظهرون ذكره. " والملاحدة ": الذين ينكرون ~~أسماءه وتعرض قلوبهم ms1648 عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره؛ حتى ينسوا ذكره {نسوا ~~الله فنسيهم} {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} {واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} ~~. والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب وقد يراد به مجرد اللفظ ~~وقد يراد به مجرد المعنى فإنه من الكلام؛ " والكلام " اسم للفظ والمعنى، ~~وقد # PageV06P209 # يراد به أحدهما؛ ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره لكن ذكره ~~بهما أتم. والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه وأمر بالتسبيح باسمه كما أمر ~~بدعائه بأسمائه الحسنى؛ فيدعى بأسمائه الحسنى ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو ~~تسبيح له؛ إذ المقصود بالاسم المسمى؛ كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. ~~قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى} . والله تعالى يأمر بذكره تارة وبذكر اسمه تارة؛ كما يأمر بتسبيحه ~~تارة وتسبيح اسمه تارة؛ فقال: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} {واذكر ربك في ~~نفسك} وهذا كثير. وقال: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} كما قال: {فكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه} {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} {فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} . لكن هنا يقال: بسم الله؛ فيذكر نفس ~~الاسم الذي هو " ألف سين ميم " وأما في قوله: {واذكر اسم ربك} فيقال: سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله. وهذا أيضا مما يبين فساد قول من جعل ~~الاسم هو المسمى. وقوله في الذبيحة {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} كقوله: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق} وقوله: {بسم الله مجراها ومرساها} فقوله: {اقرأ ~~باسم ربك} هو قراءة بسم الله في أول السور. # PageV06P210 # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن هذه الآية تدل على أن ~~القارئ مأمور أن يقرأ بسم الله وأنها ليست كسائر القرآن؛ بل هي تابعة ~~لغيرها وهنا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم كما كتب سليمان وكما جاءت به ~~السنة المتواترة وأجمع المسلمون عليه؛ فينطق ms1649 بنفس الاسم الذي هو اسم مسمى ~~لا يقول بالله الرحمن الرحيم؛ كما في قوله: {واذكر اسم ربك} فإنه يقول: ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ونحو ذلك وهنا قال: {اقرأ باسم ~~ربك} لم يقل: اقرأ اسم ربك وقوله: {واذكر اسم ربك} يقتضي أن يذكره بلسانه. ~~وأما قوله: {واذكر ربك} فقد يتناول ذكر القلب. وقوله: {اقرأ باسم ربك} هو ~~كقول الآكل باسم الله. والذابح باسم الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~" {ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله} ". وأما التسبيح فقد قال: {وسبحوه بكرة ~~وأصيلا} وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} وقال: {فسبح باسم ربك العظيم} . وفي ~~الدعاء: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~فقوله: {أيا ما تدعوا} يقتضي تعدد المدعو لقوله {أيا ما} وقوله {فله ~~الأسماء الحسنى} يقتضي أن المدعو واحد له الأسماء الحسنى وقوله {ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن} - ولم يقل ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن - يتضمن أن ~~المدعو هو الرب الواحد بذلك الاسم. # PageV06P211 # فقد جعل الاسم تارة مدعوا وتارة مدعوا به في قوله: {ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها} فهو مدعو به باعتبار أن المدعو هو المسمى وإنما يدعى باسمه. ~~وجعل الاسم مدعوا باعتبار أن المقصود به هو المسمى وإن كان في اللفظ هو ~~المدعو المنادى كما قال {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} أي ادعوا هذا ~~الاسم أو هذا الاسم والمراد إذا دعوته هو المسمى؛ أي الاسمين دعوت ومرادك ~~هو المسمى: {فله الأسماء الحسنى} . فمن تدبر هذه المعاني اللطيفة تبين له ~~بعض حكم القرآن وأسراره فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده فإنه كتاب مبارك ~~تنزيل من حكيم حميد لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ابتغى الهدى ~~في غيره أضله الله ومن تركه من جبار قصمه الله وهو حبل الله المتين وهو ~~الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو قرآن عجب يهدي إلى الرشد أنزله الله ~~هدى ورحمة وشفاء وبيانا وبصائر وتذكرة. فالحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا ms1650 ~~طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. آخره ~~ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV06P212 # سئل: # عمن زعم أن " الإمام أحمد " كان من أعظم النفاة للصفات - صفات الله تعالى ~~- وإنما الذين انتسبوا إليه من أتباعه في المذهب ظنوا أنه كان من أهل ~~الإثبات المنافي للتعطيل جهلا منهم بما جرى له فإنه اتفق له أمر عجيب: وهو ~~أن ناسا من " الزنادقة " قد علموا زهد أحمد وورعه وتقواه وأن الناس يتبعونه ~~فيما يذهب إليه؛ فجمعوا له كلاما في الإثبات وعزوه إلى تفاسير وكتب أحاديث ~~وأضافوا أيضا إلى الصحابة والأئمة وغيرهم حتى إليه هو - شيئا كثيرا من ذلك ~~على لسانه - وجعلوا ذلك في صندوق مقفل وطلبوا من الإمام أحمد أن يستودع ذلك ~~الصندوق منهم؛ وأظهروا أنهم على سفر ونحو ذلك وأنهم غرضهم الرجوع إليه ~~ليأخذوا تلك الوديعة وهم يعلمون أنه لا يتعرض لما في الصندوق فلم يزل عنده ~~ذلك إلى أن توفاه الله؛ فدخل أتباعه والذين أخذوا عنه العلم فوجدوا ذلك ~~الصندوق وفتحوه فوجدوا فيه تلك " الأحاديث الموضوعة " و " التفاسير والنقول ~~" الدالة على الإثبات. فقالوا: لو لم يكن الإمام أحمد يعتقد ما في هذه ~~الكتب لما أودعها هذا الصندوق واحترز عليها؛ فقرءوا تلك الكتب وأشهروها في ~~جملة ما أشهروا من تصانيفه وعلومه # PageV06P213 # وجهلوا مقصود أولئك الزنادقة الذين قصدوا فساد هذه الأمة الإسلامية كما ~~حصل مقصود بولص بإفساد الملة النصرانية بالرسائل التي وضعها لهم. # فأجاب: # من قال تلك الحكاية المفتراة عن أحمد بن حنبل وأنه أودع عنده صناديق فيها ~~كتب لم يعرف ما فيها حتى مات وأخذها أصحابه فاعتقدوا ما فيها: فهذا يدل على ~~غاية جهل هذا المتكلم فإن أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة واحدة من صفات ~~الله تعالى قالها هو؛ بل الأحاديث التي يرويها أهل العلم في صفات الله ~~تعالى: كانت موجودة عند الأمة قبل أن يولد الإمام أحمد. وقد رواها أهل ~~العلم غير الإمام أحمد؛ فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد ms1651 بل هي معروفة ~~ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يخلق أحمد. وأحمد إنما اشتهر أنه ~~إمام أهل السنة والصابر على المحنة؛ لما ظهرت محن " الجهمية " الذين ينفون ~~صفات الله تعالى ويقولون إن الله لا يرى في الآخرة وإن القرآن ليس هو كلام ~~الله؛ بل هو مخلوق من المخلوقات وإنه تعالى ليس فوق السموات وإن محمدا لم ~~يعرج إلى الله وأضلوا بعض ولاة الأمر؛ فامتحنوا الناس بالرغبة والرهبة فمن ~~الناس من أجابهم - رغبة - ومن الناس من أجابهم رهبة - ومنهم من اختفى فلم ~~يظهر لهم. وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته وإن كان أسيرا لم ~~يفكوه ولم يقبلوا شهادته؛ وربما قتلوه أو حبسوه. " والمحنة " مشهورة معروفة ~~كانت في إمارة المأمون والمعتصم والواثق؛ # PageV06P214 # ثم رفعها المتوكل؛ فثبت الله الإمام أحمد فلم يوافقهم على تعطيل صفات ~~الله تعالى وناظرهم في العلم فقطعهم وعذبوه فصبر على عذابهم فجعله الله من ~~الأئمة الذين يهدون بأمره. كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} . فمن أعطي الصبر واليقين: جعله الله ~~إماما في الدين. وما تكلم به من " السنة " فإنما أضيف له لكونه أظهره ~~وأبداه لا لكونه أنشأه وابتدأه وإلا فالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله وما قاله الإمام ~~أحمد هو قول الأئمة قبله؛ كمالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد وحماد بن ~~سلمة، وقول التابعين قبل هؤلاء وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأحاديث " السنة " معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام. ~~والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة: متواتر بإثبات صفات الله تعالى وهؤلاء ~~متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما إن المسلمين ~~يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله أو بقول غيره من العلماء: فهذا لا ~~يقوله إلا جاهل. و " أحمد بن حنبل " نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء ~~في الفروع وقال: لا تقلد ms1652 دينك الرجال فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا ~~تقلدني ولا مالكا ولا الثوري ولا الشافعي؛ وقد جرى في ذلك على سنن غيره # PageV06P215 # من الأئمة؛ فكلهم نهوا عن تقليدهم كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره ~~من العلماء فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين؟ وأصحاب أحمد: مثل أبي داود ~~السجستاني وإبراهيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي وأبي زرعة وأبي حاتم ~~والبخاري ومسلم وبقي بن مخلد وأبي بكر الأثرم وابنيه صالح وعبد الله وعبد ~~الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد بن مسلم بن وارة وغير هؤلاء الذين هم من ~~أكابر أهل العلم والفقه والدين. لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره إلا بحجة ~~يبينها لهم وقد سمعوا العلم كما سمعه هو وشاركوه في كثير من شيوخه ومن لم ~~يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال ~~الإسلام وعلمائه. # PageV06P216 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية - قدس الله روحه ونور ~~ضريحه -: ### | فصل: في الصفات الاختيارية # وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته؛ مثل ~~كلامه وسمعه وبصره وإرادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه؛ ومثل خلقه ~~وإحسانه وعدله؛ ومثل استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات ~~التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة. " فالجهمية " ومن وافقهم من " المعتزلة ~~" وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها. و " الكلابية ~~" ومن وافقهم من " السالمية " وغيرهم يقولون: " تقوم صفات بغير مشيئته ~~وقدرته؛ فأما ما يكون بمشيئته وقدرته: فلا يكون إلا مخلوقا منفصلا عنه ". # PageV06P217 # وأما " السلف وأئمة السنة والحديث " فيقولون: إنه متصف بذلك؛ كما نطق به ~~الكتاب والسنة؛ وهو قول كثير من " أهل الكلام والفلسفة " أو أكثرهم كما ~~ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع. ومثل هذا: " الكلام ". فإن ~~السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته؛ وكلامه ليس ~~بمخلوق؛ بل كلامه صفة له قائمة بذاته. وممن ذكر أن ذلك قول أئمة السنة: أبو ~~عبد الله ابن منده وأبو عبد الله ابن حامد ms1653 وأبو بكر عبد العزيز وأبو ~~إسماعيل الأنصاري وغيرهم؛ وكذلك ذكر أبو عمر بن عبد البر نظير هذا في " ~~الاستواء " وأئمة السنة - كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري ~~وعثمان بن سعيد الدارمي ومن لا يحصى من الأئمة وذكره حرب بن إسماعيل ~~الكرماني عن سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وسائر أهل ~~السنة والحديث - متفقون على أنه متكلم بمشيئته وأنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~وكيف شاء. وقد سمى الله القرآن العزيز حديثا فقال: {الله نزل أحسن الحديث} ~~وقال: {ومن أصدق من الله حديثا} . وقال {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إن الله يحدث من أمره ما يشاء} " وهذا ~~مما احتج به البخاري في صحيحه وفي غير صحيحه؛ واحتج به غير البخاري كنعيم ~~بن حماد وحماد بن زيد. # PageV06P218 # ومن المشهور عن السلف: أن القرآن العزيز كلام الله غير مخلوق منه بدأ ~~وإليه يعود. وأما " الجهمية " و " المعتزلة " فيقولون: ليس له كلام قائم ~~بذاته؛ بل كلامه منفصل عنه مخلوق عنه و " المعتزلة " يطلقون القول: بأنه ~~يتكلم بمشيئته؛ ولكن مرادهم بذلك أنه يخلق كلاما منفصلا عنه. و " الكلابية ~~والسالمية " يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ بل كلامه قائم بذاته ~~بدون قدرته ومشيئته مثل حياته؛ وهم يقولون: الكلام صفة ذات؛ لا صفة فعل ~~يتعلق بمشيئته وقدرته؛ وأولئك يقولون: هو صفة فعل؛ لكن الفعل عندهم: هو ~~المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته. وأما " السلف وأئمة السنة " وكثير من أهل ~~الكلام كالهشامية والكرامية وأصحاب أبي معاذ التومني وزهير اليامي وطوائف ~~غير هؤلاء: يقولون: إنه " صفة ذات وفعل " هو يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما ~~قائما بذاته. وهذا هو المعقول من صفة الكلام لكل متكلم فكل من وصف بالكلام ~~كالملائكة والبشر والجن وغيرهم: فكلامهم لا بد أن يقوم بأنفسهم وهم يتكلمون ~~بمشيئتهم وقدرتهم. والكلام صفة كمال؛ لا صفة نقص ومن تكلم بمشيئته أكمل ممن ~~لا يتكلم بمشيئته؛ فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق # PageV06P219 # ولكن " الجهمية والمعتزلة " بنوا على " أصلهم ms1654 ": أن الرب لا يقوم به صفة؛ ~~لأن ذلك بزعمهم يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع؛ إذ الصفة عرض والعرض لا ~~يقوم إلا بجسم. و " الكلابية " يقولون: هو متصف بالصفات التي ليس له عليها ~~قدرة ولا تكون بمشيئته؛ فأما ما يكون بمشيئته فإنه حادث والرب - تعالى - لا ~~تقوم به الحوادث. ويسمون " الصفات الاختيارية " بمسألة " حلول الحوادث " ~~فإنه إذا كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته ~~كان ذلك النداء والكلام حادثا. قالوا: فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث ~~قالوا: ولو قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ ~~قالوا: ولأن كونه قابلا لتلك الصفة إن كانت من لوازم ذاته كان قابلا لها في ~~الأزل فيلزم جواز وجودها في الأزل والحوادث لا تكون في الأزل؛ فإن ذلك ~~يقتضي وجود حوادث لا أول لها وذلك محال: " لوجوه " قد ذكرت في غير هذا ~~الموضع. قالوا: وبذلك استدللنا على حدوث الأجسام وبه عرفنا حدوث العالم ~~وبذلك أثبتنا وجود المانع وصدق رسله؛ فلو قدحنا في تلك لزم القدح في أصول " ~~الإيمان " و " التوحيد ". وإن لم يكن من لوازم ذاته صار قابلا لها بعد أن ~~لم يكن قابلا فيكون # PageV06P220 # قابلا لتلك الصفة فيلزم التسلسل الممتنع. وقد بسطنا القول على عامة ما ~~ذكروه في هذا الباب وبينا فساده وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة لمن فهم ~~هذا الباب. وفضلاؤهم - وهم المتأخرون: كالرازي والآمدي والطوسي والحلي ~~وغيرهم - معترفون بأنه ليس لهم حجة عقلية على نفي ذلك؛ بل ذكر الرازي ~~وأتباعه أن هذا القول يلزم جميع الطوائف ونصره في آخر كتبه: " كالمطالب ~~العالية " - وهو من أكبر كتبه الكلامية الذي سماه " نهاية العقول في دراية ~~الأصول " - لما عرف فساد قول النفاة لم يعتمد على ذلك في " مسألة القرآن ". ~~فإن عمدتهم في " مسألة القرآن " إذا قالوا: لم يتكلم بمشيئته وقدرته - ~~قالوا - لأن ذلك يستلزم حلول الحوادث؛ فلما عرف فساد هذا الأصل لم يعتمد ~~على ذلك في " مسألة القرآن ". فإن عمدتهم عليه؛ بل استدل بإجماع ms1655 مركب وهو ~~دليل ضعيف إلى الغاية لأنه لم يكن عنده في نصر قول الكلابية غيره؛ وهذا مما ~~يبين أنه وأمثاله تبين له فساد قول الكلابية. وكذلك " الآمدي " ذكر في " ~~أبكار الأفكار " ما يبطل قولهم وذكر أنه لا جواب عنه وقد كشفت هذه الأمور ~~في مواضع؛ وهذا معروف عند عامة العلماء حتى الحلي بن المطهر ذكر في كتبه أن ~~القول بنفي " حلول الحوادث " لا دليل عليه فالمنازع جاهل بالعقل والشرع. # PageV06P221 # وكذلك من قبل هؤلاء كأبي المعالي وذويه إنما عمدتهم أن " الكرامية " ~~قالوا ذلك وتناقضوا فيبينون تناقض الكرامية ويظنون أنهم إذا بينوا تناقض ~~الكرامية - وهم منازعوهم - فقد فلجوا؛ ولم يعلموا أن السلف وأئمة السنة ~~والحديث - بل من قبل الكرامية من الطوائف - لم تكن تلتفت إلى الكرامية ~~وأمثالهم؛ بل تكلموا بذلك قبل أن تخلق الكرامية: فإن ابن كرام كان متأخرا ~~بعد أحمد بن حنبل في زمن مسلم بن الحجاج وطبقته وأئمة السنة والمتكلمون ~~تكلموا بهذه قبل هؤلاء وما زال السلف يقولون بموجب ذلك. لكن لما ظهرت " ~~الجهمية النفاة " في أوائل المائة الثانية بين علماء المسلمين ضلالهم ~~وخطاؤهم؛ ثم ظهر رعنة الجهمية في أوائل المائة الثالثة وامتحن " العلماء ": ~~الإمام أحمد وغيره فجردوا الرد على الجهمية وكشف ضلالهم حتى جرد الإمام ~~أحمد الآيات التي من القرآن تدل على بطلان قولهم وهي كثيرة جدا. بل الآيات ~~التي تدل على " الصفات الاختيارية " التي يسمونها " حلول الحوادث " كثيرة ~~جدا وهذا كقوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا} فهذا بين في أنه إنما أمر الملائكة بالسجود بعد خلق آدم؛ لم ~~يأمرهم في الأزل؛ وكذلك قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون} فإنما قال له: بعد أن خلقه من تراب؛ لا في الأزل. # PageV06P222 # وكذلك قوله في " قصة موسى ": {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها} وقال تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني ms1656 أنا الله رب العالمين} فهذا بين في أنه ~~إنما ناداه حين جاء لم يكن النداء في الأزل كما يقوله " الكلابية " يقولون: ~~إن النداء قائم بذات الله في الأزل وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال مناديا ~~له لكنه لما أتى خلق فيه إدراكا لما كان موجودا في الأزل. ثم من قال منهم ~~إن الكلام معنى واحد: منهم من قال: سمع ذلك المعنى بأذنه كما يقول الأشعري ~~ومنهم من يقول: بل أفهم منه ما أفهم؛ كما يقوله: القاضي أبو بكر وغيره فقيل ~~لهم: عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد فموسى فهم المعنى كله أو بعضه؟ ~~إن قلتم كله فقد علم علم الله كله وإن قلتم بعضه فقد تبعض وعندكم لا يتبعض. ~~ومن قال من أتباع " الكلابية ": بأن النداء وغيره من الكلام القديم حروف أو ~~حروف وأصوات لازمة لذات الرب كما تقوله " السالمية " ومن وافقهم يقولون: ~~إنه يخلق له إدراكا لتلك الحروف والأصوات؛ والقرآن والسنة وكلام السلف ~~قاطبة يقتضي أنه إنما ناداه وناجاه حين أتى؛ لم يكن النداء موجودا قبل ذلك ~~فضلا عن أن يكون قديما أزليا. وقال تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكما إن # PageV06P223 # الشيطان لكما عدو مبين} . وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ناداهما لم ~~ينادهما قبل ذلك. وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} . ~~{ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} . فجعل النداء في يوم ~~معين وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن وهو حينئذ يناديهم؛ لم ينادهم قبل ~~ذلك. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ~~. فبين أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ويأمر بما يريد؛ فجعل التحليل ~~والتحريم والأمر والنهي متعلقا بإرادته وينهى بإرادته ويحلل بإرادته ويحرم ~~بإرادته؛ و " الكلابية " يقولون: ليس شيء من ms1657 ذلك بإرادته؛ بل قديم لازم ~~لذاته غير مراد له ولا مقدور. و " المعتزلة مع الجهمية " يقولون: كل ذلك ~~مخلوق منفصل عنه ليس له كلام قائم به لا بإرادته ولا بغير إرادته ومثل هذا ~~كثير في القرآن العزيز. # PageV06P224 # فصل: # وكذلك في " الإرادة " و " المحبة " كقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} . وقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ~~أن يشاء الله} وقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} وقوله: ~~{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول} ~~وقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} وقوله: {وإذا شئنا بدلنا ~~أمثالهم تبديلا} وقوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وأمثال ذلك ~~في القرآن العزيز. فإن جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل " ~~إن " و " أن " وكذلك " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان؛ فقوله: {إذا أراد} ~~و {إن شاء الله} ونحو ذلك يقتضي حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة. وكذلك ~~في المحبة والرضا قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} فإن هذا يدل على أنهم إذا اتبعوه أحبهم الله؛ فإنه جزم قوله: " ~~يحببكم " به فجزمه جوابا للأمر وهو في معنى الشرط فتقديره: إن تتبعوني ~~يحببكم الله. ومعلوم أن جواب الشرط والأمر إنما يكون بعده لا قبله؛ فمحبة ~~الله لهم إنما تكون بعد اتباعهم للرسول؛ والمنازعون: منهم من يقول: ما ثم # PageV06P225 # محبة بل المراد ثوابا مخلوقا ومنهم من يقول: بل ثم محبة قديمة أزلية إما ~~الإرادة وإما غيرها والقرآن يدل على قول السلف أئمة السنة المخالفين ~~للقولين. وكذلك قوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} فإنه ~~يدل على أن أعمالهم أسخطته فهي سبب لسخطه وسخطه عليهم بعد الأعمال؛ لا ~~قبلها. وكذلك قوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وكذلك قوله: {إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} علق الرضا ~~بشكرهم وجعله مجزوما جزاء له وجزاء الشرط لا يكون إلا بعده. وكذلك ms1658 قوله: ~~{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} {يحب المتقين} {يحب المقسطين} {يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا} ونحو ذلك فإنه يدل على أن المحبة بسبب هذه ~~الأعمال وهي جزاء لها والجزاء إنما يكون بعد العمل والمسبب. # PageV06P226 # فصل: # وكذلك " السمع " و " البصر " " والنظر ". قال الله تعالى: {وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله} هذا في حق المنافقين وقال في حق التائبين: {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقوله {فسيرى الله} دليل على ~~أنه يراها بعد نزول هذه الآية الكريمة والمنازع إما أن ينفي الرؤية؛ وإما ~~أن يثبت رؤية قديمة أزلية. وكذلك قوله {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون} ولام كي تقتضي أن ما بعدها متأخر عن المعلول فنظره كيف ~~يعملون هو بعد جعلهم خلائف. وكذلك {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} أخبر أنه يسمع تحاورهما حين كانت ~~تجادل وتشتكي إلى الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا قال الإمام ~~سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم} " فجعل سمعه لنا ~~جزاء وجوابا للحمد فيكون ذلك بعد الحمد والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله ~~وإجابته ومنه قول الخليل {إن ربي لسميع الدعاء} . وكذلك قوله: {لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} وقوله لموسى: {إنني معكما ~~أسمع وأرى} . # PageV06P227 # و " المعقول الصريح " يدل على ذلك فإن المعدوم لا يرى ولا يسمع بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء؛ لكن قال من قال من " السالمية ": إنه يسمع ويرى ~~موجودا في علمه لا موجودا بائنا عنه ولم يقل إنه يسمع ويرى بائنا عن الرب. ~~فإذا خلق العباد وعملوا وقالوا؛ فإما أن نقول إنه يسمع أقوالهم ويرى ~~أعمالهم؛ وإما لا يرى ولا يسمع. فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين ~~وتكذيب للقرآن وهما صفتا كمال لا نقص فيه فمن يسمع ويبصر أكمل ممن لا يسمع ~~ولا يبصر. والمخلوق يتصف بأنه يسمع ويبصر فيمتنع اتصاف المخلوق بصفات ~~الكمال دون الخالق سبحانه ms1659 وتعالى وقد عاب الله تعالى من يعبد من لا يسمع ~~ولا يبصر في غير موضع؛ ولأنه حي والحي إذا لم يتصف بالسمع والبصر اتصف بضد ~~ذلك وهو العمى والصمم وذلك ممتنع وبسط هذا له موضع آخر. وإنما " المقصود ~~هنا " أنه إذا كان يسمع ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن وجدت؛ فإما أن يقال: ~~إنه تجدد وكان لا يسمعها ولا يبصرها فهو بعد أن خلقها لا يسمعها ولا ~~يبصرها. وإن تجدد شيء: فإما أن يكون وجودا أو عدما؛ فإن كان عدما فلم يتجدد ~~شيء وإن كان وجودا: فإما أن يكون قائما بذات الله أو قائما بذات غيره و " ~~الثاني " يستلزم أن يكون ذلك الغير هو الذي يسمع ويرى فيتعين أن ذلك السمع ~~والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه. # PageV06P228 # و " الكلابية " يقولون في جميع هذا الباب: المتجدد هو تعلق بين الأمر ~~والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي فيقال ~~لهم: هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما فلم ~~يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم. وأيضا فحدوث " تعلق " ~~هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة وإضافة إلا ~~بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك. وطائفة منهم ابن عقيل يسمون هذه النسبة " ~~أحوالا ". و " الطوائف " متفقون على حدوث " نسب " و " إضافات " و " تعلقات ~~" لكن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع. فلا يكون نسبة وإضافة إلا ~~تابعة لصفة ثبوتية؛ كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر ~~فإنها لا بد أن تستلزم أمورا ثبوتية. وكذلك كونه " خالقا " و " رازقا " و " ~~محسنا " و " عادلا " فإن هذه أفعال فعلها بمشيئته وقدرته إذ كان يخلق ~~بمشيئته ويرزق بمشيئته. ويعدل بمشيئته ويحسن بمشيئته. والذي عليه " جماهير ~~المسلمين " من السلف. والخلف أن الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الخالق ~~والمخلوق مفعوله؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بأفعال الرب ~~وصفاته كما في قوله صلى الله عليه وسلم " {أعوذ برضاك من سخطك ms1660 وبمعافاتك من ~~عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.} " فاستعاذ ~~بمعافاته كما استعاذ برضاه. # PageV06P229 # وقد استدل " أئمة السنة " كأحمد وغيره على أن " كلام الله غير مخلوق " ~~بأنه استعاذ به فقال: " {من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ~~ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه} . " فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة ~~لأنه استعاذ بهما والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة فإنها نتيجة معافاته. ~~وإذا كان " الخلق فعله " والمخلوق مفعوله " وقد خلق الخلق بمشيئته دل على ~~أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره فدل على أن أفعاله قائمة ~~بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته. وقد حكى البخاري إجماع العلماء على ~~الفرق بين الخلق والمخلوق وعلى هذا يدل " صريح المعقول ". فإنه قد ثبت ~~بالأدلة " العقلية والسمعية " أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد ~~أن لم يكن وأن الله انفرد بالقدم والأزلية؛ وقد قال تعالى: {الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} فهو حين خلق السموات ابتداء؛ إما ~~أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض وإما أن لا يحصل منه فعل؛ بل ~~وجدت المخلوقات بلا فعل ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها ومع خلقها ~~سواء وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص. و ~~" أيضا " فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداية العقل وإذا قيل: ~~الإرادة والقدرة خصصت. قيل: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء؛ ~~وأيضا فلا تعقل إرادة تخصيص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب # PageV06P230 # التخصيص؛ " وأيضا " فلا بد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه وإلا فلو ~~كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا؛ للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع ~~الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور. وقد احتج من قال: " الخلق ~~" هو المخلوق - كأبي الحسن ومن اتبعه مثل ابن عقيل - بأن قالوا: لو كان ~~غيره لكان إما قديما وإما حادثا فإن كان قديما لزم قدم المخلوق لأنهما ~~متضايفان؛ ms1661 وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث ثم ذلك المخلوق يفتقر إلى ~~خلق آخر ويلزم التسلسل. فأجابهم " الجمهور " - وكل طائفة على أصلها - ~~فطائفة قالت: الخلق قديم وإن كان المخلوق حادثا كما يقول ذلك كثير من أهل ~~المذاهب الأربعة وعليه أكثر الحنفية؛ قال هؤلاء: أنتم تسلمون لنا أن ~~الإرادة قديمة أزلية؛ والمراد محدث فنحن نقول في الخلق ما قلتم في الإرادة. ~~وقالت " طائفة ": بل الخلق حادث في ذاته ولا يفتقر إلى خلق آخر؛ بل يحدث ~~بقدرته. وأنتم تقولون: إن المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن فإن كان ~~المنفصل يحصل بمجرد القدرة فالمتصل به أولى وهذا جواب كثير من الكرامية ~~والهشامية وغيرهم. و " طائفة " يقولون: هب أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم ~~قلتم: إن ذلك ممتنع؟ وقولكم: هذا تسلسل. فيقال: ليس هذا تسلسلا في الفاعلين ~~والعلل # PageV06P231 # الفاعلة؛ فإن هذا ممتنع باتفاق العقلاء؛ بل هو تسلسل في الآثار والأفعال ~~وهو حصول شيء بعد شيء وهذا محل النزاع. " فالسلف " يقولون: لم يزل متكلما ~~إذا شاء؛ وقد قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ~~أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . فكلمات الله لا نهاية لها وهذا ~~تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل فإن نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من ~~شيء إلا وبعده شيء لا نهاية له. # PageV06P232 # فصل: # و " الأفعال نوعان ": متعد ولازم. فالمتعدي مثل: الخلق والإعطاء ونحو ذلك ~~واللازم: مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان. قال تعالى: {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} فذكر الفعلين: ~~المتعدي واللازم وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته وهو متصف به؛ وقد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أن القرآن يدل على " هذا الأصل " في أكثر من ~~مائة موضع. وأما " الأحاديث الصحيحة " فلا يمكن ضبطها في هذا الباب كما في ~~الصحيحين: عن زيد بن خالد الجهني {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ~~صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ms1662 ثم قال: أتدرون ماذا قال ~~ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل ~~الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا ونوء ~~كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب} ". وفي الصحاح حديث الشفاعة " ~~{فيقول كل من الرسل إذا أتوا إليه: إن ربي قد غضب اليوم غضبا # PageV06P233 # لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله} " وهذا بيان أن الغضب حصل في ذلك ~~اليوم لا قبله. وفي الصحيح: ( {إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر ~~السلسلة على الصفوان} فقوله: إذا تكلم الله بالوحي سمع يدل على أنه يتكلم ~~به حين يسمعونه وذلك ينفي كونه أزليا وأيضا فما يكون كجر السلسلة على الصفا ~~يكون شيئا بعد شيء والمسبوق بغيره لا يكون أزليا. وكذلك في الصحيح " {يقول ~~الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ~~سأل؛ فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: ~~{الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال {مالك يوم الدين} قال ~~الله: مجدني عبدي؛ فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال الله هذه الآية ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الله: هؤلاء لعبدي ~~ولعبدي ما سأل} فقد أخبر أن العبد إذا قال {الحمد لله} قال الله: حمدني ~~فإذا قال {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي الحديث. وفي الصحاح حديث ~~النزول " {ينزل ربنا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني ~~فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟} " فهذا قول وفعل في ~~وقت معين وقد اتفق السلف على أن " النزول " # PageV06P234 # فعل يفعله الرب كما قال ذلك الأوزاعي وحماد بن زيد والفضيل بن عياض وأحمد ~~بن حنبل وغيرهم. وأيضا فقد قال صلى الله عليه وسلم " {لله أشد أذنا إلى ~~الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} " وفي ms1663 الحديث الصحيح ~~الآخر " {ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به} " ~~أذن يأذن أذنا: أي استمع يستمع استماعا {وأذنت لربها وحقت} . فأخبر أنه ~~يستمع إلى هذا وهذا. وفي الصحيح " {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به؛ وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها} " فأخبر أنه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد ~~الفرائض. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى قال: ~~" {قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منهم} " وحرف " إن " حرف ~~الشرط؛ والجزاء يكون بعد الشرط فهذا يبين أنه يذكر العبد إن ذكره في نفسه ~~وإن ذكره في ملإ ذكره في ملإ خير منهم والمنازع يقول ما زال يذكره أزلا ~~وأبدا ثم يقول: ذكره وذكر غيره وسائر ما يتكلم الله به هو شيء واحد لا ~~يتبعض ولا يتعدد فحقيقة قوله إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا يذكر أحدا. # PageV06P235 # وفي صحيح مسلم في حديث تعليم الصلاة " {وإذا قال الإمام سمع الله لمن ~~حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ يسمع الله لكم فإن الله قال على لسان ~~نبيه سمع الله لمن حمده} " فقوله: سمع الله لمن حمده؛ لأن الجزاء بعد الشرط ~~فقوله " يسمع الله لكم " مجزوم حرك لالتقاء الساكنين وهذا يقتضي أنه يسمع ~~بعد أن تحمدوا. # PageV06P236 # فصل: # والمنازعون " النفاة " كذلك. منهم من ينفي الصفات مطلقا فهذا يكون الكلام ~~معه في الصفات مطلقا؛ لا يختص " بالصفات الاختيارية ". ومنهم من يثبت ~~الصفات ويقول لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته؛ فيقول: إنه لا يتكلم ~~بمشيئته واختياره ويقول: لا يرضى ويسخط ويحب ويبغض ويختار بمشيئته وقدرته ~~ويقول: إنه لا يفعل فعلا " هو الخلق " يخلق به المخلوق ولا يقدر عنده على ~~فعل يقوم بذاته بل مقدوره لا يكون إلا منفصلا منه وهذا موضع تنازع فيه ~~النفاة. ms1664 فقيل: لا يكون " مقدوره " إلا بائنا عنه؛ كما يقوله الجهمية ~~والكلابية والمعتزلة وقيل: لا يكون " مقدوره " إلا ما يقوم بذاته؛ كما ~~يقوله: السالمية والكرامية والصحيح: أن كليهما مقدور له. أما " الفعل " ~~فمثل قوله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم} وقوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقول الحواريين: {هل ~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} وقوله: {أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وقوله: {أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السماوات والأرض ولم يعي # PageV06P237 # بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} إلى أمثال ذلك مما يبين أنه يقدر على " ~~الأفعال " كالإحياء والبعث ونحو ذلك. وأما " القدرة على الأعيان " ففي ~~الصحيح عن أبي مسعود قال: " {كنت أضرب غلاما لي فرآني النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا} " فقوله: " لله أقدر ~~عليك منك على هذا " دليل على أن القدرة تتعلق بالأعيان المنفصلة: " قدرة ~~الرب " و " قدرة العبد ". ومن الناس من يقول: كلاهما يتعلق بالفعل ~~كالكرامية ومنهم من يقول: قدرة الرب تتعلق بالمنفصل وأما قدرة العبد فلا ~~تتعلق إلا بفعل في محلها كالأشعرية. و " النصوص " تدل على أن كلا القدرتين ~~تتعلق بالمتصل والمنفصل فإن الله تعالى أخبر أن العبد يقدر على أفعاله ~~كقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم} فدل على أن منا من ~~يستطيع ذلك ومنا من لم يستطع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {يا معشر ~~الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له ~~وجاء} ". أخرجاه في الصحيحين. وقوله: " {إن استطعت أن تعمل بالرضا مع ~~اليقين فافعل} وقوله في الحديث الذي في الصحيح: " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم} وقد أخبر أنه قادر على عبده وهؤلاء الذين يقولون: لا تقوم ~~به " الأمور الاختيارية " عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث ms1665 لم يخل منها وما ~~لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد نازعهم الناس في كلا " المقدمتين " ~~وأصحابهم # PageV06P238 # المتأخرون كالرازي والآمدي قدحوا في " المقدمة الأولى " في نفس هذه ~~المسألة وقدح الرازي في " المقدمة الثانية " في غير موضع من كتبه وقد بسط ~~الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. وقولهم: إنا عرفنا حدوث العالم بهذه ~~الطريق وبه أثبتنا " الصانع " يقال لهم: لا جرم ابتدعتم طريقا لا يوافق ~~السمع ولا العقل فالعالمون بالشرع معترفون أنكم مبتدعون محدثون في الإسلام ~~ما ليس منه والذين يعقلون ما يقولون يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم وأن ما ~~جعلتموه دليلا على إثبات الصانع لا يدل على إثباته بل هو استدلال على نفي " ~~الصانع ". وإثبات " الصانع " حق وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم ~~بأن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وأما كون " طريقكم مبتدعة " ما سلكها ~~الأنبياء ولا أتباعهم ولا سلف الأمة؛ فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول - ~~وإن كانت معرفته متوسطة؛ لم يصل في ذلك إلى الغاية - - يعلم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يدع الناس في معرفة الصانع وتوحيده وصدق رسله إلى ~~الاستدلال بثبوت الأعراض وأنها حادثة ولازمة للأجسام؛ وما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها. فعلم بالاضطرار أن " هذه ~~الطريق " لم يتكلم بها الرسول ولا دعا إليها ولا أصحابه ولا تكلموا بها ولا ~~دعوا بها الناس. وهذا يوجب العلم الضروري من دين الرسول فإن عند الرسول ~~والمؤمنين به أن الله يعرف # PageV06P239 # ويعرف توحيده وصدق رسله بغير هذه الطريق فدل الشرع دلالة ضرورية على أنه ~~لا حاجة إلى هذه الطريق ودل ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب والسنة على أنها ~~طريق باطلة. فدل الشرع على أنه لا حاجة إليها وأنها باطلة. وأما العقل فقد ~~بسط القول في جميع ما قيل فيها في غير هذه المواضع وبين أن أئمة أصحابها قد ~~يعترفون بفسادها من جهة العقل. كما يوجد في كلام أبي حامد والرازي وغيرهما ~~بيان فسادها. ولما ms1666 ظهر فسادها للعقل تسلط " الفلاسفة " على سالكيها وظنت ~~الفلاسفة أنهم إذا قدحوا فيها فقد قدحوا في دلالة الشرع ظنا منهم أن الشرع ~~جاء بموجبها إذ كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها فسالكوها لا للإسلام ~~نصروا ولا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام. وهذا كله ~~مبسوط في مواضع. وإنما " المقصود هنا ": أن يعرف أن نفيهم " للصفات ~~الاختيارية " التي يسمونها حلول الحوادث ليس لهم دليل عقلي عليه وحذاقهم ~~يعترفون بذلك وأما السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقضه والعقل أيضا يدل ~~نقيضه من وجوه نبهنا على بعضها. ولما لم يمكن مع أصحابها حجة " لا عقلية ~~ولا سمعية ": من الكتاب والسنة احتال متأخروهم فسلكوا " طريقا سمعية " ظنوا ~~أنها تنفعهم فقالوا: هذه الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها وإن ~~كانت صفات # PageV06P240 # كمال فقد كان فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص؛ فيلزم أن يكون كان ~~ناقصا وتنزيهه عن النقص واجب بالإجماع وهذه الحجة من أفسد الحجج وذلك من ~~وجوه: أحدها: أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يعلم بالعقل وإنما علم " ~~بالإجماع " - وعليه اعتمدوا في نفي النقص - فنعود إلى احتجاجهم بالإجماع ~~ومعلوم أن الإجماع لا يحتج به في موارد النزاع؛ فإن المنازع لهم يقول أنا ~~لم أوافقكم على نفي هذا المعنى وإن وافقتكم على إطلاق القول بأن الله منزه ~~عن النقص؛ فهذا المعنى عندي ليس بنقص ولم يدخل فيما سلمته لكم فإن بينتم ~~بالعقل أو بالسمع انتفاءه وإلا فاحتجاجكم بقولي مع أني لم أرد ذلك كذب علي؛ ~~فإنكم تحتجون بالإجماع؛ والطائفة المثبتة من أهل الإجماع وهم لم يسلموا ~~هذا. الثاني: أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص؛ بل لو وجدت قبل وجودها ~~لكان نقصا؛ مثال ذلك تكليم الله لموسى عليه السلام ونداؤه له فنداؤه حين ~~ناداه صفة كمال؛ ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصا؛ فكل منها كمال حين ~~وجوده؛ ليس بكمال قبل وجوده؛ بل وجوده قبل الوقت الذي تقتضي الحكمة وجوده ~~فيه نقص. الثالث: أن يقال: لا ms1667 نسلم أن عدم ذلك نقص فإن ما كان حادثا # PageV06P241 # امتنع أن يكون قديما وما كان ممتنعا لم يكن عدمه نقصا؛ لأن النقص فوات ما ~~يمكن من صفات الكمال. (الرابع: أن هذا يرد في كل ما فعله الرب وخلقه. ~~فيقال: خلق هذا إن كان نقصا فقد اتصف بالنقص وإن كان كمالا فقد كان فاقدا ~~له؛ فإن قلتم: " صفات الأفعال " عندنا ليست بنقص ولا كمال. قيل: إذا قلتم ~~ذلك أمكن المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال. (الخامس: أن ~~يقال: إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء ~~بنفسها وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها ألبتة بل هي ~~بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره قضى العقل الصريح بأن هذه ~~الذات أكمل وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص؛ والكمال في اتصافه ~~بهذه الصفات؛ لا في نفي اتصافه بها. (السادس: أن يقال: الحوادث التي يمتنع ~~أن يكون كل منها أزليا ولا يمكن وجودها إلا شيئا فشيئا إذا قيل: أيما أكمل ~~أن يقدر على فعلها شيئا فشيئا أو لا يقدر على ذلك؟ كان معلوما - بصريح ~~العقل - أن القادر على فعلها شيئا فشيئا أكمل ممن لا يقدر على ذلك. وأنتم ~~تقولون: إن الرب لا يقدر على شيء من هذه الأمور؛ وتقولون إنه يقدر على أمور ~~مباينة له ومعلوم أن قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على أمور ~~مباينة له؛ فإذا قلتم # PageV06P242 # لا يقدر على فعل متصل به لزم أن لا يقدر على المنفصل؛ فلزم على قولكم أن ~~لا يقدر على شيء ولا أن يفعل شيئا فلزم أن لا يكون خالقا لشيء؛ وهذا لازم ~~للنفاة لا محيد لهم عنه. ولهذا قيل: الطريق التي سلكوها في حدوث العالم ~~وإثبات الصانع: تناقض حدوث العالم وإثبات الصانع ولا يصح القول بحدوث ~~العالم وإثبات الصانع إلا بإبطالها؛ لا بإثباتها. فكان ما اعتمدوا عليه ~~وجعلوه أصولا للدين ودليلا عليه هو في نفسه باطل شرعا وعقلا وهو ms1668 مناقض ~~للدين ومناف له. ولهذا كان " السلف والأئمة " يعيبون كلامهم هذا ويذمونه ~~ويقولون: من طلب العلم بالكلام تزندق؛ كما قال أبو يوسف. ويروي عن مالك. ~~ويقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~العشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال ~~الإمام أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة وما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. ~~وقد صدق الأئمة في ذلك فإنهم يبنون أمرهم على " كلام مجمل " يروج على من لم ~~يعرف حقيقته فإذا اعتقد أنه حق وتبين أنه مناقض للكتاب والسنة بقي في قلبه ~~مرض ونفاق وريب وشك؛ بل طعن فيما جاء به الرسول وهذه هي الزندقة. وهو " ~~كلام باطل من جهة العقل " كما قال بعض السلف: العلم بالكلام هو # PageV06P243 # الجهل فهم يظنون أن معهم عقليات وإنما معهم جهليات: {كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب} . هذا هو الجهل المركب؛ لأنهم كانوا في شك وحيرة فهم في ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور. أين هؤلاء من نور القرآن والإيمان؟ قال الله تعالى: {الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله ~~الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} . فإن قيل: أما كون الكلام والفعل يدخل ~~في " الصفات الاختيارية " فظاهر. فإنه يكون بمشيئة الرب وقدرته وأما " ~~الإرادة " و " المحبة " و " الرضا " و " الغضب " ففيه نظر فإن نفس " ~~الإرادة " هي المشيئة وهو سبحانه إذا خلق من يحبه كالخليل فإنه يحبه ويحب ~~المؤمنين ويحبونه وكذلك إذا عمل الناس أعمالا يراها وهذا لازم لا بد من ذلك ~~فكيف يدخل تحت الاختيار. قيل: كل ما كان بعد عدمه فإنما يكون ms1669 بمشيئة الله ~~وقدرته وهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاء وجب كونه وهو تحت ~~مشيئة الرب وقدرته وما لم يشأه امتنع كونه مع قدرته عليه، كما قال تعالى: # PageV06P244 # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} ~~{ولو شاء ربك ما فعلوه} . فكون الشيء واجب الوقوع لكونه قد سبق به القضاء ~~على أنه لا بد من كونه لا يمتنع أن يكون واقعا بمشيئته وقدرته وإرادته وإن ~~كانت من لوازم ذاته كحياته وعلمه. فإن " إرادته للمستقبلات " هي مسبوقة " ~~بإرادته للماضي " {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وهو إنما ~~أراد " هذا الثاني " بعد أن أراد قبله ما يقتضي إرادته؛ فكان حصول الإرادة ~~اللاحقة بالإرادة السابقة. # والناس قد اضطربوا في " مسألة إرادة الله سبحانه وتعالى " على أقوال ~~متعددة. ومنهم من نفاها ورجح الرازي هذا في " مطالبه العالية " لكن - ولله ~~الحمد - نحن قررناها وبينا فساد الشبه المانعة منها؛ وأن ما جاء به الكتاب ~~والسنة هو الحق المحض الذي تدل عليه المعقولات الصريحة وأن " صريح المعقول ~~موافق لصحيح المنقول ". وكنا قد بينا " أولا " أنه يمتنع تعارض الأدلة ~~القطعية فلا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين أو سمعيين أو ~~كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا؛ ثم بينا بعد ذلك: أنها متوافقة متناصرة ~~متعاضدة. فالعقل يدل على صحة السمع والسمع يبين صحة العقل وأن من سلك ~~أحدهما أفضى به إلى الآخر. # PageV06P245 # وأن الذين يستحقون العذاب هم الذين لا يسمعون ولا يعقلون. كما قال الله ~~تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا} وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} ~~{قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير} {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقال: ~~{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ms1670 يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} وقال تعالى: {إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . فقد بين القرآن أن من كان ~~يعقل أو كان يسمع: فإنه يكون ناجيا وسعيدا ويكون مؤمنا بما جاءت به الرسل ~~وقد بسطت هذه الأمور في غير موضع والله أعلم. # PageV06P246 # فصل: # وفحول النظار " كأبي عبد الله الرازي وأبي الحسن الآمدي " وغيرهما ذكروا ~~حجج النفاة " لحلول الحوادث " وبينوا فسادها كلها. فذكروا لهم أربع حجج: ~~إحداها: " الحجة المشهورة " وهي أنها لو قامت به لم يخل منها ومن أضدادها ~~وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. ومنعوا المقدمة الأولى؛ والمقدمة الثانية؛ ~~ذكر الرازي وغيره فسادها وقد بسط في غير هذا الموضع. والثانية: أنه لو كان ~~قابلا لها في الأزل لكان القبول من لوازم ذاته فكان القبول يستدعي إمكان ~~المقبول ووجود الحوادث في الأزل محال وهذه أبطلوها هم بالمعارضة بالقدرة: ~~بأنه قادر على إحداث الحوادث والقدرة تستدعي إمكان المقدور و " وجود ~~المقدور " وهو الحوادث في الأزل محال و " هذه الحجة " باطلة من وجوه: أحدها ~~أن يقال " وجود الحوادث " إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا؛ فإن كان ~~ممكنا أمكن قبولها والقدرة عليها دائما وحينئذ فلا يكون وجود جنسها في ~~الأزل ممتنعا؛ بل يمكن أن يكون جنسها مقدورا مقبولا؛ # PageV06P247 # وإن كان ممتنعا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى؛ وحينئذ فلا تكون في ~~الأزل ممكنة؛ لا مقدورة ولا مقبولة؛ وحينئذ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك. فإن ~~الحوادث موجودة؛ فلا يجوز أن يقال بدوام امتناعها؛ وهذا تقسيم حاصر يبين ~~فساد " هذه الحجة ". # الوجه الثاني: أن يقال - لا ريب أن الرب تعالى قادر؛ فإما أن يقال إنه لم ~~يزل قادرا - وهو الصواب - وإما أن يقال بل صار قادرا بعد أن لم يكن فإن ~~قيل: لم يزل قادرا فيقال: إذا كان لم يزل قادرا فإن كان المقدور لم يزل ~~ممكنا أمكن دوام وجود الممكنات فأمكن دوام وجود الحوادث؛ وحينئذ فلا يمتنع ~~كونه ms1671 قابلا لها في الأزل. فإن قيل: بل كان الفعل ممتنعا ثم صار ممكنا. قيل: ~~هذا جمع بين النقيضين فإن القادر لا يكون قادرا على ممتنع فكيف يكون قادرا ~~على كون المقدور ممتنعا ثم يقال: بتقدير إمكان هذا قيل هو قادر في الأزل ~~على ما يمكن فيما لا يزال وكذلك في المقبول: يقال هو قابل في الأزل لما ~~يمكن فيما لا يزال. # الوجه الثالث: إذا قيل - هو قابل لما في الأزل فإنما هو قابل لما هو قادر ~~عليه يمكن وجوده فأما ما يكون ممتنعا لا يدخل تحت القدرة فهذا ليس بقابل ~~له. # الرابع: أن يقال - هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات ومعلوم ~~أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له؛ وإذا # PageV06P248 # كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمنع مثله لوجود المقدور المباين ثم ثبت أن ~~المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه فالفعل أن يكون ممكنا مقدورا أولى. ~~(الحجة الثالثة لهم: أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم " تغيره " ~~والتغير على الله محال وأبطلوا هم " هذه الحجة " الرازي وغيره؛ بأن قالوا: ~~ما تريدون بقولكم: لو قامت به تغير أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا ~~آخر؟ فإن أردتم الأول كان المقدم هو الثاني والملزوم هو اللازم وهذا لا ~~فائدة فيه فإنه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث ~~وهذا كلام لا يفيد وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع فلا نسلم أنها ~~لو قامت به لزم " تغير " غير حلول الحوادث فهذا جوابهم. وإيضاح ذلك: أن " ~~لفظ التغير " لفظ مجمل فالتغير في اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون ~~المحل قامت به الحوادث فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا ~~تحركت: إنها قد تغيرت ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى إنه تغير ولا ~~يقولون إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب إنه تغير إذا كان ذلك عادته بل إنما ~~يقولون تغير لمن استحال من صفة إلى صفة كالشمس ms1672 إذا زال نورها ظاهرا لا يقال ~~إنها تغيرت فإذا اصفرت قيل تغيرت. وكذلك الإنسان إذا مرض أو تغير جسمه بجوع ~~أو تعب قيل قد تغير وكذلك إذا تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرا فينقلب ~~ويصير برا أو يكون برا فينقلب فاجرا فإنه يقال قد تغير. وفي الحديث {رأيت ~~وجه رسول الله # PageV06P249 # صلى الله عليه وسلم متغيرا لما رأى منه أثر الجوع ولم يزل يراه يركع ~~ويسجد} " فلم يسم حركته تغيرا وكذلك يقال: فلان قد تغير على فلان إذا صار ~~يبغضه بعد المحبة فإذا كان ثابتا على مودته لم يسم هشته إليه وخطابه له ~~تغيرا. وإذا جرى على عادته في أقواله وأفعاله فلا يقال إنه قد تغير قال ~~الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . ومعلوم ~~أنهم إذا كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد ~~غيروا ما بأنفسهم فإذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر ~~وباعتقاد الحق اعتقاد الباطل قيل: قد غيروا ما بأنفسهم مثل من كان يحب الله ~~ورسوله والدار الآخرة فتغير قلبه وصار لا يحب الله ورسوله والدار الآخرة ~~فهذا قد غير ما في نفسه. وإذا كان هذا " معنى التغير " فالرب تعالى لم يزل ~~ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال والإكرام وكماله من ~~لوازم ذاته فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله ويمتنع أن يصير ناقصا بعد ~~كماله. و " هذا الأصل " عليه قول السلف وأهل السنة: أنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء ولم يزل قادرا ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون ~~متغيرا وهذا معنى قول من يقول: يا من يغير ولا يتغير فإنه يحيل صفات ~~المخلوقات؛ ويسلبها ما كانت متصفة به إذا شاء؛ ويعطيها من صفات الكمال ما ~~لم يكن لها؛ وكماله من لوازم ذاته؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات # PageV06P250 # الكمال؛ قال تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقال تعالى: {كل من عليها فان} ~~{ويبقى وجه ربك ذو ms1673 الجلال والإكرام} . ولكن " هؤلاء النفاة " هم الذين ~~يلزمهم أن يكون قد تغير؛ فإنهم يقولون: كان في الأزل لا يمكنه أن يقول ~~شيئا؛ ولا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ وكان ذلك ممتنعا عليه لا يتمكن منه ثم صار ~~الفعل ممكنا يمكنه أن يفعل. ولهم في " الكلام " قولان: من يثبت الكلام ~~المعروف وقال: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته قال إنه صار الكلام ممكنا له بعد ~~أن كان ممتنعا عليه؛ ومن لم يصفه بالكلام المعروف؛ بل قال: إنه يتكلم بلا ~~مشيئة وقدرة كما تقوله الكلابية فهؤلاء أثبتوا كلاما لا يعقل ولم يسبقهم ~~إليه أحد من المسلمين؛ بل كان المسلمون قبلهم على " قولين ": فالسلف وأهل ~~السنة يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه غير مخلوق. و " الجهمية " ~~يقولون: إنه مخلوق بقدرته ومشيئته فقال هؤلاء بل يتكلم بلا مشيئته وقدرته ~~وكلامه شيء واحد لازم لذاته وهو حروف أو حروف وأصوات: أزلية لازمة لذاته ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع. و (المقصود أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن ~~الرب لم يزل يمكنه أن يفعل ما شاء ويقولون ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى ~~وذلك محال فهؤلاء يقولون صار الفعل ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه وحقيقة ~~قولهم إنه # PageV06P251 # صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا وهذا حقيقة التغير مع أنه لم يحدث سبب ~~يوجب كونه قادرا. وإذا قالوا: هو في الأزل قادر على ما لا يزال. قيل هذا ~~جمع بين النفي والإثبات فهو في الأزل كان قادرا. أفكان القول ممكنا له أو ~~ممتنعا عليه؟ إن قلتم: ممكن له فقد جوزتم دوام كونه فاعلا وأنه قادر على ~~حوادث لا نهاية لها. وإن قلتم: بل كان ممتنعا. قيل القدرة على الممتنع مع ~~كون الفعل ممتنعا غير ممكن - لا يكون مقدورا للقادر إنما المقدور هو الممكن ~~لا الممتنع. فإذا قلتم: أمكنه بعد ذلك. فقد قلتم: إنه أمكنه أن يفعل بعد أن ~~كان لا يمكنه أن يفعل وهذا صريح في أنه صار قادرا بعد أن لم يكن وهو صريح ~~في التغير. فهؤلاء ms1674 النفاة الذين قالوا: إن المثبتة يلزمهم القول بأنه " ~~تغير " قد بان بطلان قولهم وأنهم هم الذين قالوا: بما يوجب تغيره. (الحجة ~~الرابعة: قالوا: حلول الحوادث به أفول؛ والخليل قد قال: {لا أحب الآفلين} و ~~" الآفل " هو المتحرك الذي تقوم له الحوادث فيكون " الخليل " قد نفى المحبة ~~عمن تقوم به الحوادث فلا يكون إلها؛ وإذا قال المنازع أنا أريد بكونه تغير ~~أنه تكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب منا الطاعة ويفرح بتوبة التائب ويأتي يوم ~~القيامة. قيل: فهب أنك سميت هذا تغيرا؛ فلم قلت إن هذا ممتنع فهذا محل ~~النزاع كما قال الرازي: فالمقدم هو الثاني. # PageV06P252 # فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ### | الله يوصف " بالغيرة " # وهي مشتقة من " التغير " فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ~~{لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته} " وقال أيضا " {لا أحد ~~أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من ~~الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك ~~حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ". وقال: " {أتعجبون من غيرة سعد لأنا ~~أغير منه والله أغير مني} . و (الجواب: أن قصة الخليل حجة عليهم لا لهم؛ ~~وهم المخالفون لإبراهيم ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - وذلك أن الله تعالى قال: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} {فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . فقد أخبر الله ~~في كتابه: أنه من حين بزغ الكوكب والقمر والشمس وإلى حين أفولها لم يقل ~~الخليل: لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين ولا أحب من تقوم به ~~الحركات ولا الحوادث ms1675 ولا قال شيئا مما يقوله النفاة حين أفل الكوكب والشمس ~~والقمر. # PageV06P253 # و " الأفول " باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو الغيب والاحتجاب؛ بل هذا ~~معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق ~~العلماء. فلم يقل إبراهيم: {لا أحب الآفلين} (إلا حين أفل وغاب عن الأبصار ~~فلم يبق مرئيا ولا مشهودا - فحينئذ قال {لا أحب الآفلين} -. وهذا يقتضي أن ~~كونه متحركا منتقلا تقوم به الحوادث؛ بل كونه جسما متحيزا تقوم به الحوادث ~~لم يكن دليلا عند إبراهيم على نفي محبته. فإن كان إبراهيم إنما استدل " ~~بالأفول " على أنه ليس رب العالمين - كما زعموا -: لزم من ذلك أن يكون ما ~~يقوم به الأفول - من كونه متحركا منتقلا - تحله الحوادث؛ بل ومن كونه جسما ~~متحيزا: لم يكن دليلا عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين وحينئذ فيلزم ~~أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم؛ لا على تعيين مطلوبهم. وهكذا ~~أهل البدع لا يكادون يحتجون " بحجة " سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل ~~حجة عليهم؛ لا لهم. ولكن " إبراهيم عليه السلام " لم يقصد بقوله {هذا ربي} ~~إنه رب العالمين ولا كان أحد من قومه يقولون إنه رب العالمين من تجويز ذلك ~~عليهم؛ بل كانوا مشركين مقرين بالصانع؛ وكانوا يتخذون الكواكب والشمس ~~والقمر أربابا يدعونها من دون الله ويبنون لها الهياكل وقد صنفت في مثل ~~مذهبهم " كتب ": مثل " كتاب السر المكتوم: في السحر ومخاطبة النجوم " وغيره ~~من الكتب. # PageV06P254 # ولهذا قال الخليل: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} ~~{فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ~~ولهذا قال الخليل في تمام الكلام: {إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . بين أنه إنما يعبد ~~الله وحده فله يوجه وجهه إذا توجه قصده ms1676 إليه: يتبع قصده وجهه فالوجه توجه ~~حيث توجه القلب فصار قلبه وقصده ووجهه متوجها إلى الله تعالى ولهذا قال: ~~{وما أنا من المشركين} لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع فإن هذا كان معلوما ~~عند قومه لم يكونوا ينازعونه في وجود فاطر السموات والأرض وإنما كان النزاع ~~في عبادة غير الله واتخاذه ربا؛ فكانوا يعبدون الكواكب السماوية ويتخذون ~~لها أصناما أرضية. وهذا " النوع الثاني من الشرك " فإن الشرك في قوم نوح ~~كان أصله من عبادة الصالحين - أهل القبور - ثم صوروا تماثيلهم فكان شركهم ~~بأهل الأرض؛ إذ كان الشيطان إنما يضل الناس بحسب الإمكان فكان ترتيبه " ~~أولا " الشرك بالصالحين أيسر عليه. ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك ~~بالسماويات: بالكواكب وصنعوا لها " الأصنام " بحسب ما رأوه من طبائعها ~~يصنعون لكل كوكب طعاما وخاتما # PageV06P255 # وبخورا وأموالا تناسبه وهذا كان قد اشتهر على عهد إبراهيم إمام الحنفاء؛ ~~ولهذا قال الخليل: {ماذا تعبدون} {أئفكا آلهة دون الله تريدون} {فما ظنكم ~~برب العالمين} وقال لهم: {أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} ~~وقصة إبراهيم قد ذكرت في غير موضع من القرآن مع قومه: إنما فيها نهيهم عن ~~الشرك؛ خلاف قصة موسى مع فرعون فإنها ظاهرة في أن فرعون كان مظهرا الإنكار ~~للخالق وجحوده. وقد ذكر الله عن إبراهيم أنه حاج الذي حاجه في ربه في قوله: ~~{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب} فهذا قد يقال: إنه كان جاحدا للصانع ومع هذا ~~فالقصة ليست صريحة في ذلك؛ بل يدعو الإنسان إلى عبادة نفسه وإن كان لا يصرح ~~بإنكار الخالق مثل إنكار فرعون. وبكل حال " فقصة إبراهيم " إلى أن تكون حجة ~~عليهم أقرب منها إلى أن تكون حجة لهم وهذا بين - ولله الحمد - بل ما ذكره ~~الله عن إبراهيم يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن الله؛ فإن إبراهيم ms1677 قال: ~~{إن ربي لسميع الدعاء} والمراد به: أنه يستجيب الدعاء كما يقول المصلي سمع ~~الله لمن حمده وإنما يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده؛ لا قبل وجوده كما قال ~~الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما} . # PageV06P256 # فهي تجادل وتشتكي حال سمع الله تحاورهما؛ وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته ~~المذكورة في قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقال: ~~{ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} فهذه رؤية مستقلة ~~ونظر مستقل وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلا عن الرائي السامع ~~باتفاق العقلاء فإذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها. و " الرؤية " و " ~~السمع " أمر وجودي لا بد له من موصوف يتصف به فإذا كان هو الذي رآها وسمعها ~~امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية. وأن تكون قائمة ~~بغيره فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت الأعمال والأقوال ~~وهذا مطعن لا حيلة فيه. وقد بسط الكلام على " هذه المسألة " وما قال فيها ~~عامة الطوائف في غير هذا الموضع وحكيت ألفاظ الناس بحيث يتيقن الإنسان أن ~~النافي ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية؛ وأن الأدلة العقلية الصريحة موافقة ~~لمذهب السلف وأهل الحديث؛ وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة مع " الكتب المتقدمة ~~": التوراة والإنجيل والزبور فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء وأقوال السلف ~~وأئمة العلماء ودلت عليها صرائح المعقولات. فالمخالف فيها كالمخالف في ~~أمثالها ممن ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية بل هو شبيه بالذين قالوا: {لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . # PageV06P257 # قال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ~~ولكن " هذه المسألة " و " مسألة الزيارة " وغيرهما حدث من المتأخرين فيها ~~شبه. وأنا وغيري كنا على " مذهب الآباء " في ذلك نقول في " الأصلين " بقول ~~أهل البدع؛ فلما تبين لنا ما ms1678 جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل ~~الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول؛ وأن لا ~~نكون ممن قيل فيه: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا} وقد قال تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آباءكم} وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلي} . # ف ### | الواجب اتباع الكتاب المنزل والنبي المرسل # وسبيل من أناب إلى الله فاتبعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار؛ دون ~~ما خالف ذلك من دين الآباء وغير الآباء والله يهدينا وسائر إخواننا إلى ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والله سبحانه أنزل القرآن وهدى به الخلق ~~وأخرجهم به من الظلمات # PageV06P258 # إلى النور؛ وأم القرآن هي فاتحة الكتاب. قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح {يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال ~~الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي فإذا ~~قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي فإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} ". فهذه " السورة " فيها لله الحمد. فله ~~الحمد في الدنيا والآخرة وفيها للعبد السؤال وفيها العبادة لله وحده وللعبد ~~الاستعانة فحق الرب حمده وعبادته وحده وهذان " حمد الرب وتوحيده " يدور ~~عليهما جميع الدين # و " مسألة الصفات الاختيارية " هي من تمام حمده فمن لم يقر بها لم يمكنه ~~الإقرار بأن الله محمود ألبتة ولا أنه رب ms1679 العالمين فإن الحمد ضد الذم ~~والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له والذم هو الإخبار بمساوئ ~~المذموم مع البغض له وجماع المساوئ فعل الشر كما أن جماع المحاسن فعل ~~الخير. فإذا كان يفعل الخير - بمشيئته وقدرته استحق " الحمد ". فمن لم يكن ~~له فعل اختياري يقوم به؛ بل ولا يقدر على ذلك لا يكون خالقا ولا ربا ~~للعالمين. # PageV06P259 # وقوله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} {الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب} - ونحو ذلك - فإذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره امتنع ذلك ~~كله. فإنه من المعلوم بصريح " العقل " أنه إذا خلق السموات والأرض فلا بد ~~من فعل يصير به خالقا؛ وإلا فلو استمر الأمر على حال واحدة - لم يحدث فعل - ~~لكان الأمر على ما كان قبل أن يخلق وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودا فكذلك ~~يجب أن لا يكون المخلوق موجودا إن كان الحال في المستقبل مثل ما كان في ~~الماضي لم يحدث من الرب فعل هو خلق السموات والأرض. وقد قال تعالى: {ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} . ومعلوم أنهم قد شهدوا نفس ~~المخلوق فدل على أن " الخلق " لم يشهدوه وهو تكوينه لها وإحداثه لها؛ غير ~~المخلوق الباقي. وأيضا فإنه قال {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} . ~~فالخلق لها كان في ستة أيام وهي موجودة بعد المشيئة فالذي اختص بالمشيئة ~~غير الموجود بعد المشيئة وكذلك {الرحمن الرحيم} فإن الرحمن الرحيم هو الذي ~~يرحم العباد بمشيئته وقدرته فإن لم يكن له رحمة إلا نفس إرادة قديمة؛ أو ~~صفة أخرى قديمة: لم يكن موصوفا بأنه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء قال ~~الخليل: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة # PageV06P260 # إن الله على كل شيء قدير} {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} ~~فالرحمة ضد التعذيب والتعذيب فعله وهو يكون بمشيئته؛ كذلك الرحمة تكون ~~بمشيئته؛ كما قال: {ويرحم من يشاء} . والإرادة القديمة اللازمة لذاته - أو ~~صفة أخرى لذاته - ليست بمشيئته؛ فلا ms1680 تكون الرحمة بمشيئته. وإن قيل: ليس ~~بمشيئته إلا المخلوقات المباينة لزم أن لا تكون صفة للرب بل تكون مخلوقة له ~~وهو إنما يتصف بما يقوم به لا يتصف بالمخلوقات فلا يكون هو الرحمن الرحيم ~~وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لما قضى الله ~~الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي} - وفي ~~رواية - تسبق غضبي ". وما كان سابقا لما يكون بعده لم يكن إلا بمشيئة الرب ~~وقدرته. ومن قال: ما ثم رحمة إلا إرادة قديمة أو ما يشبهها امتنع أن يكون ~~له غضب مسبوق بها فإن الغضب إن فسر بالإرادة فالإرادة لم تسبق نفسها وكذلك ~~إن فسر بصفة قديمة العين فالقديم لا يسبق بعضه بعضا وإن فسر بالمخلوقات لم ~~يتصف برحمة ولا غضب؛ وهو قد فرق بين غضبه وعقابه بقوله: {فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقوله: {ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} وفي الحديث الذي رواه ~~الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # PageV06P261 # " {أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون} ". ويدل على ذلك قوله: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~أو إن يشأ يعذبكم} فعلق الرحمة بالمشيئة كما علق التعذيب. وما تعلق ~~بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو من " الصفات الاختيارية ". وكذلك كونه مالكا ~~ليوم الدين يوم يدين العباد بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر يوم الدين ~~وما أدراك ما يوم الدين {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} . ~~فإن " الملك " هو الذي يتصرف بأمر فيطاع ولهذا إنما يقال " ملك " للحي ~~المطاع الأمر لا يقال في الجمادات: لصاحبها " ملك "؛ إنما يقال له: " مالك ~~" ويقال ليعسوب النحل: " ملك النحل " لأنه يأمر فيطاع والمالك القادر على ~~التصريف في المملوك. وإذا كان " الملك " هو الآمر ms1681 الناهي المطاع فإن كان ~~يأمر وينهى بمشيئته كان أمره ونهيه من " الصفات الاختيارية " وبهذا أخبر ~~القرآن قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ~~. وإن كان لا يأمر وينهى بمشيئته - بل أمره لازم له حاصل بغير مشيئته ولا ~~قدرته - لم يكن هذا مالكا أيضا؛ بل هذا أولى أن يكون مملوكا فإن الله تعالى ~~خلق الإنسان وجعل له صفات تلزمه - كاللون والطول والعرض والحياء # PageV06P262 # ونحو ذلك مما يحصل لذاته بغير اختياره - فكان باعتبار ذلك مملوكا مخلوقا ~~للرب فقط وإنما يكون " ملكا " إذا كان يأمر وينهى باختياره فيطاع - وإن كان ~~الله خالقا لفعله ولكل شيء. ولكن المقصود أنه لا يكون " ملكا " إلا من يأمر ~~وينهى بمشيئته وقدرته بل من قال إنه لازم له بغير مشيئته أو قال إنه مخلوق ~~له فكلاهما يلزمه أنه لا يكون " ملكا " وإذا لم يمكنه أن يتصرف بمشيئته لم ~~يكن " مالكا " أيضا. فمن قال إنه لا يقوم به " فعل اختياري " لم يكن عنده ~~في الحقيقة مالكا لشيء وإذا اعتبرت سائر القرآن وجدت أنه من لم يقر " ~~بالصفات الاختيارية " لم يقم بحقيقة الإيمان ولا القرآن فهذا يبين أن ~~الفاتحة وغيرها يدل على " الصفات الاختيارية " وقوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فيه إخلاص العبادة لله والاستعانة به وأن المؤمنين لا يعبدون إلا ~~الله ولا يستعينون إلا بالله؛ فمن دعا غير الله من المخلوقين أو استعان ~~بهم: من أهل القبور وغيرهم لم يحقق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ولا ~~يحقق ذلك إلا من فرق بين " الزيارة الشرعية " و " الزيارة البدعية ". فإن " ~~الزيارة الشرعية " عبادة لله وطاعة لرسوله وتوحيد لله وإحسان إلى عباده ~~وعمل صالح من الزائر يثاب عليه. و " الزيارة البدعية " شرك بالخالق وظلم ~~للمخلوق وظلم للنفس. فصاحب الزيارة الشرعية هو الذي يحقق قوله: {إياك نعبد ~~وإياك # PageV06P263 # نستعين} . ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة فقام أحدهما يدعو للميت ويقول: ~~اللهم اغفر له ms1682 وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء ~~وثلج وبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله ~~دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وأعذه من عذاب النار وعذاب القبر ~~وأفسح له في قبره ونور له فيه ونحو ذلك من الدعاء له. وقام الآخر فقال: يا ~~سيدي أشكو لك ديوني وأعدائي وذنوبي. أنا مستغيث بك مستجير بك أغثني ونحو ~~ذلك؛ لكان الأول عابدا لله ومحسنا إلى خلقه محسنا إلى نفسه بعبادة الله ~~ونفعه عباده وهذا الثاني مشركا مؤذيا ظالما معتديا على الميت ظالما لنفسه. ~~فهذا بعض ما بين " البدعية " و " الشرعية " من الفروق. والمقصود أن صاحب " ~~الزيارة الشرعية " إذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} كان صادقا؛ لأنه لم ~~يعبد إلا الله ولم يستعن إلا به وأما صاحب " الزيارة البدعية " فإنه عبد ~~غير الله واستعان بغيره. فهذا بعض ما يبين أن " الفاتحة " أم القرآن: ~~اشتملت على بيان المسألتين المتنازع فيهما: " مسألة الصفات الاختيارية " " ~~ومسألة الفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية ". والله تعالى هو ~~المسئول أن يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # PageV06P264 # ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال العبد: {الحمد ~~لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال أثنى ~~علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي فذكر الحمد ~~والثناء والمجد. بعد ذلك يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} إلى آخرها هذا في ~~أول القراءة في قيام الصلاة. ثم في آخر القيام بعد الركوع يقول: ربنا ولك ~~الحمد ملء السماء وملء الأرض. إلى قوله: أهل الثناء والمجد أحق ما قال ~~العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد} . وقوله: أحق ما قال العبد. خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الكلام أحق ~~ما قال العبد. فتبين أن حمد الله والثناء عليه أحق ما ms1683 قاله العبد وفي ضمنه ~~توحيده له إذا قال: ولك الحمد أي لك لا لغيرك وقال في آخره لا مانع لما ~~أعطيت ولا معطي لما منعت وهذا يقتضي انفراده بالعطاء والمنع فلا يستعان إلا ~~به ولا يطلب إلا منه. ثم قال: ولا ينفع ذا الجد منك الجد فبين أن الإنسان ~~وإن أعطي الملك والغنى والرئاسة فهذا لا ينجيه منك؛ إنما ينجيه الإيمان ~~والتقوى وهذا تحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} فكان هذا الذكر في آخر ~~القيام؛ لأنه ذكر أول القيام وقوله أحق ما قال العبد يقتضي أن يكون حمد ~~الله أحق الأقوال بأن يقوله العبد؛ وما كان أحق الأقوال كان أفضلها وأوجبها ~~على الإنسان. ولهذا افترض الله على عباده في كل صلاة أن يفتتحوها بقولهم: ~~{الحمد لله رب العالمين} وأمرهم أيضا أن يفتتحوا كل خطبة " بالحمد لله " ~~فأمرهم أن # PageV06P265 # يكون مقدما على كل كلام سواء كان خطابا للخالق أو خطابا للمخلوق ولهذا ~~يقدم النبي صلى الله عليه وسلم الحمد أمام الشفاعة يوم القيامة ولهذا أمرنا ~~بتقديم الثناء على الله في التشهد قبل الدعاء وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم. وأول من يدعى إلى ~~الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء} . وقوله {الرحمن ~~الرحيم} جعله ثناء. وقوله {مالك يوم الدين} جعله تمجيدا. وقوله: {الحمد ~~لله} حمد مطلق. فإن " الحمد " اسم جنس والجنس له كمية وكيفية؛ فالثناء ~~كميته. وتكبيره وتعظيمه كيفيته و " المجد " هو السعة والعلو فهو يعظم ~~كيفيته وقدره وكميته المتصلة وذلك أن هذا وصف له بالملك. و " الملك " يتضمن ~~القدرة وفعل ما يشاء و {الرحمن الرحيم} وصف بالرحمة المتضمنة لإحسانه إلى ~~العباد بمشيئته وقدرته أيضا والخير يحصل بالقدرة والإرادة التي تتضمن ~~الرحمة. فإذا كان قديرا مريدا للإحسان: حصل كل خير وإنما يقع النقص لعدم ~~القدرة أو لعدم إرادة الخير " فالرحمن الرحيم الملك " قد اتصف بغاية إرادة ~~الإحسان وغاية القدرة؛ وذلك يحصل به خير الدنيا والآخرة. وقوله: {مالك يوم ~~الدين} ms1684 مع أنه " ملك الدنيا " لأن يوم الدين لا يدعي أحد فيه منازعة وهو ~~اليوم الأعظم فما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر ~~بم يرجع و " الدين " عاقبة أفعال العباد وقد يدل بطريق التنبيه وبطريق ~~العموم عند بعضهم: على ملك الدنيا فيكون له الملك # PageV06P266 # وله الحمد كما قال تعالى: {له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} وذلك ~~يقتضي أنه قادر على أن يرحم ورحمته وإحسانه وصف له يحصل بمشيئته وهو من " ~~الصفات الاختيارية ". وفي الصحيح " {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم ~~أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: إذا هم ~~أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - ~~خيرا لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري: فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي ~~فيه؛ وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه ~~عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان} ". فسأله بعلمه وقدرته ومن فضله ~~وفضله يحصل برحمته وهذه الصفات هي جماع صفات الكمال لكن " العلم " له عموم ~~التعلق: يتعلق بالخالق والمخلوق والموجود والمعدوم؛ وأما " القدرة " فإنما ~~تتعلق بالمخلوق؛ وكذلك " الملك " إنما يكون ملكا على المخلوقات. " فالفاتحة ~~" اشتملت على الكمال في " الإرادة " وهو الرحمة وعلى الكمال في " القدرة " ~~وهو ملك يوم الدين وهذا إنما يتم " بالصفات الاختيارية " كما تقدم. والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV06P267 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى: # فصل: # وصفه تعالى " بالصفات الفعلية " - مثل الخالق والرازق والباعث والوارث ~~والمحيي والمميت - قديم عند أصحابنا وعامة أهل السنة: من المالكية ~~والشافعية والصوفية. ذكره محمد بن إسحاق الكلاباذي حتى الحنفية والسالمية ~~والكرامية. والخلاف فيه مع " المعتزلة " و " الأشعرية ". وكذلك قول ابن ~~عقيل " في الإرشاد " وبسط القول في ذلك وزعم أن أسماءه الفعلية - وإن كانت ms1685 ~~قديمة - فإنها مجاز قبل وجود الفعل وذكر ذلك عن القاضي في " المعتمد " في ~~مسائل الخلاف مع السالمية؛ والقاضي إنما ذكر للمسألة ثلاثة مآخذ: (أحدها: ~~أنه مثل قولهم: خبز مشبع وماء مروي وسيف قاطع؛ وليس ذلك بمجاز؛ لأن المجاز ~~ما يصح نفيه. كما يقال عن الجد ليس بأب؛ ولا # PageV06P268 # يصح أن يقال عن السيف الذي يقطع ليس بقطوع ولا عن الخبز الكثير والماء ~~الكثير. ليس بمشبع ولا بمروي؛ فعلم أن ذلك حقيقة. هذا تعليل القاضي. قلت: ~~وهذا لأن الوصف بذلك يعتمد كمال الوصف الذي يصدر عنه الفعل لا ذات الفعل ~~الصادر. وعلى هذا فيوصف بكل ما يتصف بالقدرة عليه وإن لم يفعله. قلت: وقد ~~اختلف أصحابنا في قول أحمد: " لم يزل الله عالما متكلما غفورا " هل قوله لم ~~يزل متكلما مثل قوله غفورا أو مثل قوله عالما؟ على " قولين ". المأخذ ~~(الثاني: أن الفعل متحقق منه في الثاني من الزمان كتحققنا الآن أنه باعث ~~وارث قبل البعث والإرث وهذا مأخذ أبي إسحاق بن شاقلا والقاضي أيضا وهذا ~~بخلاف من يجوز أن يفعل ويجوز أن لا يفعل. وهذا يشبه من بعض الوجوه وصف ~~النبي قبل النبوة؛ بأنه خاتم النبيين وسيد ولد آدم وخاتم الرسل. ووصف عمر ~~بأنه فاتح الأمصار كما قيل ولد الليلة نبي هذه الأمة وكما قال: {اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر} ". وقد ذكر طائفة من الأصوليين أن إطلاق ~~الصفة قبل وجود المعنى مجاز بالاتفاق وحين وجوده حقيقة وبعد وجوده وزواله ~~محل الاختلاف؛ لكن هذه الحكاية مردودة عند الجمهور فيفرقون بين من يتحقق ~~وجود الفعل منه وبين من يمكن وجود الفعل منه. # PageV06P269 # ثم قد يقال: كونه خالقا في الأزل للمخلوق فيما لا يزال بمنزلة كونه مريدا ~~في الأزل ورحيما وبهذا يظهر الفرق بين إطلاق ذلك عليه وإطلاق الوصف على من ~~سيقوم به في المستقبل من المخلوقين؛ فعلى الوجه الأول: يكون الخالق بمنزلة ~~القادر وعلى هذا الوجه يكون الخالق بمنزلة الرحيم وهذا الفرق يعود إلى ~~المأخذ الثالث. وهو أن الله سبحانه ms1686 " في ذاته " حاله قبل أن يفعل وحاله بعد ~~أن يفعل سواء لم تتغير ذاته عن أفعاله ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال ~~كالمخلوق. وهذا المأخذ نبه عليه القاضي أيضا فقال: وأيضا فقد ثبت كونه الآن ~~خالقا والخالق ذاته وذاته كانت في الأزل فلو لم يكن خالقا وصار خالقا للزمه ~~التغير والتحويل والله يتعالى عن ذلك وعلى هذا فيكون ذلك بمنزلة الرحيم ~~والحليم. المأخذ الرابع: أن الخلق صفة قائمة بذاته ليست هي المخلوق وجوز ~~القاضي في موضع آخر أن يقال: هو قديم الإحسان والإنعام ويعني به أن الإحسان ~~صفة قائمة به غير المحسن به ومنع أن يقال: يا قديم الخلق لأن الخلق هو ~~المخلوق وهذا أحد القولين لأصحابنا وهو قول الكرامية والحنفية وتسميها فرقة ~~التكوين. والقول الثاني: أن الخلق هو المخلوق كقول الأشعرية. قال القاضي في ~~عيون المسائل: مسألة والخلق غير المخلوق فالخلق صفة # PageV06P270 # قائمة بذاته والمخلوق هو الموجود المخترع لا يقوم بذاته قال: وهذا بناء ~~على المسألة التي تقدمت وأن الصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القدم. ~~قلت: ثم هل يحدث فعل في ذاته من قول أو إرادة عند وجود المخلوقات فيه خلاف ~~بين أصحابنا وغيرهم مبني على " الصفات الفعلية " مثل الاستواء والنزول ونحو ~~ذلك؛ مع اتفاقهم على أنه لم يزل موصوفا بصفاته قديما بها؛ لم يتجدد له صفة ~~كمال؛ لكن أعيان الأقوال والأفعال هل هي قديمة أم الكمال أنه لم يزل موصوفا ~~بنوعها؟ . (وتلخيص الكلام هنا أن كونه خالقا وكريما هل هو لأجل ما أبدعه ~~منفصلا عنه من الخلق والنعم؟ أم لأجل ما قام به من صفة الخلق والكرم؟ ~~(الثاني هو قول الحنفية والكرامية وكثير من أهل الحديث وأصحابنا في أحد ~~القولين؛ بل في أصحهما وعليه يدل كلام أحمد وغيره من علماء السنة وعلى هذا ~~القول يقال: إنه لم يزل كريما وغفورا وخالقا. كما يقال: لم يزل متكلما ~~ويكون في تفسير ذلك " قولان " كما في تفسير المتكلم " قولان " هل هو يلحق ~~بالعالم أو بالغفور؟ و " الأول " هو قول ms1687 الأشعرية؛ بناء على أن الخلق هو ~~المخلوق. وعلى هذا: فقول أصحابنا: كان خالقا في الأزل إما بمعنى القدرة ~~التامة كما يقال: سيف قاطع أو بمعنى وجود الفعل قطعا في الحال الثاني كما ~~يقال: # PageV06P271 # هذا فاتح الأمصار وهذا نبي هذه الأمة؛ وعلى هذا المعنى فالخلق من الصفات ~~النسبية الإضافية. وإذا جعلنا الخلق صفة قائمة به فهل هي المشيئة والقول أم ~~صفة أخرى؟ على (قولين. " الثاني " قول الحنفية وأكثر الفقهاء والمحدثين؛ ~~كما اختلف أصحابنا في الرحمة والرضا والغضب هل هي الإرادة أم صفة غير ~~الإرادة؟ على " قولين " أصحهما أنها ليست هي الإرادة. فما شاء الله كان وهو ~~لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر. وأما قولنا: هو موصوف في الأزل ~~بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أن وصفه بذلك ~~متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي يخبر به عنه وهذا مما تدخله الحقيقة ~~والمجاز وهو حقيقة عند أصحابنا؛ وأما اتصافه بذلك فسواء كان صفة ثبوتية ~~وراء القدرة أو إضافية. فيه من الكلام ما تقدم. # PageV06P272 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة حبر الأمة وبحر العلوم شيخ الإسلام تقي ~~الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله ورضي عنه وأدخله الجنة -: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما. # فصل: # فيما ذكره الرازي في (الأربعين) في مسألة " الصفات الاختيارية " التي ~~يسمونها حلول الحوادث بعد أن قرر أن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء ~~وإن كانوا ينكرونه باللسان. قال: واعلم أن الصفات على " ثلاثة أقسام ". " ~~حقيقية عارية عن الإضافات " كالسواد والبياض. " وثانيها " الصفات الحقيقية ~~التي تلزمها الإضافات كالعلم والقدرة. وثالثها الإضافات المحضة والنسب ~~المحضة مثل كون الشيء قبل غيره # PageV06P273 # وعنده ومثل كون الشيء يمينا لغيره أو يسارا له؛ فإنك إذا جلست على يمين ~~إنسان ثم ms1688 قام ذلك الإنسان وجلس في الجانب الآخر منك: فقد كنت يمينا له؛ ثم ~~صرت الآن يسارا له فهنا لم يقع التغير في ذاتك ولا في صفة حقيقية من صفاتك؛ ~~بل في محض الإضافات. إذا عرفت هذا، فنقول: أما وقوع التغير في الإضافات فلا ~~خلاص عنه وأما وقوع التغير في الصفات الحقيقية: فالكرامية يثبتونه وسائر ~~الطوائف ينكرونه فبهذا يظهر الفرق في هذا الباب بين مذهب الكرامية ومذهب ~~غيرهم قال: والذي يدل على فساد قول الكرامية " وجوه ":. (الأول أن كل ما ~~كان من صفات الله فلا بد أن يكون من صفات الكمال ونعوت الجلال فلو كانت صفة ~~من صفاته محدثة: لكانت ذاته قبل حدوث تلك الصفة خالية عن صفة الكمال ~~والجلال. والخالي عن صفة الكمال ناقص؛ فيلزم أن ذاته كانت ناقصة قبل حدوث ~~تلك الصفة فيها وذلك محال. فثبت أن حدوث الصفة في ذات الله محال. قلت: ~~ولقائل أن يقول: ما ذكرته لا يدل على محل النزاع وبيان ذلك من " وجوه ". " ~~أحدها " أن الدليل مبني على مقدمات لم يقرروا واحدة منها؟ لا بحجة عقلية ~~ولا سمعية وهو أن كل ما كان من صفات الله لا بد أن يكون من صفات الكمال وأن ~~الذات قبل تلك الصفة تكون ناقصة وأن ذلك النقص محال. # PageV06P274 # وحقيقة الأمر لو قام به حادث لامتنع خلوه منه قبل ذلك. ولم يقم على ذلك ~~حجة. (الثاني أن وجوب اتصافه بهذا الكمال وتنزيهه عن النقص لم تذكر في كتبك ~~عليه حجة عقلية؛ بل أنت وشيوخك كأبي المعالي وغيره تقولون: إن هذا لم يعلم ~~بالعقل؛ بل بالسمع وإذا كنتم معترفين بأن هذه المقدمة لم تعرفوها بالعقل. ~~فالسمع إما نص وإما إجماع وأنتم لم تحتجوا بنص؛ بل في القرآن أكثر من مائة ~~نص حجة عليكم والأحاديث المتواترة حجة عليكم. " ودعوى الإجماع ": إذا كانت ~~أزلية وجب أن يكون المقبول صحيح الوجود في الأزل. والدليل عليه أن كون ~~الشيء قابلا لغيره: نسبة بين القابل والمقبول والنسبة بين المنتسبين متوقفة ~~على تحقق كل واحد من ms1689 المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود المنتسبين. فلما ~~كانت صحة اتصاف الباري بالحوادث حاصلة في الأزل: لزم أن تكون صحة وجود ~~الحوادث حاصلة في الأزل. فيقال لك: هذا الدليل بعينه موجود في كونه قادرا ~~فإن كون الشيء قادرا على غيره نسبة بين القادر والمقدور والنسبة بين ~~المنتسبين متوقفة على تحقيق كل واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود ~~المنتسبين. فلما # PageV06P275 # كانت صحة اتصاف الباري بالقدرة على الغير حاصلة في الأزل: لزم أن يكون ~~صحة وجود المقدور حاصلة في الأزل فهذا وزان ما قلته سواء بسواء. وحينئذ فإن ~~جوزت وجود أحد المنتسبين وهو كونه قادرا في الأزل مع امتناع وجود المقدور ~~في الأزل فجوز أحد المنتسبين وهو كونه قابلا في الأزل مع امتناع وجود ~~المقبول في الأزل؛ وإن لم تجوز ذلك بل لا تتحقق النسب إلا مع تحقيق ~~المنتسبين جميعا؛ لزم إما تحقق إمكان المقدور في الأزل وإما امتناع كونه ~~قادرا في الأزل وأيا ما كان: بطلت حجتك سواء جوزت وجود أحد المنتسبين مع ~~تأخر الآخر أو جوزت وجود المقدور في الأزل أو قلت إنه ليس بقادر في الأزل. ~~فإن هذا وإن كان لا يقوله لكن لو قدر أن أحدا التزمه وقال إنه يصير قادرا ~~بعد أن لم يكن قادرا؛ كما يقولون إنه يصير قابلا بعد أن لم يكن قابلا. قيل ~~له: كونه قادرا إن كان من لوازم ذاته وجب كونه لم يزل قادرا وامتنع وجود ~~الملزوم وهو الذات بدون اللازم وهو القدرة. وإن لم تكن من لوازم الذات كانت ~~من عوارضها فتكون الذات قابلة لكونه قادرا وكانت الذات قابلة لتلك ~~القابلية. فقبول كونه قادرا إن كان من اللوازم عاد المقصود. وإن كان من ~~العوارض افتقر إلى قابلية أخرى ولزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى قادرية ~~تكون من لوازم الذات. # PageV06P276 # الجواب الثامن (1) : أن يقال: فرقك بأن وجود القادر يجب أن يكون متقدما ~~على وجود المقدور ووجود القابل لا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول؛ ~~فرق بمجرد الدعوى ولم تذكر دليلا لا ms1690 على هذا ولا على هذا والنزاع ثابت في ~~كلا الأمرين. فمن الناس من يقول: لا يجب أن يكون القادر متقدما على إمكان ~~وجود المقدور بل ولا يجوز؛ بل يمكن أن يكون وجود المقدور مع قدرة القادر. ~~وهذا كما يكون المقدور مع القدرة عند جماهير الناس من المسلمين وغيرهم؛ وإن ~~كان وجود المقدور مع القادر يفسر بشيئين: (أحدهما: أن يكون المقدور أزليا ~~مع القادر في الزمان. فهذا لا يقوله أهل الملل وجماهير العقلاء الذين ~~يقولون: إن الله خالق كل شيء. وهو القديم وما سواه مخلوق حادث بعد أن لم ~~يكن. وإنما يقوله شرذمة من الفلاسفة الذين يقولون: إن الفلك معه بالزمان لم ~~يتأخر عنه ويجعلونه مع ذلك مفعولا مقدورا. وأما كون المقدور متصلا بالقادر ~~بحيث لا يكون بينهما انفصال ولكنه عقبه؛ فهذا مما يقوله أكثر العقلاء من ~~المسلمين وغيرهم. ويقولون: المؤثر التام يوجد أثره عقب تأثره. ويقولون: ~~الموجب التام يستلزم وجود موجبه عقبه لا معه. فإن الناس في المؤثر التام ~~على " ثلاثة أقوال ": PageV06P277 # منهم من يقول: يجوز أو يجب أن يكون أثره منفصلا عنه؛ فلا يكون المقدور ~~إلا متراخيا عن القادر والأثر متراخيا عن المؤثر كما يقول ذلك كثير من أهل ~~الكلام وغيرهم. ومنهم من يقول: بل يجوز أو يجب أن يقارنه في الزمان كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ووافقهم عليه بعض أهل الكلام في العلة ~~الفاعلية. فقالوا: إن معلولها يقارنها في الزمان. # والقول الثالث: أن الأثر يتصل بالمؤثر التام لا ينفصل عنه ولا يقارنه في ~~الزمان فالقادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور لا ينفصل عنه. وإذا ~~قال القائل: وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور قالوا: إن ~~عنيت بالتقدم الانفصال فممنوع؛ وإن عنيت عدم المقارنة فمسلم ولكن لا نسلم ~~المقارنة. وذلك يتضح بالجواب التاسع: وهو أن يقال: قولك أما وجوب وجود ~~القابل فلا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول: فلم تذكر عليه دليلا. وهي ~~قضية كلية سالبة؛ وهي ممنوعة. بل المقبول قد يكون ms1691 من الصفات اللازمة؛ ~~كالحياة والعلم والقدرة؛ فيجب أن يقارن المقبول للقابل؛ فلا يتقدم القابل ~~على المقبول وقد يكون من الأمور الاختيارية التي تحدث بقدرة الرب ومشيئته. ~~فهذه المقبولات هي مقدورة للرب وهي مع كونها مقبولة نوع من # PageV06P278 # المقدورات. وأنت قد قلت: إن المقدور يجب أن يكون متأخرا عن وجود القادر ~~وهذا النوع من المقبولات مقدور؛ فيجب على قولك أن يكون القابل لهذه: متقدما ~~على وجود المقبول. ثم التقدم: إن عنيت به مع الانفصال والبينونة الزمانية: ~~ففيه نزاع وإن عنيت به المتقدم - وإن كان المقدور المقبول متصلا بالقادر ~~القابل من غير برزخ بينهما - فهذا لا ينازعك فيه أحد من أهل الملل وجماهير ~~العقلاء؛ بل لا ينازعك فيه عاقل يتصور ما يقول فإن المقدور الذي يفعله ~~القادر الأزلي بمشيئته: يمتنع أن يكون قديما معه لم يتقدم القادر عليه؛ ~~ولهذا كان العقلاء قاطبة: على أن كل ما كان مقدورا مفعولا بالاختيار بل ~~مفعولا مطلقا: لم يكن إلا حادثا كائنا بعد أن لم يكن. (الجواب العاشر: أن ~~وجود الحوادث شيئا بعد شيء إن كان ممكنا كانت الذات قابلة لذلك وإن كان ~~ممتنعا امتنع أن تكون قابلة له؛ بل وإن قيل إن القبول من لوازمها فهو مشروط ~~بإمكان المقبول فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده دون ما يمتنع. وهذا هو ~~(الجواب الحادي عشر: وهو أن يقال: الذات لم تزل قابلة لكن وجود المقبول ~~مشروط بإمكانه؛ فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده لا لما لا يمكن وجوده. # PageV06P279 # الوجه الثاني عشر أن يقال: عمدة النفاة أنه لو كان قابلا لها في الأزل: ~~للزم وجودها أو إمكان وجودها في الأزل وقرروا ذلك في " الطريقة المشهورة " ~~بأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وقد نازعهم الجمهور في هذه " ~~المقدمة " ونازعهم فيها الرازي والآمدي وغيرهما. وهم يقولون: كل جسم من ~~الأجسام فإنه لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن واحد من ذلك الجنس؛ لأن ~~القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده؛ فلذلك عدل من عدل إلى أن يقولوا: ms1692 لو كان ~~قابلا لها لكان قبوله لها من لوازم ذاته وهذا يقتضي أن يفسر: لو كان قابلا ~~للحوادث لم يخل من الحادث أو من ضده. فقولهم: القابل للشيء: لا يخلو عن ضده ~~فقد يقال على هذه الطريقة: إن هذا يختص به لا بما سواه. وقد يقال: هو عام ~~أيضا. فيقول لهم أصحابهم: ما ذكرتموه في حقه منقوض بقبول سائر الموصوفات ~~بما تقبله فإن قبولها لما تقبله إن كان من لوازم ذاتها لزم أن لا تزال ~~قابلة له وإن كان من عوارض الذات فهي قابلة لذلك القبول. وحينئذ يلزم إما ~~التسلسل وإما الانتهاء إلى قابلية تكون من لوازم الذات؛ فيلزم أن يكون كل ~~ما يقبل شيئا قبوله له من لوازم ذاته وليس الأمر كذلك فإن الإنسان وغيره من ~~الموجودات يقبل صفات في حال دون حال. وجواب هذا: أن المخلوق الذي يقبل بعض ~~الصفات في بعض الأحوال # PageV06P280 # لا بد أن يكون قد تغير تغيرا أوجب له قبول ما لم يكن قابلا له كالإنسان ~~إذا كبر حصل له من قبول العلم والفهم: ما لم يكن قابلا له قبل ذلك؛ بخلاف ~~من لم تزل ذاته على حال واحدة ثم قبل ما لم يكن قابلا فإن هذا ممتنع. ~~فالذين يقولون: القابل للشيء يجب أن يكون قبوله له من لوازم ذاته؛ إن ادعوا ~~أن كل جسم فإنه يقبل جميع أنواع الأعراض فإنهم يقولون: هذا القبول من لوازم ~~ذاته. ويقولون: لا يخلو الجسم من كل نوع من أنواع الأعراض عن واحد من ذلك ~~النوع ويكون ما ذكروه - من أن القبول من لوازم ذات القابل - دليلا لهم في ~~المسألتين؛ وإن لم يدعوا ذلك فإنهم يقولون: الأجسام تتغير فتقبل في حال ما ~~لم تكن قابلة له في حالة أخرى ولا يحتاجون أن يقولوا القابل للشيء لا يخلو ~~عنه وعن ضده. والذين قالوا: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. فيقال ~~لهم: غاية هذا أن يكون لم تزل الحوادث قائمة به ونحن نلتزم ذلك وتحقيق ذلك: ~~(بالوجه الثالث عشر. ms1693 وهو أن يقال: هذا بعينه موجود في القادر؛ فإن القادر ~~على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده؛ ولهذا كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده والنهي ~~عن الشيء أمرا بأحد أضداده. وقال الأكثرون: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي ~~عنه. وقال: إن الترك أمر وجودي؛ هو مطلوب الناهي القادر على الأضداد؛ لو ~~أمكن خلوه عن # PageV06P281 # جميع الأضداد لكان إذا نهى عن بعض الأضداد لم يجب أن يكون مأمورا بشيء ~~منها؛ لإمكان أن لا يفعل ذلك الضد ولا غيره من الأضداد. فلما جعلوه مأمورا ~~ببعضها: علم أن القادر على أحد الضدين لا يخلو منه ومن ضده وحينئذ فإذا كان ~~الرب لم يزل قادرا: لزم أنه لم يزل فاعلا لشيء أو لضده؛ فيلزم من ذلك أنه ~~لم يزل فاعلا وإذا أمكن أنه لم يزل فاعلا للحوادث أمكن أنه لم يزل قابلا ~~لها. ويمكن أن يذكر هذا الجواب على وجه لا يقبل النزاع. (الوجه الرابع عشر: ~~فيقال: إن كان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فالقادر على الشيء لا يخلو ~~عنه وعن ضده؛ لأن القادر قابل لفعل المقدور وإن كان قبول القابل للحوادث ~~يستلزم إمكان وجودها في الأزل فقدرة القادر أزلية على فعل الحوادث يستلزم ~~إمكان وجودها في الأزل؛ وإن أمكن أن يكون قادرا مع امتناع المقدور: أمكن أن ~~يكون قابلا مع امتناع المقبول. وإن قيل: قبوله لها من لوازم ذاته: قيل ~~قدرته عليها من لوازم ذاته. وحينئذ: فإن كان دوام الحوادث ممكنا: أمكن أنه ~~لم يزل قادرا عليها قابلا لها؛ وإن كان دوامها ليس بممكن: فقد صار قبوله ~~لها وقدرته عليها ممكنا بعد أن لم يكن. فإن كان هذا جائزا جاز هذا وإن كان ~~هذا ممتنعا كان هذا ممتنعا وعاد الأمر في " هذه المسألة " إلى نفس القدرة ~~على دوام الحوادث وهو " # PageV06P282 # الأصل المشهور " فمن قال به من أئمة السنة والحديث وأنه لم يزل قادرا على ~~أن يتكلم بمشيئته وقدرته ويفعل بمشيئته: جوز ذلك والتزم إمكان حوادث لا أول ~~لها. فكان ما احتج به ms1694 أئمة " الفلاسفة " على قدم العالم: لا يدل على قدم ~~شيء من العالم؛ بل إنما يدل على أصول أئمة السنة والحديث المعتنين بما جاء ~~به الرسول وكان غاية تحقيق معقولات المتكلمين والمتفلسفة يوافق ويعين ويخدم ~~ما جاءت به الرسل ومن لم يقل بذلك من المتكلمين - بل قال بامتناع دوام ~~الحوادث - لم يكن عنده فرق بين قبوله لها وقدرته عليها. وكان قول الذين ~~قالوا - من هؤلاء - بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته: كلاما يقوم بذاته أقرب إلى ~~المعقول والمنقول ممن يقول إن كلامه مخلوق أو إنه يقوم به كلام قديم؛ من ~~غير أن يمكنه أن يتكلم بقدرته أو مشيئته. وكل قول يكون أقرب إلى المعقول ~~والمنقول: فإنه أولى بالترجيح مما هو أبعد عن ذلك من الأقوال. والله تعالى ~~أعلم. # PageV06P283 # فصل: # قال الرازي: " الحجة الثالثة " قصة الخليل: {لا أحب الآفلين} والأفول ~~عبارة عن التغير. وهذا يدل على أن المتغير لا يكون إلها أصلا. والجواب من ~~وجوه: # أحدها: أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير ولم يذكر على ذلك حجة؛ بل لم ~~يذكر إلا مجرد الدعوى. # الثاني: أن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير؛ بل هو خلاف ما علم ~~بالاضطرار من الدين؛ والنقل المتواتر للغة والتفسير. فإن " الأفول " هو ~~المغيب. يقال: أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا إذا غابت ولم يقل أحد قط إنه هو ~~التغير ولا إن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت ولا إذا كانت متحركة في ~~السماء يقال إنها أفلت ولا أن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت ولا أن الماء ~~إذا جرى يقال إنه أفل ولا أن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل ولا أن الآدميين ~~إذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا؛ بل ولا قال أحد قط إن ~~من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال إنه أفل. فهذا القول من أعظم الأقوال ~~افتراء على الله وعلى خليل الله وعلى # PageV06P284 # كلام الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله وعلى أمة ~~محمد جميعا وعلى جميع ms1695 أهل اللغة وعلى جميع من يعرف معاني القرآن. # الثالث: أن قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم فإنه لما رأى كوكبا وتحرك ~~إلى الغروب فقد تحرك؛ ولم يجعله آفلا ولما رأى القمر بازغا رآه متحركا؛ ولم ~~يجعله آفلا؛ فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة؛ ولم يجعلها آفلة ولما ~~تحركت إلى أن غابت والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلا. # الرابع: قوله: إن الأفول عبارة عن التغير؛ إن أراد بالتغير الاستحالة: ~~فالشمس والقمر والكواكب لم تستحل بالمغيب؛ وإن أراد به التحرك: فهو لا يزال ~~متحركا. وقوله: {فلما أفل} دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى. فإن (لما ~~ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل والمعنى أنه حين أفل {قال لا أحب ~~الآفلين} فإنما قال ذلك حين أفوله. وقوله: {فلما أفل} دل على حدوث الأفول ~~وتجدده؛ والحركة لازمة له؛ فليس الأفول هو الحركة ولفظ التغير والتحرك ~~مجمل. إن أريد به التحرك أو حلول الحوادث: فليس هو معنى التغير في اللغة ~~وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو التغير؛ بل الأفول أخص من التحرك ~~والتغير أخص من التحرك. وبين التغير والأفول عموم وخصوص. فقد يكون الشيء ~~متغيرا غير # PageV06P285 # آفل وقد يكون آفلا غير متغير وقد يكون متحركا غير متغير ومتحركا غير آفل. ~~وإن كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين: فإن لفظ الحركة قد يراد ~~بها الحركة المكانية وهذه لا تستلزم التغير. وقد يراد به أعم من ذلك ~~كالحركة في الكيف والكم؛ مثل حركة النبات بالنمو وحركة نفس الإنسان بالمحبة ~~والرضا والغضب والذكر. فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير وقد يراد بالتغير ~~في بعض المواضع الاستحالة. ففي الجملة: الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعيا ~~فالأفول ليس هو التغير؛ وإن كان عقليا. فإن أريد بالتغير - الذي يمتنع على ~~الرب - محل النزاع: لم يحتج به وإن أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه. ~~وأفسد من هذا: قول من يقول: الأفول هو الإمكان كما قاله " ابن سينا " إن ~~الهوي في حضيرة الإمكان أفول بوجه ms1696 ما؛ فإنه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى ~~الله آفلا ولا يزال آفلا فإن كل ما سواه ممكن ولا يزال ممكنا. ويكون الأفول ~~وصفا لازما لكل ما سوى الله؛ كما أن كونه ممكنا وفقيرا إلى الله وصف لازم ~~له. وحينئذ: فتكون الشمس والقمر والكواكب: لم تزل ولا تزال آفلة # PageV06P286 # وجميع ما في السموات والأرض لا يزال آفلا. فكيف يصح قوله مع ذلك: {فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين} ؟ وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى ~~وكلام خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم عن مواضعه: هو آفل قبل أن يبزغ ومن ~~حين بزغ وإلى أن غاب. وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى في العالم آفل والقرآن ~~بين أنه لما رآها بازغة قال: {هذا ربي} فلما أفلت بعد ذلك. قال: {لا أحب ~~الآفلين} والله أعلم. # PageV06P287 # وقال - رحمه الله تعالى: # فصل: فيه قاعدة شريفة # " وهي أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل ~~على الحق؛ لا تدل على قول المبطل ". وهذا ظاهر يعرفه كل أحد؛ فإن الدليل ~~الصحيح لا يدل إلا على حق لا على باطل. يبقى الكلام في أعيان الأدلة وبيان ~~انتفاء دلالتها على الباطل ودلالتها على الحق: هو تفصيل هذا الإجمال. ~~والمقصود هنا شيء آخر وهو: أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا ~~أعطى حقه وتميز ما فيه من حق وباطل وبين ما يدل عليه تبين أنه يدل على فساد ~~قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء ~~الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك. والمقصود هنا بيان أن " الأدلة ~~العقلية " التي يعتمدون عليها في الأصول والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك. ~~فأما " الأدلة السمعية " فقد ذكرت من هذا # PageV06P288 # أمورا متعددة مما يحتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل احتجاج الجهمية ~~نفاة الصفات بقوله: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} وقد ثبت في غير موضع ~~أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الإثبات. وهذا مبسوط في ms1697 غير موضع في ~~الرد على الجهمية يتضمن الكلام على تأسيس أصولهم التي جمعها أبو عبد الله ~~الرازي في مصنفه الذي سماه " تأسيس التقديس "؛ فإنه جمع فيه عامة حججهم ولم ~~أر لهم مثله. وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقوله: {لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار} فإنها تدل على إثبات الرؤية ونفي الإحاطة. وكذلك الاحتجاج ~~بقوله: {ليس كمثله شيء} ونحو ذلك وكذلك احتجاج الشيعة بقوله: {إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا} وبقوله: " {أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى؟} " ونحو ذلك هي دليل على نقيض مذهبهم كما بسط هذا في كتاب " منهاج ~~أهل السنة النبوية " في الرد على الرافضة. ونظائر هذا متعددة. والمقصود هنا ~~" الأدلة العقلية "؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على ~~إثبات الصفات. وأما الرافضة فعمدتهم السمعيات لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا ~~راج كثير منها على أهل السنة " وروى خلق كثير منها أحاديث حتى عسر تمييز ~~الصدق من الكذب على أكثر الناس إلا على أئمة الحديث العارفين بعلله متنا ~~وسندا. # PageV06P289 # كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أكثر الناس وراجت عليهم إلا ~~على قليل ممن لهم خبرة بذلك. والكلام على أحاديث الرافضة وبيان الفرقان بين ~~الحديث الصدق والكذب مذكور في غير هذا الموضع كالرد على الرافضة. والمقصود ~~هنا الكلام على " الأدلة العقلية " التي يحتج بها المبطل من الجهمية نفاة ~~الصفات ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه وعلى الأدلة التي يحتج بها القدرية ~~النافية والقدرية المجبرة الجهمية؛ فإن هذين (الأصلين: وهما " الصفات " و " ~~القدر " - ويسميان التوحيد والعدل - هما أعظم وأجل ما تكلم فيه في الأصول ~~والحاجة إليهما أعم ومعرفة الحق فيهما أنفع من غيرهما بل وكذلك سائر ما ~~يحتج به في أصول الدين من الحجج العقلية والسمعية. وأصل ذلك الكلام في ~~أفعال الرب تعالى وأقواله في " مسألة حدوث العالم " وفي " مسألة القرآن ~~وكلام الله ". فنقول: إذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول: إن القرآن قديم ~~- كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم: كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وأبي ms1698 المعالي ~~وأبي الوليد الباجي وأبي منصور الماتريدي وغيرهم من الحنبلية والشافعية ~~والمالكية والحنفية - لم توجد عند التحقيق تدل إلا على مذهب السلف والأئمة ~~الذي يدل عليه الكتاب والسنة. # PageV06P290 # وكذلك إذ تدبر ما يحتج به من يقول: إن القرآن مخلوق. إنما يدل على قول ~~السلف والأئمة. أما (الأول: فلأن عمدة القائلين بقدم الكلام من الأدلة ~~العقلية حجتان عليهما اعتماد الأشعري وأصحابه ومن وافقهم: كالقاضي أبي يعلى ~~وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما وهذه هي عمدة أئمة النظار كابن كلاب ~~والأشعري؛ والقلانسي وأمثالهم في نفس الأمر من العقليات. وهي عمدة من لا ~~يعتمد في الأصول في مثل هذه المسألة وأمثالها إلا على العقليات: كأبي ~~المعالي ومتبعيه. الحجة الأولى: أنه لو لم يكن الكلام قديما للزم أن يتصف ~~في الأزل بضد من أضداده: إما السكوت وإما الخرس ولو كان أحد هذين قديما ~~لامتنع زواله وامتنع أن يكون متكلما فيما لا يزال ولما ثبت أنه متكلم فيما ~~لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلما وأيضا فالخرس آفة ينزه الله عنها. والحجة ~~الثانية: أنه لو كان مخلوقا لكان قد خلقه إما في نفسه أو في غيره أو قائما ~~بنفسه والأول ممتنع لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث والثاني باطل لأنه يلزم ~~أن يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه والثالث باطل لأن الكلام صفة والصفة لا ~~تقوم بنفسها. فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم. فيقال: أما الحجة ~~الأولى فهي تدل على مذهب السلف وأنه لم يزل متكلما # PageV06P291 # إذا شاء وكيف شاء فيدل على أن نوع الكلام قديم لا على أنه لم يتكلم ~~بمشيئته وقدرته وأن الكلام شيء واحد هو قديم. وكذلك احتجاج " الفلاسفة " ~~القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية إنما يدل على مذهب السلف أيضا ~~فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعوله المعين - وهو الفلك - والذين احتجوا ~~على قدم كلامه المعين كل ما احتجوا به من دليل صحيح فإنه لا يدل على ~~مطلوبهم بل إنما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسول فتبين أن " الأدلة ~~العقلية " الصحيحة من ms1699 جميع الطوائف إنما تدل على تصديق الرسول وتحقيق ما ~~أخبر به لا على خلاف قوله وهي من آيات الله الدالة على تصديق الأنبياء التي ~~قال الله فيها: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} وهي من الميزان الذي أنزله الله تعالى. وكذلك أدلة " المعتزلة ~~والكرامية " وغيرهما كما سنذكره إن شاء الله؛ إذ " المقصود هنا " الكلام ~~على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوهم والفلاسفة ونحوهم وهاتان ~~الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق والمغرب؛ وكثير من الناس مع هؤلاء ~~تارة ومع الأخرى تارة: كالغزالي والرازي والآمدي ونحوهم. والمقصود هنا بيان ~~دلالة " الأدلة العقلية " على مذهب السلف الذي جاء به الكتاب والسنة. ~~فنقول: - أما (الحجة الأولى وهي قولهم: لو لم يكن متكلما في الأزل لكان ~~متصفا بضده إما السكوت وإما الخرس؛ لأنه حي والحي إذا لم يكن متكلما كان # PageV06P292 # ساكتا أو أخرس كما أنه إذا لم يكن سميعا كان أصم وإذا لم يكن بصيرا كان ~~أعمى ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده هكذا ~~يحتجون له. وقد نوزعوا في ذلك وخالفهم العقلاء حتى أصحابهم المتأخرون: مثل ~~الرازي والآمدي؛ فإن أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلا للأعراض لم يخل من ~~كل نوع من أنواع الأعراض من بعضها وقالوا: إن الهواء له طعم ولون وريح ~~فخالفهم الجمهور. لكن تقرير " الحجة " بأن يقال: لأن الرب تعالى إذا كان ~~قابلا للاتصاف بشيء لم يخل منه؛ أو من ضده. أو يقال: بأنه إذا كان قابلا ~~للاتصاف بصفة كمال لزم وجودها له؛ لأن ما كان الرب قابلا له لم يتوقف وجوده ~~له على غيره؛ فإن غيره لا يجعله لا متصفا ولا فاعلا؛ بل ذاته وحدها هي ~~الموجبة لما كان قابلا له وإذا كانت ذاته هي الموجبة لما هو قابل له وذاته ~~واجبة الوجود كان المقبول واجب الوجود له وهو إذا قدر أنه قابل للضدين لم ~~يخل من أحدهما؛ لأنه لو خلا من أحدهما لكان وجود أحدهما له متوقفا ms1700 على سبب ~~غير ذاته؛ فإن التقدير أنه قابل له ووجود المقبول له ممكن وقد عرف أنه لا ~~يتوقف على غيره وإن لم يكن موجدا له ولم تكن ذاته موجبة له وإلا امتنع ~~وجوده؛ فإن غيره لا يجعله موجودا له وإذا لم يوجد - لا بنفسه ولا بغيره - ~~كان ممتنعا والتقدير أنه ممكن؛ فما كان ممكنا له كان واجبا له. # PageV06P293 # فإذا قررت " الحجة " على هذا الوجه لم يحتج أن يقال: كل قابل للشيء لا ~~يخلو عنه وعن ضده؛ فإن هذه الدعوى الكلية باطلة؛ بل يدعي ذلك في حق الله ~~خاصة؛ لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره؛ فإن غيره إذا كان قابلا ~~للشيء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى وإحداث الله لذلك القبول ~~لا يجب أن يكون مقارنا للقابل؛ بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله وعلى ~~موانع يزيلها فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره؛ فلم تكن ذاته كافية فيه ~~وأما الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على غيره؛ بل هو الأحد ~~الصمد المستغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه مصنوع له؛ فيمتنع أن ~~يكون الرب مفتقرا إليه؛ فإن ذلك هو " الدور القبلي " الممتنع بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء. فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على " قدم الكلام " وأنه لم ~~يزل متكلما؛ وهي تدل أيضا على قدم جميع صفاته وأن ذاته القديمة مستلزمة ~~لصفات الكمال الممكنة فكل صفة كمال لا نقص فيه فإن الرب يتصف بها واتصافه ~~بها من لوازم ذاته ولم يزل موصوفا بصفات الكمال وذاته هي المستلزمة لصفات ~~كماله لا يجوز أن يحتاج في ثبوت صفات الكمال له إلى غيره والكلام صفة كمال؛ ~~فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا ~~يقدر والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأكمل ~~ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولا. ويمكن تقريرها على أصول ~~السلف بأن يقال: إما أن ms1701 يكون قادرا على # PageV06P294 # الكلام أو غير قادر؛ فإن لم يكن قادرا فهو الأخرس وإن كان قادرا ولم ~~يتكلم فهو الساكت. وأما " الكلابية " فالكلام عندهم ليس بمقدور فلا يمكنهم ~~أن يحتجوا بهذه. فيقال: هذه قد دلت على قدم الكلام لكن مدلولها قدم كلام ~~معين بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته؟ و ~~(الأول قول الكلابية و (الثاني قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة. ~~فيقال: مدلولها (الثاني؛ لا (الأول لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون ~~مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فيقال ~~للمحتج بها لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاما يقوم بذات المتكلم بدون ~~مشيئته وقدرته فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئا لا يعقل. وأيضا فقولك " لو ~~لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت ". إنما يعقل في الكلام بالحروف ~~والأصوات؛ فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلما فإما أن يكون قادرا على الكلام ~~ولم يتكلم وهو الساكت. وإما أن لا يكون قادرا عليه وهو الأخرس. وأما ما ~~يدعونه من " الكلام النفساني " فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتا أو ~~أخرس فلا يدل بتقدير ثبوته على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتا أو أخرس. # PageV06P295 # وأيضا: فالكلام القديم " النفساني " الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو؟ بل ~~ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن ~~يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه ~~المسألة - لا يذكر في بيانها شيئا يعقل بل يقول: هو معنى يناقض السكوت ~~والخرس. والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام؛ فالساكت هو الساكت ~~عن الكلام والأخرس هو العاجز عنه أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه ~~عن الكلام وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام ~~حتى يعرف الساكت والأخرس. فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه؛ بل ~~هم في الكلام يشبهون النصارى في الكلمة وما قالوه في " الأقانيم " والتثليث ms1702 ~~" والاتحاد " فإنهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه و " الرسل " عليهم ~~السلام إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم. وأما ما يثبت بالعقل فلا ~~بد أن يتصوره القائل به وإلا كان قد تكلم بلا علم فالنصارى تتكلم بلا علم؛ ~~فكان كلامهم متناقضا ولم يحصل لهم قول معقول؛ كذلك من تكلم في كلام الله ~~بلا علم كان كلامه متناقضا ولم يحصل له قول يعقل؛ ولهذا كان مما يشنع به ~~على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام - كلام الله وكلام ~~جميع الخلق - بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # PageV06P296 # وقد قال طائفة: إن هذا ليس من شعره وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق ~~العقلية أو مسمى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع بني آدم لا يرجع فيه إلى ~~قول ألف شاعر فاضل دع أن يكون شاعرا نصرانيا اسمه الأخطل والنصارى قد عرف ~~أنهم يتكلمون في كلمة الله بما هو باطل والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام ~~وقد أنشد فيهم المنشد: # قبحا لمن نبذ القرآن وراءه ... فإذا استدل يقول قال الأخطل # ولما احتج الكلابية بهذه الحجة عارضتهم المعتزلة فقالوا: الكلام عندنا ~~كالفعل عندنا وعندكم وهو في الأزل عندنا جميعا لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا ~~ولا نقول نحن وأنتم: كان في الأزل عاجزا أو ساكتا فكما أنه لم يكن فاعلا ~~ولا يوصف بضد الفعل وهو العجز أو السكوت فكذلك لم يكن متكلما ولا يوصف بضد ~~الكلام وهو السكوت أو الخرس. فإذا قال هؤلاء للمعتزلة والجهمية: الفعل لا ~~يقوم به عندنا وعندكم والكلام يقوم به فكان كالصفات منعتهم المعتزلة ذلك ~~وقالوا: الكلام عندنا كالفعل لا يقوم به لا هذا ولا هذا فإذا قالوا: لو لم ~~يقم به الكلام لقام بغيره وكان الكلام صفة لذلك الغير انتقلوا إلى " الحجة ~~الثانية " ولم يمكن تقرير الأولى إلا بالثانية؛ فكان الاستدلال بالأولى ~~وجعلها " حجة ثانية " باطلا؛ ولهذا أعرض عنه كثير من متأخريهم وإنما ~~اعتمدوا على ms1703 " الثانية " كأبي المعالي وأتباعه. # PageV06P297 # وهذا السؤال لا يلزم السلف؛ فإنهم إذا قالوا؛ الكلام كالفعل وهو في الأزل ~~لم يكن فاعلا لا عندنا ولا عندكم منعهم السلف وجمهور المسلمين هذا وقالوا: ~~بل لم يزل خالقا فاعلا كما عليه السلف وجمهور طوائف المسلمين. وهو الذي ~~ذكره أصحاب ابن خزيمة مما كتبوه له وكانوا " كلابية " فإما أن يكون هذا قول ~~ابن كلاب أو قول طائفة من أصحابه وبهذا تستقيم لهم هذه الحجة وإلا فمن سلم ~~أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن كانت هذه الحجة منتقضة على أصله وقال منازعوه: ~~الكلام في مقاله كالكلام في فعاله. والقول بأن الخلق غير المخلوق وأنه فعل ~~يقوم بالرب هو قول أكثر المسلمين: هو قول " الحنفية " وأكثر " الحنبلية " ~~وإليه رجع القاضي أبو يعلى أخيرا وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة وهو ~~الذي ذكره أبو بكر الكلاباذي عن " الصوفية " وذكره في كتاب " التعرف لمذهب ~~التصوف " وهو الذي ذكره البخاري في كتاب " أفعال العباد " إجماعا من ~~العلماء وهو الذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن أهل السنة. لكن ### | الفعل: هل هو شيء واحد قديم كالإرادة؟ أو هو حادث بذاته؟ # أو هو نوع لم يزل متصفا به.؟ فيه ثلاثة أقوال للمسلمين وكلهم متفقون على ~~أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل ~~العقلية والقول بأن مع الله شيئا قديما تقدمه من مفعولاته - كما يقول ذلك ~~من يقوله من المتفلسفة - باطل عقلا وشرعا كما قد بسط في مواضع. # PageV06P298 # فإن قيل: إذا قلتم: لم يزل متكلما بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له ~~وإذا لم يزل متكلما وجب أن لا يزال كذلك؛ فيكون متكلما بكلام لا نهاية له ~~وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث فإن كل كلمة مسبوقة بأخرى فهي ~~حادثة ووجود ما لا يتناهى محال. قيل له: هذا الاستلزام حق وبذلك يقولون: إن ~~كلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل ms1704 أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . وأما قولهم: وجود ~~ما لا يتناهى من الحوادث محال فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على ~~حدوث العالم وحدوث الأجسام وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث وهذا الدليل باطل عقلا وشرعا وهو أصل الكلام الذي ذمه ~~السلف والأئمة وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات وقد تبين فساده في مواضع. ~~ولكن سنبين إن شاء الله أن هذا الدليل إذا ميز بين حقه وباطله فإنه يدل على ~~حدوث ما سوى الله - وعلى مذهب السلف - وكان غلطة منهم وقولهم: كل ما لا ~~يخلو من الحوادث - أي من الممكنات المفتقرة - فهو حادث فأخذوا هذا " قضية ~~كلية " وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياسا فاسدا كما أن أولئك قالوا: ~~القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده أخذوها " قضية كلية ". والغلط في " ~~القياس " يقع من تشبيه الشيء بخلافه وأخذ القضية الكلية باعتبار القدر ~~المشترك من غير تمييز بين نوعيها فهذا هو " القياس الفاسد " # PageV06P299 # كقياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا وقياس إبليس. ونحو ذلك من ~~الأقيسة الفاسدة التي قال فيها بعض السلف: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ~~والقمر إلا بالمقاييس يعني: قياس من يعارض النص ومن قاس قياسا فاسدا وكل ~~قياس عارض النص فإنه لا يكون إلا فاسدا وأما القياس الصحيح فهو من الميزان ~~الذي أنزله الله ولا يكون مخالفا للنص قط بل موافقا له. ومن هنا يظهر أيضا: ~~أن ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية فإنما يدل على مذهب السلف ~~أيضا؛ فإن عمدتهم في " قدم العالم " على أن الرب لم يزل فاعلا وأنه يمتنع ~~أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن وأن يصير الفعل ممكنا له بعد أن لم يكن وأنه ~~يمتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن وهذا وجميع ما احتجوا به إنما يدل على ~~قدم نوع الفعل؛ لا يدل على قدم شيء من العالم لا فلك ولا غيره. فإذا قيل: ~~إنه لم يزل فاعلا ms1705 بمشيئته وقدرته وإن الفعل من لوازم الحياة - كما قال ذلك ~~من قاله من أئمة السنة - كان هذا قولا بموجب جميع أدلتهم الصحيحة العقلية ~~وكان هذا موافقا لقول السلف: لم يزل متكلما إذا شاء. فلم يزل متكلما إذا ~~شاء فاعلا لما يشاء. وجميع ما احتج به الكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم ~~على قدم الكلام إنما يدل على أنه لم يزل متكلما إذا شاء لا يدل على قدم ~~كلام بلا مشيئة ولا على قدم كلام معين بل على قدم نوع الكلام. # PageV06P300 # وجميع ما يحتج به الفلاسفة على قدم الفاعلية إنما يدل على أنه لم يزل ~~فاعلا لما يشاء؛ لا يدل على قدم فعل معين ولا مفعول معين؛ لا الفلك ولا ~~غيره. والغلط إنما نشأ بين الفريقين من اشتباه النوع الدائم بالعين المعينة ~~ثم إن أولئك قالوا: يمتنع قدم نوع الحركة والفعل لامتناع حوادث لا أول لها؛ ~~فأبطلوا كون الرب لم يزل متكلما بمشيئته ولم يزل فاعلا بمشيئته؛ بل يلزمهم ~~أنه لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا ولم يكن أيضا قادرا على الكلام ~~بمشيئته. ثم منهم من يقول: صار قادرا على الكلام بمشيئته بعد أن لم يكن: ~~كالكرامية؛ ومنهم من يقول لم يصر قادرا على الكلام ولا يمكنه الكلام ~~بمشيئته قط وهم الكلابية؛ ومن وافقهم من الأشعرية والسالمية. وأما " ~~الفلاسفة " فقالوا ما قاله مقدمهم أرسطو. فكل من قال: إن " جنس الحركة " ~~حدثت بعد أن لم تكن فإنه مكابر لعقله وقالوا يمتنع ذلك في جنس الحوادث بعد ~~أن لم تكن بلا سبب حادث والعلم بذلك ضروري. فيقال لهم: هذا يدل على أنه لم ~~يزل هذا النوع موجودا لا يدل على قدم عين حركة الفلك وكذلك القول في الزمان ~~والجسم؛ فإن أدلتهم تقتضي أنه لم يزل موجودا: حركة وقدرها وهو الزمان؛ ~~وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم؛ لكن لا يقتضي قدم شيء بعينه. فإذا قيل: إن ~~رب العالمين لم يزل متكلما بمشيئته فاعلا لما يشاء؛ كان نوع الفعل لم يزل ~~موجودا وقدره وهو الزمان موجودا؛ ms1706 لكن أرسطو وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا ~~زمان إلا قدر حركة الفلك وأنه لا حركة فوق الفلك ولا قبله؛ فتعين أن تكون ~~حركته أزلية. # PageV06P301 # وهذا ضلال منهم عقلا وشرعا. فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل ~~الفلك ودليلهم على انشقاق الفلك في غاية الفساد كما قد بسط في موضع آخر ~~وكذلك قوله: إنه لا بد لكل حركة من محرك غير متحرك في غاية الفساد كما قد ~~بسط في موضعه. والمقصود هنا التنبيه على أن خلاصة ما عند هؤلاء الذين يقال: ~~إنهم أئمة المعقولات من أئمة الكلام والفلسفة. إنما يدل على قول السلف وأهل ~~السنة المتبعين للكتاب والسنة؛ فالأدلة الصحيحة التي عندهم إنما تدل على ~~هذا ولكن التبس عليهم الحق بالباطل؛ كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل ~~وما عندهم من الحق موافق ما جاء به الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل؛ لا يخالف ذلك فالأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء ~~لا تتناقض؛ وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية ولا تتناقض السمعيات والعقليات ~~والله أعلم. # PageV06P302 # فصل: # وقد سلك طائفة من أئمة النظار - أهل المعرفة بالكلام والفلسفة - أن ~~يجمعوا بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء ورأوا أن هذا غاية المعرفة وسموا " ~~الجواب " الذي أجابوا به الفلاسفة عن حججهم " الجواب الباهر " فوافقوا كل ~~واحدة من الطائفتين فأخطئوا وتناقضوا لما جمعوا بين خطأ الطائفتين. فكان ~~قولهم ينقض بعضه بعضا؛ إذ كان خطأ الطائفتين متناقضا غاية التناقض. وأما ما ~~أصابت فيه كل واحدة من الطائفتين؛ فلو جمعوا بينهما لكان ذلك موافقا للأدلة ~~السمعية التي أخبرت بها الرسل وللأدلة العقلية كالأدلة التي دلت عليها ~~الرسل لكن هؤلاء خرجوا عن موجب الأدلة السمعية والعقلية مع ظنهم نهاية ~~التحقيق ولهم بذلك أسوة بكل واحدة من الطائفتين؛ فإنها مخالفة لموجب الأدلة ~~السمعية والعقلية وإنما الحق هو ما تصادقت عليه الأدلة السمعية والعقلية ~~وهو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها متلقين له عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من جهة خبره ومن جهة تعليمه وبيانه للأدلة العقلية. مع ms1707 أن هؤلاء يزعمون أن ~~الرسل لم يبينوا هذه المسألة كما ذكر ذلك # PageV06P303 # الرازي في " أول المطالب العالية " فزعموا أنهم لم يثبتوا بها خبرا فضلا ~~عن بيان الأدلة العقلية المصدقة لخبرهم. وقد تكلمنا على فساد ما ذكره في ~~ذلك في غير هذا الموضع والمقصود هنا: التنبيه على طريقة هؤلاء الذين سلكوا ~~مسلك الجمع بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء وزعموا أنهم أصحاب " الجواب الباهر ~~" وهذه الطريقة قد ذكرها الرازي في كتبه ورجحها وأخذها عنه الأرموي وذكرها ~~في كتاب الأربعين وأخذها عنه القشيري المصري وهذا القول يشبه مذهب ~~الحرنانيين القائلين بالقدماء الخمسة الذي نصره محمد بن زكريا الرازي وصنف ~~فيه. والرازي " يقوي هذا المذهب في مجمله وغيره وإن كان مذهبا متناقضا كما ~~بين فساده محمد بن زكريا البلخي وأبو حاتم صاحب " كتاب الزينة " وغيرهما ~~لكن بين مذهب الحرنانيين وبين مذهب هؤلاء فرق كما سنبينه إن شاء الله. قال ~~هؤلاء: المتكلمون إنما أقاموا الأدلة على حدوث الأجسام فإنها هي التي بينوا ~~أنها لا تخلوا من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث ~~دائمة لا ابتداء لها. قالوا: ولم يذكر المتكلمون دليلا على نفي موجود سوى ~~الأجسام وسوى الصانع والفلاسفة أثبتوا موجودات غير ذلك وهي العقول والنفوس. ~~قالوا: والمتكلمون لم يقيموا دليلا على انتفائها ودليلهم على الحدوث لم ~~يشملها. # PageV06P304 # قالوا: و " الفلاسفة " لم يقيموا دليلا على قدم الأجسام؛ بل أقاموا ~~الأدلة على أن الرب لم يزل فاعلا ولم تزل الحركة والزمان موجودين وعمدتهم ~~أن الأول مستجمع لجميع شروط الفاعلية في الأزل فيجب اقتران الفعل به. ~~وقالوا: إنه يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث؛ ويمتنع أن الرب لم يزل معطلا ~~عن الفعل ثم وجد الفعل بلا سبب حادث ويمتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن ~~قادرا ويمتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن كان ممتنعا بلا سبب حادث؛ فينتقل ~~من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. وقالوا: كل ما لا بد منه في كون ~~الفاعل فاعلا إن وجد في الأزل لزم وجود الفعل؛ ms1708 فإنه إن لم يوجد بقي متوقفا ~~على شرط آخر؛ ونحن قلنا: كل ما لا بد منه في كون الفاعل فاعلا قد وجد في ~~الأزل وإن قيل: قد وجد كل ما لا بد منه من كون الفاعل فاعلا ومع هذا لم ~~يوجد الفعل؛ ثم وجد بعد ذلك بلا سبب لزم ترجيح وجود الممكن على عدمه بغير ~~مرجح تام: فإن المرجح التام يجب أن يقترن به الرجحان وإن لم يقترن به ~~الرجحان: فإن كان الفعل ممكن الوجود والعدم؛ والممكن يفتقر إلى المرجح فما ~~دام ممكن الوجود والعدم فلا بد له من مرجح: وإذا حصل المرجح التام وجب ~~وجوده ولم يبق حينئذ ممكن الوجود والعدم. # PageV06P305 # قال هؤلاء: فهذا عمدة هؤلاء الفلاسفة. وأصله أن الحادث لا بد له من سبب ~~حادث وحدوث حادث بدون سبب حادث ممتنع في بداية العقول. ولهذا لما أجابهم ~~المتكلمون عن هذا بأجوبة متعددة كانت كلها فاسدة مثل قول بعضهم: المرجح هو ~~العلم وقول بعضهم هو الإرادة؛ وقول بعضهم: المرجح مجرد كونه قادرا؛ وقول ~~بعضهم: المرجح إمكان الفعل بعد امتناعه؛ لا امتناعه في الأزل ونحو ذلك. ~~فقالوا هذه الأجوبة باطلة لوجهين: (أحدهما: أن جميع ما ذكر إن كان موجودا ~~في الأزل فقد دخل في القسم الأول وإن لم يكن موجودا في الأزل فقد دخل في ~~القسم الثاني؛ وقد قلنا: إن جميع الأمور المعتبرة في التأثير إن كانت أزلية ~~لزم كون الأثر أزليا وإن كان بعضها غير أزلي ثم حدث بعد ذلك لزم رجحان وجود ~~الممكن على عدمه بلا مرجح وحدثت الحوادث بلا محدث؛ فإنه لو أحدث تمام ~~المؤثر به ولم يكن المؤثر تاما في الأزل: حدث ذلك بلا سبب. و " الوجه ~~الثاني ": أن نسبة القدرة والإرادة والعلم ونفس الأزل إلى وقت حدوث العالم ~~كنسبته إلى ما قبل ذلك وما بعد ذلك. فيمتنع أن تكون هذه هي الموجبة لوجوده ~~في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده. قال الرازي في " كتابه الكبير ": ~~والجواب الباهر أن نقول: كانت النفس أزلية وهي متحركة ms1709 دائما؛ ثم حصل من تلك ~~الحركات المتعاقبة صفة مخصوصة كانت هي سبب حدوث الأجسام فبهذا ثبت السبب ~~الحادث الموجب لاختصاص ذلك الوقت بحدوث الأجسام فيه وعلى هذا فالأجسام ~~حادثة وهو موجب أدلة المتكلمة والفاعل لم يزل فاعلا لقدم النفس المعلولة ~~له؛ وهو موجب أدلة # PageV06P306 # الفلاسفة. وقد يقولون: مقدار حركتها هو الزمان فقلنا بموجب قدم نوع ~~الحركة والزمان مع حدوث الأجسام. فهذا قول هؤلاء المتبعين للطائفتين. وقد ~~قلنا: إنهم اتبعوا كل طائفة فيما أخطأت فيه وأما تناقضهم فلأن المتكلمين ~~إنما اعتمدوا في حدوث الأجسام على امتناع حوادث لا أول لها هذا عمدتهم؛ ~~وإلا فمتى جاز وجود حوادث لا بداية لها أمكن أن يكون قبل كل حادث حادث فلا ~~يلزم حدوث ما تقوم به الحوادث المتعاقبة فإن كان هذا الأصل الذي بنى عليه ~~المتكلمون أصلا صحيحا ثابتا امتنع وجود حركات غير متناهية للنفس وغير النفس ~~وحينئذ فمن قال بموجب هذا الأصل مع قوله بوجود حوادث لا أول لها في النفس ~~أو غيرها فقد تناقض. " وحقيقة قوله " يمتنع وجود حوادث لا أول لها ويجب ~~وجود حوادث لا أول لها. وإن كان هذا الأصل باطلا بطلت أدلتهم على حدوث ~~الأجسام ولزم جواز وجود حوادث لا أول لها؛ وحينئذ فيجوز قدم نوعها فالقول ~~بوجوب حدوثها كلها - وأن سبب الحدوث هو حال للنفس - تناقض. و " أيضا " فإن ~~النفس عند الفلاسفة يمتنع وجودها بدون الجسم ويمتنع وجود الحركة فيها إلا ~~مع الجسم وإنما تكون نفسا إذا كانت مقارنة للجسم كنفس الإنسان مع بدنه. ~~فنفس الفلك إذا فارقت " المادة " - وهي الهيولى # PageV06P307 # وهي الجسم - مثل مفارقة نفس الإنسان لبدنه بالموت فقد صارت عندهم عقلا لا ~~يقبل الحركة. فما ذكره من تقدير نفس خالية عن الجسم دائمة الحركة لا يقولون ~~به ولا دليل عليه فيبقى تقديره تقديرا لم يقل به المنازع ولا قام عليه ~~دليل؛ ولكن هذا يشبه مذهب " الحرنانيين " وليس به. فإن أولئك يقولون: ~~القدماء خمسة: الرب والنفس والمادة والدهر والفضاء؛ ولكن لا يقولون: إن ~~النفس ما زالت متحركة؛ ms1710 بل يقولون: إنه حدث لها التفات إلى الهيولى وهي ~~المادة فأحبتها وعشقتها ولم يكن الأولى تخليصها منها إلا بأن تذوق وبال هذا ~~التعلق فصنع العالم وجعل النفس حاصلة مع الأجسام لتذوق حرارة هذا الاجتماع ~~ووباله فتشتاق إلى التخلص منه. ولهذا يقول " محمد بن زكريا الرازي ": إن ~~هذا العالم ليس فيه لذة أصلا بل النفس لا تزال معذبة حتى تتخلص وراحتها في ~~الخلاص؛ وكان حاضرا بمجلس بعض الأكابر فمثل ذلك بما يخرج من دبر الإنسان ~~بغير اختياره من الصوت وجعل ذلك حاصلا من ذلك الكبير فقال له الكعبي: دخلت ~~في أمور عظيمة ولم تتخلص وأنت إنما فررت من حدوث حادث بلا سبب فيقال لك: ~~فما الموجب لكونها التفتت في ذلك الوقت المعين إلى الهيولى دون ما قبل ذلك ~~الوقت وما بعده؟ فهذا حادث بلا سبب. # PageV06P308 # وهذا المذهب اشتمل على أنواع من الفساد: منها إثبات قديم غير الأول بلا ~~حجة ومنها إثبات نفس مجردة عن الجسم وأن لها حركة بدون الجسم؛ وهذا خلاف ~~مذهب " أرسطو " وأتباعه لكن هؤلاء يقولون: نحن نلتزم أن النفس مع تجردها عن ~~الجسم لها حركة وهذا هو الصحيح؛ لكن يقال: أثبتم قدمها وأنها لم تزل غير ~~متحركة ثم تحركت بلا سبب وهذا فاسد. وأنتم لم تقيموا دليلا على قدمها؛ بل ~~ولا على وجودها وأنها ليست بجسم. وكذلك يقال لمن أثبت العقول والنفوس من " ~~المتفلسفة " وأنها ليست مشارا إليها: أدلتكم على ذلك ضعيفة كلها؛ بل باطلة. ~~ولهذا صار الطوسي - الذي هو أفضل متأخريهم - إلى أنه لا دليل على إثباتها. ~~وأما " المتكلمون " فإنهم يقولون: نحن نعلم بالاضطرار أن الممكن لا بد أن ~~يكون مشارا إليه بأنه هنا أو هناك فإثبات ما لا يشار إليه معلوم الفساد ~~بالضرورة وقد ذكروا هذا في كتبهم. وقول الرازي: إنهم لم يقيموا دليلا على ~~انحصار الممكن في الجسم والعرض ليس كما قال؛ بل قالوا: نحن نعلم بالاضطرار ~~أن الممكن لا بد أن يكون مشارا إليه يتميز منه جانب عن جانب. ثم كثير منهم ~~- من هؤلاء ms1711 - ذكر هذا مطلقا في القديم والحادث وأصوات قديمة أزلية. ثم من ~~هؤلاء من قال: وهي مع ذلك صفة واحدة ومنهم من قال: بل هي متعددة؛ ومن هؤلاء ~~من قال: إن تلك الأصوات الأزلية: هي # PageV06P309 # الأصوات المسموعة من القراء أو يسمع من القراء صوتان: الصوت القديم وصوت ~~محدث. والصوت القديم قال بعضهم: إنه حل في المحدث وقال بعضهم: ظهر فيه ولم ~~يحل وقال بعضهم: هو فيه ولا نقول: ظهر ولا حل. والقائلون بهذا طائفة من أهل ~~الحديث والفقه والتصوف؛ من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما. وهؤلاء ~~حلولية في الصفات دون الذات وقد وافقهم طائفة أخرى من السالمية والصوفية. ~~وأولئك يقولون بحلول الذات أيضا في كل شيء وأنه يتجلى لكل شيء بصورته؛ ~~وقولهم من جنس قول القائلين بأنه بذاته في كل مكان والقائلين " بوحدة ~~الوجود ". لكن هم يقولون مع ذلك: إنه على العرش وإنه يحل في قلوب العارفين ~~بذاته وإنه في كل شيء؛ كما ذكر ذلك أبو طالب المكي ونحوه. وأما " الأشعرية ~~" فعكس هؤلاء وقولهم يستلزم التعطيل وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وكلامه ~~معنى واحد ومعنى آية الكرسي وآية الدين والتوراة والإنجيل واحد وهذا معلوم ~~الفساد بالضرورة. وكذلك الكلمات هي عندهم شيء واحد فحقيقة قولهم: إنه لا رب ~~ولا قرآن ولا إيمان فقولهم يستلزم التعطيل. # و " السالمية " حلولية في الذات والصفات والقائلون بأن الحروف والأصوات ~~القديمة حلت في الناس: حلولية في الصفات دون الذات # PageV06P310 # ومن هؤلاء من يقول أيضا: إن صفة العبد التي هي إيمانه قديم؛ ومن هؤلاء من ~~عدى ذلك إلى أقواله دون أفعاله ومنهم من قال: بل وأفعاله المأمور بها قديمة ~~دون المنهي عنها ومنهم من توقف في المنهي عنها ومنهم من قال: بل جميع أفعال ~~العباد قديمة: الخير والشر؛ لأن ذلك شرع وقدر والشرع والقدر قديم؛ ولم يفرق ~~بين شرع الرب ومشروعه وبين قدره ومقدوره وهؤلاء يقولون: أفعال العباد قديمة ~~ليست هي الحركات بل هي ما تنتجه الحركات؛ كالذي يأتي يوم القيامة وهو ثواب ~~أعمالهم. وقد صرح ms1712 الأئمة - أحمد بن حنبل وغيره -: بأن ذلك كله مخلوق فهؤلاء ~~أسرفوا في القول بقدم الأفعال لطرد قولهم في الإيمان. و " طائفة أخرى " ~~قالوا: إذا كانت هذه الحروف التي هي أصوات مسموعة من العبد قديمة فكل ~~الحروف المسموعة قديمة؛ فقالوا: كلام الآدميين كله قديم إلا التأليف ومنهم ~~من قال: والأصوات كلها قديمة حتى أصوات البهائم وحتى ما يخرج من بني آدم. ~~وقالوا أيضا: حركات اللسان بالقرآن قديمة وحركة البنان بكتابة القرآن ~~قديمة. ومن هؤلاء من قال: " المداد " مخلوق ولكن شكل الحروف قديم ومنهم من ~~توقف في المداد وقال: نسكت عنه وإن كان مخلوقا لكن لا يقال: إنه مخلوق ~~ومنهم من قال: بل المداد قديم. ومن هؤلاء وغيرهم من قال بأن " أرواح العباد ~~قديمة " فصاروا يقولون: # PageV06P311 # روح العبد محدثة وكلامه قديم وصفاته القائمة به من إيمانه قديمة وإخوانهم ~~يصرحون بأن أفعاله قديمة وهذا أعظم مما يوصف به الرب؛ فإنه سبحانه قديم ~~أزلي: وأما أفعاله فحادثة شيئا بعد شيء وكذلك كلامه لم يزل متكلما بمشيئته ~~شيئا بعد شيء. وهؤلاء يقولون بقدم روح العبد وبقدم النور - نور الشمس ~~والقمر ونور السراج؛ وكل نور - فهؤلاء قولهم: بقدم أرواح العباد والأنوار: ~~ضاهوا فيه قول المجوس " والفلاسفة الصابئين " الذين يشبهون المجوس؛ فإن من ~~الصابئين من يشبه المجوس كذلك قال الحسن البصري وغيره قالوا عن الصابئين: ~~إنهم مثل المجوس. وهؤلاء صنف من الصابئين المشركين ليسوا في الصابئين ~~الممدوحين في القرآن. والمقصود أن قول هؤلاء بقدم أرواح العباد و " نفوسهم ~~" التي تفارق أبدانهم. من جنس قول الذين قالوا بقدم النفس كما تقدم لكن ~~هؤلاء يجعلونها من الله؛ إذ كان لا قديم عندهم إلا الله وصفاته وقولهم بقدم ~~النور من جنس قول المجوس. لكن النور أيضا عندهم من صفات الله. وهذه الأقوال ~~بقدم روح العبد؛ أو أقواله؛ أو أفعاله؛ أو أصواته؛ أو قدم نور الشمس والقمر ~~ونحو ذلك. كلها فروع على ذلك الأصل فإن " السلف " قالوا: القرآن كلام الله ~~غير مخلوق. وظن طائفة أن مقصودهم أنه قديم لم يزل والقرآن ms1713 حروف وأصوات ~~فيكون قديما؛ وهذا المسموع هو القرآن # PageV06P312 # وليس إلا أصوات العباد بالقرآن فتكون قديمة ثم احتاجوا عند البحث إلى طرد ~~أقوالهم. وكذلك في " الإيمان " لم يقل قط أحد من السلف - لا أحمد بن حنبل ~~ولا غيره - إن شيئا من صفات العباد غير مخلوق ولا قديم ولا قالوا عن ~~القرآن: قديم لكن أنكروا على من أطلق القول على " لفظ القرآن أو الإيمان " ~~بأنه مخلوق؛ فجاء هؤلاء ففهموا من كونه غير مخلوق أنه قديم وظنوا أنه إذا ~~أنكر على من أطلق القول بأنه مخلوق يجيز أن يقال: إنه غير مخلوق وإنه قديم ~~فقالوا: لفظ العبد وصوته قديم وإيمانه قديم. ثم طردوا أقوالهم إلى ما ~~ذكرناه وهذه الأمور قد بسط القول فيها في مواضع في عدة مسائل؛ سأل عنها ~~السائلون وأجيبوا في ذلك بأجوبة مبسوطة ليس هذا موضعها؛ إذ المقصود: ~~التنبيه على ما يحدث عن الأصل المبتدع. وأصل هذا كله حجة الجهمية على حدوث ~~الأجسام: بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فما يقوم به الكلام باختياره ~~أو بمشيئته ولم يزل كذلك يجب أن يكون حادثا؛ فلزمهم نفي كلام الرب وفعله بل ~~وتعطيل ذاته ثم آل الأمر إلى جعل المخلوق قديما وتعطيل صفات الرب القديمة؛ ~~بل وذاته والله أعلم. وأصحاب هذا الأصل القائلون " بالجوهر الفرد " يقولون: ~~إن نفس الأعيان التي في بدن الإنسان وغيره هي متقدمة الوجود لا يعلم حدوثها # PageV06P313 # إلا بالدليل وهو الدليل على حدوث الأجسام وأنها لم تخل من الأعراض ~~ويقولون: المعلوم بالمشاهدة حدوث التأليف فقط كما يقوله أولئك في كلام ~~العبد وأن المحدث هو تأليف الحروف فقط. والقائلون " بوحدة الوجود " يقولون ~~نفس وجود العبد هو نفس وجود الرب وكل هذه الأقوال قد باشرت أصحابها - وهم ~~من أعيان الناس - وجرى بيني وبينهم في ذلك ما يطول وصفه وهدى الله ما شاء ~~الله من الخلق فانظر كيف اضطرب الناس في أنفسهم التي قيل لهم: {وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون} . # والمتفلسفة يقولون: مادة بدن الإنسان وسائر المواد قديمة أزلية وهذه ~~الأقوال فيها ms1714 مضاهاة لقول فرعون من بعض الوجوه وأصحاب " الوحدة " يصرحون ~~بتعظيم فرعون وأنه صدق في قوله: {أنا ربكم الأعلى} ففي تثنية الله لقصة ~~فرعون في القرآن عبرة؛ فإن الناس محتاجون إلى الاعتبار بها كما قال: ~~{فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} . # PageV06P314 # فصل: # وأما " حجتهم الثانية " وهي العمدة عند عامتهم فتقريرها: لو كان مخلوقا ~~لكان إما أن يخلقه في نفسه. أو في غيره أو لا في محل. # والأول يلزم أن يكون محلا للحوادث وهو باطل. والثاني يلزم أن يكون صفة ~~لذلك المحل الذي قامت به الصفة؛ لأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل لا على غيره فإذا قام بمحل علم أو حياة أو قدرة أو كلام أو غير ذلك؛ ~~كان ذلك المحل هو الموصوف بأنه حي عالم قادر متكلم كما يوصف بأنه متحرك إذا ~~قامت به الحركة أو أنه أسود وأبيض إذا قام به السواد والبياض ونحو ذلك. ~~وأما قيامه لا في محل فممتنع؛ لأنه صفة. ومعنى " هذه الحجة " أيضا صحيحة ~~وهي إنما تدل على مذهب السلف فقط وهي تدل على فساد قول الأشعرية كما تدل ~~على فساد قول المعتزلة وعلى فساد قول الجهمية مطلقا؛ فإن جمهور المعتزلة ~~والجهمية اختاروا من " هذه الأقسام " أنه يخلقه في محل. وقالوا: إن الله ~~لما كلم موسى خلق صوتا في الشجرة فكان ذلك الصوت المخلوق من الشجرة هو ~~كلامه. # PageV06P315 # وهذا مما كفر به أئمة السنة من قال بهذا وقالوا: هو يتضمن أن الشجرة هي ~~التي قالت: {أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} لأن الكلام كلام من قام به ~~الكلام. هذا هو المعقول في نظر جميع الخلق لا سيما وقد قام الدليل على أن ~~الله أنطق كل ناطق: كما أنطق الله الجلود يوم القيامة وقالوا: {أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء} فيكون كل كلام في الوجود مخلوقا له في محل. فلو كان ما ~~يخلقه في غيره كلاما للزم أن يكون كل كلام في الوجود - حتى الكفر والفسوق ~~والكذب - كلاما له - تعالى عن ذلك - وهذا لازم ms1715 الجهمية المجبرة؛ فإنهم ~~يقولون: إن الله خالق أفعال العباد وأقوالهم والعبد عندهم لا يفعل شيئا ولا ~~قدرة له مؤثرة في الفعل؛ ولهذا قال بعض شيوخهم - من القائلين بوحدة الوجود: ~~- وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وأما " المعتزلة " فلا ~~يقولون: إن الله خالق أفعال العباد لكن الحجة تلزمهم بذلك. وقد اعترف ~~حذاقهم كأبي الحسين البصري: أن الفعل لا يوجد إلا بداع يدعو الفاعل وأنه ~~عند وجود الداعي مع القدرة يجب وجود الفعل وقال: إن الداعي الذي في العبد ~~مخلوق لله وهذا تصريح بمذهب أهل السنة وإن لم ينطق بلفظ خلق أفعال العباد. ~~فإذا قال: إن الله خلق الداعي والقدرة وخلقها يستلزم خلق الفعل فقد سلم ~~المسألة ولما كان هذا مستقرا في نفوس عامة الخلق قال سليمان بن # PageV06P316 # داود الهاشمي الإمام - نظير أحمد بن حنبل - الذي قال فيه الشافعي: ما ~~خلفت ببغداد أعقل من رجلين: أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي قال: من ~~قال: إن القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله؛ فإن الله خلق في ~~فرعون قوله: {أنا ربكم الأعلى} وعندهم أن الله خلق في الشجرة: {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني} فإذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضا ~~كلامه. والأشعرية وغيرهم من أهل السنة أبطلوا قول المعتزلة والجهمية بأنه ~~خلقه في غيره بأن قالوا: ما خلقه الله في غيره من الأعراض كان صفة لذلك ~~وعاد حكمه على ذلك المحل لم يكن صفة لله كما تقدم. وهذه " حجة جيدة مستقيمة ~~" لكن الأشعرية لم يطردوها فتسلط عليهم المعتزلة بأنهم يصفونه بأنه خالق ~~ورازق ومحي ومميت عادل محسن من غير أن يقوم به شيء من هذه المعاني؛ بل يقوم ~~بغيره؛ فإن الخلق عندهم هو المخلوق والإحياء هو وجود الحياة في الحي من غير ~~فعل يقوم بالرب فقد جعلوه محييا بوجود الحياة في غيره وكذلك جعلوه مميتا ~~وهذه مما عارضهم بها المعتزلة ولم يجيبوا عنها بجواب صحيح. ولكن " السلف ~~والجمهور " يقولون: بأن الفعل يقوم به أيضا ms1716 وهذه " القاعدة " حجة لهم على ~~الفريقين والفريقان يقسمون الصفات إلى ذاتية وفعلية أو ذاتية ومعنوية ~~وفعلية. وهو مغلطة؛ فإنه لا يقوم به عندهم فعل ولا يكون # PageV06P317 # له عندهم صفة فعلية وإذا قالوا بموجب ما خلقه في غيره لزمهم أن يقولوا: ~~هو متحرك وأسود وأبيض وطويل وقصير وحلو ومر وحامض وغير ذلك من الصفات التي ~~يخلقها في غيره. ثم هم متناقضون فهؤلاء يصفونه بالكلام الذي يخلقه في غيره ~~وأولئك يصفونه بكل مخلوق في غيره فعلم أنه لا يتصف إلا بما قام به لا بما ~~يخلقه في غيره؛ وهذا حقيقة الصفة؛ فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا ~~بما هو مباين له صفة لغيره. وإن نفوا مع ذلك قيام الصفات به لزمهم أن لا ~~يكون له صفة لا ذاتية ولا فعلية. وإن قالوا: إنما سمينا الفعل صفة لأنه ~~يوصف بالفعل فيقال: خالق ورازق قيل: هذا لا يصح أن يقوله أحد من الصفاتية؛ ~~فإن الصفة عندهم قائمة بالموصوف ليست مجرد قول الواصف. وإن قاله من يقول: ~~إن الصفة هي الوصف وهي مجرد قول الواصف فالواصف إن لم يكن قوله مطابقا كان ~~كاذبا ولهذا إنما يجيء الوصف في القرآن مستعملا في الكذب بأنه وصف يقوم ~~بالواصف من غير أن يقوم بالموصوف شيء كقوله سبحانه {سيجزيهم وصفهم} {ولا ~~تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} ~~{ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} {سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون} . وقد جاء مستعملا في الصدق فيما أخرجاه في الصحيحين عن ~~عائشة: {أن # PageV06P318 # رجلا كان يكثر قراءة {قل هو الله أحد} فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه} ". فمن وصف موصوفا بأمر ليس هو متصفا به ~~كان كاذبا؛ فمن وصف الله بأنه خالق ورازق وعالم وقادر وقال مع ذلك: إنه ~~نفسه ليس متصفا بعلم وقدرة أو ليس ms1717 متصفا بفعل هو الخلق والإحياء كان قد ~~وصفه بأمر وهو يقول: ليس متصفا به؛ فيكون قد كذب نفسه فيما وصف به ربه وجمع ~~بين النقيضين فقال: هو متصف بهذا؛ ليس متصفا بهذا. وهذا حقيقة أقوال النفاة ~~فإنهم يثبتون أمورا هي حق ويقولون ما يستلزم نفيها فيجمعون بين النقيضين ~~ويظهر في أقوالهم التناقض. وحقيقة قولهم: أنه موجود ليس بموجود عالم ليس ~~بعالم حي ليس بحي ولهذا كان غلاتهم يمتنعون عن الإثبات والنفي معا؛ فلا ~~يصفونه لا بإثبات؛ ولا بنفي كما قد بسط في غير هذا الموضع. ومعلوم أن خلوه ~~عن النفي والإثبات باطل أيضا؛ فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان. ~~والمقصود هنا أن هذه " المقدمة " الصحيحة: أنه لو خلقه في محل لكان صفة ~~لذلك المحل؛ هي مقدمة صحيحة والسلف وأتباعهم أهل السنة والجمهور: يقولون ~~بها؛ وأما المعتزلة والأشعرية فيتناقضون فيها كما تقدم. # PageV06P319 # وأما القسم الثالث وهو أنه لو خلقه قائما بنفسه لكان ذلك ممتنعا لأنه صفة ~~والصفة لا تقوم بنفسها وهذا معلوم بالضرورة. وقد حكي عن بعض المعتزلة: أنه ~~يخلق حبالا في محل. والبصريون - وهم أجل وأفضل من البغداديين - يقولون: إنه ~~يخلق إرادة لا في محل فقد يناقضون هذه الحجة. وأما القسم الأول؛ وهو أنه لو ~~خلقه في نفسه لكان محلا للحوادث فالتحقيق أن يقال: لو خلقه في نفسه لكان ~~محلا للمخلوق وهو لا يكون محلا للمخلوق. وإذا قالوا: نحن نسمي كل حادث ~~مخلوقا فهذا محل نزاع فالسلف وأئمة أهل الحديث وكثير من طوائف الكلام - ~~كالهشامية والكرامية وأبي معاذ التومني وغيرهم - لا يقولون: كل حادث مخلوق ~~ويقولون: الحوادث تنقسم إلى ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته. ومنه خلقه ~~للمخلوقات؛ وإلى ما يقوم بائنا عنه؛ وهذا هو المخلوق؛ لأن المخلوق لا بد له ~~من خلق: والخلق القائم بذاته لا يفتقر إلى خلق بل هو حصل بمجرد قدرته ~~ومشيئته. والقدرة في القرآن متعلقة بهذا الفعل لا بالمفعول المجرد عن الفعل ~~كقوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقوله: {قل هو القادر على أن ms1718 ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} وقوله: {بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه} وقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم} . # PageV06P320 # وعلى هذا فهذه " الحجة " يكفي فيها أن يقال: لو خلقه لكان إما أن يخلقه ~~في محل فيكون صفة له أو يخلقه قائما بنفسه وكلاهما ممتنع. ولا يذكر فيها: ~~إما أن يخلقه في نفسه؛ لأن كونه مخلوقا يقتضي أن له خلقا، والخلق القائم به ~~لو كان مخلوقا لكان له خلق فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقا؛ فيكون الخلق ~~مخلوقا بلا خلق وهذا ممتنع. وهذا يستقيم على أصل السلف وأهل السنة ~~والجمهور: الذين يقولون لا يكون المخلوق مخلوقا إلا بخلق. وأما من قال: ~~يكون مخلوقا بلا خلق والخلق هو نفس المخلوق لا غيره. فيقال على أصله: إما ~~أن يخلقه في نفسه ويكون المخلوق نفس الخلق وهو معنى كونه حادثا ويعود الأمر ~~إلى أنه إذا أحدثه فإما أن يحدثه في نفسه أو خارجا عن نفسه وقد تبين كيف ~~تصاغ هذه الحجة على أصول هؤلاء وأصول هؤلاء. فإذا احتج بها على قول " السلف ~~والجمهور " فلها صورتان: إن شئت أن تقول: إما أن يخلقه قائما بنفسه أو ~~بغيره ولا تقل في نفسه؛ لكون المخلوق لا يكون في نفسه. وإن شئت أن تدخله في ~~التقسيم وتقول: وإما أن يخلقه في نفسه ثم تقول: وهذا ممتنع؛ لأن المخلوق لا ~~بد له من خلق فلو خلقه في نفسه لافتقر إلى خلق وكان ما حدث في نفسه مخلوقا ~~مفتقرا إلى خلق؛ فيكون خلقه له أيضا مفتقرا إلى خلق وهلم جرا. # وإذا كان كل خلق مخلوقا لم يبق خلق إلا مخلوق وإذا لم يبق خلق إلا مخلوق ~~لزم وجود المخلوق بلا خلق إذ ليس لنا خلق غير مخلوق. # PageV06P321 # وإن قيل: فقد يخلقه في نفسه بخلق وذلك الخلق يحصل بلا خلق آخر بل مجرد ~~القدرة والإرادة كما يقول من يقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته وتكلمه فعل ~~يحصل بقدرته ومشيئته فنحن نقول: ذلك الفعل هو ms1719 الخلق. فيقال لهم: فعلى هذا ~~صار في التقسيم " حادث " يقوم بنفسه ليس بمخلوق؛ وعلى هذا التقدير فيمكن أن ~~يقال في القرآن: إنه حادث أو محدث وليس بمخلوق فإن كان الحق هو " القسم ~~الأول " لم يلزم إذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما؛ بل قد يكون حادثا وليس ~~بمخلوق فلا يلزم من نفي كونه مخلوقا أن يكون قديما فلا تدل الحجة على قول ~~الكلابية. وتلخيص ذلك أنه إما أن يقال: الحدوث أعم من الخلق فقد يكون الشيء ~~حادثا في نفسه وليس مخلوقا؛ أو يقال: كل حادث فهو مخلوق بناء على أنه لا ~~يقوم بذاته حادث؛ أو بناء على أن ما قام بنفسه إذا كان حادثا فهو مخلوق ~~فإذا كان الحق هو " القسم الأول " لم يلزم إذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما ~~بل قد يكون حادثا وليس بمخلوق. وإن كان الحق غير " الأول " فحينئذ إذا قيل: ~~لا يخلقه في نفسه لم تكن الحجة عليه إلا إبطال قيام الحوادث به ولكن إذا ~~أريد أن يدل على أنه ليس بمخلوق في نفسه - وإن كان حادثا بنفسه - فإنه ~~يستدل على ذلك بأنه لو كان مخلوقا لكان له خلق والخلق نفسه ليس مخلوقا بل ~~حادث؛ لأنه لو كان مخلوقا لكان كل خلق مخلوقا فيكون المخلوق بلا خلق وهو ~~جمع بين النقيضين فتعين أن يكون الخلق حادثا غير مخلوق. # PageV06P322 # وعلى هذا التقدير فلا يلزم إذا كان غير مخلوق أن يكون قديما وإنما أريد ~~الاستدلال على أنه لم يخلقه في نفسه سواء قيل: إنه تحل فيه الحوادث أو لا ~~تحل وهو أحسن؛ فيكون استدلالا بذلك من غير التزام هذا القول. فيقال: لا ~~يخلو إما أن تقوم به الحوادث وإما أن لا تقوم فإن لم تقم امتنع أن يخلقه في ~~نفسه؛ لأنه حينئذ يكون حادثا فتقوم به الحوادث وإن كانت تقوم به الحوادث ~~فتلك الحوادث تحصل بقدرته ومشيئته ولا تكون كلها مخلوقة لأن المخلوق لا بد ~~له من خلق والخلق منها؛ فلو كان الخلق مخلوقا بخلق لزم أن ms1720 يكون كل خلق ~~مخلوقا فيكون المخلوق حاصلا بلا خلق وقد قيل: إن المخلوق لا بد له من خلق. ~~وإذا كان لا يجب فيما قام بذاته أن يكون مخلوقا فلو أحدثه في ذاته لم يلزم ~~أن يكون مخلوقا؛ بل يمتنع أن يكون مخلوقا؛ لأن المخلوق هو ما له خلق قائم ~~بذات الرب مباين للمخلوق وهو إذا تكلم به بمشيئته وقدرته كان الكلام اسما ~~يتناول التكلم به ونفس الحروف وذلك التكلم حاصل بقدرته ومشيئته لم يحصل ~~بخلق؛ فإن الخلق يحصل أيضا بقدرته ومشيئته وهو يخلق الأشياء بكلامه؛ فمحال ~~أن يكون لكلامه خلق أقرب إليه من كلامه. وقد قيل: إن خلقه للأشياء هو نفس ~~تكلمه بكن فيكون هذا هو الخلق والخلق لا يحصل بخلق بل المخلوق يحصل بالخلق؛ ~~ومن الأشياء ما يخلقه مع تكلم بفعل يفعله أيضا؛ فقد تبين على كل تقدير أن ~~كلامه إذا أحدثه في ذاته لم يكن مخلوقا من غير أن يلزم أنه لا تقوم به ~~الحوادث. # PageV06P323 # وإذا بنينا على ذلك فلفظ الحوادث مجمل يراد به أنه لا يقوم به جنس له نوع ~~لم يحصل منه شيء قبل ذلك ويراد به أنه لا يقوم به لا نوع ولا فرد من أفراد ~~الحوادث فإذا أريد الثاني فالسلف وأئمة السنة والحديث وكثير من طوائف ~~الكلام على خلافه. وإن أريد " الأول " فالنزاع فيه مع " الكرامية " ونحوهم ~~فمن يقول: إنه حدث له من الصفات بذاته ما لم يكن حدث صار يتكلم بمشيئته بعد ~~أن لم يكن وصار مريدا للفعل بعد أن لم يكن والكلام والإرادة الذي قالت ~~المعتزلة: يحدث بائنا عنه قالوا هم: يحدث في ذاته و " الكلابية " قالوا: ~~ذلك قديم يحصل بغير مشيئته وقدرته وهؤلاء قالوا: بل هو حادث النوع يحصل ~~بقدرته ومشيئته القديمة فمشيئته القديمة عندهم مع القدرة أوجبت ما يقوم ~~بذاته. فهؤلاء يقولون: إنه أحدث في ذاته نوع الكلام ولم يكن له قبل ذلك ~~كلام وليس هذا مذهب السلف بل مذهب السلف: أنه لم يزل متكلما. فتبين أن خلقه ~~للكلام مطلقا ms1721 في ذاته محال من جهة أن المخلوق لا يقوم بذاته ومن جهة أنه ~~يلزم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن وهذا غير قولهم لا تقوم به الحوادث. ~~فصار هنا لإبطال هذا القول " ثلاثة مسالك " مسلك الكلابية ومسلك الكرامية ~~ومسلك السلف؛ فلهذا كان هذا القسم مما ذكره عبد العزيز بن يحيى # PageV06P324 # الكناني في " الحيدة " وأبطله من غير أن يلتزم خلاف السلف وقد كتبت ~~ألفاظه وشرحتها في غير هذا الموضع. و " المقصود هنا " أنه يمكن إبطال كونه ~~خلقه في نفسه من غير التزام قول الكلابية ولا الكرامية؛ فإنه قد تبين أن ما ~~قام بذاته يمتنع أن يكون مخلوقا؛ إذ كان حاصلا بمشيئته وقدرته والمخلوق لا ~~بد له من خلق، ونفس تكلمه بمشيئته وقدرته ليس خلقا له بل بذلك التكلم يخلق ~~غيره والخلق لا يكون خلقا لنفسه. ويدل على بطلان قول " الكلابية ": أن ~~الكلام لا يكون إلا بمشيئته وقدرته وهم يقولون: يتكلم بلا مشيئته ولا قدرته ~~وهم يقولون: يتكلم بلا مشيئته ولا قدرته. # وأما " الكرامية " فيقولون: صار متكلما بعد أن لم يكن؛ فيلزم انتفاء صفة ~~الكمال عنه ويلزم حدوث الحادث بلا سبب ويلزم أن ذاته صارت محلا لنوع ~~الحوادث بعد أن لم تكن كذلك: كما تقوله " الكرامية " وهذا باطل. وهو الذي ~~أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والإرادة والفعل: إما أن يكون ~~صفة كمال أو صفة نقص فإن كان كمالا فلم يزل ناقصا حتى تجدد له ذلك الكمال ~~وإن كان نقصا فقد نقص بعد الكمال. # وهذه الحجة لا تبطل قيام نوع الإرادة والكلام شيئا بعد شيء؛ فإن ذلك إنما ~~يتضمن حدوث أفراد الإرادة والكلام لا حدوث النوع والنوع ما زال # PageV06P325 # قديما وما زال متصفا بالكلام والإرادة وذلك صفة كمال فلم يزل متصفا ~~بالكمال ولا يزال بخلاف ما إذا قيل: صار مريدا ومتكلما بعد أن لم يكن. وإذا ~~قيل في ذلك: الفرد من أفراد الإرادة والكلام والفعل: هل هو كمال أو نقص؟ ~~قيل: هو كمال وقت وجوده ونقص قبل وجوده، ms1722 مثل مناداته لموسى كانت كمالا لما ~~جاء موسى ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصا والله منزه عنه؛ ولأن أفراد الحوادث ~~يمتنع قدمها وما امتنع قدمه لم يكن عدمه في القدم نقصا. بل النقص المنفي لا ~~بد أن يكون عدم ما يمكن وجوده بل عدم ما يمكن وجوده ويكون وجوده خيرا من ~~عدمه؛ فلا يكون عدم الشيء نقصا إلا بهذين الشرطين: بأن يكون عدمه ممكنا ~~ويكون وجوده خيرا من عدمه فإذا كان عدمه ممتنعا: كعدم الشريك والولد فهذا ~~مدح وصفة كمال وإذا كان عدمه ممكنا فالأولى عدمه: كالأشياء التي لم يخلقها ~~فإنه كان أن لا يخلقها أكمل من أن يخلقها كما أن ما خلقه كان أن يخلقه أكمل ~~من أن لا يخلقه. وحينئذ فما وجد من الحوادث في ذاته أو بائنا عنه كان وجوده ~~وقت وجوده هو الكمال وعدمه وقت عدمه هو الكمال وكان عدمه وقت وجوده أو ~~وجوده وقت عدمه نقصا ينزه الله عنه سبحانه وتعالى. فقد تبين الفرق بين نوع ~~الحوادث وأعيانها وأن النوع لو كان حادثا بذاته بعد أن لم يكن لزم كماله ~~بعد نقصه أو نقصه بعد كماله. # PageV06P326 # وأيضا فالحادث لا بد له من سبب والأفراد يمكن حدوثها؛ لأن قبلها أمورا ~~أخرى تصلح أن تكون سببا أما إذا قدر عدم النوع كله ثم حدث لزم أن يحدث ~~النوع بلا سبب يقتضي حدوثه وهو ممتنع. وأيضا فهذا " النوع " إما أن يقال: ~~كان قادرا عليه فيما لم يزل؛ أو صار قادرا بعد أن لم يكن فإن كان قادرا ~~عليه أمكن وجوده؛ فلا يمتنع وجوده فلا يجوز الجزم بعدمه. وإن لم يكن قادرا ~~لزم حدوث القدرة بلا سبب وانتقال القدرة والامتناع إلى الإمكان بلا سبب ~~وهذا بخلاف الأفراد؛ فإن ذلك كان ممتنعا حتى يحصل ما يصير به ممكنا؛ أو كان ~~ممكنا ولكن الحكمة اقتضت وجوده بعد تلك الأمور. وأما النوع إذا قيل بحدوثه ~~لم يختص بوقت؛ إذ العدم المحض لا يعقل فيه وقت يميزه عن وقت. و " أيضا " ~~فكذلك النوع ms1723 ممكن له لوجوده وهو لا يتوقف على شيء غيره لا منه ولا من غيره ~~وما كان ممكنا لم يتوقف إلا على ذاته لزم وجوده بوجود ذاته كحياته وعلمه ~~وقدرته وغير ذلك من صفاته؛ فدل ذلك على وجوب قدم نوع هذه الصفات ولزوم ~~النوع لذاته وإن قيل بحدوث الأفراد. وعلى هذا فيقال: لا تقوم بذاته الصفات ~~الحادثة أي: لا يقوم به نوع من أنواع الصفات الحادثة بمعنى أن الكلام صفة ~~والإرادة صفة؛ ولا تحدث له هذه الصفات ولا نوع من أنواع هذه الصفات؛ بل لم ~~يزل متكلما مريدا وإن حدثت # PageV06P327 # أفراد كل صفة، أي: إرادة هذا الحادث المعين وهذا الشخص المعين؛ فنفس ~~الصفة لم تزل موجودة. وعلى هذا يقال: لو خلق في ذاته " الكلام " ولو أحدث ~~في ذاته الكلام ولو كان كلامه حادثا أو محدثا؛ فإن نفس الكلام: أي هذه ~~الصفة ونوعها ليس بحادث ولا محدث؛ ولا مخلوق. وأما الكلام المعين " كالقرآن ~~" فليس بمخلوق لا في ذاته ولا خارجا عن ذاته؛ بل تكلم بمشيئته وقدرته وهو ~~حادث في ذاته. وهل يقال: أحدثه في ذاته؟ على قولين: أصحهما أنه يقال ذلك ~~كما قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} ~~" وقد بوب البخاري في صحيحه لهذا بابا دل عليه الكتاب والسنة. وهذا بخلاف ~~المخلوق؛ فإنه ليس في عقل ولا شرع ولا لغة: أن الإنسان يسمي ما قام به من ~~الأفعال والأقوال خلقا له ويقول: أنا خلقت ذلك بل يقول: أنا فعلت وتكلمت ~~وقد يقول: أنا أحدثت هذه الأقوال والأفعال كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} " وقال: {المدينة حرم ما ~~بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين} ". وإن كان مقصوده " بالإحداث " هنا أخص من معنى الإحداث ~~بمعنى الفعل # PageV06P328 # وإنما مقصوده من أحدث فيها ms1724 بدعة تخالف ما قد سن وشرع ويقال للجرائم: ~~الأحداث ولفظ الإحداث يريدون به ابتداء ما لم يكن قبل ذلك. ومنه قوله: " إن ~~الله يحدث من أمره ما شاء " {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} . ولا يسمون ~~مخلوقا إلا ما كان بائنا عنه كقوله: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} وإذا ~~قالوا عن كلام المتكلم: إنه مخلوق ومختلق فمرادهم أنه مكذوب مفترى كقوله: ~~{وتخلقون إفكا} . # PageV06P329 # فصل: # وما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في " مسألة حدوث العالم " إنما يدل على ~~مذهب السلف والأئمة. أما " الفلاسفة " فحجتهم إنما تدل على أنه لم يزل ~~فاعلا كما أن حجة " الأشعرية " إنما تدل على أنه لم يزل متكلما وكل من ~~الفريقين احتج على قدم العين بأدلة لا تقتضي ذلك. وأما " المتكلمون " ~~فعمدتهم أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث أو ما لم يسبق الحوادث فهو حادث ~~وكل من هاتين القضيتين هي صحيحة باعتبار وتدل على الحق؛ فما لم يسبق ~~الحوادث المحدودة التي لها أول فهو حادث وهذا معلوم بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء فكل ما علم أنه كان بعد حادث له ابتداء؛ أو مع حادث له ابتداء: فهو ~~أيضا حادث له ابتداء بالضرورة. وكذلك ما لم يخل من هذه الحوادث. وأيضا فما ~~لم يخل من الحوادث مع حاجته إليها فهو حادث وما لم يخل من حوادث يحدثها فيه ~~غيره فهو حادث بل ما احتاج إلى الحوادث مطلقا فهو حادث وما قامت به حوادث ~~من غيره فهو حادث وما كان محتاجا إلى غيره فهو حادث وما قامت به الحوادث ~~فهو حادث. # PageV06P330 # وهذا يبطل قول " المتفلسفة " القائلين بقدم الفلك كأرسطو وأتباعه؛ فإن " ~~أرسطو " يقول: إنه محتاج إلى العلة الأولى للتشبه بها وبرقلس وابن سينا ~~ونحوهما يقولون: إنه معلول له أي موجب له والأول علة فاعلة له؛ فالجميع ~~يقولون: إنه محتاج إلى غيره مع قيام الحوادث به؛ وإنه لم يخل منها. ~~ويقولون: هو قديم؛ وهذا قول باطل. ويقول " ابن سينا " إنه ممكن يقبل الوجود ~~والعدم مع قيام الحوادث به ms1725 وهو قديم أزلي. وهذا باطل؛ فإن كونه محتاجا إلى ~~غيره يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه فإن واجب الوجود بنفسه لا يكون ~~محتاجا إلى غيره وإن لم يكن واجبا بنفسه كان ممكنا يقبل الوجود والعدم ~~وحينئذ فيكون محدثا من وجوه: (منها: أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا ~~يكون إلا محدثا وأما القديم الذي يمتنع عدمه فلا يقبل الوجود والعدم. ~~(ومنها: أنه إذا كان مع حاجته تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره متصرف ~~فيه قاهر له تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه وما كان مقهورا مع ~~غيره لم يكن موجودا بنفسه ولا مستغنيا بنفسه؛ ولا عزيزا ولا مستقلا بنفسه؛ ~~وما كان كذلك لم يكن إلا مصنوعا مربوبا فيكون محدثا. و (أيضا فإذا لم يخل ~~من الحوادث التي يحدثها فيه غيره ولم يسبقها؛ بل كانت لازمة له دل على أنه ~~في جميع أوقاته مقهورا مع الغير متصرفا له؛ يدل # PageV06P331 # على أنه مفتقر إليه دائما وهذا يبطل قول المتكلمين الذين يقولون: إنما ~~يفتقر إليه حال حدوثه فقط. كما يبطل قول المتفلسفة الذين يقولون: يفتقر ~~إليه في دوامه مع قدمه وعدم حدوثه. و " التحقيق " أنه محدث يفتقر إليه حال ~~الحدوث وحال البقاء. وكونه محلا للحوادث من غيره؛ أو محلا للحوادث مع ~~حاجته؛ يدل على أنه محدث. وأما كونه محلا لحوادث يحدثها هو فهذا لا يستلزم ~~لا حاجته ولا حدوثه؛ ولهذا كان " الصحابة " يذكرون أن حدوث الحوادث في ~~العالم يدل على أنه مربوب؛ كما قد ذكرنا هذا في موضع آخر والمربوب محدث وكل ~~ما سوى الله تحدث فيه الحوادث من غيره وهو محتاج إلى غيره فكل فلك فإنه ~~يحركه غيره فتحدث فيه الحركة من غيره فالفلك المحيط يحركها كلها وهو متحرك ~~بخلاف حركته فتحدث فيه مناسبة حادثة بغير اختياره وهي مستقلة بحركتها لا ~~تحتاج فيها إليه؛ فامتنع أن يكون ربا لها والشمس والقمر والكواكب يحركها ~~غيرها فكلها مسخرات بأمره. # PageV06P332 # فصل: # وقد ذكرنا " أصلين ": # أحدهما: أن ما يحتجون به من الحجج ms1726 السمعية والعقلية على مذاهبهم إنما يدل ~~على قول السلف وما جاء به الكتاب والسنة لا يدل على ما ابتدعوه وخالفوا به ~~الكتاب والسنة. # الثاني: أن ما احتجوا به يدل على نقيض مقصودهم وعلى فساد قولهم وهذا نوع ~~آخر؛ فإن كونه يدل على قول لم يقولوه نوع وكونه يدل على نقيض قولهم وفساد ~~قولهم نوع آخر. وهذا موجود في حجج المتفلسفة والمتكلمة. أما " المتفلسفة " ~~فمثل حججهم على قدم العالم أو شيء منه؛ فإنهم احتجوا بأنواع العلل الأربعة: ~~" الفاعلية " و " الغائية " و " المادية " و " الصورية " وعمدتهم: " ~~الفاعلية " وهو: أن يمتنع أنه يصير فاعلا بعد أن لم يكن؛ فيجب أنه ما زال ~~فاعلا وهذه أعظم عمدة متأخريهم كابن سينا وأمثاله وهي أظنها منقولة عن ~~برقلس. وأما " أرسطو " وأتباعه فهم لا يحتجون بها؛ إذ ليس هو عندهم فاعلا ~~وإنما # PageV06P333 # احتجوا بوجوب قدم الزمان والحركة وهي الصورية وبوجوب قدم المادة؛ لأن كل ~~محدث مسبوق بالإمكان فلا بد له من محل فكل حادث تقبله مادة يقبله وأما " ~~العلة الغائية " فمن جنس " الفاعلية " فيقال لهم: هذه الحجج: إنما تدل على ~~مذهب السلف والأئمة كما تقدم وهي تدل على بطلان قولهم. وأما قدم " الفاعلية ~~" وهو: أنه ما زال فاعلا فيقال: هذا لفظ مجمل؛ فأنتم تريدون بالفاعل أن ~~مفعوله مقارن له في الزمان؛ وإذا كان فاعلا بهذا الاعتبار وجب مقارنة ~~مفعوله له فلا يتأخر فعله فهذه عمدتكم والفاعل عند عامة العقلاء وعند سلفكم ~~وعندكم أيضا - في غير هذا الموضع - هو الذي يفعل شيئا فيحدثه فيمتنع أن ~~يكون المفعول مقارنا له بهذا الاعتبار بل على هذا الاعتبار يجب تأخر كل ~~مفعول له فلا يكون في مفعولاته شيء قديم بقدمه فيكون كل ما سواه محدثا. ثم ~~للناس هنا طريقان: " منهم " من يقول: يجب تأخر كل مفعول له وأن يبقى معطلا ~~عن الفعل ثم يفعل كما يقوله أهل الكلام المبتدع من أهل الملل من الجهمية ~~والمعتزلة ومن سلك سبيلهم وهذا النفي يناقض دوام الفاعلية فهو يناقض موجب ~~تلك الحجج. و " الثاني ": أن ms1727 يقال: ما زال فاعلا لشيء بعد شيء فكل ما سواه ~~محدث كائن بعد أن لم يكن وهو وحده الذي اختص بالقدم والأزلية فهو " الأول " ~~القديم الأزلي ليس معه غيره وأنه ما زال يفعل شيئا بعد شيء. # PageV06P334 # فيقال لهم: الحجج التي تقيمونها في وجوب قدم " الفاعلية " كما أنها تبطل ~~قول أهل الكلام المحدث فهي أيضا تبطل قولكم؛ وذلك أنها لو دلت على دوام ~~الفاعلية بالمعنى الذي ادعيتم للزم أن لا يحدث في العالم حادث؛ إذ كان ~~المفعول المعلول عندكم يجب أن يقارن علته الفاعلية في الزمان وكل ما سوى ~~الأول مفعول معلول له فتحدث مقارنة كل ما سواه فلا يحدث في العالم حادث وهو ~~خلاف المشاهدة والمعقول وباطل باتفاق بني آدم كلهم مخالف للحس والعقل. ~~وأيضا إذا وجب في العلة أن يقارنها معلولها في الزمان فكل حادث يجب أن يحدث ~~مع حدوثه حوادث مقترنة في الزمان لا يسبق بعضها بعضا ولا نهاية لها. وهذا ~~قول بوجود علل لا نهاية لها؛ وهذا أيضا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء؛ ~~ولا فرق بين امتناع ذلك في ذات العلة أو شرط من شروطها؛ فكما يمتنع أن يحدث ~~عند كل حادث ذات علل لا تتناهى في آن واحد؛ وكذلك شروط العلة وتمامها؛ ~~فإنها إحدى جزأي العلة؛ فلا يجوز وجود ما لا يتناهى في آن واحد لا في هذا ~~الجزء ولا في هذا الجزء؛ وهذا متفق عليه بين الناس. وأما النزاع في " وجود ~~ما لا يتناهى على سبيل التعاقب " فقد زال جزء حجتهم ليس هو ما قالوه؛ بل ~~موجبه هو " القول الآخر " وهو: أن الفاعل لم يزل يفعل شيئا بعد شيء وحينئذ ~~كل مفعول محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا نقيض قولهم؛ بل هذا من أبلغ ما يحتج ~~به على ما أخبرت به الرسل من أن الله # PageV06P335 # خالق كل شيء؛ فإنه بهذا يثبت أنه لا قديم إلا الله وأنه كل ما سواه كائن ~~بعد أن لم يكن سواء سمي عقلا أو نفسا أو جسما أو غير ms1728 ذلك. بخلاف دليل أهل ~~الكلام المحدث على الحدوث؛ فإنهم قالوا: لو كان صحيحا لم يدل إلا على حدوث ~~الأجسام ونحن أثبتنا موجودات غير العقول و " أهل الكلام " لم يقيموا دليلا ~~على انتفائها وقد وافقهم على ذلك المتأخرون: مثل الشهرستاني والرازي ~~والآمدي. وادعوا أنه لا دليل للمتكلمين على نفي هذه الجواهر العقلية ~~ودليلهم على حدوث الأجسام لم يتناولها؛ ولهذا صار الذين زعموا أنهم ~~يجيبونهم " بالجواب الباهر " إلى ما تقدم ذكره من التناقض؛ فقد تبين أن نفس ~~ما احتجوا به يدل على فساد قولهم وفساد قول المتكلمين؛ ويدل على حدوث كل ما ~~سوى الله وأنه وحده القديم دلالة صحيحة لا مطعن فيها. فقد تبين - ولله ~~الحمد - أن عمدتهم على قدم العالم إنما تدل على نقيض قولهم وهو: حدوث كل ما ~~سوى الله - ولله الحمد والمنة -. وأما " الحجة " التي احتجوا بها على أنه ~~لم تزل الحركة موجودة والزمان موجودا وأنه يمتنع حدوث هذا الجنس - وهذا مما ~~اعتمد عليه أرسطو " وأتباعه - فيقال لهم: هذه لا تدل على قدم شيء بعينه من ~~الحركات وزمانها ولا من المتحركات؛ فلا تدل على مطلوبهم: وهو قدم الفلك ~~وحركته وزمانه؛ # PageV06P336 # بل تدل على نقيض قولهم؛ وذلك أن الحركة لا بد لها من محرك فجميع الحركات ~~تنتهي إلى محرك أول. وهم يسلمون هذا فذلك المحرك الأول الذي صدر عنه حركة ~~ما سواه: إما أن يكون متحركا وإما أن لا يكون فإن لم يكن متحركا لزم صدور ~~الحركة عن غير متحرك وهذا مخالف للحس والعقل؛ فإن المعلول إنما يكون مناسبا ~~لعلته فإذا كان المعلول يحدث شيئا بعد شيء امتنع أن تكون علته باقية على ~~حال واحدة: كما قلتم: يمتنع أن يحدث عنها شيء بعد أن لم يكن؛ بل امتناع ~~دوام الحدوث عنها أولى من امتناع حدوث متجدد؛ فإن هذا يستلزم وجود الممتنع ~~أكثر مما يستلزم ذاك. فإنه إذا قيل: من المعلوم بصريح العقل أن ما لم يكن ~~فاعلا فلا بد أن يحدث له سبب يوجب كونه فاعلا وأنه إذا كان حال ms1729 الفاعل على ~~الحال التي كان عليها قبل الفعل لم يفعل شيئا ولم يحدث عنه شيء قيل لهم: ~~وهذا المعلوم بصريح العقل موجب أنها لا يحدث عنها في الزمان الثاني شيء لم ~~يكن في الزمان الأول إلا لمعنى حدث فيها فإذا لم يحدث فيها شيء لم يحدث ~~عنها شيء. فإذا قيل بدوام الحوادث عنها من غير أن يحدث فيها شيء كان هذا ~~قولا بوجود الممتنعات دائما؛ فإنه ما من حادث يحدث إلا قلبت الذات عند ~~حدوثه لما كانت قبل حدوثه وكانت قبل ذلك يمتنع عنها حدوثه؛ فالآن كذلك ~~يمتنع عنها حدوثه. # PageV06P337 # أو يقال: كانت لا تحدثه فهي الآن لا تحدث فهي عند حدوث كل حادث كما كانت ~~قبل ذلك وقبل حدوثه لم تكن محدثة له بل كان ذلك ممتنعا فكذلك الحين الذي ~~قدر فيه حدوثه يجب أن يكون الحدوث فيه ممتنعا. وهذا مما اعترف حذاقهم بأنه ~~لازم كما ذكر ذلك ابن رشد والرازي وغيرهما واعترفوا بأن حدوث المتغير عن ~~غير المتغير مخالف للعقلاء وابن سينا تفطن لهذا. # PageV06P338 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه: # ما يقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين - عن جواب شبهة " ~~المعتزلة " في نفي الصفات؟ ادعوا أن " صفات الباري ليست زائدة على ذاته " ~~لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير ~~عدمها عدمه أو لا فإن يقم فقد تعلق وجوده بها وصار مركبا من أجزاء لا يصح ~~وجوده إلا بمجموعها والمركب معلول؛ وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من ~~تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معلول؛ وهما على الله محال؛ فلم يبق إلا ~~أن صفات الباري غير زائدة على ذاته وهو المطلوب # فأجاب رضي الله عنه: # الحمد لله، الذي دل عليه الكتاب والسنة: أن الله سبحانه له علم وقدرة ~~ورحمة ومشيئة وعزة وغير ذلك؛ لقوله تعالى {ولا يحيطون بشيء من علمه} وقوله: ~~{لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين} وقوله {ولله ms1730 العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقوله: {ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما} . # PageV06P339 # وفي حديث الاستخارة الذي في الصحيح: " {اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم} " وفي حديث شداد بن أوس الذي في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما ~~كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي} " وفي الحديث الصحيح: ~~" لا وعزتك " وهذا كثير. وفي الصحيح أيضا {أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~الذي كان يقرأ بقل هو الله أحد في كل ركعة - وهو إمام - فقال: إني أحبها؛ ~~لأنها صفة الرحمن فقال: أخبروه أن الله يحبه} فأقره النبي صلى الله عليه ~~وسلم على تسميتها صفة الرحمن. وفي هذا المعنى أيضا آثار متعددة. فثبت بهذه ~~النصوص أن الكلام الذي يخبر به عن الله صفة له فإن الوصف هو الإظهار ~~والبيان للبصر أو السمع كما يقول الفقهاء ثوب يصف البشرة أو لا يصف البشرة. ~~وقال تعالى: {سيجزيهم وصفهم} وقال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} وقال ~~صلى الله عليه وسلم " {لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها} ~~" والنعت الوصف. ومثل هذا كثير. و " الصفة " مصدر وصفت الشيء أصفه وصفا ~~وصفة مثل وعد وعدا وعدة ووزن وزنا وزنة؛ وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول ~~كما يسمون المخلوق خلقا ويقولون: درهم ضرب الأمير فإذا وصف الموصوف بأنه ~~وسع كل شيء رحمة وعلما: سمي المعنى الذي وصف به بهذا الكلام صفة. فيقال ~~للرحمة والعلم والقدرة: صفة بهذا الاعتبار، هذا حقيقة الأمر. # PageV06P340 # ثم كثير من " المعتزلة " ونحوهم يقولون: الوصف والصفة اسم للكلام فقط؛ من ~~غير أن يقوم بالذات القديمة معان؛ وكثير من " متكلمة الصفاتية " يفرقون بين ~~الوصف والصفة فيقولون: الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف؛ وأما ~~المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة وعلى المعنى ~~أخرى. والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعاني التي هي العلم والقدرة وغيرها ~~كما قدمناه. وأما لفظ " الذات " فإنها في اللغة تأنيث ذو ms1731 وهذا اللفظ يستعمل ~~مضافا إلى أسماء الأجناس يتوصلون به إلى الوصف بذلك. فيقال: شخص ذو علم وذو ~~مال وشرف ويعني حقيقته؛ أو عين أو نفس ذات علم وقدرة وسلطان ونحو ذلك. وقد ~~يضاف إلى الأعلام كقولهم ذو عمرو وذو الكلاع وقول عمر: الغني بلال وذووه. ~~فلما وجدوا الله قال في القرآن {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ~~{ويحذركم الله نفسه} و {كتب على نفسه الرحمة} : وصفوها، فقالوا: نفس ذات ~~علم وقدرة ورحمة ومشيئة ونحو ذلك ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة. فقالوا: ~~الذات. وهي كلمة مولدة؛ ليست قديمة وقد وجدت في كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة لكن بمعنى آخر مثل قول خبيب الذي في صحيح البخاري: # PageV06P341 # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لم يكذب إبراهيم إلا ~~ثلاث كذبات كلهن في ذات الله} " وعن أبي ذر: كلنا أحمق في ذات الله. وفي ~~قول بعضهم: أصبنا في ذات الله. والمعنى في جهة الله وناحيته؛ أي لأجل الله ~~ولابتغاء وجهه؛ ليس المراد بذلك النفس. ونحوه في القرآن {فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم} وقوله: {عليم بذات الصدور} أي الخصلة والجهة التي هي ~~صاحبة بينكم وعليم بالخواطر ونحوها التي هي صاحبة الصدور. فاسم " الذات " ~~في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعربية المحضة: بهذا المعنى. ~~ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على " النفس " بالاعتبار الذي تقدم فإنها صاحبة ~~الصفات. فإذا قالوا الذات فقد قالوا التي لها الصفات. وقد روي في حديث ~~مرفوع وغير مرفوع " {تفكروا في آلاء الله؛ ولا تتفكروا في ذات الله} " فإن ~~كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: فقد ~~وجد في كلامهم ### | إطلاق اسم " الذات " على النفس # كما يطلقه المتأخرون. وإذا تقرر هذا الأصل يبقى " كالحركة " وقد اختلف في ~~بقائها كالطعم واللون والريح وأكثر العقلاء على أنه قد يبقى. وهؤلاء لا يصح ~~عندهم الاستدلال بهذه الأعراض على حدوث الجسم؛ ms1732 # PageV06P342 # فلأن لا يصح الاستدلال بصفات الله على حدوث الموصوف أولى وأحرى مع أن " ~~هذه الحجة " على حدوث العالم فيها نظر طويل ليس هذا موضعه. وهكذا أيضا يقال ~~للفلاسفة فإنه لا ريب أنه مبدئ للعالم وسبب لوجوده ويذكرون له من العقل ~~والعناية أمورا لا بد لهم من إثباتها. فالكلام فيما يثبته أهل الكتاب ~~والسنة كالكلام فيما لا بد من إثباته لجميع الطوائف وذلك أنه قد ثبت أنه حق ~~بالاضطرار والأدلة القطعية واتفقوا على ذلك وثبت أنه قائم بنفسه وليس هو من ~~جنس سائر ما يقوم بنفسه من الأرواح والأجسام. فإذا كانوا متفقين على أنه ~~قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الأجسام والأرواح فكذلك ما يستحقه بنفسه من ~~الصفات ليس من جنس ما يستحقه سائر الأشياء. فإذا قدر أن جوهرا قام به عرض ~~محدث دل على حدوث الجوهر لم يستلزم ذلك في كل ما قام بغيره أن يكون عرضا ~~إلا إذا استلزم أن يكون كل ما قام بنفسه جوهرا. فإنه إذا ساغ لقائل أن لا ~~يسمي بعض ما قام بنفسه جوهرا: ساغ له أيضا أن لا يسمي بعض ما يقوم بغيره ~~عرضا؛ بل نفي العرض عن المعاني الباقية أقرب إلى اللغة فإن سمى المسمي كل ~~ما قام بغيره عرضا ساغ حينئذ أن يسمي كل ما قام بنفسه جوهرا. # PageV06P343 # " وحينئذ " فالاستدلال بحدوث عرض وصفة على حدوث جوهره وموصوفه: لا يستلزم ~~أن يكون كل عرض وصفة دليلا على حدوث جوهره وموصوفه؛ ولو لزم ذلك لبطل قولهم ~~بحدوث جميع الجواهر والأجسام لدخول القديم في هذا العموم على هذا التقدير؛ ~~بل بطل القول بإمكان شيء من الجواهر والأجسام. فقد تبين الجواب من طريقين: # أحدهما من وجهين: من جهة المعارضة والإلزام ومن جهة المناقضة والإفساد. ~~وتبين بالوجهين أن هذه الشبهة فاسدة على أصول جميع أهل الأرض وفاسدة في ~~نفسها لأنه يلزم من ثبوتها نفيها وما لزم من ثبوته نفيه كان باطلا في نفسه. # والطريق الثاني: من جهة الحل والبيان كما تقدم. وأما الشبهة الثانية - ~~وهي شبهة ms1733 " التركيب " وهي فلسفية معتزلية والأولى معتزلية محضة - فإن ~~المعتزلة يجعلون أخص وصفه القديم ويثبتون حدوث ما سواه. والفلاسفة يجعلون ~~أخص وصفه وجوب وجوده بنفسه وإمكان ما سواه فإنهم لا يقرون بالحدوث عن عدم ~~ويجعلون " التركيب " الذي ذكروه موجبا للافتقار المانع من كونه واجبا ~~بنفسه. # PageV06P344 # فالجواب عنها أيضا من وجهين: # أحدهما: مشتمل على فنين: المعارضة والمناقضة والثاني الحل. # أما الأول: فإنهم يثبتونه عالما قادرا ويثبتونه واجبا بنفسه فاعلا لغيره ~~ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالما غير مفهوم الفعل لغيره؛ فإن كانت ذاته ~~مركبة من هذه المعاني لزم " التركيب " الذي ادعوه؛ وإن كانت عرضية لزم " ~~الافتقار " الذي ادعوه. وبالجملة فما قالوه في هذه الأمور: فهو قول أهل ~~الكتاب والسنة؛ في العلم والقدرة. وأما " المناقضة ": فإن كان الواجب بنفسه ~~لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية فلا واجب وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من ~~التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت " التركيب " ~~المستلزم لنفي الوجوب وهذا تناقض؛ فإن نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب؛ ~~فكيف ينفونها لثبوته؟ وذلك أن الواجب بنفسه حق موجود عالم قادر فاعل؛ ~~والممكن قد يكون موجودا عالما قادرا فاعلا. وليست المشاركة في مجرد اللفظ؛ ~~بل في معان معقولة معلومة بالاضطرار. فإن كان ما به الاشتراك مستلزما لما ~~به الامتياز: فقد صار الواجب ممكنا والممكن واجبا؛ وإن لم يكن مستلزما: فقد ~~صار للواجب ما يتميز به عن # PageV06P345 # الممكن غير هذه المعاني المشتركة؛ فصار فيه جهة اشتراك وجهة امتياز؛ وهذا ~~عندهم " تركيب " ممتنع. فإن كان هذا التركيب مستلزما لنفي الواجب فقد صار ~~ثبوت الواجب بنفسه مستلزما لنفيه؛ وهذا متناقض. فثبت بهذا " البرهان الباهر ~~" أن هذه الحجة متناقضة في نفسها كما ثبت أنها معارضة على أصولهم لما ~~أثبتوه. وأما الجواب الذي هو الحل. فنقول: " التركيب " المعقول في عقل بني ~~آدم ولغة الآدميين هو تركيب الموجود من أجزائه التي يتميز بعضها عن بعض وهو ~~تركيب الجسم من أجزائه كتركيب الإنسان من أعضائه وأخلاطه وتركيب الثوب من ~~أجزائه وتركيب الشراب من أجزائه؛ وسواء ms1734 كان أحد الجزأين منفصلا عن الآخر ~~كانفصال اليد عن الرجل أو شائعا فيه كشياع المرة في الدم والماء في اللبن. ~~وأما ما يذكره " المنطقيون " من تركيب الأنواع من الجنس والفصل: كتركيب ~~الإنسان من حيوان وناطق وهو المركب مما به الاشتراك بينه وبين سائر الأنواع ~~ومما به امتيازه عن غيره من الأنواع وتقسيمهم الصفات إلى " ذاتي " تتركب ~~منه الحقائق وهو الجنس والفصل؛ وإلى " عرضي " وهو العرض العام والخاصة. ثم ~~الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز: هي " النوع ". فنقول: هذا " التركيب " ~~أمر اعتباري ذهني ليس له وجود في الخارج؛ كما أن " ذات النوع " من حيث هي ~~عامة ليس لها ثبوت في الخارج بل نفس # PageV06P346 # الحقائق الخارجة ليس فيها عموم خارجي ولا تركيب خارجي كما قلنا في مسألة ~~" المعدوم ": إنه شيء في الذهن لا في الخارج؛ لتعلق العلم والإرادة به. فإن ~~الإنسان الموجود في الخارج ليس فيه ذوات متميزة بعضها حيوانية وبعضها ~~ناطقية وبعضها ضاحكية وبعضها حساسية؛ بل العقل يدرك منه معنى ونظير ذلك ~~المعنى ثابت لنوع آخر. فيقول فيه معنى مشترك ويدرك فيه معنى مختصا ثم يجمع ~~بين المعنيين. فيقول: هو مؤلف منهما ثم إذا أدرك فيه المعنيين: لم يدرك أن ~~أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل؛ كما أنه إذا أدرك الوجود والوجوب والقيام ~~بالنفس والإقامة للغير: لم يدرك أحد هذه المعاني منفصلا عن الآخر متميزا ~~عنه. بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون والريح القائمة بالجسم: لا يتميز ~~بعضها عن بعض بمحالها؛ وإنما الحس يميز بين هذه الحقائق. فهذا النوع من " ~~التركيب ": ليس من جنس تركيب الجسد من أبعاضه وأخلاطه؛ فليست الأبعاض ~~كالأعراض ونحن لا ننازع في تسمية هذا مركبا فإن هذا نزاع لفظي. ولكن الغرض ~~أن هذا التركيب: ليس من جنس التركيب الذي يعقله بنو آدم بالفطرة الأولى حتى ~~يطلق عليه لفظ الأجزاء. إذا عرف هذا: كان الجواب من فنين في الحل؛ كما كان ~~من فنين في الإبطال. (أحدهما: أنا لا نسلم أن هناك تركبا من أجزاء بحال ~~وإنما هي ذات ms1735 قائمة # PageV06P347 # بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها؛ وليست صفة الموصوف ~~أجزاء له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه؛ حتى يصح أن يقال هي ~~مركبة منه أو ليست مركبة. فثبوت التركيب ونفيه فرع تصوره وتصوره هنا منتف. ~~والجواب الثاني: أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا: فليس هذا مستلزما للإمكان ~~ولا للحدوث. وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى ~~فقيرا إلى خلقه؛ بل هو الغني عن العالمين وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن ~~نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد صمد غني بنفسه ليس ثبوته ~~وغناه مستفادا من غيره وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما فهل ~~يقال في ذلك إنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج إلى نفسه لأن نفسه لا تقوم إلا ~~بنفسه؟ فالقول في " صفاته " التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه. ~~فإذا قيل صفاته ذاتية وقيل إنه محتاج إليها: كان بمنزلة قول القائل إنه ~~محتاج إلى نفسه فإن صفاته الذاتية هي ما لا تكون النفس بدونها. وكذلك إذا ~~قلنا: ذاته موجبة لوجوده أو هو واجب بنفسه أو هو مقتض لوجوبه. فلو قال ~~قائل: يلزم أن يكون معلولا والمعلول مفتقر قيل له: ليست العلة هنا غير ~~المعلول والمنتفي افتقاره إلى غيره وكونه معلولا لسواه. وأما قيامه بنفسه ~~فحق. # PageV06P348 # ثم هذه العبارات التي توهم معنى فاسدا: إن أطلقت باعتبار المعنى الصحيح ~~أو لم تطلق بحال: لم يضر ذلك إذا كان المعنى الصحيح معلوما لا يندفع. فهذا ~~المعنى الشريف يجب التفطن له فإنه يزيل شبها خيالية أضلت خلقا كثيرا. ونحن ~~إذا قلنا " الماهيات " مجعولة: فنعني بذلك الماهيات الموجودة في الخارج؛ ~~بناء على أن وجود كل شيء في الخارج هو عين ماهيته؛ إذ ليس الموجود في ~~الخارج شيئا غير وجوده وذلك الموجود في الخارج هو المفتقر إلى غيره سواء ~~كان مفردا أو مركبا. فالمركب في الخارج: لم يفتقر إلى الفاعل لكونه مركبا ~~بل ms1736 لأن حقيقته مفتقرة وآنيته مضطرة ليس له ثبوت ولا وجود ولا آنية إلا من ~~ربه؛ ولذلك افتقر المفرد إلى الصانع؛ كافتقار المركب. وأما ما يعلمه العقل ~~من " الماهيات " مفردها ومركبها: فلا يفتقر إلى الفاعل إلا من جهة أن علم ~~العبد لا بد له من سبب؛ لا من جهة أن المركب مفتقر إلى أجزائه. فقد تبين لك ~~أن المركب ليس مفتقرا إلى أجزائه؛ لا في الذهن ولا في الخارج إلا كافتقار ~~المفرد إلى نفسه؛ فجزء المركب بمنزلة عين المفرد وكل منهما مفتقر إلى غيره ~~في الخارج. # فإن جاز أن يقال: هو مفتقر إلى نفسه: جاز أن يقال: هو مفتقر إلى وصفه أو ~~جزئه وإن لم يجز ذلك لم يجز هذا. فليس وصف الموصوف وجزء المركب # PageV06P349 # - الذي لا تقوم ذاته إلا به - إلا بمنزلة ذاته وليس في قولنا هو مفتقر ~~إلى نفسه ما يرفع وجوبه بنفسه فكذلك هذا. فظهر الخلل في كل المقدمتين وهو ~~أن الصفات مستلزمة للتركيب وأن التركيب مستلزم للحاجة إلى الغير وإذا كان ~~كل من المقدمتين باطلة: بطل هذا بالكلية والله أعلم وصلى الله على محمد ~~وآله وصحبه أجمعين. # PageV06P350 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام على جيرانه سكان " المدينة ~~طيبة " من الأحياء والأموات من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته. # إلى الشيح الإمام العارف الناسك المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين كتب ~~الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه ~~علما وجعله من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وخاصته المصطفين ورزقه اتباع ~~نبيه باطنا وظاهرا واللحاق به في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه ~~- من أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإنا نحمد ~~إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل: وهو على كل شيء قدير ونسأله ~~أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبي الأمي " محمد " وعلى آله ~~وسلم تسليما. # PageV06P351 # كتابي إليك - أحسن الله إليك في الدنيا ms1737 والآخرة إحسانا ينيلك به عالي ~~الدرجات في خير وعافية عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر ~~إخواننا - والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه ~~وعز جلاله. وقد وصل ما أرسلته من الكتب الثلاثة ونحن نسأل الله تعالى ونرجو ~~منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغا لدرجات قصر ~~العمل عنها وسبق في أم الكتاب أنها ستنال وأن تكون الخيرة فيما اختاره الله ~~لعباده المؤمنين. وقد علمنا من حيث العموم أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن من ~~قضاء إلا كان خيرا له وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض فإن ~~الخيرة - إن شاء الله تعالى - فيما أراده الله والله تعالى يخير لكم في ~~جميع الأمور خيرة تحصل لكم رضوان الله في خير وعافية وما تشتكي من مصيبة في ~~القلب والدين نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته توليا لا يكلكم فيه إلى أحد ~~من المخلوقين ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه ويحقق ~~لكم مقام {إياك نعبد وإياك نستعين} ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز ~~الحكيم. مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير وشهادة التأخير من نعمة الله على ~~عبده المؤمن التي يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة ويكفي بها مؤنة ~~شيطانه المزين له سوء عمله ومؤنة نفسه التي تحب أن تحمد بما لم تفعل وتفرح # PageV06P352 # بما أتت. وقد قال سبحانه: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} {والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون} - إلى قوله - {أنهم إلى ربهم راجعون} . وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل ~~منه} . # وفي الأثر - أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن مسعود -: من قال: إنه مؤمن ~~فهو كافر ومن قال إنه في الجنة فهو في النار. وقال: والذي لا إله غيره ما ~~أمن أحد على إيمان يسلبه عند الموت ألا يسلبه. وقال أبو العالية: أدركت ms1738 ~~ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه. # وقال الصديق - رضي الله عنه - إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن ~~أعمالهم وغفر لهم سيئها فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء يعني: وهو منهم وذكر ~~أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها فيقول القائل لست من هؤلاء؟ يعني: وهو ~~منهم. هذا الكلام أو قريبا منه. # فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة إنها سبيل مهيع لعباد الله الذين ~~أطبق شهداء الله في أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة العالية مع أن ~~الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع في الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط ~~للمقدور أو يأس من روح الله؛ أو فتور عن الرجاء؛ والله تعالى يتولاكم ~~بولاية منه ولا يكلكم إلى أحد غيره. # PageV06P353 # وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة التي لا بد فيها من صرف الكلام من ~~حقيقته إلى مجازه فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ~~ذلك وهو ما حكيته لك وطلبته وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما في ~~الحكاية من زيادة ونقص وتغيير. قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق ~~سبيل السلامة والسكوت وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة قلنا كما قال ~~الشافعي - رضي الله عنه -: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله ~~وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات ~~وأحاديث الصفات من المتكلمين. فقلت له: أما ما قاله الشافعي فإنه حق يجب ~~على كل مسلم أن يعتقده ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فإنه سالك سبيل ~~السلامة في الدنيا والآخرة وأما إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله ~~المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلا وتيقن أن الحق ~~مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا. فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن ~~يتناظروا في هذا؟ ms1739 فتواعدنا يوما فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي ~~خالف فيها متأخرو المتكلمين - ممن ينتحل مذهب الأشعري - لأهل الحديث " ثلاث ~~مسائل " # PageV06P354 # وصف الله بالعلو على العرش. # ومسألة القرآن. # ومسألة تأويل الصفات. # فقلت له: نبدأ بالكلام على " مسألة تأويل الصفات " فإنها الأم والباقي من ~~المسائل فرع عليها وقلت له: مذهب " أهل الحديث " وهم السلف من القرون ~~الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها ~~وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير ~~واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف: أنها تجري على ~~ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها؛ وذلك أن الكلام في " الصفات " فرع ~~على الكلام في " الذات " يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله؛ فإذا كان إثبات الذات ~~إثبات وجود لا إثبات كيفية؛ فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية ~~فنقول إن له يدا وسمعا ولا نقول إن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم. ~~فقلت له: وبعض الناس يقول: " مذهب السلف " أن الظاهر غير مراد ويقول: ~~أجمعنا على أن الظاهر غير مراد وهذه العبارة خطأ: إما لفظا ومعنى أو لفظا ~~لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين: # PageV06P355 # أحدهما أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد وظاهر الغضب غليان القلب ~~لطلب الانتقام وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف فلا شك أن ~~من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد ~~من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ~~ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ بل أكثر أهل السنة ~~من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة. لكن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن ~~هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث؛ وحيث حكي عن السلف ما لم ~~يقولوه؛ فإن " ظاهر الكلام " هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم ~~بتلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد ms1740 الوضع وقد يكون بسياق الكلام؛ وليست " ~~هذه المعاني " المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل ~~المؤمنين بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات فكما كان علمنا وقدرتنا ~~وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضا تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف ~~الله سبحانه بمثلها؛ فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجساما كذلك محدثة يمتنع ~~أن يوصف الله تعالى بمثلها. ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا إن لله ~~علما وقدرة وسمعا وبصرا إن ظاهره غير مراد ثم يفسر بصفاتنا. فكذلك لا يجوز ~~أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد؛ إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم ~~أو عرض للجسم. # PageV06P356 # ومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من ~~اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به فكان ~~قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ~~ظاهرها ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد. (والمعنى الثاني: أن هذه ~~الصفات إنما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته ~~المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها ~~خصائص وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات ~~واجبة لذاته و " الإله " المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات. وليس ~~غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا وإنما الكلام مع من يثبت بعض ~~الصفات. وكذلك " فعله " نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم وإن كنا ~~لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل ~~والله غني حميد. وكذلك " الذات " تعلم من حيث الجملة وإن كانت لا تماثل ~~الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو ولا يدرك لها كيفية فهذا هو الذي ~~يظهر من إطلاق هذه الصفات وهو الذي يجب أن تحمل عليه. # PageV06P357 # فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فيعلم ms1741 أن الله ~~على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في ~~الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات ونحو ذلك. كما يعلم ~~أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شيء من ذلك؛ بل غاية علم الخلق ~~هكذا: يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من هذا ~~الضرب. قلت له: أفيجوز أن يقال: إن " الظاهر غير مراد " بهذا التفسير؟ ~~فقال: هذا لا يمكن. فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات ~~المخلوقين غير مرادة قلنا له: أصبت في " المعنى " لكن أخطأت في " اللفظ " ~~وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول: تمر كما ~~جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين وأنه ~~منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال: " الظاهر غير مراد " ~~بالتفسير الثاني - وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية ~~وغيرهم - فقد أخطأ. ثم أقرب هؤلاء " الجهمية " الأشعرية يقولون: إن له صفات ~~سبعا: الحياة # PageV06P358 # والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر. وينفون ما عداها وفيهم ~~من يضم إلى ذلك " اليد " فقط ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها وغلاتهم ~~يقطعون بنفي ما سواها. وأما " المعتزلة " فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون ~~أحكامها وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما ~~فعندهم أنها صفات حادثة أو إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى " الصابئين ~~الفلاسفة " من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا: أن الصفات ~~كلها ترجع إلى سلب أو إضافة؛ أو مركب من سلب وإضافة؛ فهؤلاء كلهم ضلال ~~مكذبون للرسل. ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف ~~حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا ~~بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة ms1742 من ~~الكفر وآيلة إليه ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث ~~المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية ~~الجهمية الإناث. ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال ~~منهم بكتاب " الإبانة " الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة ~~تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة؛ لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة # PageV06P359 # لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب ~~شر والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير. # قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون ~~- الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق ~~بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها: إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ~~ينافي الحقيقة لا بد فيه من أربعة أشياء: # أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام ~~السلف جاء باللسان العربي ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو ~~خلاف الألسنة كلها؛ فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ ~~وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له؛ وإن لم يكن له أصل في ~~اللغة. # الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وإلا فإذا ~~كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على ~~المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء ثم إن ادعى وجوب صرفه عن ~~الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور ~~صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز. # الثالث: أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض؛ وإلا فإذا ~~قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع # PageV06P360 # تركها ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه وإن كان ظاهرا ~~فلا بد من الترجيح. (الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ms1743 تكلم بكلام ~~وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته ~~وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد ~~منهم فيه الاعتقاد والعلم؛ دون عمل الجوارح؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن ~~نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس ما ~~نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل. ثم هذا " الرسول " الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين ~~الألسنة والعبارات ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم ~~للأمة وأبينهم للسنة فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ~~ظاهره إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره؛ إما أن يكون عقليا ظاهرا ~~مثل قوله: {وأوتيت من كل شيء} فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من ~~جنس ما يؤتاه مثلها وكذلك: {خالق كل شيء} يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل ~~في هذا العموم. أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف ~~بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس ~~سواء كان سمعيا أو عقليا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده ~~مرات # PageV06P361 # كثيرة؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد ~~أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم ~~أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره؛ لأن هناك دليلا خفيا ~~يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا وكان ~~نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان. ~~فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك ~~الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس ~~لها حقيقة؟ . فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات. # قلت: ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل ms1744 الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه ~~ونعبر بصفة " اليد " وقد قال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقال تعالى ~~لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وقال تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} وقال تعالى: ~~{تبارك الذي بيده الملك} وقال {بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} وقال ~~تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون} . # PageV06P362 # وقد تواتر في السنة مجيء " اليد " في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق ~~بجلاله؛ وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس وأنه سبحانه يقبض ~~الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى وأن {يداه مبسوطتان} ومعنى بسطهما بذل ~~الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها؛ ~~وتركه يكون ضما لليد إلى العنق صار من الحقائق العرفية إذا قيل هو مبسوط ~~اليد فهم منه يد حقيقة وكان ظاهره الجود والبخل كما قال تعالى: {ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} ويقولون: فلان جعد البنان وسبط ~~البنان. قلت له: فالقائل؛ إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين: وأن ~~يده ليست جارحة فهذا حق. وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع؛ ~~فهو مبطل. فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة. أما " الأول " فيقول: إن اليد ~~تكون بمعنى النعمة والعطية تسمية للشيء باسم سببه كما يسمى المطر والنبات ~~سماء ومنه قولهم: لفلان عنده أياد وقول أبي طالب لما فقد النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # يا رب رد راكبي محمدا ... [اردده ربي] واصطنع عندي يدا # PageV06P363 # وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها ~~لأجبتك. وقد تكون اليد بمعنى القدرة تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي ~~تحرك اليد يقولون: فلان له يد في كذا وكذا؛ ms1745 ومنه قول " زياد " لمعاوية: إني ~~قد أمسكت العراق بإحدى يدي ويدي الأخرى فارغة يريد نصف قدرتي ضبط أمر ~~العراق. ومنه قوله: {بيده عقدة النكاح} والنكاح كلام يقال وإنما معناه أنه ~~مقتدر عليه. وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه لأن ~~غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه قال ~~الله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} - ~~إلى قوله - {ذلك بما قدمت أيديكم} أي: بما قدمتم؛ فإن بعض ما قدموه كلام ~~تكلموا به. وكذلك قوله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم} - إلى قوله - {ذلك بما قدمت أيديكم} والعرب تقول: ~~يداك أوكتا. وفوك نفخ: توبيخا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل ~~هذا لمن فعل بيديه وفمه. (قلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها ~~القرآن في هذا كله والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا ~~في أسمائه وآياته تأولوا قوله: {بل يداه مبسوطتان} وقوله: {لما خلقت بيدي} ~~على هذا # PageV06P364 # كله فقالوا: إن المراد نعمته أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة وقالوا: ~~بقدرته وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود؛ من غير أن يكون هناك يد حقيقة؛ ~~بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود. وقوله: {لما خلقت بيدي} أي: ~~خلقته أنا وإن لم يكن هناك يد حقيقية قلت له فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم قلت ~~له: فننظر فيما قدمنا: (المقام الأول: أن لفظ " اليدين " بصيغة التثنية لم ~~يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع ~~كقوله: {إن الإنسان لفي خسر} ولفظ الجمع في الواحد كقوله: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس} ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: {صغت قلوبكما} أما استعمال ~~لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ ~~عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها ولا يجوز أن يقال: عندي رجل ويعني ~~رجلين ولا عندي ms1746 رجلان ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس ~~فيه شياع وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس والجنس يحصل بحصول الواحد. فقوله: ~~{لما خلقت بيدي} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز ~~أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا ~~تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. # PageV06P365 # ولا يجوز أن يكون " لما خلقت أنا " لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل ~~إلى اليد فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: {بما قدمت يداك} ~~{بما قدمت أيديكم} ومنه قوله: {مما عملت أيدينا أنعاما} . أما إذا أضاف ~~الفعل إلى الفاعل وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: {لما خلقت بيدي} ~~فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى: أن يقال ~~فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك لأن مجرد قوله: فعلت كاف في الإضافة ~~إلى الفاعل فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير ~~فائدة ولست تجد في كلام العرب ولا العجم - إن شاء الله تعالى - أن فصيحا ~~يقول: فعلت هذا بيدي أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقة. ~~ولا يجوز أن يكون لا يد له أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. وبهذا ~~الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة؛ ويتبين أن الآيات لا تقبل ~~المجاز ألبتة من جهة نفس اللغة. قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في ~~قوله: {ألقيا في جهنم} وإنما هو خطاب للواحد. قلت له: هذا ممنوع؛ بل قوله: ~~{ألقيا} قد قيل تثنية الفاعل لتثنية الفعل والمعنى ألق ألق. وقد قيل: إنه ~~خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد قال: إن الإنسان يكون معه ~~اثنان: أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله # PageV06P366 # فيقول: خليلي خليلي ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين كأنه ~~يخاطب موجودين؛ فقوله: {ألقيا} عند هذا القائل ms1747 إنما هو خطاب لاثنين يقدر ~~وجودهما فلا حجة فيه ألبتة. قلت له: (المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز ~~أن يعني باليد حقيقة اليد وأن يعني بها القدرة أو النعمة أو يجعل ذكرها ~~كناية عن الفعل؛ لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟ . فإن قلت: لأن اليد هي ~~الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه. قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه ~~بأن له يدا من جنس أيدي المخلوقين وهذا لا ريب فيه؛ لكن لم لا يجوز أن يكون ~~له " يد " تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في ~~العقل والسمع ما يحيل هذا؛ " قلت " فإذا كان هذا ممكنا وهو حقيقة اللفظ فلم ~~يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه ~~بما يسمى به - وصحت الدلالة - سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف ~~عنه وإنما حقيقة اللفظ وظاهره " يد " يستحقها الخالق كالعلم والقدرة بل ~~كالذات والوجود. (المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين: أنهم قالوا: ~~المراد باليد خلاف ظاهره أو الظاهر غير مراد أو هل في كتاب الله آية تدل ~~على انتفاء وصفه # PageV06P367 # باليد دلالة ظاهرة؛ بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: ~~{قل هو الله أحد} وقوله: {ليس كمثله شيء} وقوله: {هل تعلم له سميا} وهؤلاء ~~الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله ~~فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه. وكذلك هل في العقل ما يدل ~~دلالة ظاهرة على أن الباري لا " يد " له ألبتة؟ لا " يدا " تليق بجلاله ولا ~~" يدا " تناسب المحدثات وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا؛ ولو بوجه خفي؟ فإذا ~~لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد ألبتة؛ وإن فرض ما ~~ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية - عند من يدعيه - وإلا ففي الحقيقة إنما ms1748 ~~هو شبهة فاسدة. فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وأن الله تعالى ~~خلق بيده وأن {يداه مبسوطتان} وأن الملك بيده وفي الحديث ما لا يحصى ثم إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر: لا يبينون للناس أن هذا الكلام ~~لا يراد به حقيقته ولا ظاهره حتى ينشأ " جهم بن صفوان " بعد انقراض عصر ~~الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم ويتبعه عليه " بشر بن غياث " ~~ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى ~~الله عليه وسلم كل شيء حتى " الخراءة " ويقول: {ما تركت من شيء يقربكم إلى ~~الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من # PageV06P368 # شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به} {تركتكم على البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك} ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته ~~الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم وأن اعتقاد ظاهره ضلال ~~وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت مع ~~أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون أبناء الفرس ~~والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟ . (المقام الرابع) : ~~قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن لله ~~" يدين " حقيقة. فمن ذلك تفضيله لآدم: يستوجب سجود الملائكة وامتناعهم عن ~~التكبر عليه؛ فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته أو مجرد إضافة خلقه ~~إليه لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات. قال لي: فقد يضاف الشيء إلى ~~الله على سبيل التشريف كقوله: {ناقة الله} وبيت الله. قلت له: لا تكون ~~الإضافة تشريفا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره فلو لم يكن في ~~الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما ~~استحقا هذه الإضافة والأمر هنا كذلك فإضافة خلق # PageV06P369 # آدم إليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه وخلق ms1749 ~~هؤلاء بقوله: كن فيكون كما جاءت به الآثار. ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده ~~الملك أو عملته يداك فهما شيئان: (أحدهما) إثبات اليد و (الثاني) إضافة ~~الملك والعمل إليها و (الثاني) يقع فيه التجوز كثيرا أما الأول فإنهم لا ~~يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له " يد " حقيقة ولا يقولون: " يد " الهوى ولا ~~" يد " الماء فهب أن قوله: بيده الملك قد علم منه أن المراد بقدرته لكن لا ~~يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة والفرق بين قوله تعالى {لما خلقت بيدي} ~~وقوله: {مما عملت أيدينا} من وجهين: (أحدهما) : أنه هنا أضاف الفعل إليه ~~وبين أنه خلقه بيديه وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي. (الثاني) : أن من لغة ~~العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أي: يديهما وقوله: {فقد صغت قلوبكما} ~~أي: قلباكما فكذلك قوله: {مما عملت أيدينا} . وأما السنة فكثيرة جدا مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم {المقسطون عند # PageV06P370 # الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في ~~حكمهم وأهليهم وما ولوا} رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم {يمين الله ~~ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات ~~والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم ~~القيامة} رواه مسلم في صحيحه؛ والبخاري فيما أظن. وفي الصحيح أيضا عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {تكون ~~الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم بيده ~~خبزته في السفر} . وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر يحكي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: {يأخذ الرب عز وجل سمواته وأرضه بيديه - وجعل يقبض يديه ~~ويبسطهما - ويقول: أنا الرحمن حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه حتى إني ~~أقول: أساقط هو برسول الله؟} - {وفي رواية - أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ~~{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ms1750 قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه} قال: يقول: أنا الله أنا الجبار} وذكره. وفي الصحيح أيضا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض الله ~~الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟} وما يوافق ~~هذا من حديث الحبر. وفي حديث صحيح {إن الله لما خلق آدم قال له ويداه ~~مقبوضتان: اختر # PageV06P371 # أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا ~~فيها آدم وذريته} وفي الصحيح {أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن ~~رحمتي تغلب غضبي} . وفي الصحيح: {أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: يا موسى ~~اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده؛ وقد قال له موسى: أنت آدم الذي ~~خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه.} وفي حديث آخر أنه {قال سبحانه: وعزتي ~~وجلالي؛ لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان} وفي حديث آخر ~~في السنن: {لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: ~~خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون} . فذكرت له " هذه الأحاديث " ~~وغيرها؛ ثم " قلت له ": هل تقبل هذه الأحاديث تأويلا؛ أم هي نصوص قاطعة؟ ~~وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر ~~الرجل التوبة وتبين له الحق. فهذا الذي أشرت إليه - أحسن الله إليك - أن ~~أكتبه. وهذا " باب واسع " {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} و {من ~~يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} . والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته وعلى المحمدين وأبي زكريا # PageV06P372 # وأبي البقاء عبد المجيد وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل ~~البلدة الطيبة. وإن كنتم تعرفون للمدينة كتابا يتضمن أخبارها؛ كما صنف ~~أخبار مكة. فلعل تعرفونا به. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. ms1751 # PageV06P373 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله: # فصل: # قال المعترض في " الأسماء الحسنى " النور الهادي يجب تأويله قطعا؛ إذ ~~النور كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه أن يكون له ضد؛ ~~ولو كان نورا لم تجز إضافته إلى نفسه في قوله: {مثل نوره} فيكون من إضافة ~~الشيء إلى نفسه وهو غير جائز. وقوله: {الله نور السماوات والأرض} قال ~~المفسرون: يعني هادي أهل السموات والأرض وهو ضعيف لأن ذكر الهادي بعده يكون ~~تكرارا وقيل: منور السموات بالكواكب وقيل: بالأدلة والحجج الباهرة. والنور ~~جسم لطيف شفاف؛ فلا يجوز على الله. والتأويل مروي عن ابن عباس وأنس وسالم ~~وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر ولم ينقل عن السلف. ولو كان نورا ~~حقيقة - كما يقوله المشبهة - لوجب أيضا أن يكون الضياء ليلا ونهارا على ~~الدوام. # PageV06P374 # وقوله: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا} ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن السراج المعروف وإنما سمي ~~سراجا بالهدى الذي جاء به؛ ووضوح أدلته بمنزلة السراج المنير وروي عن ابن ~~عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن: يعني منور " السموات والأرض ": ~~شمسها وقمرها ونجومها. ومن كلام العارفين: " النور " هو الذي نور قلوب ~~الصادقين بتوحيده ونور أسرار المحبين بتأييده. وقيل: هو الذي أحيا قلوب ~~العارفين بنور معرفته ونفوس العابدين بنور عبادته. (والجواب) : أن هذا ~~الكلام وأمثاله ليس باعتراض علينا وإنما هو ابتداء نقص حرمته منهم؛ لما يظن ~~أنه يلزمنا أو يظن أنا نقوله على الوجه الذي حكاه. وقد قال تعالى: {اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم ~~والظن فإن الظن أكذب الحديث} . وإذا كان في الكلام إخبار عن الغير بأنه ~~يقول أقوالا باطلة في العقل والشرع وفيه رد تلك الأقوال كان هذا كذبا ~~وظلما؛ فنعوذ بالله من ذلك. ثم مع كونه ظلما لنا يا ليته كان كلاما صحيحا ~~مستقيما فكنا نحلله من حقنا ويستفاد ما فيه من العلم ولكن فيه من تحريف ~~كتاب الله ms1752 والإلحاد في آياته وأسمائه والكذب والظلم والعدوان الذي يتعلق ~~بحقوق الله مما فيه؛ لكن إن عفونا عن حقنا فحق الله إليه لا إلى غيره. # PageV06P375 # ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع؛ فإن ~~هذا الكلام الذي ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من ~~وجوه. # أحدها: أنه قال في أوله: النور كيفية قائمة بالجسمية. ثم قال في آخره: ~~جسم لطيف شفاف فذكر في أول الكلام أنه عرض وصفة وفي آخره جسم وهو جوهر قائم ~~بنفسه. # الثاني: أنه ذكر عن المفسرين أنهم تأولوا ذلك بالهادي وضعف ذلك ثم ذكر في ~~آخره أن من كلام العارفين أن " النور " هو الذي نور قلوب الصادقين بتوحيده؛ ~~وأسرار المحبين بتأييده وأحيا قلوب العارفين بنور معرفته وهذا هو معنى ~~الهادي الذي ضعفه أولا فيضعفه أولا ويجعله من كلام العارفين وهي كلمة لها ~~صولة في القلوب وإنما هو من كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون بنوع من الوعظ ~~الذي ليس فيه تحقيق. فإن الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في حقائق التفسير من ~~الإشارات التي بعضها كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله مفترى ~~كالمنقول عن جعفر وغيره وبعضها من المنقول الباطل المردود. فإن " إشارات ~~المشايخ الصوفية " التي يشيرون بها: تنقسم إلى إشارة حالية - وهي إشارتهم ~~بالقلوب - وذلك هو الذي امتازوا به وليس هذا موضعه. وتنقسم إلى الإشارات ~~المتعلقة بالأقوال: مثل ما يأخذونها من القرآن # PageV06P376 # ونحوه فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس؛ وإلحاق ما ليس بمنصوص ~~بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس؛ الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام؛ لكن هذا ~~يستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن ~~كانت " الإشارة اعتبارية " من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة؛ وإن ~~كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه وإن كان تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا ~~للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية؛ ~~فتدبر هذا فإني قد أوضحت هذا في " قاعدة الإشارات ". (الوجه الثالث) في ~~تناقضه فإنه قال: التأويل ms1753 منقول عن ابن عباس وأنس وسالم ولم يذكر إلا ثلاثة ~~أقوال: (أحدها) : أنه هادي أهل السموات والأرض وقد ضعف ذلك فإن كان المنقول ~~هو هذا الضعيف فيا خيبة المسعى؛ إذ لم ينقل عن السلف في جميع كلامه إلى هنا ~~شيئا عن السلف إلا هذا الذي ضعفه وأوهاه. وإن كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة ~~أنه منور السموات بالكواكب كان متناقضا من وجه آخر وهو أنه قد ذكر فيما بعد ~~أن هذا روي عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن أنه منورها ~~بالشمس والقمر والنجوم وهذا يوجب أن يكون المنقول عن ابن عباس والاثنين ~~أولا غير المنقول عنه في رواية أخرى وعمن ليس معه في الأولى. # PageV06P377 # وإن كان نوره بالحجج الباهرة والأدلة كان متناقضا فإن هذا هو معنى " ~~الهادي ": إذ نصبه للأدلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما ~~أدري من أيهما العجب أمن حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى الآخر؟ ~~أم من تضعيفه لقول السائل الذي يوجب تضعيف الاثنين - وهو لا يدري أنه قد ~~ضعفهما جميعا - فيجب على الإنسان أن يعرف معنى الأقوال المنقولة ويعرف أن ~~الذي يضعفه ليس هو الذي عظمه. (الوجه الرابع) أنه قد تبين أنه لم ينقل عن ~~ابن عباس وأنس وسالم إلا القول الذي ضعفه أو ما يدخل فيه؛ فإنه إن كان ~~قولهم: " الهادي " فقد صرح بضعفه وإن كان " مقيم الأدلة " فهو من معنى " ~~الهادي "؛ وإن كان " المنور بالكواكب " فقد جعله قولا آخر؛ وإن كان ما ذكره ~~عن بعض العارفين فهو أيضا داخل في " الهادي "؛ وإذا كان قد اعترف بضعف ما ~~حكاه عن ابن عباس وأنس وسالم لم يكن فيه حجة علينا؛ فتبين أن ما ذكره عن " ~~السلف " إما أن يكون مبطلا في نقله أو مفتريا بتضعيفه وعلى التقديرين لا ~~حجة علينا بذلك. (الوجه الخامس) أنه أساء الأدب على السلف؛ إذ يذكر عنهم ما ~~يضعفه وأظهر للناس أن السلف كانوا يتأولون ليحتج بذلك على التأويل في ~~الجملة وهو قد اعترف بضعف ms1754 هذا التأويل ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم ~~أنه ضعفها فقد رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغي صرع به {والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} . (الوجه السادس) قوله: هذا يبطل دعواه أن " التأويل دفع ~~الظاهر # PageV06P378 # ولم ينقل عن السلف " فإن هذا القول لم أقله؛ وإن كنت قلته فهو لم ينقل ~~إلا ما عرف أنه ضعيف والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه في بيان تناقضه ~~وحكايته عنا ما لم نقله. وأما " بيان فساد الكلام " فنقول: أما قوله: " يجب ~~تأويله قطعا " فلا نسلم أنه يجب تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي؛ بل ~~جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم وهذا مذهب السلفية وجمهور الصفاتية ~~من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم وهو قول أبي سعيد بن كلاب ذكره في ~~الصفات ورد على الجهمية تأويل " اسم النور " وهو شيخ المتكلمين الصفاتية من ~~الأشعرية - الشيخ الأول - وحكاه عنه أبو بكر بن فورك في كتاب " مقالات ابن ~~كلاب "، والأشعري ولم يذكرا تأويله إلا عن الجهمية المذمومين باتفاق وهو ~~أيضا قول أبي الحسن الأشعري ذكره في " الموجز ". وأما قوله: إن هذا ورد في ~~الأسماء الحسنى فالحديث الذي فيه ذكر ذلك هو حديث الترمذي روى الأسماء ~~الحسنى في " جامعه " من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة ورواها ابن ماجه في سننه من طريق مخلد بن زياد ~~القطواني؛ عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وقد اتفق أهل ~~المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه ~~الشاميين كما جاء مفسرا في بعض طرق حديثه. # PageV06P379 # ولهذا اختلفت أعيانهما عنه؛ فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما ~~يذكر في الرواية الأخرى؛ لأن الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا ~~تارة؛ واعتقدوا - هم وغيرهم - أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ~~ليست شيئا معينا؛ بل ms1755 من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة أو ~~أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه ~~كالأحد والواحد؛ فإن في رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها ~~عثمان بن سعيد " الأحد " بدل " الواحد " و " المعطي " بدل " المغني " وهما ~~متقاربان وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى الحديث عن خليد بن دعلج عن ~~قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة. ثم قال هشام: وحدثنا الوليد حدثنا سعيد ~~بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: كلها في القرآن {هو الله الذي لا إله إلا هو} ~~. . . مثل ما ساقها الترمذي لكن الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن ~~الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبي عاصم وبين ما ذكره هو والترمذي خلاف في ~~بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق؛ وليست من كلامه. ولهذا جمعها " قوم ~~آخرون " على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة ~~والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم؛ كما قد ذكرت ذلك فيما تكلمت به قديما على ~~هذا؛ وهذا كله يقتضي أنها عندهم مما يقبل البدل؛ # PageV06P380 # فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين. ~~قالوا: - ومنهم الخطابي - قوله: {إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها} ~~التقييد بالعدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء. فهذه ~~الجملة وهي قوله: {من أحصاها دخل الجنة} صفة للتسعة والتسعين ليست جملة ~~مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير ~~أن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل: إن لي ~~مائة غلام أعددتهم للعتق وألف درهم أعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو في ~~الموصوف بهذه الصفة لا في أصل استحقاقه لذلك العدد؛ فإنه لم يقل إن أسماء ~~الله تسعة وتسعون. قال: ويدل على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في ~~المسند: {اللهم إني أسألك ms1756 بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ~~أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك} فهذا يدل على أن ~~لله أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين. وأيضا فقوله: {إن لله تسعة ~~وتسعين} تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى {تسعة عشر} فلما استقلوهم ~~قال: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى؛ وذلك أن ~~هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد الذي هو دون مفهوم ~~الصفة والنزاع فيه مشهور وإن كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكر - بعد ~~قيام المقتضي للعموم - يفيد # PageV06P381 # الاختصاص بالحكم فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن ~~للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع. فقوله: {إن ~~لله تسعة وتسعين} قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر. و (منها) ~~ذكر أن إحصاءها يورث الجنة؛ فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة وأتبعها بهذه ~~منفردة لكان حسنا؛ فكيف والأصل في الكلام الاتصال وعدم الانفصال فتكون ~~الجملة الشرطية صفة؛ لا ابتدائية. فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من ~~الدليل. ولهذا قال: {إنه وتر يحب الوتر} ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق ~~بالإحصاء؛ أي يحب أن يحصى من أسمائه هذا العدد؛ وإذا كانت أسماء الله أكثر ~~من تسعة وتسعين أمكن أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على ~~سبيل البدل؛ فهذا يوجه قول هؤلاء وإن كان كثير من الناس يجعلها أسماء ~~معينة؛ ثم من هؤلاء من يقول: ليس إلا تسعة وتسعين اسما فقط وهو قول ابن حزم ~~وطائفة والأكثرون منهم يقولون: وإن كانت أسماء الله أكثر؛ لكن الموعود ~~بالجنة لمن أحصاها هي معينة وبكل حال: فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛ ولكن روي في ذلك عن السلف أنواع: من ~~ذلك ما ذكره الترمذي. ومنها غير ذلك. فإذا عرف هذا: فقوله في أسمائه الحسنى ~~" النور الهادي " لو ms1757 نازعه منازع # PageV06P382 # في ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له حجة ولكن جاء ذلك في ~~أحاديث صحاح مثل قوله في الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول: {اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن ~~فيهن} الحديث. وفي صحيح مسلم عن {أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل رأيت ربك فقال: نور أنى أراه؟ أو قال: رأيت نورا} . فالذي في ~~القرآن والحديث الصحيح إضافة النور كقوله: {الله نور السماوات والأرض} أو ~~{نور السماوات والأرض} ومن فيهن. وأما قوله: " إذ النور كيفية قائمة " ~~فنقول: النور المخلوق محسوس لا يحتاج إلى بيان كيفية لكنه نوعان: أعيان ~~وأعراض. " فالأعيان " هو نفس جرم النار حيث كانت - نور السراج والمصباح ~~الذي في الزجاجة وغيره - وهي النور الذي ضرب الله به المثل، ومثل القمر فإن ~~الله سماه نورا فقال: {جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ولا ريب أن النار جسم ~~لطيف شفاف. " وأعراض " مثل ما يقع من شعاع الشمس والقمر والنار على الأجسام ~~الصقيلة وغيرها فإن المصباح إذا كان في البيت أضاء جوانب البيت فذلك النور ~~والشعاع الواقع على الجدر والسقف والأرض هو عرض وهو كيفية قائمة بالجسم. ~~وقد يقال: ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على ~~الجوهر تارة وعلى صفة أخرى؛ ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال # PageV06P383 # تعالى: {وجعل الظلمات والنور} ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا ~~فإنهما عرضان وقد قيل: هما جوهران؛ وليس هذا موضع بسط ذلك. فتبين أن اسم ~~النور يتناول هذين والمعترض ذكر أولا حد " العرض " وذكر ثانيا حد " الجسم " ~~فتناقض وكأنه أخذ ذلك من كلامي ولم يهتد لوجه الجمع. وكذلك اسم " الحق " ~~يقع على ذات الله تعالى وعلى صفاته القدسية كقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنت الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق} . # وأما قول المعترض: النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد. ms1758 فيقال له: لم ~~تفهم معنى الضد المنفي عن الله؛ فإن " الضد " يراد به ما يمنع ثبوت الآخر ~~كما يقال في الأعراض المتضادة مثل السواد والبياض. ويقول الناس: الضدان لا ~~يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين؛ وهذا التضاد عند كثير من الناس لا يكون إلا ~~في " الأعراض " وأما " الأعيان " فلا تضاد فيها؛ فيمتنع عند هذا أن يقال: ~~لله ضد أو ليس له ضد؛ ومنهم من يقول يتصور التضاد فيها والله تعالى ليس له ~~ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب؛ بل هو القاهر الغالب الذي لا يغلب. وقد يراد ~~" بالضد " المعارض لأمره وحكمه وإن لم يكن مانعا من وجود ذاته كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من حالت شفاعته دون حد من حدود # PageV06P384 # الله فقد ضاد الله في أمره} رواه أبو داود. وتسمية المخالف لأمره وحكمه ~~ضدا كتسميته عدوا. وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون؛ فأما على ~~التفسير الأول فلا ريب أنه ليس في نفس الأمر مضاد لله؛ لكن التضاد يقع في ~~نفس الكفار فإن الباطل ضد الحق والكذب ضد الصدق؛ فمن اعتقد في الله ما هو ~~منزه عنه كان هذا ضدا للإيمان الصحيح به. وأما قوله: النور ضد الظلمة - وجل ~~الحق أن يكون له ضد - فيقال له: والحي ضد الميت والعليم ضد الجاهل والسميع ~~والبصير والذي يتكلم ضد الأصم الأعمى الأبكم وهكذا سائر ما سمي الله به من ~~الأسماء لها أضداد وهو منزه عن أن يسمى بأضدادها فجل الله أن يكون ميتا أو ~~عاجزا أو فقيرا ونحو ذلك. وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته: مثل وجود ~~الميت والجاهل والفقير والظالم فهذا كثير؛ بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة ~~في الموجودين. ولا يقال لأولئك إنهم أضداد الله ولكن يقال إنهم موصوفون بضد ~~صفات الله؛ فإن التضاد بين الصفات إنما يكون في المحل الواحد لا في محلين ~~فمن كان موصوفا بالموت ضادته الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت # PageV06P385 # والله سبحانه يمتنع أن يكون ظلمة أو موصوفا بالظلمة كما يمتنع أن يكون ~~ميتا ms1759 أو موصوفا بالموت. فهذا المعترض أخذ لفظ " الضد بالاشتراك " ولم يميز ~~بين الضد الذي يضاد ثبوته ثبوت الحق وصفاته وأفعاله وبين أن يكون في ~~مخلوقاته ما هو موصوف بضد صفاته وبين ما يضاده في أمره ونهيه فالضد الأول ~~هو الممتنع وأما الآخران فوجودهما كثير؛ لكن لا يقال إنه ضد لله فإن المتصف ~~بضد صفاته لم يضاده. والذين قالوا " النور ضد الظلمة " قالوا يمتنع ~~اجتماعهما في عين واحدة لم يقولوا: إنه يمتنع أن يكون شيء موصوفا بأنه نور ~~وشيء آخر موصوفا بأنه ظلمة؛ فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخليط. وأما ~~قوله: لو كان نورا لم يجز إضافته إلى نفسه في قوله: {مثل نوره} فالكلام ~~عليه من طريقين: (أحدهما) أن نقول: النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى ~~الله نور السموات والأرض وقد أخبر النص أن الله نور وأخبر أيضا أنه يحتجب ~~بالنور؛ فهذه ثلاثة أنوار في النص وقد تقدم ذكر الأول. (وأما الثاني) فهو ~~في قوله: {وأشرقت الأرض بنور ربها} وفي قوله: {مثل نوره} وفيما رواه مسلم ~~في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال # PageV06P386 # رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من ~~نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل.} ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم في دعاء الطائف: {أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك} رواه الطبراني وغيره. ~~ومنه قول ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور ~~وجهه. ومنه قوله: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: ~~إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط يرفع إليه عمل الليل قبل ~~عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور - أو النار - لو كشفه ~~لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه ms1760 بصره من خلقه} . فهذا الحديث فيه ذكر حجابه. ~~فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك فإن مثل هذه النار ~~الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح ~~نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا. فالأقسام ثلاثة: " ~~إشراق بلا إحراق " وهو النور المحض كالقمر. و " إحراق بلا إشراق " وهي ~~النار المظلمة. و " ما هو نار ونور " كالشمس ونار المصابيح التي في الدنيا ~~توصف بالأمرين؛ وإذا كان كذلك صح أن يكون # PageV06P387 # نور السموات والأرض وأن يضاف إليه النور وليس المضاف هو عين المضاف إليه. ~~(الطريق الثاني) أن يقال: هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به نفسه ~~وبينه؛ فأنت إذا قلت: " هاد " أو " منور " أو غير ذلك: فالمسمى " نورا " هو ~~الرب نفسه؛ ليس هو النور المضاف إليه. فإذا قلت: " هو الهادي فنوره الهدى " ~~جعلت أحد النورين عينا قائمة والآخر صفة؛ فهكذا يقول من يسميه نورا؛ وإذا ~~كان السؤال يرد على القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف لقوله ~~ظلما ولددا في المحاجة أو جهلا وضلالا عن الحق. وأما ما ذكره من الأقوال: ~~فلا ريب أن للناس فيها من الأقوال أكثر مما ذكره والموجود بأيدي الأمة من ~~الروايات الصادقة والكاذبة والآراء المصيبة والمخطئة لا يحصيه إلا الله ~~والكلام في " تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه " فيه من الغث والسمين ما لا ~~يحصيه إلا رب العالمين وإنما الشأن في الحق والعلم والدين. وقد كتبت قديما ~~في بعض كتبي لبعض الأكابر: إن العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء ~~به الرسول فالشأن في أن نقول علما وهو النقل المصدق والبحث المحقق فإن ما ~~سوى ذلك - وإن زخرف مثله بعض الناس - خزف مزوق وإلا فباطل مطلق مثل ما ذكره ~~في هذه الآية وغيرها. وهذه الكتب التي يسميها كثير من الناس " كتب التفسير ~~" فيها كثير # PageV06P388 # من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأي ~~المجرد؛ بل بمجرد شبهة قياسية ms1761 أو شبهة أدبية. فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم ~~يسمهم ومع هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فإن القوم فسروا النور في الآية: بأنه ~~الهادي؛ لم يفسروا النور في الأسماء الحسنى والحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا يصح تضعيف قولهم بما ضعفه. ونحن إنما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وأنه ~~لا يحتج علينا بشيء يروج على ذي لب فإن التناقض أول مقامات الفساد وهذا ~~التفسير قد قاله طائفة من المفسرين. # وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم نثبته. # ومعلوم أن في " كتب التفسير " من النقل عن ابن عباس من الكذب شيئا كثيرا ~~من رواية الكلبي عن أبي صالح وغيره فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة ~~فليراجع " كتب التفسير " التي يحرر فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير ~~الطبري الذي ينقل فيه كلام السلف بالإسناد - وليعرض عن تفسير مقاتل والكلبي ~~- وقبله تفسير بقي بن مخلد الأندلسي وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الشامي ~~وعبد بن حميد الكشي وغيرهم إن لم يصعد إلى تفسير الإمام إسحاق بن راهويه ~~وتفسير الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة الذين هم أعلم أهل الأرض ~~بالتفاسير الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين ~~كما هم أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين ~~في الأصول والفروع وغير ذلك من العلوم. # PageV06P389 # فإما أن يثبت أصلا يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجهال ~~بالدلائل الأغشام في المسائل؛ وبمثل هذه المنقولات - التي لا يميز صدقها من ~~كذبها والمعقولات التي لا يميز صوابها من خطئها - ضل من ضل من أهل المشرق ~~في الأصول والفروع والفقه والتصوف. وما أحسن ما جاء هذا في آية النور التي ~~قال الله تعالى فيها: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} نسأل الله ~~أن يجعل لنا نورا. ثم نقول: هذا القول الذي قاله بعض المفسرين في قوله: ~~{الله نور السماوات والأرض} أي هادي أهل السموات والأرض لا يضرنا ولا يخالف ~~ما ms1762 قلناه فإنهم قالوه في تفسير الآية التي ذكر النور فيها مضافا؛ لم يذكروه ~~في تفسير نور مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به؛ فأين هذا من هذا؟ . ثم ~~قول من قال من السلف: هادي أهل السموات والأرض لا يمنع أن يكون في نفسه ~~نورا: فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض " صفات المفسر " من ~~الأسماء أو بعض أنواعه؛ ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد ~~يكونان متلازمين ولا دخول لبقية الأنواع فيه. وهذا قد قررناه غير مرة في ~~القواعد المتقدمة ومن تدبره علم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير ~~مختلفة. مثال ذلك قول بعضهم في {الصراط المستقيم} إنه الإسلام وقول آخر: ~~إنه القرآن وقول آخر: إنه السنة # PageV06P390 # والجماعة وقول آخر: إنه طريق العبودية. فهذه كلها صفات له متلازمة لا ~~متباينة؛ وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه: بل ~~بمنزلة أسماء الله الحسنى. ومثال " الثاني " قوله تعالى {فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} فذكر منهم صنفا من الأصناف والعبد يعم ~~الجميع. فالظالم لنفسه المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق ~~المتقرب بالنوافل بعد الفرائض. وكل من الناس يدخل في هذا بحسب طريقه في ~~التفسير والترجمة: ببيان النوع والجنس؛ ليقرب الفهم على المخاطب كما لو قال ~~الأعجمي ما الخبز؟ فقيل له: هذا وأشير إلى الرغيف. فالغرض الجنس لا هذا ~~الشخص. فهكذا تفسير كثير من السلف وهو من جنس التعليم. فقول من قال: {الله ~~نور السماوات والأرض} هادي أهل السموات والأرض كلام صحيح فإن من معاني كونه ~~نور السموات والأرض أن يكون هاديا لهم؛ أما إنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير ~~معلوم وأما إنهم أرادوا ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: إن ربكم ليس ~~عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه. وقد تقدم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ذكر نور وجهه. وفي رواية " النور " ما فيه كفاية؛ فهذا بيان ~~معنى غير الهداية. # PageV06P391 # وقد أخبر الله في ms1763 كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها فإذا كانت تشرق من نوره ~~كيف لا يكون هو نورا؟ ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق ~~وملك واصطفاء - كقوله {ناقة الله} ونحو ذلك - لوجوه: # أحدها: أن النور لم يضف قط إلى الله إذا كان صفة لأعيان قائمة فلا يقال ~~في المصابيح التي في الدنيا؛ إنها نور الله ولا في الشمس والقمر وإنما يقال ~~كما قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من ~~نور وجهه وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم {أعوذ بنور وجهك ~~الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة} . # الثاني: أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا ~~وليس من نور إلا وهو خلق من خلق الله وكذلك من قال: منور السموات والأرض لا ~~ينافي أنه نور وكل منور نور فهما متلازمان. ثم إن الله تعالى ضرب مثل نوره ~~الذي في قلوب المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نور وهو منور ~~لغيره فإذا كان نوره في القلوب هو نور وهو منور فهو في نفسه أحق بذلك وقد ~~علم أن كل ما هو نور فهو منور. وأما قول من قال: معناه منور السموات ~~بالكواكب: فهذا إن أراد به قائله: أن ذلك من معنى كونه نور السموات وأنه ~~أراد به ليس لكونه نور # PageV06P392 # السموات والأرض معنى إلا هذا فهو مبطل؛ لأن الله أخبر أنه نور السموات ~~والأرض؛ والكواكب لا يحصل نورها في جميع السموات والأرض. وأيضا فإنه قال: ~~{مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} فضرب المثل لنوره الموجود في قلوب المؤمنين؛ ~~فعلم أن النور الموجود في قلوب المؤمنين نور الإيمان والعلم مراد من الآية؛ ~~لم يضربها على النور الحسي الذي يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما رواه عن ~~ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن بعد المطالبة بصحة النقل والظن ~~ضعفه عن ابن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معاني النور أما إنهم يقولون قوله: ~~{الله ms1764 نور السماوات والأرض} ليس معناه إلا التنوير بالشمس والقمر والنجوم ~~فهذا باطل قطعا. وقد قال صلى الله عليه وسلم {أنت نور السموات والأرض ومن ~~فيهن} ومعلوم أن العميان لا حظ لهم في ذلك ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب لا ~~حظ له في ذلك والموتى لا نصيب لهم من ذلك وأهل الجنة لا نصيب لهم من ذلك ~~فإن الجنة ليس فيها شمس ولا قمر؛ كيف وقد روي أن أهل الجنة يعلمون الليل ~~والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ظهور الشمس لأهل الدنيا فتلك الأنوار ~~خارجة عن الشمس والقمر. وأما قوله: قد قيل: بالأدلة والحجج فهذا بعض معنى ~~الهادي وقد تقدم الكلام على قوله: " هذا يبطل قوله إن التأويل دفع للظاهر ~~ولم ينقل عن # PageV06P393 # السلف " فإن هذا الكلام مكذوب علي وقد ثبت تناقض صاحبه وأنه لم يذكر عن ~~السلف إلا ما اعترف بضعفه. وأما الذي أقوله الآن وأكتبه - وإن كنت لم أكتبه ~~فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس - أن جميع ما في ~~القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت ~~التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء ~~الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد - إلى ~~ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث ~~الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف؛ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان ~~أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله. وكذلك ~~فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيئا كثيرا. وتمام هذا أني لم أجدهم ~~تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} فروي عن ابن عباس وطائفة ~~أن المراد به الشدة أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة وعن أبي سعيد وطائفة ~~أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين. ولا ريب أن ~~ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات ms1765 فإنه قال: {يوم يكشف عن ساق} نكرة ~~في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن # PageV06P394 # ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل ~~هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها ~~المعروف؛ ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون ~~صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا، وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة. وأما ~~قوله: " لو كان نورا حقيقة - كما تقوله المشبهة - لوجب أن يكون الضياء ليلا ~~ونهارا على الدوام ": فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول. فإن المشبهة ~~يقولون: إنه نور كالشمس؛ والله تعالى {ليس كمثله شيء} فإنه ليس كشيء من ~~الأنوار كما أن ذاته ليست كشيء من الذوات؛ لكن ما ذكره حجة عليه فإنه يمكن ~~أن يكون نورا يحجبه عن خلقه كما قال في الحديث: {حجابه النور - أو النار - ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه} . لكن هنا غلط في ~~النقل وهو إضافة هذا القول إلى المشبهة فإن هذا من أقوال الجهمية المعطلة ~~أيضا كالمريسي فإنه كان يقول. إنه نور وهو كبير الجهمية؛ وإن كان قصده ~~بالمشبهة من أثبت أن الله نور حقيقة فالمثبتة للصفات كلهم عنده مشبهة وهذه ~~" لغة الجهمية المحضة " يسمون كل من أثبت الصفات مشبها. فقد قدمنا أن ابن ~~كلاب والأشعري وغيرهما ذكرا أن نفي كونه نورا في # PageV06P395 # نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة وأنهما أثبتا أنه نور وقررا ذلك هما ~~وأكابر أصحابهما فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة. وأول هؤلاء المؤمنين بالله ~~وبأسمائه وصفاته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا السؤال الذي عارض به المعترض فقال صلى الله عليه وسلم ~~{حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه} . فأخبر ~~أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه وأنه لو كشف ذلك ~~الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فهذا ms1766 الحجاب عن إحراق ~~السبحات يبين ما يرد في هذا المقام. وأما ما ذكره عن ابن عباس في روايته ~~الأخرى فمعناه بعض الأنوار الحسية وما ذكره من كلام العارفين؛ فهو بعض ~~معاني هدايته لعباده وإنما ذلك تنويع بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين كما ~~ذكرناه من عادة السلف أن يفسروها بذكر بعض الأنواع يقع على سبيل التمثيل ~~لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد. فقد تبين أن جميع ما ذكر من ~~الأقوال يرجع إلى معنيين من معاني كونه نور السموات والأرض وليس في ذلك ~~دلالة على أنه في نفسه ليس بنور. # PageV06P396 # سئل الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله تعالى عنه -: # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {الحجر الأسود يمين الله في الأرض} ~~وقوله: {إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن} وقوله: {ثم استوى على العرش} ~~وقوله: {يد الله فوق أيديهم} وقوله: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} # فأجاب - رحمه الله -: # أما الحديث الأول: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت ~~والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال: {الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن ~~صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له ~~أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره فإنه قال: {يمين الله في الأرض} ~~فقيده بقوله {في الأرض} ولم يطلق فيقول يمين الله وحكم اللفظ المقيد يخالف ~~حكم اللفظ المطلق. ثم قال: {فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ~~ومعلوم أن المشبه غير المشبه به؛ وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين ~~الله أصلا ولكن # PageV06P397 # شبه بمن يصافح الله فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله ~~كما هو معلوم عند كل عاقل ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتا ~~يطوفون به: جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء فإن ~~ذلك تقريب للمقبل وتكريم له كما جرت العادة والله ورسوله لا يتكلمون بما ~~فيه إضلال الناس بل ms1767 لا بد من أن يبين لهم ما يتقون؛ فقد بين لهم في الحديث ~~ما ينفي من التمثيل. # وأما الحديث الثاني: فقوله {من اليمن} يبين مقصود الحديث فإنه ليس لليمن ~~اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه ~~الذين قال فيهم: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ~~. وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى ~~الأشعري؛ وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: {أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا ~~وألين أفئدة؛ الإيمان يماني والحكمة يمانية} وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل ~~الردة وفتحوا الأمصار فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات ومن خصص ذلك ~~بأويس فقد أبعد. وأما الآية: فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس وقال له ~~السائل: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه # PageV06P398 # الرحضا؛ ثم قال: الاستواء معلوم؛ والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال ~~عنه بدعة؛ وما أراك إلا مبتدعا. ثم أمر به فأخرج. وجميع أئمة الدين: كابن ~~الماجشون والأوزاعي والليث بن سعد وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم: كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك؛ من أن العلم بكيفية الصفات ~~ليس بحاصل لنا لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف فإذا ~~كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة. ومتى جنب المؤمن ~~طريق التحريف والتعطيل وطريق التمثيل: سلك سواء السبيل؛ فإنه قد علم ~~بالكتاب والسنة والإجماع: ما يعلم بالعقل أيضا أن الله تعالى {ليس كمثله ~~شيء} لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلا يجوز أن يوصف بشيء من ~~خصائص المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال منزه عن جميع النقائص فإنه سبحانه ~~غني عن ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه ومن زعم أن القرآن دل على ذلك فقد ~~كذب على القرآن؛ ليس في كلام الله سبحانه ما يوجب وصفه بذلك؛ بل قد يؤتى ~~الإنسان من سوء فهمه فيفهم من كلام الله ms1768 ورسوله معاني يجب تنزيه الله ~~سبحانه عنها ولكن حال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # PageV06P399 # ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله ~~تعالى وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك وأن ~~القرآن بيان وهدى وشفاء؛ وإن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه؛ كما قال ~~تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا} وقوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى} . # PageV06P400 # قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # حديث: {رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا} ~~رواه أبو الحسن الدارقطني في كتابه في الرؤية - وما علمنا أحدا جمع في هذا ~~الباب أكثر من كتاب أبي بكر الآجري وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني - رواه من ~~حديث أنس مرفوعا ومن حديث ابن مسعود موقوفا ورواه ابن ماجه من حديث ابن ~~مسعود مرفوعا. فأما حديث أنس فرواه الدارقطني من خمس طرق أو ست طرق في ~~غالبها {إن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة في الدنيا} وصرح في بعضها: {بأن ~~النساء يرينه في الأعياد} . وأما حديث ابن مسعود ففي جميع طرقه - مرفوعها ~~وموقوفها - # PageV06P401 # التصريح بذلك؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع أسانيد هذا الباب. ~~ورواه أبو عبد الله بن بطة في " الإبانة " بإسناد آخر من حديث أنس أجود من ~~غيره وذكر فيه: {وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة} . ورواه أبو أحمد بن عدي ~~من حديث صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أنس وما أعلم لفظه. ورواه أبو عمرو ~~الزاهد بإسناد آخر لم يحضرني لفظه. ورواه أبو العباس السراج حدثنا علي بن ms1769 ~~أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن أنس بن مالك ~~وليس فيه الزيادة. ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن شيبان بن فروخ عن ~~الصعق بن حزن عن علي بن الحكم البناني عن أنس نحوه ولا أعلم لفظه. ورواه ~~أبو بكر البزار وأبو بكر الخلال وابن بطة من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعا ~~ولم يذكر فيه هذه الزيادة لكن قال في آخره: {فلهم في كل سبعة أيام الضعف ~~على ما كانوا فيه} - قال - وذلك قول الله في كتابه: {فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} . ورواه الآجري وابن بطة أيضا ~~مرفوعا من حديث ابن عباس وفيه: {وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة ~~وأبكرهم غدوا} . وله طريق آخر من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي وابن ماجه ~~من حديث عبد الحميد بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن # PageV06P402 # أبي هريرة وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد روى ~~سويد بن عمرو عن الأوزاعي شيئا من هذا وقالوا: ورواه سويد بن عبد العزيز عن ~~الأوزاعي قال: قال: حديث عن سعيد. وروي أيضا معناه عن كعب الأحبار موقوفا ~~وفيه معنى الزيادة. وأصل حديث {سوق الجنة} قد رواه مسلم في صحيحه ولم يذكر ~~فيه الرؤية وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال ~~قريب أو شديد لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر؛ ~~بل قد يقتضي القطع بها. وأيضا فقد روي عن " الصحابة " و " التابعين " ما ~~يوافق ذلك ومثل هذا لا يقال بالرأي؛ وإنما يقال بالتوقيف. فروى الدارقطني ~~بإسناد صحيح عن ابن المبارك أخبرنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي ~~عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: {سارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل ~~الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون في قرب منه على قدر تسارعهم إلى ~~الجمعة في الدنيا} وأيضا بإسناد صحيح ms1770 إلى شبابة بن سوار عن عبد الرحمن بن ~~عبد الله المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ~~عن عبد الله بن مسعود قال: {سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل يبرز لأهل ~~الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون في الدنو # PageV06P403 # منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة فيحدث لهم من الكرامة شيئا ~~لم يكونوا رأوه فيما خلا.} قال: وكان عبد الله بن مسعود لا يسبقه أحد إلى ~~الجمعة قال: فجاء يوما وقد سبقه رجلان فقال: رجلان وأنا الثالث إن الله ~~يبارك في الثالث. ورواه ابن بطة بإسناد صحيح من هذا الطريق وزاد فيه: {ثم ~~يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا ~~رأوه فيما خلا} هذا إسناد حسن حسنه الترمذي وغيره. ويقال إن أبا عبيدة لم ~~يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه ~~حال متكررة من عبد الله - رضي الله عنه - فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر ~~المتحدث بها ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو ~~الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنه لم يسمع من ~~أبيه. وقد روي هذا عن ابن مسعود من وجه آخر رواه ابن بطة في " الإبانة " ~~بإسناد صحيح عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس إلى عبد الله ~~بن مسعود قال: {إن الله يبرز لأهل جنته في كل يوم جمعة في كثيب من كافور ~~أبيض فيكونون في الدنو منه كتسارعهم إلى الجمعة فيحدث لهم من الحياة ~~والكرامة ما لم يروا قبله} . وروي عن ابن مسعود من " وجه ثالث " رواه سعيد ~~في سننه: حدثنا # PageV06P404 # فرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن مسعود أنه كان يقول: {بكروا في ~~الغدو في الدنيا إلى الجمعات؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة على ~~كثيب ms1771 من كافور أبيض فيكون الناس منه في الدنو كغدوهم في الدنيا إلى الجمعة} ~~. وهذا الذي أخبر به ابن مسعود أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذه عن نبي ~~فيعلم بذلك أن ابن مسعود أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن ~~يكون أخذه عن أهل الكتاب لوجوه: (أحدها) : أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل ~~الكتاب فيما يخبرونهم به: فمن المحال أن يحدث ابن مسعود رضي الله عنه بما ~~أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكما. (الثاني) : أن ابن مسعود ~~- رضي الله عنه - خصوصا كان من أشد الصحابة - رضي الله عنهم - إنكارا لمن ~~يأخذ من أحاديث أهل الكتاب. (الثالث) : أن الجمعة لم تشرع إلا لنا والتبكير ~~فيها ليس إلا في شريعتنا فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ويبعد أن ~~اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة وهم الموصوفون بكتمان العلم ~~والبخل به وحسد هذه الأمة. ورواه ابن ماجه في سننه من وجه آخر مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن {علقمة قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى ~~الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV06P405 # يقول: إن الناس يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحهم إلى الجمعة ~~الأول والثاني والثالث ثم قال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد} . وهذا ~~الحديث مما استدل به العلماء على استحباب التبكير إلى الجمعة وقد ذكروا هذا ~~المعنى من جملة معاني قوله: {والسابقون السابقون} قال بعضهم: السابقون في ~~الدنيا إلى الجمعات هم السابقون في يوم المزيد في الآخرة أو كما قال؛ فإنه ~~لم يحضرني لفظه وتأييد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم المخرج في ~~الصحيحين: {نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا ~~فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد} فإنه جعل سبقنا لهم في الآخرة لأجل ~~أنا ms1772 أوتينا الكتاب من بعدهم فهدينا لما اختلفوا فيه من الحق حتى صرنا ~~سابقين لهم إلى التعبيد فكما سبقناهم إلى التعبيد في الدنيا نسبقهم إلى ~~كرامته في الآخرة. وأما " حديث أنس " - وهو أشهر الأحاديث - فيما يكون يوم ~~الجمعة في الآخرة من زيارة الله ورؤيته وإتيان سوق الجنة فأصح حديث عنه ما ~~رواه مسلم في صحيحه عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح ~~الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم: ~~والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا ~~حسنا وجمالا} . # PageV06P406 # فهذا ليس فيه إلا أنهم يأتون السوق وفيه يزدادون حسنا وجمالا وأن أهليهم ~~ازدادوا أيضا في غيبتهم عنهم حسنا وجمالا وإن كانوا لم يأتوا سوق الجنة. ~~وإن كانت زيادة بعض الحديث على بعض غير مقبولة؛ بل يجعل نوع تعارض؟ فينبغي ~~أن لا يقبل في الباب حديث برؤية الله يوم الجمعة؛ لأنه ليس فيها شيء يقاوم ~~حديث أنس هذا فإنه هو الذي أخرجه أصحاب الصحيح دون الجميع؛ بل قد يقال: لو ~~كانت رؤية الله خاصة وأن زيادة الوجوه حسنا وجمالا كان عنها لأخبر به في ~~هذا الحديث بل قد يقال: ظاهره أن زيادة الحسن والجمال إنما كان من الريح ~~التي تهب في وجوههم وثيابهم. وإن كان الواجب أن يقال: ما في تلك الأحاديث ~~من الزيادات لا ينافي هذا - وإن كان هذا أصح - فإن الترجيح إنما يكون عند ~~التنافي وأما إذا أخبر في أحد الحديثين بشيء وأخبر في الآخر بزيادة أخرى لا ~~تنافيها كانت تلك الزيادة بمنزلة خبر مستقل فهذا هو الصواب. وليس هذا مما ~~اختلف فيه الفقهاء من الزيادة في النص هل هي نسخ؟ فإن ذلك إنما هو في " ~~الأحكام " التي هي الأمر والنهي والإباحة وتوابعها: مثل ما قال الله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وقال النبي صلى الله ~~عليه ms1773 وسلم {البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام} وقال لآخر: {على ابنك جلد ~~مائة وتغريب عام} فهنا اختلف العلماء هل هذه الزيادة نسخ لقوله: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا} ؟ مع أن الجمهور على أنها ليست بنسخ وهو الصحيح كما هو ~~مقرر في موضعه. # PageV06P407 # وأما زيادة أحد الخبرين على الآخر في " الأخبار المحضة " فهذا مما لم ~~يختلف المسلمون أنه ليس بنسخ وأنه لا ترد الزيادة إذا لم تناف المزيد؛ فإن ~~رجلا لو قال: رأيت رجلا ثم قال: رأيت رجلا عاقلا أو عالما لم يكن بين ~~الكلامين منافاة؛ ففرق بين الإطلاق والتقييد والتجريد والزيادة في " الأمور ~~الطلبية "؛ وبين ذلك في " الأمور الخبرية ". وإذا كان كذلك فيقال: قد جاء ~~في أحاديث أخر أن " السوق " يكون بعد " رؤية الله سبحانه " كما أن العادة ~~في الدنيا أنهم ينتشرون في الأرض ويبتغون من فضل الله بعد زيارة الله ~~والتوجه إليه في الجمعة. وما في هذا الحديث من " ازدياد وجوههم حسنا وجمالا ~~" لا يقتضي انحصار ذلك في الريح فإن أزواجهم قد ازدادوا حسنا وجمالا ولم ~~يشركوهم في الريح؛ بل يجوز أن يكون حصل في الريح زيادة على ما حصل لهم قبل ~~ذلك ويجوز أن يكون هذا الحديث مختصرا من بقية الأحاديث بأن سبب الازدياد " ~~رؤية الله تعالى " مع ما اقترن بها. وعلى هذا فيمكن أن يكون " نساؤهم ~~المؤمنات " رأين الله في منازلهن في الجنة " رؤية " اقتضت زيادة الحسن ~~والجمال - إذا كان السبب هو الرؤية كما جاء مفسرا في أحاديث أخر - كما أنهم ~~في الدنيا كان الرجال يروحون إلى المساجد فيتوجهون إلى الله هنالك والنساء ~~في بيوتهن يتوجهن إلى الله بصلاة الظهر؛ والرجال يزدادون نورا في الدنيا ~~بهذه الصلاة وكذلك النساء يزددن نورا بصلاتهن كل بحسبه؛ والله سبحانه لا ~~يشغله شأن عن شأن بل كل عبد # PageV06P408 # يراه مخليا به في وقت واحد كما جاء في غير حديث بل قد بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن بعض مخلوقاته - وهو القمر - يراه كل واحد مخليا به إذا شاء. ~~إذا تلخص ذلك. فنقول: ms1774 " الأحاديث الزائدة على هذا الحديث " في بعضها ذكر ~~الرؤية في الجمعة وليس فيه ذكر تقدير ذلك بصلاة الجمعة في الدنيا كما في ~~حديث أبي هريرة حديث سوق الجنة وفي بعضها أنهم يجلسون من الله يوم الجمعة ~~في الآخرة على قدر رواحهم إلى الجمعة في الدنيا؛ وليس فيه ذكر الرؤية - كما ~~تقدم في حديث ابن مسعود المرفوع - وفي بعضها ذكر الأمرين جميعا وهي أكثر ~~الأحاديث. وليست الأحاديث المتضمنة " للرؤية المجردة " عن تقدير ذلك بصلاة ~~الجمعة بدون الأحاديث المتضمنة لذلك: لا في الكثرة ولا في قوة الأسانيد؛ بل ~~المتضمنة لذلك أكثر منها وإسناد بعضها أجود من إسناد تلك ولو كانت تلك أكثر ~~ورويت هذه الزيادة بإسناد واحد - من جنس تلك الأسانيد - لكان حكمها في ~~القبول والرد كحكم المزيد؛ لعدم المنافاة. ولو فرض أن " بعض العامة " الذين ~~يسمعون الأحاديث من القصاص أو من النقاد أو بعض من يطالع الأحاديث ولا ~~يعتني بتمييزها اشتهر عنده شيء من ذلك دون شيء لم يكن بهذا عبرة أصلا. فكم ~~من أشياء مشهورة عند العامة؛ بل وعند كثير من الفقهاء والصوفية والمتكلمين ~~أو # PageV06P409 # أكثرهم؛ ثم عند حكام الحديث العارفين به لا أصل له بل قد يقطعون بأنه ~~موضوع وكم من أشياء مشهورة عند " العارفين بالحديث " بل متواترة عندهم ~~وأكثر العامة؛ بل كثير من العلماء الذين لم يعتنوا بالحديث ما سمعوها أو ~~سمعوها من وراء وراء وهم إما مكذبون بها وإما مرتابون فيها وهم مع ذلك لم ~~يضبطوها ضبط العالم لعلمه كضبط النحوي للنحو والطبيب للطب وإن ضبطوا منها ~~شيئا: ضبطوا اللفظة بعد اللفظة مما لا تسمن ولا تغني من جوع وليس ذلك مما ~~يعتمد عليه ولا ينضبط به دين الله ولا يسقط به عن الأمة الفرض في حفظ علم ~~النبوة والفقه فيه. قال " الإمام أحمد ": معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي ~~من حفظه. وأنا أذكر شواهد ما ذكرته: فروى الدارقطني في " كتاب الرؤية " - ~~وهي من أوائل ما رواه في ترجمة أنس -: حدثنا أحمد حدثنا سليمان حدثنا محمد ~~بن ms1775 عثمان بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هشام ~~حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك قال: {قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فأحدثهم عهدا ~~بالنظر إليه في كل جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر} . وروى " ~~الدارقطني " أيضا عن جماعة ثقات عن عبد الله بن روح المدائني # PageV06P410 # حدثنا سلام بن سليمان حدثنا ورقاء وإسرائيل وشعبة وجرير بن عبد الحميد - ~~كلهم - قالوا: حدثنا ليث عن عثمان بن حميد عن {أنس بن مالك قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه كالمرآة البيضاء ~~يحملها فيها كالنكتة السوداء فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل فقال: هذه ~~الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: ~~تكون عيدا لك ولقومك من بعدك وتكون اليهود والنصارى تبعا لكم قلت: وما لنا ~~فيها؟ قال لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبده فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه ~~إياه وليس له بقسم إلا ادخر له في آخرته ما هو أعظم منه قلت: ما هذه النكتة ~~التي فيها؟ قال: هي الساعة ونحن ندعوه يوم المزيد قلت: وما ذلك يا جبريل؟ ~~قال؛ إن ربك أعد في الجنة واديا فيه كثبان من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة ~~هبط من عليين عز وجل على كرسيه فيحف الكرسي بكراسي من نور؛ فيجيء النبيون ~~حتى يجلسوا على تلك الكراسي ويحف الكرسي بمنابر: من نور ومن ذهب. مكللة ~~بالجوهر ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر ثم ينزل أهل ~~الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول: أنا ~~الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني فيسألونه حتى ~~تنتهي رغبتهم فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر وذلك مقدار منصرفكم من الجمعة ms1776 ثم يرتفع على كرسيه عز وجل وترتفع معه ~~النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل # PageV06P411 # الغرف إلى غرفهم وهي لؤلؤة بيضاء وزمردة خضراء وياقوتة حمراء غرفها ~~وأبوابها منها وأنهارها مطردة فيها وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها ~~فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز ~~وجل ويزدادوا منه كرامة} . وروى " ابن بطة " هذا الحديث مثل هذا عن ~~القافلاني: حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي ~~شيبة حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عثمان عن أنس وفيه {ثم يتجلى لهم ~~ربهم تعالى ثم يقول: سلوني أعطكم فيسألونه الرضا فيقول: رضائي أحلكم داري ~~وأنالكم كرامتي فسلوني أعطكم فيسألونه الرضا فيشهدهم أنه قد رضي عنهم - قال ~~-: فيفتح لهم ما لا ترى عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر - قال -: ~~وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون ~~والشهداء؛ ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم} وذكر تمامه. # وهذا الطريق يبين أن هذا الحديث محفوظ عن ليث بن أبي سليم واندفع بذلك ~~الكلام في سلام بن سليم؛ فإن هذا الإسناد الثاني كلهم أئمة إلى ليث وأما ~~الأول فكأن في القلب حزازة من أجل أن " سلاما " رواه عن جماعة من المشاهير ~~ورواه عنه عبد الله بن روح المدائني وقد اختلف في سلام " هذا: فقال ابن ~~معين مرة: لا بأس به وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وسئل عنه ابن معين ~~مرة أخرى فقيل له: أثقة هو؟ فقال: لا. وقال العقيلي لا يتابع على حديثه. # PageV06P412 # فإذا كان الحديث قد روي من تلك الطريق الجيدة اندفع الحمل عليه. # ورواه الدارقطني من هذه الطريق من " وجه ثالث " من حديث الحسن بن عرفة: ~~حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ~~أنس بن مالك قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل وفي كفه ~~كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء} وساق الحديث نحو ما تقدم ولم يذكر: ms1777 ~~" وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ". وهذا يقوي أن للحديث أصلا عن ليث؛ ولا ~~يضر ترك الزيادة؛ فإن عمار بن محمد بن أبي أخت سفيان لا يحتج لا بزيادته ~~ولا بنقصه؛ وإنما ذكرناه للمتابعة. وفي هذا الحديث أن الصالحين هم الذين ~~يرجعون إلى أهليهم فأما النبيون والصديقون والشهداء فلا يرجعون حينئذ وليس ~~فيه ما يدل على رؤية النساء؛ لا بنفي ولا إثبات. ورواه " أبو العباس محمد ~~بن إسحاق السراج " حدثنا علي بن أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن ~~عثمان بن مسلم عن {أنس بن مالك قال: أبطأ علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم فلما خرج قلنا: لقد احتبست قال: فإن جبريل أتاني وفي كفه ~~كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء. فقال: إن هذه الجمعة فيها خير لك ~~ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها فقلت: يا جبريل ما في هذه ~~النكتة السوداء؟ قال: إن هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد ~~يسأل الله خيرا من قسمه إلا # PageV06P413 # أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وأنه ~~خير الأيام عند الله وأن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد. قلت: يا جبريل وما ~~يوم المزيد؟ قال: إن في الجنة واديا أفيح تربته مسك أبيض ينزل الله إليه كل ~~يوم جمعة فيوضع كرسيه ثم يجاء بمنابر من نور فتوضع خلفه فتحف به الملائكة ~~ثم يجاء بكراسي من ذهب فتوضع ثم يجيء النبيون والصديقون والشهداء والمؤمنون ~~أهل الغرف فيجلسون ثم يتبسم الله إليهم فيقول: سلوا فيقولون: نسألك رضوانك ~~فيقول: قد رضيت عنكم فسلوا فيسألون مناهم فيعطيهم ما سألوا وأضعافها ~~ويعطيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ ثم يقول: ألم ~~أنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي؟ ثم ينصرفون إلى غرفهم ~~ويعودون كل يوم جمعة قلت: يا جبريل ما غرفهم؟ قال: من لؤلؤة بيضاء وياقوتة ~~حمراء وزبرجدة خضراء مقدرة منها أبوابها فيها أزواجها مطردة أنهارها} رواه ~~" أبو ms1778 يعلى الموصلي " في (مسنده) عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن علي ~~بن الحكم البناني عن أنس نحوه لم يحضرني لفظه. ورواه الدارقطني " أيضا من ~~حديث عبد الله بن الحميم الرازي وحدثنا عمرو بن قيس عن أبي شبيبة عن عاصم ~~عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس. ومن حديث إسحاق بن سليمان الرازي ~~حدثنا عنبسة بن سعيد عن عثمان بن عمير عن أنس بن مالك بنحو من السياق ~~المتقدم وليس فيه ذكر الزيادة. # PageV06P414 # وروى " ابن بطة " بإسناد صحيح عن الأسود بن عامر قال: ذكر لي عن شريك عن ~~أبي اليقظان عن أنس {ولدينا مزيد} قال: يتجلى لهم كل جمعة. ورواه أيضا ~~الدارقطني " من حديث محمد بن حاتم المصيصي: حدثنا محمد بن سعيد القرشي ~~حدثنا حمزة بن واصل المنقري حدثنا قتادة بن دعامة سمعته يقول: حدثنا {أنس ~~بن مالك قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: أتاني ~~جبريل وفي يده المرآة البيضاء} وذكر الحديث المتقدم بأبسط مما تقدم وفيه ما ~~يجمع بين حديث أنس الذي في صحيح مسلم وبين سائر الأحاديث وفيه: {ويكون كذلك ~~حتى مقدار متفرقهم من الجمعة} . وروي من طريق آخر رواه " أبو عمر محمد بن ~~عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب " حدثنا محمد بن جعفر بن أبي الدميك المروزي ~~حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا ضرار بن عمرو عن ~~يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك وذكر " الحديث " بأبسط مما تقدم ولم يحضرني ~~سياقه ولكن أظن فيه الزيادة المذكورة وهذا الإسناد ضعيف من جهة يزيد ~~الرقاشي وضرار بن عمرو؛ لكن هو مضموم إلى ما تقدم. وروي من طريق عن أنس ~~رواه " أبو حفص بن شاهين " حدثنا جعفر بن محمد العطار حدثنا جدي عبد الله ~~بن الحكم سمعت عاصما أبا علي يقول: سمعت حميدا الطويل قال: سمعت {أنس بن ~~مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يتجلى لأهل ~~الجنة كل يوم على # PageV06P415 # كثيب ms1779 كافور أبيض} وقيل: إن جعفرا وجده وعاصما: مجهولون وهذا لا يمنع ~~المعارضة. ورواه أيضا " الدارقطني " بإسناد صحيح إلى العباس بن الوليد بن ~~مزيد: أخبرني محمد بن شعيب أخبرني عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك: بنحو ما ~~تقدم في الروايات المتقدمة وفيه: {فيفتح عليهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} . فهذا قد روي عن أنس " ~~من طريق جماعة وفي أكثر رواية هؤلاء ذكر الزيادة كما تقدم. وأما " حديث ~~حذيفة " رضي الله عنه - فرواه " أبو بكر الخلال عن يزيد بن جمهور " حدثنا ~~الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن إبراهيم بن المبارك عن الأعمش ~~عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتاني جبريل وإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها} وساق الحديث بزيادته ~~على ما تقدم وفيه ألفاظ أخرى ولم يذكر الزيادة. ورواه أبو بكر البزار: ~~حدثنا محمد بن معمر وأحمد بن عمرو العصفوري قالا: حدثنا يحيى بن كثير ~~العنبري عن إبراهيم بن المبارك عن القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن ~~حذيفة وذكر الحديث وفيه: {فيوحي الله إلى حملة العرش أن يفتحوا الحجب فيما ~~بينه وبينهم فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني ~~بالغيب ولم يروني وصدقوا # PageV06P416 # رسلي واتبعوا أمري؟ سلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة: أن ~~قد رضينا فارض عنا - ويرجع في قوله - يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم ~~أسكنكم جنتي هذا يوم المزيد فسلوني فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك رب ~~ننظر إليه فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله ~~قضى أن لا يموتوا لاحترقوا ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى ~~منازلهم في كل سبعة أيام يوم وذلك يوم المزيد} . وأما " حديث ابن عباس " - ~~رضي الله عنه - فروي من غير وجه صحيح في (كتاب الآجري) وابن بطة وغيرهما: ~~عن أبي ms1780 بكر بن أبي داود السجستاني حدثنا عمي محمد بن الأشعث حدثنا ابن جسر ~~حدثنا أبي جسر عن الحسين عن ابن عباس عن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~أهل الجنة يرون ربهم تعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور وأقربهم منه ~~مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوا} وهذا تصريح بالزيادة المطلوبة. ~~وأما " حديث أبي هريرة " - رضي الله عنه - فرواه الترمذي وابن ماجه من حديث ~~عبد الحميد بن أبي العشرين حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن {سعيد بن ~~المسيب: أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك ~~في سوق الجنة؟ فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم أخبرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوا نزلوا # PageV06P417 # فيها بفضل أعمالهم ثم يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ~~ربهم ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من ~~نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر ~~من فضة؛ ويجلس أدناهم - وما فيهم من دني - على كثبان المسك والكافور؛ ما ~~يرون بأن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلسا - قال أبو هريرة -: قلت: يا رسول ~~الله وهل نرى ربنا عز وجل؟ قال: نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة ~~البدر؟ قلنا: لا. قال: كذلك لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى ~~في ذلك المجلس - يعني: رجلا - إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم: ~~يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت: كذا وكذا - فيذكره ببعض غدراته في الدنيا - ~~فيقول: يا رب؟ أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه. ~~فبينما هم كذلك غشيهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه ~~شيئا قط ويقول ربنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم ~~فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع ~~الآذان ولم يخطر ms1781 على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى ~~وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا - قال -: فيقبل الرجل ذو المنزلة ~~المرتفعة فيلقاه من هو دونه - وما فيهم دني - فيروعه ما عليه من اللباس فما ~~ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه؛ وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن ~~يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا # PageV06P418 # فيقلن: مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه؛ ~~فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا} قال ~~الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد روى سويد بن عمرو ~~عن الأوزاعي شيئا من هذا. قلت: قد روى هذا الحديث " ابن بطة " في (الإبانة) ~~بأسانيد صحيحة عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن الأوزاعي وعن محمد ~~بن كثير عن الأوزاعي عن عبد الله بن صالح حدثني الهقل عن الأوزاعي قال: ~~نبئت أنه لقي سعيد بن المسيب أبا هريرة فقال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك ~~في سوق الجنة وذكر الحديث مثل ما تقدم. وهذا يبين أن الحديث محفوظ عن ~~الأوزاعي لكن في تلك الروايات سمى من حدثه وفي الروايات البواقي الثانية لم ~~يسم فالله أعلم. و " مضمون هذا الحديث " أن أزواجهم لم تكن معهم في جمعة ~~الآخرة ولا في سوقها؛ لكنه لا ينفي أنهن رأين الله في دورهن؛ فإن الرجال قد ~~عللوا زيادة الحسن والجمال بمجالسة الجبار والنساء قد شركتهم في زيادة ~~الحسن والجمال كما تقدم في أصح الأحاديث. # PageV06P419 # فصل: # المقتضي لكتابة هذا: أن بعض الفقهاء كان قد سألني لأجل نسائه من مدة: هل ~~ترى المؤمنات الله في الآخرة؟ # فأجبت بما حضرني إذ ذاك: من أن الظاهر أنهن يرينه وذكرت له أنه قد روى ~~أبو بكر عن ابن عباس أنهن يرينه في الأعياد وأن أحاديث الرؤية تشمل ~~المؤمنين جميعا من الرجال والنساء وكذلك كلام العلماء؛ وأن المعنى يقتضي ~~ذلك حسب التتبع؛ وما لم يحضرني الساعة. وكان ms1782 قد سنح لي فيما روي عن ابن ~~عباس أن سبب ذلك أن " الرؤية " المعتادة العامة في الآخرة تكون بحسب ~~الصلوات العامة المعتادة فلما كان الرجال قد شرع لهم في الدنيا الاجتماع ~~لذكر الله ومناجاته وترائيه بالقلوب والتنعم بلقائه في الصلاة كل جمعة جعل ~~لهم في الآخرة اجتماعا في كل جمعة لمناجاته ومعاينته والتمتع بلقائه. ولما ~~كانت السنة قد مضت بأن النساء يؤمرن بالخروج في العيد حتى العواتق والحيض ~~وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج عامة نساء المؤمنين في ~~العيد جعل عيدهن في الآخرة بالرؤية على مقدار عيدهن في الدنيا. # PageV06P420 # وأيد ذلك عندي ما خرجاه في " الصحيحين " عن {جرير بن عبد الله البجلي ~~قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة ~~البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن ~~استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا. ~~ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} } وهذا الحديث من أصح ~~الأحاديث على وجه الأرض المتلقاة بالقبول المجمع عليها عند العلماء بالحديث ~~وسائر أهل السنة. ورأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المؤمنين بأنهم ~~يرون ربهم وعقبه بقوله: {فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ~~وصلاة قبل غروبها فافعلوا} ومعلوم أن تعقيب الحكم للوصف؛ أو الوصف للحكم ~~بحرف الفاء يدل على أن الوصف علة للحكم؛ لا سيما ومجرد التعقيب هنا محال؛ ~~فإن الرؤية في الحديث قبل التحضيض على الصلاتين وهي موجودة في الآخرة ~~والتحضيض موجود قبلها في الدنيا. والتعقيب الذي يقوله النحويون لا يعنون به ~~أن اللفظ بالثاني يكون بعد الأول؛ فإن هذا موجود بالفاء وبدونها وبسائر ~~حروف العطف وإنما يعنون به معنى أن التلفظ الثاني يكون عقب الأول فإذا قلت: ~~قام زيد فعمرو أفاد أن قيام عمرو موجود في نفسه عقب قيام زيد؛ لا أن مجرد ~~تكلم المتكلم بالثاني عقب الأول وهذا مما هو ms1783 مستقر عند الفقهاء في أصول ~~الفقه وهو مفهوم من # PageV06P421 # اللغة العربية إذا قيل: هذا رجل صالح فأكرمه فهم من ذلك أن الصلاح سبب ~~للأمر بإكرامه حتى لو رأينا بعد ذلك رجلا صالحا لقيل كذلك الأمر وهذا أيضا ~~رجل صالح أفلا تكرمه؟ فإن لم يفعل فلا بد أن يخلف الحكم لمعارض وإلا عد ~~تناقضا. وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ~~شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فتستقبله ~~النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يستطع ~~فبكلمة طيبة} فهم منه أن تحضيضه على اتقاء النار هنا لأجل كونهم يستقبلونها ~~وقت ملاقاة الرب وإن كان لها سبب آخر. وكذلك لما قال ابن مسعود: " سارعوا ~~إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كثب الكافور ~~فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم في الدنيا إلى الجمعة " فهم الناس من ~~هذا أن طلب هذا الثواب سبب للأمر بالمسارعة إلى الجنة. وكذلك لو قيل: إن ~~الأمير غدا يحكم بين الناس أو يقسم بينهم فمن أحب فليحضر فهم منه أن الأمر ~~بالحضور لأخذ النصيب من حكمه أو قسمه وهذا ظاهر. ثم إن هذا الوصف المقتضي ~~للحكم " تارة يكون سببا متقدما على # PageV06P422 # الحكم في العقل وفي الوجود كما في قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} " وتارة " يكون حكمه متقدما على الحكم في العلم والإرادة متأخرة ~~عنه في الوجود كما في قولك: الأمير يحضر غدا فإن حضر كان حضور الأمير يتصور ~~ويقصد قبل الأمر بالحضور معه. وإن كان يوجد بعد الأمر بالحضور وهذه تسمى ~~العلة الغائية وتسميها الفقهاء حكمة الحكم وهي سبب في الإرادة بحكمها ~~وحكمها سبب في الوجود لها. و " التعليل " تارة يقع في اللفظ بنفس الحكمة ~~الموجودة فيكون ظاهره أن العلة متأخرة عن المعلول وفي الحقيقة إنما العلة ~~طلب تلك ms1784 الحكمة وإرادتها. وطلب العافية وإرادتها متقدم على طلب أسبابها ~~المفعولة وأسبابها المفعولة متقدمة عليها في الوجود ونظائره كثير. كما قيل: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ} {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} ويقال: إذا حججت ~~فتزود. فقوله صلى الله عليه وسلم {إنكم سترون ربكم فإن استطعتم أن لا ~~تغلبوا على صلاتين} إلى: فافعلوا يقتضي أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء ~~هذه الرؤية ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية ولا يمنع أن تكون المحافظة ~~توجب ثوابا آخر ويؤمر بها لأجله وأن المحافظة عليها سبب لذلك الثواب وأن ~~للرؤية سببا آخر؛ لأن تعليل الحكم الواحد بعلل واقتضاء العلة الواحدة ~~لأحكام جائز. وهكذا غالب أحاديث الوعد كما في قوله: {من صلى ركعتين لا يحدث ~~فيهما # PageV06P423 # نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ومن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه} وقوله: {لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها؛ ~~فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم} ونحو ذلك؛ فإنه يقتضي أن صلاة هاتين ~~الركعتين سبب للمغفرة وكذلك الحج المبرور وإن كان للمغفرة أسباب أخر. وأيد ~~هذا المعنى أن الله تعالى قال: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه} وقد فسر هذا الدعاء بصلاتي الفجر والعصر ولما أخبر أنهم ~~يريدون وجهه بهاتين الصلاتين وأخبر في هذا الحديث أنهم ينظرون إليه ~~فتحضيضهم على هاتين يناسب ذلك أن من أراد وجهه نظر إلى وجهه تبارك وتعالى. ~~ثم لما انضم إلى ذلك ما تقدم من أن صلاة الجمعة سبب للرؤية في وقتها وكذلك ~~صلاة العيد ناسب ذلك أن تكون هاتان الصلاتان اللتان هما أفضل الصلوات ~~وأوقاتهما أفضل الأوقات فناسب أن تكون الصلاة: التي هي أفضل الأعمال ثم ما ~~كان منها أفضل الصلوات في أفضل الأوقات سببا لأفضل الثوابات في أفضل ~~الأوقات. # لا سيما وقد جاء في حديث ابن عمر الذي رواه الترمذي عن إسرائيل عن ثوير ~~بن أبي فاختة سمعت ابن عمر يقول: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~أدنى أهل ms1785 الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ~~ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا - ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم -: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} } . # PageV06P424 # قال الترمذي وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن ~~عمر مرفوعا ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر موقوفا ~~ورواه عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قوله: ولم ~~يرفعه. وقال الترمذي: لا نعلم أحدا ذكر فيه مجاهدا غير ثوير وأظنه قد قيل: ~~في قوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} أن منه النظر إلى الله. وروي في ذلك ~~حديث مرفوع رواه الدارقطني في " الرؤية ": حدثنا أبو عبيد قاسم بن إسماعيل ~~الضبي حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق البصري حدثنا هانئ بن يحيى حدثنا صالح ~~المصري عن عباد المنقري عن ميمون بن سياه عن {أنس بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقرأه هذه الآية {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} قال: ~~والله ما نسخها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ~~ويطيبون ويحملون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل ~~وذلك قوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} .} وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي ~~هذا الحديث في " الموضوعات " وقال: هذا لا يصح؛ فيه ميمون بن سياه. قال ابن ~~حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحتج به إذا انفرد وفيه صالح المصري ~~قال النسائي: متروك الحديث. قلت: أما ميمون بن سياه فقد أخرج له البخاري ~~والنسائي وقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة وحسبك بهذه الأمور الثلاثة وعن ابن ~~معين قال فيه: # PageV06P425 # ضعيف؛ لكن هذا الكلام يقوله ابن معين في غير واحد من الثقات. وأما كلام ~~ابن حبان ففيه ابتداع في الجرح. فلما كان في حديث ابن عمر المتقدم وعد ~~أعلاهم " غدوة وعشيا " والرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل صلاتي الغداة ~~والعشي سببا " للرؤية " وصلاة ms1786 الجمعة سببا " للرؤية " في وقتها؛ مع ما في ~~الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن ~~هاتين الصلاتين سبب للرؤية في وقتهما في الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال. ~~فلما كان هذا قد سنح لي والنساء يشاركن الرجال في سبب العمل فيشاركونهم في ~~ثوابه ولما انتفت المشاركة في الجمعة انتفت المشاركة في النظر في الآخرة ~~ولما حصلت المشاركة في العيد حصلت المشاركة في ثوابه. ثم بعد مدة طويلة جرى ~~كلام في هذه " المسألة " وكنت قد نسيت ما ذكرته أولا؛ لا بعضه فاقتضى ذكر ~~ما ذكرته أولا فقيل لي: الحديث يقتضي أن هاتين الصلاتين من جملة سبب " ~~الرؤية "؛ لا أنه جميع السبب بدليل أن من صلاهما ولم يصل الظهر والعصر لا ~~يستحق الرؤية. وقيل لي: الحديث يدل على أن الصلاتين سبب في الجملة فيجوز أن ~~تكون هاتان الصلاتان سببا للرؤية في الجمعة؛ كيف وقد قيل: إن أعلى أهل ~~الجنة من يراه مرتين؟ فكيف يكون المحافظون على هاتين الصلاتين أعلاهم؟ . ~~فقلت: ظاهر الحديث يقتضي أن هاتين الصلاتين هو السبب في هذه # PageV06P426 # " الرؤية " لما ذكرته من القاعدة في النساء آنفا؛ ثم قد يتخلف المقتضي عن ~~المقتضى لمانع لا يقدح في اقتضائه كسائر أحاديث الوعد؛ فإنه لما قال: {من ~~صلى البردين دخل الجنة} " من فعل كذا دخل الجنة " دل على أن ذلك العمل سبب ~~لدخول الجنة وإن تخلف عنه مقتضاه لكفر أو فسق. فمن ترك صلاة الظهر أو زنى ~~أو سرق ونحو ذلك كان فاسقا والفاسق غير مستحق للوعد بدخول الجنة كالكافر ~~وكذلك أحاديث الوعيد إذا قيل: من فعل كذا دخل النار؛ فإن المقتضى يتخلف عن ~~التائب وعمن أتى بحسنات تمحو السيئات وعن غيرهم ويجوز أن يكون للرؤية سبب ~~آخر فكونه سببا لا يمنع تخلف الحكم عنه لمانع ولا يمنع أن ينتصب سبب آخر ~~للرؤية. ثم أقول: فعل بقية الفرائض سواء كانت من جملة السبب أو كانت شرطا ~~في هذا السبب: فالأمر في ذلك قريب وهو نزاع لفظي؛ فإن الكلام ms1787 إنما هو في حق ~~من أتى ببقية شروط الوعد وانتفت عنه موانعه. ولا يجوز أن يقال: فالأنوثة ~~مانع من لحوق الوعد أو الذكورة شرط؛ لأن هذا إن دل عليه دليل شرعي كما دل ~~على أن فعل بقية الفرائض شرط قلنا به فأما بمجرد الإمكان فلا يجوز ترك ~~مقتضى اللفظ وموجبه بالإمكان؛ بل متى ثبت عموم اللفظ وعموم العلة وجب ترتيب ~~مقتضى ذلك عليه ما لم يدل دليل بخلافه؛ ولم يثبت أن الذكورة شرط ولا أن ~~الأنوثة مانع؛ كما لم يقتض أن العربية والعجمية والسواد والبياض لها تأثير ~~في ذلك. # PageV06P427 # وكذلك الحديث يدل على أن " المقتصدين " يشاركون " السابقين " في أصل ~~الرؤية وإن امتاز السابقون عنهم بدرجات ومثوبات أو شمول المعنى لهؤلاء على ~~السواء فهذا من هذا الوجه دليل على أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية ووجود ~~السبب يقتضي وجود المسبب إلا إذا تخلف شرطه أو حصلت موانعه والشروط ~~والموانع تتوقف على دليل. وأما الاعتراض على كون هاتين الصلاتين سببا ~~للرؤية في الجملة - ولو في يوم الجمعة - فيقال: ذلك لا ينفي أن النساء ~~يرينه في الجملة ولو في غير يوم الجمعة وهذا هو المطلوب. ثم يقال: مجموع ما ~~تقدم من سائر الأحاديث يقتضي أن الرؤية تحصل وقت العمل في الدنيا فإذا قيل: ~~إن الرؤية تكون غدوا وعشيا وسببها صلاة الغداة والعشي كان هذا ظاهرا فيما ~~قلناه. والمدعى الظهور؛ لا القطع. وأما كون " الرؤية مرتين " لأعلى أهل ~~الجنة وليس من صلى هاتين الصلاتين أعلى أهل الجنة فليس هذا بدافع لما ~~ذكرناه؛ لأن هذين الاحتمالين ممكنة به يخرج الدليل عليها؛ لكن الله أعلم ~~بما هو الواقع منها. يمكن السبب فعل هاتين الصلاتين على الوجه الذي أمر ~~الله به باطنا وظاهرا؛ لا صلاة أكثر الناس. ألا ترى إلى حديث عمار بن ياسر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا ~~ربعها إلا خمسها إلا سدسها - حتى # PageV06P428 # قال -: عشرها} رواه أبو داود فالصلاة المقبولة هي سبب الثواب والصلاة ~~المقبولة هي ms1788 المكتوبة لصاحبها وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من ~~المصلين من لا يكتب له إلا بعضها فلا يكون ذلك المصلي مستحقا للثواب الذي ~~استحقه من تقبل الله صلاته وكتبها له كلها. وعلى هذا فلا يكاد يندرج في ~~الحديث إلا الصديقون أو قليل من غيرهم فالنساء منهن صديقات. ويجوز أن يكون ~~من له نوافل يجبر بها نقص صلاته يدخل في الحديث كما جاء في حديث أبي هريرة ~~المرفوع: {إن النوافل تجبر الفرائض يوم القيامة} . وعلى هذا فيكون ~~الموجودون بهذا أكثر المصلين المحافظين على الصلوات ويكون هؤلاء أعلى أهل ~~الجنة؛ فإن أكثر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما يحافظون على الصلوات بل ~~منهم من يؤخر بعضها عن وقته ومنهم من ترك بعض واجباتها ومنهم من يترك بعضها ~~وسائر الأمم قبلنا لا حظ لهم في هاتين الصلاتين. ولو قيل: إن كل من صلى ~~هاتين الصلاتين دخل الجنة على أي حال كان مغفورا له نال هذا الثواب لأمكن ~~في قدرة الله ولم يكن الحديث نافيا لهذا؛ إذ أكثر ما فيه أنه من أعلى أهل ~~الجنة والعلو والسفول أمر إضافي فيصدق على أهل الجنات الثلاث أنهم من أعلى ~~أهل الجنات الخمس الباقية ويصدق أيضا # PageV06P429 # على أكثر أهل الجنة أنهم أعلى بالنسبة إلى من تحتهم وبعض هذا فيه نظر ~~والله أعلم بحقيقة الحال. لكن الغرض أن هذا لا ينفي ما ذكرناه وهذا كله لو ~~كان حديث " المرتين " يصلح لمعارضة ما ذكرنا من الدلالة وهو لا يصلح لذلك ~~لما فيه من الاختلاف في إسناده. # ولما جرى الكلام ثانيا في " رؤية النساء ربهن في الآخرة " استدللت بأشياء ~~أنا أذكرها وما اعترض به علي وما لم يعترض حتى يظهر الأمر فأقول: الدليل ~~على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية في الآخرة للمؤمنين تشمل النساء ~~لفظا ومعنى ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي إخراجهن من ذلك فيجب القول ~~بالدليل السالم عن المعارض المقاوم. ولو قيل لنا: ما الدليل على أن الفرس ~~يرون الله؟ أو أن الطوال من ms1789 الرجال يرون الله أو إيش الدليل على أن نساء ~~الحبشة يخرجن من النار؟ لكان مثل هذا العموم في ذلك بالغا جدا إلا إذا خصص ~~ثم يعلم أن العموم المسند المجرد عن قبول التخصيص يكاد يكون قاطعا في شموله ~~بل قد يكون قاطعا. أما " النصوص العامة " فمثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة ~~{أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في ~~القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله؛ قال: فهل تمارون ~~في # PageV06P430 # الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم ~~القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من ~~يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت؛ وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم ~~في صورة غير صورته التي يعرفون فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى ~~يأتينا ربنا عز وجل فإذا جاء ربنا عز وجل عرفناه فيأتيهم في صورته التي ~~يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم فيتبعونه ويضرب الصراط ~~بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ~~ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم} وساق الحديث. وفي الصحيحين أيضا عن {أبي ~~سعيد قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب ~~هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا: لا يا رسول ~~الله قال: ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون ~~في رؤية أحدهما؛ إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ~~فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار ~~حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب} وذكر ~~الحديث في دعاء اليهود والنصارى إلى أن قال: {حتى إذا لم يبق ms1790 إلا من كان ~~يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فما ~~تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا؛ فارقنا الناس في الدنيا ~~أفقر ما كنا إليهم ولم # PageV06P431 # نصاحبهم؛ فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا ~~مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية ~~فتعرفونه بها؟ فيقولون نعم فيكشف عن ساق ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء ~~نفسه إلا أذن الله له بالسجود؛ ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل ~~الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه؛ ثم يرفعون رءوسهم وقد ~~تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا ~~ثم يضرب الجسر على جهنم} . هذان الحديثان من أصح الأحاديث فلما {قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه كذلك؛ يحشر الناس فيقول من كان يعبد شيئا ~~فليتبعه} . أليس قد علم بالضرورة أن هذا خطاب لأهل الموقف من الرجال ~~والنساء؟ لأن لفظ الناس يعم الصنفين ولأن الحشر مشترك بين الصنفين. وهذا ~~العموم لا يجوز تخصيصه وإن جاز جاز على ضعف؛ لأن النساء أكثر من الرجال إذ ~~قد صح أنهن أكثر أهل النار وقد صح لكل رجل من أهل الجنة زوجتان من الإنسيات ~~سوى الحور العين وذلك لأن من في الجنة من النساء أكثر من الرجال وكذلك في ~~النار فيكون الخلق منهم أكثر واللفظ العام لا يجوز أن يحمل على القليل من ~~الصور دون الكثير بلا قرينة متصلة؛ لأن ذلك تلبيس وعي ينزه عنه كلام ~~الشارع. ثم قوله: فيقال {: من كان يعبد شيئا فليتبعه} وصف من الصيغ التي # PageV06P432 # تعم الرجال والنساء؛ ثم فيها العموم المعنوي وهو: أن اتباعه إياه معلل ~~بكونه عبده في الدنيا وهذه العلة شاملة للصنفين. ثم قوله {وتبقى هذه الأمة ~~فيها منافقوها} . والنساء من هذه الأمة مؤمناتهن ومنافقاتهن {فإذا جاء ~~عرفناه} وقوله: {فيأتيهم في صورته ms1791 التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: ~~أنت ربنا فيدعوهم} تفسير لما ذكرناه في أول الحديث من أنهم يرون ربهم كما ~~يرون الشمس والقمر. والضمير في قوله: {فيأتيهم في صورته التي يعرفون فيقول: ~~أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا} قد ثبت أنه عائد إلى الأمة التي فيها الرجال ~~والنساء وإلى من كان يعبده الذي يشمل الرجال والنساء وإلى الناس غير ~~المشركين؛ وذلك يعم الرجال والنساء وهذا أوضح من أن يزاد بيانا. ثم قوله في ~~حديث أبي سعيد: {فيرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة} ~~نص في أن النساء من الساجدين الرافعين قد رأوه أولا ووسطا وآخرا والساجدون ~~قد قال فيهم: {لا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له ~~بالسجود} و " من " تعم الرجال والنساء فكل من سجد لله مخلصا من رجل وامرأة ~~فقد سجد لله وقد رآه في هذه المواقف الثلاث وليس هذا موضع بيان ما يتعلق ~~بتعدد السجود والتحول وغير ذلك مما يلتمس معرفته وإنما الغرض هنا ما قصدنا ~~له. ثم في كلا الحديثين الإخبار بمرورهم على الصراط وسقوط قوم في النار # PageV06P433 # ونجاة آخرين ثم بالشفاعة في أهل التوحيد حتى يخرج من النار من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين؛ أفليس هذا كله ~~عاما للرجال والنساء أم الذين يجتازون على الصراط ويسقط بعضهم في النار ثم ~~يشفع في بعضهم هم الرجال؛ ولو طلب الرجل نصا في النساء في مثل هذا أما كان ~~متكلفا ظاهر التكلف؟ . وكذلك روى مسلم في صحيحه عن {أبي الزبير: أنه سمع ~~جابرا يسأل عن الورود فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك ~~فوق الناس قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول؛ ثم ~~يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا فيقول: أنا ~~ربكم فيقولون: حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال: فينطلق بهم ويتبعونه ~~ويعطي كل إنسان منهم - منافق أو مؤمن - نورا؛ ثم يتبعونه وعلى ms1792 جسر جهنم ~~كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ثم يطفأ نور المنافقين ثم ينجوا المؤمنون} ~~وذكر الحديث في دخول الجنة والشفاعة. أفليس هذا بينا في أنه يتجلى لجميع ~~الأمة؟ كما أن الأمة تعطى نورها ثم جميع " المؤمنين " ذكرانهم وإناثهم يبقى ~~نورهم وكذلك جميع ما في الحديث من المعاني تعم الطائفتين عموما يقينيا. ~~وهذا الحديث هو مرفوع قد رواه الإمام أحمد وغيره بمثل إسناد مسلم # PageV06P434 # وذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقتضي أن جابرا سمع الجميع منه ~~وروي من وجوه صحيحة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا؛ وهذا ~~الحديث قد روي أيضا بإسناد جيد من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أطول سياقه من سائر الأحاديث وروي من غير وجه. وفي حديث ~~{أبي رزين العقيلي المشهور من غير وجه قال: قلنا يا رسول الله: أكلنا يرى ~~ربه يوم القيامة؟ قال: أكلكم يرى القمر مخليا به؟ قالوا: بلى فالله أعظم} ~~وقوله: {كلكم يرى ربه} كقوله {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالرجل راع في ~~أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في مال زوجها وهي مسئولة عن رعيتها} ~~من أشمل اللفظ. ومن هذا قوله: {كلكم يرى ربه مخليا به} {وما منكم من أحد ~~إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر} {وما منكم إلا سيكلمه ربه ليس ~~بينه وبينه حاجب ولا ترجمان} إلى غير ذلك من الأحاديث الصحاح والحسان التي ~~تصرح بأن جميع الناس ذكورهم وإناثهم مشتركون في هذه الأمور من " المحاسبة " ~~و " الرؤية " و " الخلوة " و " الكلام ". وكذلك الأحاديث في " رؤيته - ~~سبحانه - في الجنة " مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب قال: {قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى ~~مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ~~ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا # PageV06P435 # الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فما شيء ms1793 أعطوه أحب ~~إليهم من النظر إليه وهي الزيادة} . قوله: {إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار} يعم الرجال والنساء؛ فإن لفظ الأهل يشمل الصنفين وأيضا فقد ~~علم أن النساء من أهل الجنة. وقوله: {يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ~~يريد أن ينجزكموه} خطاب لجميع أهل الجنة الذين دخلوها ووعدوا بالجزاء وهذا ~~قد دخل فيه جميع النساء المكلفات. وكذلك قولهم: " ألم يثقل ويبيض ويدخل ~~وينجز " يعم الصنفين. وقوله: {فيكشف الحجاب فينظرون إليه} الضمير يعود إلى ~~ما تقدم وهو يعم الصنفين. ثم الاستدلال بالآية دليل آخر؛ لأن الله سبحانه ~~قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ومعلوم أن النساء من الذين أحسنوا ثم ~~قوله فيما بعد: {أولئك أصحاب الجنة} يقتضي حصر أصحاب الجنة في أولئك ~~والنساء من أصحاب الجنة فيجب أن يكن من أولئك وأولئك إشارة إلى الذين لهم ~~الحسنى وزيادة؛ فوجب دخول النساء في الذين لهم الحسنى وزيادة واقتضى أن كل ~~من كان من أصحاب الجنة فإنه موعود " بالزيادة على الحسنى " التي هي النظر ~~إلى الله سبحانه؛ ولا يستثنى من ذلك أحد إلا بدليل؛ وهذه " الرؤية العامة " ~~لم توقت بوقت بل قد تكون عقب الدخول قبل استقرارهم في المنازل والله أعلم ~~أي وقت يكون ذلك. # PageV06P436 # وكذلك ما دل من الكتاب على " الرؤية " كقوله {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ~~ربها ناظرة} {ووجوه يومئذ باسرة} {تظن أن يفعل بها فاقرة} هو تقسيم لجنس ~~الإنسان المذكور في قوله: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} {بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة} وظاهر انقسام الوجوه إلى هذين النوعين. كما أن قوله {وجوه ~~يومئذ مسفرة} {ضاحكة مستبشرة} {ووجوه يومئذ عليها غبرة} {ترهقها قترة} أيضا ~~إلى هذين النوعين فمن لم يكن من الوجوه الباسرة كان من الوجوه الناضرة ~~الناظرة؛ كيف وقد ثبت في الحديث أن النساء يزددن حسنا وجمالا كما يزداد ~~الرجال في مواقيت النظر؟ وكذلك قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين جزاء بما كانوا يعملون} قد فسر بالرؤية وقوله: {إن الأبرار لفي نعيم} ~~{على ms1794 الأرائك ينظرون} فإن هذا كله يعم الرجال والنساء. واعلم أن الناس قد ~~اختلفوا في " صيغ جمع المذكر مظهره ومضمره " مثل: المؤمنين والأبرار وهو هل ~~يدخل النساء في مطلق اللفظ أو لا يدخلون إلا بدليل؟ على قولين: (أشهرهما ~~عند أصحابنا ومن وافقهم أنهم يدخلون بناء على أن من لغة العرب إذا اجتمع ~~المذكر والمؤنث غلبوا المذكر وقد عهدنا من الشارع في خطابه أنه يعم القسمين ~~ويدخل النساء بطريق التغليب وحاصله أن هذه الجموع تستعملها العرب تارة في ~~الذكور المجردين وتارة في الذكور والإناث # PageV06P437 # وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجري على النمط الثاني وقولنا: ~~المطلق احتراز من المقيد مثل قوله: {والمؤمنين والمؤمنات} ومن هؤلاء من ~~يدعي أن مطلق اللفظ في اللغة يشمل القسمين. و (القول الثاني: إنهن لا يدخلن ~~إلا بدليل ثم لا خلاف بين الفريقين أن آيات " الأحكام " و " الوعد " و " ~~الوعيد " التي في القرآن تشمل الفريقين وإن كانت بصيغة المذكر فمن هؤلاء من ~~يقول: دخلوا فيه لأن الشرع استعمل اللفظ فيهما وإن كان اللفظ المطلق لا ~~يشمله وهذا يرجع إلى القول الأول. ومنهم من يقول: دخلوا لأنا علمنا من ~~الدين استواء الفريقين في الأحكام فدخلوا كما ندخل نحن فيما خوطب به الرسول ~~وكما تدخل سائر الأمة فيما خوطب به الواحد منها. وإن كانت صيغة اللفظ لا ~~تشمل غير المخاطب. وحقيقة هذا القول: أن اللفظ الخاص يستعمل عاما " حقيقة ~~عرفية " إما خاصة وإما عامة وربما سماه بعضهم قياسا جليا ينقص حكم من ~~خالفه؛ وأكثرهم لا يسمونه " قياسا " بل قد علم استواء المخاطب وغيره فنحن ~~نفهم من الخطاب له الخطاب للباقين حتى لو فرض انتفاء الخطاب في حقه لمعنى ~~يخصه لم ينقص انتفاء الخطاب في حق غيره " فالقياس " تعدية الحكم وهنا لم ~~يعد حكم وإنما ثبت الحكم في حق الجميع ثبوتا واحدا؛ بل هو مشبه بتعدية ~~الخطاب بالحكم؛ لا نفس الحكم. # PageV06P438 # وعلى كل قول فالدلالة من صيغ الجمع المذكر متوجهة؛ كما أنها متوجهة بلا ~~تردد من صيغة: " من " و " أهل ms1795 " و " الناس " ونحو ذلك. واعلم أن هنا " ~~دلالة ثانية " وهي دلالة العموم المعنوي وهي أقوى من دلالة العموم اللفظي ~~وذلك أن قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون} وقد فسرت " القرة " بالنظر وغيره فيقتضي أن النظر جزاء على عملهم ~~والرجال والنساء مشتركون في العمل الذي استحق به جنس الرجال الجنة؛ فإن ~~العمل الذي يمتاز به الرجال " كالإمارة " و " النبوة " - عند الجمهور - ~~ونحو ذلك لم تنحصر الرؤية فيه؛ بل يدخل في الرؤية من الرجال من لم يعمل ~~عملا يختص الرجال؛ بل اقتصر على ما فرض عليه: من الصلاة والزكاة وغيرهما؛ ~~وهذا مشترك بين الفريقين. وكذلك قوله: {إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ~~ينظرون} إن " البر " سبب هذا الثواب و " البر " مشترك بين الصنفين وكذلك كل ~~ما علقت به " الرؤية " من اسم الإيمان ونحوه يقتضي أنه هو السبب في ذلك ~~فيعم الطائفتين. وبهذا " الوجه " احتج الأئمة أن الكفار لا يرون ربهم. ~~فقالوا: لما حجب الكفار بالسخط دل على أن المؤمنين يرون بالرضى ومعلوم أن ~~المؤمنات فارقن الكفار فيما استحقوا به السخط والحجاب وشاركوا المؤمنين # PageV06P439 # فيما استحقوا به الرضوان والمعاينة فثبتت الرؤية في حقهم باعتبار الطرد ~~واعتبار العكس. وهذا باب واسع إن لم نقطعه لم ينقطع. فإن قيل: دلالة العموم ~~ضعيفة فإنه قد قيل: أكثر العمومات مخصوصة؛ وقيل: ما ثم لفظ عام إلا قوله: ~~{وهو بكل شيء عليم} ومن الناس من أنكر دلالة العموم رأسا. قلنا: أما " ~~دلالة العموم المعنوي العقلي " فما أنكره أحد من الأمة فيما أعلمه؛ بل ولا ~~من العقلاء ولا يمكن إنكارها اللهم إلا أن يكون في " أهل الظاهر الصرف " ~~الذين لا يلحظون المعاني كحال من ينكرها؛ لكن هؤلاء لا ينكرون عموم ~~الألفاظ؛ بل هو عندهم العمدة ولا ينكرون عموم معاني الألفاظ العامة؛ وإلا ~~قد ينكرون كون عموم المعاني المجردة مفهوما من خطاب الغير. فما علمنا أحدا ~~جمع بين إنكار " العمومين " اللفظي والمعنوي ونحن قد قررنا العموم بهما ~~جميعا فيبقى محل وفاق مع ms1796 العموم المعنوي؛ لا يمكن إنكاره في الجملة؛ ومن ~~أنكره سد على نفسه إثبات حكم الأشياء الكثيرة؛ بل سد على عقله أخص أوصافه ~~وهو القضاء بالكلية العامة ونحن قد قررنا العموم من هذا الوجه؛ بل قد اختلف ~~الناس في مثل هذا العموم: هل يجوز تخصيصه؟ على قولين مشهورين. وأما " ~~العموم اللفظي " فما أنكره أيضا إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر # PageV06P440 # في العلم ولا كان في " القرون الثلاثة " من ينكره؛ وإنما حدث إنكاره بعد ~~المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة وأكبر سبب إنكاره إما من المجوزين ~~للعفو من " أهل السنة ". ومن أهل المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيدية ~~بعموم آيات الوعيد وأحاديثه فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع ~~فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولو ~~اهتدوا للجواب السديد " للوعيدية ": من أن الوعيد في آية وإن كان عاما ~~مطلقا فقد خصص وقيد في آية أخرى - جريا على السنن المستقيمة - أولى بجواز ~~العفو عن المتوعد وإن كان معينا. تقييدا للوعيد المطلق؛ وغير ذلك من ~~الأجوبة وليس هذا موضع تقرير ذلك؛ فإن الناس قد قرروا العموم بما يضيق هذا ~~الموضع عن ذكره. وإن كان قد يقال: بل العلم بحصول العموم من صيغه ضروري من ~~اللغة والشرع والعرف والمنكرون له فرقة قليلة يجوز عليهم جحد الضروريات أو ~~سلب معرفتها؛ كما جاز على من جحد العلم بموجب الأخبار المتواترة وغير ذلك ~~من المعالم الضرورية. وأما من سلم أن العموم ثابت وأنه حجة. وقال: هو ضعيف ~~أو أكثر العمومات مخصوصة وأنه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات. فيقال ~~له: " أولا " هذا سؤال لا توجيه له؛ فإن هذا القدر الذي ذكرته لا يخلو: إما ~~أن يكون مانعا من الاستدلال بالعموم أو لا يكون، فإن كان مانعا # PageV06P441 # فهو مذهب منكري العموم من الواقفة والمخصصة وهو مذهب سخيف لم ينتسب إليه. ~~وإن لم يكن مانعا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته أن يقال: دلالة العموم ~~أضعف من غيره من الظواهر ms1797 وهذا لا يقر؛ فإنه ما لم يقم الدليل المخصص وجب ~~العمل بالعام. ثم يقال " ثانيا ": من الذي سلم لكم أن العموم المجرد الذي ~~لم يظهر له مخصص دليل ضعيف؟ أم من الذي سلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من ~~الذي يقول ما من عموم إلا قد خص إلا قوله: {بكل شيء عليم} ؟ فإن هذا الكلام ~~وإن كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين ~~في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده. والظن بمن قاله " أولا " أنه ~~إنما عنى أن العموم من لفظ " كل شيء " مخصوص إلا في مواضع قليلة كما في ~~قوله: {تدمر كل شيء} {وأوتيت من كل شيء} {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} وإلا ~~فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة وفي سائر كتب الله ~~وكلام أنبيائه وسائر كلام الأمم عربهم وعجمهم. وأنت إذا قرأت القرآن من ~~أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة؛ لا مخصوصة. سواء عنيت عموم الجمع ~~لأفراده أو عموم الكل لأجزائه أو عموم الكل لجزيئاته فإذا اعتبرت قوله: ~~{الحمد لله رب العالمين} فهل تجد أحدا من العالمين ليس الله ربه؟ {مالك يوم ~~الدين} فهل في يوم الدين شيء لا يملكه # PageV06P442 # الله؟ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فهل في المغضوب عليهم والضالين ~~أحد لا يجتنب حاله التي كان بها مغضوبا عليه أو ضالا؟ {هدى للمتقين} {الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} الآية. فهل في هؤلاء ~~المتقين أحد لم يهتد بهذا الكتاب؟ {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك} . هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا عموما ولا خصوصا؟ ~~{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} هل خرج أحد من هؤلاء المتقين ~~عن الهدى في الدنيا وعن الفلاح في الآخرة؟ . ثم قوله: {إن الذين كفروا} ~~قيل: هو عام مخصوص وقيل: هو لتعريف العهد فلا تخصيص فيه؛ فإن التخصيص فرع ~~على ثبوت عموم اللفظ؛ ومن هنا يغلط كثير من الغالطين ms1798 يعتقدون أن اللفظ عام ~~ثم يعتقدون أنه قد خص منه؛ ولو أمعنوا النظر لعلموا من أول الأمر أن الذي ~~أخرجوه لم يكن اللفظ شاملا له ففرق بين شروط العموم وموانعه وبين شروط دخول ~~المعنى في إرادة المتكلم وموانعه. ثم قوله: {لا يؤمنون} أليس هو عاما لمن ~~عاد الضمير إليه عموما محفوظا؟ {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم} أليس هو عاما في القلوب وفي السمع وفي الأبصار وفي المضاف إليه ~~هذه الصفة عموما لم يدخله تخصيص؟ وكذلك (ولهم) وكذلك في سائر الآيات إذا ~~تأملته إلى قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} ~~فمن الذين خرجوا من هذا العموم الثاني فلم يخلقهم الله له؟ وهذا باب واسع. # PageV06P443 # وإن مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الأمر كذلك؛ فإنه سبحانه ~~قال: {قل أعوذ برب الناس} {ملك الناس} {إله الناس} فأي ناس ليس الله ربهم؟ ~~أم ليس ملكهم؟ أم ليس إلههم؟ ثم قوله: {من شر الوسواس الخناس} إن كان ~~المسمى واحدا فلا عموم فيه وإن كان جنسا فهو عام فأي وسواس خناس لا يستعاذ ~~بالله منه؟ . وكذلك قوله: {برب الفلق} أي جزء من " الفلق " أم أي (فلق ليس ~~الله ربه؟ {من شر ما خلق} أي شر من المخلوق لا يستعاذ منه؟ {ومن شر ~~النفاثات} أي نفاثة في العقد لا يستعاذ منها؟ وكذلك قوله: {ومن شر حاسد} مع ~~أن عموم هذا فيه بحث دقيق ليس هذا موضعه. ثم " سورة الإخلاص " فيها أربع ~~عمومات: {لم يلد} فإنه يعم جميع أنواع الولادة وكذلك {ولم يولد} وكذلك {ولم ~~يكن له كفوا أحد} فإنها تعم كل أحد وكل ما يدخل في مسمى الكفؤ فهل في شيء ~~من هذا خصوص؟ . ومن هذا الباب كلمة الإخلاص التي هي أشهر عند أهل الإسلام ~~من كل كلام وهي كلمة " لا إله إلا الله " فهل دخل هذا العموم خصوص قط؟ ~~فالذي يقول بعد هذا: ما من عام إلا وقد خص إلا كذا وكذا إما في غاية الجهل ms1799 ~~وإما في غاية التقصير في العبارة؛ فإن الذي أظنه أنه إنما عنى: " من ~~الكلمات التي تعم كل شيء " مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم؛ وإن فسر # PageV06P444 # بهذا؛ لكنه أساء في التعبير أيضا؛ فإن الكلمة العامة ليس معناها أنها تعم ~~كل شيء؛ وإنما المقصود أن تعم ما دلت عليه أي ما وضع اللفظ له وما من لفظ ~~في الغالب إلا وهو أخص مما هو فوقه في العموم وأعم مما هو دونه في العموم ~~والجميع يكون عاما. ثم عامة كلام العرب وسائر الأمم إنما هو أسماء عامة ~~والعموم اللفظي على وزان العموم العقلي وهو خاصية " العقل " الذي هو أول ~~درجات التمييز بين الإنسان وبين البهائم. فإن قيل: سلمنا أن ظاهر الكتاب ~~والسنة يشمل النساء؛ لكن هذا العموم مخصوص؛ وذلك أن في حديث رؤية الله ~~للرجال يوم الجمعة: {إن الرجال يرجعون إلى منازلهم فتتلقاهم نساؤهم فيقلن ~~للرجل: لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه فيقول: إنا جالسنا ~~اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به} . وهذا دليل على أن ~~النساء لم يشاركوهم في الرؤية وإذا كان هذا في رؤية الجمعة ففي رؤية الغداة ~~والعشي أولى؛ لأن هذا أعلى من تلك ومن لم يصلح للرؤية في الأسبوع فكيف يصلح ~~للرؤية في كل يوم مرتين؟ وإذا انتفت رؤيتهن في هذين الموطنين ولم يثبت أن ~~الناس يرونه في غير هذين الموطنين: فقد ثبت أن العموم مخصوص منه النساء في ~~هذين الموطنين؛ وما سواهما لم يثبت لا للرجال ولا للنساء فلم يبق ما يدل ~~على حصول الرؤية للنساء في موطن آخر فإما أن يبقى مطلقا عملا بالأصل ~~النافي؛ وإما أن ينفى عن هذين الموطنين ويتوقف فيما عداهما ولا يحتج على ~~ثبوتها فيه بتلك العمومات # PageV06P445 # لوجود التخصيصات فيها. هذا غاية ما يمكن في تقرير هذا السؤال ولولا أنه ~~أورد علي لما ذكرته لعدم توجهه. فنقول: الجواب من وجوه متعددة وترتيبها ~~الطبيعي يقتضي نوعا من الترتيب لكن أرتبها على وجه آخر ليكون أظهر في ms1800 الفهم ~~الأول أنا لو فرضنا أنه قد ثبت أن النساء لا يرينه في الموطنين المذكورين ~~لم يكن في ذلك ما ينفي رؤيتهن في غير هذين الموطنين فيكون ما سوى هذين ~~الموطنين لم يدل عليه الدليل الخاص لا بنفي ولا بإثبات والدليل العام قد ~~أثبت الرؤية في الجملة والرؤية في غير هذين الموطنين لم ينفها دليل فيكون ~~الدليل العام قد سلم عن معارضة الخاص فيجب العمل به وهذا في غاية الوضوح. ~~فإن من قال: رأيت رجلا فقال آخر: لم تر أسود ولم تره في دمشق لم تتناقض ~~القضيتان والخاص إذا لم يناقض مثله من العام لم يجز تخصيصه به فلو كان قد ~~دل دليل على أن النساء لا يرينه بحال لكان هذا الخاص معارضا لمثله من العام ~~أما إذا قيل: إنه دل على رؤية في محل مخصوص كيف ينفى بنفي جنس الرؤية؟ وكيف ~~يكون سلب الخاص سلبا للعام؟ فإن قيل: لا رؤية لأهل الجنة إلا في هذين ~~الموطنين قيل ما الذي دل على هذا؟ فإن قيل: لأن الأصل عدم ما سوى ذلك. قيل: ~~العدم لا يحتج به في الأخبار بإجماع العقلاء بل من أخبر به كان قائلا ما لا ~~علم له به ولو قيل # PageV06P446 # للرجل: هل في البلد الفلاني كذا وفي المسجد الفلاني كذا؟ فقال: لا؛ لأن ~~الأصل عدمه كان نافيا ما ليس له به علم باتفاق العقلاء. ولو قال الآخر: ~~الذين يرون الله كل يوم مرتين: هم النبيون فقط. لأن الأصل عدم رؤية غيرهم ~~ولهم من الخصوص ما لا يشركون فيه كان هذا قولا بلا علم - إذا سلم من أن ~~يكون كذبا - وليس هنا مفهوم يتمسك به كما في قوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~. فإن الرسول لم يقل إن أهل الجنة لهم موطنان في الرؤية حتى يقول ذلك بنفي ~~ما سواهما بل كلامه يدل على خلاف ذلك كما سنبينه ولو فرضنا أنه يجوز الحكم ~~باستصحاب الحال في مثل هذا؛ فإن العموم والقياس حجتان مقدمتان على ~~الاستصحاب أما " العموم " فبإجماع الفقهاء وأما ms1801 " القياس " فعند جماهيرهم. ~~ومعلوم أن " العموم " و " القياس " يقتضيان ثبوت الرؤية كما تقدم فلا يجوز ~~نفيها بالاستصحاب وإن جاز تخصيص ذلك بنقص عقل النساء. فينبغي أن يقال: " ~~البله " و " أهل الجفاء " من الأعراب ونحوهم ممن يدخل الجنة لا يرى الله؛ ~~فإنه لا ريب أن في النساء من هو أعقل من كثير من الرجال حتى إن المرأة تكون ~~شهادتها نصف شهادة الرجل والمغفل ونحوه ترد شهادتهما بالكلية وإن لم يكن ~~مجنونا؛ وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من ~~النساء إلا أربع} أكمل ممن لم يكمل من الرجال؛ ففي أي معقول تكون الرؤية ~~للناقص دون الكامل. # PageV06P447 # الجواب الثاني: # أن نقول: نفس الحديث المحتج به دل على أن لأهل الجنة رؤية في مواطن عديدة ~~فإنه {قال: وأعلى أهل الجنة منزلة من يرى الله كل يوم مرتين غدوة وعشية} ~~فإذا كانت هذه للأعلى فمفهومه أن الأدنى له دون ذلك ولا يجوز أن يقصر ما ~~دون ذلك على " رؤية الجمعة " لأنه لا دليل عليه؛ بل يجوز أن يراه بعضهم كل ~~يوم مرة وبعضهم كل يومين مرة وبعضهم أكثر من ذلك والحكمة تقتضي ذلك؛ فإن " ~~يوم الجمعة يشترك فيه جميع الرجال من الأعلين والمتوسطين ومن دونهم. وكل ~~يوم مرتين للأعلين فالذين هم فوق الأدنين ودون الأعلين لا بد أن يميزوا عمن ~~دونهم؛ كما نقصوا عمن فوقهم. الجواب الثالث أنه قد جاءت الأحاديث برؤية ~~الله في غير هذين الموطنين منها: ما رواه ابن ماجه في " سننه " والدارقطني ~~في " الرؤية " عن الفضل بن عيسى بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: {قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ~~فرفعوا رءوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى أشرف عليهم فقال: السلام عليكم يا ~~أهل الجنة وهو قول الله: {سلام قولا من رب رحيم} فلا يلتفتون إلى شيء مما ~~هم فيه من النعيم ما دام الله بين أظهرهم حتى يحتجب عنهم وتبقى فيهم بركته ~~ونوره} ms1802 # PageV06P448 # ورويناه من طريق أخرى معروفة إلى سلمة بن شبيب حدثنا بشر بن حجر حدثنا ~~عبد الله بن عبيد الله عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: {قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينما أهل الجنة في ملكهم ونعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا ~~رءوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول: السلام عليكم ~~يا أهل الجنة فذلك قوله تبارك وتعالى: {سلام قولا من رب رحيم} فينظرون إليه ~~وينظر إليهم فلا يلتفتون إلى شيء من الملك والنعيم حتى يحتجب عنهم قال: ~~فيبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم} . وهذه الطريق تنفي أن يكون قد تفرد ~~به الفضل الرقاشي وهذا الحديث بعمومه يقتضي أن جميعهم يروونه لكن لم يستدل ~~به ابتداء لأن في إسناده مقالا والمقصود هنا أنه قد روى ذلك وهو ممكن ولا ~~سبيل إلى دفعه في نفس الأمر والعمومات الصحيحة تثبت جنس ما أثبته هذا ~~الحديث. وأيضا فالحديث الصحيح {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل ~~الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض ~~وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب ~~فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه} . فهذا ليس هو نظر ~~الجمعة؛ لأن هذا عند الدخول ولم يكونوا ينتظرونه ولا اجتمعوا لأجله ونظر ~~الجمعة يقدمون إليه من منازلهم ويجتمعون لأجله # PageV06P449 # كما جاءت به الأحاديث وبين هذا التجلي وذاك فرق تدل عليه الأحاديث؛ ولا ~~هذا التجلي من المرتين اللتين تختص بالأعلين بل هو عام لمن دخل الجنة كما ~~دل عليه الحديث موافقا لقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} - {أولئك أصحاب ~~الجنة} . وأيضا فقد جاء موقوفا على ابن عباس وعن كعب الأحبار مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنهم يرونه في كل يوم عيد} . وأيضا فقد ثبت ~~بالنصوص المتواترة في عرصات القيامة قبل دخول الجنة أكثر من مرة وهذا خارج ~~عن المرتين؛ إلا أن يقال: وإن كان لم يقل: ولا في سؤال السائل ما ms1803 يدل عليه ~~فهو مبطل لحصره قطعا ومن أراد أن يحترز عنه يصوغ السؤال على غير ما تقدم ~~وإنما صغناه كما أورد علينا. وأيضا فقد قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين} {قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله: أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} فكيف يمكن أن ~~يقال: إن من سوى الأعلين لا يرى الله قط إلا في الأسبوع مرة؟ ويقضي ذلك ~~الدليل على ما قد أخفاه عن كل نفس؛ ونفى علمه من كل عين وسمع وقلب وفرق بين ~~عدم العلم والعلم بالعدم. وبين عدم الدليل؛ والدليل على العدم فإذا لم يكن ~~مع الإنسان فيما سوى الموطن سوى عدم العلم وعدم الدليل لم يكن ذلك مانعا من ~~موجب الدليل العام بالاضطرار وبالإجماع. ونكتة الجواب الأول أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. إذا قال: إن أهل # PageV06P450 # الجنة يرون الله تعالى وفسر به قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ~~إلى قوله: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} فأعلمنا بهذا أن أصحاب الجنة ~~لهم " الزيادة " التي هي النظر إليه وقد علمنا أن أهل الجنة وأصحاب الجنة ~~منهم النساء المحسنات أكثر من الرجال. وقال لنا - مثلا -: يوم الجمعة يراه ~~الرجال دون النساء وقال لنا أيضا: لا يراه كل يوم مرتين إلا أعلى أهل الجنة ~~وفرضنا أن النساء لا يرينه بحال - كل يوم مرتين - ولا يوم الجمعة ولا فيما ~~سوى ذلك قط وهذا وإن كان من وقف على هذا الكلام يعلم أنه لا خلاف بين ~~العلماء؛ بل ولا بين العقلاء في أنه لا يدل على نفي جنس " الرؤية " ولا يخص ~~ذلك اللفظ العام ولا يقيد ذلك المطلق - فإنما رددت الكلام فيه للمنازعة فيه ~~فلا يظن أنا أطلنا النفس فيه لخفائه؛ بل لرده مع جلائه. ولك أن تعبر عن " ~~هذا الجواب " بعبارات. إن شئت أن تقول: " أحاديث الإثبات " أثبتت رؤية ~~مطلقة للرجال وللنساء ونفي المقيد لا ينفي المطلق فلا يكون المطلق منفيا ms1804 ~~فلا يجوز نفي موجبه. وإن شئت أن تقول: " أحاديث الإثبات " تعم الرجال ~~والنساء و " أحاديث النفي " تنفي عن النساء ما علم أنه للرجال أو ما ثبت أن ~~فيه الرؤية أو تنفي عن النساء الرؤية في الموطنين اللذين أخبروا بالرؤية ~~فيهما؛ لكن هذا سلب في حال مخصوص؛ لم يتعرض لما سواهما: لا بنفي ولا ~~بإثبات؛ والمسلوب عنه لا يعارض العام. # PageV06P451 # وإن شئت أن تقول: القضية الموجبة المطلقة لا يناقضها إلا سلب كلي؛ وليس ~~هذا سلبا كليا فلا يناقض ولا يجوز ترك موجب أحد الدليلين وإن شئت أن تقول: ~~ليس في ذكر هذين الموطنين إلا عدم الإخبار بغيرهما وعدم الإخبار بثواب معين ~~- من نظر أو غيره - لا يدل على عدمه كيف وهذا الثواب مما أخفاه الله؟ وإذا ~~كان عدم الإخبار لا يدل على عدمه. والعموم اللفظي والمعنوي إما قاطع وإما ~~ظاهر في دخول النساء لم يكن عدم الدليل مخصصا للدليل - سواء كان ظاهرا أو ~~قاطعا - وكل هذا كما أنه معلوم بالعقل الضروري فهو مجمع عليه بين الأمة على ~~ما هو مقرر عند العلماء في الأصول والفروع. وإنما ينشأ الغلط من حيث يسمع ~~السامع ما جاء في الأحاديث في " الرؤية " عامة مطلقة ويرى أحاديث أخر أخبرت ~~برؤية مقيدة خاصة فيتوهم أن لا وجود لتلك المطلقة العامة إلا في هذه ~~المقيدة أو ينفي دلالة تلك العامة؛ لهذا الاحتمال كرجل قال: كنت أدخل ~~أصحابي داري وأكرمهم. ثم قال في موطن آخر: أدخلت داري فلانا وفلانا من ~~أصحابي في اليوم الفلاني فمن ظن أن سائر أصحابه لم يدخلهم - لأنه لم يذكرهم ~~في هذا الموطن - فقد غلط وقيل له: من أين لك أنه ما أدخلهم في وقت آخر؟ ~~فإذا قال: يمكن أنه أدخلهم ويمكن أنه ما أدخلهم فأنا أقف قيل له: فقد قال: ~~كنت أدخل أصحابي داري وهذا يعم جميع أصحابه. # PageV06P452 # ونحن لا ننازع في أن " اللفظ العام " يحتمل الخصوص في الجملة مع عدم هذه ~~القرينة فمع وجودها أوكد؛ لكن ننازع في " الظهور " فنقول: هذا الاحتمال ~~المرجوح ms1805 لا يمنع ظهور العموم كما تقدم فيكون العموم هو الظاهر - وإن كان ما ~~سواه ممكنا - وأما سائر " الأجوبة " ففي تقرير أن " الرؤية " تقع في غير ~~هذين الموطنين. الجواب الرابع أنا لو فرضنا أن " حديث المرتين كل يوم " ~~يعارض ما قدمناه من النصوص الصحيحة العامة - لفظا ومعنى - لما كان الواجب ~~دفع دلالة تلك الأحاديث بمثل هذا الحديث؛ لما تقدم " أولا " لما في إسناده ~~من المقال؛ ولأنه يستلزم إخراج أكثر أفراد اللفظ العام بمثل هذا التخصيص ~~وهذا إما ممتنع وإما بعيد ومستلزم تخصيص العلة بلا وجود مانع ولا فوات شرط ~~وهذا ممتنع عند الجمهور؛ أو من غير ظهور مانع وهذا بعيد لا يصار إليه إلا ~~بدليل قوي. # الجواب الخامس لو فرضنا أن لا رؤية إلا ما في هذين فمن أين لنا أن النساء ~~لا يرين الله فيهما جميعا؟ وهب أنا سلمنا أنهن لا يرينه يوم الجمعة فمن أين ~~أنهن لا يرينه كل يوم مرتين؟ وقول القائل: هذه أعلى وتلك أدنى فكيف يحرم ~~الأدنى من يعطي الأعلى؟ فعنه أجوبة: # PageV06P453 # أحدها: أن الذين ميزوا برؤية كل يوم مرتين شركوا الباقين في رؤية يوم ~~الجمعة فصار لهم النوعان جميعا؛ فإذا كان فضلهم بالنوعين جميعا فما المانع ~~في أن بعض من دونهم يشركهم في " الجمعة " دون " رؤية الغداة والعشي " ~~والبعض الآخرون يشركونهم في " الغداة والعشي " دون " الجمعة " ولا يكون من ~~له الغداة والعشي دون الجمعة أعلى مطلقا؛ وإنما الأعلى مطلقا الذي له ~~الجميع. لكن قد يقال: يلزم على هذا أن يكون النساء أعلى ممن له الجمعة دون ~~" البردين " من الرجال فيقال: قد لا يلزم هذا؛ بل قد تكون الجمعة وحدها ~~أفضل من " البردين " وحدهما. وقد يقال: فهب أن الأمر كذلك. أكثر ما فيه ~~تفضيل النساء على مفضول الرجال وهذا الاحتمال وإن كان ممكنا؛ لكن يبعد أن ~~تكون كل امرأة تدخل الجنة أفضل ممن لا يرى الله كل يوم مرتين؛ فإن ذلك ~~مستلزم أن يكون مفضول النساء أفضل من مفضول الرجال فيترك هذا الاحتمال ~~ويقتصر على الذي ms1806 قيل وهو: أن الأعلى مطلقا الذي له المرتان مع الجمعة وإنما ~~لزم هذا لأنا نتكلم بتقدير أن لا رؤية إلا هذين؛ ولا ريب أن هذا التقدير ~~باطل قطعا. (الوجه الثاني: أنه من أين لكم أن " الرؤية كل يوم مرتين " أفضل ~~من " رؤية الجمعة "؟ نعم هي أكثر عددا لكن قد يفضل ذلك في الكيفية فيكون ~~أحد النوعين أكثر عددا والآخر أفضل نوعا: كدينار وخمسة دراهم # PageV06P454 # ولا ريب أن هذا ممكن إمكانا قريبا؛ فإن الله يثيب عبده على: {قل هو الله ~~أحد} مع قلة حروفها بقدر ما يثيبه على ثلث القرآن. وإذا كان الأمر كذلك. ~~فيمكن في حق من حرم الأفضل في نوعه أن يعطى النوع المفضول وإن كثر عدده ~~سواء كان فاضل النوع أفضل مطلقا أو كانا متكافئين عند التقابل؛ وفي أحاديث ~~المزيد ما يدل على هذا؛ فإنهم يرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا ~~فيقولون: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار فيحق لنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا ~~به. وفي حديث آخر: {فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا نظرا ~~إلى ربهم ويزدادوا كرامة} . ومن تأمل سياق " الأحاديث المتقدمة " علم أن ~~التجلي يوم الجمعة له عندهم وقع عظيم لا يوجد مثله في سائر الأيام؛ وهذا ~~يقتضي أن هذا النوع أفضل من الرؤية الحاصلة كل يوم مرتين وإن كانت تلك أكثر ~~فإذا منع النساء من هذا الفضل لم يلزم أن يمنعن مما دونه وهذا بين لمن ~~تأمله. (الوجه الثالث: هب أن رؤية الله كل يوم مرتين أفضل مطلقا من رؤية ~~الجمعة فلا يلزم حرمانهن من الثواب المفضول حرمان ما فوقه مطلقا؛ وذلك أن ~~العبد قد يعمل عملا فاضلا يستحق به أجرا عظيما ولا يعمل ما هو دونه فلا ~~يستحق ذلك الأجر وما زال الله سبحانه يخص المفضولين من كل صنف بخصائص لا ~~تكون للفاضلين وهذا مستقر في الأشخاص من الأنبياء والصديقين وفي الأعمال. # PageV06P455 # ولو كان العمل الفاضل يحصل به جميع المفضول مطلقا لما شرع المفضول في ~~وقت؛ فلا يلزم من ms1807 إعطاء الأعلى إعطاء الأدنى مطلقا ولا يلزم منه منع الأعلى ~~مطلقا فهذا ممكن إمكانا شرعيا في عامة الثوابات ألا ترى أن الذين في ~~الدرجات العلى من أهل الجنة لا يعطون الدرجات الدنى ثم لا يكون هذا نقصا في ~~حقهم؛ فإن الله سبحانه يرضي كل عبد بما آتاه فجاز أن يكون قد أرضى النساء ~~بأعلى " الرؤية " عن مجموع أعلاها وأدناها. والذي يؤيد هذا أنه من الممكن ~~أن تكون رؤية الجمعة جزاء على عمل الجمعة في الدنيا؛ ورؤية الغداة والعشي ~~جزاء على عمل الغداة والعشي فهذا ممكن في العقل وإن لم يجئ به خبر؛ وإذا ~~كان ممكنا لم يلزم من منعهن " رؤية الجمعة " لعدم المقتضي فيهن منعهن " ~~رؤية البردين " مع قيام المقتضي فيهن. ومن الممكن في العقل أنهن إنما لم ~~يشهدن رؤية الجمعة لأنه مجتمع الرجال. والغيرة في الجنة؛ ألا ترى {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما رأى الجنة ورأى قصرا وعلى بابه جارية قال: فأردت أن ~~أدخل فذكرت غيرتك فقال عمر: أعليك أغار؟ .} والله أعلم بحقائق الأمور فإذا ~~كان كذلك فهذا منتف في رؤية الغداة والعشي؛ لأن تلك الرؤية قد تحصل وأهل ~~الجنة في منازلهم. ثم هذا من الممكن أن " الرؤية جزاء العمل " فإنه قد جاء ~~في الأخبار ما يدل على أن الرؤية يوم الجمعة ثواب شهود الجمعة؛ بدليل أن ~~فيها يكونون في # PageV06P456 # الدنو منه على مقدار مسارعتهم إلى الجمعة وتفاوت الثواب بتفاوت العمل ~~دليل على أنه مسبب عنه وبدليل أنه مذكور في غير حديث " إنه يكون بمقدار ~~انصرافهم من صلاة الجمعة في الدنيا ". وموافقة الثواب للعمل في وقته وفي ~~قدره حتى يصير جزاء وفاقا: يقتضي أن العمل سببه؛ وبدليل أن ذلك مذكور في ~~فضل يوم الجمعة في الدنيا والآخرة فعلم أن ارتباط ثوابه في الآخرة بعمله في ~~الدنيا؛ وبدليل أن فيه عند منصرف الناس من الجمعة رجوع الصالحين إلى ~~منازلهم ورجوع الأنبياء والصديقين والشهداء إلى ربهم. وهذا مناسب لحالهم في ~~الدنيا؛ فإن الصالح إذا انقضت الجمعة اشتغل بما أبيح ms1808 له في الدنيا وأولئك ~~اشتغلوا بالتقرب إليه بالنوافل فكانوا متقربين إليه في الدنيا بعد الجمعة ~~فقربوا منه بعد الجمعة في الآخرة وهذه " المناسبة الظاهرة " المشهود لها ~~بالاعتبار تقتضي أن ذلك التجلي ثواب أعمالهم يوم الجمعة وإذا كان كذلك ~~فانتفاء الرؤية في حق النساء لعدم شهودهن الجمعة؛ ولهذا روي أنهن يرينه في ~~العيد كما شرع لهن شهود العيد. فإن قيل: ما ذكرتموه من هذه الزيادة أمر ~~غريب والأحاديث المشهورة المجمع عليها ليس فيها هذه الزيادة فلا يجوز ~~الاعتماد عليها والناس كلهم قد سمعوا أحاديث الرؤية يوم الجمعة ولم يسمعوا ~~هذه الزيادة. # PageV06P457 # قلنا: قد تقدم الجواب عن ذلك بما ذكرناه من طرق الحديث وحال أصله وزيادته ~~وبينا أن الزيادة لا ينقص حكمها في الرؤية عن حكم أصل الحديث نقصا يمنع ~~إلحاقها به؛ بل هي إما مكافئة أو قريبة أو فوق واجبنا عما قيل هنا وما لم ~~يقل. فإن قيل: {فقد كن المؤمنات يشهدن صلاة الجمعة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم} فعلى قياس هذا ينبغي لمن شهد الجمعة من النساء أن يشهدن يوم ~~المزيد في الجنة. قلنا: ما كان يشهد الجمعة والجماعة من النساء إلا أقلهن؛ ~~لأن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ~~وبيوتهن خير لهن} متفق عليه. وقال: {صلاة إحداكن في مخدعها أفضل من صلاتها ~~في حجرتها وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها وصلاتها في دارها ~~أفضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في مسجد قومها أفضل من صلاتها معي - ~~أو قال - خلفي} رواه أبو داود. فقد أخبر المؤمنات: أن صلاتهن في البيوت ~~أفضل لهن من شهود الجمعة والجماعة إلا " العيد " فإنه أمرهن بالخروج فيه ~~ولعله - والله أعلم - لأسباب: # أحدها: أنه في السنة مرتين فقبل بخلاف الجمعة والجماعة. # الثاني: أنه ليس له بدل خلاف الجمعة والجماعة فإن صلاتها في بيتها الظهر ~~هو جمعتها. # PageV06P458 # الثالث: أنه خروج إلى الصحراء لذكر الله فهو شبيه بالحج من بعض الوجوه؛ ~~ولهذا كان العيد الأكبر في موسم ms1809 الحج موقفة للحجيج ومعلوم أن الصحابيات إذا ~~علمن أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لم يتفق أكثرهن على ترك الأفضل؛ فإن ذلك ~~يلزم أن يكون أفضل القرون على المفضول من الأعمال. فإن قيل: هذا التفضيل ~~إنما وقع في حق من بعد الصحابيات لما أحدث النساء ما أحدثن ولأن من بعد ~~الرسول من الأئمة لا يساويه؛ فأما الصحابيات فصلاتهن خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانت أفضل ويكون هذا الخطاب عاما خرج منه القرن الأول؛ فإن تخصيص ~~العموم جائز. قلنا: هذا خلاف ما علم بالاضطرار من لغة العرب والعجم وخلاف ~~ما علم بالاضطرار من دين المسلمين وخلاف ما فطر الله عليه العقلاء وخلاف ما ~~أجمع المسلمون عليه؛ وذلك لأن قوله: {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ~~وبيوتهن خير لهن} قد أجمع المسلمون على أن الحاضرين تحقق دخولهم فيه. ~~واختلفوا في القرن الثاني والثالث هل يدخلون بمطلق الخطاب أم بدليل منفصل؟ ~~فيه قولان فأما دخول الغائب دون الحاضر فممتنع باتفاق. ثم اللغة تحيله فإن ~~قوله: {لا تمنعوا إماء الله} لا ريب أنه خطاب للصحابة - رضي الله عنهم - ~~ابتداء فكيف تحيل اللغة أن لا يدخلوا فيه. ويدخل فيه من بعدهم؟ أهل اللغة ~~لا يشكون أن هذا ممتنع. # PageV06P459 # ثم قد علمنا بالاضطرار أن أوامر القرآن والسنة شملت الصحابة ثم من بعدهم ~~وقد يقال أو يتوهم في بعضها: أنها شملتهم دون من بعدهم فأما اختصاص من ~~بعدهم بالأوامر الخطابية دونهم فهذا لا وجود له. وأما مخالفته " للفطر " ~~فما من سليم العقل يعرض عليه هذا إلا أنكره أشد الإنكار ثم هب هذا أمكن في ~~قوله: {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله} فكيف بقوله: {صلاة إحداكن في مسجد ~~قومها أفضل من صلاتها معي أو خلفي} ؟ أليس نصا في صلاتهن في بيوتهن وفي ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خلفه؟ وصلى الله على محمد. # PageV06P460 # سئل - رحمه الله تعالى -: # ما هو " لقاء الله سبحانه؟ " الذي وصف بظنه الخاشعين بقوله تعالى: {الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} وأمر بعلمه ms1810 المتقين في قوله ~~تعالى {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} وبشر بالإقرار به عند المصيبة ~~الصابرين وأشار إلى إتيان أجله للراجين بقوله تعالى: {من كان يرجو لقاء ~~الله فإن أجل الله لآت} واشتهر ذكره في غير حديث من كلام سيد المرسلين ~~كقوله في دعائه: {لقاؤك حق} وقوله: {من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن ~~كره لقاء الله كره الله لقاءه} الحديث؟ ؟ . وهل يصح قول بعض المفسرين من ~~أنه متعلق بمحذوف تقديره جزاء ربهم أو نحوه بكونه مما لا يصح أن يضاف إلى ~~الله تعالى حقيقة فيستحيل ظاهره ويكون المراد منه غير ظاهره ويصار فيه إلى ~~تأويل معين؟ أم هو مستغن عن ذلك لجوازه في نفسه؟ وكيف يتصور منا محبة من لا ~~نعرفه ولا نطلع عليه؟ أم كيف يتأتى شوقه وحنين القلوب إليه وإيثاره على ما ~~سواه مما هو عندنا معروف ولقلوبنا مألوف؟ ولنا به منفعة عاجلة ولذة حاصلة. # PageV06P461 # وقد قالت عائشة رضي الله عنها كراهية الموت وكلنا نكره الموت. فرد صلى ~~الله عليه وسلم قولها بما تضمنه الحديث {من رؤية المؤمن ما له عند الله من ~~النعيم فأحب الله لقاءه} الحديث. وقد يعترض على هذا سؤال وهو أنه إذا كان ~~حبه اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد إليه لا لمجرد ~~لقاء الله تعالى فكيف يجازى عليه بحب الله تعالى لقاءه ومحبته غير خالصة ~~وإنما يتقبل الله من الأعمال ما كان خالصا. بينوا لنا هذه الأمور البيان ~~الشافي بالجواب الصحيح الكافي طلبا للأجر الوافي إن شاء الله تعالى؟ . # فأجاب - رضي الله عنه وأرضاه -: # الحمد لله، " أما اللقاء " فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن ~~المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ~~سبحانه وتعالى واحتجوا بآيات " اللقاء " على من أنكر رؤية الله في الآخرة ~~من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال. في ~~قوله: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} ولا يرائي أو ms1811 قال: ولا يخبر به أحدا وجعلوا اللقاء يتضمن معنيين: ~~أحدهما: السير إلى الملك والثاني معاينته. كما قال: {يا أيها الإنسان # PageV06P462 # إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه والكدح ~~إليه يتضمن السلوك والسير إليه واللقاء يعقبهما. وأما المعاينة من غير مسير ~~إليه - كمعاينة الشمس والقمر - فلا يسمى لقاء. وقد يراد باللقاء الوصول إلى ~~الشيء والوصول إلى الشيء بحسبه. ومن دليل ذلك أن الله تعالى قد قال: {إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا} {إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} وقال: ~~{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} ~~الآية. وقال: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} وقال: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} . وقال تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} . وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا} وفي الصحيحين {عن أبي هريرة ~~أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانفتل ~~فذهب فاغتسل؛ ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء قال: أين كنت؟ قال ~~يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبحان الله إن المؤمن لا ينجس} وفي لفظ: # PageV06P463 # {لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم} وهو في مسلم عن حذيفة أيضا {أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب فذكر معناه} . وفي صحيح مسلم عن ~~بريدة {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ~~أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا ~~باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ~~ولا تقتلوا ms1812 وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال} ~~الحديث. وفي حديث عتبة بن عبيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي عدوا ~~قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد المفتخر في خيمة الله تحت ظل عرشه لا يفضله ~~إلا النبيون بدرجة النبوة ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه ~~وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى قتل فمصمصة تحت ذنوبه ~~وخطاياه إن السيف محاء للخطايا وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية ~~أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أفضل من بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله ~~حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى قتل فإن ذلك في النار إن السيف لا ~~يمحو النفاق} رواه أحمد وأبو حاتم في صحيحه ومثل هذا كثير في كلام العرب ~~كقول الشاعر: متى ما تلقى فرد من ... ترجو وأبو السنل # PageV06P464 # ويستعمل " اللقاء " في لقاء العدو ولقاء الولي ولقاء المحبوب ولقاء ~~المكروه وقد يستعمل فيما يتضمن مباشرة الملاقي ومماسته مع اللذة والألم كما ~~قال: {إذا التقى الختانان وجب الغسل} وفي الحديث الصحيح: {إذا قعد بين ~~شعبها الأربع والتزق الختانان فقد وجب الغسل} . ومن نحو هذا قوله: {إن ~~الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} وقوله: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا} وقوله: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها ~~تحية وسلاما} ويقال: فلان لقي خيرا ولقي شرا وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض} . وقد يقال: إن ~~" اللقاء " في مثل هذا يتضمن معنى المشاهدة كما قال تعالى {ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه} لأن الإنسان يشاهد بنفسه هذه الأمور. ~~وقد قيل: إن الموت نفسه يشهد ويرى ظاهرا. وقيل: المرئي أسبابه. وقد جاء في ~~الكتاب والسنة ألفاظ من نحو " لقاء الله " كقوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة} وقوله: {ولو ms1813 ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا} وقوله: {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول ~~مرة} وقوله: {إن ربك لبالمرصاد} وقوله: {إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه} وقوله: {كلا لا # PageV06P465 # وزر} {إلى ربك يومئذ المستقر} وقوله: {إن إلى ربك الرجعى} وقوله: {إنا ~~لله وإنا إليه راجعون} وقوله: {إليه المصير} وقوله: {إن إلينا إيابهم} {ثم ~~إن علينا حسابهم} . لكن يلزم هؤلاء " مسألة " تكلم الناس فيها وهي أن ~~القرآن قد أخبر أنه يلقاه الكفار ويلقاه المؤمنون كما قال: {يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} {فأما من أوتي كتابه بيمينه} {فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا} {وينقلب إلى أهله مسرورا} {وأما من أوتي كتابه وراء ~~ظهره} {فسوف يدعو ثبورا} {ويصلى سعيرا} وقد تنازع الناس في الكفار هل يرون ~~ربهم مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه بحال تمسكا بظاهر قوله: {كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون} ولأن الرؤية أعظم الكرامة والنعيم والكفار لا حظ لهم ~~في ذلك. # وقالت طوائف من أهل الحديث والتصوف: بل يرونه ثم يحتجب كما دل على ذلك ~~الأحاديث الصحيحة التي في الصحيح وغيره من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ~~وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن قالوا وقوله: {لمحجوبون} يشعر بأنهم عاينوا ~~ثم حجبوا ودليل ذلك قوله: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فعلم أن الحجب كان ~~يومئذ. فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم وذلك إنما هو في الحجب بعد الرؤية. فأما ~~المنع الدائم من الرؤية فلا يزال في الدنيا والآخرة. # PageV06P466 # قالوا: ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيما؛ إذ " اللقاء " ينقسم إلى لقاء ~~على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء. ~~ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة حدثنا سهيل بن أبي صالح ~~عن أبيه عن أبي هريرة: {هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟} وقد روى مسلم ~~وأبو داود وأحمد في المسند وابن خزيمة في التوحيد وغيره قال: {قالوا: يا ~~رسول الله هل نرى ms1814 ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس ليست في ~~سحابة؟ قالوا: لا. قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما ~~تضارون في رؤية أحدهما. قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك ~~وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. يا رب: قال ~~فيقول: فظننت أنك ملاقي. فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم قال ~~يلقى الثاني فيقول له: مثل ذلك. فيقول: أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت ~~وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذا. قال: ثم يقال الآن ~~نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال ~~لفخذه انطقي؛ فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل فذلك المنافق ليعذر من ~~نفسه وذلك الذي يسخط الله عليه وتمام الحديث قال: ثم ينادي مناد ألا تتبع ~~كل أمة ما كانت تعبد فتتبع الشياطين والصليب أولياؤهم إلى جهنم وبقينا أيها ~~المؤمنون فيأتينا ربنا فيقول: ما هؤلاء؟ فنقول: من عباد الله المؤمنين آمنا ~~بربنا ولم نشرك به شيئا وهو ربنا تبارك وتعالى وهو # PageV06P467 # يأتينا وهو يثبتنا وهو ذا مقامنا حتى يأتينا ربنا فيقول: أنا ربكم. ~~فيقول: انطلقوا. فننطلق حتى نأتي الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف عند ذلك ~~حلت الشفاعة لي اللهم سلم اللهم سلم فإذا جاوزوا الجسر فكل من أنفق زوجا من ~~المال في سبيل الله مما يملك فتكلمه خزنة الجنة تقول: يا عبد الله يا مسلم ~~هذا خير. فقال: أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله إن هذا عبد لا توى عليه ~~يدع بابا ويلج من آخر؟ فضرب كتفه وقال: إني أرجو أن تكون منهم} قال سفيان ~~بن عيينة حفظته أنا وروح بن القاسم وردده علينا مرتين أو ثلاثا. وسئل سفيان ~~عن قوله: {ترأس وتربع} فقال كان الرجل إذا كان رأس القوم كان له الرباع وهو ~~الربع. {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم؛ حيث قال يا رسول الله ~~إني ms1815 على دين قال: أنا أعلم بدينك منك إنك مستحل الرباع ولا يحل لك} . وهذا ~~الحديث معناه في الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا؛ وفيه ~~أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها ثم أتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه العبد ~~والمنافق وأنه يخاطبهم. وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة {أنه يتجلى لهم في ~~القيامة مرة للمؤمنين والمنافقين بعد ما تجلى لهم أول مرة ويسجد المؤمنون ~~دون المنافقين} وقد بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع. # PageV06P468 # وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله؛ لأنه يمتنع ~~عندهم رؤية الله في الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الإسلام من أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة ~~واحتجوا بحجج كثيرة عقلية ونقلية قد بينا فسادها مبسوطا وذكرنا دلالة العقل ~~والسمع على جواز الرؤية. # وهذه " المسألة " من الأصول التي كان يشتد نكير السلف والأئمة على من ~~خالف فيها وصنفوا فيها مصنفات مشهورة. والثاني: أن عندهم لا يتصور الكدح ~~إليه ولا العرض عليه ولا الوقوف عليه ولا أن يحبه العبد ولا أن يجده ولا أن ~~يشار إليه ولا أن يرجع إليه ولا يئوب إليه؛ إذ هذه الحروف تقتضي أن يكون ~~حال العبد بالنسبة إليه في الآخرة - وبينهما فضل - يقتضي تقربا إليه ودنوا ~~منه وأن يكون حال العبد بالنسبة إليه مخالف لحاله في الدنيا وهذا كله محال ~~عندهم فإنهم لا يقرون بأن الخالق مباين للمخلوق - كما اتفق السلف والأئمة ~~وصرحوا بأنه مباين للخلق؛ ليس داخلا في المخلوقات ولا المخلوقات داخلة فيه ~~- بل تارة يجعلونه حالا بذاته في كل مكان؛ وتارة يجعلون وجوده عين وجود ~~المخلوقات وتارة يصفونه بالأمور السلبية المحضة؛ مثل كونه غير مباين للعالم ~~ولا حال فيه فهم بين # PageV06P469 # أمرين: إما أن يصفوه بما يقتضي عدمه وتعطيله فينكرونه وإن كانوا يقرون به ~~فيجمعون - في قولهم - بين الإقرار والإنكار والنفي والإثبات. وقد يصرح ~~بعضهم بصحة الجمع بين النقيضين ويقول: إن ms1816 هذا غاية التحقيق والعرفان. وإما ~~أن يصفوه بما يقتضي أنه عين المخلوقات أو جزء منها أو صفة لها وذلك أيضا ~~يقتضي قولهم بعدم الخالق وتعطيل الصانع؛ وإن كانوا مقرين بوجود موجود غيره ~~وإن جعلوه إياه. ثم يجدون في المخلوقات مباينا في ربوبية المخلوق فيقولون ~~بالجمع بين النقيضين - كما تقدم -. وقد يقولون بعبادة الأصنام وإن عباد ~~الأصنام على حق وعباد العجل على حق وإنه ما عبد غير الله قط؛ إذ لا غير ~~عندهم؛ بل الوجود واحد ويقولون بامتناع الدعوة إليه وأنه يمكن أن يتقرب ~~إليه ويصل إليه وهم يقولون: ما عدم في البداية فيدعى إلى الغاية؛ بل هو عين ~~المدعو فكيف يدعو إلى نفسه؟ . وكلام السلف والأئمة في ذم الجهمية وتكفيرهم ~~كثير جدا. وهؤلاء ومن وافقهم على بعض أقوالهم التي تنفي حقيقة اللقاء ~~يتأولون " اللقاء " على أن المراد به لقاء جزاء ربهم ويقولون إن الجزاء قد ~~يرى كما في قوله: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} {قل إنما العلم ~~عند الله وإنما أنا نذير مبين} {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل ~~هذا الذي # PageV06P470 # كنتم به تدعون} فإن ضمير المفعول في رأوه عائد إلى الوعد والمراد به ~~الموعود أي فلما رأوا ما وعدوا سيئت وجوه الذين كفروا. ومن قال إن الضمير ~~عائد هنا إلى الله فقوله ضعيف وفساد قول الذين يجعلون المراد " لقاء الجزاء ~~" دون لقاء الله معلوم بالاضطرار بعد تدبر الكتاب والسنة يظهر فساده من ~~وجوه: - (أحدها: أنه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين. ~~(الثاني: أن حذف المضاف إليه يقارنه قرائن فلا بد أن يكون مع الكلام قرينة ~~تبين ذلك كما قيل في قوله: {واسأل القرية التي كنا فيها} ولو قال قائل: ~~رأيت زيدا أو لقيته مطلقا وأراد بذلك لقاء أبيه أو غلامه لم يجز ذلك في لغة ~~العرب بلا نزاع ولقاء الله قد ذكر في كتاب الله وسنة رسوله في مواضع كثيرة ~~مطلقا غير مقترن بما يدل على أنه أريد بلقاء الله لقاء بعض مخلوقاته من ~~جزاء ms1817 أو غيره. (الثالث: أن اللفظ إذا تكرر ذكره في الكتاب ودار مرة بعد مرة ~~على وجه واحد وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ولم يبين ذلك ~~كان تدليسا وتلبيسا يجب أن يصان كلام الله عنه الذي أخبر أنه شفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وأنه بيان للناس وأخبر أن الرسول قد بلغه ~~البلاغ المبين وأنه بين للناس ما نزل إليهم وأخبر أن عليه بيانه ولا # PageV06P471 # يجوز أن يقال: ما في العقل دلالة على امتناع إرادة هذا المعنى هو القرينة ~~التي دل المخاطبين على الفهم بها؛ لوجهين. أحدهما: أن يقال: ليس في العقل ~~ما ينافي ذلك؛ بل الضرورة العقلية والبراهين العقلية توافق ما دل عليه ~~القرآن كما قال: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} ~~وما يذكر من الحجج العقلية المخالفة لمدلول القرآن فهو شبهات فاسدة عند من ~~له خبرة جيدة بالمعقولات دون من يقلد فيها بغير نظر تام. الثاني: أنه لو ~~فرض أن هناك دليلا عقليا ينافي مدلول القرآن لكان خفيا دقيقا ذا مقدمات ~~طويلة مشكلة متنازع فيها ليس فيها مقدمة متفق عليها بين العقلاء؛ إذ ما ~~يذكر من الأدلة العقلية المخالفة لمدلول القرآن هي شبهات فاسدة كلها ليست ~~من هذا الباب. ومعلوم أن المخاطب - الذي أخبر أنه بين للناس وأن كلامه بلاغ ~~مبين وهدى للناس - إذا أراد بكلامه ما لا يدل عليه ولا يفهم منه إلا بمثل ~~هذه القرينة لم يكن قد بين وهدى؛ بل قد كان لبس وأضل وهذا مما اتفق ~~المسلمون على وجوب تنزيه الله ورسوله بل وعامة الصحابة والأئمة من ذلك. ~~الرابع: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {اللهم لك ~~الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ~~ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن # PageV06P472 # فيهن أنت الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ~~ومحمد حق؛ اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت ms1818 وإليك أنبت وإليك حاكمت وبك ~~خاصمت اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به ~~مني أنت إلهي لا إله إلا أنت} وفي لفظ: {أعوذ بك أن تضلني؛ أنت الحي الذي ~~لا تموت والجن والإنس يموتون} . ففي الحديث فرق بين لقائه وبين الجنة ~~والنار. والجنة والنار تتضمن جزاء المطيعين والعصاة فعلم أن لقاءه ليس هو ~~لقاء الجنة والنار. الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في غير حديث ~~ما يبين لقاء العبد ربه كما في الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه حاجب ~~ولا ترجمان؛ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى ~~إلا شيئا قدمه فتستقبله النار؛ فمن استطاع أن يتقي النار ولو بشق تمرة ~~فليفعل فإن لم يستطع فبكلمة طيبة} إلى أمثال ذلك من الأحاديث. السادس: أنه ~~لو أريد " بلقاء الله " بعض المخلوقات - إما جزاء وإما غير جزاء - لكان ذلك ~~واقعا في الدنيا والآخرة فكان العبد لا يزال ملاقيا لربه ولما علم المسلمون ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن لقاء الله لا يكون إلا بعد الموت: علم بطلان ~~أن " اللقاء " لقاء بعض المخلوقات. ومعلوم أن الله قد جازى خلقا على # PageV06P473 # أعمالهم في الدنيا بخير وشر كما جازى قوم نوح وعاد وثمود وفرعون؛ وكما ~~جازى الأنبياء وأتباعهم ولم يقل مسلم إن لقاء هذه الأمور في الدنيا لقاء ~~الله ولو قال قائل إن لقاء الله جزاء مخصوص وهو الجنة مثلا أو النار لقيل ~~له ليس في لفظ هذا لقاء مخصوص ولا دليل عليه وليس هو بأولى من أن يقال لقاء ~~الله تعالى لقاء بعض ملائكته أو بعض الشياطين وأمثال ذلك من التحكمات ~~الموجودة في الدنيا والآخرة؛ إذ ليس دلالة اللفظ على تعيين هذا بأولى من ~~دلالته على تعيين هذا فبطل ذلك. الوجه السابع: أن " لقاء الله " لم يستعمل ~~في لقاء غيره لا حقيقة ms1819 ولا مجازا ولا استعمل لقاء زيد في لقاء غيره أصلا؛ ~~بل حيث ذكر هذا اللفظ فإنما يراد به لقاء المذكور؛ إذ ما سواه لا يشعر ~~اللفظ به فلا يدل عليه. الوجه الثامن: أن قوله: {هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} {تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما} فلو كان " اللقاء " هو لقاء جزائه لكان ~~هو لقاء الأجر الكريم الذي أعد لهم وإذا أخبر بأنهم يلقون ذلك لم يحسن بعد ~~ذلك الإخبار بإعداده؛ إذ الإعداد مقصوده الوصول فكيف يخبر بالوسيلة بعد ~~حصول المقصود؟ هذا نزاع بين العي الذي يصان عنه كلام أوسط الناس فضلا عن ~~كلام رب العالمين؛ لا سيما وقد قرن اللقاء بالتحية وذلك لا يكون إلا في ~~اللقاء المعروف؛ لا في حصول شيء من النعيم المخلوق. # PageV06P474 # الوجه التاسع: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من ~~أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه} أخبر فيه ~~أن الله يحب لقاء عبد ويكره لقاء عبد وهذا يمتنع حمله على الجزاء؛ لأن الله ~~لا يكره جزاء أحد ولأن الجزاء لا يلقاه الله؛ ولأنه إن جاز أن يلقى بعض ~~المخلوق كالجزاء أو غيره جاز أن يلقى العبد فالمحذور الذي يذكر في لقاء ~~العبد موجود في لقائه سائر المخلوقات فهذا تعطيل النص. وإما أن يقال: بل هو ~~لاق لبعضها فيتناقض قول الجهمي ويبطل. ودلائل بطلان هذا القول لا تكاد تحصى ~~يضيق هذا الاستفتاء عن ذكر كثير منها فضلا عن أكثرها. # PageV06P475 # فصل: # وأما قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه ولا نطلع عليه إلى آخره ~~فيقال له: هذه مسألة أخرى كبيرة وهي " مسألة محبة المؤمن ربه " فإن الكتاب ~~والسنة تنطق بذلك كقوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقوله: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ms1820 وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ~~وقوله تعالى {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} الآية. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار} . وأمثال ذلك ~~من النصوص وهذه المحبة على حقيقتها عند سلف الأمة وأئمتها ومشايخها وأول من ~~أنكر حقيقتها شيخ الجهمية الجعد بن درهم فقتله # PageV06P476 # خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه. فإن هؤلاء أنكروا حقيقة " الخلة " لأن الخلة كالمحبة وأنكروا حقيقة ~~" التكليم " وجعلوا التكليم ما يخلقه في بعض الأجسام أو هو من جنس الإلهام ~~حتى ادعى طوائف منهم أن أحدنا قد يحصل له التكليم كما حصل لموسى عليه ~~السلام بل سمع عين ما سمعه موسى والله تعالى قد بين اختصاص موسى بذلك عن ~~سائر الأنبياء فكيف عن سائر المؤمنين والأولياء كما قال تعالى: {إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط} إلى قوله: {وكلم الله موسى تكليما} ففرق بين ~~الإيحاء والتكليم كما فرق بين الإيحاء والتكليم من وراء حجاب في قوله: {وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} وكما بين هذه الخاصية في ~~قوله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} ~~. ثم هؤلاء الذين أنكروا حقيقة المحبة لم يمكنهم إنكار لفظها؛ لأنه جاء في ~~الكتاب والسنة ففسروا محبته بعبادته وطاعته وامتثال أمره أو محبة أوليائه ~~ونحو # PageV06P477 # ذلك ms1821 مما يضاف إليه؛ ولو علموا أن محبوب الغير لا يكون محبوبا إلا إذا كان ~~ذلك الغير محبوبا فيكون هو المحبوب بالذات والوسائل يحبون بالعرض. ولو ~~تدبروا قولهم لعلموا أنه مستحيل أن تحب عبادته أو أولياؤه إذا لم يكن هو ~~محبوبا فإذا قدروا أنه هو شيء ليس محبوبا لذاته: كانت محبة العمل الذي يحصل ~~الأكل والشرب إنما هي في الحقيقة محبة الأكل والشرب والنكاح وكان ذلك من ~~جنس محبة سائر المشتهيات؛ فإذا تكون محبة الله ورسوله إنما هي في الحقيقة ~~محبة الأكل والشرب إذا كان الله لا يحب لنفسه على رأي هؤلاء. وهذه " ~~المسألة " أصل عبادة الله كما أن " المسألة الأولى " أصل الإقرار بالله؛ ~~فتلك فيها ذهاب النفس والمال كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} الآية. ولهذا نعت المحبين المحبوبين بقوله: ~~{أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم} بل أصل " الولاية " الحب وأصل " العداوة " البغض وإنكار الحب ~~والبغض يتضمن إنكار ولاية الله وعداوته كما أنكر بعض الفقهاء قوله: {إنه لا ~~يعز من عاديت} وقوله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} وهذا باب طويل وقد ~~كتبت في هذين الأصلين عددا يبلغ أكثر من الأسفار وكلام الأولين والآخرين من ~~أهل العلم والإيمان موجود في هذا. فقول القائل: كيف نتصور عبادة من لا ~~نعرفه؛ إذ الإيمان بما لا نعرفه أو الطاعة لما لا نعرفه أو التسبيح ~~والتحميد بما لا نعرفه ونحو ذلك من # PageV06P478 # العبادات؛ فهذه الأمور لا يمكن أن تتعلق بمجهول من كل وجه؛ إذ ذلك ممتنع ~~لا يجب أن تكون معرفته للمعبود المحبوب كمعرفته بنفسه؛ بل ليس لنا في ~~الوجود من نحبه أو نبغضه؛ ونحن نعرفه كمعرفة الله به والمعرفة قد تكون من ~~جهة الاستدلال والنظر. ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا ~~ويتفاوتون في درجات العرفان والنبي صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله. وقد ~~قال: {لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك} وهذا يتعلق بمعرفة زيادة ms1822 ~~المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه وهي مسألة كبيرة. ~~والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها: أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان} وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق ~~عليه وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع وبعضه لفظي مع أن الذي عليه ~~أئمة أهل السنة والحديث - وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهم - أن الإيمان قول ~~وعمل يزيد وينقص. وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم - مع جميع ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان - متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب ~~كما تقوله الخوارج؛ ولا يسلب جميع الإيمان كما تقوله المعتزلة؛ لكن بعض ~~الناس قال: إن إيمان الخلق مستو فلا يتفاضل إيمان أبي بكر وعمر وإيمان ~~الفساق؛ بناء على أن التصديق بالقلب واللسان أو بالقلب وذلك لا يتفاضل. # PageV06P479 # وأما عامة السلف والأئمة فعندهم أن إيمان العباد لا يتساوى بل يتفاضل ~~وإيمان السابقين الأولين أكمل من إيمان أهل الكبائر المجرمين. ثم النزاع ~~مبني على الأصلين: # أحدهما: العمل، هل يدخل في مطلق الإيمان؟ فإن العمل يتفاضل بلا نزاع. فمن ~~أدخله في مطلق الإيمان قال: يتفاضل. # ومن لم يدخله في مطلق الإيمان احتاج إلى الأصل الثاني وهو أن ما في القلب ~~من الإيمان هل يتفاضل؟ فظن من نفى التفاضل أن ليس في القلب - من محبة الله ~~وخوفه ورجائه والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق - ~~ما هو متفاضل بلا ريب ثم نفس التصديق أيضا متفاضل من جهات: # منها أن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون مجملا وقد ~~يكون مفصلا؛ والمفصل من المجمل؛ فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه والحديث ~~ومعانيه وصدق بذلك مفصلا كمن صدق أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه. # ومنها: أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع ~~الغفلة ms1823 عنه. # ومنها: أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه؛ فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد ~~له الأعيان وأميط عنه كل أذى وحسبان حتى بلغ أعلى الدرجات؛ درجات الإيقان ~~كتصديق زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات ولعب به # PageV06P480 # التقليد ويضعف لشبه المعاند العنيد وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد. ~~ولهذا كان المشايخ - أهل المعرفة والتحقيق السالكون إلى الله أقصد طريق - ~~متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق كما هو مذهب أهل السنة ~~والحديث في القديم والحديث وهذه مسائل كبار لا يمكن فيها إلا الإطناب بمثل ~~هذا الجواب. # PageV06P481 # فصل: # وأما قول السائل: قد يعترض على هذا السؤال وهو إذا كان حب اللقاء؛ لما ~~رآه من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد عليه لا لمجرد لقاء الله. فيقال ~~له: ليس كذلك؛ ولكن لقاء الله على نوعين: " لقاء محبوب " و " لقاء مكروه " ~~كما قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم سلمة بن دينار الأعرج: كيف القدوم ~~على الله تعالى؟ فقال: المحسن كالغائب يقدم على مولاه وأما المسيء كالآبق ~~يقدم به على مولاه. فلما كان اللقاء نوعين - وإنما يميز أحدهما عن الآخر في ~~الإخبار بما يوصف به هذا اللقاء وهذا اللقاء - وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم " اللقاء المحبوب " بما تتقدمه البشرى بالخير وما يقترن به من الإكرام ~~و " اللقاء المكروه " بما يتقدمه من البشرى بالسوء وما يقترن به من ~~الإهانة؛ فصار المؤمن مخبرا بأن لقاءه لله لقاء محبوب والكافر مخبرا بأن ~~لقاءه لله مكروه: فصار المؤمن يحب لقاء الله وصار الكافر يكره لقاء الله؛ ~~فأحب الله لقاء هذا وكره لقاء هذا {جزاء وفاقا} . فإن الجزاء بذلك من جنس ~~العمل كما قال صلى الله عليه وسلم {الراحمون # PageV06P482 # يرحمهم الرحمن ارحموا ترحموا ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} ~~وكما قال صلى الله عليه وسلم {من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله ~~عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا ~~والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في ms1824 الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما ~~كان العبد في عون أخيه} . وفي الحديث الصحيح الإلهي: {من ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منه ومن تقرب إلي شبرا ~~تقربت منه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة} وقال صلى الله عليه وسلم {من كان له لسانان في الدنيا كان له لسانان ~~من نار يوم القيامة} وقال: {من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في ~~أذنيه الآنك يوم القيامة} وقال: {لا تزال المسألة بالرجل حتى يجيء يوم ~~القيامة وليس في وجهه مزعة لحم} . وقال تعالى: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم} وقال تعالى: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ~~فإن الله كان عفوا قديرا} ومثل هذا في الكتاب والسنة كثير يبين فيهما أن ~~الجزاء من جنس العمل. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله: من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي # PageV06P483 # يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه؛ ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه} . فبين سبحانه أن العبد إذا تقرب إليه بمحابه من النوافل بعد الفرائض ~~أحبه الرب كما وصف وهذا ما احتملته هذه الأوراق من الجواب. والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV06P484 # قال شيخ الإسلام: # في ### | " رسالته إلى أهل البحرين " # واختلافهم في صلاة الجمعة: # والذي أوجب هذا: أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ~~ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في " رؤية ~~الكفار ربهم ms1825 "؛ وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد ~~فالأمر في ذلك خفيف. وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أن ~~المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة ~~على ما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عند العلماء ~~بالحديث؛ فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم {أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة ~~البدر والشمس عند الظهيرة لا يضام في رؤيته} . و " رؤيته سبحانه " هي أعلى ~~مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين؛ وإن كانوا ~~في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به. # PageV06P485 # والذي عليه جمهور " السلف " أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو ~~كافر؛ فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه ~~شرائع الإسلام فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر. والأحاديث ~~والآثار في هذا كثيرة مشهورة قد دون العلماء فيها " كتبا " مثل: " كتاب ~~الرؤية " للدارقطني ولأبي نعيم وللآجري؛ وذكرها المصنفون في السنة كابن بطة ~~واللالكائي وابن شاهين وقبلهم عبد الله بن أحمد بن حنبل وحنبل بن إسحاق ~~والخلال والطبراني وغيرهم. وخرجها أصحاب الصحيح والمساند والسنن وغيرهم. ~~فأما " مسألة رؤية الكفار " فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - ~~فيما بلغنا - بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة وأمسك عن الكلام في هذا قوم من ~~العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على " ثلاثة أقوال " مع أني ما ~~علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفرق ~~الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة. والكلام فيها قريب من الكلام في مسألة ~~" محاسبة الكفار " هل يحاسبون أم لا؟ هي مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق ~~والصحيح أيضا أن لا يضيق فيها ولا يهجر وقد حكي عن أبي الحسن بن بشار أنه ~~قال: لا يصلى خلف من يقول: إنهم يحاسبون. والصواب الذي عليه الجمهور أنه ~~يصلى خلف الفريقين بل يكاد الخلاف بينهم ms1826 يرتفع عند التحقيق؛ مع أنه قد ~~اختلف فيها # PageV06P486 # أصحاب الإمام أحمد وإن كان أكثرهم يقولون: لا يحاسبون واختلف فيها غيرهم ~~من أهل العلم وأهل الكلام. وذلك أن " الحساب " قد يراد به الإحاطة بالأعمال ~~وكتابتها في الصحف وعرضها على الكفار وتوبيخهم على ما عملوه وزيادة العذاب ~~ونقصه بزيادة الكفر ونقصه فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق. وقد يراد " ~~بالحساب " وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيهما أرجح: فالكافر لا حسنات له ~~توزن بسيئاته؛ إذ أعماله كلها حابطة وإنما توزن لتظهر خفة موازينه لا ~~ليتبين رجحان حسنات له. وقد يراد " بالحساب " أن الله: هل هو الذي يكلمهم ~~أم لا؟ فالقرآن والحديث يدلان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع ~~وتبكيت لا تكليم تقريب وتكريم ورحمة وإن كان من العلماء من أنكر تكليمهم ~~جملة. # والأقوال الثلاثة في " رؤية الكفار ": # أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له وهذا ~~قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام المتقدمين وعليه جمهور ~~أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. # الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات ~~من أهل الكتاب وذلك في عرصة القيامة ثم يحتجب عن المنافقين # PageV06P487 # فلا يرونه بعد ذلك وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة وقد ذكر ~~القاضي أبو يعلى نحوه في حديث إتيانه سبحانه وتعالى لهم في الموقف الحديث ~~المشهور. # الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - ثم ~~يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم وهذا قول أبي الحسن بن سالم وأصحابه ~~وقول غيرهم؛ وهم في الأصول منتسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل وإلى سهل بن ~~عبد الله التستري. وهذا مقتضى قول من فسر " اللقاء " في كتاب الله بالرؤية؛ ~~إذ طائفة من أهل السنة منهم أبو عبد الله بن بطة الإمام قالوا في قول الله: ~~{الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} وفي قوله: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ~~الله لآت} وفي قول الله: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} {الذين يظنون ms1827 ~~أنهم ملاقو ربهم} وفي قوله: {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله} وفي قوله: ~~{قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} إن اللقاء يدل على الرؤية والمعاينة. وعلى ~~هذا المعنى فقد استدل المثبتون بقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} . ومن أهل السنة من قال " اللقاء " إذا قرن ~~بالتحية فهو من الرؤية وقال ابن بطة: سمعت أبا عمر الزاهد اللغوي يقول: ~~سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى # PageV06P488 # ثعلبا يقول في قوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} {تحيتهم يوم يلقونه سلام} ~~أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرة بالأبصار. وأما " ~~الفريق الأول " فقال بعضهم: ليس الدليل من القرآن على رؤية المؤمنين ربهم ~~قوله: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} وإنما الدليل آيات أخر مثل قوله: {وجوه ~~يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} وقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وقوله: ~~{إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} وقوله: {لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد} إلى غير ذلك. ومن أقوى ما يتمسك به المثبتون: ما رواه مسلم في ~~صحيحه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {سأل ~~الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب؟ قالوا: ~~لا يا رسول الله قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب؟ ~~قالوا: لا يا رسول الله قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا ~~كما تضارون في رؤية أحدهما قال: فيلقى العبد فيقول: أي فلان ألم أكرمك؟ ألم ~~أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك ترأس وتربع؟ قال: ~~فيقول: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي؟ فيقول: يا رب لا. قال: فاليوم ~~أنساك كما نسيتني. قال: فيلقى الثاني فيقول: ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم ~~أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك ترأس وتربع؟ # PageV06P489 # قال: فيقول: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي؟ ms1828 فيقول: يا رب لا. قال: ~~فاليوم أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث: فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب ~~آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقال: ألا ~~نبعث شاهدنا عليك فيتفكر في نفسه من يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه: ~~انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق الذي ~~سخط الله عليه} . إلى هنا رواه مسلم. وفي رواية غيره - وهي مثل روايته سواء ~~صحيحة - قال: {ثم ينادي مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد قال: فتتبع ~~أولياء الشياطين الشياطين قال: واتبعت اليهود والنصارى أولياءهم إلى جهنم ~~ثم نبقى أيها المؤمنون فيأتينا ربنا وهو ربنا فيقول: علام هؤلاء قيام؟ ~~فنقول نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا وهو آتينا ويثيبنا وهذا ~~مقامنا. فيقول: أنا ربكم فامضوا قال: فيوضع الجسر وعليه كلاليب من النار ~~تخطف الناس فعند ذلك حلت الشفاعة لي اللهم سلم اللهم سلم قال: فإذا جاءوا ~~الجسر فكل من أنفق زوجا من المال مما يملك في سبيل الله فكل خزنة الجنة ~~يدعونه: يا عبد الله يا مسلم هذا خير فتعال يا عبد الله يا مسلم هذا خير ~~فتعال فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله ذلك العبد لا توى عليه يدع ~~بابا ويلج من آخر فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على منكبيه وقال: والذي ~~نفسي بيده إني لأرجو أن تكون منهم} . # PageV06P490 # وهذا حديث صحيح. وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه. ويقال: ظاهره أن ~~الخلق جميعهم يرون ربهم فيلقى الله العبد عند ذلك. لكن قال ابن خزيمة ~~والقاضي أبو يعلى وغيرهما " اللقاء " الذي في الخبر غير الترائي؛ لا أن ~~الله تراءى لمن قال له هذا القول وهؤلاء يقولون: أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن المؤمنين يرون ربهم؛ لأنهم قالوا: هل نرى ربنا؟ والضمير عائد على ~~المؤمنين فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكافر يلقى ربه فيوبخه ثم بعد ~~ذلك تتبع كل أمة ما كانت تعبد ms1829 ثم بعد ذلك يراه المؤمنون. يبين ذلك أن في ~~الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد عن أبي هريرة: ~~{أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في ~~القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. يا رسول الله. قال: فهل تمارون ~~في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم ~~القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من ~~يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم ~~الله فيقول: أنا ربكم فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا ~~عرفناه؛ فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ~~ربنا فيعرفونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من جاوز من الرسل ~~بأمته؛ ولا # PageV06P491 # يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم ~~كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا نعم. قال: فإنها مثل ~~شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم ~~من يوبق بعمله ومنهم المجازى حتى ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من ~~أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ~~ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود؛ فيخرجون ~~من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل ~~السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار - وهو ~~آخر أهل النار دخولا الجنة - فيقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب اصرف وجهي ~~عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيقول: هل عسيت إن فعل بك ذلك أن ~~لا تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق فيصرف ~~الله وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء الله أن ~~يسكت ثم ms1830 قال: يا رب قدمني عند باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت ~~العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى ~~خلقك. فيقول؛ هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن لا تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا. وعزتك ~~لا أسأل غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا ~~بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن ~~يسكت فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك؟ ~~أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير # PageV06P492 # الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه؛ ثم يؤذن ~~له في دخول الجنة فيقول: تمن. فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله: من ~~كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله ~~معه} . قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما {إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله} قال أبو هريرة: لم ~~أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: {لك ذلك ومثله معه} قال ~~أبو سعيد: إني سمعته يقول: {لك ذلك وعشرة أمثاله} . وفي رواية في الصحيح ~~قال: وأبو سعيد مع أبي هريرة لا يرد عليه في حديثه شيئا حتى إذا قال أبو ~~هريرة: {إن الله قال: ذلك لك ومثله معه} قال أبو سعيد الخدري: {وعشرة ~~أمثاله} يا أبا هريرة. [فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض وقد اتفق ~~أبو هريرة وأبو سعيد. . . (1) وليس فيه ذكر الرؤية إلا بعد أن تتبع كل أمة ~~ما كانت تعبد] (*) . وقد روي بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: {يجمع الله الناس يوم القيامة قال: فينادي مناد: يا أيها ~~الناس؛ ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي ك PageV06P493 # كان يعبد عزيرا شيطان عزير حتى يمثل لهم الشجرة ms1831 والعود والحجر ويبقى أهل ~~الإسلام جثوما؛ فيقال لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن ~~لنا ربا ما رأيناه بعد؛ قال: فيقال: فبم تعرفون ربكم إذا رأيتموه؟ قالوا ~~بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه. قيل: وما هو؟ قالوا: يكشف عن ساق} ~~وذكر الحديث. ففي هذا الحديث أن المؤمنين لم يروه قبل تجليه لهم خاصة ~~وأصحاب القول الآخر يقولون: معنى هذا لم يروه مع هؤلاء الآلهة التي يتبعها ~~الناس فلذلك لم يتبعوا شيئا. يدل على ذلك ما في الصحيحين أيضا من حديث زيد ~~بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري {قلنا: يا رسول الله هل نرى ~~ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. فهل تضارون في ~~رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة ~~البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: ما تضارون في رؤية ~~الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم ~~القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير ~~الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان ~~يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب؛ فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم ~~تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من ~~صاحبة # PageV06P494 # ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا رب فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون؟ ~~فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم يدعى ~~النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال ~~لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ فيقولون. عطشنا يا ~~رب فاسقنا قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم ~~بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر ~~وفاجر أتاهم الله في ms1832 أدنى صورة من التي رأوه فيها - وفي رواية - قال: ~~فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوها أول مرة قال: فما تنتظرون: ~~لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما ~~كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك ~~بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا؛ حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب - فيقول: هل ~~بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان ~~يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد ~~نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ~~ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ~~ربكم فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: ~~اللهم سلم سلم قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف ~~وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان فيمر المؤمنون كطرف ~~العين وكالبرق وكالريح وكالطير # PageV06P495 # وكأجاود الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس في نار جهنم حتى إذا ~~خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد بأشد مناشدة لله في ~~استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار} . ففي ~~هذا الحديث ما يستدل به على أنهم رأوه أول مرة قبل أن يقول: ليتبع كل قوم ~~ما كانوا يعبدون. وهي " الرؤية الأولى " العامة التي في " الرؤية الأولى " ~~عن أبي هريرة؛ فإنه أخبر في ذلك الحديث بالرؤية واللقاء ثم بعد ذلك يقول ~~ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون. # وكذلك جاء مثله في حديث صحيح من رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يجمع الله الناس يوم ~~القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا يتبع الناس ما ~~كانوا يعبدون فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب النار ms1833 ناره ولصاحب التصوير ~~تصويره فيتبعون ما كانوا يعبدون؛ ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين ~~فيقول: ألا تتبعون الناس فيقولون: نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا ~~حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم؛ ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون ~~الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا ويثبتهم. ~~قالوا وهل نراه يا رسول الله؟ قال: فإنكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة ~~ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيعرفهم نفسه ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني فيقوم ~~المسلمون ويوضع الصراط} . # PageV06P496 # وأبين من هذا كله في أن " الرؤية الأولى " عامة لأهل الموقف: حديث أبي ~~رزين العقيلي - الحديث الطويل - قد رواه جماعة من العلماء وتلقاه أكثر ~~المحدثين بالقبول وقد رواه ابن خزيمة في " كتاب التوحيد " وذكر أنه لم يحتج ~~فيه إلا بالأحاديث الثابتة قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم {فتخرجون ~~من الأصوى ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم قال: قلت: يا رسول الله ~~كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض ننظر إليه وينظر إلينا قال: أنبئك بمثل ~~ذلك في آلاء الله؟ : الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما في ساعة واحدة ~~ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو على أن يراكم وترونه أقدر ~~منهما على أن يرياكم وتروهما. قلت: يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا ~~لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم ولا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ~~ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلعمر إلهك ما يخطئ وجه واحد منكم ~~قطرة فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء؛ وأما الكافر فتخطمه مثل ~~الحمم الأسود؛ إلا ثم ينصرف نبيكم صلى الله عليه وسلم فيمر على أثره ~~الصالحون - أو قال - ينصرف على إثره الصالحون؛ قال: فيسلكون جسرا من النار} ~~وذكر حديث " الصراط ". وقد روى أهل السنن: قطعة من حديث أبي رزين بإسناد ~~جيد {عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله أكلنا يرى ربه يوم القيامة وما ~~آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين ms1834 أليس كلكم يرى القمر مخليا به؟ قلت: ~~بلى. قال: فالله أعظم} . # PageV06P497 # فهذا الحديث فيه أن قوله: {تنظرون إليه وينظر إليكم} عموم لجميع الخلق ~~كما دل عليه سياقه. وروى ابن خزيمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: {والله ما منكم من أحد إلا سيخلو ~~الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر - أو قال - ليلة يقول: ابن آدم ~~ما غرك بي؟ ابن آدم ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟} . ~~فهذه أحاديث مما يستمسك بها هؤلاء فقد تمسك بعضهم بقوله سبحانه وتعالى: ~~{فلما رأوه زلفة} واعتقدوا أن الضمير عائد إلى الله وهذا غلط؛ فإن الله ~~سبحانه وتعالى قال: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} {قل إنما العلم ~~عند الله وإنما أنا نذير مبين} {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل ~~هذا الذي كنتم به تدعون} فهذا يبين أن الذي رأوه هو الوعد أي: الموعود به ~~من العذاب ألا تراه يقول: {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} ؟ وتمسكوا بأشياء ~~باردة فهموها من القرآن ليس فيها دلالة بحال. # وأما الذين خصوا " بالرؤية " أهل التوحيد في الظاهر - مؤمنهم ومنافقهم - ~~فاستدلوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد المتقدمين كما ذكرناهما وهؤلاء الذين ~~يثبتون رؤيته لكافر ومنافق إنما يثبتونها مرة واحدة أو مرتين لمنافقين " ~~رؤية تعريف " ثم يحتجب عنهم بعد ذلك في العرصة. # PageV06P498 # وأما الذين نفوا " الرؤية " مطلقا على ظاهره المأثور عن المتقدمين فاتباع ~~لظاهر قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} روى ابن بطة بإسناده عن ~~أشهب قال: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم ~~القيامة؟ فقال مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله ~~الكفار بالحجاب قال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} . وعن المزني ~~قال سمعت ابن أبي هرم يقول: قال الشافعي: في كتاب الله {كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون} دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته. وعن حنبل بن ms1835 إسحاق ~~قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل - يقول: أدركت الناس وما ينكرون ~~من هذه الأحاديث شيئا - أحاديث الرؤية - وكانوا يحدثون بها على الجملة ~~يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين قال أبو عبد الله {كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فلا يكون حجاب إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء ~~الله ومن أراد فإنه يراه؛ والكفار لا يرونه. وقال: قال الله {وجوه يومئذ ~~ناضرة} {إلى ربها ناظرة} . والأحاديث التي تروى في النظر إلى الله حديث ~~جرير بن عبد الله وغيره {تنظرون إلى ربكم} أحاديث صحاح وقال {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} النظر إلى الله. قال أبو عبد الله: أحاديث الرؤية. نؤمن بها ~~ونعلم أنها حق ونؤمن بأننا نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب. ~~قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد # PageV06P499 # كفر وكذب بالقرآن ورد على الله تعالى أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال ~~حنبل: قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية فقال: صحاح هذه نؤمن بها ونقر ~~بها وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد أقررنا به. قال أبو ~~عبد الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ودفعناه رددنا ~~على الله أمره قال الله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . ~~وكذلك قال أبو عبد الله الماجشون - وهو من أقران مالك - في كلام له: فورب ~~السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابا فتنضر بها ~~وجوههم دون المجرمين وتفلج بها حجتهم على الجاحدين: جهم وشيعته وهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم ~~ولهم عذاب أليم؛ كيف لم يعتبروا يقول الله تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون} أفيظن أن الله يقصيهم ويعنتهم ويعذبهم بأمر يزعم الفاسق أنه ~~وأولياءه فيه سواء. ومثل هذا الكلام كثير في كلام غير واحد من السلف مثل ~~وكيع بن الجراح ms1836 وغيره. وقال القاضي أبو يعلى وغيره: كانت الأمة في رؤية ~~الله بالأبصار على " قولين " منهم المحيل للرؤية عليه وهم المعتزلة ~~والنجارية وغيرهم من الموافقين لهم على ذلك. و " الفريق الآخر " أهل الحق ~~والسلف من هذه # PageV06P500 # الأمة متفقون على أن المؤمنين يرون الله في المعاد وأن الكافرين لا يرونه ~~فثبت بهذا إجماع الأمة - ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها - على منع رؤية ~~الكافرين لله وكل قول حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود. وقال هو وغيره ~~أيضا. الأخبار الواردة في " رؤية المؤمنين لله " إنما هي على طريق البشارة ~~فلو شاركهم الكفار في ذلك بطلت البشارة ولا خلاف بين القائلين بالرؤية في ~~أن رؤيته من أعظم كرامات أهل الجنة. قال: وقول من قال: إنما يرى نفسه عقوبة ~~لهم وتحسيرا على فوات دوام رؤيته؛ ومنعهم من ذلك - بعد علمهم بما فيها من ~~الكرامة والسرور - يوجب أن يدخل الجنة الكفار ويريهم ما فيها من الحور ~~والولدان ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من شرابها ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم ~~قدر ما منعوا منه ويكثر تحسرهم وتلهفهم على منع ذلك بعد العلم بفضيلته. و " ~~العمدة " قوله سبحانه: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فإنه يعم حجبهم ~~عن ربهم في جميع ذلك اليوم وذلك اليوم {يوم يقوم الناس لرب العالمين} وهو ~~يوم القيامة فلو قيل: إنه يحجبهم في حال دون حال لكان تخصيصا للفظ بغير ~~موجب ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين؛ فإن " الرؤية " لا تكون دائمة ~~للمؤمنين والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به؛ فلا يجوز أن ~~يساويهم المؤمنون في عقاب ولا جزاء سواه؛ فعلم أن الكافر محجوب على الإطلاق ~~بخلاف المؤمن وإذا كانوا في عرصة # PageV06P501 # القيامة محجوبين فمعلوم أنهم في النار أعظم حجبا وقد قال سبحانه وتعالى: ~~{ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} وقال: {ونحشره يوم ~~القيامة أعمى} وإطلاق وصفهم بالعمى ينافي " الرؤية " التي هي أفضل أنواع ~~الرؤية. فبالجملة فليس مقصودي بهذه الرسالة الكلام المستوفي لهذه المسألة ~~فإن العلم كثير وإنما ms1837 الغرض بيان أن هذه " المسألة " ليست من المهمات التي ~~ينبغي كثرة الكلام فيها وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعارا ~~ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء. وليست هذه " المسألة " فيما علمت مما ~~يوجب المهاجرة والمقاطعة؛ فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة ~~واتباع وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا كما اختلف الصحابة رضي ~~الله عنهم - والناس بعدهم - في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في ~~الدنيا وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. ومع هذا فما أوجب هذا ~~النزاع تهاجرا ولا تقاطعا. وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواما من أهل السنة في ~~" مسألة الشهادة للعشرة بالجنة " حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات وكان ~~أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة؛ إلى مسائل نظير ~~هذه كثيرة. والمختلفون في هذه " المسألة " أعذر من غيرهم أما " الجمهور " ~~فعذرهم # PageV06P502 # ظاهر كما دل عليه القرآن وما نقل عن السلف؛ وأن عامة الأحاديث الواردة في ~~" الرؤية " لم تنص إلا على رؤية المؤمنين وأنه لم يبلغهم نص صريح برؤية ~~الكافر ووجدوا الرؤية المطلقة قد صارت دالة على غاية الكرامة ونهاية ~~النعيم. وأما المثبتون عموما وتفصيلا فقد ذكرت عذرهم وهم يقولون: قوله: ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} هذا الحجب بعد المحاسبة؛ فإنه قد يقال: ~~حجبت فلانا عني وإن كان قد تقدم الحجب نوع رؤية؛ وهذا حجب عام متصل وبهذا ~~الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين؛ فإنه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين ~~في عرصات القيامة بعد أن يحجب الكفار كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة ثم ~~يتجلى لهم في الجنة عموما وخصوصا دائما أبدا سرمدا. ويقولون: إن كلام السلف ~~مطابق لما في القرآن ثم إن هذا النوع من " الرؤية " الذي هو عام للخلائق قد ~~يكون نوعا ضعيفا ليس من جنس " الرؤية " التي يختص بها المؤمنون؛ فإن " ~~الرؤية " أنواع متباينة تباينا عظيما لا يكاد ينضبط طرفاها. وهنا آداب تجب ~~مراعاتها: # منها: ms1838 أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل ~~هجره وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها ~~إلا الداعية؛ دون الساكت فهذه أولى # PageV06P503 # ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا ~~يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله. ~~وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن ~~ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده ~~من العلم ما يرجو النفع به؛ بخلاف الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم في ~~الآخرة فإن الإيمان بذلك فرض واجب؛ لما قد تواتر فيها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة. ومن ذلك: أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن ~~الكفار يرون ربهم من غير تقييد لوجهين: (أحدهما: أن " الرؤية المطلقة " قد ~~صار يفهم منها الكرامة والثواب ففي إطلاق ذلك إيهام وإيحاش وليس لأحد أن ~~يطلق لفظا يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثورا عن السلف وهذا اللفظ ليس ~~مأثورا. (الثاني: أن الحكم إذا كان عاما في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن ~~القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص؛ فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث ~~ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من ~~الحوادث بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب ويا مريدا للزنا ونحو ذلك. ~~بخلاف ما لو قال: يا خالق كل شيء ويا من كل شيء يجري بمشيئته # PageV06P504 # فكذلك هنا لو قال: ما من أحد إلا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ~~ترجمان أو قال: إن الناس كلهم يحشرون إلى الله فينظر إليهم وينظرون إليه ~~كان هذا اللفظ مخالفا في الإيهام للفظ الأول. فلا يخرجن أحد عن الألفاظ ~~المأثورة وإن كان قد يقع تنازع في بعض معناها فإن هذا الأمر لا بد منه ~~فالأمر كما قد أخبر به ms1839 نبينا صلى الله عليه وسلم والخير كل الخير في اتباع ~~السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتفقه فيه والاعتصام بحبل الله وملازمة ما يدعو إلى الجماعة والألفة ~~ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة؛ إلا أن يكون أمرا بينا قد أمر الله ~~ورسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس والعين. وأما إذا اشتبه الأمر هل ~~هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب؟ فالواجب ترك ~~العقوبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {ادرءوا الحدود بالشبهات فإنك إن ~~تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة} رواه أبو داود ولا سيما إذا آل ~~الأمر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة؛ فإن الفساد الناشئ في هذه ~~الفرقة أضعاف الشر الناشئ من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية. وإذا اشتبه على ~~الإنسان أمر فليدع بما رواه مسلم في صحيحه - {عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول: اللهم رب ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم # PageV06P505 # الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . وبعد هذا: ~~فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من ~~القول والعمل ويرزقنا اتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا ~~ويجمع على الهدى شملنا ويقرن بالتوفيق أمرنا ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا ~~ويعصمنا من الشيطان ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وقد كتبت ~~هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي ~~إلا بالله ومع هذا فلم أحط علما بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية أموركم وإنما ~~كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثني والمقصود الأكبر إنما هو إصلاح ذات ~~بينكم وتأليف قلوبكم. وأما استيعاب القول في " هذه المسألة " وغيرها وبيان ~~حقيقة الأمر فيها فربما أقول أو أكتب في ms1840 وقت آخر إن رأيت الحاجة ماسة إليه ~~فإني في هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم أوكد. والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV06P506 # قال الشيخ شمس الدين بن القيم: # سمعت شيخ الإسلام أحمد بن تيمية " يقول في قوله صلى الله عليه وسلم {نور ~~أنى أراه} : # معناه كان ثم نور وحال دون رؤيته نور فأنى أراه؟ قال: ويدل عليه: أن في ~~بعض " ألفاظ الصحيح " {هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورا} (*) . وقد أعضل أمر ~~هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال: {نورا إني أراه} على ~~أنها ياء النسب؛ والكلمة كلمة واحدة. وهذا خطأ لفظا ومعنى وإنما أوجب لهم ~~هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~ربه وكان قوله: {أنى أراه؟} كالإنكار للرؤية حاروا في " الحديث " ورده ~~بعضهم باضطراب لفظه وكل هذا عدول عن موجب الدليل. وقد حكى " عثمان بن سعيد ~~الدارمي " في كتاب الرد له إجماع الصحابة على أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ~~ربه ليلة المعراج وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك. وشيخنا يقول: ليس ذلك ~~بخلاف في الحقيقة فإن ابن عباس لم يقل PageV06P507 # رآه بعيني رأسه وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه رآه؛ ~~ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس. ويدل على صحة ما قال شيخنا ~~في معنى حديث أبي ذر: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر {حجابه ~~النور} فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذر. {رأيت ~~نورا} . # PageV06P508 # قال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # وأما " الرؤية " فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: " رأى محمد ~~ربه بفؤاده مرتين " وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: ~~عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ~~ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة يقول: رأى محمد ms1841 ربه وتارة يقول ~~رآه محمد؛ ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك " الإمام ~~أحمد " تارة يطلق الرؤية؛ وتارة يقول: رآه بفؤاده؛ ولم يقل أحد إنه سمع ~~أحمد يقول رآه بعينه؛ لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا ~~منه رؤية العين؛ كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية ~~العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من # PageV06P509 # الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك؛ بل النصوص الصحيحة على ~~نفيه أدل؛ كما في صحيح مسلم {عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه} . وقد قال تعالى: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ~~آياتنا} ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: ~~{أفتمارونه على ما يرى} . {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ولو كان رآه بعينه ~~لكان ذكر ذلك أولى. وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: {وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن} قال هي رؤيا عين ~~أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وهذه " رؤيا الآيات " ~~لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه ~~قوم وكذبه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس في شيء من أحاديث ~~المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه. وقد ~~ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحد في الدنيا بعينه ~~إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة واتفقوا ~~على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا كما يرون الشمس والقمر. # PageV06P510 # واللغة تجوز " مطلقا " لمن لعنه الله ورسوله؛ وأما لعنة " المعين " فإن ~~علم أنه مات كافرا جازت لعنته. وأما الفاسق المعين فلا ms1842 تنبغي لعنته؛ {لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يلعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر} ~~مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما مع أن في لعنة المعين - إذا كان فاسقا أو ~~داعيا إلى بدعة - نزاع وهذه " المسألة " قد بسط الكلام عليها. # PageV06P511 # سئل: # عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا؛ وأنهم يحصل لهم بغير ~~سؤال ما حصل لموسى بالسؤال. # فأجاب: # أجمع " سلف الأمة وأئمتها " على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في ~~الآخرة وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم ولم يتنازعوا إلا في ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {واعلموا أن أحدا ~~منكم لن يرى ربه حتى يموت} . ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى ~~الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ ~~لا سيما إذا ادعوا إنهم أفضل من موسى فإن هؤلاء يستتابون؛ فإن تابوا وإلا ~~قتلوا، والله أعلم. # PageV06P512 # سئل الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~تيمية رضي الله عنه ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم ~~أجمعين -: # في الحديث الذي ذكره البخاري مستشهدا به في صحيحه؟ وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم {إن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا ~~الملك أنا الديان} وفي قوله عليه السلام {يقول الله عز وجل: يا آدم قم ~~فابعث بعث النار فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تبعث بعث النار} الحديث ~~المشهور، فإن بعض الناس قال: لا يثبت لله صفة بحديث واحد. فما الجواب عن ~~هذه المسألة من الكتاب والسنة والآثار والنظر والأمثال والنظائر وابسطوا ~~القول في ذلك أفتونا مأجورين؟ ؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل " هذا الباب " أن لا يتكلم الإنسان إلا بعلم؛ ~~فإن هذا وإن كان مأمورا به مطلقا فهو في هذا الباب أوجب قال الله تعالى: ~~{قل # PageV06P513 # إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ms1843 الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال ~~تعالى: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} وقال تعالى: {ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} . وكما أن الإنسان لا يجوز ~~له أن يثبت شيئا إلا بعلم فلا يجوز له أن ينفي شيئا إلا بعلم؛ ولهذا كان ~~النافي عليه الدليل؛ كما أن المثبت عليه الدليل. ومما يجب أن يعرف أن " ~~أدلة الحق لا تتناقض " فلا يجوز إذا أخبر الله بشيء - سواء كان الخبر ~~إثباتا أو نفيا - أن يكون في إخباره ما يناقض ذلك الخبر الأول ولا يكون ~~فيما يعقل بدون الخبر ما يناقض ذلك الخبر المعقول؛ فالأدلة المقتضية للعلم ~~لا يجوز أن تتناقض سواء كان الدليلان سمعيين أو عقليين أو كان أحدهما سمعيا ~~والآخر عقليا ولكن التناقض قد يكون فيما يظنه بعض الناس دليلا وليس بدليل ~~كمن يسمع خبرا فيظنه صحيحا ولا يكون كذلك أو يفهم منه ما لا يدل عليه أو ~~تقوم عنده شبهة يظنها دليلا عقليا وتكون باطلة التبس عليه فيها الحق ~~بالباطل فيكذب بها ما أخبر الله به ورسوله وهذا من أسباب ضلال من ضل من ~~مكذبي الرسل إما مطلقا كالذين كذبوا جميع الرسل: كقوم نوح وعاد وثمود ~~ونحوهم. وأما من آمن ببعض وكفر # PageV06P514 # ببعض كمن آمن من أهل الكتاب ببعض الرسل دون بعض ومن آمن من الفلاسفة ببعض ~~ما جاءت به الرسل دون بعض ومن أهل البدع من أهل الملل المسلمين واليهود ~~والنصارى من أتوا من هذا الوجه؛ فإنه قامت عندهم شبهات ظنوا أنها تنفي ما ~~أخبرت به الرسل من أسماء الله تعالى وصفاته وظنوا أن الواجب حينئذ تقديم ما ~~رأوه على النصوص؛ لشبهات قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع وبين ضلال ~~من ms1844 ضل من الجهمية المتفلسفة والمعتزلة ومن وافقهم من بعض ضلالهم. # وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ~~وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ويصان ذلك عن التحريف ~~والتمثيل والتكييف والتعطيل؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله فمن نفى صفاته كان معطلا. ومن مثل صفاته بصفات ~~مخلوقاته كان ممثلا والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات ~~إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى {ليس كمثله شيء} فهذا رد ~~على الممثلة {وهو السميع البصير} رد على المعطلة فالممثل يعبد صنما والمعطل ~~يعبد عدما. و " طريقة الرسل " - صلوات الله عليهم - إثبات صفات الكمال لله ~~على وجه التفصيل وتنزيهه بالقول المطلق عن التمثيل فطريقتهم " إثبات مفصل " ~~و " نفي مجمل " وأما الملاحدة من المتفلسفة والقرامطة والجهمية ونحوهم: ~~فبالعكس؛ نفي مفصل وإثبات مجمل. # PageV06P515 # فالله تعالى أخبر في كتابه إنه {بكل شيء عليم} و {على كل شيء قدير} وأنه ~~{غفور رحيم} {عزيز حكيم} {سميع بصير} {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش} وأنه {يحب المتقين} ويرضى عن المؤمنين ويغضب ~~على الكافرين وأنه {فعال لما يريد} وأنه كلم موسى تكليما وناداه من جانب ~~الطور الأيمن وقربه نجيا وأنه ينادي عباده فيقول: {أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون} وأمثال ذلك وقال تعالى: {ليس كمثله شيء} {هل تعلم له سميا} {ولم ~~يكن له كفوا أحد} . فبين بذلك أن الله لا مثل له ولا سمي ولا كفوا فلا يجوز ~~أن يكون شيء من صفاته مماثلا لشيء من صفات المخلوقات ولا أن يكون المخلوق ~~مكافئا ولا مساميا له في شيء من صفاته سبحانه وتعالى. وأما " الملاحدة " ~~فقلبوا الأمر وأخذوا يشبهونه بالمعدومات والممتنعات والمتناقضات فغلاتهم ~~يقولون: لا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع ولا أصم ولا متكلم ولا ~~أخرس بل قد يقولون لا موجود ولا معدوم ولا هو شيء ولا ليس بشيء. وآخرون ~~يقولون: ms1845 لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا حال فيه وأمثال هذه ~~العبارات التي ينفون بها الأمور المتقابلة التي لا يمكن انتفاؤها معا كما ~~يقول محققو هؤلاء: إنه وجود مطلق. ثم منهم من يقول: هو وجود مطلق إما بشرط ~~الإطلاق - كما يقوله " ابن # PageV06P516 # سينا " وأتباعه - مع أنهم قد قرروا في " المنطق " ما هو معلوم لكل ~~العقلاء: أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون موجودا في الأعيان؛ بل في الأذهان ~~وكان حقيقة قولهم: إن الموجود الواجب ليس موجودا في الخارج مع أنهم مقرون ~~بما لم يتنازع فيه العقلاء من أن الوجود لا بد فيه من موجود واجب الوجود ~~بنفسه. ومنهم من يقول: هو مطلق لا بشرط - كما يقوله القونوي وأمثاله - ~~فهؤلاء يجعلونه " الوجود " الذي يصدق على الواجب والممكن والواحد والكثير ~~والذهني والخارجي والقديم والمحدث؛ فيكون: إما صفة للمخلوقات وإما جزءا ~~منها وإما عينها. وأولئك يجعلونه " الوجود " المجرد الذي لا يتقيد بقيد؛ ~~فلزمهم أن لا يكون واجبا ولا ممكنا ولا عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا ~~عاجزا؛ وهم يقولون مع ذلك إنه عاقل ومعقول وعاشق ومعشوق؛ فيتناقضون في ~~ضلالهم ويجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا؛ كما أنهم يريدون أن يثبتوا ~~وجودا مجردا عن كل نعت مطلقا عن كل قيد وهم - مع ذلك - يخصونه بما لا يكون ~~لسائر الموجودات ولهذا يقول بعضهم: إن العالم والعلم واحد وإنه نفس العلم ~~فيجعلون العالم بنفسه هو العالم بغيره والموصوف هو الصفة؛ ويتناقضون أشد من ~~تناقض النصارى في " تثليثهم " " واتحادهم " اللذين أفسدوا بهما الإيمان ~~بالتوحيد، والرسالة. # PageV06P517 # وكلام ابن سبعين وابن رشد الحفيد وابن التومرت وابن عربي الطائي؛ ~~وأمثالهم من الجهمية - نفاة الصفات: يدور على هذا الأصل كما قد بسط في ~~موضعه - ويوجد ما يقارب هذا الاتحاد في كلام كثير من أهل الكلام والتصوف ~~الذين دخل عليهم بعض شعب الاتحاد ولم يعلموا ما فيها من الفساد. والقول في ~~" مسألة كلام الله تعالى " واضطراب الناس فيها مبني على هذا الأصل فإنها من ~~" مسائل الصفات " وفيها من التفريع ما امتازت به ms1846 على سائر مسائل الصفات وقد ~~اضطرب الناس فيها اضطرابا كثيرا قد بيناه في غير هذا الموضع؛ وبينا أن " ~~سلف الأمة وأئمتها " كانوا على الإيمان الذي بعث الله به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. ويقولون: إن القرآن كلام الله تعالى. ~~ويصفون الله بما وصف به نفسه من التكليم والمناجاة والمناداة وما جاءت به ~~السنن والآثار موافقة لكتاب الله تعالى. فلم يكن في الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان إلى يوم الدين وسائر أئمة المسلمين: من قال: إن كلام الله مخلوق ~~خلقه في غيره ولم يقم به كلام كما قالته " الجهمية " من المعتزلة وغيرهم بل ~~لما أظهروا هذه البدعة اشتد نكير السلف والأئمة لها؛ وعرفوا أن حقيقتها أن ~~الله لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى إذ كان الكلام وسائر الصفات إنما يعود ~~حكمها إلى من قامت به. # PageV06P518 # فلو خلق كلاما في الشجرة {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} لكان ذلك كلاما ~~للشجرة وكانت هي القائلة: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} بمنزلة ~~الكلام الذي تنطق به الجلود حين قال لها أصحابها: {لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} وكذلك قال تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن} فلو كان تكلمه بمعنى أنه خلق كلاما في غيره لكان كل كلام في الوجود ~~كلامه لأنه خالقه وكذلك صرح بذلك " الحلولية " من الجهمية كما يذكر عن ابن ~~عربي صاحب " الفصوص " و " الفتوحات ": # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وقد علم أن الله إذا خلق في بعض الأعيان علما أو قدرة أو حركة أو إرادة: ~~كان ذلك المحل هو العالم القادر المتحرك المريد: فلو لم يكن كلامه إلا ما ~~يخلقه في غيره لكان الغير هو المتكلم به وهذا مبسوط في موضعه. و " شبهة ~~نفاة الكلام المشهورة " أنهم اعتقدوا أن " الكلام " صفة من الصفات لا تكون ~~إلا بفعل من الأفعال القائمة ms1847 بالمتكلم؛ فلو تكلم الرب لقامت به الصفات ~~والأفعال وزعموا أن ذلك ممتنع. قالوا: لأنا إنما استدللنا على حدوث العالم ~~بحدوث الأجسام واستدللنا على حدوثها بما قام بها من الأعراض التي هي الصفات ~~والأفعال؛ فلو قام بالرب الصفات والأفعال للزم أن يكون محدثا وبطل الدليل ~~الذي استدللنا به على " حدوث العالم وإثبات الصانع ". # PageV06P519 # فقال لهم أهل السنة والإثبات: دليلكم هذا دليل مبتدع في الشرع لم يستدل ~~به أحد من سلف الأمة وأئمتها بل قد ذكر الأشعري في " رسالته إلى أهل الثغر ~~" أنه دليل محرم في دين الرسل وأنه لا يجوز بناء دين المسلمين عليه؛ وذكر ~~غيره: أنه باطل في العقل؛ كما هو محرم في الشرع وأن ذم السلف والأئمة لأهل ~~الكلام والجهمية وأهل الخوض في الأعراض والأجسام أعظم ما قصدوا به ذم مثل ~~هذا الدليل؛ كما قد بسط الكلام على ذلك في موضعه. ولما ظهرت " مقالة ~~الجهمية " جاء بعد ذلك " أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب " يوافق السلف ~~والأئمة على إثبات " صفات الله تعالى وعلوه على خلقه " وبين أن " العلو على ~~خلقه " يعلم بالعقل و " استواؤه على العرش " يعلم بالسمع؛ وكذلك جاء بعده ~~الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهما من المتكلمين المنتسبين إلى ~~السنة والحديث. ثم جاء " أبو الحسن الأشعري " فاتبع طريقة ابن كلاب وأمثاله ~~وذكر في كتبه جمل مقالة أهل السنة والحديث؛ وأن ابن كلاب يوافقهم في أكثرها ~~وهؤلاء يسمون " الصفاتية " لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافا للمعتزلة؛ ~~لكن " ابن كلاب وأتباعه " لم يثبتوا لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته ~~وقدرته بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. فكانت " المعتزلة " ~~تقول: لا تحله الأعراض والحوادث. وهم لا يريدون " بالأعراض " الأمراض ~~والآفات فقط؛ بل يريدون بذلك الصفات؛ ولا يريدون # PageV06P520 # " بالحوادث " المخلوقات ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك - مما يريده ~~الناس بلفظ الحوادث - بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال ~~وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق ولا استواء ولا إتيان ولا مجيء ولا تكليم ~~ولا مناداة ms1848 ولا مناجاة ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. وابن ~~كلاب " خالفهم في قولهم: لا تقوم به الأعراض. وقال: تقوم به الصفات؛ ولكن ~~لا تسمى أعراضا ووافقهم على ما أرادوه بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه ~~لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. فصار من حين فرق هذا التفريق ~~المنتسبون إلى السنة والجماعة - القائلون بأن القرآن غير مخلوق وأن الله ~~يرى في الآخرة وأن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه - على " قولين " ~~ذكرهما الحارث المحاسبي وغيره. " طائفة " وافقت ابن كلاب كالقلانسي ~~والأشعري وأبي الحسن بن مهدي الطبري ومن اتبعهم؛ فإنه وافق هؤلاء كثير من ~~أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ~~حنيفة وغيرهم. وكان " الحارث المحاسبي " يوافقه ثم قيل: إنه رجع عن ~~موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن ~~كلاب لما أظهروا ذلك كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث ~~فذكروا أن الحارث - رحمه الله - تاب من ذلك وكان له من العلم والفضل # PageV06P521 # والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب ~~(مقالات الصوفية: أنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت وهذا يوافق قول من ~~يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب. # قال أبو بكر الكلاباذي: وقالت طائفة من الصوفية: كلام الله حرف وصوت وأنه ~~لا يعرف كلام إلا كذلك مع إقرارهم أنه صفة لله في ذاته وأنه غير مخلوق قال: ~~وهذا قول الحارث المحاسبي ومن المتأخرين ابن سالم. وبقي هذا الأصل يدور بين ~~الناس حتى وقع بين " أبي بكر بن خزيمة " الملقب بإمام الأئمة وبعض أصحابه ~~بسبب ذلك؛ فإنه بلغه أنهم وافقوا " ابن كلاب " فنهاهم وعابهم وطعن على " ~~مذهب ابن كلاب " بما كان مشهورا عند أئمة الحديث والسنة. # ومن ذلك الزمان تنازع المنتسبون إلى السنة: من أن الله يتكلم بصوت؛ أو لا ~~يتكلم بصوت؟ فإن أتباع ابن كلاب نفوا ذلك؛ قالوا: لأن المتكلم بصوت ms1849 يستلزم ~~قيام فعل بالمتكلم متعلق بإرادته؛ والله - عندهم - لا يجوز أن يقوم به أمر ~~يتعلق بمشيئته وقدرته: لا فعل ولا غير فعل فقالوا: إن الله لا يتكلم بصوت؛ ~~وإنما كلامه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر. إن عبر عنه بالعربية كان ~~قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا. ~~فقال جمهور العقلاء من أهل السنة وغير أهل السنة " هذا القول " معلوم # PageV06P522 # الفساد بضرورة العقل؛ كما هو مخالف للكتاب والسنة؛ فإنا نعلم أن التوراة ~~إذا عربت لم تكن هي القرآن بل معانيها ليست هي معاني القرآن ونعلم أن ~~القرآن إذا ترجم بالعبرية لم يصر هو التوراة المنزلة على موسى؛ ونعلم أن ~~معنى آية الدين ليس هو معنى آية الكرسي ولا معنى {تبت يدا أبي لهب} هو معنى ~~{قل هو الله أحد} . قالوا: ومن جعل الأمر والنهي صفات للكلام؛ لا أنواع له ~~فقوله معلوم الفساد بالضرورة؛ وهذا من جنس قول القائلين بوحدة الوجود؛ فإن ~~من جعل " الوجود واحدا بالعين " وهو الواجب والممكن: كان كلامه معلوم ~~الفساد بالضرورة؛ كمن جعل معاني الكلام معنى واحدا: هي الأمر والنهي ~~والخبر؛ لكن " الكلام " ينقسم إلى الإنشاء والخبر و " الإنشاء " ينقسم إلى ~~طلب الفعل وطلب الترك و " الخبر " ينقسم إلى خبر عن النفي وخبر عن الإثبات ~~كما أن " الموجود " ينقسم إلى واجب وممكن و " الممكن " ينقسم إلى حي قائم ~~بنفسه وقائم بغيره؛ و " القائم بغيره " ينقسم إلى ما تشترط له الحياة وما ~~لا تشترط له الحياة فلفظ " الواحد " ينقسم إلى واحد بالنوع وواحد بالعين. ~~فقول القائل " الكلام معنى واحد " كقوله الوجود واحد فإن أراد به أنه نوع ~~واحد؛ أو جنس واحد؛ أو صنف واحد؛ ونحو ذلك لم يكن ذلك مثل أن يريد أنه عين ~~واحدة وذات واحدة وشخص واحد؛ فإن هذا مكابرة # PageV06P523 # للحس والعقل والشرع. وأما " الأول " فمراده أن بين ذلك قدرا مشتركا؛ كما ~~أن " الموجودات " تشترك في مسمى الوجود و " أنواع الكلام " تشترك في مسمى ~~الكلام وقد بسط هذا كله في ms1850 غير هذا الموضع. ثم إن " طائفة أخرى " لما عرفت ~~فساد قول ابن كلاب في مسألة الكلام ووافقته على أصله في أن الله لا يقوم به ~~ما يتعلق بمشيئته وقدرته وكان من قولها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولم ~~يكن عندها إلا قديم لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته أو مخلوق منفصل عنه لزمها ~~أن تقول: إن الله يتكلم بصوت أو أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته ~~وأنه لم يزل ولا يزال متصفا بتلك الأصوات القديمة الأزلية اللازمة لذاته. ~~وهذا القول يذكر عن " أبي الحسن بن سالم " شيخ أبي طالب المكي - إن صح عنه ~~- لكنه قول كثير من أصحاب ابن سالم ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد وغيرهم. وقالت " الكرامية " وطائفة كثيرة: من المرجئة و الشيعة ~~وغيرهم: إن الله يتكلم بأصوات تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته وأنه تقوم به ~~الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته؛ لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن؛ وأن الله في ~~الأزل لم يكن متكلما إلا بمعنى القدرة على الكلام وأنه يصير موصوفا بما ~~يحدث بقدرته وبمشيئته بعد أن لم يكن كذلك؛ وهؤلاء رأوا أنهم يوافقون ~~الجماعة في أن لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته ويقوم به غير ذلك ~~من " الإرادات " و " الكلام " الذي يتعلق بمشيئته # PageV06P524 # وقدرته، لكن قالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث؛ فإن ما تعاقبت عليه ~~الحوادث فهو محدث ووافقوا المعتزلة في الاستدلال بذلك على حدوث العالم. ~~فكما أن ابن كلاب فرق بين الأعراض والحوادث: فرق هؤلاء في الحوادث بين ~~تجددها وبين لزومها فقالوا بنفي لزومها له دون نفي حدوثها كما قالوا في ~~المخلوقات المنفصلة: إنها تحدث بعد أن لم تكن بمشيئته وقدرته. والفلاسفة ~~الدهرية يطالبون هؤلاء كلهم بسبب حدوث الحوادث بعد أن لم تكن وإن ذلك ~~يستلزم الترجيح بلا مرجح والحوادث بلا سبب حادث قالوا: وهو ممتنع في صريح ~~العقل وهذا أعظم شبههم في " قدم العالم " وهي (المعضلة الزباء والداهية ~~الدهيا وقد ضاق هؤلاء عن جوابهم حتى خرجوا إلى الالتزام وقد بسطنا ms1851 الكلام ~~على ذلك في غير هذا الموضع. وبينا " الأجوبة القاطعة " عن كلام الفلاسفة ~~على طريقة السلف والأئمة وأنه من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه أن ~~يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها ويتبين له أن العقل الصريح مطابق ~~للسمع الصحيح. وبينا أيضا كيف تجيبهم " كل طائفة من طوائف أهل القبلة " ~~لأنهم أقرب إلى الحق من الفلاسفة فيمكنهم أن يجيبوهم بالإلزام جوابا لا ~~محيص للفلاسفة عنه ويمكنهم أن يقولوا للفلاسفة: قولكم أظهر فسادا في الشرع ~~والعقل من قول كل طائفة من طوائف المسلمين فتقول لهم كل طائفة من طوائف ~~المسلمين: # PageV06P525 # إذا لم يمكنا أن نجيبكم بجواب قاطع يحل شبهتكم غير الجواب الإلزامي إلا ~~بموافقتكم فيما يخالف الشرع والعقل أو موافقة إخواننا المسلمين فيما لا ~~يخالف الشرع - ويمكن أيضا أن لا يخالف العقل - كان هذا؛ أولى فإن الفلاسفة ~~طمعت في طوائف أهل القبلة بما ابتدعه كل فريق فأخذت بدعة أصحابها واحتجت ~~بها عليهم فأمكن صاحب ذلك القول المبتدع أن يقول: رجوعي عن هذا القول ~~المبتدع مع موافقتي لما دل عليه الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: أحب إلي ~~من أن أوافق الفلاسفة على قول أعلم أنه كفر في الشرع مع أن العقل أيضا يبين ~~فساده. " وأما السلف والأئمة " فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بقول من قال: ~~إن القرآن مخلوق ولا بقول من قال: إنه معنى واحد قائم بالذات هو الأمر ~~والنهي والخبر؛ وهو مدلول التوراة والإنجيل والقرآن وغير ذلك من العبارات. ~~ولا بقول من قال: إنه أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته. ولا بقول ~~من قال: إن الله كان لا يتكلم حتى أحدث لنفسه كلاما صار به متكلما. وأما ~~القول: بأن أصوات العباد بالقرآن أو ألفاظهم قديمة أزلية: فهذا أيضا من " ~~البدع المحدثة " التي هي أظهر فسادا من غيرها والسلف والأئمة من أبعد الناس ~~عن هذا القول. والعقل الصريح يعلم أن من جعل أصوات العباد قديمة أزلية كان ~~قوله معلوم الفساد بالضرورة. # PageV06P526 # ولكن أصل هذا تنازعهم في " مسألة اللفظ " والمنصوص ms1852 عن الإمام أحمد ونحوه ~~من العلماء أن من قال: إن اللفظ بالقرآن والتلاوة مخلوقة فهو جهمي ومن قال: ~~إنه غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأن " اللفظ والتلاوة " يراد به الملفوظ المتلو. ~~وذلك هو كلام الله فمن جعل كلام الله الذي أنزله على نبيه مخلوقا فهو جهمي. ~~ويراد بذلك " المصدر وصفات العباد " فمن جعل " أفعال العباد وأصواتهم غير ~~مخلوقة " فهو مبتدع ضال. وهكذا ذكره الأشعري في كتاب " المقالات " عن أهل ~~السنة والحديث قال: ويقولون: إن القرآن كلام غير مخلوق والكلام في الوقف ~~واللفظ بدعة. من قال: باللفظ أو الوقف: فهو مبتدع. وعندهم لا يقال: اللفظ ~~بالقرآن مخلوق ولا يقال: غير مخلوق. وليس في الأئمة والسلف من قال: إن الله ~~لا يتكلم بصوت بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة: أن الله يتكلم بصوت ~~وجاء ذلك في آثار مشهورة عن السلف والأئمة وكان السلف والأئمة يذكرون ~~الآثار التي فيها ذكر تكلم الله بالصوت ولا ينكرها منهم أحد حتى قال عبد ~~الله بن أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت فقال: يا ~~بني هؤلاء جهمية إنما يدورون على التعطيل. ثم ذكر بعض الآثار المروية في ~~ذلك. وكلام " البخاري " في " كتاب خلق الأفعال " صريح في أن الله يتكلم ~~بصوت وفرق بين صوت الله وأصوات العباد وذكر في ذلك عدة أحاديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك ترجم في كتاب الصحيح باب في قوله تعالى: # PageV06P527 # {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير} وذكر ما دل على أن الله يتكلم بصوت وهو القدر. وكما أنه المعروف ~~عند " أهل السنة والحديث " فهو قول جماهير فرق الأمة؛ فإن جماهير " الطوائف ~~" يقولون: إن الله يتكلم بصوت مع نزاعهم في أن كلامه هل هو مخلوق أو قائم ~~بنفسه؟ قديم أو حادث؟ أو ما زال يتكلم إذا شاء؟ فإن هذا قول المعتزلة ~~والكرامية والشيعة وأكثر المرجئة والسالمية وغير هؤلاء: من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية. وليس من طوائف ms1853 المسلمين من أنكر ~~أن الله يتكلم بصوت إلا ابن كلاب ومن اتبعه كما أنه ليس في طوائف المسلمين ~~من قال: إن الكلام معنى واحد قائم بالمتكلم إلا هو ومن اتبعه وليس في طوائف ~~المسلمين من قال: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة أزلية ولا إنه يسمع من ~~العباد صوتا قديما ولا إن " القرآن " نسمعه نحن من الله إلا طائفة قليلة من ~~المنتسبين إلى أهل الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم وليس في ~~المسلمين من يقول: إن الحرف الذي هو مداد المصاحف قديم أزلي؛ فإثبات " ~~الحرف والصوت " بمعنى أن المداد وأصوات العباد قديمة بدعة باطلة لم يذهب ~~إليه أحد من الأئمة وإنكار تكلم الله بالصوت وجعل كلامه معنى واحدا قائما ~~بالنفس بدعة باطلة لم يذهب إليها أحد من السلف والأئمة. والذي اتفق عليه " ~~السلف والأئمة " أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق # PageV06P528 # منه بدأ وإليه يعود وإنما قال السلف: " منه بدأ " لأن الجهمية - من ~~المعتزلة وغيرهم - كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في المحل فقال السلف: منه ~~بدأ. أي: هو المتكلم به فمنه بدأ؛ لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى: ~~{تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقال تعالى: {ولكن حق القول مني} ~~وقال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} وقال ~~تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ومعنى قولهم: " إليه يعود " أنه ~~يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا منه حرف كما جاء ~~في عدة آثار. # PageV06P529 # فصل: # إذا تبين هذا، فقول القائل: لا يثبت لله صفة بحديث واحد عنه أجوبة. # أحدها: أن يقال: لا يجوز النفي إلا بدليل كما لا يجوز الإثبات إلا بدليل. ~~فإذا كان هذا القائل ممن لا يتكلم في هذا الباب إلا بأدلة شرعية ويرد ~~الأقوال المبتدعة. قيل له: قول القائل: إن الله لا يتكلم بصوت ونحو ذلك ~~كلام لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس فيه حديث لا صحيح ولا ضعيف ~~وأما الإثبات ففيه عدة ms1854 أحاديث في الصحاح والسنن والمساند وآثار كثيرة عن ~~السلف والأئمة فأي القولين حينئذ هو الذي جاءت به السنة؟ قول المثبت أو ~~النافي؟ . # وإن كان ممن يتكلم بالأدلة العقلية في هذا الباب تكلم معه في ذلك وبين له ~~أنها تدل على الإثبات لا على النفي وأن قول النفاة معلوم الفساد بدلائل ~~العقل كما اتفق على ذلك جمهور العقلاء. # الوجه الثاني: أن يقال: " هذه الصفة " دل عليها القرآن؛ فإن الله أخبر ~~بمناداته لعباده في غير آية كقوله تعالى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} ~~وقوله: {ويوم # PageV06P530 # يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} وقوله: {وناداهما ربهما ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة} و " النداء " في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق ~~النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازا وإذا كان النداء نوعا من الصوت ~~فالدال على النوع دال على الجنس بالضرورة؛ كما لو دل دليل على أن هنا ~~إنسانا فإنه يعلم أن هنا حيوانا. # وهذا كما أنه إذا أخبر أن له علما وقدرة دل على أن له صفة؛ لأن العلم ~~والقدرة نوع من الصفات وإذا كان لفظ القرآن لم يذكر فيه أن العلم صفة ولا ~~القدرة صفة. وكذلك إذا أخبر في القرآن أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت دل على ~~أنه فاعل فإن هذه أنواع تحت جنس الفعل وإن كان ثبوت هذه الصفة بما قد دل ~~عليه القرآن - في غير موضع - كان ما جاء من الأحاديث موافقا لدلالة القرآن ~~ولم تكن هذه الصفة ثابتة بمجرد هذا الخبر. # الوجه الثالث أن ما أخبر الله به في كتابه من تكليم موسى وسمع موسى لكلام ~~الله يدل على أنه كلمه بصوت؛ فإنه لا يسمع إلا الصوت؛ وذلك أن الله قال في ~~كتابه عن موسى: {فاستمع لما يوحى} وقال في كتابه: {إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا # PageV06P531 # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ms1855 وكلم الله موسى ~~تكليما} . ففرق بين إيحائه إلى سائر النبيين وبين تكليمه لموسى؛ كما فرق ~~أيضا بين النوعين في قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب} ففرق بين الإيحاء والتكليم من وراء حجاب؛ فلو كان تكليمه لموسى ~~إلهاما ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتا لم يكن فرق بين الإيحاء إلى غيره ~~والتكليم له فلما فرق القرآن بين هذا وهذا وعلم بإجماع الأمة ما استفاضت به ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيص موسى بتكليم الله إياه دل ذلك ~~على أن الذي حصل له ليس من جنس الإلهامات وما يدرك بالقلوب إنما هو كلام ~~مسموع بالآذان ولا يسمع بها إلا ما هو صوت. # الوجه الرابع أن مفسري القرآن وأهل السنن والآثار وأتباعهم من السلف: ~~كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت كما في الآثار المعروفة عنهم في ~~الكتب المأثورة عن السلف مثل ما ذكره ابن جرير وأمثاله في تفسير قوله: {حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم} وتفسير كلام الله لموسى وغير ذلك؛ وكما ذكره عبد الله ~~بن أحمد والخلال والطبراني وأبو الشيخ وغيرهم: في " كتب السنة " وكما ذكره ~~الإمام أحمد وغيره في " كتب الزهد وقصص الأنبياء ". # PageV06P532 # الوجه الخامس # أن يقال: الأدلة الدالة على أن الله يتكلم - من الشرع والعقل - دلت على ~~إنه يتكلم بالصوت؛ فإن الناس لهم في مسمى " الكلام " أربعة أقوال. قيل: إنه ~~اسم للفظ الدال على المعنى. وقيل: للمعنى المدلول عليه باللفظ. وقيل: اسم ~~لكل منهما بطريق الاشتراك. وقيل: اسم لهما بطريق العموم. وهذا مذهب السلف ~~والفقهاء والجمهور فإذا قيل: تكلم فلان: كان المفهوم منه عند الإطلاق اللفظ ~~والمعنى جميعا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت بها أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به} وقال: {كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم} وقال: {أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد. ألا كل شيء ما خلا ms1856 الله ~~باطل} ونظائر هذا كثيرة " فالكلام " إذا أطلق يتناول اللفظ والمعنى جميعا ~~وإذا سمي المعنى وحده كلاما أو اللفظ وحده كلاما فإنما ذاك مع قيد يدل على ~~ذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع وأن الكلام عند الإطلاق هو اللفظ والمعنى ~~جميعا والقرآن والحديث مملوء من آيات الكلام لله تعالى؛ فكان المفهوم من ~~ذلك هو إثبات اللفظ والمعنى لله. # PageV06P533 # الوجه السادس # أن القرآن كلام الله باتفاق المسلمين فإن كان كلامه هو المعنى فقط والنظم ~~العربي الذي يدل على المعاني ليس كلام الله كان مخلوقا خلقه الله في غيره ~~فيكون كلاما لذلك الغير؛ لأن الكلام إذا خلق في محل كان كلاما لذلك الغير ~~كما تقدم؛ فيكون الكلام العربي ليس كلام الله بل كلام غيره ومن المعلوم ~~بالاضطرار من دين المسلمين أن الكلام العربي الذي بلغه محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن الله أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره؛ فإن كان النظم العربي ~~مخلوقا لم يكن كلام الله؛ فيكون ما تلقته الأمة عن نبيها باطلا. وهذا من ~~أعظم حجج السنية على الجهمية من أن القرآن غير مخلوق؛ فإنهم قالوا: لو خلقه ~~في غيره لكان صفة لذلك الغير كسائر الصفات المخلوقة إذا خلقها الله في محل ~~كانت صفة لذلك المحل وهذا بعينه يدل على أن القرآن العربي كلام الله لا ~~كلام غيره إذ لو كان مخلوقا في محل لكان الكلام العربي كلاما لذلك المحل ~~الذي خلق فيه وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الكلام العربي كلام الله ~~لا كلام غيره. وهذا يبطل قول من قال من المتأخرين: إن الكلام يقال ~~بالاشتراك على اللفظ والمعنى؛ فإنه يقال لهم: إذا كان كل منهما يسمى كلاما ~~حقيقة امتنع أن يكون واحد منهما مخلوقا؛ إذ لو كان مخلوقا لكان كلاما للمحل ~~الذي خلق فيه. # PageV06P534 # ولهذا لم يكن قدماء الكلابية يقولون: إن " لفظ الكلام " مشترك بين اللفظ ~~والمعنى؛ لأن ذلك يبطل حجتهم على المعتزلة ويوجب عليهم القول بأن كلام الله ~~مخلوق لكن كانوا يقولون: ms1857 إن إطلاق الكلام على اللفظ بطريق المجاز وعلى ~~المعنى بطريق الحقيقة؛ فعلم متأخروهم أن هذا فاسد بالضرورة وأن " اسم ~~الكلام " يتناول اللفظ حقيقة فجعلوه مشتركا فلزمهم أن يكون كلام الله ~~مخلوقا. فهم بين محذورين: إما القول بأن كلام الله مخلوق وإما القول بأن ~~القرآن العربي ليس كلام الله وكلا الأمرين معلوم الفساد. وليس الكلام في ~~نفس أصوات العباد وحركاتهم؛ بل الكلام في نفس " القرآن " العربي المنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ويظهر ذلك بأن نقدر الكلام في " القرآن " قبل أن ~~ينزل إليه ويبلغه إلى الخلق. فإن قيل: إنه كله كلام الله تكلم به وبلغه عنه ~~جبريل إلى محمد - كما هو المعلوم من دين المرسلين - كان هذا صريحا بأنه لا ~~فرق بين الحروف والمعاني وأن هذا من كلام الله كما أن هذا من كلام الله. ~~وإن قيل: إنه خلق في غيره حروفا منظمة دلت على معنى قائم بذاته فقد صرح بأن ~~تلك الحروف المؤلفة ليست كلامه وأنه لم يتكلم بها بحال. وإذا قيل: إن تلك ~~تسمى كلاما حقيقة وقد خلقت في غيره لزم أن تكون كلاما لذلك الغير فلا يكون ~~كلام الله وهو خلاف المعلوم من دين الإسلام. وإن قيل: لا يسمى كلاما حقيقة ~~كان خلاف المعلوم من اللغة والشريعة ضرورة. ونحن لا نمنع أن المعنى وحده قد ~~يسمى كلاما كما قد يسمى اللفظ وحده # PageV06P535 # كلاما؛ لكن الكلام في القرآن الذي هو " لفظ ومعنى " هل جميعه كلام الله؟ ~~أم لفظه كلام الله؛ دون معناه؟ أم معناه كلام الله دون لفظه؟ ومن المعلوم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن الجميع كلام الله وقد قال تعالى: {وإذا بدلنا ~~آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} - إلى قوله - {ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} ~~كان بعض المشركين يقولون: إن محمدا إنما يتعلم القرآن من عبد لبني الحضرمي ~~فقال الله ms1858 تعالى: لسان الذي يضيفون إليه القرآن لسان أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين. وهذا يبين أن محمدا بلغ القرآن لفظه ومعناه لم ينزل عليه معان مجردة؛ ~~إذ لو كان كذلك لأمكن أن يقال: تلقى من هذا الأعجمي معان صاغها بلسانه فلما ~~ذكر قوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} بعد قوله: ~~{قل نزله روح القدس من ربك بالحق} دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان ~~العربي المبين. # الوجه السابع # أن كلام الله وسائر الكلام: يسمع من المتكلم كما سمع موسى كلام الله من ~~الله وسمع الصحابة كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه وتارة يسمع من المبلغ ~~عنه؛ كما سمع المسلمون القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم والمبلغين عنه # PageV06P536 # ومنه قوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ~~وكما يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة. ثم من المعلوم أن ~~المحدث إذا حدث بقوله: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} كان ~~الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه تكلم به بصوته ~~والمحدث بلغه بحركاته وأصواته. ثم من المعلوم أن المبلغ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمثاله من الناطقين تكلم به بحروفه ومعانيه؛ مع إمكان الرواية ~~عنه بالمعنى وإمكان قيام ألفاظ مكان ألفاظ كما حكى الله في القرآن أقوال ~~أمم تكلمت بغير الكلام العربي ولو قدر أن المبلغ عنه لم يتكلم إلا بمعنى ~~الكلام وعبر عنه لكان كالأخرس الذي تقوم بذاته المعاني من غير تعبير عنها - ~~حتى يعبر عنها غيره بعبارة لذلك الغير ومن المعلوم أن " الكلام " صفة كمال ~~تنافي الخرس. فإذا كان من قال: إن الله لا يقوم به كلام فقد شبهه بالجامدات ~~ووصفه بالنقص وسلبه الكمال فمن قال أيضا: إنه لا يعبر عما في نفسه من ~~المعاني إلا بعبارة تقوم بغيره فقد شبهه بالأخرس الذي لا يعبر عن نفسه إلا ~~بعبارة تقوم بغيره وهذا قول يسلبه صفة الكمال ويجعل غيره من مخلوقاته ms1859 أكمل ~~منه. وقد قرر في غير هذا الموضع: أن كل كمال يثبت لمخلوق فالخالق أولى به ~~وكل نقص تنزه عنه مخلوق؛ فالخالق أولى بالتنزه عنه وكان هذا من الأدلة ~~الدالة على إثبات صفات الكمال له كالحياة والعلم والقدرة؛ فإن هذه صفات ~~كمال # PageV06P537 # تثبت لخلقه فهو أولى وأحق باتصافه بصفات الكمال ولو لم يتصف بصفات الكمال ~~لكانت مخلوقاته أكمل منه. وهذا بعينه قد احتجوا به في " مسألة الكلام " وهو ~~مطرد في تكلمه بعبارة القرآن ومعناه جميعا. وقد استدلوا أيضا بأنه لو لم ~~يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها وهي صفات نقص والله منزه عن ذلك؛ فلو لم ~~يوصف بالحياة لوصف بالموت ولو لم يوصف بالعلم لوصف بالجهل ولو لم يوصف ~~بالكلام لوصف بالخرس ولو لم يوصف بالبصر والسمع لوصف بالعمى والصمم. ~~وللملاحدة هنا " سؤال مشهور " وهو: أن هذه المتقابلات ليست متقابلة تقابل ~~السلب والإيجاب - حتى يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر -؛ بل هي متقابلة ~~تقابل " العدم والملكة " وهو: سلب الشيء عما شأنه أن يكون قابلا له؛ كعدم ~~العمى عن الحيوان القابل له؛ فأما الجماد فإنه لا يوصف عندهم بالعمى ولا ~~البصر لعدم قبوله لواحد من هذين. وقد أعيا هذا السؤال كثيرا من المتأخرين - ~~حتى أبي الحسن الآمدي وأمثاله: من أهل الكلام - وظنوا أنه لا جواب عنه وقد ~~بسط الكلام في أجوبته في غير هذا الموضع. وذكر من جملة " الأجوبة " عن هذا ~~أن يقال: هذا أبلغ في النقص؛ فإن ما كان قابلا للاتصاف بالبصر والعمى ~~والعلم والجهل والكلام والخرس. فهو أكمل مما لا يقبل واحدا منهما؛ إذ ~~الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان الاتصاف بصفات النقص عيبا مع إمكان ~~الاتصاف بصفات الكمال؛ فعدم # PageV06P538 # إمكان الاتصاف بصفات الكمال وعدم قبول ذلك أعظم آفة وعيبا ونقصا. فسبحان ~~الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # الوجه الثامن # أن يقال: " كلام الله " إما أن يكون مخلوقا منفصلا عنه ولم يقم بذاته ~~كلام - كما يقوله الجهمية: من المعتزلة وغيرهم - وإما أن يكون كلامه قائما ~~به. والأول باطل باتفاق ms1860 سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وأدلة ~~بطلانه من الشرع والعقل كثيرة كما قد بسط في موضعه. وإن كان كلامه قائما به ~~فلا يخلو إما أن يقال: لم يقم به إلا المعنى كما يقوله ابن كلاب وأتباعه؛ ~~وإما أن يقوم به المعنى والحروف والأول باطل: أما (أولا فلأن " المعنى ~~الواحد " يمتنع أن يكون هو الأمر والنهي والخبر وأن يكون هو مدلول التوراة ~~والإنجيل والقرآن. وأما (ثانيا فلأن المعنى المجرد لا يسمع وقد ثبت بالنص ~~والإجماع أن كلام الله مسموع منه كما سمعه موسى بن عمران؛ ولهذا كان محققو ~~من يقول بأن الكلام هو مجرد المعنى يقول: إنه لا يسمع ولكن " طائفة منهم " ~~زعمت أنه يسمع بناء على قولهم: إن السمع يتعلق بكل موجود والرؤية بكل موجود ~~والشم والذوق واللمس بكل موجود وجمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة من العقل وهذا من أعظم ما أنكره الجمهور على أبي الحسن الأشعري ~~ومن وافقه من أصحاب أحمد وغيرهم. # PageV06P539 # وأما " ثالثا " فلو لم يكن الكلام إلا معنى لم يكن فرق بين تكليم الله ~~لموسى وإيحائه إلى غيره ولا بين التكليم من وراء حجاب والتكليم إيحاء؛ فإن ~~إيصال معرفة المعنى المجرد إلى القلوب يشترك فيه جميع الأنبياء؛ ولهذا قال ~~من بنى على هذا الأصل الفاسد: إن الواحد من أهل الرياضة قد يسمع كلام الله ~~كما سمعه موسى بن عمران كما ذكر ذلك في " الإحياء " ونحوه وصار الواحد من ~~هؤلاء يظن أن ما يحصل له من الإلهامات هي مثل تكليم الله لموسى بن عمران. ~~ودخلت " الفلاسفة " من هذا الباب فزعموا أن تكليم الله لموسى إنما هو فيض ~~فاض على نفسه من العقل الفعال وأن " كلام الله " ليس إلا ما يحصل في النفوس ~~من المخاطبات كما أن " الملائكة " ما يحصل في القلوب من الصور الخيالية ~~ومثل هذا قد يحصل في اليقظة والمنام. فجعلوا تكليم الله لموسى بن عمران من ~~جنس من يرى ربه في المنام وهو يكلمه ونحو ذلك وهو لازم لقول من جعل ms1861 كلام ~~الله معنى مجردا وإذا كان اللزوم معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام ~~علم فساد اللازم. وأما " رابعا " فلو لم يكن الكلام إلا مجرد المعاني لكان ~~المخلوق أكمل من الخالق؛ فإنا كما نعلم أن الحي أكمل من الميت وأن العالم ~~أكمل من الجاهل والقادر أكمل من العاجز والناطق أكمل من الأخرس؛ فنحن نعلم ~~أن الناطق بالمعاني والحروف أكمل ممن لا يكون ناطقا إلا بالمعاني دون ~~الحروف وإذا كان # PageV06P540 # الرب يمتنع أن يوصف بصفات النقص ويجب اتصافه بصفات الكمال ويمتنع أن يكون ~~للمخلوق من صفات الكمال ما لا يكون للخالق: امتنع أن يكون موصوفا بالكلام ~~الناقص وأن يكون المخلوق أكمل منه في اتصافه بالكلام التام ولهذا كان موسى ~~بن عمران مفضلا على غيره بتكليم الله إياه: كلمه كلاما سمعه موسى من الله ~~فكان تكليمه له بصوته أفضل ممن أوحى إلى قلبه معاني مجردة لم يسمعها بأذنه. ~~وأما " خامسا " فلو لم يكن الكلام إلا معنى مجردا لكان نصف القرآن كلام ~~الله ونصفه ليس كلام الله؛ فالمعنى كلام الله والألفاظ ليست كلام الله وهذا ~~خلاف المعلوم من دين المسلمين؛ ولهذا يفرقون بين القرآن الذي هو كلام الله ~~وبين ما أوحاه إلى نبيه من المعاني المجردة ويعلمون أن جبريل نزل عليه ~~بالقرآن كله؛ ليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا التبليغ والأداء فهذا رسوله من ~~الملائكة وهذا رسوله من البشر. ولهذا أضافه الله إلى هذا تارة وإلى هذا ~~تارة بلفظ الرسول كما قال: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ~~ما تؤمنون} الآية فهذا محمد. وقال: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين} {مطاع ثم أمين} فهذا جبريل. وقد ظن بعض الغالطين أن إضافته إلى ~~الرسول تقتضي أنه أنشأ حروفه وهذا خطأ؛ لأنه لو كان جبريل أو محمد هو الذي ~~أنشأ لفظه ونظمه امتنع أن # PageV06P541 # يكون الآخر الذي أنشأ ذلك فلما أضافه إلى هذا تارة وإلى هذا تارة: علم ~~أنه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه؛ لا لأنه أنشأه وابتدأه لا ms1862 لفظه ولا معناه؛ ~~ولهذا قال: {لقول رسول كريم} ولم يقل: لقول ملك ولا نبي فذكر ذلك بلفظ ~~الرسول ليبين أنه يبلغ عن غيره كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك} وفي السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على ~~الناس في الموسم ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشا ~~قد منعوني أن أبلغ كلام ربي} . و " أيضا " فإن قوله: {إنه لقول رسول كريم} ~~عائد إلى القرآن؛ فتناوله للفظ كتناوله للمعنى و " القرآن " اسم لهما ~~جميعا؛ ولهذا إذا فسره المفسر وترجمه المترجم: لم يقل لتفسيره وترجمته: إنه ~~" قرآن " بل اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير واتفقوا على ~~أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم ~~والقول المروي عن أبي حنيفة قيل: إنه رجع عنه وقيل: إنه مشروط بتسمية ~~الترجمة قرآنا. وبكل حال فتجويز إقامة الترجمة مقامه في بعض الأحكام لا ~~يقتضي تناول اسمه لها؛ كما أن " القيمة " إذا أخرجت من الزكاة عن الإبل ~~والبقر والغنم لم تسم إبلا ولا بقرا ولا غنما؛ بل تسمى باسمها كائنة ما ~~كانت. وكذلك " لفظ التكبير في الصلاة " إذا عدل عنه إلى لفظ التسبيح ونحوه ~~وقيل: إن الصلاة تنعقد بذلك - كما يقوله أبو حنيفة - لم يقل: إن ذلك لفظ ~~تكبير # PageV06P542 # فكذلك إذا قدر أنا ترجمنا القرآن ترجمة جائزة لم يقل: إن الترجمة " قرآن ~~" ولم نسمها " قرآنا " فلو كان القرآن إنما كان كلام الله لأجل المعنى فقط ~~ولفظه ونظمه ليس كلام الله؛ بل سمي بذلك لدلالته على كلام الله كان ما شارك ~~هذا اللفظ والنظم من الدلالة مشاركا له في الاسم والحكم؛ فكان يجب تسميته " ~~قرآنا " وإثبات أحكام القرآن له؛ والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. # الوجه التاسع # أن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذي أنزله على نبيه كما ~~ثبت ذلك بالنص وإجماع المسلمين وقد كفر الله من قال: إنه قول البشر ووعده ~~أنه ms1863 سيصليه سقر في قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا} - إلى قوله -: {إنه فكر ~~وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر ~~واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} ولا ريب أنه ~~لم يرد بقوله: {إن هذا إلا قول البشر} كما أراده الله بقوله: {إنه لقول ~~رسول كريم} فإنه لو أراد أن البشر بلغوه عن غيرهم كما يتعلمه الناس بعضهم ~~من بعض لم يكن هذا باطلا وإنما أراد أن البشر أحدثوه وأنشئوه عنه. فمن جعل ~~" لفظه ونظمه " من إحداث محمد فقد جعل نصفه قول البشر؛ ومن جعله من إحداث ~~جبريل فقد جعل نصفه قول الملائكة ومن جعله # PageV06P543 # مخلوقا في الهواء أو غيره جعله كلاما لذلك الهواء. وكفر من قال: إنه قول ~~الملك أو قول الهواء أو الشجر؛ بل كفر من قال: إنه قول البشر فدل ذلك على ~~أنه ليس شيء من القرآن: لا " لفظه ولا معناه " من قول أحد من المخلوقين ولا ~~من كلامه بل هو كلام الله تعالى وأيضا فالإشارة في قوله: {إن هذا إلا قول ~~البشر} لا تعود إلى المعنى دون اللفظ؛ بل إليهما. # الوجه العاشر # وهو أن الله أخبر أن القرآن منزل من الله كما قال: {والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال: {قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق} وقال: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} . الضمير يتناول اللفظ ~~والمعنى جميعا لا سيما ما في قوله: {تنزيل الكتاب} فإن الكتاب عند من يقول: ~~" إن كلام الله هو المعنى دون الحروف " اسم للنظم العربي والكلام عنده اسم ~~للمعنى والقرآن مشترك بينهما؛ فلفظ الكتاب يتناول اللفظ العربي باتفاق ~~الناس. فإذا أخبر أن {تنزيل الكتاب من الله} علم أن النظم العربي منزل من ~~الله وذلك يدل على ما قال السلف: إنه منه بدأ أي هو الذي تكلم به. وهذا " ~~جواب مختصر " عن سؤال السائل بحسب ما احتملته هذه الورقة؛ إذ الكلام على ~~ذلك مبسوط في مواضع ms1864 أخر والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV06P544 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم ~~الرباني والعابد النوراني ابن تيمية الحراني - أيده الله تعالى -: # ما تقول في " العرش " هل هو كروي أم لا؟ وإذا كان كرويا والله من ورائه ~~محيط به بائن عنه فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه ~~وعبادته فيقصد العلو دون غيره ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو ~~وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا يطلب العلو ~~لا يلتفت يمنة ولا يسرة. فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ وقد ~~فطرنا عليها. وابسط لنا الجواب في ذلك بسطا شافيا: يزيل الشبهة ويحقق الحق ~~- إن شاء الله - أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين. # فأجاب رحمه الله تعالى بما نصه: # الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات. # PageV06P545 # أحدها أنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن " العرش " فلك من ~~الأفلاك المستديرة الكروية الشكل؛ لا بدليل شرعي. ولا بدليل عقلي. وإنما ~~ذكر هذا طائفة من المتأخرين الذين نظروا في " علم الهيئة " وغيرها من أجزاء ~~الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة وأن التاسع - وهو الأطلس - محيط بها مستدير ~~كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة المشرقية وإن كان لكل فلك حركة تخصه غير ~~هذه الحركة العامة ثم سمعوا في أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر ~~" عرش الله " وذكر " كرسيه " وذكر " السموات السبع " فقالوا بطريق الظن إن ~~" العرش " هو الفلك التاسع؛ لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شيء إما مطلقا ~~وإما أنه ليس وراءه مخلوق. ثم إن منهم من رأى أن " التاسع " هو الذي يحرك ~~الأفلاك كلها؛ فجعلوه مبدأ الحوادث وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره في ~~الأرض أو يحدثه في " النفس " التي زعموا أنها متعلقة به؛ أو في " العقل " ~~الذي زعموا أنه الذي صدر عنه هذا الفلك ms1865 وربما سماه بعضهم الروح وربما جعل ~~بعضهم " النفس " هي الروح وربما جعل بعضهم " النفس " هي اللوح المحفوظ كما ~~جعل " العقل " هو القلم. وتارة يجعلون " الروح " هو العقل الفعال العاشر ~~الذي لفلك القمر # PageV06P546 # و " النفس " المتعلقة به وربما جعلوا ذلك بالنسبة إلى الحق سبحانه ~~كالدماغ بالنسبة إلى الإنسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون إلى غير ذلك من ~~المقالات التي قد شرحناها وبينا فسادها في غير هذا الموضع. ومنهم من يدعي ~~أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذبا فيما يدعيه وإنما أخذ ذلك ~~عن هؤلاء المتفلسفة تقليدا لهم أو موافقة لهم على طريقتهم الفاسدة؛ كما فعل ~~أصحاب " رسائل إخوان الصفا " وأمثالهم. وقد يتمثل في نفسه ما تقلده عن غيره ~~فيظنه كشفا كما يتخيل النصراني " التثليث " الذي يعتقده وقد يرى ذلك في ~~منامه فيظنه كشفا وإنما هو تخيل لما اعتقده. وكثير من أرباب الاعتقادات ~~الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم فتتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها ~~كشفا. وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع. و (المقصود هنا: أن ما ~~ذكروه من أن " العرش " هو الفلك التاسع: قد يقال: إنه ليس لهم عليه دليل لا ~~عقلي ولا شرعي. أما " العقلي " فإن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم ~~دليل على أنه ليس وراء الفلك التاسع شيء آخر؛ بل ولا قام عندهم دليل على أن ~~الأفلاك هي تسعة فقط؛ بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك ولكن دلتهم الحركات ~~المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه وما لم يكن لهم دليل على ثبوته ~~فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه. # PageV06P547 # " مثال ذلك " أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا؛ بأن السفلي يكسف العلوي ~~من غير عكس؛ فاستدلوا بذلك على أنه في فلك فوقه. كما استدلوا بالحركات ~~المختلفة على أن الأفلاك مختلفة. حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك؛ ~~كفلك التدوير وغيره. فأما ما كان موجودا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به ~~على ثبوته: فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم. ms1866 وكذلك قول القائل: إن ~~حركة " التاسع " مبدأ الحوادث خطأ وضلال على أصولهم؛ فإنهم يقولون: إن " ~~الثامن " له حركة تخصه بما فيه من الثوابت ولتلك الحركة قطبان غير قطبي " ~~التاسع " وكذلك " السابع " و " السادس ". وإذا كان لكل فلك حركة تخصه - ~~والحركات المختلفة هي سبب الأشكال الحادثة المختلفة الفلكية وتلك الأشكال ~~سبب الحوادث السفلية - كانت حركة التاسع جزء السبب كحركة غيره. فالأشكال ~~الحادثة في الفلك - لمقارنة الكوكب الكوكب في درجة واحدة ومقابلته له إذا ~~كان بينهما " نصف الفلك " وهو مائة وثمانون درجة. وتثليثه له إذا كان ~~بينهما " ثلث الفلك " وهو مائة وعشرون درجة وتربيعه له إذا كان بينهما " ~~ربعه " تسعون درجة وتسديسه له إذا كان بينهما " سدس الفلك " ستون درجة؛ ~~وأمثال ذلك من الأشكال - إنما حدثت بحركات مختلفة وكل حركة ليست عين ~~الأخرى؛ إذ حركة " الثامن " التي تخصه ليست عين # PageV06P548 # حركة التاسع؛ وإن كان تابعا له في الحركة الكلية كالإنسان المتحرك في ~~السفينة إلى خلاف حركتها. وكذلك حركة " السابع " التي تخصه ليست عن التاسع ~~ولا عن الثامن وكذلك سائر الأفلاك فإن حركة كل واحد التي تخصه ليست عما ~~فوقه من الأفلاك فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع كما ~~زعمه من ظن أن العرش كثيف والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الأجزاء؛ لا ~~اختلاف فيه أصلا فكيف يكون سببا لأمور مختلفة. لا باعتبار القوابل وأسباب ~~أخر؟ ولكنهم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة ويجعلون لكل ~~درجة من الأثر ما يخالف الأخرى؛ لا باختلاف القوابل؛ كمن يجيء إلى ماء واحد ~~فيجعل لبعض جزأيه من الأثر ما يخالف الآخر؛ لا بحسب القوابل؛ بل يجعل أحد ~~أجزائه مسخنا والآخر مبردا والآخر مسعدا والآخر مشقيا وهذا مما يعلمون هم ~~وكل عاقل أنه باطل وضلال. وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر ~~فوق الأفلاك التسعة كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل هو أن العرش هو الفلك ~~التاسع رجما بالغيب وقولا بلا علم. هذا كله بتقدير ثبوت الأفلاك التسعة على ms1867 ~~المشهور عند أهل الهيئة؛ إذ في ذلك من النزاع والاضطراب وفي أدلة ذلك ما ~~ليس هذا موضعه وإنما نتكلم على # PageV06P549 # هذا التقدير. وأيضا: فالأفلاك في أشكالها وإحاطة بعضها ببعض من جنس واحد؛ ~~فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس؛ وإذا كان هناك فلك تاسع ~~فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع. وأما " العرش " فالأخبار تدل ~~على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى ~~بعض. قال الله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به} الآية. وقال سبحانه: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} . ~~فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة وأن حملته ومن حوله يسبحون ~~ويستغفرون للمؤمنين. ومعلوم أن قيام فلك من الأفلاك - بقدرة الله تعالى - ~~كقيام سائر الأفلاك لا فرق في ذلك بين كرة وكرة وإن قدر أن لبعضها ملائكة ~~في نفس الأمر تحملها فحكمه حكم نظيره. قال تعالى {وترى الملائكة حافين من ~~حول العرش} الآية. فذكر هنا أن الملائكة تحف من حول العرش وذكر في موضع آخر ~~أن له حملة وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال: {الذين يحملون ~~العرش ومن حوله} . و " أيضا " فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق ~~السموات والأرض كما قال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء} . # PageV06P550 # وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض} وفي رواية له {كان الله ولم يكن شيء ~~قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء} وفي ~~رواية لغيره صحيحة: {كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء ثم كتب ~~في الذكر كل شيء} وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن ms1868 الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} . وهذا التقدير بعد وجود العرش ~~وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو ~~العرش كقوله سبحانه: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا} وقوله تعالى {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على ~~من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ~~شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} وقال تعالى: {وهو الغفور الودود} ~~{ذو العرش المجيد} {فعال لما يريد} وقد قرئ " المجيد " بالرفع صفة لله؛ ~~وقرئ بالخفض صفة العرش. وقال تعالى: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم وقال # PageV06P551 # تعالى: {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} فوصفه ~~بأنه كريم أيضا. وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم لا ~~إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب ~~العرش الكريم} فوصفه في الحديث بأنه عظيم وكريم أيضا. فقول القائل المنازع: ~~" إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه ". لو كان ~~العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه ~~وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر؛ كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء ~~دون سماء وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على قول هؤلاء. وإنما ~~امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا عن الدنيا. بل نسبة ~~السماء إلى الهواء ونسبة الهواء إلى الماء والأرض: كنسبة فلك إلى فلك. ومع ~~هذا فلم يخص واحدا من هذه الأجناس عما يليه بالذكر؛ ولا بوصفه بالكرم ~~والمجد والعظمة. وقد علم أنه ليس سببا لذواتها ولا لحركاتها بل ms1869 لها حركات ~~تخصها فلا يجوز أن يقال: حركته هي سبب الحوادث؛ بل إن كانت حركة الأفلاك ~~سببا للحوادث فحركات غيره التي تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطا بها أن ~~يكون أعظم من مجموعها إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك؛ وإلا فمن ~~المعلوم أن # PageV06P552 # الغليظ إذ كان متقاربا فمجموع الداخل أعظم من المحيط؛ بل قد يكون بقدره ~~أضعافا؛ بل الحركات المختلفة التي ليست عن حركته أكثر لكن حركته تشملها ~~كلها. وقد ثبت في صحيح مسلم {عن جويرية بنت الحارث: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى فقال: لقد ~~قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان ~~الله زنة عرشه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله مداد كلماته} . فهذا يبين أن ~~زنة العرش أثقل الأوزان. وهم يقولون: إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل بل ~~يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به. ~~وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: {جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد لطم وجهه؛ فقال: يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهي. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ادعوه فدعوه فقال: لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله إني ~~مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر فقلت: يا خبيث وعلى ~~محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين ~~الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى ~~آخذا بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته} فهذا فيه ~~بيان أن للعرش قوائم؛ وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق والأقوال متشابهة في هذا ~~الباب. # PageV06P553 # وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ} قال: فقال رجل لجابر: إن البراء يقول ~~اهتز السرير ms1870 قال: إنه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن: سمعت نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: {اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ} ورواه ~~مسلم في صحيحه من حديث أنس {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - وجنازة سعد ~~موضوعة -: اهتز لها عرش الرحمن} . وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة ~~متشابهة ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم؛ فلا بد ~~له من دليل على ما قال كما ذكره أبو الحسن الطبري وغيره مع أن سياق الحديث ~~ولفظه ينفي هذا الاحتمال. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة؛ هاجر في سبيل الله أو جلس في ~~أرضه التي ولد فيها قالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ قال: إن في ~~الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين بينهما كما بين ~~السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى ~~الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة} . وفي صحيح مسلم عن أبي ~~سعيد الخدري {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV06P554 # قال: يا أبا سعيد من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا: وجبت له ~~الجنة فعجب لها أبو سعيد. فقال: أعدها علي يا رسول الله ففعل. قال: وأخرى ~~يرفع الله بها العبد مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال ~~وما هي يا رسول الله قال: الجهاد في سبيل الله} . وفي صحيح البخاري: {إن أم ~~الربيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سراقة - أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب ~~- فإن كان في الجنة صبرت وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال: ~~يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى} . فهذا قد ms1871 ~~بين في " الحديث الأول " أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها ~~وأن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس ~~أعلاها؛ و " الحديث الثاني " يوافقه في وصف الدرج المائة و " الحديث الثالث ~~" يوافقه في أن الفردوس أعلاها. وإذا كان العرش فوق الفردوس فلقائل أن ~~يقول: إذا كان كذلك كان في هذا من العلو والارتفاع ما لا يعلم بالهيئة؛ إذ ~~لا يعلم بالحساب أن بين التاسع والأول كما بين السماء والأرض مائة مرة ~~وعندهم أن التاسع ملاصق للثامن فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس الذي هو ~~أوسط الجنة وأعلاها. وفي حديث {أبي ذر المشهور قال: قلت يا رسول الله أيما ~~أنزل عليك # PageV06P555 # أعظم؟ قال آية الكرسي ثم قال يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا ~~كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة} ~~والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وأحمد في المسند ~~وغيرهما. وقد استدل من استدل على أن " العرش مقبب " بالحديث الذي في سنن ~~أبي داود وغيره عن جبير بن مطعم قال: {أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله ~~لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك؛ فسبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما تقول؟ إن الله لا ~~يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك إن الله على عرشه؛ وإن ~~عرشه على سمواته وأرضه هكذا - وقال بأصابعه مثل القبة} - وفي لفظ: {وإن ~~عرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا - وقال بأصابعه مثل القبة} . وهذا ~~الحديث - وإن دل على التقبيب وكذلك قوله عن الفردوس إنها أوسط الجنة ~~وأعلاها مع قوله إن سقفها عرش الرحمن وإن فوقها عرش الرحمن والأوسط لا يكون ~~الأعلى إلا في المستدير فهذا - لا يدل على أنه فلك من الأفلاك بل ms1872 إذا قدر ~~أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل إنه محيط بالأفلاك أو ~~قال إنه فوقها وليس محيطا بها كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض ~~وإن لم يكن محيطا بذلك. # PageV06P556 # وقد قال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة. ومعلوم أن الفلك ~~مستدير مثل ذلك لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو ولا يستلزم استدارة ~~من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل. ولفظ " الفلك " يدل على الاستدارة مطلقا؛ ~~كقوله تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} ~~وقوله تعالى {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل ~~في فلك يسبحون} يقتضي أنها في فلك مستدير مطلقا كما قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما في فلكة مثل فلكة المغزل. وأما لفظ " القبة " فإنه لا يتعرض لهذا ~~المعنى؛ لا بنفي ولا إثبات؛ لكن يدل على الاستدارة من العلو؛ كالقبة ~~الموضوعة على الأرض. وقد قال بعضهم: إن الأفلاك غير السموات لكن رد عليه ~~غيره هذا القول بأن الله تعالى قال: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا} {وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فأخبر أنه جعل القمر فيهن ~~وقد أخبر أنه في الفلك وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا. وتحقيق الأمر فيه ~~وبيان أن ما علم بالحساب - علما صحيحا - لا ينافي ما جاء به السمع وأن ~~العلوم السمعية الصحيحة لا تنافي معقولا صحيحا؛ إذ قد بسطنا الكلام على هذا ~~وأمثاله في غير هذا الموضع. فإن ذلك يحتاج إليه # PageV06P557 # في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس؛ حيث يرون ما يقال: إنه ~~معلوم بالعقل مخالفا لما يقال إنه معلوم بالسمع؛ فأوجب ذلك أن كذبت كل ~~طائفة بما لم تحط بعلمه؛ حتى آل الأمر بقوم من أهل الكلام إلى أن تكلموا في ~~معارضة الفلاسفة في " الأفلاك " بكلام ليس معهم به حجة؛ لا من شرع ولا من ~~عقل وظنوا أن ذلك الكلام من نصر الشريعة وكان ما ms1873 جحدوه معلوما بالأدلة ~~الشرعية أيضا. وأما " المتفلسفة وأتباعهم " فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه ~~من الحسيات ولا يعلمون ما وراء ذلك؛ مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ~~ينعقد سحابا وأن السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت ونحو ذلك لكن علمهم بهذا ~~كعلمهم بأن المني يصير في الرحم لكن ما الموجب لأن يكون المني المتشابه ~~الأجزاء تخلق منه هذه الأعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب ~~المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب. وكذلك ما الموجب ~~لأن يكون هذا الهواء أو البخار منعقدا سحابا مقدرا بقدر مخصوص في وقت مخصوص ~~على مكان مختص به؟ وينزل على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا ~~يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التي ~~لا تمطر أو تمطر مطرا لا يغنيها - كأرض مصر إذ كان المطر القليل لا يكفيها ~~والكثير يهدم أبنيتها - قال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض ~~الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} . # PageV06P558 # وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فإما أن تكون " قسرية " وهي ~~تابعة للقاسر أو " طبيعية " وإنما تكون إذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب ~~عوده إليه؛ أو " إرادية " وهي الأصل فجميع الحركات تابعة للحركة الإرادية ~~التي تصدر عن ملائكة الله تعالى التي هي المدبرات أمرا والمقسمات أمرا وغير ~~ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة وفي المعقول ما يصدق ذلك. فالكلام في هذا ~~وأمثاله له موضع غير هذا. # والمقصود هنا: أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائل على كل تقدير فيكون ~~الكلام في الجواب مبنيا على حجج علمية لا تقليدية ولا مسلمة وإذا بينا حصول ~~الجواب على كل تقدير - كما سنوضحه - لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض ~~التقديرات هو الواقع - وإن كنا نعلم ذلك - لكن تحرير الجواب على تقدير دون ~~تقدير وإثبات ذلك فيه طول لا يحتاج إليه هنا؛ فإن الجواب إذا كان حاصلا على ~~كل تقدير كان أحسن وأوجز. # المقام الثاني: ms1874 # أن يقال " العرش " سواء كان هو الفلك التاسع أو جسما محيطا بالفلك التاسع ~~أو كان فوقه من جهة وجه الأرض غير محيط به أو قيل فيه غير ذلك فيجب أن يعلم ~~أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر # PageV06P559 # كما قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} . وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقبض الله تبارك وتعالى الأرض ~~يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟} . ~~وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء ~~بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟} . وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم ~~- عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يطوي الله ~~السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك؛ أين ~~الجبارون؛ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك؛ أين ~~الجبارون؛ أين المتكبرون؟} وفي لفظ في الصحيح عن عبد الله بن مقسم أنه نظر ~~إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يأخذ الله ~~سمواته وأرضه بيده ويقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى ~~نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول أساقط هو برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم} # PageV06P560 # وفي لفظ {قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: ~~يأخذ الجبار سمواته وأرضه. وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا ~~الرحمن؛ أنا الملك؛ أنا القدوس؛ أنا السلام؛ أنا المؤمن؛ أنا المهيمن؛ أنا ~~العزيز؛ أنا الجبار؛ أنا المتكبر؛ أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئا؛ أنا ~~الذي أعدتها. أين المتكبرون؟ أين الجبارون:} وفي لفظ {أين الجبارون أين ~~المتكبرون ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms1875 يمينه وعلى شماله حتى ~~نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم} والحديث مروي في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق ~~بعضها بعضا؛ وفي بعض ألفاظه قال: قرأ على المنبر: {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة} الآية. قال: {مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة} وفي ~~لفظ: {يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده فيجعلها في كفه ثم يقول بهما هكذا كما ~~تقول الصبيان بالكرة. أنا الله الواحد} . وقال ابن عباس: " يقبض الله ~~عليهما فما ترى طرفاهما بيده " وفي لفظ عنه: " ما السموات السبع والأرضون ~~السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم " وهذه ~~الآثار معروفة في كتب الحديث. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: {أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV06P561 # رجل من اليهود فقال: يا محمد إن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على ~~إصبع والجبال على إصبع؛ والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع؛ ~~فيهزهن. فيقول: أنا الملك أنا الملك قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ: {وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الآية} . ففي هذه الآية ~~والأحاديث الصحيحة - المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها ~~وتلقيها بالقبول - ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمة ~~الله تعالى أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا حتى ~~يدحوها كما تدحى الكرة. قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ~~الإمام نظير مالك - في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خالفها ~~ومن أول كلامه قال - فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد ~~استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب ~~وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له ms1876 كذا؛ فعمي عن ~~البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل ~~يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ~~ناظرة} فقال: لا يراه أحد يوم القيامة؛ فجحد - والله - أفضل كرامة الله ~~التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة؛ من النظر إلى وجهه ونضرته # PageV06P562 # إياهم {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} وقد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر ~~إليه ينضرون. إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة ~~الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما ~~كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا. {وقال المسلمون: يا رسول الله هل ~~نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في ~~رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة ~~البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم كذلك} . وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول ~~قط قط وينزوي بعضها إلى بعض} . {وقال لثابت بن قيس: قد ضحك الله مما فعلت ~~بضيفك البارحة} وقال - فيما بلغنا عنه - {إن الله يضحك من أزلكم وقنوطكم ~~وسرعة إجابتكم} . {وقال له رجل من العرب إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم قال لن ~~نعدم من رب يضحك خيرا} . في أشباه لهذا مما لم نحصه. وقال تعالى: {وهو ~~السميع البصير} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال: {ولتصنع على عيني} ~~وقال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وقال: {وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} . # PageV06P563 # فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها ~~منهم عندهم إن ذلك الذي ألقي في روعهم؛ وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف ~~الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه ms1877 علم ما ~~سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف انتهى. وإذا ~~كان كذلك فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة وهذا قبضه لها ورميه بها وإنما بين ~~لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا. ثم الذي في ~~القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك في يوم ~~القيامة وإن شاء لم يفعل ذلك فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة وفي ~~ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى وإن شاء لم يفعل ذلك وبكل حال فهو مباين لها ~~ليس بمحايث لها. ومن المعلوم أن الواحد منا - ولله المثل الأعلى - إذا كان ~~عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته ~~فهو في الحالتين مباين لها وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات - كإحاطة ~~الكرة بما فيها - أو قيل إنه فوقها وليس محيطا بها؛ كوجه الأرض الذي نحن ~~عليه بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك. فعلى ~~التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه وتعالى فوقه والعبد في ~~توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت وتمام هذا ببيان: # PageV06P564 # المقام الثالث: وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يكون العرش كرويا كالأفلاك ~~ويكون محيطا بها وإما أن يكون فوقها وليس هو كرويا؛ فإن كان الأول فمن ~~المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كروية الشكل وأن الجهة ~~العليا هي جهة المحيط وهي المحدب وأن الجهة السفلى هو المركز وليس للأفلاك ~~إلا جهتان العلو والسفل فقط. وأما الجهات الست فهي للحيوان فإن له ست جوانب ~~يؤم جهة فتكون أمامه ويخلف أخرى فتكون خلفه وجهة تحاذي يمينه وجهة تحاذي ~~شماله وجهة تحاذي رأسه؛ وجهة تحاذي رجليه وليس لهذه الجهات الست في نفسها ~~صفة لازمة؛ بل هي بحسب النسبة والإضافة فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا ~~ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا ويكون فوق هذا ما ms1878 يكون تحت هذا. لكن جهة ~~العلو والسفل للأفلاك لا تتغير فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل مع أن ~~وجه الأرض التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس ~~والبهائم والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية. فأما الناحية الأخرى من ~~الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم ولو قدر أن ~~هناك أحدا لكان على ظهر الأرض ولم يكن # PageV06P565 # من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ولا من في هذه تحت من في هذه كما أن ~~الأفلاك محيطة بالمركز وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر ولا القطب الشمالي ~~تحت الجنوبي ولا بالعكس. وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه ~~بحسب بعد الناس عن خط الاستواء فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة ~~مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمى عرض البلد فكما أن ~~جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا ~~تحته؛ فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال إنه ~~تحت أولئك وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان وهو تحت إضافي؛ كما لو كانت نملة ~~تمشي تحت سقف فالسقف فوقها وإن كانت رجلاها تحاذيه. وكذلك من علق منكوسا ~~فإنه تحت السماء وإن كانت رجلاه تلي السماء وكذلك يتوهم الإنسان إذا كان في ~~أحد جانبي الأرض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته وهذا أمر لا يتنازع فيه ~~اثنان ممن يقول إن الأفلاك مستديرة. واستدارة الأفلاك - كما أنه قول أهل ~~الهيئة والحساب - فهو الذي عليه علماء المسلمين كما ذكره أبو الحسن بن ~~المنادى وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم أنه متفق عليه بين ~~علماء المسلمين وقد قال # PageV06P566 # تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} . ~~قال ابن عباس: فلكة مثل فلكة المغزل. و " الفلك في اللغة " هو المستدير. ~~ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا استدار وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة ~~يعلم أن المحيط هو العالي على ms1879 المركز من كل جانب ومن توهم أن من يكون في ~~الفلك من ناحية يكون تحته من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر فهو ~~متوهم عندهم. وإذا كان الأمر كذلك فإذا قدر أن العرش مستدير محيط ~~بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها - وهو فوقها - مطلقا فلا يتوجه إليه وإلى ~~ما فوقه الإنسان إلا من العلو لا من جهاته الباقية أصلا. ومن توجه إلى ~~الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة العلو كان جاهلا ~~باتفاق العقلاء فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه وغاية ما يقدر أن ~~يكون كروي الشكل والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله؛ فإن ~~السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. وأما قول القائل: ~~إذا كان كرويا والله من ورائه محيط به بائن عنه فما فائدة: أن العبد يتوجه ~~إلى الله حين دعائه وعبادته؟ فيقصد العلو دون التحت فلا فرق حينئذ وقت ~~الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط # PageV06P567 # بالداعي ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة ~~فأخبرونا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها. فيقال له: ~~هذا السؤال إنما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض وتحت ما ~~على وجه الأرض من الآدميين والبهائم وهذا غلط عظيم؛ فلو كان الفلك تحت ~~الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض ~~مطلقا وهذا قلب للحقائق؛ إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقا. و " أهل الهيئة " ~~يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل - ~~كالحجر ونحوه - لكان ينتهي إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر ~~لالتقيا جميعا في المركز ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين ~~لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه؛ بل كلاهما فوق المركز وكلاهما ~~تحت الفلك؛ كالمشرق والمغرب فإنه لو قدر أن رجلا بالمشرق في ms1880 السماء أو ~~الأرض ورجلا بالمغرب في السماء أو الأرض: لم يكن أحدهما تحت الآخر وسواء ~~كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلي السماء أو مما يلي ~~الأرض وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا؛ ~~لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين: (أحدهما أن مطلوبه من ~~الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات؛ فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى ~~السماء أو إلى ما فوق: كان صعوده مما يلي رأسه # PageV06P568 # أقرب إذا أمكنه ذلك ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية ~~ولا أنه يذهب يمينا أو شمالا أو أماما أو خلفا إلى حيث أمكن من الأرض ثم ~~يصعد لأنه أي مكان ذهب إليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه وكان الفلك فوقه ~~فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلا وتعبا من غير فائدة. ولو أن رجلا أراد ~~أن يخاطب الشمس والقمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا مع أن الشمس ~~والقمر قد تشرق وقد تغرب؛ فتنحرف عن سمت الرأس فكيف بمن هو فوق كل شيء ~~دائما لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى؟ . وكما أن الحركة كحركة الحجر تطلب ~~مركزها بأقصر طريق - وهو الخط المستقيم - فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب ~~العباد كيف يعدل عن الصراط المستقيم القريب إلى طريق منحرف طويل. والله ~~تعالى فطر عباده على الصحة والاستقامة إلا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن ~~فطرته التي فطر عليها. (الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي ~~قصده إلى المركز وإن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره؛ من غير قصد ~~العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء فلا بد له من قصد العلو ضرورة سواء قصد ~~مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها. ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع ~~العلو أو من السفل مع العلو: كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من ~~المغرب فأذهب إلى خراسان ثم أذهب ms1881 إلى مكة؛ بل بمنزلة من يقول أصعد إلى ~~الأفلاك فأنزل في الأرض ثم # PageV06P569 # أصعد إلى الفلك من الناحية الأخرى؛ فهذا وإن كان ممكنا في المقدور لكنه ~~مستحيل من جهة امتناع إرادة القاصد له؛ وهو مخالف للفطرة فإن القاصد يطلب ~~مقصوده بأقرب طريق لا سيما إذا كان مقصوده معبوده الذي يعبده ويتوكل عليه ~~وإذا توجه إليه على غير الصراط المستقيم كان سيره منكوسا معكوسا. و " أيضا ~~": فإن هذا يجمع في سيره وقصده بين النفي والإثبات بين أن يتقرب إلى ~~المقصود ويتباعد عنه؛ ويريده وينفر عنه فإنه إذا توجه إليه من الوجه الذي ~~هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى كان جامعا بين قصدين ~~متناقضين؛ فلا يكون قصده له تاما؛ إذ القصد التام ينفي نقيضه وضده. وهذا ~~معلوم بالفطرة. فإن الشخص إذا كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة تامة ~~ويقصده أو يحب غيره ممن يحب - سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة - متى كانت ~~المحبة تامة وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل إليه؛ بخلاف ما إذا كانت ~~المحبة مترددة: مثل أن يحب ما تكره محبته في الدين فتبقى شهوته تدعوه إلى ~~قصده وعقله ينهاه عن ذلك؛ فتراه يقصده من طريق بعيد كما تقول العامة: رجل ~~إلى قدام ورجل إلى خلف. وكذلك إذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد ~~أو الجهاد أو غير ذلك من القصودات التي تحب في الدين وتكرهها النفس؛ فإنه ~~يبقى قاصدا لذلك من طريق بعيد متباطئا في السير وهذا كله معلوم بالفطرة. # PageV06P570 # وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه؛ بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ~~ونحو ذلك فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده إذا كان ~~القصد تاما. ولو كان رجل في مكان عال وآخر يناديه؛ لتوجه إليه وناداه ولو ~~حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنا؛ لكن ليس في الفطرة ~~أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة؛ ولا يفعل نحو ms1882 ذلك إلا ~~عند ضعف القصد ونحوه. # و " حديث الإدلاء " الذي روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما ~~قد رواه الترمذي وغيره من حديث الحسن البصري عن أبي هريرة وهو منقطع فإن ~~الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع؛ فإن كان ثابتا ~~فمعناه موافق لهذا؛ فإن قوله: {لو أدلي أحدكم بحبل لهبط على الله} إنما هو ~~تقدير مفروض؛ أي لو وقع الإدلاء لوقع عليه لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على ~~الله شيئا؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم ~~يصعد إلى الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الإدلاء يكون ما ذكر من الجزاء. ~~فهكذا ما ذكره السائل: إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه ~~يسمع كلامه وكان متوجها إليه بقلبه لكن هذا مما تمنع منه الفطرة؛ لأن قصد ~~الشيء القصد التام ينافي قصد ضده؛ فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي # PageV06P571 # الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافي قصده من أسفل وكما أن ما ~~يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية - لأنها عالية - فترد ~~الهابط بعلوها كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل ~~فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط فكذلك ما ~~يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها - وهو المركز - لا يصعد من هناك إلى ذلك ~~الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز فإن قدر ~~أن الدافع أقوى كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية وصعد به إلى الله ~~وإنما يسمى هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين أن ما يحاذي أرجلهم يكون ~~هابطا ويسمى هبوطا مع تسمية إهباطه إدلاء وهو إنما يكون إدلاء حقيقيا إلى ~~المركز ومن هناك إنما يكون مدا للحبل والدلو لا إدلاء له لكن الجزاء والشرط ~~مقدران لا محققان. فإنه قال: لو أدلى لهبط؛ أي لو فرض أن هناك إدلاء لفرض ms1883 ~~أن هناك هبوطا وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض وهذا ~~التقدير منتف؛ ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب وهذا المفروض ~~ممتنع في حقنا لا نقدر عليه فلا يتصور أن يدلي ولا يتصور أن يهبط على الله ~~شيء لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل ولكن لا يكون في حقه ~~إدلاء فلا يكون في حقه هبوطا عليه. كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب أو ~~من مشرق الشمس إلى مغربها # PageV06P572 # وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك كله ولا فرق ~~بالنسبة إليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب اليمين منا إلى جانب ~~اليسار أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا أو من جهة رءوسنا إلى جهة أرجلنا ~~إذا مر الحبل بالأرض فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه ~~الآخر مع خرق المركز وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض فالحبل الذي قدر ~~أنه خرق به العالم وصل إليه ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه إدلاء ولا ~~هبوطا. وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا وما فوق رءوسنا فوق ~~لنا وما ندليه من ناحية رءوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط فإذا قدر ~~أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هناك لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا ~~والمقصود به بيان إحاطة الخالق سبحانه وتعالى كما بين أنه يقبض السموات ~~ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات. ولهذا قرأ في تمام ~~هذا الحديث {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} . وهذا كله ~~على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط ~~على علم الله وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على ~~قولهم الباطل؛ وهو أنه حال بذاته في كل مكان وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ~~ذلك. والتحقيق: أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن ms1884 كان ثابتا فإن قوله: # PageV06P573 # {لو أدلى بحبل لهبط} يدل على أنه ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في ~~الدلو ولا في غير ذلك وأنها تقتضي أنه من تلك الناحية؛ وكذلك تأويله بالعلم ~~تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية؛ بل بتقدير ثبوته يكون دالا على ~~الإحاطة. والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها وعلم أنها تكون يوم القيامة ~~بالكتاب والسنة وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع؛ لكن ~~لا نتكلم إلا بما نعلم وما لا نعلمه أمسكنا عنه وما كان مقدمة دليله مشكوكا ~~فيها عند بعض الناس كان حقه أن يشك فيه حتى يتبين له الحق وإلا فليسكت عما ~~لم يعلم. وإذا تبين هذا فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية ولو فرض أنا ~~فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ~~ممتنع في حقنا؛ لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان. ~~ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع - لما تكلمنا على تنازع الناس في النية ~~المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا - أن " الإرادة الجازمة ~~" توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن ~~إرادته جازمة؛ بل يكون هما ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه فإن تركها ~~لله كتبت له حسنة. ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم امرأة ~~العزيز كما قال # PageV06P574 # الإمام أحمد الهم همان: هم خطرات. وهم إصرار. فيوسف عليه السلام هم هما ~~تركه لله فأثيب عليه. وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل ~~مرادها وإن لم يحصل لها المطلوب. والذين قالوا يعاقب بالإرادة احتجوا بقوله ~~صلى الله عليه وسلم {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل ~~صاحبه} وفي رواية {إنه كان حريصا على قتل صاحبه} . فهذا أراد إرادة جازمة ~~وفعل ما يقدر عليه؛ وإن لم ms1885 يدرك مطلوبه فهو بمنزلة امرأة العزيز؛ فمتى كان ~~القصد جازما لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه من حصول المقصود فإذا كان ~~قادرا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق ~~معكوس من بعيد. فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى ~~وتمام قصدهم له أن لا يتوجهوا إليه إلا توجها مستقيما؛ فيتوجهوا إلى العلو؛ ~~دون سائر الجهات؛ لأنه الصراط المستقيم القريب؛ وما سواه فيه من البعد ~~والانحراف والطول ما فيه. فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد ~~والسائل المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو ويمتنع أن يتوجه إليه ~~إلى جهة أخرى كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه؛ فهذا هذا والله أعلم. وأما ~~من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها؛ ~~لا بتبديل الفطرة وتغييرها قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: # PageV06P575 # {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟} . وقال الله تعالى: ~~{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فجاءت الشريعة في العبادة ~~والدعاء بما يوافق الفطرة بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين ~~المتفلسفة وغيرهم؛ فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعا وخالفوا ~~العقل والنقل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وقد ثبت في الصحيحين من غير ~~وجه: {إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا ~~يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه؛ ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا؛ ولكن ~~عن يساره أو تحت قدمه} وفي رواية {أنه أذن أن يبصق في ثوبه} . وفي حديث أبي ~~رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم {لما أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه فقال له أبو رزين: كيف ms1886 ~~يسعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء ~~الله هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليا به فالله أكبر} . ومن ~~المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه - إذا قدر أن يخاطبه - لا # PageV06P576 # يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه فهو مستقبل له بوجهه مع كونه فوقه ومن ~~الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له وإن كان ذلك ممكنا ~~وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته؛ كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى ~~شخص بخطاب فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره؛ ليسمع هو الخطاب؛ فأما مع زوال ~~المانع فإنما يتوجه إليه؛ فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه ~~وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله ويدعوه من العلو لا من ~~السفل كما إذا قدر أنه يخاطب القمر. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: {لينتهين ~~أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم} . واتفق العلماء ~~على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه. وروى أحمد عن محمد بن سيرين ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل ~~الله تعالى {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} فكان بصره لا ~~يجاوز موضع سجوده} فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي ~~السائل الذي يؤمر بالخشوع - وهو الذل والسكوت - لا يناسب حاله أن ينظر إلى ~~ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسب حاله الإطراق وغض بصره أمامه. وليس نهي ~~المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردا على " أهل الإثبات " الذين يقولون: إنه ~~على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية فإن الجهمية عندهم لا فرق # PageV06P577 # بين العرش وقعر البحر فالجميع سواء ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى ~~جهة ويؤمر برده إلى أخرى لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء. و " أيضا " فلو ~~كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملا لجميع أحوال العبد وقد ms1887 قال ~~تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} فليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقا ~~وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع ~~كما قال تعالى: {خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث} وقال تعالى: {وتراهم ~~يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} . و " أيضا ": فلو كان ~~النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله لكان لا فرق بين رفعه ~~إلى السماء ورده إلى جميع الجهات ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا ~~أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو لبين لهم ذلك كما ~~بين لهم سائر الأحكام فكيف وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف ~~الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش أو أنه ليس فوق السماء أو ~~أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا مباين له أو أنه لا يقصد ~~العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات؟ بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ~~- ويزعمون أنه الحق - ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة ~~بما يدل على نقيض قولهم وهم يقولون: # PageV06P578 # إن ظاهر ذلك كفر؛ فنؤول أو نفوض؛ فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة وأقوال ~~السلف والأئمة في هذا الباب إلا ما ظاهره الكفر وليس فيها من الإيمان في ~~هذا الباب شيء والسلب الذي يزعمون أنه الحق - الذي يجب على المؤمن أو خواص ~~المؤمنين اعتقاده عندهم - لم ينطق به رسول ولا نبي ولا أحد من ورثة ~~الأنبياء والمرسلين؛ والذي نطقت به الأنبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق بل ~~هو مخالف للحق في الظاهر؛ بل وحذاقهم يعلمون أنه مخالف للحق في الظاهر ~~والباطن. لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس ~~إلا بخلاف الحق الباطن؛ فلبسوا وكذبوا لمصلحة العامة. فيقال لهم: فهلا ~~نطقوا بالباطن لخواصهم الأذكياء ms1888 الفضلاء إن كان ما يزعمونه حقا؟ . وقد علم ~~أن خواص الرسل هم على الإثبات أيضا وأنه لم ينطق بالنفي أحد منهم إلا أن ~~يكذب على أحدهم؛ كما يقال عن عمر: {إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~كانا يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما} . وهذا مختلق باتفاق أهل العلم وكذلك ما ~~نقل عن علي وأهل بيته: أن عندهم علما باطنا يخالف الظاهر الذي عند جمهور ~~الأمة. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن علي رضي الله عنه أنه لم يكن عندهم من ~~النبي صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس ولا كتاب مكتوب إلا ما كان في ~~الصحيفة وفيها {الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر} . # PageV06P579 # ثم إنه من المعلوم أن من جعله الله هاديا مبلغا بلسان عربي مبين إذا كان ~~لا يتكلم قط إلا بما يخالف الحق الباطن الحقيقي فهو إلى الضلال والتدليس ~~أقرب منه إلى الهدى والبيان. وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا. والمقصود أن ~~ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه ~~بعضا وهو موافق لفطرة الخلائق وما جعل فيهم من العقول الصريحة والقصود ~~الصحيحة لا يخالف العقل الصريح ولا القصد الصحيح ولا الفطرة المستقيمة ولا ~~النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يظن تعارضها ~~من صدق بباطل من النقول. أو فهم منه ما لم يدل عليه؛ أو اعتقد شيئا ظنه من ~~العقليات وهو من الجهليات. أو من الكشوفات وهو من الكسوفات - إن كان ذلك ~~معارضا لمنقول صحيح - وإلا عارض بالعقل الصريح أو الكشف الصحيح: ما يظنه ~~منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون كذبا عليه أو ما يظنه لفظا دالا ~~على شيء ولا يكون دالا عليه كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم {الحجر ~~الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ~~حيث ظنوا أن هذا وأمثاله يحتاج إلى التأويل وهذا غلط منهم - لو كان هذا ms1889 ~~اللفظ ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم - فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر ~~ليس هو من صفات الله إذ قال: {هو يمين الله في الأرض} فتقييده بالأرض يدل ~~على أنه ليس هو يده على # PageV06P580 # الإطلاق فلا يكون اليد الحقيقية وقوله {فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله ~~وقبل يمينه} صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا لله ولا مقبلا ليمينه؛ ~~لأن المشبه ليس هو المشبه به وقد أتى بقوله: {فكأنما} وهي صريحة في ~~التشبيه؛ وإذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين لا أنه نفس اليمين ~~كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين. فهذا كله ~~بتقدير أن يكون العرش كري الشكل سواء كان هو الفلك التاسع أو غير الفلك ~~التاسع قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات وهو العالي عليها من جميع الجوانب ~~وأنه لا يجوز أن يكون شيء مما في السماء والأرض فوقه وأن القاصد إلى ما فوق ~~العرش - بهذا التقدير - إنما يقصد إلى العلو لا يجوز في الفطرة ولا في ~~الشرعة - مع تمام قصده - أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست؛ بل هو أيضا ~~يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من ~~المثل بالقمر - ولله المثل الأعلى - وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر - ~~وهو آية من آيات الله تعالى - فالخالق أعلى وأعظم. وأما إذا قدر أن العرش ~~ليس كري الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض وأنه فوق ~~الأفلاك الكرية كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري أو ~~غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه وليس كري الشكل ~~فعلى كل تقدير لا نتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات. # PageV06P581 # فقد ظهر أنه - على كل تقدير - لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى ~~العلو مع كونه على عرشه مباينا لخلقه وسواء قدر مع ذلك أنه ms1890 محيط بالمخلوقات ~~- كما يحيط بها إذا كانت في قبضته - أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن ~~يقبضها ويحيط بها فهو على التقديرين يكون فوقها مباينا لها؛ فقد تبين أنه ~~على هذا التقدير في الخالق وعلى هذا التقدير في العرش لا يلزم شيء من ~~المحذور والتناقض وهذا يزيل كل شبهة وإنما تنشأ الشبهة في اعتقادين فاسدين. ~~(أحدهما أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله فوقه وجب أن يكون الله كريا ثم ~~يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كري - كالفلك التاسع - من ~~جميع الجهات وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال فإن الله مع كونه فوق العرش ~~ومع القول بأن العرش كري - سواء كان هو التاسع أو غيره - لا يجوز أن يظن ~~أنه مشابه للأفلاك في أشكالها؛ كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في ~~أقدارها ولا في صفاتها - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا - بل ~~قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في ~~الفلك. وإنها عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا. فإذا ~~كانت الحمصة أو الفلفلة. بل الدرهم والدينار. أو الكرة التي يلعب بها ~~الصبيان ونحو ذلك في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك هل يتصور عاقل إذا ~~استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به أن يكون الإنسان كالفلك؟ والله - ~~ولله المثل الأعلى - أعظم من أن يظن ذلك به وإنما يظنه # PageV06P582 # الذين {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} . وكذلك " اعتقادهم الثاني ": وهو ~~أن ما كان فلكا فإنه يصح التوجه إليه من الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل ~~الذين يعلمون الهيئة؛ وأهل العقل الذين يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل ~~المقصود بحسب الإمكان. فقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ في العقل ~~والشرع وأنه لا يجوز أن تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو لا إلى غيره من ~~الجهات على كل تقدير ms1891 يفرض من التقديرات سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو ~~غيره؛ سواء كان محيطا بالفلك كري الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريا ~~سواء كان الخالق - سبحانه - محيطا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته أو كان ~~فوقها من جهة العلو منا التي تلي رءوسنا دون الجهة الأخرى. فعلى أي تقدير ~~فرض كان كل من مقدمتي السؤال باطلة وكان الله تعالى إذا دعوناه إنما ندعوه ~~بقصد العلو دون غيره كما فطرنا على ذلك. وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من ~~وجوه متعددة والله أعلم. # PageV06P583 # سئل رحمه الله: # هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز؟ وهل مذهب أهل السنة على أن الله تعالى ~~كلم موسى شفاها منه إليه بلا واسطة؟ وهل الذي رآه موسى كان نورا أم نارا؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، بل " العرش " موجود بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ~~وكذلك " الكرسي " ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف. وقد نقل عن ~~بعضهم: أن " كرسيه " علمه. وهو قول ضعيف؛ فإن علم الله وسع كل شيء كما قال: ~~{ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} . والله يعلم نفسه ويعلم ما كان وما لم يكن ~~فلو قيل وسع علمه السموات والأرض لم يكن هذا المعنى مناسبا؛ لا سيما وقد ~~قال تعالى: {ولا يئوده حفظهما} أي لا يثقله ولا يكرثه وهذا يناسب القدرة لا ~~العلم والآثار المأثورة تقتضي ذلك؛ لكن الآيات والأحاديث في " العرش " أكثر ~~من ذلك؛ صريحة متواترة. # PageV06P584 # وقد قال بعضهم: إن " الكرسي " هو العرش؛ لكن الأكثرون على أنهما شيئان. ~~وأما موسى فإن الله كلمه بلا واسطة باتفاق المسلمين؛ أهل السنة وأهل البدعة ~~لم يقل أحد من المسلمين أن موسى كان بينه وبين الله واسطة في التكليم لا ~~أهل السنة ولا الجهمية ولا من المعتزلة ولا الكلابية ولا غيرهم. ولكن بينهم ~~نزاع في غير هذا. والذي رآه موسى كان نارا بنص القرآن وهو أيضا " نور " كما ~~في الحديث و " النار " هي نور والله أعلم. # PageV06P585 # سئل: # عن رجلين تنازعا في " كيفية السماء والأرض " هل ms1892 هما " جسمان كريان "؟ ~~فقال أحدهما كريان؛ وأنكر الآخر هذه المقالة وقال: ليس لها أصل وردها فما ~~الصواب؟. # فأجاب: # السموات مستديرة عند علماء المسلمين وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير ~~واحد من العلماء أئمة الإسلام: مثل أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي أحد ~~الأعيان الكبار من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد وله نحو أربعمائة ~~مصنف. وحكى الإجماع على ذلك الإمام أبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي ~~وروى العلماء ذلك بالأسانيد المعروفة عن الصحابة والتابعين وذكروا ذلك من ~~كتاب الله وسنة رسوله وبسطوا القول في ذلك بالدلائل السمعية. وإن كان قد ~~أقيم على ذلك أيضا دلائل حسابية. ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من ~~أنكر ذلك؛ إلا فرقة يسيرة من أهل الجدل لما ناظروا المنجمين فأفسدوا عليهم ~~فاسد مذهبهم في الأحوال # PageV06P586 # والتأثير خلطوا الكلام معهم بالمناظرة في الحساب وقالوا على سبيل التجويز ~~يجوز أن تكون مربعة أو مسدسة أو غير ذلك؛ ولم ينفوا أن تكون مستديرة لكن ~~جوزوا ضد ذلك. وما علمت من قال إنها غير مستديرة - وجزم بذلك - إلا من لا ~~يؤبه له من الجهال. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى {وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} وقال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها ~~أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} . قال ابن عباس ~~وغيره من السلف: في فلكة مثل فلكة المغزل. وهذا صريح بالاستدارة والدوران ~~وأصل ذلك: أن " الفلك في اللغة " هو الشيء المستدير يقال تفلك ثدي الجارية ~~إذا استدار ويقال لفلكة المغزل المستديرة فلكة؛ لاستدارتها. فقد اتفق أهل ~~التفسير واللغة على أن " الفلك " هو المستدير والمعرفة لمعاني كتاب الله ~~إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف ومن ~~اللغة: التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب. وقال تعالى: {يكور الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل} قالوا: و " التكوير " التدوير يقال: كورت ~~العمامة وكورتها: إذا دورتها ويقال: للمستدير كارة وأصله " كورة " تحركت ms1893 ~~الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا. # PageV06P587 # ويقال أيضا: " كرة " وأصله كورة وإنما حذفت عين الكلمة كما قيل في ثبة ~~وقلة. والليل والنهار، وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة؛ فإن الزمان مقدار ~~الحركة؛ والحركة قائمة بالجسم المتحرك فإذا كان الزمان التابع للحركة ~~التابعة للجسم موصوفا بالاستدارة كان الجسم أولى بالاستدارة. وقال تعالى: ~~{ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} وليس في السماء إلا أجسام ما هو متشابه - ~~فأما التثليث والتربيع والتخميس والتسديس وغير ذلك: ففيها تفاوت واختلاف ~~بالزوايا والأضلاع - لا خلاف فيه ولا تفاوت؛ إذ الاستدارة التي هي الجوانب. ~~وفي الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره {عن جبير بن مطعم أن أعرابيا جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وهلك المال؛ ~~وجاع العيال فاستسق لنا؛ فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله: فسبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال: ويحك إن ~~الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على ~~سمواته هكذا وقال بيده مثل القبة وأنه يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه} . ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العرش على السموات مثل القبة وهذا إشارة ~~إلى العلو والإدارة. # PageV06P588 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا سألتم الله الجنة ~~فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن} والأوسط لا ~~يكون أوسط إلا في المستدير وقد قال إياس بن معاوية السماء على الأرض مثل ~~القبة والآثار في ذلك لا تحتملها الفتوى؛ وإنما كتبت هذا على عجل. والحس مع ~~العقل يدل على ذلك فإنه مع تأمل دوران الكواكب القريبة من القطب في مدار ~~ضيق حول القطب الشمالي ثم دوران الكواكب المتوسطة في السماء في مدار واسع ~~وكيف يكون في أول الليل وفي آخره؟ يعلم ذلك. وكذلك من رأى حال الشمس وقت ~~طلوعها واستوائها وغروبها في الأوقات الثلاثة على بعد واحد وشكل واحد ممن ~~يكون على ظهر ms1894 الأرض علم أنها تجري في فلك مستدير وأنه لو كان مربعا لكانت ~~وقت الاستواء أقرب إلى من تحاذيه منها وقت الطلوع والغروب ودلائل هذا ~~متعددة. وأما من ادعى ما يخالف الكتاب والسنة فهو مبطل في ذلك وإن زعم أن ~~معه دليلا حسابيا؛ وهذا كثير فيمن ينظر في " الفلك وأحواله " كدعوى جماعة ~~من الجهال أنه يغلب وقت طلوع الهلال لمعرفة وقت ظهوره بعد استسراره بمعرفة ~~بعده عن الشمس بعد مفارقتها وقت الغروب وضبطهم " قوس الرؤية " وهو الخط ~~المعروض مستديرا - قطعة من دائرة - # PageV06P589 # وقت الاستهلال؛ فإن هذه دعوى باطلة اتفق علماء الشريعة الأعلام على تحريم ~~العمل بذلك في الهلال. واتفق أهل الحساب العقلاء على أن معرفة ظهور الهلال ~~لا يضبط بالحساب ضبطا تاما قط؛ ولذلك لم يتكلم فيه حذاق الحساب؛ بل أنكروه؛ ~~وإنما تكلم فيه قوم من متأخريهم تقريبا وذلك ضلال عن دين الله وتغيير له ~~شبيه بضلال اليهود والنصارى عما أمروا به من الهلال إلى غاية الشمس وقت ~~اجتماع القرصين الذي هو الاستسرار؛ وليس بالشهور الهلالية ونحو ذلك. ~~والنسيء الذي كان في العرب: الذي هو زيادة في الكفر - الذي يضل به الذين ~~كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما - ما ذكر ذلك علماء الحديث والسير ~~والتفسير وغيرهم. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته} . ~~فمن أخذ علم الهلال الذي جعله الله مواقيت للناس والحج بالكتاب والحساب فهو ~~فاسد العقل والدين. والحساب إذا صح حسابه أكثر ما يمكنه ضبط المسافة التي ~~بين الشمس والقمر وقت الغروب مثلا وهو الذي يسمى بعد القمر عن الشمس لكن ~~كونه يرى لا محالة أو لا يرى بحال لا يعلم بذلك. # PageV06P590 # فإن " الرؤية " تختلف بعلو الأرض وانخفاضها وصفاء الجو وكدره وكذلك البصر ~~وحدته ودوام التحديق وقصره وتصويب التحديق وخطؤه وكثرة المترائين وقلتهم ~~وغلظ الهلال وقد لا يرى وقت الغروب. ثم بعد ذلك يزداد بعده عن الشمس فيزداد ~~نورا ويخلص من الشعاع ms1895 المانع من رؤيته؛ فيرى حينئذ. وكذلك لم يتفقوا على ~~قوس واحد لرؤيته بل اضطربوا فيه كثيرا ولا أصل له وإنما مرجعه إلى العادة ~~وليس لها ضابط حسابي. فمنهم من ينقصه عن عشر درجات. ومنهم: من يزيد. وفي ~~الزيادة والنقص أقوال متقابلة من جنس أقوال من رام ضبط عدد التواتر الموجب ~~لحصول العلم بالمخبر وليس له ضابط عددي إذ للعلم أسباب وراء العدد كما ~~للرؤية. وهذا كله إذا فسر الهلال بما طلع في السماء وجعل وقت الغيم المطبق ~~شكا أما إذا فسر الهلال بما استهله الناس وأدركوه وظهر لهم وأظهروا الصوت ~~به: اندفع هذا بكل تقدير. والخلاف في ذلك مشهور بين العلماء في مذهب الإمام ~~أحمد وغيره والثاني قول الشافعي وغيره. والله أعلم. # PageV06P591 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب هل هي مثبتة في الأفلاك ~~والأفلاك تتحرك بها؟ أم هي تتحرك والفلك ثابت؟ أم كلاهما متحرك؟ وهل ~~الأفلاك هي السموات أم غيرها؟ وهل تختص النجوم بالسماء الدنيا؟ وهل إذا كان ~~الشمس والقمر في بعض السموات يضيء نورها جميع السموات؟ وهل ينتقلان من سماء ~~إلى سماء؟ وهل الأرضون سبع أو بينهن خلق أو بعضهن فوق بعض؟ وهل أطراف ~~السموات على جبل أم الأرض في السماء كالبيضة في قشرها والبحر تحت ذلك ~~والريح تحته؟ وهل فوق السموات بحر تحت العرش. # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسائل تحتاج إلى بسط كثير لا تحتمله هذه الورقة والسائل ~~عن هذه المسائل يحتاج إلى معرفة علوم متعددة ليجاب بالأجوبة الشافية فإن ~~فيها نزاعا وكلاما طويلا لكن نذكر له بحسب الحال. أما قوله: الأفلاك هل هي ~~السموات أو غيرها؟ ففي ذلك قولان معروفان للناس لكن الذين قالوا إن هذا هو ~~هذا احتجوا بقوله تعالى: {ألم تروا كيف # PageV06P592 # خلق الله سبع سماوات طباقا} {وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} ~~قالوا: فأخبر الله أن القمر في السموات. وقد قال تعالى: {وهو الذي خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} وقال تعالى: {لا ms1896 الشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} . فأخبر ~~في الآيتين أن القمر في الفلك؛ كما أخبر أنه في السموات ولأن الله أخبر أنا ~~نرى السموات بقوله: {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير} . وقال: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج} وأمثال ذلك من النصوص الدالة على أن السماء ~~مشاهدة؛ والمشاهد هو الفلك؛ فدل على أن أحدهما هو الآخر. وأما قوله: هل ~~الشمس والقمر تحركان بدون الفلك أم حركتهما بحركة الفلك ففيه نزاع أيضا؛ ~~لكن جمهور الناس على أن حركتهما بحركة الفلك. وأما قوله تعالى {كل في فلك ~~يسبحون} فلا يمنع أن يكون ما ذكره من أنهم يسبحون تابعا لحركة الفلك كما في ~~الليل والنهار فإن تعاقب الليل والنهار تابع لحركة غيرهما وقوله. {كل في ~~فلك يسبحون} يتناول الليل والنهار والشمس والقمر كما بين ذلك في سورة ~~الأنبياء. # PageV06P593 # وكذلك في سورة يس: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} ~~{والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} {والقمر قدرناه منازل ~~حتى عاد كالعرجون القديم} {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون} . فتناول قوله {كل في فلك يسبحون} ما تقدم: ~~الليل والنهار والشمس كما ذكر في سورة الأنبياء وإذا كان أخبر عن الليل ~~والنهار بما أخبر به من أنهما يسبحان وذلك تابع لحركة غيرهما مثل ذلك ما ~~أخبر به من أن الشمس والقمر يسبحان تبعا للفلك وعلى ذلك أدلة ليس هذا موضع ~~بسطها. وأما النجوم فإن الله أخبر أنها زينة للسماء الدنيا كما قال تعالى: ~~{إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} وقال: {ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح} فقال بعض من قال إن الأفلاك غير السموات وإن المراد بالسماء ~~الدنيا هنا الفلك الثامن الذي يذكر أهل الهيئة أن الكواكب ms1897 الثابتة فيه ~~وادعوا أن تلك هي السموات العلى وأن الأفلاك هي السموات الدنيا ولكن هذا ~~قول مبني على أصل ضعيف. وأيضا فإن الذي نشهده هو الكواكب. وقال تعالى: {فلا ~~أقسم بالخنس} {الجواري الكنس} والخنوس الاختفاء وذلك قبل ظهورها من المشرق. ~~والكنوس رجوعها من جهة المغرب فما خنس قبل ظهورها كنس بعد مغيبها جوار حال ~~ظهورها تجري من المشرق إلى المغرب. # PageV06P594 # والشمس والقمر في الفلك كما أخبر الله تعالى لا تنتقل من سماء إلى سماء. ~~وليست السموات متصلة بالأرض لا على جبل قاف ولا غيره؛ بل الأفلاك مستديرة ~~كما أخبر الله ورسوله وكما ذكر ذلك علماء المسلمين وغيرهم. فذكر أبو الحسين ~~بن المنادي وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم إجماع المسلمين ~~على أن الأفلاك مستديرة. وقال ابن عباس في قوله: {كل في فلك يسبحون} قال: ~~في فلكة مثل فلكة المغزل. والفلك في لغة العرب الشيء المستدير يقال: تفلك ~~ثدي الجارية إذا استدار. وقد خلق الله سبع أرضين بعضهن فوق بعض كما ثبت في ~~الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ظلم شبرا من الأرض طوقه ~~من سبع أرضين يوم القيامة} وقد ذكر أبو بكر الأنباري الإجماع على ذلك وأراد ~~به إجماع أهل الحديث والسنة. وتحت العرش بحر كما جاء في الأحاديث وكما ذكر ~~في تفسير القرآن وكما أخبر الله أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء. والعرش فوق جميع المخلوقات وهو سقف جنة عدن التي هي أعلى ~~الجنة كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ~~سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وسقفه عرش الرحمن} . # PageV06P595 # والأرض يحيط الماء بأكثرها والهواء يحيط بالماء والأرض والله تعالى بسط ~~الأرض للأنام وأرساها بالجبال؛ لئلا تميد كما ترسى السفينة بالأجسام ~~الثقيلة إذا كثرت أمواج البحر وإلا مادت والله تعالى {يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} . ~~والمخلوقات العلوية ms1898 والسفلية يمسكها الله بقدرته سبحانه وما جعل فيها من ~~الطبائع والقوى فهو كائن بقدرته ومشيئته سبحانه. # PageV06P596 # وسئل - رحمه الله -: # هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، " الليل والنهار " الذي هو حاصل بالشمس هو تبع للسموات ~~والأرض؛ لم يخلق هذا الليل وهذا النهار قبل هذه السموات والأرض؛ بل خلق هذا ~~الليل وهذا النهار تبعا لهذه السموات والأرض؛ فإن الله إذا أطلع الشمس حصل ~~النهار وإذا غابت حصل الليل؛ فالنهار بظهورها والليل بغروبها فكيف يكون هذا ~~الليل وهذا النهار قبل الشمس والشمس والقمر مخلوقان مع السموات والأرض. وقد ~~قال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} ~~وقال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل ~~في فلك يسبحون} قال ابن عباس وغيره من السلف في فلكة مثل فلكة المغزل. فقد ~~أخبر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر: في الفلك و " الفلك " هو ~~السموات عند أكثر العلماء؛ بدليل أن الله ذكر في هاتين الآيتين أن الشمس ~~والقمر في الفلك وقال في موضع آخر: {ألم تروا كيف خلق الله # PageV06P597 # سبع سماوات طباقا} {وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فأخبر أنه ~~جعل الشمس والقمر في السموات. وقال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} بين أنه خلق ~~السموات والأرض وأنه خلق الظلمات والنور؛ لأن الجعل هو التصيير. يقال: جعل ~~كذا إذا صيره فذكر أنه خلق السموات والأرض وأنه جعل الظلمات والنور لأن ~~الظلمات والنور مجعولة من الشمس والقمر: المخلوقة في السموات؛ وليس الظلمات ~~والنور والليل والنهار جسما قائما بنفسه ولكنه صفة وعرض قائم بغيره. " ~~فالنور " هو شعاع الشمس وضوءها الذي ينشره الله في الهواء وعلى الأرض. وأما ~~" الظلمة في الليل " فقد قيل: هي كذلك وقيل هي أمر وجودي فهذا الليل وهذا ~~النهار اللذان يختلفان علينا اللذان يولج الله أحدهما في الآخر فيولج الليل ~~في النهار ويولج النهار في الليل ويخلف ms1899 أحدهما الآخر يتعاقبان كما قال ~~تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب} وقال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار} . بين سبحانه أنه جعل لكل شيء قدرا واحدا لا يتعداه. فالشمس لا ~~ينبغي لها أن تدرك القمر وتلحقه بل لها مجرى قدره الله لها وللقمر مجرى ~~قدره الله له كما قال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم # PageV06P598 # مظلمون} {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} {والقمر ~~قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} ثم قال: {لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} أي لا يفوته ويتقدم أمامه حتى يكون ~~بينهما برزخ؛ بل هو متصل به لا هذا ينفصل عن هذا ولا هذا ينفصل عن هذا {كل ~~في فلك يسبحون} . فالمقصود: أن هذا الليل وهذا النهار جعلهما الله تبعا ~~لهذه السموات والأرض؛ ولكن كان - قبل أن يخلق الله هذه السموات وهذه الأرض ~~وهذا النهار: كان - العرش على الماء كما قال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} . وخلق الله من بخار ذلك الماء ~~هذه السموات وهو الدخان المذكور في قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} {فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين} . وذلك لما كان الماء غامرا لتربة الأرض وكانت الريح تهب ~~على ذلك الماء؛ فخلق الله هذه السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش. فتلك الأيام التي خلق الله تعالى فيها هذه. # PageV06P599 # وسئل - رضي الله عنه -: # عن " اختلاف الليل والنهار " وأن الظهر يكون في دمشق ويكون الليل قد دخل ~~في بلد آخر؛ فهل قائل هذا قوله صحيح أم لا؟. # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله رب العالمين، طلوع الشمس وزوالها وغروبها يكون بالمشرق قبل أن ~~يكون بالمغرب فتطلع الشمس وتزول وتغرب على أرض الهند؛ والصين والخط؛ قبل أن ~~يكون بأرض المغرب ويكون ذلك بأرض العراق قبل ms1900 أن يكون بأرض الشام؛ ويكون ~~بأرض الشام قبل أن يكون بمصر وكل أهل بلد لهم حكم طلوعهم وزوالهم وغروبهم. ~~فإذا طلع الفجر ببلد دخل وقت الفجر ووجبت الصلاة والصوم عندهم وإن لم يكن ~~عند آخرين؛ لكن يتفاوت ذلك تفاوتا يسيرا بين البلاد المتقاربة؛ وأما من كان ~~في أقصى المشرق وأقصى المغرب فيتفاوت بينهما تفاوتا كثيرا نحو نصف يوم ~~كامل. والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح # PageV06P600 # في الفلك؛ فقال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في ~~فلك يسبحون} وقال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون} و " الفلك " هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من ~~الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين والمستدير يظهر شيئا بعد شيء ~~فيراه القريب منه قبل البعيد عنه. والله أعلم. PageV06P601 # الجزء السابع # كتاب الإيمان # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. # قال شيخ الإسلام: أحمد ابن تيمية - طيب الله ثراه -: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # اعلم أن " الإيمان والإسلام " يجتمع فيهما الدين كله وقد كثر كلام الناس ~~في " حقيقة الإيمان والإسلام " ونزاعهم واضطرابهم؛ وقد صنفت في ذلك مجلدات؛ ~~والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف. # PageV07P005 # ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يستفاد من ~~كلام الله تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله فإن هذا هو ~~المقصود. فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء؛ بل نذكر من ذلك - في ضمن بيان ما ~~يستفاد من كلام الله ورسوله - ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى ~~الرسول ms1901 خير وأحسن تأويلا وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة. # فنقول: قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام بين ~~مسمى " الإسلام " ومسمى " الإيمان " ومسمى " الإحسان {. فقال: الإسلام: أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. وقال: الإيمان: أن تؤمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره} . و " ~~الفرق " مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم وفي حديث أبي هريرة الذي ~~اتفق البخاري ومسلم عليه وكلاهما فيه: أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان ~~أعرابي فسأله. وفي حديث عمر: أنه جاءه في صورة أعرابي. وكذلك فسر " الإسلام ~~" في حديث ابن عمر المشهور قال: {بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم ~~رمضان} . وحديث جبرائيل يبين أن " الإسلام المبني على خمس " هو الإسلام ~~نفسه # PageV07P006 # ليس المبني غير المبني عليه؛ بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث ~~درجات: أعلاها " الإحسان " وأوسطها " الإيمان " ويليه " الإسلام " فكل محسن ~~مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مؤمن محسنا ولا كل مسلم مؤمنا كما سيأتي بيانه ~~- إن شاء الله - في سائر الأحاديث كالحديث الذي رواه حماد بن زيد عن أيوب ~~عن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: أسلم تسلم. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله وأن يسلم ~~المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: وما ~~الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت. قال: ~~فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: ~~فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد أو تقاتل ~~الكفار إذا لقيتهم ولا تغلل ولا تجبن} . ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل ms1902 بمثلهما - قالها ثلاثا - حجة ~~مبرورة أو عمرة} رواه أحمد ومحمد بن نصر المروزي. ولهذا يذكر هذه " المراتب ~~الأربعة {فيقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه ~~الناس على دمائهم وأموالهم والمهاجر من هجر السيئات والمجاهد من جاهد نفسه ~~لله} . وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو ~~وفضالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد وهو في " السنن " وبعضه في " الصحيحين ~~". # PageV07P007 # وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم} . ومعلوم أن من كان مأمونا على ~~الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده ولولا سلامتهم منه لما ~~ائتمنوه. وكذلك في حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة. وفي حديث عبد الله ~~بن عبيد بن عمير أيضا عن أبيه عن جده أنه {قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما الإسلام؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام. قيل: فما الإيمان؟ قال: ~~السماحة والصبر. قيل: فمن أفضل المسلمين إسلاما؟ قال: من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده. قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا. قيل فما ~~أفضل الهجرة؟ قال: من هجر ما حرم الله عليه. قال: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول ~~القنوت. قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد مقل. قال: أي الجهاد أفضل؟ قال: أن ~~تجاهد بمالك ونفسك؛ فيعقر جوادك ويراق دمك. قال أي الساعات أفضل؟ قال: جوف ~~الليل الغابر} . ومعلوم أن هذا كله مراتب بعضها فوق بعض؛ وإلا فالمهاجر لا ~~بد أن يكون مؤمنا وكذلك المجاهد ولهذا قال: {الإيمان: السماحة والصبر} . ~~وقال في الإسلام: {إطعام الطعام وطيب الكلام} . والأول مستلزم للثاني؛ فإن ~~من كان خلقه السماحة فعل هذا بخلاف الأول؛ فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلقا ~~ولا يكون في خلقه سماحة وصبر. وكذلك قال: {أفضل المسلمين # PageV07P008 # من سلم المسلمون من لسانه ويده} . وقال: {أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا} . ومعلوم أن هذا يتضمن الأول؛ فمن كان حسن الخلق فعل ذلك. قيل ms1903 للحسن ~~البصري: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. فكف الأذى ~~جزء من حسن الخلق. وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من ~~الإيمان كقوله: {الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} . {وقوله لوفد عبد القيس: آمركم بالله ~~وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم} . ومعلوم أنه ~~لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب؛ لما قد أخبر في ~~غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان ~~وفي " المسند " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام ~~علانية والإيمان في القلب} . {وقال صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة ~~إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب} ~~. فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس. وقال سفيان بن عيينة: كان ~~العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح ~~الله علانيته، ومن أصلح ما بينه # PageV07P009 # وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر ~~دنياه. رواه ابن أبي الدنيا في " كتاب الإخلاص ". فعلم أن القلب إذا صلح ~~بالإيمان؛ صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث ~~جبرائيل: {هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم} . فجعل " الدين " هو الإسلام ~~والإيمان والإحسان. فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة لكن هو درجات ثلاث: " مسلم ~~" ثم " مؤمن " ثم " محسن " كما قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ~~من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} ~~والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف الظالم لنفسه. وهكذا ~~من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب؛ لكن لم يقم بما يجب عليه من ~~الإيمان الباطن؛ فإنه معرض للوعيد كما سيأتي بيانه ms1904 إن شاء الله. وأما " ~~الإحسان " فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. " والإيمان ~~" أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه ~~الإيمان والإيمان يدخل فيه الإسلام والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون ~~أخص من المسلمين؛ وهذا كما يقال: في " الرسالة والنبوة " فالنبوة داخلة في ~~الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها؛ فكل رسول نبي وليس ~~كل نبي رسولا؛ فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول ~~النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها لا تتناول الرسالة. # PageV07P010 # والنبي صلى الله عليه وسلم فسر " الإسلام والإيمان " بما أجاب به؛ كما ~~يجاب عن المحدود بالحد إذا قيل ما كذا؟ قيل: كذا وكذا. كما في الحديث ~~الصحيح {لما قيل: ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره} . وفي الحديث الآخر: ~~{الكبر بطر الحق وغمط الناس} . وبطر الحق: جحده ودفعه. وغمط الناس: ~~احتقارهم وازدراؤهم. وسنذكر - إن شاء الله تعالى - سبب تنوع أجوبته وأنها ~~كلها حق. ولكن (المقصود) أن قوله: {بني الإسلام على خمس} كقوله: {الإسلام ~~هو الخمس} كما ذكر في حديث جبرائيل؛ فإن الأمر مركب من أجزاء تكون الهيئة ~~الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها؛ فالإسلام مبني على هذه ~~الأركان - وسنبين إن شاء الله - اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، ~~وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات؟ وقد فسر " ~~الإيمان " في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا لكنه لم يذكر فيه ~~الحج وهو متفق عليه فقال: {آمركم بالإيمان بالله وحده هل تدرون ما الإيمان ~~بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما ~~غنمتم أو خمسا من المغنم} . وقد روي في بعض طرقه: {الإيمان بالله وشهادة أن ~~لا إله إلا الله} . # PageV07P011 # لكن الأول أشهر. وفي رواية أبي سعيد: {آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: ~~اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} . وقد ms1905 فسر - في حديث شعب الإيمان - ~~الإيمان بهذا وبغيره فقال: {الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها ~~قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من ~~الإيمان} . وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال: {الحياء شعبة من الإيمان} من ~~حديث ابن عمر وابن مسعود وعمران بن حصين. وقال أيضا: {لا يؤمن أحدكم حتى ~~أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} . {وقال: لا يؤمن أحدكم حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه} . وقال: {والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا ~~يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه} . وقال: {من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان} . وقال: {ما بعث الله من نبي إلا كان في أمته قوم ~~يهتدون بهديه ويستنون بسنته. ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا ~~يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه ~~فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} ~~وهذا من إفراد مسلم. وكذلك في إفراد مسلم قوله: {والذي نفسي بيده لا تدخلون ~~الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه ~~تحاببتم؟ : # PageV07P012 # أفشوا السلام بينكم} وقال في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة ~~ورواه البخاري من حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ~~وهو مؤمن} . فيقال " اسم الإيمان " تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الإسلام ~~ولا باسم العمل الصالح ولا غيرهما وتارة يذكر مقرونا؛ إما بالإسلام كقوله ~~في حديث جبرائيل: {ما الإسلام وما الإيمان} ؟ وكقوله تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} . وقوله عز وجل: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} . وقوله تعالى {فأخرجنا من ms1906 كان فيها من ~~المؤمنين} {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} . وكذلك ذكر الإيمان مع ~~العمل الصالح؛ وذلك في مواضع من القرآن كقوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} . وإما مقرونا بالذين أوتوا العلم كقوله تعالى: {وقال ~~الذين أوتوا العلم والإيمان} وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} . وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا ~~العلم؛ فإنهم خيارهم قال تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا} . وقال: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك} . # PageV07P013 # ويذكر أيضا لفظ المؤمنين مقرونا بالذين هادوا والنصارى والصابئين ثم ~~يقول: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان ~~الآخر عمهم؛ كما عمهم في قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية} . وسنبسط هذا إن شاء الله تعالى. (فالمقصود هنا) العموم ~~والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان. وأما العموم بالنسبة ~~إلى الملل؛ فتلك " مسألة أخرى ". فلما ذكر الإيمان مع الإسلام؛ جعل الإسلام ~~هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج. وجعل ~~الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ~~وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} . وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا؛ ~~دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث الشعب: {الإيمان بضع ~~وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} . ~~وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان. ثم إن نفي " ~~الإيمان " عند عدمها؛ دل على أنها واجبة وإن ذكر فضل إيمان صاحبها - ولم ~~ينف إيمانه - دل على أنها مستحبة؛ فإن الله ورسوله # PageV07P014 # لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر الله به ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته ~~كقوله: {لا صلاة إلا بأم القرآن} . وقوله: ms1907 {لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا ~~دين لمن لا عهد له} ونحو ذلك فأما إذا كان الفعل مستحبا في " العبادة " لم ~~ينفها لانتفاء المستحب فإن هذا لو جاز؛ لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم ~~الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه وليس ~~أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أبو بكر ~~ولا عمر. فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه؛ لجاز أن ينفى ~~عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن ~~المنفي هو الكمال فإن أراد أنه نفي " الكمال الواجب " الذي يذم تاركه ~~ويتعرض للعقوبة؛ فقد صدق. وإن أراد أنه نفي " الكمال المستحب " فهذا لم يقع ~~قط في كلام الله ورسوله ولا يجوز أن يقع فإن من فعل الواجب كما وجب عليه ~~ولم ينتقص من واجبه شيئا؛ لم يجز أن يقال: ما فعله لا حقيقة ولا مجازا. ~~فإذا {قال للأعرابي المسيء في صلاته: ارجع فصل فإنك لم تصل} . {وقال لمن ~~صلى خلف الصف - وقد أمره بالإعادة: لا صلاة لفذ خلف الصف} كان لترك واجب. ~~وكذلك قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} يبين أن الجهاد ~~واجب وترك الارتياب واجب. # PageV07P015 # والجهاد - وإن كان فرضا على الكفاية - فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء ~~فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه والعزم على فعله إذا تعين؛ ولهذا {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق} رواه ~~مسلم. فأخبر أنه من لم يهم به؛ كان على شعبة نفاق. " وأيضا " فالجهاد جنس ~~تحته أنواع متعددة ولا بد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه. وكذلك قوله: ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا} . هذا ms1908 كله واجب؛ فإن التوكل على الله واجب ~~من أعظم الواجبات كما أن الإخلاص لله واجب وحب الله ورسوله واجب. وقد أمر ~~الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة ونهى عن ~~التوكل على غير الله قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} . وقال تعالى: {الله ~~لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . وقال تعالى: {إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} . وقال تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} . # وأما قوله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا} . فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان ~~الثابتة فيه بحيث إذا كان الإنسان مؤمنا؛ لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له # PageV07P016 # وإذا لم يوجد؛ دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب وهذا كقوله ~~تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه} . فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ~~ورسوله فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر فإذا وجد ~~الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله ~~بقلبه؛ كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب. ومثله قوله ~~تعالى في الآية الأخرى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} . ~~فذكر " جملة شرطية " تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف " لو " التي ~~تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} . فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم ~~أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان ms1909 واتخاذهم أولياء في القلب. ودل ذلك على أن ~~من اتخذهم أولياء؛ ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل ~~إليه. ومثله قوله تعالى {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا ~~يكون # PageV07P017 # مؤمنا. وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم؛ فالقرآن يصدق بعضه بعضا. قال الله ~~تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم} الآية. وكذلك قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} دليل على أن الذهاب ~~المذكور بدون استئذانه لا يجوز وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن فمن ذهب ولم ~~يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان؛ فلهذا نفى عنه الإيمان فإن ~~حرف " إنما " تدل على إثبات المذكور ونفي غيره. # ومن الأصوليين من يقول: إن " إن " للإثبات و " ما " للنفي فإذا جمع ~~بينهما دلت على النفي والإثبات وليس كذلك عند أهل العربية ومن يتكلم في ذلك ~~بعلم، فإن " ما " هذه هي الكافة التي تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن ~~العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الاسمية فلما كفت بطل عملها ~~واختصاصها فصار يليها الجمل الفعلية والاسمية؛ فتغير معناها وعملها جميعا ~~بانضمام " ما " إليها وكذلك " كأنما " وغيرها. وكذلك قوله تعالى {ويقولون ~~آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} ~~{وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون} . # PageV07P018 # فإن قيل: إذا كان المؤمن حقا هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات: فقد ~~قال: {أولئك هم المؤمنون حقا} ولم يذكر إلا خمسة أشياء. وكذلك قال في الآية ~~الأخرى: {إنما ms1910 المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} . وكذلك قوله: {إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} . قيل عن هذا جوابان: (أحدهما) ~~: أن يكون ما ذكر مستلزما لما ترك؛ فإنه ذكر وجل قلوبهم إذا ذكر الله، ~~وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه وإقام الصلاة على ~~الوجه المأمور به باطنا وظاهرا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع؛ فكان هذا ~~مستلزما للباقي؛ فإن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه. وقد ~~فسروا (وجلت) بفرقت. وفي قراءة ابن مسعود: (إذا ذكر الله فرقت قلوبهم) . ~~وهذا صحيح؛ فإن " الوجل في اللغة " هو الخوف يقال: حمرة الخجل وصفرة الوجل. ~~ومنه قوله تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} ~~{قالت عائشة: يا رسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب؟ قال: لا يا ~~ابنة الصديق هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه} . وقال ~~السدي في قوله تعالى {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} هو # PageV07P019 # الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فينزع عنه. وهذا كقوله تعالى: {وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} وقوله: {ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان} . قال مجاهد وغيره من المفسرين: هو الرجل يهم بالمعصية ~~فيذكر مقامه بين يدي الله؛ فيتركها خوفا من الله. وإذا كان " وجل القلب من ~~ذكره " يتضمن خشيته ومخافته؛ فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور وترك ~~المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من ~~الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة ~~الخوف من الله. ويدل على ذلك قوله تعالى {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ ~~الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} . فأخبر أن الهدى ~~والرحمة للذين يرهبون الله. قال مجاهد وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب ~~الذنب فيذكر مقام الله فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا ms1911 عن ابن الجعد عن ~~شعبة عن منصور عن هما في قوله تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . وهؤلاء هم ~~أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} . وهم " المؤمنون " وهم " المتقون " المذكورون في قوله تعالى ~~{الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} كما قال في آية البر: {أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} . وهؤلاء هم المتبعون للكتاب كما في قوله ~~تعالى {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} . وإذا لم يضل فهو متبع مهتد، # PageV07P020 # وإذا لم يشق فهو مرحوم. وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين. فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبا عليهم. وأهل الهدى ليسوا ضالين فتبين ~~أن أهل رهبة الله يكونون متقين لله مستحقين لجنته بلا عذاب. وهؤلاء هم ~~الذين أتوا بالإيمان الواجب. ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء} والمعنى أنه لا يخشاه إلا عالم؛ فقد أخبر الله ~~أن كل من خشي الله فهو عالم كما قال في الآية الأخرى: {أم من هو قانت آناء ~~الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون} . والخشية أبدا متضمنة للرجاء ولولا ذلك لكانت قنوطا؛ ~~كما أن الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا؛ فأهل الخوف لله والرجاء ~~له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال: " ~~العلماء ثلاثة ". فعالم بالله ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس ~~عالما بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله. فالعالم بالله هو الذي يخافه ~~والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه. وفي " الصحيح " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم ~~بحدوده} . وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة لم ~~يكونوا مستحقين للذم وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات ويدل عليه قوله ~~تعالى: ms1912 # PageV07P021 # {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} {ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد} . وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . فوعد بنصر ~~الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب فدل على ~~أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدل على ~~هذا المعنى قوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب} . قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا ~~لي: كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك ~~قال سائر المفسرين. قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن ~~وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين. ~~وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما ~~يجهله كان كمن لم يواقع سوءا؛ وإنما يحتمل أمرين. (أحدهما) : أنهم عملوه ~~وهم يجهلون المكروه فيه. والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته ~~مكروهة وآثروا العاجل على الآجل؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة ~~الكثيرة والعافية الدائمة. فقد جعل الزجاج " الجهل " إما عدم العلم بعاقبة ~~الفعل وإما فساد الإرادة؛ وقد يقال: هما متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع ~~الجهمية. والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم # PageV07P022 # مطيع لله؛ وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم ~~يعص. ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار ~~بالله جهلا. وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه وتصور المحبوب يوجب طلبه ~~فإذا لم يهرب من هذا ولم يطلب هذا؛ دل على أنه لم يتصوره تصورا تاما؛ ولكن ~~قد يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه. ~~وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها؛ فإن الإنسان يصدق بما هو ~~مخوف على غيره ومحبوب لغيره ولا يورثه ذلك هربا ولا ms1913 طلبا. وكذلك إذا أخبر ~~بما هو محبوب له ومكروه ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه؛ لكن قلبه مشغول بأمور ~~أخرى عن تصور ما أخبر به؛ فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب. وفي الكلام ~~المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم {العلم ~~علمان فعلم في القلب وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع؛ وعلم ~~اللسان حجة الله على عباده} . وقد أخرجا في " الصحيحين " عن أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل ~~الأترجة طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها ~~طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ~~ريح لها} . وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه وقد يصدق ~~أنه # PageV07P023 # كلام الله وأن الرسول حق. ولا يكون مؤمنا. كما أن اليهود يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وليسوا مؤمنين وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما. لكن من كان ~~كذلك؛ لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة فإن ذلك يستلزم العمل ~~بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل كما تقدم. ~~وكذلك لفظ " العقل " - وإن كان هو في الأصل: مصدر عقل يعقل عقلا وكثير من ~~النظار جعله من جنس العلوم - فلا بد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه ~~فلا يسمى " عاقلا " إلا من عرف الخير فطلبه والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب ~~النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . وقال عن المنافقين: ~~{تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} . ومن فعل ما يعلم أنه ~~يضره؛ فمثل هذا ما له عقل. فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به؛ فالعلم ~~به يستلزم خشيته وخشيته تستلزم طاعته. فالخائف من الله ممتثل لأوامره مجتنب ~~لنواهيه وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى ~~{فذكر ms1914 إن نفعت الذكرى} {سيذكر من يخشى} {ويتجنبها الأشقى} {الذي يصلى النار ~~الكبرى} . فأخبر أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته قال الله ~~تعالى: {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ~~ينيب} . وقال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} . ولهذا قالوا في قوله # PageV07P024 # {سيذكر من يخشى} سيتعظ بالقرآن من يخشى الله. وفي قوله {وما يتذكر إلا من ~~ينيب} إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة. وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر ~~بما تذكره؛ فإن تذكر محبوبا طلبه وإن تذكر مرهوبا هرب منه ومنه قوله تعالى ~~{سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} . وقال سبحانه: {إنما تنذر ~~من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} . فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ~~{سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} . فأثبت لهم الإنذار من وجه ~~ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف. فالإنذار مثل التعليم ~~والتخويف فمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه وآخر يقول: علمته فلم يتعلم. وكذلك ~~من خوفته فخاف فهذا هو الذي تم تخويفه. وأما من خوف فما خاف؛ فلم يتم ~~تخويفه. وكذلك من هديته فاهتدى؛ تم هداه ومنه قوله تعالى {هدى للمتقين} . ~~ومن هديته فلم يهتد - كما قال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} - فلم يتم هداه كما تقول: قطعته فانقطع وقطعته فما انقطع. فالمؤثر ~~التام يستلزم أثره: فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاما والفعل إذا صادف محلا ~~قابلا تم وإلا لم يتم. والعلم بالمحبوب يورث طلبه والعلم بالمكروه يورث ~~تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم: الداعي ويقال: الداعي مع القدرة يستلزم وجود ~~المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله ~~إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها وأما مع فسادها فقد يحس الإنسان باللذيذ ~~فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة، والفساد # PageV07P025 # يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعا كالممرور الذي يجد العسل مرا: ~~فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه ms1915 للمرة التي مازجته ~~وكذلك من فسد باطنه قال تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} ~~{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون} . وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} . وقال: {وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} . وقال في الآية الأخرى: {وقالوا ~~قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} . و " الغلف ": جمع أغلف وهو ذو الغلاف ~~الذي في غلاف مثل الأقلف كأنهم جعلوا المانع خلقة أي خلقت القلوب وعليها ~~أغطية فقال الله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} و {طبع الله عليها بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا} . وقال تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا ~~من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم واتبعوا أهواءهم} . وكذلك قالوا: {يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} ~~قال: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} أي لأفهمهم ما سمعوه. ثم قال: ولو ~~أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها {لتولوا وهم معرضون} فقد فسدت فطرتهم ~~فلم يفهموا ولو فهموا لم يعملوا. فنفى عنهم صحة القوة العلمية وصحة القوة ~~العملية وقال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل # PageV07P026 # سبيلا} . وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} . وقال: {ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وقال عن ~~المنافقين: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} . ومن الناس من يقول: لما لم ~~ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق؛ جعلوا صما بكما عميا أو لما أعرضوا عن السمع ~~والبصر والنطق صاروا كالصم العمي البكم وليس كذلك؛ بل نفس قلوبهم عميت وصمت ~~وبكمت كما قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور} " والقلب " هو الملك والأعضاء جنوده وإذا صلح صلح سائر ms1916 الجسد ~~وإذا فسد فسد سائر الجسد فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم، ~~والمعنى: لا يفقهه وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقها تاما فإن الفقه التام ~~يستلزم تأثيره في القلب محبة المحبوب وبغض المكروه؛ فمتى لم يحصل هذا لم ~~يكن التصور التام حاصلا فجاز نفيه لأن ما لم يتم ينفى كقوله للذي أساء في ~~صلاته: {صل فإنك لم تصل} . فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب. # وقد جمع الله بين وصفهم بوجل القلب إذا ذكر وبزيادة الإيمان إذا سمعوا ~~آياته. قال الضحاك: زادتهم يقينا. وقال الربيع بن أنس: خشية. وعن ابن عباس ~~تصديقا. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في مواضع قال تعالى: {ألم # PageV07P027 # يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا ~~كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فاسقون} . # و " الخشوع " يتضمن معنيين: # أحدهما: التواضع والذل. # والثاني: السكون والطمأنينة وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة؛ ~~فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضا ولهذا كان الخشوع في الصلاة ~~يتضمن هذا وهذا: التواضع والسكون. وعن ابن عباس في قوله: {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} . قال: مخبتون أذلاء. وعن الحسن وقتادة: خائفون. وعن مقاتل: ~~متواضعون. وعن على: الخشوع في القلب وأن تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت ~~يمينا ولا شمالا: وقال مجاهد: غض البصر وخفض الجناح وكان الرجل من العلماء ~~إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر ~~الدنيا. وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود؛ ولكنه السكون وحب ~~حسن الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: {كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يمينا وشمالا حتى ~~نزلت هذه: {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} الآية. فجعلوا ~~بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون وما رئي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.} ~~وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك وأنت ms1917 في الصلاة. {وأبصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع # PageV07P028 # قلب هذا لخشعت جوارحه} . ولفظ " الخشوع " - إن شاء الله - يبسط في موضع ~~آخر. و " خشوع الجسد " تبع لخشوع القلب إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ~~ليس في قلبه كما روي: {تعوذوا بالله من خشوع النفاق} وهو أن يرى الجسد ~~خاشعا والقلب خاليا لاهيا. فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: {ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} فدعاهم إلى خشوع ~~القلب لذكره وما نزل من كتابه ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد ~~فقست قلوبهم وهؤلاء هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا. وكذلك قال في الآية الأخرى: {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله} . والذين يخشون ربهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى ~~وجلت قلوبهم. فإن قيل: فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب. قيل: ~~نعم لكن الناس فيه على قسمين: " مقتصد " " وسابق " فالسابقون يختصون ~~بالمستحبات والمقتصدون الأبرار: هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة ومن لم ~~يكن من هؤلاء ولا هؤلاء؛ فهو ظالم لنفسه. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا ~~تشبع ودعاء لا يسمع} . # PageV07P029 # وقد ذم الله " قسوة القلوب " المنافية للخشوع في غير موضع فقال تعالى: ~~{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} . قال الزجاج: قست في ~~اللغة: غلظت ويبست وعسيت. فقسوة القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه ~~والقاسي والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قتيبة: قست وعست وعتت. أي يبست. ~~وقوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة فإنه ينبغي أن يكون قويا من غير ~~عنف ولينا من غير ضعف. وفي الأثر: {القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى ~~الله أصلبها وأرقها وأصفاها} . وهذا كاليد فإنها قوية لينة بخلاف ما ms1918 يقسو ~~من العقب فإنه يابس لا لين فيه وإن كان فيه قوة. # وهو سبحانه ذكر وجل القلب من ذكره ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه ~~علما وعملا. ثم لا بد من التوكل على الله فيما لا يقدر عليه ومن طاعته فيما ~~يقدر عليه وأصل ذلك " الصلاة " و " الزكاة ". فمن قام بهذه الخمس كما أمر ~~لزم أن يأتي بسائر الواجبات. بل " الصلاة نفسها " إذا فعلها كما أمر فهي ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ كما روي عن ابن مسعود وابن عباس: إن في الصلاة ~~منتهى ومزدجرا عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد ~~بصلاته من الله إلا بعدا ". وقوله: " لم يزدد إلا بعدا " إذا كان ما ترك من ~~الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قربه ~~فعل الواجب الأقل، وهذا # PageV07P030 # كما في " الصحيح " {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تلك صلاة ~~المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين ~~قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} . وقد قال تعالى: ~~{إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} . وفي السنن عن عمار {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها ~~إلا نصفها، إلا ثلثها. . حتى قال: إلا عشرها} وعن ابن عباس قال: ليس لك من ~~صلاتك إلا ما عقلت منها. وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء ~~لكن يؤمر بأن يأتي من التطوعات بما يجبر نقص فرضه. ومعلوم أن من حافظ على ~~الصلوات بخشوعها الباطن وأعمالها الظاهرة وكان يخشى الله الخشية التي أمره ~~بها؛ فإنه يأتي بالواجبات؛ ولا يأتي كبيرة. ومن أتى الكبائر - مثل الزنا أو ~~السرقة أو شرب الخمر؛ وغير ذلك - فلا بد أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية ~~والخشوع والنور؛ وإن بقي أصل التصديق في ms1919 قلبه. وهذا من " الإيمان " الذي ~~ينزع منه عند فعل الكبيرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن} . # فإن " المتقين " كما وصفهم الله بقوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان # PageV07P031 # تذكروا فيبصرون. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله؛ ~~فيكظم الغيظ. وقال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. ~~والشهوة والغضب مبدأ السيئات فإذا أبصر رجع ثم قال: {وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون} . أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا ~~يقصرون. قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات. ولا الشياطين تمسك عنهم. ~~فإذا لم يبصر بقي قلبه في غي والشيطان يمده في غيه. وإن كان التصديق في ~~قلبه لم يكذب. فذلك النور والإبصار. وتلك الخشية والخوف يخرج من قلبه. ~~وهذا: كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئا وإن لم يكن أعمى؛ فكذلك ~~القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق. وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. ~~وهكذا جاء في الآثار: قال أحمد بن حنبل في كتاب (الإيمان) : حدثنا يحيى عن ~~أشعث عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ينزع منه الإيمان؛ فإن ~~تاب أعيد إليه} . وقال: حدثنا يحيى عن عوف قال: قال الحسن: " يجانبه ~~الإيمان ما دام كذلك فإن راجع راجعه الإيمان ". وقال أحمد: حدثنا معاوية عن ~~أبي إسحاق عن الأوزاعي قال: وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث - {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن} فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنا فما هو؟ قال: ~~فأنكر ذلك. وكره مسألتي عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي. عن ~~سفيان عن إبراهيم بن # PageV07P032 # مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه ~~لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان فإن شاء أن يرده ms1920 رده وإن ~~شاء أن يمنعه منعه. وقال أبو داود السجستاني: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ~~حدثنا بقية بن الوليد حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي ~~أنه أخبره {عن أبي هريرة أنه كان يقول: إنما الإيمان كثوب أحدكم يلبسه مرة ~~ويقلعه أخرى} وكذلك رواه بإسناده عن عمر وروي عن الحسن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مرسلا. وفي حديث عن أبي هريرة مرفوع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة فإذا انقطع رجع إليه ~~الإيمان} . وهذا (إن شاء الله) يبسط في موضع آخر. # PageV07P033 # فصل: # وقد جاءت أحاديث تنازع الناس في صحتها، مثل قوله: {لا صلاة إلا بوضوء ولا ~~وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه} فأما الأول: فهو كقوله: {لا صلاة إلا ~~بطهور} وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ فإن الطهور واجب في الصلاة فإنما نفى ~~الصلاة لانتفاء واجب فيها وأما ذكر اسم الله تعالى على الوضوء؛ ففي وجوبه ~~نزاع معروف وأكثر العلماء لا يوجبونه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها الخرقي وأبو محمد وغيرهما. والثاني: ~~يجب وهو قول طائفة من أهل العلم وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو ~~بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وأصحابه. وكذلك قوله: {لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد} رواه الدارقطني. فمن الناس من يضعفه مرفوعا ويقول: ~~هو من كلام علي رضي الله عنه ومنهم من يثبته كعبد الحق. وكذلك قوله: {لا ~~صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل} قد رواه أهل السنن وقيل: إن رفعه لم يصح ~~وإنما يصح موقوفا على ابن عمر أو حفصة فليس لأحد أن يثبت لفظا عن الرسول مع ~~أنه أريد به نفي الكمال # PageV07P034 # المستحب فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعا على وجوب هذه الأمور؛ فإن لم تصح ~~فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ~~ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ms1921 ما يدل على مراد ~~الله ورسوله؛ وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم ليس قول الله ورسوله تابعا لأقوالهم. فإذا كان في وجوب شيء نزاع ~~بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى؛ لم يجز أن ينقض الأصل المعروف ~~من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. ولكن من الناس من لا يعرف ~~مذاهب أهل العلم وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعا كمن يظن أنه ~~إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعا؛ وليس الأمر كذلك؛ بل ~~للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة وفي مذهب أحمد فيها قولان؛ ~~فطائفة من قدماء أصحابه - حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في شرح المذهب ومن ~~متأخريهم كابن عقيل وغيره - يقولون: من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ ~~له ذلك فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة فإن أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك ~~فعليه ذلك وإلا باء بإثمه كما يبوء تارك الجمعة بإثمه، والتوبة معروضة. ~~وهذا قول غير واحد من أهل العلم، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة ~~والتابعين تدل على هذا. وقد احتجوا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من سمع النداء # PageV07P035 # ثم لم يجب من غير عذر؛ فلا صلاة له} وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في ~~المعذور الذي تباح له الصلاة وحده كما ثبت عنه أنه قال: {صلاة الرجل قاعدا ~~على النصف من صلاة القائم وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد} والمراد ~~به المعذور كما في الحديث أنه خرج وقد أصابهم وعك وهم يصلون قعودا فقال ~~ذلك. ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعا من غير عذر، ولا يعرف أن ~~أحدا من السلف فعل ذلك، وجوازه وجه في مذهب الشافعي وأحمد، ولا يعرف لصاحبه ~~سلف صدق مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى؛ فلو كان يجوز لكل مسلم أن ~~يصلي التطوع على جنبه وهو صحيح لا مرض به كما يجوز أن يصلي التطوع ms1922 قاعدا ~~وعلى الراحلة؛ لكان هذا مما قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وكان ~~الصحابة تعلم ذلك، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لا بد أن يفعل ذلك بعضهم، ~~فلما لم يفعله أحد منهم دل على أنه لم يكن مشروعا عندهم وهذا مبسوط في ~~موضعه. # والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله؛ بل ليس ~~لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده لا على ما يحتمله ~~ذلك اللفظ في كلام كل أحد فإن كثيرا من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله؛ ~~يسلك مسلك من يجعل " التأويل " كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك ~~المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ؛ بل جميع ما قاله الله ورسوله # PageV07P036 # يجب الإيمان به. فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء ~~بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه ~~يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول؛ فكذلك النص الآخر الذي تأوله فيكون أصل ~~مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه؛ وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من ~~تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما. وأما من يجعلهما بمعنى ~~واحد كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين؛ فالتأويل عندهم هو التفسير. وأما ~~" التأويل " في كلام الله ورسوله؛ فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح ~~المفسرين. وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين؛ كما بسط في ~~موضعه. والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور ~~الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ~~ذلك؛ فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه ~~الغاية فرض على الناس؛ فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان ~~الواجب الذي وعد أهله ms1923 بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ~~ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها؛ فهو معرض للوعيد. # ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب " تحكيم الرسول " في كل ما شجر بين # PageV07P037 # الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه وعليهم كلهم إذا حكم ~~بشيء ألا يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم ويسلموا تسليما. قال تعالى: {ألم تر ~~إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا} . وقوله: {إلى ما أنزل الله} وقد أنزل الله الكتاب ~~والحكمة وهي السنة قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به} . وقال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ~~وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} . والدعاء إلى ما أنزل ~~يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله ~~الله، وهذا مثل طاعة الله والرسول؛ فإنهما متلازمان فمن يطع الرسول فقد ~~أطاع الله ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول. وكذلك قوله تعالى {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} . فإنهما ~~متلازمان؛ فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل ~~المؤمنين وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى. فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ؛ فهو بمنزلة من ظن أنه ~~متبع للرسول وهو مخطئ. # وهذه " الآية " تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم # PageV07P038 # مستلزمة لمخالفة الرسول وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن ~~الرسول؛ فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين؛ فإنها ~~مما بين الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما ms1924 يكفر مخالف النص ~~البين. وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضا بأنها ~~مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل ~~قد يكون ظن الإجماع خطأ. والصواب في خلاف هذا القول وهذا هو فصل الخطاب ~~فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. و " الإجماع " هل هو قطعي ~~الدلالة أو ظني الدلالة؟ . فإن من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا، ~~ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا. والصواب التفصيل بين ما يقطع به من ~~الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا؛ فهذا يجب القطع ~~بأنه حق؛ وهذا لا بد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى؛ كما قد بسط هذا في ~~موضع آخر. ومن جهة أنه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة؛ دل على أن كل صفة من ~~تلك الصفات متى ظهرت وجب اتباعها وهذا مثل {الصراط المستقيم} الذي أمرنا ~~الله بسؤال هدايته؛ فإنه قد وصف بأنه الإسلام ووصف بأنه اتباع القرآن ووصف ~~بأنه طاعة الله ورسوله ووصف بأنه طريق العبودية؛ ومعلوم أن كل اسم من هذه ~~الأسماء يجب اتباع مسماه، ومسماها كلها واحد وإن تنوعت صفاته؛ فأي صفة ظهرت ~~وجب اتباع مدلولها فإنه مدلول الأخرى. وكذلك أسماء الله تعالى وأسماء كتابه ~~وأسماء رسوله هي مثل أسماء دينه. # PageV07P039 # وكذلك قوله تعالى. {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} قيل: حبل الله ~~هو دين الإسلام وقيل: القرآن وقيل: عهده وقيل: طاعته وأمره وقيل جماعة ~~المسلمين؛ وكل هذا حق. وكذلك إذا قلنا: الكتاب والسنة والإجماع فمدلول ~~الثلاثة واحد فإن كل ما في الكتاب فالرسول صلى الله عليه وسلم موافق له ~~والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع ~~الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتباعه ~~فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك. وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا ~~يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة؛ لكن ms1925 المسلمون يتلقون دينهم كله ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فينزل عليه ~~وحي القرآن ووحي آخر هو الحكمة كما قال صلى الله عليه وسلم {ألا إني أوتيت ~~الكتاب ومثله معه} . وقال حسان بن عطية: {كان جبريل ينزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالسنة فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن.} فليس كل ما جاءت به ~~السنة يجب أن يكون مفسرا في القرآن؛ بخلاف ما يقوله أهل الإجماع؛ فإنه لا ~~بد أن يدل عليه الكتاب والسنة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الواسطة ~~بينهم وبين الله في أمره ونهيه وتحليله وتحريمه؛ والمقصود ذكر الإيمان. # ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يبغض الأنصار رجل يؤمن ~~بالله واليوم الآخر} . وقوله: {آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض ~~الأنصار} . فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول # PageV07P040 # الأمر وكان محبا لله ولرسوله؛ أحبهم قطعا فيكون حبه لهم علامة الإيمان ~~الذي في قلبه ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه. ~~وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه ~~الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان؛ لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه ~~الله عليه فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا؛ لم يكن معه إيمان أصلا ~~كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه؛ ~~لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان فحيث نفى الله الإيمان عن شخص؛ ~~فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان ويكون من المعرضين للوعيد ليس من ~~المستحقين للوعد المطلق. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح ~~فليس منا} كله من هذا الباب لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه أو فعل ~~ما حرمه الله ورسوله؛ فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه ms1926 ~~الاسم لأجله فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد السالمين من الوعيد. ~~وكذلك قوله تعالى {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم ~~من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون} {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} {أفي قلوبهم ~~مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} # PageV07P041 # {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} . فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام ~~الله ورسوله؛ فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات ومن نفى الله ورسوله ~~عنه الإيمان؛ فلا بد أن يكون قد ترك واجبا أو فعل محرما فلا يدخل في الاسم ~~الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد؛ بل يكون من أهل الوعيد. وكذلك قوله ~~تعالى {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون} . قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي ~~بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر ~~ونوع منها فسوق وليس بكفر ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق. وأخبر أنه كرهها ~~كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس فيها شيء ~~خارج عنه لم يفرق بينها فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات؛ ~~بل أجمل ذلك فقال: {حبب إليكم الإيمان} . فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ لأنه ~~قد حبب إلى المؤمنين الصلاة والزكاة وسائر الطاعات حب تدين لأن الله أخبر: ~~أنه حبب ذلك إليهم وزينه في قلوبهم لقوله: {حبب إليكم الإيمان} ويكرهون ~~جميع المعاصي؛ الكفر منها والفسوق وسائر المعاصي كراهة تدين لأن الله أخبر: ~~أنه كره ذلك إليهم. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV07P042 # {من سرته حسنته وساءته سيئته؛ فهو مؤمن} لأن الله حبب إلى المؤمنين ~~الحسنات وكره إليهم السيئات. " قلت ": وتكريهه جميع المعاصي إليهم يستلزم ~~حب جميع الطاعات؛ لأن ترك الطاعات معصية ولأنه لا يترك ms1927 المعاصي كلها إن لم ~~يتلبس بضدها فيكون محبا لضدها وهو الطاعة؛ إذ القلب لا بد له من إرادة فإذا ~~كان يكره الشر كله؛ فلا بد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيرا ~~وبالنية السيئة يكون شرا. ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {أحب الأسماء إلى الله: عبد ~~الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء: حارث وهمام وأقبحها: حرب ومرة} . وقوله ~~أصدق الأسماء: حارث وهمام؛ لأن كل إنسان همام حارث والحارث الكاسب العامل. ~~والهمام الكثير الهم - وهو مبدأ الإرادة - وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك ~~بالإرادة فإذا فعل شيئا من المباحات؛ فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده. ~~وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه وإما أن يقصد لغيره. فإن كان منتهى مقصوده ~~ومراده عبادة الله وحده لا شريك له وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئا سواه ~~وهو أحب إليه من كل ما سواه؛ فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه الله فيثاب ~~على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة كما في " الصحيحين " عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة} . ~~وفي " الصحيحين " عنه أنه {قال لسعد بن أبي وقاص لما # PageV07P043 # مرض بمكة وعاده - إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها ~~درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك} . وقال معاذ بن جبل لأبي ~~موسى: " إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ". وفي الأثر: نوم العالم تسبيح. ~~وإن كان أصل مقصوده عبادة غير الله؛ لم تكن الطيبات مباحة له فإن الله ~~أباحها للمؤمنين من عباده؛ بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات ~~يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها فلم يذكروه ولم يعبدوه بها ~~ويقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} . وقال ~~تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} . أي عن شكره والكافر لم يشكر على ms1928 ~~النعيم الذي أنعم الله عليه به فيعاقبه على ذلك؛ والله إنما أباحها ~~للمؤمنين وأمرهم معها بالشكر كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} . وفي " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب ~~الشربة فيحمده عليها} . وفي " سنن ابن ماجه " وغيره: {الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر} . وكذلك قال للرسل: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا} وقال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي ~~الصيد وأنتم # PageV07P044 # حرم} وقال الخليل: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم ~~الآخر} قال الله تعالى: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير} . فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة والله إنما أباح ~~بهيمة الأنعام لمن حرم ما حرمه الله من الصيد وهو محرم والمؤمنون أمرهم أن ~~يأكلوا من الطيبات ويشكروه. ولهذا ميز سبحانه وتعالى بين خطاب الناس مطلقا ~~وخطاب المؤمنين فقال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} . ~~فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين: أن يكون طيبا وأن يكون ~~حلالا. ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ~~إن كنتم إياه تعبدون} {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~به لغير الله} . فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل، وأخبر ~~أنه لم يحرم عليهم إلا ما ذكره؛ فما سواه لم يكن محرما على المؤمنين ومع ~~هذا فلم يكن أحله بخطابه؛ بل كان عفوا كما في الحديث عن سلمان موقوفا ~~ومرفوعا: {الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه ms1929 وما ~~سكت عنه فهو مما عفي عنه} . # PageV07P045 # وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة ~~لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها} . وكذلك قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} . نفى التحريم عن غير المذكور ~~فيكون الباقي مسكوتا عن تحريمه عفوا والتحليل إنما يكون بخطاب؛ ولهذا قال ~~في سورة المائدة التي أنزلت بعد هذا: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} . إلى قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} . ففي ذلك اليوم أحل لهم ~~الطيبات وقبل هذا لم يكن محرما عليهم إلا ما استثناه. وقد {حرم النبي صلى ~~الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير} ولم يكن هذا ~~نسخا للكتاب؛ لأن الكتاب لم يحل ذلك ولكن سكت عن تحريمه فكان تحريمه ابتداء ~~شرع ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي من طرق من حديث ~~أبي رافع وأبي ثعلبة وأبي هريرة وغيرهم: {لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ~~يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا ~~القرآن؛ فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا ~~وإني أوتيت الكتاب ومثله معه} . وفي لفظ: {ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر. ~~ألا وإني # PageV07P046 # حرمت كل ذي ناب من السباع} . فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة غير ~~الكتاب. وأن الله حرم عليه في هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا ~~للكتاب؛ فإن الكتاب لم يحل هذه قط. إنما أحل الطيبات وهذه ليست من الطيبات ~~وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} . فلم تدخل هذه ~~الآية في العموم؛ لكنه لم يكن حرمها؛ فكانت معفوا عن تحريمها؛ لا ms1930 مأذونا في ~~أكلها. وأما " الكفار " فلم يأذن الله لهم في أكل شيء ولا أحل لهم شيئا ولا ~~عفا لهم عن شيء يأكلونه؛ بل قال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا} . فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا؛ وهو المأذون فيه من جهة الله ~~ورسوله والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به؛ فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا ~~إذا آمنوا. ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعيا؛ لأن الملك الشرعي ~~هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم والشارع لم يبح ~~لهم تصرفا في الأموال إلا بشرط الإيمان؛ فكانت أموالهم على الإباحة. فإذا ~~قهر طائفة منهم طائفة قهرا يستحلونه في دينهم وأخذوها منهم؛ صار هؤلاء فيها ~~كما كان أولئك. والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها ملكوها شرعا لأن الله ~~أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم. ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه ~~بعضهم من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم ويجوز أن يشتري من بعضهم ما # PageV07P047 # سباه من غيره؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات. ولهذا سمى الله ما ~~عاد من أموالهم إلى المسلمين " فيئا "؛ لأن الله أفاءه إلى مستحقه أي: رده ~~إلى المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته؛ فإنه إنما خلق ~~الخلق ليعبدوه وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته. ولفظ " الفيء ~~" قد يتناول " الغنيمة " كقول النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم حنين: ~~{ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم} . لكنه لما قال ~~تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~صار لفظ " الفيء " إذا أطلق في عرف الفقهاء؛ فهو ما أخذ من مال الكفار بغير ~~إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف نوع من التحريك. وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح ~~له قاصدا للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه؛ فإنه يثاب على ذلك كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله ~~يأتي ms1931 أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان ~~عليه وزر. فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر} . وهذا كقوله في حديث ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره ~~أن تؤتى معصيته} رواه أحمد وابن خزيمة في " صحيحه " وغيرهما. فأخبر أن الله ~~يحب إتيان رخصه كما يكره فعل معصيته. وبعض الفقهاء يرويه: {كما يحب أن تؤتى ~~عزائمه} . وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن الرخص إنما أباحها الله لحاجة ~~العباد إليها والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛ # PageV07P048 # فهو يحب الأخذ بها لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله؛ كما قال في حديث: ~~{القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته} . ولأنه بها تتم عبادته ~~وطاعته. وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل بل يفعله عبثا؛ فهذا عليه ~~لا له كما في الحديث: {كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا ~~عن منكر أو ذكرا لله} . وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت} . فأمر المؤمن ~~بأحد أمرين: إما قول الخير أو الصمات. ولهذا كان قول الخير خيرا من السكوت ~~عنه والسكوت عن الشر خيرا من قوله ولهذا قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد} . # وقد اختلف " أهل التفسير " هل يكتب جميع أقواله؟ فقال مجاهد وغيره: ~~يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ~~أو يؤزر. والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع؛ فإنه قال: {ما يلفظ من قول} ~~نكرة في الشرط مؤكدة بحرف " من "؛ فهذا يعم كل قوله. وأيضا فكونه يؤجر على ~~قول معين أو يؤزر؛ يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهي عنه؛ فلا بد ~~في إثبات معرفة الكاتب به إلى نقل. وأيضا فهو مأمور إما بقول الخير وإما ~~بالصمات. فإذا عدل عما أمر به من الصمات ms1932 إلى فضول القول الذي ليس بخير؛ كان ~~هذا عليه فإنه يكون مكروها والمكروه ينقصه؛ ولهذا قال # PageV07P049 # النبي صلى الله عليه وسلم {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه} . فإذا ~~خاض فيما لا يعنيه؛ نقص من حسن إسلامه فكان هذا عليه. إذ ليس من شرط ما هو ~~عليه أن يكون مستحقا لعذاب جهنم وغضب الله بل نقص قدره ودرجته عليه. ولهذا ~~قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} . فما يعمل أحد إلا عليه أو له ~~فإن كان مما أمر به كان له. وإلا كان عليه ولو أنه ينقص قدره. والنفس طبعها ~~الحركة لا تسكن قط؛ لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم ~~يتكلموا به أو يعملوا به؛ فإذا عملوا به دخل في الأمر والنهي. فإذا كان ~~الله قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصي وهو قد حبب إليهم الإيمان الذي ~~يقتضي جميع الطاعات إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس؛ فإن المرجئة لا تنازع ~~في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك والطاعة من ~~ثمراته ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة؟ فإنه وإن كان يدعو إلى ~~الطاعة؛ فله معارض من النفس والشيطان، فإذا كان قد كره إلى المؤمنين ~~المعارض كان المقتضي للطاعة سالما عن هذا المعارض. وأيضا فإذا كرهوا جميع ~~السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات، والمباحات لم تبح إلا لأهل الإيمان ~~الذين يستعينون بها على الطاعات وإلا فالله لم يبح قط لأحد شيئا أن يستعين ~~به على كفر ولا فسوق ولا عصيان؛ ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم عاصر ~~الخمر ومعتصرها كما لعن شاربها، والعاصر # PageV07P050 # يعصر عنبا يصير عصيرا يمكن أن ينتفع به في المباح لكن لما علم أن قصد ~~العاصر أن يجعلها خمرا؛ لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله ~~بل لعنه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأن الله لم يبح إعانة العاصي ~~على معصيته ولا أباح له ما يستعين به في المعصية ms1933 فلا تكون مباحات لهم إلا ~~إذا استعانوا بها على الطاعات. فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا ~~الحسنات؛ ولهذا كان من ترك المعاصي كلها فلا بد أن يشتغل بطاعة الله. وفي ~~الحديث الصحيح: {كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها} . فالمؤمن لا ~~بد أن يحب الحسنات ولا بد أن يبغض السيئات ولا بد أن يسره فعل الحسنة ~~ويسوءه فعل السيئة ومتى قدر أن في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان ~~والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها أو يأتي بحسنات تمحوها أو يبتلى ~~ببلاء يكفرها عنه ولكن لا بد أن يكون كارها لها؛ فإن الله أخبر أنه حبب إلى ~~المؤمنين الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان فمن لم يكره الثلاثة ~~لم يكن منهم. ولكن " محمد بن نصر " يقول: الفاسق يكرهها تدينا. فيقال: إن ~~أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها وهو يحب دينه وهذه من جملته؛ فهو ~~يكرهها. وإن كان يحب دينه مجملا وليس في قلبه كراهة لها؛ كان قد عدم من ~~الإيمان بقدر ذلك كما في الحديث الصحيح: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ~~فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} . # PageV07P051 # وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضا - " صحيح مسلم " -: {فمن جاهدهم ~~بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس ~~وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل} . فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه ~~كراهة ما يكرهه الله؛ لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الثواب. وقوله: ~~{من الإيمان} أي: من هذا الإيمان وهو الإيمان المطلق. أي: ليس وراء هذه ~~الثلاث ما هو من الإيمان ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ~~ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء؛ ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه ~~من الإيمان شيء؛ بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى الأول. # PageV07P052 # فصل: # ومن هذا الباب لفظ " الكفر " و " النفاق " فالكفر إذا ذكر مفردا ms1934 في وعيد ~~الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} . وقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} . وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى} {الذي كذب ~~وتولى} وقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير} وقوله: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} {قيل ادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} . وقوله: {ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} . وقوله: ~~{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى} {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} ~~وقوله: # PageV07P053 # {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية} . وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن. فهذه كلها يدخل فيها " ~~المنافقون " الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من الإيمان شيء كما يدخل ~~فيها " الكفار " المظهرون للكفر؛ بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار ~~كما أخبر الله بذلك في كتابه. ثم قد يقرن " الكفر بالنفاق " في مواضع؛ ففي ~~أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع ~~عشرة آية في صفة المنافقين فقال تعالى: {إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا} وقال: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا ~~نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} إلى قوله: {فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} . ~~وقال: {يا أيها النبي ms1935 جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} . في سورتين ~~وقال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا} . الآية. ~~وكذلك لفظ " المشركين " قد يقرن بأهل الكتاب فقط وقد يقرن بالملل الخمس؛ ~~كما في قوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد} . و (الأول) كقوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين # PageV07P054 # منفكين حتى تأتيهم البينة} . وقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} . وقوله تعالى {وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ} . وليس أحد بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا من ~~الذين أوتوا الكتاب أو الأميين، وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب فهم ~~من الأميين؛ كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان وغيرهم ~~من الأمم الذين لا كتاب لهم فهؤلاء كلهم أميون، والرسول مبعوث إليهم كما ~~بعث إلى الأميين من العرب. وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} - وهو إنما ~~يخاطب الموجودين في زمانه بعد النسخ والتبديل - يدل على أن من دان بدين ~~اليهود والنصارى فهو من الذين أوتوا الكتاب لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا ~~متمسكين به قبل النسخ والتبديل ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم؛ فإن ~~أولادهم إذا كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب فكذلك غيرهم إذا ~~كانوا كلهم كفارا وقد جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله: {وقل للذين أوتوا ~~الكتاب} وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته؛ لا من مات؛ فدل ذلك على أن ~~قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور ~~من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو المنصوص عن أحمد في عامة ~~أجوبته لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب، وآخر الروايتين عنه: أنهم ~~تباح نساؤهم وذبائحهم؛ كما هو قول جمهور الصحابة. # PageV07P055 # وقوله في " الرواية الأخرى ": لا تباح؛ متابعة لعلي بن ms1936 أبي طالب رضي الله ~~عنه لم يكن لأجل النسب؛ بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب إلا فيما ~~يشتهونه من شرب الخمر ونحوه ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب كما ~~نقل عن عطاء وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد وفرعوا على ذلك فروعا ~~كمن كان أحد أبويه كتابيا والآخر ليس بكتابي ونحو ذلك حتى لا يوجد في طائفة ~~من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول؛ وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه لم يعلق ~~الحكم بالنسب في مثل هذا ألبتة كما قد بسط في موضعه. ولفظ " المشركين " ~~يذكر مفردا في مثل قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وهل يتناول أهل ~~الكتاب؟ فيه " قولان " مشهوران للسلف والخلف. والذين قالوا: بأنها تعم؛ ~~منهم من قال: هي محكمة كابن عمر والجمهور الذين يبيحون نكاح الكتابيات؛ كما ~~ذكره الله في آية المائدة وهي متأخرة عن هذه. ومنهم من يقول: نسخ منها ~~تحريم نكاح الكتابيات. ومنهم من يقول: بل هو مخصوص لم يرد باللفظ العام، ~~وقد أنزل الله تعالى بعد صلح الحديبية قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} . ~~وهذا قد يقال: إنما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجا كافرة ولم يكونوا ~~حينئذ متزوجين إلا بمشركة وثنية؛ فلم يدخل في ذلك الكتابيات. # PageV07P056 # فصل: # وكذلك لفظ " الصالح " و " الشهيد " و " الصديق ": يذكر مفردا؛ فيتناول ~~النبيين قال تعالى في حق الخليل: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين} . وقال: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} . وقال الخليل: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين} . وقال يوسف: ~~{توفني مسلما وألحقني بالصالحين} . وقال سليمان: {وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق على ~~صحته {لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم: السلام على الله قبل عباده السلام ~~على فلان فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إن الله هو السلام ~~فإذا قعد أحدكم في الصلاة؛ فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام ~~عليك أيها ms1937 النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~فإذا قالها أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض} . . الحديث. وقد يذكر ~~" الصالح مع غيره " كقوله تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} . قال الزجاج وغيره: الصالح: القائم ~~بحقوق الله وحقوق عباده. ولفظ " الصالح " خلاف الفاسد؛ # PageV07P057 # فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره فلم يكن فيه شيء من الفساد فاستوت ~~سريرته وعلانيته وأقواله وأعماله على ما يرضي ربه؛ وهذا يتناول النبيين ومن ~~دونهم. ولفظ " الصديق " قد جعل هنا معطوفا على النبيين؛ وقد وصف به النبيين ~~في مثل قوله: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} - {واذكر في ~~الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} . وكذلك " الشهيد " قد جعل هنا قرين ~~الصديق والصالح وقد قال: {وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق} . ولما ~~قيدت الشهادة على الناس وصفت به الأمة كلها في قوله: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} . فهذه شهادة ~~مقيدة بالشهادة على الناس كالشهادة المذكورة في قوله: {لولا جاءوا عليه ~~بأربعة شهداء} . وقوله {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} . وليست هذه الشهادة ~~المطلقة في الآيتين بل ذلك كقوله: {ويتخذ منكم شهداء} . # PageV07P058 # فصل: # وكذلك لفظ " المعصية " و " الفسوق " و " الكفر ": فإذا أطلقت المعصية لله ~~ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق كقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا} . وقال تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا ~~رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد} . فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا هودا ~~معصية تكذيب لجنس الرسل فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال: {فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء} . ومعصية من كذب وتولى قال تعالى: {لا يصلاها ~~إلا الأشقى} {الذي كذب وتولى} أي كذب بالخير وتولى عن طاعة الأمر، وإنما ~~على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا ويطيعوهم فيما أمروا. وكذلك قال في ~~فرعون: {فكذب وعصى} . وقال عن جنس الكافر: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب ~~وتولى} . فالتكذيب للخبر والتولي عن ms1938 الأمر. وإنما الإيمان تصديق الرسل فيما ~~أخبروا وطاعتهم فيما أمروا ومنه قوله: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى ~~فرعون الرسول} . # ولفظ " التولي " بمعنى التولي عن الطاعة مذكور في مواضع من القرآن # PageV07P059 # كقوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} ~~وذمه في غير موضع من القرآن من تولى؛ دليل على وجوب طاعة الله ورسوله وأن ~~الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة وذم المتولي عن الطاعة؛ كما علق الذم بمطلق ~~المعصية في مثل قوله: {فعصى فرعون الرسول} . وقد قيل: إن " التأبيد " لم ~~يذكر في القرآن إلا في وعيد الكفار؛ ولهذا قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} . وقال ~~فيمن يجور في المواريث: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين} . فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده فلم يذكرها مطلقة؛ ~~وقال: {وعصى آدم ربه فغوى} . فهي معصية خاصة؛ وقال تعالى: {حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} فأخبر عن معصية واقعة ~~معينة وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أمرهم بلزوم ثغرهم ~~وإن رأوا المسلمين قد انتصروا فعصى من عصى منهم هذا الأمر وجعل أميرهم ~~يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين وأقبل من أقبل منهم على المغانم. وكذلك ~~قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} . جعل ذلك ثلاث مراتب. وقد قال: ~~{ولا يعصينك في معروف} . فقيد المعصية ولهذا فسرت بالنياحة قاله ابن عباس: ~~وروي ذلك مرفوعا. وكذلك قال زيد بن أسلم لا يدعن ويلا ولا يخدشن # PageV07P060 # وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا. وقد قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم ~~به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقي، ولفظ ~~الآية عام أنهن لا يعصينه في معروف. ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه لا ~~يأمر بمنكر لكن هذا كما قيل: فيه دلالة على أن ms1939 طاعة أولي الأمر إنما تلزم ~~في المعروف كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إنما الطاعة في المعروف} ونظير هذا قوله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~لما يحييكم} وهو لا يدعو إلا إلى ذلك. والتقييد هنا لا مفهوم له؛ فإنه لا ~~يقع دعاء لغير ذلك. ولا أمر بغير معروف وهذا كقوله تعالى: {ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} . فإنهن إذا لم يردن تحصنا؛ امتنع ~~الإكراه. ولكن في هذا بيان الوصف المناسب للحكم ومنه قوله تعالى {ومن يدع ~~مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح ~~الكافرون} . وقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق} . فالتقييد في جميع هذا ~~للبيان والإيضاح لا لإخراج في وصف آخر؛ ولهذا يقول من يقول من النحاة: ~~الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص وفي النكرات للتخصيص يعني في المعارف ~~التي لا تحتاج إلى تخصيص كقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} . ~~وقوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل} . وقوله: {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} . ~~والصفات في النكرات إذا تميزت تكون للتوضيح أيضا ومع هذا فقد عطف المعصية ~~على الكفر والفسوق في قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} . ومعلوم ~~أن الفاسق عاص أيضا. # PageV07P061 # فصل: # ومن هذا الباب " ظلم النفس ": فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب فإنها ظلم ~~العبد نفسه قال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} ~~{وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} . وقال تعالى: {وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم} . ~~وقال في قتل النفس: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} . وقالت بلقيس: {رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} . وقال آدم عليه السلام {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} . ثم ms1940 قد يقرن ~~ببعض الذنوب كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} . ~~وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} ~~. وأما لفظ " الظلم المطلق " فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب قال تعالى: ~~{احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون الله # PageV07P062 # فاهدوهم إلى صراط الجحيم} {وقفوهم إنهم مسئولون} . قال عمر بن الخطاب: ~~ونظراؤهم. وهذا ثابت عن عمر وروي ذلك عنه مرفوعا. وكذلك قال ابن عباس: ~~وأشباههم. وكذلك قال قتادة والكلبي: كل من عمل بمثل عملهم؛ فأهل الخمر مع ~~أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا. وعن الضحاك ومقاتل: قرناؤهم من ~~الشياطين؛ كل كافر معه شيطانه في سلسلة وهذا كقوله: {وإذا النفوس زوجت} . ~~قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح. قال ~~ابن عباس: وذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة. وقال الحسن وقتادة: ألحق كل ~~امرئ بشيعته؛ اليهودي مع اليهود والنصراني مع النصارى. وقال الربيع بن ~~خثيم: يحشر المرء مع صاحب عمله وهذا كما ثبت في " الصحيح " {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قيل له: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: المرء مع ~~من أحب} . وقال: {الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها ~~اختلف} . وقال: {المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل} . وزوج الشيء ~~نظيره وسمي الصنف زوجا؛ لتشابه أفراده كقوله: {أنبتنا فيها من كل زوج كريم} ~~. وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} . قال غير واحد من ~~المفسرين: صنفين ونوعين مختلفين: السماء والأرض والشمس والقمر والليل ~~والنهار؛ والبر والبحر والسهل والجبل والشتاء والصيف والجن والإنس؛ والكفر ~~والإيمان والسعادة والشقاوة والحق والباطل والذكر والأنثى والنور والظلمة ~~والحلو والمر وأشباه ذلك # PageV07P063 # {لعلكم تذكرون} فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. وليس المراد أنه يحشر معهم ~~زوجاتهم مطلقا؛ فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرا؛ بل كافرا كامرأة ~~فرعون. وكذلك الرجل الصالح قد تكون امرأته فاجرة بل كافرة كامرأة نوح ولوط. ~~لكن إذا كانت المرأة على ms1941 دين زوجها؛ دخلت في عموم الأزواج ولهذا قال الحسن ~~البصري: وأزواجهم المشركات. فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار كما دل ~~عليه سياق الآية. وقد تقدم كلام المفسرين: أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة، ~~وأهل الخمر مع أهل الخمر. وكذلك الأثر المروي: {إذا كان يوم القيامة قيل: ~~أين الظلمة وأعوانهم؟ - أو قال: وأشباههم - فيجمعون في توابيت من نار ثم ~~يقذف بهم في النار} . وقد قال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم ~~ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ~~ثيابهم من أعوانهم. وأعوانهم: هم من أزواجهم المذكورين في الآية. فإن ~~المعين على البر والتقوى من أهل ذلك، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ~~ذلك. قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها} والشافع الذي يعين غيره فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا؛ ~~ولهذا فسرت " الشفاعة الحسنة " بإعانة المؤمنين على الجهاد و " الشفاعة ~~السيئة " بإعانة الكفار على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير وأبو ~~سليمان. وفسرت " الشفاعة الحسنة " بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعا # PageV07P064 # أو يخلصه من بلاء كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد؛ فالشفاعة الحسنة ~~إعانة على خير يحبه الله ورسوله؛ من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن ~~يستحق دفع الضرر عنه. و " الشفاعة السيئة " إعانته على ما يكرهه الله ~~ورسوله كالشفاعة التي فيها ظلم الإنسان أو منع الإحسان الذي يستحقه. وفسرت ~~الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين والسيئة بالدعاء عليهم، وفسرت الشفاعة ~~الحسنة بالإصلاح بين اثنين وكل هذا صحيح. فالشافع زوج المشفوع له إذ ~~المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على بر وتقوى وإما أن يعينه على إثم ~~وعدوان. وكان {النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه: ~~اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء} . وتمام الكلام يبين أن ~~الآية - وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره - فهي أيضا متناولة ما دون ms1942 ذلك ~~وإن قيل فيها: {وما كانوا يعبدون} فقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس ~~عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش} . وثبت عنه في " الصحيح " أنه ~~قال: {ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته ~~أنا مالك أنا كنزك. وفي لفظ: إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه ~~وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ~~{سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} } . وفي حديث آخر: {مثل له يوم القيامة ~~شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه: هذا مالك الذي كنت تبخل به # PageV07P065 # فإذا رأى أنه لا بد له منه أدخل يده في فيه فيقضمها كما يقضم الفحل} . ~~وفي رواية: {فلا يزال يتبعه فيلقمه يده فيقضمها ثم يلقمه سائر جسده} . وقد ~~قال تعالى في الآية الأخرى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} وقد ~~ثبت في " الصحيح " وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من صاحب ~~كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليها في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جبينه ~~وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ~~ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار} . وفي حديث أبي ذر: {بشر ~~الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج ~~من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل وتكوي ~~الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم} . وهذا كما في القرآن ~~ويدل على أنه بعد دخول النار فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ذلك أولا ~~في الموقف. فهذا الظالم لما ms1943 منع الزكاة يحشر مع أشباهه وماله الذي صار عبدا ~~له من دون الله فيعذب به وإن لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون ~~في النار. ولهذا قال في آخر الحديث: {ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى ~~النار} . فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يدخل الجنة. وقد {قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب # PageV07P066 # النمل} قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. ~~وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره كما سنذكره - إن شاء الله - وقد ~~قال الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . ~~وفي حديث {عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما - ~~وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية ~~قال: فقلت له إنا لسنا نعبدهم؛ قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ~~ويحلون ما حرم الله فتحلونه قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم} وكذلك قال ~~أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما ~~أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله؛ فأطاعوهم فكانت ~~تلك الربوبية. وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك ~~الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما ~~أمروا به ونهوا عنه فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء؛ فما أمرونا به ائتمرنا ~~وما نهونا عنه انتهينا لقولهم فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ~~ظهورهم، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل ~~الحرام وتحريم الحلال لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله فهذه ~~عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: {لا إله إلا هو ms1944 سبحانه عما يشركون} . فهذا من ~~الظلم الذي # PageV07P067 # يدخل في قوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون ~~الله} . فإن هؤلاء والذين أمروهم بهذا هم جميعا معذبون وقال: {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} . وإنما يخرج من هذا من عبد ~~مع كراهته لأن يعبد ويطاع في معصية الله. فهم الذين سبقت لهم الحسنى ~~كالمسيح والعزير وغيرهما فأولئك (مبعدون) . وأما من رضي بأن يعبد ويطاع في ~~معصية الله فهو مستحق للوعيد ولو لم يأمر بذلك فكيف إذا أمر وكذلك من أمر ~~غيره بأن يعبد غير الله وهذا من " أزواجهم " فإن " أزواجهم " قد يكونون ~~رؤساء لهم وقد يكونون أتباعا وهم أزواج وأشباه لتشابههم في الدين، وسياق ~~الآية يدل على ذلك فإنه سبحانه قال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون} {من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس: دلوهم. ~~وقال الضحاك مثله. وقال ابن كيسان: قدموهم. والمعنى: قودوهم كما يقود ~~الهادي لمن يهديه، ولهذا تسمى الأعناق الهوادي لأنها تقود سائر البدن، ~~وتسمى أوائل الوحش الهوادي. {وقفوهم إنهم مسئولون} {ما لكم لا تناصرون} . ~~أي: كما كنتم تتناصرون في الدنيا على الباطل. {بل هم اليوم مستسلمون} ~~{وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} {قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} ~~{قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} {وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما ~~طاغين} {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون} {فأغويناكم # PageV07P068 # إنا كنا غاوين} {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} {إنا كذلك نفعل ~~بالمجرمين} {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} {ويقولون ~~أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} . وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت ~~من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان ~~لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} . وقال تعالى: {وإذ ms1945 ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار} {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم ~~بين العباد} . وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين} {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جاءكم بل كنتم مجرمين} {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون} . وقوله في سياق الآية: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون} # PageV07P069 # ولا ريب أنها تتناول " الشركين ": الأصغر والأكبر وتتناول أيضا من استكبر ~~عما أمره الله به من طاعته؛ فإن ذلك من تحقيق قول لا إله إلا الله؛ فإن ~~الإله هو المستحق للعبادة فكل ما يعبد به الله فهو من تمام تأله العباد له ~~فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا في ذلك لغيره؛ لم يحقق قول: لا إله ~~إلا الله في هذا المقام. وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - ~~حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: ~~(أحدهما) : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون ~~تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم ~~خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا - وإن لم يكونوا ~~يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف ~~الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركا مثل هؤلاء. # [و (الثاني) : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ~~ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي ~~التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب] (*) كما ثبت ~~في ms1946 " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما الطاعة في ~~المعروف} وقال: {على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر ~~بمعصية} . PageV07P070 # وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} . وقال: {من أمركم بمعصية الله ~~فلا تطيعوه} . ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا قصده ~~اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع؛ ~~فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من ~~علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول ~~فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله لا سيما إن اتبع في ذلك هواه ~~ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول؛ فهذا شرك يستحق صاحبه ~~العقوبة عليه. ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد ~~أحد في خلافه وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وإن كان ~~عاجزا عن إظهار الحق الذي يعلمه؛ فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو ~~بين النصارى فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق؛ لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء ~~كالنجاشي وغيره. وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى: {وإن ~~من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم} . وقوله: ~~{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} . وقوله: {وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} . وأما إن كان ~~المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل # PageV07P071 # ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد؛ فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في ~~القبلة. وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير ~~علم أن معه الحق؛ فهذا من أهل الجاهلية. وإن كان متبوعه مصيبا؛ لم يكن عمله ~~صالحا. وإن كان متبوعه مخطئا؛ كان آثما. كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن ms1947 أصاب ~~فقد أخطأ وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي ~~تقدم فيه الوعيد ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فإن ذلك ~~لما أحب المال حبا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدا له. وكذلك هؤلاء؛ ~~فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: {إن يسير الرياء ~~شرك} . وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من ~~الذنوب. # والمقصود هنا: أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر؛ بل يتناول ~~ما دونه أيضا وكل بحسبه كلفظ " الذنب " و " الخطيئة " " والمعصية ". فإن ~~هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان كما في " الصحيحين " عن {عبد الله بن ~~مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ ~~قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} # PageV07P072 # {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما} {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} .} فهذا ~~الوعيد بتمامه على الثلاثة ولكل عمل قسط منه؛ فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن؛ ~~كان عذابه دون ذلك. ولو زنى وقتل ولم يشرك؛ كان له من هذا العذاب نصيب كما ~~في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما} . ولم يذكر: (أبدا) . وقد قيل: إن لفظ " ~~التأبيد " لم يجئ إلا مع الكفر وقال الله تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه ~~يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} . ~~فلا ريب أن هذا يتناول الكافر ms1948 الذي لم يؤمن بالرسول. وسبب نزول الآية كان ~~في ذلك فإن " الظلم المطلق " يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه. فمن خال ~~مخلوقا في خلاف أمر الله ورسوله؛ كان له من هذا الوعيد نصيب كما قال تعالى: ~~{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} . وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} . قال الفضيل بن ~~عياض: حدثنا الليث عن مجاهد: هي المودات التي كانت بينهم لغير الله. فإن " ~~المخالة " تحاب وتواد؛ ولهذا قال: {المرء على دين خليله} فإن المتحابين يحب ~~أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه ~~الله ورسوله؛ نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي # PageV07P073 # إلى الشرك الأكبر قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} . والذين قدموا محبة المال ~~الذي كنزوه والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله كان فيهم من الظلم ~~والشرك بحسب ذلك فلهذا ألزمهم محبوبهم كما في الحديث يقول الله تعالى: ~~{أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا} . وقد ثبت في ~~" الصحيح " يقول: {ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون؛ فمن كان يعبد الشمس ~~الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت ويمثل ~~للنصارى المسيح ولليهود عزير. فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون وتبقى هذه ~~الأمة فيها منافقوها} كما سيأتي هذا الحديث - إن شاء الله - فهؤلاء " أهل ~~الشرك الأكبر ". وأما " عبيد المال " الذين كنزوه وعبيد الرجال الذين ~~أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك المشركين؛ إما ~~في عرصات القيامة وإما في جهنم ومن أحب شيئا دون الله عذب به. وقال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} . " فالكفر المطلق " هو الظلم ~~المطلق؛ ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة في هذه الآية ms1949 وفي ~~قوله: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع} {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} . وقال: {فكبكبوا ~~فيها هم والغاوون} {وجنود # PageV07P074 # إبليس أجمعون} {قالوا وهم فيها يختصمون} {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} ~~{إذ نسويكم برب العالمين} {وما أضلنا إلا المجرمون} {فما لنا من شافعين} ~~{ولا صديق حميم} {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} . وقوله: {إذ نسويكم} ~~لم يريدوا به أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه؛ فإن هذا لم يقله أحد من ~~بني آدم ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا: إن هذا العالم له خالقان ~~متماثلان حتى المجوس القائلين " بالأصلين: النور والظلمة " متفقون على أن " ~~النور " خير يستحق أن يعبد ويحمد وأن " الظلمة " شريرة تستحق أن تذم وتلعن ~~واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة؟ على قولين وبكل حال لم يجعلوها مثل ~~النور من كل وجه. وكذلك " مشركو العرب " كانوا متفقين على أن أربابهم لم ~~تشارك الله في خلق السموات والأرض؛ بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق ~~السموات والأرض وما بينهما كما أخبر الله عنهم بذلك في غير آية كقوله ~~تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون} {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم} {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} . وقال تعالى: {ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} {الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون} # PageV07P075 # {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون} {والذي ~~خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} {لتستووا على ~~ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} . وهذه الصفات من كلام الله ~~تعالى؛ ليست ms1950 من تمام جوابهم. وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم} {سيقولون لله} الآيات. وقال تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ~~أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} . وكذلك قوله: {آلله خير أم ما ~~يشركون} {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} ~~{أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا أإله مع الله} . أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار وهم ~~مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله. ومن قال من المفسرين إن المراد: ~~هل مع الله إله آخر؟ فقد غلط؛ فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما ~~قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى # PageV07P076 # قل لا أشهد} . وقال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء} . وقال تعالى عنهم: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} . ~~وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض ولا خلق ~~شيء؛ بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} . وقال عن صاحب ~~يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} . وقال تعالى: {وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} . وقال ~~تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} . وقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا ms1951 يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له} فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط ~~من الملك أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة؛ فبين أنها لا تنفع إلا لمن ~~أذن له الرب كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال تعالى ~~عن الملائكة: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} . وقال: {وكم من ملك في السماوات ~~لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} . فهذه " ~~الشفاعة " التي يظنها المشركون؛ هي منتفية يوم القيامة كما نفاها # PageV07P077 # القرآن. وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون. فأخبر: {أنه ~~يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا. فإذا سجد وحمد ربه بمحامد ~~يفتحها عليه؛ يقال له: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع. ~~فيقول: أي رب أمتي فيحد له حدا فيدخلهم الجنة. وكذلك في الثانية وكذلك في ~~الثالثة وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من ~~قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه} . فتلك " الشفاعة " هي لأهل الإخلاص ~~بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله. وحقيقته أن الله هو ~~الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي ~~أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال به المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون صلى الله عليه وسلم كما كان في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم وتلك ~~شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته. وإذا كان كذلك " ف ### | الظلم ثلاثة أنواع ": # فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه. وظلم الناس بعضهم بعضا لا بد فيه من ~~إعطاء المظلوم حقه؛ لا يسقط حق المظلوم لا بشفاعة ولا غيرها ولكن قد يعطى ~~المظلوم من الظالم كما قد يغفر لظالم نفسه بالشفاعة. فالظالم المطلق ms1952 ما له ~~من شفيع مطاع وأما الموحد فلم يكن ظالما مطلقا بل هو موحد مع ظلمه لنفسه. ~~وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصه لله فبه صار من أهل الشفاعة. ومقصود ~~القرآن ينفي الشفاعة نفي الشرك وهو: أن أحدا لا يعبد إلا الله # PageV07P078 # ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا غيرها؛ ~~فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب. ~~كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان ~~الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها فالشفاعة التي نفاها القرآن ~~مطلقا؛ ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقا؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في ~~مواضع وتلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل ~~التوحيد والإخلاص فهي من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد. # وأما " الظلم المقيد " فقد يختص بظلم الإنسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا ~~كقول آدم عليه السلام وحواء: {ربنا ظلمنا أنفسنا} . وقول موسى: {رب إني ~~ظلمت نفسي} . وقوله تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم} . لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه ~~وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفرا. وأما قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلموا أنفسهم} فهو نكرة في سياق الشرط يعم كل ما فيه ظلم الإنسان نفسه؛ ~~وهو إذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه. وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل ~~فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق وقال تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} . ~~فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره؛ فلا يدخل فيه الشرك الأكبر. وفي " الصحيحين " ~~{عن ابن مسعود أنه لما أنزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم} شق ذلك على أصحاب النبي # PageV07P079 # صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1953 إنما هو الشرك؛ ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم ~~عظيم} } . والذين شق ذلك عليهم ظنوا: أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه ~~وأنه لا يكون الأمن والاهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه؛ فشق ذلك عليهم فبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله ~~تعالى. وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا ~~الظلم؛ ومن لم يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء. كما كان من أهل ~~الاصطفاء في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} إلى قوله ~~{جنات عدن يدخلونها} . وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه إذا لم يتب ~~كما قال تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . ~~وقال تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} . وقد {سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: يا أبا بكر ألست ~~تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به} فبين أن المؤمن الذي ~~إذا تاب دخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه كما في " ~~الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل المؤمن كمثل الخامة من ~~الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة ~~الأرز لا تزال ثابتة # PageV07P080 # على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة} . وفي " الصحيحين " عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ~~ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه} وفي حديث {سعد بن ~~أبي وقاص قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ~~ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في ~~بلائه وإن كان في دينه رقة؛ خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على ~~الأرض وليس عليه ms1954 خطيئة} رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وقال: {المرض حطة يحط ~~الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها} والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة. فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء ~~التام. ومن لم يسلم من ظلمه نفسه؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه ~~لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط ~~المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء ~~بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله {إنما هو الشرك} أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام ~~والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر ~~معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به ~~مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء ~~إلى # PageV07P081 # هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إنما هو الشرك} إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده ~~أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة ~~وهو مهتد إلى ذلك. وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله - ~~لحب المال - ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم ~~هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن ~~والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا ~~الاعتبار. # PageV07P082 # فصل: # ومن هذا الباب لفظ " الصلاح " و " الفساد ": فإذا أطلق الصلاح تناول جميع ~~الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم في اسم الصالح وكذلك اسم ~~المصلح والمفسد قال تعالى في قصة موسى: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد ms1955 أن تكون من المصلحين} ~~{وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وقال ~~تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} {ألا إنهم ~~هم المفسدون ولكن لا يشعرون} . والضمير عائد على المنافقين في قوله: {ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وهذا مطلق يتناول ~~من كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيكون بعدهم؛ ولهذا قال سلمان ~~الفارسي: إنه عنى بهذه الآية قوما لم يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال ~~السدي عن أشياخه: الفساد الكفر والمعاصي. وعن مجاهد: ترك امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي. والقولان معناهما واحد. وعن ابن عباس: الكفر. وهذا معنى ~~قول من قال: النفاق الذي صافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين. وعن ~~أبي العالية ومقاتل: العمل بالمعاصي. وهذا أيضا عام كالأولين. # PageV07P083 # وقولهم: {إنما نحن مصلحون} فسر بإنكار ما أقروا به أي: إنا إنما نفعل ما ~~أمرنا به الرسول. وفسر: بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين ~~يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فإنهم يقولون هذا وهذا، يقولون الأول لمن لم ~~يطلع على بواطنهم ويقولون الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم. لكن ~~الثاني يتناول الأول؛ فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون ~~هذا صلاحا قال مجاهد: أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد. وعن السدي: إن ~~فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد، وقيل: أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا ~~فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمنوا بمتابعته وإن كانت ~~للكفار؛ فقد أمنوهم بمصافاتهم. ولأجل القولين قيل في قوله: {ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون} أي لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح. وقيل: لا ~~يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم. والقول الأول يتناول الثاني؛ فهو ~~المراد كما يدل عليه لفظ الآية. وقال تعالى {إن وليي الله الذي نزل الكتاب ~~وهو يتولى الصالحين} وقال {قال موسى ما جئتم به السحر إن الله ms1956 سيبطله إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين} وقول يوسف {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} . ~~وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} قيل: بالكفر وقيل: بالظلم؛ ~~وكلاهما صحيح وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون # PageV07P084 # علوا في الأرض ولا فسادا} وقد تقدم قوله تعالى {إن فرعون علا في الأرض ~~وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين} . وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} وقتل النفس الأول ~~من جملة الفساد لكن الحق في القتل لولي المقتول وفي الردة والمحاربة ~~والزنا؛ الحق فيها لعموم الناس؛ ولهذا يقال: هو حق لله ولهذا لا يعفى عن ~~هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام قال تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف} الآية. قيل: سبب نزول هذه الآية العرنيون الذين ارتدوا ~~وقتلوا وأخذوا المال. وقيل: سببه ناس معاهدون نقضوا العهد وحاربوا. وقيل: ~~المشركون؛ فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي العهد المحاربين وبالمشركين ~~المحاربين. وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطاع الطريق من المسلمين ~~والآية تتناول ذلك كله؛ ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء ~~فإنه يسقط عنه حق الله تعالى. وكذلك قرن " الصلاح والإصلاح بالإيمان " في ~~مواضع كثيرة كقوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} . {فمن آمن ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . ومعلوم أن الإيمان أفضل الإصلاح ~~وأفضل العمل الصالح كما جاء في الحديث الصحيح أنه {قيل: يا رسول الله أي ~~الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله} . وقال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل # PageV07P085 # صالحا ثم اهتدى} . وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون ~~الجنة} . وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ms1957 سيئاتهم ~~حسنات} . وقال في القذف: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم} . وقال في السارق: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ~~عليه} . وقال: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا ~~عنهما} . ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة القاذف أن يصلح ~~وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة، وبذلك أخذ أحمد في ~~توبة الداعي إلى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل. # PageV07P086 # فصل: # فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ~~ورسوله وكلام كل أحد؛ بين ظاهر لا يمكن دفعه؛ لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان ~~على الأعمال مجاز؛ فقوله صلى الله عليه وسلم " {الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} " ~~مجاز. وقوله: " {الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} " إلى آخره؛ ~~حقيقة. وهذا عمدة المرجئة والجهمية والكرامية وكل من لم يدخل الأعمال في ~~اسم الإيمان. ونحن نجيب بجوابين: " أحدهما ": كلام عام في لفظ (الحقيقة ~~والمجاز) . " والثاني ": ما يختص بهذا الموضع. فبتقدير أن يكون أحدهما ~~مجازا؛ ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل الحقيقة هو المطلق أو المقيد أو ~~كلاهما حقيقة حتى يعرف أن لفظ الإيمان إذا أطلق على ماذا يحمل؟ . فيقال ~~أولا: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى " حقيقة ومجاز " وتقسيم ~~دلالتها أو المعاني المدلول عليها إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في ~~المدلول أو في الدلالة؛ فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين. ولكن ~~المشهور # PageV07P087 # أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح ~~حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين ~~لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي ~~وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه ~~وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم. [وأول من عرف أنه تكلم ms1958 بلفظ " المجاز " أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى في كتابه. ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة] ~~(*) . وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية؛ ولهذا قال من قال من ~~الأصوليين - كأبي الحسين البصري وأمثاله - إنما تعرف الحقيقة من المجاز ~~بطرق منها: نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز، فقد ~~تكلم بلا علم، فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل ~~اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من ~~جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل ~~الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول من ~~جرد الكلام في " أصول الفقه " لم يقسم هذا التقسيم " ولا تكلم بلفظ " ~~الحقيقة والمجاز ". وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية ~~كلام معروف في " الجامع الكبير " وغيره؛ ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. ~~وكذلك سائر الأئمة لم يوجد PageV07P088 # لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل؛ فإنه قال في كتاب ~~الرد على الجهمية في قوله: (إنا، ونحن) ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز ~~اللغة يقول الرجل: إنا سنعطيك. إنا سنفعل؛ فذكر أن هذا مجاز اللغة. وبهذا ~~احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في " القرآن " مجازا كالقاضي أبي يعلى ~~وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم. وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في القرآن ~~مجاز كأبي الحسن الخرزي. وأبي عبد الله بن حامد. وأبي الفضل التميمي بن أبي ~~الحسن التميمي وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز محمد بن خويز منداد وغيره ~~من المالكية ومنع منه داود بن علي وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد البلوطي ~~وصنف فيه مصنفا. وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين. وأما سائر الأئمة ~~فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن في القرآن مجازا لا مالك ولا ~~الشافعي ولا أبو حنيفة فإن تقسيم الألفاظ ms1959 إلى حقيقة ومجاز. إنما اشتهر في ~~المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودا في المائة ~~الثانية اللهم إلا أن يكون في أواخرها والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره ~~نطقوا بهذا التقسيم. قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة. أي: مما يجوز ~~في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا ونفعل كذا ~~ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له. وقد ~~أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبي # PageV07P089 # إسحاق الإسفراييني. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي فإنه إذا سلم أن ~~في اللغة لفظا مستعملا في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا بقرينة؛ فهذا ~~هو المجاز وإن لم يسمه مجازا. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا اللفظ: حقيقة ~~ومجازا قالوا: " الحقيقة " هو اللفظ المستعمل فيما وضع له. " والمجاز " هو ~~اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار إذا أريد بهما البهيمة ~~أو أريد بهما الشجاع والبليد. وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ ~~قد وضع أولا لمعنى ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه وقد يستعمل في غير ~~موضوعه؛ ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة ~~وليس لكل حقيقة مجاز؟ فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال: اللفظ الموضوع قبل ~~الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة ~~له. وهذا كله إنما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ~~ذلك استعملت فيها؛ فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صح على ~~قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا ~~على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات. وهذا ~~القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي؛ فإنه وأبا ~~الحسن الأشعري كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي لكن ms1960 الأشعري رجع عن مذهب ~~المعتزلة وخالفهم في القدر والوعيد وفي الأسماء والأحكام وفي # PageV07P090 # صفات الله تعالى وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه. فتنازع ~~الأشعري وأبو هاشم في مبدأ اللغات؛ فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية وقال ~~الأشعري: هي توقيفية. ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة؛ فقال آخرون: ~~بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي وقال فريق رابع بالوقف. والمقصود هنا أنه لا ~~يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا ~~جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وإنما المعروف ~~المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني فإن ادعى ~~مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فإن هذا لم ينقله أحد من الناس. ولا ~~يقال: نحن نعلم ذلك بالدليل؛ فإنه إن لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن ~~الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك؛ بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من ~~الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض وقد سمي ذلك منطقا وقولا في قول سليمان: ~~{علمنا منطق الطير} . وفي قوله: {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} ~~وفي قوله: {يا جبال أوبي معه والطير} . وكذلك الآدميون؛ فالمولود إذا ظهر ~~منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى فصار يفهم ~~أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى أي: أراد المتكلم به ذلك المعنى ثم هذا ~~يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد ~~اصطلحوا معه على وضع متقدم؛ بل ولا أوقفوه على معاني الأسماء # PageV07P091 # وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها كما يترجم للرجل ~~اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها وإن باشر أهلها مدة علم ذلك ~~بدون توقيف من أحدهم. نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم ~~يعرفه فيسميه كما يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا وإما مرتجلا وقد ~~يكون المسمى واحدا لم ms1961 يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه. وكذلك قد يحدث ~~للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابا أو يبني مدينة ونحو ذلك فيسمي ذلك باسم ~~لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة. وقد قال ~~الله: {الرحمن} {علم القرآن} {خلق الإنسان} {علمه البيان} . و {قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} . وقال: {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} . ~~فهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره. وهو سبحانه إذا كان قد علم ~~آدم الأسماء كلها وعرض المسميات على الملائكة كما أخبر بذلك في كتابه فنحن ~~نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم ~~القيامة وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلمون إلا بها فإن دعوى هذا ~~كذب ظاهر فإن آدم عليه السلام إنما ينقل عنه بنوه وقد أغرق الله عام ~~الطوفان جميع ذريته إلا من في السفينة وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا ~~أولاد نوح ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم. فإن " اللغة ~~الواحدة " كالفارسية والعربية والرومية والتركية فيها من الاختلاف والأنواع ~~ما لا يحصيه إلا الله، والعرب أنفسهم # PageV07P092 # لكل قوم لغات لا يفهمها غيرهم فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك ~~الذين كانوا في السفينة وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل وإنما النسل لنوح ~~وجميع الناس من أولاده وهم ثلاثة: سام وحام ويافث كما قال الله تعالى: ~~{وجعلنا ذريته هم الباقين} . فلم يجعل باقيا إلا ذريته وكما روي ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " أن أولاده ثلاثة ". رواه أحمد وغيره. ومعلوم أن ~~الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله ويمتنع نقل ذلك عنهم؛ فإن الذين يعرفون ~~هذه اللغة لا يعرفون هذه، وإذا كان الناقل ثلاثة؛ فهم قد علموا أولادهم، ~~وأولادهم علموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت. ونحن نجد بني الأب الواحد ~~يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى والأب واحد، لا يقال: إنه علم ~~أحد ابنيه لغة وابنه الآخر لغة؛ فإن الأب قد ms1962 لا يكون له إلا ابنان واللغات ~~في أولاده أضعاف ذلك. والذي أجرى الله عليه عادة بني آدم أنهم إنما يعلمون ~~أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم فأما لغات لم يخلق ~~الله من يتكلم بها فلا يعلمونها أولادهم. وأيضا فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون ~~بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم. والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء ~~التي علمها الله آدم قولان معروفان عن السلف. (أحدهما) : أنه إنما علمه ~~أسماء من يعقل واحتجوا بقوله: {ثم عرضهم على الملائكة} . قالوا: وهذا ~~الضمير لا يكون إلا لمن يعقل، وما لا يعقل يقال # PageV07P093 # فيها: عرضها. ولهذا قال أبو العالية: علمه أسماء الملائكة لأنه لم يكن ~~حينئذ من يعقل إلا الملائكة؛ ولا كان إبليس قد انفصل عن الملائكة ولا كان ~~له ذرية. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: علمه أسماء ذريته وهذا يناسب ~~الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم " {إن آدم سأل ~~ربه أن يريه صور الأنبياء من ذريته؛ فرآهم فرأى فيهم من يبص. فقال: يا رب ~~من هذا؟ قال: ابنك داود} ". فيكون قد أراه صور ذريته أو بعضهم وأسماءهم ~~وهذه أسماء أعلام لا أجناس. (والثاني) : أن الله علمه أسماء كل شيء وهذا هو ~~قول الأكثرين كابن عباس وأصحابه؛ قال ابن عباس: علمه حتى الفسوة والفسية ~~والقصعة والقصيعة، أراد أسماء الأعراض والأعيان مكبرها ومصغرها. والدليل ~~على ذلك ما ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~حديث الشفاعة: " {إن الناس يقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ~~ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء} ". وأيضا قوله: " الأسماء كلها " لفظ ~~عام مؤكد؛ فلا يجوز تخصيصه بالدعوى. وقوله: {ثم عرضهم على الملائكة} لأنه ~~اجتمع من يعقل ومن لا يعقل فغلب من يعقل. كما قال: {فمنهم من يمشي على بطنه ~~ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} . قال عكرمة: علمه أسماء ~~الأجناس دون أنواعها كقولك: إنسان وجن وملك وطائر. ms1963 وقال مقاتل وابن السائب ~~وابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير. # PageV07P094 # ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم؛ أن أكثر اللغات ناقصة عن ~~اللغة العربية ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما ~~يضاف إلى الحيوان؛ بل إنما يستعملون في ذلك الإضافة. فلو كان آدم عليه ~~السلام علمها الجميع لعلمها متناسبة، وأيضا فكل أمة ليس لها كتاب ليس في ~~لغتها أيام الأسبوع، وإنما يوجد في لغتها اسم اليوم والشهر والسنة؛ لأن ذلك ~~عرف بالحس والعقل؛ فوضعت له الأمم الأسماء؛ لأن التعبير يتبع التصور، وأما ~~الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع، لم يعرف أن الله خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش إلا بأخبار الأنبياء الذين شرع لهم ~~أن يجتمعوا في الأسبوع يوما يعبدون الله فيه ويحفظون به الأسبوع الأول الذي ~~بدأ الله فيه خلق هذا العالم؛ ففي لغة العرب والعبرانيين، ومن تلقى عنهم، ~~أيام الأسبوع؛ بخلاف الترك ونحوهم؛ فإنه ليس في لغتهم أيام الأسبوع لأنهم ~~لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه. فعلم أن الله ألهم النوع الإنساني أن يعبر ~~عما يريده ويتصوره بلفظه وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم وهم علموا كما علم ~~وإن اختلفت اللغات. وقد أوحى الله إلى موسى بالعبرانية وإلى محمد بالعربية؛ ~~والجميع كلام الله، وقد بين الله بذلك ما أراد من خلقه وأمره، وإن كانت هذه ~~اللغة ليست الأخرى، مع أن العبرانية من أقرب اللغات إلى العربية حتى إنها ~~أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض. فبالجملة نحن ليس غرضنا إقامة الدليل ~~على عدم ذلك؛ بل يكفينا أن يقال: # PageV07P095 # هذا غير معلوم وجوده بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة ~~متقدمة؛ وإذا سمي هذا توقيفا؛ فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما ~~على استعمال جميع الأجناس؛ فقد قال ما لا علم له به. وإنما المعلوم بلا ريب ~~هو الاستعمال. # ثم هؤلاء يقولون: تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ ms1964 فإذا دل ~~اللفظ بمجرده فهو حقيقة، وإذا لم يدل إلا مع القرينة؛ فهو مجاز وهذا أمر ~~متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم. ثم يقال (ثانيا) : هذا ~~التقسيم لا حقيقة له؛ وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا ~~فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم؛ ~~فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا: " الحقيقة ": اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له. و " المجاز ": هو المستعمل في غير ما وضع له؛ ~~فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر. ثم يقسمون ~~الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية. " ~~فالحقيقة العرفية ": هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا ~~باللغة وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي وتارة أخص وتارة يكون مباينا ~~له، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها. فالأول: مثل لفظ " الرقبة " و " الرأس ~~" ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم صار يستعمل في جميع البدن. ~~والثاني مثل لفظ " الدابة " ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار # PageV07P096 # يستعمل في عرف بعض الناس في ذوات الأربع وفي عرف بعض الناس في الفرس وفي ~~عرف بعضهم في الحمار. والثالث مثل لفظ " الغائط " و " الظعينة " و " ~~الراوية " و " المزادة " فإن الغائط في اللغة هو المكان المنخفض من الأرض، ~~فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الإنسان باسم محله، ~~والظعينة اسم الدابة ثم سموا المرأة التي تركبها باسمها ونظائر ذلك. و " ~~المقصود " أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ~~ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال ~~فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال، ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة في ~~اللغة التي بها التخاطب ثم هم يعلمون ويقولون: إنه قد يغلب الاستعمال على ~~بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفي أشهر فيه ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه ~~فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية. ms1965 واللفظ مستعمل في هذا ~~الاستعمال الحادث للعرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم ~~وضع، فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح. وإن قالوا: نعني بما وضع له ما ~~استعملت فيه أولا؛ فيقال: من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت العرب ~~تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء آخر. وإذا ~~لم يعلموا هذا النفي؛ فلا يعلم أنها حقيقة وهذا خلاف ما اتفقوا عليه. وأيضا ~~فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة وهذا لا يقوله عاقل. # PageV07P097 # ثم هؤلاء الذين يقولون هذا، نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها ~~استعملت إلا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع القيود ثم يدعي أن ذلك هو ~~حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وضعت مجردة، مثل أن يقول ~~حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس والعين النابعة وعين ~~الذهب؛ للمشابهة. لكن أكثرهم يقولون: إن هذا من باب المشترك لا من باب ~~الحقيقة والمجاز؛ فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس. يقولون: هو حقيقة في رأس ~~الإنسان. ثم قالوا: رأس الدرب لأوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ~~ورأس الأمر لأوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق المجاز. وهم ~~لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا؛ بل يجدون أنه استعمل بالقيود في ~~رأس الإنسان. كقوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ونحوه ~~وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعاني. فإذا قيل: رأس العين ورأس الدرب ~~ورأس الناس ورأس الأمر؛ فهذا المقيد غير ذاك المقيد الدال، ومجموع اللفظ ~~الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك؛ لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل ~~الأسماء المعرفة في لام التعريف، ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس ~~الإنسان أولا؛ لأن الإنسان يتصور رأسه قبل غيره، والتعبير أولا هو عما ~~يتصور أولا، فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق به مضافا إلى غيره ~~ثانيا، ولا ms1966 يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات فإذا قيل: ابن آدم ~~أولا؛ لم يكن قولنا: ابن # PageV07P098 # الفرس وابن الحمار مجازا وكذلك إذا قيل: بنت الإنسان؛ لم يكن قولنا: بنت ~~الفرس مجازا. وكذلك إذا قيل: رأس الإنسان أولا لم يكن قولنا: رأس الفرس ~~مجازا وكذلك في سائر المضافات إذا قيل: يده أو رجله. فإذا قيل: هو حقيقة ~~فيما أضيف إلى الحيوان؛ قيل: ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما ~~أضيف إلى الإنسان رأس ثم قد يضاف إلى ما لا يتصوره أكثر الناس من الحيوانات ~~الصغار التي لم تخطر ببال عامة الناطقين باللغة. فإذا قيل: إنه حقيقة في ~~هذا فلماذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل والطريق والعين وكذلك سائر ما يضاف ~~إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ومساكنه؛ يضاف مثله إلى غيره ويضاف ذلك إلى ~~الجمادات؛ فيقال: رأس الجبل ورأس العين وخطم الجبل أي أنفه وفم الوادي وبطن ~~الوادي وظهر الجبل وبطن الأرض وظهرها، ويستعمل مع الألف وهو لفظ الظاهر ~~والباطن في أمور كثيرة والمعنى في الجميع أن الظاهر لما ظهر فتبين والباطن ~~لما بطن فخفي. وسمي ظهر الإنسان ظهرا لظهوره وبطن الإنسان بطنا لبطونه. ~~فإذا قيل: إن هذا حقيقة وذاك مجاز؛ لم يكن هذا أولى من العكس. و " أيضا " ~~من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا كلفظ " الإنسان " ونحوه ثم قد ~~يستعمل مقيدا بالإضافة كقولهم: إنسان العين وإبرة الذراع ونحو ذلك وبتقدير ~~أن يكون في اللغة حقيقة ومجاز؛ فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز؛ وهو غلط ~~فإن المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا وهنا لم يستعمل ~~اللفظ؛ بل ركب مع لفظ آخر فصار وضعا آخر بالإضافة. # PageV07P099 # فلو استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الإضافة في غيره كان مجازا بل ~~إذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد أن كان الأصل فيه ~~الإضافة؛ لا يقال: إنه مجاز. فما لم ينطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون ~~مجازا. # وأما ms1967 من فرق بين الحقيقة والمجاز؛ بأن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن ~~القرائن، والمجاز ما لا يفيد ذلك المعنى إلا مع قرينة، أو قال: " الحقيقة ~~": ما يفيده اللفظ المطلق. و " المجاز ": ما لا يفيد إلا مع التقييد. أو ~~قال: " الحقيقة " هي المعنى الذي يسبق إلى الذهن عند الإطلاق. " والمجاز " ~~ما لا يسبق إلى الذهن. أو قال: " المجاز " ما صح نفيه و " الحقيقة " ما لا ~~يصح نفيها، فإنه يقال: ما تعني بالتجريد عن القرائن والاقتران بالقرائن؟ إن ~~عني بذلك القرائن اللفظية مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالإضافة أو لام ~~التعريف ويقيد بكونه فاعلا ومفعولا ومبتدأ وخبرا فلا يوجد قط في الكلام ~~المؤلف اسم إلا مقيدا. وكذلك الفعل إن عني بتقييده أنه لا بد له من فاعل ~~وقد يقيد بالمفعول به وظرفي الزمان والمكان والمفعول له ومعه والحال فالفعل ~~لا يستعمل قط إلا مقيدا وأما الحرف فأبلغ فإن الحرف أتي به لمعنى في غيره. ~~ففي الجملة لا يوجد قط في كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدا بقيود ~~تزيل عنه الإطلاق. فإن كانت القرينة مما يمنع الإطلاق عن كل # PageV07P100 # قيد فليس في الكلام الذي يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد سواء ~~كانت الجملة اسمية أو فعلية ولهذا كان لفظ " الكلام " و " الكلمة " في لغة ~~العرب بل وفي لغة غيرهم لا تستعمل إلا في المقيد. وهو الجملة التامة اسمية ~~كانت أو فعلية أو ندائية إن قيل إنها قسم ثالث. فأما مجرد الاسم أو الفعل ~~أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فهذا لا يسمى في كلام العرب قط ~~كلمة وإنما تسمية هذا كلمة اصطلاح نحوي كما سموا بعض الألفاظ فعلا وقسموه ~~إلى فعل ماض ومضارع وأمر، والعرب لم تسم قط اللفظ فعلا؛ بل النحاة اصطلحوا ~~على هذا فسموا اللفظ باسم مدلوله فاللفظ الدال على حدوث فعل في زمن ماض ~~سموه فعلا ماضيا وكذلك سائرها. وكذلك حيث وجد في الكتاب والسنة بل وفي كلام ~~العرب نظمه ونثره ms1968 لفظ كلمة؛ فإنما يراد به المفيد التي تسميها النحاة جملة ~~تامة كقوله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} {ما لهم به من علم ~~ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} . وقوله تعالى ~~{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} . وقوله تعالى ~~{تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} . وقوله: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} ~~. وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} . وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل} # PageV07P101 # وقوله " {كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم} ". وقوله. " {إن الرجل ~~ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها ~~رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن ~~تبلغ به ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة} ". وقوله: " {لقد قلت ~~بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه ~~سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته} ". وإذا ~~كان كل اسم أو فعل أو حرف يوجد في الكلام فإنه مقيد لا مطلق لم يجز أن يقال ~~للفظ الحقيقة ما دل مع الإطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه. فإن قيل: أريد ~~بعض القرائن دون بعض قيل له: اذكر الفصل بين القرينة التي يكون معها حقيقة ~~والقرينة التي يكون معها مجاز ولن تجد إلى ذلك سبيلا تقدر به على تقسيم ~~صحيح معقول. ومما يدل على ذلك أن الناس اختلفوا في " العام " إذا خص هل ~~يكون استعماله فيما بقي حقيقة أو مجازا؟ وكذلك لفظ " الأمر " إذا أريد به ~~الندب هل يكون حقيقة أو مجازا؟ وفي ذلك قولان لأكثر الطوائف: لأصحاب أحمد ~~قولان ولأصحاب الشافعي قولان ولأصحاب مالك قولان. ومن الناس من ظن أن هذا ~~الخلاف يطرد في التخصيص المتصل كالصفة # PageV07P102 # والشرط والغاية والبدل ms1969 وجعل يحكي في ذلك أقوال من يفصل كما يوجد في كلام ~~طائفة من المصنفين في أصول الفقه وهذا مما لم يعرف أن أحدا قاله فجعل اللفظ ~~العام المقيد في الصفات والغايات والشروط مجازا بل لما أطلق بعض المصنفين ~~أن اللفظ العام إذا خص يصير مجازا؛ ظن هذا الناقل أنه عنى التخصيص المتصل ~~وأولئك لم يكن في اصطلاحهم عام مخصوص إلا إذا خص بمنفصل. وأما المتصل؛ فلا ~~يسمون اللفظ عاما مخصوصا البتة فإنه لم يدل إلا متصلا والاتصال منعه العموم ~~وهذا اصطلاح كثير من الأصوليين وهو الصواب. لا يقال لما قيد بالشرط والصفة ~~ونحوهما: أنه داخل فيما خص من العموم ولا في العام المخصوص؛ لكن يقيد ~~فيقال: تخصيص متصل وهذا المقيد لا يدخل في التخصيص المطلق. وبالجملة فيقال: ~~إذا كان هذا مجازا؛ فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به وبظرف الزمان ~~والمكان مجازا: وكذلك بالحال وكذلك كل ما قيد بقيد فيلزم أن يكون الكلام ~~كله مجازا فأين الحقيقة؟ فإن قيل: يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة فما ~~كان مع القرينة المتصلة فهو حقيقة وما كان مع المنفصلة كان مجازا؛ قيل: ~~تعني بالمتصل ما كان في اللفظ أو ما كان موجودا حين الخطاب؟ فإن عنيت ~~الأول؛ لزم أن يكون ما علم من حال المتكلم أو المستمع أولا قرينة منفصلة. ~~فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه كما يقول: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو عند المسلمين رسول الله أو قال الصديق وهو عندهم أبو بكر وإذا قال ~~الرجل لصاحبه: اذهب إلى # PageV07P103 # الأمير أو القاضي أو الوالي يريد ما يعرفانه فإنه يكون مجازا. وكذلك ~~الضمير يعود إلى معلوم غير مذكور. كقوله: {إنا أنزلناه} وقوله: {حتى توارت ~~بالحجاب} وأمثال ذلك أن يكون هذا مجازا؛ وهذا لا يقوله أحد. و " أيضا " ~~فإذا قال لشجاع: هذا الأسد فعل اليوم كذا، ولبليد: هذا الحمار قال اليوم ~~كذا، أو لعالم أو جواد: هذا البحر جرى منه اليوم كذا؛ أن يكون حقيقة لأن ~~قوله هذا قرينة لفظية فلا يبقى قط مجازا. ms1970 وإن قال: المتصل أعم من ذلك وهو ~~ما كان موجودا حين الخطاب. قيل له: فهذا أشد عليك من الأول؛ فإن كل متكلم ~~بالمجاز لا بد أن يقترن به حال الخطاب ما يبين مراده وإلا لم يجز التكلم ~~به. فإن قيل: أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة. قيل: ~~أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى وهو لا يريد ذلك المعنى ~~إلا إذا بين وإنما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات. ثم ~~نقول: إذا جوزت تأخير البيان فالبيان قد يحصل بجملة تامة وبأفعال من الرسول ~~وبغير ذلك. ولا يكون البيان المتأخر إلا مستقلا بنفسه لا يكون مما يجب ~~اقترانه بغيره. فإن جعلت هذا مجازا؛ لزم أن يكون ما يحتاج في العمل إلى ~~بيان مجازا كقوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} . ثم يقال: هب ~~أن هذا جائز عقلا لكن ليس واقعا في الشريعة أصلا وجميع ما يذكر من ذلك ~~باطل، كما قد بسط في موضعه، فإن الذين قالوا: # PageV07P104 # الظاهر الذي لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه، احتجوا بقوله: ~~{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} . وادعوا أنها كانت معينة وأخر بيان ~~التعيين. وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من ~~أنهم أمروا ببقرة مطلقة فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها أجزأ عنهم ولكن ~~شددوا فشدد الله عليهم. والآية نكرة في سياق الإثبات فهي مطلقة. والقرآن ~~يدل سياقه على أن الله ذمهم على السؤال بما هي ولو كان المأمور به معينا ~~لما كانوا ملومين. ثم إن مثل هذا لم يقع قط في أمر الله ورسوله أن يأمر ~~عباده بشيء معين ويبهمه عليهم مرة بعد مرة ولا يذكره بصفات تختص به ابتداء. ~~واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج وأن هذه الألفاظ لها ~~معان في اللغة بخلاف الشرع؛ وهذا غلط فإن الله إنما أمرهم بالصلاة بعد أن ~~عرفوا المأمور به وكذلك الصيام وكذلك الحج ms1971 ولم يؤخر الله قط بيان شيء من ~~هذه المأمورات ولبسط هذه المسألة موضع آخر. # وأما قول من يقول: إن الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق؛ فمن أفسد ~~الأقوال، فإنه يقال: إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيدا؛ فإنه يسبق إلى ~~الذهن في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع. وأما إذا أطلق؛ فهو لا يستعمل ~~في الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال إطلاق محض حتى يقال: إن الذهن يسبق إليه ~~أم لا. و " أيضا " فأي ذهن فإن العربي الذي يفهم كلام العرب؛ يسبق إلى # PageV07P105 # ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطي الذي صار يستعمل الألفاظ في غير ~~معانيها ومن هنا غلط كثير من الناس؛ فإنهم قد تعودوا ما اعتادوه إما من ~~خطاب عامتهم وإما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ في معنى فإذا سمعوه في ~~القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى فيحملون كلام الله ورسوله ~~على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة. وهذا مما دخل به الغلط على طوائف، بل ~~الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة وما كان ~~الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ؛ فبتلك اللغة والعادة ~~والعرف خاطبهم الله ورسوله. لا بما حدث بعد ذلك. وأيضا فقد بينا في غير هذا ~~الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والحديث إلا بين معناه ~~للمخاطبين ولم يحوجهم إلى شيء آخر كما قد بسطنا القول فيه في غير هذا ~~الموضع. فقد تبين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود؛ لا ~~يوجد إلا مقدرا في الأذهان لا موجودا في الكلام المستعمل. كما أن ما يدعيه ~~المنطقيون من المعنى المطلق من جميع القيود لا يوجد إلا مقدرا في الذهن لا ~~يوجد في الخارج شيء موجود خارج عن كل قيد. ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم ~~العلم إلى تصور وتصديق وأن التصور هو تصور المعنى الساذج الخالي عن كل قيد ~~لا يوجد. وكذلك ما يدعونه من البسائط التي ms1972 تتركب منها الأنواع وأنها أمور ~~مطلقة عن كل قيد لا توجد. وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل ~~أمر ثبوتي؛ لا يوجد. # PageV07P106 # فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغي معرفتها لمن ينظر في هذه ~~العلوم. فإنه بسبب ظن وجودها ضل طوائف في العقليات والسمعيات بل إذا قال ~~العلماء: مطلق ومقيد إنما يعنون به مطلقا عن ذلك القيد ومقيدا بذلك القيد. ~~كما يقولون: الرقبة مطلقة في آية كفارة اليمين ومقيدة في آية القتل. أي ~~مطلقة عن قيد الإيمان وإلا فقد قيل: {فتحرير رقبة} . فقيدت بأنها رقبة ~~واحدة وأنها موجودة وأنها تقبل التحرير. والذين يقولون بالمطلق المحض ~~يقولون هو الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة ولا وجود ولا عدم ولا غير ذلك؛ بل ~~هو الحقيقة من حيث هي هي كما يذكره الرازي تلقيا له عن ابن سينا وأمثاله من ~~المتفلسفة. وقد بسطنا الكلام في هذا الإطلاق والتقيد والكليات والجزئيات في ~~مواضع غير هذا وبينا من غلط هؤلاء في ذلك ما ليس هذا موضعه. وإنما المقصود ~~هنا " الإطلاق اللفظي " وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد وهذا لا وجود ~~له وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض فتكون تلك ~~قيودا ممتنعة الإطلاق. فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق ~~معقول يمكن به التمييز بين نوعين؛ فعلم أن هذا التقسيم باطل وحينئذ فكل لفظ ~~موجود في كتاب الله ورسوله فإنه مقيد بما يبين معناه فليس في شيء من ذلك ~~مجاز بل كله حقيقة. ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازا ~~وذكروا ما يشهد # PageV07P107 # لهم؛ رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى ~~{جدارا يريد أن ينقض} . قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون ~~للحيوان؛ فاستعمالها في ميل الجدار مجاز. فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل ~~في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ~~ميل الجماد وهو من مشهور ms1973 اللغة؛ يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض ~~تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى؛ وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب ~~يريد أن يغسل وأمثال ذلك. واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا؛ فإما أن ~~يجعل حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون ~~مشتركا اشتراكا لفظيا أو حقيقة في القدر المشترك بينهما. وهي الأسماء ~~المتواطئة. وهي الأسماء العامة كلها. وعلى الأول يلزم المجاز. وعلى الثاني ~~يلزم الاشتراك؛ وكلاهما خلاف الأصل فوجب أن يجعل من المتواطئة. وبهذا يعرف ~~عموم الأسماء العامة كلها وإلا فلو قال قائل: هو في ميل الجماد حقيقة وفي ~~ميل الحيوان مجاز؛ لم يكن بين الدعويين فرق إلا كثرة الاستعمال في ميل ~~الحيوان؛ لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان وهنا استعمل ~~مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الجماد. والقدر المشترك بين مسميات الأسماء ~~المتواطئة أمر كلي عام لا يوجد كليا عاما إلا في الذهن وهو مورد التقسيم ~~بين الأنواع لكن ذلك المعنى العام # PageV07P108 # الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه؛ لأنهم إنما يحتاجون إلى ~~ما يوجد في الخارج وإلى ما يوجد في القلوب في العادة. وما لا يكون في ~~الخارج إلا مضافا إلى غيره؛ لا يوجد في الذهن مجردا بخلاف لفظ الإنسان ~~والفرس فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان تصور مسمى ~~الإنسان ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ومسمى العلم ومسمى القدرة ~~ومسمى الوجود المطلق العام؛ فإن هذا لا يوجد له في اللغة لفظ مطلق يدل عليه ~~بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيدا بالمريد ولا لفظ العلم إلا مقيدا بالعالم ~~ولا لفظ القدرة إلا مقيدا بالقادر. بل وهكذا سائر الأعراض لما لم توجد إلا ~~في محالها مقيدة بها لم يكن لها في اللغة لفظ إلا كذلك. فلا يوجد في اللغة ~~لفظ السواد والبياض والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل ~~والقصير ونحو ذلك لا مجردا عن كل ms1974 قيد؛ وإنما يوجد مجردا في كلام المصنفين ~~في اللغة؛ لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك ~~ومنه قوله تعالى {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} . فإن من الناس من يقول: ~~الذوق حقيقة في الذوق بالفم، واللباس بما يلبس على البدن، وإنما استعير هذا ~~وهذا وليس كذلك؛ بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء ~~والاستعمال يدل على ذلك. قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر} . وقال: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . وقال: {فذاقت وبال ~~أمرها} . وقال: {فذوقوا # PageV07P109 # العذاب بما كنتم تكفرون} - {فذوقوا عذابي ونذر} - {لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى} - {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} {إلا حميما وغساقا} ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا} ". وفي بعض الأدعية: " أذقنا برد عفوك وحلاوة ~~مغفرتك ". فلفظ " الذوق " يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته فدعوى ~~المدعي اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم تحكم منه، لكن ذاك مقيد فيقال: ذقت ~~الطعام وذقت هذا الشراب؛ فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم ~~وإذا كان الذوق مستعملا فيما يحسه الإنسان بباطنه أو بظاهره؛ حتى الماء ~~الحميم يقال: ذاقه فالشراب إذا كان باردا أو حارا يقال: ذقت حره وبرده. ~~وأما لفظ " اللباس ": فهو مستعمل في كل ما يغشى الإنسان ويلتبس به قال ~~تعالى: {وجعلنا الليل لباسا} . وقال: {ولباس التقوى ذلك خير} . وقال: {هن ~~لباس لكم وأنتم لباس لهن} . ومنه يقال: لبس الحق بالباطل إذا خلطه به حتى ~~غشيه فلم يتميز. فالجوع الذي يشمل ألمه جميع الجائع: نفسه وبدنه وكذلك ~~الخوف الذي يلبس البدن. فلو قيل: فأذاقها الله الجوع والخوف؛ لم يدل ذلك ~~على أنه شامل لجميع أجزاء الجائع بخلاف ما إذا قيل: لباس الجوع والخوف. ولو ~~قال فألبسهم لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم إلا بالعقل من حيث ~~إنه يعرف أن الجائع الخائف يألم. بخلاف ms1975 لفظ ذوق الجوع والخوف؛ فإن هذا ~~اللفظ يدل على الإحساس بالمؤلم وإذا أضيف إلى الملذ: دل # PageV07P110 # على الإحساس به كقوله صلى الله عليه وسلم " {ذاق طعم الإيمان من رضي ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا} ". فإن قيل: فلم ~~لم يصف نعيم الجنة بالذوق؟ قيل: لأن الذوق يدل على جنس الإحساس ويقال: ذاق ~~الطعام لمن وجد طعمه وإن لم يأكله. وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر ~~فيه على الذوق؛ بل استعمل لفظ الذوق في النفي كما قال عن أهل النار: {لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا} أي لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق. وقال عن أهل ~~الجنة: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} . # وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ " المكر " و " الاستهزاء " و " ~~السخرية " المضاف إلى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز ~~وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما ~~له وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلا كما ~~قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف} . فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: ~~{لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} . وقال تعالى: {إنهم يكيدون ~~كيدا} {وأكيد كيدا} . وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} ~~{فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} . وقال تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله ~~منهم} . ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم كما # PageV07P111 # روي عن ابن عباس؛ أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه ~~فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق فيضحك منهم المؤمنون. قال ~~تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} {على الأرائك ينظرون} {هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} . وعن الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة؛ ~~خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة من القدر فيمشون فيخسف بهم. وعن مقاتل: ~~إذا ضرب ms1976 بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب فيبقون في الظلمة فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. وقال ~~بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم. وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم ~~عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل هو ~~تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه؛ وهذا كله حق وهو استهزاء بهم حقيقة. # ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: {واسأل القرية} . قالوا ~~المراد به أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل لهم: لفظ القرية ~~والمدينة والنهر والميزاب؛ وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحال ~~كلاهما داخل في الاسم. ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان وتارة على ~~المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر وهو المحل. وجرى النهر ~~وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء وكذلك القرية ~~قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} . وقوله: {وكم من قرية # PageV07P112 # أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} {فما كان دعواهم إذ جاءهم ~~بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} . وقال في آية أخرى: {أفأمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون} . فجعل القرى هم السكان. وقال: {وكأين ~~من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} . وهم ~~السكان. وكذلك قوله تعالى {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} . وقال تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} . فهذا ~~المكان لا السكان لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونا؛ فلا يسمى قرية إلا إذا ~~كان قد عمر للسكنى مأخوذ من القرى وهو الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء في ~~الحوض إذا جمعته فيه. # ونظير ذلك لفظ " الإنسان " يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا ~~تارة وهذا تارة لتلازمهما؛ فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان ~~عذابا لأهلها؛ فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر؛ كما ينال البدن والروح ~~ما يصيب أحدهما. فقوله: {واسأل القرية} . مثل قوله {قرية ms1977 كانت آمنة مطمئنة} ~~. فاللفظ هنا يراد به السكان من غير إضمار ولا حذف فهذا بتقدير أن يكون في ~~اللغة مجاز، فلا مجاز في القرآن. بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم ~~مبتدع محدث لم ينطق به السلف. والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظيا؛ ~~بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ولهذا كان كل ما ~~يذكرونه من الفروق تبين أنها فروق باطلة وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني ~~كما يدعي المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات # PageV07P113 # تنقسم اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج وإلى خارج عنها ~~لازم للماهية ولازم خارج للوجود. وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة لأن هذا ~~التقسيم باطل لا حقيقة له بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس كما ~~قد بسط في موضعه. وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة وإن لم يدل إلا ~~معها فهو مجاز؛ قد تبين بطلانه وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردا عن ~~جميع القرائن ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن. وأشهر أمثلة المجاز لفظ ~~" الأسد " و " الحمار " و " البحر " ونحو ذلك مما يقولون: إنه استعير ~~للشجاع والبليد والجواد. وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية ~~كما تستعمل الحقيقة، كقول أبي بكر الصديق عن أبي قتادة لما طلب غيره سلب ~~القتيل: لاها الله إذا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ~~فيعطيك سلبه. فقوله: يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله؛ وصف ~~له بالقوة للجهاد في سبيله وقد عينه تعيينا أزال اللبس. وكذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله على المشركين} " ~~وأمثال ذلك. # وإن قال القائل: القرائن اللفظية موضوعة ودلالتها على المعنى حقيقة، لكن ~~القرائن الحالية مجاز؛ قيل: اللفظ لا يستعمل قط إلا مقيدا بقيود لفظية ~~موضوعة؛ والحال حال المتكلم والمستمع لا بد من اعتباره في جميع الكلام # PageV07P114 # فإنه إذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ms1978 ما لا يفهم إذا لم يعرف لأنه ~~بذلك يعرف عادته في خطابه، واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها ~~يتكلم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه، ودلالة اللفظ على المعنى ~~دلالة قصدية إرادية اختيارية، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى؛ فإذا ~~اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل من كان له عناية ~~بألفاظ الرسول ومراده بها: عرف عادته في خطابه وتبين له من مراده ما لا ~~يتبين لغيره. ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر ~~نظائر ذلك اللفظ؛ ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث ~~وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده وهي العادة المعروفة من كلامه ثم ~~إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة؛ عرف أن تلك العادة ~~واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو - صلى الله عليه وسلم - بل هي لغة قومه ~~ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في ~~خطابه وخطاب أصحابه. كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في ~~زمانه. ولهذا كان استعمال القياس في اللغة وإن جاز في الاستعمال فإنه لا ~~يجوز في الاستدلال فإنه قد يجوز للإنسان أن يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى ~~الذي استعملوه فيه مع بيان ذلك على ما فيه من النزاع؛ لكن لا يجوز أن يعمد ~~إلى ألفاظ قد عرف استعمالها في معان فيحملها على غير تلك المعاني ويقول: ~~إنهم أرادوا تلك بالقياس على تلك؛ بل هذا تبديل وتحريف # PageV07P115 # فإذا قال: {الجار أحق بسقبه} فالجار هو الجار ليس هو الشريك؛ فإن هذا لا ~~يعرف في لغتهم؛ لكن ليس في اللفظ ما يقتضي أنه يستحق الشفعة؛ لكن يدل على ~~أن البيع له أولى. وأما " الخمر " فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة ~~أنها كانت اسما لكل مسكر، لم يسم النبيذ خمرا بالقياس. وكذلك " النباش " ~~كانوا يسمونه سارقا كما قالت عائشة: سارق موتانا كسارق أحيانا. ms1979 واللائط ~~عندهم كان أغلظ من الزاني بالمرأة. # ولا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله ~~من الألفاظ وكيف يفهم كلامه، فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على ~~أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ ~~فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ~~ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك ويجعلون هذه الدلالة ~~حقيقة، وهذه مجازا، كما أخطأ المرجئة في اسم " الإيمان " جعلوا لفظ " ~~الإيمان " حقيقة في مجرد التصديق وتناوله للأعمال مجازا. فيقال: إن لم يصح ~~التقسيم إلى حقيقة ومجاز فلا حاجة إلى هذا وإن صح فهذا لا ينفعكم. بل هو ~~عليكم لا لكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة والمجاز ~~إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت ~~فيه الأعمال وإنما يدعي خروجها منه # PageV07P116 # عند التقييد؛ وهذا يدل على أن الحقيقة قوله. " {الإيمان بضع وسبعون شعبة} ~~". وأما حديث جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام. فهو كذلك. ~~وهذا هو المعنى الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم قطعا. كما أنه لما ذكر ~~الإحسان أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام؛ لم يرد أن الإحسان مجرد عن ~~إيمان وإسلام. ولو قدر أنه أريد بلفظ " الإيمان " مجرد التصديق؛ فلم يقع ~~ذلك إلا مع قرينة فيلزم أن يكون مجازا وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا ~~المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث بخلاف كون لفظ " الإيمان " في اللغة ~~مرادفا للتصديق ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله؛ بل أراد به ما كان ~~يريده أهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد؛ فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم ~~بواحدة منهما، فلا يعارض اليقين، كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين ~~وأنها من أفسد الكلام. و " أيضا " فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال ~~المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج؛ في دلالته على الصلاة ~~الشرعية ms1980 والصيام الشرعي؛ والحج الشرعي؛ سواء قيل: إن الشارع نقله؛ أو أراد ~~الحكم دون الاسم؛ أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف؛ أو خاطب بالاسم ~~مقيدا لا مطلقا. فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف ~~الإيمان # PageV07P117 # فإنه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب؛ قيل: إن أريد ~~بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها؛ فكذلك الإيمان الواجب إذا ترك منه ~~شيئا لم تبرأ الذمة منه كله. وإن أريد به وجوب الإعادة فهذا ليس على ~~الإطلاق. فإن في الحج واجبات إذا تركها لم يعد بل تجبر بدم، وكذلك في ~~الصلاة عند أكثر العلماء إذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الإعادة فإنما تجب ~~إذا أمكنت الإعادة وإلا فما تعذرت إعادته يبقى مطالبا به كالجمعة ونحوها. # وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله فليس كذلك بل قد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل ~~ولا يكون بمنزلة من لم يصل. وفي عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من ~~النوافل؛ فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتد له بما ~~فعل منها؛ فكذلك الإيمان إذا ترك منه شيئا كان عليه فعله؛ إن كان محرما تاب ~~منه وإن كان واجبا فعله؛ فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه وأثيب على ما فعله ~~كسائر العبادات وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة ~~من الإيمان. # وقد عدلت " المرجئة " في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، ~~وهذه طريقة أهل البدع؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من ~~جهة التأويل والقياس. # PageV07P118 # ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن ~~برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون ms1981 ~~لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة ~~وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث؛ وآثار السلف وإنما ~~يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رءوسهم وهذه طريقة الملاحدة ~~أيضا؛ إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة وأما كتب القرآن ~~والحديث والآثار؛ فلا يلتفتون إليها. هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي ~~عندهم لا تفيد العلم وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا ~~وجعله طريقة أهل البدع. وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل. ~~والقاضي أبو بكر الباقلاني نصر قول جهم في " مسألة الإيمان " متابعة لأبي ~~الحسن الأشعري وكذلك أكثر أصحابه. فأما أبو العباس القلانسي وأبو علي ~~الثقفي وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ القاضي أبي بكر وصاحب أبي الحسن - فإنهم ~~نصروا مذهب السلف. وابن كلاب - نفسه - والحسين بن الفضل البجلي ونحوهما ~~كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعا موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين ~~كحماد بن أبي سليمان ومن اتبعه مثل أبي حنيفة وغيره. # PageV07P119 # فصل: # وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في " الإيمان " مع أنه نصر المشهور عن ~~أهل السنة من أنه يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه نصر ~~مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون في النار ~~وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك. وهو دائما ينصر - في المسائل التي فيها ~~النزاع بين أهل الحديث وغيرهم - قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم ~~فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم؛ فيقع في ذلك من ~~التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول ~~جهم مع نصره للاستثناء؛ ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما سنذكر ~~مأخذه في ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك. ومن لم يقف إلا ~~على كتب الكلام ولم ms1982 يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب؛ فيظن أن ~~ما ذكروه هو قول أهل السنة؛ وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر ~~أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو ~~الحسن. وهو عندهم شر من قول المرجئة؛ ولهذا صار من يعظم الشافعي من الزيدية ~~والمعتزلة ونحوهم يطعن في كثير ممن ينتسب إليه # PageV07P120 # يقولون: الشافعي لم يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة ~~وغرضهم ذم الإرجاء ونحن نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين ~~المنتسبين إلى السنة. قال القاضي أبو بكر في " التمهيد ": فإن قالوا: ~~فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم، ~~والتصديق يوجد بالقلب فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل ~~اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو التصديق لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك ويدل على ذلك قوله ~~تعالى {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا. ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة ~~وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي: لا يصدق بذلك. فوجب أن الإيمان في الشريعة ~~هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه ولو ~~فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره ~~على كتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل إقرار أسماء الأشياء والتخاطب ~~بأسره على ما كان دليل على أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان اللغوي ومما ~~يبين ذلك قوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وقوله: {إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا} . فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء ~~بمسمياتهم ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة لا سيما مع ~~القول بالعموم وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم؛ فدل على ما قلناه ~~من أن الإيمان ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل ~~والمفروضات، هذا لفظه. # PageV07P121 # وهذا عمدة من نصر قول ms1983 الجهمية في " مسألة الإيمان " وللجمهور من أهل ~~السنة وغيرهم عن هذا أجوبة. # أحدها: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو ~~بمعنى الإقرار وغيره. # والثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق؛ فالتصديق يكون ~~بالقلب واللسان وسائر الجوارح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {والفرج ~~يصدق ذلك أو يكذبه} ". # والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل ~~اللفظ بها وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فإن الله لم يأمرنا بإيمان ~~مطلق بل بإيمان خاص وصفه وبينه. # والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق؛ فالتصديق التام القائم بالقلب ~~مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح فإن هذه لوازم الإيمان التام، ~~وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في ~~مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى. # الخامس: قول من يقول: إن اللفظ باق على معناه في اللغة ولكن الشارع زاد ~~فيه أحكاما. # السادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي؛ فهو حقيقة ~~شرعية مجاز لغوي. # PageV07P122 # السابع: قول من يقول: إنه منقول. فهذه سبعة أقوال: (الأول) : قول من ~~ينازع في أن معناه في اللغة التصديق ويقول: ليس هو التصديق؛ بل بمعنى ~~الإقرار وغيره. " قوله ": إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول ~~القرآن هو التصديق. فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا ~~الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ . (الثاني) : أن يقال: أتعني بأهل ~~اللغة نقلتها كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم؛ أو المتكلمين بها؟ فإن ~~عنيت الأول؛ فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد وإنما ينقلون ~~ما سمعوه من العرب في زمانهم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ~~ذلك بالإسناد ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا ~~عليه. وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام؛ فهؤلاء لم نشهدهم ولا ~~نقل لنا أحد عنهم ذلك. (الثالث) : أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم ms1984 قالوا: ~~الإيمان في اللغة هو التصديق؛ بل ولا عن بعضهم وإن قدر أنه قاله واحد أو ~~اثنان؛ فليس هذا إجماعا. (الرابع) : أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب ~~أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا؛ وإنما ينقلون الكلام المسموع من ~~العرب وأنه يفهم منه كذا وكذا وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاما عن العرب ~~يفهم منه أن الإيمان هو # PageV07P123 # التصديق؛ لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده؛ فظن ~~هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى. (الخامس) : أنه لو قدر أنهم قالوا ~~هذا؛ فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر و " التواتر " من شرطه استواء ~~الطرفين والواسطة وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن؟ ~~إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق. فإن قيل: هذا يقدح في ~~العلم باللغة قبل نزول القرآن؛ قيل: فليكن. ونحن لا حاجة بنا مع بيان ~~الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن، والقرآن ~~نزل بلغة قريش والذين خوطبوا به كانوا عربا وقد فهموا ما أريد به وهم ~~الصحابة ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين حتى انتهى إلينا ~~فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن، ~~لكن لما تواتر القرآن لفظا ومعنى وعرفنا أنه نزل بلغتهم؛ عرفنا أنه كان في ~~لغتهم لفظ السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك على ما هو ~~معناها في القرآن. وإلا فلو كلفنا نقلا متواترا لآحاد هذه الألفاظ من غير ~~القرآن؛ لتعذر علينا ذلك في جميع الألفاظ لا سيما إذا كان المطلوب أن جميع ~~العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى فإن هذا يتعذر العلم به، والعلم بمعاني ~~القرآن ليس موقوفا على شيء من ذلك؛ بل الصحابة بلغوا معاني # PageV07P124 # القرآن كما بلغوا لفظه. ولو قدرنا أن قوما سمعوا كلاما أعجميا وترجموه ~~لنا بلغتهم؛ لم نحتج ms1985 إلى معرفة اللغة التي خوطبوا بها أولا. (السادس) : أنه ~~لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم؛ وإنما استدل من غير ~~القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة وفلان يؤمن بالجنة والنار وفلان ~~يؤمن بعذاب القبر وفلان لا يؤمن بذلك. ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب ~~قبل نزول القرآن؛ بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة لما صار من ~~الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر، ومرادهم بذلك هو مرادهم ~~بقوله: فلان يؤمن بالجنة والنار وفلان لا يؤمن بذلك. والقائل لذلك وإن كان ~~تصديق القلب داخلا في مراده؛ فليس مراده ذلك وحده، بل مراده التصديق بالقلب ~~واللسان فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه. ~~(السابع) : أن يقال: من قال ذلك؛ فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون ~~خوف ولا رجاء؛ بل يصدق بعذاب القبر ويخافه ويصدق بالشفاعة ويرجوها. وإلا ~~فلو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمنا ~~به كما أنهم لا يسمون مؤمنا بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار، ~~دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق. كما لا يسمون إبليس مؤمنا ~~بالله وإن كان مصدقا بوجوده وربوبيته، ولا يسمون فرعون مؤمنا وإن كان عالما ~~بأن الله بعث موسى وأنه هو الذي أنزل # PageV07P125 # الآيات وقد استيقنت بها أنفسهم مع جحدهم لها بألسنتهم، ولا يسمون اليهود ~~مؤمنين بالقرآن والرسول وإن كانوا يعرفون أنه حق كما يعرفون أبناءهم. فلا ~~يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى ويجب حبه ~~وتعظيمه؛ وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه ولا يخافه ولا يرجوه، بل يجحد به ~~ويكذب به بلسانه أنهم يقولون: هو مؤمن، بل ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه ~~لم يقولوا: هو مصدق به. ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه لم يقولوا هو ~~مؤمن به. فلا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه. ms1986 وقوله: {وما ~~أنت بمؤمن لنا} قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع فإن هذا استدلال بالقرآن ~~وليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن فإن صحة هذا المعنى بأحد ~~اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر كما بسطناه في موضعه. (الوجه الثامن) : ~~قوله: لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك. من أين له هذا النفي الذي لا ~~تمكن الإحاطة به؟ بل هو قول بلا علم. (التاسع) : قول من يقول: أصل الإيمان ~~مأخوذ من الأمن كما ستأتي أقوالهم إن شاء الله. وقد نقلوا في اللغة الإيمان ~~بغير هذا المعنى. كما قاله الشيخ أبو البيان في قول (1) . PageV07P126 # (الوجه العاشر) : أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق؛ فمعلوم أن ~~الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في ~~اللغة. ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كالحيوان ~~إذا أخذ بعض أنواعه وهو الإنسان كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به وذلك ~~المجموع ليس هو المعنى العام. فالتصديق الذي هو الإيمان؛ أدنى أحواله أن ~~يكون نوعا من التصديق العام فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير ~~تغيير اللسان ولا قلبه؛ بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام ~~والخاص كالإنسان الموصوف بأنه حيوان وأنه ناطق. (الوجه الحادي عشر) : أن ~~القرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر؛ بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما ~~مطلق مفسر. " فالمقيد " كقوله {يؤمنون بالغيب} وقوله: {فما آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه} و " المطلق المفسر " كقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية. وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون} ونحو ذلك. وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . وأمثال هذه ms1987 الآيات. ~~وكل إيمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا إلا بالعمل ~~مع التصديق؛ فقد بين في # PageV07P127 # القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق كما ذكر مثل ذلك في اسم ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج. فإن قيل: تلك الأسماء باقية ولكن ضم إلى ~~المسمى أعمالا في الحكم لا في الاسم كما يقوله القاضي أبو يعلى وغيره. قيل: ~~إن كان هذا صحيحا قيل مثله في الإيمان. وقد أورد هذا السؤال لبعضهم ثم لم ~~يجب عنه بجواب صحيح بل زعم أن القرآن لم يذكر فيه ذلك. وليس كذلك بل القرآن ~~والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع ~~التصديق. وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة. فإن تلك إنما ~~فسرتها السنة " والإيمان " بين معناه الكتاب والسنة وإجماع السلف. (الثاني ~~عشر) : أنه إذا قيل: إن الشارع خاطب الناس بلغة العرب؛ فإنما خاطبهم بلغتهم ~~المعروفة وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقا وعاما ثم يدخل فيه قيد أخص من ~~معناه كما يقولون: ذهب إلى القاضي والوالي والأمير يريدون شخصا معينا ~~يعرفونه دلت عليه اللام مع معرفتهم به. وهذا الاسم في اللغة اسم جنس لا يدل ~~على خصوص شخص وأمثال ذلك. فكذلك الإيمان والصلاة والزكاة إنما خاطبهم بهذه ~~الأسماء بلام التعريف وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الإيمان الذي صفته كذا ~~وكذا. والدعاء الذي صفته كذا وكذا. فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق. فإنه ~~قد يبين أني لا أكتفي بتصديق القلب واللسان فضلا عن تصديق القلب وحده بل لا ~~بد أن يعمل بموجب ذلك التصديق كما في قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم # PageV07P128 # لم يرتابوا} {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} وفي قوله ~~صلى الله عليه وسلم " {لا تؤمنون حتى تكونوا كذا} ". وفي قوله تعالى {لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} . وفي ~~قوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ms1988 أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} . ~~ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة كقوله عليه السلام " {لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن} ". وقوله: " {لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه} ". وأمثال ~~ذلك. فقد بين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنا إلا به هو أن يكون ~~تصديقا على هذا الوجه. وهذا بين في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا ~~نقل لها. (الثالث عشر) : أن يقال: بل نقل وغير. قوله: لو فعل لتواتر. قيل: ~~نعم. وقد تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة. ~~وأراد بالإيمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمنا إلا ~~به كقوله: {إنما المؤمنون} وهذا متواتر في " القرآن والسنن " ومتواتر أيضا ~~أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض. ومتواتر عنه أنه ~~أخبر أنه: من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب وأن الفساق لا يستحقون ذلك؛ بل ~~هم معرضون للعذاب. فقد تواتر عنه من معاني اسم الإيمان وأحكامه ما لم ~~يتواتر عنه في غيره فأي تواتر أبلغ من هذا وقد توفرت الدواعي على نقل ذلك ~~وإظهاره ولله الحمد. ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نقلا يناقض هذا. لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شيء من الإيمان. ولم ~~يقل: # PageV07P129 # إن المؤمن يدخلها، ولا قال إن الفساق مؤمنون. لكن أدخلهم في مسمى الإيمان ~~في مواضع كما أدخل المنافقين في اسم الإيمان في مواضع مع القيود. وأما ~~الاسم المطلق الذي وعد أهله بالجنة؛ فلم يدخل فيه لا هؤلاء ولا هؤلاء. ~~(الوجه الرابع عشر) : قوله: ولا وجه للعدول - بالآيات التي تدل على أنه ~~عربي - عن ظاهرها؛ فيقال له: الآيات التي فسرت المؤمن وسلبت الإيمان عمن لم ~~يعمل؛ أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات. ثم إذا دلت على أنه عربي؛ فما ذكر ~~لا يخرجه عن كونه عربيا. ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك؛ لم ~~يقولوا: هذا ليس بعربي. بل خاطبهم باسم المنافقين وقد ذكر ms1989 أهل اللغة أن هذا ~~الاسم لم يكن يعرف في الجاهلية ولم يقولوا: إنه ليس بعربي؛ لأن المنافق ~~مشتق من نفق إذا خرج؛ فإذا كان اللفظ مشتقا من لغتهم وقد تصرف فيه المتكلم ~~به كما جرت عادتهم في لغتهم؛ لم يخرج ذلك عن كونه عربيا. (الوجه الخامس ~~عشر) : أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية فليس تخصيص عموم هذه الألفاظ ~~بأعظم من إخراج لفظ الإيمان عما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن ~~النصوص التي تنفي الإيمان عمن لا يحب الله ورسوله ولا يخاف الله ولا يتقيه ~~ولا يعمل شيئا من الواجب ولا يترك شيئا من المحرم؛ كثيرة صريحة. فإذا قدر ~~أنها عارضها آية؛ كان تخصيص اللفظ القليل العام أولى من رد النصوص الكثيرة ~~الصريحة. # PageV07P130 # (السادس عشر) : أن هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم لا يقولون بعمومها، ~~والسلف يقولون: الرسول وقفنا على معاني الإيمان وبينه لنا. وعلمنا مراده ~~منه بالاضطرار وعلمنا من مراده علما ضروريا أن من قيل: إنه صدق ولم يتكلم ~~بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ولا ~~خاف الله؛ بل كان مبغضا للرسول معاديا له يقاتله؛ أن هذا ليس بمؤمن. كما قد ~~علمنا أن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون أنه رسول الله ~~وفعلوا ذلك معه؛ كانوا عنده كفارا لا مؤمنين فهذا معلوم عندنا بالاضطرار ~~أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربي. فلو قدر التعارض؛ لكان ~~تقديم ذلك العلم الضروري أولى. فإن قالوا: من علم أن الرسول كفره علم ~~انتفاء التصديق من قلبه. قيل لهم: هذه مكابرة، إن أرادوا أنهم كانوا شاكين ~~مرتابين. وأما إن عني التصديق الذي لم يحصل معه عمل؛ فهو ناقص كالمعدوم؛ ~~فهذا صحيح. ثم إنما يثبت إذا ثبت أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه وذاك ~~إنما يثبت بعد تسليم هذه المقدمات التي منها هذا فلا تثبت الدعوى بالدعوى ~~مع كفر صاحبها. ثم يقال: قد علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون ms1990 ~~أن محمدا رسول الله؛ وكان يحكم بكفرهم. فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر ~~الشخص مع ثبوت التصديق بنبوته في القلب إذا لم يعمل بهذا التصديق بحيث يحبه ~~ويعظمه ويسلم لما جاء به. # PageV07P131 # ومما يعارضون به أن يقال: هذا الذي ذكرتموه إن كان صحيحا؛ فهو أدل على ~~قول المرجئة، بل على قول الكرامية، منه على قولكم، وذلك أن الإيمان إذا كان ~~هو التصديق كما ذكرتم فالتصديق نوع من أنواع الكلام، فاستعمال لفظ الكلام ~~والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ، بل في اللفظ الدال على المعنى، أكثر في ~~اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ، بل لا يوجد قط إطلاق اسم ~~الكلام ولا أنواعه: كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهي على مجرد ~~المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا إشارة ولا غيرهما؛ وإنما يستعمل ~~مقيدا. وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب؛ فهي لا تعرف التصديق ~~والتكذيب وغيرهما من الأقوال إلا ما كان معنى ولفظا أو لفظا يدل على معنى؛ ~~ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم ~~حتى يصدقوهم بألسنتهم. ولا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلان صدق فلانا أو ~~كذبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك. كما لا يقال: ~~أمره أو نهاه إذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من لفظ أو إشارة أو ~~نحوهما. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس} ". وقال: " {إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث ~~أن لا تكلموا في الصلاة} " اتفق العلماء على أنه إذا تكلم في الصلاة عامدا ~~لغير مصلحتها؛ بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق # PageV07P132 # بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق ~~المسلمين على أن هذا ليس بكلام. وأيضا ففي " الصحيحين " عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله تجاوز لأمتي ms1991 عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~به أو تعمل به} " فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم؛ ففرق ~~بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد ~~حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء. فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن ~~الشارع - كما قرر - إنما خاطبنا بلغة العرب. وأيضا ففي " السنن " {أن معاذا ~~قال له: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: وهل يكب الناس في ~~النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم} ". فبين أن الكلام ~~إنما هو ما يكون باللسان. وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل} ~~". " وفي الصحيحين " عنه أنه قال: " {كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم} " وقد ~~قال الله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} {ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وفي " الصحيح " عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {أفضل الكلام بعد القرآن أربع كلمات ~~وهن في # PageV07P133 # القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} ". رواه ~~مسلم. وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ومثل هذا ~~كثير. وفي الجملة: حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو ~~أتباعهم أو مكذبيهم أنهم قالوا ويقولون وذلك قولهم وأمثال ذلك؛ فإنما يعني ~~به المعنى مع اللفظ. فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر ~~واسم فاعل من لفظ القول والكلام ونحوهما؛ إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر ~~كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى وكذلك أنواعه كالتصديق والتكذيب والأمر ~~والنهي وغير ذلك. وهذا مما لا يمكن أحدا جحده فإنه أكثر من أن يحصى. ولم ~~يكن في مسمى " الكلام " نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم ms1992 لا ~~من أهل السنة ولا من أهل البدعة. بل ### | أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط # هو عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو متأخر - في زمن محنة أحمد بن حنبل - وقد ~~أنكر ذلك عليه علماء السنة وعلماء البدعة فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو ~~أظهر صفات بني آدم - كما قال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون} . ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة - لم يعرفه أحد من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين ~~ولا غيرهم. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} وقال: ~~{واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} ونحو ذلك. # PageV07P134 # قيل: إن كان المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرا فلا حجة فيه. وهذا هو الذي ~~ذكره المفسرون. قالوا: كانوا يقولون: سام عليك فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم ~~أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول. وإن قدر أنه ~~أريد بذلك أنهم قالوه في قلوبهم فهذا قول مقيد بالنفس مثل قوله: " {عما ~~حدثت به أنفسها} " ولهذا قالوا: {لولا يعذبنا الله بما نقول} فأطلقوا لفظ ~~القول هنا والمراد به ما قالوه بألسنتهم لأنه النجوى والتحية التي نهوا ~~عنها كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} . مع أن الأول هو ~~الذي عليه أكثر المفسرين وعليه تدل نظائره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " {يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته ~~في ملإ خير منه} " ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه بل المراد أنه ذكر ~~الله بلسانه. وكذلك قوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من ~~القول} هو الذكر باللسان والذي يقيد بالنفس لفظ الحديث يقال: حديث النفس، ~~ولم يوجد عنهم أنهم ms1993 قالوا: كلام النفس وقول النفس؛ كما قالوا: حديث النفس ~~ولهذا يعبر بلفظ الحديث عن الأحلام التي ترى في المنام كقول يعقوب عليه ~~السلام {ويعلمك من تأويل الأحاديث} . وقول يوسف: {وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث} وتلك في النفس لا تكون باللسان؛ فلفظ الحديث قد # PageV07P135 # يقيد بما في النفس بخلاف لفظ الكلام فإنه لم يعرف أنه أريد به ما في ~~النفس فقط. وأما قوله تعالى {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور} فالمراد به القول الذي تارة يسر به فلا يسمعه الإنسان وتارة يجهر ~~به فيسمعونه كما يقال: أسر القراءة وجهر بها وصلاة السر وصلاة الجهر. ولهذا ~~لم يقل: قولوه بألسنتكم أو بقلوبكم وما في النفس لا يتصور الجهر به وإنما ~~يجهر بما في اللسان وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} من باب التنبيه. يقول: ~~إنه يعلم ما في الصدور فكيف لا يعلم القول كما قال في الآية الأخرى: {وإن ~~تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} فنبه بذلك على أنه يعلم الجهر ويدل على ~~ذلك أنه قال: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} فلو أراد ~~بالقول ما في النفس لكونه ذكر علمه بذات الصدور لم يكن قد ذكر علمه بالنوع ~~الآخر وهو الجهر. وإن قيل: نبه، قيل: بل نبه على القسمين. وقوله تعالى ~~{آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} قد ذكر هذا في قوله: {ثلاث ليال ~~سويا} وهناك لم يستثن شيئا، والقصة واحدة وهذا يدل على أن الاستثناء منقطع ~~والمعنى آيتك ألا تكلم الناس لكن ترمز لهم رمزا كنظائره في القرآن، وقوله: ~~{فأوحى إليهم} هو الرمز ولو قدر أن الرمز استثناء متصل لكان قد دخل في ~~الكلام المقيد بالاستثناء كما في قوله: {وما كان لبشر أن # PageV07P136 # يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ~~. ولا يلزم من ذلك أن يدخل في لفظ الكلام المطلق؛ فليس في لغة القوم أصلا ~~ما يدل على أن ما في النفس يتناوله لفظ الكلام والقول ms1994 المطلق؛ فضلا عن ~~التصديق والتكذيب فعلم أن من لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة ~~القوم مؤمنا كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ~~وقول عمر رضي الله عنه زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها حجة عليهم. قال ~~أبو عبيد: التزوير: إصلاح الكلام وتهيئته قال: وقال أبو زيد: المزور من ~~الكلام والمزوق واحد وهو المصلح الحسن، وقال غيره: زورت في نفسي مقالة أي ~~هيأتها لأقولها. فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله ولم يقله ~~فعلم أنه لا يكون قولا إلا إذا قيل باللسان وقبل ذلك لم يكن قولا لكن كان ~~مقدرا في النفس يراد أن يقال كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج وأنه يصلي ~~وأنه يسافر إلى غير ذلك فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة ~~في النفس ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجد في الخارج كما أنه لا يكون ~~حاجا ومصليا إلا إذا وجدت هذه الأفعال في الخارج ولهذا كان ما يهم به المرء ~~من الأقوال المحرمة والأفعال المحرمة لا تكتب عليه حتى يقوله ويفعله وما هم ~~به من القول الحسن والعمل الحسن إنما يكتب له به حسنة واحدة فإذا صار قولا ~~وفعلا كتب له به عشر # PageV07P137 # حسنات إلى سبعمائة وعوقب عليه - إذا قال أو فعل - كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو ~~تعمل} ". وأما البيت الذي يحكى عن الأخطل أنه قال: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فمن الناس من أنكر أن يكون هذا من شعره. وقالوا: إنهم فتشوا دواوينه فلم ~~يجدوه، وهذا يروى عن محمد بن الخشاب. وقال بعضهم: لفظه: إن البيان لفي ~~الفؤاد. ولو احتج محتج في مسألة بحديث أخرجاه في " الصحيحين " عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لقالوا: هذا خبر واحد ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه ~~وتلقيه بالقبول وهذا البيت لم ms1995 يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد ولا ~~أكثر من واحد ولا تلقاه أهل العربية بالقبول فكيف يثبت به أدنى شيء من ~~اللغة فضلا عن مسمى الكلام. ثم يقال: مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو ~~مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل ~~اللغة وعرفوا معناه في لغتهم كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل. وأيضا ~~فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها لا بما يذكرونه # PageV07P138 # من الحدود فإن أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم: إن الرأس كذا واليد ~~كذا والكلام كذا واللون كذا بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة على معانيها فتعرف ~~لغتهم من استعمالهم. فعلم أن الأخطل لم يرد بهذا أن يذكر مسمى " الكلام " ~~ولا أحد من الشعراء يقصد ذلك البتة؛ وإنما أراد: إن كان قال ذلك ما فسره به ~~المفسرون للشعر أي أصل الكلام من الفؤاد وهو المعنى؛ فإذا قال الإنسان ~~بلسانه ما ليس في قلبه فلا تثق به؛ وهذا كالأقوال التي ذكرها الله عن ~~المنافقين ذكر أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ ولهذا قال: # لا يعجبنك من أثير لفظه ... حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # نهاه أن يعجب بقوله الظاهر حتى يعلم ما في قلبه من الأصل؛ ولهذا قال: حتى ~~يكون مع الكلام أصيلا. وقوله: " مع الكلام " دليل على أن اللفظ الظاهر قد ~~سماه كلاما وإن لم يعلم قيام معناه بقلب صاحبه وهذا حجة عليهم؛ فقد اشتمل ~~شعره على هذا وهذا؛ بل قوله: " مع الكلام " مطلق. وقوله: إن الكلام لفي ~~الفؤاد. أراد به أصله ومعناه المقصود به، واللسان دليل على ذلك. و " ~~بالجملة " فمن احتاج إلى أن يعرف مسمى " الكلام " في لغة العرب والفرس ~~والروم والترك وسائر أجناس بني آدم بقول شاعر فإنه من أبعد الناس عن معرفة ~~طرق العلم. ثم هو من المولدين؛ وليس من الشعراء القدماء وهو نصراني # PageV07P139 # كافر مثلث واسمه الأخطل والخطل فساد في الكلام وهو ms1996 نصراني والنصارى قد ~~أخطئوا في مسمى الكلام فجعلوا المسيح القائم بنفسه هو نفس كلمة الله. فتبين ~~أنه إن كان " الإيمان " في اللغة هو التصديق والقرآن إنما أراد به مجرد ~~التصديق الذي هو قول ولم يسم العمل تصديقا فليس الصواب إلا قول المرجئة: ~~إنه اللفظ والمعنى. أو قول الكرامية: إنه قول باللسان فقط فإن تسمية قول ~~اللسان قولا أشهر في اللغة من تسمية معنى في القلب قولا. كقوله تعالى: ~~{يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وقوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وأمثال ذلك بخلاف ما في النفس فإنه إنما ~~يسمى حديثا. والكرامية يقولون: المنافق مؤمن وهو مخلد في النار لأنه آمن ~~ظاهرا لا باطنا وإنما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا. قالوا: والدليل على ~~شمول الإيمان له أنه يدخل في الأحكام الدينية المتعلقة باسم الإيمان كقوله ~~تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} ويخاطب في الظاهر بالجمعة والطهارة وغير ذلك ~~مما خوطب به الذين آمنوا. وأما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه فإنه لا ~~يتعلق به شيء من أحكام الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يدخل في ~~خطاب الله لعباده بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} فعلم أن قول الكرامية في ~~الإيمان وإن كان باطلا مبتدعا لم يسبقهم إليه أحد فقول الجهمية أبطل منه ~~وأولئك أقرب إلى الاستدلال باللغة والقرآن والعقل من الجهمية. # PageV07P140 # و " الكرامية " توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء ولا ~~يستثنون في الإيمان؛ بل يقولون: هو مؤمن حقا لمن أظهر الإيمان وإذا كان ~~منافقا فهو مخلد في النار عندهم؛ فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنا ~~وظاهرا، ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم بل ~~يقولون: المنافق مؤمن لأن الإيمان هو القول الظاهر كما يسميه غيرهم مسلما ~~إذ الإسلام: هو الاستسلام الظاهر، ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من ~~وجوه متعددة شرعا ولغة وعقلا. وإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع ~~المسلمين قيل: وقول جهم ms1997 في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله بل ~~السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان. وقد احتج الناس على فساد قول ~~الكرامية بحجج صحيحة والحجج من جنسها على فساد قول الجهمية أكثر مثل قوله ~~تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} . ~~قالوا: فقد نفى الله الإيمان عن المنافقين. فنقول: هذا حق فإن المنافق ليس ~~بمؤمن وقد ضل من سماه مؤمنا. وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد ~~الرسول ويعاديه كاليهود وغيرهم سماهم الله كفارا لم يسمهم مؤمنين قط ولا ~~دخلوا في شيء من أحكام الإيمان. بخلاف المنافق فإنه يدخل في أحكام الإيمان ~~الظاهرة في الدنيا؛ بل قد نفى الله الإيمان عمن قال بلسانه وقلبه إذا لم ~~يعمل كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا # PageV07P141 # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} إلى قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك ~~هم الصادقون} فنفى الإيمان عمن سوى هؤلاء. وقال تعالى: {ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} . و " ~~التولي " هو التولي عن الطاعة كما قال تعالى: {ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} . وقال تعالى: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن ~~كذب وتولى} وقد قال تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى} {الذي كذب وتولى} وكذلك ~~قال موسى وهارون: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} . فعلم ~~أن " التولي " ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة فإن الناس عليهم أن ~~يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر. وضد التصديق التكذيب وضد الطاعة ~~التولي فلهذا قال: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب وتولى} وقد قال تعالى: ~~{ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين} فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى ms1998 بالقول. ~~وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} . ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع ~~كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق. وأما العالم بقلبه مع المعاداة ~~والمخالفة الظاهرة # PageV07P142 # فهذا لم يسم قط مؤمنا؛ وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل ~~الإيمان إيمانه كإيمان النبيين ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل؟ ولا ~~يتصور عندهم أن ينتفي عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه. # ثم ### | أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء في الإيمان # ويقولون: " الإيمان في الشرع " هو ما يوافي به العبد ربه وإن كان في ~~اللغة أعم من ذلك فجعلوا في " مسألة الاستثناء " مسمى الإيمان ما ادعوا أنه ~~مسماه في الشرع وعدلوا عن اللغة. فهلا فعلوا هذا في الأعمال. ودلالة الشرع ~~على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة بخلاف دلالته على أنه ~~لا يسمى إيمانا؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا ~~وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استثنوا في ~~الإيمان من السلف كان هذا مأخذهم؛ لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين ~~بكلام السلف بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من ~~الجهمية ونحوهم من أهل البدع فيبقى الظاهر قول السلف والباطن قول الجهمية ~~الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان. وسنذكر - إن شاء الله - أقوال السلف ~~في " الاستثناء في الإيمان " ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد ~~قول جهم في الإيمان خالفه كثير منهم فمنهم من اتبع السلف. قال أبو القاسم ~~الأنصاري شيخ الشهرستاني في " شرح الإرشاد " لأبي المعالي بعد أن ذكر قول ~~أصحابه قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات # PageV07P143 # فرضها ونفلها وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضا ونفلا ms1999 والانتهاء ~~عما نهى عنه تحريما وأدبا. قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي ~~أصحابنا؛ وأبو العباس القلانسي. وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن ~~مجاهد قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف رضوان ~~الله عليهم أجمعين. وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان ~~وعمل بالأركان. ومنهم من يقول بقول المرجئة: إنه التصديق بالقلب واللسان. ~~ومنهم من قال: إذا ترك التصديق باللسان عنادا كان كافرا بالشرع وإن كان في ~~قلبه التصديق والعلم. وكذلك قال أبو إسحاق الإسفراييني. قال الأنصاري: رأيت ~~في تصانيفه أن المؤمن إنما يكون مؤمنا حقا إذا حقق إيمانه بالأعمال الصالحة ~~كما أن العالم إنما يكون عالما حقا إذا عمل بما علم واستشهد بقول الله ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا} إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} وقال أيضا أبو ~~إسحاق: حقيقة الإيمان في اللغة: التصديق ولا يتحقق ذلك إلا بالمعرفة ~~والائتمار، وتقوم الإشارة والانقياد مقام العبارة. وقال أيضا أبو إسحاق في ~~كتاب " الأسماء والصفات ": اتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان ~~في الشريعة أوصاف كثيرة وعقائد مختلفة وإن # PageV07P144 # اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة ~~التصديق إليه لصحة الاسم فمنها ترك قتل الرسول وترك إيذائه وترك تعظيم ~~الأصنام فهذا من التروك، ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه وقالوا: إن ~~جميعه يضاف إلى التصديق شرعا وقال آخرون: إنه من الكبائر لا يخرج المرء ~~بالمخالفة فيه عن الإيمان. قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم؛ لكن من قال ~~ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب وليس هو شيئا واحدا وقال: إن ~~الشرع تصرف فيه وهذا يهدم أصلهم؛ ولهذا كان حذاق هؤلاء كجهم والصالحي وأبي ~~الحسن والقاضي أبي بكر على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من ~~قلبه. # قال أبو المعالي: (باب) في ذكر الأسماء والأحكام: اعلم أن غرضنا في هذا ~~الباب ms2000 يستدعي تقديم ذكر حقيقة الإيمان. قال: وهذا مما تباينت فيه مذاهب ~~الإسلاميين ثم ذكر قول الخوارج والمعتزلة والكرامية ثم قال: وأما مذاهب ~~أصحابنا فصار أهل التحقيق من أصحاب الحديث والنظار منهم إلى أن الإيمان هو ~~التصديق وبه قال شيخنا أبو الحسن رحمة الله عليه واختلف رأيه في معنى ~~التصديق؛ وقال مرة: المعرفة بوجوده وقدمه وإلهيته. وقال مرة: التصديق: قول ~~في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح أن يوجد دونها وهذا مقتضاه؛ فإن ~~التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر # PageV07P145 # فالتصديق إذا قول في النفس يعبر عنه باللسان فتوصف العبادة بأنها تصديق ~~لأنها عبارة عن التصديق: وقال بعض أصحابنا: التصديق لا يتحقق إلا بالقول ~~والمعرفة جميعا فإذا اجتمعا كانا تصديقا واحدا. ومنهم من اكتفى بترك ~~العناد؛ فلم يجعل الإقرار أحد ركني الإيمان فيقول: الإيمان هو التصديق ~~بالقلب وأوجب ترك العناد بالشرع وعلى هذا الأصل يجوز أن يعرف الكافر الله ~~وإنما يكفر بالعناد لا لأنه ترك ما هو الأهم في الإيمان. وعلى هذا الأصل ~~يقال: إن اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~أنهم كفروا عنادا وبغيا وحسدا. قال وعلى قول شيخنا أبي الحسن: كل من حكمنا ~~بكفره فنقول: إنه لا يعرف الله أصلا ولا عرف رسوله ولا دينه. قال أبو ~~القاسم الأنصاري تلميذه: كأن المعنى: لا حكم لإيمانه ولا لمعرفته شرعا. ~~قلت: وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصاري هذا ولكن على قولهم: ~~المعاند كافر شرعا فيجعل الكفر تارة بانتفاء الإيمان الذي في القلب وتارة ~~بالعناد، ويجعل هذا كافرا في الشرع وإن كان معه حقيقة الإيمان الذي هو ~~التصديق ويلزمه أن يكون كافرا في الشرع مع أن معه الإيمان الذي هو مثل ~~إيمان الأنبياء والملائكة. والحذاق في هذا المذهب؛ كأبي الحسن والقاضي ومن ~~قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل # PageV07P146 # فقالوا: لا يكون أحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق والتزموا ~~أن كل من حكم الشرع بكفره؛ فإنه ليس في ms2001 قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة ~~رسوله ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة. وقد ~~احتجوا على قولهم بقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله} إلى قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} ~~الآية. قالوا: ومفهوم هذا أن من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب في قلوبهم ~~الإيمان. قالوا: فإن قيل معناه لا يؤمنون إيمانا مجزئا معتدا به أو يكون ~~المعنى: لا يؤدون حقوق الإيمان ولا يعملون بمقتضاه. قلنا: هذا عام لا يخصص ~~إلا بدليل. فيقال لهم: هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين لله ~~ورسوله وفيها أن من لا يواد المحادين لله ورسوله فإن الله كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه وهذا يدل على مذهب السلف أنه لا بد في الإيمان من ~~محبة القلب لله ولرسوله ومن بغض من يحاد الله ورسوله ثم لم تدل الآية على ~~أن العلم الذي في قلوبهم بأن محمدا رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء ~~والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق بل هو تصديق القلب ~~وعمل القلب ولهذا قال: {وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها # PageV07P147 # الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون} فقد وعدهم بالجنة. وقد اتفق الجميع على أن الوعد بالجنة ~~لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور؛ فعلم أن هؤلاء الذين كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه قد أدوا الواجبات التي بها يستحقون ما ~~وعد الله به الأبرار المتقين ودل هذا على أن الفساق لم يدخلوا في هذا الوعد ~~ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار ومعلوم أن خلقا كثيرا من ~~الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه لم يكذب الرسول وهو مع هذا يواد بعض ~~الكفار؛ فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان ~~الواجب من القلب لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب - الذي ms2002 هو حب الله ورسوله ~~وخشية الله ونحو ذلك - لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء وعند ~~هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا ~~وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء. وكذلك حكى ابن فورك عن أبي الحسن الأشعري ~~قال: الإيمان هو اعتقاد صدق المخبر فيما يخبر به اعتقادا هو علم ومنه ~~اعتقاد ليس بعلم؛ والإيمان بالله - وهو اعتقاد صدقه - إنما يصح إذا كان ~~عالما بصدقه في أخباره وإنما يكون كذلك إذا كان عالما بأنه يتكلم، والعلم ~~بأنه متكلم بعد العلم بأنه حي؛ والعلم بأنه حي بعد العلم بأنه فاعل، والعلم ~~بأنه فاعل بعد العلم بالفعل، وهو كون العالم فعلا له وقال: وكذلك يتضمن ~~العلم بكونه قادرا وله قدرة وعالما وله # PageV07P148 # علم ومريدا وله إرادة وسائر ما لا يصح العلم بالله إلا بعد العلم به من ~~شرائط الإيمان. قلت: هذا مما اختلف فيه قول الأشعري وهو أن الجهل ببعض ~~الصفات هل يكون جهلا بالموصوف أم لا؟ على قولين والصحيح الذي عليه الجمهور ~~وهو آخر قوليه أنه لا يستلزم الجهل بالموصوف. وجعل إثبات الصفات من الإيمان ~~مما خالف فيه الأشعري جهما فإن جهما غال في نفي الصفات بل وفي نفي الأسماء. ~~قال أبو الحسن: ثم السمع ورد بضم شرائط أخر إليه وهو أن لا يقترن به ما يدل ~~على كفر من يأتيه فعلا وتركا وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود للصنم ~~فلو أتى به دل على كفره وكذلك من قتل نبيا أو استخف به دل على كفره وكذلك ~~لو ترك تعظيم المصحف أو الكعبة دل على كفره. قال: وأحد ما استدللنا به على ~~كفره ما منع الشرع أن يقرن بالإيمان أو أوجب ضمه إلى الإيمان لو وجد دلنا ~~ذلك على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه وكذلك كل ما كفر به ~~المخالف من طريق التأويل فإنما كفرناه به لدلالته على فقد ما هو إيمان من ~~قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع ms2003 بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه. فيقال: ~~لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه لكن دعواكم أن الإيمان ~~هو التصديق وإن تجرد عن جميع أعمال القلب غلط، ولهذا قالوا: أعمال التصديق ~~والمعرفة من قلبه ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره؛ والشريعة لا تحكم بكفر ~~المؤمن المصدق؛ ولهذا نقول: إن كفر إبليس # PageV07P149 # لعنه الله كان أشد من كفر كل كافر وأنه لم يعرف الله بصفاته قطعا ولا آمن ~~به إيمانا حقيقيا باطنا وإن وجد منه القول والعبادة وكذلك اليهود والنصارى ~~والمجوس وغيرهم من الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في ~~حال حكمنا لهم بالكفر. قال الله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم} الآية فجعل الله هذه الأمور شرطا في ثبوت حكم الإيمان فثبت أن ~~الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدا به دونها. فيقال: إن قلتم: إنه ضم ~~إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم أو الاسم لم يكن هذا قول جهم؛ بل يكون ~~هذا قول من جعل الإيمان - كالصلاة والحج هو - وإن كان في اللغة بمعنى القصد ~~والدعاء لكن الشارع ضم إليه أمورا إما في الحكم وإما في الحكم والاسم؛ وهذا ~~القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد ~~تصديق القلب؛ بل لا بد من تلك الشرائط، وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق ~~مؤمنا إلا بدليل يدل على ذلك لا بمجرد قوله: إن معه تصديق القلب ومن جعل ~~الإيمان هو تصديق القلب يقول: كل كافر في النار ليس معهم من التصديق بالله ~~شيء لا مع إبليس ولا مع غيره. وقد قال الله تعالى: {وإذ يتحاجون في النار ~~فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا ~~من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} وقال ~~تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ms2004 حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها ألم # PageV07P150 # يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} . فقد اعترفوا بأن الرسل أتتهم ~~وتلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا؛ فقد عرفوا الله ورسوله ~~واليوم الآخر وهم في الآخرة كفار. وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله ~~من شيء} فقد كذبوا بوجوده وكذبوا بتنزيله. وأما في الآخرة فعرفوا الجميع. ~~وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وقال تعالى: {وجاءت سكرة الموت ~~بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} إلى قوله: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد} إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة ~~يعرفون ربهم فإن كان مجرد المعرفة إيمانا كانوا مؤمنين في الآخرة. فإن ~~قالوا: الإيمان في الآخرة لا ينفع وإنما الثواب على الإيمان في الدنيا. ~~قيل: هذا صحيح لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم؛ فهذه الحقيقة لا ~~تختلف فإن لم يكن العمل من الإيمان فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من ~~الإيمان. لكن أكثر ما يدعونه أنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب ~~شيء. ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين ~~بالرب حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا. قال تعالى: {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وكما قال موسى لفرعون: {قال لقد علمت # PageV07P151 # ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} ومع هذا لم يكن مؤمنا؛ بل ~~قال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم} قال الله: {قد أجيبت دعوتكما} ولما قال فرعون: {آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} . قال الله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت ms2005 من ~~المفسدين} . فوصفه بالمعصية ولم يصفه بعدم العلم في الباطن كما قال: {فعصى ~~فرعون الرسول} وكما قال عن إبليس: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} {إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين} فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، ~~لم يصفه بعدم العلم وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا ~~معترفين بالصانع في مثل قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} . ثم ~~يقال لهم: إذا قلتم هو التصديق بالقلب أو باللسان أو بهما؛ فهل هو التصديق ~~المجمل؟ أو لا بد فيه من التفصيل؟ فلو صدق أن محمدا رسول الله ولم يعرف ~~صفات الحق هل يكون مؤمنا أم لا؟ فإن جعلوه مؤمنا. قيل: فإذا بلغه ذلك فكذب ~~به لم يكن مؤمنا باتفاق المسلمين فصار بعض الإيمان أكمل من بعض؛ وإن قالوا: ~~لا يكون مؤمنا لزمهم أن لا يكون أحد مؤمنا حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به ~~الرسول؛ ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الإيمان لا يتفاضل إلا ~~بالدوام فقط. قال أبو المعالي: فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان ~~المنهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV07P152 # قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله ~~إياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب، والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى وهو ~~متوال للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت لغيره في بعض الأوقات وزائل عنه في ~~أوقات الفترات فيثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من التصديق ولا يثبت ~~لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل؛ قال: ولو وصف الإيمان ~~بالزيادة والنقصان وأريد به ذلك كان مستقيما. قلت: فهذا هو الذي يفضل به ~~النبي غيره في الإيمان عندهم ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة ~~كما قد بسط في مواضع أخرى. # PageV07P153 # فصل: # قال الذين نصروا مذهب جهم في الإيمان من المتأخرين - كالقاضي أبي بكر ~~وهذا لفظه - فإن قال قائل: وما الإسلام عندكم؟ قيل له: " الإسلام ": ~~الانقياد والاستسلام؛ فكل طاعة انقاد العبد بها لربه ms2006 واستسلم فيها لأمره ~~فهي إسلام، والإيمان: خصلة من خصال الإسلام؛ وكل إيمان إسلام وليس كل إسلام ~~إيمانا فإن قال: فلم قلتم: إن معنى الإسلام ما وصفتم؟ قيل: لأجل قوله تعالى ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} فنفى عنهم الإيمان ~~وأثبت لهم الإسلام وإنما أراد بما أثبته الانقياد والاستسلام ومنه: {وألقوا ~~إليكم السلم} وكل من استسلم لشيء فقد أسلم وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك في ~~المستسلم لله ولنبيه. " قلت ": وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب ~~والسنة هو تناقض فإنهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام فالطاعات كلها ~~إسلام وليس فيها إيمان إلا التصديق. والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن ~~الإسلام فهم يقولون: الإيمان هو تصديق القلب واللسان وأما الجهمية فيجعلونه ~~تصديق القلب فلا تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من ~~الإيمان وقد # PageV07P154 # تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الإسلام داخل في الإيمان فلا يكون الرجل ~~مؤمنا حتى يكون مسلما كما أن الإيمان داخل في الإحسان فلا يكون محسنا حتى ~~يكون مؤمنا. وأما التناقض فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام ~~كان من أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام لا بالإسلام الواجب ~~جميعه. فلا يكون مسلما حتى يأتي بالإسلام كله كما لا يكون عندهم مؤمنا حتى ~~يأتي بالإيمان كله وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عندهم لا يكون مؤمنا ولا فيه ~~شيء من الإيمان فكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام وقد قالوا: كل إيمان إسلام ~~وليس كل إسلام إيمانا وهذا إن أرادوا به أن كل إيمان هو الإسلام الذي أمر ~~الله به ناقض قولهم: إن الإيمان خصلة من خصاله فجعلوا الإيمان بعضه ولم ~~يجعلوه إياه وإن قالوا: كل إيمان فهو إسلام أي هو طاعة لله وهو جزء من ~~الإسلام الواجب وهذا مرادهم. قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعددا بتعدد ~~الطاعات وتكون الشهادتان وحدهما إسلاما والصلاة وحدها إسلاما والزكاة ~~إسلاما بل كل درهم تعطيه للفقير إسلاما وكل سجدة إسلاما وكل يوم تصومه ms2007 ~~إسلاما وكل تسبيحة تسبحها في الصلاة أو غيرها إسلاما. ثم المسلم إن كان لا ~~يكون مسلما إلا بفعل كل ما سميتموه إسلاما لزم أن يكون الفساق ليسوا مسلمين ~~مع كونهم مؤمنين فجعلتم المؤمنين الكاملي # PageV07P155 # الإيمان عندكم ليسوا مسلمين وهذا شر من قول الكرامية ويلزم أن الفساق من ~~أهل القبلة ليسوا مسلمين؛ وهذا شر من قول الخوارج والمعتزلة وغيرهم بل وأن ~~يكون من ترك التطوعات ليس مسلما إذ كانت التطوعات طاعة لله إن جعلتم كل ~~طاعة فرضا أو نفلا إسلاما. ثم هذا خلاف ما احتججتم به من قوله للأعراب: {لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} . فأثبت لهم الإسلام دون الإيمان وأيضا فإخراجكم ~~الفساق من اسم الإسلام إن أخرجتموهم أعظم شناعة من إخراجهم من اسم الإيمان ~~فوقعتم في أعظم ما عبتموه على المعتزلة فإن الكتاب والسنة ينفيان عنهم اسم ~~الإيمان أعظم مما ينفيان اسم الإسلام واسم الإيمان في الكتاب والسنة أعظم. ~~وإن قلتم: بل كل من فعل طاعة سمي مسلما لزم أن يكون من فعل طاعة من الطاعات ~~ولم يتكلم بالشهادتين مسلما ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن يكون مسلما ~~عندكم لأن الإيمان عندكم إسلام فمن أتى به فقد أتى بالإسلام فيكون مسلما ~~عندكم من تكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال. واحتجاجكم بقوله: {قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} قلتم: نفى عنهم الإيمان ~~وأثبت لهم الإسلام. فيقال: هذه الآية حجة عليكم لأنه لما أثبت لهم الإسلام ~~مع انتفاء الإيمان دل ذلك على أن الإيمان ليس بجزء من الإسلام إذ لو كان ~~بعضه لما كانوا مسلمين إن لم يأتوا به وإن قلتم: أردنا بقولنا: أثبت لهم ~~الإسلام أي إسلاما ما فإن كل طاعة من الإسلام # PageV07P156 # إسلام عندنا لزمكم ما تقدم من أن يكون صوم يوم إسلاما وصدقة درهم إسلاما ~~وأمثال ذلك. وهم يقولون: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قالوا: هذا من ~~حيث الإطلاق وإلا فالتفصيل ما ذكرناه من أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام ~~والدين وليس هو ms2008 جميع الإسلام والدين فإن الإسلام هو الاستسلام لله بفعل كل ~~طاعة وقعت موافقة للأمر. والإيمان أعظم خصلة من خصال الإسلام. واسم الإسلام ~~شامل لكل طاعة انقاد بها العبد لله من إيمان وتصديق وفرض سواه ونفل غير أنه ~~لا يصلح التقرب بفعل ما عدا الإيمان من الطاعات دون تقديم فعل الإيمان. ~~قالوا: والدين مأخوذ من التدين؛ وهو قريب من الإسلام في المعنى. فيقال لهم: ~~إذا كان هذا قولكم: فقولكم: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا يناقض هذا؛ ~~فإن المسلم هو المطيع لله ولا تصح الطاعة من أحد إلا مع الإيمان فيمتنع أن ~~يكون أحد فعل شيئا من الإسلام إلا وهو مؤمن ولو كان ذلك أدنى الطاعات فيجب ~~أن يكون كل مسلم مؤمنا سواء أريد بالإسلام فعل جميع الطاعات أو فعل واحدة ~~منها وذلك لا يصح كله إلا مع الإيمان وحينئذ فالآية حجة عليكم لا لكم. ثم ~~قولكم: كل مؤمن مسلم إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط فيلزم أن ~~يكون الرجل مسلما ولو لم يتكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء # PageV07P157 # من الأعمال المأمور بها وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام بل ~~عامة اليهود والنصارى يعلمون أن الرجل لا يكون مسلما حتى يأتي بالشهادتين ~~أو ما يقوم مقامهما وقولكم: كل مؤمن مسلم لا يريدون أنه أتى بالشهادتين ولا ~~بشيء من المباني الخمس بل أتى بما هو طاعة وتلك طاعة باطنة وليس هذا هو ~~المسلم المعروف في الكتاب والسنة ولا عند الأئمة الأولين والآخرين ثم ~~استدللتم بالآية والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين سواء ~~كانوا صادقين أو كاذبين فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان فيظن من لا ~~يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة من أن كل ~~مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف ~~وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام؛ فإن قول المعتزلة في الإيمان والإسلام ~~أقرب من قول الجهمية بكثير ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة ms2009 أبعد عن قول ~~السلف من قول الجهمية. فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في " مسألة الإيمان ~~" يظهرون قول السلف في هذا وفي الاستثناء وفي انتفاء الإيمان الذي في القلب ~~حيث نفاه القرآن ونحو ذلك. وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ وإلا فقولهم ~~في غاية المباينة لقول السلف؛ ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه. وقول ~~المعتزلة والخوارج والكرامية في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف ~~من قول # PageV07P158 # الجهمية؛ لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة وهذا أبعد عن قول ~~السلف من كل قول فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم؛ والجهمية وإن كانوا في ~~قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف فقولهم في مسمى ~~الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة وفيه من ~~مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم. # PageV07P159 # فصل: # ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون} فنفى الإيمان عن غير هؤلاء فمن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما ~~فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين وسجود الصلوات الخمس فرض ~~باتفاق المسلمين وأما سجود التلاوة ففيه نزاع؛ وقد يحتج بهذه الآية من ~~يوجبه لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة فهذه الآية مثل قوله: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم} . وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} وقوله ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه} ومن ذلك قوله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين} {إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون} . وهذه الآية مثل قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ms2010 ~~يوادون من حاد الله ورسوله} وقوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه # PageV07P160 # ما اتخذوهم أولياء} بين سبحانه أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة ~~يستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله ~~ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد ثم صرح بأن استئذانه إنما يصدر من الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ودل قوله: {والله عليم بالمتقين} على أن ~~المتقين هم المؤمنون. ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم " {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن} " وقوله: " {لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه} " ~~وقوله: " {لا تؤمنوا حتى تحابوا} " وقوله: " {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} " وقوله " {لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} " وقوله " {من غشنا فليس منا ومن حمل علينا ~~السلاح فليس منا} ". # PageV07P161 # فصل: # وأما إذا قيد الإيمان فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح فإنه قد يراد به ما ~~في القلب من الإيمان باتفاق الناس وهل يراد به أيضا المعطوف عليه ويكون من ~~باب عطف الخاص على العام أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه؟ بل يكون ~~لازما له على مذهب أهل السنة أو لا يكون بعضا ولا لازما هذا فيه ثلاثة ~~أقوال للناس كما سيأتي إن شاء الله وهذا موجود في عامة الأسماء يتنوع ~~مسماها بالإطلاق والتقييد مثال ذلك اسم " المعروف " و " المنكر " إذا أطلق ~~كما في قوله تعالى {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} وقوله: {كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وقوله: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} يدخل في ~~المعروف كل خير وفي المنكر كل شر. ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: {لا ~~خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} ~~فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس - كما غاير بين اسم ~~الإيمان والعمل؛ واسم الإيمان والإسلام - وكذلك قوله تعالى {إن الصلاة ms2011 تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر} غاير # PageV07P162 # بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله: {وينهون عن المنكر} ثم ذكر ~~مع المنكر اثنين في قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} جعل البغي هنا مغايرا لهما وقد دخل في ~~المنكر في ذينك الموضعين. ومن هذا الباب لفظ " العبادة " فإذا أمر بعبادة ~~الله مطلقا دخل في عبادته كل ما أمر الله به فالتوكل عليه مما أمر به ~~والاستعانة به مما أمر به؛ فيدخل ذلك في مثل قوله: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون} وفي قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} . وقوله: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} وقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين} {قل الله أعبد مخلصا له ديني} . وقوله: {أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} . ثم قد يقرن بها اسم آخر كما في قوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} . وقول نوح {اعبدوا ~~الله واتقوه وأطيعون} . وكذلك إذا أفرد اسم " طاعة الله " دخل في طاعته كل ~~ما أمر به وكانت طاعة الرسول داخلة في طاعته وكذا اسم " التقوى " إذا أفرد ~~دخل فيه فعل كل مأمور به وترك كل محظور. قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل ~~بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله وأن تترك معصية الله على نور من ~~الله تخاف عذاب الله وهذا كما في قوله: {إن المتقين في جنات ونهر} {في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر} . # PageV07P163 # وقد يقرن بها اسم آخر كقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب} {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقوله: {إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين} وقوله: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~وقوله: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} . وقوله: {اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين} وقوله: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وأمثال ~~ذلك. فقوله: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} مثل قوله: {آمنوا بالله ms2012 ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} وقوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فعطف قولهم على الإيمان؛ ~~كما عطف القول السديد على التقوى؛ ومعلوم أن التقوى إذا أطلقت دخل فيها ~~القول السديد وكذلك الإيمان إذا أطلق دخل فيه السمع والطاعة لله وللرسول ~~وكذلك قوله: {آمنوا بالله ورسوله} وإذا أطلق الإيمان بالله في حق أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم دخل فيه الإيمان بالرسول وكذلك قوله: {كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله} وإذا أطلق الإيمان بالله دخل فيه الإيمان بهذه ~~التوابع وكذلك قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} ~~وقوله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم} الآية # PageV07P164 # وإذا قيل: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي} دخل في الإيمان برسوله ~~الإيمان بجميع الكتب والرسل والنبيين وكذلك إذا قيل: {وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته} وإذا قيل: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين ~~فيه} دخل في الإيمان بالله ورسوله الإيمان بذلك كله والإنفاق يدخل في قوله ~~في الآية الأخرى: {آمنوا بالله ورسوله} كما يدخل القول السديد في مثل قوله: ~~{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} . وكذلك لفظ " البر " إذا أطلق تناول جميع ~~ما أمر الله به كما في قوله: {إن الأبرار لفي نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} ~~وقوله: {ولكن البر من اتقى} وقوله: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} فالبر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى ~~والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البر ثم قد يجمع بينهما كما في قوله ~~تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} . وكذلك لفظ " الإثم " إذا أطلق دخل فيه ~~كل ذنب وقد يقرن بالعدوان كما في ms2013 قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} . وكذلك لفظ " الذنوب " إذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل ~~محرم كما في قوله: {يا عبادي # PageV07P165 # الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} . ثم قد يقرن بغيره كما في قوله: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا} وكذلك لفظ " الهدى " إذا أطلق تناول العلم الذي بعث الله به رسوله ~~والعمل به جميعا فيدخل فيه كل ما أمر الله به كما في قوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعا. وكذلك قوله: {هدى ~~للمتقين} . والمراد به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون به ولهذا صاروا مفلحين ~~وكذلك قول أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} وإنما هداهم بأن ألهمهم ~~العلم النافع والعمل الصالح. ثم قد يقرن الهدى إما بالاجتباء كما في قوله ~~{واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} وكما في قوله: {شاكرا لأنعمه اجتباه ~~وهداه} {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} وكذلك قوله تعالى {هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} والهدى هنا هو الإيمان ودين الحق هو ~~الإسلام وإذا أطلق الهدى كان كالإيمان المطلق يدخل فيه هذا وهذا. # ولفظ " الضلال " إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى سواء كان عمدا أو جهلا ~~ولزم أن يكون معذبا كقوله: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} {فهم على آثارهم ~~يهرعون} وقوله: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ~~ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى} ثم قد يقرن بالغي والغضب كما في قوله: {ما ضل صاحبكم # PageV07P166 # وما غوى} . وفي قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقوله: {إن ~~المجرمين في ضلال وسعر} . وكذلك لفظ " الغي " إذا أطلق تناول كل معصية لله ~~كما في قوله عن الشيطان: {ولأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} . ~~وقد يقرن بالضلال كما في قوله: {ما ضل صاحبكم وما غوى} . وكذلك اسم " ~~الفقير " إذا أطلق دخل فيه المسكين وإذا أطلق لفظ " المسكين " تناول الفقير ms2014 ~~وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر؛ فالأول كقوله: {وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم} وقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} والثاني كقوله: ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} . و " هذه الأسماء " التي تختلف دلالتها ~~بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعم من ~~الآخر كاسم " الإيمان " و " المعروف " مع العمل ومع الصدق؛ و " كالمنكر " ~~مع الفحشاء ومع البغي ونحو ذلك. وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص ~~كلفظ " الإيمان " و " البر " و " التقوى " ولفظ " الفقير " و " المسكين "؛ ~~فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر؛ وكذلك لفظ " التلاوة " فإنها إذا أطلقت ~~في مثل قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} تناولت العمل به كما ~~فسره بذلك الصحابة والتابعون مثل ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم قالوا: ~~يتلونه حق تلاوته يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون ~~بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه. وقيل: هو من التلاوة بمعنى الاتباع كقوله: ~~{والقمر إذا تلاها} # PageV07P167 # وهذا يدخل فيه من لم يقرأه وقيل: بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل ~~به كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ~~عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم ~~والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. وقوله: {الذين آتيناهم ~~الكتاب يتلونه حق تلاوته} قد فسر بالقرآن وفسر بالتوراة. وروى محمد بن نصر ~~بإسناده الثابت عن ابن عباس: {يتلونه حق تلاوته} قال يتبعونه حق اتباعه. ~~وروي أيضا عن ابن عباس: يتلونه حق تلاوته قال: يحلون حلاله. ويحرمون حرامه ~~ولا يحرفونه عن مواضعه وعن قتادة: يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به قال: ~~أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدقوا به أحلوا ~~حلاله وحرموا حرامه وعملوا بما فيه ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول إن حق ~~تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه وأن نقرأه كما أنزل الله ولا نحرفه عن ~~مواضعه وعن الحسن: يتلونه حق ms2015 تلاوته قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ~~ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه وعن مجاهد: يتبعونه حق اتباعه وفي رواية: ~~يعملون به حق عمله. ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله: {اتل ما أوحي إليك من ~~الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} . قال أحمد بن حنبل ~~وغيره: تلاوة الكتاب: العمل بطاعة الله كلها ثم خص الصلاة بالذكر كما في ~~قوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} وقوله: {فاعبدني وأقم الصلاة # PageV07P168 # لذكري} . وكذلك لفظ اتباع ما أنزل الله يتناول جميع الطاعات كقوله: ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} وقوله: {فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقد يقرن به غيره كقوله: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} وقوله: {اتبع ما أوحي إليك من ~~ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} وقوله: {واتبع ما يوحى إليك واصبر ~~حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} . وكذلك لفظ " الأبرار " إذا أطلق دخل فيه ~~كل تقي من السابقين والمقتصدين وإذا قرن بالمقربين كان أخص قال تعالى في ~~الأول: {إن الأبرار لفي نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} وقال في الثاني: {كلا ~~إن كتاب الأبرار لفي عليين} {وما أدراك ما عليون} {كتاب مرقوم} {يشهده ~~المقربون} وهذا باب واسع يطول استقصاؤه. وهو من أنفع الأمور في معرفة دلالة ~~الألفاظ مطلقا وخصوصا ألفاظ الكتاب والسنة وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها ~~نزاع الناس من جملتها " مسألة الإيمان والإسلام " فإن النزاع في مسماهما ~~أول اختلاف وقع افترقت الأمة لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة وكفر ~~بعضهم بعضا وقاتل بعضهم بعضا كما قد بسطنا هذا في مواضع أخر إذ المقصود هنا ~~بيان شرح كلام الله ورسوله على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلام # PageV07P169 # الله ورسوله بإقامة الدلائل الدالة لا بذكر الأقوال التي تقبل بلا دليل ~~وترد بلا دليل أو يكون المقصود بها نصر غير الله والرسول فإن الواجب أن ms2016 ~~يقصد معرفة ما جاء به الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ~~ورسوله. # ومن هذا الباب ### | أقوال السلف وأئمة السنة في " تفسير الإيمان " # فتارة يقولون: هو قول وعمل. وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية. وتارة ~~يقولون قول وعمل ونية واتباع السنة. وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد ~~بالقلب وعمل بالجوارح وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل فإنه يدخل في ~~القول قول القلب واللسان جميعا؛ وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ونحو ~~ذلك إذا أطلق. والناس لهم في مسمى " الكلام " و " القول " عند الإطلاق ~~أربعة أقوال فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى ~~جميعا كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعا. وقيل: بل مسماه هو اللفظ ~~والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه وهذا قول كثير من أهل الكلام من ~~المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة وهو قول النحاة لأن صناعتهم ~~متعلقة بالألفاظ. وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز ~~لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ ~~والمعنى وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي ~~الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين # PageV07P170 # تقوم بهم فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم بخلاف الكلام القرآني؛ فإنه ~~لا يقوم عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه ولبسط هذا موضع آخر. # والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب ~~واللسان وعمل القلب والجوارح؛ ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم ~~منه إلا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب ومن قال: قول وعمل ~~ونية قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان وأما العمل فقد لا يفهم منه ~~النية فزاد ذلك ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا ~~باتباع السنة وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل إنما أرادوا ما كان مشروعا من ~~الأقوال والأعمال ولكن كان مقصودهم ms2017 الرد على " المرجئة " الذين جعلوه قولا ~~فقط فقالوا: بل هو قول وعمل والذين جعلوه " أربعة أقسام " فسروا مرادهم كما ~~سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة ~~لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو ~~نفاق وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة. # PageV07P171 # فصل: # وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ~~والمغايرة على مراتب أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا ~~جزأه ولا يعرف لزومه له كقوله {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام} ونحو ذلك وقوله: {وجبريل وميكال} وقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل} ~~{من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} وهذا هو الغالب. ويليه أن يكون بينهما ~~لزوم كقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} وقوله: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} وقوله: {ومن يكفر ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله} فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله فالمعطوف ~~لازم للمعطوف عليه وفي الآية التي قبلها المعطوف عليه لازم فإنه من يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. وفي الثاني ~~نزاع وقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} هما متلازمان فإن من ~~لبس الحق بالباطل فجعله ملبوسا به خفى من الحق بقدر ما ظهر من الباطل فصار ~~ملبوسا ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعه # PageV07P172 # باطلا فيلبس الحق بالباطل ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل ~~الله فلا بد أن يظهر باطلا. وهكذا " أهل البدع " لا تجد أحدا ترك بعض السنة ~~التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك ~~شيئا من السنة كما جاء في الحديث: " {ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة ~~مثلها} " رواه الإمام أحمد. وقد قال تعالى: {فنسوا ms2018 حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا ~~بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين} أي عن الذكر الذي أنزله الرحمن وقال تعالى: ~~{فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} وقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا ~~من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك ~~وهو اتباع أولياء من دونه فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر ولهذا قال {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} قال العلماء: من لم يكن متبعا سبيلهم كان متبعا غير ~~سبيلهم فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب فليس لأحد أن يخرج عما ~~أجمعوا عليه. وكذلك من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور ومن فعل المحظور لم ~~يفعل جميع المأمور فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض # PageV07P173 # ما حظر ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر فإن ترك ما حظر من ~~جملة ما أمر به فهو مأمور ومن المحظور ترك المأمور فكل ما شغله عن الواجب ~~فهو محرم وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله ولهذا كان لفظ " ~~الأمر " إذا أطلق يتناول النهي وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم ~~فإذا قال تعالى عن الملائكة: {لا يعصون الله ما أمرهم} دخل في ذلك أنه إذا ~~نهاهم عن شيء اجتنبوه وأما قوله: {ويفعلون ما يؤمرون} فقد قيل: لا يتعدون ~~ما أمروا به وقيل: يفعلونه في وقته لا يقدمونه ولا يؤخرونه. وقد يقال: هو ~~لم يقل: ولا يفعلون إلا ما يؤمرون بل هذا دل عليه قوله: {لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون} وقد قيل: لا يعصون ما أمرهم به في الماضي ويفعلون ما ~~يؤمرون في المستقبل وقد يقال: هذه الآية خبر عما سيكون ليس ما أمروا به هنا ~~ماضيا ms2019 بل الجميع مستقبل فإنه قال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} وما يتقي به ~~إنما يكون مستقبلا وقد يقال: ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة ~~يكون لعجزه فإذا كان قادرا مريدا لزم وجود المأمور المقدور فقوله {لا ~~يعصون} لا يمتنعون عن الطاعة وقوله {ويفعلون ما يؤمرون} أي هم قادرون على ~~ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله فيلزم وجود كل ما أمروا به وقد ~~يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به كما يقول القائل: أنا أفعل ~~ما أمرت به أي أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان. # PageV07P174 # وأيضا فقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم} إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك ~~من أمره وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه. ~~والمقصود أن لفظ " الأمر " إذا أطلق تناول النهي ومنه قوله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} أي أصحاب الأمر ومن كان صاحب الأمر كان ~~صاحب النهي ووجبت طاعته في هذا وهذا فالنهي داخل في الأمر وقال موسى للخضر: ~~{ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} {قال فإن اتبعتني فلا تسألني ~~عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} وهذا نهي له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكرا ~~ولما خرق السفينة قال له موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} ~~فسأله قبل إحداث الذكر وقال في الغلام {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا} فسأله قبل إحداث الذكر وقال في الجدار {لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا} وهذا سؤال من جهة المعنى فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما ~~تقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك وإن بت الليلة عندنا أحسنت إلينا ومنه قول ~~آدم {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقول ~~نوح {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين} ومثله كثير ولهذا قال موسى {إن سألتك عن شيء بعدها فلا ms2020 ~~تصاحبني} فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر وهذا معصية لنهيه ~~وقد دخل في قوله {ولا أعصي لك أمرا} فدل على أن عاصي النهي عاص الأمر ومنه ~~قوله تعالى: # PageV07P175 # {ألا له الخلق والأمر} وقد دخل النهي في الأمر. ومنه قوله: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره} وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} فإن نهيه داخل في ذلك. # وقد ### | تنازع الفقهاء في قول الرجل لامرأته: إذا عصيت أمري فأنت طالق إذا نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلا في أمره؟ # على قولين: قيل: لا يدخل لأن حقيقة النهي غير حقيقة الأمر وقيل: يدخل لأن ~~ذلك يفهم منه في العرف معصية الأمر والنهي وهذا هو الصواب لأن ما ذكر في ~~العرف هو حقيقة في اللغة والشرع فإن الأمر المطلق من كل متكلم إذا قيل: أطع ~~أمر فلان أو فلان يطيع أمر فلان أو لا يعصي أمره فإنه يدخل فيه النهي لأن ~~الناهي آمر بترك المنهي عنه فلهذا قال سبحانه: {ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ولم يقل: لا تكتموا الحق فلم ينه عن كل منهما ~~لتلازمهما وليست هذه واو الجمع التي يسميها الكوفيون واو الصرف كما قد يظنه ~~بعضهم فإنه كان يكون المعنى: لا تجمعوا بينهما فيكون أحدهما وحده غير منهي ~~عنه. و " أيضا " فتلك إنما تجيء إذا ظهر الفرق كقوله: {ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وقوله: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير} {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} . ومن عطف الملزوم ~~قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} فإنهم إذا ~~أطاعوا # PageV07P176 # الرسول فقد أطاعوا الله كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~وإذا أطاع الله من بلغته رسالة محمد فإنه لا بد أن يطيع الرسول فإنه لا ~~طاعة لله إلا بطاعته. و " الثالث " عطف بعض الشيء عليه كقوله: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} وقوله {وإذ أخذنا ms2021 من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} وقوله: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال} وقوله: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها} و ~~" الرابع " عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله: {سبح اسم ربك ~~الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} {والذي أخرج المرعى} وقوله: ~~{الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} وقد جاء في الشعر ما ~~ذكر أنه عطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله: وألفى قولها كذبا ومينا. ومن الناس ~~من يدعي أن مثل هذا جاء في كتاب الله كما يذكرونه في قوله: (شرعة ومنهاجا ~~وهذا غلط مثل هذا لا يجيء في القرآن ولا في كلام فصيح وغاية ما يذكر الناس ~~اختلاف معنى اللفظ كما ادعى بعضهم أن من هذا قوله: # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد # فزعموا أنهما بمعنى واحد. واستشهدوا بذلك على ما ادعوه من أن الشرعة # PageV07P177 # هي المنهاج فقال المخالفون لهم: النأي أعم من البعد فإن النأي كلما قل ~~بعده أو كثر؛ كأنه مثل المفارقة. والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة ~~مفارقته وقد قال تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} وهم مذمومون على ~~مجانبته والتنحي عنه سواء كانوا قريبين أو بعيدين وليس كلهم كان بعيدا عنه ~~لا سيما عند من يقول: نزلت في أبي طالب وقد قال النابغة: والنؤي كالحوض ~~بالمظلومة الجلد. # والمراد به ما يحفر حول الخيمة لينزل فيه الماء ولا يدخل الخيمة أي صار ~~كالحوض فهو مجانب للخيمة ليس بعيدا منها. # PageV07P178 # فصل: # فإذا تبين هذا فلفظ " الإيمان " إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما ~~يراد بلفظ " البر " وبلفظ " التقوى " وبلفظ " الدين " كما تقدم؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بين أن " {الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله ~~إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} " فكان كل ما يحبه الله يدخل في ~~اسم الإيمان وكذلك لفظ " البر " يدخل ms2022 فيه جميع ذلك إذا أطلق وكذلك لفظ " ~~التقوى " وكذلك " الدين أو دين الإسلام " وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان ~~فأنزل الله هذه الآية {ليس البر أن تولوا وجوهكم} الآية وقد فسر البر ~~بالإيمان وفسر بالتقوى وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله والجميع حق وقد روي ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان. قال محمد بن ~~نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقري والملائي قالا: ~~حدثنا المسعودي عن القاسم قال: {جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ: ~~{ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى آخر الآية؛ فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. ~~فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فقرأ ~~عليه الذي قرأت عليك فقال له الذي قلت # PageV07P179 # لي. فلما أبى أن يرضى قال له: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ~~ثوابها وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها} . وقال: حدثنا إسحاق حدثنا عبد ~~الرزاق حدثنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد {أن أبا ذر سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى آخر ~~الآية} وروي بإسناده عن عكرمة قال: سئل الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من ~~الشام عن الإيمان فقرأ: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} ~~وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع ~~الله فلم يعصه ورجل عصى الله فلم يطعه فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة ~~وصار العاصي إلى الله فأدخله النار هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا. قال ~~فذكرت ذلك لعطاء فقال: سلهم الإيمان طيب أو خبيث؟ فإن الله قال: {ليميز ~~الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في ~~جهنم أولئك هم الخاسرون} فسألتهم فلم يجيبوني فقال بعضهم: إن الإيمان يبطن ~~ليس معه عمل فذكرت ذلك لعطاء فقال: سبحان الله أما يقرءون الآية التي في ~~البقرة: ms2023 {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} ؟ . قال: ثم وصف الله على ~~هذا الاسم ما لزمه من العمل فقال: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل} - إلى قوله - {وأولئك هم المتقون} فقال: سلهم # PageV07P180 # هل دخل هذا العمل في هذا الاسم. وقال: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن} فألزم الاسم العمل والعمل الاسم. والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح ~~إلا على إيمان معه العمل لا على إيمان خال عن عمل فإذا عرف أن الذم والعقاب ~~واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه بل يكون نزاعا لفظيا مع ~~أنهم مخطئون في اللفظ مخالفون للكتاب والسنة وإن قالوا: إنه لا يضره ترك ~~العمل فهذا كفر صريح؛ وبعض الناس يحكى هذا عنهم وأنهم يقولون: إن الله فرض ~~على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ولا يضرهم تركها وهذا قد يكون ~~قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد لكن ما علمت ~~معينا أحكي عنه هذا القول وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله ~~وقد يكون قول من لا خلاق له؛ فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا ~~يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم ~~بهذا. ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} . فقوله صدقوا أي في قولهم: آمنوا؛ كقوله: {قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} إلى قوله: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} أي هم الصادقون في قولهم: آمنا بالله ~~بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله # PageV07P181 # والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقال تعالى: ~~{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} ms2024 {يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} {في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} وفي {يكذبون} قراءتان ~~مشهورتان فإنهم كذبوا في قولهم: آمنا بالله واليوم الآخر وكذبوا الرسول في ~~الباطن وإن صدقوه في الظاهر وقال تعالى: {الم} {أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين} فبين أنه لا بد أن يفتن الناس أي يمتحنهم ويبتليهم ~~ويختبرهم. يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتميزه مما اختلط به ومنه قول ~~موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} أي محنتك واختبارك ~~وابتلاؤك كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره ~~وابتليتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر والصادق من ~~الكاذب والمنافق من المخلص فتجعل ذلك سببا لضلالة قوم وهدي آخرين. والقرآن ~~فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق والمنافقين بالكذب لأن الطائفتين ~~قالتا بألسنتهما: آمنا فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن قال بلسانه ما ~~ليس في قلبه فهو كاذب منافق قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله وليعلم المؤمنين} {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا ~~في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} # PageV07P182 # فلما قال في آية البر: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} دل على أن ~~المراد صدقوا في قولهم: آمنا فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا ~~يقولونه. ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا: نحن أبرار أو بررة؛ بل ~~إذا قال الرجل: أنا بر فهذا مزك لنفسه ولهذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة ~~فقيل: تزكي نفسها فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب؛ بخلاف إنشاء ~~الإيمان بقولهم: " آمنا " فإن هذا قد فرض عليهم أن يقولوه قال تعالى {قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ms2025 إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم} وكذلك في أول آل ~~عمران {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم} . وقال تعالى: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله} فقوله: {لا نفرق} دليل على أنهم قالوا: آمنا ولا ~~نفرق ولهذا قال: {وقالوا سمعنا وأطعنا} فجمعوا بين قولهم: آمنا وبين قولهم: ~~سمعنا وأطعنا وقد قال في آية البر: {وأولئك هم المتقون} فجعل الأبرار هم ~~المتقين عند الإطلاق والتجريد وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في ~~قوله: {وتعاونوا على البر والتقوى} ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ~~ومسمى البر ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد فالمؤمنون هم المتقون وهم ~~الأبرار. # PageV07P183 # ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة: " {يخرج من النار من في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان} " وفي بعضها: " {مثقال ذرة من خير} " وهذا مطابق لقوله تعالى ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وذلك الذي هو ~~مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء ~~هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء ~~الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من غشنا فليس منا ومن حمل علينا ~~السلاح فليس منا} " فإنه ليس من هؤلاء؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد ~~أسوة أمثالهم. # PageV07P184 # فصل: # وهذا النوع من نمط " أسماء الله وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه " ~~قال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى} وقال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه} وقال الله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم} {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله ms2026 عما يشركون} {هو ~~الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم} فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة ~~ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته. ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر؛ ~~فالعزيز يدل على نفسه مع عزته والخالق يدل على نفسه مع خلقه والرحيم يدل ~~على نفسه مع رحمته ونفسه تستلزم جميع صفاته فصار كل اسم يدل على ذاته ~~والصفة المختصة به بطريق المطابقة وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة ~~الأخرى بطريق اللزوم. وهكذا " أسماء كتابه " القرآن والفرقان والكتاب ~~والهدى والبيان والشفاء # PageV07P185 # والنور ونحو ذلك هي بهذه المنزلة. وكذلك " أسماء رسوله ": محمد وأحمد ~~والماحي والحاشر والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة كل اسم يدل ~~على صفة من صفاته الممدوحة غير الصفة الأخرى وهكذا ما يثنى ذكره من القصص ~~في القرآن كقصة موسى وغيرها ليس المقصود بها أن تكون سمرا؛ بل المقصود بها ~~أن تكون عبرا كما قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} فالذي ~~وقع شيء واحد وله صفات فيعبر عنه بعبارات متنوعة كل عبارة تدل على صفة من ~~الصفات التي يعتبر بها المعتبرون وليس هذا من التكرير في شيء. وهكذا " ~~أسماء دينه " الذي أمر الله به ورسوله يسمى إيمانا وبرا وتقوى وخيرا ودينا ~~وعملا صالحا وصراطا مستقيما ونحو ذلك؛ وهو في نفسه واحد لكن كل اسم يدل على ~~صفة ليست هي الصفة التي يدل عليها الآخر وتكون تلك الصفة هي الأصل في اللفظ ~~والباقي كان تابعا لها لازما لها ثم صارت دالة عليه بالتضمن فإن " الإيمان ~~" أصله الإيمان الذي في القلب ولا بد فيه من " شيئين ": تصديق بالقلب ~~وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب. قال " الجنيد بن محمد ": التوحيد: ~~قول القلب. والتوكل: عمل القلب فلا بد فيه من قول القلب وعمله؛ ثم قول ~~البدن وعمله ولا بد فيه من عمل القلب مثل حب الله ورسوله وخشية الله وحب ما ~~يحبه الله ورسوله وبغض ما ms2027 يبغضه الله ورسوله وإخلاص العمل لله وحده وتوكل ~~القلب على الله وحده وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله ~~وجعلها من الإيمان. # PageV07P186 # ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة ~~لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: " {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر ~~الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب} ". وقال أبو هريرة: ~~القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت ~~جنوده وقول أبي هريرة تقريب. وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحسن بيانا فإن ~~الملك وإن كان صالحا فالجند لهم اختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس فيكون ~~فيهم صلاح مع فساده أو فساد مع صلاحه؛ بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا ~~يخرج عن إرادته قط كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا صلحت صلح لها ~~سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد} ". فإذا كان القلب صالحا بما فيه ~~من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل ~~بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل قول باطن وظاهر وعمل ~~باطن وظاهر والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر وإذا ~~فسد فسد؛ ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا ~~لخشعت جوارحه فلا بد في إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما قال الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم # PageV07P187 # كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا لله ~~من المشركين لأندادهم. وفي الآية " قولان ": قيل: يحبونهم كحب المؤمنين ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله منهم لأوثانهم. وقيل: يحبونهم كما يحبون ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله منهم وهذا هو الصواب؛ والأول قول متناقض وهو ~~باطل فإن المشركين ms2028 لا يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله وتستلزم الإرادة ~~والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل فيمتنع أن يكون الإنسان محبا لله ~~ورسوله؛ مريدا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا ~~يفعله فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه ~~الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه. ومن هنا يظهر خطأ قول " جهم بن صفوان ~~" ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه لم يجعلوا أعمال ~~القلب من الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو ~~مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله ويعادي أولياء الله ويوالي ~~أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية ~~الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي ~~الإيمان الذي في قلبه بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن قالوا: ~~وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ~~ليحكم بالظاهر كما يحكم # PageV07P188 # بالإقرار والشهود وإن كان الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد ~~به الشهود فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء ~~كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق ~~والعلم من قلبه فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل والإيمان شيء واحد وهو ~~العلم أو تكذيب القلب وتصديقه فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم ~~أو هو هو؟ . وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في " الإيمان " فقد ذهب إليه ~~كثير من " أهل الكلام المرجئة ". وقد كفر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن ~~حنبل وأبي عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول. وقالوا: إبليس كافر بنص ~~القرآن وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم لا لكونه كذب خبرا. ~~وكذلك فرعون وقومه قال الله تعالى فيهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا} وقال موسى عليه السلام لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر} ms2029 بعد قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل ~~بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} {قال لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون ~~مثبورا} . فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر} . فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات ~~وهو # PageV07P189 # من أكبر خلق الله عنادا وبغيا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه. قال ~~تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} وقال تعالى: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} . وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} . وكذلك كثير من المشركين ~~الذين قال الله فيهم: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ~~. فهؤلاء غلطوا في " أصلين ": (أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم ~~فقط ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب؛ وهذا من أعظم غلط ~~المرجئة مطلقا فإن " أعمال القلوب " التي يسميها بعض الصوفية أحوالا ~~ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك كل ما ~~فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب وفيها ما أحبه ولم يفرضه ~~فهو من الإيمان المستحب فالأول لا بد لكل مؤمن منه ومن اقتصر عليه فهو من ~~الأبرار أصحاب اليمين ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين وذلك ~~مثل حب الله ورسوله بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بل أن يكون ~~الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله ومثل خشية الله وحده ~~دون خشية المخلوقين ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين والتوكل على الله ~~وحده دون المخلوقين والإنابة إليه # PageV07P190 # مع خشيته كما قال تعالى: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ} {من خشي الرحمن ~~بالغيب وجاء بقلب منيب} ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله ~~والمعاداة لله. ms2030 و (الثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في ~~النار فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق. وهذا أمر ~~خالفوا به الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة ~~وجماهير النظار؛ فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك ~~لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي ~~عليه ويرد ما يقول بكل طريق وهو في قلبه يعلم أن الحق معه وعامة من كذب ~~الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو ~~والرياسة وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض ~~كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء ~~المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من ~~أكفر الناس كإبليس وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق. ~~ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل إنما يعتمدون على مخالفة ~~أهوائهم كقولهم لنوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ومعلوم أن اتباع الأرذلين ~~له لا يقدح في صدقه؛ لكن كرهوا مشاركة أولئك # PageV07P191 # كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الضعفاء كسعد بن أبي ~~وقاص وابن مسعود وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وبلال ونحوهم وكان ذلك بمكة ~~قبل أن يكون في الصحابة أهل الصفة فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} . ومثل ~~قول فرعون: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقول فرعون: {ألم نربك ~~فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين} ومثل قول مشركي العرب: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} قال ~~الله تعالى: {أولم ms2031 نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنا} ومثل قول قوم شعيب له: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء} ومثل قول عامة المشركين: {إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون} . وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق ~~الرسل بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم فلذلك لم يتبعوهم ~~وهؤلاء كلهم كفار بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويحبون علو كلمته وليس عندهم حسد له وكانوا يعلمون صدقه ولكن كانوا يعلمون ~~أن في # PageV07P192 # متابعته فراق دين آبائهم وذم قريش لهم فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة ~~واحتمال هذا الذم فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به؛ بل لهوى ~~النفس فكيف يقال: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله. ولم يكف الجهمية أن ~~جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق والكفر ~~عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان؛ بل الجهل بهذا الحق المعين. ونحن والناس ~~كلهم يرون خلقا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق ويذكرون ما ~~يمنعهم من الإيمان إما معاداة أهلهم وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه ~~عنهم وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في ~~دينهم وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان مع ~~علمهم بأن دين الإسلام حق ودينهم باطل. وهذا موجود في جميع الأمور التي هي ~~حق يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في الظاهر يجحد ذلك ويعادي أهله لظنه أن ~~ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا ms2032 على ما أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} . # PageV07P193 # والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه ~~مرض خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ~~للخوف الذي في قلوبهم؛ لا لاعتقادهم أن محمدا كاذب واليهود والنصارى صادقون ~~وأشهر النقول في ذلك {أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله إن لي موالي من ~~اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود فقال: عبد الله بن أبي: لكني رجل ~~أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية} . # " والمرجئة " الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ~~ليست منه كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها؛ ولم يكن قولهم مثل قول ~~جهم؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه. ~~وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم لكنهم إذا لم يدخلوا ~~أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول ~~أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه ~~الأمر عليهم فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل؛ فقال ~~في غير موضع: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ورأوا أن الله خاطب الإنسان ~~بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} . {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة} # PageV07P194 # وقالوا: لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من ~~الأعمال مات مؤمنا وكان من أهل الجنة فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان. ~~وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية وجب ~~التصديق بها فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله؛ لكن بعد كمال ما ~~أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان ms2033 ~~السابقين الأولين كأبي بكر وعمر وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم ~~الخراساني وغيرهما. والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن ~~الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه ولأنها دليل ~~عليه ويقولون: قوله صلى الله عليه وسلم " {الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون ~~شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} ": مجاز. ~~" # و ### | المرجئة ثلاثة أصناف ": # الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال ~~القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في ~~كتابه وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم لكن ذكرنا جمل أقوالهم ومنهم من لا ~~يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي وهذا الذي نصره هو وأكثر ~~أصحابه. # والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل ~~الكرامية " والثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه ~~والعبادة منهم وهؤلاء غلطوا من وجوه: # PageV07P195 # (أحدها) : ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق ~~العباد وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص وليس الأمر كذلك ~~فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأوجب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ~~ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن والإيمان الذي يجب على من عرف ~~ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مفصلا ليس مثل الإيمان الذي يجب على ~~من عرف ما أخبر به مجملا فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما ~~أخبر لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك. وأما ~~من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه ~~من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب ms2034 على من لم يجب عليه إلا ~~الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر. و " أيضا " لو قدر أنه عاش فلا ~~يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ~~ما أخبر به بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه فمن لا مال ~~له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة. ومن لا استطاعة له على الحج ~~ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما ~~وجب للزوجة فصار يجب من الإيمان تصديقا وعملا على أشخاص ما لا يجب على ~~آخرين. وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال. فنقول: # PageV07P196 # إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم تكن من ~~الإيمان وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا ~~بفرضه فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين} ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام ~~والإيمان كحديث وفد عبد القيس وحديث الرجل النجدي الذي يقال له: ضمام بن ~~ثعلبة وغيرهما وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل وذلك لأن الحج ~~آخر ما فرض من الخمس فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام فلما فرض ~~أدخله النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد وأدخله في الإسلام إذا ~~قرن بالإيمان وإذا أفرد وسنذكر إن شاء الله متى فرض الحج. وكذلك قولهم: من ~~آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا فصحيح لأنه أتى بالإيمان الواجب ~~عليه والعمل لم يكن وجب عليه بعد فهذا مما يجب أن يعرف فإنه تزول به شبهة ~~حصلت للطائفتين. فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان. فالإيمان الواجب ~~متنوع ليس شيئا واحدا في حق جميع الناس. وأهل السنة ms2035 والحديث يقولون: جميع ~~الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان أي من الإيمان الكامل ~~بالمستحبات. ليست من الإيمان الواجب. ويفرق بين الإيمان الواجب وبين ~~الإيمان الكامل # PageV07P197 # بالمستحبات كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل. فالمجزئ: ما ~~أتى فيه بالواجبات فقط. والكامل: ما أتى فيه بالمستحبات. ولفظ الكمال قد ~~يراد به الكمال الواجب. وقد يراد به الكمال المستحب. وأما قولهم: إن الله ~~فرق بين الإيمان والعمل في مواضع فهذا صحيح. وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق ~~أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها. وقد يقرن به الأعمال وذكرنا ~~نظائر لذلك كثيرة. وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب. والأعمال الظاهرة ~~لازمة لذلك. لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح ~~بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب؛ فصار الإيمان ~~متناولا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب؛ وحيث عطفت عليه الأعمال ~~فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة. ثم ~~للناس في مثل هذا قولان: منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أولا. ~~ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصا له لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول وقالوا: هذا ~~في كل ما عطف فيه خاص على عام كقوله: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال} وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم} فخص الإيمان بما نزل على محمد ~~بعد قوله: {والذين آمنوا} وهذه نزلت في الصحابة # PageV07P198 # وغيرهم من المؤمنين. وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقوله: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة} والصلاة والزكاة من العبادة فقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} كقوله: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة} . فإنه قصد " أولا " أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره ثم أمر ~~بالصلاة ms2036 والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان فلا يكتفي بمطلق العبادة ~~الخالصة دونهما وكذلك يذكر الإيمان أولا لأنه الأصل الذي لا بد منه ثم يذكر ~~العمل الصالح فإنه أيضا من تمام الدين لا بد منه فلا يظن الظان اكتفاءه ~~بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح وكذلك قوله: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون} والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ~~{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} . وقد قيل: إن هؤلاء هم أهل ~~الكتاب الذين آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل على من قبله كابن سلام ونحوه ~~وإن هؤلاء نوع غير النوع المتقدم الذين يؤمنون بالغيب وقد قيل: هؤلاء جميع ~~المتقدمين الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله وهؤلاء هم الذين ~~يؤمنون بالغيب وهم صنف واحد وإنما عطفوا لتغاير الصفتين كقوله: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي # PageV07P199 # قدر فهدى} {والذي أخرج المرعى} {فجعله غثاء أحوى} فهو سبحانه واحد وعطف ~~بعض صفاته على بعض وكذلك قوله: {والصلاة الوسطى} وهي صلاة العصر. والصفات: ~~إذا كانت معارف كانت للتوضيح وتضمنت المدح أو الذم. تقول: هذا الرجل هو ~~الذي فعل كذا وهو الذي فعل كذا وهو الذي فعل كذا تعدد محاسنه ولهذا مع ~~الإتباع قد يعطفونها وينصبون أو يرفعون وهذا القول هو الصواب فإن المؤمنين ~~بالغيب إن لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله لم يكونوا على هدى من ~~ربهم ولا مفلحين ولا متقين وكذلك الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من ~~قبله إن لم يكونوا من الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ~~ينفقون لم يكونوا على هدى من ربهم ولم يكونوا مفلحين ولم يكونوا متقين فدل ~~على أن الجميع صفة المهتدين المتقين الذين اهتدوا بالكتاب المنزل إلى محمد ~~فقد عطفت هذه الصفة على تلك مع أنها داخلة فيها لكن المقصود صفة إيمانهم ~~وأنهم يؤمنون بجميع ما أنزل الله على أنبيائه ms2037 لا يفرقون بين أحد منهم؛ وإلا ~~فإذا لم يذكر إلا الإيمان بالغيب فقد يقول: من يؤمن ببعض ويكفر ببعض: نحن ~~نؤمن بالغيب. ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن؛ ويقال: إنها أول سورة ~~نزلت بالمدينة افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة ~~الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين فإنه من حين هاجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV07P200 # صار الناس " ثلاثة أصناف ": إما مؤمن وإما كافر مظهر للكفر وإما منافق؛ ~~بخلاف ما كانوا وهو بمكة؛ فإنه لم يكن هناك منافق؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل ~~وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار؛ فإن ~~مكة كانت للكفار مستولين عليها فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن ليس هناك ~~داع يدعو إلى النفاق؛ والمدينة آمن بها أهل الشوكة؛ فصار للمؤمنين بها عز ~~ومنعة بالأنصار فمن لم يظهر الإيمان آذوه. فاحتاج المنافقون إلى إظهار ~~الإيمان مع أن قلوبهم لم تؤمن؛ والله تعالى افتتح البقرة ووسط البقرة وختم ~~البقرة بالإيمان بجميع ما جاءت به الأنبياء؛ فقال في أولها ما تقدم وقال في ~~وسطها: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ~~وإن تولوا فإنما هم في شقاق} الآية: وقال في آخرها: {آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ~~من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} والآية الأخرى. وفي ~~" الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {الآيتان من آخر سورة ~~البقرة: من قرأ بهما في ليلة كفتاه} " والآية الوسطى قد ثبت في " الصحيح " ~~{أنه كان يقرأ بها في ركعتي الفجر: وب {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم} الآية تارة. وب {قل يا أيها الكافرون} # PageV07P201 # و {قل هو الله ms2038 أحد} تارة} . فيقرأ بما فيه ذكر الإيمان والإسلام أو بما ~~فيه ذكر التوحيد والإخلاص. فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة ~~على الإيمان دخلت في الإيمان وعطف عليه عطف الخاص على العام؛ إما لذكره ~~خصوصا بعد عموم وإما لكونه إذا عطف كان دليلا على أنه لم يدخل في العام. ~~وقيل: بل الأعمال في الأصل ليست من الإيمان؛ فإن أصل الإيمان هو ما في ~~القلب ولكن هي لازمة له فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيا؛ لأن انتفاء ~~اللازم يقتضي انتفاء الملزوم لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان ~~إذا أطلق كما تقدم في كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عطفت عليه ذكرت ~~لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب ~~الوعد؛ فكان ذكرها تخصيصا وتنصيصا ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة ~~وهو الجنة بلا عذاب لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحا؛ لا يكون لمن ادعى ~~الإيمان ولم يعمل وقد بين سبحانه في غير موضع أن الصادق في قوله: آمنت لا ~~بد أن يقوم بالواجب وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على انتفائه عمن سواهم. ~~وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب " الموجز " وهو أن القرآن نفى ~~الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل ~~هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. # والجواب عن هذا من وجوه: # PageV07P202 # أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق ~~في القلب إيمان وهذا هو المطلوب؛ وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي. # الثاني: أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله: " {الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة} ". # الثالث: إنكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل ~~إيمان كان قولكم قول الخوارج وأنتم في طرف والخوارج في طرف فكيف توافقونهم ~~ومن هذه الأمور إقام ms2039 الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج والجهاد ~~والإجابة إلى حكم الله ورسوله؛ وغير ذلك مما لا تكفرون تاركه وإن كفرتموه ~~كان قولكم قول الخوارج. # الرابع: أن قول القائل: إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم أن لا يكون في ~~قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق قول يعلم فساده بالاضطرار. # الخامس: أن هذا إذا ثبت في هذه ثبت في سائر الواجبات فيرتفع النزاع ~~المعنوي. # PageV07P203 # فصل: الوجه الثاني من غلط " المرجئة ": # ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب؛ ~~كما تقدم عن جهمية المرجئة. الثالث ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون ~~تاما بدون شيء من الأعمال ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه ~~بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له؛ والتحقيق أن إيمان القلب ~~التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام ~~بدون عمل ظاهر؛ ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط ~~الذي بين البدن والقلب مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في ~~قلب أبي بكر وعمر وهو لا يسجد لله سجدة ولا يصوم رمضان ويزني بأمه وأخته ~~ويشرب الخمر نهار رمضان؛ يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ~~ينكرون ذلك غاية الإنكار. قال أحمد بن حنبل: حدثنا خلف بن حيان حدثنا معقل ~~بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا ~~نفورا شديدا منهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن # PageV07P204 # لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن ~~أبي رباح في نفر من أصحابي وهو يقرأ: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا} قلت: إن لنا حاجة فأخلنا ففعل؛ فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا ~~وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين؛ فقال: أوليس الله تعالى ~~يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . فالصلاة ms2040 والزكاة من الدين قال: فقلت: ~~إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة فقال: أوليس قد قال الله فيما أنزل: ~~{ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} هذا الإيمان. فقلت: إنهم انتحلوك. وبلغني أن ~~ابن ذر دخل عليك في أصحاب له؛ فعرضوا عليك قولهم فقبلته. فقلت هذا الأمر ~~فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا ثم قال: قدمت المدينة ~~فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة فقال: سر أم علانية؟ ~~فقلت: لا بل سر: قال: رب سر لا خير فيه فقلت: ليس من ذلك فلما صلينا العصر ~~قام وأخذ بثوبي ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص فقال: حاجتك؟ قال فقلت: ~~أخلني هذا. فقال: تنح؛ قال: فذكرت له قولهم. فقال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: " {أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا ~~الله؛ فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله} " قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا ~~نصلي؛ وبأن الخمر حرام ونشربها؛ وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح. فنثر يده ~~من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر. # PageV07P205 # قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم. فقال: سبحان الله وقد أخذ الناس ~~في هذه الخصومات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " {لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن؛ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} ". قال معقل. فلقيت ~~الحكم بن عتبة فقلت له: إن عبد الكريم وميمونا بلغهما أنه دخل عليك ناس من ~~المرجئة فعرضوا بقولهم عليك فقبلت قولهم؛ قال فقبل ذلك علي ميمون؛ وعبد ~~الكريم لقد دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد بلغك {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول ~~الله علي رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله. فقالت: نعم. قال: وتشهدين ms2041 أن محمدا رسول ~~الله؟ .: قالت: نعم قال: وتشهدين أن الجنة حق والنار حق قالت: نعم قال: ~~وتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت؟ . قالت نعم؛ قال: فأعتقها فإنها ~~مؤمنة} ": فخرجوا وهم ينتحلون ذلك. قال معقل: ثم جلست إلى ميمون بن مهران ~~فقلت يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها قال: فقرأ: {إذا الشمس كورت} ~~حتى إذا بلغ: {مطاع ثم أمين} قال: ذاكم جبريل والخيبة لمن يقول: أن إيمانه ~~كإيمان جبريل ورواه حنبل عن أحمد ورواه أيضا عن ابن أبي مليكة قال: لقد أتى ~~علي برهة من الدهر وما أراني أدرك قوما يقول أحدهم: " إني مؤمن مستكمل ~~الإيمان ثم ما رضي حتى قال: إيماني على إيمان جبريل وميكائيل وما زال بهم ~~الشيطان # PageV07P206 # حتى قال أحدهم: إني مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته والله لقد أدركت كذا ~~وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى ~~النفاق على نفسه وقد ذكر هذا المعنى عنه البخاري في " صحيحه " قال: أدركت ~~ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه؛ ما ~~منهم أحد يقول: إيمانه كإيمان جبريل. وروى البغوي عن عبد الله بن محمد عن ~~ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي رباح فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه ~~إن أصحابا لي يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل؛ فقال: يا بني ليس إيمان من ~~أطاع الله كإيمان من عصى الله. قلت: قوله عن " المرجئة ": إنهم يقولون: إن ~~الصلاة والزكاة ليستا من الدين قد يكون قول بعضهم فإنهم كلهم يقولون: ليستا ~~من الإيمان وأما من الدين فقد حكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين؛ ولا ~~نفرق بين الإيمان والدين ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم ~~الإيمان واسم الدين وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم: ~~ولم أر أنا في كتاب أحد مهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين بل يقولون ليست ~~من الإيمان وكذلك حكى أبو عبيد ms2042 عمن ناظره منهم فإن أبا عبيد وغيره يحتجون ~~بأن الأعمال من الدين؛ فذكر قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} إنها نزلت في ~~حجة الوداع. قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل الدين الآن في آخر الإسلام ~~في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك # PageV07P207 # بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار حتى ~~قال: لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة. . إلى أن قال: إن الإيمان ~~ليس بجميع الدين ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء؛ والفرائض جزء ~~والنوافل جزء. قلت: هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم قال أبو عبيد: وهذا ~~غير ما نطق به الكتاب ألا تسمع إلى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} وقال ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} . وقال: {ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته؛ وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. قلت: ~~إنما قالوا: إن الإيمان ثلث ولم يقولوا إن الإيمان ثلث الدين. لكنهم فرقوا ~~بين مسمى الإيمان ومسمى الدين وسنذكر إن شاء الله تعالى الكلام في مسمى هذا ~~ومسمى هذا فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم ~~الإيمان والدين ومنهم من يقول بل كلاهما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان ~~واسم الدين والشافعي رضي الله عنه كان معظما لعطاء بن أبي رباح ويقول: ليس ~~في التابعين أتبع للحديث منه وكذلك أبو حنيفة قال: ما رأيت مثل عطاء وقد ~~أخذ الشافعي هذه الحجة عن عطاء. فروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: حدثنا ~~أبي حدثنا ميمون حدثنا أبو عثمان بن الشافعي سمعت أبي يقول ليلة للحميدي: ~~ما يحتج عليهم يعني # PageV07P208 # أهل الإرجاء بآية أحج من قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . وقال الشافعي ~~رضي الله عنه في كتاب " الأم " في (باب النية في الصلاة: يحتج بأن لا تجزئ ~~صلاة إلا بنية بحديث ms2043 عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إنما الأعمال بالنيات} " ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة ~~والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ ~~واحد من الثلاث إلا بالآخر. وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا ~~يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى ~~يموت ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن ~~تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة فقلت: هذا ~~الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} الآية. وقال حنبل: سمعت أبا ~~عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى ~~الرسول ما جاء به عن الله. قلت: وأما احتجاجهم بقوله للأمة " {أعتقها فإنها ~~مؤمنة} " فهو من حججهم المشهورة وبه احتج ابن كلاب وكان يقول: الإيمان هو ~~التصديق والقول جميعا فكان قوله أقرب من قول جهم وأتباعه وهذا لا حجة فيه؛ ~~لأن # PageV07P209 # الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في ~~الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة فإن المنافقين الذين ~~قالوا: {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} هم في الظاهر مؤمنون ~~يصلون مع الناس. ويصومون ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما ~~كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر لا في مناكحتهم ~~ولا موارثتهم ولا نحو ذلك؛ بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول - وهو من ~~أشهر الناس بالنفاق - ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين وكذلك سائر ~~من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون؛ وإذا مات لأحدهم. وارث ورثوه مع ~~المسلمين. # وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته هل يرث ويورث؟ ~~على قولين والصحيح أنه يرث ms2044 ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان ~~الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على الموالاة ~~الظاهرة لا على المحبة التي في القلوب فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته ~~والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها وهو ما أظهره من موالاة ~~المسلمين؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم} " لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من ~~النار؛ بل كانوا يورثون ويرثون؛ وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر ~~المسلمين وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا # PageV07P210 # لم يقبل ذلك منهم فقال: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا ~~بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} ~~وقال {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} . وفي " صحيح مسلم " عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك ~~صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا ~~يذكر الله فيها إلا قليلا} " وكانوا يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المغازي كما خرج ابن أبي في غزوة بني المصطلق وقال فيها: {لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} . " وفي الصحيحين " عن {زيد بن أرقم قال: ~~خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيها شدة؛ فقال عبد ~~الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. ~~وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي؛ فسأله فاجتهد يمينه ما ~~فعل وقالوا: كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل ~~الله تصديقي في {إذا جاءك المنافقون} فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليستغفر لهم ms2045 فلووا رءوسهم. وفي غزوة تبوك استنفرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما استنفر غيرهم فخرج بعضهم معه وبعضهم تخلفوا وكان في الذين خرجوا ~~معه من هم بقتله في الطريق هموا بحل حزام # PageV07P211 # ناقته ليقع في واد هناك فجاءه الوحي فأسر إلى حذيفة أسماءهم ولذلك يقال: ~~هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره} كما ثبت ذلك في " الصحيح " ومع هذا ففي ~~الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان. وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة ~~تورد في هذا المقام؛ فإن كثيرا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام ~~عندهم إلا عدل أو فاسق وأعرضوا عن حكم المنافقين والمنافقون ما زالوا ولا ~~يزالون إلى يوم القيامة والنفاق شعب كثيرة وقد كان الصحابة يخافون النفاق ~~على أنفسهم. ففي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {آية ~~المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان} " وفي لفظ مسلم: " ~~{وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم} ". وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال. " {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن ~~كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ~~ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} ". وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهاه الله عن ذلك فقال: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر ~~لهم ولكن دماؤهم وأموالهم معصومة # PageV07P212 # لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون بل ~~يظهرون الكفر دون الإيمان فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " {أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} " {ولما قال لأسامة بن زيد: ~~أقتلته بعد ما قال: ms2046 لا إله إلا الله؟ قال: إنما قالها تعوذا. قال: هلا شققت ~~عن قلبه؟ وقال. إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم} " {وكان ~~إذا استؤذن في قتل رجل يقول: أليس يصلي أليس يتشهد؟ فإذا قيل له: إنه ~~منافق. قال: ذاك} فكان حكمه صلى الله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه ~~في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئا إلا بأمر ظاهر مع أنه كان يعلم نفاق كثير ~~منهم؛ وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه. قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم ~~مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين ~~لا يعلمون أنه منافق ومن علم أنه منافق لم يصل عليه. وكان عمر إذا مات ميت ~~لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم. وقد قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} فأمر ~~بامتحانهن هنا وقال: {الله أعلم بإيمانهن} . # PageV07P213 # والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة لم يكن على الناس ألا ~~يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه؛ فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا ~~إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه. وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ~~ولا يشقوا بطونهم؛ فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه وصاحب الجارية ~~لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر ~~الذي يفرق به بين المسلم والكافر وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا ~~من علم أن الإيمان في قلبه؛ فإنه لا يعلم ذلك مطلقا؛ بل ولا أحد من الخلق ~~يعلم ذلك مطلقا. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق والله يقول ~~له: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم ms2047 مرتين} . فأولئك إنما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين؛ ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها ~~ولم يكن منهيا عن الصلاة إلا على من علم نفاقه؛ وإلا لزم أن ينقب عن قلوب ~~الناس ويعلم سرائرهم وهذا لا يقدر عليه بشر. ولهذا لما كشفهم الله بسورة ~~براءة بقوله: {ومنهم} {ومنهم} صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم ~~قبل ذلك فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم؛ وما كان الناس يجزمون ~~بأنها مستلزمة لنفاقهم وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه؛ فلم يكن نفاقهم ~~معلوما عند الجماعة بخلاف حالهم لما نزل القرآن؛ ولهذا لما نزلت سورة براءة ~~كتموا النفاق وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانا ما كان يمكنهم قبل ذلك وأنزل ~~الله تعالى: {لئن لم ينته # PageV07P214 # المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا} {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} {سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} فلما توعدوا بالقتل ~~إذا أظهروا النفاق كتموه. ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق. فقيل: ~~يستتاب. واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقبل علانيتهم ويكل أمرهم إلى الله؛ فيقال له: هذا كان في أول الأمر وبعد ~~هذا أنزل الله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} فعلموا أنهم إن ~~أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا فكتموه. والزنديق: هو المنافق وإنما يقتله ~~من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق قالوا: ولا تعلم توبته لأن غاية ما ~~عنده أنه يظهر ما كان يظهر؛ وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق؛ ولو قبلت توبة ~~الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم والقرآن قد توعدهم بالتقتيل. والمقصود أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي ~~علقت به الأحكام الظاهرة وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن ~~قال: " أو مسلم " وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة ms2048 فيجب أن يفرق ~~بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا وبين حكمهم في ~~الآخرة بالثواب والعقاب؛ فالمؤمن المستحق للجنة لا بد # PageV07P215 # أن يكون مؤمنا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة حتى الكرامية الذين ~~يسمون المنافق مؤمنا ويقولون: الإيمان هو الكلمة يقولون: إنه لا ينفع في ~~الآخرة إلا الإيمان الباطن. وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من ~~أهل الجنة وهو غلط عليهم؛ إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم بسبب شبهة ~~المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل؛ ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء ~~في الرقبة التي تجزئ في الكفارة العمل الظاهر فتنازعوا هل يجزئ الصغير؟ على ~~قولين معروفين للسلف هما روايتان عن أحمد؛ فقيل: لا يجزئ عتقه لأن الإيمان ~~قول وعمل والصغير لم يؤمن بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا؛ ~~ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن في الباطن؛ وقيل: بل يجزئ عتقه لأن العتق ~~من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه؛ فكما أنه يرث منهما ويصلى عليه ولا ~~يصلى إلا على مؤمن فإنه يعتق. وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى ~~عليهم إذا ماتوا ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها ~~كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقا في الباطن ولم يكن للمنافقين مقبرة ~~يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما تكون لليهود والنصارى ~~مقبرة يتميزون بها ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون والصلاة لا ~~تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر ~~والله يتولى السرائر وقد كان النبي # PageV07P216 # صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك. وعلل ذلك ~~بالكفر فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة ~~عليه والاستغفار له وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب. وإذا ترك الإمام أو ~~أهل العلم والدين " الصلاة " على ms2049 بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرا عنها ~~لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والاستغفار له بل قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقاتل نفسه والمدين الذي لا ~~وفاء له: " {صلوا على صاحبكم} " وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن ~~كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه كما روي في حديث محلم بن جثامة. ~~وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو منافق فالمنافق ~~في الدرك الأسفل من النار والآخر مؤمن ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله ~~الاسم المطلق وقد يكون تام الإيمان وهذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله في ~~مسألة الإسلام والإيمان وأسماء الفساق من أهل الملة؛ لكن المقصود هنا أنه ~~لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها - ولو دعا الناس إليها - ~~كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول ~~وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا والخوارج ~~كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ولم يكن في الصحابة من ~~يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا # PageV07P217 # فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في ~~غير هذا الموضع. وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو ~~كافر في الباطن ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم ~~يكن كافرا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه؛ وقد يكون في ~~بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك ~~الأسفل من النار. ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر ~~كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله ~~عليهم أجمعين بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس فيهم من كفر كل ~~واحد من الثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض ms2050 المقالات كما قد ~~بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. وإنما قال الأئمة بكفر هذا لأن هذا ~~فرض ما لا يقع فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات مثل الصلاة بلا وضوء ~~وإلى غير القبلة ونكاح الأمهات وهو مع ذلك مؤمن في الباطن؛ بل لا يفعل ذلك ~~إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة يكفرون أنواعا ~~ممن يقول كذا وكذا؛ لما فيه من الاستخفاف ويجعلونه مرتدا ببعض هذه الأنواع ~~مع النزاع اللفظي الذي بين أصحابه وبين الجمهور في العمل: هل هو داخل في ~~اسم الإيمان # PageV07P218 # أم لا؟ ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو أن الرجل إذا ~~كان مقرا بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل ~~فلم يصل حتى قتل هل يموت كافرا أو فاسقا؟ على قولين: وهذا الفرض باطل فإنه ~~يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه وأنه يعاقبه على ~~تركها ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك هذا لا ~~يفعله بشر قط بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى لا ينتهي الأمر ~~به إلى القتل وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر ~~عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل وسواء كان ~~الدين حقا أو باطلا أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنا وظاهرا فلا ~~يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط. ونظير هذا لو قيل: إن رجلا ~~من أهل السنة قيل له: ترض عن أبي بكر وعمر فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته ~~لهما واعتقاده فضلهما ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما فهذا لا يقع ~~قط. وكذلك لو قيل: إن رجلا يشهد أن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا وقد طلب ~~منه ذلك وليس هناك رهبة ولا رغبة ms2051 يمتنع لأجلها فامتنع منها حتى قتل فهذا ~~يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمدا رسول الله؛ ولهذا كان القول الظاهر ~~من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين ~~والآخرين إلا الجهمية - جهما ومن وافقه - فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه ~~أخرس أو لكونه خائفا من قوم إن # PageV07P219 # أظهر الإسلام آذوه ونحو ذلك فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان في قلبه ~~كالمكره على كلمة الكفر. قال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} وهذه ~~الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من ~~أهل وعيد الكفار إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن قيل: فقد قال ~~تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من ~~غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا وإلا ناقض أول الآية آخرها ولو كان المراد ~~بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط بل كان ~~يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره وإذا تكلم بكلمة الكفر ~~طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى {يحذر المنافقون ~~أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما ~~تحذرون} {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزئون} {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم ~~نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} . فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع ~~قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب وبين أن ~~الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو ~~كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام. # PageV07P220 # والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه كقوله تعالى. ~~{ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ms2052 يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون} {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} إلى قوله: {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون} فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا؛ فبين أن هذا ~~من لوازم الإيمان. # PageV07P221 # فصل: # فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله ~~فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج أو ~~تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة وكلا هذين ~~القولين شر من قول المرجئة فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد ~~المذكورين عند الأمة بخير وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من ~~جميع الطوائف مطبقون على ذمهم. قيل: أولا ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم ~~يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل ~~الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة وقد اتفق الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان؛ وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ~~ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته. ففي " ~~الصحيحين " عنه أنه قال: " {لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة ~~لأمتي يوم القيامة} " وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها. وقد نقل بعض الناس ~~عن الصحابة في ذلك خلافا كما # PageV07P222 # روي عن ابن عباس أن القاتل لا توبة له وهذا غلط على الصحابة؛ فإنه لم يقل ~~أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ولا قال: إنهم ~~يخلدون في النار ولكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: إن القاتل لا ~~توبة له وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل ms2053 روايتان أيضا والنزاع في ~~التوبة غير النزاع في التخليد وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي فلهذا حصل ~~فيه النزاع. . وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فهذا ~~ممنوع وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ~~ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت " الخوارج والمعتزلة ": هو مجموع ~~ما أمر الله به ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث؛ قالوا: ~~فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت " ~~المرجئة " على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا ~~من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوي فيه ~~البر والفاجر ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله: " ~~{يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} ". ولهذا كان " أهل ~~السنة والحديث " على أنه يتفاضل وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص ومنهم من ~~يقول: يزيد ولا يقول: ينقص كما روي عن مالك في إحدى الروايتين ومنهم من ~~يقول: يتفاضل كعبد الله بن المبارك وقد، # PageV07P223 # ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة؛ ~~فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة: عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جده عمير ~~بن حبيب الخطمي؛ وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان ~~يزيد وينقص؛ قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه ~~وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه. وروى إسماعيل بن عياش ~~عن حريز بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد ~~وينقص. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد حدثنا حريز بن عثمان قال: سمعت ~~أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: إن من فقه العبد أن يتعاهد ~~إيمانه وما نقص معه ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص؟ وإن من ~~فقه الرجل أن يعلم ms2054 نزغات الشيطان أنى تأتيه. وروى إسماعيل بن عياش عن صفوان ~~بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة قال: الإيمان يزيد ~~وينقص. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن طلحة عن زبيد ~~عن ذر قال كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله ~~عز وجل وقال أبو عبيد في " الغريب " في حديث علي: إن الإيمان يبدو لمظة في ~~القلب وكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة يروى ذلك عن عثمان بن عبد الله عن ~~عمرو بن هند الجملي عن علي قال الأصمعي اللمظة: مثل النكتة أو نحوها. # PageV07P224 # وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال: ~~سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها. وروى سفيان ~~الثوري عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ بن جبل يقول لرجل: ~~اجلس بنا نؤمن نذكر الله تعالى وروى أبو اليمان: حدثنا صفوان عن شريح بن ~~عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا ~~نؤمن ساعة فنحن في مجلس ذكر. وهذه الزيادة أثبتها الصحابة بعد موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله. وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث ~~من كن فيه فقد استكمل الإيمان الإنصاف من نفسه والإنفاق من الإقتار؛ وبذل ~~السلام للعالم ذكره البخاري في " صحيحه " وقال جندب بن عبد الله وابن عمر ~~وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا والآثار في هذا ~~كثيرة رواها المصنفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة ~~معروفة. قال مالك بن دينار: الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة؛ ~~فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدغل ~~وما يضعفه ويوهنه أوشك أن ينمو أو يزداد ويصير له أصل وفروع وثمرة وظل إلى ~~ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز ~~فنتفتها أو ms2055 صبي فذهب بها وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها ~~كذلك الإيمان # PageV07P225 # وقال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب ويهزل في الجدب فخصبه ~~العمل الصالح وجدبه الذنوب والمعاصي. وقيل لبعض السلف: يزداد الإيمان ~~وينقص؟ قال نعم يزداد حتى يصير أمثال الجبال وينقص حتى يصير أمثال الهباء. ~~وفي حديث حذيفة الصحيح: " {حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله؛ ~~وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان} " وفي حديثه الآخر الصحيح " {تعرض ~~الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء؛ ~~وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا ~~فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود: مربادا كالكوز مجخيا لا ~~يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب هواه} "؛ وفي حديث السبعين ألفا ~~الذين يدخلون الجنة بغير حساب كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ~~ونقصانه لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدل على قوة ~~إيمانهم؛ وتوكلهم على الله في أمورهم كلها. وروى أبو نعيم من طريق الليث بن ~~سعد عن يزيد بن عبد الله اليزني {عن أبي رافع أنه سمع رجلا حدثه أنه سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: أتحب أن أخبرك بصريح ~~الإيمان؟ قال: نعم. قال: إذا أسأت أو ظلمت أحدا عبدك أو أمتك أو أحدا من ~~الناس حزنت وساءك ذلك. # PageV07P226 # وإذا تصدقت أو أحسنت استبشرت وسرك ذلك} ورواه بعضهم عن يزيد عمن سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله عن زيادة الإيمان في القلب ونقصانه فذكر ~~نحوه وقال البزار: حدثنا محمد بن أبي الحسن البصري ثنا هانئ بن المتوكل ثنا ~~عبد الله بن سليمان عن إسحاق عن أنس مرفوعا: {ثلاث من كن فيه استوجب الثواب ~~واستكمل الإيمان خلق يعيش به في الناس وورع يحجزه عن معصية الله وحلم يرد ~~به جهل الجاهل} ". و " {أربع من الشقاء: جمود العين وقساوة القلب وطول ~~الأمل ms2056 والحرص على الدنيا} ". فالخصال الأولى تدل على زيادة الإيمان وقوته ~~والأربعة الأخر تدل على ضعفه ونقصانه. وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا عبد الله ~~القواريري ويحيى بن سعيد قالا: ثنا يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا ~~عوف حدثني عقبة بن عبد الله المزني {قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة: ~~حدثني رجل قد سماه ونسي عوف اسمه قال: كنت بالمدينة في مسجد فيه عمر بن ~~الخطاب. فقال لبعض جلسائه: كيف سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~الإسلام؟ فقال: سمعته يقول: الإسلام بدأ جذعا؛ ثم ثنيا؛ ثم رباعيا؛ ثم ~~سداسيا؛ ثم بازلا. فقال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان} كذا ذكره أبو ~~يعلى في " مسند عمر " وفي " مسند " هذا الصحابي المبهم ذكره أولى: قال أبو ~~سليمان: من أحسن في ليله كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله. # PageV07P227 # والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات؛ كقوله تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} وهذه ~~زيادة إذا تليت عليهم الآيات أي وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول ~~وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة ~~معانيه من علم الإيمان ما لم يكن؛ حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ ويحصل ~~في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن؛ فزاد علمه بالله ~~ومحبته لطاعته وهذه زيادة الإيمان وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ~~فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينا ~~وتوكلا على الله وثباتا على الجهاد وتوحيدا بأن لا يخافوا المخلوق؛ بل ~~يخافون الخالق وحده وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} . وهذه " الزيادة " ليست مجرد ms2057 ~~التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيمانا بحسب مقتضاها؛ فإن كانت أمرا ~~بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة وإن كانت نهيا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه ~~ولهذا قال: {وهم يستبشرون} والاستبشار غير مجرد التصديق وقال تعالى: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه} ~~والفرح بذلك من زيادة الإيمان قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا} . وقال تعالى: {ويومئذ # PageV07P228 # يفرح المؤمنون} {بنصر الله} وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا} . وقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} وهذه نزلت لما رجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه من الحديبية؛ فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان. ~~والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه ولهذا قال يوم حنين: {ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} وقال ~~تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} ولم يكن قد نزل يوم حنين ~~قرآن ولا يوم الغار؛ وإنما أنزل سكينته وطمأنينته من خوف العدو فلما أنزل ~~السكينة في قلوبهم مرجعهم من الحديبية ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم دل على ~~أن الإيمان المزيد حال للقلب وصفة له وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه ~~واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة كما يكون بالعلم والريب المنافي لليقين ~~يكون ريبا في العلم وريبا في طمأنينة القلب ولهذا جاء في الدعاء المأثور: " ~~{اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما ~~تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا} ". وفي حديث ~~الصديق الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {سلوا الله العافية واليقين؛ فما أعطي أحد بعد اليقين شيئا # PageV07P229 # خيرا من العافية؛ فسلوهما الله تعالى} "؛ فاليقين عند المصائب بعد العلم ~~بأن الله قدرها سكينة ms2058 القلب وطمأنينته وتسليمه وهذا من تمام الإيمان بالقدر ~~خيره وشره كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه} قال علقمة: ويروى عن ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم وقوله تعالى {يهد قلبه} هداه لقلبه هو زيادة ~~في إيمانه؛ كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} وقال: {إنهم فتية ~~آمنوا بربهم وزدناهم هدى} . # ولفظ " الإيمان " أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا؛ فلا يكون ذلك اللفظ ~~متناولا لجميع ما أمر الله به؛ بل يجعل موجبا للوازمه وتمام ما أمر به ~~وحينئذ يتناوله الاسم المطلق قال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما ~~جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} {وما لكم لا ~~تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم ~~مؤمنين} {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} ~~وقال تعالى في آخر السورة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} ~~. وقد قال بعض المفسرين في الآية الأولى: إنها خطاب لقريش؛ وفي الثانية ~~إنها خطاب لليهود والنصارى وليس كذلك؛ فإن الله لم يقل قط للكفار: {يا أيها ~~الذين آمنوا} ثم قال بعد ذلك: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون # PageV07P230 # على شيء من فضل الله} وهذه السورة مدنية باتفاق لم يخاطب بها المشركين ~~بمكة؛ وقد قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد ~~أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} وهذا لا يخاطب به كافر؛ وكفار مكة لم يكن أخذ ~~ميثاقهم وإنما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له؛ فإن كل من كان مسلما مهاجرا ~~كان يبايع النبي صلى الله عليه وسلم كما بايعه الأنصار ليلة العقبة وإنما ~~دعاهم إلى تحقيق الإيمان وتكميله بأداء ما يجب من تمامه باطنا وظاهرا كما ~~نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم في كل صلاة؛ وإن كان قد هدى المؤمنين ~~للإقرار ms2059 بما جاء به الرسول جملة لكن الهداية المفصلة في جميع ما يقولونه ~~ويفعلونه في جميع أمورهم لم تحصل وجميع هذه الهداية الخاصة المفصلة هي من ~~الإيمان المأمور به. وبذلك يخرجهم الله من الظلمات إلى النور. # PageV07P231 # فصل: # وزيادة الإيمان الذي أمر الله به والذي يكون من عباده المؤمنين يعرف من ~~وجوه: # أحدها: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به فإنه وإن وجب على جميع الخلق ~~الإيمان بالله ورسوله ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملا ~~فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل ~~عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه غيره فمن عرف ~~القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره ولو ~~آمن الرجل بالله وبالرسول باطنا وظاهرا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات ~~مؤمنا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه ولا ما وقع عنه مثل إيمان ~~من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها؛ بل إيمان هذا أكمل وجوبا ووقوعا فإن ما ~~وجب عليه من الإيمان أكمل وما وقع منه أكمل. وقوله تعالى {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} أي في التشريع بالأمر والنهي ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب ~~عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك؛ بل في " الصحيحين " {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه وصف النساء # PageV07P232 # بأنهن ناقصات عقل ودين} وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل ~~واحد ونقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي وهذا النقصان ليس هو نقص ~~مما أمرت به؛ فلا تعاقب على هذا النقصان لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله ~~كان دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين. # الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم فمن آمن بما جاء به الرسول ~~مطلقا فلم يكذبه قط لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره وطلب العلم الواجب ~~عليه؛ فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمله؛ بل اتبع ms2060 هواه وآخر طلب علم ما أمر ~~به فعمل به وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به وإن اشتركوا في الوجوب ~~لكن من طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل به؛ فهؤلاء ممن عرف ما يجب ~~عليه والتزمه وأقر به لكنه لم يعمل بذلك كله وهذا المقر بما جاء به الرسول ~~المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيمانا ممن لم يطلب ~~معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك؛ ولا هو خائف أن يعاقب؛ بل هو في غفلة ~~عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه مقر بنبوته باطنا ~~وظاهرا. فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه وما أمر به فالتزمه؛ كان ~~ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك؛ وإن كان معه التزام عام وإقرار ~~عام. وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها؛ كان إيمانه أكمل ممن لم # PageV07P233 # يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانا مجملا أو عرف بعضها؛ وكلما ازداد ~~الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان إيمانه به أكمل. # الثالث: أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن ~~الشك والريب وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه؛ كما أن الحس الظاهر بالشيء ~~الواحد مثل رؤية الناس للهلال وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من ~~بعض؛ وكذلك سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من ~~الطعام فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة ~~والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه يتفاضل الناس في ~~معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها. # الرابع أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم ~~عمله؛ فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به وإذا كان ~~شخصان يعلمان أن الله حق ورسوله حق والجنة حق والنار حق وهذا علمه أوجب له ~~محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة والهرب من النار والآخر ms2061 علمه لم يوجب ~~ذلك؛ فعلم الأول أكمل؛ فإن قوة المسبب دل على قوة السبب وهذه الأمور نشأت ~~عن العلم فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه؛ والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه؛ ~~فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {ليس الخبر كالمعاين} " فإن موسى لما أخبره # PageV07P234 # ربه أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح. فلما رآهم قد عبدوه ألقاها؛ ~~وليس ذلك لشك موسى في خبر الله لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر فقد لا ~~يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه؛ بل يكون قلبه مشغولا عن ~~تصور المخبر به وإن كان مصدقا به. ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور ~~المخبر به ما لم يكن عند المخبر فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق. # الخامس: أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ورجائه ~~ونحو ذلك هي كلها من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف؛ ~~وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلا عظيما. # السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضا من الإيمان والناس ~~يتفاضلون فيها. # السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك بحيث لا يكون ~~غافلا عنه؛ أكمل ممن صدق به وغفل عنه؛ فإن الغفلة تضاد كمال العلم؛ ~~والتصديق والذكر والاستحضار يكمل العلم واليقين؛ ولهذا قال عمير بن حبيب من ~~الصحابة إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا ~~وضيعنا فذلك نقصانه وهو كذلك؛ وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه: اجلسوا بنا ~~ساعة نؤمن قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} وقال ~~تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وقال تعالى: {سيذكر من يخشى} ~~{ويتجنبها الأشقى} ثم كلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك؛ وعمل به # PageV07P235 # حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معاني أسماء الله ~~وآياته ما لم يكن عرفه قبل ذلك كما في الأثر " {من عمل بما علم ورثه الله ~~علم ما لم يعلم} " وهذا ms2062 أمر يجده في نفسه كل مؤمن. وفي " الصحيح " عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي ~~والميت} ". قال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} وذلك أنها ~~تزيدهم علم ما لم يكونوا قبل ذلك علموه وتزيدهم عملا بذلك العلم وتزيدهم ~~تذكرا لما كانوا نسوه وعملا بتلك التذكرة وكذلك ما يشاهده العباد من الآيات ~~في الآفاق وفي أنفسهم. قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق} أي إن القرآن حق ثم قال تعالى: {أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد} . فإن الله شهيد في القرآن بما أخبر به؛ فآمن به المؤمن ثم ~~أراهم في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات ما يدل على مثل ما أخبر به في القرآن ~~فبينت لهم هذه الآيات أن القرآن حق مع ما كان قد حصل لهم قبل ذلك. وقال ~~تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج} {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} ~~{تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} فالآيات المخلوقة والمتلوة فيها تبصرة وفيها ~~تذكرة: تبصرة من العمى وتذكرة من الغفلة؛ فيبصر من لم يكن عرف حتى يعرف ~~ويذكر من عرف ونسي والإنسان يقرأ السورة مرات حتى سورة الفاتحة ويظهر له في ~~أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك حتى كأنها تلك الساعة ~~نزلت؛ فيؤمن بتلك المعاني ويزداد علمه # PageV07P236 # وعمله وهذا موجود في كل من قرأ القرآن بتدبر بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه ~~ثم كلما فعل شيئا مما أمر به استحضر أنه أمر به فصدق الأمر فحصل له في تلك ~~الساعة من التصديق في قلبه ما كان غافلا عنه وإن لم يكن مكذبا منكرا. # الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول ~~أخبر بها وأمر بها ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر. بل قلبه جازم بأنه لا ~~يخبر إلا بصدق ولا ms2063 يأمر إلا بحق ثم يسمع الآية أو الحديث أو يتدبر ذلك أو ~~يفسر له معناه أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به ويعرف ~~ما كان منكرا وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه ولم يكن قبل ذلك ~~كافرا بل جاهلا؛ وهذا وإن أشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليما عن تكذيب ~~وتصديق لشيء من التفاصيل وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك فيأتيه التفصيل بعد ~~الإجمال على قلب ساذج؛ وأما كثير من الناس بل من أهل العلوم والعبادات ~~فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول وهم لا يعرفون ~~أنها تخالف فإذا عرفوا رجعوا وكل من ابتدع في الدين قولا أخطأ فيه أو عمل ~~عملا أخطأ فيه وهو مؤمن بالرسول أو عرف ما قاله وآمن به لم يعدل عنه؛ هو من ~~هذا الباب وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب؛ فمن علم ما جاء ~~به الرسول وعمل به أكمل ممن أخطأ ذلك؛ ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به ~~فهو أكمل ممن لم يكن كذلك. # PageV07P237 # فصل: # وقد أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان في قوله تعالى {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} . وقد ثبت في " الصحيحين {عن ~~سعد بن أبي وقاص قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رهطا وفي رواية قسم ~~قسما وترك فيهم من لم يعطه وهو أعجبهم إلي فقلت: يا رسول الله ما لك عن ~~فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلما. ~~أقولها ثلاثا ويرددها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم قال: إني ~~لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار} وفي ~~رواية: {فضرب بين عنقي وكتفي وقال: أقتال أي سعد} . فهذا الإسلام الذي نفى ~~الله عن أهله دخول الإيمان في قلوبهم هل هو ms2064 إسلام يثابون عليه؟ أم هو من ~~جنس إسلام المنافقين؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف: أحدهما: أنه إسلام ~~يثابون عليه ويخرجهم من الكفر والنفاق. وهذا مروي عن الحسن وابن سيرين ~~وإبراهيم النخعي # PageV07P238 # وأبي جعفر الباقر؛ وهو قول حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وسهل بن عبد الله ~~التستري وأبي طالب المكي وكثير من أهل الحديث والسنة والحقائق. قال أحمد بن ~~حنبل: حدثنا مؤمل بن إسحاق عن عمار بن زيد قال: سمعت هشاما يقول: كان الحسن ~~ومحمد يقولان: مسلم ويهابان: مؤمن. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سلمة ~~الخزاعي قال: قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة ~~وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: " الإيمان " المعرفة والإقرار والعمل إلا أن ~~حماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان يجعل الإيمان خاصا والإسلام عاما. و ~~(القول الثاني) : أن هذا الإسلام: هو الاستسلام خوف السبي والقتل مثل إسلام ~~المنافقين. قالوا: وهؤلاء كفار فإن الإيمان لم يدخل في قلوبهم ومن لم يدخل ~~الإيمان في قلبه فهو كافر. وهذا اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي ~~والسلف مختلفون في ذلك. قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق أنبأنا جرير عن مغيرة ~~قال: أتيت إبراهيم النخعي فقلت: إن رجلا خاصمني يقال له: سعيد العنبري فقال ~~إبراهيم ليس بالعنبري ولكنه زبيدي. قوله: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا} فقال: هو الاستسلام فقال إبراهيم: لا هو الإسلام. وقال: ~~حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن # PageV07P239 # مجاهد: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} قال: ~~استسلمنا خوف السبي والقتل. ولكن هذا منقطع سفيان لم يدرك مجاهدا. والذين ~~قالوا: إن هذا الإسلام هو كإسلام المنافقين لا يثابون عليه قالوا: لأن الله ~~نفى عنهم الإيمان ومن نفي عنه الإيمان فهو كافر. وقال هؤلاء: الإسلام هو ~~الإيمان وكل مسلم مؤمن. وكل مؤمن مسلم ومن جعل الفساق مسلمين غير مؤمنين ~~لزمه أن لا يجعلهم داخلين في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ms2065 إلى ~~الصلاة} وفي قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة} وأمثال ذلك فإنهم إنما دعوا باسم الإيمان لا باسم الإسلام فمن لم ~~يكن مؤمنا لم يدخل في ذلك. وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف: إنهم ~~خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء ~~بل هذا قول الخوارج والمعتزلة. وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون: الفساق ~~يخرجون من النار بالشفاعة. وإن معهم إيمانا يخرجون به من النار. لكن لا ~~يطلق عليهم اسم الإيمان لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ~~ودخول الجنة وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان لأن ~~الخطاب بذلك هو لمن دخل في الإيمان وإن لم يستكمله فإنه إنما خوطب ليفعل ~~تمام الإيمان فكيف يكون قد أتمه قبل الخطاب وإلا كنا قد تبينا أن هذا ~~المأمور من الإيمان قبل الخطاب؛ وإنما صار من الإيمان بعد أن أمروا به ~~فالخطاب ب {يا أيها # PageV07P240 # الذين آمنوا} غير قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} ونظائرها فإن الخطاب ب {يا أيها الذين ~~آمنوا} أولا: يدخل فيه من أظهر الإيمان وإن كان منافقا في الباطن يدخل فيه ~~في الظاهر فكيف لا يدخل فيه من لم يكن منافقا وإن لم يكن من المؤمنين حقا. ~~وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقا يقال فيه: إنه مسلم ومعه إيمان يمنعه ~~الخلود في النار وهذا متفق عليه بين أهل السنة. لكن هل يطلق عليه اسم ~~الإيمان؟ هذا هو الذي تنازعوا فيه فقيل: يقال مسلم ولا يقال: مؤمن. وقيل: ~~بل يقال: مؤمن. # والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولا ~~يعطى اسم الإيمان المطلق؛ فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق؛ واسم ~~الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه ~~وهو لازم له كما يلزمه غيره وإنما الكلام في اسم المدح المطلق؛ وعلى هذا ~~فالخطاب ms2066 بالإيمان يدخل فيه " ثلاث طوائف ": يدخل فيه المؤمن حقا ويدخل فيه ~~المنافق في أحكامه الظاهرة وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار؛ ~~وهو في الباطن ينفي عنه الإسلام والإيمان وفي الظاهر يثبت له الإسلام ~~والإيمان الظاهر؛ ويدخل فيه الذين أسلموا وإن لم تدخل حقيقة الإيمان في ~~قلوبهم؛ لكن معهم جزء من الإيمان والإسلام يثابون عليه. # PageV07P241 # ثم قد يكونون مفرطين فيما فرض عليهم وليس معهم من الكبائر ما يعاقبون ~~عليه كأهل الكبائر لكن يعاقبون على ترك المفروضات وهؤلاء كالأعراب ~~المذكورين في الآية وغيرهم؛ فإنهم قالوا: آمنا من غير قيام منهم بما أمروا ~~به باطنا وظاهرا. فلا دخلت حقيقة الإيمان في قلوبهم ولا جاهدوا في سبيل ~~الله وقد كان دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد وقد يكونون من أهل ~~الكبائر المعرضين للوعيد؛ كالذين يصلون ويزكون ويجاهدون ويأتون الكبائر؛ ~~وهؤلاء لا يخرجون من الإسلام؛ بل هم مسلمون ولكن بينهم نزاع لفظي: هل يقال: ~~إنهم مؤمنون كما سنذكره إن شاء الله؟ . وأما " الخوارج "؛ " والمعتزلة " ~~فيخرجونهم من اسم الإيمان والإسلام؛ فإن الإيمان والإسلام عندهم واحد؛ فإذا ~~خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام؛ لكن الخوارج تقول: هم كفار؛ ~~والمعتزلة تقول: لا مسلمون ولا كفار؛ ينزلونهم منزلة بين المنزلتين؛ ~~والدليل على أن الإسلام المذكور في الآية هو إسلام يثابون عليه وأنهم ليسوا ~~منافقين أنه قال: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم} ثم قال: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا} فدل على أنهم إذا أطاعوا الله ورسوله مع هذا الإسلام؛ آجرهم ~~الله على الطاعة. والمنافق عمله حابط في الآخرة. وأيضا فإنه وصفهم بخلاف ~~صفات المنافقين فإن المنافقين وصفهم بكفر في قلوبهم وأنهم يبطنون خلاف ما ~~يظهرون؛ كما قال تعالى: {ومن الناس # PageV07P242 # من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} {يخادعون الله والذين ~~آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} ~~الآيات. وقال: {إذا جاءك المنافقون قالوا ms2067 نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فالمنافقون يصفهم في القرآن ~~بالكذب؛ وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وبأن في قلوبهم من الكفر ~~ما يعاقبون عليه؛ وهؤلاء لم يصفهم بشيء من ذلك لكن لما ادعوا الإيمان قال ~~للرسول: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} . ونفي الإيمان المطلق لا ~~يستلزم أن يكونوا منافقين كما في قوله: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم ~~مؤمنين} ثم قال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا} ومعلوم أنه ليس من لم يكن كذلك؛ ~~يكون منافقا من أهل الدرك الأسفل من النار بل لا يكون قد أتى بالإيمان ~~الواجب فنفي عنه كما ينفى سائر الأسماء عمن ترك بعض ما يجب عليه فكذلك ~~الأعراب لم يأتوا بالإيمان الواجب؛ فنفي عنهم لذلك وإن كانوا مسلمين معهم ~~من الإيمان ما يثابون عليه. وهذا حال أكثر الداخلين في الإسلام ابتداء؛ بل ~~حال أكثر من لم يعرف # PageV07P243 # حقائق الإيمان؛ فإن الرجل إذا قوتل حتى أسلم كما كان الكفار يقاتلون حتى ~~يسلموا أو أسلم بعد الأسر أو سمع بالإسلام فجاء فأسلم؛ فإنه مسلم ملتزم ~~طاعة الرسول ولم تدخل إلى قلبه المعرفة بحقائق الإيمان فإن هذا إنما يحصل ~~لمن تيسرت له أسباب ذلك؛ إما بفهم القرآن وإما بمباشرة أهل الإيمان ~~والاقتداء بما يصدر عنهم من الأقوال والأعمال وإما بهداية خاصة من الله ~~يهديه بها. والإنسان قد يظهر له من محاسن الإسلام ما يدعوه إلى الدخول فيه ~~وإن كان قد ولد عليه وتربى بين أهله فإنه يحبه فقد ظهر له بعض محاسنه وبعض ~~مساوئ الكفار. وكثير من هؤلاء قد يرتاب إذا سمع الشبه القادحة فيه ولا ~~يجاهد في سبيل الله؛ فليس هو ms2068 داخلا في قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} وليس ~~هو منافقا في الباطن مضمرا للكفر فلا هو من المؤمنين حقا ولا هو من ~~المنافقين ولا هو أيضا من أصحاب الكبائر بل يأتي بالطاعات الظاهرة ولا يأتي ~~بحقائق الإيمان التي يكون بها من المؤمنين حقا؛ فهذا معه إيمان وليس هو من ~~المؤمنين حقا ويثاب على ما فعل من الطاعات ولهذا قال تعالى: {ولكن قولوا ~~أسلمنا} ولهذا قال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} يعني في قولكم: {آمنا} . يقول: ~~إن كنتم صادقين فالله يمن عليكم أن هداكم للإيمان؛ وهذا # PageV07P244 # يقتضي أنهم قد يكونون صادقين في قولهم: {آمنا} . ثم صدقهم إما أن يراد به ~~اتصافهم بأنهم {آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وإما أن يراد به أنهم لم يكونوا ~~كالمنافقين بل معهم إيمان وإن لم يكن لهم أن يدعوا مطلق الإيمان وهذا أشبه ~~والله أعلم لأن النسوة الممتحنات قال فيهن: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار} ولا يمكن نفي الريب عنهن في المستقبل ولأن الله إنما ~~كذب المنافقين ولم يكذب غيرهم؛ وهؤلاء لم يكذبهم ولكن قال: {لم تؤمنوا} كما ~~قال: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} وقوله: {لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن} و {لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه} وهؤلاء ليسوا ~~منافقين. وسياق الآية يدل على أن الله ذمهم لكونهم منوا بإسلامهم لجهلهم ~~وجفائهم وأظهروا ما في أنفسهم مع علم الله به؛ فإن الله تعالى قال: {قل ~~أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} فلو لم يكن ~~في قلوبهم شيء من الدين لم يكونوا يعلمون الله بدينهم؛ فإن الإسلام الظاهر ~~يعرفه كل أحد. ودخلت الباء في قوله: {أتعلمون الله بدينكم} لأنه ضمن معنى ~~يخبرون ويحدثون كأنه قال: أتخبرونه وتحدثونه بدينكم ms2069 وهو يعلم ما في السموات ~~وما في الأرض. وسياق الآية يدل على أن الذي أخبروا به الله هو ما ذكره الله ~~عنهم من قولهم: {آمنا} فإنهم أخبروا عما في قلوبهم. # PageV07P245 # وقد ذكر المفسرون أنه {لما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون فنزل قوله تعالى {قل أتعلمون الله ~~بدينكم} } وهذا يدل على أنهم كانوا صادقين أولا في دخولهم في الدين لأنه لم ~~يتجدد لهم بعد نزول الآية جهاد حتى يدخلوا به في الآية إنما هو كلام قالوه ~~وهو سبحانه قال: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ولفظ: (لما ينفي به ما يقرب ~~حصوله ويحصل غالبا كقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم} وقد قال السدي: نزلت هذه الآية في أعراب مزينة وجهينة وأسلم ~~وأشجع وغفار وهم الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وكانوا يقولون: آمنا بالله ~~ليأمنوا على أنفسهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا؛ فنزلت فيهم هذه ~~الآية. وعن مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة وكانوا إذا مرت بهم سرية ~~من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا ليأمنوا على دمائهم ~~وأموالهم فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ~~ينفروا معه. وقال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة ووصف غيره حالهم. ~~فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين ~~وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارهم وكانوا يمنون على رسول الله # PageV07P246 # صلى الله عليه وسلم يقولون: أتيناك بالأثقال والعيال فنزلت فيهم هذه ~~الآية وقد قال قتادة في قوله: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} قال: منوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءوا فقالوا: إنا أسلمنا بغير قتال لم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان فقال الله لنبيه: {يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ms2070 للإيمان} . ~~وقال مقاتل بن حيان: هم {أعراب بني أسد بن خزيمة قالوا: يا رسول الله ~~أتيناك بغير قتال وتركنا العشائر والأموال وكل قبيلة من العرب قاتلتك حتى ~~دخلوا كرها في الإسلام؛ فلنا بذلك عليك حق: فأنزل الله تعالى: {يمنون عليك ~~أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين} } . فله بذلك المن عليكم وفيهم أنزل الله: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم} ويقال: من الكبائر التي ختمت بنار كل موجبة من ركبها ومات عليها ~~لم يتب منها. وهذا كله يبين أنهم لم يكونوا كفارا في الباطن؛ ولا كانوا قد ~~دخلوا فيما يجب من الإيمان؛ وسورة الحجرات قد ذكرت هذه الأصناف فقال: {إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ولم يصفهم بكفر ولا نفاق؛ ~~لكن هؤلاء يخشى عليهم الكفر والنفاق ولهذا ارتد بعضهم لأنهم لم يخالط ~~الإيمان بشاشة قلوبهم وقال بعد ذلك {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم # PageV07P247 # فاسق بنبإ فتبينوا} الآية وهذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة وكان قد كذب ~~فيما أخبر. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في {الوليد بن عقبة بعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم وقد كانت بينه ~~وبينهم عداوة في الجاهلية فسار بعض الطريق ثم رجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتلي فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البعث إليهم فنزلت هذه الآية} . وهذه القصة معروفة من وجوه كثيرة ~~ثم قال تعالى في تمامها: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم} وقال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى} الآية. ثم نهاهم عن أن يسخر بعضهم ببعض وعن ~~اللمز والتنابز بالألقاب وقال: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} وقد قيل: ~~معناه: لا تسميه فاسقا ولا كافرا بعد إيمانه وهذا ضعيف بل المراد: بئس ~~الاسم أن تكونوا فساقا بعد إيمانكم كما قال تعالى في الذي كذب: ms2071 {إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا} فسماه فاسقا. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} يقول: فإذا ساببتم المسلم ~~وسخرتم منه ولمزتموه استحققتم أن تسموا فساقا وقد قال في آية القذف: {ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} . يقول: فإذا أتيتم بهذه الأمور ~~التي تستحقون بها أن تسموا # PageV07P248 # فساقا كنتم قد استحققتم اسم الفسوق بعد الإيمان وإلا فهم في تنابزهم ما ~~كانوا يقولون: فاسق كافر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبعضهم ~~يلقب بعضا. وقد قال طائفة من المفسرين في هذه الآية: لا تسميه بعد الإسلام ~~بدينه قبل الإسلام كقوله لليهودي إذا أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن ~~عباس وطائفة من التابعين كالحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والقرظي ~~وقال عكرمة: هو قول الرجل: يا كافر يا منافق وقال عبد الرحمن بن زيد: هو ~~تسمية الرجل بالأعمال كقوله: يا زاني يا سارق يا فاسق وفي تفسير العوفي عن ~~ابن عباس قال: هو تعيير التائب بسيئات كان قد عملها ومعلوم أن اسم الكفر ~~واليهودية والزاني والسارق وغير ذلك من السيئات ليست هي اسم الفاسق فعلم أن ~~قوله: {بئس الاسم الفسوق} لم يرد به تسمية المسبوب باسم الفاسق فإن تسميته ~~كافرا أعظم بل إن الساب يصير فاسقا لقوله: {سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} ~~ثم قال: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} فجعلهم ظالمين إذا لم يتوبوا من ~~ذلك وإن كانوا يدخلون في اسم المؤمنين ثم ذكر النهي عن الغيبة ثم ذكر النهي ~~عن التفاخر بالأحساب وقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . ثم ذكر قول ~~الأعراب: {آمنا} . فالسورة تنهى عن هذه المعاصي والذنوب التي فيها تعد على ~~الرسول وعلى # PageV07P249 # المؤمنين فالأعراب المذكورون فيها من جنس المنافقين. وأهل السباب والفسوق ~~والمنادين من وراء الحجرات وأمثالهم ليسوا من المنافقين ولهذا قال ~~المفسرون: إنهم الذين استنفروا عام الحديبية وأولئك وإن كانوا من أهل ~~الكبائر فلم يكونوا في الباطن كفارا منافقين. قال ابن إسحاق: {لما أراد ms2072 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة - عمرة الحديبية - استنفر من حول ~~المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه خوفا من قومه أن يعرضوا له ~~بحرب أو بصد فتثاقل عنه كثير منهم} فهم الذين عنى الله بقوله: {سيقول لك ~~المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا} أي ادع الله أن ~~يغفر لنا تخلفنا عنك {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} أي ما يبالون ~~استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وهذا حال الفاسق الذي لا يبالي بالذنب ~~والمنافقون قال فيهم: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم} ولم يقل مثل هذا في هؤلاء الأعراب بل الآية دليل على ~~أنهم لو صدقوا في طلب الاستغفار نفعهم استغفار الرسول لهم ثم قال: {ستدعون ~~إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا ~~حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} فوعدهم الله ~~بالثواب على طاعة الداعي إلى الجهاد وتوعدهم بالتولي عن طاعته. وهذا كخطاب ~~أمثالهم من أهل الذنوب والكبائر؛ بخلاف من هو كافر # PageV07P250 # في الباطن فإنه لا يستحق الثواب بمجرد طاعة الأمر حتى يؤمن أولا ووعيده ~~ليس على مجرد توليه عن الطاعة في الجهاد فإن كفره أعظم من هذا. فهذا كله ~~يدل على أن هؤلاء من فساق الملة فإن الفسق يكون تارة بترك الفرائض وتارة ~~بفعل المحرمات وهؤلاء لما تركوا ما فرض الله عليهم من الجهاد وحصل عندهم ~~نوع من الريب الذي أضعف إيمانهم لم يكونوا من الصادقين الذين وصفهم وإن ~~كانوا صادقين في أنهم في الباطن متدينون بدين الإسلام. وقول المفسرين: لم ~~يكونوا مؤمنين نفي لما نفاه الله عنهم من الإيمان كما نفاه عن الزاني ~~والسارق والشارب وعمن لا يأمن جاره بوائقه وعمن لا يحب لأخيه من الخير ما ~~يحب لنفسه؛ وعمن لا يجيب إلى حكم الله ورسوله وأمثال هؤلاء. وقد يحتج على ~~ذلك بقوله: {بئس ms2073 الاسم الفسوق بعد الإيمان} كما قال: {سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر} فذم من استبدل اسم الفسوق بعد الإيمان؛ فدل على أن الفاسق لا ~~يسمى مؤمنا فدل ذلك على أن هؤلاء الأعراب من جنس أهل الكبائر لا من جنس ~~المنافقين. وأما ما نقل من أنهم أسلموا خوف القتل والسبي؛ فهكذا كان إسلام ~~غير المهاجرين والأنصار أسلموا رغبة ورهبة كإسلام الطلقاء من قريش بعد أن ~~قهرهم النبي صلى الله عليه وسلم وإسلام المؤلفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل ~~نجد وليس كل من أسلم لرغبة أو رهبة كان من المنافقين الذين هم في الدرك ~~الأسفل # PageV07P251 # من النار؛ بل يدخلون في الإسلام والطاعة وليس في قلوبهم تكذيب ومعاداة ~~للرسول ولا استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا فيه؛ وهؤلاء قد يحسن ~~إسلام أحدهم فيصير من المؤمنين كأكثر الطلقاء وقد يبقى من فساق الملة؛ ~~ومنهم من يصير منافقا مرتابا {إذا قال له منكر ونكير: ما تقول في هذا الرجل ~~الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته} . ~~وقد تقدم قول من قال: إنهم أسلموا بغير قتال؛ فهؤلاء كانوا أحسن إسلاما من ~~غيرهم وأن الله إنما ذمهم لكونهم منوا بالإسلام وأنزل فيهم {ولا تبطلوا ~~أعمالكم} وأنهم من جنس أهل الكبائر. وأيضا قوله: {ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم} {ولما} إنما ينفي بها ما ينتظر ويكون حصوله مترقبا ~~كقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين} وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم} فقوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} يدل على أن دخول الإيمان ~~منتظر منهم؛ فإن الذي يدخل في الإسلام ابتداء لا يكون قد حصل في قلبه ~~الإيمان لكنه يحصل فيما بعد كما في الحديث: {كان الرجل يسلم أول النهار ~~رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه ~~الشمس} . ولهذا كان عامة الذين أسلموا رغبة ورهبة دخل الإيمان في قلوبهم ~~بعد ذلك؛ ms2074 وقوله: {ولكن قولوا أسلمنا} # PageV07P252 # أمر لهم بأن يقولوا ذلك والمنافق لا يؤمر بشيء ثم قال: {وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} والمنافق لا تنفعه طاعة الله ورسوله حتى ~~يؤمن أولا. وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في ~~الإيمان دون الإسلام وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال ~~الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في: أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: ~~أقول: مؤمن إن شاء الله وأقول: مسلم ولا أستثني قال: قلت لأحمد: تفرق بين ~~الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: {قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وذكر أشياء. # وقال الشالنجي: سألت أحمد عمن قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام ~~والمواريث ولا أعلم ما أنا عند الله؟ قال: ليس بمرجئ. وقال أبو أيوب سليمان ~~بن داود الهاشمي: الاستثناء جائز ومن قال: أنا مؤمن حقا ولم يقل: عند الله ~~ولم يستثن؛ فذلك عندي جائز وليس بمرجئ وبه قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة؛ ~~وذكر الشالنجي أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده أي ~~يطلب الذنب بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم؛ هل يكون مصرا من ~~كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر مثل قوله: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} ~~يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام ومن نحو قوله: {ولا يشرب الخمر حين يشربها ~~وهو مؤمن ولا # PageV07P253 # يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن} ومن نحو قول ابن عباس في قوله: {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر ~~لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض؛ فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك ~~أمر لا يختلف فيه. وقال ابن أبي شيبة: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} ~~لا يكون مستكمل الإيمان يكون ناقصا من إيمانه. قال الشالنجي: وسألت أحمد عن ~~الإيمان والإسلام. فقال: الإيمان ms2075 قول وعمل؛ والإسلام: إقرار قال: وبه قال ~~أبو خيثمة. وقال ابن أبي شيبة: لا يكون إسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا ~~بإسلام؛ وإذا كان على المخاطبة فقال: قد قبلت الإيمان فهو داخل في الإسلام؛ ~~وإذا قال: قد قبلت الإسلام فهو داخل في الإيمان. وقال محمد بن نصر المروزي: ~~وحكى غير هؤلاء أنه سأل أحمد بن حنبل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} فقال: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو ~~فوقهن فهو مسلم ولا أسميه مؤمنا ومن أتى دون ذلك يريد دون الكبائر أسميه ~~مؤمنا ناقص الإيمان. قلت: أحمد بن حنبل كان يقول تارة بهذا الفرق وتارة كان ~~يذكر الاختلاف ويتوقف وهو المتأخر عنه قال أبو بكر الأثرم في " السنة " ~~سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ فقال: أما ~~أنا فلا أعيبه أي من الناس من يعيبه. قال أبو عبد الله: إذا كان يقول: إن ~~الإيمان قول # PageV07P254 # وعمل يزيد وينقص فاستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك؛ إنما ~~يستثنى للعمل. قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله} أي أن هذا استثناء بغير شك وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أهل ~~القبور: {وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} أي لم يكن يشك في هذا وقد استثناه ~~وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {وعليها نبعث إن شاء الله} يعني من ~~القبر وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله} ~~قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: وكأنك لا ترى ~~بأسا أن لا يستثنى. فقال: إذا كان ممن يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ ~~فهو أسهل عندي؛ ثم قال أبو عبد الله: إن قوما تضعف قلوبهم عن الاستثناء ~~كالتعجب منهم وسمعت أبا عبد الله وقيل له: شبابة أي شيء تقول فيه؟ : فقال: ~~شبابة كان يدعي الإرجاء قال: وحكي عن شبابة قول أخبث ms2076 من هذه الأقاويل ما ~~سمعت عن أحد بمثله؛ قال أبو عبد الله: قال شبابة: إذا قال: فقد عمل بلسانه ~~كما يقولون فإذا قال فقد عمل بجارحته أي بلسانه حين تكلم به؛ ثم قال أبو ~~عبد الله: هذا قول خبيث ما سمعت أحدا يقول به ولا بلغني قيل لأبي عبد الله: ~~كنت كتبت عن شبابة شيئا؟ فقال: نعم كنت كتبت عنه قديما يسيرا قبل أن نعلم ~~أنه يقول بهذا قلت لأبي عبد الله: كتبت عنه بعد؟ قال: لا ولا حرفا. قيل ~~لأبي عبد الله: يزعمون أن سفيان كان يذهب إلى الاستثناء في الإيمان. فقال: ~~هذا مذهب سفيان المعروف به الاستثناء قلت لأبي عبد الله: من يرويه عن # PageV07P255 # سفيان فقال كل من حكى عن سفيان في هذا حكاية كان يستثني قال وقال وكيع عن ~~سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث؟ ولا ندري ما هم عند الله ~~قلت لأبي عبد الله: فأنت بأي شيء تقول؟ . فقال: نحن نذهب إلى الاستثناء. ~~قلت لأبي عبد الله: فأما إذا قال: أنا مسلم فلا يستثنى؟ فقال: نعم لا ~~يستثنى إذا قال: أنا مسلم: قلت لأبي عبد الله: أقول: هذا مسلم وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} وأنا ~~أعلم أنه لا يسلم الناس منه فذكر حديث معمر عن الزهري: فنرى أن الإسلام ~~الكلمة والإيمان العمل قال أبو عبد الله: حدثناه عبد الرزاق عن معمر عن ~~الزهري قيل لأبي عبد الله: فنقول: الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك فذكر قوله {أخرجوا من النار من كان في قلبه ~~مثقال كذا أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا} فهو يدل على ذلك وذكر عند أبي ~~عبد الله عيسى الأحمر وقوله في الإرجاء فقال: نعم وذلك خبيث القول وقال أبو ~~عبد الله: حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن زيد سمعت هشاما يقول: كان الحسن ومحمد ~~يقولان: مسلم. ويهابان: مؤمن. قلت لأبي عبد الله: رواه غير سويد؟ قال: ms2077 ما ~~علمت بذلك وسمعت أبا عبد الله يقول: الإيمان قول وعمل. قلت لأبي عبد الله: ~~فالحديث الذي يروى {أعتقها فإنها مؤمنة} قال: ليس كل أحد يقول: إنها مؤمنة ~~يقولون أعتقها. قال: ومالك سمعه من هذا الشيخ هلال بن علي لا يقول {فإنها ~~مؤمنة} # PageV07P256 # وقد قال بعضهم بأنها مؤمنة فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة هذا ~~معناه. قلت لأبي عبد الله: تفرق بين الإيمان والإسلام؟ فقال: قد اختلف ~~الناس فيه وكان حماد بن زيد - زعموا - يفرق بين الإيمان والإسلام قيل له: ~~من المرجئة؟ قال: الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. قلت: فأحمد بن حنبل ~~لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يبق معه منه شيء كما تقوله الخوارج ~~والمعتزلة فإنه قد صرح في غير موضع: بأن أهل الكبائر معهم إيمان يخرجون به ~~من النار واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم {أخرجوا من النار من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان} وليس هذا قوله ولا قول أحد من أئمة أهل السنة بل ~~كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون ~~به من النار هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين لكن إذا كان معه بعض ~~الإيمان لم يلزم أن يدخل في الاسم المطلق الممدوح وصاحب الشرع قد نفى الاسم ~~عن هؤلاء فقال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} وقال: {لا يؤمن أحدكم ~~حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} وقال: {لا يؤمن من لا يأمن جاره ~~بوائقه} وأقسم على ذلك مرات وقال: {المؤمن من أمنه الناس على دمائهم ~~وأموالهم} . # و " المعتزلة " ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية واسم الإسلام أيضا ~~ويقولون: ليس معه شيء من الإيمان والإسلام ويقولون: ننزله منزلة بين ~~منزلتين فهم يقولون: إنه يخلد في النار لا يخرج منها بالشفاعة وهذا هو الذي ~~أنكر عليهم # PageV07P257 # وإلا لو نفوا مطلق الاسم وأثبتوا معه شيئا من الإيمان يخرج به من النار ~~لم يكونوا مبتدعة وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال ms2078 الإيمان الواجب ~~فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد وإنما ينازع في ذلك من يقول: ~~الإيمان لا يتبعض من الجهمية والمرجئة فيقولون: إنه كامل الإيمان فالذي ~~ينفي إطلاق الاسم يقول: الاسم المطلق مقرون بالمدح واستحقاق الثواب كقولنا: ~~متق وبر وعلى الصراط المستقيم فإذا كان الفاسق لا تطلق عليه هذه الأسماء ~~فكذلك اسم الإيمان وأما دخوله في الخطاب فلأن المخاطب باسم الإيمان كل من ~~معه شيء منه لأنه أمر لهم فمعاصيهم لا تسقط عنهم الأمر. وأما ما ذكره أحمد ~~في الإسلام فاتبع فيه الزهري حيث قال: فكانوا يرون الإسلام الكلمة والإيمان ~~العمل في حديث سعد بن أبي وقاص وهذا على وجهين فإنه قد يراد به الكلمة ~~بتوابعها من الأعمال الظاهرة وهذا هو الإسلام الذي بينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال: {الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت} وقد يراد به ~~الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة وليس هذا هو الذي جعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإسلام. لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا فيقال. ~~الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ألزموا ~~بالأعمال الظاهرة: الصلاة والزكاة والصيام والحج ولم يكن أحد يترك بمجرد ~~الكلمة بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها. # PageV07P258 # وأحمد إن كان أراد في هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط فكل من ~~قالها فهو مسلم فهذه إحدى الروايات عنه والرواية الأخرى: لا يكون مسلما حتى ~~يأتي بها ويصلي فإذا لم يصل كان كافرا. و " الثالثة " أنه كافر بترك الزكاة ~~أيضا. و " الرابعة " أنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ما ~~إذا لم يقاتله وعنه أنه لو قال: أنا أؤديها ولا أدفعها إلى الإمام لم يكن ~~للإمام أن يقتله وكذلك عنه رواية أنه يكفر بترك الصيام والحج إذا عزم أنه ~~لا يحج أبدا. ومعلوم أنه على القول بكفر تارك المباني يمتنع أن يكون ms2079 ~~الإسلام مجرد الكلمة بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام وهذا ~~صحيح فإنه يشهد له بالإسلام ولا يشهد له بالإيمان الذي في القلب ولا يستثنى ~~في هذا الإسلام لأنه أمر مشهور لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به ~~يقبل الاستثناء فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها ~~لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها. # وقد صار ### | الناس في مسمى الإسلام على " ثلاثة أقوال ": # قيل: هو الإيمان وهما اسمان لمسمى واحد. وقيل: هو الكلمة وهذان القولان ~~لهما وجه سنذكره لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان ~~بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب ~~بغير ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه ~~يتضمن الإسلام؛ وإذا أفرد الإسلام؛ فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع؛ ~~وهذا # PageV07P259 # هو الواجب؛ وهل يكون مسلما ولا يقال له: مؤمن؟ قد تقدم الكلام فيه. وكذلك ~~هل يستلزم الإسلام للإيمان؟ هذا فيه النزاع المذكور وسنبينه والوعد الذي في ~~القرآن بالجنة وبالنجاة من العذاب إنما هو معلق باسم الإيمان وأما اسم ~~الإسلام مجردا فما علق به في القرآن دخول الجنة لكنه فرضه وأخبر أنه دينه ~~الذي لا يقبل من أحد سواه. وبالإسلام بعث الله جميع النبيين قال تعالى: ~~{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال: ~~{إن الدين عند الله الإسلام} وقال نوح: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} {فإن توليتم فما سألتكم من أجر ~~إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وقد أخبر أنه لم ينج من ~~العذاب إلا المؤمنين فقال: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول ومن آمن وما ms2080 آمن معه إلا قليل} وقال: {وأوحي إلى نوح أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وقال نوح: {وما أنا بطارد الذين آمنوا} . ~~وكذلك أخبر عن إبراهيم أن دينه الإسلام فقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} # PageV07P260 # وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} وبمجموع هذين الوصفين علق السعادة فقال: ~~{بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} كما علقه بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح في قوله: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وهذا يدل على أن ~~الإسلام الذي هو إخلاص الدين لله مع الإحسان وهو العمل الصالح الذي أمر ~~الله به هو والإيمان المقرون بالعمل الصالح متلازمان فإن الوعد على الوصفين ~~وعد واحد وهو الثواب وانتفاء العقاب فإن انتفاء الخوف علة تقتضي انتفاء ما ~~يخافه؛ ولهذا قال: {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لم يقل: لا يخافون فهم لا ~~خوف عليهم وإن كانوا يخافون الله ونفى عنهم أن يحزنوا لأن الحزن إنما يكون ~~على ماض فهم لا يحزنون بحال لا في القبر ولا في عرصات القيامة بخلاف الخوف ~~فإنه قد يحصل لهم قبل دخول الجنة ولا خوف عليهم في الباطن كما قال تعالى: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} . وأما " الإسلام المطلق المجرد " فليس في كتاب الله تعليق دخول ~~الجنة به كما في كتاب الله تعليق دخول الجنة بالإيمان المطلق المجرد كقوله: ~~{سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت ms2081 للذين آمنوا ~~بالله # PageV07P261 # ورسله} وقال: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} . وقد وصف ~~الخليل ومن اتبعه بالإيمان كقوله: {فآمن له لوط} ووصفه بذلك فقال: {فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ووصفه ~~بأعلى طبقات الإيمان وهو أفضل البرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم. والخليل ~~إنما دعا بالرزق للمؤمنين خاصة فقال: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر} وقال: {واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ~~{وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} بعد ~~قوله: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم} ~~وقال: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم ~~قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} وقد ذكرنا البشرى المطلقة للمسلمين في ~~قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} . ~~وقد وصف الله السحرة بالإسلام والإيمان معا فقالوا: {آمنا برب العالمين} ~~{رب موسى وهارون} وقالوا: {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جاءتنا} وقالوا: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} ~~وقالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} . ووصف الله أنبياء بني ~~إسرائيل بالإسلام في قوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها # PageV07P262 # النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} والأنبياء كلهم مؤمنون. ووصف ~~الحواريين بالإيمان والإسلام فقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} و {قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} . # وحقيقة الفرق أن الإسلام دين. و " الدين " مصدر دان يدين دينا: إذا خضع ~~وذل و " دين الإسلام " الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله ~~وحده؛ فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه. فمن ~~عبده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما ومن ms2082 لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم ~~يكن مسلما والإسلام هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له هكذا قال ~~أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم؛ فالإسلام في الأصل من باب العمل عمل ~~القلب والجوارح. وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة فهو من باب قول ~~القلب المتضمن عمل القلب؛ والأصل فيه التصديق والعمل تابع له فلهذا فسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان " بإيمان القلب وبخضوعه وهو الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله وفسر " الإسلام " باستسلام مخصوص هو المباني ~~الخمس. وهكذا في سائر كلامه صلى الله عليه وسلم يفسر الإيمان بذلك النوع ~~ويفسر الإسلام بهذا وذلك النوع أعلى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{الإسلام علانية والإيمان في القلب} فإن الأعمال الظاهرة يراها الناس وأما # PageV07P263 # ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن؛ لكن له لوازم قد ~~تدل عليه واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزوما فلهذا كان من لوازمه ما يفعله ~~المؤمن والمنافق فلا يدل. . . (1) ففي حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة ~~جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم} ففسر المسلم بأمر ظاهر ~~وهو سلامة الناس منه وفسر المؤمن بأمر باطن وهو أن يأمنوه على دمائهم ~~وأموالهم وهذه الصفة أعلى من تلك فإن من كان مأمونا سلم الناس منه؛ وليس كل ~~من سلموا منه يكون مأمونا فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه خوفا أن يكون ~~ترك أذاهم لرغبة ورهبة؛ لا لإيمان في قلبه. وفي حديث عبيد بن عمير عن عمرو ~~بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ما الإسلام؟ قال إطعام الطعام. ولين الكلام قال: فما الإيمان قال ~~السماحة والصبر} فإطعام الطعام عمل ظاهر يفعله الإنسان لمقاصد متعددة وكذلك ~~لين الكلام وأما السماحة والصبر فخلقان في النفس. قال تعالى: {وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وهذا أعلى من ذاك وهو أن يكون ms2083 صبارا شكورا فيه ~~سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على المكاره وهذا ضد الذي خلق هلوعا إذا مسه ~~الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا؛ فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة ولا ~~صبر عند المصيبة. PageV07P264 # وتمام الحديث: {فأي الإسلام أفضل؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~قال: يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال أحسنهم خلقا قال: يا رسول ~~الله أي القتل أشرف؟ قال من أريق دمه وعقر جواده قال يا رسول الله فأي ~~الجهاد أفضل؟ قال الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله قال يا رسول ~~الله فأي الصدقة أفضل؟ قال جهد المقل قال يا رسول الله فأي الصلاة أفضل؟ ~~قال طول القنوت قال يا رسول الله فأي الهجرة أفضل؟ قال من هجر السوء} وهذا ~~محفوظ عن عبيد بن عمير تارة يروى مرسلا وتارة يروى مسندا وفي رواية: {أي ~~الساعات أفضل؟ قال جوف الليل الغابر} وقوله: {أفضل الإيمان السماحة والصبر} ~~يروى من وجه آخر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا في سائر ~~الأحاديث إنما يفسر الإسلام بالاستسلام لله بالقلب مع الأعمال الظاهرة كما ~~في الحديث المعروف الذي رواه أحمد {عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: ~~والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك فبالذي ~~بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال أن تسلم قلبك ~~لله وأن توجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة ~~المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه} وفي رواية قال ~~{أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل مسلم على ~~مسلم محرم} وفي لفظ تقول {أسلمت نفسي لله وخليت وجهي إليه} وروى محمد بن ~~نصر من حديث خالد # PageV07P265 # بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن ~~للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ~~وأن تقيم الصلاة ms2084 وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وتسلم على بني آدم إذ لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم ~~الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سكت عنهم وتسليمك ~~على أهل بيتك إذا دخلت عليهم فمن انتقص منهن شيئا فهو سهم في الإسلام تركه ~~ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره} . وقد قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا ادخلوا في السلم كافة} قال مجاهد: وقتادة: نزلت في المسلمين يأمرهم ~~بالدخول في شرائع الإسلام كلها وهذا لا ينافي قول من قال: نزلت فيمن أسلم ~~من أهل الكتاب أو فيمن لم يسلم لأن هؤلاء كلهم مأمورون أيضا بذلك والجمهور ~~يقولون: {في السلم} أي في الإسلام وقالت طائفة: هو الطاعة وكلاهما مأثور عن ~~ابن عباس وكلاهما حق فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال. ~~وأما قوله: {كافة} فقد قيل: المراد ادخلوا كلكم. وقيل: المراد به ادخلوا في ~~الإسلام جميعه وهذا هو الصحيح فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره وإنما يؤمر ~~بما يقدر عليه وقوله: {ادخلوا} خطاب لهم كلهم فقوله {كافة} إن أريد به ~~مجتمعين لزم أن يترك الإنسان الإسلام حتى يسلم غيره فلا يكون الإسلام ~~مأمورا به إلا بشرط موافقة الغير له كالجمعة وهذا لا يقوله مسلم وإن أريد ب ~~" {كافة} ": أي ادخلوا جميعكم فكل أوامر القرآن كقوله: {آمنوا بالله ~~ورسوله} {وأقيموا الصلاة # PageV07P266 # وآتوا الزكاة} كلها من هذا الباب وما قيل فيها كافة وقوله تعالى {وقاتلوا ~~المشركين كافة} أي قاتلوهم كلهم لا تدعوا مشركا حتى تقاتلوه فإنها أنزلت ~~بعد نبذ العهود ليس المراد: قاتلوهم مجتمعين أو جميعكم فإن هذا لا يجب بل ~~يقاتلون بحسب المصلحة والجهاد فرض على الكفاية فإذا كانت فرائض الأعيان لم ~~يؤكد المأمورين فيها ب " {كافة} " فكيف يؤكد بذلك في فروض الكفاية وإنما ~~المقصود تعميم المقاتلين. وقوله: {كما يقاتلونكم كافة} فيه احتمالان. # والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الإسلام كما دل عليه هذا الحديث ~~فكل ما كان من الإسلام وجب الدخول ms2085 فيه فإن كان واجبا على الأعيان لزمه فعله ~~وإن كان واجبا على الكفاية اعتقد وجوبه وعزم عليه إذا تعين أو أخذ بالفضل ~~ففعله وإن كان مستحبا اعتقد حسنه وأحب فعله وفي حديث جرير {أن رجلا قال: يا ~~رسول الله صف لي الإسلام. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وتقر بما جاء من ~~عند الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال: أقررت؛} ~~في قصة طويلة فيها أنه وقع في أخاقيق جرذان وأنه قتل وكان جائعا وملكان ~~يدسان في شدقه من ثمار الجنة. فقوله: {وتقر بما جاء من عند الله} . هو ~~الإقرار بأن محمدا رسول الله فإنه هو الذي جاء بذلك. وفي الحديث الذي يرويه ~~أبو سليمان الداراني: حديث {الوفد الذين قالوا: نحن المؤمنون قال: فما ~~علامة إيمانكم؟ قالوا: خمس عشرة خصلة: خمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن وخمس ~~أمرتنا رسلك أن # PageV07P267 # نؤمن بهن وخمس تخلقنا بها في الجاهلية ونحن عليها في الإسلام إلا أن تكره ~~منها شيئا. قال: فما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها؟ قالوا: أن نشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم ~~رمضان ونحج البيت. قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تؤمنوا بها؟ قالوا أمرتنا ~~أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال: وما الخمس التي ~~تخلقتم بها في الجاهلية وثبتم عليها في الإسلام؟ قالوا: الصبر عند البلاء ~~والشكر عند الرخاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة ~~بالأعداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم علماء حكماء كادوا من صدقهم أن ~~يكونوا أنبياء. فقال صلى الله عليه وسلم وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون ~~خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ~~ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون وعنه منتقلون واتقوا الله الذي ~~إليه ترجعون وعليه تعرضون وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون} . فقد ~~فرقوا بين الخمس التي يعمل بها فجعلوها الإسلام؛ والخمس ms2086 التي يؤمن بها ~~فجعلوها الإيمان؛ وجميع الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل ~~على مثل هذا. وفي الحديث الذي رواه أحمد من حديث أيوب عن أبي قلابة {عن رجل ~~من أهل الشام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أسلم تسلم قال: # PageV07P268 # وما الإسلام قال: أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك قال: ~~فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: ~~الهجرة قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: ~~الجهاد قال: وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد الكفار إذا لقيتهم ولا تغل ولا تجبن ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من ~~عمل بمثلهما قالها ثلاثا: حجة مبرورة: أو عمرة} وقوله: {هما أفضل الأعمال} ~~أي بعد الجهاد؛ لقوله: {ثم عملان} ففي هذا الحديث جعل الإيمان خصوصا في ~~الإسلام والإسلام أعم منه كما جعل الهجرة خصوصا في الإيمان والإيمان أعم ~~منها وجعل الجهاد خصوصا من الهجرة والهجرة أعم منه. فالإسلام أن تعبد الله ~~وحده لا شريك له مخلصا له الدين. وهذا دين الله الذي لا يقبل من أحد دينا ~~غيره لا من الأولين ولا من الآخرين ولا تكون عبادته مع إرسال الرسل إلينا ~~إلا بما أمرت به رسله لا بما يضاد ذلك فإن ضد ذلك معصية وقد ختم الله الرسل ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون مسلما إلا من شهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام. فمن قال: ~~الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق ثم لا بد من التزام ما أمر به الرسول من ~~الأعمال الظاهرة كالمباني الخمس ومن ترك من ذلك شيئا نقص إسلامه # PageV07P269 # بقدر ما نقص من ذلك كما في الحديث: {من انتقص منهن شيئا فهو سهم من ~~الإسلام تركه} . وهذه الأعمال إذا عملها الإنسان ms2087 مخلصا لله تعالى فإنه ~~يثيبه عليها ولا يكون ذلك إلا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار وهذا الإقرار لا يستلزم ~~أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب ولا أن يكون مجاهدا ولا سائر ~~ما يتميز به المؤمن عن المسلم الذي ليس بمؤمن وخلق كثير من المسلمين باطنا ~~وظاهرا معهم هذا الإسلام بلوازمه من الإيمان ولم يصلوا إلى اليقين والجهاد ~~فهؤلاء يثابون على إسلامهم وإقرارهم بالرسول مجملا وقد لا يعرفون أنه جاء ~~بكتاب وقد لا يعرفون أنه جاءه ملك ولا أنه أخبر بكذا وإذا لم يبلغهم أن ~~الرسول أخبر بذلك لم يكن عليهم الإقرار المفصل به لكن لا بد من الإقرار ~~بأنه رسول الله وأنه صادق في كل ما يخبر به عن الله. ثم الإيمان الذي يمتاز ~~به فيه تفصيل وفيه طمأنينة ويقين فهذا متميز بصفته وقدره في الكمية ~~والكيفية فإن أولئك معهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وتفصيل ~~المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء. وأيضا ففي قلوبهم من اليقين والثبات ~~ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس مع هؤلاء وأولئك هم المؤمنون حقا، وكل مؤمن ~~لا بد أن يكون مسلما؛ فإن الإيمان يستلزم الأعمال وليس كل مسلم مؤمنا هذا ~~الإيمان المطلق لأن # PageV07P270 # الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص وهذا الفرق يجده ~~الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا ~~على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله فهم مسلمون ~~ومعهم إيمان مجمل ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا ~~إن أعطاهم الله ذلك وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى ~~الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا وليسوا كفارا ولا ~~منافقين بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب ولا عندهم ~~من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال وهؤلاء ms2088 إن عرفوا من ~~المحنة وماتوا دخلوا الجنة. وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم ~~فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى ~~نوع من النفاق. وكذلك إذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل ~~الوعيد ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها ~~فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان ~~لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين ابتلوا ~~فظهر صدقهم. قال تعالى: {الم} {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون} {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى ~~يميز الخبيث من الطيب} وقال: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه # PageV07P271 # خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} ولهذا ذم الله المنافقين ~~بأنهم دخلوا في الإيمان ثم خرجوا منه بقوله تعالى: {والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} - إلى قوله - ~~{ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} وقال في الآية ~~الأخرى {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة} - إلى قوله - {قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} فقد أمره أن يقول لهم: قد كفرتم ~~بعد إيمانكم. وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم ~~بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد ~~قارنه الكفر فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس ~~الأمر وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس ~~إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا؛ بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل ~~سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق ms2089 وتكلموا بالاستهزاء صاروا كافرين بعد ~~إيمانهم ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين وقد قال تعالى: {يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} ~~{يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} فهنا قال: ~~{وكفروا بعد إسلامهم} . فهذا الإسلام قد يكون من جنس إسلام الأعراب فيكون ~~قوله: {بعد # PageV07P272 # إيمانكم} وبعد إسلامهم سواء وقد يكونون ما زالوا منافقين فلم يكن لهم حال ~~كان معهم فيها من الإيمان شيء لكونهم أظهروا الكفر والردة. ولهذا دعاهم إلى ~~التوبة فقال: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا} بعد التوبة عن التوبة ~~{يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} وهذا إنما هو لمن أظهر الكفر ~~فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة. ولهذا ذكر هذا في سياق قوله: {جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ولهذا قال في تمامها: {وما لهم في الأرض من ~~ولي ولا نصير} . وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد ~~إيمانهم فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا ~~بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك فلم ~~يصلوا إلى مقصودهم؛ فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا لكن {بما لم ينالوا} ~~فصدر منهم قول وفعل قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} ~~فاعترفوا واعتذروا؛ ولهذا قيل: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} فدل على أنهم لم يكونوا عند ~~أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله ~~وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه فدل على أنه كان عندهم إيمان ~~ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا ~~كفروا به فإنهم لم ms2090 يعتقدوا جوازه وهكذا قال غير واحد من السلف # PageV07P273 # في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم ~~عموا وعرفوا ثم أنكروا وآمنوا ثم كفروا. وكذلك قال قتادة ومجاهد: ضرب المثل ~~لإقبالهم على المؤمنين؛ وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم قال: {مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ~~لا يبصرون} {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} إلى ما كانوا عليه. وأما قول من ~~قال: المراد بالنور ما حصل في الدنيا من حقن دمائهم وأموالهم فإذا ماتوا ~~سلبوا ذلك الضوء كما سلب صاحب النار ضوءه؛ فلفظ الآية يدل على خلاف ذلك ~~فإنه قال: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} . ويوم ~~القيامة يكونون في العذاب كما قال تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات ~~للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب ~~بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} {ينادونهم ألم ~~نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} الآية وقد قال غير واحد من السلف: ~~إن المنافق يعطى يوم القيامة نورا ثم يطفأ ولهذا قال تعالى: {يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا ~~أتمم لنا نورنا واغفر لنا} . قال المفسرون: إذا رأى المؤمنون نور المنافقين ~~يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. # PageV07P274 # قال ابن عباس: ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة؛ فأما ~~المنافق فيطفأ نوره وأما المؤمن فيشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق فهو ~~يقول: {ربنا أتمم لنا نورنا} وهو كما قال: فقد ثبت في " الصحيحين " من حديث ~~أبي هريرة وأبي سعيد - وهو ثابت من وجوه أخر - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ورواه مسلم من حديث جابر وهو معروف من حديث ابن مسعود وهو أطولها - ~~ومن حديث أبي موسى في الحديث الطويل الذي يذكر فيه أنه {ينادى يوم القيامة: ~~لتتبع كل أمة ما ms2091 كانت تعبد؛ فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان ~~يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة ~~فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم. ~~فيقولون: نعوذ بالله منك وهذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ~~فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم: فيقولون: أنت ربنا ~~فيتبعونه} . وفي رواية: {فيكشف عن ساقه} وفي رواية فيقول: {هل بينكم وبينه ~~آية فتعرفونه بها فيقولون: نعم. فيكشف عن ساقه فلا يبقى من كان يسجد لله من ~~تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل ~~الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. فتبقى ظهورهم مثل ~~صياصي البقر فيرفعون رءوسهم فإذا نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ويطفأ نور ~~المنافقين فيقولون ذرونا نقتبس من نوركم} . فبين أن المنافقين يحشرون مع ~~المؤمنين في الظاهر كما كانوا معهم في الدنيا ثم وقت الحقيقة هؤلاء يسجدون ~~لربهم وأولئك لا يتمكنون من السجود # PageV07P275 # فإنهم لم يسجدوا في الدنيا له بل قصدوا الرياء للناس والجزاء في الآخرة ~~هو من جنس العمل في الدنيا فلهذا أعطوا نورا ثم طفئ لأنهم في الدنيا دخلوا ~~في الإيمان ثم خرجوا منه. ولهذا ضرب الله لهم المثل بذلك. وهذا المثل هو ~~لمن كان فيهم آمن ثم كفر وهؤلاء الذين يعطون في الآخرة نورا ثم يطفأ. ولهذا ~~قال: {فهم لا يرجعون} إلى الإسلام في الباطن وقال قتادة ومقاتل: لا يرجعون ~~عن ضلالهم وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام يعني في الباطن وإلا فهم ~~يظهرونه وهذا المثل إنما يكون في الدنيا وهذا المثل مضروب لبعضهم وهم الذين ~~آمنوا ثم كفروا. وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر وهو ~~قوله: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} وهذا أصح القولين. فإن ~~المفسرين اختلفوا هل المثلان مضروبان لهم كلهم أو هذا المثل لبعضهم؟ على " ~~قولين ". و " الثاني " هو الصواب لأنه قال: {أو ms2092 كصيب} وإنما يثبت بها أحد ~~الأمرين؛ فدل ذلك على أنهم مثلهم هذا وهذا فإنهم لا يخرجون عن المثلين بل ~~بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه هذا ولو كانوا كلهم يشبهون المثلين لم يذكر (أو ~~بل يذكر الواو العاطفة. وقول من قال: (أو هاهنا للتخيير - كقولهم: جالس ~~الحسن أو ابن سيرين - ليس بشيء لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون ~~في الخبر وكذلك قول من قال: أو بمعنى الواو أو لتشكيك المخاطبين # PageV07P276 # أو الإبهام عليهم ليس بشيء فإن الله يريد بالأمثال البيان والتفهيم لا ~~يريد التشكيك والإبهام. والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم ويدل على ذلك أنه ~~قال في " المثل الأول ": {صم بكم عمي} وقال في " الثاني ": {يجعلون أصابعهم ~~في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} {يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} فبين في " المثل الثاني " أنهم ~~يسمعون ويبصرون {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} وفي " الأول " كانوا ~~يبصرون ثم صاروا {في ظلمات لا يبصرون} {صم بكم عمي} . وفي " الثاني " {كلما ~~أضاء لهم} البرق {مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} فلهم " حالان ": حال ~~ضياء وحال ظلام والأولون بقوا في الظلمة. فالأول حال من كان في ضوء فصار في ~~ظلمة والثاني حال من لم يستقر لا في ضوء ولا في ظلمة بل تختلف عليه الأحوال ~~التي توجب مقامه واسترابته. يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضا مثلين ~~بحرف (أو فقال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} {أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} " ~~فالأول " # PageV07P277 # مثل الكفر الذي يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل {أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه ms2093 حسنا} فإنه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم؛ فلهذا مثل بسراب بقيعة ~~و " الثاني " مثل الكفر الذي لا يعتقد صاحبه شيئا بل هو في {ظلمات بعضها ~~فوق بعض} من عظم جهله لم يكن معه اعتقاد أنه على حق؛ بل لم يزل جاهلا ضالا ~~في ظلمات متراكمة. و " أيضا " فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفا بهذا ~~الوصف وتارة متصفا بهذا الوصف فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ~~ولتنوع أحوالهم وبكل حال فليس ما ضرب له هذا المثل هو مماثل لما ضرب له هذا ~~المثل لاختلاف المثلين صورة ومعنى ولهذا لم يضرب للإيمان إلا مثل واحد لأن ~~الحق واحد فضرب مثله بالنور وأولئك ضرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له. ~~كالسراب بالقيعة أو بالظلمات المتراكمة وكذلك المنافق يضرب له المثل بمن ~~أبصر ثم عمي أو هو مضطرب يسمع ويبصر ما لا ينتفع به. فتبين أن من المنافقين ~~من كان آمن ثم كفر باطنا وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث ~~والتفسير والسير أنه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا وكان يجري ذلك لأسباب: # منها أمر القبلة لما حولت ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة وكانت محنة ~~امتحن الله بها الناس. قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله} # PageV07P278 # قال: أي إذا حولت؛ والمعنى أن الكعبة هي القبلة التي كان في علمنا أن ~~نجعلها قبلتكم؛ فإن الكعبة ومسجدها وحرمها أفضل بكثير من بيت المقدس وهي ~~البيت العتيق وقبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء ولم يأمر الله قط أحدا أن ~~يصلي إلى بيت المقدس لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما؛ فلم نكن لنجعلها لك قبلة ~~دائمة ولكن جعلناها أولا قبلة لنمتحن بتحويلك عنها الناس فيتبين من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه فكان في شرعها هذه الحكمة. وكذلك أيضا لما ~~انهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ~~ارتد طائفة ms2094 نافقوا قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين} {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} ~~{وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} وقال تعالى: {وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين} {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله ~~أعلم بما يكتمون} فقوله: {وليعلم الذين نافقوا} ظاهر فيمن أحدث نفاقا وهو ~~يتناول من لم ينافق قبل ومن نافق ثم جدد نفاقا ثانيا. وقوله: {هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان} يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم بل إما أن ~~يتساويا وإما أن يكونوا للإيمان أقرب وكذلك كان؛ فإن ابن أبي لما # PageV07P279 # انخزل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. انخزل معه ثلث الناس قيل: ~~كانوا نحو ثلاثمائة وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن إذ لم ~~يكن لهم داع إلى النفاق. فإن ابن أبي كان مظهرا لطاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والإيمان به؛ وكان كل يوم جمعة يقوم خطيبا في المسجد يأمر باتباع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ما في قلبه يظهر إلا لقليل من الناس إن ~~ظهر وكان معظما في قومه؛ كانوا قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل الملك ~~عليهم؛ فلما جاءت النبوة بطل ذلك فحمله الحسد على النفاق وإلا فلم يكن له ~~قبل ذلك دين يدعو إليه؛ وإنما كان هذا في اليهود فلما جاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم بدينه وقد أظهر الله حسنه ونوره مالت إليه القلوب لا سيما لما ~~نصره الله يوم بدر ونصره على يهود بني قينقاع صار معه الدين والدنيا؛ فكان ~~المقتضي للإيمان في عامة الأنصار قائما وكان كثير منهم يعظم ابن أبي تعظيما ~~كثيرا ويواليه ولم يكن ابن أبي أظهر مخالفة ms2095 توجب الامتياز؛ فلما انخزل يوم ~~أحد وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان - أو كما قال - انخزل معه خلق ~~كثير منهم من لم ينافق قبل ذلك. # وفي الجملة: ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا؛ فأولئك ~~كانوا مسلمين وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل فلو ماتوا ~~قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ولم يكونوا من # PageV07P280 # المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان ولا من المنافقين حقا ~~الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة. وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو ~~أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا ~~وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا؛ وقد ~~رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية أو كان المسلمون ~~ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين. وهم مؤمنون بالرسول باطنا وظاهرا لكن ~~إيمانا لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك ~~المحارم. وهؤلاء من الذين قالوا: {آمنا} فقيل لهم: {قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أي الإيمان المطلق الذي أهله هم ~~المؤمنون حقا فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه ~~الكتاب والسنة. ولهذا قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب والريب يكون في ~~علم القلب وفي عمل القلب؛ بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم ولهذا لا ~~يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملا؛ وإلا فإذا كان عالما بالحق؛ ~~ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين. قال تعالى: ~~{هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} . # PageV07P281 # وكثيرا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق ثم يتوب الله عليه؛ وقد يرد ~~على قلبه بعض ما يوجب النفاق. ويدفعه الله عنه. ms2096 والمؤمن يبتلى بوساوس ~~الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره. كما {قالت الصحابة: يا رسول ~~الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن ~~يتكلم به. فقال: ذاك صريح الإيمان} وفي رواية: {ما يتعاظم أن يتكلم به قال: ~~الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة} أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة ~~العظيمة له ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان؛ كالمجاهد الذي جاءه العدو ~~فدافعه حتى غلبه؛ فهذا أعظم الجهاد و " الصريح " الخالص كاللبن الصريح. ~~وإنما صار صريحا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية ودفعوها فخلص الإيمان ~~فصار صريحا. ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس؛ فمن الناس من يجيبها فيصير ~~كافرا أو منافقا؛ ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا ~~إذا طلب الدين فإما أن يصير مؤمنا وإما أن يصير منافقا؛ ولهذا يعرض للناس ~~من الوساوس في الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلوا لأن الشيطان يكثر تعرضه ~~للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به؛ فلهذا يعرض ~~للمصلين ما لا يعرض لغيرهم ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض ~~للعامة ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند ~~غيرهم لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه؛ بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ~~ربه. وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة # PageV07P282 # فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله. قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا} ولهذا أمر قارئ القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فإن قراءة ~~القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم وتزيده يقينا ~~وطمأنينة وشفاء. وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين} وقال تعالى {هدى للمتقين} وقال تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون} . وهذا مما يجده كل مؤمن من نفسه؛ فالشيطان يريد ms2097 ~~بوساوسه أن يشغل القلب عن الانتفاع بالقرآن؛ فأمر الله القارئ إذا قرأ ~~القرآن أن يستعيذ منه قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم} {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} ~~{إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} فإن المستعيذ بالله ~~مستجير به لاجئ إليه مستغيث به من الشيطان؛ فالعائذ بغيره مستجير به؛ فإذا ~~عاذ العبد بربه كان مستجيرا به متوكلا عليه فيعيذه الله من الشيطان ويجيره ~~منه؛ ولذلك قال الله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم} {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم} {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} . ~~وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إني لأعلم كلمة لو # PageV07P283 # قالها لذهب عنه ما يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} فأمر سبحانه ~~بالاستعاذة عند طلب العبد الخير لئلا يعوقه الشيطان عنه؛ وعند ما يعرض عليه ~~من الشر ليدفعه عنه عند إرادة العبد للحسنات؛ وعند ما يأمره الشيطان ~~بالسيئات. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يزال الشيطان يأتي أحدكم ~~فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فمن وجد ذلك ~~فليستعذ بالله ولينته} فأمر بالاستعاذة عندما يطلب الشيطان أن يوقعه في شر ~~أو يمنعه من خير؛ كما يفعل العدو مع عدوه. وكلما كان الإنسان أعظم رغبة في ~~العلم والعبادة وأقدر على ذلك من غيره بحيث تكون قوته على ذلك أقوى ورغبته ~~وإرادته في ذلك أتم؛ كان ما يحصل له إن سلمه الله من الشيطان أعظم؛ وكان ما ~~يفتتن به إن تمكن منه الشيطان أعظم. ولهذا قال الشعبي: كل أمة علماؤها ~~شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم. وأهل السنة في الإسلام؛ كأهل ~~الإسلام في الملل؛ وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون وإنما يضلهم ~~علماؤهم؛ فعلماؤهم شرارهم والمسلمون على هدى وإنما يتبين الهدى بعلمائهم ~~فعلماؤهم خيارهم؛ وكذلك أهل ms2098 السنة أئمتهم خيار الأمة وأئمة أهل البدع أضر ~~على الأمة من أهل الذنوب. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الخوارج؛ ونهى عن قتال الولاة الظلمة؛ وأولئك لهم # PageV07P284 # نهمة في العلم والعبادة؛ فصار يعرض لهم من الوساوس التي تضلهم - وهم ~~يظنونها هدى فيطيعونها - ما لا يعرض لغيرهم ومن سلم من ذلك منهم كان من ~~أئمة المتقين مصابيح الهدى وينابيع العلم؛ كما قال ابن مسعود لأصحابه: ~~كونوا ينابيع العلم مصابيح الحكمة سرج الليل؛ جدد القلوب أحلاس البيوت ~~خلقان الثياب؛ تعرفون في أهل السماء وتخفون على أهل الأرض. # PageV07P285 # فصل: # ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف ~~تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى ~~الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: " الأسماء ثلاثة ~~أنواع " نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة؛ ونوع يعرف حده باللغة كالشمس ~~والقمر؛ ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: {وعاشروهن ~~بالمعروف} ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: تفسير القرآن على أربعة ~~أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير ~~يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب. فاسم ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ما يراد بها في كلام الله ورسوله وكذلك لفظ الخمر وغيرها ومن هناك يعرف ~~معناها فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يقبل منه وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها فذاك من جنس علم البيان. ~~وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن؛ لكن معرفة ~~المراد بها لا يتوقف على هذا. واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي ~~أعظم من هذا كله؛ # PageV07P286 # فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يحتاج ~~معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا ~~يجب الرجوع في ms2099 مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شاف كاف؛ بل ~~معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة بل كل من تأمل ما ~~تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ~~ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان وأنه لم يكن يجعل كل ~~من أذنب ذنبا كافرا ويعلم أنه لو قدر أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك؛ ونقر بألسنتنا بالشهادتين ~~إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ~~ولا نصدق الحديث ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل ~~شيئا من الخير الذي أمرت به ونشرب الخمر؛ وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ~~ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضا ونقاتلك ~~مع أعدائك؛ هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم ~~مؤمنون كاملو الإيمان وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم ألا يدخل ~~أحد منكم النار بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس ~~بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك. وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب ~~الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجعلهم ~~مرتدين يجب قتلهم بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات ~~غير عقوبة المرتد عن الإسلام # PageV07P287 # كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني وقطع السارق وهذا متواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانوا مرتدين لقتلهم. فكلا القولين مما يعلم ~~فساده بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم. وأهل البدع إنما دخل ~~عليهم الداخل لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق وصاروا يبنون دين الإسلام على ~~مقدمات يظنون صحتها. إما في دلالة الألفاظ. وإما في المعاني المعقولة. ولا ~~يتأملون بيان الله ورسوله وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله فإنها تكون ~~ضلالا ولهذا ms2100 تكلم أحمد في رسالته المعروفة في الرد على من يتمسك بما يظهر ~~له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول والصحابة والتابعين؛ وكذلك ذكر ~~في رسالته إلى أبي عبد الرحمن الجرجاني في الرد على المرجئة وهذه طريقة ~~سائر أئمة المسلمين. لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا؛ ~~ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما ~~لا يعلم أو غير الحق وهذا مما حرمه الله ورسوله. وقال تعالى في الشيطان: ~~{إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال ~~تعالى: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} وهذا ~~من تفسير القرآن بالرأي الذي جاء فيه الحديث: {من قال في القرآن برأيه ~~فليتبوأ مقعده من النار} . مثال ذلك أن " المرجئة " لما عدلوا عن معرفة ~~كلام الله ورسوله أخذوا يتكلمون في مسمى " الإيمان " و " الإسلام " وغيرهما ~~بطرق ابتدعوها مثل أن # PageV07P288 # يقولوا: " الإيمان في اللغة " هو التصديق والرسول إنما خاطب الناس بلغة ~~العرب لم يغيرها فيكون مراده بالإيمان التصديق؛ ثم قالوا: والتصديق إنما ~~يكون بالقلب واللسان أو بالقلب فالأعمال ليست من الإيمان ثم عمدتهم في أن ~~الإيمان هو التصديق قوله: {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا. فيقال لهم: " ~~اسم الإيمان " قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ ~~وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ ويفرق بين السعداء ~~والأشقياء ومن يوالي ومن يعادي والدين كله تابع لهذا؛ وكل مسلم محتاج إلى ~~معرفة ذلك؛ أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله. ووكله إلى هاتين ~~المقدمتين؟ . ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق ~~أنه من القرآن. ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم ~~من تواتر لفظ الكلمة فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه ~~بخلاف كلمة من سورة. فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة فلا يجوز ~~أن يجعل بيان ms2101 أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات ولهذا كثر النزاع ~~والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم وسلكوا السبل وصاروا من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم ~~البينات فهذا كلام عام مطلق. ثم يقال: " هاتان المقدمتان " كلاهما ممنوعة ~~فمن الذي قال: إن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق؟ وهب أن المعنى يصح إذا ~~استعمل في هذا الموضع فلم # PageV07P289 # قلت: إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا ما أنت بمؤمن لنا صح ~~المعنى لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: {وأقيموا ~~الصلاة} . ولو قال القائل: أتموا الصلاة ولازموا الصلاة التزموا الصلاة ~~افعلوا الصلاة كان المعنى صحيحا. لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا. فكون ~~اللفظ يرادف اللفظ؛ يراد دلالته على ذلك. ثم يقال: ليس هو مرادفا له وذلك ~~من وجوه: (أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه ولا يقال: آمنه وآمن به. ~~بل يقال: آمن له كما قال: {فآمن له لوط} وقال: {فما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه} وقال فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} وقالوا لنوح: {أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون} وقال تعالى: {قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} ~~. فقالوا: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقال: {وإن لم تؤمنوا ~~لي فاعتزلون} . فإن قيل: فقد يقال: ما أنت بمصدق لنا. قيل: اللام تدخل على ~~ما يتعدى بنفسه إذا ضعف عمله إما بتأخيره أو بكونه اسم فاعل أو مصدرا أو ~~باجتماعهما فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه ثم إذا ذكر باسم الفاعل ~~قيل: هو عابد لربه متق لربه خائف لربه وكذلك تقول: فلان يرهب الله ثم تقول: ~~هو راهب لربه وإذا ذكرت الفعل وأخرته تقويه باللام كقوله: {وفي نسختها هدى ~~ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} وقد قال: {فإياي فارهبون} فعداه # PageV07P290 # بنفسه وهناك ذكر اللام فإن هنا قوله: {فإياي} أتم من قوله: فلي. وقوله ~~هنالك {لربهم} أتم من قوله: ربهم فإن الضمير المنفصل المنصوب أكمل ms2102 من ضمير ~~الجر بالياء وهناك اسم ظاهر فتقويته باللام أولى وأتم من تجريده؛ ومن هذا ~~قوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} ويقال: عبرت رؤياه وكذلك قوله: {وإنهم لنا ~~لغائظون} وإنما يقال: غظته لا يقال: غظت له ومثله كثير فيقول القائل: ما ~~أنت بمصدق لنا أدخل فيه اللام لكونه اسم فاعل وإلا فإنما يقال: صدقته لا ~~يقال: صدقت له ولو ذكروا الفعل لقالوا: ما صدقتنا وهذا بخلاف لفظ الإيمان ~~فإنه تعدى إلى الضمير باللام دائما؛ لا يقال: آمنته قط وإنما يقال: آمنت له ~~كما يقال: أقررت له فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق ~~مع أن بينهما فرقا. (الثاني: أنه ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى فإن كل ~~مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت كما يقال: كذبت. فمن قال: ~~السماء فوقنا قيل له: صدق كما يقال: كذب وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا ~~في الخبر عن غائب لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة؛ كقوله: طلعت ~~الشمس وغربت أنه يقال: آمناه كما يقال: صدقناه ولهذا؛ المحدثون والشهود ~~ونحوهم؛ يقال: صدقناهم؛ وما يقال آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن. ~~فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه ~~المخبر؛ ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع؛ ~~والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء # PageV07P291 # يقال: صدق أحدهما صاحبه ولا يقال: آمن له لأنه لم يكن غائبا عنه ائتمنه ~~عليه ولهذا قال: {فآمن له لوط} {أنؤمن لبشرين مثلنا} . {آمنتم له} . {يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين} فيصدقهم فيما أخبروا به. مما غاب عنه وهو مأمون عنده ~~على ذلك فاللفظ متضمن مع التصديق ومعنى الائتمان والأمانة؛ كما يدل عليه ~~الاستعمال والاشتقاق ولهذا قالوا: {وما أنت بمؤمن لنا} أي لا تقر بخبرنا ~~ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن ~~على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم. (الثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم ms2103 ~~يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: ~~صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو ~~كذبناه؛ ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان ~~لفظ الكفر. يقال: هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب؛ بل لو قال: أنا ~~أعلم إنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره ~~أعظم؛ فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ~~ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة ~~وامتناعا بلا تكذيب؛ فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة ~~وانقياد لا يكفي مجرد التصديق؛ فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان ~~الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن ~~مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل. # PageV07P292 # فإن قيل: فالرسول صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان بما يؤمن به. قيل: ~~فالرسول ذكر ما يؤمن به لم يذكر ما يؤمن له وهو نفسه يجب أن يؤمن به ويؤمن ~~له فالإيمان به من حيث ثبوته غيب عنا أخبرنا به وليس كل غيب آمنا به علينا ~~أن نطيعه وأما ما يجب من الإيمان له فهو الذي يوجب طاعته والرسول يجب ~~الإيمان به وله فينبغي أن يعرف هذا وأيضا فإن طاعته طاعة لله وطاعة الله من ~~تمام الإيمان به. # الرابع: أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد ~~الخوف؛ فآمن أي صار داخلا في الأمن وأنشدوا. . . (1) . # وأما " المقدمة الثانية " فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق فقولهم: ~~إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان؛ عنه جوابان. " أحدهما ": المنع ~~بل الأفعال تسمى تصديقا كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {العينان تزنيان وزناهما النظر؛ والأذن تزني وزناها السمع؛ واليد ~~تزني وزناها البطش؛ والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي؛ ms2104 ~~والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} . وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف. ~~قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق. ويكون الذي يصدق قوله ~~بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر ~~في القلوب وصدقته الأعمال وهذا PageV07P293 # مشهور عن الحسن يروى عنه من غير وجه كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج؛ ~~حدثنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني؛ ~~ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. من قال حسنا وعمل غير صالح رد الله ~~عليه قوله ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل ذلك بأن الله يقول: {إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ورواه ابن بطة من الوجهين. # وقوله: ليس الإيمان بالتمني - يعني الكلام - وقوله: بالتحلي. يعني أن ~~يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه ومعناه ليس هو ما يظهر من ~~القول ولا من الحلية الظاهرة ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال فالعمل ~~يصدق أن في القلب إيمانا وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانا لأن ما في ~~القلب مستلزم للعمل الظاهر. وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وقد ~~روى محمد بن نصر المروزي بإسناده أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن ~~جبير يسأله عن هذه المسائل. فأجابه عنها: سألت عن الإيمان فالإيمان هو ~~التصديق أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من كتاب وما أرسل من ~~رسول وباليوم الآخر. وسألت عن التصديق. والتصديق: أن يعمل العبد بما صدق به ~~من القرآن وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب واستغفر الله وتاب منه ~~ولم يصر عليه فذلك # PageV07P294 # هو التصديق. وتسأل عن الدين فالدين هو العبادة فإنك لن تجد رجلا من أهل ~~الدين ترك عبادة أهل دين ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار لا دين له. وتسأل ~~عن العبادة والعبادة هي الطاعة ذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما ~~نهاه عنه فقد آثر عبادة الله ومن ms2105 أطاع الشيطان في دينه وعمله فقد عبد ~~الشيطان ألا ترى أن الله قال للذين فرطوا: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن ~~لا تعبدوا الشيطان} وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم. وقال ~~أسد بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية قال: ~~الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل. قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية. ثم صيرهم إلى العمل فقال: {الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} قال: وسمعت الأوزاعي يقول: قال الله تعالى: ~~{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} والإيمان بالله ~~باللسان والتصديق به العمل. وقال معمر عن الزهري: كنا نقول الإسلام ~~بالإقرار والإيمان بالعمل والإيمان: قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا ~~بالآخر وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله؛ فإن كان عمله أوزن من قوله: صعد ~~إلى الله؛ وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. ورواه أبو عمرو ~~الطلمنكي بإسناده # PageV07P295 # المعروف. وقال معاوية بن عمرو: عن أبي إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال: لا ~~يستقيم الإيمان إلا بالقول ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل ولا ~~يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا ~~لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ العمل من الإيمان والإيمان من العمل؛ وإنما ~~الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه ~~وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال ~~بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدق بعمله كان في الآخرة من الخاسرين. وهذا ~~معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول؛ ورووا ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه معاذ بن أسد: حدثنا الفضيل بن ~~عياض عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الإيمان. فقال: الإيمان: الإقرار والتصديق بالعمل؛ ثم تلا {ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} إلى ms2106 قوله {وأولئك هم المتقون} } ~~. قلت حديث أبي ذر هذا مروي من غير وجه؛ فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول ~~فلا كلام وإن كانوا رووه بالمعنى دل على أنه من المعروف في لغتهم أنه يقال: ~~صدق قوله بعمله؛ وكذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله. وكذلك " ~~الجواب الثاني " أنه إذا كان أصله التصديق فهو تصديق # PageV07P296 # مخصوص كما أن الصلاة دعاء مخصوص والحج قصد مخصوص والصيام إمساك مخصوص؛ ~~وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق؛ فإن انتفاء ~~اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل ~~بالتضمن أو باللزوم؟ . # ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو ~~نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبي ~~سليمان وهو أول من قال ذلك ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع ~~جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: ~~إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ~~ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ~~ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ~~ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في ~~النار. فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا ~~وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل ~~النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا ~~يكونون مرتدين مباحي الدماء ولكن " الأقوال المنحرفة " قول من يقول ~~بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة. وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما ~~نعلم أن أحدا منهم يدخل النار؛ بل نقف في هذا كله. وحكي عن بعض غلاة ~~المرجئة الجزم بالنفي العام. # PageV07P297 # ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان؛ هو ~~لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام؛ بل عاقب هذا بالجلد ms2107 وهذا بالقطع ولم يقتل ~~أحدا إلا الزاني المحصن ولم يقتله قتل المرتد؛ فإن المرتد يقتل بالسيف بعد ~~الاستتابة وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة. فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم ~~الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا كالمنافقين ~~الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ~~ظاهر. # وبسبب الكلام في " مسألة الإيمان " تنازع الناس ### | هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معنى الأسماء؟ . # وهكذا قالوا في اسم " الصلاة " و " الزكاة " و " الصيام " " والحج " إنها ~~باقية في كلام الشارع على معناها اللغوي لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم أن ~~الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى ~~أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز وبالنسبة ~~إلى عرف الشارع حقيقة. والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن ~~استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى: {ولله على الناس ~~حج البيت} فذكر حجا خاصا وهو حج البيت وكذلك قوله: {فمن حج البيت أو اعتمر} ~~فلم يكن # PageV07P298 # لفظ الحج متناولا لكل قصد بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير ~~اللغة والشاعر إذا قال: واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان ~~المزعفرا # كان متكلما باللغة وقد قيد: لفظه: بحج سب الزبرقان المزعفر. ومعلوم أن ~~ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة فكذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به ~~دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام: فإذا قيل: الحج فرض عليك كانت لام ~~العهد تبين أنه حج البيت وكذلك " الزكاة " هي اسم لما تزكو به النفس؛ وزكاة ~~النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به ~~النفس؛ كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} وكذلك ترك ~~الفواحش مما تزكو به. قال تعالى. {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ms2108 زكا منكم ~~من أحد أبدا} وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله؛ قال تعالى: {وويل ~~للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} وهي عند المفسرين التوحيد. وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب وسماها الزكاة المفروضة؛ فصار لفظ ~~الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد ومن الأسماء ما يكون أهل ~~العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع مثل لفظ " التيمم " فإن الله تعالى ~~قال: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} فلفظ " التيمم " ~~استعمل في معناه المعروف في اللغة فإنه أمر بتيمم الصعيد ثم أمر بمسح ~~الوجوه والأيدي منه؛ فصار لفظ التيمم في عرف الفقهاء يدخل فيه هذا المسح؛ ~~وليس # PageV07P299 # هو لغة الشارع بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده ~~ولفظ " الإيمان " أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وكذلك ~~لفظ " الإسلام " بالاستسلام لله رب العالمين؛ وكذلك لفظ " الكفر " مقيدا؛ ~~ولكن لفظ " النفاق " قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به لكنه مأخوذ من ~~كلامهم فإن نفق يشبه خرج ومنه نفقت الدابة إذا ماتت: ومنه نافقاء اليربوع ~~والنفق في الأرض قال تعالى: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض} فالمنافق ~~هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرا؛ وقيد النفاق بأنه نفاق ~~من الإيمان. ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقا عليه؛ لكن ~~النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول. فخطاب الله ورسوله للناس بهذه ~~الأسماء كخطاب الناس بغيرها؛ وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعا. وقد ~~بين الرسول تلك الخصائص؛ والاسم دل عليها؛ فلا يقال: إنها منقولة ولا إنه ~~زيد في الحكم دون الاسم؛ بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع؛ ~~لم يستعمل مطلقا وهو إنما قال: {وأقيموا الصلاة} بعد أن عرفهم الصلاة ~~المأمور بها؛ فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي يعرفونها؛ لم يرد لفظ ~~الصلاة وهم لا يعرفون معناه. ولهذا كل من قال في لفظ الصلاة: إنه عام ~~للمعنى اللغوي؛ أو إنه مجمل لتردده بين ms2109 المعنى اللغوي والشرعي ونحو ذلك؛ ~~فأقوالهم ضعيفة فإن هذا اللفظ إنما ورد خبرا أو أمرا فالخبر كقوله: {أرأيت ~~الذي ينهى} {عبدا إذا صلى} وسورة {اقرأ} من أول ما نزل من القرآن {وكان # PageV07P300 # بعض الكفار إما أبو جهل أو غيره قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة وقال: لئن رأيته يصلي لأطأن عنقه. فلما رآه ساجدا رأى من الهول ما ~~أوجب نكوصه على عقبيه} فإذا قيل: {أرأيت الذي ينهى} {عبدا إذا صلى} فقد ~~علمت تلك الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا عموم. ثم إنه لما فرضت ~~الصلوات الخمس ليلة المعراج أقام النبي صلى الله عليه وسلم لهم الصلوات ~~بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم وكان جبرائيل يؤم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قيل لهم: {وأقيموا ~~الصلاة} عرفوا أنها تلك الصلاة وقيل: إنه قبل ذلك كانت له صلاتان طرفي ~~النهار فكانت أيضا معروفة فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلا ومسماه ~~معلوم عندهم. فلا إجمال في ذلك ولا يتناول كل ما يسمى حجا ودعاء وصوما فإن ~~هذا إنما يكون إذا كان اللفظ مطلقا وذلك لم يرد. وكذلك " الإيمان " و " ~~الإسلام " وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور وإنما سأل جبريل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون وقال: {هذا جبريل جاءكم يعلمكم ~~دينكم} ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا ~~يقتصروا على أدنى مسمياتها وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: {ليس ~~المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن ~~المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس ~~إلحافا} فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج وكان ذلك # PageV07P301 # مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بإعطاء الناس له ~~والسؤال له بمنزلة الحرفة وهو وإن كان مسكينا يستحق من الزكاة إذا لم يعط ~~من غيرها كفايته ms2110 فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا وإنما المسكين ~~المحتاج الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى. فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء ~~فإنه مسكين قطعا وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله وكذلك قوله: " الإسلام ~~هو الخمس " يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام فليس للإنسان أن يكتفي ~~بالإقرار بالشهادتين؛ وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل لا ~~يكتفي فيه بالإيمان المجمل ولهذا وصف الإسلام بهذا. # وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال ~~الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه ~~لا يكفر بالذنب فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب وأما هذه المباني ففي ~~تكفير تاركها نزاع مشهور. وعن أحمد: في ذلك نزاع وإحدى الروايات عنه: إنه ~~يكفر من ترك واحدة منها وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك كابن ~~حبيب. وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط ورواية ~~ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها ورابعة: لا ~~يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه أقوال معروفة ~~للسلف. قال الحكم بن عتيبة: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الزكاة ~~متعمدا فقد كفر. ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر. ومن ترك صوم # PageV07P302 # رمضان متعمدا فقد كفر. وقال سعيد بن جبير: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ~~بالله. ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله. ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد ~~كفر بالله. وقال الضحاك: لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة. وقال عبد الله بن ~~مسعود: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له. رواهن أسد بن موسى. ~~وقال عبد الله بن عمرو: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا ومن شربه مصبحا أمسى ~~مشركا فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة قال أبو عبد ~~الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة ومن ترك الصلاة ~~فقد ms2111 خرج من الإيمان. ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج والحج ~~إنما فرض سنة تسع أو عشر. وقد اتفق الناس على أنه لم يفرض قبل ست من الهجرة ~~ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالإيمان. ولم يبين لهم ~~معناه إلى ذلك الوقت بل كانوا يعرفون أصل معناه وهذه المسائل لبسطها موضع ~~آخر. # والمقصود هنا أن من نفى عنه الرسول اسم " الإيمان " أو " الإسلام " فلا ~~بد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه وإن بقي بعضها ولهذا كان الصحابة ~~والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق. قال أبو داود السجستاني: ~~حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن أبي المقدام عن # PageV07P303 # أبي يحيى قال: سئل حذيفة عن المنافق. قال: الذي يعرف الإسلام ولا يعمل ~~به. وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عمرو ~~بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف فذلك قلب ~~الكافر وقلب مصفح وذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب ~~المؤمن؛ وقلب فيه إيمان ونفاق؛ فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب؛ ~~ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم؛ فأيهما غلب عليه غلب. وقد روي مرفوعا؛ ~~وهو في " المسند " مرفوعا. وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: {هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب فلما كان ~~يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب. وروى عبد الله بن المبارك عن ~~عوف بن أبي جميلة عن عبد الله بن عمرو بن هند عن علي بن أبي طالب قال: إن ~~الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد القلب ~~بياضا حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله. وإن النفاق يبدو لمظة سوداء ~~في القلب فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا حتى ms2112 إذا استكمل العبد ~~النفاق اسود القلب وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ولو ~~شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود. وقال ابن مسعود: الغناء ينبت ~~النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. رواه أحمد وغيره وهذا كثير في كلام ~~السلف يبينون أن القلب قد يكون فيه # PageV07P304 # إيمان ونفاق والكتاب والسنة يدلان على ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكر شعب الإيمان وذكر شعب النفاق وقال: {من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه ~~شعبة من النفاق حتى يدعها} وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب الإيمان ~~ولهذا قال: {ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} فعلم أن من ~~كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار وأن من كان معه كثير من ~~النفاق فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار. # وعلى هذا فقوله للأعراب: {لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم} نفى حقيقة دخول الإيمان في قلوبهم وذلك لا يمنع أن يكون معهم ~~شعبة منه كما نفاه عن الزاني والسارق ومن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومن لا ~~يأمن جاره بوائقه وغير ذلك كما تقدم ذكره فإن في القرآن والحديث ممن نفي ~~عنه الإيمان لترك بعض الواجبات شيء كثير. # وحينئذ فنقول: من قال من السلف: أسلمنا أي استسلمنا خوف السيف وقول من ~~قال: هو الإسلام. الجميع صحيح فإن هذا إنما أراد الدخول في الإسلام ~~والإسلام الظاهر يدخل فيه المنافقون فيدخل فيه من كان في قلبه إيمان ونفاق ~~وقد علم أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بخلاف المنافق ~~المحض الذي قلبه كله أسود فهذا هو الذي يكون في الدرك الأسفل من النار ~~ولهذا كان الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم ولم يخافوا # PageV07P305 # التكذيب لله ورسوله فإن المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله ~~يقينا وهذا مستند من قال: أنا مؤمن حقا فإنه أراد بذلك ms2113 ما يعلمه من من نفسه ~~من التصديق الجازم ولكن الإيمان ليس مجرد التصديق بل لا بد من أعمال قلبية ~~تستلزم أعمالا ظاهرة كما تقدم فحب الله ورسوله من الإيمان وحب ما أمر الله ~~به وبغض ما نهى عنه هذا من أخص الأمور بالإيمان ولهذا ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في عدة أحاديث أن: {من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن} فهذا ~~يحب الحسنة ويفرح بها ويبغض السيئة ويسوءه فعلها وإن فعلها بشهوة غالبة ~~وهذا الحب والبغض من خصائص الإيمان. ومعلوم أن الزاني حين يزني إنما يزني ~~لحب نفسه لذلك الفعل فلو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة أو حب الله ~~الذي يغلبها؛ لم يزن ولهذا قال تعالى عن يوسف عليه السلام {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فمن كان مخلصا لله حق الإخلاص لم ~~يزن وإنما يزني لخلوه عن ذلك وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه لم ينزع منه ~~نفس التصديق ولهذا قيل: هو مسلم وليس بمؤمن؛ فإن المسلم المستحق للثواب لا ~~بد أن يكون مصدقا وإلا كان منافقا؛ لكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الأحوال ~~الإيمانية الواجبة مثل كمال محبة الله ورسوله ومثل خشية الله والإخلاص له ~~في الأعمال والتوكل عليه بل يكون الرجل مصدقا بما جاء به الرسول وهو # PageV07P306 # مع ذلك يرائي بأعماله ويكون أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد ~~في سبيله وقد خوطب بهذا المؤمنون في آخر الأمر في سورة " براءة " فقيل لهم: ~~{إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ومعلوم ~~أن كثيرا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة. وقد ثبت أنه لا يكون الرجل ~~مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ وإنما المؤمن من لم يرتب ~~وجاهد بماله ونفسه في سبيل الله فمن لم تقم بقلبه الأحوال الواجبة في ~~الإيمان ms2114 فهو الذي نفى عنه الرسول الإيمان وإن كان معه التصديق والتصديق من ~~الإيمان ولا بد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وخشية الله وإلا ~~فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانا ألبتة بل هو كتصديق فرعون ~~واليهود وإبليس وهذا هو الذي أنكره السلف على الجهمية. قال الحميدي: سمعت ~~وكيعا يقول: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل والمرجئة يقولون: الإيمان ~~قول. والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة وفي رواية أخرى عنه: وهذا كفر. قال ~~محمد بن عمر الكلابي: سمعت وكيعا يقول: الجهمية شر من القدرية قال: وقال ~~وكيع: المرجئة: الذين يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل؛ ومن قال هذا فقد هلك؛ ~~ومن قال: النية تجزئ عن العمل فهو كفر وهو قول جهم وكذلك قال أحمد بن حنبل. # PageV07P307 # ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة وحكى ~~غير واحد الإجماع على ذلك وقد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ما ذكره من ~~الإجماع على ذلك قوله في " الأم ": وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من ~~بعدهم ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من ~~الثلاثة إلا بالآخر؛ وذكر ابن أبي حاتم - في " مناقبه " -: سمعت حرملة ~~يقول: اجتمع حفص الفرد ومصلان الإباضي عند الشافعي في دار الجروي فتناظرا ~~معه في الإيمان فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان وخالفه حفص الفرد فحمي ~~الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفصا الفرد ~~وقطعه. وروى أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال ~~قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لا شك أن ~~ذلك كما وصفنا وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة؛ ~~وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وهلم جرا على ذلك ~~وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه وكذلك في عهد ~~الأوزاعي بالشام وسفيان الثوري بالعراق؛ ومالك بن أنس بالحجاز ومعمر باليمن ~~على ما فسرنا ms2115 وبينا أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقال إسحاق: من ترك ~~الصلاة متعمدا حتى ذهب وقت الظهر إلى المغرب، # PageV07P308 # والمغرب إلى نصف الليل فإنه كافر بالله العظيم يستتاب ثلاثة أيام فإن لم ~~يرجع وقال تركها لا يكون كفرا ضربت عنقه - يعني تاركها. وقال ذلك - وأما ~~إذا صلى وقال ذلك فهذه مسألة اجتهاد قال: واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من ~~عصرنا هذا أهل العلم إلا من باين الجماعة واتبع الأهواء المختلفة فأولئك ~~قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة. قال أبو عبيد القاسم بن سلام ~~الإمام - وله كتاب مصنف في الإيمان قال -: هذه تسمية من كان يقول: الإيمان ~~قول وعمل يزيد وينقص. من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي عطاء بن أبي رباح ~~مجاهد بن جبر وابن أبي مليكة؛ عمرو بن دينار؛ ابن أبي نجيح عبيد الله بن ~~عمر؛ عبد الله بن عمرو بن عثمان عبد الملك بن جريح نافع بن جبير داود بن ~~عبد الرحمن العطار عبد الله بن رجاء. ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري ~~ربيعة بن أبي عبد الرحمن أبو حازم الأعرج سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف يحيى بن سعيد الأنصاري هشام بن عروة بن الزبير عبد الله بن عمر العمري ~~مالك بن أنس محمد بن أبي ذئب سليمان بن بلال عبد العزيز بن عبد الله يعني ~~الماجشون - عبد العزيز بن أبي حازم. ومن أهل اليمن: طاووس اليماني وهب بن ~~منبه معمر بن راشد عبد الرزاق بن همام. ومن أهل مصر والشام: مكحول الأوزاعي ~~سعيد بن عبد العزيز الوليد بن مسلم يونس بن يزيد الأيلي يزيد بن أبي حبيب ~~يزيد بن شريح سعيد بن أبي أيوب الليث بن سعد عبد الله بن أبي جعفر معاوية ~~بن أبي صالح حيوة # PageV07P309 # بن شريح، عبد الله بن وهب. # ومن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحيى بن عبد الكريم، ~~معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمرو الرقي، عبد الملك بن مالك، المعافي ms2116 ~~بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن الحسين، علي ~~بن بكار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل. # ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، وسعيد بن جبير، الربيع ~~بن خثيم (1) عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، طلحة بن مصرف، ~~منصور بن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، إسماعيل بن ~~أبي خالد، أبو حيان، يحيى بن سعيد، سليمان بن مهران، الأعمش، يزيد بن أبي ~~زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل بن عياض، أبو المقدام، ~~ثابت بن العجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن ~~بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح، عبد ~~الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن الحباب، الحسين بن علي ~~الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم ومحمد ويعلى وعمرو بنو عبيد. # ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن محمد بن سيرين قتادة ابن دعامة بكر ~~بن عبد الله المزني أيوب السختياني يونس بن عبيد عبد الله بن عون سليمان ~~التيمي هشام بن حسان الدستوائي شعبة ابن الحجاج حماد بن سلمة حماد بن زيد ~~أبو الأشهب يزيد بن إبراهيم PageV07P310 # أبو عوانة وهيب بن خالد عبد الوارث بن سعيد معتمر بن سليمان التيمي يحيى ~~بن سعيد القطان عبد الرحمن بن مهدي بشر بن المفضل يزيد بن زريع المؤمل بن ~~إسماعيل خالد بن الحارث معاذ بن معاذ أبو عبد الرحمن المقري. ومن أهل واسط: ~~هشيم بن بشير خالد بن عبد الله علي بن عاصم يزيد بن هارون صالح بن عمر بن ~~علي بن عاصم. ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم أبو جمرة نصر بن عمران عبد ~~الله بن المبارك النضر بن شميل جرير بن عبد الحميد الضبي. قال أبو عبيد: ~~هؤلاء جميعا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ وهو قول أهل السنة ~~المعمول به عندنا. ms2117 قلت: ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم ~~لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر وكان أول من قاله حماد بن ~~أبي سليمان فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك فكثر منهم من قال ذلك؛ كما ~~أن التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان كثر من علماء ~~خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه ~~البدعة في بلده ولا سمع بها كما جاء في حديث: {إن لله عند كل بدعة يكاد بها ~~الإسلام وأهله من يتكلم بعلامات الإسلام؛ فاغتنموا تلك المجالس فإن الرحمة ~~تنزل على أهلها} أو كما قال. # PageV07P311 # وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق فكذلك في قولهم: ~~إنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة؛ كما قال ابن ~~عباس وأصحابه في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} قالوا: كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن ~~حنبل وغيره من أئمة السنة. قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب " ~~الصلاة ": اختلف الناس في تفسير حديث جبرائيل هذا فقال طائفة من أصحابنا: ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم {الإيمان أن تؤمن بالله} وما ذكر معه كلام ~~جامع مختصر له غور وقد وهمت المرجئة في تفسيره فتأولوه على غير تأويله قلة ~~معرفة منهم بلسان العرب وغور كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد أعطي ~~جوامع الكلم وفواتحه واختصر له الحديث اختصارا. أما قوله: {الإيمان أن تؤمن ~~بالله} فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم ~~للأداء لما أمر مجانبا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة فإذا فعلت ذلك لزمت ~~محابه واجتنبت مساخطه. وأما قوله: " وملائكته " فأن تؤمن بمن سمى الله لك ~~منهم في كتابه وتؤمن بأن لله ملائكة سواهم لا يعرف أسماءهم وعددهم إلا الذي ~~خلقهم. وأما قوله: " وكتبه " فأن تؤمن بما سمى الله من كتبه في كتابه ms2118 من ~~التوراة والإنجيل والزبور خاصة؛ وتؤمن بأن لله سوى ذلك كتبا أنزلها على ~~أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها وتؤمن بالفرقان وإيمانك به ~~غير إيمانك بسائر الكتب. # PageV07P312 # إيمانك بغيره من الكتب إقرارك به بالقلب واللسان وإيمانك بالفرقان إقرارك ~~به واتباعك ما فيه. وأما قوله: " ورسله " فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه ~~من رسله وتؤمن بأن الله سواهم رسلا وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي ~~أرسلهم وتؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل. ~~إيمانك بسائر الرسل إقرارك بهم وإيمانك بمحمد إقرارك به وتصديقك إياه دائبا ~~على ما جاء به فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت ~~الحرام ووقفت عند الشبهات وسارعت في الخيرات وأما قوله: " واليوم الآخر " ~~فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار ~~وبكل ما وصف الله به يوم القيامة. وأما قوله: {وتؤمن بالقدر خيره وشره} فأن ~~تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تقل: لو ~~كان كذا لم يكن كذا ولولا كذا وكذا لم يكن كذا وكذا. قال: فهذا هو الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # PageV07P313 # فصل: # ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه ~~الخمس؛ فلماذا قال: الإسلام هذه الخمس وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر ~~شعائر الإسلام وأعظمها وبقيام العبد بها يتم إسلامه وتركه لها يشعر بانحلال ~~قيد انقياده. و " التحقيق " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو ~~استسلام العبد لربه مطلقا الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان. فيجب على ~~كل من كان قادرا عليه ليعبد الله بها مخلصا له الدين. وهذه هي الخمس وما ~~سوى ذلك فإنما يجب بأسباب لمصالح فلا يعم وجوبها جميع الناس؛ بل إما أن ~~يكون فرضا على الكفاية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وما يتبع ~~ذلك من إمارة وحكم وفتيا؛ وإقراء وتحديث وغير ذلك. وإما أن ms2119 يجب بسبب حق ~~للآدميين يختص به من وجب له وعليه وقد يسقط بإسقاطه. وإذا حصلت المصلحة أو ~~الإبراء إما بإبرائه وإما بحصول المصلحة فحقوق العباد مثل قضاء الديون ورد ~~الغصوب والعواري والودائع والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال ~~والأعراض؛ إنما هي حقوق الآدميين وإذا أبرئوا منها سقطت. # PageV07P314 # وتجب على شخص دون شخص في حال دون حال لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد ~~قادر؛ ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى بخلاف الخمسة فإنها من ~~خصائص المسلمين. وكذلك ما يجب من صلة الأرحام وحقوق الزوجة والأولاد ~~والجيران والشركاء والفقراء. وما يجب من أداء الشهادة والفتيا والقضاء ~~والإمارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد؛ كل ذلك يجب بأسباب ~~عارضة على بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار لو حصلت بدون فعل ~~الإنسان لم تجب؛ فما كان مشتركا فهو واجب على الكفاية وما كان مختصا فإنما ~~يجب على زيد دون عمرو لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر ~~سوى الخمس؛ فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه فليس الواجب على ~~هذا مثل الواجب على هذا بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة؛ ~~فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله؛ والأصناف الثمانية ~~مصارفها؛ ولهذا وجبت فيها النية ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه ولم ~~تطلب من الكفار. وحقوق العباد لا يشترط لها النية ولو أداها غيره عنه بغير ~~إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار وما يجب حقا لله تعالى كالكفارات هو بسبب ~~من العبد وفيها شوب العقوبات فإن الواجب لله " ثلاثة أنواع ": عبادة محضة ~~كالصلوات وعقوبات محضة كالحدود وما يشبهها كالكفارات. وكذلك كفارات الحج ~~وما يجب بالنذر فإن ذلك يجب بسبب فعل من العبد وهو واجب في ذمته. # PageV07P315 # وأما " الزكاة " فإنها تجب حقا لله في ماله. ولهذا يقال: ليس في المال حق ~~سوى الزكاة أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة وإلا ففيه واجبات بغير ~~سبب المال كما تجب النفقات ms2120 للأقارب والزوجة والرقيق والبهائم ويجب حمل ~~العاقلة ويجب قضاء الديون ويجب الإعطاء في النائبة ويجب إطعام الجائع وكسوة ~~العاري فرضا على الكفاية؛ إلى غير ذلك من الواجبات المالية. لكن بسبب عارض ~~والمال شرط وجوبها كالاستطاعة في الحج فإن البدن سبب الوجوب والاستطاعة شرط ~~والمال في الزكاة هو السبب والوجوب معه؛ حتى لو لم يكن في بلده من يستحقها ~~حملها إلى بلدة أخرى وهي حق وجب لله تعالى. ولهذا قال: من قال من الفقهاء: ~~إن التكليف شرط فيها فلا تجب على الصغير والمجنون. وأما عامة الصحابة ~~والجمهور كمالك والشافعي وأحمد فأوجبوها في مال الصغير والمجنون لأن مالهما ~~من جنس مال غيرهما ووليهما يقوم مقامهما بخلاف بدنهما. فإنه إنما يتصرف ~~بعقلهما؛ وعقلهما ناقص. وصار هذا كما يجب العشر في أرضهما مع أنه إنما ~~يستحقه الثمانية. وكذلك إيجاب الكفارة في مالهما. والصلاة والصيام إنما ~~تسقط لعجز العقل عن الإيجاب لا سيما إذا انضم إلى عجز البدن كالصغير. وهذا ~~المعنى منتف في المال فإن الولي قام مقامهما في الفهم كما يقوم مقامهما في ~~جميع ما يجب في المال وأما بدنهما فلا يجب عليهما فيه شيء. # PageV07P316 # فصل: (*) # قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكروه بالآيات التي ~~تلوناها عند ذكر تسمية الله الصلاة وسائر الطاعات إيمانا واستدلوا أيضا بما ~~قص الله من إباء إبليس حين عصى ربه في سجدة واحدة (*) أمر أن يسجدها لآدم ~~فأباها. فهل جحد إبليس ربه وهو يقول: {رب بما أغويتني} ويقول: {رب فأنظرني ~~إلى يوم يبعثون} إيمانا منه بالبعث وإيمانا بنفاذ قدرته في إنظاره إياه إلى ~~يوم يبعثون وهل جحد أحدا من أنبيائه أو أنكر شيئا من سلطانه وهو يحلف ~~بعزته؟ وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة أمر بها فأباها؟ قال: واستدلوا ~~أيضا بما قص الله علينا من نبأ ابني آدم {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ~~ولم يتقبل من الآخر} إلى قوله: {فأصبح من الخاسرين} قالوا: وهل جحد ربه؟ ~~وكيف يجحده وهو يقرب القربان؟ . قالوا: قال ms2121 الله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} ولم يقل: ~~إذا ذكروا بها أقروا بها فقط. وقال: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته أولئك يؤمنون به} يعني يتبعونه حق اتباعه PageV07P317 # فإن قيل: فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة تبين أن العمل داخل في الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله؟ قيل: نعم عامة السنن والآثار تنطق بذلك منها ~~حديث وفد عبد القيس؛ وذكر حديث شعبة وقرة بن خالد عن أبي جمرة عن ابن عباس ~~كما تقدم ولفظه {آمركم بالإيمان بالله وحده} ثم قال: {هل تدرون ما الإيمان ~~بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا خمس ما ~~غنمتم} وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال في الإيمان مثل قوله في حديث. ~~. . (1) لما سئل صلى الله عليه وسلم. . . (2) # ثم قال أبو عبد الله محمد بن نصر: اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} فقالت طائفة منهم: إنما ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه من ~~الإسلام ولا يزيل عنه اسمه وفرقوا بين الإيمان والإسلام وقالوا: إذا زنى ~~فليس بمؤمن وهو مسلم واحتجوا لتفريقهم بين الإسلام والإيمان. بقوله: {قالت ~~الأعراب آمنا} الآية فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد ~~والإسلام عام يثبت الاسم به بالتوحيد والخروج من ملل الكفر واحتجوا بحديث ~~سعد بن أبي وقاص وذكره عن {سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رجالا ~~ولم يعط رجلا منهم شيئا. فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط ~~فلانا وهو مؤمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلم أعادها ثلاثا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أو مسلم ثم قال: PageV07P318 # إني لأعطي رجالا وأمنع آخرين وهم أحب إلي منهم مخافة أن يكبوا على وجوههم ms2122 ~~في النار} قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. قال محمد بن ~~نصر: واحتجوا بإنكار عبد الله بن مسعود على من شهد لنفسه بالإيمان فقال: ~~أنا مؤمن من غير استثناء وكذلك أصحابه من بعده وجل علماء الكوفة على ذلك. ~~واحتجوا بحديث أبي هريرة: {يخرج منه الإيمان فإن رجع رجع إليه} وبما أشبه ~~ذلك من الأخبار وبما روي عن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا يقولان: مسلم ~~ويهابان: مؤمن؛ واحتجوا بقول أبي جعفر الذي حدثناه إسحاق بن إبراهيم أنبأنا ~~وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن فضيل بن بشار عن أبي جعفر محمد بن علي ~~أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن} فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ودور دارة واسعة وهذا الإيمان ودور دارة ~~صغيرة في وسط الكبيرة فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا ~~يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله. واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص} حدثنا بذلك يحيى بن يحيى حدثنا ~~ابن لهيعة عن شريح بن هانئ عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال {أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص} . وذكر عن حماد بن زيد أنه ~~كان يفرق بين الإيمان والإسلام فجعل # PageV07P319 # الإيمان خاصا والإسلام عاما. قال: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة مع ما ~~يثبت ذلك من النظر وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة أوجب ~~عليه الجنة فقال: {وكان بالمؤمنين رحيما} {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم ~~أجرا كريما} وقال: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} وقال: {وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} وقال: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} وقال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور} وقال: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} . قال: ثم أوجب الله النار على ms2123 الكبائر فدل بذلك على أن اسم ~~الإيمان زائل عمن أتى كبيرة. قالوا: ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام فثبت ~~أن اسم الإسلام له ثابت على حاله واسم الإيمان زائل عنه. فإن قيل لهم في ~~قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان لأن للإيمان ~~أصلا وفروعا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر فإن قيل ~~لهم؛ فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان هل ~~فيهم من الإيمان شيء؟ قالوا: نعم أصله ثابت ولولا ذلك لكفروا. ألم تسمع إلى ~~ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه صدق وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذا ~~كان يعلم أنه مقصر # PageV07P320 # لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب عليه وانتهى عما حرم ~~عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر. قالوا: فلما أبان الله أن هذا ~~الاسم يستحقه من قد استحق الجنة وأن الله قد أوجب الجنة عليه. وعلمنا أنا ~~قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التصديق إلا بالتكذيب؛ ولسنا بشاكين ولا ~~مكذبين؛ وعلمنا أنا عاصون له مستوجبون للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم الله ~~به للمؤمنين على اسم الإيمان؛ علمنا أنا قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي ~~أثبت الله عليه الحكم في الجنة وهو من الله اسم ثناء وتزكية وقد نهانا الله ~~أن نزكي أنفسنا وأمرنا بالخوف على أنفسنا وأوجب لنا العذاب بعصياننا فعلمنا ~~أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين إذ أوجب الله على اسم الإيمان الثناء ~~والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة والجنة؛ وأوجب على الكبائر النار وهذان ~~حكمان متضادان. فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به وأنتم ~~تزعمون أن أصل الإيمان في قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق وما قاله صدق؟ ~~قالوا: إن الله ورسوله وجماهير المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من ~~الأسماء فسموا الزاني فاسقا والقاذف فاسقا ms2124 وشارب الخمر فاسقا ولم يسموا ~~واحدا من هؤلاء متقيا ولا ورعا؛ وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى ~~والورع وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا. وكذلك يتقي الله أن يترك ~~الغسل من الجنابة أو الصلاة ويتقي أن يأتي أمه فهو في جميع ذلك متق وقد ~~أجمع # PageV07P321 # المسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقيا ولا ورعا إذا كان ~~يأتي بالفجور فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه وأنه قد يزيد فيه ~~فرعا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع ~~إتيانه بعض الكبائر بل سموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى ببعض التقى ~~والورع فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية وأن الله قد أوجب عليه ~~المغفرة والجنة. قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا. وإن كان ~~في قلبه أصل اسم الإيمان لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم ~~به وأوجب عليه الجنة فمن ثم قلنا: مسلم ولم نقل: مؤمن قالوا: ولو كان أحد ~~من المسلمين الموحدين يستحق ألا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام لكان أحق ~~الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخبر أن الله يقول: {أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} ~~ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام ~~التي ألزمها الله للمسلمين ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة: ثبت أنهم ~~مسلمون إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين وأنهم لا يستحقون أن يسموا ~~مؤمنين إذ كان الإسلام يثبت للملة التي يخرج بها الإنسان من جميع الملل ~~فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام وتثبت أحكام الإسلام عليه وتزول عنه ~~أحكام جميع الملل. # PageV07P322 # فإن قال لهم قائل: لم لم تقولوا: كافر إن شاء الله تريدون به كمال الكفر ~~كما قلتم: مؤمنون إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟ قالوا: لأن الكافر ~~منكر للحق والمؤمن أصل إيمانه ms2125 الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر فتنتظر ~~به الحقائق والإيمان أصله التصديق والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر ~~والتحقيق لما صدق؛ ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل فسأل أحدهما حقه ~~فقال: ليس لك عندي حق فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال إذا جحد ~~وأنكر وسأل الآخر حقه فقال: نعم لك علي كذا وكذا فليس إقراره بالذي يصل ~~إليه بذلك حقه دون أن يوفيه؛ فهو منتظر له أن يحقق ما قال بالأداء ويصدق ~~إقراره بالوفاء ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في المعنى إذ ~~استويا في الترك للأداء فتحقيق ما قال أن يؤدي إليه حقه؛ فإن أدى جزءا منه ~~حقق بعض ما قال ووفى ببعض ما أقر به. وكلما أدى جزءا ازداد تحقيقا لما أقر ~~به. وعلى المؤمن الأداء أبدا بما أقر به حتى يموت. فمن ثم قلنا: مؤمن إن ~~شاء الله ولم نقل: كافر إن شاء الله. # قال محمد بن نصر: وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء إلا ~~أنهم سموه مسلما لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال ولم يسموه ~~مؤمنا. وزعموا أنهم مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر؛ لا كافر بالله؛ ولكن ~~كافر من طريق العمل. وقالوا: كفر لا ينقل عن الملة؛ وقالوا: محال أن يقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} # PageV07P323 # والكفر ضد الإيمان فلا يزول عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له لأن ~~الكفر ضد الإيمان إلا أن الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال فذاك ضده ~~الإقرار بالله والتصديق به وبما قال وكفر هو عمل فهو ضد الإيمان الذي هو ~~عمل ألا ترى إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يؤمن من ~~لا يأمن جاره بوائقه} قالوا: فإذا لم يؤمن فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلا ~~أنه كفر من جهة العمل إذ لم يؤمن من جهة العمل لأنه ms2126 لا يضيع ما فرض عليه ~~ويرتكب الكبائر إلا من قلة خوفه وإنما يقل خوفه من قلة تعظيمه لله ووعيده ~~فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر عنه الخوف والورع فأقسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لا يؤمن إذا لم يأمن جاره بوائقه. ثم قد روى جماعة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} وأنه ~~قال: {إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فلم يكن كذلك باء بالكفر} . فقد سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافرا وبقوله له: يا كافر كافرا؛ ~~وهذه الكلمة دون الزنا والسرقة وشرب الخمر. قالوا: فأما قول من احتج علينا ~~فزعم أنا إذا سميناه كافرا لزمنا أن يحكم عليه بحكم الكافرين بالله ~~فنستتيبه ونبطل الحدود عنه؛ لأنه إذا كفر فقد زالت عنه أحكام المؤمنين ~~وحدودهم وفي ذلك إسقاط الحدود وأحكام المؤمنين عن كل من أتى كبيرة فإنا لم ~~نذهب في ذلك إلى حيث ذهبوا ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع وضد الإيمان الكفر ~~في كل معنى فأصل الإيمان الإقرار والتصديق وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن ~~فضد الإقرار والتصديق الذي # PageV07P324 # هو أصل الإيمان: الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله وضد الإيمان ~~الذي هو عمل وليس هو إقرار كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة؛ ولكن كفر ~~تضييع العمل كما كان العمل إيمانا وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ~~فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافرا يستتاب ومن ترك الإيمان ~~الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا قد ~~زال عنه بعض الإيمان ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل ~~السنة وأهل البدع ممن قال: إن الإيمان تصديق وعمل إلا الخوارج وحدها فكذلك ~~لا يجب بقولنا: كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ولا تزول عنه الحدود ~~وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة ولا إزالة الحدود والأحكام ~~عنه إذ لم يزل أصل الإيمان ms2127 عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود ~~والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر ~~الذي هو جحد بالله أو بما قال. قالوا: ولما كان العلم بالله إيمانا والجهل ~~به كفرا وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر لأن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك ~~فلم يكن جهلهم بذلك كفرا ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم بها ~~والقيام بها إيمانا وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله؛ ولو لم يأت خبر ~~من الله ما كان بجهلها كافرا وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من ~~المسلمين لم يكن بجهلها كافرا، # PageV07P325 # والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر. قالوا: فمن ثم قلنا: ~~إن ترك التصديق بالله كفر؛ وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها ~~كفر؛ ليس بكفر بالله إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل: كفرتني ~~حقي ونعمتي يريد ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي؛ قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن ~~روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين إذ جعلوا للكفر ~~فروعا دون أصله لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام كما أثبتوا للإيمان من جهة ~~العمل فروعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام من ذلك قول ابن عباس في ~~قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} . قال محمد بن نصر: ~~حدثنا ابن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام يعني ابن عروة عن حجير عن ~~طاووس عن ابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ليس ~~بالكفر الذي يذهبون إليه. حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع حدثنا عبد ~~الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ms2128 هم الكافرون} قال هي به كفر قال ابن طاووس: ~~وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن ~~سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن # PageV07P326 # أبيه عن ابن عباس قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله وبه أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: قلت ~~لابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} فهو كافر. قال: هو به كفر وليس كمن ~~كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد ~~الرزاق عن سفيان عن رجل عن طاووس عن ابن عباس قال: كفر لا ينقل عن الملة. ~~حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاووس قال ليس بكفر ~~ينقل عن الملة. حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: ~~كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. قال محمد بن نصر: قالوا: وقد صدق ~~عطاء قد يسمى الكافر ظالما ويسمى العاصي من المسلمين ظالما فظلم ينقل عن ~~ملة الإسلام وظلم لا ينقل. قال الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم} وقال: {إن الشرك لظلم عظيم} وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه ~~قال: {لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليس بذلك. ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم ~~عظيم} إنما هو الشرك} . # PageV07P327 # حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن علي بن ~~زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر ~~المصحف فقرأ فيه فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية {الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم} إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبي بن ~~كعب فقال: يا أبا المنذر أتيت قبل على هذه الآية ms2129 {الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم} وقد نرى أنا نظلم ونفعل. فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا ليس ~~بذلك يقول الله: {إن الشرك لظلم عظيم} إنما ذلك الشرك. قال محمد بن نصر: ~~وكذلك " الفسق فسقان ": فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة فيسمى ~~الكافر فاسقا والفاسق من المسلمين فاسقا ذكر الله إبليس فقال: {ففسق عن أمر ~~ربه} وكان ذلك الفسق منه كفرا وقال الله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار} يريد الكفار دل على ذلك قوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} وسمي الفاسق من ~~المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام. قال الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} وقال تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج} فقالت العلماء في تفسير الفسوق هاهنا: هي ~~المعاصي. قالوا: فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين كذلك ### | الكفر كفران: # PageV07P328 # (أحدهما ينقل عن الملة) و (الآخر لا ينقل عن الملة) وكذلك الشرك " شركان ~~": شرك في التوحيد ينقل عن الملة وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو ~~الرياء قال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {الطيرة شرك} . قال محمد بن نصر: فهذان مذهبان هما في ~~الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث حكى الشالنجي ~~إسماعيل بن سعيد أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده ~~إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصيام هل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟ ~~قال: هو مصر مثل قوله: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} . يخرج من ~~الإيمان ويقع في الإسلام ومن نحو قوله: {لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ~~ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن} ومن نحو قول ابن ms2130 عباس في قوله: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فقلت له: ما هذا الكفر؟ فقال: كفر لا ~~ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض وكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر ~~لا يختلف فيه. وقال ابن أبي شيبة: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} لا ~~يكون مستكمل الإيمان يكون ناقصا من إيمانه قال: وسألت أحمد بن حنبل عن " ~~الإسلام والإيمان " فقال: الإيمان قول وعمل والإسلام إقرار. قال: وبه قال ~~أبو خيثمة وقال ابن أبي شيبة لا يكون الإسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا ~~بإسلام. # PageV07P329 # " قلت ": وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ليس هو ~~مسمى الآخر. # وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل. قال ~~أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد ": أجمع أهل الفقه والحديث على أن ~~الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ~~ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانا قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار ~~ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به. . . إلى أن قال: وأما سائر ~~الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن ~~أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود ابن علي والطبري ومن سلك سبيلهم؛ ~~فقالوا: الإيمان قول وعمل قول باللسان وهو الإقرار واعتقاد بالقلب وعمل ~~بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة. قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من ~~فريضة ونافلة فهو من الإيمان والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأهل ~~الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم وإنما صاروا ناقصي ~~الإيمان بارتكابهم الكبائر. ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} . الحديث يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به ~~نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع ms2131 على توريث الزاني والسارق ~~وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قراباتهم ~~المؤمنين الذين ليسوا # PageV07P330 # بتلك الأحوال واحتج على ذلك؛ ثم قال: وأكثر أصحاب مالك على أن الإيمان ~~والإسلام شيء واحد. قال: وأما قول المعتزلة فالإيمان عندهم جماع الطاعات ~~ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق؛ لا مؤمن ولا كافر وهؤلاء هم المتحققون ~~بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين. إلى أن قال: وعلى أن الإيمان يزيد ~~وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعليه جماعة أهل الآثار؛ والفقهاء من ~~أهل الفتيا في الأمصار وروى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد وتوقف في ~~نقصانه. وروى عنه عبد الرزاق ومعن بن عيسى وابن نافع أنه يزيد وينقص وعلى ~~هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله. ثم ذكر حجج المرجئة؛ ثم حجج ~~أهل السنة ورد على الخوارج التكفير بالحدود المذكورة للعصاة في الزنا ~~والسرقة ونحو ذلك. وبالموارثة وبحديث عبادة: {من أصاب من ذلك شيئا فعوقب به ~~في الدنيا فهو كفارة} وقال: الإيمان مراتب بعضها فوق بعض؛ فليس ناقص ~~الإيمان ككامل الإيمان. قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} أي حقا. ولذلك قال: {هم المؤمنون حقا} وكذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم {المؤمن من أمنه الناس؛ والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} ~~- يعني حقا - ومن هذا قوله: {أكمل المؤمنين إيمانا} . ومعلوم أن هذا لا ~~يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص # PageV07P331 # وقوله: {أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله} . وقوله: {لا ~~إيمان لمن لا أمانة له} يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض وذكر ~~الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: {من أحب لله وأبغض لله} الحديث. وكذلك ذكر ~~أبو عمرو الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية وإصابة ~~السنة. وقال أبو طالب المكي: مباني الإسلام الخمسة: يعني الشهادتين؛ ~~والصلوات الخمس؛ والزكاة وصيام شهر رمضان؛ والحج. قال وأركان الإيمان سبعة: ~~يعني الخمسة المذكورة في حديث جبرائيل والإيمان بالقدر؛ والإيمان بالجنة ~~والنار وكلاهما قد ms2132 رويت في حديث جبريل كما سنذكر إن شاء الله تعالى. قال: ~~والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته؛ والإيمان بكتب الله وأنبيائه والإيمان ~~بالملائكة والشياطين؛ يعني - والله أعلم - الإيمان بالفرق بينهما؛ فإن من ~~الناس من يجعلهما جنسا واحدا؛ لكن تختلف باختلاف الأعمال كما يختلف الإنسان ~~البر والفاجر والإيمان بالجنة والنار؛ وأنهما قد خلقتا قبل آدم. والإيمان ~~بالبعث بعد الموت والإيمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها وحلوها ومرها؛ ~~إنها من الله قضاء وقدرا ومشيئة وحكما وأن ذلك عدل منه وحكمة بالغة؛ استأثر ~~بعلم غيبها ومعنى حقائقها. قال: وقد قال قائلون: إن الإيمان هو الإسلام ~~وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات وهذا يقرب من مذهب المرجئة: وقال آخرون: إن # PageV07P332 # الإسلام غير الإيمان وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير وهذا قريب من قول ~~الإباضية؛ فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل فمثل الإسلام من الإيمان ~~كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم فشهادة الرسول غير ~~شهادة الوحدانية فهما شيئان في الأعيان. وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى ~~والحكم كشيء واحد كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر فهما كشيء ~~واحد لا إيمان لمن لا إسلام له؛ ولا إسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلو ~~المسلم من إيمان به يصح إسلامه ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه من ~~حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان؛ واشترط للإيمان الأعمال الصالحة ~~فقال في تحقيق ذلك {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} وقال ~~في تحقيق الإيمان بالعمل: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم ~~الدرجات العلا} فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان ~~بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا ~~يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد؛ ومن ~~كان مؤمنا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملا بما أمر الله فهو مؤمن ~~مسلم؛ ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما؛ ولجاز أن المسلم ~~لا يسمى مؤمنا بالله. وقد ms2133 أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم؛ وكل مسلم ~~مؤمن بالله وملائكته وكتبه قال: ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في ~~الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لا يكون ذو جسم حي لا قلب له؛ ولا ذو قلب ~~بغير # PageV07P333 # جسم؛ فهما شيئان منفردان؛ وهما في الحكم والمعنى منفصلان؛ ومثلهما أيضا ~~مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة. لا يقال: حبتان: لتفاوت صفتهما. فكذلك ~~أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان؛ وهو من أعمال الجوارح؛ والإيمان ~~باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {الإسلام علانية؛ والإيمان في القلب} وفي لفظ: {الإيمان سر} فالإسلام ~~أعمال الإيمان؛ والإيمان عقود الإسلام؛ فلا إيمان إلا بعمل؛ ولا عمل إلا ~~بعقد. ومثل ذلك مثل العمل الظاهر والباطن؛ أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال ~~القلوب وعمل الجوارح؛ ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنما ~~الأعمال بالنيات} أي لا عمل إلا بعقد وقصد لأن " إنما " تحقيق للشيء ونفي ~~لما سواه؛ فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات؛ وعمل القلوب من النيات؛ ~~فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما؛ لأن ~~الشفتين تجمع الحروف؛ واللسان يظهر الكلام؛ وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام؛ ~~وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان؛ ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان ~~بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله: {ألم نجعل له عينين} {ولسانا ~~وشفتين} بمعنى ألم نجعله ناظرا متكلما؛ فعبر عن الكلام باللسان والشفتين ~~لأنهما مكان له وذكر الشفتين؛ لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا ~~بهما. ومثل " الإيمان " و " الإسلام " أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر # PageV07P334 # وأطناب وله عمود في باطنه فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال ~~العلانية والجوارح وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في ~~وسط الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به فقد احتاج الفسطاط إليها ~~إذ لا قوام له ولا قوة إلا بهما كذلك الإسلام في أعمال الجوارح لا قوام ms2134 له ~~إلا بالإيمان والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام وهو صالح ~~الأعمال. و " أيضا " فإن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحدا فلولا ~~أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما واحدا فقال: {كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم} وقال: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . فجعل ~~ضدهما الكفر. قال: وعلى مثل هذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإيمان والإسلام من صنف واحد؛ فقال في حديث ابن عمر: {بني الإسلام على ~~خمس} وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس إنهم سألوه عن الإيمان فذكر ~~هذه الأوصاف فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر ولا إسلام ~~ظاهر علانية إلا بإيمان سر وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون ~~صاحبه. قال: فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بين ~~الإيمان والإسلام فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه ~~المعاني التي وصفناها أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح مما يوجب ~~الأفعال # PageV07P335 # الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان ~~في المعنى باختلاف وتضاد ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم قال: ~~ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه وما ~~ذكره من العلانية وصف جسمه. قال: و " أيضا " فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو ~~آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل ~~بما ذكره من وصف الإسلام أنه لا يسمى مؤمنا وأنه إن عمل بجميع ما وصف به ~~الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما وقد أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. قلت: كأنه أراد بذلك ~~إجماع الصحابة ومن اتبعهم أو أنه لا يسمى مؤمنا في الأحكام وأنه لا يكون ~~مسلما إذا أنكر بعض هذه الأركان أو علم أن الرسول أخبر بها ولم ms2135 يصدقه أو ~~أنه لم ير خلاف أهل الأهواء خلافا؛ وإلا فأبو طالب كان عارفا بأقوالهم وهذا ~~- والله أعلم - مراده فإنه عقد " الفصل الثالث والثلاثين " في بيان تفصيل ~~الإسلام والإيمان وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة وهذا الذي ~~قاله أجود مما قاله كثير من الناس لكن ينازع في شيئين. # أحدهما: أن المسلم المستحق للثواب لا بد أن يكون معه الإيمان الواجب ~~المفصل المذكور في حديث جبريل. # PageV07P336 # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلق مؤمنا دون مسلم في مثل ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم " أو مسلم " لكونه ليس من خواص المؤمنين ~~وأفاضلهم كأنه يقول: لكونه ليس من السابقين المقربين بل من المقتصدين ~~الأبرار فهذان مما تنازع فيهما جمهور العلماء ويقولون: لم يقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك الرجل " أو مسلم " لكونه لم يكن من خواص المؤمنين ~~وأفاضلهم كالسابقين المقربين فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان المطلق ~~عن الأبرار المقتصدين المتقين الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا من ~~أصحاب اليمين ولم يكونوا من السابقين والمقربين؛ وليس الأمر كذلك بل كل من ~~أصحاب اليمين مع السابقين المقربين كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا عذاب ~~وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع؛ ولو ~~جاز أن ينفى الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيمانا نفي الإيمان عن أكثر ~~أولياء الله المتقين بل وعن كثير من الأنبياء وهذا في غاية الفساد وهذا من ~~جنس قول من يقول: نفي الاسم لنفي كماله المستحب. وقد ذكرنا أن مثل هذا لا ~~يوجد في كلام الله ورسوله؛ بل هذا الحديث خص من قيل فيه مسلم وليس بمؤمن ~~فلا بد أن يكون ناقصا عن درجة الأبرار المقتصدين أهل الجنة ويكون إيمانه ~~ناقصا عن إيمان هؤلاء كلهم فلا يكون قد أتى بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله ~~ثم إن كان قادرا على ذلك الإيمان وترك الواجب كان مستحقا للذم وإن قدر أنه ~~لا يقدر على ذلك الإيمان الذي ms2136 اتصف به هؤلاء كان عاجزا عن مثل إيمانهم ولا ~~يكون هذا وجب عليه فهو وإن # PageV07P337 # دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيمانا مجملا ومات قبل أن يعلم تفصيل ~~الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه فهو يدخل الجنة لكن لا يكون مثل ~~أولئك. لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم أيضا على درجات كما في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى ~~الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير} وقد قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى وإن ~~كان كل منهما كمل ما وجب عليه وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم: ليس هذا من ~~خواص المؤمنين هذا المعنى: أي ليس إيمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان سواء ~~كان من الأبرار أو من المقربين وإن لم يكن ترك واجبا لعجزه عنه أو لكونه لم ~~يؤمر به فلا يكون مذموما ولا يمدح مدح أولئك ولا يلزم أن يكون من أولئك ~~المقربين. فيقال: وهذا أيضا لا ينفي عنه الإيمان. فيقال: هو مسلم لا مؤمن ~~كما يقال: ليس بعالم ولا مفت ولا من أهل الاجتهاد وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} وهذا ~~كثير فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدورا لمن دونه فكذلك من حقائق ~~الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس بل ولا أكثرهم فهؤلاء يدخلون الجنة ~~وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل الله بها غيرهم ولا ~~تركوا واجبا عليهم وإن كان واجبا على غيرهم ولهذا كان من الإيمان # PageV07P338 # ما هو من المواهب والفضل من الله فإنه من جنس العلم والإسلام الظاهر من ~~جنس العمل؛ وقد قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وقال: ~~{ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} وقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} . ومثل ms2137 هذه السكينة قد لا تكون ~~مقدورة؛ ولكن الله يجعل ذلك في قلبه فضلا منه وجزاء على عمل سابق كما قال: ~~{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما} كما قال: {اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} وكما قال: ~~{أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} ولهذا قيل: من عمل بما علم ~~أورثه الله علم ما لم يعلم؛ وهذا الجنس غير مقدور للعباد؛ وإن كان ما ~~يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة والباطنة هو أيضا بفضل الله وإعانته ~~وإقداره لهم؛ لكن الأمور قسمان: منه ما جنسه مقدور لهم لإعانة الله لهم ~~كالقيام والقعود ومنه ما جنسه غير مقدور لهم؛ إذا قيل: إن الله يعطي من ~~أطاعه قوة في قلبه وبدنه يكون بها قادرا على ما لا يقدر عليه غيره فهذا ~~أيضا حق وهو من جنس هذا المعنى. قال تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا} وقد قال: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} فأمرهم بالثبات ~~وهذا الثبات يوحي إلى الملائكة أنهم يفعلونه بالمؤمنين. # PageV07P339 # والمقصود أنه قد يكون من الإيمان ما يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه ولا ~~يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه ويفضل الله ذاك بهذا الإيمان وإن لم ~~يكن المفضول ترك واجبا فيقال: وكذلك في الأعمال الظاهرة يؤمر القادر على ~~الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه ويؤمر بعض الناس بما يؤمر به غيره؛ لكن ~~الأعمال الظاهرة قد يعطى الإنسان مثل أجر العامل إذا كان يؤمن بها ويريدها ~~جهده ولكن بدنه عاجز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ~~{إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: ~~وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر} وكما قال تعالى: {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ms2138 القاعدين درجة} فاستثنى ~~أولي الضرر. وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ~~ينقص من أوزارهم شيئا} . وفي حديث أبي كبشة الأنماري: {هما في الأجر سواء ~~وهما في الوزر سواء} رواه الترمذي وصححه ولفظه: {إنما الدنيا لأربعة: رجل ~~آتاه الله علما ومالا فهو يتقي في ذلك المال ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله ~~فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق ~~النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء وعبد # PageV07P340 # رزقه الله مالا ولم يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ~~ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه ~~الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته ~~فوزرهما سواء} . ولفظ ابن ماجه: {مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه ~~الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ~~ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم ~~يؤته علما فهو يختبط في ماله ينفقه في غير حقه ورجل لم يؤته علما ولا مالا ~~وهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت مثل الذي يعمل فهما في الوزر سواء} . # كالشخصين إذا تماثلا في إيمان القلوب معرفة وتصديقا وحبا وقوة وحالا ~~ومقاما فقد يتماثلان وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن الآخر ~~كما جاء في الأثر: إن المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه والمنافق قوته في ~~جسمه وضعفه في قلبه ولهذا قال ms2139 النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ~~{ليس الشديد ذو الصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} وقد قال: ~~{رأيت كأني أنزع على قليب فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي ~~نزعه ضعف والله يغفر له فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في # PageV07P341 # يده غربا فلم أر عبقريا يفري فريه حتى صدر الناس بعطن} فذكر أن أبا بكر ~~أضعف وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر فلا ريب أن أبا بكر ~~أقوى إيمانا من عمر. وعمر أقوى عملا منه كما قال ابن مسعود: مازلنا أعزة ~~منذ أسلم عمر؛ وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل وصاحب الإيمان يكتب له ~~أجر عمل غيره، وما فعله عمر في سيرته مكتوب مثله لأبي بكر فإنه هو الذي ~~استخلفه. وفي " المسند " من وجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وزن بالأمة فرجح ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر ~~بالأمة فرجح} وكان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر ~~بسبب أبي بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن عنده فهو قد دعاه إلى ما فعله من ~~خير وأعانه عليه بجهده والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان ~~كفاعله كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا} وقال: {من دل على خير ~~فله مثل أجر فاعله} وقال: {من فطر صائما فله مثل أجره} . وقد روى الترمذي ~~{من عزى مصابا فله مثل أجره} وهذا وغيره مما يبين أن الشخصين قد يتماثلان ~~في الأعمال الظاهرة بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها أفضل عند الله من الآخر ~~لأنه أفضل في الإيمان الذي في القلب وأما إذا تفاضلا في إيمان القلوب فلا ~~يكون المفضول فيها أفضل عند الله ألبتة # PageV07P342 # وإن كان المفضول لم يهبه الله من الإيمان ما وهبه للفاضل ولا أعطى قلبه ms2140 ~~من الأسباب التي بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول ولهذا فضل ~~الله بعض النبيين على بعض وإن كان الفاضل أقل عملا من المفضول كما فضل الله ~~نبينا صلى الله عليه وسلم - ومدة نبوته بضع وعشرون سنة - على نوح وقد لبث ~~في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وفضل أمة محمد وقد عملوا من صلاة العصر إلى ~~المغرب على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر وعلى من عمل من صلاة الظهر ~~إلى العصر فأعطى الله أمة محمد أجرين وأعطى كلا من أولئك أجرا أجرا لأن ~~الإيمان الذي في قلوبهم كان أكمل وأفضل وكان أولئك أكثر عملا؛ وهؤلاء أعظم ~~أجرا وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التي تفضل بها عليهم وخصهم بها. ~~وهكذا سائر من يفضله الله تعالى فإنه يفضله بالأسباب التي يستحق بها ~~التفضيل بالجزاء كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم وبقوة ينال بها ~~اليقين والصبر والتوكل والإخلاص؛ وغير ذلك مما يفضله الله به وإنما فضله في ~~الجزاء بما فضل به من الإيمان. كما قال تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} ~~{ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله} وقال في الآية الأخرى: ~~{الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس} وقال: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} . # PageV07P343 # وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب وكذلك يرزق من يشاء بغير ~~حساب وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق. وإذا كان من الإيمان ما ~~يعجز عنه كثير من الناس ويختص الله به من يشاء فذلك مما يفضلهم الله به ~~وذلك الإيمان ينفي عن غيرهم لكن لا على وجه الذم بل على وجه التفضيل فإن ~~الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل محظور. لكن على ما ذكره أبو ms2141 طالب. ~~يقال: فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار ويقال: إنهم مؤمنون باعتبار آخر ~~وعلى هذا ينفى الإيمان عمن فاته الكمال المستحب؛ بل الكمال الذي يفضل به ~~على من فاته وإن كان غير مقدور للعباد بل ينفى عنه الكمال الذي وجب على ~~غيره وإن لم يكن في حقه لا واجبا ولا مستحبا لكن هذا لا يعرف في كلام ~~الشارع ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي الإيمان يقتضي الذم حيث كان فلا ينفى ~~إلا عمن له ذنب فتبين أن قوله: " أو مسلم " توقف في أداء الواجبات الباطنة ~~والظاهرة كما قال جماهير الناس. ثم طائفة يقولون: قد يكون منافقا ليس معه ~~شيء من الإيمان وهم الذين يقولون: الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من ~~الإيمان شيء وهذا هو القول الذي نصره طائفة كمحمد بن نصر والأكثرون يقولون: ~~بل هؤلاء لم يكونوا من المنافقين الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم وإن ~~كان فيهم شعبة نفاق؛ بل كان معهم تصديق يقبل معه منهم ما عملوه لله ولهذا ~~جعلهم مسلمين؛ ولهذا قال: {أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} كما # PageV07P344 # قالوا مثل ذلك في الزاني والسارق وغيرهما ممن نفي عنه الإيمان مع أن معه ~~التصديق. وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم. وأبو طالب جعل من كان مذموما لترك ~~واجب من المؤلفة قلوبهم الذين لم يعطوا شيئا وجعل ذلك الشخص مؤمنا غيره ~~أفضل منه. وأما الأكثرون فيقولون: إثبات الإسلام لهم دون الإيمان كإثباته ~~لذلك الشخص كان مسلما لا مؤمنا كلاهما مذموم لا لمجرد أن غيره أفضل منه. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} ولم ~~يسلب عمن دونه الإيمان. وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى} . فأثبت الإيمان للفاضل والمفضول وهذا متفق عليه بين المسلمين وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد ~~فأخطأ فله أجر} {وقال لسعد بن ms2142 معاذ لما حكم في بني قريظة: لقد حكمت فيهم ~~بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة} وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية: {إذا ~~حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك ~~لا تدري ما حكم الله فيهم؛ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك} . وهذه ~~الأحاديث الثلاثة في " الصحيح " وفي حديث سليمان عليه السلام وأسألك حكما ~~يوافق حكمك. فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون ~~لهم # PageV07P345 # بإحسان أن أحد الشخصين قد يخصه الله باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز ~~عنه غيره فيكون له أجران وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه؛ وذلك العلم ~~الذي خص به هذا والعمل به باطنا وظاهرا زيادة في إيمانه وهو إيمان يجب عليه ~~لأنه قادر عليه. وغيره عاجز عنه فلا يجب. فهذا قد فضل بإيمان واجب عليه ~~وليس بواجب على من عجز عنه. وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من ~~المسائل الخبرية والعملية إذا خص أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع ~~اجتهاد الآخر وعجزه كلاهما محمود مثاب مؤمن وذلك خصه الله من الإيمان الذي ~~وجب عليه بما فضله به على هذا؛ وذلك المخطئ لا يستحق ذما ولا عقابا وإن كان ~~ذاك لو فعل ما فعل ذم وعوقب كما خص الله أمة نبينا بشريعة فضلها به ولو ~~تركنا مما أمرنا به فيها شيئا؛ لكان ذلك سببا للذم والعقاب؛ والأنبياء ~~قبلنا لا يذمون بترك ذلك لكن محمد صلى الله عليه وسلم فضله الله على ~~الأنبياء وفضل أمته على الأمم من غير ذم لأحد من الأنبياء ولا لمن اتبعهم ~~من الأمم. # وأيضا فإذا كان الإنسان لا يجب عليه شيء من الإيمان إلا ما يقدر عليه وهو ~~إذا فعل ذلك كان مستحقا لما وعد الله به من الجنة فلو كان مثل هذا يسمى ~~مسلما ولا يسمى مؤمنا لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى مسلما لا ~~مؤمنا كالأعراب وكالشخص الذي قال فيه ms2143 النبي صلى الله عليه وسلم " أو مسلم " ~~وكسائر من نفي عنه الإيمان مع أنه مسلم كالزاني والشارب # PageV07P346 # والسارق ومن لا يأمن جاره بوائقه ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب ~~لنفسه؛ وغير هؤلاء وليس الأمر كذلك. فإن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم ~~الإيمان لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام وإخباره أنه دينه الذي ~~ارتضاه؛ وأنه لا يقبل دينا غيره ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين ~~ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان كقوله: ~~{وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} فهو يعلقها باسم ~~الإيمان المطلق أو المقيد بالعمل الصالح كقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية} {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار} وقوله: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} ~~وقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقوله: {فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} وقوله: {فأما الذين آمنوا ~~بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} ~~وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} وفي الآية ~~الأخرى: {ومن أصدق من الله قيلا} وقال: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين} وقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} وقال: {فمن آمن وأصلح # PageV07P347 # فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} والآيات في هذا ~~المعنى كثيرة. فالوعد بالجنة والرحمة في الآخرة وبالسلامة من العذاب علق ~~باسم الإيمان المطلق والمقيد بالعمل الصالح ونحو ذلك؛ وهذا كما تقدم أن ~~المطلق يدخل فيه ms2144 فعل ما أمر الله به ورسوله ولم يعلق باسم الإسلام. فلو كان ~~من أتى من الإيمان بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلما لا ~~مؤمنا لكان من أهل الجنة وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلما وإن لم يسم ~~مؤمنا وليس الأمر كذلك بل الجنة لم تعلق إلا باسم الإيمان وهذا أيضا مما ~~استدل به من قال: إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة إذ لو كان ~~الأمر كذلك لكان وعد الجنة معلقا باسم الإسلام كما علق باسم الإيمان وكما ~~علق باسم " التقوى " واسم " البر " في مثل قوله: {إن المتقين في جنات ونهر} ~~وقوله: {إن الأبرار لفي نعيم} وباسم أولياء الله كقوله: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} {لهم البشرى ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} ~~فلما لم يجر اسم الإسلام هذا المجرى علم أن مسماه ليس ملازما لمسمى الإيمان ~~كما يلازمه اسم البر والتقوى وأولياء الله وأن اسم الإسلام يتناول من هو من ~~أهل الوعيد وإن كان الله يثيبه على طاعته مثل أن يكون في قلبه إيمان ونفاق ~~يستحق به العذاب فهذا يعاقبه الله ولا يخلده في النار؛ لأن في قلبه مثقال ~~ذرة أو أكثر من مثقال ذرة من إيمان. # PageV07P348 # وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص وإذا كان في قلب أحدهم شعبة نفاق ~~عوقب بها إذا لم يعف الله عنه ولم يخلد في النار فهؤلاء مسلمون وليسوا ~~مؤمنين ومعهم إيمان. لكن معهم أيضا ما يخالف الإيمان من النفاق فلم تكن ~~تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين لا سيما إن كانوا للكفر أقرب منهم ~~للإيمان وهؤلاء يدخلون في اسم الإيمان في أحكام الدنيا كما يدخل المنافق ~~المحض وأولى لأن هؤلاء معهم إيمان يدخلون به في خطاب الله ب {يا أيها الذين ~~آمنوا} لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهي لهم عما يضرهم وهم محتاجون إلى ذلك ~~ثم إن الإيمان الذي معهم إن ms2145 اقتضى شمول لفظ الخطاب لهم فلا كلام وإلا ~~فليسوا بأسوأ حالا من المنافق المحض وذلك المنافق يخاطب بهذه الأعمال ~~وتنفعه في الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة ويتميز بها عن سائر ~~الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها في الدنيا لكن وقت الحقيقة يضرب {فضرب ~~بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} {ينادونهم ألم ~~نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني ~~حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} وقد قال تعالى: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما} . فإذا عمل العبد صالحا لله: فهذا هو الإسلام ~~الذي هو دين الله ويكون # PageV07P349 # معه من الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة؛ ثم إن كان معه من ~~الذنوب ما يعذب به عذب وأخرج من النار؛ إذا كان في قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان وإن كان معه نفاق؛ ولهذا قال تعالى في هؤلاء: {فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} فلم يقل: إنهم مؤمنون بمجرد هذا إذ لم ~~يذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله بل هم معهم وإنما ذكر العمل ~~الصالح وإخلاصه لله وقال: {فأولئك مع المؤمنين} فيكون لهم حكمهم. وقد بين ~~تفاضل المؤمنين في مواضع أخر وإنه من أتى بالإيمان الواجب استحق الثواب ومن ~~كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر فذاك من أهل الوعيد وإيمانه ينفعه الله ~~به؛ ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن لا يستحق به الاسم ~~المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب. وتمام هذا أن الناس قد يكون فيهم من ~~معه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر أو النفاق ويسمى مسلما كما نص ~~عليه أحمد. وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة ms2146 من شعب الإيمان وشعبة من ~~شعب النفاق؛ وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام ~~بالكلية كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة ~~السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن ~~قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم {إنه ليس بمؤمن} . إنه يقال لهم: مسلمون ~~لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم ~~الإسلام وبأن الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر # PageV07P350 # لا ينقل عن الملة بل كفر دون كفر كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: {ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قالوا: كفر لا ينقل عن الملة ~~وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم. وهذا أيضا مما استشهد به البخاري ~~في " صحيحه " فإن كتاب " الإيمان " الذي افتتح به " الصحيح " قرر مذهب أهل ~~السنة والجماعة وضمنه الرد على المرجئة فإنه كان من القائمين بنصر السنة ~~والجماعة مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقد اتفق العلماء على أن اسم ~~المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين لأنهم استسلموا ظاهرا؛ وأتو بما ~~أتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة والزكاة الظاهرة والحج الظاهر ~~والجهاد الظاهر كما كان النبي يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر واتفقوا على ~~أنه من لم يكن معه شيء من الإيمان فهو كما قال تعالى: {إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار} وفيها قراءتان (درك ودرك قال أبو الحسين ابن فارس: ~~الجنة درجات والنار دركات. قال الضحاك: الدرج: إذا كان بعضها فوق بعض. ~~والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض فصار المظهرون للإسلام بعضهم في أعلى ~~درجة في الجنة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في الحديث الصحيح: ~~{إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة ~~في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن ~~سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ms2147 # PageV07P351 # القيامة} وقوله: صلى الله عليه وسلم {وأرجو أن أكون} مثل قوله: {إني ~~لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده} ولا ريب أنه أخشى الأمة لله ~~وأعلمهم بحدوده. وكذلك قوله: {اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي ~~نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا} . وقوله: {إني لأرجو أن ~~تكونوا نصف أهل الجنة} وأمثال هذه النصوص وكان يستدل به أحمد وغيره على ~~الاستثناء في الإيمان كما نذكره في موضعه. والمقصود أن خير المؤمنين في ~~أعلى درجات الجنة والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وإن كانوا في الدنيا ~~مسلمين ظاهرا تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة؛ فمن كان فيه إيمان ونفاق ~~يسمى مسلما إذ ليس هو دون المنافق المحض وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم ~~الإيمان بل اسم المنافق أحق به فإن ما فيه بياض وسواد وسواده أكثر من بياضه ~~هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض كما قال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان} وأما إذا كان إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد لم يكن ~~أيضا من المؤمنين الموعودين بالجنة وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن أحمد ~~ولم أره أنا فيما بلغني من كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه. وقال محمد بن ~~نصر: وحكى غير هؤلاء عن أحمد أنه قال: من أتى هذه الأربعة: الزنا والسرقة ~~وشرب الخمر والنهبة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه أو مثلهن أو فوقهن ~~فهو مسلم ولا أسميه # PageV07P352 # مؤمنا ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمنا ناقص الإيمان فإن صاحب هذا القول ~~يقول: لما نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان نفيته عنه كما نفاه ~~عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة وإلا ~~فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر ~~لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر فما أتى بالإيمان الواجب ولكن خلطه ~~بسيئات كفرت عنه بغيرها ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك. وأما الذين نفى ~~عنهم الرسول الإيمان فننفيه ms2148 كما نفاه الرسول وأولئك وإن كان معهم التصديق ~~وأصل الإيمان فقد تركوا منه ما استحقوا لأجله سلب الإيمان وقد يجتمع في ~~العبد نفاق وإيمان وكفر وإيمان فالإيمان المطلق عند هؤلاء ما كان صاحبه ~~مستحقا للوعد بالجنة. وطوائف " أهل الأهواء " من الخوارج والمعتزلة ~~والجهمية والمرجئة كراميهم وغير كراميهم يقولون: إنه لا يجتمع في العبد ~~إيمان ونفاق ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك وقد ذكر أبو الحسن في بعض كتبه ~~الإجماع على ذلك ومن هنا غلطوا فيه وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول؛ بل الخوارج ~~والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة ~~يستحق بها الثواب ومعصية يستحق بها العقاب ولا يكون الشخص الواحد محمودا من ~~وجه مذموما من # PageV07P353 # وجه ولا محبوبا مدعوا له من وجه مسخوطا ملعونا من وجه ولا يتصور أن الشخص ~~الواحد يدخل الجنة والنار جميعا عندهم بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى ~~عندهم ولهذا أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة في أحد من أهل النار. ~~وحكى عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل لكن هؤلاء قالوا: إن أهل ~~الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك. وأما أهل السنة ~~والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان؛ وسائر طوائف المسلمين من أهل ~~الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية ~~والأشعرية والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه ~~الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة وهذا الشخص ~~الذي له سيئات عذب بها وله حسنات دخل بها الجنة وله معصية وطاعة باتفاق فإن ~~هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه؛ لكن تنازعوا في اسمه. فقالت المرجئة: ~~جهميتهم وغير جهميتهم: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه ~~مؤمن ناقص الإيمان ولولا ذلك لما عذب كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق ~~المسلمين وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان والصحيح التفصيل. فإذا ~~سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة. قيل: هو ms2149 مؤمن وكذلك إذا سئل عن ~~دخوله في خطاب المؤمنين. وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة. قيل: ليس هذا ~~النوع من المؤمنين # PageV07P354 # الموعودين بالجنة بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار ويدخل به الجنة بعد ~~أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه ولهذا قال من قال: هو مؤمن ~~بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان والذين لا يسمونه مؤمنا من أهل ~~السنة ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله: {بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان} وقوله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} . وعلى هذا الأصل ~~فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر ومعه إيمان أيضا وعلى هذا ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية كثير من الذنوب كفرا مع أن صاحبها قد ~~يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار. كقوله {سباب ~~المسلم فسوق وقتاله كفر} وقوله: {لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب ~~بعض} وهذا مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في " الصحيح " من غير وجه ~~فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادي به في الناس فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب ~~بعض بلا حق كفارا؛ وسمى هذا الفعل كفرا؛ ومع هذا فقد قال تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} إلى قوله: {إنما المؤمنون ~~إخوة} فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية ولكن فيهم ما هو كفر وهي ~~هذه الخصلة. كما قال بعض الصحابة: كفر دون كفر. وكذلك قوله: {من قال لأخيه ~~يا كافر فقد باء بها أحدهما} فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أن أحدهما ~~باء بها فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر. # PageV07P355 # وكذلك قوله في الحديث الصحيح: {ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا ~~كفر} وفي حديث آخر: {كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق} وكان من القرآن الذي ~~نسخ ms2150 لفظه: " لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " فإن ~~حق الوالدين مقرون بحق الله في مثل قوله: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} ~~وقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} فالوالد أصله ~~الذي منه خلق والولد من كسبه. كما قال: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} فالجحد ~~لهما شعبة من شعب الكفر فإنه جحد لما منه خلقه ربه فقد جحد خلق الرب إياه ~~وقد كان في لغة من قبلنا يسمى الرب أبا فكان فيه كفر بالله من هذا الوجه ~~ولكن ليس هذا كمن جحد الخالق بالكلية وسنتكلم إن شاء الله على سائر ~~الأحاديث. والمقصود هنا ذكر " أصل جامع " تنبني عليه معرفة النصوص ورد ما ~~تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى ~~الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما وكثرة كلام الناس فيهما والاسم كلما كثر ~~التكلم فيه فتكلم به مطلقا ومقيدا بقيد ومقيد بقيد آخر في موضع آخر. كان ~~هذا سببا لاشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن ~~أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ويكون ما سمعه مقيدا ~~بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى فيظن معناه في سائر موارده كذلك؛ فمن اتبع علمه ~~حتى عرف مواقع الاستعمال عامة وعلم مأخذ # PageV07P356 # الشبه أعطى كل ذي حق حقه وعلم أن خير الكلام كلام الله وأنه لا بيان أتم ~~من بيانه؛ وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف ~~أضعاف ما تنازعوا فيه. # فالمسلمون: سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ومتفقون ~~على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة؛ ولا يعذب وعلى أن من لم يؤمن ~~بأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فهو كافر وأمثال هذه ~~الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون إلى ~~الإسلام والإيمان فتنازعهم بعد هذا في ms2151 بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض ~~الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه مع أن المخالفين للحق البين ~~من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة؛ مشهود عليهم ~~بالضلالة؛ ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام كالخوارج والروافض ~~والقدرية ونحوهم وإنما تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر ~~الناس؛ ولكن يجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. والرد إلى الله ورسوله ~~في " مسألة الإسلام والإيمان " يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه واجبا ~~لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا مسلما. فالحق في ذلك ما بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل فجعل الدين وأهله " ثلاث طبقات ": أولها: ~~الإسلام وأوسطها الإيمان وأعلاها الإحسان ومن وصل إلى العليا # PageV07P357 # فقد وصل إلى التي تليها. فالحسن مؤمن والمؤمن مسلم؛ وأما المسلم فلا يجب ~~أن يكون مؤمنا. وهكذا جاء القرآن فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة. قال ~~تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} فالمسلم الذي لم ~~يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى ~~الواجب وترك المحرم؛ والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه. ~~وقد ذكر الله سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة في سورة ~~(الواقعة) و (المطففين) و (هل أتى) وذكر الكفار أيضا وأما هنا فجعل التقسيم ~~للمصطفين من عباده. وقال أبو سليمان الخطابي: مما أكثر ما يغلط الناس في " ~~هذه المسألة " فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج ~~بالآية وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد. فاحتج بقوله: {فأخرجنا ~~من كان فيها من المؤمنين} {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} قال ~~الخطابي: وقد تكلم رجلان من أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول واحد من ~~هذين ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه ~~المائتين. قال الخطابي: والصحيح ms2152 من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق؛ ~~وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها ~~والمؤمن # PageV07P358 # مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وإذا حملت الأمر ~~على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها. " ~~قلت ": الرجلان اللذان أشار إليهما الخطابي أظن أحدهما - وهو السابق - محمد ~~بن نصر فإنه الذي علمته بسط الكلام في أن الإسلام والإيمان شيء واحد من أهل ~~السنة والحديث وما علمت لغيره قبله بسطا في هذا. والآخر الذي رد عليه أظنه. ~~. . (1) لكن لم أقف على رده؛ والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما ~~كأبي جعفر وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وهو قول أحمد بن حنبل وغيره؛ ~~ولا علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان؛ ~~ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره الخطابي. وكذلك ~~ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهاني وابنه محمد شارح " مسلم " وغيرهما أن ~~المختار عند أهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن كما دل ~~عليه النص وقد ذكر الخطابي: في " شرح البخاري " كلاما يقتضي تلازمهما مع ~~افتراق اسميهما [وذكره البغوي في " شرح السنة " فقال: قد جعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسما لما بطن ~~من الاعتقاد وليس كذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان PageV07P359 # أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل الجملة هي كلها شيء واحد ~~وجماعها الدين] (*) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم {هذا جبريل جاءكم يعلمكم ~~دينكم} والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإسلام والإيمان جميعا؛ يدل عليه ~~قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} وقوله تعالى {ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} وقوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} فبين أن الدين الذي ~~رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا ~~بانضمام التصديق إلى العمل. " قلت ": تفريق النبي ms2153 صلى الله عليه وسلم في ~~حديث جبريل وإن اقتضى أن الأعلى هو الإحسان والإحسان يتضمن الإيمان ~~والإيمان يتضمن الإسلام فلا يدل على العكس ولو قدر أنه دل على التلازم فهو ~~صريح بأن مسمى هذا ليس مسمى هذا لكن التحقيق أن الدلالة تختلف بالتجريد ~~والاقتران كما قد بيناه ومن فهم هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة في كثير من ~~المواضع حاد عنها طوائف - " مسألة الإيمان " وغيرها - وما ذكره من أن الدين ~~لا يكون في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل يدل على أنه ~~لا بد مع العمل من الإيمان؛ فهذا يدل على وجوب الإيمان مطلقا لكن لا يدل ~~على أن العمل الذي هو الدين ليس اسمه إسلاما وإذا كان الإيمان شرطا في ~~قبوله لم يلزم أن يكون ملازما له؛ ولو كان ملازما له لم يلزم أن يكون جزء ~~مسماه. PageV07P360 # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله صلى الله عليه وسلم {الإسلام أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله} إلى آخره؛ {والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله} إلى آخره. قال: هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن ~~وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ~~يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ~~ومعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده أو ~~انحلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر ~~الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان مقومات ومتممات ~~وحافظات له ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد ~~القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم وإعطاء الخمس من المغنم؛ ولهذا لا ~~يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشيء ~~الكامل يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد ولذلك جاز ~~إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن} . واسم " الإسلام " يتناول أيضا ما هو ms2154 " أصل الإيمان " وهو التصديق ~~ويتناول " أصل الطاعات " فإن ذلك كله استسلام قال: فخرج مما ذكرناه وحققناه ~~أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وأن كل مؤمن مسلم وليس # PageV07P361 # كل مسلم مؤمنا قال: فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة ~~في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون؛ وما حققناه من ذلك ~~موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. فيقال: هذا الذي ذكره ~~رحمه الله فيه من الموافقة لما قد بين من أقوال الأئمة: وما دل عليه الكتاب ~~والسنة ما يظهر به أن الجمهور يقولون: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا ~~وقوله: إن الحديث ذكر فيه أصل الإيمان وأصل الإسلام قد يورد عليه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجاب عن الإيمان والإسلام بما هو من جنس الجواب بالحد ~~عن المحدود؛ فيكون ما ذكره مطابقا لهما لا لأصلهما فقط فالإيمان هو الإيمان ~~بما ذكره باطنا وظاهرا؛ لكن ما ذكره من الإيمان تضمن الإسلام كما أن ~~الإحسان تضمن الإيمان. وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر ~~فالإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له ظاهرا وباطنا فهذا هو دين الإسلام ~~الذي ارتضاه الله كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة ومن أسلم بظاهره دون ~~باطنه فهو منافق يقبل ظاهره فإنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس. وأيضا فإذا ~~كان الإسلام يتناول التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان. فيلزم أن يكون كل ~~مسلم مؤمنا وهو خلاف ما نقل عن الجمهور ولكن لا بد في الإسلام من تصديق ~~يحصل به أصل الإيمان وإلا لم يثب عليه؛ فيكون # PageV07P362 # حينئذ مسلما مؤمنا فلا بد أن يتبين المسلم الذي ليس بمؤمن ودخوله في ~~الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم} ~~وقوله: {الإسلام هو الأركان الخمسة} لا يعني به من أداها بلا إخلاص لله بل ~~مع النفاق بل المراد من فعلها كما أمر بها باطنا وظاهرا وذكر الخمس أنها هي ~~الإسلام لأنها هي العبادات المحضة التي تجب لله تعالى على كل عبد مطيق لها ms2155 ~~وما سواها إما واجب على الكفاية لمصلحة إذا حصلت سقط الوجوب وإما من حقوق ~~الناس بعضهم على بعض وإن كان فيها قربة ونحو ذلك. وتلك تابعة لهذه كما قال: ~~{المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} {وأفضل الإسلام أن تطعم الطعام ~~وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف} ونحو ذلك: فهذه الخمس هي الأركان ~~والمباني كما في الإيمان. وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن يراد ~~به شيئان: يراد به أنها لوازم له فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت وهذا مذهب ~~السلف وأهل السنة ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا وقد يكون ~~الإيمان الباطن تاما كاملا وهي لم توجد وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم ~~وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه: (أحدها) : ظنهم أن الإيمان ~~الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب تصديق بلا عمل للقلب. ~~كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه والشوق إلى لقائه. # PageV07P363 # والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر ~~وهذا يقول به جميع المرجئة. # والثالث: قولهم كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب ~~تبارك وتعالى وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة ~~والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي ~~الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو معظم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه يجمع ~~بينهما أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف. قال أبو عبد الله محمد بن نصر ~~المروزي: وقالت " طائفة ثالثة " وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة ~~وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو ~~الإسلام الذي جعله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه وهو ضد الكفر الذي سخطه ~~فقال: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال. {ورضيت لكم الإسلام دينا} وقال: {فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} وقال: {أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه} فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان. وجعله اسم ~~ثناء ms2156 وتزكية فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى وأخبر أنه دينه الذي ~~ارتضاه وما ارتضاه فقد أحبه وامتدحه ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا ~~فيه إليه وسألوه إياه فقال إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك} وقال يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} وقال: ~~{ووصى بها إبراهيم # PageV07P364 # بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~وقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا} ~~وقال في موضع آخر: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق} إلى قوله {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} فحكم ~~الله بأن من أسلم فقد اهتدى ومن آمن فقد اهتدى فسوى بينهما. قال: وقد ذكرنا ~~تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان وأنهما لا يفترقان ولا يتباينان في ~~موضع غير هذا فكرهنا إعادته في هذا الموضع كراهة التطويل والتكرير غير أنا ~~سنذكر من الحجة ما لم نذكره في غير هذا الموضع ونبين خطأ تأويلهم والحجج ~~التي احتجوا بها من الكتاب والأخبار على التفرقة بين الإسلام والإيمان. " ~~قلت ": مقصود محمد بن نصر المروزي - رحمه الله -: أن المسلم الممدوح هو ~~المؤمن الممدوح؛ وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان وأن كل مؤمن فهو مسلم ~~وكل مسلم فلا بد أن يكون معه إيمان وهذا صحيح وهو متفق عليه ومقصوده أيضا ~~أن من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان وهذا فيه نزاع لفظي ومقصوده أن ~~مسمى أحدهما هو مسمى الآخر وهذا لا يعرف عن أحد من السلف. وإن قيل: هما ~~متلازمان. فالمتلازمان لا يجب أن يكون مسمى هذا هو مسمى هذا وهو لم ينقل عن ~~أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين أنه قال: ~~مسمى الإسلام هو مسمى # PageV07P365 # الإيمان كما [نصر] (1) ؛ بل ولا عرفت أنا أحدا قال ذلك من السلف ولكن ~~المشهور عن الجماعة من السلف والخلف أن المؤمن المستحق لوعد الله هو المسلم ~~المستحق لوعد الله ms2157 فكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم وهذا متفق على معناه بين ~~السلف والخلف بل وبين فرق الأمة كلهم يقولون: إن المؤمن الذي وعد بالجنة لا ~~بد أن يكون مسلما والمسلم الذي وعد بالجنة لا بد أن يكون مؤمنا وكل من يدخل ~~الجنة بلا عذاب من الأولين والآخرين فهو مؤمن مسلم. ثم إن أهل السنة لا ~~يقولون: الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة معهم بعض ذلك وإنما النزاع في ~~إطلاق الاسم فالنقول متواترة عن السلف بأن الإيمان قول وعمل ولم ينقل عنهم ~~شيء من ذلك في الإسلام ولكن لما كان الجمهور الأعظم يقولون: إن الإسلام هو ~~الدين كله ليس هو الكلمة فقط خلاف ظاهر ما نقل عن الزهري فكانوا يقولون: إن ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأفعال المأمور بها هي من ~~الإسلام كما هي من الإيمان ظن أنهم يجعلونها شيئا واحدا وليس كذلك؛ فإن ~~الإيمان مستلزم للإسلام باتفاقهم وليس إذا كان الإسلام داخلا فيه يلزم أن ~~يكون هو إياه؛ وأما الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم الإيمان عند ~~الإطلاق ولكن هل يستلزم الإيمان الواجب أو كمال الإيمان؟ فيه نزاع وليس معه ~~دليل على أنه مستلزم للإيمان ولكن الأنبياء الذين وصفهم الله بالإسلام كلهم ~~كانوا مؤمنين وقد وصفهم الله بالإيمان ولو لم يذكر ذاك عنهم فنحن نعلم قطعا ~~أن الأنبياء كلهم مؤمنون. PageV07P366 # وكذلك السابقون الأولون كانوا مسلمين مؤمنين. ولو قدر أن الإسلام يستلزم ~~الإيمان الواجب فغاية ما يقال: إنهما متلازمان فكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم ~~وهذا صحيح إذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب. وهو متفق ~~عليه إذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته فلا بد أن يكون معه أصل الإيمان ~~فما من مسلم إلا وهو مؤمن وإن لم يكن هو الإيمان الذي نفاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعمن يفعل الكبائر وعن الأعراب ~~وغيرهم فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون ~~أحدهما ms2158 هو الآخر كالروح والبدن فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن ولا يوجد ~~بدن حي إلا مع الروح وليس أحدهما الآخر فالإيمان كالروح فإنه قائم بالروح ~~ومتصل بالبدن والإسلام كالبدن ولا يكون البدن حيا إلا مع الروح بمعنى أنهما ~~متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر؛ وإسلام المنافقين كبدن الميت ~~جسد بلا روح فما من بدن حي إلا وفيه روح ولكن الأرواح متنوعة كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر ~~منها اختلف} وليس كل من صلى ببدنه يكون قلبه منورا بذكر الله والخشوع وفهم ~~القرآن وإن كانت صلاته يثاب عليها ويسقط عنه الفرض في أحكام الدنيا فهكذا ~~الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب ~~حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن فكل من خشع قلبه # PageV07P367 # خشعت جوارحه ولا ينعكس ولهذا قيل:: إياكم وخشوع النفاق وهو أن يكون الجسد ~~خاشعا والقلب ليس بخاشع فإذا صلح القلب صلح الجسد كله وليس إذا كان الجسد ~~في عبادة يكون القلب قائما بحقائقها. # والناس في " الإيمان " و "الإسلام " على ثلاث مراتب: ظالم لنفسه ومقتصد ~~وسابق بالخيرات. فالمسلم ظاهرا وباطنا إذا كان ظالما لنفسه فلا بد أن يكون ~~معه إيمان؛ ولكن لم يأت بالواجب ولا ينعكس وكذلك في الآخر. وسيأتي إن شاء ~~الله. والآيات التي احتج بها محمد بن نصر تدل على وجوب الإسلام وأنه دين ~~الله وأن الله يحبه ويرضاه وأنه ليس له دين غيره وهذا كله حق؛ لكن ليس في ~~هذا ما يدل على أنه هو الإيمان؛ بل ولا يدل على أن بمجرد الإسلام يكون ~~الرجل من أهل الجنة كما ذكره في حجة القول الأول فإن الله وعد المؤمنين ~~بالجنة في غير آية ولم يذكر هذا الوعد باسم الإسلام وحينئذ فمدحه وإيجابه ~~ومحبة الله له تدل على دخوله في الإيمان؛ وأنه بعض منه وهذا متفق عليه بين ~~أهل السنة كلهم يقولون: كل مؤمن مسلم وكل من أتى بالإيمان الواجب ms2159 فقد أتى ~~بالإسلام الواجب لكن النزاع في العكس؛ وهذا كما أن الصلاة يحبها الله ويأمر ~~بها ويوجبها ويثني عليها وعلى أهلها في غير موضع ثم لم يدل ذلك على أن مسمى ~~الصلاة مسمى الإيمان بل الصلاة تدخل في الإيمان فكل مؤمن مصل ولا يلزم أن ~~يكون كل من صلى وأتى الكبائر مؤمنا. # PageV07P368 # وجميع ما ذكره من الحجة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيها التفريق ~~بين مسمى الإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعا كما في حديث جبريل وغيره وفيها ~~أيضا أن اسم الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام. # قال أبو عبد الله بن حامد في كتابه المصنف في " أصول الدين ": # قد ذكرنا أن الإيمان قول وعمل فأما الإسلام فكلام أحمد يحتمل روايتين. ~~إحداهما: أنه كالإيمان. والثانية: أنه قول بلا عمل. وهو نصه في رواية ~~إسماعيل بن سعيد قال: والصحيح أن المذهب رواية واحدة أنه قول وعمل ويحتمل ~~قوله: إن الإسلام قول يريد به أنه لا يجب فيه ما يجب في الإيمان من العمل ~~المشروط فيه لأن الصلاة ليست من شرطه إذ النص عنه أنه لا يكفر بتركه ~~الصلاة. قال: وقد قضينا أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين وذكرنا اختلاف ~~الفقهاء وقد ذكر قبل ذلك أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين مختلفين وبه ~~قال مالك وشريك وحماد بن زيد بالتفرقة بين الإسلام والإيمان قال: وقال ~~أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة: إنهما اسمان معناهما واحد قال: ويفيد هذا ~~أن الإيمان قد تنتفي عنه تسميته مع بقاء الإسلام عليه وهو بإتيان الكبائر ~~التي ذكرت في الخبر فيخرج عن تسمية الإيمان إلا أنه مسلم؛ فإذا تاب من ذلك ~~عاد إلى ما كان عليه من الإيمان. ولا تنتفي عنه تسمية الإيمان بارتكاب ~~الصغائر من الذنوب بل الاسم باق عليه ثم ذكر أدلة ذلك ولكن ما ذكره # PageV07P369 # فيه أدلة كثيرة على من يقول: الإسلام مجرد الكلمة فإن الأدلة الكثيرة تدل ~~على أن الأعمال من الإسلام؛ بل النصوص كلها تدل على ذلك فمن قال: إن ~~الأعمال الظاهرة المأمور بها ms2160 ليست من الإسلام فقوله باطل بخلاف التصديق ~~الذي في القلب فإن هذا ليس في النصوص ما يدل على أنه من الإسلام بل هو من ~~الإيمان وإنما الإسلام الدين كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسلم ~~وجهه وقلبه لله فإخلاص الدين لله إسلام وهذا غير التصديق ذاك من جنس عمل ~~القلب وهذا من جنس علم القلب. وأحمد بن حنبل وإن كان قد قال في هذا الموضع: ~~إن الإسلام هو الكلمة فقد قال في موضع آخر: إن الأعمال من الإسلام وهو اتبع ~~هنا الزهري رحمه الله فإن كان مراد من قال ذلك إنه بالكلمة يدخل في الإسلام ~~ولم يأت بتمام الإسلام فهذا قريب. وإن كان مراده أنه أتي بجميع الإسلام وإن ~~لم يعمل فهذا غلط قطعا بل قد أنكر أحمد هذا الجواب وهو قول من قال: يطلق ~~عليه السلام وإن لم يعمل متابعة لحديث جبريل فكان ينبغي أن يذكر قول أحمد ~~جميعه. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد في الإسلام والإيمان فقال: " ~~الإيمان " قول وعمل والإسلام الإقرار. وقال: وسألت أحمد عمن قال في الذي ~~قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام فإذا فعلت ذلك فأنا ~~مسلم؟ فقال: نعم. فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو مسلم أيضا؟ فقال: هذا معاند للحديث. # PageV07P370 # فقد جعل أحمد من جعله مسلما إذا لم يأت بالخمس معاندا للحديث مع قوله: إن ~~الإسلام الإقرار فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام وأنه لا يكون ~~قائما بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس وإطلاق الاسم مشروط بها فإنه ذم من ~~لم يتبع حديث جبريل. وأيضا فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت بالصلاة؛ بل ~~وبغيرها من المباني والكافر لا يكون مسلما باتفاق المسلمين فعلم أنه لم يرد ~~أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل؛ وإن قدر أنه أراد ذلك فهذا يكون أنه لا ~~يكفر بترك شيء من المباني الأربعة. وأكثر الروايات عنه بخلاف ذلك والذين ms2161 لا ~~يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام كالشافعي ومالك وأبي حنيفة ~~وغيرهم فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من ~~قول غيره. وقد روي عنه أنه جعل حديث سعد معارضا لحديث عمر ورجح حديث سعد. ~~قال الحسن بن علي: سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان أوكد أو الإسلام؟ قال: جاء ~~حديث عمر هذا وحديث سعد أحب إلي. كأنه فهم أن حديث عمر يدل على أن الأعمال ~~هي مسمى الإسلام فيكون مسماه أفضل. وحديث سعد يدل على أن مسمى الإيمان أفضل ~~ولكن حديث عمر لم يذكر الإسلام إلا الأعمال الظاهرة فقط وهذه لا تكون ~~إيمانا إلا مع الإيمان الذي في القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله فيكون ~~حينئذ بعض الإيمان فيكون مسمى الإيمان أفضل كما دل عليه حديث سعد فلا ~~منافاة بين الحديثين: وأما تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان فكان يقوله ~~تارة وتارة يحكي # PageV07P371 # الخلاف ولا يجزم به. وكان إذا قرن بينهما " تارة " يقول الإسلام الكلمة. ~~" وتارة " لا يقول ذلك وكذلك التكفير بترك المباني كان تارة يكفر بها حتى ~~يغضب؛ وتارة لا يكفر بها. قال الميموني: قلت: يا أبا عبد الله تفرق بين ~~الإسلام والإيمان؟ قال: نعم. قلت بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على ~~هذا ثم قال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق ~~وهو مؤمن} وقال الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} قال: وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان. قال: وحدثنا أبو ~~سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك وذكر قولهم وقول حماد بن زيد: فرق بين ~~الإسلام والإيمان. قال أحمد: قال لي رجل: لو لم يجئنا في الإيمان إلا هذا ~~لكان حسنا. قلت لأبي عبد الله: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم. ~~قلت: فإذا كانت المرجئة يقولون: إن الإسلام هو القول. قال: هم يصيرون هذا ~~كله واحدا ويجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكمل ~~الإيمان. قلت: فمن ms2162 هاهنا حجتنا عليهم؟ قال: نعم. فقد ذكر عنه الفرق مطلقا ~~واحتجاجه بالنصوص. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي عن الإسلام والإيمان قال: ~~قال ابن أبي ذئب الإسلام: القول والإيمان: العمل. قيل له: ما تقول أنت؟ ~~قال: الإسلام غير الإيمان وذكر حديث سعد وقول النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV07P372 # فهو في هذا الحديث لم يختر قول من قال: الإسلام: القول؛ بل أجاب بأن ~~الإسلام غير الإيمان كما دل عليه الحديث الصحيح مع القرآن. وقال حنبل: ~~حدثنا أبو عبد الله بحديث بريدة: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ~~إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين والمسلمين؛ وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} . . . الحديث. قال: ~~وسمعت أبا عبد الله يقول في هذا الحديث: حجة على من قال: الإيمان قول. فمن ~~قال: أنا مؤمن فقد خالف قوله: من المؤمنين والمسلمين. فبين المؤمن من ~~المسلم ورد على من قال: أنا مؤمن مستكمل الإيمان وقوله: {وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون} وهو يعلم أنه ميت يشد قول من قال: أنا مؤمن إن شاء الله ~~بالاستثناء في هذا الموضع. وقال أبو الحارث سألت: أبا عبد الله قلت: قوله: ~~{لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} . ~~قال: قد تأولوه فأما عطاء فقال: يتنحى عنه الإيمان. وقال طاووس: إذا فعل ~~ذلك زال عنه الإيمان. وروي عن الحسن قال: إن رجع راجعه الإيمان. وقد قيل: ~~يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام. وروى هذه المسألة صالح ~~فإن مسائل أبي الحارث يرويها صالح أيضا. وصالح سأل أباه ع ن هذه القصة فقال ~~فيها: هكذا يروى عن أبي جعفر قال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} قال: ~~يخرج من الإيمان إلى الإسلام فالإيمان مقصور في الإسلام، # PageV07P373 # فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام. قال الزهري - يعني - لما روي حديث ~~سعد: " أو مسلم " فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل قال أحمد: وهو ~~حديث متأول والله ms2163 أعلم. فقد ذكر أقوال التابعين ولم يرجح شيئا وذلك والله ~~أعلم لأن جميع ما قالوه حق وهو يوافق على ذلك كله كما قد ذكر في مواضع أخر ~~أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام ونحو ذلك وأحمد وأمثاله من السلف لا ~~يريدون بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره؛ بل التأويل عندهم مثل التفسير ~~وبيان ما يؤول إليه اللفظ كقول عائشة رضي الله عنها {كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم ~~اغفر لي يتأول القرآن} وإلا فما ذكره التابعون لا يخالف ظاهر الحديث بل ~~يوافقه وقول أحمد يتأوله أي يفسر معناه؛ وإن كان ذلك يوافق ظاهره لئلا يظن ~~مبتدع أن معناه أنه صار كافرا لا إيمان معه بحال؛ كما تقوله الخوارج فإن ~~الحديث لا يدل على هذا. والذي نفى عن هؤلاء الإيمان كان يجعلهم مسلمين لا ~~يجعلهم مؤمنين. قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: نقول نحن المؤمنون؟ فقال: ~~نقول: نحن المسلمون. قلت لأبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون. قال: ولكن نقول: ~~إنا مسلمون. وهذا لأن من أصله الاستثناء في الإيمان لأنه لا يعلم أنه مؤد ~~لجميع ما أمره الله به فهو مثل قوله: أنا بر أنا تقي أنا ولي الله؛ كما ~~يذكر في # PageV07P374 # موضعه؛ وهذا لا يمنع ترك الاستثناء إذا أراد: إني مصدق فإنه يجزم بما في ~~قلبه من التصديق؛ ولا يجزم بأنه ممتثل لكل ما أمر به؛ وكما يجزم بأنه يحب ~~الله ورسوله فإنه يبغض الكفر ونحو ذلك مما يعلم أنه في قلبه؛ وكذلك إذا ~~أراد بأنه مؤمن في الظاهر؛ فلا يمنع أن يجزم بما هو معلوم له؛ وإنما يكره ~~ما كرهه سائر العلماء من قول المرجئة إذ يقولون: الإيمان شيء متماثل في ~~جميع أهله مثل كون كل إنسان له رأس؛ فيقول أحدهم: أنا مؤمن حقا وأنا مؤمن ~~عند الله ونحو ذلك؛ كما يقول الإنسان: لي رأس حقا وأنا لي رأس في علم الله ~~حقا: فمن جزم به على هذا الوجه ms2164 فقد أخرج الأعمال الباطنة والظاهرة عنه؛ ~~وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من سائر ~~المسلمين؛ وللناس في " مسألة الاستثناء " كلام يذكر في موضعه. # والمقصود هنا: أن هنا قولين متطرفين: قول من يقول: الإسلام مجرد الكلمة ~~والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإسلام وقول من يقول: مسمى الإسلام ~~والإيمان واحد؛ وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل وسائر أحاديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ولهذا لما نصر محمد بن نصر المروزي القول الثاني: لم يكن ~~معه حجة على صحته؛ ولكن احتج بما يبطل به القول الأول؛ فاحتج بقوله في قصة ~~الأعراب: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} قال: فدل ~~ذلك على أن " الإسلام " هو الإيمان، # PageV07P375 # فيقال: بل يدل على نقيض ذلك لأن القوم لم يقولوا: أسلمنا؛ بل قالوا: آمنا ~~والله أمرهم أن يقولوا: أسلمنا ثم ذكر تسميتهم بالإسلام فقال: {بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} في قولكم: آمنا ولو كان الإسلام هو ~~الإيمان لم يحتج أن يقول: {إن كنتم صادقين} فإنهم صادقون في قولهم: ~~{أسلمنا} مع أنهم لم يقولوا ولكن الله قال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم} أي: يمنون عليك ما فعلوه من الإسلام ~~فالله تعالى سمى فعلهم إسلاما وليس في ذلك ما يدل على أنهم سموه إسلاما؛ ~~وإنما قالوا: آمنا ثم أخبر أن المنة تقع بالهداية إلى الإيمان فأما الإسلام ~~الذي لا إيمان معه فكان الناس يفعلونه خوفا من السيف؛ فلا منة لهم بفعله ~~وإذا لم يمن الله عليهم بالإيمان كان ذلك كإسلام المنافقين فلا يقبله الله ~~منهم. فأما إذا كانوا صادقين في قولهم: آمنا فالله هو المان عليهم بهذا ~~الإيمان وما يدخل فيه من الإسلام وهو سبحانه نفى عنهم الإيمان أولا وهنا ~~علق منة الله به على صدقهم فدل على جواز صدقهم. وقد قيل: إنهم صاروا صادقين ~~بعد ذلك ويقال: المعلق بشرط لا يستلزم وجود ذلك الشرط ويقال: لأنه كان ms2165 معهم ~~إيمان ما. لكن ما هو الإيمان الذي وصفه ثانيا؟ بل معهم شعبة من الإيمان. ~~قال محمد بن نصر: وقال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين} الآية وقال: {إن الدين عند الله الإسلام} فسمى إقام الصلاة وإيتاء # PageV07P376 # الزكاة دينا قيما وسمى الدين إسلاما فمن لم يؤد الزكاة فقد ترك من الدين ~~القيم - الذي أخبر الله أنه عنده الدين وهو الإسلام - بعضا. قال: وقد جاء ~~معينا هذه الطائفة التي فرقت بين الإسلام والإيمان على أن الإيمان قول وعمل ~~وأن الصلاة والزكاة من الإيمان وقد سماهما الله دينا وأخبر أن الدين عنده ~~الإسلام فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان وسمى الإيمان بما سمى به ~~الإسلام وبمثل ذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن زعم أن ~~الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة؛ ولا فرق ~~بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل. فيقال: أما قوله إن ~~الله جعل الصلاة والزكاة من الدين والدين عنده هو الإسلام فهذا كلام حسن ~~موافق لحديث جبريل ورده على من جعل العمل خارجا من الإسلام كلام حسن وأما ~~قوله: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام وسمى الإسلام بما سمى به ~~الإيمان فليس كذلك فإن الله إنما قال: {إن الدين عند الله الإسلام} ولم يقل ~~قط إن الدين عند الله الإيمان؛ ولكن هذا الدين من الإيمان وليس إذا كان منه ~~يكون هو إياه؛ فإن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله؛ والعمل تابع ~~لهذا العلم والتصديق ملازم له ولا يكون العبد مؤمنا إلا بهما. وأما الإسلام ~~فهو عمل محض مع قول والعلم والتصديق ليس جزء مسماه لكن يلزمه جنس التصديق ~~فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله ~~كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم # PageV07P377 # وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقوله: {إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله ms2166 وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون} . وسائر النصوص التي تنفي الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره فإن كثيرا ~~من المسلمين مسلم باطنا وظاهرا ومعه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الإيمان ~~والله تعالى قال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} وقال: {ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} ولم يقل: ومن يبتغ غير الإسلام علما ومعرفة وتصديقا ~~وإيمانا ولا قال: رضيت لكم الإسلام تصديقا وعلما فإن الإسلام من جنس الدين ~~والعمل والطاعة والانقياد والخضوع؛ فمن ابتغى غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~معه والإيمان طمأنينة ويقين أصله علم وتصديق ومعرفة والدين تابع له يقال: ~~آمنت بالله وأسلمت لله. قال موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} فلو كان مسماهما واحدا كان هذا تكريرا وكذلك قوله: ~~{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} كما قال: والصادقين والصابرين ~~والخاشعين: فالمؤمن متصف بهذا كله لكن هذه الأسماء لا تطابق الإيمان في ~~العموم والخصوص وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم لك أسلمت وبك ~~آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت} كما ثبت في " الصحيحين ~~" أنه كان يقول ذلك إذا قام من الليل وثبت في " صحيح مسلم " وغيره أنه كان ~~يقول: في سجوده: {اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت} وفي الركوع يقول: {لك ~~ركعت ولك # PageV07P378 # أسلمت وبك آمنت} ولما بين النبي صلى الله عليه وسلم خاصة كل منهما قال: ~~{المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم ~~وأموالهم} ومعلوم أن السلامة من ظلم الإنسان غير كونه مأمونا على الدم ~~والمال فإن هذا أعلى والمأمون يسلم الناس من ظلمه وليس من سلموا من ظلمه ~~يكون مأمونا عندهم. قال محمد بن نصر: فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار وأن ~~العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة. وهذا صحيح؛ فإن النصوص كلها تدل على ~~أن الأعمال من الإسلام. قال: ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان ~~إقرار بلا عمل. فيقال: بل ms2167 بينهما فرق وذلك أن هؤلاء الذين قالوه من أهل ~~السنة كالزهري ومن وافقه يقولون: الأعمال داخلة في الإيمان والإسلام عندهم ~~جزء من الإيمان والإيمان عندهم أكمل وهذا موافق للكتاب والسنة. ويقولون: ~~الناس يتفاضلون في الإيمان وهذا موافق للكتاب والسنة والمرجئة يقولون: ~~الإيمان بعض الإسلام والإسلام أفضل: ويقولون إيمان الناس متساو فإيمان ~~الصحابة وأفجر الناس سواء ويقولون: لا يكون مع أحد بعض الإيمان دون بعض ~~وهذا مخالف للكتاب والسنة. وقد أجاب أحمد عن هذا السؤال كما قاله في إحدى ~~روايتيه: إن الإسلام هو الكلمة. قال الزهري: فإنه تارة يوافق من قال ذلك ~~وتارة لا يوافقه # PageV07P379 # بل يذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الإسلام غير الإيمان؛ فلما أجاب ~~بقول الزهري قال له الميموني: قلت يا أبا عبد الله تفرق بين الإسلام ~~والإيمان؟ قال: نعم؛ قلت: بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على هذا ثم ~~قال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن} . وقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~قلت له: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم قلت: فإذا كانت المرجئة ~~تقول: إن الإسلام هو القول قال: هم يصيرون هذا كله واحدا ويجعلونه مسلما ~~ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكمل الإيمان؛ قلت: فمن ههنا حجتنا ~~عليهم؟ قال: نعم. فقد أجاب أحمد: بأنهم يجعلون الفاسق مؤمنا مستكمل الإيمان ~~على إيمان جبريل. وأما قوله: يجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا فهذا قول من ~~يقول: الدين والإيمان شيء واحد فالإسلام هو الدين فيجعلون الإسلام والإيمان ~~شيئا واحدا؛ وهذا القول قول المرجئة فيما يذكره كثير من الأئمة كالشافعي ~~وأبي عبيد وغيرهما ومع هؤلاء يناظرون فالمعروف من كلام المرجئة: الفرق بين ~~لفظ الدين والإيمان والفرق بين الإسلام والإيمان. ويقولون: الإسلام بعضه ~~إيمان وبعضه أعمال والأعمال منها فرض ونفل ولكن كلام السلف كان فيما يظهر ~~لهم ويصل إليهم من كلام أهل البدع كما تجدهم في الجهمية؛ إما يحكون عنهم أن ~~الله في ms2168 كل مكان وهذا قول طائفة منهم كالنجارية وهو قول عوامهم # PageV07P380 # وعبادهم وأما جمهور نظارهم من الجهمية والمعتزلة والضرارية وغيرهم فإنما ~~يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو فوق العالم. وكذلك كلامهم في " ~~القدرية " يحكون عنهم إنكار العلم والكتابة وهؤلاء هم القدرية الذين قال ~~ابن عمر فيهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني وهم ~~الذين كانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن ~~يعصيه ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك فعلمه بعد ما فعلوه ~~ولهذا قالوا: الأمر أنف أي: مستأنف؛ يقال: روض أنف إذا كانت وافرة لم ترع ~~قبل ذلك يعني أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي ويبتدئ ذلك من غير أن يكون ~~قد تقدم بذلك علم ولا كتاب فلا يكون العمل على ما قد قدر فيحتذي به حذو ~~القدر بل هو أمر مستأنف مبتدأ والواحد من الناس إذا أراد أن يعمل عملا قدر ~~في نفسه ما يريد عمله ثم عمله كما قدر في نفسه وربما أظهر ما قدره في ~~الخارج بصورته ويسمى هذا التقدير الذي في النفس خلقا ومنه قول الشاعر: ~~ولأنت تفري ما خلقت وبع ض الناس يخلق ثم لا يفري يقول: إذا قدرت أمرا ~~أمضيته وأنفذته بخلاف غيرك فإنه عاجز عن إمضاء ما يقدره وقال تعالى {إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر} وهو سبحانه يعلم قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون وهو ~~يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده وعلمه وإرادته قائم بنفسه وقد يتكلم به ~~ويخبر به كما في قوله: {لأملأن # PageV07P381 # جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقال: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى} وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} {إنهم ~~لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم الغالبون} . وقال تعالى: {ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} وهو سبحانه كتب ما ~~يقدره فيما يكتبه فيه كما قال: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ms2169 ~~إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} قال ابن عباس: إن الله خلق الخلق ~~وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه: كن كتابا؛ فكان كتابا ثم أنزل تصديق ذلك ~~في قوله {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} وقال: {ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} وقال: {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وقال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون} فالملائكة قد علمت ما يفعل بنو آدم من الفساد وسفك ~~الدماء فكيف لا يعلمه الله سواء علموه بإعلام الله - فيكون هو أعلم بما ~~علمهم إياه كما قاله أكثر المفسرين: - أو قالوه بالقياس على من كان قبلهم ~~كما قاله: طائفة منهم أو بغير ذلك والله أعلم بما سيكون من مخلوقاته الذين ~~لا علم لهم إلا ما علمهم وما أوحاه إلى أنبيائه وغيرهم مما سيكون هو أعلم ~~به منهم فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. # PageV07P382 # وأيضا فإنه قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة} قبل أن يأمرهم ~~بالسجود لآدم وقبل أن يمتنع إبليس؛ وقبل أن ينهى آدم عن أكله من الشجرة ~~وقبل أن يأكل منها ويكون أكله سبب إهباطه إلى الأرض فقد علم الله سبحانه ~~أنه سيستخلفه مع أمره له ولإبليس بما يعلم أنهما يخالفانه فيه ويكون الخلاف ~~سبب أمره لهما بالإهباط إلى الأرض والاستخلاف في الأرض. وهذا يبين أنه علم ~~ما سيكون منهما من مخالفة الأمر فإن إبليس امتنع من السجود لآدم وأبغضه ~~فصار عدوه فوسوس له حتى يأكل من الشجرة فيذنب آدم أيضا فإنه قد تألى إنه ~~ليغوينهم أجمعين وقد سأل الإنظار إلى يوم يبعثون ms2170 فهو حريص على إغواء آدم ~~وذريته بكل ما أمكنه لكن آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه ربه ~~وهداه بتوبته فصار لبني آدم سبيل إلى نجاتهم وسعادتهم مما يوقعهم الشيطان ~~فيه بالإغواء وهو التوبة قال تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} . وقدر الله قد ~~أحاط بهذا كله قبل أن يكون وإبليس أصر على الذنب واحتج بالقدر وسأل الإنظار ~~ليهلك غيره وآدم تاب وأناب وقال هو وزوجته: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} فتاب الله عليه فاجتباه وهداه وأنزله إلى ~~الأرض ليعمل فيها بطاعته؛ فيرفع الله بذلك درجته ويكون دخوله الجنة بعد هذا ~~أكمل مما كان فمن أذنب من أولاد آدم فاقتدى بأبيه آدم في التوبة كان سعيدا ~~وإذا تاب وآمن وعمل صالحا # PageV07P383 # بدل الله سيئاته حسنات وكان بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة كسائر ~~أولياء الله المتقين. ومن اتبع منهم إبليس فأصر على الذنب واحتج بالقدر ~~وأراد أن يغوي غيره كان من الذين قال فيهم: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين} . والمقصود هنا ذكر القدر؛ وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن عبد ~~الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قدر الله مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وكان عرشه على الماء} ~~وفي " صحيح البخاري " عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~ثم خلق السموات والأرض} وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه أنه أخبر: {أن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار وما يعمله ~~العباد قبل أن يعملوه} . وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود: {أن الله ~~يبعث ملكا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه فيكتب أجله ورزقه وعمله وشقي ~~أو سعيد} . وهذه الأحاديث تأتي إن شاء الله في مواضعها. فهذا القدر هو ms2171 الذي ~~أنكره " القدرية " الذين كانوا في أواخر زمن الصحابة. وقد روي أن أول من ~~ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس وتلقاه ~~عنه معبد الجهني ويقال: أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة فقال # PageV07P384 # رجل: احترقت بقدر الله تعالى. فقال آخر: لم يقدر الله هذا. ولم يكن على ~~عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدرة؛ فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر ~~رده عليهم من بقي من الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وواثلة بن ~~الأسقع: وكان أكثره بالبصرة والشام وقليل منه بالحجاز؛ فأكثر كلام السلف في ~~ذم هؤلاء القدرية: ولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل ~~وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال؛ والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل؛ ~~والجهمية يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل. قال وكيع: وهو كله كفر ~~ورواه ابن. . . (1) . # ولكن لما اشتهر الكلام في القدر؛ ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد صار ~~جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. وعن ~~عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم روايتان. وقول أولئك كفرهم عليه مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم. وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة ~~أولئك؛ وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم. وأخرج ~~البخاري ومسلم لجماعة منهم لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له وهذا مذهب ~~فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق ~~العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر ~~فلا يكون له مرتبة في الدين PageV07P385 # لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك. ومذهب مالك قريب ~~من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن رووا هم وسائر أهل ~~العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج ~~والشيعة. وقال أحمد: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة ~~وهذا لأن " مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات ms2172 " مسألة مشكلة وكما أن ~~القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطئوا فيها فقد أخطأ فيها كثير ممن رد عليهم ~~أو أكثرهم فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان وأتباعه فنفوا حكمة ~~الله في خلقه وأمره ونفوا رحمته بعباده ونفوا ما جعله من الأسباب خلقا ~~وأمرا وجحدوا من الحقائق الموجودة في مخلوقاته وشرائعه ما صار ذلك سببا ~~لنفور أكثر العقلاء الذين فهموا قولهم عما يظنونه السنة إذ كانوا يزعمون أن ~~قول أهل السنة في القدر هو القول الذي ابتدعه جهم وهذا لبسطه موضع آخر. ~~وإنما المقصود هنا أن " السلف " في ردهم على المرجئة والجهمية والقدرية ~~وغيرهم يردون من أقوالهم ما يبلغهم عنهم وما سمعوه من بعضهم. وقد يكون ذلك ~~قول طائفة منهم وقد يكون نقلا مغيرا. فلهذا ردوا على المرجئة الذين يجعلون ~~الدين والإيمان واحدا؛ ويقولون هو القول. وأيضا فلم يكن حدث في زمنهم من ~~المرجئة من يقول: الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفة # PageV07P386 # في القلب. فإن هذا إنما أحدثه ابن كرام وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام. ~~وأما سائر ما قاله فأقوال قيلت قبله ولهذا لم يذكر الأشعري ولا غيره ممن ~~يحكي مقالات الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا. وأما سائر أقواله فيحكونها ~~عن ناس قبله ولا يذكرونه. ولم يكن ابن كرام في زمن أحمد بن حنبل وغيره من ~~الأئمة فلهذا يحكون إجماع الناس على خلاف هذا القول؛ كما ذكر ذلك أبو عبد ~~الله أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهما. وكان قول المرجئة قبله: إن الإيمان ~~قول باللسان وتصديق بالقلب وقول جهم: إنه تصديق القلب؛ فلما قال ابن كرام: ~~إنه مجرد قول اللسان. صارت أقوال المرجئة ثلاثة لكن أحمد كان أعلم بمقالات ~~الناس من غيره فكان يعرف قول الجهمية في الإيمان وأما أبو ثور. فلم يكن ~~يعرفه ولا يعرف إلا مرجئة الفقهاء فلهذا حكي الإجماع على خلاف قول الجهمية ~~والكرامية. # قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللكائي ~~وغيره: عن ms2173 إدريس بن عبد الكريم قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن ~~الإيمان وما هو أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل؟ أو تصديق وعمل. فأجابه ~~أبو ثور بهذا فقال: سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو يزيد ~~وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم. # PageV07P387 # اعلم يرحمنا الله وإياك: أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل ~~بالجوارح وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز ~~وجل واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع ثم قال: ما عقد قلبي ~~على شيء من هذا؛ ولا أصدق به؛ أنه ليس بمسلم ولو قال: المسيح هو الله وجحد ~~أمر الإسلام ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس ~~بمؤمن فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا ولا بالتصديق إذا ~~لم يكن معه الإقرار مؤمنا حتى يكون مصدقا بقلبه مقرا بلسانه. فإذا كان ~~تصديقا بالقلب وإقرارا باللسان كان عندهم مؤمنا وعند بعضهم لا يكون مؤمنا ~~حتى يكون مع التصديق عمل فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنا فلما نفوا أن ~~يكون الإيمان بشيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في ~~قول غيرهم. لم يكن مؤمنا إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء؛ وذلك ~~أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء. فكلهم يشهد أنه مؤمن؛ فقلنا بما أجمعوا ~~عليه من التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح فأما الطائفة ~~التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ماذا أراد الله من ~~العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة الإقرار بذلك أو الإقرار ~~والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت. عند أهل ~~العلم. (ك من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ ~~وإن قالت: أراد منهم الإقرار قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعا ms2174 # PageV07P388 # لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟ أرأيتم لو ~~أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: ~~لا. قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل به؛ أيكون مؤمنا؟ ~~فإن قالوا: نعم. قيل ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعا فإن ~~جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ~~ولم يقر مؤمنا لا فرق بين ذلك. فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ~~ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء ~~وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله: أن ~~يعمله في وقته إذا جاء وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به ~~مؤمنا؛ ولو قال: أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان. قلت: يعني الإمام ~~أبو ثور - رحمه الله - إنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار ~~وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا. وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ~~ثور هو دليل على وجوب الأمرين: الإقرار والعمل وهو يدل على أن كلا منهما من ~~الدين وأنه لا يكون مطيعا لله ولا مستحقا للثواب ولا ممدوحا عند الله ~~ورسوله إلا بالأمرين جميعا وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين ~~والإيمان جميعا. وأما من يقول إنها من الدين ويقول: إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ~~ببعض الدين وهو الإيمان عندهم وترك بعضه؛ فهذا يحتج عليه بشيء آخر لكن أبو ~~ثور وغيره من علماء السنة عامة احتجاجهم مع هذا الصنف وأحمد كان أوسع علما ~~بالأقوال والحجج من # PageV07P389 # أبي ثور. ولهذا إنما حكى الإجماع على خلاف قول الكرامية ثم إنه تورع في ~~النطق على عادته ولم يجزم بنفي الخلاف؛ لكن قال: لا أحسب أحدا يقول هذا ~~وهذا في رسالته إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني ذكرها الخلال ms2175 في كتاب " السنة ~~" - وهو أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية وإن كان له ~~أقوال زائدة على ما فيه كما أن كتابه في العلم أجمع كتاب يذكر فيه أقوال ~~أحمد في الأصول الفقهية. قال المروذي: رأيت أبا عبد الرحيم الجوزجاني عند ~~أبي عبد الله وقد كان ذكره أبو عبد الله فقال: كان أبوه مرجئا أو قال: صاحب ~~رأي. وأما أبو عبد الرحيم فأثنى عليه وقد كان كتب إلى أبي عبد الله من ~~خراسان يسأله عن الإيمان وذكر الرسالة من طريقين عن أبي عبد الرحيم وجواب ~~أحمد: # بسم الله الرحمن الرحيم أحسن الله إلينا وإليك في الأمور كلها وسلمنا ~~وإياك من كل شر برحمته أتاني كتابك تذكر ما تذكر من احتجاج من احتج من ~~المرجئة. واعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة وأن ~~تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه أو أثر عن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو عن أصحابه فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدوا تنزيله ~~وما قصه الله له في القرآن وما عني به وما أراد به أخاص هو أم # PageV07P390 # عام؟ فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا أحد من الصحابة فهذا تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون ~~حكمها حكما عاما ويكون ظاهرها على العموم وإنما قصدت لشيء بعينه ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد وأصحابه أعلم بذلك منا ~~لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك فقد تكون الآية خاصة؛ أي معناها مثل قوله ~~تعالى. {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وظاهرها على العموم ~~أي من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله فجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ألا يرث مسلم كافرا. وروي عن النبي صلى الله عليه ms2176 وسلم - وليس بالثبت ~~- إلا أنه عن أصحابه أنهم لم يورثوا قاتلا فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو المعبر عن الكتاب أن الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر ومن حملها ~~على ظاهرها لزمه أن يورث من وقع عليه اسم الولد كافرا كان أو قاتلا وكذلك ~~أحكام الوارث من الأبوين وغير ذلك مع آي كثير يطول بها الكتاب وإنما ~~استعملت الأمة السنة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه إلا من دفع ~~ذلك من أهل البدع والخوارج وما يشبههم فقد رأيت إلى ما خرجوا. # قلت: لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد ~~وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه كما فسره ~~به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك بل المجمل ما لا يكفي وحده في # PageV07P391 # العمل به وإن كان ظاهره حقا كما في قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها} فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم ليست مما لا يفهم ~~المراد به؛ بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل فإن المأمور به صدقة ~~تكون مطهرة مزكية لهم هذا إنما يعرف ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~قال أحمد يحذر المتكلم في الفقه هذين " الأصلين ": المجمل والقياس. وقال: ~~أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس يريد بذلك ألا يحكم بما يدل ~~عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده ولا يعمل بالقياس قبل النظر ~~في دلالة النصوص هل تدفعه فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة ~~اللفظ والقياس؛ فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثا يطمئن ~~القلب إليه وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر ~~والأقيسة ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه طريق أهل البدع. وله في ذلك مصنف كبير. # وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع. ~~ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولا فاسدا ms2177 وإنما الصواب من أقوالهم ما ~~وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقوله تعالى {يوصيكم ~~الله في أولادكم} سماه عاما وهو مطلق في الأحوال يعمها على طريق البدل كما ~~يعم قوله: {فتحرير رقبة} جميع الرقاب لا يعمها كما يعم لفظ الولد # PageV07P392 # للأولاد. ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن بل أخذ بما ~~ظهر له مما سكت عنه القرآن فكان الظهور لسكوت القرآن عنه لا لدلالة القرآن ~~على أنه ظاهر فكانوا متمسكين بظاهر من القول لا بظاهر القول؛ وعمدتهم عدم ~~العلم بالنصوص التي فيها علم بما قيد وإلا فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو ~~حق؛ بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن ~~كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة. قال أحمد: ~~وأما من زعم أن الإيمان الإقرار فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة ~~مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى ~~المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ~~ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء؛ وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة ~~والتصديق فقد قال قولا عظيما ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك ~~العمل مع هذه الأشياء. قلت أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا ~~أصل قول المرجئة وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه؛ فلا يكون إلا ~~شيئا واحدا فلا يكون ذا عدد: اثنين أو ثلاثة فإنه إذا كان له عدد أمكن ذهاب ~~بعضه وبقاء بعضه بل لا يكون إلا شيئا واحدا ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء ~~واحد في القلب. وقالت الكرامية: إنه شيء واحد على اللسان كل ذلك فرارا من # PageV07P393 # تبعض الإيمان وتعدده فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئا ~~واحدا كما قلتم. فأبو ثور احتج بما اجتمع عليه " الفقهاء المرجئة " من أنه ~~تصديق وعمل ولم يكن بلغه قول متكلميهم وجهميتهم أو لم يعد خلافهم خلافا ms2178 ~~وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال: إن من جحد ~~المعرفة والتصديق فقد قال قولا عظيما فإن فساد هذا القول معلوم من دين ~~الإسلام ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية مع أن الكرامية لا تنكر وجوب ~~المعرفة والتصديق ولكن تقول: لا يدخل في اسم الإيمان حذرا من تبعضه وتعدده ~~لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه بل ذلك يقتضي أن يجتمع في ~~القلب إيمان وكبر واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك. كما ذكر هذا الإجماع ~~الأشعري وغيره. وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن ~~إسلامه وإيمانه ولهذا دخل في " إرجاء الفقهاء " جماعة هم عند الأمة أهل علم ~~ودين. ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من " مرجئة الفقهاء " بل جعلوا هذا ~~من بدع الأقوال والأفعال؛ لا من بدع العقائد فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي ~~لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلاف قول ~~الله ورسوله لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء ~~وغيرهم وإلى ظهور الفسق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في ~~العقائد والأعمال فلهذا عظم القول في ذم " الإرجاء " حتى قال إبراهيم ~~النخعي: لفتنتهم - يعني المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة # PageV07P394 # الأزارقة. وقال الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من ~~الإرجاء. وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من ~~الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء. وقال شريك القاضي - وذكر المرجئة ~~فقال -: هم أخبث قوم حسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله. ~~وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري وقال قتادة: ~~إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث. وسئل ميمون بن مهران عن كلام " ~~المرجئة " فقال: أنا أكبر من ذلك وقال سعيد بن جبير لذر الهمداني: ألا ~~تستحي من رأي أنت أكبر منه وقال أيوب السختياني: أنا أكبر من دين المرجئة ms2179 ~~إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة من بني هاشم يقال له: الحسن. ~~وقال زاذان: أتينا الحسن بن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو ~~الذي أخرج كتاب المرجئة فقال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج ~~هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم ~~محدث؛ ولا كالخطأ في غيره من الأسماء إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة ~~باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق. # وأحمد - رضي الله عنه - فرق بين المعرفة التي في القلب وبين التصديق الذي ~~في القلب فإن تصديق اللسان هو الإقرار؛ وقد ذكر ثلاثة أشياء وهذا يحتمل " ~~شيئين " يحتمل أن يفرق بين تصديق القلب ومعرفته وهذا قول # PageV07P395 # ابن كلاب والقلانسي، والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق ~~القلب فإن تصديق القلب قوله. وقول القلب عندهم ليس هو العلم بل نوعا آخر؛ ~~ولهذا قال أحمد: هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج إلى أن يكون ~~مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من ~~شيئين وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء ~~فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق. فقد أتى عظيما ولا أحسب امرأ ~~يدفع المعرفة والتصديق. # والذين قالوا: الإيمان هو الإقرار. فالإقرار باللسان يتضمن التصديق ~~باللسان. والمرجئة لم تختلف أن الإقرار باللسان فيه التصديق؛ فعلم أنه أراد ~~تصديق القلب ومعرفته مع الإقرار باللسان؛ إلا أن يقال: أراد تصديق القلب ~~واللسان جميعا مع المعرفة والإقرار؛ ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق ~~كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} فالميثاق المأخوذ ~~على أنهم يؤمنون به وينصرونه وقد أمروا بهذا وليس هذا الإقرار تصديقا فإن ~~الله تعالى لم يخبرهم بخبر؛ ms2180 بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا ~~به وينصروه. فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه فهذا هو إقرارهم. والإنسان قد ~~يقر للرسول بمعنى أنه يلتزم ما يأمر به مع غير معرفة ومن غير تصديق له بأنه ~~رسول الله لكن لم يقل أحد من المرجئة: إن هذا الإقرار يكون إيمانا. # PageV07P396 # بل لا بد عندهم من الإقرار الخبري وهو أنه يقر له بأنه رسول الله كما يقر ~~المقر بما يقر به من الحقوق ولفظ الإقرار يتناول الالتزام والتصديق ولا بد ~~منهما وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة؛ والمرجئة تارة ~~يجعلون هذا هو الإيمان وتارة يجعلون الإيمان التصديق والالتزام معا هذا هو ~~الإقرار الذي يقوله فقهاء المرجئة: إنه إيمان وإلا لو قال: أنا أطيعه ولا ~~أصدق أنه رسول الله أو أصدقه ولا ألتزم طاعته لم يكن مسلما ولا مؤمنا ~~عندهم. وأحمد قال: لا بد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقا وأن يكون عارفا وأن ~~يكون مصدقا بما عرف. وفي رواية أخرى: مصدقا بما أقر وهذا يقتضي أنه لا بد ~~من تصديق باطن ويحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده يتضمن القول والعمل جميعا ~~كما قد ذكرنا شواهده أنه يقال: صدق بالقول والعمل فيكون تصديق القلب عنده ~~يتضمن أنه مع معرفة قلبه أنه رسول الله قد خضع له وانقاد؛ فصدقه بقول قلبه ~~وعمل قلبه محبة وتعظيما وإلا فمجرد معرفة قلبه أنه رسول الله مع الإعراض عن ~~الانقياد له ولما جاء به إما حسدا وإما كبرا وإما لمحبة دينه الذي يخالفه ~~وإما لغير ذلك فلا يكون إيمانا. ولا بد في الإيمان من علم القلب وعمله ~~فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له تابعا له محبا ~~له معظما له فإن هذا لا بد منه ومن دفع هذا عن أن يكون من الإيمان فهو من ~~جنس من دفع المعرفة من أن تكون من الإيمان وهذا أشبه بأن # PageV07P397 # يحمل عليه كلام أحمد؛ لأن وجوب انقياد القلب مع معرفته ظاهر ثابت بدلائل ~~الكتاب والسنة ms2181 وإجماع الأمة بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن ~~نازع من الجهمية في أن انقياد القلب من الإيمان فهو كمن نازع من الكرامية ~~في أن معرفة القلب من الإيمان فكان حمل كلام أحمد على هذا هو المناسب ~~لكلامه في هذا المقام. وأيضا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق ~~القلب الخالي عن الانقياد الذي يجعل قول القلب؛ أمر دقيق وأكثر العقلاء ~~ينكرونه وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق ~~بينهما وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه ويقولون: إن ~~ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له وكثير من أصحابه ~~اعترف بعدم الفرق وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب قالوا: ففي قلبه خبر ~~بخلاف علمه فدل على الفرق. فقال لهم الناس: ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو ~~علما حقيقيا ولا خبرا حقيقيا ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم ~~والإرادة إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات لا إلى جنس آخر يخالفها. ولهذا ~~قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه؛ وإنما يمكنه أن ~~يقول ذلك بلسانه وأما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه فهذا غير ممكن ~~وهذا مما استدلوا به على أن الرب تعالى لا يتصور قيام الكذب # PageV07P398 # بذاته لأنه بكل شيء عليم ويمتنع قيام معنى يضاد العلم بذات العالم والخبر ~~النفساني الكاذب يضاد العلم. فيقال لهم: الخبر النفساني لو كان خلافا للعلم ~~لجاز وجود العلم مع ضده كما يقولون مثل ذلك في مواضع كثيرة وهي من أقوى ~~الحجج التي يحتج بها القاضي أبو بكر وموافقوه في مسألة العقل وغيرها ~~كالقاضي أبي يعلى وأبي محمد ابن اللبان وأبي علي بن شاذان وأبي الطيب وأبي ~~الوليد الباجي وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم؛ فيقولون: العقل نوع من العلم ~~فإنه ليس بضد له فإن لم يكن نوعا منه كان خلافا له ولو كان خلافا لجاز ~~وجوده مع ضد العقل وهذه الحجة وإن كانت ضعيفة ms2182 - كما ضعفها الجمهور وأبو ~~المعالي الجويني ممن ضعفها - فإن ما كان مستلزما لغيره لم يكن ضدا له إذ قد ~~اجتمعا وليس هو من نوعه؛ بل هو خلاف له على هذا الاصطلاح الذي يقسمون فيه ~~كل اثنين إلى أن يكونا مثلين أو خلافين أو ضدين فالملزوم كالإرادة مع العلم ~~أو كالعلم مع الحياة ونحو ذلك ضدا ولا مثلا؛ بل هو خلاف ومع هذا فلا يجوز ~~وجوده مع ضد اللازم فإن ضد اللازم ينافيه ووجود الملزوم بدون اللازم محال ~~كوجود الإرادة بدون العلم والعلم بدون الحياة فهذان خلافان عندهم ولا يجوز ~~وجود أحدهما مع ضد الآخر. كذلك العلم هو مستلزم للعقل فكل عالم عاقل والعقل ~~شرط في العلم فليس مثلا له ولا ضدا ولا نوعا منه ومع هذا لا يجوز وجوده مع ~~ضد العقل # PageV07P399 # لكن هذه الحجة تقال لهم في العلم مع كلام النفس الذي هو الخبر فإنه ليس ~~ضدا ولا مثلا بل خلافا؛ فيجوز وجود العلم مع ضد الخبر الصادق وهو الكاذب ~~فبطلت تلك الحجة على امتناع الكذب النفساني من العالم وبسط هذا له موضع ~~آخر. والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه ~~بأن الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال ~~القلب بأنه صادق. # ثم احتج الإمام أحمد على أن الأعمال من الإيمان بحجج كثيرة فقال وقد {سأل ~~وفد عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ~~وأن تعطوا خمسا من المغنم} فجعل ذلك كله من الإيمان. قال: وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {الحياء شعبة من الإيمان} وقال: {أكمل المؤمنين إيمانا ~~أحسنهم خلقا} وقال. {إن البذاذة من الإيمان} . وقال {الإيمان بضع وستون ~~شعبة فأدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله} مع أشياء ~~كثيرة منها: {أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} وما ms2183 روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة المنافق: {ثلاث من كن فيه فهو منافق} ~~مع حجج كثيرة. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة وعن ~~أصحابه من بعده ثم ما وصف الله تعالى في كتابه # PageV07P400 # من زيادة الإيمان في غير موضع مثل قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} وقال: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا} وقال: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} ~~وقال تعالى {فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون} وقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال ~~تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال تعالى: ~~{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} وقال: {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة} . [قال أحمد: ويلزمه أن يقول: هو مؤمن بإقراره وإن ~~أقر بالزكاة في الجملة ولم يجد في كل مائتي درهم خمسة أنه مؤمن فيلزمه أن ~~يقول: إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيع وعمل ~~الكبائر كلها إلا أنه في ذلك مقر بالله؛ فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا وهذه ~~الأشياء من أشنع ما يلزمهم] (*) . " قلت ": هذا الذي ذكره الإمام أحمد من ~~أحسن ما احتج الناس به عليهم جمع في ذلك يقول جملا يقول غيره بعضها وهذا ~~الإلزام لا محيد لهم عنه ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم ~~التزموه، وقالوا: لو فعل PageV07P401 # ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن؛ لكن يكون دليلا ~~على الكفر في أحكام الدنيا فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في ~~الآخرة. قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله ~~شيء فإنها عندهم شيء واحد فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع. وهذا ms2184 القول مع ~~فساده عقلا وشرعا ومع كونه عند التحقيق لا يثبت إيمانا؛ فإنهم جعلوا ~~الإيمان شيئا واحدا لا حقيقة له كما قالت الجهمية ومن وافقهم مثل ذلك في ~~وحدة الرب أنه ذات بلا صفات. وقالوا بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في ~~الآخرة وما يقوله ابن كلاب من وحدة الكلام وغيره من الصفات. فقولهم في الرب ~~وصفاته وكلامه والإيمان به يرجع إلى تعطيل محض وهذا قد وقع فيه طوائف كثيرة ~~من المتأخرين المنتسبين إلى السنة والفقه والحديث المتبعين للأئمة الأربعة ~~المتعصبين للجهمية والمعتزلة؛ بل وللمرجئة أيضا؛ لكن لعدم معرفتهم بالحقائق ~~التي نشأت منها البدع يجمعون بين الضدين ولكن من رحمة الله بعباده المسلمين ~~أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل الأئمة الأربعة وغيرهم كمالك ~~والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وكالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في ~~القرآن والإيمان وصفات الرب وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن ~~الله يرى في الآخرة وأن # PageV07P402 # القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب ~~واللسان فلو شتم الله ورسوله كان كافرا باطنا وظاهرا عندهم كلهم ومن كان ~~موافقا لقول جهم في الإيمان بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان يبقى ~~تارة يقول بقول السلف والأئمة وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم؛ ~~حتى في مسألة سب الله ورسوله رأيت طائفة من الحنبليين والشافعيين ~~والمالكيين إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنا وظاهرا. وإذا ~~تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر وهو في الباطن يجوز أن يكون ~~مؤمنا تام الإيمان فإن الإيمان عندهم لا يتبعض. ولهذا لما عرف القاضي عياض ~~هذا من قول بعض أصحابه أنكره ونصر قول مالك وأهل السنة وأحسن في ذلك. وقد ~~ذكرت بعض ما يتعلق بهذا في كتاب " الصارم المسلول على شاتم الرسول " وكذلك ~~تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف ويبحثون بحثا يناسب قول ~~الجهمية ms2185 لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم في مسائل ~~الإيمان. والرازي لما صنف " مناقب الشافعي " ذكر قوله في الإيمان. وقول ~~الشافعي قول الصحابة والتابعين وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة ~~والتابعين. ومن لقيه استشكل قول الشافعي جدا لأنه كان قد انعقد في نفسه ~~شبهة أهل البدع في الإيمان: من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية # PageV07P403 # وسائر المرجئة وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله؛ ~~لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم. والجواب عما ذكروه هو سهل فإنه يسلم له أن ~~الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت؛ لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال ~~سائر الأجزاء. والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب ~~يقدح في كمال الإيمان ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء فذلك المجموع الذي ~~هو الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب لكن يقولون بقي بعضه: إما أصل وإما ~~أكثره وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه. ولهذا كانت ~~المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة؛ لأنه إذا نقص ~~لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضا متعددا عند من يقول بذلك وهم الخوارج ~~والمعتزلة. وإما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد؛ فيثبتون واحدا لا ~~حقيقة له؛ كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية صفاته عند من أثبتها ~~منهم # ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان ~~بعض الإيمان وبعض الكفر أو ما هو إيمان وما هو كفر واعتقدوا أن هذا متفق ~~عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره فلأجل اعتقادهم هذا الإجماع ~~وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي إجماع # PageV07P404 # السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة؛ بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال ~~بقول جهم في الإيمان. ولهذا نظائر متعددة؛ يقول الإنسان قولا مخالفا للنص ~~والإجماع القديم حقيقة ويكون معتقدا أنه متمسك بالنص والإجماع. وهذا إذا ~~كان مبلغ علمه واجتهاده؛ فالله ms2186 يثيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده ~~ويغفر له ما عجز عن معرفته من الصواب الباطن وهم لما توهموا أن الإيمان ~~الواجب على جميع الناس نوع واحد؛ صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا ~~يقبل التفاضل. فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة ~~والنقصان. فقلت له: قولك من حيث هو؛ كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان ~~والحيوان من حيث هو حيوان والوجود من حيث هو وجود والسواد من حيث هو سواد ~~وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات؛ فتثبت لهذه المسميات وجودا ~~مطلقا مجردا عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له في الخارج وإنما هو ~~شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر موجودا لا قديما ولا حادثا ولا قائما ~~بنفسه ولا بغيره ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما ويقول: الماهية من حيث ~~هي هي لا توصف بوجود ولا عدم والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن وذلك ~~موجود في الذهن لا في الخارج. وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في ~~الخارج فممتنع وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور ~~الممتنعة؛ مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك؛ فإن هذه المقدرات في ~~الذهن. # PageV07P405 # فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن؛ بل هو مجرد عن كل قيد. وتقدير إنسان ~~لا يكون موجودا ولا معدوما؛ بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين ولا ثم إنسانية ~~إلا ما اتصف بها الإنسان؛ فكل إنسان له إنسانية تخصه وكل مؤمن له إيمان ~~يخصه؛ فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمر وليست هي هي. وإذا اشتركوا في نوع ~~الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج ويشتركان في أمر ~~كلي مطلق يكون في الذهن. وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو؛ فإيمان ~~كل واحد يخصه. فلو قدر أن الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه وذلك ~~الإيمان مختص معين ليس هو الإيمان من حيث هو هو؛ بل هو إيمان ms2187 معين وذلك ~~الإيمان يقبل الزيادة. والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في ~~أنفسهم إيمانا مطلقا أو إنسانا مطلقا أو وجودا مطلقا مجردا عن جميع الصفات ~~المعينة له ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس وذلك لا يقبل ~~التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد؛ إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره. ~~ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص ~~والعين. حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علما وعبادة إلى أن جعلوا ~~الوجود كذلك؛ فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود وتصوروا هذا في ~~أنفسهم فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم ثم ظنوا أنه الله؛ فجعلوا الرب هو ~~هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصوره؛ ولا يكون في الخارج. # PageV07P406 # وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعدادا مجردة وحقائق مجردة ويسمونها المثل ~~الأفلاطونية وزمانا مجردا عن الحركة والمتحرك وبعدا مجردا عن الأجسام ~~وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في الأذهان ~~بما في الأعيان وهؤلاء قد يجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا؛ فتارة ~~يجيئون إلى الأمور المتعددة المتفاضلة في الخارج فيجعلونها واحدة أو ~~متماثلة وتارة يجيئون إلى ما في الخارج من الحيوان والمكان والزمان فيجعلون ~~الواحد اثنين. والمتفلسفة والجهمية وقعوا في هذا وهذا فجاءوا إلى صفات الرب ~~التي هي أنه عالم وقادر فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخرى وجعلوا الصفة هي ~~الموصوف. وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل في بني آدم ~~غلطوا في كونه واحدا وفي كونه متماثلا كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل " ~~التوحيد " و " الصفات " و " القرآن " ونحو ذلك؛ فكان غلط جهم وأتباعه في ~~الإيمان كغلطهم في صفات الرب الذي يؤمن به المؤمنون وفي كلامه وصفاته ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وكذلك السواد والبياض يقبل ~~الاشتداد والضعف؛ بل عامة الصفات التي يتصف بها الموصوفون تقبل التفاضل؛ ~~ولهذا كان العقل يقبل التفاضل والإيجاب والتحريم يقبل التفاضل فيكون إيجاب ~~أقوى من ms2188 إيجاب وتحريم أقوى من تحريم. وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل ~~التفاضل # PageV07P407 # على الصحيح عند أهل السنة وفي هذا كله نزاع فطائفة من المنتسبين إلى ~~السنة تنكر التفاضل في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل ~~وغيرهما. وقد حكي عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان. وإنكار التفاضل ~~في هذه الصفات هو من جنس أصل قول المرجئة ولكن يقوله من يخالف المرجئة ~~وهؤلاء يقولون: التفاضل إنما هو في الأعمال وأما الإيمان الذي في القلوب ~~فلا يتفاضل وليس الأمر كما قالوه بل جميع ذلك يتفاضل وقد يقولون: إن أعمال ~~القلب تتفاضل؛ بخلاف معارف القلب وليس الأمر كذلك بل إيمان القلوب يتفاضل ~~من جهة ما وجب على هذا ومن جهة ما وجب على هذا فلا يستوون في الوجوب. وأمة ~~محمد وإن وجب عليهم جميعهم الإيمان بعد استقرار الشرع فوجوب الإيمان بالشيء ~~المعين موقوف على أن يبلغ العبد إن كان خبرا وعلى أن يحتاج إلى العمل به إن ~~كان أمرا وعلى العلم به إن كان علما وإلا فلا يجب على كل مسلم أن يعرف كل ~~خبر وكل أمر في الكتاب والسنة ويعرف معناه ويعلمه؛ فإن هذا لا يقدر عليه ~~أحد. فالوجوب يتنوع بتنوع الناس فيه؛ ثم قدرهم في أداء الواجب متفاوتة؛ ثم ~~نفس المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل والقوة والضعف ودوام الحضور ومع ~~الغفلة فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول # PageV07P408 # الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة كالمجملة التي غفل عنها وإذا حصل له ~~ما يريبه فيها وذكرها في قلبه ثم رغب إلى الله في كشف الريب. ثم أحوال ~~القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله وخشية الله والتوكل عليه والصبر على ~~حكمه والشكر له والإنابة إليه وإخلاص العمل له ما يتفاضل الناس فيها تفاضلا ~~لا يعرف قدره إلا الله عز وجل ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو إما جاهل لم ~~يتصوره وإما معاند. قال الإمام أحمد: فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة ~~الإيمان من أجل أنهم لا يدرون ما ms2189 زيادته وأنها غير محدودة فما يقولون في ~~أنبياء الله وكتبه ورسله؟ هل يقرون بهم في الجملة؟ ويزعمون أنه من الإيمان؛ ~~فإذا قالوا: نعم؛ قيل لهم: هل تحدونهم وتعرفون عددهم؟ أليس إنما يصيرون في ~~ذلك إلى الإقرار بهم في الجملة ثم يكفون عن عددهم؟ فكذلك زيادة الإيمان. ~~وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى زيادته لا يمنعهم من الإقرار بها في ~~الجملة؛ كما أنهم يؤمنون بالأنبياء والكتب وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل. ~~وهذا الذي ذكره أحمد وذكره محمد بن نصر وغيرهما يبين أنهم لم يعلموا عدد ~~الكتب والرسل وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم. # وأما قول من سوى بين الإسلام والإيمان وقال: إن الله سمى الإيمان بما سمى ~~به الإسلام؛ وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك فإن الله # PageV07P409 # ورسوله قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر. وبين أيضا أن العمل بما أمر به يدخل في الإيمان ولم يسم الله ~~الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلاما؛ بل إنما سمى ~~الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به كالصلاة ~~والزكاة خالصا لوجهه فهذا هو الذي سماه الله إسلاما وجعله دينا وقال: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ولم يدخل فيما خص به الإيمان وهو ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ بل ولا أعمال القلوب مثل حب الله ~~ورسوله ونحو ذلك فإن هذه جعلها من الإيمان والمسلم المؤمن يتصف بها وليس ~~إذا اتصف بها المسلم المؤمن يلزم أن تكون من الإسلام بل هي من الإيمان ~~والإسلام فرض والإيمان فرض والإسلام داخل فيه؛ فمن أتى بالإيمان الذي أمر ~~به فلا بد أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة ومن أتى ~~بما يسمى إسلاما لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان إلا بدليل منفصل كما علم ~~أن من أثنى الله عليه بالإسلام من الأنبياء وأتباعهم إلى الحواريين كلهم ~~كانوا مؤمنين كما كانوا مسلمين كما قال الحواريون: {آمنا بالله ms2190 واشهد بأنا ~~مسلمون} وقال: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون} ولهذا أمرنا الله بهذا وبهذا في خطاب واحد كما قال: ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق # PageV07P410 # فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} وقال في الآية الأخرى: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} . وهذا يقتضي أن كل ~~من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود وهو خاسر في الآخرة فيقتضي وجوب دين ~~الإسلام وبطلان ما سواه لا يقتضي أن مسمى الدين هو مسمى الإيمان؛ بل أمرنا ~~أن نقول: {آمنا بالله} وأمرنا أن نقول {ونحن له مسلمون} فأمرنا باثنين؛ ~~فكيف نجعلهما واحدا؟ وإذا جعلوا الإسلام والإيمان شيئا واحدا. فإما أن ~~يقولوا: اللفظ مترادف فيكون هذا تكريرا محضا ثم مدلول هذا اللفظ عين مدلول ~~هذا اللفظ وإما أن يقولوا: بل أحد اللفظين يدل على صفة غير الصفة الأخرى ~~كما في أسماء الله وأسماء كتابه؛ لكن هذا لا يقتضي الأمر بهما جميعا ولكن ~~يقتضي أن يذكر تارة بهذا الوصف وتارة بهذا الوصف؛ فلا يقول قائل قد فرض ~~الله عليك الصلوات الخمس والصلاة المكتوبة وهذا هو هذا. والعطف بالصفات ~~يكون إذا قصد بيان الصفات لما فيها من المدح أو الذم؛ كقوله: {سبح اسم ربك ~~الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} لا يقال: صل لربك الأعلى ولربك ~~الذي خلق فسوى. وقال محمد بن نصر المروزي - رحمه الله - فقد بين الله في ~~كتابه وسنة رسوله أن الإسلام والإيمان لا يفترقان فمن صدق بالله فقد آمن به ~~ومن آمن بالله فقد خضع له وقد أسلم له؛ ومن صام وصلى وقام بفرائض الله ~~وانتهى عما # PageV07P411 # نهى الله عنه فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه ومن ترك من ms2191 ذلك ~~شيئا فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام إلا أنه أنقص من غيره في ~~الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله حق وما قال حق لا باطل ~~وصدق لا كذب ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم لله وخضوع للهيبة والجلال ~~والطاعة للمصدق به وهو الله فمن ذلك يكون النقصان لا من إقرارهم بأن الله ~~حق وما قال صدق. فيقال: ما ذكره يدل على أن من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى ~~بالإسلام؛ وهذا حق ولكن ليس فيه ما يدل عن أن من أتى بالإسلام الواجب فقد ~~أتى بالإيمان فقوله: من آمن بالله فقد خضع له وقد استسلم له حق؛ لكن أي شيء ~~في هذا يدل على أن من أسلم لله وخضع له فقد آمن به وبملائكته وبكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت؟ وقوله: إن الله ورسوله قد بين أن الإسلام والإيمان لا ~~يفترقان إن أراد أن الله أوجبهما جميعا ونهى عن التفريق بينهما فهذا حق؛ ~~وإن أراد أن الله جعل مسمى هذا مسمى هذا فنصوص الكتاب والسنة تخالف ذلك وما ~~ذكر قط نصا واحدا يدل على اتفاق المسلمين. وكذلك قوله: من فعل ما أمر به ~~وانتهى عما نهي عنه فقد استكمل الإيمان والإسلام فهذا صحيح إذا فعل ما أمر ~~به باطنا وظاهرا ويكون قد استكمل الإيمان والإسلام الواجب عليه ولا يلزم أن ~~يكون إيمانه وإسلامه مساويا للإيمان والإسلام الذي فعله أولوا العزم من ~~الرسل كالخليل إبراهيم ومحمد # PageV07P412 # خاتم النبيين عليهما الصلاة والسلام بل كان معه من الإيمان والإسلام ما ~~لا يقدر عليه غيره ممن ليس كذلك ولم يؤمر به. وقوله: من ترك من ذلك شيئا ~~فلن يزول عنه اسم الإسلام والإيمان إلا أنه أنقص من غيره في ذلك. فيقال: إن ~~أريد بذلك أنه بقي معه شيء من الإسلام والإيمان فهذا حق كما دلت عليه ~~النصوص خلافا للخوارج والمعتزلة وإن أراد أنه يطلق عليه بلا تقييد مؤمن ~~ومسلم في سياق الثناء والوعد بالجنة؛ فهذا خلاف الكتاب والسنة ولو كان ms2192 كذلك ~~لدخلوا في قوله: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~وأمثال ذلك مما وعدوا فيه بالجنة بلا عذاب. وأيضا: فصاحب الشرع قد نفى عنهم ~~الاسم في غير موضع بل قال: {قتال المؤمن كفر} وقال: {لا ترجعوا بعدي كفارا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض} وإذا احتج بقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} ~~ونحو ذلك قيل: كل هؤلاء إنما سموا به مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور ~~ليذكر ما يؤمرون به هم وما يؤمر به غيرهم. وكذلك قوله: لا يكون النقصان من ~~إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق فيقال: بل النقصان يكون في الإيمان الذي ~~في القلوب من معرفتهم ومن علمهم فلا تكون معرفتهم وتصديقهم بالله وأسمائه ~~وصفاته وما قاله من أمر ونهي ووعد ووعيد كمعرفة غيرهم وتصديقه؛ لا من جهة ~~الإجمال والتفصيل ولا من # PageV07P413 # جهة القوة والضعف ولا من جهة الذكر والغفلة وهذه الأمور كلها داخلة في ~~الإيمان بالله وبما أرسل به رسوله وكيف يكون الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ~~متماثلا في القلوب أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~وأنه غفور رحيم عزيز حكيم شديد العقاب؛ ليس هو من الإيمان به فلا يمكن ~~مسلما أن يقول: إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به ولا يدعي تماثل الناس ~~فيه. # وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان فهذا أيضا حق كما دلت ~~عليه الأحاديث الصحيحة؛ فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج ~~شيئا فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك. ومن قال: إن الإسلام هو الكلمة فقط وأراد ~~بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص فقوله خطأ. ورد الذين جعلوا الإسلام والإيمان ~~سواء إنما يتوجه إلى هؤلاء؛ فإن قولهم في الإسلام يشبه قول المرجئة في ~~الإيمان. ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على " ثلاثة أقوال " ~~فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل؛ فإنه يدخل فيه الإيمان. وآخرون يقولون: ~~الإيمان والإسلام سواء وهم المعتزلة والخوارج وطائفة من أهل الحديث والسنة ~~وحكاه محمد بن نصر عن ms2193 جمهورهم وليس كذلك. والقول الثالث أن الإيمان أكمل ~~وأفضل وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع وهو المأثور عن ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان. # PageV07P414 # ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول والأعمال ليست من الإسلام. ~~والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها وأحمد إنما منع الاستثناء فيه ~~على قول الزهري: هو الكلمة. هكذا نقل الأثرم والميموني وغيرهما عنه. وأما ~~على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة فيستثنى في ~~الإسلام كما يستثنى في الإيمان فإن الإنسان لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر ~~به من الإسلام. وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {المسلم من سلم المسلمون ~~من لسانه ويده} و {بني الإسلام على خمس} فجزمه بأنه فعل الخمس بلا نقص كما ~~أمر كجزمه بإيمانه. فقد قال تعالى: {ادخلوا في السلم كافة} أي الإسلام كافة ~~أي في جميع شرائع الإسلام. وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم ~~الإيمان يجيء في اسم الإسلام فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه ~~كما نص عليه أحمد وغيره وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها ~~فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار ~~مسلما متميزا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على ~~المسلمين كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه فلهذا قال الزهري: الإسلام ~~الكلمة. وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو ~~الكلمة وحدها فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا ~~في جوابه الثاني خوفا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة؛ ولهذا لما ~~قال الأثرم # PageV07P415 # لأحمد: فإذا قال: أنا مسلم فلا يستثني؟ قال نعم: لا يستثني إذا قال: أنا ~~مسلم. فقلت له أقول: هذا مسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {المسلم من ~~سلم المسلمون من لسانه ويده} وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه فذكر حديث ~~معمر عن ms2194 الزهري قال: فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. فبين أحمد أن ~~الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها فحيث كان هو المفهوم من لفظ ~~الإسلام فلا استثناء فيه ولو أريد بالإيمان هذا كما يراد ذلك في مثل قوله: ~~{فتحرير رقبة مؤمنة} فإنما أريد من أظهر الإسلام فإن الإيمان الذي علقت به ~~أحكام الدنيا هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام فالمسمى واحد في الأحكام ~~الظاهرة. ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أعتقها فإنها مؤمنة} أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم ~~المؤمنة؛ لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته ~~بمجرد هذا الإقرار وهذا هو المؤمن المطلق في كتاب الله وهو الموعود بالجنة ~~بلا نار إذا مات على إيمانه ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من ~~شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة؛ يعنون إذا مات على ذلك فإنه قد عرف ~~أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنا. فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعا ~~وأنا مؤمن عند الله. قيل له: فاقطع بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على ~~هذا الحال فإن الله أخبر أن المؤمنين # PageV07P416 # في الجنة. وأنكر أحمد بن حنبل حديث ابن عميرة أن عبد الله رجع عن ~~الاستثناء؛ فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون فقال: ~~أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة وفي ~~رواية قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن؛ قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في ~~النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم فقال له عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما ~~وكلت الثانية؟ من قال: أنا مؤمن فهو كافر ومن قال: أنا عالم فهو جاهل ومن ~~قال: هو في الجنة فهو في النار يروى عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلا من ~~حديث قتادة ونعيم ابن أبي هند وغيرهما. والسؤال الذي تورده المرجئة على ابن ~~مسعود ويقولون: إن يزيد بن عميرة أورده عليه ms2195 حتى رجع جعل هذا أن الإنسان ~~يعلم حاله الآن وما يدري ماذا يموت عليه ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة ~~يقولون: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان والكافر من سبق ~~في علم الله أنه كافر وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك وعلى هذا يجعلون ~~الاستثناء وهذا أحد قولي الناس من أصحاب أحمد وغيرهم وهو قول أبي الحسن ~~وأصحابه. ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم وإنما مقصودهم أن ~~الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات. فقوله: أنا مؤمن. كقوله: أنا ولي الله ~~وأنا مؤمن تقي وأنا من الأبرار ونحو ذلك. وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن ~~يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا وأن الإنسان لا يعلم على ~~ماذا يموت # PageV07P417 # فإن ابن مسعود أجل قدرا من هذا وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات ~~على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما ~~قال: الله ورسوله أعلم قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. يقول: هذا ~~التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات. فإنه من ~~شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك ولهذا صار الذين ~~لا يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر بل للموافاة لا يقطعون بأن الله يقبل ~~توبة تائب كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبا فإنهم لو قطعوا بقبول ~~توبته لزمهم أن يقطعوا له الجنة وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ~~ولا نار؛ إلا من قطع له النص. وإذا قيل: الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح ~~من جميع السيئات. قالوا: ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة وهم لا ~~يستثنون في الأحوال بل يجزمون بأن المؤمن مؤمن تام الإيمان ولكن عندهم ~~الإيمان عند الله هو ما يوافي به فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنا لا ذنب له ~~قطعوا له بالجنة فلهذا لا يقطعون بقبول التوبة لئلا ms2196 يلزمهم أن يقطعوا ~~بالجنة وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا بالجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل ~~المأمور وترك المحظور ولا أنه أتى بالتوبة النصوح وإلا فهم يقطعون بأن من ~~تاب توبة نصوحا قبل الله توبته. # وجماع الأمر أن ### | الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به # فلا يجب إذا أثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام وهذا في # PageV07P418 # كلام العرب وسائر الأمم لأن المعنى مفهوم. مثال ذلك المنافقون قد يجعلون ~~من المؤمنين في موضع؛ وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم. قال الله تعالى: {قد ~~يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا} {أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ~~أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} فهنالك جعل ~~هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو الناكلين عن الجهاد الناهين لغيرهم ~~الذامين للمؤمنين: منهم. وقال في آية أخرى {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما ~~هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه ~~وهم يجمحون} وهؤلاء ذنبهم أخف فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق ~~بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله إنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم وإلا فقد ~~علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله وقال: {وما هم منكم} وهناك ~~قال: {قد يعلم الله المعوقين منكم} فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلما مؤمنا ~~وليس مؤمنا بأن منكم من هو بهذه الصفة وليس مؤمنا بل أحبط الله عمله فهو ~~منكم في الظاهر لا الباطن. ولهذا لما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قتل بعض المنافقين قال: {لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه} فإنهم من ~~أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور وأصحابه الذين هم أصحابه ليس ~~فيهم نفاق # PageV07P419 # كالذين علموا سنته الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته والذين ~~بايعوه تحت الشجرة وأهل ms2197 بدر وغيرهم بل الذين كانوا منافقين غمرتهم الناس. ~~وكذلك الأنساب مثل كون الإنسان أبا لآخر أو أخاه يثبت في بعض الأحكام دون ~~بعض؛ [فإنه قد ثبت في " الصحيحين " أنه {لما اختصم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بن الأسود في ابن وليدة زمعة] (*) وكان ~~عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية وولدت منه ولدا فقال عتبة لأخيه ~~سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني فاختصم فيه هو وعبد بن ~~زمعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة ~~عهد إلي أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني ألا ~~ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟ فقال عبد: يا رسول الله أخي وابن وليدة أبي؛ ~~ولد على فراش أبي فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة فقال: هو ~~لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة} لما ~~رأى من شبهه البين بعتبة. فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم ابن زمعة لأنه ~~ولد على فراشه وجعله أخا لولده بقوله: {فهو لك يا عبد بن زمعة} وقد صارت ~~سودة أخته يرثها وترثه؛ لأنه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه. ومع هذا فأمرها ~~النبي PageV07P420 # صلى الله عليه وسلم أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة فإنه قام ~~فيه دليلان متعارضان: الفراش والشبه والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى ~~ولأنها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره كما ~~قال: {للعاهر الحجر} كما يقال: بفيك الكثكث (1) وبفيك الأثلب (2) أي: عليك ~~أن تسكت عن إظهار الفجور فإن الله يبغض ذلك ولما كان احتجابها منه ممكنا من ~~غير ضرر أمرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن. ~~فتبين أن الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم. فهو أخ في الميراث وليس ~~بأخ في المحرمية. وكذلك ms2198 ولد الزنا عند بعض العلماء وابن الملاعنة عند ~~الجميع إلا من شذ؛ ليس بولد في الميراث ونحوه وهو ولد في تحريم النكاح ~~والمحرمية. ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما ~~في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقوله: {حتى تنكح زوجا غيره} وفي ~~النهي يعم الناقص والكامل؛ فينهى عن العقد مفردا وإن لم يكن وطء كقوله: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وهذا لأن الآمر مقصوده تحصيل المصلحة ~~وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعاما؛ فالمقصود ما ~~يحصل إلا بالشراء والقبض والناهي مقصوده دفع المفسدة فيدخل كل جزء منه؛ لأن ~~وجوده مفسدة PageV07P421 # وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل منه والتحريم معلق بأدنى سبب حتى ~~الرضاع. وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال ينفى تارة باعتبار انتفاء كماله ~~ويثبت تارة باعتبار ثبوت مبدئه. فلفظ الرجال يعم الذكور وإن كانوا صغارا في ~~مثل قوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ولا يعم ~~الصغار في مثل قوله: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} فإن باب الهجرة والجهاد عمل يعمله ~~القادرون عليه فلو اقتصر على ذكر المستضعفين من الرجال لظن أن الولدان غير ~~داخلين لأنهم ليسوا من أهله وهم ضعفاء فذكرهم بالاسم الخاص ليبين عذرهم في ~~ترك الهجرة ووجوب الجهاد. وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال وظاهر وباطن فإذا ~~علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم والمال والمواريث ~~والعقوبات الدنيوية علقت بظاهره لا يمكن غير ذلك إذ تعليق ذلك بالباطن ~~متعذر؛ وإن قدر أحيانا فهو متعسر علما وقدرة؛ فلا يعلم ذلك علما يثبت به في ~~الظاهر ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه في الباطن. # وبهذين المثلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين؛ ~~فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك؛ والذين كان يعرفهم لو عاقب ~~بعضهم لغضب له قومه؛ ولقال الناس: إن محمدا يقتل أصحابه؛ فكان ms2199 يحصل بسبب ~~ذلك # PageV07P422 # نفور عن الإسلام؛ إذ لم يكن الذنب ظاهرا يشترك الناس في معرفته. ولما هم ~~بعقوبة من يتخلف عن الصلاة منعه من في البيوت من النساء والذرية وأما مبدؤه ~~فيتعلق به خطاب الأمر والنهي فإذا قال الله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة} ونحو ذلك فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره وهو خطاب في الباطن ~~لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول وإن كان عاصيا وإن كان لم يقم ~~بالواجبات الباطنة والظاهرة وذلك أنه إن كان لفظ: {الذين آمنوا} يتناولهم ~~فلا كلام وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم فلا تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم ~~بالحسنات التي إن فعلوها كانت سبب رحمتهم وإن تركوها كان أمرهم بها ~~وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان والكافر يجب عليه أيضا لكن لا يصح ~~منه حتى يؤمن وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في الباطن حتى يؤمن. # وأما من كان معه أول الإيمان فهذا يصح منه لأن معه إقراره في الباطن ~~بوجوب ما أوجبه الرسول وتحريم ما حرمه وهذا سبب الصحة وأما كماله فيتعلق به ~~خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار فإن هذا الوعد إنما هو لمن ~~فعل المأمور وترك المحظور ومن فعل بعضا وترك بعضا فيثاب على ما فعله ويعاقب ~~على ما تركه فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء دون الذم ~~والعقاب. ومن نفى عنه الرسول الإيمان فنفى الإيمان في هذا الحكم لأنه ذكر ~~ذلك على سبيل الوعيد. والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب ويدفع العقاب ~~ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان # PageV07P423 # عن أصحاب الذنوب فإنما هو في خطاب الوعيد والذم لا في خطاب الأمر والنهي ~~ولا في أحكام الدنيا. واسم الإسلام والإيمان والإحسان هي أسماء ممدوحة ~~مرغوب فيها لحسن العاقبة لأهلها فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العاقبة ~~الحسنة لمن اتصف بها على الوجه الذي بينه؛ ولهذا كان من نفى عنهم الإيمان؛ ~~أو الإيمان والإسلام جميعا ولم يجعلهم كفارا ms2200 إنما نفى ذلك في أحكام الآخرة ~~وهو الثواب لم ينفه في أحكام الدنيا. لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم ~~انتفت جميع أجزائه فلم يجعلوا معهم شيئا من الإيمان والإسلام فجعلوهم ~~مخلدين في النار وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف ولو لم يكن معهم شيء ~~من الإيمان والإسلام لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين لكن ~~كانوا كالمنافقين. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق ~~الذي يكذب الرسول في الباطن وبين المؤمن المذنب فالمعتزلة سووا بين أهل ~~الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة في نفي الإسلام والإيمان ~~عنهم بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرا وينفونه عن المذنب باطنا وظاهرا. فإن ~~قيل: فإذا كان كل مؤمن مسلما وليس كل مسلم مؤمنا - الإيمان الكامل - كما دل ~~عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه من ~~السلف لأن الإسلام الطاعات الظاهرة وهو الاستسلام والانقياد لأن " الإسلام ~~في الأصل " هو الاستسلام والانقياد # PageV07P424 # وهذا هو الانقياد والطاعة والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة وهذا قدر ~~زائد فما تقولون فيمن فعل ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصا لله ~~تعالى ظاهرا وباطنا؟ أليس هذا مسلما باطنا وظاهرا وهو من أهل الجنة وإذا ~~كان كذلك فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة فهذا يجب أن يكون مؤمنا. قلنا: قد ~~ذكرنا غير مرة أنه لا بد أن يكون معه الإيمان الذي وجب عليه إذ لو لم يؤد ~~الواجب لكان معرضا للوعيد؛ لكن قد يكون من الإيمان ما لا يجب عليه إما ~~لكونه لم يخاطب به أو لكونه كان عاجزا عنه وهذا أولى لأن الإيمان الموصوف ~~في حديث جبريل والإسلام لم يكونا واجبين في أول الإسلام بل ولا أوجبا على ~~من تقدم قبلنا من الأمم اتباع الأنبياء أهل الجنة مع أنهم مؤمنون مسلمون ~~ومع أن الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينا غيره؛ وهو دين الله في الأولين ~~والآخرين لأن الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر فقد ms2201 تتنوع أوامره ~~في الشريعة الواحدة فضلا عن الشرائع فيصير في الإسلام بعض الإيمان بما يخرج ~~عنه في وقت آخر كالصلاة إلى الصخرة كان من الإسلام حين كان الله أمر به ثم ~~خرج من الإسلام لما نهى الله عنه. ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل ~~لم تجب في أول الأمر بل الصيام والحج وفرائض الزكاة إنما وجبت بالمدينة؛ ~~والصلوات الخمس إنما # PageV07P425 # وجبت ليلة المعراج؛ وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى ~~سنة تسع أو عشر على أصح القولين؛ ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كان من اتبعه وآمن بما جاء به مؤمنا مسلما؛ وإذا مات كان من أهل الجنة ثم ~~إنه بعد هذا زاد " الإيمان والإسلام " حتى قال تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} وكذلك الإيمان فإن هذا الإيمان المفصل الذي ذكره في حديث جبريل لم ~~يكن مأمورا به في أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر بل إنما جاء ~~هذا في السور المدنية كالبقرة والنساء وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون هذا ~~الإيمان المفصل واجبا على من تقدم قبلنا. وإذا كان كذلك فقد يكون الرجل ~~مسلما يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ومعه الإيمان الذي فرض عليه وهو من ~~أهل الجنة وليس معه هذا الإيمان المذكور في حديث جبريل لكن هذا يقال: معه ~~ما أمر به من الإيمان والإسلام وقد يكون مسلما يعبد الله كما أمر ولا يعبد ~~غيره ويخافه ويرجوه؛ ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع ~~أهله وماله؛ وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن يخاف الله لا يخاف غيره؛ وأن ~~لا يتوكل إلا على الله؛ وهذه كلها من الإيمان الواجب؛ وليست من لوازم ~~الإسلام؛ فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده؛ والانقياد ~~له والعبودية لله وحده؛ وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه. وأما طمأنينة القلب ~~بمحبته وحده وأن يكون أحب ms2202 إليه مما سواهما وبالتوكل عليه وحده وبأن يحب ~~لأخيه المؤمن ما يحب # PageV07P426 # لنفسه؛ فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به فمن لم يتصف بها لم يكن من ~~المؤمنين حقا وإن كان مسلما وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله وكذلك زيادة ~~الإيمان إذا تليت عليه آياته. فإن قيل: ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا؟ ~~قيل: إذا لم يبلغ الإنسان الخطاب الموجب لذلك لا يكون تركه من الذنوب وأما ~~إن بلغه الخطاب الموجب لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادرا ~~على ذلك وكثير من الناس أو أكثرهم ليس عندهم هذه التفاصيل التي تدخل في ~~الإيمان مع أنهم قائمون بالطاعة الواجبة في الإسلام وإذا وقعت منهم ذنوب ~~تابوا واستغفروا منها؛ وحقائق الإيمان التي في القلوب لا يعرفون وجوبها؛ بل ~~ولا أنها من الإيمان بل كثير ممن يعرفها منهم يظن أنها من النوافل المستحبة ~~إن صدق بوجوبها. " فالإسلام " يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من ~~الإيمان وهو المنافق المحض ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في ~~الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا وهم الفساق يكون في ~~أحدهم شعبة نفاق ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان؛ ولم ~~يأت بتمام الإيمان الواجب. وهؤلاء ليسوا فساقا تاركين فريضة ظاهرة ولا ~~مرتكبين محرما ظاهرا لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علما وعملا بالقلب ~~يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين. # PageV07P427 # وهذا هو " النفاق " الذي كان يخافه السلف على نفوسهم. فإن صاحبه قد يكون ~~فيه شعبة نفاق. وبعد هذا ما ميز الله به المقربين على الأبرار أصحاب اليمين ~~من إيمان وتوابعه وذلك قد يكون من باب المستحبات وقد يكون أيضا مما فضل به ~~المؤمن: إيمان وإسلام مما وجب عليه ولم يجب على غيره. ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} وفي الحديث الآخر: {ليس وراء ذلك من ms2203 ~~الإيمان مثقال حبة خردل} فإن مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في ~~الإيمان حتى يفعله المؤمن؛ بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ليس مراده ~~أن من لم ينكر ذلك لم يكن معه من الإيمان حبة خردل: ولهذا قال: ليس وراء ~~ذلك " فجعل المؤمنين ثلاث طبقات وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه لكن ~~الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني وكان ما ~~يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في ~~الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم. # PageV07P428 # فصل: # وأما " الاستثناء في الإيمان " بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله فالناس ~~فيه على " ثلاثة " أقوال: منهم من يوجبه ومنهم من يحرمه ومنهم من يجوز ~~الأمرين باعتبارين؛ وهذا أصح الأقوال. فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ~~ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ~~ونحو ذلك مما في قلبه؛ فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت ~~بالشهادتين وكما أعلم أني قرأت الفاتحة وكما أعلم أني أحب رسول الله؛ وأني ~~أبغض اليهود والنصارى. فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم وكقولي: تكلمت ~~بالشهادتين وقرأت الفاتحة وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى ونحو ذلك من ~~الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها وأقطع بها وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا ~~قرأت الفاتحة إن شاء الله كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لكن إذا كان ~~يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك ~~فيه وسموهم الشكاكة. و ### | الذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: # أحدهما أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان؛ والإنسان إنما يكون # PageV07P429 # عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون ~~عليه وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت ~~صاحبه كافرا ليس بإيمان كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال؛ وكالصيام ~~الذي يفطر صاحبه قبل الغروب ms2204 وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت ~~عليه وكذلك قالوا في الكفر وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية ~~وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن ~~إن شاء الله؛ ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل؛ ولا يشك الإنسان في ~~الموجود منه وإنما يشك في المستقبل وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ~~ورضاه وسخطه وبغضه قديم. ثم هل ذلك هو الإرادة أم صفات أخر؟ لهم في ذلك " ~~قولان ". وأكثر قدمائهم يقولون: إن الرضى والسخط والغضب ونحو ذلك صفات ليست ~~هي الإرادة كما أن السمع والبصر ليس هو العلم وكذلك الولاية والعداوة. هذه ~~كلها صفات قديمة أزلية عند أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه من ~~المتكلمين ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم. ~~قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا. فالصحابة ~~ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر وإبليس ما ~~زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. وهذا على أحد القولين لهم فالرضى ~~والسخط # PageV07P430 # يرجع إلى الإرادة والإرادة تطابق العلم، فالمعنى: ما زال الله يريد أن ~~يثيب هؤلاء بعد إيمانهم ويعاقب إبليس بعد كفره. وهذا معنى صحيح. فإن الله ~~يريد أن يخلق كل ما علم أن سيخلقه. وعلى قول من يثبتها صفات أخر يقول: هو ~~أيضا حبه تابع لمن يريد أن يثيبه. فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل من أراد ~~عقوبته فإنه يبغضه وهذا تابع للعلم. وهؤلاء عندهم لا يرضى عن أحد بعد أن ~~كان ساخطا عليه ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه بل ما زال يفرح بتوبته. ~~والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى. والمعنى ما زال يريد إثابته أو يرضى ~~عما يريد إثابته. وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله. بل غضبه ~~قديم إما بمعنى الإرادة وإما بمعنى آخر. فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان ~~يموت ms2205 كافرا لم يزل مريدا لعقوبته فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة ~~فيه بل وجوده كعدمه. فليس هذا بمؤمن أصلا وإذا علم أنه يموت مؤمنا لم يزل ~~مريدا لإثابته وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه. فلم يكن هذا كافرا عندهم ~~أصلا. فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ وكذلك بعض محققيهم ~~يستثنون في الكفر مثل أبي منصور الماتريدي فإن ما ذكروه مطرد فيهما. ولكن ~~جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن ~~أحد من السلف ولكن هو لازم لهم. والذين فرقوا من هؤلاء قالوا: نستثني في ~~الإيمان رغبة إلى الله في أن # PageV07P431 # يثبتنا عليه إلى الموت والكفر لا يرغب فيه أحد. لكن يقال: إذا كان قولك: ~~مؤمن كقولك: في الجنة. فأنت تقول عن الكافر: هو كافر. ولا تقول: هو في ~~النار إلا معلقا بموته على الكفر فدل على أنه كافر في الحال قطعا. وإن جاز ~~أن يصير مؤمنا كذلك المؤمن. وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره. فلو قيل عن ~~يهودي أو نصراني: هذا كافر قال: إن شاء الله؛ إذا لم يعلم أنه يموت كافرا؛ ~~وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه؛ وهذا القول ~~قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب ووافقهم على ذلك كثير منه أتباع ~~الأئمة لكن ليس هذا قول أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا كان ~~أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا لا أحمد ولا من قبله. ~~ومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعا ~~للسلف وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف وكان أهل الشام شديدين على ~~المرجئة وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطا بعسقلان لما كانت ~~معمورة وكانت من خيار ثغور المسلمين ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة الرباط في ~~سبيل الله وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعا للسلف واستثنوا أيضا في ~~الأعمال الصالحة كقول الرجل: صليت إن شاء الله ms2206 ونحو ذلك بمعنى القبول لما ~~في ذلك من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء ~~فيقول هذا ثوبي إن شاء الله وهذا حبل # PageV07P432 # إن شاء الله. فإذا قيل لأحدهم: هذا لا شك فيه؛ قال: نعم لا شك فيه؛ لكن ~~إذا شاء الله أن يغيره غيره؛ فيريدون بقولهم إن شاء الله جواز تغييره في ~~المستقبل وإن كان في الحال لا شك فيه؛ كأن الحقيقة عندهم التي لا يستثنى ~~فيها ما لم تتبدل كما يقوله أولئك في الإيمان: إن الإيمان ما علم الله أنه ~~لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه. لكن هذا القول. قاله قوم من أهل العلم ~~والدين باجتهاد ونظر وهؤلاء الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض ~~أتباع شيخهم وشيخهم الذي ينتسبون إليه يقال له: أبو عمرو عثمان بن مرزوق لم ~~يكن ممن يرى هذا الاستثناء بل كان في الاستثناء على طريقة من كان قبله؛ ~~ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده وكان شيخهم منتسبا إلى الإمام أحمد وهو من ~~أتباع عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج المقدسي وأبو الفرج من تلامذة القاضي ~~أبي يعلى. وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد فهم يوافقون ابن ~~كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية وأمر بهجر الحارث المحاسبي ~~من أجله كما وافقه على أصله طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة كأبي ~~المعالي الجويني وأبي الوليد الباجي وأبي منصور الماتريدي وغيرهم وقول ~~هؤلاء في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها كمسألة القرآن هل هو ~~سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته؟ أم القرآن لازم لذاته؟ وقولهم في " الاستثناء ~~" مبني على ذلك الأصل. # PageV07P433 # وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه؛ لأن هؤلاء كلهم كلابية يقولون: إن الله ~~لم يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه وكفره ولا ~~يفرح بتوبة التائب بعد توبته. ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق. ثم قالوا: إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته. ثم ms2207 اختلفوا بعد ~~هذا في القديم أهو معنى واحد؟ أم حروف قديمة مع تعاقبها؟ كما بسطت أقوالهم ~~وأقوال غيرهم في مواضع أخر. وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعا في ~~شيء من الأشياء مع غلوهم في الاستثناء حتى صار هذا اللفظ منكرا عندهم وإن ~~قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن محمدا رسول الله وأن الله ربهم ولا يقولون: ~~قطعا. وقد اجتمع بي طائفة منهم فأنكرت عليهم ذلك؛ وامتنعت من فعل مطلوبهم ~~حتى يقولوا: قطعا وأحضروا لي كتابا فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى أن يقول الرجل: قطعا وهي أحاديث موضوعة مختلقة قد افتراها بعض ~~المتأخرين. # والمقصود هنا أن " الاستثناء في الإيمان " لما علل بمثل تلك العلة طرد ~~أقوام تلك العلة في الأشياء التي لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين ~~بناء على أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في علم الله تتبدل أحوالها؛ ~~فيستثنى في صفاتها الموجودة في الحال ويقال: هذا صغير إن شاء الله لأن الله ~~قد يجعله كبيرا ويقال: هذا مجنون إن شاء الله لأن الله قد يجعله عاقلا ~~ويقال للمرتد: # PageV07P434 # هذا كافر إن شاء الله لإمكان أن يتوب. وهؤلاء الذين استثنوا في الإيمان ~~بناء على هذا المأخذ ظنوا هذا قول السلف. وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ~~ينصرون ما ظهر من دين الإسلام كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من ~~المتكلمين فينصرون إثبات الصانع والنبوة والمعاد ونحو ذلك. وينصرون مع ذلك ~~ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية ~~والأشعرية ونحوهم ينصرون أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله يرى في ~~الآخرة وأن أهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا يخلدون في النار وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم له شفاعة في أهل الكبائر وأن فتنة القبر حق وعذاب القبر حق ~~وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم في الآخرة حق. وأمثال ذلك من الأقوال التي ~~شاع أنها من أصول أهل السنة والجماعة. كما ينصرون خلافة الخلفاء الأربعة ~~وفضيلة أبي بكر وعمر ونحو ذلك. وكثير ms2208 من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا ~~يكون عارفا بحقيقة دين الإسلام في ذلك ولا ما جاءت به السنة. ولا ما كان ~~عليه السلف. فينصر ما ظهر من قولهم بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في ~~الحقيقة بل بمآخذ أخر قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع فيقع في كلام هؤلاء ~~من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم به السلف مثل هذا الكلام وأهله فإن ~~كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير. والكلام المذموم هو المخالف للكتاب ~~والسنة وكل ما خالف # PageV07P435 # الكتاب والسنة فهو باطل وكذب فهو مخالف للشرع والعقل {وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا} . فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان ~~ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه وهو ما ~~يوافي به العبد ربه ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا؛ فصاروا يحكون هذا عن ~~السلف؛ وهذا القول لم يقل به أحد من السلف؛ ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ~~ظنهم: لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل وهم يدعون أن ما نصروه ~~من أصل جهم في الإيمان هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث. ومثل هذا ~~يوجد كثيرا في مذاهب السلف التي خالفها بعض النظار وأظهر حجته في ذلك ولم ~~يعرف حقيقة قول السلف؛ فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف أو من يعظمهم لما ~~يراه من تميزهم عليه: هذا قول المحققين. وقال المحققون. ويكون ذلك من ~~الأقوال الباطلة المخالفة للعقل مع الشرع؛ وهذا كثيرا ما يوجد في كلام بعض ~~المبتدعين وبعض الملحدين ومن آتاه الله علما وإيمانا؛ علم أنه لا يكون عند ~~المتأخرين من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل ~~ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات وبالعمليات علم أن مذهب الصحابة دائما ~~أرجح من قول من بعدهم وأنه لا يبتدع أحد قولا في الإسلام إلا كان خطأ وكان ~~الصواب قد سبق إليه من قبله. # PageV07P436 # قال أبو القاسم الأنصاري ms2209 فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفراييني لما ذكر قول ~~أبي الحسن وأصحابه في الإيمان وصحح أنه تصديق القلب قال: ومن أصحابنا؛ من ~~قال بالموافاة وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به ويختم عليه. ومنهم ~~من لم يجعل ذلك شرطا فيه في الحال. قال الأنصاري: لما ذكر أن معظم أئمة ~~السلف كانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ~~قال: الأكثرون من هؤلاء على القول بالموافاة. ومن قال بالموافاة فإنما ~~يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من أهل الجنة. وأما من ورد الخبر بأنه من أهل ~~الجنة فإنه يقطع على إيمانه كالعشرة من الصحابة. ثم قال: والذي اختاره ~~المحققون؛ أن الإيمان هو التصديق. وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في الموافاة؛ ~~وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في الحال وكونه معتدا عند الله ~~به وفي حكمه فمن قال: إن ذلك شرط فيه يستثنون في الإطلاق في الحال؛ لا أنهم ~~يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة؛ لكنهم يقولون: لا يدري أي الإيمان الذي ~~نحن موصوفون به في الحال هل هو معتد به عند الله؟ على معنى أنا ننتفع به في ~~العاقبة ونجتني من ثماره. فإذا قيل لهم: أمؤمنون أنتم حقا؟ أو تقولون إن ~~شاء الله؟ أو تقولون نرجو؟ فيقولون نحن مؤمنون إن شاء الله يعنون بهذا ~~الاستثناء تفويض الأمر في العاقبة إلى الله سبحانه وتعالى وإنما يكون ~~الإيمان إيمانا معتدا به في حكم # PageV07P437 # الله إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة وإذا كان صاحبه - والعياذ بالله ~~- في حكم الله من الأشقياء يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال عارية. قال: ~~ولا فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب بين أن يقول: أنا مؤمن من أهل الجنة ~~قطعا؛ وبين أن يقول أنا مؤمن حقا. قلت: هذا إنما يجيء على قول من يجعل ~~الإيمان متناولا لأداء الواجبات وترك المحرمات؛ فمن مات على هذا كان من أهل ~~الجنة وأما على قول الجهمية والمرجئة وهو القول الذي نصره هؤلاء الذين ~~نصروا قول جهم؛ فإنه يموت ms2210 على الإيمان قطعا ويكون كامل الإيمان عندهم وهو ~~مع هذا عندهم من أهل الكبائر الذين يدخلون النار فلا يلزم إذا وافى ~~بالإيمان أن يكون من أهل الجنة. وهذا اللازم لقولهم يدل على فساده لأن الله ~~وعد المؤمنين بالجنة. وكذلك قالوا: لا سيما والله سبحانه وتعالى يقول: {وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات} الآية. قال: فهؤلاء - يعني القائلين ~~بالموافاة جعلوا الثبات على هذا التصديق والإيمان الذي وصفناه إلى العاقبة ~~والوفاء به في المآل شرطا في الإيمان شرعا لا لغة ولا عقلا. قال: وهذا مذهب ~~سلف أصحاب الحديث والأكثرين؛ قال: وهو اختيار الإمام أبي بكر بن فورك؛ وكان ~~الإمام محمد ابن إسحاق بن خزيمة يغلو فيه وكان يقول: من قال: أنا مؤمن حقا ~~فهو مبتدع. # وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري # PageV07P438 # وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء ~~أهل البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون في الإيمان. ~~وهذا متواتر عنهم لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة وأن ~~الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه؛ بل صرح أئمة هؤلاء بأن ~~الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك ~~كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية ~~لأنفسهم بلا علم؛ كما سنذكر أقوالهم إن شاء الله في ذلك. وأما الموافاة؛ ~~فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها ~~من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم؛ كما يعلل بها نظارهم ~~كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث. ثم ~~قال: فإن قال قائل: إذا قلتم إن الإيمان المأمور به في الشريعة هو ما ~~وصفتموه بشرائطه وليس ذلك متلقى من اللغة فكيف يستقيم قولكم إن الإيمان ~~لغوي؟ قلنا الإيمان هو التصديق لغة وشرعا غير أن الشرع ضم إلى التصديق ~~أوصافا وشرائط: مجموعها يصير مجزيا مقبولا كما قلنا ms2211 في الصلاة والصوم والحج ~~ونحوها والصلاة في اللغة: هي الدعاء غير أن الشرع ضم إليها شرائط. فيقال: ~~هذا يناقض ما ذكروه في مسمى الإيمان فإنهم لما زعموا أنه في اللغة التصديق ~~والشرع لم يغيره أوردوا على أنفسهم. # PageV07P439 # فإن قيل: أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة مستعملة في غير مذهب ~~أهلها. قلنا: قد اختلف العلماء في ذلك والصحيح أنها مقررة على استعمال أهل ~~اللغة ومبقاة على مقتضياتها وليست منقولة إلا أنها زيد فيها أمور. فلو ~~سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ منقولة أو محمولة على وجه من المجاز بدليل ~~مقطوع به فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان. فإنه لا يجب إزالة ~~ظواهر القرآن بسبب إزالة ظاهر منها. فيقال: أنتم في الإيمان جعلتم الشرع ~~زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة مع أنه لا يمكن أحدا أن يذكر شيئا من ~~الشرع دليلا على أن الإيمان لا يسمى به إلا الموافاة به وبتقدير ذلك فمعلوم ~~أن دلالة الشرع على ضم الأعمال إليه أكثر وأشهر فكيف لم تدخل الأعمال في ~~مسماه شرعا؟ وقوله: لا بد من دليل مقطوع به عنه جوابان: # أحدهما: النقض بالموافاة فإنه لا يقطع فيه. (الثاني: لا نسلم بل نحن نقطع ~~بأن حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك داخل في مسمى الإيمان في كلام الله ~~ورسوله أعظم مما نقطع ببعض أفعال الصلاة والصوم والحج كمسائل النزاع. ثم ~~أبو الحسن وابن فورك وغيرهما من القائلين بالموافاة هم لا يجعلون الشرع ضم ~~إليه شيئا بل عندهم كل من سلبه الشرع اسم الإيمان فقد فقد من قلبه التصديق. ~~قال: ومن أصحابنا من لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمانا # PageV07P440 # حقيقيا في الحال وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه وهذا مذهب ~~المعتزلة والكرامية وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني وكلام القاضي يدل ~~عليه قال: وهو اختيار شيخنا أبي المعالي؛ فإنه قال: الإيمان ثابت في الحال ~~قطعا لا شك فيه ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان ~~الموافاة. فاعتنى السلف ms2212 به وقرنوه بالاستثناء ولم يقصدوا الشك في الإيمان ~~الناجز. قال: ومن صار إلى هذا يقول: الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن وهو ~~المعرفة والتصديق؛ كما أن العالم مشتق من العلم فإذا عرفت ذلك من نفسي قطعت ~~به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق فإن ورد في المستقبل ما يزيله خرج إذ ~~ذاك عن استحقاق هذا الوصف. ولا يقال: تبينا أنه لم يكن إيمانا مأمورا به بل ~~كان إيمانا مجزيا فتغير وبطل. وليس كذلك قوله: أنا من أهل الجنة فإن ذلك ~~مغيب عنه وهو مرجو. قال: ومن صار إلى القول الأول يتمسك بأشياء. منها أن ~~يقال: الإيمان عبادة العمر وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة أولها على سلامة ~~آخرها. كما نقول في الصلاة والصيام والحج. قالوا: ولا شك أنه لا يسمى في ~~الحال وليا ولا سعيدا ولا مرضيا عند الله. وكذلك الكافر لا يسمى في الحال ~~عدوا لله ولا شقيا إلا على معنى أنه تجري عليه أحكام الأعداء في الحال ~~لإظهاره من نفسه علامتهم. قلت: هذا الذي قالوه أنه لا شك فيه هو قول ابن ~~كلاب والأشعري # PageV07P441 # وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. وأما أكثر ~~الناس فيقولون: بل هو إذا كان كافرا فهو عدو لله ثم إذا آمن واتقى صار وليا ~~لله. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم} إلى قوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة والله قدير والله غفور رحيم} وكذلك كان فإن هؤلاء أهل مكة الذين كانوا ~~يعادون الله ورسوله قبل الفتح آمن أكثرهم وصاروا من أولياء الله ورسوله ~~وابن كلاب وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله وهي ~~الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك. فمعناها إرادة إثابته بعد الموت؛ وهذا ~~المعنى تابع لعلم الله فمن علم أنه يموت مؤمنا لم يزل وليا لله؛ لأنه لم ~~يزل الله مريدا لإدخاله الجنة وكذلك العداوة. وأما الجمهور فيقولون: ~~الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه ms2213 وبغضه وسخطه فهو سبحانه يرضى ~~عن الإنسان ويحبه بعد أن يؤمن ويعمل صالحا؛ وإنما يسخط عليه ويغضب بعد أن ~~يكفر كما قال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} فأخبر ~~أن الأعمال أسخطته؛ وكذلك قال: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} قال المفسرون: ~~أغضبونا وكذلك قال الله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} وفي الحديث الصحيح ~~الذي في البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول ~~الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه؛ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي # PageV07P442 # يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فأخبر أنه: لا يزال يتقرب إليه ~~بالنوافل حتى يحبه ثم قال: فإذا أحببته: كنت كذا وكذا. وهذا يبين أن حبه ~~لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه. والقرآن قد دل على مثل ذلك قال تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فقوله: (يحببكم جواب الأمر ~~في قوله: فاتبعوني وهو بمنزلة الجزاء مع الشرط ولهذا جزم وهذا ثواب عملهم ~~وهو اتباع الرسول فأثابهم على ذلك بأن أحبهم؛ وجزاء الشرط وثواب العمل ~~ومسبب السبب لا يكون إلا بعده لا قبله وهذا كقوله تعالى: {ادعوني أستجب ~~لكم} وقوله تعالى {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم} وقوله تعالى {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} {يصلح ~~لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} ومثل هذا كثير وكذلك قوله: {فأتموا إليهم ~~عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} وقوله: {لم تقولون ما لا تفعلون} ~~{كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} {إن الله يحب الذين يقاتلون في ms2214 ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وكانوا قد سألوه: لو علمنا أي العمل أحب إلى ~~الله لعملناه. وقوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم إذ # PageV07P443 # تدعون إلى الإيمان فتكفرون} فهذا يدل على أن حبه ومقته جزاء لعملهم وأنه ~~يحبهم إذا اتقوا وقاتلوا؛ ولهذا رغبهم في العمل بذلك كما يرغبهم بسائر ما ~~يعدهم به؛ وجزاء العمل بعد العمل وكذلك قوله: {إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون} فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون؛ ومثل هذا قوله: ~~{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} فقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك} ؛ بين أنه رضي عنهم هذا الوقت فإن حرف (إذ ظرف لما مضى من ~~الزمان؛ فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل وأثابهم عليه والمسبب ~~لا يكون قبل سببه والموقت بوقت لا يكون قبل وقته؛ وإذا كان راضيا عنهم من ~~جهة فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ كما ثبت في الصحيح ~~أنه يقول لأهل الجنة: {يا أهل الجنة هل رضيتم؛ فيقولون: يا ربنا وما لنا لا ~~نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ~~ذلك فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؛ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا} وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان ~~الذي لا يتعقبه سخط أبدا. ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط. " وفي ~~الصحيحين " في حديث الشفاعة {يقول: كل من الرسل: إن ربي قد غضب اليوم غضبا ~~لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله} وفي " الصحاح ": عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه # PageV07P444 # أنه قال: {لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة ~~عليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها؛ فاضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ إذا ~~دابته عليها طعامه وشرابه - وفي رواية ms2215 - كيف تجدون فرحه بها؟ قالوا: عظيما ~~يا رسول الله؛ قال: لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته} وكذلك ضحكه ~~إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة؛ وضحكه إلى الذي يدخل الجنة ~~آخر الناس ويقول أتسخر بي وأنت رب العالمين؛ فيقول: لا ولكني على ما أشاء ~~قادر وكل هذا في " الصحيح ". وفي دعاء القنوت: (تولني فيمن توليت) والقديم ~~لا يتصور طلبه وقد قال تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين} وقال: {والله ولي المتقين} . فهذا التولي لهم جزاء صلاحهم ~~وتقواهم ومسبب عنه فلا يكون متقدما عليه وإن كان إنما صاروا صالحين ومتقين ~~بمشيئته وقدرته وفضله وإحسانه؛ لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين فدل على أن ~~هذا التولي هو بعد ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره وتأييده؛ ليس ~~ذلك قبل كونهم متقين وصالحين وهكذا الرحمة قال صلى الله عليه وسلم ( ~~{الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} قال ~~الترمذي حديث صحيح. وكذلك قوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} علق الرضا به تعليق ~~الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب والجزاء إنما يكون بعد الشرط # PageV07P445 # وكذلك قوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} . يدل على أنه ~~يشاء ذلك فيما بعد. وكذلك قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} ؛ " فإذا " ظرف لما يستقبل من الزمان. فدل على أنه إذا أراد كونه. ~~قال له: كن فيكون. وكذلك قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم} فبين فيه أنه ~~سيرى ذلك في المستقبل إذا عملوه. # والمأخذ الثاني في الاستثناء أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به ~~عبده كله؛ وترك المحرمات كلها؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد ~~شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به؛ وترك ~~كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله؛ وهذا من تزكية الإنسان لنفسه وشهادته ~~لنفسه بما لا يعلم ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه ~~بالجنة إن مات على هذه ms2216 الحال ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة؛ فشهادته لنفسه ~~بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال؛ وهذا مأخذ عامة ~~السلف الذين كانوا يستثنون وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر كما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى. قال الخلال في " كتاب السنة ": حدثنا سليمان بن الأشعث ~~يعني أبا داود السجستاني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له رجل: ~~قيل لي أمؤمن أنت؟ قلت نعم؛ هل علي في ذلك شيء؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ ~~فغضب أحمد وقال: هذا كلام الإرجاء؛ قال الله تعالى: {وآخرون مرجون # PageV07P446 # لأمر الله} من هؤلاء ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولا وعملا قال له الرجل: ~~بلى. قال فجئنا بالقول. قال: نعم قال: فجئنا بالعمل. قال: لا. قال: فكيف ~~تعيب أن يقول: إن شاء الله ويستثني. [قال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي ~~شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه المسألة أن الإيمان قول وعمل فجئنا ~~بالقول ولم نجئ بالعمل فنحن نستثني في العمل] (*) . وذكر الخلال هذا الجواب ~~من رواية الفضل بن زياد. وقال: زاد الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان ~~سليمان بن حرب يحمل هذا على التقبل؛ يقول: نحن نعمل ولا ندري يتقبل منا أم ~~لا؟ قلت: والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله ففعله كما ~~أمر فقد تقبل منه. لكن هو لا يجزم بالقبول لعدم جزمه بكمال الفعل كما {قال ~~تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة: يا رسول الله أهو ~~الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ فقال: لا يا بنت الصديق بل هو الرجل ~~يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل منه} . وروى الخلال عن أبي طالب قال: ~~سمعت أبا عبد الله يقول: لا نجد بدا من الاستثناء لأنهم إذا قالوا: مؤمن ~~فقد جاء بالقول. فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول. وعن إسحاق بن إبراهيم ~~قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث PageV07P447 # ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان لأن الإيمان قول وعمل ms2217 والعمل الفعل ~~فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرطنا في العمل؛ فيعجبني أن يستثني في ~~الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله قال: وسمعت أبا عبد الله وسئل عن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} الاستثناء هاهنا ~~على أي شيء يقع؟ قال: على البقاع لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم ~~في غيره. [وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في: مؤمن إن ~~شاء الله. قال: أقول: مؤمن إن شاء الله ومؤمن أرجو لأنه لا يدري كيف ~~البراءة للأعمال على ما افترض عليه أم لا] (*) . ومثل هذا كثير في كلام ~~أحمد وأمثاله وهذا مطابق لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات ~~المستحق للجنة إذا مات على ذلك وأن المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور لا ~~يطلق عليه أنه مؤمن؛ وأن المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله فإذا قال: ~~أنا مؤمن قطعا كان كقوله: أنا بر تقي ولي الله قطعا. وقد كان أحمد وغيره من ~~السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب؛ لأن هذه ~~بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم؛ فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس ~~بكافر؛ بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به الرسول فيقول: أنا مؤمن فيثبت أن ~~الإيمان هو التصديق لأنك تجزم بأنك مؤمن ولا تجزم؛ بأنك فعلت كل ما أمرت ~~به؛ فلما علم السلف PageV07P448 # مقصدهم صاروا يكرهون الجواب أو يفصلون في الجواب؛ وهذا لأن لفظ " الإيمان ~~" فيه إطلاق وتقييد فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد ~~فيه لنفسه بالكمال ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا ~~استثناء إذا أراد ذلك لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان ~~المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه. ~~وقال المروذي: قيل لأبي عبد الله نقول: نحن المؤمنون؟ فقال نقول: نحن ~~المسلمون وقال أيضا: قلت لأبي عبد الله: ms2218 نقول إنا مؤمنون؟ قال: ولكن نقول: ~~إنا مسلمون؛ ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد ~~المرجئة أن الإيمان مجرد القول بل يكره تركه لما يعلم أن في قلبه إيمانا ~~وإن كان لا يجزم بكمال إيمانه؟ قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم المزني أن ~~أبا عبد الله قيل له: إذا سألني الرجل فقال: أمؤمن أنت؟ قال سؤالك إياي ~~بدعة لا يشك في إيمانه أو قال لا نشك في إيماننا. قال المزني: وحفظي أن أبا ~~عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. # PageV07P449 # وقال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل وأبو داود قال أبو داود: سمعت أحمد: ~~قال: سمعت سفيان يعني ابن عيينة - يقول: إذا سئل أمؤمن أنت؟ لم يجبه ويقول: ~~سؤالك إياي بدعة ولا أشك في إيماني وقال: إن قال إن شاء الله فليس يكره ولا ~~يداخل الشك فقد أخبر عن أحمد أنه قال: لا نشك في إيماننا وإن السائل لا يشك ~~في إيمان المسئول وهذا أبلغ وهو إنما يجزم بأنه مقر مصدق بما جاء به الرسول ~~لا يجزم بأنه قائم بالواجبات. فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ~~ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال ويجعلون الاستثناء ~~عائدا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور ويحتجون أيضا بجواز ~~الاستثناء فيما لا يشك فيه وهذا " مأخذ ثان " وإن كنا لا نشك فيما في ~~قلوبنا من الإيمان فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة لما فيه من ~~الحكمة. وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء ~~في الإيمان فقال: نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطا للعمل وقد ~~استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري. قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله} {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إني لأرجو أن ~~أكون أتقاكم لله} . وقال في الميت: " وعليه تبعث إن شاء الله " فقد بين ~~أحمد أنه يستثني مخافة ms2219 واحتياطا للعمل فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور ~~به فيحتاط بالاستثناء وقال على غير معنى شك؛ يعني من غير # PageV07P450 # شك مما يعلمه الإنسان من نفسه وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن ~~لا يكون كمله؛ فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله. قال الخلال: وأخبرني محمد بن ~~أبي هارون: أن حبيش بن سندي حدثهم في هذه المسألة. قال أبو عبد الله {قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر فقال: وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون} وقد نعيت إليه نفسه وعلم أنه صائر إلى الموت وفي قصة صاحب القبر " ~~وعليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله " وفي {قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم إني اختبأت دعوتي وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا} ~~{وفي مسألة الرجل النبي صلى الله عليه وسلم أحدنا يصبح جنبا يصوم؟ فقال: ~~إني أفعل ذلك ثم أصوم فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله} . وهذا كثير ~~وأشباهه على اليقين. قال: ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال له: قول ~~وعمل يزيد وينقص. فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم. فقال له: ~~إنهم يقولون لي إنك شاك؛ قال: بئس ما قالوا ثم خرج فقال: ردوه فقال: أليس ~~يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم قال: هؤلاء يستثنون. قال ~~له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل فالقول ~~قد أتيتم به والعمل لم تأتوا به فهذا الاستثناء لهذا العمل قيل له # PageV07P451 # يستثنى في الإيمان؟ قال: نعم أقول: أنا مؤمن إن شاء الله أستثني على ~~اليقين لا على الشك؛ ثم قال: قال الله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين} فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. فقد بين أحمد في ~~كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه يقوله ms2220 بلسانه وقلبه لا ~~يشك في ذلك ويستثني لكون العمل من الإيمان؛ وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك ~~في ذلك فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت الشك فيما لا ~~يعلم وجوده وبين أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم ~~لا وهو جائز أيضا لما يتيقنه فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه جاز كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله} وهذا أمر ~~موجود في الحال ليس بمستقبل وهو كونه أخشانا؛ فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا ~~لله؛ بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله. كما يرجو المؤمن إذا ~~عمل عملا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه. كما قال ~~تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل ~~منه} والقبول هو أمر حاضر أو ماض وهو يرجوه ويخافه وذلك أن ما له عاقبة ~~مستقبلة محمودة أو مذمومة والإنسان يجوز وجوده وعدمه. يقال: إنه يرجوه وإنه ~~يخافه. فتعلق الرجاء والخوف بالحاضر والماضي لأن عاقبته المطلوبة والمكروهة ~~مستقبلة. فهو يرجو أن يكون الله تقبل عمله فيثيبه عليه فيرحمه في المستقبل. ~~ويخاف أن لا يكون # PageV07P452 # تقبله فيحرم ثوابه. كما يخاف أن يكون الله قد سخط عليه في معصيته فيعاقبه ~~عليها. # وإذا كان الإنسان يسعى فيما يطلبه كتاجر أو بريد أرسله في حاجته يقضيها ~~في بعض الأوقات فإذا مضى ذلك الوقت يقول أرجو أن يكون فلان قد قضى ذلك ~~الأمر وقضاؤه ماض لكن ما يحصل لهذا من الفرح والسرور وغير ذلك من مقاصده ~~مستقبل. ويقول الإنسان في الوقت الذي جرت عادة الحاج بدخولهم إلى مكة: أرجو ~~أن يكونوا دخلوا ويقول في سرية بعثت إلى الكفار: نرجو أن يكون الله قد نصر ~~المؤمنين وغنمهم ويقال في نيل مصر عند وقت ارتفاعه: نرجو أن يكون قد صعد ~~النيل كما ms2221 يقول الحاضر في مصر مثل هذا الوقت: نرجو أن يكون النيل في هذا ~~العام نيلا مرتفعا ويقال لمن له أرض يحب أن تمطر إذا مطرت بعض النواحي أرجو ~~أن يكون المطر عاما وأرجو أن تكون قد مطرت الأرض الفلانية وذلك لأن المرجو ~~هو ما يفرح بوجوده ويسره فالمكروه ما يتألم بوجوده. وهذا يتعلق بالعلم ~~والعلم بذلك مستقبل فإذا علم أن المسلمين انتصروا والحاج قد دخلوا أو المطر ~~قد نزل فرح بذلك وحصل به مقاصد أخر له وإذا كان الأمر بخلاف ذلك لم يحصل ~~ذلك المحبوب المطلوب فيقول: أرجو وأخاف لأن المحبوب والمكروه متعلق بالعلم ~~بذلك وهو مستقبل وكذلك المطلوب بالإيمان من السعادة والنجاة هو أمر مستقبل ~~فيستثنى في الحاضر بذلك لأن المطلوب به مستقبل ثم كل مطلوب مستقبل تعلق ~~بمشيئة الله # PageV07P453 # وإن جزم بوجوده لأنه لا يكون مستقبل إلا بمشيئة الله. فقولنا: يكون هذا ~~إن شاء الله حق فإنه لا يكون إلا إن شاء الله واللفظ ليس فيه إلا التعليق ~~وليس من ضرورة التعليق الشك. بل هذا بحسب علم المتكلم فتارة يكون شاكا ~~وتارة لا يكون شاكا؛ فلما كان الشك يصحبها كثيرا لعدم علم الإنسان بالعواقب ~~ظن الظان أن الشك داخل في معناها وليس كذلك. # فقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} لا يتصور فيه شك من الله؛ بل ~~ولا من رسوله المخاطب والمؤمنين ولهذا قال ثعلب: هذا استثناء من الله وقد ~~علمه والخلق يستثنون فيما لا يعلمون. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة إن إن ~~بمعنى إذ أي: إذ شاء الله ومقصوده بهذا تحقيق الفعل ب (إن) كما يتحقق مع ~~إذ. وإلا فإذ ظرف توقيت و (إن) حرف تعليق. فإن قيل: فالعرب تقول: إذا احمر ~~البسر فأتني ولا تقول: إن احمر البسر. قيل: لأن المقصود هنا توقيت الإتيان ~~بحين احمراره فأتوا بالظرف المحقق ولفظ: (إن لا يدل على توقيت بل هي تعليق ~~محض تقتضي ارتباط الفعل الثاني بالأول ونظير ما نحن فيه أن يقولوا: البسر ~~يحمر ويطيب إن شاء الله ms2222 وهذا حق فهذا نظير ذلك. فإن قيل: فطائفة من الناس ~~فروا من هذا المعنى وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك فيه فقال الزجاج: {لتدخلن ~~المسجد الحرام} أي: أمركم # PageV07P454 # الله به وقيل: الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف. أي: لتدخلنه آمنين فأما ~~الدخول فلا شك فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم لأنه علم أن بعضهم يموت ~~فالاستثناء لأنهم لم يدخلوا جميعهم. قيل: كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما ~~فروا منه؛ مع خروجهم عن مدلول القرآن فحرفوه تحريفا لم ينتفعوا به فإن قول ~~من قال: أي: أمركم الله به هو سبحانه قد علم هل يأمرهم أو لا يأمرهم فعلمه ~~بأنه سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن يدخلوا فعلقوا الاستثناء بما لم يدل عليه ~~اللفظ وعلم الله متعلق بالمظهر والمضمر جميعا وكذلك أمنهم وخوفهم هو يعلم ~~أنهم يدخلون آمنين أو خائفين وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بأنهم ~~يدخلون آمنين فكلاهما لم يكن فيه شك عند الله؛ بل ولا عند رسوله. وقول من ~~قال: جميعهم أو بعضهم يقال: المعلق بالمشيئة دخول من أريد باللفظ فإن كان ~~أراد الجميع فالجميع لا بد أن يدخلوه وإن أريد الأكثر كان دخولهم هو المعلق ~~بالمشيئة وما لم يرد لا يجوز أن يعلق ب (إن وإنما علق ب (إن ما سيكون؛ وكان ~~هذا وعدا مجزوما به. ولهذا لما {قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى قلت لك: إنك ~~تأتيه هذا العام؟ قال: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به} . فإن قيل: لم لم يعلق ~~غير هذا من مواعيد القرآن؟ قيل: لأن هذه الآية نزلت بعد مرجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه # PageV07P455 # من الحديبية وكانوا قد اعتمروا ذلك العام واجتهدوا في الدخول فصدهم ~~المشركون فرجعوا وبهم من الألم ما لا يعلمه إلا الله فكانوا منتظرين لتحقيق ~~هذا الوعد ذلك العام إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم وعدا مطلقا. ~~وقد {روي أنه رأى في المنام قائلا يقول: لتدخلن المسجد الحرام ms2223 إن شاء الله ~~فأصبح فحدث الناس برؤياه وأمرهم بالخروج إلى العمرة فلم تحصل لهم العمرة ~~ذلك العام فنزلت هذه الآية} واعدة لهم بما وعدهم به الرسول من الأمر الذي ~~كانوا يظنون حصوله ذلك العام. وكان قوله: {إن شاء الله} هنا تحقيقا لدخوله ~~وأن الله يحقق ذلك لكم؛ كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: ~~والله لأفعلن كذا إن شاء الله لا يقولها لشك في إرادته وعزمه بل تحقيقا ~~لعزمه وإرادته فإنه يخاف إذا لم يقل: إن شاء الله أن ينقض الله عزمه ولا ~~يحصل ما طلبه كما في " الصحيحين {أن سليمان عليه السلام قال: والله لأطوفن ~~الليلة على مائة امرأة كل منهن تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له ~~صاحبه: قل: إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في ~~سبيل الله فرسانا أجمعون} فهو إذا قال: إن شاء الله لم يكن لشك في طلبه ~~وإرادته بل لتحقيق الله ذلك له إذ الأمور لا تحصل إلا بمشيئة الله فإذا ~~تألى العبد عليه من غير تعليق بمشيئته لم يحصل مراده فإنه من يتألى على ~~الله يكذبه ولهذا يروى: " لا أتممت لمقدر أمرا ". # PageV07P456 # وقيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال ~~تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} فإن قوله: ~~لأفعلن فيه معنى الطلب والخبر وطلبه جازم وأما كون مطلوبه يقع فهذا يكون إن ~~شاء الله. # وطلبه للفعل يجب أن يكون من الله بحوله وقوته، ففي الطلب: عليه أن يطلب ~~من الله، وفي الخبر: لا يخبر إلا بما علمه الله؛ فإذا جزم بلا تعليق كان ~~كالتألي على الله فيكذبه الله، فالمسلم في الأمر الذي هو عازم عليه ومريد ~~له وطالب له طلبا لا تردد فيه يقول: " إن شاء الله " لتحقيق مطلوبه وحصول ~~ما أقسم عليه لكونه لا يكون إلا ms2224 بمشيئة الله لا لتردد في إرادته، والرب ~~تعالى مريد لإنجاز ما وعدهم به إرادة جازمة لا مثنوية فيها وما شاء فعل ~~فإنه - سبحانه - ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ليس كالعبد الذي يريد ما لا ~~يكون ويكون ما لا يريد. فقوله سبحانه: {إن شاء الله} تحقيق أن ما وعدتكم به ~~يكون لا محالة بمشيئتي وإرادتي فإن ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن؛ فكان ~~الاستثناء هنا لقصد التحقيق لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك ~~العام، وأما سائر ما وعدوا به فلم يكن كذلك. # ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه في اليمين هذا المعنى وهو ~~التحقيق في استثنائه لا التعليق: هل يكون مستثنيا به أم تلزمه الكفارة إذا ~~حنث؟ بخلاف من ترددت إرادته فإنه يكون مستثنيا بلا نزاع والصحيح أنه # PageV07P457 # يكون في الجميع مستثنيا لعموم المشيئة ولأن الرجل وإن كانت إرادته ~~للمحلوف به جازمة فقد علقه بمشيئة الله فهو يجزم بإرادته له لا يجزم بحصول ~~مراده ولا هو أيضا مريد له بتقدير ألا يكون؛ فإن هذا تمييز لا إرادة فهو ~~إنما التزمه إذا شاء الله فإذا لم يشأه لم يلتزمه بيمينه ولا حلف أنه يكون: ~~وإن كانت إرادته له جازمة فليس كل ما أريد التزم باليمين فلا كفارة عليه. ~~وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل: إن شاء الله يكون مع كمال إرادته في ~~حصول المطلوب وهو يقولها لتحقيق المطلوب؛ لاستعانته بالله في ذلك لا لشك في ~~الإرادة هذا فيما يحلف عليه ويريده كقوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام} ~~فإنه خبر عما أراد الله كونه، وهو عالم بأن سيكون وقد علقه بقوله: {إن شاء ~~الله} فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو جازم بإرادته، وجازم ~~بوقوعه فيقول فيه: " إن شاء الله " لتحقيق وقوعه لا للشك لا في إرادته ولا ~~في العلم بوقوعه. ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة في المعلق، وقوة ~~إرادة الإنسان له. فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء؛ فيقول: " إن شاء الله ms2225 " ~~لتحقيق رجائه مع علمه بأن سيكون كما يسأل الله ويدعوه في الأمر الذي قد علم ~~أنه يكون كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد أخبرهم بمصارع ~~المشركين ثم هو بعد هذا يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: اللهم أنجز لي ~~ما وعدتني} لأن العلم بما يقدره لا ينافي أن يكون قدره بأسباب، والدعاء من ~~أعظم # PageV07P458 # أسبابه، كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه من أعظم الأسباب في النجاة من ~~عذابه وحصول رحمته. # والاستثناء بالمشيئة يحصل في الخبر المحض وفي الخبر الذي معه طلب؛ فالأول ~~إذا حلف على جملة خبرية لا يقصد به حضا ولا منعا بل تصديقا أو تكذيبا ~~كقوله: والله ليكونن كذا إن شاء الله أو لا يكون كذا. والمستثني قد يكون ~~عالما بأن هذا يكون أو لا يكون كما في قوله: {لتدخلن} فإن هذا جواب غير ~~محذوف. والثاني: ما فيه معنى الطلب، كقوله: والله لأفعلن كذا أو لا أفعله ~~إن شاء الله؛ فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب ولم يقل: والله إني لمريد هذا ~~ولا عازم عليه بل قال: والله ليكونن. فإذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر ~~بخلاف ما حلف عليه فحنث فإذا قال: " إن شاء الله " فإنما حلف عليه بتقدير: ~~إن يشأ الله لا مطلقا. ولهذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه متى لم يوجد ~~المحلوف عليه حنث أو متى وجد المحلوف عليه أنه لا يفعله حنث سواء كان ناسيا ~~أو مخطئا أو جاهلا فإنهم لحظوا أن هذا في معنى الخبر فإذا وجد بخلاف مخبره ~~فقد حنث، وقال الآخرون: بل هذا مقصوده الحض والمنع كالأمر والنهي ومتى نهي ~~الإنسان عن شيء ففعله ناسيا أو مخطئا لم يكن مخالفا فكذلك هذا. # PageV07P459 # قال الأولون: فقد يكون في معنى التصديق والتكذيب كقوله: والله ليقعن ~~المطر أو لا يقع وهذا خبر محض ليس فيه حض ولا منع ولو حلف على اعتقاده فكان ~~الأمر بخلاف ما حلف عليه حنث وبهذا يظهر الفرق بين الحلف على الماضي والحلف ~~على المستقبل، فإن ms2226 اليمين على الماضي غير منعقدة فإذا أخطأ فيها لم يلزمه ~~كفارة كالغموس بخلاف المستقبل. وليس عليه أن يستثني في المستقبل إذا كان ~~فعله. قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} فأمره أن يقسم على ما سيكون وكذلك ~~قوله: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} كما أمره ~~أن يقسم على الحاضر في قوله: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما ~~عدلا وإماما مقسطا} . وقال: {والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على ~~الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل} وقال: {إذا هلك ~~كسرى أو ليهلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. ~~والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله} وكلاهما في " الصحيح ". ~~فأقسم صلوات الله وسلامه عليه على المستقبل في مواضع كثيرة بلا استثناء، ~~والله - سبحانه وتعالى أعلم - والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV07P460 # وقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك؛ شيخ الإسلام بقية السلف الكرام " ~~أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي - رحمه الله -: # فصل: # تضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن " الإسلام " و " الإيمان " و ~~" الإحسان "؛ وجوابه عن ذلك وقوله في آخر الحديث: {هذا جبريل أتاكم يعلمكم ~~دينكم} . فجعل هذا كله من الدين. وللناس في " الإسلام " و " الإيمان " من ~~الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى. ما يحتاج الناس معه إلى معرفة ~~الحق في ذلك؛ وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها. ثم بذلك ~~يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها؛ فنقول: ما علم من الكتاب والسنة ~~والإجماع وهو من المنقول نقلا متواترا # PageV07P461 # عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ~~- دين النبي صلى الله عليه وسلم - أن الناس ms2227 كانوا على عهده بالمدينة " ~~ثلاثة أصناف ": مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في ~~الباطن كافر. ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف ~~الثلاثة فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين. وبضع ~~عشرة آية في صفة المنافقين. فقوله تعالى: {هدى للمتقين} {الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} في صفة المؤمنين. وقوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون} الآيتين: في صفة الكفار الذين يموتون كفارا. وقوله: ~~{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} . الآيات في ~~صفة المنافقين؛ إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء؛ كما ~~ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى {أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها} الآية. # PageV07P462 # وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر لم يكن هناك منافق فإن ~~المسلمين كانوا مستضعفين فكان من آمن آمن باطنا وظاهرا، ومن لم يؤمن فهو ~~كافر. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وصار للمؤمنين بها ~~عز وأنصار ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعا واختيارا: كان بينهم من ~~أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة وهو في ~~الباطن كافر. وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول وقد نزل فيه وفي ~~أمثاله من المنافقين آيات. والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع ~~كما ذكرهم في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وسورة العنكبوت ~~والأحزاب. وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: {وممن حولكم ~~من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم} . # وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين وفيهم من هو في الأصل من ~~أهل الكتاب. وسورة الفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر والمنافقين. بل ~~عامة السور المدنية: يذكر فيها المنافقين. قال تعالى ms2228 في سورة آل عمران: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} إلى قوله: {وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا # PageV07P463 # قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} الآيات. وقال فيها أيضا: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم} إلى قوله: ~~{وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون ~~محيط} . وقال تعالى في سورة النساء: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} إلى قوله: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ~~بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} ~~{ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا} {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} ~~الآيات. وقال: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} {الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} إلى ~~قوله: # PageV07P464 # {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} {الذين يتربصون بكم ~~فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ~~ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم} إلى قوله: {إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ms2229 قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا} {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} إلى قوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل ~~من النار ولن تجد لهم نصيرا} {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} ~~. وقال تعالى في سورة المائدة: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم} إلى قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ~~أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} . # PageV07P465 # وقال تعالى: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون} {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون} وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا ~~في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا ~~عن سواء السبيل} إلى قوله: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما ~~قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} . وأما سورة " براءة " فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم ولهذا سميت: ~~الفاضحة والمبعثرة وهي نزلت عام تبوك. وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة وكانت ~~غزوة تبوك آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزاها بنفسه. وتميز ~~فيها من المنافقين من تميز. فذكر الله من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة. ~~وقد قال تعالى ms2230 في سورة النور: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} إلى قوله: {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون} الآيات. وقال تعالى في سورة العنكبوت: {ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر ~~من ربك # PageV07P466 # ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} {وليعلمن ~~الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} . وقال تعالى في سورة الأحزاب: {يا ~~أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما} ~~وذكر فيه شأنهم في الأحزاب. وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم كما قال ~~تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا} إلى قوله {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا} {أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ~~أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ~~يسيرا} {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} وقال ~~تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا} إلى قوله: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} . وقال تعالى في سورة ~~القتال: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} {ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم} ~~إلى ما في السورة من نحو ذلك. # PageV07P467 # وقال تعالى في سورة الفتح: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما} ms2231 {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} {ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} وقال تعالى في سورة ~~الحديد: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} ~~{يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور} {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم} . وقال في سورة المجادلة: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله} . إلى قوله: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} # PageV07P468 # {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} {اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} إلى آخر السورة. وقوله: {ما هم ~~منكم ولا منهم} كقوله: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ~~تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة} . وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا ~~يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا ~~نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} {لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ~~ثم لا ينصرون} {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} الآية. وقد ذكر في سورة ~~المنافقين في قوله: {إذا جاءك المنافقون ms2232 قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} إلى آخر السورة. و ~~(المقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم. و " المنافقون ~~" هم في الظاهر مسلمون وقد كان المنافقون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة لا سيما في آخر الأمر ما لم يلتزمه كثير من ~~المنافقين الذين من بعدهم؛ لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقا ~~لقوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق # PageV07P469 # ليظهره على الدين كله} ولهذا قال حذيفة بن اليمان: - وكان من أعلم ~~الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر ~~إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم فلهذا كان يقال: هو صاحب ~~السر الذي لا يعلمه غيره. ويروى أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلي على أحد حتى ~~يصلي عليه حذيفة؛ لئلا يكون من المنافقين الذين نهي عن الصلاة عليهم. قال ~~حذيفة رضي الله عنه - النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وفي رواية: كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسرونه ~~واليوم يظهرونه - وذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ~~ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد أخبر الله عن ~~المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل ذلك منهم. وقال تعالى: {إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} . وقال تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو ~~كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين} {وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون} وقد كانوا يشهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~مغازيه كما شهد عبد الله بن أبي ابن سلول وغيره من المنافقين " الغزوة " ~~التي قال فيها عبد الله بن أبي: {لئن رجعنا إلى المدينة # PageV07P470 # ليخرجن الأعز منها الأذل} ms2233 . وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه. # والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: " مؤمن " و " منافق " كافر في ~~الباطن مع كونه مسلما في الظاهر وإلى كافر باطنا وظاهرا. ولما كثرت الأعاجم ~~في المسلمين تكلموا بلفظ " الزنديق " وشاعت في لسان الفقهاء وتكلم الناس في ~~الزنديق: هل تقبل توبته؟ في الظاهر: إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر ~~قبل توبته فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه وطائفة من أصحاب الشافعي ~~وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل. والمشهور من مذهب ~~الشافعي: قبولها كالرواية الأخرى عن أحمد وهو القول الآخر في مذهب أبي ~~حنيفة ومنهم من فصل. والمقصود هنا: أن " الزنديق " في عرف هؤلاء الفقهاء هو ~~المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وهو أن يظهر الإسلام ~~ويبطن غيره سواء أبطن دينا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو ~~كان معطلا جاحدا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة. ومن الناس من يقول: " ~~الزنديق " هو الجاحد المعطل. وهذا يسمى # PageV07P471 # الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس؛ ولكن ~~الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه: هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين ~~الكافر وغير الكافر والمرتد وغير المرتد ومن أظهر ذلك أو أسره. وهذا الحكم ~~يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة ~~فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله: {إنما النسيء ~~زيادة في الكفر} وتارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي الكبائر كما ~~أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: {الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب} . فهذا " أصل " ينبغي معرفته فإنه ~~مهم في هذا الباب. فإن كثيرا ممن تكلم في " مسائل الإيمان والكفر " - ~~لتكفير أهل الأهواء - لم يلحظوا هذا الباب ولم يميزوا بين الحكم الظاهر ~~والباطن مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع ~~المعلوم؛ بل هو ms2234 معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر هذا علم أن كثيرا ~~من أهل الأهواء والبدع: قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن. وهنا ~~" أصل آخر " وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون ~~الإيمان. فقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا # PageV07P472 # ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله ~~لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} وقال تعالى في قصة قوم لوط: ~~{فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ~~وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد. ~~وعارضوا بين الآيتين؛ وليس كذلك؛ بل هذه الآية توافق الآية الأولى لأن الله ~~أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنا وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين. ~~وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين ولم تكن من المخرجين الذين ~~نجوا؛ بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب وكانت في الظاهر مع زوجها على ~~دينه وفي الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه. ~~كما قال الله تعالى فيها: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} . وكانت خيانتهما لهما في ~~الدين لا في الفراش. فإنه ما بغت امرأة نبي قط؛ إذ " نكاح الكافرة " قد ~~يجوز في بعض الشرائع ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع وهن الكتابيات وأما ~~" نكاح البغي " فهو: دياثة. وقد صان الله النبي عن أن يكون ديوثا. ولهذا ~~كان الصواب قول من قال من الفقهاء: بتحريم نكاح البغي حتى تتوب. # PageV07P473 # والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة ولم تكن من الناجين المخرجين فلم ~~تدخل في قوله: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} وكانت من أهل البيت ~~المسلمين وممن وجد فيه ولهذا قال تعالى: {فما وجدنا فيها غير بيت ms2235 من ~~المسلمين} . وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج ~~وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود. وأيضا فقد قال تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} ففرق بين هذا وهذا. فهذه ثلاثة مواضع في ~~القرآن. و " أيضا " فقد ثبت في الصحيحين {عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا. فقلت: يا رسول الله ~~أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن. فقال: أو مسلم؟ قال: ثم غلبني ما أجد ~~فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال أو مسلم؟ ~~مرتين أو ثلاثا وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالا ويدع من هو أحب إليه ~~منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم} . قال الزهري: فكانوا يرون ~~أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل فأجاب سعدا بجوابين " أحدهما ": أن هذا ~~الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلما لا مؤمنا. " الثاني ": إن كان مؤمنا ~~وهو أفضل من أولئك فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانا؛ لئلا يحمله الحرمان على ~~الردة فيكبه الله في # PageV07P474 # النار على وجهه. وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم. وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت ~~لهم القرآن والسنة الإسلام؛ دون الإيمان هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ ~~أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على ~~اختلاف أصنافهم. فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم: بل هم ~~المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من ~~الإيمان. وأصحاب هذا القول قد يقولون الإسلام المقبول هو الإيمان؛ ولكن ~~هؤلاء أسلموا ظاهرا لا باطنا فلم يكونوا مسلمين في الباطن ولم يكونوا ~~مؤمنين. وقالوا: إن الله سبحانه يقول: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه} . بيانه كل مسلم مؤمن فما ليس من الإسلام فليس مقبولا يوجب أن يكون ~~الإيمان منه. وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلما في ~~الباطن. وأما الكافر المنافق في الباطن فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين ~~للثواب باتفاق المسلمين. ms2236 ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ~~ولا عند أحد من طوائف المسلمين. إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية ~~الذين قالوا إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر. فإذا فعل ذلك: كان ~~مؤمنا وإن كان مكذبا في الباطن وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة. فنازعوا في ~~اسمه لا في # PageV07P475 # حكمه، ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة وهو غلط عليهم. ~~ومع هذا فتسميتهم له مؤمنا: بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم. ~~قال الجمهور من السلف والخلف: بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان ~~قد لا يكونون كفارا في الباطن بل معهم بعض الإسلام المقبول. وهؤلاء يقولون: ~~الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. ويقولون: في ~~{قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق - حين يسرق - وهو مؤمن ولا يشرب الخمر - حين يشربها - وهو مؤمن} إنه ~~يخرج من الإيمان إلى الإسلام ودوروا للإسلام دارة ودوروا للإيمان دارة أصغر ~~منها في جوفها وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من ~~الإسلام إلى الكفر. ودليل ذلك أن الله تبارك وتعالى قال: {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله # PageV07P476 # أولئك هم الصادقون} {قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض والله بكل شيء عليم} {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} . فقد قال ~~تعالى: {لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وهذا ~~الحرف - أي (لما - ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد. فيقول ms2237 ~~لمن ينتظر غائبا أي " لما ". ويقول قد جاء لما يجئ بعد. فلما قالوا: {آمنا} ~~قيل: {لم تؤمنوا} بعد بل الإيمان مرجو منتظر منهم. ثم قال: {وإن تطيعوا ~~الله ورسوله لا يلتكم} أي: لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة (شيئا أي: في هذه ~~الحال؛ فإنه لو أرادوا طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن ~~في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم؛ إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على ~~طاعة الله ورسوله وهم كانوا مقرين به. فإذا قيل لهم: المطاع يثاب والمراد ~~به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه فائدة جديدة. و " أيضا " فالخطاب ~~لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم: لما يدخل في قلوبهم وقيل لهم: {وإن تطيعوا ~~الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين ~~على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب فبين ذلك أنه وصف المؤمنين ~~الذين أخرج هؤلاء منهم فقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم # PageV07P477 # في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وهذا نعت محقق الإيمان؛ لا نعت من معه ~~مثقال ذرة من إيمان كما في قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} ~~{الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا} وقوله ~~تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله} ومنه قوله صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} ~~. وأمثال ذلك. فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا ~~الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار بل قد يكون ~~مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي ~~يخلد صاحبه في النار. # وبتحقق " هذا المقام " يزول الاشتباه في هذا الموضع ويعلم أن في المسلمين ms2238 ~~قسما ليس هو منافقا محضا في الدرك الأسفل من النار وليس هو من المؤمنين ~~الذين قيل فيهم: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} . ولا من الذين ~~قيل فيهم: {أولئك هم المؤمنون حقا} فلا هم منافقون ولا هم # PageV07P478 # من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقا ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب. بل ~~له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار وله ~~من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق ~~الملي وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه. والخلاف فيه أول خلاف ظهر في ~~الإسلام في مسائل " أصول الدين ". فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن ~~عفان وسار علي بن أبي طالب إلى العراق وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة ~~يوم الجمل ثم يوم صفين ما هو مشهور: خرجت (الخوارج المارقون على الطائفتين ~~جميعا وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهم وذكر حكمهم قال الإمام ~~أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه ~~موافقة لأحمد وروى البخاري منها عدة أوجه وروى أحاديثهم أهل السنن ~~والمسانيد من وجوه أخر. ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد ~~الخدري ففي الصحيحين {عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من ~~أن أكذب عليه وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان # PageV07P479 # أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم ~~حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} . وفي ~~الصحيحين {عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله ms2239 عليه ~~وسلم من اليمن بذهيبة في أدم مقروض لم تحصل من ترابها فقال: فقسمها بين ~~أربعة نفر فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر ~~السماء صباحا ومساء قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة ~~كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتق الله فقال: ويلك ~~أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد ~~يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا: لعله أن يكون يصلي قال خالد: وكم من ~~مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم ~~أومر أن أنقب عن قلوب الناس؛ ولا أشق بطونهم قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال: ~~إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية قال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ~~عاد} . اللفظ لمسلم. # PageV07P480 # ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما ~~يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق ثم قال شر الخلق أو ~~من شر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق} قال أبو سعيد: أنتم قتلتموهم ~~يا أهل العراق وفي لفظ له: {تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق} وهذا الحديث ~~مع ما ثبت في الصحيح {عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن ~~بن علي: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين} ~~فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن كان ~~أحب إلى الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم من اقتتالهما وأن اقتتالهما ~~وإن لم يكن مأمورا به فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية ~~وأصحابه وأن قتال الخوارج مما أمر به صلى الله ms2240 عليه وسلم ولذلك اتفق على ~~قتالهم الصحابة والأئمة. وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: " الحرورية " ~~لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء ويقال لهم أهل النهروان: لأن عليا قاتلهم ~~هناك ومن أصنافهم " الإباضية " أتباع عبد الله بن إباض و " الأزارقة " ~~أتباع نافع بن الأزرق و " النجدات " أصحاب نجدة الحروري. وهم أول من كفر ~~أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من الذنوب واستحلوا دماء أهل القبلة ~~بذلك فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV07P481 # " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " وكفروا علي بن أبي طالب ~~وعثمان بن عفان ومن والاهما وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله قتله عبد ~~الرحمن بن ملجم المرادي منهم وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة ~~لكن كانوا جهالا فارقوا السنة والجماعة؛ فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو ~~كافر؛ والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات؛ فمن لم يكن كذلك ~~فهو كافر؛ مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك فقالوا: إن عثمان ~~وعليا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارا. ومذهب هؤلاء ~~باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق ~~دون قتله ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {من بدل دينه فاقتلوه} . وقال {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ~~كفر بعد إسلام وزنى بعد إحصان أو قتل نفس يقتل بها} وأمر سبحانه أن يجلد ~~الزاني والزانية مائة جلدة ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه بأن ~~يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة ولو كان كافرا لأمر بقتله وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يجلد شارب الخمر ولم يقتله بل قد ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم في صحيح البخاري وغيره: {أن رجلا كان يشرب الخمر وكان اسمه عبد الله ~~حمارا وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان كلما أتي به إليه جلده فأتي ~~به إليه مرة فلعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه ms2241 وسلم: # PageV07P482 # لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} فنهى عن لعنه بعينه وشهد له بحب الله ~~ورسوله مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما. وهذا من أجود ما يحتج به على أن ~~الأمر بقتل الشارب في " الثالثة " و " الرابعة " منسوخ؛ لأن هذا أتى به ~~ثلاث مرات وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث؛ ولكن نسخ الوجوب لا ~~يمنع الجواز فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك فإن ~~ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدا مقدرا في أصح قولي العلماء كما هو ~~مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين؛ بل الزيادة على الأربعين إلى ~~الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة كغيرها من أنواع ~~التعزير وكذلك صفة الضرب فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف ~~الثياب بخلاف الزاني والقاذف فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب. ~~و " أيضا " فإن الله - سبحانه - قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} . فقد وصفهم بالإيمان والأخوة ~~وأمرنا بالإصلاح بينهم. فلما شاع في الأمة أمر " الخوارج " تكلمت الصحابة ~~فيهم ورووا عن # PageV07P483 # النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم وبينوا ما في القرآن من الرد ~~عليهم وظهرت بدعتهم في العامة؛ # فجاءت بعدهم " المعتزلة " - الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ~~وهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال وأتباعهما - فقالوا: أهل الكبائر ~~مخلدون في النار كما قالت الخوارج ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارا؛ بل فساق ~~ننزلهم منزلة بين منزلتين. وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل ~~الكبائر من أمته وأن يخرج من النار بعد أن يدخلها. قالوا: ما الناس إلا ~~رجلان: سعيد لا يعذب أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق ولم يوافقوا ~~الخوارج على تسميتهم كفارا. وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج. # فيقال لهم كما ms2242 أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر لا حسنة له ~~قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له وإلى كافر وفاسق لا حسنة له فلو كانت حسنات ~~هذا كلها محبطة وهو مخلد في النار لاستحق المعاداة المحضة بالقتل ~~والاسترقاق كما يستحقها المرتد؛ فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق. وقد ~~قال تعالى في كتابه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} فجعل ما دون ذلك الشرك معلقا بمشيئته. ولا يجوز أن يحمل هذا على ~~التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين # PageV07P484 # الشرك وغيره. كما قال سبحانه في الآية الأخرى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فهنا عمم ~~وأطلق لأن المراد به التائب وهناك خص وعلق. وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور} {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا ~~يمسنا فيها لغوب} . فقد قسم سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها " ~~ثلاثة أصناف ": ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات وهؤلاء الثلاثة ينطبقون ~~على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل: " الإسلام " و " الإيمان " و " ~~الإحسان ". كما سنذكره " إن شاء الله ". ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به ~~من اجتنب الكبائر والتائب من جميع الذنوب فذلك مقتصد أو سابق فإنه ليس أحد ~~من بني آدم يخلو عن ذنب؛ لكن من تاب كان مقتصدا أو سابقا؛ كذلك من اجتنب ~~الكبائر كفرت عنه السيئات؛ كما قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم} فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد ~~عذاب يطهر من الخطايا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: أن ما يصيب ~~المؤمن في ms2243 الدنيا من المصائب مما يجزئ به ويكفر عنه خطاياه كما في الصحيحين # PageV07P485 # عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ~~ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه} وفي ~~المسند وغيره أنه {لما نزلت هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر: ~~يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال: يا أبا بكر ألست ~~تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به} . و " أيضا " فقد ~~تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يخرج أقوام من النار ~~بعد ما دخلوها وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار. ~~وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: " الوعيدية " الذين يقولون: من دخلها من ~~أهل التوحيد لم يخرج منها وعلى " المرجئة الواقفة " الذين يقولون: لا ندري ~~هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا كما يقول ذلك طوائف من الشيعة ~~والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره. # وأما ما يذكر عن " غلاة المرجئة " أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل ~~التوحيد أحد فلا نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا ~~القول. و " أيضا " فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد لشارب الخمر ~~المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته ومعلوم أن من أحب الله ~~ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. وأيضا فإن الذين قذفوا عائشة أم # PageV07P486 # المؤمنين كان فيهم مسطح بن أثاثة وكان من أهل بدر وقد أنزل الله فيه لما ~~حلف أبو بكر أن لا يصله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم} . وإن قيل: إن مسطحا وأمثاله تابوا لكن الله لم يشرط في ~~الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة. وكذلك {حاطب بن أبي بلتعة ~~كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد ms2244 عمر قتله قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع على ~~أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟} . وكذلك ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} وهذه ~~النصوص تقتضي: أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات ولم يشترط مع ذلك توبة؛ وإلا ~~فلا اختصاص لأولئك بهذا؛ والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. وإذا قيل: إن ~~هذا لأن أحدا من أولئك لم يكن له إلا صغائر لم يكن ذلك من خصائصه أيضا. وأن ~~هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم و " أيضا " قد دلت نصوص ~~الكتاب والسنة: على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب. " ~~أحدها " التوبة وهذا متفق عليه بين المسلمين قال تعالى: # PageV07P487 # {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} وقال تعالى: {ألم يعلموا أن الله ~~هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم} . وقال ~~تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} وأمثال ذلك " ~~السبب الثاني " الاستغفار كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إذا أذنب عبد ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال: علم عبدي ~~أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب ~~أذنبت ذنبا آخر. فاغفره لي فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء قال ذلك: في الثالثة أو الرابعة} وفي صحيح ~~مسلم عنه أنه قال: {لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم ~~يستغفرون فيغفر لهم} . وقد يقال على هذا الوجه الاستغفار هو مع التوبة كما ~~جاء في حديث {ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة} وقد يقال: بل ~~الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع وبسط هذا ms2245 له موضع آخر فإن هذا الاستغفار ~~إذا كان مع التوبة مما يحكم به عام في كل تائب وإن لم يكن مع التوبة فيكون ~~في حق بعض المستغفرين الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ~~ما يمحو الذنوب كما في حديث البطاقة بأن قول: لا إله # PageV07P488 # إلا الله ثقلت بتلك السيئات؛ لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو ~~السيئات وكما غفر للبغي بسقي الكلب لما حصل في قلبها إذ ذاك من الإيمان ~~وأمثال ذلك كثير. " السبب الثالث ": الحسنات الماحية كما قال تعالى: {وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} وقال صلى ~~الله عليه وسلم {الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ~~لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر} وقال: {من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ~~ما تقدم من ذنبه} وقال: {من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم ~~من ذنبه} وقال {من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه} وقال: {فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.} وقال: {من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله ~~بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه} وهذه الأحاديث وأمثالها في ~~الصحاح. وقال: {الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار والحسد يأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب} . وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا الحسنات ~~إنما تكفر الصغائر فقط فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة كما قد جاء في ~~بعض الأحاديث: " ما اجتنبت الكبائر " فيجاب عن هذا بوجوه. # PageV07P489 # أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض. كالصلوات الخمس والجمعة وصيام شهر ~~رمضان وذلك أن الله تعالى يقول: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات وأما الأعمال ~~الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر فإن الله سبحانه يقول: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . (الثاني) ms2246 : ~~أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر ~~كما في {قوله صلى الله عليه وسلم غفر له وإن كان فر من الزحف} وفي السنن ~~{أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب. فقال: أعتقوا ~~عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.} وفي الصحيحين في {حديث أبي ~~ذر وإن زنى وإن سرق.} . (الثالث) : أن {قوله لأهل بدر ونحوهم اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم} إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن ~~فرق بينهم وبين غيرهم. فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن ~~الكفر لا يغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب ~~الكبائر. (الرابع) : أنه قد جاء في غير {حديث أن أول ما يحاسب عليه العبد ~~من # PageV07P490 # عمله يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع فإن ~~كان له تطوع أكملت به الفريضة ثم يصنع بسائر أعماله كذلك} . ومعلوم أن ذلك ~~النقص المكمل لا يكون لترك مستحب؛ فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران ~~ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول فعلم أنه يكمل نقص ~~الفرائض من التطوعات. وهذا لا ينافي من أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى ~~الفريضة مع أن هذا لو كان معارضا للأول لوجب تقديم الأول لأنه أثبت وأشهر ~~وهذا غريب رفعه وإنما المعروف أنه في وصية أبي بكر لعمر؛ وقد ذكره أحمد في ~~" رسالته في الصلاة ". وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب عليها. ومعلوم ~~أنه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة فإنه إذا فعل النافلة مع نقص ~~الفريضة كانت جبرا لها وإكمالا لها. فلم يكن فيها ثواب نافلة ولهذا قال بعض ~~السلف: النافلة لا تكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله قد غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره يحتاج إلى المغفرة. وتأول على هذا قوله: ~~{ومن الليل فتهجد ms2247 به نافلة لك} وليس إذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة ~~مقام الفريضة مطلقا بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب ~~النافلة. فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ~~ذكرها بالنص والإجماع. فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء. قيل: ~~هذا خطأ فإن قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب، فيقال: إذا كان العبد # PageV07P491 # يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل ~~المأمور ويترك المحظور؛ لأن الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب وإن جاز مع ~~إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة ~~وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية. والله عليم حكيم ~~رحيم - أمرهم بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك ~~لم يؤيسهم من رحمته بل جعل لهم أسبابا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم ~~ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا ~~يجرئهم على معاصي الله. ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب قال بعضهم ~~لشيخه: إني أذنب قال: تب قال: ثم أعود، قال: تب قال: ثم أعود، قال: تب قال: ~~إلى متى قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفي المسند عن علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله يحب العبد المفتن التواب} . وأيضا فإن من نام ~~عن صلاة أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من ~~المطالبة ويرتفع عنه الذم والعقاب ويستوجب بذلك المدح والثواب وأما ما ~~يفعله من التطوعات فلا نعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك ولو علم فقد لا ~~يمكن فعله مع سائر الواجبات ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار ~~واجبا فلا يكون تطوعا والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله كما قال تعالى. ~~في الحديث الصحيح: {ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ms2248 ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} الحديث # PageV07P492 # فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل ولا ~~يظلمه الله فإن الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض ~~كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء: فإن وفاهم وتطوع لهم كان ~~عادلا محسنا. وإن وفاهم ولم يتطوع كان عادلا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام ~~دينهم وجعل ذلك تطوعا كان غالطا في جعله؛ بل يكون من الواجب الذي يستحقونه. ~~ومن العجب أن " المعتزلة " يفتخرون بأنهم أهل " التوحيد " و " العدل " وهم ~~في توحيدهم نفوا الصفات نفيا يستلزم التعطيل والإشراك. وأما " العدل الذي ~~وصف الله به نفسه " فهو أن لا يظلم مثقال ذرة وأنه: من يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطا ~~بذنب واحد من الكبائر وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه فكان وصف الرب ~~سبحانه بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله. ~~(الخامس) : أن الله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر كما أنه لم ~~يجعل شيئا يحبط جميع السيئات إلا التوبة. و " المعتزلة مع الخوارج " يجعلون ~~الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم ~~عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون} فعلق الحبوط بالموت على الكفر وقد ثبت أن هذا ليس ~~بكافر والمعلق بشرط يعدم عند عدمه. وقال تعالى: # PageV07P493 # {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: {ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} ~~وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} مطابق لقوله تعالى {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به} . فإن الإشراك إذا لم يغفر وأنه موجب للخلود في ~~النار لزم من ذلك حبوط حسنات ms2249 صاحبه، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم ~~يعلق بها حبوط جميع الأعمال، وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم} . لأن ذلك كفر، وقوله تعالى {لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون} لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري كراهية أن ~~يحبط أو خشية أن يحبط فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط. ~~ولا ريب أن المعصية قد تكون سببا للكفر كما قال بعض السلف المعاصي بريد ~~الكفر؛ فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط؛ كما قال تعالى: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} - وهي الكفر - {أو يصيبهم عذاب ~~أليم} وإبليس خالف أمر الله فصار كافرا؛ وغيره أصابه عذاب أليم. وقد احتجت ~~الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} # PageV07P494 # قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملا فلا يكون ~~له حسنة وأعظم الحسنات الإيمان فلا يكون معه إيمان فيستحق الخلود في النار ~~وقد أجابتهم المرجئة: بأن المراد بالمتقين من يتقي الكفر فقالوا لهم: اسم ~~المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: {إن المتقين في ~~جنات ونهر} {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} وأيضا فابنا آدم حين قربا قربانا ~~لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرا وإنما كفر بعد ذلك؛ إذ لو كان ~~كافرا لم يتقرب وأيضا فما زال السلف يخافون من هذه الآية ولو أريد بها من ~~يتقي الكفر لم يخافوا وأيضا فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر لا ~~أصل له في خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه. و " الجواب الصحيح ": أن المراد ~~من اتقى الله في ذلك العمل كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال: ~~إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا ms2250 لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة فمن عمل لغير الله - كأهل الرياء - لم يقبل منه ذلك. كما في ~~الحديث الصحيح يقول الله عز وجل: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا ~~أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه} . وقال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول} ~~وقال: {لا يقبل الله صلاة # PageV07P495 # حائض إلا بخمار} وقال في الحديث الصحيح: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ~~رد} أي فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملا ليس عليه أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه وإن صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس ~~متقيا في ذلك العمل وإن كان متقيا للشرك. وقد قال تعالى: {والذين يؤتون ما ~~آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} وفي حديث {عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ~~ويخاف أن يعذب؟ قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ~~ويخاف أن لا يقبل منه} . وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه لخوفه أن لا ~~يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور: وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى ~~منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان كقول أحدهم: أنا مؤمن " إن شاء الله " - ~~وصليت - إن شاء الله - لخوف أن لا يكون آتى بالواجب على الوجه المأمور به ~~لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق؛ لا يجوز أن يراد بالآية: إن الله ~~لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها لأن الكافر والفاسق حين يريد أن ~~يتوب ليس متقيا فإن كان قبول العمل مشروطا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له ~~امتنع قبول التوبة. بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين ~~يتوب يأتي بالتوبة الواجبة وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر ms2251 إلى ~~الخير # PageV07P496 # لم يخلص من الذنب بل هو متق في حال تخلصه منه. و " أيضا " فلو أتى ~~الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة ~~وتقبل منه تلك الحسنات وهو حين أتى بها كان فاسقا. و " أيضا " فالكافر إذا ~~أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف - وكذلك الذمي إذا أسلم - قبل ~~إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه؛ فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة ~~عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم؛ بل يكون مع إسلامه ~~مخلدا وقد كان الناس مسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم ~~ذنوب معروفة وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم ويتوبون إلى الله سبحانه من ~~التبعات. كما ثبت في الصحيح {أن المغيرة بن شعبة لما أسلم وكان قد رافق ~~قوما في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم وجاء فأسلم فلما جاء عروة بن مسعود ~~عام الحديبية والمغيرة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف دفعه ~~المغيرة بالسيف فقال: من هذا فقالوا: ابن أختك المغيرة فقال يا غدر ألست ~~أسعى في غدرتك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبله وأما ~~المال فلست منه في شيء} وقد قال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين} وقالوا # PageV07P497 # لنوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {إن ~~حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} . ولا نعرف أحدا من المسلمين جاءه ذمي يسلم ~~فقال له لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من ~~الصلاة والزكاة. # السبب الرابع - الدافع للعقاب -: دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على ~~جنازته فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ~~من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه} ~~. وعن ابن عباس قال سمعت ms2252 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {ما من رجل ~~مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم ~~الله فيه} رواهما مسلم. وهذا دعاء له بعد الموت. فلا يجوز أن تحمل المغفرة ~~على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر وحده فإن ذلك مغفور ~~له عند المتنازعين. فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت. # السبب الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر؟ كالصدقة ونحوها فإن هذا ~~ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة وكذلك العتق والحج. بل ~~قد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {من مات وعليه صيام صام عنه وليه} وثبت ~~مثل ذلك في الصحيح من صوم النذر من # PageV07P498 # وجوه أخرى ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~لوجهين. # أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع ~~بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} ~~الآية. ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى {وصل عليهم ~~إن صلاتك سكن لهم} وقوله سبحانه: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} وقوله عز وجل: {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} كدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره - من المؤمنين ~~-. # الثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه ~~لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه؛ لكن ~~هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به؛ كما أنه دائما يرحم عباده بأسباب ~~خارجة عن مقدورهم. وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها ~~العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ms2253 ولك # PageV07P499 # بمثل} وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {من صلى على ~~جنازة فله قيراط؛ ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد} فهو قد ~~يرحم المصلي على الميت بدعائه له ويرحم الميت أيضا بدعاء هذا الحي له. # السبب السادس: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الذنوب يوم ~~القيامة كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي} . وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة؛ وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم ~~وأكثر؛ أترونها للمتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين} . # PageV07P500 # السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من وصب؛ ولا ~~نصب؛ ولا هم؛ ولا حزن؛ ولا غم؛ ولا أذى - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله ~~بها من خطاياه} . # السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما ~~يكفر به الخطايا. # السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. # السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد. فإذا ثبت أن ~~الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن ~~عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك. # فصل: # فهذان القولان: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار؛ ~~وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة ويقول ليس ~~معهم من الإيمان شيء لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث ~~بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع. وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر ~~من غلاة المرجئة وقال لا أعلم أن أحدا منهم يدخل النار هو أيضا من الأقوال ~~المبتدعة؛ بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد ~~أن يدخل النار قوم من أهل القبلة ثم يخرجون منها. ms2254 وأما من جزم بأنه لا يدخل ~~النار أحد من # PageV07P501 # أهل القبلة فهذا لا نعرفه قولا لأحد. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا ~~وإنما هو تخويف لا حقيقة له وهذا من أقوال الملاحدة والكفار. وربما احتج ~~بعضهم بقوله: {ذلك يخوف الله به عباده} فيقال لهذا: التخويف إنما يكون ~~تخويفا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف فإن لم يكن هناك ما يمكن ~~وقوعه امتنع التخويف لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له كما ~~توهم الصبي الصغير. ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين. ~~لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف وهذا شبيه بما تقول " ~~الملاحدة " المتفلسفة والقرامطة ونحوهم: من أن الرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم: خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن ~~وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة وما أظهروه لهم من ~~الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا إذ كان ~~لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة. و " هذا القول " مع أنه معلوم الفساد ~~بالضرورة من دين الرسل؛ فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء ~~يعلمون ذلك وإذا علموه زالت محافظتهم على الأمر والنهي كما يصيب خواص ~~ملاحدة المتفلسفة والقرامطة: من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فإن البارع ~~منهم في العلم # PageV07P502 # والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي وتباح له المحظورات وتسقط عنه ~~الواجبات فتظهر أضغانهم وتنكشف أسرارهم ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم ~~الباطن حتى سموهم باطنية؛ لإبطانهم خلاف ما يظهرون. فلو كان - والعياذ ~~بالله - دين الرسل كذلك لكان خواصه قد عرفوه وأظهروا باطنه. وكان عند أهل ~~المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة ~~الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره وأخبر الناس بمقاصده ومراداته ~~كانوا أعظم الأمة لزوما لطاعة أمره - سرا وعلانية - ومحافظة على ذلك إلى ~~الموت وكل من كان منهم إليه وبه أخص وبباطنه أعلم - كأبي بكر وعمر - كانوا ~~أعظمهم لزوما للطاعة سرا وعلانية ms2255 ومحافظة على أداء الواجب واجتناب المحرم ~~باطنا وظاهرا وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة: الذين يجعلون ~~فعل المأمور وترك المحظور واجبا على السالك حتى يصير عارفا محققا في زعمهم؛ ~~وحينئذ يسقط عنه التكليف ويتأولون على ذلك قوله تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين} زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة واليقين هنا الموت وما ~~بعده. كما قال تعالى عن أهل النار: {وكنا نخوض مع الخائضين} {وكنا نكذب ~~بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} . قال الحسن ~~البصري إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلا دون الموت # PageV07P503 # وتلا هذه الآية. ومنه {قوله صلى الله عليه وسلم لما توفي عثمان بن مظعون: ~~أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه} وهؤلاء قد يشهدون القدر أولا ~~وهي الحقيقة الكونية ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا ~~الشهود وذلك المشهد لا تمييز فيه بين المأمور والمحظور ومحبوبات الله ~~ومكروهاته وأوليائه وأعدائه. وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولا الطاعة ~~والمعصية ثم شهد طاعة بلا معصية - يريد بذلك طاعة القدر - كقول بعض شيوخهم: ~~أنا كافر برب يعصى وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام فقال: إن كان ~~عصى الأمر فقد أطاع الإرادة. ثم ينتقلون " إلى المشهد الثالث " لا طاعة ولا ~~معصية وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود وهذا غاية إلحاد المبتدعة ~~جهمية الصوفية كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة وكلا الإلحادين يتقاربان. ~~وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب والله أعلم. # فصل: # ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا، منه لفظي، # PageV07P504 # وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من ~~الأحكام وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض ولكن تنازعوا في ~~الأسماء كتنازعهم في الإيمان هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل ~~الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ ~~والمأثور عن الصحابة وأئمة ms2256 التابعين وجمهور السلف وهو مذهب أهل الحديث وهو ~~المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن حبيب الخطمي وغيره من ~~الصحابة: الإيمان يزيد وينقص فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا ~~الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته. وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه. ~~فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم. وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: ~~قول وعمل ونية وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة؛ وربما قال: قول ~~باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان أي بالجوارح. وروى بعضهم هذا مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي عن ~~علي بن أبي موسى الرضا وذلك من الموضوعات على النبي صلى الله عليه وسلم ~~باتفاق أهل العلم بحديثه. وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي ولكن القول ~~المطلق والعمل المطلق؛ في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان وعمل القلب ~~والجوارح فقول اللسان # PageV07P505 # بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين وهذا لا يسمى قولا إلا بالتقييد. ~~كقوله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وكذلك عمل الجوارح بدون ~~أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين؛ التي لا يتقبلها الله. فقول السلف: ~~يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر؛ لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول ~~النية في ذلك؛ قال بعضهم: ونية. ثم بين آخرون: أن مطلق القول والعمل والنية ~~لا يكون مقبولا إلا بموافقة السنة. وهذا حق أيضا فإن أولئك قالوا: قول وعمل ~~ليبينوا اشتماله على الجنس ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال؛ ~~وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب؛ وقول باللسان وعمل بالجوارح. جعل القول ~~والعمل اسما لما يظهر؛ فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب ولا بد أن يدخل ~~في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه مثل حب الله وخشية ~~الله؛ والتوكل على الله ونحو ذلك. فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من ~~دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها. وكان بعض الفقهاء من ms2257 أتباع ~~التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في ~~القرآن ولم يجدوا ذكر النقص وهذا إحدى الروايتين عن مالك والرواية الأخرى ~~عنه؛ وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم: إنه يزيد وينقص؛ وبعضهم عدل عن ~~لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل فقال أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت ~~ويروى هذا عن ابن المبارك # PageV07P506 # وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته. ~~وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه ~~والاستثناء فيه؛ وهؤلاء من مرجئة الفقهاء وأما إبراهيم النخعي - إمام أهل ~~الكوفة شيخ حماد بن أبي سليمان - وأمثاله؛ ومن قبله من أصحاب ابن مسعود: ~~كعلقمة والأسود؛ فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة وكانوا يستثنون في ~~الإيمان؛ لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه؛ واتبعه من اتبعه ودخل في هذا ~~طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. ثم إن " السلف والأئمة " اشتد إنكارهم على ~~هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم؛ ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم؛ بل هم ~~متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك؛ وقد نص أحمد وغيره من الأئمة: على عدم ~~تكفير هؤلاء المرجئة. ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء؛ أو ~~جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما؛ والمحفوظ ~~عن أحمد وأمثاله من الأئمة؛ إنما هو تكفير الجهمية والمشبهة وأمثال هؤلاء ~~ولم يكفر أحمد " الخوارج " ولا " القدرية " إذا أقروا بالعلم؛ وأنكروا خلق ~~الأفعال وعموم المشيئة؛ لكن حكي عنه في تكفيرهم روايتان. وأما " المرجئة " ~~فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم؛ مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل ~~من قال إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية في # PageV07P507 # بعض بدعهم؛ بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس ~~وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله؛ بل كان ~~يعتقد إيمانهم وإمامتهم؛ ويدعو لهم؛ ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم ~~والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما ms2258 يراه لأمثالهم من الأئمة. ~~وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه ~~كفر؛ وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان؛ فيجمع بين طاعة الله ~~ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين؛ وبين رعاية ~~حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة؛ وإن كانوا جهالا مبتدعين؛ وظلمة فاسقين. ~~وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء ~~الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان؛ واعتقاد القلب من الإيمان؛ وهو قول أبي ~~محمد بن كلاب وأمثاله لم يختلف قولهم في ذلك ولا نقل عنهم أنهم قالوا ~~الإيمان مجرد تصديق القلب. لكن هذا القول حكوه عن " الجهم بن صفوان " ذكروا ~~أنه قال: الإيمان مجرد معرفة القلب وإن لم يقر بلسانه واشتد نكيرهم لذلك ~~حتى أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك؛ فإنه من ~~أقوال الجهمية؛ وقالوا: إن فرعون وإبليس وأبا طالب واليهود وأمثالهم؛ عرفوا ~~بقلوبهم وجحدوا بألسنتهم؛ فقد كانوا مؤمنين. وذكروا قول الله: {وجحدوا # PageV07P508 # بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، وقوله: {الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} وقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون} وقالوا: إبليس لم يكذب خبرا ولم يجحد فإن الله أمره بلا رسول ~~ولكن عصى واستكبر؛ وكان كافرا من غير تكذيب في الباطن وتحقيق هذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع. # وحدث بعد هؤلاء قول " الكرامية "؛ إن الإيمان قول اللسان دون تصديق القلب ~~مع قولهم إن مثل هذا يعذب في الآخرة ويخلد في النار. وقال أبو عبد الله ~~الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته لكن له لوازم فإذا ذهبت دل ~~ذلك على عدم تصديق القلب وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان ~~ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته وليس الكفر إلا تلك الخصلة ~~الواحدة وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة وهذا أشهر ~~قولي أبي الحسن الأشعري وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي ~~وأمثالهما ولهذا عدهم ms2259 أهل المقالات من " المرجئة " والقول الآخر عنه كقول ~~السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل وهو اختيار طائفة من أصحابه ومع ~~هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. ~~والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة والاستثناء عنده يعود إلى ذلك؛ # PageV07P509 # لا إلى الكمال والنقصان والحال. وقد منع أن يطلق القول بأن الإيمان مخلوق ~~أو غير مخلوق وصنف في ذلك مصنفا معروفا عند أهل السنة في " كتاب المقالات ~~". وقال إنه يقول بقولهم. وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة - كأبي ~~منصور الماتريدي وأمثاله - إلى نظير هذا القول في الأصل وقالوا إن الإيمان ~~هو ما في القلب وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا؛ لكن هؤلاء يقولون ~~بالاستثناء ونحو ذلك كما عرف من أصلهم وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من ~~الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا ~~إذا زال بعضه زال جميعه وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه فلم يقولوا بذهاب بعضه ~~وبقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {يخرج من النار من كان في ~~قلبه مثقال حبة من الإيمان} . ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " الطاعات كلها ~~من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره فحكموا بأن صاحب ~~الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت " المرجئة والجهمية ": ليس الإيمان ~~إلا شيئا واحدا لا يتبعض أما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية أو تصديق القلب ~~واللسان كقول المرجئة قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه ~~فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان وهو قول المعتزلة ~~والخوارج لكن قد يكون له لوازم ودلائل # PageV07P510 # فيستدل بعدمه على عدمه. وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل ~~الحديث متناقضين حيث قالوا: الإيمان قول وعمل وقالوا مع ذلك لا يزول بزوال ~~بعض الأعمال حتى إن ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك فإن ~~الشافعي كان من أئمة السنة وله في الرد على المرجئة كلام مشهور وقد ذكر في ~~كتاب الطهارة ms2260 من " الأم " إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل ~~السنة فلما صنف ابن الخطيب تصنيفا فيه وهو يقول في الإيمان بقول جهم ~~والصالحي استشكل قول الشافعي ورآه متناقضا. وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة ~~المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة؛ ~~وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين إذا زال أحد جزأيه خرج عن كونه سكنجبينا. ~~قالوا فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله ~~بزوال بعضها. وهذا قول الخوارج والمعتزلة قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل ~~مؤمنا بما فيه من الإيمان كافرا بما فيه من الكفر فيقوم به كفر وإيمان ~~وادعوا أن هذا خلاف الإجماع ولهذه الشبهة - والله أعلم - امتنع من امتنع من ~~أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه؛ كأنه ظن: إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله؛ بخلاف ~~ما إذا زاد. # PageV07P511 # ثم إن " هذه الشبهة " هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ~~ومعصية لأن الطاعة جزء من الإيمان والمعصية جزء من الكفر فلا يجتمع فيه كفر ~~وإيمان وقالوا ما ثم إلا مؤمن محض أو كافر محض ثم نقلوا حكم الواحد من ~~الأشخاص إلى الواحد من الأعمال فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبا من وجه ~~مكروها من وجه وغلا فيه أبو هاشم فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن ~~يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة وبعضها ~~معصية؛ لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين بل الطاعة والمعصية ~~تتعلق بأعمال القلوب وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر. واشتد نكير الناس ~~عليه في هذا القول وذكروا من مخالفته للإجماع، وجحده للضروريات شرعا وعقلا ~~ما يتبين به فساده. وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في ~~أنفسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو هو والسجود من حيث هو هو لا يجوز أن ~~يتفاضل ولا يجوز أن يختلف وأمثال ذلك؛ ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور ~~الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها وأن الحقيقة المجردة المطلقة ~~لا ms2261 تكون إلا في الذهن وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما ~~تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها لا في تفاضل أمر مطلق مجرد في ~~الذهن لا وجود له في الخارج ومعلوم أن السواد مختلف فبعضه أشد من بعض وكذلك ~~البياض وغيره من الألوان. وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق # PageV07P512 # الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل لكن هذا هو في الأذهان ~~لا في الأعيان. ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في أصول الفقه حيث ~~أنكروا تفاضل العقل أو الإيجاب أو التحريم وإنكار التفاضل في ذلك قول ~~القاضي أبي بكر وابن عقيل وأمثالهما لكن الجمهور على خلاف ذلك وهو قول أبي ~~الحسن التميمي وأبي محمد البربهاري والقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهم. ~~وكذلك وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام ~~والاتحاد في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم ~~التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع. # وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام يقول أحدهم القول ويقول نقيضه ~~كما هو مذكور في موضعه ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول - ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله - الكلام في " طرفين ". # أحدهما: أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟ ؟ # والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟ # PageV07P513 # أما " الأول " فإن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو ~~الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول ولا يلزم من ~~زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ~~ذلك لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها. وما مثلوا به من العشرة ~~والسكنجبين مطابق لذلك فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة ~~بل قد تبقى التسعة فإذا زال أحد جزأي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر؛ لكن ~~أكثر ما يقولون زالت الصورة المجتمعة وزالت الهيئة الاجتماعية وزال ذلك ~~الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب كما يزول اسم العشرة ~~والسكنجبين. فيقال: ms2262 أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ~~ينازع فيه عاقل ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من ~~العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان ~~قبل زوال بعضه ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة ~~كما كانت ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض # PageV07P514 # أعضائه بقي مجموعا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء} فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة ولكن لا ~~يلزم زوال بقية الأجزاء. # وأما زوال الاسم فيقال لهم هذا: " أولا " بحث لفظي إذا قدر أن الإيمان له ~~أبعاد وشعب؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ~~{الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب ولا ~~يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب؛ كما لا يلزم من زوال ~~بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء. فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب ~~زال البعض الآخر ليس بصواب ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله وأن ~~الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت. # يبقى النزاع ### | هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء # فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين منها: ما يكون التركيب شرطا في ~~إطلاق الاسم ومنها: ما لا يكون كذلك فالأول كاسم العشرة وكذلك السكنجبين ~~ومنها # PageV07P515 # ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء؛ وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء ~~من هذا الباب وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء فإن المكيلات والموزونات تسمى ~~حنطة وهي بعد النقص حنطة وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. وكذلك لفظ العبادة ~~والطاعة والخير والحسنة والإحسان والصدقة والعلم ونحو ذلك مما يدخل فيه ~~أمور كثيرة يطلق ms2263 الاسم عليها قليلها وكثيرها وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء ~~بعض وكذلك لفظ " القرآن " فيقال على جميعه وعلى بعضه ولو نزل قرآن أكثر من ~~هذا لسمي قرآنا وقد تسمى الكتب القديمة قرآنا كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {خفف على داود القرآن} وكذلك لفظ القول والكلام والمنطق ونحو ذلك يقع ~~على القليل من ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال للقليل ~~والكثير وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة. ولفظ ~~البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه وكذلك المدينة والدار والقرية ~~والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم ~~باق وكذلك أسماء الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها فيدخل فيها ~~الأغصان وغيرها ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق وكذلك لفظ الإنسان والفرس ~~والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق ثم # PageV07P516 # يذهب كثير من أعضائه والاسم باق وكذلك أسماء بعض الأعلام: كزيد وعمرو ~~يتناول الجملة المجتمعة ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق. وإذا كانت ~~المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم إنه إذا زال جزؤه ~~لزم أن يزول الاسم إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي. ومعلوم أن ~~اسم " الإيمان " من هذا الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الإيمان ~~بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ~~والحياء شعبة من الإيمان} ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم ~~يزل اسم الإيمان. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: ~~{يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان} فأخبر أنه يتبعض ويبقى ~~بعضه وأن ذاك من الإيمان فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه وهذا ينقض ~~مآخذهم الفاسدة ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ~~ذلك أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل ~~كرمي الجمار والمبيت بمنى ونحو ذلك وفيه ms2264 أجزاء ينقص بزوالها من كماله ~~المستحب كرفع الصوت بالإهلال والرمل والاضطباع في الطواف الأول. وكذلك " ~~الصلاة " فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب وفيها # PageV07P517 # أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد ومالك وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو وأمور ليست ~~كذلك. فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعا وطبعا فإذا قال المعترض: ~~هذا الجزء داخل في الحقيقة وهذا خارج من الحقيقة قيل له: ماذا تريد ~~بالحقيقة فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافرا قيل له: ليس ~~للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى " مسلم " في حق جميع المكلفين في جميع ~~الأزمان بهذا الاعتبار مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان والكفر يختلف ~~باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك. ~~وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق؛ لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل ~~وقت فإن الله لما بعث محمدا رسولا إلى الخلق كان الواجب على الخلق تصديقه ~~فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس ولا صيام شهر ~~رمضان ولا حج البيت ولا حرم عليهم الخمر والربا ونحو ذلك ولا كان أكثر ~~القرآن قد نزل فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من ~~الشهادتين وتوابع ذلك كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه ~~وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه ولو اقتصر عليه ~~كان كافرا. قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان ناقصا فجعل يزيد حتى كمل، ~~ولهذا # PageV07P518 # قال تعالى عام حجة الوداع: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} . # و " أيضا " فبعد نزول القرآن وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون ~~بعض كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلا وأما ما لم ~~يبلغه ولم يمكنه معرفته فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلا إذا بلغه و " أيضا " ~~فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانا جازما ms2265 ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء ~~من الأعمال مات كامل الإيمان الذي وجب عليه فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن ~~يصلي وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك. وكذلك القادر على الحج والجهاد ~~يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل والعمل بذلك. فصار ما يجب ~~من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء وبحال المكلف في البلاغ ~~وعدمه وهذا مما يتنوع به نفس التصديق ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز ~~وغير ذلك من أسباب الوجوب وهذه يختلف بها العمل أيضا. ومعلوم أن الواجب على ~~كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر. فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في ~~الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل - وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك ~~موجود في الجميع: كالإقرار بالخالق وإخلاص الدين له والإقرار برسله واليوم ~~الآخر على وجه الإجمال - فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب ~~عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كتبعض سائر الواجبات. # PageV07P519 # يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطا في ذلك البعض وقد لا يكون شرطا ~~فيه فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم ~~كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} ~~{أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} . وقد يكون البعض ~~المتروك ليس شرطا في وجود الآخر ولا قبوله. # وحينئذ ف ### | قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق. # وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر؛ كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة ~~منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا ~~عاهد غدر وإذا خاصم فجر} وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~مات ولم ms2266 يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق} وقد ثبت في الصحيح ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية} وفي ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: {أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن ~~يدعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم} . ~~وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سباب المسلم فسوق # PageV07P520 # وقتاله كفر} وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {: اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب ~~والنياحة على الميت} وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: {لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن ~~آبائكم} وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا ~~بكم أن ترغبوا عن آبائكم. وفي الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: {ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر ومن ~~ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن رمى رجلا بالكفر أو ~~قال يا عدو الله وليس كذلك إلا رجع عليه} . وفي لفظ البخاري {ليس من رجل ~~ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ومن ادعى قوما ليس منهم فليتبوأ ~~مقعده من النار} وفي الصحيحين من حديث جرير وابن عمر {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب ~~بعض} ورواه البخاري من حديث ابن عباس: وفي البخاري عن أبي هريرة " عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها ~~أحدهما} . وفي الصحيحين {عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل ~~على الناس فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ ms2267 قالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: قال: أصبح من # PageV07P521 # عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~كافر بالكوكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب} ~~. وفي صحيح مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألم تروا إلى ما ~~قال ربكم قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة؛ إلا أصبح فريق منهم بها كافرين ~~يقولون: بالكوكب وبالكواكب} ونظائر هذا موجودة في الأحاديث. وقال ابن عباس ~~وغير واحد من السلف في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} {فأولئك هم الفاسقون} و {الظالمون} كفر دون كفر؛ وفسق دون فسق ~~وظلم دون ظلم. وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما. # الأصل الثاني: أن ### | شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف # فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض ~~أعداء الله. كما قال تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أولياء} وقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . وقد تحصل للرجل موادتهم # PageV07P522 # لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرا كما حصل من ~~حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل الله فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة} . وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك. ~~فقال: لسعد بن معاذ: كذبت والله؛ لا تقتله ولا تقدر على قتله؛ قالت عائشة: ~~وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية. ولهذه الشبهة {سمى عمر حاطبا ~~منافقا فقال دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه شهد بدرا} ~~فكان عمر متأولا في تسميته منافقا للشبهة التي فعلها. وكذلك قول أسيد بن ~~حضير ms2268 لسعد بن عبادة؛ كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ إنما أنت منافق تجادل عن ~~المنافقين؛ هو من هذا الباب. وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن ~~الدخشم: منافق وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين. ~~ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا واحدا بل فيهم المنافق المحض؛ وفيهم من ~~فيه إيمان ونفاق؛ وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق. وكان كثير ~~ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان؛ ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك؛ ~~صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك؛ # PageV07P523 # ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف؛ أنهم سموا الفساق ~~منافقين؛ فجعل أهل المقالات هذا قولا مخالفا للجمهور؛ إذا حكوا تنازع الناس ~~في الفاسق الملي هل هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ ~~أو مؤمن بما معه من الإيمان فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق والحسن - رحمه ~~الله تعالى - لم يقل ما خرج به عن الجماعة لكن سماه منافقا على الوجه الذي ~~ذكرناه. والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق ولهذا كثيرا ما يقال: كفر ينقل عن ~~الملة وكفر لا ينقل ونفاق أكبر ونفاق أصغر كما يقال: الشرك شركان أصغر ~~وأكبر؛ وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر: يا رسول الله كيف ~~ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من ~~دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا ~~أعلم} . وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من حلف بغير ~~الله فقد أشرك} قال الترمذي حديث حسن. وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم ~~الإيمان عن الشخص؛ لانتفاء كماله الواجب وإن كان معه بعض أجزائه كما قال: ~~{لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؛ ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن؛ ms2269 ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} ومنه قوله: {من غشنا فليس منا ومن حمل ~~علينا # PageV07P524 # السلاح فليس منا} . فإن صيغة " أنا " و " نحن " ونحو ذلك من ضمير المتكلم ~~في مثل ذلك يتناول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه - الإيمان ~~المطلق - الذي يستحقون به الثواب. بلا عقاب ومن هنا قيل إن الفاسق الملي ~~يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار ويجوز أن يقال: ليس مؤمنا باعتبار. وبهذا ~~تبين أن الرجل قد يكون مسلما لا مؤمنا ولا منافقا مطلقا بل يكون معه أصل ~~الإيمان دون حقيقته الواجبة. ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر ~~قوله صلى الله عليه وسلم " ليس منا " ليس مثلنا أو ليس من خيارنا وقال هذا ~~تفسير " المرجئة " وقالوا: لو لم يفعل هذه الكبيرة كان يكون مثل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة بأنه يخرج من الإيمان ~~بالكلية ويستحق الخلود في النار؛ تأويل منكر كما تقدم فلا هذا ولا هذا. ~~ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه ومعرفة ~~المعظم تقتضي تعظيمه ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم والتصديق بالله ~~وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه ~~وخشيته؛ وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته. # والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه؛ ~~فالعبد إذا كان مريدا # PageV07P525 # للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها؛ صلى فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك ~~على ضعف الإرادة. وبهذا يزول الاشتباه في " هذا المقام ". # فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل؛ هل يحصل بها عقاب؟ . وكثر النزاع ~~في ذلك. فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي في ~~الصحيحين {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ~~به} وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنه " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال {: إذا هم العبد بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها ms2270 كتبت ~~عليه سيئة واحدة وإذا هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة؛ فإن عملها كتبت له عشر ~~حسنات إلى سبعمائة ضعف وفي رواية فإن تركها فاكتبوها له حسنة؛ فإنما تركها ~~من جرائي} . ومن قال: يعاقب احتج بما في الصحيح " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما. فالقاتل والمقتول في النار؛ ~~قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؛ قال: إنه أراد قتل صاحبه} ~~وبالحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كبشة الأنماري {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علما ومالا فهو ينفقه في طاعة ~~الله؛ ورجل أوتي علما ولم يؤت مالا؛ فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه ~~مثل ما يعمل فلان قال: فهما في الأجر سواء؛ ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته ~~علما فهو ينفقه في معصية الله؛ ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا فقال: لو ~~أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان؛ قال فهما في الوزر سواء} . # PageV07P526 # والفصل في ذلك أن يق ### | ال: فرق بين الهم والإرادة " # فالهم " قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة فهذا لا عقوبة فيه بحال ~~بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه أثيب على ذلك كما أثيب يوسف ولهذا قال ~~أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار ولهذا كان الذي دل عليه القرآن أن ~~يوسف لم يكن له في هذه القضية ذنب أصلا بل صرف الله عنه السوء والفحشاء إنه ~~من عباده المخلصين؛ مع ما حصل من المراودة والكذب والاستعانة عليه بالنسوة ~~وحبسه وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة ولكن ~~يوسف اتقى الله وصبر فأثابه الله برحمته في الدنيا. {ولأجر الآخرة خير ~~للذين آمنوا وكانوا يتقون} . وأما " الإرادة الجازمة " فلا بد أن يقترن بها ~~مع القدرة فعل المقدور ولو بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك ~~بدن؛ وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم ms2271 {إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار} . فإن المقتول أراد قتل صاحبه فعمل ما ~~يقدر عليه من القتال وعجز عن حصول المراد وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما ~~لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان فإنه أراد فعل ما يقدر عليه وهو الكلام ~~ولم يقدر على ذلك (*) ولهذا كان من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من ~~اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء لأنه أراد ضلالهم ففعل ما يقدر عليه ~~من دعائهم إذ لا يقدر إلا على ذلك. PageV07P527 # وإذا تبين هذا في " الإرادة والعمل ": فالتصديق الذي في القلب وعلمه ~~يقتضي عمل القلب كما يقتضي الحس الحركة الإرادية لأن النفس فيها قوتان: قوة ~~الشعور بالملائم والمنافي والإحساس بذلك والعمل والتصديق به، وقوة الحب ~~للملائم والبغض للمنافي والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة ~~والمعاداة. وإدراك الملائم يوجب اللذة والفرح والسرور وإدراك المنافي يوجب ~~الألم والغم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء} . فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به ودينا ~~له لكن يعرض لها ما يفسدها ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي ~~بغضه؛ لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما ~~من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق وإما من الشهوات التي تصدها عن ~~اتباعه ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} لأن اليهود يعرفون الحق كما ~~يعرفون أبناءهم ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ~~ومعاداته. والنصارى لهم عبادة وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها لكن ~~بلا علم فهم ضلال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح وهؤلاء # PageV07P528 # لهم قصد في الخير بلا معرفة له وينضم إلى ذلك الظن واتباع ms2272 الهوى؛ فلا ~~يبقى في الحقيقة معرفة نافعة؛ ولا قصد نافع بل يكون كما قال تعالى عن مشركي ~~أهل الكتاب: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقال ~~تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون} . فالإيمان في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس ~~معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك؛ كما أنه لا يكون ~~إيمانا بمجرد ظن وهوى؛ بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب، ~~وليس لفظ الإيمان مرادفا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس؛ فإن ~~التصديق يستعمل في كل خبر فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف ~~الاثنين، والسماء فوق الأرض مجيبا: صدقت وصدقنا بذلك؛ ولا يقال: آمنا لك ~~ولا آمنا بهذا حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة فيقال للمخبر آمنا له ~~وللمخبر به آمنا به كما قال إخوة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمقر لنا ~~ومصدق لنا لأنهم أخبروه عن غائب ومنه قوله تعالى {أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون} وقوله تعالى {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} وقوله تعالى {أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقوله تعالى {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} ~~{فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} أي: أقر له. # PageV07P529 # وذلك أن الإيمان يفارق التصديق أي: لفظا ومعنى؛ فإنه أيضا يقال: صدقته ~~فيتعدى بنفسه إلى المصدق ولا يقال أمنته إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة ~~بل آمنت له وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان كما يقال: هل أنت مصدق ~~له. لأن الفعل المتعدي بنفسه إذا قدم مفعوله عليه أو كان العامل اسم فاعل ~~ونحوه مما يضعف عن الفعل فقد يعدونه باللام تقوية له كما يقال: عرفت هذا ~~وأنا به عارف وضربت هذا وأنا له ضارب وسمعت هذا ورأيته وأنا له سامع وراء ~~كذلك يقال صدقته وأنا له ms2273 مصدق ولا يقال صدقت له به وهذا خلاف آمن فإنه لا ~~يقال إذا أردت التصديق آمنته كما يقال أقررت له ومنه قوله آمنت له كما يقال ~~أقررت له فهذا فرق في اللفظ. و " الفرق الثاني ": ما تقدم من أن الإيمان لا ~~يستعمل في جميع الأخبار بل في الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها مما يدخلها ~~الريب. فإذا أقر بها المستمع قيل آمن بخلاف لفظ التصديق فإنه عام متناول ~~لجميع الأخبار. وأما " المعنى ": فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو ~~الطمأنينة؛ كما أن لفظ الإقرار: مأخوذ من قريقر وهو قريب من آمن يأمن؛ لكن ~~الصادق يطمأن إلى خبره؛ والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة والكذب ~~ريبة؛ فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار ولفظ الإقرار ~~يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين: # PageV07P530 # أحدهما: الإخبار وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق؛ والشهادة ونحوهما. وهذا ~~معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار. # والثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى {أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} . وليس هو هنا بمعنى ~~الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري} . فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك " لفظ ~~الإيمان " فيه إخبار وإنشاء والتزام؛ بخلاف لفظ التصديق المجرد فمن أخبر ~~الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر؛ لا يقال فيه آمن له بخلاف الخبر ~~الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد ~~لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنا ~~للمخبر؛ إلا بالتزام طاعته مع تصديقه؛ بل قد استعمل لفظ الكفر - المقابل ~~للإيمان - في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد؛ فقياس ذلك أن يستعمل لفظ ~~الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد؛ فإن الله ~~أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من ms2274 الكافرين. و " أيضا " فلفظ ~~التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار فإن التصديق # PageV07P531 # إخبار بصدق المخبر؛ والتكذيب إخبار بكذب المخبر؛ فقد يصدق الرجل الكاذب ~~تارة، وقد يكذب الرجل، الصادق أخرى فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما ~~خبر عن الخبر فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر لا يكاد ~~يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف الإيمان ~~والإقرار والإنكار والجحود ونحو ذلك فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن ~~الحقائق أيضا. وأيضا فالذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى وتوالى تارة وتعادى ~~أخرى وتطاوع تارة وتعصى أخرى ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى تختص هذه ~~المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك؛ وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ~~ذلك فيتعلق بمتعلقها كالحب والبغض فيقال: حب صادق. وبغض صادق فكما أن الصدق ~~والكذب في إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافي والمثبت دون الحقيقة ~~ابتداء. فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك يتعلق بالحب والبغض. دون الحقيقة ~~ابتداء بخلاف لفظ الإيمان والكفر فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرار أو ~~إنكار أو حب أو بغض أو طمأنينة أو نفور. ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور ~~عند استلام الحجر {اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا ~~لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم} فقال إيمانا بك ولم يقل تصديقا بك كما ~~قال تصديقا بكتابك وقال تعالى عن # PageV07P532 # مريم: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} فجعل التصديق بالكلمات والكتب ومنه ~~الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {تكفل الله لمن خرج في ~~سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق بكلماتي ويروى إيمان بي وتصديق برسلي ~~ويروى لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله وتصديق كلماته} ففي جميع الألفاظ جعل ~~لفظ التصديق بالكلمات والرسل. وكذلك قوله في الحديث الذي في الصحيح {ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم منازل عالية في الجنة فقيل له: يا رسول الله: تلك ~~منازل لا يبلغها إلا الأنبياء فقال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين} . وما يحصى الآن الاستعمال ms2275 المعروف في كلام السلف صدقت ~~بالله، أو فلان يصدق بالله أو صدق بالله ونحو ذلك كما جاء فلان يؤمن وآمن ~~بالله وإيمانا بالله ونؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ونؤمن بالله وحده ~~ونحو ذلك. فإن القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان ~~بالله وآمن بالله ونؤمن بالله ويا أيها الذين آمنوا وما أعلم قيل التصديق ~~بالله أو صدقوا بالله أو يا أيها الذي صدق الله ونحو ذلك اللهم إلا أن يكون ~~في ذلك شيء لا يحضرني الساعة وما أظنه. ولفظ " الإيمان " يستعمل في الخبر ~~أيضا كما يقال: {كل آمن بالله} أي أقر له والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر ~~ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه. " ~~فالإيمان " متضمن للإقرار بما أخبر # PageV07P533 # به والكفر " تارة " يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به وهو من ~~هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به. و " تارة " بالنظر إلى عدم الإقرار بما ~~أخبر به والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه ولهذا كان جحد ما يتعلق ~~بهذا الباب أعظم من جحد غيره. وإن كان الرسول أخبر بكليهما ثم مجرد تصديقه ~~في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به إذا لم يكن معه طاعة لأمره لا باطنا ولا ~~ظاهرا ولا محبة لله ولا تعظيم له لم يكن ذلك إيمانا. وكفر إبليس وفرعون ~~واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم؛ فإن إبليس لم يخبره ~~أحد بخبر بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين فكفره ~~بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك؛ لا لأجل تكذيب. وكذلك فرعون وقومه جحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض} فالذي يقال هنا أحد أمرين: إما أن يقال الاستكبار ~~والإباء والحسد ونحو ذلك مما الكفر به مستلزم لعدم العلم والتصديق الذي هو ~~الإيمان وإلا فمن كان علمه وتصديقه تاما أوجب استسلامه وطاعته مع القدوة ~~كما أن الإرادة الجازمة ms2276 تستلزم وجود المراد مع القدرة فعلم أن المراد إذا ~~لم يوجد مع القدرة دل على أنه ما في القلب همة ولا إرادة؛ فكذلك إذا لم ~~يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده دل على أن الحاصل في القلب ~~ليس بتصديق ولا علم بل هنا شبهة # PageV07P534 # وريب كما يقول ذلك طوائف من الناس وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في ~~المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه ممن يجعل الأعمال ~~الباطنة والظاهرة من موجبات الإيمان لا من نفسه ويجعل ما ينتفي الإيمان ~~بانتفائه من لوازم التصديق لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط. أو أن ~~يقال: قد يحمل في القلب علم بالحق وتصديق به ولكن ما في القلب من الحسد ~~والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته؛ وليس هذا كالإرادة ~~مع العمل؛ لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد وليس العلم بالحق والتصديق ~~به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل بل لا بد مع ذلك من إرادة الحق ~~والحب له. فإذا قال القائل: القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة ~~لوجود المراد المقدور موجبة لحصول المقدور لم يكن مصيبا؛ بل لا بد من ~~الإرادة. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب ~~لوجودها كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسفة؛ كما يغلط الناس من يقول إن ~~مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها، وكما خطئوا من قال: إن مجرد ~~القدرة كافية بل لا بد من العلم والقدرة والإرادة في وجود المقدور والمراد؛ ~~والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به؛ والعلم والإرادة والقدرة ونحو ~~ذلك؛ وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي أو أن الحياة مستلزمة لهذه ~~الصفات أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض فلا ريب أنه ليس كل معلوم مرادا # PageV07P535 # محبوبا ولا مقدورا ولا كل مقدور مرادا محبوبا وإذا كان كذلك لم يلزم من ~~كون الشيء معلوما مصدقا به أن يكون محبوبا معبودا بل لا بد من العلم؛ وأمر ~~آخر به يكون ms2277 هذا محبا وهذا محبوبا. فقول من جعل مجرد العلم والتصديق في ~~العبد هو الإيمان وأنه موجب لأعمال القلب فإذا انتفت دل على انتفاء العلم؛ ~~بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده؛ بدون وجود إرادة ~~منه وهو شبيه بقول المتفلسفة: إن سعادة النفس في مجرد أن تعلم الحقائق ولم ~~يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا بها؛ وهو نظير ~~من يقول: كمال الجسم أو النفس في الحب من غير اقتران الحركة الإرادية به، ~~ومن يقول: اللذة في مجرد الإدراك والشعور. وهذا غلط باتفاق العقلاء بل لا ~~بد من إدراك الملائم؛ والملائمة لا تكون إلا بمحبة بين المدرك والمدرك وتلك ~~المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه والشعور به. وقد قال كثير من ~~الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم إن " اللذة " إدراك الملائم وهذا ~~تقصير منهم بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم؛ كالإنسان الذي يحب الحلو ~~ويشتهيه فيدركه بالذوق والأكل؛ فليست اللذة مجرد ذوقه بل أمر يجده من نفسه ~~يحصل مع الذوق فلا بد " أولا " من أمرين؛ و " آخرا " من أمرين: لا بد " ~~أولا ": من شعور بالمحبوب؛ ومحبة له؛ فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهى وما ~~يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى ثم إذا # PageV07P536 # حصل إدراكه بالمحبوب نفسه حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك. ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور: {اللهم إني أسألك لذة النظر ~~إلى وجهك والشوق إلى لقائك؛ من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة} وفي الحديث ~~الصحيح {إذا دخل أهل الجنة الجنة: نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه؛ فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه} رواه مسلم وغيره. فاللذة مقرونة بالنظر ~~إليه؛ ولا أحب إليهم من النظر إليه لما يقترن بذلك من اللذة؛ لا أن نفس ~~النظر ms2278 هو اللذة. وفي " الجملة " فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق ~~بالله ورسوله وحب الله ورسوله وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله؛ ~~ومعاداة الله ورسوله ليس إيمانا باتفاق المسلمين؛ وليس مجرد التصديق والعلم ~~يستلزم الحب إلا إذا كان القلب سليما من المعارض كالحسد والكبر لأن النفس ~~مفطورة على حب الحق وهو الذي يلائمها. ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من ~~الله وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلا. وقد ~~قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} {إلا من أتى الله بقلب سليم} فليس ~~مجرد # PageV07P537 # العلم موجبا لحب المعلوم؛ إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم ~~وهذه القوة موجودة في النفس. وكل من القوتين تقوى بالأخرى فالعلم يقوي ~~العمل والعمل يقوي العلم فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه؛ وكلما ازداد له ~~معرفة ازداد حبه له؛ وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له ومعرفته بأسمائه ~~وصفاته؛ فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب؛ كما أن البغض يوجب الإعراض عن ~~ذكر المبغض فمن عادى الله ورسوله وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضيا لإعراضه ~~عن ذكر الله ورسوله بالخير؛ وعن ذكر ما يوجب المحبة فيضعف علمه به حتى قد ~~ينساه. كما قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} وقال ~~تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} وقد ~~يحصل مع ذلك تصديق وعلم مع بغض ومعاداة لكن تصديق ضعيف وعلم ضعيف؛ ولكن ~~لولا البغض والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمنا. فمن ~~شرط الإيمان وجود العلم التام ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله ~~وصفاته لا يكون صاحبه كافرا إذا كان مقرا بما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه ~~كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته؛ بل العلماء بالله يتفاضلون في ~~العلم به. ولهذا يوصف من لم ms2279 يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم. قال تعالى: ~~{إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} قال ~~أبو العالية: # PageV07P538 # سألت أصحاب محمد عن هذه الآية؛ فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل؛ وكل ~~من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. ومنه قول ابن مسعود كفى بخشية الله ~~علما. وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقيل للشعبي: أيها العالم فقال: العالم ~~من يخشى الله وقد قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} . وقال أبو ~~حيان التيمي: " العلماء ثلاثة ": عالم بالله؛ وبأمر الله؛ وعالم بالله ليس ~~عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله. فالعالم بالله الذي ~~يخشاه. والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه. وقد قال تعالى: {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء} . وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو عالم. ~~وهو حق ولا يدل على أن كل عالم يخشاه؛ لكن لما كان العلم به موجبا للخشية ~~عند عدم المعارض كان عدمه دليلا على ضعف الأصل إذ لو قوي لدفع المعارض. ~~وهكذا لفظ " العقل " يراد به الغريزة التي بها يعلم ويراد بها أنواع من ~~العلم. ويراد به العمل بموجب ذلك العلم وكذلك لفظ " الجهل " يعبر به عن عدم ~~العلم ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني ~~امرؤ صائم} والجهل هنا هو الكلام الباطل بمنزلة الجهل المركب. ومنه قول ~~الشاعر: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # PageV07P539 # ومن هذا سميت " الجاهلية " جاهلية وهي متضمنة لعدم العلم أو لعدم العمل ~~به ومنه {قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية لما ~~ساب رجلا وعيره بأمه} وقد قال تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية} . فإن الغضب والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره وترك ما ~~ينفعه وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى ms2280 يقدم المرء على فعل ما ~~يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه؛ لما في نفسه من البغض والمعاداة ~~لأشخاص وأفعال وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية لكنه لما ~~في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم فدل على ضعف العلم لعدم ~~موجبه ومقتضاه ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده بل عنه وعما في ~~النفس من حب ما ينفعها وبغض ما يضرها فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما ~~يضرها وأبغضت ما ينفعها فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة ~~نفسه له مع علمه أنه يضره. " قلت ": هذا معنى ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {: أن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل ~~عند حلول الشهوات} رواه البيهقي مرسلا. وقد قال تعالى {واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} فوصفهم بالقوة في العمل ~~والبصيرة في العلم وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر فإن ~~المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه والمنافق قوته في جسمه وضعفه في قلبه ~~فالإيمان لا بد # PageV07P540 # فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له فهذا أصل القول وهذا أصل ~~العمل. ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر، والعمل ~~الظاهر ضرورة كما تقدم فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبا لجميع ما يدخل في ~~مسمى الإيمان وكل ما سمي إيمانا فقد غلط بل لا بد من العلم والحب والعلم ~~شرط في محبة المحبوب كما أن الحياة شرط في العلم؛ لكن لا يلزم من العلم ~~بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في المحب ~~أحب لأجله ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها وهو يبغضها ~~كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم ونفس التصديق بوجود الشيء لا ~~يقتضي محبته؛ لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد وأن يحب لأجله ~~رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته كما فيها معنى يقتضي العلم ~~والتصديق به؛ ms2281 فمن صدق به وبرسوله ولم يكن محبا له ولرسوله لم يكن مؤمنا حتى ~~يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله. وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له ~~لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة؛ والأعمال الظاهرة ~~فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه؛ ~~ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير ~~فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له ~~والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه. كما في الشجرة التي يضرب ~~بها المثل لكلمة الإيمان، قال # PageV07P541 # تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} وهي كلمة التوحيد والشجرة كلما قوي أصلها ~~وعرق وروي قويت فرعها. وفروعها أيضا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في ~~أصلها. وكذلك " الإيمان " في القلب و " الإسلام " علانية ولما كانت الأقوال ~~والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها ~~عليها: كما في قوله تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} فأخبر أن من كان مؤمنا بالله ~~واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله. بل نفس الإيمان ينافي ~~مودتهم. فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان وكذلك قوله: {ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء} . وكذلك قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~فأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم: آمنا ودل ذلك على أن الناس في ~~قولهم: آمنا صادق وكاذب والكاذب فيه نفاق بحسب كذبه. قال تعالى في ~~المنافقين: # PageV07P542 # {ومن ms2282 الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} - إلى قوله ~~- {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} وفي يكذبون قراءتان مشهورتان. وفي ~~الحديث {أساس النفاق الذي يبنى عليه الكذب} وقال تعالى: {إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون} {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون} وقال: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} ومثل هذا كثير. # و " بالجملة " فلا يستريب من تدبر ما يقول في أن الرجل لا يكون مؤمنا ~~بمجرد تصديق في القلب مع بغضه لله ولرسوله واستكباره عن عبادته ومعاداته له ~~ولرسوله ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان كما ~~نقله أهل المقالات عنهم منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في " المقالات ": ~~اختلف المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم " اثنتا عشرة فرقة ". " الفرقة الأولى ~~" منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاء ~~من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب ~~والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف والعمل بالجوارح فليس بإيمان ~~وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن الجهم # PageV07P543 # بن صفوان قال: وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه ~~أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان ~~والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح قال: و " الفرقة الثانية " من ~~المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر به هو الجهل به ~~فقط فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ولا كفر بالله إلا الجهل به وإن قول ~~القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه لا يظهر إلا من كافر وذلك أن ~~الله كفر من قال ذلك وأجمع المسلمون أنه لا يقوله ms2283 إلا كافر وزعموا أن معرفة ~~الله هي المحبة له وهي الخضوع لله. وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان ~~بالله إيمان بالرسول ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إلا من آمن بالرسول. ليس ~~ذلك لأن ذلك مستحيل ولكن الرسول قال {من لم يؤمن بي فليس بمؤمن بالله} ~~وزعموا أيضا أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو ~~معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر ~~والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي وقد ذكر الأشعري في كتابه " الموجز ~~" قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي وفي ~~الخصوص والعموم أني لا أقطع بظاهر الخبر على العموم ولا على الخصوص إذ كان ~~يحتمل في اللغة أن يكون خاصا ويحتمل أن يكون عاما وأقف في ذلك ولا أقطع على ~~عموم ولا على خصوص إلا بتوقيف أو إجماع. ثم قال في " المقالات ". و " ~~الفرقة الثالثة من المرجئة ": يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله # PageV07P544 # والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله فمن اجتمعت فيه هذه ~~الخصال فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره ~~على الله وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري. و " الفرقة الرابعة ": وهم ~~أصحاب أبي شمر ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والمحبة له والخضوع ~~له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة ~~الأنبياء، وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم ~~والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون ~~كل خصلة من هذه الخصال إيمانا ولا بعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا ~~اجتمعت سموها إيمانا لاجتماعها وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم ~~يسموها بلقاء إلا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرا ولم ~~يجعلوا الإيمان متبعضا ولا محتملا للزيادة والنقصان. وذكر عن " الخامسة " ~~أصحاب أبي ثوبان: أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله وما لا ms2284 يجوز في العقل ~~إلا أن يفعله. وذكر عن " الفرقة السادسة ": أن الإيمان هو المعرفة بالله ~~وبرسله وفرائضه المجمع عليها والخضوع له بجميع ذلك، والإقرار باللسان ~~وزعموا أن خصال الإيمان كل منها طاعة وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى لم ~~تكن طاعة كالمعرفة بلا إقرار وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية؛ وأن الإنسان لا ~~يكفر # PageV07P545 # بترك خصلة واحدة وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهم أعلم وأكثر ~~تصديقا له من بعض وأن الإيمان يزيد ولا ينقص وهذا قول الحسين بن محمد ~~النجار وأصحابه. و " الفرقة السابعة " الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون: أن ~~الإيمان المعرفة بالله الثانية؛ والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به ~~الرسول وبما جاء من عند الله؛ وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم ~~يجعلها من الإيمان وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم: من " الشمرية " و " ~~الجهمية " و " الغيلانية " و " النجارية " ينكرون أن يكون في الكفار إيمان ~~وأن يقال فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم. قال: و " الفرقة ~~الثامنة " من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله ~~والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء. والإقرار والمعرفة بأنبيائه وبرسله ~~وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ونحو ذلك لا نزاع بينهم فيه. والخضوع لله ~~وهو ترك الاستكبار عليه وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به وإنما كان ~~كافرا لأنه استكبر ولولا استكباره ما كان كافرا وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل ~~أهله وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافرا ~~بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمنا إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن الله ~~واحد ليس كمثله # PageV07P546 # شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهي ~~معرفته بالله سبحانه. " الفرقة التاسعة ": من المرجئة المنتسبين إلى أبي ~~حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء ~~من عند الله في الجملة دون التفسير. " الفرقة ms2285 العاشرة ": من المرجئة أصحاب ~~أبي معاذ التومني يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر وهو اسم لخصال ~~إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافرا فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان ~~وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على تكفيره فتلك الطاعة شريعة ~~من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق فيقال له إنه يفسق ولا ~~يسمى بالفسق ولا يقال فاسق وليست تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرا ~~وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها ~~والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها ~~غير مستحل لتركها متشاغلا مسوفا يقول: الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي وعملي ~~فليس بكافر وإن كان يصلي يوما ووقتا من الأوقات. ولكن نفسقه. وكان أبو معاذ ~~يقول: من قتل نبيا أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة كفر ولكن من أجل ~~الاستخفاف والعداوة والبغض له. # PageV07P547 # والفرقة " الحادية عشر " من المرجئة: أصحاب بشر المريسي يقولون: إن ~~الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس ~~بإيمان ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعا وإلى هذا القول كان ~~يذهب ابن الراوندي وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار ~~والستر والتغطية وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرا ولا ~~يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانا وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ~~ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين أنه لا يسجد ~~للشمس إلا كافر. قال و " الفرقة الثانية عشر " من المرجئة: الكرامية أصحاب ~~محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب ~~وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانا. فهذه ~~الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لا بد في الإيمان ~~من بعض أعمال القلوب عندهم وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة: كجهم والصالحي. ~~وقد ذكر أيضا في " المقالات " جملة ms2286 قول أصحاب الحديث وأهل السنة. قال: جملة ~~ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ~~جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يردون من ذلك شيئا وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة # PageV07P548 # ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية ~~لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال: ~~{الرحمن على العرش استوى} وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} وكما ~~قال: {بل يداه مبسوطتان} وأن له عينين كما قال: {تجري بأعيننا} وأن له وجها ~~كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وأن أسماء الله لا يقال ~~إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. إلى أن قال: ويقولون القرآن ~~كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ بدعة من قال بالوقف أو اللفظ ~~فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق. إلى أن ~~قال: ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه: كنحو الزنا والسرقة وما ~~أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، ~~والإيمان عندهم: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره ~~حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم ~~والإسلام هو: أن تشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث والإسلام ~~عندهم غير الإيمان. إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ~~ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق. وذكر كلاما طويلا ثم قال في آخره: وبكل ما ~~ذكرناه # PageV07P549 # من قولهم نقول: وإليه نذهب. فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة ~~وأصحاب الحديث بخلاف القول الذي نصره في الموجز. والمقصود هنا أن عامة فرق ~~الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك وأما ~~المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ms2287 ذلك معروف وإنما ~~نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة وهذا القول شاذ كما أن قول ~~الكرامية الذين يقولون هو مجرد قول اللسان شاذ أيضا. وهذا أيضا مما ينبغي ~~الاعتناء به فإن كثيرا ممن تكلم في " مسألة الإيمان " هل تدخل فيه الأعمال؟ ~~وهل هو قول وعمل؟ يظن أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح وأن المراد ~~بالقول قول اللسان وهذا غلط؛ بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانا ~~باتفاق المسلمين؛ فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين ~~إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي وفي قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة ~~في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام إلا من شذ من أتباع ابن كرام ~~وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم بل فيه بغض وعداوة لله ~~ورسله ليس إيمانا باتفاق المسلمين. وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون ~~الحكم فإنه - وإن سمى المنافقين مؤمنين - يقول إنهم مخلدون في النار فيخالف ~~الجماعة في الاسم دون الحكم وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعا. # PageV07P550 # فصل: # إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب فاسم " الإيمان " تارة يطلق على ما في ~~القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ~~ونحو ذلك وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله وتارة ~~على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا في مسماه وبهذا ~~يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما وأنها تدخل في مسمى الإيمان تارة ولا ~~تدخل فيه تارة. # وذلك أن ### | الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران # فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين وعند الاقتران لا يدل إلا على ~~أحدهما كلفظ الفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما تناول الآخر وإذا جمع بينهما ~~كان لكل واحد مسمى يخصه وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله ~~تعالى {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} دخل فيه الفحشاء والبغي وإذا ~~قرن بالمنكر أحدهما كما في قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} أو ~~كلاهما ms2288 كما في قوله تعالى {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} كان اسم ~~المنكر مختصا بما خرج من ذلك على قول أو متناولا للجميع على قول - بناء على # PageV07P551 # أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له؟ أو يكون قد ذكر مرتين ~~فيه نزاع - والأقوال والأعمال الظاهرة نتيجة الأعمال الباطنة ولازمها. # وإذا أفرد اسم " الإيمان " فقد يتناول هذا وهذا كما في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} . وحينئذ فيكون الإسلام داخلا في مسمى ~~الإيمان وجزءا منه فيقال حينئذ: إن " الإيمان " اسم لجميع الطاعات الباطنة ~~والظاهرة. ومنه {قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس آمركم بالإيمان ~~بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتؤدوا خمس المغنم} أخرجاه في ~~الصحيحين. ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام لأنه أراد بالشهادتين هنا ~~أن يشهد بهما باطنا وظاهرا وكان الخطاب لوفد عبد القيس وكانوا من خيار ~~الناس وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة كما {قال ابن ~~عباس: أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثى - قرية من ~~قرى البحرين - وقالوا يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ~~وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل نعمل به وندعو إليه من ~~وراءنا وأرادوا بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارا} ~~فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب الدين فإذا أمرهم النبي # PageV07P552 # صلى الله عليه وسلم بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها باطنا وظاهرا فكانوا بها ~~مؤمنين. # وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام؛ فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما ~~في " المسند " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد ~~الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره} ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ms2289 ضرورة أن يحصل ~~له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله. والانقياد له وإلا فمن ~~الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا ولا يحصل ذلك في ~~الظاهر مع القدرة عليه كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود ~~المراد. وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم ~~بالشهادتين مع القدرة فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان ~~القلبي التام؛ وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون ~~الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة؛ فإن هذا ممتنع إذ لا يحصل الإيمان التام في ~~القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة فإن من الممتنع أن يحب ~~الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ~~ذلك. وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم لقرابته منه لا ~~لله وإنما # PageV07P553 # نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة؛ ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه وإلا ~~فلو كان ذلك عن إيمان في القلب لتكلم بالشهادتين ضرورة والسبب الذي أوجب ~~نصره للنبي صلى الله عليه وسلم - وهو الحمية - هو الذي أوجب امتناعه من ~~الشهادتين بخلاف أبي بكر الصديق ونحوه قال الله تعالى {وسيجنبها الأتقى} ~~{الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} {ولسوف يرضى} ومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه. (أحدها) أن ~~العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان. (الثاني) : ظن الظان أن ما في ~~القلوب لا يتفاضل الناس فيه. (الثالث) ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان ~~المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه. (الرابع) : ظن الظان أن ~~ليس في القلب إلا التصديق وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح. والصواب أن ~~القلب له عمل مع التصديق والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر وكلاهما مستلزم ~~للباطن. # و " المرجئة " أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال ~~القلوب أيضا ms2290 وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين ومن قصد إخراج العمل الظاهر ~~قيل لهم العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه وانتفاء الظاهر دليل ~~انتفاء الباطن # PageV07P554 # فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه ~~بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان. و " التحقيق " أنه تارة يدخل في الاسم ~~وتارة يكون لازما للمسمى - بحسب إفراد الاسم واقترانه - فإذا قرن الإيمان ~~بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجا عنه كما في حديث جبريل وإن كان لازما له ~~وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما في قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل وإن كان لازما له؛ وقد ~~يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام؛ وبكل حال فالعمل تحقيق ~~لمسمى الإيمان وتصديق له ولهذا قال طائفة من العلماء - كالشيخ أبي إسماعيل ~~الأنصاري؟ وغيره -: الإيمان كله تصديق فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، ~~واللسان يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول كما يقال: صدق عمله قوله. ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم {العينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان ~~تزنيان وزناهما السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي ~~والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} والتصديق يستعمل في الخبر ~~وفي الإرادة يقال: فلان صادق العزم وصادق المحبة وحملوا حملة صادقة. # و " السلف " اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان وقالوا ~~إن الإيمان يتماثل الناس فيه ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس # PageV07P555 # من أفحش الخطأ بل لا يتساوى الناس في التصديق ولا في الحب ولا في الخشية ~~ولا في العلم؛ بل يتفاضلون من وجوه كثيرة. و " أيضا " فإخراجهم العمل يشعر ~~أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا وهذا باطل قطعا فإن من صدق الرسول وأبغضه ~~وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعا بالضرورة وإن أدخلوا أعمال القلوب في ~~الإيمان أخطئوا أيضا؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن. وليس ~~المقصود هنا ذكر كل معين؛ بل من كان مؤمنا بالله ورسوله بقلبه ms2291 هل يتصور إذا ~~رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه وهو قادر على أن ينظر إليهم ويحض على نصر ~~الرسول بما لا يضره هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى ~~نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع؛ فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب ~~الإمكان من الإيمان وكان عدمه دليلا على انتفاء حقيقة الإيمان بل قد ثبت في ~~الصحيح عنه {من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق} وفي ~~الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق مع ما معه من الإيمان ومنه ~~قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} . و " أيضا " فقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV07P556 # {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة ~~خردل} . فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات ~~كان عادما للإيمان والبغض والحب من أعمال القلوب. ومن المعلوم أن إبليس ~~ونحوه يعلمون أن الله عز وجل حرم هذه الأمور ولا يبغضونها بل يدعون إلى ما ~~حرم الله ورسوله. # و " أيضا " فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ~~ورسوله؛ والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن ~~ولكنه دليل في الظاهر على الكفر ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في ~~الباطن عارفا بالله موحدا له مؤمنا به فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع ~~أن هذا كافر باطنا وظاهرا. قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن ~~وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك؛ فيقال لهم: معنا أمران معلومان. (أحدهما) : ~~معلوم بالاضطرار من الدين. و (الثاني) معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند ~~التأمل. أما " الأول ": فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره؛ بل ~~من تكلم بكلمات ms2292 الكفر طائعا غير مكره ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو # PageV07P557 # كافر باطنا وظاهرا وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله ~~وإنما هو كافر في الظاهر فإنه قال قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. ~~وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ~~ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم أو بمنزلة الإقرار ~~الذي يغلط فيه المقر لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون ~~صدقا وقد تكون كذبا بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة وهذا ~~كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} {لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وأمثال ذلك. وأما " الثاني ": فالقلب ~~إذا كان معتقدا صدق الرسول وأنه رسول الله وكان محبا لرسول الله معظما له ~~امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به ~~وبحرمته فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيمانا إلا مع محبته ~~وتعظيمه بالقلب. و " أيضا " فإن الله سبحانه قال: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} وقال: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} فتبين أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به. ~~ومعلوم أن مجرد التصديق بوجوده وما هو عليه من الصفات يشترك فيه المؤمن ~~والكافر؛ فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحاله المؤمن ~~والكافر. وقد قال الله تعالى في السحر: {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~فيتعلمون # PageV07P558 # منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} إلى قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ~~ما له في الآخرة من خلاق} فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون يعلمون أنه لا خلاق ~~لهم في الآخرة ومع هذا فيكفرون. وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت إذا كان ~~عالما بما يحصل بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه ونحو ذلك من الجبت وكان ~~عالما ms2293 بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة لم يكن مؤمنا بها مع ~~العلم بأحوالها. ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان وأنها ~~تفعل ما تشاء ونحو ذلك من خصائص الربوبية ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل ~~بعبادتها لهم نوع من المطالب كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام وتخبرهم ~~بأمور. وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان في الأصنام التي يعبدها أهل الهند ~~والصين والترك وغيرهم وكان كفرهم بها الخضوع لها والدعاء والعبادة واتخاذها ~~وسيلة ونحو ذلك لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار فإن هذا يعلمه ~~العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر في ~~الدنيا والآخرة فيبغضه؛ والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب ~~العاجلة على الكفر. يبين ذلك قوله: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم} # PageV07P559 # {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين} {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون} {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} فقد ذكر تعالى من كفر بالله ~~من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم قال {ذلك بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة} . وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا. ومعلوم أن باب ~~التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض وهؤلاء يقولون ~~إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم وإن كان ذلك قد يكون ~~سببه حب الدنيا على الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على ~~الآخرة هو الأصل الموجب للخسران واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع ~~العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة وبأنه ما له في الآخرة من خلاق. و ~~" أيضا " فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار ولو كان الكفر لا يكون إلا ~~بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتنع فعلم ~~أن التكلم ms2294 بالكفر كفر لا في حال الإكراه. وقوله تعالى {ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا} أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من ~~الدنيا} والآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين # PageV07P560 # المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ~~ذلك من كلمات الكفر فمنهم من أجاب بلسانه كعمار ومنهم من صبر على المحنة ~~كبلال ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه بل أكرهوا على التكلم فمن ~~تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به. وأيضا فقد {جاء نفر من ~~اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول ولم يكونوا مسلمين بذلك؛ لأنهم ~~قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي نعلم ونجزم أنك رسول الله ~~قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود} فعلم أن مجرد العلم والإخبار ~~عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام ~~والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم. فالمنافقون قالوا مخبرين ~~كاذبين فكانوا كفارا في الباطن وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين ~~فكانوا كفارا في الظاهر والباطن وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم ~~بنبوة محمد وأنشد عنه: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبا لدين سلفه وكراهة أن يعيره ~~قومه فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من ~~حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنا. # PageV07P561 # وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو ~~والحسد منع من حب الله وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به وصار في ~~القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرا لا ينفع معه ~~العلم. # فصل: # والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة: ~~(أحدها) الأعمال الظاهرة؛ فإن الناس يتفاضلون ms2295 فيها وتزيد وتنقص وهذا مما ~~اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى ~~الإيمان. فالنفاة يقولون هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه فأدخل فيه مجازا بهذا ~~الاعتبار وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه أي زيادة ثمراته ونقصانها ~~فيقال قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته فإنه يمتنع أن يكون إيمان ~~تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر وأما كونه لازما أو جزءا منه فهذا يختلف ~~بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام والعمل كما ~~تقدم. وأما قولهم الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط، # PageV07P562 # فإن تفاضل معلول الأشياء. ومقتضاها يقتضي تفاضلها في أنفسها وإلا فإذا ~~تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها ومقتضاها فتفاضل الناس في الأعمال ~~الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه ومن هذا يتبين: (الوجه الثاني) ~~: في زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها فإنه من المعلوم ~~بالذوق الذي يجده كل مؤمن أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله ~~والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر ~~والعجب ونحو ذلك والرحمة للخلق والنصح لهم ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية ~~وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم} إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} . ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده} ~~وقال: {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} ~~{وقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي قال: لا يا ~~عمر حتى أكون أحب ms2296 إليك من نفسك قال: فلأنت أحب إلي من نفسي قال: الآن يا ~~عمر} . # PageV07P563 # وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح وفيها بيان تفاضل الحب والخشية وقد قال ~~تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فإنه قد ~~يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة ويخافه تارة أكثر مما ~~يخافه تارة ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة ~~والنقصان فيه لما يجدون من ذلك في أنفسهم ومن هذا قوله تعالى {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل} وإنما زادهم طمأنينة وسكونا. وقال صلى الله عليه وسلم {أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} . (الوجه الثالث) : أن نفس التصديق والعلم في ~~القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من ~~غير معرفة منه بتفاصيل أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته ~~والجنة والنار والأمم وصدقه في ذلك كله وليس من التزم طاعته مجملا ومات قبل ~~أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه. (الوجه ~~الرابع) : أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي ~~من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام بل سائر الأعراض من الحركة ~~والسواد والبياض ونحو ذلك؛ فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت فكذلك ~~الإخبار عنه يتفاوت وإذا قال القائل العلم بالشيء # PageV07P564 # الواحد لا يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل ~~وقوله: ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل ~~الناس في رؤيته وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه وكذلك الكلمة ~~الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في النطق بها وكذلك شم الشيء الواحد ~~وذوقه يتفاضل الشخصان فيه. فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته ~~وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره ~~البشر حتى يقال: ليس أحد من المخلوقين يعلم شيئا من الأشياء مثل ما يعلمه ~~الله ms2297 من كل وجه بل علم الله بالشيء أكمل من علم غيره به كيف ما قدر الأمر ~~وليس تفاضل العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط؛ بل من وجوه أخرى. والإنسان ~~يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه كما يتفاضل حاله في سمعه ~~لمسموعه؛ ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره وحبه لمحبوبه وبغضه لبغيضه ~~ورضاه بمرضيه وسخطه لمسخوطه، وإرادته لمراده، وكراهيته لمكروهه ومن أنكر ~~التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا. (الوجه الخامس) : أن التفاضل يحصل من ~~هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها؛ فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة ~~توجب اليقين وتبين فساد الشبهة العارضة لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب ~~دون ذلك بل من جعل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من ~~تعارضه # PageV07P565 # الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة ~~الأدلة وقوتها وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبيان بطلان حجة المحتج عليها ~~ليس كالعلم الذي هو الحاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبه المعارضة له؛ ~~فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلت كان أوجب لكماله ~~وقوته وتمامه. (الوجه السادس) : أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ~~ذلك وثباته وذكره واستحضاره كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه والإعراض ~~والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك فما في القلب هي صفات وأعراض ~~وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها. والعلم وإن كان في القلب ~~فالغفلة تنافي تحققه والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ~~ذكره له. قال عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان يزيد وينقص قالوا: وما زيادته ونقصه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه ~~وسبحناه فذلك زيادته فإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه. (الوجه السابع) ~~أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلا وتفاوتا من ~~الإيمان فكلما تقرر إثباته من الصفات والأفعال مع تفاضله فالإيمان أعظم ~~تفاضلا من ذلك. مثال ذلك أن الإنسان يعلم من ms2298 نفسه تفاضل الحب الذي يقوم ~~بقلبه سواء كان حبا لولده أو لامرأته # PageV07P566 # أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه ~~أو فضته وغير ذلك من أمواله فكما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ~~ثم صبابة لانصباب القلب نحوه ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه ~~ثم يصير عشقا إلى أن يصير تتيما - والتتميم التعبد وتيم الله عبد الله - ~~فيصير القلب عبدا للمحبوب مطيعا له لا يستطيع الخروج عن أمره وقد آل الأمر ~~بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس مثل من حمله ذلك على قتل ~~نفسه وقتل معشوقه أو الكفر والردة عن الإسلام أو أفضى به إلى الجنون وزوال ~~العقل أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة أو ~~إمراض جسمه وأسنانه. فمن قال الحب لا يزيد ولا ينقص كان قوله من أظهر ~~الأقوال فسادا ومعلوم أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب ~~كل محبوب فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ محمدا أيضا خليلا كما استفاض ~~عنه أنه قال: {لو كنت متخذا خليلا من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلا؛ ولكن ~~صاحبكم خليل الله} يعني نفسه صلى الله عليه وسلم. وقال: {إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا} والخلة أخص من مطلق المحبة فإن الأنبياء ~~عليهم السلام والمؤمنين يحبون الله ويحبهم الله كما قال: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} الآية. وقال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقد ~~أخبر الله أنه يحب المتقين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ~~ويحب # PageV07P567 # الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخبر بحبه لغير واحد كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح {أنه ~~قال للحسن وأسامة: اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما} {وقال له عمرو ~~بن العاص أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قال فمن الرجال؟ قال: أبوها} . ~~وقال: {والله إني لأحبكم} . والناس ms2299 في حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق ~~محمد وإبراهيم إلى أدنى الناس درجة مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات فإنه ليس ~~في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم فإن الفرس الواحدة ما ~~تبلغ أن تساوي ألف ألف وقد ثبت في الصحيحين من {حديث أبي ذر أنه كان جالسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر به رجل من أشراف الناس فقال: يا أبا ذر ~~أتعرف هذا؟ قلت: نعم يا رسول الله هذا حري إن خطب أن ينكح وإن قال أن يسمع ~~لقوله وإن غاب أن يسأل عنه ثم مر برجل من ضعفاء المسلمين فقال: يا أبا ذر ~~أتعرف هذا؟ قلت: نعم يا رسول الله هذا رجل من ضعفاء الناس هذا حري إن خطب ~~ألا ينكح وإن قال ألا يسمع لقوله وإن غاب ألا يسأل عنه فقال: يا أبا ذر ~~لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا} . فقد أخبر الصادق الذي لا يجاوز فيما ~~يقول: إن الواحد من بني آدم # PageV07P568 # يكون خيرا من ملء الأرض من الآدميين وإذا كان الواحد منهم أفضل من ~~الملائكة والواحد منهم شر من البهائم كان التفاضل الذي فيهم أعظم من تفاضل ~~الملائكة. وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته فعلم أن تفاضلهم في هذا ~~لا يضبطه إلا الله وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب الشيء من محبوباتهم ~~فتفاضلهم في حب الله أعظم. وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه وتفاضلهم في ~~الذل والخضوع لما يذلون له ويخضعون وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من ~~المعروفات ويصدقون به ويقرون به فإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة ~~وصفاتهم والتصديق بهم فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم. ~~وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها والتصديق بها أو في ~~معرفة الجن وصفاتهم وفي التصديق بهم أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم ~~والعذاب - كما أخبروا به من ms2300 المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات ~~والمسكونات - فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم من تفاضلهم ~~في معرفة " الروح " التي هي النفس الناطقة. ومعرفة ما في الآخرة من النعيم ~~والعذاب. بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما ~~يتبع ذلك فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم؛ فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في ~~معرفة الله إذ لا موجود إلا وهو خلقه وكل ما في المخلوقات من الصفات ~~والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على # PageV07P569 # ما لله سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى إذ كل كمال في المخلوقات ~~فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أحق به، وكل نقص تنزه عنه ~~مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه، وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها. فهذا ~~يقول كمال المعلول من كمال علته وهذا يقول: كمال المصنوع المخلوق من كمال ~~صانعه وخالقه. وفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند ورواه ابن حبان في ~~صحيحه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما أصاب عبدا هم ~~ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور ~~صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه ~~فرحا. قالوا. يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن ~~يتعلمهن} . فقد أخبر في هذا الحديث أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب ~~عنده وأسماء الله متضمنة لصفاته ليست أسماء أعلام محضة بل أسماؤه تعالى: ~~كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم يدل على ~~ما لم يدل عليه الاسم الآخر من معاني صفاته مع اشتراكها كلها في الدلالة ~~على ذاته وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته ومن أسمائه ما خص به # PageV07P570 # من شاء من عباده ms2301 علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة ~~كل ما يعرفونه. # وبهذا يتبين لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله حق ~~معرفته بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل ~~على ثبوته كان معدوما منتفيا في نفس الأمر قوم غالطون مخطئون مبتدعون ضالون ~~وحجتهم في ذلك داحضة فإن عدم الدليل القطعي والظني على الشيء دليل على ~~انتفائه إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل. مثل أن يكون الشيء لو ~~وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فيكون هذا لازما لثبوته فيستدل بانتفاء ~~اللازم على انتفاء الملزوم؛ كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة ~~عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها فإذا نقل ذلك واحد واثنان ~~وثلاثة علم كذبهم. وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثل مسيلمة والعنسي وطليحة وسجاح لنقل الناس خبره كما نقلوا ~~أخبار هؤلاء ولو عارض القرآن معارض أتى بما يظن الناس أنه مثل القرآن لنقل ~~كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب وكما نقلوا الفصول والغايات لأبي العلاء المعري ~~وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين (ولو بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله ~~فكان النقل لما تظهر فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك ~~وأرغب - سواء كانوا محبين أو مبغضين - هذا أمر جبل عليه بنو آدم. # PageV07P571 # كما يعلم أن علي بن أبي طالب لو طلب الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ~~وقاتل عليها لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء؛ كما يعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك كما نقلوا ~~أمره لأبي بكر وصلاته بالناس وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك ~~كما نقلوا ما دونه؛ بل كما يعلم أنه لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف ~~أو كف ولا على رقص وزمر؛ بل كما يعلم أنه لم ms2302 يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم ~~على دعاء ورفع أيد ونحو ذلك إذ لو فعل ذلك لنقلوه بل كما يعلم أنه لم يصل ~~في السفر الظهر والعصر والعشاء أربعا وأنه لو صلى في السفر أربعا بعض ~~الأوقات لنقل الناس ذلك كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات. بل كما ~~يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده بل إنما كان يصليهن في الجماعة؛ بل ~~كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم ولا يصلون ~~كل ليلة على من يموت من المسلمين ولا ينوون الاعتكاف كلما دخلوا مسجدا ~~للصلاة؛ بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي؛ بل كما يعلم أنه لو ~~كان دائما يقنت في الفجر أو غيرها بقنوت مسنون يجهر به لنقل الناس ذلك - ~~كما نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم وكان نقلهم لذلك أوكد - ~~وكما يعلم أنه لما صلى بعرفة ومزدلفة قصرا وجمعا لو أمر أحدا خلفه أن يتم ~~صلاته أو أن لا يجمع معه لنقل الناس ذلك كما نقلوا ما هو دون ذلك. # PageV07P572 # وكما يعلم أنه لم يأمر الحيض في زمانه المبتدآت بالحيض أن يغتسلن عند ~~انقضاء يوم وليلة وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم ~~من المني وأنه لم يوقت للناس لفظا معينا لا في نكاح ولا في بيع ولا إجارة ~~ولا غير ذلك ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج وأنه لما أفاض من منى ~~إلى مكة يوم النحر ما طاف وسعى أولا ثم طاف ثانيا إلى غير ذلك مما يطول ~~ذكره. ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة ووقف على أقوال ~~الصحابة والتابعين ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين - قديما وحديثا - ~~علم صحة ما أوردناه في هذا الباب. و (المقصود هنا) أن المدلول إذا كان ~~وجوده مستلزما لوجود دليله كان انتفاء دليله دليلا على انتفائه أما إذا ~~أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل ms2303 وجوده ~~دليلا على عدمه، فأسماء الله وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم ~~يكن ذلك مستلزما لانتفائها إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا ~~بد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات بل قد قال أفضل ~~الخلق وأعلمهم بالله في الحديث الصحيح {لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك} وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة {فأخر ساجدا فأحمد ربي بمحامد ~~يفتحها علي لا أحصيها الآن} . فإذا كان أفضل الخلق لا يحصي ثناء عليه ولا ~~يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة؛ فكيف يكون غيره عارفا ~~بجميع محامد الله # PageV07P573 # والثناء عليه وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه داخل في محامده وفيما ~~يثني عليه به وإذا كان كذلك فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف ~~كان بالله أعلم وأعرف؛ بل من كان بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته ~~أعلم كان بالنبي صلى الله عليه وسلم أعلم فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه ~~رسول ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل ولا من علم أنه خاتم ~~الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من ~~الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة وغير ذلك من فضائله صلى الله عليه ~~وسلم وليس كل من جهل شيئا من خصائصه يكون كافرا بل كثير من المؤمنين لم ~~يسمع بكثير من فضائله وخصائصه فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته ~~يكون كافرا إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرا مما وصفه به رسوله وأخبر به ~~عنه. فهذه الوجوه ونحوها مما تبين تفاضل الإيمان الذي في القلب؛ وأما ~~تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا تشتبه على أحد والله أعلم. # PageV07P574 # فصل: # إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك ~~يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة؛ كما أن القصد ~~التام ms2304 مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في ~~القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه زالت " الشبه العلمية " في هذه المسألة ~~ولم يبق إلا " نزاع لفظي " في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل ~~في مسماه فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان ~~ومعلول له وثمرة له فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟ و " حقيقة ~~الأمر " أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم؛ فإذا قرن ~~اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالا على الباطن فقط. وإن أفرد اسم ~~الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر وبهذا تأتلف النصوص. فقوله: {الإيمان ~~بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق والحياء شعبة من الإيمان} . أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن ~~والظاهر وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: {الإيمان أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} ذكره مع قوله صلى الله عليه وسلم ~~{الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول # PageV07P575 # الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت} فلما أفرده عن ~~اسم الإسلام ذكر ما يخصه الاسم في ذاك الحديث مجردا عن الاقتران. وفي هذا ~~الحديث مقرون باسم الإسلام وقوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه} دخل فيه الباطن فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى ~~بالدين الذي هو عند الله الإسلام. وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في ~~قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وقوله: ~~{فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ~~وقوله تعالى {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} فقد يراد ~~بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} . ومن علم أن ~~دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران كما في اسم الفقير والمسكين والمعروف ~~والمنكر والبغي ms2305 وغير ذلك من الأسماء وكما في لغات سائر الأمم؟ عربها وعجمها ~~زاحت عنه الشبهة في هذا للباب والله أعلم. # فإن قال قائل؛ اسم " الإيمان " إنما يتناول الأعمال مجازا قيل: " أولا " ~~ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازا بل هذا أقوى لأن خروج ~~العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونا باسم الإسلام والعمل وأما دخول العمل فيه ~~فإذا أفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم {الإيمان بضع وسبعون شعبة # PageV07P576 # أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة ~~من الإيمان} فإنما يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند التجريد ~~والإطلاق. وقيل له " ثانيا " لا نزاع في أن العمل الظاهر هو فرع عن الباطن ~~وموجب له ومقتضاه؛ لكن هل هو داخل في مسمى الاسم وجزء منه أو هو لازم ~~للمسمى كالشرط المفارق والموجب التابع؟ ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية ~~والدينية: كاسم " الصلاة " و " الزكاة " و " الحج " ونحو ذلك هي باتفاق ~~الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية والحج الشرعي ومن قال إن الاسم إنما ~~يتناول مما يتناوله عند الإطلاق في اللغة. وإن ما زاده الشارع إنما هو ~~زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن ~~الطيب والقاضي أبو يعلى ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها ~~شروطا في القصد، والأعمال والدعاء ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة ~~فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم؛ ولهذا كان الجمهور ~~من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول. فإذا قال قائل: إن اسم " ~~الإيمان " إنما يتناول مجرد ما هو تصديق وأما كونه تصديقا بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزما لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم ~~لا داخل في الاسم إن لم يكن أضعف من ذلك القول فليس دونه في الضعف فكذلك من ~~قال: الأعمال الظاهرة # PageV07P577 # لوازم للباطن لا تدخل في الاسم عند الإطلاق يشبه قوله قول هؤلاء والشارع ~~إذا قرن بالإيمان ms2306 العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا قال من حج ~~البيت وطاف وسعى ووقف بعرفة ورمى الجمار؛ ومن صلى فقرأ وركع وسجد كما قال ~~من صام رمضان إيمانا واحتسابا ومعلوم أنه لم يكن صوما شرعيا إن لم يكن ~~إيمانا واحتسابا. وقال: {من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه ~~كيوم ولدته أمه} ومعلوم أن الرفث الذي هو الجماع يفسد الحج والفسوق ينقص ~~ثوابه وكما قال صلى الله عليه وسلم {من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ~~ذبيحتنا} . فلا يكون مصليا إن لم يستقبل قبلتنا في الصلاة وكما قال صلى ~~الله عليه وسلم {خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من حافظ ~~عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له ~~عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له} فذكر المحافظ عليها ومعلوم أنه ~~لا يكون مصليا لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها. ولكن بين أن ~~الوعيد مشروط بذلك ولهذا لا يلزم من عدم المحافظة أن لا يصليها بعد الوقت ~~فلا يكون محافظا عليها. إذ المحافظة تستلزم فعلها كما قال: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} نزلت لما أخرت العصر عام الخندق قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى حتى غابت الشمس} . # PageV07P578 # وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة لكنه ~~يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر؛ ولهذا ~~جاءت في " {الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل: يا رسول الله ألا ~~نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا} وكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى {أضاعوا ~~الصلاة} قال هو تأخيرها عن وقتها فقيل له: كنا نظن ذلك تركها فقال: لو ~~تركوها كانوا كفارا. والمقصود أنه قد يدخل في " الاسم المطلق " أمور كثيرة ~~وإن كانت قد تخص بالذكر. وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم ms2307 ~~الإيمان مجاز نزاعك لفظي؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي ~~في القلب وموجباته كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم فيلزم من عدم هذا ~~الظاهر عدم الباطن فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا وإن قلت: ما هو حقيقة ~~قول جهم وأتباعه من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما ~~هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم ~~له وموجب له بل قيل: حقيقة قولك إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى ~~فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن ~~وإذ عدم لم يدل عدمه على العدم وهذا حقيقة قولك. # PageV07P579 # وهو أيضا خطأ عقلا كما هو خطأ شرعا وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع إذ هذا ~~يظهر من المنافق فإنما يبقى دليلا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا ~~كدلالة اللفظ على المعنى وهذا حقيقة قولك فيقال لك: فلا يكون ما يظهر من ~~الأعمال ثمرة للإيمان الباطن ولا موجبا له ومن مقتضاه وذلك أن المقتضي لهذا ~~الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره فإن ما كان ~~معلولا للشيء وموجبا له لا يتوقف على غيره بل يلزم من وجوده وجوده فلو كان ~~الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره بل إذا وجد الموجب ~~وجد الموجب. وأما إذا وجد معه تارة وعدم أخرى أمكن أن يكون من موجب ذلك ~~الغير وأمكن أن يكون موقوفا عليهما جميعا فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان ~~أو مشارك للإيمان وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفا عليهما معا: على ذلك ~~الغير وعلى الإيمان؛ بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان؛ كما في أعمال ~~المنافق فحينئذ لا يكون العمل الظاهر مستلزما للإيمان ولا لازما له بل يوجد ~~معه تارة ومع نقيضه تارة ولا يكون الإيمان علة له ولا موجبا ولا مقتضيا ~~فيبطل حينئذ أن يكون دليلا عليه لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول ms2308 وهذا ~~هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزما للإيمان النافع عند الله. ~~ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد لما قال: هو مؤمن. قال أو # PageV07P580 # مسلم؟} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} ~~فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلا على الإيمان في الباطن إذ ~~لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات إلى الامتحان ودل ذلك على ~~أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن؛ ~~كما في الحديث المرفوع: {إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ~~فإن الله يقول: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} الآية} . فإذا قيل: الأعمال الظاهرة ~~تكون من موجب الإيمان تارة، وموجب غيره أخرى؛ كالتكلم بالشهادتين: تارة ~~يكون من موجب إيمان القلب وتارة يكون تقية كإيمان المنافقين قال تعالى: ~~{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} . ونحن إذا ~~قلنا: هي من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق قيل: ~~فإذا كانت صادرة عن إيمان إما أن يكون نفس الإيمان موجبا لها وإما أن تقف ~~على أمر آخر فإذا كان نفس الإيمان موجبا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب ~~معلولة لا تنفك عنه وهذا هو المطلوب؛ وإن توقفت على أمر آخر كان الإيمان ~~جزء السبب جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له إذ حقيقة الأمر أنها معلولة ~~لهما وثمرة لهما. فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان ~~الباطن ومعلولة # PageV07P581 # له إلا إذا كان موجبا لها ومقتضيا لها وحينئذ فالموجب لازم لموجبه، ~~والمعلول لازم لعلته وإذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في ~~القلب من الإيمان فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم ~~الأعمال الظاهرة الواجبة؛ بل يلزم من وجود هذا كاملا وجود هذا كاملا، كما ms2309 ~~يلزم من نقص هذا نقص هذا؛ إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول ~~وعمل كتقدير موجب تام بلا موجبه وعلة تامة بلا معلولها وهذا ممتنع. وبهذا ~~وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في " الإيمان " كالأشعري في ~~أشهر قوليه وأكثر أصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة: كالماتريدي ~~ونحوه حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب يتساوى فيه العباد وأنه إما أن يعدم، ~~وإما أن يوجد لا يتبعض وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود ~~التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه وأن ما علم من الأقوال ~~الظاهرة أن صاحبه كافر؛ فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب، في ~~الأفعال. . . (1) وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن ~~الذي في القلب؛ بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها فإن هذا القول فيه خطأ من ~~وجوه: # أحدها: أنهم أخرجوا ما في القلوب من حب لله وخشيته ونحو ذلك PageV07P582 # أن يكون من نفس الإيمان. # وثانيها: جعلوا ما علم أن صاحبه كافر - مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي ~~طالب وغيرهم - أنه إنما كان كافرا؛ لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن ~~وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه ~~مستلزما لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك. و (ثالثها) : أنهم جعلوا ما يوجد ~~من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله، والتثليث وغير ذلك قد يكون مجامعا ~~لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنا عند الله حقيقة سعيدا ~~في الدار الآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام. و (رابعها) : ~~أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك ولا أطاع الله طاعة ~~ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته يكون مؤمنا بالله تام الإيمان سعيدا في ~~الدار الآخرة. وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء ~~وغيرهم. و (خامسها) : وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا: إن العبد قد ~~يكون مؤمنا تام الإيمان إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين ولو لم ms2310 يعمل ~~خيرا لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث ولم يدع كبيرة إلا ركبها فيكون # PageV07P583 # الرجل عندهم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وهو مصر على دوام ~~الكذب والخيانة ونقض العهود لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا ~~يؤدي أمانة ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها وهو مع ذلك ~~مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل إن ~~الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن فإذا قال: إنها من لوازمه وأن ~~الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا كان بعد ذلك، قوله: إن تلك الأعمال ~~لازمة لمسمى الإيمان أو جزء منه (نزاعا لفظيا كما تقدم) . و (سادسها) : أنه ~~يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعا وألقى المصحف في الحش عمدا، وقتل ~~النفس بغير حق وقتل كل من رآه يصلي وسفك دم كل من يراه يحج البيت؛ وفعل ما ~~فعلته القرامطة بالمسلمين يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنا وليا لله، إيمانه مثل ~~إيمان النبيين والصديقين؛ لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيا لهذه ~~الأمور وإما ألا يكون منافيا؛ فإن لم يكن منافيا أمكن وجودها معه فلا يكون ~~وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن. وإن كان منافيا للإيمان الباطن كان ترك ~~هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه فلا يكون مؤمنا في الباطن الإيمان ~~الواجب إلا من ترك هذه الأمور فمن لم يتركها دل ذلك على فساد إيمانه الباطن ~~وإذا كانت الأعمال والتروك # PageV07P584 # الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه وكان من المعلوم ~~أنها تقوى بقوته وتزيد بزيادته وتنقص بنقصانه فإن الشيء المعلول لا يزيد ~~إلا بزيادة موجبه ومقتضيه ولا ينقص إلا بنقصان ذلك؛ فإذا جعل العمل الظاهر ~~موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن فيكون دليلا على ~~زيادة الإيمان الباطن ونقصه لنقص الباطن فيكون نقصه دليلا على نقص الباطن ~~وهو المطلوب. وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب ~~السلف هو المذهب ms2311 الحق؛ الذي لا عدول عنه؛ وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم ~~بصريح المعقول وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف ~~والأئمة والله أعلم. # وقول جهم ومن وافقه: إن الإيمان مجرد العلم والتصديق وهو بذلك وحده يستحق ~~الثواب والسعادة يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم: إن سعادة ~~الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه؛ كما أن قول الجهمية وهؤلاء ~~الفلاسفة في " مسائل الأسماء والصفات " و " مسائل الجبر والقدر " متقاربان ~~وكذلك في " مسائل الإيمان " وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من ~~الفساد في غير هذا الموضع، مثل أن العلم هو أحد قوتي النفس فإن النفس لها " ~~قوتان ": قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل كما أن الحيوان له " ~~قوتان ": قوة الحس، وقوة الحركة بالإرادة. # PageV07P585 # وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون ألا يحبه ويريده ويتبعه كما ~~أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله مقرا بما يستحقه دون أن يكون محبا ~~لله عابدا لله مطيعا لله بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه ~~الله بعلمه؛ فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقا من غضب الله ~~وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك؛ كما أن من كان قاصدا للحق طالبا له - وهو ~~جاهل بالمطلوب وطريقه - كان فيه من الضلال وكان مستحقا من اللعنة - التي هي ~~البعد عن رحمة الله - ما لا يستحقه من ليس مثله؛ ولهذا أمرنا الله أن نقول: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} . و " المغضوب عليهم " علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه و " ~~الضالون " قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه فهذا بمنزلة العالم ~~الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل وهذا حال اليهود فإنه مغضوب عليهم، وهذا ~~حال النصارى فإنهم ضالون. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون} . # و " المتفلسفة " أسوأ حالا من اليهود والنصارى فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء ~~وضلالهم وبين فجور ms2312 هؤلاء وظلمهم فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في ~~اليهود ولا النصارى حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق حتى يصير ~~الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود ثم لم ينالوا من معرفة الله # PageV07P586 # وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئا نزرا قليلا ~~فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم وكانوا مترددين بين الجهل ~~البسيط والجهل المركب؛ فإن كلامهم في الطبيعات والرياضيات لا يفيد كمال ~~النفس وصلاحها وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي وكلامهم فيه: لحم جمل غث على ~~رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. فإن كلامهم في " واجب الوجود " ~~ما بين حق قليل وباطل فاسد كثير وكذلك في " العقول " و " النفوس " التي ~~تزعم أتباعهم من أهل الملل أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل؛ وليس الأمر ~~كذلك بل زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن " واجب الوجود " هو ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون ~~إلا في الأذهان وكذلك كلامهم في العقول والنفوس يعود عند التحقيق إلى أمور ~~مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ثم فيه من الشرك بالله وإثبات رب ~~مبدع لجميع العالم سواه - لكنه معلول له - وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك ~~القمر هو معلول الرب فوقه، ذلك الرب معلول لرب فوقه ما هو أقبح من كلام ~~النصارى في قولهم: إن المسيح ابن الله بكثير كثير كما بسط في غير هذا ~~الموضع. وليس لمقدميهم كلام في " النبوات " ألبتة ومتأخروهم حائرون فيها ~~منهم من يكذب بها؛ كما فعل ابن زكريا الرازي وأمثاله مع قولهم بحدوث ~~العالم. # PageV07P587 # أثبتوا القدماء الخمسة وأخذوا من المذاهب ما هو من شرها وأفسدها؛ ومنهم ~~من يصدق بها مع قوله بقدم العالم كابن سينا وأمثاله لكنهم يجعلون النبي ~~بمنزلة ملك عادل فيجعلون النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من ~~الكشف والتأثير والتخيل فيجعلون خاصة النبي " ثلاثة أشياء ": قوة الحدس ~~الصائب التي يسمونها القوة القدسية وقوة التأثير في ms2313 العالم، وقوة الحس التي ~~بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه فكلام الله عندهم هو ما في نفسه ~~من الأصوات وملائكته هي ما في أنفسهم من الصور والأنوار وهذه الخصال تحصل ~~لغالب أهل الرياضة والصفا؛ فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة. وصار كل من سلك ~~سبيلهم كالسهروردي المقتول وابن سبعين المغربي وأمثالهما - يطلب النبوة ~~ويطمع أن يقال له قم فأنذر هذا يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر وهذا ~~يجاور بمكة ويعمد إلى غار حراء ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على ~~المزمل والمدثر مثله وكل منهما، ومن أمثالهما يسعى بأنواع السيمياء التي هي ~~من السحر ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس السحر السيميائي. ومن لم ~~يمكنه طلب النبوة وادعاؤها - لعلمه بقول الصادق المصدوق: {لا نبي بعدي} أو ~~غير ذلك - كابن عربي وأمثاله طلب ما هو أعلى من النبوة وأن خاتم الأولياء ~~أعظم من خاتم الأنبياء وأن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة # PageV07P588 # والنبي يأخذ بواسطة الملك، وبني ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة فإن عندهم: ~~ما يتصور في نفس النبي أو الولي هي الملائكة: من الأشكال النورانية ~~الخيالية " فالملائكة " عندهم ما يتخيله في نفسه. و " النبي " عندهم ما ~~يتلقى بواسطة هذا التخيل و " الولي " يتلقى المعارف العقلية بدون هذا ~~التخيل ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن تلقاها بتخيل. ~~فلما اعتقدوا في النبوة ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون: إن ~~الولاية أعظم من النبوة كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من ~~النبي؛ فإن هذا قول الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما، وهؤلاء يقولون النبوة ~~أفضل الأمور عند الجمهور؛ لا عند الخاصة. ويقولون: خاصة النبي جودة التخييل ~~والتخيل فجاء هؤلاء الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية وعبروا عن ~~المتفلسف بالولي وأخذوا معاني الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة ~~والمخاطبة وقالوا: إن الولي أعظم من النبي لأن المعاني المجردة يأخذها عن ~~الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه، والنبي يأخذها بواسطة ما يتخيل في نفسه ms2314 ~~من الصور والأصوات ولم يكفهم هذا البهتان حتى ادعوا أن جميع الأنبياء ~~والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم هؤلاء الأولياء الذي هو من أجهل ~~الخلق بالله وأبعدهم عن دين الله، والعلم بالله هو عندهم بأنه " الوجود ~~المطلق " الساري في الكائنات فوجود كل موجود هو عين وجود واجب الوجود. ~~وحقيقة هذا القول - قول الدهرية الطبعية الذين ينكرون أن يكون للعالم # PageV07P589 # مبدع أبدعه هو واجب الوجود بنفسه؛ بل يقولون: العالم نفسه واجب الوجود ~~بنفسه. فحقيقة قول هؤلاء شر من قول الدهرية الإلهيين وهو يعود عند التحقق ~~إلى قول الدهرية الطبيعيين وقد حدثونا: أن ابن عربي تنازع هو والشيخ أبو ~~حفص السهروردي: هل يمكن وقت تجلي الحق لعبد مخاطبة له أم لا؟ فقال الشيخ ~~أبو حفص السهروردي: نعم يمكن ذلك. فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك وأظن الكلام ~~كان في غيبة كل منهما عن صاحبه فقيل لابن عربي: إن السهروردي يقول كذا ~~وكذا. فقال: مسكين نحن تكلمنا في مشاهدة الذات وهو يتكلم في مشاهدة الصفات. ~~وكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان - مع ~~أنهم يظنون أنهم متابعون للرسل وأنهم متقون للبدع المخالفة له - يقولون هذا ~~الكلام ويعظمونه ويعظمون ابن عربي لقوله مثل هذا ولا يعلمون أن هذا الكلام ~~بناه على أصله الفاسد في الإلحاد الذي يجمع بين التعطيل والاتحاد؛ فإن ~~حقيقة الرب عنده وجود مجرد لا اسم له ولا صفة ولا يمكن أن يرى في الدنيا ~~ولا في الآخرة ولا له كلام قائم به ولا علم ولا غير ذلك ولكن يرى ظاهرا في ~~المخلوقات متجليا في المصنوعات وهو عنده غير وجود الموجودات وشبهه، وتارة ~~بظهور الكلي في جزئياته كظهور الجنس في أنواعه والنوع في الخاصة كما تظهر ~~الحيوانية في كل حيوان والإنسانية في كل إنسان. وهذا بناه على غلط أسلافه " ~~المنطقيين اليونانيين " حيث ظنوا أن # PageV07P590 # الموجودات العينية يقارنها جواهر عقلية بحسب ما تحمل لها من الكليات ~~فيظنون أن في الإنسان المعين إنسانا عقليا وحيوانا عقليا وناطقا عقليا ~~وحساسا عقليا ms2315 وجسما عقليا وذاك هو الماهية التي يعرض لها الوجود وتلك ~~الماهية مشتركة بين جميع المعينات وهذا الكلام له وقع عند من لم يفهمه ~~ويتدبره. فإذا فهم حقيقته تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام ~~العقلاء، وإنما ذلك لمخالفته للحس والعقل وإنما أتى فيه هؤلاء من حيث إنهم ~~تصوروا في أنفسهم معاني " كلية مطلقة " فظنوا أنها موجودة في الخارج. ~~فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء شاهدت أمورا خارجة عن أنفسهم، ~~فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم. وهؤلاء الملاحدة شهدوا في ~~أنفسهم أمورا " كلية مطلقة " فظنوا أنها في الخارج وليست إلا في أنفسهم ~~فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في ~~أنفسهم وإنما هو في الخارج فلهذا كانوا مكذبين بالغيب التي أخبرت به ~~الأنبياء ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين البائن عن مخلوقاته أجمعين هو ~~من جنس وجود الإنسانية في الأناسي والحيوانية في الحيوان أو ما أشبه ذلك ~~كوجود الوجود في الثبوت - عند من يقول المعدوم شيء - فإنهم أرادوا أن ~~يجعلوه شيئا موجودا في المخلوقات مع مغايرته لها فضربوا له مثلا تارة ~~بالكليات وتارة بالمادة والصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت وإذا مثلوه ~~بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج أو بالهواء في الصوفة # PageV07P591 # فضربوا لرب العالمين الأمثال؛ فضلوا فلا يستطيعون سبيلا؛ وهم في هذه ~~الأمثال ضالون من وجوه: # أحدها: إنما مثلوا به من المادة مع الصورة والكليات مع الجزئيات والوجود ~~مع الثبوت: كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين فجعلوا الواحد ~~اثنين كما جعلوا الاثنين واحدا في مثل صفات الله يجعلون العلم هو العالم، ~~والعلم هو المعلوم والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة وأنواع هذه الأمور ~~التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بالأمور الإلهية، ~~وأعظم الناس قولا للباطل؛ مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوى ~~الهائلة الطويلة العريضة كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة ~~معصومون مثل الأنبياء وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم. ms2316 (الثاني) : أنهم ~~على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطا بوجود غيره الذي ليس هو ~~مبدعا له؛ فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط ~~بالصورة وكذلك بالعكس، ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم؛ ~~فيلزمهم على كل تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطا بما ليس هو من مبدعاته، ~~وما كان وجوده موقوفا على غيره الذي ليس هو مصنوعا له لم يكن واجب الوجود ~~بنفسه وهذا بين. # PageV07P592 # الثالث: أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين ~~وجود المخلوقات وهم يصرحون بذلك؛ لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت: ~~أو بين الوجود والماهية: وبين الكل والجزء، وهو المغايرة بين المطلق ~~والمعين؛ فلهذا كانوا يقولون: بالحلول. تارة يجعلون الخالق حالا في ~~المخلوقات، وتارة محلا لها وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان حقيقة ~~قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات فلا خالق ولا مخلوق وإنما العالم واجب ~~الوجود بنفسه. # الرابع: أنهم يقرون بما يزعمونه من " التوحيد " عن التعدد في صفاته ~~الواجبة؛ وأسمائه؛ وقيام الحوادث به وعن كونه جسما؛ أو جوهرا؛ ثم هم عند ~~التحقيق يجعلونه عين الأجسام الكائنة الفاسدة المستقذرة ويصفونه بكل نقص ~~كما صرحوا بذلك قالوا: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن ~~نفسه وبصفات النقص؛ وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له ~~الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت ~~محمودة عرفا وعقلا وشرعا؛ أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى ~~الله خاصة فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة كما هو متصف بكل صفة محمودة وقد ~~بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا. ~~ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال حتى إذا فهم المؤمن # PageV07P593 # قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر؛ واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما ~~أوقعوا في الوجود من الضلالات. فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده شهود ~~مطلق؛ هو وجود الموجودات؛ مجردا مطلقا لا اسم ms2317 له ولا نعت ومعلوم أن من تصور ~~هذا لم يمكن أن يحصل له عنه خطاب؛ فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل ~~خطاب. وأما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة وأتبع للسنة من هذا وخيرا ~~منه؛ وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده ويخاطبهم حين ~~تجليه لهم فآمن بذلك؛ لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته. ولهذا ~~كان أتباعهما يعظمون ابن عربي عليه مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة ~~كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين القادم السالك طريق ابن حموية الذي ~~يلقبه أصحابه " سلطان الأقطاب "؛ وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن ~~حموية؛ والغلو فيهما أمر عظيم فبينت له كثيرا مما يشتمل عليه كلامهما من ~~الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم وجرى في ~~ذلك فصول؛ لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما وما تضمنته ~~من الضلالات. وكان ممن حدثني عن شيخه الطاووسي الذي كان بهمدان عن سعد ~~الدين # PageV07P594 # بن حمويه أنه قال: محيي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء؛ لكن نور ~~المتابعة النبوية على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر فقلت له: هذا ~~كما يقال: كان هؤلاء أوتوا من ملك الكفار ملكا عظيما. لكن نور الإسلام الذي ~~على شهاب غازي صاحب " ميافا رقين " شيء آخر. فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي؛ ~~وذلك لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنا من معرفة السنة ومتابعتها وتحقيق ~~ما جاءت به الرسل؛ كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها وجمع فيها بين ~~الفلسفة والتصوف. وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباينة بين الخالق والمخلوق ~~وإثبات تعينه منفصلا عن المخلوق ترفع إليه الأيدي بالدعاء وإليه كان معراج ~~خاتم الأنبياء وقد ذكر السهروردي في عقيدته المشهورة قوله: " بلا إشارة ولا ~~تعيين " وهذه هي التي استطال بها عليه هؤلاء؛ فإنه متى نفيت الإشارة ~~والتعيين لم يبق إلا العدم المحض؛ والتعطيل أو الإلحاد والوحدة والحلول. ~~وابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقولون هكذا: ms2318 لا إشارة ولا تعيين بل ~~عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى ويقولون في أذكارهم: ليس إلا ~~الله بدل قول المسلمين: لا إله إلا الله لأن معتقدهم أنه وجود كل موجود؛ ~~فلا موجود إلا هو؛ والمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه؛ وأنه ~~ليس هو المخلوقات ولا جزءا منها؛ ولا صفة لها؛ بل هو بائن عنها ويقولون إنه ~~هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه من # PageV07P595 # الموجودات فلا إله إلا هو؛ كما قال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين} وكما قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} وقال: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} . وهؤلاء ~~الملاحدة ما عندهم غير يمكن أن يعبد ولا غير يمكن أن يتخذ وليا ولا إلها؛ ~~بل هو العابد والمعبود؛ والمصلي والمصلى له؛ كما قال شاعرهم ابن الفارض في ~~قصيدته " نظم السلوك ": # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # إلى قوله: # وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # وقوله: ومازلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # فهؤلاء " الجهمية " من المتكلمة والصوفية في قولهم: إن الإيمان هو مجرد ~~المعرفة والتصديق يقولون: المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي ~~كقولهم: لا هو داخل العالم؛ ولا خارجه؛ ولا مباين العالم ولا محايث ثم # PageV07P596 # يعودون فيجعلونه حالا في المخلوقات أو محلا لها أو هو عينها؛ أو يعطلونه ~~بالكلية؛ فهم في هذا نظير المتفلسفة المشائين: الذين يجعلون كمال الإنسان ~~بالعلم؛ و " العلم الأعلى " - عندهم - و " الفلسفة الأولى " - عندهم - ~~النظر في الوجود ولواحقه ويجعلون واجب الوجود وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لكن ~~أولئك يغيرون العبارات ويعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات ~~الفلسفية واليونانية وهذا كله قد قرر؛ وبسط القول فيه في غير هذا الموضع. # فصل أول ما ms2319 في الحديث سؤاله عن " الإسلام ": فأجابه بأن {الإسلام أن تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت} وهذه الخمس هي المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه ~~{بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا} . وهذا ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرض الله الحج فلهذا ذكر الخمس: ~~وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج في حديث وفد عبد القيس {آمركم ~~بالإيمان بالله وحده. أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن ~~تعطوا من المغنم الخمس} . # PageV07P597 # وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها. وفي بعض طرق البخاري لم ~~يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه وفي مسلم وهو أيضا مذكور في حديث ~~أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس رواه مسلم في صحيحه عنه واتفقا ~~على حديث ابن عباس وفيه أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم؛ والخمس إنما فرض ~~في غزوة بدر، وشهر رمضان فرض قبل ذلك. ووفد عبد القيس من خيار الوفد الذين ~~وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان قبل فرض الحج وقد قيل قدموا سنة الوفود: سنة تسع والصواب أنهم قدموا ~~قبل ذلك فإنهم قالوا إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر - يعنون أهل نجد ~~- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت ~~الحرب وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف لما فتح الله مكة ثم هزموا هوازن يوم ~~حنين وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة وقد بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع وأردفه بعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه لتنفيذ العهود ms2320 التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~العرب إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر وكانت في ذي القعدة. ~~وقد قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} الآية وهذه ~~الأربعة التي أجلوها الأربعة الحرم. # PageV07P598 # ولهذا غزا النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع ~~قبل إرسال أبي بكر أميرا على الموسم وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من ~~جهة مشركي العرب وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم؛ ولهذا لم يأذن لأحد ممن ~~يصلح للقتال في التخلف فلم يتخلف إلا منافق: أو الثلاثة الذين تيب عليهم أو ~~معذور ولهذا لما {استخلف عليا على المدينة عام تبوك طعن المنافقون فيه لضعف ~~هذا الاستخلاف وقالوا: إنما خلفه لأنه يبغضه. فاتبعه علي وهو يبكي فقال: ~~أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي} . وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه ~~وفيها رجال من أهل القتال وذلك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب لا بمكة ولا ~~بنجد ونحوهما من يقاتل أهل دار الإسلام - مكة والمدينة وغيرهما - ولا ~~يخيفهم: ثم لما رجع من تبوك أقر أبا بكر على الموسم يقيم الحج والصلاة ~~ويأمر ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وأتبعه بعلي لأجل نقض ~~العهود؛ إذ كانت عادة العرب أن لا يقبلوا إلا من المطاع الكبير أو من رجل ~~من أهل بيته. و (المقصود: أن هذا يبين أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك ~~وأما " حديث ضمام " فرواه مسلم في صحيحه عن {أنس بن مالك: نهينا أن نسأل ~~رسول الله عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ~~ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك ~~تزعم أن الله أرسلك قال: صدق # PageV07P599 # قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله قال: فمن ~~نصب هذه الجبال وجعل ms2321 فيها ما جعل؟ قال: الله قال: فبالذي خلق السماء وخلق ~~الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك قال: نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات ~~في يومنا وليلتنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم ~~قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك آلله ~~أمرك بهذا قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا قال: صدق ثم ولى الرجل وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا ~~أنقص منهن فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن صدق ليدخلن الجنة} . ~~{وعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ ~~دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله؛ ثم قال لهم: أيكم محمد؟ - ~~والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم - فقلنا: هذا الرجل الأبيض ~~المتكئ؟ فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له: النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد أجبتك فقال الرجل: للنبي صلى الله عليه وسلم إنني سائلك فمشدد عليك في ~~المسألة فلا تجد علي في نفسك؛ فقال: سل عما بدا لك؟ فقال: أسألك بربك ورب ~~من قبلك؟ آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم وذكر أنه سأله عن ~~الصلاة والزكاة؛ ولم يذكر الصيام والحج فقال: الرجل آمنت بما جئت به وأنا ~~رسول من ورائي من قومي؛ وأنا ضمام # PageV07P600 # بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر} . هذان الطريقان في الصحيحين لكن البخاري ~~لم يذكر في الأول الحج؛ بل ذكر الصيام؛ والسياق الأول أتم؛ والناس يجعلون ~~الحديثين حديثا واحدا. ويشبه - والله أعلم - أن يكون البخاري رأى أن ذكر ~~الحج فيه وهما لأن سعد بن أبي بكر؛ هم من هوازن وهم أصهار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة فأسلموا كلهم بعد ~~الوقعة ودفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان بعد أن قسمها ~~على المعسكر واستطاب أنفسهم في ذلك فلا تكون هذه ms2322 الزيارة إلا قبل فتح مكة، ~~والحج لم يكن فرض إذ ذاك. وحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه إلا الصلاة ~~والزكاة والصيام وقد قيل: إنه حديث ضمام وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد ~~الله قال: {جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس ~~نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في ~~اليوم والليلة قال: هل علي غير ذلك؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال: وذكر له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة قال: هل علي غيرها قال: لا إلا أن ~~تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق} وليس في شيء من # PageV07P601 # طرقه ذكر الحج بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام كما في حديث وفد عبد ~~القيس. وفي الصحيحين أيضا " {عن أبي هريرة أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة ~~فقال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة ~~المفروضة، وتصوم رمضان قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا ~~أنقص منه فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى رجل من ~~أهل الجنة فلينظر إلى هذا} وهذا يحتمل أن يكون ضماما وقد جاء في بعض ~~الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط كما في الصحيحين {عن أبي أيوب الأنصاري أن ~~أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو ~~بزمامها ثم قال: يا رسول الله أو يا محمد. أخبرني بما يقربني من الجنة ~~ويباعدني من النار قال: فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ~~ثم قال: لقد وفق أو لقد ms2323 هدي ثم قال: كيف قلت؟ قال: فأعاد فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة ~~وتصل الرحم فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تمسك بما أمر به ~~دخل الجنة} هذه الألفاظ في مسلم. وقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث ~~النعمان بن قوقل رواه مسلم {عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: أرأيت إذا # PageV07P602 # صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد ~~على ذلك شيئا أدخل الجنة؟ قال: نعم قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا} . وفي ~~لفظ " أتى النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن قوقل. وحديث النعمان هذا ~~قديم؛ فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتح مكة قتله بعض بني سعد بن العاص كما ~~ثبت ذلك في الصحيح فهذه الأحاديث خرجت جوابا لسؤال سائلين. أما حديث ابن ~~عمر فإنه مبتدأ وأحاديث الدعوة والقتال فيها الصلاة والزكاة كما في ~~الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق ~~الإسلام وحسابهم على الله} . وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ~~رواه مسلم عن جابر {قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها} . فقال أبو بكر: ~~والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. فكان من فقه ~~أبي بكر أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أن القتال على الزكاة قتال على حق ~~المال وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي ~~رواه ابن عمر. والقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر كما قال تعالى: {فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} . # PageV07P603 # وحديث معاذ ms2324 لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~الصلاة والزكاة. فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض أشكل ~~ذلك على بعض الناس. فأجاب بعض الناس بأن سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم ~~الحديث الذي رواه؛ وليس الأمر كذلك؛ فإن هذا طعن في الرواة ونسبة لهم إلى ~~الكذب إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد مثل حديث وفد عبد القيس ~~حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس ~~وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم ~~لم يذكره فبهذا يعلم أن أحد الراويين اختصر البعض أو غلط في الزيادة. فأما ~~الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك لا سيما والأحاديث قد تواترت ~~بكون الأجوبة كانت مختلفة وفيهما ما بين قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تكلم بهذا تارة وبهذا تارة والقرآن يصدق ذلك فإن الله علق الأخوة الإيمانية ~~في بعض الآيات بالصلاة والزكاة فقط كما في قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} كما أنه علق ترك القتال على ذلك في ~~قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقد تقدم ~~حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقا لهذه الآية و " أيضا " فإن في حديث ~~وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون # PageV07P604 # ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه ولكن عن هذا " ~~جوابان ": # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بحسب نزول الفرائض وأول ما فرض ~~الله الشهادتين ثم الصلاة فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي؛ بل قد ثبت ~~{في الصحيح أن أول ما أنزل عليه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من ~~علق} - إلى قوله - {علم الإنسان ما لم يعلم} ثم أنزل عليه بعد ذلك {يا أيها ~~المدثر} {قم فأنذر} } فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس والإرسال بعد ~~الإنباء؛ فإن الخطاب ms2325 الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ {واسجد واقترب} . ~~فأول السورة أمر بالقراءة وآخرها أمر بالسجود والصلاة مؤلفة من أقوال ~~وأعمال فأفضل أقوالها القراءة وأفضل أعمالها السجود والقراءة أول أقوالها ~~المقصودة وما بعده تبع له. وقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ~~بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرضت الخمس ليلة المعراج وكانت ركعتين ركعتين؛ ~~فلما هاجر أقرت صلاة السفر؛ وزيد في صلاة الحضر وكانت الصلاة تكمل شيئا بعد ~~شيء فكانوا أولا يتكلمون في الصلاة ولم يكن فيها تشهد ثم أمروا بالتشهد؛ ~~وحرم عليهم الكلام؛ وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان. وإنما شرع الأذان بالمدينة ~~بعد الهجرة؛ وكذلك صلاة الجمعة والعيد؛ والكسوف؛ والاستسقاء وقيام رمضان ~~وغير ذلك. إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة. # PageV07P605 # وأمروا بالزكاة؛ والإحسان في مكة أيضا؛ ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما ~~شرعت بالمدينة. وأما " صوم شهر رمضان " فهو إنما فرض في السنة الثانية من ~~الهجرة وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات. وأما " الحج " فقد ~~تنازع الناس في وجوبه؛ فقالت طائفة فرض سنة ست من الهجرة عام الحديبية ~~باتفاق الناس قالوا: وهذه الآية تدل على وجوب الحج ووجوب العمرة أيضا لأن ~~الأمر بالإتمام يتضمن الأمر بابتداء الفعل وإتمامه. وقال الأكثرون: إنما ~~وجب الحج متأخرا قيل سنة تسع؛ وقيل سنة عشر وهذا هو الصحيح؛ فإن آية ~~الإيجاب إنما هي قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} وهذه الآية في آل ~~عمران في سياق مخاطبته لأهل الكتاب، وصدر آل عمران وما فيها من مخاطبة أهل ~~الكتاب نزل لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى ~~وناظروه في أمر المسيح؛ وهم أول من أدى الجزية من أهل الكتاب وكان ذلك بعد ~~إنزال سورة براءة التي شرع فيها الجزية وأمر فيها بقتال أهل الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وغزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ~~التي غزا فيها النصارى لما أمر الله بذلك في قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا ms2326 يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا # PageV07P606 # الجزية عن يد وهم صاغرون} ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث ~~وإنما جاء في الأحاديث المتأخرة. وقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد ~~عبد القيس وكان قدومهم قبل فتح مكة على الصحيح كما قد بيناه وقالوا: يا ~~رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر يعنون بذلك أهل نجد: من ~~تميم وأسد وغطفان لأنهم بين البحرين وبين المدينة وعبد القيس هم من ربيعة ~~ليسوا من مضر ولما فتحت مكة زال هذا الخوف ولما قدم عليه وفد عبد القيس ~~أمرهم بالصلاة والزكاة؛ وصيام رمضان؛ وخمس المغنم؛ ولم يأمرهم بالحج وحديث ~~ضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج كما لم يذكره في حديث طلحة وأبي ~~هريرة وغيرهما مع قولهم: إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام وهذا ممكن؛ مع أن ~~تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنا. وأما قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~فليس في هذه الآية إلا الأمر بإتمام ذلك وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل ~~فيه فنزل الأمر بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية ثم أحصروا فأمروا ~~بالإتمام وبين لهم حكم الإحصار ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج. ~~(الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه فيذكر تارة الفرائض ~~الظاهرة التي تقاتل على تركها الطائفة الممتنعة كالصلاة والزكاة # PageV07P607 # ويذكر تارة ما يجب على السائل فمن أجابه بالصلاة والصيام لم يكن عليه ~~زكاة يؤديها ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام: فإما أن يكون قبل فرض الحج ~~وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه وإما أن يكون السائل ممن لا حج ~~عليه. وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض؛ ولهذا ذكر الله ~~تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان؛ بخلاف الصوم فإنه أمر باطن ~~وهو مما ائتمن عليه الناس فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك ~~مما يؤتمن عليه ms2327 العبد؛ فإن الإنسان يمكنه ألا ينوي الصوم وأن يأكل سرا كما ~~يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته وأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر لا يمكن الإنسان ~~بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك. وهو صلى الله عليه وسلم يذكر في الإسلام ~~الأعمال الظاهرة التي يقاتل عليها الناس ويصيرون مسلمين بفعلها؛ فلهذا علق ~~ذلك بالصلاة والزكاة دون الصيام وإن كان الصوم واجبا كما في آيتي براءة فإن ~~براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. وكذلك {لما بعث معاذ بن جبل إلى ~~اليمن قال له: إنك تأتي قوما أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض ~~عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله ~~افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك # PageV07P608 # فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب} ~~أخرجاه في الصحيحين. ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام؛ ~~بل بعد فتح مكة بل بعد تبوك وبعد فرض الحج والجزية فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مات ومعاذ باليمن وإنما قدم المدينة بعد موته؛ ولم يذكر في هذا الحديث ~~الصيام لأنه تبع وهو باطن ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام وهو لا يجب ~~في العمر إلا مرة. # ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه " الفرائض الأربع " ~~بعد الإقرار بوجوبها؛ فأما " الشهادتان " إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو ~~كافر باتفاق المسلمين وهو كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير ~~علمائها وذهبت طائفة من المرجئة وهم جهمية المرجئة: كجهم والصالحي ~~وأتباعهما إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن وقد ~~تقدم التنبيه على أصل هذا القول وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من ~~الأئمة وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر؛ بل وغيره وأن ~~وجود الإيمان الباطن تصديقا وحبا ms2328 وانقيادا بدون الإقرار الظاهر ممتنع. وأما ~~" الفرائض الأربع " فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة # PageV07P609 # فهو كافر وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها ~~كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن ~~يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ~~ونحو ذلك أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم ~~الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر. وأمثال ذلك فإنهم يستتابون وتقام ~~الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك؛ كما لم يحكم ~~الصحابة بكفر قدامة بن مظعون. وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من ~~التأويل. وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة ففي ~~التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد: # أحدها: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج وإن كان في جواز تأخيره ~~نزاع بين العلماء فمتى عزم على تركه بالكلية كفر وهذا قول طائفة من السلف ~~وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر # والثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب وهذا هو ~~المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وهو إحدى ~~الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة وغيره. # PageV07P610 # والثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة وهي الرواية الثالثة عن أحمد وقول كثير ~~من السلف وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد. و (الرابع: ~~يكفر بتركها وترك الزكاة فقط. و (الخامس: بتركها وترك الزكاة إذا قاتل ~~الإمام عليها دون ترك الصيام والحج. وهذه المسألة لها طرفان. (أحدهما في ~~إثبات الكفر الظاهر. و (الثاني في إثبات الكفر الباطن. فأما " الطرف الثاني ~~" فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا كما تقدم ومن الممتنع أن يكون ~~الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدي لله ~~زكاة ms2329 ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب ~~وزندقة لا مع إيمان صحيح؛ ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود ~~الكفار كقوله: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} {خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} . # PageV07P611 # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما في ~~الحديث الطويل حديث التجلي {أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له ~~المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل الطبق لا يستطيع ~~السجود} فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط وثبت أيضا في ~~الصحيح {أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود فإن الله حرم على ~~النار أن تأكله} فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله وكذلك ثبت في ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة غرا محجلين من ~~آثار الوضوء} فدل ذلك على أن من لم يكن غرا محجلا لم يعرفه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا يكون من أمته. وقوله تعالى {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} ~~{ويل يومئذ للمكذبين} {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} {ويل يومئذ ~~للمكذبين} وقوله تعالى {فما لهم لا يؤمنون} {وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون} {بل الذين كفروا يكذبون} {والله أعلم بما يوعون} . وكذلك قوله ~~تعالى {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب وتولى} . وكذلك قوله تعالى {ما سلككم في ~~سقر} {قالوا لم نك من المصلين} {ولم نك نطعم المسكين} {وكنا نخوض مع ~~الخائضين} {وكنا نكذب بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} فوصفه بترك الصلاة ~~كما وصفه بترك التصديق ووصفه بالتكذيب والتولي و " المتولي " هو العاصي ~~الممتنع من الطاعة، كما قال # PageV07P612 # تعالى: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} . ~~وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا ms2330 من المصلين وكذلك قرن التكذيب بالتولي ~~في قوله: {أرأيت الذي ينهى} {عبدا إذا صلى} {أرأيت إن كان على الهدى} {أو ~~أمر بالتقوى} {أرأيت إن كذب وتولى} {ألم يعلم بأن الله يرى} {كلا لئن لم ~~ينته لنسفعن بالناصية} {ناصية كاذبة خاطئة} . و " أيضا " في القرآن علق ~~الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما علق ذلك على التوبة ~~من الكفر فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة و " أيضا " فقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد ~~كفر} . وفي المسند {من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة} . و " أيضا " ~~فإن شعار المسلمين الصلاة ولهذا يعبر عنهم بها فيقال: اختلف أهل الصلاة ~~واختلف أهل القبلة والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: " مقالات الإسلاميين ~~واختلاف المصلين " وفي الصحيح {من صلى صلاتنا؛ واستقبل قبلتنا؛ وأكل ~~ذبيحتنا؛ فذلك المسلم له ما لنا؛ وعليه ما علينا} وأمثال هذه النصوص كثيرة ~~في الكتاب والسنة. وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها؛ فليست لهم حجة ~~إلا وهي # PageV07P613 # متناولة للجاحد كتناولها للتارك فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم ~~عن التارك؛ مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم؛ وهذا مثل استدلالهم ~~بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله {من شهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه. . . أدخله الله الجنة} ونحو ذلك من النصوص. وأجود ما اعتمدوا عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم {خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم ~~والليلة. فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ ~~عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه. وإن شاء أدخله الجنة} . قالوا: ~~فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة. والكافر لا يكون تحت المشيئة ولا دلالة ~~في هذا؛ فإن الوعد بالمحافظة عليها والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر كما ~~قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وعدم المحافظة ms2331 يكون مع ~~فعلها بعد الوقت كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق ~~فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصلوات. وقد قال ~~تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} ~~فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها فقالوا: ما كنا ~~نظن ذلك إلا تركها فقال: لو تركوها لكانوا كفارا. وكذلك قوله: {فويل ~~للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} # PageV07P614 # ذمهم مع أنهم يصلون؛ لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت ~~وإتمام أفعالها المفروضة كما ثبت في صحيح مسلم {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب ~~الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا ~~قليلا} فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت ونقرها. وقد ثبت في ~~الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ~~ينكر؛ وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا} وثبت عنه أنه ~~قال: {سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا ~~صلاتكم معهم نافلة} فنهى عن قتالهم إذا صلوا وكان في ذلك دلالة على أنهم ~~إذا لم يصلوا قوتلوا وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها وذلك ترك المحافظة ~~عليها لا تركها. وإذا عرف الفرق بين الأمرين فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك ونفس المحافظة يقتضي ~~أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ولا يتناول من لم يحافظ فإنه لو تناول ذلك ~~قتلوا كفارا مرتدين بلا ريب ولا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه ~~مقرا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزما لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وما جاء به يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل ويكون مع ذلك مؤمنا في ~~الباطن قط لا يكون إلا كافرا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير ms2332 أني لا أفعلها # PageV07P615 # كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ~~ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول أشهد ~~أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب فإذا قال أنا ~~مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي ~~تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن ~~من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع ~~إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية والتي دخلت ~~على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ~~ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في " مسألة ~~الإيمان " وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم ~~إيمان القلب وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء ~~جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءا من الإيمان كما تقدم بيانه. وحينئذ ~~فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ويترك بعضها كان معه من الإيمان بحسب ما ~~فعله و ### | الإيمان يزيد وينقص ويجتمع في العبد إيمان ونفاق. # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن ~~كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ~~ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} . # PageV07P616 # وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب فإن كثيرا من الناس؛ بل أكثرهم في كثير ~~من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركوها بالجملة بل ~~يصلون أحيانا ويدعون أحيانا فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري عليهم أحكام ~~الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإن هذه الأحكام إذا جرت ~~على المنافق المحض - كابن أبي وأمثاله من المنافقين - فلأن تجري على هؤلاء ~~أولى وأحرى. وبيان " هذا الموضع " مما يزيل ms2333 الشبهة: فإن كثيرا من الفقهاء ~~يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا ~~يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من ~~أهل البدع وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا " ثلاثة أصناف ": ~~مؤمن؛ وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر. وكان في المنافقين ~~من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ~~ببيان نفاقه - كابن أبي وأمثاله - ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم ~~المسلمون وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم ~~السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. # ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة ~~المسلمين قال لهم: إن لكم علينا ألا نمنعكم المساجد ولا نمنعكم نصيبكم من ~~الفيء فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ # PageV07P617 # حيث قال: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة} . فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم واتفاق أصحابه ولم يكن قتالهم قتال فتنة كالقتال الذي جرى بين فئتين ~~عظيمتين في المسلمين؛ بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح الذي رواه البخاري أنه {قال للحسن ابنه: إن ابني هذا سيد وسيصلح ~~الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين} وقال في الحديث الصحيح: {تمرق ~~مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق} فدل بهذا ~~على أن ما فعله الحسن من ترك القتال إما واجبا أو مستحبا لم يمدحه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ترك واجب أو مستحب ودل الحديث الآخر على أن الذين ~~قاتلوا الخوارج وهم علي وأصحابه كان أقرب إلى الحق من ms2334 معاوية وأصحابه؛ وأن ~~قتال الخوارج أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليس قتالهم كالقتال في الجمل ~~وصفين الذي ليس فيه أمر من النبي. # والمقصود أن علي بن أبي طالب وغيره من أصحابه لم يحكموا بكفرهم ولا ~~قاتلوهم حتى بدءوهم بالقتال. والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع ~~والأهواء وتخليدهم في النار وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك " قولان " # PageV07P618 # كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع ~~أهل البدع؛ وفي تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه وفي ~~هذا من الخطأ ما لا يحصى؛ وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من ~~أهل الأهواء؛ وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد. ~~والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن ~~الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة؛ ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر ~~فيطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر ~~ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ولا يكفر الشخص المعين حتى ~~تقوم عليه الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة. والزكاة واستحل الخمر؛ ~~والزنا وتأول. فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه فإذا ~~كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته - ~~كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر - ففي غير ذلك أولى وأحرى ~~وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح. {في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ~~اسحقوني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من ~~العالمين} وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته ~~إذا حرقوه وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. # PageV07P619 # فإن قيل: فالله قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن فإذا ~~كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر فكيف يمكن مجاهدته؟. # قيل ما ms2335 يستقر في القلب من إيمان ونفاق لا بد أن يظهر موجبه في القول ~~والعمل كما قال بعض السلف: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات ~~وجهه وفلتات لسانه وقد قال تعالى في حق المنافقين: {ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} . فإذا أظهر المنافق من ترك ~~الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عوقب على الظاهر ولا يعاقب ~~على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعلم من المنافقين من عرفه الله بهم وكانوا يحلفون له وهم كاذبون؛ وكان ~~يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. وأساس النفاق الذي بنى عليه أن ~~المنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه ولهذا يصفهم الله في ~~كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق؛ قال تعالى: {ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون} . وقال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} . وأمثال هذا ~~كثير. وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال: {ليس البر ~~أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} - إلى قوله - {أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون} . و " بالجملة " فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر " ~~نوعان ": كفر ظاهر # PageV07P620 # وكفر نفاق فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار وأما في ~~أحكام الدنيا فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين. وقد تبين أن الدين لا ~~بد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو ~~بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك ~~من الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث أو ~~يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر فإن ~~المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ~~ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ms2336 ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل ~~فعل تلك الواجبات لازما له؛ أو جزءا منه فهذا نزاع لفظي كان مخطئا خطأ بينا ~~وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها وقالوا فيها من ~~المقالات الغليظة ما هو معروف والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها. # PageV07P621 # فصل: # وأما " الإحسان " فقوله: {أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك} . قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص والتحقيق: أن الإحسان يتناول ~~الإخلاص وغيره والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله ويجمع الإتيان بالفعل الحسن ~~الذي يحبه الله قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} فذكر ~~إحسان الدين أولا ثم ذكر الإحسان ثانيا فإحسان الدين هو - والله أعلم - ~~الإحسان المسئول عنه في حديث جبريل فإنه سأله عن الإسلام والإيمان؛ ففي. . ~~. (1) PageV07P622 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد ذكرت فيما تقدم من القواعد: أن " الإسلام " الذي هو دين الله الذي ~~أنزل به كتبه؛ وأرسل به رسله؛ وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين؛ فيستسلم ~~لله وحده لا شريك له ويكون سالما له بحيث يكون متألها له غير متأله لما ~~سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام: وهو شهادة أن لا إله إلا الله. ~~وله ضدان: الكبر والشرك ولهذا روي {أن نوحا عليه السلام أمر بنيه بلا إله ~~إلا الله وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك} في حديث قد ذكرته في غير هذا ~~الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا يعبده فلا يكون مستسلما له والذي ~~يعبده ويعبد غيره يكون مشركا به فلا يكون سالما له بل يكون له فيه شرك. ~~ولفظ " الإسلام " يتضمن الاستسلام والسلامة التي هي الإخلاص وقد علم أن ~~الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى: {يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا} وقال موسى: ms2337 {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين} وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند # PageV07P623 # ربه} وقال الخليل لما قال له ربه: {أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى ~~بها إبراهيم بنيه ويعقوب} - أيضا وصى بها بنيه - {يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وقال يوسف: {توفني مسلما} ونظائره ~~كثيرة. وعلم أن إبراهيم الخليل هو إمام الحنفاء المسلمين بعده كما جعله أمة ~~وإماما وجاءت الرسل من ذريته بذلك فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما ~~خرج بهم عن دين الله الذي أمروا به وهو الإسلام العام ولهذا أمرنا أن نقول: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اليهود مغضوب ~~عليهم والنصارى ضالون} وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام وغلب عليها ~~أحد ضديه فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك والنصارى يغلب عليهم ~~الشرك ويقل فيهم الكبر. وقد بين الله ذلك في كتابه فقال في اليهود: {وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} . وهذا هو أصل الإسلام. إلى ~~قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} . وهذا اللفظ ~~الذي هو لفظ الاستفهام؛ هو إنكار لذلك عليهم. وذم لهم عليه وإنما يذمون على ~~ما فعلوه فعلم أنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى # PageV07P624 # أنفسهم استكبروا فيقتلون فريقا من الأنبياء ويكذبون فريقا؛ وهذا حال ~~المستكبر الذي لا يقبل ما لا يهواه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر ~~الكبر في الحديث الصحيح بأنه بطر الحق وغمط الناس ففي صحيح مسلم عن عبد ~~الله بن مسعود. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يدخل النار من كان ~~في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~كبر فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب ms2338 أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن ~~الكبر ذاك؟ فقال: لا إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط ~~الناس} وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. وكذلك ذكر ~~الله " الكبر " في قوله بعد أن قال: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} إلى ~~أن قال: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا} . وهذا حال الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه وهو الغاوي كما ~~قال: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان ~~من الغاوين} {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} الآية ~~وهذا مثل علماء السوء وقد قال لما رجع موسى إليهم: {ولما سكت عن موسى الغضب ~~أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} فالذين يرهبون ~~ربهم؛ خلاف الذين يتبعون أهواءهم كما قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} . # PageV07P625 # فأولئك المستكبرون المتبعون أهواءهم مصروفون عن آيات الله لا يعلمون ولا ~~يفهمون لما تركوا العمل بما علموه استكبارا واتباعا لأهوائهم عوقبوا بأن ~~منعوا الفهم والعلم؛ فإن العلم حرب للمتعالي كما أن السيل حرب للمكان ~~العالي والذين يرهبون ربهم عملوا بما علموه فأتاهم الله علما ورحمة إذ من ~~عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ولهذا لما وصف الله النصارى: {بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا} . والرهبان: من الرهبنة {وأنهم لا يستكبرون} كانوا ~~بذلك أقرب مودة إلى الذين آمنوا. كما قال: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} . فلما كان فيهم ~~رهبة وعدم كبر كانوا أقرب إلى الهدى فقال في حق المسلمين منهم: {وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ms2339 ~~ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} . قال ابن عباس: مع محمد وأمته وهم الأمة ~~الشهداء فإن النصارى لهم قصد وعبادة وليس لهم علم وشهادة؛ ولهذا فإن كان ~~اليهود شرا منهم؛ بأنهم أكثر كبرا وأقل رهبة وأعظم قسوة فإن النصارى شر ~~منهم فإنهم أعظم ضلالا وأكثر شركا وأبعد عن تحريم ما حرم الله ورسوله. وقد ~~وصفهم الله بالشرك الذي ابتدعوه كما وصف اليهود بالكبر الذي هووه فقال ~~تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح # PageV07P626 # ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما ~~يشركون} وقال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق} إلى قوله: {أن اعبدوا الله ربي وربكم} الآية وقد ذكر الله قولهم إن ~~الله هو المسيح ابن مريم وإن الله ثالث ثلاثة وقولهم: اتخذ الله ولدا؛ في ~~مواضع من كتابه وبين عظيم فريتهم وشتمهم لله وقولهم " الإد " الذي: {تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} ولهذا يدعوهم في غير ~~موضع إلى ألا يعبدوا إلا إلها واحدا كقوله: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} إلى قوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا ~~خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} إلى قوله {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} وهذا لأن المشركين بمخلوق من البشر أو غيرهم ~~يصيرون هم مشركون. ويصير الذي أشركوا به من الإنس والجن مستكبرا كما قال: ~~{وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} فأخبر الله أن ~~عباده لا يستكبرون عن عبادته وإن أشرك بهم المشركون. وكذلك قال تعالى: {لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} إلى قوله: ~~{ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ms2340 الرسل وأمه صديقة} الآية وقال ~~تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا ~~بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله # PageV07P627 # عليه الجنة} فأخبر أنه أمرهم بالتوحيد ونهاهم عن أن يشركوا به أو بغيره ~~كما فعلوه. ولما كان أصل دين اليهود الكبر عاقبهم بالذلة: {ضربت عليهم ~~الذلة أينما ثقفوا} . ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى ~~الله أضلهم عنه؛ فعوقب كل من الأمتين على ما اجترمه بنقيض قصده {وما ربك ~~بظلام للعبيد} . كما جاء في الحديث: {يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة ~~في صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم} . وكما في الحديث عن عمر بن الخطاب ~~موقوفا ومرفوعا: {ما من أحد إلا في رأسه حكمة فإن تواضع قيل له: انتعش نعشك ~~الله وإن رفع رأسه قيل له: انتكس نكسك الله} . وقال سبحانه وتعالى: {إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وقال تعالى: {بلى قد جاءتك ~~آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} {وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم} . ولهذا استوجبوا الغضب والمقت. والنصارى لما دخلوا في ~~البدع: أضلهم عن سبيل الله فضلوا عن سبيل الله وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل وهم إنما ابتدعوها ليتقربوا بها إليه ويعبدوه فأبعدتهم عنه وأضلتهم ~~عنه وصاروا يعبدون غيره. # PageV07P628 # فتدبر هذا والله تعالى يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير ~~المغضوب عليهم والضالين. وقد وصف بعض اليهود بالشرك في قوله: {وقالت اليهود ~~عزير ابن الله} وفي قوله: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} ففي اليهود من ~~عبد الأصنام وعبد البشر؛ وذلك أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل ~~فيكون المستكبر مشركا كما ذكر الله عن فرعون وقومه: أنهم كانوا مع ~~استكبارهم وجحودهم مشركين فقال عن مؤمن آل فرعون: {ويا قوم ما لي أدعوكم ~~إلى ms2341 النجاة وتدعونني إلى النار} {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي ~~به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} {لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} . وقال: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} ~~الآية. وقال يوسف الصديق لهم: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقد قال تعالى: {وقال الملأ من قوم ~~فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} . # فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين؟ وقد أخبر الله عن فرعون # PageV07P629 # أنه جحد الخالق فقال: {وما رب العالمين} وقال: {ما علمت لكم من إله غيري} ~~وقال: {أنا ربكم الأعلى} وقال عن قومه: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين} {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} والإشراك لا يكون ~~إلا من مقر بالله وإلا فالجاحد له لم يشرك به. قيل: لم يذكر الله جحود ~~الصانع إلا عن فرعون موسى وأما الذين كانوا في زمن يوسف فالقرآن يدل على ~~أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به ولهذا كان خطاب يوسف للملك وللعزيز ~~ولهم: يتضمن الإقرار بوجود الصانع كقوله: {أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة} إلى قوله {إن ربي ~~بكيدهن عليم} {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} إلى قوله: {إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} وقد قال مؤمن آل - حم - {ولقد ~~جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم ~~لن يبعث الله من بعده رسولا} فهذا يقتضي: أن أولئك الذين بعث إليهم يوسف ~~كانوا يقرون بالله. ولهذا كان إخوة يوسف يخاطبونه قبل أن يعرفوا أنه يوسف ~~ويظنونه من آل ms2342 فرعون بخطاب يقتضي الإقرار بالصانع كقولهم: {تالله لقد علمتم ~~ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} وقال لهم: {أنتم شر مكانا والله ~~أعلم بما تصفون} وقال: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ~~وقالوا له: # PageV07P630 # {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل ~~وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} وذلك أن فرعون الذي كان في زمن يوسف ~~أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكراما عظيما مع علمه بدينهم واستقراء ~~أحوال الناس يدل على ذلك. فإن جحود الصانع لم يكن دينا غالبا على أمة من ~~الأمم قط وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك وإنما كان ~~يجحد الصانع بعض الناس وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين ~~الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام والأخبار المروية من نقل أخبارهم ~~وسيرهم كلها تدل على ذلك؛ ولكن فرعون موسى: {فاستخف قومه فأطاعوه} وهو الذي ~~قال لهم - دون الفراعنة المتقدمين -؛ {ما علمت لكم من إله غيري} ثم قال لهم ~~بعد ذلك: {أنا ربكم الأعلى} {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} نكال الكلمة ~~الأولى. ونكال الكلمة الأخيرة وكان فرعون في الباطن عارفا بوجود الصانع ~~وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ولهذا قال له موسى: {لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} فلما أنكر الصانع وكانت له آلهة ~~يعبدها بقي على عبادتها ولم يصفه الله تعالى بالشرك وإنما وصفه بجحود ~~الصانع وعبادة آلهة أخرى. والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة؛ ~~ولا يعبد الله قط؛ فإنه يقول: هذا العالم واجب الوجود بنفسه. وبعض أجزائه ~~مؤثر في بعض ويقول إنما انتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان ~~باطن قول هؤلاء الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون. # PageV07P631 # وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثني الثقة: عن ~~بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون؛ ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم ~~تعظيما كثيرا. فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربا ~~مدبرا ms2343 للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل ~~شيء وقالوا من عبده فقد عبد الله ولا يتصور عندهم أن يعبد غير الله فما من ~~شيء يعبد إلا وهو الله وهذه الكائنات عندهم أجزاؤه أو صفاته كأجزاء الإنسان ~~أو صفاته فهؤلاء إذا عبدوا الكائنات فلم يعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى؛ ~~لكن لأنها عندهم هي الله أو مجلى من مجاليه أو بعض من أبعاضه أو صفة من ~~صفاته أو تعين من تعيناته وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين ~~لكن فرعون لا يقول: هي الله ولا تقربنا إلى الله والمشركون يقولون: هي ~~شفعاؤنا وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من ~~حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه؛ وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث ~~جوزوا عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود وإن كانوا ~~إنما قصدوا عبادة الله. وإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وصفوا بذلك. ~~وفرعون موسى هو الذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة ولم يصفه الله بالشرك. ~~فمعلوم أن المشركين قد يحبون آلهتهم كما يحبون الله أو تزيد محبتهم لهم على ~~محبتهم لله؛ ولهذا: يشتمون الله إذا شتمت آلهتهم. كما قال تعالى: {ولا ~~تسبوا # PageV07P632 # الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} . فقوم فرعون قد ~~يكونون أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا لفرعون في ~~قوله: {أنا ربكم الأعلى} و {ما علمت لكم من إله غيري} . ولهذا لما خاطبهم ~~المؤمن ذكر الأمرين فقال: {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} ~~فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده وذكر الإشراك به أيضا؛ فكان كلامه ~~متناولا للمقالتين والحالين جميعا. فقد تبين: أن المستكبر يصير مشركا إما ~~بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله لكن تسمية هذا شركا نظير من ~~امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله كما قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل ~~لهم لا إله إلا الله يستكبرون} {ويقولون أئنا ms2344 لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} ~~فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله فالمستكبر ~~الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرا منهم وإبليس الذي يأمر بهذا ~~كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرا من هؤلاء وإن كان عالما ~~بوجود الله وعظمته كما أن فرعون كان أيضا عالما بوجود الله. وإذا كانت ~~البدع والمعاصي شعبة من الكفر وكانت مشتقة من شعبه. كما أن الطاعات كلها ~~شعبة من شعب الإيمان ومشتقة منه وقد علم أن الذي يعرف الحق ولا يتبعه غاو ~~يشبه اليهود؛ وأن الذي يعبد الله من غير علم وشرع: هو ضال يشبه النصارى؛ ~~كما كان يقول من يقول من السلف: من فسد من العلماء # PageV07P633 # ففيه شبه من اليهود؛ ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى. # فعلى المسلم أن يحذر من هذين الشبهين الفاسدين؛ من حال قوم فيهم استكبار ~~وقسوة عن العبادة والتأله؛ وقد أوتوا نصيبا من الكتاب وحظا من العلم؛ وقوم ~~فيهم عبادة وتأله بإشراك بالله وضلال عن سبيل الله ووحيه وشرعه وقد جعل في ~~قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وهذا كثير منتشر في الناس؛ والشبه تقل ~~تارة وتكثر أخرى؛ فأما المستكبرون المتألهون لغير الله الذين لا يعبدون ~~الله. وإنما يعبدون غيره للانتفاع به؛ فهؤلاء يشبهون فرعون. # PageV07P634 # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # لفظ " الإسلام " يستعمل على وجهين: " متعديا " كقوله: {ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله وهو محسن} وقوله: {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} الآية {وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء ~~المنام. أسلمت نفسي إليك} . ويستعمل " لازما " كقوله: {إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين} وقوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض} وقوله عن ~~بلقيس: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} . وهو يجمع معنيين: # أحدهما الانقياد والاستسلام. # والثاني: إخلاص ذلك وإفراده. كقوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل} . وعنوانه قول لا إله إلا الله، وله معنيان. # PageV07P635 # أحدهما: الدين المشترك وهو عبادة ms2345 الله وحده لا شريك له الذي بعث به جميع ~~الأنبياء؛ كما دل على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة. # والثاني ما اختص به محمد من الدين والشرعة والمنهاج - وهو الشريعة ~~والطريقة والحقيقة - وله مرتبتان: # أحدهما الظاهر من القول والعمل وهي المباني الخمس. والثاني: أن يكون ذلك ~~الظاهر مطابقا للباطن. فبالتفسير الأول جاءت الآيتان في كتاب الله ~~والحديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعم من الإيمان فكل مؤمن ~~مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. وبالتفسير الثاني يقال: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} وقوله: {وذلك دين القيمة} وقوله: آمركم بالإيمان بالله وفسره ~~بخصال الإسلام وعلى هذا التفسير فالإيمان التام والدين والإسلام سواء وهو ~~الذي لم يفهم المعتزلة غيره. وقد يراد به معنى ثالث هو كماله وهو قوله: ~~{المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} فيكون أسلم غيره أي جعله سالما ~~منه. ولفظ الإيمان: قيل أصله التصديق - وليس مطابقا له؛ بل لا بد أن يكون ~~تصديقا عن غيب وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيمانا؛ لأنه من الأمن الذي ~~هو الطمأنينة وهذا إنما يكون في المخبر الذي قد يقع فيه ريب والمشهودات لا ~~ريب فيها. إلا على هذا - فأما تصديق القلب فقط كما تقول # PageV07P636 # الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة أو ~~باللسان كما تقوله الكرامية وإما التصديق بالقلب والقول والعمل - فإن ~~الجميع يدخل في مسمى التصديق على مذهب أهل الحديث كما فسره شيخ الإسلام ~~وغيره (*) -. وقيل: بل هو الإقرار؛ لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط وأما ~~الإقرار فيطابق الخبر والأمر كقوله: {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا} ولأن قر وآمن: متقاربان. فالإيمان دخول في الأمن والإقرار دخول في ~~الإقرار وعلى هذا فالكلمة إقرار والعمل بها إقرار أيضا. ثم هو في الكتاب ~~بمعنيين: أصل وفرع واجب فالأصل الذي في القلب وراء العمل فلهذا يفرق بينهما ~~بقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} والذي يجمعهما كما في قوله: {إنما ~~المؤمنون} {لا يستأذنك الذين يؤمنون} . وحديث " الحيا " و " وفد عبد القيس ~~" وهو ms2346 مركب من أصل لا يتم بدونه ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه ~~العقوبة ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد ~~وسابق كالحج وكالبدن والمسجد وغيرهما من الأعيان والأعمال والصفات فمن سواء ~~أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال وهو ترك الواجبات ~~أو فعل المحرمات ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول: الذي يزعم ~~المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط وبهذا تزول شبهات الفرق. وأصله القلب وكماله ~~العمل الظاهر بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر وكماله القلب. PageV07P637 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # معلوم أن أصل " الإيمان " هو الإيمان بالله ورسوله وهو أصل العلم الإلهي ~~كما بينته في أول الجزء (*) . # فأما " الإيمان بالله " فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق إلا شواذ ~~الفرق من الفلاسفة الدهرية والإسماعيلية ونحوهم أو من نافق فيه من المظهرين ~~للتمسك بالملل وإنما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله ~~وأحكامه وعباداته ونحو ذلك. وأما " الإيمان بالرسول " فهو المهم إذ لا يتم ~~الإيمان بالله بدون الإيمان به ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه إذ هو ~~الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: " أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد ~~التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو ~~الانقياد - تصديق الرسول PageV07P638 # فيما أخبر والانقياد له فيما أمر كما أن الإقرار بالله هو الاعتراف به ~~والعبادة له فالنفاق يقع كثيرا في حق الرسول وهو أكثر ما ذكره الله في ~~القرآن من نفاق المنافقين في حياته والكفر هو عدم الإيمان سواء كان معه ~~تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض؛ فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد ~~فهو كافر. ثم هنا " نفاقان ": نفاق لأهل العلم والكلام ونفاق لأهل العمل ~~والعبادة - فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه فأن لا يرى وجوب ~~تصديق الرسول فيما أخبر به ولا وجوب طاعته فيما أمر به وإن اعتقد ms2347 مع ذلك أن ~~الرسول عظيم القدر - علما وعملا وأنه يجوز تصديقه وطاعته؛ لكنه يقول: إنه ~~لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة ~~بمتابعة الرسول وبغير متابعته؛ إما بطريق الفلسفة والصبوء أو بطريق التهود ~~والتنصر كما هو: قول الصابئة الفلاسفة في هذه المسألة وفي غيرها فإنهم وإن ~~صدقوه وأطاعوه فإنهم لا يعتقدون وجوب ذلك على جميع أهل الأرض؛ بحيث يكون ~~التارك لتصديقه وطاعته معذبا؛ بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة ~~شيخ أو طاعة ملك؛ وهذا دين التتار ومن دخل معهم. أما النفاق الذي هو دون ~~هذا؛ فأن يطلب العلم بالله من غير خبره؛ أو العمل لله من غير أمره؛ كما ~~يبتلى بالأول كثير من المتكلمة. وبالثاني كثير من المتصوفة فهم يعتقدون أنه ~~يجب تصديقه أو تجب طاعته لكنهم في سلوكهم العلمي # PageV07P639 # والعملي غير سالكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر: إما من جهة القياس ~~والنظر وإما من جهة الذوق والوجد؛ وإما من جهة التقليد؛ وما جاء عن الرسول ~~إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه؛ فانظر نفاق هذين الصنفين مع ~~اعترافهم باطنا وظاهرا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق وأفضل ~~الخلق وأنه رسول وأنه أعلم الناس لكن إذا لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك ~~متابعته كفروا وهذا كثير جدا لكن بسط الكلام في حكم هؤلاء: له موضع غير ~~هذا. # PageV07P640 # سئل - رحمه الله -: # عن الإيمان بالله ورسوله هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الأحوال أم ~~لا؟ وهل يدخل فيه جميع المقامات والأحوال المحمودة عند الله ورسوله أم لا؟ ~~وهل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد ويعرف العبد عند وقوعه ~~في قلبه الحق من الباطل أم لا؟ وهل يكون لأول حصوله سبب من الأسباب - مثل ~~رؤية أهل الخير أو مجالستهم وصحبتهم أو تعلم عمل من الأعمال أو غير ذلك؟ . ~~فإن كان لأول حصوله سبب فما هو ذلك السبب؟ وما الأسباب أيضا التي يقوى بها ~~الإيمان ms2348 - إلى أن يكمل على ترتيبها؟ هل يبدأ بالزهد حتى يصححه؟ أم بالعلم ~~حتى يرسخ فيه؟ أم بالعبادة حتى يجهد نفسه؟ أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته؟ ~~أم كيف يتوصل إلى حقيقة الإيمان الذي مدحه الله ورسوله؟ بينوا لنا الأسباب ~~وأنواعها وشرحها التي يتوصل بها إلى حقيقة الإيمان وما وصف صاحبه - رضي ~~الله عنكم. # PageV07P641 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، اسم " الإيمان " يستعمل مطلقا ويستعمل مقيدا وإذا ~~استعمل مطلقا فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة ~~والظاهرة يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية ويدخلون جميع الطاعات فرضها ونفلها في مسماه وهذا مذهب الجماهير ~~من أهل الحديث والتصوف والكلام والفقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وغيرهم. ويدخل في ذلك ما قد يسمى مقاما وحالا مثل الصبر والشكر والخوف ~~والرجاء والتوكل والرضا والخشية والإنابة والإخلاص والتوحيد وغير ذلك. ومن ~~هذا ما خرج في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {الإيمان ~~بضع وستون - أو بضع وسبعون - شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} . فذكر أعلى شعب الإيمان ~~وهو قول لا إله إلا الله فإنه لا شيء أفضل منها كما في الموطأ وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل الدعاء دعاء يوم # PageV07P642 # عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} وفي الترمذي وغيره أنه قال: ~~{من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة} وفي الصحيح عنه {أنه قال: ~~لعمه عند الموت يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله} . # وقد تظاهرت الدلائل على أن أحسن الحسنات هو التوحيد كما أن أسوأ السيئات ~~هو الشرك وهو الذنب الذي لا يغفره الله كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر ms2349 أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وتلك الحسنة التي لا بد من سعادة ~~صاحبها كما ثبت في الصحيح عنه حديث الموجبتين: موجبة السعادة وموجبة ~~الشقاوة؛ فمن مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة وأما من مات يشرك ~~بالله شيئا دخل النار وذكر في الحديث أنها أعلا شعب الإيمان. وفي الصحيحين ~~{عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لوفد عبد القيس: آمركم بالإيمان بالله ~~أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتؤدوا خمس المغنم} فجعل هذه الأعمال من ~~الإيمان وقد جعلها من الإسلام في {حديث جبرائيل الصحيح - لما أتاه في صورة ~~أعرابي - وسأله عن الإيمان؛ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره وسأله عن الإسلام فقال: أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله # PageV07P643 # وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت} وفي حديث في المسند ~~قال: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} . فأصل الإيمان في القلب وهو قول ~~القلب وعمله وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد وما كان في القلب فلا بد ~~أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على ~~عدمه أو ضعفه؛ ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي ~~تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق ~~وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح كما قال أبو هريرة - ~~رضي الله عنه -: إن القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده ~~وإذا خبث الملك خبثت جنوده وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهي القلب} . ولهذا ظن طوائف من الناس أن الإيمان إنما هو في ~~القلب خاصة وما على الجوارح ليس داخلا في مسماه ولكن هو من ms2350 ثمراته ونتائجه ~~الدالة عليه حتى آل الأمر بغلاتهم - كجهم وأتباعه - إلى أن قالوا: يمكن أن ~~يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلا كلمة الكفر مع قدرته على إظهارها فيكون ~~الذي في القلب إيمانا نافعا له في الآخرة وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد ~~بعمل أو قول: فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب وقولهم متناقض؛ فإنه إذا ~~كان ذلك دليلا مستلزما لانتفاء الإيمان الذي في القلب امتنع أن يكون ~~الإيمان ثابتا في # PageV07P644 # القلب مع الدليل المستلزم لنفيه وإن لم يكن دليلا لم يجز الاستدلال به ~~على الكفر الباطن. والله سبحانه في غير موضع يبين أن تحقيق الإيمان وتصديقه ~~بما هو من الأعمال الظاهرة والباطنة. كقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} ~~{الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا} وقال: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} ~~وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . فإذا قال القائل: هذا يدل على أن ~~الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا يدل على أنها من الإيمان قيل هذا ~~اعتراف بأنه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظاهرة فلا يجوز ~~أن يدعي أنه يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة: لا قول ولا ~~عمل وهو المطلوب - وذلك تصديق - وذلك لأن القلب إذا تحقق ما فيه أثر في ~~الظاهر ضرورة لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر فالإرادة الجازمة للفعل مع ~~القدرة التامة توجب وقوع المقدور فإذا كان في القلب حب الله ورسوله ثابتا ~~استلزم موالاة أوليائه # PageV07P645 # ومعاداة أعدائه {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو ms2351 إخوانهم أو عشيرتهم} {ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} فهذا التلازم ~~أمر ضروري. ومن جهة ظن انتفاء التلازم غلط غالطون؛ كما غلط آخرون في جواز ~~وجود إرادة جازمة مع القدرة التامة بدون الفعل حتى تنازعوا: هل يعاقب على ~~الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وبينا: أن الهمة التي لم ~~يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهام ليست إرادة جازمة وأن الإرادة الجازمة لا ~~بد أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد والعفو وقع عمن هم بسيئة ولما يفعلها؛ ~~لا عن من أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده كالذي أراد قتل صاحبه ~~فقاتله حتى قتل أحدهما؛ فإن هذا يعاقب؛ لأنه أراد وفعل المقدور من المراد ~~ومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظاهرة زالت عنه شبهات كثيرة ~~في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف الناس فيها. # بقي أن يقال: فهل اسم الإيمان للأصل فقط أو له ولفروعه؟ . والتحقيق: أن ~~الاسم المطلق يتناولهما وقد يخص الاسم وحده بالاسم مع الاقتران وقد لا ~~يتناول إلا الأصل إذا لم يخص إلا هو؛ كاسم الشجرة فإنه يتناول الأصل والفرع ~~إذا وجدت ولو قطعت الفروع لكان اسم الشجرة يتناول الأصل وحده وكذلك اسم ~~الحج هو اسم لكل ما يشرع فيه من ركن وواجب # PageV07P646 # ومستحب وهو حج أيضا تام بدون المستحبات وهو حج ناقص بدون الواجبات التي ~~يجبرها دم. والشارع صلى الله عليه وسلم لا ينفي الإيمان عن العبد لترك ~~مستحب لكن لترك واجب؛ بحيث ترك ما يجب من كماله وتمامه؛ لا بانتفاء ما ~~يستحب في ذلك ولفظ الكمال والتمام: قد يراد به الكمال الواجب والكمال ~~المستحب؛ كما يقول بعض الفقهاء: الغسل ينقسم: إلى كامل ومجزئ فإذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا إيمان لمن لا أمانة له} و {لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن} . ونحو ذلك كان لانتفاء بعض ما يجب فيه؛ لا لانتفاء ~~الكمال المستحب. والإيمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه: كالحج والصلاة؛ ms2352 ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم {يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~ومثقال شعيرة من إيمان} . وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا: كما في قوله ~~تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم {الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والبعث بعد الموت} ونحو ذلك فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ~~ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال} وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم} . # PageV07P647 # وقد يقال: إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين ~~فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية ~~الصدقة ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين وهي مع جميعه كالبعض ~~مع الكل ومن هذا الموضع نشأ نزاع واشتباه هل الأعمال داخلة في الإيمان أم ~~لا؟ لكونها عطفت عليه. ومن هذا الباب قد يعطف على الإيمان بعض شعبه العالية ~~أو بعض أنواعه الرفيعة: كاليقين والعلم ونحو ذلك فيشعر العطف بالمغايرة؛ ~~فيقال هذا: أرفع الإيمان - أي اليقين والعلم أرفع من الإيمان الذي ليس معه ~~هذا اليقين والعلم كما قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} . ومعلوم أن الناس يتفاضلون في نفس الإيمان والتصديق في ~~قوته وضعفه وفي عمومه وخصوصه وفي بقائه ودوامه وفي موجبه ونقيضه وغير ذلك ~~من أموره فيخص أحد نوعيه باسم يفضل به على النوع الآخر ويبقى اسم الإيمان ~~في مثل ذلك متناولا للقسم الآخر وكذلك يفعل في نظائر ذلك؛ كما يقال: ~~الإنسان خير من الحيوان والإنسان خير من الدواب وإن كان الإنسان يدخل في ~~الدواب في قوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} . ~~فإذا عرف هذا؛ فحيث وجد في كلام مقبول تفضيل شيء على الإيمان فإنما هو ~~تفضيل نوع خاص على عمومه أو تفضيل بعض شعبه العالية ms2353 على غيره، # PageV07P648 # واسم الإيمان قد يتناول النوعين جميعا وقد يخص أحدهما كما تقدم وقد قيل: ~~أكثر اختلاف العقلاء من جهة أسمائه. # فصل: # وأما قول القائل: هل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد ~~ويعرف العبد عند وقوعه في قلبه الحق من الباطل؟ فيقال له: قد قال الله ~~تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} قال أبي بن ~~كعب وغيره: مثل نوره في قلب المؤمن إلى قوله: {ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور} وقال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس كمن مثله في الظلمات} فالإيمان الذي يهبه الله لعبده سماه نورا ~~وسمي الوحي النازل من السماء الذي به يحصل الإيمان {نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا} وقال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه} وأمثال ذلك ولا ريب أن المؤمن يفرق بين الحق والباطل بل يفرق بين ~~أعظم الحق لكن لا يمكن أن يقال: بأن كل من له إيمان يفرق بمجرد ما أعطيه من ~~الإيمان بين كل حق وكل باطل. # PageV07P649 # فصل: # وأما قوله: هل يكون لأول حصوله سبب؟ فلا ريب أنه يحصل بسبب مثل استماع ~~القرآن ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم ومثل معرفة أحوال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعجزاته والنظر في ذلك ومثل النظر في آيات الله تعالى ~~ومثل التفكر في أحوال الإنسان نفسه ومثل الضروريات التي يحدثها الله للعبد ~~التي تضطره إلى الذل لله والاستسلام له واللجوء إليه وقد يكون هذا سببا ~~لشيء من الإيمان وهذا سببا لشيء آخر؛ بل كل ما يكون في العالم من الأمور ~~فلا بد له من سبب وسبب الإيمان وشعبه يكون تارة من العبد وتارة من غيره مثل ~~من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان ومن يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويبين له ~~علامات الدين وحججه وبراهينه وما يعتبره وينزل به ويتعظ به وغير ذلك من ~~الأسباب. # PageV07P650 # فصل: # وأما قوله: فالأسباب التي ms2354 يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل على ترتيبها؟ هل ~~يبدأ بالزهد؟ أو بالعلم؟ أو بالعبادة؟ أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته؟ ~~فيقال: له لا بد من الإيمان الواجب والعبادة الواجبة والزهد الواجب ثم ~~الناس يتفاضلون في الإيمان؛ كتفاضلهم في شعبه وكل إنسان يطلب ما يمكنه طلبه ~~ويقدم ما يقدر على تقديمه من الفاضل. والناس يتفاضلون في هذا الباب: فمنهم ~~من يكون العلم أيسر عليه من الزهد ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه ومنهم من ~~تكون العبادة أيسر عليه منهما فالمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من ~~الخير كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وإذا ازدحمت شعب الإيمان ~~قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر فقد يكون على المفضول أقدر منه على ~~الفاضل ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع ~~له وهو في حقه أفضل ولا يطلب ما هو أفضل مطلقا إذا كان متعذرا في حقه أو ~~متعسرا يفوته ما هو أفضل له وأنفع؛ كمن يقرأ القرآن بالليل فيتدبره وينتفع ~~بتلاوته والصلاة تثقل عليه ولا ينتفع منها بعمل أو ينتفع بالذكر أعظم مما ~~ينتفع بالقراءة. # PageV07P651 # فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على ~~وجهه بل على وجه ناقص ويفوته به ما هو أنفع له؛ ومعلوم أن الصلاة آكد من ~~قراءة القرآن وقراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء ومعلوم أيضا أن الذكر في ~~فعله الخاص: كالركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن في ذلك المحل وأن الذكر ~~والقراءة والدعاء عند طلوع الشمس وغروبها خير من الصلاة. والزهد هو ضد ~~الرغبة وهو كالبغض المخالف للمحبة والكراهة المخالفة للإرادة وكل من ~~الإرادة والكراهة له أقسام في نفسه وفي متعلقه فالزهد فيه انقسام: إلى ~~المزهود فيه وإلى نفس الزهد. # أما الأول: فإن الزهد. . . (1) وأما نفس الزهد الذي هو ضد الرغبة وهو ~~الكراهة والبغض فحقيقة المشروع منه أن يكون كراهة العبد وبغضه وحبه تابعا ~~لحب الله ms2355 وبغضه ورضاه وسخطه فيحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضى ~~ما يرضاه ويسخط ما يسخطه الله بحيث لا يكون تابعا هواه بل لأمر مولاه فإن ~~كثيرا من الزهاد في الحياة الدنيا أعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما يحبه ~~الله ورسوله وليس مثل هذا الزهد يأمر الله به ورسوله ولهذا كان في المشركين ~~زهاد وفي أهل الكتاب زهاد وفي أهل البدع زهاد. PageV07P652 # ومن الناس من يزهد لطلب الراحة من تعب الدنيا ومنهم من يزهد لمسألة أهلها ~~والسلامة من أذاهم ومنهم من يزهد في المال لطلب الراحة إلى أمثال هذه ~~الأنواع التي لا يأمر الله بها ولا رسوله وإنما يأمر الله ورسوله أن يزهد ~~فيما لا يحبه الله ورسوله ويرغب فيما يحبه الله ورسوله فيكون زهده هو ~~الإعراض عما لا يأمر الله به ورسوله أمر إيجاب ولا أمر استحباب سواء كان ~~محرما أو مكروها أو مباحا مستوي الطرفين في حق العبد ويكون مع ذلك مقبلا ~~على ما أمر الله به ورسوله وإلا فترك المكروه بدون فعل المحبوب ليس بمطلوب ~~وإنما المطلوب بالمقصود الأول فعل ما يحبه الله ورسوله وترك المكروه متعين ~~كذلك به تزكو النفس؛ فإن الحسنات إذا انتفت عنها السيئات زكت فبالزكاة تطيب ~~النفس من الخبائث وتعظم في الطاعات كما أن الزرع إذا أزيل عنه الدغل زكا ~~وظهر وعظم. # فصل: # وأما طريق الوصول إلى ذلك: فبالاجتهاد في فعل المأمور وترك المحظور ~~والاستعانة به على ذلك ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ~~وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل # PageV07P653 # الشيطان} وفي السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على رجل فقال ~~المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ~~يلوم على العجز ms2356 ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم ~~الوكيل} . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد بأن يحرص على ما ينفعه ~~ويستعين بالله على ذلك والحرص على ما ينفعه هو الاجتهاد في الخير وهو ~~العبادة؛ فإن كل ما ينفع العبد فهو مأمور بطلبه وإنما ينهى عن طلب ما يضره ~~- وإن اعتقد أنه ينفعه - كما يطلب المحرمات وهي تضره ويطلب المفضول الذي لا ~~ينفعه والله تعالى أباح للمؤمنين الطيبات وهي ما ينفعهم وحرم عليهم الخبائث ~~وهي ما يضرهم والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا. # PageV07P654 # قال شيخ الإسلام - طيب الله ثراه -: # فصل: # وأما الإيمان: هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ . فالجواب أن هذه المسألة نشأ ~~النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ ~~وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين وقد جرت فيها أمور يطول ~~وصفها هنا لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأطفأ الله ~~نار الجهمية المعطلة صارت طائفة يقولون إن كلام الله الذي أنزله مخلوق ~~ويعبرون عن ذلك باللفظ فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة أو تلاوتنا أو ~~قراءتنا مخلوقة وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون في كلامهم نفس ~~كلام الله الذي نقرأ بأصواتنا وحركاتنا وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا ~~بالقرآن غير مخلوقة فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي ~~بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. # PageV07P655 # وتكلم الناس حينئذ في الإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ~~ما تكلم الله به من الإيمان مثل: قول لا إله إلا الله فصار مقتضى قولهم أن ~~نفس هذه الكلمة مخلوقة ولم يتكلم الله بها فبدع الإمام أحمد هؤلاء وقال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله ~~إلا الله} أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا. ومراده أن من قال: هي مخلوقة ~~مطلقا كان مقتضى قوله إن الله لم يتكلم ms2357 بهذه الكلمة كما أن من قال: إن ~~ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة كان مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم ~~بالقرآن الذي أنزله وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله وأن يكون جبريل نزل ~~بمخلوق ليس هو كلام الله والمسلمون يقرءون قرآنا مخلوقا ليس هو كلام الله ~~وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله ~~تعالى وإن كان مسموعا من المبلغ عنه فإن الكلام قد سمع من المتكلم به كما ~~سمعه موسى بلا واسطة وهذا سماع مطلق - كما يرى الشيء رؤية مطلقة وقد يسمعه ~~من المبلغ عنه فيكون قد سمعه سمعا مقيدا - كما يرى الشيء في الماء والمرآة ~~رؤية مقيدة لا مطلقة أو كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} كان معلوما عند جميع من خوطب بالقرآن أنه يسمع سماعا ~~مقيدا من المبلغ ليس المراد به أنه يسمع من الله. ومن هؤلاء من قال: إنه ~~يسمع صوت القارئ من الله ثم من هؤلاء من # PageV07P656 # يقول: إن صوت الرب حل في العبد ومنهم من يقول ظهر فيه - ولم يحل فيه ~~ومنهم من يقول لا أقول ظهر ولا حل ومنهم من قال الصوت المسموع غير مخلوق أو ~~قديم ومنهم من يقول يسمع منه صوتان: مخلوق وغير مخلوق. ومن القائلين بأنه ~~مسموع من الله من يقول: بأنه يسمع المعنى القديم القائم بذات الرب مع سماع ~~الصوت المحدث؛ قال هؤلاء يسمع القديم والمحدث كما قال أولئك يسمع صوتين ~~قديما ومحدثا؛ وطائفة أخرى قالت: لم يسمع الناس كلام الله؛ لا من الله ولا ~~من غيره؛ قالوا: لأن الكلام لا يسمع إلا من المتكلم؛ ثم من هؤلاء من قال: ~~تسمع حكايته ومنهم من قال: تسمع عبارته لا حكايته؛ ومن القائلين بأنه مخلوق ~~من قال: يسمع شيئان: الكلام المخلوق؛ والذي خلقه؛ والصوت الذي للعبد. وهذه ~~الأقوال كلها مبتدعة مخترعة لم يقل السلف شيئا منها؛ وكلها باطلة شرعا ~~وعقلا ولكن ألجأ أصحابها إليها اشتراك في الألفاظ؛ واشتباه في ms2358 المعاني؛ ~~فإنه إذا قيل سمعت كلام زيد أو قيل هذا كلام زيد فإن هذا يقال: على كلامه ~~الذي تكلم به بلفظه ومعناه سواء كان مسموعا منه أو من المبلغ عنه مع العلم ~~بالفرق بين الحالين وأنه إذا سمع منه سمع بصوته وإذا سمع من غيره سمع بصوت ~~ذلك المبلغ لا بصوت المتكلم وإن كان اللفظ لفظ المتكلم وقد يقال مع القرينة ~~هذا كلام فلان وإن ترجم عنه بلفظ آخر كما يحكي الله كلام من يحكي قوله من ~~الأمم باللسان العربي وإن كانوا إنما قالوه بلفظ عبري أو سرياني # PageV07P657 # أو قبطي أو غير ذلك وهذه الأمور مبسوطة في مواضع أخر. # والمقصود هنا أنه نشأ بين أهل السنة والحديث النزاع في " مسألتي: القرآن ~~والإيمان " بسبب ألفاظ مجملة ومعاني متشابهة وطائفة من أهل العلم والسنة: ~~كالبخاري صاحب الصحيح ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما قالوا: الإيمان مخلوق؛ ~~وليس مرادهم شيئا من صفات الله. وإنما مرادهم بذلك أفعال العباد وقد اتفق ~~أئمة المسلمين على أن أفعال العباد مخلوقة وقال يحيى بن سعيد القطان: ما ~~زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. وصار بعض الناس يظن أن ~~البخاري وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة وجرت للبخاري محنة ~~بسبب ذلك حتى زعم بعض الكذابين أن البخاري لما مات أمر أحمد بن حنبل ألا ~~يصلى عليه وهذا كذب ظاهر فإن أبا عبد الله البخاري - رحمه الله - مات بعد ~~أحمد بن حنبل بنحو خمس عشرة سنة فإن أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - توفي ~~سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين وكان أحمد ~~بن حنبل يحب البخاري ويجله ويعظمه وأما تعظيم البخاري وأمثاله للإمام أحمد ~~فهو أمر مشهور ولما صنف البخاري كتابه في خلق أفعال العباد وذكر في آخر ~~الكتاب أبوابا في هذا المعنى؛ ذكر أن كلا من الطائفتين القائلين: بأن لفظنا ~~بالقرآن مخلوق والقائلين بأنه غير مخلوق ينسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل # PageV07P658 # ويدعون أنهم على قوله وكلا الطائفتين لم تفهم دقة ms2359 كلام أحمد - رضي الله ~~عنه -. وطائفة أخرى: كأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهم ممن يقولون إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة ~~والحديث قالوا: أحمد وغيره كرهوا أن يقال: لفظي بالقرآن؛ فإن اللفظ هو ~~الطرح والنبذ وطائفة أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول أيضا: إنه متبع ~~لأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة إلى غير هؤلاء ممن ينتسب إلى السنة ~~ومذهب الحديث يقولون إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة وهم ~~لم يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أئمة السنة؛ كأحمد بن حنبل وأمثاله وقد بسطنا ~~أقوال السلف والأئمة: أحمد بن حنبل وغيره في غير هذا الموضع. وأما البخاري ~~وأمثاله فإن هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة؛ ~~وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث: كأبي نصر السجزي وأمثاله ممن ~~يردون على أبي عبد الله البخاري يقولون. إن أحمد بن حنبل كان يقول: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق؛ وذكروا روايات كاذبة لا ريب فيها؛ [والمتواتر عن أحمد ~~بن حنبل من رواية ابنيه: صالح وعبد الله وحنبل والمروذي؛ وقوزان ومن لا ~~يحصي عددهم إلا الله تبين أن أحمد كان ينكر على هؤلاء وهؤلاء] (*) وقد صنف ~~أبو بكر المروذي في ذلك مصنفا ذكر فيه قول PageV07P659 # أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم؛ وقد ذكر ذلك الخلال - في كتاب " السنة ~~" وذكر بعضه أبو عبد الله بن بطة في كتاب " الإبانة " وقد ذكر كثيرا من ذلك ~~أبو عبد الله بن منده فيما صنفه في " مسألة اللفظ ". وقال أبو محمد بن ~~قتيبة الدينوري: لم يختلف أهل الحديث في شيء من اعتقادهم إلا في مسألة ~~اللفظ؛ ثم ذكر ابن قتيبة: أن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا؛ ويراد به ~~نفس الكلام الذي هو فعل العبد وصوته وهو مخلوق وأما نفس كلام الله الذي ~~يتكلم به العباد فليس مخلوقا وكذلك " مسألة الإيمان " لم يقل قط أحمد بن ~~حنبل أن الإيمان ms2360 غير مخلوق؛ ولا قال أحمد ولا غيره من السلف أن القرآن ~~قديم؛ وإنما قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولا قال أحمد بن حنبل ~~ولا أحد من السلف أن شيئا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة ولا صوته ~~بالقرآن ولا لفظه بالقرآن؛ ولا إيمانه ولا صلاته ولا شيء من ذلك. # لكن المتأخرون انقسموا في هذا الباب انقساما كثيرا؛ فالذين كانوا يقولون ~~لفظنا بالقرآن غير مخلوق؛ منهم من أطلق القول بأن الإيمان غير مخلوق ومنهم ~~من يقول قديم في هذا وهذا؛ ومنهم من يفرق بين الأقوال الإيمانية والأفعال ~~فيقولون: الأقوال غير مخلوقة وقديمة؛ وأفعال الإيمان مخلوقة؛ ومنهم من يقول ~~في أفعال الإيمان إن المحرم منها مخلوق وأما الطاعات كالصلاة وغيرها فمنهم ~~من يقول: هي غير مخلوقة؛ ومنهم من يمسك فلا يقول: هي # PageV07P660 # مخلوقة ولا غير مخلوقة ومنهم من يمسك عن الأفعال المحرمة ومنهم من يقول: ~~بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة؛ ويقول ليس مرادي بالأفعال ~~الحركات؛ بل مرادي الثواب الذي يجيء يوم القيامة ويحتج هذا بأن القدر غير ~~مخلوق والشرع غير مخلوق. ويجعل أفعال العباد هي: القدر والشرع ولا يفرق بين ~~القدر والمقدور والشرع والمشروع؛ فإن الشرع الذي هو أمر الله ونهيه غير ~~مخلوق وأما الأفعال المأمور بها والمنهي عنها فلا ريب أنها مخلوقة؛ وكذلك ~~القدر الذي هو علمه ومشيئته وكلامه غير مخلوق وأما المقدرات: الآجال ~~والأرزاق والأعمال فكلها مخلوقة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وقائليها ~~في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة ~~ومن اتبعه كلهم بريئون من الأقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل ولم يقل ~~أحد منهم أن القرآن قديم لا معنى قائم بالذات ولا إنه تكلم به في القديم ~~بحرف وصوت ولا تكلم به في القديم بحرف قديم؛ لم يقل أحد منهم لا هذا ولا ~~هذا وإن الذي اتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير مخلوق والله تعالى لم يزل ~~متكلما إذا شاء وكلامه لا نهاية له. كما قال ms2361 الله تعالى: {قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} وهو قديم بمعنى: أنه ~~لم يزل الله متكلما بمشيئته؛ لا بمعنى أن الصوت المعين قديم كما بسطت ~~الكلام في غير هذا الموضع على اختلاف أهل الأرض في كلام الله تعالى: منهم ~~من يجعله فيضا من العقل الفعال على # PageV07P661 # النفوس، كقول طائفة من الصابئة والفلاسفة وهو أفسد الأقوال ومنهم من يقول ~~هو مخلوق خلقه بائنا عنه: كقول الجهمية والنجارية والمعتزلة ومنهم من يقول ~~هو معنى قديم قائم بالذات: كقول ابن كلاب والأشعري ومنهم من يقول هو حروف ~~وأصوات: كقول ابن سالم وطائفة ومنهم من يقول تكلم بعد أن لم يكن متكلما: ~~كقول ابن كرام وطائفة. والصواب من هذه الأقوال قول السلف والأئمة: كما قد ~~بسطت ألفاظهم في غير هذا الموضع. ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون: ~~كلام الله غير مخلوق. وكانت " الجهمية " من المعتزلة وغيرهم. يقولون: إنه ~~مخلوق وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان له فضيلة ومعرفة رد ~~بها على الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات وبين أن الله نفسه فوق العرش؛ وبسط ~~الكلام في ذلك ولم يتخلص من شبهة الجهمية كل التخلص؛ بل ظن أن الرب لا يتصف ~~بالأمور الاختيارية التي تتعلق بقدرته ومشيئته فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ~~ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ~~ومعصيته؛ بل محبا راضيا أو غضبان ساخطا على من علم أنه يموت مؤمنا أو ~~كافرا. ولا يتكلم بكلام بعد كلام وقد قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقال ~~تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} # PageV07P662 # وقال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش} وهذا أصل كبير قد بسط الكلام عليه في غير ms2362 هذا الموضع. وإنما المقصود ~~هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين في مثل " هذه المسائل " وإذا عرف ذلك ~~فالواجب أن نثبت ما أثبته الكتاب والسنة وننفي ما نفى الكتاب والسنة. ~~واللفظ المجمل الذي لم يرد في الكتاب والسنة لا يطلق في النفي والإثبات حتى ~~يتبين المراد به كما إذا قال القائل: الرب متحيز أو غير متحيز أو هو في جهة ~~أو ليس في جهة قيل هذه الألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب والسنة لا نفيا ولا ~~إثباتا ولم ينطق أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها. ~~فإن كان مرادك بقولك إنه يحيط به شيء من المخلوقات؛ وليس هو بقدرته يحمل ~~العرش وحملته وليس هو العلي الأعلى الكبير العظيم الذي لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار وهو سبحانه أكبر من كل شيء فليس هو متحيزا بهذا الاعتبار ~~وإن كان مرادك أنه بائن عن مخلوقاته عال عليها فوق سمواته على عرشه؛ فهو ~~سبحانه بائن من خلقه كما ذكر ذلك أئمة السنة مثل: عبد الله بن المبارك ~~وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أعلام الإسلام وكما دل على ذلك ~~صحيح المنقول وصريح المعقول كما هو مبسوط في مواضع أخر. وكذلك لفظ " الجهة ~~" إن أراد بالجهة أمرا موجودا يحيط بالخالق أو # PageV07P663 # يفتقر إليه فكل موجود سوى الله فهو مخلوق. والله خالق كل شيء وكل ما سواه ~~فهو فقير إليه وهو غني عما سواه وإن كان مراده أن الله سبحانه فوق سمواته ~~على عرشه بائن من خلقه فهذا صحيح. سواء عبر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ ~~الجهة. # وكذلك لفظ " الجبر " إذا قال: هل العبد مجبور أو غير مجبور؟ قيل: إن أراد ~~بالجبر أنه ليس له مشيئة؛ أو ليس له قدرة؛ أو ليس له فعل؛ فهذا باطل فإن ~~العبد فاعل لأفعاله الاختيارية وهو يفعلها بقدرته ومشيئته وإن أراد بالجبر ~~أنه خالق مشيئته وقدرته وفعله فإن الله تعالى خالق ذلك كله. وإذا قال: ~~الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد " بالإيمان ms2363 "؟ أتريد به شيئا ~~من صفات الله وكلامه كقوله (لا إله إلا الله و " إيمانه " الذي دل عليه ~~اسمه المؤمن فهو غير مخلوق أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد ~~كلهم مخلوقون وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة ولا يكون للعبد المحدث المخلوق ~~صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول فإذا حصل الاستفسار ~~والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك ~~الأسماء وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها ~~الخطاب ظهر الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة ~~أثبتوه وما نفاه الكتاب # PageV07P664 # والسنة نفوه وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا ~~فيه قول القائل؛ فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد أصاب ومن نفى ما نفاه ~~الله ورسوله فقد أصاب ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس ~~دين الحق بالباطل فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق وباطل فيتبع الحق ويترك ~~الباطل وكلما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول فإن العقل ~~الصريح لا يخالف النقل الصحيح كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا ~~يخالف بعضه بعضا ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك وهؤلاء من الذين اختلفوا ~~في الكتاب {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} ونسأل الله أن ~~يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # PageV07P665 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # " الاستثناء في الإيمان سنة " عند أصحابنا وأكثر أهل السنة وقالت المرجئة ~~والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه بل هو شك؛ و " الاستثناء أن يقول: أنا ~~مؤمن إن شاء الله أو مؤمن أرجو أو آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله أو إن ~~كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي فنعم وإن كنت تريد {إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فالله أعلم. ثم هنا " ثلاثة أقوال " إما أن ~~يقال: الاستثناء واجب فلا يجوز ms2364 القطع وهذا قول القاضي في عيون المسائل ~~وغيره وإما أن يقال: هو مستحب ويجوز القطع باعتبار آخر وإما أن يقال: ~~كلاهما جائز باعتبار وإنما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز ردا على من ~~نهى عنه فإذا قلنا هو واجب فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنا مؤمنون ~~لكان ذلك قطعا على أنا في الجنة لأن الله وعد المؤمنين الجنة ولا يجوز ~~القطع على الوعد بالجنة لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان ولا يعلم ذلك إلا ~~الله، # PageV07P666 # وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة ولا يعلم ذلك. ولهذا قال ابن مسعود: ~~هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة. يريد بذلك ما استدل به من أن رجلا قال ~~عنده: إني مؤمن فقيل لابن مسعود هذا يزعم أنه مؤمن قال: فسلوه أفي الجنة هو ~~أو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم فقال عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما ~~وكلت الثانية. " قلت ": ويستدل أيضا على وجوب الاستثناء بقول عمر: من قال ~~إنه مؤمن فهو كافر ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو ~~جاهل ولما استدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشك في ~~وقوعه قال: الجواب إن هنا مستقبلا يشك في وقوعه وهو الموافاة بالإيمان؛ ~~والإيمان مرتبط بعضه ببعض فهو كالعبادة الواحدة. " قلت ": فحقيقة هذا القول ~~أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه فإذا انتقض ~~تبين بطلان أولها كالحدث في آخر الصلاة والوطء في آخر الحج والأكل في آخر ~~النهار؛ وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله كقول مصل وصائم وحاج؛ ~~فهذا مأخذ القاضي. وقد ذكر بعدها في المعتمد " مسألة الموافاة " وهي متصلة ~~بها وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرا؛ وبالعكس؛ هل يتعلق رضا ~~الله وسخطه ومحبته وبغضه بما هو عليه أو بما يوافي به. والمسألة متعلقة ~~بالرضا والسخط: هل هو قديم أو محدث؟ # PageV07P667 # والمأخذ الثاني: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال؛ وهذا غير معلوم ~~للمتكلم كما [قال أبو ms2365 العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف ~~النفاق على نفسه لا يقول إن إيماني كإيمان جبريل] (1) فإخبار الرجل عن نفسه ~~أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه وهذا معنى قول ابن المنزل: أن المرجئة ~~تقول إن حسناتها مقبولة وأنا لا أشهد بذلك وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء ~~وهذا المأخذ الثاني للقاضي فإن المنازع احتج بأنه لما لم يجز الاستثناء في ~~الإسلام فكذلك في الإيمان. قال: والجواب أن الإسلام مجرد الشهادتين وقد أتى ~~بهما والإيمان أقوال وأعمال لقوله {الإيمان بضع وسبعون بابا} وهو لا يتحقق ~~كل ذلك منه. " المأخذ الثالث ": أن ذلك تزكية للنفس وقد قال الله: {فلا ~~تزكوا أنفسكم} وهذا يصلح للاستحباب وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها ~~جائز وإن كانت مدحا وقد يصلح للإيجاب قال الأثرم في " السنة ": حدثنا أحمد ~~بن حنبل سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدا من أصحابنا ولا بلغني إلا ~~على الاستثناء قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاستثناء في الإيمان ~~ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه. . . (2) فأستثني مخافة واحتياطا ليس ~~كما يقولون على الشك إنما يستثنى للعمل قال أبو عبد الله: قال الله: ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} أي إن هذا الاستثناء لغير شك وقد قال ~~النبي PageV07P668 # صلى الله عليه وسلم {وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} أي لم يكن يشك في هذا ~~وقد استثنى وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {نبعث إن شاء الله من القبر} ~~وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله} ~~قال هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى ~~بأسا أن لا يستثنى فقال إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فهو ~~أسهل عندي ثم قال أبو عبد الله إن قوما تضعف قلوبهم عن الاستثناء فتعجب ~~منهم وذكر كلاما طويلا تركته. فكلام أحمد يدل على أن الاستثناء لأجل العمل ~~وهذا " المأخذ الثاني " وأنه لغير شك في الأصل ms2366 وهو يشبه " الثالث " ويقتضي ~~أن يجوز ترك الاستثناء وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن فيصح إذا عنى أصل ~~الإيمان دون كماله والدخول فيه دون تمامه كما يقول: أنا حاج وصائم لمن شرع ~~في ذلك وكما يطلقه في قوله آمنت بالله ورسله وفي قوله: إن كنت تعني كذا ~~وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة وعلى هذا ~~يخرج ما روي عن صاحب معاذ بن جبل وما روي في حديث الحارث الذي قال " أنا ~~مؤمن حقا " وفي حديث الوفد الذين قالوا: " نحن المؤمنون " وإن كان في ~~الإسنادين نظر. # PageV07P669 # سئل: # عن معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم {إذا زنى العبد خرج منه الإيمان ~~فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان} رواه ~~الترمذي وأبو داود. وهل يكون الزاني في حالة الزنا مؤمنا أو غير مؤمن؟ وهل ~~حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله؟ # فأجاب: # الحمد لله، الناس في الفاسق من أهل الملة مثل الزاني والسارق والشارب ~~ونحوهم " ثلاثة أقسام ": طرفين ووسط. أحد الطرفين: أنه ليس بمؤمن بوجه من ~~الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان ثم من هؤلاء من ~~يقول: هو كافر: كاليهودي والنصراني. وهو قول الخوارج ومنهم من يقول: ننزله ~~منزلة بين المنزلتين؛ وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم ~~المعتزلة وهؤلاء يقولون: إن أهل الكبائر يخلدون في النار وإن أحدا منهم لا ~~يخرج منها؛ وهذا من " مقالات أهل البدع " التي دل الكتاب والسنة وإجماع ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها قال الله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} - إلى قوله - {إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا # PageV07P670 # بين أخويكم} فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض ~~وقال الله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} ولو أعتق مذنبا أجزأ عتقه بإجماع ~~العلماء. ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية: لا نكفر أحدا من ~~أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل وقد ثبت الزنا والسرقة ms2367 وشرب ~~الخمر على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم فيهم حكم من كفر ~~ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا وهو في ذلك ~~يستغفر لهم ويقول: لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم وأحكام الإسلام كلها ~~مرتبة على هذا الأصل. (الطرف الثاني: قول من يقول: إيمانهم باق كما كان لم ~~ينقص " بناء على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير ~~وإنما نقصت شرائع الإسلام وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم وهو ~~أيضا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان. قال ~~الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} - إلى قوله - {أولئك هم المؤمنون ~~حقا} وقال: {فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله} وقال: {ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} وقال: {فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} . # PageV07P671 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم {الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} {وقال لوفد عبد القيس: آمركم ~~بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~تؤدوا خمس ما غنمتم} . وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ~~ذلك أنه قول القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح. فأما قول القلب ~~فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويدخل فيه ~~الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم الناس في هذا على ~~أقسام: منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم من صدق جملة وتفصيلا ثم ~~منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق ومنهم من يغفل عنه ويذهل ومنهم ~~من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور والإيمان ومنهم من جزم به ~~لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو ~~حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير ms2368 الرسول وتوقيره وخشية الله ~~والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال فهذه ~~الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب ~~العلة للمعلول. ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من ~~الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك. # PageV07P672 # وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون ~~الاسم على الإطلاق ولا يعطونه على الإطلاق. فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان أو ~~مؤمن عاص أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ويقال: ليس بمؤمن حقا أو ليس بصادق ~~الإيمان. وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة فلا بد أن يقترن به ما يبين ~~المراد منه. والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط؛ كجواز العتق في ~~الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله وفرعه: ~~كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك. إذا عرفت " هذه القاعدة ~~". فالذي في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو ~~مؤمن} والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة للرواية ~~المشهورة. فقول السائل: هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة؟ لفظ مشترك؛ ~~فإن عنى بذلك أن ظاهره أن الزاني يصير كافرا وأنه يسلب الإيمان بالكلية فلم ~~يحمل الحديث على هذا أحد من الأئمة ولا هو أيضا ظاهر الحديث لأن قوله {خرج ~~منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة} دليل على أن الإيمان # PageV07P673 # لا يفارقه بالكلية فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ~~ارتباط. وأما إن عنى بظاهره ما هو المفهوم منه كما سنفسره إن شاء الله ~~فنعم؛ فإن عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون ~~أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نقل ~~كراهة تأويل أحاديث الوعيد: عن سفيان. وأحمد بن حنبل - رضي ms2369 الله عنهم - ~~وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا ~~يخرجه عن ظاهره المقصود به وقد تأوله الخطابي وغيره تأويلات مستكرهة مثل ~~قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي: أي ينبغي للمؤمن ألا يفعل ذلك وقولهم: ~~المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما ساغ ذلك لما بين حاله وحال ~~من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة وقولهم: إنما عدم كمال الإيمان ~~وتمامه أو شرائعه وثمراته ونحو ذلك وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من ~~أمعن النظر. فالحق أن يقال: نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه ~~لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه ~~الكبيرة وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة وأنه يرى الفاعل ويشاهده؛ وهو ~~سبحانه وتعالى مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور ~~هذا حق التصور لامتنع صدور الفعل منه ومتى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد " ~~ثلاثة أشياء ". # PageV07P674 # إما اضطراب العقيدة؛ بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه وإنما مقصوده ~~الزجر كما تقوله: المرجئة. أو أن هذا إنما يحرم على العامة دون الخاصة كما ~~يقوله الإباحية أو نحو ذلك من العقائد التي تخرج عن الملة. وإما الغفلة ~~والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه. وإما فرط الشهوة بحيث يقهر مقتضى ~~الإيمان ويمنعه موجبه بحيث يصير الاعتقاد مغمورا مقهورا كالعقل في النائم ~~والسكران وكالروح في النائم. ومعلوم أن " الإيمان " الذي هو الإيمان ليس ~~باقيا كما كان؛ إذ ليس مستقرا ظاهرا في القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ~~ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض ~~الوجوه روح النائم؛ فإنه سبحانه: يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها؛ فالنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من ~~وجه وليس بعاقل من وجه فإذا قال قائل: السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله ~~إليه كان صادقا مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة ms2370 إذ عقله مستور وعقل ~~البهيمة معدوم؛ بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه ~~وفي الأثر {إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم فإذا ~~أنفذ قضاءه. وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا} فالعقل الذي به يكون التكليف ~~لم يسلب وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة. # PageV07P675 # كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق ألا ~~يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة ~~لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات ~~وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته؛ وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا. وهذا ~~يبين أن الحديث على ظاهره الذي يليق به. والله أعلم. # PageV07P676 # سئل - رحمه الله -: # عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم {لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر} هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين أم بالكفار؟ فإن قلنا مخصوص ~~بالمؤمنين فقولنا ليس بشيء؛ لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان. وإن قلنا ~~مخصوص بالكافرين فما فائدة الحديث؟ # فأجاب: # لفظ الحديث في الصحيح: {لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا ~~يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان} فالكبر المباين للإيمان لا يدخل ~~صاحبه الجنة كما في قوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين} ومن هذا كبر إبليس وكبر فرعون وغيرهما ممن كان كبره منافيا للإيمان ~~وكذلك كبر اليهود والذين أخبر الله عنهم بقوله: {أفكلما جاءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} . والكبر كله مباين ~~للإيمان الواجب فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ما أوجب الله عليه ~~ويترك ما حرم عليه بل كبره يوجب له جحد الحق واحتقار الخلق وهذا هو " الكبر ~~" الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم حيث سئل في # PageV07P677 # تمام الحديث. {فقيل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله ~~حسنا. فمن الكبر ذاك؟ فقال: لا إن الله ms2371 جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق ~~وغمط الناس} وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم فمن في ~~قلبه مثقال ذرة من هذا يوجب له أن يجحد الحق الذي يجب عليه أن يقر به وأن ~~يحتقر الناس فيكون ظالما لهم معتديا عليهم فمن كان مضيعا للحق الواجب؛ ~~ظالما للخلق. لم يكن من أهل الجنة ولا مستحقا لها؛ بل يكون من أهل الوعيد. ~~فقوله: {لا يدخل الجنة} متضمن لكونه ليس من أهلها ولا مستحقا لها لكن إن ~~تاب أو كانت له حسنات ماحية لذنبه أو ابتلاه الله بمصائب كفر بها خطاياه ~~ونحو ذلك زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة؛ فيدخلها أو غفر الله له ~~بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه؛ فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر ولهذا قال: ~~من قال في هذا الحديث وغيره: إن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه ~~عذاب؛ لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة؛ فإنه إذا ~~أطلق في الحديث فلان في الجنة أو فلان من أهل الجنة كان المفهوم أنه يدخل ~~الجنة ولا يدخل النار. فإذا تبين هذا كان معناه أن من كان في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر ليس هو من أهل الجنة ولا يدخلها بلا عذاب بل هو مستحق للعذاب ~~لكبره كما يستحقها غيره من أهل الكبائر ولكن قد يعذب في النار ما شاء الله ~~فإنه # PageV07P678 # لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد وهذا كقوله: {لا يدخل الجنة قاطع ~~رحم} وقوله: {لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم ~~على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم} وأمثال هذا من أحاديث ~~الوعيد وعلى هذا فالحديث عام في الكفار وفي المسلمين. # وقول القائل: إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام فيقال له: ليس كل ~~المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب بل أهل الوعيد يدخلون النار ويمكثون فيها ~~ما شاء الله مع كونهم ليسوا كفارا فالرجل الذي معه شيء من الإيمان وله ~~كبائر قد يدخل النار ms2372 ثم يخرج منها: إما بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإما بغير ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي} ~~وكما في الصحيح أنه قال: {أخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان} ~~وهكذا الوعيد في قاتل النفس والزاني وشارب الخمر وآكل مال اليتيم وشاهد ~~الزور وغير هؤلاء من أهل الكبائر؛ فإن هؤلاء - وإن لم يكونوا كفارا - لكنهم ~~ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب. # ومذهب أهل السنة والجماعة: أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار كما ~~قالت الخوارج والمعتزلة وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة؛ بل لهم ~~حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب؛ وهذا مبسوط في موضعه والله ~~أعلم. # PageV07P679 # سئل شيخ الإسلام: # عن " بدعة المرازقة " # فأجاب: # ثم إن جماعات ينتسبون إلى الشيخ " عثمان بن مرزوق " ويقولون: أشياء ~~مخالفة لما كان عليه وهو منتسب إلى مذهب أحمد وكان من أصحاب الشيخ عبد ~~الوهاب بن أبي الفرج الشيرازي وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعي ويقولون ~~أقوالا مخالفة لمذهب الشافعي وأحمد؛ بل ولسائر الأئمة وشيخهم هذا من شيوخ ~~العلم والدين له أسوة أمثاله وإذا قال قولا قد علم أن قول الشافعي وأحمد ~~يخالفه وجب تقديم قولهما على قوله مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة؛ ~~فكيف إذا كان القول مخالفا لقوله ولقول الأئمة وللكتاب والسنة. وذلك مثل ~~قولهم: ولا نقول قطعا ونقول نشهد أن محمدا رسول الله ولا نقطع ونقول: إن ~~السماء فوقنا ولا نقطع ويروون أثرا عن علي وبعضهم يرفعه أنه قال: لا تقل ~~قطعا وهذا من الكذب المفترى باتفاق أهل العلم ولم يكن شيخهم يقول هذا بل ~~هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته وإذا قيل لواحد منهم: ألا تقطع قال: ~~إن الله قادر على أن يغير هذه # PageV07P680 # الفرس فيظن أنه إذا قال قطعا أنه نفي لقدرة الله على تغيير ذلك وهذا جهل ~~فإن هذه الفرس فرس قطعا في هذه الحال والله قادر على أن يغيرها. وأصل " ~~شبهة هؤلاء " أن السلف كانوا ms2373 يستثنون في الإيمان فيقول أحدهم: أنا مؤمن - ~~إن شاء الله - وكانت ثغور الشام: مثل عسقلان قد سكنها محمد بن يوسف ~~الفريابي - شيخ البخاري - وهو صاحب الثوري وكان شديدا على المرجئة وكان يرى ~~" الاستثناء في الإيمان " كشيخه الثوري وغيره من السلف. والناس لهم في ~~الاستثناء " ثلاثة أقوال ": منهم من يحرمه كطائفة من الحنفية ويقولون من ~~يستثني فهو شكاك. ومنهم من يوجبه: كطائفة من أهل الحديث. ومنهم من يجوزه - ~~أو يستحبه - وهذا أعدل الأقوال فإن الاستثناء له وجه صحيح فمن قال: أنا ~~مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ويخاف أن لا يكون ~~قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم قال ابن ~~أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف ~~النفاق على نفسه ومن اعتقد أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة؛ فاستثنى ~~خوفا من سوء الخاتمة فقد أصاب وهذا معنى ما يروى عن ابن مسعود أنه قيل له: ~~عن رجل أنت مؤمن؟ # PageV07P681 # فقال: نعم فقيل له أنت من أهل الجنة فقال أرجو فقال: هلا وكل الأولى كما ~~وكل الثانية ومن استثنى خوفا من تزكية نفسه أو مدحها أو تعليق الأمور ~~بمشيئة الله فقد أحسن ومن جزم بما يعلمه أيضا في نفسه من التصديق فهو مصيب. ~~والمقصود أن أصل شبهة هؤلاء " الاستثناء في الإيمان " كما عليه أهل ثغر ~~عسقلان وما يقرب منها وعامة هؤلاء جيران عسقلان ثم صار كثير منهم يستثني في ~~الأعمال الصالحة فيقول: صليت إن شاء الله وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة ~~كما أمر وصنف أهل الثغر في ذلك مصنفا - وشيخهم ابن مرزوق - غايته أن يتبع ~~هؤلاء ولم يكن هو ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا: لما يعلم ~~أنه موجود هذا موجود قطعا وقد نقل بعض الشيوخ أنه كان يستثني في كل شيء ~~وكأنه يستثني - والله أعلم - في الخبر عن الأمور المستقبلة لقوله [تعالى] ~~(1) {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} وقوله [صلى ms2374 الله عليه وسلم] (2) ~~{وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؟} . والواجب موافقة جماعة المسلمين فإن قول ~~القائل: قطعا بذلك مثل قوله أشهد بذلك وأجزم بذلك وأعلم ذلك؛ فإذا قال: ~~أشهد ولا أقطع؛ كان جاهلا؛ والجاهل عليه أن يرجع؛ ولا يصر على جهله؛ ولا ~~يخالف ما عليه علماء المسلمين؛ فإنه يكون بذلك مبتدعا جاهلا ضالا. ~~PageV07P682 # وكذلك من جهلهم قولهم إن الرافضي لا يقبل الله توبته؛ ويروون عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سب أصحابي ذنب لا يغفر} ويقولون: إن سب ~~الصحابة فيه حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة؛ وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن ~~الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن والسنة والإجماع؛ ~~فإن الله يقول في آيتين من كتابه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} وبهذا احتج أهل السنة على أهل البدع الذين يقولون: لا ~~يغفر لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا وذلك أن الله قال: {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} وهذا ~~لمن تاب فكل من تاب تاب الله عليه؛ ولو كان ذنبه أعظم الذنوب وقال: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذا في حق من لم يتب. # الثاني: أن الحديث لو كان حقا فمعناه أنه لا يغفر لمن لم يتب منه فإنه لا ~~ذنب أعظم من الشرك والمشرك إذا تاب غفر الله له شركه باتفاق المسلمين كما ~~قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وفي ~~الأخرى {فإخوانكم في الدين} ومعلوم أن الكافر الحربي إذا سب الأنبياء ثم ~~تاب تاب الله عليه بالإجماع فإنه كان مستحلا لذلك وكذلك الرافضي هو يستحل ~~سب الصحابة فإذا تبين له أنه حرام واستغفر لهم بدل ما كان منه بدل الله ~~سيئاته بالحسنات وكان حق الآدمي في ذلك تبعا لحق الله؛ لأنه مستحل # PageV07P683 # لذلك ولو قدر أنه حق لآدمي لكان بمنزلة من تاب من القذف والغيبة ms2375 وهذا في ~~أظهر قولي العلماء لا يشترط في توبته تحلله من المظلوم بل يكفي أن يحسن ~~إليه في المغيب؛ ليهدم هذا بهذا. # ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال ~~دمائهم وأموالهم كما يقولون: هذا زرع البدعي ونحو ذلك فإن هذا عظيم لوجهين: # أحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في ~~الطائفة المكفرة لها؛ بل تكون بدعة المكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها وهذا ~~حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضا فإنه إن قدر أن المبتدع يكفر كفر ~~هؤلاء وهؤلاء وإن قدر أنه لم يكفر لم يكفر هؤلاء ولا هؤلاء فكون إحدى ~~الطائفتين تكفر الأخرى ولا تكفر طائفتها هو من الجهل والظلم وهؤلاء من ~~الذين قال الله تعالى فيهم: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} . # والثاني: أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة لم يكن لأهل السنة ~~أن يكفروا كل من قال قولا أخطأ فيه فإن الله سبحانه قال: {ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا} وثبت في الصحيح {أن الله قال: قد فعلت} وقال تعالى: ~~{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} وروي عن النبي # PageV07P684 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان} ~~وهو حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره. وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على ~~أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفا للسنة ~~فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع؛ لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في ~~غير هذا الموضوع. و (المقصود هنا أنه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ ~~من الشيوخ ولا إمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم؛ بل في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها ~~أحدهما} وقال أيضا: {المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه كل المسلم على ~~المسلم حرام دمه وماله وعرضه} . وقال: {لا ms2376 تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ~~ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا} وقال: {مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم: كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر} . وليس للمنتسبين إلى ابن مرزوق أن يمنعوا من مناكحة ~~المنتسبين إلى العوفي؛ لاعتقادهم أنهم ليسوا أكفاء لهم بل أكرم الخلق عند ~~الله أتقاهم من أي طائفة كان من هؤلاء وغيرهم كما قال تعالى: {يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من # PageV07P685 # ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، ~~وفي الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أكرم؟ قال أتقاهم} ~~. وفي السنن عنه أنه قال: {لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا ~~لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم، وآدم من ~~تراب} . PageV07P686 # الجزء الثامن # كتاب القدر # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - طيب الله ثراه -: ### | فصل في " قدرة الرب " # عز وجل (*) # اتفق المسلمون وسائر أهل الملل على أن الله على كل شيء قدير كما نطق بذلك ~~القرآن في مواضع كثيرة جدا. وقد بسطت الكلام في الرد على من أنكر قدرة الرب ~~في غير موضع كما قد كتبناه على " الأربعين " و " المحصل " وفي شرح " ~~الأصبهانية " وغير ذلك وتكلمنا على ما ذكره الرازي وغيره PageV08P007 # في " مسألة كون الرب قادرا مختارا " وما وقع فيها من التقصير الكثير مما ~~ليس هذا موضعه. (والمقصود هنا الكلام بين أهل الملل الذين يصدقون الرسل ~~فنقول: هنا مسائل: # المسألة الأولى: قد أخبر الله أنه على كل شيء قدير والناس في هذا على ~~ثلاثة أقوال: " طائفة " تقول هذا عام يدخل فيه الممتنع لذاته من الجمع بين ~~الضدين وكذلك يدخل في المقدور كما قال ذلك طائفة منهم ابن حزم. و " طائفة " ~~تقول: هذا عام مخصوص يخص منه الممتنع لذاته؛ فإنه وإن كان شيئا فإنه لا ~~يدخل في المقدور كما ذكر ذلك ابن عطية ms2377 وغيره وكلا القولين خطأ. والصواب هو ~~القول الثالث الذي عليه عامة النظار وهو أن الممتنع لذاته ليس شيئا ألبتة ~~وإن كانوا متنازعين في المعدوم فإن الممتنع لذاته لا يمكن تحققه في الخارج. ~~ولا يتصوره الذهن ثابتا في الخارج؛ ولكن يقدر اجتماعهما في الذهن ثم يحكم ~~على ذلك بأنه ممتنع في الخارج؛ إذ كان يمتنع تحققه في الأعيان وتصوره في ~~الأذهان؛ إلا على وجه التمثيل: بأن يقال: قد تجتمع # PageV08P008 # الحركة والسكون في الشيء فهل يمكن في الخارج أن يجتمع السواد والبياض في ~~محل واحد. كما تجتمع الحركة والسكون. فيقال: هذا غير ممكن فيقدر اجتماع ~~نظير الممكن ثم يحكم بامتناعه وأما نفس اجتماع البياض والسواد في محل واحد ~~فلا يمكن ولا يعقل فليس بشيء لا في الأعيان ولا في الأذهان. فلم يدخل في ~~قوله: {وهو على كل شيء قدير} . # المسألة الثانية: أن ### | المعدوم ليس بشيء في الخارج # عند الجمهور وهو الصواب. وقد يطلقون أن الشيء هو الموجود. فيقال على هذا: ~~فيلزم ألا يكون قادرا إلا على موجود وما لم يخلقه لا يكون قادرا عليه. وهذا ~~قول بعض أهل البدع قالوا: لا يكون قادرا إلا على ما أراده؛ دون ما لم يرده ~~ويحكي هذا عن تلميذ النظام. والذين قالوا: إن الشيء هو الموجود من نظار ~~المثبتة كالأشعري ومن وافقه من أتباع الأئمة: أحمد وغير أحمد كالقاضي أبي ~~يعلى وابن الزاغوني وغيرهما. يقولون: إنه قادر على الموجود فيقال: إن هؤلاء ~~أثبتوا ما لم تثبته الآية. فالآية أثبتت قدرته على الموجود وهؤلاء قالوا: ~~هو قادر على الموجود والمعدوم. والتحقيق أن الشيء اسم لما يوجد في الأعيان ~~ولما يتصور في الأذهان. فما قدره الله وعلم أنه سيكون هو شيء في التقدير ~~والعلم والكتاب وإن لم يكن # PageV08P009 # شيئا في الخارج. ومنه قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} ولفظ الشيء في الآية يتناول هذا وهذا. فهو على كل شيء ما وجد وكل ما ~~تصوره الذهن موجودا إن تصور أن يكون موجودا قدير؛ لا ms2378 يستثنى من ذلك شيء ولا ~~يزاد عليه شيء كما قال تعالى: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقال: {قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} وقد ثبت في ~~الصحيحين: أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم {أعوذ بوجهك فلما ~~نزل: {أو يلبسكم شيعا} الآية قال: هاتان أهون} فهو قادر على الأولتين وإن ~~لم يفعلهما وقال: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ~~ذهاب به لقادرون} . قال المفسرون: لقادرون على أن نذهب به حتى تموتوا عطشا ~~وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم. ومعلوم أنه لم يذهب به وهذا كقوله: {أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون} إلى قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} وهذا يدل على ~~أنه قادر على ما لا يفعله. فإنه أخبر أنه لو شاء جعل الماء أجاجا وهو لم ~~يفعله ومثل هذا: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} . {ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض} . {ولو شاء الله ما اقتتلوا} . فإنه أخبر في غير موضع أنه لو شاء ~~لفعل أشياء وهو لم يفعلها فلو لم يكن قادرا عليها لكان إذا شاءها لم يمكن ~~فعلها. # المسألة الثالثة: أنه على كل شيء قدير فيدخل في ذلك # PageV08P010 # أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأكثر المعتزلة يقولون: إن أفعال العبد ~~غير مقدورة. (المسألة الرابعة: أنه يدخل في ذلك أفعال نفسه وقد نطقت النصوص ~~بهذا وهذا كقوله تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم} {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} {بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه} ونظائره كثيرة. والقدرة على الأعيان جاءت في مثل قوله: {ولقد خلقنا ~~الإنسان} {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} وجاءت منصوصا عليها في الكتاب والسنة ~~أما الكتاب فقوله: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} فبين أنه سبحانه يقدر ~~عليهم أنفسهم وهذا نص في قدرته على الأعيان المفعولة وقوله: {وما أنت عليهم ~~بجبار} و {لست عليهم بمسيطر} ونحو ذلك. وهو يدل بمفهومه على أن الرب هو ~~الجبار عليهم المسيطر ms2379 وذلك يستلزم قدرته عليهم وقوله: {فظن أن لن نقدر ~~عليه} - على قول الحسن وغيره من السلف ممن جعله من القدرة - دليل على أن ~~الله قادر عليه وعلى أمثاله وكذلك قول الموصي لأهله: {لئن قدر الله علي ~~ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. فلما حرقوه أعاده الله تعالى وقال ~~له: ما حملك على ما صنعت قال: خشيتك يا رب فغفر له} . وهو كان مخطئا في ~~قوله لئن قدر الله علي ليعذبني كما يدل عليه الحديث وإن الله # PageV08P011 # قدر عليه لكن لخشيته وإيمانه غفر الله له هذا الجهل والخطأ الذي وقع منه. ~~وقد يستدل بقوله: {ألم نخلقكم من ماء مهين} إلى قوله؛ {فنعم القادرون} على ~~قول من جعله من القدرة فإنه يتناول القدرة على المخلوقين وإن كان سبحانه ~~قادرا أيضا على خلقه فالقدرة على خلقه قدرة عليه والقدرة عليه قدرة على ~~خلقه وجاء أيضا الحديث منصوصا في مثل {قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ~~مسعود لما رآه يضرب عبده لله أقدر عليك منك على هذا} . فهذا فيه بيان قدرة ~~الرب على عين العبد وأنه أقدر عليه منه على عبده وفيه إثبات قدرة العبد. ~~وقد تنازع الناس في " قدرة الرب والعبد " فقالت طائفة: كلا النوعين يتناول ~~الفعل القائم بالفاعل ويتناول مقدوره وهذا أصح الأقوال وبه نطق الكتاب ~~والسنة وهو أن كل نوع من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر ومقدوره ~~المباين له وقد تبين بعض ما دل على ذلك في قدرة الرب. وأما قدرة العبد: ~~فذكر قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة وهذا متفق عليه بين الناس الذين ~~يثبتون للعبد قدرة مثل قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} {فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} . {وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم} . الآية. وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك} . # PageV08P012 # وأما المباين لمحل القدرة فمثل قوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} ~~- إلى قوله - {وأخرى لم تقدروا ms2380 عليها} إلى {قديرا} . فدل على أنهم قدروا ~~على الأول وهذه يمكن أن يقدروا عليها وقتا آخر. وهذه قدرة على الأعيان. ~~وقوله: {وغدوا على حرد قادرين} - إلى قوله - {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا ~~منها} الآية. قال أبو الفرج: وفي قوله قادرين ثلاثة أقوال. # أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم قاله قتادة. قلت: وهو قول مجاهد ~~وقتادة. رواه ابن أبي حاتم عنهما قال مجاهد: قادرين في أنفسهم وهذا الذي ~~ذكره البغوي: قادرين عند أنفسهم على جنتهم. وثمارها لا يحول بينهم وبينها ~~أحد وعن قتادة قال: غدا القوم وهم يحدون إلى جنتهم. قادرين على ذلك في ~~أنفسهم. قال أبو الفرج: والثاني: قادرين على المساكين قاله الشعبي: أي على ~~منعهم وقيل: على إعطائهم لكن البخل منعهم من الإعطاء والله أعلم. # والثالث: غدوا وهم قادرين. أي واجدون قاله ابن قتيبة. قلت: الآية وصفتهم ~~بأنهم غدوا على حرد قادرين فالحرد يرجع إلى القصد فغدوا بإرادة جازمة وقدرة ~~ولكن الله أعجزهم وقول من قال: قادرين عند أنفسهم: أي ظنوا أن الأمر يبقى ~~كما كان ولو كان كذلك لتمت قدرتهم لكن سلبوا القدرة بإهلاك جنتهم. # PageV08P013 # قال البغوي: الحرد في اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب. قال الحسن ~~وقتادة وأبو العالية: على جد وجهد وقال القرطبي (*) ومجاهد وعكرمة: على أمر ~~مجتمع قد أسسوه بينهم. قال: وهذا على معنى القصد؛ لأن القاصد إلى الشيء جاد ~~مجمع على الأمر وقال أبو عبيدة والقتيبي: غدوا من أنفسهم على حرد: على منع ~~المساكين؛ يقول: حاردت السنة إذا لم يكن لها مطر وحاردت الناقة علي إذا لم ~~يكن لها لبن؛ وقال الشعبي وسفيان: على حنق وغضب من المساكين وفي تفسير ~~الوالبي: عن ابن عباس على قدرة. قلت: الحرد فيه معنى العزم الشديد؛ فإن هذا ~~اللفظ يقتضي هذا وحرد السنة والناقة لما فيه من معنى الشدة وكذلك الحنق ~~والغضب فيه شدة؛ فكان لهم عزم شديد على أخذها وعلى حرمان المساكين وغدوا ~~بهذا العزم قادرين ليس هناك ما يعجزهم وما يمنعهم لكن جاءها أمر من السماء ms2381 ~~فأبطل ذلك كله وقيل الحرد هو الغيظ والغضب والله أعلم. ونظير هذا وهو صريح ~~في المطلوب أن القدرة تكون على الأعيان قوله تعالى {إنما مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء} - إلى قوله - {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس} الآية. وقوله: {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} ~~يبين أنه لولا الجائحة لكان ظنهم صادقا وكانوا قادرين عليها؛ لكن لما أتاها ~~أمر الله تبين خطأ الظن ولو لم يكونوا قادرين عليها لا في حال سلامتها ولا ~~في حال عطبها لم يكن الله أبطل ظنهم بما أحدثه PageV08P014 # من الإهلاك وهؤلاء لم يكونوا ذهبوا ليحصدوا بل سلبوا القدرة عليها - وهي ~~القدرة التامة - فانتفت لانتفاء المحل القابل؛ لا لضعف من الفاعل وفي تلك ~~قال: {على حرد قادرين} ولم يقل قادرين عند أنفسهم فإن كان كما قاله من قال ~~عند أنفسهم فالمعنى واحد وإن أريد بكونهم قادرين أي ليس في أنفسهم ما ينافي ~~القدرة: كالمرض والضعف ولكن بطل محل القدرة كالذي يقدر على النقد والرزق ~~ولا شيء عنده. وقوله تعالى {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد} فهم ~~في هذه الحال لا يقدرون مما كسبوا على شيء؛ فدل على أنهم في غير هذا يقدرون ~~على ما كسبوا وكذلك غيرهم يقدر على ما كسب فالمراد بالمكسوب المال المكسوب. ~~وقوله تعالى {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا} فلما ذكر في المملوك أنه لا يقدر على ~~شيء ومقصوده أن الآخر ليس كذلك بل هو قادر على ما لا يقدر عليه هذا وهو ~~إثبات الرزق الحسن مقدورا لصاحبه وصاحبه قادر عليه وبهذا ينطق عامة العقلاء ~~يقولون: فلان يقدر على كذا وكذا وفلان يقدر على كذا وكذا ومقدرة هذا دون ~~مقدرة هذا. # PageV08P015 # ومما يبين ذلك: أن الملك نائب للعباد على ما ملكهم الله إياه والملك ~~مستلزم للقدرة فلا ms2382 يكون مالكا إلا من هو قادر على التصرف بنفسه أو بوليه أو ~~وكيله والعقد والمنقول مملوك لمالكه فدل على أنه مقدور له وقد قال موسى: ~~{رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} لما كان قادرا على التصرف في أخيه؛ لطاعته ~~له جعل ذلك ملكا له وقال تعالى: {فهم لها مالكون} وقال تعالى: {وتقولوا ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} أي مطيقين فدل على أنهم صاروا ~~مقرنين مطيقين لما سخرها لهم فهو معنى قوله: {فهم لها مالكون} وقد قال ~~تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا} فدل على أنهم لو ~~نقبوا ذلك لكانوا قد استطاعوا النقب والنقب ليس هو حركة أيديهم بل هو جعل ~~الشيء منقوبا فدل على أن ذلك النقب مقدور للعباد. وأيضا فالقرآن دل على أن ~~المفعولات الخارجة مصنوعة لهم وما كان مصنوعا لهم فهو مقدور بالضرورة ~~والاتفاق والمنازع يقول: ليس شيء خارجا عن محل قدرتهم مصنوعا لهم وهذا خلاف ~~القرآن قال تعالى لنوح: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} وقال {ويصنع الفلك} ~~وقد أخبر أن الفلك مخلوقة مع كونها مصنوعة لبني آدم وجعلها من آياته فقال: ~~{وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} ، {سخر لكم ما في الأرض ~~والفلك تجري في البحر بأمره} {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} وقال: ~~{أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} # PageV08P016 # فجعل الأصنام منحوتة معمولة لهم وأخبر أنه خلقهم وخالق معمولهم فإن " ما ~~" هاهنا: بمعنى الذي والمراد خلق ما تعملونه من الأصنام وإذا كان خالقا ~~للمعمول وفيه أثر الفعل دل على أنه خالق لأفعال العباد. وأما قول من قال: ~~إن " ما " مصدرية فضعيف جدا. وقال تعالى: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ~~وما كانوا يعرشون} وإنما دمر ما بنوه وعرشوه فأما الأعراض التي قامت بهم ~~فتلك فنيت قبل أن يغرقوا وقوله: {وما كانوا يعرشون} دليل على أن العروش ~~مفعول لهم هم فعلوا العرش الذي فيه وهو التأليف ومثل قوله: {أتبنون بكل ريع ~~آية تعبثون} يدل على أن ms2383 المبني هم بنوه حيث قال: {أتبنون} وكذلك قوله: ~~{وتنحتون من الجبال بيوتا} هو كقوله: {أتعبدون ما تنحتون} وقوله: {جابوا ~~الصخر بالواد} دل على أنهم جابوا الصخر: أي قطعوه. ومنه قوله تعالى {فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فأمر بقتلهم والأمر إنما يكون بمقدور ~~العبد فدل على أن القتل مقدور له وهو الفعل الذي يفعله في الشخص فيموت وهو ~~مثل الذبح ومنه قوله: {إلا ما ذكيتم} وقوله: {لا تقتلوا الصيد} وقوله: {ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} يدل على أن الصيد مقتول ~~للآدمي الذي قتله بخلاف قوله: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} فإنه مثل ~~قوله: {وما رميت إذ رميت # PageV08P017 # ولكن الله رمى} فإن قتلهم حصل بأمور خارجة عن قدرتهم مثل إنزال الملائكة ~~وإلقاء الرعب في قلوبهم وكذلك الرمي لم يكن في قدرته أن التراب يصيب أعينهم ~~كلهم ويرعب قلوبهم فالرمي الذي جعله الله خارجا عن قدرة العبد المعتاد هو ~~الرمي الذي نفاه الله عنه. قال أبو عبيد: ما ظفرت أنت ولا أصبت ولكن الله ~~ظفرك وأيدك. وقال الزجاج: ما بلغ رميك كفا من تراب أو حصى أن يملأ عيون ذلك ~~الجيش الكثير إنما الله تولى ذلك. وذكر ابن الأنباري: ما رميت قلوبهم ~~بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب. ولهذا كان هذا أمرا خارجا عن مقدوره فكان ~~من آيات نبوته. وقيل بل الرب تعالى لا يقدر إلا على المخلوق المنفصل لا ~~يقوم به فعل يقدر عليه والعبد لا يقدر إلا على ما يقوم بذاته لا يقدر على ~~شيء منفصل عنه وهذا قول الأشعري ومن وافقه من أتباع الأئمة: كالقاضي أبي ~~يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم. وقيل: إن العبد يقدر على هذا وهذا ~~والرب لا يقدر إلا على المنفصل وهو قول المعتزلة وقيل إن كليهما يقدر على ~~ما يقوم به دون المنفصل وما علمت أحدا قال: كلاهما يقدر على المنفصل دون ~~المتصل. # المسألة الخامسة: أن ### | القدرة هي قدرته على الفعل # والفعل " نوعان ": # PageV08P018 # لازم ومتعد و " النوعان " في قوله: {هو ms2384 الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش} فالاستواء والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك ~~أفعال لازمة لا تتعدى إلى مفعول؛ بل هي قائمة بالفاعل والخلق والرزق ~~والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع والهدى والنصر والتنزيل ونحو ذلك تتعدى ~~إلى مفعول. والناس في هذين النوعين على " ثلاثة أقوال ": منهم من لا يثبت ~~فعلا قائما بالفاعل لا لازما ولا متعديا أما اللازم فهو عنده منتف وأما ~~المتعدي: كالخلق فيقول: الخلق هو المخلوق أو معنى غير المخلوق وهذا قول ~~الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم كالأشعري ومتبعيه وهذا أول قولي القاضي أبي ~~يعلى وقول ابن عقيل. وكثير من المعتزلة يقولون: الخلق هو المخلوق وآخرون ~~يقولون: هو غيره لكن يقولون: بأن الخلق له خلق آخر كما يقوله معمر بن عباد؛ ~~ويسمون أصحاب المعاني المتسلسلة. ومنهم من يقول: الخلق هو نفس الإرادة كما ~~يقوله من يقوله من بعض المعتزلة من أهل البصرة. و " القول الثاني ": أن ~~الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم فيقولون: الخلق قائم بنفسه ليس هو ~~المخلوق. وهم على قولين. # PageV08P019 # منهم من جعل ذلك الفعل حادثا ومنهم من يجعله قديما فيقول التخليق ~~والتكوين قديم أزلي. وهؤلاء منهم من يجعل عين التخليق شيئا واحدا هو قديم ~~والمخلوقين مادته؛ ولكنه قديم أزلي ولا يثبتون نزولا قائما بنفسه ولا ~~استواء؛ لأن هذه حوادث وهذا قول: الكلابية الذين يقولون: فعله قديم مثل ~~كلامه كما قال أصحاب ابن خزيمة وهو قول كثير من الحنفية والحنبلية ~~والمالكية والشافعية ومنهم من يجعل القديم هو النوع وأفراده حادثة فعلى هذا ~~القول يكون الفعل نفسه مقدورا وأما على قول من يجعله شيئا معينا فهؤلاء إن ~~قالوا قديم تناقضوا ولزمهم أن يكون القديم المعين مقدورا وإن قالوا هو غير ~~مقدور تناقضوا؛ لأن الفعل يجب أن يكون مقدورا والله أعلم. و (القول الثالث ~~إثبات الفعلين: اللازم والمتعدي كما دل عليه القرآن فنقول: إنه كما أخبر عن ~~نفسه: أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وهو قول ~~السلف وأئمة السنة وهو قول ms2385 من يقول: إنه تقوم به الصفات الاختيارية - ~~كأصحاب أبي معاذ وزهير البابي وداود بن علي؛ والكرامية وغيرهم من الطوائف ~~وإن كانت الكرامية يقولون بأن النزول والإتيان أفعال تقوم به - وهؤلاء ~~يقولون: يقدر على أن يأتي ويجيء وينزل ويستوي ونحو ذلك من الأفعال كما أخبر ~~عن نفسه وهذا هو الكمال. # PageV08P020 # وقد صرح أئمة هذا القول بأنه " يتحرك " كما ذكر ذلك حرب الكرماني عن أهل ~~السنة والجماعة وسمى منهم: أحمد بن حنبل؛ وسعيد بن منصور وإسحاق بن إبراهيم ~~وغيرهم. وكذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة وجعل نفي الحركة عن ~~الله عز وجل من أقوال الجهمية التي أنكرها السلف وقال: كل حي متحرك وما لا ~~يتحرك فليس بحي وقال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب يتحرك. فقل: ~~أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء. وهؤلاء يقولون من جعل هذه الأفعال غير ممكنة ~~ولا مقدورة له فقد جعله دون الجماد فإن الجماد وإن كان لا يتحرك بنفسه فهو ~~يقبل الحركة في الجملة. وهؤلاء يقولون: إنه تعالى لا يقبل ذلك بوجه ولا ~~تمكنه الحركة والحركة والفعل صفة كمال كالعلم والقدرة والإرادة. فالذين ~~ينفون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال؛ فكذلك هؤلاء الكلابية. وأولئك " نفاة ~~الصفات " إذا قيل لهم: لو لم يكن حيا عليما سميعا بصيرا متكلما: للزم أن ~~يكون ميتا - جاهلا - أصم - أعمى - أخرس - وهذه نقائص يجب تنزيهه عنها فإنه ~~سبحانه قد خلق من هو حي سميع بصير متكلم عالم؛ قادر متحرك؛ فهو أولى بأن ~~يكون كذلك؛ فإن كل كمال في المخلوق المعلول فهو من كمال الخالق الذي يسمونه ~~علة فاعلية. # PageV08P021 # وأيضا فالقديم الواجب بنفسه أكمل من المحدث فيمتنع أن يختص الناقص ~~بالكمال. قالوا: وأما الجماد فلا يسمى حيا ولا ميتا وقد ذكرنا في غير موضع ~~الجواب عن هذه بأجوبة: # أحدها: أن قولهم: إن الجماد لا يسمى حيا وإنما يسمى ميتا ما كان قابلا ~~للحياة: هو اصطلاح. وإلا فالقرآن قد سمى الجماد ميتا في غير موضع كقوله ~~تعالى: {والذين يدعون من دون ms2386 الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير ~~أحياء وما يشعرون} الآية. فسمى الأصنام أمواتا وهي حجارة وقال: {وآية لهم ~~الأرض الميتة أحييناها} . (الوجه الثاني: لا نسلم امتناع قبول هذه الحياة ~~بل الرب تعالى قد جعل الجمادات قابلة للحياة ولا يمتنع قبولها لها فإن الله ~~تعالى قد جعل عصى موسى حية تسعى فدل على أن الخشب يمكن أن يكون حيوانا ~~وموسى لما اغتسل جعل ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه وقد أحيا الله الحوت ~~المشوي الذي كان معه ومع فتاه وقد سبح الحصى والطعام - سبح وهو يؤكل - وكان ~~حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وحن الجذع والجبال سبحت مع داود ~~ونظائر هذا كثيرة؛ وقد قال تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} . (الوجه ~~الثالث أن يقال: هب أنه لا يوصف بالموت إلا ما قبل الحياة فمعلوم أن ما قبل ~~الحياة أكمل ممن لا يقبلها؛ فالجنين في بطن أمه قبل أن ينفخ # PageV08P022 # فيه الروح أكمل من الحجر وقد قال تعالى: {وكنتم أمواتا فأحياكم} فالجنين ~~يمكن أن يصير حيا في العادة ناطقا نطقا يسمعه الإنسان السماع المعتاد فهو ~~أكمل من الحجر والتراب. وأيضا فيقال لهم: رب العالمين إما أن يقبل الاتصاف ~~بالحياة والعلم ونحو ذلك. وإما أن لا يقبل فإن لم يقبل ذلك ولم يتصف به كان ~~دون الأعمى الأصم الأبكم؛ وإن قبلها ولم يتصف بها كان ما يتصف بها أكمل ~~منه؛ فجعلوه دون الإنسان والبهائم وهكذا يقال لهم في أنواع الفعل القائم ~~به: كالإتيان؛ والمجيء؛ والنزول؛ وجنس الحركة إما أن يقبل ذلك وإما أن لا ~~يقبله؛ فإن لم يقبله كانت الأجسام التي تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه؛ ~~وإن قبل ذلك ولم يفعله كان ما يتحرك أكمل منه؛ فإن الحركة كمال للمتحرك ~~ومعلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك وما يقبل ~~الحركة أكمل ممن لا يقبلها. # والنفاة عمدتهم أنه لو قبل الحركة لم يخل منها ويلزم وجود حوادث لا ~~تتناهى؛ ثم ادعوا نفي ذلك ms2387 وفي نفيه نقائص لا تتناهى والمثبتون لذلك يقولون: ~~هذا هو الكمال؛ كما قال السلف: لم يزل الله متكلما إذا شاء كما قال ذلك ابن ~~المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ وذكر البخاري عن نعيم بن حماد أنه قال: ~~الحي هو الفعال وما ليس بفعال فليس بحي. وقد عرف # PageV08P023 # بطلان قول الجهمية وغيرهم بامتناع دوام الفعل والحوادث كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. والمقصود هاهنا: إن هؤلاء لا يجعلونه قادرا على هذه الأفعال ~~وهي أصل الفعل فلا يكون على شيء قدير - على قولهم - بل ولا على شيء. وقد ~~قال: {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس - في رواية الوالبي عنه: هذه ~~في الكفار فأما من آمن إن الله على كل شيء قدير - فقد قدر الله حق قدره. ~~وذكروا في قوله: {ما قدروا الله حق قدره} ما عرفوه حق معرفته وما عظموه حق ~~عظمته وما وصفوه حق صفته وهذه الكلمة ذكرها الله في ثلاثة مواضع: في الرد ~~على المعطلة وعلى المشركين وعلى من أنكر إنزال شيء على البشر فقال في ~~الأنعام: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} ~~وقال في الحج: {إن الذين تدعون من دون الله} - إلى قوله تعالى - {ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} وقال في الزمر: {وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} . وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود: {أن حبرا من اليهود قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد إن الله يوم القيامة يجعل السموات على # PageV08P024 # إصبع والأرض على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى وسائر الخلق ~~على إصبع ثم يهزهن ويقول: أنا الملك قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تصديقا لقول الحبر ثم قرأ: {وما قدروا الله حق قدره} } الآية وفي ~~الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقبض ~~الله الأرض يوم القيامة، ويطوي ms2388 السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك ~~الأرض؟ ثم يقول: أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟} وكذلك في الصحيحين من حديث ~~ابن عمر {يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: ~~أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟} وفي لفظ لمسلم قال: {يأخذ الجبار ~~تبارك وتعالى سمواته وأرضه بيديه جميعا فجعل يقبضهما ويبسطهما ثم يقول: أنا ~~الملك أنا الجبار وأنا الملك أين الجبارون وأين المتكبرون ويميل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل ~~شيء منه حتى أني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم} . وفي ~~السنن عن عوف بن مالك الأشجعي قال: {قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ولا يمر بآية ~~عذاب إلا وقف وتعوذ؛ قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي ~~الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة؛ ثم يسجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده: ~~مثل ذلك ثم قام فقرأ: بآل عمران؛ ثم قرأ سورة} رواه أبو داود والنسائي ~~والترمذي في الشمائل. فقال في هذا الحديث: {سبحان ذي # PageV08P025 # الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة} وهذه الأربعة نوزع الرب فيها؛ كما ~~قال: {أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون} " وقال عز وجل: {العظمة ~~إزاري؛ والكبرياء ردائي؛ فمن نازعني واحدا منهما عذبته} . # ونفاة الصفات ما قدروا الله حق قدره؛ فإنه عندهم لا يمسك شيئا؛ ولا ~~يقبضه؛ ولا يطويه؛ بل كل ذلك ممتنع عليه؛ ولا يقدر على شيء من ذلك؛ وهم ~~أيضا في الحقيقة يقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء لوجهين: # أحدهما: أن الإنزال إنما يكون من علو؛ والله تعالى عندهم ليس في العلو ~~فلم ينزل منه شيء. وقد قال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق} {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} إلى غير ذلك وقولهم: ~~إنه خلقه في مخلوق ونزل منه باطل؛ لأنه قال: {منزل من ربك} ولم يجئ هذا ms2389 في ~~غير القرآن؛ والجديد ذكر أنه أنزله مطلقا ولم يقل منه وهو منزل من الجبال ~~والمطر أنزل من السماء والمراد أنه أنزله من السحاب وهو المزن كما ذكر ذلك ~~في قوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} . و (الثاني: أنه لو كان من مخلوق لكان ~~صفة له وكلاما له فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل؛ ولأن ~~الله لا يتصف بالمخلوقات ولو اتصف بذلك لاتصف بأنه مصوت إذا خلق الأصوات ~~ومتحرك إذا خلق الحركات في غيره إلى غير ذلك. إلى أن قال: فقد تبين أن ~~الجهمية ما قدروا # PageV08P026 # الله حق قدره وأنهم داخلون في هذه الآية وأنهم لم يثبتوا قدرته لا على ~~فعل ولا على الكلام بمشيئته ولا على نزوله وعلى إنزاله منه شيئا فهم من ~~أبعد الناس عن التصديق بقدرة الله وأنه على كل شيء قدير وإذا لم يكن قديرا ~~لم يكن قويا ويلزمهم أنه لم يخلق شيئا فيلزمهم الدخول في قوله: {ضعف الطالب ~~والمطلوب} {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} . فهم ينفون حقيقة ~~قدرته في الأزل وحقيقة قولهم: أنه صار قادرا بعد أن لم يكن والقدرة التي ~~يثبتونها لا حقيقة لها. وهذا أصل مهم من تصوره عرف حقيقة الأقوال الباطلة ~~وما يلزمها من اللوازم وعرف الحق الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول ~~لا سيما في هذه الأصول التي هي أصول كل الأصول والضالون فيها لما ضيعوا ~~الأصول حرموا الوصول وقد تبين أنه كلما تحققت الحقائق وأعطى النظر ~~والاستدلال حقه من التمام كان ما دل عليه القرآن هو الحق وهو الموافق ~~للمعقول الصريح الذي لم يشتبه بغيره مما يسمى معقولا وهو مشتبه مختلط كما ~~قال مجاهد في قوله تعالى {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} قال: هم أهل ~~البدع والشبهات فهم في أمور مبتدعة في الشرع مشتبهة في العقل. والصواب هو ~~ما كان موافقا للشرع مبينا في العقل فإن الله سبحانه أخبر أن القرآن منزل ~~منه وأنه تنزيل منه وأنه كلامه وأنه قوله وأنه ms2390 كفر من قال إنه قول البشر ~~وأخبر: أنه قول رسول كريم من الملائكة ورسول كريم # PageV08P027 # من البشر والرسول يتضمن المرسل فبين أن كلا من الرسولين بلغه لم يحدث هو ~~منه شيئا وأخبر أنه جعله قرآنا عربيا وقال: عما ينزل منه جديدا بعد نزول ~~غيره قديما: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} وأخبر أن للكلام المعين وقتا ~~معينا كما قال تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} وقال: {ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} . والذين قالوا: إنه " مخلوق " ليس ~~معهم حجة إلا ما يدل على أنه تكلم بمشيئته وقدرته وهذا حق لكن ضموا إلى ذلك ~~أن ما كان بمشيئته لا يقوم بذاته. فغلطوا ولبسوا الحق بالباطل فضموا ما نطق ~~به القرآن الموافق للشرع والعقل إلى ما أحدثوه من البدع والشبهات. وكذلك ~~الذين قالوا: إنه " قديم " ليس معهم إلا ما يدل على أنه قائم بذاته لكن ~~ضموا إلى ذلك أن ما يقوم بذاته لا يكون بمشيئته وقدرته فأخطئوا في ذلك ~~ولبسوا الحق بالباطل وأولئك فسروا قوله: {جعلناه قرآنا عربيا} بأنه جعله ~~بائنا عنه مخلوقا وقالوا: جعل - بمعنى خلق - وهؤلاء قالوا: جعلناه سميناه ~~كما في قوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} وهذا إنما ~~يقال: فيمن اعتقد في الشيء صفة حقا أو باطلا إذا كانت الصفة خفية فيقال: ~~أخبر عنه بكذا وكون القرآن عربيا أمر ظاهر لا يحتاج إلى الإخبار ثم كل من ~~أخبر بأنه عربي فقد جعله عربيا بهذا الاعتبار والرب تعالى اختص بجعله عربيا ~~فإنه # PageV08P028 # هو الذي تكلم به وأنزله فجعله قرآنا عربيا بفعل قام بنفسه وهو تكلم به ~~واختاره لأن يتكلم به عربيا - عن غير ذلك من الألسنة - باللسان العربي ~~وأنزله به. ولهذا قال أحمد: الجعل من الله قد يكون خلقا وقد يكون غير خلق ~~فالجعل فعل والفعل قد يكون متعديا إلى مفعول مباين له: كالخلق وقد يكون ~~الفعل لازما وإن كان له مفعول في اللغة كان مفعوله قائما بالفعل: مثل ~~التكلم؛ فإن التكلم فعل يقوم ms2391 بالمتكلم والكلام نفسه قائم بالمتكلم؛ فهو ~~سبحانه جعله قرآنا عربيا فالجعل قائم به والقرآن العربي قائم به فإن " ~~الكلام " يتضمن شيئين: يتضمن فعلا: هو التكلم والحروف المنظومة والأصوات ~~الحاصلة بذلك الفعل. ولهذا يجعل القول تارة نوعا من الفعل؛ وتارة قسيما ~~للفعل كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع. والله أعلم. وقد ذكرت في ~~غير هذا الموضع أنه ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا وذلك ~~الدليل إذا أعطي حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد ~~قول المبطل المحتج به؛ وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون ~~مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا. والله أعلم. # المسألة السادسة: دوام كونه قادرا في الأزل والأبد فإنه قادر ولا # PageV08P029 # يزال قادرا على ما يشاؤه بمشيئته فلم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وهذا ~~قول السلف والأئمة كابن المبارك وأحمد. إلى أن قال: وفي صحيح البخاري ~~تعليقا عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله: {وكان الله غفورا ~~رحيما} {وكان الله عزيزا حكيما} {وكان الله سميعا بصيرا} فكأنه كان فمضى ~~فقال ابن عباس: قوله {وكان الله} {وكان الله} فإنه يجل نفسه عن ذلك وسمى ~~نفسه بذلك لم يجله أحد غيره وكان أي لم يزل كذلك. رواه عبد بن حميد في ~~تفسيره مسندا موصولا ورواه ابن المنذر أيضا في تفسيره وهذا لفظ رواية عبد. ~~والمقصود هنا التنبيه على تنازع الناس في " مسألة القدرة ". وفي الحقيقة ~~أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة ولا يثبته قادرا فالجهمية ~~ومن اتبعهم والمعتزلة والقدرية المجبرة والنافية: حقيقة قولهم: إنه ليس ~~قادرا وليس له الملك فإن الملك إما أن يكون هو القدرة؛ أو المقدور؛ أو ~~كلاهما وعلى كل تقدير فلا بد من القدرة؛ فمن لم يثبت له القدرة حقيقة لم ~~يثبت له ملكا؛ كما لا يثبتون له حمدا. إلى أن قال: و (أيضا فالقديم الأزلي: ~~القيوم الصمد ms2392 الواجب الوجود بنفسه الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير ~~إليه؛ أحق بالكمال من الممكن المحدث المفتقر؛ فيمتنع أن يكون هذا قادرا على ~~الكلام والفعل؛ والقيوم # PageV08P030 # الصمد ليس قادرا على الفعل والكلام؛ إلى أن قال: والمقصود هنا: أنه ~~سبحانه عدل لا يظلم؛ وعدله إحسان إلى خلقه فكل ما خلقه فهو إحسان إلى عباده ~~ولهذا كان مستحقا للحمد على كل حال ولهذا ذكر في سورة النجم أنواعا من ~~مقدوراته؛ ثم قال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} فدل على أن هذه الأنعم مثل إهلاك ~~الأمم المكذبة للرسل؛ فإن في ذلك من الدلالة على قدرته وحكمته ونعمته على ~~المؤمنين ونصره للرسل؛ وتحقيق ما جاءوا به وإن السعادة في متابعتهم ~~والشقاوة في مخالفتهم ما هو من أعظم النعم. وكذلك ما ذكره في سورة الرحمن و ### | كل مخلوق هو من آلائه من وجوه: # منها أنه يستدل به عليه وعلى توحيده وقدرته وغير ذلك. وأنه يحصل به ~~الإيمان والعلم وذكر الرب. وهذه النعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده في ~~الدنيا وكل مخلوق يعين عليها ويدل عليها هذا مع ما في المخلوقات من المنافع ~~لعباده غير الاستدلال بها. فإنه سبحانه يقول: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} لما ~~يذكر ما يذكره من الآية وقال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} والآلاء: هي النعم؛ ~~والنعم كلها من آياته الدالة على نفسه المقدسة ووحدانيته ونعوته ومعاني ~~أسمائه فهي آلاء آيات وكل ما كان من آلائه فهو من آياته وهذا ظاهر؛ وكذلك ~~كل ما كان من آياته فهو من آلائه فإنه يتضمن التعريف والهداية والدلالة على ~~الرب تعالى. وقدرته وحكمته ورحمته ودينه. والهدى أفضل النعم. # PageV08P031 # وأيضا ففيها نعم ومنافع لعباده؛ غير الاستدلال: كما في خلق الشمس والقمر ~~والسحاب والمطر والحيوان والنبات؛ فإن هذه كلها من آياته وفيها نعم عظيمة ~~على عباده غير الاستدلال فهي توجب الشكر لما فيها من النعم وتوجب التذكر ~~لما فيها من الدلالة. قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن ~~أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ms2393 وقال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} فإن العبد ~~يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر وداعي العلم فإنه يشهد نعم الله عليه وذاك ~~داع إلى شكرها؛ وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها والله تعالى هو ~~المنعم المحسن الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده كما في الحديث {من قال ~~إذا أصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ~~فقد أدى شكر ذلك اليوم ومن قال: ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة} رواه ~~أبو حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس وفي حديث آخر {من قال: الحمد ~~لله ربي لا أشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا الله} (1) (*) . # وقد ذم سبحانه من كفر بعد إيمانه كما قال: {قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر} الآية. فهذا في كشف الضر وفي النعم قال: {وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون} أي: شكركم وشكر ما رزقكم الله ونصيبكم تجعلونه تكذيبا وهو ~~الاستسقاء بالأنواء كما ثبت في حديث ابن عباس الصحيح قال: {مطر PageV08P032 # الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ~~أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا: هذه رحمة الله وقال بعضهم: لقد صدق ~~نوء كذا وكذا قال: فنزلت هذه الآية {فلا أقسم بمواقع النجوم} - حتى بلغ - ~~{وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} } رواه مسلم. وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما أنزل من السماء من بركة إلا أصبح فريق ~~من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث فيقول: الكوكب كذا وكذا وفي لفظ له: ~~بكوكب كذا وكذا} وفي الصحيحين عن {زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل قال: ~~أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال: أصبح من عبادي ~~مؤمن بي وكافر فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ~~ومن ms2394 قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب} . وهذا كثير جدا ~~في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشركه به قال بعض ~~السلف: هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاح حاذقا. ولهذا قرن الشكر بالتوحيد ~~في الفاتحة وغيرها: أولها شكر وأوسطها توحيد وفي الخطب المشروعة لا بد فيها ~~من تحميد وتوحيد وهذان هما ركن في كل خطاب ثم بعد ذلك يذكر المتكلم من ~~مقصوده ما يناسب من الأمر والنهي والترغيب والترهيب وغير ذلك. # PageV08P033 # وقوله: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد} يتضمن ~~التوحيد والتحميد وكذلك كان يقول عقب الصلاة: {لا إله إلا الله ولا نعبد ~~إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} وهو سبحانه يفتتح خطابه بالحمد ~~ويختم الأمور بالحمد وأول ما خلق آدم كان أول شيء أنطقه به الحمد فإنه عطس ~~فأنطقه بقوله الحمد لله فقال له: يرحمك ربك يا آدم وكان أول ما تكلم به ~~الحمد وأول ما سمعه الرحمة. وهو يختم الأمور بالحمد كقوله: {وقضي بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد ~~لله رب العالمين} {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} وهو سبحانه {له ~~الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} . # و ### | التوحيد أول الدين وآخره # فأول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله ~~وقال: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله} {وقال لمعاذ: ~~إنك تأتي قوما أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله} وختم الأمر بالتوحيد فقال في الصحيح من رواية ~~مسلم عن عثمان: {من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة} وفي الحديث ~~الصحيح من رواية مسلم عن أبي هريرة {لقنوا موتاكم لا إله إلا الله} وفي ~~السنن من حديث معاذ {من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} . وفي ~~المسند ms2395 {إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد # PageV08P034 # حين الموت إلا وجد روحه لها روحا} وهي الكلمة التي عرضها على عمه عند ~~الموت. فهو سبحانه جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ~~فيتذكر الآيات المثبتة للعلم والإيمان فإذا عرف آلاء الله شكره على آلائه ~~وكلاهما متلازمان فالآيات والآلاء متلازمان ما كان من الآلاء فهو من الآيات ~~وما كان من الآيات فهو من الآلاء وكذلك الشكر والتذكر متلازمان فإن الشاكر ~~إنما يشكر بحمده وطاعته وفعل ما أمر به وذلك إنما يكون بتذكر ما تدل عليه ~~آياته من أسمائه وممادحه؛ ومن أمره ونهيه فيثني عليه بالخير ويطاع في الأمر ~~هذا هو الشكر ولا بد فيهما من التذكر والتذكر إذا تذكر آياته عرف ما فيها ~~من النعمة والإحسان فآياته تعم المخلوقات كلها وهي خير ونعم وإحسان. فكل ما ~~خلقه سبحانه فهو نعمة على عباده وهو خير وهو سبحانه بيده الخير والخير ~~بيديه وفي دعاء القنوت: {ونثني عليك الخير كله} وفي دعاء الاستفتاح: ~~{والخير بيديك والشر ليس إليك} . وكل ### | ما خلقه الله فله فيه حكمة # كما قال: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} وقال: {الذي أحسن كل شيء خلقه} . ~~وهو سبحانه غني عن العالمين. " فالحكمة " تتضمن شيئين: أحدهما: حكمة تعود ~~إليه يحبها ويرضاها. # PageV08P035 # والثاني إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها؛ وهذا في ~~المأمورات وفي المخلوقات. أما في " المأمورات " فإن الطاعة هو يحبها ~~ويرضاها؛ ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح يعرفه الناس؛ فهو يفرح أعظم مما يفرح ~~الفاقد لزاده وراحلته في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس؛ كما أنه يغار ~~أعظم من غيرة العباد؛ وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه فهو يغار إذا فعل ~~العبد ما نهاه ويفرح إذا تاب ورجع إلى ما أمره به والطاعة عاقبتها سعادة ~~الدنيا والآخرة؛ وذلك مما يفرح به العبد المطيع؛ فكان فيما أمر به من ~~الطاعات عاقبته حميدة تعود إليه وإلى عباده ففيها حكمة له ورحمة لعباده؛ ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل ms2396 أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ~~{تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون} {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} {وأخرى تحبونها نصر من الله ~~وفتح قريب وبشر المؤمنين} ففي الجهاد عاقبة محمودة للناس في الدنيا ~~يحبونها: وهي النصر والفتح؛ وفي الآخرة الجنة؛ وفيه النجاة من النار؛ وقد ~~قال في أول السورة: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص} فهو يحب ذلك؛ ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد؛ وهي ~~ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا # PageV08P036 # والآخرة؛ هكذا سائر ما أمر به؛ وكذلك ما خلقه خلقه لحكمة تعود إليه يحبها ~~وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها. والناس لما تكلموا في " علة الخلق وحكمته ~~" تكلم كل قوم بحسب علمهم فأصابوا وجها من الحق، وخفي عليهم وجوه أخرى. ~~وهكذا عامة ما تنازع فيه الناس يكون مع هؤلاء بعض الحق؛ وقد تركوا بعضه ~~كذلك مع الآخرين. ولا يشتبه على الناس الباطل المحض؛ بل لا بد أن يشاب بشيء ~~من الحق؛ فلهذا لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك؛ فإنهم هم الذين آمنوا ~~بالحق كله؛ وصدقوا كل طائفة فيما قالوه من الحق؛ فهم جاءوا بالصدق وصدقوا ~~به فلا يختلفون. # ولأهل الكلام هنا " ثلاثة أقوال " لثلاث طوائف مشهورة وقد وافق كل طائفة ~~ناس من أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. (القول ~~الأول. " قول من نفى الحكمة " وقالوا هذا يفضي إلى الحاجة؛ فقالوا يفعل ما ~~يشاء لا لحكمة فأثبتوا له القدرة والمشيئة وأنه يفعل ما يشاء. وهذا تعظيم ~~ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. وهذا قول الأشعري وأصحابه ومن ~~وافقهم: كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني والجويني # PageV08P037 # والباجي ونحوهم وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن اتبعه من ~~المجبرة. والفلاسفة لهم قول أبعد من هذا. وهو أن ما يقع من عذاب النفوس ~~وغير ذلك من الضرر لا ms2397 يمكن دفعه. فإنهم يقولون: إنه موجب بذاته وكل ما يقع ~~هو من لوازم ذاته. ولو قالوا إنه موجب بمشيئته وقدرته لما يفعله لكانوا قد ~~أصابوا. وقد قالوا أيضا الشر يقع في العالم مغلوبا مع الخير في الوجود. ~~وهذا صحيح؛ لكن هذا يستلزم أن يكون الخالق قد خلق لحكمة معلومة تسلم ولا ~~تعد وإلا فمع انتفاء هذين يبقى الكلام ضائعا ففي قول كل طائفة نوع من الحق ~~ونوع من الباطل فهذه " أربعة أقوال ". # والقول الخامس: قول الأئمة وهو أن له حكمة في كل ما خلق؛ بل له في ذلك ~~حكمة ورحمة. # والقول الثاني أي من " الثلاثة " التي لأهل الكلام: إنه يخلق ويأمر لحكمة ~~تعود إلى العباد وهو نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك ~~وهذا قول المعتزلة وغيرهم؛ ثم من هؤلاء من تكلم في تفصيل الحكمة، فأنكر ~~القدر؛ ووضع لربه شرعا بالتعديل والتجويز. وهذا قول " القدرية " ومنهم من ~~أقر بالقدر وقال: لله حكمة خفيت علينا. وهذا قول ابن عقيل # PageV08P038 # وغيره من المثبتين للقدر؛ فهم يوافقون المعتزلة على إثبات حكمة ترجع إلى ~~المخلوق لكن يقرون مع ذلك بالقدر. والقول الثالث: قول من أثبت حكمة تعود ~~إلى الرب؛ لكن بحسب علمه. فقالوا: خلقهم ليعبدوه ويحمدوه ويثنوا عليه ~~ويمجدوه وهم من خلقه لذلك وهم من وجد منه ذلك فهو مخلوق لذلك؛ وهم المؤمنون ~~ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له. قالوا: وهذه حكمة مقصودة وهي واقعة. ~~بخلاف الحكمة التي أثبتتها المعتزلة؛ فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد ثم ~~قالوا: خلق من علم أنه لا ينتفع بالخلق بل يتضرر به؛ فتناقضوا. ونحن أثبتنا ~~حكمة علم أنها تقع فوقعت وهي معرفة عباده المؤمنين به وحمدهم له؛ وثناؤهم ~~عليه؛ وتمجيدهم له؛ وهذا واقع من المؤمنين. قالوا: وقد يخلق من يتضرر ~~بالخلق لنفع الآخرين وفعل الشر القليل لأجل الخير الكثير حكمة كإنزال المطر ~~لنفع العباد وإن تضمن ضررا لبعض الناس. قالوا: وفي خلق الكفار وتعذيبهم ~~اعتبار للمؤمنين وجهاد ومصالح. وهذا القول اختيار القاضي أبي خازم ms2398 بن ~~القاضي أبي يعلى ذكره في كتابه " أصول الدين " الذي صنفه على كتاب محمد بن ~~الهيثم الكرامي. قالوا: وقوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} هو ~~مخصوص بمن وقعت منه العبادة وهذا قول طائفة من السلف والخلف. قالوا: ~~والمراد # PageV08P039 # بذلك من وجدت منه العبادة فهو مخلوق لها ومن لم توجد منه فليس مخلوقا ~~لها؛ وعن سعيد بن المسيب قال: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني؛ وكذلك قال ~~الضحاك والفراء وابن قتيبة - وهذا قول خاص بأهل طاعته - قال الضحاك: هي ~~للمؤمنين؛ وهذا قول الكرامية. كما ذكره محمد بن الهيثم. قال: ويدل عليه ~~قوله قبل ذلك {فتول عنهم} ثم قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي ~~هؤلاء المؤمنين الذين تنفعهم الذكرى. قالوا: وهي غاية مقصودة واقعة فإن ~~العبادة وقعت من المؤمنين وهذا القول اختيار أبي بكر بن الطيب؛ والقاضي أبي ~~يعلى وغيرهما ممن يقول: إنه لا يفعل لعلة. قالوا: - واللفظ للقاضي أبي يعلى ~~- هذا بمعنى الخصوص لا العموم؛ لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت ~~الخطاب. وإن كانوا من الإنس. وكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: {ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} الآية. فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق ~~للعبادة. قلت: قول هؤلاء الكرامية ومن وافقهم. وإن كان أرجح من قول الجهمية ~~والمعتزلة فيما أثبتوه من حكمة الله؛ وقولهم في تفسير الآية وإن وافقوا فيه ~~بعض السلف. فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور ولما تدل عليه الآية. فإن قصد ~~العموم ظاهر في الآية وبين بيانا لا يحتمل النقيض إذ لو كان المراد ~~المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة؛ فإن الجميع قد فعلوا ما ~~خلقوا له # PageV08P040 # ولم يذكر الإنس والجن عموما. ولم تذكر الملائكة مع أن الطاعة والعبادة ~~وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن. وأيضا فإن سياق الآية يقتضي أن ~~هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق ~~له ولهذا عقبها بقوله؛ {ما أريد منهم من رزق ms2399 وما أريد أن يطعمون} فإثبات ~~العبادة ونفي هذا يبين أنه خلقهم للعبادة ولم يرد منهم ما يريده السادة من ~~عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام؛ ولهذا قال بعد ذلك: {فإن للذين ~~ظلموا ذنوبا} أي نصيبا {مثل ذنوب أصحابهم} أي المتقدمين من الكفار. أي ~~نصيبا من العذاب وهذا وعيد لمن لم يعبده من الإنس والجن؛ فذكر هذا الوعيد ~~عقيب هذه الآية من أولها إلى آخرها يتضمن وعيد من لم يعبده. وذكر عقابه لهم ~~في الدنيا والآخرة فقال تعالى في أولها: {والذاريات ذروا} - إلى قوله - ~~{إنما توعدون لصادق} {وإن الدين لواقع} ثم ذكر قوله: {إنكم لفي قول مختلف} ~~{يؤفك عنه من أفك} ثم ذكر وعيد الآخرة بقوله: {قتل الخراصون} {الذين هم في ~~غمرة ساهون} {يسألون أيان يوم الدين} {يوم هم على النار يفتنون} ثم ذكر ~~وعده للمؤمنين فقال: {إن المتقين في جنات وعيون} - إلى قوله - {وفي الأرض ~~آيات للموقنين} {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ~~{فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ثم ذكر قصص من آمن فنفعه ~~إيمانه ومن كفر فعذبه بكفره. فذكر قصة إبراهيم ولوط وقومه وعذابهم، # PageV08P041 # ثم قال: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} {وفي موسى إذ ~~أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين} أي في قصة موسى آية أيضا. هذا قول الأكثرين ~~ومنهم من لم يذكر غيره كأبي الفرج وقيل: هو عطف على قوله: {وفي الأرض آيات ~~للموقنين} {وفي موسى} وهو ضعيف؛ لأن قصة فرعون وعاد هي من جنس قوم لوط فيها ~~ذكر الأنبياء ومن اتبعهم ومن خالفهم يدل بها على إثبات النبوة وعاقبة ~~المطيعين والعصاة. وأما قوله: {وفي الأرض} {وفي أنفسكم} فتلك آيات على ~~الصانع جل جلاله وقد تقدمت؛ ولأنه لا يفصل به بين المعطوف والمعطوف عليه ~~بمثل هذا الكلام الكثير مع أن قبله لا يصلح العطف عليه وهو قوله: {وتركنا ~~فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} ثم قال: {وفي عاد} {وفي ثمود} . ثم ~~ذكر أنه بنى السماء بأيد وفرش الأرض وخلق من ms2400 كل شيء زوجين لعلكم تذكرون ~~فلما بين الآيات الدالة على ما يجب من الإيمان وعبادته أمر بذلك فقال: ~~{ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر} ~~الآية. ثم بين أن هؤلاء المكذبين من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول والمؤمنون ~~ويصبروا على ما ينالهم من أذى الكفار فقال {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} {أتواصوا به بل هم قوم طاغون} . فهذا كله ~~يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله واستحقاق من يفعل العقوبة ~~في الدنيا والآخرة فإذا قال بعد ذلك: {وما خلقت # PageV08P042 # الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} كان ~~هذا مناسبا لما تقدم مؤتلفا معه: أي هؤلاء الذين أمرتهم إنما خلقتهم ~~لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك لا رزقا ولا طعاما. فإذا قيل: لم يرد بذلك ~~إلا المؤمنين كان هذا مناقضا لما تقدم يعني في السورة وصار هذا كالعذر لمن ~~لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك ~~ولو خلقتني لها لكنت عابدا وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك وأنا خلقتني لأكفر ~~بك وأشرك بك وأكذب رسلك وأعبد الشيطان وأطيعه وقد فعلت ما خلقتني له كما ~~فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له فلا ذنب لي ولا أستحق العقوبة؛ فهذا ~~وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول وكلام الله منزه عن هذا وهم إنما قالوا ~~هذا؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد قالوا فلو كان أراد منهم أن يطيعوه ~~لجعلهم مطيعين كما جعل المؤمنين. والقدرية يقولون: لم يرد من هؤلاء ولا ~~هؤلاء إلا الطاعة؛ لكن هو لم يجعل لا هؤلاء ولا هؤلاء مطيعين؛ بل الإرادة ~~بمعنى الأمر يأمر بها الطائفتين فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم ~~وهؤلاء عصوه بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم. وأولئك علموا فساد قول القدرية ~~من جهة أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا ~~يكون في ملكه ms2401 إلا ما شاءه ولا يكون في ملكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته ~~كما دل على ذلك السمع # PageV08P043 # والعقل، وهذا مذهب الصحابة قاطبة وأئمة المسلمين وجمهورهم وهو مذهب أهل ~~السنة؛ فلأجل هذا عدل أولئك في تفسير الآية إلى الخصوص فإنهم لم يمكنهم ~~الجمع بين الإيمان بالقدر وبين أن يكون خلقهم لعبادته فلم تقع منهم العبادة ~~له وقالوا: من ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته فمن قال خلق الخلق ليعبده ~~المؤمنون منهم سلك هذا المسلك. # وأما " نفاة الحكمة ": كالأشعري وأتباعه كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى ~~وغيرهم فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئا لشيء فلم يخلق أحدا لا لعبادة ~~ولا لغيرها وعندهم ليس في القرآن لام كي لكن قد يقولون في القرآن لام ~~العاقبة كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} وكذلك يقولون في ~~قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} يعنون كان عاقبة هؤلاء جهنم ~~وعاقبة المؤمنين العبادة من غير أن يكون الخالق قصد أن يخلقهم لا لهذا ولا ~~لهذا ولكن أراد خلق كل ما خلقه لا لشيء آخر فهذا قولهم وهو ضعيف لوجوه: ~~(أحدها أن لام العاقبة التي لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما تكون من ~~جاهل أو عاجز فالجاهل كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} لم ~~يعلم فرعون بهذه العاقبة والعاجز كقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب. فإنهم ~~يعلمون هذه العاقبة؛ لكنهم عاجزون عن دفعها والله تعالى عليم قدير فلا ~~يقال: إن فعله كفعل الجاهل العاجز. # PageV08P044 # الثاني: أن الله أراد هذه الغاية بالاتفاق، فالعبادة التي خلق الخلق ~~لأجلها هي مرادة له بالاتفاق وهم يسلمون أن الله أرادها وحيث تكون اللام ~~للعاقبة لا يكون الفاعل أراد العاقبة وهؤلاء يقولون خلقهم وأراد أفعالهم ~~وأراد عقابهم عليها فكلما وقع فهو مراد له؛ ولكنه عندهم لا يفعل مرادا ~~لمراد أصلا لأن الفعل للعلة يستلزم الحاجة وهذا ضعيف بين الضعف وأهل الخصوص ~~قالوا: مثل هذا الجواب. وطائفة أخرى قالوا: هي على العموم لكن المراد ~~بالعبادة تعبيده لهم وقهره لهم ونفوذ قدرته ms2402 ومشيئته فيهم وأنه أصارهم إلى ~~ما خلقهم له من السعادة والشقاوة هذا جواب زيد بن أسلم وطائفة وهذا القول ~~الثاني في تفسير الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج عن زيد بن أسلم في ~~قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} قال جبلهم على الشقاوة والسعادة ~~وقال وهب بن منبه: جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية وهذا يشبه قول من ~~قال في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة} أي ~~على ما كتب له من سعادة وشقاوة كما قال ذلك طائفة منهم: ابن المبارك وأحمد ~~بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وقد قيل لمالك: أهل القدر يحتجون علينا بهذا ~~الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره وهو قوله. {الله أعلم بما كانوا عاملين} . ~~وهذا الجواب يصلح أن يجاب به من أنكر العلم كما كان على ذلك طائفة من ~~القدماء وهم المعروفون بالقدرية في لغة مالك. # PageV08P045 # إلى أن قال: ومن فسر هذه الآية بأن المراد بيعبدون هو ما جبلهم عليه وما ~~قدره عليهم من السعادة والشقاوة وأن ذلك هو معنى الحديث فإن هؤلاء جعلوا ~~معنى يعبدون بمعنى يستسلمون لمشيئتي وقدرتي فيكونون معبدين مذللين كي يجري ~~عليهم حكمي ومشيئتي لا يخرجون عن قضائي وقدري فهذا معنى صحيح في نفسه وإن ~~كانت القدرية تنكره. فبإنكارهم لذلك صاروا من أهل البدع بل الله خالق كل ~~شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وفي استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أعوذ بكلمات الله التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما ذرأ وبرأ ~~وأعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده} . فكلماته التامة هي ~~التي كون بها الأشياء كما قال تعالى. {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون} لا يجاوزها بر ولا فاجر ولا يخرج أحد عن القدر المقدور ولا ~~يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور وهذا المعنى قد دل عليه القرآن في غير ~~موضع كقوله: {ولقد ذرأنا لجهنم} الآية وقوله: {ما ms2403 كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله} {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ~~ذلك على الله يسير} وقوله في السحر. {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله} {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا} ونحو ذلك. ولكن قوله. {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} لم ~~يرد به هذا المعنى الذي ذهبوا إليه وحاموا حوله - من أن المخلوقات كلها تحت ~~مشيئته وقهره # PageV08P046 # وحكمه. فالمخلوقات كلها داخلة في هذا لا يشذ منها شيء عن هذا. وقد قال ~~تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~{وأن اعبدوني} الآية. وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} {والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله} {والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال: {ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم} . فهذا ونحوه كثير في القرآن. لم يرد بعبادة الله ~~إلا العبادة التي أمرت بها الرسل وهي عبادته وحده لا شريك له والمشركون لا ~~يعبدون الله بل يعبدون الشيطان وما يدعونه من دون الله. سواء عبدوا ~~الملائكة أو الأنبياء والصالحين أو التماثيل والأصنام المصنوعة؛ فهؤلاء ~~المشركون قد عبدوا غير الله تعالى كما أخبر الله بذلك، فكيف يقال: إن جميع ~~الإنس والجن عبدوا الله؟ لكون قدر الله جاريا عليهم والفرق ظاهر بين ~~عبادتهم إياه التي تحصل بإرادتهم واختيارهم وإخلاصهم الدين له وطاعة رسوله ~~وبين أن يعبدهم هو وينفذ فيهم مشيئته وتكون عبادتهم لغيره: للشيطان ~~وللأصنام من المقدور. وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين: أنا كافر برب ~~يعصى فيجعل كلما يقع طاعة كما جعله هؤلاء عبادة لله تعالى لكونهم تحت ~~المشيئة وكان بعض شيوخهم يقول عن إبليس: إن كان عصى الأمر فقد أطاع المشيئة ~~لكن هؤلاء مباحية يسقطون الأمر. # PageV08P047 # وأما زيد بن أسلم ووهب بن منبه ونحوهم فحاشاهم من مثل هذا؛ فإنهم كانوا ~~من ms2404 أعظم الناس تعظيما للأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن قصدوا الرد على ~~المكذبين بالقدر القائلين: بأنه يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. وهؤلاء ~~حقيقة قولهم: إنه لا يقدر على تعبيدهم وتصريفهم تحت مشيئته فأرادوا إبطال ~~قول هؤلاء ونعم ما أرادوا لكن الكلام فيما أريد بالآية. وقول أولئك ~~الإباحية يشبه قول من قال: إن العارف إذا شهد المشيئة سقط عنه الملام وإنه ~~إذا شهد الحكم - يعني المشيئة - لم يستحسن ولم يستقبح سببه ونحو هذا من ~~أقوال هؤلاء الذين تشبه أقوالهم أقوال المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} كما قد بسط الكلام عليه وبين أن ~~إثبات القدر السابق حق لكن ذلك هو الذي يصير العبد إليه ليس هو الذي فطر ~~عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء} . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ضربه أن البهيمة تولد ~~سليمة ثم تجدع والجدع كان مقدرا عليها؛ كذلك العبد يولد على الفطرة سليما ~~ثم يفسد بالتهود والتنصير وذلك كان مكتوبا أن يكون. وصاحب هذا القول إنما ~~قاله ليبين ما خلقوا له وقد قصد هذا طائفة # PageV08P048 # فسروا العبادة بأمر واقع عام وليست هي العبادة المأمور بها على ألسن ~~الرسل ففي تفسير ابن أبي طلحة المضاف إلى ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية ~~طوعا وكرها وهذه العبودية كقوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها} وقوله: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} وفسرت طائفة " ~~الكره " بأنه جريان حكم القدر فيكون كالقول قبله والصحيح أنه انقيادهم ~~لحكمه القدري بغير اختيارهم، كاستسلامهم عند المصائب وانقيادهم لما يكرهون ~~من أحكامه الشرعية فكل أحد لا بد له من انقياده لحكمه القدري والشرعي فهذا ~~معنى صحيح. قد بسط في غير هذا الموضع لكن ليس هو العبادة. وكذلك قال بعضهم: ~~إلا ليخضعوا لي ويتذللوا قالوا: ومعنى العبادة في ms2405 اللغة - التذلل والانقياد ~~وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله تعالى متذلل لمشيئته. لا يملك ~~أحد لنفسه خروجا عما خلق. وقد ذكر أبو الفرج قول ابن عباس هذا. قال: وبيان ~~هذا قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} وهذه الآية توافق من قال: ~~إلا ليعرفون؛ كما سيأتي. وهؤلاء الذين أقروا بأن الله خالقهم لم يقروا بذلك ~~كرها بخلاف إسلامهم وخضوعهم له فإنه يكون كرها وأما نفس الإقرار فهو فطري ~~فطروا عليه وبذلوه طوعا. # PageV08P049 # وقيل " قول رابع ": روى ابن أبي حاتم عن زائدة عن السدي: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} قال: خلقهم للعبادة فمن العبادة عبادة تنفع ومن ~~العبادة عبادة لا تنفع {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله} هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع شركهم وهذا المعنى صحيح ~~لكن المشرك يعبد الشيطان وما عدل به الله لا يعبد ولا يسمى مجرد الإقرار ~~بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله ولكن يقال كما قال: {وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون} فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به وأما العبادة ففي ~~الحديث {يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري ~~فأنا منه بريء وهو كله الذي أشرك} فعبادة المشركين وإن جعلوا بعضها لله لا ~~يقبل منها شيئا بل كلها لمن أشركوه. فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه ومثل ~~هذا قول من قال: إلا ليوحدون فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما ~~الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء بيانه في قوله: {فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} . وقيل " قول خامس " ذكره ابن ~~أبي حاتم عن ابن جريج قال: ليعرفون قال: وروي عن قتادة وذكره البغوي عن ~~مجاهد. قال: وقال مجاهد إلا ليعرفون. قال: وهذا قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم ~~لم يعرف وجوده وتوحيده، ودليله قوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} فيقال: هذا المعنى صحيح؛ وكونه إنما عرف ~~بخلقهم يقتضي # PageV08P050 # أن خلقهم شرط ms2406 في معرفتهم لا يقتضي أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو ~~الغاية التي خلقوا لها وهذا من جنس قول السدي؛ فإن هذا الإقرار العام هم ~~مشركون فيه كما قال: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} لكن ليس هذا هو العبادة. ~~فهذه " الأقوال الأربعة ": قول من عرف أن الآية عامة فأراد أن يفسرها ~~بعبادة تعم الإنس والجن واعتقد أنه (إن فسرها بالعبادة المعروفة وهي الطاعة ~~لله والطاعة لرسله لزم أن تكون واقعة منهم ولم تقع؛ فأراد أن يفسرها بعبادة ~~واقعة وظن أنه إذا فسرها بعبادة لم تقع لزمه قول القدرية وأنه خلقهم ~~لعبادته فعصوه بغير مشيئته وغير قدرته ففروا من قول القدرية وهم معذورون في ~~هذا الفرار؟ لكن فسرها بما لم يرد بها كما يصيب كثير من الناس في الآيات ~~التي يحتج أهل البدع بظاهرها كاحتجاج الرافضة بقوله: {وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم} على مسح ظهر القدمين فنرى المخالفين لهم يذكرون أقوالا ضعيفة هذا ~~يقول مجرورا بالمجاورة كقولهم جحر ضب خرب ونحو هذا من الأقوال الضعيفة ~~وكذلك ما قالوه في قوله {فحج آدم موسى} وأمثال ذلك. و " القول السادس " - ~~وإن كان أبو الفرج لم يذكر فيها إلا أربعة أقوال - وهو الذي عليه جمهور ~~المسلمين أن الله خلقهم لعبادته وهو فعل ما أمروا به ولهذا يوجد المسلمون ~~قديما وحديثا يحتجون بهذه الآية على هذا # PageV08P051 # المعنى حتى في وعظهم وتذكيرهم وحكاياتهم كما في حكاية إبراهيم بن أدهم؛ ~~ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت؛ وفي حديث إسرائيلي: {يا ابن آدم خلقتك لعبادتي ~~فلا تلعب وتكلفت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء؛ ~~وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء} وهذا هو المأثور عن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب؛ وغيره من السلف فذكروا عن علي بن أبي طالب أنه ~~قال: إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم إلى عبادتي. قالوا: ويؤيده قوله تعالى ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين} وقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا} وهذا اختيار الزجاج وغيره. ms2407 وهذا هو المعروف عن مجاهد بالإسناد ~~الثابت؛ قال ابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو أسامة عن شبل عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} لآمرهم وأنهاهم " ~~كذلك روي عن الربيع بن أنس قال: " ما خلقتهما إلا للعبادة ". ويدل على هذا ~~مثل قوله: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} يعني لا يؤمر ولا ينهى وقوله: {قل ~~ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي لولا عبادتكم وقوله: {ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} وقوله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} ؟ إلى قوله: {وأهلها غافلون} ~~وقوله: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~{وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} الآيات. # PageV08P052 # وما بعدها. وقالت الجن لما سمعوا القرآن: {يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} {يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله وآمنوا به} الآية. وما بعدها. وقالت الجن: {وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} الآية. وما بعدها. وقد ~~قال في القرآن في غير موضع: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم} فقد أمرهم بما خلقهم له وأرسل الرسل إلى الإنس والجن ومحمد ~~أرسل إلى الثقلين وقرأ القرآن على الجن وقد روي أنه لما قرأ عليهم سورة ~~الرحمن. وجعل يقرأ: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} يقولون: ولا بشيء من آلائك ~~ربنا نكذب فلك الحمد. فهذا هو المعنى الذي قصد بالآية قطعا وهو الذي تفهمه ~~جماهير المسلمين ويحتجون بالآية عليه؛ ويعترفون بأن الله خلقهم ليعبدوه، لا ~~ليضيعوا حقه وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: {يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: فإن ~~حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على ~~الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: ms2408 الله ورسوله أعلم قال: فإن حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم} . وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بعثت ~~بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل ~~رمحي. وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم} . # PageV08P053 # ثم للناس على هذا القول قولان: قول أهل السنة المثبتة للقدر وقول نفاته ~~فصارت الأقوال في الآية " سبعة ". وفي الحكمة " خمسة ": فأما أهل السنة ~~المثبتون للقدر فيقولون: قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} لا ~~يستلزم وقوع العبادة منهم كما قال أصحاب هذه الأقوال المتقدمة ولا يستلزم ~~نفي المقدور أن يكون في ملكه ما لا يشاء أو يشاء ما لا يكون كما قالت ~~القدرية فهؤلاء يقولون: لم يقع ما خلقهم له لكونه يشاء ما لا يكون ويكون ما ~~لا يشاء. أولئك قالوا: إذا كان ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن فما لم يقع ~~لم يشأه فما لم يقع من العبادة لم يشأها وهذا معنى صحيح ثم قالوا: وما ~~خلقهم له فلا بد أن يشاء أن يخلقه فلما لم يشأه أن يخلق هذا لم يخلقهم له. ~~فالطائفتان أصل غلطهم ظنهم أنما خلقهم له يشاء وقوعه وأولئك يقولون يشاء أن ~~يخلقه وهؤلاء يقولون يشاء وقوعه منهم بمعنى يأمرهم به وما عندهم أن له ~~مشيئة في أفعال العباد غير الأمر وهم يعصون أمره؛ فلهذا قالوا: يكون ما لا ~~يشاء ويشاء ما لا يكون كما يقولون: يفعلون ما نهاهم عنه ويتركون ما أمرهم ~~به وهذا المعنى صحيح إذا أريد الأمر الشرعي؛ لكن القدرية النفاة لا يقولون: ~~إنه شاء إلا بمعنى أمر فعندهم ما ليس طاعة من أفعال العباد ما لا # PageV08P054 # يشاؤه فإنه لا يخلقه عندهم وإذا لم يخلقه لم يشأه فإنه ما شاء أن يخلقه ~~خلقه باتفاق المسلمين. والقدرية لا تنازع في هذا لا ينازعون في أنه ما شاء ~~أن يفعله هو فعله وأنه قادر على أن يفعل ما يشاء أن ms2409 يفعله لكن عندهم أن ~~أفعال العباد لا تدخل في خلقه ولا في قدرته ولا في مشيئته ولا في مشيئته أن ~~يفعل لكن المشيئة المتعلقة بها بمعنى الأمر فقط فيقولون: خلقهم لعبادته أن ~~يفعلوها هم وقد أمرهم بها فإذا لم يفعلوها كان ذلك بمنزلة عصيان أمره. وأما ~~المثبتون للقدر فيقولون: إنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو سبحانه خالق ~~كل شيء {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} {ولو شاء الله ما اقتتلوا} {ولو ~~شاء ربك ما فعلوه} وأمثال ذلك فإذا خلقهم للعبادة المأمور بها ولم يفعلوها ~~لم يكن قد شاء أن يكون إذ لو شاء أن تكون لكونها لكن أمرهم بها وأحب أن ~~يفعلوها ورضي أن يفعلوها وأراد أن يفعلوها إرادة شرعية تضمنها أمره ~~بالعبادة. ومن هنا يتبين معنى الآية فإن قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} يشبه قوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} وقوله: ~~{كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم} وقوله: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} وقوله: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض # PageV08P055 # وأن الله بكل شيء عليم} وقوله: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن} الآية. وكذلك قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} فهو ~~لم يرسله إلا ليطاع ثم قد يطاع وقد يعصى. وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة ثم قد ~~يعبدون وقد لا يعبدون. ومثل هذا كثير في القرآن يبين أنه فعل ما فعل ~~ليكبروه وليعدلوا ولا يظلموا وليعلموا ما هو متصف به وغيره مما أمر الله به ~~العباد وأحبه لهم ورضيه منهم وفيه سعادتهم وكمالهم وصلاحهم وفلاحهم إذا ~~فعلوه. ثم منهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعله. وهو سبحانه لم يقل إنه فعل ~~الأول ليفعل هو الثاني ولا ليفعل بهم الثاني فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم هم ~~عابدين؛ فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا ~~محالة ويمتنع أن يفعل أمرا ms2410 ليفعل أمرا ثانيا ولا يفعل الأمر الثاني ولكن ~~ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني؛ فيكونون هم الفاعلين له فيحصل بفعلهم ~~سعادتهم وما يحبه ويرضاه لهم فيحصل ما يحبه هو وما يحبونه هم كما تقدم أن ~~كل ما خلقه وأمر به غايته محبوبة لله ولعباده. وفيه حكمة له وفيه رحمة ~~لعباده. فهذا الذي خلقهم له لو فعلوه لكان فيه ما يحبه وما يحبونه ولكن لم ~~يفعلوه فاستحقوا ما يستحقه العاصي المخالف لأمره التارك فعل ما خلق لأجله ~~من عذاب # PageV08P056 # الدنيا والآخرة وهو سبحانه قد شاء أن تكون العبادة ممن فعلها فجعلهم ~~عابدين مسلمين بمشيئته وهداه لهم وتحبيبه إليهم الإيمان؛ كما قال تعالى: ~~{ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون} فهؤلاء أراد العبادة منهم خلقا وأمرا أمرهم ~~بها؛ وخلقا جعلهم فاعلين. والصنف الثاني لم يشأ هو أن يخلقهم عابدين وإن ~~كان قد أمرهم بالعبادة. والله سبحانه أعلم. # PageV08P057 # وسئل رحمه الله -: # عن تفصيل " الإرادة " و " الإذن " و " الكتاب " و " الحكم " و " القضاء " ~~و " التحريم " وغير ذلك؛ مما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي؛ ~~وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية # فأجاب: # الحمد لله، هذه الأمور المذكورة وهي الإرادة والإذن والكتاب والحكم ~~والقضاء والتحريم وغيرها كالأمر والبعث والإرسال ينقسم في كتاب الله إلى ~~نوعين: (أحدهما ما يتعلق بالأمور الدينية التي يحبها الله تعالى ويرضاها. ~~ويثيب أصحابها ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وينصر ~~بها العباد من أوليائه المتقين. وحزبه المفلحين وعباده الصالحين. و (الثاني ~~ما يتعلق بالحوادث الكونية التي قدرها الله وقضاها مما يشترك فيها المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر. وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه وأهل ~~طاعته الذين يحبهم ويحبونه ويصلي عليهم هو وملائكته وأهل معصيته الذين ~~يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. # PageV08P058 # فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية فرأى الأشياء ~~كلها مخلوقة لله مدبرة بمشيئته مقهورة بحكمته فما شاء الله كان وإن لم يشأ ~~الناس ms2411 وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس لا معقب لحكمه ولا راد لأمره ورأى ~~أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه له الخلق والأمر: وكل ما سواه مربوب له مدبر ~~مقهور لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا بل هو عبد ~~فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات والله غني عنه كما أنه الغني عن جميع ~~المخلوقات وهذا الشهود في نفسه حق لكن " طائفة " قصرت عنه: وهم القدرية ~~المجوسية و " طائفة " وقفت عنده وهم القدرية المشركية. أما الأولون: فهم ~~الذين زعموا أن في المخلوقات ما لا تتعلق به قدرة الله ومشيئته وخلقه ~~كأفعال العباد وغلاتهم أنكروا علمه القديم وكتابه السابق وهؤلاء هم أول من ~~حدث من القدرية في هذه الأمة فرد عليهم الصحابة وسلف الأمة وتبرءوا منهم. ~~وأما " الطائفة الثانية " فهم شر منهم وهم طوائف من أهل السلوك والإرادة ~~والتأله والتصوف والفقر ونحوهم يشهدون هذه الحقيقة ورأوا أن الله خالق ~~المخلوقات كلها فهو خالق أفعال العباد ومريد جميع الكائنات ولم يميزوا بعد ~~ذلك بين إيمان وكفر ولا عرفان ولا نكر ولا حق ولا باطل ولا مهتد ولا ضال ~~ولا راشد ولا غوي ولا نبي ولا متنبئ ولا ولي لله ولا عدو؛ ولا # PageV08P059 # مرضي لله ولا مسخوط؛ ولا محبوب لله ولا ممقوت؛ ولا بين العدل والظلم ولا ~~بين البر والعقوق ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار ولا بين ~~الأبرار والفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق ~~والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام؛ فشهدوا المشترك بين ~~المخلوقات وعموا عن الفارق بينهما؛ وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: {أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} وبقوله تعالى: {أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وبقوله ~~تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} . {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أعوذ بكلمات الله التامات التي ms2412 لا يتجاوزهن بر ~~ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار؛ ومن شر كل ~~طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن} فالكلمات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ~~ليست هي أمره ونهيه الشرعيين فإن الفجار عصوا أمره ونهيه بل هي التي بها ~~يكون الكائنات. وأما الكلمات الدينية المتضمنة لأمره ونهيه الشرعيين فمثل ~~الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وقال # PageV08P060 # تعالى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} . وقال صلى ~~الله عليه وسلم {واستحللتم فروجهن بكلمة الله} وأما قوله تعالى {وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا} فإنه يعم النوعين. وأما " البعث " بالمعنى الأول ففي مثل ~~قوله تعالى {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} ~~والثاني في مثل قوله تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقوله ~~تعالى {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} وقوله تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} . وأما " الإرسال " بالمعنى الأول ~~ففي مثل قوله تعالى {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} وقوله ~~تعالى {وأرسلنا الرياح لواقح} . وبالمعنى الثاني: في مثل قوله تعالى {إنا ~~أرسلنا نوحا إلى قومه} وقوله تعالى {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} وقوله ~~تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} وقوله تعالى {وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله} وقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقوله تعالى {إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا ~~وبيلا} . # PageV08P061 # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن أقوام يقولون: المشيئة مشيئة الله في الماضي والمستقبل، وأقوام ~~يقولون: المشيئة في المستقبل لا في الماضي. ما الصواب؟ # فأجاب: # الماضي مضى بمشيئة الله والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله. فمن قال في ~~الماضي: إن الله خلق السموات إن ms2413 شاء الله وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إن شاء الله فقد أخطأ. ومن قال: خلق الله السموات بمشيئة الله وأرسل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بمشيئته ونحو ذلك فقد أصاب. ومن قال: إنه يكون في ~~الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ. ومن قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن فقد أصاب وكلما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا؛ فالله خلق السموات ~~بمشيئته قطعا وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بمشيئته قطعا والإنسان ~~الموجود خلقه الله بمشيئته قطعا وإن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى ~~حال فهو قادر على ذلك فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا وإن شاء الله أن يغيره ~~غيره بمشيئته قطعا. والله أعلم. # PageV08P062 # ما تقول السادة أئمة المسلمين؟ في جماعة اختلفوا في قضاء الله وقدره: ~~خيره وشره منهم من يرى أن الخير من الله تعالى والشر من النفس خاصة؟ أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب الشيخ - رضي الله عنه: # مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه (*) لا ~~رب غيره ولا خالق سواه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير ~~وبكل شيء عليم والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله منهي عن معصية الله ~~ومعصية رسوله؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب وكان ~~لله عليه الحجة البالغة ولا حجة لأحد على الله تعالى وكل ذلك كائن بقضاء ~~الله وقدره ومشيئته وقدرته؛ لكن يحب الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على ~~فعلها ويكرمهم ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم. وما يصيب ~~العبد من النعم فالله أنعم بها عليه وما يصيبه من الشر فبذنوبه PageV08P063 # ومعاصيه كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال ~~تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي ما ~~أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن وذل وشر ~~فبذنوبك وخطاياك وكل الأشياء كائنة بمشيئة ms2414 الله وقدرته وخلقه فلا بد أن ~~يؤمن العبد بقضاء الله وقدره وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره. فمن نظر إلى ~~الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين ~~ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوسيين ومن ~~آمن بهذا وبهذا فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى وعلم ~~أن ذلك بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين فإن آدم - عليه السلام - لما أذنب ~~تاب فاجتباه ربه وهداه وإبليس أصر واحتج فلعنه الله وأقصاه فمن تاب كان ~~آدميا ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا فالسعداء يتبعون أباهم والأشقياء ~~يتبعون عدوهم إبليس. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. آمين يا رب العالمين. # PageV08P064 # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس: # عن الحديث الذي ورد {إن الله قبض قبضتين فقال: هذه للجنة ولا أبالي وهذه ~~للنار ولا أبالي} فهل هذا الحديث صحيح؟ والله قبضها بنفسه أو أمر أحدا من ~~الملائكة بقبضها؟ والحديث الآخر في {أن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن ~~اليمين والشمال ثم قال هؤلاء إلى النار ولا أبالي وهؤلاء إلى الجنة ولا ~~أبالي} وهذا في الصحيح. # فأجاب - رضي الله عنه -: # نعم هذا المعنى مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة مثل ما ~~في موطأ مالك وسنن أبي داود والنسائي وغيره عن مسلم بن يسار وفي لفظ عن ~~نعيم بن ربيعة {أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم} الآية فقال عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت # PageV08P065 # هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول ms2415 الله ففيم العمل؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله ~~بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة. وإذا ~~خلق الرجل للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل ~~النار فيدخله به النار} . وفي حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله قبض قبضة فقال: إلى الجنة ~~برحمتي وقبض قبضة فقال: إلى النار ولا أبالي} وهذا الحديث ونحوه فيه فصلان. # أحدهما: القدر السابق وهو أن الله سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار من ~~قبل أن يعملوا الأعمال وهذا حق يجب الإيمان به؛ بل قد نص الأئمة: كمالك ~~والشافعي وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر؛ بل يجب الإيمان أن الله علم ما ~~سيكون كله قبل أن يكون ويجب الإيمان بما أخبر به من أنه كتب ذلك وأخبر به ~~قبل أن يكون كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن ~~حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كان الله ولا شيء غيره وكان ~~عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض} - وفي لفظ - {ثم ~~خلق السموات والأرض} . # PageV08P066 # وفي المسند عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إني عند الله مكتوب بخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ~~ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني أنه خرج منها ~~نور أضاءت له قصور الشام} وفي حديث ميسرة الحر {قلت: يا رسول الله متى كتبت ~~نبيا؟ - وفي لفظ - متى كنت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد} . وفي ~~الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله ms2416 عنه قال: {حدثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ~~أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ~~الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ~~ينفخ فيه الروح - قال: فوالذي نفسي بيده أو قال فوالذي لا إله غيره - إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار} . وفي الصحيحين عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال: {كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد ~~في جنازة. فقال: ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. ~~فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما ~~من كان من أهل الشقاوة # PageV08P067 # فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى} {وصدق ~~بالحسنى} {فسنيسره لليسرى} {وأما من بخل واستغنى} {وكذب بالحسنى} {فسنيسره ~~للعسرى} } . وفي الصحيح أيضا {أنه قيل له: يا رسول الله اعلم أهل الجنة من ~~أهل النار فقال: نعم فقيل له: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله علم أهل الجنة من أهل النار ~~وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب ويدعوا العمل كما يفعله ~~الملحدون. وقال: كل ميسر لما خلق له وإن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل ~~السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة وهذا من أحسن ما يكون من ~~البيان. وذلك أن الله سبحانه وتعالى يعلم الأمور على ما هي عليه وهو قد جعل ~~للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا ~~يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها فلو قال هذا: إذا علم الله أنه يولد لي ms2417 فلا ~~حاجة إلى الوطء كان أحمق؛ لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء وكذلك ~~إذا علم أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء ويبذره من الحب فلو قال: ~~إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى البذر كان جاهلا ضالا؛ لأن الله علم أن ~~سيكون بذلك وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا ~~يموت بالقتل فلا بد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها. # PageV08P068 # وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا شقيا في الآخرة قلنا: ~~ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل فلو قيل: هو ~~شقي وإن لم يعمل كان باطلا؛ لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال ~~تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} فأقسم أنه يملؤها من إبليس ~~وأتباعه ومن اتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما ~~علم أنه يعمله حتى يعمله. ولهذا لما {سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~أطفال المشركين. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين} يعني أن الله يعلم ما ~~يعملون لو بلغوا وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل ~~الجنة ومن عصاه دخل النار فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية. وكذلك ~~الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته فمن قدر أن يكون منهم يسره ~~للإيمان والطاعة. فمن قال: أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم ~~أني من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها ~~بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل ~~الجنة بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من ~~أهل الجنة. ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب. ~~ومن قال: أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا؛ لأن ms2418 الله ~~جعل الدعاء # PageV08P069 # والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه. وإذا ~~قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء وما قدره الله وعلمه من ~~أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت ~~فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات. # ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ومجرد ~~الأسباب لا يوجب حصول المسبب؛ فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك ~~كافيا في حصول النبات بل لا بد من ريح مربية بإذن الله ولا بد من صرف ~~الانتفاء عنه؛ فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله ~~وقدره وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج بل كم من أنزل ولم ~~يولد له؛ بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ~~ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع. وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ~~ينال الإنسان السعادة بل هي سبب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنه ~~لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا ~~أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} . وقد قال: {ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون} فهذه باء السبب أي: بسبب أعمالكم والذي نفاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم باء المقابلة كما يقال: اشتريت هذا بهذا أي: ليس العمل عوضا وثمنا ~~كافيا في دخول الجنة بل لا بد من عفو الله # PageV08P070 # وفضله ورحمته فبعفوه يمحو السيئات وبرحمته يأتي بالخيرات وبفضله يضاعف ~~البركات. وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس: " فريق " آمنوا بالقدر وظنوا ~~أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة ~~وهؤلاء يئول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه. و (فريق أخذوا ~~يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على ms2419 حولهم ~~وقوتهم وعملهم وكما يطلبه المماليك وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر ~~العباد بما أمرهم به حاجة إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به ولكن أمرهم ~~بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وهو سبحانه كما قال: {يا عبادي إنكم ~~لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني} فالملك إذا أمر مملوكيه ~~بأمر أمرهم لحاجته إليهم وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون ~~بجزاء ذلك والله تعالى غني عن العالمين فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن ~~أساءوا فلها لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها وما ربك بظلام للعبيد} . وفي الحديث الصحيح عن الله تعالى أنه قال: ~~{يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا ~~عبادي إنكم تخطئون بالليل # PageV08P071 # والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي ~~كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب ~~رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان ~~منهم مسألته ما نقص ذلك في ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه ~~المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . وهو ~~سبحانه مع غناه عن العالمين خلقهم وأرسل إليهم رسولا يبين لهم ما يسعدهم ~~وما يشقيهم ثم إنه هدى عباده المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فمن ~~عليهم بالإيمان والعمل الصالح فخلقه بفضله وإرساله الرسول بفضله وهدايته ~~لهم بفضله وجميع ما ms2420 ينالون به الخيرات من قواهم وغير قواهم هي بفضله فكذلك ~~الثواب والجزاء هو بفضله وإن كان أوجب ذلك على نفسه كما حرم على نفسه الظلم ~~ووعد بذلك كما قال: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وقال تعالى: {وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين} فهو واقع لا محالة واجب بحكم إيجابه ووعده # PageV08P072 # لأن الخلق لا يوجبون على الله شيئا. أو يحرمون عليه شيئا بل هم أعجز من ~~ذلك وأقل من ذلك وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل كما في الحديث المتقدم ~~{إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . وفي الحديث الصحيح {سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ~~ليلته دخل الجنة} . فقوله أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اعتراف بإنعام ~~الرب وذنب العبد كما قال بعض السلف: إني أصبح بين نعمة تنزل من الله علي ~~وبين ذنب يصعد مني إلى الله فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب استغفارا. ~~فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرا إلى القدر فقد ضل ومن طلب ~~القيام بالأمر والنهي معرضا عن القدر فقد ضل؛ بل المؤمن كما قال تعالى: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} فنعبده اتباعا للأمر ونستعينه إيمانا بالقدر وفي ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر ~~الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . # PageV08P073 # فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بشيئين: أن يحرص على ما ينفعه وهو امتثال ~~الأمر وهو ms2421 العبادة وهو طاعة الله ورسوله وأن يستعين بالله وهو يتضمن ~~الإيمان بالقدر: أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن. فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته كما يزعم القدرية المجوسية ~~فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء. ومن ظن أنه إذا ~~أعين على ما يريد ويسر له ذلك كان محمودا سواء وافق الأمر الشرعي أو خالفه ~~فقد جحد دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده واستحق من غضبه وعقابه ~~أعظم ما يستحقه الأول. فإن العبد قد يريد ما يرضاه ويحبه ويأمر به ويقرب ~~إليه وقد يريد ما يبغضه الله ويكرهه ويسخطه وينهى عنه ويعذب صاحبه فكل من ~~هذين قد يسر له ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل ميسر لما خلق له ~~أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل ~~الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة} وقد قال تعالى: {من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} {كلا ~~نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} وقال تعالى: {فأما # PageV08P074 # الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} {وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} . بين سبحانه أنه ليس كل من ابتلاه ~~في الدنيا يكون قد أهانه بل هو يبتلي عبده بالسراء والضراء فالمؤمن يكون ~~صبارا شكورا فيكون هذا وهذا خيرا له كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له} . والمنافق هلوع جزوع كما قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه ~~الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا ms2422 المصلين} {الذين هم على صلاتهم ~~دائمون} {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} - إلى قوله - ~~{جنات مكرمون} . ولما كان العبد ميسرا لما لا ينفعه بل يضره من معصية الله ~~والبطر والطغيان وقد يقصد عبادة الله وطاعته والعمل الصالح فلا يتأتى له ~~ذلك أمر في كل صلاة بأن يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: {الحمد لله رب ~~العالمين} قال: حمدني عبدي؛ فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: أثنى علي عبدي ~~فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي فإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا ~~الصراط # PageV08P075 # المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: ~~فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . وقال بعض السلف أنزل الله عز وجل مائة كتاب ~~وأربعة كتب جمع علمها في الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~وجمع الأربعة في القرآن وعلم القرآن في المفصل وعلم المفصل في الفاتحة وعلم ~~الفاتحة في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . فكل عمل يعمله العبد ولا يكون ~~طاعة لله وعبادة وعملا صالحا فهو باطل فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ~~ما كان لله وإن نال بذلك العمل رئاسة ومالا فغاية المترئس أن يكون كفرعون ~~وغاية المتمول أن يكون كقارون. وقد ذكر الله في سورة القصص من قصة فرعون ~~وقارون ما فيه عبرة لأولي الألباب. وكل عمل لا يعين الله العبد عليه فإنه ~~لا يكون ولا ينفع فما لا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم ~~فلذلك أمر العبد أن يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} . والعبد له في المقدور ~~" حالان " حال قبل القدر. و " حال " بعده فعليه قبل المقدور أن يستعين ~~بالله ويتوكل عليه ويدعوه فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه ~~أو يرضى به ms2423 وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك وإن كان ذنبا استغفر ~~إليه من ذلك. وله في المأمور " حالان ": حال قبل الفعل وهو العزم على ~~الامتثال # PageV08P076 # والاستعانة بالله على ذلك. وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر ~~الله على ما أنعم به من الخير وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك} أمره أن يصبر على المصائب المقدرة ويستغفر من الذنب وإن كان استغفار ~~كل عبد بحسبه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقال تعالى: {وإن تصبروا ~~وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعائب وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن ~~أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء ~~فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى ~~القدر. ولا يتحسر على الماضي. بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وأن ما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه. فالنظر إلى القدر عند المصائب. والاستغفار عند ~~المعائب؛ قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه} قال علقمة: وغيره هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من ~~عند الله فيرضى ويسلم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV08P077 # وسئل عن الباري - سبحانه -: # هل يضل ويهدي # فأجاب: # إن كل ما في الوجود فهو مخلوق له خلقه بمشيئته وقدرته وما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن وهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل ويغني ويفقر ويضل ~~ويهدي ويسعد ويشقي ويولي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويشرح صدر من يشاء ~~للإسلام ويجعل صدر من يشاء ضيقا كأنما يصعد ms2424 في السماء وهو يقلب القلوب؛ ما ~~من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه ~~أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه وهو الذي حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه في ~~قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون. وهو الذي جعل ~~المسلم مسلما والمصلي مصليا. قال الخليل {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك} وقال: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} وقال تعالى: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} وقال عن آل فرعون: {وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار} وقال تعالى: {إن الإنسان خلق # PageV08P078 # هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} وقال: {واصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا} وقال: {ويصنع الفلك} . والفلك مصنوعة لبني آدم وقد أخبر ~~الله تبارك وتعالى أنه خلقها بقوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} وقال: ~~{والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها} الآيات. وهذه كلها مصنوعة ~~لبني آدم. وقال تعالى: {أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} فما ~~بمعنى " الذي " ومن جعلها مصدرية فقد غلط لكن إذا خلق المنحوت كما خلق ~~المصنوع والملبوس والمبني دل على أنه خالق كل صانع وصنعته وقال تعالى: {من ~~يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} وقال {فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وهو ~~سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ~~ورحمة عامة وخاصة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل ~~لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته. فإنه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم ~~الراحمين وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وقد أحسن كل شيء خلقه. وقال ~~تعالى: {وترى الجبال # PageV08P079 # تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء} وقد خلق ~~الأشياء بأسباب كما قال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ms2425 ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها} وقال: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} وقال ~~تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} . # PageV08P080 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام وهل يخلق لعلة أو لغير ~~علة؟ فإن قيل لا لعلة فهو عبث - تعالى الله عنه - وإن قيل لعلة فإن قلتم ~~إنها لم تزل لزم أن يكون المعلول لم يزل وإن قلتم إنها محدثة لزم أن يكون ~~لها علة والتسلسل محال. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التي ~~تكلم فيها الناس وأعظمها شعوبا وفروعا وأكثرها شبها ومحارات؛ فإن لها تعلقا ~~بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~وهي داخلة في خلقه وأمره فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة فإن ~~المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه وكذلك الشرائع ~~كلها: الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها وهي متعلقة بمسائل القدر ~~والأمر وبمسائل الصفات والأفعال وهذه جوامع علوم الناس فعلم الفقه الذي هو ~~الأمر والنهي متعلق بها. # PageV08P081 # وقد تكلم الناس في " تعليل الأحكام الشرعية والأمر والنهي " كالأمر ~~بالتوحيد والصدق والعدل والصلاة والزكاة والصيام والحج والنهي عن الشرك ~~والكذب والظلم والفواحش هل أمر بذلك لحكمة ومصلحة وعلة اقتضت ذلك؟ أم ذلك ~~لمحض المشيئة وصرف الإرادة؟ وهل علل الشرع بمعنى الداعي والباعث؟ أو بمعنى ~~الأمارة والعلامة؟ وهل يسوغ في الحكمة أن ينهى الله عن التوحيد والصدق ~~والعدل ويأمر بالشرك والكذب والظلم أم لا؟ وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى ~~عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن ~~وقوعه؟ وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه هل هي بمعنى إرادته أو هي ~~الثواب والعقاب المخلوق أم هذه صفات أخص من الإرادة؟ وتنازعوا فيما وقع في ~~الأرض من الكفر والفسوق والعصيان هل يريده ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سائر ~~ما يحدث؟ أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته وهو ms2426 لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل ~~مهتديا؟ أم هو واقع بقدرته ومشيئته؟ ولا يكون في ملكه ما لا يريد وله في ~~جميع خلقه حكمة بالغة وهو يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ولا يحب الفساد ولا ~~يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه وإن ~~أراده الإرادة الكونية التي تتناول ما قدره وقضاه؟ وفروع هذا الأصل كثيرة ~~لا يحتمل هذا الموضع استقصاءها. # PageV08P082 # ولأجل تجاذب هذا الأصل ووقوع الاشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات ~~الثلاثة المذكورة في سؤال السائل وكل تقدير قال به طوائف من بني آدم من ~~المسلمين وغير المسلمين. # فالتقدير الأول: هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ~~ولا لداع ولا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة وهذا قول كثير ممن ~~يثبت القدر وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم. وقد قال بهذا ~~طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعري وأصحابه وقول ~~كثير من " نفاة القياس في الفقه " الظاهرية كابن حزم وأمثاله. ومن حجة ~~هؤلاء أنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونها مستكملا بها؛ فإنه إما أن ~~يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون وجودها أولى به. فإن ~~كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به ~~فيكون مستكملا بها فيكون قبلها ناقصا. ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن ~~العلة إن كانت قديمة وجب تقديم المعلول؛ لأن العلة الغائية وإن كانت متقدمة ~~على المعلول في العلم والقصد - كما يقال: أول الفكرة آخر العمل وأول البغية ~~آخر الدرك. ويقال إن العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلا - فلا ريب أنها ~~متأخرة في الوجود عنه؛ فمن فعل فعلا # PageV08P083 # لمطلوب يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل فإذا قدر أن ذلك ~~المطلوب الذي هو العلة قديما كان الفعل قديما بطريق الأولى. فلو قيل: إنه ~~يفعل لعلة قديمة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة وإن قيل ~~إنه فعل ms2427 لعلة حادثة لزم محذوران: # أحدهما: أن يكون محلا للحوادث؛ فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه فإن لم يعد ~~إليه منها حكم امتنع أن يكون وجودها أولى به من عدمها وإذا قدر أنه عاد ~~إليه منها حكم كان ذلك حادثا فتقوم به الحوادث. # المحذور الثاني أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين # أحدهما: أن تلك العلة الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضا مما يحدثه الله ~~تعالى بقدرته ومشيئته فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم وإن كانت لعلة ~~عاد التقسيم فيها فإذا كان كل ما أحدثه أحدثه لعلة والعلة مما أحدثه لزم ~~تسلسل الحوادث # الثاني: أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى فإن كانت ~~مرادة لنفسها امتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر عليه لا ~~يؤخر إحداثه وإن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول فيها ويلزم ~~التسلسل. فهذا ونحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه. # والتقدير الثاني: قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة ~~الفاعلية # PageV08P084 # قديمة كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتي بيانه وكما يقول ذلك من ~~يقوله من المتفلسفة القائلين بقدم العالم، وهؤلاء أصل قولهم أن المبدع ~~للعالم علة تامة تستلزم معلولها لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها. وأعظم ~~حججهم قولهم: إن جميع الأمور المعتبرة في كونه فاعلا إن كانت موجودة في ~~الأزل لزم وجود المفعول في الأزل لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ~~فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل وجدت في الأزل فإنا لا نعني بالعلة ~~التامة إلا ما يستلزم المعلول فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة ~~وإن لم تكن العلة التامة - التي هي جميع الأمور المعتبرة في الفعل وهي ~~المقتضي التام لوجود الفعل وهي جميع شروط الفعل التي يلزم من وجودها وجود ~~الفعل إن لم يكن جميعها في الأزل - فلا بد إذا وجد المفعول بعد ذلك من تجدد ~~سبب حادث وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ms2428 مرجح وإذا كان هناك سبب حادث ~~فالقول في حدوثه كالقول في الحادث الأول ويلزم التسلسل. قالوا فالقول ~~بانتفاء العلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب إما التسلسل وإما الترجيح بلا ~~مرجح. ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلية ولكنهم ~~متناقضون فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية ~~ويقولون مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار وقولهم ~~باطل من وجوه كثيرة. # PageV08P085 # منها أن يقال: هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء وأن كل ما حدث حدث بغير ~~إحداث محدث. ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان التسلسل وبطلان الترجيح بلا ~~مرجح وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها ولا يجوز ~~أن يتأخر عنها شيء من معلولها فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن ~~هذه العلة التامة وليس هناك ما تصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي ~~سماه هؤلاء علة تامة فإذا امتنع صدور الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره ~~لزم أن تحدث بلا محدث. (وأيضا فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان واجبا بنفسه ~~كان القول فيه كالقول في الواجب الأول وأصل قولهم: إن الواجب بنفسه علة ~~تامة تستلزم مقارنة معلوله له فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة ~~حادث لا بواسطة ولا بغير واسطة؛ لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده ~~كانت قديمة معه فامتنع صدور الحوادث عنها وإن كانت حادثة كان القول فيها ~~كالقول في غيرها. وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه كان ممكنا ~~مفتقرا إلى موجب يوجب به. ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث وإن قيل أنه ~~قديم كان له علة تامة مستلزمة له وامتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه فإن الممكن ~~لا يوجد هو ولا شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه؛ فإذا قدر حدوث ~~الحوادث عن ممكن قديم معلول لعلة قديمة قيل: هل حدث فيه سبب # PageV08P086 # يقتضي الحدوث أم لا؟ فإن قيل: لم يحدث سبب ms2429 لزم الترجيح بلا مرجح وإن قيل: ~~حدث سبب لزم التسلسل كما تقدم. (الوجه الثاني الذي يبين بطلان قولهم أن ~~يقال: مضمون الحجة أنه إذا لم يكن ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا ~~مرجح والتسلسل عندكم جائز فإن أصل قولهم إن هذه الحوادث متسلسلة شيئا بعد ~~شيء وإن حركات الفلك توجب استعداد القوابل لأن تفيض عليها الصور الحادثة من ~~العلة القديمة سواء قلتم: هي العقل الفعال أو هي الواجب الذي يصدر عنه ~~بتوسط العقول أو غير ذلك من الوسائط وإذا كان التسلسل جائزا عندكم لم يمتنع ~~حدوث الحوادث عن غير علة موجبة للمعلول وإن لزم التسلسل؛ بل هذا خير في ~~الشرع والعقل من قولكم. وذلك أن الشرع أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام وهذا مما اتفق عليه أهل الملل: المسلمون واليهود والنصارى. فإن ~~قيل: إنه خلقها بسبب حادث قبل ذلك كان خيرا من قولكم إنها قديمة أزلية معه ~~في الشرع وكان أولى في العقل؛ لأن العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه ~~الأفلاك حتى يعارض الشرع وهذه الحجة العقلية إنما تقتضي أنه لا يحدث شيء ~~إلا بسبب حادث فإذا قيل: إن السموات والأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ~~ذلك لم يكن في حجتكم العقلية ما يبطل هذا. (الوجه الثالث أن يقال: حدوث ~~حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن يكون ممكنا في العقل أو ممتنعا؛ فإن كان ~~ممتنعا في العقل لزم أن الحوادث جميعها # PageV08P087 # لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام وبطل قولهم بقدم حركات ~~الأفلاك وإن كان ممكنا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى كالسموات ~~والأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك كما تقولون أنتم فيما يحدث في هذا العالم ~~من الحيوان والنبات والمعادن والمطر والسحاب وغير ذلك فيلزم فساد حجتكم على ~~التقديرين. ثم يقال: إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة وإما أن ~~لا تثبتوا؛ فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية وبطل ما تذكرونه ~~من ms2430 حكمة الباري تعالى في خلق الحيوان وغير ذلك من المخلوقات و (أيضا ~~فالوجود يبطل هذا القول؛ فإن الحكمة الموجودة في الوجود أمر يفوق العد ~~والإحصاء كإحداثه سبحانه لما يحدثه من نعمته ورحمته وقت حاجة الخلق إليه ~~كإحداث المطر وقت الشتاء بقدر الحاجة وإحداثه للإنسان الآلات التي يحتاج ~~إليها بقدر حاجته وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه وإن أثبتم له حكمة ~~مطلوبة - وهي باصطلاحكم العلة الغائية - لزمكم أن تثبتوا له المشيئة ~~والإرادة بالضرورة فإن القول: بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه ~~مريدا لتلك الحكمة المطلوبة جمع بين النقيضين؛ وهؤلاء المتفلسفة من أكثر ~~الناس تناقضا ولهذا يجعلون العلم هو العالم، والعلم هو الإرادة والإرادة هي ~~القدرة وأمثال ذلك كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. # وأما التقدير الثالث: وهو أنه فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة # PageV08P088 # محمودة فهذا قول أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين وقول طوائف من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم وقول طوائف من أهل الكلام من ~~المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرهم وقول أكثر أهل الحديث والتصوف وأهل ~~التفسير وقول أكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخريهم كأبي البركات وأمثاله؛ ~~لكن هؤلاء على أقوال. (منهم من قال: إن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه ~~أيضا؛ كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم؛ وقالوا: ~~الحكمة في ذلك إحسانه إلى الخلق؛ والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب؛ ~~وقالوا إن فعل الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل؛ فخلق الخلق لهذه ~~الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم؛ ولا قام به فعل ولا نعت. فقال لهم ~~الناس: أنتم متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود ~~منه على فاعله حكم يحمد لأجله؛ إما لتكميل نفسه بذلك؛ وإما لقصده الحمد ~~والثواب بذلك؛ وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم وإما ~~لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان؛ فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير ~~الذي يحصل منها إلى غيرها فالإحسان إلى الغير محمود ms2431 لكون المحسن يعود إليه ~~من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه ~~بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد ~~عبثا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا # PageV08P089 # مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عابثا ولم يكن ~~محمودا على هذا وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث؛ فإن ~~العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل؛ ~~ولهذا لم يأمر الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من العقلاء ~~أحدا بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك إلا لما له في ذلك من المنفعة ~~والمصلحة وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور ولا منفعة ~~ولا فرح بوجه من الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر. # ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في " مسألة ~~التحسين والتقبيح العقلي " فأثبت ذلك المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم من أصحاب ~~أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم وحكوا ذلك عن أبي حنيفة ~~نفسه ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~واتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ~~ملائما له وكونه ضارا للفاعل منافرا له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف ~~بالشرع وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا ~~وهذا ليس كذلك بل جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة ~~لفاعليها ومصلحة لهم. وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ~~ومفسدة في حقهم والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة ~~له والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له. # PageV08P090 # والمعتزلة أثبتت الحسن في أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من ~~أفعاله. ومنازعوهم لما اعتقدوا أن لا ms2432 حسن ولا قبح في الفعل إلا ما عاد إلى ~~الفاعل منه حكم نفوا ذلك وقالوا: القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته ~~وكل ما يقدر ممكنا من الأفعال فهو حسن؛ إذ لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين ~~مفعول ومفعول وأولئك أثبتوا حسنا وقبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم ~~بذاته إذ عندهم لا يقوم بذاته لا وصف ولا فعل ولا غير ذلك وإن كانوا قد ~~يتناقضون. ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح فجعلوا يوجبون ~~على الله سبحانه ما يوجبون على العبد ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على ~~العبد ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله ولا ~~يثبتون له مشيئة عامة ولا قدرة تامة فلا يجعلونه على كل شيء قديرا ولا ~~يقولون " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ولا يقرون بأنه خالق كل شيء ~~ويثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه فإنه قال {ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه ~~من سيئات غيره ولا يهضم من حسناته. وقال تعالى {ما يبدل القول لدي وما أنا ~~بظلام للعبيد} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة الذي رواه ~~الإمام أحمد والترمذي وغيرهما {يجاء برجل من أمتي يوم القيامة فتنشر له ~~تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيقال له: هل تنكر من هذا شيئا؟ . فيقول: ~~لا يا رب فيقال له: ألك عذر ألك حسنة؟ فيقول لا يا رب فيقول: بلى # PageV08P091 # إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد ~~أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات ~~وثقلت البطاقة} . فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلم بل يثاب ~~على ما أتى به من التوحيد كما قال تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~{ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ms2433 . وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم " عدلية " ~~يقولون: من فعل كبيرة واحدة أحبطت جميع حسناته وخلد في نار جهنم. فهذا الذي ~~سماه الله ورسوله ظلما يصفون الله به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم ويسمون ~~تخصيصه من يشاء برحمته وفضله وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ~~ظلما. والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع ولكن نبهنا على مجامع ~~أصول الناس في هذا المقام. وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون ~~على الله سبحانه أن يفعل بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه وتنازعوا في وجوب ~~الأصلح في دنياه ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية ~~غير ما فعل ولا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا. وأما سائر الطوائف الذين ~~يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام كالكرامية ~~وغيرهم والمتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على # PageV08P092 # هذا؛ بل يقولون إنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى وقد ~~يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك. ~~والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فإن ~~إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه ~~لعباده كما قال تعالى {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقال تعالى ~~{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} وقال {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات ~~أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين} وقال تعالى {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} قالوا ~~هو محمد. صلى الله عليه وسلم فإذا قال قائل: فقد تضرر برسالته طائفة من ~~الناس كالذين كذبوه من المشركين وأهل الكتاب كان عن ms2434 هذا جوابان: # أحدهما أنه نفعهم بحسب الإمكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا ~~الرسالة بإظهار الحجج والآيات التي زلزلت ما في قلوبهم وبالجهاد والجزية ~~التي أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرهم ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره في ~~الكفر فيعظم كفره فكان ذلك تقليلا لشره والرسل - صلوات الله عليهم - # PageV08P093 # بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ~~(والجواب الثاني أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع ~~كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو احتبس به بعض المسافرين ~~والمكتسبين كالقصارين ونحوهم وما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيرا مقصودا ~~ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس. وهذا الجواب أجاب به طوائف من ~~المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن ~~الكرامية والصوفية وهو جواب كثير من المتفلسفة. وقال هؤلاء: جميع ما يحدثه ~~في الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال الله تعالى {صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء} وقال {الذي أحسن كل شيء خلقه} والضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا ~~يكون شرا مطلقا وإن كان شرا بالنسبة إلى من تضرر به؛ ولهذا لا يجيء في كلام ~~الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إضافة الشر وحده إلى الله؛ بل ~~لا يذكر الشر إلا على أحد وجوه " ثلاثة " إما أن يدخل في عموم المخلوقات ~~فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل ~~عليه من حكمة تتعلق بالعموم وإما أن يضاف إلى السبب الفاعل وإما أن يحذف ~~فاعله. فالأول كقوله تعالى {الله خالق كل شيء} ونحو ذلك ومن هذا الباب ~~أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع والضار النافع المعز المذل الخافض ~~الرافع # PageV08P094 # فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه ولا الضار عن قرينه؛ لأن اقترانهما يدل ~~على العموم وكل ما في الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى وما في ~~الوجود من غير ذلك فهو من عدله فكل نعمة منه ms2435 فضل وكل نقمة منه عدل كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يمين الله ملأى لا يغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم ~~يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع} فأخبر أن يده اليمنى فيها ~~الإحسان إلى الخلق ويده الأخرى فيها العدل والميزان الذي به يخفض ويرفع ~~فخفضه ورفعه من عدله وإحسانه إلى خلقه من فضله. وأما حذف الفاعل فمثل قول ~~الجن {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} وقوله ~~تعالى في سورة الفاتحة {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} ونحو ذلك. وإضافته إلى السبب كقوله {من شر ما خلق} وقوله {فأردت ~~أن أعيبها} مع قوله {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} وقوله ~~تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقوله {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا} وقوله تعالى {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا قل هو من عند أنفسكم} وأمثال ذلك. # PageV08P095 # ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر وإنما يذكر الشر في ~~مفعولاته كقوله {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} {وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم} وقوله {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} وقوله {اعلموا أن ~~الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} وقوله {إن بطش ربك لشديد} {إنه هو ~~يبدئ ويعيد} {وهو الغفور الودود} فبين سبحانه أن بطشه شديد وأنه هو الغفور ~~الودود. # واسم " المنتقم " ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى {إنا من المجرمين ~~منتقمون} وقوله {إن الله عزيز ذو انتقام} والحديث الذي في عدد الأسماء ~~الحسنى الذي يذكر فيه المنتقم فذكر في سياقه {البر التواب المنتقم العفو ~~الرءوف} ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو ms2436 عن بعض شيوخه؛ ولهذا ~~لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذي رواه عن طريق الوليد بن ~~مسلم بسياق ورواه غيره باختلاف في الأسماء وفي ترتيبها: يبين أنه ليس من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وسائر من روى هذا الحديث عن أبي هريرة ثم ~~عن الأعرج ثم عن أبي الزناد لم يذكروا أعيان الأسماء؛ بل ذكروا قوله صلى ~~الله عليه وسلم {إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل ~~الجنة} وهكذا أخرجه أهل الصحيح كالبخاري ومسلم وغيرهما ولكن روي عدد ~~الأسماء من # PageV08P096 # طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواه ابن ماجه وإسناده ~~ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وليس في ~~عدد الأسماء الحسنى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما ~~مروي من طريق أبي هريرة وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا التنبيه على ~~أصول تنفع في معرفة هذه المسألة فإن نفوس بني آدم لا يزال يحوك فيها من هذه ~~المسألة أمر عظيم. وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر ~~به حكمة عظيمة كفاه هذا ثم كلما ازداد علما وإيمانا ظهر له من حكمة الله ~~ورحمته ما يبهر عقله ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} فإنه صلى ~~الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح {الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها} ~~وفي الصحيحين عنه أنه قال: {إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل ~~منها رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من ~~تلك الرحمة واحتبس عنده تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى ~~تلك فرحم بها عباده} أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم هؤلاء ~~الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف ~~والعلماء الذين يثبتون حكمته ms2437 فلا ينفونها - كما نفاها الأشعرية ونحوهم # PageV08P097 # الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ولا رضى ~~وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء لا يفرقون بين الإرادة والمحبة ~~والرضى بل ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان قالوا: إنه يحبه ويرضاه كما ~~يريده وإذا قالوا لا يحبه ولا يرضاه دينا قالوا إنه لا يريده دينا وما لم ~~يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عندهم كما لا يريده. وقد ~~قال تعالى {إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} فأخبر أنه لا يرضاه مع أنه قدره ~~وقضاه - لا يوافقون المعتزلة على إنكار قدرة الله تعالى وعموم خلقه ومشيئته ~~وقدرته ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم كما فعل هؤلاء ولا يسلبونه ما ~~وصف به نفسه من صفاته وأفعاله بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من الصفات ~~والأفعال ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات والأفعال وقالوا إن الله خالق ~~كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وهو يحب ~~المحسنين والمتقين والمقسطين ويرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا ~~يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله. وقالوا: مع أنه خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها وأفعالها كما قال تعالى: {أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين} وكما قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال ~~تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار} . وقال تعالى: # PageV08P098 # {وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا ~~الحرور} {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين ~~المخلوقات وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وقال تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ~~وقال تعالى: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ms2438 أليما} وقال ~~تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} {فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة يحبرون} {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون} ونظائر هذا في القرآن كثيرة. وينبغي أن ~~يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام والتصوف وصاروا فيه إلى ما ~~هو شر من قول المعتزلة ونحوهم من القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن ~~ضلوا في القدر واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة وخلقا ~~متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته وغلطوا في ذلك. فقابل ~~هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف فأثبتوا القدر وآمنوا ~~بأن الله رب كل شيء ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل ~~شيء وربه ومليكه وهذا حسن وصواب؛ لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين ~~قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا # PageV08P099 # من شيء} فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث إنهم أثبتوا ~~فاعلا لما اعتقدوه شرا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين ~~قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فالمشركون شر ~~من المجوس فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين وقد ذهب بعض العلماء ~~إلى حل نسائهم وطعامهم وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم ~~وطعامهم ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية ~~وجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بالجزية وإن أقرت المجوس فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من أحد من المشركين؛ بل قال {أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل} . والمقصود ~~هنا أن من أثبت القدر واحتج به على ms2439 إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت ~~الأمر والنهي ولم يثبت القدر وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل ~~الملل بل بين جميع الخلق فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع ~~المخلوقات ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار وأهل الطاعة ~~وأهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب وكان عنده آدم ~~وإبليس سواء ونوح وقومه سواء وموسى وفرعون سواء والسابقون الأولون وكفار ~~مكة سواء. وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة لا ~~سيما # PageV08P100 # إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات ~~المحبة والبغض والرضى والسخط الذين يقولون: " التوحيد " هو توحيد الربوبية. ~~و " الإلهية " عندهم هي القدرة على الاختراع ولا يعرفون توحيد الإلهية ولا ~~يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود وأن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء ~~لا يكون توحيدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} . قال عكرمة: تسألهم من خلق السموات والأرض ~~فيقولون الله وهم يعبدون غيره وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في التوحيد ~~ويقولون إن هذا نهاية المعرفة وإن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن ~~حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة. وهذا ~~الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام الذين ~~قال الله عنهم: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون} {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل ~~أفلا تتقون} {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} . وقال تعالى {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} {الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل # PageV08P101 # شيء عليم} {ولئن سألتهم من نزل ms2440 من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} (1) وقال تعالى {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} . وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} ~~وقال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون} {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} ~~{كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} {قل هل من شركائكم من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون} {قل هل من ~~شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن ~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} وقال تعالى: {أمن خلق ~~السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} {أمن جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل ~~أكثرهم لا يعلمون} {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون} {أمن ~~يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين} . PageV08P102 # فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم ~~وبيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضا فإن العرب كانوا يثبتون ~~القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم والنثر ومع هذا فلما لم يكونوا ~~يعبدون الله وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرا من اليهود ~~والنصارى. فمن ms2441 كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده ~~توحيد المشركين. وهذا المقام مقام وأي مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ~~وبدل فيه دين المسلمين والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن ~~يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام. ومعلوم عند كل من يؤمن ~~بالله ورسوله أن المعتزلة والشيعة القدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد ~~والوعيد خير ممن يسوي بين المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق ~~والمتنبئ الكاذب وأولياء الله وأعدائه ويجعل هذا غاية التحقيق ونهاية ~~التوحيد وهؤلاء يدخلون في مسمى " القدرية " الذين ذمهم السلف بل هم أحق ~~بالذم من المعتزلة ونحوهم كما قال أبو بكر الخلال في " كتاب السنة ": الرد ~~على القدرية وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي وذكر عن المروذي قال ~~قلت لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد فقال: هكذا لا تقول وأنكر ~~ذلك وقال {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} وذكر عن المروذي أن رجلا قال إن ~~الله لم يجبر العباد على المعاصي # PageV08P103 # فرد عليه آخر فقال إن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فسألوا عن ~~ذلك أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعا على الذي قال جبر وعلى الذي قال لم ~~يجبر حتى تاب وأمر أن يقال: - {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} . وذكر عن ~~عبد الرحمن بن مهدي قال أنكر سفيان الثوري " جبر " وقال إن الله جبل ~~العباد. قال المروذي أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ~~يعني قوله {إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة فقال: أخلقين تخلقت ~~بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال: الحمد لله ~~الذي جبلني على خلقين يحبهما} . وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال ~~الأوزاعي: أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما ~~وتجيبهما: قلت رحمك الله أنت أولى بالجواب قال: فأتاني الأوزاعي ومعه ~~الرجلان فقال تكلما فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر ~~ونازعناهم فيه حتى بلغ ms2442 بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا ~~عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا فقلت: يا هؤلاء إن ~~الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا وإني أراكم قد ~~خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه. فقال: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. ~~وذكر عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن " الجبر " # PageV08P104 # فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضي ~~ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من ~~القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا ~~يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال مطرف بن ~~الشخير: لم نوكل إلى القدر وإليه نصير. وقال ضمرة بن ربيعة: لم نؤمر أن ~~نتكل على القدر وإليه نصير. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا ~~رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له} . وهذا باب واسع. والمقصود هنا أن الخلال وغيره من أهل العلم ~~أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى " القدرية " وإن كانوا لا يحتجون بالقدر ~~على المعاصي فكيف بمن يحتج به على المعاصي؟ ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم ~~الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه ~~المنكر له؛ فإن ضلال هذا أعظم ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير ~~واحد من السلف وروي في ذلك حديث مرفوع؛ لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد ويهون أمر ~~الفرائض والمحارم # PageV08P105 # والقدري إن احتج به كان عونا للمرجئ وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا ~~هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به ms2443 ~~وترك ما نهي عنه وهذا يبالغ في الناحية الأخرى. ومن المعلوم أن الله تعالى ~~أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت وتطاع فيما أمرت كما قال ~~تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله} والإيمان بالقدر من تمام ذلك. فمن أثبت القدر وجعل ~~ذلك معارضا للأمر فقد أذهب الأصل. ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث ~~الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى؛ بل هؤلاء قولهم ~~متناقض لا يمكن أحدا منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا ~~يتعاشر عليه اثنان؛ فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس حجة ~~لأحد. فإذا قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله ~~أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر. ومن ادعى ~~أن العارف إذا شهد القدر سقط عنه الأمر كان هذا الكلام من الكفر الذي لا ~~يرضاه لا اليهود ولا النصارى بل ذلك ممتنع في العقل محال في الشرع؛ فإن ~~الجائع يفرق بين الخبز والتراب والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما ~~يشبعه ويرويه؛ دون ما لا ينفعه والجميع مخلوق لله تعالى فالحي - وإن # PageV08P106 # كان من كان - لا بد أن يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ~~ويشقيه ويؤلمه. وهذا حقيقة الأمر والنهي فإن الله تعالى أمر العباد بما ~~ينفعهم ونهاهم عما يضرهم. # والناس في الشرع والقدر على " أربعة أنواع " فشر الخلق من يحتج بالقدر ~~لنفسه ولا يراه حجة لغيره يستند إليه في الذنوب والمعائب ولا يطمئن إليه في ~~المصائب كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي ~~مذهب وافق هواك تمذهبت به. وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على ~~المصائب ويستغفرون من المعائب كما قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ms2444 أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} {لكي لا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} وقال تعالى {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم. قال تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون} . وقد ذكر الله تعالى عن آدم عليه السلام أنه لما ~~فعل ما فعل قال {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} وعن إبليس أنه قال {بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين} فمن تاب أشبه # PageV08P107 # أباه آدم ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس. والحديث الذي في الصحيحين في ~~احتجاج آدم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى. {أنت آدم أبو البشر خلقك ~~الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء لماذا أخرجتنا ونفسك من ~~الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك ~~التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق {وعصى آدم ربه فغوى} قال: ~~بكذا وكذا سنة قال فحج آدم موسى} . وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة وقد روي بإسناد جيد من حديث عمر رضي الله عنه. فآدم عليه السلام إنما ~~حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من ~~الشجرة لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب. فإن آدم كان قد تاب من الذنب ~~كما قال تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} وقال تعالى {ثم اجتباه ~~ربه فتاب عليه وهدى} وموسى - ومن هو دون موسى - عليه السلام يعلم أنه بعد ~~التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر ~~على الذنب وموسى عليه السلام أعلم بالله تعالى من أن يقبل ms2445 هذه الحجة فإن ~~هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم وحجة لفرعون عدو موسى ~~وحجة لكل كافر وفاجر وبطل أمر الله ونهيه؛ بل إنما كان القدر حجة لآدم على ~~موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك وتلك المصيبة كانت ~~مكتوبة عليه. # PageV08P108 # وقد قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه} . وقال أنس: {خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف ~~قط ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان ~~بعض أهله إذا عاتبني على شيء يقول دعوه فلو قضي شيء لكان} وفي الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت {ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ~~ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء ~~قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم ~~لغضبه شيء حتى ينتقم لله} . وقد قال صلى الله عليه وسلم {لو أن فاطمة بنت ~~محمد سرقت لقطعت يدها} . ففي أمر الله ونهيه يسارع إلى الطاعة ويقيم الحدود ~~على من تعدى حدود الله ولا تأخذه في الله لومة لائم وإذا آذاه مؤذ أو قصر ~~مقصر في حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظرا إلى القدر. فهذا سبيل الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وهذا ~~واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل آدمي كالمصائب السماوية أو بفعل لا سبيل ~~فيه إلى العقوبة كفعل آدم عليه السلام فإنه لا سبيل إلى لومه شرعا - لأجل ~~التوبة - ولا قدرا؛ لأجل القضاء والقدر. وأما إذا ظلم رجل رجلا فله أن ~~يستوفي مظلمته على وجه العدل وإن عفا عنه كان أفضل له كما قال تعالى ~~{والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} . # PageV08P109 # وأما " الصنف الثالث " فهم الذين لا ينظرون إلى القدر لا في المعائب ولا ~~في ms2446 المصائب التي هي من أفعال العباد بل يضيفون ذلك كله إلى العبد وإذا ~~أساءوا استغفروا وهذا حسن؛ لكن إذا أصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا إلى ~~القدر الذي مضى به عليهم ولا يقولون لمن قصر في حقهم دعوه فلو قضي شيء لكان ~~لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون إليها وقد قال تعالى ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} ~~وقال تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال تعالى {وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} . ومن هذا قوله تعالى {أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا} {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} . فإن هذه الآية تنازع فيها كثير من مثبتي القدر ونفاته: ~~هؤلاء يقولون الأفعال كلها من الله لقوله تعالى: {قل كل من عند الله} . ~~وهؤلاء يقولون: الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . وقد يجيبهم الأولون بقراءة مكذوبة ~~{فمن نفسك} بالفتح على معنى الاستفهام وربما قدر بعضهم تقديرا: أي أفمن ~~نفسك؟ وربما قدر بعضهم القول في قوله تعالى {ما أصابك} فيقولون: تقدير ~~الآية {فمال هؤلاء القوم لا يكادون # PageV08P110 # يفقهون حديثا} يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه ويجعلون ما هو من قول ~~الله - قول الصدق - من قول المنافقين الذين أنكر الله قولهم ويضمرون في ~~القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه؛ فكل من هاتين الطائفتين ~~جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذي تنصره. وأما القرآن فالمراد منه ~~هنا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب؛ ليس المراد الطاعات والمعاصي وهذا ~~كقوله تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وكقوله: {إن ms2447 تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون} {قل لن يصيبنا إلا ما كتب ~~الله لنا هو مولانا} الآية. ومنه قوله تعالى {وبلوناهم بالحسنات والسيئات ~~لعلهم يرجعون} كما قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} ~~أي بالنعم والمصائب. وهذا بخلاف قوله {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن ~~جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} وأمثال ذلك فإن المراد بها الطاعة ~~والمعصية وفي كل موضع ما يبين المراد باللفظ فليس في القرآن العزيز بحمد ~~الله تعالى إشكال؛ بل هو مبين. وذلك أنه إذا قال: {ما أصابك} وما {مسك} ~~ونحو ذلك كان من فعل غيرك بك كما قال {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} وكما قال تعالى {إن تصبك حسنة تسؤهم} وقال تعالى {وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} . # PageV08P111 # وإذا قال {من جاء بالحسنة} كانت من فعله لأنه هو الجائي بها فهذا يكون ~~فيما فعله العبد لا فيما فعل به. وسياق الآية يبين ذلك فإنه ذكر هذا في ~~سياق الحض على الجهاد وذم المتخلفين عنه فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} {وإن منكم لمن ليبطئن فإن ~~أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} {ولئن أصابكم ~~فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما} . فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين وذكر ما يصيب المؤمنين ~~تارة من المصيبة فيه وتارة من فضل الله فيه كما أصابهم يوم أحد مصيبة فقال: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} . ~~وأصابهم يوم بدر فضل من الله بنصره لهم وتأييده كما قال تعالى: {ولقد نصركم ~~الله ببدر وأنتم أذلة} ثم إنه سبحانه قال: {فليقاتل في سبيل الله الذين ~~يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما} {وما لكم لا ms2448 تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان} - إلى قوله - {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~هذه من عندك} فهذا من كلام الكفار والمنافقين إذا أصابهم نصر وغيره من ~~النعم قالوا هذا من عند الله وإن أصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب ~~قالوا: # PageV08P112 # هذا من عند محمد بسبب الدين الذي جاء به فإن الكفار يضيفون ما أصابهم من ~~المصائب إلى فعل أهل الإيمان. # وقد ذكر نظير ذلك في قصة موسى وفرعون قال تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} . ونظيره ~~قوله تعالى في سورة يس {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} {وما علينا إلا ~~البلاغ المبين} {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا ~~عذاب أليم} فأخبر الله تعالى أن الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فإذا ~~أصابهم بلاء جعلوه بسبب أهل الإيمان وما أصابهم من الخير جعلوه لهم من الله ~~عز وجل فقال تعالى {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} والله تعالى ~~نزل أحسن الحديث فلو فهموا القرآن لعلموا أن الله أمرهم بالمعروف ونهاهم عن ~~المنكر أمر بالخير ونهى عن الشر فليس فيما بعث الله به رسله ما يكون سببا ~~للشر بل الشر حصل بذنوب العباد فقال تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله} أي ~~ما أصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله نعمة أنعم بها عليك وإن كانت بسبب ~~أعمالك الصالحة فهو الذي هداك وأعانك ويسرك لليسرى ومن عليك بالإيمان وزينه ~~في قلبك وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان. وفي آخر الحديث الصحيح الإلهي ~~حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى ~~{يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم # PageV08P113 # ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا ms2449 يلومن إلا ~~نفسه} وفي الحديث الصحيح {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا ~~إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ~~ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة ومن قالها ~~إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة} . ثم قال تعالى {وما أصابك من ~~سيئة} من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم يوم أحد {فمن نفسك} أي بذنوبك وخطاياك ~~وإن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على ~~خلقه ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم ~~ولم يقاتل مشرك ولم يقم حد ولم يكف أحد عن ظلم أحد وهذا من الفساد في الدين ~~والدنيا المعلوم ضرورة فساده للعالم بصريح المعقول المطابق لما جاء به ~~الرسول. ف ### | القدر يؤمن به ولا يحتج به # فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس ومن احتج به ضارع المشركين ومن أقر ~~بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيها بإبليس فإن الله ذكر عنه ~~أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه وأنه قال {بما أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين} . وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين في ~~المقالات كالشهرستاني # PageV08P114 # أنه ناظر الملائكة في ذلك معارضا لله تعالى في خلقه وأمره؛ لكن هذه ~~المناظرة بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ~~ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه ولو وجدناها في كتب أهل ~~الكتاب لم يجز أن نصدقها لمجرد ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن ~~يحدثوكم بحق فتكذبونه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقونه} . ويشبه - والله ~~أعلم - أن تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين بالقدر إما ms2450 من أهل الكتاب ~~وإما من المسلمين. والشهرستاني نقلها من كتب المقالات والمصنفون في ~~المقالات ينقلون كثيرا من المقالات من كتب المعتزلة كما نقل الأشعري وغيره ~~ما نقله في المقالات من كتب المعتزلة فإنهم من أكثر الطوائف وأولها تصنيفا ~~في هذا الباب ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم فوضعوا هذه المناظرة ~~على لسان إبليس كما رأينا كثيرا منهم يضع كتابا أو قصيدة على لسان بعض ~~اليهود أو غيرهم ومقصودهم بذلك الرد على المثبتين للقدر يقولون إن حجة الله ~~على خلقه لا تتم إلا بالتكذيب بالقدر؛ كما وضعوا في مثالب ابن كلاب أنه كان ~~نصرانيا لأنه أثبت الصفات وعندهم من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى وتتلقى ~~أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف حقيقة ~~أمرها. والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء وهؤلاء: حجة على من ~~يحتج بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم فلو كانت حجتهم مقبولة # PageV08P115 # لم يعذبهم بذنوبهم وحجة على من كذب بالقدر فإنه سبحانه أخبر أن الحسنة من ~~الله وأن السيئة من نفس العبد والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث ~~للمعصية كما هو المحدث للطاعة والله عندهم ما أحدث لا هذا ولا هذا؛ بل أمر ~~بهذا ونهى عن هذا. وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين ~~إلا وقد أنعم بمثلها على الكفار فعندهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وأبا لهب مستويان في نعمة الله الدينية إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأقدر ~~على الفعل وأزيحت علته لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن ~~بها وهذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن ولا خصه ~~بنعمة آمن لأجلها وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله ~~كما حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه وأمثاله وزينه في قلوب الطائفتين ~~وكره الكفر والفسوق والعصيان إلى الطائفتين سواء لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه ~~الله إليهم بغير نعمة خصهم بها ms2451 وهؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم. ومن ~~توهم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو جاهل ~~بمذهبهم؛ فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله فإن أصل ~~قولهم إن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلاهما فعله بقدرة تحصل له من غير ~~أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فإذا احتجوا ~~بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم # PageV08P116 # لا لهم؛ لأنه تعالى قال: {قل كل من عند الله} وعندهم ليس الحسنات ~~المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد وقوله تعالى ~~{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} مخالف لقولهم فإن ~~عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله سبحانه. وكذلك ~~من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى {قل كل من ~~عند الله} كان مخطئا؛ فإن الله ذكر هذه الآية ردا على من يقول الحسنة من ~~الله والسيئة من العبد ولم يقل أحد من طوائف الناس؛ أن الحسنة المفعولة من ~~الله والسيئة المفعولة من العبد. وأيضا فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل ~~الإثبات: أن الله خلقه وهو مخلوق له ومفعول له؛ فإنهم لا ينكرون أن العبد ~~هو المتحرك بالأفعال وبه قامت ومنه نشأت وإن كان الله خلقها. وأيضا فإن ~~قوله بعد هذا {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية؛ فإن أهل الإثبات لا يقولون: إن الله خالق ~~إحداهما دون الأخرى؛ بل يقولون إن الله خالق لجميع الأفعال وكل الحوادث. # ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة - مع قولهم: الله خالق كل شيء # PageV08P117 # وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير ~~وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ~~ونحو ذلك ms2452 - إن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة قال تعالى: {لمن شاء منكم ~~أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقال تعالى {إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقال ~~تعالى: {كلا إنه تذكرة} {فمن شاء ذكره} {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو ~~أهل التقوى وأهل المغفرة} . وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون في القدر فقالت ~~المعتزلة ونحوهم من النفاة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة والله منزه ~~عن فعل القبيح باتفاق المسلمين فلا تكون فعلا له. وقال من رد عليهم من ~~المائلين إلى الجبر بل هي فعله وليست أفعالا للعباد بل هي كسب للعبد: ~~وقالوا: إن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاتها ~~وإن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنا لها فيكون الفعل خلقا من الله ~~إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد لوقوعه مقارنا لقدرته وقالوا: إن العبد ليس ~~محدثا لأفعاله ولا موجدا لها ومع هذا فقد يقولون: إنا لا نقول بالجبر المحض ~~بل نثبت للعبد قدرة حادثة والجبري المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة. # PageV08P118 # وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق فقالوا: الكسب عبارة عن ~~اقتران المقدور بالقدرة الحادثة والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة وقالوا: ~~أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه والخلق هو الفعل الخارج عن ~~محل القدرة عليه. فقال لهم الناس: هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسب وبين ~~كونه فعل وأوجد وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك؛ فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو ~~أيضا مقدور بالقدرة الحادثة وهو قائم في محل القدرة الحادثة. وأيضا فهذا ~~فرق لا حقيقة له فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجا عن محلها لا يعود ~~إلى نفس تأثير القدرة فيه: وهو مبني على " أصلين " إن الله لا يقدر على فعل ~~يقوم بنفسه وإن خلقه للعالم هو نفس العالم وأكثر العقلاء من المسلمين ~~وغيرهم على خلاف ذلك. و (الثاني إن قدرة العبد لا يكون ms2453 مقدورها إلا في محل ~~وجودها ولا يكون شيء من مقدورها خارجا عن محلها. وفي ذلك نزاع طويل ليس هذا ~~موضعه. وأيضا فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق ~~في المحل أو خارجا عن المحل. وأيضا قال لهم المنازعون: من المستقر في فطر ~~الناس أن من فعل # PageV08P119 # العدل فهو عادل ومن فعل الظلم فهو ظالم ومن فعل الكذب فهو كاذب فإذا لم ~~يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف ~~بالكذب والظلم قالوا: وهذا كما قلتم أنتم وسائر الصفاتية: من المستقر في ~~فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ومن قامت به القدرة فهو قادر ومن ~~قامت به الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم ومن قامت به الإرادة ~~فهو مريد وقلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي خلقه فيه كسائر ~~الصفات فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها أيضا من فعل ~~الأفعال. وقالوا أيضا: القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد ~~كقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} وقوله: {اعملوا ما شئتم} وقوله: {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم} وقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وأمثال ~~ذلك. وقالوا (أيضا إن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على فعله ~~ويكون حسنة له أو سيئة فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود ~~المذموم عليها. وفي " المسألة " كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت ~~نافعة في هذا الموضع المشكل فنقول: # PageV08P120 # قول القائل: هذا فعل هذا وفعل هذا: لفظ فيه إجمال؛ فإنه تارة يراد بالفعل ~~نفس الفعل وتارة يراد به مسمى المصدر. فيقول فعلت هذا أفعله فعلا وعملت هذا ~~أعمله عملا فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان ~~وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا هو المعمول وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل؛ ~~وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك فالعمل ~~هنا ms2454 غير المعمول قال تعالى {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات} فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن. ومن هذا الباب قوله ~~تعالى {والله خلقكم وما تعملون} فإنه في أصح القولين {ما} بمعنى الذي ~~والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى {أتعبدون ما تنحتون} ~~{والله خلقكم وما تعملون} أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها. ومنه ~~حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله خالق كل صانع وصنعته} لكن ~~قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آخر فيقال: إذا كان ~~خالقا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه ~~فيها فإنها إنما صارت أوثانا بذلك التأليف وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة ~~لهم وإذا كان خالقا للتأليف كان خالقا لأفعالهم. والمقصود أن ### | لفظ " الفعل " و " العمل " و " الصنع " أنواع # وذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى ~~المفعول وكذلك لفظ " التلاوة " و " القراءة " و " الكلام " و " القول " يقع ~~على نفس مسمى # PageV08P121 # المصدر وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام فيراد بالتلاوة والقراءة ~~نفس القرآن المقروء المتلو؛ كما يراد بها مسمى المصدر. والمقصود هنا أن ~~القائل إذا قال هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد؛ فإن أراد بذلك أنها ~~فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين وبصريح العقل ولكن من قال ~~هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق. # ثم من هؤلاء من قال إنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ~~ومفعوله وخلقه ومخلوقه. وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون ~~هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله وأما العبد فهي فعله القائم به ~~وهي أيضا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول؛ فمن لم يفرق في حق الرب تعالى ~~بين الفعل والمفعول إذا قال إنها فعل الله تعالى وليس لمسمى فعل الله عنده ~~معنيان وحينئذ فلا تكون فعلا للعبد ولا ms2455 مفعولة له بطريق الأولى وبعض هؤلاء ~~قال هي فعل للرب وللعبد فأثبت مفعولا بين فاعلين. وأكثر المعتزلة يوافقون ~~هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله مع أنهم يفرقون في ~~العبد بين الفعل والمفعول؛ فلهذا عظم النزاع # PageV08P122 # وأشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها. وأما من قال: خلق الرب تعالى ~~لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر ~~المخلوقات ومفعولة للرب كسائر المفعولات ولم يقل: إنها نفس فعل الرب وخلقه ~~بل قال إنها نفس فعل العبد وعلى هذا تزول الشبهة؛ فإنه يقال الكذب والظلم ~~ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له كما يفعلها العبد وتقوم به ~~ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه ~~لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير ~~والحركات وغير ذلك؛ فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به وإذا ~~خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم ~~مستقبح لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال ~~القبيحة. ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها وسببا لذمه وعقابه وجالبة لألمه ~~وعذابه. وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به؛ لا على الخالق الذي خلقها ~~فعلا لغيره. ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه في العالم ~~مما هو مستقبح وضار ومؤذ يقولون: له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة ~~الضارة لفاعلها حكمة عظيمة؛ كما له حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض ~~والغموم. ومن يقول: لا تعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا. # PageV08P123 # يوضح ذلك أن الله تعالى إذا خلق في الإنسان عمى ومرضا وجوعا وعطشا ووصبا ~~ونصبا ونحو ذلك كان العبد هو المريض الجائع العطشان المتألم فضرر هذه ~~المخلوقات وما فيها من الأذى والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى ~~شيء من ذلك فكذلك ما خلق فيه من كذب وظلم وكفر ونحو ms2456 ذلك هي أمور ضارة ~~مكروهة مؤذية. وهذا معنى كونها سيئات وقبائح أي أنها تسوء صاحبها وتضره وقد ~~تسوء أيضا غيره وتضره كما أن مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره. ~~يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق في العبد كفرا وفسوقا على سبيل ~~الجزاء كما في قوله تعالى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة} وقوله {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقوله {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} . ثم إنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلا للعبد وكسبا له ~~يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى فالقول عند أهل ~~الإثبات فيما يخلقه من أعمال العباد ابتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا ~~الوجه وإن افترقا من وجه آخر وهم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى ~~كون هذا فعلا لله دون هذا وهذا فعلا للعبد دون هذا؛ ولكن يقولون إن هذا ~~يحسن من الله تعالى لكونه جزاء للعبد وذلك لا يحسن منه لكونه ابتداء للعبد # PageV08P124 # بما يضره وهم يقولون لا يحسن منه أن يضر الحيوان إلا بجرم سابق أو عوض ~~لاحق. وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق. ~~وأما القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون: لله تعالى فيما يخلقه من أذى ~~الحيوان حكم عظيمة كما له حكم في غير هذا ونحن لا نحصر حكمته في الثواب ~~والعوض فإن هذا قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله ~~وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله. و " المعتزلة " مشبهة في الأفعال معطلة ~~في الصفات ومن أصولهم الفاسدة أنهم يصفون الله بما يخلقه في العالم إذ ليس ~~عندهم صفة لله قائمة به ولا فعل قائم به فيسمونه به ويصفونه بما يخلقه في ~~العالم: مثل قولهم: هو متكلم بكلام يخلقه في غيره ومريد بإرادة يحدثها لا ~~في محل وقولهم: أن رضاه وغضبه وحبه وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من ~~الثواب والعقاب وقولهم: إنه لو كان خالقا ms2457 لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم ~~الكاذب. وأمثال ذلك من الأقوال التي إذا تدبرها العاقل علم فسادها ~~بالضرورة. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة عليهم لا سيما لما أظهروا القول ~~بأن القرآن مخلوق وعلم السلف أن هذا في الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى ~~وأنه لو كان كلامه هو ما يخلقه للزم أن يكون كل كلام مخلوق كلاما له فيكون ~~إنطاقه للجلود يوم القيامة وإنطاقه للجبال والحصى بالتسبيح وشهادة الأيدي ~~والأرجل ونحو ذلك كلاما له وإذا كان خالقا لكل # PageV08P125 # شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الحلولية من الجهمية كصاحب الفصوص ~~وأمثاله ولهذا يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ~~ونظامه # وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك ~~المحل فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها؛ وإذا خلق لونا ~~أو ريحا في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك وإذا خلق علما أو قدرة أو حياة ~~في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي فكذلك إذا خلق إرادة وحبا ~~وبغضا في محل كان هو المريد المحب المبغض وإذا خلق فعلا لعبد كان العبد هو ~~الفاعل فإذا خلق له كذبا وظلما وكفرا كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر ~~وإن خلق له صلاة وصوما وحجا كان العبد هو المصلي الصائم الحاج. # والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته وهذا مطرد ~~على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ويقولون إن خلق الله ~~للسموات والأرض ليس هو نفس السموات والأرض؛ بل الخلق غير المخلوق لا سيما ~~مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله. ~~فإن المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية والقدرية نقضوا هذا الأصل على من لم ~~يقل إن الخلق غير المخلوق كالأشعري ومن وافقه فقالوا؛ # PageV08P126 # إذا قلتم إن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره - كما ~~ذكرتم في الحركة والعلم والقدرة وسائر الأعراض - انتقض ذلك ms2458 عليكم بالعدل ~~والإحسان وغيرهما من أفعال الله تعالى فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه في غيره ~~محسنا بإحسان خلقه في غيره فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه في غيره. والجمهور ~~من أهل السنة وغيرهم يجيبون بالتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان عادلا ~~بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه. وأما المخلوق الذي ~~حصل للعبد فهو أثر ذلك كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التي هي صفته وأما ما ~~يخلقه من الرحمة فهو أثر تلك الرحمة واسم الصفة يقع تارة على الصفة التي هي ~~مسمى المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول كلفظ " الخلق " ~~يقع تارة على الفعل وعلى المخلوق أخرى والرحمة تقع على هذا وهذا وكذلك ~~الأمر يقع على أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمرا ويقع على المفعول تارة ~~كقوله تعالى {وكان أمر الله قدرا مقدورا} وكذلك لفظ " العلم " يقع على ~~المعلوم و " القدرة " تقع على المقدور ونظائر هذا متعددة. وقد استدل الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق ~~بقوله عليه السلام {أعوذ بكلمات الله التامات} ونحو ذلك وقالوا الاستعاذة ~~لا تحصل بالمخلوق ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك} . # PageV08P127 # ومن تدبر هذا الباب ونحوه وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق من ~~المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر ~~لا سيما إذا وافقوهم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ~~ويطلبون لوازمه حتى يخرجوهم من الدين إن استطاعوا خروج الشعرة من العجين ~~كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق من طوائف المسلمين. # و " المعتزلة " استطالوا على " الأشعرية " ونحوهم من المثبتين للصفات ~~والقدر بما وافقوهم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك ~~أصلهم الذي استدلوا به عليهم في أن كلام الله غير مخلوق وأن الكلام وغيره ~~من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك ms2459 المحل. واستطالوا عليهم بذلك في " ~~مسألة القدر " واضطروهم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا ~~لله رب العالمين دون العبد ثم أثبتوا كسبا لا حقيقة له؛ فإنه لا يعقل من ~~حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل؛ ولهذا صار الناس يسخرون ~~بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النظام وأحوال أبي ~~هاشم وكسب الأشعري. واضطروهم إلى أن فسروا تأثير القدرة في المقدور بمجرد ~~الاقتران العادي والاقتران العادي يقع بين كل ملزوم ولازمه ويقع بين ~~المقدور والقدرة فليس جعل هذا مؤثرا في هذا بأولى من العكس ويقع بين ~~المعلول وعلته # PageV08P128 # المنفصلة عنه مع أن قدرة العباد عنده لا تتجاوز محلها. ولهذا فر القاضي ~~أبو بكر إلى قول وأبو إسحاق الإسفراييني إلى قول وأبو المعالي الجويني إلى ~~قول؛ لما رأوا ما في هذا القول من التناقض. والكلام على هذا مبسوط في موضعه ~~والمقصود هنا التنبيه. # ومن النكت في هذا الباب أن لفظ " التأثير " ولفظ " الجبر " ولفظ " الرزق ~~" ونحو ذلك ألفاظ جملة فإذا قال القائل: هل قدرة العبد مؤثرة في مقدورها أم ~~لا؟ قيل له أولا: لفظ القدرة يتناول نوعين: # أحدهما القدرة الشرعية المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي. ~~(والثاني القدرة القدرية الموجبة للفعل التي هي مقارنة للمقدور لا يتأخر ~~عنها. فالأولى هي المذكورة في قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج ~~البيت إلا على من حج فلا يكون من لم يحجج عاصيا بترك الحج سواء كان له زاد ~~وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن. وكذلك {قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} وكذا ~~قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم} لو أراد استطاعة لا تكون إلا مع الفعل لكان قد ~~قال فافعلوا منه ms2460 ما تفعلون فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا # PageV08P129 # له وهذه الاستطاعة المذكورة في كتب الفقه ولسان العموم. # والناس متنازعون في مسمى الاستطاعة والقدرة فمنهم من لا يثبت استطاعة إلا ~~هذه ويقولون الاستطاعة لا بد أن تكون قبل الفعل ومنهم من لا يثبت استطاعة ~~إلا ما قارن الفعل وتجد كثيرا من الفقهاء يتناقضون؛ فإذا خاضوا مع من يقول ~~من المتكلمين - المثبتين للقدر - أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل ~~وافقوهم على ذلك وإذا خاضوا في الفقه أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي ~~مناط الأمر والنهي. وعلى هذا تتفرع " مسألة تكليف ما لا يطاق " فإن الطاقة ~~هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل. فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي ~~لم يكلف الله أحدا شيئا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير وأما ~~الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق ~~بهذا الاعتبار فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق ~~المسلمين. وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم فإذا أريد ~~بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في ~~قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع ~~بهذا الاعتبار وإن علم أنه لا يطيعه. وإن أريد بالقدرة " القدرية " التي لا ~~تكون إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ~~ثابتة له. # PageV08P130 # ومن هذا الباب تنازع الناس في " الأمر والإرادة " هل يأمر بما لا يريد أو ~~لا يأمر إلا بما يريد؛ فإن الإرادة لفظ فيه إجمال يراد بالإرادة الإرادة ~~الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن. وكقوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وقول نوح عليه السلام {ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} ولا ريب أن ~~الله يأمر العباد ms2461 بما لا يريده بهذا التفسير والمعنى كما قال تعالى {ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها} فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر ~~كل نفس بهداها وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدا ~~إن شاء الله أو ليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله ~~أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به فإنه إذا لم يفعل ~~المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله: إن شاء الله فعلم أن الله ~~لم يشأه مع أمره به. وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى وهي ~~ملازمة للأمر كقوله تعالى {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم} ومنه قول المسلمين: هذا يفعل شيئا لا يريده الله إذا كان يفعل ~~بعض الفواحش أي أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه. وكذلك لفظ " ~~الجبر " فيه إجمال يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون # PageV08P131 # رضاه كما يقال: إن الأب يجبر المرأة على النكاح والله تعالى أجل وأعظم من ~~أن يكون مجبرا بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضا والاختيار بما يفعله ~~وليس ذلك جبرا بهذا الاعتبار ويراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات ~~والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي: الجبار الذي جبر العباد على ما أراد ~~وكما في الدعاء المأثور عن علي رضي الله عنه " جبار القلوب على فطراتها: ~~شقيها وسعيدها " والجبر ثابت بهذا التفسير. فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى ~~الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه. وكذلك لفظ " الرزق " فيه إجمال ~~فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق ~~كما في قوله تعالى {ومما رزقناهم ينفقون} وقوله تعالى {وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} وقوله {ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا} وأمثال ذلك. وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن ~~لم يكن ms2462 هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام كما في قوله تعالى {وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها} وقوله عليه السلام في الصحيح: {فيكتب ~~رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد} . ولما كان لفظ الجبر والرزق ونحوهما فيها ~~إجمال منع الأئمة من إطلاق ذلك نفيا أو إثباتا كما تقدم عن الأوزاعي وأبي ~~إسحاق الفزاري وغيرهما من الأئمة. # PageV08P132 # وكذا لفظ " التأثير " فيه إجمال فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب ~~والعلة مع المعلول والشرط مع المشروط فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية ~~المصححة للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه وعلة ناقصة له. ~~وإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب ~~تام ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث ~~بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة ~~فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأما الأسباب المخلوقة كالنار في ~~الإحراق والشمس في الإشراق والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك ~~فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده بل لا بد من أن ينضم إليه سبب ~~آخر ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر فكل سبب فهو موقوف على وجود ~~الشروط وانتفاء الموانع وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء. وهذا ~~مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ~~واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك. فإن هذا غلط فإن ~~التسخين لا يكون إلا بشيئين (أحدهما فاعل كالنار (والثاني قابل كالجسم ~~القابل للسخونة والاحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم ~~تحرقه وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه ~~الشعاع وله موانع من السحاب والسقوف وغير # PageV08P133 # ذلك فهذا الواحد الذي قدروه في أنفسهم لا وجود له في الخارج وقد بسط هذا ~~في غير هذا الموضع. فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد ~~عن الصفات وكالعقول المجردة وكالكليات ms2463 التي يدعون تركب الأنواع منها ~~وكالمادة والصورة العقليين وأمثال ذلك لا وجود لها في الخارج بل إنما توجد ~~في الأذهان لا في الأعيان وهي أشد بعدا عن الوجود من الجوهر الفرد الذي ~~يثبته من يثبته من أهل الكلام فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج وكذلك ~~الجوهر كما قد بسط في موضعه. والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط ~~الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك ~~بخلق الله تعالى - فهذا حق وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا ~~الاعتبار. وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا ~~معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثرا بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك ~~له ولا ند له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن {ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} {قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن # PageV08P134 # ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ونظائر هذا في القرآن ~~كثيرة. فإذا عرف ما في لفظ " التأثير " من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة ~~وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين. فمن قال: إن المؤمن والكافر سواء فيما ~~أنعم الله عليهما من الأسباب المقتضية للإيمان وإن المؤمن لم يخصه الله ~~بقدرة ولا إرادة آمن بها وإن العبد إذا فعل لم تحدث له معونة من الله ~~وإرادة لم تكن قبل الفعل: فقوله معلوم الفساد. وقيل لهؤلاء: فعل العبد من ~~جملة الحوادث والممكنات فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن ~~الله أحدثه. فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن ms2464 حادث فإن أمكن صدور ~~هذا الممكن الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجح وجوده على عدمه أمكن ذلك في ~~غيره فانتقض دليل إثبات الصانع. ولا ريب أن كثيرا من متكلمة الإثبات ~~القائلين بالقدر سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه ~~على الآخر بلا مرجح وقالوا في " مسألة إحداث العالم " إن القادر المختار أو ~~الإرادة القديمة التي نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت ~~أنواعا من الممكنات في الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب اقتضى الرجحان وادعوا ~~أن القادر المختار يمكنه الترجيح بلا مرجح أو الإرادة القديمة ترجح بلا ~~مرجح آخر فاعترض عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن ~~الله يحدث الحوادث # PageV08P135 # بأفعال تقوم بنفسه وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام. ~~والقائلين بقدم العالم قالوا: هذا الذي قلتموه معلوم الفساد بالضرورة ~~وتجويز هذا يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب والترجيح بلا مرجح وذلك يسد باب ~~إثبات الصانع. ثم إن هؤلاء المثبتين للقدر احتجوا بهذه الحجة على نفاة ~~القدر وقالوا: حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لا بد له من محدث مرجح تام غير ~~العبد فإن ما كان من العبد فهو محدث أيضا وعند وجود ذلك المحدث المرجح ~~التام يجب وجود فعل العبد وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية ~~والمعتزلة؛ لكنهم نقضوه وتناقضوا فيه في فعل الرب تبارك وتعالى وادعوا هناك ~~أن البديهة فرقت بين فعل القادر وبين الموجب بالذات فإن كان هذا الفرق ~~صحيحا بطلت حجتهم على المعتزلة ولم يبطل قول القدرية وإن كان باطلا بطل ~~قولهم في إحداث الله وفعله للعالم وهذا هو الباطل في نفس الأمر فإن القول ~~بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة ~~الضرورية لا يمكن القدح فيه وهو عام لا تخصيص فيه فالفرق المذكور باطل وذلك ~~يبطل قولهم بأن خلق العالم هو العالم وأنه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب ~~حادث. ومن قال إن قدرة العبد وغيرها ms2465 من الأسباب التي خلق الله تعالى بها ~~المخلوقات ليست أسبابا أو أن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران # PageV08P136 # عادي كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب ~~والحكم والعلل ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها ولا في ~~القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ولا في النار قوة تمتاز بها عن ~~التراب تحرق بها وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع ~~والغرائز. قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى ~~والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم. ثم إن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان ~~أن يقول إنه شبع بالخبز وروي بالماء بل يقول شبعت عنده ورويت عنده؛ فإن ~~الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة؛ لا ~~بها. وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول: {وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به ~~الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} الآية وقال تعالى {وما أنزل الله من ~~السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} وقال تعالى ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} وقال {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ~~ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} وقال {ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} وقال تعالى {وهو الذي أنزل ~~من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} وقال تعالى {ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} وقال تعالى {هو الذي أنزل من ~~السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه # PageV08P137 # تسيمون} {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} ~~وقال تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} - إلى قوله - {يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا} وقال {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام} ms2466 ومثل هذا في القرآن كثير. وكذلك في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كقوله {لا يموتن أحد منكم؛ إلا آذنتموني به حتى ~~أصلي عليه فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة} . وقال صلى الله عليه ~~وسلم {إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم ~~نورا} ومثل هذا كثير. ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة في خلق ~~الله من أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله؛ كالذين يظنون أن ما يحصل ~~بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدرا حصل بدون ذلك. ~~وإن لم يكن مقدرا لم يحصل بذلك. وهؤلاء كالذين قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم {أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له} . وفي السنن أنه {قيل: يا رسول الله؛ أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى ~~نسترقي بها؛ وتقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال هي من قدر الله} ~~ولهذا قال من قال من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد # PageV08P138 # ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل؛ والإعراض عن الأسباب ~~بالكلية قدح في الشرع. والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات؛ وجعل هذا سببا ~~لهذا فإذا قال القائل إن كان هذا مقدرا حصل بدون السبب وإلا لم يحصل؛ جوابه ~~أنه مقدر بالسبب وليس مقدرا بدون السبب؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم؛ وخلق للنار أهلا ~~خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم} وقال صلى الله عليه وسلم {اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة. وأما من ~~كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة} . وفي الصحيحين عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ~~{إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل ms2467 إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقه ~~وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح. قال فوالذي نفسي بيده إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ~~فيدخلها} . # PageV08P139 # فبين صلى الله عليه وسلم أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذي يعمله ويختم له ~~به وهذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله ويختم له به كما قال صلى الله عليه ~~وسلم {إنما الأعمال بالخواتيم} وذلك لأن جميع الحسنات تحبط بالردة وجميع ~~السيئات تغفر بالتوبة ونظير ذلك من صام ثم أفطر قبل الغروب أو صلى وأحدث ~~عمدا قبل كمال الصلاة بطل عمله. وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما ~~بعث الله به رسله وأنزل كتبه فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه ~~الكوني وحكمه الديني وإرادته الكونية والدينية كما قال في الآية الأولى ~~{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء} وقال نوح عليه السلام {ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} وقال تعالى في الإرادة الدينية ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال {يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} وقال {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} . وهم مع ~~إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه خلق الأشياء بقدرته ومشيئته ~~يقرون بأنه لا إله إلا هو لا يستحق العبادة غيره ويطيعونه ويطيعون رسله ~~ويحبونه ويرجونه ويخشونه ويتكلون عليه وينيبون إليه ويوالون أولياءه ~~ويعادون أعداءه ويقرون بمحبته لما أمر به ولعباده المؤمنين # PageV08P140 # ورضاه بذلك وبغضه لما نهى عنه وللكافرين وسخطه لذلك ومقته له ويقرون بما ~~استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2468 من {أن الله أشد فرحا بتوبة عبده ~~التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها فلم ~~يجدها فقال تحت شجرة فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته} . فهو إلههم الذي يعبدونه وربهم الذي ~~يسألونه كما قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} إلى قوله {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فهو المعبود المستعان. والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل. فهم ~~يحبونه أعظم مما يحب كل محب محبوبه كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وكل ما يحبونه ~~سواه فإنما يحبونه لأجله كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله: ومن كان يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} وفي الترمذي وغيره {أوثق ~~عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ~~ومنع لله فقد استكمل الإيمان} . وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين وكمال الحب ~~هو الخلة التي جعلها الله لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. فإن الله ~~اتخذ إبراهيم خليلا. واستفاض # PageV08P141 # عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال {إن الله ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا} وقال {لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله} يعني نفسه ولهذا اتفق ~~سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ويحب. ~~وأنكرت الجهمية ومن اتبعهم محبته. وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم شيخ ~~الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال: أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم ms2469 خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ~~ثم نزل فذبحه. وهذا أصل ملة إبراهيم الذي جعله الله إماما للناس قال تعالى ~~{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} وقال ~~{ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا} . ومن قال: إن المراد بمحبة الله محبة التقرب إليه ~~فقوله متناقض؛ فإن محبة التقرب إليه تبع لمحبته. فمن أحب الله نفسه أحب ~~التقرب إليه ومن كان لا يحبه نفسه امتنع أن يحب التقرب إليه. وأما من كان ~~لا يطيعه ولا يمتثل أمره إلا لأجل غرض آخر فهو في الحقيقة إنما يحب ذلك ~~الغرض الذي عمل لأجله وقد # PageV08P142 # جعل طاعة الله وسيلة إليه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟ ~~ويدخلنا الجنة؟ ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة} ". فأخبر أن النظر إليه أحب ~~إليهم من كل ما يتنعمون به ومحبة النظر إليه تبع لمحبته فإنما أحبوا النظر ~~إليه لمحبتهم إياه وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه محبة الله وطمأنينة بذكره ~~وتنعما بمعرفته ولذة وسرورا بذكره ومناجاته. وذلك يقوى ويضعف ويزيد وينقص ~~بحسب إيمان الخلق. فكل من كان إيمانه أكمل كان تنعمه بهذا أكمل. ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وغيره: {حبب إلي من دنياكم ~~النساء والطيب - ثم قال - وجعلت قرة عيني في الصلاة} وكان صلى الله عليه ~~وسلم يقول {أرحنا بالصلاة يا بلال} وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود ~~هنا أن عباده المؤمنين يحبونه وهو يحبهم سبحانه وتعالى وحبهم له بحسب فعلهم ~~لما يحبه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2470 ~~قال {يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر # PageV08P143 # به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ~~وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه} . فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد ~~الفرائض أحبه الله فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله. وما يحبه ~~الله من عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه وحبه ذلك هو سبب حب عباده المؤمنين ~~فكان حبه للمؤمنين تبعا لحب نفسه. فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون ~~عليه فهم لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه كما في الحديث الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك. وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك} ~~وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال {لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك ~~مدح نفسه} . {وقال له الأسود بن سريع: إني حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب ~~الحمد} فهو يحب حمد العباد له وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له ويحب ~~ثناءهم عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثنائهم عليه. وكذلك حبه لنفسه وتعظيمه ~~لنفسه فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد وهو الموصوف بصفات الكمال التي لا ~~تبلغها عقول الخلائق فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه. وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV08P144 # {أنه قرأ على المنبر {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه} . قال يقبض الله الأرض ويطوي ~~السموات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك أنا القدوس ms2471 أنا السلام أنا ~~المؤمن أنا المهيمن أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا أنا الذي أعيدها} وفي ~~رواية {يمجد الرب نفسه سبحانه} فهو يحمد نفسه ويثني عليها ويمجد نفسه ~~سبحانه وتعالى وهو الغني بنفسه لا يحتاج إلى أحد غيره بل كل ما سواه فقير ~~إليه {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} وهو الأحد الصمد الذي ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فإذا فرح بتوبة التائب وأحب من تقرب ~~إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين ونحو ذلك لم يجز أن يقال: هو مفتقر ~~في ذلك إلى غيره ولا مستكمل بسواه فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهو الذي هداهم ~~وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به. فهذه المحبوبات لم تحصل إلا ~~بقدرته ومشيئته وخلقه فله الملك لا شريك له وله الحمد في الأولى والآخرة ~~وله الحكم وإليه ترجعون. فهذا ونحوه يحتج به الجمهور الذين يثبتون لأفعاله ~~حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها. # PageV08P145 # قالوا: وقول القائل: إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره فيكون ناقصا قبل ذلك ~~عنه أجوبة. # أحدها: أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات فما كان جوابا في ~~المفعولات كان جوابا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا ~~بفعله. الثاني أنهم قالوا: كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة ~~فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا. الثالث قول القائل: إنه مستكمل ~~بغيره باطل؛ فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ~~ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان ~~كما لو قيل كمل بصفاته أو كمل بذاته. الرابع قول القائل: كان قبل ذلك ناقصا ~~إن أراد به عدم ما تجدد فلا نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي اقتضت الحكمة ~~وجوده فيه يكون نقصا وإن أراد بكونه ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال ~~عدم الشيء في الوقت الذي لم ms2472 تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده ~~في وقت اقتضاء الحكمة وجوده فيه كمال. فليس عدم كل شيء نقصا بل عدم ما يصلح ~~وجوده # PageV08P146 # هو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين ~~اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص. ولهذا كان الرب تعالى ~~موصوفا بالصفات الثبوتية المتضمنة لكماله وموصوفا بالصفات السلبية ~~المستلزمة لكماله أيضا. فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال كما أن وجود ما ~~يستحق ثبوته من الكمال. وإذا عقل مثل هذا في الصفات فكذلك في الأفعال ~~ونحوها وليس كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال بل كثير من الزيادات تكون ~~نقصا في كمال المزيد كما يعقل مثل ذلك في كثير من الموجودات. والإنسان قد ~~يكون وجود أشياء في حقه في وقت نقصا وعيبا وفي وقت آخر كمالا ومدحا في حقه؛ ~~كما يكون في وقت مضرة له وفي وقت منفعة له. (الخامس أنا إذا قدرنا من يقدر ~~على إحداث الحوادث لحكمة ومن لا يقدر على ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن ~~القادر على ذلك أكمل مع أن الحوادث لا يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة ~~وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذا المقدور لا يكون إلا حادثا كان وجوده ~~هو الكمال وعدمه قبل ذلك من تمام الكمال إذ عدم الممتنع الذي هو شرط في ~~وجود الكمال من الكمال. ثم هم هنا ثلاث فرق: فرقة تقول إرادته وحبه ورضاه ~~ونحو هذا قديم ولم يزل راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا ولم يزل ساخطا على من ~~علم أنه يموت # PageV08P147 # كافرا كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث والفقهاء والصوفية ~~فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث؛ لكن يعارضهم الأكثرون الذين ~~ينازعونهم في الحكمة المحبوبة كما ينازعونهم في الإرادة؛ فإنهم قالوا لهم: ~~إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع الأزمنة والحوادث سواء ~~فاختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول تخصيص بلا مخصص. قال ms2473 ~~أولئك: الإرادة من شأنها أن تخصص. قال لهم المعارضون: من شأنها جنس ~~التخصيص. وأما تخصيص هذا المعين على هذا المعين فليس منه لوازم الإرادة بل ~~لا بد من سبب يوجب اختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر. والإنسان يجد من نفسه ~~أنه يخصص بإرادته ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون هذا إلا لسبب اقتضى ~~التخصيص وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع الوجوه امتنع تخصيص الإرادة ~~لواحد من ذلك دون أمثاله فإن هذا ترجيح بلا مرجح. ومتى جوز هذا انسد باب ~~إثبات الصانع قالوا: ومن تدبر هذا وأمعن النظر فيه علمه حقيقة وإنما ينازع ~~فيه من يقلد قولا قاله غيره من غير اعتبار لحقيقته. وهكذا يقول لهم ~~الجمهور: إذا كان الله تعالى راضيا في أزله ومحبا وفرحا بما يحدثه قبل أن ~~يحدثه فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها أو لم يحصل ~~إلا ما كان في الأزل؟ فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان في # PageV08P148 # الأزل قيل ذاك كان حاصلا بدون ما أحدثه من المفعولات فامتنع أن تكون ~~المفعولات فعلت لكي يحصل ذاك؛ فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب ~~يحدثه الله تعالى يتضمن أنه يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها قالوا: فقولكم ~~يتضمن نفي إرادته المقارنة ومحبته وحكمته التي لا يحصل الفعل إلا بها. ~~(والفرقة الثانية قالوا: إن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته وقدرته كما ~~يحصل الفعل بمشيئته وقدرته. قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما ~~أخبر به من صفاته وأفعاله بذاته. والمعتزلة تنفي قيام الصفات والأفعال به ~~وتسمي الصفات أعراضا والأفعال حوادث ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا ~~الحوادث فيتوهم من لم يعرف حقيقة قولهم إنهم ينزهون الله تعالى عن النقائص ~~والعيوب والآفات. ولا ريب أن الله يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة فإنه ~~القدوس السلام الصمد السيد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال كمالا يدرك ~~الخلق حقيقته منزه عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله. وكل كمال ثبت ~~لموجود ms2474 من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه وكل نقص ~~ينزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه وأولى ببراءته منه. روينا من طريق ~~غير واحد كعثمان بن سعيد الدارمي وأبي جعفر الطبري وأبي بكر البيهقي وغيرهم ~~في تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى {الصمد} قال: السيد ~~الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل # PageV08P149 # في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته ~~والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته والعالم الذي قد ~~كمل في علمه والحليم الذي قد كمل في حلمه وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف ~~والسؤدد وهو الله عز وجل هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ وليس كمثله ~~شيء سبحانه الواحد القهار. وهذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبي صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي لكن يقال: إنه لم يسمع التفسير ~~من ابن عباس ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف وروي عن سعيد بن جبير أنه ~~قال: الصمد الكامل في صفاته وأفعاله. وثبت عن أبي وائل شقيق بن سلمة أنه ~~قال: الصمد السيد الذي انتهى سؤدده. وهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافي ما ~~قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي ~~والضحاك وغيرهم من أن الصمد هو الذي لا جوف له وهذا منقول عن ابن مسعود وعن ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه موقوفا أو مرفوعا فإن كلا القولين حق كما بسط ~~الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. ولفظ " الأعراض في اللغة " قد يفهم منه ~~ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها وكذلك لفظ " الحوادث والمحدثات " قد ~~يفهم ما يحدثه الإنسان # PageV08P150 # من الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعة أو ما يحدث للإنسان من ~~الأمراض ونحو ذلك. والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه ~~نوع نقص فكيف تنزيهه عن ms2475 هذه الأمور؟ ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم هو ~~منزه عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته وأفعاله فعندهم لا يقوم به علم ولا ~~قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضا ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ~~ولا إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله. ~~وجماهير المسلمين يخالفونهم في ذلك ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات دون ~~الأفعال ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات دون بعض ومن الناس من ينازعهم في ~~الفعل القديم ويقول إن فعله قديم وإن كان المفعول محدثا؛ كما يقول في نظير ~~ذلك من يقوله في الإرادة. وبسط هذه الأقوال وذكر قائليها وأدلتهم مذكور في ~~غير هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال ~~المذكور وهذا الفريق الثاني إذا قال لهم الناس: إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن ~~لم تكن لزمكم التسلسل قالوا: القول في حدوث هذه الحكمة كالقول في حدوث سائر ~~ما أحدثه من المفعولات ونحن نخاطب من يسلم لنا أنه أحدث المحدثات بعد أن لم ~~تكن فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن # PageV08P151 # يقول هذا يستلزم التسلسل بل نقول له: القول في حدوث الحكمة كالقول في ~~حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما كان جوابك عن هذا كان جوابنا عن هذا. ~~فلما خصم الفريق الثاني الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث - من أئمة ~~الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام - هذه حجة جدلية إلزامية ولم تشفوا ~~الغليل بهذا الجواب وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفي هذا ~~التسلسل بل التسلسل نوعان والدور نوعان: # أحدهما: التسلسل في العلل والمعلولات فهذا ممتنع وفاقا. # والثاني: التسلسل في الشروط والآثار فهذا في جوازه قولان معروفان ~~للمسلمين وغيرهم. وطوائف من أهل الكلام والحديث والفلسفة يجوزون هذا ومن ~~هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء وأنه لم يزل ~~يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. وبين هؤلاء أن ما ~~استدل به منازعوهم ms2476 على نفي التسلسل في الآثار وامتناع وجود ما لا يتناهى في ~~الماضي أدلة ضعيفة كدليل المطابقة بين الجملتين مع زيادة إحداهما وكدليل ~~الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التي بين هؤلاء فسادها ونقضوها عليهم ~~بالحوادث في المستقبل وبعقود الأعداد وبمعلومات الله مع # PageV08P152 # مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط في موضعه. والدور " نوعان ": فالدور القبلي ~~السبقي ممتنع: وهو أن لا يوجد هذا إلا بعد هذا ولا يوجد هذا إلا بعد هذا ~~وهذا دور العلل وأما الدور المعي الاقتراني وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا ~~ولا يكون هذا إلا مع هذا فهذا هو الدور في الشروط وما أشبهها من المتضايفات ~~والمتلازمات ومثل هذا جائز. فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال. وهي عدة ~~أقوال (الأول قول من لا يعلل لا أفعاله ولا أحكامه. و (الثاني قول من يعلل ~~ذلك بأمور مباينة له منفصلة عنه من جملة مفعولاته. و (الثالث قول من يعلل ~~ذلك بأمور قائمة به قديمة. و (الرابع قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به ~~متعلقة بقدرته ومشيئته لكن يقول جنسها حادث. و (الخامس قول من يعلل ذلك ~~بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته. فإن كان الفعل المقتضي للحكمة حادث النوع ~~كانت الحكمة كذلك وإن قدر أنه قام به كلام أو فعل متعلق بمشيئته وأنه لم ~~يزل كذلك كانت الحكمة كذلك فيكون النوع قديما وإن كانت آحاده حادثة. ويمكن ~~الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر بأن يقال: لا ريب أن الله عز وجل يحدث ~~مفعولات لم تكن فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها ابتداء ويجوز ~~أن تكون غير متناهية في الابتداء كما هي غير متناهية في # PageV08P153 # الانتهاء فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها ~~فإذا قال القائل: لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول ~~في حدوث معلولها ويلزم التسلسل كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب ~~أن يكون لها ابتداء وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين ~~ولا ms2477 يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن لا يكون للحوادث ~~ابتداء. فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن ~~يكون لهما ابتداء. وإن قيل: يجوز أن يكون الحوادث غير متناهية في الابتداء ~~كما أنها غير متناهية في الانتهاء عند المسلمين وسائر أهل الملل وجمهور ~~الخلق ولم ينازع في ذلك إلا بعض أهل البدع: الذين يقولون بفناء الجنة ~~والنار كما يقوله الجهم بن صفوان أو بفناء حركات أهل الجنة كما يقوله أبو ~~الهذيل فإن هذين أوجبا أن يكون لجنس الحوادث انتهاء كما يجب أن يكون لها ~~عندهم ابتداء وأكثر الذين وافقوهم على وجوب الابتداء خالفوهم في الانتهاء ~~وقالوا لها ابتداء وليس لها انتهاء. والطائفة الثالثة قالت ليس لها ابتداء ~~ولا انتهاء. والأقوال الثلاثة معروفة في طوائف المسلمين. والمقصود هنا: أن ~~الجواب يحصل على التقديرين؛ فمن جوز أن لا يكون لها نهاية في الابتداء جوز ~~تسلسل الحوادث وقال: هذا تسلسل في الآثار والشروط؛ لا تسلسل في العلل ~~والمؤثرات والممتنع إنما هو الثاني دون الأول # PageV08P154 # وقال: إنه لا يقوم دليل على امتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي ~~أهل الكلام ومتأخريهم ومتقدمي أهل الحديث ومتأخريهم. ومن أوجب أن يكون لها ~~ابتداء. قال في حدوث العلة ما يقوله في حدوث المفعول إذ لا فرق بينهما في ~~هذا المعنى. ومن الأجوبة الحاصرة أن يقال: خلق الله إما أن يجوز تعليله أو ~~لا فإن لم يجز تعليله كان هذا هو التقرير الأول. وعلى هذا التقدير فلا يسمى ~~هذا عبثا وإذا سماه المسمي عبثا لم تكن تسميته عبثا قدحا فيما تحقق فإنا ~~نتكلم على تقدير امتناع التعليل وإذا كان التعليل ممتنعا وجب القول به ولو ~~سماه المسمي بأي شيء سماه وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلة ~~حادثة وإما أن لا يجوز؛ فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة وامتنع ~~على هذا التقدير قدم المعلول؛ فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل ms2478 المفعول ~~الحادث بعلة قديمة وإن قيل: يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك. ثم ~~إما أن يقال: يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن يقوم به ~~شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة وإن كانت مقدورة مرادة له فإن قيل بالأول ~~لزم كون العلة الحادثة منفصلة عنه ولزم على هذا كون الفاعل يحدث الحوادث ~~بعد أن لم تكن لعلة حادثة بغيره من غير حدوث سبب يوجب أول الحوادث ولا قيام ~~لحادث بالمحدث. وإن قيل: بل لا يجوز أن # PageV08P155 # يحدث الحوادث لغير معنى يعود إليه بل يجب أن يقوم به ما هو السبب والحكمة ~~في حدوث الحوادث فإنه يجب القول بذلك. ثم إما أن يقال: هذا يستلزم التسلسل ~~أو لا يستلزمه فإن قيل لا يستلزمه لم يكن التسلسل لازما فاندفع المحذور وإن ~~قيل إن التسلسل لازم لم يكن التسلسل على هذا التقدير محذورا؛ لأن التقدير ~~أنه يجوز تعليل أفعاله بعلة حادثة. وأن ذلك يستلزم التسلسل. ومن المعلوم أن ~~الأمر الجائز لا يستلزم ممتنعا؛ فإنه لو استلزم ممتنعا لكان ممتنعا بغيره ~~وإن كان جائزا بنفسه والتقدير أنه جائز جوازا مطلقا لا امتناع فيه. وما كان ~~جائزا جوازا مطلقا لا امتناع فيه لم يلزمه ما يمتنع ثبوته فيكون التسلسل ~~على هذا التقدير غير ممتنع. فهذا جواب عن السؤال من غير التزام قول بعينه ~~بل نبين أنه ليس في نفس الأمر محذورا ولكن السؤال مبني على ست مقدمات لزوم ~~العبث وأنه منتف ولزوم قدم المفعول وأنه منتف ولزوم التسلسل وأنه منتف. ~~فصاحب القول الأول يقول: لا أسلم أنه يلزم العبث وصاحب القول الثاني يقول: ~~لا أسلم أنه يلزم قدم المفعول وصاحب القول الثالث يقول: # PageV08P156 # لا أسلم أنه يلزم التسلسل أو يقول لا أسلم أن التسلسل في الآثار ممتنع ~~فهذه أربع ممانعات لا بد منها. ويمتنع أن تكون كلها فاسدة بل لا بد من صحة ~~واحد منها وأيها صح اندفع به السؤال وهو المقصود. وذلك لأن القسمة العقلية ~~تحصر الأقسام فيما ذكر فمن ms2479 توجه عنده أحد الأقسام قال به ونحن قد بسطنا ~~الكلام على أصول هذه المسألة ولوازمها وأقوال الناس فيها في غير هذا ~~الموضع. والمقصود هنا الذب عن مجموع المسلمين فإن هذا السؤال مما أورده على ~~الناس القائلون بقدم العالم وقد ذكرنا عنه أجوبة متعددة فيما كتبناه في ~~جواب شبهة القائلين بقدم العالم. ومن جملة أجوبتهم أن يقال: هذا السؤال ليس ~~مختصا بحدوث العالم بل هو وارد في كل ما يحدث في الوجود من الحوادث والحدوث ~~مشهود محسوس متفق عليه بين العقلاء. فكل ما يورده المورد على حدوث خلق ~~السماوات والأرض يورد عليه نظيره في الحوادث المشهودة. وقد نبهنا على جنس ~~ما تحتج به كل طائفة من الطوائف في هذا المقام لكن استقصاء الكلام في ذلك ~~لا تسعه هذه الأوراق ولا يحتمله هذا المقام. # PageV08P157 # ومن فهم ما كتب انفتح له الكلام في هذا الباب وأمكنه أن يحصل تمام الكلام ~~في جنس هذه المسائل فإن الكلام فيها بالتدريج مقاما بعد مقام هو الذي يحصل ~~به المقصود وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم أدلتها وطرقها ~~والجواب عما يعارضها كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها. ~~فلهذا يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكلة بطريق ذكر دليل كل قول ~~ومعارضة الآخر له. حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والله سبحانه ~~أعلم وأحكم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV08P158 # وسئل: # هل أراد الله - تعالى - المعصية من خلقه أم لا؟ # فأجاب: # لفظ " الإرادة " مجمل له معنيان: فيقصد به المشيئة لما خلقه ويقصد به ~~المحبة والرضا لما أمر به. فإن كان مقصود السائل: أنه أحب المعاصي ورضيها ~~وأمر بها فلم يردها بهذا المعنى فإن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده ~~الكفر ولا يأمر بالفحشاء بل قال لما نهى عنه: {كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها} . وإن أراد ms2480 أنها من جملة ما شاءه وخلقه فالله خالق كل شيء وما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن ولا يكون في الوجود إلا ما شاء. وقد ذكر الله في ~~موضع أنه يريدها وفي موضع أنه لا يريدها والمراد بالأول أنه شاءها خلقا ~~وبالثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها أمرا كما قال تعالى: {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وقال نوح: ~~{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم} ~~وقال في الثاني: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم # PageV08P159 # العسر} وقال تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم والله عليم حكيم} {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم} وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} . # PageV08P160 # سئل الشيخ الإمام العلامة أبو العباس أحمد ابن تيمية - رضي الله عنه -: # عن قول علي رضي الله عنه لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه ما ~~معنى ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا الكلام يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه وهو من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه؛ فإن الرجاء يكون للخير والخوف يكون ~~من الشر والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه كما قال تعالى: {وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} وقال تعالى: {أينما تكونوا يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا} {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} . فإن كثيرا من الناس يظن أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية ~~الطاعات ms2481 والمعاصي. # PageV08P161 # ثم " المثبتة للقدر " يحتجون بقوله: {كل من عند الله} فيعارضهم قوله: {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . و " نفاة القدر " ~~يحتجون بهذه الثانية مع غلطهم في ذلك؛ فإن مذهبهم: أن العبد يخلق جميع ~~أعماله ويعارضهم قوله: {كل من عند الله} . وإنما غلط كلا الفريقين؛ لما ~~تقدم من ظنهم أن الحسنات والسيئات هي الطاعات والمعاصي وإنما الحسنات ~~والسيئات في هذه الآية النعم والمصائب كما في قوله تعالى {وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} وقوله تعالى {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا ~~لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} وقوله تعالى {إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقوله تعالى {وقهم السيئات} ونحو ذلك. ~~وهذا كثير. وهذه الآية ذم الله بها المنافقين الذين ينكلون عما أمر الله به ~~من الجهاد وغيره فإذا نالهم رزق ونصر وعافية قالوا: {هذا من عند الله} وإن ~~نالهم فقر وذل ومرض قالوا: {هذه من عندك} - يا محمد - بسبب الدين الذي ~~أمرتنا به كما قال قوم فرعون لموسى: وذكر الله ذلك عنهم بقوله تعالى: {فإذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} وكما ~~قال الكفار لرسل عيسى: {إنا تطيرنا بكم} . فالكفار والمنافقون إذا أصابتهم ~~المصائب بذنوبهم تطيروا بالمؤمنين فبين # PageV08P162 # الله سبحانه أن الحسنة من الله ينعم بها عليهم وأن السيئة إنما تصيبهم ~~بذنوبهم ولهذا قال تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} فأخبر أنه لا يعذب مستغفرا؛ لأن الاستغفار يمحو الذنب ~~الذي هو سبب العذاب فيندفع العذاب كما في سنن أبي داود وابن ماجه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ~~ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب} وقد قال تعالى: {ألا تعبدوا إلا ~~الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل ms2482 فضله} . فبين أن من وحده واستغفره ~~متعه متاعا حسنا إلى أجل مسمى ومن عمل بعد ذلك خيرا زاده من فضله وفي ~~الحديث: {يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله ~~والاستغفار. فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا} . ولهذا قال تعالى: {فأخذناهم بالبأساء والضراء ~~لعلهم يتضرعون} {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي فهلا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا فحقهم عند مجيء البأس التضرع وقال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون} قال عمر بن عبد العزيز: ما نزل بلاء إلا بذنب ~~ولا رفع إلا بتوبة ولهذا قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم # PageV08P163 # فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} {إنما ~~ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} . فنهى ~~المؤمنين عن خوف أولياء الشيطان وأمرهم بخوفه وخوفه يوجب فعل ما أمر به ~~وترك ما نهى عنه والاستغفار من الذنوب وحينئذ يندفع البلاء وينتصر على ~~الأعداء فلهذا قال علي رضي الله عنه لا يخافن عبد إلا ذنبه. وإن سلط عليه ~~مخلوق فما سلط عليه إلا بذنوبه فليخف الله وليتب من ذنوبه التي ناله بها ما ~~ناله كما في الأثر {يقول الله: أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم ~~بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشتغلوا ~~بسب الملوك وأطيعوني أعطف قلوبهم عليكم} . وأما قوله: لا يرجون عبد إلا ~~ربه. فإن الراجي يطلب حصول الخير ودفع الشر ولا يأتي بالحسنات إلا الله ولا ~~يذهب السيئات إلا الله {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله} {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده} والرجاء مقرون بالتوكل فإن المتوكل يطلب ما رجاه من ~~حصول المنفعة ودفع المضرة والتوكل لا ms2483 يجوز إلا على الله كما قال تعالى: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} وقال: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} ~~وقال تعالى: {إن # PageV08P164 # ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وقال ~~تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} . فهؤلاء قالوا: حسبنا الله أي كافينا الله ~~في دفع البلاء وأولئك أمروا أن يقولوا: حسبنا في جلب النعماء فهو سبحانه ~~كاف عبده في إزالة الشر وفي إنالة الخير أليس الله بكاف عبده ومن توكل على ~~غير الله ورجاه خذل من جهته وحرم {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} . {واتخذوا من ~~دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} ~~{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق} {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} . وقال الخليل: ~~{فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} . فمن عمل لغير ~~الله رجاء أن ينتفع بما عمل له كانت صفقته خاسرة قال الله تعالى: {والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} وقال تعالى: {مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون # PageV08P165 # مما كسبوا على شيء} وقال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا} وقال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} كما قيل في تفسيرها كل ~~عمل باطل إلا ما أريد به وجهه فمن عمل لغير الله ورجاه بطل سعيه والراجي ~~يكون راجيا تارة بعمل يعمله لمن يرجوه وتارة باعتماد قلبه عليه والتجائه ~~إليه وسؤاله فذاك نوع من العبادة ms2484 له وهذا نوع من الاستعانة به وقد قال ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقال: {فاعبده وتوكل عليه} وقال: {قل هو ~~ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} . ومما يوضح ذلك أن كل خير ونعمة ~~تنال العبد فإنما هي من الله وكل شر ومصيبة تندفع عنه أو تكشف عنه فإنما ~~يمنعها الله؛ وإنما يكشفها الله وإذا جرى ما جرى من أسبابها على يد خلقه ~~فالله سبحانه هو خالق الأسباب كلها سواء كانت الأسباب حركة حي باختياره ~~وقصده كما يحدثه تعالى بحركة الملائكة والجن والإنس والبهائم أو حركة جماد ~~بما جعل الله فيه من الطبع أو بقاسر يقسره كحركة الرياح والمياه ونحو ذلك ~~فالله خالق ذلك كله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن فالرجاء يجب أن يكون كله للرب والتوكل عليه والدعاء له فإنه إن شاء ذلك ~~ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن؛ وإن شاءه ~~الناس. وهذا واجب لو كان شيء من الأسباب مستقلا بالمطلوب فإنه لو قدر ~~مستقلا بالمطلوب - وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره - لكان الواجب أن # PageV08P166 # لا يرجى إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو ولا يستعان إلا به ~~ولا يستغاث إلا هو فله الحمد وإليه المشتكى وهو المستعان وهو المستغاث ولا ~~حول ولا قوة إلا به فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب بل لا بد من ~~انضمام أسباب أخر إليه ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل ~~المقصود. # فكل سبب فله شريك وله ضد فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل ~~سببه فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ~~ذلك ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا ~~يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن لم ~~تصرف المفسدات والمخلوق الذي يعطيك أو ms2485 ينصرك فهو - مع أن الله يخلق فيه ~~الإرادة والقوة والفعل - فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته ~~تعاونه على مطلوبه ولو كان ملكا مطاعا ولا بد أن يصرف عن الأسباب المعاونة ~~ما يعارضها ويمانعها فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع وكل ~~سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو مقتضيا وإن ~~سمي مقتضيا وسمي سائر ما يعينه شروطا فهذا نزاع لفظي. وحينئذ فيقال: لا بد ~~من وجود المقتضي والشروط وانتفاء الموانع وإما أن يكون في المخلوقات علة ~~تامة تستلزم معلولها فهذا باطل. # PageV08P167 # ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله وعلم أنه لا يستحق لأن ~~يدعى غيره فضلا عن أن يعبد غيره ولا يتوكل على غيره ولا يرجى غيره وهذا ~~مبرهن بالشرع والعقل ولا فرق في ذلك بين الأسباب العلوية والسفلية وأفعال ~~الملائكة والأنبياء والمؤمنين وشفاعتهم وغير ذلك من الأسباب فإن من توكل في ~~الشفاعة أو الدعاء على ملك أو نبي أو رجل صالح أو نحو ذلك قيل له: هذا أيضا ~~سبب من الأسباب فهذا الشافع والداعي لا يفعل ذلك إلا بمشيئة الله وقدرته بل ~~شفاعة أهل طاعته لا تكون إلا لمن يرضاه. كما قال تعالى: {ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى} . فليس أحد يشفع عنده إلا بإذنه الإذن القدري الكوني فإن شفاعته ~~من جهة أفعال العباد لا تكون إلا بمشيئته وقدرته فليس كالمخلوق الذي يشفع ~~إليه شافع تكون شفاعته بغير حول المشفوع إليه وقوته بل هو سبحانه خالق ~~شفاعة الشافع كسائر التحولات ولا حول ولا قوة إلا به و " الحول " يتضمن ~~التحول من حال إلى حال بحركة أو إرادة أو غير ذلك فالشافع لا حول له في ~~الشفاعة ولا غيرها إلا به ثم أهل طاعته الذين تقبل شفاعتهم لا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى فلا يطلبون منه ما لا يحب أن يطلب منه بل الملائكة الذين هم ~~ملائكته كما قال فيهم: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ms2486 ~~{لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} . # PageV08P168 # والصادر عنهم إما قول وإما عمل فالقول لا يسبقونه به بل لا يقولون حتى ~~يقول ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وعلينا أن نكون معه ومع رسله هكذا فلا نقول ~~في الدين حتى يقول ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله ولا نعبده إلا بما أمر ~~وأعلى من هذا أن لا نعمل إلا بما أمر فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أو مستحبة ~~وإذا كان هكذا في مثل هذه الأسباب فكيف بمن توكل أو رجا أسبابا غير هذه من ~~الكواكب أو غيرها أو من أفعال الآدميين من الملوك والرؤساء والأصحاب ~~والأصدقاء والمماليك والأتباع وغير ذلك ومما ينبغي أن يعلم: ما قاله طائفة ~~من العلماء. قالوا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما ~~التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن ~~الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه وليس في ~~المخلوقات ما يستحق هذا لأنه ليس مستقلا ولا بد له من شركاء وأضداد ومع هذا ~~كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر وهذا مما يبين أن الله رب كل شيء ~~ومليكه وأن السموات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر ~~غيرها وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك فإنك تجده ليس ~~مستقلا بإحداث شيء # PageV08P169 # من الحوادث بل لا بد من مشارك ومعاون وهو مع ذلك له معارضات وممانعات. ~~ومن أعظم ذلك " الفلك الأطلس التاسع " الذي يظن كثير من المتفلسفة الإلهيين ~~والمنجمين وغيرهم أن حركته هي السبب في حدوث الحوادث كلها وإليها انتهى ~~علمهم بأسباب الحوادث. ثم هم إما أن يجعلوه معلوما لواجب الوجود بتوسط عقل ~~أو نفس أو بغير توسط ذلك وإما أن ينكروا أن يكون معلولا ويجعلونه واجب ~~الوجود بنفسه ms2487 فقولهم هذا من أعظم الأقوال فسادا وإن كانوا مع ذكائهم لا ~~يهتدون لذلك ولا يهتدي كثير من الناس للرد عليهم في ذلك. وكل من نظر إلى ~~السماء علم أن حركته ليست هي السبب في جميع الحركات العلوية فإن كثيرا ما ~~يقال: إنه بحركته المشرقية يتحرك كل ما فيه من الأفلاك من المشرق إلى ~~المغرب؛ لكن مع هذا لكل فلك حركة أخرى تخصه - تخالف هذه الحركة - فلك ~~الثوابت وفلك الشمس والقمر وغيرهما من الخنس الجواري الكنس وهذه الحركات ~~المختلفة ليست عن تلك الحركة - تخالفها - ولا أفلاكها معلولة عن ذلك الفلك ~~التاسع. فلو قدر أن الحوادث تكون بحركة الكواكب وما يحدث من الأشكال ~~المختلفة بالتثليث والتربيع والتسديس والقران؛ وغير ذلك فمن المعلوم أن تلك # PageV08P170 # الأشكال المختلفة ليست معلولة عن حركة التاسع بل حركة التاسع جزء السبب ~~كما أن حركة كل فلك جزء السبب والشكل الفلكي حادث عن مجموع الحركتين أو ~~الحركات المختلفة؛ فإذا قدر أن التسعة اقترنت فلها سبع حركات بل أكثر من ~~ذلك - عندهم - بحسب الأفلاك الأخر الزوائد المستدل عليها بالحركات المختلفة ~~كالأفلاك البدرية وغيرها مما تكون به استقامة الكواكب ورجوعها وغير ذلك من ~~حركاته وإذا كان كذلك فمن جعل حركة التاسع هي السبب في جميع الحوادث كان ~~قوله مخالفا لما هو معلوم عند هؤلاء الفلاسفة والمنجمين وعند كل عاقل ثم ~~إذا قدر أنها سبب حركة جميع الأفلاك فليست مستقلة بإحداث شيء من السحب ~~والرعود والبروق والأمطار والنبات وأحوال الحيوان والمعدن؛ لأن حركات هذه ~~الأجسام ليست كلها عن حركات الأفلاك بل فيها قوى وأسباب توجب لها حركات أخر ~~كما في كل فلك مبتدئ حركة ليست عن الفلك الآخر. # والحركات كلها: إما " طبيعية " وإما " إرادية " وإما " قسرية " فالقسرية ~~تابعة للقاسر والطبيعية هي التي لا إحساس للمتحرك بها كحركة التراب إلى ~~أسفل والإرادية هي التي للمتحرك بها حس كحركة الحيوان فما كان من هذه ~~متحركا بطبع فيه أو إرادة فمبدأ حركته منه وما كان مقسورا فقاسره من ~~المخلوقات إنما يقسره لما فيه من ms2488 الاستعداد لقبول قسره وذلك معنى ليس # PageV08P171 # من القاسر فحركات الأفلاك إذا اجتمعت ليست مستقلة بتحريك هذه الأجسام وإن ~~جاز أن تكون جزءا للسبب كما نشهد أن الشمس جزء سبب في نمو بعض الأجسام ~~ورطوبتها ويبسها ونحو ذلك ثم بتقدير أن تكون أسبابا فلها موانع ومعارضات؛ ~~إذ ما من سبب يقدر إلا وله مانع إرادي أو طبيعي أو غير ذلك كالدعاء والصدقة ~~والأعمال الصالحة فإنها من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء ~~ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف وغيره من الآيات السماوية التي تكون سببا ~~للعذاب. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الشمس والقمر لا ينكسفان ~~لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده فإذا ~~رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة} وأمر صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالصلاة ~~والذكر والاستغفار والصدقة والعتاقة. وإذا عرف أن كل واحد من الموجودات ~~المشهودة إذا نظرت إليها - واحدا واحدا - من الفلك التاسع وغيره وجدته غير ~~مستقل بإحداث شيء أصلا؛ بل لا بد للحوادث من أسباب أخر وإن كان هو جزء سبب ~~ولها معارضات أخر علم بذلك أنه ليس في هذه الأمور ما يجوز أن يقال هو ~~المحدث للحوادث المشهودة فضلا عن أن يقال هو المبدع للأجسام المتحركة حركة ~~تخالف حركته وتدفع موجبها؛ فإن الشيء لا يوجب ما يضاده ويخالفه وإذا كان في ~~الأجسام المتحركة ما يخالف مقتضاه موجب الفلك - التاسع ومقتضاه - # PageV08P172 # ويضاده امتنع أن يكون أحدهما علة الآخر لأن المعلول لا يضاد علته كما لا ~~يجوز أن يكون فاعلا لها كما أن الشيء لا يكون ضدا لنفسه ولا فاعلا لنفسه ~~فإن مضادته لنفسه توجب أن يكون وجوده تابعا لوجوده فيكون موجودا معدوما ~~وفعله لنفسه مع كون العلة متقدمة على المعلول يوجب أن تكون نفسه موجودة ~~معدومة. ومن المعلوم أن " الفلك التاسع " إذا لم تكن الحوادث والحركات التي ~~عن قوى الأجسام منه وإنما منه حركة عرضية لها فألا تكون نفس الأجسام وقواها ~~منه أولى وأحرى ويعلم بذلك أن المحرك ms2489 للأفلاك وغيرها من الأجسام المشهودة ~~والمبدع لهذه الأجسام بسبب آخر رب غيرها هو الذي أبدعها على صورها المختلفة ~~وحركها بالحركات المختلفة وهو المطلوب. ثم هذه الكواكب إذا كانت جزء السبب ~~من بعض الحوادث فإنما تكون جزء السبب في حال دون حال فإنها في حال ظهورها ~~على وجه الأرض يظهر نورها وأثرها فإذا أفلت انقطع نورها وأثرها فلا تبقى ~~حينئذ سببا ولا جزءا من السبب ولهذا قال الخليل صلى الله عليه وسلم {لا أحب ~~الآفلين} فإنها في حال أفولها قد انقطع أثرها عنا بالكلية فلم تبق شبهة ~~يستند إليها المتعلق بها والرب الذي يدعى ويسأل ويرجى ويتوكل عليه لا بد أن ~~يكون قيوما يقيم العبد في جميع الأوقات والأحوال كما قال: {وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت} وقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فهذا وغيره من أنواع # PageV08P173 # النظر والاعتبار يوجب أن العبد لا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا عليه. ~~وأما كونه لا يخاف إلا ذنبه فلما علم من أنه لا تصيبه مصيبة إلا بذنوبه ~~وهذا يعلم بآيات الآفاق والأنفس وبما أخبر في كتابه كما هو مبسوط في غير ~~هذا الموضع وبينا سر ذلك بما لا يحتمله هذا الموضع. وهذا تحقيق ما ثبت في ~~الحديث الصحيح الإلهي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه ~~قال: {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} فبين أن كل ما يجده العبد ~~من الخير فليحمد الله عليه فإن الله هو الذي أنعم به وأن ما يجده من الشر ~~فلا يلومن فيه إلا نفسه. وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ~~وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك ~~بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر ms2490 الذنوب إلا أنت} فقوله: {أبوء ~~لك بنعمتك علي} اعتراف وإقرار بالنعمة وقوله: {وأبوء بذنبي} إقرار بالذنب ~~ولهذا قال؛ من قال من السلف: إني أصبح بين نعمة وذنب فأريد أن أحدث للنعمة ~~شكرا وللذنب استغفارا لكن الشكر يكون بعد النعمة والتوكل والرجاء يكون قبل ~~النعمة كما قال الخليل: {فابتغوا عند الله # PageV08P174 # الرزق واعبدوه واشكروا له} وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم {الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} فجمع بين ~~حمده والاستعانة به والاستغفار له فقد تبين أن الالتفات إلى الأسباب شرك في ~~التوحيد وهو ظلم وجهل وهذه حال من دعا غير الله وتوكل عليه. # وأما قولهم: محو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص في العقل فهو كذلك وهو طعن ~~في الشرع أيضا فإن كثيرا من أهل الكلام أنكروا الأسباب بالكلية وجعلوا ~~وجودها كعدمها كما أن أولئك الطبعيين جعلوها عللا مقتضية وكما أن المعتزلة ~~فرقوا بين أفعال الحيوان وغيرها والأقوال الثلاثة باطلة؛ فإن الله يقول ~~{وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} وقال تعالى: {وما ~~أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} وقال تعالى: {يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا} وأمثال ذلك فمن قال يفعل عندها لا بها فقد خالف لفظ القرآن مع أن ~~الحس والعقل يشهد أنها أسباب ويعلم الفرق بين الجبهة وبين العين في اختصاص ~~أحدهما بقوة ليست في الآخر وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء ~~دون الآخر. وأما قولهم الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع بل هو أيضا ~~قدح في العقل فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيط بها فمن جعل # PageV08P175 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أو يجعل المتقين كالفجار ~~فهو من أعظم الناس جهلا وأشدهم كفرا بل ما أمر الله به من العبادات ~~والدعوات ms2491 والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات وكذلك ~~ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق بها من ~~الشقاوات. ومع هذا فقد قال خير الخلق: {إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ~~قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل} ولما قال لهم: {ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من ~~النار - قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل قال: لا ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل ~~السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة} . # وكذلك ### | الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب # لما جعله الله سببا له فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع ~~وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو ~~يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت ومعلوم أن هذا ضلال وكفر؛ وإن كان ~~الأول ليس مثل هذا في الضلال إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل كتعليق ~~سعادة الآخرة بالإيمان لكن لا ريب أن ما جعل الله الدعاء سببا له فهو ~~بمنزلة ما جعل العمل # PageV08P176 # الصالح سببا له وهو قادر على أن يفعله سبحانه بدون هذا السبب وقد يفعله ~~بسبب آخر. وكذلك من ترك الأسباب المشروعة المأمور بها أمر إيجاب أو أمر ~~استحباب من جلب المنافع أو دفع المضار قادح في الشرع خارج عن العقل ومن هنا ~~غلطوا في ترك الأسباب المأمور بها وظنوا أن هذا من تمام التوكل والتوكل ~~مقرون بالعبادة في قوله: {فاعبده وتوكل عليه} والعبادة فعل المأمور فمن ترك ~~العبادة المأمور بها وتوكل لم يكن أحسن حالا ممن عبده ولم يتوكل عليه بل ~~كلاهما عاص لله تارك لبعض ما أمر به. والتوكل يتناول التوكل عليه ليعينه ~~على فعل ما أمر والتوكل عليه ليعطيه ما لا يقدر العبد ms2492 عليه فالاستعانة تكون ~~على الأعمال وأما التوكل فأعم من ذلك ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع ~~المضرة قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وقال تعالى: {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل} . فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله على ذلك فيكون ~~قد ترك العبادة والاستعانة عليها بترك التوكل في هذا الموضع أيضا وآخر ~~يتوكل بلا فعل مأمور وهذا هو العجز المذموم. كما في سنن أبي داود {أن رجلين ~~اختصما # PageV08P177 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم على أحدهما فقال المقضي عليه: حسبي ~~الله ونعم الوكيل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ~~ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل} وفي صحيح مسلم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن ~~أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ~~فإن لو تفتح عمل الشيطان} . فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر ~~عندما يؤمر به من الأفعال ولكن عند ما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة ~~له في دفعها فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم اصبر عليه وارض وسلم ~~قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال ~~بعض السلف - إما ابن مسعود وإما علقمة -: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم ~~أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ولهذا قال آدم لموسى: أتلومني على أمر قدره ~~الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة فحج آدم موسى؛ لأن موسى قال له: لماذا ~~أخرجتنا ونفسك من الجنة فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله لا لأجل ~~كونها ذنبا ولهذا احتج ms2493 عليه آدم بالقدر وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه ~~طوائف من الناس فليس مرادا بالحديث؛ لأن آدم عليه السلام كان قد تاب من ~~الذنب والتائب من الذنب # PageV08P178 # كمن لا ذنب له ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس. و " أيضا " فإن آدم ~~احتج بالقدر و ### | ليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب # باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولا ~~لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع ~~الفساد في الأرض ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه واحتج ~~المعتدي بالقدر لم يقبل منه بل يتناقض وتناقض القول يدل على فساده؛ ~~فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول. ومن ظن أن الإيمان بالقدر ~~أن الله خالق أفعال العباد كما يظنه المباحية المشركية الذين يقرون بالقدر ~~دون الأمر والقدرية المجوسية الذين يقرون بالأمر دون القدر أو ظن أن ~~التكليف مع ذلك غير معقول ولكن الشارع أطيع فيه لمحض المشيئة الإلهية وأن ~~الله يفعل وجعل ذلك حجة له في الأفعال لم يتضمن أسبابا مناسبة للأمر والنهي ~~بل أنكر ما اشتملت عليه الشريعة من المصالح والمحاسن والمقاصد التي للعباد ~~في المعاش والمعاد وجعل ذلك الشرع مجرد إضافة من غير أن يكون من العلة ~~والمعلول مناسبة وملاءمة وأنكر أن تكون الأفعال على وجوه لأجلها كانت حسنة ~~مأمورا بها وكانت سيئة منهيا عنها احتجاجا على ذلك بالقدر وأنه مع كون الرب ~~هو الخالق يمتنع هذا كله # PageV08P179 # فهو مخطئ ضال يعلم فساد قوله بالضرورة وبما اتفق عليه العقلاء مع دلالة ~~الكتاب والسنة والإجماع على فساد قوله. فإن عامة بني آدم يؤمنون بالقدر ~~ويقولون: إنه لا بد من عقوبة المعتدين حتى المجانين والبهائم يؤدبون لكف ~~عدوانهم وإن كانت أفعالهم مقدرة وبعفو كل الآدميين عن عدوانهم وإن كانت ~~أفعالهم مقدرة فالعبد عليه أن يصبر وينبغي له أن يرضى بما قدر من المصائب ~~ويستغفر من الذنوب والمعائب ولا يحتج لها بالقدر ويشكر ما قدر الله له من ~~النعم ms2494 والمواهب فيجمع بين الشكر والصبر والاستغفار والإيمان بالقدر والشرع. ~~والله أعلم. # PageV08P180 # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين: # في قوله تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فإن كان ~~المخاطب موجودا فتحصيل الحاصل محال وإن كان معدوما فكيف يتصور خطاب ~~المعدوم؟ وقوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فإن كانت اللام ~~للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك. وإن كانت اللام للغرض لزم أن لا ~~يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته وليس كذلك فكيف التخلص من هذا المضيق؟ ~~وفيما ورد من الأخبار والآيات بالرضاء بقضاء الله تعالى وفي قوله صلى الله ~~عليه وسلم {جف القلم بما هو كائن} وفي معنى قوله تعالى {ادعوني أستجب لكم} ~~فإن كان الدعاء أيضا بما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # الحمد لله رب العالمين. # PageV08P181 # أما " المسألة الأولى " فهي مبنية على أصلين: # أحدهما: الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب ~~بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من المخاطب أو قدرة أو إرادة ~~أو وجود له وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله ~~بقدرة وإرادة - وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته إذ لا حول ولا قوة إلا ~~بالله - وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط ~~وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟ ولا نزاع بينهم أنه لا يتعلق ~~به حكم الخطاب إلا بعد وجوده. وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقي أم ~~هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة؟ والأول هو المشهور عند ~~المنتسبين إلى السنة. # والأصل الثاني: أن المعدوم في حال عدمه هل هو شيء أم لا؟ فإنه قد ذهب ~~طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين. وزعموا ~~أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة ms2495 وأن وجودها زائد على حقيقتها وكذلك ذهب ~~إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة. # PageV08P182 # والذي عليه جماهير الناس وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى ~~السنة والجماعة أنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ~~ولا عين وأنه ليس في الخارج شيئان: أحدهما حقيقته والآخر وجوده الزائد على ~~حقيقته فإن الله أبدع الذوات التي هي الماهيات فكل ما سواه سبحانه فهو ~~مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له سبحانه وتعالى لكن في هؤلاء من يقول المعدوم ~~ليس بشيء أصلا وإنما سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم فكان مجازا. ومنهم من ~~يقول: لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه فهو باعتبار هذا الثبوت ~~والوجود هو شيء وذات. وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت كما فرق من قال ~~المعدوم شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع كما ~~فرق أولئك إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن. ~~وعمدة من جعله شيئا إنما هو لأنه ثابت في العلم؛ وباعتبار ذلك صح أن يخص ~~بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه وغير ذلك. قالوا: وهذه ~~التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو ~~الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي زالت الشبهة في هذا ~~الباب. # PageV08P183 # وقوله تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} . ذلك ~~الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه وبذلك كان مقدرا ~~مقضيا فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ~~{إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة} ~~وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل ms2496 شيء ثم ~~خلق السموات والأرض} وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال: ما أكتب؟ قال: ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة} . إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل ~~أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه مكتوبا فهو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي ~~الكتابي وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتا في الخارج بل هو ~~عدم محض ونفي صرف وهذه المراتب الأربعة المشهورة للموجودات وقد ذكرها الله ~~سبحانه وتعالى في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله: {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع. وإذا كان ~~كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت # PageV08P184 # به القدرة وخلق وكون كما قال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} فالذي يقال له: كن هو الذي يراد وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت ~~وتميز في العلم والتقدير ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره وبهذا ~~يحصل الجواب عن التقسيم. فإن قول السائل: إن كان المخاطب موجودا فتحصيل ~~الحاصل محال. يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي هو وجوده ~~ولا ريب أن المعدوم ليس موجودا ولا هو في نفسه ثابت وأما ما علم وأريد وكان ~~شيئا في العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا؛ بل جميع ~~المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة. وقول السائل: إن كان ~~معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم. يقال له: أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم في ~~الخطاب بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال؛ إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من ~~الفهم والفعل والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل فيمتنع خطاب التكليف له حال ~~عدمه بمعنى أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل وكذلك أيضا يمتنع ms2497 أن يخاطب ~~المعدوم في الخارج خطاب تكوين بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه ~~يخاطب بأن يكون. # PageV08P185 # وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل ~~توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالا بل هو أمر ممكن بل مثل ذلك يجده الإنسان ~~في نفسه فيقدر أمرا في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك ~~المراد المطلوب الذي قدره في نفسه ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته ~~فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم وإن كان عاجزا لم ~~يحصل وقد يقول الإنسان ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب فيكون المطلوب بحسب ~~قدرته عليه والله سبحانه على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ~~فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # فصل: # وأما المسألة الثانية فقول السائل: قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} إن كانت هذه اللام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك؟ وإن كانت ~~اللام للغرض لزم أن لا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته؟ وليس الأمر كذلك ~~فما التخلص من هذا المضيق؟ # فيقال: هذه اللام ليست هي اللام التي يسميها النحاة لام العاقبة ~~والصيرورة ولم يقل ذلك أحد هنا كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلا # PageV08P186 # على قول من يفسر (يعبدون) بمعنى يعرفون يعني المعرفة التي أمر بها المؤمن ~~والكافر؛ لكن هذا قول ضعيف وإنما زعم بعض الناس ذلك في قوله: {ولذلك خلقهم} ~~التي في آخر سورة هود. فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام العاقبة ~~والصيرورة: أي صارت عاقبتهم إلى الرحمة وإلى الاختلاف وإن لم يقصد ذلك ~~الخالق وجعلوا ذلك كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} وقول ~~الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # وهذا أيضا ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالما ~~بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كآل فرعون ~~فأما من يكون عالما بعواقب ms2498 الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له ~~عاقبة لا يعلم عاقبته وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم ~~أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة. وأما اللام فهي اللام المعروفة وهي ~~لام كي ولام التعليل التي إذا حذفت انتصب المصدر المجرور بها على المفعول ~~له وتسمى العلة الغائبة وهي متقدمة في العلم والإرادة متأخرة في الوجود ~~والحصول وهذه العلة هي المراد المطلوب المقصود من الفعل لكن ينبغي أن يعرف ~~أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: # PageV08P187 # أحدهما: الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال ~~فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة في مثل قوله: {فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ~~وقوله: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} ~~وقال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقال تعالى: ~~{ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} وأمثال ذلك. وهذه ~~الإرادة هي مدلول اللام في قوله: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} . قال السلف خلق فريقا للاختلاف وفريقا للرحمة ولما كانت ~~الرحمة هنا الإرادة وهناك كونية وقع المراد بها فقوم اختلفوا وقوم رحموا. ~~وأما (النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية وهي محبة المراد ورضاه ~~ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى كما قال تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} وقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} {والله يريد أن يتوب ~~عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} {يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن ~~يتعلق به النوع الأول من الإرادة ولهذا كانت الأقسام ms2499 أربعة: # PageV08P188 # أحدها: ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ~~فإن الله أراده إرادة دين وشرع؛ فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون ~~فوقع؛ ولولا ذلك لما كان. والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط. وهو ~~ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك ~~كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلقت ~~به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: ~~كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها إذ هو لا يأمر ~~بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ~~ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق ~~به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي وإذا ~~كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} هذه ~~الإرادة الدينية الشرعية وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع والمعنى أن الغاية ~~التي يحب لهم ويرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة فهو العمل الذي خلق ~~العباد له: أي هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين ~~فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة ~~الدينية التي فيها سعادته ونجاته وعادما # PageV08P189 # لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه وقول من قال: العبادة هي ~~العزيمة أو الفطرية: فقولان ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من وجوه متعددة. # فصل: # وأما المسألة الثالثة: فقوله فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء ~~الله فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وقدح في التوحيد وإن كانت ~~بقضاء الله تعالى فكراهتها وبغضها كراهة وبغض لقضاء الله تعالى؟ فيقال: ليس ~~في كتاب الله ولا في سنة رسول الله آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل ~~مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها؛ فهذا أصل يجب أن يعتنى به ms2500 ولكن ~~على الناس أن يرضوا بما أمر الله به فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به قال ~~تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقال: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الديني الشرعي لا ~~الكوني القدري وقال صلى الله عليه وسلم في # PageV08P190 # الحديث الصحيح {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~نبيا} . وينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ~~ذنوبا مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على ~~المصائب واجب وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب؟ على " ~~قولين " لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب. ومن المعلوم أن ~~أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وقد أمرنا الله أن نأمر ~~بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله وننهى عن المنكر ونبغضه ونسخطه ونبغض أهله ~~ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما ~~نبغضه ونكرهه وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكر من المنهيات: {كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها} فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها فكيف لا يكرهها من ~~أمر الله أن يكرهها ويبغضها وهو القائل: {وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون} وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقد قال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} ~~وقال تعالى: {وغضب الله عليهم ولعنهم} وقال تعالى: {يستخفون من الناس ولا ~~يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} فأخبر أن من ~~القول الواقع ما لا يرضاه. # PageV08P191 # وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما ms2501 استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} وقال: ~~{ورضيت لكم الإسلام دينا} وقال: {وإن تشكروا يرضه لكم} فبين أنه يرضى الدين ~~الذي أمر به فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه قال لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني ~~أمته} وقال: {إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم ~~عليه} ولا بد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه وهذا باب واسع. # فصل: # وأما " المسألة الرابعة ": فقوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله ~~{ادعوني أستجب لكم} وإن كان الدعاء أيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ~~ولا بد من وقوعه؟ فيقال: الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة ~~في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات ومن قال: إن ~~الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول ليس بسبب أو هو عبادة ~~محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما؛ بل ما يحصل بالدعاء يحصل # PageV08P192 # بدونه فهما قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب ~~كقوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أنه قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا ~~أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير ~~مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذا نكثر قال ~~الله أكثر} فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به ~~وقال عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ~~ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وأمثال ذلك كثير. وأيضا فالواقع المشهود يدل ~~على ذلك ويبينه كما يدل على ذلك مثله في سائر الأسباب وقد أخبر سبحانه من ~~ذلك ما أخبر به في مثل قوله: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} وقوله ms2502 تعالى ~~{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين} وقوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض} وقوله تعالى عن زكريا: {رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين} ~~{فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} وقال تعالى: {فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} وقال ~~تعالى: {ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام} {إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره إن في ذلك # PageV08P193 # لآيات لكل صبار شكور} {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} {ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} . فأخبر أنه إن شاء أوبقهن؛ فاجتمع ~~أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم المجادلين في آياته أنه ما لهم من ~~محيص؛ لأنه في مثل هذا الحال يعلم المورد للشبهات في الدلائل الدالة على ~~ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه لا مخلص له مما وقع فيه. كقوله في ~~الآية الأخرى: {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} . فإن المعارف التي ~~تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد ~~النظر القياسي - الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال - هل الرب موجب ~~بذاته. فلا يكون هو المحدث للحوادث ابتداء ولا يمكنه أن يحدث شيئا ولا يغير ~~العالم حتى يدعى ويسأل؟ وهل هو عالم بالتفصيل والإجمال. وقادر على تصريف ~~الأحوال حتى يسأل التحويل من حال إلى حال؟ أو ليس كذلك كما يزعمه من يزعمه ~~من المتفلسفة وغيرهم من الضلال فيجتمع مع العقوبة والعفو من ذي الجلال علم ~~أهل المراء والجدال أنه لا محيص لهم عما أوقع بمن جادلوا في آياته وهو شديد ~~المحال. وقد تكلمنا على هذا وأشباهه وما يتعلق به من المقالات والديانات في ~~غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل ~~المطلوب ms2503 المسئول # PageV08P194 # ليس وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة محضة كما دل عليه الكتاب والسنة وإن ~~كان قد نازع في ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقر به جماهير ~~بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين لكن ~~طوائف من المشركين والصابئين من المتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن تبعه ~~من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما - ممن خلط ذلك ~~بالكلام والتصوف والفقه ونحو هؤلاء - يزعمون أن تأثير الدعاء في نيل ~~المطلوب كما يزعمونه في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية ~~والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون ما يترتب على الدعاء هو من ~~تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علما مفصلا أو ~~قدرة على تغيير العالم أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ~~ذلك فليس هو عندهم قادرا على أن يجمع عظام الإنسان ويسوي بنانه وهو سبحانه ~~هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوة إلا بالله. # وأما قوله: وإن كان الدعاء مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من ~~وقوعه؟ فيقال: الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل إذا أمر الله العباد ~~بالدعاء فمنهم من يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن ~~المعلوم المقدور هو الدعاء والإجابة ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما ~~علق بالدعاء فيدل ذلك على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة ~~فالدعاء الكائن هو # PageV08P195 # الذي تقدم العلم بأنه كائن والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه ~~لا يكون. فإن قيل: فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء قيل الأمر ~~هو سبب أيضا في امتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء ~~فإذا كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه ~~ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق ~~والله أعلم. # PageV08P196 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # عن الأقضية هل ms2504 هي مقتضية للحكمة أم لا؟ فإذا كانت مقتضية للحكمة. فهل ~~أراد من الناس ما هم فاعلوه؟ وإذا كانت الإرادة قد تقدمت فما معنى وجود ~~العذر والحالة هذه؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علما ~~وقدرة وحكما؛ ووسع كل شيء رحمة وعلما فما من ذرة في السموات والأرض ولا ~~معنى من المعاني إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة وكمال القدرة ~~والحكمة وما خلق الخلق باطلا ولا فعل شيئا عبثا بل هو الحكيم في أفعاله ~~وأقواله - سبحانه وتعالى - ثم من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه ومنه ما ~~استأثر سبحانه بعلمه. وإرادته " قسمان ": إرادة أمر وتشريع وإرادة قضاء ~~وتقدير. فالقسم الأول: إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي سواء وقعت أو لم ~~تقع. كما في قوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم} وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . # PageV08P197 # وأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير فهي شاملة لجميع الكائنات محيطة ~~بجميع الحادثات وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى ~~الأول كما في قوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وفي قوله: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ~~لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم} وفي قول المسلمين: ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن. ونظائره كثيرة. وهذه الإرادة تتناول ما حدث من ~~الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم ~~تحدث والسعيد من أراد منه تقديرا ما أراد به تشريعا والعبد الشقي من أراد ~~به تقديرا ما لم يرد به تشريعا والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين فمن ~~نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو ~~الشرع دون القدر كان أعور مثل قريش الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من ms2505 شيء} قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم ~~حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم إلا تخرصون} . فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي - ~~الإرادة القدرية - فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم ~~بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به قال الله: ~~{كذلك كذب الذين من قبلهم} بالشرائع من الأمر والنهي {حتى ذاقوا بأسنا قل ~~هل عندكم من # PageV08P198 # علم فتخرجوه لنا} بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه. {إن تتبعون} في ~~هذا {إلا الظن} وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه {وإن أنتم إلا تخرصون} ~~أي تكذبون وتفترون بإبطال شريعته {قل فلله الحجة البالغة} على خلقه حين ~~أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ومع هذا فلو شاء هدى الخلق ~~أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا ~~ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل فترك تفضله على من ~~حرمه عدل منه وقسط. وله في ذلك حكمة بالغة. وهو يعاقب الخلق على مخالفة ~~أمره وإرادته الشرعية وإن كان ذلك بإرادته القدرية فإن القدر كما جرى ~~بالمعصية جرى أيضا بعقابها كما أنه سبحانه قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه ~~آلاما فالمرض بقدره والألم بقدره فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب ~~فلا أعاقب كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم وقد ~~تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم ~~المضروب وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه؛ بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان ~~يعاقب عليه أيضا وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: {بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض} وأما آدم فقال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين} . فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم - ~~عليه السلام أو نحوه - # PageV08P199 # ومن أراد ms2506 شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها. فيكون كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار. ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار؛ فقال له العقلاء: أطفئها ~~لئلا تحرق المنزل فأخذ يقول: من أين كانت؟ هذه ريح ألقتها وأنا لا ذنب لي ~~في هذه النار فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت وأحرقت الدار ~~وما فيها. هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير ولا يردها بالاستغفار ~~والمعاذير. بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله بخلاف الشرارة فإنه لا ~~فعل له فيها. والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه ~~فإنها لا تنال طاعته إلا بمعونته ولا تترك معصيته إلا بعصمته. والله أعلم. # PageV08P200 # وسئل - قدس الله روحه - عن الأقضية: هل هي مقتضية للحكمة أم لا؟ وإذا ~~كانت مقتضية للحكمة: فهل أراد من الناس ما هم فاعلوه أم لا؟ وإذا كانت ~~الإرادة قد تقدمت: فما معنى وجود العذر والحالة هذه؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، نعم لله حكمة بالغة في أقضيته وأقداره وإن لم ~~يعلمه العباد فإن الله علم علما وعلمه لعباده أو لمن يشاء منهم وعلم علما ~~لم يعلمه لعباده {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يئوده حفظهما} . وهو سبحانه أراد من العباد ما هم فاعلوه إرادة ~~تكوين كما اتفق المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكما ~~قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا} . وكما قال: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} ~~وكما قال: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وكما قال: ~~{يثبت الله الذين آمنوا # PageV08P201 # بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} . ولكن لم يرد المعاصي من أصحابها إرادة أمر وشرع ومحبة ورضى ~~ودين بل ذلك كما قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وكما ~~قال تعالى: {يريد الله ليبين ms2507 لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} {والله يريد ~~أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} {يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وقال تعالى: {ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} وكما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون} . وبالتقسيم والتفصيل في المقال يزول الاشتباه ويندفع الضلال ~~وقد بسطت الكلام في ذلك بما يليق به في غير موضع من القواعد إذ ليس هذا ~~موضع بسط ذلك. وأما قول السائل: ما معنى وجود العذر؟ فالمعذور الذي يعرف ~~أنه معذور هو من كان عاجزا عن الفعل مع إرادته له: كالمريض العاجز عن ~~القيام والصيام والجهاد والفقير العاجز عن الإنفاق ونحو ذلك وهؤلاء ليسوا ~~مكلفين ولا معاقبين على ما تركوه وكذلك العاجز عن السماع والفهم: كالصبي ~~والمجنون؛ ومن لم تبلغه الدعوة. # PageV08P202 # وأما من جعل محبا مختارا راضيا بفعل السيئات حتى فعلها فليس مجبورا على ~~خلاف مراده ولا مكرها على ما يرضاه فكيف يسمى هذا معذورا بل ينبغي أن يسمى ~~مغرورا ولكن بسط ذلك يحتاج إلى الحكمة في الخلق والأمر فهذا مذكور في ~~موضعه. وهذا المكان لا يسعه والله أعلم وصلى الله على محمد. # PageV08P203 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ### | في الفروق التي يتبين بها كون الحسنة من الله والسيئة من النفس # (*) وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقوله: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن} إلى قوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~فإنه ينفي التحريم عن غيرها ويثبته لها لكن هل أثبتها للجنس أو لكل واحد من ~~العلماء كما يقال إنما يحج المسلمون. وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط؟ ~~. ففي الآية وأمثالها هو مقتض فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به الرسل يوجب ~~الخوف فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات وترك السيئات ~~وكل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم تبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل ~~وعدم ms2508 العلم. وإذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئا موجودا؛ بل هو مثل عدم ~~القدرة وعدم السمع وعدم البصر والعدم ليس شيئا وإنما الشيء الموجود - والله ~~خالق كل شيء فلا يضاف العدم المحض إلى الله تعالى لكن قد PageV08P204 # يقترن به موجود فإذا لم يكن عالما، والنفس بطبعها تحركه فإنها حية (*) ، ~~والحركة الإرادية من لوازم الحياة، ولهذا أصدق الأسماء الحارث والهمام، وفي ~~الحديث: {مثل القلب مثل ريشة ملقاة} إلخ. وفيه {القلب أشد تقلبا من القدر ~~إذا استجمعت غليانا} فإذا كان كذلك فإن هداها الله علمها ما ينفعها وما ~~يضرها، فأرادت ما ينفعها وتركت ما يضرها، والله سبحانه تفضل على بني آدم ~~بأمرين؛ هما أصل السعادة: # أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، كما في الصحيحين. ولمسلم عن عياض ~~بن حمار مرفوعا {إني خلقت عبادي حنفاء} الحديث. فالنفس بفطرتها إذا تركت ~~كانت محبة لله تعبده لا تشرك به شيئا، ولكن يفسدها من يزين لها من شياطين ~~الإنس والجن. قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية. ~~وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع. # الثاني: أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة، بما جعل فيهم من العقل، ~~وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، قال تعالى: {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} - إلى قوله - {ما لم يعلم} وقال تعالى: {الرحمن} {علم ~~القرآن} {خلق الإنسان} {علمه البيان} وقال تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} ~~{الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} وقال: {وهديناه النجدين} ففي كل واحد ما ~~يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل ~~بها إلى سعادة الآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك. # PageV08P205 # لكن قد يعرض الإنسان عن طلب علم ما ينفعه وذلك الإعراض أمر عدمي، لكن ~~النفس من لوازمها الإرادة والحركة فإنها حية حياة طبيعية، لكن سعادتها أن ~~تحيا الحياة النافعة فتعبد الله، ومتى لم تحيا هذه الحياة كانت ميتة، وكان ~~ما لها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها، فلا هي حية متنعمة ms2509 بالحياة، ولا ~~ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: {ثم لا يموت فيها ولا يحيا} فالجزاء من ~~جنس العمل لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة ولا ميتا عديم ~~الإحساس، كان في الآخرة كذلك، والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام ~~إنعام الله عليها، وإلا فهي بطبعها لا بد لها من مراد معبود غير الله؛ ~~ومرادات سيئة؛ فهذا تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده وهذا عدم. ~~والقدرية يعترفون بهذا، وبأن الله خلق الإنسان مريدا، لكن يجعلونه مريدا ~~بالقوة والقبول، أي قابلا لأن يريد هذا وهذا، وأما كونه مريدا لهذا المعين ~~وهذا المعين، فهذا عندهم ليس مخلوقا لله، وغلطوا بل الله خالق هذا كله، وهو ~~الذي ألهم النفس فجورها وتقواها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم آت ~~نفسي تقواها} إلخ " والله سبحانه جعل إبراهيم وأهل بيته أئمة يدعون بأمره، ~~وجعل آل فرعون أئمة يدعون إلى النار، ولكن هذا. . . (1) (*) إلى الله ~~لوجهين من جهة علته الغائية، ومن جهة سببه: PageV08P206 # أما العلة الغائية: فإنه إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير، وإن كان شرا ~~إضافيا، فإذا أضيف مفردا توهم المتوهم مذهب جهم بن صفوان أن الله خلق الشر ~~المحض الذي لا خير فيه لأحد، لا لحكمة ولا لرحمة، والكتاب والسنة والاعتبار ~~يبطل هذا، كما إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض كان هذا ~~ذما لهم، وكان باطلا، وإذا قيل يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا ويقتلون ~~من منعهم من ذلك كان هذا مدحا لهم وكان حقا. فإذا قيل: إن الرب تعالى حكيم ~~رحيم أحسن كل شيء خلقه وهو أرحم الراحمين، والخير بيديه والشر ليس إليه، لا ~~يفعل إلا خيرا، وما خلقه من ألم لبعض الحيوان، ومن أعماله المذمومة، فله ~~فيه حكمة عظيمة ونعمة جسيمة، كان هذا حقا وهو مدح للرب. وأما إذا قيل يخلق ~~الشر الذي لا خير فيه، ولا منفعة لأحد، ولا له فيه حكمة ولا رحمة ويعذب ~~الناس بلا ذنب لم يكن مدحا له بل العكس، ms2510 وقد بينا بعض ما في خلق جهنم ~~وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة وما لم نعلم أعظم، والله سبحانه وتعالى ~~يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ولإحسانه هذا حمد شكر، وذاك حمد مطلقا. وقد ~~ذكرنا في غير هذا أن ما خلقه فهو نعمة يستحق عليها الشكر، وهو من آلائه ~~ولهذا قال في آخر سورة النجم: {فبأي آلاء ربك تتمارى} # PageV08P207 # وفي سورة الرحمن يذكر: {كل من عليها فان} ونحو ذلك. ويقول عقبه: {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان} قال طائفة - واللفظ للبغوي - ثم ذكر قوله: {يطوفون ~~بينها وبين حميم آن} قال كلما ذكر الله عز وجل من قوله {كل من عليها فان} ~~فإنه مواعظ وهو نعمة؛ لأنه يزجر عن المعاصي، وقال آخرون منهم: الزجاج، وابن ~~الجوزي، في الآيات أي: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} بهذه الأشياء؛ لأنها كلها ~~نعم في دلالتها إياكم على توحيده ورزقه إياكم ما به قوامكم، هذا قالوه في ~~سورة الرحمن، وقالوا في قوله: {فبأي آلاء ربك تتمارى} فبأي نعم ربك التي ~~تدل على وحدانيته تشكك، وقيل: تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب. قلت ضمن ~~تتمارى معنى تكذب، ولهذا عداه بالتاء فإنه تفاعل من المراء، يقال: تمارينا ~~في الهلال، ومراء في القرآن كفر، وهو يكون لتكذيب وتشكيك. ويقال: لما كان ~~الخطاب لهم. قال: تتمارى، أي يتمارون، ولم يقل: تمتري؛ لأن التفاعل يكون ~~بين اثنين. قالوا: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} قيل: الوليد بن المغيرة. ~~فإنه قال: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم الذي وفى} {ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [ثم التفت إليه فقال: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ] (*) ~~. كما قال: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} {وخلق الجان من مارج من نار} ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} . ففي كل ما خلقه إحسان إلى عباده يشكر عليه، وله ~~فيه حكمة تعود إليه PageV08P208 # يستحق أن يحمد عليها لذاته، فجميع المخلوقات فيها إنعام إلى عباده ~~كالثقلين المخاطبين بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} من جهة أنها آيات يحصل ~~بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته، وصدق أنبيائه، ms2511 ولهذا قال عقيبه: {هذا نذير ~~من النذر الأولى} . قيل: محمد، وقيل: القرآن، وهما متلازمان، يقول: هذا ~~نذير أنذر بما أنذرت به الرسل، والكتب الأولى. وقوله: من النذر الأولى، أي ~~من جنسها، فأفضل النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق فهو من الآيات التي يحصل بها ~~ما يحصل من هذه النعمة، قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} ~~وقال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} . # وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوءه فهو نعمة؛ ~~لأنه يكفر خطاياه ويثاب عليه بالصبر، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها ~~العبد، {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} ~~الآية، وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر، وأما ~~نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا ~~بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر، فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة ~~المساكين، لكن لما كان في السراء اللذة، وفي الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر ~~في السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه} - إلى قوله - {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} الآية. # PageV08P209 # وأيضا صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإن صبر ~~هذا وشكر هذا واجب، وأما صبر السراء فقد يكون مستحبا، وصاحب الضراء قد يكون ~~الشكر في حقه مستحبا، واجتماع الشكر والصبر يكون مع تألم النفس وتلذذها، ~~وهذا حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر. والمقصود: أن الله تعالى منعم ~~بهذا كله؛ وإن كان لا يظهر في الابتداء لأكثر الناس، فإن الله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون، وأما ذنوب الإنسان فهي من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة ~~نعمة، وهي نعمة على غيره لما يحصل له بها من الاعتبار، ومن هذا قوله: اللهم ~~لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل غيري أسعد بما علمتني مني وفي دعاء القرآن: ~~{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} وكما فيه: {واجعلنا للمتقين إماما} ms2512 ~~واجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا، والآلاء في ~~اللغة هي النعم، وهي تتضمن القدرة. والله تعالى في القرآن يذكر آياته ~~الدالة على قدرته وربوبيته، ويذكر آياته التي فيها نعمه إلى عباده ويذكر ~~آياته المبينة لحكمته، وهي متلازمة؛ لكن نعمة الانتفاع بالمآكل والمشارب ~~والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد؛ فلهذا استدل بها في " سورة النحل "، ~~وتسمى " سورة النعم " كما قاله قتادة وغيره، وعلى هذا فكثير من الناس يقول ~~الحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه؛ فإنه يكون على نعمة وغيرها، والشكر أعم ~~من جهة أنواعه فإنه يكون # PageV08P210 # بالقلب واللسان واليد، فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة لم يكن الحمد إلا على ~~نعمة، والحمد لله على كل حال. لكن هذا فهم من عرف ما في المخلوقات من ~~النعم؛ والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا، وكذلك القدرية الذين يقولون: لا ~~تعود الحكمة إليه؛ بل ما ثم إلا نفع الخلق فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند ~~الجهمية إلا قدرة، والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد، ~~وحقيقة مذهبهم أنه لا يستحق الحمد؛ فله ملك بلا حمد، كما أن عند المعتزلة ~~له نوع من الحمد بلا ملك، وعند السلف له الملك والحمد تامين. قال تعالى: ~~{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم} فله الوحدانية في إلهيته، وله العدل وله العزة ~~والحكمة، وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة ~~نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري: لا يثبت عدلا ولا حكمة، ولا توحيد ~~إلهيته، بل توحيد ربوبيته، والمعتزلي لا يثبت توحيد إلهيته، ولا عدلا ولا ~~عزة ولا حكمة، وإن قال: إنه يثبت حكمة ما، معناها يعود إلى غيره، فتلك لا ~~تكون حكمة، فمن فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره، فهذا عند العقلاء قاطبة ~~ليس بحكيم، وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر، ~~فهو أول الشكر والحمد، # PageV08P211 # وإن كان ms2513 على نعمة وعلى حكمة، فالشكر بالأعمال هو على نعمته، وهو عبادة له ~~لإلهيته التي تتضمن حكمته، فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم ~~القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع ~~الحمد الذي هو الشكر مقولا أمام كل خطاب مع التوحيد، ففي الفاتحة الشكر مع ~~التوحيد، والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات ~~نوعان: فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله ~~والله أكبر فيها التوحيد والتكبير، [وقد قال تعالى: {فادعوا الله مخلصين له ~~الدين} {الحمد لله رب العالمين} ] (*) وهل الحمد على الأمور الاختيارية، ~~كما قيل في العزم، أم عام؟ فيه نظر ليس هذا موضعه. وفي الصحيح {أنه صلى ~~الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء ~~وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ~~وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد} هذا لفظ الحديث. و " أحق " أفعل التفضيل، وقد غلط فيه طائفة فقالوا: ~~{حق ما قال العبد} وهذا ليس بسديد، فإن العبد يقول الحق والباطل؛ بل حق ما ~~يقوله الرب، كما قال: {فالحق والحق أقول} ولكن أحق خبر مبتدأ محذوف أي ~~الحمد أحق ما قال العبد ففيه أن الحمد أحق ما قاله العبد، ولهذا وجب في كل ~~صلاة. PageV08P212 # وإذا قيل: يخلق ما هو شر محض، لم يكن هذا موجبا لمحبة العباد له، وحمدهم؛ ~~بل العكس؛ ولهذا كثير من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم نظما ونثرا، وكثير من ~~شيوخهم وعلمائهم يذكر ذلك، وإن لم يقله بلسانه، فقلبه ممتلئ به لكن يرى أن ~~ليس في ذكره منفعة، أو يخاف من المسلمين، وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو ~~هذا؛ ويقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله؛ وهو خلاف ما وصف به نفسه في ~~قوله: {وما ربك بظلام للعبيد} {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} فقوله: {أحق ~~ما ms2514 قال العبد} يقتضي أن حمده أحق ما قاله العبد؛ لأنه سبحانه لا يفعل إلا ~~الخير وهو سبحانه. . . (1) (*) . # ونفسه متحركة بالطبع حركة لا بد فيها من الشر حكمة بالغة ونعمة سابغة. ~~فإذا قيل: فلم لا خلقها على غير هذا الوجه؟ . قيل كان يكون ذلك خلقا غير ~~الإنسان، وكانت الحكمة بخلقه لا تحصل، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} - إلى قوله - {إني أعلم ما لا ~~تعلمون} فعلم من الحكمة في خلق هذا ما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد ~~الناس، ونفس الإنسان خلقت كما قال تعالى: PageV08P213 # {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} ~~وقال: {خلق الإنسان من عجل} فقد خلق خلقة تستلزم وجود ما خلق منها، لحكمة ~~عظيمة ورحمة عميمة. فهذا من جهة الغاية مع أن الشر لا يضاف إليه سبحانه. # وأما (الوجه الثاني) : من جهة السبب - فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم ~~والإرادة التي تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته، ~~وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك، وهذا كله من فضل الله وإحسانه؛ ~~لكن النفس المذنبة (*) لما حصل لها من زين لها السيئات من شياطين الإنس ~~والجن مالت إلى ذلك، وكان ذلك مركبا من عدم ما ينفع، وهذا الأصل ووجود هذا ~~العدم لا يضاف إلى الله تعالى، وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها خلقهم لحكمة، ~~فلما كان عدم ما تصلح به هو أحد السببين، والشر المحض هو العدم المحض، وهو ~~ليس شيئا، والله خالق كل شيء، فكانت السيئات منها باعتبار أنها مستلزمة ~~للحركة الإرادية. والعبد إذا اعترف أن الله خالق أفعاله، فإن اعترف إقرارا ~~بخلق الله لكل شيء، وبكلماته التامات، واعترافا بفقره إليه، وأنه إن لم ~~يهده فهو ضال، فخضع لعزته وحكمته فهذا حال المؤمنين، وإن اعترف احتجاجا ~~بالقدر فهذا الذنب أعظم من الأول، وهذا من اتباع الشيطان. وهنا سؤال سأله ~~طائفة: وهو أنه لا يقضى للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا PageV08P214 # له وقد قضى عليه ms2515 السيئات وعنه جوابان: # أحدهما: أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث: ولكن ما يصيبه من النعم ~~والمصائب؛ ولهذا قال: {إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له} إلخ. وهذا ظاهر ~~اللفظ فلا إشكال. # والثاني: إن قدر دخولها؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم {من سرته حسنته ~~وساءته سيئته فهو المؤمن} فإذا قضي له بأن يحسن فهو مما يسره؛ فإذا قضي له ~~يسيئه فهو إنما يستحق العقوبة إذا لم يتب؛ فإن تاب أبدلت حسنة فيشكر عليها، ~~وإن لم يتب ابتلي بمصائب تكفرها فيصبر عليها فيكون ذلك خيرا له وهو قال: لا ~~يقضي الله للمؤمن؛ [والمؤمن المطلق هو الذي لا يضره الذنب] (*) ؛ بل يتوب ~~منه فيكون حينئذ كما جاء في عدة آثار {إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به ~~الجنة، يعمله فلا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة} والذنب يوجب ذل ~~العبد وخضوعه واستغفاره وشهوده لفقره، وفاقته إليه سبحانه. # وفي قوله: {فمن نفسك} من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه؛ فإن الشر ~~لا يجيء إلا منها؛ ولا يشتغل بملام الناس وذمهم، ولكن يرجع إلى الذنوب ~~فيتوب منها ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على ~~طاعته؛ فبذلك يحصل له الخير ويدفع عنه الشر؛ ولهذا كان أنفع PageV08P215 # الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . فإنه إذا هداه هذا الصراط ~~أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ~~والذنوب من لوازم النفس؛ وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة؛ وهو إلى الهدى أحوج ~~منه إلى الأكل والشرب؛ ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه؛ ~~ولهذا أمر به في كل صلاة لفرط الحاجة إليه، وإنما يعرف بعض قدره من اعتبر ~~أحوال نفسه؛ ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء؛ ورأى ما فيها من ~~الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها في الدنيا والآخرة؛ فيعلم أن الله تعالى ~~بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب ms2516 المقتضية للخير المانعة من ~~الشر. ومما يبين ذلك أن الله تعالى [لم يقص علينا في القرآن قصة أحد إلا ~~لنعتبرها] (1) وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، [وكانا مشتركين ~~في المقتضى والحكم] (2) فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس ~~المكذبين للرسل - فرعون ومن قبله - لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا ~~نشبهه قط؛ لكن الأمر كما قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك} وقال: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} ~~وقال تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} وقال: ~~{يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ~~PageV08P216 # {لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن} وقال: {لتأخذن ~~مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس ~~والروم، قال: فمن} وكلا الحديثين في الصحيحين. ولما كان في {غزوة حنين كان ~~للمشركين سدرة يعلقون عليها أسلحتهم فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال صلى الله عليه وسلم الله أكبر قلتم - ~~والذي نفسي بيده - كما قال أصحاب موسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} إنها ~~سنن لتركبن سنن من كان قبلكم} . وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن ~~كانت بقدر الله فأعظمها جحود الخالق والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة ~~له سبحانه، أو إلها من دونه، وكل هذين وقع، فإن فرعون وإبليس كل واحد منهما ~~يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله، وهذا الذي في فرعون وإبليس غاية الظلم ~~والجهل، وفي نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا، وهذا إن لم يعن الله العبد ~~ويهده وإلا وقع في بعض ما وقع فيه فرعون وإبليس بحسب الإمكان، قال بعض ~~العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون، إلا أنه قدر فأظهر، ms2517 وغيره ~~عجز فأضمر. # PageV08P217 # وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس رأى الواحد يريد نفسه أن ~~تطاع وتعلو بحسب الإمكان، والنفوس مشحونة بحب العلو والرئاسة بحسب إمكانها، ~~فتجده يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ~~ما يهواه ويريده، قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا} والناس عنده كما هم عند ملوك الكفار من الترك وغيرهم، " يال، ياغي " ~~أي صديقي وعدوي، فمن وافق هواهم كان وليا وإن كان كافرا، وإن لم يوافقه كان ~~عدوا وإن كان من المتقين، وهذه حال فرعون. والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع ~~أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية وجحود ~~الصانع، وهؤلاء وإن أقروا بالصانع فإذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادة الله ~~المتضمنة ترك طاعتهم عادوه، كما عادى فرعون موسى عليه السلام وكثير من ~~الناس عنده عقل وإيمان لا يطلب هذا الحد، بل تطلب نفسه ما هو عنده، فإذا ~~كان مطاعا مسلما طلب أن يطاع في أغراضه، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية ~~لله، ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه ~~شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل. وإن كان عالما أو شيخا أحب من ~~يعظمه دون من يعظم نظيره، وربما أبغض نظيره حسدا وبغيا كما فعلت اليهود لما ~~بعث الله تعالى من يدعو إلى مثل ما دعا إليه # PageV08P218 # موسى قال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا} الآية. وقال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة} وقال: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} ولهذا ~~أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون وسلط عليهم من انتقم به منهم، فقال ~~تعالى عن فرعون: {إن فرعون علا في الأرض} الآية. ولهذا قال تعالى: {تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة ~~للمتقين} والله سبحانه إنما خلق ms2518 الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه ~~وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبدوه وحده، ويكون الدين كله لله، وتكون كلمة ~~الله هي العليا، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقد أمر الرسل كلهم بهذا، وأن لا يتفرقوا فيه ~~فقال: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} وقال: {يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة} الآية. قال قتادة: أي دينكم واحد، وربكم واحد، والشريعة مختلفة. ~~وكذلك قال الضحاك، وعن ابن عباس أي: دينكم دين واحد، قال ابن أبي حاتم، ~~وروي عن سعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن نحو ذلك، قال الحسن بين لهم ما ~~يتقون، وما يأتون، ثم قال: إن هذه سنتكم سنة واحدة، وهكذا قال # PageV08P219 # جمهور المفسرين، والأمة الملة والطريقة، كما قال: {إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة} كما تسمى الطريق إماما؛ لأن السالك فيها يؤتم به، فكذلك السالك يؤمه ~~ويقصده، والأمة أيضا معلم الخير الذي يأتم به الناس، وإبراهيم عليه السلام ~~جعله الله إماما، وأخبر أنه كان أمة. وأمر الله تعالى الرسل أن تكون ملتهم ~~ودينهم واحدا، لا يتفرقون فيه كما في الصحيحين: {إنا معاشر الأنبياء ديننا ~~واحد} وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية. ولهذا كان ~~يصدق بعضهم بعضا لا يختلفون مع تنوع شرائعهم؛ فمن كان من المطاعين من ~~الأمراء والعلماء والمشايخ متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم أمر بما أمر به ~~ودعا إليه وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه، فإن الله يحب ذلك، فيحب ما ~~يحبه الله؛ لأن قصده عبادة الله وحده؛ وأن يكون الدين لله؛ ومن كره أن يكون ~~له نظير يدعو إلى ذلك؛ فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود؛ وله نصيب من ~~حال فرعون وأشباهه؛ فمن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون؛ ومن طلب ms2519 أن ~~يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله؛ والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه ولا يكون الدين إلا له؛ وتكون ~~الموالاة فيه والمعاداة فيه؛ ولا يتوكل إلا عليه؛ ولا يستعان إلا به. # ف ### | المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به # الرسل؛ ليكون الدين لله لا له، # PageV08P220 # فإذا أمر غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه وسر به؛ وإذا أحسن إلى الناس فإنما ~~يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى؛ ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله ~~محسنا فيرى أن عمله لله وبالله؛ وهذا مذكور في الفاتحة: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا؛ ولا يمن عليه بذلك؛ فإنه ~~قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان؛ فعليه أن يشكر الله ~~إذ يسره لليسرى وعلى ذلك أن يشكر الله إذ يسر له ما ينفعه، ومن الناس من ~~يحسن إلى غيره ليمن عليه؛ أو ليجزيه بطاعته له وتعظيمه إياه أو نفع آخر؛ ~~وقد يمن عليه فيقول: أنا فعلت وفعلت بفلان فلم يشكر ونحو ذلك. فهذا لم يعبد ~~الله ولم يستعنه فلا عمل لله ولا عمل به، فهو كالمرائي. وقد أبطل الله صدقة ~~المنان وصدقة المرائي، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ~~مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ~~فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير} قال قتادة: تثبيتا من أنفسهم ~~احتسابا من عند أنفسهم. وقال الشعبي: يقينا وتصديقا من أنفسهم. وقيل ~~يخرجونها طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله يعلمون أن ما ~~أخرجوه خير لهم مما تركوه. قلت: إذا كان المعطي محتسبا للأجر من الله ms2520 لا من ~~الذي أعطاه فلا يمن عليه. # PageV08P221 # (*) الفرق السادس: أن ما يبتلى به من الذنوب وإن كان خلقا لله فهو عقوبة ~~له على عدم فعل ما خلقه الله له وفطره عليه، فإنه خلقه لعبادته وحده، ودل ~~عليه الفطرة، فلما لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه عوقب على ذلك، بأن زين ~~له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي. قال تعالى {اذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} - إلى قوله - {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقال ~~تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه} الآية. وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} . ~~فتبين أن الإخلاص يمنع من تسلط الشيطان. كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فكان إلهامه لفجوره عقوبة له وعدم ~~فعل الحسنات ليس أمرا موجودا حتى يقال: إن الله خلقه، ومن تدبر القرآن تبين ~~له أن عامة ما يذكر الله في خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل، ~~كقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا} الآية. وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~وقال: {وأما من بخل واستغنى} {وكذب بالحسنى} {فسنيسره للعسرى} وهذا وأمثاله ~~يذكر فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور وترك مأمور، ولا بد لهم من حركة ~~وإرادة؛ فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا PageV08P222 # بالسيئات عدلا من الله، كما قيل: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. ~~وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام طائفتي القدرية المكذبة والمجبرة. الذين ~~يقولون: خلقها لذلك، والتعذيب لهم ظلم. يقال لهم: إنما أوقعهم فيها وطبع ~~على قلوبهم عقوبة لهم، فما ظلمهم ولكن ظلموا أنفسهم، يقال ظلمته إذا نقصته ~~حقه، قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} . وكثير منهم ~~يسلمون أن الله خلق من الأعمال ما يكون جزاء ms2521 على عمل متقدم، ويقولون: خلق ~~طاعة المطيع؛ لكن ما خلق شيئا من الذنوب ابتداء؛ بل جزاء. فيقولون: أول ما ~~يفعل العبد لم يحدثه الله، وما ذكرنا يوجب أن يكون الله خالق كل شيء، لكن ~~أولها عقوبة على عدم فعله لما خلق له، والعدم لا يضاف إلى الله، فما أحدثه ~~فأوله عقوبة على هذا العدم، وسائرها قد يكون عقوبة على ما وجد، وقد يكون ~~عقوبة على استمراره على العدم، فما دام لا يخلص لله لا يزال مشركا، ~~والشيطان مسلط عليه. ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما ~~خلق له تخصيص بفضله، وهذا منه لا يوجب الظلم ولا يمنع العدل، ولهذا يقول ~~تعالى: {والله يختص برحمته من يشاء} وكذلك الفضل هو أعلم به، كما خص بعض ~~الأبدان # PageV08P223 # بقوى لا توجد في غيرها، وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض وجودية، وغير ~~ذلك من حكمته، وتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب. ومما ذكر فيه العقوبة على ~~عدم الإيمان قوله تعالى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ~~هذا من تمام قوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} فذكر أن هذا ~~التقليب يكون لمن لم يؤمنوا به أول مرة، وهذا عدم الإيمان؛ لكن يقال: هذا ~~بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وقد كذبوا وتركوا الإيمان، وهذه ~~أمور وجودية؛ لكن الموجب هو عدم الإيمان، وما ذكر شرط في التعذيب، كإرسال ~~الرسول، فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح لا يستحق به العقوبة إلا ~~لأنه شغله عن الإيمان، ومن الناس من يقول ضد الإيمان هو تركه، وهو أمر ~~وجودي لا ضد له إلا ذلك. # الفرق السابع: أن السيئات التي هي المصائب ليس لها سبب إلا ذنبه الذي من ~~نفسه، وما يصير من الخير لا تنحصر أسبابه؛ لأنه من فضل الله يحصل بعمله ~~وبغير عمله، وعمله من إنعام الله عليه، وهو سبحانه لا يجزيه بقدر العمل بل ~~يضاعفه فلا يتوكل إلا على الله ولا يرجع إلا إليه، فهو يستحق ms2522 الشكر المطلق ~~العام التام، وإنما يستحق غيره من الشكر ما يكون جزاء على ما يسره الله على ~~يديه من الخير، كشكر الوالدين؛ فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس؛ لكن لا ~~يبلغ من قول أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله أو يطاع بمعصيته؛ فإنه هو # PageV08P224 # المنعم. قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} وقال: {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} وجزاؤه على الطاعة والشكر وعلى المعصية ~~والكفر لا يقدر أحد على مثله، فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، ~~وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما} الآية. وفي الآية الأخرى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} . والمقصود أنه ~~إذا عرف أن النعم كلها من الله صار توكله ورجاؤه له سبحانه، وإذا علم ما ~~يستحقه من الشكر الذي لا يستحقه غيره. . . (1) والشر انحصر سببه في النفس، ~~فعلم من أين يؤتى فاستغفر واستعان بالله واستعاذ به مما لم يعمل بعد؛ كما ~~قال من قال من السلف: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه، وهذا خلاف ~~قول الجهمية الذين يقولون: يعذب بلا ذنب، ويخافونه ولو لم يذنبوا، فإذا صدق ~~بقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} علم بطلان ~~هذا القول. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره: إن ما أصابهم يوم أحد كان ~~بذنوبهم: لم يستثن من ذلك أحدا؛ وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه ~~عام مخصوص. PageV08P225 # الفرق الثامن: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة مذمومة. ~~ووصفها بالخبث في مثل قوله: {الخبيثات للخبيثين} . قال جمهور السلف: ~~الكلمات الخبيثة للخبيثين؛ وقال بعضهم الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين، ~~وقال تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة} - إلى قوله - {ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة} وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} والأقوال ~~والأفعال صفات القائل الفاعل؛ فإذا ms2523 كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن ~~محلها إلا ما يناسبها؛ فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس ~~كالسنانير لم يصلح؛ ومن أراد أن يجعل الكذب شاهدا لم يصلح، وكذلك من أراد ~~أن يجعل الجاهل معلما؛ أو الأحمق سائسا؛ فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون ~~في الجنة الطيبة، بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت، كما في الصحيح {إن ~~المؤمنين إذا نجوا من النار وقفوا على قنطرة} الحديث. وإذا علم أن السيئة ~~من نفسه لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه من الشر؛ بل علم تحقيق قوله: ~~{من يعمل سوءا يجز به} وقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} . وعلم أن الرب جارية أفعاله على قانون العدل والإحسان؛ ~~وفي الصحيح {يمين الله ملأى} الحديث، وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون ~~الثواب والعقاب بلا حكمة، وهو سبحانه قد شهد أن لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قائما بالقسط؛ وهم قصدوا مناقضة # PageV08P226 # المعتزلة في القدر والوعيد؛ فلهذا سلك مسلك جهم من ينتسب إلى السنة ~~والحديث واتباع السلف. وكذلك سلكوا في " الإيمان والوعيد " مسلك المرجئة ~~الغلاة جهم وأتباعه؛ وجهم اشتهر عنه " نوعان " من البدعة: نوع في (الأسماء ~~والصفات) فغلا في النفي؛ ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوهم؛ ~~والمعتزلة في الصفات دون الأسماء. والكلابية ومن وافقهم من الفقهاء وأهل ~~الحديث في نفي الصفات الاختيارية، والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك؛ ~~وهو امتناع دوام ما لا يتناهى وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء؛ ~~وفعالا إذا يشاء؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وعن هذا الأصل نفي وجود ما لا ~~يتناهى في المستقبل قال بفناء الجنة والنار، ووافقه أبو الهذيل إمام ~~المعتزلة على هذا؛ لكن قال تتناهى الحركات. فالمعتزلة في الصفات مخانيث ~~الجهمية، وأما الكلابية في الصفات. . . (1) (*) ، وكذلك الأشعرية؛ ولكنهم ~~كما قال أبو إسماعيل الأنصاري: الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة، ومن ~~الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ لأنه لم يعلم أن جهما سبقهم إلى ms2524 ~~هذا الأصل. أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه، والشهرستاني يذكر أنهم أخذوا ~~ما أخذوا عن الفلاسفة؛ لأنه إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية معهم بخلاف ~~أئمة السنة؛ فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية، وهم المشهورون عند ~~PageV08P227 # السلف بنفي الصفات؛ وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف. وأما ~~المعتزلة فامتازوا بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدثه عمرو بن عبيد؛ وكان هو ~~وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة. فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وكان ~~ذلك بعد موت الحسن. وبدعة القدرية حدثت قبل ذلك بعد موت معاوية؛ ولهذا تكلم ~~فيهم ابن عمر وابن عباس وغيرهما؛ وابن عباس مات قبل ابن الزبير؛ وابن عمر ~~مات عقب موته، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين؛ فبقي الناس ~~يخوضون في القدر بالحجاز والشام والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق ~~والبصرة، وأقله كان بالحجاز؛ فلما حدثت المعتزلة وتكلموا بالمنزلة بين ~~المنزلتين. وقالوا: بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد، وإن النار لا يخرج ~~منها من دخلها ضموا إلى ذلك القدر، فإنه به يتم. ولم يكن الناس إذ ذاك ~~أحدثوا شيئا من نفي الصفات، إلى أن ظهر الجعد بن درهم " وهو أولهم، فضحى به ~~خالد بن عبد الله القسري، وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح ~~بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى ~~تكليما - تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا - ثم نزل فذبحه وهذا كان ~~بالعراق. # PageV08P228 # ثم ظهر جهم " من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم، ولهذا كان ~~علماء السنة بالمشرق أكثر كلاما في رد مذهبهم من أهل الحجاز والشام ~~والعراق، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، ~~وأمثالهم، وقد تكلم في ذمهم مالك وابن الماجشون وغيرهما، وكذلك الأوزاعي، ~~وحماد بن زيد وغيرهم، وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد وغيره، ~~من علماء السنة فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد كان بخراسان ~~مدة واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمانية عشرة ومائتين. ms2525 وفيها ~~مات، وردوا أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ومائتين، وفيها كانت محنته ~~مع المعتصم، ومناظرته لهم؛ فلما رد عليهم ما احتجوا به؛ وذكر أن طلبهم من ~~الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم؛ وأراد المعتصم إطلاقه فأشار ~~عليه من أشار بأن المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة؛ فلما ضربوه قامت ~~الشناعة في العامة؛ وخافوا فأطلقوه؛ وكان ابن أبي دؤاد قد جمع له نفاة ~~الصفات من جميع الطوائف. وعلماء السنة: كابن المبارك وأحمد وإسحاق والبخاري ~~يسمون هؤلاء جميعهم جهمية؛ وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم ~~يظنون أن خصومه كانوا هم المعتزلة، وليس كذلك؛ بل المعتزلة نوع منهم. # والمقصود هنا: أن جهما اشتهر عنه بدعتان: # إحداهما: نفي الصفات؛ والثانية: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل # PageV08P229 # الإيمان مجرد معرفة القلب. وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة؛ وهذان مما ~~غلت المعتزلة في خلافه فيهما؛ وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ~~ينازعه منازعات لفظية. وجهم لا يثبت شيئا من الصفات؛ لا الإرادة ولا غيرها، ~~فإذا قال إن الله يحب الطاعات ويبغض المعاصي؛ فمعناه الثواب والعقاب؛ ~~والأشعري يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج إلى الكلام فيها هل هي المحبة أم لا؟ ~~فقال: المعاصي يحبها الله ويرضاها كما يريدها: وذكر أبو المعالي أنه أول من ~~قال ذلك. وأهل السنة قبله على أن الله لا يحب المعاصي. وشاع هذا القول في ~~كثير من الصوفية فوافقوا جهما في مسائل الأفعال والقدر؛ وخالفوه في الصفات ~~كأبي إسماعيل الأنصاري صاحب ذم الكلام، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية في ~~نفي الصفات؛ وله كتاب في تكفير الجهمية؛ ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من ~~أقرب هذه الطوائف إلى السنة؛ وربما كان يلعنهم؛ وقال بعض الناس بحضرة نظام ~~الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال ألعن من يقول ليس في السموات إله؛ ولا في ~~المصحف قرآن، ولا في القبر نبي؛ وقام من عنده مغضبا. وهو مع هذا في مسألة ~~إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغ من الأشعرية؛ لا يثبت سببا ولا حكمة، بل ms2526 ~~يقول إن مشاهدة العارف الحكم لا يبق له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة؛ ~~والحكم عنده هو المشيئة؛ لأن العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء، والحسنة ~~والسيئة يفترقان في حظ العبد # PageV08P230 # كونه ينعم بهذه ويعذب بهذه؛ والالتفات إلى هذا من حظوظ النفس؛ ومقام ~~الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا ~~وهذا من جهة المخلوق كان أعقل منهم؛ فإنهم يدعون أن العارف لا يفرق؛ وغلطوا ~~في حق العبد وحق الرب؛ أما العبد فيلزمهم أن يستوي عنده جميع الحوادث؛ وهذا ~~محال قطعا، فعزلوا الفرق الرحماني؛ وفرقوا بالطبعي الهوائي الشيطاني؛ ومن ~~هنا وقع خلق منهم في المعاصي؛ وآخرون في الفسوق؛ وآخرون في الكفر حتى جوزوا ~~عبادة الأصنام؛ ثم كثير منهم ينتقل إلى الوحدة ويصرحون بعبادة كل موجود. ~~والمقصود الكلام على من نفى الحكم والأسباب والعدل في القدر موافقة لجهم؛ - ~~وهي بدعته الثانية بخلاف الإرجاء فإنه منسوب إلى طوائف غيره - فهؤلاء ~~يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه، ولهذا تجد من اتبعهم غير ~~معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ بل ينحل عنه أو عن بعضه، ويتكلف لما ~~يعتقده، فإنهم إذا وافقوا جهما والأشعري في أن الحسن والقبيح كونه مأمورا ~~أو محظورا؛ وذلك فرق يعود إلى حظ العبد؛ وهم يدعون الفناء عن الحظوظ؛ فتارة ~~يقولون: في امتثال الأمر والنهي إنه من مقام التلبيس؛ وتارة يقولون: يفعل ~~هذا لأجل أهل المارستان أي العامة - كما يقوله: الشيخ المغربي؛ إلى أنواع ~~أخر. # PageV08P231 # ومن سلك مسلكهم إذا عظم الأمر والنهي غايته أن يقول كما نقل عن الشاذلي: ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا؛ والفرق على لسانك موجودا؛ كما يوجد في كلامه ~~وكلام غيره أقوال وأدعية، وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي مثل دعوى أن ~~الله يعطيه على المعصية أعظم مما يعطيه على الطاعة، ونحو هذا مما يوجب أنه ~~يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أو ~~أفضل، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي. وآخرون من ~~عوامهم ms2527 يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكبر الأولياء من يكون فاجرا؛ بل ~~كافرا، ويقولون: هذه موهبة وعطية، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون ~~من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان، قال تعالى: {ولما ~~جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} {ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} . # PageV08P232 # وقد قال صلى الله عليه وسلم {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} الحديث. والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله ~~القرآن عدل كثير ممن أضله الشيطان من المنتسبين إليهم إلى أن نبذ كتاب الله ~~وراء ظهره، واتبع ما تتلوه الشياطين فلا يعظم من أمر القرآن بموالاته، ولا ~~يعادي من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه يأتي ببعض الخوارق التي تأتي ~~بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين لهم، وهي تحصل بما تتلوه الشياطين. ~~ثم منهم من يعرف أن هذا من الشياطين، ولكن يعظمه لهواه ويفضله على طريقة ~~القرآن، وهؤلاء كفار، كالذين قال الله تعالى فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا} {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا} وهؤلاء ضاهوا الذين قال الله تعالى فيهم: {ولما جاءهم رسول من عند ~~الله مصدق لما معهم} - إلى قوله - {ولكن الشياطين كفروا} . ومنهم من لا ~~يعرف أنه من الشياطين، ms2528 وقد يقع في هذا طوائف من أهل الكلام والعلم، وأهل ~~العبادة والتصوف، حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام لما رأوه فيها من ~~الأحوال العجيبة التي تعينهم عليها الشياطين لما يحصل بها بعض أغراضهم من ~~الظلم والفواحش، فلم يبالوا بشركهم بالله وبكفرهم به وبكتابه إذا # PageV08P233 # نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس وتعظيمهم له لرئاسة أو مال ~~ينالونه، وإن كانوا قد علموا الكفر والشرك ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب ~~وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقاد أنه خاطب الجمهور بما ~~لا حقيقة له في الباطن للمصلحة، كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة ~~الباطنية، ودخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به ~~فارس والروم. فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس وللنار، والروم ~~كانوا قبل النصرانية مشركين: يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء شر من الذين ~~أشبهوا اليهود والنصارى؛ [فإن هؤلاء ضاهوا أهل الكتاب فيما بدل أو نسخ ~~وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له. وقال رحمه الله تعالى فالنفوس مفطورة على علم ~~ضروري موجود فيها بالخالق الذي خلق السموات] (*) ، وأنه خلق السموات والأرض ~~ليس شيء منها خلق الناس، كما قال موسى لفرعون - لما قال له: {وما رب ~~العالمين} {قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} وقال: {فمن ~~ربكما يا موسى} {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} . PageV08P234 # سئل - رحمه الله تعالى -: # عمن يعتقد أن الخير من الله والشر من الشيطان؟ وأن الشر هو بيد العبد، إن ~~شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فإذا أنكر عليه في هذه يقول: قال الله تعالى: ~~{إن الله لا يأمر بالفحشاء} {فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر} وإن ~~عقيدة هذا، أن الخير من الله وأن الشر بيده، فإذا أراد أن يفعل الشر فعله؛ ~~فإنه قال: إن لي مشيئة فإذا أردت أن أفعل الشر فعلته، فهل له مشيئة فعالة ~~أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أصل هذا الكلام له مقدمتان: # إحداهما: أن يعلم العبد أن الله يأمر ms2529 بالإيمان والعمل الصالح، ويحب ~~الحسنات ويرضاها، ويكرم أهلها، ويثيبهم ويواليهم، ويرضى عنهم، ويحبهم ~~ويحبونه، وهم جند الله المنصورون، وحزب الله الغالبون، وهم أولياؤه ~~المتقون، وحزبه المفلحون، وعباده الصالحون أهل الجنة، وهم النبيون ~~والصديقون والشهداء والصالحون، وهم أهل الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وأن الله نهى عن السيئات من الكفر ~~والفسوق والعصيان، وهو يبغض ذلك ويمقت أهله، ويلعنهم ويغضب عليهم، ويعاقبهم ~~ويعاديهم، وهم أعداء الله ورسوله، وهم أولياء الشيطان، وهم أهل النار # PageV08P235 # وهم الأشقياء. لكنهم يتقاربون في هذا ما بين كافر وفاسق، وعاص ليس بكافر ~~ولا فاسق. # والمقدمة الثانية: أن يعلم العبد أن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه. لا رب ~~غيره؛ ولا خالق سواه، وأنه ما شاء كان؛ وما لم يشأ لم يكن؛ لا حول ولا قوة ~~إلا به؛ ولا ملجأ منه إلا إليه؛ وأنه على كل شيء قدير. فجميع ما في ~~السماوات والأرض: من الأعيان وصفاتها؛ وحركاتها؛ فهي مخلوقة له؛ مقدورة له؛ ~~مصرفة بمشيئته، لا يخرج شيء منها عن قدرته وملكه؛ ولا يشركه في شيء من ذلك ~~غيره؛ بل هو سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد؛ ~~وهو على كل شيء قدير، فالعبد فقير إلى الله في كل شيء، يحتاج إليه في كل ~~شيء لا يستغني عن الله طرفة عين؛ فمن يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا ~~هادي له. فإذا ثبتت هاتان " المقدمتان ". فنقول: إذا ألهم العبد أن يسأل ~~الله الهداية ويستعينه على طاعته، أعانه وهداه، وكان ذلك سبب سعادته في ~~الدنيا والآخرة، وإذا خذل العبد فلم يعبد الله؛ ولم يستعن به، ولم يتوكل ~~عليه، وكل إلى حوله وقوته. فيوليه الشيطان، وصد عن السبيل، وشقي في الدنيا ~~والآخرة وكل ما يكون في الوجود هو بقضاء الله وقدره؛ لا يخرج أحد عن القدر ~~المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ، وليس لأحد على الله # PageV08P236 # حجة؛ بل {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} كل ms2530 نعمة منه فضل، ~~وكل نقمة منه عدل. وعلى العبد أن يؤمن بالقدر، وليس له أن يحتج به على ~~الله؛ فالإيمان به هدى؛ والاحتجاج به على الله ضلال وغي، بل الإيمان بالقدر ~~يوجب أن يكون العبد صبارا شكورا؛ صبورا على البلاء، شكورا على الرخاء، إذا ~~أصابته نعمة علم أنها من عند الله فشكره، سواء كانت النعمة حسنة فعلها، أو ~~كانت خيرا حصل بسبب سعيها، فإن الله هو الذي يسر عمل الحسنات، وهو الذي ~~تفضل بالثواب عليها، فله الحمد في ذلك كله. وإذا أصابته مصيبة صبر عليها، ~~وإن كانت تلك المصيبة قد جرت على يد غيره، فالله هو الذي سلط ذلك الشخص، ~~وهو الذي خلق أفعاله، وكانت مكتوبة على العبد؛ كما قال تعالى: {ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير} {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} وقال تعالى: ~~{ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} . قالوا: هو ~~الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وعليه إذا أذنب ~~أن يستغفر ويتوب، ولا يحتج على الله بالقدر، ولا يقول: أي ذنب لي وقد قدر ~~علي هذا الذنب؛ بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك ~~كله بقضاء الله وقدره ومشيئته، إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وخلقه؛ ~~لكن العبد هو الذي أكل الحرام، وفعل الفاحشة، # PageV08P237 # وهو الذي ظلم نفسه؛ كما أنه هو الذي صلى وصام وحج وجاهد، فهو الموصوف ~~بهذه الأفعال؛ وهو المتحرك بهذه الحركات، وهو الكاسب بهذه المحدثات، له ما ~~كسب وعليه ما اكتسب، والله خالق ذلك وغيره من الأشياء لما له في ذلك من ~~الحكمة البالغة بقدرته التامة ومشيئته النافذة. قال تعالى: {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك} . فعلى العبد أن يصبر على المصائب، وأن يستغفر من ~~المعائب. والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر؛ ولا يحب ~~الفساد، وهو ms2531 سبحانه خالق كل شيء؛ وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن. فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ ومشيئة العبد للخير ~~والشر موجودة، فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا. وهو ~~العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كله وربه ومليكه؛ لا خالق غيره؛ ولا رب ~~سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقد أثبت الله " المشيئتين " مشيئة ~~الرب؛ ومشيئة العبد؛ وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب في قوله تعالى ~~{إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن ~~الله كان عليما حكيما} وقال تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء منكم ~~أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقد قال تعالى: ~~{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا # PageV08P238 # هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . وبعض الناس يظن ~~أن المراد هنا بالحسنات والسيئات الطاعات والمعاصي؛ فيتنازعون هذا يقول: قل ~~كل من عند الله، وهذا يقول الحسنة من الله، والسيئة من نفسك، وكلاهما أخطأ ~~في فهم الآية؛ فإن المراد هنا بالحسنات والسيئات، النعم والمصائب. كما في ~~قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} أي امتحناهم واختبرناهم ~~بالسراء والضراء. ومعنى الآية في المنافقين: كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل ~~النصر والرزق والعافية. قالوا: هذا من الله، وإذا أصابتهم سيئة - مثل ضرب ~~ومرض وخوف من العدو - قالوا: هذا من عندك يا محمد أنت الذي جئت بهذا الدين ~~الذي عادانا لأجله الناس، وابتلينا لأجله بهذه المصائب، فقال الله تعالى: ~~{فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} أنت إنما أمرتهم بالمعروف ~~ونهيتهم عن المنكر، وما أصابك من نعمة: نصر وعافية ورزق فمن الله، نعمة ~~أنعم الله بها عليك، ms2532 وما أصابك من سيئة: فقر وذل وخوف ومرض وغير ذلك، فمن ~~نفسك وذنوبك وخطاياك. كما قال في الآية الأخرى: {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم} وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم # PageV08P239 # أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور} . فالإنسان إذا أصابته المصائب بذنوبه وخطاياه ~~كان هو الظالم لنفسه، فإذا تاب واستغفر جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ~~ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، والذنوب مثل أكل السم. فهو إذا أكل السم ~~مرض أو مات فهو الذي يمرض ويتألم ويتعذب ويموت، والله خالق ذلك كله، وإنما ~~مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأكل السم. فإن شرب الترياق النافع عافاه ~~الله، فالذنوب كأكل السم، والترياق النافع كالتوبة النافعة، والعبد فقير ~~إلى الله تعالى في كل حال، فهو بفضله ورحمته يلهمه التوبة، فإذا تاب تاب ~~عليه، فإذا سأله العبد ودعاه استجاب دعاءه. كما قال: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون} . ومن قال: لا مشيئة له في الخير ولا في الشر فقد كذب. ومن قال: ~~إنه يشاء شيئا من الخير أو الشر بدون مشيئة الله فقد كذب؛ بل له مشيئة لكل ~~ما يفعله باختياره من خير وشر، وكل ذلك إنما يكون بمشيئة الله وقدرته فلا ~~بد من الإيمان بهذا وهذا، ليحصل الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ~~والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه. # PageV08P240 # ومن احتج بالقدر على المعاصي فحجته داحضة، ومن اعتذر به فعذره غير مقبول، ~~بل هؤلاء الضالون. كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند ~~المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. فإن هؤلاء إذا ظلمهم ظالم، بل ~~لو فعل الإنسان ما يكرهونه، وإن كان حقا لم يعذروه بالقدر، بل يقابلوه ~~بالحق والباطل، فإن كان القدر حجة لهم فهو ms2533 حجة لهؤلاء، وإن لم يكن حجة ~~لهؤلاء لم يكن حجة لهم؛ وإنما يحتج أحدهم بالقدر عند هواه ومعصية مولاه، لا ~~عند ما يؤذيه الناس ويظلمونه. وأما المؤمن فهو بالعكس في ذلك إذا آذاه ~~الناس نظر إلى القدر، فصبر واحتسب، وإذا أساء هو تاب واستغفر. كما قال ~~تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فالمؤمن يصبر على المصائب ~~ويستغفر من الذنوب والمعايب، والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه بل يحتج ~~بالقدر، ولا يصبر على ما أصابه، فلهذا يكون شقيا في الدنيا والآخرة؛ ~~والمؤمن سعيدا في الدنيا والآخرة. والله سبحانه أعلم. # PageV08P241 # سئل أبو العباس ابن تيمية: # عن الخير والشر؛ والقدر الكوني؛ والأمر والنهي الشرعي. # فأجاب: # الحمد لله، اعلم أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا رب غيره ولا خالق ~~سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ وهو على كل شيء قدير؛ وبكل شيء عليم؛ ~~والعبد مأمور بطاعة الله؛ وطاعة رسوله؛ منهي عن معصية الله؛ ومعصية رسوله؛ ~~فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه؛ وكان له الأجر والثواب بفضل ~~الله ورحمته، وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب؛ وكان لله عليه الحجة ~~البالغة؛ ولا حجة لأحد على الله؛ وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته ~~وقدرته؛ لكنه يحب الطاعة ويأمر بها؛ ويثيب أهلها عليها ويكرمهم؛ ويبغض ~~المعصية وينهى عنها؛ ويعاقب أهلها عليها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم ~~فإن الله أنعم بها عليه؛ وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه. كما قال ~~تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال تعالى: {ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى ~~فالله أنعم بها عليك؛ وما أصابك من جدب وذل وشر فبذنوبك وخطاياك؛ وكل ~~الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه # PageV08P242 # فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره؛ وأن يؤمن بشرع الله وأمره. فمن ~~نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها ~~للمشركين؛ ومن نظر ms2534 إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها ~~للمجوسيين، ومن آمن بهذا وهذا، وإذا أحسن حمد الله؛ وإذا أساء استغفر الله؛ ~~وعلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين. فإن آدم - عليه السلام ~~- لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر واستكبر واحتج بالقدر؛ فلعنه ~~وأقصاه، فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا، فالسعداء ~~يتبعون أباهم آدم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس. فنسأل الله العظيم أن ~~يهدينا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين. ~~والشهداء والصالحين. والله أعلم. # PageV08P243 # وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: # حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيح لما طرقه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفاطمة - وهما نائمان - فقال {ألا تصليان فقال علي يا رسول الله إنما ~~أنفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها؛ فولى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يضرب بيده على فخذه وهو يقول {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} } ~~هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله: {إنما أنفسنا بيد ~~الله} إلى آخره. استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهي في نفسها كلمة ~~حق، لكن لا تصلح لمعارضة الأمر بل معارضة الأمر فيها من باب الجدل المذموم ~~الذي قال الله فيه: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} وهؤلاء أحد أقسام " ~~القدرية " وقد وصفهم الله في غير هذا الموضع بالمجادلة الباطلة (*) . ~~PageV08P244 # سؤال عن القدر # أورده أحد علماء الذميين فقال: # أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة # إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي # دعاني وسد الباب عني، فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قضيتي # قضى بضلالي ثم قال ارض بالقضا ... فما أنا راض بالذي فيه شقوتي # فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ... فربي لا يرضى بشؤم بليتي # فهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي # إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ... فهل أنا عاص في اتباع المشيئة # وهل لي اختيار ms2535 أن أخالف حكمه ... فبالله فاشفوا بالبراهين علتي # فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد ابن تيمية مرتجلا: # الحمد لله رب العالمين. # PageV08P245 # سؤالك يا هذا سؤال معاند ... مخاصم رب العرش باري البرية # فهذا سؤال خاصم الملأ العلا ... قديما به إبليس أصل البلية # ومن يك خصما للمهيمن يرجعن ... على أم رأس هاويا في الحفيرة # ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا معشر القدرية # سواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة # وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة # فإنهمو لم يفهموا حكمة له ... فصاروا على نوع من الجاهلية # فإن جميع الكون أوجب فعله ... مشيئة رب الخلق باري الخليقة # وذات إله الخلق واجبة بما ... لها من صفات واجبات قديمة # مشيئته مع علمه ثم قدرة ... لوازم ذات الله قاضي القضية # وإبداعه ما شاء من مبدعاته ... بها حكمة فيه وأنواع رحمة # ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة ... من المنكري آياته المستقيمة # بل الحق أن الحكم لله وحده ... له الخلق والأمر الذي في الشريعة # هو الملك المحمود في كل حالة ... له الملك من غير انتقاص بشركة # فما شاء مولانا الإله فإنه ... يكون وما لا لا يكون بحيلة # وقدرته لا نقص فيها وحكمه ... يعم فلا تخصيص في ذي القضية # PageV08P246 # أريد بذا أن الحوادث كلها ... بقدرته كانت ومحض المشيئة # ومالكنا في كل ما قد أراده ... له الحمد حمدا يعتلي كل مدحة # فإن له في الخلق رحمته سرت ... ومن حكم فوق العقول الحكيمة # أمورا يحار العقل فيها إذا رأى ... من الحكم العليا وكل عجيبة # فنؤمن أن الله عز بقدرة ... وخلق وإبرام لحكم المشيئة # فنثبت هذا كله لإلهنا ... ونثبت ما في ذاك من كل حكمة # وهذا مقام طالما عجز الأولى ... نفوه وكروا راجعين بحيرة # وتحقيق ما فيه بتبيين غوره ... وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة # هو المطلب الأقصى لوراد بحره ... وذا عسر في نظم هذي القصيدة # لحاجته إلى بيان محقق ... لأوصاف مولانا الإله الكريمة # وأسمائه الحسنى وأحكام دينه ... وأفعاله في كل ms2536 هذي الخليقة # وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ... وإلهامه للخلق أفضل نعمة # وقد قيل في هذا وخط كتابه ... بيان شفاء للنفوس السقيمة # فقولك: لم قد شاء؟ مثل سؤال من ... يقول: فلم قد كان في الأزلية # وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ... وتحريمه قد جاء في كل شرعة # وفي الكون تخصيص كثير يدل من ... له نوع عقل أنه بإرادة # PageV08P247 # وإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رمية حيرة # ولا ريب في تعليق كل مسبب ... بما قبله من علة موجبية # بل الشأن في الأسباب أسباب ما ترى ... وإصدارها عن الحكم محض المشيئة # وقولك: لم شاء الإله؟ هو الذي ... أزل عقول الخلق في قعر حفرة # فإن المجوس القائلين بخالق ... لنفع ورب مبدع للمضرة # سؤالهم عن علة السر أوقعت ... أوائلهم في شبهة الثنوية # وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى ... يقولون بالفعل القديم لعلة # بغوا علة للكون بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذاكم فضلوا بضلة # وإن مبادي الشر في كل أمة ... ذوي ملة ميمونة نبوية # بخوضهمو في ذاكم صار شركهم ... وجاء دروس البينات بفترة # ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ... من العذر مردود لدى كل فطرة # فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ... عليك وترميهم بكل مذمة # وتنحل من والاك صفو مودة ... وتبغض من ناواك من كل فرقة # وحالهم في كل قول وفعلة ... كحالك يا هذا بأرجح حجة # وهبك كففت اللوم عن كل كافر ... وكل غوي خارج عن محبة # فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ... على الناس في نفس ومال وحرمة # PageV08P248 # ولا تغضبن يوما على سافك دما ... ولا سارق مالا لصاحب فاقة # ولا شاتم عرضا مصونا وإن علا ... ولا ناكح فرجا على وجه غية # ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ... ولا مفسد في الأرض في كل وجهة # ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ... ولا قاذف للمحصنات بزنية # ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ... ولا حاكم للعالمين برشوة # وكف لسان اللوم عن كل مفسد ... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة # وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ... على ربهم من كل جاء بفرية # وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ... بروم فساد ms2537 النوع ثم الرياسة # وجادل عن الملعون فرعون إذ طغى ... فأغرق في اليم انتقاما بغضبة # وكل كفور مشرك بإلهه ... وآخر طاغ كافر بنبوة # كعاد ونمروذ وقوم لصالح ... وقوم لنوح ثم أصحاب أيكة # وخاصم لموسى ثم سائر من أتى ... من الأنبياء محييا للشريعة # على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا ... ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة # PageV08P249 # وإلا فكل الخلق في كل لفظة ... ولحظة عين أو تحرك شعرة # وبطشة كف أو تخطي قديمة ... وكل حراك بل وكل سكينة # همو تحت أقدار الإله وحكمه ... كما أنت فيما قد أتيت بحجة # وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ... فعال ردى طردا لهذي المقيسة # فهل يمكن رفع الملام جميعه ... عن الناس طرا عند كل قبيحة؟ # وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ... وترك الورى الإنصاف بين الرعية # فلا تضمنن نفس ومال بمثله ... ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة # وهل في عقول الناس أو في طباعهم ... قبول لقول النذل ما وجه حيلتي؟ # ويكفيك نقضا ما بجسم ابن آدم ... صبي ومجنون وكل بهيمة # من الألم المقضي في غير حيلة ... وفيما يشاء الله أكمل حكمة # إذا كان في هذا له حكمة فما ... يظن بخلق الفعل ثم العقوبة؟ # وكيف ومن هذا عذاب مولد ... عن الفعل فعل العبد عند الطبيعة؟ # كآكل سم أوجب الموت أكله ... وكل بتقدير لرب البرية # PageV08P250 # فكفرك يا هذا كسم أكلته ... وتعذيب نار مثل جرعة غصة # ألست ترى في هذه الدار من جنى ... يعاقب إما بالقضا أو بشرعة؟ # ولا عذر للجاني بتقدير خالق ... كذلك في الأخرى بلا مثنوية # وتقدير رب الخلق للذنب موجب ... لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة # وما كان من جنس المتاب لرفعه ... عواقب أفعال العباد الخبيثة # كخير به تمحى الذنوب ودعوة ... تجاب من الجاني ورب شفاعة # وقول حليف الشر إني مقدر ... علي كقول الذئب هذي طبيعتي # وتقديره للفعل يجلب نقمة ... كتقديره الأشياء طرا بعلة # فهل ينفعن عذر الملوم بأنه ... كذا طبعه أم هل يقال لعثرة؟ # أم الذم والتعذيب أوكد للذي ... طبيعته فعل الشرور الشنيعة؟ # فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ms2538 ... ينجيك من نار الإله العظيمة # PageV08P251 # فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا ... مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة # وذلل قياد النفس للحق واسمعن ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة # وما بان من حق فلا تتركنه ... ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة # ودع دين ذا العادات لا تتبعنه ... وعج عن سبيل الأمة الغضبية # ومن ضل عن حق فلا تقفونه ... وزن ما عليه الناس بالمعدلية # هنالك تبدو طالعات من الهدى ... تبشر من قد جاء بالحنيفية # بملة إبراهيم ذاك إمامنا ... ودين رسول الله خير البرية # فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ... به جاءت الرسل الكرام السجية # وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ... حوى كل خير في عموم الرسالة # وأخبر عن رب العباد بأن من ... غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة # فهذي دلالات العباد لحائر ... وأما هداه فهو فعل الربوبية # وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من ... غدا عنه بل يجري بلا وجه حجة # PageV08P252 # وحجة محتج بتقدير ربه ... تزيد عذابا كاحتجاج مريضة # وأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة # كسقم وفقر ثم ذل وغربة ... وما كان من مؤذ بدون جريمة # فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا ترتضى مسخوطة لمشيئة # وقد قال قوم من أولي العلم لا رضا ... بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة # وقال فريق نرتضي بقضائه ... ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة # وقال فريق نرتضي بإضافة ... إليه وما فينا فنلقي بسخطة # كما أنها للرب خلق وإنها ... لمخلوقه ليست كفعل الغريزة # فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة # ومعصية العبد المكلف تركه ... لما أمر المولى وإن بمشيئة # فإن إله الخلق حق مقاله ... بأن العباد في جحيم وجنة # كما أنهم في هذه الدار هكذا ... بل البهم في الآلام أيضا ونعمة # وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت من ... الفروق بعلم ثم أيد ورحمة # يسوق أولي التعذيب بالسبب الذي ... يقدره نحو العذاب بعزة # PageV08P253 # ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم ... بأعمال صدق في رجاء وخشية # وأمر إله الخلق بين ما به ... يسوق أولي التنعيم نحو السعادة # فمن كان من أهل السعادة ms2539 أثرت ... أوامره فيه بتيسير صنعة # ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ... بأمر ولا نهي بتقدير شقوة # ولا مخرج للعبد عما به قضي ... ولكنه مختار حسن وسوأة # فليس بمجبور عديم الإرادة ... ولكنه شاء بخلق الإرادة # ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة ... بها صار مختار الهدى بالضلالة # فقولك: هل اختار تركا لحكمة؟ ... كقولك: هل اختار ترك المشيئة؟ # وأختار أن لا اختار فعل ضلالة ... ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة # وذا ممكن لكنه متوقف ... على ما يشاء الله من ذي المشيئة # PageV08P254 # فدونك فافهم ما به قد أجبت من ... معان إذا انحلت بفهم غريزة # أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ... ولله رب الخلق أكمل مدحة # وصلى إله الخلق جل جلاله ... على المصطفى المختار خير البرية # PageV08P255 # قال شيخ الإسلام: # فصل: # قد ذكرت في غير موضع أن القدرية " ثلاثة أصناف ": " قدرية مشركية " و " ~~قدرية مجوسية " و " قدرية إبليسية ". فأما الأولون فهم الذين اعترفوا ~~بالقضاء والقدر وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: {لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} إلى آخر الكلام في سورة الأنعام. ~~{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} في سورة النحل ~~وفي سورة الزخرف {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} . فهؤلاء يئول أمرهم ~~إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق ~~وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يبتلي به كثيرا - إما ~~اعتقادا وإما حالا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى ~~الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع # PageV08P256 # العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم ~~كفعل المشركين من العرب ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعديا ~~للحدود غير واقف عند حد كما كانت تفعل المشركون أيضا. إذ هذه الطريقة ~~تتناقض عند تعارض إرادات البشر. فهذا يريد أمرا والآخر يريد ضده، وكل من ~~الإرادتين مقدرة فلا بد من ترجيح إحداهما أو غيرهما أو كل منهما من وجه ms2540 ~~وإلا لزم الفساد. وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي ~~الله كما قد ذكر في غير هذا الموضع. ويتمسكون بموافقة الإرادة القدرية في ~~السيئات الواقعة منهم ومن غيرهم كقول الحريري: أنا كافر برب يعصى، وقول بعض ~~أصحابه لما دعاه مكاس فقيل له هو مكاس فقال: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع ~~الإرادة وقول ابن إسرائيل: أصبحت منفعلا لما يختاره مني ففعلي كله طاعات ~~وقد يسمون هذا حقيقة باعتبار أنه حقيقة الربوبية، والحقيقة الموجودة ~~الكائنة أو الحقيقة الخبرية ولما كان في هؤلاء شوب من النصارى والنصارى ~~فيهم شوب من الشرك تابعوا المشركين في ما كانوا عليه من التمسك بالقدر ~~المخالف للشرع. هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدر الكائنات كما أن ~~هؤلاء فيهم شوب من ذلك # PageV08P257 # وإذا اتسع زنادقتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا: ما نعبد إلا الله إذ لا ~~موجود غيره. وقال رئيس لهم إنما كفر النصارى لأنهم خصصوا فيشرعون عبادة كل ~~موجود بهذا الاعتبار ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان ~~والأحجار؛ لكنهم يستقصرونهم حيث خصصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان. ~~ومعلوم أن هذا حاصل في جميع المشركين؛ فإنهم متفننون في الآلهة التي ~~يعبدونها وإن اشتركوا في الشرك؛ هذا يعبد الشمس، وهذا يعبد القمر، وهذا ~~يعبد اللات، وهذا يعبد العزى وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى، فكل منهم يتخذ ~~إلهه هواه ويعبد ما يستحسن، وكذلك في عبادة قبور البشر كل يعلق على تمثال ~~من أحسن به الظن. و " القدرية الثانية " المجوسية: الذين يجعلون لله شركاء ~~في خلقه كما جعل الأولون لله شركاء في عبادته. فيقولون: خالق الخير، غير ~~خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة ~~بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضا ويقولون: إن جميع أفعال ~~الحيوان واقع بغير قدرته ولا صنعه فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ~~ولهذا قال ابن عباس: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم ~~توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ms2541 ويزعمون أن هذا هو ~~العدل ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمونه التوحيد كما يسمي الأولون ~~التلحيد التوحيد فيلحد كل منهما في أسماء الله وصفاته وهذا يقع كثيرا إما ~~اعتقادا وإما # PageV08P258 # حالا في كثير من المتفقهة والمتكلمة. كما وقع اعتقاد ذلك في المعتزلة، ~~والشيعة المتأخرين وابتلي ببعض ذلك طوائف من المتقدمين من البصريين ~~والشاميين وقد يبتلى به حالا لا اعتقادا بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر ~~والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر. ولما بين الطائفتين من التنافي تجد ~~المعتزلة أبعد الناس عن الصوفية ويميلون إلى اليهود وينفرون عن النصارى ~~ويجعلون إثبات الصفات هو قول النصارى بالأقانيم ولهذا تجدهم يذمون النصارى ~~أكثر كما يفعل الجاحظ وغيره كما أن الأولين يميلون إلى النصارى أكثر. ولهذا ~~كان هؤلاء في الحروف والكلام المبتدع كما كان الأولون في الأصوات والعمل ~~المبتدع كما اقتسم ذلك اليهود والنصارى؛ واليهود غالبهم قدرية بهذا ~~الاعتبار؛ فإنهم أصحاب شريعة وهم معرضون عن الحقيقة القدرية. ولهذا تجد ~~أرباب الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم ويحرمون ما سواها ~~ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لاحقة من خالفها حتى إنهم يقولون: بتخليد فساق ~~أهل الملل ويكفرون من خرج عنهم من فرق الأمة وهذا التشديد والآصار والأغلال ~~شبه دين اليهود. وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون ولا يحرمون؛ ~~وإنما يستحبون ويكرهون فيعظمون طريقهم ويفضلونه ويرغبون فيه حتى يرفعوه # PageV08P259 # فوق قدره بدرجات. فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلا كما أن الأول رهبة في ~~الغالب برغبة يسيرة وهذا يشبه ما عليه النصارى من الغلو في العبادات التي ~~يفعلونها مع انحلالهم من الإيجاب والاستحباب لكنهم يتعبدون بعبادات كثيرة ~~ويبقون أزمانا كثيرة على سبيل الاستحباب. والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق ~~كما أن المتكلمين يغلب عليهم الطريق الأول. # والقسم الثالث: القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران. ~~لكن عندهم هذا تناقض وهم خصماء الله كما جاء في الحديث. وهؤلاء كثير في أهل ~~الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة كقول أبي العلاء ~~المعري: # أنهيت عن قتل النفوس تعمدا ms2542 ... وزعمت أن لها معادا آتيا # ما كان أغناها عن الحالين (1) # وقول بعض السفهاء الزنادقة: يخلق نجوما ويخلق بينها أقمارا. يقول يا قوم ~~غضوا عنهم الأبصار. ترمي النسوان وتزعق معشر الحضار. اطفوا الحريق وبيدك قد ~~رميت النار. ونحو ذلك مما يوجب كفر صاحبه وقتله. PageV08P260 # فتدبر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئون ليس فيها في الأصل قدرية؛ وإنما حدثت القدرية من الملتين ~~الباطلتين: المجوس والذين أشركوا. لكن النصارى ومن ضارعهم مالوا إلى ~~الصابئة واليهود ومن ضارعهم (1) PageV08P261 # سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام بقية السلف أبو العباس أحمد ابن تيمية - ~~رحمه الله تعالى -: # عن أقوام يحتجون بسابق القدر، ويقولون: إنه قد مضى الأمر والشقي شقي، ~~والسعيد سعيد محتجين بقول الله سبحانه: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون} قائلين بأن الله قدر الخير والشر والزنا مكتوب علينا، ~~وما لنا في الأفعال قدرة وإنما القدرة لله ونحن نتوقى ما كتب لنا وأن آدم ~~ما عصى وأن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة محتجين بقوله صلى الله عليه ~~وسلم {من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. وإن زنى وإن سرق} فبينوا لنا ~~فساد قول هذه الطائفة بالبراهين القاطعة؟ . # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا ~~أكفر من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي والوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. كما ~~قال الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} ~~{أولئك هم # PageV08P262 # الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} {والذين آمنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} . ~~فإذا كان من آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر حقا فكيف بمن كفر بالجميع. ولم ~~يقر بأمر الله ونهيه ووعده ووعيده؛ بل ترك ذلك محتجا بالقدر فهو أكفر ممن ~~آمن ببعض ms2543 وكفر ببعض. وقول هؤلاء يظهر بطلانه من وجوه: (أحدها: أن الواحد من ~~هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد فإن كان ~~القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس فإنهم كلهم مشتركون في القدر وحينئذ ~~فيلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه ويضرب عنقه، ~~ويهلك الحرث والنسل وهؤلاء جميعهم كذابون متناقضون؛ فإن أحدهم لا يزال يذم ~~هذا ويبغض هذا ويخالف هذا حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون ~~عليه فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات لزمهم أن لا يذموا ~~أحدا ولا يبغضوا أحدا ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل. ومعلوم ~~أن هذا لا يمكن أحدا فعله ولو فعل الناس هذا لهلك العالم فتبين أن قولهم ~~فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع وأنهم كذابون مفترون في قولهم: إن ~~القدر حجة للعبد. (الوجه الثاني: إن هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون ~~وقوم نوح # PageV08P263 # وعاد وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورا وهذا من الكفر الذي اتفق عليه ~~أرباب الملل. (الوجه الثالث) : أن هذا يلزم منه أن لا يفرق بين أولياء الله ~~وأعداء الله ولا بين المؤمنين والكفار ولا أهل الجنة وأهل النار. وقد قال ~~تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا ~~الحرور} {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: ~~{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} . وذلك أن هؤلاء جميعهم سبقت لهم عند ~~الله السوابق وكتب الله مقاديرهم قبل أن يخلقهم وهم مع هذا قد انقسموا إلى ~~سعيد بالإيمان والعمل الصالح وإلى شقي بالكفر والفسق والعصيان فعلم بذلك أن ~~القضاء والقدر ليس بحجة لأحد على معاصي الله. # الوجه الرابع: أن القدر نؤمن به ولا نحتج به فمن احتج بالقدر فحجته داحضة ~~ومن ms2544 اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول ولو كان الاحتجاج مقبولا لقبل من إبليس ~~وغيره من العصاة ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم تقطع يد # PageV08P264 # سارق ولا قتل قاتل ولا أقيم حد على ذي جريمة ولا جوهد في سبيل الله ولا ~~أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر. # الوجه الخامس: أن النبي سئل عن هذا فإنه قال: {ما منكم من أحد إلا وقد ~~كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقيل: يا رسول الله أفلا ندع العمل، ~~ونتكل على الكتاب؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له} . رواه البخاري ~~ومسلم. وفي حديث آخر في الصحيح {أنه قيل: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ~~فيه ويكدحون أفيما جفت به الأقلام وطويت به الصحف؟ أم فيما يستأنفون مما ~~جاءهم به؟ - أو كما قيل - فقال: بل فيما جفت به الأقلام وطويت به الصحف ~~فقيل ففيم العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له} . # الوجه السادس: أن يقال: إن الله علم الأمور وكتبها على ما هي عليه؛ فهو ~~سبحانه قد كتب أن فلانا يؤمن ويعمل صالحا فيدخل الجنة وفلانا يعصي ويفسق ~~فيدخل النار؛ كما علم وكتب أن فلانا يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد وأن ~~فلانا يأكل ويشرب فيشبع، ويروى وأن فلانا يبذر البذر فينبت الزرع. فمن قال: ~~إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح كان قوله قولا باطلا ~~متناقضا؛ لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح فلو دخلها بلا عمل كان هذا ~~مناقضا لما علمه الله وقدره. # PageV08P265 # ومثال ذلك من يقول: أنا لا أطأ امرأة فإن كان قد قضى الله لي بولد فهو ~~يولد فهذا جاهل فإن الله إذا قضى بالولد قضى أن أباه يطأ امرأة فتحبل فتلد، ~~وأما الولد بلا حبل ولا وطء فإن الله لم يقدره ولم يكتبه كذلك الجنة إنما ~~أعدها الله للمؤمنين فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان كان ظنه باطلا وإذا ms2545 ~~اعتقد أن الأعمال التي أمر الله بها لا يحتاج إليها ولا فرق بين أن يعملها ~~أو لا يعملها كان كافرا والله قد حرم الجنة على الكافرين فهذا الاعتقاد ~~يناقض الإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار. # فصل: # وأما قوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} فمن ~~سبقت له من الله الحسنى: فلا بد أن يصير مؤمنا تقيا فمن لم يكن من المؤمنين ~~لم يسبق له من الله حسنى ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل ~~الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله أن يولد له ولد. فلا بد أن ~~يطأ امرأة يحبلها فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا ~~وهذا؛ فمن ظن أن أحدا سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد ضل بل هو سبحانه ~~ميسر الأسباب والمسببات وهو قد قدر فيما مضى هذا وهذا. # PageV08P266 # فصل: # وأما قول القائل: ما لنا في جميع أفعالنا قدرة فقد كذب فإن الله سبحانه ~~فرق بين المستطيع القادر وغير المستطيع فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~وقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقال تعالى: {الله ~~الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} . ~~والله قد أثبت للعبد مشيئة وفعلا. كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقال: {جزاء بما كانوا يعملون} ~~لكن الله سبحانه خالقه وخالق كل ما فيه من قدرة ومشيئة وعمل فإنه لا رب ~~غيره ولا إله سواه وهو خالق كل شيء وربه ومليكه. # PageV08P267 # فصل: # وأما قول القائل: الزنا وغيره من المعاصي مكتوب علينا؛ فهو كلام صحيح لكن ~~هذا لا ينفعه الاحتجاج به؛ فإن الله كتب أفعال العباد خيرها وشرها وكتب ما ~~يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة. وجعل الأعمال سببا للثواب والعقاب وكتب ~~ذلك كما كتب الأمراض وجعلها سببا للموت وكما كتب أكل السم وجعله سببا للمرض ~~والموت فمن ms2546 أكل السم فإنه يمرض أو يموت. والله قدر وكتب هذا وهذا؛ كذلك من ~~فعل ما نهي عنه من الكفر والفسق والعصيان فإنه يعمل ما كتب عليه وهو مستحق ~~لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك. وحجة هؤلاء بالقدر على المعاصي من ~~جنس حجة المشركين الذين قال الله عنهم: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم} وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم ~~حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم إلا تخرصون} {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . # PageV08P268 # فصل: # ومن قال: إن آدم ما عصى فهو مكذب للقرآن ويستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإن ~~الله قال: {وعصى آدم ربه فغوى} والمعصية: هي مخالفة الأمر الشرعي فمن خالف ~~أمر الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فقد عصى وإن كان داخلا فيما قدره ~~الله وقضاه وهؤلاء ظنوا أن المعصية هي الخروج عن قدر الله وهذا لا يمكن فإن ~~أحدا من المخلوقات لا يخرج عن قدر الله فإن لم تكن المعصية إلا هذا فلا ~~يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وعاد وثمود وجميع الكفار عصاة أيضا؛ لأنهم ~~داخلون في قدر الله ثم قائل هذا يضرب ويهان وإذا تظلم ممن فعل هذا به قيل ~~له: هذا الذي فعل هذا ليس بعاص فإنه داخل في قدر الله كسائر الخلق وقائل ~~هذا القول متناقض لا يثبت على حال. # PageV08P269 # فصل: # وأما قول القائل: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ واحتجاجه بالحديث ~~المذكور. فيقال له: لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد وقد قال الله ~~تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا} وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ms2547 تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما} {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على ~~الله يسيرا} . ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، والعبد عليه أن يصدق بهذا ~~وبهذا لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ~~ويكذبوا بالوعيد. " والحرورية والمعتزلة ": أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون ~~الوعد وكلاهما أخطأ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد ~~فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط: بأن لا ~~يتوب فإن تاب تاب الله عليه. وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه؛ فإن ~~الحسنات يذهبن # PageV08P270 # السيئات وبألا يشاء الله أن يغفر له {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} . فهكذا الوعد له تفسير وبيان. فمن قال بلسانه: لا ~~إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين وكذلك إن جحد شيئا مما ~~أنزل الله. فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ثم إن كان من أهل ~~الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ فإن ارتد عن الإسلام ~~ومات مرتدا كان في النار فالسيئات تحبطها التوبة والحسنات تحبطها الردة ومن ~~كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره. والله تعالى قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ~~ورحمته. ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار. فالزاني والسارق لا ~~يخلد في النار بل لا بد أن يدخل الجنة. فإن النار يخرج منها من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المسئول عنهم يسمون: القدرية المباحية المشركين. ~~وقد جاء في ذمهم من الآثار ما يضيق عنه هذا المكان والله سبحانه وتعالى ~~أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV08P271 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن قوم قد خصوا ms2548 بالسعادة وقوم قد خصوا بالشقاوة والسعيد لا يشقى والشقي ~~لا يسعد وفي الأعمال لا تراد لذاتها بل لجلب السعادة ودفع الشقاوة وقد ~~سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لإتعاب النفس في عمل ولا كفها عن ملذوذ فإن ~~المكتوب في القدم واقع لا محالة بينوا ذلك؟ # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، هذه " المسألة " قد أجاب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غير حديث ففي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: {قيل يا رسول الله أعلم ~~أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر ~~لما خلق له} وفي رواية البخاري {قلت: يا رسول الله كل يعمل لما خلق له أو ~~لما يسر له} رواه مسلم في صحيحه {عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران ~~بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم ~~من قدر سابق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ ~~فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال: فقال: أفلا يكون ذلك ظلما. قال: ~~ففزعت من ذلك فزعا شديدا. وقلت: # PageV08P272 # كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال: يرحمك ~~الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأجود عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ~~ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون به مما ~~أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم. ~~وتصديق ذلك في كتاب الله {ونفس وما سواها} {فألهمها فجورها وتقواها} } . ~~وروى مسلم في صحيحه عن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: {جاء ~~سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ~~فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ ~~قال: لا؛ بل فيما جفت ms2549 به الأقلام وجرت به المقادير قال: ففيم العمل؟ قال ~~زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت: عما قال؟ فقال: اعملوا فكل ~~ميسر} وفي لفظ آخر {فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عامل ميسر ~~بعمله} . وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال {كنا في جنازة ~~في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه ~~مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا ~~وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال: رجل ~~يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل من كان # PageV08P273 # من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ~~فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة ~~فسييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فسييسرون إلى عمل أهل الشقاوة. ~~ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى} {وصدق بالحسنى} {فسنيسره لليسرى} {وأما من بخل ~~واستغنى} {وكذب بالحسنى} {فسنيسره للعسرى} } وفي رواية البخاري {أفلا نتكل ~~على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير إلى عمل أهل ~~السعادة ومن كان من أهل الشقاوة سيصير إلى عمل أهل الشقاوة. وقال: أما عمل ~~أهل السعادة} الحديث. وفي رواية في الصحيحين عن علي قال: {كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: ما منكم ~~من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار فقالوا: يا رسول الله فلم نعمل ~~أو لا نتكل؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ {فأما من أعطى ~~واتقى} {وصدق بالحسنى} إلى قوله: {فسنيسره للعسرى} } . فقد أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الأحاديث وغيرها بما دل عليه القرآن أيضا من أن الله ~~سبحانه وتعالى تقدم علمه وكتابه وقضاؤه بما سيصير إليه العباد من السعادة ~~والشقاوة كما تقدم علمه وكتابه بغير ms2550 ذلك من أحوال العباد وغيرهم كما في ~~الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: {حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~وهو الصادق المصدوق -: إن أحدكم يجمع خلقه في # PageV08P274 # بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ~~ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب: عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أو سعيد ثم ~~ينفخ فيه الروح فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها} وفي الصحيحين عن أنس بن ~~مالك ورفع الحديث قال: {إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب ~~علقة أي رب مضغة فإذا أراد أن يقضي خلقه قال الملك أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي ~~أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه} . وهذا المعنى في ~~صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري أيضا. والنصوص والآثار في تقدم ~~علم الله وكتابته وقضائه وتقديره الأشياء قبل خلقها وأنواعها كثيرة جدا. ~~وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها ~~تكون السعادة والشقاوة وأن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل ~~السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة وقد نهي أن ~~يتكل الإنسان على القدر السابق، ويدع العمل؛ ولهذا كان من اتكل # PageV08P275 # على القدر السابق، وترك ما أمر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من ~~جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة فإن أهل السعادة هم الذين ~~يفعلون المأمور ويتركون المحظور فمن ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل ~~المحظور متكلا على القدر كان من جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل ~~الشقاوة. ms2551 وهذا الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية ~~السداد والاستقامة وهو نظير ما أجاب به في الحديث الذي رواه الترمذي {أنه ~~قيل: يا رسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها؟ ورقى نسترقي بها؟ وتقاة نتقيها ~~هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله} . وذلك لأن الله - سبحانه ~~وتعالى - هو يعلم الأشياء على ما هي عليه وكذلك يكتبها فإذا كان قد علم ~~أنها تكون بأسباب من عمل وغيره وقضى أنها تكون كذلك وقدر ذلك لم يجز أن يظن ~~أن تلك الأمور تكون بدون الأسباب التي جعلها الله أسبابا وهذا عام في جميع ~~الحوادث. مثال ذلك: إذا علم الله وكتب أنه سيولد لهذين ولد وجعل الله ~~سبحانه ذلك معلقا باجتماع الأبوين على النكاح وإنزال الماء المهين الذي ~~ينعقد منه الولد فلا يجوز أن يكون وجود الولد بدون السبب الذي علق به وجود ~~الولد والأسباب وإن كانت " نوعين " معتادة وغريبة. # PageV08P276 # فالمعتادة: كولادة الآدمي من أبوين والغريبة: كولادة الإنسان من أم فقط ~~كما ولد عيسى أو من أب فقط كما ولدت حواء أو من غير أبوين كما خلق آدم أبو ~~البشر من طين. فجميع الأسباب قد تقدم علم الله بها وكتابته لها وتقديره ~~إياها وقضاؤه بها كما تقدم ربط ذلك بالمسببات كذلك أيضا الأسباب التي بها ~~يخلق النبات من إنزال المطر وغيره من هذا الباب كما قال تعالى: {وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} ~~وقال: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} . وقال: {وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي} وأمثال ذلك. فجميع ذلك مقدر معلوم مقضي مكتوب قبل تكوينه؛ ~~فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به ~~يكون من الفاعل الذي يفعله، وسائر الأسباب؛ فهو جاهل ضال ضلالا مبينا؛ من ~~وجهين. (أحدهما من جهة كونه جعل العلم جهلا؛ فإن العلم يطابق المعلوم؛ ~~ويتعلق به على ما هو ms2552 عليه؛ وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه ~~من الأسباب لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئا بدون الأسباب؛ فقد ~~قال على الله الباطل وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا ~~أبوين وأن هذا النبات نبت بلا ماء فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء ~~فكما أن من أخبر عن الماضي بعلم الله بوقوعه بدون الأسباب يكون مبطلا؛ ~~فكذلك من أخبر عن المستقبل كقول القائل: إن الله علم أنه خلق آدم من غير ~~طين وعلم # PageV08P277 # أنه يتناسل الناس من غير تناكح؛ وأنه أنبت الزروع من غير ماء ولا تراب ~~فهو باطل ظاهر بطلانه لكل أحد وكذلك إخباره عن المستقبل. وكذلك " الأعمال " ~~هي سبب في الثواب والعقاب. فلو قال قائل: إن الله أخرج آدم من الجنة بلا ~~ذنب وأنه قدر ذلك أو قال: إنه غفر لآدم بلا توبة وإنه علم ذلك كان هذا كذبا ~~وبهتانا بخلاف ما إذا قال: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} {فأكلا منها ~~فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} فإنه يكون صادقا في ~~ذلك. والله سبحانه علم ما يكون من آدم قبل أن يكون وهو عالم به بعد أن كان. ~~وكذلك كل ما أخبر به من " قصص الأنبياء " فإنه علم أنه أهلك قوم نوح وعاد ~~وثمود وفرعون ولوط ومدين وغيرهم بذنوبهم وأنه نجى الأنبياء ومن اتبعهم ~~بإيمانهم وتقواهم كما قال: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} وقال: {فكلا أخذنا ~~بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا} الآية وقال: {ذلك جزيناهم ببغيهم} وقال: {فأخذهم ~~الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} وقال: {فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} وقال: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ~~ذلك لآية لقوم يعلمون} {وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال: {وكذلك ~~أخذ ربك إذا ms2553 أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} وقال: # PageV08P278 # {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ~~ولا نضيع أجر المحسنين} وقال: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} ~~وقال: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} {نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر} وقال: ~~{وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} وأمثال ذلك في القرآن ~~كثير. وكذلك خبره عما يكون من السعادة والشقاوة بالأعمال كقوله: {كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} وقوله تعالى {وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون} وقوله: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} وقوله: {إني جزيتهم اليوم ~~بما صبروا أنهم هم الفائزون} وقوله: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} الآيات. ~~وقوله: {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} وقوله: {ما سلككم في سقر} {قالوا ~~لم نك من المصلين} {ولم نك نطعم المسكين} {وكنا نخوض مع الخائضين} {وكنا ~~نكذب بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وأمثال ~~هذا في القرآن كثير جدا. بين سبحانه فيما يذكره من سعادة الآخرة وشقاوتها: ~~أن ذلك كان بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها كما يذكر نحو ذلك فيما يقضيه ~~من العقوبات والمثوبات في الدنيا أيضا. # PageV08P279 # والوجه الثاني: أن العلم بأن الشيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة ذلك لا ~~يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها كالفاعل ~~وقدرته ومشيئته؛ فإن اعتقاد هذا غاية في الجهل إذ هذا العلم ليس موجبا ~~بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء؛ بل هو مطابق له على ما هو عليه لا ~~يكسبه صفة ولا يكتسب منه صفة بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا كالموجودات ~~التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإن هذا العلم ليس ~~مؤثرا في وجود المعلوم باتفاق العلماء وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير ~~في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل ويعرفنا صفته وقدره؛ فإن ~~الأفعال الاختيارية لا تصدر ms2554 إلا ممن له شعور وعلم إذ الإرادة مشروطة بوجود ~~العلم وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في ~~المعلوم وعلم انفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم. ~~فإن من الناس من يقول: " العلم " صفة انفعالية لا تأثير له في المعلوم؛ كما ~~يقوله طوائف من أهل الكلام ومنهم من يقول بل هو صفة فعلية له تأثير في ~~المعلوم كما يقوله طوائف من أهل الفلسفة والكلام. والصواب أنه " نوعان " - ~~كما بيناه - وهكذا علم الرب - تبارك وتعالى - فإن علمه بنفسه سبحانه لا ~~تأثير له في وجود المعلوم وأما علمه بمخلوقاته التي خلقها بمشيئته وإرادته ~~فهو مما له تأثير في وجود معلوماته والقول في # PageV08P280 # الكلام والكتاب كالقول في العلم: فإنه - سبحانه وتعالى - إذا خلق الشيء ~~خلقه بعلمه وقدرته ومشيئته ولذلك كان الخلق مستلزما للعلم ودليلا عليه كما ~~قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} . وأما إذا أخبر بما سيكون ~~قبل أن يكون فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده لعلمه وخبره به بعد ~~وجوده لثلاثة أوجه: (أحدها) : أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر ~~عن الماضي. (الثاني) : أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة ~~للخلق ليس هو ما يستلزم الخبر وقد بينا الفرق بين العلم العملي والعلم ~~الخبري. (الثالث) أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود ~~المعلوم المخبر به فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون ~~مجرد العلم موجبا له بدون القدرة والإرادة. فتبين أن العلم والخبر والكتاب ~~لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد مما يدل على ذلك أن الله - ~~سبحانه وتعالى - يعلم ويخبر بما سيكون من مفعولات الرب كما يعلم أنه سيقيم ~~القيامة ويخبر بذلك ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع ~~المعلوم المخبر به بدون الأسباب التي جعلها الله أسبابا له. إذا تبين ذلك ~~فقول السائل: السعيد لا يشقى، والشقي لا يسعد # PageV08P281 # كلام صحيح: ms2555 أي من قدر الله أن يكون سعيدا يكون سعيدا لكن بالأعمال التي ~~جعله يسعد بها والشقي لا يكون شقيا إلا بالأعمال التي جعله يشقى بها التي ~~من جملتها الاتكال على القدر وترك الأعمال الواجبة. # وأما قوله: والأعمال لا تراد لذاتها بل لجلب السعادة ودفع الشقاوة وقد ~~سبقنا وجود الأعمال فيقال له: السابق نفس السعادة والشقاوة أو تقدير ~~السعادة والشقاوة علما وقضاء وكتابا هذا موضع يشتبه ويغلط فيه كثير من ~~الناس حيث لا يميزون بين ثبوت الشيء في العلم والتقدير وبين ثبوته في ~~الوجود والتحقيق. فإن الأول هو العلم به والخبر عنه وكتابته وليس شيء من ~~ذلك داخلا في ذاته ولا في صفاته القائمة به. ولهذا يغلط كثير من الناس في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ميسرة قال: {قلت: ~~يا رسول الله متى كنت نبيا؟ وفي رواية - متى كتبت نبيا؟ قال: وآدم بين ~~الروح والجسد} . فيظنون أن ذاته ونبوته وجدت حينئذ وهذا جهل فإن الله إنما ~~نبأه على رأس أربعين من عمره وقد قال له: {بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين} وقال: {ووجدك ضالا فهدى} وفي الصحيحين {أن الملك ~~قال له: - حين جاءه - اقرأ فقال: لست بقارئ - ثلاث مرات -} . # PageV08P282 # ومن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان نبيا قبل أن يوحى إليه فهو ~~كافر باتفاق المسلمين وإنما المعنى أن الله كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد ~~خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كما أخبر أنه يكتب رزق المولود وأجله وعمله ~~وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده وقبل نفخ الروح فيه كما في حديث العرباض بن ~~سارية الذي رواه أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إني عبد ~~الله وخاتم النبيين} وفي رواية {إني عبد الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم ~~لمجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي ~~رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام} . وكثير من الجهال ms2556 ~~المصنفين وغيرهم يرويه {كنت نبيا وآدم بين الماء والطين} {وآدم لا ماء ولا ~~طين} ويجعلون ذلك وجوده بعينه وآدم لم يكن بين الماء والطين بل الماء بعض ~~الطين لا مقابله. وإذا كان كذلك فإن قال: السابق نفس السعادة والشقاوة فقد ~~كذب؛ فإن السعادة إنما تكون بعد وجود الشخص الذي هو السعيد وكذلك الشقاوة ~~لا تكون إلا بعد وجود الشقي كما أن العمل والرزق لا يكون إلا بعد وجود ~~العامل ولا يصير رزقا إلا بعد وجود المرتزق، وإنما السابق هو العلم بذلك ~~وتقديره لا نفسه وعينه وإذا كان كذلك فالعمل - أيضا - سابق كسبق السعادة ~~والشقاوة وكلاهما معلوم مقدر وهما # PageV08P283 # متأخران في الوجود والله سبحانه علم وقدر أن هذا يعمل كذا فيسعد به وهذا ~~يعمل كذا فيشقى به وهو يعلم أن هذا العمل الصالح يجلب السعادة كما يعلم ~~سائر الأسباب والمسببات كما يعلم أن هذا يأكل السم فيموت وأن هذا يأكل ~~الطعام فيشبع ويشرب الشراب فيروى وظهر فساد قول السائل: فلا وجه لإتعاب ~~النفس في عمل ولا لكفها عن ملذوذات والمكتوب في القدم واقع لا محالة. وذلك ~~أن المكتوب في القدم هو سعادة السعيد لما يسر له من العمل الصالح وشقاوة ~~الشقي لما يسر له من العمل السيئ ليس المكتوب أحدهما دون الآخر. فما أمر به ~~العبد من عمل فيه تعب أو امتناع عن شهوة هو من الأسباب التي تنال بها ~~السعادة. والمقدر المكتوب هو السعادة والعمل الذي به ينال السعادة وإذا ترك ~~العبد ما أمر به متكلا على الكتاب كان ذلك من المكتوب المقدور الذي يصير به ~~شقيا وكان قوله ذلك بمنزلة من يقول: أنا لا آكل ولا أشرب. فإن كان الله قضى ~~بالشبع والري حصل وإلا لم يحصل أو يقول لا أجامع امرأتي فإن كان الله قضى ~~لي بولد فإنه يكون. وكذلك من غلط فترك الدعاء أو ترك الاستعانة والتوكل ~~ظانا أن ذلك من مقامات الخاصة ناظرا إلى القدر فكل هؤلاء جاهلون ضالون؛ ~~ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه ms2557 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن # PageV08P284 # بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن ~~قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . فأمره بالحرص على ما ~~ينفعه والاستعانة بالله ونهاه عن العجز الذي هو الاتكال على القدر ثم أمره ~~إذا أصابه شيء أن لا ييأس على ما فاته بل ينظر إلى القدر ويسلم الأمر لله ~~فإنه هنا لا يقدر على غير ذلك كما قال بعض العقلاء: الأمور " أمران " أمر ~~فيه حيلة وأمر لا حيلة فيه فما فيه حيلة لا يعجز عنه وما لا حيلة فيه لا ~~يجزع منه. وفي سنن أبي داود {أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل فقال: النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر ~~فقل: حسبي الله ونعم الوكيل} . وفي الحديث الآخر {الكيس من دان نفسه وعمل ~~لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني} رواه ~~ابن ماجه والترمذي، وقال حديث حسن. وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع ~~نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل} . ومن الناس من يصحفه فيقول الفاجر ~~وإنما هو العاجز # PageV08P285 # في مقابلة الكيس كما في الحديث الآخر {كل شيء بقدر حتى العجز والكيس} . # وهنا سؤال يعرض لكثير من الناس وهو: أنه إذا كان المكتوب واقعا لا محالة ~~فلو لم يأت العبد بالعمل هل كان المكتوب يتغير؟ وهذا السؤال يقال في مسألة ~~المقتول - يقال لو لم يقتل هل كان يموت؟ ونحو ذلك. فيقال هذا لو لم يعمل ~~عملا صالحا لما كان سعيدا ولو لم يعمل عملا سيئا لما كان شقيا وهذا كما ~~يقال: إن الله يعلم ms2558 ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون فإن ~~هذا من باب العلم والخبر بما لا يكون لو كان كيف يكون كقوله: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} وقوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} وقوله: {لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} وقوله {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} ~~وأمثال ذلك كما روي أنه يقال للعبد في قبره حين يفتح له باب إلى الجنة وإلى ~~النار. ويقال: هذا منزلك ولو عملت كذا وكذا أبدلك الله به منزلا آخر. وكذلك ~~يقال هذا لو لم يقتله هذا لم يمت بل كان يعيش إلا أن يقدر له سبب آخر يموت ~~به واللازم في هذه الجملة خلاف الواقع المعلوم والمقدور والتقدير للممتنع ~~قد يلزمه حكم ممتنع ولا محذور في ذلك. # PageV08P286 # ومما يشبه هذه المسألة {أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر فأخبر ~~أصحابه بمصارع المشركين فقال: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ثم إنه دخل ~~العريش وجعل يجتهد في الدعاء ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني} . وذلك لأن ~~علمه بالنصر لا يمنع أن يفعل السبب الذي به ينصر وهو الاستغاثة بالله. وقد ~~غلط بعض الناس هنا وظن أن الدعاء الذي علم وقوع مضمونه كالدعاء الذي في آخر ~~سورة البقرة لا يشرع إلا عبادة محضة وهذا كقول بعضهم: إن الدعاء ليس هو إلا ~~عبادة محضة؛ لأن المقدور كائن دعا أو لم يدع. فيقال له: إذا كان الله قد ~~جعل الدعاء سببا لنيل المطلوب المقدر فكيف يقع بدون الدعاء؟ وهو نظير ~~قولهم: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ ومما يوضح ذلك أن الله قد علم، ~~وكتب أنه يخلق الخلق ويرزقهم ويميتهم ويحييهم فهل يجوز أن يظن أن تقدم ~~العلم والكتاب مغن لهذه الكائنات عن خلقه وقدرته ومشيئته فكذلك علم الله ~~بما يكون من أفعال العباد وأنهم يسعدون بها ويشقون كما يعلم - مثلا - أن ~~الرجل يمرض أو يموت بأكله السم أو جرحه نفسه ونحو ذلك. # PageV08P287 # وهذا الذي ذكرناه مذهب ms2559 سلف الأمة وأئمتها وجمهور " الطوائف " من أهل ~~الفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم وإنما نازع في ذلك غلاة القدرية ~~وظنوا أن تقدم العلم يمنع الأمر والنهي وصاروا فريقين: (فريق أقروا بالأمر ~~والنهي والثواب والعقاب وأنكروا أن يتقدم بذلك قضاء وقدر وكتاب وهؤلاء ~~نبغوا في أواخر عصر الصحابة فلما سمع الصحابة بدعهم تبرءوا منهم كما تبرءوا ~~منهم ورد عليهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله ~~وواثلة بن الأسقع وغيرهم وقد نص " الأئمة " كمالك والشافعي وأحمد على كفر ~~هؤلاء الذين ينكرون علم الله القديم. و (الفريق الثاني: من يقر بتقدم علم ~~الله وكتابه لكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل وأنه لا يحتاج ~~إلى العمل بل من قضي له بالسعادة دخل الجنة بلا عمل أصلا ومن قضي عليه ~~بالشقاوة شقي بلا عمل فهؤلاء ليسوا طائفة معدودة من طوائف أهل المقالات ~~وإنما يقوله كثير من جهال الناس. وهؤلاء أكفر من أولئك وأضل سبيلا ومضمون ~~قول هؤلاء تعطيل الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد وهؤلاء أكفر ~~من اليهود والنصارى بكثير وهؤلاء هم الذين سأل السائل عن مقالتهم. وأما " ~~جمهور القدرية " فهم يقرون بالعلم والكتاب المتقدم لكن ينكرون # PageV08P288 # أن الله خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات وتعارضهم القدرية المجبرة ~~الذين يقولون ليس للعبد قدرة ولا إرادة حقيقية ولا هو فاعل حقيقة وكل هؤلاء ~~مبتدعة ضلال. وشر من هؤلاء من يجعل خلق الأفعال وإرادة الله الكائنات مانعة ~~من الأمر والنهي كالمشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء} فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ومضمون قولهم: تعطيل ~~جميع ما جاءت به الرسل كلهم من الأمر والنهي. ثم قولهم متناقض معلوم الفساد ~~بالضرورة لا يمكن أن يحيى معه بنو آدم لاستلزامه فساد العباد فإنه إذا لم ~~يكن على العباد أمر ونهي كان لكل أحد أن يفعل ما يهواه كما قال تعالى: {ولو ~~اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} فإذا قيل: إنه يمكن كل أحد مما ~~يهواه ms2560 من قتل النفوس، وفعل الفواحش وأخذ الأموال وغير ذلك كان ذلك غاية ~~الفساد ولهذا لا تعيش أمة من بني آدم إلا بنوع من الشريعة التي فيها أمر ~~ونهي ولو كانت بوضع بعض الملوك مع ما فيها من فساد من وجوه أخرى. فإن قيل: ~~هذا الذي ذكرتموه يبين أن تقدم علم الله وكتابه بالسعادة والشقاوة وغير ذلك ~~من الأمور لا يمنع توقف ذلك على الأعمال والأسباب التي # PageV08P289 # جعل الله بها تلك الأمور وذلك يبين أن ذلك لا يمنع أن يكون العبد عاملا ~~للعمل الصالح الذي به يسعده الله وأن يكون قادرا على ذلك مريدا له وإن كان ~~ذلك كله بتيسير الله للعبد - وإن تنازع الناس في تسمية ذلك جبرا - لكن هل ~~يكون العبد قادرا على غير الفعل الذي فعله (*) الذي سبق به العلم والكتاب ~~فهذا مما تنازع فيه الناس كما تنازعوا في أن الاستطاعة هل يجب أن تكون مع ~~الفعل أو يجب أن تتقدمه فمن قال من أهل الإثبات: إن الاستطاعة لا تكون إلا ~~مع الفعل يقول العبد لا يستطيع غير ما يفعله وهو ما تقدم به العلم والكتاب. ~~ومن قال: إن الاستطاعة قد تتقدم الفعل وقد توجد دون الفعل فإنه يقول: إنه ~~يكون مستطيعا لما لم يفعله ولما علم وكتب أنه لا يفعله. # وفصل الخطاب أن " الاستطاعة " جاءت في كتاب الله على نوعين: الاستطاعة ~~المشترطة للفعل وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} وقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله: {ومن ~~لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} الآية {فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} وقوله ~~{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن الأزارقة: {صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا. فإن لم تستطع فعلى ~~جنب} . فإن الاستطاعة في هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل لوجب ألا ~~يجب الحج إلا على من حج ms2561 ولا يجب صيام شهرين إلا على من PageV08P290 # صام ولا القيام في الصلاة إلا على من قام وكان المعنى: على الذين يصومون ~~الشهر طعام مسكين والآية إنما أنزلت لما كانوا مخيرين بين الصيام والإطعام ~~في شهر رمضان. والاستطاعة التي يكون معها الفعل قد يقال هي المقترنة بالفعل ~~الموجبة له - وهي النوع الثاني - وقد ذكروا فيها قوله تعالى {الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} وقوله تعالى {يضاعف لهم ~~العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} ونحو ذلك قوله: {إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} {وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} فإن الاستطاعة المنفية ~~هنا - سواء كان نفيها خبرا أو ابتداء - ليست هي الاستطاعة المشروطة في ~~الأمر والنهي فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد والحمد ~~والذم والثواب والعقاب ومعلوم أن هؤلاء في هذه الحال مأمورون منهيون ~~موعودون متوعدون؛ فعلم أن المنفية هنا ليست المشروطة في الأمر والنهي ~~المذكورة في قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} . لكن قد يقال: الاستطاعة هنا ~~كالاستطاعة المنفية في قول الخضر لموسى {إنك لن تستطيع معي صبرا} فإن هذه ~~الاستطاعة المنفية لو كان المراد بها مجرد المقارنة في الفاعل والتارك لم ~~يكن فرق بين هؤلاء المذمومين وبين المؤمنين # PageV08P291 # ولا بين الخضر وموسى؛ فإن كل أحد فعل أو لم يفعل لا تكون المقارنة موجودة ~~قبل فعله والقرآن يدل على أن هذه الاستطاعة إنما نفيت عن التارك لا عن ~~الفاعل فعلم أنها مضادة لما يقوم بالعبد من الموانع التي تصد قلبه عنه ~~إرادة الفعل وعمله وبكل حال فهذه الاستطاعة منتفية في حق من كتب عليه أنه ~~لا يفعل بل وقضي عليه بذلك. وإذا عرف هذا التقسيم - أن إطلاق القول بأن ~~العبد لا يستطيع غير ما فعل، ولا يستطيع خلاف المعلوم المقدر، وإطلاق القول ~~بأن استطاعة الفاعل والتارك سواء وأن الفاعل لا يختص عن التارك باستطاعة ~~خاصة عرف أن كلا الإطلاقين خطأ وبدعة. ولهذا ms2562 اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور ~~طوائف أهل الكلام على أن الله قادر على ما علم وأخبر أنه لا يكون وعلى ما ~~يمتنع صدوره عنه لعدم إرادته لا لعدم قدرته عليه؛ وإنما خالف في ذلك طوائف ~~من أهل الضلال من الجهمية والقدرية والمتفلسفة الصابئة الذين يزعمون انحصار ~~المقدور في الموجود، ويحصرون قدرته فيما شاءه وعلم وجوده؛ دون ما أخبر أنه ~~لا يكون كما رجحه النظام والأسواري وكما يقوله من يزعم: أنه ليس من المقدور ~~غير هذا العالم، ولا في المقدور ما يمكن أن يهدى به الضال وقد قال الله ~~تعالى: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} مع ~~أنه سبحانه لا يسوي بنانه، وقال تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم # PageV08P292 # عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} . ~~وقد ثبت في الصحيح عن جابر: {أنه لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك - {أو ~~من تحت أرجلكم} - قال: أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} . ~~قال: هاتان أهون} . وقال الله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} . ومن ~~حكى من أهل الكلام عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن العبد ليس قادرا ~~على غير ما فعل الذي هو خلاف المعلوم فإنه - مخطئ فيما نقله عنهم من نفي ~~القدرة مطلقا وهو مصيب فيما نقله عنهم من نفي القدرة التي اختص بها الفاعل ~~دون التارك وهذا من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق. فإن من يقول ~~الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فالتارك لا استطاعة له بحال يقول: إن كل من ~~عصى الله فقد كلفه الله ما لا يطيقه كما قد يقولون: إن جميع العباد كلفوا ~~ما لا يطيقون. ومن يقول: إن استطاعة الفعل هي استطاعة الترك يقول: إن ~~العباد لم يكلفوا إلا بما هم مستوون في طاقته وقدرته واستطاعته؛ لا يختص ~~الفاعل ms2563 دون التارك باستطاعة خاصة فإطلاق القول بأن العبد كلف بما لا يطيقه ~~كإطلاق القول بأنه مجبور على أفعاله # PageV08P293 # - إذ سلب القدرة في المأمور نظير إثبات الجبر في المحظور - وإطلاق القول ~~بأن العبد قادر مستطيع على خلاف معلوم الله ومقدوره. وسلف الأمة وأئمتها ~~ينكرون هذه الإطلاقات كلها لا سيما كل واحد من طرفي النفي والإثبات على ~~باطل وإن كان فيه حق أيضا؛ بل الواجب إطلاق العبارات الحسنة وهي المأثورة ~~التي جاءت بها النصوص والتفصيل في العبارات المجملة المشتبهة وكذلك الواجب ~~نظير ذلك في سائر أبواب أصول الدين أن يجعل ما يثبت بكلام الله عز وجل ~~ورسوله وإجماع سلف الأمة هي النص المحكم، وتجعل العبارات المحدثة المتقابلة ~~بالنفي والإثبات المشتملة في كل من الطرفين في حق وباطل من باب المجمل ~~المشتبه المحتاج إلى تفصيل الممنوع من إطلاق طرفيه. وقد كتبنا في غير هذا ~~الموضع ما قاله الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل؛ ~~وغيرهم من الأئمة من كراهة إطلاق الجبر ومن منع إطلاق نفيه أيضا. # وكذلك أيضا ### | : القول بتكليف ما لا يطاق # لم تطلق الأئمة فيه واحدا من الطرفين. قال أبو بكر عبد العزيز: صاحب ~~الخلال في " كتاب القدر " الذي في مقدمة " كتاب المقنع " له لم يبلغنا عن ~~أبي عبد الله في هذه المسألة قول فنتبعه؛ والناس فيه قد اختلفوا فقال ~~قائلون: بتكليف ما لا يطاق ونفاه # PageV08P294 # آخرون ومنعوا منه. قال: والذي عندنا فيه أن القرآن شهد بصحة ما إليه ~~قصدناه. وهو أن الله عز وجل؛ يتعبد خلقه بما يطيقون وما لا يطيقون. ثم قال ~~في آخر الفصل: ولعل قائلا أن يعارض قولنا فيقول: لو جاز أن يكلف الله العبد ~~ما لا يطيق جاز أن يكلف الأعمى صنعة الألوان، والمقعد المشي؛ ومن لا يدله ~~البطش وما أشبه ذلك فيقال له: قد قال ابن عباس: في قوله تعالى {ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم} هو مشيهم على وجوههم وسقط السؤال في كل ما سألوا عنه ~~على جواب ابن عباس في المشي ms2564 على الوجوه. ثم قال: وقد أبان أبو الحسن يعني ~~الأشعري - فيما قدمنا ذكره عنه في هذه المعاني بما فيه كفاية قال القاضي ~~أبو يعلى: لما حكى كلام أبي الحسن - يعني أبا الحسن الأشعري - قد فصل بين ~~ما يقدر على فعله لا لاستحالته فيجوز تكليفه وما يستحيل لا يجوز قال: وظاهر ~~كلام أبي الحسن الأشعري الاحتمال فيما يستحيل وجوده هل يصح تكليفه أم لا؟ ~~قال: والصحيح ما ذكرناه من التفصيل وهو أن ما لا يقدر على فعله لاستحالته ~~كالأمر بالمحال وكالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديما والقديم محدثا أو ~~كان مما لا يقدر عليه للعجز عنه كالمقعد الذي لا يقدر على القيام والأخرس ~~الذي لا يقدر على الكلام فهذا الوجه لا يجوز تكليفه. و (الوجه الثاني: ما ~~لا يقدر على فعله لا لاستحالته ولا للعجز عنه لكن # PageV08P295 # لتركه والاشتغال بضده كالكافر كلفه الإيمان في حال كفره لأنه غير عاجز ~~عنه ولا مستحيل منه فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة فهذا ~~الذي ذكره القاضي أبو يعلى قول جمهور الناس من الفقهاء والمتكلمين وهو قول ~~جمهور أصحاب الإمام أحمد وذكر القاضي المنصوص عن الأشعري - فيما ذكره ~~القاضي عنه - وقد ذكر أن أبا بكر عبد العزيز ذكر كلام أبي الحسن في ذلك كما ~~يذكر المصنف كلام أبي الحسن في ذلك وكما يذكر المصنف كلام موافقيه وأصحابه ~~لأنه كان من جملة المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد وسائر أئمة السنة ~~كما ذكر ذلك في كتبه. وأما أتباع أبي الحسن فمنهم من وافق نفس الذي ذكره ~~القاضي كأبي علي ابن شاذان وأتباعه ومنهم من خالفه كأبي محمد اللبان ~~والرازي وطوائف قالوا: إنه يجوز تكليف الممتنع كالجمع بين الضدين والمعجوز ~~عنه. و (القول الثالث) : الذي ذكره أبو بكر عبد العزيز وهو أنه يجوز تكليف ~~كل ما يمكن، وإن كان ممتنعا في العادة كالمشي على الوجوه ونقط الأعمى ~~المصحف. وذكر أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبي يعلى في أصوله: قولي " ~~التفريق والإطلاق " عن أصحاب أحمد ms2565 فقال: # PageV08P296 # فصل: # لأنه ما وجد في الأمر ولو وجد بالفكر وهذا مثل ما لم ترد الشريعة به كأمر ~~الأطفال ومن لا عقل له، والأعمى البصر، والفقير النفقة. والزمن أن يسير إلى ~~مكة فكل ذلك ما جاءت به الشريعة ولو جاءت به لزم الإيمان به والتصديق فلا ~~يقيد الكلام فيه. قال: وذهبت طائفة من أصحابنا إلى إطلاق الاسم من جواز ~~تكليف ما لا يطاق من زمن وأعمى وغيرهم وهو مذهب جهم وبرغوث. و (الوجه ~~الثاني) سلامة الآلة لكن عدم الطاقة لعدم التوفيق والقبول وذلك يجوز وجها ~~واحدا في معنى هذا أنه يجوز التكليف لمن قدر علم الله فيه أنه لا يفعله ~~وأبى ذلك المعتزلة والدليل عليه قوله تعالى لإبليس {ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي} وقوله: {ألا تسجد إذ أمرتك} الآيات فأمر وقد سبق من علمه أنه لا ~~يقع منه فعله. فكان الأمر متوجها إلى ما قد سبق من علم الله أنه لا يطيقه. ~~(القول الثاني) : منقول عن أبي الحسن أيضا، وزعم أبو المعالي الجويني أنه ~~الذي مال إليه أكثر أجوبة أبي الحسن وأنه الذي ارتضاه كثير من أصحابه # PageV08P297 # وقد توقف أبو الحسن عن الجواب في هذه المسألة في الموجز وكان أبو المعالي ~~يختاره أولا ثم رجع عنه وقطع أن تكليف ما لا يطاق محال وهذا القول الأول ~~قول ابن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي عبد الله الرازي وغيره وهذا ~~(الثاني) هو مذهب أبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك، وأبي القاسم ~~الأشعري والغزالي وادعى أبو إسحاق الإسفراييني أنه مذهب شيخه أبي الحسن ~~وأنه مذهب أهل الحق فأما القاضي أبو بكر فقد قال بجوازه في بعض كتبه وأكثر ~~كلامه على التفريق بين تكليف العاجز وبين تكليف القادر على الترك كما هو ~~قول الجمهور. وفي المسألة (قول ثالث) : وهو الذي ذكره أبو بكر عبد العزيز ~~أنه يجوز تكليف كل ما يمكن وإن كان ممتنعا في العادة كالمشي على الوجه ونقط ~~الأعمى المصحف دون الممتنع كالجمع بين الضدين. وفصل الخطاب في ms2566 " هذه ~~المسألة " أن النزاع فيها في أصلين: أحدهما: التكليف الواقع الذي اتفق ~~المسلمون على وقوعه في الشريعة وهو أمر العباد كلهم بما أمرهم الله به ~~ورسوله من الإيمان به وتقواه هل يسمى هذا أو شيء منه تكليف ما لا يطاق؟ فمن ~~قال: بأن القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول: إن العاصي كلف ما لا يطيقه ~~ويقول: إن كل أحد كلف حين كان غير مطيق؛ وكذلك من زعم أن تقدم العلم، ~~والكتاب بالشيء يمنع # PageV08P298 # أن يقدر على خلافه قال: إن كلف خلاف المعلوم فقد كلف ما لا يطيقه وكذلك ~~من يقول: إن العرض لا يبقى زمانين يقول: إن الاستطاعة المتقدمة لا تبقى إلى ~~حين الفعل. وهذا في الحقيقة ليس نزاعا في الأفعال التي أمر الله بها ونهى ~~عنها هل يتناولها التكليف؟ وإنما هو نزاع في كونها غير مقدورة للعبد التارك ~~لها وغير مقدورة قبل فعلها وقد قدمنا أن القدرة نوعان وأن من أطلق القول ~~بأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فإطلاقه مخالف لما ورد في الكتاب ~~والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها - كإطلاق القول بالجبر - وإن كان ~~قد أطلق ذلك طوائف من المنتسبين إلى السنة في ردهم على القدرية من ~~المنتسبين إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة كأبي الحسن وأبي بكر عبد ~~العزيز وأبي عبد الله بن حامد؛ والقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى، وأبي ~~المعالي وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم فقد منع من هذا الإطلاق جمهور أهل ~~العلم كأبي العباس بن سريج وأبي العباس القلانسي وغيرهما، ونقل ذلك عن أبي ~~حنيفة نفسه وهو مقتضى قول جميع الأئمة. ولهذا امتنع أبو إسحاق بن شاقلا من ~~إطلاق ذلك. وحكى فيه القولين: فقال - فيما ذكره عنه القاضي أبو يعلى - ~~الاستطاعة مع الفعل أو قبله؟ حجة من قال: إن الصلاة والحج والجهاد لا يجوز ~~أن يأمر به غير مستطيع # PageV08P299 # وحجة من قال إن الفعل خلق من خلق الله عز وجل فإذا خلق فيه فعلا فعله. ~~وهذا كما أن من قال: ms2567 إنه ليس للعبد إلا قدرة واحدة يقدر بها على الفعل ~~والترك وأنه مستغن في حال الفعل عن معونة من الله تعالى يفعل بها وسوى بين ~~نعمته على المؤمن والكافر والبر والفاجر فهو مبطل وهم من القدرية الذين حاد ~~منهم في الأيام المشهورة حيث كان قولهم إن العبد لا يفتقر إلى الله تعالى ~~حال الفعل بالبر عما وجد قبل الفعل (1) وأنه ليس لله تعالى نعمة أنعم بها ~~على من آمن به وأطاعه أكبر من نعمته على من كفر به وعصاه فهذا القول خطأ ~~قطعا ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على تضليل صاحب هذا القول. ثم النزاع ~~بينهم بعد ذلك في هذه الأمور كثير منه لفظي ومنه ما هو اعتباري كتنازعهم في ~~أن العرض هل يبقى أم لا يبقى وبنوا على ذلك بقاء الاستطاعة ولكن أحسن ~~الألفاظ والاعتبارات ما يطابق الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها، ~~والواجب أن يجعل نصوص الكتاب والسنة هي الأصل المعتمد الذي يجب اتباعه ~~ويسوغ إطلاقه ويجعل الألفاظ التي تنازع فيها الناس نفيا أو إثباتا موقوفة ~~على الاستفسار والتفصيل ويمنع PageV08P300 # من إطلاق نفي ما أثبته الله ورسوله وإطلاق إثبات ما نفى الله ورسوله. # و " الأصل الثاني " فيما اتفق الناس على أنه غير مقدور للعبد وتنازعوا في ~~جواز تكليفه. وهو " نوعان ": ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران ~~ونحو ذلك وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين فهذا في جوازه عقلا ثلاثة ~~أقوال كما تقدم. وأما وقوعه في الشريعة وجوازه شرعا فقد اتفق حملة الشريعة ~~على أن مثل هذا ليس بواقع في الشريعة وقد حكى انعقاد الإجماع على ذلك غير ~~واحد منهم أبو الحسن بن الزاغوني، فقال: # فصل: # تكليف ما لا يطاق وهو على ضربين: (أحدهما) : تكليف ما لا يطاق لوجود ضده ~~من العجز وذلك مثل أن يكلف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، ~~وأمثال ذلك فهذا مما لا يجوز تكليفه وهو مما انعقد الإجماع عليه وذلك لأن ~~عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل وذلك يوجب خروجه ms2568 عن المقدور ~~فامتنع تكليف مثله. و (الثاني) : تكليف ما لا يطاق لا لوجود ضده من العجز ~~مثل أن يكلف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستحب التكليف كفرعون وأبي جهل # PageV08P301 # وأمثالهم فهذا جائز وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف ما لا يطاق غير جائز. ~~قال وهذه المسألة كالأصل لهذه. قلت: وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل ~~العلم فإنه قد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع في ~~الشريعة وهذا قول الرازي، وطائفة قبله وزعموا أن تكليف أبي لهب وغيره من ~~هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار التي من جملتها الإخبار بأنه لا يؤمن ~~وهذا غلط فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار بعد دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب: كالذي يعاين ~~الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبا من جهة الرسول بهذين الأمرين ~~المتناقضين. وكذلك من قال: تكليف العاجز واقع محتم بقوله: {يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} فإنه يناقض هذا الإجماع، ومضمون الإجماع ~~نفي وقوع ذلك في الشريعة و " أيضا " فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز ~~على وجه العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة في ~~حال قدرتهم بأن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم وخطاب العقوبة ~~والجزاء من جنس خطاب التكوين لا يشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب ~~فعله وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الاشتباه والإبهام. # PageV08P302 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه؛ ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. ### | فصل: # في قوله صلى الله عليه وسلم {فحج آدم موسى} لما احتج عليه بالقدر. # وبيان: أن ms2569 ذلك في المصائب لا في الذنوب وأن الله أمر بالصبر والتقوى فهذا ~~في الصبر لا في التقوى وقال: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر # PageV08P303 # لذنبك} فأمر بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب. وذلك أن بني آدم ~~اضطربوا في " هذا المقام - مقام تعارض الأمر والقدر - وقد بسطنا الكلام على ~~ذلك في مواضع. و " المقصود هنا " أنه قد ثبت في الصحيحين حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال: {احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم؟ أنت ~~أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته فلماذا ~~أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كلمك الله تكليما وكتب ~~لك التوراة. فبكم تجد فيها مكتوبا: {وعصى آدم ربه فغوى} قبل أن أخلق قال: ~~بأربعين سنة قال فحج آدم موسى} . وهو مروي أيضا من طريق عمر بن الخطاب ~~بإسناد حسن وقد ظن كثير من الناس أن آدم احتج بالقدر السابق على نفي الملام ~~على الذنب. ثم صاروا لأجل هذا الظن " ثلاثة أحزاب ": # فريق كذبوا بهذا الحديث: كأبي علي الجبائي وغيره؛ لأنه من المعلوم ~~بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا ~~مراد الحديث ويجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم بل وجميع الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء أن يجعلوا القدر حجة لمن عصى الله ورسوله. # PageV08P304 # وفريق تأولوه بتأويلات معلومة الفساد: كقول بعضهم إنما حجه لأنه كان أباه ~~والابن لا يلوم أباه. وقول بعضهم؛ لأن الذنب كان في شريعة والملام في أخرى. ~~وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة. وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار ~~الدنيا ودار الآخرة. # و (فريق ثالث) جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله ~~ثم لم يمكنهم طرد ذلك. فلا بد في نفس معاشهم في الدنيا أن يلام من فعل ما ~~يضر نفسه وغيره؛ لكن منهم من صار يحتج بهذا عند أهوائه وأغراضه لا عند ~~أهواء غيره كما قيل في مثل هؤلاء: أنت ms2570 عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، ~~أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتج بالقدر ~~ولو أذنب غيره أو ظلمه لم يعذره وهؤلاء ظالمون معتدون. ومنهم من يقول: هذا ~~في حق أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبية وفنوا عما سوى الله فيرون أن ~~لا فاعل إلا الله فهؤلاء لا يستحسنون حسنة ولا يستقبحون سيئة فإنهم لا يرون ~~لمخلوق فعلا؛ بل لا يرون فاعلا إلا الله بخلاف من شهد لنفسه فعلا فإنه يذم ~~ويعاقب وهذا قول كثير من متأخري الصوفية المدعين للحقيقة وقد يجعلون هذا ~~نهاية التحقيق وغاية العرفان والتوحيد وهذا قول طائفة من أهل العلم. # PageV08P305 # قال أبو المظفر السمعاني: وأما الكلام فيما جرى بين آدم وموسى من المحاجة ~~في هذا الشأن فإنما ساغ لهما الحجاج في ذلك؛ لأنهما نبيان جليلان خصا بعلم ~~الحقائق وأذن لهما في استكشاف السرائر وليس سبيل الخلق الذين أمروا بالوقوف ~~عندما حد لهم والسكوت عما طوي عنهم سبيلها وليس قوله: {فحج آدم موسى} إبطال ~~حكم الطاعة ولا إسقاط العمل الواجب ولكن معناه ترجيح أحد الأمرين، وتقديم ~~رتبة العلة على السبب فقد تقع الحكمة بترجيح معنى أحد الأمرين فسبيل قوله: ~~فحج آدم موسى هذا السبيل، وقد ظهر هذا في قضية آدم قال الله تعالى: {إني ~~جاعل في الأرض خليفة} . إلى أن قال: فجاء من هذا أن آدم لم يتهيأ له أن ~~يستديم سكنى الجنة إلا بأن لا يقرب الشجرة. لسابق القضاء المكتوب عليه في ~~الخروج منها وبهذا صال على موسى عند المحاجة. وبهذا المعنى قضي له على موسى ~~فقال: فحج آدم موسى. قلت: ولهذا يقول الشيخ عبد القادر - قدس الله روحه - ~~كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه ~~روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا لقدر لا موافقا ~~له وهو - رضي الله عنه - كان يعظم الأمر والنهي ويوصي باتباع ذلك وينهى عن ~~الاحتجاج بالقدر وكذلك شيخه حماد الدباس وذلك لما رأوه في # PageV08P306 # كثير ms2571 من السالكين من الوقوف عند القدر المعارض للأمر والنهي والعبد مأمور ~~بأن يجاهد في سبيل الله، ويدفع ما قدر من المعاصي بما يقدر من الطاعة فهو ~~منازع للمقدور المحظور بالمقدور المأمور لله تعالى وهذا هو دين الله الذي ~~بعث به الأولين والآخرين من الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين -. وممن يشبه ~~هؤلاء كثير من الفلاسفة: كقول ابن سينا بأن يشهد سر القدر. والرازي يقرر ~~ذلك؛ لأنه كان جبريا محضا. وفي الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من ~~الخاصة من أهل العلم والعبادة فضلا عن العامة وهو مناقض لدين الإسلام. ومن ~~هؤلاء من يقول: الخضر إنما سقط عنه الملام لأنه كان مشاهدا لحقيقة القدر. ~~ومن شيوخ هؤلاء من كان يقول: لو قتلت سبعين نبيا لما كنت مخطئا. ومنهم من ~~يقول: بطرد قوله بحسب الإمكان فيقول: كل من قدر على فعل شيء وفعله فلا ملام ~~عليه فإن قدر أنه خالف غرض غيره فذلك ينازعه والأقوى منهما يقمر الآخر ~~فأيهما أعانه القدر فهو المصيب باعتبار أنه غالب وإلا فما ثم خطأ. # ومن هؤلاء " الاتحادية " الذين يقولون: الوجود واحد ثم يقولون: # PageV08P307 # بعضه أفضل من بعض، والأفضل يستحق أن يكون ربا للمفضول. ويقولون: إن فرعون ~~كان صادقا في قوله: {أنا ربكم الأعلى} . وهذا قول طائفة من ملاحدة المتصوفة ~~المتفلسفة الاتحادية: كالتلمساني. والقول بالاتحاد العام المسمى وحدة ~~الوجود هو قول ابن عربي الطائي وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض ~~وأمثالهم؛ لكن لهم في المعاد والجزاء نزاع كما أن لهم نزاعا في أن الوجود ~~هل هو شيء غير الذوات أم لا وهؤلاء ضلوا من وجوه: منها جهة عدم الفرق بين ~~الوجود الخالق والمخلوق. وأما شهود القدر فيقال: لا ريب أن الله تعالى خالق ~~كل شيء ومليكه، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر ~~لكل ما هو كائن؛ لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي - والوعد والوعيد وأن ~~من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به نعيم ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به ~~عذاب ms2572 - فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء ~~الأمور. لكن نثبت فرقا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور ~~فإن العاقبة للتقوى؛ لا لغير المتقين. وقد قال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: ~~{أفنجعل المسلمين كالمجرمين} . وإذا كان كذلك فحقيقة الفرق: أن من الأمور ~~ما هو ملائم للإنسان نافع له فيحصل له به اللذة. ومنها ما هو مضاد له ضار ~~له يحصل به الألم فرجع # PageV08P308 # الفرق إلى الفرق بين اللذة والألم. وأسباب هذا وهذا. وهذا الفرق معلوم ~~بالحس، والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين؛ بل هو معلوم عند ~~البهائم. بل هذا موجود في جميع المخلوقات وإذا أثبتنا الفرق بين الحسنات ~~والسيئات وهو الفرق بين الحسن والقبيح فالفرق يرجع إلى هذا. والعقلاء ~~متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائما للإنسان وبعضها منافيا له إذا قيل: ~~هذا حسن وهذا قبيح. فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء. # وتنازعوا في الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سببا للذم والعقاب هل يعلم ~~بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع. وكان من أسباب النزاع أنهم ظنوا أن هذا ~~القسم مغاير للأول وليس هذا خارجا عنه. فليس في الوجود حسن إلا بمعنى ~~الملائم. # ولا قبيح إلا بمعنى المنافي، والمدح والثواب ملائم والذم والعقاب مناف ~~فهذا نوع من الملائم والمنافي. يبقى الكلام في بعض أنواع الحسن والقبيح لا ~~في جميعه ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع ولكن النزاع فيما ~~قبحه معلوم لعموم الخلق كالظلم والكذب ونحو ذلك. # والنزاع في أمور: # منها هل للفعل صفة صار بها حسنا وقبيحا وأن الحسن العقلي هو كونه موافقا ~~لمصلحة العالم والقبح العقلي بخلافه. فهل في الشرع زيادة على # PageV08P309 # ذلك؟ وفي أن العقاب في الدنيا والآخرة هل يعلم بمجرد العقل وبسط هذا له ~~موضع آخر. ومن الناس من أثبت قسما ثالثا للحسن والقبح وادعى الاتفاق عليه: ~~وهو كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص وهذا ms2573 القسم لم يذكره عامة المتقدمين ~~المتكلمين في هذه المسألة؛ ولكن ذكره بعض المتأخرين: كالرازي وأخذه عن ~~الفلاسفة. والتحقيق أن هذا القسم لا يخالف الأول فإن الكمال الذي يحصل ~~للإنسان ببعض الأفعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة وهو اللذة أو الألم ~~فالنفس تلتذ بما هو كمال لها وتتألم بالنقص فيعود الكمال والنقص إلى ~~الملائم والمنافي وهذا مبسوط في موضع آخر. و (المقصود هنا) : أن الفرق بين ~~الأفعال الحسنة التي يحصل لصاحبها بها لذة وبين السيئة التي يحصل له بها ~~ألم أمر حسي يعرفه جميع الحيوان. فمن قال من المدعين للحقيقة القدرية ~~والفناء في توحيد الربوبية والاصطلام: أنه يبقى في عين الجمع بحيث لا يفرق ~~بين ما يؤلم أو ما يلذ كان هذا مما يعلم كذبه فيه إن كان يفهم ما يقول وإلا ~~كان ضالا يتكلم بما لا يعرف حقيقته وهو الغالب على من يتكلم في هذا. فإن ~~القوم قد يحصل لأحدهم هذا المشهد " مشهد الفناء في توحيد # PageV08P310 # الربوبية " فلا يشهد فرقا ما دام في هذا المشهد. وقد يغيب عنه الإحساس ~~بما يوجب الفرق مدة من الزمان فيظن هذا الفناء مقاما محمودا ويجعله إما ~~غاية. وإما لازما للسالكين وهذا غلط فإن عدم الفرق بين ما ينعم ويعذب ~~أحيانا هو مثل عدم الفرق بين النوم والنسيان والغفلة والاشتغال بشيء عن آخر ~~وهو لا يزيل الفرق الثابت في نفس الأمر ولا يزيل الإحساس به إذا وجد سببه. ~~والواحد من هؤلاء لا بد أن يجوع أو يعطش فلا يسوي بين الخبز والشراب وبين ~~الملح الأجاج والعذب الفرات بل لا بد أن يفرق بينهما ويقول: هذا طيب وهذا ~~ليس بطيب وهذا هو الفرق بين كل ما أمر الله ورسوله به ونهى عنه فإنه أمر ~~بالطيب من القول والعمل ونهى عن الخبيث. وإذا عرف أن المراد بالفرق هو أن ~~من الأمور ما ينفع ويوجب اللذة والنعيم ومنها ما يضر ويوجب الألم والعذاب ~~فبعض هذه الأمور تدرك بالحس وبعضها يدركه الناس بعقولهم لأمور الدنيا. ~~فيعرفون ما يجلب لهم ms2574 منفعة في الدنيا وما يجلب لهم مضرة وهذا من العقل الذي ~~ميز به الإنسان فإنه يدرك من عواقب الأفعال ما لا يدركه الحس ولفظ العقل في ~~القرآن يتضمن ما يجلب به المنفعة وما يدفع به المضرة. # PageV08P311 # والله تعالى بعث الرسل بتكميل الفطرة فدلوهم على ما ينالون به النعيم في ~~الآخرة وينجون من عذاب الآخرة. فالفرق بين المأمور والمحظور هو كالفرق بين ~~الجنة والنار واللذة والألم والنعيم والعذاب ومن لم يدرك هذا الفرق فإن كان ~~السبب أزال عقله هو به معذور وإلا كان مطالبا بما فعله من الشر وتركه من ~~الخير. # ولا ريب أن في الناس من قد يزول عقله في بعض الأحوال ومن الناس من يتعاطى ~~ما يزيل العقل: كالخمر وكسماع الأصوات المطربة؛ فإن ذلك قد يقوى حتى يسكر ~~أصحابها ويقترن بهم شياطين فيقتل بعضهم بعضا في السماع المسكر، كما يقتل ~~شراب الخمر بعضهم بعضا إذا سكروا وهذا مما يعرفه كثير من أهل الأحوال؛ لكن ~~منهم من يقول المقتول شهيد. و " التحقيق: أن المقتول يشبه المقتول في شرب ~~الخمر فإنهم سكروا سكرا غير مشروع؛ لكن غالبهم يظن أن هذا من أحوال أولياء ~~الله المتقين فيبقى القتيل فيهم كالقتيل في الفتنة وليس هو كالذي تعمد قتله ~~ولا هو كالمقتول ظلما من كل وجه. # فإن قيل: فهل هذا الفناء يزول به التكليف؟ قيل: إن حصل للإنسان سبب يعذر ~~فيه زال به عقله الذي يميز به فكان بمنزلة النائم والمغمى عليه والسكران ~~سكرا لا يأثم به كمن سكر قبل التحريم أو أوجر الخمر أو أكره على شربها عند ~~الجمهور، وأما إن كان السكر لسبب محرم فهذا فيه نزاع معروف بين العلماء. # PageV08P312 # والذين يذكرون عن أبي يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص ونفي الفرق ~~ويعذرونه في ذلك يقولون: إنه غاب عقله حتى قال: أنا الحق وسبحاني وما في ~~الجبة إلا الله. ويقولون: إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا يغيب ~~بمحبوبه عن حبه وبموجوده عن وجده وبمذكوره عن ذكره حتى يفنى من ms2575 لم يكن ~~ويبقى من لم يزل ويحكون أن شخصا ألقى بنفسه في الماء فألقى محبة نفسه خلفه. ~~فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. فمثل هذا ~~الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست ~~علما ولا حقا بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن ~~يعذر. لا أن يكون قوله تحقيقا. وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون ~~هذا تحقيقا وتوحيدا كما فعله صاحب منازل السائرين. وابن العريف وغيرهما؛ ~~كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقا وتوحيدا: كابن عربي الطائي. وقد ظن ~~طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء ثم صاروا حزبين: " حزب " يقول: وقع في ذلك ~~الفناء فكان معذورا في الباطن، ولكن قتله واجب في الظاهر. ويقولون: القاتل ~~مجاهد والمقتول شهيد. ويحكون عن بعض الشيوخ أنه قال: عثر عثرة لو كنت في ~~زمنه لأخذت بيده. ويجعلون حاله من جنس حال أهل الاصطلام والفناء. # PageV08P313 # و " حزب ثان ": وهم الذين يصوبون حال أهل الفناء في توحيد الربوبية. ~~ويقولون: هو الغاية. يقولون: بل الحلاج كان في غاية التحقيق والتوحيد. ثم ~~هؤلاء في قتله فريقان: " فريق " يقول: قتل مظلوما وما كان يجوز قتله ~~ويعادون الشرع، وأهل الشرع لقتلهم الحلاج. ومنهم من يعادي جنس الفقهاء وأهل ~~العلم. ويقولون: هم قتلوا الحلاج وهؤلاء من جنس الذين يقولون: لنا شريعة ~~ولنا حقيقة تخالف الشريعة والذين يتكلمون بهذا الكلام لا يميزون ما المراد ~~بلفظ الشريعة في كلام الله ورسوله وكلام سائر الناس ولا المراد بلفظ ~~الحقيقة أو الحق أو الذوق أو الوجد أو التوحيد في كلام الله ورسوله وكلام ~~سائر الناس بل فيهم من يظن الشرع عبارة عما يحكم به القاضي. ومن هؤلاء من ~~لا يميز بين القاضي العالم العادل والقاضي الجاهل والقاضي الظالم بل ما حكم ~~به حاكم سماه شريعة ولا ريب أنه قد تكون الحقيقة في نفس الأمر التي يحبها ~~الله ورسوله خلاف ما حكم به الحاكم كما قال النبي صلى الله ms2576 عليه وسلم {إنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو مما ~~أسمع فمن قضيت له من حق أخيه # PageV08P314 # شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} . فالحاكم يحكم بما يسمعه ~~من البينة والإقرار وقد يكون للآخر حجج لم يبينها وأمثال هذا. فالشريعة في ~~نفس الأمر هي الأمر الباطن وما قضى به القاضي ينفذ ظاهرا، وكثير من الأمور ~~قد يكون باطنها بخلاف ما يظهر لبعض الناس ومن هذا قصة موسى والخضر: فإنه ~~كان الذي فعله مصلحة وهو شريعة أمره الله بها ولم يكن مخالفا لشرع الله لكن ~~لما لم يعرف موسى الباطن كان في الظاهر عنده أن هذا لا يجوز فلما بين له ~~الخضر الأمور وافقه فلم يكن ذلك مخالفا للشرع. وهذا الباب يقال فيه: قد ~~يكون الأمر في الباطن بخلاف ما يظهر وهذا صحيح. لكن تسمية الباطن حقيقة، ~~والظاهر شريعة أمر اصطلاحي. ومن الناس من يجعل الحقيقة هي الأمر الباطن ~~مطلقا، والشريعة الأمور الظاهرة. وهذا كما أن لفظ " الإسلام " إذا قرن ~~بالإيمان أريد به الأعمال الظاهرة ولفظ " الإيمان " يراد به الإيمان الذي ~~في القلب كما في حديث جبريل فإذا جمع بينهما فقيل: شرائع الإسلام وحقائق ~~الإيمان كان هذا كلاما صحيحا؛ لكن متى # PageV08P315 # أفرد أحدهما تناول الآخر فكل شريعة ليس لها حقيقة باطنة فليس صاحبها من ~~المؤمنين حقا وكل حقيقة لا توافق الشريعة التي بعث الله بها محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فصاحبها ليس بمسلم فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين. وقد ~~يراد بلفظ الشريعة ما يقوله فقهاء الشريعة باجتهادهم وبالحقيقة ما يذوقه ~~ويجده الصوفية بقلوبهم ولا ريب أن كلا من هؤلاء مجتهدون: تارة مصيبون وتارة ~~مخطئون وليس لواحد منهما تعمد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إن اتفق ~~اجتهاد الطائفتين وإلا فليس على واحدة أن تقلد الأخرى إلا أن تأتي بحجة ~~شرعية توجب موافقتها. فمن الناس من يظهر أن الحلاج قتل باجتهاد فقهي يخالف ~~الحقيقة الذوقية التي عليها هؤلاء ms2577 وهذا ظن كثير من الناس؛ وليس كذلك بل ~~الذي قتل عليه إنما هو الكفر، وقتل باتفاق الطائفتين مثل دعواه: أنه يقدر ~~أن يعارض القرآن بخير منه، ودعواه أنه من فاته الحج أنه يبني بيتا يطوف به ~~ويتصدق بشيء قدره وذلك يسقط الحج عنه. إلى أمور أخرى توجب الكفر باتفاق ~~المسلمين الذين يشهدون أن محمدا رسول الله: علماؤهم وعبادهم وفقهاؤهم ~~وفقراؤهم وصوفيتهم. و (فريق يقولون) : قتل لأنه باح بسر التوحيد والتحقيق: ~~الذي ما # PageV08P316 # كان ينبغي أن يبوح به؛ فإن هذا من الأسرار التي لا يتكلم بها إلا مع خواص ~~الناس وهي مما تطوى ولا تروى وينشدون: # من باح بالسر كان القتل شيمته ... من الرجال ولم يؤخذ له ثأر # باحوا بالسر تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح (1) # وحقيقة قول هؤلاء يشبه قول قائل: أن ما قاله النصارى في المسيح حق وهو ~~موجود لغيره من الأنبياء والأولياء؛ لكن ما يمكن التصريح به لأن صاحب الشرع ~~لم يأذن في ذلك، وكلام صاحب منازل السائرين وأمثاله يشير إلى هذا وتوحيده ~~الذي قال فيه: # ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد # توحيد من يخبر عن نعته ... عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لأحد # فإن حقيقة قول هؤلاء أن الموحد هو الموحد، وأن الناطق بالتوحيد على لسان ~~العبد هو الحق وأنه لا يوحده إلا نفسه فلا يكون الموحد إلا الموحد ويفرقون ~~بين قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن ~~فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن ~~نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم. PageV08P317 # وهذا مما وقع فيه كثير من المتصوفة المتأخرين ولهذا رد الجنيد - رحمه ~~الله - على هؤلاء لما سئل عن التوحيد فقال: هو الفرق بين القديم والمحدث ~~فبين الجنيد - سيد الطائفة - أن التوحيد لا يتم إلا بأن يفرق بين الرب ~~القديم والعبد المحدث؛ لا كما يقوله هؤلاء الذين يجعلون هذا هو هذا وهؤلاء ~~أهل الاتحاد والحلول الخاص والمقيد وأما ms2578 القائلون بالحلول والاتحاد العام ~~المطلق فأولئك هم الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان أو إنه وجود ~~المخلوقات وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضوع. و (المقصود هنا: ~~أن الحلاج لم يكن مقيدا بصنف من هذه الأصناف بل كان قد قال من الأقوال التي ~~توجب الكفر والقتل باتفاق طوائف المسلمين ما قد ذكر في غير هذا الموضع. ~~وكذلك أنكره أكثر المشايخ وذموه: كالجنيد وعمر بن عثمان المكي وأبي يعقوب ~~النهرجوري. ومن التبس عليه حاله منهم فلم يعرف حقيقة ما قاله - إلا من كان ~~يقول بالحلول والاتحاد مطلقا أو معينا - فإنه يظن أن هذا كان قول الحلاج ~~وينصر ذلك؛ ولهذا كانت فرقة ابن سبعين فيها من رجال الظلم جماعة منهم ~~الحلاج - وعند جماهير المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من ~~المشايخ الصالحين؛ بل كان زنديقا وزهده لأسباب متعددة يطول وصفها ولم يكن ~~من أهل الفناء في " توحيد الربوبية "؛ بل كان قد # PageV08P318 # تعلم السحر وكان له شياطين تخدمه إلى أمور أخرى مبسوطة في غير هذا ~~الموضع. وبكل حال آدم لما أكل هو وحواء من الشجرة لم يكن زائل العقل ولا ~~فانيا في شهود القدر العام ولا احتج على موسى بذلك بل قال: لم تلومني على ~~أمر كتبه الله علي قبل أن أخلق؟ فاحتج بالقدر السابق لا بعدم تمييزه بين ~~المأمور والمحظور. # فصل: # إذا عرف هذا، فنقول: الصواب في قصة آدم وموسى أن موسى لم يلم آدم إلا من ~~جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل لا لأجل أن تارك الأمر مذنب عاص؛ ~~ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يقل: لماذا خالفت الأمر ~~ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير ~~أفعالهم بالتسليم للقدر وشهود الربوبية كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال ابن مسعود أو غيره: هو الرجل ~~تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وفي الحديث الصحيح عن ~~النبي صلى ms2579 الله عليه وسلم {احرص على # PageV08P319 # ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت ~~لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . ~~فأمره بالحرص على ما ينفعه وهو طاعة الله ورسوله فليس للعباد أنفع من طاعة ~~الله ورسوله وأمره إذا أصابته مصيبة مقدرة أن لا ينظر إلى القدر ولا يتحسر ~~بتقدير لا يفيد ويقول: قدر الله وما شاء فعل ولا يقول: لو أني فعلت لكان ~~كذا فيقدر ما لم يقع يتمنى أن لو كان وقع؛ فإن ذلك إنما يورث حسرة وحزنا لا ~~يفيد والتسليم للقدر هو الذي ينفعه كما قال بعضهم: الأمر أمران أمر فيه ~~حيلة فلا تعجز عنه. وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى من ~~الشيوخ وغيرهم يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ~~المقدور وإن كانت تلك المصيبة بسبب فعل آدمي. فلو أن رجلا أنفق ماله في ~~المعاصي حتى مات ولم يخلف لولده مالا أو ظلم الناس بظلم صاروا لأجله يبغضون ~~أولاده ويحرمونهم ما يعطونه لأمثالهم لكان هذا مصيبة في حق الأولاد حصلت ~~بسبب فعل الأب فإذا قال أحدهم لأبيه: أنت فعلت بنا هذا قيل للابن هذا كان ~~مقدورا # PageV08P320 # عليكم وأنتم مأمورون بالصبر على ما يصيبكم والأب عاص لله فيما فعله من ~~الظلم والتبذير ملوم على ذلك لا يرتفع عنه ذم الله وعقابه بالقدر السابق؛ ~~فإن كان الأب قد تاب توبة نصوحا وتاب الله عليه وغفر له لم يجز ذمه ولا ~~لومه بحال لا من جهة حق الله؛ فإن الله قد غفر له ولا من جهة المصيبة التي ~~حصلت لغيره بفعله إذ لم يكن هو ظالما لأولئك فإن تلك كانت مقدرة عليهم. ~~وهذا مثال " قصة آدم ": فإن آدم لم يظلم أولاده بل إنما ولدوا بعد هبوطه من ~~الجنة وإنما هبط آدم وحواء ولم يكن معهما ولد حتى يقال: إن ذنبهما تعدى إلى ~~ولدهما ثم بعد هبوطهما إلى الأرض جاءت ms2580 الأولاد فلم يكن آدم قد ظلم أولاده ~~ظلما يستحقون به ملامه وكونهم صاروا في الدنيا دون الجنة أمر كان مقدرا ~~عليهم لا يستحقون به لوم آدم وذنب آدم كان قد تاب منه. قال الله تعالى: ~~{وعصى آدم ربه فغوى} {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} وقال: {فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه} فلم يبق مستحقا لذم ولا عقاب. وموسى كان أعلم من أن ~~يلومه لحق الله على ذنب قد علم أنه تاب منه فموسى أيضا قد تاب من ذنب عمله ~~وقد قال موسى: {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} . وآدم ~~أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه فكيف وقد علم أن إبليس ~~لعنه الله بسبب # PageV08P321 # ذنبه؛ وهو أيضا كان مقدرا عليه وآدم قد تاب من الذنب واستغفر فلو كان ~~الاحتجاج بالقدر نافعا له عند ربه لاحتج ولم يتب ويستغفر. وقد روي في ~~الإسرائيليات أنه احتج به وهذا مما لا يصدق به لو كان محتملا فكيف إذا خالف ~~أصول الإسلام بل أصول الشرع والعقل. نعم إن كان ذكر القدر مع التوبة فهذا ~~ممكن؛ لكن ليس فيما أخبر الله به عن آدم شيء من هذا ولا يجوز الاحتجاج في ~~الدين بالإسرائيليات إلا ما ثبت نقله بكتاب الله أو سنة رسوله فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد قال: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم} . و (أيضا فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعا له فلماذا أخرج من الجنة ~~وأهبط إلى الأرض. فإن قيل: وهو قد تاب فلماذا بعد التوبة أهبط إلى الأرض؟ . ~~قيل: التوبة قد يكون من تمامها عمل صالح يعمله فيبتلى بعد التوبة لينظر ~~دوام طاعته قال الله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم} في التائب من الردة وقال في كاتم العلم: {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} وقال: {أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} ms2581 وقال في القذف: ~~{إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا # PageV08P322 # فإن الله غفور رحيم} وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب ~~إلى الله متابا} وقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} . ~~{ولما تاب كعب بن مالك وصاحباه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~بهجرهم - حتى نسائهم - ثمانين ليلة} . {وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الغامدية لما رجمها؟ لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له وهل وجدت ~~أفضل من أن جادت بنفسها لله} . وقد أخبر الله عن توبته على بني إسرائيل حيث ~~قال لهم موسى: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم} . وإذا كان الله تعالى قد يبتلي ~~العبد من الحسنات والسيئات والسراء والضراء بما يحصل معه شكره وصبره أم ~~كفره وجزعه وطاعته أم معصيته فالتائب أحق بالابتلاء فآدم أهبط إلى الأرض ~~ابتلاء له ووفقه الله في هبوطه لطاعته فكان حاله بعد الهبوط خيرا من حاله ~~قبل الهبوط وهذا بخلاف ما لو كان الاحتجاج بالقدر نافعا له فإنه لا يكون ~~عليه ملام ألبتة؛ ولا هناك توبة تقتضي أن يبتلى صاحبها ببلاء. و " أيضا " ~~فإن الله قد أخبر في كتابه بعقوبات الكفار: مثل قوم # PageV08P323 # نوح وهود وصالح وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون وقومه ما يعرف بكل واحدة من ~~هذه الوقائع أن لا حجة لأحد في القدر؛ وأيضا فقد شرع الله من عقوبة ~~المحاربين من الكفار وأهل القبلة وقتل المرتد وعقوبة الزاني والسارق ~~والشارب ما يبين ذلك. # فصل: # فقد تبين أن آدم حج موسى لما قصد موسى أن يلوم من كان سببا في مصيبتهم ~~وبهذا جاء الكتاب والسنة قال الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~ومن يؤمن بالله يهد قلبه} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل ms2582 أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} . وسواء في ذلك ~~المصائب السمائية والمصائب التي تحصل بأفعال الآدميين قال تعالى: {واصبر ~~على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} . {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} وقال في سورة الطور بعد قوله: {فذكر فما أنت ~~بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} {قل ~~تربصوا فإني معكم من المتربصين} - إلى قوله - {أم يقولون تقوله بل لا ~~يؤمنون} - إلى قوله - {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} {أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا # PageV08P324 # وسبح بحمد ربك حين تقوم} وقال تعالى في سورة (ن) : {أم تسألهم أجرا فهم ~~من مغرم مثقلون} {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} {فاصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} . وقد قيل في معناه: اصبر لما يحكم به عليك ~~وقيل اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت والأول أصح، وحكم الله نوعان: ~~خلق وأمر. (فالأول) : ما يقدره من المصائب. و (الثاني) ما يأمر به وينهى ~~عنه والعبد مأمور بالصبر على هذا وعلى هذا فعليه أن يصبر لما أمر به ولما ~~نهى عنه فيفعل المأمور ويترك المحظور وعليه أن يصبر لما قدره الله عليه. ~~وبعض المفسرين يقول: هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا يتوجه إن كان في ~~الآية النهي عن القتال فيكون هذا النهي منسوخا ليس جميع أنواع الصبر منسوخة ~~كيف والآية لم تتعرض لذلك هنا لا بنفي ولا إثبات بل الصبر واجب لحكم الله ~~ما زال واجبا وإذا أمر بالجهاد فعليه " أيضا ": أن يصبر لحكم الله فإنه ~~يبتلى من قتالهم بما هو أعظم من كلامهم كما ابتلي به يوم أحد والخندق وعليه ~~حينئذ أن يصبر ويفعل ما أمر به من الجهاد. # PageV08P325 # و " المقصود هنا " قوله: {واصبر لحكم ربك} فإن ما فعلوه من الأذى هو مما ~~حكم به عليك قدرا فاصبر لحكمه وإن كانوا ظالمين في ذلك وهذا الصبر أعظم من ~~الصبر على ما ms2583 جرى وفعل بالأنبياء وقوله: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادى وهو مكظوم} وقال: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات} وسواء كان مغاضبا لقومه أو لربه فكانت مغاضبته من ~~أمر قدر عليه وبصبره صبر لحكم ربه الذي قدره وقضاه وإن كان إنما تأذى من ~~تكذيب الناس له. وقالت الرسل لقومهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد ~~هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} وقال ~~موسى لقومه لما قال فرعون: {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون} {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} وقال: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك} . # وقال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ~~فهؤلاء ظلموا فصبروا على ظلم الظالم لهم وسبب نزولها المهاجرون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وهي عامة في كل من اتصف بهذه الصفة. # PageV08P326 # وأصل " المهاجر " من هجر ما نهى الله عنه كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فكل من هجر السوء فظلمه الناس على ترك الكفر والفسوق والعصيان ~~حتى أخرجوه - لا هجر بعض أمور في الدنيا - فصبر على ظلمهم فإن الله يبوئه ~~في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر، كيوسف الصديق فإنه هجر الفاحشة حتى ~~ألجأه ذلك هجر منزله. واللبث في السجن بعد ما ظلم فمكنه الله حتى تبوأ من ~~الأرض حيث يشاء. وقال الذين لقوا الكفار: {ربنا أفرغ علينا صبرا} وقال: {إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ~~الله والله مع الصابرين} وقال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ms2584 ~~والله مع الصابرين} فهذا كله صبر على ما قدر من أفعال الخلق والله سبحانه ~~مدح في كتابه الصبار الشكور. قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} ~~في غير موضع، فالصبر والشكر على ما يقدره الرب على عبده من السراء والضراء: ~~من النعم والمصائب: من الحسنات التي يبلوه بها والسيئات؛ فعليه أن يتلقى ~~المصائب بالصبر والنعم بالشكر ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير ومنها ~~ما هي خارجة عن أفعاله فيشهد القدر عند فعله للطاعات وعند إنعام الله عليه ~~فيشكره # PageV08P327 # ويشهده عند المصائب فيصبر وأما عند ذنوبه فيكون مستغفرا تائبا كما قال: ~~{فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} . وأما من عكس هذا فشهد القدر عند ~~ذنوبه وشهد فعله عند الحسنات فهو من أعظم المجرمين ومن شهد فعله فيهما فهو ~~قدري ومن شهد القدر فيهما ولم يعترف بالذنب ويستغفره فهو من جنس المشركين. ~~وأما المؤمن فيقول: أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي. كما في ~~الحديث الصحيح الإلهي: {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . ~~وكان نبينا صلى الله عليه وسلم متبعا ما أمر به من الصبر على أذى الخلق ففي ~~الصحيحين عن عائشة قالت: {ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ~~له ولا دابة ولا شيئا قط؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء قط ~~فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه ~~شيء حتى ينتقم لله} . {وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان ~~بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول: دعوه دعوه فلو قضي شيء لكان} . وفي السنن ~~{عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ذكر للنبي # PageV08P328 # صلى الله عليه وسلم قول بعض من آذاه: فقال: دعنا منك فقد ms2585 أوذي موسى بأكثر ~~من هذا فصبر} . فكان يصبر على أذى الناس له من الكفار والمنافقين وأذى بعض ~~المؤمنين كما قال تعالى: {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} . وكان ~~يذكر: أن هذا مقدر. # والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور ولذلك قال: {وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا} فالتقوى فعل المأمور وترك المحظور والصبر على أذاهم ثم ~~إنه حيث أباح المعاقبة قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين} {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك ~~في ضيق مما يمكرون} . فأخبر أن صبره بالله فالله هو الذي يعينه عليه فإن ~~الصبر على المكاره بترك الانتقام من الظالم ثقيل على الأنفس لكن صبره بالله ~~كما أمره أن يكون لله في قوله: {ولربك فاصبر} . لكن هناك ذكره في الجملة ~~الطلبية الأمرية؛ لأنه مأمور أن يصبر لله لا لغيره وهنا ذكره في الخبرية ~~فقال: {وما صبرك إلا بالله} فإن الصبر وسائر الحوادث لا تقع إلا بالله ثم ~~قد يكون ذلك وقد لا يكون فما لا يكون بالله لا يكون وما لا يكون لله لا ~~ينفع ولا يدوم. ولا يقال: واصبر بالله فإن الصبر لا يكون إلا بالله لكن ~~يقال: استعينوا بالله واصبروا فنستعين بالله على الصبر. # PageV08P329 # وكما أن الإنسان مأمور بشهود القدر وتوحيد الربوبية عند المصائب فهو ~~مأمور بذلك عندما ينعم الله عليه من فعل الطاعات فيشهد قبل فعلها حاجته ~~وفقره إلى إعانة الله له وتحقق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . ويدعو ~~بالأدعية التي فيها طلب إعانة الله له على فعل الطاعات كقوله: {أعني على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} وقوله: {يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ويا ~~مصرف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك وطاعة رسولك} وقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} وقوله: {ربنا آتنا من ~~لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} ومثل قوله: {اللهم ألهمني رشدي واكفني ~~شر نفسي} . ورأس هذه الأدعية وأفضلها ms2586 قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . فهذا الدعاء أفضل ~~الأدعية وأوجبها على الخلق فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة ~~وكذلك الدعاء " بالتوبة " فإنه يتضمن الدعاء بأن يلهم العبد التوبة وكذلك ~~دعاء " الاستخارة " فإنه طلب تعليم العبد ما لم يعلمه وتيسيره له وكذلك ~~الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به إذا قام من الليل. وهو ~~في الصحيح: {اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف ~~فيه # PageV08P330 # من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . وكذلك الدعاء الذي ~~فيه: {اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا ~~به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا} وكذلك الدعاء باليقين ~~والعافية كما في حديث أبي بكر وكذلك قوله: اللهم أصلح لي قلبي ونيتي ومثل ~~قول الخليل وإسماعيل: {واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} . وهذه ~~أدعية كثيرة تتضمن افتقار العبد إلى الله في أن يعطيه الإيمان والعمل ~~الصالح فهذا افتقار واستعانة بالله قبل حصول المطلوب فإذا حصل بدعاء أو ~~بغير دعاء شهد إنعام الله فيه وكان في مقام الشكر والعبودية لله وأن هذا ~~حصل بفضله وإحسانه لا بحول العبد وقوته. فشهود القدر في الطاعات من أنفع ~~الأمور للعبد وغيبته عن ذلك من أضر الأمور به فإنه يكون قدريا منكرا لنعمة ~~الله عليه بالإيمان والعمل الصالح وإن لم يكن قدري الاعتقاد كان قدري الحال ~~وذلك يورث العجب والكبر ودعوى القوة والمنة بعمله واعتقاد استحقاق الجزاء ~~على الله به فيكون من يشهد العبودية مع الذنوب والاعتراف بها - لا مع ~~الاحتجاج بالقدر - عليها خيرا من هذا الذي يشهد الطاعة منه لا من إحسان ~~الله إليه ويكون أولئك المذنبون بما معهم من الإيمان أفضل من طاعة بدون هذا ~~الإيمان. # PageV08P331 # وأما من أذنب وشهد أن لا ذنب له أصلا لكون الله هو ms2587 الفاعل وعند الطاعة ~~يشهد أنه الفاعل فهذا شر الخلق وأما الذي يشهد نفسه فاعلا للأمرين والذي ~~يشهد ربه فاعلا للأمرين ولا يرى له ذنبا فهذا أسوأ عاقبة من القدري والقدري ~~أسوأ بداية منه كما هو مبسوط في موضع آخر. # والناس في هذا المقام " أربعة أقسام " من يغضب لربه لا لنفسه وعكسه ومن ~~يغضب لهما ومن لا يغضب لهما كما أنهم في شهود القدر " أربعة أقسام ": من ~~يشهد الحسنة من فعل الله والسيئة من فعل نفسه. وعكسه ومن يشهد الثنتين من ~~فعل ربه ومن يشهد الثنتين من فعل نفسه. فهذه الأقسام الأربعة في شهود ~~الربوبية نظير تلك الأقسام الأربعة في شهود الإلهية فهذا تقسيم العباد فيما ~~لله ولهم وذاك تقسيمهم فيما هو بالله وبهم والقسم المحض أن يعمل لله بالله ~~فلا يعمل لنفسه ولا بنفسه. والمقصود هنا: تقسيمهم فيما لله. فأعلاهم حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه: أن يصبروا على أذى الناس لهم باليد ~~واللسان ويجاهدون في سبيل الله فيعاقبون ويغضبون وينتقمون لله لا لنفوسهم ~~يعاقبون؛ لأن الله يأمر بعقوبة ذلك الشخص ويجب الانتقام منه كما في جهاد ~~الكفار وإقامة الحدود وأدناهم عكس هؤلاء يغضبون وينتقمون ويعاقبون لنفوسهم ~~لا لربهم فإذا أوذي أحدهم أو خولف هواه غضب وانتقم وعاقب ولو انتهكت محارم ~~الله أو ضيعت حقوقه لم يهمه ذلك وهذا حال الكفار والمنافقين. # PageV08P332 # وبين هذين وهذين قسمان " قسم " يغضبون لربهم ولنفوسهم. و " قسم " يميلون ~~إلى العفو في حق الله وحقوقهم فموسى في غضبه على قومه لما عبدوا العجل كان ~~غضبه لله وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم في حقوق الله أبا بكر وعمر ~~بإبراهيم وعيسى ونوح وموسى فقال: {إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ~~ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجر ومثلك يا أبا بكر ~~كمثل إبراهيم وعيسى ومثلك يا عمر كمثل نوح وموسى} . وأما عفو الإنسان عن ~~حقوقه فهذا أفضل وإن كان الاقتصاص جائزا وكذلك غضبه لنفسه تركه أفضل وإن ms2588 ~~كان الاقتصاص جائزا وأما ما كان من باب المصائب الحاصلة بقدر الله ولم يبق ~~فيها مذنب يعاقب فليس فيها إلا الصبر والتسليم للقدر. وقصة آدم وموسى كانت ~~من هذا الباب؛ فإن موسى لامه لأجل ما أصابه والذرية وآدم كان قد تاب من ~~الذنب وغفر له والمصيبة كانت مقدرة فحج آدم موسى. وهكذا قد يصيب الناس ~~مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا مثل كافر يقتل مسلما ثم يسلم ويتوب الله ~~عليه أو يكون متأولا لبدعة ثم يتوب من البدعة أو يكون مجتهدا أو مقلدا ~~مخطئا فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم فهو من جنس المصائب السماوية التي ~~لا يطلب فيها قصاص من آدمي # PageV08P333 # ومن هذا الباب القتال في " الفتنة ". قال الزهري: وقعت الفتنة - وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون - فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج ~~أصيب بتأويل القرآن فهو هدر وكذلك " قتال البغاة المتأولين " حيث أمر الله ~~بقتالهم إذا قاتلهم أهل العدل فأصابوا من أهل العدل نفوسا وأموالا لم تكن ~~مضمونة عند جماهير العلماء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وهذا ~~ظاهر مذهب أحمد. وكذلك " المرتدون " إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين ~~وأصابوا من دمائهم وأموالهم كما اتفق الصحابة في قتال أهل الردة أنهم لا ~~يضمنون بعد إسلامهم ما أتلفوه من النفوس والأموال فإنهم كانوا متأولين وإن ~~كان تأويلهم باطلا كما أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه ~~مضت بأن الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا لم ~~يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال وأصحاب تلك النفوس والأموال كانوا ~~يجاهدون قد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فعوض ما أخذ ~~منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم المؤمنون. وإذا كان هذا ~~في الدماء والأموال فهو في الأعراض أولى فمن كان مجاهدا في سبيل الله ~~باللسان: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبيان الدين وتبليغ ما في ~~الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير؛ وبيان الأقوال المخالفة لذلك والرد ~~على من ms2589 خالف الكتاب والسنة أو باليد كقتال الكفار فإذا # PageV08P334 # أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره في ذلك على الله لا يطلب من هذا ~~الظالم عوض مظلمته بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة ~~تجب ما قبلها {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} . وإن لم يتب ~~بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة فهو مخالف لله ورسوله والحق في ذنوبه لله ~~ولرسوله وإن كان " أيضا " للمؤمنين حق تبعا لحق الله وهذا إذا عوقب لحق ~~الله ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص فقط. ~~والكفار إذا اعتدوا على المسلمين مثل أن يمثلوا بهم فللمسلمين أن يمثلوا ~~بهم كما مثلوا والصبر أفضل وإذا مثلوا كان ذلك من تمام الجهاد، والدعاء على ~~جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين والدعاء ~~على الكافرين. وأما الدعاء على معينين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يلعن فلانا وفلانا فهذا قد روي أنه منسوخ بقوله: {ليس لك من الأمر شيء} . ~~كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. فيما كتبته في قلعة مصر؛ ~~وذلك لأن المعين لا يعلم إن رضي الله عنه أن يهلك بل قد يكون ممن يتوب الله ~~عليه؛ بخلاف الجنس فإنه إذا دعي عليهم بما فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم ~~كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فإن الله يحب الإيمان وأهل الإيمان ~~وعلو أهل الإيمان وذل الكفار فهذا دعاء بما يحب الله وأما الدعاء على ~~المعين بما لا يعلم أن الله # PageV08P335 # يرضاه فغير مأمور به وقد كان يفعل ثم نهى عنه؛ لأن الله قد يتوب عليه أو ~~يعذبه. ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه ~~يقول: {إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر بها} فإنه وإن لم ينه عنها فلم ms2590 ~~يؤمر بها فكان الأولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به واجب أو مستحب فإن ~~الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به واجب أو مستحب وهذا لو كان ~~مأمورا به لكان شرعا لنوح ثم ننظر في شرعنا هل نسخه أم لا؟ . وكذلك دعاء ~~موسى بقوله: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم} إذا كان دعاء مأمورا به بقي النظر في موافقة شرعنا له ~~والقاعدة الكلية في شرعنا أن الدعاء إن كان واجبا أو مستحبا فهو حسن يثاب ~~عليه الداعي وإن كان محرما كالعدوان في الدماء فهو ذنب ومعصية وإن كان ~~مكروها فهو ينقص مرتبة صاحبه وإن كان مباحا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه ~~فهذا هذا. والله سبحانه أعلم. # PageV08P336 # فصل: # وكلا الطائفتين: الذين يسلكون إلى الله محض الإرادة والمحبة والدنو ~~والقرب منه من غير اعتبار بالأمر والنهي المنزلين من عند الله الذين ينتهون ~~إلى الفناء في توحيد الربوبية يقولون بالجمع والاصطلام في توحيد الربوبية ~~ولا يصلون إلى الفرق الثاني. ويقولون؛ إن صاحب الفناء لا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة ويجعلون هذا غاية السلوك. والذين يفرقون بين ما يستحسنونه ~~ويستقبحونه ويحبونه ويكرهونه ويأمرون به وينهون عنه لكن بإرادتهم ومحبتهم ~~وهواهم؛ لا بالكتاب المنزل من عند الله كلا الطائفتين متبع لهواه بغير هدى ~~من الله وكلا الطائفتين لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن ~~محمدا رسول الله فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله ولا ~~يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحب ما يحبه الله ~~ويبغض ما أبغضه ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه وأنك لا ~~ترجو إلا الله ولا تخاف إلا الله ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم وهذا ~~الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين. # PageV08P337 # والفناء في هذا هو " الفناء " المأمور به الذي جاءت به الرسل وهو أن يفنى ~~بعبادة الله عن عبادة ما سواه؛ ms2591 وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن ~~التوكل على ما سواه وبرجائه وخوفه عن رجاء ما سواه وخوفه فيكون مع الحق بلا ~~خلق كما قال الشيخ عبد القادر: كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس. ~~وتحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله يوجب أن يكون طاعته طاعة الله وإرضاؤه ~~إرضاء الله. ودين الله ما أمر به فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ~~ما شرعه ولهذا طالب الله المدعين لمحبته بمتابعته فقال: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} وضمن لمن اتبعه أن الله يحبه بقوله: {يحببكم ~~الله} . وصاحب هذه المتابعة لا يبقى مريدا إلا ما أحبه الله ورسوله ولا ~~كارها إلا لما كرهه الله ورسوله وهذا هو الذي يحبه الحق كما قال: {ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت ~~عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ~~ولا بد له منه} . # PageV08P338 # فهذا محبوب الحق ومن اتبع الرسول فهو محبوب الحق وهو المتقرب إلى الله ~~بما دعا إليه الرسول من فرض ونفل ومعلوم أن من كان هكذا فهو يحب طاعة الله ~~ورسوله ويبغض معصية الله ورسوله فإن الفرائض والنوافل كلها من العبادات ~~التي يحبها الله ورسوله ليس فيها كفر ولا فسوق والرب تعالى أحبه لما قام ~~بمحبوب الحق فإن الجزاء من جنس العمل فلما لم يزل متقربا إلى الحق بما يحبه ~~من النوافل بعد الفرائض أحبه الحق فإنه استفرغ وسعه في محبوب الحق. فصار ~~الحق يحبه المحبة التامة التي لا يصل إليها من هو دونه في التقرب إلى الحق ~~بمحبوباته حتى صار يعلم بالحق ويعمل بالحق فصار به يسمع وبه يبصر وبه يبطش ~~وبه يمشي. وأما الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فهذا لم ms2592 تبق عنده ~~الأمور " نوعان ": محبوب للحق ومكروه؛ بل كل مخلوق فهو عنده محبوب للحق كما ~~أنه مراد؛ فإن هؤلاء أصل قولهم: هو قول جهم بن صفوان من القدرية فهم من ~~غلاة الجهمية الجبرية في القدر وإن كانوا في الصفات يكفرون الجهمية نفاة ~~الصفات كحال أبي إسماعيل الأنصاري صاحب " منازل السائرين " و " ذم الكلام " ~~و " الفاروق " و " تكفير الجهمية " وغير ذلك فإنه في باب إثبات الصفات في ~~غاية المقابلة للجهمية والنفاة وفي باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ~~ومن اتبعه من غلاة الجبرية وهو قول الأشعري وأتباعه وكثير من الفقهاء أتباع ~~الأئمة الأربعة ومن أهل الحديث والصوفية. # PageV08P339 # فإن هؤلاء أقروا بالقدر موافقة للسلف وجمهور الأئمة وهم مصيبون في ذلك ~~وخالفوا " القدرية " من المعتزلة وغيرهم في نفي القدر ولكن سلكوا في ذلك ~~مسلك الجهم بن صفوان وأتباعه فزعموا: أن الأمور كلها لم تصدر إلا عن إرادة ~~تخصيص أحد المتماثلين بلا سبب. وقالوا: الإرادة والمحبة والرضا سواء؛ ~~فوافقوا في ذلك القدرية؛ فإن الجهمية والمعتزلة كلاهما يقول: إن القادر ~~المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح؛ وكلاهما يقول: لا فرق بين الإرادة ~~والمحبة والرضا. ثم قالت " القدرية " وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع السلف ~~أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح؛ ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر؛ ~~ويكره الكفر والفسوق والعصيان. قالوا: فيلزم من ذلك أن يكون كل ما في ~~الوجود من المعاصي واقعا بدون مشيئته وإرادته كما هو واقع على خلاف أمره ~~وخلاف محبته ورضاه وقالوا: إن محبته ورضاه لأعمال عباده هو بمعنى أمره بها؛ ~~فكذلك إرادته لها بمعنى أمره بها فلا يكون قط عندهم مريدا لغير ما أمره به؛ ~~وأخذ هؤلاء يتأولون ما في القرآن من إرادته لكل ما يحدث ومن خلقه لأفعال ~~العباد بتأويلات محرفة. وقالت الجهمية ومن اتبعها من الأشعرية وأمثالهم: قد ~~علم بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه؛ ولا يكون ~~خالقا إلا بقدرته ومشيئته؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما في الوجود ~~فهو ms2593 # PageV08P340 # بمشيئته وقدرته وهو خالقه؛ سواء في ذلك أفعال العباد وغيرها؛ ثم قالوا: ~~وإذا كان مريدا لكل حادث والإرادة هي المحبة والرضا؛ فهو محب راض لكل حادث؛ ~~وقالوا: كل ما في الوجود من كفر وفسوق وعصيان فإن الله راض به محب له؛ كما ~~هو مريد له. فقيل لهم: فقد قال تعالى: {لا يحب الفساد} {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} . فقالوا: هذا بمنزلة أن يقال: لا يريد الفساد؛ ولا يريد لعباده ~~الكفر؛ وهذا يصح على وجهين: إما أن يكون خاصا بمن لم يقع منه الكفر ~~والفساد؛ ولا ريب أن الله لا يريد ولا يحب ما لم يقع عندهم؛ فقالوا: معناه ~~لا يحب الفساد لعباده المؤمنين؛ ولا يرضاه لهم. وحقيقة قولهم: أن الله أيضا ~~لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار. فالمحبة والرضا عندهم كالإرادة عندهم ~~متعلقة بما وقع دون ما لم يقع؛ سواء كان مأمورا به أو منهيا عنه؛ وسواء كان ~~من أسباب سعادة العباد أو شقاوتهم؛ وعندهم أن الله يحب ما وجد من الكفر ~~والفسوق والعصيان؛ ولا يحب ما لم يوجد من الإيمان والطاعة؛ كما أراد هذا ~~دون هذا. # والوجه الثاني: قالوا: لا يحب الفساد دينا؛ ولا يرضاه دينا؛ وحقيقة هذا ~~القول أنه لا يريده دينا؛ فإنه إذا أراد وقوع الشيء على صفة لم يكن مريدا ~~له على خلاف تلك الصفة؛ وهو إذا أراد وقوع شيء مع شيء # PageV08P341 # لم يرد وقوعه وحده فإنه إذا أراد أن يخلق زيدا من عمرو لم يرد أن يخلقه ~~من غيره؛ وإذا أراد أن ينزل مطرا فتنبت الأرض به؛ فإنه أراد إنزاله على تلك ~~الصفة؛ وإذا أراد أن يركب البحر قوم فيغرق بعضهم؛ ويسلم بعضهم؛ ويربح ~~بعضهم؛ فإنما أراده على تلك الصفة؛ فكذلك الإيمان والكفر؛ قرن بالإيمان ~~نعيم أصحابه؛ وبالكفر عذاب أصحابه وإن لم يكن عندهم جعل شيء لشيء سببا ولا ~~خلق شيء لحكمة؛ لكن جعل هذا مع هذا. وعندهم جعل السعادة مع الإيمان لا به ~~كما يقولون: إنه خلق الشبع عند الأكل لا به؛ فالدين الذي ms2594 أمر به هو ما قرن ~~به سعادة صاحبه في الآخرة والكفر والفسوق والعصيان عندهم أحبه ورضيه كما ~~أراده؛ لكن لم يحبه مع سعادة صاحبه؛ فلم يحبه دينا كما أنه لم يرده مع ~~سعادة صاحبه دينا. وهذا المشهد الذي شهده أهل الفناء في توحيد الربوبية ~~فإنهم رأوا الرب تعالى خلق كل شيء بإرادته وعلم أن سيكون ما أراد. ولا سبب ~~عندهم لشيء ولا حكمة؛ بل كل الحوادث تحدث بالإرادة. # ثم الجهم بن صفوان ونفاة الصفات من المعتزلة ونحوهم لا يثبتون إرادة ~~قائمة بذاته بل إما أن ينفوها؛ وإما أن يجعلوها بمعنى الخلق والأمر؛ وإما ~~أن يقولوا: أحدث إرادة لا في محل. وأما مثبتة الصفات: كابن كلاب والأشعري ~~وغيرهما - ممن يثبت # PageV08P342 # الصفات؛ ولا يثبت إلا واحدا معينا - فلا يثبت إلا إرادة واحدة تتعلق بكل ~~حادث؛ وسمعا واحدا معينا متعلقا بكل مسموع وبصرا واحدا معينا متعلقا بكل ~~مرئي؛ وكلاما واحدا بالعين يجمع جميع أنواع الكلام كما قد عرف من مذهب ~~هؤلاء. فهؤلاء يقولون: جميع الحادثات صادرة عن تلك الإرادة الواحدة العين ~~المفردة التي ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح وهي المحبة والرضا وغير ذلك. ~~وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح ~~إلا من حيث موافقتها للإنسان ومخالفة بعضها له فما وافق مراده ومحبوبه كان ~~حسنا عنده وما خالف ذلك كان قبيحا عنده فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها ~~الله ولا سيئة يكرهها إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها ~~والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها من غير فرق يعود إليه ولا إلى الأفعال أصلا؛ ~~ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسنا ولا قبيحا لا بمعنى الملائم للطبع والمنافي ~~له والحسن والقبح الشرعي هو ما دل صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة أو ~~حصول ألم له. ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء حتى الكفر والفسوق ~~والعصيان وينهى عن كل شيء حتى عن الإيمان والتوحيد ويجوز نسخ كل ما أمر به ~~بكل ms2595 ما نهى عنه. ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شر ولا حسن ولا قبيح إلا ~~بهذا الاعتبار فما في الوجود ضر ولا نفع والنفع # PageV08P343 # والضر أمران إضافيان فربما نفع هذا ما ضر هذا. كما يقال: مصائب قوم عند ~~قوم فوائد. فلما كان هذا حقيقة قولهم الذي يعتقدونه ويشهدونه صاروا حزبين. ~~حزبا من أهل الكلام والرأي أقروا بالفرق الطبيعي وقالوا: ما ثم فوق إلا ~~الفرق الطبيعي ليس هنا فرق يرجع إلى الله بأنه يحب هذا ويبغض هذا. ثم منهم ~~من يضعف عنده الوعد والوعيد إما لقوله بالإرجاء وإما لظنه أن ذلك لمصالح ~~الناس في الدنيا إقامة للعدل كما يقول: ذلك من يقوله من المتفلسفة فلا يبقى ~~عنده فرق بين فعل وفعل إلا ما يحبه هو ويبغضه فما أحبه هو كان الحسن الذي ~~ينبغي فعله وما أبغضه كان القبيح الذي ينبغي تركه. وهذا حال كثير من أهل ~~الكلام والرأي؛ الذين يرون رأي جهم والأشعري ونحوهما في القدر تجدهم لا ~~ينتهون في المحبة والبغضة والموالاة والمعاداة إلا إلى محض أهوائهم ~~وإرادتهم وهو الفرق الطبيعي. ومن كان منهم مؤمنا بالوعد فإنه قد يفعل ~~الواجبات ويترك المحرمات لكن لأجل ما قرن بهما من الأمور الطبيعية في ~~الآخرة من أكل وشرب ونكاح وهؤلاء ينكرون محبة الله والتلذذ بالنظر إليه ~~وعندهم إذا قيل: إن # PageV08P344 # العباد يتلذذون بالنظر إليه فمعناه أنهم عند النظر يخلق لهم من اللذات ~~بالمخلوقات ما يتلذذون به لا أن نفس النظر إلى الله يوجب لذة وقد ذكر هذا ~~غير واحد منهم أبو المعالي في " الرسالة النظامية ". وجعل هذا من أسرار ~~التوحيد هو من إشراك التوحيد الذي يسميه هؤلاء النفاة توحيدا لا من أسرار ~~التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب؛ فإن المحبة لا تكون إلا ~~لمعنى في المحبوب يحبه المحب وليس عندهم في الموجودات شيء يحبه الرب إلا ~~بمعنى يريده وهو مريد لكل الحوادث؛ ولا في الرب عندهم معنى يحبه العبد ~~وإنما يحب العبد ما يشتهيه وإنما يشتهي الأمور الطبيعية الموافقة ms2596 لطبعه ولا ~~يوافق طبعه عندهم إلا اللذات البدنية كالأكل والشرب والنكاح. # والحزب الثاني من الصوفية: الذي كان هذا المشهد هو منتهى سلوكهم عرفوا ~~الفرق الطبيعي؛ وهم قد سلكوا على ترك هذا الفرق الطبيعي وأنهم يزهدون في ~~حظوظ النفس وأهوائها؛ لا يريدون شيئا لأنفسهم؛ وعندهم أن من طلب شيئا للأكل ~~والشرب في الجنة فإنما طلب هواه وحظه؛ وهذا كله نقص عندهم ينافي حقيقة ~~الفناء في توحيد الربوبية؛ وهو بقاء مع النفس وحظوظها. والمقامات كلها ~~عندهم - التوكل والمحبة؛ وغير ذلك - إنما هي منازل أهل الشرع السائرين إلى ~~عين الحقيقة؛ فإذا شهدوا توحيد الربوبية كان ذلك عندهم عللا في الحقيقة؛ ~~إما لنقص المعرفة والشهود وإما لأنه ذب عن # PageV08P345 # النفس وطلب حظوظها؛ فإنه من شهد أن كل ما في الوجود فالرب يحبه ويرضاه ~~ويريده لا فرق عنده بين شيء وشيء إلا أن من الأمور ما معه حظ لبعض الناس من ~~لذة يصيبها ومنها ما معه ألم لبعض الناس فمن كان هذا مشهده فإنه قطعا يرى ~~أن كل من فرق بين شيء وشيء لم يفرق إلا لنقص معرفته، وشهوده أن الله رب كل ~~شيء ومريد لكل شيء ومحب - على قولهم - لكل شيء وإنما لفرق يرجع إلى حظه ~~وهواه فيكون طالبا لحظه ذابا عن نفسه. وهذا علة وعيب عندهم. فصار عندهم كل ~~من فرق: إما ناقص المعرفة والشهادة وإما ناقص القصد والإرادة. وكلاهما علة؛ ~~بخلاف صاحب الفناء في مشهد الربوبية فإنه يشهد كل ما في الوجود بإرادته ~~ومحبته ورضاه عندهم لا فرق بين شيء وشيء فلا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ~~كما قاله صاحب منازل السائرين. ولهذا في الكلام المنقول عن الذبيلي وأبي ~~يزيد أنه قال: إذا رأيت أهل الجنة يتنعمون في الجنة وأهل النار يعذبون في ~~النار فوقع في قلبك فرق. خرجت عن حقيقة التوكل أو قال: عن التوحيد الذي هو ~~أصل التوكل ومعلوم أن هذا الفرق لا يعدم من الحيوان دائما بل لا بد له منه ~~يميل إلى ما لا بد له منه من ms2597 أكل وشرب لكنه في حال الفناء قد يكون مستغرقا ~~في ذلك المشهد ولكن لا بد أن يميل إلى أمور يحتاج إليها فيريدها وأمور تضره ~~فيكرهها وهذا فرق طبيعي لا يخلو منه بشر. # PageV08P346 # لكن قد يقولون بالفرق في الأمور الضرورية التي لا يقوم الإنسان إلا بها ~~من طعام ولباس ونحو ذلك فيكتفون في الدنيا والآخرة بما لا بد منه من طعام ~~ولباس ويرون هذا الزهد هو الغاية فيزهدون في كل شيء بمعنى أنهم لا يريدونه ~~ولا يكرهونه ولا يحبونه ولا يبغضونه ويكون زهدهم في المساجد كزهدهم في ~~الحانات ولهذا إذا قدم الشيخ الكبير منهم بلدا يبدأ بالبغايا في الحانات ~~ويقول: كيف أنتم في قدر الله؛ فإنه لا فرق عنده في هذا المشهد بين المساجد ~~والكنائس والحانات، وبين أهل الصلاة والإحرام وقراءة القرآن وأهل الكفر، ~~وقطاع الطريق والمشركين بالرحمن. ولا ريب أن فناءهم وغيبتهم عن شهود " ~~الإلهية والنبوة " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وما تضمنه ~~من الفرق يرجع إلى نقص العلم والشهود والإيمان والتوحيد فشهدوا نعتا من ~~نعوت الرب وغابوا عن آخر وهذا نقص. وقد يرون أن شهود الذات مجردة عن الصفات ~~أكمل ويقولون: شهود الأفعال ثم شهود الصفات ثم شهود الذات المجردة وربما ~~جعلوا الأول للنفس والثاني للقلب، والثالث للروح، ويجعلون هذا النقص من ~~إيمانهم ومعرفتهم وشهودهم هو الغاية فيكونون مضاهين للجهمية نفاة الصفات ~~حيث أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات. وقالوا: هذا هو الكمال لكن أولئك يقولون: ~~بانتفائها في الخارج فيقولون: إنهم يشهدون أنها منتفية وهؤلاء يثبتونها في # PageV08P347 # الخارج علما واعتقادا ولكن يقولون: الكمال في أن يغيب عن شهودها ولا ~~يشهدون نفيها؛ لكن لا يشهدون ثبوتها وهذا نقص عظيم وجهل عظيم. أما " أولا " ~~فلأنهم شهدوا الأمر على خلاف ما هو عليه فذات مجردة عن الصفات لا حقيقة لها ~~في الخارج. وأما " الثاني " فهو مطلوب الشيطان منه التجهم ونفي الصفات فإن ~~عدم العلم، والشهود لثبوتها يوافق فيه الجهمي المعتقد لانتفائها ومن قال: ~~أعتقد أن محمدا ليس برسول ms2598 وقال الآخر: وإن كنت أعلم رسالته فأنا أفنى عنها ~~فلا أذكرها ولا أشهدها فهذا كافر كالأول فالكفر عدم تصديق الرسول سواء كان ~~معه اعتقاد تكذيب أم لا بل وعدم الإقرار بما جاء به والمحبة له فمن ألزم ~~قلبه أن يغيب عن معرفة صفات الله كما يعرف ذاته وألزم قلبه أن يشهد ذاتا ~~مجردة عن الصفات فقد ألزم قلبه أن لا يحصل له مقصود الإيمان بالصفات وهذا ~~من أعظم الضلال. وأهل الفناء في توحيد الربوبية قد يظن أحدهم أنه إذا لم ~~يشهد إلا فعل الرب فيه فلا إثم عليه وهم في ذلك بمنزلة من أكل السموم ~~القاتلة، وقال: أنا أشهد أن الله هو الذي أطعمني فلا يضرني وهذا جهل عظيم ~~فإن الذنوب والسيئات تضر الإنسان أعظم مما تضره السموم وشهوده أن الله فاعل ~~ذلك # PageV08P348 # لا يدفع ضررها ولو كان هذا دافعا لضررها لكان أنبياء الله وأولياؤه ~~المتقون أقدر على هذا الشهود الذي يدفعون به عن أنفسهم ضرر الذنوب. # ومن هؤلاء من يظن أن الحق إذا وهبه حالا يتصرف به وكشفا لم يحاسبه على ~~تصرفه به وهذا بمنزلة من يظن أنه إذا أعطاه ملكا لم يحاسبه على تصرفه فيه ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} فبين أنه مع أنه المعطي المانع فلا ينفع ~~المجدود جده إنما ينفعه الإيمان والعمل الصالح. فهذا أصل عظيم ضل بالخطأ ~~فيه خلق كثير حتى آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى أن جعلوا أولياء الله ~~المتقين يقاتلون أنبياءه ويعاونون أعداءه وأنهم مأمورون بذلك وهو أمر ~~شيطاني قدري ولهذا يقول من يقول منهم: إن الكفار لهم خفراء من أولياء الله ~~كما للمسلمين خفراء من أولياء الله ويظن كثير منهم أن أهل الصفة قاتلوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي فقال: {يا أصحابي تخلوني وتذهبون ~~عني} فقالوا: نحن مع الله من كان مع الله كنا معه. ويجوزون قتال الأنبياء ~~وقتلهم كما قال ms2599 شيخ مشهور منهم كان بالشام لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا ~~فإنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما وقع فما وقع فالله يحبه ~~ويرضاه وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه # PageV08P349 # والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~فهم من غلب كانوا معه؛ لأن من غلب كان القدر معه، والمقدور عندهم هو محبوب ~~الحق فإذا غلب الكفار كانوا معهم وإذا غلب المسلمون كانوا معهم وإذا كان ~~الرسول منصورا كانوا معه وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار الذين غلبوهم. ~~وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لا يعرف وعيد الآخرة؛ فإن من أقر ~~بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاونا للكفار مواليا لهم على ~~ما يوجب وعيد الآخرة؛ لكن قد يقولون بسقوطه مطلقا وقد يقولون بسقوطه عمن ~~شهد توحيد الربوبية وكان في هذه الحقيقة القدرية؛ وهذا يقوله طائفة من ~~شيوخهم كالشيخ المذكور وغيره. فلهذا يوجد هؤلاء الذين يشهدون القدر المحض ~~وليس عندهم غيره إلا ما هو قدر أيضا - من نعيم أهل الطاعة، وعقوبة أهل ~~المعصية - لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يجاهدون في سبيل ~~الله بل ولا يدعون الله بنصر المؤمنين على الكفار بل إذا رأى أحدهم من ~~يدعوا، قال الفقير أو المحقق أو العارف ما له يفعل الله ما يشاء وينصر من ~~يريد؛ فإن عنده أن الجميع واحد بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليه أيضا؛ فإنه ~~ليس له غرض في نصر إحدى الطائفتين لا من جهة ربه فإنه لا فرق على رأيه عند ~~الله تعالى بينهما ولا من جهة نفسه فإن حظوظه لا تنقص باستيلاء الكفار؛ بل ~~كثير منهم تكون # PageV08P350 # حظوظه الدنيوية مع استيلاء الكفار والمنافقين والظالمين أعظم فيكون هواه ~~أعظم. وعامة من معهم من الخفراء هم من هذا الضرب فإن لهم حظوظا ينالونها ~~باستيلائهم لا تحصل لهم باستيلاء المؤمنين. وشياطينهم تحب تلك الحظوظ ~~المذمومة وتغريهم بطلبهم وتخاطبهم الشياطين بأمر ونهي وكشف يظنونه من ms2600 جهة ~~الله وأن الله هو أمرهم ونهاهم وأنه حصل لهم من المكاشفة ما حصل لأولياء ~~الله المتقين ويكون ذلك كله من الشياطين وهم لا يفرقون بين الأحوال ~~الرحمانية والشيطانية؛ لأن الفرق مبني على شهود الفرق من جهة الرب تعالى ~~وعندهم لا فرق بين الأمور الحادثة كلها من جهة الله تعالى إنما هو مشيئة ~~محضة تناولت الأشياء تناولا واحدا فلا يحب شيئا ولا يبغض شيئا. ولهذا يشترك ~~هؤلاء في جنس السماع الذي يثير ما في النفوس من الحب والوجد والذوق؛ فيثير ~~من قلب كل أحد حبه وهواه وأهواؤهم متفرقة؛ فإنهم لم يجتمعوا على محبة ما ~~يحبه الله ورسوله؛ إذ كان محبوب الحق - على أصل قولهم - هو ما قدره فوقع ~~وإذا اختلفت أهواؤهم في الوجد اختلفت أهواء شياطينهم فقد يقتل بعضهم بعضا ~~بشياطينه؛ لأنها أقوى من شياطين ذاك وقد يسلبه ما معه من الحال الذي هو ~~التصرف والمكاشفة الحاصلة له بسبب شياطينهم؛ فتكون شياطينه هربت من شياطين ~~ذلك فيضعف أمره؛ ويسلب حاله؛ كمن كان ملكا له أعوان فأخذت أعوانه؛ فيبقى ~~ذليلا لا ملك له. # PageV08P351 # فكثير من هؤلاء كالملوك الظلمة الذين يعادي بعضهم بعضا: إما مقتول؛ وإما ~~مأسور؛ وإما مهزوم. فإن منهم من يأسر غيره فيبقى تحت تصرفه؛ ومنهم من يسلبه ~~غيره فيبقى لا حال له؛ كالملك المهزوم؛ فهذا كله من تفريع أصل الجهمية ~~الغلاة في الجبر في القدر. وإنما يخلص من هذا كله من أثبت لله محبته لبعض ~~الأمور وبغضه لبعضها؛ وغضبا من بعضها؛ وفرحا ببعضها وسخطا لبعضها كما أخبرت ~~به الرسل ونطقت به الكتب وهذا هو الذي يشهد: أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ويعلم أن التوحيد الذي بعثت به الرسل أن يعبد الله وحده لا شريك ~~له فيعبد الله دون ما سواه. وعبادته تجمع كمال محبته وكمال الذل له كما قال ~~تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} فينيب قلبه إلى الله ويسلم له ويتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ms2601 ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} . ويعلم أن ما أمر الله ورسوله به ~~فإن الله يحبه ويرضاه وما نهى عنه فإنه يبغضه وينهى عنه ويمقت عليه ويسخط ~~على فاعله فصار يشهد الفرق من جهة الحق تعالى. ويعلم أن الله تعالى يحب أن ~~يعبد وحده لا شريك له، ويبغض من يجعل له أندادا يحبونهم كحب الله وإن كانوا ~~مقرين بتوحيد الربوبية كمشركي # PageV08P352 # العرب وغيرهم وأن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد ~~الربوبية حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم إلا تخرصون} {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . فإن ~~هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي وأنكروا ~~التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن ~~الله خالق كل شيء ما بقي عندهم من فرق من جهة الله تعالى بين مأمور ومحظور. ~~فقالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} وهذا حق؛ فإن ~~الله لو شاء أن لا يكون هذا لم يكن؛ لكن أي فائدة لهم في هذا هذا غايته أن ~~هذا الشرك والتحريم بقدر ولا يلزم إذا كان مقدورا أن يكون محبوبا مرضيا لله ~~ولا علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه بل ليسوا في ذلك إلا على ~~ظن وخرص. فإن احتجوا بالقدر فالقدر عام لا يختص بحالهم. وإن قالوا: نحن نحب ~~هذا ونسخط هذا فنحن نفرق الفرق الطبيعي لانتفاء الفرق من جهة الحق قال: لا ~~علم عندكم بانتفاء الفرق من جهة الله تعالى والجهمية المثبتة للشرع تقول: ~~بأن الفرق الثابت هو أن التوحيد # PageV08P353 # قرن به النعيم، والشرك قرن به العذاب وهو الفرق الذي جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وهو عندهم يرجع ms2602 إلى علم الله بما سيكون وإخباره بل هؤلاء لا ~~يرجع الفرق عندهم إلى محبة منه لهذا وبغض لهذا. وهؤلاء يوافقون المشركين في ~~بعض قولهم لا في كله كما أن القدرية من الأمة - الذين هم مجوس الأمة - ~~يوافقون المجوس المحضة في بعض قولهم لا في كله وإلا فالرسول قد دعاهم إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له وإلى محبة الله دون ما سواه وإلى أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما والمحبة تتبع الحقيقة فإن لم يكن المحبوب في ~~نفسه مستحقا أن يحب لم يجز الأمر بمحبته فضلا عن أن يكون أحب إلينا من كل ~~ما سواه. وإذا قيل " محبته " محبة عبادته وطاعته قيل محبة العبادة والطاعة ~~فرع على محبة المعبود المطاع وكل من لم يحب في نفسه لم تحب عبادته وطاعته ~~ولهذا كان الناس يبغضون طاعة الشخص الذي يبغضونه ولا يمكنهم مع بغضه محبة ~~طاعته إلا لغرض آخر محبوب مثل عوض يعطيهم على طاعته فيكون المحبوب في ~~الحقيقة هو ذلك العوض فلا يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما إلا بمعنى ~~أن العوض الذي يحصل من المخلوقات أحب إليهم من كل شيء. ومحبة ذلك العوض ~~مشروط بالشعور به فما لا يشعر به تمتنع محبته. فإذا قيل: هم قد وعدوا على ~~محبة الله ورسوله بأن يعطوا أفضل محبوباتهم المخلوقة # PageV08P354 # قيل: لا معنى لمحبة الله ورسوله عندكم إلا محبة ذلك العوض، والعوض غير ~~مشعور به حتى يحب وإذا قيل: بل إذا قال: من قال: لا يحب غيره إلا لذاته ~~المعنى: أنك إذا أطعتني أعطيتك أعظم ما تحبه صار محبا لذلك الآمر له. قيل: ~~ليس الأمر كذلك بل يكون قلبه فارغا من محبة ذلك الآمر وإنما هو معلق بما ~~وعده من العوض على عمله كالفعلة الذين يعملون من البناء والخياطة والنساجة ~~وغير ذلك ما يطلبون به أجورهم فهم قد لا يعرفون صاحب العمل أو لا يحبونه ~~ولا لهم غرض فيه إنما غرضهم في العوض الذي يحبونه. وهذا أصل قول الجهمية ~~والقدرية والمعتزلة ms2603 الذين ينكرون محبة الله تعالى ولهذا قالت المعتزلة ومن ~~اتبعها من الشيعة؛ إن معرفة الله وجبت لكونها لطفا في أداء الواجبات ~~العقلية فجعلوا أعظم المعارف تبعا لما ظنوه واجبا بالعقل وهم ينكرون محبة ~~الله والنظر إليه فضلا عن لذة النظر. # وابن عقيل لما كان في كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلا ~~يقول: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك. فقال: يا هذا هب أن له وجها ~~أفتتلذذ بالنظر إليه وهذا اللفظ مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في الدعاء: {اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة ~~خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى ~~وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك # PageV08P355 # الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ~~والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم: زينا بزينة ~~الإيمان واجعلنا هداة مهتدين} . وقد روي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم - أظنه من رواية زيد بن ثابت - ومعناه في الصحيح من حديث ~~صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى ~~مناد؛ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما ~~هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: ~~فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي ~~الزيادة} يعني قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} . فقد أخبر أنه ليس فيما ~~أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر وإذا كان النظر إليه أحب الأشياء إليهم ~~علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم وإلا لم يكن النظر أحب أنواع النعيم إليهم؛ ~~فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئي وما لا ms2604 يحب ولا يبغض في نفسه لا تكون ~~رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع أنواع النعيم. و " في الجملة " فإنكار ~~الرؤية والمحبة والكلام - أيضا - معروف من كلام الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم. والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على # PageV08P356 # نفي المحبة ويخالفونهم في إثبات الرؤية ولكن الرؤية التي يثبتونها لا ~~حقيقة لها. # وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم وأن الله يحب عباده: ~~" الجعد بن درهم ". ولهذا أنكر أن يكون اتخذ الله إبراهيم خليلا أو كلم ~~موسى تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال: ضحوا أيها الناس تقبل ~~الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقوله الجعد علوا كبيرا. ثم نزل ~~فذبحه. وأما " الصوفية " فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندهم من جميع ~~الأمور وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة وإثبات محبة الله مشهور في ~~كلام أوليهم وآخريهم كما هو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق السلف. والمحبة جنس ~~تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده: فالمشركون يحبون آلهتهم كما قال ~~الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} وفيه قولان. (أحدهما) : يحبونهم كحب المؤمنين ~~لله. و (الثاني) : يحبونهم كما # PageV08P357 # يحبون الله؛ لأنه قد قال: {والذين آمنوا أشد حبا لله} فلم يمكن أن يقال: ~~إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله بل كما يحبون - هم - ~~الله؛ فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين. كما قال: {ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون} وقال: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ نسويكم برب العالمين} . ~~وقد قال: بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة (القول الثاني) قال: ~~المفسرون: قوله: {والذين آمنوا أشد حبا لله} أي أشد حبا لله من المشركين ~~لآلهتهم. فيقال لا: ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض لقولك فإنك تقول: إنهم ~~يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله وهذا يناقض أن يكون المؤمنون أشد حبا لله ~~من المشركين لأربابهم ms2605 فتبين ضعف هذا القول وثبت أن المؤمنين يحبون الله ~~أكثر من محبة المشركين لله ولآلهتهم؛ لأن أولئك أشركوا في المحبة والمؤمنون ~~أخلصوها كلها لله. و (أيضا فقوله) : {كحب الله} أضيف فيه المصدر إلى ~~المحبوب المفعول وحذف فاعل الحب فإما أن يراد كما يحب الله - من غير تعيين ~~فاعل - فيبقى عاما في حق الطائفتين وهذا يناقض قوله: {والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} وإما أن يراد كحبهم لله ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرهم لله إذ ليس في ~~الكلام ما يدل على هذا بخلاف حبهم فإنه قد دل عليه قوله: {ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} فأضاف الحب المشبه إليهم # PageV08P358 # فكذلك الحب المشبه لهم إذ كان سياق الكلام يدل عليه. إذا قال: يحب زيدا ~~كحب عمرو أو يحب عليا كحب أبي بكر أو يحب الصالحين من غير أهله كحب ~~الصالحين من أهله أو قيل: يحب الباطل كحب الحق أو يحب سماع المكاء والتصدية ~~كحب سماع القرآن وأمثال ذلك لم يكن المفهوم إلا أنه هو المحب للمشبه ~~والمشبه به وأنه يحب هذا كما يحب هذا لا يفهم منه أنه يحب هذا كما يحب غيره ~~هذا إذ ليس في الكلام ما يدل على محبة غيره أصلا. والمقصود أن المحبة تكون ~~لما يتخذ إلها من دون الله، وقد قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم} فمن كان يعبد ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه فما هويه ~~هوية إلهه فهو لا يتأله من يستحق التأله بل يتأله ما يهواه وهذا المتخذ ~~إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل له وهذه محبة ~~مع الله لا محبة لله وهذه محبة أهل الشرك. والنفوس قد تدعي محبة الله وتكون ~~في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله وقد يخفى ~~الهوى على النفس فإن حبك الشيء يعمي ويصم. وهكذا الأعمال التي يظن الإنسان ~~أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي ms2606 # PageV08P359 # عليه وهو يعمله: إما لحب رياسة وإما لحب مال وإما لحب صورة ولهذا {قالوا: ~~يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} . فلما صار كثير من ~~الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب ~~والسنة دخل فيها نوع من الشرك واتباع الأهواء والله تعالى قد جعل محبته ~~موجبة لاتباع رسوله. فقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ~~وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله وليس شيء يحبه الله إلا ~~والرسول يدعو إليه وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه فصار محبوب ~~الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته وإن تنوعت الصفات. فكل ~~من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب ليست محبته لله وحده بل إن ~~كان يحبه فهي محبة شرك فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة ~~الله فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول ~~فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين. ~~وهكذا أهل البدع فمن قال: إنه من المريدين لله المحبين له وهو لا يقصد # PageV08P360 # اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه فمحبته فيها شوب من محبة ~~المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدعة. فإن البدع التي ليست ~~مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله فإن الرسول دعا إلى كل ما ~~يحبه الله فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر. # وأيضا فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله؛ لقوله تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون ~~الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ms2607 أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم ~~خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون} وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} . ~~فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء لمن ~~أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح ~~سيئة # PageV08P361 # وهؤلاء سلكوا طريق الإرادة والمحبة مجملا من غير اعتصام بالكتاب والسنة ~~كما سلك أهل الكلام والرأي طريق النظر والبحث من غير اعتصام بالكتاب والسنة ~~فوقع هؤلاء في ضلالات وهؤلاء في ضلالات. كما قال تعالى: {فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقال: {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال: {إن هذا القرآن يهدي ~~للتي هي أقوم} وقال: {قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها} . ومثل هذا كثير في القرآن. وقد بسط الكلام على ~~هذا الأصل في غير هذا الموضع. فإن قيل: صاحب الفناء في توحيد الربوبية قد ~~شهد أن الرب خلق كل شيء وقد يكون ممن يثبت الحكمة فيقول: إنما خلق ~~المخلوقات لحكمة وهو يحب تلك الحكمة ويرضاها وإنما خلق ما يكرهه لما يحبه. ~~والذين فرقوا بين المحبة والإرادة قالوا: المريض يريد الدواء ولا يحبه ~~وإنما يحب ما يحصل به وهو العافية وزوال المرض. فالرب تعالى خلق الأشياء ~~كلها بمشيئته فهو مريد لكل ما خلق ولما أحبه من الحكمة؛ وإن كان لا يحب بعض ~~المخلوقات من الأعيان والأفعال؛ لكنه يحب الحكمة التي خلق لأجلها؛ فالعارف ~~إذا شهد # PageV08P362 # هذا أحب ms2608 أيضا أن يخلق لتلك الحكمة وتكون الأشياء مرادة محبوبة له كما هي ~~للحق؛ فهو وإن كره الكفر والفسوق والعصيان لكن ما خلقه الله منه خلقه لحكمة ~~وإرادة فهو مراد محبوب باعتبار غايته لا باعتباره في نفسه. قيل: من شهد هذا ~~المشهد فهو يستحسن ما حسنه الله وأحبه ورضيه؛ ويستقبح ما كرهه الله، وسخطه ~~ولكن إذا كان الله خلق هذا المكروه لحكمة يحبها؛ فالعارف هو أيضا يكرهه ~~ويبغضه كما كرهه الله؛ ولكن يحب الحكمة التي خلق لأجلها فيكون حبه وعلمه ~~موافقا لعلم الله وحبه لا مخالفا. والله عليم حكيم؛ فهو يعلم الأشياء على ~~ما هي عليه وهو حكيم فيما يحبه ويريده ويتكلم به وما يأمر به ويفعله. فإن ~~كان يعلم أن الفعل الفلاني والشيء الفلاني متصف بما هو مذموم لأجله مستحق ~~للبغض والكراهة كان من حكمته أن يبغضه ويكرهه؛ وإذا كان يعلم أن في وجوده ~~حصول حكمة محبوبة محمودة كان من حكمته أنه يخلقه ويريده لأجل تلك الحكمة ~~المحبوبة التي هي وسيلة إلى حصوله. وإذا قيل: إن هذا " الوسط " يحب باعتبار ~~أنه وسيلة إلى محبوب لذاته، ويبغض باعتبار ما اتصف به من الصفات المذمومة ~~كان هذا حسنا كما تقول إن الإنسان قد يبغض الدواء من وجه ويحبه من وجه ~~وكذلك أمور كثيرة تحب من وجه وتبغض من وجه. # PageV08P363 # وأيضا يحب الفرق بين أن يكون مضرا بالشخص مكروها له بكل اعتبار وبين أن ~~يكون الله خلقه لحكمة في ذلك. وإذا كان الله خلق كل شيء لحكمة له في ذلك ~~فإذا شهد العبد أن له حكمة ورأى هذا مع الجمع الذي يشترك فيه المخلوقات فلا ~~يمنعه ذلك أن يشهد ما بينهما من الفرق الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل ~~النار؛ بل لا بد من شهود هذا الفرق في ذلك الجمع وهذا الشهود مطابق لعلم ~~الله وحكمته والله أعلم. وقد قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ms2609 وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه ~~من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد، وقال في الذين يحبهم ~~ويحبونه: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} . فلا بد لمحب الله ~~من متابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله؛ بل هذا لازم لكل مؤمن. قال ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله # PageV08P364 # ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون} فهذا حب المؤمن لله. # وأما " المحبة الشركية " فليس فيها متابعة للرسول ولا بغض لعدوه ومجاهدة ~~له كما يوجد في اليهود والنصارى والمشركين يدعون محبة الله ولا يتابعون ~~الرسول ولا يجاهدون عدوه. وكذلك " أهل البدع " المدعون للمحبة لهم من ~~الإعراض عن اتباع الرسول بحسب بدعتهم وهذا من حبهم لغير الله وتجدهم من ~~أبعد الناس عن موالاة أولياء الرسول ومعاداة أعدائه والجهاد في سبيله لما ~~فيهم من البدع التي هي شعبة من الشرك. والذين ادعوا المحبة من " الصوفية " ~~وكان قولهم في القدر من جنس قول الجهمية المجبرة هم في آخر الأمر لا يشهدون ~~للرب محبوبا إلا ما وقع وقدر وكل ما وقع من كفر وفسوق وعصيان فهو محبوبه ~~عندهم فلا يبقى في هذا الشهود فرق بين موسى وفرعون ولا بين محمد وأبي جهل ~~ولا بين أولياء الله وأعدائه ولا بين عبادة الله وحده وعبادة الأوثان؛ بل ~~هذا كله عند الفاني في توحيد الربوبية سواء؛ ولا يفرق بين حادث وحادث إلا ~~من جهة ما يهواه ويحبه؛ وهذا هو الذي اتخذ إلهه هواه إنما يأله ويحب ما ~~يهواه وهو وإن كان عنده محبة لله فقد اتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب ~~الله وهم # PageV08P365 # من يهواه؛ هذا ما دام فيه محبة لله؛ وقد ينسلخ منها حتى يصير إلى التعطيل ~~كفرعون وأمثاله الذي هو أسوأ حالا من مشركي العرب ونحوهم. ولهذا هؤلاء ~~يحبون بلا ms2610 علم ويبغضون بلا علم والعلم ما جاء به الرسول كما قال: {فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم} وهو الشرع المنزل ولهذا كان الشيوخ العارفون ~~كثيرا ما يوصون المريدين باتباع العلم والشرع كما قد ذكرنا قطعة من كلامهم ~~في غير هذا الموضع؛ لأن الإرادة والمحبة إذا كانت بغير علم وشرع كانت من ~~جنس محبة الكفار وإرادتهم، فهؤلاء السالكون المريدون الصوفية والفقراء ~~الزاهدون العابدون الذين سلكوا طريق المحبة والإرادة إن لم يتبعوا الشرع ~~المنزل والعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحبون ما أحب الله ~~ورسوله ويبغضون ما أبغض الله ورسوله وإلا أفضى بهم الأمر إلى شعب من شعب ~~الكفر والنفاق. ولا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر. ومن الإيمان بما أخبر الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به ~~رسوله فمن نفى الصفات فقد كذب خبره. ومن الإيمان بما أمر فعل ما أمر، وترك ~~ما حظر ومحبة الحسنات وبغض # PageV08P366 # السيئات ولزوم هذا الفرق إلى الممات فمن لم يستحسن الحسن المأمور به ولم ~~يستقبح السيئ المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء. كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} . وكما قال في الحديث ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما من ~~نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون ~~بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ~~ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو ~~مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} رواه ~~مسلم. فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي ~~يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء؛ ولهذا يوجد المبتدعون الذين ~~يدعون المحبة المجملة المشتركة ms2611 التي تضاهي محبة المشركين يكرهون من ينكر ~~عليهم شيئا من أحوالهم ويقولون: فلان ينكر وفلان ينكر وقد يبتلون كثيرا بمن ~~ينكر ما معهم من حق وباطل فيصير هذا يشبه النصراني الذي يصدق بالحق والباطل ~~ويحب الحق والباطل كالمشرك الذي يحب الله ويحب الأنداد وهذا كاليهودي الذي ~~يكذب بالحق والباطل ويبغض الحق والباطل فلا يحب الله ولا يحب الأنداد؛ بل ~~يستكبر عن عبادة الله كما استكبر فرعون وأمثاله. # PageV08P367 # وهذا موجود كثيرا في أهل البدع من أهل الإرادة والبدع من أهل الكلام ~~هؤلاء يقرون بالحق والباطل مضاهاة للنصارى، وهؤلاء يكذبون بالحق والباطل ~~مضاهاة لليهود وإنما دين الإسلام وطريق أهل القرآن والإيمان إنكار ما يبغضه ~~الله ورسوله، ومحبة ما يحبه الله ورسوله، والتصديق بالحق، والتكذيب بالباطل ~~فهم في تصديقهم ومحبتهم معتدلون يصدقون بالحق ويكذبون بالباطل ويحبون الحق ~~ويبغضون الباطل. يصدقون بالحق الموجود ويكذبون بالباطل المفقود ويحبون الحق ~~الذي يحبه الله ورسوله وهو المعروف الذي أمر الله ورسوله به، ويبغضون ~~المنكر الذي نهى الله ورسوله عنه وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا طريق المغضوب عليهم ~~الذين يعرفون الحق فلا يصدقون به ولا يحبونه، ولا الضالين الذين يعتقدون ~~ويحبون ما لم ينزل الله به سلطانا. و (المقصود هنا) أن ### | المحبة الشركية # البدعية هي التي أوقعت هؤلاء في أن آل أمرهم إلى أن لا يستحسنوا حسنة ولا ~~يستقبحوا سيئة؛ لظنهم أن الله لا يحب مأمورا ولا يبغض محظورا فصاروا في هذا ~~من جنس من أنكر أن الله يحب شيئا ويبغض شيئا كما هو قول الجهمية نفاة ~~الصفات وهؤلاء قد يكون أحدهم مثبتا لمحبة الله ورضاه وفي أصل اعتقاده إثبات ~~الصفات لكن إذا جاء إلى القدر لم يثبت شيئا غير الإرادة الشاملة وهذا وقع ~~فيه # PageV08P368 # طوائف من مثبتة الصفات تكلموا في القدر بما يوافق رأي جهم والأشعرية ~~فصاروا مناقضين لما أثبتوه من الصفات كحال صاحب " منازل السائرين " وغيره. ~~وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء: مثل الجنيد بن ms2612 محمد ~~وأتباعه ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله فهؤلاء من أعظم الناس لزوما للأمر ~~والنهي وتوصية باتباع ذلك وتحذيرا من المشي مع القدر كما مشى أصحابهم أولئك ~~وهذا هو " الفرق الثاني " الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه. والشيخ عبد ~~القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور، وترك المحظور والصبر على المقدور ~~ولا يثبت طريقا تخالف ذلك أصلا لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند ~~المسلمين ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي كما أصاب ~~أولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية وغابوا عن الفرق الإلهي ~~الديني الشرعي المحمدي الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه، ويثبت أنه لا إله ~~إلا هو. وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك فإن كثيرا من ~~المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت ~~له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة، فإن لم يكن ~~معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التي تميز ~~بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين # PageV08P369 # ما أمر به الرسول وبين ما نهى عنه وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن ~~هذا فإن الربوبية العامة قد أقر بها المشركون الذين قال فيهم: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} . وإنما يصير الرجل مسلما حنيفا موحدا إذا ~~شهد: أن لا إله إلا الله. فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدا في تألهه ~~ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه وإسلامه له ودعائه له والتوكل عليه ~~وموالاته فيه؛ ومعاداته فيه؛ ومحبته ما يحب؛ وبغضه ما يبغض ويفنى بحق ~~التوحيد عن باطل الشرك؛ وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ما سوى الله ~~بتأله الله تحقيقا لقوله: لا إله إلا الله فينفي ويفنى من قلبه تأله ما ~~سواه؛ ويثبت ويبقي في قلبه تأله الله وحده؛ وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم - في الحديث الصحيح -: {من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل ~~الجنة} ms2613 وفي الحديث الآخر: {من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة} ~~وقال في الصحيح: {لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنها حقيقة دين الإسلام ~~فمن مات عليها مات مسلما} . والله تعالى قد أمرنا ألا نموت إلا على الإسلام ~~في غير موضع. كقوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} وقال الصديق {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} والصحيح من القولين ~~أنه لم يسأل الموت ولم يتمنه. وإنما سأل أنه إذا مات يموت على الإسلام؛ ~~فسأل الصفة لا الموصوف كما أمر الله بذلك؛ وأمر به خليله إبراهيم وإسرائيل؛ ~~وهكذا قال غير واحد من العلماء؛ منهم ابن عقيل وغيره. والله تعالى أعلم. # PageV08P370 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في " استطاعة العبد " هل هي مع فعله أم ~~قبله؟ وجعلوها قولين متناقضين فقوم جعلوا الاستطاعة مع الفعل فقط وهذا هو ~~الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا ~~وغيرهم. وقوم جعلوا الاستطاعة قبل الفعل وهو الغالب على النفاة من المعتزلة ~~والشيعة وجعل الأولون القدرة لا تصلح إلا لفعل واحد إذ هي مقارنة له لا ~~تنفك عنه وجعل الآخرون الاستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين ولا تقارن الفعل ~~أبدا والقدرية أكثر انحرافا؛ فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال فإن ~~عندهم أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال سواء في ذلك ~~القدرة والإرادة والأمر. # PageV08P371 # والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة: أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ~~ومقارنة له أيضا وتقارنه أيضا استطاعة أخرى لا تصلح لغيره. فالاستطاعة " ~~نوعان ": متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل فتلك هي ~~المصححة للفعل المجوزة له وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له. قال الله ~~تعالى في الأولى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . ولو ~~كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج ولما ~~عصى أحد بترك الحج ms2614 ولا كان الحج واجبا على أحد قبل الإحرام به؛ بل قبل ~~فراغه. وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} فأمر بالتقوى بمقدار ~~الاستطاعة ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما ~~فعل فقط إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة. وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} و " الوسع " الموسوع وهو الذي تسعه وتطيقه فلو أريد به المقارن ~~لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات. وقال ~~تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} والمراد به الاستطاعة المتقدمة؛ وإلا كان المعنى فمن ~~لم يفعل الصيام فإطعام ستين فيجوز حينئذ الإطعام لكل من لم يصم ولا يكون ~~الصوم واجبا على أحد حتى يفعله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم} ولو أريد به المقارنة فقط لكان المعنى: فأتوا ~~منه ما فعلتم # PageV08P372 # فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه؛ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن حصين: {صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} ولو ~~أريد المقارن لكان المعنى: فإن لم تفعل فتكون مخيرا ونظائر هذا متعددة فإن ~~كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة، وعدمه بعدمها لم يرد به ~~المقارنة وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها وقد أسقطها ~~عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور. وأما " الاستطاعة ~~المقارنة الموجبة " فمثل قوله تعالى {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون} وقوله: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون ~~سمعا} فهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة إذ الأخرى لا بد منها في ~~التكليف. " فالأولى " هي الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس. و " الثانية ": هي ~~الكونية التي هي مناط القضاء والقدر وبها يتحقق وجود الفعل فالأولى للكلمات ~~الأمريات الشرعيات و " الثانية " للكلمات الخلقيات الكونيات. ms2615 كما قال: ~~{وصدقت بكلمات ربها وكتبه} . وقد اختلف الناس في قدرة العبد على خلاف معلوم ~~الحق أو مراده # PageV08P373 # والتحقيق أنه قد يكون قادرا بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل ~~فإن الله قادر أيضا على خلاف المعلوم والمراد وإلا لم يكن قادرا إلا على ما ~~فعله وليس العبد قادرا على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل فإنه لا يكون إلا ما ~~علم الله كونه وأراد كونه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك ~~قول الحواريين: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} إنما ~~استفهموا عن هذه القدرة وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه [أي فسر] (*) ~~بالقدرة كما يقال للرجل؛ هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي هل تفعله؟ وهو مشهور في ~~كلام الناس. ولما اعتقدت القدرية أن الأولى كافية في حصول الفعل وأن العبد ~~يحدث مشيئته جعله مستغنيا عن الله حين الفعل كما أن الجبرية لما اعتقدت أن ~~الثانية موجبة للفعل وهي من غيره رأوه مجبورا على الفعل وكلاهما خطأ قبيح ~~فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع ~~من كتابه: {فمن شاء ذكره} {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} {فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} {لمن شاء منكم أن يستقيم} {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} . فإذا كان الله قد جعل العبد مريدا ~~مختارا شائيا امتنع أن يقال هو مجبور مقهور مع كونه قد جعل مريدا. وامتنع ~~أن يكون هو الذي ابتدع لنفسه المشيئة فإذا قيل هو مجبور على أن يختار مضطر ~~إلى أن يشاء فهذا لا نظير له PageV08P374 # وليس هو المفهوم من الجبر بالاضطرار ولا يقدر على ذلك إلا الله. ولهذا ~~افترق القدرية والجبرية على طرفي نقيض وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ما نفاه ~~فأبو الحسين البصري ومن وافقه من القدرية يزعمون: أن العلم بأن العبد يحدث ~~أفعاله وتصرفاته: علم ضروري وأن جحد ذلك سفسطة. وابن الخطيب ونحوه من ~~الجبرية ms2616 يزعمون أن العلم بافتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من غير ~~العبد ضروري؛ لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ~~إلا بمرجح وكلا القولين صحيح؛ لكن دعوى استلزام أحدهما نفي الآخر ليس ~~بصحيح؛ فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث ~~فالعبد فاعل صانع محدث وكونه فاعلا صانعا محدثا بعد أن لم يكن لا بد له من ~~فاعل كما قال: {لمن شاء منكم أن يستقيم} فإذا شاء الاستقامة صار مستقيما ثم ~~قال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} . فما علم بالاضطرار وما ~~دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق؛ ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا ~~بالله والعبد فقير إلى الله فقرا ذاتيا له في ذاته وصفاته وأفعاله مع أن له ~~ذاتا وصفات وأفعالا فنفي أفعاله كنفي صفاته وذاته وهو جحد للحق شبيه بغلو ~~غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق أو جعل شيء منه مستغنيا عن الله أو ~~كائنا بدونه جحد للحق شبيه بغلو الذي قال: # PageV08P375 # {أنا ربكم الأعلى} وقال إنه خلق نفسه وإنما الحق ما عليه أهل السنة ~~والجماعة. وإنما الغلط في اعتقاد تناقضه بطريق التلازم وأن ثبوت أحدهما ~~مستلزم لنفي الآخر فهذا ليس بحق وسببه كون العقل يزيد على المعلوم المدلول ~~عليه ما ليس كذلك وتلك الزيادة تناقض ما علم ودل عليه. # PageV08P376 # وقال الشيخ - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما السؤال: عن " تعليل أفعال الله ". فالذي عليه جمهور المسلمين - من ~~السلف والخلف - أن الله تعالى يخلق لحكمة ويأمر لحكمة وهذا مذهب أئمة الفقه ~~والعلم ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكلام: من المعتزلة والكرامية وغيرهم. ~~وذهب طائفة من أهل الكلام ونفاة القياس إلى نفي التعليل في خلقه وأمره وهو ~~قول الأشعري ومن وافقه وقالوا: ليس في القرآن لام تعليل في فعل الله وأمره ~~ولا يأمر الله بشيء لحصول مصلحة ولا دفع مفسدة بل (ما يحصل من مصالح العباد ~~ومفاسدهم) بسبب من الأسباب فإنما خلق ذلك عندها لا أنه يخلق هذا ms2617 لهذا ولا ~~هذا لهذا واعتقدوا أن التعليل يستلزم الحاجة والاستكمال بالغير وأنه يفضي ~~إلى التسلسل. والمعتزلة: أثبتت التعليل لكن على أصولهم الفاسدة في التعليل ~~والتجويز # PageV08P377 # وأما أهل الفقه والعلم وجمهور المسلمين الذين يثبتون التعليل فلا يثبتونه ~~على قاعدة القدرية ولا ينفونه نفي الجهمية وقد بسطت الكلام على هذه المسألة ~~في مواضع. لكن قول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول ~~الصريح وبه يثبت أن الله حكيم فإنه من لم يفعل شيئا لحكمة لم يكن حكيما ~~والكلام في هذا يبنى على أصول. (أحدها) : إثبات محبة الله ورضاه وأنه يستحق ~~أن يعبد لذاته ويحب لذاته وليس شيء سواه يستحق أن يحب إلا هو، وكل محبة ~~لغيره فهي فاسدة وهذا من معاني الإلهية فإن " الإله " هو المألوه: الذي ~~يستحق أن يؤله فيعبد والعبادة تجمع غاية الذل وغاية الحب وهذا لا يستحقه ~~إلا هو وهو سبحانه يحمد نفسه ويثني على نفسه ويمجد نفسه ويفرح بتوبة ~~التائبين؛ ويرضى عن عباده المؤمنين. و " الحمد " هو الإخبار بمحاسن المحمود ~~مع المحبة لها. فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدا ~~ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدا. والرب - سبحانه وتعالى - إذا حمد ~~نفسه فذكر أسماءه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة وأحب نفسه المقدسة ~~فكان هو الحامد والمحمود والمثني والمثنى عليه والممجد والممجد والمحب ~~والمحبوب كان هذا غاية # PageV08P378 # الكمال؛ الذي لا يستحقه غيره ولا يوصف به إلا هو. وهو سبحانه رب كل شيء؛ ~~فلا يكون شيء إلا به وهو الإله الذي لا إله إلا هو ولا يجوز أن نعبد إلا هو ~~فما لا يكون به لا يكون؛ وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم وكل عمل لم يرد ~~به وجهه فهو باطل؛ {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وهو الذي ~~جعل المسلم مسلما؛ والمصلي مصليا والتائب تائبا والحامد حامدا فإذا يسر ~~عبده لليسرى فتاب إليه وفرح الله بتوبته وشكره فرضي بشكره وعمل صالحا ~~فأحبه؛ لم يكن المخلوق هو الذي جعل ms2618 الخالق راضيا محبا فرحا بتوبته؛ بل الرب ~~هو الذي جعل المخلوق فاعلا لما يفرحه ويرضيه ويحبه وكل ذلك حاصل بمشيئته ~~وقدرته لا شريك له في إحداث شيء من المحدثات ولا هو مفتقر إلى غيره بوجه من ~~الوجوه؛ بل هو الغني عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما سواه فقير إليه من كل ~~وجه فإذا خلق شيئا لحكمة يحبها ويرضاها لم يجز أن يقال هو مفتقر إلى غيره ~~إلا إذا كان هناك خالق غيره يفعل ما يحبه ويرضاه وهذا يجيء على قول ~~القدرية: الذين يزعمون أنه لم يخلق أفعال العباد وأن الطاعات وجدت بدون ~~قدرته وخلقه فإذا قيل: إنه يحبها ويرضاها لزم أن يكون المخلوق جعله كذلك. ~~وأما على قول أهل السنة - الذين يقولون: إنه خالق كل شيء من # PageV08P379 # أفعال العباد وغيرها فلم يوجد إلا ما خلقه هو وله في ذلك من الحكمة ~~البالغة ما يعلمه هو على وجه التفصيل. وقد يعلم بعض عباده من ذلك ما يعلمه ~~إياه إذ لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وأما كون ذلك يستلزم قيام ~~الأمور الاختيارية بذاته فهذا قول السلف وأئمة الحديث والسنة وكثير من أهل ~~الكلام. وأما كون ذلك يستلزم التسلسل في المستقبل فإنه إذا خلق شيئا لحكمة ~~توجد بعد وجوده وتلك الحكمة لحكمة أخرى لزم التسلسل في المستقبل فهذا جائز ~~عند المسلمين وغيرهم ممن يقول بدوام نعيم أهل الجنة وإنما يخالف في ذلك من ~~شك: كالجهم بن صفوان الذي يقول: بفناء الجنة والنار وكأبي الهذيل الذي ~~يقول: بانقطاع حركات أهل الجنة والنار. فإن هذين ادعيا امتناع وجود ما لا ~~يتناهى في الماضي والمستقبل. وخالفهم جماهير المسلمين. و (الجواب الثاني) : ~~أن يقال التسلسل نوعان: (أحدهما) : في الفاعلين. وهو أن يكون لكل فاعل ~~فاعل، فهذا باطل بصريح العقل، واتفاق العقلاء. و (الثاني) : التسلسل في ~~الآثار؛ مثل أن يقال: إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ويقال: إن كلمات الله ~~لا نهاية لها. فهذا التسلسل يجوزه أئمة # PageV08P380 # أهل الملل. وأئمة الفلاسفة ms2619 ولكن الفلاسفة يدعون قدم الأفلاك. وأن حركات ~~الفلك لا بداية لها ولا نهاية لها. هذا كفر مخالف لدين الرسل. وهو باطل في ~~صريح المعقول. وكذلك القول: بأن الرب لم يكن يمكنه أن يتكلم ولا يفعل ~~بمشيئته ثم صار يمكنه الكلام والفعل بمشيئته كما يقول ذلك الجهمية ~~والقدرية. ومن وافقهم من أهل الكلام قول باطل. وهو الذي أوقع الاضطراب بين ~~ملاحدة المتفلسفة ومبتدعة أهل الكلام. في هذا الباب والكلام على هذه الأمور ~~مبسوط في موضعه وهذه مطالب غالية. إنما يعرف قدرها من عرف مقالات الناس ~~والإشكالات اللازمة على كل قول حتى أوقعت كثيرا من فحول النظار في بحور ~~الشك والارتياب وهي مبسوطة في غير هذا الموضع # PageV08P381 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله: # فصل: # حدثني بعض ثقات أصحابنا: أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب عاد ~~شيخنا أبا زكريا بن الصرمي وعنده جماعة فسألوه الدعاء. فقال في دعائه: ~~اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسموات والأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها. قالتا أتينا طائعين. افعل كذا وكذا. قال أبو عبد الوهاب: ولم أخاطبه ~~فيه بحضرة الناس حتى خلوت به وقلت له: هذا لا يقال لو قلت: قدرت بها على ~~خلقك (*) جاز فأما قدرت بها أن تقول فلا يجوز لأن هذا يقتضي أن يكون قوله ~~مقدورا له مخلوقا وذكر لي الحاكي - وهو من فضلاء أصحاب الشافعي - أنه بلغ ~~الإمام أبا زكريا النواوي فلم يتفطن لوجه الإنكار في هذا الدعاء حتى تبين ~~له فعرف ذلك. قلت: هذه المسألة مثل مسألة المشيئة وهو قولنا يتكلم إذا شاء ~~فإن PageV08P382 # ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة فإن ما شاء الله كان ولا يكون شيء ~~إلا بقدرته وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة فإنه لا ~~يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به ~~المشيئة وكذلك بالعكس وما لا فلا ولهذا قال: {إن الله على كل شيء قدير} ~~والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئا كنال ms2620 ينال نيلا ثم وضعوا المصدر موضع ~~المفعول فسموا المشيء شيئا كما يسمى المنيل نيلا فقالوا: نيل المعدن وكما ~~يسمى المقدور قدرة والمخلوق خلقا فقوله: {على كل شيء قدير} أي على كل ما ~~يشاء؛ فمنه ما قد شيء فوجد ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه ~~قابل لأن يشاء وقوله: {على كل شيء} يتناول ما كان شيئا في الخارج والعلم أو ~~ما كان شيئا في العلم فقط بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق ~~تعالى وصفاته أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا اتفق الناس ~~على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء وتنازعوا في المعدوم الممكن: فذهب فريق من ~~أهل الكلام من المعتزلة والرافضة وبعض من وافقهم من ضلال الصوفية: إلى أنه ~~شيء في الخارج لتعلق الإرادة والقدرة به وهذا غلط. وإنما هو معلوم لله ~~ومراد له إن كان مما يوجد وليس له في نفسه لا موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا ~~بل وجوده وثبوته وحصوله شيء واحد وماهيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده ~~وحصوله وثبوته ليس في # PageV08P383 # الخارج شيئان وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق. # إذا عرف ذلك فهذه المسألة مبنية على " مسألة كلام الله ونحو ذلك من صفاته ~~" هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته؟ أو ~~يقال: إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء وأنها مع ذلك صفات فعلية وهذا فيه ~~قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة. " قلت ": وهذا الدعاء الذي دعا به ~~الشيخ أبو زكريا مأثور عن الإمام أحمد ومن هناك حفظه الشيخ والله أعلم فإنه ~~كان كثير المحبة لأحمد وآثاره والنظر في مناقبه وأخباره وقد ذكروه في ~~مناقبه ورواه الحافظ البيهقي في مناقب أحمد وهي رواية الشيخ أبي زكريا عن ~~الحافظ عبد القادر الرهاوي إجازة وقد سمعوها عليه عنه إجازة قال البيهقي: ~~وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة حدثني أبو بكر محمد بن إسماعيل بن ~~العباس حدثني أبو محمد عبد ms2621 الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي. حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن يعقوب الصفار. قال: كنا عند أحمد بن حنبل فقلنا: ادع الله لنا ~~فقال: " اللهم إنك تعلم أنا نعلم أنك لنا على أكثر ما نحب فاجعلنا نحن لك ~~على ما تحب ". قال ثم جلست ساعة فقيل له: يا أبا عبد الله زدنا فقال: اللهم ~~إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين، اللهم وفقنا لمرضاتك؛ اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك؛ ونعوذ ~~بك من الذل إلا لك اللهم لا تكثر فنطغى ولا تقل علينا فننسى # PageV08P384 # وهب لنا من رحمتك وسعة من رزقك تكون بلاغا في دنياك وغنى من فضلك قلت: ~~هذا على المعنى المتقدم موافق لقوله: يتكلم إذا شاء فجعله معلقا بالقدرة ~~والمشيئة وإن جعل القول هنا عبارة عن سرعة التكوين بلا قول حقيقي فهذا خلاف ~~ما احتج به أحمد في كتاب الرد على الجهمية في هذه فإنه احتج بهذه الآية على ~~أن الكلام لا يقف على لسان وأدوات. # PageV08P385 # ما قول أهل الإسلام الراسخين في جذر الكلام الباسقين في فن الأحكام حياكم ~~العلام في صدور دار السلام؛ وحباكم القيام بتوضيح ما استبهم على الأفهام في ~~معتقد أهل السنة والجماعة. نضر الله أرواح السلف وكثر أعداد الخلف وأمدهم ~~بأنواع اللطف. بأن الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى ~~وبخلق العبد فحقيقة كسب العبد ما هي؟ وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود الفعل؟ ~~أم غير مؤثر؟ . فإن كان فيصير العبد مشاركا للخالق في خلق الفعل فلا يكون ~~العبد كاسبا؛ بل شريكا خالقا - وأهل السنة بررة برآء من هذا القول - وإن لم ~~يكن مؤثرا في وجود الفعل فقد وجد الفعل بكماله بالحق سبحانه وتعالى وليس ~~للعبد في ذلك شيء فلزم الجبر الذي يطوي بساط الشرع وأهل السنة الغراء ~~والمحجة البيضاء فارون من هذه الكلمة الشنعاء والعقيدة العوراء. ولم ينسب ~~إلى العبد الطاعة والعصيان والكفر والإيمان حتى يستحق الغضب والرضوان. فكيف ~~السلوك أيها الهداة ms2622 الأدلاء على اللحب المستقيم والمنهج القويم؟ وطرفي قصد ~~الأمور ذميم. فبينوا بيانا يطلق العقول من هذا العقال ويشفي القلوب من هذا ~~الداء العضال. أيدكم بروح القدس من له صفات الكمال # PageV08P386 # فأجاب الشيخ الإمام العالم الرباني، المقذوف في قلبه النور الإلهي الجامع ~~أشتات الفضائل، مفتي المسلمين تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - # قال: رضي الله عنه تلخيص الجواب: أن الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله ~~بنفع أو ضر كما قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فبين سبحانه أن ~~كسب النفس لها أو عليها والناس يقولون: فلان كسب مالا أو حمدا أو شرفا كما ~~أنه ينتفع بذلك ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها إذ كانوا في ~~أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم والله ~~سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة ~~منها كما قال سبحانه وتعالى: {أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي} ~~والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث ~~العلم والكمال فيه. ومن هنا ضلت " القدرية " حيث شبهوا أفعاله - سبحانه ~~وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا - بأفعال العباد وكانوا هم المشبهة في ~~الأفعال فاعتقدوا أن ما حسن منهم حسن منه مطلقا وما قبح منهم قبح منه مطلقا ~~بقدر علمهم وعقلهم أو ما علموا أنها إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه ~~صلاحهم # PageV08P387 # وفلاحهم؛ وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم والله سبحانه متعال عن أن ~~يلحقه ما لا يليق به سبحانه. وأما قوله: هل هو مؤثر في وجود الفعل أو غير ~~مؤثر؟ فالكلام في مقامين: (أحدهما) أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره؛ لأن ~~كسب العبد هو نفس فعله وصنعه فكيف يقال: هل يؤثر كسبه في فعله أو هل يكون ~~الشيء مؤثرا في نفسه؟ وإن حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة وقصد ~~الشيء ومحاولته فهذه كلها أفعال يقال ms2623 فيها ما يقال في أفعال البدن من قيام ~~وقعود. وأظن السائل فهم هذا وتشبث بقول من يقول: إن فعل العبد يحصل بخلق ~~الله عز وجل وكسب العبد. وتحقيق الكلام أن يقال: فعل العبد خلق لله - عز ~~وجل - وكسب للعبد؛ إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصل بكسبه: أي بقصده وتأخيه. ~~وكأنه قال: أفعاله الظاهرة تحصل بأفعاله الباطنة؛ وغير مستنكر عدم تجديد ~~هذا السؤال فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام. وحسن المسألة نصف العلم. إذا كان ~~السائل قد تصور السؤال. وإنما يطلب إثبات الشيء أو نفيه ولو حصل التصور ~~التام لعلم أحد الطرفين. # PageV08P388 # والمقام الثاني: في تحرير السؤال وجوابه - وهو أن يقال هل قدرة العبد ~~المخلوقة مؤثرة في وجود فعله فإن كانت مؤثرة لزم الشرك؛ وإلا لزم الجبر ~~والمقام مقام معروف؛ وقف فيه خلق من الفاحصين والباحثين والبصراء ~~والمكاشفين وعامتهم فهموا صحيحا. ولكن قل منهم من عبر فصيحا. فنقول: ~~التأثير اسم مشترك قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع ~~فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني وإنما هو ~~المعزو إلى أهل الضلال. وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات ~~الفعل. أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات. فهو أيضا ~~باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد ~~بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل. وهل هو إلا شرك دون شرك وإن ~~كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق. وإن أريد بالتأثير أن خروج ~~الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة. بمعنى أن القدرة ~~المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه وتعالى - الفعل بهذه القدرة. ~~كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث بالسحاب. وكما خلق جميع المسببات ~~والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق # PageV08P389 # وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات. وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى ~~قدرة العبد شركا وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا. وقد قال الحكيم ~~الخبير: {فأنزلنا ms2624 به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} . {فأنبتنا به حدائق ~~ذات بهجة} وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} . فبين أنه المعذب، ~~وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم وقال صلى الله ~~عليه وسلم {لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه فإن الله جاعل ~~بصلاتي عليه بركة ورحمة} . فالله سبحانه هو الذي يجعل الرحمة وذلك إنما ~~يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التحرير فنقول: خلق الله ~~سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب ويكون لأحد الكسبين تأثير في الكسب ~~الآخر بهذا الاعتبار ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة المعتبرة في الكسب ~~الثاني؛ فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لا محالة: من قصد ~~وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك ولهذا وجب أن ~~تكون مقارنة للفعل وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان. وأما القدرة التي هي ~~مناط الأمر والنهي فذاك حديث آخر ليس هذا موضعه. # PageV08P390 # وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال: القدرة مع الفعل ومن ~~قال: قبله، ومن قال: الأفعال كلها تكليف ما لا يطاق، ومن منع ذلك؛ وتقف على ~~أسرار المقالات وإذا أشكل عليك هذا البيان فخذ مثلا من نفسك: أنت إذا كتبت ~~بالقلم وضربت بالعصا ونجرت بالقدوم هل يكون القلم شريكك أو يضاف إليه شيء ~~من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره، وتجعل وجوده ~~كعدمه؟ أم يقال: به فعل وبه صنع - ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد ~~العبد ليست من فعله وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها والله سبحانه خلق ~~الأسباب ومسبباتها وجعل خلق البعض شرطا وسببا في خلق غيره وهو مع ذلك غني ~~عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها ~~والله عزيز حكيم. # وأما قوله: إذا نفينا التأثير لزم انفراد الله سبحانه بالفعل. ولزم ~~الجبر، وطي بساط الشرع الأمر والنهي. فنقول: إن أردت بالتأثير المنفي ~~التأثير على سبيل الانفراد في نفس الفعل أو في ms2625 شيء من صفاته فلقد قلت الحق ~~وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في القسم الثاني. وإن أردت به أن القدرة ~~وجودها كعدمها وأن الفعل لم يكن بها # PageV08P391 # ولم يصنع بها فهذا باطل كما تقدم بيانه وحينئذ لا يلزم الجبر بل ينبسط ~~بساط الشرع وينشر علم الأمر والنهي ويكون لله الحجة البالغة. فقد بان لك أن ~~إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الاستفصال، وبيان معنى التأثير ~~ركوب جهالات واعتقاد ضلالات ولقد صدق القائل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة ~~اشتراك الأسماء وبأن لك ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة. ارتباط ~~الأسباب بمسبباتها ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله تعالى في السموات ~~والأرض والدنيا والآخرة فإن اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال دخول في ~~الضلال، واعتقاد نفي أثرها وإلغاؤه ركوب المحال وإن كان لقدرة الإنسان شأن ~~ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله تعالى. فلعلك أن تقول بعد هذا ~~البيان: أنا لا أفهم الأسباب ولا أخرج عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد ~~القسمين وما أنت إن قلت هذا: إلا مسبوق بخلق من الضلال: {كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم} وموقفك هذا مفرق طرق إما إلى الجنة ~~وإما إلى النار فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيرا من حيث هي سبب كتأثير ~~القلم وليس لها تأثير من حيث الابتداع والاختراع ونضرب لك الأمثال لعلك ~~تفهم صورة الحال ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك وإثباتها ~~أسبابا موصولات هو عين تحقيق التوحيد عسى الله أن يقذف بقلبك نورا ترى هذا # PageV08P392 # البيان {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} فإن قلت: إثبات القدرة ~~سبب نفي للتأثير في الحقيقة فما بال الفعل يضاف إلى العبد؟ وما باله يؤمر ~~وينهى؟ ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا محض الجبر؟ وإذا كنت مشبها لقدرة الإنسان ~~بقلم الكاتب وعصا الضارب فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب؟ وأقول لك ~~الآن إن شاء الله وجب هداك بمعونة مولاك وإن لم تطلع من أسرار القدر إلا ms2626 ~~على مثل ضرب الأثر وألق السمع وأنت شهيد عسى الله أن يمدك بالتأييد. # اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة وله إرادة جازمة وقوة ~~صالحة وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية كقوله: {لمن شاء ~~منكم أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} {فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا} {فمن شاء ذكره} {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة} ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: {يعملون} {يفعلون} ~~{يؤمنون} {يكفرون} {يتفكرون} {يحافظون} {يتقون} . وكما أنا فارقنا مجوس ~~الأمة بإثبات أنه تعالى خالق فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب فاعل ~~صانع عامل والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون ~~الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة # PageV08P393 # ولا اختيار مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة. . . (1) بإطباق الأيدي ~~ومثله في الأناسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد تفرقة ~~بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده وزناه وسرقته وبين ارتعاش ~~المفلوج وانتفاض المحموم ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له مختار وأن ~~الثاني غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار. والمحكي عن جهم وشيعته " ~~الجبرية " أنهم زعموا: أن جميع أفاعيل العباد قسم واحد وهو قول ظاهر الفساد ~~وبما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال: إلى اختياري واضطراري واختص ~~المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه ولم يجئ في الشرائع ولا في كلام ~~حكيم أمر الأعمى بنقط المصحف والمقعد بالاشتداد أو المحموم بالسكون وشبه ~~ذلك وإن اختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء ~~أولى العقل من جميع الأصناف. فإن قيل: هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو ~~واقع بمشيئتي وإرادتي أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى؟ ~~وإذا خلق الأمر الموجب للفعل. فهل يتأتى ترك الفعل معه؟ أقصى ما في الباب ~~أن الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد وهذا جبر بتوسط الإرادة. ~~PageV08P394 # فنقول: الجبر المنفي هو الأول ms2627 كما فسرناه وأما إثبات القسم الثاني فلا ~~ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه ~~اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما ~~سمي جبرا إذا أمن من اللبس وعلم القصد قال علي رضي الله عنه في الدعاء ~~المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات ~~وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها. فبين أنه سبحانه ~~جبر القلوب على ما فطرها عليه: من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست ~~الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد ~~على الفطرة} وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل ~~تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم - في قوله {الجبار} قال ~~جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية ~~أهل البصائر والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد ~~وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز ~~الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضي ~~لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه. # فإن قلت: أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه ~~وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف انبنى الثواب والعقاب # PageV08P395 # على فعله وصح تسميته فاعلا على حقيقته وانبنى فعله على قدرته؟ . # فأقول: - والله الهادي إلى سواء الصراط - اعلم أن الله تعالى خلق فعل ~~العبد سببا مقتضيا لآثار محمودة أو مذمومة والعمل الصالح مثل صلاة أقبل ~~عليها بقلبه ووجهه وأخلص فيها وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات ~~والأعمال الصالحات يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه وانشراح في صدره ~~وطمأنينة في نفسه ومزيد في علمه وتثبيت في يقينه وقوة في عقله إلى غير ذلك ~~من قوة بدنه وبهاء وجهه وانتهائه عن الفحشاء والمنكر وإلقاء المحبة له في ~~قلوب الخلق ودفع البلاء عنه ms2628 وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه. ثم هذه الآثار ~~التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب مفضية إلى آثار أخر ~~من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا. ولهذا قيل: إن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وكذلك العمل السيئ مثل ~~الكذب - مثلا - يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب وقسوة وضيق في صدره ~~ونفاق واضطراب ونسيان ما تعلمه وانسداد باب علم كان يطلبه ونقص في يقينه ~~وعقله واسوداد وجهه وبغضه في قلوب الخلق واجترائه على ذنب آخر من جنسه أو ~~غير جنسه وهلم جرا. إلا أن يتداركه الله برحمته. # PageV08P396 # فهذه الآثار هي التي تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وإفضاء العمل ~~إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله - سبحانه وتعالى ~~- أسبابا إلى مسبباتها والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع وقد ربط ~~الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما ولو شاء أن لا ~~يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل إما أن لا يجعل في الطعام قوة أو ~~يجعل في المحل قوة مانعة أو بما يشاء سبحانه وتعالى ولو شاء أن يشبعه ~~ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل. كذلك في الأعمال: ~~المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة فإنه إنما سمي الثواب ثوابا؛ لأنه ~~يثوب إلى العامل من عمله: أي يرجع والعقاب عقابا لأنه يعقب العمل: أي يكون ~~بعده ولو شاء الله أن لا يثيبه على ذلك العمل إما بأن لا يجعل في العمل ~~خاصة تفضي إلى الثواب أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب أو غير ذلك لفعل - ~~سبحانه وتعالى - وكذلك في العقوبات. وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب باختيار ~~العبد ومشيئته. التي هي من فعل الله سبحانه وتعالى أيضا وحصول الشبع عقب ~~الأكل ليس للعبد فيه صنع ألبتة حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب ~~الموجبة له لم يطق وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره فلو شاء أن يدفع ~~أثر ms2629 ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه لم يقدر. # PageV08P397 # فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة لكن ~~العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة والأعمال الضارة أكثره غيب عن عقول ~~الخلق وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار. فبعث الله سبحانه ~~وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وحكمته في ذلك تضارع حكمته في جميع خلق الأسباب والمسببات. وما ذاك ~~إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته وأوجبت ~~ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم. وخلق أعمالهم ~~وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه وكذلك أهل النار كما قال: الصادق المصدوق ~~صلى الله عليه وسلم لما قيل: له {ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل ~~السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة} . فبين صلى ~~الله عليه وسلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى ~~السعادة وكذلك الشقي. وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتهيئة أسبابه ~~وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي إلى ~~السعادة أو الشقاوة. ولو شاء لفعله بلا عمل بل هو فاعله فإنه ينشئ للجنة ~~خلقا لما يبقى فيها من الفضل. يبقى أن يقال: فالحكمة الكلية التي اقتضت ما ~~اقتضته من الأسباب الأول # PageV08P398 # وحقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات الواقعة في ~~الأشخاص والأعيان إلى غير ذلك من كليات القدر التي لا تختص بمسألة خلق ~~أفعال العباد. وليس هذا الاستفتاء معقودا لها وتفسير جمل ذلك لا يليق بهذا ~~الموضع. فضلا عن بعض تفصيله. ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم ~~حكيم رحيم بهرت الألباب حكمته ووسعت كل شيء رحمته. وأحاط بكل شيء علمه ~~وأحصاه لوحه وقلمه وأن لله تعالى في قدره سرا مصونا وعلما مخزونا احترز به ms2630 ~~دون جميع خلقه واستأثر به على جميع بريته؛ وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ~~ولايته إلى جمل من ذلك وقد لا يؤذن لهم في ذكر ما وربما كلم الناس في ذلك ~~على قدر عقولهم وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا - تبارك وتعالى - عن شيء من ~~سر القدر وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم - سبحانه ~~وتعالى - أن هذا سره. وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق وفيه ضل ~~القائلون بقدم العالم، وأن صانعه موجب بذاته ومقتضي بنفسه اقتضاء العلة ~~للمعلول وأنه ليس في الإمكان أبدع مما صنع ودب بعض هذا الداء إلى بعض أهل ~~الكتاب وأتباع الرسل فقد قرروا انحصار الممكن في الموجود وكل ذلك طلبا ~~للاستراحة من مؤمنة تعليل الأفعال الإلهية ووجود الأسباب الحادثة للأمور ~~الحادثة وعلله أهل القدر بعللهم العائلة في التعديل والتجويز ووجوب رعاية ~~الصالح # PageV08P399 # أو الأصلح؛ ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم ولم يطرد لهم. ومن هنا ذهب ~~أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين والقول بقدم النور والظلمة وسلم بعض ~~السلامة - وإن كان فيه نوع من ظن السوء بالله وضرب من الجفاء - أكثر متكلمي ~~أهل الإثبات حيث ردوا الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة وأن إنشاءها جميع ~~الجائزات واقتضاءها كل الممكنات على نحو واحد ووتيرة واحدة وأنها بذاتها ~~تخصص وتميز. ولو خلط بهذا الكلام ضرب من وجوه الرحمة وأنواع الحكمة - ~~علمناها أو جهلناها - لكان أقرب إلى القبول. وبكل حال فلام التعليل في فعله ~~- سبحانه وتعالى - ليست على ما يعقله أكثر الخلق من لام التعليل في أفعالهم ~~ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون: مما أنار الله - سبحانه وتعالى - به قلوب ~~أوليائه وقذف في أفئدة أصفيائه ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل ~~الآثار، واعتصم فيما يبطن عن الأفهام بحبل أهل الأبصار. وفي هذا المقام ~~تعرف أولوا الألباب سر قوله: {سبقت رحمتي غضبي} وقوله: {الشر ليس إليك} ~~وقوله: {بيدك الخير} وقوله: {من شر ما # PageV08P400 # خلق} وقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} . {وأنا لا ندري أشر ms2631 أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} ؟ وما شاكل ذلك من أن الشر إما أن يحذف فاعله ~~أو يضاف إلى الأسباب أو يندرج في العموم وأما إفراده بالذكر مضافا إلى خالق ~~كل شيء فلا يقتضيه كلام حكيم لما توجبه الحقيقة المقتضية للأدب المؤسس لا ~~لمحض. . . (1) متميز. وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل وإنشاء ~~خلق لها وأما النار فلا تدخل إلا بعمل ولن يدخلها إلا أهل الدنيا ويعرف ~~حقيقة: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} مع أن السيئة من القدر، وقول الصديق وغيره من الصحابة: إن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان إلى غير ذلك مما فيه ما قد ~~لحظ كل ناظر منه شعبة من الحق وتعلق بسبب من الصواب وما يتبع وجوه الحق ~~ويؤمن بالكتاب كله إلا أولو الألباب وقليل ما هم فهذه إشارة يسيرة إلى كلي ~~التقدير. وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب. فإن الله ~~- عز وجل - خص الإنسان بأن علمه يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا. ~~وفي الآخرة أيضا أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته والوجوه التي خص ~~PageV08P401 # بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا أكثر من أن تحصى ~~وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه. وصح ~~إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا مع أنه خلق الله تعالى فإن الله تعالى خلق ~~العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملا قام به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة. ~~وأدنى أحوال " الفعل " أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد ~~إذا جعلت مفضية إلى أمور أخر فهل يصح تجريد العبد عنها؟ كلا ولم؟ . وأما " ~~الأمر " فإنه في حق المطيعين من الأسباب التي بها يكون الفعل منهم؛ فإنه ~~يبعث داعيتهم ثم إنه يوجب لهم الطاعة ومحض الانقياد والاستسلام فهو من جملة ~~القدر السابق لهم إلى السعادة وفي حق العاصين هو السبب الذي ms2632 يستحقون به ~~العصيان إذ لولا هو لما تميز مطيع من عاص. و " أيضا " في حقهم من القدر ~~السابق لهم إلى المعصية؛ ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا عن إدخال الأمر ~~والنهي في جملة المقادير. . . (1) يحل عقدة كثيرة هذا. . . (2) سبحانه ~~وتعالى لعلمه بالعواقب. وأما أمر العباد فظاهر العدم. . . (3) من المعاصي ~~في علمهم وأن قصدهم نفس صدور الفعل من الجميع فهو. . . (4) في ظاهر الأمر ~~الشرعي على لسان المرسلين بالكتب المنزلة والله PageV08P402 # كله. . . (1) مظهر أمر وحكم يمضيه فالإرادة والأمر كل منهما منقسم. . . ~~(2) عام الوقوع جامع للقسمين وإلى شرع وربما بعد وربما وقف. . . (3) القدر ~~له والخير كل الخير في نفوذه وهو خاص الوقوع بفرق إلى القسمين واضع الأشياء ~~في مراتبها. وإذا صح نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت فيه ولو أنه يخلق ~~الصفات. أفيحسن بالإنسان أن يقول: أسود وأحمر وطويل وقصير وذكي وبليد وعربي ~~وعجمي فيضيف إليه جميع الصفات التي ليس للإنسان فيها إرادة أصلا ألبتة ~~لقيامها به، وتأثيرها فيه تارة بما يلائمه وتارة بما ينافره ثم يستبعد أن ~~يضاف إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته المخلوقين أيضا؟ ثم ~~يقول: ليس للعبد في السيئ شيء فهل الجميع إلا له؟ بل ليست لأحد غيره؛ لكن ~~الله سبحانه وتعالى خلقها له وإضافة الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي ~~إضافته إلى صاحبه ومحله الذي هو فاعله وكاسبه وقد بينا الجبر المذموم ما ~~هو. # ونختم الكلام بكلام وجيز في ### | سبب الفرق بين الخلق والكسب. # فنقول: الخلق يجمع معنيين: أحدهما: الإبداع والبرء، والثاني: التقدير ~~والتصوير. PageV08P403 # فإذا قيل: خلق فلا بد أن يكون أبدع إبداعا مقدرا ولما كان - سبحانه ~~وتعالى - أبدع جميع الأشياء من العدم وجعل لكل شيء قدرا صح إضافة الخلق ~~إليه بالقول المطلق. والتقدير في المخلوق لازم إذ هو عبارة عن تحديده ~~والإحاطة به وهذا لازم لجميع الكائنات لا كما زعم من حسب أن الخلق في. . . ~~(1) ذوات المساحة وهي الأجسام مفرقا بين الخلق والأمر بذلك فإنه قول باطل ~~مبتدع والأمر هو كلامه كما فسره الأولون ms2633 والخلق مفسر. . . (2) يجعل الخلق ~~بإزاء إبداع الصور الذهنية وتقديرها ومنه تسمية. . . (3) اختلافا إذ هو صور ~~ذهنية ليس لها حقيقة خارجة عن الذهن و. . . (4) جعل الخلق بمعنى التقدير ~~فقط مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع بما قال. . . (5) سدى ما خلقت وكما قال ~~علي في تمثال صنعه: أنا خلقته والفرق. . . (6) الأولى من حيث إن تلك الصورة ~~مبتدعة لكان قولا. . . (7) يكون إلا الله سبحانه وتعالى صح وصفه سبحانه ~~بأنه خالق كل شيء. وأما الكسب فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره في ~~محله ولو لم يكن له عليه قدرة حتى يقال: الثوب قد اكتسب من ريح المسك، ~~والمسجد قد اكتسب الحرمة من أفعال العابدين والجلد قد اكتسب الحرمة لمجاورة ~~المصحف والثمرة قد اكتسبت لونا وريحا وطعما فكل محل تأثر عن شيء مؤثرا ~~وملائما ومنافرا صح وصفه بالاكتساب بناء على تأثره وتغيره وتحوله ~~PageV08P404 # من حال إلى حال والإنسان يتأثر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثر عن ~~الأفعال الاضطرارية فتورثه أخلاقا وأحوالا على أي حال كان حتى على رأي من ~~يطلق اسم الجبر على مجموع أفعاله فإنه يستيقن تأثير الأفعال الاختيارية في ~~نفسه بخلاف الاضطرارية اللهم إلا من حيث قد توجب الأفعال الاضطرارية أمرا ~~في نفسه فيكون ذلك اختيارا. ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه دون ~~قلبه إما بفعل الله تعالى كالأمراض والأسقام وإما بفعل العباد كالقيد ~~والحبس وأما أفعال روحه المنفوخة فيه؛ إذا حركت يديه فهي كلها اختيارية ومن ~~وجه قد بيناه كلها اضطرارية فاضطرارها هو عين. . . (1) واختيارها إنما هو ~~بالاضطرار وحقيقة الاضطرار هو أن اضطرار. . . (2) وربما أحبت من وجه وكرهت ~~من وجه آخر وهذا كله لا يمنع ورود التكليف واقتضاء الثواب والعقاب. هذا ~~الذي تيسر كتابته في الحال: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} والحمد لله ~~وحده. PageV08P405 # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~ابن تيمية رحمه الله ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم ~~أجمعين -: # في " أفعال العباد ": هل هي قديمة أم ms2634 مخلوقة حين خلق الإنسان؟ وما الحجة ~~على من يقول: إن سائر أفعال العباد من الحركات وغيرها من القدر الذي قدر ~~قبل خلق السموات والأرض؟ وفيمن لم يستثن في الأفعال الماضية كقول القائل: ~~هذه نخلة أو شجرة زيتون قطعا لم يقل شيئا إلا ويسترجع فيه المشيئة ويسأل ~~البسط في ذلك. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، " أفعال العباد " مخلوقة باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام: الإمام أحمد ومن قبله وبعده حتى ~~قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة، فهو بمنزلة من قال: إن ~~السماء والأرض غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد العطار: ما زلت أسمع أصحابنا ~~يقولون أفعال العباد مخلوقة. وكان السلف قد أظهروا ذلك لما أظهرت القدرية ~~أن أفعال العباد غير # PageV08P406 # مخلوقة لله وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله فبين السلف ~~والأئمة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها. ثم لما أظهر طائفة من ~~المنتسبين إلى السنة أن ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة وأنكر الإمام أحمد ~~ذلك وبدع من قاله ثم لما مات قام بعده صاحبه أبو بكر المروذي فصنف في ذلك ~~مصنفا ذكره أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " وذكر مسألة أبي طالب لما أنكر ~~عليه أحمد القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق والجهمية أول من قال اللفظ ~~بالقرآن مخلوق ورواه عنه ابناه صالح وعبد الله وحنبل ابن عمه والمروذي ~~وقوران وغيرهم من أجلاء أصحابه. وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من ~~علماء السنة من قال: إن أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة وصنف البخاري في ~~ذلك مصنفا كما أنهم بدعوا وجهموا من قال: إن الله لا يتكلم بصوت أو إن حروف ~~القرآن مخلوقة. أو قالوا: إن اللفظ بالقرآن مخلوق فرد الأئمة هذه البدعة ~~كما ذكرنا ذلك مبسوطا في غير هذا الموضع. ولم يقل قط أحد لا من أصحاب أحمد ~~المعروفين ولا من غيرهم من العلماء المعروفين: إن أفعال العباد قديمة. ~~وإنما رأيت هذا قولا لبعض المتأخرين ms2635 بأرض العجم وأرض مصر من المنتسبين إلى ~~مذهب الشافعي أو أحمد فرأيت بعض المصريين يقولون: # PageV08P407 # إن أفعال العباد من خير وشر قديمة ويقولون: ليس مرادنا بالأفعال نفس ~~الحركات ولكن مرادنا الثواب الذي يكون عليها كما جاء في الحديث: {إن المؤمن ~~يرى عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح} واحتجوا على ذلك بأن الأفعال من ~~القدر والقدر سر الله وصفة من صفاته وصفاته قديمة. واحتجوا بأن الشرائع غير ~~مخلوقة لأنها أمر الله وكلامه والأفعال هي الشرائع فتكون قديمة. وهذا قول ~~في غاية الفساد وهو مخالف لنصوص أئمة الإسلام كلهم؛ وأحدهم الإمام أحمد ~~فإنه نص هو وغيره من الأئمة على أن الثواب الذي يعطيه الله على قراءة ~~القرآن مخلوق. فكيف بالثواب الذي يعطيه على سائر أعمال العباد. ولما احتج ~~الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن مخلوق بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ~~غيابتان أو فرقان من طير صواف ويأتي القرآن في صورة الرجل الشاحب} ونحو ذلك ~~قالوا: ومن يأتي ويذهب لا يكون إلا مخلوقا أجابهم الإمام أحمد بأن الله ~~تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإتيان بقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} وقال: {وجاء ربك والملك صفا ~~صفا} ومع هذا فلم يكن هذا دليلا على أنه مخلوق # PageV08P408 # بالاتفاق بل قد يقول القائل: جاء أمره وهكذا تقوله المعتزلة الذين ~~يقولون: القرآن مخلوق يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره ~~فلم لا يجوز أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه؟ ويكون المراد بقوله تجيء ~~البقرة وآل عمران بمجيء ثوابها وثوابها مخلوق. وقد ذكر هذا المعنى غير واحد ~~وبينوا أن المراد بقوله: {تجيء البقرة وآل عمران} أي: ثوابهما ليجيبوا ~~الجهمية الذين احتجوا بمجيء القرآن وإتيانه على أنه مخلوق فلو كان الثواب ~~أيضا الذي يجيء في صورة غمامة أو صورة شاب غير مخلوق لم يكن فرق بين القرآن ~~والثواب ولا كان حاجة إلى ms2636 أن يقولوا: يجيء ثوابه؟ ولا كان جوابهم للجهمية ~~صحيح بل كانت الجهمية تقول: أنتم تقولون إنه غير مخلوق؛ وأن ثوابه غير ~~مخلوق فلا ينفعكم هذا الجواب. فعلم أن أئمة السنة مع الجهمية كانوا متفقين ~~على أن ثواب قراءة القرآن مخلوق فكيف يكون ثواب سائر الأعمال؛ وهذا بين فإن ~~الثواب والعقاب هو ما وعد الله به عباده وأوعدهم به؛ فالثواب هو الجنة بما ~~فيها؛ والعقاب هو النار بما فيها؛ والجنة بما فيها مخلوق والنار بما فيها ~~مخلوق وقد ذكر الإمام أحمد هذه الحجة فيما كتبه في الرد على الزنادقة ~~والجهمية فقال: باب: ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي ~~رويت # PageV08P409 # {إن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب؛ فيأتي صاحبه فيقول: هل تعرفني؟ ~~فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أظمأت نهارك؛ وأسهرت ليلك؛ قال: ~~فيأتي به الله؛ فيقول: يا رب} فادعوا. أن القرآن مخلوق؛ فقلنا لهم: إن ~~القرآن لا يجيء بمعنى أنه قد جاء: {من قرأ: {قل هو الله أحد} فله كذا وكذا} ~~ألا ترون من قرأ: {قل هو الله أحد} لا يجيئه؛ بل يجيء ثوابه؛ لأنا نقرأ ~~القرآن فنقول لا يجيء؛ ولا يتغير من حال إلى حال. فبين أحمد أن الثواب هو ~~الذي يجيء؛ وهو المخلوق من العمل؛ فكيف بعقوبة الأعمال الذي تتغير من حال ~~إلى حال فإذا كان هذا ثواب {قل هو الله أحد} وهو ثواب القرآن فكيف ثواب ~~غيره وأما احتجاج المحتج بأن الأفعال قدر الله فيقال له: لفظ " القدر " ~~يراد به التقدير؛ ويراد به المقدر. فإن أردت أن أفعال العباد نفس تقدير ~~الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته؛ فهذا غلط وباطل. فإن ~~أفعال العباد ليست شيئا من صفات الله تعالى؛ وإن أردت أنها مقدرة قدرها ~~الله تعالى؛ فهذا حق، فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة؛ وقد ثبت في ~~الصحيح {أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة} وكل تلك المقدورات مخلوقة. # PageV08P410 # وثبت في الصحيحين ms2637 عن {عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق؛ إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر ~~بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح} ~~. فالرزق والأجل قدره كما قدر عمله؛ ومعلوم أن الرزق الذي يأكله مخلوق مع ~~أنه مقدر. فكذلك عمله؛ وكذلك سعادته وشقاؤه؛ وسعادته وشقاؤه هي ثواب العمل ~~وعقابه؛ وكل ذلك مقدر؛ كما أن الرزق مقدر والمقدر مخلوق. وأما قولهم؛ إن ~~الأعمال هي الشرائع والشرائع غير مخلوقة فيقال لهم أيضا لفظ الشرع يراد به ~~كلام الله الذي شرع به الدين ويراد به الأعمال المشروعة فإن هذه الألفاظ ~~يراد بها المصدر ويراد بها المفعول كلفظ " الخلق " ونحوه. فإن قلتم: إن ~~أعمال العباد هي الشرع الذي هو كلام الله فهذا باطل ظاهر البطلان. وإن ~~أردتم: أن الأعمال هي المشروعة بأمر الله بها فهذا حق؛ لكن أمر الله غير ~~مخلوق وأما المأمور به المكون بأمر الله أو الممتثل بأمر الله فإنه مخلوق ~~كما أن العبد المأمور مخلوق. # PageV08P411 # ولفظ " الأمر " يراد به المصدر والمفعول فالمفعول مخلوق كما قال: {أتى ~~أمر الله} وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} . فهنا المراد به المأمور به ~~ليس المراد به أمره الذي هو كلامه وهذه الآية التي احتج بها هؤلاء تضمنت ~~الشرع وهو الأمر والقدر وقد ضل في هذا الموضع فريقان: " الجهمية " الذين ~~يقولون: كلام الله مخلوق ويحتجون بقوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} . ~~ويقولون: ما كان مقدورا فهو مخلوق. وهؤلاء " الحلولية " الضالون الذين ~~يجعلون فعل العباد قديما بأنه أمر الله وقدره وأمره وقدره غير مخلوق. ومثار ~~الشبهة أن اسم " القدر " و " الأمر " و " الشرع " يراد به المصدر ويراد به ~~المفعول ففي قوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} المراد به المأمور به ~~المقدور وهذا مخلوق وأما في قوله: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} فأمره كلامه ~~إذ لم ms2638 ينزل إلينا الأفعال التي أمرنا بها وإنما أنزل القرآن وهذا كقوله: ~~{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فهذا الأمر هو كلامه. فإذا ~~احتج الجهمي الذي يئول أمره إلى أن يجعله حالا في المخلوقات بقوله: {وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا} قيل له المراد به المأمور به كما في قوله: {أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه} وكما يقال عن الحوادث التي يحدثها الله هذا أمر عظيم ~~وإذا احتج الحلولي الذي يجعل صفات الرب تقارن ذاته وتحل في # PageV08P412 # المخلوقات بقوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} وقال الأفعال قدره وأمره ~~وأمره غير مخلوق وقدره غير مخلوق. قيل له: أمره وقدره الذي هو صفته كمشيئته ~~وكلامه غير مخلوق فأما أمره الذي هو قدر مقدور فمخلوق فالمقدور مخلوق ~~والمأمور به مخلوق وإن سميا أمرا وقدرا. ثم يقال لهؤلاء الضالين: هب أن ~~المأمور به يسمى أمرا وشرعا فالمنهي عنه ليس هو مأمورا به ولا مشروعا وإنما ~~هو مخالفة للأمر والشرع وهو منهي عنه فكيف سميتم الكفر والفسوق والعصيان ~~شرائع وليست من الشرائع ولكن هي مما نهت عنه الشريعة ولما قال سبحانه: {ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} هل دخل في هذه الشريعة الكفر والفسوق ~~والعصيان وهل أمر الرسول باتباع ذلك وباجتنابه واتقائه. # وأما قول السائل: ما الحجة على من يقول: إن أفعال العباد من الحركات ~~وغيرها من القدر الذي قدر قبل خلق السموات والأرض؟ فيقال له: من قال هذا ~~القول فقد أحسن وأصاب وليس عليه حجة بل هذا الكلام حجة على نقيض مطلوبه فإن ~~لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن ~~عمرو عنه صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة} فقدر أعمالهم وأرزاقهم وصورهم وألوانهم وكل ~~ذلك مخلوق فدل ذلك على أن الأعمال من المقدورات المخلوقة وهل يقول عاقل: إن ~~عمل العبد كان موجودا # PageV08P413 # قبل وجوده وعمل العبد حركته التي نشأت عنه فكيف يكون ذلك ms2639 موجودا قبله. ~~ومن فسر كلامه وقال: إنا لم نرد الحركة ولكن أردنا ثوابها فيقال له كل ما ~~سوى الله فهو مخلوق وكلامه وصفاته ليست خارجة عن مسماه؛ بل كلامه داخل في ~~مسمى اسمه. ولو قال قائل: ما سوى الله وصفاته فهو مخلوق ليزيل هذه الشبهة ~~كان قد قصد معنى صحيحا وكذلك إذا قال كما قال من قال من السلف: الله الخالق ~~وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فهؤلاء استثنوا القرآن لئلا يتوهم المستمع أن القرآن المنزل مخلوق. ~~فإن الجهمية كانوا يقولون للناس: القرآن هو الله أو غير الله؟ فيجيبهم من ~~لا يفهم مقصودهم بأنه غير الله فيقولون كل ما سوى الله مخلوق فقال من قال ~~من السلف هذه العبارة لئلا يظن من لم يعرف مقاصد الجهمية أن القرآن مخلوق ~~لظنه أن ذلك يدخل في عموم قوله: وما سوى الله مخلوق فقالوا: إن ذلك لا يدخل ~~في عموم قوله: وما سوى الله مخلوق فقالوا: إلا القرآن فإنه ليس بمخلوق وإن ~~أدخله من أدخله في قول القائل وما سوى الله مخلوق فلما كان لفظ الغير ~~والسوى فيهما اشتراك فصفة الشيء تدخل تارة في لفظ الغير والسوى وتارة لا ~~تدخل والمخاطب ممن يفهم دخول القرآن في لفظ السوى استثناه السلف. # PageV08P414 # فأما أفعال العباد فلم يستثنها أحد من عموم المخلوقات إلا القدرية الذين ~~يقولون: إن الله لم يخلقها - من المعتزلة ونحوهم -. لكن هؤلاء يقولون: إنها ~~محدثة كائنة بعد أن لم تكن إلا هؤلاء الحلولية وما علمت أحدا من المتقدمين ~~قال: إن أفعال العباد من الخير أو الشر قديمة لا من أهل السنة ولا من أهل ~~البدعة إلا عن بعض متأخري المصريين وبلغني نحو ذلك عن بعض متأخري الأعاجم ~~ورأيت بعض شيوخ هؤلاء من الشاميين توقفوا عنها فقالوا: نقول هي مقضية مقدرة ~~ولا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة وبعض الناس فرق بأن أفعال الخير من الإيمان ~~وكلام السلف في " الإيمان " مذكور في غير هذا الموضع. وهذه ms2640 " الأقوال ~~الثلاثة " بقدمها أو قدم أفعال الخير والتوقف في ذلك أقوال فاسدة باطلة لم ~~يقلها أحد من الأئمة المشهورين ولا يقولها من يتصور ما يقول وإنما أوقع ~~هؤلاء فيها ما ظنوه في " مسألة اللفظ بالقرآن " و " مسألة التلاوة والمتلو ~~" و " مسألة الإيمان ". وقد أوضحنا مذاهب الناس في " مسألة القرآن " وبينا ~~القول الحق والوسط الذي كان عليه السلف والأئمة الموافق للمنقول والمعقول ~~وبينا انحراف المنحرفين من المثبتة والنفاة في غير هذا الموضع. # PageV08P415 # وقد آل الأمر بطائفة ممن يجعلون بعض صفات العبد قديما إلى أن جعلوا الروح ~~التي فيه قديمة وقالوا: بقدم النور القائم بالشمس والقمر ونحو ذلك من ~~المقالات التي بينا فسادها ومخالفتها للسلف والأئمة في غير هذا الموضع. ~~وهؤلاء يشتركون في القول بحلول بعض صفات الخالق في المخلوق وأما الجهمية ~~الذين هم شر من هؤلاء فيئول الأمر بهم إلى أن يجعلوا الخالق نفسه يحل في ~~المخلوقات كلها أو يجعلوه عين وجود المخلوقات وكان قد اجتمع شيخ هؤلاء ~~الحلولية الجهمية بشيوخ أولئك الحلولية الصفاتية. وبسبب هذه البدع وأمثالها ~~وغيرها من مخالفة الشريعة جرى ما جرى من المصائب على الأئمة. # والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا القول بالحلول وشبهوا هؤلاء ~~بالنصارى وقال - فيما كتبه من " الرد على الزنادقة والجهمية " قال: - فكان ~~مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان ~~له خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال لهم ~~السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا ~~وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا: ألست ~~تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم # PageV08P416 # نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا قالوا: فهل سمعت كلامه قال: لا. ~~قالوا: فشممت له رائحة. قال: لا. قالوا: فوجدت له حسا. قال: لا. قالوا: ~~فوجدت له مجسا. قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم ~~يدر من يعبد أربعين يوما؛ ثم ms2641 إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى؛ وذلك ~~أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى ابن مريم هو روح الله من ~~ذات الله؛ فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه؛ فتكلم على لسان خلقه ~~فيأمر بما شاء؛ وينهى عما يشاء وهو روح غائب عن الأبصار. فاستدرك الجهم حجة ~~فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟ قال: نعم قال: فهل رأيت روحك. قال: ~~لا. قال: فهل سمعت كلامه. قال: لا. قال: فوجدت له حسا أو مجسا. قال: لا. ~~قال: فكذلك الله لا ترى له وجها ولا تسمع له صوتا ولا تشم له رائحة وهو ~~غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان وتكلم في الرد عليهم إلى أن ~~قال: ثم إن الجهم ادعى أمرا آخر فقال: إنا وجدنا آية من كتاب الله تدل على ~~القرآن أنه مخلوق فقلنا: أي آية؟ فقال: قول الله: {إنما المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وكلمته} وعيسى مخلوق. فقلنا: إن الله منعك الفهم في القرآن ~~عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن؛ لأنه # PageV08P417 # يسميه مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر والنهي ~~يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا يحل لنا ~~أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في ~~عيسى ولكن المعنى في قول الله جل ثناؤه: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله وكلمته ألقاها إلى مريم} فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن ~~فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن كان بكن فالكن من الله قول وليس الكن ~~من الله مخلوقا. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن ~~الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة وقالت النصارى: ~~عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله. كما يقال: إن هذه ~~الخرقة من هذا الثوب. وقلنا: نحن إن عيسى بالكلمة كان. ms2642 وليس عيسى هو الكلمة ~~وأما قول الله وروح منه. يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: {وسخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض جميعا منه} يقول: من أمره وتفسير روح الله إنما ~~معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله كما يقال: عبد الله وسماء الله. ~~وبين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق فضلا عن أعمالهم فقال: # PageV08P418 # بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك؟ ~~قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا ~~فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فقلنا: فهل يجوز ~~لمكون غير الله أن يقول: يا موسى أنا ربك أو يقول: {إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} فمن زعم أن ذلك غير الله فقد ادعى ~~الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون: يا ~~موسى إن الله رب العالمين لا يجوز له أن يقول: إني أنا الله رب العالمين ~~وقد قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} وقال: {ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه} وقال: {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} فهذا ~~منصوص القرآن. فأما ما قالوا: إن الله لا يتكلم. ولا يكلم فكيف يصنعون ~~بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان} . وبسط ~~الكلام عليهم إلى أن قال: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا ~~يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم ولا ~~تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد ~~يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله ~~بخلقه حين # PageV08P419 # زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى ~~خلق التكلم فقد جمعتم ms2643 بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول: إن ~~الله لم يزل متكلما إذا شاء. ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق وذكر ~~تمام كلامه. فقد بين أن كلام الآدميين مخلوق خلقه الله وذلك أبلغ من نصه ~~على أن أفعال العباد مخلوقة مع نصه على الأمرين. وقال إذا أردت أن تعلم أن ~~الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان. ~~فقل: أليس الله كان ولا شيء فيقول: نعم فقل له: حين خلق خلقه خلقه في نفسه ~~أو خارجا عن نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحدة منها إن زعم أن الله ~~خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه. وإن قال: ~~خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في ~~مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن ~~قوله أجمع وهو قول أهل السنة. فقد بين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق ونص في ~~غير موضع على أن أفعالهم مخلوقة والنص على كلامهم أبلغ فإن الشبه فيه أظهر. ~~فمن قال: إن # PageV08P420 # كلام الآدميين أو أفعالهم قديمة فهو مبتدع مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~سلف الأمة وأئمتها. # فصل: # وأما الاستثناء في الماضي المعلوم المتيقن: مثل قوله هذه شجرة إن شاء ~~الله أو هذا إنسان إن شاء الله أو السماء فوقنا إن شاء الله. أو لا إله إلا ~~الله إن شاء الله. أو محمد رسول الله إن شاء الله. أو الامتناع من أن يقول ~~محمد رسول الله قطعا. وأن يقول: هذه شجرة قطعا فهذه بدعة مخالفة للعقل ~~والدين. ولم يبلغنا عن أحد من أهل " الإسلام " إلا عن طائفة من المنتسبين ~~إلى الشيخ أبي عمرو بن مرزوق ولم يكن الشيخ يقول بذلك ولا عقلاء أصحابه. ~~ولكن حدثني بعض الخبيرين أنه بعد موته تنازع صاحبان له: حازم وعبد الملك ~~فابتدع حازم هذه البدعة في الاستثناء ms2644 في الأمور الماضية المقطوع بها. وترك ~~القطع بذلك. وخالفه عبد الملك في ذلك موافقة لجماعة المسلمين وأئمة الدين. ~~وأما " الشيخ أبو عمرو " فكان أعقل من أن يدخل في مثل هذا # PageV08P421 # الهذيان فإنه كان له علم ودين وإن كان ما تقدم من مسألة قدم أفعال العباد ~~من خير وشر يعزى إليه. وقد أراني بعضهم خطه بذلك. فقد قيل: إنه رجع عن ذلك ~~وكان يسلك طريقة الشيخ أبي الفرج المقدسي الشيرازي ونقل عنه أنه كان يقف ~~ويقول: هي مقضية مقدرة، وأمسك. والشيخ أبو الفرج كان أحد أصحاب القاضي أبي ~~يعلى ولكن القاضي أبو يعلى لا يرضى بمثل هذه المقالات بل هو ممن يجزم بأن ~~أفعال العباد مخلوقة ولو سمع أحدا يتوقف في الكفر والفسوق والعصيان أنه ~~مخلوق - فضلا عن أن يقول إن أفعال العبد من خير وشر قديمة - لأنكر عليه ~~أعظم الإنكار. وإن كان في كلام القاضي مواضع اضطرب فيها كلامه وتناقض فيها ~~وذكر في موضع كلاما بنى عليه من وافقه فيه من أبنية فاسدة فالعالم قد يتكلم ~~بالكلمة التي يزل فيها فيفرع أتباعه عليها فروعا كثيرة كما جرى في مسألة " ~~اللفظ " و " كلام الآدميين " ومسألة " الإيمان " و " أفعال العباد ". فإن ~~السلف والأئمة - الإمام أحمد وغيره - لم يقل أحد منهم أن كلام الآدميين غير ~~مخلوق ولا قالوا: إنه قديم ولا أن أفعال العباد غير مخلوقة ولا أنها قديمة. ~~ولا قالوا أيضا: إن الإيمان قديم ولا أنه غير مخلوق ولا قالوا: إن لفظ ~~العباد بالقرآن مخلوق ولا أنه غير مخلوق ولكن منعوا من إطلاق # PageV08P422 # القول بأن الإيمان مخلوق. وأن اللفظ بالقرآن مخلوق؛ لما يدخل في ذلك من ~~صفات الله تعالى ولما يفهمه هذا اللفظ من أن نفس كلام الخالق مخلوق وأن نفس ~~هذه الكلمة مخلوق ومنعوا أن يقال: حروف الهجاء مخلوقة؛ لأن القائل هذه ~~المقالات يلزمه أن لا يكون القرآن كلام الله وأنه لم يكلم موسى. فجاء أقوام ~~أطلقوا نقيض ذلك فقال بعضهم: لفظي بالقرآن غير مخلوق فبدع الإمام أحمد ~~وغيره من الأئمة ms2645 من قال ذلك. وكذلك أطلق بعضهم القول بأن الإيمان غير ~~مخلوق. حتى صار يفهم من ذلك أن " أفعال العباد " التي هي إيمان غير مخلوقة ~~فجاء آخرون فزادوا على ذلك فقالوا كلام الآدميين مؤلف من الحروف التي هي ~~غير مخلوقة. فيكون غير مخلوق. وقال آخرون: فأفعال العباد كلها غير مخلوقة ~~والبدعة كلما فرع عليها وذكر لوازمها زادت قبحا وشناعة وأفضت بصاحبها إلى ~~أن يخالف ما يعلم بالاضطرار من العقل والدين. وقد بسطنا الكلام في هذا ~~وبينا اضطراب الناس في هذا في مسألة القرآن وغيرها. وهذا كما أن أقواما ~~ابتدعوا: أن حروف القرآن ليست من كلام الله # PageV08P423 # وأن كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر وهذا ~~الكلام فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح فإن المعنى الواحد لا يكون هو ~~الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر ولا يكون معنى التوراة والإنجيل والقرآن ~~واحدا وهم يقولون: إذا عبر عن ذلك الكلام بالعربية صار قرآنا وإذا عبر عنه ~~بالعبرية صار توراة وهذا غلط فإن التوراة يعبر عنها بالعربية ومعانيها ليست ~~هي معاني القرآن والقرآن يعبر عنه بالعبرية وليست معانيه هي معاني التوراة. # وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب ولكنه هو ومن اتبعه عليه: كالأشعري ~~وغيره يقولون مع ذلك: إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة متلو بالألسن حقيقة ~~مكتوب في المصاحف حقيقة. ومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله ~~معلوم بالقلوب ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن ومكتوب في المصاحف ~~كما أن الله مكتوب في المصاحف وهذا غلط في تحقيق مذهب ابن كلاب والأشعري ~~فإن القرآن عندهم معنى عبارة عنه والحقائق لها أربع مراتب: وجود عيني وعلمي ~~ولفظي، ورسمي. فليس العلم بالمعنى له المرتبة الثانية وليس ثبوته في الكتاب ~~كثبوت الأعيان في الكتاب فزاد هؤلاء قول ابن كلاب والأشعري قبحا. # PageV08P424 # ثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب وأن القرآن معنى قائم بذات الله ~~فقط وأن الحروف ليست من كلام الله بل خلقها الله في الهواء أو صنفها ms2646 جبريل ~~أو محمد فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق وأعرضوا عما قاله ~~سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه لما رأوا أن مجرد كونه ~~دليلا لا يوجب الاحترام كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام فإن الموجودات ~~كلها أدلة عليه ولا يجب احترامها فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه ~~بأرجلهم ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطا لحرمة ما كتب في المصاحف، ~~والورق من أسماء الله وآياته. وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف ~~مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له إنه كافر مباح الدم. فالبدع ~~تكون في أولها شبرا ثم تكثر في الاتباع حتى تصير أذرعا وأميالا وفراسخ. ~~وهذا الجواب لا يحتمل بسط هذا الباب فإنه مبسوط في غيره. وهؤلاء الذين ~~يستثنون في هذه الأشياء الماضية المقطوع بها مبتدعة ضلال جهال وأحدهم يحتج ~~على ذلك. فإذا قيل له: هذه شجرة قال: إن شاء الله أن يقلبها حيوانا فعل. # PageV08P425 # فيقال له: هي الآن شجرة قطعا. وأما إذا قلت: قد انتقلت كما أن الإنسان ~~يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم يحيى فبعد نفخ الروح فيه حي قطعا ~~وإذا شاء الله أن يميته أماته؛ فالله إذا كان قادرا على تحويل الخلق من حال ~~إلى حال لم يمنع ذلك أن يكونوا في كل وقت على الحال التي خلقهم عليها. ~~فالسماء سماء بمشيئة الله وقدرته وخلقه؛ والإنسان إنسان بمشيئة الله وقدرته ~~وخلقه والفرس فرس بمشيئة الله وقدرته وخلقه وإذا شاء الله أن يغير ما شاء ~~غيره بمشيئته إن شاء وقدرته وخلقه. ولم يجئ في الكتاب والسنة استثناء في ~~الماضي بل في المستقبل كقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} {إلا أن ~~يشاء الله} وقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} وقوله: {إن سليمان قال: لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له ms2647 ~~صاحبه: قل: إن شاء الله فلم يقل. فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد قال: ~~فلو قال إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين} وقال صلى الله ~~عليه وسلم {من حلف فقال: إن شاء الله؛ فإن شاء فعل وإن شاء ترك} لأن الحالف ~~يحلف على مستقبل ليفعلن هو أو غيره كذا أو لا يفعل هو أو غيره كذا فيقول إن ~~شاء الله لأنه ما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن فإن وقع الفعل كان الله ~~شاءه فلا حنث عليه وإن لم يقع لم يكن الله شاءه فلا حنث عليه؛ لأنه إنما ~~التزمه إن أشاء الله؛ فإذا لم يشأه الله لم يكن قد التزمه فلا يحنث. # PageV08P426 # و " الاستثناء في الإيمان " مأثور عن ابن مسعود وغيره من السلف والأئمة ~~لا شكا فيما يجب عليهم الإيمان به فإن الشك في ذلك كفر. ولكنهم استثنوا في ~~الإيمان خوفا ألا يكونوا قاموا بواجباته وحقائقه؛ وقد {قال تعالى: {والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قال النبي صلى الله عليه وسلم هو الرجل يصوم ~~ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل منه} . واستثنوا أيضا لعدم علمهم بالعاقبة ~~والإيمان النافع هو الذي يموت المرء عليه. واستثنوا خوفا من تزكية النفس ~~ونحو ذلك من المعاني الصحيحة. وكذلك من استثنى في أعمال البر كقوله: صليت ~~إن شاء الله ونحو ذلك فهذا كله استثناء في أفعال لم يعلم وقوعها على الوجه ~~المأمور المقبول فهو استثناء فيما لم تعلم حقيقته؛ أو في مستقبل علق بمشيئة ~~الله ليبين أن الأمور كلها بمشيئة الله فأما الاستثناء في ماض معلوم فهذه ~~بدعة بخلاف العقل والدين. # PageV08P427 # وقال - رحمه الله: # فصل: # وأما " مسألة تحسين العقل وتقبيحه "، ففيها نزاع مشهور بين أهل السنة ~~والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم. فالحنفية وكثير من المالكية والشافعية ~~والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه وهو قول الكرامية والمعتزلة وهو قول ~~أكثر الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. وكثير من ~~الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك وهو قول الأشعرية؛ لكن أهل ms2648 السنة ~~متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير خالق كل شيء من أفعال ~~العباد وغيرها وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والمعتزلة وغيرهم من ~~القدرية: يخالفون في هذا. فإنكار القدر بدعة منكرة وقد ظن بعض الناس أن من ~~يقول: بتحسين العقل وتقبيحه ينفي القدر ويدخل مع المعتزلة في مسائل التعديل ~~والتجويز وهذا غلط بل جمهور المسلمين لا يوافقون المعتزلة على ذلك. ولا ~~يوافقون الأشعرية على نفي # PageV08P428 # الحكم والأسباب؛ بل جمهور طوائف المسلمين يثبتون القدر ويقولون: إن الله ~~خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها. ويقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن. وأما الإقرار بتقدم علم الله وكتابه لأفعال العباد فهذا لم ينكره ~~إلا الغلاة من القدرية وغيرهم؛ وإلا فجمهور القدرية من المعتزلة وغيرهم ~~يقرون بأن الله علم ما العباد فاعلون قبل أن يفعلوه ويصدقون بما أخبر به ~~الصادق المصدوق من أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم. كما ثبت في ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله ~~قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه ~~على الماء} وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين " عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض} وفي لفظ {ثم خلق السموات والأرض} . وفي ~~الصحيحين عن {عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~وهو الصادق المصدوق - إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم ~~يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك؛ فيؤمر بأربع ~~كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذي ~~نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ms2649 فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل # PageV08P429 # أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة} . والآثار مثل هذا كثيرة. فهذا يقر به أكثر ~~القدرية وإنما ينكره غلاتهم كالذين ذكروا لعبد الله بن عمر في الحديث الذي ~~رواه مسلم في أول صحيحه بحيث قيل له: " قبلنا أقوام يقرءون القرآن ويفتقرون ~~العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني ~~بريء منهم وأنهم مني برآء " ولهذا كفر الأئمة: - كمالك والشافعي وأحمد - من ~~قال: إن الله لم يعلم أفعال العباد حتى يعملوها بخلاف غيرهم من القدرية. ~~والمقصود هنا: أن جماهير المسلمين يخالفون القدرية من المعتزلة وغيرهم ~~وجماهير المسلمين أيضا يقرون بالأسباب التي جعلها الله أسبابا في خلقه ~~وأمره ويقرون بحكمة الله - التي يريدها - في خلقه وأمره. ويقولون: كما قال ~~الله في القرآن حيث قال: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها} وقال: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} ومثل هذا ~~كثير في الكتاب والسنة. وجمهور المسلمين على ذلك يقولون: إن هذا فعل بهذا ~~لا يقولون كما يقول نفاة الأسباب: فعل عندها لا بها وهذه الأمور مبسوطة في ~~غير هذا الموضع. # PageV08P430 # والمقصود هنا: أن " مسألة التحسين والتقبيح " ليست ملازمة لمسألة القدر. ~~وإذا عرف هذا فالناس في " مسألة التحسين والتقبيح " على ثلاثة أقوال: طرفان ~~ووسط. # الطرف الواحد: قول من يقول: بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل ~~لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات ~~فهذا قول المعتزلة - وهو ضعيف - وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه فقيل: ~~ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق ترتب ~~على ذلك أقوال القدرية الباطلة وما ذكروه في التجويز والتعديل وهم مشبهة ~~الأفعال يشبهون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الأفعال وهذا قول باطل ~~كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الصفات باطل. ms2650 فاليهود ~~وصفوا الله بالنقائص التي يتنزه عنها فشبهوه بالمخلوق: كما وصفوه بالفقر ~~والبخل واللغوب. وهذا باطل؛ فإن الرب تعالى منزه عن كل نقص وموصوف بالكمال ~~الذي لا نقص فيه وهو منزه في صفات الكمال أن يماثل شيء من صفاته شيئا من ~~صفات المخلوقين فليس له كفؤا أحد في شيء من صفاته لا في علمه ولا قدرته ولا ~~إرادته ولا رضاه ولا غضبه ولا خلقه ولا استوائه ولا إتيانه ولا # PageV08P431 # نزوله ولا غير ذلك مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله. بل مذهب السلف أنهم ~~يصفون الله بما وصف به نفسه. وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن ~~غير تكييف ولا تمثيل. فلا ينفون عنه ما أثبته لنفسه من الصفات ولا يمثلون ~~صفاته بصفات المخلوقين؛ فالنافي معطل والمعطل يعبد عدما. والمشبه ممثل ~~والممثل يعبد صنما. ومذهب السلف إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. كما قال ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} وهذا رد على الممثلة. وقوله: {وهو السميع البصير} ~~رد على المعطلة. وأفعال الله لا تمثل بأفعال المخلوقين فإن المخلوقين عبيده ~~يظلمون ويأتون الفواحش وهو قادر على منعهم ولو لم يمنعهم؛ لكان ذلك قبيحا ~~منه وكان مذموما على ذلك. والرب تعالى لا يقبح ذلك منه لما له في ذلك من ~~الحكمة البالغة والنعمة السابغة هذا على قول السلف والفقهاء والجمهور الذين ~~يثبتون الحكمة في خلق الله وأمره. ومن قال إنه لا يخلق شيئا بحكمة ولا يأمر ~~بشيء بحكمة؛ فإنه لا يثبت إلا محض الإرادة التي ترجح أحد المتماثلين على ~~الآخر بلا مرجح كما هو أصل ابن كلاب ومن تابعه وهو أصل قولي القدرية ~~والجهمية. وأما الطرف الآخر في " مسألة التحسين والتقبيح " فهو قول من ~~يقول: # PageV08P432 # إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل ~~القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية ~~مصلحة في الخلق والأمر. ويقولون: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله وينهى ~~عن عبادته وحده ويجوز ms2651 أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى ~~والأحكام التي توصف بها الأحكام مجرد نسبة وإضافة فقط وليس المعروف في نفسه ~~معروفا عندهم ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم. بل إذا قال: {يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} فحقيقة ~~ذلك عندهم أنه يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم ويحل لهم ما يحل لهم ~~ويحرم عليهم ما يحرم عليهم بل الأمر والنهي والتحليل والتحريم ليس في نفس ~~الأمر عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث إلا أن يعبر عن ذلك بما ~~يلائم الطباع وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر. فهذا ~~القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف ~~والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح؛ فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء. ~~فقال: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر ~~فقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم # PageV08P433 # ساء ما يحكمون} وقال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ~~وقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار} وعلى قول النفاة: لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء ~~وبين تفضيل بعضهم على بعض ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر ~~وهذا خلاف المنصوص والمعقول. وقد قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته} وعندهم تعلق الإرسال بالرسول كتعلق الخطاب بالأفعال لا يستلزم ثبوت ~~صفة لا قبل التعلق ولا بعده والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: الله حرم ~~المحرمات فحرمت وأوجب الواجبات فوجبت فمعنا شيئان: إيجاب وتحريم وذلك كلام ~~الله وخطابه والثاني وجوب وحرمة وذلك صفة للفعل. والله تعالى عليم حكيم علم ~~بما تتضمنه الأحكام من المصالح فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي ~~والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم وهو أثبت حكم الفعل وأما صفته ~~فقد تكون ثابتة بدون الخطاب. وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ~~ثلاثة أنواع؛ (أحدها: ms2652 أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد ~~الشرع بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم # PageV08P434 # يشتمل على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ~~ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون ~~فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة ~~القائلين بالتحسين والتقبيح؛ فإنهم قالوا؛ إن العباد يعاقبون على أفعالهم ~~القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل} وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وقال ~~تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} ~~{وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ~~ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين} والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا ~~بعد الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح: إن الخلق ~~يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم. (النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر ~~بشيء صار حسنا وإذا نهى # PageV08P435 # عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. # والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا ~~يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله ~~للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك {حديث أبرص وأقرع وأعمى لما بعث ~~الله إليهم من سألهم الصدقة فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك ~~فإنما ابتليتم؛ فرضي عنك وسخط على صاحبيك} ms2653 . فالحكمة منشؤها من نفس الأمر ~~لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة؛ وزعمت أن ~~الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع والأشعرية ~~ادعوا: أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل ~~الشرع ولا بالشرع؛ وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو ~~الصواب. # PageV08P436 # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ~~العبد: هل يقدر أن يفعل الطاعة إذا أراد أم لا؟ وإذا أراد أن يترك المعصية ~~يكون قادرا على تركها أم لا؟ وإذا فعل الخير نسبه إلى الله وإذا فعل الشر ~~نسبه إلى نفسه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا أراد العبد الطاعة التي أوجبها الله عليه إرادة جازمة ~~كان قادرا عليها وكذلك إذا أراد ترك المعصية التي حرمت عليه إرادة جازمة ~~كان قادرا على ذلك وهذا مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل حتى أئمة ~~الجبرية بل هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وإنما ينازع في ذلك بعض ~~غلاة " الجبرية " الذين يقولون: إن الأمر الممتنع لذاته واقع في الشريعة ~~ويحتجون بأمره أبا لهب: بأنه يؤمن بما يستلزم عدم إيمانه. وهذا القول خلاف ~~ما أجمع عليه أئمة الإسلام: كالأئمة الأربعة وغيرهم وأئمة الحديث والتصوف ~~وغيرهم وخلاف ما أجمع عليه أئمة الكلام من أهل النفي والإثبات. فأما إجماع ~~المعتزلة ونحوهم على ذلك فظاهر وكذلك أئمة المتكلمين المثبتة: # PageV08P437 # كأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي ~~بكر الباقلاني وأبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني والأستاذ أبي ~~المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي وكذلك أبو عبد الله محمد بن كرام ~~وأصحابه: كابن الهيصم وسائر متكلمي أصحاب أبي حنيفة: كأبي منصور الماتريدي. ~~وغيره وأمثال هؤلاء كلهم متفقون وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد: ~~كأبي الحسن بن الزاغوني وإنما نازع في ذلك بعضهم واتبعه أبو عبد الله ~~الرازي. واحتجاجهم بقصة أبي لهب حجة باطلة؛ فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان ~~قبل ms2654 أن تنزل السورة فلما أصر وعاند استحق الوعيد كما استحق قوم نوح حين قيل ~~له: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وحين استحق الوعيد أخبر الله ~~بالوعيد الذي يلحقه ولم يكن حينئذ مأمورا أمرا يطلب به منه ذلك والشريعة ~~طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة كما {قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم ~~تستطع فعلى جنب} . # وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها: كالقيام أو ~~القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو غير ذلك ~~سقط عنه ما عجز عنه. وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادة جازمة أمكنه ~~فعله وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل: # PageV08P438 # الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة الذين يعجزون عنه أداء وقضاء وإنما تنازعوا ~~هل على مثل ذلك الفدية بالإطعام؟ فأوجبها الجمهور: كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد ولم يوجبها مالك وكذلك الحج: فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز ~~عنه وقد قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقد ~~تنازعوا: هل الاستطاعة مجرد وجود المال؟ كما هو مذهب الشافعي وأحمد أو مجرد ~~القدرة ولو بالبدن كما هو مذهب مالك؟ أو لا بد منهما كمذهب أبي حنيفة؟ ~~والأولون يوجبون على المغصوب أن يستنيب بماله بخلاف الآخرين. بل مما ينبغي ~~أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتف الشارع ~~فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر بل متى كان العبد قادرا على الفعل مع ضرر ~~يلحقه جعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة: كالتطهر بالماء والصيام في ~~المرض والقيام في الصلاة وغير ذلك تحقيقا لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} ولقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ولقوله ~~تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وفي الصحيح عن أنس " {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الأعرابي لما بال ms2655 في المسجد قال: لا تزرموه - أي لا ~~تقطعوا عليه بوله - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين} وكذلك في الصحيح ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: - لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن ~~- يسرا ولا # PageV08P439 # تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا} وهذا وأمثاله في الشريعة أكثر ~~من أن يحصر. # فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد ~~كذب على الله ورسوله وهو من المفترين الذين قال الله فيهم: {إن الذين ~~اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين} قال أبو قلابة: هذا لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة. لكن ~~مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم ~~وإرادتهم وأفعالهم فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته وإذنه ~~وقضائه وقدره وقدرته وفعله وقد جاءت ### | الإرادة في كتاب الله على نوعين: # أحدهما: الإرادة الدينية كما قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} ~~- إلى قوله تعالى - {والله يريد أن يتوب عليكم} وقال تعالى: {ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} . و ~~(الثاني: الإرادة الكونية كما قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه # PageV08P440 # يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء} وقال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} ~~وقال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} وقال: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وهذا التقسيم ~~تقسيم شريف وهو أيضا وارد في كتاب الله في الإذن والأمر والكلمات والتحريم ~~والحكم والقضاء كما قد بيناه في غير هذا الموضع ms2656 وبمعرفته تندفع شبهات ~~عظيمة. # ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط: تنازع الناس في " القدرة " هل يجب أن ~~تكون مقارنة للفعل؟ أو يجب أن تكون متقدمة عليه؟ والتحقيق الذي عليه أئمة ~~الفقهاء: أن الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي - وهي التي تقدم الكلام ~~فيها - لا يجب أن تقارن الفعل. فإن الله إنما أوجب الحج على من استطاعه فمن ~~لم يحج من هؤلاء كان عاصيا باتفاق المسلمين ولم يوجد في حقه استطاعة مقارنة ~~وكذلك سائر من عصى الله من المأمورين المنهيين وجد في حقه الاستطاعة ~~المشروطة في الأمر والنهي. وأما المقارنة فإنما توجد في حق من فعل والفاعل ~~لا بد أن يريد الفعل إرادة جازمة وأن يكون قادرا عليه وإذا وجد ذلك في حقه ~~وجب وجود الفعل. فمن قال: الاستطاعة هي المقارنة فهي مجموع ما يحب من الفعل ~~ويدخل في ذلك الإرادة وغيرها وعلى هذا الاصطلاح يقال: إذا لم يرد الفعل ~~فليس # PageV08P441 # بقادر عليه. وقد تبين أن مثل هذا النزاع لفظي فمن فسر عدم القدرة بذلك ~~ظهر مقصوده فإذا حقق الأمر وقيل: هل يكون العبد إذا أراد ما أمر به إرادة ~~جازمة عاجزا عنه تبين الحق وظهر لكل أحد أنه إذا أراد ما أمر به لم يكن ~~عاجزا بل قادرا عليه. وأن ما كان عاجزا عنه إذا أراده فإن الله لم يكلفه ~~إياه فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها: أي ما وسعته النفس. # ويجب أن يعلم العبد أن عمله من الحسنات هو بفضل الله ورحمته ومن نعمته ~~كما قال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله} وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} وقال تعالى: {أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ~~الله} وقال: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك ms2657 روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا} . وكذلك إضافة السيئات إلى نفسه هو الذي ينبغي أن يفعله مع علمه ~~بأن الله خالق كل موجود: من الأعيان والصفات والحركات والسكنات. كما قال ~~آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقال ~~موسى: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقال الخليل: {والذي أطمع أن # PageV08P442 # يغفر لي خطيئتي يوم الدين} وقال لخاتم الرسل: {فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقد قال تعالى: - في حق من عذبهم - ~~{وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا ~~أن قالوا إنا كنا ظالمين} وأمثال هذا كثير في الكتاب والسنة. وفي الحديث ~~الصحيح الإلهي الذي رواه مسلم وغيره عن أبي ذر {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يروي عن ربه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم ~~محرما؛ فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ~~جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ~~فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا ~~عبادي كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم. يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني ~~فأعطيت كل إنسان منهم مسألته؛ لم ينقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذ ~~يغمس فيه المخيط غمسة واحدة. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه} . فقد بين هذا الحديث أن من وجد خيرا بالعمل الصالح فليحمد الله فإنه ~~هو الذي أنعم بذلك وإن وجد غير ذلك: إما شرا له عقاب وإما عبثا # PageV08P443 # لا فائدة فيه فلا ms2658 يلومن إلا نفسه فإنه هو الذي ظلم نفسه وكل حادث فبقدرة ~~الله ومشيئته وكذلك في سيد الاستغفار الذي رواه البخاري وغيره عن شداد بن ~~أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سيد الاستغفار أن يقول العبد: ~~اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت؛ أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل ~~الجنة؛ ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة} . قوله ~~{أبوء لك بنعمتك علي} يتناول نعمته عليه من الحسنات وغيرها وقوله و {أبوء ~~بذنبي} اعتراف منه بذنبه. وهذه الطريقة هي طريقة المؤمنين. ومن عداهم ثلاثة ~~أصناف: فإن القسمة رباعية. # قسم يجعلون أنفسهم هي الخالقة المحدثة للحسنات والسيئات وأن نعمة الله ~~الدينية على المؤمن والكافر سواء وأنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة تصلح ~~للضدين وليس بيد الله هداية خص بها المؤمن؛ أو تطلب منه بقول العبد: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} وأنه لا يقدر على هداية ضال ولا إضلال مهتد؛ فهؤلاء ~~القدرية المجوسية. و (قسم يسلبون العبد اختياره وقدرته؛ ويجعلونه مجبورا ~~على حركاته # PageV08P444 # من جنس حركات الجمادات؛ ويجعلون أفعاله الاختيارية والاضطرارية من نمط ~~واحد حتى يقول أحدهم: إن جميع ما أمر الله به ورسوله فإنما هو أمر بما لا ~~يقدر عليه ولا يطيقه؛ فيسلبونه القدرة مطلقا؛ إذ لا يثبتون له إلا قدرة ~~واحدة مقارنة للفعل. ولا يجعلون للعاصي قدرة أصلا. فهذه المقالات وأمثالها ~~من " مقالات الجبرية القدرية " الذين أنكر قولهم - كما أنكروا قول الأولين ~~- أئمة الهدى: مثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري ~~ومحمد بن الوليد الزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن محمد بن حنبل ~~وغيرهم. فإن ضموا إلى ذلك إقامة العذر للعصاة بالقدر وقالوا: إنهم معذورون ~~لذلك لا يستحقون اللوم والعذاب أو جعلوا عقوبتهم ظلما فهؤلاء كفار كما أن ~~من ms2659 أنكر علم الله القديم من غلاة القدرية فهو كافر. وإن جعلوا ثبوت القدر ~~موجبا لسقوط الأمر والنهي والوعد والوعيد كفعل المباحية فهؤلاء أكفر من ~~اليهود والنصارى من جنس المشركين الذين قالوا؛ {لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} {قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فإن هذا القول يستلزم طي بساط ~~كل أمر ونهي # PageV08P445 # وهذا مما يعلم بالاضطرار من العقل والدين أنه يوجب الفساد في أمر الدنيا ~~والمعاد. وأما (القسم الرابع: فهو شر الأقسام كما قال الشيخ أبو الفرج بن ~~الجوزي قال أنت عند الطاعة قدري وأنت عند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك ~~تمذهبت به - فهؤلاء شر أتباع الشيطان وليس هو مذهبا لطائفة معروفة ولكن هو ~~حال عامة المحلولين عن الأمر والنهي إن فعل طاعة أخذ يضيفها إلى نفسه ويعجب ~~حتى يحبط عمله وإن فعل معصية أخذ يعتذر بالقدر ويحتج بالقضاء وتلك حجة ~~داحضة وعذر غير مقبول. وتراه إذا أصابته مصيبة بفعل العباد أو غيرهم لا ~~يستسلم للقدر وتراه إذا ظلم نفسه أو غيره احتج بالقدر ويقول: العبد مسكين ~~لا قادر ولا معذور ويقول: # ألقاه في البحر مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # وإن ظلمه غيره ظلما دون ذلك أو توهم أنه ظلمه أحد سعى في الانتقام من ذلك ~~بأضعاف ذلك ولا يعذر غيره بمثل ما عذر به نفسه من القدر وهما سواء فهذه ~~الجمل يجب اعتقادها. وأما الكلام على الحقيقة الموجبة لإضافة الذنوب إلى ~~العبد مع عموم الخلق # PageV08P446 # وفي سرد وقوع هذه الشرور - في القدر وأنه مع ذلك لم يضف إلى الله في ~~كتابه إلا على أحد وجوه ثلاثة: إما على (طريق العموم كقوله تعالى: {خالق كل ~~شيء} . وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: {من شر ما خلق} . وإما أن يحذف ~~الفاعل كقول الجن: {وأنا لا ندري ms2660 أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا} . والكلام على أن أسماء الله الحسنى لا بد أن تتضمن إضافة الخير ~~والشر داخل في مفعولاته كقوله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} ~~{وأن عذابي هو العذاب الأليم} وقوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله ~~غفور رحيم} فتحرير هذه الحقائق الشريفة التي هي شرف الأولين والآخرين يحتاج ~~إلى بسط وإطناب في غير هذا الجواب والله الموفق للصواب ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله ولا ملجأ منه إلا إليه وهو حسبنا ونعم الوكيل. # PageV08P447 # سئل شيخ الإسلام بقية السلف الكرام العلامة الرباني والحجة النوراني أوحد ~~عصره وفريد دهره حلية الطالبين ونخبة الراسخين تقي الدين أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني - رضي الله عنه وأثابه الجنة بمنه ~~وكرمه - فقيل: # يا أيها الحبر الذي علمه ... وفضله في الناس مذكور # كيف اختيار العبد أفعاله ... والعبد في الأفعال مجبور # لأنهم قد صرحوا أنه ... على الإرادات لمقسور # ولم يكن فاعل أفعاله ... حقيقة والحكم مشهور # ومن هنا لم يكن للفعل في ... ما يلحق الفاعل تأثير # وما تشاءون دليل له ... في صحة المحكي تقرير # وكل شيء ثم لو سلمت لم ... يك للخالق تقدير # أو كان فاللازم من كونه ... حدوثه والقول مهجور # ولا يقال علم الله ما يختار ... فالمختار مسطور # PageV08P448 # والجبر - إن صح - يكن مكرها ... وعندك المكره معذور # نعم ذلك الجبر كنت امراءا ... له إلى نحوك تشمير # أسقمني الشوق ولكنني ... تقعدني عنك المقادير # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل " هذه المسألة ": أن يعلم الإنسان أن مذهب ~~أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه ~~السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن ~~الله خالق كل شيء وربه ومليكه وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها ~~وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته لا ~~يمتنع عليه ms2661 شيء شاءه؛ بل هو قادر على كل شيء ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر ~~عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وقد ~~دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من ~~سعادة وشقاوة فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء # PageV08P449 # وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون ~~وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون. وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم ~~وكتابته السابقة ويزعمون أنه أمر ونهي وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه بل ~~الأمر أنف: أي مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر ~~الخلفاء الراشدين وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت ~~بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~عباس وغيرهما من الصحابة وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني فلما ~~بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم وأنكروا مقالتهم كما قال عبد الله بن ~~عمر - لما أخبر عنهم -: إذا لقيت أولئك فأخبرهم: أني بريء منهم وأنهم برآء ~~مني وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير حتى قال فيهم ~~الأئمة كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله ~~المتقدم يكفرون. ثم كثر خوض الناس في القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم ~~المتقدم والكتاب السابق لكن ينكرون عموم مشيئة الله وعموم خلقه وقدرته ~~ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره فما شاءه فقد أمر به وما لم يشأه لم ~~يأمر به فلزمهم أن يقولوا: إنه قد يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء ~~وأنكروا # PageV08P450 # أن يكون الله تعالى خالقا لأفعال العباد أو قادرا عليها. أو أن يخص بعض ~~عباده من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له. وزعموا ms2662 أن نعمته - التي ~~يمكن بها الإيمان والعمل الصالح - على الكفار كأبي لهب وأبي جهل مثل نعمته ~~بذلك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بمنزلة رجل دفع لأولاده مالا فقسمه ~~بينهم بالسوية لكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم الصالحة وهؤلاء أحدثوا أعمالهم ~~الفاسدة من غير نعمة خص الله بها المؤمنين وهذا قول باطل. وقد قال تعالى: ~~{يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين} وقال تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} . وقد أمرنا الله أن نقول ~~في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} . وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله} وقال الخليل صلوات الله وسلامه عليه {ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} . وقال: {رب اجعلني مقيم ~~الصلاة ومن ذريتي} . وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا} وقال: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} ونصوص الكتاب والسنة وسلف ~~الأمة المبينة لهذه # PageV08P451 # الأصول كثيرة: مع ما في ذلك من الدلائل العقلية الكثيرة على ذلك. # فصل: # وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به ~~منهيون عما نهاهم الله عنه ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به ~~الكتاب والسنة ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم ~~فعله بل لله الحجة البالغة على عباده ومن احتج بالقدر على ترك مأمور أو فعل ~~محظور أو دفع ما جاءت به النصوص في الوعد والوعيد فهو أعظم ضلالا وافتراء ~~على الله ومخالفة لدين الله من أولئك القدرية فإن أولئك مشبهون بالمجوس وقد ~~جاءت الآثار فيهم أنهم مجوس هذه الأمة كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره من ~~السلف وقد رويت في ذلك أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى ms2663 الله عليه وسلم منها ما ~~رواه أبو داود والترمذي ولكن طائفة من أئمة الحديث طعنوا في صحة الأحاديث ~~المرفوعة في ذلك وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا أن القدرية النافية ~~يشبهون المجوس في كونهم أثبتوا غير الله يحدث أشياء من الشر بدون مشيئته ~~وقدرته وخلقه. # PageV08P452 # وأما المحتجون على القدر بإسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد فهؤلاء ~~يشبهون المشركين الذين قال الله فيهم: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون} وقال تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل ~~على الرسل إلا البلاغ المبين} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ~~الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا ~~في ضلال مبين} وقال تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك ~~من علم إن هم إلا يخرصون} فهؤلاء المحتجون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من ~~جنس المشركين المكذبين للرسل وهم أسوأ حالا من المجوس وهؤلاء حجتهم داحضة ~~عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. # ومن هؤلاء من يظن أن آدم احتج على موسى بالقدر على الذنب وأن ذلك جائز ~~لخاصة الأولياء المشاهدين للقدر وهذا ضلال عظيم؛ فإن موسى إنما لام آدم على ~~المعصية التي لحقت الذرية بسبب أكله من الشجرة فقال: {لماذا أخرجتنا ونفسك ~~من الجنة} ؟ والعبد مأمور عند المصائب أن يرجع للقدر فإن سعادة العبد أن ~~يفعل المأمور ويترك المحظور ويسلم للمقدور قال الله تعالى: # PageV08P453 # {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال ابن ~~مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ~~فالسعيد يستغفر من المعائب ويصبر على المصائب كما قال تعالى: ms2664 {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك} والشقي يجزع عند المصائب ويحتج بالقدر على المعائب؛ ~~وإلا فآدم صلى الله عليه وسلم قد تاب من الذنب وقد اجتباه ربه وهداه وموسى ~~أجل قدرا من أن يلوم أحدا على ذنب قد تاب منه وغفر الله له فضلا عن آدم وهو ~~أيضا قد تاب مما فعل حيث قال: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له} وقال: ~~{إنا هدنا إليك} وقال: {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا} وموسى وآدم أعلم ~~بالله من أن يظن واحد منهما أن القدر عذر لمن عصى الله وقد علما ما حل ~~بإبليس وغير إبليس وآدم نفسه قد أخرج من الجنة وطفق هو وامرأته يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة وقد عاقب الله قوم نوح وهود وصالح وغيرهم من الأمم وقد ~~شرع الله عقوبة المعتدين وأعد جهنم للكافرين فكيف يكون القدر عذرا للذنب. ~~وهؤلاء لا يحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم ولا ~~يطردون حجتهم فإن القدر لو كان عذرا للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا ~~يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقتص من ظالم أصلا بل يمكن الناس أن ~~يفعلوا ما يشتهون مطلقا ومعلوم أن هذا لا يتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة بل هو موجب الفساد العام وصاحب # PageV08P454 # هذا لا يكون إلا ظالما متناقضا فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ~~ولم يعذره بالقدر وإذا كان هو الظالم احتج لنفسه بالقدر فلا يحتج أحد ~~بالقدر إلا لاتباع هواه بغير علم ولا يكون إلا مبطلا لا حق معه كما احتج به ~~المشركون. فقال تعالى: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم إلا تخرصون} وقال: {كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين} . # ولهذا كان هؤلاء المشركون المحتجون بالقدر إذا عاداهم أحد قابلوه وقاتلوه ~~وعاقبوه ولم يقبلوا حجته إذا قال لو شاء الله ما عاديتكم بل هم دائما ms2665 ~~يعيبون من ظلم واعتدى ولا يقبلون احتجاجه بالقدر فلما جاءهم الحق من ربهم ~~أخذوا يدافعون ذلك بالقدر فصاروا يحتجون على دفع أمر الله ونهيه بما لا ~~يجوزون أن يحتج به عليهم في دفع أمرهم ونهيهم بل ولا يجوز أحد من العقلاء ~~أن يحتج به عليه في دفع حقه فعارضوا ربهم ورسل ربهم بما لا يجوزون أن يعارض ~~به أحد من الناس ولا رسل أحد من الناس فكان أمر المخلوق ونهيه وحقه أعظم ~~على قولهم من أمر الله ونهيه وحقه على عباد الله وكان أمر الله ونهيه وحقه ~~على عباده أخف حرمة عندهم من أمر المخلوق ونهيه وحقه على غيره؛ فإن حق الله ~~على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا؛ كما ثبت في الصحيحين عن {معاذ بن ~~جبل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: يا معاذ أتدري ~~ما حق الله على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم قال حقه # PageV08P455 # عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا ~~فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه ألا يعذبهم} . فكان هؤلاء ~~المشركون من أعظم الناس جهلا وعداوة لله ورسوله فاحتجوا على إسقاط حقه ~~وأمره ونهيه بما لا يجوزون لا هم ولا أحد من العقلاء أن يحتج به على إسقاط ~~حق مخلوق ولا أمره ولا نهيه. وهذا كما جعلوا لله شركاء وبنات وهم لا يرضى ~~أحدهم أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى البنات لنفسه. قال تعالى: {ويجعلون ~~لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم ~~مفرطون} وقال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم} وقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي كخيفة ~~بعضكم بعضا. وقوله تعالى {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا} وقوله: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} وقوله: ms2666 {ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} فالمكذبون للرسل دائما حجتهم ~~داحضة متناقضة فهم في قول مختلف يؤفك عنه من أفك. قال الله تعالى: {ولا ~~يأتونك بمثل # PageV08P456 # إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من ~~المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} وقال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} فحجة المشركين في شركهم ~~بالله وجعلهم له ولدا وفي دفع أمره ونهيه بالقدر داحضة. وقد بسط الكلام على ~~هذه الأمور وما يناسبها في غير هذا الموضع. # وبين أن قول الفلاسفة - القائلين بقدم العالم وأنه صادر عن موجب بالذات ~~متولد عن العقول والنفوس الذين يعبدون الكواكب العلوية ويصنعون لها ~~التماثيل السفلية: كأرسطو وأتباعه - أعظم كفرا وضلالا من مشركي العرب الذين ~~كانوا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام بمشيئته ~~وقدرته ولكن خرقوا له بنين وبنات بغير علم وأشركوا به ما لم ينزل به ~~سلطانا. وكذلك المباحية الذين يسقطون الأمر والنهي مطلقا ويحتجون بالقضاء ~~والقدر أسوأ حالا من اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ فإن هؤلاء مع كفرهم ~~يقرون بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن كان لهم شركاء شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله بخلاف المباحية المسقطة للشرائع مطلقا فإنما ~~يرضون بما تهواه أنفسهم ويغضبون لما تهواه أنفسهم لا يرضون لله ولا يغضبون ~~لله ولا يحبون لله ولا يغضبون لله ولا يأمرون بما أمر الله به ولا # PageV08P457 # ينهون عما نهى عنه؛ إلا إذا كان لهم في ذلك هوى فيفعلونه لأجل هواهم لا ~~عبادة لمولاهم؛ ولهذا لا ينكرون ما وقع في الوجود من الكفر والفسوق ~~والعصيان إلا إذا خالف أغراضهم فينكرونه إنكارا طبيعيا شيطانيا لا إنكارا ~~شرعيا رحمانيا؛ ولهذا تقترن بهم الشياطين إخوانهم فيمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون وقد تتمثل لهم الشياطين وتخاطبهم وتعينهم على بعض أهوائهم كما كانت ~~الشياطين تفعل بالمشركين عباد الأصنام. وهؤلاء يكثرون في الطوائف الخارجين ~~عما بعث الله به رسوله من ms2667 الكتاب والسنة الذين يسلكون طرقا في العبادات ~~والاعتقادات مبتدعة في الدين ولا يتحرون في عباداتهم واعتقاداتهم موافقة ~~الرسول والاعتصام بالكتاب والسنة فتكثر فيهم الأهواء والشبهات وتغويهم ~~الشياطين وتصير فيهم شبهة من المشركين بحسب بعدهم عن الرسول وكما يجب إنكار ~~قول القدرية المضاهين للمجوس فإنكار قول هؤلاء أولى والرد عليهم أحرى ~~وهؤلاء لم يكونوا موجودين في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإن البدع ~~إنما يظهر منها أولا فأولا الأخف فالأخف كما حدث في آخر عصر الخلفاء ~~الراشدين بدعة الخوارج والشيعة ثم في آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة ~~والقدرية ثم في آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات وأما هؤلاء ~~المباحية المسقطون للأمر والنهي محتجين على ذلك بالقدر فهم شر من جميع هذه ~~الطوائف وإنما حدثوا بعد هؤلاء كلهم. # PageV08P458 # فصل: # ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله ~~خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله ~~عليه مع قولهم إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله. كما قال الله تعالى: ~~{كلا إنه تذكرة} {فمن شاء ذكره} {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} الآية. وقال ~~تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله إن الله كان عليما حكيما} وقال: {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء ~~منكم أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} . والقرآن قد ~~أخبر بأن العباد يؤمنون ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ويطيعون ويعصون ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون ويعتمرون ويقتلون ويزنون ويسرقون ~~ويصدقون ويكذبون ويأكلون ويشربون ويقاتلون ويحاربون فلم يكن من السلف ~~والأئمة من يقول: إن العبد ليس بفاعل ولا مختار ولا مريد ولا قادر. ولا قال ~~أحد منهم: إنه فاعل # PageV08P459 # مجازا بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة والمجاز متفقون على أن العبد فاعل ~~حقيقة والله تعالى خالق ذاته وصفاته وأفعاله. وأول ms2668 من ظهر عنه إنكار ذلك هو ~~الجهم بن صفوان وأتباعه فحكي عنهم أنهم قالوا: إن العبد مجبور وأنه لا فعل ~~له أصلا وليس بقادر أصلا وكان الجهم غاليا في تعطيل الصفات فكان ينفي أن ~~يسمى الله تعالى باسم يسمى به العبد فلا يسمى شيئا ولا حيا ولا عالما ولا ~~سميعا ولا بصيرا. إلا على وجه المجاز. وحكي عنه أنه كان يسمي الله تعالى ~~قادرا؛ لأن العبد عنده ليس بقادر فلا تشبيه بهذا الاسم على قوله. وكان هو ~~وأتباعه ينكرون أن يكون لله حكمة في خلقه وأمره وأن يكون له رحمة ويقولون: ~~إنما فعل بمحض مشيئة لا رحمة معها وحكي عنه أنه كان ينكر أن يكون الله أرحم ~~الراحمين وأنه كان يخرج إلى الجذمى فينظر إليهم ويقول: أرحم الراحمين يفعل ~~مثل هذا بهؤلاء وكان يقول: العباد مجبورون على أفعالهم ليس لهم فعل ولا ~~اختيار. وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات وفي الجبر والإرجاء في ~~أواخر دولة بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيرهم فإن القدرية حدثوا ~~قبل ذلك في أواخر عصر الصحابة فلما حدثت مقالته المقابلة لمقالة القدرية ~~أنكرها السلف والأئمة كما أنكروا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم # PageV08P460 # وبدعوا الطائفتين حتى في لفظ " الجبر " أنكروا على من قال: جبر وعلى من ~~قال: لم يجبر. والآثار بذلك معروفة عن الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن ~~بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم من سلف الأمة وأئمتها؛ كما ذكر طرفا من ذلك ~~أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " هو وغيره ممن يجمع أقوال السلف وقال ~~الأوزاعي والزبيدي وغيرهما ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما في السنة ~~لفظ جبل كما في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأشج عبد القيس ~~لما قدم عليه وفد عبد القيس من البحرين فقالوا: يا رسول الله بيننا وبينك ~~هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ~~نعمل به ونأمر به من وراءنا. فقال: آمركم بالإيمان بالله. أتدرون ما ms2669 ~~الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة. وأن تؤدوا خمس ما غنمتم} . ونهاهم عن الانتباذ في الأوعية ~~التي يسرع إليها السكر. حتى قد يشرب الرجل ولا يدري أنه شرب مسكرا؛ بخلاف ~~الظروف التي توكأ فإنها إذا اشتد الشراب انشقت ونهى عن الدباء وهو القرع ~~والحنتم وهو ما يصنع من المدر كالجرار والمزفت - وهي الظروف المزفتة - ~~والنقير وهو الخشب المنقور ثم قد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أباح ذلك ~~بعد هذا النهي؛ ولهذا تنازع العلماء في هذا النهي هل هو منسوخ أم لا؟ على ~~قولين # PageV08P461 # مشهورين للعلماء هما روايتان عند أحمد والقول بالنسخ مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي والقول بأن هذا كان لم ينسخ مذهب مالك؛ لكن مالك لا ينهى إلا عن ~~صنفين فإنه ثبت في صحيح البخاري أنه حرم ذينك الصنفين وأباح الآخرين بعد ~~النهي وأما مسلم فروى في صحيحه النسخ في الجميع فلهذا اختلف قول أحمد لأن ~~الأحاديث بالنهي متواترة وحديث النسخ ليس مثلها؛ فلهذا صار للناس فيها ~~ثلاثة أقوال وهؤلاء وفد عبد القيس كانوا بالبحرين أسلموا طوعا. كما أسلم ~~أهل المدينة وأول جمعة جمعت في الإسلام في قرية عندهم من قرى البحرين. ~~والمقصود {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخلقين ~~يحبهما الله: الحلم والأناة. فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين جبلت ~~عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما ~~يحب} فقال الأوزاعي والزبيدي وغيرهما من السلف لفظ " الجبل " جاءت به السنة ~~فيقال جبل الله فلانا على كذا؛ وأما لفظ " الجبر " فلم يرد؛ وأنكر الأوزاعي ~~والزبيدي والثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم لفظ " الجبر " في النفي والإثبات. ~~وذلك لأن لفظ " الجبر " مجمل فإنه يقال جبر الأب ابنته على النكاح # PageV08P462 # وجبر الحاكم الرجل على بيع ماله لوفاء دينه ومعنى ذلك أكرهه ليس معناه ~~أنه جعله مريدا لذلك مختارا محبا له راضيا به. قالوا: ومن قال: إن الله ~~تعالى جبر العباد بهذا ms2670 المعنى فهو مبطل فإن الله أعلى وأجل قدرا من أن يجبر ~~أحدا وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدا للفعل مختارا له محبا له ~~راضيا به والله سبحانه قادر على ذلك فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له ~~الراضي به مريدا له محبا له راضيا به فكيف يقال أجبره وأكرهه كما يجبر ~~المخلوق المخلوق مثل ما يجبر السلطان والحاكم والأب وغيرهم من يجبرونه إما ~~بحق وإما بباطل وإجبارهم هو إكراههم لغيرهم على الفعل والإكراه قد يكون ~~إكراها بحق وقد يكون إكراها بباطل. (فالأول: كإكراه من امتنع من الواجبات ~~على فعلها مثل إكراه الكافر الحربي على الإسلام أو أداء الجزية عن يد وهم ~~صاغرون وإكراه المرتد على العود إلى الإسلام وإكراه من أسلم على إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وعلى قضاء الديون التي يقدر على ~~قضائها وعلى أداء الأمانة التي يقدر على أدائها وإعطاء النفقة الواجبة عليه ~~التي يقدر على إعطائها. وأما الإكراه بغير حق: فمثل إكراه الإنسان على ~~الكفر والمعاصي وهذا الإجبار الذي هو الإكراه يفعله العباد بعضهم مع بعض ~~لأنهم لا يقدرون على إحداث الإرادة والاختيار في قلوبهم وعلى جعلهم فاعلين # PageV08P463 # لأفعالهم والله تعالى قادر على إحداث إرادة للعبد ولاختياره وجعله فاعلا ~~بقدرته ومشيئته فهو أعلى وأقدر من أن يجبر غيره ويكرهه على أمر شاءه منه؛ ~~بل إذا شاء جعله فاعلا له بمشيئته كما أنه قادر على أن يجعله فاعلا للشيء ~~مع كراهته له فيكون مريدا له حتى يفعله مع بغضه له كما قد يشرب المريض ~~الدواء مع كراهته له قال الله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها} وقال: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} . فكل ما ~~يقع من العباد بإرادتهم ومشيئتهم فهو الذي جعلهم فاعلين له بمشيئتهم سواء ~~كانوا مع ذلك فعلوه طوعا أو كانوا كارهين له فعلوه كرها وهو سبحانه لا ~~يكرههم على ما لا يريدوه كما يكره المخلوق المخلوق حيث يكرهه على أمر وإن ~~لم يرده وليس ms2671 هو قادرا أن يجعله مريدا له فاعلا له لا مع الكراهة ولا مع ~~عدمها؛ فلهذا يقال للعبد: إنه جبر غيره على الفعل والله أعلى وأجل وأقدر من ~~أن يقال بأنه جبر بهذا المعنى. وقد يستعمل لفظ " الجبر " في أعم من ذلك ~~بحيث يتناول كل من قهر غيره وقدر عليه فجعله فاعلا لما يشاء منه وإن كان هو ~~المحدث لإرادته وقدرته عليه. قال محمد بن كعب القرظي في اسم الله " الجبار ~~" قال: هو الذي جبر # PageV08P464 # العباد على ما أراد وكذلك ينقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال ~~في الدعاء المأثور: اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على ~~فطرتها شقيها وسعيدها والجبر من الله بهذا الاعتبار معناه القهر والقدرة ~~وأنه يقدر أن يفعل ما يشاء ويجبر على ذلك ويقهرهم عليه فليس كالمخلوق ~~العاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء ومن جبره وقهره وقدرته أن ~~يجعل العباد مريدين لما يشاء منهم إما مختارين له طوعا وإما مريدين له مع ~~كراهتهم له ويجعلهم فاعلين له وهذا الجبر الذي هو قهره بقدرته لا يقدر عليه ~~غيره وليس هو كإجبار غيره وإكراهه من وجوه: (منها أن ما سواه عاجز لا يقدر ~~أن يجعل العباد مريدين لما يشاؤه ولا فاعلين له. ومنها: أن غيره قد يجبر ~~الغير ويكرهه إكراها يكون ظالما به والله تعالى عادل لا يظلم مثقال ذرة. ~~ومنها: أن غيره قد يكون جاهلا أو سفيها لا يعلم ما يفعله وما يجبر عليه ولا ~~يقصد حكمة تكون غير ذلك والله عليم حكيم ما خلقه وأمر به له فيه حكمة بالغة ~~صادرة من علمه وحكمته وقدرته. # PageV08P465 # فصل: # وأما السلف والأئمة كما أنهم متفقون على الإيمان بالقدر وأنه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وهم متفقون على ~~إثبات أمره ونهيه ووعده ووعيده وأنه لا حجة لأحد على الله في ترك مأمور ولا ~~فعل محظور. فهم أيضا متفقون على أن الله حكيم ms2672 رحيم وأنه أحكم الحاكمين ~~وأرحم الراحمين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها} . وقد أخبر عن حكمته في خلقه وأمره ~~بما أخبر به في كتابه وسنة رسوله. والجهم بن صفوان ومن اتبعه ينكرون حكمته ~~ورحمته ويقولون: ليس في أفعاله وأوامره لام كي: لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر ~~بشيء لشيء. وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم ~~سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب وإن خالفوه في بعض # PageV08P466 # ذلك إما نزاعا لفظيا وإما نزاعا لا يعقل وإما نزاعا معنويا وذلك كقول من ~~زعم: أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة وجعل الكسب مقدورا للعبد وأثبت له قدرة ~~لا تأثير لها في المقدور ولهذا قال جمهور العقلاء: إن هذا كلام متناقض غير ~~معقول فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثير أصلا في الفعل كان وجودها كعدمها ~~ولم تكن قدرة؛ بل كان اقترانها بالفعل كاقتران سائر صفات الفاعل في طوله ~~وعرضه ولونه. ولما قيل لهؤلاء: ما الكسب؟ قالوا: ما وجد بالفاعل وله عليه ~~قدرة محدثة أو ما يوجد في محل القدرة المحدثة فإذا قيل لهم: ما القدرة؟ ~~قالوا: ما يحصل به الفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار؛ فقال لهم جمهور ~~العقلاء: حركة المختار حاصلة بإرادته دون حركة المرتعش وهي حاصلة بقدرته ~~أيضا فإن جعلتم الفرق مجرد الإرادة فالإنسان قد يريد فعل غيره ولا يكون ~~فاعلا له وإن أردتم أنه قادر عليه فقد عاد الأمر إلى معنى القدرة والمعقول ~~من القدرة معنى به يفعل الفاعل ولا تثبت قدرة لغير فاعل ولا قدرة يكون ~~وجودها أو عدمها بالنسبة إلى الفاعل سواء. وهؤلاء المتبعون لجهم يقولون: إن ~~العبد ليس بفاعل حقيقة؛ وإنما هو كاسب حقيقة ويثبتون مع الكسب قدرة لا ~~تأثير لها في الكسب بل وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء ولكن قرنت به من ~~غير تأثير فيه وزعموا أن كل ما في الوجود من القوى والطبائع والأسباب ~~العلوية والسفلية ms2673 # PageV08P467 # كقدرة العبد لا تأثير لشيء منها فيما اقترنت به من الحوادث والأفعال ~~والمسببات بل قرن الخالق هذا بهذا لا لسبب ولا لحكمة أصلا. وقالوا: إن ~~الطاعات والمعاصي مع الثواب والعقاب كذلك ليس في الطاعة معنى يناسب الثواب ~~ولا في المعصية معنى يناسب العقاب ولا كان في الأمر والنهي حكمة لأجلها أمر ~~ونهى؛ ولا أراد بإرسال الرسل رحمة العباد ومصلحتهم بل أراد أن ينعم طائفة ~~ويعذب طائفة لا لحكمة والسبب هو جعل الأمر والنهي والطاعة والمعصية علامة ~~على ذلك لا لسبب ولا لحكمة وأنه يجوز أن يأمر بكل شيء حتى بالشرك وتكذيب ~~الرسل والظلم والفواحش وينهى عن كل شيء حتى التوحيد والإيمان بالرسل ~~وطاعتهم. وكثير من هؤلاء كأبي الحسن وأتباعه ومن وافقهم من متأخري أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد مثل ابن عقيل وابن الجوزي وأمثالهما يقولون: إن الخلق ~~هو المخلوق والفعل هو المفعول وقد جعلوا أفعال العباد فعلا لله والفعل ~~عندهم هو المفعول فامتنع مع هذا أن يكون فعلا للعبد؛ لئلا يكون فعل واحد له ~~فاعلان. وأما الجمهور فيقولون: إنها مخلوقة لله مفعولة له وهي فعل للعبد ~~قائمة به وليست فعلا لله قائما به بل مفعوله غير فعله والرب # PageV08P468 # تعالى لا يوصف بما هو مخلوق له وإنما يوصف بما هو قائم به فلم يلزم هؤلاء ~~أن يكون الرب ظالما؛ وأما أولئك فإذا قالوا إنه يوصف بالمخلوق المنفصل عنه ~~فيسمى عادلا وخالقا لوجود مخلوق منفصل عنه خلقه فإنهم ألزموهم أن يكون ~~ظالما لخلقه ظلما منفصلا عنه إذ كانوا لا يفرقون فيما انفصل عنه بين ما ~~يكون صفة لغيره وفعلا له وبين ما لا يكون إذ الجميع عندهم نسبته واحدة إلى ~~قدرته ومشيئته وخلقه. وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطاق؛ وليس في ~~السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق كما أنه ليس فيهم من أطلق ~~القول بالجبر وإطلاق القول بأنه يجبر العباد كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما ~~لا يطيقون هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين. ms2674 ~~ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء: كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأكثر أصحاب ~~أبي الحسن وكالجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل كالقاضي أبي ~~يعلى وأمثاله يفصلون في القول بتكليف ما لا يطاق كما تقدم القول في تفصيل ~~الجبر فيقولون: تكليف ما لا يطاق لعجز العبد عنه لا يجوز وأما ما يقال إنه ~~لا يطاق للاشتغال بضده فيجوز تكليفه؛ وهذا لأن الإنسان لا يمكنه في حال ~~واحدة أن يكون قائما قاعدا ففي حال القيام لا يقدر أن يفعل معه القعود ~~ويجوز أن يؤمر حال القعود بالقيام # PageV08P469 # وهذا متفق على جوازه بين المسلمين بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع ~~لكن هل يسمى هذا تكليف ما لا يطاق؟ فيه نزاع. قيل: إن العبد لا يكون قادرا ~~إلا حين الفعل وإن القدرة لا تكون إلا مع الفعل. كما يقوله أبو الحسن ~~الأشعري وكثير من نظار المثبتة للقدر فعلى قول هؤلاء كل مكلف فهو حين ~~التكليف قد كلف ما لا يطيقه حينئذ وإن كان قد يطيقه حين الفعل بقدرة يخلقها ~~الله له وقت الفعل ولكن هذا لا يطيقه لاشتغاله بضده وعدم القدرة المقارنة ~~للفعل لا لكونه عاجزا عنه. وأما العاجز عن الفعل كالزمن العاجز عن المشي ~~والأعمى العاجز عن النظر ونحو ذلك فهؤلاء لم يكلفوا بما يعجزون عنه ومثل ~~هذا التكليف لم يكن واقعا في الشريعة باتفاق طوائف المسلمين إلا شرذمة ~~قليلة من المتأخرين ادعوا وقوع مثل هذا التكليف في الشريعة ونقلوا ذلك عن ~~الأشعري وأكثر أصحابه وهو خطأ عليهم. وأما جواز هذا التكليف عقلا فأكثر ~~الأمة نفت جوازه مطلقا وجوزه عقلا طائفة من المثبتة للقدر من أصحاب أبي ~~الحسن الأشعري ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد؛ كابن عقيل وابن ~~الجوزي وغيرهما. و " طائفة ثالثة " فرقت في الجواز العقلي: بين الممكن ~~لذاته الذي # PageV08P470 # يتصور وجوده في الخارج: كالطيران وبين الممتنع عقلا كالجمع بين النقيضين. ~~والذين زعموا وقوع التكليف بالممتنع لذاته - كالرازي وغيره - احتجوا بأن ~~الله كلف أبا لهب بالإيمان مع علمه ms2675 بأنه لا يؤمن وإخباره بأنه لا يؤمن. ~~فكلفه بالجمع بين النقيضين بأن يفعل الشيء وبأن يصدق أنه لا يكون مصدقا ~~بذلك؛ وهو صادق في تصديقه إذا لم يكن واحتجوا بأنه كلف خلاف المعلوم وخلاف ~~المعلوم محال فيكون حقيقة التكليف أنه يجعل علم الله جهلا؛ وهذا ممتنع ~~لذاته. وهؤلاء جعلوا لفظ ما لا يطاق لفظا عاما يدخل فيه كل فعل لكون القدرة ~~عندهم لا تكون إلا مع الفعل؛ ويدخل فيه خلاف المعلوم؛ ويدخل فيه المعجوز ~~عنه؛ ويدخل فيه الممتنع لذاته. ثم ذكروا نحو " عشر حجج " يستدلون بها على ~~جواز هذا الجنس فإذا فصل الأمر عليهم ثبت أن دعواهم جواز ما لا يطاق للعجز ~~عنه - سواء كان ممتنعا لذاته أو ممكنا - باطلة لا دليل عليها؛ وأما جواز ~~تكليف ما يقدر العبد عليه من العبادة؛ ويقولون هم: إنه لا يكون قادرا عليه ~~إلا حين الفعل؛ فهذا مما اتفق الناس على جواز التكليف به؛ لكن ثم نزاع لفظي ~~ومعنوي في كونه يدخل فيما لا يطاق؛ فصار ما أدخلوه في هذا الاسم أنواعا ~~مختلفة: منها ما ينازعون في جوازه أو وقوعه و (منها ما ينازعون في اسمه ~~وصفته لا في وقوعه. # PageV08P471 # أما تكليف أبي لهب وغيره بالإيمان فهذا حق وهو إذا أمر أن يصدق الرسول في ~~كل ما يقوله وأخبر مع ذلك أنه لا يصدقه بل يموت كافرا لم يكن هذا متناقضا ~~ولا هو مأمور أن يجمع بين النقيضين فإنه مأمور بتصديق الرسول في كل ما بلغ ~~وهذا التصديق لا يصدر منه فإذا قيل له أمرناك بأمر ونحن نعلم أنك لا تفعله ~~لم يكن هذا تكليفا للجمع بين النقيضين. فإن قال: تصديقكم في كل ما تقولون ~~يقتضي أن أكون مؤمنا إذا صدقتكم وإذا صدقتكم لم أكن مؤمنا لأنكم أخبرتم أني ~~لا أؤمن بكل ما أخبر به قيل له لو وقع منك لم يكن فيه هذا الخبر ولم يكن ~~يخبر أنك لا تؤمن فأنت قادر على تصديقنا وبتقدير وجوده لا يحصل هذا الخبر ~~وإنما وقع لأنك ms2676 أنت لم تفعل ما قدرت عليه من تصديقنا بهذا الخبر فوقع بعد ~~تكذيبك وتركك ما كنت قادرا عليه لم نقل لك حين أمرناك بالتصديق العام وأنت ~~قادر عليه. ولو قيل لك آمن ونحن نعلم أنك لا تؤمن بهذا الخبر فالذي أمرت أن ~~تؤمن به هو الإخبار بأن محمدا رسول الله وهذا أنت قادر عليه ولا تفعله وإذا ~~صدقتنا في خبرنا أنك لا تؤمن لم يكن هنا تناقض لكن لا يمكن الجمع بين ~~الإيمان والتصديق فإنه لم يقع ونحن لم نأمرك بهذا بل أمرناك بإيمان مطلق ~~تقدر عليه وأخبرنا مع ذلك أنك لا تفعل ذلك المقدور عليه ولم نقل لك صدقنا ~~في هذا وهذا في حال واحدة لكن الواجب عليك هو # PageV08P472 # التصديق المطلق والتصديق بهذا لا يجب عليك حينئذ ولو وقع منك التصديق ~~المطلق امتنع منا هذا الخبر بل هذا الخبر إنما وقع لما علمنا أنه لا يقع ~~منك التصديق المطلق. وهذا كله لو قدر أن أبا لهب أسمع هذه الآية وأمر ~~بالتصديق بها؛ وليس الأمر كذلك؛ لكن لما أنزل الله قوله: {سيصلى نارا ذات ~~لهب} لم يسلم لهم أن الله أمر نبيه بإسماع هذا الخطاب لأبي لهب وأمر أبا ~~لهب بتصديقه بل لا يقدر أحد أن ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا ~~لهب أن يصدق بنزول هذه السورة فقوله: إنه أمر أن يصدق بأنه لا يؤمن قول ~~باطل لم ينقله أحد من علماء المسلمين فنقله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قول بلا علم بل كذب عليه. فإن قيل؛ فقد كان الإيمان واجبا على أبي لهب ومن ~~الإيمان أن يؤمن بهذا قيل له: لا نسلم أنه بعد نزول هذه السورة وجب على ~~الرسول أن يبلغه إياها بل ولا غيرها بل حقت عليه كلمة العذاب كما حقت على ~~قوم نوح إذ قيل له: {لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون} وبعد ذلك لا يبقى الرسول مأمورا بتبليغهم الرسالة؛ فإنه قد بلغهم ~~فكفروا ms2677 حتى حقت عليهم كلمة العذاب بأعيانهم. وقد يخبر الله الرسول عن معين ~~أنه لا يؤمن، ولكن لا يأمره أن يعلمه # PageV08P473 # بذلك بل هو مأمور بتبليغه وإن كان الرسول يعلم أنه لا يؤمن كالذين قال ~~الله فيهم: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} {ولو جاءتهم كل آية ~~حتى يروا العذاب الأليم} وقوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون} . فهؤلاء قد يعلم بعض الملائكة وبعض البشر من الأنبياء ~~وغيرهم في معين منهم أنه لا يؤمن وإن كانوا مأمورين بتبليغه أمر الله ونهيه ~~وليس في ذلك تكليفه بالجمع بين النقيضين وذلك خلاف المعلوم فإن الله يفعل ~~ما يشاء بقدرته وما لا يشاء يعلم أنه لا يفعله وأنه قادر عليه لو شاء لفعله ~~وعلمه أنه لا يفعله لا يمنع أن يكون قادرا عليه. والعباد الذين علم الله ~~أنهم يطيعونه بإرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم وإن كان خالقا لذلك فخلقه لذلك ~~أبلغ في علمه به قبل أن يكون كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير} وما لم يفعلوه فما أمرهم به يعلم أنه لا يكون لعدم إرادتهم له لا ~~لعدم قدرتهم عليه وليس الأمر به أمرا بما يعجزون عنه بل هو أمر بما لو ~~أرادوه لقدروا على فعله لكنهم لا يفعلونه لعدم إرادتهم له. وجهم ومن وافقه ~~من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبته ورضاه بمعنى واحد ثم قالت ~~المعتزلة: وهو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه فقالوا: إنه يكون ~~بلا مشيئة وقالت الجهمية بل هو يشاء # PageV08P474 # ذلك؛ فهو يحبه ويرضاه وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء؛ فذكر أبو ~~المعالي الجويني: أن أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة ولم يفرق ~~به بين المشيئة والمحبة والرضا. وأما سلف الأمة وأئمتها وأكابر أهل الفقه ~~والحديث والتصوف وكثير من طوائف النظار: كالكلابية والكرامية؛ وغيرهم ~~فيفرقون بين هذا وهذا؛ ويقولون: إن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى ~~به كما لا يأمر ولا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان ms2678 ولا يحبه؛ كما لا يأمر به ~~وإن كان قد شاءه؛ ولهذا كان حملة الشريعة من الخلف والسلف متفقين على أنه ~~لو حلف ليفعلن واجبا أو مستحبا: كقضاء دين يضيق وقته أو عبادة يضيق وقتها ~~وقال: إن شاء الله؛ ثم لم يفعله لم يحنث وهذا يبطل قول القدرية ولو قال: إن ~~كان الله يحب ذلك ويرضاه فإنه يحنث كما لو قال: إن كان يندب إلى ذلك ويرغب ~~فيه أو يأمر به أمر إيجاب أو استحباب وهذا يرد على الجهمية ومن اتبعهم كأبي ~~الحسن الأشعري ومن وافقه من المتأخرين. وبسط هذه الأمور له موضع آخر. ~~والمقصود هنا جواب هذه " المسألة ": فإن هذه الإشكالات المذكورة إنما ترد ~~على قول جهم ومن وافقه من المتأخرين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم ~~وطائفة من متأخري أصحاب مالك والشافعي وأحمد. # PageV08P475 # وأما أئمة أصحاب مالك والشافعي وأحمد وعامة أصحاب أبي حنيفة فإنهم لا ~~يقولون بقول هؤلاء بل يقولون بما اتفق عليه السلف من أنه سبحانه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن ويثبتون الفرق بين مشيئته وبين محبته ورضاه فيقولون: إن ~~الكفر والفسوق والعصيان - وإن وقع بمشيئته - فهو لا يحبه ولا يرضاه بل ~~يسخطه ويبغضه. ويقولون: إرادة الله في كتابه نوعان: " نوع " بمعنى المشيئة ~~لما خلق كقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} . و " نوع " بمعنى محبته ورضاه ~~لما أمر به وإن لم يخلقه كقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون} {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم والله عليم حكيم} {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا} وبهذا يفصل النزاع في مسألة " الأمر " هل هو مستلزم للإرادة أم لا؟ ~~فإن القدرية تزعم أنه مستلزم للمشيئة فيكون ms2679 قد شاء المأمور به ولم يكن ~~والجهمية قالوا: إنه غير مستلزم لشيء من الإرادة لا لحبه له ولا رضاه # PageV08P476 # به إلا إذا وقع فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ وكذلك عندهم ما أحبه ~~ورضيه كان؛ وما لم يحبه ولم يرضه لم يكن وتأولوا قوله: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} على أن المراد ممن لم يقع منه الكفر أو لا يرضاه دينا كما يقولون: ~~لم يشأه ممن لم يقع منه أو لا يشاءه دينا؛ إذ كانوا موافقين للجهمية ~~والقدرية في أنه لا فرق بين المحبة والمشيئة. وقد قال الله تعالى: {إن ~~تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} ~~فأخبر أنه إذا وقع الكفر من عباده لم يرضه لعباده. كما قال: {إذ يبيتون ما ~~لا يرضى من القول} وقال: {والله لا يحب الفساد} مع قوله: {ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا} . و (فصل الخطاب: أن الأمر ليس مستلزما لمشيئة أن ~~يخلق الرب الآمر الفعل المأمور به. ولا إرادة أن يفعله بل قد يأمر بما لا ~~يخلقه وذلك مستلزم لمحبة الرب ورضاه من العبد أن يفعله بمعنى أنه إذا فعل ~~ذلك أحبه ورضيه؛ وهو يريده منه إرادة الآمر من المأمور بما أمره به لمصلحته ~~وإن لم يرد أن يخلقه وأن يعينه عليه؛ لما له في ترك ذلك من الحكمة؛ فإن له ~~حكمة بالغة فيما خلقه وفيما لم يخلقه. وفرق بين أن يريد أن يخلق هو الفعل ~~ويجعل غيره فاعلا يحسن إليه ويتفضل عليه بالإعانة له على مصلحته وبين أن ~~يأمر غيره بما يصلحه ويبين له ما ينفعه إذا فعله وإن كان لا يريد هو - نفسه ~~- أن يعينه لما في ترك إعانته # PageV08P477 # من الحكمة؛ لكون الإعانة قد تستلزم ما يناقض حكمته والمنهي عنه الذي خلقه ~~هو يبغضه ويمقته كما يمقت ما خلقه من الأعيان الخبيثة كالشياطين والخبائث ~~ولكنه خلقها لحكمة يحبها ويرضاها. ونحن نعلم أن العبد يريد أن يفعل ما لا ~~يحبه لإفضائه إلى ms2680 ما يحبه كما يشرب المريض الدواء الكريه لإفضائه إلى ما ~~يحبه من العافية ويفعل ما يكرهه من الأعمال لإفضائه إلى مطلوبه المحبوب له ~~ولا منافاة بين كون الشيء بغيضا إليه مع كونه مخلوقا له لحكمة يحبها. وكذلك ~~لا منافاة بين أن يحبه إذا كان ولا يفعله؛ لأن فعله قد يستلزم تفويت ما هو ~~أحب إليه منه أو وجود ما هو أبغض إليه من عدمه. # فصل: # إذا عرف هذا فنقول: أما قول القائل كيف يكون العبد مختارا لأفعاله وهو ~~مجبور عليها؟ إنما يتوجه على الجهمية الذين يقولون: بإطلاق الجبر ونفي قدرة ~~العبد واختياره وتأثير قدرته في الفعل وقد بينا أن إطلاق " الجبر " مما ~~أنكره أئمة السنة: كالأوزاعي والزبيدي والثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد ~~بن حنبل # PageV08P478 # وغيرهم وما علمت أحدا من الأئمة أطلقه؛ بل ما علمت أحدا من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان أطلقوه في " مسائل القدر والجبر ". ولا قال أحد من ~~أئمة المسلمين - لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا ~~الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا الأوزاعي ولا الثوري ولا الليث ولا أمثال ~~هؤلاء - إن الله يكلف العباد ما لا يطيقونه ولا قال أحد منهم: إن العبد ليس ~~بفاعل لفعله حقيقة بل هو فاعل مجازا. ولا قال أحد منهم: إن قدرة العبد لا ~~تأثير لها في فعله أو لا تأثير لها في كسبه ولا قال أحد منهم: إن العبد لا ~~يكون قادرا إلا حين الفعل وإن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلا معه وإن ~~العبد لا استطاعة له على الفعل قبل أن يفعله، بل نصوصهم مستفيضة بما دل ~~عليه الكتاب والسنة من إثبات استطاعة لغير الفاعل، كقوله تعالى: {ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقوله تعالى {فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا} {وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائما فإن ~~لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} . واتفقوا على أن العبادات لا تجب ~~إلا على مستطيع وأن المستطيع يكون ms2681 مستطيعا مع معصيته وعدم فعله كمن استطاع ~~ما أمر به من الصلاة والزكاة # PageV08P479 # والصيام والحج ولم يفعله فإنه مستطيع باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مستحق ~~للعقاب على ترك المأمور الذي استطاعه ولم يفعله لا على ترك ما لم يستطعه. ~~وصرحوا بما صرح به أبو حنيفة وأبو العباس ابن سريج وغيرهما من أن الاستطاعة ~~المتقدمة على الفعل تصلح للضدين وإن كان العبد حين الفعل مستطيعا أيضا ~~عندهم فهو مستطيع عندهم قبل الفعل ومع الفعل وهو حين الفعل لا يمكنه أن ~~يكون فاعلا تاركا فلا يقولون: إن الاستطاعة لا تكون إلا قبل الفعل، كقول ~~المعتزلة ولا بأنها لا تكون إلا مع الفعل كقول المجبرة بل يكون مستطيعا قبل ~~الفعل وحين الفعل. وأما قوله: العلماء قد صرحوا بأن العبد يفعلها قسرا. ~~يقال له: لم يصرح بهذا أحد من علماء السلف وأئمة الإسلام المشهورين ولا أحد ~~من أكابر أتباع الأئمة الأربعة وإنما يصرح بهذا بعض المتأخرين الذين سلكوا ~~مسلك جهم ومن وافقه وليس هو لأهل علماء السنة بل ولا جمهورهم ولا أئمتهم بل ~~هم عند أئمة السلف من أهل البدع المنكرة. # PageV08P480 # فصل وأما قول الناظم السائل: # لأنهم قد صرحوا أنه ... على الإرادات لمقسور # فيقال له: القسر على الإرادة منه. إذا أريد به أنه جعله مريدا فهذا حق ~~لكن تسمية مثل هذا قسرا وإكراها وجبرا تناقض لفظا ومعنى فإن المقسور المكره ~~المجبور لا يكون مريدا مختارا محبا راضيا والذي جعل مختارا محبا راضيا لا ~~يقال إنه مقسور مكره مجبور. وإذا قيل: المراد بذلك أنه جعل مريدا بمشيئة ~~الله وقدرته بدون إرادة منه متقدمة اختار بها أن يكون مريدا. قيل لهم: هذا ~~المعنى حق سواء سمي قسرا أو لم يسم. ولكن هذا لا يناقض كونه مختارا فإن من ~~جعل مريدا مختارا قد أثبت له الإرادة والاختيار والشيء لا يناقض ذاته ولا ~~ملازمه فلا يجوز أن يقال كيف يكون المختار قد جعل مختارا والمريد جعل ~~مريدا. وإذا قيل: يخير على أن يكون مختارا. قيل: معنى ذلك أن ms2682 الله جعله # PageV08P481 # مختارا بغير إرادة منه سابقة لأن يكون مختارا كما جعله قادرا وجعله عالما ~~وجعله حيا وجعله أسود وأبيض وطويلا وقصيرا. ومعلوم أن الله إذا جعله موصوفا ~~بصفة لم يناقض ذلك اتصافه بتلك الصفة فإن الله إذا جعله على صفة كان كونه ~~على تلك الصفة؛ لأن ما جعل الله له؛ فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~وإذا كان كونه مختارا وعالما وقادرا أمرا ملازما لمشيئة الله وجعله ~~والمتلازمان لا يناقض أحدهما الآخر بل يجامعه ولا يفارقه فيكون اختيار ~~العبد مع إطلاق الجبر الذي يعني به أن الله جعله مختارا أمرين متلازمين لا ~~أمرين متناقضين ولا عجب من اجتماع المتلازمين إنما العجب من تناقضهما. # فصل وأما قول السائل: # لأنهم قد صرحوا أنه ... على الإرادات لمقسور # ولم يكن فاعل أفعاله ... حقيقة والحكم مشهور # فيقال له: المصرح بأنه غير فاعل حقيقة هم الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان ~~ومن وافقهم من المتأخرين ولم يصرح بهذا أحد من الصحابة والتابعين لهم # PageV08P482 # بإحسان ولا أئمة المسلمين: لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم بل الذين تكلموا ~~بلفظ الحقيقة والمجاز واتبعوا السلف في هذا الأصل كلهم يقولون: إنه فاعل ~~حقيقة كما صرح بذلك أئمة أصحاب الأئمة الأربعة - أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم - وكتبهم مشحونة بذلك. وأما الذين قالوا: ~~إنه فاعل مجازا؛ وقالوا: إن الفعل لا يقوم بالفاعل بل الفعل هو المفعول ~~فهؤلاء يلزمهم أن لا يكون لأفعال العباد فاعل لا الرب ولا العبد أما العبد. ~~فإنها وإن قامت به الأفعال فإنه غير فاعل لها عندهم. وأما الرب فعندهم لم ~~يقم به فعل لا هذه ولا غيرها والفاعل المعقول من قام به الفعل كما أن ~~المتكلم المعقول من قام به الكلام والمريد المعقول من قامت به الإرادة ~~والحي والعالم والقادر من قامت به الحياة والعلم والقدرة والمتحرك من قامت ~~به الحركة؛ فإثبات هؤلاء فاعلا لا يقوم به فعل كإثبات متقدميهم من الجهمية ~~والمعتزلة متكلما لا يقوم به كلام؛ ومريدا لا تقوم به ms2683 إرادة وعالما لا يقوم ~~به علم؛ وقادرا لا تقوم به قدرة؛ وهذا كله باطل كما قرروه في مسألة " كلام ~~الله "؛ وإثبات " صفاته " كما قد بسط في موضعه. فإن الأصل الذي وافقوا به ~~أئمة السنة واحتجوا به على المعتزلة هو: أن المعنى إذا قام بمحل عاد حكمه ~~على ذلك المحل؛ واشتق لذلك المحل منه اسم؛ ولم يشتق لغيره منه اسم وعاد ~~حكمه على ذلك المحل؛ ولم يعد على غيره؛ كما أن الحركة والسواد والبياض ~~والحرارة والبرودة إذا قامت بمحل كان هو # PageV08P483 # المتحرك الأسود الأبيض الحار البارد دون غيره. قالوا: فكذلك الكلام ~~والإرادة إذا قاما بمحل كان ذلك المحل هو المتكلم المريد دون غيره. قالوا: ~~فلا يكون المتكلم متكلما إلا بكلام يقوم به؛ ولا مريدا إلا بإرادة تقوم به؛ ~~وكذلك لا يكون حيا عالما قادرا إلا بحياة وعلم وقدرة تقوم به؛ وطرد هذا أنه ~~لا يكون فاعلا إلا بفعل يقوم به. ولهذا {استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~بصفات الله تعالى وأفعاله وذاته فقال اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك؛ ~~وبمعافاتك من عقوبتك؛ وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك} . ~~وهذا مما استدل به الأئمة أحمد بن حنبل وغيره على أن كلام الله ليس بمخلوق؛ ~~قالوا: لأنه استعاذ به ولا يستعاذ بمخلوق. # فصل: # وأما قول السائل: ومن هنا لم يكن للفعل في ... ما يلحق الفاعل تأثير # فإن أراد بذلك: أنه لا تأثير للفعل فيما يلحق الفاعل من المدح والذم ~~والثواب والعقاب؛ فهذا إنما يقوله منكرو الأسباب؛ كجهم ومن # PageV08P484 # وافقه؛ وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم: خلقا ~~وأمرا. ففي " الأمر " مثل ما يقول الفقهاء؛ الأسباب المثبتة للإرث " ثلاثة ~~": نسب ونكاح وولاء عتق؛ واختلفوا في المحالفة؛ والإسلام على يديه وكونهما ~~من أهل الديوان؛ منهم من يجعل ذلك سببا للإرث: كأبي حنيفة ومنهم من لا ~~يجعله سببا: كمالك والشافعي. وعن أحمد روايتان. ومثل ما يقولون: ملك النصاب ~~سبب لوجوب الزكاة والقتل العمد العدوان المحض سبب للقود؛ والسرقة سبب ~~للقطع. ms2684 ومذهب الفقهاء أن السبب له تأثير في مسببه ليس علامة محضة وإنما ~~يقول: إنه علامة محضة طائفة من أهل الكلام الذين بنوا على قول جهم؛ وقد ~~يطلق ما يطلقونه طائفة من الفقهاء وجمهور من يطلق ذلك من الفقهاء يتناقضون. ~~تارة يقولون: بقول السلف والأئمة وتارة يقولون: بقول هؤلاء. وكذلك الحكمة ~~وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السلف. وكذلك الحكمة في " ~~الخلق " والقرآن مملوء بذلك في " الخلق والأمر " # PageV08P485 # ومملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب لا كما يقوله أتباع جهم إنه يفعل ~~عندها لا بها كقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} ~~وقوله: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} {والنخل ~~باسقات لها طلع نضيد} {رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا} وقوله: {وهو الذي ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} وقوله: {يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام} وقوله: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} ونحو ذلك. وأما ~~دخول لام كي في الخلق والأمر فكثير جدا وهذا مبسوط في موضعه. وقد بسط حجج ~~نفاة الحكمة والتعليل العقلية والشرعية وبين فسادها كما بين فساد حجج ~~المعتزلة والقدرية. وحينئذ فالأفعال سبب للمدح والذم والثواب والعقاب. ~~والفقهاء المثبتون للأسباب والحكم قسموا خطاب الشرع وأحكامه إلى " قسمين " ~~خطاب تكليف وخطاب وضع وإخبار كجعل الشيء سببا وشرطا ومانعا فاعترض عليهم ~~نفاة ذلك؛ بأنكم إن أردتم بكون الشيء # PageV08P486 # سببا أن الحكم يوجد إذا وجد فليس هنا حكم آخر وإن أردتم معنى آخر فهو ~~ممنوع. وجوابهم أن المراد أن الأسباب تضمنت صفات مناسبة للحكم شرع الحكم ~~لأجلها وشرع لإفضائه إلى الحكمة كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر} وقال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} الآية. وكذلك أيضا الذين قالوا لا ~~تأثير لقدرة العبد في أفعاله هم هؤلاء أتباع جهم نفاة الأسباب؛ وإلا فالذي ~~عليه ms2685 السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر ~~المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير ~~سائر الأسباب في مسبباتها؛ والله تعالى خلق الأسباب والمسببات. والأسباب ~~ليست مستقلة بالمسببات؛ بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها ولها - مع ذلك - ~~أضداد تمانعها والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه أضداده ~~المعارضة له وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر ~~المخلوقات فقدرة العبد سبب من الأسباب وفعل العبد لا يكون بها وحدها بل لا ~~بد من الإرادة الجازمة مع القدرة. وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة ~~بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة # PageV08P487 # القيد والحبس ونحو ذلك والصاد عن السبيل كالعدو وغيره. # فصل: # وقوله تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} لا يدل على أن العبد ليس ~~بفاعل لفعله الاختياري ولا أنه ليس بقادر عليه ولا أنه ليس بمريد؛ بل يدل ~~على أنه لا يشاؤه إلا أن يشاء الله وهذه الآية رد على الطائفتين: المجبرة ~~الجهمية والمعتزلة القدرية فإنه تعالى قال: {لمن شاء منكم أن يستقيم} فأثبت ~~للعبد مشيئة وفعلا ثم قال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فبين ~~أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله. والأولى رد " على الجبرية وهذه رد على ~~القدرية الذين يقولون: قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله كما يقولون: إن الله ~~يشاء ما لا يشاءون. وإذا قالوا: المراد بالمشيئة هنا الأمر على أصلهم ~~والمعنى وما يشاءون فعل ما أمر الله به إن لم يأمر الله به. قيل: سياق ~~الآية يبين أنه ليس المراد هذا؛ بل المراد وما تشاءون بعد أن أمرتم بالفعل ~~أن تفعلوه إلا أن يشاء الله فإنه تعالى ذكر الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم ~~قال بعد ذلك: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله} . وقوله: {وما تشاءون} نفي لمشيئتهم في المستقبل. وكذلك ~~قوله: {إلا أن يشاء الله} # PageV08P488 # تعليق لها بمشيئة الرب في المستقبل ms2686 فإن حرف (أن) تخلص الفعل المضارع ~~للاستقبال فالمعنى: إلا أن يشاء بعد ذلك والأمر متقدم على ذلك وهذا كقول ~~الإنسان: لا أفعل هذا إلا أن يشاء الله، وقد اتفق السلف والفقهاء على أن من ~~حلف فقال: لأصلين غدا إن شاء الله أو لأقضين ديني غدا إن شاء الله ومضى ~~الغد ولم يقضه أنه لا يحنث ولو كانت المشيئة هي الأمر لحنث؛ لأن الله أمره ~~بذلك وهذا مما احتج به على القدرية وليس لهم عنه جواب ولهذا خرق بعضهم ~~الإجماع القديم وقال إنه يحنث. # وأيضا فقوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} سيق لبيان مدح الرب والثناء ~~عليه ببيان قدرته وبيان حاجة العباد إليه ولو كان المراد لا تفعلون إلا أن ~~يأمركم لكان كل أمر بهذه المثابة فلم يكن ذلك من خصائص الرب التي يمدح بها ~~وإن أريد أنهم لا يفعلون إلا بأمره كان هذا مدحا لهم؛ لا له. # PageV08P489 # فصل: # وقوله: وكل شيء ثم لو سلمت ... لم يك للخالق تقدير # إن أراد به أنه لو سلم أن العبد فاعل أفعاله حقيقة ونحو ذلك من أقوال ~~السلف لزم نفي التقدير فهذا التلازم ممنوع. وإن أراد أنه لو سلم أن يشاء ما ~~لم يشأ الله لزم انتفاء مشيئة الله عن المحرمات والمباحات باتفاق الناس بل ~~يلزم انتفاء مشيئته في الحقيقة لأفعال العباد كلها كما يلزم انتفاء قدرته ~~على أفعال العباد كلها وانتفاء خلقه لشيء منها وفي ذلك نفي هذا التقدير ~~الذي هو بمعنى المشيئة والقدرة والخلق. وأما التقدير الذي هو بمعنى تقديرها ~~في نفسه وعلمه بها وخبره عنها وكتابته لها فهذا إنما يلزم لزوما بينا على ~~قول من ينكر العلم المتقدم وجمهور القدرية لا تنكره لكن إذا جوزوا حدوث ~~حوادث كثيرة بدون مشيئته وقدرته وخلقه أثبتوا في العالم حوادث كثيرة يحدثها ~~غيره وهو غير قادر على إحداثها وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بقوله: {ألا ~~يعلم من خلق} # PageV08P490 # على أنه عالم بها فإنه لم يخلقها عندهم؛ فقد ينازعهم إخوانهم القدرية في ~~علمه بها قبل أن ms2687 تكون ولا يمكنهم الاحتجاج عليهم بهذه الآية وقد يقولون ~~علمه بها مع أمره بخلاف المعلوم يقتضي تكليف ما لا يطاق لأن خلاف المعلوم ~~ممتنع فلا يكون عالما بها فيلزمونهم بنفي التقدير السابق. # فصل: # وقوله: # أو كان فاللازم من كونه ... حدوثه والقول مهجور # كأنه يريد - والله أعلم - أو كان الله مقدرا لها عالما بها فيلزم من كونه ~~عالما بها مقدرا لها بعد أن تكون حدوث العلم بها بعد أن كانت ويلزم أن لا ~~يكون الرب عالما بأفعال العباد ولا مقدرا لها حتى فعلت وهذا القول مهجور ~~باطل مما اتفق على بطلانه سلف الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر علماء ~~المسلمين بل كفروا من قاله والكتاب والسنة مع الأدلة العقلية تبين فساده. ~~فإن الله قد أخبر عما يكون من أفعال العباد قبل أن تكون بل أعلم بذلك من ~~شاء من ملائكته وغير ملائكته قال تعالى: {وإذ قال ربك # PageV08P491 # للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} فالملائكة ~~حكموا بأن الآدميين يفسدون ويسفكون الدماء قبل أن يخلق الإنس ولا علم لهم ~~إلا ما علمهم الله؛ كما قالوا: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} ثم قال: {إني ~~أعلم ما لا تعلمون} وتضمن هذا ما يكون فيما بعد من آدم وإبليس وذريتهما وما ~~يترتب على ذلك. ودلت هذه الآية على أنه يعلم أن آدم يخرج من الجنة فإنه ~~لولا خروجه من الجنة لم يصر خليفة في الأرض فإنه أمره أن يسكن الجنة ولا ~~يأكل من الشجرة بقوله: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا ~~حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} وقال تعالى: {فقلنا يا ~~آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} {إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى} {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} نهاه أن يخرجه من الجنة وهو ~~نهي عن طاعة إبليس التي هي سبب الخروج وقد ms2688 علم قبل ذلك أنه يخرج من الجنة ~~وأنه إنما يخرج منها بسبب طاعته إبليس وأكله من الشجرة؛ لأنه قال قبل ذلك: ~~{إني جاعل في الأرض خليفة} . ولهذا قال من قال من السلف: إنه قدر خروجه من ~~الجنة قبل أن يأمره بدخولها بقوله: {إني جاعل في الأرض خليفة} وقال بعد ~~هذا: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} # PageV08P492 # وقال تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين} {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} وهذا خبر عما سيكون من ~~عداوة بعضهم بعضا وغير ذلك. وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون} {ولو جاءتهم كل آية} وقال: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون} وهذا خبر عن المستقبل وأنهم لا يؤمنون. وقال تعالى: ~~{لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقال: {ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهذا قسم منه على ذلك وهو الصادق البار في ~~قسمه وصدقه مستلزم لعلمه بما أقسم عليه؛ وهو دليل على أنه قادر على ذلك. ~~وقد يستدل به على أنه خالق أفعال العباد؛ إذ لو كانت أفعالهم غير مقدورة له ~~لم يمكنه أن يملأ جهنم بل كان ذلك إليهم إن شاءوا عصوه فملأها؛ وإن شاءوا ~~أطاعوه فلم يملأها. لكن قد يقال: إنه علم أنهم يعصونه فأقسم على جزائهم على ~~ذلك وقد يجاب عن ذلك بأن علمه بالمستقبل قبل أن يكون مستلزم لخلقه له فإنه ~~سبحانه لا يستفيد العلم من غيره كالملائكة والبشر ولكن علمه من لوازم نفسه؛ ~~فلو كانت أفعاله خارجة عن مقدوره ومراده لم يجب أن يعلمها كما يعلم ~~مخلوقاته وبسط هذا له موضع آخر. # PageV08P493 # وقال تعالى عن المنافقين: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة} وهذا خبر عما سيكون منهم من الذنوب قبل أن يفعلوها. ~~وقال تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون} ms2689 وهذا خبر عن دعاء من يدعوهم إلى جهاد هؤلاء؛ ودعاؤه ~~لهم من جملة أفعال العباد ومثل هذا في القرآن كثير. بل العلم بالمستقبل من ~~أفعال العباد يحصل لآحاد المخلوقين من الملائكة والأنبياء وغيرهم؛ فكيف لا ~~يكون حاصلا لرب العالمين وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما سيكون من ~~الأفعال المستقبلة من أمته وغير أمته مما يطول ذكره كإخباره بأن ابنه الحسن ~~يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؛ وإخباره بأنه تمرق مارقة على ~~حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وإخباره بأن قوما يرتدون ~~بعده على أعقابهم؛ وإخباره بأن خلافة النبوة تكون ثلاثين سنة ثم تصير ملكا؛ ~~وإخباره بأن الجبل ليس عليه إلا نبي وصديق وشهيد؛ وكان أكثرهم شهداء ~~وإخباره يوم بدر بقتل صناديد قريش قبل أن يقتلوا وإخباره بخروج الدجال ~~ونزول عيسى عليه السلام على المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتل عيسى عليه ~~السلام له على باب لد. وإخباره بخروج يأجوج ومأجوج؛ وإخباره بخروج الخوارج ~~الذين قال فيهم: {يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه # PageV08P494 # مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على يده مثل البضعة من اللحم ~~تدردر} وكان الأمر كما أخبر به لما قاتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان ووجد ~~هذا الشخص كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم. وإخباره بقتال الترك وصفتهم ~~حيث قال: {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الخدود دلف ~~الأنف ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة} وقد قاتل المسلمون هؤلاء ~~الترك وغيرهم لما ظهروا ومثل هذا من أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر من ~~أن تذكر وهو إنما يعلم ما علمه الله وإذا كان هو يعلم كثيرا مما يكون من ~~أعمال العباد فكيف الذي خلقه وعلمه ما لم يكن يعلم. وهو سبحانه لا يحيط أحد ~~من علمه إلا بما شاء ولا يعلم أحد - لا نبي ولا غيره - إلا ما ms2690 علمه الله ~~وقال الخضر لموسى: إنني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على ~~علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ولما نقر العصفور في البحر قال له: ما ~~نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر وهو ~~سبحانه القائل في حق موسى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء} . والمقصود أن نفي علم الله بالحوادث أفعال العباد وغيرها قبل أن ~~تكون باطل وغلاة القدرية ينفون ذلك. # PageV08P495 # وأما قوله تعالى {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه} . وقوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ~~أمدا} ونحو ذلك فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العلم ~~الذي يترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب والأول هو العلم بأنه سيكون ~~ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب فإن هذا إنما ~~يكون بعد وجود الأفعال. وقد روي عن ابن عباس أنه قال في هذا: لنرى. وكذلك ~~المفسرون قالوا: لنعلمه موجودا بعد أن كنا نعلم أنه سيكون وهذا المتجدد فيه ~~قولان مشهوران للنظار: منهم من يقول: المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم ~~والمعلوم فقط وتلك نسبة عدمية. ومنهم من يقول: بل المتجدد علم بكون الشيء ~~ووجوده وهذا العلم غير العلم بأنه سيكون وهذا كما في قوله: {وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فقد أخبر بتجدد الرؤية فقيل نسبة عدمية ~~وقيل المتجدد أمر ثبوتي. والكلام على القولين ومن قال هذا وهذا وحجج ~~الفريقين قد بسطت في موضع آخر. وعامة السلف وأئمة السنة والحديث على أن ~~المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه النص وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث ~~المحاسبي على نفيه فإنه كان يقول # PageV08P496 # بقول ابن كلاب فر من تجدد أمر ثبوتي وقال بلوازم ذلك، فخالف من نصوص ~~الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور بدعة اقتضت أن يهجره الإمام أحمد ~~ويحذر منه. وقد ms2691 قيل: إن الحارث رجع عن ذلك. والمتأخرون من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة على قولين: منهم من سلك طريقة ابن كلاب ~~وأتباعه ومنهم من سلك طريقة أئمة السنة والحديث؛ وهذا مبسوط في موضعه. ~~والمقصود هنا: أن تقدم علم الله وكتابته لأعمال العباد حق والقول بحدوث ذلك ~~قول مهجور كما قاله الناظم إن كان قد أراد ذلك وليس في ذلك ما ينافي أمر ~~الله ونهيه فإن كونه خالقا لأفعال العباد لا ينافي الأمر والنهي. فكيف ~~العلم المتقدم وليس في ذلك ما يقتضي كون العبد مجبورا لا قدرة له ولا فعل ~~كما تقوله الجهمية المجبرة. # فصل: # وأما قوله: # ولا يقال علم الله ما يختار ... فالمختار مسطور # PageV08P497 # فهو يتضمن إيراد سؤال من القدرية. وجوابه منهم: فإنهم قد يقولون: نحن ~~نقول: إنه يعلم وإذا قلنا ذلك لم نكن قد نفينا القدر بل أثبتنا القدر بمعنى ~~العلم مع نفي كون الرب تعالى شائيا جميع الحوادث خالقا لأفعال العباد قال ~~الناظم فإن الذي يختاره العبد مسطور قبل ذلك فلا يمكن بغيره فيلزم الجبر. ~~وقد يعترض على هذا الجواب بأن يقال: اللازم هنا بمنزلة الملزوم، فإن علمه ~~بأنه يختاره موافق لما كتبه من أنه يختاره وتغيير العلم أعظم من تغيير ~~المسطور. وقد يقال: إنه أراد جعل السطر من تمام القول أي لا يقال علم ما ~~يختاره وسطر ذلك. أي فتقدم العلم والكتاب كاف في الإيمان بالقدر فإن مجرد ~~ذلك لا يكفي في الإيمان بالقدر وهذا من حجة القائلين بالجبر. قالوا: خلاف ~~المعلوم ممتنع؛ فالأمر به أمر بممتنع؛ لأنه لو وقع المأمور للزم انقلاب ~~العلم جهلا. وجوابهم أن الممتنع لفظ مجمل فإن أرادوا أن خلاف المعلوم لا ~~يقع ولا يكون فهذا صحيح ولكن التكليف بما لا يكون لا يكون تكليفا بما يعجز ~~عنه الفاعل فإن ما لا يفعله الفاعل قد لا يفعله لعجزه عنه وقد لا يفعله ~~لعدم إرادته فإنما كلف بما يطيقه مع علم الرب # PageV08P498 # أنه لا يكون كما يعلم أن ما لا يشاؤه ms2692 هو لا يكون مع أنه لو شاء لفعله. ~~وقول المحتج: لو وقع لانقلب العلم جهلا. قيل: هذا صحيح وهو يدل على أنه لا ~~يقع لكن لا يدل على أن المكلف عاجز عنه لو أراده لم يقدر على فعله فإنه لا ~~يقع لعدم إرادته له لا لعدم قدرته عليه؛ كالذي لا يقع من مقدورات الرب التي ~~لو شاء لفعلها وهو يعلم أنه لا يفعلها. ولا يجوز أن يقال إنه غير قادر ~~عليها كما قاله بعض غلاة أهل البدع؛ بل قد قال سبحانه: {أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه} {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقال تعالى: {قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا} مع أنه قد ~~ثبت في الصحيحين عن جابر {أنه لما نزل قوله: {قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم} قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك {أو من تحت ~~أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هاتان ~~أهون} . فهذا الذي أخبر أنه قادر عليه منه ما لا يكون وهو إرسال عذاب من ~~فوق الأمة أو من تحت أرجلهم. ومنه ما يكون وهو لبسهم شيعا وإذاقة بعضهم بأس ~~بعض، كما ثبت في الصحيح # PageV08P499 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ~~ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها؛ وسألته أن ~~لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها} . ~~وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما لا يكون أنه لو شاء لفعله كقوله: {ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها} وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ~~من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة} وأمثال هذه الآيات تبين أنه لو شاء أن يفعل ms2693 أمورا لم تكن ~~لفعلها؛ وهذا يدل على أنه قادر على ما علم أنه لا يكون؛ فإنه لولا قدرته ~~عليه لكان إذا شاء لا يفعله؛ فإنه لا يمكن فعله إلا بالقدرة عليه فلما أخبر ~~وهو الصادق في خبره أنه لو شاء لفعله علم أنه قادر عليه وإن علم سبحانه أنه ~~لا يكون؛ وعلم أيضا أن خلاف المعلوم قد يكون مقدورا. وإذا قيل هو ممتنع فهو ~~من باب الممتنع لعدم مشيئة الرب له لا لكونه ممتنعا في نفسه ولا لكونه ~~معجوزا عنه. ولفظ " الممتنع " فيه إجمال كما تقدم وما سمي ممتنعا بمعنى أنه ~~لا يكون مع # PageV08P500 # أنه لو شاء العبد لفعله لقدرته عليه فهذا يجوز تكليفه بلا نزاع؛ وإن سماه ~~بعضهم بما لا يطاق فهذا نزاع لفظي؛ ونزاع في أن القدرة هل يجوز أن تتقدم ~~الفعل أم لا؟ # فصل: # وأما قوله: # والجبر إن صح يكن مكرها ... وعندك المكره معذور # فيقال: قد تقدم بيان معنى " الجبر "؛ وأن الجبر إذا أريد به الإكراه كما ~~يجبر الإنسان غيره ويكرهه على خلاف مراده؛ فالله تعالى أجل وأعلى وأقدر من ~~أن يحتاج إلى مثل هذا الجبر والإكراه؛ فإن هذا إنما يكون من عاجز يعجز عن ~~جعل غيره مريدا لفعله مختارا له محبا له راضيا به والله سبحانه على كل شيء ~~قدير فإذا شاء أن يجعل العبد محبا لما يفعله؛ مختارا له جعله كذلك؛ وإن شاء ~~أن يجعله مريدا له بلا محبة بل مع كراهة فيفعله كارها له جعله كذلك. وليس ~~هذا كإكراه المخلوق للمخلوق؛ فإن المخلوق لا يقدر أن يجعل في قلب غيره لا ~~إرادة وحبا ولا كراهة وبغضا بل غايته أن يفعل ما يكون # PageV08P501 # سببا لرغبته أو رهبته؛ فإذا أكرهه فعل به من العقاب أو الوعيد ما يكون ~~سببا لرهبته وخوفه؛ فيفعل ما لا يختار فعله ولا يفعله راضيا بفعله؛ ويكون ~~مراده دفع الشر عنه؛ فهو مريد للفعل؛ لكن المقصود دفع الشر عنه؛ لا نفس ~~الفعل ولهذا قد يسمى مختارا؛ ويسمى غير مختار باعتبار ويسمى مريدا ms2694 ويسمى ~~غير مريد باعتبار. ولكن اللغة العربية لا يسمى فيها مختارا بل مكرها؛ وهي ~~لغة الفقهاء. كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ~~ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له} . فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~من يفعل بمشيئته لا يكون مكرها والمكره يفعل بمشيئة غيره؛ وهو المكره له ~~فإنه وإن كان قاصدا لما يفعله ليس هو بمنزلة المفعول به الذي لا قدرة له ~~ولا إرادة له في الفعل بحال فإن مقصوده بالقصد الأول دفع الشيء لا نفس ~~الفعل فالمراتب ثلاثة: (أحدها من يفعل به الفعل من غير قدرة له على ~~الامتناع كالذي يحمل بغير اختياره ويدخل إلى مكان أو يضرب به غيره أو تضجع ~~المرأة وتفعل بها الفاحشة بغير اختيارها؛ من غير قدرة على الامتناع؛ فهذا ~~ليس له فعل اختياري؛ ولا قدرة ولا إرادة. ومثل هذا الفعل ليس فيه أمر ولا ~~نهي؛ ولا عقاب باتفاق العقلاء وإنما يعاقب إذا أمكنه الامتناع فتركه؛ لأنه ~~إذا لم # PageV08P502 # يمتنع كان مطاوعا لا مكرها ولهذا فرق بين المرأة المطاوعة على الزنا ~~والمكرهة عليه. # والثانية: أن يكره بضرب أو حبس أو غير ذلك حتى يفعل فهذا الفعل يتعلق به ~~التكليف فإنه يمكنه أن لا يفعل وإن قتل. ولهذا قال الفقهاء إذا أكره على ~~قتل المعصوم لم يحل له قتله. وإن قتل فقد اختلفوا في القود. فقال: أكثرهم ~~كمالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه يجب القود على المكره والمكره؛ لأنهما ~~جميعا يشتركان في القتل. وقال أبو حنيفة يجب على المكره الظالم لأن المكره ~~قد صار كالآلة وقال زفر: بل على المكره المباشر لأنه مباشر وذاك متسبب ~~وقال: لو كان كالآلة لما كان آثما وقد اتفقوا على أنه آثم وقال أبو يوسف لا ~~تجب على واحد منهما. وأما إن أكره على الشرب للخمر ونحوه من الأفعال ~~فأكثرهم يجوز ذلك له وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ms2695 وأحمد في المشهور عنه ~~لقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وأما إن أكره ~~الرجل على الزنا ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. # أحدهما: لا يكون مكرها عليه كقول أبي حنيفة وهو منصوص أحمد. # PageV08P503 # والثاني: قد يكون مكرها عليه كقول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد. وإذا ~~أكره على كلمة الكفر جاز له التكلم بها مع طمأنينة قلبه بالإيمان. # وإذا أكره على " العقود " كالبيع والنكاح والطلاق والظهار والإيلاء ~~والعتق ونحو ذلك فمذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن كل قول أكره عليه ~~بغير حق فهو باطل فلا يقع به طلاق ولا عتاق ولا يلزمه نذر ولا يمين ولا غير ~~ذلك وأما أبو حنيفة فيفرق بين ما يقبل الفسخ عنده ويثبت فيه الخيار كالبيع ~~ونحوه فلا يلزم مع الإكراه وما ليس كذلك كالنكاح والطلاق والعتاق فيلزم مع ~~الإكراه. وأما المكره بحق كالحربي على الإسلام فهذا يلزمه ما أكره عليه ~~باتفاق العلماء. # فقول الناظم: # والجبر إن صح يكن مكرها ... وعندك المكره معذور # قول مؤلف من مقدمتين باطلتين # PageV08P504 # الأولى: إن صح الجبر كان مكرها وقد عرف أن لفظ " الجبر " إذا أريد به ~~الجبر المعروف من إجبار الإنسان غيره على ما لا يريده فهذا الجبر لم يصح ~~وإن أريد به أن الله يخلق إرادته فهذا الجبر إذا صح لم يكن مكرها. و ~~(المقدمة الثانية قوله: والمكره عندك معذور. فليس الأمر كذلك بل المكره ~~نوعان: (نوع أكرهه المكره بحق فهذا ليس بمعذور والله تعالى لا يكره أحدا ~~إلا بحق سواء قدر الإكراه بخلقه وقدره أو شرعه وأمره وإنما المكره المعذور ~~هو المظلوم المكره بغير حق والله تعالى: لا يظلم أحدا مثقال ذرة بل هو ~~الحكم العدل القائم بالقسط كما قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} . وقد ~~اتفق المسلمون وغيرهم على أن الله منزه عن الظلم لكن تنازع ms2696 الناس في معنى " ~~الظلم " الذي يجب تنزيه الرب عنه فجعلت القدرية من المعتزلة وغيرهم " الظلم ~~" الذي ينزه عنه الخالق من جنس " الظلم " الذي ينهى عنه المخلوق وشبهوا ~~الله تعالى بخلقه فأوجبوا عليه من جنس ما يجب على # PageV08P505 # المخلوق وتكلموا في التعديل والتجويز بكلام متناقض كما هو معروف عنهم ~~وألزموا الناس إلزامات كثيرة. (منها أن قالوا: إن العبد لو رأى رفقة يظلم ~~بعضهم بعضا وهو يقدر على منعهم من الظلم ولم يمنعهم لكان ظالما ومثل هذا ~~ليس ظلما من الله فقالوا: هو قد نهاهم عن ذلك وعرضهم للثواب إذا أطاعوه ~~وللعقاب إذا عصوه وهم قد ظلموا باختيارهم ولم يمكن منعهم من ذلك إلا ~~بإلجائهم إلى الترك والإلجاء يزيل التكليف الذي عرضهم به للثواب. فقال لهم ~~الجمهور: الواحد منا لو فعل ذلك مع علمه بأن عباده لا يطيعون أمره ولا ~~يمتنعون عن الظلم بل يزدادون عصيانا وظلما لم يكن ذلك حكمة ولا عدلا وإنما ~~يحمد ذلك من الواحد منا لعدم علمه بالعاقبة أو لعجزه عن المنع والله عليم ~~بالعواقب وهو على كل شيء قدير وإلا فإذا كان الواحد منا يعلم أنه إذا أمرهم ~~ليعرضهم للثواب عصوه وظلم بعضهم بعضا وجب عليه أن يمنعهم من الظلم ~~بالإلجاء. وتمام الكلام في ذلك مبسوط في موضع آخر. فإن هذا الجواب لا يحتمل ~~إلا التنبيه. وقالت طائفة من مثبتة القدر - من المتقدمين والمتأخرين من ~~الجهمية # PageV08P506 # وأهل الكلام والفقهاء وأهل الحديث - الظلم منه ممتنع لذاته فكل ممكن يدخل ~~تحت القدرة ليس فعله ظلما. وقالوا: الظلم التصرف في ملك الغير أو الخروج عن ~~طاعة من تجب طاعته وكل من هذين ممتنع في حق الله. وقال كثير من أهل السنة ~~والحديث والنظار: بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ومن ذلك أن يبخس ~~المحسن شيئا من حسناته أو يحمل عليه من سيئات غيره وهذا من الظلم الذي نزه ~~الله نفسه عنه. كقوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما} . قال غير واحد من ms2697 السلف: " الهضم " أن يهضم من حسناته والظلم أن ~~يزاد في سيئاته وقد قال تعالى: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم ~~الذي وفى} {ألا تزر وازرة وزر أخرى} {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وقال: ~~{قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} {ما يبدل القول لدي وما أنا ~~بظلام للعبيد} وفي حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره وحسنه، ورواه ~~الحاكم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يجاء يوم القيامة ~~برجل من أمتي على رءوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد ~~البصر ثم يقول الله تعالى له: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب فيقول ~~الله عز وجل: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب فيقول الله ~~تعالى: بلى. إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك فتخرج # PageV08P507 # له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فيقول: ~~يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم قال: فتوضع ~~السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة} وقال تعالى: ~~{اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} وقال: {وما ظلمناهم ولكن ~~ظلموا أنفسهم} ومثل هذه النصوص كثيرة ومعلوم أن الله تعالى لم ينف بها ~~الممتنع الذي لا يقبل الوجود كالجمع بين الضدين؛ فإن هذا لم يتوهم أحد ~~وجوده وليس في مجرد نفيه ما يحصل به مقصود الخطاب فإن المراد بيان عدل الله ~~وأنه لا يظلم أحدا كما قال تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا} بل يجازيهم بأعمالهم ولا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم كما قال ~~الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال: {رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ms2698 وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون} . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما أحد ~~أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب} # PageV08P508 # ومثل هذه النصوص كثيرة وهي تبين أن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ليس هو ~~ما تقوله القدرية ولا ما تقوله الجبرية ومن وافقهم وقد بسط الكلام على ~~تحقيق هذا المقام في مواضع أخر وبين فيها حكمة الله وعدله فإن هذا المقام ~~هو من أعظم المقامات التي اضطرب فيها كثير من الأولين والآخرين. والبسط ~~الكثير الذي ينتهي به إلى تفصيل أقوال الناس وحقيقة الأمر في ذلك ببيان ~~الدلائل والجواب عن المعارضات لا يناسب جواب هذا النظم. وهو مذكور في موضع ~~آخر. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي؛ وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من ~~هديته فاستهدوني أهدكم - يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني ~~أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم ~~تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم؛ يا ~~عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ~~ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب ~~رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك ~~مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا # PageV08P509 # أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} قال سعيد كان أبو ~~إدريس ms2699 الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. فذكر في أول هذا ~~الحديث الإلهي الذي قال فيه الإمام أحمد هو أشرف حديث لأهل الشام إنه حرم ~~الظلم على نفسه. و " التحريم " ضد الإيجاب وبين في القرآن أنه كتب على نفسه ~~الرحمة وهذا على قول الطائفة الثانية المراد به مجرد خبره بمجرد الوعد ~~والوعيد؛ وعلى قول الآخرين بل هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه ~~الظلم كما أخبر عن نفسه فقال تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} فهو حق ~~أحقه سبحانه على نفسه لا أن أحدا من الخلق يوجب عليه حقا ولا يحرم عليه ~~شيئا. وختم الحديث بقوله: {إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} كما ثبت في ~~الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله ~~إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما ~~صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ~~من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى ~~موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة} # PageV08P510 # وفي هذا الحديث قوله: {أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي} ومن نعمه على ~~عبده المؤمن ما ييسره له من الإيمان والحسنات فإنها من فضله وإحسانه ورحمته ~~وحكمته وسيئات العبد من عدله وحكمته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ~~وهو لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله لا لمجرد قهره وقدرته. كما ~~يقوله جهم وأتباعه وقد بسط الكلام على هذا وبين حقيقة قوله: {والخير بيديك ~~والشر ليس إليك} وإن كان خالق كل شيء. وبين أن الشر لم يضف إلى الله في ~~الكتاب والسنة إلا على أحد وجوه ثلاثة: إما بطريق العموم، كقوله: {الله ms2700 ~~خالق كل شيء} وإما بطريقة إضافته إلى السبب كقوله: {من شر ما خلق} وإما أن ~~يحذف فاعله كقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ~~ربهم رشدا} وقد جمع في الفاتحة " الأصناف الثلاثة " فقال: {الحمد لله رب ~~العالمين} وهذا عام وقال: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} فحذف ~~فاعل الغضب. وقال: {ولا الضالين} فأضاف الضلال إلى المخلوق ومن هذا قول ~~الخليل: {وإذا مرضت فهو يشفين} # PageV08P511 # وقول الخضر: {فأردت أن أعيبها} {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما} {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} وقد بسط الكلام على حقائق هذه ~~الأمور. وبين أن الله لم يخلق شيئا إلا لحكمة قال تعالى: {الذي أحسن كل شيء ~~خلقه} وقال: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} فالمخلوق باعتبار الحكمة التي خلق ~~لأجلها خير وحكمة وإن كان فيه شر من جهة أخرى فذلك أمر عارض جزئي ليس شرا ~~محضا بل الشر الذي يقصد به الخير الأرجح هو خير من الفاعل الحكيم وإن كان ~~شرا لمن قام به. وظن الظان أن الحكمة المطلوبة التامة قد تحصل مع عدمه إنما ~~يقوله لعدم علمه بحقائق الأمور وارتباط بعضها ببعض فإن الخالق إذا خلق ~~الشيء فلا بد من خلق لوازمه فإن وجود الملزوم بدون وجود اللازم ممتنع ولا ~~بد من ترك خلق أضداده التي تنافيه فإن اجتماع الضدين المتنافيين في وقت ~~واحد ممتنع. وهو سبحانه على كل شيء قدير لا يستثنى من هذا العموم شيء؛ لكن ~~مسمى " الشيء " ما تصور وجوده فأما الممتنع لذاته فليس شيئا باتفاق ~~العقلاء. # PageV08P512 # والقدرة على خلق المتضادات قدرة على خلقها على البدل فهو سبحانه إذا شاء ~~أن يجعل العبد متحركا جعله وإن شاء أن يجعله ساكنا جعله وكذلك في الإيمان ~~والكفر وغيرهما؛ لكن لا يتصور أن يكون العبد في الوقت الواحد متصفا ~~بالمتضادات فيكون مؤمنا صديقا من أولياء الله المتقين كافرا منافقا من ~~أعداء الله وإن كان يمكن أن يجتمع فيه شعبة من الإيمان وشعبة من النفاق. ms2701 ~~والذي يجب على العبد أن يعلم أن علم الله وقدرته وحكمته ورحمته في غاية ~~الكمال الذي لا يتصور زيادة عليها بل كلما أمكن من الكمال الذي لا نقص فيه ~~فهو واجب للرب تعالى وقد يعلم بعض العباد بعض حكمته وقد يخفى عليهم منها ما ~~يخفى. والناس يتفاضلون في العلم بحكمته ورحمته وعدله وكلما ازداد العبد ~~علما بحقائق الأمور ازداد علما بحكمة الله وعدله ورحمته وقدرته وعلم أن ~~الله منعم عليه بالحسنات عملها وثوابها وأن ما يصيبه من عقوبات ذنوبه فبعدل ~~الله تعالى وأن نفس صدور الذنوب منه - وإن كان من جملة مقدورات الرب - فهو ~~لنقص نفسه وعجزها وجهلها الذي هو من لوازمها وأن ما في نفسه من الحسنات فهو ~~من فعل الله وإحسانه وجوده وأن الرب مع أنه قد خلق النفس وسواها وألهمها ~~فجورها وتقواها فإلهام الفجور والتقوى وقع # PageV08P513 # بحكمة بالغة لو اجتمع الأولون والآخرون من عقلاء الآدميين على أن يروا ~~حكمة أبلغ منها لم يروا حكمة أبلغ منها. لكن تفصيل حكمة الرب مما يعجز كثير ~~من الناس عن معرفتها ومنها ما يعجز عن معرفته جميع الخلق حتى الملائكة؛ ~~ولهذا قالت الملائكة لما قال الله تعالى لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} قال: {إني أعلم ما لا تعلمون} ~~فتكفيهم المعرفة المجملة والإيمان العام. والله سبحانه قد أمرهم أن يطلبوا ~~منه جميع ما يحتاجون إليه من هدى ورشاد وصلاح في المعاش والمعاد؛ ومغفرة ~~ورحمة؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: {اللهم إني ~~أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى} ويقول: {اللهم آت نفسي تقواها؛ وزكها ~~أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها} ويقول: {اللهم أصلح لي ديني الذي هو ~~عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي؛ وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ~~واجعل الحياة زيادة لي في كل خير؛ واجعل الموت راحة لي من كل شر} وكل هذا ~~في الأحاديث التي في الصحيح. وفي صحيح مسلم {أنه كان يقول إذا ms2702 قام من ~~الليل: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ فاطر السموات والأرض؛ عالم الغيب ~~والشهادة أنت # PageV08P514 # تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . وقد أمرنا الله تعالى أن نقول ~~في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} وهذا أفضل الأدعية وأوجبها على العباد. ومن تحقق بهذا ~~الدعاء جعله الله من أهل الهدى والرشاد؛ فإنه سميع الدعاء لا يخلف الميعاد؛ ~~والله أعلم. # PageV08P515 # وسئل عن المقتول: هل مات بأجله؟ أم قطع القاتل أجله؟ # الجواب # فأجاب: المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن ~~أجله. بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر. فإن أجل ~~الشيء هو نهاية عمره وعمره مدة بقائه فالعمر مدة البقاء والأجل نهاية العمر ~~بالانقضاء. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ~~وكان عرشه على الماء} وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السموات والأرض} - وفي لفظ - {ثم خلق السموات والأرض} . وقد قال ~~تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} . والله يعلم ما ~~كان قبل أن يكون؛ وقد كتب ذلك فهو يعلم أن هذا يموت # PageV08P516 # بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب وهذا يموت ~~مقتولا: إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل. ~~وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح ~~والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل: إن قتل قتيلا أمر الله به ورسوله ~~كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك وإن قتل قتيلا حرمه الله ورسوله ~~كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك وإن ms2703 قتل قتيلا مباحا - كقتيل ~~المقتص - لم يثب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما. ~~والأجل أجلان " أجل مطلق " يعلمه الله " وأجل مقيد " وبهذا يتبين معنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم {من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل ~~رحمه} فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال: " إن وصل رحمه زدته كذا ~~وكذا " والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر ~~فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض ~~القدرية: إنه كان يعيش وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت وكلاهما خطأ؛ فإن ~~الله علم أنه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرا لما لا يكون لو ~~كان كيف كان يكون وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه فلو فرضنا أن الله ~~علم أنه لا يقتل أمكن أن # PageV08P517 # يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر فالجزم ~~بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما ~~قدر له من الرزق كأن يموت أو يرزق شيئا آخر وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا ~~الرجل هذه المرأة هل تكون عقيما أو يحبلها رجل آخر ولو لم تزدرع هذه الأرض ~~هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتا لا يزرع فيها وهذا الذي تعلم ~~القرآن من هذا لو لم يعلمه: هل كان يتعلم من غيره؟ أم لم يكن يتعلم القرآن ~~ألبتة ومثل هذا كثير. # PageV08P518 # سئل شيخ الإسلام: # عن الغلاء والرخص، هل هما من الله تعالى أم لا؟ # فأجاب: جميع ما سوى الله من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقة لله مملوكة ~~لله هو ربها وخالقها ومليكها ومدبرها لا رب لها غيره ولا إله سواه؛ له ~~الخلق والأمر لا شريك له في شيء من ذلك ولا معين؛ بل هو كما قال سبحانه: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ms2704 يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} . أخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه ليس له مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض ولا شرك في ملك ولا إعانة على شيء. وهذه الوجوه ~~الثلاثة: هي التي ثبت بها حق الغير؛ فإنه إما أن يكون مالكا للشيء مستقلا ~~بملكه أو يكون مشاركا له فيه نظير أو لا ذا ولا ذاك فيكون معينا لصاحبه: ~~كالوزير والمشير والمعلم والمنجد والناصر فبين سبحانه أنه ليس لغيره ملك ~~لمثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا لغيره شرك في ذلك لا قليل ولا ~~كثير؛ فلا # PageV08P519 # يملكون شيئا؛ ولا لهم شرك في شيء؛ ولا له سبحانه ظهير: وهو المظاهر ~~المعاون فليس له وزير ولا مشير ولا ظهير. وهذا كما قال سبحانه: {وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا} فإن المخلوق يوالي المخلوق لذله؛ فإذا كان له من يواليه عز ~~بوليه؛ والرب تعالى لا يوالي أحدا لذلته تعالى بل هو العزيز بنفسه و {من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا} وإنما يوالي عباده المؤمنين لرحمته ~~ونعمته وحكمته وإحسانه وجوده وفضله وإنعامه. وحينئذ: فالغلاء بارتفاع ~~الأسعار؛ والرخص بانخفاضها هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله ~~وحده؛ ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته؛ لكن هو سبحانه قد جعل بعض ~~أفعال العباد سببا في بعض الحوادث كما جعل قتل القاتل سببا في موت المقتول؛ ~~وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم العباد وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان ~~بعض الناس ولهذا أضاف من أضاف من القدرية المعتزلة وغيرهم الغلاء والرخص ~~إلى بعض الناس وبنوا على ذلك أصولا فاسدة: (أحدها: أن أفعال العباد ليست ~~مخلوقة لله تعالى. # PageV08P520 # والثاني: إنما يكون فعل العبد سببا له يكون العبد هو الذي أحدثه. و ~~(الثالث: أن الغلاء والرخص إنما ms2705 يكون بهذا السبب. وهذه الأصول باطلة؛ فإنه ~~قد ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها؛ ودلت على ذلك الدلائل ~~الكثيرة السمعية والعقلية وهذا متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها؛ وهم مع ~~ذلك يقولون: إن العباد لهم قدرة ومشيئة وإنهم فاعلون لأفعالهم؛ ويثبتون ما ~~خلقه الله من الأسباب وما خلق الله من الحكم. و " مسألة القدر " مسألة ~~عظيمة ضل فيها طائفتان من الناس " طائفة " أنكرت أن يكون الله خالقا لكل ~~شيء؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما أنكرت ذلك المعتزلة. و " طائفة ~~" أنكرت أن يكون العبد فاعلا لأفعاله؛ وأن تكون لهم قدرة لها تأثير في ~~مقدورها؛ أو أن يكون في المخلوقات ما هو سبب لغيره وأن يكون الله خلق شيئا ~~لحكمة كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان ومن اتبعه من المجبرة الذين نسب كثير ~~منهم إلى السنة؛ والكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع أخر. والأصل ~~الثاني: وهو إنما كان فعل العبد أحد أسبابه: كالشبع # PageV08P521 # الذي يكون بسبب الأكل وزهوق النفس الذي يكون بالقتل فهذا قد جعله أكثر ~~المعتزلة فعلا للعبد والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه تأثيرا بل ما ~~تيقنوا أنه سبب قالوا: إنه عنده لا به وأما السلف والأئمة فلا يجعلون العبد ~~فاعلا لذلك كفعله لما قام به من الحركات فلا يمنعون أن يكون مشاركا في ~~أسبابه وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسبابا في حصول مثل ذلك. وقد ~~ذكر الله في كتابه النوعين بقوله: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} {ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون} والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم فقال فيها: إلا كتب ~~لهم ولم يقل إلا كتب لهم به عمل صالح فإنها نفسها عمل ms2706 فنفس كتابتها يحصل به ~~المقصود بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير الجهاد بخلاف غيظ الكفار ~~بما نيل منهم فإن هذه ليست نفس أفعالهم وإنما هي حادثة عن أسباب منها: ~~أفعالهم فلهذا قال تعالى: {إلا كتب لهم به عمل صالح} . فتبين أن ما يحدث من ~~الآثار عن أفعال العباد لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سببا فيها كما قال ~~صلى الله عليه وسلم {من دعا إلى هدى كان له من # PageV08P522 # الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة ~~كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء} . و ~~(الأصل الثالث: أن الغلاء والرخص لا تنحصر أسبابه في ظلم بعض بل قد يكون ~~سببه قلة ما يخلق أو يجلب من ذلك المال المطلوب فإذا كثرت الرغبات في الشيء ~~وقل المرغوب فيه: ارتفع سعره فإذا كثر وقلت الرغبات فيه انخفض سعره والقلة ~~والكثرة قد لا تكون بسبب من العباد وقد تكون بسبب لا ظلم فيه وقد تكون بسبب ~~فيه ظلم والله تعالى يجعل الرغبات في القلوب. فهو سبحانه كما جاء في الأثر: ~~قد تغلوا الأسعار والأهواء غرار وقد ترخص الأسعار والأهواء فقار. # PageV08P523 # وسئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # عما قاله أبو حامد الغزالي - في كتابه المعروف " بمنهاج العابدين " في ~~زاد الآخرة من العقبة الرابعة: وهي العوارض بعد كلام تقدم في التوكل بأن ~~الرزق مضمون - قال: فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال فاعلم أن الرزق ~~المضمون هو الغذاء والقوام فلا يمكن طلبه إذ هو شيء من فعل الله بالعبد ~~كالحياة والموت لا يقدر العبد على تحصيله ولا دفعه. وأما المقسوم من ~~الأسباب فلا يلزم العبد طلبه إذ لا حاجة للعبد إلى ذلك إنما حاجته إلى ~~المضمون وهو من الله وفي ضمان الله. وأما قوله تعالى {وابتغوا من فضل الله} ~~المراد به العلم والثواب وقيل: بل هو رخصة إذ هو أمر وارد بعد الحظر فيكون ~~بمعنى ms2707 الإباحة؛ لا بمعنى الإيجاب والإلزام. فإن قيل: لكن هذا الرزق المضمون ~~له أسباب هل يلزم منا طلب الأسباب قيل: لا يلزم منك طلب ذلك إذ لا حاجة ~~بالعبد إليه إذ الله سبحانه يفعل # PageV08P524 # بالسبب وبغير السبب فمن أين يلزمنا طلب السبب ثم إن الله ضمن ضمانا مطلقا ~~من غير شرط الطلب والكسب قال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها} . ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه: إذ لا ~~يعرف أي سبب منها رزقه يتناوله (ولا عرف الذي صير سبب غذائه وتربيته لا غير ~~فالواحد منا لا يعرف ذلك السبب بعينه من أين حصل له؟ فلا يصح تكليفه فتأمل ~~- راشدا - فإنه بين ثم حسبك أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ~~والأولياء المتوكلين لم يطلبوا الرزق في الأكثر والأعم وتجردوا للعبادة ~~وبإجماع أنهم لم يكونوا تاركين لأمر الله تعالى ولا عاصين له في ذلك فليس ~~لك أن تطلب الرزق وأسبابه بأمر لازم للعبد. فما الفرق بين هذا الكلام من ~~هذا الإمام والمنصوص عليه في كتب الأئمة: كالفقه وغيره؟ وهو أن العبد يجب ~~عليه طلب الرزق وطلب سببه وأبلغ من ذلك أن العبد لو احتاج إلى الرزق ووجده ~~عند غيره فاضلا عنه وجب عليه طلبه منه فإن منعه قهره وإن قتله. فهل هذا ~~الذي نص عليه في المنهاج يختص بأحد دون أحد؟ فأوضحوا لنا ما أشكل علينا من ~~تناقض الكلامين؛ مثابين؛ مأجورين؛ وابسطوا لنا القول. # فأجاب - رضي الله عنه: # PageV08P525 # الحمد لله رب العالمين؛ هذا الذي ذكره أبو حامد قد ذهب إليه طائفة من ~~الناس. ولكن أئمة المسلمين وجمهورهم على خلاف هذا؛ وأن الكسب يكون واجبا ~~تارة؛ ومستحبا تارة؛ ومكروها تارة ومباحا تارة ومحرما تارة. فلا يجوز إطلاق ~~القول بأنه لم يكن منه شيء واجب؛ كما أنه لا يجوز إطلاق القول بأنه ليس منه ~~شيء محرم. والسبب الذي أمر العبد به أمر إيجاب أو أمر استحباب هو عبادة ~~الله وطاعته له ولرسوله. والله فرض على ms2708 العباد أن يعبدوه ويتوكلوا عليه. ~~كما قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} وقال: {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} ~~والتقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه. ويروى عن أبي ذر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا أبا ذر لو عمل الناس كلهم بهذه ~~الآية لوسعتهم} . ولهذا قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط. يقول: إن الله ضمن ~~للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس وأن يرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون فيدفع عنهم ما يضرهم ويجلب لهم ما يحتاجون إليه. فإذا لم يحصل ذلك ~~دل على أن في التقوى خللا فليستغفر الله وليتب إليه ولهذا جاء في الحديث ~~المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي أنه قال: {من # PageV08P526 # أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من ~~حيث لا يحتسب} . # والمقصود: أن الله لم يأمر بالتوكل فقط بل أمر مع التوكل بعبادته وتقواه ~~التي تتضمن فعل ما أمر وترك ما حذر فمن ظن أنه يرضي ربه بالتوكل بدون فعل ~~ما أمر به كان ضالا كما أن من ظن أنه يقوم بما يرضى الله عليه دون التوكل ~~كان ضالا بل فعل العبادة التي أمر الله بها فرض. # وإذا أطلق لفظ العبادة دخل فيها التوكل. وإذا قرن أحدهما بالآخر كان ~~للتوكل اسم يخصه. كما في نظائر ذلك مثل التقوى وطاعة الرسول فإن " التقوى " ~~إذا أطلقت دخل فيها طاعة الرسول. وقد يعطف أحدهما على الآخر كقول نوح عليه ~~السلام {اعبدوا الله} وكذلك قوله: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} وأمثال ~~ذلك. وقد جمع الله بين عبادته والتوكل عليه في مواضع كقوله تعالى: {قل هو ~~ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} وقول شعيب: {عليه توكلت وإليه ~~أنيب} فإن ms2709 الإنابة إلى الله والمتاب هو الرجوع إليه بعبادته وطاعته وطاعة ~~رسوله والعبد لا يكون مطيعا لله ورسوله - فضلا أن يكون من خواص أوليائه ~~المتقين - إلا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويدخل في ذلك التوكل. # PageV08P527 # وأما من ظن أن التوكل يغني عن الأسباب المأمور بها فهو ضال وهذا كمن ظن ~~أنه يتوكل على ما قدر عليه من السعادة والشقاوة بدون أن يفعل ما أمره الله. ~~وهذه " المسألة " مما سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: " {ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده ~~من الجنة والنار فقيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: ~~لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له} " وكذلك في الصحيحين عنه {أنه قيل له: ~~أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أفيما جفت الأقلام وطويت الصحف؟} {ولما ~~قيل له: أفلا نتكل على الكتاب؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له} وبين ~~صلى الله عليه وسلم أن الأسباب المخلوقة والمشروعة هي من القدر {فقيل له: ~~أرأيت رقى نسترقي بها؟ وتقى نتقي بها؟ وأدوية نتداوى بها هل ترد من قدر ~~الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله} فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ~~ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب المأمور بها ~~قدح في الشرع؛ فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله لا على سبب من ~~الأسباب والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة فإن كانت ~~الأسباب # PageV08P528 # مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما ~~يجاهد العدو ويحمل السلاح ويلبس جنة الحرب ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد ~~توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو ~~عاجز مفرط مذموم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله ms2710 من المؤمن الضعيف وفي ~~كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن؛ وإن أصابك شيء فلا تقل ~~لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان} وفي سنن أبي داود {أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه حسبنا الله ونعم الوكيل فقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبنا ~~الله ونعم الوكيل} وقد تكلم الناس في حمل الزاد في الحج وغيره من الأسفار ~~فالذي مضت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ~~وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وأكابر المشايخ هو حمل الزاد لما في ذلك من ~~طاعة الله ورسوله وانتفاع الحامل ونفعه للناس. وزعمت " طائفة " أن من تمام ~~التوكل ألا يحمل الزاد وقد رد # PageV08P529 # الأكابر هذا القول كما رده الحارث المحاسبي في كتاب التوكل وحكاه عن شقيق ~~البلخي وبالغ في الرد على من قال بذلك وذكر من الحجج عليهم ما يبين به ~~غلطهم وأنهم غالطون في معرفة حقيقة التوكل وأنهم عاصون لله بما يتركون من ~~طاعته وقد حكي لأحمد بن حنبل أن بعض الغلاة الجهال بحقيقة التوكل كان إذا ~~وضع له الطعام لم يمد يده حتى يوضع في فمه وإذا وضع يطبق فمه حتى يفتحوه ~~ويدخلوا فيه الطعام فأنكر ذلك أشد الإنكار ومن هؤلاء من حرم المكاسب. وهذا ~~وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره؛ فإن الله خلق المخلوقات ~~بأسباب وشرع للعباد أسبابا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا ~~والآخرة فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل ~~مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابا لها. فهو ~~غالط فالله سبحانه وإن كان قد ضمن للعبد رزقه وهو لا بد أن يرزقه ما عمر ~~فهذا لا يمنع أن يكون ذلك الرزق المضمون له أسباب تحصل من ms2711 فعل العبد وغير ~~فعله. و " أيضا " فقد يرزقه حلالا وحراما فإذا فعل ما أمره به رزقه حلالا ~~وإذا ترك ما أمره به فقد يرزقه من حرام. ومن هذا الباب الدعاء والتوكل؛ فقد ~~ظن بعض الناس أن ذلك لا تأثير # PageV08P530 # له في حصول مطلوب ولا دفع مرهوب ولكنه عبادة محضة ولكن ما حصل به حصل ~~بدونه وظن آخرون أن ذلك مجرد علامة والصواب الذي عليه السلف والأئمة ~~والجمهور أن ذلك من أعظم الأسباب التي تنال بها سعادة الدنيا والآخرة. وما ~~قدره الله بالدعاء والتوكل والكسب وغير ذلك من الأسباب إذا قال القائل فلو ~~لم يكن السبب ماذا يكون بمنزلة من يقول هذا المقتول لو لم يقتل هل كان يعيش ~~وقد ظن بعض القدرية أنه كان يعيش وظن بعض المنتسبين إلى السنة أنه كان يموت ~~والصواب أن هذا تقدير لأمر علم الله أنه يكون فالله قدر موته بهذا السبب ~~فلا يموت إلا به كما قدر الله سعادة هذا في الدنيا والآخرة بعبادته ودعائه ~~وتوكله وعمله الصالح وكسبه فلا يحصل إلا به وإذا قدر عدم هذا السبب لم يعلم ~~ما يكون المقدر وبتقدير عدمه فقد يكون المقدر حينئذ أنه يموت وقد يكون ~~المقدر أنه يحيى والجزم بأحدهما خطأ. ولو قال القائل: أنا لا آكل ولا أشرب ~~فإن كان الله قدر حياتي فهو يحييني بدون الأكل والشرب كان أحمق كمن قال: ~~أنا لا أطأ امرأتي فإن كان الله قدر لي ولدا تحمل من غير ذكر. # PageV08P531 # فصل: # إذا عرف هذا، فالسالكون طريق الله منهم من يكون مع قيامه بما أمره الله ~~به من الجهاد والعلم والعبادة وغير ذلك عاجزا عن الكسب كالذين ذكرهم الله ~~في قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} ~~والذين ذكرهم الله في قوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون} . فالصنف الأول أهل صدقات ms2712 والصنف الثاني أهل الفيء كما قال تعالى ~~في الصنف الأول: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير} إلى قوله: ~~{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} وقال في " الصنف الثاني ": {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل} إلى قوله: {للفقراء المهاجرين} ثم قال: {والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم} . فذكر المهاجرين والأنصار وكان المهاجرون تغلب # PageV08P532 # عليهم التجارة؛ والأنصار تغلب عليهم الزراعة وقد قال للطائفتين: {أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} فذكر زكاة التجارة وزكاة ~~الخارج من الأرض وهو العشر أو نصف العشر أو ربع العشر. ومن السالكين من ~~يمكنه الكسب مع ذلك وقد قال تعالى لما أمرهم بقيام الليل: {علم أن سيكون ~~منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله} فجعل المسلمين أربعة أصناف صنفا أهل القرآن والعلم والعبادة ~~وصنفا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وصنفا يجاهدون في سبيل الله ~~والرابع المعذرون. وأما قول القائل: إن الغذاء والقوام هو من فعل الله فلا ~~يمكن طلبه كالحياة فليس كذلك هو بل ما فعل الله بأسباب يمكن طلبه بطلب ~~الأسباب كما مثله في الحياة والموت؛ فإن الموت يمكن طلبه ودفعه بالأسباب ~~التي قدرها الله؛ فإذا أردنا أن يموت عدو الله سعينا في قتله؛ وإذا أردنا ~~دفع ذلك عن المؤمنين دفعناه بما شرع الله الدفع به؛ قال تعالى في داود عليه ~~السلام {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم} وقال تعالى: {سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} وقال تعالى: {فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم} وهذا مثل دفع الحر والبرد عنا هو من فعل الله فاللباس والاكتساب ~~ومثل دفع الجوع والعطش هو من فعل الله بالطعام والشراب # PageV08P533 # وهذا كما أن إزهاق الروح هو من فعل الله ويمكن طلبه بالقتل وحصول العلم ~~والهدى في القلب هو من فعل الله ويمكن طلبه ms2713 بأسبابه المأمور بها وبالدعاء. ~~وقول القائل إن الله يفعل بسبب وبغير سبب فمن أين يلزمنا طلب السبب. جوابه ~~أن يقال له: ليس الأمر كذلك بل جميع ما يخلقه الله ويقدره إنما يخلقه ~~ويقدره بأسباب؛ لكن من الأسباب ما يخرج عن قدرة العبد؛ ومنها ما يكون ~~مقدورا له ومن الأسباب ما يفعله العبد؛ ومنها ما لا يفعله. والأسباب منها " ~~معتاد " ومنها " نادر " فإنه في بعض الأعوام قد يمسك المطر ويغذي الزرع ~~بريح يرسلها وكما يكثر الطعام والشراب بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~والرجل الصالح فهو أيضا سبب من الأسباب. ولا ريب أن الرزق قد يأتي على أيدي ~~الخلق؛ فمن الناس من يأتيه برزقه جني أو ملك أو بعض الطير والبهائم؛ وهذا ~~نادر والجمهور إنما يرزقون بواسطة بني آدم مثل أكثر الذين يعجزون عن ~~الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم: إما صدقة وإما هدية؛ أو نذرا. وإما غير ~~ذلك مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم. # PageV08P534 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا ابن آدم إن ~~تنفق الفضل خير لك وإن تمسك الفضل شر لك ولا يلام على كفاف واليد العليا ~~خير من اليد السفلى} وفي حديث آخر صحيح {يد الله هي العليا ويد المعطي التي ~~تليها ويد السائل السفلى} . وبعض الناس يزعم أن يد السائل الآخذ هي العليا؛ ~~لأن الصدقة تقع بيد الحق وهذا خلاف نص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~أخبر: أن يد الله هي العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى. وقول ~~القائل: إن الله ضمن ضمانا مطلقا. فيقال له: هذا لا يمنع وجوب الأسباب على ~~ما يجب؛ فإن فيما ضمنه رزق الأطفال والبهائم والزوجات ومع هذا فيجب على ~~الرجل أن ينفق على ولده وبهائمه وزوجته بإجماع المسلمين ونفقته على نفسه ~~أوجب عليه. وقول القائل: كيف يطلب ما لا يعرف مكانه؟ جوابه: أنه يفعل السبب ~~المأمور به ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته مثل الذي يشق الأرض ms2714 ويلقي ~~الحب ويتوكل على الله في إنزال المطر وإنبات الزرع ودفع المؤذيات وكذلك ~~التاجر غاية قدرته تحصيل السلعة ونقلها وأما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها ~~وبذل الثمن الذي يربح به فهذا # PageV08P535 # ليس مقدورا للعبد ومن فعل ما قدر عليه لم يعاقبه الله بما عجز عنه والطلب ~~لا يتوجه إلى شيء معين بل إلى ما يكفيه من الرزق كالداعي الذي يطلب من الله ~~رزقه وكفايته من غير تعيين. # فصل: # فإذا عرف ذلك، فمن الكسب ما يكون واجبا مثل الرجل المحتاج إلى نفقته على ~~نفسه أو عياله أو قضاء دينه وهو قادر على الكسب؛ وليس هو مشغولا بأمر أمره ~~الله به؛ هو أفضل عند الله من الكسب فهذا يجب عليه الكسب باتفاق العلماء؛ ~~وإذا تركه كان عاصيا آثما. ومنه ما يكون مستحبا: مثل هذا إذا اكتسب ما ~~يتصدق به؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {على كل مسلم صدقة قالوا: يا رسول الله فمن لم يجد. قال: يعمل ~~بيده ينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد. قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. ~~قالوا: فإن لم يجد قال: فليأمر بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة} . # PageV08P536 # فصل: # وأما قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا. فليس الأمر كذلك ~~بل عامة الأنبياء كانوا يفعلون أسبابا يحصل بها الرزق؛ كما قال نبينا صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في المسند عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله ~~وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي؛ وجعل الذل والصغار على من خالف ~~أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم} . وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم ~~{إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه} وكان داود يأكل من كسبه وكان يصنع الدروع ~~وكان زكريا نجارا وكان الخليل له ماشية كثيرة حتى إنه كان يقدم للضيف الذين ~~لا يعرفهم عجلا سمينا؛ ms2715 وهذا إنما يكون مع اليسار. وخيار الأولياء ~~المتوكلين: المهاجرون والأنصار وأبو بكر الصديق - - أفضل الأولياء ~~المتوكلين بعد الأنبياء. وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب يفعلونها كان ~~الصديق تاجرا؛ وكان يأخذ ما يحصل له من المغنم؛ ولما ولي # PageV08P537 # الخلافة جعل له من بيت المال كل يوم درهمان وقد أخرج ماله كله وقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم {ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله} ومع ~~هذا فما كان يأخذ من أحد شيئا لا صدقة ولا فتوحا ولا نذرا بل إنما كان يعيش ~~من كسبه. بخلاف من يدعي التوكل ويخرج ماله كله ظانا أنه يقتدي بالصديق؛ وهو ~~يأخذ من الناس إما بمسألة وإما بغير مسألة فإن هذه ليست حال أبي بكر الصديق ~~بل في المسند: " أن الصديق كان إذا وقع من يده سوط ينزل فيأخذه، ولا يقول ~~لأحد ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئا ". فأين هذا ~~ممن جعل الكدية وسؤال الناس طريقا إلى الله حتى إنهم يأمرون المريد ~~بالمسألة للخلق. وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ~~مسألة الناس إلا عند الضرورة وقال: {لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم ~~موجع أو فقر مدقع} وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} فأمره ~~أن تكون رغبته إلى الله وحده. ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصا ~~وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات؛ ~~وهو طريق أنبياء الله وقد أمر العباد بسؤاله فقال: {واسألوا الله من فضله} ~~ومدح # PageV08P538 # الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة. ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم كالدعاء ~~المذكور في فاتحة الكتاب. ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ~~ألقي في النار قال له جبرائيل: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا قال: سل ~~قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وأول هذا الحديث معروف وهو قوله: أما إليك ~~فلا؛ وقد ثبت في صحيح البخاري عن {ابن عباس رضي ms2716 الله عنهما في قوله: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل أنه قالها: إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} . وأما ~~قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم ~~الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه وهو خلاف ما أمر ~~الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة. كقولهم: {ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ودعاء الله وسؤاله والتوكل ~~عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها فكيف يكون مجرد العلم مسقطا ~~لما خلقه وأمر به والله أعلم. وصلى الله على محمد وسلم. # PageV08P539 # سئل شيخ الإسلام عن الرزق: هل يزيد أو ينقص؟ وهل هو ما أكل أو ما ملكه ~~العبد؟ # فأجاب: الرزق نوعان: # أحدهما: ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير. # والثاني ما كتبه وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب فإن ~~العبد يأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقا وإن وصل رحمه زاده الله على ذلك ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سره أن يبسط ~~له في رزقه. وينسأ له في أثره فليصل رحمه} . وكذلك عمر داود زاد ستين سنة ~~فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين. ومن هذا الباب قول عمر: اللهم إن كنت ~~كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. ومن هذا الباب ~~قوله تعالى عن نوح: {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} {يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى} . وشواهده كثيرة. والأسباب التي يحصل بها الرزق هي ~~من جملة ما قدره الله وكتبه فإن كان قد تقدم بأنه يرزق العبد بسعيه ~~واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب # PageV08P540 # وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب وما قدره له بغير ~~اكتساب كموت موروثه يأتيه به بغير اكتساب والسعي سعيان: سعي فيما نصب ~~للرزق؛ كالصناعة والزراعة والتجارة. وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى ms2717 ~~الخلق ونحو ذلك؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. # فصل: # والرزق يراد به شيئان: أحدهما ما ينتفع به العبد. # والثاني: ما يملكه العبد فهذا الثاني هو المذكور في قوله: {ومما رزقناهم ~~ينفقون} وقوله: {وأنفقوا من ما رزقناكم} وهذا هو الحلال الذي ملكه الله ~~إياه. وأما الأول: فهو المذكور في قوله: {وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها} وقوله صلى الله عليه وسلم {إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها} ~~ونحو ذلك. والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بهذا الاعتبار؛ لا ~~بالاعتبار الثاني وما اكتسبه ولم ينتفع به هو رزق بالاعتبار الثاني دون ~~الأول. فإن هذا في الحقيقة مال وارثه لا ماله والله أعلم. # PageV08P541 # سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام أوحد عصره فريد دهره: تقي الدين أبو العباس ~~أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية - رحمه الله ورضي عنه -: # عن الرجل: إذا قطع الطريق وسرق أو أكل الحرام ونحو ذلك هل هو رزقه الذي ~~ضمنه الله تعالى له أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا هو الرزق الذي أباحه الله له ولا يحب ذلك ولا يرضاه. ~~ولا أمره أن ينفق منه. كقوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} وكقوله تعالى: ~~{وأنفقوا من ما رزقناكم} ونحو ذلك لم يدخل فيه الحرام بل من أنفق من الحرام ~~فإن الله تعالى يذمه ويستحق بذلك العقاب في الدنيا والآخرة بحسب دينه. وقد ~~قال الله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وهذا أكل المال بالباطل. ~~ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره كما في الحديث الصحيح عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ~~أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل # PageV08P542 # ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله ~~وشقي أو سعيد} فكما أن الله كتب ما يعمله من خير وشر وهو يثيبه على الخير ~~ويعاقبه على ms2718 الشر فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام مع أنه يعاقبه على ~~الرزق الحرام. ولهذا كل ما في الوجود واقع بمشيئة الله وقدره كما تقع سائر ~~الأعمال لكن لا عذر لأحد بالقدر بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على ~~الله بالقدر بل لله الحجة البالغة ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته ~~داحضة ومن اعتذر به فعذره غير مقبول كالذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا} والذين قالوا: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} كما قال تعالى: {أن ~~تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} {أو تقول ~~لو أن الله هداني لكنت من المتقين} . وأما الرزق الذي ضمنه الله لعباده فهو ~~قد ضمن لمن يتقيه أن يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وأما من ليس من ~~المتقين فضمن له ما يناسبه بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا ثم يعاقبه في ~~الآخرة كما قال عن الخليل: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر} - قال الله -: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير} . # PageV08P543 # والله إنما أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته لم يبحه لمن يستعين به ~~على معصيته؛ بل هؤلاء وإن أكلوا ما ضمنه لهم من الرزق فإنه يعاقبهم كما ~~قال: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} وقال ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم} فإنما أباح الأنعام لمن يحرم عليه الصيد في الإحرام. وقال تعالى: {ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} ~~فكما أن كل حيوان يأكل ما قدر له من الرزق فإنه يعاقب على أخذ ما لم يبح له ~~سواء كان محرم الجنس أو كان مستعينا به على معصية الله ولهذا كانت أموال ~~الكفار غير مغصوبة بل مباحة للمؤمنين وتسمى ms2719 فيئا إذا عادت إلى المؤمنين؛ ~~لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله لا من يعصيه بها فالمؤمنون يأخذونها ~~بحكم الاستحقاق والكفار يعتدون في إنفاقها كما أنهم يعتدون في أعمالهم فإذا ~~عادت إلى المؤمنين فقد فاءت إليهم كما يفيء المال إلى مستحقه. # PageV08P544 # و ### | سئل عن الخمر والحرام: # هل هو رزق الله للجهال؟ أم يأكلون ما قدر لهم؟ . # فأجاب: # أن لفظ " الرزق " يراد به ما أباحه الله تعالى للعبد وملكه إياه ويراد به ~~ما يتغذى به العبد. (فالأول كقوله: {وأنفقوا من ما رزقناكم} {ومما رزقناهم ~~ينفقون} فهذا الرزق هو الحلال والمملوك لا يدخل فيه الخمر والحرام. و ~~(الثاني كقوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} . والله تعالى ~~يرزق البهائم ولا توصف بأنها تملك ولا بأنه أباح الله ذلك لها إباحة شرعية؛ ~~فإنه لا تكليف على البهائم - وكذلك الأطفال والمجانين - لكن ليس بمملوك لها ~~وليس بمحرم عليها وإنما المحرم بعض الذي يتغذى به العبد وهو من الرزق الذي ~~علم الله أنه يتغذى به وقدر ذلك بخلاف ما أباحه وملكه كما في الصحيحين عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يجمع خلق أحدكم في بطن ~~أمه # PageV08P545 # أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث ~~الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ ~~فيه الروح. قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ~~وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق ~~عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها} . والرزق الحرام مما قدره الله ~~وكتبته الملائكة وهو مما دخل تحت مشيئة الله وخلقه وهو مع ذلك قد حرمه ونهى ~~عنه فلفاعله من غضبه وذمه وعقوبته ما هو أهله - والله أعلم. # PageV08P546 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قول الشيخ عبد القادر: نازعت أقدار الحق بالحق ms2720 للحق. # فأجاب: # الحمد لله جميع الحوادث كائنة بقضاء الله وقدره وقد أمرنا الله سبحانه أن ~~نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان ونزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة ~~والمعصية بالطاعة من أنفسنا ومن عندنا فكل من كفر أو فسق أو عصى فعليه أن ~~يتوب وإن كان ذلك بقدر الله وعليه أن يأمر غيره بالمعروف وينهاه عن المنكر ~~بحسب الإمكان ويجاهد في سبيل الله. وإن كان ما يعمله من المنكر والكفر ~~والفسوق والعصيان بقدر الله ليس للإنسان أن يدع السعي فيما ينفعه الله به ~~متكلا على القدر بل يفعل ما أمر الله ورسوله كما روى مسلم في صحيحه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن ~~أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء ~~فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرص على ~~ما ينفعه والذي ينفعه # PageV08P547 # يحتاج إلى منازعة شياطين الإنس والجن ودفع ما قدر من الشر بما قدره الله ~~من الخير. وعليه مع ذلك أن يستعين بالله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وأن ~~يكون عمله خالصا لله؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وهذا ~~حقيقة قولك: {إياك نعبد} والذي قبله حقيقة {وإياك نستعين} فعليه أن يعبد ~~الله بفعل المأمور وترك المحظور وأن يكون مستعينا بالله على ذلك، وفي عبادة ~~الله وطاعته فيما أمر إزالة ما قدر من الشر بما قدر من الخير ودفع ما يريده ~~الشيطان ويسعى فيه من الشر قبل أن يصل بما يدفعه الله به من الخير. قال ~~الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} كما يدفع شر ~~الكفار والفجار الذي في نفوسهم والذي سعوا فيه بالحق كإعداد القوة ورباط ~~الخيل وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء كما جاء في الحديث: {إن الدعاء ~~والبلاء ليلتقيان فيعتلجان ms2721 بين السماء والأرض} فالشر تارة يكون قد انعقد ~~سببه وخيف فيدفع وصوله فيدفع الكفار إذا قصدوا بلاد الإسلام وتارة يكون قد ~~وجد فيزال وتبدل السيئات بالحسنات وكل هذا من باب دفع ما قدر من الشر بما ~~قدر من الخير وهذا واجب تارة ومستحب تارة. فالذي ذكره الشيخ رحمه الله هو ~~الذي أمر الله به ورسوله. # PageV08P548 # والمقصود من ذلك أن كثيرا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب وما ~~قدره من الأمور التي ينهى عنها فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ويظنون ~~أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم وهذا جهل وضلال قد يؤدي إلى الكفر ~~والانسلاخ من الدين فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق ~~والعصيان بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} . والله تعالى قد قال: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} وقال: {والله لا يحب الفساد} فكيف يأمرنا أن نرضى لأنفسنا ما لا ~~يرضاه لنا وهو جعل ما يكون من الشر محنة لنا وابتلاء كما قال تعالى: ~~{وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} وقال تعالى بعد أمره بالقتال: {ذلك ولو ~~يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله ~~فلن يضل أعمالهم} وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له} . فالمؤمن إذا كان صبورا شكورا يكون ما يقضى عليه من المصائب خيرا # PageV08P549 # له وإذا كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مجاهدا في سبيله كان ما قدر ~~له من كفر الكفار سببا للخير في حقه وكذلك إذا دعاه الشيطان والهوى كان ذلك ~~سببا لما حصل له من الخير فيكون ما يقدر من الشر إذا نازعه ms2722 ودافعه كما أمره ~~الله ورسوله سببا لما يحصل له من البر والتقوى وحصول الخير والثواب وارتفاع ~~الدرجات. فهذا وأمثاله مما يبين معنى هذا الكلام. والله أعلم. # PageV08P550 # وسئل: # عن قول الخطيب بن نباتة أبرأ من الحول والقوة إلا إليه؛ فأنكر بعض الناس ~~عليه وقال ما يصح ذلك إلا بحذف الاستثناء بأن تقول أبرأ من الحول والقوة ~~إليه فاستدل من نصر قول الخطيب بقوله تعالى: {إنني براء مما تعبدون} {إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين} فهل أصاب المنكر أم لا؟ . # فأجاب: # ما ذكر الخطيب صحيح باعتبار المعنى الذي قصده وما ذكره الآخر من حذف ~~الاستثناء له معنى آخر صحيح؛ فإنه إذا قال برئت من الحول والقوة إليه كان ~~المعنى برئت إليه من حولي وقوتي: أي من دعوى حولي وقوتي كما يقال: برئت إلى ~~فلان من الدين ذكره ثعلب في فصيحه والمعنى برئت إليه من هذا ومنه قوله ~~تعالى {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} {قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون} ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أبرأ ~~إليك مما صنع خالد} وقول الأنصاري يوم أحد: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع ~~هؤلاء يعني المشركين. # PageV08P551 # وهذا الصنيع يتضمن نفي الدين: المعنى أوصلته إليه وفي غيره اعتذرت إليه ~~أو ألقيت إليه وضمن معنى ألقيت إليه البراءة كما يقال: ألقى إليه القول ~~{فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} ومنه ~~قوله تعالى {وكلمته ألقاها إلى مريم} فالتبري قول يلقى إلى المخاطب فعلى ~~هذا يكون الجار والمجرور متعلقا بالبراءة. والخطيب لم يرد هذا المعنى بل ~~أراد أنه بريء من أن يلجئ ظهره إلا إلى الله ويفوض أمره إلا إلى الله ~~ويتوجه في أمره إلا إلى الله ويرغب في أمره إلا إلى الله. {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للبراء بن عازب: إذا أويت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم ~~قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي ms2723 إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ~~ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك} فمعنى قوله: ~~وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه. أبرأ من أن أثبت لغيره حولا وقوة ألتجئ ~~إليه لأجل ذلك والمعنى لا أتوكل إلا عليه ولا أعتمد إلا عليه. وهنا معنى ~~ثالث: وهو أن يقال: أبرأ من الحول والقوة إلا به أي أبرأ من أن أتبرأ ~~وأعتقد وأدعي حولا أو قوة إلا به فإنه لا حول ولا قوة إلا به وهذا معنى ~~صحيح لكن الخطيب قصد المعنى الأوسط الذي يدل لفظه عليه فإنه من له حول وقوة ~~يلجأ إليه ويستند إليه فضمن معنى الحول والقوة معنى الالتجاء فصار التقدير ~~أبرأ من الالتجاء إلا إليه وعلى # PageV08P552 # هذا الحال فالجار والمجرور متعلق بمعنى الالتجاء الذي دل عليه لفظ الحول ~~والقوة لا معنى أبرأ ولما ظن المنكر على الخطيب أن الجار والمجرور متعلق ~~بلفظ أبرأ أنكر الاستثناء ولو أراد الخطيب هذا لكان حذف حرف الاستثناء هو ~~الواجب لكن لم يرده بل أراد ما لا يصح إلا مع الاستثناء والاستثناء مفرغ ~~فرغ ما قبل الاستثناء لما بعده والمفرغ يكون من غير الموجب لفظا أو معنى. ~~ولفظ " البراءة " وإن كان مثبتا ففيه معنى السلب فهو كقوله: {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~فالحفظ لفظ مثبت لكن تضمن معنى ما سوى المذكور فالتقدير لا يكشفونها إلا ~~على أزواجهم وكذلك لفظ البراءة وقول الخليل: {إنني براء مما تعبدون} {إلا ~~الذي فطرني} استثناء تام ذكر فيه المستثنى منه لكنه يدل على أنه تبرأ من ~~شيء لا من لا شيء والمطابق له أن يقال برئت من الحول والقوة إلى كل شيء إلا ~~إليه. لكن المستدل بالآية أخذ قدرا مشتركا وهو التبري مما سوى الله وهذا ~~المعنى الذي قصده المستدل بالآية معنى صحيح باعتبار دلالته على التوحيد وهو ~~البراءة مما سوى الله وقد ذكر الله هذا المعنى في مواضع. كقوله تعالى: {قد ~~كانت لكم أسوة حسنة ms2724 في إبراهيم والذين معه إذ قالوا # PageV08P553 # لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وهذا يناسب مقصود ~~الخطيب. فإن مقصوده أن يتبرأ مما سوى الله ليس مقصوده أن يتبرأ إليه لكن ~~الخطيب قصد البراءة من الالتجاء إلا إليه والالتجاء إليه داخل في عبادته ~~فهو بعض ما دل عليه قول إبراهيم فإن الواجب أن يتبرءوا من أن يعبدوا إلا ~~الله أو يتوكلوا إلا عليه وهذا تحقيق التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب لكن الإنسان قد يكون مقصوده إخلاص العبادة في مسألته ودعائه ~~والتوكل عليه والالتجاء إليه؛ وهذا هو المعنى الذي قصده الخطيب وهو معنى ~~صحيح يدل عليه لفظه بحقائق دلالات الألفاظ والمنكر قصد معنى صحيحا؛ ~~والمستدل قصد معنى صحيحا لكن الإنسان لا ينوي كثيرا من نفي ما لا يعلم إلا ~~من إثبات ما يعلم، والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV08P554 # الجزء التاسع # كتاب المنطق # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # ما تقولون في " المنطق " وهل من قال إنه فرض كفاية مصيب أم مخطئ؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما المنطق: فمن قال: إنه فرض كفاية وإن من ليس له به خبرة ~~فليس له ثقة بشيء من علومه فهذا القول في غاية الفساد من وجوه # PageV09P005 # كثيرة التعداد مشتمل على أمور فاسدة ودعاوى باطلة كثيرة لا يتسع هذا ~~الموضع لاستقصائها. بل الواقع قديما وحديثا: أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ~~ينظر في علومه به ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة كثير العجز عن ~~تحقيق علمه وبيانه. فأحسن ما يحمل عليه كلام المتكلم في هذا: أن يكون قد ~~كان هو وأمثاله في غاية الجهالة والضلالة وقد فقدوا أسباب الهدى كلها فلم ~~يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي ~~صحيحة فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثير ms2725 من هؤلاء عن بعض باطلهم وإن لم يحصل لهم ~~حق ينفعهم وإن وقعوا في باطل آخر. ومع هذا فلا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة ~~الإسلام بوجه من الوجوه. إذ من هذه حاله فإنما أتى من نفسه بترك ما أمر ~~الله به من الحق حتى احتاج إلى الباطل. ومن المعلوم: أن القول بوجوبه قول ~~غلاته وجهال أصحابه. ونفس الحذاق منهم لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم بل ~~يعرضون عنها. إما لطولها وإما لعدم فائدتها وإما لفسادها وإما لعدم تميزها ~~وما فيها من الإجمال والاشتباه. فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس ~~جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. # PageV09P006 # ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله وينهون عنه ~~وعن أهله حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة ~~الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله حتى إن من ~~الحكايات المشهورة التي بلغتنا: أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع ~~مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن ~~الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية والفلسفية منه ~~وكان من أحسنهم إسلاما وأمثلهم اعتقادا. ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة: ~~سواء كانت حقا أو باطلا إيمانا أو كفرا لا تعلم إلا بذكاء وفطنة فكذلك أهله ~~قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان ~~فيه قصور في الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى: {إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين آمنوا يضحكون} {وإذا مروا بهم يتغامزون} {وإذا انقلبوا إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين} {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} {وما أرسلوا ~~عليهم حافظين} {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} {على الأرائك ينظرون} ~~{هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} . فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم ~~يحصل بهذه الطريق القياسية فليس بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم من هذه الطريق ~~القياسية ما يستفيد # PageV09P007 # به ms2726 الإيمان الواجب فيكون كافرا زنديقا منافقا جاهلا ضالا مضلا ظلوما ~~كفورا ويكون من أكابر أعداء الرسل الذين قال الله فيهم: {وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} . {وقال الذين كفروا لولا ~~نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} {ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} وربما حصل لبعضهم إيمان إما من ~~هذه الطريق أو من غيرها. ويحصل له أيضا منها نفاق فيكون فيه إيمان ونفاق ~~ويكون في حال مؤمنا وفي حال منافقا ويكون مرتدا: إما عن أصل الدين أو عن ~~بعض شرائعه: إما ردة نفاق وإما ردة كفر وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار ~~والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق. فلهؤلاء من عجائب الجهل ~~والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقام. ولهذا لما ~~تفطن كثير منهم لما في هذا النفي من الجهل والضلال صاروا يقولون: النفوس ~~القدسية - كنفوس الأنبياء والأولياء - تفيض عليها المعارف بدون الطريق ~~القياسية. وهم متفقون جميعهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها # PageV09P008 # بالموازين الصناعية في المنطق لكن قد يقولون: هو حكيم بالطبع. والقياس ~~ينعقد في نفسه بدون تعلم هذه الصناعة كما ينطق العربي بالعربية بدون النحو؛ ~~وكما يقرض الشاعر الشعر بدون معرفة العروض. لكن استغناء بعض الناس عن هذه ~~الموازين لا يوجب استغناء الآخرين. فاستغناء كثير من النفوس عن هذه الصناعة ~~لا ينازع فيه أحد منهم. والكلام هنا: هل تستغني النفوس في علومها بالكلية ~~عن نفس القياس المذكور ومواده المعينة. فالاستغناء عن جنس هذا القياس شيء ~~وعن الصناعة القانونية التي يوزن بها القياس شيء آخر. فإنهم يزعمون " أنه ~~آلة قانونية تمنع مراعاتها الذهن أن يزل في فكره " وفساد هذا مبسوط مذكور ~~في موضع غير هذا. # ونحن بعد أن تبينا عدم فائدته وإن كان قد يتضمن من العلم ما يحصل بدونه ~~ثم تبينا أنا لو قدرنا أنه قد يفيد بعض الناس من العلم ما يفيده هو فلا ~~يجوز أن يقال: ليس ms2727 إلى ذلك العلم لذلك الشخص ولسائر بني آدم طريق إلا بمثل ~~القياس المنطقي. فإن هذا قول بلا علم. وهو كذب محقق. ولهذا ما زال متكلمو ~~المسلمين - وإن كان فيهم نوع من البدعة - لهم من الرد عليه وعلى أهله وبيان ~~الاستغناء عنه وحصول الضرر والجهل به والكفر ما # PageV09P009 # ليس هذا موضعه؛ دع غيرهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمتهم كما ذكره ~~القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب " الدقائق ". فأما الشعري - وهو ما ~~يفيد مجرد التخييل وتحريك النفس - وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة: ~~البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والمغلطي السوفسطائي. وهو ما يشبه الحق ~~وهو باطل وهو الحكمة المموهة - فلا غرض لنا فيه هنا ولكن غرضنا تلك ~~الثلاثة. قالوا: " الجدلي " ما سلم المخاطب مقدماته و " الخطابي " ما كانت ~~مقدماته مشهورة بين الناس و " البرهاني " ما كانت مقدماته معلومة. # وكثير من المقدمات تكون - مع كونها خطابية أو جدلية - يقينية برهانية بل ~~وكذلك مع كونها شعرية ولكن هي من جهة التيقن بها: تسمى برهانية ومن جهة ~~شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها: تسمى خطابية ومن جهة تسليم الشخص ~~المعين لها: تسمى جدلية. وهذا كلام أولئك المبتدعة من الصابئة الذين لم ~~يذكروا النبوات ولا تعرضوا لها بنفي ولا إثبات. وعدم التصديق للرسل ~~واتباعهم كفر وضلال. وإن لم يعتقد تكذيبهم فالكفر والضلال أعم من التكذيب. # PageV09P010 # وأما قول بعض المتأخرين في المشهورات: هي المقبولات لكون صاحبها مؤيدا ~~بأمر يوجب قبول قوله ونحو ذلك - فهذه من الزيادات التي ألزمتهم إياها الحجة ~~ورأوا وجوب قبولها على طريقة الأولين. ولهذا كان غالب صابئة المتأخرين ~~الذين هم الفلاسفة ممتزجين بالحنيفية كما أن غالب من دخل في الفلسفة من ~~الحنفاء مزج الحنيفية بالصبء ولبس الحق بالباطل أعني بالصبء المبتدع الذي ~~ليس فيه إيمان بل بالنبوات كصبء صاحب المنطق وأتباعه. وأما الصبء القديم ~~فذاك أصحابه: منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما أن التهود والتنصر منه ما أهله ~~مبتدعون ضلال قبل إرسال محمد صلى ms2728 الله عليه وسلم ومنه ما كان أهله متبعين ~~للحق. وهم الذين آمنوا بالله واليوم والآخر وعملوا الصالحات فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون. # ومن قال من العلماء المصنفين في المنطق: إن القياس الخطابي هو ما يفيد ~~الظن كما أن البرهاني ما يفيد العلم: فلم يعرف مقصود القوم؛ ولا قال حقا. ~~فإن كل واحد من الخطابي والجدلي قد يفيد الظن كما أن البرهاني قد تكون ~~مقدماته مشهورة ومسلمة. فالتقسيم لمواد القياس وقع باعتبار الجهات التي ~~يقبل منها؛ فتارة يقبل # PageV09P011 # القول لأنه معلوم؛ إذ العلم يوجب القبول. وأما كونه لا يفيد العلم فلا ~~يوجب قبوله إلا لسبب. فإن كان لشهرته: فهو خطابي ولو لم يفد علما ولا ظنا. ~~وهو أيضا خطابي إذا كانت قضيته مشهورة وإن أفاد علما أو ظنا. والقول في ~~الجدلي كذلك. ثم إنهم قد يمثلون المشهورات المقبولات التي ليست علمية ~~بقولنا " العلم حسن والجهل قبيح والعدل حسن والظلم قبيح " ونحو ذلك من ~~الأحكام العملية العقلية التي يثبتها من يقول بالتحسين والتقبيح ويزعمون ~~أنا إذا رجعنا إلى محض العقل لم نجد فيه حكما بذلك. وقد يمثلونها بأن ~~الموجود لا بد أن يكون مباينا للموجود الآخر أو محايثا له أو أن الموجود لا ~~بد أن يكون بجهة من الجهات. أو يكون جائز الرؤية ويزعمون: أن هذا من أحكام ~~الوهم لا الفطرة العقلية. قالوا: لأن العقل يسلم مقدمات يعلم بها فساد ~~الحكم الأول. وهذا كله تخليط ظاهر لمن تدبره. فأما تلك القضايا التي سموها ~~مشهورات غير معلومة فهي من العلوم العقلية البديهية التي جزم العقول بها ~~أعظم من جزمها بكثير من العلوم الحسابية والطبيعية وهي كما قال أكثر ~~المتكلمين من أهل الإسلام بل أكثر متكلمي أهل الأرض من جميع الطوائف: أنها ~~قضايا بديهية عقلية؛ لكن # PageV09P012 # قد لا يحسنون تفسير ذلك. فإن حسن ذلك وقبحه هو حسن الأفعال وقبحها وحسن ~~الفعل هو كونه مقتضيا لما يطلبه الحي لذاته ويريده من المقاصد وقبحه ~~بالعكس. والأمر كذلك. فإن العلم والصدق والعدل هي كذلك محصلة لما ms2729 يطلب ~~لذاته ويراد لنفسه من المقاصد فحسن الفعل وقبحه هو لكونه محصلا للمقصود ~~المراد بذاته أو منافيا لذلك. ولهذا كان الحق يطلق تارة بمعنى النفي ~~والإثبات فيقال: هذا حق أي ثابت وهذا باطل أي منتف؛ وفي الأفعال: بمعنى ~~التحصيل للمقصود فيقال: هذا الفعل حق؛ أي نافع؛ أو محصل للمقصود ويقال: ~~باطل أي لا فائدة فيه ونحو ذلك. # وأما زعمهم: أن البديهة والفطرة قد تحكم بما يتبين لها بالقياس فساده: ~~فهذا غلط؛ لأن القياس لا بد له من مقدمات بديهية فطرية فإن جوز أن تكون ~~المقدمات الفطرية البديهية غلطا من غير تبيين غلطها إلا بالقياس لكان قد ~~تعارضت المقدمات الفطرية بنفسها ومقتضى القياس الذي مقدماته فطرية. فليس رد ~~هذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس بل الغلط فيما تقل مقدماته ~~أولى فما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية أقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد ~~الفطرة. # PageV09P013 # وهذا يذكرونه في نفي علو الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم. # والمقصود هنا: أن متقدميهم لم يذكروا المقدمات المتلقاة من الأنبياء ولكن ~~المتأخرون رتبوه على ذلك: إما بطريق الصابئة الذين لبسوا الحنيفية ~~بالصابئة: كابن سينا ونحوه وإما بطريق المتكلمين الذين أحسنوا الظن بما ~~ذكره المنطقيون وقرروا إثبات العلم بموجب النبوآت به. أما الأول: فإنه جعل ~~علوم الأنبياء من العلوم الحدسية لقوة صفاء تلك النفوس القدسية وطهارتها ~~وأن قوى النفوس في الحدس لا تقف عند حد. ولا بد للعالم من نظام ينصبه حكيم ~~فيعطي النفوس المؤيدة من القوة ما تعلم به ما لا يعلمه غيرها بطريق الحدس ~~ويتمثل لها ما تسمعه وتراه في نفسها من الكلام ومن الملائكة ما لا يسمعه ~~غيرها ويكون لها من القوة العملية التي تطيعها بها هيولى العالم ما ليس ~~لغيرها فهذه الخوارق في قوى العلم مع السمع والبصر وقوة العمل والقدرة: هي ~~النبوة عندهم. ومعلوم أن الحدس راجع إلى قياس التمثيل كما تقدم. وأما ما ~~يسمع ويرى في نفسه فهو من جنس الرؤيا وهذا القدر يحصل مثله لكثير من عوام ~~الناس وكفارهم ms2730 فضلا عن أولياء الله وأنبيائه. فكيف يجعل ذلك هو غاية ~~النبوة؟ وإن كان الذي يثبتونه للأنبياء أكمل وأشرف فهو كملك أقوى من ملك. ~~ولهذا صاروا يقولون: النبوة مكتسبة ولم يثبتوا نزول # PageV09P014 # ملائكة من عند الله إلى من يختاره ويصطفيه من عباده. ولا قصد إلى تكليم ~~شخص معين من رسله؛ كما يذكر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عمران: أنا ~~أصدقك في كل شيء إلا في أن علة العلل كلمك ما أقدر أن أصدقك في هذا. ولهذا ~~صار من ضل بمثل هذا الكلام يدعي مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدم ~~عليهم؛ وهذا كثير في كثير من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكمل ~~النوع وهم من أجهل الناس وأظلمهم وأكفرهم وأعظمهم نفاقا. وأما المتكلمون ~~المنطقيون فيقولون: يعلم بهذا القياس ثبوت الصانع وقدرته وجواز إرسال ~~الرسل؛ وتأييد الله لهم بما يوجب تصديقهم فيما يقولونه وهذه الطريقة أقرب ~~إلى طريقة العلماء المؤمنين؛ وإن كان قد يكون فيها أنواع من الباطل: تارة ~~من جهة ما تقلدوه عن المنطقيين؛ وتارة من جهة ما ابتدعوه هم مما ليس هذا ~~موضعه. ومنطقية اليهود والنصارى كذلك؛ لكن الهدى والعلم والبيان في فلاسفة ~~المسلمين ومتكلميهم أعظم منه في أهل الكتابين؛ لما في تينك الملتين من ~~الفساد. ولكن الغرض تقرير جنس النبوات. فإن أهل الملل متفقون عليها لكن ~~اليهود والنصارى آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. والصابئة الفلاسفة ونحوهم ~~آمنوا ببعض صفات الرسالة دون بعض. فإذا اتفق متفلسف من أهل # PageV09P015 # الكتاب جمع الكفرين: الكفر بخاتم المرسلين. والكفر بحقائق صفات الرسالة ~~في جميع المرسلين فهذا هذا. فيقال لهم - مع علمهم بتفاوت قوى بني آدم في ~~الإدراك -: ما المانع من أن يخرق سمع أحدهم وبصره حتى يسمع ويرى من الأمور ~~الموجودة في الخارج ما لا يراه غيره؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها ~~موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد} ms2731 " فهذا إحساس ~~بالظاهر أو بالباطن لما هو في الخارج. وكذلك العلوم الكلية البديهية قد ~~علمتم أنها ليس لها حد في بني آدم فمن أين لكم أن بعض النفوس يكون لها من ~~العلوم البديهية ما يختص بها وحدها أو بها وبأمثالها ما لا يكون من ~~البديهيات عندكم؟ وإذا كان هذا ممكنا - وعامة أهل الأرض على أنه واقع لغير ~~الأنبياء - دع الأنبياء - فمثل هذه العلوم ليس في منطقكم طريق إليها إذ ~~ليست من المشهورات ولا الجدليات ولا موادها عندكم يقينية وأنتم لا تعلمون ~~نفيها وجمهور أهل الأرض من الأولين والآخرين على إثباتها. فإن كذبتم بها ~~كنتم - مع الكفر والتكذيب بالحق وخسارة الدنيا والآخرة - تاركين لمنطقكم ~~أيضا وخارجين عما أوجبتموه على أنفسكم: أنكم لا تقولون إلا بموجب القياس إذ ~~ليس لكم بهذا النفي قياس # PageV09P016 # ولا حجة تذكر. ولهذا لم تذكروا عليه حجة وإنما اندرج هذا النفي في كلامكم ~~بغير حجة. وإن قلتم: بل هي حق اعترفتم بأن من الحق ما لا يوزن بميزان ~~منطقكم. وإن قلتم: لا ندري أحق هي أم باطل؟ اعترفتم بأن أعظم المطالب ~~وأجلها لا يوزن بميزان المنطق. فإن صدقتم لم يوافقكم المنطق. وإن كذبتم لم ~~يوافقكم المنطق. وإن ارتبتم لم ينفعكم المنطق. ومن المعلوم: أن موازين ~~الأموال لا يقصد أن يوزن بها الحطب والرصاص دون الذهب والفضة. وأمر النبوات ~~وما جاءت به الرسل أعظم في العلوم من الذهب في الأموال. فإذا لم يكن في ~~منطقكم ميزان له كان الميزان - مع أنه ميزان - عائلا جائرا وهو أيضا عاجز. ~~فهو ميزان جاهل ظالم إذ هو إما أن يرد الحق ويدفعه فيكون ظالما أو لا يزنه ~~ولا يبين أمره فيكون جاهلا أو يجتمع فيه الأمران فيرد الحق ويدفعه - وهو ~~الحق الذي ليس للنفوس عنه عوض ولا لها عنه مندوحة وليست سعادتها إلا فيه ~~ولا هلاكها إلا بتركه - فكيف يستقيم - مع هذا - أن تقولوا: إنه وما وزنتموه ~~به من المتاع الخسيس الذي أنتم في وزنكم إياه به ظالمون عائلون لم تزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ms2732 ولم تستدلوا بالآيات البينات: هو معيار العلوم الحقيقية ~~والحكمة اليقينية # PageV09P017 # التي فاز بالسعادة عالمها وخاب بالشقاوة جاهلها ورأس مال السادة وغاية ~~العالم المنصف منكم: أن يعترف بعجز ميزانكم عنه. وأما عوام علمائكم فيكذبون ~~به ويردونه وإن كان منطقكم يرد عليهم فلستم بتحريف أمر منطقكم أحسن حالا من ~~اليهود والنصارى في تحريف كتاب الله الذي هو في الأصل حق هاد؛ لا ريب فيه، ~~فهذا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وأيضا هم متفقون على أنه لا يفيد إلا أمورا كلية مقدرة في الذهن لا يفيد ~~العلم بشيء موجود محقق في الخارج إلا بتوسط شيء آخر غيره. والأمور الكلية ~~الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية ولا هي أيضا علما بالحقائق الخارجية إذ ~~لكل موجود حقيقة يتميز بها عن غيره، هو بها هو، وتلك ليست كلية فالعلم ~~بالأمر المشترك لا يكون علما بها فلا يكون في القياس المنطقي علم تحقيق شيء ~~من الأشياء وهو المطلوب. # وأيضا هم يطعنون في قياس التمثيل. أنه لا يفيد إلا الظن وربما تكلموا على ~~بعض الأقيسة الفرعية أو الأصلية التي تكون مقدماتها ضعيفة أو مظنونة مثل ~~كلام السهروردي المقتول على الزندقة صاحب " التلويحات " و " الألواح " و " ~~حكمة الإشراق ". وكان في فلسفته مستمدا من الروم الصابئين والفرس # PageV09P018 # المجوس. وهاتان المادتان: هما مادتا القرامطة الباطنية ومن دخل ويدخل ~~فيهم من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم وهم ممن دخل في قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: " {لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن} ". والمقصود: ~~أن ذكر كلام السهروردي هذا على قياس ضربه وهو أن يقال: السماء محدثة قياسا ~~على البيت بجامع ما يشتركان فيه من التأليف فيحتاج أن يثبت أن علة حدوث ~~البناء هو التأليف وأنه موجود في الفرع. والتحقيق: أن " قياس التمثيل " ~~أبلغ في إفادة العلم واليقين من " قياس الشمول " وإن كان علم قياس الشمول ~~أكثر فذاك أكبر فقياس التمثيل في القياس العقلي كالبصر في العلم الحسي ~~وقياس ms2733 الشمول: كالسمع في العلم الحسي. ولا ريب أن البصر أعظم وأكمل والسمع ~~أوسع وأشمل فقياس التمثيل: بمنزلة البصر كما قيل: من قاس ما لم يره بما رأى ~~(1) . وقياس الشمول يشابه السمع من جهة العموم. ثم إن كل واحد من القياسين ~~- في كونه علميا أو ظنيا - يتبع مقدماته PageV09P019 # فقياس التمثيل في الحسيات وكل شيء: إذا علمنا أن هذا مثل هذا علمنا أن ~~حكمه حكمه وإن لم نعلم علة الحكم وإن علمنا علة الحكم استدللنا بثبوتها على ~~ثبوت الحكم فبكل واحد من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل يعلم الحكم. ~~وقياس التعليل: هو في الحقيقة من نوع قياس الشمول لكنه امتاز عنه بأن الحد ~~الأوسط - الذي هو الدليل فيه - هو علة الحكم ويسمى قياس العلة وبرهان ~~العلة. وذلك يسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة وإن لم نعلم التماثل والعلة ~~بل ظنناها ظنا كان الحكم كذلك. وهكذا الأمر في قياس الشمول: إن كانت ~~المقدمتان معلومتين كانت النتيجة معلومة وإلا فالنتيجة تتبع أضعف المقدمات. ~~فأما دعواهم: أن هذا لا يفيد العلم فهو غلط محض محسوس بل عامة علوم بني آدم ~~العقلية المحضة هي من قياس التمثيل. وأيضا فإن علومهم التي جعلوا هذه ~~الصناعة ميزانا لها بالقصد الأول: لا يكاد ينتفع بهذه الصناعة المنطقية في ~~هذه العلوم إلا قليلا. فإن العلوم الرياضية: من حساب العدد وحساب المقدار ~~الذهني والخارجي قد علم أن الخائضين فيها من الأولين والآخرين مستقلون بها ~~من غير التفات إلى هذه # PageV09P020 # الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها. وكذلك ما يصح من العلوم الطبيعية الكلية ~~والطبية تجد الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيء من صناعة المنطق بل إمام ~~صناعة الطب بقراط: له فيها من الكلام الذي تلقاه أهل الطب بالقبول ووجدوا ~~مصداقه بالتجارب وله فيها من القضايا الكلية التي هي عند عقلاء بني آدم من ~~أعظم الأمور ومع هذا فليس هو مستعينا بشيء من هذه الصناعة بل كان قبل ~~واضعها. وهم وإن كان العلم الطبيعي عندهم أعلم وأعلى من علم الطب فلا ريب ~~أنه متصل به. فبالعلم ms2734 بطبائع الأجسام المعينة المحسوسة تعلم طبائع سائر ~~الأجسام ومبدأ الحركة والسكون الذي في الجسم. ويستدل بالجزء على الكل ولهذا ~~كثيرا ما يتناظرون في مسائل ويتنازع فيها هؤلاء وهؤلاء كتناظر الفقهاء ~~والمتكلمين في مسائل كثيرة تتفق فيها الصناعتان وأولئك يدعون عموم النظر ~~ولكن الخطأ والغلط عند المتكلمين والمتفلسفة أكثر مما هو عند الفقهاء ~~والأطباء وكلامهم وعلمهم أنفع وأولئك أكثر ضلالا وأقل نفعا لأنهم طلبوا ~~بالقياس ما لا يعلم بالقياس وزاحموا الفطرة والنبوة مزاحمة أوجبت من ~~مخالفتهم للفطرة والنبوة ما صاروا به من شياطين الإنس والجن الذين يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا بخلاف الطب المحض فإنه علم نافع وكذلك ~~الفقه المحض. # وأما علم ما بعد الطبيعة - وإن كانوا يعظمونه ويقولون: هو الفلسفة الأولى ~~وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه ويسميه متأخروهم العلم # PageV09P021 # الإلهي وزعم المعلم الأول لهم: أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم - فالحق ~~فيه من المسائل قليل نزر وغالبه علم بأحكام ذهنية لا حقائق خارجية. وليس ~~على أكثره قياس منطقي. فإن الوجود المجرد والوجوب والإمكان والعلة المجردة ~~والمعلول وانقسام ذلك إلى جزء الماهية وهو المادة والصورة؛ وإلى علتي ~~وجودها. وهما الفاعل والغاية؛ والكلام في انقسام الوجود إلى الجواهر ~~والأعراض التسعة؛ التي هي: الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع ~~والملك؛ وأن يفعل وأن ينفعل؛ كما أنشد بعضهم فيها: # زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتكي # في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سواء # ليس عليها ولا على أقسامها قياس منطقي؛ بل غالبها مجرد استقراء قد نوزع ~~صاحبه في كثير منه. # فإذا كانت صناعتهم بين علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقي. وبين ما ~~لا يمكنهم أن يستعملوا فيه القياس المنطقي: كان عديم الفائدة في علومهم بل ~~كان فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضر كثيرا من الناس # PageV09P022 # كما سد على كثير منهم طريق العلم وأوقعهم في أودية الضلال والجهل فما ~~الظن بغير علومهم من العلوم التي لا تحد للأولين والآخرين. وأيضا لا تجد ms2735 ~~أحدا من أهل الأرض حقق علما من العلوم وصار إماما فيه مستعينا بصناعة ~~المنطق لا من العلوم الدينية ولا غيرها فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم ~~يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق. وقد صنف في ~~الإسلام علوم النحو واللغة والعروض والفقه وأصوله والكلام وغير ذلك. وليس ~~في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق بل عامتهم كانوا قبل أن يعرب ~~هذا المنطق اليوناني. وأما العلوم الموروثة عن الأنبياء صرفا وإن كان الفقه ~~وأصوله متصلا بذلك فهي أجل وأعظم من أن يظن أن لأهلها التفاتا إلى المنطق ~~إذ ليس في القرون الثلاثة من هذه الأمة - التي هي خير أمة أخرجت للناس - ~~وأفضلها القرون الثلاثة: من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرج عليه مع أنهم في ~~تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحد شأوها كانوا أعمق الناس ~~علما وأقلهم تكلفا وأبرهم قلوبا. ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا ~~وجدت بين الكلامين من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق بل الذي وجدناه ~~بالاستقراء أن من المعلوم: أن من الخائضين في العلوم من أهل هذه # PageV09P023 # الصناعة أكثر الناس شكا واضطرابا وأقلهم علما وتحقيقا وأبعدهم عن تحقيق ~~علم موزون وإن كان فيهم من قد يحقق شيئا من العلم. فذلك لصحة المادة ~~والأدلة التي ينظر فيها وصحة ذهنه وإدراكه لا لأجل المنطق. بل إدخال صناعة ~~المنطق في العلوم الصحيحة يطول العبارة ويبعد الإشارة ويجعل القريب من ~~العلم بعيدا واليسير منه عسيرا. ولهذا تجد من أدخله في الخلاف والكلام ~~وأصول الفقه وغير ذلك لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق؛ مع قلة العلم ~~والتحقيق. فعلم أنه من أعظم حشو الكلام وأبعد الأشياء عن طريقة ذوي ~~الأحلام. نعم لا ينكر أن في المنطق ما قد يستفيد ببعضه من كان في كفر وضلال ~~وتقليد ممن نشأ بينهم من الجهال كعوام النصارى واليهود والرافضة ونحوهم ~~فأورثهم المنطق ترك ما عليه أولئك من تلك العقائد. ولكن يصير غالب هؤلاء ~~مداهنين لعوامهم مضلين لهم عن سبيل الله أو ms2736 يصيرون منافقين زنادقة لا يقرون ~~بحق ولا بباطل بل يتركون الحق كما تركوا الباطل. فأذكياء طوائف الضلال إما ~~مضللون مداهنون وإما زنادقة منافقون لا يكاد يخلو أحد منهم عن هذين # PageV09P024 # فأما أن يكون المنطق وقفهم على حق يهتدون به: فهذا لا يقع بالمنطق. ففي ~~الجملة: ما يحصل به لبعض الناس من شحذ ذهن أو رجوع عن باطل أو تعبير عن حق: ~~فإنما هو لكونه كان في أسوأ حال لا لما في صناعة المنطق من الكمال. ومن ~~المعلوم: أن المشرك إذا تمجس والمجوسي إذا تهود: حسنت حاله بالنسبة إلى ما ~~كان فيه قبل ذلك. لكن لا يصلح أن يجعل ذلك عمدة لأهل الحق المبين. وهذا ليس ~~مختصا به. بل هذا شأن كل من نظر في الأمور التي فيها دقة ولها نوع إحاطة ~~كما تجد ذلك في علم النحو. فإنه من المعلوم أن لأهله من التحقيق والتدقيق ~~والتقسيم والتحديد ما ليس لأهل المنطق وأن أهله يتكلمون في صورة المعاني ~~المعقولة على أكمل القواعد. فالمعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى وضع خاص ~~بخلاف قوالبها التي هي الألفاظ فإنها تتنوع فمتى تعلموا أكمل الصور ~~والقوالب للمعاني مع الفطرة الصحيحة كان ذلك أكمل وأنفع وأعون على تحقيق ~~العلوم من صناعة اصطلاحية في أمور فطرية عقلية لا يحتاج فيها إلى اصطلاح ~~خاص. هذا لعمري عن منفعته في سائر العلوم. # PageV09P025 # وأما منفعته في علم الإسلام خصوصا: فهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان ولهذا ~~تجد الذين اتصلت إليهم علوم الأوائل فصاغوها بالصيغة العربية بعقول ~~المسلمين جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار ما لا يوجد في ~~كلام الأوائل وإن كان في هؤلاء المتأخرين من فيه نفاق وضلال لكن عادت عليهم ~~في الجملة بركة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم وما ~~أوتيته أمته من العلم والبيان الذي لم يشركها فيه أحد، وأيضا فإن صناعة ~~المنطق وضعها معلمهم الأول: أرسطو صاحب التعاليم التي لمبتدعة الصابئة يزن ~~بها ما كان هو وأمثاله يتكلمون فيه ms2737 من حكمتهم وفلسفتهم التي هي غاية ~~كمالهم. وهي قسمان: نظرية وعملية. فأصح النظرية - وهي المدخل إلى الحق - هي ~~الأمور الحسابية الرياضية. وأما العملية: فإصلاح الخلق والمنزل والمدينة. ~~ولا ريب أن في ذلك من نوع العلوم والأعمال الذي يتميزون بها عن جهال بني ~~آدم الذين ليس لهم كتاب منزل ولا نبي مرسل ما يستحقون به التقدم على ذلك. ~~وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل. ~~وفيها أيضا من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد: ما هو ~~داخل في ضمن ما جاءت به الرسل. # PageV09P026 # فهم بالنسبة إلى جهال الأمم كبادية الترك ونحوهم أمثل إذا خلوا عن ضلالهم ~~فأما مع ضلالهم فقد يكون الباقون على الفطرة من جهال بني آدم أمثل منهم. ~~فأما أضل أهل الملل - مثل جهال النصارى وسامرة اليهود - فهم أعلم منهم ~~وأهدى وأحكم وأتبع للحق. وهذا قد بسطته بسطا كثيرا في غير هذا الموضع. ~~وإنما المقصود هنا: بيان أن هذه الصناعة قليلة المنفعة عظيمة الحشو. وذلك ~~أن الأمور العملية الخلقية قل أن ينتفع فيها بصناعة المنطق. إذ القضايا ~~الكلية الموجبة - وإن كانت توجد في الأمور العملية - لكن أهل السياسة ~~لنفوسهم ولأهلهم ولملكهم إنما ينالون تلك الآراء الكلية من أمور لا يحتاجون ~~فيها إلى المنطق ومتى حصل ذلك الرأي كان الانتفاع به بالعمل. ثم الأمور ~~العملية لا تقف على رأي كلي بل متى علم الإنسان انتفاعه بعمل عمله وأي عمل ~~تضرر به تركه. وهذا قد يعلمه بالحس الظاهر أو الباطن لا يقف ذلك على رأي ~~كلي. فعلم أن أكثر الأمور العملية لا يصح استعمال المنطق فيها. ولهذا كان # PageV09P027 # المؤدبون لنفوسهم ولأهلهم السائسون لملكهم لا يزنون آراءهم بالصناعة ~~المنطقية إلا أن يكون شيئا يسيرا والغالب على من يسلكه: التوقف والتعطيل. ~~ولو كان أصحاب هذه الآراء تقف معرفتهم بها واستعمالهم لها على وزنها بهذه ~~الصناعة لكان تضررهم بذلك أضعاف انتفاعهم به مع أن جميع ما يأمرون به من ~~العلوم والأخلاق والأعمال لا تكفي ms2738 في النجاة من عذاب الله فضلا عن أن يكون ~~محصلا لنعيم الآخرة قال تعالى: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون} كذلك قال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون} - إلى قوله - {الكافرون} . فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف: ~~أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا ~~الشرك فلم ينفعهم ذلك. وكذلك أخبر عن فرعون - وهو كافر بالتوحيد وبالرسالة ~~- أنه لما أدركه الغرق قال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ~~وأنا من المسلمين} قال الله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من # PageV09P028 # المفسدين} وقال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين} {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون} وقال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب} {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} . وهذا في ~~القرآن في مواضع أخر: يبين فيها أن الرسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله ~~وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه أو اتخاذه إلها؛ ~~ويخبر أن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة. وذكر ~~هذا عن عامة الرسل ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون. فعلم أن ~~التوحيد والإيمان بالرسل ms2739 متلازمان. وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان ~~بالرسل متلازمان. فالثلاثة متلازمة. ولهذا يجمع بينها في مثل قوله: {ولا ~~تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة # PageV09P029 # وهم بربهم يعدلون} ولهذا أخبر أن الذين لا يؤمنون بالآخرة مشركون فقال ~~تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} . وأخبر ~~عن جميع الأشقياء: أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر كما قال تعالى: {كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} فأخبر أن الرسل ~~أنذرتهم وأنهم كذبوا بالرسالة. وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها} الآية. فأخبر عن أهل النار: أنهم قد ~~جاءتهم الرسالة وأنذروا باليوم الآخر. وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا ~~معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله إن ربك حكيم عليم} {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا ~~معشر الجن والإنس} - إلى قوله - {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ~~الآية. فأخبر عن جميع الجن والإنس: أن الرسل بلغتهم رسالة الله وهي آياته # PageV09P030 # وأنهم أنذروهم اليوم الآخر وكذلك قال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} ~~{الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} - إلى قوله - {أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه} . فأخبر أنهم كفروا بآياته وهي رسالته وبلقائه وهو اليوم ~~الآخر. وقد أخبر أيضا في غير موضع بأن الرسالة عمت بني آدم وأن الرسل جاءوا ~~مبشرين ومنذرين كما قال تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة ~~إلا خلا فيها نذير} وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده} - إلى قوله - {وكان الله عزيزا حكيما} وقال تعالى: {وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا ms2740 يفسقون} . فأخبر أن ~~من آمن بالرسل وأصلح من الأولين والآخرين فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ~~وقال تعالى {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} ومثل ذلك قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} - ~~إلى قوله - {فلهم أجرهم عند ربهم} الآية. فذكر أن المؤمنين بالله وباليوم ~~الآخر من هؤلاء هم أهل النجاة والسعادة وذكر في تلك الآية الإيمان بالرسل ~~وفي هذه الإيمان باليوم الآخر لأنهما # PageV09P031 # متلازمان وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم. فمن آمن بواحد منهم فقد آمن ~~بهم كلهم ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم كما قال تعالى: {إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله} - إلى قوله - {أولئك هم الكافرون حقا} الآية والتي ~~بعدها. فأخبر أن المؤمنين بجميع الرسل هم أهل السعادة وأن المفرقين بينهم ~~بالإيمان ببعضهم دون بعض هم الكافرون حقا. وقال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} {اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا} {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . فهذه ~~الأصول الثلاثة: توحيد الله والإيمان برسله وباليوم الآخر - هي أمور ~~متلازمة. والحاصل: أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر هي أمور ~~متلازمة مع العمل الصالح. فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح: هم أهل السعادة ~~من الأولين والآخرين والخارجون عن هذا الإيمان: مشركون أشقياء. فكل من كذب ~~الرسل فلن يكون إلا مشركا وكل مشرك مكذب للرسل وكل مشرك وكافر بالرسل فهو ~~كافر باليوم الآخر وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل وهو مشرك؛ ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي # PageV09P032 # عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ~~ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} . فأخبر أن جميع الأنبياء لهم ~~أعداء وهم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ms2741 القول المزخرف وهو المزين ~~المحسن يغررون به. والغرور: هو التلبيس والتمويه. وهذا شأن كل كلام وكل عمل ~~يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم من الأولين ~~والآخرين ثم قال: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه} ~~فأخبر أن كلام أعداء الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. فعلم ~~أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى ~~إلى زخرف أعدائهم فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في ~~هذه الأمة. وقال تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون} {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} - الآية. فأخبر أن ~~الذين تركوا اتباع الكتاب - وهو الرسالة - يقولون إذا جاء تأويله - وهو ما ~~أخبر به -: جاءت رسل ربنا بالحق. وهذا كقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا} {قال كذلك # PageV09P033 # أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته ~~يصيبهم ما ذكرنا. فقد تبين أن أصل السعادة وأصل النجاة من العذاب هو توحيد ~~الله بعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح. ~~وهذه الأمور ليست في حكمتهم وفلسفتهم المبتدعة ليس فيها الأمر بعبادة الله ~~وحده والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم ~~إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع وإن صناعة الطلاسم ~~والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار. فهم الآمرون بالشرك والفاعلون ~~له. ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح ~~الموحدون ترجيحا ما. فقد يرجح غيره المشركين. وقد يعرض عن الأمرين جميعا. ~~فتدبر هذا فإنه نافع جدا. ولهذا كان رءوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون ~~بالشرك. فالأولون يسمون الكواكب الآلهة الصغرى ويعبدونها بأصناف العبادات. ~~كذلك كانوا في ملة الإسلام ms2742 لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد؛ بل يسوغون ~~الشرك أو يأمرون به أو لا يوجبون التوحيد. # PageV09P034 # وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة ~~- أنفس الأنبياء وغيرهم - ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما ~~توحيدهم بالقول؛ لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد ~~فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله. وعبادته وحده لا شريك له. وهذا شيء لا ~~يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه ~~من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك. فلو كانوا موحدين بالقول ~~والكلام - وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله - لكان معهم التوحيد دون ~~العمل. وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أن يعبد الله وحده ~~ويتخذ إلها؛ دون ما سواه. وهو معنى قول: " لا إله إلا الله " فكيف وهم في ~~القول والكلام معطلون جاحدون؛ لا موحدون ولا مخلصون؟ . وأما الإيمان ~~بالرسل: فليس فيه للمعلم الأول وذويه كلام معروف. والذين دخلوا في الملل ~~منهم آمنوا ببعض صفات الرسل وكفروا ببعض. وأما اليوم الآخر: فأحسنهم حالا ~~من يقر بمعاد الأرواح دون الأجساد. # PageV09P035 # ومنهم من ينكر المعادين جميعا. ومنهم من يقر بمعاد الأرواح العالمة دون ~~الجاهلة. وهذه الأقوال الثلاثة لمعلمهم الثاني أبي نصر الفارابي. ولهم فيه ~~من الاضطراب ما يعلم به أنهم لم يهتدوا فيه إلى الصواب. # وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل من لا يحصي عدده إلا الله. ~~فإذا كان ما به تحصل السعادة والنجاة من الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما ~~يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات كما قال الله تعالى: {يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} . # وأما ما يذكرونه من العلوم النظرية: فالصواب منها منفعته في الدنيا. وأما ~~" العلم الإلهي " فليس عندهم منه ما تحصل به النجاة والسعادة بل وغالب ما ~~عندهم منه ليس بمتيقن معلوم بل قد صرح أساطين الفلسفة: أن العلوم الإلهية ~~لا سبيل فيها إلى اليقين وإنما يتكلم فيها بالأحرى ms2743 والأخلق؛ فليس معهم فيها ~~إلا الظن {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ولهذا يوجد عندهم من المخالفة ~~للرسل أمر عظيم باهر حتى قيل مرة لبعض الأشياخ الكبار ممن يعرف الكلام ~~والفلسفة والحديث وغير ذلك: ما الفرق الذي بين الأنبياء والفلاسفة؟ فقال: ~~السيف الأحمر. يريد أن الذي يسلك طريقتهم يريد أن يوفق بين ما يقولونه وبين ~~ما جاءت به الرسل فيدخل من السفسطة والقرمطة في أنواع من المحال الذي لا ~~يرضاه عاقل كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم. ومن هنا # PageV09P036 # ضلت القرامطة والباطنية ومن شاركهم في بعض ذلك. وهذا باب يطول وصفه ليس ~~الغرض هنا ذكره. وإنما الغرض أن معلمهم وضع منطقهم ليزن به ما يقولونه من ~~هذه الأمور التي يخوضون فيها والتي هي قليلة المنفعة. # وأكثر منفعتها: إنما هي في الأمور الدنيوية وقد يستغنى عنها في الأمور ~~الدنيوية أيضا. فأما أن يوزن بهذه الصناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق ~~قدرهم أو يوزن بها ما يوجب السعادة والنعيم والنجاة من العذاب الأليم: فهذا ~~أمر ليس هو فيها وقد جعل الله لكل شيء قدرا. والقوم وإن كان لهم ذكاء ~~وفطنة؛ وفيهم زهد وأخلاق - فهذا القدر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب ~~إلا بالأصول المتقدمة: من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص عبادته؛ والإيمان ~~برسله واليوم الآخر؛ والعمل الصالح. وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن ~~وقوة الإرادة. فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون هذه الأصول يكون بمنزلة ~~من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول. وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل ~~الملك والإمارة وكل من هؤلاء # PageV09P037 # وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له؛ ويؤمن برسله ~~وباليوم الآخر. وهذه الأمور متلازمة. فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمن برسله ~~ويؤمن باليوم الآخر؛ فيستحق الثواب وإلا كان من أهل الوعيد يخلد في العذاب ~~هذا إذا قامت عليه الحجة بالرسل. ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد ~~يعارضون الرسل وقد يتابعونهم؛ ذكر الله ذلك في كتابه ms2744 في غير موضع. فذكر ~~فرعون؛ والذي حاج إبراهيم في ربه لما آتاه الله الملك والملأ من قوم نوح ~~وعاد وغيرهم من المستكبرين المكذبين للرسل وذكر قول علمائهم كقوله: {فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون} {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين} {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} وقال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف ~~كان عقاب} - إلى قوله - {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} ~~والسلطان هو الوحي المنزل من عند الله كما ذكر ذلك في غير # PageV09P038 # موضع كقوله: {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} ~~وقوله: {ما أنزل الله بها من سلطان} وقال ابن عباس " كل سلطان في القرآن ~~فهو الحجة " ذكره البخاري في صحيحه. وقد ذكر في هذه السورة " سورة حم غافر ~~" من حال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء مثل مقول الفلاسفة وعلمائهم ~~ومجادلتهم واستكبارهم ما فيه عبرة: مثل قوله: {إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} ومثل قوله: ~~{ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} {الذين كذبوا بالكتاب ~~وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~يسحبون} {في الحميم ثم في النار يسجرون} - إلى قوله - {ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} وختم السورة بقوله تعالى: ~~{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} . وكذلك في سورة ~~الأنعام والأعراف وعامة السور المكية وطائفة من السور المدنية فإنها تشتمل ~~على خطاب هؤلاء وضرب الأمثال والمقاييس لهم ms2745 وذكر قصصهم وقصص الأنبياء ~~وأتباعهم معهم. فقال سبحانه: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم # PageV09P039 # سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون} فأخبر بما مكنهم فيه من أصناف الإدراكات ~~والحركات. وأخبر أن ذلك لم يغن عنهم حيث جحدوا بآيات الله وهي الرسالة التي ~~بعث بها رسله. ولهذا حدثني ابن الشيخ الحصيري عن والده الشيخ الحصيري (*) - ~~شيخ الحنفية في زمنه - قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرا ~~ذكيا. وقال الله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض} الآية والقوة تعم ~~قوة الإدراك النظرية وقوة الحركة العملية. وقال في الآية الأخرى: {كانوا ~~أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} فأخبر بفضلهم في الكم والكيف وأنهم ~~أشد في أنفسهم وفي آثارهم في الأرض. وقال تعالى: {فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون} {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون} وقال تعالى: {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} ~~- إلى قوله - {الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون} . وقال تعالى: ~~{فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} - إلى ~~قوله - {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} . PageV09P040 # وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين ~~للرسل {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في ~~النار} - إلى قوله - {إن الله قد حكم بين العباد} . ومثل هذا في القرآن ~~كثير يذكر فيه من أقوال أعداء الرسل وأفعالهم وما أوتوه من قوى الإدراكات ~~والحركات التي لم تنفعهم لما خالفوا ms2746 الرسل. وقد ذكر الله سبحانه ما في ~~المنتسبين إلى أتباع الرسل من العلماء والعباد والملوك من النفاق والضلال ~~في مثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} . {ويصدون عن سبيل الله} يستعمل ~~لازما يقال: صد صدودا أي أعرض كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ويقال: صد غيره ~~يصده والوصفان يجتمعان فيهم ومثل قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب # PageV09P041 # يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا} وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {مثل ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن ~~الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة: طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي ~~يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ ~~القرآن مثل الحنظلة: طعمها مر ولا ريح لها} " فبين أن في الذين يقرءون ~~القرآن: مؤمنين ومنافقين. # فصل: # وهذا المقام لا أذكر فيه موارد النزاع فيقال: هو الاستدلال على المختلف ~~بالمختلف؛ لكن أنا أصف جنس كلامهم فأقول: لا ريب أن كلامهم كله منحصر في ~~الحدود التي تفيد التصورات سواء كانت الحدود حقيقية أو رسمية أو لفظية وفي ~~الأقيسة التي تفيد التصديقات سواء كانت أقيسة عموم وشمول أو شبه وتمثيل أو ~~استقراء وتتبع. وكلامهم غالبه لا يخلو من تكلف: إما في العلم وإما في القول ~~فإما # PageV09P042 # أن يتكلفوا علم ما لا يعلمونه: فيتكلمون بغير علم أو يكون الشيء معلوما ~~لهم فيتكلفون من بيانه ما هو زيادة وحشو وعناء وتطويل طريق وهذا من المنكر ~~المذموم في الشرع والعقل قال تعالى: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين} وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: " أيها الناس من علم علما ms2747 ~~فليقل به ومن لم يعلم فليقل: لا أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا ~~يعلم: لا أعلم ". وقد ذم الله القول بغير علم في كتابه كقوله تعالى: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم} لا سيما القول على الله كقوله تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وكذلك ذم الكلام ~~الكثير الذي لا فائدة فيه وأمر بأن نقول القول السديد والقول البليغ. ~~وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبه من الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه بل قد ~~يكثر كلامهم في الأقيسة والحجج كثير منه كذلك وكثير منه باطل وهو قول بغير ~~علم وقول بخلاف الحق. أما (الأول: فإنهم يزعمون أن الحدود التي يذكرونها ~~يفيدون بها تصور الحقائق وأن ذلك إنما يتم بذكر الصفات الذاتية المشتركة ~~والمميزة حتى يركب الحد من الجنس المشترك والفصل المميز. وقد يقولون: إن ~~التصورات # PageV09P043 # لا تحصل إلا بالحدود ويقولون: الحدود المركبة لا تكون إلا للأنواع ~~المركبة من الجنس والفصل دون الأنواع البسيطة. # وقد ذكرت في غير هذا الموضع ملخص المنطق ومضمونه وأشرت إلى بعض ما دخل به ~~على كثير من الناس من الخطأ والضلال. وليس هذا موضع بسط ذلك لكن نذكر هنا ~~وجوها: # الوجه الأول: قولهم: " إن التصور الذي ليس ببديهي لا ينال إلا بالحد " ~~باطل؛ لأن الحد هو قول الحاد. فإن الحد هنا هو القول الدال على ماهية ~~المحدود. فالمعرفة بالحد لا تكون إلا بعد الحد؛ فإن الحاد الذي ذكر الحد إن ~~كان عرف المحدود بغير حد بطل قولهم: " لا يعرف إلا بالحد " وإن كان عرفه ~~بحد آخر فالقول فيه كالقول في الأول فإن كان هذا الحاد عرفه بعد الحد الأول ~~لزم الدور وإن كان تأخر لزم التسلسل. # PageV09P044 # الوجه الثاني: أنهم إلى الآن لم يسلم لهم حد لشيء من الأشياء إلا ما ~~يدعيه بعضهم وينازعه فيه آخرون. فإن كانت الأصول لا ms2748 تتصور إلا بالحدود لزم ~~ألا يكون إلى الآن أحد عرف شيئا من الأمور ولم يبق أحد ينتظر صحته؛ لأن ~~الذي يذكره يحتاج إلى معرفة بغير حد وهي متعددة فلا يكون لبني آدم شيء من ~~المعرفة وهذه سفسطة ومغالطة. ### | الوجه الثالث: أن المتكلمين بالحدود طائفة قليلة في بني آدم # لا سيما الصناعة المنطقية. فإن واضعها هو أرسطو وسلك خلفه فيها طائفة من ~~بني آدم. ومن المعلوم أن علوم بني آدم - عامتهم وخاصتهم - حاصلة بدون ذلك. ~~فبطل قولهم " إن المعرفة متوقفة عليها " أما الأنبياء فلا ريب في استغنائهم ~~عنها وكذلك أتباع الأنبياء من العلماء والعامة. فإن القرون الثلاثة من هذه ~~الأمة - الذين كانوا أعلم بني آدم علوما ومعارف - لم يكن تكلف # PageV09P045 # هذه الحدود من عادتهم فإنهم لم يبتدعوها ولم تكن الكتب الأعجمية الرومية ~~عربت لهم. وإنما حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة ومن حين حدثت ~~صار بينهم من الاختلاف والجهل ما لا يعلمه إلا الله. وكذلك علم " الطب " و ~~" الحساب " وغير ذلك لا تجد أئمة هذه العلوم يتكلفون هذه الحدود المركبة من ~~الجنس والفصل إلا من خلط ذلك بصناعتهم من أهل المنطق. وكذلك " النحاة " مثل ~~سيبويه الذي ليس في العالم مثل كتابه وفيه حكمة لسان العرب: لم يتكلف فيه ~~حد الاسم والفاعل ونحو ذلك كما فعل غيره. ولما تكلف النحاة حد الاسم ذكروا ~~حدودا كثيرة كلها مطعون فيها عندهم. وكذلك ما تكلف متأخروهم من حد الفاعل ~~والمبتدأ والخبر ونحو ذلك لم يدخل فيها عندهم من هو إمام في الصناعة ولا ~~حاذق فيها. وكذلك الحدود التي يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة وغير ~~ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم وكذلك الحدود التي يتكلفها الناظرون ~~في أصول الفقه لمثل الخبر والقياس والعلم وغير ذلك لم يدخل فيها إلا من ليس ~~بإمام في الفن. وإلى الساعة لم يسلم لهم حد. وكذلك حدود أهل الكلام. # PageV09P046 # فإذا كان حذاق بني آدم في كل فن من العلم أحكموه بدون هذه الحدود ~~المتكلفة: بطل دعوى توقف المعرفة عليها. وأما علوم ms2749 بني آدم الذين لا يصنفون ~~الكتب: فهي مما لا يحصيه إلا الله ولهم من البصائر والمكاشفات والتحقيق ~~والمعارف ما ليس لأهل هذه الحدود المتكلفة. فكيف يجوز أن تكون معرفة ~~الأشياء متوقفة عليها؟ . # الوجه الرابع: أن الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به ~~الأشياء ويعرفها؛ فيعرف بسمعه وبصره وشمه وذوقه ولمسه الظاهر ما يعرف ويعرف ~~أيضا بما يشهده ويحسه بنفسه وقلبه ما هو أعظم من ذلك. فهذه هي الطرق التي ~~تعرف بها الأشياء فأما الكلام فلا يتصور أن يعرف بمجرده مفردات الأشياء إلا ~~بقياس تمثيل أو تركيب ألفاظ وليس شيء من ذلك يفيد تصور الحقيقة. فالمقصود ~~أن الحقيقة: إن تصورها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحد القولي وإن لم ~~يتصورها بذلك امتنع أن يتصور حقيقتها بالحد القولي. وهذا أمر محسوس يجده ~~الإنسان من نفسه. فإن من عرف المحسوسات المذوقة # PageV09P047 # - مثلا - كالعسل: لم يفده الحد تصورها. ومن لم يذق ذلك كمن أخبر عن السكر ~~- وهو لم يذقه - لم يمكن أن يتصور حقيقته بالكلام والحد بل يمثل له ويقرب ~~إليه ويقال له: طعمه يشبه كذا أو يشبه كذا وكذا وهذا التشبيه والتمثيل ليس ~~هو الحد الذي يدعونه. وكذلك المحسوسات الباطنة مثل الغضب والفرح والحزن ~~والغم والعلم ونحو ذلك من وجدها فقد تصورها. ومن لم يجدها لم يمكن أن ~~يتصورها بالحد ولهذا لا يتصور الأكمه الألوان بالحد ولا العنين الوقاع ~~بالحد. فإذن القائل: بأن الحدود هي التي تفيد تصور الحقائق قائل للباطل ~~المعلوم بالحس الباطن والظاهر. # الوجه الخامس: أن الحدود إنما هي أقوال كلية كقولنا: " حيوان ناطق " و " ~~لفظ يدل على معنى " ونحو ذلك؛ فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركة فيها ~~وإن كانت الشركة ممتنعة لسبب آخر فهي إذن لا تدل على حقيقة معينة بخصوصها ~~وإنما تدل على معنى كلي. والمعاني الكلية وجودها في الذهن لا في الخارج. ~~فما في الخارج لا يتعين ولا يعرف بمجرد الحد وما في الذهن ليس هو حقائق ~~الأشياء. فالحد لا يفيد تصور حقيقة ms2750 أصلا. # PageV09P048 # الوجه السادس: أن الحد من باب الألفاظ؛ واللفظ لا يدل المستمع على معناه ~~إن لم يكن قد تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ؛ لأن اللفظ المفرد لا يدل ~~المستمع على معناه إن لم يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى ولا يعرف ذلك حتى يعرف ~~المعنى. فتصور المعاني المفردة يجب أن يكون سابقا على فهم المراد بالألفاظ ~~فلو استفيد تصورها من الألفاظ لزم الدور. وهذا أمر محسوس؛ فإن المتكلم ~~باللفظ المفرد إن لم يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه أو بنظره وإلا لم ~~يتصور إدراكه له بقول مؤلف من جنس وفصل. # الوجه السابع: أن الحد هو الفصل والتمييز بين المحدود وغيره يفيد ما ~~تفيده الأسماء من التمييز والفصل بين المسمى وبين غيره فهذا لا ريب في أنه ~~يفيد التمييز. فأما تصور حقيقة فلا لكنها قد تفصل ما دل عليه الاسم ~~بالإجمال وليس ذلك من إدراك الحقيقة في شيء. والشرط في ذلك: أن تكون الصفات ~~ذاتية بل هو بمنزلة التقسيم والتحديد للكل كالتقسيم لجزئياته ويظهر ذلك. # PageV09P049 # الوجه الثامن: وهو أن الحس الباطن والظاهر يفيد تصور الحقيقة تصورا ~~مطلقا. أما عمومها وخصوصها: فهو من حكم العقل. فإن القلب يعقل معنى من هذا ~~المعين ومعنى يماثله من هذا المعين فيصير في القلب معنى عاما مشتركا وذلك ~~هو عقله: أي عقله للمعاني الكلية. فإذا عقل معنى الحيوانية الذي يكون في ~~هذا الحيوان وهذا الحيوان ومعنى الناطق الذي يكون في هذا الإنسان وهذا ~~الإنسان وهو مختص به عقل أن في نوع الإنسان معنى يكون نظيره في الحيوان ~~ومعنى ليس له نظير في الحيوان. فالأول هو الذي يقال له: الجنس. والثاني: ~~الذي يقال له: الفصل وهما موجودان في النوع. فهذا حق ولكن لم يستفد من هذا ~~اللفظ ما لم يكن يعرفه بعقله من أن هذا المعنى عام للإنسان ولغيره من ~~الحيوان بمعنى أن ما في هذا نظير ما في هذا إذ ليس في الأعيان الخارجة عموم ~~وهذا المعنى يختص بالإنسان. فلا فرق بين قولك: الإنسان حيوان ناطق وقولك: ms2751 ~~الإنسان هو الحيوان الناطق إلا من جهة الإحاطة والحصر في الثاني لا من جهة ~~تصوير # PageV09P050 # حقيقته باللفظ والإحاطة. والحصر هو التمييز الحاصل بمجرد الاسم وهو قولك: ~~إنسان وبشر. فإن هذا الاسم إذا فهم مسماه أفاد من التمييز ما أفاده الحيوان ~~الناطق في سلامته عن المطاعن. وأما تصور أن فيه معنى عاما ومعنى خاصا فليس ~~هذا من خصائص الحد كما تقدم. والذي يختص بالحد ليس إلا مجرد التمييز الحاصل ~~بالأسماء. وهذا بين لمن تأمله. وأما إدراك صفات فيه بعضها مشترك وبعضها ~~مختص فلا ريب أن هذا قد لا يتفطن له بمجرد الاسم لكن هذا يتفطن له بالحد ~~وبغير الحد. فليس في الحد إلا ما يوجد في الأسماء أو في الصفات التي تذكر ~~للمسمى. وهذان نوعان معروفان: (الأول: معنى الأسماء المفردة. و (الثاني: ~~معرفة الجمل المركبة الاسمية والفعلية التي يخبر بها عن الأشياء وتوصف بها ~~الأشياء. وكلا هذين النوعين لا يفتقر إلى الحد المتكلف فثبت أن الحد ليس ~~فيه فائدة إلا وهي موجودة في الأسماء والكلام بلا تكلف. فسقطت فائدة خصوصية ~~الحد. # PageV09P051 # الوجه التاسع: أن العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق؛ لكن التمييز بين ~~تلك الصفات بجعل بعضها ذاتيا تتقوم منه حقيقة المحدود وبعضها لازما لحقيقة ~~المحدود: تفريق باطل بل جميع الصفات الملازمة للمحدود - طردا وعكسا - هي ~~جنس واحد. فلا فرق بين الفصل والخاصة ولا بين الجنس والعرض العام. وذلك أن ~~الحقيقة المركبة من تلك الصفات: إما أن يعنى بها الخارجة أو الذهنية أو شيء ~~ثالث. فإن عني بها الخارجة: فالنطق والضحك في الإنسان حقيقتان لازمتان ~~يختصان به. وإن عني الحقيقة التي في الذهن: فالذهن يعقل اختصاص هاتين ~~الصفتين به دون غيره. وإن قيل: بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها ~~فلا يعقل الإنسان في الذهن حتى يفهم النطق؛ وأما الضحك فهو تابع لفهم ~~الإنسان. وهذا معنى قولهم " الذاتي ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه أو ~~ما تقف الحقيقة في الذهن والخارج عليه ". # PageV09P052 # قيل: إدراك الذهن أمر نسبي إضافي. فإن كون ms2752 الذهن لا يفهم هذا إلا بعد ~~هذا: أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن ليس هو شيئا ثابتا للموصوف في نفسه. فلا ~~بد أن يكون الفرق بين الذاتي والعرضي بوصف ثابت في نفس الأمر سواء حصل ~~الإدراك له أو لم يحصل إن كان أحدهما جزءا للحقيقة دون الآخر وإلا فلا. # الوجه العاشر: أن يقال: كون الذهن لا يعقل هذا إلا بعد هذا: إن كان إشارة ~~إلى أذهان معينة وهي التي تصورت هذا: لم يكن هذا حجة لأنهم هم وضعوها هكذا. ~~فيكون التقدير: أن ما قدمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتي وما أخرناه ~~فهو العرضي. ويعود الأمر إلى أنا تحكمنا بجعل بعض الصفات ذاتيا وبعضها ~~عرضيا لازما وغير لازم وإن كان الأمر كذلك كان هذا الفرقان مجرد تحكم بلا ~~سلطان. ولا يستنكر من هؤلاء أن يجمعوا بين المفترقين ويفرقوا بين ~~المتماثلين. فما أكثر هذا في مقاييسهم التي ضلوا بها وأضلوا. وهم أول من ~~أفسد دين المسلمين وابتدع ما غير به الصابئة مذاهب أهل الإيمان المهتدين. ~~وإن قالوا: بل جميع أذهان بني آدم والأذهان الصحيحة لا تدرك الإنسان # PageV09P053 # إلا بعد خطور نطقه ببالها دون ضحكه. قيل لهم: ليس هذا بصحيح. ولا يكاد ~~يوجد هذا الترتيب إلا فيمن يقلد عنكم هذه الحدود من المقلدين لكم في الأمور ~~التي جعلتموها ميزان المعقولات وإلا فبنو آدم قد لا يخطر لأحدهم أحد ~~الوصفين وقد يخطر له هذا دون هذا وبالعكس. ولو خطر له الوصفان وعرف أن ~~الإنسان حيوان ناطق ضاحك: لم يكن بمجرد معرفته هذه الصفات مدركا لحقيقة ~~الإنسان أصلا. وكل هذا أمر محسوس معقول. فلا يغالط العاقل نفسه في ذلك ~~لهيبة التقليد لهؤلاء الذين هم من أكثر الخلق ضلالا مع دعوى التحقيق؛ فهم ~~في الأوائل كمتكلمة الإسلام في الأواخر. ولما كان المسلمون خيرا من أهل ~~الكتابين والصابئين. كانوا خيرا منهم وأعلم وأحكم فتدبر هذا فإنه نافع جدا. ~~ومن هنا يقولون: الحدود الذاتية عسرة وإدراك الصفات الذاتية صعب وغالب ما ~~بأيدي الناس: حدود رسمية. وذلك كله لأنهم ms2753 وضعوا تفريقا بين شيئين بمجرد ~~التحكم الذي هم أدخلوه. ومن المعلوم: أن ما لا حقيقة له في الخارج ولا في ~~المعقول وإنما هو ابتداع مبتدع وضعه وفرق به بين المتماثلين فيما تماثلا ~~فيه - لا تعقله القلوب # PageV09P054 # الصحيحة - إذ ذاك من باب معرفة المذاهب الفاسدة التي لا ضابط لها. وأكثر ~~ما تجد هؤلاء الأجناس يعظمونه من معارفهم ويدعون اختصاص فضلائهم به هو: من ~~الباطل الذي لا حقيقة له كما نبهنا على هذا فيما تقدم. # الوجه الحادي عشر: قولهم: الحقيقة مركبة من الجنس والفصل والجنس هو الجزء ~~المشترك والفصل هو الجزء المميز. يقال لهم: هذا التركيب: إما أن يكون في ~~الخارج أو في الذهن. فإن كان في الخارج فليس في الخارج نوع كلي يكون محدودا ~~بهذا الحد إلا الأعيان المحسوسة والأعيان في كل عين صفة يكون نظيرها لسائر ~~الحيوانات كالحس والحركة الإرادية وصفة ليس مثلها لسائر الحيوان وهي النطق. ~~وفي كل عين يجتمع هذان الوصفان كما يجتمع سائر الصفات والجواهر القائمة ~~لأمور مركبة من الصفات المجعولة فيها. وإن أردتم بالحيوانية والناطقية ~~جوهرا فليس في الإنسان جوهران أحدهما حي والآخر ناطق. بل هو جوهر واحد له ~~صفتان. فإن كان # PageV09P055 # الجوهر مركبا من عرضين لم يصح. وإن كان من جوهر عام وخاص فليس فيه ذلك. ~~فبطل كون الحقيقة الخارجة مركبة. وإن جعلوها تارة جوهرا وتارة صفة: كان ذلك ~~بمنزلة قول النصارى في الأقانيم وهو من أعظم الأقوال تناقضا باتفاق ~~العلماء. وإن قالوا: المركب الحقيقية الذهنية المعقولة. قيل - أولا - تلك ~~ليست هي المقصودة بالحدود إلا أن تكون مطابقة للخارج. فإن لم يكن هناك ~~تركيب لم يصح أن يكون في هذه تركيب. وليس في الذهن إلا تصور الحي الناطق. ~~وهو جوهر واحد له صفتان كما قدمنا. فلا تركيب فيه بحال. واعلم أنه لا نزاع ~~أن صفات الأنواع والأجناس منها ما هو مشترك بينها وبين غيرها. كالجنس ~~والعرض العام ومنها ما هو لازم للحقيقة ومنها ما هو عارض لها وهو ما ثبت ~~لها في وقت دون وقت ms2754 كالبطيء الزوال وسريعه وإنما الشأن في التفريق بين ~~الذاتي والعرضي اللازم. فهذا هو الذي مداره على تحكم ذهن الحاد. ولا تنازع ~~في أن بعض الصفات قد يكون أظهر وأشرف. فإن النطق أشرف من الضحك. ولهذا ضرب ~~الله به المثل في قوله: {إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ولكن الشأن في جعل ~~هذا ذاتيا تتصور به الحقيقة دون الآخر. # PageV09P056 # الوجه ### | الثاني عشر: أن هذه الصفات الذاتية قد تعلم ولا يتصور بها كنه المحدود # كما في هذا المثال وغيره. فعلم أن ذلك ليس بموجب لفهم الحقيقة. # الوجه الثالث عشر: أن الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزأيه من تصور: ~~كالحيوان والناطق: فإن احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور. فإن كانت ~~الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد - وهو تصور الحيوان أو الحساس أو المتحرك ~~بالإرادة أو النامي أو الجسم - فمن المعلوم: أن هذه أعم. وإذا كانت أعم ~~لكون إدراك الحس لأفرادها أكثر. فإن كان إدراك الحس لأفرادها كافيا في ~~التصور فالحس قد أدرك أفراد النوع. وإن لم يكن كافيا في ذلك لم تكن الأجزاء ~~معروفة فيحتاج المعرف إلى معرف وأجزاء الحد إلى حد. # PageV09P057 # الوجه ### | الرابع عشر: أن الحدود لا بد فيها من التمييز # وكلما قلت الأفراد كان التمييز أيسر وكلما كثرت كان أصعب. فضبط العقل ~~الكلي تقل أفراده مع ضبط كونه كليا أيسر عليه مما كثرت أفراده وإن كان ~~إدراك الكلي الكثير الأفراد أيسر عليه فذاك إذا أدركه مطلقا؛ لأن المطلق ~~يحصل بحصول كل واحد من الأفراد. وإذا كان ذلك كذلك فأقل ما في أجزاء ~~المحدود: أن تكون متميزة تمييزا كليا ليعلم كونها صفة للمحدود أو محمولة ~~عليه أم لا. فإذا كان ضبطها كلية أصعب وأتعب من ضبط أفراد المحدود كان ذلك ~~تعريفا للأسهل معرفة بالأصعب مفردة وهذا عكس الواجب. # الوجه الخامس عشر: أن الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها. وقد ميز كل مسمى ~~باسم يدل على ما يفصله من الجنس المشترك ويخصه دون ما سواه ويبين به ما ~~يرسم ms2755 معناه # PageV09P058 # في النفس. ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في ~~النطق الذي جعله الله رحمة لهم لا سيما حدود ما أنزل الله في كتبه من ~~الأسماء كالخمر والربا. فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في ~~المسمى ويتناوله ذلك الاسم وما دل عليه من الصفات وبين ما ليس كذلك؛ ولهذا ~~ذم الله من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. فإنه أثبت للشيء ~~صفة باطلة كإلهية الأوثان. فالأسماء النطقية سمعية. وأما نفس تصور المعاني ~~ففطري يحصل بالحس الباطن والظاهر وبإدراك الحس وشهوده ببصر الإنسان بباطنه ~~وبظاهره وبسمعه يعلم أسماءها وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة. والله ~~أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة. ~~فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل ولا في الحس ولا في ~~السمع إلا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز كسائر الصفات. ~~ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحد نوعين: نوعا بحسب الاسم؛ وهو بيان ما يدخل ~~فيه. ونوعا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمى وزعموا كشف # PageV09P059 # الحقيقة وتصويرها والحقيقة المذكورة إن ذكرت بلفظ دخلت في القسم الأول ~~وإن لم تذكر بلفظ فلا تدرك بلفظ ولا تحد بمقال إلا كما تقدم. وهذه نكت تنبه ~~على جمل المقصود. وليس هذا موضع بسط ذلك. # الوجه السادس عشر: أن في الصفات الذاتية المشتركة والمختصة - كالحيوانية ~~والناطقية - إن أرادوا بالاشتراك: أن نفس الصفة الموجودة في الخارج مشتركة ~~فهذا باطل؛ إذ لا اشتراك في المعينات التي يمنع تصورها من وقوع الشركة ~~فيها. وإن أرادوا بالاشتراك: أن مثل تلك الصفة حاصلة للنوع الآخر. قيل لهم: ~~لا ريب أن بين حيوانية الإنسان وحيوانية الفرس قدرا مشتركا وكذلك بين ~~صوتيهما وتمييزهما قدرا مشتركا. فإن الإنسان له تمييز وللفرس تمييز ولهذا ~~صوت هو النطق ولذاك صوت هو الصهيل فقد خص كل صوت باسم يخصه. فإذا كان حقيقة ~~أحد هذين يخالف الآخر ويختص بنوعه فمن أين جعلتم حيوانية أحدهما مماثلة ~~لحيوانية الآخر ms2756 في الحد والحقيقة؟ وهلا قيل: إن بين حيوانيتهما قدرا مشتركا ~~ومميزا كما أن بين صوتيهما # PageV09P060 # كذلك؟ . وذلك أن الحس والحركة الإرادية إما أن توجد للجسم أو للنفس. فإن ~~الجسم يحس ويتحرك بالإرادة والنفس تحس وتتحرك بالإرادة وإن كان بين الوصفين ~~من الفرق ما بين الحقيقتين. وكذلك النطق هو للنفس بالتمييز والمعرفة ~~والكلام النفساني وهو للجسم أيضا بتمييز القلب ومعرفته والكلام اللساني. ~~فكل من جسمه ونفسه يوصف بهذين الوصفين. وليست حركة نفسه وإرادتها ومعرفتها ~~ونطقها مثل ما للفرس وإن كان بينهما قدر مشترك. وكذلك ما يقوم بجسمه من ~~الحس والحركة الإرادية ليس مثل ما للفرس وإن كان بينهما قدر مشترك. فإن ~~الذي يلائم جسمه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح ومشموم ومرئي ومسموع. بحيث يحسه ~~ويتحرك إليه حركة إرادية ليس هو مثل ما للفرس. فالحس والحركة الإرادية هي ~~بالمعنى العام لجميع الحيوان وبالمعنى الخاص ليس إلا للإنسان. وكذلك ~~التمييز سواء. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " {أحب الأسماء إلى الله ~~عبد الله وعبد الرحمن. وأصدق الأسماء: حارث وهمام وأقبحها: حرب ومرة} " ~~رواه مسلم. فالحارث هو العامل الكاسب المتحرك. والهمام هو الدائم الهم الذي ~~هو مقدم الإرادة. فكل إنسان حارث فاعل بإرادته وكذلك مسبوق بإحساسه. # PageV09P061 # فحيوانية الإنسان ونطقه كل منهما فيه ما يشترك مع الحيوان فيه وفيه ما ~~يختص به عن سائر الحيوان وكذلك بناء بنيته. فإن نموه واغتذاءه وإن كان بينه ~~وبين النبات فيه قدر مشترك فليس مثله هو. إذ هذا يغتذي بما يلذ به ويسر ~~نفسه وينمو بنمو حسه وحركته وهمه وحرثه. وليس النبات كذلك. وكذلك أصناف ~~النوع وأفراده. فنطق العرب بتمييز قلوبهم وبيان ألسنتهم أكمل من نطق غيرهم ~~حتى ليكون في بني آدم من هو دون البهائم في النطق والتمييز. ومنهم من لا ~~تدرك نهايته. وهذا كله يبين أن اشتراك أفراد الصنف وأصناف النوع وأنواع ~~الجنس والأجناس السافلة في مسمى الجنس الأعلى: لا يقتضي أن يكون المعنى ~~المشترك فيها بالسواء كما أنه ليس بين الحقائق الخارجة شيء مشترك ولكن ms2757 ~~الذهن فهم معنى يوجد في هذا ويوجد نظيره في هذا. وقد تبين أنه ليس نظيرا له ~~على وجه المماثلة لكن على وجه المشابهة وأن ذلك المعنى المشترك هو في ~~أحدهما على حقيقة تخالف حقيقة ما في الآخر. ومن هنا يغلط القياسيون الذين ~~يلحظون المعنى المشترك الجامع دون الفارق المميز. والعرب من أصناف الناس ~~والمسلمون من أهل الأديان: أعظم الناس # PageV09P062 # إدراكا للفروق وتمييزا للمشتركات. وذلك يوجد في عقولهم ولغاتهم وعلومهم ~~وأحكامهم ولهذا لما ناظر متكلمو الإسلام العرب هؤلاء المتكلمة الصابئة عجم ~~الروم وذكروا فضل منطقهم وكلامهم على منطق أولئك وكلامهم: ظهر رجحان كلام ~~الإسلاميين كما فعله القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب الدقائق الذي رد ~~فيه على الفلاسفة كثيرا من مذاهبهم الفاسدة في الأفلاك والنجوم والعقول ~~والنفوس: وواجب الوجود وغير ذلك. وتكلم على منطقهم وتقسيمهم الموجودات ~~كتقسيمهم الموجود إلى الجوهر والعرض ثم تقسيم الأعراض إلى المقولات التسعة ~~وذكر تقسيم متكلمة المسلمين الذي فيه من التمييز والجمع والفرق ما ليس في ~~كلام أولئك. وذلك أن الله علم الإنسان البيان كما قال تعالى: {الرحمن} {علم ~~القرآن} {خلق الإنسان} {علمه البيان} وقال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} ~~وقال: {علم الإنسان ما لم يعلم} والبيان: بيان القلب واللسان كما أن العمى ~~والبكم يكون في القلب واللسان كما قال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ~~وقال: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {هلا ~~سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال} " وفي الأثر: " {العي عي ~~القلب لا عي اللسان} " أو قال: " {شر العي عي القلب} " وكان ابن مسعود ~~يقول: " إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه. وسيأتي عليكم زمان قليل ~~فقهاؤه كثير خطباؤه ". # PageV09P063 # وتبين الأشياء للقلب ضد اشتباهها عليه كما قال صلى الله عليه وسلم " ~~{الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات} - الحديث ". وقد قرئ قوله ~~تعالى {ولتستبين سبيل المجرمين} بالرفع والنصب أي ولتتبين أنت سبيلهم. ~~فالإنسان يستبين الأشياء. وهم يقولون: قد بان الشيء وبينته وتبين الشيء ~~وتبينته ms2758 واستبان الشيء واستبنته كل هذا يستعمل لازما ومتعديا. ومنه قوله ~~تعالى {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [و] (1) هو هنا متعد. ومنه قوله: ~~{بفاحشة مبينة} أي متبينة. فهنا هو لازم. والبيان كالكلام يكون مصدر بان ~~الشيء بيانا ويكون اسم مصدر لبين كالكلام والسلام لسلم وكلم فيكون البيان ~~بمعنى تبين الشيء. ويكون بمعنى بينت الشيء: أي أوضحته. وهذا هو الغالب ~~عليه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " {إن من البيان لسحرا} ". والمقصود ~~ببيان الكلام حصول البيان لقلب المستمع حتى يتبين له الشيء ويستبين؛ كما ~~قال تعالى: {هذا بيان للناس} الآية. ومع هذا فالذي لا يستبين له كما قال ~~تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى} وقال {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال: {وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين} وقال: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون} وقال: {يبين الله لكم أن PageV09P064 # تضلوا} وقال: {قل إني على بينة من ربي} الآية. وقال: {أفمن كان على بينة ~~من ربه} وقال: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} وقال: {يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون} . فأما الأشياء المعلومة التي ليس في زيادة وصفها إلا ~~كثرة كلام وتفيهق وتشدق وتكبر والإفصاح بذكر الأشياء التي يستقبح ذكرها: ~~فهذا مما ينهى عنه كما جاء في الحديث: " {إن الله يبغض البليغ من الرجال ~~الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها} " وفي الحديث: " {الحياء ~~والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق} " ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم " {إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه} ". وفي ~~حديث {سعد لما سمع ابنه أو لما وجد ابنه يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك ~~الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا ~~وكذا قال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون قوم ~~يعتدون ms2759 في الدعاء؛ فإياك أن تكون منهم إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها ~~من الخير وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر} ". وعامة الحدود ~~المنطقية هي من هذا الباب: حشو لكلام كثير يبينون به الأشياء؛ وهي قبل ~~بيانهم أبين منها بعد بيانهم. فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان وإتعاب ~~الفكر واللسان لا توجب إلا العمى والضلال وتفتح باب # PageV09P065 # المراء والجدال إذ كل منهم يورد على حد الآخر من الأسئلة ما يفسد به ~~ويزعم سلامة حده منه وعند التحقيق: تجدهم متكافئين أو متقاربين ليس لأحدهم ~~على الآخر رجحان مبين فإما أن يقبل الجميع أو يرد الجميع أو يقبل من وجه ~~ويرد من وجه. هذا في الحدود التي تشترك في تمييز المحدود وفصله عما سواه ~~وأما متى أدخل أحدهما في الحد ما أخرجه الآخر أو بالعكس: فالكلام في هذا ~~علم يستفاد به حد الاسم ومعرفة عمومه وخصوصه مثل الكلام في حد الخمر: هل هي ~~عصير العنب المشتد أم هي كل مسكر؟ وحد الغيبة ونحو ذلك. وهذا هو الذي يتكلم ~~فيه العلماء كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم " {ما الغيبة؟ قال: ذكرك ~~أخاك بما يكره} - الحديث " وكذلك قوله: " {كل مسكر خمر} " وقول عمر على ~~المنبر: " الخمر ما خامر العقل " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما قال: " ~~{لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال له رجل: يا رسول ~~الله: الرجل يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا أفمن الكبر ذلك؟ فقال: لا إن ~~الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس} " ومنه تفسير الكلام ~~وشرحه وبيانه. فكل من شرح كلام غيره وفسره وبين تأويله فلا بد له من معرفة ~~حدود الأسماء التي فيه. # PageV09P066 # فكل ما كان من حد بالقول فإنما هو حد للاسم بمنزلة الترجمة والبيان. ~~فتارة يكون لفظا محضا إن كان المخاطب يعرف المحدود وتارة يحتاج إلى ترجمة ~~المعنى وبيانه إذا كان المخاطب لم يعرف المسمى. وذلك يكون بضرب المثل ms2760 أو ~~تركيب صفات وذلك لا يفيد تصوير الحقيقة لمن لم يتصورها بغير الكلام فليعلم ~~ذلك. وأما ما يذكرونه من حد الشيء أو الحد بحسب الحقيقة أو حد الحقائق فليس ~~فيه من التمييز إلا ذكر بعض الصفات التي للمحدود كما تقدم وفيه من التخليط ~~ما قد نبهنا على بعضه. # وأما " مسألة القياس " فالكلام عليه في مقامين: أحدهما: في القياس المطلق ~~الذي جعلوه ميزان العلوم وحرروه في المنطق. والثاني: في جنس الأقيسة التي ~~يستعملونها في العلوم. أما الأول: فنقول: لا نزاع أن المقدمتين إذا كانتا ~~معلومتين وألفتا على الوجه المعتدل: أنه يفيد العلم بالنتيجة. وقد جاء في ~~صحيح مسلم مرفوعا: " {كل مسكر خمر وكل خمر حرام} "؛ لكن هذا لم يذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليستدل به على منازع ينازعه بل التركيب في هذا كما قال ~~أيضا # PageV09P067 # في الصحيح: " {كل مسكر خمر وكل خمر حرام} " أراد أن يبين لهم أن جميع ~~المسكرات داخلة في مسمى الخمر الذي حرمه الله. فهو بيان لمعنى الخمر وهم قد ~~علموا أن الله حرم الخمر وكانوا يسألونه عن أشربة من عصير العنب كما في ~~الصحيحين عن أبي موسى أنه صلى الله عليه وسلم " {سئل عن شراب يصنع من الذرة ~~يسمى المزر وشراب يصنع من العسل يسمى البتع. وكان قد أوتي جوامع الكلم ~~فقال: كل مسكر حرام} ". فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة - وهي القضية ~~الكلية - أن كل مسكر خمر. ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن " {كل خمر حرام} ~~" حتى يثبت تحريم المسكر في قلوبهم كما صرح به في قوله: " {كل مسكر حرام} " ~~ولو اقتصر على قوله: " {كل مسكر حرام} " لتأوله متأول على أنه أراد القدح ~~الأخير كما تأوله بعضهم. ولهذا قال أحمد: قوله " {كل مسكر خمر} " أبلغ. ~~فإنهم لا يسمون القدح الأخير خمرا. ولو قال: " {كل مسكر خمر} " فقط لتأوله ~~بعضهم على أنه يشبه الخمر في التحريم فلما زاد " {وكل خمر حرام} " علم أنه ~~أراد دخوله في اسم الخمر التي حرمها الله. والغرض هنا: أن صورة ms2761 القياس ~~المذكورة فطرية لا تحتاج إلى تعلم. بل هي عند الناس بمنزلة الحساب ولكن ~~هؤلاء يطولون العبارات ويغربونها. # PageV09P068 # وكذلك انقسام المقدمة التي تسمى " القضية " - وهي الجملة الخبرية - إلى ~~خاص وعام ومنفي ومثبت ونحو ذلك وأن القضية الصادقة يصدق عكسها وعكس نقيضها ~~ويكذب نقيضها. وأن جملتها تختلف ونحو ذلك. وكذلك تقسيم القياس إلى الحملي ~~الإفرادي؛ والاستثنائي التلازمي والتعاندي وغير ذلك: غالبه - وإن كان صحيحا ~~- ففيه ما هو باطل. والحق الذي هو فيه: فيه من تطويل الكلام وتكثيره بلا ~~فائدة؛ ومن سوء التعبير والعي في البيان؛ ومن العدول عن الصراط المستقيم ~~القريب إلى الطريق المستدير البعيد ما ليس هذا موضع بيانه. فحقه النافع ~~فطري لا يحتاج إليه؛ وما يحتاج إليه ليس فيه منفعة إلا معرفة اصطلاحهم ~~وطريقهم أو خطئهم. وهذا شأن كل ذي مقالة من المقالات الباطلة. فإنه لا بد ~~منه في معرفة لغته وضلاله. فاحتيج إليه لبيان ضلاله الذي يعرف به الموقنون ~~حاله. ويستبين لهم ما بين الله من حكمه جزاء وأمرا؛ وأن هؤلاء داخلون فيما ~~يذم به من تكلف القول الذي لا يفيد؛ وكثرة الكلام الذي لا ينفع. والمقصود ~~هنا: ذكر وجوه: # PageV09P069 # الوجه الأول: أن ### | القياس المذكور لا يفيد علما إلا بواسطة قضية كلية موجبة. # فلا بد من كلية جامعة ثابتة في كل قياس. وهذا متفق عليه معلوم أيضا. ~~ولهذا قالوا: لا قياس عن سالبتين ولا عن جزئيتين. وإذا كان كذلك وجب أن ~~تكون العلوم الكلية الكلمات الجامعة هي أصول الأقيسة والأدلة وقواعدها التي ~~تبنى عليها وتحتاج إليها. ثم قالوا: إن مبادئ القياس البرهاني هي العلوم ~~اليقينية التي هي الحسيات الباطنة والظاهرة والعقليات والبديهيات ~~والمتواترات والمجربات وزاد بعضهم: الحدسيات. وليس في شيء من الحسيات ~~الباطنة والظاهرة قضايا كلية؛ إذ الحس الباطن والظاهر لا يدرك إلا أمورا ~~معينة لا تكون إلا إذا كان المخبر أدرك ما أخبر به بالحس فهي تبع للحسيات. ~~وكذلك التجربة إنما تقع على أمور معينة محسوسة. وإنما يحكم العقل على ~~النظائر بالتشبيه وهو قياس التمثيل والحدسيات - عند ms2762 من يثبتها منهم - من ~~جنس التجريبيات. لكن الفرق: أن التجربة تتعلق بفعل المجرب كالأطعمة ~~والأشربة والأدوية # PageV09P070 # والحدس يتعلق بغير فعل كاختلاف أشكال القمر عند اختلاف مقابلته للشمس. ~~وهو في الحقيقة تجربة علمية بلا عمل فالمستفاد به أيضا أمور معينة جزئية لا ~~تصير عامة إلا بواسطة قياس التمثيل. وأما البديهيات - وهي العلوم الأولية ~~التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن ~~الواحد نصف الاثنين - فإنها لا تفيد العلم بشيء معين موجود في الخارج مثل ~~الحكم على العدد المطلق والمقدار المطلق وكالعلم بأن الأشياء المساوية لشيء ~~واحد هي متساوية في أنفسها. فإنك إذا حكمت على موجود في الخارج لم يكن إلا ~~بواسطة الحس مثل العقل. فإن العقل إنما هو عقل ما علمته بالإحساس الباطن أو ~~الظاهر بعقل المعاني العامة أو الخاصة. فأما أن العقل الذي هو عقل الأمور ~~العامة التي أفرادها موجودة في الخارج يحصل بغير حس فهذا لا يتصور. وإذا ~~رجع الإنسان إلى نفسه وجد أنه لا يعقل ذلك مستغنيا عن الحس الباطن والظاهر ~~لكليات مقدرة في نفسه مثل الواحد والاثنين والمستقيم والمنحنى والمثلث ~~والمربع والواجب والممكن والممتنع ونحو ذلك مما يفرضه هو ويقدره. فأما ~~العلم بمطابقة ذلك المقدر للموجود في الخارج والعلم بالحقائق الخارجية فلا ~~بد فيه من الحس الباطن أو الظاهر. فإذا اجتمع الحس والعقل - كاجتماع البصر ~~والعقل - أمكن أن يدرك الحقائق الموجودة المعنية ويعقل حكمها العام # PageV09P071 # الذي يندرج فيه أمثالها لا أضدادها ويعلم الجمع والفرق. وهذا هو اعتبار ~~العقل وقياسه. وإذا انفرد الإحساس الباطن أو الظاهر أدرك وجود الموجود ~~المعين. وإذا انفرد المعقول المجرد علم الكليات المقدرة فيه التي قد يكون ~~لها وجود في الخارج وقد لا يكون ولا يعلم وجود أعيانها وعدم وجود أعيانها ~~إلا بإحساس باطن أو ظاهر. فإنك إذا قلت: موجود أن المائة عشر الألف لم تحكم ~~على شيء في الخارج؛ بل لو لم يكن في العالم ما يعد بالمائة والألف لكنت ~~عالما بأن المائة المقدرة في عقلك عشر الألف ms2763 ولكن إذا أحسست بالرجال ~~والدواب والذهب والفضة وأحسست بحسك أو بخبر من أحس أن هناك مائة رجل أو ~~درهم وهناك ألف ونحو ذلك: حكمت على أحد المعدودين بأنه عشر الآخر. فأما ~~المعدودات فلا تدرك إلا بالحس. والعدد المجرد يعقل بالقلب وبعقل القلب ~~والحس يعلم العدد والمعدود جميعا وكذلك المقادير الهندسية هي من هذا الباب. ~~فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات الذهنية ~~كالعدد والمقدار لا في الأمور الخارجية الموجودة. # PageV09P072 # فإذا كانت مواد القياس البرهاني لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست ~~كلية وهي الحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس والذي يدرك الكليات ~~البديهية الأولية إنما يدرك أمورا مقدرة ذهنية لم يكن في مبادئ البرهان ~~ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج ~~والقياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية. فامتنع حينئذ أن يكون فيما ~~ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم يقيني. وهذا بين لمن تأمله. وبتحريره ~~وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف. وسنبين إن شاء الله من أي وجه وقع ~~عليهم اللبس. فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل ~~عن الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية ~~وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية. وقد تبين لك بإجماعهم وبالعقل أن ~~القياس المنطقي لا يفيد إلا بواسطة قضية وتبين لك أن القضايا التي هي عندهم ~~مواد البرهان وأصوله ليس فيها قضية كلية للأمور الموجودة وليس فيها ما تعلم ~~به القضية الكلية إلا العقل المجرد الذي يعقل المقدرات الذهنية وإذا لم يكن ~~في أصول برهانهم علم بقضية عامة للأمور الموجودة لم يكن في ذلك علم. # PageV09P073 # وليس فيما ذكرناه ما يمكن النزاع فيه إلا القضايا البديهية فإن فيها ~~عموما وقد يظن أن به تعلم الأمور الخارجة فيفرض أنها تفيد العلوم الكلية. ~~لكن بقية المبادئ ليس فيها علم كلي. فكان الواجب أن لا يجعل مقدمة البرهان ~~إلا القضايا العقلية البديهية المحضة. إذ هي الكلية. وأما بقية القضايا فهي ~~جزئية ms2764 فكيف يصلح أن تجعل من مقدمات البرهان؟ إلا أن يقال: تعلم بها أمور ~~جزئية وبالعقل أمور كلية فبمجموعهما يتم البرهان كما يعلم بالحس أن مع هذا ~~ألف درهم ومع هذا ألفان ويعلم بالعقل أن الاثنين أكثر من الواحد فيعلم أن ~~مال هذا أكثر. فيقال: هذا صحيح؛ لكن هذا إنما يفيد قضية جزئية معينة. وهو ~~كون مال هذا أكثر من مال هذا. والأمور الجزئية المعينة لا تحتاج في معرفتها ~~إلى قياس. بل قد تعلم بلا قياس وتعلم بقياس التمثيل وتعلم بالقياس عن ~~جزئيتين. فإنك تعلم بالحس أن هذا مثل هذا وتعلم أن هذا من نعته كيت وكيت ~~فتعلم أن الآخر مثله وتعلم أن حكم الشيء حكم مثله. وكذلك قد يعلم أن زيدا ~~أكبر من عمرو وعمرا أكبر من خالد وأمثال هذه الأمور المعينة التي تعلم بدون ~~قياس الشمول الذي اشترطوا فيه ما اشترطوا. # PageV09P074 # فقد تبين أن هذا القياس العقلي المنطقي الذي وضعوه وحددوه لا يعلم بمجرده ~~شيء من العلوم الكلية الثابتة في الخارج. فبطل قولهم: " إنه ميزان العلوم ~~الكلية البرهانية " ولكن يعلم به أمور معينة شخصية جزئية وتلك تعلم بغيره ~~أجود مما تعلم به. # وهذا هو: الوجه الثاني فنقول: أما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس ~~الباطن والظاهر وتعلم بالقياس التمثيلي وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية ~~كلية ولا شمول ولا عموم بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط ~~والأكبر - أعيانا جزئية والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية. وعلم هذه الأمور ~~المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل. فإن من رأى بعينه زيدا في مكان وعمرا ~~في مكان آخر: استغنى عن أن يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون في ~~مكانين وكذلك من وزن دراهم كل منها ألف درهم استغنى عن أن يستدل على ألف ~~درهم منها بأنها مساوية للصنجة وهي شيء واحد والأشياء المساوية لشيء واحد ~~متساوية. وأمثال ذلك كثير. ولهذا يسمى هؤلاء " أهل كلام " أي لم يفيدوا ~~علما لم يكن معروفا. وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد. وهو ما ضربوه من ms2765 ~~القياس لإيضاح ما علم بالحس. وإن كان هذا # PageV09P075 # القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر ومع من ينكر الحس كما سنذكره إن شاء ~~الله. وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا وهذا الدرهم مثل هذا ~~وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذا ثم علم شيئا من صفات أحدهما وأحكامه ~~الطبيعية؛ مثل الاغتذاء والانتفاع أو العادية مثل القيمة والسعر أو ~~الشرعية: مثل الحل والحرمة - علم أن حكم الآخر مثله. فأقيسة التمثيل تفيد ~~اليقين بلا ريب أعظم من أقيسة الشمول ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى أن ~~يضرب لهما قياس شمول بل يكون من زيادة الفضول. وبهذا الطريق عرفت القضايا ~~الجزئية بقياس التمثيل. ومن قال: إن ذلك بواسطة قياس شمول ينعقد في النفس ~~وهو أن هذا لو كان اتفاقيا لما كان أكثريا. فقد قال الباطل. فإن الناس ~~العالمين بما جربوه لا يخطر بقلوبهم هذا ولكن بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون ~~إلى التسوية في الحكم. لأن نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية ~~فكما علم بالبديهة العقلية: أن الواحد نصف الاثنين علم بها أن حكم الشيء # PageV09P076 # حكم مثله وأن الواحد مثل الواحد كما علم أن الأشياء المساوية لشيء واحد ~~متساوية. فالتماثل والاختلاف في الصفة أو القدر قد يعلم بالإحساس الباطن ~~والظاهر والعلم بأن المثلين سواء وأن الأكثر والأكبر أعظم وأرجح يعلم ~~ببديهة العقل. وكذلك القياس المؤلف من قضايا معينة مثل العلم بأن زيدا أخو ~~عمرو وعمرا أخو بكر فزيد أخو بكر. ومثل العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر وعمر ~~أفضل من عثمان وعلي. فأبو بكر أفضل من عثمان وعلي. وأن المدينة أفضل من بيت ~~المقدس والمدينة لا يجب أن يحج إليها فبيت المقدس لا يحج إليه. وقبر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أفضل القبور ولا يشرع استلامه ولا تقبيله فقبر فلان ~~وفلان وفلان لا يشرع استلامه ولا تقبيله. وأمثال هذه الأقيسة ملء العالم. ~~وهذا أبلغ في إفادة حكم المعين من ذكر العام. فدلالة الاسم الخاص على ~~المعين أبلغ من الدلالة عليه بالاسم ms2766 العام وإن كان في العام أمور أخرى ليست ~~في الخاص. فتبين أن المعلوم من الأمور المعينة يعلم بالحس وبقياس التمثيل ~~والأقيسة المعينة أعظم مما يعلم أعيانها بقياس الشمول. فإذا كان قياس ~~الشمول - الذي حرروه - لا يفيد الأمور الكلية كما تقدم ولا تحتاج إليه ~~الأمور المعينة # PageV09P077 # - كما تبين - لم يبق فيه فائدة أصلا؛ ولم يحتج إليه في علم كلي ولا علم ~~معين بل صار كلامهم في القياس الذي حرروه كالكلام في الحدود. وهذا هذا. ~~فتدبره فإنه عظيم القدر. # الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان لا بد في القياس من قضية كلية والحس لا ~~يدرك الكليات وإنما تدرك بالعقل ولا يجوز أن تكون معلومة بقياس آخر لما ~~يلزم من الدور أو التسلسل. فلا بد من قضايا كلية تعقل بلا قياس كالبديهيات ~~التي جعلوها. فنقول: إذ وجب الاعتراف بأن من العلوم الكلية العقلية ما ~~يبتدئ في النفوس ويبدهها بلا قياس وجب الجزم بأن العلوم الكلية العقلية قد ~~تستغني عن القياس. وهذا مما اعترفوا به هم وجميع بني آدم: أن من التصور ~~والتصديق ما هو بديهي لا يحتاج إلى كسب بالحد والقياس وإلا لزم الدور أو ~~التسلسل. وإذا كان كذلك فنقول: إذا جاز هذا في علم كلي جاز في آخر إذ ليس ~~بين ما يمكن أن يعلم ابتداء من العلوم البديهية وما لا يجوز أن يعلم # PageV09P078 # فصل يطرد؛ بل هذا يختلف باختلاف قوة العقل وصفائه وكثرة إدراك الجزئيات ~~التي تعلم بواسطتها الأمور الكلية. فما من علم من الكليات إلا وعلمه يمكن ~~بدون القياس المنطقي. فلا يجوز الحكم بتوقف شيء من العلوم الكلية عليه. ~~وهذا يتبين: بالوجه الرابع وهو أن نقول: هب أن صورة القياس المنطقي ومادته ~~تفيد علوما كلية لكن من أين يعلم أن العلم الكلي لا ينال حتى يقول هؤلاء ~~المتكلفون القافون ما ليس لهم به علم هم ومن قلدهم من أهل الملل وعلمائهم: ~~إن ما ليس ببديهي من التصورات والتصديقات لا يعلم إلا بالحد والقياس وعدم ~~العلم ليس علما بالعدم. فالقائل لذلك ms2767 لم يمتحن أحوال نفسه. ولو امتحن أحوال ~~نفسه لوجد له علوما كلية بدون القياس المنطقي وتصورات كثيرة بدون الحد. وإن ~~علم ذلك من نفسه أو بني جنسه فمن أين له أن جميع بني آدم - مع تفاوت فطرهم ~~وعلومهم ومواهب الحق لهم - هم بمنزلته وأن الله لا يمنح أحدا علما إلا ~~بقياس منطقي ينعقد في نفسه حتى يزعم هؤلاء: أن الأنبياء كانوا كذلك بل ~~صعدوا إلى رب العالمين وزعموا أن علمه بأمور خلقه إنما هو بواسطة القياس ~~المنطقي. وليس معهم بهذا النفي الذي لم يحيطوا بعلمه من حجة إلا عدم # PageV09P079 # العلم فيدعون العلم وقد تكلموا بهذه القضية الكلية السالبة التي تعم ما ~~لا يحصي عدده إلا الله بلا علم لهم بها أصلا: ويزيد هذا بيانا: # الوجه الخامس: وهو أن المبادئ المذكورة التي جعلوها مفيدة لليقين - وهي ~~الحسيات الباطنة والظاهرة والبديهيات والتجريبيات والحدسيات - لا ريب أنها ~~تفيد اليقين الحسي. فمن أين لهم أن اليقين لا يحصل بغيرها؟ لا بد من دليل ~~على النفي حتى يصح قولهم: لا يحصل اليقين بدونها. فهذا صحيح لكنه ليس هو ~~قول رءوسهم. ولا ريب أن من له عقل وإيمان يجب أن يخالفهم في تكذيبهم بالحق ~~الخارج عن هذا الطريق. ومن هذا الموضع صار منافقا وتزندق من نافق منهم. ~~وصار عند عقلاء الناس من أهل الملل وغيرهم: أن المنطق مظنة التكذيب بالحق ~~والعناد والزندقة والنفاق حتى حكى لنا بعض الناس: أن شخصا من الأعاجم جاء ~~ليقرأ على بعض شيوخهم منطقا فقرأ منه قطعة ثم قال: حواجا أي باب ترك ~~الصلاة؟ فضحكوا منه. # PageV09P080 # وهذا موجود بالاستقراء: أن من حسن الظن بالمنطق وأهله إن لم يكن له مادة ~~من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به وإلا فسد عقله ودينه. ولهذا ~~يوجد فيهم من الكفر والنفاق والجهل والضلال وفساد الأقوال والأفعال ما هو ~~ظاهر لكل ناظر من الرجال. ولهذا كان أول من خلطه بأصول الفقه ونحوه من ~~العلوم الإسلامية كثير الاضطراب. فإنه كان كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم ~~يقولون: ms2768 المنطق كالحساب ونحوه مما لا يعلم به صحة الإسلام ولا فساده ولا ~~ثبوته ولا انتفاؤه. فهذا كلام من رأى ظاهره وما فيه من الكلام على الأمور ~~المفردة لفظا ومعنى ثم على تأليف المفردات وهو القضايا ونقيضها وعكسها ~~المستوي وعكس النقيض ثم على تأليفها بالحد والقياس وعلى مواد القياس وإلا ~~فالتحقيق: أنه مشتمل على أمور فاسدة ودعاوى باطلة كثيرة لا يتسع هذا الموضع ~~لاستقصائها والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على عبد ~~الله ورسوله محمد الداعي إلى الهدى والرشاد وعلى آله ومن اتبع هداه. # PageV09P081 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # أما بعد: فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ~~ولا ينتفع به البليد. ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير ~~منها ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا؛ ولما كنت ~~بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد فذكرت له ~~بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين ~~الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة. ولم يكن ذلك من ~~همتي لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في " الإلهيات " وتبين لي أن كثيرا ~~مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات، # PageV09P082 # مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات. وما ذكروه ~~من حصر طرق العلم فيما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانيات بل ما ذكروه من ~~الحدود التي بها تعرف التصورات. بل ما ذكروه من صور القياس ومواده ~~اليقينيات. فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في ~~المنطق فأذنت في ذلك؛ لأنه يفتح باب معرفة الحق وإن كان ما فتح من باب الرد ~~عليهم يحتمل أضعاف ما علقته. فاعلم أنهم بنوا " المنطق " على الكلام في ~~الحد ونوعه والقياس البرهاني ونوعه. قالوا: لأن العلم إما تصور وإما تصديق ~~فالطريق الذي ينال به التصور هو ms2769 الحد والطريق الذي ينال به التصديق هو ~~القياس. # فنقول: الكلام في " أربع مقامات ": مقامين سالبين ومقامين موجبين. ~~فالأولان أحدهما في قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد. والثاني أن ~~التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس. والآخران في أن الحد يفيد العلم ~~بالتصورات وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات. # PageV09P083 # المقام الأول في قولهم: " إن التصور لا ينال إلا بالحد " والكلام عليه من ~~وجوه: الأول: لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت والقضية سلبية أو ~~إيجابية إذا لم تكن بديهية لا بد لها من دليل وأما السلب بلا علم؛ فهو قول ~~بلا علم فقولهم لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية فمن ~~أين لهم ذلك؟ وإذا كان هذا قولا بلا علم وهو أول ما أسسوه فكيف يكون القول ~~بلا علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنها آلة قانونية تعصم مراعاتها ~~الذهن عن أن يزل في فكره؟ الثاني: أن يقال: الحد يراد به نفس المحدود وليس ~~مرادهم هنا. ويراد به القول الدال على ماهية المحدود وهو مرادهم هنا. وهو ~~تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال. فيقال إذا كان الحد قول الحاد فالحاد إما ~~أن يكون عرف المحدود بحد أو بغير حد؛ فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني ~~كالكلام في الأول وهو مستلزم للدور أو التسلسل وإن كان الثاني بطل سلبهم ~~وهو قولهم: إنه لا يعرف إلا بالحد. الثالث: أن الأمم جميعهم من أهل العلوم ~~والمقالات وأهل الأعمال # PageV09P084 # والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما يعانونه من ~~العلوم والأعمال من غير تكلم بحد ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه ~~الحدود: لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع ~~أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود. (الرابع: ~~إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر الأشياء الإنسان ~~وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة. وكذا حد الشمس وأمثاله حتى ~~إن النحاة لما دخل متأخروهم في ms2770 الحدود ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا وكلها ~~معترضة على أصلهم. والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حدا وكلها أيضا ~~معترضة. وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة وأهل ~~الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل فلو كان تصور الأشياء ~~موقوفا على الحدود ولم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور ~~والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا يكون عند ~~بني آدم علم من عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة. (الخامس: أن تصور ~~الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة ~~والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما متعذر أو متعسر كما قد ~~أقروا بذلك؛ وحينئذ فلا يكون قد تصور # PageV09P085 # حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصور ~~عن الحد. (السادس: أن الحدود عندهم إنما تكون للحقائق المركبة وهي الأنواع ~~التي لها جنس وفصل فأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس ~~كما مثله بعضهم بالعقل فليس له حد وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة ~~عندهم فعلم استغناء التصور عن الحد بل إذا أمكن معرفة هذا بلا حد فمعرفة ~~تلك الأنواع أولى؛ لأنها أقرب إلى الجنس وأشخاصها مشهورة. وهم يقولون: إن ~~التصديق لا يتوقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي. بل يكفي فيه ~~أدنى تصور ولو بالخاصة وتصور العقل من هذا الباب وهذا اعتراف منهم بأن جنس ~~التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي. # السابع: أن سامع الحد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه ودلالتها ~~على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال على المعنى ~~وموضوع له مسبوق بتصور المعنى. وإن كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه قبل ~~سماعه امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه. (الثامن: إذا كان الحد قول الحاد ~~فمعلوم أن تصور المعاني # PageV09P086 # لا يفتقر إلى الألفاظ فإن المتكلم قد يتصور معنى ما يقوله بدون لفظ ~~والمستمع يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية ms2771 فكيف يقال لا تتصور المفردات إلا ~~بالحد. (التاسع: أن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه ~~الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه الصفات أو الباطنة ~~كالجوع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهة وأمثال ~~ذلك وكلها غنية عن الحد. (العاشر: أنهم يقولون للمعترض: أن يطعن على الحد ~~بالنقض في الطرد أو في المنع وبالمعارضة بحد آخر فإذا كان المستمع للحد ~~يبطله بالنقض تارة وبالمعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور ~~المحدود علم أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب. (الحادي عشر: ~~أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى حد وحينئذ فيقال ~~كون العلم بديهيا أو نظريا من الأمور النسبية الإضافية فقد يكون النظري عند ~~رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو تواتر أو قرائن ~~والناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا لا ينضبط فقد يصير البديهي عند هذا دون ~~ذاك بديهيا كذلك أيضا بمثل الأسباب التي حصلت لهذا ولا يحتاج إلى حد. # PageV09P087 # المقام الثاني: وهو " الحد يفيد تصور الأشياء " فنقول: المحققون من ~~النظار على أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره كالاسم ليس فائدته ~~تصوير المحدود وتعريف حقيقته. وإنما يدعي هذا أهل المنطق اليونانيون أتباع ~~أرسطو؛ ومن سلك سبيلهم تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم. فأما جماهير أهل ~~النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا. وإنما أدخل هذا من تكلم ~~في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة وهم الذين ~~تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني. وأما سائر النظار من جميع ~~الطوائف الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم فعندهم إنما يفيد ~~الحد التمييز بين المحدود وغيره. وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري ~~والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق وابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وإمام ~~الحرمين والنسفي وأبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار والطوسي ومحمد بن الهيصم ~~وغيرهم. ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعا ~~وقد كانت ms2772 الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع وعامة الأمم # PageV09P088 # بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم. وهم إذا تدبروا وجدوا أنفسهم ~~يعلمون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية. ثم إن هذه الصناعة الوضعية ~~زعموا أنها تفيد تعريف حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها وكلا هذين غلط ولما ~~راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض إذ جعلوا التصور بما ~~جعلوه ذاتيا فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم وما ليس كذلك. فأدى ذلك ~~إلى التفريق بين المتماثلات حيث جعلوا صفة ذاتية دون أخرى مع تساويهما أو ~~تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات ممتنع. وبين المتقاربات عسر. فالمطلوب ~~إما متعذر أو متعسر. فإن كان متعذرا بطل بالكلية. وإن كان متعسرا فهو بعد ~~حصوله ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله فصاروا بين أن يمتنع ~~عليهم ما شرطوه أو ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه على التقديرين فليس ما ~~وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد وإن كان ~~قد يفيد من تمييز المحدود ما تفيده الأسماء. وقد تفطن الفخر الرازي لما ~~عليه أئمة الكلام وقرر في " محصله " وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة. ~~وهذا هو حقيقة قولنا: إن الحد لا يفيد تصور المحدود. وهذا " مقام شريف " ~~ينبغي أن يعرف فإنه لسبب إهماله دخل الفساد # PageV09P089 # في العقول أو الأديان على كثير من الناس إذ خلطوا ما ذكره أهل المنطق في ~~الحدود بالعلوم النبوية التي جاءت بها الرسل التي عند المسلمين واليهود ~~والنصارى وسائر العلوم: الطب والنحو وغير ذلك وصاروا يعظمون أمر الحدود ~~ويزعمون أنهم هم المحققون لذلك. وأن ما ذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية ~~لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم. ويسلكون الطرق الصعبة ~~الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان ~~وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان. ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان وشغل النفوس ~~بما لا ينفعها بل قد يصدها عما لا بد منه. وإثبات الجهل الذي ms2773 هو أصل النفاق ~~في القلوب وإن ادعت أنه أصل المعرفة والتحقيق. وهذا من توابع الكلام الذي ~~كان السلف ينهون عنه وإن كان الذي ينهى عنه السلف خيرا وأحسن من هذا إذ هو ~~كلام في أدلة وأحكام. ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا في الحدود ~~على طريقة المنطقيين كما جد في ذلك متأخروهم الذين ظنوا ذلك من التحقيق. ~~وإنما هو زيغ عن سواء الطريق؛ ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها لا تفيد ~~الإنسان علما لم يكن عنده وإن ما تفيده كثرة كلام سموهم " أهل الكلام ". ~~وهذا لعمري في الحدود التي ليس فيها باطل فأما حدود المنطقيين التي يدعون # PageV09P090 # أنهم يصورون بها الحقائق فإنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون ~~بين المتماثلين. # والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه: # أحدها: أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فقوله مثلا: حد الإنسان حيوان ناطق ~~قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن يكون المستمع لها عالما بصدقها ~~بدون هذا القول أو لا فإن كان الأول ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا ~~الحد. وإن كان الثاني عنده فمجرد قول الخبر الذي لا دليل معه لا يفيده ~~العلم وكيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله؟ فتبين على التقديرين أن الحد ~~لا يفيد معرفة الحدود. فإن قيل: يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه ~~هو ذلك المسئول عنه مثلا أو غيره. قلنا: فحينئذ يكون كمجرد دلالة اللفظ ~~المفرد على معناه وهو دلالة الاسم على مسماه. وهذا تحقيق ما قلناه: من أن ~~دلالة الحد كدلالة الاسم ومجرد الاسم لا يوجب تصور المسمى لمن لم يتصوره ~~دون ذلك بلا نزاع فكذلك الحد. # الثاني: أنهم يقولون: الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل وإنما يمكن # PageV09P091 # إبطاله بالنقض والمعارضة. فيقال: إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة ~~الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم ~~يعرف صحة الحد بقوله وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع ms2774 أن يعرفه بقوله. ومن ~~العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصل ~~العلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا دليل ~~وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب. ثم ~~يعيبون على من يعتمد على الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من ~~القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا ~~يفيد العلم وخبر الواحد وإن لم يفد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد فإنه ~~خبر واحد لا دليل على صدقه. بل ولا يمكن عندهم إقامة الدليل على صدقه. فلم ~~يكن الحد مفيدا لتصور المحدود. ولكن إن كان المستمع قد تصور المحدود قبل ~~هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده ~~وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين. وتلخيصه أن تصور المحدود بالحد ~~لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم ~~المحدود بالحد. # الثالث: أن يقال: لو كان الحد مفيدا لتصور المحدود لم يحصل # PageV09P092 # ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع ~~أن يعلم المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل ~~إلا بعد العلم بالمحدود. إذ الحد خبر عن مخبر [عنه] (1) هو المحدود، فمن ~~الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبر عنه من غير تقليد للخبر ~~وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر، والمخبر ليس هو من باب الإخبار ~~عن الأمور الغائبة. # الرابع: أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية ~~ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك ~~من العبارات فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع ~~تصوره. وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد. فثبت أنه على ~~التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد وهذا بين. فإنه إذا قيل: الإنسان هو ms2775 ~~الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة؛ وإن لم ~~يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين: تصور ذلك والعلم بالنسبة ~~المذكورة وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان بدون الحد. نعم الحد قد ينبه على ~~تصور المحدود كما ينبه الاسم؛ فإن الذهن قد يكون غافلا عن الشيء فإذا سمع ~~اسمه وحده أقبل بذهنه إلى الشيء الذي أشير إليه بالاسم أو الحد. فيتصوره. ~~فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وتكون الحدود للأنواع بالصفات كالحدود ~~PageV09P093 # للأعيان بالجهات. كما إذا قيل: حد الأرض من الجانب القبلي كذا ومن الجانب ~~الشرقي كذا ميزت الأرض باسمها وحدها وحد الأرض يحتاج إليه إذا خيف من ~~الزيادة في المسمى أو النقص منه فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس ~~منه كما يفيد الاسم وكذلك حد النوع وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة ~~وبالوضعية أخرى. وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط وتمييز ~~المحدود عن غيره؛ لا تصور المحدود. وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم ~~والتسمية أمر لغوي وضعي؛ رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته؛ ولهذا يقول ~~الفقهاء: من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف. ومن هذا ~~" تفسير الكلام وشرحه " إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يبنى على ~~معرفة حدود كلامه؛ وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة ~~دليل بصحته. فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات ~~الأسماء بالترجمة: تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه ~~وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى ~~عينه وإما إلى نظيره. ولهذا يقال: الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون للمسمى. ~~وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند # PageV09P094 # التحقيق بهذا كما ذكره الغزالي في " كتاب المعيار " الذي صنفه في المنطق ~~وكذا يوجد في كلام ابن سينا والرازي والسهروردي وفي غيرهم: أن الحدود ~~فائدتها من جنس فائدة الأسماء وأن ذلك ms2776 من جنس الترجمة بلفظ عن لفظ. ومن هذا ~~الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما؛ بل تفسير القرآن وغيره من أنواع ~~الكلام هو في أول درجاته من هذا الباب؛ فإن المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك ~~الأسماء وبذلك الكلام. وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع ~~أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع ~~الكتب؛ بل في جميع أنواع المخاطبات. فإن من قرأ كتب النحو أو الطب أو ~~غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام ~~المؤلف وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك وهذه الحدود ~~معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قد يكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية؛ ولهذا ذم الله ~~تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون ~~الاسم " غريبا " بالنسبة إلى المستمع كلفظ: (ضيزى و (قسورة و (عسعس وأمثال ~~ذلك. وقد يكون " مشهورا " لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال؛ ~~كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج # PageV09P095 # فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه فمن عرف عين الشيء ~~لا يفتقر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ~~ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما ~~يخص المعرف ومن تدقق هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من ~~الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم ~~والعذاب. وبطل قولهم في الحد. (الخامس: أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون ~~مطلوبة؛ فيمتنع أن يعلم بالحد؛ لأن الذهن إن كان شاعرا بها امتنع الطلب لأن ~~تحصيل الحاصل ممتنع وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر ms2777 به ~~فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور. فإن قيل: فالإنسان يطلب تصور الملك والجن ~~والروح وأشياء كثيرة وهو لا يشعر بها. قيل: قد سمع هذه الأسماء. فهو يطلب ~~تصور مسماها؛ كما يطلب من سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها. وهو ~~إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو ~~تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات ~~وأنها مسماة بكذا وهذا ليس تصورا بالمعنى فقط؛ بل للمعنى ولاسمه. وهذا لا ~~ريب أنه يكون مطلوبا. ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا. # PageV09P096 # وأيضا فإن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد؛ بل لا بد من تعريف المحدود ~~بالإشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ. وإذا ثبت امتناع ~~الطلب للتصورات المفردة فإما أن تكون حاصلة للإنسان فلا تحصل بالحد فلا ~~يفيد الحد التصور. وإما أن لا تكون حاصلة فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات ~~لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من ~~جنس ما يحتاج إلى الاسم. والمقصود هو التسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم. ~~(السادس) : أن يقال: المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد العام المؤلف من ~~الذاتيات؛ دون العرضيات. ومبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي. ~~وهم يقولون: الذاتي ما كان داخل الماهية والعرضي ما كان خارجا عنها. وقسموه ~~إلى لازم للماهية ولازم لوجودها. وهذا الكلام الذي ذكره مبني على أصلين ~~فاسدين: الفرق بين الماهية ووجودها ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها. ~~(فالأصل الأول: قولهم: إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها؛ ~~وهذا شبيه بقول من يقول: المعدوم شيء؛ وهو من أفسد ما يكون؛ وأصل ضلالهم ~~أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد؛ ويميز بين المقدور عليه والمعجوز ~~عنه ونحو ذلك. فقالوا: لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك. كما أنا نتكلم في ~~حقائق # PageV09P097 # الأشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن ms2778 وجودها في الخارج فتخيل الغالط ~~أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج. والتحقيق: أن ذلك كله أمر ~~ثابت في الذهن. والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان. وهو موجود ~~وثابت في الذهن وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا؛ فالتفريق بين ~~الوجود والثبوت وكذلك التفريق بين الوجود والماهية مع دعوى أن كليهما في ~~الخارج غلط عظيم. وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس ~~وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا ~~تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى: " المثل الأفلاطونية ". ولم يقتصروا على ~~ذلك؛ بل أثبتوا أيضا ذلك في المادة والماهية والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن ~~الصور ثابتة في الخارج: وهي الهيولى الأولية التي بنوا عليها قدم العالم. ~~وغلطهم فيها جمهور العقلاء. والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط ~~في غير هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من ~~الفرق بين الماهية ووجودها في الخارج هو مبني على هذا الأصل الفاسد. وحقيقة ~~الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود ما يكون في ~~الخارج منه، # PageV09P098 # وهذا فرق صحيح. فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ~~ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل. ~~و " الأصل الثاني ": وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له ~~فإنه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن الصفات اللازمة وأمكن أن ~~يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو ~~نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال: هذا " الوجود بلوازمه " وهما ~~باطلان فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للإنسان. ~~وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون ~~الصفة وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم بصورة في الذهن. فباطل من ~~وجهين: (أحدهما أن هذا خبر عن وضعهم إذ هم ms2779 يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون ~~هذا وهذا حكم محض. وكل من قدم هذا دون ذا فإنما قلدهم في ذلك. ومعلوم أن ~~الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا فليس إذا فرضنا ~~هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك. وسائر بني آدم الذين ~~يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم # PageV09P099 # والتأخير ولو كان هذا فطريا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد كما تدرك ~~سائر الأمور الفطرية. والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف ~~وقد يخطر بالبال؛ وقد لا يخطر. أما أن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا ~~في الذات. فهذا تحكم محض ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة. # والثاني: أن كون الوصف ذاتيا للموصوف: هو أمر تابع لحقيقته التي هو بها ~~سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره. فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا دون ~~الآخر أن يكون الفرق بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون ~~الذهن. وإما أن يكون بين الحقائق الخارجة ما لا حقيقة له إلا مجرد التقدم ~~والتأخر في الذهن فهذا لا يكون إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ما يقدر في ~~الذهن لا ما يوجد في الخارج. وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن. وحينئذ فيعود ~~حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي ~~التخيلات والتوهمات الباطلة وهذا كثير في أصولهم. # السابع: أن يقال: هل يشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة أن ~~تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا؟ فإن شرطوا لزم ~~استيعاب جميع الصفات. وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو ~~تحكم محض وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع # PageV09P100 # الأجناس أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم جواب إلا أن هذا وضعهم ~~واصطلاحهم. ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع فقد تبين ~~أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية ~~والمعارف وهذا عين الضلال والإضلال كمن يجيء ms2780 إلى شخصين متماثلين فيجعل هذا ~~مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير ~~افتراق بين ذاتيهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه. فهم مع دعواهم القياس العقلي ~~يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات. (الثامن: أن اشتراطهم ذكر ~~الفصول المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي غير ممكن؛ إذ ما من مميز هو ~~من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن الآخر أن يجعله ~~عرضيا لازما للماهية. (التاسع: أن فيما قالوه دورا فلا يصح. وذلك أنهم ~~يقولون: إن المحدود لا يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ~~ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره. فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود ~~حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي ~~هو المحدود، ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين ~~غيرها فتتوقف معرفة الذات على معرفة # PageV09P101 # الذاتيات ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات فلا يعرف هو ولا تعرف ~~الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم. ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه ~~لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق. لكن قالوا: هذا ذاتي وهذا غير ذاتي ~~بمجرد التحكم. ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره فإذا لم ~~يعرف المحدود إلا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل. # العاشر: أنه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا الأصل ~~وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل. # فصل: # قولهم: " إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس " الذي ذكروا صورته ~~ومادته قضية سلبية ليست معلومة بالبديهة ولم يذكروا عليها دليلا أصلا. ~~وصاروا مدعين ما لم يثبتوه قائلين بغير علم. إذ العلم بهذا السلب متعذر على ~~أصلهم؛ فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدا من بني آدم أن يعلم شيئا من التصديقات ~~التي ليست بديهة عندهم إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته ~~وصورته. # PageV09P102 # ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري ms2781 وأنه ~~يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي وحينئذ فيأتي ما تقدم ~~في التصورات من أن الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والإضافة فقد يكون النظري ~~عند شخص بديهيا عند غيره. والبديهي من التصديقات ما يكفي تصور طرفيه - ~~موضوعه ومحموله - في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل ~~- الذي هو الحد الأوسط - سواء كان تصور الطرفين بديهيا أم لا ومعلوم أن ~~الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان. فمن الناس ~~من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كثيرة. ~~وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث يتبين بذلك التصور التام اللوازم ~~التي لا تتبين لمن لم يتصوره وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في ~~بعض القضايا بعض الناس دون بعض أمر بين فإن كثيرا من الناس تكون عنده ~~القضية حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة وغيره إنما عرفها بالنظر ~~والاستدلال. ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى ~~دليل لنفسه بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غني عنها حتى يضرب له ~~أمثالا. # PageV09P103 # وقد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحواس يختص ~~بها من علمها ولا تكون حجة على غيره؛ بخلاف غيرها فإنها مشتركة يحتج بها ~~على المنازع وهذا تفريق فاسد وهو أصل من أصول الإلحاد والكفر. فإن المنقول ~~عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها. يقول أحد هؤلاء: بناء عن هذا ~~الفرق هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي وليس ذلك بشرط ومن هذا ~~الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من ~~الآثار النبوية؛ فإن هؤلاء يقولون: إنها غير معلومة لنا كما يقول من يقول ~~من الكفار أن معجزات الأنبياء غير معلومة له؛ وهذا لكونهم لم يعلموا السبب ~~الموجب للعلم بذلك والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا. # وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات قولهم: إن الملائكة هي العقول ~~العشرة وإنها قديمة أزلية وإن ms2782 العقل رب ما سواه وهذا شيء لم يقل مثله أحد ~~من اليهود والنصارى ومشركي العرب ولم يقل أحد إن ملكا من الملائكة رب ~~العالم كله ويقولون: إن العقل الفعال مبدع كل ما تحت فلك القمر وهذا أيضا ~~كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب ومشركي العرب ويقولون: إن الرب لا ~~يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالما بالجزئيات ولا يقدر أن يغير العالم؛ بل ~~العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه # PageV09P104 # وأنه إذا توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول والنفوس ~~والكواكب والشمس والقمر فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ~~ذلك ما يفيض من جهة الرب فاض على هذا من جهة شفيعه ويمثلونه بالشمس إذا ~~طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك ~~الشعاع فذلك الشعاع حصل له من مقابلة المرآة وحصل للمرآة بمقابلة الشمس. # ويقولون: إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى الصالحة في النفس وأن ~~الشياطين هي القوى الخبيثة وغير ذلك مما عرف فساده بالدلائل العقلية؛ بل ~~بالضرورة من دين الرسول. فإذا كان شرك هؤلاء وكفرهم أعظم من شرك مشركي ~~العرب وكفرهم فأي كمال للنفس في هذه الجهالات. وهذا وأمثاله مفتقر إلى بسط ~~كثير. والمقصود ذكر ما ادعوا في البرهان المنطقي. وأيضا فإذا قالوا: إن ~~العلوم لا تحصل إلا بالبرهان الذي هو عندهم قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من ~~قضية كلية موجبة؛ ولهذا قالوا إنه لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين ~~في شيء من أنواع القياس لا بحسب صورته - كالحملي والشرطي المتصل والمنفصل - ~~ولا بحسب مادته لا البرهاني ولا الخطابي ولا الجدلي بل ولا الشعري. # PageV09P105 # فيقال: إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من ~~العلم بتلك القضية الكلية: أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن ~~لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها. والمهملة والمطلقة التي ~~يحتمل لفظها أن تكون كلية وجزئية في قوة ms2783 الجزئية وإذا كان لا بد في العلم ~~الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم بقضية كلية موجبة فيقال ~~العلم بتلك القضية إن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا ~~بطريق الأولى وإن كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضي إلى الدور المعيي أو ~~[التسلسل في المتواترات] (*) وكلاهما باطل. وهكذا يقال في سائر القضايا ~~الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها " الواجب قبولها " سواء كانت ~~حسية ظاهرة أو باطنة وهي التي يحسها بنفسه أو كانت من التجريبيات أو ~~المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من النفسيات الواجب قبولها ~~مثل العلم بكون نور القمر مستفادا من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند ~~اختلاف محاذاته للشمس كما يختلف إذا قاربها بعد الاجتماع كما في ليلة ~~الهلال وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار. وهم متنازعون: هل الحدس قد ~~يفيد اليقين أم لا؟ ومثل العقليات المحضة ومثل قولنا الواحد نصف الاثنين ~~والكل أعظم من الجزء PageV09P106 # والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا ~~يرتفعان ولا يجتمعان فما من قضية من هذه القضايا الكلية تجعل مقدمة في ~~البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع ~~كثيرا. فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهم واحد فإنه ~~يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا الأخر من ~~غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. وكذلك كل جزء يعلم أن هذا الكل أعظم ~~من جزئه بدون توسط القضية الكلية. وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين ~~فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان. وكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا ~~معدوما كما يعلم المعين الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شيء ~~لا يكون موجودا معدوما معا وكذلك الضدان فإن الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا ~~يكون أسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم أن الآخر كذلك. ولا يحتاج ~~في العلم بذلك إلى قضية كلية ms2784 بأن كل شيء لا يكون أسود أبيض ولا يكون متحركا ~~ساكنا. وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما فإن علم تضاد المعينين علم أنهما لا ~~يجتمعان؛ فإن العلم بالقضية الكلية يفيد العلم بالمقدمة الكبرى المشتملة ~~على الحد الأكبر. وذلك لا يغني دون العلم بالمقدمة الصغرى المشتملة على ~~الحد الأصغر والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعنيين ضدان فلا يجتمعان يمكن ~~بدون العلم # PageV09P107 # بالمقدمة الكبرى: وهو أن كل ضدين لا يجتمعان. فلا يفتقر العلم بذلك إلى ~~القياس الذي خصوه باسم البرهان وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله وكلام ~~سائر أصناف العلماء لا يختص بما سموه هم البرهان؛ وإنما خصوا هم لفظ ~~البرهان بما اشتمل عليه القياس الذي خصوا صورته ومادته بما ذكروه. مثال ~~ذلك: أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول: إنها لا موجودة ولا ~~معدومة فقيل: هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإن هذا جعل ~~للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل الحال للواحد لا موجودة ولا ~~معدومة كان العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه ~~القضية الكلية فلا يفتقر العلم بالنتيجة إلى البرهان. وكذلك إذا قيل: إن ~~هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه على أصح القولين أو ~~لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس. أو قيل: هذا محدث وكل محدث فلا بد له ~~من محدث فتلك القضية الكلية وهي قولنا: كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن ~~لا بد له من مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم ~~بدون العلم # PageV09P108 # بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها فيعلم أن هذا الحدث لا ~~بد له من محدث وهذا الممكن لا بد له من مرجح؛ فإن شك عقله وجوز أن يحدث هو ~~بلا محدث أحدثه أو أن يكون وهو ممكن - يقبل الوجود والعدم - بدون مرجح يرجح ~~وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى؛ وإن جزم بذلك ~~في نفسه لم ms2785 يحتج علمه بالنتيجة المعينة - وهو قولنا: وهذا محدث فله محدث أو ~~هذا ممكن فله مرجح - إلى القياس البرهاني. ومما يوضح هذا: أنك لا تجد أحدا ~~من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته ~~إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي؛ ولهذا لا تجد أحدا ~~من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء ~~بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون ~~مقدمتين وقد يكون ثلاث مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل؛ إذ حاجة الناس ~~تختلف. وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل. وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن ~~قال: إنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج إلى ~~أكثر منهما. وهذا ينبغي أن تأخذه من المواد العقلية التي لا يستدل عليها ~~بنصوص الأنبياء؛ فإنه يظهر بها فساد منطقهم. وأما إذا أخذته من المواد ~~المعلومة بنصوص الأنبياء فإنه يظهر الاحتياج إلى القضية الكلية كما إذا ~~أردنا تحريم # PageV09P109 # النبيذ المتنازع فيه فقلنا: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو قلنا: هو خمر ~~وكل خمر حرام. فقولنا: النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {كل مسكر خمر} " وقولنا " كل خمر حرام " يعلم بالنص ~~والإجماع وليس في ذلك نزاع؛ وإنما النزاع في المقدمة الصغرى. وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر خمر وكل خمر ~~حرام} ". وفي لفظ: " {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} ". وقد يظن بعض الناس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ~~بالمقدمتين كما يفعله المنطقيون؛ وهذا جهل عظيم ممن يظنه فإنه صلى الله ~~عليه وسلم أجل قدرا من أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم؛ بل من هو ~~أضعف عقلا وعلما من آحاد علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء ~~المنطقيين؛ بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون إلا ms2786 الصناعات كالحساب ~~والطب ونحو ذلك. وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية ~~فلم يكونوا من رجالها. وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام ~~عليهم؛ وذلك أن كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون. فلا يحتاجون إلى ~~معرفة ذلك بالقياس وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ ~~المصنوع من العسل والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن {أبي موسى الأشعري # PageV09P110 # أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا شراب مصنوع من العسل يقال ~~له: البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له: المزر قال - وكان أوتي جوامع الكلم ~~- فقال: كل مسكر حرام} " فأجابهم صلى الله عليه وسلم بقضية كلية بين بها أن ~~كل ما يسكر فهو محرم. وبين أيضا أن كل ما يسكر فهو خمر وهاتان قضيتان ~~كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم بتحريم كل مسكر. إذ ~~ليس العلم بتحريم كل مسكر يتوقف على العلم بهما جميعا؛ فإن من علم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " {كل مسكر حرام} " وهو من المؤمنين به علم أن ~~النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل الشك هل أراد القدر المسكر أو أراد جنس ~~المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده صلى الله عليه وسلم علم ~~المطلوب. وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر. والعلم بهذا أوكد في التحريم؛ فإن ~~من يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص أن " {كل مسكر ~~خمر} " كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون ~~أن الخمر محرم. وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا ~~يستدل بنصه. وإن علم أن محمدا رسول الله ولكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا ~~لا ينفعه قوله: " {كل مسكر خمر} " بل ينفعه قوله: " {كل مسكر حرام} " ~~وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر لأن الخمر والمسكر اسمان لمسمى واحد عند # PageV09P111 # الشارع. وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين ~~يحرمون كل مسكر. وليس ms2787 المقصود هنا الكلام في تقرير " المسألة الشرعية " بل ~~التنبيه على التمثيل؛ فإن هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من ~~علماء المسلمين. والمنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد لا تدل على شيء ~~معين لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورة معينة كما يقولون: كل أ: ب وكل ب: ~~ج. فكل أ: ج ولكن المقصود هو العلم المقصود من المواد المعينة. فإذا جردت ~~يظن الظان أن هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك بل إذا طولبوا ~~بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي لم تؤخذ عن ~~المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم فيها بالمعينات المطلوبة بدون ~~العلم بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان. فالقضايا ~~النبوية لا تحتاج إلى القياس العقلي الذي سموه برهانا. وما يستفاد بالعقل ~~من العلوم أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني فلا يحتاج إليه لا في ~~السمعيات ولا في العقليات فامتنع أن يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني ~~الذي ذكروه. ومما يوضح ذلك: أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم ~~ندرك بالحس إلا إحراق هذه النار وهذه النار لم ندرك أن كل نار محرقة فإذا ~~جعلنا هذه قضية كلية وقلنا: كل نار محرقة لم يكن لنا طريق # PageV09P112 # نعلم به صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في ~~الأعيان المعينة بطريق الأولى. وإن قيل: ليس المراد العلم بالأمور المعينة؛ ~~فإن البرهان لا يفيد إلا العلم بقضية كلية فالنتائج المعلومة بالبرهان لا ~~تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك. والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا ~~في الأعيان. قيل: فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود؛ بل ~~بأمور مقدرة في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في البرهان ~~علم بموجود فيكون قليل المنفعة جدا؛ بل عديم المنفعة. وهم لا يقولون بذلك ~~بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجية والإلهية ولكن حقيقة الأمر كما ~~بيناه في غير هذا الموضع. أن المطالب الطبيعية التي ms2788 ليست من الكليات ~~اللازمة بل الأكثرية فلا تفيد مقصود البرهان. # وأما " الإلهيات ": فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم ~~فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن يكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان؛ ولهذا ~~حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب " كشف أسرار ~~المنطق " و " الموجز " وغيرهما أنه قال عند الموت: أموت وما عرفت # PageV09P113 # شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار وصف سلبي ~~فأنا أموت وما عرفت شيئا. وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم. وهذا أمر يعرفه ~~كل من خبرهم ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التي تنال بها العلوم ~~العقلية والسمعية؛ إلا من علم منهم علما من غير الطرق المنطقية فتكون علومه ~~من تلك الجهة؛ لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذي يزعمون أنهم ~~يزنون به العلوم ومن عرف منهم شيئا من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه ~~في المنطق. ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر ~~إلى برهانهم من قضية كلية أن العلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فإن ~~عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد وأن حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن ~~هذه النار محرقة فالنار الغائبة محرقة؛ لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله ~~فيقال هذا استدلال بالقياس التمثيلي وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن ~~فإذا كانوا إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما ~~يقولون: إنه لا يفيد إلا الظن. وإن قالوا: بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل ~~في النفس علم كلي من واهب العقل - أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات ~~لأن يفيض عليها الكلي من واهب العقل - أو قالوا: من العقل الفعال - عندهم - ~~أو نحو ذلك. قيل لهم الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم ~~لا ظن ولا جهل. # PageV09P114 # فإن قالوا: هذا العلم بالبديهة أو الضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا ~~الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم. ms2789 وهذا إن ~~كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس ~~بالبديهة والضرورة كما هو الواقع فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات ~~أعظم من جزمهم بالكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس ~~والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى. ثم كلما قوي العقل ~~اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن العلم بالأشخاص موقوف على العلم ~~بالأنواع والأجناس ولا إن العلم بالأنواع موقوف على العلم بالأجناس بل قد ~~يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ويعلم ~~أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من ~~الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس ~~وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد ~~أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالإرادة ونحو ذلك من ~~قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية. ~~وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين ~~وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن # PageV09P115 # قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت ~~يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية ~~في الآخر؛ وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط ~~والأكبر والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا. ~~فإذا قال في مسألة النبيذ: كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات ~~المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان وحينئذ فيمكنه أن يقول: النبيذ مسكر ~~فيكون حراما قياسا على خمر العنب. بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فإن ~~الإسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع فبما به يقرر أن كل ~~مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى؛ بل التفريق في قياس ~~التمثيل أسهل ms2790 عليه لشهادة الأصل له بالتحريم فيكون الحكم قد علم ثبوته في ~~بعض الجزئيات. ولا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في ~~الجزء الآخر؛ لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم؛ كما يظنه ~~بعض الغالطين؛ بل لا بد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك ~~بينهما هو الحد الأوسط. وهذا يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة ~~بتأثير الوصف في الحكم وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو ~~الذي يحتاج إليه غالبا # PageV09P116 # في تقدير صحة القياس فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد يمنع الحكم ~~في الأصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول: ~~لا نسلم أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة فلا بد من ~~دليل يدل على ذلك: من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران ~~عند من يستدل بذلك فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم للحكم إما علة وإما ~~دليل العلة هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم للأكبر وهو الدال على ~~صحة المقدمة الكبرى فإن أثبت العلة كان برهان علة وإن أثبت دليلها كان ~~برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك ~~القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين؛ ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون ~~في الفقه القياس الشمولي كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلي وحقيقة ~~أحدهما هو حقيقة الآخر. # ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي ~~وأبي محمد المقدسي وغيرهم: من أن العقليات ليس فيها قياس؛ وإنما القياس في ~~الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم ~~مخالف لقول نظار المسلمين؛ بل وسائر العقلاء؛ فإن القياس يستدل به في ~~العقليات كما يستدل به في الشرعيات فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم ~~للحكم كان هذا # PageV09P117 # دليلا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل ms2791 فرق مؤثر ~~كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي لا يستدل ~~بالقياس الشمولي. وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة ~~المنطقيين ولا يرضونها؛ بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها؛ ~~غير أن المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك ~~مستلزما للحكم كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل ~~ومنازعهم يقول: لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد؛ بل نفس ~~القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل فيقال لهم: ~~وهكذا في الشرعيات فإنه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم ~~يحتج إلى الأصل بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف؛ لكن ~~لما كان هذا كليا والكلي لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل مما يعلم به ~~تحقق هذا الكلي وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات فعلمت أن القياس حيث ~~قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع ~~فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أي شيء كان. # وقد تنازع الناس في مسمى " القياس ". فقالت طائفة من أهل الأصول: هو ~~حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول - كأبي حامد الغزالي وأبي حامد ~~المقدسي. وقالت طائفة: بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل - # PageV09P118 # كابن حزم وغيره. وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي ~~يتناولهما جميعا وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع ~~العلوم العقلية وهو الصواب فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف ~~صورة الاستدلال. و " القياس في اللغة " تقدير الشيء بغيره وهذا يتناول ~~تقدير الشيء المعين بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلي المتناول له ~~ولأمثاله فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته؛ ولهذا كان مطابقا موافقا ~~له. و " قياس الشمول " هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك ~~الكلي المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ~~ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم ms2792 الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ~~ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئي إلى كلي ثم من ذلك الكلي إلى ~~الجزئي الأول فيحكم عليه بذلك الكلي. ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي ~~هو الحكم فإنه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ~~ملزومه بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم. # PageV09P119 # والمدلول الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع ~~إما أخص من الدليل أو مساويه فيطلق عليه القول بأنه أخص منه لا يكون أعم من ~~الدليل؛ إذ لو كان أعم منه ولم يكن الدليل لازما له فلا يعلم ثبوت الحكم له ~~فلا يكون الدليل دليلا وإنما يكون؛ إذا كان لازما للمحكوم عليه الموصوف ~~المخبر عنه الذي يسمى الموضوع. والمبتدأ مستلزما للحكم الذي هو صفة وخبر ~~وحكم وهو الذي يسمى المحمول والخبر وهذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ ~~المتنازع فيه وأخص من التحريم وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص ~~للحكم لازما للمحكوم عليه. فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل ~~أو لم يصور كذلك. وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان. ولهذا كانت ~~أذهان بني آدم تستدل بالأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات ~~المبينة لما في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم وإن لم يسلكوا ~~اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم فالعلم بذلك ~~الملزوم لا بد أن يكون بينا بنفسه أو بدليل آخر. وأما " قياس التمثيل " فهو ~~انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك ~~الكلي؛ لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلي. ثم العلم بذلك اللزوم لا بد له ~~من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم فهو يتصور المعينين أولا وهما الأصل ~~والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما # PageV09P120 # وهو المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم ولا بد أن يعرف أن الحكم لازم ~~المشترك وهو الذي يسمى هناك ms2793 قضية كبرى ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم ~~للملزوم الأول المعين فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير ~~الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلا وهو أنه مستلزم للمدلول ~~حقيقة واحدة. ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول ~~القائل: السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الإنسان. ثم يوردون على هذا ~~القياس ما يختص به فإنه لو قيل: السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه ~~الأسئلة وزيادة. ولكن إذا أخذ قياس الشمول في مادة بينة لم يكن فرق بينه ~~وبين قياس التمثيل فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا ~~موافقا له؛ بل قد يكون التمثيل أبين. ولهذا كان العقلاء يقيسون به وكذلك ~~قولهم في الحد إنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي يحصل به ~~التمييز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردا وعكسا - ~~بحيث يوجد حيث وجد وينتفي حيث انتفى - فإن الحد المميز للمحدود هو ما به ~~يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا فكلما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره. ~~وهذا هو الحد عند جماهير النظار ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد فإذا ~~كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأري رغيفا وقيل ~~له هذا فقد يفهم أن هذا لفظ يوجد # PageV09P121 # فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته. وقد بسط الكلام ~~على ما ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك وجد هذا في ~~الأمثلة المجردة إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء ~~فقيل كل ألف باء وكل باء جيم أنتج: كل ألف جيم. وإذا قيل: كل ألف جيم قياسا ~~على الدال لأن الدال هي جيم وإنما كانت جيما لأنها باء والألف أيضا باء ~~فيكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء كان هذا صحيحا في ~~معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن الحد الأوسط ms2794 وهو ~~الباء موجود فيها. # فإن قيل: ما ذكرتموه من كون البرهان لا بد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا ~~لا يثبتون به إلا مطلوبا كليا. ويقولون: البرهان لا يفيد إلا الكليات ثم ~~أشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل وهي التي ~~تكمل بها النفس فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف القضايا ~~التي تتبدل وتتغير. وإذا كان المطلوب به هو الكليات العقلية التي لا تقبل ~~التبديل والتغيير # PageV09P122 # فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها؛ بل إنما تكون في القضايا ~~التي جهتها الوجوب كما يقال كل إنسان حيوان وكل موجود فإما واجب وإما ممكن. ~~ونحو ذلك من الكلية التي لا تقبل التغيير. ولهذا كانت العلوم " ثلاثة ": ~~إما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو " الطبيعي " ~~وموضوعه الجسم. وإما مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو " الرياضي ~~": كالكلام في المقدار والعدد. وأما ما يتجرد عن المادة منها وهو " الإلهي ~~" وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود. كانقسامه إلى ~~واجب وممكن وجوهر وعرض. وانقسم الجوهر إلى ما هو حال وإلى ما هو محل. وما ~~ليس بحال ولا محل بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير وإلى ما ليس بحال ولا محل ~~ولا هو متعلق بذلك. (فالأول هو الصورة و (الثاني هو المادة. وهو الهيولى ~~ومعناه في لغتهم المحل. و (الثالث هو النفس. و (الرابع هو العقل. و (الأول ~~يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر؛ ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا ~~من تسميته جوهرا وقالوا: الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في ~~محل يستغني عن الحال فيه وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته والأول ليس ~~كذلك فلا يكون جوهرا. وهذا مما # PageV09P123 # خالفوا فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول ~~فإن تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي وأولئك يقولون: بل هو كل ما ~~ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو ms2795 قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو ~~كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الأعراض ونحو ذلك. وأما الفرق المعنوي ~~فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل. ودعواهم أن ~~الأول وجود مقيد بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في موضعه. والمقصود هنا ~~الكلام على البرهان. فيقال: هذا الكلام وإن ضل به طوائف فهو كلام مزخرف ~~وفيه من الباطل ما يطول وصفه لكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه: ~~(الأول: أن يقال: إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات ~~إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان وليس في الخارج إلا موجود معين؛ لم ~~يعلم بالبرهان شيء من المعينات؛ فلا يعلم به موجود أصلا بل إنما يعلم به ~~أمور مقدرة في الأذهان. ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلم فقط وإن ~~كانت هذه قضية كاذبة كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس؛ إذ لم ~~تعلم شيئا من # PageV09P124 # الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل صارت عالما ~~لأمور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود؛ وأي خير في هذا فضلا ~~عن أن يكون كمالا. # والثاني: أن يقال: أشرف الموجودات هو " واجب الوجود " ووجوده معين لا ~~كلي؛ فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه؛ وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه؛ بل ~~إنما علم أمر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود وكذلك " ~~الجواهر العقلية " عندهم وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها ~~أكثر من ذلك عندهم: كالسهروردي المقتول وأبي البركات وغيرهما. كلها جواهر ~~معينة؛ لا أمور كلية فإذا لم نعلم إلا الكليات لم نعلم شيئا منها؛ وكذلك ~~الأفلاك التي يقولون: إنها أزلية أبدية فإذا لم نعلم إلا الكليات لم تكن ~~معلومة فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول ولا شيئا من النفوس ولا ms2796 الأفلاك ~~ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأي علم هنا تكمل به ~~النفس؟ # الثالث: أن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي وجعلهم الرياضي ~~أشرف من الطبيعي. والإلهي أشرف من الرياضي. هو مما قلبوا به الحقائق فإن ~~العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ (1) ~~PageV09P125 # حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور ~~مقادير مجردة وأعداد مجردة فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو ~~مثلثا أو مربعا - ولو تصور كل ما في إقليدس - أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ~~ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمال النفس؛ ولولا أن ذلك طلب فيه ~~معرفة المعدودات والمقدرات الخارجة التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما ~~وإنما جعلوا علم الهندسة مبدأ تعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة ~~أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء ~~دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية. فإن " علم ~~الحساب " الذي هو علم بالكم المنفصل و " الهندسة " التي هي علم بالكم ~~المتصل علم يقيني لا يحتمل النقيض ألبتة مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ~~ونسبة بعضها إلى بعض؛ فإنك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان فإذا ~~قسمتها على عشرة كان لكل واحد عشرة وإذا ضربتها في عشرة كان المرتفع مائة. ~~والضرب مقابل للقسمة؛ فإن ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد أحد العددين ~~بآحاد العدد الآخر فإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد العددين خرج المضروب ~~الآخر. وإذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير ~~المرتفع بالضرب فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه والنسبة # PageV09P126 # تجمع هذه كلها فنسبة أحد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب ~~الآخر ونسبة المرتفع إلى أحد المضروبين نسبة الآخر إلى الواحد. فهذه الأمور ~~وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذووا العقول وما من ~~أحد من الناس إلا يعرف منه شيئا فإنه ضروري ms2797 في العلم ولهذا يمثلون به في ~~قولهم: الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض ~~ألبتة. # وهذا كان مبدأ فلسفتهم التي وضعها " فيثاغورس " وكانوا يسمون أصحابه ~~أصحاب العدد وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن ثم ~~تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك. وظنوا أن الماهيات المجردة كالإنسان والفرس ~~المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ~~ذلك؛ فقالوا: بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود ~~الأشخاص ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا وهو أيضا غلط. ~~فإن ما في الخارج ليس بكلي أصلا وليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص. وإذا ~~قيل الكلي الطبيعي في الخارج فمعناه إنما هو كلي في الذهن يوجد في الخارج ~~لكن إذا وجد في الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط ~~بكونه في الذهن ومن أثبت ماهية لا في الذهن # PageV09P127 # ولا في الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفي في العلم بفساد قوله وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن هذا العلم - هو الذي ~~تقوم عليه براهين صادقة لكن - لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا ~~تنال به سعادة ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء: هي بين ~~علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ~~ثقة بها وإن بعض الظن إثم. يشيرون بالأول إلى العلوم الرياضية وبالثاني إلى ~~ما يقولونه في الإلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك؛ لكن قد تلتذ النفس بذلك ~~كما تلتذ بغير ذلك فإن الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه وسماع ما لم يكن ~~سمعه إذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده منه كما قد يلتذ بأنواع من ~~الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب. # وأيضا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا ~~الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح ms2798 الذهن والإدراك وتعود ~~النفس أنها تعلم الحق وتقوله لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك؛ ~~ولهذا يقال: إنه كان أوائل الفلاسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي ~~وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك لأنه لما نظر في طرقهم وطرق ~~من عارضهم من أهل الكلام الباطل ولم # PageV09P128 # يجد في ذلك ما هو حق أخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي كما كان يتحرى مثل ذلك ~~من هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره. وكذلك كثير من متأخري أصحابنا ~~يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ~~ذلك؛ لأن فيه تفريحا للنفس وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط. وقد جاء عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال: إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. ~~فإن حساب الفرائض علم معقول مبني على أصل مشروع فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ ~~الشرع. لكن ليس هو علما يطلب لذاته ولا تكمل به النفس. وأولئك المشركون ~~كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها بأنواع الدعوات. كما هو ~~معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعة في الشرك والسحر ~~ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده. وكان الشيطان ~~بسبب الشرك والسحر يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر ~~وكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها من ~~الاتصالات مستعينين بذلك على ما يرونه مناسبا لها. # PageV09P129 # ولما كانت الأفلاك مستديرة ولم يمكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة ~~وأحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية تكلموا في " الهندسة " لذلك ولعمارة ~~الدنيا. فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد ~~تصور الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور ~~وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فإن لذات النفوس أنواع ~~ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك عما هو أنفع له منه. ~~وكان ### | مبدأ وضع " المنطق " من الهندسة # وسموه حدودا لحدود تلك الأشكال؛ لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل ms2799 ~~المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة. والله ~~تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به ~~على كل نوع من أنواع جنس الإنسان. والحمد لله رب العالمين. وأما " العلم ~~الإلهي " الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج فقد تبين لك أنه ~~ليس له معلوم في الخارج وإنما هو عام بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية إلا في ~~الذهن. وليس في هذا من كمال النفس شيء. وإن عرفوا واجب الوجود بخصوصه فهو ~~علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. وهذا مما لا يدل عليه القياس ~~الذي يسمونه البرهان فبرهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه، لا واجب الوجود ~~ولا غيره # PageV09P130 # وإنما يدل على أمر كلي. والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. وواجب ~~الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه. ومن لم يتصور ما يمنع الشركة فيه ~~لم يكن قد عرف الله ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات - كما يزعمه ابن ~~سينا وأمثاله وظن أن ذلك كمال للرب فكذلك يظنه كمالا للنفس بطريق الأولى لا ~~سيما إذا قال: إن النفس لا تدرك إلا الكليات. وإنما يدرك الجزئيات البدن - ~~فهذا في غاية الجهل وهذه الكليات التي لا تعرف بها الجزئيات الموجودة لا ~~كمال فيها ألبتة والنفس إنما تحب معرفة الكليات لتحيط بها بمعرفة الجزئيات ~~فإذا لم يحصل ذلك لم تفرح النفس بذلك. # الوجه الرابع: أن يقال: هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما يزعمون ~~فما يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه ليس كذلك؛ فإن ~~تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغنى عن الحد عندهم لظهوره فليس هو ~~المطلوب وإنما المطلوب أقسامه ونفس أقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ~~ومعلول وقديم وحادث: هو أخص من مسمى الوجود وليس في مجرد انقسام الأمر ~~العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام مما يقتضي علما كليا عظيما ~~عاليا على تصور الوجود. فإذا عرفت الأقسام فليس ما هو ms2800 علم بمعلوم لا يقبل ~~التغيير والاستحالة وليس معهم دليل أصلا يدلهم أن العالم لم يزل ولا يزال ~~هكذا. وجميع # PageV09P131 # ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك ~~فإنما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لا قدم شيء معين ولا دوام شيء معين. ~~فالجزم أن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شيء منه جهل محض لا مستند له ~~إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم. وعدم العلم ليس علما بالعدم. ولهذا ~~لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء فهم لا يؤمنون لا ~~بالله ولا بملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت. وإذا قالوا: ~~نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن المحسوس وذلك هو الغيب. فإن ~~هذا وإن كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال؛ فإن ما ~~يثبتونه من المعقولات إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان لا ~~موجودة في الأعيان. والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج وهو أكمل وأعظم ~~وجودا مما نشهده في الدنيا. فأين هذا من هذا وهم لما كانوا مكذبين بما ~~أخبرت به الرسل قالوا: إن الرسل قصدوا إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم ~~لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم. ثم منهم من يقول: إن الرسل عرفت ~~ما عرفناه من نفي هذه الأمور. ومنهم من يقول: بل لم يكونوا يعرفون هذا ~~وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية. # PageV09P132 # وأقل أتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به أقل أتباع ~~الرسل. وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه ~~قديما أزليا وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر ~~منه خلق وأنه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم أن غاية ما عندهم من ~~الأحكام الكلية ليست مطابقة بل هي جهل لا علم. وهب أنهم لا يعلمون ما أخبرت ~~به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية في ms2801 هذا ~~العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال. فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ~~ثابتة وعامة " فلسفتهم الأولى " و " حكمتهم العليا " من هذا النمط وكذلك من ~~صنف على طريقتهم: كصاحب " المباحث المشرقية " وصاحب " حكمة الإشراق " وصاحب ~~" دقائق الحقائق " و " رموز الكنوز " وصاحب " كشف الحقائق " وصاحب " ~~الأسرار الخفية في العلوم العقلية " وأمثال هؤلاء ممن لم يجرد القول لنصر ~~مذهبهم مطلقا ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في كثير من ضلالهم ~~وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وإن كان أيضا لم ينصفهم في ~~بعض ما أصابوا وأخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته أن ما قالوا: صواب. ~~ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا. و " ابن سينا " تكلم في أشياء من ~~الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت إليها ~~عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من # PageV09P133 # المسلمين وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين ~~كالإسماعيلية. وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد ~~وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض. وقد صنف ~~المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان ~~واليد إذ كانوا بذلك أحق من اليهود والنصارى. ولو لم يكن إلا كتاب " كشف ~~الأسرار وهتك الأستار " للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن ~~أحمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام ابن فورك والقاضي أبي ~~يعلى والشهرستاني. وغير هذا مما يطول وصفه. # والمقصود هنا أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من ~~هؤلاء الملاحدة وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك فإنه كان يسمعهم يذكرون ~~العقل والنفس. وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر ~~والكفر الباطن أعلم بالله من سلفه الفلاسفة: كأرسطو وأتباعه؛ فإن أولئك ليس ~~عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه. # وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في " علم ما بعد الطبيعة ms2802 " في " ~~مقالة اللام " وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فإنه ~~ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال ~~مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم أجهل # PageV09P134 # من هؤلاء ولا أبعد عن العلم بالله تعالى منهم. نعم لهم في الطبيعيات كلام ~~غالبه جيد. وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق ~~لا يظهر عليهم العناد؛ لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم منه ~~إلا قليل كثير الخطأ. وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ~~ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع ~~بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه. ومما أحدثه مثل كلامه في ~~النبوات وأسرار الآيات والمنامات؛ بل وكلامه في بعض الطبيعيات وكلامه في ~~واجب الوجود ونحو ذلك. وإلا فأرسطو وأتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ~~ولا شيء من الأحكام التي لواجب الوجود وإنما يذكرون " العلة الأولى " ~~ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به. فابن ~~سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى راجت على من يعرف دين الإسلام ~~من الطلبة النظار. وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم ~~بحسب ما عنده؛ ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ~~ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية ~~إيمانية ومقاصد سامية قرآنية خرجوا بها # PageV09P135 # عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون ~~بل يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات. والمقصود هنا التنبيه على ~~أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم. كما زعموه مع أنه قول باطل فإن ~~النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية وقوة إرادية عملية فلا بد لها من كمال ~~القوتين بمعرفة الله وعبادته وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط ms2803 ~~إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية ~~له؛ وبهذا بعث الله الرسل وأنزل الكتب الإلهية كلها تدعوا إلى عبادة الله ~~وحده لا شريك له. وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل؛ مقصودها ~~إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها ~~إصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية؛ فيجعلون العبادات وسائل محضة ~~إلى ما يدعونه من العلم؛ ولذلك يرون هذا ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل ~~الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو ~~المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم. فالجهمية قالوا: الإيمان مجرد معرفة الله. ~~وهذا القول وإن كان خيرا من قولهم فإنه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من ~~معرفة ملائكته وكتبه ورسله. وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ~~ولواحقه. وهذا أمر # PageV09P136 # لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه ~~وتعالى. فهؤلاء الجهمية من أعظم المبتدعة بل جعلهم غير واحد خارجين عن ~~الثنتين وسبعين فرقة. كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط ~~وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من ~~الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من يقول هذا القول. وقالوا: ~~هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم مؤمنين. فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فإن ما ذكروه هو أصل ما ~~تكمل به النفوس لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين إرادتها التي هي مبدأ ~~القوة العملية وجعلوا الكمال في نفس العلم وإن لم يصدقه قول ولا عمل ولا ~~اقترن به من الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من أصول الإيمان ~~ولوازمه. وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد. والمقصود هنا الكلام على ~~برهانهم فقط وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة. # واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لا يستلزم كونهم أشقياء في ~~الآخرة إلا إذا بعث الله إليهم ms2804 رسولا فلم يتبعوه بل يعرف به أن من جاءته ~~الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء كان من الأشقياء في الآخرة # PageV09P137 # والقوم لولا الأنبياء لكانوا أعقل من غيرهم. لكن الأنبياء جاءوا بالحق ~~وبقاياه في الأمم وإن كفروا ببعضه. حتى مشركو العرب كان عندهم بقايا من دين ~~إبراهيم فكانوا خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على ~~أصولهم. # الوجه الخامس: أنه إن كان المطلوب بقياسهم البرهاني معرفة الموجودات ~~الممكنة فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحدة أزلا وأبدا بل هي ~~قابلة للتغير والاستحالة ومما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس ~~واجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود وليس لهم على أزلية ~~شيء من العالم دليل صحيح كما بسط في موضعه وإنما غاية أدلتهم تستلزم دوام ~~نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن بوجود عين بعد عين من ذلك النوع ~~أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح ~~والنقل الصحيح؛ فإن القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما ~~يقضي صريح العقل بامتناعه. أي شيء قدر فاعله لا سيما إذا كان فاعلا ~~باختياره. كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التي يذكرها المقصرون في ~~معرفة أصول العلم والدين: كالرازي وأمثاله كما بسط في موضعه. # وما يذكرون من اقتران المعلول بعلته فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعا ~~للمعلول فهذا باطل بصريح العقل. ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التي # PageV09P138 # لم تفسد بالتقليد الباطل. ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس الإقرار ~~بأنه خالق كل شيء موجبا لأن يكون كل ما سواه محدثا مسبوقا بالعدم وإن قدر ~~دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي أن يكون خالقا لكل شيء وما ~~سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه؛ بل ذلك أعظم في ~~الكمال والجود والإفضال. وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك. كما يمثلون به ~~من حركة الخاتم بحركة اليد وحصول الشعاع عن الشمس ms2805 فليس هذا من باب الفاعل ~~في شيء بل هو من باب المشروط والشرط قد يقارن المشروط وأما الفاعل فيمتنع ~~أن يقارنه مفعوله المعين وإن لم يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد شيء فقدم نوع ~~الفعل كقدم نوع الحركة. وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من أجزائها؛ بل يستلزمه ~~لامتناع قدم شيء منها بعينه. وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم ~~حتى أرسطو وأتباعه فإنهم وإن قالوا: بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ~~ولا علة فاعلية؛ بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك ~~إرادية. وهذا القول وهو أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية ~~للتشبه به وإن كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء ~~في أن الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا ~~وموافقوه؛ ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا ~~طريقة # PageV09P139 # أرسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه ~~وجماهير العقلاء وكان قصده أن يركب مذهبا من مذاهب المتكلمين ومذهب سلفه ~~فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب. مع كونه أزليا قديما بقدمه. واتبعه على ~~إمكان ذلك أتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي والرازي والآمدي والطوسي ~~وغيرهم. وزعم الرازي فيما ذكره في محصله أن القول بكون المفعول المعلول ~~يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة المتقدمون الذين نقلت ~~إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله. وإنما قاله ابن سينا وأمثاله. والمتكلمون إذ ~~قالوا: بقدم ما يقوم بالقديم من الصفات ونحوها فلا يقولون إنها مفعولة ولا ~~معلولة لعلة فاعلة؛ بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم ~~فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما إلا بصفاته اللازمة ~~له كما قد بسط في موضعه. ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع ~~النظر عن فاعله. وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع ~~أن يكون الممكن لم يزل واجبا سواء قيل إنه واجب بنفسه أو بغيره. ولكن ms2806 ما ~~ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره أزليا أبديا ~~- كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في " الإمكان " - من الأسئلة ~~القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه كما بسط في موضعه. فإن هذا ~~ليس موضع # PageV09P140 # تقرير هذا؛ ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي لا يفيد أمورا كلية ~~واجبة البقاء في الممكنات. وأما واجب الوجود - تبارك وتعالى - فالقياس لا ~~يدل على ما يختص به وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره. إذ كان ~~مدلول القياس الشمولي عندهم ليس إلا أمورا كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب ~~الوجود - رب العالمين سبحانه وتعالى - فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور ~~التي يجب دوامها لا من الواجب ولا من الممكنات. وإذا كانت النفس إنما تكمل ~~بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه. لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من ~~العلم؛ فضلا عن أن يقال: إن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ~~ببرهانهم؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال ~~على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك " القياس " استعملوا قياس ~~الأولى؛ لم يستعملوا قياس شمول تستوي أفراده ولا قياس تمثيل محض. فإن الرب ~~تعالى لا مثيل له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده؛ بل ما ثبت ~~لغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه غيره عنه من ~~النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى؛ ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية ~~المذكورة # PageV09P141 # في القرآن من هذا الباب كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ~~وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم ~~الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف. وإن كان ~~كمالها لا بد فيه من كمال علمها وقصدها جميعا. فلا بد من عبادة الله وحده ~~المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له. وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في ~~القرآن. والفرق بين الآيات وبين القياس: أن " الآية " هي العلامة وهي ms2807 ~~الدليل الذي يستلزم عين المدلول. لا يكون مدلوله أمرا كليا مشتركا بين ~~المطلوب وغيره. بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول. كما أن الشمس آية ~~النهار. قال الله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة} . فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود ~~النهار. وكذلك نبوة محمد صلى الله عليه وسلم العلم بنبوته بعينه لا يوجب ~~أمرا مشتركا بينه وبين غيره. وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب ~~العلم بنفسه المقدسة تعالى لا يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره والعلم ~~بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون ~~مستلزما للمدلول والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب أقرب إلى الفطرة من ~~العلم بأن كل معين # PageV09P142 # من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها. فإن ~~القضايا الكلية إن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل وإلا لم تعلم إلا ~~بالتمثيل فلا بد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط فإذا ~~كان كليا فلا بد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل ~~فرد من أفراد الدليل كما إذا قيل: كل أب وكل ب ج فكل ج أفلا بد أن يعرف أن ~~كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء ~~يلزم كل فرد من أفراد الألف. ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء ~~المعين والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا. وإذا قيل تلك ~~القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل. قيل حصول تلك ~~القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب. ومعلوم أن كل ما سوى الله من ~~الممكنات فإنه مستلزم لذات الرب تعالى. يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب ~~تعالى وتقدس. وإن كان مستلزما أيضا لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه ~~يلزم من وجوده وجود لوازمه. وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين: أعني ~~يلزمه ما يخصه من ms2808 ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده. ووجود ~~العالم الذي يتصور القدر المشترك وهو سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه ~~فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها ويعلم الكليات أنها كليات فيلزم من وجود ~~الخاص وجود العام المطلق كما يلزم من وجود هذا الإنسان وجود الإنسانية ~~والحيوانية. فكل ما # PageV09P143 # سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود ~~نفسه المقدسة فإن الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان. فضلا عن أن ~~يكون خالقا لها مبدعا. ثم يلزم من وجود المعين وجود المطلق المطابق فإذا ~~تحقق الموجود الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق وإذا تحقق الفاعل لكل شيء ~~تحقق الفاعل المطلق المطابق وإذا تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق ~~المطابق وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطلق المطابق وإذا تحقق رب ~~كل شيء تحقق الرب المطابق كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان ~~تحقق الإنسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق لكن المطلق لا يكون ~~مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان فإذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان ~~مطلق لم يكن عالما بنفس العين. كذلك إذا علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا ~~وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب العالمين وما يختص به عن غيره وذلك هو ~~مدلول آياته تعالى. فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة ~~فيها. وكل ما سواه دليل على عينه وآية له. فإنه ملزوم لعينه وكل ملزوم فإنه ~~دليل على ملزوم ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه فكلها لازمة ~~لنفسه دليل عليه آية له ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلي الذي ~~لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى. # PageV09P144 # وأما ### | " قياس الأولى " الذي كان يسلكه السلف # اتباعا للقرآن: فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها ~~أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط ~~التفاوت بين الخالق وبين المخلوق بل إذا ms2809 كان العقل يدرك من التفاضل الذي ~~بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم ~~من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما ~~يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره. فكأن " قياس الأولى " يفيده أمرا يختص ~~به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر؛ ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء ~~المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك ليست بطريق الاشتراك اللفظي ~~ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده؛ بل بطريق الاشتراك المعنوي ~~الذي تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج ~~وعلى ما دونه كبياض العاج. فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو ~~في الواجب أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض؛ لكن هذا التفاضل ~~في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركا كليا فلا بد في ~~الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن. وذلك ~~هو مورد " التقسيم ": تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيل الموجود ينقسم إلى ~~واجب وممكن؛ فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام. ثم كون # PageV09P145 # وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى ~~كليا مشتركا بينهما وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق ~~والمخلوق: كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه ~~وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته. # والناس تنازعوا في هذا الباب. فقالت طائفة: كأبي العباس الناشئ من شيوخ ~~المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي علي: هي حقيقة في الخالق مجاز في ~~المخلوق. وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة: بالعكس هي مجاز في ~~الخالق حقيقة في المخلوق وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما. وهذا قول ~~طوائف النظار من المعتزلة الأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وهو قول الفلاسفة؛ لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بأنها ~~حقيقة كاسم ms2810 الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه ~~نفاة الجميع. والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته؛ ولكن هو لقصوره فرق ~~بين المتماثلين ونفي الجميع يمنع أن يكون موجودا وقد علم أن الموجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغني وفقير ومفعول وغير مفعول وأن وجود الممكن ~~يستلزم وجود الواجب. ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم ~~وجود الغني ووجود المفعول يستلزم وجود # PageV09P146 # غير المفعول. وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك والواجب يختص بما يتميز به ~~فكذلك القول في الجميع. والأسماء المشككة هي متواطئة باعتبار القدر المشترك ~~ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم؛ بل ~~لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم ~~المتواطئة الخاصة. وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى ~~المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم ~~البرهاني. ولا بد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم ~~المتواطئة الخاصة وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية وهي قياس ~~الأولى. ولا بد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه وذلك مدلول ~~آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا يدل على هذه قياس لا برهاني ~~ولا غير برهاني. فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به ~~تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن أن يقال: لا تعلم ~~المطالب إلا به. وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على ~~بطلان " قضيتهم السالبة " وهي قولهم إن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة ~~برهانهم. # PageV09P147 # ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا؛ وقصروا العلوم على ~~طريق ضيقة لا تحصل إلا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله تعالى ~~وعلم أنبيائه وأوليائه؛ إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط؛ ~~كما يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه. وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم ~~أنبيائه من سلفهم الذين هم من ms2811 أجهل الناس برب العالمين وأنبيائه وكتبه. ~~فابن سينا لما تميز عن أولئك؛ بمزيد علم وعقل؛ سلك طريقهم المنطقي في تقرير ~~ذلك. وصار سالكو هذه الطريق وإن كانوا أعلم من سلفهم وأكمل فهم أضل من ~~اليهود والنصارى وأجهل إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان بواجب الوجود ~~وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من ~~أتباع فرعون وأمثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من أهل الملل والشرائع ~~متنقصين أو معادين. قال الله تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} . وقال تعالى: {كبر مقتا ~~عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} وقال: ~~{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون} {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين} {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} . # PageV09P148 # وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان ~~وأمثالهما من رءوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل ~~الله صلوات الله عليهم في مواضع. وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين ~~أهل الجنة وآل فرعون أئمة لأهل النار قال تعالى: {واستكبر هو وجنوده في ~~الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون} {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين} {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر ~~للناس} إلى قوله: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين} وقال في آل إبراهيم: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون} . والمقصود أن متأخريهم الذين هم أعلم منهم جعلوا ~~علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني وكذلك علم أنبيائه. ms2812 وقد بسطنا الكلام ~~في الرد عليهم في غير هذا الموضوع. والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم: ~~إنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه وإذا كان هذا السلب باطلا في ~~علم آحاد الناس كان بطلانه # PageV09P149 # أولى في علم رب العالمين سبحانه وتعالى ثم ملائكته وأنبيائه صلوات الله ~~عليهم أجمعين. # فصل: # وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا: لأن ~~الاستدلال: إما أن يكون بالكلي على الجزئي؛ أو بالجزئي على الكلي؛ أو بأحد ~~الجزئيين على الآخر وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام. فقالوا: إما أن ~~يستدل بالعام على الخاص أو بالخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر. ~~قالوا: والأول هو " القياس " يعنون به قياس الشمول فإنهم يخصونه باسم ~~القياس. وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل. وأما ~~جمهور العقلاء فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا. قالوا: والاستدلال ~~بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء فإن كان تاما فهو الاستقراء التام وهو ~~يفيد اليقين؛ وإن كان ناقصا لم يفد اليقين. # فالأول هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته. # والثاني استقراء أكثرها وذلك كقول القائل: الحيوان إذا أكل حرك فكه ~~الأسفل لأنا استقريناها فوجدناها هكذا فيقال له التمساح يحرك الأعلى. # PageV09P150 # ثم قالوا: إن القياس ينقسم إلى " اقتراني واستثنائي " فالاستثنائي ما ~~تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل. والاقتراني ما تكون فيه بالقوة: ~~كالمؤلف من القضايا الحملية. كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام. ~~والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان: (أحدهما متصلة - كقولنا إن ~~كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر - واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي ~~واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. و (الثاني المنفصلة وهي: إما مانعة ~~الجمع والخلو كقولنا العدد إما زوج وإما فرد؛ فإن هذين لا يجتمعان؛ ولا ~~يخلو العدد عن أحدهما وإما مانعة الجمع فقط: كقولنا هذا إما أسود وإما أبيض ~~أي: لا يجتمع السواد والبياض. وقد يخلو المحل عنهما وأما مانعة الخلو فهي ~~التي يمتنع فيها عدم الجزأين جميعا ولا يمتنع اجتماعهما وقد ms2813 يقولون مانعة ~~الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية؛ وهي مطابقة للنقيضين في العموم والخصوص ~~ومانعة الجمع؛ هي أخص من النقيضين؛ فإن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما ~~أخص من النقيضين. وأما مانعة الخلو فإنها أعم من النقيضين وقد يصعب عليهم ~~تمثيل ذلك؛ بخلاف النوعين الأولين؛ فإن أمثالهما كثيرة. ويمثلونه بقول ~~القائل: هذا ركب البحر أو لا يغرق فيه أي لا يخلو # PageV09P151 # منهما فإنه لا يغرق إلا إذا كان في البحر فإما أن لا يغرق فيه وحينئذ لا ~~يكون راكبه. وإما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق. والأمثال كثيرة ~~كقولنا هذا حي أو ليس بعالم أو قادر أو سميع أو بصير أو متكلم فإنه إن وجدت ~~الحياة فهو أحد القسمين وإن عدمت عدمت هذه الصفات. وقد يكون حيا من لا يوصف ~~بذلك فكذلك إذا قيل هذا متطهر أو ليس بمصل فإنه إن عدمت الصلاة عدمت ~~الطهارة وإن وجدت الطهارة فهو القسم الآخر فلا يخلو الأمر منهما. وكذلك كل ~~عدم شرط ووجود مشروطه فإنه إذا ردد الأمر بين وجود المشروط وعدم الشرط كان ~~ذلك مانعا من الخلو؛ فإنه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه وإذا عدم عدم ~~الشرط فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط. ثم قسموا الاقتراني ~~إلى الأشكال الأربعة - لكون الحد الأوسط إما محمولا في الكبرى موضوعا في ~~الصغرى - وهو الشكل الطبيعي وهو ينتج المطالب الأربعة الجزئي والكلي ~~والإيجابي والسلبي. وإما أن يكون الأوسط محمولا فيهما وهو الثاني ولا ينتج ~~إلا السلب وإما أن يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات والرابع ينتج ~~الجزئيات والسلب الكلي لكنه بعيد عن الطبع. ثم إذا أرادوا بيان الإنتاج ~~الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا إلى الاستدلال بالنقيض والعكس ~~وعكس النقيض فإنه يلزم من صدق # PageV09P152 # القضية كذب نقضها وصدق عكسها المستوي وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا: ليس ~~أحد من الحجاج بكافر صح قولنا ليس أحد من الكفار بحاج. فنقول هذا الذي ~~قالوه: إما أن يكون باطلا وإما أن يكون ms2814 تطويلا يبعد الطريق على المستدل. ~~فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق مع ~~إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له: أين ~~أذنك فرفع [يده رفعا] (*) شديدا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه ~~الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم. وما أحسن ما وصف الله به ~~كتابه بقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} فأقوم الطريق إلى أشرف ~~المطالب ما بعث الله به رسوله وأما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض ~~واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الآخر إنما توصلهم إلى أمر لا ينجي من عذاب ~~الله فضلا عن أن يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية ~~بطريقهم. بيان ذلك: أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء ~~والتمثيل حصر لا دليل عليه؛ بل هو باطل. فقولهم أيضا: إن العلم المطلوب لا ~~يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل. ~~واستدلالهم على الحصر بقولهم: إما أن يستدل بالكلي على الجزئي أو بالجزئي ~~على الكل PageV09P153 # أو بأحد الجزأين على الآخر والأول هو القياس والثاني هو الاستقراء ~~والثالث هو التمثيل. فيقال: لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في ~~الثلاثة؛ فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل لم يكن ~~ما ذكرتموه حاصرا. وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له وهو ~~المطابق له في العموم والخصوص وكذاك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم ~~له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه. فإن هذا ليس مما ~~سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هي الآيات. وهذا كالاستدلال ~~بطلوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا استدلالا بكلي ~~على جزئي بل الاستدلال بطلوع معين على نهار معين استدلال بجزئي على جزئي ~~وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلال بكلي على كلي وكذلك الاستدلال - ~~بالكواكب على جهة الكعبة استدلال بجزئي على جزئي كالاستدلال بالجدي ms2815 وبنات ~~نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب وكذلك ~~بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال بطلوعه على غروب آخر وتوسط ~~آخر ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس. قال تعالى: {وبالنجم هم ~~يهتدون} . # PageV09P154 # والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم ~~وأهل الملل والفلاسفة فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ~~ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئي على جزئي لتلازمهما ~~وليس ذلك من قياس التمثيل. فإن قضي به قضاء كليا كان استدلالا بكلي على كلي ~~وليس استدلالا بكلي على جزئي بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر ومن عرف ~~مقدار أبعاد الكواكب بعضها عن بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما ~~رآه منها على ما مضى من الليل وما بقي منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على ~~الآخر. ومن علم الجبال والأنهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من ~~الأمكنة. ثم اللزوم إن كان دائما لا يعرف له ابتداء. بل هو منذ خلق الله ~~الأرض: كوجود الجبال والأنهار العظيمة: النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر ~~كان الاستدلال مطردا. وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله ~~تعالى فإن الخليل بناها ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ~~ذلك فيستدل بها وعليها فإن أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربع: الحجر ~~الأسود يقابل المشرق والغربي - الذي يقابله ويقال له: الشامي - يقابل ~~المغرب واليماني يقابل الجنوب وما يقابله يقال له العراقي - إذا قيل # PageV09P155 # للذي يليه من ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي قيل لهذا العراقي ~~فهذا الشامي العراقي يقابل الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على ~~الجهات ويستدل بالجهات عليها. وما كان مدته أقصر من مدة الكعبة كالأبنية ~~التي في الأمصار والأشجار كان الاستدلال بها بحسب ذلك. فيقال علامة الدار ~~الفلانية أن على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من ~~الزمان. فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ms2816 وكلاهما معين جزئي ~~وليس هو من قياس التمثيل. ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا: ~~الدليل هو المرشد إلى المطلوب وهو الموصل إلى المقصود؛ وهو ما يكون العلم ~~به مستلزما للعلم بالمطلوب أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ~~إلى اعتقاد راجح. ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا أو يخص باسم ~~الأمارة والجمهور يسمون الجميع دليلا. ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل ~~إلا الأول. ثم الضابط في الدليل أن يكون مستلزما للمدلول فكلما كان مستلزما ~~لغيره أمكن أن يستدل به عليه فإن كان التلازم من الطرفين أمكن أن يستدل بكل ~~منهما على الآخر فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه. ~~ثم إن كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وإن كان ظاهرا # PageV09P156 # - وقد يتخلف - كان الدليل ظنيا. فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها ~~سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته فإن وجودها مستلزم لوجود ~~ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا توجد إلا دالة على ذلك ومثل دلالة خبر ~~الرسول على ثبوت ما أخبر به عن الله؛ فإنه لا يقول عليه إلا الحق إذ كان ~~معصوما في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ ألبتة. فهذا دليل مستلزم ~~لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال. وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا ~~أو عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ويستدل بكل منهما على وجود وعدم فإنه ~~يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده ويستدل بانتفاء نقيضه على ثبوته ~~ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم. ~~بل كل دليل يستدل به فإنه ملزوم لمدلوله. وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما ~~لم يذكروه. فإن ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم ~~على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا بصيغة ~~الشرط أو بصيغة الجزم؛ فاختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه. لا يغير حقيقته. ~~والكلام إنما هو في المعاني العقلية لا في الألفاظ. فإذا قال ms2817 القائل: إذا ~~كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر وإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن ~~كان الفاعل عالما قادرا فهو حي ونحو ذلك. # PageV09P157 # فهذا معنى قوله: صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة وقوله: يلزم من صحة ~~الصلاة ثبوت الطهارة. وقوله: لا يكون مصليا إلا مع الطهارة. وقوله: الطهارة ~~شرط في صحة الصلاة وإذا عدم الشرط عدم المشروط. وقوله: كل مصل متطهر فمن ~~ليس بمتطهر فليس بمصل وأمثال ذلك من أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي ~~تتضمن هذا الاستدلال من حصر الناس في عبارة واحدة. وإذا اتسعت العقول ~~وتصوراتها. اتسعت عباراتها. وإذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات بقي ~~صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليوناني: تجدهم من ~~أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا. ولهذا من كان ذكيا إذا تصرف ~~في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق: طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين ~~وإيضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله ~~منها من لم يسلك طريقهم. وكذلك تكلفاتهم في حدودهم: مثل حدهم للإنسان ~~وللشمس بأنها كوكب يطلع نهارا وهل من يجد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من ~~أجهل الناس. وهل عند الناس شيء أظهر من الشمس ومن لم يعرف الشمس فإما أن ~~يجهل اللفظ فيترجم له. وليس هذا من الحد الذي ذكروه وإما أن لا يكون رآها ~~لعماه فهذا لا يرى النهار ولا الكواكب بطريق الأولى # PageV09P158 # مع أنه لا بد أن يسمع من الناس ما يعرف ذلك بدون طريقهم. وهم معترفون بأن ~~الشكل الأول من الحمليات يغني عن جميع صور القياس. وتصويره فطري لا يحتاج ~~إلى تعلمه منهم مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره على الوجه الذي ~~يزعمونه. # فصل: # وأما قولهم: الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان فهذا ~~قول باطل طردا وعكسا وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه ~~حال الناس فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه بما سوى ذلك. ~~كما أن منهم من ms2818 لا يحتاج في علمه بذلك إلى استدلال بل قد يعلمه بالضرورة ~~ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين ومنهم من يحتاج إلى ثلاث ومنهم من يحتاج إلى ~~أربع وأكثر فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم. فإن كان يعرف أن ~~كل مسكر محرم ولكن لا يعرف هل هذا المسكر المعين يسكر أم لا لم يحتج إلا ~~إلى مقدمة واحدة. وهو أن يعلم أن هذا مسكر فإذا قيل له هذا حرام فقال ما ~~الدليل عليه؟ فقال المستدل: الدليل على ذلك أنه مسكر تم المطلوب. وكذلك لو ~~تنازع اثنان في بعض أنواع الأشربة: هل هو مسكر أم لا؟ # PageV09P159 # كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الأشربة ولا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر ~~أو لا تسكر ولكن قد علم أن كل مسكر حرام فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو ~~بغير ذلك من الأدلة أنه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في اندراجه ~~تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس ~~في النرد والشطرنج: هل هما من الميسر أم لا؟ وتنازعهم في النبيذ المتنازع ~~فيه هل هو من الخمر أم لا؟ وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو ~~داخل في قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أم لا؟ وتنازعهم في قوله: ~~{أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} هل هو الزوج أو الولي المستقل؟ وأمثال ~~ذلك. وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر ~~المتنازع فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى ~~يعلم أنه مسكر ويعلم أن كل مسكر حرام. وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل ~~مسكر خمر لكن لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده ~~بالإسلام أو لنشأته بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك. أو يعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {كل مسكر حرام} أو يعلم أن هذا خمر وأن النبي صلى الله ~~عليه ms2819 وسلم حرم الخمر؛ لكن لم يعلم أن محمدا رسول الله أو لم يعلم أنه حرمها ~~على جميع المؤمنين؛ بل ظن أنه أباحها لبعض الناس فظن أنه منهم كمن ظن أنه ~~أباح شربها للتداوي أو غير ذلك. فهذا لا يكفيه في العلم # PageV09P160 # بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر. ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر. وأنه رسول الله حقا فما حرمه ~~حرمه الله وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوي أو للتلذذ. # ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل أنهم قالوا في حد القياس ~~الذي يشمل البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والسوفسطائي: إنه قول مؤلف من ~~أقوال أو عبارة عما ألف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر. قالوا: ~~واحترزنا بقولنا: من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها ~~وعكس نقيضها وكذب نقضها وليست قياسا. قالوا: ولم نقل مؤلف من مقدمات لأنا ~~لا يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة إلا بكونها جزء القياس فلو ~~أخذناها في حد القياس كان دورا. والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها ~~مقدمة وإن كانت مستفادة بالقياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها ~~قضية وتسمى أيضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة. وهي الخبر وليست هي المبتدأ ~~والخبر في اصطلاح النحاة. بل أعم منه. فإن المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة ~~اسمية والقضية تكون جملة اسمية وفعلية كما لو قيل قد كذب زيد ومن كذب استحق ~~التعزير. والمقصود هنا أنهم أرادوا بالقول - في قولهم القياس قول مؤلف من ~~أقوال - القضية التي هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو # PageV09P161 # الحد فإن القياس مشتمل على ثلاثة حدود: أصغر وأوسط وأكبر كما إذا قيل: ~~النبيذ المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها ~~مفرد وهي الحدود في القياس. فليس مرادهم بالقول هذا بل مرادهم أن كل قضية ~~قول؛ كما فسروا مرادهم بذلك. ولهذا قالوا: القياس قول مؤلف من أقوال؛ ms2820 إذا ~~سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر. واللازم إنما هي النتيجة وهي قضية وخبر ~~وجملة تامة وليست مفردا. ولذلك قالوا: القياس قول مؤلف؛ فسموا مجموع ~~القضيتين قولا. وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا لم ~~يجب أن يراد بذلك قولان فقط؛ لأن لفظ الجمع إما أن يكون متناولا للاثنين ~~فصاعدا كقوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} وإما أن يراد به الثلاثة ~~فصاعدا وهو الأصل عند الجمهور. ولكن قد يراد به جنس العدد فيتناول الاثنين ~~فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا باثنين. فإذا قالوا: هو مؤلف من أقوال إن ~~أرادوا جنس العدد كان هذا المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز أن يكون مؤلفا من ~~ثلاث مقدمات وأربع مقدمات فلا يختص بالاثنين. وإن أرادوا الجمع الحقيقي. لم ~~يكن مؤلفا إلا من ثلاث فصاعدا وهم قطعا ما أرادوا هذا. فلم يبق إلا الأول. ~~فإذا قيل: هم يلتزمون ذلك. ويقولون: نحن نقول أقل ما يكون القياس # PageV09P162 # من مقدمتين. وقد يكون من مقدمات. فيقال: هذا خلاف ما في كتبكم فإنكم لا ~~تلتزمون إلا مقدمتين فقط. وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب سواء كان ~~اقترانيا أو استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما وعللوا ذلك بأن ~~المطلوب المتحد لا يزيد على جزأين مبتدأ وخبر. فإن كان القياس اقترانيا فكل ~~واحد من جزأي المطلوب لا بد وأن يناسب مقدمة منه: أي يكون فيها إما مبتدأ ~~وإما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة. قالوا: وليس للمطلوب أكثر من جزأين فلا ~~يفتقر إلى أكثر من مقدمتين. وإن كان القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة ~~شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل المطلوب أو نقيضه فلا بد من مقدمة ~~استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة. قالوا: لكن ربما أدرج في القياس قول زائد ~~على مقدمتي القياس إما غير متعلق بالقياس أو متعلق به والمتعلق بالقياس إما ~~لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما. ويسمون هذا القياس ~~المركب. قالوا: وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان ms2821 مطلوب واحد؛ إلا ~~أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدا والباقي # PageV09P163 # لبيان مقدمات القياس. قالوا: ربما حذفوا بعض مقدمات القياس إما تعويلا ~~على فهم الذهن لها أو لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح ~~بها. قالوا: ثم إن كانت الأقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى ~~القياس مفصولا وإلا فموصول. ومثلوا الموصول بقول القائل: كل إنسان حيوان ~~وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر. فكل إنسان جوهر. والمفصول بقولهم: كل إنسان ~~حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل ~~إنسان حيوان فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر. فيقال لهم: أما المطلوب الذي لا ~~يزيد على جزأين فذاك في المنطوق به. والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا ~~اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها. وإن شئت قلت: اتصاف الموصوف ~~بالصفة نفيا أو إثباتا وإن شئت قلت: نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى ~~المبتدأ نفيا وإثباتا؛ وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد ~~المقصود بالقضية. فإذا كانت النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام؛ أو ~~الإنسان حساس أو ليس بحساس ونحو ذلك. فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو ~~انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه. والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ~~ذلك # PageV09P164 # المطلوب حصل بها المقصود. وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا ~~الإنسان حيوان. فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ ~~المتنازع فيه هل يسمى في لغة الشارع خمرا؟ فقيل النبيذ حرام؛ لأنه قد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر خمر} كانت القضية ~~وهي قولنا: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم {أن كل مسكر خمر} يفيد تحريم ~~النبيذ؛ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى. والاستدلال بذلك مشروط بتقديم ~~مقدمات معلومة عند المستمع وهي أن ما صححه أهل العلم بالحديث فقد وجب ~~التصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وأن ما حرمه الرسول صلى ms2822 الله ~~عليه وسلم فهو حرام ونحو ذلك. فلو لزم أن نذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن ~~كان معلوما كانت المقدمات أكثر من اثنتين؛ بل قد تكون أكثر من عشر. وعلى ما ~~قالوه فينبغي لكل من استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: النبي ~~حرم ذلك وما حرمه فهو حرام. فهذا حرام وكذلك: يقول النبي أوجبه وما أوجبه ~~النبي فقد وجب فإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك؛ يحتاج أن ~~يقول: إن الله حرم هذا في القرآن وما حرمه الله فهو حرام. وإذا احتج على ~~وجوب الصلاة والزكاة والحج بمثل قول الله: {ولله على الناس حج البيت} يقول: ~~إن الله أوجب الحج في # PageV09P165 # كتابه وما أوجبه الله فهو واجب. وأمثال ذلك مما يعتبره العقلاء لكنة وعيا ~~وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها. وهذا التطويل الذي لا يفيد في ~~قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم: كقولهم في حد الشمس: إنها كوكب تطلع نهارا. ~~وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة ~~الهذيان. ثم إن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين في ~~تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية ~~عن براهينهم. # وقولهم: ليس للمطلوب أكثر من جزأين. فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين ~~فيقال: إن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان؛ فليس الأمر كذلك بل قد يكون ~~التعبير عنه بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس ~~حراما لا بنص ولا قياس. فإذا قال المجيب؛ النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ~~ثلاثة أجزاء. وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي؟ فقال: الإجماع دليل قطعي ~~كان المطلوب ثلاثة أجزاء. وإذا قال: هل الإنسان جسم حساس نام متحرك ~~بالإرادة ناطق أم لا؟ فالمطلوب هنا ستة أجزاء. وفي الجملة فالموضوع ~~والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون جملة مركبة من لفظين ~~وقد تكون من ألفاظ متعددة إذا كان # PageV09P166 # مضمونها مقيدا بقيود كثيرة. مثل قوله ms2823 تعالى {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقوله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله} وقوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف ~~المكان وظرف الزمان ونحو ذلك. وإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن ~~مؤلفة من لفظين بل من ألفاظ متعددة ومعان متعددة وإن أريد أن المطلوب ليس ~~إلا معنيان سواء عبر عنهما بلفظين أو ألفاظ متعددة قيل: وليس الأمر كذلك. ~~بل قد يكون المطلوب معنى واحدا وقد يكون معنيين وقد يكون معان متعددة فإن ~~المطلوب بحسب طلب الطالب وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر وكل ~~منهما قد يطلب معنى واحدا وقد يطلب معنيين وقد يطلب معاني والعبارة عن ~~مطلوبه قد تكون بلفظ واحد وقد يكون بلفظين وقد تكون بأكثر. فإذا قال: ~~النبيذ حرام فقيل: له نعم كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه كما لو قيل ~~له: هو حرام. فإن قالوا: القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ~~ذكرتموه من التمثيل بالإنسان؛ فإن هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا ~~وهي خمس مطالب والتقدير: هل هو جسم أم لا؟ وهل هو حساس أم لا؟ وهل # PageV09P167 # هو نام أم لا؟ وهل هو متحرك أم لا؟ وهل هو ناطق أم لا؟ وكذلك فيما تقدم ~~هل النبيذ حرام أم لا؟ وإذا كان حراما فهل تحريمه بالنص أو بالقياس؟ فيقال: ~~إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد يكون في ~~معنى قضية فإذا قال: النبيذ المسكر حرام فقال المجيب: نعم؛ فلفظ نعم في ~~تقدير قوله: هو حرام: وإن قال: ما الدليل عليه؟ فقال: تحريم كل مسكر أو أن ~~كل مسكر حرام. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {كل مسكر حرام} ونحو ذلك من ~~العبارات التي جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء واحد لم يجعله قضية ~~مؤلفة من ms2824 اسمين مبتدأ وخبر فإن قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف. وقوله: إن كل ~~مسكر حرام بالفتح مفرد أيضا؛ فإن أن وما في خبرها في تقدير المصدر المفرد ~~وإن المكسورة وما في خبرها جملة تامة. وكذلك إذا قلت: الدليل عليه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو الدليل عليه النص أو إجماع الصحابة أو الدليل ~~عليه الآية الفلانية أو الحديث الفلاني؛ أو الدليل عليه قيام المقتضي ~~للتحريم السالم عن المعارض المقاوم أو الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب ~~فيما يستلزم التحريم وأمثال ذلك فيما يعبر فيه عن الدليل باسم مفرد لا ~~بالقضية التي هي جملة تامة. ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا ~~فصل عبر عنه بألفاظ متعددة. # PageV09P168 # والمقصود أن قولكم: إن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزأين فقط؛ إن ~~أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لأن ذلك اللفظ ~~الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل. قيل لكم: وكذلك يمكن أن يقال في ~~اللفظين: هما دليلان لا دليل واحد؛ فإن كل مقدمة تحتاج إلى دليل وحينئذ ~~فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فإنه إذا كان المقصود قد ~~يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة أو بأربعة ~~وأكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص وأن الزائد ~~إن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وإن كان في الدليل تذكر مقدمات جعل ذلك ~~في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ليس هو أولى من أن يقال: بل الأصل في ~~المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزءا واحدا فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل ~~مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم؛ ~~لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقياس هو الدليل. ولفظ " القياس " ~~يقتضي التقدير كما يقال قست هذا بهذا والتقدير يحصل بواحد؛ وإذا قدر باثنين ~~وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا ms2825 فتكون تلك التقديرات أقيسة لا ~~قياسا واحدا فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة ~~وما نقص عن الاثنين نصف # PageV09P169 # قياس لا قياس تام؛ اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول كما فرقوا بين ~~الصفات الذاتية والعرضية اللازمة للماهية والوجود بمثل هذا التحكم. وحينئذ ~~فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ولا أمر ~~معقول بل إلى اصطلاح مجرد ك ### | تنازع الناس في " العلة " # هل هي اسم لما يستلزم المعلول بحيث لا يتخلف عنها بحال فلا يقبل النقيض ~~والتخصيص أو هو اسم لما يكون مقتضيا للمعلول؛ وقد يتخلف عنه المعلول لفوات ~~شرط أو وجود مانع وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية أحدهم " الدليل " ~~لما هو مستلزم للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمي ~~الدليل لما كان من شأنه أن يستلزم المدلول وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط ~~أو وجود مانع. # وتنازع أهل الجدل هل على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل لتبيين المعارض ~~جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لا جملة ولا تفصيلا أو يتعرض ~~لتبيينه جملة لا تفصيلا. وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي ~~يصطلح عليها الناس للتعبير عما في أنفسهم ليست حقائق ثابتة في أنفسها لأمور ~~معقولة تتفق فيها الأمم كما يدعيه هؤلاء في منطقهم. بل هؤلاء الذين يجعلون ~~العلة والدليل يراد به هذا أو هذا أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا ~~يكون إلا من مقدمتين فإن هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب وأولئك # PageV09P170 # لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل. وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء ~~فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا ~~إلا إلى مجرد التحكم. ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر ~~اصطلاحي وضعه رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء؛ ولا طلب العقلاء للعلم ~~موقوفا عليه كما ليس موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل: فيلاسوفيا؛ وسوفسطيقا ~~وأنولوطيقا وأثولوجيا وقاطيغورياس ونحو ذلك من ms2826 لغاتهم التي يعبرون بها عن ~~معانيهم فلا يقول أحد إن سائر العقلاء محتاجون إلى هذه اللغة. لا سيما من ~~كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره ~~الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف. وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافي في ~~مناظرته المشهورة " لمتى " الفيلسوف؛ لما أخذ " متى " يمدح المنطق ويزعم ~~احتياج العقلاء إليه. ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه وأن الحاجة إنما ~~تدعو إلى تعلم العربية؛ لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص ~~بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني ~~فإنه لا بد فيها من التعلم؛ ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القرآن ~~والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق. # PageV09P171 # ومن قال من المتأخرين: إن تعلم المنطق فرض على الكفاية؛ أو إنه من شروط ~~الاجتهاد؛ فإنه يدل على جهله بالشرع وجهله بفائدة المنطق. وفساد هذا القول ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل علمهم وإيمانهم قبل أن ~~يعرف المنطق اليوناني. فكيف يقال: إنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به أو ~~يقال إن فطر بني آدم في الغالب لم تستقم إلا به فإن قالوا: نحن لا نقول إن ~~الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين بل إلى المعاني التي توزن بها العلوم. ~~قيل لا ريب أن المجهول لا يعرف إلا بالمعلومات؛ والناس يحتاجون إلى أن ~~يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التي أنزلها الله حيث قال: ~~{الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} وقال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} . وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا؛ ممن لم ~~يسمع قط بمنطق اليونان؛ فعلم أن الأمم غير محتاجة إلى المعاني المنطقية ~~التي عبروا عنها بلسانهم؛ وهو كلامهم في المعقولات الثانية؛ فإن " موضوع ~~المنطق " هو المعقولات من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم فإنه ينظر في ~~أحوال - المعقولات الثانية وهي النسب الثانية ms2827 للماهيات من حيث هي مطلقة عرض ~~لها إن كانت موصلة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ذلك لا على وجه جزئي ~~بل على قانون كلي ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل؛ كما # PageV09P172 # أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل شرعي ~~وما ليس بدليل شرعي. وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح ~~عند التعارض؛ وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم ~~من الشرعي؛ ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل؛ ويدعون أن نسبة منطقهم إلى ~~المعاني؛ كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الأموال إلى الأموال؛ وموازين ~~الأوقات إلى الأوقات؛ وكنسبة الذراع إلى المذروعات. وهذا هو الذي قال جمهور ~~علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء إنه باطل؛ فإن منطقهم لا يميز بين الدليل ~~وغير الدليل؛ لا في صورة الدليل ولا في مادته؛ ولا يحتاج أن توزن به ~~المعاني؛ بل ولا يصح وزن المعاني به؛ بل هذه الدعوى من أكذب الدعاوى. ~~والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا أن التصورات ~~المطلوبة لا تنال إلا بها. والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها. فذكروا ~~لمنطقهم " أربع دعاوى ": دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان. ادعوا أنه لا ~~تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن التصديقات لا تنال بغير ما ~~ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من أظهر الدعاوى كذبا وادعوا أن ما ~~ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصورة وهذا أيضا باطل. ~~وقد تقدم التنبيه على هذه الدعاوى الثلاثة وسيأتي # PageV09P173 # الكلام على دعواهم الرابعة التي هي أمثل من غيرها وهي دعواهم أن برهانهم ~~يفيد العلم التصديقي. وإن قالوا: إن العلم التصديقي أو التصوري أيضا لا ~~ينال بدونه. فهم ادعوا أن طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من ~~الطريقتين اللتين ذكروهما من الحد وما ذكروه من القياس. وادعوا أن ما ذكروه ~~من الطريقتين توصلان إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم ms2828 بمعنى أن ما ~~يوصل لا بد أن يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره فما ذكروه آلة ~~قانونية بها توزن الطرق العلمية ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة. ~~فمراعاة هذا القانون تعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو ~~تصديق. هذا ملخص ما قالوه. وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات: فلا ما ~~نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه ~~الذي ادعوا فيه وإن كان في طرقهم ما هو حق كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل ~~فما من أحد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولا بد أن يتضمن ما هو حق. # فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع ~~هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر ~~مما مع # PageV09P174 # هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق ~~والمنازل والمدائن. ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب ~~والأصنام شرا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا أن الله ~~من عليهم بدخول دين المسيح إليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد ما استفادوه ~~من دين المسيح ما داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس ~~أمثالهم من المشركين. ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية ~~وشرك: بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم. وكلامنا ~~هنا في " بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة " الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم ~~فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم: إن أرسطو وزير ~~ذي القرنين المذكور في القرآن؛ لأنهم سمعوا أنه كان وزير الإسكندر وذو ~~القرنين يقال له الإسكندر. وهذا من جهلهم؛ فإن الإسكندر الذي وزر له أرسطو ~~هو ابن فيلبس المقدوني. الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود ~~والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره ~~وكان مشركا يعبد الأصنام. ms2829 وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام ~~وذو القرنين كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه الإسكندر ~~يقول: هو الإسكندر بن دارا. # PageV09P175 # ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجو على أبعد الناس عن العقل والدين " ~~كالقرامطة والباطنية " الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس ~~وأظهروا الرفض وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية ~~بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارا وإما منافقين كما نفق من نفق منهم على ~~المنافقين الملاحدة. ثم نفق على المشركين الترك. وكذلك إنما ينفقون دائما ~~على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين. # وكلامنا الآن فيما احتجوا به على أنه لا بد في الدليل من مقدمتين لا أكثر ~~ولا أقل وقد علم ضعفه. ثم إنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات ~~وقد تكفي فيه مقدمة واحدة قالوا: إنه ربما أدرج في القياس قول زائد: أي ~~مقدمة ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه ~~المركب. قالوا: ومضمونه أقيسة متعددة - سيقت لبيان أكثر من مطلوب واحد إلا ~~أن المطلوب منها - بالذات ليس إلا واحدا. قالوا: وربما حذفت إحدى المقدمات ~~إما للعلم بها أو لغرض فاسد وقسموا المركب إلى مفصول وموصول. فيقال هذا ~~اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات وما يكفي فيه مقدمة واحدة. ~~ثم قلتم إن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو في معنى # PageV09P176 # أقيسة متعددة. فيقال لكم: إذا ادعيتم أن الذي لا بد منه إنما هو قياس ~~واحد مشتمل على مقدمتين وأن ما زاد على ذلك هو في معنى أقيسة كل قياس لبيان ~~مقدمة من المقدمات. فقولوا إن الذي لا بد منه هو مقدمة واحدة. وإن ما زاد ~~على تلك المقدمة من المقدمات. فإنما هو لبيان تلك المقدمة. وهذا أقرب إلى ~~المعقول. فإنه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه ~~وهو ثبوت الخبر للمبتدأ أو المحمول للموضوع إلا بوسط بينهما هو الدليل ~~فالذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وما زاد ms2830 على ذلك فقد يحتاج إليه وقد لا ~~يحتاج إليه. وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ~~ذلك في بعض المطالب فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع ~~وخمس؛ للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب وليس تقدير عدد بأولى من عدد. وما ~~يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو لتغليط يوجد مثله في حذف الثالثة ~~والرابعة. ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفي وحدها لبيان المطلوب أو ~~مقدمتين أو ثلاثة لا تكفي. طولب بالتمام الذي تحصل به كفاية. وإذا ذكرت ~~المقدمات منع منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم ~~الاستدلال فمن طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص قال: هذا حرام فقيل له ~~لم؟ قال: لأنه نبيذ مسكر فهذه # PageV09P177 # المقدمة كافية إن كان المستمع يعلم أن كل مسكر حرام إذا سلم له تلك ~~المقدمة وإن منعه إياها وقال لا نسلم أن هذا مسكر احتاج إلى بيانها بخبر من ~~يوثق بخبره أو بالتجربة في نظيرها وهذا قياس تمثيل. وهو مفيد لليقين فإن ~~الشراب الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر علم أن الباقي منه مسكر لأن حكم ~~بعضه مثل بعضه. وكذلك سائر القضايا التجريبية كالعلم بأن الخبز يشبع والماء ~~يروي وأمثال ذلك إنما مبناها على قياس التمثيل: بل وكذلك سائر الحسيات التي ~~علم أنها كلية إنما هو بواسطة قياس التمثيل. وإن كان ممن ينازعه في أن ~~النبيذ المسكر حرام. احتاج إلى مقدمتين. إلى إثبات أن هذا مسكر وإلى أن كل ~~مسكر حرام فيثبت الثانية بأدلة متعددة كقول النبي صلى الله عليه وسلم {كل ~~مسكر حرام} و {كل شراب أسكر فهو حرام} . وبأنه {سئل عن شراب يصنع من العسل ~~يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر وكان قد أوتي جوامع الكلم ~~فقال: كل مسكر حرام} . وهذه الأحاديث في الصحيح وهي وأضعافها معروفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه حرم كل شراب أسكر. فإن قال: أنا أعلم ~~أنه خمر ms2831 لكن لا أسلم أن الخمر حرام أو لا أسلم أنه حرام مطلقا أثبت هذه ~~المقدمة الثالثة وهلم جرا. وما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول ~~المطلوب أن # PageV09P178 # الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه؛ ولما كان الحد ~~الأول مستلزما للأوسط. والأوسط للثالث ثبت أن الأول مستلزم للثالث. فإن ~~ملزوم الملزوم ملزوم ولازم اللازم لازم فإن الحكم لازم من لوازم الدليل لكن ~~لم يعرف لزومه إياه إلا بوسط بينهما فالوسط ما يقرن بقولك: لأنه. وهذا مما ~~ذكره المنطقيون. وابن سينا وغيره؛ ذكروا الصفات اللازمة للموصوف - وأن منها ~~ما يكون بين اللزوم. وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتي واللازم ~~للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتي فقالوا له كثير من ~~الصفات اللازمة لا تفتقر إلى وسط وهي البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو ~~الدليل. # وأما ما ظنه بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطا في نفس الأمر بين ~~اللازم القريب واللازم البعيد فهذا خطأ. ومع هذا يستبين حصول المراد على ~~التقديرين فنقول إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا ~~يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم ~~بثبوته له وإن كان بينهما وسط فذلك الوسط إن كان لزومه للملزوم الأول ولزوم ~~الثاني له بينا لم يفتقر إلى وسط ثان. وإن كان أحد الملزومين غير بين بنفسه ~~احتاج إلى وسط وإن لم يكن واحد منهما بينا؛ احتاج إلى وسطين؛ وهذا الوسط هو ~~حد يكفي فيه مقدمة واحدة فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر؛ فقيل له ~~لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV09P179 # {كل مسكر خمر} أو {كل مسكر حرام} فهذا الأوسط وهو قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له إلى وسط ولا يفتقر ~~لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى وسط فإن كل أحد يعلم أنه ~~إذا حرم كل مسكر ms2832 حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه وكل مؤمن يعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا حرم شيئا حرم. ولو قال الدليل على تحريمه أنه مسكر ~~فالمخاطب إن كان يعرف أن ذلك مسكر والمسكر محرم سلم له التحريم ولكنه غافل ~~عن كونه مسكرا أو جاهل بكونه مسكرا وكذلك إذا قال: لأنه خمر فإن أقر أنه ~~خمر ثبت التحريم وإذا أقر بعد إنكاره فقد يكون جاهلا فعلم أو غافلا فذكر ~~فليس كل من علم شيئا كان ذاكرا له. # ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين هل هو كاف في العلم ~~بالنتيجة أم لا بد من التفطن لأمر ثالث؟ وهذا الثاني هو قول ابن سينا ~~وغيره. قالوا: لأن الإنسان قد يكون عالما بأن البغلة لا تلد ثم يغفل عن ~~ذلك. ويرى بغلة منتفخة البطن. فيقول: أهذه حامل أم لا؟ فيقال له: أما تعلم ~~أنها بغلة؟ فيقول: بلى. ويقال له: أما تعلم أن البغلة لا تلد؟ فيقول: بلى. ~~قال فحينئذ يتفطن لكونها لا تلد. ونازعه الرازي وغيره وقالوا: هذا ضعيف؛ ~~لأن اندراج إحدى المقدمتين تحت الأخرى إن كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك ~~مقدمة أخرى لا بد فيها من الإنتاج ويكون الكلام في كيفية التئامها مع ~~الأوليين كالكلام في # PageV09P180 # كيفية التئام الأوليين ويفضي ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات. ~~وإن لم يكن ذلك معلوما مغايرا للمقدمتين؛ استحال أن يكون شرطا في الإنتاج ~~لأن الشرط مغاير للمشروط. وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطا. وأما حديث البغلة ~~فذلك إنما يمكن إذا كان الحاضر في الذهن إحدى المقدمتين فقط إما الصغرى ~~وإما الكبرى أما عند اجتماعهما في الذهن فلا نسلم أنه يمكن الشك أصلا في ~~النتيجة. قلت: و " حقيقة الأمر " أن هذا النزاع لزمهم في ظنهم الحاجة إلى ~~مقدمتين لا في الإنتاج لأن الشرط مغاير للمشروط. وليس الأمر كذلك بل ~~المحتاج إليه ما به يعلم المطلوب سواء كان مقدمة أو اثنين أو ثلاثا ~~والمغفول عنه ليس بمعلوم حال الغفلة؛ فإذا تذكر صار معلوما بالفعل. وهنا ms2833 ~~الدليل هو العلم بأن البغلة لا تلد وهذه المقدمة كان ذاهلا عنها فلم يكن ~~عالما بها العلم الذي تحصل به الدلالة فإن المغفول عنه لا يدل حينما يكون ~~مغفولا عنه بل إنما يدل حال كونه مذكورا. إذ هو بذلك يكون معلوما علما ~~حاضرا. والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان؛ لأن ذلك يناقض حقيقة العلم ~~كما أنه منزه عن السنة والنوم لأن ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية فإن ~~النوم أخو الموت ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون. ويلهمون ~~التسبيح كما يلهم أحدنا النفس. # PageV09P181 # والمقصود هنا أن وجه الدليل العلم بلزوم المدلول له سواء سمي استحضارا أو ~~تفطنا أو غير ذلك؛ فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له؛ علم أنه دال عليه. ~~وهذا اللزوم إن كان بينا له. وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو اثنتين ~~أو ثلاث أو أكثر. والأوساط تتنوع بتنوع الناس. فليس ما كان وسطا مستلزما ~~للحكم في حق هذا. هو الذي يجب أن يكون وسطا في حق الآخر بل قد يحصل له وسط ~~آخر فالوسط هو الدليل وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم وهما ~~المحكوم والمحكوم عليه فإن الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكما له ~~والأواسط - التي هي الأدلة - مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من ~~الهداية كما إذا كان الوسط خبرا صادقا فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر لهذا. ~~وإذا رئي الهلال وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس فأشاعوا ذلك في البلد ~~فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين أخبروا غيرهم. والقرآن ~~والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير وسائط غيرهم لا ~~سيما في القرن الثاني والثالث. فهؤلاء لهم مقرئون ومعلمون ولهؤلاء مقرئون ~~ومعلمون وهؤلاء كلهم وسائط وهم الأوساط بينهم وبين معرفة ما قاله الرسول ~~وفعله وهم الذين دلوهم على ذلك بأخبارهم وتعليمهم. وكذلك المعلومات التي ~~تنال بالعقل أو الحس إذا نبه عليها منبه أو أرشد إليها مرشد وأما من جعل ~~الوسط ms2834 في اللوازم هو الوسط في نفس ثبوتها # PageV09P182 # للموصوف. فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه وبتقدير صحته؛ فالوسط ~~الذهني أعم من الخارجي كما أن الدليل أعم من العلة؛ فكل علة يمكن الاستدلال ~~بها على المعلول؛ وليس كل دليل يكون علة في نفس الأمر وكذلك ما كان متوسطا ~~في نفس الأمر أمكن جعله متوسطا في الذهن فيكون دليلا ولا ينعكس لأن الدليل ~~هو ما كان مستلزما للمدلول فالعلة المستلزمة للمعلول يمكن الاستدلال بها؛ ~~والوسط الذي يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد هو مستلزم لذلك اللازم ~~فيمكن الاستدلال به فتبين أنه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب ~~بمقدمة واحدة إذا لم يحتج إلى غيرها وقد لا يمكن إلا بمقدمات فيحتاج إلى ~~معرفتهن فإن تخصيص الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض ولهذا لا ~~تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله البيان ~~بمقدمتين لا أكثر ولا أقل ويجتهد في رد الزيادة إلى اثنتين. وفي تكميل ~~النقص بجعله مقدمتين إلا أهل منطق اليونان ومن سلك سبيلهم؛ دون من كان ~~باقيا على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار والتابعين ~~لهم بإحسان. وسائر أئمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل. ~~وكذلك أهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب إلا من اتبع في ذلك ~~هؤلاء المنطقيين كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل؛ وما ~~استفادوا بما تلقوه عنهم علما إلا عما يستغنى عن باطل كلامهم أو ما # PageV09P183 # يضر ولا ينفع لما فيه من الجهل أو التطويل الكثير. ولهذا لما كان ~~الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على مقدمات؛ كانت ~~طريقة نظار المسلمين أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ما يحتاجون إليه؛ ~~ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا مقدمتين؛ كما يفعله من يسلك سبيل ~~المنطقيين بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم لأنفسهم؛ ~~ومناظرتهم لغيرهم تعليما وإرشادا ومجادلة على ما ذكرت؛ وكذلك سائر أصناف ~~العقلاء من أهل الملل وغيرهم إلا ms2835 من سلك طريق هؤلاء. وما زال نظار المسلمين ~~يعيبون طريق أهل المنطق؛ ويبينون ما فيها من العي واللكنة وقصور العقل وعجز ~~النطق؛ ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلي واللساني أقرب منها إلى تقويم ~~ذلك. ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ومناظرتهم لا مع من يوالونه ولا مع من ~~يعادونه. وإنما كثر استعمالها من زمن " أبي حامد ". فإنه أدخل مقدمة من ~~المنطق اليوناني في أول كتابه " المستصفى " وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من ~~عرف هذا المنطق. وصنف فيه " معيار العلم " و " محك النظر "؛ وصنف كتابا ~~سماه " القسطاس المستقيم " ذكر فيه خمس موازين: الثلاث الحمليات؛ والشرطي ~~المتصل والشرطي المنفصل. وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين # PageV09P184 # وذكر أنه خاطب بذلك بعض أهل التعليم وصنف كتابا في تهافتهم وبين كفرهم ~~بسبب مسألة قدم العالم وإنكار العلم بالجزئيات وإنكار المعاد؛ وبين في آخر ~~كتبه؛ أن طريقهم فاسدة؛ لا توصل إلى يقين؛ وذمها أكثر مما ذم طريقة ~~المتكلمين. وكان أولا يذكر في كتبه كثيرا من كلامهم: إما بعبارتهم؛ وإما ~~بعبارة أخرى ثم في آخر أمره بالغ في ذمهم؛ وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل ~~والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريق المتكلمين؛ ومات وهو مشتغل ~~بالبخاري ومسلم. والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول؛ ما حصل له مقصوده؛ ولا ~~أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة؛ ولم يغن عنه المنطق شيئا. ولكن بسبب ~~ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون المنطق ~~اليوناني في علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن أنه لا ~~طريق إلا هذا وإن ما ادعوه من الحد والبرهان هو أمر صحيح مسلم عند العقلاء ~~ولا يعلم أنه ما زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ~~ويطعنون فيه. وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة وجمهور المسلمين ~~يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في أهله مما ~~يناقض العلم والإيمان ويفضي بهم الحال إلى ms2836 أنواع من الجهل والكفر والضلال. ~~والمقصود هنا أن ما يدعونه من توقف كل مطلوب على مقدمتين لا أكثر # PageV09P185 # ليس كذلك وهم يسمون القياس الذي حذفت إحدى مقدمتيه قياس الضمير ويقولون ~~إنها قد تحذف إما للعلم بها وإما غلطا أو تغليطا. فيقال إذا كانت معلومة ~~كانت كغيرها من المقدمات المعلومة وحينئذ فليس إضمار مقدمة بأولى من إضمار ~~ثنتين وثلاث وأربع؛ فإن جاز أن يدعي في الدليل الذي لا يحتاج إلا إلى مقدمة ~~أن الأخرى تضمر محذوفة جاز أن يدعي فيما يحتاج إلى ثنتين أن الثالثة محذوفة ~~وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث وليس لذلك حد ومن تدبر هذا وجد الأمر كذلك ولهذا ~~لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج اليقينية ~~بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم ما يوجد في كلام أهل المنطق ~~بل من سلك طريقهم كان من المضيقين في طريق العلم عقولا وألسنة ومعانيهم من ~~جنس ألفاظهم تجد فيها من الركة والعي ما لا يرضاه عاقل. # وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته أعني الفيلسوف الذي ~~في الإسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا: لبعض أعيان القضاة ~~الذين كانوا في زماننا: ابن سينا من فلاسفة الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام ~~فلاسفة. كان يعقوب يقول في أثناء كلامه العدم فقد وجود كذا وأنواع هذه ~~الإضافات. ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن ~~سينا وغيره. فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم وإلا فلو مشى على ~~طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين # PageV09P186 # لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم وهم أكثر ما ينفقون على من لم ~~يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم أو يفهم بعض ما يقولونه أو أكثره أو ~~كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وما يعرف بالعقول السليمة وما قاله سائر العقلاء مناقضا لما قالوه. وهو ~~إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ومشقة واقترن بها حسن ms2837 ظن فتورط من ~~ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله. ثم إن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا ~~من الفضلاء الذين أحسنوا بهم الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب ~~رجوعهم عنهم وتبرؤهم منهم. بل وردهم عليهم وإلا بقي من الضلال. وضلالهم في ~~الإلهيات ظاهر لأكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة. وإنما ~~المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه ولم يعرفوا ما ~~قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه واتفق أن فيه أمورا ظاهرة مثل الشكل الأول ~~ولا يعرفون أن ما فيه من الحق لا يحتاج إليهم فيه بل طولوا فيه الطريق ~~وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق وليس المقصود في ~~هذا المقام بيان ما أخطئوا في إثباته بل ما أخطئوا في نفيه حيث زعموا أن ~~العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس. # وجعلوا أصناف الحجج " ثلاثة ": القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا أن ~~التمثيل لا يفيد اليقين وإنما يفيد القياس الذي تكون مادته # PageV09P187 # من القضايا التي ذكروها. وقد بينا في غير هذا الموضع: أن قياس التمثيل ~~وقياس الشمول متلازمان وأن ما حصل بأحدهما عن علم أو ظن حصل بالآخر مثله ~~إذا كانت المادة واحدة. والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل إذا كانت ~~المادة يقينية سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول ~~فهي واحدة وسواء كانت صورة القياس اقترانيا أو استثنائيا - بعبارتهم أو بأي ~~عبارة شئت لا سيما في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل ~~وأوجز في اللفظ والمعنى واحد -. وجد هذا في أظهر الأمثلة إذا قلت: هذا ~~إنسان وكل إنسان مخلوق أو حيوان أو حساس أو متحرك بالإرادة أو ناطق أو ما ~~شئت من لوازم الإنسان فإن شئت صورت الدليل على هذه الصورة وإن شئت قلت: هو ~~إنسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في ~~الإنسانية المستلزمة لهذه الصفات وإن شئت قلت هذا إنسان والإنسانية ms2838 مستلزمة ~~لهذه الأحكام فهي لازمة له وإن شئت قلت: إن كان إنسانا فهو متصف بهذه ~~الصفات اللازمة للإنسان؛ وإن شئت قلت: إما أن يتصف بهذه الصفات وإما أن لا ~~يتصف والثاني باطل؛ فتعين الأول؛ لأن هذه لازمة للإنسان لا يتصور وجوده ~~بدونها. وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا؛ إذا كان استقراء تاما. وحينئذ ~~فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد وهذا # PageV09P188 # ليس استدلالا بجزئي على كلي ولا بخاص على عام؛ بل استدلال بأحد ~~المتلازمين على الآخر فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلي العام ~~يوجب أن يكون لازما لذلك الكلي العام. فقولهم: إن هذا استدلال بخاص جزئي ~~على عام كلي ليس بحق؛ وكيف ذلك. والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول؟ ~~فإنه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه؛ ولم يكن المدلول لازما له؛ ~~لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل؛ نعلم ثبوت المدلول معه؛ إذا علمنا أنه ~~تارة يكون معه؛ وتارة لا يكون معه؛ فإنا إذا علمنا ذلك؛ ثم قلنا إنه معه ~~دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين. وهذا اللزوم الذي نذكره ههنا يحصل به ~~الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم. وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر؛ كانت ~~الدلالة أقوى وأتم وأظهر: كالمخلوقات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فإنه ~~ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا ~~بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته وكل مخلوق دال على ذلك كله. وإذا ~~كان المدلول لازما للدليل فمعلوم أن اللازم إما أن يكون مساويا للملزوم ~~وإما أن يكون أعم منه فالدليل لا يكون إلا أعم منه وإذا قالوا في القياس ~~يستدل بالكلي على الجزئي فليس الجزئي هو الحكم المدلول عليه وإنما الجزئي ~~هو الموصوف المخبر عنه بمحل الحكم فهذا قد يكون أخص من الدليل وقد يكون ~~مساويا له بخلاف الحكم الذي هو صيغة هذا وحكمه الذي أخبر به عنه فإنه لا ~~يكون إلا أعم من الدليل أو مساويا له ms2839 فإن ذلك هو المدلول اللازم للدليل ~~والدليل هو لازم للمخبر عنه الموصوف. # PageV09P189 # فإذا قيل: النبيذ حرام لأنه خمر فكونه خمرا هو الدليل وهو لازم للنبيذ ~~والتحريم لازم للخمر والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت كل النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر أو خمر وكل خمر حرام فأنت لم تستدل بالمسكر أو الخمر ~~الذي هو كلي على نفس محل النزاع الذي هو أخص من الخمر والنبيذ فليس هو ~~استدلالا بذلك الكلي على الجزئي بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ فلما ~~كان تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال: من قال إنه استدلال ~~بالكلي على الجزئي. و " التحقيق " أن ما ثبت للكلي فقد ثبت لكل واحد من ~~جزئياته والتحريم هو أعم من الخمر وهو ثابت لها فهو ثابت لكل فرد من ~~جزئياتها فهو استدلال بكلي على ثبوت كلي آخر لجزئيات ذلك الكلي. وذلك ~~الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلي وهو كلي بالنسبة إلى تلك الجزئيات ~~وهذا مما ما لا ينازعون فيه؛ فإن الدليل هو الحد الأوسط وهو أعم من الأصغر ~~أو مساو له والأكبر أعم منه أو مساو له؛ والأكبر هو الحكم والصفة والخبر. ~~وهو محمول النتيجة. والأصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ. وهو موضوع ~~النتيجة. # وأما قولهم في التمثيل: إنه استدلال بجزئي على جزئي. فإن أطلق ذلك وقيل: ~~إنه استدلال بمجرد الجزئي على الجزئي. فهذا غلط. فإن " قياس التمثيل " إنما ~~يدل بحد أوسط: وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة. فإنه ~~قياس علة أو قياس دلالة. # PageV09P190 # وأما " قياس الشبه ": فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما فإن الجامع المشترك ~~بين الأصل والفرع إما أن يكون هو العلة أو ما يستلزم العلة وما استلزمها لم ~~يكن الاشتراك فيه مقتضيا للاشتراك في الحكم بل كان المشترك قد تكون معه ~~العلة وقد لا تكون. فلا نعلم صحة القياس بل لا يكون صحيحا إلا إذا اشتركا ~~فيها. ونحن لا نعلم الاشتراك فيها إلا إذا علمنا اشتراكهما فيها أو في ~~ملزومها ms2840 فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فإذا قدرنا أنهما لم يشتركا في ~~الملزوم ولا فيها كان القياس باطلا قطعا لأنه حينئذ تكون العلة مختصة ~~بالأصل وإن لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس وقد يعلم صحة القياس بانتفاء ~~الفارق بين الأصل والفرع وإن لم تعلم عين العلة ولا دليلها فإنه يلزم من ~~انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم وإذا كان قياس التمثيل إنما يكون تاما ~~بانتفاء الفارق. أو بإبداء جامع وهو كلي يجمعهما يستلزم الحكم وكل منهما ~~يمكن تصويره بصورة قياس الشمول وهو يتضمن لزوم الحكم للكلي ولزوم الكلي ~~لجزئياته وهذا حقيقة قياس الشمول. ليس ذلك استدلالا بمجرد ثبوته لجزئي على ~~ثبوته لجزئي آخر. فأما إذا قيل: بم يعلم أن المشترك مستلزم للحكم؟ قيل: بما ~~تعلم به القضية الكبرى في القياس فبيان الحد الأوسط هو المشترك الجامع ~~ولزوم الحد الأكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما تقدم التنبيه على ~~هذا وقد يستدل بجزئي على جزئي إذا كانا متلازمين أو كان أحدهما ملزوم # PageV09P191 # الآخر من غير عكس فإن كان اللزوم عن الذات كانت الدلالة على الذات وإن ~~كان في صفة أو حكم كانت الدلالة على الصفة أو الحكم فقد تبين ما في حصرهم ~~من الخلل. وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة فكلها تعود إلى ما ذكر في ~~استلزام الدليل للمدلول. وما ذكروه في " الاقتراني " يمكن تصويره بصورة " ~~الاستثنائي ". وكذلك " الاستثنائي " يمكن تصويره بصورة " الاقتراني " فيعود ~~الأمر إلى معنى واحد وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صورة القياس الذي ~~ذكروه بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء ~~صورت بصورة قياس أو لم تصور وسواء عبر عنها بعباراتهم أو بغيرها. بل ~~العبارات التي صقلتها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير. ~~و " الاقتراني " كله يعود إلى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا كما ذكر. وهذا بعينه ~~هو " الاستثنائي " المؤلف من المتصل والمنفصل؛ فإن الشرطي المتصل استدلال ~~باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم ms2841 الذي هو ~~التالي وهو الجزاء أو بانتفاء اللازم وهو التالي الذي هو الجزاء على انتفاء ~~الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط. وأما " الشرطي المنفصل " وهو الذي يسميه ~~الأصوليون " السبر # PageV09P192 # والتقسيم " وقد يسميه أيضا الجدليون " التقسيم والترديد " فمضمونه ~~الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر وبانتفائه على ثبوته. و " ~~أقسامه أربعة ". ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الأربعة وهو ~~- أنه إن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذا الآخر وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا ~~الآخر - ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر ~~والأمران متنافيان ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم والنقيضان لا يرتفعان ~~فمنعت الخلو منهما ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر؛ ليس هو وجود الشيء وعدمه ~~ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازما للآخر وإن كانا لا يرتفعان لأن ~~ارتفاعهما يقتضي ارتفاع وجود شيء وعدمه معا. وبالجملة ما من شيء إلا وله ~~لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى ~~انتفائه بانتفاء لازمه ويستدل على انتفائه بوجود منافيه ويستدل بانتفاء ~~منافيه على وجوده إذا انحصر الأمر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن ~~وجودهما جميعا. وهذا الاستدلال يحصل منه العلم بأحوال الشيء وملزومها ~~ولازمها وإذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته في أنواع ~~صور الأدلة لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في القياس فضلا عما ~~سموه البرهان؛ فإن البرهان شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ذكروها ~~وأخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات وحكم الفطرة بهما - ~~لا سيما بما سموه وهميات - أعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها ~~مواد البرهان. # PageV09P193 # وقد بسطت القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما أخرجوه يخرج ~~به ما ينال به أشرف العلوم من العلوم النظرية والعلوم العملية ولا يبقى ~~بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان. ولولا أن هذا ~~الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا وما أوردته عليهم لذكرته فقد ذكرت ms2842 ~~ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية فإنها هي المطلوبة. # والكلام في " المنطق " إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها ~~الذهن أن يزل في فكره فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة. هل هي كما قالوا؛ أو ~~ليس الأمر كذلك؟ ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقوالهم ما يتبين به ~~ضلالهم وعجز عن دفع ذلك يقول: هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف سنة ~~وقبلها الفضلاء. فيقال له عن هذا أجوبة: # أحدها: أنه ليس الأمر كذلك. فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ~~ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم. فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير ~~معروف وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره. فأما أيام ~~الإسلام فإن كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية ~~والإلهية بل والطبيعية والرياضية كثير قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار ~~المسلمين حتى الرافضة # PageV09P194 # وأما شهادة سائر طوائف أهل الإيمان والعلماء بضلالهم وكفرهم فهذا البيان ~~عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون شهداء الله في الأرض فإذا كان أعيان ~~الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان معلنين بتخطئتهم ~~وتضليلهم إما جملة وإما تفصيلا امتنع أن يكون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم ~~بالقبول. (الوجه الثاني) : أن هذا ليس بحجة فإن الفلسفة التي كانت قبل ~~أرسطو وتلقاها من قبله بالقبول طعن أرسطو في كثير منها وبين خطأهم وابن ~~سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم وبينوا خطأهم ورد ~~الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض. وأبو البركات ~~وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله؛ لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس ~~قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين. (والثالث) : أن دين عباد الأصنام ~~أقدم من فلسفتهم وقد دخل فيه من الطوائف أعظم ممن دخل في فلسفتهم وكذلك دين ~~اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو ودين النصارى المبدل قريب من زمن أرسطو ~~فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة ms2843 فإنه كان في زمن الإسكندر بن ~~فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي يستعمله اليهود والنصارى. # PageV09P195 # (الرابع) : أن يقال: فهب أن الأمر كذلك. فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها ~~تقليد لقائل وإنما تعلم بمجرد العقل فلا يجوز أن تصحح بالنقل؛ بل ولا يتكلم ~~فيها إلا بالمعقول المجرد فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم ~~يجز رده؛ فإن أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عن شيء يجب تصديقه بل عن عقل محض ~~فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح. # فصل: # وقد احتجوا بما ذكروه من أن الاستقراء دون القياس الذي هو قياس الشمول ~~وأن قياس التمثيل دون الاستقراء فقالوا: إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن ~~وأن المحكوم عليه قد يكون جزئيا بخلاف الاستقراء فإنه قد يفيد اليقين ~~والمحكوم عليه لا يكون إلا كليا. قالوا: وذلك أن الاستقراء هو الحكم على ~~كلي بما تحقق في جزئياته فإن كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما ~~كالحكم على المتحرك بالجسمية لكونها محكوما بها على جميع جزئيات المتحرك من ~~الجماد والحيوان والنبات والناقص كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل تحرك فكه ~~الأسفل عند المضغ لوجود ذلك في أكثر جزئياته. ولعله فيما لم يستقرأ على ~~خلافه # PageV09P196 # كالتمساح والأول ينتفع به في اليقينيات بخلاف الثاني وإن كان منتفعا به ~~في الجدليات. وأما " قياس التمثيل ": فهو الحكم على شيء بما حكم به على ~~غيره بناء على جامع مشترك بينهما كقولهم: العالم موجود فكان قديما كالباري. ~~أو هو جسم فكان محدثا كالإنسان وهو مشتمل على فرع وأصل وعلة وحكم فالفرع ما ~~هو مثل العالم في هذا المثال والأصل ما هو مثل الباري أو الإنسان والعلة ~~الموجود أو الجسم والحكم القديم أو المحدث. قالوا: ويفارق الاستقراء من جهة ~~أن المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا والمحكوم عليه في الاستقراء لا يكون إلا ~~كليا. قالوا: وهو غير مفيد لليقين. فإنه ليس من ضرورة اشتراك أمرين فيما ~~يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما؛ إلا أن يبين أن ما به ms2844 الاشتراك ~~علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظني فإن المساعد على ذلك في العقليات عند ~~القائلين به لا يخرج عن الطرد والعكس والسبر والتقسيم. أما الطرد والعكس: ~~فلا معنى له غير تلازم الحكم والعلة وجودا وعدما ولا بد في ذلك من ~~الاستقراء ولا سبيل إلى دعواه في الفرع إذ هو غير # PageV09P197 # المطلوب فيكون الاستقراء ناقصا لا سيما ويجوز أن تكون علة الحكم في الأصل ~~مركبة من أوصاف المشترك ومن غيرها ويكون وجودها في الأوصاف متحققا فيها ~~فإذا وجد المشترك في الأصل ثبت الحكم لكمال علته وعند انتفائه فينتفي ~~لنقصان العلة وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع ثبوت الحكم لجواز ~~تخلف باقي الأوصاف أو بعضها. وأما " السبر والتقسيم ": فحاصله يرجع إلى ~~دعوى حصر أوصاف الأصل في جملة معينة وإبطال كل ما عدا المستبقى. وهو أيضا ~~غير يقيني لجواز أن يكون الحكم ثابتا في الأصل لذات الأصل لا لخارج وإلا ~~لزم التسلسل؛ وإن ثبت لخارج فمن الجائز أن يكون لغيرها أبدا؛ وإن لم يطلع ~~عليه مع البحث عنه وليس الأمر كذلك في العاديات فإنا لا نشك مع سلامة البصر ~~وارتفاع الموانع في عدم بحر زئبق وجبل من ذهب بين أيدينا؛ ونحن لا نشاهده؛ ~~وإن كان منحصرا فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق ~~له في الفرع وثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف ~~المقارنة له في الأصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون في تلك ~~معللا بعلة أخرى ولا امتناع فيه وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة ~~لخصوصه لا لعمومه وإن بين أن ذلك الوصف يلزم لعموم ذاته الحكم فمع بعده ~~يستغنى عن التمثيل. # PageV09P198 # قالوا: والفراسة البدنية هي عين التمثيل غير أن الجامع فيها بين الأصل ~~والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء بقياس الدلالة فإنها ~~استدلال بمعلول العلة على ثبوتها ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها الآخر. ~~إذ مبناها على أن ms2845 المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر. فيستدل بالخلق الظاهر ~~على المزاج ثم بالمزاج على الخلق الباطن كالاستدلال بعرض الأعلى على ~~الشجاعة بناء على كونهما معلولي مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد ثم ~~إثبات العلة في الأصل لا بد فيها من الدوران أو التقسيم كما تقدم وإن قدر ~~أن علة الحكمين في الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت أحدهما في الفرع بغير علة ~~الأصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الآخر. هذا كلامهم. فيقال: تفريقهم بين قياس ~~الشمول وقياس التمثيل؛ بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن ~~فرق باطل. بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين. وحيث لا يفيد ~~أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن. فإن إفادة الدليل لليقين أو الظن ~~ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر. بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد ~~اليقين. فإن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين. ~~وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن. والذي يسمى في ~~أحدهما حدا أوسط: هو في الآخر الوصف المشترك والقضية الكبرى المتضمنة لزوم ~~الحد الأكبر للأوسط: هو بيان تأثير الوصف # PageV09P199 # المشترك بين الأصل والفرع. فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن ~~الجامع المشترك مستلزم للحكم. فلزوم الأكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك. ~~فإذا قلت: النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة ~~وهذا الوصف موجود في النبيذ؛ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام. ~~فالنتيجة: قولك: النبيذ حرام؛ والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر؛ والحرام ~~محمولها وهو الحد الأكبر؛ والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو ~~الحد الأوسط: المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى. فإذا قلت: النبيذ حرام ~~قياسا على خمر العنب؛ لأن العلة في الأصل هو الإسكار وهو موجود في الفرع ~~فثبت التحريم لوجود علته؛ فإنما استدللت على تحريم النبيذ بالسكر وهو الحد ~~الأوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الأصل الذي يثبت به ms2846 الفرع؛ وهذا لأن ~~شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي. ~~وإذا قام الدليل على تأثير الوصف المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجا إليه. ~~والقياس لا يخلو: إما أن يكون بإبداء الجامع أو بإلغاء الفارق و " الجامع " ~~إما العلة وإما دليلها وإما القياس بإلغاء الفارق فهنا إلغاء الفارق هو ~~الحد الأوسط. # PageV09P200 # فإذا قيل: هذا مساو لهذا. ومساوي المساوي مساو؛ كانت المساواة هي الحد ~~الأوسط؛ وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة. فإذا قيل: لا فرق بين الفرع ~~والأصل إلا كذا وهو متعذر فهو بمنزلة قولك هذا مساو لهذا. وحكم المساوي حكم ~~مساويه. # وأما قولهم: كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم فظني. فيقال: لا ~~نسلم. فإن هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا. ثم نقول: الذي يدل به على ~~علية المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل به على صدق ~~الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس التمثيل سواء كان ~~علميا أو ظنيا. فإن الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الأوسط ولزوم الحكم ~~له هو لزوم الأكبر للأوسط ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك ~~للأصغر وهو ثبوت العلة في الفرع. فإذا كان الوصف المشترك. وهو المسمى ~~بالجامع والعلة أو دليل العلة أو المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك ~~الوصف ثابتا في الفرع لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى. وإذا ~~كان الحكم ثابتا للوصف لازما له؛ كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى. وذكر ~~الأصل يتوصل به إلى إثبات # PageV09P201 # إحدى المقدمتين؛ فإن كان القياس بإلغاء الفارق فلا بد من الأصل المعين؛ ~~فإن المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق هو الحد الأوسط ~~وإن كان القياس بإبداء العلة؛ فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال ~~على علية الوصف لا يفتقر إليه وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر ~~الأصل؛ لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك؛ وهو الحد ms2847 الأكبر. وهؤلاء ~~الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول أخذوا يظهرون كون أحدهما ظنيا ~~في مواد معينة وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في قياس التمثيل لا تفيد ~~إلا الظن في قياس الشمول. وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس ~~الشمول؛ أفاد اليقين في قياس التمثيل أيضا. وكان ظهور اليقين به هناك أتم. ~~فإذا قيل في قياس الشمول: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم؛ كان ~~الحيوان هو الحد الأوسط، وهو المشترك في قياس التمثيل؛ بأن يقال الإنسان ~~جسم قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات؛ فإن كون تلك الحيوانات حيوانا هو ~~مستلزم لكونها أجساما. وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل؛ فقيل له لا نسلم ~~أن الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم. وذلك أن ~~المشترك بين الأصل والفرع إذا سمي علة؛ فإنما يراد به ما يستلزم الحكم؛ ~~سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج؛ أو كان مستلزما لذلك. # PageV09P202 # ومن الناس من يسمي الجميع علة؛ لا سيما من يقول إن العلة إنما يراد بها ~~المعرف؛ وهو الأمارة والعلامة والدليل؛ لا يراد بها الباعث والداعي ومن قال ~~إنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث فإنه يقول ذلك في علل الأفعال. وأما غير ~~الأفعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الإنسانية للحيوانية ~~والحيوانية للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر على أنا قد ~~بينا في غير هذا الموضع؛ أن ما به يعلم كون الحيوان جسما؛ يعلم أن الإنسان ~~جسم حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها؛ وأن ما ~~به يعلم صدق الكبرى في العقليات؛ يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى. بل ~~وبذلك يعلم صدق النتيجة. ثم قال: وتناقضهم وفساد قولهم أكثر من أن يذكر. ~~والمقصود هنا الكلام على " المنطق ". وما ذكروه من البرهان. وأنهم يعظمون ~~قياس الشمول. ويستخفون بقياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن. وأن ~~العلم لا يحصل إلا بذاك. وليس الأمر كذلك. ms2848 بل هما في الحقيقة من جنس واحد. ~~وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس ~~الشمول ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل أكثر مما يستدلون ~~بقياس الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل ~~وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فإنه يحتج به على صحة ~~قياس التمثيل في تلك # PageV09P203 # الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ فإنه من أشهر ~~أقوالهم الفاسدة الإلهية. وأما الأقوال الصحيحة فهذا أيضا ظاهر فيها: فإن ~~قياس الشمول لا بد فيه من قضية كلية موجبة فلا نتاج عن سالبتين ولا عن ~~جزئيتين باتفاقهم. والكلي لا يكون كليا إلا في الذهن فإذا عرف تحقق بعض ~~أفراده في الخارج كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا فإنه إذا ~~أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما إذا كثرت ~~أفراده والعلم بثبوت الوصف المشترك لأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية ~~الكلية. وحينئذ فالقياس التمثيلي أصل للقياس الشمولي. إما أن يكون سببا في ~~حصوله وإما أن يقال لا يوجد بدونه فكيف يكون وحده أقوى منه. وهؤلاء يمثلون ~~الكليات بمثل قول القائل: الكل أعظم من الجزء والنقيضان لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه ~~الكليات إلا وقد علم من أفراده الخارجة أمور كثيرة وإذا أريد تحقيق هذه ~~الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها وبين انتفاء الفارق بينه ~~وبين غيره أو ثبوت الجامع. وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك ~~الكلي. وهذا حقيقة قياس التمثيل. # PageV09P204 # ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل وأن العلم بالقضايا ~~الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا فلا يمكن أن يقال إذا علم الكلي مع ~~العلم بثبوت بعض أفراده في الخارج كان أنقص من أن يعلمه بدون العلم بذلك ~~المعين فإن العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا؛ فتبين ms2849 أن ما نفوه من صورة ~~القياس أكمل مما أثبتوه. واعلم أنهم في " المنطق الإلهي " بل و " الطبيعي " ~~غيروا بعض ما ذكره أرسطو لكن ما زادوه في الإلهي هو خير من كلام أرسطو فإني ~~قد رأيت الكلامين. وأرسطو وأتباعه في الإلهيات أجهل من اليهود والنصارى ~~بكثير كثير. وأما في الطبيعيات فغالب كلامه جيد. وأما المنطق فكلامه فيه ~~خير من كلامه في الإلهي. وما ذكروه من تضعيف " قياس التمثيل " إنما هو من ~~كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا ~~في المواد الظنية وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس فلو صوروا ~~تلك المادة بقياس الشمول لم يفد أيضا إلا الظن لكن هؤلاء ظنوا أن الضعف من ~~جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا ومثلوه ~~بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية كما ~~مثلوه من الاحتجاج عليهم: بأن الفلك جسم مؤلف فكان محدثا قياسا على الإنسان ~~وغيره من المولدات ثم أخذوا يضعفون هذا القياس. لكن إنما # PageV09P205 # ضعفوه بضعف مادته؛ فإن هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم ~~من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا لكون ~~صورتها ظنية. ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة التمثيل أو الشمول. # فصل: # وأما (المقام الرابع) : وهو قولهم: إن القياس أو البرهان يفيد العلم ~~بالتصديقات فهو أدق المقامات. [وذلك أن خطأ المنطقيين في المقامات الثلاثة: ~~وهي منع إمكان التصور إلا بالحد وحصول التصور بالحد ومنع حصول التصديق ~~بالحد ومنع حصول التصديق بالقياس واضح بأدنى تدبر ومدركه قريب والعلم به ~~ظاهر] (*) . وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل وأظهرها خطأ دعواهم ~~أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ويليه قولهم إن شيئا ~~من التصديقات المطلوبة لا تنال إلا بما ذكروه من القياس فإن هذا النفي ~~العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا مع أنه معلوم ~~البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس ms2850 كما تحصل ~~تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد بخلاف هذا المقام PageV09P206 # الرابع " فإن كون القياس المؤلف من المقدمتين يفيد النتيجة هو أمر صحيح ~~في نفسه. لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني ~~المنسوب إلى أرسطو: أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ~~ليس فيه فائدة علمية. بل كل ما يمكن علمه بقياسهم يمكن علمه بدون قياسهم ~~فلم يكن في قياسهم ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة إلى ~~ما يمكن العلم بدونه. فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما وفيه تطويل ~~كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتضييع الزمان ~~وكثرة الهذيان والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق ~~المؤدية إلى العلم. قالوا: وهذا لا يفيد العلم المطلوب بل قد يكون من ~~الأسباب المعوقة له؛ لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ~~ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في ~~مدة قريبة بسعي معتدل فإذا قيض له من يسلك به التعاسيف: - والعسف في اللغة ~~الأخذ على غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة - فإنه ~~يتعب تعبا كثيرا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل وإلا فقد يصل إلى غير ~~المطلوب. فيعتقد اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب # PageV09P207 # ما يحصل له من التعب والإعياء فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح هذا إذا ~~بقي في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء. ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام ~~المنطقيين في زمانه الخونجي أنه قال عند موته: أموت ولا أعلم شيئا إلا علمي ~~بأن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف سلبي أموت وما علمت ~~شيئا. فهذا حالهم إذا كان منتهى أحدهم الجهل البسيط. وأما من كان منتهاه ~~الجهل المركب فكثير. والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له: أين أذنك؟ ~~فأدار يده على رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة. وقد كان ms2851 يمكنه أن يوصلها إلى ~~أذنه من تحت رأسه؛ وهو أقرب وأسهل. والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير ~~الفطرية كان تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل لرجل: اقسم هذه ~~الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فإن هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل: ~~اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب فإن ~~القسمة عكس الضرب فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر ~~والقسمة توزيع آحاد (أحد العددين على آحاد العدد الآخر. ولهذا إذا ضرب ~~الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم. وإذا قسم المرتفع بالضرب على ~~أحد المضروبين خرج المضروب الآخر. ثم يقال: ما ذكرته في حد الضرب لا يصح ~~فإنه إنما # PageV09P208 # يتناول ضرب العدد الصحيح دون المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال: الضرب ~~طلب جملة تكون نسبتها إلى أحد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ~~فإذا قيل: اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة ~~النصف إلى الواحد. فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال ~~يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور ~~هذا كله كان هذا تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد تعرض له ~~فيه إشكالات. فكذلك الدليل والبرهان هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى ~~المقصود وكلما كان مستلزما لغيره فإنه يمكن أن يستدل به عليه. ولهذا قيل: ~~الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن. فالمقصود أن كل ما ~~كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوما له؛ فإنه يكون دليلا عليه وبرهانا له - ~~سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا؛ فأبدا: الدليل ~~ملزوم للمدلول عليه؛ والمدلول لازم للدليل. ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة ~~متى علمت علم المطلوب؛ وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين؛ وقد يحتاج إلى ثلاث ~~مقدمات وأربع وخمس وأكثر؛ ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع ~~المطالب؛ بل ms2852 ذلك # PageV09P209 # بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك؛ وملزوماته. ~~فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب مقدمة واحدة؛ كان دليله الذي يحتاج ~~إلى بيانه له تلك المقدمة كمن علم أن الخمر محرم؛ وعلم أن النبيذ المتنازع ~~فيه مسكر؛ لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر. فهو لا يحتاج إلا إلى هذه ~~المقدمة. فإذا قيل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل ~~مسكر خمر} . حصل مطلوبه ولم يحتج إلى أن يقال: كل نبيذ مسكر. وكل مسكر خمر. ~~ولا أن يقال كل مسكر خمر وكل خمر حرام. فإن هذا كله معلوم له لم يكن يخفى ~~عليه إلا أن اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء ~~المسلمين أو هو شامل لكل مسكر فإذا ثبت له عن صاحب الشرع أنه جعله عاما لا ~~خاصا حصل مطلوبه. وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى بلفظين: {كل مسكر خمر} . ~~{وكل مسكر حرام} . ولم يقل: كل مسكر خمر وكل خمر حرام. كالنظم اليوناني. ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجل قدرا في علمه وبيانه من أن يتكلم بمثل ~~هذيانهم. فإنه إن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل. وإن قصد ~~بيان الدليل كما بين الله في القرآن عامة المطالب الإلهية التي تقرر ~~الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق ~~بالحق. وأحسنهم بيانا له. فعلم أنه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين. ~~ولا يكفي في جميعها # PageV09P210 # مقدمتان؛ بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة أو مقدمتين ~~أو أكثر. وما قصد به هدى عاما كالقرآن الذي أنزله الله بيانا للناس يذكر ~~فيه من الأدلة ما ينتفع به الناس عامة. وهذا إنما يمكن بيان أنواعها ~~العامة. وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام. بل هذا يزول ~~بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله. ~~ونظره ms2853 فيما يخص حاله ونحو ذلك. و " أيضا " فما يذكرونه من القياس لا يفيد ~~العلم بشيء معين من الموجودات ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد ~~منها بما هو أيسر من قياسهم. فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ~~ممكن بدون قياسهم. وربما كان أيسر. فإن العلم بالمعينات قد يكون أبين من ~~العلم بالكليات وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا: أن المطلوب هو العلم ~~والطريق إليه هو الدليل. فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم ~~أم لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ولا يقال إن قياسهم يعرف صحيح ~~الأدلة من فاسدها فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فإن حقيقة ~~قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته. وأما كون الدليل المعين مستلزما ~~لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض # PageV09P211 # له بنفي ولا إثبات وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها ~~الدليل. وليس في قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها. وإنما ~~يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ~~ما يصدق بها وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر. ~~والمقصود هنا: أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم ~~فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم. وإن لم يذكر لفظ ~~اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ. بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا أو أنه ~~إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم. كما يعرف أن كل ما في ~~الوجود آية لله فإنه مفتقر إليه محتاج إليه لا بد له من محدث كما قال ~~تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} قال جبير بن مطعم: لما سمعت ~~هذه الآية أحسست بفؤادي قد انصدع. فإن هذا تقسيم حاصر يقول: أخلقوا من غير ~~خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بداهة العقول أم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا ~~فعلم أن لهم خالقا ms2854 خلقهم. وهو سبحانه ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ~~ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن ~~لأحد إنكارها؛ فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا ~~يمكنه أن يقول: هذا أحدث نفسه. # PageV09P212 # وكثير من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى ~~مطلوب إلا بهذا الطريق؛ ولا يكون الأمر كما قاله في النفي؛ وإن كان مصيبا ~~في صحة ذلك الطريق فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله ~~على عقول الناس معرفة أدلته فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة ~~وأدلتها كثيرة جدا؛ وطرق الناس في معرفتها كثيرة. # وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف ~~غيره. أو من أعرض عن غيره. وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى ~~وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له؛ لأن نفسه اعتادت النظر في الأمور الدقيقة؛ ~~فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به؛ ومثل هذا قد ~~تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته؛ لا لكون ~~العلم بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا. فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه ~~جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد ~~امتاز عنهم بعلم. فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات. ~~ولهذا يرغب كثير من علماء السنة في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر ~~والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح في نفسه. و " علم ~~الفرائض نوعان ": أحكام وحساب. فالأحكام ثلاثة أنواع: علم الأحكام على مذهب ~~بعض الفقهاء وهذا أولها. ويليه علم أقاويل الصحابة فيما # PageV09P213 # اختلف فيه منها ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة. وأما " حساب ~~الفرائض " فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات. وهذا ~~الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كسائر حساب المعاملات وغير ذلك من ~~الأنواع التي يحتاج إليها الناس. ثم قد ذكروا حساب المجهول الملقب بحساب ~~الجبر والمقابلة في ذلك وهو ms2855 علم قديم لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ~~ذلك أول من عرف أنه أدخله فيها محمد بن موسى الخوارزمي. وبعض الناس يذكر عن ~~علي بن أبي طالب أنه تكلم فيه وأنه تعلم ذلك من يهودي وهذا كذب على علي. # ولفظ " الدور " يقال على ثلاثة أنواع: " الدور الكوني " الذي يذكر في ~~الأدلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا ولا يكون هذا حتى يكون هذا ~~وطائفة من النظار كانوا يقولون: هو ممتنع. والصواب أنه نوعان: كما يقوله ~~الآمدي وغيره " دور قبلي " و " دور معي " فالقبلي ممتنع وهو الذي يذكر في ~~العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك. مثل أن يقال: لا يجوز أن يكون كل من ~~الشيئين فاعلا للآخر لأنه يفضي إلى الدور وهو أنه يكون هذا قبل ذاك وذاك ~~قبل هذا. و " المعي " ممكن وهو دور الشرط مع المشروط. وأحد المتضايفين مع ~~الآخر مثل أن لا يكون الأبوة إلا مع البنوة ولا يكون البنوة إلا مع الأبوة. # PageV09P214 # النوع الثاني: الدور الحكمي الفقهي المذكور في المسألة السريجية وغيرها. ~~وقد أفردنا فيه مؤلفا وبينا أنه باطل عقلا وشرعا. وبينا هل في الشريعة شيء ~~من هذا الدور أم لا؟ . (الثالث: الدور الحسابي؛ وهو أن يقال لا يعلم هذا ~~حتى يعلم هذا. فهذا هو الذي يطلب حله بالحساب والجبر والمقابلة. وقد بينا ~~أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بدون ~~حساب الجبر والمقابلة. وإن كان حساب الجبر والمقابلة صحيحا فنحن قد بينا أن ~~شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا ~~وإن كان طريقا صحيحا. بل طرق الجبر والمقابلة فيها تطويل. يغني الله عنه ~~بغيره كما ذكرنا في المنطق. وهكذا كل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم ~~بالهلال؛ فكل هذا يمكن العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر. وإن كان كثير ms2856 من الناس قد ~~أحدثوا طرقا أخر؛ وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها. وهذا ~~من جهلهم كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة ~~أطوال البلاد وعروضها. وهو وإن كان علما صحيحا حسابيا يعرف بالعقل لكن ~~معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا. بل قد ثبت عن صاحب الشرع # PageV09P215 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما بين المشرق والمغرب قبلة} قال الترمذي: ~~حديث صحيح. ولهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلي ليس عليه أن يستدل ~~بالقطب ولا بالجدي ولا غير ذلك. بل إذا جعل من في الشام ونحوها المغرب عن ~~يمينه والمشرق عن شماله صحت صلاته. وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال ~~بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وأنه إذا اجتمع ~~القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور فهم ~~أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس. هذا ~~إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فإنهم يسمونه علم التقويم والتعديل؛ ~~لأنهم يأخذون أعلى مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله فيحسبونه فإذا قدر ~~أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ~~ولا انتفائها؛ لأن الرؤية أمر حسي لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره ~~وارتفاع النظر وانخفاضه وحدة البصر وكلاله فمن الناس من لا يراه. ويراه من ~~هو أحد بصرا منه ونحو ذلك. فلهذا كان قدماء علماء " الهيئة " كبطليموس صاحب ~~المجسطي وغيره لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل ~~كوشيار الديلمي ونحوه لما رأوا الشريعة جاءت باعتبار الرؤية. فأحبوا أن ~~يعرفوا ذلك بالحساب # PageV09P216 # فضلوا وأضلوا. ومن قال إنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر ونحو ذلك. ~~فقد أخطأ. فإن من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك ~~فلا العقل اعتبروا ولا الشرع عرفوا. ولهذا أنكر ذلك عليهم حذاق صناعتهم. ثم ~~قال: ms2857 فصورة القياس لا تدفع صحتها لكن نبين أنه لا يستفاد به علم ~~بالموجودات. كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل. فهو ~~وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه يقين مطلوب بشيء من الموجودات. فنقول: ~~إن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة لا ريب أنه يفيد اليقين فإذا قيل كل ~~أب وكل ب ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم ~~بأن كل أج لكن يقال ما ذكروه من كثرة الأشكال وشرط نتاجها تطويل قليل ~~الفائدة كثير التعب. فإنه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول ~~الفطري فبقية الأشكال لا يحتاج إليها وهي إنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول ~~إما بإبطال النقيض الذي يتضمنه قياس الخلف وإما بالعكس المستوي أو عكس ~~النقيض فإن ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر. إذا رد على التناقض من ~~كل وجه. فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقضها وعلى ثبوت عكسها المستوي ~~وعكس نقيضها بل تصور الذهن # PageV09P217 # لصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق والعقار. والفطرة ~~تتصور القياس الصحيح من غير تعليم. والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة ~~التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه والمنطقيون قد يسلمون ~~ذلك. والحاصل أنا لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده يقينية؛ ~~لكن نقول: إن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقي؛ بل يحصل ~~بدون ذلك فلا يكون شيء من العلم متوقفا على هذا القياس. ثم المواد اليقينية ~~التي ذكروها لا يحصل بها علم بالأمور الموجودة فلا يحصل بها مقصود تزكو به ~~النفوس بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ~~ما يحصل بقياس التمثيل. فلا يمكن قط أن يتحصل بالقياس الشمولي المنطقي الذي ~~يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل بقياس التمثيل الذي يستضعفونه. فإن ذلك ~~القياس لا بد فيه من قضية كلية. # والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في ~~القدر المشترك وهذا يحصل ms2858 بقياس التمثيل. ونحن نبين ذلك بوجوه: # الأول: أن المواد اليقينية قد حصروها في الأصناف المعروفة عندهم. # PageV09P218 # أحدها: الحسيات، ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرا كليا عاما أصلا فليس في ~~الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في البرهان اليقيني. ~~وإذا مثلوا ذلك: بأن النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية ~~وإنما معهم التجربة والعادة التي هي من جنس قياس التمثيل. وأن علم ذلك ~~بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه ~~القوة هو أيضا حكم كلي وإن قيل: إن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه ~~القوة. وإن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن كل ~~ما فيه هذه القوة يحرق ما لاقاه وإن كان هذا هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس ~~التمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص - إذا سلم لهم ذلك - كيف وقد ~~علم أنها لا تحرق السمندل والياقوت والأجسام المطلية بأمور مصنوعة ولا أعلم ~~في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع أن القضية الكلية ليست حسية وإنما ~~القضية الحسية: أن هذه النار تحرق فإن الحس لا يدرك إلا شيئا خاصا. وأما ~~الحكم العقلي فيقولون: إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات مستعدة لأن تفيض ~~عليها قضية كلية بالعموم ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق ~~بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر المشترك. وهذا إذا علم علم في ~~جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا مع أنه ليس من ~~القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء. # PageV09P219 # الثاني: " الوجدانيات الباطنية ". كإدراك كل أحد جوعه وألمه ولذته وهذه ~~كلها جزئيات؛ بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون ~~في إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك ~~والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وإن اشتركوا في نوعها فهي تشبه ~~العاديات. ولم يقيموا حجة على ms2859 وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال بل ولا على ~~النفس الناطقة. أنها مستوية الأفراد. # الثالث: " المجربات " وهي كلها جزئية. فإن التجربة إنما تقع على أمور ~~معينة. وكذلك " المتواترات " فإن المتواتر إنما هو ما علم بالحس من مسموع ~~أو مرئي. فالمسموع قول معين والمرئي جسم معين أو لون معين أو عمل معين أو ~~أمر معين. وأما " الحدسيات " إن جعلت يقينية فهي نظير المجربات إذ الفرق ~~بينهما لا يعود إلى العموم والخصوص وإنما يعود إلى أن " المجربات " تتعلق ~~بما هو من أفعال المجربين والحدسيات تكون عن أفعالهم وبعض الناس يسمي الكل ~~تجريبيات فلم يبق معهم إلا الأوليات التي هي البديهيات العقلية والأوليات ~~الكلية إنما هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم: الواحد ~~نصف الاثنين والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في ~~الذهن ليست في الخارج كلية. # PageV09P220 # فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي ~~يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الأمور الموجودة وإنما تستعمل في ~~مقدرات ذهنية فإذن لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة بالقياس البرهاني وهذا ~~هو المطلوب. ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الموجود. بل أرسطو لما حصر ~~أجناس الموجودات في " المقولات العشر ": الجوهر والكم والكيف والأين ومتى ~~والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك والإضافة. اتفقوا على أنه لا سبيل إلى ~~معرفة صحة هذا الحصر. # الوجه الثاني: أن يقال إذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فتلك ~~القضية الكلية لا بد أن تنتهي إلى أن تعلم بغير قياس وإلا لزم الدور ~~والتسلسل؛ فإذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس. فنقول: ~~ليس في الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس إلا وعلمها ~~بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية ~~مثل قولنا: الواحد نصف الاثنين والجسم لا يكون في مكانين والضدان لا ~~يجتمعان فإن العلم بأن هذا الواحد نصف الاثنين في الفطرة أقوى من العلم بأن ~~كل ms2860 واحد نصف كل اثنين وهكذا ما يفرض من الآحاد. فيقال المقصود بهذه القضايا ~~الكلية إما أن يكون العلم بالموجود الخارجي # PageV09P221 # أو العلم بالمقدرات الذهنية: أما الثاني ففائدته قليلة وأما الأول فما من ~~موجود معين إلا وحكمه بعلم تعينه أظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلي ~~يتناوله فلا يتحصل بالقياس كثير فائدة؛ بل يكون ذلك تطويلا. وإنما استعمل ~~القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر الكلية ردا ~~لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة. وكذلك قولهم: الضدان لا يجتمعان ~~فأي شيئين علم تضادهما فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية ~~بأن كل ضدين لا يجتمعان وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون في مكانين ~~قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين وأمثال ذلك كثير. فما من معين ~~مطلوب علمه بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم هذه القضية ولا ~~يحتاج في العلم به إليها. وإنما يعلم بها ما يقدر في الذهن من أمثال ذلك ~~مما لم يوجد في الخارج. وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس ~~وإذا قيل إن من الناس من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس فيكون ~~مبناه على قياس التمثيل الذي ينكرون أنه يقيني. فهم بين أمرين: إن اعترفوا ~~بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم وإن ~~ادعوا الفرق بينهما وأن قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك ~~وبين لهم أن اليقين لا يحصل # PageV09P222 # في هذه الأمور إلا أن يحصل بالتمثيل. فيكون العلم بما لم يعلم من ~~المفردات الموجودة في الخارج قياسا على ما علم منها وهذا حق لا ينازع فيه ~~عاقل بل هذا من أخص صفات العقل التي فارق بها الحس إذ الحس لا يعلم إلا ~~معينا والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع ~~عزوب الأمثلة المعينة عنه لكن هي في الأصل إنما صارت في ذهنه كلية عامة بعد ~~تصوره لأمثال معينة ms2861 من أفرادها؛ وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة فقد ~~يغلط كثيرا بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص وهذا يعرض للناس كثيرا حيث يظن ~~أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك وهم يتصورون ~~الشيء بعقولهم ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون أنهم ~~تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي من غير أن تكون ثابتة في الخارج ~~ولا في الذهن فيقولون: الإنسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد ~~من حيث هو هو ونحو ذلك. ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود ~~السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا التجريد وذلك غلط كغلط أوليهم ~~فيما جردوه من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها بل هذه المجردات لا تكون ~~إلا مقدرة في الذهن وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج وهذا الذي ~~يسمى الإمكان الذهني. فإن الإمكان على وجهين. # PageV09P223 # " ذهني " وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا ~~لا لعلمه بإمكانه؛ بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذلك الشيء قد يكون ممتنعا ~~في الخارج. و " خارجي " وهو أن يعلم إمكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن ~~يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه. ~~فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه ~~أولى. وهذه ### | طريقة القرآن في بيان " إمكان المعاد ". # فقد بين ذلك بهذه الطريقة فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم كما أخبر عن ~~قوم موسى الذين قالوا: {أرنا الله جهرة} قال: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون} {ثم بعثناكم من بعد موتكم} وعن {الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} وعن: {أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم ~~بعثه} وعن إبراهيم إذ قال: {رب أرني كيف تحي الموتى} القصة. وكما أخبر ms2862 عن ~~المسيح أنه كان يحيي الموتى بإذن الله وعن أصحاب الكهف: أنهم بعثوا بعد ~~ثلاثمائة سنة وتسع سنين. وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى فإن الإعادة ~~أهون من الابتداء كما في قوله: {إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب} الآية # PageV09P224 # وقوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} {قل الذي فطركم أول مرة} {وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} . وتارة يستدل على ذلك بخلق ~~السماوات والأرض فإن خلقهما أعظم من إعادة الإنسان كما في قوله: {أولم يروا ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى} وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما في قوله: {وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا} إلى قوله: {كذلك نخرج الموتى} فقد تبين أن ما عند أئمة النظار ~~أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية. فقد جاء ~~القرآن الكريم بما فيها من الحق وما هو أبلغ وأكمل منها على أحسن وجه مع ~~تنزهه عن الأغاليط الكثيرة الموجودة عند هؤلاء فإن خطأهم فيها كثير جدا ~~ولعل ضلالهم أكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم ولهذا قال أبو عبد الله ~~الرازي في آخر عمره في كتابه " أقسام الذات " لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} {إليه يصعد الكلم ~~الطيب} واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به علما} ومن جرب مثل ~~تجربتي عرف مثل معرفتي. # PageV09P225 # والمقصود أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع ~~كما يقوله طائفة منهم الآمدي. وأبعد من إثباته الإمكان الخارجي بالإمكان ~~الذهني ما يسلكه المتفلسفة كابن سينا في إثبات الإمكان الخارجي بمجرد إمكان ~~تصوره في الذهن كما أنهم لما أرادوا إثبات موجود في الخارج معقول لا يكون ~~محسوسا بحال استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول للأفراد ~~الموجودة في الخارج وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن فإن ms2863 ~~الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن فأين طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي ~~من طريقة القرآن. ثم إنهم يمثلون بهذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما ~~فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية وما جاءت به الرسل من ~~الأخبار الإلهية عن الله واليوم الآخر. ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا ~~الكاذبة؛ والخيالات الفاسدة أصولا عقلية يعارض بها ما أرسل الله به رسله ~~وأنزل به كتبه من الآيات وما فطر الله عليه عباده. وما تقوم عليه الأدلة ~~العقلية التي لا شبهة فيها. وأفسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية؛ فإن ~~مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلوات ~~الله عليهم ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الأمرين فدلوهم على ~~الأدلة العقلية التي بها تعلم المطالب التي يمكنهم علمهم بها بالنظر ~~والاستدلال. وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد ~~نظرهم واستدلالهم. # PageV09P226 # وليس تعليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقصورا على مجرد الخبر كما ~~يظنه كثير؛ بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها تعلم العلوم الإلهية ~~ما لا يوجد عند هؤلاء ألبتة. فتعليمهم صلوات الله عليهم جامع للأدلة ~~العقلية والسمعية جميعا بخلاف الذين خالفوهم فإن تعليمهم غير مفيد للأدلة ~~العقلية والسمعية مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم بالغيه كما قال ~~تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} وقال: {الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} وقال: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} ومثل هذا كثير في ~~القرآن. وقد ألفت كتاب " دفع تعارض الشرع والعقل "؛ ولهذا لما كانوا ~~يتصورون في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر علومهم مبنيا على ~~ذلك في " الإلهي " و " الرياضي ". وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم ms2864 في ~~أنواع علومهم لم يجد عندهم علما بمعلومات موجودة في الخارج إلا القسم الذي ~~يسمونه " الطبيعي " وما يتبعه من " الرياضي ". وأما " الرياضي " المجرد في ~~الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج. والذي سموه " علم ما ~~بعد الطبيعة " إذا تدبر: # PageV09P227 # لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة في ~~أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو ~~الوجود المطلق الكلي والمشروط بسلب جميع الأمور الوجودية. والمقصود أنهم ~~كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية ما يكونون قدروه في ~~أذهانهم. ويقولون: نحن نتكلم في الأمور الكلية والعقليات المحضة. وإذا ذكر ~~لهم شيء قالوا: نتكلم فيما هو أعم من ذلك وفي الحقيقة من حيث هي هي ونحو ~~هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في الخارج ويقال: بينوا هذا أي شيء ~~هو؟ فهنالك يظهر جهلهم وأن ما يقولونه هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له ~~في الأعيان. مثل أن يقال لهم: اذكروا مثال ذلك والمثال أمر جزئي فإذا عجزوا ~~عن التمثيل. وقالوا: نحن نتكلم في الأمور الكلية فاعلم أنهم يتكلمون بلا ~~علم. وفيما لا يعلمون أن له معلوما في الخارج؛ بل فيما ليس له معلوم في ~~الخارج وفيما يمتنع أن يكون له معلوم في الخارج وإلا فالعلم بالأمور ~~الموجودة إذا كان كليا كانت معلوماته ثابتة في الخارج. وقد كان الخسرو شاهي ~~من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي وكان يقول: ما عثرنا إلا على هذه ~~الكليات وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: والله ما أدري ما أعتقد ~~والله ما أدري ما أعتقد. # PageV09P228 # والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات هو إذا كان علما فهو مما يعرف بقياس ~~التمثيل لا يقف على القياس المنطقي الشمولي أصلا بل ما يدعون ثبوته بهذا ~~القياس تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا. القياس وذلك أيسر وأسهل. ~~ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على الأجلى ~~بالأخفى. وهم يعيبون في صناعة الحد أن ms2865 يعرف الجلي بالخفي وهذا في صناعة ~~البرهان أشد عيبا فإن البرهان لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه ~~وكشفه وإيضاحه فإذا كان هو أوضح وأظهر كان بيانا للجلي بالخفي. # قال: ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهاني الذي وضعه أرسطو وما ~~يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة بل أصناف متفرقون وبينهم من ~~التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود ~~والنصارى أضعافا مضاعفة؛ فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب كان ~~أعظم في تفرقهم واختلافهم فإنهم يكونون أضل كما في الحديث الذي رواه ~~الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ضل قوم بعد ~~هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل. ثم قرأ قوله تعالى {ما ضربوه لك إلا جدلا ~~بل هم قوم خصمون} } إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ~~ونبي مرسل كما قال تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق # PageV09P229 # ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} الآية وقال: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} الآية. وقد بين الله في كتابه من ~~الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل وأمر الله ~~بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف وأخبر أن أهل الرحمة لا ~~يختلفون فقال: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} ولهذا يوجد أتبع الناس ~~للرسول أقل اختلافا من جميع الطوائف المنتسبة للسنة وكل من قرب للسنة كان ~~أقل اختلافا ممن بعد عنها كالمعتزلة والرافضة فنجدهم أكثر الطوائف اختلافا. ~~وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في ~~كتاب المقالات " مقالات غير الإسلاميين " فأتى بالجم الغفير سوى ما ذكره ~~الفارابي وابن سينا وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب " الدقائق " ~~الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على ~~منطق اليونان. ms2866 وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة. ~~وصنف الغزالي كتاب " التهافت " في الرد عليهم. وما زال نظار المسلمين ~~يصنفون في الرد عليهم في المنطق ويبينون خطأهم # PageV09P230 # فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ~~ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم؛ بل الأشعرية والمعتزلة ~~والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها ويبينون ~~فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه ~~علماء المسلمين بما يطول ذكره. وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب ~~الكلام. وفي كتاب " الآراء والديانات " لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي ~~فصل جيد من ذلك؛ فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: وقد اعترض قوم ~~من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطق هذه وقالوا: أما قول صاحب المنطق ~~إن القياس لا يبنى من مقدمة واحدة فغلط؛ لأن القائل إذا أراد مثلا أن يستدل ~~على أن الإنسان جوهر فله أن يستدل على نفس الشيء المطلوب من غير تقديم ~~المقدمتين بأن يقول الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في ~~أزمان مختلفة وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي: أن يقول: إن كل قابل ~~للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر لأن الخاص داخل في العام فعلى أيهما دل ~~استغنى عن الآخر. وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثرا والكتابة ~~أن لها كاتبا من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين. # PageV09P231 # قالوا: فنقول: إنه لا بد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغني بمعرفة ~~المخاطب عن الأخرى فترك ذكرها لأنه مستغن عنها. قلنا لسنا نجد مقدمتين ~~كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة؛ لأن القائل إذا قال: الجوهر لكل حي ~~والحياة لكل إنسان فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان فسواء في العقول قول ~~القائل: الجوهر لكل حي وقوله لكل إنسان. ولا يجدون من المطالب العملية أن ~~المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسهما وإذا كان الأمر كذلك كانت إحداهما ~~كافية. ونقول لهم أرونا ms2867 مقدمتين أوليين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما ~~يستدل بهما على شيء مختلف فيه. وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من ~~النتيجة فإذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه. # قال النوبختي: وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجد نية فما أوجد نية ~~فما ذكره أرسطاطاليس غير موجود ولا معروف. قال: فأما ما ذكره بعد ذلك من ~~الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على ما بناهما عليه. وإذا كانا يصحان؛ ~~بقلب مقدمتيهما حتى يعودا إلى الشكل الأول. فالكلام في الشكل الأول هو ~~الكلام فيها. . انتهى. قال ابن تيمية: ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج ~~بالرد إلى الشكل الأول على ما تقدم بيانه فسائر الأشكال ونتاجها فيه كلفة ~~ومشقة مع أنه لا حاجة إليها فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل جميع المواد ~~الثبوتية والسلبية # PageV09P232 # الكلية والجزئية. وقد علم انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه التي لا ~~تفيد إلا بالرد إليه أولى وأحرى. والمقصود أن هذه الأمة - ولله الحمد - لم ~~يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده. وهم لما هداهم ~~الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا ~~تواطؤ. وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه ويبين أنه ~~يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي بل يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر ~~والنظر والكلام بلا فائدة. # الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة ~~وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان. وأما الموجودات في الخارج فهي ~~أمور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره ~~فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك ~~وقائلون إن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على ~~جزئي وإنما يدل على كلي. فإذا القياس لا يفيد معرفة أمر موجود بعينه. وكل ~~موجود فإنما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات وإنما ~~يفيد أمورا ms2868 كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا محققة في الأعيان. فما يذكره ~~النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه لا ~~يدل شيء منها على عينه. وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه. # PageV09P233 # فإذا قال: هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث. إنما يدل هذا على محدث ~~مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما تعلم عينه بعلم آخر يجعله ~~الله في القلوب. وهم معترفون بهذا؛ لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات ~~والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك. والكلي لا يدل على معين وهذا بخلاف ~~ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى: {إن في خلق السماوات ~~والأرض} الآية. إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التي هي آية النهار. ~~والدليل أعم من القياس؛ فإن الدليل قد يكون بمعين على معين كما يستدل ~~بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه لا ~~على قدر مشترك بينه وبين غيره فإن كل ما سواه مفتقر إليه نفسه فيلزم من ~~وجوده وجود عين الخالق نفسه. # الوجه الرابع: أن الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول وهو الخمر من قولك: ~~كل مسكر خمر وكل خمر حرام هو مناط الحكم في قياس التمثيل وهو القدر المشترك ~~الجامع بين الأصل والفرع فالقياسان متلازمان. كل ما علم بهذا القياس يمكن ~~علمه بهذا القياس. ثم إن كان الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين أو ظنيا ~~فظني فيهما. وأما دعوى من يدعي من المنطقيين وأتباعهم: أن اليقين إنما يحصل ~~بقياس الشمول دون قياس التمثيل. فهو قول في غاية الفساد. وهو قول # PageV09P234 # من لم يتصور حقيقة القياسين. وقد يعلم بنص: أن كل مسكر حرام كما ثبت في ~~الحديث الصحيح. وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا ~~قياس من الأقيسة. فإنه قد يعلم بلا قياس فبطل قولهم لا علم تصديقي إلا ~~بالقياس المنطقي كما تقدم. والمقصود هنا: بيان قلة ms2869 منفعته أو عدمها. فإن ~~المطلوب إن كان ثم قضية علمت من جهة الرسول تفيد العموم. وهو أن كل مسكر ~~حرام حصل مدعاه. فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسول تفيد العلم في المطالب ~~الإلهية. وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما منتقضة وإما ~~أنها بمنزلة قياس التمثيل وإما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل ~~بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة فإنه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ~~ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس ~~محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الأمم ~~بدون خطور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول. وإثبات ~~العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على الأقيسة بل يعلم بالآيات الدالة على ~~معين لا شركة فيه يحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر وما يحصل منها ~~بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل أمر كلي لا يحصل به العلم بما يختص به ~~الرب وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم آخر إليه. # PageV09P235 # الوجه الخامس: أن يقال: هذا القياس الشمولي - وهو العلم بثبوت الحكم لكل ~~فرد من الأفراد - فنقول قد علم وسلموا أنه لا بد أن يكون العلم بثبوت بعض ~~الأحكام لبعض الأفراد بديهيا؛ فإن النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلا بد ~~أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين وإلا لزم الدور أو التسلسل ~~الباطلان وإذا فرض مقدمتان طريق العلم بهما واحد لم يحتج إلى القياس كالعلم ~~بأن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة. فالعلم بأن كل إنسان ~~متحرك بالإرادة أبين وأظهر. فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما واحدا وقد ~~علمتا فلا حاجة إلى بيانهما. وإن كان طريق العلم بهما مختلفا فمن لم يعلم ~~إحداهما احتاج إلى بيانها ولم يحتج إلى بيان الأخرى التي علمها. وهذا ظاهر ~~في كل ما يقدره. فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب ~~الأذهان. # الوجه السادس: لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها ms2870 ولا تكون ~~أخص منها والنتيجة أخص من الكبرى أو مساوية لها وأعم من الصغرى أو مثلها ~~ولا تكون أخص منها. والحس يدرك المعينات أولا ثم ينتقل منها إلى القضايا ~~العامة. فيرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وكل مما رآه حساس متحرك بالإرادة. ~~فنقول العلم بالقضية العامة إما أن يكون بتوسط قياس والقياس لا بد فيه من ~~قضية عامة. فلزم أن لا يعلم العام إلا بعام وذلك يستلزم الدور أو التسلسل. ~~فلا بد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة # PageV09P236 # معلومة بالبديهة. وهم يسلمون ذلك. وإن أمكن علم القضية العام بغير توسط ~~قياس أمكن علم الأخرى فإن كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها ~~يجب استواء جميع الناس فيه. بل هو أمر نسبي إضافي بحسب حال الناس فمن علمها ~~بلا دليل كانت بديهية له ومن احتاج إلى نظر واستدلال كانت نظرية له وهكذا ~~سائر الأمور. فإذا كانت القضايا الكلية منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس ~~وليس لذلك حد في نفس القضايا؛ بل ذلك بحسب أحوال بني آدم لم يمكن أن يقال ~~فيما علمه زيد بالقياس إنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس بل هذا نفي ~~كاذب. # الوجه السابع: قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل ~~وبالعكس. # ف ### | إن قيل: من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم؟ # قيل: من حيث نعلم القضية الكبرى في قياس الشمول. فإذا قال القائل: هذا ~~فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم. فأي شيء ذكر في علة هذه القضية ~~الكلية فهو موجود في قياس التمثيل. وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه ~~الحكم مع المشترك. وفي الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي ثبت الحكم فيها # PageV09P237 # ومعلوم أن ذكر الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت في العقل من ذكره مجردا ~~عن جميع الأفراد باتفاق العقلاء. ولهذا قالوا: إن العقل تابع للحس فإذا ~~أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرا مشتركا كليا فالكليات تقع في ~~النفس بعد معرفة ms2871 الجزئيات المعينة فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب ~~في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس وعدم ذكرها موجبا لقوته ~~وهذه خاصة العقل؛ فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات. فمن ~~أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة ~~أقوى من ذكرها مع التمثيل بمواضعها المعينة كان مكابرا. وقد اتفق العقلاء ~~على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات وأنه ليس الحال إذا ذكر مع ~~المثال كالحال إذا ذكر مجردا عنه. ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من ~~الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد ~~الأمر كذلك. والإنسان قد ينكر أمرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ~~ويستفيد بذلك حكما كليا ولهذا يقول سبحانه: {كذبت قوم نوح المرسلين} {كذبت ~~عاد المرسلين} ونحو ذلك. وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد. ولكن كانوا ~~مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه. # PageV09P238 # ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف. فإذا رأى الشيئين ~~المتماثلين علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدا كما إذا رأى الماء والماء ~~والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك. ~~وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان ~~فهذا قياس الطرد. وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس ~~العكس. وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس ~~العكس فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن ~~من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيتقي تكذيب الرسل حذرا من ~~العقوبة وهذا قياس الطرد. ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك وهذا ~~قياس العكس وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فإن المقصود أن ما ثبت في ~~الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره. والاعتبار يكون بهذا وبهذا. قال تعالى: {لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال: {قد كان لكم آية في فئتين} إلى ~~قوله {إن في ms2872 ذلك لعبرة لأولي الأبصار} وقد قال تعالى: {الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان} وقال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} . " والميزان " فسره السلف بالعدل ~~وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان. وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما ~~أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يعرف # PageV09P239 # به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان. وكذلك ما يعرف ~~به اختلاف المختلفات. فإذا علمنا أن الله تعالى حرم الخمر لما ذكره من أنها ~~تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء. ثم رأينا ~~النبيذ يماثلها في ذلك كان القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان الذي ~~أنزله الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا. فلا نفرق بين ~~المتماثلين. فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به. ومن علم الكليات ~~من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط. والمقصود بها وزن الأمور الموجودة ~~في الخارج. وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها اعتبار. كما ~~أنه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة. ولا ريب أنه إذا حضر أحد ~~الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان أتم في الوزن من أن يكون الميزان وهو ~~الوصف الكلي المشترك في العقل أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها مع ~~مغيب الآخر. # ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو منطق ~~اليونان لوجوه: # أحدها: أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح ~~وإبراهيم وموسى وغيرهم. وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح ~~بثلاثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به؟! . # PageV09P240 # الثاني: أن أمتنا أهل الإسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية. ولم ~~يسمع سلفا بذكر هذا المنطق اليوناني. وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب ~~الرومية في عهد دولة المأمون أو قريبا منها. (الثالث) أنه ما زال نظار ~~المسلمين بعد أن عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله ~~في موازينهم العقلية والشرعية. ولا يقول القائل ms2873 ليس فيه مما انفردوا به إلا ~~اصطلاحات لفظية وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم فإنه ليس الأمر ~~كذلك؛ بل فيه معاني كثيرة فاسدة. ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي ~~هي الأقيسة العقلية. وزعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في ~~فكره. وليس الأمر كذلك فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان لزم التسلسل. وأيضا ~~فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي وإن كانت بليدة أو فاسدة لم ~~يزدها المنطق إلا بلادة وفسادا. ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لا بد أن ~~يتخبط ولا يأتي بالأدلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه ~~المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق ~~وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط. فإنهم إذا عدلوا عن المعرفة ~~الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية، وضعوا # PageV09P241 # ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد ~~المقصود من الموازين. وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة. وكانوا فيها من ~~المطففين: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} {وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون} وأين البخس في الأموال من البخس في العقول والأديان مع أن أكثرهم ~~لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له وتارة ~~عليه. ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة. والميزان التي أنزلها الله مع الكتاب ~~ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه فتسوي بين المتماثلين وتفرق ~~بين المختلفين بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل ~~والاختلاف. فإذا قيل: إن كان هذا مما يعرف بالعقل. فكيف جعله الله مما أرسل ~~به الرسل. قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها ~~التماثل والاختلاف. فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ~~ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية. ~~فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر بل الرسل صلوات الله عليهم بينت ~~العلوم العقلية التي بها يتم دين الله علما وعملا. وضربت الأمثال فكملت ms2874 ~~الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها لما كانت الفطرة معرضة عنه # PageV09P242 # أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ~~ذلك الفساد. والقرآن والحديث مملوءان من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس ~~العقلية والأمثال المضروبة. ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين ~~المختلفين. وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية وقوله: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} أي هذا حكم جائر لا عادل فإن فيه تسوية بين ~~المختلفين. ومن التسوية بين المتماثلين قوله: {أكفاركم خير من أولئكم} ~~وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} ~~الآية. والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر الله في كتابه. ~~وليس هو مختصا بمنطق اليونان بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين ~~المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة ~~قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي الحمل والميزان هو القدر المشترك ~~وهو الجامع. (الوجه الثامن) : أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية ~~حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا: الحسيات والأوليات والمتواترات ~~والمجربات. والحدسيات. ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا ثم ~~مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرها ما جرت العادة باشتراك # PageV09P243 # بني آدم فيه وتناقضوا في ذلك؛ فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض ~~المرئيات وبعض المسموعات فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون ~~جنس السحاب والبرق وإن لم يكن ما يراه هؤلاء عين ما يراه هؤلاء وكذلك ~~يشتركون في سماع صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض وصوته فهذا لا ~~يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذا أكثر ~~المرئيات. وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين ~~فيه بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه ~~هؤلاء. لكن قد يتفقان في ms2875 الجنس لا في العين. وكذلك ما يعلم بالتواتر ~~والتجربة والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند ~~غيرهم ويجربوه. ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب ~~آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب. ثم هم ~~مع هذا يقولون في المنطق: إن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن ~~علمها فلا يقوم منها برهان على غيره. فيقال لهم؛ وكذلك المشمومات ~~والمذوقات. والملموسات بل اشتراك # PageV09P244 # الناس في المتواترات أكثر فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر ~~السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد الكثير بخلاف ما يدرك بالحواس فإنه ~~يختص بمن أحسه فإذا قال: رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه ~~أن يقيم من هذا برهانا على غيره. ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا ~~يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق ~~الخبر. وعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم ~~بعادة ذلك الموجود وهو ما يسمونه " الحدسيات " وعامة ما عندهم من العلوم ~~العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من قسم المجربات وهذه لا ~~يقوم فيها برهان فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت وكون الحركات جربت لا ~~يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل. والتواتر في هذا قليل. وغاية الأمر أن تنقل ~~التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب. وغاية ما يوجد. أن يقول ~~بطليموس: هذا مما رصده فلان وأن يقول جالينوس: هذا مما جربته أو ذكر لي ~~فلان أنه جربه وليس في هذا شيء من المتواتر. وإن قدر أن غيره جربه أيضا ~~فذاك خبر واحد وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا بالأرصاد ما ~~ادعوا أنهم # PageV09P245 # علموه. وإن ذكروا جماعة رصدوا فغايته أنه من المتواتر الخاص الذي تنقله ~~طائفة. فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن ~~يقيم على غيره برهانا بمثل ms2876 هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعي ~~أنه علم عقلي معلوم بالبرهان. وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم ~~هذا حاله فما الظن بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو ~~وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب ~~العالمين وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بهذه الأمور. # الوجه التاسع: أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو ~~خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا وأمثالها. فإن أدخلوا ذلك فيما ~~ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه ولم يبق لهم ضابط ~~وقد ذكر ابن سينا وأتباعه: أن القضايا الواجب قبولها التي هي مادة البرهان: ~~الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك ~~قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف المنتصرون ~~لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه. وإذا كان كذلك ~~لم يلزم أن كل ما لم يدخل في قياسهم لا يكون معلوما. وحينئذ فلا يكون ~~المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ فإنه # PageV09P246 # إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذا الطريق لم يمكن وزنها بهذه ~~الأدلة. وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في ~~غاية الجهل. لا سيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء. فإذا كان ~~أشرف العلوم لا سبيل إلى معرفته بطريقهم لزم أمران: # أحدهما: أن لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه. # والثاني: أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا ~~يفيد النجاة ولا السعادة. # الوجه العاشر: أنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل ~~وليس بعلم يجعلونه علما. فزعموا أن ما جاءت به الأنبياء في معرفة الله ~~وصفاته والمعاد لا حقيقة له في الواقع وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما ~~يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ~~وأنه ms2877 من جنس الكذب لمصلحة الناس ويقولون إن النبي حاذق بالشرائع العملية ~~دون العلمية. ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبي. وعلى نبينا عليه أفضل ~~الصلاة والسلام ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا # PageV09P247 # غيره. ولهذا لما ظهرت التتار وأراد بعضهم الدخول في الإسلام قيل: إن " ~~هولاكو " أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل قال: ذاك لسانه ~~عربي ولا تحتاجون إلى شريعته. ومن تبع النبي منهم في الشرائع العملية لا ~~يتبعه في أصول الدين والاعتقاد؛ بل النبي عندهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة ~~عند المتكلمين فإن أئمة الكلام إذا قلدوا مذهبا من المذاهب الأربعة اقتصروا ~~في تقليده على القضايا الفقهية ولا يلتزمون موافقته في الأصول ومسائل ~~التوحيد. بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك. وقد أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الله بأسمائه وصفاته المعينة. وعن الملائكة والعرش ~~والكرسي والجنة والنار وليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وكذا أخبر عن ~~أمور معينة مما كان وسيكون وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم: لا ~~البرهاني ولا غيره فإن أقيستهم لا تفيد إلا أمورا كلية وهذه أمور خاصة وقد ~~أخبر صلى الله عليه وسلم بما يكون من الحوادث المعينة حتى أخبر عن التتر ~~الذين جاءوا بعد ستمائة سنة من إخباره وكذلك عن النار التي خرجت قبل مجيء ~~التتر سنة خمس وخمسين وستمائة ه. فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على ~~آدمي معين أو أمة معينة فضلا عن موصوف بالصفات التي ذكرها؟ . # PageV09P248 # ثم من بلاياهم وكفرياتهم أنهم قالوا: إن الباري - تعالى - لا يعلم ~~الجزئيات ولا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرهما ولا شيئا من تفاصيل الحوادث. ~~والكلام والرد عليهم في ذلك مبسوط في موضعه. والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم ~~يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال. فرارا من لازم ليس لهم قط ~~دليل على نفيه. # الوجه الحادي عشر: أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع والألم ~~واللذة. ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض ms2878 الناس كالملائكة والجن وما ~~تراه النفس عند الموت. والكتاب والسنة ناطقان بإثبات ذلك. ولبسط هذه الأمور ~~موضع آخر. وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ~~ما لم يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما صار حاجبا وأنهم به أسوأ حالا ~~من كفار اليهود والنصارى. # الوجه الثاني عشر: أن يقال: كون القضية " برهانية " معناه عندهم أنها ~~معلومة للمستدل بها وكونها " جدلية " معناه كونها مسلمة وكونها " خطابية " ~~معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة. وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات ~~عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا # PageV09P249 # عن أن يكون ذاتية لها على أصلهم. بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها بل ~~هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها. ومعلوم أن القضية قد تكون حقا ~~والإنسان لا يشعر بها؛ فضلا عن أن يظنها أو يعلمها. وكذلك قد تكون خطابية ~~أو جدلية وهي حق في نفسها بل تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك. وإذا كان ~~كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها لا تكون ~~كذبا باطلا قط. وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق القضايا ما هو ~~مشترك. فينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس. وأما هؤلاء ~~المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك. بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا ~~البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيا وإن علمه مستدل ~~آخر. وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات ~~عند آخرين. فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع بل تختلف باختلاف ~~أحوال من علمها ومن لم يعلمها حتى إن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من ~~القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم ~~مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه ~~عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ومن الصدق والكذب. ويمتنع أن تكون ~~منفعتها مشتركة ms2879 بين الآدميين؛ بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم أخبروا بالقضايا ~~الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل # PageV09P250 # والصدق والكذب فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل ~~فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه. ~~وأنزل أيضا الميزان وما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل. ولكل حق ميزان ~~يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فإنه لا يمكن أن يكون هاديا للحق ~~ولا مفرقا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل. وأما ~~المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الأنبياء فهو منه. وما ~~خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا. فإن قيل: نحن نجعل البرهانيات ~~إضافية. فكل ما علمه الإنسان بمقدماته فهو برهاني عنده وإن لم يكن برهانيا ~~عند غيره. قيل: لم يفعلوا ذلك فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان ~~في أشياء معينة مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك المواد ~~المعينة التي عينوها. وإذا قالوا: نحن لا نعين المواد فقد بطل أحد أجزاء ~~المنطق وهو المطلوب. # الوجه الثالث عشر: أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل ~~لبني آدم - مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس إما بالحس وإما # PageV09P251 # بالعقل وإما بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة لا تعلم بطرقهم التي ذكروها. ~~ومن ذلك ما علمه الأنبياء صلوات الله عليهم من العلوم - أرادوا إجراء ذلك ~~على قانونهم الفاسد. فقالوا: النبي له قوة أقوى من قوة غيره. وهو أن يكون ~~بحيث ينال الحد الأوسط من غير تعليم معلم فإذا تصور أدرك بتلك القوة الحد ~~الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم؛ لأن قوى الأنفس في ~~الإدراك غير محدودة: فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو ~~بواسطة القياس المنطقي وهذا في غاية الفساد. فإن القياس المنطقي إنما تعرف ~~به أمور كلية كما تقدم وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية ~~جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة ms2880 فعلم بذلك أن ما علمته الرسل لم يكن بواسطة ~~القياس المنطقي. بل جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته في هذا الباب تعالى ~~الله عن قوله علوا كبيرا. وقد تبين بما تقرر فساد ما ذكروه في المنطق من ~~حصر طريق العلم: مادة وصورة وتبين أنهم أخرجوا من العلوم الصادقة أجل وأعظم ~~وأكثر مما أثبتوه وأن ما ذكروه من الطريق إنما يفيد علوما قليلة خسيسة لا ~~كثيرة ولا شريفة. وهذه مرتبة القوم؛ فإنهم من أخس الناس علما وعملا. وكفار ~~اليهود والنصارى أشرف علما وعملا منهم من وجوه كثيرة. والفلسفة كلها لا ~~يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل # PageV09P252 # فضلا عن درجتهم قبل ذلك. وقد أنشد ابن القشيري في الرد على " الشفاء " ~~لابن سينا: قطعنا الأخوة من معشر بهم مرض من كتاب الشفا وكم قلت: يا قوم ~~أنتم على شفا جرف من كتاب الشفا فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله حتى ~~كفى فماتوا على دين رسطاطالس وعشنا على ملة المصطفى. فإن قيل: ما ذكره أهل ~~المنطق من حصر طرق العلم يوجد نحو منه في كلام متكلمي المسلمين. بل منهم من ~~يذكره بعينه إما بعباراتهم وإما بتغيير العبارة. فالجواب: أن ليس كل ما ~~يقوله المتكلمون حقا بل كل ما جاءت به الرسل فهو حق. وما قاله المتكلمون ~~وغيرهم مما يوافق ذلك فهو حق. وما قالوه مما يخالفه فهو باطل. وقد عرف ذم ~~السلف والأئمة لأهل الكلام المحدث. قال: والعجب من قوم أرادوا بزعمهم نصر ~~الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة. فكان ما فعلوه مما جرأ الملحدين ~~أعداء الدين # PageV09P253 # عليه فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا. ثم من العجائب أنهم يتركون ~~أتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ~~ويقلدون ويساكنون مخالف ما جاءوا به من يعلمون أنه ليس بمعصوم وأنه يخطئ ~~تارة ويصيب أخرى والله الموفق للصواب. # قال " السيوطي ": هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية. وقد أوردت عبارته ~~بلفظه من غير تصرف في الغالب. وحذفت من كتابه الكثير ms2881 فإنه في عشرين كراسا. ~~ولم أحذف من المهم شيئا ولله الحمد والمنة. # PageV09P254 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # في ضبط كليات " المنطق " والخلل فيه. # بنوه على أن مدارك العلم منحصرة في " الحد " وجنسه من الرسم ونحوه وفي ~~القياس ونحوه من الاستقراء والتمثيل؛ لأن العلم: إما " تصور " وهو معرفة ~~المفردات وإما " تصديق " وهو العلم بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات ~~وكل من العلمين: إما " بديهي " لا يحتاج إلى طريق وإما " نظري " مفتقر إلى ~~الطريق وطريق التصور هو " الحد " وطريق التصديق هو " القياس " الذي يسمونه ~~البرهان - إن كانت مقدماته يقينية. ثم قالوا: " الحد " هو القول الدال على ~~ماهية الشيء وإن كان يراد به نفس المحدود كما أن الاسم هو القول الدال على ~~المسمى ويراد به المسمى، # PageV09P255 # إذ المفهوم من الحد والاسم هو المحدود والمسمى كما أن " الماهية " هي ~~المقولة في جواب ما هو ويعبر عنها بأنها جواب ما يقال في السؤال بصيغة ما ~~هو فتكون الماهية هي الحد وهي ذات الشيء أيضا وهذه المصادر المشتقة من ~~الجمل الاستفهامية مولدة مثل الماهية والمائية والكيفية والحيثية والأينية ~~واللمية بمنزلة المصادر من الجمل الخبرية كالحوقلة والقلحدة والبسملة ~~والحمدلة ونحو ذلك. ثم قالوا: " الماهية " مركبة من الصفات الذاتية وتكلموا ~~على الفرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن " الذاتية " هي التي يمتنع تصور ~~الموصوف إلا بتصورها فالذات متوقفة عليها في الوجود والذهن كالتجسيم ~~للحيوان وما ليس كذلك فهو " العرضي ". ثم هو ينقسم: إلى لازم وعارض مفارق؛ ~~واللازم: إما لازم للماهية كالزوجية للأربعة والفردية للثلاثة وإما لازم ~~لوجودها دون ماهيتها كالسواد للقار والحدوث للحيوان. والعارض المفارق إما ~~بطيء الزوال كالشباب والمشيب وإما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل ~~والمشكل هو الفرق بين الذاتي واللازم للماهية؛ فإن كلاهما لا يفارق الذات ~~لا في الوجود العيني ولا الذهني # PageV09P256 # ففرقوا بينهما بأن الذاتي يسبق تصوره تصور الماهية بحيث لا تفهم الذات ~~بدونه بخلاف لازم الماهية. ثم كل من الذاتي والعرضي: إما أن يشترك فيه ~~الجنس وهو الجنس العام والعرض العام ms2882 وإما ينفرد به نوع وهو الفصل والخاصة ~~وإما أن يجمع بين المشترك والمميز وهو النوع فهذه " الكليات الخمس " الجنس ~~والفصل والنوع والخاصة والعرض العام. فالكلام في هذه الصفات وأقسامها غالب ~~منفعته في الحدود والحقائق وأما القياس فإنه قول مؤلف من أقوال إذا سلمت ~~لزم عنها لذاتها قول آخر ولا بد فيه من مقدمتين و " المقدمة " هي القضية ~~وهي الجملة الخبرية ولا بد فيها من مفردين فكان الكلام فيه في ثلاث مراتب: ~~(الأولى) الكلام في المفردات ألفاظها ومعانيها لدلالة المطابقة والتضمن ~~والالتزام والأسماء المترادفة والمتباينة والمشتركة والمتواطئة والمفردة ~~والمركبة والكلي والجزئي. و " المرتبة الثانية " الكلام في القضايا ~~وأقسامها: من الخاص والعام والمطلق والإيجاب والسلب وجهات القضايا وفي ~~أحكام القضايا: مثل كذب النقيض وصدق العكس وعكس النقيض. # PageV09P257 # و " المرتبة الثالثة ": الكلام في القياس وضروبه وشروط نتاجه من أنه لا ~~بد فيه من قضية عامة إيجابية وأن النتاج لا يحصل عن سالبتين ولا خاصيتين ~~جزئيتين ولا سالبة صغرى وجزئية كبرى بل إما موجبتان فيهما كلية وإما صغرى ~~سالبة وكبرى جزئية وغير ذلك من أحكام صور القياس وأنواعه التي تتبين ببرهان ~~الخلف المردود إلى حكم نقيض القضية أو بالرد إلى عكس القضية أو عكس نقيضها. # ثم بينوا بعد ذلك مواد القياس فقسموه: إلى " برهاني " وهو ما كانت مواده ~~يقينية وحصروا اليقينيات فيما ذكروه من الحسيات الباطنة والظاهرة ~~والبديهيات والمتواترات والمجربات وزاد بعضهم الحدسيات. وإلى " خطابي ": ~~وهو ما كانت مواده مشهورة يقينية أو غير يقينية. وإلى " جدلي ": وهو ما ~~كانت مواده مسلمة من المنازع يقينية أو مشهورة أو غير ذلك. وإلى " شعري ": ~~وهو ما كانت مواده مشعورا بها غير معتقدة كالمفرحة والمحزنة والمضحكة. وإلى ~~" مغلطي سوفسطائي " وهو ما كانت مواده مموهة بشبه الحق. # PageV09P258 # فصل: # الناس في مسمى القياس على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حقيقة في التمثيل مجاز في الشمول وهو قول الغزالي وأبي ~~محمد.والثاني: العكس وهو قول ابن حزم. # والثالث: أنه حقيقة فيهما وهو الأصح الذي عليه الجمهور، فإن القياس عند ~~أصحابنا والجمهور ينقسم إلى: ms2883 عقلي وهو ما يكتفى فيه بالعقل وإلى شرعي وهو ~~ما لا بد فيه من أصل معلوم بالشرع. وكل من العقلي والشرعي وكل ما يسمى ~~قياسا ينقسم: إلى قياس تمثيل وقياس شمول. فالأول إلحاق الشيء بنظيره ~~والثاني إدخال الشيء تحت حكم المعنى العام الذي يشمله ثم كل منهما متصل ~~بالآخر؛ لأنه لا بد بين المثلين من معنى مشترك يكون شاملا لهما ولا بد في ~~المعنى الشامل لاثنين فصاعدا من تسوية أحد الاثنين بالآخر في ذلك المعنى ~~فالقياس ثابت فيهما وهو التقدير والاعتبار والحسبان. # PageV09P259 # فصل: # الفساد في المنطق: في البرهان وفي الحد. # أما " البرهان " فصورته صورة صحيحة وإذا كانت مواده صحيحة فلا ريب أنه ~~يفيد علما صحيحا لكن الخطأ من وجهين: # أحدهما: أن حصر مواده فيما ذكروه من الأجناس المذكورة لا دليل عليه ألبتة ~~فأصابوا فيما أثبتوه دون ما نفوه فمن أين يحكم بأنه لا يقين إلا من هذه ~~الجهات المعينة فإن رجع فيه الإنسان إلى ما يجده من نفسه فمن أين له أن ~~سائر النوع حتى الأنبياء والأولياء لا يحصل لهم يقين بغير ذلك ثم الواقع ~~خلاف ذلك. # الثاني: أن هذا البرهان يفيد العلم لكن من أين علم أنه لا يحصل لقلب بشر ~~علم إلا بهذا البرهان الموصوف بل قد رأينا علوما كثيرة هي لقوم ضرورية أو ~~حسية ولآخرين نظرية قياسية فلهذا كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهو ما حصل من ~~العلوم بغير هذه المواد المحصورة أو بغير قياس أصلا بل زعم أفضل المتأخرين ~~منهم أن علوم الأنبياء والأولياء لا تحصل إلا # PageV09P260 # بواسطة القياس وكلامهم يقتضي أن علم الرب كذلك ولا دليل له على ذلك أصلا ~~سوى محض قياس الأنبياء والأولياء على نفسه وقياس الرب والملائكة على البشر. ~~فهذا موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه ويعلم أن هؤلاء القوم وغيرهم إنما ضلوا ~~غالبا من جهة ما نفوه وكذبوا به لا من جهة ما أثبتوه وعلموه ولهذا كان ~~المنطق مظنة الزندقة لمن لم يقو الإيمان في قلبه حيث اعتقد أنه لا علم إلا ms2884 ~~بهذه المواد المعينة وهذه الصورة وذلك مفقود عنده في غالب ما أخبرت به ~~الأنبياء فيشك في ذلك أو يكذب به أو يعرض عن اعتقاده والتصديق به فيكون عدم ~~إيمانه وعلمه من اعتقاده الفاسد أنه لا علم إلا من هذه المواد المعينة ولا ~~دليل عليه ألبتة وإن كانت مفيدة للعلم فالفرق ظاهر بين كونها تفيده وبين ~~كونها تفيده ولا يحصل بغيرها. ومما يبين ذلك أن القياس لا يدل إلا على علم ~~كلي وهم معترفون بذلك؛ لأنه لا بد فيه من مقدمة كلية إيجابية والكلي لا يدل ~~إلا على القدر المشترك وهو الكلي. فجميع الحقائق المعينة لا يدل عليها ~~القياس بأعيانها وإنما يعلم به - إن علم - صفة مشتركة بينها وبين غيرها فلا ~~يعلم به شيء من خواص الربوبية ألبتة ولا شيء من خواص ملك من الملائكة ولا ~~نبي من الأنبياء ولا ولي من الأولياء بل ولا ملك من الملوك ولا أحد من ~~الموجودات العلوية ولا السفلية؛ فإذا العلم بهذه الأشياء إما أن يكون ~~منتفيا أو حاصلا # PageV09P261 # بغير القياس وكلا القسمين واقع فإنه منتف عندهم إذ لا طريق لهم غير ~~القياس وحاصل ذلك عند الأنبياء وأتباعهم بل حاصل ذلك في الجملة عند جميع ~~أولي العلم من الملائكة والنبيين وسائر الآدميين. و " أيضا " فإذا كان لا ~~بد فيه من مقدمة كلية فإن كانت نظرية افتقرت إلى أخرى وإن كانت بديهية فإذا ~~جاز أن يحصل العلم بجميع أفرادها بديهة فما المانع أن يحصل ببعض الأفراد ~~وهو أسهل. # وأما " الحد " فالكلام عليه في مواضع: # أحدها: دعواهم أن التصورات النظرية لا تعلم إلا بالحد الذي ذكروه فالقول ~~فيه كالقول في أن التصديقات النظرية لا تحصل إلا بالبرهان الذي حصروا مواده ~~ولا دليل على ذلك؛ ويدل على ضعفه أن الحاد إن عرف المحدود بحد غيره فقد لزم ~~الدور أو التسلسل وإن عرفه بغير حد بطل المدعى فإن قيل: بل عرفه بالحد الذي ~~انعقد في نفسه كما عرف التصديق بالبرهان الذي انعقد في نفسه قبل أن يتكلم ~~به قيل: ms2885 البرهان مباين للنتيجة فإن العلم بالمقدمتين ليس هو عين العلم ~~بالنتيجة وأما الحد المنعقد في النفس فهو نفس العلم بالمحدود وهو المطلوب ~~فأين الحد المفيد للعلم بالمحدود وهذا أحد ما يبين. # PageV09P262 # الموضع الثاني: وهو أنه قد يقال إن الحد لا تعرف به ماهية المحدود بحال ~~بخلاف البرهان فإنه دليل على المطلوب أما بالنسبة إلى الحاد؛ فلأنه عرف ~~الشيء قبل أن يحده وإلا لم يصح حده؛ لأن الحد يجب أن يطابقه عموما وخصوصا ~~ولولا معرفته به قبل أن يحده لم تصح معرفته بالمطابقة وأما بالنسبة إلى ~~المستمع فلأن معرفته بذلك إذا لم تكن بديهية ولم يقم الحاد عليه دليلا ~~امتنع أن يحصل له علم بمجرد دعوى الحاد المتكلم بالحد؛ ولهذا تجد المستمع ~~يعارض الحد ويناقضه في طرده وعكسه ولولا تصوره المحدود بدون الحد لامتنعت ~~المعارضة والمناقضة. وإنما فائدة الحد التمييز بين المحدود وغيره لا ~~تصويره؛ وهو مطابق لاسم الحد في اللغة فإنه الفاصل بينه وبين غيره؛ وذلك ~~أنه قد يتصور ماهية الشيء مطلقا. مثل من يتصور الأمر والخبر والعلم فيتصوره ~~مطلقا لا عاما؛ فالحد يميز العام الذي يدخل فيه كل خبر وعلم وأمر. ومن هنا ~~يتبين لك أن الذي يتصور بالبديهة من مسميات هذه الأسماء وهو الحقيقة ~~المطلقة غير المطلوب بالحد وهو الحقيقة العامة؛ ثم التمييز للأسماء تارة ~~وللصفات أخرى فالحد إما بحسب الاسم وهو الحد اللفظي الذي يحتاج إليه في ~~الاستدلال بالكتاب والسنة وكلام كل عالم وإما بحسب الوصف وهو تفهيم الحقيقة ~~التي عرفت صفتها وهذا يحصل بالرسم والخواص وغير ذلك. # الموضع الثالث: الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية بحيث يدعي # PageV09P263 # أن هذا لا تفهم الماهية بدونه بخلاف الآخر فإن العاقل إذا رجع إلى ذهنه ~~لم يجد أحدهما سابقا والآخر لاحقا ثم إذا كان المرجع في معرفة الذاتي إلى ~~تصور الذات والمرجع في تصورها إلى معرفة الذاتي كان دورا؛ لأنا لا نعرف ~~الماهية إلا بالصفات الذاتية ولا نعرف الصفات الذاتية حتى نتصور الذات؛ فإن ~~الصفات الذاتية ما تقف معرفة الذات ms2886 عليها فلا تعرف الذاتية. إلا بأن نعرف ~~أن فهم الذات موقوف عليها فلا تريد أن تفهم الذات حتى تعرف الذاتية وبسط ~~هذا كثير. (الموضع الرابع) : دعواهم أن الماهيات مركبة ولا تركيب في الذهن. # PageV09P264 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قد كتبت فيما تقدم ملخص " المنطق " المعرب الذي بلغته العرب عن ~~اليونانيين وعربته لفظا ومعنى فإنها أحسنت ألفاظه وحررت معانيه وهو المنسوب ~~إلى أرسطو اليوناني الذي يسميه أتباعه من الصابئين الفلاسفة المبتدعين " ~~المعلم الأول " لأنه وضع التعاليم التي يتعلمونها من المنطق والطبيعي وما ~~بعد الطبيعة. فإن هذه التعاليم لما اتصلت بالمسلمين وعربت كتبها مع ما عرب ~~من كتب الطب والحساب والهيئة وغير ذلك وكان انتشار تعريبها في دولة الخليفة ~~أبي العباس الملقب بالمأمون أخذها المسلمون فحرروها لفظا ومعنى. لكن فيها ~~من الباطل والضلال شيء كثير. # PageV09P265 # فمنهم من اتبعها مع ما ينتحله من الإسلام وهم صابئة المسلمين المسمون ~~بالفلاسفة فصاروا مؤمنين ببعض الكتاب دون بعض بمنزلة المبتدعة من اليهود ~~والنصارى قبل النسخ لما بدلوا بعض الكتب التي بأيديهم. ومنهم من لم يقصد ~~أتباعها لكن تلقى عنهم أشياء يظن أنها جميعها توافق الإسلام وتنصره وكثير ~~منها تخالفه وتخذله وهذه حال كثير من أهل الكلام المعتزلة ولهذا قيل هم ~~مخانيث الفلاسفة. ومنهم من أعرض عنها إعراضا مجملا ولم يتبع من القرآن ~~والإسلام ما يغني عن كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدهم الجهاد المشروع وهذه ~~حال كثير من أهل الحديث والفقه وغير ذلك وقد كتبت فيما تقدم بعض ما يتعلق ~~بذلك في مواضع من القواعد. وذكرت في تلخيص جمل المنطق ما وقع من الجهل ~~والضلال بسببه وبعض ما وقع فيه من الخلل. وهنا تلخيص ذلك فأقول: مقصود ~~الكلام في طرق العلم بالتصورات والتصديقات (فالأول) كالحد والرسم و ~~(الثاني) كالقياس بأنواعه من البرهان وغيره وكالتمثيل والاستقراء. وقد ~~يزعمون أن المطلوب من التصورات لا ينال إلا بجنس الحد # PageV09P266 # والمطلوب من التصديقات لا ينال إلا بجنس القياس وقد يسمى جنس القياس ~~بالنسبة كما يسمى جنس القول الشارح ms2887 حدا وأما البديهي من النوعين فمستغن عن ~~الحد والبرهان فتضمن هذا الكلام أن الحدود تفيد تصوير الحقائق وأن ذلك لا ~~يحصل بغيرها وأن القياس يفيد التصديق بالحقائق وأن ذلك لا يحصل بغيره وفي ~~كلا الأمرين وقع الخطأ. أما في الحد ففي كلا القضيتين السلب والإيجاب فيما ~~أثبتوه وفيما نفوه. # أما الأول: فإن الحد لا يفيد تصور الحقائق وإنما يفيد التمييز بين ~~المحدود وغيره وتصور الحقائق لا يحصل بمجرد الحد الذي هو كلام الحاد بل لا ~~بد من إدراكها بالباطن والظاهر وإذا لم تدرك ضرب المثل لها فيحصل بالمثال ~~الذي هو قياس التصوير - لا قياس التصديق - نوع من الإدراك كإدراكنا لما وعد ~~الله به في الآخرة من الثواب والعقاب. والأمثال المضروبة في القرآن تارة ~~تكون للتصوير وتارة تكون للتصديق وهذا الوجه مقرر بوجوه متعددة. وإنما ~~الغرض هنا تلخيص المقصود. # وأما الثاني وهو النفي فإن إدراك الحقائق المتصورة المطلقة ليس موقوفا ~~على الحد لو فرض أنها تعرف بالحد بل تحصل بأسباب الإدراك المعروفة # PageV09P267 # وقد تحصل من الكلام بالأسماء المفردة كما تحصل بالحد وربما كان الاسم ~~فيها أنفع من الحد وهذا أيضا مقرر. وأما القياس فلا ريب أنه يفيد التصديق ~~إذا صحت مقدماته وتأليفها؛ لكن الخطأ فيه من النفي من وجهين أيضا. (أحدهما) ~~أن حصول العلم التصديقي في النفس ليس موقوفا على القياس بل يحصل بغير ~~القياس. (الثاني) أن القياس البرهاني ليست مواده منحصرة فيما ذكروه في ~~الحسيات والوجديات والبديهيات والنظريات والمتواترات والتجريبيات والحدسيات ~~كما بينت هذا في غير هذا الموضع؛ والله أعلم. # PageV09P268 # و ### | سئل: # عن " كتب المنطق ". # فأجاب: # أما " كتب المنطق " فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا وإن كان قد أدى ~~اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية وقال بعض الناس: إن العلوم لا ~~تقوم إلا به كما ذكر ذلك أبو حامد فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا. أما " عقلا " ~~فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم ~~بدون المنطق اليوناني. وأما " شرعا " فإنه من ms2888 المعلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان. ~~وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا ~~يحتاج إليه والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به ~~والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه ومضرته على # PageV09P269 # من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه؛ فإن فيه من القواعد ~~السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء وكانت سبب نفاقهم وفساد ~~علومهم. وقول من قال إنه كله حق كلام باطل بل في كلامهم في الحد والصفات ~~الذاتية والعرضية وأقسام القياس والبرهان ومواده من الفساد ما قد بيناه في ~~غير هذا الموضع وقد بين ذلك علماء المسلمين والله أعلم. # PageV09P270 # سئل شيخ الإسلام الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام ابن تيمية - رضي الله عنه -: # عن " العقل " الذي للإنسان هل هو عرض؟ وما هي " الروح " المدبرة لجسده؟ ~~هل هي النفس؟ وهل لها كيفية تعلم؟ وهل هي عرض أو جوهر؟ وهل يعلم مسكنها من ~~الجسد؟ ومسكن العقل؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " العقل " في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة ~~والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضا أو صفة ~~ليس هو عينا قائمة بنفسها سواء سمي جوهرا أو جسما أو غير ذلك. وإنما يوجد ~~التعبير باسم " العقل " عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام ~~طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس ويدعون ثبوت عقول عشرة ~~كما يذكر ذلك من يذكره من أتباع أرسطو أو غيره من المتفلسفة المشائين. ومن ~~تلقى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل. وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير ~~هذا الموضع وبين أن ما يذكرونه # PageV09P271 # من العقول والنفوس والمجردات والمفارقات والجواهر العقلية لا يثبت لهم ~~منه إلا نفس الإنسان وما يقوم بها من العلوم وتوابعها؛ فإن أصل تسميتهم ~~لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت ms2889 وهذا أمر صحيح ~~فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت وهذا مبني على أن النفس قائمة بنفسها تبقى ~~بعد فراق البدن بالموت منعمة أو معذبة وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين ~~وغيرهم وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وإن كان ~~كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن. ويقول ~~بعضهم: هي جزء من أجزاء البدن كالريح المترددة في البدن أو البخار الخارج ~~من القلب. ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءا من أجزاء ~~البدن ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأئمتها. وإنما يقول هذا وهذا ~~من يقوله من أهل الكلام المبتدع المحدث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم. ~~والفلاسفة المشاءون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن؛ لكن يصفون النفس ~~بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلا. والعقل عندهم هو ~~المجرد عن المادة وعلائق المادة والمادة عندهم هي الجسم وقد يقولون: هو ~~المجرد عن التعلق بالهيولى والهيولى في لغتهم هو بمعنى المحل. ويقولون: ~~المادة والصورة. # PageV09P272 # والعقل عندهم جوهر قائم بنفسه لا يوصف بحركة ولا سكون ولا تتجدد له أحوال ~~ألبتة. فحقيقة قولهم أن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال ~~لا علوم ولا تصورات. ولا سمع ولا بصر ولا إرادات. ولا فرح وسرور ولا غير ~~ذلك مما قد يتجدد ويحدث بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلا وأبدا كما ~~يزعمونه في العقل والنفس. ثم منهم من يقول: إن النفوس واحدة بالعين. ومنهم ~~من يقول: هي متعددة. وفي كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه. وإنما ~~المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع: فهم يسمون ما اقترن بالمادة التي ~~هي الهيولى وهي الجسم في هذا الموضع نفسا كنفس الإنسان المدبرة لبدنه. ~~ويزعمون أن للفلك نفسا تحركه كما للناس نفوس لكن كان قدماؤهم يقولون: إن ~~نفس الفلك عرض قائم بالفلك كنفوس البهائم وكما يقوم بالإنسان الشهوة والغضب ~~لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم ms2890 بنفسه ~~كنفس الإنسان وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سموها نفسا فإذا فارقت ~~سموها عقلا؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة. وأما ~~النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف. # PageV09P273 # وأصل تسميتهم هذه مجردات هو مأخوذ من كون الإنسان يجرد الأمور العقلية ~~الكلية عن الأمور الحسية المعينة فإنه إذا رأى أفرادا للإنسان كزيد وعمرو ~~عقل قدرا مشتركا بين الأناسي وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في ~~قلبه. وإذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد ~~الحيوان عقل من ذلك قدرا كليا مشتركا بين الأفراد وهي الحيوانية الكلية ~~المعقولة. وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عقل من ذلك قدرا مشتركا ~~كليا وهو الجسم النامي المغتذي وقد يسمون ذلك النفس النباتية. # وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية والسفلية العنصرية عقل من ~~ذلك قدرا مشتركا كليا هو الجسم العام المطلق وإذا رأى ما سوى ذلك من ~~الموجودات عقل من ذلك قدرا مشتركا كليا وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم ~~إلى جوهر وعرض وهذا الوجود هو عندهم موضوع " العلم الأعلى " الناظر في ~~الوجود ولواحقه وهي " الفلسفة الأولى " و " الحكمة العليا " عندهم. وهم ~~يقسمون الوجود: إلى جوهر وعرض والأعراض يجعلونها " تسعة أنواع " هذا هو ~~الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق؛ لأن فيه المفردات التي ~~تنتهي إليها الحدود المؤلفة وكذلك من سلك سبيلهم ممن صنف في هذا الباب كابن ~~حزم وغيره. وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا: " الكلام في هذا لا يختص بالمنطق ~~" # PageV09P274 # فأخرجوها منه وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبي حامد والسهروردي المقتول ~~والرازي والآمدي وغيرهم. وهذه هي " المقولات العشر " التي يعبرون عنها ~~بقولهم: الجوهر. والكم. والكيف. والأين. ومتى والإضافة والوضع والملك وأن ~~يفعل وأن ينفعل وقد جمعت في بيتين وهي: # زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان متكي # في يده سيف نضاه فانتضا ... فهذه عشر مقولات سوا # وأكثر الناس من أتباعه وغير أتباعه أنكروا حصر الأعراض في تسعة أجناس ~~وقالوا: إن ms2891 هذا لا يقوم عليه دليل. ويثبتون إمكان ردها إلى ثلاثة وإلى غير ~~ذلك من الأعداد. وجعلوا الجواهر " خمسة أنواع ": الجسم والعقل والنفس ~~والمادة والصورة. فالجسم جوهر حسي والباقية جواهر عقلية؛ لكن ما يذكرونه من ~~الدليل على إثبات الجواهر العقلية إنما يدل على ثبوتها في الأذهان لا في ~~الأعيان. وهذه التي يسمونها " المجردات العقلية " ويقولون: الجواهر تنقسم ~~إلى ماديات ومجردات فالماديات القائمة بالمادة وهي الهيولى وهي الجسم ~~والمجردات هي المجردات عن المادة وهذه التي يسمونها المجردات أصلها هي هذه ~~الأمور # PageV09P275 # الكلية المعقولة في نفس الإنسان كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس ~~البدن وهذان أمران لا ينكران؛ لكن ادعوا في صفات النفس وأحوالها أمورا ~~باطلة وادعوا أيضا ثبوت جواهر عقلية قائمة بأنفسها ويقولون فيها: العاقل ~~والمعقول والعقل شيء واحد كما يقولون: مثل ذلك في رب العالمين. فيقولون: هو ~~عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة. ويجعلون الصفة عين ~~الموصوف ويجعلون كل صفة هي الأخرى فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس ~~العاقل العالم ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب ونفس اللذة هي نفس ~~العلم ونفس الحب ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم فيجعلون العلم هو ~~القدرة وهو الإرادة وهو المحبة وهو اللذة ويجعلون العالم المريد المحب ~~الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة وهو نفس المحبة وهو نفس اللذة ~~فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس ~~الذات الموصوفة ثم يتناقضون فيثبتون له علما ليس هو نفس ذاته كما تناقض ابن ~~سينا في إشاراته. وغيره من محققيهم وبسط الكلام في الرد عليهم بموضع آخر. ~~والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه ويثبتون جواهر عقلية ~~يسمونها المجردات والمفارقات للمادة وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن عندهم غير ~~نفس الإنسان التي يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذي يسمى ~~عقلا. # PageV09P276 # وكان أرسطو وأتباعه يسمون " الرب " عقلا وجوهرا. وهو عندهم لا يعلم شيئا ~~سوى نفسه ولا يريد شيئا ولا يفعل شيئا ويسمونه " المبدأ ms2892 " و " العلة الأولى ~~" لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به أو متحرك للشبه بالعقل فحاجة الفلك ~~عندهم إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها كما يتشبه المؤتم بالإمام ~~والتلميذ بالأستاذ. وقد يقول: إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه ليس عندهم ~~أنه أبدع شيئا ولا فعل شيئا ولا كانوا يسمونه واجب الوجود ولا يقسمون ~~الوجود إلى واجب وممكن ويجعلون الممكن هو موجودا قديما أزليا كالفلك عندهم. ~~وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميع العقلاء ~~وخالفوا أنفسهم أيضا فتناقضوا؛ فإنهم صرحوا بما صرح به سلفهم وسائر العقلاء ~~من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجودا وأن يكون معدوما لا يكون إلا محدثا ~~مسبوقا بالعدم. وأما الأزلي الذي لم يزل ولا يزال فيمتنع عندهم وعند سائر ~~العقلاء أن يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم بل كل ما قبل الوجود والعدم لم ~~يكن إلا محدثا وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث مسبوق ~~بالعدم كائن بعد أن لم يكن كما بسط في موضعه. لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا ~~فذكروا في موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن. وأن الممكن قد يكون ~~قديما أزليا لم يزل ولا يزال يمتنع # PageV09P277 # عدمه ويقولون: هو واجب بغيره وجعلوا الفلك من هذا النوع؛ فخرجوا عن إجماع ~~العقلاء الذين وافقوهم عليه في إثبات شيء ممكن يمكن أن يوجد وألا يوجد وأنه ~~مع هذا يكون قديما أزليا أبديا ممتنع العدم واجب الوجود بغيره فإن هذا ~~ممتنع عند جميع العقلاء. وذلك بين في صريح العقل لمن تصور حقيقة الممكن ~~الذي يقبل الوجود والعدم كما بسط في موضعه. وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا ~~على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم؛ لأن هؤلاء لم يعرفوا ~~حقيقة ما بعث الله به رسوله. ولم يحتجوا لما نصروه بحجج صحيحة في المعقول. ~~فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل. (حتى قالوا: إن الله لم يزل ~~لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته [ثم حدث ما حدث من غير تجدد ms2893 سبب حادث ~~وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته] ثم حدث ما حدث من غير تجدد ~~سبب حادث وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء؛ ~~لزعمهم امتناع دوام الحوادث) (*) ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان وأبي ~~الهذيل العلاف إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضي فقال الجهم: بفناء ~~الجنة والنار وقال أبو الهذيل: بفناء حركاتهما وأنهم يبقون دائما في سكون ~~ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا هو مقتضى العقل وأن كل ما له ابتداء ~~فيجب أن يكون له انتهاء. ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة كما ~~قال تعالى: {أكلها PageV09P278 # دائم وظلها} وقال: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} ظنوا أنه يجب تصديق ~~الشرع فيما خالف فيه أهل العقل ولم يعلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا ~~تناقض الحجة الشرعية الصحيحة بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة سواء كانت عقلية ~~أو سمعية أو سمعية وعقلية. بل إذا تعارضت حجتان دل على فساد إحداهما أو ~~فسادهما جميعا. وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث في المستقبل دون ~~الماضي وذكروا فروعا عرف حذاقهم ضعفها كما بسط في غير هذا الموضع. وهو ~~لزومهم أن يكون الرب كان غير قادر ثم صار قادرا من غير تجدد سبب يوجب كونه ~~قادرا وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته ثم صار الفعل ممكنا له ~~بدون سبب يوجب تجدد الإمكان. وإذا ذكر لهم هذا قالوا: كان في الأزل قادرا ~~على ما لم يزل فقيل لهم: القادر لا يكون قادرا مع كون المقدور ممتنعا بل ~~القدرة على الممتنع ممتنعة وإنما يكون قادرا على ما يمكنه أن يفعله فإذا ~~كان لم يزل قادرا فلم يزل يمكنه أن يفعل. ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا في ~~كلام الله على ثلاثة أقوال: # فرقة قالت: الكلام لا يقوم بذات الرب بل لا يكون كلامه إلا مخلوقا؛ لأنه ~~إما قديم وإما حادث ويمتنع أن يكون قديما لأنه متكلم بمشيئته وقدرته ~~والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة وإذا ms2894 كان الكلام # PageV09P279 # بالقدرة والمشيئة كان مخلوقا لا يقوم بذاته. إذ لو قام بذاته كانت قد ~~قامت به الحوادث والحوادث لا تقوم به لأنها لو قامت به لم يخل منها وما لم ~~يخل من الحوادث فهو حادث. قالوا: إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام وبه ~~ثبت حدوث العالم. قالوا: ومعلوم أن ما لم يسبق الحادث لم يكن قبله إما معه ~~وإما بعده. وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث. وكثير منهم لم يتفطن للفرق ~~بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين فإن الحادث المعين والحوادث المحصورة ~~يمتنع أن تكون أزلية دائمة وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها وما ~~كان كذلك فهو حادث قطعا. وهذا لا يخفى على أحد. ولكن موضع النظر والنزاع " ~~نوع الحوادث ". وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائما فيكون الرب لا يزال ~~يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك؟ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة ~~قالوا: وهذا أيضا ممتنع لامتناع حوادث لا أول لها وذكروا على ذلك حججا كحجة ~~التطبيق وحجة امتناع انقضاء ما لا نهاية له وأمثال ذلك. وقد ذكر عامة ما ~~ذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع ولكل مقام مقال. ~~وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يعلم بطلانه بصريح العقل وأنه ~~يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث ويمتنع كون الرب يصير فاعلا بعد # PageV09P280 # أن لم يكن. وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه - ظنوا أنهم إذا أبطلوا ~~هذا القول فقد سلم لهم ما ادعوه عن " قدم العالم " كالأفلاك وجنس المولدات ~~ومواد العناصر وضلوا ضلالا عظيما خالفوا به صرائح العقول وكذبوا به كل ~~رسول. فإن الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم ~~يكن. ليس مع الله شيء قديم بقدمه وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام. والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لا بد لها من محدث فلو لم تكن ~~إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها لم ms2895 يكن في العالم شيء من ~~الحوادث. فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع ~~فإنه إذا كان معلولها لازما لها كان قديما معها لم يتأخر عنها فلا يكون ~~لشيء من الحوادث سبب اقتضى حدوثه فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث وهؤلاء ~~فروا من أن يحدثها القادر بغير سبب حادث وذهبوا إلى أنها تحدث بغير محدث ~~أصلا لا قادر ولا غير قادر. فكان ما فروا إليه شرا مما فروا منه وكانوا شرا ~~من المستجير من الرمضاء بالنار. واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع ~~المعين كالفلك يقارن فاعله أزلا وأبدا لا يتقدم الفاعل عليه تقدما زمانيا ~~وأولئك قالوا: بل المؤثر التام يتراخى عنه أثره ثم يحدث الأثر من غير سبب ~~اقتضى حدوثه فأقام الأولون الأدلة العقلية الصريحة على بطلان هذا كما أقام ~~هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة # PageV09P281 # على بطلان قول الآخرين ولا ريب أن قول هؤلاء أهل المقارنة أشد فسادا ~~ومناقضة لصريح المعقول. وصحيح المنقول من قول أولئك أهل التراخي. والقول ~~الثالث الذي يدل عليه المعقول الصريح ويقر به عامة العقلاء ودل عليه الكتاب ~~والسنة وأقوال السلف والأئمة لم يهتد له الفريقان: وهو أن المؤثر التام ~~يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام لا يقترن به ولا يتراخى كما إذا طلقت ~~المرأة فطلقت. وأعتقت العبد فعتق. وكسرت الإناء فانكسر وقطعت الحبل فانقطع ~~فوقوع العتق والطلاق ليس مقارنا لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه ولا ~~هو أيضا متراخ عنه بل يكون عقبه متصلا به. وقد يقال هو معه ومفارق له ~~باعتبار أنه يكون عقبه متصلا به كما يقال: هو بعده متأخر عنه باعتبار أنه ~~إنما يكون عقب التأثير التام ولهذا قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون} فهو سبحانه يكون ما يشاء تكوينه فإذا كونه كان عقب ~~تكوينه متصلا به لا يكون مع تكوينه في الزمان ولا يكون متراخيا عن تكوينه ~~بينهما فصل في الزمان؛ بل يكون متصلا بتكوينه كاتصال أجزاء الحركة والزمان ~~بعضها ببعض. وهذا مما ms2896 يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم ~~يكن وإن قيل مع ذلك بدوام فاعليته ومتكلميته وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع. # PageV09P282 # والمقصود هنا أن هذا هو أصل من قال القرآن محدث ومن قال إن الرب لم يقم ~~به كلام ولا إرادة بل ولا علم بل ولا حياة ولا قدرة ولا شيء من الصفات. ~~فلما ظهر فساد هذا القول شرعا وعقلا قالت طائفة ممن وافقتهم على أصل ~~مذهبهم: هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه أمر لازم لذاته كما تلزم ذاته ~~الحياة ثم منهم من قال: هو معنى واحد لامتناع اجتماع معان لا نهاية لها في ~~آن واحد وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد وقالوا: ذلك المعنى هو الأمر بكل ~~مأمور والخبر عن كل مخبر عنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه ~~بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا. وقالوا: إن الأمر ~~والنهي صفات للكلام لا أنواع له. فإن معنى " آية الكرسي " و " آية الدين " ~~و {قل هو الله أحد} و {تبت يدا أبي لهب} معنى واحد. فقال جمهور العقلاء ~~لهم: تصور هذا القول يوجب العلم بفساده وقالوا لهم: موسى سمع كلام الله كله ~~أو بعضه. إن قلتم كله لزم أن يكون قد علم علم الله. وإن قلتم بعضه فقد ~~تبعض. وقالوا لهم: إذا جوزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر وحقيقة ~~النهي عن كل منهي عنه. والأمر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه ~~فجوزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة وحقيقة القدرة هي حقيقة ~~الإرادة. فاعترف حذاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه ولزمهم إمكان أن ~~تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب ~~الممكن والتزم ذلك طائفة منهم فقالوا: # PageV09P283 # الوجود واحد وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن ~~المخلوق المحدث. وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود كابن عربي الطائي وابن ~~سبعين وأتباعهما كما بسط ms2897 في مواضع. ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم ~~بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به من قال: كلامه المعين حروف وأصوات معينة ~~قديمة أزلية لم تزل ولا تزال. وزعموا أن كلا من القرآن والتوراة والإنجيل ~~حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل ولا تزال فقال لهم جمهور العقلاء: معلوم ~~بالاضطرار أن الباء قبل السين والسين قبل الميم فكيف يكونان معا أزلا وأبدا ~~ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون أزليا لم يزل ولا يزال. ~~فقالت (الطائفة الثالثة - ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين - بل نقول إنه ~~يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته كما دل على ذلك الكتاب والسنة ~~وإجماع السلف والأئمة وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به فلا محذور في ذلك لا ~~شرعا ولا عقلا بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء وعليه دلت النصوص الكثيرة ~~وأقوال السلف والأئمة. ونقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي ~~وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى كما دلت على ذلك النصوص وأقوال السلف لكن ~~نقول إنه لم يكن في الأزل متكلما ويمتنع أن # PageV09P284 # يكون لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته لأن ذلك يستلزم حوادث لا أول لها. وهو ~~أصل هؤلاء. فقيل لهم: معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص وأن من يتكلم ~~بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادرا على الكلام بمشيئته وقدرته. وحينئذ ~~فمن لم يزل متكلما بمشيئته أكمل ممن صار قادرا على الكلام بعد أن كان لا ~~يمكنه أن يتكلم. وقالوا لهم: إذا قلتم تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعا من ~~غير أن يكون هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له قلتم إنه لم ~~يزل غير قادر على الكلام ولم يزل الكلام غير ممكن له ثم صار قادرا يمكنه أن ~~يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء وهذا مخالفة لصريح العقل وسلب لصفات الكمال ~~عن الباري وجعله مثل المخلوق الذي صار قادرا على الكلام بعد أن لم يكن ~~قادرا عليه. والسلف والأئمة نصوا على أن الرب تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ms2898 ~~وكما شاء كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة ~~الدين وسلف المسلمين وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. ~~لم يقل أحد منهم أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته. ولا قال أحد منهم إنه مخلوق ~~بائن # PageV09P285 # عنه. ولا قال أحد منهم إنه صار متكلما أو قادرا على الكلام بعد أن لم يكن ~~كذلك. وقد بسطت هذه الأمور في موضع آخر. # والمقصود أن هذه الأقوال التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية ~~والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية ومن وافقهم من المتأخرين الذين ~~انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة وما جاء ~~به الكتاب والسنة وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده هي ~~التي سلطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم لكن قول الفلاسفة أعظم فسادا في ~~المعقول والمنقول. # فصل: # والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة وهو ~~الذي يسمى عرضا قائما بالعاقل. وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى {لعلكم ~~تعقلون} . وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} . ~~وقوله: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} ونحو ذلك مما يدل على أن العقل ~~مصدر عقل يعقل عقلا وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم ~~يعمل به صاحبه. ولا العمل بلا علم؛ بل إنما يسمى به العلم # PageV09P286 # الذي يعمل به والعمل بالعلم ولهذا قال أهل النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير} وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها} . والعقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علوما يميز بها ~~الإنسان بين ما ينفعه وما يضره فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس ~~ولا بين أيام الأسبوع ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل. أما من فهم ~~الكلام وميز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل. ثم من الناس من يقول: العقل ~~هو علوم ضرورية ومنهم من يقول: العقل هو العمل ms2899 بموجب تلك العلوم. والصحيح ~~أن اسم العقل يتناول هذا وهذا وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان ~~التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار كما قال أحمد بن حنبل ~~والحارث المحاسبي وغيرهما: أن العقل غريزة. وهذه الغريزة ثابتة عند جمهور ~~العقلاء كما أن في العين قوة بها يبصر؛ وفي اللسان قوة بها يذوق وفي الجلد ~~قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء. ومن الناس من ينكر القوى والطبائع كما هو ~~قول أبي الحسن ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهؤلاء ~~المنكرون للقوى والطبائع # PageV09P287 # ينكرون الأسباب أيضا ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها فيقولون: إن ~~الله لا يشبع بالخبز ولا يروي بالماء ولا ينبت الزرع بالماء بل يفعل عنده ~~لا به وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفة صريح العقل ~~والحس؛ فإن الله قال في كتابه: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} فأخبر أنه ينزل الماء بالسحاب ~~ويخرج الثمر بالماء. وقال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها} وقال: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد} وقال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} وقال: {قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقال: {فيقولون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} ومثل هذا في القرآن ~~كثير. والناس يعلمون بحسهم وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض كما يعلمون أن ~~الشبع يحصل بالأكل لا بالعد ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى وأن الماء سبب ~~لحياة النبات والحيوان كما قال: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وأن الحيوان ~~يروى بشرب الماء لا بالمشي ومثل ذلك كثير ولبسط هذه المسائل موضع آخر. # PageV09P288 # فصل: # والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه وهي ~~النفس التي تفارقه بالموت {قال ms2900 النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن ~~الصلاة: إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء} {وقال له بلال: يا ~~رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك} وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يقبضها قبضين: قبض الموت وقبض ~~النوم ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي ~~أجلها وقت الموت. وقد ثبت في الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول إذا نام: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها ~~وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين} وقد ثبت في ~~الصحيح: {أن الشهداء جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح # PageV09P289 # في الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش} وثبت أيضا بأسانيد صحيحة: {أن ~~الإنسان إذا قبضت روحه فتقول الملائكة اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في ~~الجسد الطيب اخرجي راضية مرضيا عنك. ويقال اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت ~~في الجسد الخبيث اخرجي ساخطة مسخوطا عليك} وفي الحديث الآخر: {نسمة المؤمن ~~طائر تعلق من ثمر الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش} فسماها نسمة. ~~وكذلك في الحديث الصحيح حديث المعراج: {أن آدم عليه السلام قبل يمينه أسودة ~~وقبل شماله أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى وأن جبريل ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسودة نسم بنيه: عن يمينه السعداء وعن ~~يساره الأشقياء} وفي حديث علي: {والذي فلق الحبة وبرأ النسمة} وفي الحديث ~~الصحيح: {إن الروح إذا قبض تبعه البصر} فقد سمى المقبوض وقت الموت ووقت ~~النوم روحا ونفسا. وسمى المعروج به إلى السماء روحا ونفسا. لكن يسمى نفسا ~~باعتبار تدبيره للبدن ويسمى روحا باعتبار لطفه فإن لفظ " الروح " يقتضي ~~اللطف ولهذا تسمى الريح روحا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {الريح من روح ~~الله} أي من الروح التي خلقها ms2901 الله فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك لا ~~إضافة وصف إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عينا قائمة بنفسها فهو ملك له وإن ~~كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله. # PageV09P290 # فالأول كقوله: {ناقة الله وسقياها} وقوله: {فأرسلنا إليها روحنا} وهو ~~جبريل: {فتمثل لها بشرا سويا} {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} ~~{قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} وقال: {ومريم ابنت عمران التي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} وقال عن آدم: {فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين} والثاني كقولنا: علم الله وكلام الله وقدرة الله ~~وحياة الله وأمر الله لكن قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمى المعلوم ~~علما والمقدور قدرة والمأمور به أمرا والمخلوق بالكلمة كلمة فيكون ذلك ~~مخلوقا. كقوله: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وقوله: {إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة} وقوله: {إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} ومن هذا ~~الباب قوله: {إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة. أنزل منها رحمة ~~واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك ~~فرحم بها عباده} ومنه قوله في الحديث الصحيح للجنة: {أنت رحمتي أرحم بك من ~~أشاء من عبادي} كما قال للنار: {أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة ~~منكما ملؤها} . # PageV09P291 # فصل: # ولكن لفظ " الروح والنفس " يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح الهواء ~~الخارج من البدن والهواء الداخل فيه ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف ~~القلب من سويداه الساري في العروق وهو الذي تسميه الأطباء الروح ويسمى ~~الروح الحيواني. فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي ~~النفس. ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه كما يقال رأيت زيدا نفسه وعينه وقد قال ~~تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} وقال: {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} وقال تعالى: ms2902 {ويحذركم الله نفسه} وفي الحديث الصحيح أنه {قال لأم ~~المؤمنين: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن سبحان الله ~~عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته} ~~وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: ~~أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم} . فهذه المواضع المراد فيها بلفظ ~~النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه # PageV09P292 # التي هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتا منفكة عن الصفات ولا ~~المراد بها صفة للذات وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظن ~~طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ. وقد يراد بلفظ النفس ~~الدم الذي يكون في الحيوان كقول الفقهاء " ما له نفس سائلة وما ليس له نفس ~~سائلة " ومنه يقال نفست المرأة إذا حاضت ونفست (*) إذا نفسها ولدها ومنه ~~قيل النفساء ومنه قول الشاعر: تسيل على حد الظباة نفوسنا وليست على غير ~~الظباة تسيل فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح ويراد بالنفس عند ~~كثير من المتأخرين صفاتها المذمومة فيقال: فلان له نفس ويقال: اترك نفسك ~~ومنه قول أبي مرثد " رأيت رب العزة في المنام فقلت أي رب كيف الطريق إليك ~~فقال اترك نفسك " ومعلوم أنه لا يترك ذاته وإنما يترك هواها وأفعالها ~~المذمومة ومثل هذا كثير في الكلام يقال فلان له لسان فلان له يد طويلة فلان ~~له قلب يراد بذلك لسان ناطق ويد عاملة صانعة وقلب حي عارف بالحق مريد له ~~قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . ~~كذلك النفس لما كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها اتباع هواها صار ~~PageV09P293 # لفظ " النفس " يعبر به عن النفس المتبعة لهواها أو عن اتباعها الهوى ~~بخلاف لفظ " الروح " فإنها لا يعبر بها عن ذلك إذ كان لفظ " الروح " ليس هو ~~باعتبار ms2903 تدبيرها للبدن. ويقال النفوس ثلاثة أنواع: وهي " النفس الأمارة ~~بالسوء " التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي. و " النفس ~~اللوامة " وهي التي تذنب وتتوب فعنها خير وشر لكن إذا فعلت الشر تابت ~~وأنابت فتسمى لوامة لأنها تلوم صاحبها على الذنوب ولأنها تتلوم أي تتردد ~~بين الخير والشر. و " النفس المطمئنة " وهي التي تحب الخير والحسنات وتريده ~~وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك وقد صار ذلك لها خلقا وعادة وملكة. فهذه ~~صفات وأحوال لذات واحدة وإلا فالنفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة وهذا أمر ~~يجده الإنسان من نفسه. وقد قال طائفة من المتفلسفة الأطباء: إن النفوس ~~ثلاثة: نباتية محلها الكبد؛ وحيوانية محلها القلب وناطقية محلها الدماغ. ~~وهذا إن أرادوا به أنها ثلاث قوى تتعلق بهذه الأعضاء فهذا مسلم وإن أرادوا ~~أنها ثلاثة أعيان قائمة بأنفسها فهذا غلط بين. # PageV09P294 # فصل: # وأما قول السائل: " هل لها كيفية تعلم؟ " فهذا سؤال مجمل إن أراد أنه ~~يعلم ما يعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما يعلم وإن أراد أنها هل لها مثل ~~من جنس ما يشهده من الأجسام أو هل لها من جنس شيء من ذلك؟ فإن أراد ذلك ~~فليس كذلك فإنها ليست من جنس العناصر: الماء والهواء والنار والتراب ولا من ~~جنس أبدان الحيوان والنبات والمعدن ولا من جنس الأفلاك والكواكب فليس لها ~~نظير مشهود ولا جنس معهود: ولهذا يقال؛ إنه لا يعلم كيفيتها ويقال إنه " من ~~عرف نفسه عرف ربه " من جهة الاعتبار ومن جهة المقابلة ومن جهة الامتناع. ~~فأما " الاعتبار " فإنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم ~~فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع ~~بصير فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أن يفهم ما ~~غاب عنه كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا: من العسل واللبن # PageV09P295 # والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ~~ذلك من الغيب: لكن ms2904 لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس رضي ~~الله عنه " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ". فإن هذه الحقائق ~~التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث ~~يجوز على هذه ما يجوز على تلك ويجب لها ما يجب لها ويمتنع عليها ما يمتنع ~~عليها وتكون مادتها مادتها وتستحيل استحالتها فإنا نعلم أن ماء الجنة لا ~~يفسد ويأسن ولبنها لا يتغير طعمه وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله فإن ~~ماءها ليس نابعا من تراب ولا نازلا من سحاب مثل ما في الدنيا ولبنها ليس ~~مخلوقا من أنعام كما في الدنيا؛ وأمثال ذلك؛ فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ~~ذلك المخلوق في الاسم؛ وبينهما قدر مشترك وتشابه؛ علم به معنى ما خوطبنا به ~~مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته ~~مما في الجنة لما في الدنيا. فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير؛ ~~لم يلزم أن يكون مماثلا لخلقه إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد ~~مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق وكل واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل ~~وليست مماثلة للملائكة المخلوقين؛ فكيف يماثل رب العالمين شيئا من ~~المخلوقين. والله سبحانه وتعالى سمى نفسه وصفاته بأسماء وسمى بها بعض ~~المخلوقات فسمى نفسه حيا عليما سميعا بصيرا عزيزا جبارا متكبرا # PageV09P296 # ملكا رءوفا رحيما؛ وسمى بعض عباده عليما وبعضهم حليما وبعضهم رءوفا ~~رحيما؛ وبعضهم سميعا بصيرا؛ وبعضهم ملكا؛ وبعضهم عزيزا؛ وبعضهم جبارا ~~متكبرا. ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم ولا السميع ~~كالسميع؛ وهكذا في سائر الأسماء؛ قال سبحانه وتعالى: {إن الله كان عليما ~~حكيما} وقال: {وبشروه بغلام عليم} وقال: {إنه كان حليما غفورا} وقال: ~~{فبشرناه بغلام حليم} وقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} وقال: {بالمؤمنين ~~رءوف رحيم} وقال: {إن الله كان سميعا بصيرا} وقال تعالى: {أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا} وكذلك سائر ما ذكر؛ لكن الإنسان يعتبر بما عرفه ms2905 ما لم ~~يعرفه. ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة. وأما من جهة " ~~المقابلة " فيقال: من عرف نفسه بالعبودية عرف ربه بالربوبية ومن عرف نفسه ~~بالفقر عرف ربه بالغنى ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة ومن عرف نفسه ~~بالجهل عرف ربه بالعلم ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز وهكذا أمثال ذلك ~~لأن العبد ليس له من نفسه إلا العدم وصفات النقص كلها ترجع إلى العدم وأما ~~الرب تعالى فله صفات الكمال وهي من لوازم ذاته يمتنع انفكاكه عن صفات ~~الكمال أزلا وأبدا ويمتنع عدمها لأنه واجب الوجود أزلا وأبدا # وصفات كماله من لوازم ذاته ويمتنع ارتفاع اللازم إلا بارتفاع الملزوم فلا ~~يعد شيء من صفات كماله إلا بعدم ذاته # PageV09P297 # وذاته يمتنع عليها العدم فيمتنع على شيء من صفات كماله العدم. وأما من ~~جهة " العجز والامتناع " فإنه يقال: إذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب ~~الأشياء إليه بل هي هويته وهو لا يعرف كيفيتها ولا يحيط علما بحقيقتها ~~فالخالق جل جلاله أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علما بحقيقته ~~ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم بربه صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك} وثبت في صحيح مسلم وغيره: أنه كان يقول هذا في سجوده. وقد ~~روى الترمذي وغيره: أنه كان يقوله في قنوت الوتر " وإن كان في هذا الحديث ~~نظر فالأول صحيح ثابت. # فصل: # وأما سؤال السائل: هل هو جوهر أو عرض؟ فلفظ " الجوهر " فيه إجمال ومعلوم ~~أنه لم يرد بالسؤال الجوهر في اللغة مع أنه قد قيل إن لفظ " الجوهر " ليس ~~من لغة العرب وإنه معرب وإنما أراد السائل الجوهر في الاصطلاح من تقسيم ~~الموجودات إلى جوهر وعرض. # PageV09P298 # وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز فيكون الجسم المتحيز عندهم جوهرا ~~وقد يريدون به الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ. والعقلاء متنازعون في ~~إثبات هذا؛ وهو أن الأجسام هل هي ms2906 مركبة من الجواهر المفردة؟ أم من المادة ~~والصورة؟ أم ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا على ثلاثة أقوال؛ أصحها " ~~الثالث " أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة ~~وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية ~~والكلابية وكثير من الكرامية وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ~~وغيرهم بل هو قول أكثر العقلاء كما قد بسط في موضعه. والقائلون بأن لفظ " ~~الجوهر " يقال على المتحيز متنازعون: هل يمكن وجود جوهر ليس بمتحيز؟ ثم ~~هؤلاء منهم من يقول: كل موجود فإما جوهر وإما عرض ويدخل الموجود الواجب في ~~مسمى الجوهر ومن هؤلاء من يقول: كل موجود فإما جسم أو عرض ويدخل الموجود ~~الواجب في مسمى الجسم وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظار المسلمين وغيرهم ~~ومن المتفلسفة والنصارى من يسميه جوهرا ولا يسميه جسما وحكي عن بعض نظار ~~المسلمين أنه يسميه جسما ولا يسميه جوهرا إلا أن الجسم عنده # PageV09P299 # هو المشار إليه أو القائم بنفسه؛ والجوهر عنده هو الجوهر الفرد. ولفظ " ~~العرض " في اللغة له معنى وهو ما يعرض ويزول كما قال تعالى: {يأخذون عرض ~~هذا الأدنى} وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد بالعرض ما يقوم بغيره مطلقا ~~وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات ويراد به في غير هذا الاصطلاح أمور ~~أخرى. ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات ~~الله وأن له علما وقدرة وحياة وكلاما ويسمون هذه الصفات ثم منهم من يقول: ~~هي صفات وليست أعراضا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية ومنهم من يقول ~~بل تسمى أعراضا لأن العرض قد يبقى وقول من قال: إن كل عرض لا يبقى زمانين ~~قول ضعيف وإذا كانت الصفات الباقية تسمى أعراضا جاز أن تسمى هذه أعراضا: ~~ومنهم من يقول: أنا لا أطلق ذلك بناء على أن الإطلاق مستنده الشرع. والناس ~~متنازعون هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يرد ~~بإطلاقه نص ولا إجماع ms2907 أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع على قولين ~~مشهورين. وعامة النظار يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع كلفظ القديم ~~والذات # PageV09P300 # ونحو ذلك ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها وبين ما يخبر به ~~عنه للحاجة فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال: {ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها} وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو ~~بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك فقيل في تحقيق الإثبات بل ~~هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها وقيل ليس بشيء فقيل بل هو شيء ~~فهذا سائغ وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على ~~المدح كقول القائل: يا شيء إذ كان هذا لفظا يعم كل موجود وكذلك لفظ " ذات ~~وموجود " ونحو ذلك؛ إلا إذا سمى بالموجود الذي يجده من طلبه كقوله: {ووجد ~~الله عنده} فهذا أخص من الموجود الذي يعم الخالق والمخلوق. إذا تبين هذا ~~فالنفس - وهي الروح المدبرة لبدن الإنسان - هي من باب ما يقوم بنفسه التي ~~تسمى جوهرا وعينا قائمة بنفسها ليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة ~~بغيرها. وأما التعبير عنها بلفظ " الجوهر " " والجسم " ففيه نزاع بعضه ~~اصطلاحي وبعضه معنوي. فمن عنى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر ومن عنى ~~بالجسم ما يشار إليه وقال إنه يشار إليها فهي عنده جسم ومن عنى بالجسم ~~المركب # PageV09P301 # من الجواهر المفردة أو المادة والصورة فبعض هؤلاء قال إنها جسم أيضا. ومن ~~عنى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة فمنهم من يقول إنها جوهر والصواب أنها ~~ليست مركبة من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة وليست من جنس الأجسام ~~المتحيزات المشهودة المعهودة وأما الإشارة إليها فإنه يشار إليها وتصعد ~~وتنزل وتخرج من البدن وتسل منه كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليه الشواهد ~~العقلية. # فصل: # وأما قول القائل أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد بل ~~هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي ms2908 عرض في جميع الجسد فإن الحياة ~~مشروطة بالروح فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح ~~فارقته الحياة. # PageV09P302 # فصل: # وأما قوله: أين مسكن العقل فيه؟ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل وأما ~~من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بها} وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: " بلسان سئول وقلب ~~عقول " لكن لفظ " القلب " قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في ~~الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا ~~فسدت فسد لها سائر الجسد} . وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقا فإن قلب ~~الشيء باطنه كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك ومنه سمي القليب قليبا ~~لأنه أخرج قلبه وهو باطنه وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق ~~بدماغه أيضا ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ. كما يقوله كثير من الأطباء ~~ونقل ذلك عن الإمام أحمد ويقول طائفة من أصحابه: إن أصل العقل في القلب ~~فإذا كمل انتهى إلى الدماغ. والتحقيق أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا ~~وهذا وما يتصف # PageV09P303 # من العقل به يتعلق بهذا وهذا لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ ومبدأ ~~الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم ويراد به العمل فالعلم والعمل ~~الاختياري أصله الإرادة وأصل الإرادة في القلب والمريد لا يكون مريدا إلا ~~بعد تصور المراد فلا بد أن يكون القلب متصورا فيكون منه هذا وهذا ويبتدئ ~~ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء وكلا ~~القولين له وجه صحيح. وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق والله أعلم. # PageV09P304 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # أيما أفضل: العلم، أو العقل؟ . # فأجاب: # إن أريد بالعلم علم الله تعالى الذي أنزله الله تعالى وهو الكتاب كما قال ~~تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} فهذا أفضل من عقل الإنسان؛ ~~لأن هذا ms2909 صفة الخالق: والعقل صفة المخلوق وصفة الخالق أفضل من صفة المخلوق. ~~وإن أريد بالعقل أن يعقل العبد أمره ونهيه فيفعل ما أمر به ويترك ما نهي ~~عنه فهذا العقل يدخل صاحبه به الجنة. وهو أفضل من العلم الذي لا يدخل صاحبه ~~به الجنة. كمن يعلم ولا يعمل. وإن أريد العقل الغريزة التي جعلها الله في ~~العبد التي ينال بها العلم والعمل فالذي يحصل به أفضل؛ لأن العلم هو ~~المقصود به وغريزة العقل وسيلة إليه. والمقاصد أفضل من وسائلها. وإن أريد ~~بالعقل العلوم التي تحصل بالغريزة فهذه من العلم فلا يقال: أيما # PageV09P305 # أفضل العلم أو العقل ولكن يقال أيما أفضل هذا العلم أو هذا العلم فالعلوم ~~بعضها أفضل من بعض فالعلم بالله أفضل من العلم بخلقه ولهذا كانت آية الكرسي ~~أفضل آية في القرآن؛ لأنها صفة الله تعالى. وكانت: {قل هو الله أحد} تعدل ~~ثلث القرآن؛ لأن القرآن " ثلاثة أثلاث ": ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ~~ونهي. وثلث التوحيد أفضل من غيره. والجواب في هذه المسألة مسألة العلم ~~والعقل لا بد فيه من التفصيل؛ لأن كل واحد من الاسمين يحتمل معان كثيرة فلا ~~يجوز إطلاق الجواب بلا تفصيل ولهذا كثر النزاع فيها لمن لم يفصل ومن فصل ~~الجواب فقد أصاب. والله أعلم. # PageV09P306 # وقال شيخ الإسلام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~ابن تيمية الحراني - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # فصل: # ثم إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء كما خلق له ~~العين يرى بها الأشياء والأذن يسمع بها الأشياء كما خلق له سبحانه كل عضو ~~من أعضائه لأمر من الأمور وعمل من الأعمال. فاليد للبطش والرجل للسعي ~~واللسان للنطق والفم للذوق والأنف للشم والجلد للمس وكذلك سائر الأعضاء ~~الباطنة والظاهرة. فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خلق له وأعد لأجله فذلك ~~هو الحق القائم والعدل الذي قامت به السموات والأرض وكان ذلك خيرا وصلاحا ~~لذلك العضو ولربه وللشيء الذي استعمل فيه وذلك الإنسان الصالح # PageV09P307 # هو الذي ms2910 استقام حاله و {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} . ~~وإذا لم يستعمل العضو في حقه بل ترك بطالا فذلك خسران وصاحبه مغبون وإن ~~استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك وصاحبه من الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا. ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب: كما سمي قلبا. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله ألا وهي القلب} وقال صلى الله عليه وسلم {الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب ثم أشار بيده إلى صدره وقال ألا إن التقوى هاهنا ألا إن ~~التقوى هاهنا} . وإذ قد خلق القلب لأن يعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء ~~العلم بها هو الفكر والنظر كما أن إقبال الأذن على الكلام ابتغاء سمعه هو ~~الإصغاء والاستماع وانصراف الطرف إلى الأشياء طلبا لرؤيتها هو النظر. ~~فالفكر للقلب كالإصغاء للأذن ومثله نظر العينين فيما سبق وإذا علم ما نظر ~~فيه فذاك مطلوبه كما أن الأذن كذلك إذا سمعت ما أصغت إليه أو العين إذا ~~أبصرت ما نظرت إليه. وكم من ناظر مفكر لم يحصل العلم ولم ينله كما أنه كم ~~من ناظر إلى الهلال لا يبصره ومستمع إلى صوت لا يسمعه. # PageV09P308 # وعكسه من يؤتى علما بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقة تفكير فيه ~~كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه أو سمع قولا من غير أن يصغي إليه ~~وذلك كله لا لأن القلب بنفسه يقبل العلم وإنما الأمر موقوف على شرائط ~~واستعداد قد يكون فعلا من الإنسان فيكون مطلوبا وقد يأتي فضلا من الله ~~فيكون موهوبا. فصلاح القلب وحقه والذي خلق من أجله هو أن يعقل الأشياء لا ~~أقول أن يعلمها فقط فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له بل غافلا عنه ملغيا ~~له والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه فيكون وقت ~~الحاجة إليه غنيا فيطابق عمله قوله وباطنه ظاهره وذلك هو الذي ms2911 أوتي الحكمة. ~~{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} . وقال أبو الدرداء: إن من الناس من ~~يؤتى علما ولا يؤتى حكما وإن شداد بن أوس ممن أوتي علما وحكما. وهذا مع أن ~~الناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص وفيما يعقلونه من ~~بين قليل وكثير وجليل ودقيق وغير ذلك. ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ~~ينال به العلم ويدرك أعني العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات دون ~~ما يشاركها فيه من الشم والذوق # PageV09P309 # واللمس وهنا يدرك به ما يحب ويكره وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء ~~إليه إلى غير ذلك. قال الله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} وقال: {ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} ~~وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا} وقال: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} وقال: {ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} . وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء ~~من العمل والقوة: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} . ثم إن ~~العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء وهو أنها إنما يرى صاحبها بها ~~الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص فأما القلب والأذن ~~فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية ~~والمعلومات المعنوية ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذ كان ~~العلم هو غذاءه وخاصيته أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى ~~القلب فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ~~ما فيه من العلم فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب وإنما سائر الأعضاء ~~حجبة له توصل إليه من الأخبار ما لم # PageV09P310 # يكن ليأخذه ms2912 بنفسه حتى إن من فقد شيئا من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من ~~العلم ما كان هو الواسطة فيه. فالأصم لا يعلم ما في الكلام من العلم ~~والضرير لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة وكذلك من نظر إلى ~~الأشياء بغير قلب أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل ~~شيئا؛ فمدار الأمر على القلب وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى {أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} حتى لم ~~يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة ~~وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها ومثله قوله: {أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} وتتبين حقيقة الأمر في قوله: {إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . فإن من يؤتى الحكمة وينتفع ~~بالعلم على منزلتين إما رجل رأى الحق بنفسه فقبله فاتبعه ولم يحتج إلى من ~~يدعوه إليه فذلك صاحب القلب؛ أو رجل لم يعقله بنفسه بل هو محتاج إلى من ~~يعلمه ويبينه له ويعظه ويؤدبه فهذا أصغى ف: {ألقى السمع وهو شهيد} . أي ~~حاضر القلب ليس بغائبه. كما قال مجاهد: أوتى العلم وكان له ذكرى. ويتبين ~~قوله: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا # PageV09P311 # يعقلون} {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} ~~وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا} . ثم إذا كان حق القلب أن يعلم الحق فإن الله هو الحق المبين {فذلكم ~~الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال} إذ كان كل ما يقع عليه لمحة ~~ناظر أو يجول في لفتة خاطر فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه لا يحيط علما ~~إلا بما هو من آياته البينة في أرضه وسمائه. وأصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل. # أي ما من شيء من ms2913 الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه إلا وجدته إلى العدم ~~وما هو فقير إلى الحي القيوم فإذا نظرت إليه وقد تولته يد العناية بتقدير ~~من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى رأيته حينئذ موجودا مكسوا حلل الفضل والإحسان ~~فقد استبان أن القلب إنما خلق لذكر الله سبحانه ولذلك قال بعض الحكماء ~~المتقدمين من أهل الشام - أظنه سليمان الخواص رحمه الله - قال: الذكر للقلب ~~بمنزلة الغذاء للجسد فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم فكذلك القلب لا ~~يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا. أو كما قال. فإذا كان القلب مشغولا بالله ~~عاقلا للحق متفكرا في العلم فقد # PageV09P312 # وضع في موضعه كما أن العين إذا صرفت إلى النظر في الأشياء فقد وضعت في ~~موضعها أما إذا لم يصرف إلى العلم ولم يوع فيه الحق فقد نسي ربه فلم يوضع ~~في موضع بل هو ضائع ولا يحتاج أن نقول قد وضع في موضع غير موضعه بل لم يوضع ~~أصلا. فإن موضعه هو الحق وما سوى الحق باطل فإذا لم يوضع في الحق لم يبق ~~إلا الباطل والباطل ليس بشيء أصلا وما ليس بشيء أحرى أن لا يكون موضعا. ~~والقلب هو نفسه لا يقبل إلا الحق. فإذا لم يوضع فيه فإنه لا يقبل غير ما ~~خلق له. {سنة الله} {ولن تجد لسنة الله تبديلا} وهو مع ذلك ليس بمتروك مخل ~~فإنه لا يزال في أودية الأفكار وأقطار الأماني لا يكون على الحال التي تكون ~~عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي فقد وضع في غير موضع لا مطلق ولا ~~معلق موضوع لا موضع له. وهذا من العجب فسبحان ربنا العزيز الحكيم وإنما ~~تنكشف للإنسان هذه الحال عند رجوعه إلى الحق إما في الدنيا عند الإنابة أو ~~عند المنقلب إلى الآخرة فيرى سوء الحال التي كان عليها وكيف كان قلبه ضالا ~~عن الحق. هذا إذا صرف في الباطل. فأما لو ترك وحاله التي فطر عليها فارغا ~~عن كل ذكر خاليا عن كل فكر فقد ms2914 كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه ويرى الحق ~~الذي لا ريب فيه فيؤمن بربه وينيب إليه. فإن كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء لا يحس ~~فيها من جدع # PageV09P313 # {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ~~وإنما يحول بينه وبين الحق في غالب الحال شغله بغيره من فتن الدنيا ومطالب ~~الجسد وشهوات النفس فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا ~~يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق فيكون ~~كالعين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء. ثم الهوى قد يعترض له قبل ~~معرفة الحق فيصده عن النظر فيه فلا يتبين له الحق كما قيل: حبك الشيء يعمي ~~ويصم. فيبقى في ظلمة الأفكار وكثيرا ما يكون ذلك عن كبر يمنعه عن أن يطلب ~~الحق {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} وقد يعرض له ~~الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه كما قال ربنا سبحانه فيهم: {سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} . # ثم القلب للعلم كالإناء للماء والوعاء للعسل والوادي للسيل، كما قال ~~تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} الآية وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا: ~~فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير # PageV09P314 # وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا. وأصاب منها طائفة إنما ~~قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما ~~أرسلت به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} وفي ~~حديث كميل بن زياد عن علي رضي الله عنه قال: القلوب أوعية فخيرها أوعاها. ~~وبلغنا عن ms2915 بعض السلف قال: القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله تعالى ~~أرقها وأصفاها. وهذا مثل حسن فإن القلب إذا كان رقيقا لينا كان قبوله للعلم ~~سهلا يسيرا ورسخ العلم فيه وثبت وأثر وإن كان قاسيا غليظا كان قبوله للعلم ~~صعبا عسيرا. ولا بد مع ذلك أن يكون زكيا صافيا سليما حتى يزكو فيه العلم ~~ويثمر ثمرا طيبا وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم وكان ~~كالدغل في الزرع إن لم يمنع الحب من أن ينبت منعه من أن يزكو ويطيب وهذا ~~بين لأولي الأبصار. # وتلخيص هذه الجملة أنه إذا استعمل في الحق فله وجهان:وجه مقبل على الحق ~~ومن هذا الوجه يقال له: وعاء وإناء؛ لأن ذلك يستوجب ما يوعى فيه ويوضع فيه ~~وهذه الصفة صفة وجود وثبوت. # ووجه معرض عن الباطل ومن هذا الوجه يقال له: زكي وسليم # PageV09P315 # وطاهر؛ لأن هذه الأسماء تدل على عدم الشر وانتفاء الخبث والدغل وهذه ~~الصفة صفة عدم ونفي. وبهذا يتبين أنه إذا صرف إلى الباطل فله وجهان كذلك. # وجه الوجود أنه منصرف إلى الباطل مشغول به. # ووجه العدم أنه معرض عن الحق غير قابل له وهذا يبين من البيان والحسن ~~والصدق ما في قوله: # إذا ما وضعت القلب في غير موضع ... بغير إناء فهو قلب مضيع # فإنه لما أراد أن يبين حال من ضيع قلبه فظلم نفسه بأن اشتغل بالباطل وملأ ~~به قلبه حتى لم يبق فيه متسع للحق ولا سبيل له إلى الولوج فيه ذكر ذلك منه ~~فوصف حال هذا القلب بوجهيه ونعته بمذهبيه فذكر أولا وصف الوجود منه فقال: ~~إذا ما وضعت القلب في غير موضع. يقول إذا شغلته بما لم يخلق له فصرفته إلى ~~الباطل حتى صار موضوعا فيه. ثم الباطل على منزلتين: # PageV09P316 # إحداهما: تشغل عن الحق ولا تعانده مثل الأفكار والهموم التي في علائق ~~الدنيا وشهوات النفس. # والثانية: تعاند الحق وتصد عنه مثل الآراء الباطلة والأهواء المردية من ~~الكفر والنفاق والبدع وشبه ذلك بل القلب ms2916 لم يخلق إلا لذكر الله فما سوى ذلك ~~فليس موضعا له. ثم ذكر " ثانيا " وصف العدم فيه فقال بغير إناء ثم يقول: ~~إذا وضعته بغير إناء ضيعته ولا إناء معك كما تقول حضرت المجلس بلا محبرة ~~فالكلمة حال من الواضع. لا من الموضوع والله أعلم. وبيان هذه الجملة - ~~والله أعلم - أنه يقول إذا ما وضعت قلبك في غير موضع فقد شغل بالباطل ولم ~~يكن معك إناء يوضع فيه الحق وينزل إليه الذكر والعلم الذي هو حق القلب ~~فقلبك إذا مضيع ضيعته من وجهي التضييع وإن كانا متحدين من جهة أنك وضعته في ~~غير موضع ومن جهة أنه لا إناء معك يكون وعاء للحق الذي يجب أن يعطاه؛ كما ~~لو قيل لملك قد أقبل على اللهو: إذا اشتغل بغير المملكة وليس في المملكة من ~~يدبرها فهو ملك ضائع لكن الإناء هنا هو القلب بعينه وإنما كان ذلك كذلك لأن ~~القلب لا ينوب عنه غيره فيما يجب أن يوضع فيه {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . # PageV09P317 # وإنما خرج الكلام في صورة اثنين بذكر نعتين لشيء واحد. كما جاء نحوه في ~~قوله تعالى {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل} {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} قال قتادة والربيع: هو القرآن: ~~فرق فيه بين الحلال والحرام والحق والباطل وهذا لأن الشيء الواحد إذا كان ~~له وصفان كبيران فهو مع وصف واحد كالشيء الواحد ومع الوصفين بمنزلة الاثنين ~~حتى لو كثرت صفاته لتنزل منزلة أشخاص. ألا ترى أن الرجل الذي يحسن الحساب ~~والطب يكون بمنزلة حاسب وطبيب والرجل الذي يحسن النجارة والبناء بمنزلة ~~نجار وبناء. والقلب لما كان يقبل الذكر والعلم فهو بمنزلة الإناء الذي يوضع ~~فيه الماء وإنما ذكر في هذا البيت الإناء من بين سائر أسماء القلب؛ لأنه هو ~~الذي يكون رقيقا وصافيا وهو الذي يأتي به المستطعم المستعطي في منزلة ~~البائس الفقير. ولما كان ينصرف عن الباطل فهو زكي وسليم فكأنه اثنان. ~~وليتبين في الصورة أن الإناء غير ms2917 القلب فهو يقول: إذا وضعت قلبك في غير ~~موضع. وهو الذي يوضع فيه الذكر والعلم ولم يكن معك إناء يوضع فيه المطلوب ~~فمثلك مثل رجل بلغه أن غنيا يفرق على الناس طعاما وكان له زبدية # PageV09P318 # أو سكرجة فتركها ثم أقبل يطلب طعاما فقيل له: هات إناء نعطيك طعاما فأما ~~إذا أتيت وقد وضعت زبديتك - مثلا - في البيت وليس معك إناء نعطيك فلا تأخذ ~~شيئا فرجعت بخفي حنين. وإذا تأمل من له بصيرة بأساليب البيان وتصاريف ~~اللسان وجد موقع هذا الكلام من العربية والحكمة كليهما موقعا حسنا بليغا ~~فإن نقيض هذه الحال المذكورة أن يكون القلب مقبلا على الحق والعلم والذكر ~~معرضا عن غير ذلك وتلك هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام فإن الحنف هو ~~إقبال القدم وميلها إلى أختها فالحنف الميل عن الشيء بالإقبال على آخر؛ ~~فالدين الحنيف هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه. وهو الإخلاص ~~الذي ترجمته كلمة الحق والكلمة الطيبة: " لا إله إلا الله " اللهم ثبتنا ~~عليها في الدنيا والآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا آخر ما حضر في ~~هذا الوقت والله أعلم وصلى الله على محمد. PageV09P319 # الجزء العاشر # كتاب علم السلوك # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # أما بعد: # فهذه كلمات مختصرات في أعمال القلوب - التي قد تسمى ### | " المقامات والأحوال " - # وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين؛ مثل # PageV10P005 # محبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على ~~حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك. اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه ~~من أهل الإيمان واستكتبها وكل منا عجلان. فأقول: ms2918 هذه الأعمال جميعها واجبة ~~على جميع الخلق - المأمورين في الأصل - باتفاق أئمة الدين والناس فيها على ~~" ثلاث درجات " كما هم في أعمال الأبدان على " ثلاث درجات ": ظالم لنفسه ~~ومقتصد وسابق بالخيرات. فالظالم لنفسه: العاصي بترك مأمور أو فعل محظور. ~~والمقتصد: المؤدي الواجبات والتارك المحرمات. والسابق بالخيرات: المتقرب ~~بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب والتارك للمحرم والمكروه. وإن كان كل من ~~المقتصد والسابق قد يكون له ذنوب تمحى عنه: إما بتوبة - والله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين - وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك. وكل ~~من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذين ذكرهم في كتابه ~~بقوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون} فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم: إلى " ~~عام " وهم المقتصدون، # PageV10P006 # و " خاص " وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء ~~والصديقين. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم " القسمين " في الحديث ~~الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: {يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ~~وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه} . وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه ~~وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات ~~المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب وهذا ~~قول جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الإسلام وأهل ~~السنة والجماعة ms2919 الذين يقولون: إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان. # PageV10P007 # وأما القائلون بالتخليد: كالخوارج والمعتزلة القائلين إنه لا يخرج من ~~النار من دخلها من أهل القبلة وإنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في أهل ~~الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعده؛ فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب ~~وعقاب؛ وحسنات وسيئات. بل من أثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب. ودلائل هذا ~~الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثير ليس هذا موضعه وقد بسطناه في ~~مواضعه. وينبني على هذا أمور كثيرة ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلا بد أن ~~يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه وإن كان له ذنوب كما روى البخاري في ~~صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - {أن رجلا كان يسمى حمارا وكان ~~يضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يشرب الخمر ويجلده النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فأتي به مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه ~~يحب الله ورسوله} . فهذا يبين أن المذنب بالشرب وغيره قد يكون محبا لله ~~ورسوله وحب الله ورسوله أوثق عرى الإيمان كما أن العابد الزاهد قد يكون لما ~~في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما ~~استفاض في الصحاح وغيرها من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد ~~الخدري وغيرهما عن {النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر الخوارج فقال: ~~يحقر # PageV10P008 # أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن ~~أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} . وهؤلاء قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ms2920 ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم في الحديث الصحيح: {تمرق مارقة على حين ~~فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق} . ولهذا قال أئمة ~~الإسلام كسفيان الثوري وغيره إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن ~~البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها. ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب ~~منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن ~~فعله سيئ ليتوب منه. أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ~~ليتوب ويفعله. فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب. ~~ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما ~~هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل # PageV10P009 # البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما علم أورثه ~~الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم} وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما} ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} وقال تعالى: ~~{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وقال تعالى. {قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} . وشواهد هذا كثيرة ~~في الكتاب والسنة. وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه فإن ~~ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى: ~~{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} . وقال تعالى: ~~{في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد ms2921 أيمانهم ~~لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون} {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم ~~في طغيانهم يعمهون} وهذا استفهام نفي وإنكار: أي وما يدريكم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون وإنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة على قراءة ~~من قرأ إنها بالكسر تكون # PageV10P010 # جزما بأنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة؛ ولهذا قال من قال من السلف كسعيد بن جبير: إن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها. وقد ثبت في الصحيحين عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عليكم ~~بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل ~~يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي ~~إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا} فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق أصل ~~يستلزم البر. وأن الكذب يستلزم الفجور. وقد قال تعالى: {إن الأبرار لفي ~~نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر بعض متبعيه ~~بالتوبة وأحب أن لا ينفره ولا يشعب قلبه أمره بالصدق. ولهذا كان يكثر في ~~كلام مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق والإخلاص حتى يقولوا: قل لمن لا يصدق: ~~لا يتبعني. ويقولون: الصدق سيف الله في الأرض وما وضع على شيء إلا قطعه ~~ويقول يوسف بن أسباط وغيره: ما صدق الله عبد إلا صنع له وأمثال هذا كثير. # والصدق والإخلاص هما في الحقيقة تحقيق الإيمان والإسلام فإن # PageV10P011 # المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق والفارق بين المؤمن والمنافق ~~هو الصدق فإن أساس النفاق الذي يبنى عليه هو الكذب؛ ولهذا إذا ذكر الله ~~حقيقة الإيمان نعته بالصدق كما في قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ms2922 إلى قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون} . وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون} . فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب ~~إيمانهم ريبة وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم وذلك أن هذا هو العهد ~~المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين} قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث ~~محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث ~~محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. وقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من # PageV10P012 # ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب ~~والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط؛ وليعلم الله من ينصره ورسله ~~ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا. ~~والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث ~~لم ينزل الآخر. حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم} وقال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير} وقال تعالى: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} والحديد أنزل ~~من الجبال التي خلق فيها. وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع ~~الدين في قوله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} إلى قوله ~~{أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} وأما المنافقون فوصفهم سبحانه ~~بالكذب في آيات ms2923 متعددة كقوله تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم ~~عذاب أليم بما كانوا يكذبون} قوله تعالى {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} . ~~قوله تعالى {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون} ونحو ذلك في القرآن كثير. ومما ينبغي أن يعرف أن ~~الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفي # PageV10P013 # الأعمال كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: {كتب على ~~ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ~~والأذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان ~~تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} . ~~ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كانت إرادتهم للقتال ثابتة جازمة ~~ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك. ولهذا يريدون بالصادق؛ الصادق في ~~إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه ~~والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا في خبره. أو كاذبا في عمله ~~كالمرائي في عمله. قال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} الآيتين. وأما الإخلاص ~~فهو حقيقة الإسلام إذ " الإسلام " هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال ~~تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان} الآية. فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد ~~أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر. ويستعمل ~~لازما ومتعديا كما قال تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} ~~وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} وأمثال ذلك في القرآن كثير. # PageV10P014 # ولهذا كان رأس الإسلام {شهادة أن لا إله إلا الله} وهي متضمنة عبادة الله ~~وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله ms2924 من الأولين ~~والآخرين دينا سواه كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} {إن ~~الدين عند الله الإسلام} . وهذا الذي ذكرناه مما يبين أن أصل الدين في ~~الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع ~~بدونها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في ~~مسنده: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من ~~الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا ~~وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ~~وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب} وعن أبي هريرة قال: القلب ملك ~~والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده # PageV10P015 # فصل: # وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ~~ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال ~~أحد وإن ارتقى مقامه. # وأما " الحزن " فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع وإن ~~تعلق بأمر الدين كقوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين} وقوله: {ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} وقوله: {إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} وقوله: {ولا يحزنك قولهم} وقوله: {لكي لا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} وأمثال ذلك كثير. وذلك لأنه لا ~~يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه وما ms2925 لا فائدة فيه لا يأمر الله به ~~نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم كما يحزن على المصائب كما قال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم {إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على ~~حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم وأشار بيده إلى لسانه} وقال صلى الله ~~عليه وسلم {تدمع العين ويحزن القلب # PageV10P016 # ولا نقول إلا ما يرضي الرب} ومنه قوله تعالى {وتولى عنهم وقال يا أسفى ~~على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} . وقد يقترن بالحزن ما يثاب ~~صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودا من تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين ~~على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من ~~حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور ~~من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه وإلا كان حسب صاحبه رفع ~~الإثم عنه من جهة الحزن وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما ~~أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة ~~أخرى. وأما المحبة لله والتوكل عليه والإخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير ~~محض وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد ~~خروج الخاصة عنها: فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما يخرج عنها كافر أو ~~منافق. وقد تكلم بعضهم في ذلك بكلام بينا غلطه فيه وأنه تقصير في تحقيق هذه ~~المقامات بكلام مبسوط وليس هذا موضعه. # PageV10P017 # ولكن هذه " المقامات " ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها ~~وللعامة عامها. مثال ذلك أن هؤلاء قالوا: " إن التوكل مناضلة عن النفس في ~~طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه. وقالوا: المتوكل يطلب بتوكله أمرا من ~~الأمور والعارف يشهد الأمور بفروعها منها فلا يطلب شيئا ". فيقال أما الأول ms2926 ~~فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا فإن المتوكل يتوكل على الله في ~~صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم الأمور إليه ولهذا يناجي ربه ~~في كل صلاة بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} كما في قوله تعالى {فاعبده ~~وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} وقوله: {قل هو ربي لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وإليه متاب} فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع؛ ~~لأن هذين يجمعان الدين كله؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب ~~المنزلة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة ~~الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وهاتان ~~الكلمتان هما الجامعتان اللتان للرب والعبد كما في الحديث الذي في صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله سبحانه ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله ~~حمدني عبدي يقول العبد: الرحمن # PageV10P018 # الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي يقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله ~~مجدني عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله فهذه الآية بيني ~~وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدي ~~ولعبدي ما سأل} فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء ~~والطلب وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد فإياك نعبد للرب وإياك ~~نستعين للعبد. وفي الصحيحين {عن معاذ رضي الله عنه قال: كنت رديفا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: يا معاذ أتدري ما ### | حق الله على العباد؟ # قلت: الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ms2927 ~~حقهم عليه ألا يعذبهم} والعبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة ~~أمر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال ~~الذل لله ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وإنما ~~العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله وهي وإن ~~كانت منفعتها للعبد والله غني عن العالمين فهي له من جهة محبته لها ورضاه ~~بها ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبة العبد من # PageV10P019 # الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في أرض دوية مهلكة إذا نام آيسا منها ~~ثم استيقظ فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به ~~أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضع. والتوكل والاستعانة ~~للعبد لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة ~~فالاستعانة كالدعاء والمسألة وقد روى الطبراني في كتاب الدعاء {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: يا ابن آدم إنما هي أربع واحدة ~~لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي. فأما التي لي ~~فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي هي لك فعملك أجازيك به أحوج ما تكون ~~إليه وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين ~~خلقي فأت للناس ما تحب أن يأتوا إليك} وكون هذا لله وهذا للعبد هو باعتبار ~~تعلق المحبة والرضا ابتداء فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له ~~والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه ويحب الوسيلة تبعا ~~لذلك وإلا فكل مأمور به فمنفعته عائدة على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه ~~وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به ~~إلا حظوظ الدنيا وهو غلط بل التوكل في الأمور الدينية أعظم. # PageV10P020 # وأيضا التوكل من الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات ms2928 والمستحبات إلا بها ~~والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه. # و " الزهد المشروع " هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو ~~فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله كما أن " الورع المشروع " هو ~~ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم ~~تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه ~~أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه ~~داخل في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} كما أن الاشتغال بفضول المباحات هو ضد ~~الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو [ترك] (1) محرم كان عاصيا وإلا ~~كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين. وأيضا فإن التوكل هو ~~محبوب لله مرض له مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا له مأمورا به ~~دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم: ~~المتوكل يطلب حظوظه. وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله ~~بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا حاجة إليه ~~وإن لم يكن PageV10P021 # مقدرا لم ينفع الدعاء وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا. وكذلك قول ~~من قال: التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما هو عبادة ~~محضة. وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان قاله ~~طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال: إن الدعاء إنما هو عبادة ~~محضة. فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد: وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون ~~الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة - أيضا - تكون من العبد؛ ~~ولم يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة ~~بها من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طرد ms2929 قولهم يوجب تعطيل الأعمال ~~بالكلية. وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأصل مرات فأجاب ~~عنه كما أخرجا في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: {قيل لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. ~~قالوا: ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لما خلق له} وفي الصحيحين عن {علي بن أبي ~~طالب قال: كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة ~~فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه وقال: ما من نفس منفوسة إلا وقد ~~كتب مكانها من النار أو الجنة إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال: # PageV10P022 # فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان ~~من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى ~~الشقاوة قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما أهل السعادة فييسرون للسعادة ~~وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~{فأما من أعطى واتقى} {وصدق بالحسنى} {فسنيسره لليسرى} {وأما من بخل ~~واستغنى} {وكذب بالحسنى} {فسنيسره للعسرى} } أخرجه الجماعة في الصحاح ~~والسنن والمسانيد. وروى الترمذي " {أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ~~فقيل: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ~~ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله} . وقد جاء هذا المعنى عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال ~~الصالحة وشقاوة هذا بالأعمال السيئة؛ فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي ~~عليه وكذلك يكتبها؛ فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى ~~بالأعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة؛ ~~ومن كان شقيا ييسر للأعمال السيئة # PageV10P023 # التي تقتضي الشقاوة؛ وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير ms2930 إليه من مشيئة ~~الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى {ولا ~~يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} . # وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التي أمروا ~~بموجبها فذلك مذكور في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . والله ~~سبحانه قد بين في كتابه في كل واحدة: من " الكلمات " و " الأمر " و " ~~الإرادة " و " الإذن " و " الكتاب " و " الحكم " و " القضاء " و " التحريم ~~" ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي وما هو كوني ~~موافق لمشيئته الكونية. مثال ذلك أنه قال في " الأمر الديني ": {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ونحو ذلك. وقال في " الكوني ": {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وكذلك قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول} على إحدى الأقوال في هذه ~~الآية. وقال في " الإرادة الدينية ": {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} # PageV10P024 # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم} {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} وقال في " ~~الإرادة الكونية ": {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} ~~وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وقال نوح عليه السلام {ولا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} وقال تعالى: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . وقال تعالى في " الإذن الديني ": {ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} ~~وقال تعالى في " الكوني ": {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} . وقال ~~تعالى في " القضاء الديني ": {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر. وقال ~~تعالى في " الكوني ": {فقضاهن ms2931 سبع سماوات في يومين} . وقال تعالى في " ~~الحكم الديني ": {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} وقال تعالى: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} ~~وقال تعالى في " الكوني " عن ابن يعقوب: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ~~أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} # PageV10P025 # وقال تعالى {قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} . ~~وقال تعالى في " التحريم الديني ": {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} ~~{حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} الآية. وقال تعالى في " التحريم الكوني ": ~~{فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} وقال تعالى {والذين في ~~أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} وقال تعالى في " الكلمات الدينية " ~~{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} وقال تعالى في " الكونية ": {وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن والمسانيد إنه كان يقول في استعاذته ~~{أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر} ومن المعلوم أن ~~هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه. وأما الكلمات ~~الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته. والمقصود هنا: أنه صلى الله عليه وسلم ~~بين أن العواقب التي خلق لها الناس من سعادة وشقاوة ييسرون لها بالأعمال ~~التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك؛ فهو سبحانه يخلق ~~الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على النكاح ~~واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي فإن كان ~~قد # PageV10P026 # قضي لي بولد وجد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما إذا ~~وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد ~~يسبق الماء بغير اختياره. ومن هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري. ~~قال: {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا ~~سبيا من ms2932 العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا ~~عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد ~~كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة} وفي صحيح مسلم عن جابر: {أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل ~~وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر ~~لها} . وهذا مع أن الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير ~~أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن ~~خلقه من أم فقط كما خلق المسيح ابن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب ~~أخرى غير معتادة. وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون ~~للشرائع فقد وقع في كثير من دقه كثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدهم مع ~~القدر # PageV10P027 # غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل والجري ~~مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن يكون مع الله ~~كالميت بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى يترك ما أمر به ~~ويفعل ما نهي عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان الذي يفرق به بين ما أمر ~~الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه فيسوي بين ما فرق الله ~~بينه كما قال تعالى {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: ~~{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال تعالى: {وما يستوي ~~الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا الحرور} {وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} ~~وأمثال ms2933 ذلك. حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور ~~النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في ~~الوجود من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من ~~جهة كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة # PageV10P028 # وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه ~~وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين أطاعوا ~~أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر ويستشهدون في ذلك بكلمات ~~مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم. وهذا " أصل عظيم " من أعظم ~~ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل الإرادة: إرادة الذين ~~يريدون وجهه؛ فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق ~~والعصيان ما لا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان ~~للمسلطين في الأرض من أهل الظلم والعلو كالذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة ~~من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم أحوال ~~أثروا بها في ذلك كانوا بذلك من أولياء الله - فإن القلوب لها من التأثير ~~أعظم مما للأبدان؛ لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان ~~تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد ~~تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن حيث يجب القود في ~~ذلك - ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة ~~لأحدهم بكشف يكشف له أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا ~~يعلمون أنه في الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن # PageV10P029 # الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته ~~وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين ~~قال الله فيهم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فإن كانوا ~~موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما ms2934 ~~أوجبه وأحبه فهم من المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ~~ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ~~ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها قوم إذا ~~أطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك. قال الله تعالى: {فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} {وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا} ولهذا كان الناس في هذه ~~الأمور على " ثلاثة أقسام ": # قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في طاعة الله. وقوم يتعرضون ~~بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره. وقوم تكون في ~~حقهم بمنزلة المباحات. # PageV10P030 # والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي إنما ~~كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة الله. ~~ولكثرة الغلط في هذا الأصل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسترسال ~~مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه ~~عن أبي هريرة قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن ~~بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل ~~قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . وفي سنن أبي داود: {أن ~~رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال المقضي ~~عليه: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل} ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين ~~بالله وهذا مطابق لقوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله تعالى ~~{فاعبده وتوكل عليه} فإن ms2935 الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته إذ ~~النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ذلك وكل ما يستعان به على ~~الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح. قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح لسعد: {إنك لن # PageV10P031 # تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها ~~في في امرأتك} فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يلوم على العجز الذي ~~هو ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة ~~للفعل. وإن كان لا ينافي القدرة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي. فإن ~~الاستطاعة التي توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها ~~الله تعالى في قوله {ما كانوا يستطيعون السمع} وفي قوله: {وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا} وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن ~~بها الفعل وقد لا يقترن. كما في قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} {وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل ~~قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} . فهذا الموضع قد انقسم ~~الناس فيه إلى " أربعة أقسام ": قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة ~~والطاعة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ولا ينظرون إلى ~~جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة ~~والمتعبدة؛ فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم ~~الضعف والعجز والخذلان؛ لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه ~~والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور. # PageV10P032 # ولهذا قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. وفي ~~الصحيحين عن عبد الله بن عمرو {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في ~~التوراة إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي ~~سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ~~ولكن يجزي بالسيئة ms2936 الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ~~فأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله} ~~ولهذا روي أن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنها كنز من كنوز ~~الجنة} قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقال تعالى: {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل} إلى قوله {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} قالها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه ~~وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. و (قسم ثان: يشهدون ربوبية ~~الحق وافتقارهم إليه ويستعينون به لكن على أهوائهم وأذواقهم غير ناظرين إلى ~~حقيقة أمره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ~~ولهذا كثيرا # PageV10P033 # ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود ولا يقصدون ما يرضي ~~الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته فيعودون إلى تعطيل ~~الأمر والنهي ويسمون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة القدرية يجب ~~الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التي هي تحوي مرضاة ~~الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا. وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم وقد ~~يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن ~~العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون ~~في بعض ما وقع المشركون فيه تارة في بدعة يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج ~~بالقدر على الأمر؛ والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة الأنعام ~~والأعراف ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى: {وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ms2937 ~~بالفحشاء} وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله وأن شرعوا ما لم يشرعه ~~الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله تعالى {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} ونظيرها ~~في النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم شبه من هذا وهذا. # وأما القسم الثالث: وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر ~~الأقسام. # PageV10P034 # والقسم الرابع: هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} فاستعانوا به على طاعته وشهدوا أنه ~~إلههم الذي لا يجوز أن يعبد إلا إياه بطاعته وطاعة رسوله وأنه ربهم الذي ~~{ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} وأنه {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك بخير فلا راد لفضله} {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} ولهذا قال ~~طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما ~~التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع. فقد تبين أن ~~من ظن التوكل من مقامات عامة أهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وإن كان من ~~أعيان المشايخ - كصاحب " علل المقامات " وهو من أجل المشايخ وأخذ ذلك عنه ~~صاحب " محاسن المجالس " - وظهر ضعف حجة من قال ذلك لظنه أن المطلوب به حظ ~~العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء ~~كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عن ما ~~يجب عليه من # PageV10P035 # الأسباب التي هي عبادة وطاعة مأمور بها؛ فإن غلط هذا في ترك الأسباب ~~المأمور بها التي هي داخلة في قوله ms2938 تعالى {فاعبده وتوكل عليه} كغلط الأول ~~في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله تعالى {فاعبده وتوكل عليه} ~~لكن يقال: من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من ~~العامة وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما أن من دعاه ~~وتوكل عليه في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل فهو عاص لله ~~ورسوله بل خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله ~~تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} وقال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده} وقال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقال تعالى: {قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره} إلى ~~قوله {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقد ذكر الله هذه الكلمة (حسبي ~~الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى. (فالأولى في قوله تعالى ~~{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله} الآية. و (الثانية في قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم # PageV10P036 # فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وفي قوله تعالى ~~{وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره} وقوله: {ولو أنهم ~~رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله} ~~يتضمن الأمر بالرضا والتوكل. والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل ~~وقوعه. والرضا بعد وقوعه؛ ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ~~وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ~~وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك ~~نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ~~وأسألك ms2939 برد العيش بعد الموت؛ وأسألك لذة النظر إلى وجهك؛ وأسألك الشوق إلى ~~لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا ~~هداة مهتدين} رواه أحمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر. وأما ما يكون قبل ~~القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا؛ ولهذا كان طائفة من المشايخ ~~يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء؛ فإذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ~~ذلك في الصبر وغيره كما قال تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ~~فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون} {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} {إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان # PageV10P037 # مرصوص} نزلت هذه الآية لما قالوا لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله ~~لعملناه فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الجهاد فكرهه من كرهه. ولهذا كره ~~للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه ما لا يوجبه الشارع عليه بالعهد ~~والنذر ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون. كما ثبت في ~~الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن النذر؛ وقال: ~~إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل} وثبت عنه في الصحيحين أنه قال ~~لعبد الرحمن بن سمرة: {لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت ~~إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها؛ وإذا حلفت على يمين فرأيت ~~غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك} وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~{قال في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم ~~بها فلا تخرجوا فرارا منه} . وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {لا تتمنوا ~~لقاء العدو واسألوا الله العافية ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن ~~الجنة تحت ظلال السيوف} وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن ~~يسعى فيما يوجب عليه أشياء ويحرم عليه أشياء فيبخل ms2940 بالوفاء؛ وكما يفعل كثير ~~ممن يعاهد الله عهودا على أمور وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود. ويقتضي أن ~~الإنسان إذا ابتلي فعليه أن يصبر ويثبت ولا يتكل حتى يكون من الرجال ~~الموقنين القائمين بالواجبات. ولا بد في جميع ذلك من # PageV10P038 # الصبر؛ ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك ~~المحظورات. ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها والصبر عن ~~اتباع أهواء النفوس فيما نهى الله عنه. وقد ذكر الله الصبر في كتابه في ~~أكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة في قوله تعالى {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} {استعينوا بالصبر والصلاة إن الله ~~مع الصابرين} وقوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} إلى قوله ~~{واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} الآية ~~وجعل " الإمامة في الدين " موروثة عن الصبر واليقين بقوله: {وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فإن الدين كله علم ~~بالحق وعمل به والعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر ~~كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته ~~خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة؛ ومذاكرته تسبيح. به يعرف ~~الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد يرفع الله بالعلم أقواما يجعلهم للناس قادة ~~وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم. فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد ~~في الجهاد من الصبر؛ ولهذا # PageV10P039 # قال تعالى: {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل ~~بالحق هو الرشاد وضد الأول الضلال وضد الثاني الغي فالضلال العمل بغير علم ~~والغي اتباع الهوى. قال تعالى: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} ~~فلا ينال الهدى إلا بالعلم ms2941 ولا ينال الرشاد إلا بالصبر؛ ولهذا قال علي: ألا ~~إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - فإذا انقطع الرأس بان الجسد - ~~ثم رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له # وأما " الرضا " فقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ~~في الرضا بالقضاء: هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول يكون من ~~أعمال المقتصدين وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين. قال عمر بن عبد ~~العزيز الرضا عزيز ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لابن عباس: إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين ~~فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا} . # PageV10P040 # ولهذا لم يجئ في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك وهذا في الرضا بما ~~يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى: ~~{والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} وقال تعالى {أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} ~~فالبأساء في الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب. وأما " الرضا ~~بما أمر الله به " فأصله واجب وهو من الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا} وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى قال تعالى: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله} الآية. وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون} ومن " النوع الأول " ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سعادة ms2942 ابن آدم استخارته # PageV10P041 # لله ورضاه بما قسم الله له. ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه ~~بما يقسم الله له} . # وأما " الرضا بالمنهيات " من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء ~~يقولون لا يشرع الرضا بها كما لا تشرع محبتها فإن الله سبحانه لا يرضاها ~~ولا يحبها وإن كان قد قدرها وقضاها كما قال سبحانه: {والله لا يحب الفساد} ~~وقال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال تعالى: {وهو معهم إذ يبيتون ما ~~لا يرضى من القول} بل يسخطها كما قال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة ~~إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلا وكسبا. وهذا القول ~~لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان إلى أصل واحد. وهو سبحانه إنما قدر ~~الأشياء لحكمة فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية وقد تكون في نفسها ~~مكروهة ومسخوطة. إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من ~~الآخر كما في الحديث الصحيح: {ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس ~~عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . وأما من قال بالرضا ~~بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي # PageV10P042 # هو مفعوله فهو خروج منه عن مقصود الكلام. فإن الكلام ليس في الرضا فيما ~~يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله وإنما الكلام في الرضا بمفعولاته ~~والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيناه في غير هذا الموضع. والرضا وإن كان من ~~أعمال القلوب فكماله هو الحمد حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا؛ ولهذا جاء في ~~الكتاب والسنة حمد الله على كل حال وذلك بتضمن الرضا بقضائه. وفي الحديث: ~~{أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء} ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه كان إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد ~~لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر الذي يسوءه قال: الحمد لله ~~على كل حال} وفي مسند ms2943 الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري عن النبي {قال: إذا ~~قبض ولد العبد يقول الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: ~~أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك ~~واسترجع فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد} ونبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد وأمته هم الحمادون الذين يحمدون ~~الله على السراء والضراء. والحمد على الضراء يوجبه مشهدان: # أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه؛ فإنه ~~أحسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو العليم الحكيم. الخبير الرحيم. # PageV10P043 # والثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما ~~روى مسلم في صحيحه وغيره عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفسي ~~بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ~~إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له} فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على ~~البلاء ويشكر على السراء فهو خير له. قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور} وذكرهما في أربعة مواضع من كتابه. فأما من لا يصبر على البلاء ولا ~~يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيرا له. ولهذا أجيب من أورد هذا ~~على ما يقضى على المؤمن من المعاصي بجوابين. # أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما فعله العبد كما في قوله ~~تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله} أي من سراء {وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} أي من ضراء. وكقوله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون} أي بالسراء والضراء كما قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} ~~وقال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم # PageV10P044 # سيئة يفرحوا بها} فالحسنات والسيئات يراد بها المسار والمضار ويراد بها ~~الطاعات والمعاصي. (والجواب الثاني أن هذا في حق المؤمن الصبار الشكور. ~~والذنوب تنقص الإيمان فإذا تاب ms2944 العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته بالتوبة. ~~قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضي له ~~بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ~~وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة؛ وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب ~~عينه ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الأعمال ~~بالخواتيم} والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب: أن ~~يتوب فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. أو يستغفر فيغفر ~~له أو يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات. أو يدعو له إخوانه ~~المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا. أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه ~~الله به أو يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. أو يبتليه الله تعالى ~~في الدنيا بمصائب تكفر عنه أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه. أو ~~يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه. أو يرحمه أرحم الراحمين. # PageV10P045 # فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروي عنه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . # فإذا كان المؤمن يعلم أن القضاء خير له إذا كان صبارا شكورا أو كان قد ~~استخار الله وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له ~~كان قد رضي بما هو خير له. وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال {إن ~~الله يقضي بالقضاء فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط} ففي هذا الحديث ~~الرضا والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا أكمل من ~~الضراء والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفي هذا الصبر. # ثم إذا كان القضاء مع الصبر خيرا ms2945 له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث ~~{المصاب من حرم الثواب} في الأثر الذي رواه الشافعي في مسنده: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما مات سمعوا قائلا يقول: يا آل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ~~فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا. فإن المصاب من حرم الثواب} ولهذا لم يؤمر ~~بالحزن المنافي للرضا قط مع أنه لا فائدة فيه فقد يكون في مضرة لكنه يعفى ~~عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله. # PageV10P046 # لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا؛ ~~بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا يعرف معنى {قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما بكى الميت وقال: إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم ~~الله من عباده الرحماء} فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت؛ ~~فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي فضحك وقال: رأيت أن الله قد قضى ~~فأحببت أن أرضى بما قضى الله به: حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع. وأما ~~رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى كحال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهذا أكمل. كما قال تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة} فذكر سبحانه التواصي بالصبر والمرحمة. والناس " أربعة ~~أقسام ": منهم من يكون فيه صبر بقسوة. ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع. ومنهم ~~من يكون فيه القسوة والجزع. والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم ~~الناس. وقد ظن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن الرضا عن الله من توابع ~~المحبة له وهذا إنما يتوجه على " المأخذ الأول " وهو الرضا عنه لاستحقاقه ~~ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف " المأخذ الثاني " وهو الرضا ~~لعلمه بأن المقضي خير له ثم إن المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه لكن ~~قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه. ms2946 إن المحبة لله نوعان: # PageV10P047 # محبة له نفسه ومحبة له لما فيه من الإحسان وكذلك الحمد له نوعان: حمد له ~~على ما يستحقه نفسه وحمد على إحسانه إلى عبده فالنوعان للرضا كالنوعين ~~للمحبة. وأما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة؛ ولهذا ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان كما ذكر في المحبة وجود حلاوة الإيمان. ~~وهذان الحديثان الصحيحان هما أصل فيما يذكر من الوجد والذوق الإيماني ~~الشرعي؛ دون الضلالي البدعي. ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا} ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد ~~بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه كما يكره أن يلقى في النار} وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول. # فصل: # محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله وأجل ~~قواعده؛ بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن # PageV10P048 # التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين؛ فإن كل حركة في الوجود ~~إنما تصدر عن محبة: إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة كما قد بسطنا ذلك ~~في " قاعدة المحبة " من القواعد الكبار. فجميع الأعمال الإيمانية الدينية ~~لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة. وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه ~~وتعالى إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملا صالحا بل ~~جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإن الله تعالى ~~لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل ~~عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو ms2947 كله للذي أشرك} وثبت في الصحيح حديث ~~{الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: القارئ المرائي والمجاهد المرائي ~~والمتصدق المرائي} . بل ### | إخلاص الدين لله هو الدين # الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل وأنزل ~~به جميع الكتب واتفق عليه أئمة أهل الإيمان وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية ~~وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه. قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} ~~{ألا لله الدين الخالص} والسورة كلها عامتها في هذا المعنى. كقوله: {قل إني ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} إلى ~~قوله: # PageV10P049 # {قل الله أعبد مخلصا له ديني} إلى قوله: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك ~~بالذين من دونه} إلى قوله: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره} الآية. إلى قوله: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} ؟ {قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} إلى قوله: {قل ~~أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} إلى قوله {بل الله فاعبد وكن من ~~الشاكرين} وقال تعالى فيما قصه من قصة آدم وإبليس أنه قال: {فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وقال: {إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون} فبين أن سلطان الشيطان وإغواءه إنما هو لغير المخلصين؛ ولهذا قال ~~في قصة يوسف: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} ~~وأتباع الشيطان هم أصحاب النار كما قال تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين} وقد قال سبحانه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ms2948 ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} وهذه الآية في حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقيد ما # PageV10P050 # سواه بالمشيئة فأخبر أنه لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه وما دونه يغفره ~~لمن يشاء. وأما قوله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فتلك في حق التائبين؛ ولهذا عم وأطلق ~~وسياق الآية يبين ذلك مع سبب نزولها. وقد أخبر سبحانه أن الأولين والآخرين ~~إنما أمروا بذلك في غير موضع كالسورة التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أبي لما أمره الله تعالى أن يقرأ عليه قراءة إبلاغ وإسماع بخصوصه فقال: ~~{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} الآية. وهذا حقيقة قول لا إله إلا ~~الله. وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم ~~بهذا الأصل كما قال نوح عليه السلام {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~وكذلك هود وصالح وشعيب عليهم السلام وغيرهم كل يقول: {اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} لا سيما أفضل # PageV10P051 # الرسل الذين اتخذ الله كلاهما خليلا إبراهيم ومحمدا عليهما السلام فإن ~~هذا الأصل بينه الله بهما وأيدهما فيه ونشره بهما فإبراهيم هو الإمام الذي ~~قال الله فيه: {إني جاعلك للناس إماما} وفي ذريته جعل النبوة والكتاب ~~والرسل فأهل هذه النبوة والرسالة هم من آله الذين بارك الله عليهم قال ~~سبحانه: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين} {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} . فهذه ~~الكلمة هي كلمة الإخلاص لله وهي البراءة من كل معبود إلا من الخالق ms2949 الذي ~~فطرنا كما قال صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ ~~من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني ~~إذا لفي ضلال مبين} وقال تعالى في قصته بعد أن ذكر ما يبين ضلال من اتخذ ~~بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال: {فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين} إلى قوله {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا} وقال إبراهيم الخليل عليه السلام {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} {الذي خلقني فهو يهدين} ~~{والذي هو يطعمني ويسقين} {وإذا مرضت فهو يشفين} {والذي يميتني ثم يحيين} ~~وقال تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا # PageV10P052 # لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} الآية. ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم هو الذي أقام الله به الدين الخالص لله دين التوحيد ~~وقمع به المشركين من كان مشركا في الأصل ومن الذين كفروا من أهل الكتب وقال ~~صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره {بعثت بالسيف بين يدي ~~الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة ~~والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم} وقد تقدم بعض ما أنزل ~~الله عليه من الآيات المتضمنة للتوحيد. وقال تعالى أيضا: {والصافات صفا} ~~إلى قوله: {إن إلهكم لواحد} إلى قوله {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا ~~الله يستكبرون} {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} {بل جاء بالحق ~~وصدق المرسلين} إلى قوله: {أولئك لهم رزق معلوم} {فواكه وهم مكرمون} إلى ما ~~ذكره من قصص الأنبياء في التوحيد وإخلاص الدين لله إلى قوله: {سبحان الله ~~عما يصفون} {إلا عباد الله المخلصين} وقال تعالى: {إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ولن تجد ms2950 لهم نصيرا} {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا ~~بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا ~~عظيما} وفي الجملة فهذا الأصل في سورة الأنعام والأعراف والنور وآل طسم، # PageV10P053 # وآل حم وآل الر وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور ~~المدنية كثير ظاهر فهو أصل الأصول وقاعدة الدين حتى في سورتي الكافرون ~~والإخلاص: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} . وهاتان السورتان. ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في صلاة التطوع كركعتي الطواف وسنة ~~الفجر وهما متضمنتان للتوحيد. فأما ( {قل يا أيها الكافرون} فهي متضمنة ~~للتوحيد العملي الإرادي وهو إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة وهو الذي ~~يتكلم به مشايخ التصوف غالبا. وأما سورة ( {قل هو الله} أحد فمتضمنة ~~للتوحيد القولي العملي كما ثبت في الصحيحين عن عائشة {أن رجلا كان يقرأ: قل ~~هو الله أحد في صلاته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلوه لم يفعل ذلك؟ ~~فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال أخبروه أن الله يحبه} . ~~ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانه وتعالى الذي ينفي قول أهل ~~التعطيل وقول أهل التمثيل ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات كما ~~قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع. وذكرنا اعتماد الأئمة عليها مع ما تضمنته ~~من تفسير الأحد الصمد كما جاء تفسيره عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل. لكن المقصود هنا هو " التوحيد العملي ~~" وهو إخلاص الدين لله وإن # PageV10P054 # كان أحد النوعين مرتبطا بالآخر. فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية ~~وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك ~~وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين المعدومات كما يسوي المعطلة بينه ~~وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو ~~يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذا أثبتوا ~~هم ومن ms2951 ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها ~~فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادا ويسوون المخلوقات برب العالمين. واليهود ~~كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر ~~والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه ~~والنصارى كثيرا ما يعدلون المخلوق بالخالق حتى يجعلوا في المخلوقات من نعوت ~~الربوبية وصفات الإلهية ويجوزون له ما لا يصلح إلا للخالق سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. والله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نسأله أن ~~يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وقد {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} وفي هذه الأمة من فيه ~~شبه من هؤلاء وهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو # PageV10P055 # دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى قال فمن} ~~والحديث في الصحيحين. فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله وهو ~~إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة ~~لكن أكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون} وقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم} وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته؛ ~~فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذي لا يحب لا ~~يكون معبودا؛ ولهذا قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فبين سبحانه أن المشركين بربهم ~~الذين يتخذون من دون الله أندادا وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأن المؤمنين أعلم بالله والحب يتبع ~~العلم ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره ~~وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك ms2952 أكمل. قال تعالى: {ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون} واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ~~ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله وإن كانت ~~المحبة التي لله # PageV10P056 # لا يستحقها غيره؛ ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مذكورة بما يختص به ~~سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له؛ ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء ~~تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى ثم إنه كما بين أن محبته أصل الدين فقد بين ~~أن كمال الدين بكمالها ونقصه بنقصها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} . ~~فأخبر أن الجهاد ذروة سنام العمل وهو أعلاه وأشرفه. وقد قال تعالى: {أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله} إلى قوله: {أجر عظيم} والنصوص في فضائل ~~الجهاد وأهله كثيرة. وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد. والجهاد دليل ~~المحبة الكاملة. قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم} الآية. وقال تعالى في صفة المحبين المحبوبين: {يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ~~فوصف المحبوبين المحبين بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وأنهم ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. # PageV10P057 # فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض ~~محبوبه ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه؛ ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر ~~بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه فهو موافق له في ذلك. وهؤلاء هم الذين يرضى ~~الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إذ هم إنما يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له كما ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في طائفة فيهم صهيب وبلال: لعلك ~~أغضبتهم لئن ms2953 كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فقال لهم: يا إخوتي هل أغضبتكم ~~قالوا لا؛ يغفر الله لك يا أبا بكر} وكان قد مر بهم أبو سفيان بن حرب ~~فقالوا: ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا ~~لسيد قريش؟ وذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما تقدم؛ ~~لأن أولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله ~~والمعاداة لأعداء الله ورسوله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح فيما يروي عن ربه: {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به؛ ويده التي ~~يبطش بها؛ ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع وبي يبصر: وبي يبطش وبي يمشي ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه} . فبين ~~سبحانه أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب عبده # PageV10P058 # ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال وأنا أكره مساءته؛ وهو ~~سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد أن يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين أنه لا بد من ~~وقوع ذلك. وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به والمبغض المكروه ~~المنهي عنه. وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي وليس ذلك اتحاد الذاتين؛ فإن ذلك ~~محال ممتنع والقائل به كافر وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك ~~كالحلاجية ونحوهم وهو " الاتحاد المقيد " في شيء بعينه. # وأما " الاتحاد المطلق " الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن ~~وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع وجحود له وهو جامع لكل ~~شرك؛ فكما أن الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان: قوم يقولون: بالحلول ~~المقيد في بعض الأشخاص وقوم يقولون: بحلوله في كل شيء وهم الجهمية الذين ~~يقولون: إن ذات الله في كل مكان. وقد يقع ms2954 لبعض المصطلمين من أهل الفناء في ~~المحبة أن يغيب بمحبوبه عن نفسه وحبه؛ ويغيب بمذكوره عن ذكره؛ وبمعروفه عن ~~معرفته وبموجوده عن وجوده؛ حتى لا يشهد إلا محبوبه فيظن في زوال تمييزه ~~ونقص عقله وسكره أنه هو محبوبه. كما قيل: إن محبوبا وقع في اليم فألقى ~~المحب نفسه خلفه فقال # PageV10P059 # أنا وقعت فأنت ما الذي أوقعك؟ فقال غبت بك عني فظننت أنك أني فلا ريب أن ~~هذا خطأ وضلال. لكن إن كان هذا لقوة المحبة والذكر من غير أن يحصل عن سبب ~~محظور زال به عقله كان معذورا في زوال عقله؛ فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه ~~من الكلام في هذه الحال التي زال فيها عقله بغير سبب محظور؛ كما قيل في ~~عقلاء المجانين: إنهم قوم آتاهم الله عقولا وأحوالا فسلب عقولهم وأبقى ~~أحوالهم وأسقط ما فرض بما سلب. وأما إذا كان السبب الذي به زوال العقل ~~محظورا لم يكن السكران معذورا؛ وإن كان لا يحكم بكفره في أصح القولين كما ~~لا يقع طلاقه في أصح القولين وإن كان النزاع في الحكم مشهورا. وقد بسطنا ~~الكلام في هذا؛ وفيمن يسلم له حاله ومن لا يسلم في " قاعدة " ذلك. وبكل ~~حال؛ فالفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص؛ وإن كان صاحبه غير ~~مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الذين هم أفضل هذه الأمة ولا عن ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الرسل وإن كان لهؤلاء في صعق موسى ~~نوع تعلق وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الإلهية على بعض التابعين ومن ~~بعدهم وإن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه ~~وولايته وعداوته فمن المعلوم أن من # PageV10P060 # أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه من ~~جهادهم كما قال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص} . والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل بل ذلك ~~يغريه بملازمة المحبة كما قد ms2955 قال أكثر الشعراء في ذلك وهؤلاء هم أهل الملام ~~المحمود وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد ~~أعدائه. فإن الملام على ذلك كثير. وأما الملام على فعل ما يكرهه الله أو ~~ترك ما أحبه فهو لوم بحق وليس من المحمود الصبر على هذا الملام بل الرجوع ~~إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وبهذا يحصل الفرق بين " الملامية " ~~الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين " ~~الملامية " الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك. # فصل: # وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ~~ويرجع إليها فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه. والخائف ~~يفر من الخوف لينال المحبوب. قال تعالى: {أولئك الذين يدعون # PageV10P061 # يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه} الآية. ~~وقال {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله} . و " رحمته " اسم جامع لكل خير. " وعذابه " اسم جامع لكل شر. ودار ~~الرحمة الخالصة هي الجنة ودار العذاب الخالص هي النار وأما الدنيا فدار ~~امتزاج فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم وأعلاه ~~النظر إلى وجه الله كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد. يا أهل ~~الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض ~~وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار؟ قال فيكشف ~~الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه} وهو ~~الزيادة. ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قال: ما عبدتك شوقا إلى ~~جنتك ولا خوفا من نارك؛ وإنما عبدتك شوقا إلى رؤيتك فإن هذا القائل ظن هو ~~ومن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح ~~والسماع ونحو ذلك ms2956 مما فيه التمتع بالمخلوقات كما يوافقه على ذلك من ينكر ~~رؤية الله من الجهمية أو من يقر بها ويزعم أنه لا تمتع بنفس رؤية الله كما ~~يقوله طائفة من المتفقهة. فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة # PageV10P062 # لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات؛ ولهذا قال بعض من غلط من المشايخ لما ~~سمع قوله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} قال فأين من يريد ~~الله وقال آخر في قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة} قال إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه وكل ~~هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر. و " التحقيق " أن الجنة هي الدار ~~الجامعة لكل نعيم وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله وهو من النعيم الذي ~~ينالونه في الجنة؛ كما أخبرت به النصوص. وكذلك أهل النار فإنهم محجوبون عن ~~ربهم يدخلون النار مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفا بما يقول فإنما قصده ~~أنك لو لم تخلق نارا أو لو لم تخلق جنة لكان يجب أن تعبد ويجب التقرب إليك ~~والنظر إليك ومقصوده بالجنة هنا مما يتمتع فيه المخلوق. وأما عمل الحي بغير ~~حب ولا إرادة أصلا فهذا ممتنع وإن تخيله بعض الغالطين من النساك وظن أن ~~كمال العبد أن لا تبقى له إرادة أصلا فذاك لأنه تكلم في حال الفناء والفاني ~~- الذي يشتغل بمحبوبه - له إرادة ومحبة ولكن لا يشعر بها فوجود المحبة شيء ~~والإرادة شيء والشعور بها شيء آخر. فلما لم يشعروا بها ظنوا انتفاءها وهو ~~غلط؛ فالعبد لا يتصور أن يتحرك قط إلا عن حب وبغض وإرادة؛ ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أصدق الأسماء حارث وهمام} فكل إنسان له حرث وهو العمل ~~وله هم وهو أصل # PageV10P063 # الإرادة ولكن تارة يقوم بالقلب من محبة الله ما يدعوه إلى طاعته ومن ~~إجلاله والحياء منه ما ينهاه عن معصيته كما قال عمر رضي الله عنه نعم العبد ~~صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ms2957 أي هو لم يعصه ولو لم يخفه فكيف إذا خافه فإن ~~إجلاله وإكرامه لله يمنعه من معصيته. فالراجي الخائف إذا تعلق خوفه ورجاؤه ~~بالتعذب باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجليه له فمعلوم أن هذا من توابع محبته ~~له فالمحبة هي التي أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب وإن تعلق خوفه ~~ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله ~~المستلزمة محبته ثم إذا وجد حلاوة محبة الله وجدها أحلى من كل محبة؛ ولهذا ~~يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث {إن أهل الجنة ~~يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس} وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته. ~~فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التي هي الأصل. ~~وهذا كله ينبني على " أصل المحبة " فيقال قد نطق الكتاب والسنة بذكر محبة ~~العباد المؤمنين كما في قوله: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقوله تعالى ~~{يحبهم ويحبونه} وقوله تعالى {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} . ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار} # PageV10P064 # بل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت لمحبة الله كما في قوله تعالى ~~{أحب إليكم من الله ورسوله} وكما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين} وفي صحيح البخاري {عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله يا رسول ~~الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب ~~إليك من نفسك فقال والله لأنت أحب إلي من نفسي قال: الآن يا عمر} وكذلك ~~محبة صحابته وقرابته كما في الصحيح عن {النبي صلى الله ms2958 عليه وسلم أنه قال: ~~آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار} وقال: {لا يبغض الأنصار ~~رجل يؤمن بالله واليوم الآخر} وقال علي رضي الله عنه " إنه لعهد النبي ~~الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " وفي السنن أنه ~~{قال للعباس: والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي} ~~يعني بني هاشم. وقد روي حديث عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: {أحبوا الله لما ~~يغذوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لأجلي} وأما محبة الرب ~~سبحانه لعبده فقال تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} وقال تعالى: {يحبهم ~~ويحبونه} وقال تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} {وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} {فأتموا إليهم عهدهم إلى # PageV10P065 # مدتهم إن الله يحب المتقين} {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب ~~المتقين} {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} {بلى ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} وأما الأعمال التي يحبها الله ~~من الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلها ~~وهم المؤمنون أولياء الله المتقون. وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب ~~والسنة والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين ~~المتبعون وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية؛ بل هي أكمل ~~محبة فإنها كما قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وكذلك هو سبحانه يحب ~~عباده المؤمنين محبة حقيقية. وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين زعما ~~منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب وأنه لا مناسبة بين ~~القديم والمحدث توجب المحبة وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن ~~درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق ~~والمشرق بواسط. خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم # PageV10P066 # موسى تكليما ثم نزل فذبحه وكان قد ms2959 أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان ~~فأظهره وناظر عليه وإليه أضيف قول الجهمية فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان ~~بها ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم أثناء خلافة ~~المأمون حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل ~~قولهم هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل ~~الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا وهؤلاء هم أعداء ~~إبراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل للعقول ~~والنجوم وغيرها وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلا وموسى كليما ~~لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا # ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن ~~صاحبكم خليل الله} - يعني نفسه -. وفي رواية: {إني أبرأ إلى كل خليل من ~~خلته ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} وفي رواية: ~~{إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم # PageV10P067 # خليلا} فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين ~~خليلا وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ~~مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا كما {قال لمعاذ: ~~والله إني لأحبك} وكذلك قوله للأنصار. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك ابنه أسامة حبه وأمثال ذلك. {وقال له عمرو بن العاص: ~~أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قال فمن الرجال. قال أبوها} . {وقال لفاطمة ~~ابنته رضي الله عنها ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى قال: فأحبي عائشة} . ~~{وقال للحسن: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه} وأمثال هذا كثير. فوصف ~~نفسه بمحبة أشخاص وقال: {إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من ~~أهل ms2960 الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة ~~بحيث هي من كمالها وتخللها المحب حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته لا ~~لشيء آخر. إذ المحبوب لشيء غيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير ومن كمالها ~~لا تقبل الشركة والمزاحمة لتخللها المحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب. ~~فالخلة تنافي المزاحمة وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته # PageV10P068 # محبة لا يزاحمه فيها غيره وهذه محبة لا تصلح إلا لله فلا يجوز أن يشركه ~~غيره فيما يستحقه من المحبة وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره - إذا كان ~~محبوبا بحق - فإنما يحب لأجله وكل ما أحب لغيره فمحبته باطلة فالدنيا ~~ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله تعالى. وإذا كانت الخلة كذلك فمن ~~المعلوم أن من أنكر أن يكون الله محبوبا لذاته ينكر مخاللته. وكذلك أيضا إن ~~أنكر محبته لأحد من عباده فهو ينكر أن يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه ~~العبد على أكمل ما يصلح للعباد. وكذلك تكليمه لموسى أنكروه لإنكارهم أن ~~تقوم به صفة من الصفات أو فعل من الأفعال فكما ينكرون أن يتصف بحياة أو ~~قدرة أو علم أو أن يستوي أو أن يجيء فكذلك ينكرون أن يتكلم أو يكلم فهذا ~~حقيقة قولهم. {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} . لكن لما ~~كان الإسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا يمكن جحده لمن أظهر الإسلام أخذوا ~~يلحدون في أسماء الله ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا محبة العباد له ~~بمجرد محبتهم لطاعته أو التقرب إليه وهذا جهل عظيم فإن محبة المتقرب إلى ~~المتقرب إليه تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب ~~التقرب إليه إذ التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود فيمتنع أن ~~تكون الوسيلة إلى الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة. # PageV10P069 # وكذلك " العبادة والطاعة " إذا قيل في المطاع المعبود: إن هذا يحب طاعته ~~وعبادته فإن محبته ذلك تبع لمحبته وإلا فمن لا يحب لا يحب طاعته ms2961 وعبادته ~~ومن كان لا يعمل لغيره إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون معاوضا ~~له أو مفتديا منه لا يكون محبا له. ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة ~~طاعته وعبادته فإن محبة المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير محبة ~~الوسيلة فإن ذلك يقتضي أن يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة العمل. ~~أما محبة الله فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض ألا ترى أن من استأجر أجيرا ~~بعوض لا يقال إن الأجير يحبه بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لا يحبه بحال ~~بل من يبغضه وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال إنه يحبه بل ~~يكون مبغضا له. فعلم أن ما وصف الله به عباده المؤمنين من أنهم يحبونه ~~يمتنع ألا يكون معناه إلا مجرد محبة العمل الذي ينالون به بعض الأغراض ~~المخلوقة من غير أن يكون ربهم محبوبا أصلا. # وأيضا فلفظ " العبادة " متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة ~~القلب للبشر على طبقات. أحدها: " العلاقة " وهو تعلق القلب بالمحبوب. ثم " ~~الصبابة " وهو انصباب القلب إليه. ثم " الغرام " وهو الحب اللازم. ثم " ~~العشق " وآخر # PageV10P070 # المراتب هو " التتيم " وهو التعبد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد ~~الله فإن المحب يبقى ذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه. و (أيضا فاسم الإنابة إليه ~~يقتضي المحبة أيضا وما أشبه ذلك من الأسماء كما تقدم. و (أيضا فلو كان هذا ~~الذي قالوه حقا من كون ذلك مجازا لما فيه من الحذف والإضمار؛ فالمجاز لا ~~يطلق إلا بقرينة تبين المراد. ومعلوم أن ليس في كتاب الله وسنة رسوله ما ~~ينفي أن يكون الله محبوبا وأن لا يكون المحبوب إلا الأعمال لا في الدلالة ~~المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في العقل أيضا و (أيضا فمن علامات المجاز صحة ~~إطلاق نفيه فيجب أن يصح إطلاق القول بأن الله لا يحب ولا يحب كما أطلق ~~إمامهم الجعد بن درهم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ~~ومعلوم ms2962 أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين فعلم دلالة الإجماع على أن هذا ليس ~~مجازا بل هي حقيقة. وأيضا فقد فرق بين محبته ومحبة العمل له في قوله تعالى ~~{أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} كما فرق بين محبته ومحبة رسوله ~~في قوله تعالى {أحب إليكم من الله ورسوله} فلو كان المراد بمحبته ليس إلا ~~محبة العمل لكان هذا تكريرا أو من باب عطف الخاص على العام وكلاهما على ~~خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا بدلالة تبين المراد. وكما ~~أن # PageV10P071 # محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك لا يجوز تفسيرها بمجرد ~~محبة العمل له وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له. وأيضا ~~فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه أمر لا يعرف في ~~اللغة لا حقيقة ولا مجازا؛ فحمل الكلام عليه تحريف محض أيضا. وقد قررنا في ~~مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبا مرادا لذاته ~~كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودا بذاته بل لا رب إلا الله ولا إله إلا ~~هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته كمال المحبة والتعظيم. وكل ~~مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ليس في محبوباتها ~~ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله وحده وأن كل ما أحبه المحبوب ~~من مطعوم وملبوس ومنظور ومسموع وملموس يجد من نفسه أن قلبه يطلب شيئا سواه ~~ويحب أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه ~~الأجناس. ولهذا قال الله تعالى في كتابه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وفي ~~الحديث الصحيح عن عياض بن حمار عن {النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ~~أنه قال: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} كما في الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms2963 {كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون ~~فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا # PageV10P072 # إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم} } . # وأيضا فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له ~~على الكمال وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى فهو المستحق لأن ~~يحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار ~~لكونه إلها معبودا كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو ~~يستلزم إنكار كونه ربا خالقا فصار إنكارها مستلزما لإنكار كونه رب ~~العالمين. ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود. ولهذا ~~اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى صلوات الله ~~عليهما وسلامه أن أعظم الوصايا أن تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو ~~حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التي هي أصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن. ~~وإنكار ذلك هو مأخوذ عن المشركين والصابئين أعداء إبراهيم الخليل ومن ~~وافقهم على ذلك من متفلسف ومتكلم ومتفقه ومبتدع أخذه عن هؤلاء؛ وظهر ذلك في ~~القرامطة الباطنية من الإسماعيلية ولهذا قال الخليل إمام الحنفاء صلوات ~~الله وسلامه عليه {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين} وقال أيضا: {لا أحب # PageV10P073 # الآفلين} وقال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} {إلا من أتى الله بقلب ~~سليم} وهو السليم من الشرك. وأما قولهم: " إنه لا مناسبة بين المحدث ~~والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه ". فهذا الكلام مجمل فإن أرادوا ~~بالمناسبة أنه ليس بينهما توالد فهذا حق وإن أرادوا أنه ليس بينهما من ~~المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول أو نحو ذلك فهذا أيضا حق ~~وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون أحدهما محبا عابدا والآخر ~~معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسألة فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفي ~~في ذلك المنع. ms2964 ثم يقال بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة ~~التي بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره. الذي هو في السماء إله وفي ~~الأرض إله وله المثل الأعلى في السموات والأرض. وحقيقة قول هؤلاء جحد كون ~~الله معبودا في الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية ~~المتكلمين الذين ينكرون أن يكون الله محبا في الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ~~ومنعوا كونه محبا؛ لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك المتكلمة ~~فأخذوا عن الصوفية مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه وأصل إنكارها ~~إنما هو قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد ~~إنكارا. ومنكروها قسمان: # PageV10P074 # قسم يتأولونها بنفس المفعولات التي يحبها العبد فيجعلون محبته نفس خلقه. # وقسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات. وقد بسطنا الكلام في ذلك في " ~~قواعد الصفات والقدر " وليس هذا موضعها. ومن المعلوم أنه قد دل الكتاب ~~والسنة واتفاق سلف الأمة على أن الله يحب ويرضى ما أمر بفعله من واجب ~~ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى أنه قد يريد وجود أمور يبغضها ويسخطها ~~من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى: {والله لا يحب ~~الفساد} وقال تعالى {ولا يرضى لعباده الكفر} . والمقصود هنا إنما هو ذكر ~~محبة العباد لإلههم. وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان ولم يتبين بين ~~أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع في ذلك وكانوا ~~يحركون هذه المحبة بما شرع الله أن تحرك به من أنواع العبادات الشرعية ~~كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} إلى آخر السورة. # PageV10P075 # ثم إنه لما طال الأمد صار في طوائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر ~~هذه المحبة. وصار في بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع الحديث ~~كالتغيير وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه تحريك ~~جنس الحب الذي يحرك من كل قلب ما فيه ms2965 من الحب بحيث يصلح لمحب الأوثان ~~والصلبان والإخوان والأوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب الرحمن ولكن ~~كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان والخلان. وربما ~~اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان ثم توسع في ذلك غيرهم حتى خرجوا فيه ~~إلى أنواع من المعاصي بل إلى أنواع من الفسوق؛ بل خرج فيه طوائف إلى الكفر ~~الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها الكفر والإلحاد مما ~~هو من أعظم أنواع الفساد وينتج ذلك لهم من الأحوال بحسبه كما تنتج لعباد ~~المشركين وأهل الكتاب عباداتهم بحسبها. والذي عليه محققوا المشايخ أنه كما ~~قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به. ~~ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ولا يؤمر به ولا يتخذ ~~ذلك دينا وقربة فإن القرب والعبادات إنما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله. قال ~~الله تعالى: {أم # PageV10P076 # لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ولهذا قال تعالى: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فجعل محبتهم ~~لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الله لهم قال أبي ~~بن كعب رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات ~~الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت ~~عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير ~~من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة؛ فاحرصوا أن تكون أعمالكم اقتصادا واجتهادا ~~على منهاج الأنبياء وسنتهم. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. فلو كان هذا مما ~~يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ذلك مما دلت الأدلة ~~الشرعية عليه ومن المعلوم أنه لم يكن في القرون الثلاثة ms2966 المفضلة التي قال ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم {خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم} لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في ~~العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير والدين يجتمع على السماع ~~المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالإمام أحمد وغيره حتى عده ~~الشافعي من إحداث الزنادقة حين قال: خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة ~~يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن. # PageV10P077 # وأما ما لم يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه لا نهي ولا ذم ~~باتفاق الأئمة؛ ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع ~~فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد وإرادة لا يثاب على ذلك ~~إذ الأعمال بالنيات. وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع ~~بدون قصده لم يضره ذلك فلو سمع السامع بيتا يناسب بعض حاله فحرك ساكنه ~~المحمود وأزعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن هذا مما ينهى ~~عنه وكان المحمود الحسن حركة قلبه التي يحبها الله ورسوله إلى محبته التي ~~تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله كالذي اجتاز بيتا فسمع قائلا ~~يقول: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فأخذ منه إشارة تناسب حاله؛ فإن ~~الإشارات من باب القياس والاعتبار وضرب الأمثال. ومسألة " السماع " كبيرة ~~منتشرة قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن المقاصد ~~المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع الإيماني القرآني النبوي الديني الشرعي ~~الذي هو سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين. قال ~~الله تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم # PageV10P078 # من النبيين من ذرية آدم} إلى قوله: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا} وقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا} إلى قوله {ويزيدهم خشوعا} وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وقال تعالى: ~~{إنما ms2967 المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} . وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} الآية. وكما مدح ~~المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله: {ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} إلى قوله {وإذا ~~تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم} وقال تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا} وقال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} ~~{فرت من قسورة} وقال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} الآية وقال تعالى: {وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} وقال تعالى: {فما ~~لهم # PageV10P079 # عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} ومثل هذا كثير في ~~القرآن. وهذا كان سماع سلف الأمة وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من المشايخ كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي ~~سليمان الداراني ومعروف الكرخي ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وأمثال ~~هؤلاء. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا ~~موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يسمعون ويبكون. وكان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون وقد ثبت ~~في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ ~~فجعل يستمع لقراءته وقال لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود وقال: مررت ~~بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته ~~لك تحبيرا} أي لحسنته لك تحسينا {وقال صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن ~~بأصواتكم} وقال: {الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته} - أذنا أي استماعا - كقوله: {وأذنت لربها وحقت} أي ms2968 ~~استمعت {وقال صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت ~~يتغنى بالقرآن يجهر به} وقال: {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} . # PageV10P080 # ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق الكريمة ومزيد المعارف ~~والأحوال الجسيمة ما لا يتسع له خطاب ولا يحويه كتاب كما أن في تدبر القرآن ~~وتفهمه من مزيد العلم والإيمان ما لا يحيط به بيان. # ومما ينبغي التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} الآية. فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول ~~وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى ~~محبة الله فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه؛ ولهذا يروى عن ذي ~~النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال: اسكتوا عن هذه ~~المسألة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها. # وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده. فهو زنديق ومن عبد الله بالخوف وحده ~~فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء ~~فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها ~~إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى {نحن أبناء الله ~~وأحباؤه} ويوجد في مدعي المحبة من مخالفة الشريعة ما لا يوجد في أهل الخشية ~~ولهذا قرن الخشية بها في قوله: # PageV10P081 # {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ} {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} ~~{ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود} . وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون ~~في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك ~~من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة وما وقع في هؤلاء من فساد ~~الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار طوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية حتى صار ~~المنحرفون صنفين. صنف يقر ms2969 بحقها وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه ~~طوائف من أهل الكلام والفقه. والصواب إنما هو الإقرار بما فيها وفي غيرها ~~من موافقة الكتاب والسنة والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب ~~والسنة. وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم} فاتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته باطنا وظاهرا هي ~~موجب محبة الله كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو ~~حقيقتها كما في الحديث: {أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله} # PageV10P082 # وفي الحديث. {من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل ~~الإيمان} . وكثير ممن يدعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة وعن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويدعي مع هذا أن ذلك ~~أكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب ~~لله وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة ولهذا في الحديث المأثور. {يقول ~~الله تعالى يوم القيامة أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ~~ظل إلا ظلي} فقوله أين المتحابون بجلال الله تنبيه على ما في قلوبهم من ~~إجلال الله وتعظيمه مع التحاب فيه وبذلك يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا ~~يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث {حقت ~~محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتجالسين في وحقت محبتي للمتزاورين في ~~وحقت محبتي للمتباذلين في} والأحاديث في المتحابين في الله كثيرة. وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~{سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة ~~الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في ~~الله اجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة # PageV10P083 # ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف ms2970 الله رب العالمين} . وأصل المحبة هو معرفة ~~الله سبحانه وتعالى ولها أصلان: # أحدهما: وهو الذي يقال له محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده وهذه المحبة ~~على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض ~~من أساء إليها والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة فإنه ~~المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة؛ إذ هو ميسر الوسائط ومسبب الأسباب ~~ولكن هذه المحبة في الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب ~~العبد في الحقيقة إلا نفسه وكذلك كل من أحب شيئا لأجل إحسانه إليه فما أحب ~~في الحقيقة إلا نفسه. وهذا ليس بمذموم بل محمود. وهذه المحبة هي المشار ~~إليها بقوله صلى الله عليه وسلم {أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني ~~لحب الله وأحبوا أهلي بحبي} والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة ~~الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه وهذا كما قالوا: إن الحمد لله على ~~" نوعين ": " حمد " هو شكر وذلك لا يكون إلا على نعمته. و " حمد " هو مدح ~~وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه # PageV10P084 # فكذلك الحب فإن الأصل الثاني فيه هو محبته لما هو له أهل وهذا حب من عرف ~~من الله ما يستحق أن يحب لأجله وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها ~~مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى ~~جميع مفعولاته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق أن يكون ~~محمودا على كل حال ويستحق أن يحمد على السراء والضراء وهذا أعلى وأكمل وهذا ~~حب الخاصة. وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون ~~بذكره ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك حتى لو انقطعوا عن ذلك ~~لوجدوا من الألم ما لا يطيقون وهم السابقون كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال {مر النبي صلى الله عليه وسلم بجبل ms2971 يقال له: حمدان فقال: ~~سيروا هذا حمدان سبق المفردون قالوا: يا رسول الله من المفردون؟ قال ~~الذاكرون الله كثيرا والذاكرات} وفي رواية أخرى قال: {المستهترون بذكر الله ~~يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافا} والمستهتر بذكر ~~الله يتولع به ينعم به كلف لا يفتر منه. وفي حديث هارون بن عنترة عن أبيه ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {قال موسى يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال ~~الذي يذكرني ولا ينساني قال: أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى ~~علمه ليجد كلمة تدله على # PageV10P085 # هدى أو ترده عن رديء قال أي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم على نفسه كما ~~يحكم على غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه} فذكر في هذا الحديث الحب والعلم ~~والعدل وذلك جماع الخير. ومما ينبغي التفطن له أنه لا يجوز أن يظن في باب ~~محبة الله تعالى ما يظن في محبة غيره مما هو من جنس التجني والهجر والقطيعة ~~لغير سبب ونحو ذلك مما قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ~~ما يتمثلون به في حب من يصد ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وإن غلط ~~في ذلك من غلط من المصنفين في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم إقامة الحجة ~~على الله بل لله الحجة البالغة. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ~~ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} . ~~وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: {أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل ~~زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي وإن تابوا ~~فأنا حبيبهم} - لأن الله يحب التوابين - {وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ~~أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم من المعائب} . # PageV10P086 # وقد قال تعالى ms2972 {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} ~~قالوا: الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه. وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وفي الحديث الصحيح عن أبي ~~ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله تعالى: يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي ~~كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا ~~عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني ~~أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ~~ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم ~~مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ~~شداد بن أوس قال: # PageV10P087 # {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم ~~أنت ربي لا إله إلا الله أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات في يومه ~~دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة} . فالعبد ~~دائما بين نعمة من الله ms2973 يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه يحتاج فيه إلى ~~الاستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فإنه لا يزال يتقلب ~~في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغفار. ولهذا كان سيد ~~ولد آدم وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر في جميع الأحوال. ~~وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: {أيها الناس ~~توبوا إلى ربكم فإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} ~~وفي صحيح مسلم أنه قال {إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم ~~مائة مرة} {وقال عبد الله بن عمر: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المجلس الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة} ~~. # PageV10P088 # ولهذا شرع ### | الاستغفار في خواتيم الأعمال. # قال تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} وقال بعضهم: أحيوا الليل بالصلاة فلما ~~كان وقت السحر أمروا بالاستغفار وفي الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام} وقال تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام} إلى قوله: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} وقد ~~أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده وأتى بما أمر ~~الله به مما لم يصل إليه أحد غيره فقال تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~{ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا} . ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى: ~~{الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} . {ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا} الآية. وقال تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه} وقال تعالى: {فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} . ولهذا جاء في ~~الحديث {يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله ms2974 ~~والاستغفار} وقد قال يونس {لا إله إلا أنت سبحانك # PageV10P089 # إني كنت من الظالمين} وكان النبي صلى الله عليه وسلم {إذا ركب دابته يحمد ~~الله ثم يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا أنت سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي} ~~وكفارة المجلس التي كان يختم بها المجلس {سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا ~~إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك} والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم. # PageV10P090 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه وسلم تسليما # فصل: # في مرض القلوب وشفائها # قال الله تعالى عن المنافقين: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال ~~تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} # PageV10P091 # وقال: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} وقال: {ولا يرتاب الذين أوتوا ~~الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله ~~بهذا مثلا} وقال تعالى: {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين} وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال: {ويشف صدور قوم مؤمنين} {ويذهب غيظ قلوبهم} ~~. # و " مرض البدن " خلاف صحته وصلاحه وهو فساد يكون فيه يفسد به إدراكه ~~وحركته الطبيعية فإدراكه إما أن يذهب كالعمى والصمم. وإما أن يدرك الأشياء ~~على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا وكما يخيل إليه أشياء لا حقيقة لها ~~في الخارج. وأما فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوته عن الهضم أو مثل أن ~~يبغض الأغذية التي يحتاج إليها ويحب الأشياء التي تضره ويحصل له من الآلام ~~بحسب ذلك؛ ولكن مع ذلك المرض لم يمت ms2975 ولم يهلك؛ بل فيه نوع قوة على إدراك ~~الحركة الإرادية في الجملة فيتولد من ذلك ألم يحصل في البدن إما بسبب فساد ~~الكمية أو الكيفية: فالأول أما نقص المادة فيحتاج إلى غذاء وأما بسبب ~~زياداتها # PageV10P092 # فيحتاج إلى استفراغ. # والثاني كقوة في الحرارة والبرودة خارج عن الاعتدال فيداوى. # فصل: # وكذلك " مرض القلب " هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته فتصوره ~~بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه ~~وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار؛ فلهذا يفسر المرض تارة ~~بالشك والريب. كما فسر مجاهد وقتادة قوله: {في قلوبهم مرض} أي شك. وتارة ~~يفسر بشهوة الزنا كما فسر به قوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} . ولهذا صنف ~~الخرائطي " كتاب اعتلال القلوب " أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة والمريض ~~يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح فيضره يسير الحر والبرد والعمل ونحو ذلك من الأمور ~~التي لا يقوى عليها لضعفه بالمرض. والمرض في الجملة يضعف المريض بجعل قوته ~~ضعيفة لا تطيق ما يطيقه # PageV10P093 # القوي والصحة تحفظ بالمثل وتزال بالضد والمرض يقوى بمثل سببه. ويزول بضده ~~فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وزاد ضعف قوته حتى ربما يهلك. وإن ~~حصل له ما يقوي القوة ويزيل المرض كان بالعكس. و " مرض القلب " ألم يحصل في ~~القلب كالغيظ من عدو استولى عليك فإن ذلك يؤلم القلب. قال الله تعالى: ~~{ويشف صدور قوم مؤمنين} {ويذهب غيظ قلوبهم} فشفاؤهم بزوال ما حصل في قلوبهم ~~من الألم ويقال: فلان شفي غيظه وفي القود استشفاء أولياء المقتول ونحو ذلك. ~~فهذا شفاء من الغم والغيظ والحزن وكل هذه آلام تحصل في النفس. وكذلك " الشك ~~والجهل " يؤلم القلب قال النبي صلى الله عليه وسلم {هلا سألوا إذا لم ~~يعلموا فإنما شفاء العي السؤال} . والشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه ~~حتى يحصل له العلم واليقين ويقال للعالم الذي أجاب بما يبين الحق: قد شفاني ~~بالجواب. والمرض دون الموت فالقلب يموت بالجهل المطلق ms2976 ويمرض بنوع من الجهل ~~فله موت ومرض وحياة وشفاء وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن ~~وموته ومرضه وشفائه فلهذا مرض القلب إذا ورد عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه ~~وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من # PageV10P094 # أسباب صلاحه وشفائه. قال تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض} لأن ذلك أورث شبهة عندهم والقاسية قلوبهم ليبسها فأولئك قلوبهم ~~ضعيفة بالمرض فصار ما ألقى الشيطان فتنة لهم وهؤلاء كانت قلوبهم قاسية عن ~~الإيمان فصار فتنة لهم. وقال: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة} كما قال: {وليقول الذين في قلوبهم مرض} لم تمت ~~قلوبهم كموت الكفار والمنافقين وليست صحيحة صالحة كصالح قلوب المؤمنين بل ~~فيها مرض شبهة وشهوات وكذلك {فيطمع الذي في قلبه مرض} وهو مرض الشهوة فإن ~~القلب الصحيح لو تعرضت له المرأة لم يلتفت إليها بخلاف القلب المريض ~~بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه فإذا ~~خضعن بالقول طمع الذي في قلبه مرض. والقرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه ~~أمراض الشبهات والشهوات ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل فيزيل ~~أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي ~~عليه وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها ~~عبرة ما يوجب صلاح القلب فيرغب القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره فيبقى ~~القلب محبا للرشاد مبغضا للغي بعد أن كان مريدا للغي مبغضا للرشاد. # PageV10P095 # فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح ~~إرادته ويعود إلى فطرته التي فطر عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي ~~ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده كما يغتذي البدن بما ~~ينميه ويقومه فإن زكاة القلب مثل نماء البدن. و " الزكاة في اللغة " النماء ~~والزيادة في الصلاح. يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح فالقلب يحتاج أن ~~يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية ms2977 ~~المصلحة له ولا بد مع ذلك من منع ما يضره فلا ينمو البدن إلا بإعطاء ما ~~ينفعه ومنع ما يضره كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ~~ينفعه ودفع ما يضره وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا. و " الصدقة " لما كانت ~~تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار صار القلب يزكو بها وزكاته معنى زائد ~~على طهارته من الذنب. قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} وكذلك ترك الفواحش يزكو بها القلب. وكذلك ترك المعاصي فإنها بمنزلة ~~الأخلاط الرديئة في البدن ومثل الدغل في الزرع فإذا استفرغ البدن من ~~الأخلاط الرديئة كاستخراج الدم الزائد تخلصت القوة الطبيعية واستراحت فينمو ~~البدن وكذلك القلب إذا # PageV10P096 # تاب من الذنوب كان استفراغا من تخليطاته حيث خلط عملا صالحا وآخر سيئا ~~فإذا تاب من الذنوب تخلصت قوة القلب وإراداته للأعمال الصالحة واستراح ~~القلب من تلك الحوادث الفاسدة التي كانت فيه. ف ### | زكاة القلب # بحيث ينمو ويكمل. قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا} وقال تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} وقال: ~~{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون} وقال تعالى: {قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} وقال ~~تعالى: {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من دساها} وقال تعالى: {وما يدريك لعله ~~يزكى} وقال تعالى: {فقل هل لك إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ربك فتخشى} ~~فالتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير فإنما تحصل بإزالة ~~الشر؛ فلهذا صار التزكي يجمع هذا وهذا. وقال: {وويل للمشركين} {الذين لا ~~يؤتون الزكاة} وهي التوحيد والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي ~~إلهية ما سوى الحق من القلب وإثبات إلهية الحق في القلب وهو حقيقة لا إله ~~إلا الله. وهذا أصل ما تزكو به القلوب. والتزكية جعل الشيء زكيا: إما في ~~ذاته وإما في الاعتقاد والخبر؛ # PageV10P097 # كما يقال عدلته إذا جعلته عدلا في نفسه ms2978 أو في اعتقاد الناس قال تعالى: ~~{فلا تزكوا أنفسكم} أي تخبروا بزكاتها وهذا غير قوله: {قد أفلح من زكاها} ~~ولهذا قال: {هو أعلم بمن اتقى} وكان اسم زينب برة فقيل تزكي نفسها فسماها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب. وأما قوله: {ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم بل الله يزكي من يشاء} أي يجعله زاكيا ويخبر بزكاته كما يزكي المزكي ~~الشهود فيخبر بعدلهم. و " العدل " هو الاعتدال والاعتدال هو صلاح القلب كما ~~أن الظلم فساده ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالما لنفسه والظلم خلاف ~~العدل فلم يعدل على نفسه؛ بل ظلمها؛ فصلاح القلب في العدل وفساده في الظلم ~~وإذا ظلم العبد نفسه فهو الظالم وهو المظلوم كذلك إذا عدل فهو العادل ~~والمعدول عليه فمنه العمل وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر. قال تعالى: ~~{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} . و ### | العمل له أثر في القلب # من نفع وضر وصلاح قبل أثره في الخارج فصلاحها عدل لها وفسادها ظلم لها ~~قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} وقال تعالى: {إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} قال بعض السلف: إن للحسنة لنورا في القلب ~~وقوة في البدن وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن ~~للسيئة لظلمة في # PageV10P098 # القلب وسوادا في الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب ~~الخلق. وقال تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت ~~رهينة} وقال: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} وتبسل أي ~~ترتهن وتحبس وتؤسر؛ كما أن الجسد إذا صح من مرضه قيل قد اعتدل مزاجه والمرض ~~إنما هو بإخراج المزاج مع أن الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا سبيل ~~إليه لكن الأمثل؛ فالأمثل؛ فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل ومرضه من الزيغ ~~والظلم والانحراف. والعدل المحض في كل ms2979 شيء متعذر علما وعملا ولكن الأمثل ~~فالأمثل؛ ولهذا يقال: هذا أمثل ويقال للطريقة السلفية: الطريقة المثلى. ~~وقال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} وقال تعالى: ~~{وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} . والله تعالى بعث ~~الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط وأعظم القسط عبادة الله وحده لا شريك ~~له ثم العدل على الناس في حقوقهم ثم العدل على النفس. # PageV10P099 # والظلم " ثلاثة أنواع ": والظلم كله من أمراض القلوب والعدل صحتها ~~وصلاحها. قال أحمد بن حنبل لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا أي خوفك من ~~المخلوق هو من مرض فيك كمرض الشرك والذنوب. وأصل صلاح القلب هو حياته ~~واستنارته قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} . لذلك ذكر الله حياة القلوب ~~ونورها وموتها وظلمتها في غير موضع. كقوله: {لينذر من كان حيا ويحق القول ~~على الكافرين} وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم} ثم قال: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه ~~إليه تحشرون} وقال تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} . ومن ~~أنواعه أنه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وفي الحديث الصحيح ~~{مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي ~~والميت} وفي الصحيح أيضا: {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا} ~~. وقد قال تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} وذكر سبحانه ~~آية النور وآية الظلمة فقال: {الله نور السماوات والأرض # PageV10P100 # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري ~~يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور} فهذا مثل نور الإيمان في قلوب المؤمنين ثم قال: ~~{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ms2980 أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . # فالأول مثل الاعتقادات الفاسدة والأعمال التابعة لها يحسبها صاحبها شيئا ~~ينفعه فإذا جاءها لم يجدها شيئا ينفعه فوفاه الله حسابه على تلك الأعمال. و ~~(الثاني: مثل للجهل البسيط وعدم الإيمان والعلم فإن صاحبها في ظلمات بعضها ~~فوق بعض لا يبصر شيئا؛ فإن البصر إنما هو بنور الإيمان والعلم. قال تعالى: ~~{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وقال ~~تعالى. {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} وهو برهان الإيمان ~~الذي حصل في قلبه فصرف الله به ما كان هم به وكتب له حسنة كاملة ولم يكتب # PageV10P101 # عليه خطيئة إذ فعل خيرا ولم يفعل سيئة. وقال تعالى: {لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور} وقال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} وقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل ~~لكم نورا تمشون به} . ولهذا ضرب الله للإيمان " مثلين ". مثلا بالماء الذي ~~به الحياة وما يقترن به من الزبد ومثلا بالنار التي بها النور وما يقترن ~~بما يوقد عليه من الزبد. وكذلك ضرب الله للنفاق " مثلين " قال تعالى: {أنزل ~~من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون ~~عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل ~~فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال} وقال تعالى في المنافقين: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما ~~أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} {صم بكم عمي فهم ~~لا يرجعون} {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت والله ms2981 محيط بالكافرين} {يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} . # PageV10P102 # فضرب لهم مثلا كالذي أوقد النار كلما أضاءت أطفأها الله والمثل المائي ~~كالمثل النازل من السماء وفيه ظلمات ورعد وبرق يرى. ولبسط الكلام في هذه ~~الأمثال موضع آخر. وإنما المقصود هنا ذكر حياة القلوب وإنارتها وفي الدعاء ~~المأثور {اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا} . و " الربيع " هو المطر ~~الذي ينزل من السماء فينبت به النبات قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن مما ~~ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم} . والفصل الذي ينزل فيه أول المطر تسميه ~~العرب الربيع لنزول المطر الذي ينبت الربيع فيه وغيرهم يسمي الربيع الفصل ~~الذي يلي الشتاء؛ فإن فيه تخرج الأزهار التي تخلق منها الثمار وتنبت ~~الأوراق على الأشجار. والقلب الحي المنور؛ فإنه لما فيه من النور يسمع ~~ويبصر ويعقل والقلب الميت فإنه لا يسمع ولا يبصر. قال تعالى: {ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون} وقال تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} وقال ~~تعالى: {ومنهم من يستمع إليك # PageV10P103 # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} الآيات. فأخبر أنهم لا يفقهون بقلوبهم ولا يسمعون بآذانهم ولا ~~يؤمنون بما رأوه من النار كما أخبر عنهم حيث قالوا: {قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} . فذكروا الموانع على ~~القلوب، والسمع والأبصار وأبدانهم حية تسمع الأصوات وترى الأشخاص؛ لكن حياة ~~البدن بدون حياة القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر وهي تأكل وتشرب ~~وتنكح ولهذا قال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ms2982 يسمع إلا ~~دعاء ونداء} . فشبههم بالغنم الذي ينعق بها الراعي وهي لا تسمع إلا نداء. ~~كما قال في الآية الأخرى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} وقال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل} # PageV10P104 # فطائفة من المفسرين تقول في هذه الآيات وما أشبهها كقوله: {وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه} وأمثالها مما ذكر الله في عيوب الإنسان وذمها فيقول ~~هؤلاء: هذه الآية في الكفار والمراد بالإنسان هنا الكافر فيبقى من يسمع ذلك ~~يظن أنه ليس لمن يظهر الإسلام في هذا الذم والوعيد نصيب؛ بل يذهب وهمه إلى ~~من كان مظهرا للشرك من العرب أو إلى من يعرفهم من مظهري الكفر كاليهود ~~والنصارى ومشركي الترك والهند. ونحو ذلك فلا ينتفع بهذه الآيات التي أنزلها ~~الله ليهتدي بها عباده. فيقال: - أولا -: المظهرون للإسلام فيهم مؤمن ~~ومنافق والمنافقون كثيرون في كل زمان والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. ~~ويقال: " ثانيا " الإنسان قد يكون عنده شعبة من نفاق وكفر وإن كان معه ~~إيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {أربع من ~~كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ~~حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر} ~~فأخبر أنه من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. # PageV10P105 # وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه {إنك امرؤ فيك ~~جاهلية} وأبو ذر - رضي الله عنه - من أصدق الناس إيمانا وقال في الحديث ~~الصحيح: {أربع في أمتي من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ~~والنياحة والاستسقاء بالنجوم} وقال في الحديث الصحيح {لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم ms2983 حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود ~~والنصارى قال: فمن} وقال أيضا في الحديث الصحيح: {لتأخذن أمتي ما أخذت ~~الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. قالوا: فارس والروم قال: ومن الناس ~~إلا هؤلاء} . وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه وعن علي - أو حذيفة - رضي الله ~~عنهما ما - قال: القلوب " أربعة ". قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ~~وقلب أغلف فذاك قلب الكافر وقلب منكوس. فذاك قلب المنافق وقلب فيه مادتان: ~~مادة تمده الإيمان ومادة تمده النفاق فأولئك قوم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا. وإذا عرف هذا علم أن كل عبد ينتفع بما ذكر الله في الإيمان من مدح ~~شعب الإيمان وذم شعب الكفر وهذا كما يقول بعضهم في قوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} . فيقولون المؤمن قد هدي إلى الصراط المستقيم فأي # PageV10P106 # فائدة في طلب الهدى ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول ~~العرب للنائم: نم حتى آتيك أو يقول بعضهم ألزم قلوبنا الهدى فحذف الملزوم ~~ويقول بعضهم زدني هدى وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم ~~الذي يطلب العبد الهداية إليه؛ فإن المراد به العمل بما أمر الله به وترك ~~ما نهى الله عنه في جميع الأمور. والإنسان وإن كان أقر بأن محمدا رسول الله ~~وأن القرآن حق على سبيل الإجمال فأكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ~~ويضره وما أمر به وما نهى عنه في تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفه وما ~~عرفه فكثير منه لم يعمل بعلمه ولو قدر أنه بلغه كل أمر ونهي في القرآن ~~والسنة فالقرآن والسنة إنما تذكر فيهما الأمور العامة الكلية لا يمكن غير ~~ذلك لا تذكر ما يخص به كل عبد ولهذا أمر الإنسان في مثل ذلك بسؤال الهدى ~~إلى الصراط المستقيم. والهدى إلى الصراط المستقيم يتناول هذا كله يتناول ~~التعريف بما جاء به الرسول مفصلا ويتناول التعريف بما يدخل في أوامره ~~الكليات ms2984 ويتناول إلهام العمل بعلمه فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به ~~الاهتداء إن لم يعمل بعلمه ولهذا قال لنبيه بعد صلح الحديبية: {إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا} {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك # PageV10P107 # صراطا مستقيما} وقال في حق موسى وهارون: {وآتيناهما الكتاب المستبين} ~~{وهديناهما الصراط المستقيم} والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور ~~الخبرية والعلمية الاعتقادية والعملية مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدا حق ~~والقرآن حق فلو حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه ~~لم يختلفوا ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه ولا يحتذون حذوه ~~فلو هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما ~~نهوا عنه والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين ~~كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم ~~بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم. فبدوام هذا ~~الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين. قال سهل بن عبد الله ~~التستري ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار وما حصل فيه ~~الهدى في الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل وهذا حقيقة قول ~~من يقول: ثبتنا واهدنا لزوم الصراط. وقول من قال: زدنا هدى يتناول ما تقدم؛ ~~لكن هذا كله هدى منه في المستقبل إلى الصراط المستقيم؛ فإن العمل في ~~المستقبل بالعلم لم يحصل بعد ولا يكون مهتديا حتى يعمل في المستقبل بالعلم ~~وقد لا يحصل العلم في # PageV10P108 # المستقبل بل يزول عن القلب وإن حصل فقد لا يحصل العمل فالناس كلهم مضطرون ~~إلى هذا الدعاء؛ ولهذا فرضه الله عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء من ~~الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم حصل النصر ~~والرزق وسائر ما تطلب النفوس من السعادة والله أعلم. # واعلم أن حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية أو ms2985 مجرد ~~العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم الله وقدرته كأبي الحسين ~~البصري. قالوا: إن حياته أنه بحيث يعلم ويقدر بل الحياة صفة قائمة بالموصوف ~~وهي شرط في العلم والإرادة والقدرة على الأفعال الاختيارية وهي أيضا ~~مستلزمة لذلك فكل حي له شعور وإرادة وعمل اختياري بقدرة وكل ما له علم ~~وإرادة وعمل اختياري فهو حي. والحياء مشتق من الحياة؛ فإن القلب الحي يكون ~~صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح ~~التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {الحياء من الإيمان} ~~وقال: {الحياء والعي شعبتان من الإيمان. والبذاء والبيان شعبتان من النفاق} ~~فإن الحي يدفع ما يؤذيه؛ بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا ~~والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا ~~صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه، وامتناعه من القبح كالأرض # PageV10P109 # اليابسة لا يؤثر فيها وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضرة. ولهذا كان الحي ~~يظهر عليه التأثر بالقبح وله إرادة تمنعه عن فعل القبح بخلاف الوقح الذي ~~ليس بحي فلا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك. فالقلب إذا كان حيا فمات ~~الإنسان بفراق روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن ليست هي في نفسها ميتة ~~بمعنى زوال حياتها عنها. ولهذا قال تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء} وقال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء} مع أنهم موتى داخلون في قوله: {كل نفس ذائقة الموت} وفي ~~قوله: {إنك ميت وإنهم ميتون} وقوله: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} ~~فالموت المثبت غير الموت المنفي. المثبت هو فراق الروح البدن والمنفي زوال ~~الحياة بالجملة عن الروح والبدن. وهذا كما أن النوم أخو الموت فيسمى وفاة ~~ويسمى موتا وإن كانت الحياة موجودة فيهما. قال الله تعالى: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ms2986 ~~الأخرى إلى أجل مسمى} . وكان {النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من ~~منامه يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور} وفي حديث ~~آخر: # PageV10P110 # {الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره وفضلني على ~~كثير ممن خلق تفضيلا} وإذا أوى إلى فراشه يقول: {اللهم أنت خلقت نفسي وأنت ~~توفاها لك مماتها ومحياها إن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين} ويقول: {باسمك اللهم أموت وأحيا} # فصل: # ومن أمراض القلوب " الحسد " كما قال بعضهم في حده: إنه أذى يلحق بسبب ~~العلم بحسن حال الأغنياء فلا يجوز أن يكون الفاضل حسودا؛ لأن الفاضل يجري ~~على ما هو الجميل وقد قال طائفة من الناس: إنه تمني زوال النعمة عن المحسود ~~وإن لم يصر للحاسد مثلها بخلاف الغبطة فإنه تمني مثلها من غير حب زوالها عن ~~المغبوط. والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود ~~وهو نوعان: # أحدهما: كراهة للنعمة عليه مطلقا فهذا هو الحسد المذموم وإذا أبغض ذلك ~~فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضا في قلبه ويلتذ بزوال ~~النعمة عنه وإن لم يحصل له نفع بزوالها؛ لكن نفعه # PageV10P111 # زوال الألم الذي كان في نفسه ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه وهو ~~راحة وأشده كالمريض الذي عولج بما يسكن وجعه والمرض باق؛ فإن بغضه لنعمة ~~الله على عبده مرض فإن تلك النعمة قد تعود على المحسود وأعظم منها وقد يحصل ~~نظير تلك النعمة لنظير ذلك المحسود. والحاسد ليس له غرض في شيء معين؛ لكن ~~نفسه تكره ما أنعم به على النوع. ولهذا قال من قال: إنه تمني زوال النعمة ~~فإن من كره النعمة على غيره تمنى زوالها بقلبه. و (النوع الثاني: أن يكره ~~فضل ذلك الشخص عليه فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه فهذا حسد وهو الذي سموه ~~الغبطة وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حسدا في الحديث المتفق عليه من ~~حديث ابن ms2987 مسعود وابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: {لا حسد إلا في اثنتين: ~~رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله مالا وسلطه على ~~هلكته في الحق} هذا لفظ ابن مسعود. ولفظ ابن عمر {رجل آتاه الله القرآن فهو ~~يقوم به آناء الليل والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه في الحق آناء ~~الليل والنهار} رواه البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه: {لا حسد إلا في ~~اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه الليل والنهار فسمعه رجل فقال: يا ~~ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا # PageV10P112 # فعملت فيه مثل ما يعمل هذا ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال ~~رجل: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا} فهذا ~~الحسد الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا في موضعين هو الذي سماه ~~أولئك الغبطة وهو أن يحب مثل حال الغير ويكره أن يفضل عليه. فإن قيل: إذا ~~لم سمي حسدا وإنما أحب أن ينعم الله عليه؟ . قيل مبدأ هذا الحب هو نظره إلى ~~إنعامه على الغير وكراهته أن يتفضل عليه ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك ~~فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يتفضل عليه الغير كان حسدا؛ لأنه كراهة تتبعها ~~محبة وأما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ~~ليس عنده من الحسد شيء. ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني وقد تسمى ~~المنافسة فيتنافس الاثنان في الأمر المحبوب المطلوب كلاهما يطلب أن يأخذه ~~وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه الآخر كما يكره المستبقان كل منهما أن ~~يسبقه الآخر والتنافس ليس مذموما مطلقا بل هو محمود في الخير. قال تعالى: ~~{إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} ~~{يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فأمر ~~المنافس أن ينافس في هذا النعيم لا ينافس في نعيم الدنيا # PageV10P113 # الزائل وهذا موافق لحديث النبي صلى الله ms2988 عليه وسلم فإنه نهى عن الحسد إلا ~~فيمن أوتي العلم فهو يعمل به ويعلمه ومن أوتي المال فهو ينفقه فأما من أوتي ~~علما ولم يعمل به ولم يعلمه أو أوتي مالا ولم ينفقه في طاعة الله فهذا لا ~~يحسد ولا يتمنى مثل حاله فإنه ليس في خير يرغب فيه بل هو معرض للعذاب ومن ~~ولي ولاية فيأتيها بعلم وعدل أدى الأمانات إلى أهلها وحكم بين الناس ~~بالكتاب والسنة فهذا درجته عظيمة؛ لكن هذا في جهاد عظيم كذلك المجاهد في ~~سبيل الله. والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم فلهذا لم يذكره وإن كان ~~المجاهد في سبيل الله أفضل من الذي ينفق المال؛ بخلاف المنفق والمعلم فإن ~~هذين ليس لهم في العادة عدو من خارج فإن قدر أنهما لهما عدو يجاهدانه. فذلك ~~أفضل لدرجتهما وكذلك لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم المصلي والصائم ~~والحاج؛ لأن هذه الأعمال لا يحصل منها في العادة من نفع الناس الذي يعظمون ~~به الشخص ويسودونه ما يحصل بالتعليم والإنفاق. والحسد في الأصل إنما يقع ~~لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة وإلا فالعامل لا يحسد في العادة ولو كان ~~تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره بخلاف هذين النوعين فإنهما ~~يحسدان كثيرا ولهذا يوجد بين أهل # PageV10P114 # العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك وكذلك فيمن له ~~أتباع بسبب إنفاق ماله فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ينفعهم بقوت ~~الأبدان والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا. ولهذا ضرب الله ~~سبحانه " مثلين ": مثلا بهذا ومثلا بهذا فقال: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل ~~يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ~~لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} . و (المثلان ضربهما الله سبحانه لنفسه ms2989 ~~المقدسة ولما يعبد من دونه؛ فإن الأوثان لا تقدر لا على عمل ينفع ولا على ~~كلام ينفع فإذا قدر عبد مملوك لا يقدر على شيء وآخر قد رزقه الله رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوي هذا المملوك العاجز عن الإحسان وهذا ~~القادر على الإحسان المحسن إلى الناس سرا وجهرا وهو سبحانه قادر على ~~الإحسان إلى عباده وهو محسن إليهم دائما فكيف يشبه به العاجز المملوك الذي ~~لا يقدر على شيء حتى يشرك به معه وهذا مثل الذي أعطاه الله مالا فهو ينفق ~~منه آناء الليل والنهار. # PageV10P115 # والمثل الثاني إذا قدر شخصان أحدهما أبكم لا يعقل ولا يتكلم ولا يقدر على ~~شيء وهو مع هذا كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير فليس فيه من نفع قط ~~بل هو كل على من يتولى أمره وآخر عالم عادل يأمر بالعدل ويعمل بالعدل فهو ~~على صراط مستقيم. وهذا نظير الذي أعطاه الله الحكمة فهو يعمل بها ويعلمها ~~الناس. وقد ضرب ذلك مثلا لنفسه؛ فإنه سبحانه عالم عادل قادر يأمر بالعدل ~~وهو قائم بالقسط على صراط مستقيم. كما قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وقال ~~هود: {إن ربي على صراط مستقيم} . ولهذا كان الناس يعظمون دار العباس كان ~~عبد الله يعلم الناس وأخوه يطعم الناس فكانوا يعظمون على ذلك. ورأى معاوية ~~الناس يسألون ابن عمر عن المناسك وهو يفتيهم فقال: هذا والله الشرف أو نحو ~~ذلك. هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضي الله عنه الإنفاق ~~كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: {أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا ~~بكر إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي قال: فقال لي رسول # PageV10P116 # الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله وأتى أبو بكر رضي الله ms2990 ~~عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قال ~~أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدا} . فكان ما فعله عمر من ~~المنافسة والغبطة المباحة؛ لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه وهو أنه ~~خال من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره. وكذلك {موسى صلى الله عليه ~~وسلم في حديث المعراج حصل له منافسة وغبطة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~بكى لما تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي؛ ~~لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي} أخرجاه في ~~الصحيحين وروي في بعض الألفاظ المروية غير الصحيح {مررنا على رجل وهو يقول ~~ويرفع صوته: أكرمته وفضلته قال: فرفعناه إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال: ~~من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد قال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ ~~رسالة ربه ونصح لأمته قال: ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى ~~بن عمران قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك قلت: ويرفع صوته على ربه قال ~~إن الله عز وجل قد عرف صدقه} . # PageV10P117 # وعمر رضي الله عنه كان مشبها بموسى ونبينا حاله أفضل من حال موسى فإنه لم ~~يكن عنده شيء من ذلك. وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه ~~كانوا سالمين من جميع هذه الأمور فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة وغبطة ~~وإن كان ذلك مباحا ولهذا استحق أبو عبيدة رضي الله عنه أن يكون أمين هذه ~~الأمة فإن المؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما اؤتمن عليه كان ~~أحق بالأمانة ممن يخاف مزاحمته؛ ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان الخصيان ~~ويؤتمن على الولاية الصغرى من يعرف أنه لا يزاحم على الكبرى ويؤتمن على ~~المال من يعرف أنه ليس له غرض في أخذ شيء منه وإذا اؤتمن من في نفسه خيانة ~~شبه بالذئب المؤتمن على الغنم فلا يقدر أن يؤدي الأمانة ms2991 في ذلك لما في نفسه ~~من الطلب لما اؤتمن عليه. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ~~{أنس رضي الله عنه قال: كنا يوما جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة قال: فطلع رجل من ~~الأنصار تنطف لحيته من وضوء قد علق نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان الغد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما ~~كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مقالته فطلع ذلك الرجل على ~~مثل حاله فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه عبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي # PageV10P118 # الله عنه فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن ~~تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال: نعم قال أنس رضي الله عنه فكان عبد ~~الله يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا؛ غير أنه إذا ~~تعار انقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر فقال ~~عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن ~~أحقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكن سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات يطلع عليكم رجل من أهل الجنة ~~فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بذلك فلم ~~أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال: ما هو إلا ما رأيت غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ~~ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه قال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي ~~لا نطيق} . فقول عبد الله بن عمرو له هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ~~يشير إلى خلوه وسلامته ms2992 من جميع أنواع الحسد. وبهذا أثنى الله تعالى على ~~الأنصار فقال: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة} أي مما أوتي إخوانهم المهاجرون قال المفسرون لا يجدون في ~~صدورهم حاجة أي حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون ثم قال بعضهم من مال الفيء ~~وقيل من الفضل والتقدم # PageV10P119 # فهم لا يجدون حاجة مما أوتوا من المال ولا من الجاه والحسد يقع على هذا. ~~وكان بين الأوس والخزرج منافسة على الدين فكان هؤلاء إذا فعلوا ما يفضلون ~~به عند الله ورسوله أحب الآخرون أن يفعلوا نظير ذلك فهو منافسة فيما يقربهم ~~إلى الله كما قال: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} . # وأما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى في حق اليهود: {ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق} يودون أي يتمنون ارتدادكم حسدا فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود ~~من بعد ما تبين لهم الحق؛ لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من النعمة ما ~~حصل؛ بل ما لم يحصل لهم مثله حسدوكم وكذلك في الآية الأخرى: {أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما} {فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا} ~~وقال تعالى: {قل أعوذ برب الفلق} {من شر ما خلق} {ومن شر غاسق إذا وقب} ~~{ومن شر النفاثات في العقد} {ومن شر حاسد إذا حسد} . وقد ذكر طائفة من ~~المفسرين أنها (نزلت بسبب حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سحروه: ~~سحره لبيد بن الأعصم اليهودي فالحاسد # PageV10P120 # المبغض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد والكاره لتفضيله ~~المحب لمماثلته منهي عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله فإذا أحب أن يعطى مثل ~~ما أعطي مما يقربه إلى الله فهذا لا بأس به وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ~~ينظر إلى حال الغير أفضل. ثم هذا ms2993 الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالما ~~معتديا مستحقا للعقوبة إلا أن يتوب وكان المحسود مظلوما مأمورا بالصبر ~~والتقوى فيصبر على أذى الحاسد ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى: {ود كثير من ~~أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما ~~تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} وقد ابتلي يوسف بحسد ~~إخوته له حيث قالوا: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا ~~لفي ضلال مبين} فحسدوهما على تفضيل الأب لهما ولهذا قال يعقوب ليوسف: {لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} . ثم ~~إنهم ظلموه بتكلمهم في قتله وإلقائه في الجب وبيعه رقيقا لمن ذهب به إلى ~~بلاد الكفر فصار مملوكا لقوم كفار ثم إن يوسف ابتلي بعد أن ظلم بمن يدعوه ~~إلى الفاحشة ويراود عليها ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك فاستعصم واختار ~~السجن على الفاحشة وآثر عذاب # PageV10P121 # الدنيا على سخط الله فكان مظلوما من جهة من أحبه لهواه وغرضه الفاسد. ~~فهذه المحبة أحبته لهوى محبوبها شفاؤها وشفاؤه إن وافقها وأولئك المبغضون ~~أبغضوه بغضة أوجبت أن يصير ملقى في الجب ثم أسيرا مملوكا بغير اختياره ~~فأولئك أخرجوه من إطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره وهذه ~~ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوسا مسجونا باختياره فكانت هذه أعظم في ~~محنته وكان صبره هنا صبرا اختياريا اقترن به التقوى بخلاف صبره على ظلمهم ~~فإن ذلك كان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلو ~~البهائم. والصبر الثاني أفضل الصبرين؛ ولهذا قال: {إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين} . وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه وطلب منه ~~الكفر أو الفسوق أو العصيان وإن لم يفعل أوذي وعوقب فاختار الأذى والعقوبة ~~على فراق دينه: إما الحبس وإما الخروج من بلده كما جرى للمهاجرين حيث ~~اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين وكانوا يعذبون ويؤذون. وقد أوذي النبي ~~صلى ms2994 الله عليه وسلم بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبرا اختياريا فإنه ~~إنما يؤذى لئلا يفعل ما يفعله # PageV10P122 # باختياره وكان هذا أعظم من صبر يوسف: لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة ~~وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلب منهم ~~الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه وأهون ما عوقب به الحبس ~~فإن المشركين حبسوه وبني هاشم بالشعب مدة ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه ~~فلما بايعت الأنصار وعرفوا بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو ~~وأصحابه عن ذلك ولم يكن أحد يهاجر إلا سرا إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا ~~قد ألجئوهم إلى الخروج من ديارهم ومع هذا منعوا من منعوه منهم عن ذلك ~~وحبسوه. فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ~~ورسوله لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس ~~يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها أعظم درجة ~~- وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه - ~~فإن هذا أصيب وأوذي باختياره طاعة لله يثاب على نفس المصائب ويكتب له بها ~~عمل صالح. قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} . # PageV10P123 # بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار العبد كالمرض وموت العزيز عليه وأخذ ~~اللصوص ماله فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها لا على نفس ما يحدث من ~~المصيبة؛ لكن المصيبة يكفر بها خطاياه فإن الثواب إنما يكون على الأعمال ~~الاختيارية وما يتولد عنها. والذين يؤذون على الإيمان وطاعة الله ورسوله ~~ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب ~~أو شتم أو نقص رياسة ومال هم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم ~~كالمهاجرين الأولين ms2995 فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح ~~كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظه الكفار ~~وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فعله يقوم به لكنها متسببة عن فعله ~~الاختياري وهي التي يقال لها متولدة. وقد اختلف الناس هل يقال إنها فعل ~~لفاعل السبب أو لله أو لا فاعل لها والصحيح أنها مشتركة بين فاعل السبب ~~وسائر الأسباب ولهذا كتب له بها عمل صالح. والمقصود أن " الحسد " مرض من ~~أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا قليل من الناس ولهذا يقال: ما ~~خلا # PageV10P124 # جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه. وقد قيل للحسن البصري: أيحسد ~~المؤمن؟ فقال ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك ولكن عمه في صدرك فإنه لا يضرك ~~ما لم تعد به يدا ولسانا. فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه أن يستعمل معه ~~التقوى والصبر. فيكره ذلك من نفسه وكثير من الناس الذين عندهم دين لا ~~يعتدون على المحسود فلا يعينون من ظلمه ولكنهم أيضا لا يقومون بما يجب من ~~حقه بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه ~~أحد لسكتوا وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك؛ لا معتدون ~~عليه وجزاؤهم أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضا في مواضع ولا ينصرون على ~~من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب. ~~ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه: كما جرى لزينب ~~بنت جحش - رضي الله عنها - فإنها كانت هي التي تسامي عائشة من أزواج النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وحسد النساء بعضهن لبعض كثير غالب لا سيما ~~المتزوجات بزوج واحد فإن المرأة تغار على زوجها لحظها منه فإنه بسبب ~~المشاركة يفوت بعض حظها. # PageV10P125 # وهكذا الحسد يقع كثيرا بين المتشاركين في رئاسة أو مال إذا أخذ بعضهم ~~قسطا من ذلك وفات الآخر؛ ويكون بين النظراء لكراهة ms2996 أحدهما أن يفضل الآخر ~~عليه كحسد إخوة يوسف كحسد ابني آدم أحدهما لأخيه فإنه حسده لكون أن الله ~~تقبل قربانه ولم يتقبل قربان هذا؛ فحسده على ما فضله الله من الإيمان ~~والتقوى - كحسد اليهود للمسلمين - وقتله على ذلك؛ ولهذا قيل أول ذنب عصي ~~الله به ثلاثة: الحرص والكبر والحسد. فالحرص من آدم والكبر من إبليس والحسد ~~من قابيل حيث قتل هابيل. وفي الحديث {ثلاث لا ينجو منهن أحد: الحسد والظن ~~والطيرة. وسأحدثكم بما يخرج من ذلك إذا حسدت فلا تبغض وإذا ظننت فلا تحقق ~~وإذا تطيرت فامض} رواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة. وفي السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء وهي ~~الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين} فسماه داء كما سمى البخل داء ~~في قوله: {وأي داء أدوأ من البخل} فعلم أن هذا مرض وقد جاء في حديث آخر ~~{أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء} فعطف الأدواء على الأخلاق ~~والأهواء. # PageV10P126 # فإن " الخلق " ما صار عادة للنفس وسجية. قال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} ~~قال ابن عباس وابن عيينة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم عنهم: على دين عظيم ~~وفي لفظ عن ابن عباس: على دين الإسلام. وكذلك قالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: كان خلقه القرآن. وكذلك قال الحسن البصري: أدب القرآن هو الخلق العظيم. ~~وأما " الهوى " فقد يكون عارضا والداء هو المرض وهو تألم القلب والفساد فيه ~~وقرن في الحديث الأول الحسد بالبغضاء؛ لأن الحاسد يكره أولا فضل الله على ~~ذلك الغير؛ ثم ينتقل إلى بغضه؛ فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم فإن نعمة ~~الله إذا كانت لازمة وهو يحب زوالها وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه وأحب ~~عدمه والحسد يوجب البغي كما أخبر الله تعالى عمن قبلنا: أنهم اختلفوا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فلم يكن اختلافهم لعدم العلم بل علموا الحق ~~ولكن بغى بعضهم على بعض كما يبغي الحاسد على المحسود. وفي الصحيحين ms2997 عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحاسدوا ولا ~~تباغضوا؛ ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم ~~أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ ~~بالسلام} وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من رواية ~~أنس أيضا {والذي # PageV10P127 # نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} . وقد قال تعالى: ~~{وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا} {ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ~~يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} . فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم ~~المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وإن ~~أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا ~~يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم إذا كانوا لا يحبون الله ~~ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم ~~من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوءه ~~ما يسوء المؤمنين فليس منهم. ففي الصحيحين عن عامر قال سمعت النعمان بن ~~بشير يخطب ويقول: {سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المؤمنين ~~في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد. إذا اشتكى منه شيء تداعى له ~~سائر الجسد بالحمى والسهر} وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ~~قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا وشبك بين أصابعه} . والشح مرض والبخل مرض والحسد شر من البخل كما في ~~الحديث # PageV10P128 # الذي رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الحسد يأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار} ~~وذلك أن البخيل يمنع نفسه والحسود يكره نعمة الله على عباده وقد ms2998 يكون في ~~الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه وحسد لنظرائه وقد يكون فيه بخل بلا حسد ~~لغيره والشح أصل ذلك. وقال تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إياكم والشح فإنه أهلك ~~من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة ~~فقطعوا} وكان عبد الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء في طوافه يقول: اللهم قني ~~شح نفسي فقال له رجل: ما أكثر ما تدعو بهذا فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت ~~الشح والظلم والقطيعة. والحسد يوجب الظلم # فصل: # فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها بل وحبها لما يضرها ولهذا ~~يقرن الحسد بالحقد والغضب وأما مرض الشهوة والعشق فهو حب النفس لما يضرها ~~وقد يقترن به بغضها لما ينفعها والعشق مرض نفساني وإذا قوي أثر في البدن ~~فصار مرضا في الجسم إما من أمراض الدماغ # PageV10P129 # كالماليخوليا؛ ولهذا قيل فيه هو مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا وإما من ~~أمراض البدن كالضعف والنحول ونحو ذلك. والمقصود هنا " مرض القلب " فإنه أصل ~~محبة النفس لما يضرها كالمريض البدن الذي يشتهي ما يضره وإذا لم يطعم ذلك ~~تألم وإن أطعم ذلك قوي به المرض وزاد. كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق ~~مشاهدة وملامسة وسماعا بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك فإن ~~منع من مشتهاه تألم وتعذب وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه وكان سببا لزيادة ~~الألم. وفي الحديث: {أن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه ~~الطعام والشراب} وفي مناجاة موسى المأثورة عن وهب التي رواها الإمام أحمد ~~في (كتاب الزهد " {يقول الله تعالى: إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ~~ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مراتع الهلكة. وإني لأجنبهم سكونها ~~وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم علي ~~ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطفئه ~~الهوى} . وإنما شفاء المريض بزوال مرضه بل بزوال ذلك الحب المذموم ms2999 من قلبه. ~~و ### | الناس في العشق على قولين: # PageV10P130 # قيل إنه من باب الإرادات وهذا هو المشهور. # وقيل: من باب التصورات وأنه فساد في التخييل حيث يتصور المعشوق على ما هو ~~به قال هؤلاء: ولهذا لا يوصف الله بالعشق ولا أنه يعشق؛ لأنه منزه عن ذلك ~~ولا يحمد من يتخيل فيه خيالا فاسدا. وأما الأولون فمنهم من قال: يوصف ~~بالعشق فإنه المحبة التامة؛ والله يحب ويحب وروي في أثر عن عبد الواحد بن ~~زيد أنه قال: {لا يزال عبدي يتقرب إلي يعشقني وأعشقه} وهذا قول بعض ~~الصوفية. والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله؛ لأن العشق هو المحبة ~~المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي والله تعالى محبته لا نهاية لها فليست ~~تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته. قال هؤلاء: والعشق مذموم مطلقا لا يمدح لا ~~في محبة الخالق ولا المخلوق لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد المحمود ~~وأيضا فإن لفظ " العشق " إنما يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة أو ~~صبي لا يستعمل في محبة كمحبة الأهل والمال والوطن والجاه ومحبة الأنبياء ~~والصالحين وهو مقرون كثيرا بالفعل المحرم: إما بمحبة امرأة أجنبية أو صبي ~~يقترن به النظر المحرم واللمس المحرم وغير ذلك من الأفعال المحرمة. وأما # PageV10P131 # محبة الرجل لامرأته أو سريته محبة تخرجه عن العدل بحيث يفعل لأجلها ما لا ~~يحل ويترك ما يجب كما هو الواقع كثيرا حتى يظلم ابنه من امرأته العتيقة؛ ~~لمحبته الجديدة وحتى يفعل من مطالبها المذمومة ما يضره في دينه ودنياه مثل ~~أن يخصها بميراث لا تستحقه أو يعطي أهلها من الولاية والمال ما يتعدى به ~~حدود الله أو يسرف في الإنفاق عليها أو يملكها من أمور محرمة تضره في دينه ~~ودنياه وهذا في عشق من يباح له وطؤها. فكيف عشق الأجنبية والذكران من ~~العالمين؟ ففيه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد وهو من الأمراض التي ~~تفسد دين صاحبها وعرضه ثم قد تفسد عقله ثم جسمه. قال تعالى: {فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي ms3000 في قلبه مرض} . ومن في قلبه مرض الشهوة وإرادة الصورة ~~متى خضع المطلوب طمع المريض والطمع الذي يقوي الإرادة والطلب ويقوي المرض ~~بذلك بخلاف ما إذا كان آيسا من المطلوب فإن اليأس يزيل الطمع فتضعف الإرادة ~~فيضعف الحب فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ما هو آيس منه فلا يكون مع الإرادة ~~عمل أصلا بل يكون حديث نفس إلا أن يقترن بذلك كلام أو نظر ونحو ذلك فيأثم ~~بذلك. # PageV10P132 # فأما إذا ابتلي بالعشق وعف وصبر فإنه يثاب على تقواه الله وقد روي في ~~الحديث: {أن من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات كان شهيدا} وهو معروف من رواية ~~يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا وفيه نظر ولا يحتج بهذا. لكن من ~~المعلوم بأدلة الشرع أنه إذا عف عن المحرمات نظرا وقولا وعملا وكتم ذلك فلم ~~يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلام محرم إما شكوى إلى المخلوق وإما إظهار ~~فاحشة وإما نوع طلب للمعشوق وصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى ما في قلبه ~~من ألم العشق كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة؛ فإن هذا يكون ممن اتقى الله ~~وصبر {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وهكذا مرض الحسد ~~وغيره من أمراض النفوس وإذا كانت النفس تطلب ما يبغضه الله فينهاها خشية من ~~الله كان ممن دخل في قوله: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ~~{فإن الجنة هي المأوى} فالنفس إذا أحبت شيئا سعت في حصوله بما يمكن حتى ~~تسعى في أمور كثيرة تكون كلها مقامات لتلك الغاية فمن أحب محبة مذمومة أو ~~أبغض بغضا مذموما وفعل ذلك كان آثما مثل أن يبغض شخصا لحسده له فيؤذي من له ~~به تعلق إما بمنع حقوقهم؛ أو بعدوان عليهم. أو لمحبة # PageV10P133 # له لهواه معه فيفعل لأجله ما هو محرم أو ما هو مأمور به لله فيفعله لأجل ~~هواه لا لله وهذه أمراض كثيرة في النفوس والإنسان قد يبغض شيئا فيبغض لأجله ~~أمورا ms3001 كثيرة بمجرد الوهم والخيال. وكذلك يحب شيئا فيحب لأجله أمورا كثيرة؛ ~~لأجل الوهم والخيال كما قال شاعرهم: # أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب # فقد أحب سوداء؛ فأحب جنس السواد حتى في الكلاب وهذا كله مرض في القلب في ~~تصوره وإرادته. فنسأل الله تعالى أن يعافي قلوبنا من كل داء؛ ونعوذ بالله ~~من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء. والقلب إنما خلق لأجل " حب الله ~~تعالى " وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه؛ كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو ~~هريرة رضي الله عنه اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله} } أخرجه البخاري ومسلم. # PageV10P134 # فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده؛ فإذا تركت الفطرة بلا ~~فساد كان القلب عارفا بالله محبا له عابدا له وحده لكن تفسد فطرته من مرضه ~~كأبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وهذه كلها تغير فطرته التي فطره ~~عليها وإن كانت بقضاء الله وقدره - كما يغير البدن بالجدع - ثم قد يعود إلى ~~الفطرة إذا يسر الله تعالى لها من يسعى في إعادتها إلى الفطرة. والرسل صلى ~~الله عليهم وسلم بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها ~~وإذا كان القلب محبا لله وحده مخلصا له الدين لم يبتل بحب غيره أصلا، فضلا ~~أن يبتلى بالعشق. وحيث ابتلي بالعشق فلنقص محبته لله وحده. ولهذا لما كان ~~يوسف محبا لله مخلصا له الدين لم يبتل بذلك بل قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} . وأما امرأة العزيز فكانت مشركة ~~هي وقومها فلهذا ابتليت بالعشق وما يبتلى بالعشق أحد إلا لنقص توحيده ~~وإيمانه وإلا فالقلب المنيب إلى الله الخائف منه فيه صارفان يصرفان عن ~~العشق: (أحدهما إنابته إلى الله ومحبته له فإن ذلك ألذ وأطيب من كل شيء فلا ~~تبقى مع محبة الله محبة مخلوق ms3002 تزاحمه. # PageV10P135 # والثاني خوفه من الله فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه وكل من أحب شيئا بعشق ~~أو غير عشق فإنه يصرف عن محبته بمحبة ما هو أحب إليه منه إذا كان يزاحمه ~~وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون أبغض إليه من ترك ذاك الحب فإذا كان ~~الله أحب إلى العبد من كل شيء وأخوف عنده من كل شيء لم يحصل معه عشق ولا ~~مزاحمة إلا عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف بترك بعض الواجبات وفعل ~~بعض المحرمات فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فكلما فعل العبد ~~الطاعة محبة لله وخوفا منه وترك المعصية حبا له وخوفا منه قوي حبه له وخوفه ~~منه فيزيل ما في القلب من محبة غيره ومخافة غيره. وهكذا أمراض الأبدان: فإن ~~الصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد فصحة القلب بالإيمان تحفظ بالمثل وهو ~~ما يورث القلب إيمانا من العلم النافع والعمل الصالح فتلك أغذية له كما في ~~حديث ابن مسعود مرفوعا وموقوفا {إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وأن مأدبة ~~الله هي القرآن} والآدب المضيف فهو ضيافة الله لعباده. . . (1) . # مثل آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وفي أدبار الصلوات ويضم ~~إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى. PageV10P136 # وليتخذ وردا من " الأذكار " في النهار ووقت النوم وليصبر على ما يعرض له ~~من الموانع والصوارف فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في ~~قلبه. وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس باطنة وظاهرة فإنها عمود ~~الدين وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها بها تحمل الأثقال ~~وتكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال. ولا يسأم من الدعاء والطلب فإن العبد ~~يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي وليعلم أن النصر ~~مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ولم ينل أحد شيئا من ختم ~~الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر. والحمد لله رب العالمين وله ms3003 الحمد والمنة ~~على الإسلام والسنة حمدا يكافئ نعمه الظاهرة والباطنة وكما ينبغي لكرم وجهه ~~وعز جلاله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات ~~المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليما كثيرا. # PageV10P137 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله - أيضا: # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم. # فصل: # في مرض القلوب وشفائها # قد ذكرنا في غير موضع: أن صلاح حال الإنسان في العدل كما أن فساده في ~~الظلم. وأن الله سبحانه عدله وسواه لما خلقه وصحة جسمه وعافيته من اعتدال ~~أخلاطه وأعضائه ومرض ذلك الانحراف والميل. وكذلك استقامة القلب واعتداله ~~واقتصاده وصحته وعافيته وصلاحه متلازمة. # PageV10P138 # وقد ذكر الله " مرض القلوب وشفاءها " في مواضع من كتابه وجاء ذلك في سنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى عن المنافقين: {في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا} وقال: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} وقال تعالى ~~{ويشف صدور قوم مؤمنين} {ويذهب غيظ قلوبهم} وقال: {قد جاءتكم موعظة من ربكم ~~وشفاء لما في الصدور} . وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين} . وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} . وقال تعالى: {فلا ~~تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} . وقال: {لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم} . وقال: {وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال} ~~وقال الرشيد: الآن شفيتني يا مالك وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود " إن أحدا ~~لا يزال بخير ما اتقى الله وإذا شك في تفسير شيء سأل رجلا فشفاه. وأوشك أن ~~لا يجده والذي لا إله إلا هو ". وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ~~ما ذكر من موتها # PageV10P139 # وحياتها وسمعها وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها. لكن المقصود معرفة ~~مرض القلب فنقول: المرض نوعان: فساد الحس. وفساد الحركة الطبيعية وما يتصل ~~بها ms3004 من الإرادية. وكل منهما يحصل بفقده ألم وعذاب فكما أنه مع صحة الحس ~~والحركة الإرادية والطبيعية تحصل اللذة والنعمة فكذلك بفسادها يحصل الألم ~~والعذاب؛ ولهذا كانت النعمة من النعيم وهو ما ينعم الله به على عباده مما ~~يكون فيه لذة ونعيم وقال: {لتسألن يومئذ عن النعيم} أي عن شكره. فسبب اللذة ~~إحساس الملائم وسبب الألم إحساس المنافي ليس اللذة والألم نفس الإحساس ~~والإدراك؛ وإنما هو نتيجته وثمرته ومقصوده وغايته فالمرض فيه ألم لا بد منه ~~وإن كان قد يسكن أحيانا لمعارض راجح فالمقتضي له قائم يهيج بأدنى سبب فلا ~~بد في المرض من وجود سبب الألم وإنما يزول الألم بوجود المعارض الراجح. ~~ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه أعني ألمه ولذته النفسانيتان # PageV10P140 # وإن كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض ~~الجسم فذلك شيء آخر. فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه أعظم من مرض الجسم وشفائه ~~فتارة يكون من جملة الشبهات. كما قال: {فيطمع الذي في قلبه مرض} وكما صنف ~~الخرائطي " كتاب اعتلال القلوب بالأهواء " ففي قلوب المنافقين: المرض من ~~هذا الوجه ومن هذا الوجه: من جهة فساد الاعتقادات وفساد الإرادات. والمظلوم ~~في قلبه مرض وهو الألم الحاصل بسبب ظلم الغير له فإذا استوفى حقه اشتفى ~~قلبه كما قال تعالى: {ويشف صدور قوم مؤمنين} {ويذهب غيظ قلوبهم} فإن غيظ ~~القلب إنما هو لدفع الأذى والألم عنه فإذا اندفع عنه الأذى واستوفى حقه زال ~~غيظه. فكما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه ولا ينطق ~~بلسانه كان ذلك مرضا مؤلما له يفوته من المصالح ويحصل له من المضار فكذلك ~~إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميز بين الخير ~~والشر والغي والرشاد كان ذلك من أعظم أمراض قلبه وألمه؛ وكما أنه إذا اشتهى ~~ما يضره مثل الطعام الكثير في الشهوة الكلية ومثل أكل الطين ونحوه كان ذلك ~~مرضا؛ فإنه يتألم حتى يزول ألمه # PageV10P141 # بهذا الأكل ms3005 الذي يوجد ألما أكثر من الأول؛ فهو يتألم إن أكل؛ ويتألم إن ~~لم يأكل. فكذلك إذا بلي بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو ~~لرئاسة أو لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم؛ ~~وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضا وألما وسقما؛ ولذلك كما أن المريض إذا كان ~~يبغض ما يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلا؛ وكان دوامه على ~~ذلك يوجب من الألم أكثر من ذلك حتى يقتله؛ حتى يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ~~ويحتاج إليه؛ فهو متألم في الحال؛ وتألمه فيما بعد إن لم يعافه الله أعظم ~~وأكبر. فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبغض المريض لأكل الأصحاء ~~لأطعمتهم وأشربتهم حتى لا يقدر أن يراهم يأكلون؛ ونفرته عن أن يقوم بحقه ~~كنفرة المريض عما يصلح له من طعام وشراب؛ فالحب والبغض الخارج عن الاعتدال ~~والصحة في النفس كالشهوة والنفرة الخارج عن الاعتدال والصحة في الجسم. وعمى ~~القلب وبكمه أن يبصر الحقائق ويميز ما ينفعه ويضره كعمى الجسم وخرسه عن أن ~~يبصر الأمور المرتبة ويتكلم بها ويميز بين ما ينفعه ويضره. وكما أن الضرير ~~إذا أبصر وجد أن الراحة والعافية والسرور أمرا # PageV10P142 # عظيما فبصر القلب ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الرأس من التفاوت ما لا ~~يحصيه إلا الله وإنما الغرض هنا تشبيه أحد المرضين بالآخر. فطب الأديان ~~يحتذي حذو طب الأبدان. وقد كتب سليمان إلى أبي الدرداء. أما بعد: فقد بلغني ~~أنك قعدت طبيبا فإياك أن تقتل والله أنزل كتابه شفاء لما في الصدور. وقال ~~تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا} ذلك أن الشفاء إنما يحصل لمن يتعمد الدواء وهم المؤمنون وضعوا دواء ~~القرآن على داء قلوبهم. فمرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن ~~الاعتدال: أما شهوة ما لا يحصل أو يفقد الشهوة النافعة وينفر به عما يصلح ~~ويفقد النفرة عما يضر ويكون بضعف قوة الإدراك والحركة كذلك مرض القلب ms3006 يكون ~~بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها: {ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} . وقال: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ~~بغير علم} . كما يكون الجسد خارجا عن الاعتدال إذا فعل ما يشتهيه الجسم بلا ~~قول الطبيب ويكون لضعف إدراك القلب وقوته حتى لا يستطيع أن يعلم ويريد ما ~~ينفعه ويصلح له وكما أن المرضى الجهال قد يتناولون ما يشتهون فلا # PageV10P143 # يحتمون ولا يصبرون على الأدوية الكريهة لما في ذلك من تعجيل نوع من ~~الراحة واللذة ولكن ذلك يعقبهم من الآلام ما يعظم قدره أو يعجل الهلاك. ~~فكذلك بنو آدم هم جهال ظلموا أنفسهم: يستعجل أحدهم ما ترغبه لذته ويترك ما ~~تكرهه نفسه مما هو لا يصلح له فيعقبهم ذلك من الألم والعقوبات. إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة ما فيه عظم العذاب والهلاك الأعظم. و " التقوى " هي ~~الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه؛ فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال ~~النافع وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضا استعمال لضار فلا يكون صاحبه ~~من المتقين. وأما ترك استعمال الضار والنافع فهذا لا يكون فإن العبد إذا ~~عجز عن تناول الغذاء كان مغتذيا بما معه من المواد التي تضره حتى يهلك ~~ولهذا كانت العاقبة للتقوى وللمتقين؛ لأنهم المحتمون عما يضرهم فعاقبتهم ~~الإسلام والكرامة وإن وجدوا ألما في الابتداء لتناول الدواء والاحتماء كفعل ~~الأعمال الصالحة المكروهة. كما قال تعالى {كتب عليكم القتال وهو كره لكم ~~وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} . ولكثرة ~~الأعمال الباطلة المشتهاة كما قال تعالى: {وأما من خاف مقام # PageV10P144 # ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} . وكما قال: {وتودون أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم} فأما من لم يحتم فإن ذلك سبب لضرره في العاقبة ~~ومن تناول ما ينفعه مع يسير من التخليط فهو أصلح ممن احتمى حمية كاملة ولم ~~يتناول الأشياء سرا؛ فإن الحمية التامة بلا اغتذاء تمرض فهكذا من ترك ~~السيئات ms3007 ولم يفعل الحسنات. وقد قدمنا في " قاعدة كبيرة " أن جنس الحسنات ~~أنفع من جنس ترك السيئات كما أن جنس الاغتذاء من جنس الاحتماء وبينا أن هذا ~~مقصود لنفسه وذلك مقصود لغيره بالانضمام إلى غيره وكما أن الواجب الاحتماء ~~عن سبب المرض قبل حصوله وإزالته بعد حصوله فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها ~~إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها - بأن عرض له المرض - دواما والصحة تحفظ ~~بالمثل والمرض يزول بالضد فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال ما فيها أو هو ما ~~يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة وتزول بالضد ~~فتزال الشبهات بالبينات وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق. ولهذا قال ~~يحيى بن عمار: العلوم خمسة: فعلم هو حياة الدنيا. وهو علم التوحيد. وعلم هو ~~غذاء الدين؛ وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث. وعلم هو دواء الدين؛ ~~وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من # PageV10P145 # يشفيه منها كما قال ابن مسعود. وعلم هو داء الدين وهو الكلام المحدث وعلم ~~هو هلاك الدين؛ وهو علم السحر ونحوه. فحفظ الصحة بالمثل وإزالة المرض بالضد ~~في مرض الجسم الطبيعي ومرض القلب النفساني الديني الشرعي. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو ~~هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} } أخرجاه في ~~الصحيحين. قال الله تعالى {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} . {وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض} إلى قوله {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} إلى قوله {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . فأخبر أنه فطر عباده على إقامة ~~الوجه حنيفا وهو عبادة الله وحده لا شريك له فهذه من الحركة الفطرية ~~الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب وتركها ظلم عظيم اتبع ms3008 أهله أهواءهم بغير ~~علم ولا بد لهذه الفطرة والخلقة. - وهي صحة الخلقة - من قوت وغذاء يمدها ~~بنظير ما فيها مما فطرت عليه علما وعملا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة ~~المكملة بالشريعة المنزلة وهي مأدبة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حديث ابن مسعود: {إن كل آدب يحب أن # PageV10P146 # تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن} ومثله كماء أنزله الله من السماء ~~كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسنة. والمحرفون للفطرة المغيرون للقلب عن ~~استقامته هم ممرضون القلوب مسقمون لها وقد أنزل الله كتابه شفاء لما في ~~الصدور. وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب هي بمنزلة ما تصيب الجسم من ~~الألم يصح بها الجسم وتزول أخلاطه الفاسدة. كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه} وذلك تحقيق لقوله: {من يعمل سوءا ~~يجز به} . ومن لم يطهر في هذه الدنيا من هذه الأمراض فيئوب صحيحا وإلا ~~احتاج أن يطهر منها في الآخرة فيعذبه الله كالذي اجتمعت فيه أخلاطه ولم ~~يستعمل الأدوية لتخفيفها عنه فتجتمع حتى يكون هلاكه بها ولهذا جاء في الأثر ~~" إذا قالوا للمريض: اللهم ارحمه يقول الله: كيف أرحمه من شيء به أرحمه " ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط ~~الشجرة اليابسة ورقها} . وكما أن أمراض الجسم ما إذا مات الإنسان منه كان ~~شهيدا. كالمطعون والمبطون وصاحب ذات الجنب وكذلك الميت بغرق أو حرق أو هدم؛ ~~فمن # PageV10P147 # أمراض النفس ما إذا اتقى العبد ربه فيه وصبر عليه حتى مات كان شهيدا ~~كالجبان الذي يتقي الله ويصبر للقتال حتى يقتل؛ فإن البخل والجبن من أمراض ~~النفوس إن أطاعه أوجب له الألم وإن عصاه تألم كأمراض الجسم. وكذلك العشق ~~فقد روي {من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات مات شهيدا} فإنه مرض في النفس يدعو ~~إلى ما يضر النفس ms3009 كما يدعو المريض إلى تناول ما يضر فإن أطاع هواه عظم ~~عذابه في الآخرة وفي الدنيا أيضا وإن عصى الهوى بالعفة والكتمان صار في ~~نفسه من الألم والسقم ما فيها فإذا مات من ذلك المرض كان شهيدا هذا يدعوه ~~إلى النار فيمنعه كالجبان تمنعه نفسه عن الجنة فيقدمها. فهذه الأمراض إذا ~~كان معها إيمان وتقوى كانت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يقضي الله ~~للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ~~ضراء فصبر كان خيرا له} . والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين. وسلم تسليما. # PageV10P148 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قوله عز وجل: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} فما العبادة وفروعها؟ وهل ~~مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في ~~الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسطوا لنا القول في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " العبادة " هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ~~ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام ~~والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة؛ وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء ~~بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والجهاد للكفار والمنافقين ~~والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين ~~والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ~~ورسوله وخشية الله والإنابة إليه. وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر ~~لنعمه والرضا بقضائه؛ والتوكل عليه؛ # PageV10P149 # والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله. وذلك أن ### | العبادة لله هي الغاية المحبوبة له # والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون} وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: {اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: ms3010 {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون} كما قال في الآية الأخرى: {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} . وجعل ذلك لازما لرسوله إلى ~~الموت كما قال: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه ~~فقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون} {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وقال تعالى: {إن الذين عند ~~ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} وذم المستكبرين عنها ~~بقوله: {وقال # PageV10P150 # ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ~~ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا} وقال: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} الآيات. ~~ولما قال الشيطان: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} قال الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وقال في وصف الملائكة بذلك: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ~~إلى قوله: {وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} ~~{لقد جئتم شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا} {أن دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا} وقال تعالى عن المسيح - الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة ~~- {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى # PageV10P151 # ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله} وقد نعته الله " ~~بالعبودية " في أكمل أحواله فقال في الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} ~~وقال في الإيحاء: {فأوحى إلى ms3011 عبده ما أوحى} وقال في الدعوة: {وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} وقال في التحدي: {وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} فالدين كله داخل في العبادة. وقد ~~ثبت في الصحيح {أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة ~~أعرابي وسأله عن الإسلام قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه ~~سبيلا. قال: فما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث ~~بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال فما الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ثم قال في آخر الحديث هذا جبريل جاءكم ~~يعلمكم دينكم} فجعل هذا كله من الدين. و " الدين " يتضمن معنى الخضوع ~~والذل. يقال: دنته فدان أي: ذللته فذل ويقال يدين الله ويدين لله أي: يعبد ~~الله ويطيعه ويخضع له فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. # PageV10P152 # و " العبادة " أصل معناها الذل أيضا يقال: طريق معبد إذا كان مذللا قد ~~وطئته الأقدام. لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي ~~تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له فإن آخر مراتب الحب هو التتميم وأوله ~~" العلاقة " لتعلق القلب بالمحبوب ثم " الصبابة " لانصباب القلب إليه ثم " ~~الغرام " وهو الحب اللازم للقلب ثم " العشق " وآخرها " التتميم " يقال: تيم ~~الله أي: عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه. ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا ~~يكون عابدا له ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له كما قد يحب ولده ~~وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب ~~إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء بل لا يستحق المحبة ~~والذل التام إلا الله. وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر ~~الله كان تعظيمه باطلا. قال الله ms3012 تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره} فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة؛ فإن الطاعة لله ورسوله # PageV10P153 # والإرضاء لله ورسوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} والإيتاء لله ورسوله: ~~{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله} . وأما " العبادة " وما يناسبها من ~~التوكل؛ والخوف؛ ونحو ذلك فلا يكون إلا لله وحده كما قال تعالى: {قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا} إلى قوله: {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} وقال تعالى: {ولو ~~أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله إنا إلى الله راغبون} فالإيتاء لله والرسول كقوله: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . وأما الحسب وهو الكافي فهو الله ~~وحده كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وقال تعالى: {يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي حسبك وحسب من اتبعك الله. ومن ظن أن ~~المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطا فاحشا كما قد بسطناه في غير ~~هذا الموضع وقال تعالى: {أليس الله بكاف عبده} . و " تحرير ذلك " أن العبد ~~يراد به " المعبد " الذي عبده الله فذلله ودبره # PageV10P154 # وصرفه وبهذا الاعتبار المخلوقون كلهم عباد الله من الأبرار والفجار ~~والمؤمنين والكفار وأهل الجنة وأهل النار؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم لا ~~يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر؛ فما ~~شاء كان وإن لم يشاءوا. وما شاءوا إن لم يشأه لم يكن كما قال تعالى: {أفغير ~~دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} . ~~فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ~~ومصرف أمورهم لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه ولا ms3013 خالق إلا هو سواء ~~اعترفوا بذلك أو أنكروه وسواء علموا ذلك أو جهلوه؛ لكن أهل الإيمان منهم ~~عرفوا ذلك واعترفوا به؛ بخلاف من كان جاهلا بذلك؛ أو جاحدا له مستكبرا على ~~ربه لا يقر ولا يخضع له؛ مع علمه بأن الله ربه وخالقه. فالمعرفة بالحق إذا ~~كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابا على صاحبه كما قال تعالى: ~~{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ~~وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} وقال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون} . # PageV10P155 # فإن اعترف العبد أن الله ربه وخالقه؛ وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف ~~العبودية المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه فيتضرع إليه ويتوكل ~~عليه لكن قد يطيع أمره؛ وقد يعصيه وقد يعبده مع ذلك؛ وقد يعبد الشيطان ~~والأصنام. ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة والنار ولا يصير بها ~~الرجل مؤمنا. كما قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فإن ~~المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره قال تعالى: ~~{ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: {قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} إلى قوله: ~~{قل فأنى تسحرون} وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة وهي ~~" الحقيقة الكونية " التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر وإبليس معترف بهذه الحقيقة؛ وأهل النار. قال إبليس: {رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون} وقال: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين} وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} وقال: {أرأيتك هذا الذي ~~كرمت علي} وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق ~~غيره؛ وكذلك أهل النار قالوا: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا # PageV10P156 # قوما ضالين} وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا} فمن وقف عند هذه الحقيقة ms3014 وعند شهودها ولم يقم بما أمر به ~~من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بإلهيته وطاعة أمره وأمر رسوله ~~كان من جنس إبليس وأهل النار؛ وإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل ~~المعرفة والتحقيق الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان كان من أشر أهل ~~الكفر والإلحاد. # ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله ~~هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله. حتى يدخل في " النوع الثاني " من ~~معنى العبد وهو العبد بمعنى العابد فيكون عابدا لله لا يعبد إلا إياه؛ ~~فيطيع أمره وأمر رسله ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين؛ ويعادي أعداءه وهذه ~~العبادة متعلقة بإلهيته ولهذا كان عنوان التوحيد " لا إله إلا الله " بخلاف ~~من يقر بربوبيته ولا يعبده: أو يعبد معه إلها آخر فالإله الذي يألهه القلب ~~بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك وهذه ~~العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها وبها وصف المصطفين من عباده وبها بعث ~~رسله. وأما " العبد " بمعنى المعبد سواء أقر بذلك أو أنكره: فتلك يشترك # PageV10P157 # فيها المؤمن والكافر. وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين " الحقائق ~~الدينية " الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ~~ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته وبين " الحقائق الكونية " التي يشترك فيها ~~المؤمن والكافر والبر والفاجر التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية ~~كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين. ومن اكتفى بها في بعض ~~الأمور دون بعض أو في مقام أو حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص ~~من الحقائق الدينية. وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون وكثر فيه الاشتباه ~~على السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد ~~والعرفان ما لا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والإعلان؛ وإلى هذا أشار ~~الشيخ " عبد القادر " رحمه الله فيما ذكر عنه فبين أن كثيرا من الرجال إذا ~~وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة فنازعت ~~أقدار الحق بالحق ms3015 للحق؛ والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا ~~للقدر. والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله؛ لكن كثيرا ~~من الرجال غلطوا فإنهم قد يشهدون ما يقدر على أحدهم من المعاصي والذنوب؛ أو ~~ما يقدر على الناس من ذلك بل من الكفر؛ ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله ~~وقضائه وقدره داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته # PageV10P158 # فيظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة؛ ~~فيضاهون المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} . وقالوا: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} . وقالوا: {لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم} ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على ~~موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف قال تعالى: {ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} . قال بعض السلف: هو الرجل ~~تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وقال تعالى: {ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير} {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} . وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {احتج آدم وموسى فقال موسى ~~أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك ~~أسماء كل شيء فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي ~~اصطفاك الله برسالته وبكلامه فهل وجدت ذلك مكتوبا علي قبل أن أخلق؟ قال: ~~نعم. قال فحج آدم موسى} . # PageV10P159 # وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج بالقدر فإن ~~هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولو كان هذا عذرا لكان عذرا لإبليس وقوم نوح ~~وقوم هود وكل كافر ولا موسى لام آدم أيضا لأجل الذنب فإن آدم قد تاب إلى ~~ربه فاجتباه وهدى ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة ولهذا قال: ~~فلماذا أخرجتنا ونفسك ms3016 من الجنة؟ فأجابه آدم أن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق ~~فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرا وما قدر من المصائب يجب الاستسلام ~~له فإنه من تمام الرضا بالله ربا. وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب وإذا ~~أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب. قال ~~تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} وقال تعالى: {وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وقال: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} وقال يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . ~~وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر - ~~بحسب قدرته - ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين ويوالي أولياء الله ~~ويعادي أعداء الله ويحب في الله ويبغض في الله. كما قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم # PageV10P160 # أولياء تلقون إليهم بالمودة} إلى قوله: {قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ~~وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله} إلى قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال ~~تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} وقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا ~~الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا الحرور} {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} ~~وقال تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا} وقال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} ~~إلى قوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء} إلى قوله: {وهو على صراط مستقيم} وقال تعالى: ms3017 {لا يستوي ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} . ونظائر ذلك مما يفرق ~~الله فيه بين أهل الحق والباطل وأهل الطاعة وأهل # PageV10P161 # المعصية وأهل البر وأهل الفجور وأهل الهدى والضلال وأهل الغي والرشاد ~~وأهل الصدق والكذب. فمن شهد " الحقيقة الكونية " دون " الدينية " سوى بين ~~هذه الأجناس المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق حتى يئول به الأمر ~~إلى أن يسوي الله بالأصنام كما قال تعالى عنهم: {تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين} {إذ نسويكم برب العالمين} بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله ~~بكل موجود وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود إذ جعلوه هو ~~وجود المخلوقات وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد. وهؤلاء يصل بهم ~~الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد لا بمعنى أنهم معبدون ولا بمعنى أنهم ~~عابدون؛ إذ يشهدون أنفسهم هي الحق كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب " ~~الفصوص " وأمثاله من الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله ويشهدون أنهم هم ~~العابدون والمعبودون وهذا ليس بشهود لحقيقة؛ لا كونية ولا دينية؛ بل هو ~~ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق ~~وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتا للخالق والمخلوق إذ وجود هذا هو وجود هذا ~~عندهم. # PageV10P162 # وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل الكتاب كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن لله أهلين من الناس قيل: من هم يا رسول الله؟ ~~قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته} فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ~~ومليكه وخالقه وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق ليس هو حالا فيه ولا متحدا ~~به ولا وجوده وجوده. و " النصارى " كفرهم الله بأن قالوا: بالحلول والاتحاد ~~بالمسيح خاصة فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق. ويعلمون مع ذلك أن الله ~~أمر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن معصيته ومعصية رسوله وأنه لا يحب الفساد ~~ولا يرضى لعباده الكفر وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به ~~على ذلك ms3018 كما قال {إياك نعبد وإياك نستعين} . ومن عبادته وطاعته الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر - بحسب الإمكان - والجهاد في سبيله لأهل الكفر ~~والنفاق. فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به دافعين مزيلين بذلك ما قدر من ~~السيئات دافعين بذلك ما قد يخاف من ذلك كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر ~~بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل وكذلك إذا آن أوان البرد # PageV10P163 # دفعه باللباس وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه. كما قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم {يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة ~~نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله} . وفي الحديث {إن ~~الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض} فهذا حال المؤمنين ~~بالله ورسوله العابدين لله وكل ذلك من العبادة. وهؤلاء الذين يشهدون " ~~الحقيقة الكونية " وهي ربوبيته تعالى لكل شيء ويجعلون ذلك مانعا من اتباع ~~أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال. فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما ~~فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة. وقول هؤلاء شر من قول اليهود ~~والنصارى وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: {سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} . وقالوا: {لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم} . وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا؛ بل كل من احتج بالقدر فإنه ~~متناقض فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما فعل؛ فلا بد إذا ظلمه ظالم أو ~~ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ~~ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من # PageV10P164 # أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر؛ وأن يعاقب الظالم ~~بما يكف عدوان أمثاله. فيقال له إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء ~~بك وبغيرك وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: حجة. وأصحاب هذا القول الذين ~~يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه وإنما هم بحسب ~~آرائهم وأهوائهم؛ كما قال فيهم بعض العلماء. أنت عند الطاعة ms3019 قدري وعند ~~المعصية جبري؛ أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. ومنهم " صنف " يدعون التحقيق ~~والمعرفة فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلا وأثبت له صنعا؛ ~~أما من شهد أن أفعاله مخلوقة؛ أو أنه مجبور على ذلك؛ وأن الله هو المتصرف ~~فيه كما تحرك سائر المتحركات؛ فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد. ~~وقد يقولون: من شهد " الإرادة " سقط عنه التكليف ويزعم أحدهم أن الخضر سقط ~~عنه التكليف لشهوده الإرادة فهؤلاء لا يفرقون بين العامة والخاصة الذين ~~شهدوا الحقيقة الكونية فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد وأنه يدبر جميع ~~الكائنات وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا فلا يسقطون ~~التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط ولكن عمن # PageV10P165 # يشهده فلا يرى لنفسه فعلا أصلا وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر ~~مانعا من التكليف على هذا الوجه. وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى ~~التحقيق والمعرفة والتوحيد. وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما ~~يقدر عليه خلافه كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك. ثم ~~المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر الذي هو إرادة ~~الله العامة وخلقه لأفعال العباد وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر ~~والنهي في حق من شهد القدر إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا. وقول هؤلاء شر من ~~قول المعتزلة؛ ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد وهؤلاء يجعلون الأمر ~~والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية ولهذا يجعلون من وصل ~~إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي وصار من الخاصة. وربما تأولوا ~~على ذلك قوله تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وجعلوا اليقين هو معرفة ~~هذه الحقيقة وقول هؤلاء كفر صريح. وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر؛ ~~فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام ~~عقله حاضرا # PageV10P166 # إلى أن يموت لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك فمن ~~لم ms3020 يعرف ذلك عرفه؛ وبين له فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه ~~يقتل. وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين. وأما المستقدمون من هذه ~~الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم. وهذه المقالات هي محادة لله ~~ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله ومشاقة له؛ وتكذيب لرسله؛ ومضادة له في ~~حكمه وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه ~~هو طريق الرسول؛ وطريق أولياء الله المحققين؛ فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد ~~أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية أو أن ~~الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر؛ أو أن الفاحشة ~~حلال له؛ لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب؛ ونحو ذلك. ولا ريب أن المشركين ~~الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله؛ وبين الاحتجاج ~~بالقدر على مخالفة أمر الله؛ فهؤلاء الأصناف # PageV10P167 # فيهم شبه من المشركين إما أن يبتدعوا وإما أن يحتجوا بالقدر وإما أن ~~يجمعوا بين الأمرين. كما قال تعالى عن المشركين: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} وكما قال تعالى عنهم: {سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} وقد ذكر عن المشركين ما ~~ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام والعبادة التي لم يشرعها الله بمثل ~~قوله تعالى {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه} إلى آخر ~~السورة. وكذلك في سورة الأعراف في قوله: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ~~كما أخرج أبويكم من الجنة} إلى قوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} إلى قوله: {قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} إلى قوله: {وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا ms3021 يحب المسرفين} {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} إلى قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} . # PageV10P168 # وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع " حقيقة " كما يسمون ما يشهدون من ~~القدر " حقيقة ". وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر ~~الشارع ونهيه. ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك. وهؤلاء لا يحتجون ~~بالقدر مطلقا؛ بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم وجعلهم لما يرونه ويهوونه ~~حقيقة وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله نظير بدع أهل الكلام من ~~الجهمية وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة ~~حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات. ثم الكتاب والسنة إما ~~أن يحرفوه عن مواضعه وإما أن يعرضوا عنه بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه ~~بل يقولون: نفوض معناه إلى الله مع اعتقادهم نقيض مدلوله. وإذا حقق على ~~هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جهليات ~~واعتقادات فاسدة. وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء ~~الله المخالفة للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا ~~أولياؤه. وأصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله ~~واختياره الهوى على اتباع أمر الله فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما ~~يحبه العبد فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته. فأهل الإيمان لهم من الذوق ~~والوجد مثل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: ~~{ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما # PageV10P169 # سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} . وقال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ms3022 وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا} . وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه قيل لسفيان بن ~~عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم فقال أنسيت قوله تعالى ~~{وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أو نحو هذا من الكلام فعباد الأصنام ~~يحبون آلهتهم كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال: {فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال: ~~{إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ولهذا يميل ~~هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل ~~الإيمان بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ~~ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان. وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ~~ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. ~~فالمخالف لما بعث به رسوله من عبادته وطاعته وطاعة رسوله لا يكون متبعا ~~لدين شرعه الله كما قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها # PageV10P170 # ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} إلى ~~قوله. {والله ولي المتقين} بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله قال ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وهم في ذلك ~~تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله وتارة ~~يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة كما أخبر الله به عن المشركين كما تقدم. ~~ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم قدرا وهم مستمسكون بالدين في أداء الفرائض ~~المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة لكن يغلطون في ترك ما أمروا به من ~~الأسباب التي هي عبادة ظانين أن العارف إذا شهد " القدر " أعرض عن ذلك مثل ~~من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة بناء ~~على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون فلا حاجة إلى ذلك ms3023 وهذا غلط عظيم. ~~فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها. كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله خلق للجنة أهلا خلقها لهم وهم في أصلاب ~~آبائهم وبعمل أهل الجنة يعملون} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لما ~~أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل ~~على الكتاب؟ فقال: لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل ~~السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل ~~أهل الشقاوة} . # PageV10P171 # فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة كما ~~في قوله تعالى {فاعبده وتوكل عليه} وفي قوله: {قل هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وإليه متاب} وقول شعيب عليه السلام {عليه توكلت وإليه أنيب} ~~ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك. ~~ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة؛ أو استجابة دعوة ~~مخالفة للعادة العامة ونحو ذلك فيشتغل أحدهم عما أمر به من العبادة والشكر ~~ونحو ذلك. فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه؛ وإنما ~~ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت. كما قال ~~الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. وذلك أن السنة ~~- كما قال مالك رحمه الله - مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. ~~والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء ~~مقصودها واحد ولها أصلان: # PageV10P172 # " أحدهما " ألا يعبد إلا الله. و " الثاني " أن يعبد بما أمر وشرع لا ~~بغير ذلك من البدع. قال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله ~~أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ms3024 واتخذ الله إبراهيم خليلا} ~~فالعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات. و " الحسنات " هي ما أحبه الله ~~ورسوله وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فما كان من البدع في الدين التي ~~ليست مشروعة فإن الله لا يحبها ولا رسوله فلا تكون من الحسنات ولا من العمل ~~الصالح كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من ~~العمل الصالح. وأما قوله. {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقوله: {أسلم وجهه ~~لله} فهو إخلاص الدين لله وحده وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي ~~كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وقال الفضيل بن عياض ~~في قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما ~~أخلصه وأصوبه؟ قال: # PageV10P173 # إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة. فإن قيل فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلا في اسم العبادة ~~فلماذا عطف عليها غيرها؛ كقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله: {فاعبده ~~وتوكل عليه} وقول نوح: {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وكذلك قول غيره من ~~الرسل قيل هذا له نظائر كما في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~والفحشاء من المنكر وكذلك قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} وإيتاء ذي القربى هو من العدل ~~والإحسان كما أن الفحشاء والبغي من المنكر. وكذلك قوله: {والذين يمسكون ~~بالكتاب وأقاموا الصلاة} وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب. وكذلك ~~قوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ~~ورهبا من الخيرات وأمثال ذلك في القرآن كثير. وهذا الباب يكون تارة مع كون ~~أحدهما بعض الآخر فيعطف عليه تخصيصا له بالذكر لكونه مطلوبا بالمعنى العام ~~والمعنى الخاص وتارة تكون دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران فإذا ~~أفرد عم وإذا قرن بغيره خص كاسم ms3025 " الفقير " و " المسكين " لما # PageV10P174 # أفرد أحدهما في مثل قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} وقوله: ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين} دخل فيه الآخر. ولما قرن بينهما في قوله: ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} صارا نوعين. وقد قيل: إن الخاص المعطوف ~~على العام لا يدخل في العام حال الاقتران؛ بل يكون من هذا الباب. والتحقيق ~~أن هذا ليس لازما قال تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال} وقال تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم} وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة: تارة لكونه ~~له خاصية ليست لسائر أفراد العام؛ كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وتارة ~~لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم كما في قوله: {هدى للمتقين} ~~{الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} فقوله: يؤمنون بالغيب؛ يتناول الغيب الذي ~~يجب الإيمان به؛ لكن فيه إجمال فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك. وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب ~~وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. # PageV10P175 # ومن هذا الباب قوله تعالى {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} ~~وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} و " تلاوة الكتاب " هي ~~اتباعه كما قال ابن مسعود في قوله تعالى {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته} قال يحللون حلاله ويحرمون حرامه ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه ~~فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها لكن خصها بالذكر لمزيتها وكذلك قوله ~~لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} وإقامة ~~الصلاة لذكره من أجل عبادته وكذلك قوله تعالى {اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا} وقوله {اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وقوله: {اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين} فإن هذه الأمور هي أيضا من تمام تقوى الله وكذلك قوله: ~~{فاعبده وتوكل عليه} فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله؛ لكن خصت ~~بالذكر ليقصدها ms3026 المتعبد بخصوصها؛ فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة إذ ~~هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته. إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق ~~عبوديته لله وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن ~~توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه. أو أن الخروج عنها أكمل ~~فهو من أجهل الخلق وأضلهم. قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل ~~عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} # PageV10P176 # إلى قوله: {وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} ~~{لقد جئتم شيئا إدا} إلى قوله: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} وقال ~~تعالى في المسيح: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} ~~وقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون} {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وقال تعالى: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} إلى قوله {ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا} وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وقال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس ~~والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه ~~تعبدون} {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون} وقال تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} إلى قوله: {إن الذين ~~عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} . وهذا ونحوه مما فيه ~~وصف أكابر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن وقد أخبر ~~أنه أرسل جميع الرسل بذلك. # PageV10P177 # فقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} وقال تعالى لبني إسرائيل: {يا عبادي الذين ms3027 آمنوا إن أرضي واسعة ~~فإياي فاعبدون} {وإياي فاتقون} وقال {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون} وقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} {وأمرت لأن أكون ~~أول المسلمين} {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} {قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني} {فاعبدوا ما شئتم من دونه} . وكل رسول من الرسل افتتح دعوته ~~بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده عليهم السلام {اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره} وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي ~~تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري} . وقد بين أن عباده هم ~~الذين ينجون من السيئات قال الشيطان: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} قال تعالى: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا # PageV10P178 # من اتبعك من الغاوين} وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم ~~المخلصين} وقال في حق يوسف: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} وقال: {سبحان الله عما يصفون} {إلا عباد الله المخلصين} وقال: ~~{إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه والذين هم به مشركون} وبها نعت كل من اصطفى من خلقه كقوله: ~~{واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} {إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار} {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} وقوله: {واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} وقال عن سليمان: {نعم العبد إنه أواب} وعن ~~أيوب: {نعم العبد} وقال: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه} وقال نوح عليه ~~السلام {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} وقال: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} وقال: {وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه} وقال: {وإن كنتم في ريب ms3028 مما نزلنا على عبدنا} وقال {فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى} وقال: {عينا يشرب بها عباد الله} وقال: {وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا} ومثل هذا كثير متعدد في القرآن. # PageV10P179 # فصل: # إذا تبين ذلك: فمعلوم أن هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما وهو ~~تفاضلهم في حقيقة الإيمان وهم ينقسمون فيه: إلى عام وخاص ولهذا كانت ربوبية ~~الرب لهم فيها عموم وخصوص. ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب ~~النمل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تعس عبد الدرهم ~~تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا ~~انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط} . فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد ~~الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة. وذكر ما فيه دعاء وخبر وهو ~~قوله: {تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش} والنقش إخراج الشوكة من الرجل ~~والمنقاش ما يخرج به الشوكة وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح ~~لكونه تعس وانتكس فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه وهذه حال من عبد ~~المال وقد وصف ذلك بأنه {إذا أعطي رضي وإذا منع سخط} كما قال تعالى: {ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات فإن # PageV10P180 # أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} فرضاهم لغير الله ~~وسخطهم لغير الله وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من ~~أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو ~~رقيق له إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق ~~القلب واستعبده فهو عبده. ولهذا يقال: العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع ~~وقال القائل أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا ويقال: الطمع غل ~~في العنق قيد في الرجل فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. ويروى ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى ms3029 وإن أحدكم ~~إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه؛ فإن الأمر الذي ~~ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع به ولا يبق قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله ~~وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه تعلق قلبه به فصار فقيرا إلى حصوله؛ ~~وإلى من يظن أنه سبب في حصوله وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك. قال ~~الخليل صلى الله عليه وسلم {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون} . # PageV10P181 # فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار ~~عبدا لله فقيرا إليه وإن طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه. ~~ولهذا كانت " مسألة المخلوق " محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي ~~النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد كقوله صلى الله عليه ~~وسلم {لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم} ~~وقوله: {من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا ~~أو كدوحا في وجهه} وقوله: {لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دمع موجع أو ~~فقر مدقع} هذا المعنى في الصحيح. وفيه أيضا {لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب ~~فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه} وقال: {ما أتاك من هذا ~~المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك} فكره أخذه من ~~سؤال اللسان واستشراف القلب وقال في الحديث الصحيح: {من يستغن يغنه الله؛ ~~ومن يستعفف يعفه الله؛ ومن يتصبر يصبره الله؛ وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع ~~من الصبر} وأوصى خواص أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا وفي المسند {أن أبا ~~بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه؛ ويقول: إن خليلي ~~أمرني أن لا أسأل الناس شيئا} وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك {أن # PageV10P182 # النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: أن لا ms3030 ~~تسألوا الناس شيئا فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم؛ ولا يقول ~~لأحد ناولني إياه} . وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن ~~مسألة المخلوق؛ في غير موضع. كقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك ~~فارغب} {وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله؛ ~~وإذا استعنت فاستعن بالله} ومنه قول الخليل: {فابتغوا عند الله الرزق} ولم ~~يقل فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر؛ كأنه ~~قال لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. وقد قال تعالى: {واسألوا الله من فضله} ~~والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه؛ ودفع ما يضره؛ ~~وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله؛ فله أن يسأل الله وإليه يشتكي؛ كما ~~قال يعقوب عليه السلام {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} . والله تعالى ذكر ~~في القرآن " الهجر الجميل " و " الصفح الجميل " و " الصبر الجميل ". وقد ~~قيل: إن " الهجر الجميل " هو هجر بلا أذى. والصفح الجميل صفح بلا معاتبة. ~~والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق؛ ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في ~~مرضه أن طاوسا كان يكره أنين # PageV10P183 # المريض ويقول: إنه شكوى فما أن أحمد حتى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا ~~تنافي الصبر الجميل؛ فإن يعقوب قال: {فصبر جميل} وقال: {إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله} وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة ~~(يونس) و (يوسف) و (النحل) فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من ~~آخر الصفوف {ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك} . وفي الدعاء الذي دعا ~~به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: {اللهم إليك ~~أشكو ضعف قوتي؛ وقلة حيلتي؛ وهواني على الناس؛ أنت رب المستضعفين وأنت ربي. ~~اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؛ إن لم يكن ms3031 بك ~~غضب علي فلا أبالي؛ غير أن عافيتك أوسع لي؛ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به ~~الظلمات؛ وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك؛ أو يحل علي غضبك؛ ~~لك العتبى حتى ترضى؛ فلا حول ولا قوة إلا بك} - وفي بعض الروايات - {ولا ~~حول ولا قوة إلا بك} . وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه ~~لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في ~~المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه. كما قيل: استغن # PageV10P184 # عمن شئت تكن نظيره وأفضل على من شئت تكن أميره؛ واحتج إلى من شئت تكن ~~أسيره. فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له؛ وإعراض قلبه عن ~~الطلب من غير الله، والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله؛ لا سيما ~~من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدا إما على ~~رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه؛ وإما على أهله وأصدقائه؛ وإما على أمواله ~~وذخائره؛ وإما على ساداته وكبرائه؛ كمالكه وملكه؛ وشيخه ومخدومه وغيرهم؛ ~~ممن هو قد مات أو يموت. قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح ~~بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} . وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه ~~أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم؛ وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك؛ ~~وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم؛ فالعاقل ينظر إلى ~~الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له ~~يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد؛ وهو في الظاهر سيدها لأنه ~~زوجها. وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها؛ وعشقه ~~لها؛ وأنه لا يعتاض عنها بغيرها؛ فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر ~~الظالم في عبده المقهور؛ الذي لا يستطيع الخلاص # PageV10P185 # منه بل أعظم فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباد القلب أعظم من ~~استعباد البدن فإن من استعبد بدنه واسترق ms3032 لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ~~ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك ~~رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما ~~استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ ~~فإن المسلم لو أسره كافر؛ أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان ~~قائما بما يقدر عليه من الواجبات ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق ~~مواليه له أجران ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان ~~لم يضره ذلك وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو ~~كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما ~~أن الغنى غنى النفس قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس الغنى عن كثرة العرض ~~وإنما الغنى غنى النفس} وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة فأما ~~من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبيا فهذا هو العذاب الذي لا يدان ~~فيه. وهؤلاء من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا فإن العاشق لصورة إذا بقي ~~قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من # PageV10P186 # أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد ولو سلم من فعل الفاحشة ~~الكبرى فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن يفعل ذنبا ~~ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين. كما ~~قيل: سكران: سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران وقيل: قالوا: جننت ~~بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ~~وإنما يصرع المجنون في الحين ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن ~~الله فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط ~~أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أطيب والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون ~~أحب إليه منه أو خوفا من مكروه فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه ms3033 بالحب ~~الصالح؛ أو بالخوف من الضرر. # PageV10P187 # قال تعالى في حق يوسف. {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} . فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها ~~ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله ~~والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه ~~انقهر له هواه بلا علاج. قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر} فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر وفيها ~~تحصيل المحبوب وهو ذكر الله وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع المكروه فإن ذكر ~~الله عبادة لله وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها. وأما اندفاع الشر عنه فهو ~~مقصود لغيره على سبيل التبع. والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه. فلما عرضت ~~له إرادة الشر طلب دفع ذلك فإنه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من ~~الدغل ولهذا قال تعالى: {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من دساها} وقال تعالى: ~~{قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} وقال: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} وقال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى # PageV10P188 # للنفس وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع ~~الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك. وكذلك طالب الرئاسة ~~والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها ولو كان في الظاهر مقدمهم ~~والمطاع فيهم فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم فيبذل لهم الأموال والولايات ~~ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه فهو في الظاهر رئيس مطاع وفي الحقيقة عبد مطيع ~~لهم والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله ~~وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين ~~على الفاحشة أو قطع الطريق فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه ~~يستعبده الآخر. وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك ms3034 يستعبده ويسترقه وهذه الأمور ~~نوعان: (منها) ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ~~ومنكحه ونحو ذلك. فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده ~~يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه؛ بل ~~بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون هلوعا # PageV10P189 # إذا مسه الشر جزوعا؛ وإذا مسه الخير منوعا. # ومنها ما لا يحتاج العبد إليه فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها؛ فإذا ~~تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها؛ وربما صار معتمدا على غير الله فلا يبقى ~~معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه؛ بل فيه شعبة من العبادة لغير ~~الله وشعبة من التوكل على غير الله وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه ~~وسلم {تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار؛ تعس عبد القطيفة؛ تعس عبد الخميصة} ~~وهذا هو عبد هذه الأمور فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي؛ ~~وإذا منعه إياها سخط وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله؛ ويسخطه ما يسخط ~~الله؛ ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله؛ ويوالي أولياء ~~الله ويعادي أعداء الله تعالى وهذا هو الذي استكمل الإيمان. كما في الحديث ~~{من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان} وقال: {أوثق ~~عرى الإيمان الحب في الله؛ والبغض في الله} . وفي الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} فهذا وافق ربه فيما يحبه ~~وما # PageV10P190 # يكرهه فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأحب المخلوق لله لا لغرض ~~آخر فكان هذا من تمام حبه لله فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة ~~المحبوب؛ فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل ms3035 قيامهم بمحبوبات الحق لا ~~لشيء آخر فقد أحبهم لله لا لغيره. وقد قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} . ولهذا قال تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فإن الرسول يأمر بما يحب ~~الله وينهى عما يبغضه الله ويفعل ما يحبه الله ويخبر بما يحب الله التصديق ~~به # فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ~~ويتأسى به فيما فعل ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله؛ فيحبه الله؛ فجعل ~~الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول؛ والجهاد في سبيله. وذلك لأن الجهاد ~~حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح؛ ومن دفع ~~ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان. وقد قال تعالى: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} إلى قوله: - {حتى يأتي الله ~~بأمره} فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله ~~بهذا الوعيد. بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن # PageV10P191 # أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} . وفي الصحيح {أن ~~عمر بن الخطاب قال له: يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من ~~نفسي؛ فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك؛ فقال: فوالله لأنت أحب ~~إلي من نفسي فقال الآن يا عمر} . فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب ~~وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض ~~الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب فكلما قويت ~~المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات فإذا كانت المحبة تامة استلزمت ~~إرادة جازمة في حصول المحبوبات. فإذا كان العبد قادرا عليها حصلها. وإن كان ~~عاجزا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ms3036 أجور من اتبعه من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من ~~اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا} . وقال {إن بالمدينة لرجالا ما سرتم ~~مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: وهم بالمدينة. قال: وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر} . و " الجهاد " هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول ~~محبوب الحق # PageV10P192 # ودفع ما يكرهه الحق فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلا على ~~ضعف محبة الله ورسوله في قلبه ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا ~~باحتمال المكروهات سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة فالمحبون للمال والرئاسة ~~والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر ~~في الدنيا والآخرة فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من ~~المحبين لغير الله مما يحتملون في حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبتهم لله ~~إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل. ومن المعلوم أن ~~المؤمن أشد حبا لله. كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله} . نعم قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لا ~~يحصل بها المطلوب فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة ~~فكيف إذا كانت المحبة فاسدة والطريق غير موصل كما يفعله المتهورون في طلب ~~المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررا ولا تحصل لهم مطلوبا وإنما ~~المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه. وإذا تبين هذا. فكلما ازداد ~~القلب حبا لله ازداد له عبودية وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية ~~عما سواه والقلب فقير بالذات # PageV10P193 # إلى الله من " وجهين ": من جهة العبادة وهي العلة الغائية. ومن جهة ~~الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلية فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ~~ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ~~ولو حصل له كل ما يلتذ به ms3037 من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي ~~إلى ربه ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح والسرور ~~واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له لا ~~يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائما مفتقر إلى حقيقة {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم ~~يحصل له عبادته لله بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له ~~بالقصد الأول وكل ما سواه إنما يحبه لأجله لا يحب شيئا لذاته إلا الله فمتى ~~لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة " لا إله إلا الله " ولا حقق التوحيد ~~والعبودية والمحبة وكان فيه من النقص والعيب بل من الألم والحسرة والعذاب ~~بحسب ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه ~~مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن # PageV10P194 # حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه فهو إلهه لا إله له غيره وهو ~~ربه لا رب له سواه. ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين فمتى كان يحب غير الله ~~لذاته أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه ~~بحسب حبه له ورجائه إياه. وإذا لم يحب لذاته إلا الله وكلما أحب سواه فإنما ~~أحبه له ولم يرج قط شيئا إلا الله وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما ~~حصل منها كان مشاهدا أن الله هو الذي خلقها وقدرها. وأن كل ما في السموات ~~والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه وهو مفتقر إليه كان قد حصل له من تمام ~~عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك. والناس في هذا على درجات متفاوتة لا ~~يحصي طرفيها إلا الله. فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله ~~وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من ms3038 هذا الوجه. وهذا هو حقيقة دين الإسلام ~~الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره ~~فالمستسلم له ولغيره مشرك والممتنع عن الاستسلام له مستكبر وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر كما # PageV10P195 # أن النار لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان} فجعل الكبر مقابلا ~~للإيمان فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن ~~نازعني واحدا منهما عذبته} فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية والكبرياء ~~أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء كما جعل العظمة بمنزلة الإزار. ~~ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير وكان مستحبا في ~~الأمكنة العالية كالصفا والمروة وإذا علا الإنسان شرفا أو ركب دابة ونحو ~~ذلك وبه يطفأ الحريق وإن عظم وعند الأذان يهرب الشيطان. قال تعالى: {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . # وكل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره فإن الإنسان حساس يتحرك ~~بالإرادة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أصدق ~~الأسماء حارث وهمام} فالحارث الكاسب الفاعل والهمام فعال من الهم والهم أول ~~الإرادة فالإنسان له إرادة دائما وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه ~~فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته فمن لم يكن الله معبوده ~~ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك فلا بد أن يكون له مراد محبوب # PageV10P196 # يستعبده غير الله فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب: إما المال وإما الجاه ~~وإما الصور وإما ما يتخذه إلها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب ~~والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم ~~أربابا أو غير ذلك مما عبد من دون الله. وإذا كان عبدا لغير الله يكون ~~مشركا وكل مستكبر فهو مشرك ms3039 ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن ~~عبادة الله وكان مشركا. قال تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} ~~{إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} إلى قوله: {وقال موسى إني عذت ~~بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} - إلى قوله: - {كذلك يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار} وقال تعالى: {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم ~~موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} وقال تعالى: {إن فرعون ~~علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين} ومثل هذا في القرآن كثير. وقد وصف فرعون ~~بالشرك في قوله: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك} . # PageV10P197 # بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله ~~كان أعظم إشراكا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته ~~إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود: مقصود القلب بالقصد الأول فيكون ~~مشتركا بما استعبده من ذلك. ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن ~~يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ولا يستعين إلا به ولا يتوكل إلا ~~عليه ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ولا ~~يوالي إلا من والاه الله ولا يعادي إلا من عاداه الله ولا يحب إلا لله ولا ~~يبغض شيئا إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله. فكلما قوي إخلاص ~~دينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات وبكمال عبوديته لله يبرئه من ~~الكبر والشرك. والشرك غالب على النصارى والكبر غالب على اليهود. قال تعالى ~~في النصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال ~~في اليهود: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون} . وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ~~الحق وإن ms3040 يروا # PageV10P198 # كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا} . ولما كان الكبر مستلزما للشرك والشرك ضد الإسلام وهو ~~الذنب الذي لا يغفره الله - قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} وقال: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا ~~بعيدا} - كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام فهو الدين الذي لا يقبل ~~الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين. قال نوح: {فإن توليتم فما سألتكم ~~من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وقال في حق ~~إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين} إلى قوله: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وقال يوسف: {توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين} وقال موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ~~إن كنتم مسلمين} {فقالوا على الله توكلنا} وقال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} وقالت بلقيس {رب ~~إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقال: # PageV10P199 # {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون} وقال: {إن الدين عند الله الإسلام} وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه} . وقال تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها} فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات ~~جميعها متعبدة له التعبد العام سواء أقر المقر بذلك أو أنكره وهم مدينون ~~مدبرون؛ فهم مسلمون له طوعا وكرها ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه ~~وقدره وقضاه ولا حول ولا قوة إلا به وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف ~~يشاء وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم وكل ما سواه ms3041 فهو مربوب مصنوع مفطور ~~فقير محتاج معبد مقهور وهو الواحد القهار الخالق البارئ المصور. وهو وإن ~~كان قد خلق ما خلقه بأسباب فهو خالق السبب والمقدر له وهو مفتقر إليه ~~كافتقار هذا وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل ولا دفع ضرر بل كل ما هو سبب ~~فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه. ~~وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه ليس له شريك يعاونه ولا ضد يناوئه ~~ويعارضه. قال تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون # PageV10P200 # الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} وقال تعالى عن ~~الخليل: {يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} إلى قوله تعالى {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وفي الصحيحين ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه {أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال: ~~إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} } و ### | إبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين # حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين قال الله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين} فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم فلم يأمر الله ~~سبحانه أن يكون الظالم إماما وأعظم الظلم الشرك. # PageV10P201 # وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} و ~~" الأمة " هو معلم الخير الذي يؤتم به كما أن ms3042 " القدوة " الذي يقتدى به. ~~والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب وإنما بعث الأنبياء بعده بملته ~~قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} وقال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} وقال تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} وقال تعالى: {وقالوا ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط} - إلى قوله - {ونحن له مسلمون} وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن إبراهيم خير البرية} فهو أفضل الأنبياء بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليل الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: {إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا} وقال: {لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا ولكن صاحبكم خليل الله} - يعني نفسه - وقال: {لا يبقين # PageV10P202 # في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر} وقال: {إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وكل ~~هذا في الصحيح. وفيه أنه قال: ذلك قبل موته بأيام وذلك من تمام رسالته. فإن ~~في ذلك تحقيق تمام مخالته لله التي أصلها محبة الله تعالى للعبد ومحبة ~~العبد لله خلافا للجهمية. وفي ذلك تحقيق توحيد الله وأن لا يعبدوا إلا إياه ~~ورد على أشباه المشركين. وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه وهم ~~أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكا بالبشر. # و " الخلة " هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله ومن ~~الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه ولفظ العبودية يتضمن ~~كمال الذل وكمال الحب فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب ~~والمتيم المتعبد وتيم الله عبده وهذا على الكمال ms3043 حصل لإبراهيم ومحمد صلى ~~الله عليهما وسلم ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل؛ إذ الخلة لا تحتمل ~~الشركة فإنه كما قيل في المعنى. # PageV10P203 # قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا بخلاف أصل الحب فإنه صلى ~~الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: {اللهم إني ~~أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما} {وسأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك؟ ~~قال: عائشة قال فمن الرجال؟ قال أبوها} {وقال لعلي رضي الله عنه لأعطين ~~الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله} وأمثال ذلك كثير. وقد أخبر ~~تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وقال: {فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة ~~المؤمنين له حتى قال: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وأما الخلة فخاصة. وقول ~~بعض الناس: إن محمدا حبيب الله؛ وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق ~~الخلة قول ضعيف فإن محمدا أيضا خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ~~المستفيضة. وما يروى {أن العباس يحشر بين حبيب وخليل} وأمثال ذلك فأحاديث ~~موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها. # PageV10P204 # وقد قدمنا أن من محبة الله تعالى محبة ما أحب كما في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد ### | حلاوة الإيمان: # من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا ~~لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى ~~في النار} أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئا أو ~~اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك واللذة أمر ~~يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. ومن قال إن اللذة ~~إدراك الملائم كما ms3044 يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء فقد غلط في ذلك ~~غلطا بينا؛ فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة فإن الإنسان مثلا يشتهي ~~الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة فاللذة تتبع النظر إلى الشيء فإذا ~~نظر إليه التذ فاللذة تتبع النظر ليست نفس النظر وليست هي رؤية الشيء؛ بل ~~تحصل عقيب رؤيته وقال تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} وهكذا ~~جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور ~~بالمحبوب أو الشعور بالمكروه وليس نفس الشعور هو # PageV10P205 # الفرح ولا الحزن. فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده ~~المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة ~~أمور. تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها. " فتكميلها " أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب ~~بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم. و " تفريعها " ~~أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. و " دفع ضدها " أن يكره ضد الإيمان أعظم من ~~كراهته الإلقاء في النار فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه ~~أكمل الناس محبة لله وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله و " ~~الخلة " ليس لغير الله فيها نصيب بل قال: {لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا} علم مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة. و (المقصود) ~~هو أن " الخلة " و " المحبة لله " تحقيق عبوديته؛ وإنما يغلط من يغلط في ~~هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل # PageV10P206 # وخضوع فقط لا محبة معه أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا ~~تحتمله الربوبية ولهذا يذكر عن " ذي النون " أنهم تكلموا عنده في مسألة ~~المحبة. فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها. وكره من ~~كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون ms3045 الكلام في المحبة بلا خشية؛ ~~وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالرجاء ~~وحده فهو مرجئ ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالحب والخوف ~~والرجاء فهو مؤمن موحد. ولهذا وجد في المستأخرين من انبسط في دعوى المحبة ~~حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد ~~في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله. ويدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود ~~الأنبياء والمرسلين أو يطلبون من الله ما لا يصلح - بكل وجه - إلا لله لا ~~يصلح للأنبياء والمرسلين. وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ. وسببه ضعف ~~تحقيق العبودية التي بينتها الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به بل ~~ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي ~~النفس محبة انبسطت النفس بحمقها في ذلك كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان ~~مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها ~~عدوان وجهل فهذا # PageV10P207 # عين الضلال وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: {نحن أبناء الله وأحباؤه} قال ~~الله تعالى: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء} فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين ~~إليه بنسبة البنوة بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون. فمن كان الله يحبه ~~استعمله فيما يحبه محبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق ~~والعصيان ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك؛ ~~كما يحب منه ما يفعله من الخير؛ إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه ومن ظن أن ~~الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول ~~السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه بصحة مزاجه. ولو تدبر الأحمق ~~ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه؛ وما جرى لهم من التوبة والاستغفار؛ ~~وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي فيه ms3046 تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم؛ ~~علم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما؛ فإن المحب للمخلوق ~~إذا لم يكن عارفا بمصلحته ولا مريدا لها؛ بل يعمل بمقتضى الحب - وإن كان ~~جهلا وظلما - كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه؛ بل لعقوبته. # PageV10P208 # وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدين؛ ~~إما من تعدي حدود الله؛ وإما من تضييع حقوق الله وإما من ادعاء الدعاوى ~~الباطلة التي لا حقيقة لها كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا ~~منه بريء؛ فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا ~~منه بريء. فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار؛ والثاني جعل مريده يمنع ~~أهل الكبائر من دخول النار. ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي ~~على جهنم حتى لا يدخلها أحد. وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض ~~المشايخ المشهورين؛ وهي إما كذب عليهم وإما غلط منهم؛ ومثل هذا قد يصدر في ~~حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان؛ أو يضعف حتى لا يدري ما قال ~~و " السكر " هو لذة مع عدم تمييز. ولهذا كان بين هؤلاء من إذا صحا استغفر ~~من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب ~~والشوق واللوم والعذل والغرام كان هذا أصل مقصدهم؛ ولهذا أنزل الله للمحبة ~~محنة يمتحن بها المحب فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ~~فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله وطاعة الرسول ومتابعته تحقق العبودية. ~~وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ويدعي من # PageV10P209 # الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر ~~وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته بل قد ~~جعل محبة الله ومحبة رسوله الجهاد في سبيله. و " الجهاد " يتضمن كمال محبة ~~ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه ولهذا قال في صفة من ms3047 يحبهم ~~ويحبونه {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله} . ~~ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله أكمل ~~من عبودية من قبلهم. وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل فأين هذا من قوم يدعون المحبة. # وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. ~~وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده فظنوا أن كمال المحبة أن يحب ~~العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان ولا يمكن أحدا أن يحب كل موجود بل ~~يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره ولكن استفادوا بهذا الضلال ~~اتباع أهوائهم فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع ~~المضلة زاعمين أن هذا من محبة الله ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله ~~وجهاد أهله بالنفس والمال. # PageV10P210 # وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: " إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد ~~المحبوب " قصد بمراد الله تعالى الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى ~~محبته ورضاه فكأنه قال تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله وهذا معنى صحيح. ~~فإن من تمام الحب أن لا يحب إلا ما يحبه الله فإذا أحببت ما لا يحب كانت ~~المحبة ناقصة وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه فإن لم ~~أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبا له بل محبا لما يبغضه. فاتباع ~~الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين ~~يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا ~~لبعض البدع المخالفة لشريعته فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود ~~والنصارى المحبة لله بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى ~~لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار كما قد تكون دعوى ~~اليهود والنصارى شرا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم ms3048 وفي التوراة ~~والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا ~~الناموس. ففي الإنجيل أن المسيح قال ### | : " أعظم وصايا المسيح أن تحب الله # بكل قلبك وعقلك ونفسك " والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة وأن ما هم فيه ~~من الزهد والعبادة هو من ذلك وهم برآء من محبة الله إذ لم # PageV10P211 # يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم. وهو سبحانه يحب من يحبه؛ لا يمكن أن ~~يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له؛ بل بقدر محبة العبد لربه يكون ~~حب الله له؛ وإن كان جزاء الله لعبده أعظم. كما في الحديث الصحيح الإلهي عن ~~الله تعالى أنه قال: {من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ~~ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} . وقد أخبر سبحانه أنه ~~يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ويحب المتطهرين بل هو يحب ~~من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: {لا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به} الحديث. وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخا في " الزهد ~~والعبادة " وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى: من دعوى المحبة لله مع مخالفة ~~شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به ~~إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا ~~يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن قائلها معصوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم ~~دينا كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين # PageV10P212 # لهم دينا ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يدعي ~~النصارى في المسيح ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته ~~النصارى في المسيح وأمه. إلى أنواع أخر يطول شرحها في هذا الموضع. وإنما ~~دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة ~~وبقدر ms3049 تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر ~~نقص هذا يكون نقص هذا؛ وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية ~~لغير الله بحسب ذلك وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله ~~بحسب ذلك وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو ~~باطل. فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله ولا يكون لله إلا ما ~~أحبه الله ورسوله وهو المشروع. فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل ~~عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن ~~يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب. كما قال: ~~{فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ف ### | لا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب # ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقال # PageV10P213 # النبي صلى الله عليه وسلم {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ ~~فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته ~~لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه} . وهذا الأصل هو ~~أصل الدين وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ~~وإليه دعا الرسول وعليه جاهد؛ وبه أمر وفيه رغب؛ وهو قطب الدين الذي تدور ~~عليه رحاه. والشرك غالب على النفوس. وهو كما جاء في الحديث. {وهو في هذه ~~الأمة أخفى من دبيب النمل} وفي حديث آخر {قال أبو بكر: يا رسول الله. كيف ~~ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ~~ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من ms3050 دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك ~~بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم} . وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل ~~عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وكثيرا ما ~~يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق # PageV10P214 # محبتها لله وعبوديتها له. وإخلاص دينها له كما قال شداد بن أوس: يا بقايا ~~العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قيل لأبي داود ~~السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة وعن كعب بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد ~~لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه} قال الترمذي حديث حسن صحيح. فبين ~~صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في فساد الدين لا ينقص عن ~~فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم وذلك بين؛ فإن الدين السليم لا يكون ~~فيه هذا الحرص وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن ~~شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء ~~والفحشاء كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته ~~لغيره ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره إذ ليس عند القلب لا أحلى ~~ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ~~ومحبته له وإخلاصه الدين له وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب ~~منيبا إلى الله خائفا منه راغبا راهبا. كما قال تعالى: {من خشي الرحمن ~~بالغيب وجاء بقلب منيب} إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول # PageV10P215 # مرغوبه فلا يكون عبدا لله ومحبه إلا بين خوف ورجاء؛ قال تعالى: {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا} وإذا كان العبد مخلصا له اجتباه ربه فيحيي قلبه ms3051 ~~واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ~~ذلك؛ بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق فيهوى ما ~~يسنح له ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله. فتارة تجتذبه ~~الصور المحرمة وغير المحرمة؛ فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له ~~لكان ذلك عيبا ونقصا وذما. وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة ~~وتغضبه الكلمة ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل ويعادي من يذمه ولو ~~بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد ~~القلوب والقلوب تهواها فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومن ~~لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه معبدا لربه وحده لا شريك له بحيث ~~يكون الله أحب إليه من كل ما سواه ويكون ذليلا له خاضعا وإلا استعبدته ~~الكائنات واستولت على قلبه الشياطين وكان من الغاوين إخوان الشياطين وصار ~~فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ ~~فالقلب إن لم يكن حنيفا مقبلا على الله معرضا عما # PageV10P216 # سواه وإلا كان مشركا. قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} إلى قوله: {كل حزب بما لديهم فرحون} وقد جعل الله سبحانه إبراهيم ~~وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص ~~الدين له؛ كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهواءهم. قال ~~تعالى في إبراهيم: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} ~~{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} وقال في فرعون وقومه: {وجعلناهم أئمة ~~يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين} ولهذا يصير أتباع فرعون أولا إلى أن لا ~~يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه. وبين ما قدر الله وقضاه؛ بل ms3052 ينظرون إلى ~~المشيئة المطلقة الشاملة. ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق ~~بل يجعلون وجود هذا وجود هذا [ويقول محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية. ~~والحقيقة فيها معصية بلا طاعة] ؛ والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية وهذا ~~تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما ~~أرسله به من الأمر والنهي. PageV10P217 # وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء فهم يعلمون أنه لا بد من ~~الفرق بين الخالق والمخلوق ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية. وأن العبد ~~كلما ازداد تحقيقا ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له وإعراضه عن ~~عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره. # وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه. والخليل يقول: ~~{أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين} ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى. مثال ذلك ~~اسم " الفناء " فإن " الفناء ثلاثة أنواع ": نوع للكاملين من الأنبياء ~~والأولياء؛ ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين؛ ونوع للمنافقين الملحدين ~~المشبهين. (فأما الأول) فهو " الفناء عن إرادة ما سوى الله " بحيث لا يحب ~~إلا الله. ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره؛ وهو المعنى ~~الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال: أريد أن لا أريد إلا ما ~~يريد. أي المراد المحبوب المرضي؛ وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد ~~أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه وهو ما أمر به ~~أمر إيجاب أو استحباب؛ ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء ~~والصالحين. وهذا معنى قولهم في قوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قالوا: ~~هو السليم مما سوى الله أو مما سوى عبادة الله. أو مما سوى # PageV10P218 # إرادة الله. أو مما سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى إن سمي فناء ~~أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره. وباطن الدين وظاهره. # وأما النوع الثاني: فهو " الفناء عن شهود السوى ". وهذا يحصل لكثير من ~~السالكين؛ فإنهم لفرط انجذاب ms3053 قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف ~~قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد؛ لا يخطر بقلوبهم غير ~~الله؛ بل ولا يشعرون؛ كما قيل في قوله: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} قالوا: فارغا من كل شيء إلا من ذكر ~~موسى. وهذا كثير يعرض لمن فقمه أمر من الأمور إما حب وإما خوف. وإما رجاء ~~يبقي قلبه منصرفا عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه؛ بحيث يكون ~~عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره. فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه ~~يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن ~~معرفته حتى يفنى من لم يكن وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه ويبقى من لم يزل ~~وهو الرب تعالى. والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره وفناؤه عن أن يدركها ~~أو يشهدها. وإذا قوي هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه فقد يظن أنه هو ~~محبوبه كما يذكر: أن رجلا ألقى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه فقال: ~~أنا وقعت فما أوقعك خلفي قال: غبت بك عني فظننت أنك أني # PageV10P219 # و " هذا الموضع " زل فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد وأن المحب يتحد بالمحبوب ~~حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما وهذا غلط؛ فإن الخالق لا يتحد به ~~شيء أصلا بل لا يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما أمر ~~ثالث لا هو هذا ولا هذا كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك. ~~ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة فيحب ~~هذا ما يحب هذا. ويبغض هذا ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ~~ما يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي وهذا الفناء كله فيه نقص. وأكابر ~~الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: لم يقعوا ~~في هذا الفناء فضلا عمن هو فوقهم من الأنبياء وإنما وقع شيء ms3054 من هذا بعد ~~الصحابة. وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل والتمييز لما ~~يرد على القلب من أحوال الإيمان؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل ~~وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم. أو يحصل لهم غشي أو ~~صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون. وإنما كان مبادئ هذه الأمور في ~~التابعين من عباد البصرة فإنه كان فيهم من يغشى عليه إذا سمع القرآن. ومنهم ~~من يموت: كأبي جهير الضرير. وزرارة بن أوفى قاضي البصرة. وكذلك صار في شيوخ ~~الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما # PageV10P220 # يضعف معه تمييزه حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف أنه ~~غالط فيه كما يحكى نحو ذلك عن مثل أبي يزيد وأبي الحسين النوري وأبي بكر ~~الشبلي وأمثالهم. بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والفضيل بن عياض ~~بل وبخلاف الجنيد وأمثالهم ممن كانت عقولهم وتمييزهم يصحبهم في أحوالهم فلا ~~يقعون في مثل هذا الفناء والسكر ونحوه بل الكمل تكون قلوبهم ليس فيها سوى ~~محبة الله وإرادته وعبادته وعندهم من سعة العلم والتمييز ما يشهدون الأمور ~~على ما هي عليه بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله مدبرة بمشيئته بل ~~مستجيبة له قانتة له فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى ويكون ما يشهدونه من ذلك ~~مؤيدا وممدا لما في قلوبهم من إخلاص الدين وتجريد التوحيد له والعبادة له ~~وحده لا شريك له. وهذه " الحقيقة " التي دعا إليها القرآن وقام بها أهل ~~تحقيق الإيمان والكمل من أهل العرفان. ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام ~~هؤلاء وأكملهم؛ ولهذا لما عرج به إلى السموات وعاين ما هنالك من الآيات ~~وأوحي إليه ما أوحي من أنواع المناجاة أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله ولا ظهر ~~عليه ذلك بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشي - صلى الله عليهم وسلم ~~أجمعين. # PageV10P221 # وأما النوع الثالث: مما قد يسمى فناء: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله ~~وأن وجود الخالق ms3055 هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد فهذا فناء أهل ~~الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد. والمشايخ المستقيمون إذا قال ~~أحدهم: ما أرى غير الله أو لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك فمرادهم بذلك ما ~~أرى ربا غيره ولا خالقا غيره ولا مدبرا غيره ولا إلها غيره ولا أنظر إلى ~~غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء له؛ فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به ~~القلب فمن أحب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه وإذا لم يكن في القلب محبة ~~له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم ~~يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه وإن رآه اتفاقا ~~رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به. والمشايخ ~~الصالحون - رضي الله عنهم - يذكرون شيئا من تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص ~~الدين كله بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إلى ما سواه: ~~لا حبا له ولا خوفا منه ولا رجاء له بل يكون القلب فارغا من المخلوقات ~~خاليا منها لا ينظر إليها إلا بنور الله فبالحق يسمع وبالحق يبصر وبالحق ~~يبطش وبالحق يمشي فيحب منها ما يحبه الله ويبغض منها ما يبغضه الله ويوالي ~~منها ما والاه الله ويعادي منها ما عاداه # PageV10P222 # الله ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله ويرجو الله فيها ولا يرجوها في ~~الله فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق ~~الموحد بمعرفة الأنبياء والمرسلين وبحقيقتهم وتوحيدهم. (وأما النوع الثالث) ~~وهو الفناء في الموجود: فهو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة ~~وأمثالهم. وهذا النوع الذي عليه أتباع الأنبياء هو " الفناء المحمود " الذي ~~يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين ~~وجنده الغالبين. وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه ~~بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات فإن هذا لا يقوله إلا من ms3056 هو في ~~غاية الضلال والفساد؟ إما فساد العقل؛ وإما فساد الاعتقاد. فهو متردد بين ~~الجنون والإلحاد. # وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ~~ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث؛ وتمييز ~~الخالق عن المخلوق. وهذا في كلامهم # PageV10P223 # أكثر من أن يمكن ذكره هنا. وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض ~~والشبهات؛ وأن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسموات ~~لعدم التمييز والفرقان في قلبه؛ بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو ~~الشمس التي في السماء. وهم قد يتكلمون في " الفرق والجمع " ويدخل في ذلك من ~~العبارات الملفتة نظير ما دخل في الفناء فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة ~~في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها متشتتا ناظرا إليها متعلقا بها: إما ~~محبة وإما خوفا وإما رجاء؛ فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله ~~وعبادته وحده لا شريك له فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين ~~فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاؤه لربه واستعانته بربه وهو في هذا ~~الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق. فقد ~~يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا وقصدا وهو نظير النوع الثاني من ~~الفناء. ولكن بعد ذلك " الفرق الثاني " وهو: أن يشهد أن المخلوقات قائمة ~~بالله مدبرة بأمره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه ~~سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فيكون مع اجتماع قلبه على الله ~~- إخلاصا له ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه # PageV10P224 # ومعاداة فيه وأمثال ذلك - ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزا بين ~~هذا وهذا يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه ~~وخالقه وأنه هو الله لا إله إلا هو وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم وذلك ~~واجب في علم القلب وشهادته ms3057 وذكره ومعرفته: في حال القلب وعبادته وقصده ~~وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. وذلك تحقيق " شهادة أن لا إله إلا الله " ~~فإنه ينفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق ويثبت في قلبه ألوهية الحق فيكون ~~نافيا لألوهية كل شيء من المخلوقات مثبتا لألوهية رب العالمين رب الأرض ~~والسموات وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه فيكون ~~مفرقا: في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق ~~والمخلوق بحيث يكون عالما بالله تعالى ذاكرا له عارفا به وهو مع ذلك عالم ~~بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده دونهم ويكون محبا لله معظما له عابدا ~~له راجيا له خائفا منه مواليا فيه معاديا فيه مستعينا به متوكلا عليه ~~ممتنعا عن عبادة غيره والتوكل عليه والاستعانة به والخوف منه والرجاء له ~~والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص ~~إلهية الله سبحانه وتعالى. وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن ~~إقراره بربوبيته وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره فحينئذ يكون موحدا ~~لله. ويبين ذلك أن أفضل الذكر " لا إله إلا الله " كما رواه الترمذي وابن ~~أبي # PageV10P225 # الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل ~~الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} وفي الموطأ وغيره عن طلحة ~~بن عبد الله بن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أفضل ما قلت أنا ~~والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير} . ومن زعم أن هذا ذكر العامة وأن ذكر الخاصة هو الاسم ~~المفرد وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون. واحتجاج بعضهم ~~على ذلك بقوله: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} من أبين غلط هؤلاء فإن ~~الاسم هو مذكور في الأمر بجواب الاستفهام. وهو قوله: {قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} إلى قوله {قل الله} أي الله الذي أنزل ms3058 ~~الكتاب الذي جاء به موسى فالاسم مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام كما في ~~نظائر ذلك تقول: من جاره فيقول زيد. وأما الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فليس ~~بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي ولم ~~يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالا نافعا وإنما يعطيه تصورا مطلقا لا ~~يحكم عليه بنفي ولا إثبات فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد ~~بنفسه # PageV10P226 # وإلا لم يكن فيه فائدة. والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ~~ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون ~~من الإلحاد وأنواع من الاتحاد. كما قد بسط في غير هذا الموضع. وما يذكر عن ~~بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات. حال لا يقتدى ~~فيها بصاحبها فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به؛ إذ لو مات العبد في هذه ~~الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه إذ الأعمال بالنيات وقد ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله وقال: {من كان آخر ~~كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} ولو كان ما ذكره محذورا لم يلقن الميت ~~كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتا غير محمود بل كان يلقن ما اختاره من ذكر ~~الاسم المفرد. والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة وأدخل في البدعة ~~وأقرب إلى إضلال الشيطان فإن من قال: يا هو يا هو أو: هو هو. ونحو ذلك لم ~~يكن الضمير عائدا إلا إلى ما يصوره قلبه والقلب قد يهتدي وقد يضل وقد صنف ~~صاحب " الفصوص " كتابا سماه " كتاب الهو " وزعم بعضهم أن قوله: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} معناه وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو " الهو ". وقيل ~~هذا وإن كان مما اتفق المسلمون ms3059 بل # PageV10P227 # العقلاء على أنه من أبين الباطل فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء. حتى قلت ~~مرة لبعض من قال شيئا من ذلك لو كان هذا كما قلته لكتبت (وما يعلم) تأويل ~~هو منفصلة. ثم كثيرا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: " الله " ~~بقوله: {قل الله ثم ذرهم} ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد ~~وهذا غلط باتفاق أهل العلم فإن قوله: {قل الله} معناه الله الذي أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى. وهو جواب لقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله} أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى. رد بذلك قول من قال: ما أنزل الله على بشر من شيء فقال: {من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى} ثم قال: {قل الله} أنزله ثم ذر هؤلاء المكذبين ~~{في خوضهم يلعبون} . ومما يبين ما تقدم: ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة ~~النحو أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاما لا يحكون به ما كان قولا فالقول ~~لا يحكى به إلا كلام تام أو جملة اسمية أو فعلية ولهذا يكسرون إن إذا جاءت ~~بعد القول فالقول لا يحكى به اسم والله تعالى لا يأمر أحدا بذكر اسم مفرد ~~ولا شرع للمسلمين اسما مفردا مجردا والاسم المجرد لا يفيد الإيمان # PageV10P228 # باتفاق أهل الإسلام ولا يؤمر به في شيء من العبادات ولا في شيء من ~~المخاطبات. ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب مر ~~بمؤذن يقول: " أشهد أن محمدا رسول الله " بالنصب فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا ~~الاسم فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟ . وما في القرآن من قوله: {واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} وقوله: {قد أفلح ~~من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} ونحو ذلك لا ~~يقتضي ذكره مفردا بل في ms3060 السنن أنه {لما نزل قوله: {فسبح باسم ربك العظيم} ~~قال اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} قال اجعلوها في ~~سجودكم} فشرع لهم أن يقولوا في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ~~ربي الأعلى. وفي الصحيح {أنه كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي ~~سجوده: سبحان ربي الأعلى} وهذا هو معنى قوله: {اجعلوها في ركوعكم} و ~~{سجودكم} باتفاق المسلمين. فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو ~~بالكلام التام المفيد كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان # PageV10P229 # الله والحمد لله ولا إله إلا الله. والله أكبر} وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان ~~إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم} . وفي الصحيحين عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله له حرزا من ~~الشيطان يومه ذلك حتى يمسي. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ~~ما قال أو زاد عليه. ومن قال في يومه مائة مرة: سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر} . وفي الموطأ وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} . ~~وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل الذكر لا ~~إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} . ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ~~ما يقال من الذكر والدعاء. وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى {ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه} وقوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه} ms3061 إنما هو قوله: بسم الله. وهذا جملة تامة إما اسمية على أظهر # PageV10P230 # قولي النحاة؛ أو فعلية؛ والتقدير ذبحي باسم الله أو أذبح باسم الله وكذلك ~~قول القارئ (بسم الله الرحمن الرحيم) فتقديره: قراءتي بسم الله؛ أو أقرأ ~~بسم الله. ومن الناس من يضمر في مثل هذا ابتدائي بسم الله؛ أو ابتدأت بسم ~~الله. والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول بسم الله ليس مجرد ابتدائه كما ~~أظهر المضمر في قوله {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وفي قوله: {بسم الله مجراها ~~ومرساها} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم {من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح ~~مكانها أخرى. ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله} . ومن هذا الباب قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: {سم الله وكل ~~بيمينك؛ وكل مما يليك} فالمراد أن يقول بسم الله. ليس المراد أن يذكر الاسم ~~مجردا. وكذلك قوله في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم {إذا أرسلت كلبك المعلم ~~وذكرت اسم الله فكل} وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {إذا دخل الرجل منزله ~~فذكر اسم الله عند دخوله؛ وعند خروجه. وعند طعامه. قال الشيطان لا مبيت لكم ~~ولا عشاء} وأمثال ذلك كثير. وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم ~~وأعيادهم من ذكر الله تعالى إنما هو بالجملة التامة. كقول المؤذن: الله ~~أكبر. الله # PageV10P231 # أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله؛ أشهد أن محمدا رسول الله. وقول المصلي: ~~الله أكبر. سبحان ربي العظيم. سبحان ربي الأعلى. سمع الله لمن حمده. ربنا ~~ولك الحمد. التحيات لله. وقول الملبي: لبيك اللهم لبيك. وأمثال ذلك. فجميع ~~ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام. لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر. ~~وهذا هو الذي يسمى في اللغة كلمة كقوله: {كلمتان خفيفتان على اللسان. ~~ثقيلتان في الميزان. حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم} وقوله {أفضل كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله ~~باطل} ومنه قوله تعالى ms3062 {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} الآية وقوله: {وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا} وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة في الكتاب ~~والسنة بل وسائر كلام العرب فإنما يراد به الجملة التامة كما كانوا ~~يستعملون الحرف في الاسم فيقولون: هذا حرف غريب. أي لفظ الاسم غريب. وقسم ~~سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم وفعل. وكل من هذه ~~الأقسام يسمى حرفا لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل؛ ~~وسمى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء ~~وغيرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من قرأ القرآن فأعربه فله بكل ~~حرف # PageV10P232 # عشر حسنات: أما أني لا أقول: الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف} ~~[وقد سأل الخليل أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا: زاي فقال: جئتم ~~بالاسم وإنما الحرف " ز "] . (*) ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى ~~في اللغة بالحرف يسمى كلمة وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا ~~فعل كحروف الجر ونحوها وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس ~~الحرف من اللفظ وتارة باسم ذلك الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من ~~اعتاده أنه هكذا في لغة العرب ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظا ~~مشتركا بين الاسم مثلا وبين الجملة ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة ~~إلا الجملة التامة. والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره " ~~بجملة تامة " وهو المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة وهو الذي ينفع القلوب ~~ويحصل به الثواب والأجر والقرب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من ~~المطالب العالية والمقاصد السامية. وأما الاقتصار على " الاسم المفرد " ~~مظهرا أو مضمرا فلا أصل له فضلا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين بل هو ~~وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من ~~أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا ms3063 الموضع. ~~PageV10P233 # و ### | جماع الدين " أصلان " # ألا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: ~~{فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . ~~وذلك تحقيق " الشهادتين ": شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول ~~الله. ففي الأولى أن لا نعبد إلا إياه وفي الثانية أن محمدا هو رسوله ~~المبلغ عنه. فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ~~ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة. قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . كما أنا ~~مأمورون ألا نخاف إلا الله ولا نتوكل إلا على الله ولا نرغب إلا إلى الله ~~ولا نستعين إلا بالله وألا تكون عبادتنا إلا لله فكذلك نحن مأمورون أن نتبع ~~الرسول ونطيعه ونتأسى به فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ~~قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فجعل الإيتاء لله والرسول كما ~~قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وجعل التوكل على الله ~~وحده بقوله: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل ورسوله كما قال في (الآية الأخرى) ~~{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل} ومثله قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين} أي # PageV10P234 # حسبك وحسب المؤمنين كما قال: {أليس الله بكاف عبده} . ثم قال: {سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله} فجعل الإيتاء لله والرسول وقدم ذكر الفضل؛ لأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وله الفضل على رسوله وعلى ~~المؤمنين وقال: {إنا إلى الله راغبون} فجعل الرغبة إلى الله وحده كما في ~~قوله: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} {وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن ms3064 بالله} . والقرآن يدل ~~على مثل هذا في غير موضع. فجعل العبادة والخشية والتقوى لله وجعل الطاعة ~~والمحبة لله ورسوله كما في قول نوح عليه السلام {أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون} وقوله: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~وأمثال ذلك. فالرسل أمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل عليه والطاعة ~~لهم. فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول ف {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} فجعلوا يرغبون ~~إليهم ويتوكلون عليهم ويسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفاتهم لسنتهم وهدى ~~الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه # PageV10P235 # فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين فأخلصوا دينهم لله وأسلموا ~~وجوههم لله وأنابوا إلى ربهم وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه ~~وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم ~~ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم. وذلك هو دين الإسلام ~~الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو الدين الذي لا يقبل الله ~~من أحد دينا إلا إياه وهو حقيقة العبادة لرب العالمين. فنسأل الله العظيم ~~أن يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين. والحمد ~~لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV10P236 # سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {دعوة أخي ذي النون: {لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين} . ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته} ما ~~معنى هذه الدعوة؟ ولم كانت كاشفة للكرب؟ وهل لها شروط باطنة عند النطق ~~بلفظها؟ وكيف مطابقة اعتقاد القلب لمعناها. حتى يوجب كشف ضره؟ وما مناسبة ~~ذكره: {إني كنت من الظالمين} مع أن التوحيد. يوجب كشف الضر؟ وهل يكفيه ~~اعترافه. أم لا بد من التوبة والعزم في المستقبل؟ وما هو السر في أن كشف ~~الضر وزواله يكون عند انقطاع الرجاء عن الخلق والتعلق بهم؟ وما الحيلة في ~~انصراف القلب عن الرجاء للمخلوقين والتعلق بهم بالكلية وتعلقه بالله تعالى ~~ورجائه ms3065 وانصرافه إليه بالكلية وما السبب المعين على ذلك؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لفظ " الدعاء والدعوة " في القرآن يتناول معنيين. ~~دعاء العبادة. # PageV10P237 # ودعاء المسألة. قال الله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين} وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} وقال تعالى: {ولا تدع مع الله إلها ~~آخر لا إله إلا هو} وقال: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا} وقال {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} وقال ~~تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} وقال تعالى: {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} وقال ~~في آخر السورة: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} . قيل: لولا دعاؤكم إياه ~~وقيل لولا دعاؤه إياكم. فإن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول تارة ~~ولكن إضافته إلى الفاعل أقوى؛ لأنه لا بد له من فاعل فلهذا كان هذا أقوى ~~القولين؟ أي ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه وتسألونه: {فقد كذبتم ~~فسوف يكون لزاما} أي عذاب لازم للمكذبين. ولفظ " الصلاة في اللغة " أصله ~~الدعاء وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو العبادة والمسألة. # PageV10P238 # وقد فسر قوله تعالى {ادعوني أستجب لكم} بالوجهين قيل: اعبدوني وامتثلوا ~~أمري أستجب لكم. كما قال تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي ~~يستجيب لهم وهو معروف في اللغة يقال: استجابه واستجاب له كما قال الشاعر: ~~وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقيل: سلوني أعطكم. ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من ~~يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له} فذكر أولا لفظ الدعاء ثم ms3066 ذكر السؤال ~~والاستغفار. والمستغفر سائل كما أن السائل داع؛ لكن ذكر السائل لدفع الشر ~~بعد السائل الطالب للخير وذكرهما جميعا بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما ~~وغيرهما فهو من باب عطف الخاص على العام. وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} . وكل سائل راغب راهب فهو عابد ~~للمسؤول وكل عابد له # PageV10P239 # فهو أيضا راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل ~~عابد. فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه ولكن إذا جمع بينهما: فإنه ~~يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب. ويراد ~~بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال. والعابد ~~الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب راهب: يرغب في حصول ~~مراده ويرهب من فواته. قال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} ~~ولا يتصور أن يخلو داع لله - دعاء عبادة أو دعاء مسألة - من الرغب والرهب ~~من الخوف والطمع. وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات ~~العامة فهذا قد يفسر مراده بأن المقربين يريدون وجه الله فيقصدون التلذذ ~~بالنظر إليه وإن لم يكن هناك مخلوق يتلذذون به وهؤلاء يرجون حصول هذا ~~المطلوب ويخافون حرمانه فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن مرجوهم ومخوفهم ~~بحسب مطلوبهم. ومن قال من هؤلاء: لم أعبدك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك # PageV10P240 # فهو يظن أن الجنة اسم لما يتمتع فيه بالمخلوقات والنار اسم لما لا عذاب ~~فيه إلا ألم المخلوقات وهذا قصور وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما ~~أعده الله لأوليائه فهو من الجنة والنظر إليه هو من الجنة ولهذا كان أفضل ~~الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ولما سأل بعض أصحابه عما يقول ~~في صلاته {قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار أما إني لا أحسن ~~دندنتك ولا ms3067 دندنة معاذ فقال: حولها ندندن} وقد أنكر على من قال هذا الكلام ~~يعني أسألك لذة النظر إلى وجهك فريق من أهل الكلام ظنوا أن الله لا يتلذذ ~~بالنظر إليه وأنه لا نعيم إلا بمخلوق. فغلط هؤلاء في معنى الجنة كما غلط ~~أولئك لكن أولئك طلبوا ما يستحق أن يطلب وهؤلاء أنكروا ذلك. وأما التألم ~~بالنار فهو أمر ضروري ومن قال: لو أدخلني النار لكنت راضيا فهو عزم منه على ~~الرضا. والعزائم قد تنفسخ عند وجود الحقائق ومثل هذا يقع في كلام طائفة مثل ~~سمنون الذي قال: وليس لي في سواك حظ فكيفما شئت فامتحني فابتلي بعسر البول ~~فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. قال تعالى: {ولقد ~~كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} . # PageV10P241 # وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات ~~العامة بناء على مشاهدة القدر وأن من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني ~~من لم يكن وبقي من لم يزل يخرج عن هذه الأمور وهذا كلام مستدرك حقيقة ~~وشرعا. أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا يكون حساسا محبا لما يلائمه ~~مبغضا لما ينافره ومن قال إن الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد ~~رجلين: إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل وإما أنه مكابر معاند ولو قدر ~~أن الإنسان حصل له حال أزال عقله - سواء سمي اصطلاما أو محوا أو فناء أو ~~غشيا أو ضعفا - فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه ~~وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها. فمن زعم أن ~~المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقا فإنه ~~غالط بل لا بد من الفرق فإنه أمر ضروري. لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي ~~في الفرق الطبعي فيبقى متبعا لهواه لا مطيعا لمولاه. # PageV10P242 # ولهذا لما وقعت " هذه المسألة " بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم " الفرق ~~الثاني " وهو: أن يفرق ms3068 بين المأمور والمحظور وبين ما يحبه الله وما يكرهه ~~مع شهوده للمقدر الجامع فيشهد الفرق في القدر الجامع. ومن لم يفرق بين ~~المأمور والمحظور خرج عن دين الإسلام. وهؤلاء الذين يتكلمون في الجمع لا ~~يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية وإن خرجوا عنه كانوا كفارا من شر الكفار ~~وهم الذين يخرجون إلى التسوية بين الرسل وغيرهم ثم يخرجون إلى القول بوحدة ~~الوجود فلا يفرقون بين الخالق والمخلوق؛ ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا ~~الإلحاد بل يفرقون من وجه دون وجه فيطيعون الله ورسوله تارة ويعصون الله ~~ورسوله تارة كالعصاة من أهل القبلة. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. ~~والمقصود هنا: أن لفظ " الدعوة والدعاء " يتناول هذا وهذا قال الله تعالى: ~~{وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} وفي الحديث: {أفضل الذكر لا إله ~~إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: {دعوة أخي ذي ~~النون {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ما دعا بها مكروب إلا ~~فرج الله كربته} سماها " دعوة " لأنها تتضمن نوعي الدعاء. فقوله لا إله إلا ~~أنت اعتراف بتوحيد الإلهية. # PageV10P243 # وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء فإن الإله هو المستحق لأن يدعى ~~دعاء عبادة ودعاء مسألة وهو الله لا إله إلا هو. وقوله: {إني كنت من ~~الظالمين} اعتراف بالذنب وهو يتضمن طلب المغفرة فإن الطالب السائل تارة ~~يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر إما بوصف حاله وإما بوصف حال ~~المسئول وإما بوصف الحالين. كقول نوح عليه السلام {رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} فهذا ليس صيغة طلب ~~وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر. ولكن هذا الخبر ~~يتضمن سؤال المغفرة وكذلك قول آدم عليه السلام {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} هو من هذا ms3069 الباب ومن ذلك قول موسى ~~عليه السلام {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} فإن هذا وصف لحاله بأنه ~~فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير ~~إليه. وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} رواه ~~الترمذي وقال حديث حسن ورواه مالك بن الحويرث وقال: {من شغله ذكري عن ~~مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} # PageV10P244 # وأظن البيهقي رواه مرفوعا بهذا اللفظ. وقد سئل سفيان بن عيينة عن قوله: ~~{أفضل الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير} فذكر هذا الحديث وأنشد قول أمية بن أبي الصلت يمدح ~~ابن جدعان. أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك ~~المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء قال: فهذا مخلوق يخاطب مخلوقا فكيف ~~بالخالق تعالى. ومن هذا الباب الدعاء المأثور عن موسى عليه السلام " اللهم ~~لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان " فهذا ~~خبر يتضمن السؤال. ومن هذا الباب قول أيوب عليه السلام {أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين} فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهي ~~صيغة خبر تضمنت السؤال. وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والدعاء فقول ~~القائل لمن يعظمه ويرغب إليه: أنا جائع أنا # PageV10P245 # مريض حسن أدب في السؤال. وإن كان في قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو ~~بصيغة الطلب طلب جازم من المسئول فذاك فيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل ~~والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة ~~الطلب. وهذه الصيغة " صيغة الطلب والاستدعاء " إذا كانت لمن يحتاج إليه ~~الطالب أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك فإنها تقال على وجه ~~الأمر: إما لما في ذلك من حاجة الطالب وإما لما فيه من نفع المطلوب فأما ms3070 ~~إذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه فإنها سؤال محض بتذلل ~~وافتقار وإظهار الحال. ووصف الحاجة والافتقار هو سؤال بالحال وهو أبلغ من ~~جهة العلم والبيان. وذلك أظهر من جهة القصد والإرادة فلهذا كان غالب الدعاء ~~من القسم الثاني؛ لأن الطالب السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه ويسأله فهو ~~سؤال بالمطابقة والقصد الأول وتصريح به باللفظ وإن لم يكن فيه وصف لحال ~~السائل والمسئول فإن تضمن وصف حالهما كان أكمل من النوعين فإنه يتضمن الخبر ~~والعلم المقتضي للسؤال والإجابة؛ ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال ~~فيتضمن السؤال والمقتضي له والإجابة # PageV10P246 # كقول النبي صلى الله عليه وسلم {لأبي بكر الصديق رضي الله عنها لما قال: ~~له علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم} . أخرجاه في الصحيحين. فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته ~~إلى المغفرة وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره وفيه ~~التصريح بسؤال العبد لمطلوبه وفيه بيان المقتضي للإجابة وهو وصف الرب ~~بالمغفرة والرحمة فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب. وكثير من الأدعية يتضمن بعض ~~ذلك. كقول موسى عليه السلام {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين} فهذا طلب ووصف للمولى بما يقتضي الإجابة. وقوله: {رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي} فيه وصف حال النفس والطلب. وقوله: {إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير} فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال فهذه أنواع لكل نوع منها خاصة. ~~يبقى أن يقال فصاحب الحوت ومن أشبهه لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر ~~دون صيغة الطلب؟ # PageV10P247 # فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي فأصل ~~الشر هو الذنب والمقصود دفع الضر والاستغفار جاء بالقصد الثاني فلم يذكر ~~صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه ~~فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه ms3071 من الاعتراف بظلمه ولم يذكر صيغة طلب ~~المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه ~~مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة ~~إليه من زوال الضرر الحاصل من الحال قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر ~~في المستقبل بالقصد الثاني والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة وطلب ~~كشف الضر فهذا مقدم في قصده وإرادته وأبلغ ما ينال به رفع سببه فجاء بما ~~يحصل مقصوده. وهذا يتبين بالكلام على قوله: (سبحانك) فإن هذا اللفظ يتضمن ~~تعظيم الرب وتنزيهه والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب يقول: ~~أنت مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب؛ بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي. ~~قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وقال تعالى: {وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} وقال: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} ~~وقال آدم عليه السلام {ربنا ظلمنا أنفسنا} . # PageV10P248 # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي في مسلم في ~~دعاء الاستفتاح {اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت ~~نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} وفي ~~صحيح البخاري {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ~~خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من ~~قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا ~~بها فمات من ليلته دخل الجنة} . فالعبد عليه أن يعترف بعدل الله وإحسانه ~~فإنه لا يظلم الناس شيئا فلا يعاقب أحدا إلا بذنبه وهو يحسن إليهم فكل نقمة ~~منه عدل وكل نعمة منه فضل. فقوله: {لا إله إلا أنت} فيه إثبات انفراده ~~بالإلهية والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته ففيها إثبات ~~إحسانه إلى العباد فإن " الإله " هو ms3072 المألوه والمألوه هو الذي يستحق أن ~~يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو ~~المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع؛ والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية ~~الذل. # PageV10P249 # وقوله: (سبحانك) يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائض؛ فإن ~~التسبيح وإن كان يقال: يتضمن نفي النقائص وقد روي في حديث مرسل من مراسيل ~~موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول العبد: سبحان الله: {إنها ~~براءة الله من السوء} فالنفي لا يكون مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا وإلا فالنفي ~~المحض لا مدح فيه ونفي السوء والنقص عنه يستلزم إثبات محاسنه وكماله ولله ~~الأسماء الحسنى. وهكذا عامة ما يأتي به القرآن في نفي السوء والنقص عنه ~~يتضمن إثبات محاسنه وكماله. كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم} فنفي أخذ السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته ~~وقوله: {وما مسنا من لغوب} يتضمن كمال قدرته ونحو ذلك. فالتسبيح المتضمن ~~تنزيهه عن السوء ونفي النقص عنه يتضمن تعظيمه. ففي قوله: (سبحانك) تبرئته ~~من الظلم وإثبات العظمة الموجبة له براءته من الظلم فإن الظالم إنما يظلم ~~لحاجته إلى الظلم أو لجهله والله غني عن كل شيء عليم بكل شيء وهو غني بنفسه ~~وكل ما سواه فقير إليه وهذا كمال العظمة. وأيضا ففي هذا الدعاء التهليل ~~والتسبيح فقوله: {لا إله إلا أنت} تهليل. وقوله: {سبحانك} تسبيح. وقد ثبت ~~في الصحيح عن # PageV10P250 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل الكلام بعد القرآن أربع. وهن من ~~القرآن. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} . والتحميد ~~مقرون بالتسبيح وتابع له والتكبير مقرون بالتهليل وتابع له وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله ~~لملائكته سبحان الله وبحمده} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: ~~سبحان ms3073 الله وبحمده سبحان الله العظيم} وفي القرآن {فسبح بحمد ربك} وقالت ~~الملائكة: {ونحن نسبح بحمدك} . وهاتان الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد ~~والأخرى بالتعظيم فإنا قد ذكرنا أن التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن ~~إثبات المحاسن والكمال والحمد إنما يكون على المحاسن. وقرن بين الحمد ~~والتعظيم كما قرن بين الجلال والإكرام إذ ليس كل معظم محبوبا محمودا ولا كل ~~محبوب محمودا معظما وقد تقدم أن العبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى ~~الحمد وتتضمن كمال الذل المتضمن معنى التعظيم ففي العبادة حبه وحمده على ~~المحاسن وفيها الذل له الناشئ عن عظمته وكبريائه. ففيها إجلاله وإكرامه. ~~وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام فهو مستحق غاية الإجلال وغاية الإكرام. # PageV10P251 # ومن الناس من يحسب أن " الجلال " هو الصفات السلبية و " الإكرام " الصفات ~~الثبوتية كما ذكر ذلك الرازي ونحوه والتحقيق أن كليهما صفات ثبوتية وإثبات ~~الكمال يستلزم نفي النقائض لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق أن يحب وما ~~يستحق أن يعظم: كقوله: {إن الله هو الغني الحميد} وقول سليمان عليه السلام ~~{فإن ربي غني كريم} وكذلك قوله: {له الملك وله الحمد} فإن كثيرا ممن يكون ~~له الملك والغنى لا يكون محمودا بل مذموما إذ الحمد يتضمن الإخبار عن ~~المحمود بمحاسنه المحبوبة فيتضمن إخبارا بمحاسن المحبوب محبة له. وكثير ممن ~~له نصيب من الحمد والمحبة يكون فيه عجز وضعف وذل ينافي العظمة والغنى ~~والملك. فالأول يهاب ويخاف ولا يحب. وهذا يحب ويحمد ولا يهاب ولا يخاف. ~~والكمال اجتماع الوصفين. كما ورد في الأثر {إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة} ~~وفي نعت النبي صلى الله عليه وسلم {كان من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة ~~أحبه} . فقرن التسبيح بالتحميد وقرن التهليل بالتكبير؛ كما في كلمات ~~الأذان. ثم إن كل واحد من النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد: فإن التسبيح ~~والتحميد يتضمن التعظيم؛ ويتضمن إثبات ما يحمد عليه وذلك يستلزم الإلهية ~~فإن الإلهية تتضمن كونه محبوبا؛ بل تتضمن أنه لا يستحق كمال الحب إلا هو. ~~والحمد هو الإخبار عن المحمود بالصفات التي ms3074 يستحق أن يحب فالإلهية # PageV10P252 # تتضمن كمال الحمد؛ ولهذا كان " الحمد لله " مفتاح الخطاب؛ وكل أمر ذي بال ~~لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " وسبحان الله " فيها إثبات عظمته كما ~~قدمناه؛ ولهذا قال: {فسبح باسم ربك العظيم} وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {اجعلوها في ركوعكم} رواه أهل السنن وقال {أما الركوع فعظموا فيه الرب ~~وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم} رواه مسلم. فجعل ~~التعظيم في الركوع أخص منه بالسجود والتسبيح يتضمن التعظيم. ففي قوله " ~~سبحان الله وبحمده " إثبات تنزيهه وتعظيمه وإلهيته وحمده. وأما قوله: " لا ~~إله إلا الله والله أكبر " ففي لا إله إلا الله إثبات محامده فإنها كلها ~~داخلة في إثبات إلهيته وفي قوله: " الله أكبر " إثبات عظمته فإن الكبرياء ~~تتضمن العظمة ولكن الكبرياء أكمل. ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة ~~والأذان بقول: " الله أكبر " فإن ذلك أكمل من قول الله أعظم كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى الكبرياء ~~ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما عذبته} فجعل العظمة كالإزار ~~والكبرياء كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف فلما كان التكبير أبلغ من التعظيم ~~صرح بلفظه وتضمن ذلك التعظيم وفي قوله: سبحان الله صرح فيها بالتنزيه من ~~السوء المتضمن للتعظيم فصار كل من الكلمتين # PageV10P253 # متضمنا معنى الكلمتين الأخريين إذا أفردتا وعند الاقتران تعطى كل كلمة ~~خاصيتها. وهذا كما أن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر؛ فإنه ~~يدل على الذات والذات تستلزم معنى الاسم الآخر لكن هذا باللزوم. وأما دلالة ~~كل اسم على خاصيته وعلى الذات بمجموعهما فبالمطابقة ودلالتها على أحدهما ~~بالتضمن. فقول الداعي: {لا إله إلا أنت سبحانك} يتضمن معنى الكلمات الأربع ~~اللاتي هن أفضل الكلام بعد القرآن. وهذه الكلمات تتضمن معاني أسماء الله ~~الحسنى وصفاته العليا ففيها كمال المدح. وقوله: {إني كنت من الظالمين} فيه ~~اعتراف بحقيقة حاله وليس لأحد من العباد أن يبرئ نفسه عن هذا الوصف لا سيما ~~في مقام مناجاته ms3075 لربه. وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى} وقال: {من قال: أنا ~~خير من يونس بن متى فقد كذب} فمن ظن أنه خير من يونس بحيث يعلم أنه ليس ~~عليه أن يعترف بظلم نفسه فهو كاذب ولهذا كان سادات الخلائق لا يفضلون ~~أنفسهم على يونس في هذا المقام بل يقولون: كما قال أبوهم آدم وخاتمهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # PageV10P254 # فصل: # وأما قول السائل: لم كانت موجبة لكشف الضر؟ فذلك لأن الضر لا يكشفه إلا ~~الله. كما قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله} والذنوب سبب للضر والاستغفار يزيل أسبابه كما قال ~~تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ~~فأخبر أنه سبحانه لا يعذب مستغفرا. وفي الحديث: {من أكثر الاستغفار جعل ~~الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب} وقال ~~تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} فقوله: {إني ~~كنت من الظالمين} اعتراف بالذنب وهو استغفار فإن هذا الاعتراف متضمن طلب ~~المغفرة. وقوله: {لا إله إلا أنت} تحقيق لتوحيد الإلهية فإن الخير لا موجب ~~له إلا مشيئة الله فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمعوق له # PageV10P255 # من العبد هو ذنوبه وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله وإن كانت ~~أفعال العباد بقدر الله تعالى لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا ~~للنجاة والسعادة فشهادة التوحيد تفتح باب الخير والاستغفار من الذنوب يغلق ~~باب الشر. ولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله ~~أن يظلمه: فإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون؛ بل يخاف ~~أن يجزيه بذنوبه وهذا معنى ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يرجون ~~عبد إلا ربه ولا يخافن ms3076 إلا ذنبه. وفي الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه دخل على مريض فقال: كيف تجدك؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي ~~فقال ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه ~~مما يخاف} . فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ~~ولا عمله فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك وإن كان الله قد جعل لها أسبابا ~~فالسبب لا يستقل بنفسه بل لا بد له من معاون ولا بد أن يمنع المعارض المعوق ~~له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى. # PageV10P256 # ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون ~~أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ولهذا قال ~~الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} فأمر بأن تكون الرغبة إليه ~~وحده وقال: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} فالقلب لا يتوكل إلا على من ~~يرجوه فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ~~ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب وما رجا ~~أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: {ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} . وكذلك ~~المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب كما قال تعالى: {سنلقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} والخالص من ~~الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا ~~بالشرك. ففي الصحيح عن ابن مسعود {أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما هذا الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك ms3077 لظلم ~~عظيم} } # PageV10P257 # وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب} {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب} {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من ~~النار} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ولهذا يذكر الله ~~الأسباب ويأمر بألا يعتمد عليها ولا يرجى إلا الله قال تعالى لما أنزل ~~الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من ~~عند الله العزيز الحكيم} وقال: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقد قدمنا أن ~~الدعاء نوعان. دعاء عبادة ودعاء مسألة. وكلاهما لا يصلح إلا لله فمن جعل مع ~~الله إلها آخر قعد مذموما مخذولا والراجي سائل طالب فلا يصلح أن يرجو إلا ~~الله ولا يسأل # PageV10P258 # غيره ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ما أتاك من ~~هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك} . فالمشرف ~~الذي يستشرف بقلبه والسائل الذي يسأل بلسانه وفي الحديث الذي في الصحيحين ~~عن أبي سعيد الخدري {قال: أصابتنا فاقة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأسأله فوجدته يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس والله مهما يكن عندنا من ~~خير فلن ندخره عنكم وإنه من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن ~~يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر} . و " الاستغناء ~~" أن لا يرجو بقلبه أحدا فيتشرف إليه و " الاستعفاف ألا يسأل بلسانه أحدا؛ ~~ولهذا لما سئل ms3078 أحمد بن حنبل عن التوكل فقال: قطع الاستشراف إلى الخلق؛ أي ~~لا يكون في قلبك أن أحدا يأتيك بشيء فقيل له: فما الحجة في ذلك؟ فقال: قول ~~الخليل لما قال له جبرائيل هل لك من حاجة؟ فقال: " أما إليك فلا ". فهذا ~~وما يشبهه مما يبين أن العبد في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره لا يوجه قلبه ~~إلا إلى الله؛ فلهذا قال المكروب: (لا إله إلا أنت) . ومثل هذا ما في ~~الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم {كان يقول: عند الكرب لا ~~إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم # PageV10P259 # لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم} فإن هذه الكلمات ~~فيها تحقيق التوحيد وتأله العبد ربه وتعلق رجائه به وحده لا شريك له وهي ~~لفظ خبر يتضمن الطلب. والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله ~~فقول العبد لها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة ~~الله. قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} {أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} فمن ~~جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه ~~وهذا حال المشركين الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه فهم يتخذون أندادا من دون ~~الله يحبونهم كحب الله ولهذا قال الخليل: {لا أحب الآفلين} . فإن قومه لم ~~يكونوا منكرين للصانع ولكن كان أحدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه نافعا له ~~كالشمس والقمر والكواكب والخليل بين أن الآفل يغيب عن عابده وتحجبه عنه ~~الحواجب فلا يرى عابده ولا يسمع كلامه ولا يعلم حاله ولا ينفعه ولا يضره ~~بسبب ولا غيره فأي وجه لعبادة من يأفل. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول: لا ~~إله إلا الله خرج من قلبه # PageV10P260 # تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا ms3079 المخلصين} . فعلل صرف السوء والفحشاء عنه ~~بأنه من عباد الله المخلصين وهؤلاء هم الذين قال فيهم: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان} وقال الشيطان: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم ~~المخلصين} . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار} . فإن الإخلاص ~~ينفي أسباب دخول النار؛ فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق ~~إخلاصها المحرم له على النار؛ بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما ~~أدخله النار والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل؛ ولهذا كان العبد ~~مأمورا في كل صلاة أن يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} . والشيطان يأمر ~~بالشرك والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله. إما خوفا ~~منه. وإما رجاء له فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. ~~وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله ~~والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ ~~لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} . # PageV10P261 # فصاحب الهوى الذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه ~~فصار فيه شرك منعه من الاستغفار وأما من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن ~~يرفع عنه الشر؛ فلهذا قال ذو النون: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين} . ولهذا يقرن الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع. كقوله ~~تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ~~وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه} وقوله: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} إلى قوله: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وقوله: ~~{فاستقيموا إليه واستغفروه} . وخاتمة المجلس: {سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ms3080 أن ~~لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك} إن كان مجلس رحمة كانت كالطابع عليه ~~وإن كان مجلس لغو كانت كفارة له وقد روي أيضا أنها تقال في آخر الوضوء بعد ~~أن يقال: {أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين} . وهذا الذكر يتضمن ~~التوحيد والاستغفار؛ فإن صدره الشهادتان # PageV10P262 # اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في " الشهادتين " إذ ~~مضمونهما ألا نعبد إلا الله وأن نطيع رسوله و " الدين " كله داخل في هذا في ~~عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ~~ورسوله. وقد روي أنه يقول: {سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك} وهذا كفارة المجلس فقد شرع في آخر المجلس وفي آخر ~~الوضوء وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يختم الصلاة كما في الحديث ~~الصحيح أنه كان يقول في آخر صلاته: {اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما ~~أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا ~~أنت} وهنا قدم الدعاء وختمه بالتوحيد؛ لأن الدعاء مأمور به في آخر الصلاة ~~وختم بالتوحيد ليختم الصلاة بأفضل الأمرين وهو التوحيد بخلاف ما لم يقصد ~~فيه هذا فإن تقديم التوحيد أفضل. فإن جنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل ~~من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في ~~موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخر كما أن الصلاة أفضل من القراءة والقراءة أفضل ~~من الذكر الذي هو ثناء والذكر أفضل من الدعاء الذي هو سؤال ومع هذا ~~فالمفضول له أمكنة وأزمنة # PageV10P263 # وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل لكن أول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو ~~التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله. فإن المسلمين ~~وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلا لا نقدر أن ms3081 ~~نضبطه حتى أن كثيرا منهم يظنون أن التوحيد المفروض هو الإقرار والتصديق بأن ~~الله خالق كل شيء وربه ولا يميزون بين الإقرار بتوحيد الربوبية الذي أقر به ~~مشركو العرب وبين توحيد الإلهية الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا يجمعون بين التوحيد القولي والعملي. فإن المشركين ما كانوا ~~يقولون: إن العالم خلقه اثنان ولا إن مع الله ربا ينفرد دونه بخلق شيء؛ بل ~~كانوا كما قال الله عنهم: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله} وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وقال تعالى: {قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} {قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل ~~فأنى تسحرون} وكانوا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق وحده يجعلون معه آلهة # PageV10P264 # أخرى يجعلونهم شفعاء لهم إليه. ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى. ويحبونهم كحب الله. # والإشراك في الحب والعبادة والدعاء والسؤال غير الإشراك في الاعتقاد ~~والإقرار كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق فهو ~~مشرك به قد اتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله. وإن كان مقرا بأن الله ~~خالقه. ولهذا فرق الله ورسوله بين من أحب مخلوقا لله وبين من أحب مخلوقا مع ~~الله فالأول يكون الله هو محبوبه ومعبوده الذي هو منتهى حبه وعبادته لا يحب ~~معه غيره؛ لكنه لما علم أن الله يحب أنبياءه وعباده الصالحين أحبهم لأجله ~~وكذلك لما علم أن الله يحب فعل المأمور وترك المحظور أحب ذلك فكان حبه لما ~~يحبه تابعا لمحبة الله وفرعا عليه وداخلا فيه. بخلاف من أحب مع الله فجعله ~~ندا لله يرجوه ويخافه أو يطيعه من غير أن يعلم أن طاعته طاعة لله ms3082 ويتخذه ~~شفيعا له من غير أن يعلم أن الله يأذن له أن يشفع فيه قال تعالى: {ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} # PageV10P265 # وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~وقد قال {عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم ما عبدوهم قال: أحلوا لهم ~~الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم} ~~قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال ~~تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} ~~{يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا} . فالرسول وجبت طاعته؛ لأنه من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ومن سوى الرسول ~~من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك إنما تجب طاعتهم إذا كانت طاعتهم ~~طاعة لله وهم إذا أمر الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة في طاعة الرسول ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} . فلم يقل وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ بل جعل طاعة أولي ~~الأمر داخلة في طاعة الرسول؛ وطاعة الرسول طاعة لله وأعاد الفعل في طاعة ~~الرسول دون طاعة أولي الأمر؛ فإنه من يطع الرسول # PageV10P266 # فقد أطاع الله؛ فليس لأحد إذا أمره الرسول بأمر أن ينظر هل أمر الله به ~~أم لا بخلاف أولي الأمر فإنهم قد يأمرون بمعصية الله فليس كل من أطاعهم ~~مطيعا لله بل لا بد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس معصية لله وينظر هل أمر ~~الله به أم لا سواء كان أولي الأمر من العلماء أو الأمراء ويدخل في هذا ~~تقليد العلماء وطاعة أمراء السرايا وغير ذلك وبهذا يكون الدين كله لله قال ~~تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ms3083 الدين كله لله} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لما قيل له: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ~~ويقاتل رياء. فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله} . ثم إن كثيرا من الناس يحب خليفة أو عالما أو ~~شيخا أو أميرا فيجعله ندا لله وإن كان قد يقول: إنه يحبه لله. فمن جعل غير ~~الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله فقد ~~جعله ندا وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح ويدعوه ويستغيث به ويوالي ~~أولياءه ويعادي أعداءه مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه ويحلله ~~ويحرمه ويقيمه مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله ~~تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} . # PageV10P267 # فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب ويكون في أعمال القلب ولهذا قال ~~الجنيد: التوحيد قول القلب والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو ~~التصديق فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن ~~قول القلب وعمله والتوكل من تمام التوحيد. وهذا كلفظ " الإيمان " فإنه إذا ~~أفرد دخلت فيه الأعمال الباطنة والظاهرة وقيل الإيمان قول وعمل أي قول ~~القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه: {الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} . ومنه قوله تعالى ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون ~~حقا} وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} ms3084 . و " الإيمان المطلق " يدخل فيه الإسلام ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه قال لوفد عبد القيس: ~~آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله # PageV10P268 # وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم} ولهذا قال من قال من ~~السلف: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. وأما إذا قرن لفظ الإيمان بالعمل ~~أو بالإسلام فإنه يفرق بينهما كما في قوله تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} وهو في القرآن كثير وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح لما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: ~~{الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. قال: فما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: فما ~~الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك} . ففرق ~~في هذا النص بين الإسلام والإيمان لما قرن بين الاسمين وفي ذلك النص أدخل ~~الإسلام في الإيمان لما أفرده بالذكر. وكذلك لفظ " العمل " فإن الإسلام ~~المذكور هو من العمل والعمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه فإذا حصل ~~إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة وإيمان القلب لا بد فيه من تصديق ~~القلب وانقياده وإلا فلو صدق قلبه بأن محمدا رسول الله وهو يبغضه ويحسده ~~ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه. و " الإيمان " وإن تضمن التصديق ~~فليس هو مرادفا له فلا يقال # PageV10P269 # لكل مصدق بشيء: إنه مؤمن به. فلو قال: أنا أصدق بأن الواحد نصف الاثنين ~~وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا ونحو ذلك مما يشاهده الناس ويعلمونه لم يقل ~~لهذا: إنه مؤمن بذلك؛ بل لا يستعمل إلا فيمن أخبر بشيء من الأمور الغائبة ~~كقول إخوة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} فإنهم أخبروه بما غاب عنه وهم يفرقون ~~بين من آمن له وآمن به فالأول ms3085 يقال للمخبر والثاني يقال للمخبر به كما قال ~~إخوة يوسف {وما أنت بمؤمن لنا} وقال تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه} . وقال تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير ~~لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} ففرق بين إيمانه بالله وإيمانه للمؤمنين؛ ~~لأن المراد يصدق المؤمنين إذا أخبروه وأما إيمانه بالله فهو من باب الإقرار ~~به. ومنه قوله تعالى عن فرعون وملئه: {أنؤمن لبشرين مثلنا} أي نقر لهما ~~ونصدقهما. ومنه قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} ومنه قوله تعالى {فآمن ~~له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} . ومن المعنى الآخر قوله تعالى {يؤمنون ~~بالغيب} وقوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} وقوله: {ولكن البر من آمن # PageV10P270 # بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} أي أقر بذلك ومثل هذا في ~~القرآن كثير. # والمقصود هنا: أن لفظ " الإيمان " إنما يستعمل في بعض الأخبار وهو مأخوذ ~~من الأمن كما أن الإقرار مأخوذ من قر فالمؤمن صاحب أمن كما أن المقر صاحب ~~إقرار فلا بد في ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه فإذا كان عالما بأن محمدا ~~رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه بل كان يبغضه ويحسده ويستكبر عن ~~اتباعه فإن هذا ليس بمؤمن به بل كافر به. ومن هذا الباب كفر إبليس وفرعون ~~وأهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وغير هؤلاء فإن إبليس لم ~~يكذب خبرا ولا مخبرا بل استكبر عن أمر ربه. وفرعون وقومه قال الله فيهم: ~~{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال له موسى: {لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} وقال تعالى: {الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به ~~عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل ~~أشد ms3086 الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV10P271 # يقول: {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع ~~وقلب لا يخشع} ولكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان وأن ~~من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن فإن ذلك يدل على عدم علم قلبه وهذا من أعظم ~~الجهل شرعا وعقلا. وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر؛ ولهذا أطلق ~~وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة كفرهم بذلك فإنه من ~~المعلوم أن الإنسان يكون عالما بالحق ويبغضه لغرض آخر فليس كل من كان ~~مستكبرا عن الحق يكون غير عالم به وحينئذ فالإيمان لا بد فيه من تصديق ~~القلب وعمله وهذا معنى قول السلف: الإيمان قول وعمل. ثم إنه إذا تحقق القلب ~~بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزم وجود الأفعال الظاهرة فإن ~~الإرادة الجازمة إذا اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعا وإنما ~~ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة وإلا فمع كمالها ~~يجب وجود الفعل الاختياري فإذا أقر القلب إقرارا تاما بأن محمدا رسول الله ~~وأحبه محبة تامة امتنع مع ذلك أن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك لكن ~~إن كان عاجزا لخرس ونحوه أو لخوف ونحوه لم يكن قادرا على النطق بهما. # PageV10P272 # و " أبو طالب " وإن كان عالما بأن محمدا رسول الله وهو محب له فلم تكن ~~محبته له لمحبته لله بل كان يحبه لأنه ابن أخيه فيحبه للقرابة وإذا أحب ~~ظهوره فلما يحصل له بذلك من الشرف والرئاسة فأصل محبوبه هو الرئاسة؛ فلهذا ~~لما عرض عليه الشهادتين عند الموت رأى أن بالإقرار بهما زوال دينه الذي ~~يحبه فكان دينه أحب إليه من ابن أخيه فلم يقر بهما - فلو كان يحبه لأنه ~~رسول الله كما كان يحبه أبو بكر الذي قال الله فيه: {وسيجنبها الأتقى} ~~{الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ms3087 ربه ~~الأعلى} {ولسوف يرضى} وكما كان يحبه سائر المؤمنين به كعمر وعثمان وعلي ~~وغيرهم لنطق بالشهادتين قطعا - فكان حبه حبا مع الله لا حبا لله ولهذا لم ~~يقبل الله ما فعله من نصر الرسول ومؤازرته لأنه لم يعمله لله والله لا يقبل ~~من العمل إلا ما أريد به وجهه بخلاف الذي فعل ما فعل ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى. وهذا مما يحقق أن " الإيمان والتوحيد " لا بد فيهما من عمل القلب ~~كحب القلب فلا بد من إخلاص الدين لله والدين لا يكون دينا إلا بعمل؛ فإن ~~الدين يتضمن الطاعة والعبادة؛ وقد أنزل الله عز وجل سورتي الإخلاص: {قل يا ~~أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} إحداهما في توحيد القول والعلم. ~~والثانية في توحيد العمل # PageV10P273 # والإرادة؛ فقال في الأول: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فأمره أن يقول هذا التوحيد وقال في الثاني: ~~{قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {ولا ~~أنا عابد ما عبدتم} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {لكم دينكم ولي دين} فأمره ~~أن يقول ما يوجب البراءة من عبادة غير الله وإخلاص العبادة لله. # و" العبادة " أصلها القصد والإرادة. والعبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ~~ونحوه وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيما لها كما ذكرناه في لفظ الإيمان ~~قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم} فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات؛ والتوكل ~~من ذلك وقد قال في موضع آخر: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقال: {فاعبده وتوكل ~~عليه} ومثل هذا كثيرا ما يجيء في القرآن: تتنوع دلالة اللفظ في عمومه ~~وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران؛ كلفظ " المعروف والمنكر " فإنه قد قال: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وقال ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ~~وقال: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} # PageV10P274 # فالمنكر يدخل فيه ما كرهه الله؛ كما ms3088 يدخل في المعروف ما يحبه الله. وقد ~~قال في موضع آخر: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} فعطف المنكر على ~~الفحشاء ودخل في المنكر هنا البغي. وقال في موضع آخر: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} فقرن بالمنكر ~~الفحشاء والبغي. ومن هذا الباب لفظ " الفقراء والمساكين " إذا أفرد أحدهما ~~دخل فيه الآخر وإذا قرن أحدهما بالآخر صار بينهما فرق؛ لكن هناك أحد ~~الاسمين أعم من الآخر وهنا بينهما عموم وخصوص فمحبة الله وحده والتوكل عليه ~~وحده وخشية الله وحده ونحو هذا كل هذا يدخل في توحيد الله تعالى قال تعالى ~~في المحبة: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ~~وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: {ولو ~~أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من # PageV10P275 # فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ~~ربك فارغب} فجعل التحسب والرغبة إلى الله وحده. وهذه الأمور مبسوطة في غير ~~هذا الموضع. و (المقصود) هنا أن قول القائل: {لا إله إلا أنت} فيه إفراد ~~الإلهية لله وحده وذلك يتضمن التصديق لله قولا وعملا فالمشركون كانوا يقرون ~~بأن الله رب كل شيء؛ لكن كانوا يجعلون معه آلهة أخرى فلا يخصونه بالإلهية. ~~وتخصيصه بالإلهية يوجب ألا يعبد إلا إياه وأن لا يسأل غيره كما في قوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} فإن الإنسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه ~~لكن في أمور لا يحبها الله؛ بل يكرهها وينهى عنها فهذا وإن كان مخلصا له في ~~سؤاله والتوكل عليه لكن ليس هو مخلصا في عبادته وطاعته وهذا ms3089 حال كثير من ~~أهل التوجهات الفاسدة أصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لأمر الله ورسوله ~~فإنهم يعانون على هذه الأمور. وكثير منهم يستعين الله عليها لكن لما لم تكن ~~موافقة لأمر الله ورسوله حصل لهم نصيب من العاجلة وكانت عاقبتهم عاقبة سيئة ~~قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى ~~البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} وقال تعالى: {وإذا مس الإنسان # PageV10P276 # الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا ~~إلى ضر مسه} . وطائفة أخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله لكن لا يحققون ~~التوكل عليه والاستعانة به. فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم وعلى طاعتهم لكنهم ~~مخذولون فيما يقصدونه إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه ولهذا ~~يبتلى الواحد من هؤلاء بالضعف والجزع تارة " وبالإعجاب أخرى فإن لم يحصل ~~مراده من الخير كان لضعفه وربما حصل له جزع فإن حصل مراده نظر إلى نفسه ~~وقوته فحصل له إعجاب وقد يعجب بحاله فيظن حصول مراده فيخذل. قال تعالى: ~~{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين} إلى قوله: {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~والله غفور رحيم} . وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب ~~الإشراك بالخلق والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر فالمرائي ~~لا يحقق قوله: {إياك نعبد} والمعجب لا يحقق قوله: {وإياك نستعين} فمن حقق ~~قوله: {إياك نعبد} خرج عن الرياء ومن حقق قوله {وإياك نستعين} خرج عن ~~الإعجاب وفي الحديث المعروف: {ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه} . # PageV10P277 # وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله بل يعبد ~~غيره ويستعين غيره وهؤلاء المشركون من الوجهين. ومن هؤلاء من يكون شركه ~~بالشياطين كأصحاب الأحوال الشيطانية فيفعلون ما تحبه الشياطين من الكذب ~~والفجور ويدعونه بأدعية تحبها الشياطين ويعزمون بالعزائم التي تطيعها ~~الشياطين مما فيها إشراك بالله كما قد بسط ms3090 الكلام عليهم في مواضع أخر. ~~وهؤلاء قد يحصل لهم من الخوارق مما يظن أنه من كرامات الأولياء. وإنما هو ~~من أحوال السحرة والكهان؛ ولهذا يجب الفرق بين الأحوال الإيمانية القرآنية ~~والأحوال النفسانية والأحوال الشيطانية. وأما القسم الرابع فهم أهل التوحيد ~~الذين أخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا إلا إياه ولم يتوكلوا إلا عليه. و ### | قول المكروب: {لا إله إلا أنت} # قد يستحضر في ذلك أحد النوعين دون الآخر فمن أتم الله عليه النعمة استحضر ~~التوحيد في النوعين فإن المكروب همته منصرفة إلى دفع ضره وجلب نفعه فقد ~~يقول " لا إله إلا الله " مستشعرا أنه لا يكشف الضر غيرك ولا يأتي بالنعمة ~~إلا أنت فهذا مستحضر توحيد الربوبية ومستحضر توحيد السؤال والطلب والتوكل ~~عليه معرض عن توحيد الإلهية الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر # PageV10P278 # به وهو ألا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بطاعته وطاعة رسوله فمن استشعر ~~هذا في قوله: {لا إله إلا أنت} كان عابدا لله متوكلا عليه وكان ممتثلا ~~قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} وقوله: {واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا} . ثم إن كان مطلوبه محرما أثم وإن قضيت حاجته. وإن كان طالبا مباحا ~~لغير قصد الاستعانة به على طاعة الله وعبادته لم يكن آثما ولا مثابا. وإن ~~كان طالبا ما يعينه على طاعة الله وعبادته لقصد الاستعانة به على ذلك كان ~~مثابا مأجورا وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول وخلفائه وبين النبي الملك ~~فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا ~~رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ فإن العبد الرسول هو الذي لا يفعل إلا ما ~~أمر به ففعله كله عبادة لله فهو عبد محض منفذ أمر مرسله كما ثبت عنه في ~~صحيح البخاري أنه قال: {إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا ~~قاسم أضع حيث أمرت} وهو لم يرد بقوله {لا أعطي أحدا ولا ms3091 أمنع} إفراد الله ~~بذلك قدرا وكونا فإن جميع المخلوقين يشاركونه في هذا فلا يعطي أحدا ولا ~~يمنع إلا بقضاء الله وقدره؛ وإنما أراد إفراد الله بذلك شرعا ودينا. أي لا ~~أعطي إلا من أمرت # PageV10P279 # بإعطائه ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه فأنا مطيع لله في إعطائي ومنعي فهو ~~يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين أهلها؛ لأن الله أمره ~~بهذه القسمة. ولهذا كان المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب ~~أن يصرف في طاعة الله ورسوله ليس المراد به أنه ملك للرسول كما ظنه طائفة ~~من الفقهاء ولا المراد به كونه مملوكا لله خلقا وقدرا؛ فإن جميع الأموال ~~بهذه المثابة. وهذا كقوله: {قل الأنفال لله والرسول} وقوله: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} الآية وقوله: {وما أفاء الله على رسوله ~~منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} إلى قوله: {ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى} الآية. فذكر في الفيء ما ذكر في ~~الخمس. فظن طائفة من الفقهاء أن الإضافة إلى الرسول تقتضي أنه يملكه كما ~~يملك الناس أملاكهم. ثم قال بعضهم: إن غنائم بدر كانت ملكا للرسول. وقال ~~بعضهم: إن الفيء وأربعة أخماسه كان ملكا للرسول. وقال بعضهم: إن الرسول ~~إنما كان يستحق من الخمس خمسه. وقال بعض هؤلاء: وكذلك كان يستحق من خمس ~~الفيء خمسه وهذه الأقوال توجد في كلام طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي ~~حنيفة وغيرهم وهذا غلط من وجوه: # PageV10P280 # منها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يملك هذه الأموال كما يملك ~~الناس أموالهم ولا كما يتصرف الملوك في ملكهم فإن هؤلاء وهؤلاء لهم أن ~~يصرفوا أموالهم في المباحات فإما أن يكون مالكا له فيصرفه في أغراضه الخاصة ~~وإما أن يكون ملكا له فيصرفه في مصلحة ملكه وهذه حال النبي الملك كداود ~~وسليمان. قال تعالى: {فامنن أو أمسك بغير حساب} أي أعط من شئت واحرم من شئت ~~لا حساب عليك ونبينا ms3092 كان عبدا رسولا لا يعطي إلا من أمر بإعطائه ولا يمنع ~~إلا من أمر بمنعه فلم يكن يصرف الأموال إلا في عبادة لله وطاعة له. (ومنها) ~~أن النبي لا يورث ولو كان ملكا فإن الأنبياء لا يورثون فإذا كان ملوك ~~الأنبياء لم يكونوا ملاكا كما يملك الناس أموالهم فكيف يكون صفوة الرسل ~~الذي هو عبد رسول مالكا. (ومنها) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق على ~~نفسه وعياله قدر الحاجة ويصرف سائر المال في طاعة الله لا يستفضله وليست ~~هذه حال الملاك بل المال الذي يتصرف فيه كله هو مال الله ورسوله بمعنى أن ~~الله أمر رسوله أن يصرف ذلك المال في طاعته فتجب طاعته في قسمه كما تجب ~~طاعته في سائر ما يأمر به؛ فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وهو في ذلك ~~مبلغ عن الله. # PageV10P281 # والأموال التي كان يقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على وجهين: # منها: ما تعين مستحقه ومصرفه كالمواريث. # ومنها: ما يحتاج إلى اجتهاده ونظره ورأيه فإن ما أمر الله به منه ما هو ~~محدود بالشرع: كالصلوات الخمس وطواف الأسبوع بالبيت ومنه ما يرجع في قدره ~~إلى اجتهاد المأمور فيزيده وينقصه بحسب المصلحة التي يحبها الله. فمن هذا ~~ما اتفق عليه الناس ومنه ما تنازعوا فيه: كتنازع الفقهاء فيما يجب للزوجات ~~من النفقات: هل هي مقدرة بالشرع؟ أم يرجع فيها إلى العرف فتختلف في قدرها ~~وصفتها باختلاف أحوال الناس؟ . وجمهور الفقهاء على القول الثاني وهو الصواب ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: {خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} وقال ~~أيضا: في خطبته المعروفة {للنساء كسوتهن ونفقتهن بالمعروف} . وكذلك تنازعوا ~~أيضا فيما يجب من الكفارات: هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف؟ . فما أضيف إلى ~~الله والرسل من الأموال كان المرجع في قسمته إلى أمر # PageV10P282 # النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما سمي مستحقوه كالمواريث ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين {ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ~~والخمس مردود عليكم} ms3093 أي ليس له بحكم القسم الذي يرجع فيه إلى اجتهاده ونظره ~~الخاص إلا الخمس ولهذا قال: {وهو مردود عليكم} بخلاف أربعة أخماس الغنيمة ~~فإنه لمن شهد الوقعة. ولهذا كانت الغنائم يقسمها الأمراء بين الغانمين ~~والخمس يرفع إلى الخلفاء الراشدين المهديين الذين خلفوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمته فيقسمونها بأمرهم فأما أربعة الأخماس فإنما يرجعون فيها ~~ليعلم حكم الله ورسوله كما يستفتي المستفتي وكما كانوا في الحدود لمعرفة ~~الأمر الشرعي والنبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين ~~ما أعطاهم؛ فقيل: إن ذلك كان من الخمس؛ وقيل: إنه كان من أصل الغنيمة؛ وعلى ~~هذا القول فهو فعل ذلك لطيب نفوس المؤمنين بذلك؛ ولهذا أجاب من عتب من ~~الأنصار بما أزال عتبه وأراد تعويضهم عن ذلك. ومن الناس من يقول الغنيمة ~~قبل القسمة لم يملكها الغانمون؛ وإن للإمام أن يتصرف فيها باجتهاده كما هو ~~مذكور في غير هذا الموضع. فإن المقصود هنا بيان حال العبد المحض لله الذي ~~يعبده ويستعينه فيعمل له ويستعينه ويحقق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . ~~توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية؛ وإن كانت # PageV10P283 # الإلهية تتضمن الربوبية؛ والربوبية تستلزم الإلهية؛ فإن أحدهما إذا تضمن ~~الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما في قوله: {قل ~~أعوذ برب الناس} {ملك الناس} {إله الناس} وفي قوله: {الحمد لله رب ~~العالمين} فجمع بين الاسمين: اسم الإله واسم الرب. فإن " الإله " هو ~~المعبود الذي يستحق أن يعبد. و " الرب " هو الذي يربي عبده فيدبره. ولهذا ~~كانت العبادة متعلقة باسمه الله والسؤال متعلقا باسمه الرب؛ فإن العبادة هي ~~الغاية التي لها خلق الخلق. والإلهية هي الغاية؛ والربوبية تتضمن خلق الخلق ~~وإنشاءهم فهو متضمن ابتداء حالهم؛ والمصلي إذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على الوسيلة التي هي البداية؛ ~~فالعبادة غاية مقصودة؛ والاستعانة وسيلة إليها: تلك حكمة وهذا سبب؛ والفرق ~~بين العلة الغائية والعلة الفاعلية معروف؛ ولهذا يقال: أول الفكرة آخر ~~العمل وأول البغية ms3094 آخر الدرك. فالعلة الغائية متقدمة في التصور والإرادة ~~وهي متأخرة في الوجود. فالمؤمن يقصد عبادة الله ابتداء وهو يعلم أن ذلك لا ~~يحصل إلا بإعانته فيقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} . ولما كانت العبادة ~~متعلقة باسم الله تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا الاسم مثل كلمات ~~الأذان: الله أكبر الله أكبر. ومثل الشهادتين: # PageV10P284 # أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ومثل التشهد: التحيات ~~لله ومثل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير: سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر. وأما السؤال فكثيرا ما يجيء باسم الرب كقول آدم ~~وحواء: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~وقول نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} وقول موسى: {رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي} وقول الخليل: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة} الآية وقوله مع إسماعيل: {ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم} وكذلك قول الذين قالوا: {ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ومثل هذا كثير. وقد نقل عن ~~مالك أنه قال: أكره للرجل أن يقول في دعائه: يا سيدي يا سيدي يا حنان يا ~~حنان ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء؛ ربنا ربنا نقله عنه العتبي في ~~العتبية. وقال تعالى: عن أولي الألباب: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك فقنا عذاب النار} الآيات. # PageV10P285 # فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب أن يسأله باسمه الرب. وإن سأله ~~باسمه الله لتضمنه اسم الرب كان حسنا وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة ~~فاسم الله أولى بذلك. إذا بدأ بالثناء ذكر اسم الله وإذا قصد الدعاء دعا ~~باسم الرب ولهذا قال يونس: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~وقال آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~فإن يونس ms3095 عليه السلام ذهب مغاضبا وقال تعالى: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت} وقال تعالى: {فالتقمه الحوت وهو مليم} ففعل ما يلام عليه فكان ~~المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه والاعتراف بأنه لا إله إلا هو فهو ~~الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى فإن اتباع الهوى يضعف عبادة ~~الله وحده وقد روي أن يونس عليه السلام ندم على ارتفاع العذاب عن قومه بعد ~~أن أظلهم وخاف أن ينسبوه إلى الكذب فغاضب. وفعل ما اقتضى الكلام الذي ذكره ~~الله تعالى وأن يقال: {لا إله إلا أنت} وهذا الكلام يتضمن براءة ما سوى ~~الله من الإلهية سواء صدر ذلك عن هوى النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك. ~~ولهذا قال: {سبحانك إني كنت من الظالمين} . والعبد يقول مثل هذا الكلام ~~فيما يظنه وهو غير مطابق وفيما يريده وهو غير حسن. # PageV10P286 # وأما آدم عليه السلام فإنه اعترف أولا بذنبه فقال: {ظلمنا أنفسنا} ولم ~~يكن عند آدم من ينازعه الإرادة لما أمر الله به مما يزاحم الإلهية بل ظن ~~صدق الشيطان الذي {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} {فدلاهما بغرور} ~~فالشيطان غرهما وأظهر نصحهما فكانا في قبول غروره وما أظهر من نصحه حالهما ~~مناسبا لقولهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا} لما حصل من التفريط لا لأجل هوى وحظ ~~يزاحم الإلهية وكانا محتاجين إلى أن يربهما ربوبية تكمل علمهما وقصدهما. ~~حتى لا يغترا بمثل ذلك فهما يشهدان حاجتهما إلى الله ربهما الذي لا يقضي ~~حاجتهما غيره. وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الإلهية بما حصل من ~~المغاضبة وكراهة إنجاء أولئك ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما ~~يوجب تجريد محبته لله وتألهه له وأن يقول: {لا إله إلا أنت} فإن قول العبد: ~~لا إله إلا أنت يمحو أن يتخذ إلهه هواه. وقد روي {ما تحت أديم السماء إله ~~يعبد أعظم عند الله من هوى متبع} فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق إلهيته ~~لله ومحو الهوى الذي يتخذ إلها ms3096 من دونه فلم يبق له صلوات الله عليه وسلامه ~~عند تحقيق قوله لا إله إلا أنت إرادة تزاحم إلهية الحق بل كان مخلصا لله ~~الدين إذ كان من أفضل عباد الله المخلصين. و (أيضا) فمثل هذه الحال تعرض ~~لمن تعرض له فيبقى فيه # PageV10P287 # نوع مغاضبة للقدر ومعارضة له في خلقه وأمره ووساوس في حكمته ورحمته ~~فيحتاج العبد أن ينفي عنه شيئين: الآراء الفاسدة والأهواء الفاسدة فيعلم أن ~~الحكمة والعدل فيما اقتضاه علمه وحكمته لا فيما اقتضاه علم العبد وحكمته ~~ويكون هواه تبعا لما أمر الله به فلا يكون له مع أمر الله وحكمه هوى يخالف ~~ذلك. قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ~~به} رواه أبو حاتم في صحيحه. وفي الصحيح {أن عمر قال له: يا رسول الله ~~والله لأنت أحب إلي من نفسي. قال: الآن يا عمر} . وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} . فإذا كان ~~الإيمان لا يحصل حتى يحكم العبد رسوله ويسلم له ويكون هواه تبعا لما جاء به ~~ويكون الرسول والجهاد في سبيله مقدما على حب الإنسان نفسه وماله وأهله فكيف ~~في تحكيمه الله تعالى والتسليم له # PageV10P288 # فمن رأى قوما يستحقون العذاب في ظنه. وقد غفر الله لهم ورحمهم وكره هو ~~ذلك فهذا إما أن يكون عن إرادة تخالف حكم الله وإما عن ظن يخالف علم الله ~~والله عليم حكيم. وإذا علمت أنه عليم وأنه حكيم لم يبق لكراهية ما فعله وجه ~~وهذا يكون فيما أمر ms3097 به وفيما خلف ولم يأمرنا أن نكرهه ونغضب عليه. فأما ما ~~أمرنا بكراهته من الموجودات: كالكفر والفسوق والعصيان فعلينا أن نطيعه في ~~أمره بخلاف توبته على عباده وإنجائه إياهم من العذاب فإن هذا من مفعولاته ~~التي لم يأمرنا أن نكرهها بل هي مما يحبها فإنه يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين. فكراهة هذا من نوع اتباع الإرادة المزاحمة للإلهية. فعلى صاحبها ~~أن يحقق توحيد الإلهية فيقول: لا إله إلا أنت. فعلينا أن نحب ما يحب ونرضى ~~ما يرضى ونأمر بما يأمر وننهى عما ينهى. فإذا كان (يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين) فعلينا أن نحبهم؛ ولا نأله مراداتنا المخالفة لمحابه. # والكلام في هذا المقام مبني على " أصل ": وهو أن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالاته باتفاق ~~الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه كما # PageV10P289 # قال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ~~فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} ~~وقال: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} ~~وقال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير} . بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ~~ولو كانوا أولياء لله ولهذا من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء ومن ~~سب غيرهم لم يقتل. وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود ~~النبوة والرسالة؛ فإن " النبي " هو المنبأ عن الله و " الرسول " هو الذي ~~أرسله الله تعالى وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا والعصمة فيما يبلغونه عن ~~الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين. # PageV10P290 # ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ms3098 ويحكم الله آياته؟ ~~هذا فيه قولان. والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من ~~المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: تلك الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهن لترتجى وقالوا: إن هذا لم يثبت ومن علم أنه ثبت: قال هذا ~~ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن ~~السؤال وارد على هذا التقدير أيضا. وقالوا في قوله: {إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته} هو حديث النفس. وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف ~~فقالوا هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه والقرآن يدل عليه بقوله ~~{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} {ليجعل ما ~~يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي ~~شقاق بعيد} {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له ~~قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} فقالوا الآثار في ~~تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث والقرآن يوافق ذلك ~~فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان وإحكامه آياته إنما يكون لرفع ما وقع في ~~آياته وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته # PageV10P291 # بغيرها. وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس والفتنة التي ~~تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ. ~~وهذا النوع أدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده عن الهوى من ذلك ~~النوع فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله وهو مصدق ~~في ذلك فإذا قال عن نفسه إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ وإن ذلك ~~المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدل على اعتماده للصدق وقوله الحق ~~وهذا كما قالت ms3099 عائشة رضي الله عنها لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم ~~هذه الآية: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ~~ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ ~~فبيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أحكم آياته ونسخ ما ألقاه الشيطان ~~هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب وهذا هو المقصود بالرسالة فإنه ~~الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم تسليما ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ~~ريب. وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ~~ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من # PageV10P292 # بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب ~~القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل ~~المبعث أم لا؟ والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. والقول الذي عليه ~~جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار ~~على الذنوب مطلقا والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها وحجج القائلين ~~بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول. وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب ~~أقر عليه الأنبياء فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم مشروع وذلك ~~لا يجوز إلا مع تجويز كون الأفعال ذنوبا ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو ~~مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه كما أن الأمر والنهي ~~إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه فأما ما نسخ من الأمر والنهي فلا يجوز ~~جعله مأمورا به ولا منهيا عنه فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه. وكذلك ما ~~احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح. ~~أو أنها توجب التنفير أو نحو ذلك من الحجج العقلية فهذا إنما يكون مع ~~البقاء على ذلك وعدم الرجوع وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها ms3100 ~~صاحبها إلى أعظم مما كان عليه كما قال # PageV10P293 # بعض السلف: كان داود عليه السلام بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة وقال ~~آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ~~وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة {لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا} ~~إلخ. وقد قال تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} وقال تعالى: ~~{إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} وقد ثبت ~~في الصحيح حديث {الذي يعرض الله صغار ذنوبه ويخبئ عنه كبارها وهو مشفق من ~~كبارها أن تظهر فيقول الله له: إني قد غفرتها لك وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة ~~فيقول: أي رب إن لي سيئات لم أرها} إذا رأى تبديل السيئات بالحسنات طلب ~~رؤية الذنوب الكبار التي كان مشفقا منها أن تظهر ومعلوم أن حاله هذه مع هذا ~~التبديل أعظم من حاله لو لم تقع السيئات ولا التبديل. وقال طائفة من السلف ~~منهم سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وإن العبد ليعمل ~~السيئة فيدخل بها الجنة يعمل الحسنة فيعجب بها ويفتخر بها حتى تدخله النار ~~ويعمل السيئة فلا يزال خوفه منها وتوبته منها حتى تدخله الجنة وقد قال ~~تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات # PageV10P294 # ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} فغاية كل ~~إنسان أن يكون من المؤمنين والمؤمنات الذين تاب الله عليهم. وفي الكتاب ~~والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر ~~إحصاؤه. والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية ~~لنصوص " الأسماء والصفات " ونصوص " القدر " ونصوص " المعاد " وهي من جنس ~~تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب ~~تحريف الكلم عن مواضعه وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم ~~ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم. ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع ~~والعقل والإجماع وهي " العصمة في التبليغ " لم ينتفعوا ms3101 بها إذ كانوا لا ~~يقرون بموجب ما بلغته الأنبياء وإنما يقرون بلفظ حرفوا معناه أو كانوا فيه ~~كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني والعصمة التي كانوا ادعوها لو ~~كانت ثابتة لم ينتفعوا بها ولا حاجة بهم إليها عندهم فإنها متعلقة بغيرهم ~~لا بما أمروا بالإيمان به فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من ~~الله ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم وهو الذي تحصل به السعادة ~~وبضده تحصل الشقاوة قال تعالى: {فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} الآية. # PageV10P295 # والله تعالى لم يذكر في القرآن شيئا من ذلك عن نبي من الأنبياء إلا ~~مقرونا بالتوبة والاستغفار كقول آدم وزوجته: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقول نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وقول الخليل عليه ~~السلام {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} وقوله: {والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} وقول موسى: {أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين} {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا ~~هدنا إليك} وقوله: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقوله: {فلما أفاق قال ~~سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} وقوله تعالى عن داود: {فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب} {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وقوله تعالى عن ~~سليمان: {اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} . # وأما يوسف الصديق فلم يذكر الله عنه ذنبا فلهذا لم يذكر الله عنه ما ~~يناسب الذنب من الاستغفار بل قال {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين} فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء وهذا يدل على أنه لم ~~يصدر منه سوء ولا فحشاء. وأما قوله: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه} # PageV10P296 # فالهم اسم جنس تحته " نوعان " كما قال الإمام أحمد الهم همان: هم خطرات ~~وهم إصرار وقد ms3102 ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن العبد إذا هم ~~بسيئة لم تكتب عليه وإذا تركها لله كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة ~~واحدة} وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ~~ويوسف صلى الله عليه وسلم هم هما تركه لله ولذلك صرف الله عنه السوء ~~والفحشاء لإخلاصه وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب وهو الهم وعارضه ~~الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله. فيوسف عليه السلام لم يصدر منه ~~إلا حسنة يثاب عليها؟ وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وأما ما ينقل: من أنه حل سراويله وجلس مجلس ~~الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك فكله مما لم ~~يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم ~~من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم ~~نقله؛ لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا. # PageV10P297 # وقوله: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} فمن كلام ~~امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر ~~القرآن حيث قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع ~~إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} {قال ~~ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت ~~امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} {ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} {وما أبرئ نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} فهذا كله كلام ~~امرأة العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع كلامه ~~ولا رآه؛ ولكن ms3103 لما ظهرت براءته في غيبته - كما قالت امرأة العزيز: {ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال ~~شهوده راودته - فحينئذ: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين} وقد قال كثير من المفسرين إن هذا من كلام يوسف ~~ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في غاية الفساد ولا دليل عليه؛ بل ~~الأدلة تدل على نقيضه وقد # PageV10P298 # بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع. # و (المقصود) هنا أن ما تضمنته " قصة ذي النون " مما يلام عليه كله مغفور ~~بدله الله به حسنات؛ ورفع درجاته وكان بعد خروجه من بطن الحوت وتوبته أعظم ~~درجة منه قبل أن يقع ما وقع قال تعالى: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادى وهو مكظوم} {لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو ~~مذموم} {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} وهذا بخلاف حال التقام الحوت فإنه ~~قال: {فالتقمه الحوت وهو مليم} فأخبر أنه في تلك الحال مليم و " المليم " ~~الذي فعل ما يلام عليه فالملام في تلك الحال لا في حال نبذه بالعراء وهو ~~سقيم فكانت حاله بعد قوله: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~أرفع من حاله قبل أن يكون ما كان والاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى في ~~البداية والأعمال بخواتيمها والله تعالى خلق الإنسان وأخرجه من بطن أمه لا ~~يعلم شيئا ثم علمه فنقله من حال النقص إلى حال الكمال فلا يجوز أن يعتبر ~~قدر الإنسان بما وقع منه قبل حال الكمال بل الاعتبار بحال كماله ويونس صلى ~~الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء في حال النهاية حالهم أكمل الأحوال. # PageV10P299 # ومن هنا غلط من غلط في تفضيل الملائكة على الأنبياء والصالحين فإنهم ~~اعتبروا كمال الملائكة مع بداية الصالحين ونقصهم فغلطوا ولو اعتبروا حال ~~الأنبياء والصالحين بعد دخول الجنان ورضا الرحمن وزوال كل ما فيه نقص وملام ~~وحصول كل ms3104 ما فيه رحمة وسلام حتى استقر بهم القرار {والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب} {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} فإذا اعتبرت تلك الحال ~~ظهر فضلها على حال غيرهم من المخلوقين وإلا فهل يجوز لعاقل أن يعتبر حال ~~أحدهم قبل الكمال في مقام المدح والتفضيل والبراءة من النقائص والعيوب. ولو ~~اعتبر ذلك لاعتبر أحدهم وهو نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حين نفخت فيه الروح ثم ~~هو وليد ثم رضيع ثم فطيم إلى أحوال أخر فعلم أن الواحد في هذه الحال لم تقم ~~به صفات الكمال التي يستحق بها كمال المدح والتفضيل وتفضيله بها على كل صنف ~~وجيل؛ وإنما فضله باعتبار المآل عند حصول الكمال. وما يظنه بعض الناس أنه ~~من ولد على الإسلام فلم يكفر قط أفضل ممن كان كافرا فأسلم ليس بصواب؛ بل ~~الاعتبار بالعاقبة وأيهما كان أتقى لله في عاقبته كان أفضل. فإنه من ~~المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا بالله ~~ورسوله بعد كفرهم هم أفضل ممن ولد على الإسلام من أولادهم وغير أولادهم؛ بل ~~من عرف الشر وذاقه ثم عرف الخير وذاقه # PageV10P300 # فقد تكون معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر وبغضه له أكمل ممن لم ~~يعرف الخير والشر ويذقهما كما ذاقهما؛ بل من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه ~~الشر فلا يعرف أنه شر فإما أن يقع فيه وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي ~~عرفه. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وهو كما قال عمر؛ فإن كمال ~~الإسلام هو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتمام ذلك بالجهاد في سبيل ~~الله ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر ~~وضرره ما عند من علمه ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم؛ ~~ولهذا يوجد الخبير بالشر وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز عنه ~~ومنع أهله والجهاد ms3105 لهم ما ليس عند غيره. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم ~~أعظم إيمانا وجهادا ممن بعدهم لكمال معرفتهم بالخير والشر وكمال محبتهم ~~للخير وبغضهم للشر لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح ~~وقبح حال الكفر والمعاصي ولهذا يوجد من ذاق الفقر والمرض والخوف أحرص على ~~الغنى والصحة والأمن ممن لم يذق ذلك. ولهذا يقال: والضد يظهر حسنه الضد. # PageV10P301 # ويقال: وبضدها تتبين الأشياء. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لست ~~بخب ولا يخدعني الخب. فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر ~~وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح ~~به. وليس المراد أن كل من ذاق طعم الكفر والمعاصي يكون أعلم بذلك وأكره له ~~ممن لم يذقه مطلقا؛ فإن هذا ليس بمطرد بل قد يكون الطبيب أعلم بالأمراض من ~~المرضى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطباء الأديان فهم أعلم الناس بما ~~يصلح القلوب ويفسدها وإن كان أحدهم لم يذق من الشر ما ذاقه الناس. ولكن ~~المراد أن من الناس من يحصل له بذوقه الشر من المعرفة به والنفور عنه ~~والمحبة للخير إذا ذاقه ما لا يحصل لبعض الناس مثل من كان مشركا أو يهوديا ~~أو نصرانيا وقد عرف ما في الكفر من الشبهات والأقوال الفاسدة والظلمة والشر ~~ثم شرح الله صدره للإسلام وعرفه محاسن الإسلام؛ فإنه قد يكون أرغب فيه ~~وأكره للكفر من بعض من لم يعرف حقيقة الكفر والإسلام؛ بل هو معرض عن بعض ~~حقيقة هذا وحقيقة هذا أو مقلد في مدح هذا وذم هذا. # PageV10P302 # ومثال ذلك من ذاق طعم الجوع ثم ذاق طعم الشبع بعده أو ذاق المرض ثم ذاق ~~طعم العافية بعده أو ذاق الخوف ثم ذاق الأمن بعده فإن محبة هذا ورغبته في ~~العافية والأمن والشبع ونفوره عن الجوع والخوف والمرض أعظم ممن لم يبتل ~~بذلك ولم يعرف حقيقته. وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ثم بين الله له ~~الحق وتاب عليه توبة ms3106 نصوحا ورزقه الجهاد في سبيل الله فقد يكون بيانه ~~لحالهم وهجره لمساويهم؛ وجهاده لهم أعظم من غيره قال نعيم بن حماد الخزاعي ~~- وكان شديدا على الجهمية - أنا شديد عليهم؛ لأني كنت منهم. وقد قال الله ~~تعالى: {للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم} نزلت هذه الآية في طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوهم عن ~~دينهم ثم تاب الله عليهم فهاجروا إلى الله ورسوله؛ وجاهدوا وصبروا. وكان ~~عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما من أشد الناس على الإسلام ~~فلما أسلما تقدما على من سبقهما إلى الإسلام؛ وكان بعض من سبقهما دونهما في ~~الإيمان والعمل الصالح بما كان عندهما من كمال الجهاد للكفار والنصر لله ~~ورسوله؛ وكان عمر لكونه أكمل إيمانا وإخلاصا وصدقا ومعرفة وفراسة ونورا ~~أبعد عن هوى النفس وأعلى همة # PageV10P303 # في إقامة دين الله مقدما على سائر المسلمين غير أبي بكر رضي الله عنهم ~~أجمعين. وهذا وغيره مما يبين أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية. ~~وما يذكر في الإسرائيليات: {أن الله قال لداود: أما الذنب فقد غفرناه؛ وأما ~~الود فلا يعود} فهذا لو عرفت صحته لم يكن شرعا لنا وليس لنا أن نبني ديننا ~~على هذا؛ فإن دين محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة جاء بما لم يجئ به شرع ~~من قبله؛ ولهذا قال؛ {أنا نبي الرحمة؛ وأنا نبي التوبة} وقد رفع به من ~~الآصار والأغلال ما كان على من قبلنا. وقد قال تعالى في كتابه: {إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين} وأخبر أنه تعالى يفرح بتوبة عبده التائب أعظم ~~من فرح الفاقد لما يحتاج إليه من الطعام والشراب والمركب إذا وجده بعد ~~اليأس. فإذا كان هذا فرح الرب بتوبة التائب وتلك محبته؛ كيف يقال: إنه لا ~~يعود لمودته {وهو الغفور الودود} {ذو العرش المجيد} {فعال لما يريد} ولكن ~~وده وحبه بحسب ما يتقرب إليه العبد بعد التوبة؛ فإن كان ما يأتي به من ~~محبوبات الحق بعد ms3107 التوبة أفضل مما كان يأتي به قبل ذلك كانت مودته له بعد ~~التوبة أعظم من مودته له قبل التوبة. وإن كان أنقص # PageV10P304 # كان الأمر أنقص؛ فإن الجزاء من جنس العمل؛ وما ربك بظلام للعبيد. وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: من عادى ~~لي وليا فقد آذنته بالحرب؛ وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا ~~يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها: فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه؛ ولئن استعاذني لأعيذنه وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته ولا بد له منه} . ومعلوم أن أفضل الأولياء بعد الأنبياء هم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار؛ وكانت محبة الرب لهم ومودته لهم بعد توبتهم ~~من الكفر والفسوق والعصيان أعظم محبة ومودة، وكلما تقربوا إليه بالنوافل ~~بعد الفرائض أحبهم وودهم. وقد قال تعالى: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} . نزلت في المشركين ~~الذين عادوا الله ورسوله مثل " أهل الأحزاب " كأبي سفيان بن حرب وأبي سفيان ~~بن الحارث والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ~~وغيرهم. فإنهم بعد معاداتهم لله ورسوله # PageV10P305 # جعل الله بينهم وبين الرسل والمؤمنين مودة وكانوا في ذلك متفاضلين وكان ~~عكرمة وسهيل والحارث بن هشام أعظم مودة من أبي سفيان بن حرب ونحوه. وقد ثبت ~~في الصحيح {أن هند امرأة أبي سفيان أم معاوية قالت: والله يا رسول الله ما ~~كان على وجه الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما ~~على وجه الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك فذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لها نحو ذلك} . ومعلوم أن المحبة والمودة التي ms3108 بين المؤمنين إنما ~~تكون تابعة لحبهم لله تعالى فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في ~~الله. فالحب لله من كمال التوحيد؛ والحب مع الله شرك. قال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} فتلك المودة التي صارت بين الرسول والمؤمنين وبين الذين عادوهم من ~~المشركين إنما كانت مودة لله ومحبة لله ومن أحب الله أحبه الله ومن ود الله ~~وده الله فعلم أن الله أحبهم وودهم بعد التوبة كما أحبوه وودوه فكيف يقال: ~~إن التائب إنما تحصل له المغفرة دون المودة. وإن قال قائل: أولئك كانوا ~~كفارا لم يعرفوا أن ما فعلوه محرم؛ بل كانوا جهالا بخلاف من علم أن الفعل ~~محرم وأتاه. # PageV10P306 # قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه ليس الأمر كذلك؛ بل كان كثير من الكفار يعلمون أن محمدا رسول ~~الله ويعادونه حسدا وكبرا وأبو سفيان قد سمع من أخبار نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما لم يسمع غيره كما سمع من أمية بن أبي الصلت وما سمعه من هرقل ~~ملك الروم وقد أخبر عن نفسه أنه لم يزل موقنا أن أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم سيظهر حتى أدخل الله عليه الإسلام وهو كاره له وقد سمع منه عام ~~اليرموك وغيره ما دل على حسن إسلامه ومحبته لله ورسوله بعد تلك العداوة ~~العظيمة. وقد قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} فإذا كان الله يبدل سيئاتهم حسنات ~~فالحسنات توجب مودة الله لهم، وتبديل السيئات حسنات ليس مختصا بمن كان ~~كافرا وقد قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} قال أبو ~~العالية: سألت أصحاب ms3109 رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا لي: ~~كل من عصى الله فهو # PageV10P307 # جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. (الوجه الثاني) : أن ما ذكر ~~من الفرق بين تائب وتائب في محبة الله تعالى للتائبين فرق لا أصل له؛ بل ~~الكتاب والسنة يدل على أن الله يحب التوابين ويفرح بتوبة التائبين سواء ~~كانوا عالمين بأن ما أتوه ذنبا أو لم يكونوا عالمين بذلك. ومن علم أن ما ~~أتاه ذنبا ثم تاب فلا بد أن يبدل وصفه المذموم بالمحمود؛ فإذا كان يبغض ~~الحق فلا بد أن يحبه وإذا كان يحب الباطل فلا بد أن يبغضه. فما يأتي به ~~التائب من معرفة الحق ومحبته والعمل به ومن بغض الباطل واجتنابه هو من ~~الأمور التي يحبها الله تعالى ويرضاها، ومحبة الله كذلك بحسب ما يأتي به ~~العبد من محابه فكل من كان أعظم فعلا لمحبوب الحق كان الحق أعظم محبة له ~~وانتقاله من مكروه الحق إلى محبوبه مع قوة بغض ما كان عليه من الباطل وقوة ~~حب ما انتقل إليه من حب الحق؛ فوجب زيادة محبة الحق له ومودته إياه؛ بل ~~يبدل الله سيئاته حسنات لأنه بدل صفاته المذمومة بالمحمودة فيبدل الله ~~سيئاته حسنات. فإن الجزاء من جنس العمل. وحينئذ فإذا كان إتيان التائب بما ~~يحبه الحق أعظم من إتيان غيره كانت محبة الحق له أعظم وإذا كان فعله لما ~~يوده الله منه أعظم من فعله له قبل التوبة كانت # PageV10P308 # مودة الله له بعد التوبة أعظم من مودته له قبل التوبة فكيف يقال: الود لا ~~يعود. وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان ~~معصوما قبل النبوة كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم وكذلك من قال: إنه ~~لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون ~~نقصا وإن تاب التائب منها وهذا منشأ غلطهم فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة ~~النصوح يكون ناقصا ms3110 فهو غالط غلطا عظيما فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل ~~الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلا؛ لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء وإن ~~أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب ~~حاله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة؛ بل ~~يسارعون إليها ويسابقون إليها؛ لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب بل هم ~~معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما ~~فعل بذي النون صلى الله عليه وسلم هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد ~~النبوة؛ وأما من قال إن إلقاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا. # PageV10P309 # والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب؛ ~~وإذا كان قد يكون أفضل فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة وقد ~~أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم وهم الأسباط الذين نبأهم الله ~~تعالى وقد قال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} . فآمن لوط ~~لإبراهيم عليه السلام ثم أرسله الله تعالى إلى قوم لوط وقد قال تعالى في ~~قصة شعيب: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا ~~معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين} {قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} وقال تعالى: {وقال الذين ~~كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين} {ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} ~~. وإذا عرف أن الاعتبار بكمال النهاية وهذا الكمال إنما يحصل بالتوبة ~~والاستغفار ولا بد لكل عبد من التوبة وهي واجبة على الأولين والآخرين. كما ~~قال تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله ms3111 على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} . # PageV10P310 # وقد أخبر الله سبحانه بتوبة آدم ونوح ومن بعدهما إلى خاتم المرسلين محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآخر ما نزل عليه - أو من آخر ما نزل عليه - قوله ~~تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} ~~{فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله ~~عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي} يتأول القرآن. وقد أنزل الله عليه ~~قبل ذلك: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم} . وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {يا ~~أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه ~~في اليوم أكثر من سبعين مرة} . وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم ~~مائة مرة} . وفي السنن عن ابن عمر أنه قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المجلس الواحد يقول: " رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الغفور " مائة مرة. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان # PageV10P311 # يقول: {اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني؛ ~~اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت ~~وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر ~~وأنت على كل شيء قدير} . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: {يا رسول الله ~~أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني ~~وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ms3112 ينقى ~~الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد والماء ~~البارد} . وفي صحيح مسلم وغيره أنه كان يقول نحو هذا إذا رفع رأسه من ~~الركوع وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول في دعاء الاستفتاح: {اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي ~~وأنا عبدك ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني ~~سيئها إلا أنت} . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في سجوده: {اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره أوله وآخره} . # PageV10P312 # وفي السنن عن علي {أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بدابة ليركبها وأنه ~~حمد الله وقال {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} {وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون} ثم كبره وحمده ثم قال: سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت ثم ضحك وقال: إن الرب يعجب من عبده إذا قال اغفر لي فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت، يقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا} . وقد ~~قال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقال: {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا} {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} وثبت في الصحيحين في حديث ~~الشفاعة {أن المسيح يقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر} . وفي الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى ترم ~~قدماه فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ~~أفلا أكون عبدا شكورا} . ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة ~~والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة. لكن المنازعون ~~يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية كما فعل ذلك من صنف ~~في هذا الباب. وتأويلاتهم تبين لمن # PageV10P313 # تدبرها ms3113 أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه. كتأويلهم قوله {ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} المتقدم ذنب آدم والمتأخر ذنب أمته وهذا ~~معلوم البطلان ويدل على ذلك وجوه: (أحدها) أن آدم قد تاب الله عليه قبل أن ~~ينزل إلى الأرض فضلا عن عام الحديبية الذي أنزل الله فيه هذه السورة قال ~~تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} وقال: {فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} وقد ذكر أنه قال: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} . # والثاني: أن يقال: فآدم عندكم من جملة موارد النزاع ولا يحتاج أن يغفر له ~~ذنبه عند المنازع فإنه نبي أيضا، ومن قال: إنه لم يصدر من الأنبياء ذنب ~~يقول ذلك عن آدم ومحمد وغيرهما. # الوجه الثالث: أن الله لا يجعل الذنب ذنبا لمن لم يفعله فإنه هو القائل: ~~{ولا تزر وازرة وزر أخرى} . فمن الممتنع أن يضاف إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ذنب آدم صلى الله عليه وسلم أو أمته أو غيرهما. وقد قال تعالى: {فإنما ~~عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} وقال تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك} ولو جاز هذا لجاز # PageV10P314 # أن يضاف إلى محمد ذنوب الأنبياء كلهم ويقال: إن قوله {ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر} المراد ذنوب الأنبياء وأممهم قبلك فإنه يوم القيامة ~~يشفع للخلائق كلهم وهو سيد ولد آدم وقال: {أنا سيد ولد آدم ولا فخر وآدم ~~فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة. أنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا وإمامهم إذا ~~اجتمعوا} وحينئذ فلا يختص آدم بإضافة ذنبه إلى محمد بل تجعل ذنوب الأولين ~~والآخرين على قول هؤلاء ذنوبا له. فإن قال: إن الله لم يغفر ذنوب جميع ~~الأمم قيل: وهو أيضا لم يغفر ذنوب جميع أمته. # الوجه الرابع: أنه قد ميز بين ذنبه وذنوب المؤمنين بقوله {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} فكيف يكون ذنب المؤمنين ذنبا ms3114 له. # الوجه الخامس: أنه ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قال الصحابة يا ~~رسول الله هذا لك فما لنا فأنزل الله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} فدل ذلك على أن الرسول والمؤمنين ~~علموا أن قوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} مختص به دون أمته. # الوجه السادس: أن الله لم يغفر ذنوب جميع أمته بل قد ثبت # PageV10P315 # أن من أمته من يعاقب بذنوبه إما في الدنيا وإما في الآخرة وهذا مما تواتر ~~به النقل وأخبر به الصادق المصدوق واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وشوهد في ~~الدنيا من ذلك ما لا يحصيه إلا الله وقد قال الله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} والاستغفار والتوبة قد يكونان من ~~ترك الأفضل. فمن نقل إلى حال أفضل مما كان عليه قد يتوب من الحال الأول؛ ~~لكن الذم والوعيد لا يكون إلا على ذنب. # فصل: # وأما قول السائل: هل الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها ~~وكشف الكربة الصادرة عنها؛ أم يحتاج إلى شيء آخر؟ فجوابه: أن الموجب ~~للغفران مع التوحيد هو التوبة المأمور بها؛ فإن الشرك لا يغفره الله إلا ~~بتوبة؛ كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} في موضعين من القرآن وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور؛ وبدون ~~التوبة معلق بالمشيئة. كما قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من # PageV10P316 # رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فهذا في حق التائبين ولهذا عمم ~~وأطلق وحتم أنه يغفر الذنوب جميعا وقال في تلك الآية: {ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} فخص ما دون الشرك وعلقه بالمشيئة، فإذا كان الشرك لا يغفر إلا ~~بتوبة؛ وأما ما دونه فيغفره الله للتائب؛ وقد يغفره بدون التوبة لمن يشاء، ~~فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا ~~غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة ms3115 هي وقاية شر الذنب. ومن الناس من يقول: ~~الغفر الستر ويقول: إنما سمي المغفرة والغفار لما فيه من معنى الستر، ~~وتفسير اسم الله الغفار بأنه الستار وهذا تقصير في معنى الغفر؛ فإن المغفرة ~~معناها وقاية شر الذنب بحيث لا يعاقب على الذنب فمن غفر ذنبه لم يعاقب ~~عليه. وأما مجرد ستره فقد يعاقب عليه في الباطن ومن عوقب على الذنب باطنا ~~أو ظاهرا فلم يغفر له وإنما يكون غفران الذنب إذا لم يعاقب عليه العقوبة ~~المستحقة بالذنب. وأما إذا ابتلي مع ذلك بما يكون سببا في حقه لزيادة أجره ~~فهذا لا ينافي المغفرة. # PageV10P317 # وكذلك إذا كان من تمام التوبة أن يأتي بحسنات يفعلها فإن ما يشترط في ~~التوبة من تمام التوبة؛ وقد يظن الظان أنه تائب ولا يكون تائبا بل يكون ~~تاركا والتارك غير التائب فإنه قد يعرض عن الذنب لعدم خطوره بباله أو ~~المقتضي لعجزه عنه أو تنتفي إرادته له بسبب غير ديني، وهذا ليس بتوبة بل لا ~~بد من أن يعتقد أنه سيئة ويكره فعله لنهي الله عنه ويدعه لله تعالى؛ لا ~~لرغبة مخلوق ولا لرهبة مخلوق؛ فإن التوبة من أعظم الحسنات؛ والحسنات كلها ~~يشترط فيها الإخلاص لله وموافقة أمره كما قال الفضيل بن عياض في قوله: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه ~~وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل؛ حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله والصواب ~~أن يكون على السنة. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم ~~اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وبسط ~~الكلام في التوبة له موضع آخر. وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع لله من ~~غير إقلاع عنه فهذا في نفس الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه وهو كالذي ~~يسأل # PageV10P318 # الله تعالى أن يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه وهذا ms3116 يأس من رحمة الله ~~ولا يقطع بالمغفرة له فإنه داع دعوة مجردة. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة ~~رحم إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من ~~الجزاء مثلها؛ وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله: إذا ~~نكثر قال: الله أكثر} فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة وإذا لم تحصل ~~فلا بد أن يحصل معه صرف شر آخر أو حصول خير آخر فهو نافع كما ينفع كل دعاء. ~~وقول من قال من العلماء: الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، فهذا إذا كان ~~المستغفر يقوله على وجه التوبة أو يدعي أن استغفاره توبة وأنه تائب بهذا ~~الاستغفار فلا ريب أنه مع الإصرار لا يكون تائبا فإن التوبة والإصرار ضدان: ~~الإصرار يضاد التوبة لكن لا يضاد الاستغفار بدون التوبة. # وقول القائل: هل الاعتراف بالذنب المعين يوجب دفع ما حصل بذنوب متعددة أم ~~لا بد من استحضار جميع الذنوب؟ فجواب هذا مبني على أصول: # PageV10P319 # أحدها: أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر إذا كان المقتضي ~~للتوبة من أحدهما أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر أو كان المانع من أحدهما ~~أشد وهذا هو القول المعروف عند السلف والخلف. وذهب طائفة من أهل الكلام ~~كأبي هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على الآخر قالوا: لأن ~~الباعث على التوبة إن لم يكن من خشية الله لم يكن توبة صحيحة، والخشية ~~مانعة من جميع الذنوب لا من بعضها وحكى القاضي أبو يعلى وابن عقيل هذا ~~رواية عن أحمد لأن المروذي نقل عنه أنه سئل عمن تاب من الفاحشة وقال: لو ~~مرضت لم أعد لكن لا يدع النظر فقال أحمد: أي توبة هذه قال جرير بن عبد الله ~~{سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك} ~~والمعروف عن أحمد ms3117 وسائر الأئمة هو القول بصحة التوبة، وأحمد في هذه المسألة ~~إنما أراد أن هذه ليست توبة عامة يحصل بسببها من التائبين توبة مطلقا لم ~~يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر فإن نصوصه المتواترة عنه وأقواله ~~الثابتة تنافي ذلك وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضا أولى من حمله ~~على التناقض لا سيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف، ~~وأحمد يقول: # PageV10P320 # إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وكان في المحنة يقول: كيف أقول ~~ما لم يقل؟ واتباع أحمد للسنة والآثار وقوة رغبته في ذلك وكراهته لخلافه من ~~الأمور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله من الخاصة والعامة. وما ذكروه من ~~أن الخشية توجب العموم. فجوابه أنه قد يعلم قبح أحد الذنبين دون الآخر، ~~وإنما يتوب مما يعلم قبحه. و (أيضا) فقد يعلم قبحها ولكن هواه يغلبه في ~~أحدهما دون الآخر فيتوب من هذا دون ذاك كمن أدى بعض الواجبات دون بعض؛ فإن ~~ذلك يقبل منه. ولكن المعتزلة لهم أصل فاسد وافقوا فيه الخوارج في الحكم وإن ~~خالفوهم في الاسم فقالوا: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون ~~منها بشفاعة ولا غيرها وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ~~ثم يثيبه؛ ولهذا يقولون: بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة. وأما الصحابة وأهل ~~السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون # PageV10P321 # من النار ويشفع فيهم وأن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات؛ ولكن قد ~~يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر كما ~~لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها ~~رضا الله أثابه الله على ذلك وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته. وكتاب ~~الله عز وجل يفرق بين حكم السارق والزاني وقتال المؤمنين بعضهم بعضا وبين ~~حكم الكفار في " الأسماء والأحكام ". والسنة المتواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإجماع الصحابة يدل على ذلك كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. ms3118 ~~وعلى هذا تنازع الناس في قوله: {إنما يتقبل الله من المتقين} فعلى قول ~~الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة إلا ممن اتقاه مطلقا فلم يأت كبيرة، وعند ~~المرجئة إنما يتقبل ممن اتقى الشرك فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم " ~~المتقين "، وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله ~~خالصا لله موافقا لأمر الله فمن اتقاه في عمل تقبله منه وإن كان عاصيا في ~~غيره. ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعا في غيره. والتوبة من ~~بعض الذنوب دون بعض كفعل بعض الحسنات المأمور # PageV10P322 # بها دون بعض إذا لم يكن المتروك شرطا في صحة المفعول كالإيمان المشروط في ~~غيره من الأعمال كما قال الله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} وقال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة} وقال: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ~~وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون} . (الأصل الثاني) أن من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإن ~~التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه أما ما لم يتب منه فهو باق فيه على حكم ~~من لم يتب لا على حكم من تاب وما علمت في هذا نزاعا إلا في الكافر إذا أسلم ~~فإن إسلامه يتضمن التوبة من الكفر فيغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، ~~وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا ~~فيه قولان معروفان: (أحدهما) يغفر له الجميع لإطلاق قوله صلى الله عليه ~~وسلم {الإسلام يهدم ما كان قبله} رواه مسلم. مع قوله تعالى {قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} . (والقول الثاني) أنه لا يستحق أن يغفر له ~~بالإسلام إلا ما تاب منه؛ # PageV10P323 # فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل ~~الكبائر وهذا القول هو الذي تدل عليه ms3119 الأصول والنصوص؛ فإن في الصحيحين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {قال له حكيم بن حزام: يا رسول الله أنؤاخذ بما ~~عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في ~~الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} فقد دل هذا النص على أنه ~~إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التي فعلت في حال الجاهلية عمن أحسن لا عمن لا ~~يحسن؛ وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر ومن لم يتب منها فلم يحسن. وقوله ~~تعالى {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} يدل على أن المنتهي ~~عن شيء يغفر له ما قد سلف منه لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف ~~من غيره؛ وذلك لأن قول القائل لغيره: إن انتهيت غفرت لك ما تقدم ونحو ذلك ~~يفهم منه عند الإطلاق أنك إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم منه وإذا ~~انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه كما يفهم مثل ذلك في قوله: {إن تبت} لا ~~يفهم منه أنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره. وأما قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {الإسلام يهدم ما قبله} وفي رواية {يجب ما كان قبله} ~~فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب # PageV10P324 # أن يغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له: {يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ~~ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها} ~~ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه، لا توجب التوبة غفران جميع ~~الذنوب. # الأصل الثالث: أن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها وقد يتوب توبة ~~مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه لكن إذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ~~ما يراه ذنبا؛ لأن التوبة العامة تتضمن عزما عاما بفعل المأمور وترك ~~المحظور وكذلك تتضمن ندما عاما على كل محظور. و " الندم " سواء قيل: إنه من ~~باب الاعتقادات أو من باب الإرادات ms3120 أو قيل: إنه من باب الآلام التي تلحق ~~النفس بسبب فعل ما يضرها؛ فإذا استشعر القلب أنه فعل ما يضره حصل له معرفة ~~بأن الذي فعله كان من السيئات، وهذا من باب الاعتقادات، وكراهية لما كان ~~فعله، وهو من جنس الإرادات؛ وحصل له أذى وغم لما كان فعله؛ وهذا من باب ~~الآلام كالغموم والأحزان كما أن الفرح والسرور هو من باب اللذات ليس هو من ~~باب الاعتقادات والإرادات. ومن قال من المتفلسفة ومن اتبعهم: إن اللذة هي ~~إدراك الملائم # PageV10P325 # من حيث هو ملائم، وأن الألم هو إدراك المنافر من حيث هو منافر، فقد غلط ~~في ذلك؛ فإن اللذة والألم حالان يتعقبان إدراك الملائم والمنافر، فإن الحب ~~لما يلائمه كالطعام المشتهى مثلا له ثلاثة أحوال: (أحدها) الحب كالشهوة ~~للطعام. # والثاني: إدراك المحبوب كأكل الطعام. # والثالث: اللذة الحاصلة بذلك واللذة أمر مغاير للشهوة ولذوق المشتهي؛ بل ~~هي حاصلة لذوق المشتهي؛ ليست نفس ذوق المشتهي. وكذلك " المكروه " كالضرب ~~مثلا. فإن كراهته شيء وحصوله شيء آخر والألم الحاصل به ثالث. وكذلك ما ~~للعارفين أهل محبة الله من النعيم والسرور بذلك؛ فإن حبهم لله شيء ثم ما ~~يحصل من ذكر المحبوب شيء ثم اللذة الحاصلة بذلك أمر ثالث ولا ريب أن الحب ~~مشروط بشعور المحبوب كما أن الشهوة مشروطة بشعور المشتهي؛ لكن الشعور ~~المشروط في اللذة غير الشعور المشروط في المحبة فهذا الثاني يسمى إدراكا ~~وذوقا ونيلا ووجدا ووصالا ونحو ذلك مما يعبر به عن إدراك المحبوب، # PageV10P326 # سواء كان بالباطن أو الظاهر ثم هذا الذوق يستلزم اللذة واللذة أمر يحسه ~~الحي باطنا وظاهرا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~{ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا} وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه ~~وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه من سواهما ومن كان يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن ms3121 يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه كما يكره أن يلقى في النار} فبين صلى الله عليه وسلم أن ذوق طعم ~~الإيمان لمن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وأن وجد حلاوة ~~الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما ومن كان يحب شخصا ~~لله لا لغيره ومن كان يكره ضد الإيمان كما يكره أن يلقى في النار؛ فهذا ~~الحب للإيمان والكراهية للكفر استلزم حلاوة الإيمان كما استلزم الرضى ~~المتقدم ذوق طعم الإيمان وهذا هو اللذة؛ وليس هو نفس التصديق والمعرفة ~~الحاصلة في القلب ولا نفس الحب الحاصل في القلب؛ بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ~~ولازم له وهي أمور متلازمة فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق وإلا فمن أحب شيئا ~~ولم يذق منه # PageV10P327 # شيئا لم يجد لذة كالذي يشتهي الطعام ولم يذق منه شيئا ولو ذاق ما لا يحبه ~~لم يجد لذة كمن ذاق ما لا يريده فإذا اجتمع حب الشيء وذوقه حصلت اللذة بعد ~~ذلك. وإن حصل بغضه وذوق البغيض حصل الألم فالذي يبغض الذنب ولا يفعله لا ~~يندم والذي لا يبغضه لا يندم على فعله فإذا فعله وعرف أن هذا مما يبغضه ~~ويضره ندم على فعله إياه. وفي المسند عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {الندم توبة} . إذا تبين هذا. فمن تاب توبة عامة كانت هذه ~~التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها وإن لم يستحضر أعيان الذنوب إلا أن يعارض ~~هذا العام معارض يوجب التخصيص مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب ~~منه؛ لقوة إرادته إياه أو لاعتقاده أنه حسن ليس بقبيح فما كان لو استحضره ~~لم يتب منه لم يدخل في التوبة وأما ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه ~~فإن التوبة العامة شاملته. وأما " التوبة المطلقة ": وهي أن يتوب توبة ~~مجملة ولا تستلزم التوبة من كل ذنب فهذه لا توجب دخول كل فرد من أفراد ~~الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كاللفظ المطلق؛ لكن ms3122 هذه تصلح أن تكون سببا ~~لغفران المعين. كما تصلح أن تكون سببا لغفران الجميع؛ بخلاف # PageV10P328 # العامة فإنها مقتضية للغفران العام كما تناولت الذنوب تناولا عاما. وكثير ~~من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها أو ~~بعض الظلم باللسان أو اليد وقد يكون ما تركه من المأمور الذي يجب لله عليه ~~في باطنه وظاهره من شعب الإيمان وحقائقه أعظم ضررا عليه مما فعله من بعض ~~الفواحش فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من ~~المؤمنين حقا أعظم نفعا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة كحب الله ورسوله؛ ~~فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح {أنه كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان كلما أتي به إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلده الحد فلما كثر ذلك منه أتي به مرة فأمر ~~بجلده فلعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ~~ورسوله} . فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة: {لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها ~~وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها} . ~~ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له. # PageV10P329 # وكذلك " التكفير المطلق " و " الوعيد المطلق ". ولهذا كان الوعيد المطلق ~~في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع فلا يلحق التائب من ~~الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته ولا يلحق المشفوع ~~له والمغفور له؛ فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة ~~والحسنات الماحية والمصائب المكفرة - لكنها من عقوبات الدنيا - وكذلك ما ~~يحصل في البرزخ من الشدة، وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة، وتزول أيضا ~~بدعاء المؤمنين: كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع كمن يشفع فيه سيد ~~الشفعاء {محمد} صلى الله عليه وسلم تسليما. وحينئذ فأي ذنب تاب منه ارتفع ~~موجبه وما لم ms3123 يتب منه فله حكم الذنوب التي لم يتب منها فالشدة إذا حصلت ~~بذنوب وتاب من بعضها خفف منه بقدر ما تاب منه بخلاف ما لم يتب منه؛ بخلاف ~~صاحب التوبة العامة. والناس في غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم ~~إلى ذلك فإن التوبة واجبة على كل عبد في كل حال؛ لأنه دائما يظهر له ما فرط ~~فيه من ترك مأمور أو ما اعتدى فيه من فعل محظور فعليه أن يتوب دائما. والله ~~أعلم. # PageV10P330 # وأما قول السائل: ما ### | السبب في أن الفرج يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق؟ # وما الحيلة في صرف القلب عن التعلق بهم وتعلقه بالله؟ فيقال: سبب هذا ~~تحقيق التوحيد: " توحيد الربوبية " و " توحيد الإلهية ". " فتوحيد الربوبية ~~" أنه لا خالق إلا الله فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور؛ بل ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فكل ما سواه إذا قدر سببا فلا بد له من شريك ~~معاون وضد معوق فإذا طلب مما سواه إحداث أمر من الأمور طلب منه ما لا يستقل ~~به ولا يقدر وحده عليه حتى ما يطلب من العبد من الأفعال الاختيارية لا ~~يفعلها إلا بإعانة الله له كأن يجعله فاعلا لها بما يخلقه فيه من الإرادة ~~الجازمة ويخلقه له من القدرة التامة وعند وجود القدرة التامة والإرادة ~~الجازمة يجب وجود المقدور. فمشيئة الله وحده مستلزمة لكل ما يريده فما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سواه لا تستلزم إرادته شيئا؛ بل ما أراده ~~لا يكون إلا بأمور خارجة عن مقدوره إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده ونفس ~~إرادته لا تحصل إلا بمشيئة الله تعالى. كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقال # PageV10P331 # تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن ~~الله كان عليما حكيما} {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما} وقال: {فمن شاء ذكره} ms3124 {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة} . والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده من ذلك المخلوق، وذلك ~~المخلوق عاجز عنه ثم هذا من الشرك الذي لا يغفره الله فمن كمال نعمته ~~وإحسانه إلى عباده المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم ~~إلى التوحيد ثم إن وحده العبد توحيد الإلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة. ~~وإن كان ممن قيل فيه: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون} وفي قوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} كان ما حصل له من وحدانيته حجة ~~عليه. كما احتج سبحانه على المشركين الذين يقرون بأنه خالق كل شيء ثم ~~يشركون ولا يعبدونه وحده لا شريك له قال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} # PageV10P332 # {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} ~~{قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} {سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون} وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} وهذا قد ذكر في القرآن في غير موضع. ~~فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم ~~إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه وتتعلق ~~قلوبهم به لا بغيره فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان ~~وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف ~~أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة فإن ذلك لذات بدنية ونعم ~~دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن. وأما ما يحصل لأهل ~~التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال ms3125 أو يستحضر ~~تفصيله بال ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه ولهذا قال بعض السلف: يا ابن ~~آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك. وقال بعض الشيوخ: إنه ~~ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما ~~لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي # PageV10P333 # عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضي انصرفت. وفي بعض ~~الإسرائيليات يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين ~~نفسك. وهذا المعنى كثير وهو موجود مذوق محسوس بالحس الباطن للمؤمن وما من ~~مؤمن إلا وقد وجد من ذلك ما يعرف به ما ذكرناه فإن ذلك من باب الذوق والحس ~~لا يعرفه إلا من كان له ذوق وحس بذلك. ولفظ " الذوق " وإن كان قد يظن أنه ~~في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ~~ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر كما أن لفظ " الإحساس " في عرف ~~الاستعمال عام فيما يحس بالحواس الخمس بل وبالباطن. وأما في اللغة فأصله " ~~الرؤية " كما قال: {هل تحس منهم من أحد} . و (المقصود) لفظ " الذوق " قال ~~تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} فجعل الخوف والجوع مذوقا؛ وأضاف ~~إليهما اللباس ليشعر أنه لبس الجائع والخائف فشمله وأحاط به إحاطة اللباس ~~باللابس؛ # PageV10P334 # بخلاف من كان الألم لا يستوعب مشاعره بل يختص ببعض المواضع وقال تعالى: ~~فذوقوا العذاب الأليم وقال تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} وقال تعالى: ~~{ذوقوا مس سقر} وقال: {لا يذوقون فيها الموت} وقال تعالى: {لا يذوقون فيها ~~بردا ولا شرابا} {إلا حميما وغساقا} وقال: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ذاق طعم الإيمان من رضي ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا} . فاستعمال لفظ " الذوق " في إدراك ~~الملائم والمنافر كثير. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان} كما تقدم ذكر الحديث. فوجود ms3126 المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه، ~~وذوق طعم الإيمان أمر يعرفه من حصل له هذا الوجد. وهذا الذوق أصحابه فيه ~~يتفاوتون فالذي يحصل لأهل الإيمان عند تجريد توحيد قلوبهم إلى الله ~~وإقبالهم عليه دون ما سواه بحيث يكونون حنفاء له مخلصين له الدين لا يحبون ~~شيئا إلا له ولا يتوكلون إلا عليه ولا يوالون إلا فيه ولا يعادون إلا له ~~ولا يسألون إلا إياه ولا يرجون إلا إياه ولا يخافون إلا إياه يعبدونه ~~ويستعينون له وبه بحيث يكونون عند الحق بلا خلق وعند الخلق بلا هوى؛ قد ~~فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته ومحبة ما سواه بمحبته وخوف # PageV10P335 # ما سواه بخوفه ورجاء ما سواه برجائه ودعاء ما سواه بدعائه هو أمر لا ~~يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب وما من مؤمن إلا له منه نصيب. وهذا هو ~~حقيقة الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وهو قطب القرآن الذي ~~تدور عليه رحاه. والله سبحانه أعلم. # PageV10P336 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # " الفناء " الذي يوجد في كلام الصوفية يفسر بثلاثة أمور. (أحدها) : فناء ~~القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته وما يتبع ذلك، فهذا حق ~~صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص وهو في " الحقيقة " عبادة القلب وتوكله ~~واستعانته وتألهه وإنابته وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له وما يتبع ذلك من ~~المعارف والأحوال. وليس لأحد خروج عن هذا. وهذا هو " القلب السليم " الذي ~~قال الله فيه: {إلا من أتى الله بقلب سليم} وهو سلامة القلب عن الاعتقادات ~~الفاسدة. والإرادات الفاسدة وما يتبع ذلك. # PageV10P337 # وهذا " الفناء " لا ينافيه البقاء؛ بل يجتمع هو والبقاء فيكون العبد ~~فانيا عن إرادة ما سواه وإن كان شاعرا بالله وبالسوى وترجمته قول لا إله ~~إلا الله وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لا إله إلا الله ولا نعبد ~~إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن} وهذا في " الجملة " هو أول ~~الدين وآخره. (الأمر الثاني) : فناء القلب عن شهود ما سوى ms3127 الرب فذاك فناء ~~عن الإرادة وهذا فناء عن الشهادة. ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه ~~وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه، فهذا الفناء فيه نقص؛ فإن شهود ~~الحقائق على ما هي عليه وهو شهود الرب مدبرا لعباده آمرا بشرائعه أكمل من ~~شهود وجوده أو صفة من صفاته أو اسم من أسمائه والفناء بذلك عن شهود ما سوى ~~ذلك. ولهذا كان الصحابة أكمل شهودا من أن ينقصهم شهود للحق مجملا عن شهوده ~~مفصلا ولكن عرض كثير من هذا لكثير من المتأخرين من هذه الأمة. كما عرض لهم ~~عند تجلي بعض الحقائق: الموت والغشي والصياح والاضطراب وذلك لضعف القلب عن ~~شهود الحقائق على ما هي عليه وعن شهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة ~~حتى اختلفوا في إمكان ذلك وكثير منهم يرى أنه لا يمكن سوى ذلك لما رأى أنه ~~إذا ذكر الخلق أو الأمر اشتغل عن الخالق الآمر. وإذا عورض بالنبي # PageV10P338 # صلى الله عليه وسلم وخلفائه ادعى الاختصاص أو أعرض عن الجواب أو تحير في ~~الأمر. وسبب ذلك أنه قاس جميع الخلق على ما وجده من نفسه؛ ولهذا يقول بعض ~~هؤلاء: إنه لا يمكن حين تجلي الحق سماع كلامه ويحكى عن ابن عربي أنه لما ~~ذكر له عن الشيخ شهاب الدين السهروردي أنه جوز اجتماع الأمرين. قال: نحن ~~نقول له عن شهود الذات وهو يخبرنا عن شهود الصفات والصواب مع شهاب الدين ~~فإنه كان صحيح الاعتقاد في امتياز الرب عن العبد. وإنما بنى ابن عربي على ~~أصله الكفري في أن الحق هو الوجود الفائض على الممكنات ومعلوم أن شهود هذا ~~لا يقع فيه خطاب وإنما الخطاب في مقام العقل (1) . # وفي هذا الفناء قد يقول: أنا الحق أو سبحاني أو ما في الجبة إلا الله إذا ~~فني بمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده. وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن ~~عرفانه. كما يحكون أن رجلا كان مستغرقا في محبة آخر فوقع المحبوب في اليم ~~فألقى الآخر نفسه خلفه فقال ما الذي أوقعك ms3128 خلفي؟ فقال: غبت بك عني فظننت ~~أنك أني. وفي مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود ~~PageV10P339 # حلاوة الإيمان كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشيق الصور. وكذلك قد يحصل ~~الفناء بحال خوف أو رجاء كما يحصل بحال حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ~~ويصدر منه قول أو عمل من جنس أمور السكارى وهي شطحات بعض المشايخ: كقول ~~بعضهم: أنصب خيمتي على جهنم ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع؛ ~~وقد يكون صاحبها غير مأثوم وإن لم يكن فيشبه هذا الباب أمر خفراء العدو ومن ~~يعين كافرا أو ظالما بحال ويزعم أنه مغلوب عليه. ويحكم على هؤلاء أن أحدهم ~~إذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليهم فيما يصدر عنهم من الأقوال ~~والأفعال المحرمة بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمرا محرما. ~~وهذا كما قلنا في عقلاء المجانين والمولهين الذين صار ذلك لهم مقاما دائما ~~كما أنه يعرض لهؤلاء في بعض الأوقات كما قال بعض العلماء ذلك في من زال ~~عقله حتى ترك شيئا من الواجبات. إن كان زواله بسبب غير محرم مثل الإغماء ~~بالمرض أو أسقي مكرها شيئا يزيل عقله فلا إثم عليه وإن زال بشرب الخمر ونحو ~~ذلك من الأحوال المحرمة أثم بترك الواجب وكذلك الأمر في فعل المحرم. وكما ~~أنه لا جناح عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة ~~بل هم في الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف # PageV10P340 # الظاهرة؛ وقال فيهم بعض العلماء هؤلاء قوم أعطاهم الله عقولا وأحوالا ~~فسلب عقولهم وترك أحوالهم وأسقط ما فرض بما سلب. ولهذا اتفق العارفون على ~~أن حال البقاء أفضل من ذلك وهو شهود الحقائق بإشهاد الحق كما قال الله ~~تعالى فيما روى عنه رسوله: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ~~ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. فبي يسمع ~~وبي يبصر ms3129 وبي يبطش وبي يمشي} وفي رواية {وبي ينطق وبي يعقل} فإذا سمع بالحق ~~ورأى به سمع الأمر على ما هو عليه وشهد الحق على ما هو عليه. وعامة ما تجده ~~في كتب أصحاء الصوفية مثل شيخ الإسلام ومن قبله من الفناء هو هذا مع أنه قد ~~يغلط بعضهم في بعض أحكامه كما تكلمت عليه في غير هذا الموضع. وفي الجملة ~~فهذا الفناء صحيح وهو في عيسوية المحمدية وهو شبيه بالصعق والصياح الذي حدث ~~في التابعين. ولهذا يقع كثير من هؤلاء في نوع ضلال؛ لأن الفناء عن شهود ~~الحقائق مرجعه إلى عدم العلم والشهود. وهو وصف نقص لا وصف كمال وإنما يمدح ~~من جهة # PageV10P341 # عدم إرادة ما سواه؛ لأن ذكر المخلوق قد يدعو إلى إرادته والفتنة به. ~~ولهذا غالب عباد " العيسوية " في عدم العلم بالسوى وإرادته والفتنة به ~~ويوصفون بسلامة القلوب. وغالب علماء " الموسوية " في العلم بالسوى وإرادته ~~والفتنة به ويوصفون بالعلم؛ لكن الأولون موصوفون بالجهل والعدل. والآخرون ~~موصوفون بالظلم (1) وكلاهما صحيح. فأما العلم بالحق والخلق وإرادة الله ~~وحده لا شريك له فهذا نعت المحمدية الكاملون في العلم والإرادة وسلامة ~~القلب المحمودة هي سلامة. . . (2) إذ الجهل لا يكون بنفسه صفة مدح. إلا أنه ~~قد يمدح لسلامته به عن الشرور؛ فإن أكثر النفوس إذا عرفت الشر الذي تهواه ~~اتبعته أو فزعت منه أو فتنها. # الثالث: فناء عن وجود السوى: بمعنى أنه يرى أن الله هو الوجود وأنه لا ~~وجود لسواه لا به ولا بغيره وهذا القول والحال للاتحادية الزنادقة من ~~المتأخرين كالبلياني والتلمساني والقونوني ونحوهم الذين يجعلون الحقيقة أنه ~~عين الموجودات وحقيقة الكائنات وأنه PageV10P342 # لا وجود لغيره؛ لا بمعنى أن قيام الأشياء به ووجودها به كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل. # وكما قيل في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} فإنهم لو أرادوا ذلك لكان ذلك ~~هو الشهود الصحيح؛ لكنهم يريدون أنه هو عين الموجودات فهذا كفر وضلال ms3130 ربما ~~تمسك أصحابه بألفاظ متشابهة توجد في كلام بعض المشايخ. كما تمسك النصارى ~~بألفاظ متشابهة تروى عن المسيح. ويرجعون إلى وجد فاسد أو قياس فاسد. فتدبر ~~هذا التقسيم فإنه بيان الصراط المستقيم. # PageV10P343 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # " الأمر والنهي " الذي يسميه بعض العلماء " التكليف الشرعي " هو مشروط ~~بالممكن من العلم والقدرة فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون ~~والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد؛ وكما لا ~~تجب الطهارة بالماء والصلاة قائما والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه. سواء ~~قيل: يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز؛ فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي ~~لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في # PageV10P344 # الشريعة بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم والقدرة ~~تخفيفا عنه وضبطا لمناط التكليف وإن كان تكليفه ممكنا كما رفع القلم عن ~~الصبي حتى يحتلم وإن كان له فهم وتمييز؛ لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه؛ ولأن ~~العقل يظهر في الناس شيئا فشيئا؛ وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ~~ومنتشرة قيدت بالبلوغ. وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادا وراحلة عند ~~جمهور العلماء؛ مع إمكان المشي لما فيه من المشقة وكما لا يجب الصوم على ~~المسافر مع إمكانه منه تخفيفا عليه وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف ~~معه زيادة المرض وتأخر البرء وإن كان فعلها ممكنا. لكن هذه المواضع هي مما ~~تختلف فيها الشرائع؛ فقد يوجب الله في شريعة ما يشق، ويحرم ما يشق تحريمه: ~~كالآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل وقد يخفف في شريعة أخرى كما ~~قال المؤمنون: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} وكما قال الله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} ~~وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {يريد الله ms3131 أن يخفف عنكم} # PageV10P345 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في قصة الأعرابي: {إنما بعثتم ~~ميسرين ولم تبعثوا معسرين} وقال لمعاذ وأبي موسى: {يسرا ولا تعسرا} وقال: ~~{إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه} وقال: {لا تشددوا على ~~أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن أقواما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك ~~بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} وقال: ~~{لا رهبانية في الإسلام} وقال {لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء ~~وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} وقال: {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه ~~كما يكره أن تؤتى معصيته} وروي عنه أنه قال: {بعثت بالحنيفية السمحة} . ~~وأما كون الإنسان مريدا لما أمر به أو كارها له فهذا لا تلتفت إليه الشرائع ~~بل ولا أمر عاقل بل الإنسان مأمور بمخالفة هواه. و " الإرادة " هي الفارقة ~~بين أهل الجنة وأهل النار كما قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} {ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} وقال تعالى: {تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} وقال تعالى: ~~{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم # PageV10P346 # أعمالهم فيها} الآية وقال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه} ونظائره كثيرة. فإن هذه الأصول ممهدة في الكتاب والسنة ~~وكلام العلماء والعارفين وليس الغرض هنا تقريرها. وإنما الغرض شيء آخر وهو ~~أنه إذا كان التكليف مشروطا بالتمكن من العلم الذي أصله العقل وبالقدرة على ~~الفعل فنقول: كل من هذين قد يزول بأسباب محظورة وبأسباب غير محظورة فإذا ~~أزال عقله بشرب الخمر أو البنج ونحوهما لم يزل عنه بذلك إثم بما يتركه من ~~الواجبات ويفعله من المحرمات إذا كان السكر يقتضي ذلك؛ بخلاف ما إذا زال ~~بسبب غير محرم كالإغماء لمرض أو خوف أو سكر بشرب غير محرم مثل أن يجرع ~~الخمر مكرها فإن ms3132 هذا لا إثم عليه. وأما قضاء الصلاة عليه عند أحمد وعند من ~~يقول: يقضي صلاة يوم وليلة فذاك نظير وجوب قضائها على النائم والناسي ولا ~~إثم عليهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس في النوم تفريط وإنما ~~التفريط في اليقظة} وقال: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك} # PageV10P347 # وكذلك " قدرة العبد " فإنه لو فرط بعد وجوب الحج عليه حتى ضيع ماله بقي ~~الحج في ذمته وكذلك في استحلال المحرمات قال الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فلا إثم عليه} . ف ### | الضرورة بسبب محظور لا تستباح بها المحرمات؛ # بخلاف الضرورة التي هي بسبب غير محظور. وقد اختلف العلماء في العاصي ~~بسفره هل يترخص ترخص المسافر؟ ومذهب الشافعي وأحمد أنه لا يترخص. فالأحوال ~~التي ترد على العباد وأهل المعرفة والزهاد ونحوهم مما توجب زوال عقل أحدهم ~~وعلمه حتى تجعله كالمجنون والموله والسكران والنائم، أو زوال قدرته حتى ~~تجعله كالعاجز أو تجعله كالمضطر الذي يصدر عنه القول والفعل بغير إرادته ~~واختياره فإن زوال العقل والقدرة قد يوجب عجزه عن أداء واجبات وقد يوجب ~~وقوعه في محرمات. فهؤلاء يقال فيهم: إن كان زوال ذلك بسبب غير محرم فلا حرج ~~عليهم فيما يتركونه من الواجبات ويفعلونه من المحرمات ولا يجوز أيضا ~~اتباعهم فيما هو خارج عن الشريعة من أقوالهم وأفعالهم ولا نذمهم على ذلك بل ~~قد يمدحون على ما وافقوا فيه الشريعة من # PageV10P348 # الأقوال والأعمال ويرفع عنهم اللوم فيما عذرهم فيه الشارع كما يقال في ~~المجتهد المخطئ سواء بل المجتهد المخطئ نوع من هذا الجنس حيث سقط عنه اللوم ~~لعجزه عن العلم. وإن كان زوال ذلك بسبب محرم استحقوا الذم والعقاب على ما ~~يتركونه من واجب ويفعلونه من محرم. مثال " الأول " من يسمع القرآن على ~~الوجه المشروع فهاج له وجد يحبه أو مخافة أو رجاء فضعف عن حمله حتى مات أو ~~صعق أو صاح صياحا عظيما أو اضطرب اضطرابا كثيرا فتولد ms3133 عن ذلك ترك صلاة ~~واجبة أو تعدى على بعض الناس فإن هذا معذور في ذلك؛ فإن هذا في هذه الحال ~~بمنزلة عقلاء المجانين المولهين الذين حصل لهم الجنون؛ مع أنهم من الصالحين ~~وأهل المعرفة إما لقوة الوارد الذي ورد عليهم؛ وإما لضعف قلوبهم عن حمله؛ ~~وإما لانحراف أمزجتهم وقوة الخلط؛ وإما لعارض من الجن؛ فإن هؤلاء كما بلغنا ~~عن الإمام أبي محمد المقدسي حيث سئل عنهم فقال: [هؤلاء قوم أعطاهم الله ~~عقولا وأحوالا؛ فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم وأسقط ما فرض بما سلب] (*) . ~~ولهذا كان هذا الصنف والذي قبله موجودا في التابعين ومن PageV10P349 # بعدهم؛ لا سيما في عباد البصريين فإن فيهم من مات من سماع القرآن كزرارة ~~بن أوفى وأبي جهير الضرير وغيرهما وأما الصحابة فإن حالهم كان أكمل من أن ~~يكون فيهم مجنون أو مصعوق؛ ومن هؤلاء أيضا من غلب عليه الذكر لله والتوحيد ~~له والمحبة حتى غاب بالمذكور المشهود المحبوب المعبود عما سواه؛ كما يحصل ~~لبعض العاشقين في غيبته بمعشوقه عما سواه فيقول أحدهم في هذه الحال: أنا ~~الحق أو سبحاني أو ما في الجبة إلا الله. ومنهم من غلب عليه حال الرجاء ~~والرحمة حتى قال: أبسط سجادتي على جهنم. فمن قال هذا في حال زوال عقله بحيث ~~يكون كالسكران أو الموله وكان السبب الذي أوجب ذلك غير منهي عنه شرعا فلا ~~إثم عليه. ومثال " الثاني ": ما قد يحصل عند سماع المكاء والتصدية لكثير من ~~أهل السماع فإنه قد ينشد أشعارا فيها ما يخالف الشرع بأصوات مخالفة للشرع ~~ويكون الإنسان فيه استعداد فيوجب ذلك اختلاطا وزوال عقل حتى يقتل بعضهم ~~بعضا إما ظاهرا وإما باطنا بالهمة والقلوب ويوجب أيضا من ترك واجبات ~~الشريعة ومن الاعتداء على المؤمنين في الدين والدنيا ما الله به عليم. # PageV10P350 # وكذلك قد يسلك أحدهم عبادات غير شرعية في الاعتقادات والأعمال فتورثه تلك ~~العبادات والأعمال أحوالا قوية قاهرة يترك بها الواجبات ويفعل بها المحرمات ~~أعظم مما يفعله الملك الجبار إذا سكر بشرب الخمر بالنفوس والأموال. وإذ ms3134 ~~خوطب أحدهم في حال صحوه وعقله قال: كنت مغلوبا وورد علي وارد فعل بي هذا ~~والحكم للوارد وهذه حال كثير من خفراء العدو وكثير ممن يعين الكفرة والظلمة ~~ويعتدي على المسلمين والمؤمنين من أهل الأحوال ويقول: إنه مغلوب في ذلك ~~وإنه ورد عليه وارد أوجب ذلك وإنه خوطب بذلك الفعل. فيقال: أما زوال عقلك ~~حتى صرت لا تفهم أمر الله ونهيه، وزوال قدرتك حتى صرت مضطرا إلى تلك ~~الأفعال وإن كنت صادقا في ذلك فسببه تفريطك وعدوانك أولا حتى صرت في حال ~~المجانين والسكارى فأنت بمنزلة شارب الخمر الذي سكر منها والمتعرض للعشق ~~حتى يعشق فيفعل فيه العشق الأفاعيل إذ لا فرق بين سكر الأصوات والصور ~~والشراب؛ فإن هذا سكر الأجسام وهذا سكر النفوس وهذا سكر الأرواح فإذا كان ~~السبب محظورا لم يكن السكران معذورا في دين الإسلام. # PageV10P351 # ولهذا إنما تقع هذه الأحوال ممن فيه نصرانية يميل بسببها إلى السكر كما ~~يفعله النصارى في الشراب والأصوات والصور ولهذا كان هؤلاء في عالم الضلال. ~~وأما قولك: إنك خوطبت بذلك وأمرت فمن أي الجهتين؟ أمن جهة الكلمات الدينية؟ ~~أم من جهة الكلمات الكونية؟ . فالأولى مثل قوله: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان} وقوله: {هو الذي بعث في الأميين} وقوله: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات} . والثانية مثل قوله: {أمرنا مترفيها} وقوله: {بعثنا عليكم عبادا ~~لنا} وقوله: {أنا أرسلنا الشياطين} فإن ذكرت أنه من الجهة " الأولى " فباطل ~~بخلاف الكتاب والسنة. وإن أقررت أنه من " الثانية " فصحيح لكن هذا حال ~~الكفار والمنافقين مثل إبليس وفرعون ونمرود وسائر من أطاع الأوامر الكونية ~~وتبع الإرادة القدرية وأعرض عن الأوامر الشرعية ولم يقف عند الإرادة ~~الدينية. فتدبر هذا الأصل فإنه عظيم نافع جدا فتنكشف به الأحوال المخالفة ~~للشرع. وانقسام أهلها إلى معذور وموزور كانقسامها إلى # PageV10P352 # مسطور على صاحبه ومغفور بمنزلة الأحوال الصادرة عن غير أهل العبادات ~~والزهادات من العقل والصحو ومن الإغماء والسكر والجنون ومن الاضطرار ~~والاختيار فإن أحوال الملوك والأمراء وأحوال الهداة والعلماء وأحوال ~~المشايخ والفقراء تشترك في هذه ms3135 القاعدة الشريفة وتحكم الشريعة فيها ~~بالفرقان. وإذا ضم إلى ذلك أن ما يصدر عن ذوي الأحوال من كشف علمي أو تأثير ~~قدري ليس بمستلزم لولاية الله بل ولا للصلاح بل ولا للإيمان إذ قد يكون هذا ~~الجنس في كافر ومنافق وفاسق وعاص وإنما أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون. ففرق بين ولاية الله وبين الأحوال كما ~~فرق بين خلافة النبوة وبين جنس الملك وفرق بين العلم الذي ورثته الأنبياء ~~وبين جنس الكلام فبين هذين النوعين خصوص وعموم فقد يكون الرجل وليا لله له ~~حال تأثير وكشف وقد يكون وليا ليس له تلك الحال بكمالها وقد يكون له شيء من ~~هذه الأحوال وليس وليا لله كما قد يكون خليفة نبي مطاعا وقد يكون خليفة نبي ~~مستضعفا وقد يكون جبارا مطاعا ليس من النبوة في شيء وقد يكون عالما ليس ~~متكلما بما يخالف كلام الأنبياء وقد يكون عالما متكلما بكلام الأنبياء. # PageV10P353 # فصل: # واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات في هذا القدر وغيره إنما ~~وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال: {من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي} . ومعلوم أنه إذا استقام " ولاة ~~الأمور " الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس كما قال أبو ~~بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت: " ~~ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح "؟ قال: " ما استقامت لكم أئمتكم " وفي ~~الأثر {صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء} أهل الكتاب وأهل ~~الحديد كما دل عليه قوله: {لقد أرسلنا} الآية. وهم " أولو الأمر " في قوله: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} . # PageV10P354 # وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء في الحديث مرفوعا وعن جماعة من ~~الصحابة {إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون} ~~فالأئمة المضلون هم الأمراء، والعالم والمجادل هم العلماء لكن (أحدهما) ms3136 ~~صحيح الاعتقاد يزل وهو العالم كما يقع من أئمة الفقهاء أهل السنة والجماعة. ~~و (الثاني) كالمتفلسفة والمتكلمين الذين يجادلون بشبهات القرآن مع أنهم في ~~الحقيقة منسلخون من آيات الله وإنما احتجاجهم به دفعا للخصم لا اهتداء به ~~واعتمادا عليه؛ ولهذا قال: {جدال منافق بالقرآن} فإن السنة والإجماع تدفع ~~شبهته. والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو " الأصل " والأعمال ~~الظاهرة هي " الفروع " وهي كمال الإيمان. فالدين أول ما يبنى من أصوله ~~ويكمل بفروعه كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي ~~المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد ثم أنزل بالمدينة - لما صار له قوة ~~- فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام ~~وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته. # PageV10P355 # فأصوله تمد فروعه وتثبتها وفروعه تكمل أصوله وتحفظها فإذا وقع فيه نقص ~~ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {أول ما ~~تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة} وروي عنه أنه ~~قال: {أول ما يرفع الحكم بالأمانة} و " الحكم " هو عمل الأمراء وولاة ~~الأمور كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} . وأما " الصلاة " فهي أول فرض وهي من ~~أصول الدين والإيمان مقرونة بالشهادتين فلا تذهب إلا في الآخر كما قال صلى ~~الله عليه وسلم {بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء} ~~فأخبر أن عوده كبدئه. فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين وصار ملكا ظهر النقص ~~في الأمراء فلا بد أن يظهر أيضا في أهل العلم والدين فحدث في آخر خلافة علي ~~بدعتا الخوارج والرافضة إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من ~~الأعمال والأحكام الشرعية. وكان ملك " معاوية " ملكا ورحمة فلما ذهب معاوية ~~- رحمة الله عليه - وجاءت إمارة " يزيد " وجرت فيها فتنة قتل الحسين " ~~بالعراق وفتنة أهل " الحرة " بالمدينة وحصروا مكة لما قام عبد الله بن ~~الزبير. # PageV10P356 # ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز وبنو ms3137 الحكم بالشام ووثب ~~المختار بن أبي عبيد وغيره بالعراق. وذلك في أواخر عصر الصحابة وقد بقي ~~فيهم مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي سعيد ~~الخدري وغيرهم حدثت " بدعة القدرية والمرجئة " فردها بقايا الصحابة كابن ~~عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الأسقع وغيرهم رضي الله عنهم مع ما كانوا ~~يردونه هم وغيرهم من بدعة الخوارج والروافض. وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك ~~يتكلمون فيه: أعمال العباد كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة ~~والمعصية والمؤمن والفاسق ونحو ذلك من مسائل " الأسماء والأحكام " و " ~~الوعد و " الوعيد " ولم يتكلموا بعد في ربهم ولا في صفاته إلا في أواخر عصر ~~صغار التابعين من حين أواخر " الدولة الأموية " حين شرع. " القرن الثالث " ~~- تابعو التابعين - ينقرض أكثرهم - فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور ~~أهل القرن وهم وسطه وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة ~~حتى أنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل وجمهور التابعين بإحسان. ~~انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، ~~وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية؛ وأوائل الدولة ~~العباسية - وصار # PageV10P357 # في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب وعربت ~~بعض الكتب العجمية من كتب الفرس والهند والروم وظهر ما قاله النبي صلى الله ~~عليه وسلم {ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف} - ~~حدث ثلاثة أشياء. " الرأي " و " الكلام " و " التصوف ". وحدث " التجهم " ~~وهو نفي الصفات. وبإزائه " التمثيل ". فكان جمهور الرأي من الكوفة؛ إذ هو ~~غالب على أهلها مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش وكثرة الكذب في الرواية مع ~~أن في خيار أهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة أمر عظيم؛ لكن ~~الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية، وكثرة الآراء في الفقه، والتشيع ~~في الأصول، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة. فإنه بعد موت الحسن وابن ~~سيرين بقليل ظهر عمرو بن عبيد وواصل ms3138 بن عطاء؛ ومن اتبعهما من أهل الكلام ~~والاعتزال. وظهر أحمد بن عطاء (1) الهجيمي الذي صحب عبد الواحد بن زيد، ~~PageV10P358 # وعبد الواحد صحب الحسن البصري ومن اتبعه من المتصوفة وبنى دويرة للصوفية؛ ~~هي أول ما بني في الإسلام وكان عبد الرحمن بن مهدي وغيره يسمونهم " الفقرية ~~" وكانوا يجتمعون في دويرة لهم. وصار لهؤلاء من الكلام المحدث طريق يتدينون ~~به مع تمسكهم بغالب الدين. ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع ~~تمسكهم بغالب التعبد المشروع وصار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى إن ~~أحدهم يموت أو يغشى عليه. ولهؤلاء حال في الكلام والحروف حتى خرجوا به إلى ~~تفكير أوقعهم في تحير. وهؤلاء أصل أمرهم " الكلام ". وهؤلاء أصل أمرهم " ~~الإرادة ". وهؤلاء يقصدون " بالكلام " التوحيد؛ ويسمون نفوسهم الموحدين. ~~وهؤلاء يقصدون " بالإرادة " التوحيد ويسمون نفوسهم أهل # PageV10P359 # التوحيد والتجريد. وقد كتبت قبل هذا في " القواعد " ما في طريقي أهل ~~الكلام والنظر وأهل الإرادة والعمل من الانحراف إذا لم يقترن بمتابعة ~~الرسول. كما بينت في " قاعدة كبيرة " أن أصل العلم والهدى والدين هو ~~الإيمان بالله ورسوله واستصحاب ذلك في جميع الأقوال والأحوال. وكان " أهل ~~المدينة " أقرب من هؤلاء وهؤلاء في القول والعمل إذ لم ينحرفوا انحراف ~~الطائفتين من الكوفيين والبصريين: هوى ورواية ورأيا وكلاما وسماعا وإن كان ~~في بعضهم نوع انحراف لكن هم أقرب. وأما " الشاميون " فكان غالبهم مجاهدين ~~وأهل أعمال قلبية أقرب إلى الحال المشروع من صوفية البصريين إذ ذاك. ولهذا ~~تجد كتب " الكلام؛ والتصوف " إنما خرجت في الأصل من البصرة. فمتكلمة ~~المعتزلة أئمتهم بصريون: مثل أبي الهذيل العلاف وأبي علي الجبائي وابنه أبي ~~هاشم وأبي عبد الله. . . (1) وأبي الحسين، PageV10P360 # البصري وكذلك متكلمة الكلابية والأشعرية: كعبد الله بن سعيد بن كلاب؛ ~~وأبي الحسن الأشعري وصاحبه أبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر بن الباقلاني ~~وغيرهم. وكذلك كتب " المتصوفة ومن خلط التصوف بالحديث والكلام " ككتب ~~الحارث بن أسد المحاسبي وأبي الحسن بن سالم وأبي سعيد الأعرابي وأبي طالب ~~المكي. وقد شرك هؤلاء من البغداديين والخراسانيين والشاميين خلق. ms3139 لكن الغرض ~~أن الأصول من ثم. كما أن " علم النبوة " من الإيمان والقرآن؛ وما يتبع ذلك ~~من الفقه والحديث وأعمال القلوب إنما خرجت من الأمصار التي يسكنها جمهور ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الحرمان والعراقان والشام: المدينة ~~ومكة والكوفة والبصرة والشام وسائر الأمصار تبع. فالقراء السبعة من هذه ~~الأمصار؛ وكذلك أئمة أهل الحديث وأثبتهم أهل المدينة وأهل البصرة كالزهري ~~ومالك وكقتادة وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي. # PageV10P361 # وأهل الكوفة فيهم الصادق والكاذب. وأهل الشام لم يكن فيهم كثير كاذب ولا ~~أئمة كبار في القراءة والحديث وكذلك أئمة الفقهاء فمالك عالم أهل المدينة. ~~والثوري وأبو حنيفة وغيرهما من أهل الكوفة. وابن جريج وغيره. من أهل مكة؛ ~~وحماد بن سلمة وحماد بن زيد من أهل البصرة والأوزاعي وطبقته بالشام وقد قيل ~~إن مالكا إنما احتذى موطأه. على كتاب حماد بن سلمة وقيل: إن كتاب ابن جريج ~~قبل ذلك. ثم الشافعي وإن كان أصله مكيا فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث غير ~~متقيد بمصره. وكذلك الإمام أحمد: وإن كان أجداده بصريين فإنه تفقه على ~~طريقة أهل الحديث غير متقيد بالبصريين ولا غيرهم. كما أن عبد الله بن ~~المبارك وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم من الخراسانيين ~~وكذلك أئمة الزهاد والعباد من هذه الأمصار كما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في ~~" صفوة الصفوة ". فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأما ما جاء عمن بعدهم فلا ينبغي أن يجعل # PageV10P362 # أصلا وإن كان صاحبه معذورا بل مأجورا لاجتهاد أو تقليد. فمن بنى الكلام ~~في العلم: الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين ~~فقد أصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع ~~المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على ~~الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد ~~أصاب طريق النبوة وهذه طريق أئمة الهدى. تجد " الإمام أحمد " إذا ذكر أصول ~~السنة ms3140 قال: هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وكتب كتب التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. ~~وكتب الحديث والآثار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين، وعلى ذلك يعتمد في أصوله العلمية وفروعه حتى قال في رسالته إلى ~~خليفة وقته " المتوكل ": لا أحب الكلام في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب ~~الله أو في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو الصحابة أو التابعين ~~فأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود. # PageV10P363 # وكذلك في " الزهد " و " الرقاق " و " الأحوال " فإنه اعتمد في " كتاب ~~الزهد " على المأثور عن الأنبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد ثم على ~~طريق الصحابة والتابعين ولم يذكر من بعدهم وكذلك وصفه لآخذ العلم أن يكتب ~~ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة ثم عن التابعين. - وفي ~~رواية أخرى - ثم أنت في التابعين مخير. وله كلام في " الكلام الكلامي ". و ~~" الرأي الفقهي " وفي " الكتب الصوفية " و " السماع الصوفي " ليس هذا ~~موضعه. يحتاج تحريره إلى تفصيل وتبيين كيفية استعماله في حال دون حال. فإنه ~~ينبني على الأصل الذي قدمناه من أنه قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة أو ~~غير مغفورة وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا ~~بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا. فإذا لم يحصل ~~النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف. وإلا بقي الإنسان في ~~الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة. إلا إذا حصل نور لا ~~ظلمة فيه وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية إذا خرج غيره عن ~~ذلك؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة. # PageV10P364 # وإنما قررت هذه " القاعدة " ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه ~~ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا: تارة يكون لتقصير ~~بترك الحسنات علما وعملا وتارة بعدوان بفعل السيئات ms3141 علما وعملا وكل من ~~الأمرين قد يكون عن غلبة وقد يكون مع قدرة. " فالأول " قد يكون لعجز وقصور ~~وقد يكون مع قدرة وإمكان. و " الثاني ": قد يكون مع حاجة وضرورة وقد يكون ~~مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات والمضطر إلى بعض السيئات ~~معذور فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} - في البقرة والطلاق (1) - وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} وقال سبحانه: {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقال: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه} وقال: ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به. PageV10P365 # وهذا أصل عظيم: وهو: أن تعرف الحسنة في نفسها علما وعملا سواء كانت واجبة ~~أو مستحبة. وتعرف السيئة في نفسها علما وقولا وعملا محظورة كانت أو غير ~~محظورة - إن سميت غير المحظورة سيئة - وإن الدين تحصيل الحسنات والمصالح ~~وتعطيل السيئات والمفاسد. وإنه كثيرا ما يجتمع في الفعل الواحد أو في الشخص ~~الواحد الأمران فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما فلا ~~يغفل عما فيه من النوع الآخر كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه ~~أحدهما فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات ~~البدعية والفجورية لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات ~~السنية البرية. فهذا طريق الموازنة والمعادلة ومن سلكه كان قائما بالقسط ~~الذي أنزل الله له الكتاب والميزان. # فصل: # ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق " الرأي " و " الكلام " و " التصوف " وغير ~~ذلك: كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب # PageV10P366 # والسنة والآثار إذ العهد قريب. وأنوار الآثار النبوية بعد فيها ظهور ولها ~~برهان عظيم وإن كان عند بعض الناس قد اختلط نورها ms3142 بظلمة غيرها. فأما ~~المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون. مثل من صنف في " الكلام " من ~~المتأخرين فلم يذكر إلا الأصول المبتدعة وأعرض عن الكتاب والسنة وجعلهما ~~إما فرعين أو آمن بهما مجملا أو خرج به الأمر إلى نوع من الزندقة ومتقدمو ~~المتكلمين خير من متأخريهم. وكذلك من صنف في " الرأي " فلم يذكر إلا رأي ~~متبوعه وأصحابه وأعرض عن الكتاب والسنة ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على ~~رأي متبوعه ككثير من أتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وكذلك ~~من صنف في " التصوف " و " الزهد " جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد - ~~وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين كما فعل صاحب " الرسالة " أبو القاسم ~~القشيري وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي وابن خميس الموصلي في " مناقب ~~الأبرار "؛ وأبو عبد الرحمن السلمي في تاريخ الصوفية لكن أبو عبد الرحمن ~~صنف أيضا " سير السلف " من الأولياء والصالحين. وسير الصالحين من السلف كما ~~صنف في سير الصالحين من الخلف ونحوهم من ذكرهم لأخبار أهل # PageV10P367 # " الزهد والأحوال " من بعد القرون الثلاثة من عند إبراهيم بن أدهم ~~والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ومن بعدهم وإعراضهم عن ~~حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء عليهم ~~والرضوان عنهم. وكان أحسن من هذا أن يفعلوا كما فعله أبو نعيم الأصبهاني في ~~" الحلية " من ذكره للمتقدمين والمتأخرين. وكذلك أبو الفرج بن الجوزي في " ~~صفوة الصفوة " وكذلك أبو القاسم التيمي في " سير السلف ". . . (1) ، وكذلك ~~ابن أسد بن موسى إن لم يصعدوا إلى طريقة عبد الله بن المبارك. وأحمد بن ~~حنبل. وهناد بن السري وغيرهم في كتبهم في الزهد فهذا هذا. والله أعلم ~~وأحكم. فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله وأصل ما تولد ~~فيه من أعظم العلوم نفعا. إذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي ~~يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة. وكان " للزهاد " عدة أسماء: يسمون بالشام " ~~الجوعية " ويسمون بالبصرة " الفقرية " و " الفكرية " ويسمون بخراسان " ~~المغاربة " ويسمون أيضا " الصوفية والفقراء ". PageV10P368 # والنسبة في ms3143 " الصوفية " إلى الصوف؛ لأنه غالب لباس الزهاد. وقد قيل هو ~~نسبة إلى " صوفة " بن مر بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون حول ~~البيت. وأما من قال: هم نسبة إلى " الصفة " فقد قيل: كان حقه أن يقال: صفية ~~وكذلك من قال: نسبة إلى الصفا؛ قيل له: كان حقه أن يقال: صفائية. ولو كان ~~مقصورا لقيل صفوية؛ وإن نسب إلى الصفوة قيل: صفوية. ومن قال: نسبة إلى الصف ~~المقدم بين يدي الله. قيل له: كان حقه أن يقال: صفية ولا ريب أن هذا يوجب ~~النسبة والإضافة؛ إذا أعطي الاسم حقه من جهة العربية. لكن " التحقيق " أن ~~هذه النسب إنما أطلقت على طريق الاشتقاق الأكبر والأوسط دون الاشتقاق ~~الأصغر؛ كما قال أبو جعفر " العامة " اسم مشتق من العمى؛ فراعوا الاشتراك ~~في الحروف دون الترتيب وهو الاشتقاق الأوسط أو الاشتراك في جنس الحروف دون ~~أعيانها وهو الأكبر. وعلى الأوسط قول نحاة الكوفيين " الاسم " مشتق من ~~السمة. وكذلك إذا قيل الصوفي من " الصفا " وأما إذا قيل هو من " الصفة " أو ~~" الصف " فهو على الأكبر. وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة: كأحمد بن ~~حنبل وغيره. # PageV10P369 # وقد تكلم به أبو سليمان الداراني وغيره وأما الشافعي فالمنقول عنه ذم ~~الصوفية وكذلك مالك - فيما أظن - وقد خاطب به أحمد لأبي حمزة الخراساني ~~وليوسف بن الحسين الرازي ولبدر بن أبي بدر المغازلي وقد ذم طريقهم طائفة من ~~أهل العلم ومن العباد أيضا من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأهل ~~الحديث والعباد ومدحه آخرون. و " التحقيق " فيه: أنه مشتمل على الممدوح ~~والمذموم كغيره. من الطريق وأن المذموم منه قد يكون اجتهاديا وقد لا يكون ~~وأنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في " الرأي " فإنه قد ذم الرأي من العلماء ~~والعباد طوائف كثيرة و " القاعدة " التي قدمتها تجمع ذلك كله وفي المتسمين ~~بذلك من أولياء الله وصفوته وخيار عباده ما لا يحصى عده. كما في أهل " ~~الرأي " من أهل العلم والإيمان من لا يحصي عدده إلا الله. والله سبحانه ms3144 ~~أعلم. وبهذا يتبين لك أن البدعة في الدين وإن كانت في الأصل مذمومة كما دل ~~عليه الكتاب والسنة سواء في ذلك البدع القولية والفعلية. وقد كتبت في غير ~~هذا الموضع أن المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم {كل بدعة ~~ضلالة} متعين وأنه يجب العمل بعمومه وأن من أخذ يصنف " البدع " إلى حسن ~~وقبيح ويجعل ذلك # PageV10P370 # ذريعة إلى ألا يحتج بالبدعة على النهي فقد أخطأ كما يفعل طائفة من ~~المتفقهة والمتكلمة والمتصوفة والمتعبدة؛ إذا نهوا عن " العبادات المبتدعة. ~~" و " الكلام في التدين المبتدع " ادعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهي عنه ~~فيعود الحديث إلى أن يقال: " كل ما نهي عنه " أو " كل ما حرم " أو " كل ما ~~خالف نص النبوة فهو ضلالة " وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان بل كل ما لم ~~يشرع من الدين فهو ضلالة. وما سمي " بدعة " وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد " ~~الأمرين " فيه لازم: إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين وإن كان يسمى بدعة من ~~حيث اللغة. كما قال عمر: " نعمت البدعة هذه " وإما أن يقال: هذا عام خصت ~~منه هذه الصورة لمعارض راجح كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم كسائر ~~عمومات الكتاب والسنة، وهذا قد قررته في " اقتضاء الصراط المستقيم " وفي " ~~قاعدة السنة والبدعة " وغيره. وإنما " المقصود هنا " أن ما ثبت قبحه من ~~البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة ~~إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه؛ إما # PageV10P371 # لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه وإما لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا ~~الموضع وقررته أيضا في أصل " التكفير والتفسيق " المبني على أصل الوعيد. ~~فإن نصوص " الوعيد " التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ~~ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت ~~الموانع لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع. هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق ~~للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه ms3145 في الدار الآخرة خالد في النار أو غير ~~خالد وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه " القاعدة " سواء كان ~~بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال. ~~فأما أحكام الدنيا فكذلك أيضا؛ فإن جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقا ~~بدعوتهم؛ إذ لا عذاب إلا على من بلغته الرسالة وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت ~~إلا بعد قيام الحجة. # PageV10P372 # وهنا قاعدة شريفة ينبغي التفطن لها: # وهو أن ما عاد من الذنوب بإضرار الغير في دينه ودنياه فعقوبتنا له في ~~الدنيا أكبر وأما ما عاد من الذنوب بمضرة الإنسان في نفسه فقد تكون عقوبته ~~في الآخرة أشد وإن كنا نحن لا نعاقبه في الدنيا. # وإضرار العبد في دينه ودنياه هو ظلم الناس؛ فالظلم للغير يستحق صاحبه ~~العقوبة في الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض ثم هو نوعان: # أحدهما: منع ما يجب لهم من الحقوق وهو التفريط. # والثاني: فعل ما يضر به وهو العدوان. فالتفريط في حقوق العباد. . . (1) ~~PageV10P373 # ولهذا يعاقب الداعية إلى البدع بما لا يعاقب به الساكت ويعاقب من أظهر ~~المنكر بما لا يعاقب به من استخفى به ونمسك عن عقوبة المنافق في الدين وإن ~~كان في الدرك الأسفل من النار. وهذا لأن الأصل أن تكون العقوبة من فعل الله ~~تعالى فإنه الذي يجزي الناس على أعمالهم في الآخرة وقد يجزيهم أيضا في ~~الدنيا. وأما نحن فعقوبتنا للعباد بقدر ما يحصل به أداء الواجبات وترك ~~المحرمات بحسب إمكاننا كما قال صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} وقال تعالى: {وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقال: {والفتنة أكبر من القتل} . ~~ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه ~~العقوبة التي لحق الله، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله ms3146 ~~وماله، وكذلك قاطع الطريق والزاني والسارق والشارب إذا تابوا قبل القدرة ~~عليهم لحصول المقصود بالتوبة وأما إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة ~~كلها؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود وحصول الفساد؛ ولأن هذه التوبة غير ~~موثوق بها؛ ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل ~~القدرة عليه # PageV10P374 # بخلاف من أسلم بعد الأسر فإنه لا يمنع استرقاقه وإن عصم دمه. ويبنى على ~~هذه " القاعدة ": أنه قد يقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من يكون عذابه ~~في الآخرة أشد إذا لم يتعد ضرره إلى غيره: كالذين يؤتون الجزية عن يد وهم ~~صاغرون والذين أظهروا الإسلام والتزموا شرائعه ظاهرا مع نفاقهم؛ لأن هذين ~~الصنفين كفوا ضررهم في الدين والدنيا عن المسلمين ويعاقبون في الآخرة على ~~ما اكتسبوه من الكفر والنفاق وأما من أظهر ما فيه مضرة فإنه تدفع مضرته ولو ~~بعقابه وإن كان مسلما فاسقا أو عاصيا أو عدلا مجتهدا مخطئا بل صالحا أو ~~عالما سواء في ذلك المقدور عليه والممتنع. مثال المقدور عليه إنما يعاقب من ~~أظهر الزنا والسرقة وشرب الخمر وشهادة الزور وقطع الطريق وغير ذلك لما فيه ~~من العدوان على النفوس والأموال والأبضاع وإن كان مع هذا حال الفاسق في ~~الآخرة خيرا من حال أهل العهد الكفار ومن حال المنافقين؛ إذ الفاسق خير من ~~الكافر والمنافق بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر ~~الناس في دينهم؛ وإن كان قد يكون معذورا فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو ~~تقليد. # PageV10P375 # وكذلك يجوز قتال " البغاة ": وهم الخارجون على الإمام أو غير الإمام ~~بتأويل سائغ مع كونهم عدولا ومع كوننا ننفذ أحكام قضائهم ونسوغ ما قبضوه. ~~من جزية أو خراج أو غير ذلك. إذ الصحابة لا خلاف في بقائهم على العدالة ~~وذلك أن التفسيق انتفى للتأويل السائغ. وأما القتال: فليؤدوا ما تركوه من ~~الواجب وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وإن كانوا متأولين. وكذلك نقيم الحد ~~على من شرب النبيذ المختلف فيه وإن كانوا قوما صالحين فتدبر كيف ms3147 عوقب أقوام ~~في الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين في الدين أو الدنيا وإن كانوا ~~معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم في الدنيا كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه ~~إلى الإمام وإن كان قد تاب توبة نصوحا وكما يغزو هذا البيت جيش من الناس ~~فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون على نياتهم، ~~وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم العباس وغيره، ~~وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم فالعقوبات ~~المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة وتكون في ~~حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد. وعلى ~~هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع # PageV10P376 # يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ولا يستفتى ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا ~~الباب؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو ~~بدعة أو غيرها وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا؛ إذ الهجرة مقصودها ~~أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها وإما عقوبة فاعلها ونكاله. ~~فأما هجره بترك. . . (1) في غير هذا الموضع. ومن هذا الباب هجر الإمام أحمد ~~للذين أجابوا في المحنة قبل القيد ولمن تاب بعد الإجابة ولمن فعل بدعة ما؛ ~~مع أن فيهم أئمة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة؛ فإن هجره لهم ~~والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرهم لم يمنع ذلك ما كان لهم من ~~السوابق. حتى قد قيل إن اثنين منهما شهدا بدرا وقد قال الله لأهل بدر: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأحد أهل العقبة فهذا " أصل عظيم " أن عقوبة الدنيا المشروعة من ~~الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلا أو رجلا صالحا كما بينت ms3148 من ~~الفرق بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة؛ وبين عقوبة الآخرة والله ~~سبحانه أعلم. PageV10P377 # فصل: # ومما يناسب " هذا الباب " قولهم: فلان يسلم إليه حاله أو لا يسلم إليه ~~حاله؛ فإن هذا كثيرا ما يقع فيه النزاع فيما قد يصدر عن بعض المشايخ ~~والفقراء والصوفية من أمور يقال: إنها تخالف الشريعة فمن يرى أنها منكرة ~~وأن إنكار المنكر من الدين ينكر تلك الأمور وينكر على ذلك الرجل وعلى من ~~أحسن به الظن ويبغضه ويذمه ويعاقبه ومن رأى ما في ذلك الرجل من صلاح ~~وعبادة: كزهد وأحوال وورع وعلم لا ينكرها بل يراها سائغة أو حسنة أو يعرض ~~عن ذلك. وقد يغلو كل واحد من هذين: حتى يخرج " بالأول " إنكاره إلى التكفير ~~والتفسيق في مواطن الاجتهاد متبعا لظاهر من أدلة الشريعة ويخرج " بالثاني ~~إقراره إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول ~~جاء بخلافه اتباعا في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر و " الأول " يكثر في ~~الموسوية ومن انحرف منهم إلى يهودية و " الثاني " يكثر في العيسوية ومن ~~انحرف منهم إلى نصرانية. # PageV10P378 # و (الأول) كثيرا ما يقع في ذوي العلم لكن مقرونا بقسوة وهوى. و (الثاني) ~~: كثيرا ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقرونا بضلال وجهل. فأما " الأمة الوسط ~~": فلهم العلم والرحمة كما أخبر عن نفسه بقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما} وقال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال: {إنما إلهكم الله الذي لا ~~إله إلا هو وسع كل شيء علما} وكذلك وصف العبد الذي لقيه موسى حيث قال: ~~{آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} . والعدل في " هذا الباب " ~~قولا وفعلا أن ### | تسليم الحال له معنيان: # أحدهما: رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذموما ولا مأثوما. . . (1) . # والثاني: تصويبه على ما فعل بحيث يكون محمودا مأجورا. " فالأول " عدم ~~الذم والعقاب. و " الثاني ": وجود الحمد والثواب. " الأول ": عدم سخط الله ~~وعقابه و " الثاني ": وجود رضاه وثوابه. ولهذا PageV10P379 # تجد المنكرين غالبا في إثبات السخط والذم والعقاب والمقرين في إثبات ~~الرضا ms3149 والحمد والثواب وكلاهما قد يكون مخطئا ويكون الصواب في " أمر ثالث ~~وسط " وهو أنه لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب. وبيان ذلك: أن ذلك الأمر ~~الصادر عنه سواء كان قولا أو فعلا إذا علم أنه مخالف للكتاب والسنة بحيث ~~يكون قولا باطلا أو عملا محرما فإنه يعذر في موضعين: (أحدهما) : عدم تمكنه ~~من العلم به. و (الثاني) عدم قدرته على الحق المشروع. مثال (الأول) : أن ~~يكون صاحب الحال مولها مجنونا قد سقط عنه القلم فهذا إذا قيل فيه: يسلم له ~~حاله بمعنى أنه لا يذم ولا يعاقب؛ لا بمعنى تصويبه فيه؛ كما يقال في سائر ~~المجانين فهو صحيح. وإن عني به أن ذلك القول صواب فهذا خطأ. وكذلك إذا كان ~~ذلك الحال صادرا عنه باجتهاد كمسائل الاجتهاد المتنازع فيها بين أهل العلم ~~والدين. فإن هذا إذا قيل: يسلم إليه حاله كما يقال: يقر على اجتهاده بمعنى ~~أنه لا يذم ولا يعاقب فهو صحيح. # PageV10P380 # وأما إذا قيل ذلك بمعنى أنه صواب أو صحيح فلا بد من دليل على تصويبه. ~~وإلا فمجرد القول أو الفعل الصادر من غير الرسول ليس حجة على تصويب القائل ~~أو الفاعل فإذا علم أن ذلك الاجتهاد خطأ كان تسليم حاله بمعنى رفع الذم عنه ~~لا بمعنى إصابته. وكذلك إذا أريد بتسليم حاله وإقراره أنه يقر على حكمه فلا ~~ينقض أو على فتياه فلا تنكر أو على جواز اتباعه لمن هو من أهل تقليده ~~واتباعه بأن للقاصرين أن يقلدوا ويتبعوا من يسوغ تقليده واتباعه من العلماء ~~والمشايخ فيما لم يظهر لهم أنه خطأ لكن بعض هذا يدخل في القسم الثاني الذي ~~لم يعلم مخالفته للشريعة. وتسليم الحال في مثل هذا إذا عرف أنه معذور أو ~~عرف أنه صادق في طريقه وأن هذا الأمر قد يكون اجتهادا منه فهذه " ثلاثة ~~مواضع " يسلم إليه فيها حاله لعدم تمكنه من العلم وخفاء الحق عليه فيها على ~~وجه يعذر به. ومثال (الثاني) : عدم قدرته - أن يرد عليه من الأحوال ما ms3150 ~~يضطره إلى أن يخرق ثيابه أو يلطم وجهه أو يصيح صياحا منكرا أو يضطرب ~~اضطرابا شديدا. فهذا إذا عرف أن سبب ذلك لم يكن محرما وأنه مغلوب عليه سلم ~~إليه حاله وإن شك هل هو مغلوب أو متصنع فإن عرف منه الصدق قيل هذا يسلم ~~إليه حاله، # PageV10P381 # وإن عرف كذبه أنكر عليه وإن شك فيه توقف في التسليم والإنكار حتى يتبين ~~أمره كما يفعل بمن شهد شهادة أو اتهم بسرقة. فإن ظهر صدقه وعدله قبلت ~~الشهادة ودفعت إليهم وإن ظهر كذبه وخيانته ردت الشهادة وعوقب على السرقة. ~~وإن اشتبه الأمر توقف فيه؛ فإن المؤمن وقاف متبين هكذا قال الحسن البصري. ~~وكذلك إذا ترك الواجبات مظهرا أنه مغلوب لا يقدر على فعلها: مثل أن يترك ~~الصلاة مظهرا أنه بمنزلة المغمى عليه والنائم الذي لا يتمكن من فعلها. كما ~~قد يعتري بعض المصعوقين من وارد خوف الله أو محبته أو نحو ذلك بحيث يسقط ~~تمييزه فلا يمكنه الصلاة فهو فيما يتركه من الواجبات نظير ما يرتكبه من ~~المحرمات فتسليم الحال بمعنى عدم اللوم قد يراد به الحكم بأنه معذور وقد ~~يراد به ترك الحكم بأنه ملوم. هذا فيما يعلم من الأقوال والأفعال أنه مخالف ~~للشرع بلا ريب كالشطحات المأثورة عن بعض المشايخ كقول ابن هود: إذا كان يوم ~~القيامة نصبت خيمتي على جهنم، وكون الشبلي كان يحلق لحيته ويمزق ثيابه حتى ~~أدخلوه المارستان مرتين وما يحكى عن بعضهم أنه قال: إذا كانت لك حاجة فتعال ~~إلى قبري واستغث به وكترك آخر صلاة الجمعة خلف إمام صالح لكونه دعا لسلطان ~~وقته وسماه العادل، وترك آخر الصلاة خلف إمام لما كوشف به من حديث نفسه، ~~وما يحكى عن عقلاء المجانين الذين قيل فيهم: إن الله أعطاهم عقولا وأحوالا ~~فسلب عقولهم وترك # PageV10P382 # أحوالهم وأسقط ما فرض بما سلب. فجماع هذا أن هذه الأمور تعطى حقها من ~~الكتاب والسنة فما جاء به الكتاب والسنة من الخبر والأمر والنهي وجب اتباعه ~~ولم يلتفت إلى من خالفه كائنا ms3151 من كان ولم يجز اتباع أحد في خلاف ذلك كائنا ~~من كان كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من اتباع الرسول وطاعته وأن ~~الرجل الذي صدر عنه ذلك يعطى عذره حيث عذرته الشريعة بأن يكون مسلوب العقل ~~أو ساقط التمييز أو مجتهدا مخطئا اجتهادا قوليا أو عمليا أو مغلوبا على ذلك ~~الفعل أو الترك بحيث لا يمكنه رد ما صدر عنه من الفعل المنكر بلا ذنب فعله ~~ولا يمكنه أداء ذلك الواجب بلا ذنب فعله ويكون هذا الباب نوعه محفوظا بحيث ~~لا يتبع ما خالف الكتاب والسنة ولا يجعل ذلك شرعة ولا منهاجا؛ بل لا سبيل ~~إلى الله ولا شرعة إلا ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ~~الأشخاص الذين خالفوا بعض ذلك على الوجوه المتقدمة فيعذرون ولا يذمون ولا ~~يعاقبون. فإن كل أحد من الناس قد يؤخذ من قوله وأفعاله ويترك إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وما من الأئمة إلا من له أقوال وأفعال لا يتبع عليها ~~مع أنه لا يذم عليها وأما الأقوال والأفعال التي لم يعلم قطعا مخالفتها ~~للكتاب والسنة بل # PageV10P383 # هي من موارد الاجتهاد التي تنازع فيها أهل العلم والإيمان؛ فهذه الأمور ~~قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها؛ لكنه لا يمكنه أن يلزم ~~الناس بما بان له ولم يبن لهم فيلتحق من وجه بالقسم الأول. ومن وجه بالقسم ~~الثاني. وقد تكون اجتهادية عنده أيضا فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده طريقهم ~~تسليما نوعيا بحيث لا ينكر ذلك عليهم كما سلم في القسم الأول تسليما شخصيا. # وأما الذي لا يسلم إليه حاله: فمثل أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه ~~اللوم ككثير من المنتسبة إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي و " اليونسية " فيما ~~يأتونه من المحرمات ويتركونه من الواجبات أو يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر ~~في وجده ليظن به خيرا ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة أو يعرف ~~منه أن الحق قد تبين ms3152 له وأنه متبع لهواه أو يعرف منه تجويز الانحراف عن ~~موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها وأن من الرجال من قد ~~يستغني عن الرسول أو له أن يخالفه أو أن يجري مع القدر المحض المخالف للدين ~~كما يحكي بعض الكذابين الضالين: أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع الكفار لما انهزم أصحابه وقالوا: نحن مع الله، من غلب كنا معه، ~~وأنه صبيحة الإسراء سمع منه ما جرى بينه وبين ربه من المناجاة، # PageV10P384 # وأنه تواجد في السماء حتى وقع الرداء عنه، وأن السر الذي أوصى إليه أودعه ~~في أرض نبت فيها اليراع فصار في الشبابة بمعنى ذلك السر، أو يسوغ لأحد بعد ~~محمد الخروج عن شريعته كما ساغ للخضر الخروج عن أمر موسى فإنه لم يكن ~~مبعوثا إليه كما بعث محمد إلى الناس كافة. فهؤلاء ونحوهم ممن يخالف الشريعة ~~ويبين له الحق فيعرض عنه يجب الإنكار عليهم بحسب ما جاءت به الشريعة من ~~اليد واللسان والقلب. وكذلك أيضا ينكر على من اتبع الأولين المعذورين في ~~أقوالهم وأفعالهم المخالفة للشرع فإن العذر الذي قام بهم منتف في حقه فلا ~~وجه لمتابعته فيه. ومن اشتبه أمره من أي القسمين هو. توقف فيه فإن الإمام ~~إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة لكن لا يتوقف في رد ما خالف ~~الكتاب والسنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد} . فلا يسوغ الخروج عن موجب العموم والإطلاق في الكتاب والسنة ~~بالشبهات ولا يسوغ الذم والعقوبة بالشبهات ولا يسوغ جعل الشيء حقا أو باطلا ~~أو صوابا أو خطأ بالشبهات والله يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين. # PageV10P385 # وبقيت هنا " المسألة " التي تشتبه غالبا وهو أن يظهر من بعض الرجال ~~المجهول الحال أمر مخالف للشرع في الظاهر ويجوز أن يكون معذورا فيه عذرا ~~شرعيا. مثل وجد خرج فيه عن الشرع لا يدرى ms3153 أهو صادق فيه أم متصنع وأخذ مال ~~بغير إذن صاحبه في الظاهر مع تجويز أن يكون علم طيب قلب صاحبه به فهذا إن ~~قيل: ينكر عليه جاز أن يكون معذورا وإن قيل: لا ينكر عليه، لزم إقرار ~~المجهولين على مخالفة الشرع في الظاهر فالواجب في مثل هذا أن يخاطب صاحبه ~~أولا برفق ويقال له: هذا في الظاهر منكر وأما في الباطن فأنت أمين الله على ~~نفسك فأخبرنا بحالك فيه، أو لا تظهره حيث يكون إظهاره فتنة وتسلك في ذلك ~~طريقة لا تفضي إلى إقرار المنكرات ولا لوم البرآء. والضابط أن من عرف من ~~عادته الصدق والأمانة أقر على ما لم يعلم أنه كذب وحرام ومن عرف منه الكذب ~~أو الخيانة لم يقر على المجهول وأما المجهول فيتوقف فيه. # PageV10P386 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام بقية السلف الكرام العالم ~~الرباني المقذوف في قلبه النور القرآني أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني ~~قدس الله روحه ونور ضريحه وأسكنه فسيح الجنان. # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، فبلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله ~~مخلصا حتى أتاه اليقين من ربه. صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم ~~الدين. # PageV10P387 # فصل: # في " العبادات " و " الفرق بين شرعيها وبدعيها ". # فإن هذا باب كثر فيه الاضطراب كما كثر في باب الحلال والحرام، فإن أقواما ~~استحلوا بعض ما حرمه الله وأقواما حرموا بعض ما أحل الله تعالى وكذلك ~~أقواما أحدثوا عبادات لم يشرعها الله بل نهى عنها. و " أصل الدين " أن ~~الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه ~~الله ورسوله؛ ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم ms3154 الذي بعث الله به رسوله. ~~قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} . وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا وخط خطوطا عن يمينه ~~وشماله ثم قال: هذه سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو # PageV10P388 # إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله} } . وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ~~ذم به المشركين حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة ~~واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم وشرعوا دينا لم يأذن به الله فقال ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ومنه أشياء ~~هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك. ~~والكلام في " الحلال والحرام " له مواضع أخر. والمقصود هنا " العبادات " ~~فنقول. العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى منها ما كان محبوبا لله ~~ورسوله مرضيا لله ورسوله إما واجب وإما مستحب كما في الصحيح {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها # PageV10P389 # فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . ومعلوم أن الصلاة منها فرض وهي ~~الصلوات الخمس ومنها نافلة كقيام الليل وكذلك الصيام فيه فرض وهو صوم شهر ~~رمضان ومنه نافلة كصيام ثلاثة أيام من كل شهر وكذلك السفر إلى المسجد ~~الحرام فرض وإلى المسجدين الآخرين: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبيت ms3155 ~~المقدس - مستحب. وكذلك الصدقة منها ما هو فرض ومنها ما هو مستحب وهو العفو ~~كما قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} . وفي الحديث الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا ابن آدم إنك إن تنفق الفضل خير لك ~~وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ ~~بمن تعول} والفرق بين الواجب والمستحب له موضع آخر غير هذا والمقصود هنا ~~الفرق بين ما هو مشروع سواء كان واجبا أو مستحبا وما ليس بمشروع. فالمشروع ~~هو الذي يتقرب به إلى الله تعالى وهو سبيل الله # PageV10P390 # وهو البر والطاعة والحسنات والخير والمعروف وهو طريق السالكين ومنهاج ~~القاصدين والعابدين وهو الذي يسلكه كل من أراد الله هدايته وسلك طريق الزهد ~~والعبادة وما يسمى بالفقر والتصوف ونحو ذلك. ولا ريب أن هذا يدخل فيه ~~الصلوات المشروعة واجبها ومستحبها ويدخل في ذلك قيام الليل المشروع وقراءة ~~القرآن على الوجه المشروع والأذكار والدعوات الشرعية. وما كان من ذلك موقتا ~~بوقت كطرفي النهار وما كان متعلقا بسبب كتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة ~~الكسوف وصلاة الاستخارة وما ورد من الأذكار والأدعية الشرعية في ذلك. وهذا ~~يدخل فيه أمور كثيرة وفي ذلك من الصفات ما يطول وصفه وكذلك يدخل فيه الصيام ~~الشرعي كصيام نصف الدهر وثلثه أو ثلثيه أو عشره وهو صيام ثلاثة أيام من كل ~~شهر ويدخل فيه السفر الشرعي كالسفر إلى مكة وإلى المسجدين الآخرين ويدخل ~~فيه الجهاد على اختلاف أنواعه وأكثر الأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد ~~ويدخل فيه قراءة القرآن على الوجه المشروع. و " العبادات الدينية " أصولها: ~~الصلاة والصيام والقراءة التي جاء ذكرها في الصحيحين في حديث عبد الله بن ~~عمرو بن العاص لما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {ألم أحدث أنك قلت ~~لأصومن # PageV10P391 # النهار ولأقومن الليل ولأقرأن القرآن في ثلاث؟ قال: بلى قال: فلا تفعل: ~~فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس ثم أمره بصيام ثلاثة أيام ~~من كل شهر ms3156 فقال إني أطيق أكثر من ذلك فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال: ~~إني أطيق أكثر من ذلك فقال: لا أفضل من ذلك وقال: أفضل الصيام صيام داود ~~عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى. وأفضل القيام قيام ~~داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأمره أن يقرأ القرآن في ~~سبع} . ولما كانت هذه العبادات هي المعروفة قال في حديث الخوارج الذي في ~~الصحيحين: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية} فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة وأنهم يغلون في ذلك حتى ~~تحقر الصحابة عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء. وهؤلاء غلوا في العبادات بلا فقه ~~فآل الأمر بهم إلى البدعة فقال: {يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية. أينما وجدتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم ~~القيامة} . فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفروا من خالفهم. وجاءت فيهم ~~الأحاديث # PageV10P392 # الصحيحة قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى صح فيهم الحديث من عشرة ~~أوجه وقد أخرجها مسلم في صحيحه وأخرج البخاري قطعة منها. ثم هذه الأجناس ~~الثلاثة مشروعة؛ ولكن يبقى الكلام في القدر المشروع منها، وله صنف " كتاب ~~الاقتصاد في العبادة ". وقال أبي بن كعب وغيره: اقتصاد في سنة خير من ~~اجتهاد في بدعة. والكلام في سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيدين وأيام ~~التشريق وقيام جميع الليل هل هو مستحب؟ كما ذهب إلى ذلك طائفة من الفقهاء ~~والصوفية والعباد، أو هو مكروه كما دلت عليه السنة وإن كان جائزا؟ لكن صوم ~~يوم وفطر يوم أفضل وقيام ثلث الليل أفضل ولبسطه موضع آخر. إذ المقصود هنا ~~الكلام في أجناس عبادات غير مشروعة حدثت في المتأخرين كالخلوات فإنها تشتبه ~~بالاعتكاف الشرعي. والاعتكاف الشرعي في المساجد كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعله هو وأصحابه من العبادات الشرعية. وأما ### | الخلوات # فبعضهم يحتج فيها بتحنثه ms3157 بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ؛ # PageV10P393 # فإن ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة ~~فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا. وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد ~~بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام صلوات الله عليه بمكة ~~قبل الهجرة بضع عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها ~~قريبا من عشرين ليلة وأتاها في حجة الوداع؛ وأقام بها أربع ليال وغار حراء ~~قريب منه ولم يقصده. وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية ويقال: إن عبد ~~المطلب هو سن لهم إتيانه لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء ~~بها بعد النبوة صلوات الله عليه كالصلاة والاعتكاف في المساجد فهذه تغني عن ~~إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي فإنه لم يكن يقرأ بل {قال ~~له الملك عليه السلام اقرأ قال صلوات الله عليه وسلامه فقلت لست بقارئ} ولا ~~كانوا يعرفون هذه الصلاة؛ ولهذا لما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم نهاه ~~عنها من نهاه من المشركين كأبي جهل قال الله تعالى: {أرأيت الذي ينهى} ~~{عبدا إذا صلى} {أرأيت إن كان على الهدى} {أو أمر بالتقوى} {أرأيت إن كذب ~~وتولى} {ألم يعلم بأن الله يرى} {كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} {ناصية ~~كاذبة خاطئة} {فليدع ناديه} {سندع الزبانية} {كلا لا تطعه واسجد واقترب} و ~~" طائفة " يجعلون الخلوة أربعين يوما ويعظمون أمر الأربعينية # PageV10P394 # ويحتجون فيها بأن الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها ~~بعشر وقد روي أن موسى عليه السلام صامها وصام المسيح أيضا أربعين لله تعالى ~~وخوطب بعدها. فيقولون يحصل بعدها الخطاب والتنزل كما يقولون في غار حراء ~~حصل بعده نزول الوحي. وهذا أيضا غلط فإن هذه ليست من شريعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بل شرعت لموسى عليه السلام كما شرع له السبت والمسلمون لا يسبتون ~~وكما حرم في شرعه أشياء لم تحرم في شرع محمد صلى الله عليه ms3158 وسلم. فهذا تمسك ~~بشرع منسوخ وذاك تمسك بما كان قبل النبوة. وقد جرب أن من سلك هذه العبادات ~~البدعية أتته الشياطين وحصل له تنزل شيطاني وخطاب شيطاني وبعضهم يطير به ~~شيطانه وأعرف من هؤلاء عددا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من ~~التنزل فنزلت عليهم الشياطين؛ لأنهم خرجوا عن شريعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم التي أمروا بها. قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} . وكثير منهم لا يحد للخلوة ~~مكانا ولا زمانا بل يأمر الإنسان أن يخلو في الجملة. # PageV10P395 # ثم صار أصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية: الصلاة ~~والصيام والقراءة والذكر. وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة فمن ذلك ~~طريقة أبي حامد ومن تبعه وهؤلاء يأمرون صاحب الخلوة أن لا يزيد على الفرض ~~لا قراءة ولا نظرا في حديث نبوي ولا غير ذلك بل قد يأمرونه بالذكر ثم قد ~~يقولون ما يقوله أبو حامد: ذكر العامة: " لا إله إلا الله " وذكر الخاصة: " ~~الله الله " وذكر خاصة الخاصة: " هو " " هو ". والذكر بالاسم المفرد مظهرا ~~ومضمرا بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما ~~لا إيمانا ولا كفرا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر} وفي حديث آخر: {أفضل الذكر لا إله إلا الله} ~~وقال: {أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} . والأحاديث في فضل هذه الكلمات ~~كثيرة صحيحة. وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع وليس هو بكلام يعقل ولا ~~فيه إيمان؛ ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس # PageV10P396 # قصدنا ذكر الله تعالى ms3159 ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما ~~يرد عليها فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات فإذا اجتمع قلبه ألقى ~~عليه حالا شيطانيا فيلبسه الشيطان ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى ~~وأنه أعطي ما لم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا موسى عليه ~~السلام يوم الطور وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا. وأبلغ من ذلك من ~~يقول ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان حتى يقول لا فرق بين قولك: يا ~~حي وقولك يا جحش. وهذا مما قاله لي شخص منهم وأنكرت ذلك عليه، ومقصودهم ~~بذلك أن تجتمع النفس حتى يتنزل عليها الشيطان. ومنهم من يقول: إذا كان قصد ~~وقاصد ومقصود فاجعل الجميع واحدا فيدخله في أول الأمر في وحدة الوجود. وأما ~~أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى ~~الكفر - لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر - ولكن أمروا المريد أن ~~يفرغ قلبه من كل شيء حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: ~~الله الله. وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من ~~المعرفة ما هو المطلوب بل # PageV10P397 # قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء. ومنهم من يزعم أنه حصل ~~له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح هذه الطريقة في " الإحياء ~~" وغيره كما أنه يبالغ في مدح الزهد وهذا من بقايا الفلسفة عليه. فإن ~~المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل في القلوب من العلم ~~للأنبياء وغيرهم فإنما هو من العقل الفعال؛ ولهذا يقولون: النبوة مكتسبة ~~فإذا تفرغ صفا قلبه - عندهم - وفاض على قلبه من جنس ما فاض على الأنبياء. ~~وعندهم أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله؛ لم يسمع ~~الكلام من خارج فلهذا يقولون إنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى وأعظم مما حصل ~~لموسى. وأبو حامد يقول: إنه ms3160 سمع الخطاب كما سمعه موسى عليه السلام وإن لم ~~يقصد هو بالخطاب وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا ببعض ما جاءت به ~~الرسل وكفروا ببعض وهذا الذي قالوه باطل من وجوه: # أحدها: أن هذا الذي يسمونه " العقل الفعال " باطل لا حقيقة له كما قد بسط ~~هذا في موضع آخر. # الثاني: أن ما يجعله الله في القلوب يكون تارة بواسطة الملائكة # PageV10P398 # إن كان حقا وتارة بواسطة الشياطين إذا كان باطلا والملائكة والشياطين ~~أحياء ناطقون كما قد دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة الأنبياء وكما ~~يدعي ذلك من باشره من أهل الحقائق. وهم يزعمون أن الملائكة والشياطين صفات ~~لنفس الإنسان فقط. وهذا ضلال عظيم. # الثالث: أن الأنبياء جاءتهم الملائكة من ربهم بالوحي ومنهم من كلمه الله ~~تعالى فقربه وناداه كما كلم موسى عليه السلام لم يكن ما حصل لهم مجرد فيض ~~كما يزعمه هؤلاء. # الرابع: أن الإنسان إذا فرغ قلبه من كل خاطر فمن أين يعلم أن ما يحصل فيه ~~حق؟ هذا إما أن يعلم بعقل أو سمع وكلاهما لم يدل على ذلك. # الخامس: أن الذي قد علم بالسمع والعقل أنه إذا فرغ قلبه من كل شيء حلت ~~فيه الشياطين ثم تنزلت عليه الشياطين كما كانت تتنزل على الكهان؛ فإن ~~الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي ~~أرسل به رسله فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان قال الله تعالى: {ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون} وقال الشيطان فيما أخبر الله عنه: {قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين} {إلا عبادك منهم # PageV10P399 # المخلصين} وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون به شيئا، وإنما يعبد ~~الله بما أمر به على ألسنة رسله فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين. وهذا باب ~~دخل فيه أمر عظيم على كثير من السالكين؛ واشتبهت عليهم الأحوال الرحمانية ms3161 ~~بالأحوال الشيطانية وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة وظنوا أن ذلك ~~من كرامات أولياء الله المتقين كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع. # السادس: أن هذه الطريقة لو كانت حقا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول ~~فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسل صلى الله ~~عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة لم يأمرهم ~~قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل. فهذه الطريقة لو قدر أنها ~~طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف وهي ~~طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق بأن يقذف الله ~~تعالى في قلب # PageV10P400 # العبد إلهاما ينفعه؟ وهذا قد يحصل لكل أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق. ~~ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ~~ويملأه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله وكذلك ~~يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ~~ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل ~~على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه لا ~~يناقضه وينافيه كما قال جندب وابن عمر: " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن ~~فازددنا إيمانا ". وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول: لا إله ~~إلا الله - فهذا قد ينتفع به الإنسان أحيانا لكن ليس هذا الذكر وحده هو ~~الطريق إلى الله تعالى دون ما عداه بل أفضل العبادات البدنية الصلاة ثم ~~القراءة ثم الذكر ثم الدعاء والمفضول في وقته الذي شرع فيه أفضل من الفاضل ~~كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من القراءة وكذلك الدعاء في آخر ~~الصلاة أفضل من القراءة ثم قد يفتح على الإنسان في العمل المفضول ما لا ~~يفتح عليه في العمل الفاضل. وقد ييسر عليه هذا دون هذا فيكون هذا أفضل ms3162 في ~~حقه لعجزه عن الأفضل كالجائع إذا وجد الخبز المفضول متيسرا عليه والفاضل ~~متعسرا # PageV10P401 # عليه فإنه ينتفع بهذا الخبز المفضول، وشبعه واغتذاؤه به حينئذ أولى به. # السابع: أن أبا حامد يشبه ذلك بنقش أهل الصين والروم على تزويق الحائط ~~وأولئك صقلوا حائطهم حتى تمثل فيه ما صقله هؤلاء وهذا قياس فاسد؛ لأن هذا ~~الذي فرغ قلبه لم يكن هناك قلب آخر يحصل له به التحلية كما يحصل لهذا ~~الحائط من هذا الحائط. بل هو يقول إن العلم منقوش في النفس الفلكية؛ ويسمي ~~ذلك " اللوح المحفوظ " تبعا لابن سينا. وقد بينا في غير هذا الموضع أن " ~~اللوح المحفوظ " الذي ذكره الله ورسوله ليس هو النفس الفلكية وابن سينا ومن ~~تبعه أخذوا أسماء جاء بها الشرع فوضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب ~~الشرع ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء فيظن الجاهل أنهم يقصدون بها ما قصده ~~صاحب الشرع فأخذوا مخ الفلسفة وكسوه لحاء الشريعة. وهذا كلفظ " الملك " و " ~~الملكوت " و " الجبروت " و " اللوح المحفوظ " و " الملك " و " الشيطان " و ~~" الحدوث " و " القدم " وغير ذلك. # PageV10P402 # وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على " الاتحادية " لما ذكرنا قول ابن ~~سبعين وابن عربي وما يوجد في كلام أبي حامد ونحوه من أصول هؤلاء الفلاسفة ~~الملاحدة الذين يحرفون كلام الله ورسوله عن مواضعه كما فعلت طائفة القرامطة ~~الباطنية. و (المقصود) هنا أنه لو كانت العلوم تنزل على القلوب من النفس ~~الفلكية كما يزعم هؤلاء فلا فرق في ذلك بين الناظر والمستدل والمفرغ قلبه ~~فتمثيل ذلك بنقش أهل الصين والروم تمثيل باطل. ومن أهل هذه الخلوات من لهم ~~أذكار معينة وقوت معين ولهم تنزلات معروفة. وقد بسط الكلام عليها ابن عربي ~~الطائي ومن سلك سبيله كالتلمساني. وهي تنزلات شيطانية قد عرفتها وخبرت ذلك ~~من وجوه متعددة لكن ليس هذا موضع بسطها وإنما المقصود التنبيه على هذا ~~الجنس. ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية بل ~~سهر مطلق وجوع مطلق وصمت مطلق مع الخلوة كما ms3163 ذكر ذلك ابن عربي وغيره وهي ~~تولد لهم أحوالا شيطانية. وأبو طالب قد ذكر بعض ذلك؛ لكن أبو طالب أكثر ~~اعتصاما بالكتاب والسنة من هؤلاء. ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة # PageV10P403 # من جنس أحاديث المسبعات التي رواها عن الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو كذب محض وإن كان ليس فيه إلا قراءة قرآن ويذكر أحيانا عبادات بدعية من ~~جنس ما بالغ في مدح الجوع هو وأبو حامد وغيرهما وذكروا أنه يزن الخبز بخشب ~~رطب كلما جف نقص الأكل. وذكروا صلوات الأيام والليالي وكلها كذب موضوعة؛ ~~ولهذا قد يذكرون مع ذلك شيئا من الخيالات الفاسدة وليس هذا موضع بسط ذلك. ~~وإنما الغرض التنبيه بهذا على جنس من العبادات البدعية وهي " الخلوات ~~البدعية " سواء قدرت بزمان أو لم تقدر لما فيها من العبادات البدعية؛ إما ~~التي جنسها مشروع ولكن غير مقدرة، وإما ما كان جنسه غير مشروع، فأما الخلوة ~~والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب. ~~(فالأول) كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى: {وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ومنه قوله ~~تعالى عن الخليل: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} وقوله عن أهل # PageV10P404 # الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} فإن أولئك ~~لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة ولا من يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى ~~الكهف وقد قال موسى: {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} . وأما اعتزال الناس في ~~فضول المباحات وما لا ينفع وذلك بالزهد فيه فهو مستحب وقد قال طاوس: نعم ~~صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه. وإذا أراد الإنسان تحقيق علم أو عمل ~~فتخلى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة فهذا حق كما في ~~الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أفضل؟ قال: رجل آخذ ~~بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار ms3164 إليها يتتبع الموت مظانه، ورجل ~~معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير} ~~وقوله: {يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة} دليل على أن له مالا يزكيه وهو ساكن مع ~~ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم فقد قال صلوات الله عليه {ما من ثلاثة في ~~قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة جماعة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان} ~~وقال: {عليكم بالجماعة فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم} . # PageV10P405 # فصل: # وهذه " الخلوات " قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة ~~ولا مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس؛ إما مساجد مهجورة وإما غير مساجد: مثل ~~الكهوف والغيران التي في الجبال ومثل المقابر لا سيما قبر من يحسن به الظن ~~ومثل المواضع التي يقال إن بها أثر نبي أو رجل صالح ولهذا يحصل لهم في هذه ~~المواضع أحوال شيطانية يظنون أنها كرامات رحمانية. فمنهم من يرى أن صاحب ~~القبر قد جاء إليه وقد مات من سنين كثيرة ويقول: أنا فلان، وربما قال له: ~~نحن إذا وضعنا في القبر خرجنا كما جرى للتونسي مع نعمان السلامي. والشياطين ~~كثيرا ما يتصورون بصورة الإنس في اليقظة والمنام وقد تأتي لمن لا يعرف ~~فتقول: أنا الشيخ فلان أو العالم فلان وربما قالت: أنا أبو بكر وعمر وربما ~~أتى في اليقظة دون المنام وقال: أنا المسيح أنا موسى أنا محمد وقد جرى مثل ~~ذلك أنواع أعرفها # PageV10P406 # وثم من يصدق بأن الأنبياء. يأتون في اليقظة في صورهم وثم شيوخ لهم زهد ~~وعلم وورع ودين يصدقون بمثل هذا. ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلى قبر ~~نبي أن النبي يخرج من قبره في صورته فيكلمه. ومن هؤلاء من رأى في دائرة ذرى ~~الكعبة صورة شيخ قال: إنه إبراهيم الخليل ومنهم من يظن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج من الحجرة وكلمه. وجعلوا هذا من كراماته ومنهم من يعتقد أنه ~~إذا سأل المقبور أجابه. وبعضهم كان يحكي: أن ابن منده كان إذا أشكل عليه ~~حديث جاء ms3165 إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فأجابه. وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك وجعل ذلك من كراماته حتى قال ~~ابن عبد البر لمن ظن ذلك: ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار؟ فهل في هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~الموت وأجابه؟ . وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأجابهم وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابها؟ # PageV10P407 # فصل: # والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين قد أمرنا أن نؤمن بما أوتوه ~~وأن نقتدي بهم وبهداهم. قال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} وقال تعالى: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~النبيين لا نبي بعده وقد نسخ بشرعه ما نسخه من شرع غيره فلم يبق طريق إلى ~~الله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم فما أمر به من العبادات أمر إيجاب ~~أو استحباب فهو مشروع وكذلك ما رغب فيه وذكر ثوابه وفضله. # ولا يجوز أن يقال إن هذا مستحب أو مشروع إلا بدليل شرعي ولا يجوز أن يثبت ~~شريعة بحديث ضعيف لكن إذا ثبت أن العمل مستحب بدليل شرعي وروي له فضائل ~~بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يعلم أنها كذب وذلك أن مقادير الثواب غير ~~معلومة فإذا روي في مقدار الثواب حديث لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يكذب # PageV10P408 # به وهذا هو الذي كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخصون فيه وفي روايات ~~أحاديث الفضائل. وأما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف فحاشا ~~لله كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون روايته إلا ~~أن يبينوا أنه كذب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من ~~روى ms3166 عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين} . وما فعله النبي صلى الله ~~عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه. فإذا خصص زمانا أو ~~مكانا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة: كتخصيصه العشر الأواخر ~~بالاعتكاف فيها وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه فالتأسي به أن يفعل مثل ~~ما فعل على الوجه الذي فعل؛ لأنه فعل. وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد ~~فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد وسافرنا كذلك كنا متبعين له، وكذلك إذا ضرب ~~لإقامة حد؛ بخلاف من شاركه في السفر وكان قصده غير قصده أو شاركه في الضرب ~~وكان قصده غير قصده فهذا ليس بمتابع له ولو فعل فعلا بحكم الاتفاق مثل ~~نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل في إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة أو أن ~~تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق ونحو ذلك، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ ~~كان ابن عمر يحب أن # PageV10P409 # يفعل مثل ذلك. وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك؛ ~~لأن هذا ليس بمتابعة له إذ المتابعة لا بد فيها من القصد فإذا لم يقصد هو ~~ذلك الفعل بل حصل له بحكم الاتفاق كان في قصده غير متابع له وابن عمر رضي ~~الله عنه يقول: وإن لم يقصده؛ لكن نفس فعله حسن على أي وجه كان فأحب أن ~~أفعل مثله إما لأن ذلك زيادة في محبته وإما لبركة مشابهته له. ومن هذا ~~الباب إخراج التمر في صدقة الفطر لمن ليس ذلك قوته وأحمد قد وافق ابن عمر ~~على مثل ذلك ويرخص في مثل ما فعله ابن عمر وكذلك رخص أحمد في التمسح بمقعده ~~من المنبر اتباعا لابن عمر. وعن أحمد في التمسح بالمنبر روايتان: أشهرهما ~~أنه مكروه كقول الجمهور وأما مالك وغيره من العلماء فيكرهون هذه الأمور وإن ~~فعلها ابن عمر؛ فإن أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم لم يفعلها. ~~فقد ثبت الإسناد الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في ms3167 السفر ~~فرآهم ينتابون مكانا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما ~~هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته فيه الصلاة فليصل فيه وإلا فليمض. # PageV10P410 # وهكذا للناس قولان فيما فعله من المباحات على غير وجه القصد، هل متابعته ~~فيه مباحة فقط أو مستحبة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره كما قد بسط ذلك في ~~موضعه، ولم يكن ابن عمر ولا غيره من الصحابة يقصدون الأماكن التي كان ينزل ~~فيها ويبيت فيها مثل بيوت أزواجه ومثل مواضع نزوله في مغازيه وإنما كان ~~الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبد به فأما ~~الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه الشارع. # فصل: # وأهل " العبادات البدعية " يزين لهم الشيطان تلك العبادات ويبغض إليهم ~~السبل الشرعية حتى يبغضهم في العلم والقرآن والحديث فلا يحبون سماع القرآن ~~والحديث ولا ذكره وقد يبغض إليهم حتى الكتاب فلا يحبون كتابا ولا من معه ~~كتاب ولو كان مصحفا أو حديثا؛ كما حكى النصرباذي أنهم كانوا يقولون: يدع ~~علم الخرق ويأخذ علم الورق قال: وكنت أستر ألواحي منهم فلما كبرت احتاجوا ~~إلى علمي. وكذلك حكى السري السقطي: أن واحدا منهم دخل عليه فلما رأى عنده ~~محبرة وقلما خرج ولم يقعد عنده؛ ولهذا قال سهل بن عبد # PageV10P411 # الله التستري: يا معشر الصوفية لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق ~~أحد السواد على البياض إلا تزندق. وقال الجنيد: علمنا هذا مبني على الكتاب ~~والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن. وكثير ~~من هؤلاء ينفر ممن يذكر الشرع أو القرآن أو يكون معه كتاب أو يكتب؛ وذلك ~~لأنهم استشعروا أن هذا الجنس فيه ما يخالف طريقهم فصارت شياطينهم تهربهم من ~~هذا كما يهرب اليهودي والنصراني ابنه أن يسمع كلام المسلمين حتى لا يتغير ~~اعتقاده في دينه وكما كان قوم نوح يجعلون ms3168 أصابعهم في آذانهم ويستغشون ~~ثيابهم لئلا يسمعوا كلامه ولا يروه. وقال الله تعالى عن المشركين: {وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} وقال تعالى: ~~{فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} {فرت من قسورة} . وهم من ~~أرغب الناس في السماع البدعي سماع المعازف. ومن أزهدهم في السماع الشرعي ~~سماع آيات الله تعالى. وكان مما زين لهم طريقهم أن وجدوا كثيرا من ~~المشتغلين بالعلم والكتب معرضين عن عبادة الله تعالى وسلوك سبيله إما ~~اشتغالا بالدنيا وإما بالمعاصي وإما جهلا وتكذيبا بما يحصل لأهل التأله ~~والعبادة فصار وجود هؤلاء مما ينفرهم وصار بين الفريقين نوع تباغض يشبه # PageV10P412 # من بعض الوجوه ما بين أهل الملتين: هؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء. ~~وهؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء وقد يظنون أنهم يحصل لهم بطريقهم أعظم مما ~~يحصل في الكتب. فمنهم من يظن أنه يلقن القرآن بلا تلقين. ويحكون أن شخصا ~~حصل له ذلك وهذا كذب. نعم قد يكون سمع آيات الله فلما صفى نفسه تذكرها ~~فتلاها. فإن الرياضة تصقل النفس فيذكر أشياء كان قد نسيها ويقول بعضهم أو ~~يحكى أن بعضهم قال: أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا ~~يموت. وهذا يقع لكن منهم من يظن أنما يلقى إليه من خطاب أو خاطر هو من الله ~~تعالى بلا واسطة وقد يكون من الشيطان وليس عندهم فرقان يفرق بين الرحماني ~~والشيطاني فإن الفرق الذي لا يخطئ هو القرآن والسنة فما وافق الكتاب والسنة ~~فهو حق وما خالف ذلك فهو خطأ. وقد قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ~~{حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} وذكر ~~الرحمن هو ما أنزله على رسوله قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} وقال ~~تعالى: {وما هو إلا ذكر للعالمين} وقال تعالى: # PageV10P413 # {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} ms3169 {ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقال تعالى: ~~{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا كبيرا} {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما} ~~وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور} وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} وقال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . ثم إن هؤلاء لما ~~ظنوا أن هذا يحصل لهم من الله بلا واسطة صاروا عند أنفسهم أعظم من اتباع ~~الرسول. يقول أحدهم: فلان عطيته على يد محمد وأنا عطيتي من الله بلا واسطة. ~~ويقول أيضا: فلان يأخذ عن الكتاب وهذا الشيخ يأخذ عن الله ومثل هذا. وقول ~~القائل: " يأخذ عن الله، وأعطاني الله " لفظ مجمل فإن # PageV10P414 # أراد به الإعطاء والأخذ العام وهو " الكوني الخلقي " أي: بمشيئة الله ~~وقدرته حصل لي هذا فهو حق ولكن جميع الناس يشاركونه في هذا وذلك الذي أخذ ~~عن الكتاب هو أيضا عن الله أخذ بهذا الاعتبار. والكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب أيضا هم كذلك وإن أراد أن هذا الذي حصل له هو مما يحبه الله ويرضاه ~~ويقرب إليه وهذا الخطاب الذي يلقى إليه هو كلام الله تعالى. فهنا طريقان: # أحدهما: أن يقال له من أين لك أن هذا إنما هو من الله لا من الشيطان ~~وإلقائه ووسوسته؟ فإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم وينزلون عليهم كما أخبر ~~الله تعالى بذلك في القرآن وهذا موجود كثيرا في عباد المشركين وأهل الكتاب ~~وفي الكهان والسحرة ونحوهم وفي ms3170 أهل البدع بحسب بدعتهم. فإن هذه الأحوال قد ~~تكون شيطانية وقد تكون رحمانية فلا بد من الفرقان بين أولياء الرحمن ~~وأولياء الشيطان، والفرقان إنما هو الفرقان الذي بعث الله به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فهو: {الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} وهو ~~الذي فرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي ~~وبين طريق الجنة وطريق النار وبين سبيل أولياء الرحمن وسبيل أولياء ~~الشيطان. كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # PageV10P415 # والمقصود هنا: أنه يقال لهم: إذا كان جنس هذه الأحوال مشتركا بين أهل ~~الحق وأهل الباطل فلا بد من دليل يبين أن ما حصل لكم هو الحق. # الطريق الثاني: أن يقال: بل هذا من الشيطان لأنه مخالف لما بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنه ينظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته ~~فإن كان السبب عبادة غير شرعية مثل أن يقال له: اسجد لهذا الصنم حتى يحصل ~~لك المراد أو استشفع بصاحب هذه الصورة حتى يحصل لك المطلوب أو ادع هذا ~~المخلوق واستغث به مثل أن يدعو الكواكب كما يذكرونه في كتب دعوة الكواكب أو ~~أن يدعو مخلوقا كما يدعو الخالق سواء كان المخلوق ملكا أو نبيا أو شيخا ~~فإذا دعاه كما يدعو الخالق سبحانه إما دعاء عبادة وإما دعاء مسألة صار ~~مشركا به فحينئذ ما حصل له بهذا السبب حصل بالشرك كما كان يحصل للمشركين. ~~وكانت الشياطين تتراءى لهم أحيانا وقد يخاطبونهم من الصنم ويخبرونهم ببعض ~~الأمور الغائبة. أو يقضون لهم بعض الحوائج فكانوا يبذلون لهم هذا النفع ~~القليل بما اشتروه منهم من توحيدهم وإيمانهم الذي هلكوا بزواله كالسحر قال ~~الله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون # PageV10P416 # به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ms3171 ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} . وكذلك قد يكون سببه سماع المعازف وهذا ~~كما يذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: " اتقوا الخمر فإنها أم ~~الخبائث؛ وإن رجلا سأل امرأة فقالت: لا أفعل حتى تسجد لهذا الوثن فقال لا ~~أشرك بالله فقالت: أو تقتل هذا الصبي؟ فقال: لا أقتل النفس التي حرم الله ~~فقالت: أو تشرب هذا القدح؟ فقال هذا أهون فلما شرب الخمر قتل الصبي وسجد ~~للوثن وزنى بالمرأة ". و " المعازف " هي خمر النفوس تفعل بالنفوس أعظم مما ~~تفعل حميا الكؤوس فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش ~~وإلى الظلم فيشركون ويقتلون النفس التي حرم الله ويزنون. وهذه " الثلاثة " ~~موجودة كثيرا في أهل " سماع المعازف ": سماع المكاء والتصدية أما " الشرك " ~~فغالب عليهم بأن يحبوا شيخهم أو غيره مثل ما يحبون الله ويتواجدون على حبه. # PageV10P417 # وأما " الفواحش " فالغناء رقية الزنا وهو من أعظم الأسباب لوقوع الفواحش ~~ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره فتنحل نفسه ~~وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلا أو مفعولا به أو كلاهما كما يحصل بين ~~شاربي الخمر وأكثر. وأما " القتل " فإن قتل بعضهم بعضا في السماع كثير ~~يقولون: قتله بحاله ويعدون ذلك من قوته وذلك أن معهم شياطين تحضرهم فأيهم ~~كانت شياطينه أقوى قتل الآخر، كالذين يشربون الخمر ومعهم أعوان لهم فإذا ~~شربوا عربدوا فأيهم كانت أعوانه أقوى قتل الآخر وقد جرى مثل هذا لكثير منهم ~~ومنهم من يقتل إما شخصا وإما فرسا أو غير ذلك بحاله ثم يقوم صاحب الثأر ~~ويستغيث بشيخه فيقتل ذلك الشخص وجماعة معه: إما عشرة وإما أقل أو أكثر. كما ~~جرى مثل هذا لغير واحد وكان الجهال يحسبون هذا من (باب الكرامات) . فلما ~~تبين لهم أن هذه أحوال شيطانية وأن هؤلاء معهم شياطين تعينهم على الإثم ~~والعدوان، عرف ذلك من بصره الله تعالى وانكشف التلبيس والغش الذي كان ~~لهؤلاء. وكنت في أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل " الزهد والعبادة ~~والإرادة ms3172 " فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة. فبتنا بمكان وأرادوا أن # PageV10P418 # يقيموا سماعا وأن أحضر معهم فامتنعت من ذلك فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت ~~فيه فلما سمعوا وحصل الوجد والحال صار الشيخ الكبير يهتف بي في حال وجده ~~ويقول: يا فلان قد جاءك نصيب عظيم تعال خذ نصيبك فقلت في نفسي ثم أظهرته ~~لهم لما اجتمعنا: أنتم في حل من هذا النصيب فكل نصيب لا يأتي عن طريق محمد ~~بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فإني لا آكل منه شيئا. وتبين لبعض من كان ~~فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين وكان فيهم من هو سكران ~~بالخمر. والذي قلته معناه أن هذا النصيب وهذه العطية والموهبة والحال سببها ~~غير شرعي ليس هو طاعة لله ورسوله ولا شرعها الرسول فهو مثل من يقول: تعال ~~اشرب معنا الخمر ونحن نعطيك هذا المال أو عظم هذا الصنم ونحن نوليك هذه ~~الولاية ونحو ذلك. وقد يكون سببه نذرا لغير الله سبحانه وتعالى: مثل أن ~~ينذر لصنم أو كنيسة أو قبر أو نجم أو شيخ ونحو ذلك من النذور التي فيها شرك ~~فإذا أشرك بالنذر فقد يعطيه الشيطان بعض حوائجه كما تقدم في السحر. وهذا ~~بخلاف النذر لله تعالى فإنه ثبت في الصحيحين عن ابن عمر {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي # PageV10P419 # بخير وإنما يستخرج به من البخيل} وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نحوه وفي رواية: {فإن النذر يلقي ابن آدم إلى القدر} فهذا ~~المنهي عنه هو النذر الذي يجب الوفاء به منهي عن عقده ولكن إذا كان قد عقده ~~فعليه الوفاء به كما في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . وإنما نهى ~~عنه صلى الله عليه وسلم لأنه لا فائدة فيه إلا التزام ما التزمه وقد لا ~~يرضى به فيبقى آثما. ms3173 وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيرا له والناس ~~يقصدون بالنذر تحصيل مطالبهم فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن النذر لا ~~يأتي بخير فليس النذر سببا في حصول مطلوبهم وذلك أن الناذر إذا قال: لله ~~علي إن حفظني الله القرآن أن أصوم مثلا ثلاثة أيام أو إن عافاني الله من ~~هذا المرض أو إن دفع الله هذا العدو أو إن قضى عني هذا الدين فعلت كذا فقد ~~جعل العبادة التي التزمها عوضا من ذلك المطلوب. والله سبحانه لا يقضي تلك ~~الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة بل ينعم على عبده بذلك المطلوب ليبتليه ~~أيشكر أم يكفر؟ وشكره يكون بفعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه. وأما تلك ~~العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا ينعم الله تلك النعمة ~~ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التي كانت مستحبة فصارت # PageV10P420 # واجبة؛ لأنه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء بل هو يرضى من العبد بأن ~~يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيرا من حقوق ~~الله ثم بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة وتلك النعمة أجل من أن ينعم الله ~~بها لمجرد ذلك المبذول المحتقر. وإن كان المبذول كثيرا والعبد مطيع لله: ~~فهو أكرم على الله من أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير؛ فليس النذر سببا ~~لحصول مطلوبه كالدعاء فإن الدعاء من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من ~~العبادات جعلها الله تعالى أسبابا لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد ~~ابتداء، وأما ما يفعله على وجه النذر فإنه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه مضرة ~~لكنه كان بخيلا فلما نذر لزمه ذلك فالله تعالى يستخرج بالنذر من البخيل ~~فيعطي على النذر ما لم يكن يعطيه بدونه والله أعلم. # PageV10P421 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # ما عمل أهل الجنة؟ وما عمل أهل النار؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " عمل أهل الجنة " الإيمان والتقوى وعمل أهل ~~النار الكفر والفسوق والعصيان فأعمال أهل الجنة الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان ms3174 بالقدر خيره وشره والشهادتان: شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم ~~رمضان وحج البيت. وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومن ~~" أعمال أهل الجنة ": صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من ~~الآدميين والبهائم. # PageV10P422 # ومن " أعمال أهل الجنة " الإخلاص لله والتوكل عليه والمحبة له ولرسوله ~~وخشية الله ورجاء رحمته والإنابة إليه والصبر على حكمه والشكر لنعمه. ومن " ~~أعمال أهل الجنة ": قراءة القرآن وذكر الله ودعاؤه ومسألته والرغبة إليه. ~~ومن " أعمال أهل الجنة ": الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل ~~الله للكفار والمنافقين. ومن " أعمال أهل الجنة ": أن تصل من قطعك وتعطي من ~~حرمك وتعفو عمن ظلمك؛ فإن الله أعد الجنة للمتقين. الذين ينفقون في السراء ~~والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. ومن " ~~أعمال أهل الجنة ": العدل في جميع الأمور وعلى جميع الخلق حتى الكفار. ~~وأمثال هذه الأعمال. # وأما " عمل أهل النار ": فمثل الإشراك بالله والتكذيب بالرسل والكفر ~~والحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والجبن عن ~~الجهاد والبخل واختلاف السر والعلانية واليأس من # PageV10P423 # روح الله والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب والفخر والبطر عند النعم ~~وترك فرائض الله واعتداء حدوده وانتهاك حرماته وخوف المخلوق دون الخالق ~~ورجاء المخلوق دون الخالق والتوكل على المخلوق دون الخالق والعمل رياء ~~وسمعة ومخالفة الكتاب والسنة وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب ~~بالباطل والاستهزاء بآيات الله وجحد الحق والكتمان لما يجب إظهاره من علم ~~وشهادة. ومن " عمل أهل النار " السحر وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم ~~الله بغير الحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات. وتفصيل " الجملتين " لا يمكن؛ لكن " أعمال أهل الجنة " ~~كلها تدخل في طاعة الله ورسوله و " أعمال أهل النار " كلها تدخل في معصية ~~الله ورسوله {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ms3175 وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها وله عذاب مهين} والله أعلم. # PageV10P424 # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # وأما قوله: هل الأفضل للسالك العزلة أو الخلطة؟ فهذه " المسألة " وإن كان ~~الناس يتنازعون فيها؟ إما نزاعا كليا وإما حاليا. فحقيقة الأمر: أن " ~~الخلطة " تارة تكون واجبة أو مستحبة والشخص الواحد قد يكون مأمورا ~~بالمخالطة تارة وبالانفراد تارة. وجماع ذلك: أن " المخالطة " إن كان فيها ~~تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها وإن كان فيها تعاون على الإثم ~~والعدوان فهي منهي عنها فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات: كالصلوات ~~الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك هو مما أمر الله ~~به ورسوله. وكذلك الاختلاط بهم في الحج وفي غزو الكفار والخوارج المارقين ~~وإن كان أئمة ذلك فجارا وإن كان في تلك الجماعات فجار # PageV10P425 # وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به وإما لنفعه ~~له ونحو ذلك. ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته ~~وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها ~~غيره فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه؛ إما في بيته، كما قال طاوس: نعم ~~صومعة الرجل بيته يكف فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته. فاختيار ~~المخالطة مطلقا خطأ واختيار الانفراد مطلقا خطأ. وأما مقدار ما يحتاج إليه ~~كل إنسان من هذا وهذا وما هو الأصلح له في كل حال فهذا يحتاج إلى نظر خاص ~~كما تقدم. # وكذلك " السبب وترك السبب ": فمن كان قادرا على السبب ولا يشغله عما هو ~~أنفع له في دينه فهو مأمور به مع التوكل على الله وهذا خير له من أن يأخذ ~~من الناس ولو جاءه بغير سؤال، وسبب مثل هذا عبادة الله، وهو مأمور أن يعبد ~~الله ويتوكل عليه فإن تسبب بغير نية صالحة أو لم يتوكل على الله فهو [غير] ~~(1) مطيع في هذا وهذا، وهذه [غير] (2) طريق الأنبياء والصحابة. وأما من كان ~~من الفقراء الذين أحصروا ms3176 في سبيل الله لا يستطيعون PageV10P426 # ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف فهذا إما أن يكون عاجزا عن ~~الكسب أو قادرا عليه بتفويت ما هو فيه أطوع لله من الكسب ففعل ما هو فيه ~~أطوع هو المشروع في حقه وهذا يتنوع بتنوع أحوال الناس. وقد تقدم أن الأفضل ~~يتنوع " تارة " بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس ~~القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. ~~و " تارة " يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر ~~والعصر هو المشروع دون الصلاة. و " تارة " باختلاف عمل الإنسان الظاهر كما ~~أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة وكذلك الذكر ~~والدعاء في الطواف مشروع بالاتفاق وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع ~~معروف. و " تارة " باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند ~~الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف ~~بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل. # PageV10P427 # و " تارة " باختلاف مرتبة جنس العبادة: فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما ~~النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها ~~لأبويها؛ بخلاف الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها. و " تارة " يختلف ~~باختلاف حال قدرة العبد وعجزه: فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما ~~يعجز عنه وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من ~~الناس ويتبعون أهواءهم. فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه ~~لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ~~ويأمرهم بمثل ذلك. والله بعث محمدا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد ~~وهديا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له فعلى المسلم أن يكون ناصحا ~~للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له. وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون ~~تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل ومنهم من يكون ~~تطوعه بالعبادات # PageV10P428 # البدنية - كالصلاة والصيام ms3177 - أفضل له والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال ~~النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا. فإن خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV10P429 # وقال الشيخ: # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: اعلم أنه ~~يجب على كل بالغ عاقل من الإنس والجن أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا. أرسله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنهم وعربهم وعجمهم وفرسهم وهندهم ~~وبربرهم ورومهم وسائر أصناف العجم أسودهم وأبيضهم، والمراد بالعجم من ليس ~~بعربي على اختلاف ألسنتهم. فمحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل أحد: من ~~الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة ~~والظاهرة في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه فلا عقيدة إلا عقيدته ولا ~~حقيقة إلا حقيقته ولا طريقة إلا طريقته ولا شريعة إلا شريعته ولا يصل أحد ~~من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته # PageV10P430 # وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ~~في أقوال القلب وعقائده وأحوال القلب وحقائقه وأقوال اللسان وأعمال ~~الجوارح. وليس لله ولي إلا من اتبعه باطنا وظاهرا فصدقه فيما أخبر به من ~~الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات. ~~فمن لم يكن له مصدقا فيما أخبر ملتزما طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور ~~الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمنا ~~فضلا عن أن يكون وليا لله ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل ~~فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور من أداء الواجبات من ~~الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة ~~لصاحبها عن الله المقربة إلى سخطه وعذابه. # لكن من ليس بمكلف من الأطفال والمجانين ms3178 قد رفع القلم عنهم فلا يعاقبون ~~وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطنا وظاهرا ما يكونون به من أولياء ~~الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين لكن يدخلون في الإسلام تبعا ~~لآبائهم كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} . # PageV10P431 # وهم مع عدم العقل لا يكونون ممن في قلوبهم حقائق الإيمان ومعارف أهل ~~ولاية الله وأحوال خواص الله؛ لأن هذه الأمور كلها مشروطة بالعقل؛ فالجنون ~~مضاد العقل والتصديق والمعرفة واليقين والهدى والثناء وإنما يرفع الله ~~الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات. فالمجنون وإن كان الله لا يعاقبه ~~ويرحمه في الآخرة فإنه لا يكون من أولياء الله المقربين والمقتصدين الذين ~~يرفع الله درجاتهم. ومن ظن أن أحدا من هؤلاء الذين لا يؤدون الواجبات ولا ~~يتركون المحرمات سواء كان عاقلا أو مجنونا أو مولها أو متولها فمن اعتقد أن ~~أحدا من هؤلاء من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين ~~وجنده الغالبين السابقين المقربين والمقتصدين الذين يرفع الله درجاتهم ~~بالعلم والإيمان مع كونه لا يؤدي الواجبات ولا يترك المحرمات كان المعتقد ~~لولاية مثل هذا كافرا مرتدا عن دين الإسلام غير شاهد أن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بل هو مكذب لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما شهد به؛ لأن ~~محمدا أخبر عن الله أن أولياء الله هم المتقون المؤمنون قال تعالى: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال ~~تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . # PageV10P432 # و " التقوى " أن يعمل الرجل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله ~~وأن يترك معصية الله على نور من الله يخاف عذاب الله ولا يتقرب ولي الله ~~إلا بأداء فرائضه ثم بأداء نوافله. قال تعالى: " {وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ms3179 أحبه} " كما جاء ~~في الحديث الصحيح الإلهي. الذي رواه البخاري. # فصل: # ومن أحب الأعمال إلى الله وأعظم الفرائض عنده الصلوات الخمس في مواقيتها ~~وهي أول ما يحاسب عليها العبد من عمله يوم القيامة وهي التي فرضها الله ~~تعالى بنفسه ليلة المعراج لم يجعل فيها بينه وبين محمد واسطة وهي عمود ~~الإسلام الذي لا يقوم إلا به وهي أهم أمر الدين كما كان أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها ~~حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة. وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة} ~~وقال: {العهد الذي بيننا وبينهم # PageV10P433 # الصلاة فمن تركها فقد كفر} . فمن لم يعتقد وجوبها على كل عاقل بالغ غير ~~حائض ونفساء فهو كافر مرتد باتفاق أئمة المسلمين وإن اعتقد أنها عمل صالح ~~وأن الله يحبها ويثيب عليها وصلى مع ذلك وقام الليل وصام النهار وهو مع ذلك ~~لا يعتقد وجوبها على كل بالغ فهو أيضا كافر مرتد حتى يعتقد أنها فرض واجب ~~على كل بالغ عاقل. ومن اعتقد أنها تسقط عن بعض الشيوخ العارفين والمكاشفين ~~والواصلين؛ أو أن لله خواص لا تجب عليهم الصلاة؛ بل قد سقطت عنهم لوصولهم ~~إلى حضرة القدس أو لاستغنائهم عنها بما هو أهم منها أو أولى. أو أن المقصود ~~حضور القلب مع الرب أو أن الصلاة فيها تفرقة فإذا كان العبد في جمعيته مع ~~الله فلا يحتاج إلى الصلاة؛ بل المقصود من الصلاة هي المعرفة فإذا حصلت لم ~~يحتج إلى الصلاة فإن المقصود أن يحصل لك خرق عادة كالطيران في الهواء ~~والمشي على الماء أو ملء الأوعية ماء من الهواء أو تغوير المياه واستخراج ~~ما تحتها من الكنوز وقتل من يبغضه بالأحوال الشيطانية. فمتى حصل له ذلك ~~استغنى عن الصلاة ونحو ذلك. أو أن لله رجالا خواص لا يحتاجون إلى متابعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بل ms3180 استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى. أو أن ~~كل # PageV10P434 # من كاشف وطار في الهواء أو مشى على الماء فهو ولي سواء صلى أو لم يصل. أو ~~اعتقد أن الصلاة تقبل من غير طهارة أو أن المولهين والمتولهين والمجانين ~~الذين يكونون في المقابر والمزابل والطهارات والخانات والقمامين وغير ذلك ~~من البقاع وهم لا يتوضئون ولا يصلون الصلوات المفروضات. فمن اعتقد أن هؤلاء ~~أولياء الله فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام ولو كان في نفسه ~~زاهدا عابدا. فالرهبان أزهد وأعبد وقد آمنوا بكثير مما جاء به الرسول ~~وجمهورهم يعظمون الرسول ويعظمون أتباعه ولكنهم لم يؤمنوا بجميع ما جاء به ~~بل آمنوا ببعض وكفروا ببعض فصاروا بذلك كافرين كما قال تعالى: {إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} . ومن كان مسلوب ~~العقل أو مجنونا فغايته أن يكون القلم قد رفع عنه فليس عليه عقاب ولا يصح ~~إيمانه ولا صلاته ولا صيامه ولا شيء من أعماله؛ فإن الأعمال كلها لا تقبل ~~إلا مع العقل. فمن لا عقل # PageV10P435 # له لا يصح شيء من عباداته لا فرائضه ولا نوافله، ومن لا فريضة له ولا ~~نافلة ليس من أولياء الله؛ ولهذا قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} ~~أي العقول وقال تعالى: {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي لذي عقل. وقال تعالى: ~~{واتقون يا أولي الألباب} وقال: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون} وقال تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} . فإنما ~~مدح الله وأثنى على من كان له عقل. فأما من لا يعقل فإن الله لم يحمده ولم ~~يثن عليه ولم يذكره بخير قط. بل قال تعالى عن أهل النار: {وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما ms3181 كنا في أصحاب السعير} وقال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان ~~لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقال: {أم تحسب ~~أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} . فمن لا ~~عقل له لا يصح إيمانه ولا فرضه ولا نفله ومن كان يهوديا أو نصرانيا ثم جن ~~وأسلم بعد جنونه لم يصح إسلامه لا باطنا ولا ظاهرا. ومن كان قد آمن ثم كفر ~~وجن بعد ذلك فحكمه حكم الكفار. ومن كان مؤمنا ثم جن بعد ذلك أثيب على ~~إيمانه الذي كان في # PageV10P436 # حال عقله ومن ولد مجنونا ثم استمر جنونه لم يصح منه إيمان ولا كفر. وحكم ~~المجنون حكم الطفل إذا كان أبواه مسلمين كان مسلما تبعا لأبويه باتفاق ~~المسلمين وكذلك إذا كانت أمه مسلمة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد. وكذلك من جن بعد إسلامه يثبت لهم حكم الإسلام تبعا لآبائهم. وكذلك ~~المجنون الذي ولد بين المسلمين يحكم له بالإسلام ظاهرا تبعا لأبويه أو لأهل ~~الدار كما يحكم بذلك للأطفال. لا لأجل إيمان قام به فأطفال المسلمين ~~ومجانينهم يوم القيامة تبع لآبائهم وهذا الإسلام لا يوجب له مزية على غيره ~~ولا أن يصير به من أولياء الله المتقين الذين يتقربون إليه بالفرائض ~~والنوافل. وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} فنهى ~~الله عز وجل عن قربان الصلاة إذا كانوا سكارى حتى يعلموا ما يقولون. وهذه ~~الآية نزلت باتفاق العلماء قبل أن تحرم الخمر بالآية التي أنزلها الله في " ~~سورة المائدة ". وقد روي أنه كان سبب نزولها: أن بعض الصحابة صلى بأصحابه ~~وقد شرب الخمر قبل أن تحرم فخلط في القراءة فأنزل الله هذه الآية؛ فإذا كان ~~قد حرم الله الصلاة مع السكر والشرب الذي لم يحرم حتى يعلموا ما ms3182 يقولون علم ~~أن ذلك يوجب أن لا يصلي # PageV10P437 # أحد حتى يعلم ما يقول. فمن لم يعلم ما يقول لم تحل له الصلاة وإن كان ~~عقله قد زال بسبب غير محرم؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه لا تصح صلاة من زال ~~عقله بأي سبب زال فكيف بالمجنون وقد قال بعض المفسرين - وهو يروي عن الضحاك ~~- لا تقربوها وأنتم سكارى من النوم. وهذا إذا قيل إن الآية دلت عليه بطريق ~~الاعتبار أو شمول معنى اللفظ العام وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان ~~السكر من الخمر. واللفظ صريح في ذلك؛ والمعنى الآخر صحيح أيضا. وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا قام أحدكم يصلي بالليل ~~فاستعجم القرآن على لسانه فليرقد فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب ~~نفسه - وفي لفظ - إذا قام يصلي فنعس فليرقد} . فقد نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة مع النعاس الذي يغلط معه الناعس. وقد احتج العلماء بهذا على ~~أن النعاس لا ينقض الوضوء؛ إذ لو نقض بذلك لبطلت الصلاة أو لوجب الخروج ~~منها لتجديد الطهارة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما علل ذلك بقوله {فإنه ~~لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه} فعلم أنه قصد النهي عن الصلاة لمن ~~لا يدري ما يقول وإن كان ذلك بسبب النعاس. وطرد ذلك أنه ثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال: {لا يصلي # PageV10P438 # أحدكم وهو يدافع الأخبثين ولا بحضرة طعام} لما في ذلك من شغل القلب. وقال ~~أبو الدرداء: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته فيقضيها ثم يقبل على صلاته وقلبه ~~فارغ. فإذا كانت الصلاة محرمة مع ما يزيل العقل ولو كان بسبب مباح حتى يعلم ~~ما يقول كانت صلاة المجنون ومن يدخل في مسمى المجنون وإن سمي مولها أو ~~متولها أولى أن لا تجوز صلاته. # ومعلوم أن الصلاة " أفضل العبادات " كما في الصحيحين عن {ابن مسعود أنه ~~قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ ms3183 قال: الصلاة على ~~وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد. قال حدثني ~~بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني} . وثبت أيضا في ~~الصحيحين {عنه أنه جعل أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيله ثم الحج ~~المبرور} . ولا منافاة بينهما؛ فإن الصلاة داخلة في مسمى الإيمان بالله كما ~~دخلت في قوله تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم} قال البراء بن عازب وغيره ~~من السلف: أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ولهذا كانت الصلاة كالإيمان لا تدخلها ~~النيابة بحال فلا يصلي أحد عن أحد الفرض لا لعذر ولا لغير عذر كما لا يؤمن ~~أحد عنه ولا # PageV10P439 # تسقط بحال كما لا يسقط الإيمان؛ بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضرا وهو ~~متمكن من فعل بعض أفعالها فإذا عجز عن جميع الأفعال ولم يقدر على الأقوال ~~فهل يصلي بتحريك طرفه ويستحضر الأفعال بقلبه؟ فيه قولان للعلماء وإن كان ~~الأظهر أن هذا غير مشروع. فإذا كان كذلك تبين أن من زال عقله فقد حرم ما ~~يتقرب به إلى الله من فرض ونفل و " الولاية " هي الإيمان والتقوى المتضمنة ~~للتقرب بالفرائض والنوافل فقد حرم ما به يتقرب أولياء الله إليه؛ لكنه مع ~~جنونه قد رفع القلم عنه فلا يعاقب كما لا يعاقب الأطفال والبهائم؛ إذ لا ~~تكليف عليهم في هذه الحال. ثم إن كان مؤمنا قبل حدوث الجنون به وله أعمال ~~صالحة وكان يتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل قبل زوال عقله كان له من ثواب ~~ذلك الإيمان والعمل الصالح ما تقدم وكان له من ولاية الله تعالى بحسب ما ~~كان عليه من الإيمان والتقوى كما لا يسقط ذلك بالموت؛ بخلاف ما لو ارتد عن ~~الإسلام؛ فإن الردة تحبط الأعمال وليس من السيئات ما يحبط الأعمال الصالحة ~~إلا الردة. كما أنه ليس من الحسنات ما يحبط جميع السيئات إلا التوبة فلا ~~يكتب للمجنون حال جنونه مثل ما كان يعمل في حال إفاقته كما لا يكون مثل ذلك ~~لسيئاته في زوال ms3184 عقله بالأعمال المسكرة والنوم؛ لأنه في هذه الحال ليس له ~~قصد صحيح ولكن في الحديث # PageV10P440 # الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا مرض العبد ~~أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم} . وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه قال في غزوة تبوك إن بالمدينة لرجالا ما سرتم ~~مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر} فهؤلاء كانوا قاصدين للعمل الذي كانوا يعملونه ~~راغبين فيه لكن عجزوا فصاروا بمنزلة العامل؛ بخلاف من زال عقله فإنه ليس له ~~قصد صحيح ولا عبادة أصلا بخلاف أولئك فإن لهم قصدا صحيحا يكتب لهم به ~~الثواب. وأما إن كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا أو مذنبا لم يكن حدوث الجنون ~~به مزيلا لما ثبت من كفره وفسقه ولهذا كان من جن من اليهود والنصارى بعد ~~تهوده وتنصره محشورا معهم وكذلك من جن من المسلمين بعد إيمانه وتقواه ~~محشورا مع المؤمنين من المتقين. وزوال العقل بجنون أو غيره سواء سمي صاحبه ~~مولها أو متولها لا يوجب مزيد حال صاحبه من الإيمان والتقوى ولا يكون زوال ~~عقله سببا لمزيد خيره ولا صلاحه ولا ذنبه؛ ولكن الجنون يوجب زوال العقل ~~فيبقى على ما كان عليه من خير وشر لا أنه يزيده ولا ينقصه لكن جنونه يحرمه ~~الزيادة من الخير كما أنه يمنع عقوبته على الشر. # PageV10P441 # وأما إن كان زوال عقله بسبب محرم: كشرب الخمر وأكل الحشيشة أو كان يحضر ~~السماع الملحن فيستمع حتى يغيب عقله أو الذي يتعبد بعبادات بدعية حتى يقترن ~~به بعض الشياطين فيغيروا عقله أو يأكل بنجا يزيل عقله فهؤلاء يستحقون الذم ~~والعقاب على ما أزالوا به العقول. وكثير من هؤلاء يستجلب الحال الشيطاني ~~بأن يفعل ما يحبه فيرقص رقصا عظيما حتى يغيب عقله أو يغط ويخور حتى يجيئه ~~الحال الشيطاني وكثير من هؤلاء يقصد التوله حتى يصير مولها. فهؤلاء كلهم من ~~حزب الشيطان وهذا ms3185 معروف عن غير واحد منهم. واختلف العلماء هل هم " مكلفون " ~~في حال زوال عقلهم؟ والأصل " مسألة السكران " والمنصوص عن الشافعي وأحمد ~~وغيرهما أنه مكلف حال زوال عقله. وقال كثير من العلماء ليس مكلفا وهو أحد ~~القولين في مذهب الشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن أحمد أن طلاق السكران لا ~~يقع وهذا أظهر القولين. ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الذين زال عقلهم ~~بمثل هذا يكونون من أولياء الله الموحدين المقربين وحزبه المفلحين. ومن ~~ذكره العلماء من عقلاء المجانين الذين ذكروهم بخير فهم من القسم الأول ~~الذين كان فيهم خير ثم زالت عقولهم. # PageV10P442 # ومن " علامة هؤلاء " أنهم إذا حصل لهم في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما ~~كان في قلوبهم من الإيمان لا بالكفر والبهتان بخلاف غيرهم ممن يتكلم إذا ~~حصل له نوع إفاقة بالكفر والشرك ويهذي في زوال عقله بالكفر فهذا إنما يكون ~~كافرا لا مسلما، ومن كان يهذي بكلام لا يعقل بالفارسية أو التركية أو ~~البربرية وغير ذلك مما يحصل لبعض من يحضر السماع ويحصل له وجد يغيب عقله ~~حتى يهذي بكلام لا يعقل - أو بغير العربية - فهؤلاء إنما يتكلم على ألسنتهم ~~الشيطان كما يتكلم على لسان المصروع. ومن قال: إن هؤلاء أعطاهم الله عقولا ~~وأحوالا فأبقى أحوالهم وأذهب عقولهم وأسقط ما فرض عليهم بما سلب. قيل: قولك ~~وهب الله لهم أحوالا كلام مجمل؛ فإن الأحوال تنقسم إلى: حال رحماني وحال ~~شيطاني وما يكون لهؤلاء من خرق عادة بمكاشفة وتصرف عجيب " فتارة " يكون من ~~جنس ما يكون للسحرة والكهان و " تارة " يكون من الرحمن من جنس ما يكون من ~~أهل التقوى والإيمان؛ فإن كان هؤلاء في حال عقولهم كانت لهم مواهب إيمانية ~~وكانوا من المؤمنين المتقين فلا ريب أنه إذا زالت عقولهم سقطت عنهم الفرائض ~~بما سلب من العقول وإن كان ما أعطوه من الأحوال الشيطانية - كما يعطاه ~~المشركون وأهل الكتاب والمنافقون - فهؤلاء إذا زالت عقولهم لم يخرجوا بذلك ~~مما كانوا عليه من الكفر والفسوق كما لم يخرج الأولون ms3186 عما كانوا عليه من ~~الإيمان # PageV10P443 # والتقوى كما أن نوم كل واحد من الطائفتين وموته وإغماءه لا يزيل حكم ما ~~تقدم قبل زوال عقله من إيمانه وطاعته أو كفره وفسقه بزوال العقل، غايته أن ~~يسقط التكليف. و ### | رفع القلم لا يوجب حمدا ولا مدحا ولا ثوابا # ولا يحصل لصاحبه بسبب زوال عقله موهبة من مواهب أولياء الله ولا كرامة من ~~كرامات الصالحين بل قد رفع القلم عنه كما قد يرفع القلم عن النائم والمغمى ~~عليه والميت ولا مدح في ذلك ولا ذم بل النائم أحسن حالا من هؤلاء؛ ولهذا ~~كان الأنبياء عليهم السلام ينامون وليس فيهم مجنون ولا موله والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يجوز عليه النوم والإغماء ولا يجوز عليه الجنون وكان نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه وقد أغمي عليه في مرضه. # وأما " الجنون " فقد نزه الله أنبياءه عنه؛ فإنه من أعظم نقائص الإنسان؛ ~~إذ كمال الإنسان بالعقل ولهذا حرم الله إزالة العقل بكل طريق وحرم ما يكون ~~ذريعة إلى إزالة العقل كشرب الخمر؛ فحرم القطرة منها وإن لم تزل العقل؛ ~~لأنها ذريعة إلى شرب الكثير الذي يزيل العقل فكيف يكون مع هذا زوال العقل ~~سببا أو شرطا أو مقربا إلى ولاية الله كما يظنه كثير من أهل الضلال حتى قال ~~قائلهم في هؤلاء: # PageV10P444 # هم معشر حلوا النظام وخرقوا ... السياج فلا فرض لديهم ولا نفل # مجانين إلا أن سر جنونهم ... عزيز على أبوابه يسجد العقل # فهذا كلام ضال؛ بل كافر يظن أن للمجنون سرا يسجد العقل على بابه؛ وذلك ~~لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة أو تصرف عجيب خارق للعادة. ويكون ~~ذلك بسبب ما اقترن به من الشياطين كما يكون للسحرة والكهان فيظن هذا الضال ~~أن كل من كاشف أو خرق عادة كان وليا لله. ومن اعتقد هذا فهو كافر بإجماع ~~المسلمين واليهود والنصارى؛ فإن كثيرا من الكفار والمشركين فضلا عن أهل ~~الكتاب يكون لهم من المكاشفات وخرق العادات بسبب شياطينهم أضعاف ms3187 ما لهؤلاء؛ ~~لأنه كلما كان الرجل أضل وأكفر كان الشيطان إليه أقرب؛ لكن لا بد في جميع ~~مكاشفة هؤلاء من الكذب والبهتان. ولا بد في أعمالهم من فجور وطغيان كما ~~يكون لإخوانهم من السحرة والكهان قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} فكل من تنزلت عليه الشياطين لا بد أن ~~يكون فيه كذب # PageV10P445 # وفجور من أي قسم كان. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أولياء الله ~~هم الذين يتقربون إليه بالفرائض وحزبه المفلحون وجنده الغالبون وعباده ~~الصالحون. فمن اعتقد فيمن لا يفعل الفرائض ولا النوافل أنه من أولياء الله ~~المتقين إما لعدم عقله أو جهله أو لغير ذلك فمن اعتقد في مثل هؤلاء أنه من ~~أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين فهو كافر مرتد عن دين ~~رب العالمين وإذا قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله كان من الكاذبين الذين قيل فيهم: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~{اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} {ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} . وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر ~~طبع الله على قلبه} فإذا كان طبع على قلب من ترك الجمع وإن صلى الظهر فكيف ~~بمن لا يصلي ظهرا ولا جمعة ولا فريضة ولا نافلة ولا يتطهر للصلاة لا ~~الطهارة الكبرى ولا الصغرى فهذا لو كان قبل مؤمنا وكان قد طبع على قلبه كان ~~كافرا مرتدا بما تركه ولم يعتقد وجوبه من هذه الفرائض وإن اعتقد أنه مؤمن ~~كان كافرا مرتدا فكيف يعتقد أنه من أولياء # PageV10P446 # الله المتقين. وقد قال تعالى في صفة المنافقين: {استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله} أي: استولى يقال: حاذ الإبل حوذا إذا استاقها فالذين ~~استحوذ عليهم ms3188 الشيطان فساقهم إلى خلاف ما أمر الله به ورسوله قال تعالى: ~~{ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} أي تزعجهم إزعاجا ~~فهؤلاء {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن ~~حزب الشيطان هم الخاسرون} . وفي السنن عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا ~~استحوذ عليهم الشيطان} . فأي ثلاثة كانوا من هؤلاء لا يؤذن ولا تقام فيهم ~~الصلاة كانوا من حزب الشيطان الذين استحوذ عليهم لا من أولياء الرحمن الذين ~~أكرمهم؛ فإن كانوا عبادا زهادا ولهم جوع وسهر وصمت وخلوة كرهبان الديارات ~~والمقيمين في الكهوف والمغارات كأهل جبل لبنان وأهل جبل الفتح الذي باسون ~~وجبل ليسون ومغارة الدم بجبل قاسيون وغير ذلك من الجبال والبقاع التي ~~يقصدها كثير من العباد الجهال الضلال ويفعلون فيها خلوات ورياضات من غير أن ~~يؤذن وتقام فيهم الصلوات الخمس بل يتعبدون بعبادات لم يشرعها الله ورسوله ~~بل يعبدونه بأذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لأحوالهم بالكتاب والسنة # PageV10P447 # ولا قصد المتابعة لرسول الله الذي قال الله فيه: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} الآية فهؤلاء أهل البدع والضلالات ~~من حزب الشيطان لا من أولياء الرحمن فمن شهد لهم بولاية الله فهو شاهد زور ~~كاذب وعن طريق الصواب ناكب. ثم إن كان قد عرف أن هؤلاء مخالفون للرسول وشهد ~~مع ذلك أنهم من أولياء الله فهو مرتد عن دين الإسلام وإما مكذب للرسول وإما ~~شاك فيما جاء به مرتاب وإما غير منقاد له بل مخالف له إما جحودا أو عنادا ~~أو اتباعا لهواه، وكل من هؤلاء كافر. # وأما إن كان جاهلا بما جاء به الرسول وهو معتقد مع ذلك أنه رسول الله إلى ~~كل أحد في الأمور الباطنة والظاهرة وأنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته صلى ~~الله عليه وسلم لكن ظن أن هذه العبادات البدعية والحقائق الشيطانية هي مما ~~جاء بها الرسول ms3189 ولم يعلم أنها من الشيطان لجهله بسنته وشريعته ومنهاجه ~~وطريقته وحقيقته؛ لا لقصد مخالفته ولا يرجو الهدى في غير متابعته فهذا يبين ~~له الصواب ويعرف ما به من السنة والكتاب فإن تاب وأناب وإلا ألحق بالقسم ~~الذي قبله وكان كافرا مرتدا ولا تنجيه عبادته ولا زهادته من عذاب الله كما ~~لم ينج من ذلك الرهبان وعباد الصلبان وعباد النيران وعباد الأوثان مع كثرة ~~من فيهم ممن له خوارق شيطانية ومكاشفات شيطانية قال # PageV10P448 # تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} {الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} . قال سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف ~~نزلت في أصحاب الصوامع والديارات. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وغيره أنهم كانوا يتأولونها في الحرورية ونحوهم من أهل البدع والضلالات. ~~وقال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} ~~فالأفاك هو الكذاب والأثيم الفاجر كما قال: {لنسفعن بالناصية} {ناصية كاذبة ~~خاطئة} . # ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبا وإن كان لا يتعمد الكذب كما ثبت في ~~الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له سبيعة الأسلمية وقد ~~توفي عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت حاملا فوضعت بعد موت ~~زوجها بليال قلائل فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنت بناكحة حتى يمضي ~~عليك آخر الأجلين فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل بل حللت ~~فانكحي} وكذلك لما قال سلمة بن الأكوع إنهم يقولون: إن عامرا قتل نفسه وحبط ~~عمله فقال: " كذب من قالها؛ إنه لجاهد مجاهد " وكان قائل ذلك لم يتعمد ~~الكذب فإنه كان رجلا صالحا وقد روي أنه كان أسيد بن الحضير؛ لكنه لما تكلم ~~بلا علم كذبه النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV10P449 # وقد قال أبو بكر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة فيما يفتون فيه ~~باجتهادهم: إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فهو مني ومن الشيطان والله ~~ورسوله بريئان منه. فإذا كان ms3190 خطأ المجتهد المغفور له هو من الشيطان فكيف ~~بمن تكلم بلا اجتهاد يبيح له الكلام في الدين؟ فهذا خطؤه أيضا من الشيطان ~~مع أنه يعاقب عليه إذا لم يتب والمجتهد خطؤه من الشيطان وهو مغفور له؛ كما ~~أن الاحتلام والنسيان وغير ذلك من الشيطان وهو مغفور بخلاف من تكلم بلا ~~اجتهاد يبيح له ذلك فهذا كاذب آثم في ذلك وإن كانت له حسنات في غير ذلك فإن ~~الشيطان ينزل على كل إنسان ويوحي إليه بحسب موافقته له ويطرد بحسب إخلاصه ~~لله وطاعته له قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} . وعباده هم الذين ~~عبدوه بما أمرت به رسله من أداء الواجبات والمستحبات وأما من عبده بغير ذلك ~~فإنه من عباد الشيطان؛ لا من عباد الرحمن. قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا ~~بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم} {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} . والذين يعبدون ~~الشيطان أكثرهم لا يعرفون أنهم يعبدون الشيطان بل قد يظنون أنهم يعبدون ~~الملائكة أو الصالحين كالذين يستغيثون بهم # PageV10P450 # ويسجدون لهم فهم في الحقيقة إنما عبدوا الشيطان وإن ظنوا أنهم يتوسلون ~~ويستشفعون بعباد الله الصالحين. قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} . ولهذا نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ فإن الشيطان يقارنها حينئذ حتى ~~يكون سجود عباد الشمس له وهم يظنون أنهم يسجدون للشمس وسجودهم للشيطان ~~وكذلك أصحاب دعوات الكواكب الذين يدعون كوكبا من الكواكب ويسجدون له ~~ويناجونه ويدعونه ويصنعون له من الطعام واللباس والبخور والتبركات ما ~~يناسبه كما ذكره صاحب " السر المكتوم " المشرقي وصاحب " الشعلة النورانية " ~~البوني المغربي وغيرهما؛ فإن هؤلاء تنزل عليهم أرواح تخاطبهم وتخبرهم ببعض ~~الأمور وتقضي لهم بعض الحوائج ويسمون ذلك روحانية الكواكب. ومنهم من يظن ~~أنها ملائكة وإنما هي شياطين تنزل عليهم قال تعالى: ms3191 {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين} وذكر الرحمن هو الذي أنزله وهو الكتاب والسنة ~~اللذان قال الله فيهما {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة # PageV10P451 # يعظكم به} وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقال تعالى: {هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} وهو الذكر الذي قال الله فيه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} فمن أعرض عن هذا الذكر وهو الكتاب والسنة قيض له قرين من الشياطين ~~فصار من أولياء الشيطان بحسب ما تابعه. وإن كان مواليا للرحمن تارة ~~وللشيطان أخرى كان فيه من الإيمان وولاية الله بحسب ما والى فيه الرحمن ~~وكان فيه من عداوة الله والنفاق بحسب ما والى فيه الشيطان كما قال حذيفة بن ~~اليمان القلوب " أربعة " قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن. وقلب ~~أغلف فذلك قلب الكافر - و " الأغلف " الذي يلف عليه غلاف. كما قال تعالى عن ~~اليهود: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} وقد تقدم قوله صلى ~~الله عليه وسلم {من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه} - وقلب منكوس فذلك قلب ~~المنافق. وقلب فيه مادتان: مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق فأيهما غلب ~~كان الحكم له. وقد روي هذا في " مسند الإمام أحمد " مرفوعا. وفي الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي # PageV10P452 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت ~~فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدث ~~كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~القلب يكون فيه شعبة نفاق وشعبة إيمان. فإذا كان فيه شعبة نفاق كان فيه ~~شعبة من ولايته وشعبة من عداوته؛ ولهذا يكون بعض هؤلاء يجري على يديه خوارق ~~من جهة ms3192 إيمانه بالله وتقواه تكون من كرامات الأولياء، وخوارق من جهة نفاقه ~~وعداوته تكون من أحوال الشياطين؛ ولهذا أمرنا الله تعالى: أن نقول كل صلاة: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} . و " المغضوب عليهم " هم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه و " ~~الضالون " الذين يعبدون الله بغير علم. فمن اتبع هواه وذوقه ووجده مع علمه ~~أنه مخالف للكتاب والسنة فهو من " المغضوب عليهم " وإن كان لا يعلم ذلك فهو ~~من " الضالين ". نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والحمد ~~لله رب العالمين. والعاقبة للمتقين. وصلى الله على محمد. # PageV10P453 # وسئل: # عمن يقول الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق. هل قوله صحيح؟ . # فأجاب: # إن أراد بذلك الأعمال المشروعة الموافقة للكتاب والسنة: كالصلاة والصدقة ~~والجهاد والذكر والقراءة وغير ذلك. فهذا صحيح. وإن أراد إلى الله طريقا ~~مخالفا للكتاب والسنة؛ فهو باطل.والله أعلم # PageV10P454 # قال شيخ الإسلام: علامة الزمان أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس الله روحه ~~ونور ضريحه -: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم تسليما كثيرا. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر " في كتاب فتوح الغيب: ~~لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله. ونهي يجتنبه. ~~وقدر يرضى به. # PageV10P455 # فأقل حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة فينبغي له أن ~~يلزم بها قلبه ويحدث بها نفسه ويأخذ بها الجوارح في كل أحواله ". (قلت) : ~~هذا كلام شريف جامع يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد، ~~وهي مطابقة لقوله تعالى {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~ولقوله تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ولقوله تعالى: {وإن ~~تصبروا ms3193 وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} فإن " التقوى " تتضمن: فعل المأمور ~~وترك المحظور و " الصبر " يتضمن: الصبر على المقدور. " فالثلاثة " ترجع إلى ~~هذين الأصلين، والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر وهو طاعة الله ~~ورسوله. فحقيقة الأمر أن كل عبد فإنه محتاج في كل وقت إلى طاعة الله ورسوله ~~وهو: أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك الوقت، وطاعة الله ورسوله هي ~~عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس. كما قال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وقال تعالى: ~~{يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} . # PageV10P456 # والرسل كلهم أمروا قومهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال تعالى: ~~{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: ~~{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} . ~~وإنما كانت " الثلاثة " ترجع إلى امتثال الأمر؛ لأنه في الوقت الذي يؤمر ~~فيه بفعل شيء من الفرائض كالصلوات الخمس والحج ونحو ذلك يحتاج إلى فعل ذلك ~~المأمور وفي الوقت الذي تحدث أسباب المعصية يحتاج إلى الامتناع والكراهة ~~والإمساك عن ذلك وهذا فعل لما أمر به في هذا الوقت وأما من لم تخطر له ~~المعصية ببال فهذا لم يفعل شيئا يؤجر عليه ولكن عدم ذنبه مستلزم لسلامته من ~~عقوبة الذنب، والعدم المحض المستمر لا يؤمر به وإنما يؤمر بأمر يقدر عليه ~~العبد وذاك لا يكون إلا حادثا: سواء كان إحداث إيجاد أمر أو إعدام أمر. ~~وأما " القدر الذي يرضى به " فإنه إذا ابتلي بالمرض أو الفقر أو الخوف فهو ~~مأمور بالصبر أمر إيجاب، ومأمور بالرضا إما أمر إيجاب، وإما أمر استحباب؛ ~~وللعلماء من أصحابنا وغيرهم في ذلك قولان ونفس الصبر والرضا بالمصائب هو ~~طاعة لله ورسوله فهو من امتثال الأمر وهو عبادة لله. # PageV10P457 # لكن هذه " الثلاثة " وإن دخلت في امتثال الأمر عند الإطلاق فعند التفصيل ~~والاقتران: إما أن تخص بالذكر ms3194 وإما أن يقال يراد بهذا ما لا يراد بهذا كما ~~في قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} فإن هذا ~~داخل في العبادة إذا أطلق اسم العبادة، وعند " الاقتران " إما أن يقال: ~~ذكره عموما وخصوصا وإما أن يقال ذكره خصوصا يغني عن دخوله في العام. ومثل ~~هذا قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} {واصبر على ما ~~يقولون واهجرهم هجرا جميلا} وقد يقال: لفظ " التبتيل " لا يتناول هذه ~~الأمور المعطوفة كما يتناولها لفظ العبادة والطاعة. و " بالجملة " فرق ما ~~بين ما يؤمر به الإنسان ابتداء وبين ما يؤمر به عند حاجته إلى جلب المنفعة ~~ودفع المضرة أو عند حب الشيء وبغضه. وكلام الشيخ - قدس الله روحه - يدور ~~على هذا القطب وهو أن يفعل المأمور ويترك المحظور ويخلو فيما سواهما عن ~~إرادة؛ # PageV10P458 # لئلا يكون له مراد غير فعل ما أمر الله به وما لم يؤمر به العبد بل فعله ~~الرب عز وجل بلا واسطة العبد أو فعله بالعبد بلا هوى من العبد. فهذا هو ~~القدر الذي عليه أن يرضى به. وسيأتي في كلام الشيخ ما يبين مراده وأن العبد ~~في كل حال عليه أن يفعل ما أمر به ويترك ما نهي عنه. # وأما إذا لم يكن هو أمر العبد بشيء من ذلك فما فعله الرب كان علينا ~~التسليم فيما فعله وهذه هي " الحقيقة " في كلام الشيخ وأمثاله. وتفصيل ~~الحقيقة الشرعية في هذا المقام أن هذا " نوعان ": (أحدهما) : أن يكون العبد ~~مأمورا فيما فعله الرب. إما بحب له وإعانة عليه. وإما ببغض له ودفع له. و ~~(الثاني) : أن لا يكون العبد مأمورا بواحد منهما. (فالأول) مثل البر ~~والتقوى الذي يفعله غيره فهو مأمور بحبه وإعانته عليه: كإعانة المجاهدين في ~~سبيل الله على الجهاد وإعانة سائر الفاعلين للحسنات على حسناتهم بحسب ~~الإمكان وبمحبة ذلك والرضا به وكذلك هو مأمور عند مصيبة الغير: إما بنصر ~~مظلوم وإما ms3195 بتعزية مصاب وإما بإغناء فقير ونحو ذلك. # PageV10P459 # وأما ما هو مأمور ببغضه ودفعه فمثل: ما إذا أظهر الكفر والفسوق والعصيان ~~فهو مأمور ببغض ذلك ودفعه وإنكاره بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: " {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم ~~يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} ". وأما ما لا يؤمر ~~العبد فيه بواحد منهما: فمثل ما يظهر له من فعل الإنسان للمباحات التي لم ~~يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية. فهذه لا يؤمر بحبها ولا ~~ببغضها وكذلك مباحات نفسه المحضة التي لم يقصد الاستعانة بها على طاعة ولا ~~معصية. مع أن هذا نقص منه فإن الذي ينبغي أنه لا يفعل من المباحات إلا ما ~~يستعين به على الطاعة ويقصد الاستعانة بها على الطاعة فهذا سبيل المقربين ~~السابقين الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض ولم يزل أحدهم ~~يتقرب إليه بذلك حتى أحبه فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده ~~التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وأما من فعل المباحات مع الغفلة أو فعل ~~فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة مع أداء الفرائض واجتناب المحارم ~~باطنا وظاهرا فهذا من المقتصدين أصحاب اليمين. # PageV10P460 # و (بالجملة الأفعال التي يمكن دخولها تحت الأمر والنهي لا تكون مستوية من ~~كل وجه بل إن فعلت على الوجه المحبوب كان وجودها خيرا للعبد: وإلا كان ~~تركها خيرا له وإن لم يعاقب عليها ففضول المباح التي لا تعين على الطاعة ~~عدمها خير من وجودها إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله فإنها تكون شاغلة ~~له عن ذلك وأما إذا قدر أنها تشغله عما دونها فهي خير له مما دونها وإن ~~شغلته عن معصية الله كانت رحمة في حقه وإن كان اشتغاله بطاعة الله خيرا له ~~من هذا وهذا. وكذلك أفعال الغفلة والشهوة التي يمكن الاستعانة بها على ~~الطاعة: كالنوم الذي يقصد به الاستعانة على العبادة؛ والأكل والشرب واللباس ~~والنكاح ms3196 الذي يمكن الاستعانة به على العبادة؛ إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك ~~نقصا من العبد وفوات حسنة؛ وخير يحبه الله. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه قال لسعد: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت ~~بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك} " وقال في الصحيح: {نفقة ~~المسلم على أهله يحتسبها صدقة} ". فما لا يحتاج إليه من المباحات أو يحتاج ~~إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة فعدمه خير من وجوده إذا كان مع عدمه يشتغل ~~بما هو # PageV10P461 # خير منه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {في بضع أحدكم صدقة. قالوا: ~~يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر. قال: أرأيتم لو وضعها في ~~الحرام أما كان عليه وزر؟ قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان ~~له بها أجر. فلم تعتدون بالحرام ولا تعتدون بالحلال} ". وذلك أن المؤمن عند ~~شهوة النكاح يقصد أن يعدل عما حرمه الله إلى ما أباحه الله؛ ويقصد فعل ~~المباح معتقدا أن الله أباحه " {والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى ~~معصيته} " كما رواه الإمام أحمد في المسند ورواه غيره ولهذا أحب القصر ~~والفطر فعدول المؤمن عن الرهبانية والتشديد وتعذيب النفس الذي لا يحبه الله ~~إلى ما يحبه الله من الرخصة هو من الحسنات التي يثيبه الله عليها وإن فعل ~~مباحا لما اقترن به من الاعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة لله ورسوله. ~~فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. و (أيضا فالعبد مأمور بفعل ~~ما يحتاج إليه من المباحات هو مأمور بالأكل عند الجوع والشرب عند العطش ~~ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها ولو لم يأكل حتى مات كان ~~مستوجبا للوعيد كما هو قول جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم وكذلك ~~هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه بل وهو مأمور # PageV10P462 # بنفس عقد النكاح إذا احتاج إليه وقدر عليه. فقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {في بضع أحدكم صدقة} " فإن ms3197 المباضعة مأمور بها لحاجته ولحاجة المرأة ~~إلى ذلك فإن قضاء حاجتها التي لا تنقضي إلا به بالوجه المباح صدقة. و " ~~السلوك " سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمين وهو أداء الواجبات، وترك ~~المحرمات باطنا وظاهرا. و (الثاني) : سلوك المقربين السابقين وهو فعل ~~الواجب والمستحب بحسب الإمكان وترك المكروه والمحرم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} ". وكلام الشيوخ الكبار: كالشيخ " عبد القادر " وغيره يشير إلى ~~هذا السلوك؛ ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير ~~محرم فإنهم يسلكون بالخاصة مسلك الخاصة وبالعامة مسلك العامة وطريق الخاصة ~~طريق المقربين ألا يفعل العبد إلا ما أمر به ولا يريد إلا ما أمر الله ~~ورسوله بإرادته وهو ما يحبه # PageV10P463 # الله ويرضاه ويريده إرادة دينية شرعية وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقا ~~وتكوينا. والوقوف مع الإرادة الخلقية القدرية مطلقا غير مقدور عقلا ولا ~~مأمور شرعا؛ وذلك لأن من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته كمن أراد ~~تكفير الرجل أو تكفير أهله أو الفجور به أو بأهله أو أراد قتل النبي وهو ~~قادر على دفعه أو أراد إضلال الخلق، وإفساد دينهم ودنياهم فهذه الأمور يجب ~~دفعها وكراهتها؛ لا تجوز إرادتها. وأما الامتناع عقلا؛ فلأن الإنسان مجبول ~~على حب ما يلائمه وبغض ما ينافره فهو عند الجوع يحب ما يغنيه كالطعام ولا ~~يحب ما لا يغنيه كالتراب فلا يمكن أن تكون إرادته لهذين سواء. وكذلك يحب ~~الإيمان والعمل الصالح الذي ينفعه ويبغض الكفر والفسوق الذي يضره بل ويحب ~~الله وعبادته وحده ويبغض عبادة ما دونه. كما قال الخليل: {أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى # PageV10P464 # تؤمنوا بالله وحده} . فقد أمرنا الله أن نتأسى بإبراهيم ms3198 والذين معه إذ ~~تبرءوا من المشركين ومما يعبدونه من دون الله وقال الخليل: ( {إنني براء ~~مما تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} والبراءة ضد الولاية وأصل ~~البراءة البغض وأصل الولاية الحب وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله ~~ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله. قال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} . والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله فأهل التوحيد والإخلاص ~~يحبون غير الله لله والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم ~~وحب النصارى للمسيح وحب أهل الأهواء رءوسهم. فإذا عرف أن العبد مفطور على ~~حب ما ينفعه وبغض ما يضره. لم يمكن أن تستوي إرادته لجميع الحوادث فطرة ~~وخلقا ولا هو مأمور من جهة الشرع أن يكون مريدا لجميع الحوادث بل قد أمره ~~الله بإرادة أمور وكراهة أخرى. # PageV10P465 # والرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا ~~بتحويل الفطرة وتغييرها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه} " قال تعالى: {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - " {يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم ~~الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا} ". و " الحنيفية " هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه ~~تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن ~~غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى ~~لله وحده والتوكل على الله وحده. # والرسول يطاع ويحب فالحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه. قال ~~تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} وقال ~~تعالى: {ولو أنهم رضوا ms3199 ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} . # PageV10P466 # وهذا حقيقة دين الإسلام. والرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون} . فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به فلا بد أن ~~يكون مريدا محبا لما أمره الله بإرادته ومحبته كارها مبغضا لما أمره الله ~~بكراهته وبغضه. والناس في هذا الباب " أربعة أنواع ": أكملهم الذين يحبون ~~ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله فيريدون ما أمرهم الله ~~ورسوله بإرادته ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته وليس عندهم حب ولا ~~بغض لغير ذلك. فيأمرون بما أمر الله به ورسوله ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون ~~عما نهى الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك وهذه حال الخليلين أفضل ~~البرية: محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وسلم وقد # PageV10P467 # ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا} " وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: " {إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث ~~أمرت} ". وذكر: أن ربه خيره بين أن يكون نبيا ملكا؛ وبين أن يكون عبدا ~~رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا. فإن " النبي الملك " مثل داود وسليمان ~~قال تعالى: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قالوا: معناه أعط من شئت ~~وامنع من شئت لا نحاسبك " فالنبي الملك " يعطي بإرادته لا يعاقب على ذلك ~~كالذي يفعل المباحات بإرادته. وأما " العبد الرسول " فلا يعطي ولا يمنع إلا ~~بأمر ربه وهو محبته ورضاه وإرادته الدينية والسابقون المقربون أتباع العبد ~~الرسول والمقتصدون أهل اليمين أتباع النبي الملك وقد يكون للإنسان حال هو ~~فيها خال ms3200 عن الإرادتين: وهو ألا تكون له إرادة في عطاء ولا منع، لا إرادة ~~دينية هو مأمور بها ولا إرادة نفسانية سواء كان منهيا عنها أو غير منهي ~~عنها بل ما وقع كان مرادا له ومهما فعل به كان مرادا له من غير أن يفعل ~~المأمور به شرعا في ذلك. # PageV10P468 # فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في إعطاء معين لا إرادة ~~شرعية ولا إرادة مذمومة؛ بل يعطي كل أحد. فهذا إذا قدر أنه قام بما يجب ~~عليه بحسب إمكانه ولكنه خفي عليه الإرادة الشرعية في تفصيل أفعاله. فإنه لا ~~يذم على ما فعل ولا يمدح مطلقا. بل يمدح لعدم هواه ولو علم تفصيل المأمور ~~به وأراده إرادة شرعية لكان أكمل. بل هذا مع القدرة إما واجب وإما مستحب. ~~وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه؛ وإن كان ذلك مباحا له وهو ~~دون من يريد بأمر ربه لا بهواه ولا بالقدر المحض. فمضمون هذا المقام أن ~~الناس في المباحات من الملك والمال وغير ذلك على " ثلاثة أقسام ": قوم لا ~~يتصرفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعي. وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم. ~~وهو حال العبد الرسول ومن اتبعه في ذلك. وقوم يتصرفون فيها بحكم إرادتهم ~~والشهوة التي ليست محرمة. وهذا حال النبي الملك. وهو حال الأبرار أهل ~~اليمين. وقوم لا يتصرفون بهذا ولا بهذا. أما " الأول " فلعدم # PageV10P469 # علمهم به. وأما " الثاني " فلزهدهم فيه؛ بل يتصرفون فيها بحكم القدر ~~المحض اتباعا لإرادة الله الخلقية القدرية حين تعذر معرفة الإرادة الشرعية ~~الأمرية وهذا كالترجيح بالقرعة إذا تعذر الترجيح بسبب شرعي معلوم وقد يتصرف ~~هؤلاء في هذا المقام بإلهام يقع في قلوبهم وخطاب. وكلام " الشيخ عبد القادر ~~" - قدس الله روحه - كثيرا ما يقع في هذا المقام؛ فإنه يأمر بالزهد في ~~إرادة النفس وهواها حتى لا يتصرف بحكم الإرادة والنفس وهذا رفع له عن حال ~~الأبرار أهل اليمين وعن طريق الملوك مطلقا ومن حصل هذا وتصرف بالأمر الشرعي ~~المحمدي القرآني ms3201 فهو أكمل الخلق لكن هذا قد يخفى عليه؛ فإن معرفة هذا على ~~التفصيل قد يتعذر أو يتعسر في كثير من المواضع ألا ترى {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتل مقاتلتهم، وبسبي ~~ذراريهم وغنيمة أموالهم. قال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة} ~~". وذلك أن تخيير ولي الأمر بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء ليس تخيير ~~شهوة بل تخيير رأي ومصلحة فعليه أن يختار الأصلح، فإن اختار ذلك فقد وافق ~~حكم الله وإلا فلا. ولما كان هذا يخفى كثيرا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث # PageV10P470 # الصحيح: " {إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم ~~على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم ~~أصحابك} " والحاكم الذي ينزل أهل الحصن على حكمه عليه أن يحكم باجتهاده ~~فلما أمر سعدا بما هو الأرضى لله والأحب إليه حكم بحكمه ولو حكم بغير ذلك ~~لنفذ حكمه فإنه حكم باجتهاده وإن لم يكن ذلك هو حكم الله في الباطن. ففي ~~مثل هذه الحال التي لا يتبين الأمر الشرعي في الواقعة المعينة يأمر الشيخ ~~عبد القادر وأمثاله من الشيوخ: " تارة " بالرجوع إلى الأمر الباطن والإلهام ~~إن أمكن ذلك و " تارة " بالرجوع إلى القدر المحض لتعذر الأسباب المرجحة من ~~جهة الشرع كما يرجح الشارع بالقرعة. فهم يأمرون ألا يرجح بمجرد إرادته ~~وهواه فإن هذا إما محرم وإما مكروه وإما منقص، فهم في هذا النهي كنهيهم عن ~~فضول المباحات. ثم إن تبين لهم الأمر الشرعي وجب الترجيح به وإلا رجحوا: ~~إما " بسبب باطن " من الإلهام والذوق وإما " بالقضاء والقدر " الذي لا يضاف ~~إليهم. ومن يرجح في مثل هذه الحال " باستخارة الله " كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من ~~القرآن فقد أصاب. # PageV10P471 # وهذا كما أنه إذا تعارضت أدلة " المسألة الشرعية " عند الناظر المجتهد ~~وعند المقلد المستفتي فإنه ms3202 لا يرجح شيئا. بل ما جرى به القدر أقروه ولم ~~ينكروه. وتارة يرجح أحدهم: إما بمنام وإما برأي مشير ناصح وإما برؤية ~~المصلحة في أحد الفعلين. وأما الترجيح بمجرد الاختيار بحيث إذا تكافأت عنده ~~الأدلة يرجح بمجرد إرادته واختياره. فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام ~~وإنما هو قول طائفة من أهل الكلام ولكن قاله طائفة من الفقهاء في العامي ~~المستفتي: إنه يخير بين المفتين المختلفين. وهذا كما أن طائفة من السالكين ~~إذا استوى عنده الأمران في الشريعة رجح بمجرد ذوقه وإرادته فالترجيح بمجرد ~~الإرادة التي لا تستند إلى أمر علمي باطن ولا ظاهر لا يقول به أحد من أئمة ~~العلم والزهد. فأئمة الفقهاء والصوفية لا يقولون هذا. ولكن من جوز لمجتهد ~~أو مقلد الترجيح بمجرد اختياره وإرادته فهو نظير من شرع للسالك الترجيح ~~بمجرد إرادته وذوقه. لكن قد يقال: القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته ~~فهو ترجيح شرعي. وعلى هذا التقدير ليس من هذا فمن غلب على قلبه إرادة ما ~~يحبه الله وبغض ما يكرهه الله إذا لم يدر في الأمر المعين # PageV10P472 # هل هو محبوب لله أو مكروه ورأى قلبه يحبه أو يكرهه كان هذا ترجيحا عنده. ~~كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه فإن الترجيح بخبر هذا عند انسداد وجوه ~~الترجيح ترجيح بدليل شرعي. ففي " الجملة " متى حصل ما يظن معه أن أحد ~~الأمرين أحب إلى الله ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي والذين أنكروا كون ~~الإلهام طريقا على الإطلاق أخطئوا كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على ~~الإطلاق. ولكن إذا اجتهد السالك في الأدلة الشرعية الظاهرة فلم ير فيها ~~ترجيحا وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى فإلهام ~~مثل هذا دليل في حقه؛ قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة؛ والأحاديث ~~الضعيفة والظواهر الضعيفة والاستصحابات الضعيفة التي يحتج بها كثير من ~~الخائضين في المذهب والخلاف وأصول الفقه. وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {اتقوا فراسة ms3203 المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم ~~قرأ قوله تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} } وقال عمر بن الخطاب: اقتربوا ~~من أفواه المطيعين؛ واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور # PageV10P473 # صادقة. وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي} و (أيضا فالله - سبحانه وتعالى - فطر عباده على الحنيفية: وهو حب ~~المعروف وبغض المنكر فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق فإذا ~~كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان منورة بنور القرآن وخفي عليها دلالة ~~الأدلة السمعية الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان هذا من أقوى ~~الأمارات عند مثله وذلك أن الله علم القرآن والإيمان. قال الله تعالى: {وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} الآية. ثم ~~قال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وقال جندب بن عبد الله، وعبد ~~الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. وفي ~~الصحيحين عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله أنزل ~~الأمانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة} " وفي ~~الترمذي وغيره حديث النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV10P474 # أنه قال: " {ضرب الله مثلا صراطا مستقيما. وعلى جنبتي الصراط سوران وفي ~~السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط ~~وداع يدعو من فوق الصراط. فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور حدود الله، ~~والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ~~ناداه المنادي - أو كما قال - يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. ~~والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب ms3204 كل ~~مؤمن} ". فقد بين أن في قلب كل مؤمن واعظ والواعظ الأمر والنهي بترغيب ~~وترهيب؛ فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن مطابق لأمر القرآن ونهيه ~~ولهذا يقوى أحدهما بالآخر. كما قال تعالى: {نور على نور} قال بعض السلف في ~~الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا سمع بالأثر كان ~~نورا على نور. نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن كما أن الميزان ~~العقلي يطابق الكتاب المنزل؛ فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط. وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر. كما في الصحيحين عن أبي ~~موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {مثل المؤمن الذي ~~يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب. ومثل # PageV10P475 # المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها؛ ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر} . # والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد وتارة ~~يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب فقد يقع في قلبه أن هذا القول ~~أرجح وأظهر وأصوب وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر، وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن ~~يكن في أمتي أحد فعمر} " والمحدث الملهم المخاطب، وفي مثل هذا قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة {: البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه ~~القلب والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك} " وهو في السنن. وفي ~~صحيح مسلم عن النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {البر حسن الخلق ~~والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس} " وقال ابن مسعود: الإثم ~~حزاز القلوب. و (أيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن ~~يقينا أو ظنا فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج لكن ~~هذا ms3205 في الغالب لا بد أن يكون كشفا بدليل وقد يكون # PageV10P476 # بدليل ينقدح في قلب المؤمن ولا يمكنه التعبير عنه وهذا أحد ما فسر به ~~معنى " الاستحسان ". وقد قال من طعن في ذلك - كأبي حامد وأبي محمد -: ما لا ~~يعبر عنه فهو هوس وليس كذلك؛ فإنه ليس كل أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة ~~بقلبه، وكثير من الناس يبينها بيانا ناقصا وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه ~~أن هذا الطعام حرام أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر وبالعكس ~~قد يلقى في قلبه محبة شخص وأنه ولي لله أو أن هذا المال حلال. وليس المقصود ~~هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية؛ لكن إن مثل هذا يكون ~~ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة. فالترجيح بها ~~خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا فإن التسوية بينهما باطلة ~~قطعا. كما قلنا: إن العمل بالظن الناشئ عن ظاهر أو قياس خير من العمل ~~بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما. والصواب الذي عليه السلف والجمهور أنه ~~لا بد في كل حادثة من دليل شرعي فلا يجوز تكافؤ الأدلة في نفس الأمر لكن قد ~~تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له وأما من قال: أنه ليس في نفس الأمر ~~حق معين بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة وليس لأحدهما على الآخر ~~مزية في علم ولا عمل فهؤلاء # PageV10P477 # قد يجوزون أو بعضهم تكافؤ الأدلة ويجعلون الواجب التخيير بين القولين ~~وهؤلاء يقولون ليس على الظن دليل في نفس الأمر؛ وإنما رجحان أحد القولين هو ~~من باب الرجحان بالميل والإرادة كترجيح النفس الغضبية للانتقام والنفس ~~الحليمة للعفو. وهذا القول خطأ؛ فإنه لا بد في نفس الأمر من حق معين يصيبه ~~المستدل تارة ويخطئه أخرى. كالكعبة في حق من اشتبهت عليه القبلة والمجتهد ~~إذا أداه اجتهاده إلى جهة سقط عنه الفرض بالصلاة إليها كالمجتهد إذا أداه ~~اجتهاده إلى قول فعمل بموجبه كلاهما مطيع لله وهو مصيب بمعنى أنه مطيع ms3206 لله ~~وله أجر على ذلك؛ وليس مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين؛ فإن ذلك لا يكون ~~إلا واحدا ومصيبه له أجران وهذا في كشف الأنواع التي يكون عليها دليل شرعي ~~لكن قد يخفى على العبد. فإن الشارع بين (الأحكام الكلية) . وأما (الأحكام ~~المعينات التي تسمى تنقيح المناط " مثل كون الشخص المعين عدلا أو فاسقا أو ~~مؤمنا أو منافقا أو وليا لله أو عدوا له وكون هذا المعين عدوا للمسلمين ~~يستحق القتل، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه، وكون هذا ~~المال يخاف عليه من ظلم ظالم فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله فهذه # PageV10P478 # الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية بل تعلم بأدلة خاصة ~~تدل عليها. ومن طرق ذلك " الإلهام " فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا المال ~~المعين وحال هذا الشخص المعين وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره. ~~وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب ليس فيها مخالفة لشرع الله تعالى؛ فإنه ~~لا يجوز قط لأحد لا نبي ولا ولي أن يخالف شرع الله لكن فيها علم حال ذاك ~~المعين بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر كمن دخل إلى دار وأخذ ما ~~فيها من المال لعلمه بأن صاحبها أذن له وغيره لم يعلم، ومثل من رأى ضالة ~~أخذها ولم يعرفها لعلمه بأنه أتى بها هدية له ونحو ذلك. ومثل هذا كثير عند ~~أهل الإلهام الصحيح. و (النوع الثاني) عكس هذا. وهو أنهم يتبعون هواهم لا ~~أمر الله؛ فهؤلاء لا يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم ولا يتركون ~~وينهون إلا عن ما يكرهونه بهواهم وهؤلاء شر الخلق. قال تعالى: {أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شيئا ~~إلا ركبه. وقال تعالى: # PageV10P479 # {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال عمر بن عبد العزيز: لا ~~تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا أنت لا ms3207 تثاب ~~على ما اتبعته من الحق وتعاقب على ما خالفته. وهو كما قال - رضي الله عنه - ~~لأنه في الموضعين إنما قصد اتباع هواه لم يعمل لله. ألا ترى أن " أبا طالب ~~" نصر النبي صلى الله عليه وسلم وذب عنه أكثر من غيره؛ لكن فعل ذلك لأجل ~~القرابة لا لأجل الله تعالى فلم يتقبل الله ذلك منه ولم يثبه على ذلك وأبو ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - أعانه بنفسه وماله لله؛ فقال الله فيه: ~~{وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ~~{إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} . (القسم الثالث) : الذي يريد ~~تارة إرادة يحبها الله؛ وتارة إرادة يبغضها الله. وهؤلاء أكثر المسلمين ~~فإنهم يطيعون الله تارة ويريدون ما أحبه ويعصونه تارة ويريدون ما يهوونه ~~وإن كان يكرهه. و (القسم الرابع) : أن يخلو عن الإرادتين فلا يريد لله ولا ~~لهواه وهذا يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء ويقع لكثير # PageV10P480 # من الزهاد والنساك في كثير من الأمور. وأما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقا ~~فممتنع فإنه مفطور على إرادة ما لا بد له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه ~~والزاهد الناسك إذا كان مسلما فلا بد أن يريد أشياء يحبها الله: مثل أداء ~~الفرائض، وترك المحارم؛ بل وكذلك عموم المؤمنين لا بد أن يريد أحدهم أشياء ~~يحبها الله وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئا لله فلم يحب شيئا من الطاعات ~~لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنا فلا بد لكل مؤمن ~~من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله؛ وأما إرادة العبد لما يهواه ولا ~~يحبه الله فهذا لازم لكل من عصى الله فإنه أراد المعصية والله لا يحبها ولا ~~يرضاها. وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين: ~~(أحدهما) : مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد ~~يعلم كثيرا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها ~~وإذا ms3208 اقتتل المسلمون والكفار لم يكن مريدا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ~~ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله. و (الوجه الثاني) : يقع من كثير من ~~الزهاد العباد الممتثلين لما # PageV10P481 # يعلمون أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه وأمور أخرى ~~لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم ~~العلم وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدرة وقد يعاونون عليها ويرون هذا ~~موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث؛ بل ~~والمعاونة عليه. وهذا موضع يقع فيه الغلط فإن ما أحبه الله ورسوله علينا أن ~~نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه ~~الله ورسوله وأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال ~~التي لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها ~~ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا ~~يكرهها. وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع ~~المخلوقات والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته وقد أحسن كل شيء خلقه. # والرضا بالقضاء " ثلاثة أنواع ": (أحدها) الرضا بالطاعات؛ فهذا طاعة ~~مأمور بها. و (الثاني) : الرضا بالمصائب فهذا مأمور به: إما مستحب وإما ~~واجب. # PageV10P482 # و (الثالث) : الكفر والفسوق والعصيان فهذا لا يؤمر بالرضا به بل يؤمر ~~ببغضه وسخطه فإن الله لا يحبه ولا يرضاه. كما قال تعالى: {إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول} وقال: {والله لا يحب الفساد} وقال: {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~وقال: {فإن الله لا يحب الكافرين} وقال: {إن الله لا يحب المعتدين} . وهو ~~وإن خلقه لما له في ذلك من الحكمة فلا يمتنع أن يخلق ما لا يحبه لإفضائه ~~إلى الحكمة التي يحبها كما خلق الشياطين. فنحن راضون عن الله في أن يخلق ما ~~يشاء وهو محمود على ذلك. وأما نفس هذا الفعل المذموم وفاعله فلا نرضى به ~~ولا نحمده. ms3209 وفرق بين ما يحب لنفسه وما يراد لإفضائه إلى المحبوب مع كونه ~~مبغضا من جهة أخرى؛ فإن الأمر الواحد يراد من وجه ويكره من وجه آخر. ~~كالمريض الذي يتناول الدواء الكريه؛ فإنه يبغض الدواء ويكرهه وهو مع هذا ~~يريد استعماله لإفضائه إلى المحبوب لا لأنه في نفسه محبوب. وفي الحديث ~~الصحيح يقول الله تعالى: {وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس ~~عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} فهو سبحانه لما كره ~~مساءة عبده المؤمن الذي # PageV10P483 # يكره الموت كان هذا مقتضيا أن يكره إماتته مع أنه يريد إماتته؛ لما له في ~~ذلك من الحكمة سبحانه وتعالى. فالأمور التي يبغضها الله تعالى وينهى عنها ~~لا تحب ولا ترضى؛ لكن نرضى بما يرضى الله به حيث خلقها لما له في ذلك من ~~الحكمة فكذلك الأفعال التي لا يحبها ولا يبغضها لا ينبغي أن تحب ولا ترضى ~~كما لا ينبغي أن تبغض. والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن ~~يرضيه} " وأما بالنسبة إلى القدر فيرضى عن الله إذ له الحمد على كل حال ~~ويرضى بما يرضاه من الحكمة التي خلق لأجلها ما خلق وإن كنا نبغض ما يبغضه ~~من المخلوقات فحيث انتفى الأمر الشرعي أو خفي الأمر الشرعي لا يكون ~~الامتثال والرضا والمحبة كما يكون في الأمر الشرعي وإن كان ذلك مقدورا. ~~وهذا موضع يغلط فيه كثير من خاصة " السالكين " وشيوخهم فضلا عن عامتهم ~~ويتفاوتون في ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعي وطاعتهم له. فمنهم من هو أعرف ~~من غيره بالأمر الشرعي وأطوع له فهذا # PageV10P484 # تكون حاله أحسن ممن يقصر عنه في المعرفة بالأمر الشرعي والطاعة له. ومنهم ~~من يبعد عن الأمر الشرعي ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية ويبقى واقفا ~~مع هواه والقدر. ومن هؤلاء من يموت ms3210 كافرا ومنهم من يتوب الله عليه ومنهم من ~~يموت فاسقا ومنهم من يتوب الله عليه. وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية ~~معرضين عن الأمر الشرعي ولا بد مع ذلك من اتباع أمر ونهي غير الأمر الشرعي ~~إما من أنفسهم وإما من غير الله ورسوله إذ الاسترسال مع القدر مطلقا ممتنع ~~لذاته لما تقدم من أن العبد مفطور على محبة أشياء وبغض أشياء. وقول من قال: ~~" إن العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل " لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق ~~عن أحد من المسلمين وإنما يقال ذلك في بعض المواضع؛ ومع هذا فإنما ذلك ~~لخفاء أمر الله عليه وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبه. فلا بد أن يحب ما ~~أحبه الله ويبغض ما أبغضه. # PageV10P485 # فصل: # وكما أن الطريقة العلمية بصحة النظر في الأدلة والأسباب هي الموجبة ~~للعلم: كتدبر القرآن والحديث فالطريقة العملية بصحة الإرادة والأسباب هي ~~الموجبة للعمل ولهذا يسمون السالك في ذلك " المريد " كما يسميه أولئك " ~~الطالب " و " النظر " جنس تحته حق وباطل ومحمود ومذموم وكذلك " الإرادة " ~~فكما أن طريق العلم لا بد فيه من العلم النبوي الشرعي بحيث يكون معلومك ~~المعلومات الدينية النبوية ويكون علمك بها مطابقا لما أخبرت به الرسل وإلا ~~فلا ينفعك أي معلوم علمته ولا أي شيء اعتقدته فيما أخبرت به الرسل بل لا بد ~~من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فكذلك " الإرادة " لا ~~بد فيها من تعيين " المراد " وهو الله و " الطريق إليه " وهو ما أمرت به ~~الرسل. فلا بد أن تعبد الله، وتكون عبادتك إياه بما شرع على ألسنة رسله إذ ~~لا بد من تصديق الرسول فيما أخبر علما ولا بد من طاعته فيما أمر عملا. # PageV10P486 # ولهذا كان " الإيمان " قولا وعملا مع موافقة السنة فعلم الحق ما وافق علم ~~الله، والإرادة الصالحة ما وافقت محبة الله ورضاه وهو حكمه الشرعي والله ~~عليم حكيم. فالأمور الخبرية لا بد أن تطابق علم الله وخبره؛ والأمور ~~العملية لا بد أن تطابق حب الله وأمره ms3211 فهذا حكمه وذاك علمه. وأما من جعل ~~حكمه مجرد القدر كما فعل صاحب " منازل السائرين " وجعل مشاهدة العارف الحكم ~~يمنعه أن يستحسن حسنة أو يستقبح سيئة فهذا فيه من الغلط العظيم ما قد نبهنا ~~عليه في غير هذا الموضع. فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد أي معبود كان ولا ~~أن يعبد الله بأي عبادة كانت بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله كالنصارى ومن أشبههم من أهل ~~البدع الذين يعبدون غير الله بغير أمر الله، وأما أهل الإسلام والسنة فهم ~~يعبدون الله وحده ويعبدونه بما شرع. لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم ~~خطأ. فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون تارة في المراد؛ وتارة في الطريق ~~إليه وتارة يألهون غير الله بالخوف منه والرجاء له والتعظيم والمحبة له ~~وسؤاله والرغبة إليه فهذا حقيقة الشرك المحرم فإن حقيقة # PageV10P487 # التوحيد أن لا يعبد إلا الله. و " العبادة " تتضمن كمال الحب وكمال ~~التعظيم، وكمال الرجاء والخشية والإجلال والإكرام. و " الفناء " في هذا ~~التوحيد فناء المرسلين وأتباعهم وهو أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه ~~وبطاعته عن طاعة ما سواه وبسؤاله عن سؤال ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه ~~وبرجائه عن رجاء ما سواه وبحبه، والحب فيه عن محبة ما سواه والحب فيه. وأما ~~الغالطون في الطريق فقد يريدون الله؛ لكن لا يتبعون الأمر الشرعي في ~~إرادته. لكن " تارة " يعبده أحدهم بما يظنه يرضيه ولا يكون كذلك. و " تارة ~~" ينظرون القدر لكونه مراده فيفنون في القدر الذي ليس لهم فيه غرض وأما ~~الفناء المطلق فيه فممتنع. وهؤلاء يفنى أحدهم متبعا لذوقه ووجده المخالف ~~للأمر الشرعي أو ناظرا إلى القدر. وهذا يبتلى به كثير من خواصهم. و " الشيخ ~~عبد القادر " ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمرا بالتزام الشرع والأمر والنهي ~~وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى والإرادة ~~النفسية. فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه ms3212 الجهة؛ فهو ~~يأمر السالك # PageV10P488 # ألا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا؛ بل يريد ما يريده الرب عز وجل: إما ~~إرادة شرعية أن تبين له ذلك؛ وإلا جرى مع الإرادة القدرية فهو إما مع أمر ~~الرب، وإما مع خلقه وهو سبحانه له الخلق والأمر. وهذه " طريقة شرعية صحيحة ~~" إنما يخاف على صاحبها من ترك إرادة شرعية لا يعلم أنها شرعية أو من تقديم ~~إرادة قدرية على الشرعية فإنه إذا لم يعلم أنها شرعية فقد يتركها وقد يريد ~~ضدها فيكون ترك مأمورا أو فعل محظورا وهو لا يعلم. فإن " طريقة الإرادة " ~~يخاف على صاحبها من ضعف العلم؛ وما يقترن بالعلم من العمل والوقوع في ~~الضلال كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ضعف العمل وضعف العلم الذي ~~يقترن بالعمل؛ لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها من هذا وهذا. قال تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} فإذا تفقه السالك وتعلم الأمر والنهي بحسب ~~اجتهاده وكان علمه وإرادته بحسب ذاك فهذا مستطاعه. وإذا أدى الطالب ما أمر ~~به وترك ما نهي عنه وكان علمه مطابقا لعمله فهذا مستطاعه. # PageV10P489 # فصل: # قال " الشيخ عبد القادر " قدس الله روحه: " افن عن الخلق بحكم الله وعن ~~هواك بأمره وعن إرادتك بفعله لحينئذ يصلح أن تكون وعاء لعلم الله ". قلت: ~~فحكمه يتناول خلقه وأمره أي: افن عن عبادة الخلق والتوكل عليهم بعبادة الله ~~والتوكل عليه فلا تطعهم في معصية الله تعالى ولا تتعلق بهم في جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة. وأما الفناء عن الهوى بالأمر وعن الإرادة بالفعل بأن يكون ~~فعله موافقا للأمر الشرعي لا لهواه وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة لفعل ~~الله لا لإرادة نفسه. فالإرادة تارة تتعلق بفعل نفسه وتارة بالمخلوقات. ~~فالأول " يكون بالأمر و " الثاني " لا تكون له إرادة. ولا بد في هذا أن ~~يقيد بأن لا تكون له إرادة لم يؤمر بها وإلا فإذا أمر بأن يريد من ~~المقدورات شيئا دون شيء فليرد ما أمر بإرادته سواء كان موافقا للقدر أم لا. ms3213 ~~وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السالكين # PageV10P490 # والغالب على الصادقين منهم أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية في ذلك المعين ~~وهم ليس لهم إرادة نفسانية فتركوا إرادتهم لغير المقدور. قال الشيخ: " ~~فعلامة فنائك عن خلق الله انقطاعك عنهم، وعن التردد إليهم، واليأس مما في ~~أيديهم ". وهو كما قال. فإذا كان القلب لا يرجوهم ولا يخافهم لم يتردد ~~إليهم لطلب شيء منهم وهذا يشبه بما يكون مأمورا به من المشي إليهم لأمرهم ~~بما أمر الله به ونهيهم عما نهاهم الله عنه كذهاب الرسل وأتباع الرسل إلى ~~من يبلغون رسالات الله فإن التوكل إنما يصح مع القيام بما أمر به العبد. ~~ليكون عابدا لله متوكلا عليه وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما أمر به؛ فقد ~~يكون ما أضاعه من الأمر أولى به مما قام به من التوكل أو مثله أو دونه كما ~~أن من قام بأمر ولم يتوكل عليه ولم يستعن به فلم يقم بالواجب؛ بل قد يكون ~~ما تركه من التوكل والاستعانة أولى به مما فعله من الأمر أو مثله أو دونه. ~~قال الشيخ: " وعلامة فنائك عنك وعن هواك: ترك التكسب، والتعلق بالسبب في ~~جلب النفع، ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك، ولا تعتمد عليك لك ولا تنصر نفسك ~~ولا تذب عنك لكن تكل ذلك كله # PageV10P491 # إلى من تولاه أولا فيتولاه آخرا. كما كان ذلك موكولا إليه في حال كونك ~~مغيبا في الرحم وكونك رضيعا طفلا في مهدك ". قلت: وهذا لأن النفس تهوى وجود ~~ما تحبه وينفعها، ودفع ما تبغضه ويضرها فإذا فني عن ذاك بالأمر فعل ما يحبه ~~الله، وترك ما يبغضه الله فاعتاض بفعل محبوب الله عن محبوبه وبترك ما يبغضه ~~الله عما يبغضه، وحينئذ فالنفس لا بد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة فيكون ~~في ذلك متوكلا على الله. و " الشيخ رحمه الله " ذكر هنا التوكل دون الطاعة؛ ~~لأن النفس لا بد لها من جلب المنفعة، ودفع المضرة فإن لم تكن متوكلة على ~~الله في ذلك واثقة ms3214 به لم يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقا؛ بل لا ~~بد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة فلا تصح العبادة لله، وطاعة ~~أمره بدون التوكل عليه كما أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته. قال ~~تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} ~~{ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقال تعالى: {واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا} . و (المقصود) أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون # PageV10P492 # التوكل والاستعانة ومن كان واثقا بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما ~~يضره أمكن أن يدع هواه ويطيع أمره وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول إنه ~~محتاج فيه إلى غيره. قال الشيخ - رضي الله عنه -: " و ### | علامة فناء إرادتك # بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط فلا يكن لك غرض ولا تقف لك حاجة ولا ~~مرام؛ لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة ~~الله تعالى وفعله، ساكن الجوارح، مطمئن الجنان، مشروح الصدر، منور الوجه، ~~عامر الباطن، غنيا عن الأشياء بخالقها تقلبك يد القدرة، ويدعوك لسان الأزل، ~~ويعلمك رب الملك ويكسوك نورا منه والحلل، وينزلك منازل من سلف من أولي ~~العلم الأول فتكون منكسرا أبدا. فلا تثبت فيك شهوة ولا إرادة: كالإناء ~~المتثلم - الذي لا يثبت فيه مائع ولا كدر فتفنى عن أخلاق البشرية فلن يقبل ~~باطنك ساكنا غير إرادة الله فحينئذ يضاف إليك التكوين، وخرق العادات فيرى ~~ذلك منك في ظاهر العقل والحكم وهو فعل الله تبارك وتعالى حقا في العلم ~~فتدخل حينئذ في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية وأزيلت ~~شهواتهم الطبيعية واستوثقت لهم إرادات ربانية وشهوات إضافية. كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {حبب إلي من # PageV10P493 # دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة} " فأضيف ذلك إليه بعد ~~أن خرج منه وزال عنه تحقيقا لما ms3215 أشرت إليه وتقدم، قال الله تعالى: " {أنا ~~عند المنكسرة قلوبهم من أجلي} " وساق كلامه. وفيه: " {ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل} " الحديث. قلت: هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد ~~القادر - رضي الله عنه - وحقيقته أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورا ~~بإرادته فقوله: علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط. أي لا ~~تريد مرادا لم تؤمر بإرادته فأما ما أمرك الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته ~~إما واجب وإما مستحب وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص. وهذا الموضع يلتبس ~~على كثير من السالكين فيظنون أن الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلا ~~وأن قول أبي يزيد: " أريد ألا أريد " - لما قيل له: ماذا تريد؟ - نقص ~~وتناقض؛ لأنه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ~~ترك الإرادة مطلقا وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين وإن كان من الشيوخ ~~من يأمر بترك الإرادة مطلقا فإن هذا غلط ممن قاله فإن ذلك ليس بمقدور ولا ~~مأمور # PageV10P494 # فإن الحي لا بد له من إرادة فلا يمكن حيا ألا تكون له إرادة فإن الإرادة ~~التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا ~~كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركا لما ~~هو خير له. والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه " الإرادة " فقال ~~تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} وقال ~~تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} وقال ~~تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} وقال تعالى: ~~{وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما} وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا} وقال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله الدين ~~الخالص} وقال تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} وقال تعالى: {واعبدوا ~~الله ولا ms3216 تشركوا به شيئا} وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~. # ولا عبادة إلا بإرادة الله ولما أمر به. وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن} أي أخلص قصده لله. وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} وإخلاص الدين له # PageV10P495 # هو إرادته وحده بالعبادة. وقال تعالى: {يحبهم ويحبونه} وقال تعالى: ~~{والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} . وكل محب فهو مريد. وقال الخليل عليه السلام {لا أحب ~~الآفلين} ثم قال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} . ومثل هذا ~~كثير في القرآن؛ يأمر الله بإرادته وإرادة ما يأمر به وينهى عن إرادة غيره ~~وإرادة ما نهى عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه} " فهما " إرادتان ": إرادة يحبها الله ويرضاها وإرادة لا يحبها ~~الله ولا يرضاها بل إما نهى عنها وإما لم يأمر بها ولا ينهى عنها والناس في ~~الإرادة " ثلاثة أقسام ". قوم يريدون ما يهوونه فهؤلاء عبيد أنفسهم ~~والشيطان. وقوم يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد إلا ~~ما يقدره الرب وإن هذا المقام هو أكمل المقامات. ويزعمون أن من قام بهذا ~~فقد قام بالحقيقة وهي الحقيقة القدرية الكونية؛ وأنه # PageV10P496 # شهد القيومية العامة ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبية هو الغاية؛ ~~وقد يسمون هذا: الجمع والفناء والاصطلام ونحو ذلك. وكثير من الشيوخ زلقوا ~~في هذا الموضع. وفي " هذا المقام " كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين ~~طائفة من أصحابه الصوفية؛ فإنهم اتفقوا على شهود توحيد الربوبية وأن الله ~~خالق كل شيء وربه ومليكه وهو شهود القدر؛ وسموا هذا " مقام الجمع " فإنه ~~خرج به عن الفرق الأول وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة هذا، ورؤية فعل ~~هذا وترك هذا فإن الإنسان قبل ms3217 أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلا يتفرق به ~~قلبه في شهود أفعال المخلوقات؛ ويكون متبعا لهواه فيما يريده فإذا أراد ~~الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع ثم شهد أنه خالق كل شيء فخرج بشهود ~~هذا الجمع عن ذاك الفرق فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد " ~~الفرق الثاني " وهو بعد هذا الجمع وهو الفرق الشرعي. ألا ترى أنك تريد ما ~~أمرت به ولا تريد ما نهيت عنه وتشهد أن الله يستحق العبادة دون ما سواه وأن ~~عبادته هي بطاعة رسله فتفرق بين المأمور والمحظور وبين أوليائه وأعدائه، ~~وتشهد توحيد الألوهية فنازعوه في هذا " الفرق " # PageV10P497 # منهم من أنكره،ومنهم من لم يفهمه. ومنهم من ادعى أن المتكلم فيه لم يصل ~~إليه. ثم إنك تجد كثيرا من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع وهو " توحيد ~~الربوبية " والفناء فيه. كما في كلام صاحب " منازل السائرين " مع جلالة ~~قدره مع أنه قطعا كان قائما بالأمر والنهي المعروفين لكن قد يدعون أن هذا ~~لأجل العامة. و (منهم من يتناقض) . و (منهم من يقول: الوقوف مع الأمر لأجل ~~مصلحة العامة) وقد يعبر عنهم بأهل المارستان. و (منهم من يسمي ذلك مقام ~~التلبيس) . و (منهم من يقول: التحقيق أن يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق ~~على لسانك موجودا) فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع تفريقه بينهما. ~~و (منهم من يرى أن هذه هي الحقيقة التي هي منتهى سلوك # PageV10P498 # العارفين وغاية منازل الأولياء الصديقين) . و (منهم من يظن أن الوقوف مع ~~إرادة الأمر والنهي يكون في السلوك والبداية وأما في النهاية فلا تبقى إلا ~~إرادة القدر وهو في الحقيقة قول بسقوط العبادة والطاعة؛ فإن العبادة لله ~~والطاعة له ولرسوله إنما تكون في امتثال الأمر الشرعي لا في الجري مع ~~المقدور وإن كان كفرا أو فسوقا أو عصيانا ومن هنا صار كثير من السالكين من ~~أعوان الكفار والفجار وخفرائهم حيث شهدوا القدر معهم؛ ولم يشهدوا الأمر ~~والنهي الشرعيين. ومن هؤلاء من يقول: من شهد القدر سقط ms3218 عنه الملام. ويقولون ~~إن الخضر إنما سقط عنه الملام لما شهد القدر. وأصحاب شهود القدر قد يؤتى ~~أحدهم ملكا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف فيظن ذلك كمالا في الولاية؛ ~~وتكون تلك " الخوارق " إنما حصلت بأسباب شيطانية وأهواء نفسانية؛ وإنما ~~الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة الأمر والنهي الشرعيين ~~مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور فإذا حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي ~~مذمومة وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن استعملت ليتوصل بها إلى محرم كانت ~~مذمومة وإن توصل بها إلى مباح # PageV10P499 # لا يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين وأما إن حصلت بالسبب ~~الشرعي واستعين بها على فعل الأمر الشرعي: فهذه خوارق المقربين السابقين. ~~فلا بد أن ينظر في " الخوارق " في أسبابها وغاياتها: من أين حصلت وإلى ماذا ~~أوصلت - كما ينظر في الأموال في مستخرجها ومصروفها - ومن استعملها - أعني ~~الخوارق - في إرادته الطبيعية كان مذموما ومن كان خاليا عن الإرادتين ~~الطبيعية والشرعية فهذا حسبه أن يعفى عنه لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية. ~~وأما إن عرفها وأعرض عنها فإنه يكون مذموما مستحقا للعقاب إن لم يعف عنه ~~وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه؛ لكن يجب مع ذلك أن تكون موافقة لأمر الله ~~تعالى ورسوله لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من هذا مع أنه لا يمكن خلوه ~~عن الإرادة مطلقا بل لا بد له من إرادة فإن لم يرد ما يحبه الله ورسوله ~~أراد ما لا يحبه الله ورسوله؛ لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه بقي ~~مريدا لما يظن أنه مأمور به فيكون ضالا. فإن هذا يشبه حال الضالين من ~~النصارى. وقد قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم # PageV10P500 # ولا الضالين} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {اليهود مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون} ". فاليهود لهم إرادات فاسدة منهي عنها كما أخبر عنهم: ~~بأنهم عصوا وكانوا يعتدون. وهم يعرفون الحق ولا يعملون به فلهم علم لكن ليس ~~لهم عمل بالعلم وهم ms3219 في الإرادة المذمومة المحرمة يتبعون أهواءهم ليسوا في ~~الإرادة المحمودة المأمور بها وهي إرادة ما يحبه الله ورسوله. والنصارى لهم ~~قصد وعبادة وزهد لكنهم ضلال يعملون بغير علم فلا يعرفون الإرادة التي يحبها ~~الله ورسوله بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات فلا يبقى مريدا لما أمر ~~الله به ورسوله كما لا يريد كثيرا مما نهى الله عنه ورسوله وهؤلاء ضالون عن ~~مقصودهم فإن مقصودهم إنما هو في طاعة الله ورسوله ولهذا كانوا ملعونين: أي ~~بعيدين عن الرحمة التي تنال بطاعة الله عز وجل. و " العالم الفاجر " يشبه ~~اليهود. و " العابد الجاهل " يشبه النصارى. ومن أهل العلم من فيه شيء من ~~الأول ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثاني. # PageV10P501 # وهذا الموضع تفرق فيه بنو آدم وتباينوا تباينا عظيما لا يحيط به إلا ~~الله. ففيهم من لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه وهو خير البرية. ومنهم من ~~هو شر البرية وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين: إبراهيم ومحمد - صلى الله ~~عليهما وسلم - ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الأولين والآخرين، وخاتم النبيين ~~وإمامهم إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا وهو المعروج به إلى ما فوق ~~الأنبياء كلهم - إبراهيم وموسى وغيرهما. # وأفضل الأنبياء بعده " إبراهيم " كما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {أن إبراهيم خير البرية} " وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبة الجمعة: خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم} ". وكذلك كان عبد الله ~~بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس كما رواه البخاري في صحيحه. وقد ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " {ما ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل ~~الله وما نيل منه قط شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت ~~محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم ms3220 لله} ". # PageV10P502 # {وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف ~~قط وما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ وكان ~~بعض أهله إذا عنفني على شيء قال: دعوه فلو قضي شيء لكان} ". ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق وسيد ولد آدم وله الوسيلة في المقامات كلها ~~ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئا ولا أنه يريد كل واقع كما أنه لم يكن حاله ~~أنه يتبع الهوى بل هو منزه عن هذا وهذا قال الله تعالى: {وما ينطق عن ~~الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} ~~وقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} وقال: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا} . والمراد بعبده عابده المطيع لأمره؛ وإلا فجميع المخلوقين ~~عباد بمعنى أنهم معبدون مخلوقون مدبرون. وقد قال الله لنبيه: {واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين} قال الحسن البصري لم يجعل الله لعمل المؤمن أجلا دون ~~الموت وقد قال الله تعالى له: {وإنك لعلى خلق عظيم} قال ابن عباس ومن وافقه ~~كابن عيينة وأحمد بن حنبل: على دين عظيم. و " الدين " فعل ما أمر به. وقالت ~~عائشة: {كان خلقه القرآن} " رواه مسلم. وقد أخبرت أنه لم يكن يعاقب لنفسه ~~ولا ينتقم لنفسه لكن يعاقب لله # PageV10P503 # وينتقم لله وكذلك أخبر أنس أنه كان يعفو عن حظوظه وأما حدود الله فقد ~~قال: " {والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} " أخرجاه ~~في الصحيحين. وهذا هو كمال الإرادة؛ فإنه أراد ما يحبه الله ويرضاه من ~~الإيمان والعمل الصالح وأمر بذلك وكره ما يبغضه الله من الكفر والفسوق ~~والعصيان ونهى عن ذلك كما وصفه الله تعالى بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم ms3221 عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . وأما لحظ نفسه فلم يكن ~~يعاقب ولا ينتقم بل يستوفي حق ربه، ويعفو عن حظ نفسه وفي حظ نفسه ينظر إلى ~~القدر. فيقول: " {لو قضي شيء لكان} " وفي حق الله يقوم بالأمر فيفعل ما أمر ~~الله به ويجاهد في سبيل الله أكمل الجهاد الممكن فجاهدهم أولا بلسانه ~~بالقرآن الذي أنزل عليه كما قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} ~~{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} . ثم لما # PageV10P504 # هاجر إلى المدينة وأذن له في القتال جاهدهم بيده. وهذا مطابق لما أخرجاه ~~في الصحيحين عن أبي هريرة وهو معروف أيضا من حديث عمر بن الخطاب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث احتجاج آدم وموسى لما لام موسى آدم لكونه أخرج ~~نفسه وذريته من الجنة بالذنب الذي فعله فأجابه آدم بأن هذا كان مكتوبا علي ~~قبل أن أخلق بمدة طويلة قال النبي صلى الله عليه وسلم " {فحج آدم موسى} " ~~وذلك لأن ملام موسى لآدم لم يكن لحق الله وإنما كان لما لحقه وغيره من ~~الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل فذكر له آدم أن هذا كان أمرا مقدرا لا ~~بد من كونه والمصائب التي تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر؛ فإن هذا هو الذي ~~ينفعهم. وأما لومهم لمن كان سببا فيها فلا فائدة لهم في ذلك وكذلك ما فاتهم ~~من الأمور التي تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر وأما التأسف والحزن ~~فلا فائدة فيه فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم أو حصول مضرة لهم ~~فلينظروا في ذلك إلى القدر وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة ~~من المعاصي والإصلاح في المستقبل. فإن هذا الأمر ينفعهم وهو مقدور لهم ~~بمعونة الله لهم. # PageV10P505 # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ms3222 الضعيف وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان ~~كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان} " أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بحرص العبد على ما ينفعه والاستعانة بالله ونهاه ~~عن العجز وأنفع ما للعبد طاعة الله ورسوله وهي عبادة الله تعالى. وهذان ~~الأصلان هما حقيقة قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} ونهاه عن العجز وهو ~~الإضاعة والتفريط والتواني. كما قال في الحديث الآخر: " {الكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني} " ~~رواه الترمذي. وفي سنن أبي داود: " {أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقضى على أحدهما. فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا ~~غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل} " فالكيس ضد العجز. وفي الحديث: " ~~{كل شيء بقدر حتى العجز والكيس} " رواه مسلم. وليس المراد بالعجز في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يضاد # PageV10P506 # القدرة؛ فإن من لا قدرة له بحال لا يلام ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال. ~~ثم لما أمره بالاجتهاد والاستعانة بالله ونهاه عن العجز أمره إذا غلبه أمر ~~أن ينظر إلى القدر، ويقول: قدر الله وما شاء فعل ولا يتحسر ويتلهف ويحزن. ~~ويقول: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان. وقد ~~قال بعض الناس في هذا المعنى: الأمر أمران: أمر فيه حيلة وأمر لا حيلة فيه. ~~فما فيه حيلة لا يعجز عنه وما لا حيلة فيه لا يجزع منه. وهذا هو الذي يذكره ~~أئمة الدين. كما ذكر (الشيخ عبد القادر وغيره. فإنه لا بد من فعل المأمور ~~وترك المحظور والرضا والصبر على المقدور. وقد قال تعالى حكاية عن يوسف: ~~{أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر ms3223 فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين} " فالتقوى " تتضمن فعل المأمور وترك المحظور. و " الصبر " ~~يتضمن الصبر على المقدور. وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} - إلى قوله - {وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا} فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر # PageV10P507 # المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين. وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فبين أنه ~~مع الصبر والتقوى يمدهم بالملائكة. وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم. ~~وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين، وأهل الكتاب لا بد أن يؤذوهم ~~بألسنتهم وأخبر أنهم إن يصبروا ويتقوا فإن ذلك من عزم الأمور. فالصبر ~~والتقوى يدفع شر العدو المظهر للعداوة المؤذين بألسنتهم والمؤذين بأيديهم ~~وشر العدو المبطن للعداوة. وهم المنافقون وهذا الذي كان خلق النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور. # فأما من أراد ما يحبه الله تارة وما لا يحبه تارة أو لم يرد لا هذا ولا ~~هذا فكلاهما دون خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن على واحد ~~منهما إثم كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة والغضب والانتقام ~~المباح كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين فهو وإن كان جائزا لا إثم فيه ~~فخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل منه. # PageV10P508 # وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة وإن كان يستعان بها على أمر مستحب ولم ~~يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو وإن كان الانتقام لله أرضى لله. ~~كما هو أيضا خلق بعض الأنبياء والصالحين فهذا وإن كان جائزا لا إثم فيه ~~فخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل منه. وهذا والذي قبله إذا كان ~~شريعة لنبي فلا عيب على نبي فيما شرع الله له. لكن قد فضل الله بعض ms3224 النبيين ~~على بعض، وفضل بعض الرسل على بعض، والشريعة التي بعث الله بها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أفضل الشرائع؛ إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الأنبياء والمرسلين وأمته خير أمة أخرجت للناس. قال أبو هريرة في قوله ~~تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في ~~الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد ~~لنفع الناس فهم خير الأمم للخلق. والخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم ~~لعياله، وأما غير الأنبياء فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتباعه لذلك النبي وأما ~~من كان من أهل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومنهاجه فإن كان ما تركه ~~واجبا عليه وما فعله محرما عليه كان مستحقا للذم والعقاب إلا أن يكون ~~متأولا مخطئا فالله قد وضع عن هذه الأمة # PageV10P509 # الخطأ والنسيان، وذنب أحدهم قد يعفو الله عنه بأسباب متعددة. ومن أسباب ~~هذا الانحراف أن من الناس من تغلب عليه " طريقة الزهد " في إرادة نفسه ~~فيزهد في موجب الشهوة والغضب كما يفعل ذلك من يفعله من عباد المشركين وأهل ~~الكتاب كالرهبان وأشباههم وهؤلاء يرون الجهاد نقصا لما فيه من قتل النفوس ~~وسبي الذرية وأخذ الأموال ويرون أن الله لم يجعل عمارة بيت المقدس على يد ~~داود لأنه جرى على يديه سفك الدماء. ومنهم من لا يرى ذبح شيء من الحيوان ~~كما عليه البراهمة ومنهم من لا يحرم ذلك لكنه هو يتقرب إلى الله بأنه لا ~~يذبح حيوانا ولا يأكل لحمه ولا ينكح النساء ويقول مادحه: فلان ما نكح ولا ~~ذبح. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء كما في الصحيحين عن أنس: ~~" {أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا ~~آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام ms3225 قالوا: كذا وكذا لكني أصلي ~~وأنام # PageV10P510 # وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} ". وقد ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} نزلت في ~~عثمان بن مظعون وطائفة معه كانوا قد عزموا على التبتل ونوع من الترهب، وفي ~~الصحيحين {عن سعد قال رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون ~~التبتل ولو أذن له لاختصينا} . و " الزهد " النافع المشروع الذي يحبه الله ~~ورسوله هو الزهد فيما لا ينفع في الآخرة فأما ما ينفع في الآخرة وما يستعان ~~به على ذلك فالزهد فيه زهد في نوع من عبادة الله وطاعته والزهد إنما يراد ~~لأنه زهد فيما يضر أو زهد فيما لا ينفع فأما الزهد في النافع فجهل وضلال ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجزن} ". والنافع للعبد هو عبادة الله وطاعته وطاعة رسوله وكلما صده عن ~~ذلك فإنه ضار لا نافع ثم الأنفع له أن تكون كل أعماله عبادة لله وطاعة له ~~وإن أدى الفرائض وفعل مباحا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ~~ينفعه ولا يضره. وكذلك " الورع " المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته وهو # PageV10P511 # ما يعلم تحريمه وما يشك في تحريمه وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله - مثل ~~محرم معين - مثل من يترك أخذ الشبهة ورعا مع حاجته إليها ويأخذ بدل ذلك ~~محرما بينا تحريمه أو يترك واجبا تركه أعظم فسادا من فعله مع الشبهة كمن ~~يكون على أبيه أو عليه ديون هو مطالب بها وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة ~~فيتورع عنها ويدع ذمته أو ذمة أبيه مرتهنة. وكذلك من " الورع " الاحتياط ~~بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه. وتمام " الورع " أن يعم الإنسان ~~خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من ms3226 ~~المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات. ويرى ذلك ~~من الورع كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعا ويدع الجمعة ~~والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع ويمتنع عن ~~قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك ~~قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع. # PageV10P512 # وكذلك " الزهد والرغبة " من لم يراع ما يحبه الله ورسوله من الرغبة ~~والزهد وما يكرهه من ذلك؛ وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرمات مثل من يدع ما ~~يحتاج إليه من الأكل أو أكل الدسم حتى يفسد عقله أو تضعف قوته عما يجب عليه ~~من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده أو يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والجهاد في سبيل الله لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم حتى ~~يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة الراجحة في ~~ذلك. وقد قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ~~وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل} . يقول سبحانه وتعالى: وإن كان قتل النفوس فيه شر ~~فالفتنة الحاصلة بالكفر، وظهور أهله أعظم من ذلك فيدفع أعظم الفسادين ~~بالتزام أدناهما. وكذلك الذي يدع ذبح الحيوان أو يرى أن في ذبحه ظلما له هو ~~جاهل فإن هذا الحيوان لا بد أن يموت فإذا قتل لمنفعة الآدميين # PageV10P513 # وحاجتهم كان خيرا من أن يموت موتا لا ينتفع به أحد والآدمي أكمل منه ولا ~~تتم مصلحته إلا باستعمال الحيوان في الأكل والركوب ونحو ذلك؛ لكن ما لا ~~يحتاج إليه من تعذيبه نهى الله عنه كصبر البهائم وذبحها في غير الحلق ~~واللبة مع القدرة على ذلك وأوجب الله الإحسان بحسب الإمكان فيما أباحه من ~~القتل والذبح. كما في صحيح مسلم عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {إن الله كتب الإحسان على ms3227 كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا ~~القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته} ". ~~وهؤلاء الذين زهدوا في " الإرادات " حتى فيما يحبه الله ورسوله من الإرادات ~~بإزائهم " طائفتان ": (طائفة رغبت فيما كره الله ورسوله والرغبة فيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان. و (طائفة رغبت فيما أمر الله ورسوله لكن لهوى ~~أنفسهم لا لعبادة الله تعالى وهؤلاء الذين يأتون بصور الطاعات مع فساد ~~النيات كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه قيل له: يا ~~رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل ~~الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا # PageV10P514 # فهو في سبيل الله} ". قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا} وهؤلاء أهل إرادات فاسدة مذمومة فهم مع تركهم الواجب فعلوا المحرم. ~~وهم يشبهون اليهود كما يشبه أولئك النصارى. قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة ~~أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت ~~عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} . وقال تعالى: {واتل عليهم ~~نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} {ولو ~~شئنا لرفعناه بها} إلى قوله: {واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم ~~يتفكرون} فهؤلاء يتبعون أهواءهم غيا مع العلم بالحق وأولئك يتبعون أهواءهم ~~مع الضلال والجهل بالحق. كما قال تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} # PageV10P515 # وكلا الطائفتين تاركة ما أمر الله ورسوله به من الإرادات والأعمال ~~الصالحة مرتكبة لما نهى الله ورسوله ms3228 عنه من الإرادات والأعمال الفاسدة. # فصل: # فأمر الشيخ عبد القادر وشيخه حماد الدباس وغيرهما من المشايخ أهل ~~الاستقامة - رضي الله عنهم -: بأنه لا يريد السالك مرادا قط وأنه لا يريد ~~مع إرادة الله عز وجل سواها بل يجري فعله فيه فيكون هو مراد الحق. إنما ~~قصدوا به فيما لم يعلم العبد أمر الله ورسوله فيه فأما ما علم أن الله أمر ~~به فعليه أن يريده ويعمل به وقد صرحوا بذلك في غير موضع. وإن كان غيرهم من ~~الغالطين يرى القيام بالإرادة الخلقية هو الكمال وهو " الفناء في توحيد ~~الربوبية " وأن السلوك إذا انتهى إلى هذا الحد فصاحبه إذا قام بالأمر فلأجل ~~غيره أو أنه لا يحتاج أن يقوم بالأمر فتلك أقوال وطرائق فاسدة قد تكلم ~~عليها في غير هذا الموضع. فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف: ~~مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف # PageV10P516 # الكرخي والسري السقطي والجنيد بن محمد وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ ~~عبد القادر والشيخ حماد والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين. فهم لا ~~يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي ~~الشرعيين بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت وهذا هو الحق ~~الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف. وهذا كثير في كلامهم: كقول الشيخ ~~عبد القادر في كتاب (فتوح الغيب: " اخرج من نفسك وتنح عنها وانعزل عن ملكك. ~~وسلم الكل إلى الله - تبارك وتعالى - وكن بوابه على باب قلبك، وامتثل أمره ~~- تبارك وتعالى - في إدخال من يأمرك بإدخاله وانته نهيه في صد من يأمرك ~~بصده. فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه وإخراج الهوى من القلب بمخالفته، ~~وترك متابعته في الأحوال كلها وإدخاله في القلب بمتابعته وموافقته فلا ترد ~~إرادة غير إرادته - تبارك وتعالى - وغير ذلك منك غير وهو وادي الحمقى وفيه ~~حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه - تبارك وتعالى - وحجابك عنه. احفظ أبدا أمره ~~وانته أبدا نهيه وسلم إليه أبدا ms3229 مقدوره ولا تشركه بشيء من خلقه فإرادتك ~~وهواك وشهواتك خلقه فلا ترد ولا تهوى ولا تشته لئلا يكون شركا. قال الله ~~تعالى: {فمن كان # PageV10P517 # يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ليس الشرك ~~عبادة الأصنام فحسب؛ بل هو أيضا متابعتك لهواك وأن تختار مع ربك شيئا سواه ~~من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها فما سواه - تبارك وتعالى - غيره فإذا ~~ركنت إلى غيره فقد أشركت به غيره فاحذر ولا تركن وخف ولا تأمن وفتش ولا ~~تغفل فتطمئن ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقاما ولا تدع شيئا من ذلك ". وقال ~~(الشيخ عبد القادر أيضا: " إنما هو الله ونفسك وأنت المخاطب والنفس ضد الله ~~وعدوته؛ والأشياء كلها تابعة لله فإذا وافقت الحق في مخالفة النفس وعداوتها ~~كنت خصما له على نفسك - إلى أن قال -: " فالعبادة " في مخالفتك نفسك وهواك ~~قال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} إلى أن قال: والحكاية ~~المشهورة عن أبي يزيد البسطامي - رحمه الله تعالى - لما رأى رب العزة في ~~المنام فقال له: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال قال أبو يزيد: ~~فانسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها. فإذا ثبت أن الخير كله في ~~معاداتها في الجملة في الأحوال كلها فإن # PageV10P518 # كنت في حال التقوى فخالف النفس بأن تخرج من إجرام الخلق وشبههم ومنتهم ~~والاتكال عليهم والثقة بهم والخوف منهم؛ والرجاء لهم والطمع فيما عندهم من ~~حطام الدنيا فلا ترج عطاءهم على طريق الهدية أو الزكاة أو الصدقة أو ~~الكفارة أو النذر فاقطع همك منهم من سائر الوجوه والأسباب فاخرج من الخلق ~~جدا واجعلهم كالباب يرد ويفتتح وكالشجرة يوجد فيها ثمرة تارة وتحيل أخرى كل ~~ذلك بفعل فاعل وتدبير مدبر، وهو الله تبارك وتعالى. فإذا صح لك هذا كنت ~~موحدا له - تبارك وتعالى - ولا تنس مع ذلك كسبهم لتتخلص من مذهب الجبرية ~~وأعتقد أن الأفعال لا تتم لهم دون الله - تبارك وتعالى - لكيلا تعبدهم ~~وتنسى الله تعالى ولا تقبل ms3230 فعلهم دون الله فتكفر وتكون قدريا. ولكن قل: هي ~~لله خلقا وللعباد كسبا. كما جاءت به الآثار لبيان موضع الجزاء من الثواب ~~والعقاب، وامتثل أمر الله فيهم وخلص قسمك منهم بأمره ولا تجاوزه فحكمه قائم ~~يحكم عليك وعليهم فلا تكن أنت الحاكم وكونك معهم قدر والقدر ظلمة فادخل في ~~الظلمة بالمصباح وهو " الحكم ": كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~لا تخرج عنهما. فإن خطر خاطر أو وجدت إلهاما فاعرضهما على الكتاب والسنة ~~فإن وجدت فيهما تحريم ذلك مثل أن تلهم بالزنا أو الربا أو مخالطة # PageV10P519 # أهل الفسوق والفجور وغير ذلك من المعاصي فادفعه عنك واهجره ولا تقبله ولا ~~تعمل به واقطع بأنه من الشيطان اللعين وإن وجدت فيهما إباحته كالشهوات ~~المباحة من الأكل والشرب واللبس والنكاح فاهجره أيضا ولا تقبله واعلم أنه ~~من إلهام النفس وشهواتها وقد أمرت بمخالفتها وعداوتها ". قلت: ومراده بهجر ~~المباح إذا لم يكن مأمورا به كما قد بين مراده في غير هذا الموضع. فإن ~~المباح المأمور به إذا فعله بحكم الأمر كان ذلك من أعظم نعمة الله عليه ~~وكان واجبا عليه وقد قدمت أنه يدعو إلى طريقة السابقين المقربين؛ لا يقف ~~عند طريقة الأبرار أصحاب اليمين. قال: " وإن لم تجد في الكتاب والسنة ~~تحريمه ولا إباحته بل هو أمر لا تعقله مثل أن يقال لك ائت موضع كذا وكذا ~~الق فلانا الصالح؛ ولا حاجة لك هناك ولا في الصالح؛ لاستغنائك عنه بما ~~أولاك الله تعالى من نعمه من العلم والمعرفة فتوقف في ذلك ولا تبادر إليه. ~~فتقول: هل هذا إلهام إلا من الحق فاعمل به؟ بل انتظر الخير في ذلك وفعل ~~الحق بأن يتكرر ذلك الإلهام، وتؤمر بالسعي أو علامة تظهر لأهل العلم بالله ~~تبارك وتعالى يفعلها العقلاء من أولياء الله والمؤيدون من الأبدال. وإنما ~~لم تبادر إلى ذلك لأنك لا تعلم عاقبته وما يؤول الأمر إليه وربما # PageV10P520 # كان فيه فتنة وهلاك ومكر من الله وامتحان فاصبر حتى يكون عز وجل هو ~~الفاعل فيك ms3231 فإذا تجرد الفعل وحملت إلى هناك واستقبلتك فتنة كنت محمولا ~~محفوظا فيها؛ لأن الله تعالى لا يعاقبك على فعله وإنما تتطرق العقوبات نحوك ~~لكونك في الشيء ". قلت: فقد أمر - رضي الله عنه - بأن ما كان محظورا في ~~الشرع يجب تركه ولا بد وما كان معلوما أنه مباح بعينه لكونه يفعل بحكم ~~الهوى لا بأمر الشارع فيترك أيضا وأما ما لم يعلم هل هو بعينه مباح لا مضرة ~~فيه أو فيه مضرة مثل السفر إلى مكان معين أو شخص معين والذهاب إلى مكان ~~معين أو شخص معين فإن جنس هذا العمل ليس محرما ولا كل أفراده مباحة؛ بل ~~يحرم على الإنسان أن يذهب إلى حيث يحصل له ضرر في دينه فأمره بالكف عن ~~الذهاب حتى يظهر أو يتبين له في الباطن أن هذا مصلحة؛ لأنه إذا لم يتبين له ~~أن الذهاب واجب أو مستحب لم ينبغ له فعله وإذا خاف الضرر ينبغي له تركه ~~فإذا أكره على الذهاب لم يكن عليه حرج فلا يؤاخذ بالفعل. بخلاف ما إذا فعله ~~باختياره أو شهوته؛ وإذ تبين له أنه مصلحة راجحة كان حسنا. وقد جاءت شواهد ~~السنة: بأن ### | من ابتلي بغير تعرض منه أعين، ومن تعرض للبلاء خيف عليه. # مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " {لا تسأل الإمارة ~~فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها # PageV10P521 # عن غير مسألة أعنت عليها} " ومنه قوله: " {لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا ~~الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا} ". وفي السنن " {من سأل القضاء ~~واستعان عليه بالشفعاء وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه أنزل ~~الله عليه ملكا يسدده} - وفي رواية - وإن أكره عليه " وفي الصحيحين أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال في الطاعون: " {إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه؛ ~~وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه} " وعنه أنه صلى الله عليه ~~وسلم " {نهى عن النذر} " ومنه قوله: " {ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان ~~قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ms3232 أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. ~~وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} ". # فصل: # قال الشيخ عبد القادر: " وإن كنت في حال الحقيقة وهي حال الولاية: فخالف ~~هواك، واتبع الأمر في الجملة واتباع الأمر على " قسمين ": (أحدهما) : أن ~~تأخذ من الدنيا القوت الذي هو حق النفس وتترك الحظ، وتؤدي الفرض وتشتغل ~~بترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن. # PageV10P522 # والقسم الثاني: ما كان بأمر باطن وهو أمر الحق تبارك وتعالى يأمر عبده ~~وينهاه وإنما يتحقق هذا الأمر في المباح الذي ليس حكما في الشرع على معنى ~~أنه ليس من قبيل النهي ولا من قبيل الأمر الواجب بل هو مهمل ترك العبد ~~يتصرف فيه باختياره فسمي مباحا فلا يحدث العبد فيه شيئا من عنده بل ينتظر ~~الأمر فيه فإذا أمر امتثل فيصير جميع حركاته وسكناته بالله تعالى ما في ~~الشرع حكمه فبالشرع وما ليس له حكم في الشرع فبالأمر الباطن فحينئذ يصير ~~محققا من أهل الحقيقة وما ليس فيه أمر باطن فهو مجرد الفعل حالة التسليم. ~~وإن كنت في حالة حق الحق وهي حالة المحق، والفناء حالة الأبدال المنكسري ~~القلوب؛ لأجل الحق الموحدين العارفين أرباب العلوم، والفعل السادة الأمراء ~~السخي الخفراء للحق خلفاء الرحمن وأجلائه وأعيانه وأحبابه عليهم السلام ~~فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة وأن لا تكون لك ~~إرادة وهمة في شيء ألبتة دنيا وأخرى، عبد الملك لا عبد الملك، وعبد الأمر ~~لا عبد الهوى كالطفل مع الظئر والميت الغسيل مع الغاسل والمريض المغلوب على ~~حسه مع الطبيب فيما سوى الأمر والنهي. وقال أيضا: " اتبع الشرع في جميع ما ~~ينزل بك إن كنت في # PageV10P523 # حال التقوى التي هي القدم الأولى، واتبع الأمر في حالة الولاية ووجود ~~الهوى ولا تتجاوزه وهي القدم الثانية، وارض بالفعل ووافق وافن في حالة ~~البدلية والعينية والصديقية وهي المنتهى. تنح عن الطريق القذر خل عن سبيله ~~رد نفسك وهواك كف لسانك عن الشكوى فإذا فعلت ذلك إن كان خيرا زادك المولى ~~طيبة ولذة وسرورا، ms3233 وإن كان شرا حفظك في طاعته فيه وأزال عنك الملامة وأقعدك ~~فيه حتى يتجاوز ويريحك عند انقضاء أجله كما ينقضي الليل فيسفر عن النهار، ~~والبرد في الشتاء فيسفر عن الصيف ذلك النموذج عندك فاعتبر به. ثم ذنوب ~~وآثام وإجرام وتلويث بأنواع المعاصي والخطايا ولا يصلح لمجالسة الكريم إلا ~~طاهر عن أنجاس الذنوب والزلات، ولا يقبل على شدته إلا طيب من دون الدعوى ~~والهواشات كما لا يصلح لمجالسة الملوك إلا الطاهر من الأنجاس وأنواع النتن ~~والأوساخ فالبلايا مكفرات. قال النبي صلى الله عليه وسلم " {حمى يوم كفارة ~~سنة} ". قلت: فقد بين الشيخ عبد القادر - رضي الله عنه - أن لزوم الأمر ~~والنهي لا بد منه في كل مقام، وذكر الأحوال الثلاث التي جعلها: حال صاحب ~~التقوى وحال الحقيقة، وحال حق الحق وقد فسر مقصوده بأنه لا بد للعبد في كل ~~حال من أن يريد فعل ما أمر به # PageV10P524 # في الشرع، وترك ما نهي عنه في الشرع وأنه إذا أمر العبد بترك إرادته فهو ~~فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه وهذا حق. فإنه لم يؤمر به فتكون له إرادة في ~~وجوده ولا نهي عنه فتكون له إرادة في عدمه فيخلو في مثل هذا عن إرادة ~~النقيضين. وقد بين أن صاحب الحقيقة عليه أن يلزم الأمر دائما الأمر الشرعي ~~الظاهر إن عرفه أو الأمر الباطن، وبين أن الأمر الباطن إنما يكون فيما ليس ~~بواجب في الشرع ولا محرم وأن مثل هذا ينتظر فيه الأمر الخاص حتى يفعله بحكم ~~الأمر. فإن قلت: فما الفرق بين هذا وبين صاحب التقوى الذي قبله؟ وصاحب الحق ~~الذي بعده؟ . قيل: أما الذي بعده الذين سماهم " الأبدال " فهم الذين لا ~~يفعلون إلا بأمر الحق، ولا يفعلون إلا به فلا يشهدون لأنفسهم فعلا فيما ~~فعلوه من الطاعة؛ بل يشهدون أنه هو الفاعل بهم ما قام بهم من طاعة أمره. ~~ولهذا قال: فاتباع الأمر فيها مخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة. ~~فهؤلاء يشهدون توحيد الربوبية مع توحيد الإلهية فيشهدون # PageV10P525 # أن الله ms3234 هو الذي خلق ما قام بهم من أفعال البر والخير فلا يرون لأنفسهم ~~حمدا ولا منة على أحد، ويرون أن الله خالق أفعال العباد فلا يرون أحدا ~~مسيئا إليهم ولا يرون لهم حقا على أحد إذ قد شهدوا أن الله خالق كل شيء من ~~أفعال العباد وغيرها وهم يعلمون أن العباد لا يستحقون من أنفسهم ولا ~~بأنفسهم على الله شيئا بل هو الذي كتب على نفسه الرحمة ويشهدون أنه يستحق ~~أن يعبد ولا يشرك به شيء، وأنه يستحق أن يتقى حق تقاته، وحق تقاته أن يطاع ~~فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر فيرون أن ما قام بهم من العمل ~~الصالح فهو جوده وفضله وكرمه له الحمد في ذلك. ويشهدون: أنه لا حول ولا قوة ~~إلا بالله. وأما ما قام بالعباد من أذاهم فهو خلقه وهو من عدله، وما تركه ~~الناس من حقوقهم التي يستحقونها على الناس فهو الذي لم يخلقه وله الحمد على ~~كل حال على ما فعل وما لم يفعل. ولهذا كانوا منكسرة قلوبهم؛ لشهودهم وجوده ~~الكامل، وعدمهم المحض، ولا أعظم انكسارا ممن لم ير لنفسه إلا العدم لا يرى ~~له شيئا ولا يرى به شيئا. وصاحب الحقيقة الذي هو دون هذا قد شاركه في إخلاص ~~الدين لله وأنه لا يفعل إلا ما أمر به فلا يفعل إلا لله لكن قصر عنه في ~~شهود توحيد الربوبية ورؤيته وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله # PageV10P526 # وأنه ليس له في الحقيقة شيء. بل الرب هو الخالق الفاعل لكل ما قام به وأن ~~كمال هذا الشهود لا يبقي شيئا من العجب ولا الكبر ونحو ذلك. فكلاهما قائم ~~بالأمر مطيع لله لكن هذا يشهد أن الله هو الذي جعله مسلما مصليا وأنه في ~~الحقيقة لم يحدث شيئا، وذاك وإن كان يؤمن بهذا ويصدق به إذ كان مقرا بأن ~~الله خالق أفعال العباد؛ لكن قد لا يشهده شهودا يجعله فيه بمنزلة المعدوم. ~~وأيضا بينهما فرق من جهة ثانية: وهي أن الأول تكون ms3235 له إرادة وهمة في أمور ~~فيتركها فهو يميز في مراداته بينما يؤمر به وما ينهى عنه وما لا يؤمر به ~~ولا ينهى عنه؛ ولهذا لم يبق له مراد أصلا إلا ما أراده الرب إما أمرا به ~~فيمتثله هو بالله وإما فعلا فيه فيفعله الله به ولهذا شبهه بالطفل مع الظئر ~~في غير الأمر والنهي. وأما (الأول: الذي هو في مقام التقوى العامة فإن له ~~شهوات للمحرمات وله التفات إلى الخلق وله رؤية نفسه فيحتاج إلى المجاهدة ~~بالتقوى بأن يكف عن المحرمات وعن تناول الشهوات بغير الأمر فهذا يحتاج أن ~~يميز بين ما يفعله وما لا يفعله وهو التقوى وصاحب الحقيقة لم يبق له ما ~~يفعله إلا ما يؤمر به فقط فلا يفعل إلا ما أمر به في الشرع وما كان مباحا ~~لم يفعل إلا ما أمر به. # PageV10P527 # وأما (الثالث) : فقد تم شهوده في أنه لا يفعل إلا لله وبالله. فلا يفعل ~~إلا ما أمر الله به لله ويشهد أن الله هو الذي فعل ذلك في الحقيقة ولا تكون ~~له همة إرادة أن يفعل لنفسه ولا لغير الله ولا يفعل بنفسه ولا بغير الله ~~تعالى. و (الثلاثة) مشتركون في الطريق في أن كلا منهم لا يفعل إلا الطاعة ~~لكن يتفاوتون بكمال المعرفة والشهادة وبصفاء النية والإرادة. والله أعلم. # فإن قيل: كلام الشيخ كله يدور على أنه يتبع الأمر مهما أمكن معرفته باطنا ~~وظاهرا وما ليس فيه أمر باطنا ولا ظاهرا يكون فيه مسلما لفعل الرب بحيث لا ~~يكون له اختيار لا في هذا ولا في هذا بل إن عرف الأمر كان معه وإن لم يعرفه ~~كان مع القدر فهو مع أمر الرب إن عرف وإلا فمع خلقه فإنه سبحانه له الخلق ~~والأمر وهذا يقتضي أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ولا نهي فلا يكون لله فيه ~~حكم لا باستحباب ولا كراهة وقد صرح بذلك هو والشيخ حماد الدباس، وإن السالك ~~يصل إلى أمور لا يكون فيها حكم شرعي بأمر ولا ms3236 نهي بل يقف العبد مع القدر، ~~وهذا الموضع هو الذي يكون السالك فيه عندهم مع " الحقيقة القدرية " المحضة ~~إذ ليس هنا حقيقة شرعية. # PageV10P528 # وهذا مما ينازعهم فيه أهل العلم بالشريعة. ويقولون: " الفعل " إما أن ~~يكون بالنسبة إلى الشرع وجوده راجحا على عدمه وهو الواجب والمستحب. وإما أن ~~يكون عدمه راجحا على وجوده. وهو المحرم والمكروه. وإما أن يستوي الأمران ~~وهو المباح. وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق. ثم " الفعل المعين " الذي ~~يقال هو مباح إما أن تكون مصلحته راجحة للعبد لاستعانته به على طاعته ولحسن ~~نيته فهذا يصير أيضا محبوبا راجح الوجود بهذا الاعتبار وإما أن يكون مفوتا ~~للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذي يشغله عن مستحب فهذا عدمه خير له. ~~والسالك المتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين في ~~حقه مستوي الطرفين فإنه إذا لم يستعن به على طاعته كان تركه وفعل الطاعة ~~مكانه خيرا له وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح ~~مثله. فيقال: لا فرق بين هذا وهذا فهذا يصلح للأبرار أهل اليمين الذين ~~يتقربون إلى الله بالفرائض كأداء. الواجبات وترك المحرمات ويشتغلون مع ذلك ~~بمباحات. فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوي وجوده وعدمه في حقهم إذا ~~كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر ولا سبيل إلى أن تترك النفس فعلا إن # PageV10P529 # لم تشتغل بفعل آخر يضاد الأول؛ إذ لا تكون معطلة عن جميع الحركات ~~والسكنات. ومن هذا أنكر الكعبي " المباح " في الشريعة لأن كل مباح فهو ~~يشتغل به عن محرم، وترك المحرم واجب ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده وهذا ~~المباح ضده، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عنه أمر بضده إن لم يكن له ~~إلا ضد واحد وإلا فهو أمر بأحد أضداده فأي ضد تلبس به كان واجبا من باب ~~الواجب المخير. وسؤال الكعبي هذا أشكل على كثير من النظار فمنهم من اعترف ~~بالعجز عن جوابه: كأبي الحسن الآمدي، وقواه طائفة بناء على أن النهي عن ~~الشيء أمر ms3237 بضده كأبي المعالي ومنهم من قال: هذا فيما إذا كانت أضداده ~~محصورة فأما ما ليست أضداده محصورة فلا يكون النهي عنه أمرا بأحدهما كما ~~يفرق بين الواجب المطلق، والواجب المخير. فيقال في المخير: هو أمر بأحد ~~الثلاثة ويقال في المطلق هو أمر بالقدر المشترك. وجدنا أبو البركات يميل ~~إلى هذا. وقد ألزموا " الكعبي " إذا ترك الحرام بحرام آخر وهو قد يقول: ~~عليه ترك المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرم بل إما مباح وإما مستحب وإما ~~واجب. # PageV10P530 # و " تحقيق الأمر " أن قولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده. وأضداده والنهي ~~عنه أمر بضده أو بأحد أضداده من جنس قولنا ### | : الأمر بالشيء أمر بلوازمه # وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والنهي عن الشيء نهي عما لا يتم ~~اجتنابه إلا به. فإن وجود المأمور يستلزم وجود لوازمه وانتفاء أضداده، بل ~~وجود كل شيء هو كذلك يستلزم وجوده وانتفاء أضداده وعدم النهي عنه؛ بل وعدم ~~كل شيء يستلزم عدم ملزوماته وإذا كان لا يعدم إلا بضد يخلقه كالأكوان فلا ~~بد عند عدمه من وجود بعض أضداده فهذا حق في نفسه؛ لكن هذه اللوازم جاءت من ~~ضرورة الوجود وإن لم يكن مقصوده الأمر. والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصدا ~~وما يلزمه في الوجود. (فالأول) هو الذي يذم ويعاقب على تركه بخلاف (الثاني) ~~فإن من أمر بالحج أو الجمعة وكان مكانه بعيدا فعليه أن يسعى من المكان ~~البعيد، والقريب يسعى من المكان القريب فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور ~~به ومع هذا فإذا ترك هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة ~~القريب بل ذلك بالعكس أولى مع أن ثواب البعيد أعظم فلو كانت اللوازم مقصودة ~~للأمر لكان يعاقب بتركها فكأن يكون عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعا. ~~وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بد من ترك أضداده، لكن # PageV10P531 # ترك الأضداد هو من لوازم فعل المأمور به ليس مقصودا للأمر بحيث إنه إذا ~~ترك المأمور به عوقب على تركه لا على ms3238 فعل الأضداد التي اشتغل بها وكذلك ~~المنهي عنه مقصود الناهي عدمه؛ ليس مقصوده فعل شيء من أضداده وإذا تركه ~~متلبسا بضد له كان ذلك من ضرورة الترك. وعلى هذا إذا ترك حراما بحرام آخر ~~فإنه يعاقب على الثاني ولا يقال فعل واجبا وهو ترك الأول؛ لأن المقصود عدم ~~الأول، فالمباح الذي اشتغل به عن محرم لم يؤمر به ولا بامتثاله أمرا ~~مقصودا؛ لكن نهي عن الحرام ومن ضرورة ترك المنهي عنه الاشتغال بضد من ~~أضداده فذاك يقع لازما لترك المنهي عنه فليس هو الواجب المحدود بقولنا " ~~الواجب ما يذم تاركه ويعاقب تاركه " أو " يكون تركه سببا للذم والعقاب ". ~~فقولنا: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " أو " يجب التوصل إلى الواجب ~~بما ليس بواجب " يتضمن إيجاب اللوازم. والفرق ثابت بين الواجب " الأول " و ~~" الثاني ". فإن الأول يذم تاركه ويعاقب، والثاني واجب وقوعا أي لا يحصل ~~إلا به ويؤمر به أمرا بالوسائل ويثاب عليه لكن العقوبة ليست على تركه. # PageV10P532 # ومن هذا الباب إذا اشتبهت الميتة بالمذكى فإن المحرم الذي يعاقب على فعله ~~أحدهما بحيث إذا أكلهما جميعا لم يعاقب عقوبة من أكل ميتتين بل عقوبة من ~~أكل ميتة واحدة، والأخرى وجب تركها وجوب الوسائل. فقول من قال: كلاهما محرم ~~صحيح بهذا الاعتبار؛ وقول من قال: المحرم في نفس الأمر أحدهما صحيح أيضا ~~بذلك الاعتبار وهذا نظير قول من قال: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب. ~~وإنكار أبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي على من قال هذا ومن قال المحرم ~~أحدهما لا يناسب طريقة الفقهاء، وحاصله يرجع إلى " نزاع لفظي ". فإن الوجوب ~~والحرمة الثابتة لأحدهما ليست ثابتة للآخر بل نوع آخر حتى لو اشتبهت ~~مملوكته بأجنبية بالليل ووطئها يعتقد حل وطء إحداهما وتحريم وطء الأخرى كان ~~ولده من مملوكته ثابتا نسبه بخلاف الأخرى ولو قدرنا أنها اشتبهت بأجنبية ~~وتزوج إحداهما فحد مثلا ثم تزوج الأخرى لم يحد حدين مع أنه لا حد في ذلك ~~لجواز أن تكون المنكوحة هي الأجنبية. ms3239 وبهذا تنحل " شبهة الكعبي ". فإن ~~المحرم تركه مقصود، وأما الاشتغال بضد من أضداده فهو وسيلة؛ فإذا قيل ~~المباح واجب بمعنى وجوب الوسائل أي قد يتوسل به إلى فعل واجب وترك محرم ~~فهذا حق. # PageV10P533 # ثم إن هذا يعتبر فيه القصد؛ فإن كان الإنسان يقصد أن يشتغل بالمباح ليترك ~~المحرم مثل من يشتغل بالنظر إلى امرأته ووطئها ليدع بذلك النظر إلى ~~الأجنبية ووطئها أو يأكل طعاما حلالا ليشتغل به عن الطعام الحرام فهذا يثاب ~~على هذه النية والفعل؛ كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " {وفي ~~بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله؛ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر قال: ~~أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان عليه وزر فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون ~~بالحلال} " ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما ~~يكره أن تؤتى معصيته} " رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه. وقد يقال المباح ~~يصير واجبا بهذا الاعتبار وإن تعين طريقا صار واجبا معينا وإلا كان واجبا ~~مخيرا لكن مع هذا القصد إما مع الذهول عن ذلك فلا يكون واجبا أصلا إلا وجوب ~~الوسائل إلى الترك، وترك المحرم لا يشترط فيه القصد. فكذلك ما يتوسل به ~~إليه فإذا قيل هو مباح من جهة نفسه وأنه قد يجب وجوب المخيرات من جهة ~~الوسيلة لم يمنع ذلك. فالنزاع في هذا الباب نزاع لفظي اعتباري. وإلا ~~فالمعاني الصحيحة لا ينازع فيها من فهمها. # والمقصود هنا: أن الأبرار وأصحاب اليمين قد يشتغلون بمباح # PageV10P534 # عن مباح آخر فيكون كل من المباحين يستوي وجوده وعدمه في حقهم. أما ~~السابقون المقربون فهم إنما يستعملون المباحات إذا كانت طاعة لحسن القصد ~~فيها؛ والاستعانة على طاعة الله. وحينئذ فمباحاتهم طاعات وإذا كان كذلك لم ~~تكن الأفعال في حقهم إلا ما يترجح وجوده فيؤمرون به شرعا أمر استحباب أو ما ~~يترجح عدمه فالأفضل لهم ألا يفعلوه وإن لم يكن فيه إثم والشريعة قد بينت ~~أحكام الأفعال كلها فهذا " سؤال ". و " سؤال ثان " وهو ms3240 أنه إذا قدر أن من ~~الأفعال ما ليس فيه أمر ولا نهي كما في حق الأبرار فهذا الفعل لا يحمد ولا ~~يذم ولا يحب ولا يبغض ولا ينظر فيه إلا وجود القدر وعدمه؛ بل إن فعلوه لم ~~يحمدوا وإن لم يفعلوه لم يحمدوا، فلا يجعل مما يحمدون عليه أنهم يكونون في ~~هذا الفعل كالميت بين يدي الغاسل مع كون هذا الفعل صدر باختيارهم وإرادتهم. ~~إذ الكلام في ذلك. وأما غير " الأفعال الاختيارية ": وهو ما فعل بالإنسان ~~كما يحمل الإنسان وهو لا يستطيع الامتناع فهذا خارج عن التكليف مع أن العبد ~~مأمور في مثل هذا أن يحبه إن كان حسنة ويبغضه إن كان سيئة ويخلو عنهما إن ~~لم يكن حسنة ولا سيئة، فمن جعل الإنسان فيما يستعمله فيه القدر من الأفعال ~~الاختيارية - كالميت بين # PageV10P535 # يدي الغاسل - فقد رفع الأمر والنهي عنه في الأفعال الاختيارية وهذا باطل. ~~و " سؤال ثالث ": وهو أن حقيقة هذا القول طي بساط الأمر والنهي عن العبد في ~~هذه الأحوال مع كون أفعاله اختيارية، وهب أنه ليس له هوى فليس كل ما لا هوى ~~فيه يسقط عنه فيه الأمر والنهي بل عليه أن يحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ~~ما أبغضه الله ورسوله. قيل: هذه الأسئلة أسئلة صحيحة. وفصل الخطاب أن ~~السالك قد يخفى عليه الأمر والنهي بحيث لا يدري هل ذلك الفعل مأمور به شرعا ~~أو منهي عنه شرعا؛ فيبقى هواه لئلا يكون له هوى فيه ثم يسلم فيه للقدر، وهو ~~فعل الرب لعدم معرفته برضا الرب وأمره وحبه في ذلك الفعل. وهذا يعرض لكثير ~~من أئمة العباد وأئمة العلماء فإنه قد يكون عندهم أفعال وأقوال لا يعرفون ~~حكم الله الشرعي فيها بل قد تعارضت عندهم فيها الأدلة أو خفيت الأدلة ~~بالكلية فيكونون معذورين لخفاء الشرع عليهم وحكم الشرع إنما يثبت في حق ~~العبد إذا تمكن من # PageV10P536 # معرفته وأما ما لم يبلغه ولم يتمكن من معرفته فلا يطالب به وإنما عليه أن ~~يتقي الله ما استطاع. وهذا ms3241 خطأ في العلم وليس خطأ في العمل وهو كالمجتهد ~~المخطئ له أجر على قصده واجتهاده، وخطؤه مرفوع عنه. فإن قيل: فإذا كان ~~الأمر هكذا. فالواجب على العبد أن يتوقف في مثل هذه الحال إذا لم يتبين له ~~أن ذلك الفعل مأمور به أو منهي عنه وهو لا يريد أن يفعل شيئا لا مدح فيه ~~ولا ذم فيقف لا يستسلم للقدر ويصير محلا لما يستعمل فيه من الأفعال اللهم ~~إلا إذا فعل غيره فعلا فهو لا يمدحه ولا يذمه ولا يرضاه ولا يسخطه؛ إذا لم ~~يتبين له حكمه. فأما كونه هو من أفعاله الاختيارية يصير مستسلما لما ~~يستعمله القدر فيه: كالطفل مع الظئر والميت مع الغاسل فهذا مما لم يأمر ~~الله به ولا رسوله بل هذا محرم، وإن عفى عن صاحبه وحسب صاحبه أن يعفي عنه؛ ~~لاجتهاده وحسن قصده أما كونه يحمد على ذلك ويجعل هذا أفضل المقامات فليس ~~الأمر كذلك، وكونه مجردا عن هواه ليس مسوغا له أن يستسلم لكل ما يفعل به. ~~ثم يقال الأمور مع هذا نوعان: # PageV10P537 # أحدهما: أن يفعل به بغير اختياره كما يحمل الإنسان ولا يمكنه الامتناع، ~~وكما تضجع المرأة قهرا وتوطأ فهذا لا إثم فيه باتفاق العلماء. وإما أن يكره ~~بالإكراه الشرعي حتى يفعل، فهذا أيضا معفو عنه في الأفعال عند الجمهور، وهو ~~أصح الروايتين عن أحمد لقوله تعالى {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم} وأما إذا لم يكره الإكراه الشرعي فاستسلامه للفعل المطلق الذي ~~لا يعرف أخير هو أم شر؟ ليس هو مأمورا به وإن جرى على يده خرق عادة أو لم ~~يجر فليس هو مأمورا أن يفعل إلا ما هو خير عند الله ورسوله. قيل: هذا ~~السؤال صحيح وحقيقة الأمر أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام فيحسن ~~قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لربهم وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح إذا ~~استعملوا في أمورهم [ما] (1) لا يعرفون حكمه في الشرع رجوا أن يكون خيرا؛ ~~لأن معرفتهم بحكمه قد تعذرت عليهم ms3242 والإنسان غير عالم في كل حال بما هو ~~الأصلح له في دينه وبما هو أرضى لله ورسوله فيبقى حالهم حال المستخير لله ~~فيما لم يعلم عاقبته إذا قال: " {اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ~~وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر؛ وتعلم ولا أعلم؛ وأنت علام ~~الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني PageV10P538 # ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأصرفه عني واصرفني عنه واقدر ~~لي الخير حيث كان ثم رضني به} " فإذا استخار الله كان ما شرح له صدره وتيسر ~~له من الأمور هو الذي اختاره الله له. إذ لم يكن معه دليل شرعي على أن عين ~~هذا الفعل هو مأمور به في هذه الحال فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر ~~مطلق عام لا بعين كل فعل من كل فاعل إذ كان هذا ممتنعا؛ وإن كان ذلك المعين ~~يمكن إدراجه تحت بعض خطاب الشارع العام؛ إذا كانت الأفراد المعينة داخلة ~~تحت الأمر العام الكلي؛ لكن لا يقدر كل أحد على استحضار هذا ولا على ~~استحضار أنواع الخطاب ولهذا كان الفقهاء يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك ~~عليهم. ثم " القياس أيضا قد لا يحصل في كل واقعة فقد يخفى على الأئمة ~~المجتهدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان دخول الواقعة المعينة تحت خطاب ~~عام أو اعتبارها بنظير لها فلا يعرف لها أصل ولا نظير. هذا مع كثرة نظرهم ~~في خطاب الشارع ومعرفة معانيه ودلالته على الأحكام. فكيف من لم يكن كذلك # PageV10P539 # ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال والحرام؛ بل مقصوده أن هذا الفعل المعين ~~خير من هذا وهذا خير من هذا وأيهما أحب إلى الله في حقه في تلك الحال وهذا ~~باب واسع لا يحيط به إلا الله ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ينهى ~~عنه غيره ويؤمر في حال بما ينهى عنه في أخرى. فقالوا: ms3243 نحن نفعل الخير بحسب ~~الإمكان وهو فعل ما علمنا أنا أمرنا به ونترك أصل الشر وهو هوى النفس ونلجأ ~~إلى الله فيما سوى ذلك أن يوفقنا لما هو أحب إليه وأرضى له؛ فما استعملنا ~~فيه رجونا أن يكون من هذا الباب؛ ثم إن أصبنا فلنا أجران وإلا فلنا أجر ~~وخطؤنا محطوط عنا فهذا هذا. وحينئذ فمن قدر أنه علم المشروع وفعله فهو أفضل ~~من هذا؛ ولكن كثير ممن يعلم المشروع لا يفعله ولا يقصد أحب الأمور إلى ~~الله، وكثير منهم يفعله بشوب من الهوى فيبقى، هذا فعل المشروع بهوى، وهذا ~~ترك ما لم يعلم أنه مشروع بلا هوى. فهذا نقص في العلم، وذاك نقص في العمل؛ ~~إذ العمل بهوى النفس نقص في العمل ولو كان المفعول واجبا. فيقال: إن تاب ~~صاحب الهوى من هواه كان أرفع بعلمه وإن # PageV10P540 # لم يتب فله نصيب من عالم السوء؛ ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام ~~الحكمين في مثل هذا. فقال أحدهما لصاحبه: إنما مثلك مثل الكلب؛ إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث. وقال الآخر: أنت كالحمار يحمل أسفارا؛ فهذا أحسن ~~قصدا وأقوى علما. ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء اتباع ~~الهوى وحب الدنيا والرئاسة، وأهل العلم يعيبون على أولئك نقص علمهم بالشرع، ~~وعدولهم عن الأمر والنهي فهذا هذا. والله تعالى المسئول أن يهدينا إلى ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وقد قال بعض (أهل الفقه والزهد) : من الناس من ~~سلك " الشريعة " ومنهم من سلك " الحقيقة ". ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء؛ فإن ~~هؤلاء يرجحون بما ييسره الله مع حسن القصد واتباع الأمر والنهي المعلوم لهم ~~مع خفاء الأدلة الشرعية في ذلك المتيسر لهم وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية ~~من الظواهر والأقيسة وأخبار الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر ~~لهم. و (أيضا فهؤلاء) قد يشهدون ما في ذلك الفعل المقدر من # PageV10P541 # المصلحة والخير فيرجحونه بحكم الإيمان وإن لم يعرفوا دليلا من النص على ~~حسنه وأولئك ms3244 إنما يرجحون من النصوص وما استنبط منها. فهؤلاء لهم القرآن ~~وهؤلاء لهم الإيمان. وسبب هذا أن كلا من الطائفتين خفي عليه ما مع الأخرى ~~من الحق، وكل من الطائفتين في طريقها حق وباطل. # فأما المدعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر والنهي الشرعيين فهم ضالون؛ ~~كالذين يعرفون الأمر والنهي ولا يفعلون إلا ما يهوونه من الكبائر فإنهم ~~فساق. وهؤلاء الذين قيل فيهم: " احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ~~فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ". و " الحقيقة " قد تكون قدرية وقد تكون ذوقية ~~وقد تكون شرعية ولفظ " الشرع " يتناول المنزل والمؤول والمبدل. # والمقصود هنا ذكر أهل الاستقامة من الطائفتين، والكلام على حال أهل ~~العبادة والإرادة الذين خرجوا عن الهوى وهو الفرق الطبعي وقاموا بما علموه ~~من الفرق الشرعي. وبقي " قسم ثالث " ليس لهم فيه فرق طبعي ولا عندهم فيه ~~فرق شرعي فهو الذي جروا فيه مع الفعل والقدر. وأما من جرى مع الفرق الطبعي ~~إما عالما بأنه عاص وهو العالم # PageV10P542 # الفاجر أو محتجا بالقدر أو بذوقه ووجده معرضا عن الكتاب والسنة وهو ~~العابد الجاهل فهذا خارج عن الصراط المستقيم. وهذا مما بين حال كمال ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وأنهم خير قرون هذه الأمة؛ إذ كانوا في خلافة ~~النبوة يقومون بالفروق الشرعية في جليل الأمور ودقيقها مع اتساع الأمر ~~والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما يخصه كما أن ~~الواحد من هؤلاء يتبع هواه في أمر قليل. فأولئك مع عظيم ما دخلوا فيه من ~~الأمر والنهي لهم العلم الذي يميزون به بين الحسنات والسيئات ولهم القصد ~~الحسن الذي يفعلون به الحسنات. والكثير من المتأخرين العالمين والعابدين ~~يفوت أحدهم العلم في كثير من الحسنات والسيئات حتى يظن السيئة حسنة ~~وبالعكس، أو يفوته القصد في كثير من الأعمال حتى يتبع هواه فيما وضح له من ~~الأمر والنهي. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا لعمري إذا كان عند العالم ما ~~هو أمر الشارع ونهيه حقيقة ms3245 وعند العابد حسن القصد الخالي عن الهوى حقيقة # فأما من خلط الشرع المنزل بالمبدل والمؤول، وخلط القصد الحسن باتباع ~~الهوى فهؤلاء # PageV10P543 # وهؤلاء مخلطون في علمهم وعملهم وتخليط هؤلاء في العلم سوى تخليطهم وتخليط ~~غيرهم في القصد، وتخليط هؤلاء في القصد سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في العلم ~~فإنه من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. و " حسن القصد " من أعون ~~الأشياء على نيل العلم ودركه. و " العلم الشرعي " من أعون الأشياء على حسن ~~القصد والعمل الصالح فإن العلم قائد والعمل سائق، والنفس حرون فإن ونى ~~قائدها لم تستقم لسائقها وإن ونى سائقها لم تستقم لقائدها فإذا ضعف العلم ~~حار السالك ولم يدر أين يسلك فغايته أن يستطرح للقدر وإذا ترك العمل حار ~~السالك عن الطريق فسلك غيره مع علمه أنه تركه فهذا حائر لا يدري أين يسلك ~~مع كثرة سيره وهذا حائر عن الطريق زائغ عنه مع علمه به. قال تعالى: {فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم} . هذا جاهل وهذا ظالم. قال تعالى: {وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا} . مع أن الجهل والظلم متقاربان لكن الجاهل لا يدري ~~أنه ظالم والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم. قال تعالى {إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} قال أبو العالية: ~~سألت أصحاب محمد فقالوا: كل من عصى الله # PageV10P544 # فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وقد روى الخلال عن أبي ~~حيان التيمي قال: " العلماء ثلاثة " فعالم بالله ليس عالما بأمر الله، ~~وعالم بأمر الله ليس عالما بالله، وعالم بالله وبأمر الله. فالعالم بالله ~~الذي يخشاه والعالم بأمر الله الذي يعرف أمره ونهيه. قلت: والخشية تمنع ~~اتباع الهوى، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن ~~الجنة هي المأوى} . والكمال في عدم الهوى وفي العلم هو لخاتم الرسل صلى ~~الله عليه وسلم الذي قال فيه: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} ~~{وما ينطق عن الهوى} {إن ms3246 هو إلا وحي يوحى} فنفى عنه الضلال والغي ووصفه ~~بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فنفى الهوى وأثبت العلم الكامل ~~وهو الوحي فهذا كمال العلم وذاك كمال القصد صلى الله عليه وسلم. ووصف ~~أعداءه بضد هذين فقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى} فالكمال المطلق للإنسان هو تكميل العبودية لله علما ~~وقصدا. قال تعالى: {وما خلقت # PageV10P545 # الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} ~~وقال تعالى فيما حكاه عن إبليس: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك ~~منهم المخلصين} . قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقال تعالى: ~~{كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} وقال تعالى: {إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون} . و " عبادته " طاعة أمره، وأمره لنا ما بلغه ~~الرسول عنه؛ فالكمال في كمال طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا ومن كان لم ~~يعرف ما أمر الله به فترك هواه واستسلم للقدر أو اجتهد في الطاعة فأخطأ، ~~فعل المأمور به إلى ما اعتقده مأمورا به أو تعارضت عنده الأدلة فتوقف عما ~~هو طاعة في نفس الأمر فهؤلاء مطيعون لله مثابون على ما أحسنوه من القصد لله ~~واستفرغوه من وسعهم في طاعة الله وما عجزوا عن علمه فأخطئوه إلى غيره ~~فمغفور لهم. وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة فإن أقواما يقولون ويفعلون ~~أمورا هم مجتهدون فيها وقد أخطئوا فتبلغ أقواما يظنون أنهم تعمدوا فيها ~~الذنب أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ وهم أيضا مجتهدون مخطئون فيكون هذا ~~مجتهدا مخطئا في فعله وهذا مجتهدا مخطئا # PageV10P546 # في إنكاره والكل مغفور لهم. وقد يكون أحدهما مذنبا كما قد يكونان جميعا ~~مذنبين. وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر ~~الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. والواحد من هؤلاء قد يعطى طرفا بالأمر ~~والنهي. فيولي ويعزل ويعطي ويمنع فيظن ms3247 الظان أن هذا كمال وإنما يكون كمالا ~~إذا كان موافقا للأمر فيكون طاعة لله وإلا فهو من جنس الملك وأفعال الملك: ~~إما ذنب وإما عفو وإما طاعة. فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة وهم ~~أتباع العبد الرسول. وهي طريقة السابقين المقربين. وأما طريقة الملوك ~~العادلين فإما طاعة وإما عفو؛ وهي طريقة الأنبياء الملوك؛ وطريقة الأبرار ~~أصحاب اليمين. وأما طريقة الملوك الظالمين: فتتضمن المعاصي؛ وهي طريقة ~~الظالمين لأنفسهم. قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير} فلا يخرج الواحد من المؤمنين عن أن يكون # PageV10P547 # من أحد هذه الأصناف: إما ظالم لنفسه وإما مقتصد وإما سابق بالخيرات. و " ~~خوارق العادات " إما مكاشفة وهي من جنس العلم الخارق وإما تصرف وهي من جنس ~~القدرة الخارقة؛ وأصحابها لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة. # PageV10P548 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # حدثني أبي عن محيي الدين بن النحاس؛ وأظني سمعتها منه أنه رأى الشيخ عبد ~~القادر في منامه وهو يقول: إخبارا عن الحق تعالى: " من جاءنا تلقيناه من ~~البعيد ومن تصرف بحولنا ألنا له الحديد ومن اتبع مرادنا أردنا ما يريد ومن ~~ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد ". قلت: هذا من جهة الرب تبارك وتعالى. ~~فالأوليان: العبادة والاستعانة. والآخرتان: الطاعة والمعصية. فالذهاب إلى ~~الله هي عبادته وحده كما قال تعالى: " {من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ~~ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} ". ~~والتقرب بحوله هو الاستعانة والتوكل عليه؛ فإنه لا حول ولا # PageV10P549 # قوة إلا بالله. وفي الأثر: " {من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على ~~الله} ". وعن سعيد بن جبير: " التوكل جماع الإيمان " وقال تعالى: {ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه} وقال: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} وهذا على ~~أصح القولين في أن التوكل عليه - بمنزلة الدعاء على أصح القولين أيضا - سبب ~~لجلب المنافع ودفع المضار فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون ولهذا هو ~~الغالب ms3248 على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم وبه يتصرفون ويؤثرون " تارة " ~~بما يوافق الأمر. و " تارة " بما يخالفه. وقوله: " ومن اتبع مرادنا " يعني ~~المراد الشرعي كقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله: ~~{يريد الله أن يخفف عنكم} وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} هذا هو طاعة أمره وقد جاء في الحديث: " ~~{وأنت يا عمر لو أطعت الله لأطاعك} ". وفي الحديث الصحيح: " {ولئن سألني ~~لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه} " وقد قال تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} . وقوله: " ومن ترك من أجلنا أعطينا فوق ~~المزيد " يعني ترك ما كره الله من المحرم والمكروه لأجل الله: رجاء ومحبة ~~وخشية أعطيناه. فوق المزيد؛ لأن هذا مقام الصبر. وقد قال تعالى: {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب} . # PageV10P550 # سئل عن: # " إحياء علوم الدين " و " قوت القلوب " إلخ # فأجاب: # أما (كتاب قوت القلوب) و (كتاب الإحياء) تبع له فيما يذكره من أعمال ~~القلوب: مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك. وأبو طالب أعلم ~~بالحديث، والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد ~~الغزالي وكلامه أسد وأجود تحقيقا وأبعد عن البدعة مع أن في " قوت القلوب " ~~أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة. وأما ما في (الإحياء) من الكلام ~~في " المهلكات " مثل الكلام على الكبر والعجب والرياء والحسد ونحو ذلك ~~فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية ومنه ما هو مقبول ومنه ما ~~هو مردود ومنه ما هو متنازع فيه. و " الإحياء " فيه فوائد كثيرة؛ لكن فيه ~~مواد مذمومة فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة ~~والمعاد فإذا # PageV10P551 # ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين. ~~وقد أنكر أئمة الدين على " أبي حامد " هذا في كتبه. وقالوا: مرضه " الشفاء ~~" يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة. وفيه أحاديث وآثار ضعيفة؛ بل موضوعة ~~كثيرة. وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم. وفيه مع ذلك من كلام ~~المشايخ ms3249 الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب ~~والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة ما هو ~~أكثر مما يرد منه فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه. # PageV10P552 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # قد دل الكتاب والسنة، وآثار سلف الأمة على " جنس المشروع المستحب في ذكر ~~الله ودعائه " كسائر العبادات وبين النبي صلى الله عليه وسلم مراتب الأذكار ~~كقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب: {أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت} . وفي صحيحه عن أبي ذر قال: {سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته ~~سبحان الله وبحمده} . وفي " كتاب الذكر " لابن أبي الدنيا وغيره مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {أفضل الذكر: لا إله إلا الله وأفضل الدعاء: ~~الحمد # PageV10P553 # لله} . وفي الموطأ وغيره حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} وفي السنن {حديث الذي ~~قال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني ~~في صلاتي فقال: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} . ~~ولهذا قال الفقهاء: إن من عجز عن القراءة في الصلاة انتقل إلى هذه الكلمات ~~الباقيات الصالحات. وفضائل هذه الكلمات ونحوها كثير ليس هذا موضعه. وإنما ~~الغرض من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهي عنه أو عن صفته. ~~كما قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} وقال تعالى: ~~{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى. ومن المنهي ~~عنه: ما كانوا يقولونه في الجاهلية في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~هو ms3250 لك تملكه وما ملك. ومثل {قول بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم إنا ~~نستشفع بالله عليك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم شأن الله أعظم من ذلك: ~~إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه} ومثل ما كانوا يقولون في أول ~~الإسلام: # PageV10P554 # السلام على الله قبل عباده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله هو ~~السلام فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات} أشار بذلك ~~إلى أن " السلام " إنما يطلب لمن يحتاج إليه والله هو " السلام " فالسلام ~~يطلب منه لا يطلب له. بل يثنى عليه؛ فإنه له فيقال: التحيات لله والصلوات ~~والطيبات. فالحق سبحانه يثنى عليه ويطلب منه وأما المخلوق فيطلب له. فيقال: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون} والرزق يعم كل ما ينتفع به المرتزق؛ فالإنسان يرزق ~~الطعام والشراب واللباس، وما ينتفع بسمعه وبصره وشمه؛ ويرزق ما ينتفع به ~~باطنه من علم وإيمان وفرح وسرور وقوة ونور وتأييد وغير ذلك والله سبحانه ما ~~يريد من الخلق من رزق فإنهم لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه؛ ~~بل هو الغني وهم الفقراء. و {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء} وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ~~وكذلك ### | الدعاء المكروه # مثل الدعاء ببغي أو قطيعة رحم أو دعاء منازل الأنبياء أو دعاء الأعرابي ~~الذي قال: اللهم ما كنت معذبي به في # PageV10P555 # الآخرة فعجله لي في الدنيا. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم للمصابين بميت ~~لما صاحوا: {لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما ~~تقولون} . وقد قال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي ~~إليهم أجلهم} وقال تعالى. {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان ~~عجولا} وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استيعابه. وإنما نبهنا على ms3251 جنس ~~المكروه. وإنما الغرض هنا أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما ~~تاما مفيدا مثل " لا إله إلا الله " ومثل " الله أكبر " ومثل " سبحان الله ~~والحمد لله " ومثل " لا حول ولا قوة إلا بالله " ومثل {تبارك اسم ربك} ~~{تبارك الذي بيده الملك} {سبح لله ما في السماوات والأرض} {تبارك الذي نزل ~~الفرقان} . # فأما " الاسم المفرد " مظهرا مثل: " الله " " الله ". أو " مضمرا " مثل " ~~هو " " هو ". فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة. ولا هو مأثور أيضا عن أحد ~~من سلف الأمة ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم وإنما لهج به قوم من ضلال ~~المتأخرين. وربما اتبعوا فيه حال شيخ مغلوب فيه مثلما يروى عن الشبلي أنه ~~كان يقول: " الله الله ". فقيل له: لم لا تقول لا إله إلا الله؟ # PageV10P556 # فقال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات. وهذه من زلات الشبلي التي تغفر ~~له لصدق إيمانه وقوة وجده وغلبة الحال عليه فإنه كان ربما يجن ويذهب به إلى ~~المارستان ويحلق لحيته. وله أشياء من هذا النمط التي لا يجوز الاقتداء به ~~فيها؛ وإن كان معذورا أو مأجورا فإن العبد لو أراد أن يقول: " لا إله إلا ~~الله " ومات قبل كمالها لم يضره ذلك شيئا. إذ الأعمال بالنيات؛ بل يكتب له ~~ما نواه. وربما غلا بعضهم في ذلك حتى يجعلوا ذكر الاسم المفرد للخاصة وذكر ~~الكلمة التامة للعامة. وربما قال بعضهم: " لا إله إلا الله " للمؤمنين و " ~~الله " للعارفين و " هو " للمحققين وربما اقتصر أحدهم في خلوته أو في ~~جماعته على " الله الله الله " أو على " هو " أو " يا هو " أو " لا هو إلا ~~هو ". وربما ذكر بعض المصنفين في الطريق تعظيم ذلك. واستدل عليه تارة بوجد ~~وتارة برأي وتارة بنقل مكذوب. كما يروي بعضهم {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقن علي بن أبي طالب أن يقول: الله الله الله} . فقالها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثا. ثم أمر عليا فقالها ثلاثا. وهذا حديث موضوع باتفاق أهل ~~العلم بالحديث. ms3252 # PageV10P557 # وإنما كان تلقين النبي صلى الله عليه وسلم للذكر المأثور عنه ورأس الذكر ~~" لا إله إلا الله " وهي الكلمة التي عرضها على عمه أبي طالب حين الموت. ~~{وقال: يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله} وقال: {إني ~~لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا} وقال: {من كان ~~آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} وقال: {من مات وهو يعلم أن لا إله ~~إلا الله دخل الجنة} وقال: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله} والأحاديث كثيرة في هذا المعنى. وقد كتبت فيما ~~تقدم من " القواعد " بعض ما يتعلق بهاتين " الكلمتين " العظيمتين الجامعتين ~~الفارقتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. فأما ذكر " الاسم المفرد " فلم يشرع بحال ~~وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه. وأما ما يتوهمه طائفة من ~~غالطي المتعبدين في قوله تعالى {قل # PageV10P558 # الله ثم ذرهم} ويتوهمون أن المراد قول هذا الاسم فخطأ واضح؛ ولو تدبروا ~~ما قبل هذا تبين مراد الآية؛ فإنه سبحانه قال: {وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم قل الله} . أي: قل: الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. ~~فهذا كلام تام وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر حذف الخبر منها لدلالة ~~السؤال على الجواب. وهذا قياس مطرد في مثل هذا في كلام العرب كقوله: {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم} الآية. وقوله: {أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله} ms3253 وكذلك؟ ما بعدها وقوله: {قل من رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله} على قراءة أبي عمرو. وتقول ~~في الكلام من جاء؟ فتقول: زيد. ومن أكرمت؟ فتقول: زيدا. وبمن مررت؟ فتقول: ~~بزيد. فيذكرون الاسم الذي هو جواب من؛ ويحذفون المتصل به لأنه قد ذكر في ~~السؤال مرة فيكرهون تكريره من غير فائدة بيان لما في ذلك من التطويل ~~والتكرير. # PageV10P559 # وأغرب من هذا ما قاله: لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} قال المعنى وما يعلم تأويل (هو أي اسم " هو " الذي يقال ~~فيه: " هو هو " وصنف ابن عربي كتابا في " الهو " فقلت له - وأنا إذ ذاك ~~صغير جدا - لو كان كما تقول: لكتبت في المصحف مفصولة تأويل هو ولم تكتب ~~موصولة وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار. وإنما كثير من ~~غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد يكون ~~المعنى الذي يعنونه صحيحا؛ لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد المتكلم ~~وقد لا يكون صحيحا. فيقع الغلط " تارة " في الحكم و " تارة " في الدليل ~~كقول بعضهم: {أن رآه استغنى} أي: أن رأى ربه استغنى والمعنى إنه ليطغى أن ~~رأى نفسه استغنى، وكقول بعضهم: " فإن لم تكن تراه ": يعني فإن فنيت عنك ~~رأيت ربك. وليس هذا معنى الحديث فإنه لو أريد هذا لقيل: فإن لم تكن تره. ~~وقد قيل: " تراه " ثم كيف يصنع بجواب الشرط؟ وهو قوله: فإنه يراك؛ ثم إنه ~~على قولهم الباطل تكون كان تامة. فالتقدير: فإن لم تكن: أي لم تقع ولم ~~تحصل. وهذا تقدير محال فإن العبد كائن موجود ليس بمعدوم. ولو أريد فناؤه عن ~~هواه أو فناء شهوده للأغيار لم يعبر بنفي كونه؛ فإن هذا محال. ومتى كان ~~المعنى صحيحا والدلالة ليست مرادة فقد يسمى ذلك " إشارة " # PageV10P560 # وقد أودع الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي " حقائق التفسير " من هذا قطعة. ~~وليس المقصود الآن الكلام في هذا فإنه باب آخر. وإنما الغرض بيان حكم ذكر ms3254 ~~الاسم وحده من غير كلام تام وقد ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب. وكذلك ~~بالأدلة العقلية الذوقية؛ فإن الاسم وحده لا يعطي إيمانا ولا كفرا ولا هدى ~~ولا ضلالا ولا علما ولا جهلا وقد يذكر الذاكر اسم نبي من الأنبياء أو فرعون ~~من الفراعنة أو صنم من الأصنام ولا يتعلق بمجرد اسمه حكم إلا أن يقرن به ما ~~يدل على نفي أو إثبات أو حب أو بغض وقد يذكر الموجود والمعدوم. ولهذا اتفق ~~أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الاسم وحده لا يحسن السكوت عليه؛ ~~ولا هو جملة تامة؛ ولا كلاما مفيدا ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول: أشهد ~~أن محمدا رسول الله. قال: فعل ماذا فإنه لما نصب الاسم صار صفة والصفة من ~~تمام الاسم الموصوف فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد؛ ولكن المؤذن قصد الخبر ~~ولحن. # PageV10P561 # ولو كرر الإنسان اسم " الله " ألف ألف مرة لم يصر بذلك مؤمنا ولم يستحق ~~ثواب الله ولا جنته؛ فإن الكفار من جميع الأمم يذكرون الاسم مفردا سواء ~~أقروا به وبوحدانيته أم لا؛ حتى إنه لما أمرنا بذكر اسمه كقوله: {فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} وقوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه} وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} ~~ونحو ذلك: كان ذكر اسمه بكلام تام مثل أن يقول: بسم الله أو يقول: سبحان ~~ربي الأعلى، وسبحان ربي العظيم، ونحو ذلك. ولم يشرع ذكر الاسم المجرد قط ~~ولا يحصل بذلك امتثال أمر ولا [حل صيد] (1) ولا ذبيحة ولا غير ذلك. فإن ~~قيل: فالذاكر أو السامع للاسم المجرد قد يحصل له وجد محبة وتعظيم لله ونحو ~~ذلك. قلت: نعم ويثاب على ذلك الوجد المشروع والحال الإيماني لا لأن مجرد ~~الاسم مستحب وإذا سمع ذلك حرك ساكن القلب وقد يتحرك الساكن بسماع ذكر محرم ~~أو مكروه حتى قد يسمع المسلم من يشرك بالله؛ أو يسبه فيثور في قلبه حال وجد ~~ومحبة لله بقوة نفرته PageV10P562 # وبغضه لما ms3255 سمعه. وقد قال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم {إن أحدنا ~~ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب ~~إليه من أن يتكلم به. قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم قال: ذاك صريح ~~الإيمان وفي رواية قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة} فالشيطان لما ~~قذف في قلوبهم وسوسة مذمومة تحرك الإيمان الذي في قلوبهم بالكراهة لذلك ~~والاستعظام له فكان ذلك صريح الإيمان؛ ولا يقتضي ذلك أن يكون السبب الذي هو ~~الوسوسة مأمورا به. والعبد أيضا قد يدعوه داع إلى الكفر أو المعصية فيستعصم ~~ويمتنع ويورثه ذلك إيمانا وتقوى؛ وليس السبب مأمورا به؛ وقد قال تعالى: ~~{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} الآية. فهذا ~~الإيمان الزائد والتوكل كان سبب تخويفهم بالعدو وليس ذلك مشروعا بل العبد ~~يفعل ذنبا فيورثه ذلك توبة يحبه الله بها ولا يكون الذنب مأمورا به وهذا ~~باب واسع جدا. ففرق بين أن يكون نفس السبب موجبا للخير ومقتضيا وبين # PageV10P563 # أن لا يكون؛ وإنما نشأ الخير من المحل. فالمأمور به من الكلمات الطيبات ~~والأعمال الصالحات هي موجبة للخير والرحمة والثواب. وإذا اقترن بها قوة ~~إيمان العبد وما يجده من حلاوة الإيمان وتذوقه من طعمه تضاعف الخير والرحمة ~~والبركة وما ليس مأمورا به: إما من فعل العبد: محرمه ومكروهه ومباحه. وإما ~~من فعل غيره معه: من الإنس والجن وإما من الحوادث السمائية التي يصيبه بها ~~الرب إذا صادفت منه إيمانا ويقينا فحركت ذلك الإيمان واليقين وازداد العبد ~~بذلك إيمانا لم يكن ذلك مما يوجب أن تحب تلك الأسباب أو تحمد أو يؤمر بها ~~إذا لم يكن كذلك فإنها ليست مقتضية لذلك الخير وإنما مقتضاها تحريك الساكن ~~وطال ما جرت إلى شر وضرر. ويشبه هذا الباب ذكر الحب المطلق والشوق المطلق ~~والوجل المطلق وما يتضمن ذلك من نظم ونثر فإن هذا من المجمل أيضا: ms3256 يشترك ~~فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر فلذلك لم يشرعها الله ورسوله ولم يأمر ~~بها فإن الله إنما يأمر بالخير، والعمل الصالح والبر وذلك ليس من هذا الباب ~~فإن شعر المحبين مشترك بين محب الإيمان ومحب الأوثان ومحب النسوان ومحب ~~المردان ومحب الأوطان ومحب الأخدان. # PageV10P564 # فثبت بما ذكرناه أن ذكر الاسم المجرد ليس مستحبا؛ فضلا عن أن يكون هو ذكر ~~الخاصة. وأبعد من ذلك ذكر " الاسم المضمر " وهو: " هو ". فإن هذا بنفسه لا ~~يدل على معين وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور أو معلوم فيبقى معناه بحسب ~~قصد المتكلم ونيته؛ ولهذا قد يذكر به من يعتقد أن الحق الوجود المطلق. وقد ~~يقول: " لا هو إلا هو " ويسري قلبه في " وحدة الوجود " ومذهب فرعون ~~والإسماعيلية وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين بحيث يكون قوله " هو " ~~كقوله: " وجوده ". وقد يعني بقوله: " لا هو إلا هو " أي: أنه هو الوجود ~~وأنه ما ثم خلق أصلا، وأن الرب والعبد والحق والخلق شيء واحد. كما بينته من ~~مذهب " الاتحادية " في غير هذا الموضع. ومن أسباب هذه الاعتقادات والأحوال ~~الفاسدة الخروج عن الشرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول إلينا صلى الله عليه ~~وسلم. فإن البدع هي: مبادئ الكفر ومظان الكفر. كما أن السنن المشروعة هي: ~~مظاهر الإيمان ومقوية للإيمان؛ فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. كما أخبر ~~الله عن زيادته في مثل قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا} وقوله: {أيكم زادته هذه إيمانا} # PageV10P565 # وقوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} وغير ذلك. فإن قيل: إذا لم يكن هذا الذكر مشروعا. فهل هو مكروه؟ ~~قلت: أما في حق المغلوب فلا يوصف بكراهة؛ فإنه قد يعرض للقلب أحوال يتعسر ~~عليه فيها نطق اللسان مع امتلاء القلب بأحوال الإيمان وربما تيسر عليه ذكر ~~الاسم المجرد دون الكلمة التامة وهؤلاء يأتون على ما في قلوبهم من أحوال ~~الإيمان وما قدروا عليه من نطق اللسان؛ فإن الناس في الذكر أربع طبقات: ~~(إحداها) ms3257 الذكر بالقلب واللسان وهو المأمور به. (الثاني) الذكر بالقلب فقط ~~فإن كان مع عجز اللسان فحسن وإن كان مع قدرته فترك للأفضل. (الثالث) الذكر ~~باللسان فقط وهو كون لسانه رطبا بذكر الله وفيه حكاية التي لم تجد الملائكة ~~فيه خيرا إلا حركة لسانه بذكر الله. ويقول الله تعالى: {أنا مع عبدي ما ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه} . (الرابع) عدم الأمرين وهو حال الخاسرين. # PageV10P566 # وأما مع تيسر الكلمة التامة فالاقتصار على مجرد الاسم مكررا بدعة والأصل ~~في البدع الكراهة. وما نقل عن " أبي يزيد " و " النوري " و " الشبلي " ~~وغيرهم: من ذكر الاسم المجرد فمحمول على أنهم مغلوبون فإن أحوالهم تشهد ~~بذلك مع أن المشايخ الذين هم أصح من هؤلاء وأكمل لم يذكروا إلا الكلمة ~~التامة وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول وليس فعل غير الرسول حجة ~~على الإطلاق. والله أعلم. # PageV10P567 # وقال الشيخ - رحمه الله -: ### | فصل: في الصراط المستقيم: في " الزهد " و " العبادة " و " الورع " # في ترك المحرمات والشهوات و " الاقتصاد " في العبادة. وأن لزوم السنة هو ~~يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة فإن أصحابها لا بد أن يقعوا ~~في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد لهم من اتباع الهوى؛ ولهذا ~~سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء؛ فإن طريق السنة علم وعدل وهدى؛ وفي البدعة ~~جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس. و " الرسول " ما ضل وما غوى و ~~" الضلال " مقرون بالغي؛ فكل غاو ضال؛ والرشد ضد الغي والهدى ضد الضلال وهو ~~مجانبة طريق الفجار، وأهل البدع كما كان السلف ينهون عنهما. قال تعالى: ~~{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} . # PageV10P568 # و " الغي " في الأصل: مصدر غوى يغوي غيا؛ كما يقال: لوى يلوي ليا. وهو ضد ~~الرشد كما قال تعالى: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا} . و " الرشد " العمل الذي ينفع صاحبه والغي العمل الذي ~~يضر صاحبه فعمل الخير رشد وعمل الشر غي؛ ولهذا قالت الجن: {وأنا لا ms3258 ندري ~~أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} فقابلوا بين الشر وبين الرشد ~~وقال في آخر السورة: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} ومنه " الرشيد " ~~الذي يسلم إليه ماله. وهو الذي يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر. وقال ~~الشيطان: {لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} وهو أن يأمرهم بالشر ~~الذي يضرهم فيطيعونه كما قال تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي} وقال: {وبرزت الجحيم للغاوين} إلى أن قال: {فكبكبوا ~~فيها هم والغاوون} {وجنود إبليس أجمعون} وقال: {قال الذين حق عليهم القول ~~ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} وقال: {ما ضل صاحبكم وما غوى} ~~. ثم إن " الغي " إذا كان اسما لعمل الشر الذي يضر صاحبه فإن عاقبة العمل ~~أيضا تسمى غيا كما أن عاقبة الخير تسمى رشدا كما # PageV10P569 # يسمى عاقبة الشر شرا وعاقبة الخير خيرا؛ وعاقبة الحسنات حسنات؛ وعاقبة ~~السيئات سيئات. " فالحسنات والسيئات " في كتاب الله يراد بها أعمال الخير، ~~وأعمال الشر كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل ~~خيرا وحسنات لقي خيرا وحسنات ومن عمل شرا وسيئات لقي شرا وسيئات. كذلك من ~~عمل غيا لقي غيا وترك الصلاة، واتباع الشهوات غي يلقى صاحبه غيا. فلهذا قال ~~الزمخشري: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. كما قيل: فمن يلق خيرا يحمد ~~الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وقال الزجاج: جزاؤه غي؛ لقوله: ~~{يلق أثاما} أي مجازاة آثام. وفي الحديث المأثور: {إن غيا واد في جهنم ~~تستعيذ منه أوديتها} وهذا تعبير عن ملاقاة الشر. وقال سبحانه: {أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات} فإن الصلاة فيها إرادة وجه الله. كما قال تعالى: ~~{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي يصلون صلاة ~~الفجر والعصر. والداعي يقصد ربه ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة ~~لربها محبة له. # PageV10P570 # واتباع الشهوات هو اتباع ما تشتهيه النفس؛ فإن " الشهوات " جمع شهوة ~~والشهوة هي في الأصل: مصدر ms3259 ويسمى المشتهى شهوة. تسمية للمفعول باسم المصدر. ~~قال تعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} فجعل التوبة ~~في مقابلة اتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا: أي فالله يحب لنا ذلك ~~ويرضاه ويأمر به {ويريد الذين يتبعون الشهوات} وهم الغاوون {أن تميلوا ميلا ~~عظيما} يعدل بكم عن الصراط المستقيم إلى اتباع الشهوات عدولا عظيما فإن أصل ~~" الميل " العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال صلى الله عليه ~~وسلم {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على ~~الوضوء إلا مؤمن} رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان. فأخبر أنا لا نطيق ~~الاستقامة أو ثوابها إذا استقمنا. وقال {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} فقوله: {كل الميل} أي ~~يريد نهاية الميل يريد الزيغ عن الطريق والعدول عن سواء الصراط إلى نهاية ~~الشر؛ بل إذا بليت بذلك فتوسط وعد إلى الطريق بالتوبة. كما في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {ميل المؤمن كميل الفرس في آخيته يحول ثم يرجع ~~إلى آخيته. كذلك المؤمن يحول ثم يرجع # PageV10P571 # إلى ربه} قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين} إلى قوله: {ونعم أجر العاملين} فلم يقل لا يظلمون ولا ~~يذنبون. بل قال: {إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} أي بذنب آخر غير ~~الفاحشة؛ فعطف العام على الخاص. كما قال موسى: {رب إني ظلمت نفسي} وقالت ~~بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي} وقال تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة: {وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه؛ ~~وبعصيانهم لأنبيائهم؛ وبتركهم التوبة إلى ربهم. وقوله تعالى {ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم} ولهذا قال: {والله يريد أن يتوب عليكم} ثم قال: {يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} . قال مجاهد وغيره: يتبعون الشهوات ~~الزنا وقال ابن زيد: هم أهل الباطل. وقال السدي: هم اليهود والنصارى ~~والجميع حق؛ فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع ms3260 الاعتراف بأنها ~~معصية. ثم ذكر أنه {وخلق الإنسان ضعيفا} وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ~~ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة؛ ولهذا قال ~~طاووس ومقاتل: ضعيف في قلة الصبر عن النساء. وقال الزجاج وابن كيسان: ضعيف ~~العزم عن قهر الهوى. وقيل: ضعيف في أصل الخلقة؛ لأنه خلق من ماء مهين، يروى ~~ذلك # PageV10P572 # عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر ليناسب ما ذكر في ~~الآية فإنه قال: {يريد الله أن يخفف عنكم} وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ~~ما تحتاجون إليه ولا تصبروا عنه. كما أباح نكاح الفتيات؛ وقد قال قبل ذلك ~~{لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم} . فهو سبحانه مع ~~إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت قال: {وأن تصبروا خير لكم} ~~فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس النكاح كإباحة الميتة ~~عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه. وكذلك من أباح " الاستمناء " عند ~~الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل. فقد روي عن ابن عباس: أن نكاح الإماء ~~خير منه وهو خير من الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل فعن ~~الاستمناء بطريق الأولى أفضل. لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون ~~بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد. واختاره ابن عقيل في ~~المفردات، والمشهور عنه - يعني عن أحمد - أنه محرم إلا إذا خشي العنت. ~~والثالث أنه مكروه إلا إذا خشي العنت. فإذا كان الله قد قال في نكاح ~~الإماء: {وأن # PageV10P573 # تصبروا خير لكم} ففيه أولى. وذلك يدل على أن الصبر عن كليهما ممكن. فإذا ~~كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى: {يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} . و " الاستمناء " لا يباح عند أكثر ~~العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك. وكلام ابن عباس وما روي ~~عن أحمد فيه إنما هو لمن خشي ms3261 " العنت " وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف ~~على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته. وأما من ~~فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة؛ بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه ~~يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد، ~~والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات. # وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها. قال ~~تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} و " ~~الاستعفاف " هو ترك المنهي عنه. كما في الحديث # PageV10P574 # الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد ~~عطاء خيرا وأوسع من الصبر} . " فالمستغني " لا يستشرف بقلبه و " المستعف " ~~هو الذي لا يسأل الناس بلسانه و " المتصبر " هو الذي لا يتكلف الصبر. فأخبر ~~أنه من يتصبر يصبره الله. وهذا كأنه في سياق الصبر على الفاقة بأن يصبر على ~~مرارة الحاجة لا يجزع مما ابتلي به من الفقر وهو الصبر في البأساء والضراء. ~~قال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} . و " الضراء " ~~المرض. وهو الصبر على ما ابتلي به من حاجة ومرض وخوف. والصبر على ما ابتلي ~~به باختياره كالجهاد؛ فإن الصبر عليه أفضل من الصبر على المرض الذي يبتلى ~~به بغير اختياره؛ ولذلك إذا ابتلي بالعنت في الجهاد فالصبر على ذلك أفضل من ~~الصبر عليه في بلده؛ لأن هذا الصبر من تمام الجهاد. وكذلك لو ابتلي في ~~الجهاد بفاقة أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه أفضل. كما قد بسط هذا في ~~مواضع. وكذلك ما يؤذى الإنسان به في فعله للطاعات كالصلاة والأمر بالمعروف # PageV10P575 # والنهي عن المنكر وطلب العلم من المصائب فصبره عليها أفضل من صبره على ما ~~ابتلي به بدون ذلك وكذلك إذا دعته نفسه إلى محرمات: من رئاسة وأخذ مال وفعل ~~فاحشة كان صبره عنه أفضل من ms3262 صبره على ما هو دون ذلك؛ فإن أعمال البر كلما ~~عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونها. فإن في " العلم " و " الإمارة " و " ~~الجهاد " و " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " و " الصلاة " و " الحج " و ~~" الصوم " و " الزكاة " من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها. ويعرض في ~~ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور. فإذا كانت النفس غير قادرة على ~~ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة؛ فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور ~~المحرمة؛ بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد؛ بل هو من أفضل ~~الجهاد. وأكمل من ثلاثة أوجه: (أحدها) : أن الصبر عن المحرمات أفضل من ~~الصبر على المصائب. (الثاني) : أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس ~~لها أفضل من تركها بدون ذلك. (الثالث) : أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ~~ديني - كمن # PageV10P576 # خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن صبره عن ~~ذلك - يتضمن فعل المأمور وترك المحظور؛ بخلاف ما إذا مالت نفسه إلى ذلك ~~بدون عمل صالح؛ ولهذا كان يونس بن عبيد يوصي بثلاث يقول: لا تدخل على ~~سلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله. ولا تدخل على امرأة؛ وإن قلت: أعلمها ~~كتاب الله. ولا تصغ أذنك إلى صاحب بدعة وإن قلت: أرد عليه. فأمره بالاحتراز ~~من " أسباب الفتنة " فإن الإنسان إذا تعرض لذلك فقد يفتتن ولا يسلم. فإذا ~~قدر أنه ابتلي بذلك بغير اختياره أو دخل فيه باختياره وابتلي فعليه أن يتقي ~~الله، ويصبر ويخلص ويجاهد. وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب من أفضل ~~الأعمال كمن تولى ولاية وعدل فيها أو رد على أصحاب البدع بالسنة المحضة ولم ~~يفتنوه، أو علم النساء الدين على الوجه المشروع من غير فتنة. لكن الله إذا ~~ابتلى العبد وقدر عليه أعانه، وإذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء وكله الله ~~إلى نفسه. كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل ~~الإمارة فإنك إن أعطيتها ms3263 عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة ~~أعنت عليها} وكذلك # PageV10P577 # {قال في الطاعون: إذا وقع ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه} فمن فعل ما أمره الله به فعرضت له فتنة من ~~غير اختياره فإن الله يعينه عليها بخلاف من تعرض لها. لكن باب التوبة ~~مفتوح؛ فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها ثم يندم فيتوب من سؤاله ~~فيتوب الله عليه ويعينه؛ إما على إقامة الواجب وإما على الخلاص منها؛ وكذلك ~~سائر الفتن. كما قال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} وهذه الأمور تحتاج إلى بسط لا يتسع ~~له هذا الموضع. و (المقصود) أن الله سبحانه يريد أن يبين لنا ويهدينا سنن ~~الذين من قبلنا الذين قال فيهم: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وهم ~~الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم} فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط هؤلاء وهو سبيل ~~من أناب إليه فذكر هنا ثلاثة أمور: البيان والهداية والتوبة. وقيل: المراد ~~بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل. أي: يريد أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء ~~فيهدي عباده المؤمنين إلى الحق # PageV10P578 # ويضل آخرين فإن الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان. كما قال: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~وهو العزيز الحكيم} وقال: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون} فتكون (سنن) متعلقا بيبين يعني: سنن أهل الباطل لا بيهدي، ~~وأهل الحق متعلق بقوله: ويهديكم. وقال الزجاج: السنن الطرق فالمعنى يدلكم ~~على طاعته كما دل الأنبياء وتابعيهم وهذا أولى؛ لأنه قد يقدم فعلين فلا ~~يجعل الأول هو العامل وحده؛ بل العامل إما الثاني وحده وإما الاثنان كقوله: ~~{آتوني أفرغ عليه قطرا} أو إذا أريد هذا التقدير: يبين لكم سنن الذين من ~~قبلكم ويهديكم سننا. فدل ms3264 على أنه يهدينا سننهم. والمراد بذلك سنن أهل الحق ~~بخلاف قوله: {قد خلت من قبلكم سنن} فإنه قال بعدها: {فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} فإنه أراد تعريف عقوبة الظالمين بالعيان ~~وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا وهم الذين ~~أنعم الله عليهم. وذكر ثلاثة أمور: " التبيين " و " الهدى " و " التوبة "؛ ~~لأن الإنسان أولا يحتاج إلى معرفة الخير والشر وما أمر به وما نهي عنه ثم ~~يحتاج بعد ذلك # PageV10P579 # إلى أن يهدى فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل. وهو سنن الأنبياء ~~والصالحين. ثم لا بد له بعد ذلك من الذنوب فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو ~~محتاج إلى العلم والعمل به وإلى التوبة مع ذلك فلا بد له من التقصير أو ~~الغفلة في سلوك تلك السنن التي هداه الله إليها فيتوب منها بما وقع من ~~تفريط في كل سنة من تلك السنن وهذه " السنن " تدخل فيها الواجبات ~~والمستحبات فلا بد للسالك فيها من تقصير وغفلة فيستغفر الله ويتوب إليه. ~~فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحق الذي أوجبه ~~عليه فما يسعه إلا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة. وقد يقال: " الهداية " ~~هنا البيان والتعريف أي: يعرفكم سنن الذين من قبلكم من أهل السعادة ~~والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى: {وهديناه النجدين} قال ~~علي وابن مسعود: سبيل الخير، والشر. وعن ابن عباس: سبيل الهدى والضلال. ~~وقال مجاهد: سبيل السعادة والشقاوة: أي فطرناه على ذلك وعرفناه إياه، ~~والجميع واحد. والنجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ~~ألم نعرفه طريق الخير والشر ونبينه له كتبيين الطريقين العاليين؛ لكن الهدى ~~والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك # PageV10P580 # فيه بنو آدم ويعرفونه بعقولهم. وأما طريق من تقدم من الأنبياء فلا بد من ~~إخبار الله تعالى عنها كما قال: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى ms3265 ~~لقال يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم ولم يحتج أن يذكر الهدى إذا ~~كان المعنى واحدا فلما ذكر أنه يريد التبيين والهدى علم أن هذا غير هذا فا ~~" لتبيين " التعريف والتعليم و " الهدى " هو الأمر والنهي وهو الدعاء إلى ~~الخير. كما قال تعالى: {ولكل قوم هاد} أي داع يدعوهم إلى الخير. كما قال ~~تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} أي تدعوهم إليه دعاء تعليم. # وهداه هنا يتعدى بنفسه؛ لأن التقدير: ويلزمكم سنن الذين من قبلكم فلا ~~تعدلوا عنها وليس المراد هنا بالهدى الإلهام. كما في قوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} لكونه لو أراد ذلك لوقع؛ ولم يكن فينا ضال؛ بل هذه إرادة شرعية ~~أمرية بمعنى المحبة والرضا ولهذا قال الزجاج: يريد أن يدلكم على ما يكون ~~سببا لتوبتكم فعلق الإرادة بفعل نفسه. فإن الزجاج ظن الإرادة في القرآن ~~ليست إلا كذلك وليس كما ظن؛ بل الإرادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك ~~فإنه # PageV10P581 # ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأما الإرادة الموجودة في أمره وشرعه فهو ~~كقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية. وقوله: ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ونحو ذلك. فهذه إرادته لما ~~أمر به بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله؛ لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه ~~فيكون كما قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا} الآية. وكما قال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} فهذه إرادة لما ~~يخلقه ويكونه. كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه ~~الإرادة متعلقة بكل حادث، والإرادة الشرعية الأمرية لا تتعلق إلا بالطاعات ~~كما يقول الناس لمن يفعل القبيح: يفعل شيئا ما يريده الله مع قولهم ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن. فإن هذه الإرادة " نوعان ". كما قد بسط في ~~موضع آخر. ms3266 وقد يراد بالهدى الإلهام ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين # PageV10P582 # هداهم الله إلى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم فاهتدوا ~~ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق} . لكن الخطاب في ~~الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء. والخطاب لأهل البيت بقوله: ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} ولهذا يهدد من لم يطعه. وكما في الصيام: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . فهذه إرادة شرعية أمرية بمعنى ~~المحبة والرضا؛ لا إرادة الخلق المستلزمة للمراد؛ لأنه لو كان كذلك لم تكن ~~الآية خطابا إلا لمن أخذ باليسر ولمن فعل ما أمر به وكان من تخلف عن ذلك لا ~~يدخل تحت الأمر والنهي الذي في الآية وليس كذلك. بل الحكم الشرعي لازم ~~لجميع المسلمين؛ فمن أطاع أثيب ومن عصى عوقب والذين أطاعوه إنما أطاعوه ~~بهداه لهم: هدى الإلهام والإعانة بأن جعلهم مهتدين. كما أنه هو الذي جعل ~~المصلي مصليا والمسلم مسلما. ولو كانت الإرادة هنا من الإنسان مستلزمة ~~لوقوع المراد لم يقل: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} ~~فإنه حينئذ لا تأثير لإرادة هؤلاء بل وجودها وعدمها سواء. كما في قول نوح ~~{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن # PageV10P583 # يغويكم} فإن ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن ~~شاءه الناس. والمقصود بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون الشهوات. ~~والمعنى: إني أريد لكم الخير الذي ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر الذي ~~يضركم كالشيطان الذي يريد أن يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا تتخذوه ~~وذريته أولياء من دوني بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق الغي ~~والفساد. كما قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} الآيات. # وقوله: {يتبعون الشهوات} في الموضعين. فاتباع الشهوة من جنس ### | اتباع الهوى # كما قال تعالى: {أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع ms3267 هواه بغير هدى من ~~الله} وقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وقال ~~تعالى. {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} وقال تعالى: {أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} وقال تعالى: {ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون} وهذا في القرآن كثير. و " الهوى " مصدر هوى يهوي ~~هوى ونفس المهوي يسمى هوى ما يهوي فاتباعه كاتباع السبيل. كما قال تعالى: ~~{ولا تتبعوا # PageV10P584 # أهواء قوم قد ضلوا من قبل} وكما في لفظ الشهوة فاتباع الهوى يراد به نفس ~~مسمى المصدر أي اتباع إرادته ومحبته التي هي هواه واتباع الإرادة هو فعل ما ~~تهواه النفس. كقوله تعالى. {واتبع سبيل من أناب إلي} وقوله: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال: {ولا تتبعوا ~~من دونه أولياء} فلفظ الاتباع يكون للآمر الناهي وللأمر والنهي وللمأمور به ~~والمنهي عنه وهو الصراط المستقيم. كذلك يكون للهوى أمر ونهي؛ وهو أمر النفس ~~ونهيها. كما قال تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم} ولكن ما يأمر به من الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم ~~للآخر فاتباع الأمر هو فعل المأمور واتباع أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى ~~هذا يعلم أن اتباع الشهوات، واتباع الأهواء هو اتباع شهوة النفس وهواها ~~وذلك بفعل ما تشتهيه وتهواه. بل قد يقال: هذا هو الذي يتعين في لفظ اتباع ~~الشهوات والأهواء؛ لأن الذي يشتهي ويهوى إنما يصير موجودا بعد أن يشتهي ~~ويهوى وإنما يذم الإنسان إذا فعل ما يشتهي ويهوى عند وجوده # PageV10P585 # فهو حينئذ قد فعل؛ ولا ينهى عنه بعد وجوده ولا يقال لصاحبه: لا تتبع ~~هواك. وأيضا فالفعل المراد المشتهى الذي يهواه الإنسان هو تابع لشهوته ~~وهواه؛ فليست الشهوة والهوى تابعة له؛ فاتباع الشهوات هو اتباع شهوة النفس ~~وإذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة الأصل يحتاج إلى أن يجعل في ~~الخارج ما يشتهى والإنسان يتبعه كالمرأة ms3268 المطلوبة أو الطعام المطلوب وإن ~~سميت المرأة شهوة والطعام أيضا كما في قوله صلى الله عليه وسلم {كل عمل ابن ~~آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي} ~~أي يترك شهوته؛ وهو إنما يترك ما يشتهيه كما يترك الطعام؛ لا أنه يدع طعامه ~~بترك الشهوة الموجودة في نفسه؛ فإن تلك مخلوقة فيه مجبول عليها؛ وإنما يثاب ~~إذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة. و " حقيقة الأمر " إنهما متلازمان: فمن اتبع ~~نفس شهوته القائمة بنفسه اتبع ما يشتهيه؛ وكذلك من اتبع الهوى القائم بنفسه ~~اتبع ما يهواه فإن ذلك من آثار الإرادة واتباع الإرادة هو امتثال أمرها ~~وفعل ما تطلبه كالمأمور الذي يتبع أمر أميره؛ ولا بد أن يتصور مراده الذي ~~يهواه ويشتهيه في نفسه ويتخيله قبل فعله. فيبقى ذلك المثال كالإمام مع ~~المأموم يتبعه حيث كان؛ وفعله في الظاهر # PageV10P586 # تبع لاتباع الباطن فتبقى صورة المراد المطلوب المشتهى التي في النفس هي ~~المحركة للإنسان الآمرة له. ولهذا يقال: العلة الغائية علة فاعلية فإن ~~الإنسان للعلة الغائية - بهذا التصور والإرادة - صار فاعلا للفعل وهذه ~~الصورة المرادة المتصورة في النفس هي التي جعلت الفاعل فاعلا فيكون الإنسان ~~متبعا لها والشيطان يمده في الغي فهو يقوي تلك الصورة ويقوي أثرها ويزين ~~للناس اتباعها وتلك الصورة تتناول صورة العين المطلوبة - كالمحبوب من الصور ~~والطعام والشراب - ويتناول نفس الفعل الذي هو المباشرة لذلك المطلوب ~~المحبوب، والشيطان والنفس تحب ذلك وكلما تصور ذلك المحبوب في نفسه أراد ~~وجوده في الخارج فإن أول الفكر آخر العمل وأول البغية آخر الدرك. ولهذا ~~يبقى الإنسان عند شهوته وهواه أسيرا لذلك مقهورا تحت سلطان الهوى أعظم من ~~قهر كل قاهر فإن هذا القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه لا ~~يمكنه مفارقته ألبتة والصورة الذهنية تطلبها النفس فإن المحبوب تطلب النفس ~~أن تدركه وتمثله لها في نفسها فهو متبع للإرادة. وإن كانت الذهنية والتزين ~~من الزين والمراد التصور في نفسه. والمشتهى الموجود في الخارج ms3269 له " محركان ~~" التصور والمشتهى، هذا يحركه تحريك طلب وأمر، وهذا يأمره أن يتبع # PageV10P587 # طلبه وأمره، فاتباع الشهوات والأهواء يتناول هذا كله؛ بخلاف كل قاهر ~~ينفصل عن الإنسان فإنه يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها: وهذا إنما ~~يفارقه بتغير صفة نفسه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {ثلاث مهلكات: ~~شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات: خشية الله في السر ~~والعلانية، والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا} وقوله في ~~الحديث: " هوى متبع ". فيه دليل على أن المتبع هو ما قام في النفس. كقوله: ~~في الشح المطاع وجعل الشح مطاعا لأنه هو الآمر وجعل الهوى متبعا؛ لأن ~~المتبع قد يكون إماما يقتدى به ولا يكون آمرا. وفي الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إياكم والشح. فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم ~~بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا} . فبين أن ~~الشح يأمر بالبخل والظلم والقطيعة. " فالبخل " منع منفعة الناس بنفسه وماله ~~و " الظلم " هو الاعتداء عليهم. فالأول هو التفريط فيما يجب فيكون قد فرط ~~فيما يجب واعتدى عليهم بفعل ما يحرم وخص قطيعة الرحم بالذكر إعظاما لها؛ ~~لأنها تدخل # PageV10P588 # في الأمرين المتقدمين قبلها. وقال المفسرون في قوله تعالى {ومن يوق شح ~~نفسه} هو ألا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه ~~" فالشح " يأمر بخلاف أمر الله ورسوله فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر ~~بالإحسان، والشح يأمر بالظلم وينهى عن الإحسان. (وقد كان عبد الرحمن بن عوف ~~يكثر في طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفة أن يقول: اللهم قني شح نفسي فسئل عن ~~ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة. وفي رواية عنه ~~قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: {ومن ~~يوق شح نفسه} وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس ذاك بالشح ~~الذي ذكره الله في القرآن إنما الشح أن تأكل مال أخيك ms3270 ظلما وإنما يكن ~~بالبخل وبئس الشيء البخل) (*) . وقد ذكر تعالى " الشح " في سياق ذكر الحسد ~~والإيثار في قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة} - ثم قال - {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فمن ~~وقي شح نفسه لم يكن حسودا باغيا على المحسود و " الحسد " أصله بغض المحسود. ~~PageV10P589 # و " الشح " يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في المال وبغض للغير وظلم ~~له كما قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم} الآيات - إلى قوله - {أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} فشحهم على المؤمنين وعلى ~~الخير يتضمن كراهيته وبغضه، وبغض الخير يأمر بالشر، وبغض الإنسان يأمر ~~بظلمه وقطيعته كالحسد؛ فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم المحسود وقطيعته كابني ~~آدم وإخوة يوسف. " فالحسد والشح " يتضمنان بغضا وكراهية فيأمران بمنع ~~الواجب وبظلم ذلك الشخص فإن الفعل صدر فيه عن بغض بخلاف الهوى فإن الفعل ~~صدر فيه عن حب أحب شيئا فأتبعه ففعله وذلك مقصوده أمر عدمي والعدم لا ينفع. ~~ولكن ذاك القصد أمر بأمر وجودي فأطيع أمره. وابن مسعود جعل البخل خارجا عن ~~الشح والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل. ومن الناس من يقول: ~~" الشح والبخل " سواء. كما قال ابن جرير: الشح في كلام العرب هو البخل ومنع ~~الفضل من المال. وليس # PageV10P590 # كما قال بل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود أحق أن يتبع فإن ~~" البخيل " قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم وقد لا ~~يكون متلذذا به ولا متنعما بل نفسه تضيق عن إنفاقه وتكره ذلك حتى يكون يكره ~~أن ينفع نفسه منه مع كثرة ماله وهذا قد يكون مع التذاذه بجمع المال ومحبته ~~لرؤيته وقد لا يكون هناك لذة أصلا؛ بل يكره أن يفعل إحسانا إلى أحد حتى لو ~~أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه بغضا للخير لا للمعطي ms3271 ولا للمعطى بل بغضا ~~منه للخير وقد يكون بغضا وحسدا للمعطى أو للمعطي وهذا هو " الشح " وهذا هو ~~الذي يأمر بالبخل قطعا ولكن كل بخل يكون عن شح. فكل شحيح بخيل وليس كل بخيل ~~شحيحا. قال الخطابي " الشح " أبلغ في المنع من البخل والبخل إنما هو من ~~أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل ~~الطبع والجبلة. وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال: " البخل " أن يضن الإنسان ~~بماله و " الشح " أن يضن بماله ومعروفه وقيل " الشح " أن يشح بمعروف غيره. ~~على غيره و " البخل " أن يبخل بمعروفه على غيره والذين يتبعون الشهوات ~~ويتبعون أهواءهم يحبون ذلك ويريدونه فاتبعوا # PageV10P591 # محبتهم وإرادتهم من غير علم فلم ينظروا هل ذلك نافع لهم في العاقبة أو ~~ضار. ولهذا قال: {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} ثم قال: {ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله} . # و " اتباع الهوى " درجات: فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله ما ~~يستحسنون بلا علم ولا برهان كما قال: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي يتخذ ~~إلهه الذي يعبده وهو ما يهواه من آلهة ولم يقل إن هواه نفس إلهه فليس كل من ~~يهوى شيئا يعبده فإن الهوى أقسام بل المراد أنه جعل المعبود الذي يعبده هو ~~ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى نفسه في العبادة فإنه لم يعبد ما يحب أن ~~يعبد ولا عبد العبادة التي أمر بها. وهذه حال " أهل البدع " فإنهم عبدوا ~~غير الله وابتدعوا عبادات زعموا أنهم يعبدون الله بها فهم إنما اتبعوا ~~أهواءهم فإن أحدهم يتبع محبة نفسه وذوقها ووجدها وهواها من غير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير. فلو اتبع العلم والكتاب المنير لم يعبد إلا الله بما شاء لا ~~بالحوادث والبدع. # PageV10P592 # والمقصود: أن الآلهة كثيرة والعبادات لها متنوعة وبالجملة فكل ما يريده ~~الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه فتلك الصورة العلمية محركة له إلى ~~محبوبه ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة ms3272 من ~~يعبده وهذا كثير ما زال ولم يزل ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما ~~يعبد الشيطان ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ~~ليكون سجود من يعبدها له. وقد كانت " الشياطين " تتمثل في صورة من يعبد كما ~~كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها وكذلك في وقتنا خلق كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يعظمه من ~~الأحياء والأموات من المشايخ وغيرهم فيدعوه ويستغيث به في حياته وبعد مماته ~~فيراه قد أتاه وكلمه وقضى حاجته وإنما هو شيطان تمثل على صورته ليغوي هذا ~~المشرك. والمبتلون " بالعشق " لا يزال الشيطان يمثل لأحدهم صورة المعشوق أو ~~يتصور بصورته فلا يزال يرى صورته مع مغيبه عنه بعد موته فإنما جلاه الشيطان ~~على قلبه ولهذا إذا ذكر العبد الله الذكر الذي يخنس منه الوسواس الخناس خنس ~~هذا المثال الشيطاني وصورة المحبوب تستولي على المحب أحيانا حتى لا يرى ~~غيرها ولا يسمع غير كلامها فتبقى # PageV10P593 # نفسه مشتغلة بها. والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصا يحصل لأحدهم ~~نوع من ذلك يسمى " الاصطلام " و " الفناء " يغيب بمحبوبه عن محبته وبمعروفه ~~عن معرفته وبمذكوره عن ذكره حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه ~~وأمره ونهيه. و " منهم " من قد ينتقل من هذا إلى " الاتحاد ". فيقول: أنا ~~هو وهو أنا وأنا الله ويظن كثير من السالكين أن هذا هو غاية السالكين وأن ~~هذا هو " التوحيد " الذي هو نهاية كل سالك. وهم غالطون في هذا؛ بل هذا من ~~جنس قول النصارى ولكن ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعية في الباطن في ~~خبر الله وأمره. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # والمقصود: أن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي ~~على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسيرا، ما يهواه يصرفه كيف ~~تصرف ذلك المطلوب ولهذا قال بعض السلف: ما أنا على الشاب الناسك بأخوف مني ~~عليه من سبع ضار يثب عليه من صبي حدث ms3273 يجلس إليه. # PageV10P594 # وذلك أن النفس الصافية التي فيها رقة " الرياضة " ولم تنجذب إلى محبة ~~الله وعبادته انجذابا تاما ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن ~~هواها متى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها كما يستولي ~~السبع على ما يفترسه؛ فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على ~~الامتناع منه كذلك ما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه ~~وتقهره فلا يقدر قلبه على الامتناع منه فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة ~~أعظم من استغراق الفريسة في جوف الأسد؛ لأن المحبوب المراد هو غاية النفس ~~له عليها سلطان قاهر. و " القلب " يغرق فيما يستولي عليه: إما من محبوب ~~وإما من مخوف كما يوجد من محبة المال والجاه والصور، والخائف من غيره يبقى ~~قلبه وعقله مستغرقا فيه كما يغرق الغريق في الماء فلا بد أن يستولي عليها ~~ما يحيط بها من الأجسام والقلوب يستولي عليها ما يتمثل لها من المخاوف ~~والمحبوبات والمكروهات فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه والرجاء يتعلق ~~بالمحبوب، والخوف يتعلق بالمكروه ولا يأتي بالحسنات إلا الله ولا يذهب ~~السيئات إلا الله {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} . {وما بكم من ~~نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} . # PageV10P595 # وإذا دعا العبد ربه بإعطاء المطلوب ودفع المرهوب جعل له من الإيمان بالله ~~ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه واستنارته بنور الإيمان ما قد ~~يكون أنفع له من ذلك المطلوب إن كان عرضا من الدنيا وأما إذا طلب منه أن ~~يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته وما يتبع ذلك فهنا المطلوب قد يكون أنفع ~~من الطلب وهو الدعاء، والمطلوب الذكر والشكر وقيام العبادة على أحسن الوجوه ~~وغير ذلك. وهذا لبسطه موضع آخر. و (المقصود) : أن القلب قد يغمره فيستولي ~~عليه ما يريده العبد ويحبه وما يخافه ويحذره كائنا من كان؛ ولهذا قال ~~تعالى: {بل قلوبهم في ms3274 غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} ~~فهي فيما يغمرها عما أنذرت به فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة وما ~~فيها من النعيم والعذاب الأليم. قال الله تعالى: {فذرهم في غمرتهم حتى حين} ~~أي فيما يغمر قلوبهم من حب المال والبنين المانع لهم من المسارعة في ~~الخيرات والأعمال الصالحة. وقال تعالى: {قتل الخراصون} {الذين هم في غمرة ~~ساهون} الآيات: أي ساهون عن أمر الآخرة فهم في غمرة عنها أي فيما يغمر ~~قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له. وهذا يشبه ~~قوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع # PageV10P596 # هواه وكان أمره فرطا} فالغمرة تكون من اتباع الهوى، والسهو من جنس ~~الغفلة؛ ولهذا قال من قال: " السهو " الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه وهذا ~~جماع الشر " الغفلة " و " الشهوة " " فالغفلة " عن الله والدار الآخرة تسد ~~باب الخير الذي هو الذكر واليقظة. و " الشهوة " تفتح باب الشر والسهو ~~والخوف فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ~~ساهيا عن ذكره قد اشتغل بغير الله قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه ~~كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة ~~تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط} جعله عبد ما يرضيه ~~وجوده، ويسخطه فقده حتى يكون عبد الدرهم، وعبد ما وصف في هذا الحديث و " ~~القطيفة " هي التي يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض السلف: البس من ~~الثياب ما يخدمك ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه وهي كالبساط الذي تجلس ~~عليه و " الخميصة " هي التي يرتدي بها وهذا من أقل المال. وإنما # PageV10P597 # نبه به النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أعلى منه فهو عبد لذلك: فيه ~~أرباب متفرقون وشركاء متشاكسون. ولهذا قال: {إن أعطي رضي وإن ms3275 منع سخط} . ~~فما كان يرضي الإنسان حصوله، ويسخطه فقده فهو عبده إذ العبد يرضى باتصاله ~~بهما ويسخط لفقدهما. و " المعبود الحق " الذي لا إله إلا هو إذا عبده ~~المؤمن وأحبه حصل للمؤمن بذلك في قلبه إيمان وتوحيد ومحبة وذكر وعبادة ~~فيرضى بذلك وإذا منع من ذلك غضب. وكذلك من أحب شيئا فلا بد أن يتصوره في ~~قلبه، ويريد اتصاله به بحسب الإمكان. قال الجنيد: لا يكون العبد عبدا حتى ~~يكون مما سوى الله تعالى حرا. وهذا مطابق لهذا الحديث فإنه لا يكون عبدا ~~لله خالصا مخلصا دينه لله كله حتى لا يكون عبدا لما سواه ولا فيه شعبة ولا ~~أدنى جزء من عبودية ما سوى الله فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد ~~لذلك الغير ففيه من الشرك بقدر محبته، وعبادته لذلك الغير زيادة. قال " ~~الفضيل بن عياض " والله ما صدق الله في عبوديته من # PageV10P598 # لأحد من المخلوقين عليه ربانية. وقال زيد بن عمرو بن نفيل: # أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا انقسمت الأمور # روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير ~~المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ~~ولهى ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد بغى واعتدى ونسي المبدأ والمنتهى ~~بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس ~~العبد عبد رغب يذله ويزيله عن الحق، بئس العبد عبد طمع يقوده، بئس العبد ~~عبد هوى يضله} قال الترمذي غريب. وفي الحديث الصحيح المتقدم ما يقويه. ~~والله أعلم. وكذلك أحاديث وآثار كثيرة رويت في معنى ذلك. كما قال تعالى: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله} وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن ~~كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقا. # PageV10P599 # والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه، ms3276 وتغضبه كلمة الباطل له وعليه؛ لأن ~~الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم. فإذا قيل: الحق ~~والصدق والعدل الذي يحبه الله أحبه وإن كان فيه مخالفة هواه. لأن هواه قد ~~صار تبعا لما جاء به الرسول. وإذا قيل: الظلم والكذب فالله يبغضه والمؤمن ~~يبغضه ولو وافق هواه. وكذلك طالب " المال " - ولو بالباطل - كما قال تعالى: ~~{ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون} وهؤلاء هم الذين قال فيهم: {تعس عبد الدينار} الحديث. فكيف إذا ~~استولى على القلب ما هو أعظم استعبادا من الدرهم والدينار من الشهوات ~~والأهواء والمحبوبات التي تجذب القلب عن كمال محبته لله وعبادته لما فيها ~~من المزاحمة والشرك بالمخلوقات كيف تدفع القلب وتزيغه عن كمال محبته لربه ~~وعبادته وخشيته لأن كل محبوب يجذب قلب محبه إليه ويزيغه عن محبة غير ~~محبوبه، وكذلك المكروه يدفعه ويزيله ويشغله عن عبادة الله تعالى. ولهذا روى ~~الإمام أحمد في مسنده وغيره. أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV10P600 # قال لأصحابه: {الفقر تخافون لا أخاف عليكم الفقر. إنما أخاف عليكم الدنيا ~~حتى إن قلب أحدكم إذا زاغ لا يزيغه إلا هي} وكذلك الذين يحبون العبد ~~كأصدقائه والذين يبغضونه كأعدائه فالذين يحبونه يجذبونه إليهم فإذا لم تكن ~~المحبة منهم له لله كان ذلك مما يقطعه عن الله والذين يبغضونه يؤذونه ~~ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله ولو أحسن إليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير ~~الله أوجب إحسانهم إليه محبته لهم وانجذاب قلبه إليهم ولو كان على غير ~~الاستقامة وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله وعبادته. فلا تزول الفتنة عن ~~القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون حبه لله ولما يحبه الله ~~وبغضه لله ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته وإلا فمحبة المخلوق ~~تجذبه وحب الخلق له سبب يجذبهم به إليه ثم قد يكون هذا أقوى وقد يكون هذا ~~أقوى فإذا كان هو غالبا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ولا محبوباته إليها؛ ms3277 ~~لكونه غالبا لهواه ناهيا لنفسه عن الهوى لما في قلبه من خشية الله ومحبته ~~التي تمنعه عن انجذابه إلى المحبوبات. وأما حب الناس له فإنه يوجب أن ~~يجذبوه هم بقوتهم إليهم فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة ~~الله وخشيته # PageV10P601 # وإلا جذبوه وأخذوه إليهم كحب امرأة العزيز ليوسف؛ فإن قوة " يوسف " ~~ومحبته لله وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه ~~لها، هذا إذا أحب أحدهم صورته مع أن هنا الداعي قوي منه ومنهم فهنا المعصوم ~~من عصمه الله وإلا فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض ~~الشر بينهم. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يخلون رجل بامرأة ~~إلا كان ثالثهما الشيطان} . وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو إحسانه أو غير ~~ذلك؛ فالفتنة في هذا أعظم؛ إلا إذا كانت فيه قوة إيمانية وخشية وتوحيد تام؛ ~~فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون. وهم مع ذلك يطلبون منه ~~مقاصدهم إن لم يفعلها وإلا نقص الحب. أو حصل نوع بغض وربما زاد أو أدى إلى ~~الانسلاخ من حبه فصار مبغوضا بعد أن كان محبوبا فأصدقاء الإنسان يحبون ~~استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم وأعداؤه يسعون في أذاه ~~وإضراره وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وإن كان مضرا له مفسدا لدينه لا يفكرون ~~في ذلك. وقليل منهم الشكور. فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ~~ضرره وإنما # PageV10P602 # يقصدون أغراضهم به فإن لم يكن الإنسان عابدا الله متوكلا عليه مواليا له ~~ومواليا فيه ومعاديا وإلا أكلته الطائفتان وأدى ذلك إلى هلاكه في الدنيا ~~والآخرة. وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم من المحاربات ~~والمخاصمات والاختلاف والفتن. قوم يوالون زيدا ويعادون عمرا. وآخرون ~~بالعكس؛ لأجل أغراضهم فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم طالبونه ~~من زيد انقلبوا إلى عمرو، وكذلك أصحاب عمرو كما هو الواقع بين أصناف الناس. ~~وكذلك " الرأس " من الجانبين يميل إلى هؤلاء الذين يوالونه ms3278 وهم إذا لم تكن ~~الموالاة لله أضر عليه من أولئك؛ فإن أولئك إنما يقصدون إفساد دنياه: إما ~~بقتله أو بأخذ ماله، وإما بإزالة منصبه وهذا كله ضرر دنيوي لا يعتد به إذا ~~سلم العبد وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا يعتدون بفساد دينهم مع ~~سلامة دنياهم. فهم لا يبالون بذلك. وأما " دين العبد " الذي بينه وبين الله ~~فهم لا يقدرون عليه. وأما أولياؤه الذين يوالونه للأغراض فإنما يقصدون منه ~~فساد دينه بمعاونته على أغراضهم وغير ذلك فإن لم يفعل انقلبوا أعداء. فدخل ~~بذلك عليه الأذى من " جهتين ": # PageV10P603 # من جهة مفارقتهم. # ومن جهة عداوتهم. # وعداوتهم أشد عليه من عداوة أعدائه؛ لأنهم قد شاهدوا منه. وعرفوا ما لم ~~يعرفه أعداؤه. فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة. وإن لم يحب ~~مفارقتهم احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدونه وإن كان فيه فساد ~~دينه. فإن ساعدهم على نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيبا وافرا ~~وحظا تاما من ظلمهم وجورهم وطلبوا منه أيضا أن يعاونهم على أغراضهم ولو ~~فاتت أغراضه الدنيوية. فكيف بالدينية إن وجدت فيه أو عنده فإن الإنسان ظالم ~~جاهل لا يطلب إلا هواه. فإن لم يكن هذا في الباطن يحسن إليهم ويصبر على ~~أذاهم. ويقضي حوائجهم لله وتكون استعانته عليهم بالله تامة وتوكله على الله ~~تام. وإلا أفسدوا دينه ودنياه كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن يطلب ~~الرئاسة الدنيوية فإنه يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به تلك الرئاسة ~~ويحسن له هذا الرأي، ويعاديه إن لم يقم معه كما قد # PageV10P604 # جرى ذلك مع غير واحد. وذلك يجري فيمن يحب شخصا لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ~~ويعطيه ما يقدر عليه ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه. وفيمن يحب صاحب " ~~بدعة " لكونه له داعية إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ينصر الباطل الذي يعلم ~~أنه باطل. وإلا عاداه ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم ~~على الباطل ينصرون ذلك الباطل؛ لأجل الأتباع والمحبين ويعادون أهل الحق ms3279 ~~ويهجنون طريقهم. فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ووليه ومن أحب ~~أحدا لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه؛ فإن أعداءه ~~غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي، والحيلولة بينه وبينه ~~رحمة في حقه، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه، فأي صداقة ~~هذه ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ~~ضرر عليه. قال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب} . قال الفضيل بن عياض عن ليث # PageV10P605 # عن مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله، والوصلات التي كانت بينهم في ~~الدنيا {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} . فالأعمال التي ~~أراهم الله حسرات عليهم: هي الأعمال التي يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا ~~كانت لغير الله، ومنها الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله. فالخير كله في ~~أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فصل: # ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب والمحبوب يجذب. فمن أحب شيئا جذبه ~~إليه بحسب قوته ومن أحب صورة جذبته تلك الصورة إلى المحبوب الموجود في ~~الخارج بحسب قوته فإن المحب علته فاعلية والمحبوب علته غائية وكل منهما له ~~تأثير في وجود المعلول والمحب إنما يجذب المحبوب بما في قلب المحب من صورته ~~التي يتمثلها؛ فتلك الصورة تجذبه بمعنى انجذابه إليها، لا أنها هي في نفسها ~~قصد وفعل؛ فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضي انجذاب المحب إليه ~~كما ينجذب الإنسان إلى الطعام ليأكله وإلى امرأة ليباشرها وإلى # PageV10P606 # صديقه ليعاشره وكما تنجذب قلوب المحبين لله ورسوله إلى الله ورسوله ~~والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات التي يستحق لأجلها أن يحب ~~ويعبد. بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده فكل ~~محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره ms3280 لا لذاته والرب تعالى هو الذي يجب ~~أن يحب لنفسه وهذا من معاني إلهيته و {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~فإن محبة الشيء لذاته شرك فلا يحب لذاته إلا الله، فإن ذلك من خصائص إلهيته ~~فلا يستحق ذلك إلا الله وحده وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله أو لما يحب ~~لأجله فمحبته فاسدة. والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما ~~في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ~~ففسدت أبدانهم ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل. والمقصود بوجود ~~ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي ~~لا يستحق ذلك غيره. وإنما تحب الأنبياء والصالحون تبعا لمحبته فإن من تمام ~~حبه حب ما يحبه وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب الأعمال الصالحة، فحبها # PageV10P607 # لله هو من تمام حبه وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون أندادهم ~~كحب الله، فالمخلوق إذا أحب لله كان حبه جاذبا إلى حب الله وإذا تحاب ~~الرجلان في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه؛ كان كل منهما جاذبا للآخر إلى ~~حب الله كما قال تعالى: {حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتجالسين في ~~وحقت محبتي للمتباذلين في وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم ~~الأنبياء والشهداء بقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال ~~يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها إن لوجوههم لنورا وإنهم لعلى كراس من ~~نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس} فإنك إذا أحببت ~~الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب ~~الحق فأحببته فازداد حبك لله. كما إذا ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين وتصورتهم في قلبك فإن ذلك يجذب ~~قلبك إلى محبة الله المنعم عليهم وبهم إذا كنت تحبهم لله فالمحبوب لله يجذب ~~إلى محبة الله والمحب لله إذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه فهو ms3281 يحب أن ~~يجذبه إلى الله تعالى وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله. وهكذا ~~إذا كان الحب لغير الله كما إذا أحب كل من الشخصين # PageV10P608 # الآخر بصورة: كالمرأة مع الرجل فإن المحب يطلب المحبوب والمحبوب يطلب ~~المحب بانجذاب المحبوب فإذا كانا متحابين صار كل منهما جاذبا مجذوبا من ~~الوجهين فيجب الاتصال ولو كان الحب من أحد الجانبين لكان المحب يجذب ~~المحبوب والمحبوب يجذبه لكن المحبوب لا يقصد جذبه والمحب يقصد جذبه وينجذب ~~وهذا " سبب التأثير في المحبوب " إما تمثل يحصل في قلبه فينجذب وإما أن ~~ينجذب بلا محبة: كما يأكل الرجل الطعام ويلبس الثوب ويسكن الدار ونحو ذلك ~~من المحبوبات التي لا إرادة لها. وأما " الحيوان " فيحب بعضه بعضا بكونه ~~سببا للإحسان إليه وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها لكن هذا في ~~الحقيقة إنما هو محبة الإحسان لا نفس المحسن ولو قطع ذلك لاضمحل ذلك الحب ~~وربما أعقب بغضا فإنه ليس لله عز وجل. فإن من أحب إنسانا لكونه يعطيه فما ~~أحب إلا العطاء ومن قال: إنه يحب من يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من ~~القول وكذلك من أحب إنسانا لكونه ينصره إنما أحب النصر لا الناصر. وهذا كله ~~من اتباع ما تهوى الأنفس فإنه لم يحب في الحقيقة إلا ما يصل إليه من جلب ~~منفعة أو دفع مضرة فهو إنما أحب تلك المنفعة ودفع المضرة وإنما # PageV10P609 # أحب ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه وليس هذا حبا لله ولا لذات المحبوب. وعلى ~~هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض وهذا لا يثابون عليه في الآخرة ولا ~~ينفعهم بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة فكانوا في الآخرة من الأخلاء ~~الذين بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. وإنما ينفعهم في الآخرة الحب في الله ~~ولله وحده وأما من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من ~~دسائس النفوس ونفاق الأقوال. وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من ~~خلقه كالأنبياء والصالحين لكون ms3282 حبهم يقرب إلى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين ~~يستحقون محبة الله لهم. ونبينا كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويدع آخرين هم أحب ~~إليه من الذي يعطي؛ يكلهم إلى ما في قلوبهم من الإيمان وإنما كان يعطي ~~المؤلفة قلوبهم لما في قلوبهم من الهلع والجزع؛ ليكون ما يعطيهم سببا لجلب ~~قلوبهم إلى أن يحبوا الإسلام فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب إلى ~~حب الله عز وجل وصرفها عن ضد ذلك؛ ولهذا كان يعطي أقواما خشية أن يكبهم ~~الله على وجوههم في النار فمنعهم بذلك العطاء عما # PageV10P610 # يكرهه منهم فكان يعطي لله ويمنع لله. وقد قال: {من أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان} وفي صحيح البخاري عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إني والله إنما أنا قاسم لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا ~~ولكن أضع حيث أمرت} . وصورة المحبوب المتمثلة في النفس يتحرك لها المحب ~~ويريد لها ويحب ويبغض ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أي جنس كانت فتبقى هي ~~كالآمر الناهي له؛ ولهذا يجد في نفسه كأنها تخاطبه بأمر ونهي وغير ذلك كما ~~يرى كثير من الناس من يحبه ويعظمه في منامه وهو يأمره وينهاه ويخبره بأمور. ~~والمشركون تتمثل لهم الشياطين في صور من يعبدونه. تأمرهم وتنهاهم. ~~والقائلون بالشاهد والمنتسبون إلى السلوك يقول أحدهم: إنه يخاطب في باطنه ~~على لسان الشاهد فمنهم من يصلي بالليل وذاك بإزائه ليشاهده في الضوء ومنهم ~~من يشاهده في حال السماع في غيره ويظنون أنهم يخاطبون ويجدون المزيد في ~~قلوبهم بذلك وذلك لأنهم يتمثلونه في أنفسهم وربما كان الشيطان يتمثل في ~~صورته فيجدون في نفوسهم خطابا من تلك الصورة فيقولون خوطبنا من جهته. وهذا ~~وإن كان موجودا في # PageV10P611 # المخاطب فمن المخاطب له؟ فالفرقان هنا. فإنما ذلك المخاطب من وسواس ~~الشيطان والنفس. وقد يخاطبون بأشياء حسنة رشوة منه لهم ولا يخاطبون بما ~~يعرفون أنه باطل لئلا ينفرون منه بل الشيطان يخاطب أحدهم بما يرى أنه حق ~~والراهب إذا راض نفسه فمرة يرى ms3283 في نفسه صورة التثليث وربما خوطب منها لأنه ~~كان قد يتمثلها قبل ذلك فلما انصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له والمؤمن الذي ~~يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه وكذلك يرى الله تعالى في ~~منامه بحسب إيمانه كما قد بسط في غير هذا الموضع. ولهذا كثير من أهل الزهد ~~والعبادة يكون من أعوان الكفار ويزعم أنه مأمور بذلك ويخاطب به ويظن أن ~~الله هو الذي أمره بذلك والله منزه عن ذلك وإنما الآمر له بذلك النفس ~~والشيطان وما في نفسه من الشرك إذ لو كان مخلصا لله الدين لما عرض له شيء ~~من ذلك فإن هذا لا يكون إلا لمن فيه شرك في عبادته أو عنده بدعة ولا يقع ~~هذا لمخلص متمسك بالسنة ألبتة. # وإذا كانت " الرؤيا " على " ثلاثة أقسام ": # رؤيا من الله. # PageV10P612 # ورؤيا من حديث النفس. ورؤيا من الشيطان فكذلك ما يلقى في نفس الإنسان في ~~حال يقظته " ثلاثة أقسام " ولهذا كانت الأحوال " ثلاثة " رحماني ونفساني ~~وشيطاني. وما يحصل من نوع المكاشفة والتصرف " ثلاثة أصناف " ملكي ونفسي ~~وشيطاني فإن الملك له قوة والنفس لها قوة والشيطان له قوة وقلب المؤمن له ~~قوة. فما كان من الملك ومن قلب المؤمن فهو حق وما كان من الشيطان ووسوسة ~~النفس فهو باطل وقد اشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة فلم يفرقوا بين أولياء ~~الله وأعداء الله بل صاروا يظنون في من هو من جنس المشركين والكفار - أهل ~~الكتاب من وجوه كثيرة - أنه من أولياء الله المتقين. والكلام في هذا مبسوط ~~في موضع آخر. ولهذا في هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ومنهم من يرى أنه ~~أفضل من الأنبياء إلى أنواع أخر. وذلك لأنه حصل لهم من الأنواع الشيطانية ~~والنفسانية ما ظنوا أنها من كرامات الأولياء فظنوا # PageV10P613 # أنهم منهم فكان الأمر بالعكس. وأصل هذا أنهم تعبدوا بما تحبه النفس؛ وأما ~~العبادة بما يحبه الله ويرضاه فلا يحبونه ولا يريدونه وحده ويرون أنهم إذا ~~عبدوا الله بما أمر به ورسله حط لهم عن ms3284 منصب الولاية فيحدثون محبة قوية ~~وتألها وعبادة وشوقا وزهدا؛ ولكن فيه شرك وبدعة. ومحبة " التوحيد " إنما ~~تكون لله وحده على متابعة رسوله؛ كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ~~ونية في محبتهم؛ يحبون لله ويبغضون له. وهم على ملة إبراهيم. والذين معه ~~{إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وأولئك محبتهم ~~فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل الله فليست هي المحبة ~~الإخلاصية. فإنها مقرونة بالتوحيد. ولهذا سمى أبو طالب المكي كتابه " قوت ~~القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد " والله ~~سبحانه أعلم. # PageV10P614 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله - أيضا: # فصل قد كتبت في كراسة الحوادث فصلا في " جماع الزهد والورع ": وأن " ~~الزهد " هو عما لا ينفع إما لانتفاء نفعه أو لكونه مرجوحا؛ لأنه مفوت لما ~~هو أنفع منه أو محصل لما يربو ضرره على نفعه. وأما المنافع الخالصة أو ~~الراجحة: فالزهد فيها حمق. وأما " الورع " فإنه الإمساك عما قد يضر فتدخل ~~فيه المحرمات والشبهات لأنها قد تضر. فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ~~ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه. ~~وأما " الورع " عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة - لما # PageV10P615 # تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة - فجهل وظلم. وذلك ~~يتضمن " ثلاثة أقسام " لا يتورع عنها: المنافع المكافئة والراجحة والخالصة: ~~كالمباح المحض أو المستحب أو الواجب فإن الورع عنها ضلالة. وأنا أذكر هنا ~~تفصيل ذلك فأقول: " الزهد " خلاف الرغبة. يقال: فلان زاهد في كذا. وفلان ~~راغب فيه. و " الرغبة " هي من جنس الإرادة. فالزهد في الشيء انتفاء الإرادة ~~له إما مع وجود كراهته وإما مع عدم الإرادة والكراهة بحيث لا يكون لا مريدا ~~له ولا كارها له وكل من لم يرغب في الشيء ويريده ms3285 فهو زاهد فيه. وكما أن ~~سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما زهد الله فيه من فضول الدنيا فتحمد فيه ~~الرغبة والإرادة لما حمد الله إرادته والرغبة فيه؛ ولهذا كان أساس الطريق ~~الإرادة. كما قال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه} وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا} ونظائره متعددة. # PageV10P616 # كما رغب في " الزهد " وذم ضده في قوله: {من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} {أولئك الذين ليس لهم ~~في الآخرة إلا النار} وقال تعالى: {ألهاكم التكاثر} السورة. وقال تعالى: ~~{وتأكلون التراث أكلا لما} {وتحبون المال حبا جما} وقال: {إن الإنسان لربه ~~لكنود} {وإنه على ذلك لشهيد} {وإنه لحب الخير لشديد} وقال تعالى: {اعلموا ~~أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم} الآية. وهذا باب واسع. ~~وإنما المقصود هنا تميز " الزهد الشرعي " من غيره وهو الزهد المحمود وتميز ~~" الرغبة الشرعية " من غيرها وهي الرغبة المحمودة فإنه كثيرا ما يشتبه ~~الزهد بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية وكثيرا ما تشتبه الرغبة ~~الشرعية بالحرص والطمع والعمل الذي ضل سعي صاحبه. وأما " الورع " فهو ~~اجتناب الفعل واتقاؤه والكف والإمساك عنه والحذر منه وهو يعود إلى كراهة ~~الأمر والنفرة منه والبغض له وهو أمر وجودي أيضا - وإن كان قد اختلف في ~~المطلوب بالنهي. هل هو عدم المنهي عنه أو فعل ضده؟ وأكثر أهل الإثبات على ~~الثاني - فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ومتورعا ومتقيا إلا إذا وجد منه ~~الامتناع والإمساك الذي هو فعل ضد المنهي عنه. # PageV10P617 # و" التحقيق " أنه مع عدم المنهي عنه يحصل له عدم مضرة الفعل المنهي عنه ~~وهو ذمه وعقابه ونحو ذلك ومع وجود الامتناع والاتقاء والاجتناب يكون قد وجد ~~منه عمل صالح وطاعة وتقوى فيحصل له منفعة هذا العمل من حمده وثوابه وغير ~~ذلك. فعدم المضرة لعدم السيئات ووجود المنفعة لوجود الحسنات. فتلخص أن " ~~الزهد " من باب عدم الرغبة والإرادة في المزهود فيه. ms3286 و " الورع " من باب ~~وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه وانتفاء الإرادة إنما يصلح فيما ليس فيه ~~منفعة خالصة أو راجحة ". وأما وجود الكراهة فإنما يصلح فيما فيه مضرة خالصة ~~أو راجحة فأما إذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته سواء من ~~كل وجه؛ فهذا لا يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا يصلح ~~فيه الورع فظهر بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير عكس ~~وهذا بين. فإن ما صلح أن يكره وينفر عنه صلح ألا يراد ولا يرغب فيه فإن عدم ~~الإرادة أولى من وجود الكراهة؛ ووجود الكراهة مستلزم عدم الإرادة من غير ~~عكس. وليس كل ما صلح ألا يراد يصلح أن يكره؛ بل قد يعرض من الأمور ما لا ~~تصلح إرادته ولا كراهته ولا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهي عنه. # PageV10P618 # وبهذا يتبين: أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع؛ وأما ~~المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع. وأما المباحات فيصلح فيها ~~الزهد دون الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل. وإنما الشأن فيما إذا ~~تعارض في الفعل. هل هو مأمور به؟ أو منهي عنه؟ أو مباح؟ وفيما إذا اقترن ~~بما جنسه مباح ما يجعله مأمورا به أو منهيا عنه أو اقترن بالمأمور به ما ~~يجعله منهيا عنه وبالعكس. فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار ~~وتعارضها؛ يحتاج إلى الفرقان. # PageV10P619 # وقال: # فصل: # قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق كما قد ~~يستدل به طوائف على أنواع من " الرهبانيات والعبادات المبتدعة " التي لم ~~يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ~~ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {هلك ~~المتنطعون} وقال: {لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم} - ~~مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو ~~مستحبات أنفع منه وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي ms3287 يضر الإنسان بلا ~~فائدة: مثل {حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائما ولا يجلس ~~ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليجلس وليستظل ~~وليتكلم وليتم # PageV10P620 # صومه} رواه البخاري. وهذا باب واسع. وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون ~~الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الإسلام " الكلمتين " ~~وهما أفضل الأعمال؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم {كلمتان خفيفتان ~~على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم} أخرجاه في الصحيحين. ولو قيل: الأجر على قدر منفعة العمل ~~وفائدته لكان صحيحا اتصاف " الأول " باعتبار تعلقه بالأمر. و " الثاني " ~~باعتبار صفته في نفسه. والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط ~~وتارة من جهة صفته في نفسه وتارة من كلا الأمرين. فبالاعتبار الأول ينقسم ~~إلى طاعة ومعصية وبالثاني ينقسم إلى حسنة وسيئة، والطاعة والمعصية اسم له ~~من جهة الأمر والحسنة والسيئة اسم له من جهة نفسه. . . (1) وإن كان كثير من ~~الناس لا يثبت إلا " الأول " كما تقوله الأشعرية وطائفة من الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم. ومن الناس من لا يثبت إلا " الثاني " كما تقوله المعتزلة ~~وطائفة PageV10P621 # من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم والصواب إثبات الاعتبارين كما تدل عليه ~~نصوص الأئمة وكلام السلف وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم. فأما كونه مشقا ~~فليس هو سببا لفضل العمل ورجحانه ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقا ففضله ~~لمعنى غير مشقته والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره فيزداد الثواب ~~بالمشقة كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر: يكون أجره أعظم ~~من القريب كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة: أجرك على ~~قدر نصبك} لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة وبالبعد يكثر النصب ~~فيكثر الأجر وكذلك الجهاد وقوله صلى الله عليه وسلم. {الماهر بالقرآن مع ~~السفرة الكرام البررة والذي يقرؤه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران} ~~فكثيرا ما يكثر الثواب على ms3288 قدر المشقة والتعب لا لأن التعب والمشقة مقصود ~~من العمل؛ ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب هذا في شرعنا الذي رفعت عنا ~~فيه الآصار والأغلال ولم يجعل علينا فيه حرج ولا أريد بنا فيه العسر؛ وأما ~~في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم. وكثير من العباد يرى جنس ~~المشقة والألم والتعب مطلوبا مقربا إلى الله؛ لما فيه من نفرة النفس عن ~~اللذات والركون # PageV10P622 # إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد وهذا من جنس زهد الصابئة والهند ~~وغيرهم. ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة ~~الشديدة المتعبة من أنواع العبادات والزهادات مع أنه لا فائدة فيها ولا ~~ثمرة لها ولا منفعة إلا أن يكون شيئا يسيرا لا يقاوم العذاب الأليم الذي ~~يجدونه. ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض الجهال بأن يقول: فلان ما نكح ولا ~~ذبح. وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبحون وأما الحنفاء فقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني} . وهذه الأشياء هي من الدين الفاسد وهو مذموم كما أن ~~الطمأنينة إلى الحياة الدنيا مذموم. والناس أقسام. أصحاب " دنيا محضة " وهم ~~المعرضون عن الآخرة. وأصحاب " دين فاسد " وهم الكفار والمبتدعة الذين ~~يتدينون بما لم # PageV10P623 # يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات. و " القسم الثالث " وهم أهل ~~الدين الصحيح أهل الإسلام المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة والحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق. # PageV10P624 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # فصل: في " تزكية النفس " وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات. # قال تعالى: {قد أفلح من زكاها} و {قد أفلح من تزكى} . قال قتادة وابن ~~عيينة وغيرهما: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال. وقال الفراء ~~والزجاج: قد أفلحت نفس زكاها الله وقد خابت نفس دساها الله. وكذلك ذكره ~~الوالبي عن ابن عباس وهو منقطع. وليس هو مراد الآية ms3289 (1) ؛ بل المراد بها ~~الأول قطعا لفظا ومعنى. أما " اللفظ " فقوله: من زكاها اسم موصول ولا بد ~~فيه من عائد PageV10P625 # على من فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زكاها كان ضمير الشخص في زكاها يعود ~~على (من) هذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته كما يقال: قد أفلح من اتقى ~~الله وقد أفلح من أطاع ربه. وأما إذا كان المعنى: قد أفلح من زكاه الله لم ~~يبق في الجملة ضمير يعود على (من فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو ~~(من) وضمير المفعول يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على (من) لا ضمير ~~الفاعل ولا المفعول. فتخلو الصلة من عائد وهذا لا يجوز. نعم لو قيل: قد ~~أفلح من زكى الله نفسه أو من زكاها الله له ونحو ذلك صح الكلام وخفاء هذا ~~على من قال به من النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحت نفس زكاها. فإنه هنا ~~كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة؛ بل قال: {قد أفلح من زكاها} فالجملة صلة ~~ل (من) لا صفة لها. ولا قال أيضا: قد أفلحت النفس التي زكاها؛ فإنه لو قيل ~~ذلك وجعل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح فإذا تكلفوا وقالوا: التقدير ~~{قد أفلح من زكاها} هي النفس التي زكاها. وقالوا: في زكى ضمير المفعول يعود ~~على (من وهي تصلح للمذكر والمؤنث # PageV10P626 # والواحد والعدد فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي ولهذا ~~قيل: {قد أفلح} ولم يقل قد أفلحت قيل لهم: هذا مع أنه خروج من اللغة ~~الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل ومن. . . (1) على أن ~~المراد لنا وكذا قوله: {ومنهم من يستمعون إليك} ونحو ذلك. وأما هنا فليس في ~~لفظ (من) وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس المؤنثة فلا يجوز أن ~~يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإن مثل هذا مما يصان كلام الله ~~عز وجل عنه فلو قدر احتمال عود ضمير (زكاها) إلى نفس ms3290 وإلى (من) مع أن لفظ ~~(من) لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما ~~يحتمل التذكير والتأنيث وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث فإن ~~الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما ومن تكلف غير ذلك فقد خرج عن ~~كلام العرب المعروف والقرآن منزه عن ذلك والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام ~~إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة فكيف إذا كان نصا من جهة المعنى ~~فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور. ولبسط هذا موضع آخر. PageV10P627 # والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من تدسيتها كقوله: {قد ~~أفلح من تزكى} فلو قدر أن المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه لم يكن فيه أمر ~~لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد " ~~القدر " فلا يقول: من جعله الله مؤمنا. بل يقول: {قد أفلح المؤمنون} {قد ~~أفلح من تزكى} إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود ولا يليق هذا بأضعف ~~الناس عقلا فكيف بكلام الله ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب ~~والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد والمدح والذم وإنما يذكر القدر ~~عند بيان نعمه عليهم: إما بما ليس من أفعالهم وإما بإنعامه بالإيمان والعمل ~~الصالح ويذكره في سياق قدرته ومشيئته وأما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند ~~النعم. كقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا} الآية فهذا مناسب. ~~وقوله: {قد أفلح من تزكى} وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى. والمقصود " ~~ذكر التزكية " قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا} الآية. وقال: {فارجعوا هو ~~أزكى لكم} وقال: {الذين لا يؤتون الزكاة} وقال: {وما عليك ألا يزكى} وأصل " ~~الزكاة " الزيادة في الخير. ومنه يقال: زكا الزرع وزكا # PageV10P628 # المال إذا نما. ولن ينمو الخير إلا بترك الشر والزرع لا يزكو حتى يزال ~~عنه الدغل فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا حتى يزال عنها ما يناقضها ولا ~~يكون الرجل متزكيا إلا ms3291 مع ترك الشر؛ فإنه يدنس النفس ويدسيها. قال الزجاج: ~~(دساها جعلها ذليلة حقيرة خسيسة وقال الفراء: دساها؛ لأن البخيل يخفي نفسه ~~ومنزله وماله قال ابن قتيبة: أي أخفاها بالفجور والمعصية فالفاجر دس نفسه؛ ~~أي قمعها وخباها وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل ~~الربى لتشهر أنفسها واللئام تنزل الأطراف والوديان فالبر والتقوى يبسط ~~النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعا وبسطا عما كان عليه قبل ~~ذلك؛ فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله وشرح صدره. والفجور ~~والبخل يقمع النفس ويضعها ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق. وقد ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح فقال: {مثل البخيل ~~والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما. ~~فجعل المتصدق كلما هم بصدقة اتسعت وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله. وتعفو أثره ~~وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع} ~~أخرجاه. # PageV10P629 # وإخفاء المنزل وإظهاره تبعا لذلك. قال تعالى: {يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به} الآية. فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في بدنه بعضها ~~في بعض ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل ~~والنفس البرة التقية النقية التي قد زكاها صاحبها فارتفعت واتسعت ومجدت ~~ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء وكالشعرة من ~~العجين. قال ابن عباس: " إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في ~~البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادا ~~في الوجه ووهنا في البدن وضيقا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق " قال تعالى: ~~{والبلد الطيب} الآية. وهذا مثل البخيل والمنفق. قال: {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره} الآية. وقال: {الله ولي الذين آمنوا} الآية. وقال له في ~~سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب إظهارها في المؤمنين ms3292 والمتكلم بما لا يعلم: ~~{ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} الآية. فبين أن ~~الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ~~الآية. وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس فإنها تعلم أن السيئات ~~مذمومة ومكروه فعلها ويجاهد نفسه إذا دعته إليها إن كان مصدقا لكتاب # PageV10P630 # ربه مؤمنا بما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم ولهذا التصديق والإيمان ~~والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو بذلك أيضا؛ بخلاف ~~ما إذا عملت السيئات فإنها تتدنس وتندس وتنقمع كالزرع إذا نبت معه الدغل. ~~والثواب إنما يكون على عمل موجود وكذلك العقاب. فأما العدم المحض فلا ثواب ~~فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب والله سبحانه أمر بالخير ونهى عن ~~الشر واتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود واختلفوا في النهي هل ~~المطلوب أمر وجودي أم عدمي فقيل: وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثر. وقيل: ~~المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله. و " التحقيق " أن المؤمن إذا نهى عن ~~المنكر فلا بد ألا يقربه ويعزم على تركه ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ~~ريب؛ فلا يتصور أن المؤمن الذي يعلم أنه. . . (1) وجودي لكن قد لا يكون ~~مريدا له كما يكره أكل الميتة طبعا ومع ذلك فلا بد له من اعتقاد التحريم ~~والعزم على تركه لطاعة الشارع وهذا قدر زائد على كراهة الطبع وهو أمر وجودي ~~يثاب عليه؛ ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب PageV10P631 # المحرم ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان وقد غمر إيمانه حكم طبعه ~~فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس المطمئنة وهو أرفع من صاحب ~~اللوامة التي تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه وتتلوم وتتردد هل تفعله أم لا ~~وأما من لم يخطر بباله أن الله حرمه ولا هو مريد له؛ بل لم يفعله فهذا لا ~~يعاقب. ولا يثاب إذ لم يحصل منه أمر وجودي يثاب عليه أو يعاقب فمن قال: ~~المطلوب ألا يفعل إن أراد ms3293 أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق وإن ~~أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك. والكافر إذا لم يؤمن بالله ورسوله. ~~فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الإيمان وترك الأعمال كفر يعاقب عليها. ~~ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر أمورا وجودية وتلك تدس ~~النفس؛ ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به النفس وكان الشرك أعظم ~~ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا كله مما ذكره السلف. قالوا: ~~في {قد أفلح من تزكى} تطهر من الشرك ومن المعصية بالتوبة وعن أبي سعيد ~~وعطاء وقتادة: صدقة الفطر. ولم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا هي بل ~~مقصودهم: أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها ~~ولهذا # PageV10P632 # كان يزيد بن حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة ويتصدق بها قبل الصلاة ~~ولو لم يجد إلا بصلا. قال الحسن: {قد أفلح من تزكى} من كان عمله زاكيا وقال ~~أبو الأحوص: زكاة الأمور كلها وقال الزجاج: تزكى بطاعة الله عز وجل ومعنى ~~الزاكي النامي الكثير. وكذلك قالوا في قوله: {وويل للمشركين} {الذين لا ~~يؤتون الزكاة} قال ابن عباس: لا يشهدون أن لا إله إلا الله وقال مجاهد: لا ~~يزكون أعمالهم أي ليست زاكية وقيل لا يطهرونها بالإخلاص كأنه أراد - والله ~~أعلم - أهل الرياء فإنه شرك. وعن الحسن: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها. ~~وعن الضحاك: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة وعن ابن السائب: لا يعطون ~~زكاة أموالهم. قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون. و " التحقيق " أن ~~الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة. كقوله: ~~{هل لك إلى أن تزكى} وقوله: {قد أفلح من تزكى} والصدقة المفروضة لم تكن ~~فرضت عند نزولها. فإن قيل: (يؤتى فعل متعد. قيل: هذا كقوله: {ثم سئلوا ~~الفتنة لآتوها} وتقدم قبلها أن # PageV10P633 # الرسول دعاهم وهو طلب منه فكان هذا اللفظ متضمنا قيام الحجة عليهم بالرسل ~~والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم. ومما ms3294 يليق: أن ### | الزكاة تستلزم الطهارة؛ # لأن معناها معنى الطهارة. قوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} من الشر ~~{وتزكيهم} بالخير قال صلى الله عليه وسلم {اللهم طهرني بالماء والبرد ~~والثلج} كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع والغسل. فهذه ~~الأمور توجب تبريد المغسول بها و " البرد " يعطي قوة وصلابة وما يسر يوصف ~~بالبرد وقرة العين ولهذا كان دمع السرور باردا ودمع الحزن حارا؛ لأن ما ~~يسوء النفس يوجب حزنها وغمها وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد ~~الباطن. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب ~~أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من ~~الذنوب. وقوله: " بالثلج والبرد والماء البارد " تمثيل بما فيه من هذا ~~الجنس وإلا فنفس الذنوب لا تغسل بذلك كما يقال: أذقنا برد عفوك وحلاوة ~~مغفرتك. {ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم الآن # PageV10P634 # بردت جلدته} ويقال: برد اليقين وحرارة الشك. ويقال: هذا الأمر يثلج له ~~الصدر إذا كان حقا يعرفه القلب ويفرح به حتى يصير في مثل برد الثلج. ومرض ~~النفس: إما شبهة وإما شهوة أو غضب والثلاثة توجب السخونة. ويقال لمن نال ~~مطلوبه: برد قلبه. فإن الطالب فيه حرارة الطلب. وقوله: {خذ من أموالهم} ~~دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب السالفة فإنه قاله ~~بعد قوله: {وآخرون اعترفوا} الآية. فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما ~~التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله. {قل للمؤمنين يغضوا} الآيات. ~~{وتوبوا إلى الله} الآية. فأمرهم جميعا بالتوبة في سياق ما ذكره؛ لأنه لا ~~يسلم أحد من هذا الجنس. كما في الصحيح: {إن الله كتب على ابن آدم حظه من ~~الزنا} الحديث. وكذلك في الصحيح إن قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} نزلت ~~بسبب رجل نال من امرأة كل شيء إلا الجماع ثم ندم فنزلت} ويحتاج المسلم في ~~ذلك إلى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى والشهوة لا ms3295 يعاقب ~~عليه بل على اتباعه والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه ~~عبادة لله وعملا صالحا. وثبت عنه أنه قال: {المجاهد من جاهد نفسه في ذات ~~الله} فيؤمر بجهادها # PageV10P635 # كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو إليها وهو إلى جهاد نفسه أحوج فإن ~~هذا فرض عين وذاك فرض كفاية والصبر في هذا من أفضل الأعمال فإن هذا الجهاد ~~حقيقة ذلك الجهاد فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد. كما قال: {والمهاجر من ~~هجر السيئات} . ثم هذا لا يكون محمودا فيه إلا إذا غلب بخلاف الأول فإنه من ~~يقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {ليس ~~الشديد بالصرعة} إلخ " وذلك لأن الله أمر الإنسان أن ينهى النفس عن الهوى ~~وأن يخاف مقام ربه فحصل له من الإيمان ما يعينه على الجهاد فإذا غلب كان ~~لضعف إيمانه فيكون مفرطا بترك المأمور؛ بخلاف العدو الكافر فإنه قد يكون ~~بدنه أقوى فالذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به ومع ~~امتثال المأمور لا تفعل المحظور فإنهما ضدان. قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه ~~السوء} الآية. وقال: صلى الله عليه وسلم {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} ~~فعباد الله المخلصون لا يغويهم الشيطان و " الغي " خلاف الرشد وهو اتباع ~~الهوى. فمن مالت نفسه إلى محرم فليأت بعبادة الله كما أمر الله مخلصا له ~~الدين فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء. . . (1) خشية ومحبة والعبادة له ~~PageV10P636 # وحده وهذا يمنع من السيئات. فإذا كان تائبا فإن كان ناقصا فوقعت السيئات ~~من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم ويرفعه ~~بعد حصوله وكالغذاء من الطعام والشراب وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع النفس ~~عن طلب الحرام فإذا حصل له طلب إزالته وكالعلم الذي يمنع من الشك ويرفعه ~~بعد وقوعه وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض وكذلك ما في القلب من ~~الإيمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به. وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات ~~أزيل بهذه ms3296 ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة كذلك القلب لا يمرض إلا ~~لنقص إيمانه. وكذلك الإيمان والكفران متضادان فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر ~~تارة؟ ويرفعه أخرى كالسواد والبياض. . . (1) حصل موضعه ويرفعه إذا كان ~~حاصلا كذلك الحسنات والسيئات والإحباط. . . (2) والمعتزلة أن الكبيرة تحبط ~~الحسنات حتى الإيمان وإن من مات عليها لم يكن. . . (3) الجبائي وابنه ~~بالموازنة. لكن قالوا: من رجحت سيئاته خلد في النار والموازنة بلا تخليد ~~قول الإحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر كما قال: {ومن ~~يرتدد منكم عن دينه} الآية. وقوله: {ومن يكفر بالإيمان PageV10P637 # فقد حبط عمله} الآية وقال: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} . ~~وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} الآية. وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال ~~السلف فإنه سبحانه ذكر حد الزاني وغيره ولم يجعلهم كفارا حابطي الأعمال ولا ~~أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه ولو كانوا ~~كفارا ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم. فعلم أنهم لم يحبط إيمانهم كله. {وقال ~~عمن شرب الخمر لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} وذلك الحب من أعظم شعب ~~الإيمان. فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها. وثبت من وجوه كثيرة: {يخرج من ~~النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان} ولو حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه. ~~وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب} الآية. فجعل من المصطفين. فإذا كانت ~~السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض الحسنات بذنب ~~دون الكفر؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة. منهم من ينكره ومنهم من يثبته ~~كما دلت عليه النصوص. مثل قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} الآية. ~~دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة وضرب مثله بالمرائي وقالت عائشة " أبلغي ~~زيدا أن جهاده بطل " الحديث. # PageV10P638 # وأما قوله: {أن تحبط أعمالكم} وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع. وقال ~~تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} قال الحسن: بالمعاصي والكبائر وعن عطاء: ~~بالشرك والنفاق وعن ابن السائب: بالرياء ms3297 والسمعة وعن مقاتل: بالمن. وذلك أن ~~قوما منوا بإسلامهم فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط ~~الأعمال. فإن قيل: لم يرد إلا إبطالها بالكفر. قيل: ذلك منهي عنه في نفسه ~~وموجب للخلود الدائم فالنهي عنه لا يعبر عنه بهذا بل يذكره على وجه ~~التغليظ. كقوله: {من يرتد منكم عن دينه} ونحوها. والله سبحانه في هذه وفي ~~آية المن سماها إبطالا ولم يسمه إحباطا؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: {إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار} الآية. فإن قيل: المراد ~~إذا دخلتم فيها فأتموها وبها احتج من قال: يلزم التطوع بالشروع فيه. قيل: ~~لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل فإبطاله كله أولى ~~بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صوما # PageV10P639 # ثم يقال: الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده وما ذكروه أمر بالإتمام ~~والإبطال هو إبطال الثواب ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه ~~بل يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وفي الصحيح حديث المفلس " الذي يأتي ~~بحسنات أمثال الجبال ". # PageV10P640 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال ~~والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام والشبهات وبعث الآخرة وطلب رضا الله ~~ورسوله وساح في أرض الله والبلدان فهل يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله وحده، " الزهد المشروع " هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار ~~الآخرة وثقة القلب بما عند الله. كما في الحديث الذي في الترمذي {ليس الزهد ~~في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد ~~الله أوثق بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو ~~أنها بقيت لك} لأن الله تعالى يقول {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم} . فهذا صفة " القلب ". # PageV10P641 # وأما في ms3298 " الظاهر " فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله من ~~مطعم وملبس ومال وغير ذلك؛ كما قال الإمام أحمد: إنما هو طعام دون طعام ~~ولباس دون لباس وصبر أيام قلائل. وجماع ذلك خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: {خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} . وكان عادته في ~~المطعم أنه لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ويلبس من اللباس ما تيسر من قطن ~~وصوف وغير ذلك وكان القطن أحب إليه {وكان إذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن ~~يعتدي فيزيد في الزهد أو العبادة على المشروع ويقول: أينا مثل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يغضب لذلك ويقول: والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدود ~~الله تعالى} {وبلغه أن بعض أصحابه قال: أما أنا فأصوم فلا أفطر وقال الآخر ~~أما أنا فأقوم فلا أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال آخر أما ~~أنا فلا آكل اللحم فقال صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام ~~وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} . فأما الإعراض عن ~~الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله ولا هو من دين الأنبياء؛ بل قد ~~قال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من # PageV10P642 # قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} والإنفاق على العيال والكسب لهم يكون ~~واجبا تارة ومستحبا أخرى فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين وكذلك ~~السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك أمر منهي عنه ~~قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا ~~الصالحين. [وأما السياحة المذكورة في القرآن من قوله: {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون} ومن قوله: {مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ~~ثيبات وأبكارا} فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة؛ فإن الله قد وصف ~~النساء اللاتي يتزوجهن رسوله بذلك والمرأة المزوجة لا يشرع لها أن تسافر في ~~البراري سائحة؛ بل ### | المراد بالسياحة # شيئان. أحدهما ms3299 الصيام. كما روى عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ~~لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع ~~في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن ~~لكل # PageV10P643 # ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} . متفق عليه] (*) . # لكن إذا ترك الإنسان الحرام أو الشبهة بترك واجب أو مستحب وكان الإثم أو ~~النقص الذي عليه في الترك أعظم من الإثم الذي عليه في الفعل لم يشرع ذلك ~~كما ذكر أبو طالب المكي وأبو حامد الغزالي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل ~~عمن ترك مالا شبهة فيه وعليه دين. فسأله ولده أترك هذا المال الذي فيه شبهة ~~فلا أقضيه؟ فقال: له أتدع. . . (1) . PageV10P644 # سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {حق اليقين} و {عين اليقين} و {علم اليقين} فما معنى كل ~~مقام منها؟ وأي مقام أعلى؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة. (منها: أن ~~يقال: {علم اليقين} ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر و {عين اليقين} ~~ما شاهده وعاينه بالبصر و {حق اليقين} ما باشره ووجده وذاقه وعرفه ~~بالاعتبار. " فالأولى " مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر. أو رأى آثار ~~العسل فاستدل على وجوده. و " الثاني " مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا ~~أعلى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس المخبر كالمعاين} . # PageV10P645 # و " الثالث " مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما ~~قبله؛ ولهذا يشير أهل المعرفة إلى ما عندهم من الذوق والوجد كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ~~من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان ms3300 يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار} وقال صلى الله عليه وسلم {ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا} فالناس فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه من ~~حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات: " الأولى " من علم ذلك مثل من يخبره ~~به شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار ~~أحوالهم ما يدل على ذلك. و " الثانية " من شاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من ~~أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وإن كان ~~هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ ~~من المخبر والمستدل بآثارهم. و " الثالثة " أن يحصل له من الذوق والوجد في ~~نفسه ما كان # PageV10P646 # سمعه كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في ~~الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إنه ليمر على القلب ~~أوقات يرقص منها طربا. وقال الآخر: لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو ~~في لهوهم. والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات: # إحداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك. " ~~الثانية ": إذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار. و " ~~الثالثة " إذا باشروا ذلك؛ فدخل أهل الجنة الجنة؛ وذاقوا ما كانوا يوعدون ~~ودخل أهل النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب ~~وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث. وكذلك في أمور الدنيا: فإن ~~من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان له علم به فإن شاهده ولم ~~يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق ~~الشيء لم يعرف حقيقته فإن # PageV10P647 # العبارة إنما تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة ms3301 فلا تحصل بمجرد ~~العبارة إلا لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره؛ ولهذا ~~يسمون أهل المعرفة لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر ~~والنظر وفي الحديث الصحيح: {أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما ~~سأله عنه من أمور النبي صلى الله عليه وسلم قال: فهل يرجع أحد منهم عن دينه ~~سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته ~~القلب لا يسخطه أحد} . فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه ~~القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ~~ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح ~~والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسبه وإذا خالطت القلب لم ~~يسخطه قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ~~وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه} وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} فأخبر سبحانه أنهم ~~يستبشرون بما أنزل من القرآن والاستبشار هو الفرح والسرور؛ وذلك لما يجدونه ~~في قلوبهم من الحلاوة واللذة والبهجة بما أنزل الله. # PageV10P648 # و " اللذة " أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئا ونال ما أحبه وجد اللذة به؛ ~~فالذوق هو إدراك المحبوب اللذة الظاهرة كالأكل مثلا: حال الإنسان فيها أنه ~~يشتهي الطعام ويحبه ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته وحلاوته وكذلك ~~النكاح وأمثال ذلك. وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة ~~المؤمنين لربهم وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله ~~تعالى. وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله. كما قال تعالى: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وفي الحديث {أحبوا الله لما ~~يغذوكم ms3302 به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي} وقال تعالى: {قل ~~إن كان آباؤكم} إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين} . وفي حديث الترمذي وغيره {من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع ~~لله فقد استكمل الإيمان} وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فالذين آمنوا أشد حبا ~~لله من كل محب لمحبوبه. وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة. # PageV10P649 # و " المقصود هنا " أن أهل الإيمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله من ~~حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يجدونه بالمحبة فقال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن ~~يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار} . ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة ~~التوحيد والإخلاص. والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب على ~~ثلاث درجات: # " منهم " من علم ذلك سماعا واستدلالا. # " ومنهم " من شاهد وعاين ما يحصل لهم. # و " منهم " من وجد حقيقة الإخلاص والتوكل على الله الالتجاء إليه ~~والاستعانة به، وقطع التعلق بما سواه وجرب من نفسه أنه إذا تعلق بالمخلوقين ~~ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من ~~جهتهم؛ ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما ~~يرجو أن ينفعوه وقت حاجته إليهم فلا ينفعونه: إما لعجزهم وإما لانصراف ~~قلوبهم عنه وإذا # PageV10P650 # توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب ~~دعاءه؛ وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل ~~والدعاء لله ما لم يذق غيره. ms3303 وكذلك من ذاق طعم إخلاص الدين لله وإرادة وجهه ~~دون ما سواه؛ يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك. ~~بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو؛ وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه ~~للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما ~~لا يعبر عنه. وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره؛ بل ~~هو في خوف وحزن دائما: إن كان طالبا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم ~~حيث لم يحصل. فإذا أدركه كان خائفا من زواله وفراقه. وأولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون؛ فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة الإخلاص لله. والعبادة ~~له. وحلاوة ذكره ومناجاته. وفهم كتابه. وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون ~~عمله صالحا. ويكون لوجه الله خالصا؛ فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما ~~هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من ~~الدنيا. أو اندفع عنه ما يضره؛ فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من # PageV10P651 # المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص الدين ~~لله ولا أضر عليه من الإشراك. فإذا وجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة {إياك ~~نعبد} مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة {وإياك نستعين} كان هذا فوق ما يجده ~~كل أحد لم يجد مثل هذا. والله أعلم. # PageV10P652 # سؤال أبي القاسم المغربي # يتفضل الشيخ الإمام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق ~~والمغرب؛ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية " بأن يوصيني بما يكون فيه ~~صلاح ديني ودنياي؟ ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث وكذلك ~~في غيره من العلوم الشرعية وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ~~ويبين لي أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار والله تعالى ~~يحفظه. والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما " الوصية " فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ~~ورسوله ms3304 لمن عقلها # PageV10P653 # واتبعها. قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله} . {ووصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما بعثه إلى اليمن ~~فقال: يا معاذ: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس ~~بخلق حسن} . وكان معاذ رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~علية؛ فإنه قال له: " {يا معاذ والله إني لأحبك وكان يردفه وراءه} . وروي ~~فيه: " أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام وأنه يحشر أمام العلماء برتوة - أي ~~بخطوة - ". ومن فضله أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عنه داعيا ~~ومفقها ومفتيا وحاكما إلى أهل اليمن. وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه ~~السلام وإبراهيم إمام الناس. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن معاذا ~~كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين؛ تشبيها له بإبراهيم. ثم إنه ~~صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية فعلم أنها جامعة. وهي كذلك لمن عقلها ~~مع أنها تفسير الوصية القرآنية. # أما بيان جمعها فلأن العبد عليه حقان: # PageV10P654 # حق لله عز وجل. وحق لعباده. ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه ~~أحيانا: إما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{اتق الله حيثما كنت} وهذه كلمة جامعة وفي قوله " حيثما كنت " تحقيق لحاجته ~~إلى التقوى في السر والعلانية. ثم قال: {وأتبع السيئة الحسنة تمحها} فإن ~~الطبيب متى تناول المريض شيئا مضرا أمره بما يصلحه. والذنب للعبد كأنه أمر ~~حتم. فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. وإنما قدم ~~في لفظ الحديث " السيئة " وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا فعل ~~الحسنة فصار {كقوله في بول الأعرابي: صبوا عليه ذنوبا من ماء} . وينبغي أن ~~تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول موجبها ~~بأشياء: (أحدها) التوبة. و (الثاني) الاستغفار من غير توبة. فإن الله تعالى ~~قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار ms3305 فهو ~~الكمال. (الثالث) الأعمال الصالحة المكفرة: أما " الكفارات المقدرة " # PageV10P655 # كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك ~~بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهي " أربعة أجناس " هدي وعتق ~~وصدقة وصيام. وأما " الكفارات المطلقة " كما قال حذيفة لعمر: فتنة الرجل في ~~أهله وماله وولده؛ يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر. وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات ~~الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التي يقال فيها: من قال كذا ~~وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ذنبه وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن ~~خصوصا ما صنف في فضائل الأعمال. واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان ~~الحاجة إليه؛ فإن الإنسان من حين يبلغ؛ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من ~~أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فإن الإنسان الذي ينشأ بين ~~أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ~~{لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة # PageV10P656 # حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ ~~قال: فمن؟} هذا خبر تصديقه في قوله تعالى {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} ولهذا شواهد في الصحاح والحسان. ~~وهذا أمر قد يسري في المنتسبين إلى الدين من الخاصة؛ كما قال غير واحد من ~~السلف منهم ابن عيينة؛ فإن كثيرا من أحوال اليهود قد ابتلي به بعض ~~المنتسبين إلى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين ~~إلى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ثم نزله على أحوال الناس. وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي ~~به في الناس لا بد أن يلاحظ ms3306 أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم ~~والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك. فأنفع ما للخاصة ~~والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو إتباع السيئات الحسنات. ~~والحسنات ما ندب الله إليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق ~~والصفات. # PageV10P657 # ومما يزيل موجب الذنوب " المصائب المكفرة " وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن ~~أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد. فلما ~~قضى بهاتين الكلمتين حق الله: من عمل الصالح وإصلاح الفاسد قال: " وخالق ~~الناس بخلق حسن " وهو حق الناس. وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من ~~قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له ~~وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو ~~عرض. وبعض هذا واجب وبعضه مستحب. وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا هكذا قال ~~مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما {قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه ~~القرآن} وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح ~~صدر. وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ~~ما أمر الله به إيجابا واستحبابا وما نهى عنه تحريما # PageV10P658 # وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد. لكن لما كان تارة يعني ~~بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ ~~وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي وصححه: {قيل: يا ~~رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق. قيل: ~~وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الأجوفان: الفم والفرج} . وفي الصحيح ~~عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} فجعل كمال الإيمان في كمال حسن الخلق. ms3307 ~~ومعلوم أن الإيمان كله تقوى الله. وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله ~~هذا الموضع فإنها الدين كله؛ لكن ينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه ~~عبادة واستعانة كما في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} وفي قوله: {فاعبده ~~وتوكل عليه} وفي قوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} وفي قوله: {فابتغوا عند ~~الله الرزق واعبدوه واشكروا له} بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين ~~انتفاعا بهم أو عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك بملازمة الدعاء له ~~في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك # PageV10P659 # والعمل له بكل محبوب. ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك. # وأما ما سألت عنه من ### | أفضل الأعمال بعد الفرائض؛ # فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن ~~فيه جواب جامع مفصل لكل أحد لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: ~~أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة وعلى ذلك ~~دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: {سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن ~~المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات} وفيما رواه أبو داود عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ألا أنبئكم ~~بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء ~~الذهب والورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله قال: ذكر الله} . والدلائل القرآنية والإيمانية بصرا ~~وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة. وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن ~~معلم الخير وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم كالأذكار المؤقتة في أول ~~النهار وآخره # PageV10P660 # وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات والأذكار ~~المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل ~~والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد إلى غير ذلك وقد صنفت له ~~الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة. ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله " لا إله ~~إلا الله ". وقد تعرض أحوال ms3308 يكون بقية الذكر مثل: " سبحان الله والحمد لله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله " أفضل منه. ثم يعلم أن كل ما تكلم ~~به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ~~ونهي عن منكر فهو من ذكر الله. ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء ~~الفرائض أو جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها ~~فهذا أيضا من أفضل ذكر الله. وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في ~~كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف. وما اشتبه أمره على العبد فعليه ~~بالاستخارة المشروعة فما ندم من استخار الله تعالى. وليكثر من ذلك ومن ~~الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي وليتحر ~~الأوقات # PageV10P661 # الفاضلة: كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ~~ذلك. وأما أرجح المكاسب: فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به. ~~وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه كما قال ~~سبحانه فيما يأثر عنه نبيه: {كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. ~~يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم} وفيما رواه الترمذي عن ~~أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ليسأل أحدكم ربه ~~حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر} . وقد قال ~~الله تعالى في كتابه: {واسألوا الله من فضله} وقال سبحانه. {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} وهذا وإن كان في الجمعة ~~فمعناه قائم في جميع الصلوات. ولهذا والله أعلم {أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج أن ~~يقول: اللهم إني أسألك من فضلك} وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم ~~(فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له وهذا أمر والأمر يقتضي الإيجاب ~~فالاستعانة بالله واللجأ إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم. ms3309 # PageV10P662 # ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ولا يأخذه بإشراف ~~وهلع؛ بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له ~~في القلب مكانة والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء. وفي الحديث المرفوع الذي ~~رواه الترمذي وغيره: {من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق ~~عليه ضيعته ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن أصبح والآخرة أكبر همه ~~جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه؟ وأتته الدنيا وهي راغمة} . وقال بعض ~~السلف: أنت محتاج إلى الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن بدأت ~~بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما. قال الله تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون} {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} . فأما تعيين مكسب على مكسب ~~من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ~~ولا أعلم في ذلك شيئا عاما لكن إذا عن للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها ~~الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم فإن فيها من البركة ~~ما لا يحاط به. ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية. # PageV10P663 # وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو أيضا يختلف ~~باختلاف نشء الإنسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من ~~طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن يستعين ~~بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو ~~الذي يستحق أن يسمى علما وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعا؟ وإما ~~ألا يكون علما وإن سمي به. ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث ~~محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه. ولتكن ms3310 همته فهم ~~مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه. فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد ~~الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ~~ذلك. وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس فليدع بما رواه ~~مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول إذا قام يصلي من الليل: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر ~~السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم} فإن الله تعالى # PageV10P664 # قد قال فيما رواه عنه رسوله: {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم} . وأما وصف " الكتب والمصنفين " فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما ~~يسره الله سبحانه. وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من " صحيح محمد ~~بن إسماعيل البخاري " لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم. ولا يقوم بتمام ~~المقصود للمتبحر في أبواب العلم إذ لا بد من معرفة أحاديث أخر وكلام أهل ~~الفقه وأهل العلم في الأمور التي يختص بعلمها بعض العلماء. وقد أوعبت الأمة ~~في كل فن من فنون العلم إيعابا فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ~~ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالا؛ كما {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي لبيد الأنصاري: أوليست التوراة والإنجيل عند اليهود ~~والنصارى؟ فماذا تغني عنهم؟} . فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ~~ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؟ ويهب لنا ~~من لدنه رحمة إنه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين. وصلواته على أشرف ~~المرسلين. # PageV10P665 # وسئل الشيخ الإمام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الإسلام ومفتي الأنام ~~تقي الدين ابن تيمية - أيده الله وزاده من فضله العظيم -: # عن (الصبر الجميل و ms3311 (الصفح الجميل) و (الهجر الجميل) وما أقسام التقوى ~~والصبر الذي عليه الناس؟ # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، أما بعد: فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل ~~والصبر الجميل (*) # " فالهجر الجميل " هجر بلا أذى و " الصفح الجميل " صفح بلا عتاب و " ~~الصبر الجميل " صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام {إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله} مع قوله: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} فالشكوى ~~إلى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان ~~يقول: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك PageV10P666 # المستغاث وعليك التكلان " ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم إليك ~~أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي ~~اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن ~~بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت ~~له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ~~لك العتبى حتى ترضى} . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة ~~الفجر: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله} ويبكي حتى يسمع نشيجه ~~من آخر الصفوف؛ بخلاف الشكوى إلى المخلوق. قرئ على الإمام أحمد في مرض موته ~~أن طاوسا كره أنين المريض. وقال: إنه شكوى. فما أن حتى مات. وذلك أن ~~المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور ~~أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} ~~{وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت ~~فاستعن بالله} . ولا بد للإنسان من شيئين: طاعته بفعل المأمور وترك المحظور ~~وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور. فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر. ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من # PageV10P667 # دونكم لا يألونكم خبالا} إلى قوله: {وإن ms3312 تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} وقال تعالى: ~~{لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقد قال ~~يوسف: {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} . ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ ~~المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين: المسارعة إلى فعل المأمور ~~والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور. وذلك أن هذا الموضع ~~غلط فيه كثير من العامة؛ بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد ~~الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ~~ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه ولا يميز بين ~~توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع ~~المخلوقات - سعيدها وشقيها - مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبئ الكاذب وأهل الجنة وأهل النار ~~وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين. # PageV10P668 # فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه " الحقيقة الكونية " وهو أن ~~الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره. ولا يشهد الفرق الذي فرق الله ~~به بين أوليائه وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل ~~الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة ~~رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه؟ وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر ~~استحباب وترك ما نهى الله عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد ~~واللسان. فمن لم يشهد هذه " الحقيقة الدينية " الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ~~ويكون مع أهل " الحقيقة الدينية " وإلا فهو من جنس المشركين وهو شر من ~~اليهود والنصارى. فإن المشركين يقرون ms3313 بالحقيقة الكونية. إذ هم يقرون بأن ~~الله رب كل شيء كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله} وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون} {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل ~~أفلا تتقون} {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} ولهذا قال سبحانه: {وما يؤمن أكثرهم # PageV10P669 # بالله إلا وهم مشركون} قال بعض السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض ~~فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره. فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر ~~والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة ~~والرسل الذين جاءوا بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ~~كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ~~هم الكافرون حقا} . وأما الذي يشهد " الحقيقة الكونية " وتوحيد الربوبية ~~الشامل للخليقة ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة ~~فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله ~~وبين من عصى الله ورسوله من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود ~~والنصارى. لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق ~~بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار ~~وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه. فيكون ناقص ~~الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله ~~تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه. # PageV10P670 # ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية ~~كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس. ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا ~~فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب ms3314 سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه. ~~فهذا التقسيم في القول والاعتقاد. وكذلك هم في " الأحوال والأفعال ". ~~فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ~~ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ~~ويستعين بالله على ذلك. كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وإذا ~~أذنب استغفر وتاب: لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى للمخلوق ~~حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح الذي ~~فيه: {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ~~وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك ~~بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} فيقر بنعمة # PageV10P671 # الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من ~~السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك ~~والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا غفرت لي. وفي الحديث ~~الصحيح الإلهي: {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . وهذا له تحقيق ~~مبسوط في غير هذا الموضع. وآخرون قد يشهدون الأمر فقط: فتجدهم يجتهدون في ~~الطاعة حسب الاستطاعة؛ لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة ~~الاستعانة والتوكل والصبر. وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من ~~الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك؛ لكنهم لا يلتزمون أمر الله ~~ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء ~~يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه؛ ~~والمؤمن يعبده ويستعينه و " القسم الرابع " شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا ~~يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية. ولا مع القدر الكوني. وانقسامهم إلى ~~هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو # PageV10P672 # ذلك؛ ms3315 وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك. فهم في التقوى وهي طاعة الأمر ~~الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام. # أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في ~~الدنيا والآخرة. والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين ~~يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات: لكن إذا أصيب أحدهم ~~في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه ~~وظهر هلعه. والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون ~~على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في ~~مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام؛ والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون ~~على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها. وكذلك طلاب ~~الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر ~~عليها أكثر الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم ~~يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام. وهؤلاء ~~هم الذين يريدون علوا في الأرض # PageV10P673 # أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغي ~~والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على ~~أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من ~~المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب: كالمرض والفقر وغير ~~ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر. (وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام: لا ~~يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا؛ بل هم كما قال الله تعالى: {إن ~~الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} فهؤلاء ~~تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا. ~~إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن ~~أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسئول وإن قهروك كانوا من ms3316 أظلم الناس ~~وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة وإحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان ~~عن حقائق الإيمان أبعد: مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في ~~كثير من أمورهم. وإن كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم ~~وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق: {فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} # PageV10P674 # فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا ~~الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام ~~وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من ~~هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من ~~التتار. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته ~~{خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة} وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ~~ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق. ومن كان عن ذلك أبعد ~~وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق. والكامل هو من كان لله ~~أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم ~~موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل. وكل ~~من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك. # وقد ذكر الله تعالى " الصبر والتقوى " جميعا في غير موضع من كتابه وبين ~~أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى ~~من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة، # PageV10P675 # قال الله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} وقال الله تعالى: {لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال تعالى: {يا ms3317 أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون} {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ~~إن الله عليم بذات الصدور} {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا ~~بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال ~~إخوة يوسف له: {أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . وقد قرن الصبر بالأعمال ~~الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ~~وهو خير الحاكمين} . وفي اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله ~~وطاعة لأمره وقال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات # PageV10P676 # يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار} وقال تعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها ومن آناء الليل} وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين} وقال تعالى: {استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين} فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر. وقرن بين ### | " الرحمة والصبر " # في مثل قوله تعالى {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} . وفي الرحمة ~~الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها؛ فإن القسمة أيضا رباعية إذ من الناس من ~~يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف ~~واللين: مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل ~~القسوة والهلع. والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي: ~~ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم ~~وبالصبر ينصر العبد؛ ms3318 فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى. كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما يرحم الله من عباده الرحماء} وقال: {من ~~لا يرحم لا يرحم} وقال: " {لا تنزع الرحمة إلا من شقي} وقال {الراحمون ~~يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} . والله أعلم ~~انتهى. # PageV10P677 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: ~~الرضا ألا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار، فهل هذا الكلام صحيح؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الكلام على هذا القول من وجهين (*) : # أحدهما: من جهة ثبوته عن الشيخ. # والثاني من جهة صحته في نفسه وفساده. # أما " المقام الأول " فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا ~~عن الشيخ أبي سليمان بإسناد وإنما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في ~~رسالته عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم. تارة ~~يذكره بإسناد وتارة يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول: وقيل كذا - ثم الذي يذكره ~~بإسناد تارة يكون إسناده PageV10P678 # صحيحا وتارة يكون ضعيفا؛ بل موضوعا. وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى ~~وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء. فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو ~~صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع. فالموجود في كتب الرقائق والتصوف ~~من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع. وهذا الأمر ~~متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا؛ ~~بل نفس الكتب المصنفة في " التفسير " فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب ~~إلى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم. والمصنفون قد يكونون ~~أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه ~~كذب وهو الغالب على أهل الدين؛ فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة - ~~يذكرونه وإن علموا أنه كذب: إذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية ~~الأحاديث المكذوبة مع بيان كونها كذبا جائز. وأما ms3319 روايتها مع الإمساك عن ~~ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين} . ~~وقد فعل كثير من العلماء # PageV10P679 # متأولين أنهم لم يكذبوا وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذ رووه ~~لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه. # والمقصود هنا أن ما يوجد في " الرسالة " وأمثالها: من كتب الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من ~~السلف فيه: الصحيح والضعيف والموضوع. فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه ~~والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقه ~~إما لسوء حفظه وإما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه؛ فإن الفاسق قد ~~يصدق والغالط قد يحفظ. وغالب أبواب " الرسالة " فيها الأقسام الثلاثة. ومن ~~ذلك (باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ذاق طعم ~~الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا} ~~. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وإن كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه ~~لكنه رواه بإسناد صحيح. وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا - بل موضوعا - ~~وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر فهو وإن كان أول حديث ذكره في الباب # PageV10P680 # فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة ~~أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها؛ فإن الضعف ظاهر عليها وإن كان هو لا ~~يتعمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد ~~الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن؛ حتى قال ~~أيوب السختياني: لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة: لا شيء ~~وقال الإمام أحمد والنسائي: هو ضعيف. وقال يحيى بن معين: رجل سوء. وقال أبو ~~حاتم ms3320 وأبو زرعة: منكر الحديث. وكذلك ما ذكره من الآثار؛ فإنه قد ذكر آثارا ~~حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: " ~~إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض " فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن ~~السلمي بإسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء ~~المشايخ وحكاياتهم وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف ~~وغير ذلك وصنف في الأبواب كتاب مقامات الأولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل ~~على الأقسام الثلاثة. # وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادي يقول. من أراد أن ~~يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا الكلام في غاية الحسن ~~فإنه من لزم ما يرضي الله من امتثال # PageV10P681 # أوامره واجتناب نواهيه لا سيما إذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى ~~عنه كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصحيح الذي ~~في البخاري: {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته} الحديث. وذلك أن ### | الرضا نوعان: # أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. ويتناول ما أباحه الله من ~~غير تعد إلى المحظور كما قال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال تعالى: ~~{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وهذا الرضا واجب؛ ولهذا ذم من تركه ~~بقوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها ~~إذا هم يسخطون} {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله} . (والنوع الثاني الرضا بالمصائب: كالفقر ~~والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل: ~~إنه واجب والصحيح أن الواجب هو الصبر. كما قال الحسن: الرضا غريزة ولكن ~~الصبر معول المؤمن. وقد روي في ms3321 حديث ابن عباس # PageV10P682 # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين ~~فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا} . # وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان: فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى ~~بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال: {والله لا ~~يحب الفساد} وقال تعالى: {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين} وقال تعالى: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما} وقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم} وقال تعالى: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ~~خالدين فيها هي حسبهم} وقال تعالى: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون} وقال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} فإذا ~~كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب ~~عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك ألا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه. ~~وإنما ضل هنا " فريقان " من الناس: " قوم " من أهل الكلام المنتسبين إلى ~~السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى ~~إرادته وقد # PageV10P683 # علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية. وقالوا: هو أيضا محب لها ~~مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلام عن مواضعه. فقالوا: لا يحب الفساد بمعنى ~~لا يريد الفساد: أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر. أي لا يريده ~~لعباده المؤمنين. وهذا غلط عظيم؛ فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال: لا يحب ~~الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان: أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين ~~وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه. ثم قد ~~يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل. والكلام ~~على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. (والفريق الثاني) من غالطي المتصوفة ~~شربوا من هذه العين: فشهدوا أن الله رب ms3322 الكائنات جميعها وعلموا أنه قدر على ~~كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم: المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى ~~مراد المحبوب. قالوا: والكون كله مراد المحبوب. وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث ~~لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر ~~الكوني والديني والبعث الكوني والديني. والإرسال الكوني والديني. كما ~~بسطناه في غير هذا الموضع. # PageV10P684 # وهؤلاء يئول الأمر بهم إلى ألا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله ~~وأعدائه والأنبياء والمتقين. ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ~~ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا " حقيقة " ~~ولعمري إنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما ~~قال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: {قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} الآيات. ~~فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام. و " ~~المؤمن " إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا ~~وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله. ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من ~~المعائب. فهو من الذنوب يستغفر. وعلى المصائب يصبر. فهو كما قال تعالى: ~~{فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على ~~المصائب. كما # PageV10P685 # قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وقال تعالى: {وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين} . و " المقصود هنا ": أن ما ذكره القشيري عن ~~النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما ~~جعل الله رضاه فيه وكذلك قول الشيخ أبي سليمان: إذا ms3323 سلا العبد عن الشهوات ~~فهو راض؛ وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول ~~شهواتها فإذا لم يحصل سخط فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من ~~الرزق وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من ~~الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن. لكن أشك في ~~سماع بشر الحافي من الفضيل. وكذلك ما ذكره معلقا قال: قال الشبلي بين يدي ~~الجنيد: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر وضيق ~~الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام. وكان الجنيد - رضي الله ~~عنه - سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما - وذلك أن هذه الكلمة ~~كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة ~~الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا. فالجنيد # PageV10P686 # أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها إذ كانت حالا ينافي الرضا ولو ~~قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه. وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره ~~معلقا. (قال وقيل: قال موسى: " إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. ~~فقال: إنك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا فأوحى الله إليه: يا ابن ~~عمران رضائي في رضاك عني " فهذه الحكاية الإسرائيلية فيها نظر؛ فإنه قد ~~يقال: لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران. ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ~~ليس لها إسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من الدين إلا إذا كانت منقولة لنا ~~نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا به عن بني إسرائيل ولكن منه ما ~~يعلم كذبه مثل هذه؛ فإن موسى من أعظم أولي العزم وأكابر المسلمين؛ فكيف ~~يقال: إنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه والله تعالى راض عن ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. أفلا يرضى ~~عن موسى بن عمران كليم الرحمن وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير ms3324 البرية} {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه} ومعلوم أن موسى بن عمران عليه ~~السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات. # PageV10P687 # ثم إن الله خص موسى بمزية فوق الرضا. حيث قال: {وألقيت عليك محبة مني ~~ولتصنع على عيني} . ثم إن قوله له في الخطاب: يا ابن عمران مخالف لما ذكره ~~الله من خطابه في القرآن حيث قال: يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما ~~يظهر. ومثل ما ذكر أنه قيل: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى ~~الأشعري أما بعد: فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر. ~~فهذا الكلام كلام حسن. وإن لم يعلم إسناده. وإذا تبين أن فيما ذكره مسندا ~~ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح وغيره. فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان إلا ~~مرسلة. وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس؛ فإنه وإن قال بعض ~~الناس: إن المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف. ~~فأما إذا عرف ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء. كمن علم أنه تارة يحفظ ~~الإسناد وتارة يغلط فيه. والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشايخ وكلامهم ~~مثل كتاب (حلية الأولياء لأبي نعيم و (طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن و ~~(صفوة الصفوة لابن الجوزي. وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ ~~أبي سليمان. ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال: قال لأحمد بن أبي ~~الحواري: يا أحمد لقد أوتيت من الرضا # PageV10P688 # نصيبا لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا. فهذا الكلام مأثور عن أبي ~~سليمان بالإسناد؛ ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه أبي عبد الرحمن؛ ~~بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه. فلا أصل لها عن الشيخ أبي سليمان. ثم ~~إن القشيري قرن هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن منها فإنه قبل ~~أن يرويها قال: وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري عن قول النبي صلى ms3325 الله ~~عليه وسلم {أسألك الرضا بعد القضاء} فقال: لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا. ~~فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد. ثم أسند بعد هذا عن الشيخ ~~أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا. لو أنه أدخلني ~~النار لكنت بذلك راضيا. فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا. ~~وإنما هو عزم على الرضا وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء وإن كان هذا عزما ~~فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية؛ ~~ولهذا قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم. وقد قال ~~تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشايخ: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا # PageV10P689 # تفعلون} {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} {إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وفي الترمذي {أن بعض الصحابة ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية} وقد قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق ~~منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب} الآية. فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد ~~وأحبوه لما ابتلوا به كرهوه وفروا منه وأين ألم الجهاد من ألم النار؟ وعذاب ~~الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان ~~يقول: # وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني # فأخذه العسر من ساعته: أي حصره بوله؛ فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز ~~على الصبيان ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي ~~بكر الواسطي أنه قال سمنون: يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله ~~أربعة عشر ms3326 يوما؛ فكان يتلوى كما تتلوى الحية يتلوى يمينا وشمالا؛ فلما # PageV10P690 # أطلق بوله؛ قال: رب قد تبت إليك. قال أبو نعيم: فهذا الرضا الذي ادعى ~~سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب به المثل وله في ~~المحبة مقام مشهور حتى روي عن إبراهيم ابن فاتك أنه قال: رأيت سمنونا يتكلم ~~على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو منه حتى جلس على ~~يديه ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم؛ ومات الطائر. وقال ~~رأيته يوما يتكلم في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا. وقد ~~ذكر القشيري في (باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا حيث ~~قال: قال رويم: إن الراضي لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن ~~يساره؛ فهذا يشبه قول سمنون: فكيف ما شئت فامتحني. وإذا لم يطق الصبر على ~~عسر البول؛ أفيطيق أن تكون النار عن يمينه. والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة ~~من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى قال: بحبي لك إلا فرجت عني؛ ~~ففرج عنه. ورويم وإن كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة؛ بل ~~الصوفية يقولون: إنه رجع إلى الدنيا وترك التصوف؛ حتى روي عن جعفر الخلدي ~~صاحب الجنيد أنه قال: من أراد أن يستكتم سرا # PageV10P691 # فليفعل. كما فعل رويم. كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل: وكيف يتصور ذلك؟ ~~قال: ولي إسماعيل بن إسحاق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة؛ ~~فجذبه إليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب ~~والديبقي وأكل الطيبات وبني الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها ~~فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها. هذا مع أنه - رحمه الله - كان له من ~~العبادات ما هو معروف وكان على مذهب داود. وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب ~~حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا؛ ولكن ~~قد ms3327 يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير ~~في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من ~~التقوى والصبر، والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح ~~فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وإن لم يكن عاصيا أو ~~فاسقا أو كافرا. ويشبه هذا: {الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهو مريض كالفرخ فقال: هل كنت تدعو الله بشيء قال: كنت أقول: اللهم ~~ما كنت معذبني به في الآخرة فاجعله في الدنيا فقال: سبحان الله لا تستطيعه ~~ولا تطيقه هلا قلت: ربنا آتنا في # PageV10P692 # الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} فهذا أيضا حمله خوفه من ~~عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا وكان ~~مخطئا في ذلك غالطا. والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ~~ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما ~~من الخطأ والغلط؛ بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: له ~~لما عبر الرؤيا {أصبت بعضا وأخطأت بعضا} . ويشبه - والله أعلم - أن أبا ~~سليمان لما قال هذه الكلمة: - لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا - أن ~~يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعنى أنه قال: الرضا أن لا تسأل الله ~~الجنة ولا تستعيذه من النار. وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا ~~تدل على رضاه بذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم ~~لا يستمر بل ينفسخ وإن هذه الكلمة كان تركها أحسن من قولها؛ وأنها مستدركة؛ ~~كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك؛ فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا ~~عظيما. فإن تلك الكلمة مضمونها: أن من سأل الله الجنة. واستعاذ من النار. ~~لا يكون راضيا. وفرق بين من ms3328 يقول: أنا إذا فعل كذا كنت راضيا وبين # PageV10P693 # من يقول: لا يكون راضيا إلا من لا يطلب خيرا ولا يهرب من شر؛ وبهذا وغيره ~~يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا ~~سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم ومن أتبعهم للشريعة حتى إنه قال: إنه ~~ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. ~~فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول هذا مثل الكلام. وقال الشيخ أبو ~~سليمان أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا ~~سمع فيه بأثر كان نورا على نور؛ بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من أتبع ~~المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام تظهر ~~بالكلام في " المقام الثاني " وهو قول القائل كائنا من كان: الرضا ألا تسأل ~~الله الجنة ولا تستعيذه من النار. ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها أصل ما ~~وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب وذلك أن قوما كثيرا من ~~الناس: من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم ~~بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم ~~يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك. ثم صاروا ضربين: # PageV10P694 # " ضرب " أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم. كما ذهب إلى ذلك الجهمية من ~~المعتزلة وغيرهم. " ومنهم " من أقر بالرؤية إما الرؤية التي أخبر بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وإما برؤية فسروها ~~بزيادة كشف أو علم أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب ~~إليها ضرار بن عمرو وطوائف من أهل الكلام المنتسبين إلى نصر أهل السنة في ~~مسألة الرؤية وإن كان ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية. ~~والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع أهل السنة معنوي؛ ولهذا كان بشر وأمثاله ~~يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء. و (المقصود هنا أن مثبتة (الرؤية منهم ~~من أنكر ms3329 أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته ربه قالوا: لأنه لا مناسبة بين ~~المحدث والقديم كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في " الرسالة ~~النظامية " وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل ~~أنه سمع رجلا يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك. فقال: يا هذا هب أن له وجها ~~أله وجه يتلذذ بالنظر إليه وذكر أبو المعالي: أن الله يخلق لهم نعيما ببعض ~~المخلوقات مقارنا للرؤية فأما النعيم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من أسرار ~~التوحيد. # PageV10P695 # وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة ~~وأئمتها ومشايخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة ~~خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى ~~وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد ~~العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ~~ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين} ~~وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟ ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب ~~إليهم من النظر إليه} . وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم وهذا ~~متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق كما روي عن الحسن البصري أنه ~~قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في # PageV10P696 # الدنيا شوقا إليه وكلامهم في ذلك كثير. ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف ~~والأئمة والمشايخ على التنعم بالنظر إلى الله تعالى تنازعوا في " مسألة ~~المحبة " التي ms3330 هي أصل ذلك؛ فذهب طوائف من. . . (1) والفقهاء إلى أن الله لا ~~يحب نفسه وإنما المحبة محبة طاعته وعبادته؛ وقالوا: هو أيضا لا يحب عباده ~~المؤمنين؛ وإنما محبته إرادته للإحسان إليهم وولايتهم. ودخل في هذا القول ~~من انتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع فيه طوائف من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد: كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني ~~وأمثال هؤلاء. وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال؛ فإن أول من أنكر ~~" المحبة " في الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان؛ فضحى به خالد ~~بن عبد الله القسري. وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح ~~بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا؛ ولم يكلم موسى ~~تكليما ثم نزل فذبحه. والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها ومشايخ الطريق: أن الله يحب ويحب. ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من ~~PageV10P697 # أهل الكلام: كأبي القاسم القشيري؛ وأبي حامد الغزالي وأمثالهما. ونصر ذلك ~~أبو حامد في " الإحياء " وغيره. وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في " الرسالة " ~~على طريق الصوفية كما في كتاب أبي طالب المسمى ب " قوت القلوب " وأبو حامد ~~مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده من كتب الفلاسفة من ~~إثبات نحو ذلك حيث قالوا: يعشق ويعشق. وقد بسط الكلام على هذه المسألة ~~العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه. وقد قال تعالى: {يحبهم ~~ويحبونه} وقال تعالى {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال: {أحب إليكم من الله ~~ورسوله} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه كما يكره أن يلقى في النار} . و (المقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة ~~من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا ms3331 التلذذ ~~بالنظر إليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم إلا التنعم بالأكل والشرب ونحو ~~ذلك. وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ومشايخها فهذا أحد ~~الحزبين الغالطين. والضرب الثاني: طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة: # PageV10P698 # وافقوا هؤلاء على أن الجنة ليست إلا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق؛ ~~ولكن وافقوا السلف والأئمة على إثبات رؤية الله والتنعم بالنظر إليه ~~وأصابوا في ذلك وجعلوا يطلبون هذا النعيم وتسمو إليه همتهم ويخافون فوته ~~وصار أحدهم يقول: ما عبدتك شوقا إلى جنتك أو خوفا من نارك ولكن لأنظر إليك ~~وإجلالا لك. وأمثال هذه الكلمات. مقصودهم بذلك: هو أعلى من الأكل والشرب ~~والتمتع بالمخلوق لكن غلطوا في إخراج ذلك من الجنة. وقد يغلطون أيضا في ~~ظنهم أنهم يعبدون الله بلا حظ ولا إرادة وأن كل ما يطلب منه فهو حظ النفس. ~~وتوهموا أن البشر يعمل بلا إرادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة ~~الإيمان والدين والآخرة. وسبب ذلك أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبه ~~ومعبوده تفنيه من نفسه حتى لا يشعر بنفسه وإرادتها فيظن أنه يفعل لغير ~~مراده والذي طلب وعلق به همته غاية مراده ومطلوبه ومحبوبه وهذا كحال كثير ~~من الصالحين والصادقين وأرباب الأحوال والمقامات يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق ~~سليم لكن ليس له عبارة تبين كلامه فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة ~~مقصوده؛ وإن كان من الناس من يقع منه في مراده واعتقاده. فهؤلاء الذين ~~قالوا مثل هذا الكلام: إذا عنوا به طلب رؤية الله # PageV10P699 # تعالى أصابوا في ذلك؛ لكن أخطئوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا عن الجنة ~~فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك أمور منكرة؛ نظير ما ذكر عن الشبلي ~~رحمه الله أنه سمع قارئا يقرأ: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} ~~. فصرخ وقال أين مريد الله؟ . فيحمد منه كونه أراد الله؛ ولكن غلط في ظنه ~~أن الذين أرادوا الآخرة ما أرادوا الله؛ وهذه الآية في أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذين كانوا ms3332 معه بأحد وهم أفضل الخلق فإن لم يريدوا الله ~~أفيريد الله من هو دونهم؟ كالشبلي؟ وأمثاله. ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض ~~المشايخ أنه سأل مرة عن قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} قال: فإذا ~~كانت الأنفس والأموال في ثمن الجنة فالرؤية بم تنال؟ فأجابه مجيب بما يشبه ~~هذا السؤال. والواجب أن يعلم أن كل ما أعده الله للأولياء من نعيم بالنظر ~~إليه وما سوى ذلك هو في الجنة كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار. وقد ~~قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} ~~وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {يقول الله: أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل له ما أطلعتهم ~~عليه} وإذا علم أن # PageV10P700 # جميع ذلك داخل في الجنة فالناس في الجنة على درجات متفاوتة كما قال: ~~{انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} وكل مطلوب ~~للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة. وطلب الجنة ~~والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وجميع أوليائه السابقين ~~المقربين وأصحاب اليمين. كما في السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~بعض أصحابه: كيف تقول: في دعائك؟ قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ ~~بك من النار؛ أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال: حولهما ندندن} ~~فقد أخبر أنه هو صلى الله عليه وسلم ومعاذ - وهو أفضل الأئمة الراتبين ~~بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم - إنما يدندنون حول الجنة ~~أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي ~~خلفهما من المهاجرين والأنصار ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة. وأهل ~~الجنة نوعان: سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين. قال تعالى: {كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين} ms3333 {وما أدراك ما عليون} {كتاب مرقوم} {يشهده المقربون} ~~{إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} ~~{يسقون من رحيق مختوم} # PageV10P701 # {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} {ومزاجه من تسنيم} {عينا يشرب ~~بها المقربون} قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون ~~صرفا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة} فقد أخبر أن الوسيلة - التي لا تصلح إلا لعبد واحد من ~~عباد الله ورجا أن يكون هو ذلك العبد - هي درجة في الجنة فهل بقي بعد ~~الوسيلة شيء أعلى منها يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين. وثبت في الصحيح ~~أيضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس الذكر قال: {فيقولون ~~للرب تبارك وتعالى: وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك. قال: فيقول: وما ~~يطلبون؟ قالوا: يطلبون الجنة. قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا ~~قال: فيقول: فكيف لو رأوها قال: فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا. ~~قال: ومم يستعيذون قالوا: يستعيذون من النار. قال: فيقول: وهل رأوها قال: ~~فيقولون: لا. قال: فيقول: # PageV10P702 # فكيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد منها استعاذة. قال: فيقول: ~~أشهدكم أني أعطيتهم ما يطلبون وأعذتهم مما يستعيذون - أو كما قال - قال: ~~فيقولون: فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال: فيقول: هم القوم لا ~~يشقى بهم جليسهم} . - فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم ~~الجنة ومهربهم من النار. والنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة ~~العقبة وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء ~~المشايخ كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك ~~قال: {أشترط ms3334 لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط ~~لأصحابي أن تواسوهم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: لكم الجنة. ~~قالوا: مد يدك فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك} . وقد قالوا له في أثناء ~~البيعة {إن بيننا وبين القوم حبالا وعهودا وإنا ناقضوها} . فهؤلاء الذين ~~بايعوه من أعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم وأموالهم في رضا ~~الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين قد كان غاية ما ~~طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ولكن علموا أن في ~~الجنة كل محبوب ومطلوب؛ بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه فإن # PageV10P703 # الطلب والحب والإرادة فرع عن الشعور والإحساس والتصور فما لا يتصوره ~~الإنسان ولا يحسه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده فالجنة فيها هذا ~~وهذا. كما قال تعالى: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} وقال: {وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} ففيها ما يشتهون وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم ~~يبلغه علمهم ليشتهوه. كما قال صلى الله عليه وسلم {ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر} وهذا باب واسع. فإذا عرفت هذه " المقدمة " فقول ~~القائل: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار إن أراد بذلك ألا ~~تسأل الله ما هو داخل في مسمى الجنة الشرعية فلا تسأله النظر إليه ولا غير ~~ذلك مما هو مطلوب جميع الأنبياء والأولياء وإنك لا تستعيذ به من احتجاجه ~~عنك ولا من تعذيبك في النار. فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الأنبياء ~~والمرسلين وسائر المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح العقول. وذلك أن ~~الرضا الذي لا يسأل إنما لا يسأله لرضاه عن الله. ورضاه عنه إنما هو بعد ~~معرفته به ومحبته له. وإذا لم يبق معه رضا عن الله ولا محبة لله فكأنه قال: ~~يرضى ألا يرضى وهذا جمع بين النقيضين. ولا ريب أنه كلام من لم يتصور ما ~~يقول ولا عقله. ms3335 يوضح ذلك أن الراضي إنما يحمله على احتمال المكاره والآلام # PageV10P704 # ما يجده من لذة الرضا وحلاوته. فإذا فقد تلك الحلاوة واللذة امتنع أن ~~يتحمل ألما ومرارة فكيف يتصور أن يكون راضيا وليس معه من حلاوة الرضا ما ~~يحمل به مرارة المكاره؟ وإنما هذا من جنس كلام السكران والفاني الذي وجد في ~~نفسه حلاوة الرضا فظن أن هذا يبقى معه على أي حال كان وهذا غلط عظيم منه: ~~كغلط سمنون كما تقدم. وإن أراد بذلك أن لا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما ~~هو أعلى من ذلك؛ فقد غلط من وجهين: من جهة أنه لم يجعل ذلك المطلوب من ~~الجنة وهو أعلى نعيم الجنة. ومن جهة أنه أيضا أثبت أنه طالب مع كونه راضيا ~~فإذا كان الرضا لا ينافي هذا الطلب فلا ينافي طلبا آخر إذا كان محتاجا إلى ~~مطلوبه؛ ومعلوم أن تمتعه بالنظر لا يتم إلا بسلامته من النار وبتنعمه من ~~الجنة بما هو دون النظر. وما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب؛ فيكون طلبه ~~للنظر طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه لا ينافي طلب ~~حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ولا غيرهما ~~مما هو من لوازم النظر فتبين تناقض قوله. # PageV10P705 # وأيضا فإذا لم يسأل الله الجنة ولم يستعذ به من النار فإما أن يطلب من ~~الله ما هو دون ذلك مما يحتاج إليه من طلب منفعة ودفع مضرة. وإما ألا يطلبه ~~فإن طلب ما هو دون ذلك واستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه للجنة أولى واستعاذته ~~من النار أولى. وإن كان الرضا أن لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا إليه ولا ~~يستعيذ من شيء قط وإن كان مضرا فلا يخلو: إما أن يكون ملتفتا بقلبه إلى ~~الله في أن يفعل به ذلك وإما أن يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه إلى ~~الله فهو طالب مستعيذ بحاله ولا فرق بين الطلب بالحال والقال. وهو بهما ~~أكمل وأتم فلا يعدل ms3336 عنه. وإن كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم أنه لا ~~يحيا ويبقى إلا بما يقيم حياته ويدفع مضاره بذلك. والذي به يحيا من المنافع ~~ودفع المضار إما أن يحبه ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا ~~يريده. فإن أحبه وطلبه وأراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا عن أن ~~يكون محمودا. وإن قال لا أحبه وأطلبه وأريده لا من الله ولا من خلقه. قيل: ~~هذا ممتنع في الحي فإن الحي ممتنع عليه ألا يحب ما به يبقى وهذا أمر معلوم ~~بالحس ومن كان بهذه المثابة امتنع أن يوصف بالرضا فإن الراضي موصوف بحب ~~وإرادة خاصة إذ الرضا مستلزم لذلك. فكيف يسلب عنه ذلك كله # PageV10P706 # فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام. # وأما في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه: # أحدها: أن يقال الراضي لا بد أن يفعل ما يرضاه الله وإلا فكيف يكون راضيا ~~عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله؟ وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ~~ويذمه وينهى عنه. وبيان هذا: أن الرضا المحمود: إما أن يكون الله يحبه ~~ويرضاه وإما ألا يحبه ويرضاه فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا ~~مأمورا به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب؛ فإن من الرضا ما هو كفر كرضا ~~الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه. قال ~~تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} فمن ~~اتبع ما أسخط الله برضاه وعمله فقد أسخط الله. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها ومن ~~شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها} . وقال صلى الله عليه وسلم {سيكون ~~بعدي أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي ~~وتابع هلك} . وقال تعالى: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله # PageV10P707 # لا يرضى عن القوم الفاسقين} فرضانا عن القوم الفاسقين ليس مما ms3337 يحبه الله ~~ويرضاه وهو لا يرضى عنهم. وقال تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ~~فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} فهذا رضا قد ذمه الله. وقال ~~تعالى {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فهذا ~~أيضا رضا مذموم وسوى هذا وهذا كثير. فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق ~~غيره ومعاصيه ومعاصي غيره فليس هو متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله. بل ~~هو مسخط لربه وربه غضبان عليه لاعن له ذام له متوعد له بالعقاب. وطريق الله ~~التي يأمر بها المشايخ المهتدون: إنما هي الأمر بطاعة الله والنهي عن ~~معصيته. فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى عنه ~~ويعاقب أصحابه فهو عدو لله لا ولي لله وهو يصد عن سبيل الله وطريقه ليس ~~بسالك لطريقه وسبيله. وإذا كان الرضا الموجود في بني آدم منه ما يحبه الله ~~ومنه ما يكرهه ويسخطه ومنه ما هو مباح لا من هذا ولا من هذا كسائر أعمال ~~القلوب من الحب والبغض وغير ذلك: كلها تنقسم إلى محبوب لله ومكروه لله ~~مباح. # PageV10P708 # فإذا كان الأمر كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من ~~النار يقال له: سؤال الله الجنة واستعاذته من النار إما أن تكون واجبة وإما ~~أن تكون مستحبة وإما أن تكون مباحة وإما أن تكون مكروهة ولا يقول مسلم: ~~إنها محرمة ولا مكروهة وليست أيضا مباحة مستوية الطرفين. ولو قيل: إنها ~~كذلك ففعل المباح المستوي الطرفين لا ينافي الرضا؛ إذ ليس من شرط الراضي ~~ألا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور. فإذا كان ما يفعله ~~من هذه الأمور لا ينافي رضاه أينافي رضاه دعاء وسؤال هو مباح. وإذا كان ~~السؤال والدعاء كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم أن الله يرضى بفعل الواجبات ~~والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي من أولياء الله لا يفعل ما يرضاه ويحبه؛ ~~بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله. ms3338 والقشيري قد ~~ذكره في أوائل (باب الرضا فقال: اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء ~~الله الذي أمر بالرضا به إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب على ~~العبد الرضا به. كالمعاصي وفنون محن المسلمين. وهذا الذي قاله قاله قبله ~~وبعده ومعه غير واحد من العلماء: كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ~~وأمثالهما لما احتج عليهم القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به فلو كانت ~~المعاصي # PageV10P709 # بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها والرضا بما نهى الله عنه لا يجوز ~~فأجابهم أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة: (أحدها - وهو جواب هؤلاء وجماهير ~~الأئمة - أن هذا العموم ليس بصحيح فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضى وقدر ~~ولم يجئ في الكتاب والسنة أمر بذلك ولكن علينا أن نرضى بما أمرنا أن نرضى ~~به كطاعة الله ورسوله. وهذا هو الذي ذكره أبو القاسم. (والجواب الثاني أنهم ~~قالوا: إنا نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله لا بالمقضي الذي هو ~~مفعوله. وفي هذا الجواب ضعف قد بيناه في غير هذا الموضع. (الثالث أنهم ~~قالوا: هذه المعاصي لها وجهان: وجه إلى العبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه ~~ووجه إلى الرب من حيث هو خلقها وقضاها وقدرها فيرضى من الوجه الذي يضاف به ~~إلى الله ولا يرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد إذ كونها شرا وقبيحة ~~ومحرما وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك إنما هو من جهة كونها مضافة إلى العبد. ~~وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ما قد ذكرنا منه ما قد ذكرناه في ~~غير هذا الموضع؛ ولا يحتمله هذا المكان. فإن # PageV10P710 # هذا متعلق بمسائل " الصفات والقدر " وهي من أعظم مطالب الدين وأشرف علوم ~~الأولين والآخرين وأدقها على عقول أكثر العالمين. والمقصود هنا أن مشايخ ~~الصوفية والعلماء وغيرهم قد بينوا أن من الرضا ما يكون جائزا ومنه ما لا ~~يكون جائزا فضلا عن كونه مستحبا أو من صفات المقربين وأن أبا القاسم ذكر ~~ذلك في " الرسالة " أيضا. ms3339 (فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه أمر بين واضح فمن أين ~~غلط من قال: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار؟ وغلط من ~~يستحسن مثل هذا الكلام كائنا من كان؟ . (قيل: غلطوا في ذلك لأنهم رأوا أن ~~الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الأمر فالعبد إذا كان في حال من الأحوال فمن ~~رضاه ألا يطلب غير تلك الحال ثم إنهم رأوا أن أقصى المطالب الجنة وأقصى ~~المكاره النار. فقالوا: ينبغي ألا يطلب شيئا ولو أنه الجنة ولا يكره ما ~~يناله ولو أنه النار وهذا وجه غلطهم. ودخل عليهم الضلال من وجهين: (أحدهما: ~~ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه # PageV10P711 # وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال ~~يكون فيها للعبد طريقا إلى الله فضلوا ضلالا مبينا. والطريق إلى الله إنما ~~هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه ~~هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا أحبه؛ بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على ~~أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو. وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب ~~وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من ~~يعادي. فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه وكان كل ذم ~~نال من رضي ما أسخط الله قد نالك. فتدبر هذا؛ فإنه ينبه على أصل عظيم ضل ~~فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله. # الوجه الثاني: أنهم لا يفرقون بين الدعاء الذي أمروا به أمر إيجاب وأمر ~~استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء ~~العبد لربه ومسألته إياه ثلاثة أنواع: " نوع " أمر العبد به إما أمر إيجاب ~~وإما أمر استحباب: مثل # PageV10P712 # قوله {اهدنا الصراط المستقيم} ومثل دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به أصحابه فقال: ms3340 {إذا قعد أحدكم في الصلاة ~~فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ~~وفتنة المسيح الدجال} . فهذا دعاء أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا ~~به في آخر صلاتهم. وقد اتفقت الأمة على أنه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه ~~وتنازعوا في وجوبه. فأوجبه طاووس وطائفة وهو قول في مذهب أحمد رضي الله عنه ~~والأكثرون قالوا: هذا مستحب والأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو بها: لا تخرج عن أن تكون واجبة أو مستحبة وكل واحد من الواجب والمستحب ~~يحبه الله ويرضاه. ومن فعله رضي الله عنه وأرضاه فهل يكون من الرضا ترك ما ~~يحبه ويرضاه. و " نوع من الدعاء " ينهى عنه: كالاعتداء مثل أن يسأل الرجل ~~ما لا يصلح من خصائص الأنبياء وليس هو بنبي وربما هو من خصائص الرب سبحانه ~~وتعالى. مثل أن يسأل لنفسه الوسيلة التي لا تصلح إلا لعبد من عباده أو يسأل ~~الله تعالى أن يجعله بكل شيء عليما أو على كل شيء قديرا وأن يرفع عنه كل ~~حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب. وأمثال ذلك أو مثل من يدعوه ظانا أنه محتاج ~~إلى عباده؛ وأنهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل. ويذكر أنه إذا لم ~~يفعله # PageV10P713 # حصل له من الخلق ضير. وهذا ونحوه جهل بالله واعتداء في الدعاء وإن وقع في ~~ذلك طائفة من الشيوخ. ومثل أن يقولوا: اللهم اغفر لي إن شئت فيظن أن الله ~~قد يفعل الشيء مكرها وقد يفعل مختارا. كالملوك فيقول: اغفر لي إن شئت وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: {لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن ~~شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له} ومثل أن ~~يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق وأمثال ذلك فهذه الأدعية ونحوها منهي ~~عنها. ومن الدعاء ما هو مباح كطلب الفضول التي لا معصية فيها. و (المقصود ~~أن الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ms3341 ولا ترك مستحب فالدعاء ~~الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا؛ كما أن ترك سائر الواجبات لا ~~يكون من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من المشروع. فقد تبين غلط هؤلاء من ~~جهة ظنهم أن الرضا مشروع بكل مقدور ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء ~~المشروع إيجابا واستحبابا والدعاء غير المشروع. وقد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن طلب الجنة من الله والاستعاذة به من النار هو من أعظم الأدعية ~~المشروعة لجميع المرسلين # PageV10P714 # والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو ~~مستحبا وطريق أولياء الله التي يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات إذ ~~ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين. ثم إنه لما أوقع ~~هؤلاء في هذا الغلط أنهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون الله جلب المنافع ~~ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة كون ذلك عبادة وطاعة ~~وخيرا؛ بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره ~~النفس وتريده وألا يكون لأحدهم إرادة أصلا؛ بل يكون مطلوبه الجريان تحت ~~القدر - كائنا من كان - وهذا هو الذي أدخل كثيرا منهم في الرهبانية والخروج ~~عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه وما ~~لا تتم مصلحة دينهم إلا به؛ فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمور بحكم الطبع ~~والهوى والعادة ومعلوم أن الأفعال التي على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا ~~طاعة ولا قربة فرأى أولئك الطريق إلى الله ترك هذه العبادات والأفعال ~~الطبعيات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك ~~الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ~~ومحرمات. # PageV10P715 # وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق إلى الله: طريق المفرطين ~~الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج إليها على غير وجه العبادة والتقرب إلى ~~الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال؛ بل المشروع أن تفعل بنية ~~التقرب ms3342 إلى الله وأن يشكر الله. قال الله تعالى: {كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا} وقال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} فأمر بالأكل ~~والشرب فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل ولم يشكر كان مذموما وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها} . وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لسعد: {إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها ~~درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك} وفي الصحيح أيضا أنه قال: {نفقة ~~المؤمن على أهله يحتسبها صدقة} . فكذلك الأدعية هنا من الناس من يسأل الله ~~جلب المنفعة له ودفع المضرة عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من المشروع ~~أن أدع الدعاء مطلقا لتقصير هذا وتفريطه؛ بل أفعله أنا شرعا وعبادة. ثم ~~اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة إنما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه ~~المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته؛ بخلاف # PageV10P716 # الذي يفعله طبعا فإنه إنما يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعالى {فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} {ومنهم من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} {أولئك ~~لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من ~~النار إنما يطلب حسنة الآخرة فهو محمود. ومما يبين الأمر في ذلك أن يرد قول ~~هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا ~~يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا من القربات فإن ذلك إنما فائدته ~~حصول الثواب ودفع العقاب. فإذا كان هو لا يطلب حصول الثواب الذي هو الجنة ~~ولا دفع العقاب الذي هو النار فلا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا ويقول أنا ~~راض بكل ما يفعله بي وإن كفرت وفسقت وعصيت؛ بل يقول: أنا أكفر وأفسق وأعصي ~~حتى يعاقبني وأرضى بعقابه فأنال درجة الرضا ms3343 بقضائه وهذا قول من هو من أجهل ~~الخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم. أما جهله وحمقه فلأن الرضى بذلك ممتنع متعذر ~~لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين. # PageV10P717 # وأما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه. ~~ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت كثيرا من أهل الإرادة من المتصوفة ~~في أن تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به إما ناقصين محرومين ~~وإما عاصين فاسقين وإما كافرين وقد رأيت من ذلك ألوانا. {ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور} . وهؤلاء والمعتزلة ونحوهم من القدرية طرفا نقيض - ~~هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن الأمر. وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن ~~القدر - والطائفتان تظن أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر كما أن طائفة تجعل ~~ذلك مخالفا للحكمة والعدل. وهذه الأصناف الثلاثة هي: القدرية المجوسية ~~والقدرية المشركية؛ والقدرية الإبليسية؛ وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا ~~الموضع. وأصل ما يبتلى به السالكون أهل الإرادة والعامة في هذا الزمان هي " ~~القدرية المشركية " فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر كما قال فيهم بعض ~~العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت ~~به. وإنما المشروع العكس وهو أن يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل ~~الفعل ويشكره عليها بعد الفعل. # PageV10P718 # ويجتهد أن لا يعصي فإذا أذنب وعصى بادر إلى التوبة والاستغفار كما في ~~حديث سيد الاستغفار: {أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي} وكما في الحديث ~~الصحيح الإلهي {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} . ومن هذا الباب ~~دخل قوم من أهل الإرادة في ترك الدعاء وآخرون جعلوا التوكل والمحبة من ~~مقامات العامة وأمثال هذه الأغاليط التي تكلمنا عليها في غير هذا الموضع ~~وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك؛ ولهذا يوجد في كلام هؤلاء المشايخ ~~الوصية باتباع العلم والشريعة حتى قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا ~~يشهد له الكتاب ms3344 والسنة فهو باطل. وقال الجنيد بن محمد: علمنا مقيد بالكتاب ~~والسنة؛ فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم في علمنا والله ~~أعلم. # PageV10P719 # ما تقول السادة العلماء: # في من عزم على " فعل محرم " كالزنا والسرقة وشرب الخمر عزما جازما - فعجز ~~عن فعله: إما بموت أو غيره. هل يأثم بمجرد العزم أم لا؟ وإن قلتم: يأثم فما ~~جواب من يحتج على عدم الإثم بقوله: {إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم تكتب ~~عليه} وبقوله: {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو ~~تتكلم} واحتج به من وجهين. (أحدهما أنه أخبر بالعفو عن حديث النفس والعزم ~~داخل في العموم والعزم والهم واحد. قاله ابن سيده. (الثاني أنه جعل التجاوز ~~ممتدا إلى أن يوجد كلام أو عمل وما قبل ذلك داخل في حد التجاوز ويزعم أن لا ~~دلالة في قول النبي صلى الله عليه وسلم {إذ التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار} لأن الموجب لدخول المقتول في النار مواجهته ~~أخاه لأنه عمل لا مجرد قصد وأن لا دلالة في قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الذي قال: {لو أن لي مالا لفعلت وفعلت أنهما في الإثم سواء وفي الأجر سواء} ~~لأنه تكلم، # PageV10P720 # والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما لم تعمل به أو تتكلم} وهذا قد تكلم ~~وقد وقع في هذه المسألة كلام كثير واحتيج إلى بيانها مطولا مكشوفا مستوفى. # فأجاب: شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه. # الحمد لله، هذه المسألة ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور ~~لها فإن اضطراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين. # أحدهما عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها التي هي مورد الكلام. # والثاني عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها؛ ولهذا كثر اضطراب كثير من الناس ~~في هذا الباب حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون إجماعات متناقضة في ~~الظاهر. فينبغي أن يعلم أن كل واحد من صفات الحي التي هي العلم والقدرة ~~والإرادة ونحوها له ms3345 من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا يضبطه العباد: ~~كالشك ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ومراتبه؛ وكذلك الهم والإرادة والعزم ~~وغير ذلك؛ ولهذا كان الصواب عند جماهير أهل السنة - وهو # PageV10P721 # ظاهر مذهب أحمد وهو أصح الروايتين عنه وقول أكثر أصحابه - أن العلم ~~والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان بل وكذلك الصفات التي تقوم بغير ~~الحي: كالألوان والطعوم والأرواح. فنقول أولا الإرادة الجازمة هي التي يجب ~~وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع ~~القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضي السالم عن المعارض ~~المقاوم ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة ~~جازمة وهو إرادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال ولم يفعلوه وإن كانت ~~هذه الإرادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتا كثيرا؛ لكن حيث لم يقع الفعل ~~المراد مع وجود القدرة التامة فليست الإرادة جازمة جزما تاما. وهذه " ~~المسألة " إنما كثر فيها النزاع؛ لأنهم قدروا إرادة جازمة للفعل لا يقترن ~~بها شيء من الفعل وهذا لا يكون. وإنما يكون ذلك في العزم على أن يفعل فقد ~~يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئا في الحال والعزم على أن ~~يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل بل لا بد عند وجوده من حدوث تمام ~~الإرادة المستلزمة للفعل وهذه هي الإرادة الجازمة. و " الإرادة الجازمة " ~~إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام: له ~~ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام # PageV10P722 # الذي فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته ~~مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر ومنها ما يتولد عن فعل الإنسان ~~كالداعي إلى هدى أو إلى ضلالة والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من دعا إلى هدى كان له من ~~الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ms3346 ضلالة ~~كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء} وثبت ~~عنه في الصحيحين أنه قال: {من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء} . فالداعي إلى الهدى وإلى ~~الضلالة هو طالب مريد كامل الطلب والإرادة لما دعا إليه؛ لكن قدرته بالدعاء ~~والأمر وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول؛ ولهذا قرن الله تعالى في كتابه بين ~~الأفعال المباشرة والمتولدة فقال: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} {ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون} . فذكر في الآية الأولى ما يحدث عن أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة: # PageV10P723 # وهو ما يصيبهم من العطش والجوع والتعب وما يحصل للكفار بهم من الغيظ وما ~~ينالونه من العدو. وقال: {كتب لهم به عمل صالح} فأخبر أن هذه الأمور التي ~~تحدث وتتولد من فعلهم وفعل آخر منفصل عنهم يكتب لهم بها عمل صالح وذكر في ~~الآية الثانية نفس أعمالهم المباشرة التي باشروها بأنفسهم: وهي الإنفاق ~~وقطع المسافة فلهذا قال فيها: {إلا كتب لهم} فإن هذه نفسها عمل صالح ~~وإرادتهم في الموضعين جازمة على مطلوبهم الذي هو أن يكون الدين كله لله وأن ~~تكون كلمة الله هي العليا فما حدث مع هذه الإرادة الجازمة من الأمور التي ~~تعين فيها قدرتهم بعض الإعانة هي لهم عمل صالح. وكذلك " الداعي إلى الهدى ~~والضلالة " لما كانت إرادته جازمة كاملة في هدى الأتباع وضلالهم وأتى من ~~الإعانة على ذلك بما يقدر عليه كان بمنزلة العامل الكامل فله من الجزاء مثل ~~جزاء كل من اتبعه: للهادي مثل أجور المهتدين وللمضل مثل أوزار الضالين ~~وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة؛ فإن السنة هي ما رسم للتحري فإن السان ~~كامل الإرادة ms3347 لكل ما يفعل من ذلك وفعله بحسب قدرته. ومن هذا قوله في الحديث ~~المتفق عليه عن ابن مسعود عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تقتل ~~نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛} لأنه أول من سن القتل " ~~فالكفل # PageV10P724 # النصيب مثل نصيب القاتل كما فسره الحديث الآخر وهو كما استباح جنس قتل ~~المعصوم لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة فصار شريكا في قتل كل نفس ~~ومنه قوله تعالى {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} . ويشبه هذا أنه من كذب رسولا معينا كان كتكذيب جنس الرسل كما قيل ~~فيه: {كذبت قوم نوح المرسلين} {كذبت عاد المرسلين} ونحو ذلك. ومن هذا الباب ~~قوله تعالى {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} فأخبر أن أئمة الضلال لا ~~يحملون من خطايا الأتباع شيئا وأخبر أنهم يحملون أثقالهم وهي أوزار الأتباع ~~من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيء؛ لأن إرادتهم كانت جازمة بذلك وفعلوا ~~مقدورهم فصار لهم جزاء كل عامل؛ لأن الجزاء على العمل يستحق مع الإرادة ~~الجازمة وفعل المقدور منه. وهو كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن ~~أبي سفيان: # PageV10P725 # أن {النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل: فإن توليت فإن عليك إثم ~~الأريسيين} فأخبر أن هرقل لما كان إمامهم المتبوع في دينهم أن عليه إثم ~~الأريسيين وهم الأتباع وإن كان قد قيل: إن أصل هذه الكلمة من الفلاحين ~~والأكرة كلفظ الطاء بالتركي فإن هذه الكلمة تقلب إلى ما هو أعم من ذلك ~~ومعلوم أنه إذا تولى عن أتباع الرسول كان عليه مثل آثامهم من غير أن ينقص ~~من آثامهم شيء كما دل عليه سائر نصوص الكتاب والسنة. ومن ms3348 هذا قوله تعالى ~~{إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} {لا ~~جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين} {وإذا قيل ~~لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} . فقوله: {ومن أوزار الذين ~~يضلونهم} هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع وهي حاصلة من جهة الآمر ومن جهة ~~المأمور الممتثل فالقدرتان مشتركتان في حصول ذلك الضلال؛ فلهذا كان على هذا ~~بعضه وعلى هذا بعضه إلا أن كل بعض من هذين البعضين هو مثل وزر عامل كامل ~~كما دلت عليه سائر النصوص مثل قوله: # PageV10P726 # {من دعا إلى الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة} . ~~ومن هذا الباب قوله تعالى {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت ~~أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون} . فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف ~~العذاب كما أخبر عنهم بذلك في قوله تعالى {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا ~~وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} ~~. وأخبر سبحانه أن لكل من المتبعين والأتباع تضعيفا من العذاب. ولكن لا ~~يعلم الأتباع التضعيف. ولهذا وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى وعظيم ~~الذم واللعنة لأئمة الضلال حتى روي في أثر - لا يحضرني إسناده - إنه ما من ~~عذاب في النار إلا يبدأ فيه بإبليس ثم يصعد بعد ذلك إلى غيره وما من نعيم ~~في الجنة إلا يبدأ فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ينتقل إلى غيره} فإنه ~~هو الإمام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم. كما قال: {أنا سيد ولد آدم ~~ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة # PageV10P727 # ولا فخر} وهو شفيع الأولين والآخرين في الحساب بينهم؛ وهو أول من يستفتح ~~باب الجنة. وذلك أن ms3349 جميع الخلائق أخذ الله عليهم ميثاق الإيمان به كما أخذ ~~على كل نبي أن يؤمن بمن قبله من الأنبياء؛ ويصدق بمن بعده. قال تعالى: {وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما ~~معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} الآية. فافتتح الكلام باللام الموطئة للقسم التي ~~يؤتى بها إذا اشتمل الكلام على قسم وشرط؛ وأدخل اللام على ما الشرطية ليبين ~~العموم ويكون المعنى: مهما آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم إذا جاءكم ذلك النبي ~~المصدق الإيمان به ونصره. كما قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه ~~الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. والله تعالى قد نوه بذكره ~~وأعلنه في الملأ الأعلى ما بين خلق جسد آدم ونفخ الروح فيه؛ كما في {حديث ~~ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ - وفي رواية - متى كتبت ~~نبيا؟ فقال: وآدم بين الروح والجسد} رواه أحمد. وكذلك في حديث العرباض بن ~~سارية الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {قال: ~~إني عند الله لخاتم النبيين. وإن آدم لمنجدل في طينته} الحديث. # PageV10P728 # فكتب الله وقدر في ذلك الوقت وفي تلك الحال أمر إمام الذرية كما كتب وقدر ~~حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه كما ثبت ذلك في ~~الصحيحين من حديث ابن مسعود. فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك ~~وإن كان ثواب من آمن به وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت ~~إلا بالإيمان المجمل؛ على أنه إمام مطلق لجميع الذرية وأن له نصيبا من ~~إيمان كل مؤمن من الأولين والآخرين؛ كما أن كل ضلال وغواية في الجن والإنس ~~لإبليس منه نصيب؛ فهذا يحقق الأثر المروي ويؤيد ما في نسخة شعيب بن أبي ~~حمزة عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا - إما من مراسيل الزهري. ~~وإما من مراسيل من فوقه من التابعين - قال: {بعثت داعيا وليس ms3350 إلي من ~~الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء} . ومما ~~يدخل في هذا الباب من بعض الوجوه قوله في الحديث الذي في السنن: {وزنت ~~بالأمة فرجحت ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح ثم رفع ~~الميزان} فأما كون النبي صلى الله عليه وسلم راجحا بالأمة فظاهر؛ لأن له ~~مثل أجر جميع الأمة مضافا إلى أجره وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما # PageV10P729 # معاونة مع الإرادة الجازمة في إيمان الأمة كلها وأبو بكر كان في ذلك ~~سابقا لعمر وأقوى إرادة منه؛ فإنهما هما اللذان كانا يعاونان النبي صلى ~~الله عليه وسلم على إيمان الأمة في دقيق الأمور وجليلها؛ في محياه وبعد ~~وفاته. ولهذا {سأل أبو سفيان يوم أحد: أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي ~~قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه. ~~فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله ~~إن الذي ذكرت لأحياء وقد بقي لك ما يسوءك} رواه البخاري ومسلم حديث البراء ~~بن عازب. فأبو سفيان - رأس الكفر حينئذ - لم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة؛ ~~لأنهم قادة المؤمنين. كما ثبت في الصحيحين أن {علي بن أبي طالب لما وضعت ~~جنازة عمر قال: والله ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله من هذا ~~المسجى والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك؛ فإني كثيرا ما كنت أسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر ~~وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر} وأمثال هذه النصوص كثيرة تبين سبب ~~استحقاقهما إن كان لهما مثل أعمال جميع الأمة؛ لوجود الإرادة الجازمة مع ~~التمكن من القدرة # PageV10P730 # على ذلك؛ كله بخلاف من أعان على بعض ذلك دون بعض ووجدت منه إرادة في بعض ~~ذلك دون بعض. و " أيضا " فالمريد إرادة جازمة مع فعل المقدور هو بمنزلة ~~العامل الكامل وإن لم يكن إماما وداعيا كما قال ms3351 سبحانه: {لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان ~~الله غفورا رحيما} فالله تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس ~~بعاجز؛ ولم ينف المساواة بين المجاهد وبين القاعد العاجز؛ بل يقال: دليل ~~الخطاب يقتضي مساواته إياه. ولفظ الآية صريح. استثنى أولو الضرر من نفي ~~المساواة فالاستثناء هنا هو من النفي وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون ~~القاعدين وإن لم يساووهم في الجميع ويوافقه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في غزوة تبوك: {إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم ~~واديا إلا كانوا معكم. قالوا: وهم بالمدينة. قال: وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر} فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه إلا العذر هو مثل من معهم ~~في هذه الغزوة. ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز ~~على قدر نيته # PageV10P731 # فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم إلا العذر. ومن هذا الباب ما ثبت في ~~الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا مرض العبد ~~أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم} فإنه إذا كان يعمل في الصحة ~~والإقامة عملا ثم لم يتركه إلا لمرض أو سفر ثبت أنه إنما ترك لوجود العجز ~~والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الإرادة الجازمة التي لم يتخلف ~~عنها الفعل إلا لضعف القدرة ما للعامل والمسافر وإن كان قادرا مع مشقة كذلك ~~بعض المرض إلا أن القدرة الشرعية هي التي يحصل بها الفعل من غير مضرة راجحة ~~كما في قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقوله: ~~{فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} ونحو ذلك ليس المعتبر في الشرع القدرة ~~التي يمكن وجود الفعل بها على أي وجه كان بل لا بد أن ms3352 تكون المكنة خالية عن ~~مضرة راجحة بل أو مكافئة. ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا} وقوله: {من فطر ~~صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء} فإن الغزو يحتاج إلى جهاد ~~بالنفس وجهاد بالمال فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الإرادة الجازمة ~~في كل منهما كان كل منهما مجاهدا # PageV10P732 # بإرادته الجازمة ومبلغ قدرته وكذلك لا بد للغازي من خليفة في الأهل فإذا ~~خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز وكذلك الصيام لا بد فيه من إمساك ولا بد ~~فيه من العشاء الذي به يتم الصوم وإلا فالصائم الذي لا يستطيع العشاء لا ~~يتمكن من الصوم. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: {إذا أنفقت المرأة من مال ~~زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها مثل ذلك لا ينقص بعضهم من ~~أجور بعض شيئا} وكذلك قوله في حديث أبي موسى: {الخازن الأمين الذي يعطي ما ~~أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين} أخرجاه. وذلك أن إعطاء ~~الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به موفرا طيبة به نفسه لا يكون إلا مع ~~الإرادة الجازمة الموافقة لإرادة الآمر وقد فعل مقدوره وهو الامتثال فكان ~~أحد المتصدقين. ومن هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد وابن ~~ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله ~~علما ومالا فهو يعمل فيه بطاعة الله فقال رجل: لو أن لي مثل فلان لعملت ~~بعمله فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهما في الأجر سواء} وقد رواه الترمذي ~~مطولا وقال حديث حسن صحيح فهذا التساوي مع " الأجر والوزر " هو في حكاية ~~حال من قال ذلك # PageV10P733 # وكان صادقا فيه وعلم الله منه إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات ~~القدرة؛ فلهذا استويا في الثواب والعقاب. وليس هذه الحال تحصل لكل من قال: ~~" لو أن لي ما ms3353 لفلان لفعلت مثل ما يفعل " إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب ~~وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة وإلا فكثير من الناس يقول ذلك عن ~~عزم لو اقترنت به القدرة لانفسخت عزيمته كعامة الخلق يعاهدون وينقضون وليس ~~كل من عزم على شيء عزما جازما قبل القدرة عليه وعدم الصوارف عن الفعل تبقى ~~تلك الإرادة عند القدرة المقارنة للصوارف كما قال تعالى: {ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} وكما قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} وكما قال: {ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون} وحديث أبي كبشة في النيات مثل حديث البطاقة في الكلمات. ~~وهو الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أن رجلا من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ينشر الله له يوم ~~القيامة تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مدى البصر ويقال له هل تنكر من هذا ~~شيئا؟ هل ظلمتك؟ فيقول: # PageV10P734 # لا يا رب. فيقال له: لا ظلم عليك اليوم فيؤتى ببطاقة فيها التوحيد؛ فتوضع ~~في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة} فهذا لما اقترن بهذه ~~الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن ~~اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما. ~~ومثل هذا الحديث الذي في حديث: المرأة البغي التي سقت كلبا فغفر الله لها؛ ~~فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة إذ ذاك ومثله قوله صلى الله ~~عليه وسلم {إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ~~يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط ~~الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت. يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة} # فصل: # وبهذا تبين: أن الأحاديث التي بها التفريق بين الهام والعامل ms3354 وأمثالها ~~إنما هي فيما دون الإرادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل. كما في ~~الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: # PageV10P735 # {إن الله كتب الحسنات والسيئات؛ ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها ~~كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ~~ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها له الله له حسنة كاملة. فإن هم بها وعملها ~~كتبها الله له عنده سيئة واحدة} وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي هريرة. فهذا ~~التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل؛ ولهذا قال: " فعملها " " فلم يعملها " ومن ~~أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن إرادته جازمة؛ فإن الإرادة الجازمة مع القدرة ~~مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود الفعل وموجب له؛ إذ لو توقف على ~~شيء آخر لم تكن الإرادة الجازمة مع القدرة تامة كافية في وجود الفعل ومن ~~المعلوم المحسوس أن الأمر بخلاف ذلك ولا ريب أن " الهم " و " العزم " و " ~~الإرادة " ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل إلا للعجز وقد لا ~~يكون هذا على هذا الوجه من الجزم. فهذا " القسم الثاني " يفرق فيه بين ~~المريد والفاعل؛ بل يفرق بين إرادة وإرادة إذ الإرادة هي عمل القلب الذي هو ~~ملك الجسد. كما قال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك ~~طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وتحقيق ذلك ما في الصحيحين من حديث ~~النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV10P736 # {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهي القلب} فإذا هم بحسنة فلم يعملها كان قد أتى بحسنة وهي الهم ~~بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة فإن ذلك طاعة وخير وكذلك هو في عرف الناس كما ~~قيل: # لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء ms3355 بالقدر المحتوم مصروف # فإن عملها كتبها الله له عشر حسنات لما مضى رحمته أن من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. كما قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} وكما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن جاء بناقة {لك بها يوم القيامة ~~سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة إلى أضعاف كثيرة} . وقد روي عن أبي هريرة ~~مرفوعا {أنه يعطى به ألف ألف حسنة} . وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها ~~وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح. ~~وسواء سمي همه إرادة أو عزما أو لم يسم متى كان قادرا على الفعل وهم به ~~وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست إرادته جازمة وهذا موافق لقوله في ~~الحديث الصحيح # PageV10P737 # حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي ما ~~حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به} فإن ما هم به العبد من الأمور ~~التي يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها ولم يعملها لم تكن إرادته ~~لها جازمة فتلك مما لم يكتبها الله عليه كما شهد به قوله: {من هم بسيئة فلم ~~يعملها} ومن حكى الإجماع كابن عبد البر وغيره. في هذه المسألة على هذا ~~الحديث فهو صحيح بهذا الاعتبار. وهذا الهام بالسيئة: فإما أن يتركها لخشية ~~الله وخوفه أو يتركها لغير ذلك؛ فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده ~~حسنة كاملة كما قد صرح به في الحديث وكما قد جاء في الحديث الآخر {اكتبوها ~~له حسنة فإنما تركها من أجلي أو قال: من جرائي} وأما إن تركها لغير ذلك لم ~~تكتب عليه سيئة كما جاء في الحديث الآخر {فإن لم يعملها لم تكتب عليه} . ~~وبهذا تتفق معاني الأحاديث. وإن عملها لم تكتب عليه إلا سيئة واحدة فإن ~~الله تعالى لا يضعف السيئات بغير عمل صاحبها ولا يجزي الإنسان في ms3356 الآخرة ~~إلا بما عملت نفسه ولا تمتلئ جهنم إلا من أتباع إبليس من الجنة والناس كما ~~قال تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ولهذا ثبت في الصحيحين ~~من حديث أبي هريرة وأنس {أن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ الله لها أقواما في ~~الآخرة وأما النار فإنه ينزوي بعضها إلى # PageV10P738 # بعض حتى يضع عليها قدمه فتمتلئ بمن دخلها من أتباع إبليس} . ولهذا كان ~~الصحيح المنصوص عن أئمة العدل كأحمد وغيره الوقف في أولاد المشركين؛ وأنه ~~لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديثين الصحيحين: حديث أبي هريرة وابن عباس: {الله أعلم بما ~~كانوا عاملين} . فحديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث ابن عباس في البخاري ~~وفي حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري {أن منهم من يدخل الجنة} وثبت {أن ~~منهم من يدخل النار} كما في صحيح مسلم في قصة الغلام الذي قتله الخضر وهذا ~~يحقق ما روي من وجوه: أنهم يمتحنون يوم القيامة فيظهر على علم الله فيهم ~~فيجزيهم حينئذ على الطاعة والمعصية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة ~~والحديث واختاره. وأما أئمة الضلال - الذين عليهم أوزار من أضلوه - ونحوهم ~~فقد بينا أنهم إنما عوقبوا لوجود الإرادة الجازمة مع التمكن من الفعل؛ ~~بقوله في حديث أبي كبشة " فهما في الوزر سواء " وقوله: {من دعا إلى ضلالة ~~كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه} فإذا وجدت الإرادة الجازمة والتمكن ~~من الفعل صاروا بمنزلة الفاعل التام، والهام بالسيئة التي لم يعملها مع ~~قدرته عليها لم توجد منه إرادة جازمة وفاعل # PageV10P739 # السيئة التي تمضي لا يجزى بها إلا سيئة واحدة كما شهد به النص وبهذا يظهر ~~قول الأئمة حيث قال الإمام أحمد: " الهم " همان: هم خطرات وهم إصرار. فهم ~~الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه إصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل. ~~ومن هذا الباب هم " يوسف " حيث قال تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن ms3357 ~~رأى برهان ربه} الآية. وأما هم المرأة التي راودته فقد قيل: إنه كان هم ~~إصرار لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن المنافقين في قوله تعالى {وهموا ~~بما لم ينالوا} فهذا الهم المذكور عنهم هم مذموم كما ذمهم الله عليه ومثله ~~يذم وإن لم يكن جازما كما سنبينه في آخر الجواب من الفرق بين ما ينافي ~~الإيمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على السيئات الجازم بإرادة فعلها ~~إذا لم يمنعه إلا مجرد العجز فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل لحديث أبي ~~كبشة ولما في الحديث الصحيح {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول ~~في النار قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه} وفي لفظ: {إنه أراد قتل صاحبه} . فهذه " الإرادة " هي الحرص وهي ~~الإرادة الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو القتال لكن عجز عن القتل وليس ~~هذا من الهم الذي لا يكتب ولا يقال إنه استحق ذلك بمجرد قوله: لو أن لي ما ~~لفلان # PageV10P740 # لعملت مثل ما عمل فإن تمني الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد ~~التكلم بل لا بد من أمر آخر وهو لم يذكر أنه يعاقب على كلامه وإنما ذكر ~~أنهما في الوزر سواء. وعلى هذا فقوله: {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل} لا ينافي العقوبة على الإرادة الجازمة التي ~~لا بد أن يقترن بها الفعل فإن " الإرادة الجازمة " هي التي يقترن بها ~~المقدور من الفعل وإلا فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة ~~فالمريد الزنا والسرقة وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت إرادته جازمة ~~عازمة فلا بد أن يقترن بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه إلى جهة ~~المعصية: مثل تقرب السارق إلى مكان المال المسروق ومثل نظر الزاني واستماعه ~~إلى المزني به وتكلمه معه ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا بد مع ~~الإرادة الجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل توجد بدون ms3358 ~~الإرادة الجازمة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~عليه: {العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق واليد تزني ~~وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ~~ذلك أو يكذبه} وكذلك حديث أبي بكرة المتفق عليه: {إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول؟ # PageV10P741 # قال: إنه أراد قتل صاحبه} وفي رواية في الصحيحين {إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه} . فإنه أراد ذلك إرادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها من قتل ~~صاحبه العجز وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فاستحق حينئذ النار ~~كما قدمنا من أن الإرادة الجازمة التي أتى معها بالممكن يجري صاحبها مجرى ~~الفاعل التام. و " الإرادة التامة " قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتي معها ~~بالمقدور أو بعضه وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة ~~فيما فعل دون ما ترك مع القدرة مثل الذي يأتي بمقدمات الزنا: من اللمس ~~والنظر والقبلة ويمتنع عن الفاحشة الكبرى؛ ولهذا قال في حديث أبي هريرة ~~الصحيح {العين تزني والأذن تزني واللسان يزني - إلى أن قال - والقلب يتمنى ~~ويشتهي} أي يتمنى الوطء ويشتهيه ولم يقل " يريد " ومجرد الشهوة والتمني ليس ~~إرادة جازمة ولا يستلزم وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك؛ وإنما يعاقب إذا ~~أراد إرادة جازمة مع القدرة والإرادة الجازمة التي يصدقها الفرج. ومن هذا ~~الحديث الذي في الصحيحين عن ابن مسعود {أن رجلا أصاب من امرأة قبلة: فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك # PageV10P742 # له فأنزل الله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات} الآية فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: لمن عمل بها من ~~أمتي} فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في الغالب أن يهم بما هو أكبر من ذلك ~~كما قال: {والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} لكن إرادته ~~القلبية للقبلة كانت إرادة جازمة فاقترن بها فعل القبلة ms3359 بالقدرة وأما ~~إرادته للجماع فقد تكون غير جازمة وقد تكون جازمة لكن لم يكن قادرا. ~~والأشبه في الذي نزلت فيه الآية أنه كان متمكنا لكنه لم يفعل. # فتفريق أحمد وغيره: بين هم الخطرات وهم الإصرار هو الذي عليه الجواب فمن ~~لم يمنعه من الفعل إلا العجز فلا بد أن يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وإن ~~فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ولهذا قال ابن المبارك المصر الذي ~~يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر وفي رواية إلى ثلاثين سنة ومن نيته ~~أنه إذا قدر على شربها " شربها ". وقد يكون مصرا إذا عزم على الفعل في وقت ~~دون وقت كمن يعزم على ترك المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب ~~مطلقا. ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان ويثاب إذا كان ذلك الترك لله وتعظيم ~~شعائر الله واجتناب محارمه في ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر ~~لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا هو مصر مطلقا. وأما الذي # PageV10P743 # وصفه ابن المبارك فهو مصر إذا كان من نيته العود إلى شربها. قلت: والذي ~~قد ترك المعاصي في شهر رمضان من نيته العود إليها في غير شهر رمضان مصر ~~أيضا. لكن نيته أن يشربها إذا قدر عليها غير النية مع وجود القدرة فإذا قدر ~~قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا إرادة جازمة لا يمنعه إلا ~~العجز فهو معاقب على ذلك. كما تقدم. وتقدم أن مثل هذا لا بد أن يقترن ~~بإرادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث المحاسبي أنه ~~حكى الإجماع على أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له فهذا الإجماع صحيح ~~مع القدرة فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل وأما الناوي ~~الجازم الآتي بما يمكن فإنه بمنزلة الفاعل التام. كما تقدم. ومما يوضح هذا ~~أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد الإرادة كقوله ~~تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ms3360 نشاء لمن نريد ثم جعلنا له ~~جهنم يصلاها مذموما مدحورا} وقال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار} وقال: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث # PageV10P744 # الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} . # فرتب الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة ويريد الحياة الدنيا ويريد ~~حرث الدنيا وقال في آية هود: {نوف إليهم أعمالهم فيها} - إلى أن قال - ~~{وباطل ما كانوا يعملون} فدل على أنه كان لهم أعمال بطلت وعوقبوا على أعمال ~~أخرى عملوها وأن الإرادة هنا مستلزمة للعمل ولما ذكر إرادة الآخرة قال: ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} . وذلك لأن إرادة الآخرة وإن ~~استلزمت عملها فالثواب إنما هو على العمل المأمور به لا كل سعي ولا بد مع ~~ذلك من الإيمان. ومنه قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها} الآية {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة} فهذا ~~نظير تلك الآية التي في سورة هود وهذا يطابق قوله: {إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما} إلا أنه قال: {فإنه أراد قتل صاحبه} أو أنه {كان حريصا على قتل ~~صاحبه} فذكر الحرص والإرادة على القتل وهذا لا بد أن يقترن به فعل وليس هذا ~~مما دخل في حديث العفو: {إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها} . # ومما يبنى على هذا مسألة معروفة - بين أهل السنة وأكثر العلماء # PageV10P745 # وبين بعض القدرية - وهي ### | " توبة العاجز عن الفعل " # كتوبة المجبوب عن الزنا وتوبة الأقطع العاجز عن السرقة ونحوه من العجز؛ ~~فإنها توبة صحيحة عند جماهير العلماء من أهل السنة وغيرهم وخالف في ذلك بعض ~~القدرية؛ بناء على أن العاجز عن الفعل لا يصح أن يثاب على تركه الفعل؛ بل ~~يعاقب على تركه وليس كذلك؛ بل إرادة العاجز عليها الثواب والعقاب كما بينا، ~~وبينا أن الإرادة الجازمة مع القدرة تجري مجرى الفاعل التام فهذا العاجز ~~إذا ms3361 أتى بما يقدر عليه من مباعدة أسباب المعصية بقوله وعمله وهجرانها ~~وتركها بقلبه كالتائب القادر عليها سواء فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل ~~كإصرار العاجز عن كمال الفعل. ومما يبنى على هذا " المسألة المشهورة في ~~الطلاق " وهو أنه لو طلق في نفسه وجزم بذلك ولم يتكلم به فإنه لا يقع به ~~الطلاق عند جمهور العلماء. وعند مالك في إحدى الروايتين يقع وقد استدل أحمد ~~وغيره من الأئمة على ترك الوقوع بقوله: {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها} فقال المنازع: هذا المتجاوز عنه إنما هو حديث النفس والجازم بذلك ~~في النفس ليس من حديث النفس ". فقال المنازع لهم: قد قال {ما لم تكلم به أو ~~تعمل به} فأخبر أن التجاوز عن حديث النفس امتد إلى هذه الغاية التي هي ~~الكلام به # PageV10P746 # والعمل به كما ذكر ذلك في صدر السؤال من استدلال بعض الناس وهو استدلال ~~حسن؛ فإنه لو كان حديث النفس إذا صار عزما ولم يتكلم به أو يعمل يؤاخذ به ~~لكان خلاف النص لكن يقال: هذا في المأمور صاحب المقدرة التي يمكن فيها ~~الكلام والعمل إذا لم يتكلم ولم يعمل وأما الإرادة الجازمة المأتي فيها ~~بالمقدور فتجري مجرى التي أتى معها بكمال العمل بدليل الأخرس لما كان عاجزا ~~عن الكلام وقد يكون عاجزا عن العمل باليدين ونحوهما لكنه إذا أتى بمبلغ ~~طاقته من الإشارة جرى ذلك مجرى الكلام من غيره والأحكام والثواب والعقاب ~~وغير ذلك. وأما الوجه الآخر الذي احتج به وهو أن العزم والهم داخل في حديث ~~النفس المعفو عنه مطلقا فليس كذلك؛ بل إذا قيل: إن الإرادة الجازمة مستلزمة ~~لوجود فعل ما يتعلق به الذم والعقاب وغير ذلك يصح ذلك؛ فإن المراد إن كان ~~مقدورا مع الإرادة الجازمة وجب وجوده وإن كان ممتنعا فلا بد مع الإرادة ~~الجازمة من فعل بعض مقدماته وحيث لم يوجد فعل أصلا فهو هم. وحديث النفس ليس ~~إرادة جازمة ولهذا لم يجئ في النصوص العفو عن مسمى الإرادة والحب والبغض ~~والحسد ms3362 والكبر والعجب وغير ذلك من أعمال القلوب إذ كانت هذه الأعمال حيث ~~وقع عليهم ذم وعقاب فلأنها تمت حتى صارت قولا وفعلا. # PageV10P747 # وحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي} الحديث حق ~~والمؤاخذة بالإرادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق؛ ولكن طائفة من الناس ~~قالوا: إن الإرادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ثم تنازعوا في العقاب ~~عليها فكان القاضي أبو بكر ومن تبعه كأبي حامد وأبي الفرج ابن الجوزي يرون ~~العقوبة على ذلك وليس معهم دليل على أنه يؤاخذ إذا لم يكن هناك قول أو عمل. ~~والقاضي بناها على أصله في " الإيمان " الذي اتبع فيه جهما والصالحي وهو ~~المشهور عن أبي الحسن الأشعري وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب ولو كذب ~~بلسانه وسب الله ورسوله بلسانه وإن سب الله ورسوله إنما هو كفر في الظاهر ~~وأن كلما كان كفرا في نفس الأمر فإنه يمتنع أن يكون معه شيء من تصديق القلب ~~وهذا أصل فاسد في الشرع والعقل حتى إن الأئمة: كوكيع بن الجراح وأحمد بن ~~حنبل وأبي عبيد وغيرهم كفروا من قال في " الإيمان " بهذا القول؛ بخلاف ~~المرجئة من الفقهاء الذين يقولون: هو تصديق القلب واللسان؛ فإن هؤلاء لم ~~يكفرهم أحد من الأئمة وإنما بدعوهم. # وقد بسط الكلام في " الإيمان " وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وبين أن ~~من الناس من يعتقد وجود الأشياء بدون لوازمها. فيقدر ما لا وجود له # PageV10P748 # وأصل جهم في " الإيمان " تضمن غلطا من وجوه: # منها ظنه أنه مجرد تصديق القلب ومعرفته بدون أعمال القلب: كحب الله ~~وخشيته ونحو ذلك. و (منها ظنه ثبوت إيمان قائم في القلب بدون شيء من ~~الأقوال والأعمال. # ومنها ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده في النار فإنه يمتنع أن يكون في ~~قلبه شيء من التصديق وجزموا بأن إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن في ~~قلوبهم شيء من ذلك. وهذا كلامهم في الإرادة والكراهة والحب والبغض ونحو ~~ذلك؛ فإن هذه الأمور إذا كانت هما وحديث نفس فإنه ms3363 معفو عنها وإذا صارت ~~إرادة جازمة وحبا وبغضا لزم وجود الفعل ووقوعه وحينئذ فليس لأحد أن يقدر ~~وجودها مجردة. ثم يقول: ليس فيها إثم وبهذا يظهر الجواب عن حجة السائل. فإن ~~الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله والحب فيه والبغض فيه ~~ويعاقب على بغضه وبغض رسوله وبغض أوليائه وعلى محبة الأنداد من دونه وما ~~يدخل في هذه المحبة من الإرادات # PageV10P749 # والعزوم فإن المحبة سواء كانت نوعا من الإرادة أو نوعا آخر مستلزما ~~للإرادة فلا بد معها من إرادة وعزم فلا يقال: هذا من حديث النفس المعفو ~~عنه؛ بل كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي: {أوثق عرى الإيمان: الحب في ~~الله والبغض في الله} وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين} وفي صحيح البخاري عن {عبد الله بن هشام قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر: لأنت يا رسول ~~الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: فإنك الآن أحب إلي من ~~نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر} بل قد قال تعالى: {قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} فانظر إلى هذا ~~الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب إليه من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فعلم أنه يجب # PageV10P750 # أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل والمال ~~والمساكن والمتاجر والأصحاب والإخوان وإلا لم يكن مؤمنا حقا ومثل هذا ما في ~~الصحيحين عن أنس قال: {قال رسول الله ms3364 صلى الله عليه وسلم لا يجد أحد حلاوة ~~الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من ~~أن يرجع في الكفر وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما} وهذا لفظ ~~البخاري فأخبر أنه لا يجد أحد حلاوة الإيمان إلا بهذه المحبات الثلاث. ~~(أحدها أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وهذا من أصول الإيمان ~~المفروضة التي لا يكون العبد مؤمنا بدونها. (الثاني أن يحب العبد لا يحبه ~~إلا لله وهذا من لوازم الأول. و (الثالث أن يكون إلقاؤه في النار أحب إليه ~~من الرجوع إلى الكفر. وكذلك التائب من الذنوب من أقوى علامات صدقه في ~~التوبة هذه الخصال محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه وإن كانت متعلقة ~~بالأعيان ليست من أفعالنا كالإرادة المتعلقة بأفعالنا فهي مستلزمة لذلك فإن ~~من كان الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وماله لا بد # PageV10P751 # أن يريد من العمل ما تقتضيه هذه المحبة مثل إرادته نصر الله ورسوله ودينه ~~والتقريب إلى الله ورسوله ومثل بغضه لمن يعادي الله ورسوله. ومن هذا الباب ~~ما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحاح من حديث ابن مسعود وأبي موسى ~~وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {المرء مع من أحب} وفي رواية {الرجل ~~يحب القوم ولما يلحق بهم} أي ولما يعمل بأعمالهم فقال: {المرء مع من أحب} ~~قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن يجعلني الله معهم وإن لم ~~أعمل عملهم. وهذا الحديث حق فإن كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ~~ذلك وكونه معه هو على محبته إياه فإن كانت المحبة متوسطة أو قريبا من ذلك ~~كان معه بحسب ذلك وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك والمحبة الكاملة تجب ~~معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت ~~الموافقة مع القدرة يكون قد نقص ms3365 من المحبة بقدر ذلك وإن كانت موجودة. و ### | حب الشيء وإرادته يستلزم بغض ضده # وكراهته مع العلم بالتضاد؛ ولهذا قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم # PageV10P752 # الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} والموادة من أعمال القلوب. فإن الإيمان ~~بالله يستلزم مودته ومودة رسوله وذلك يناقض موادة من حاد الله ورسوله وما ~~ناقض الإيمان فإنه يستلزم العزم والعقاب؛ لأجل عدم الإيمان. فإن ما ناقض ~~الإيمان كالشك والإعراض وردة القلب وبغض الله ورسوله يستلزم الذم والعقاب ~~لكونه تضمن ترك المأمور مما أمر الله به رسوله فاستحق تاركه الذم والعقاب، ~~وأعظم الواجبات إيمان القلب فما ناقضه استلزم الذم والعقاب لتركه هذا ~~الواجب؛ بخلاف ما استحق الذم لكونه منهيا عنه كالفواحش والظلم؛ فإن هذا هو ~~الذي يتكلم في الهم به وقصده إذا كان هذا لا يناقض أصل الإيمان وإن كان ~~يناقض كماله؛ بل نفس فعل الطاعات يتضمن ترك المعاصي ونفس ترك المعاصي يتضمن ~~فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة تضمنت ~~شيئين: (أحدهما نهيها عن الذنوب. و (الثاني تضمنها ذكر الله وهو أكبر ~~الأمرين فما فيها من ذكر الله أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر ~~ولبسط هذا موضع آخر. # PageV10P753 # والمقصود هنا أن المحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته؛ ولهذا ~~جاء في الحديث الذي في الترمذي {من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله ~~فقد استكمل الإيمان} " فإنه إذا كان حبه لله وبغضه لله وهما عمل قلبه. ~~وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه دل على كمال محبته لله ودل ذلك على ~~كمال الإيمان؛ وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله وذلك عبادة الله ~~وحده لا شريك له والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل والحب مبدأ جميع ~~الحركات الإرادية ولا بد لكل حي من حب وبغض فإذا كانت محبته لمن يحبه الله ~~وبغضه لمن يبغضه الله دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه لكن قد يقوى ذلك وقد ~~يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها الذي ms3366 يظهر في بذل المال الذي هو ~~مادة النفس فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله. دل على كمال الإيمان ~~باطنا وظاهرا. وأصل الشرك في المشركين - الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا - ~~إنما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كحب الله كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} ومن كان حبه لله وبغضه لله لا يحب ~~إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذه حال ~~السابقين من أولياء الله كما روى البخاري # PageV10P754 # في صحيحه عن أبي هريرة عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله ~~من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ~~وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره الموت ~~وأكره مساءته ولا بد له منه} . فهؤلاء الذين أحبوا الله محبة كاملة تقربوا ~~بما يحبه من النوافل بعد تقربهم بما يحبه من الفرائض أحبهم الله محبة كاملة ~~حتى بلغوا ما بلغوه وصار أحدهم يدرك بالله ويتحرك بالله بحيث أن الله يجيب ~~مسألته. ويعيذه مما استعاذ منه. وقد ذم في كتابه من أحب أندادا من دونه قال ~~تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} وذم من اتخذ إلهه هواه وهو أن ~~يتأله ما يهواه ويحبه وهذا قد يكون فعل القلب فقط. وقد مدح تعالى وذم في ~~كتابه في غير موضع على المحبة والإرادة والبغض والسخط والفرح والغم ونحو ~~ذلك من أفعال القلوب كقوله: {والذين آمنوا أشد حبا لله} وقوله: {كلا بل ~~تحبون العاجلة} {وتذرون الآخرة} # PageV10P755 # وقوله: {يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} . وقوله {إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقوله: ms3367 {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} ~~وقوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ~~يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} وقوله: {ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} وقوله: {ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} وقوله: ~~{وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} . وقوله: {وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون} وقوله: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم} وقوله: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} ~~الآية وقوله: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه} وقوله: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} . وقال: {إذ قال ~~له قومه لا تفرح إن الله لا يحب # PageV10P756 # الفرحين} وقال: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون} وقال: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} وقال: {وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها} وقال: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} وقال: {وتحبون المال ~~حبا جما} وقال: {إن الإنسان لربه لكنود} {وإنه على ذلك لشهيد} {وإنه لحب ~~الخير لشديد} . وقال: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون} وقال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} . وقال: {وذلكم ~~ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} وقال: {بل ظننتم أن لن ~~ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا} وقال: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} ~~وقال: {ومن شر حاسد إذا ms3368 حسد} وقال: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} ~~وقال: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} وقال: {إن # PageV10P757 # يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم} وقال: {إذا بعثر ما في القبور} ~~{وحصل ما في الصدور} وقال: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال: {فيطمع ~~الذي في قلبه مرض} . وقال: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} . ~~وقال: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} . وقال: {قد جاءتكم موعظة ~~من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} . ومثل هذا كثير في كتاب ~~الله وسنة رسوله واتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ما شاء الله من مساعي ~~القلوب وأعمالها: مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق عليه: {لا تباغضوا ولا ~~تحاسدوا} وقوله: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} ~~وقوله: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} وقوله: {لا يدخل الجنة ~~من في قلبه مثقال ذرة من كبر} و {لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان} . وقوله: {لا تسموا العنب الكرم وإنما الكرم قلب المؤمن} وأمثال ~~هذا كثير. # بل قول القلب وعمله هو الأصل: مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ذلك ما ~~يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة ومنه ما لا يقترن به ~~ذلك إلا مع الفعل بالجوارح الظاهرة # PageV10P758 # إذا كانت مقدورة وأما ما ترك فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم ~~صاحبه حكم الفاعل ف ### | أقوال القلب وأفعاله ثلاثة أقسام: # أحدها ما هو حسنة وسيئة بنفسه. # وثانيها ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل وهو السيئة المقدورة كما تقدم. # وثالثها ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة وليس هو مع القدرة ~~كالحسنة والسيئة المفعولة كما تقدم. " فالقسم الأول ": هو ما يتعلق بأصول ~~الإيمان ms3369 من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك؛ فإن هذه الأمور يحصل ~~فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه ~~الأمور وإن لم يظهر على الجوارح: بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال ~~والأعمال الصالحة وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في ~~قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ~~ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة كما قال ~~تعالى: {ولو # PageV10P759 # نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} فأخبر أنهم لا ~~بد أن يعرفوا في لحن القول. وأما " القسم الثاني " و " الثالث " فمظنة ~~الأفعال التي لا تنافي أصول الإيمان مثل المعاصي الطبعية؛ مثل الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر. كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من مات يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة. وإن ~~زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر} وكما شهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر وكان يجلده كلما جيء به فلعنه رجل ~~فقال: {لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} وفي رواية {قال بعضهم: أخزاه الله ~~ما أكثر ما يؤتى به في شرب الخمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكونوا ~~أعوانا للشيطان على أخيكم} وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة. ولهذا ~~قال: {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به} ~~والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر. فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا ~~تقدح في الإيمان فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث؛ لأنه ~~إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من # PageV10P760 # أمة محمد في الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه ~~من كلامه أو عمله وهذا فرق بين يدل عليه الحديث وبه تأتلف ms3370 الأدلة الشرعية. ~~وهذا كما عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. كما دل عليه الكتاب ~~والسنة فمن صح إيمانه عفي له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من ~~النار؛ بخلاف من ليس معه الإيمان فإن هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته ~~بما في نفسه وخطئه ونسيانه [ولهذا جاء: {نية المؤمن خير من عمله} هذا الأثر ~~رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " كتاب الأمثال " من مراسيل ثابت البناني. وقد ~~ذكره ابن القيم في النية من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضعفها. ~~فالله أعلم. فإن النية يثاب عليها المؤمن بمجردها] (*) وتجري مجرى العمل ~~إذا لم يمنع من العمل بها إلا العجز ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير وأما ~~عمل البدن فهو مقيد بالقدرة وذلك لا يكون إلا قليلا؛ ولهذا قال بعض السلف: ~~قوة المؤمن في قلبه وضعفه في بدنه وقوة المنافق في بدنه وضعفه في قلبه. وقد ~~دل على هذا الأصل قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم PageV10P761 # أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} الآية. وهذه ~~الآية وإن كان قد قال طائف من السلف إنها منسوخة كما روى البخاري في صحيحه ~~عن مروان الأصفر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو ابن عمر - ~~إنها نسخت فالنسخ في لسان السلف أعم مما هو في لسان المتأخرين يريدون به ~~رفع الدلالة مطلقا وإن كان تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو ~~معروف في عرفهم وقد أنكر آخرون نسخها لعدم دليل ذلك وزعم قوم: أن ذلك خبر ~~والخبر لا ينسخ. ورد آخرون بأن هذا خبر عن حكم شرعي. كالخبر الذي بمعنى ~~الأمر والنهي. والقائلون بنسخها يجعلون الناسخ لها الآية التي بعدها وهي ~~قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} كما روى مسلم في صحيحه من حديث أنس في ~~هذه الآية فيكون المرفوع عنهم ما فسرت به الأحاديث وهو ما هموا به وحدثوا ~~به أنفسهم من الأمور المقدورة ما لم يتكلموا به ms3371 أو يعملوا به ورفع عنهم ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. كما روى ابن ماجه وغيره بإسناد حسن {إن ~~الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه} . و " حقيقة الأمر " ~~أن قوله سبحانه: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} لم يدل على المؤاخذة ~~بذلك؛ بل دل على المحاسبة به ولا # PageV10P762 # يلزم من كونه يحاسب أن يعاقب؛ ولهذا قال: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ~~لا يستلزم أنه قد يغفر ويعذب بلا سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شيء أو ~~يعذب على كل شيء مع العلم بأنه لا يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به ~~إلا مع التوبة. ونحو ذلك. والأصل أن يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الإيمان ~~وما كان منافيا له ويفرق أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم ~~يترك إلا للعجز عنه فهذان الفرقان هما فصل في هذه المواضيع المشتبهة. وقد ~~ظهر بهذا التفصيل أن أصل النزاع في " المسألة " إنما وقع لكونهم رأوا عزما ~~جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون إلا إذا كان الفعل مقارنا للعزم وإن ~~كان العجز مقارنا للإرادة امتنع وجود المراد لكن لا تكون تلك إرادة جازمة ~~فإن الإرادة الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الإرادة الجازمة يوجد ~~ما يقدر عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وإن لم يوجد الفعل نفسه. والإنسان ~~يجد من نفسه: أن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه وإرادته ومع ~~العجز عنه يضعف ذلك الطمع وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله على السواء ولا عما ~~يظهر على صفحات وجهه # PageV10P763 # وفلتات لسانه. مثل بسط الوجه وتعبسه وإقباله على الشيء والإعراض عنه وهذه ~~وما يشبهها من أعمال الجوارح التي يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب ~~عليها الحمد والثواب. وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا ~~لا يكون إلا لعجز يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل في ~~المستقبل عزما جازما ولا نزاع في ms3372 إطلاق الألفاظ؛ فإن من الناس من يفرق بين ~~العزم والقصد فيقول: ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم. ومنهم من ~~يجعل الجميع سواء وقد تنازعوا هل تسمى إرادة الله لما يفعله في المستقبل ~~عزما وهو نزاع لفظي؛ لكن ما عزم الإنسان عليه أن يفعله في المستقبل فلا بد ~~حين فعله من تجدد إرادة غير العزم المتقدم وهي الإرادة المستلزمة لوجود ~~الفعل مع القدرة وتنازعوا أيضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعي؟ وقد ~~ذكروا أيضا في ذلك قولين: والأظهر أن القدرة مع الداعي التمام تستلزم وجود ~~المقدور والإرادة مع القدرة تستلزم وجود المراد. والمتنازعون في هذه أراد ~~أحدهم إثبات العقاب مطلقا على كل عزم على فعل مستقبل وإن لم يقترن به فعل. ~~وأراد الآخر رفع العقاب # PageV10P764 # مطلقا عن كل ما في النفس من الإرادات الجازمة ونحوها مع ظن الاثنين أن ~~ذلك الواحد لم يظهر بقول ولا عمل. وكل من هذين انحراف عن الوسط. فإذا عرف ~~أن الإرادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة إلا لعجز يجري صاحبها ~~مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب. وأما إذا تخلف عنها ما يقدر عليها ~~فذلك المتخلف لا يكون مرادا إرادة جازمة؛ بل هو الهم الذي وقع العفو عنه. ~~وبه ائتلفت النصوص والأصول. # ثم هنا " مسائل كثيرة " فيما يجتمع في القلب من الإرادات المتعارضة ~~كالاعتقادات المتعارضة وإرادة الشيء وضده؛ مثل شهوة النفس للمعصية وبغض ~~القلب لها. ومثل حديث النفس الذي يتضمن الكفر إذا قارنه بعض ذلك والتعوذ ~~منه كما {شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقالوا: إن أحدنا ~~يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب ~~إليه من أن يتكلم به فقال: أو قد وجدتموه فقالوا: نعم. قال: ذلك صريح ~~الإيمان} رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأبي هريرة. وفيه: {الحمد لله الذي ~~رد كيده إلى الوسوسة} . وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما ~~يستعان # PageV10P765 # به على ms3373 الجواب؛ فإن له موارد واسعة. فهنا لما اقترن بالوسواس هذا البغض ~~وهذه الكراهة كان هو صريح الإيمان وهو خالصه ومحضه؛ لأن المنافق والكافر لا ~~يجد هذا البغض وهذه الكراهة مع الوسوسة بذلك؛ بل إن كان في الكفر البسيط ~~وهو الإعراض عما جاء به الرسول وترك الإيمان به - وإن لم يعتقد تكذيبه - ~~فهذا قد لا يوسوس له الشيطان بذلك إذ الوسوسة بالمعارض المنافي للإيمان ~~إنما يحتاج إليها عند وجود مقتضيه فإذا لم يكن معه ما يقتضي الإيمان لم ~~يحتج إلى معارض يدفعه؛ وإن كان في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق ~~الوسوسة وليس معه إيمان يكره به ذلك. ولهذا لما كانت هذه الوسوسة عارضة ~~لعامة المؤمنين كما قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله} الآيات. فضرب الله المثل لما ينزله من الإيمان والقرآن بالماء ~~الذي ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب كالأودية: منها الكبير ومنها الصغير ~~كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا: فكانت منها طائفة قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس ~~وشربوا وكانت منها طائفة إنما هي # PageV10P766 # قيعان لا تمسك ماء فلا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله ~~بما بعثني به من الهدى والعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى ~~الله الذي أرسلت به} فهذا أحد المثلين. و " المثل الآخر " ما يوقد عليه ~~لطلب الحلية والمتاع: من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه وأخبر أن السيل ~~يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار زبد مثله ثم قال: {كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد} الرابي على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ~~ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في العقائد والإرادات الفاسدة ~~كما شكاه الصحابة إلى النبي ms3374 صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {فيذهب جفاء} ~~يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه {وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض} وهو مثل ما ثبت في القلوب من اليقين والإيمان. كما ~~قال تعالى: {مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} الآية إلى قوله: {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه ~~وألقاه ازداد إيمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن ~~نفسه وتركه لله ازداد صلاحا وبرا وتقوى. # PageV10P767 # وأما المنافق فإذا وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ~~ولم ينفها فإنه قد وجدت منه سيئة الكفر من غير حسنة إيمانية تدفعها أو ~~تنفيها والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق فتارة يغلب هذا وتارة يغلب هذا. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به ~~أنفسها} كما في بعض ألفاظه في الصحيح هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين دون من كان ~~مسلما في الظاهر وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في المتظاهرين بالإسلام ~~قديما وحديثا. وهم في هذه الأزمان المتأخرة في بعض الأماكن أكثر منهم في ~~حال ظهور الإيمان في أول الأمر فمن أظهر الإيمان وكان صادقا مجتنبا ما ~~يضاده أو يضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به: دون ما ليس كذلك. ~~كما دل عليه لفظ الحديث. فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب ~~على أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث وكذلك قوله: " من هم بحسنة " و " من ~~هم بسيئة " إنما هو في المؤمن الذي يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما ~~فعلها وربما تركها؛ لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف إلى أضعاف ~~كثيرة. # PageV10P768 # وهذا إنما هو لمن يفعل الحسنات لله. كما قال تعالى: {مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله} و {ابتغاء مرضاة الله} و {ابتغاء وجه ربه} وهذا ~~للمؤمنين؛ فإن الكافر وإن كان الله يطعمه بحسناته ms3375 في الدنيا وقد يخفف عنه ~~بها في الآخرة؛ كما خفف عن أبي طالب لإحسانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا التضعيف ~~وقد جاء ذلك مقيدا في حديث آخر: إنه في المسلم الذي هو حسن الإسلام. والله ~~سبحانه أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ~~وسلم. # PageV10P769 # الجزء الحادي عشر # كتاب التصوف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن " الصوفية " وأنهم أقسام " والفقراء " أقسام فما صفة كل قسم؟ وما يجب ~~عليه؟ ويستحب له أن يسلكه. # فأجاب: # الحمد لله، أما لفظ " الصوفية " فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة ~~وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة ~~والشيوخ: كالإمام أحمد بن حنبل وأبي سليمان الداراني وغيرهما. وقد روي عن ~~سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري وتنازعوا في " ~~المعنى " الذي # PageV11P005 # أضيف إليه الصوفي - فإنه من أسماء النسب: كالقرشي والمدني وأمثال ذلك. ~~فقيل: إنه نسبة إلى " أهل الصفة " وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صفي. ~~وقيل نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله وهو أيضا غلط؛ فإنه لو كان كذلك ~~لقيل: صفي. وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك ~~لقيل: صفوي وقيل: نسبة إلى صوفة بن مر بن أد بن طانجة قبيلة من العرب كانوا ~~يجاورون بمكة من الزمن القديم ينسب إليهم النساك وهذا وإن كان موافقا للنسب ~~من جهة اللفظ فإنه ضعيف أيضا؛ لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر ~~النساك ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم أولى ولأن غالب من تكلم باسم " الصوفي " لا يعرف هذه ~~القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في ~~الإسلام. وقيل: - وهو المعروف ms3376 - إنه نسبة إلى لبس الصوف؛ فإنه أول ما ظهرت ~~الصوفية من البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد ~~وعبد الواحد من أصحاب الحسن وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة ~~والخوف ونحو ذلك # PageV11P006 # ما لم يكن في سائر أهل الأمصار ولهذا كان يقال: فقه كوفي وعبادة بصرية. ~~وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما ~~يفضلون لباس الصوف فقال: إن قوما يتخيرون الصوف يقولون: إنهم متشبهون ~~بالمسيح ابن مريم وهدي نبينا أحب إلينا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس ~~القطن وغيره أو كلاما نحوا من هذا. ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة في هذا ~~الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة مثل حكاية من مات أو غشي عليه في سماع ~~القرآن ونحوه. كقصة زرارة بن أوفى قاضي البصرة فإنه قرأ في صلاة الفجر: ~~{فإذا نقر في الناقور} فخر ميتا وكقصة أبي جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح ~~المري فمات وكذلك غيره ممن روي أنهم ماتوا باستماع قراءته وكان فيهم طوائف ~~يصعقون عند سماع القرآن ولم يكن في الصحابة من هذا حاله؛ فلما ظهر ذلك أنكر ~~ذلك طائفة من الصحابة والتابعين: كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ~~ومحمد بن سيرين ونحوهم. والمنكرون لهم مأخذان: منهم من ظن ذلك تكلفا ~~وتصنعا. يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون ~~عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على # PageV11P007 # أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق. ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة ~~مخالفا لما عرف من هدي الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله. والذي ~~عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه ~~وإن كان حال الثابت أكمل منه؛ ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا. فقال: قرئ ~~القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه ~~لدفعه يحيى ms3377 بن سعيد فما رأيت أعقل منه ونحو هذا. وقد نقل عن الشافعي أنه ~~أصابه ذلك وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة وبالجملة فهذا كثير ممن لا ~~يستراب في صدقه. لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن ~~وهي وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود كما قال تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون} وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ~~وقال تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} وقال: {وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى # PageV11P008 # الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وقال: {ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} . وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب ~~والرين عليها والجفاء عن الدين ما هو مذموم وقد فعلوا ومنهم من يظن أن ~~حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها وأعلاها وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. بل ~~المراتب ثلاث: (أحدها حال الظالم لنفسه الذي هو قاسي القلب لا يلين للسماع ~~والذكر وهؤلاء فيهم شبه من اليهود. قال الله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ~~ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن ~~منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله ~~بغافل عما تعملون} وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} . و (الثانية) حال المؤمن التقي الذي ~~فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه فهذا الذي يصعق صعق موت أو صعق غشي فإن ذلك # PageV11P009 # إنما يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله وقد يوجد مثل هذا في من يفرح ~~أو يخاف أو يحزن أو يحب أمورا دنيوية يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله. ~~ومن ms3378 عباد الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه وكذلك في غيره ولا يكون هذا ~~إلا لمن ورد عليه أمر ضعفت نفسه عن دفعه بمنزلة ما يرد على البدن من ~~الأسباب التي تمرضه أو تقتله أو كان أحدهم مغلوبا على ذلك. فإذا كان لم ~~يصدر منه تفريط ولا عدوان لم يكن فيه ذنب فيما أصابه فلا وجه للريبة. كمن ~~سمع القرآن السماع الشرعي ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك وكذلك ما يرد على ~~القلوب مما يسمونه السكر والفناء ونحو ذلك من الأمور التي تغيب العقل بغير ~~اختيار صاحبها؛ فإنه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن السكران مذموما بل ~~معذورا فإن السكران بلا تمييز وكذلك قد يحصل ذلك بتناول السكر من الخمر ~~والحشيشة فإنه يحرم بلا نزاع بين المسلمين ومن استحل السكر من هذه الأمور ~~فهو كافر وقد يحصل بسبب محبة الصور وعشقها كما قيل: # سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران # PageV11P010 # وهذا مذموم لأن سببه محظور وقد يحصل بسبب سماع الأصوات المطربة التي تورث ~~مثل هذا السكر وهذا أيضا مذموم فإنه ليس للرجل أن يسمع من الأصوات التي لم ~~يؤمر بسماعها ما يزيل عقله إذ إزالة العقل محرم ومتى أفضى إليه سبب غير ~~شرعي كان محرما وما يحصل في ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية ولو بأمور فيها ~~نوع من الإيمان فهي مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل ولم يأذن لنا الله ~~أن نمتع قلوبنا ولا أرواحنا من لذات الإيمان ولا غيرها بما يوجب زوال ~~عقولنا؛ بخلاف من زال عقله بسبب مشروع. أو بأمر صادفه لا حيلة له في دفعه. ~~وقد يحصل السكر بسبب لا فعل للعبد فيه كسماع لم يقصده يهيج قاطنه ويحرك ~~ساكنه ونحو ذلك. وهذا لا ملام عليه فيه وما صدر عنه في حال زوال عقله فهو ~~فيه معذور؛ لأن القلم مرفوع عن كل من زال عقله بسبب غير محرم كالمغمى عليه ~~والمجنون ونحوهما. ومن زال عقله بالخمر. فهل هو ms3379 مكلف حال زوال عقله؟ فيه ~~قولان مشهوران وفي طلاق من هذه حاله نزاع مشهور ومن زال عقله بالبنج يلحق ~~به كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وقيل يفرق بينه وبين الخمر؛ ~~لأن هذا يشتهى وهذا لا يشتهى؛ ولهذا # PageV11P011 # أوجب الحد في هذا دون هذا وهذا هو المنصوص عن أحمد ومذهب أبي حنيفة. ومن ~~هؤلاء من يقوى عليه الوارد حتى يصير مجنونا إما بسبب خلط يغلب عليه وإما ~~بغير ذلك ومن هؤلاء عقلاء المجانين الذين يعدون في النساك وقد يسمون ~~المولهين. قال فيهم بعض العلماء: هؤلاء قوم أعطاهم الله عقولا وأحوالا؛ ~~فسلب عقولهم وأسقط ما فرض بما سلب. فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو ~~الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك إذا كانت ~~أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا عن دفعها كان محمودا على ما فعله من ~~الخير وما ناله من الإيمان معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره وهم ~~أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب ~~التي تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله. ولكن من لم يزل عقله مع ~~أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه فهو أفضل منهم. ~~وهذه حال الصحابة رضي الله عنهم وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه ~~أسري به إلى السماء وأراه الله ما أراه وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله ~~فحاله أفضل من # PageV11P012 # حال موسى صلى الله عليه وسلم الذي خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى ~~حال جليلة علية فاضلة: لكن حال محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلى وأفضل. ~~والمقصود: أن هذه الأمور التي فيها زيادة في العبادة والأحوال خرجت من ~~البصرة وذلك لشدة الخوف فإن الذي يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمي ~~وأمثالهما أمر عظيم. ولا ريب أن حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده من خشية ~~الله ما قابلهم أو تفضل عليهم. ms3380 ومن خاف الله خوفا مقتصدا يدعوه إلى فعل ما ~~يحبه الله وترك ما يكرهه الله من غير هذه الزيادة فحاله أكمل وأفضل من حال ~~هؤلاء وهو حال الصحابة رضي الله عنهم وقد روي: أن عطاء السليمي - رضي الله ~~عنه - رئي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لي: يا عطاء أما ~~استحيت مني أن تخافني كل هذا أما بلغك أني غفور رحيم. وكذلك ما يذكر عن ~~أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك قد ينقل فيها ~~من الزيادة على حال الصحابة رضي الله عنهم وعلى ما سنه الرسول أمور توجب أن ~~يصير الناس طرفين. قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا في ذلك. # PageV11P013 # وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها. والتحقيق ~~أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة ~~مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك. وخرج فيهم الرأي الذي فيه من ~~مخالفة السنة ما أنكره جمهور الناس. وخيار الناس من " أهل الفقه والرأي " ~~في أولئك الكوفيين على طرفين. قوم يذمونهم ويسرفون في ذمهم. وقوم يغلون في ~~تعظيمهم ويجعلونهم أعلم بالفقه من غيرهم وربما فضلوهم على الصحابة. كما أن ~~الغلاة في أولئك العباد قد يفضلونهم على الصحابة وهذا باب يفترق فيه الناس. ~~والصواب: للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى ~~الله عليه وسلم وخير القرون القرن الذي بعث فيهم وأن أفضل الطرق والسبل إلى ~~الله ما كان عليه هو وأصحابه ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله ~~بحسب اجتهادهم ووسعهم كما قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # PageV11P014 # {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} . وإن كثيرا من المؤمنين - المتقين أولياء الله - قد لا يحصل لهم من ~~كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة فيتقي الله ما استطاع ويطيعه بحسب ~~اجتهاده فلا بد أن يصدر منه خطأ إما في ms3381 علومه وأقواله وإما في أعماله ~~وأحواله ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم؛ فإن الله تعالى قال: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} - ~~إلى قوله - {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله تعالى: قد فعلت. ~~فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل ~~من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض ~~الأمور مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطئ ضال مبتدع. ثم الناس في الحب والبغض ~~والموالاة والمعاداة هم أيضا مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة [وكثير من ~~الناس إذا علم من الرجل ما يحبه أحب الرجل مطلقا وأعرض عن سيئاته وإذا علم ~~منه ما يبغضه أبغضه مطلقا وأعرض عن حسناته محاط؟ وحال من # PageV11P015 # يقول بالتحافظ؟ وهذا من أقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة] ~~(*) . # وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن ~~المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته ~~وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه وما يحمد عليه وما ~~يذم عليه وما يحب منه وما يبغض منه فهذا هذا. وإذا عرف أن منشأ " التصوف " ~~كان من البصرة وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد مما له فيه ~~اجتهاد كما كان في الكوفة من يسلك من طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد ~~وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهي لباس الصوف. فقيل في أحدهم: " صوفي " ~~وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به لكن ~~أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال. ثم " التصوف " عندهم له حقائق وأحوال معروفة ~~قد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: " الصوفي " من صفا من الكدر ~~وامتلأ من الفكر واستوى عنده الذهب والحجر. التصوف كتمان المعاني وترك ~~الدعاوى. وأشباه ذلك: وهم يسيرون بالصوفي إلى PageV11P016 # معنى ms3382 الصديق وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون. كما قال الله تعالى: ~~{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفي؛ لكن هو في ~~الحقيقة نوع من الصديقين فهو الصديق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه ~~الذي اجتهدوا فيه فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال: صديقو العلماء ~~وصديقو الأمراء فهو أخص من الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم. فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من ~~البصريين: إنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة إنهم ~~صديقون أيضا كل بحسب الطريق الذي سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده ~~وقد يكونون من أجل الصديقين بحسب زمانهم فهم من أكمل صديقي زمانهم والصديق ~~في العصر الأول أكمل منهم والصديقون درجات وأنواع؛ ولهذا يوجد لكل منهم صنف ~~من الأحوال والعبادات حققه وأحكمه وغلب عليه وإن كان غيره في غير ذلك الصنف ~~أكمل منه وأفضل منه. ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه ~~تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت " الصوفية والتصوف ". وقالوا: إنهم # PageV11P017 # مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو ~~معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام. وطائفة غلت فيهم وادعوا ~~أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. و " ~~الصواب " أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ~~ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي ~~كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب. ومن ~~المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل ~~البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج ~~مثلا؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق. مثل: الجنيد بن ~~محمد سيد الطائفة وغيره. كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد ms3383 الرحمن السلمي؛ في " ~~طبقات الصوفية " وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. فهذا أصل ~~التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت # PageV11P018 # الصوفية " ثلاثة أصناف " صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم. ~~فأما " صوفية الحقائق ": فهم الذين وصفناهم. وأما " صوفية الأرزاق " فهم ~~الذين وقفت عليهم الوقوف. كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل ~~الحقائق. فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن ~~يشترط فيهم ثلاثة شروط: أحدها العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون ~~المحارم. والثاني التأدب بآداب أهل الطريق وهي الآداب الشرعية في غالب ~~الأوقات وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها. # والثالث أن لا يكون أحدهم متمسكا بفضول الدنيا فأما من كان جماعا للمال ~~أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان ~~فاسقا فإنه لا يستحق ذلك. وأما " صوفية الرسم " فهم المقتصرون على النسبة ~~فهمهم في اللباس # PageV11P019 # والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي ~~أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة ~~أمره أنه منهم وليس منهم. # وأما اسم " الفقير " فإنه موجود في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم لكن المراد به في الكتاب والسنة الفقير المضاد للغنى. كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. (1) " والفقراء والفقر " أنواع: فمنه المسوغ لأخذ ~~الزكاة. وضده الغنى المانع لأخذ الزكاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب} والغنى الموجب للزكاة غير هذا عند ~~جمهور العلماء. كمالك والشافعي وأحمد. وهو ملك النصاب وعندهم قد تجب على ~~الرجل الزكاة ويباح له أخذ الزكاة خلافا لأبي حنيفة. والله سبحانه قد ذكر ~~الفقراء في مواضع؛ لكن ذكر الله الفقراء المستحقين للزكاة في آية والفقراء ~~المستحقين للفيء في آية. فقال في الأولى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} - إلى قوله - {للفقراء الذين أحصروا ~~في سبيل الله PageV11P020 # لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل ms3384 أغنياء من التعفف تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} . وقال في الثانية: {ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى} - الآية إلى قوله - {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك ~~هم الصادقون} . وهؤلاء " الفقراء " قد يكون فيهم من هو أفضل من كثير من ~~الأغنياء وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير منهم. وقد تنازع الناس ~~أيما أفضل: الفقير الصابر أو الغني الشاكر؟ والصحيح: أن أفضلهما أتقاهما؛ ~~فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة كما قد بيناه في غير هذا الموضع فإن ~~الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لأنه لا حساب عليهم. ثم الأغنياء ~~يحاسبون فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير كانت درجته في الجنة أعلى وإن ~~تأخر عنه في الدخول. ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه؛ لكن لما ~~كان جنس الزهد في الفقراء أغلب صار الفقر في اصطلاح كثير من الناس عبارة عن ~~طريق الزهد وهو من جنس التصوف. فإذا قيل: هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد ~~به عدم المال # PageV11P021 # ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ~~ونحو ذلك. وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل: الفقير أو الصوفي؟ فذهب ~~طائفة إلى ترجيح الصوفي كأبي جعفر السهروردي ونحوه وذهب طائفة إلى ترجيح ~~الفقير - كطوائف كثيرين - وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ~~ذلك وأكثر الناس قد رجحوا الفقير. والتحقيق أن أفضلهما أتقاهما فإن كان ~~الصوفي أتقى لله كان أفضل منه وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا ~~يحبه فهو أفضل من الفقير وإن كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا ~~يحبه كان أفضل منه فإن استويا في فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا في ~~الدرجة. و " أولياء الله " هم المؤمنون المتقون سواء سمي أحدهم فقيرا أو ~~صوفيا أو فقيها أو عالما أو تاجرا أو جنديا أو صانعا أو أميرا أو حاكما أو ~~غير ذلك. ms3385 قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون} # PageV11P022 # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول ~~الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} وهذا الحديث قد بين فيه ~~أولياء الله المقتصدين أصحاب اليمين والمقربين السابقين. فالصنف الأول: ~~الذين تقربوا إلى الله بالفرائض. والصنف الثاني الذي تقربوا إليه بالنوافل ~~بعد الفرائض وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى أحبهم كما قال ~~تعالى. وهذان الصنفان قد ذكرهم الله في غير موضع من كتابه كما قال: {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات} وكما قال الله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ~~ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} {يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} {ومزاجه من تسنيم} {عينا يشرب بها المقربون} ~~قال ابن عباس: يشرب # PageV11P023 # بها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. وقال تعالى: {ويسقون فيها ~~كأسا كان مزاجها زنجبيلا} . {عينا فيها تسمى سلسبيلا} وقال تعالى: {فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة} {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} {والسابقون ~~السابقون} {أولئك المقربون} وقال تعالى: {فأما إن كان من المقربين} {فروح ~~وريحان وجنة نعيم} {وأما إن كان من أصحاب اليمين} {فسلام لك من أصحاب ~~اليمين} وهذا الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع. ~~والله أعلم. # PageV11P024 # وسئل: (*) # ما تقول الفقهاء - رضي الله عنهم - في رجل يقول: إن الفقر لم نتعبد به ms3386 ~~ولم نؤمر به ولا جسم له ولا معنى وأنه غير سبيل موصل إلى رضا الله تعالى ~~وإلى رضا رسوله وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن أصل كل شيء العلم والتعبد به والعمل به ~~والتقوى والورع عن المحارم " والفقر " المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو ~~الزهد في الدنيا والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد في ~~الدنيا العمل بالعلم وهذا هو الفقر فإذا الفقر فرع من فروع العلم والأمر ~~على هذا. وما ثم طريق أوصل من العلم والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ويقول: إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي ~~المشروع في هذه الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضي ~~لله ولا لرسوله فهل الأمر كما قال أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين. PageV11P025 # فأجاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رضي الله عنه -: # الحمد لله، أصل هذه " المسألة " أن الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة ~~علينا أن نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والبر والتقوى والصدق والعدل ~~والإحسان والصبر والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله ~~وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ~~ورسوله من القلب والبدن. فهذه الأمور التي يحبها الله ورسوله هي الطريق ~~الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله: كالكفر والنفاق والكذب ~~والإثم والعدوان والظلم. والجزع والهلع والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب ~~والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك. فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ~~ورسوله فيفعله وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه. هذا هو طريق الله وسبيله ~~ودينه الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين. وهذا " الصراط المستقيم " يشتمل على علم وعمل: علم ~~شرعي وعمل شرعي فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرا ومن عمل بغير علم كان ~~ضالا وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت ms3387 عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {اليهود مغضوب عليهم والنصارى # PageV11P026 # ضالون وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به والنصارى عبدوا الله بغير ~~علم} . ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ~~فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وكانوا يقولون: من فسد من العلماء ففيه شبه من ~~اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل ~~المأمور به كان مضلا ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلا وأضل منهما من ~~سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما ~~وهي جهالات. وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع. فيعمل أعمالا تخالف ~~الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف ~~المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل والعمل ~~دون العلم ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة. وطريق الله لا تتم ~~إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافقا الشريعة. فالسالك طريق " الفقر والتصوف ~~والزهد والعبادة " إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة وإلا كان ضالا عن الطريق ~~وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه. والسالك من " الفقه والعلم والنظر والكلام " ~~إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجرا ضالا عن الطريق. فهذا هو # PageV11P027 # الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم. وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى ~~من الله فهو من عمل الجاهلية. {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} . ~~ولا ريب أن لفظ " الفقر " في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله وفعل ما أمر به. وترك ما نهي ~~عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك؛ بل الفقر عندهم ضد الغنى. و " الفقراء ~~" هم الذين ذكرهم الله في قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} وفي ~~قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} وفي قوله: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} و " الغني " هو الذي لا يحل ms3388 له أخذ ~~الزكاة أو الذي تجب عليه الزكاة أو ما يشبه ذلك؛ لكن لما كان الفقر مظنة ~~الزهد طوعا أو كرها؛ إذ من العصمة أن لا تقدر وصار المتأخرون كثيرا ما ~~يقرنون بالفقر معنى الزهد والزهد قد يكون مع الغنى وقد يكون مع الفقر. ففي ~~الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير. و " الزهد " المشروع ~~ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله ~~فليس تركه من الزهد المشروع # PageV11P028 # بل ترك الفضول التي تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع. وكذلك في أثناء ~~المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ " الصوفي "؛ لأن لبس الصوف يكثر ~~في الزهاد ومن قال إن الصوفي نسبة إلى الصفة أو الصفا أو الصف الأول أو ~~صوفة بن بشر بن أد بن طانجة أو صوفة القفا (*) ؛ فهؤلاء أكفر من اليهود ~~والنصارى؛ لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق ~~بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار ~~وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص ~~الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله ~~تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه. ومن أقر بالأمر والنهي ~~الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس ~~هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من ~~المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على ~~الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه. فهذا التقسيم في القول والاعتقاد. ~~وكذلك هم في " الأحوال والأفعال " فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله ~~فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه PageV11P029 # من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ~~ما يفعله من السيئات ms3389 ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات؛ بل يؤمن بالقدر ~~ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد: ~~{اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات. ويعلم أنه ~~هو هداه ويسره لليسرى. ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها. كما قال بعضهم: ~~أطعتك بفضلك والمنة لك. وعصيتك بعلمك والحجة لك. فأسألك بوجوب حجتك علي ~~وانقطاع حجتي إلا غفرت لي. وفي الحديث الصحيح الإلهي: {يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه} وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع. وآخرون قد ~~يشهدون " الأمر " فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس ~~عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب # PageV11P030 # لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر. وآخرون يشهدون " القدر " فقط فيكون ~~عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر ~~الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين. ~~فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا ~~يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه. والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا ~~يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية؛ ولا مع القدر الكوني. ~~وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل المقدور من توكل واستعانة ونحو ~~ذلك. وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر ~~الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام: أحدها أهل ~~التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل السعادة في الدنيا والآخرة. ~~والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من ~~الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات؛ لكن إذا أصيب أحدهم # PageV11P031 # في بدنه بمرض ms3390 ونحوه أو ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه ~~وظهر هلعه. (والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى: مثل الفجار الذين ~~يصبرون على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على ~~الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين ~~يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب ~~الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر ~~عليها كثير من الناس. وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم ~~يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم ~~الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن ~~طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة ~~وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من ~~المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب: ~~كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر. # PageV11P032 # وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ~~ابتلوا؛ بل هم كما قال الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر ~~جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} . فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا ~~قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحبوك ~~واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم ~~المسئول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة وإحسانا ~~وعفوا. كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد: مثل ~~التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن كان ~~متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار ~~بالحقائق. فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم. فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار ms3391 وأعمالهم كان ~~شبيها لهم من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما ~~معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من ~~المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق ~~الإسلامية من التتار. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في خطبه: {خير الكلام كلام الله وخير # PageV11P033 # الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} . ~~وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك ~~أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد ~~وشبهه أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق. والكامل هو من كان لله أطوع ~~وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة ~~لله فيما يحبه ويرضاه وصبر على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل. وكل من نقص ~~عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك. # وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ~~ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ~~ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى: {بلى إن تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} ~~وقال الله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم # PageV11P034 # أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} {إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن ms3392 تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال إخوة يوسف له: {أئنك لأنت يوسف قال أنا ~~يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} . وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى: ~~{واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} وفي اتباع ما ~~أوحي إليه التقوى كلها: تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال تعالى: {وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين} {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وقال تعالى: {فاصبر إن ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} وقال تعالى: ~~{فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل} وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين} وقال تعالى: {استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} فهذه ~~مواضع قرن فيها الصلاة والصبر. # PageV11P035 # وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى {وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة} وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا ~~رباعية. إذ من الناس من يصبر ولا يرحم: كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ~~ولا يصبر: كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا ~~يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال ~~الفقهاء في صفة المتولي: ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف ~~فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة ~~يرحمه الله تعالى. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما يرحم الله من ~~عباده الرحماء} وقال: {من لم يرحم لا يرحم} وقال: {لا تنزع الرحمة إلا من ~~شقي الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} والله ~~أعلم انتهى. # PageV11P036 # سئل شيخ الإسلام وقدوة الأنام ومفتي الفرق وناصر السنة: تقي الدين أبو ~~العباس أحمد ms3393 بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية - رضي الله عنه -: # عن " أهل الصفة " كم كانوا؟ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة؟ وأين موضعهم ~~الذي كانوا يقيمون فيه؟ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة؟ ~~أو كان منهم من يقعد بالصفة؟ ومنهم من يتسبب في القوت؟ وما كان تسببهم. هل ~~يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل؟ وفي من يعتقد أن " أهل الصفة " قاتلوا ~~المؤمنين مع المشركين؟ وفيمن يعتقد أن " أهل الصفة " أفضل من أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ ومن الستة الباقين من العشرة؟ ومن جميع ~~الصحابة؟ وهل كان فيهم أحد من العشرة؟ وهل كان في ذلك الزمان أحد ينذر لأهل ~~الصفة؟ وهل تواجدوا على دف أو شبابة؟ أو كان لهم حاد ينشد الأشعار ويتحركون ~~عليها بالتصدية ويتواجدون؟ وعن هذه الآية وهي قوله تعالى {واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} هل هي مخصوصة بأهل الصفة؟ أم هي # PageV11P037 # عامة؟ وهل الحديث الذي يرويه كثير من العامة ويقولون: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: {ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله: لا الناس ~~يعرفونه ولا الولي يعرف أنه ولي} صحيح؟ وهل تخفى حالة الأولياء أو طريقتهم ~~على أهل العلم أو غيرهم؟ ولماذا سمي الولي وليا؛ وما المراد بالولي؟ وما ~~الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة؟ وما الفقراء الذين أوصى بهم في ~~كلامه. وذكرهم سيد خلقه وخاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم في ~~سنته. هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا؟ # فأجاب: # شيخ الإسلام: تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه - بقلمه ~~ما صورته: # الحمد لله رب العالمين. أما " الصفة " التي ينسب إليها أهل الصفة من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في شمالي المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين ~~من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه ms3394 # PageV11P038 # صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن من ~~آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى ~~وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى ~~المدينة وكان المؤمنون السابقون بها صنفين: المهاجرين الذين هاجروا إليها ~~من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب ~~وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر. وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع ~~أكابرهم لهم بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار ~~المستظهرين عليهم. فكل هذه " الأصناف " مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى ~~يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم. قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم ~~أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ~~وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله ~~بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} فهذا في السابقين. ثم ~~ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: {والذين آمنوا من بعد # PageV11P039 # وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله إن الله بكل شيء عليم} وقال الله تعالى: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} الآية. ~~وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة ومن حولها ~~وقال سبحانه وتعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ~~وكان الله عفوا غفورا} . فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية ms3395 ~~كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله؛ لأن المبايعة كانت على ~~أن يؤووهم ويواسوهم وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على ~~من ينزل عنده منهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين ~~والأنصار وآخى بينهم ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شيء؛ فإن ~~الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو ~~الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه # PageV11P040 # فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط ويكثر المهاجرون إلى ~~المدينة من الفقراء والأغنياء والأهلين والعزاب فكان من لم يتيسر له مكان ~~يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة ~~يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له. ~~ويجيء ناس بعد ناس فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون فتارة يكونون عشرة أو ~~أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين. وأما جملة ~~من أوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد قيل: كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد ~~قيل: كانوا أكثر من ذلك ولم يعرف كل واحد منهم. وقد جمع أسماءهم " الشيخ ~~أبو عبد الرحمن السلمي " في " كتاب تاريخ أهل الصفة " جمع ذكر من بلغه أنه ~~كان من " أهل الصفة " وكان معتنيا بذكر أخبار النساك والصوفية؛ والآثار ~~التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم؛ وجمع أخبار زهاد السلف. وأخبار ~~جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة؛ وكم بلغوا. وأخبار الصوفية المتأخرين ~~بعد القرون الثلاثة. وجمع أيضا في الأبواب: مثل حقائق التفسير. ومثل أبواب ~~التصوف الجارية على أبواب الفقه. ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة؛ ~~ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال. وغير ذلك من الأبواب. وفيما جمعه فوائد ~~كثيرة. ومنافع جليلة. # PageV11P041 # وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل. وما يرويه من ~~الآثار فيه من الصحيح شيء كثير. ويروي أحيانا أخبارا ضعيفة بل موضوعة. يعلم ~~العلماء أنها كذب. وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه. ms3396 وكان البيهقي إذا ~~روى عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه. وما يظن به وبأمثاله إن ~~شاء الله تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية؛ ~~فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البناني والفضيل بن ~~عياض وأمثالهما ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط. وضعف مثل مالك بن دينار ~~وفرقد السبخي ونحوهما. وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في ~~الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال. فيه من الهدى والعلم شيء ~~كثير. وفيه - أحيانا - من الخطأ أشياء؛ وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ. ~~وبعضه باطل قطعا. مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق ~~وغيره من الآثار الموضوعة. وذكر عنه بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي ~~بعضها أمثال حسنة. واستدلالات مناسبة. وبعضها من نوع الباطل واللغو. # PageV11P042 # فالذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن ونحوه في " تاريخ أهل الصفة " وأخبار ~~زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب منه ما فيه من ~~الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة. وهكذا كثير من أهل ~~الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم. ~~يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم ~~من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله. ويوجد - أحيانا - عندهم من جنس ~~الروايات الباطلة أو الضعيفة ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة ~~شيء كثير. ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير ~~أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى ~~صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها وهم الذين يتبعون العلم ~~والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس. # PageV11P043 # فصل: # وأما حال " أهل الصفة " هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في ~~الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث ~~بين مستحقي ms3397 الصدقة منهم ومستحقي الفيء منهم. فقال: {إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله ~~بما تعملون خبير} - إلى قوله - {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا ~~يسألون الناس إلحافا} . وقال في أهل الفيء: {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون} . وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم ~~يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله ~~ورسوله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما ~~هو أقرب إلى الله ورسوله وكان أهل الصفة ضيوف # PageV11P044 # الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب ~~كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من ~~الرزق. وأما " المسألة " فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا ~~السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلا الصالحين ~~الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان ~~السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد: ناولني إياه. وهذا الباب فيه أحاديث ~~وتفصيل. وكلام العلماء لا يسعه هذا المكان. مثل {قوله صلى الله عليه وسلم ~~لعمر بن الخطاب: ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا ~~فلا تتبعه نفسك} ومثل قوله: {من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن ~~يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر} ومثل قوله: {من ~~سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه} ومثل ~~قوله: {لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو ~~منعوه} ms3398 إلى غير ذلك من الأحاديث. # PageV11P045 # وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله تعالى عن موسى والخضر: أنهما أتيا ~~أهل قرية فاستطعما أهلها. ومثل قوله: {لا تحل المسألة إلا لذي دم موجع أو ~~غرم مفظع أو فقر مدقع} ومثل {قوله لقبيصة بن مخارق الهلالي: يا قبيصة لا ~~تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله: فسأل حتى يجد سدادا ~~من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك. ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي ~~الحجا من قومه فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة فسأل حتى يجد سدادا من عيش أو ~~قواما من عيش ثم يمسك. ورجل تحمل حمالة فسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك. وما ~~سوى ذلك من المسألة فإنما هي سحت يأكله صاحبه سحتا} . ولم يكن في الصحابة - ~~لا أهل الصفة ولا غيرهم - من يتخذ مسألة الناس ولا الإلحاف في المسألة ~~بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق ~~إلا بذلك كما لم يكن في الصحابة أيضا أهل فضول من الأموال يتركون لا يؤدون ~~الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يعطون في النوائب. بل هذان ~~الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعي الزكاة والحقوق ~~الواجبة والمتعدين حدود الله تعالى في أخذ أموال الناس كانا معدومين في ~~الصحابة المثنى عليهم. # PageV11P046 # فصل: # وأما من قال: إن أحدا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو ~~تابعي التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~أصحابه أو أنهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك. فهذا ضال غاو؛ بل كافر ~~يجب أن يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل. {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} بل ~~كان أهل الصفة وغيرهم كالقراء الذين قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على ~~من قتلهم من أعظم الصحابة إيمانا وجهادا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونصرا لله ms3399 ورسوله كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون} وقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} - إلى قوله - {ومثلهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} ~~وقال {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة # PageV11P047 # على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} . وقد غزا النبي صلى ~~الله عليه وسلم غزوات متعددة وكان القتال منها في تسع مغاز: مثل بدر. وأحد. ~~والخندق. وخيبر. وحنين. وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا يوم ~~حنين ونصرهم الله ببدر وهم أذلة وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك ~~الأعداء وفي جميع المواطن كأن يكون المؤمنون من أهل الصفة وغيرهم مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يقاتلوا مع الكفار قط وإنما يظن هذا ويقوله من ~~الضلال والمنافقين قسمان: (قسم منافقون. وإن أظهروا الإسلام وكان في بعضهم ~~زهادة وعبادة يظنون أن إلى الله طريقا غير الإيمان بالرسول ومتابعته وأن من ~~أولياء الله من يستغني عن متابعة الرسول كاستغناء الخضر عن متابعة موسى. ~~وفي هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على النبي صلى الله عليه وسلم إما ~~تفضيلا مطلقا أو في بعض صفات الكمال. وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد ~~قيام الحجة عليهم. فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع ~~الثقلين: إنسهم وجنهم وزهادهم وملوكهم. وموسى عليه السلام إنما بعث إلى # PageV11P048 # قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه؛ بل قال له: ~~إني على علم من علم الله تعالى علمنيه الله لا تعلمه. وأنت على علم من علم ~~الله علمكه الله لا أعلمه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {وكان النبي ~~يبعث إلى قومه ms3400 خاصة وبعثت إلى الناس عامة} وقال الله تعالى: {قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض} وقال تعالى. ~~{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} . و (القسم الثاني من يشاهد ~~ربوبية الله تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا ويظن أن دين الله الموافقة ~~للقدر سواء كان في ذلك عبادة الله وحده لا شريك له أو كان فيه عبادة ~~الأوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ~~ورسله أو الإعراض عنهم والكفر بهم وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وبين المفسدين في الأرض وبين المتقين والفجار ويجعلون المسلمين ~~كالمجرمين ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق ~~والعصيان وأهل الجنة كأهل النار وأولياء الله كأعداء الله وربما جعلوا هذا ~~من (باب الرضا بالقضاء وربما جعلوه " التوحيد والحقيقة " بناء على أنه ~~توحيد الربوبية الذي يقر به المشركون وأنه " الحقيقة الكونية ". # PageV11P049 # وهؤلاء يعبدون الله على حرف: فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة ~~انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة وغالبهم يتوسعون في ذلك حتى ~~يجعلوا قتال الكفار قتالا لله ويجعلون أعيان الكفار والفجار والأوثان من ~~نفس الله وذاته ويقولون: ما في الوجود غيره ولا سواه بمعنى أن المخلوق هو ~~الخالق والمصنوع هو الصانع وقد يقولون: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء} ويقولون: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} إلى نحو ذلك من ~~الأقوال والأفعال التي هي شر من مقالات اليهود والنصارى بل ومن مقالات ~~المشركين والمجوس وسائر الكفار من جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ~~ينكر الصانع الخالق البارئ رب العالمين أو يقولون: إنه هو أو إنه حل فيه. ~~وهؤلاء كفار بأصلي الإسلام وهما: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله. # فإن ### | التوحيد الواجب # أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نجعل له ندا في إلهيته لا شريكا ~~ولا شفيعا. فأما " توحيد الربوبية " وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء فهذا قد ~~أقر ms3401 به المشركون الذين قال الله فيهم: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون} قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: # PageV11P050 # الله وهم يعبدون غيره وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} فالكفار ~~المشركون مقرون أن الله خالق السموات والأرض وليس في جميع الكفار من جعل ~~لله شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وأفعاله هذا لم يقله أحد قط لا من ~~المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون ~~الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من عباد التماثيل ~~والقبور وغيرهم؛ فإن جميع هؤلاء - وإن كانوا كفارا مشركين متنوعين في الشرك ~~- فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته وجميع أفعاله؛ ~~ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها ~~شفعاء أو شركاء؛ أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه مع ~~اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخلق. وقد أرسل الله جميع الرسل ~~وأنزل جميع الكتب بالتوحيد # PageV11P051 # الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: ~~{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال ~~تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم ~~من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون} وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود ms3402 وصالح وغيرهم: {أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك ~~له وإلى طاعتهم. # و ### | الإيمان بالرسل هو " الأصل الثاني " من أصلي الإسلام # فمن لم يؤمن بأن محمدا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع ~~الخلق متابعته وأن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما ~~شرعه فهو كافر: مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه وشرعته ~~وطاعته؛ إما عموما وإما خصوصا. ويجوز إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه ~~وشرعته. # PageV11P052 # ويحتجون بما يفترونه: أن أهل الصفة قاتلوه. وأنهم قالوا: نحن مع الله من ~~كان الله معه كنا معه يريدون بذلك القدر و " الحقيقة الكونية " دون الأمر و ~~" الحقيقة الدينية " ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بقلبه ~~وهمته وتوجهه من ذوي الفقر ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله وأن الخروج ~~عن الشريعة المحمدية سائغ لهم وكل هذا ضلال وباطل. وإن كان لأصحابه زهد ~~وعبادة فهم في العباد؛ مثل أوليائهم من التتار ونحوهم في الأجناد فإن ~~{المرء على دين خليله} و {المرء مع من أحب} هكذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد جعل الله المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكافرين بعضهم أولياء بعض. ~~وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين من الإسلام مع عبادتهم ~~العظيمة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم. وقراءته مع قراءتهم. يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد} وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما خرجوا ~~عن شريعة رسول الله # PageV11P053 # صلى الله عليه وسلم وسنته وفارقوا جماعة المسلمين فكيف بمن يعتقد أن ~~المؤمنين كانوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذا ما يرويه بعض ~~هؤلاء المفترين: أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله به رسوله ليلة ms3403 المعراج؛ ~~وأن الله أمره أن لا يعلم به أحدا. فلما أصبح وجدهم يتحدثون فأنكر ذلك فقال ~~الله تعالى: أنا أمرتك أن لا تعلم به أحدا؛ لكن أنا الذي أعلمتهم به. إلى ~~أمثال هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر. وهي كذب واضح؛ فإن " أهل الصفة ~~" لم يكونوا إلا بالمدينة؛ لم يكن بمكة أهل صفة؛ والمعراج إنما كان من مكة؛ ~~كما قال سبحانه وتعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى} ومما يشبه هذا من بعض الوجوه: رواية بعضهم عن عمر أنه قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجي بينهما. وهذا ~~من الإفك المختلق. ثم إنهم مع هذا يجعلون عمر الذي سمع كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام بل كان ~~كالزنجي. ويدعون أنهم هم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من ~~الضلالات الكفرية التي يزعم أنها " علم الأسرار والحقائق " ويريدون بذلك ~~إما الاتحاد وإما تعطيل الشرائع ونحو ذلك. مثل ما تدعي النصيرية. # PageV11P054 # والإسماعيلية؛ والقرامطة والباطنية الثنوية والحاكمية وغيرهم من الضلالات ~~المخالفة لدين الإسلام. وما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب؛ أو جعفر الصادق ~~أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عنضب ~~وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة وكل هذا باطل. فإنه ~~لما كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم به اتصال النسب والقرابة ~~وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة صار كثير ~~ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته ~~وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من ~~هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسنته وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف ~~الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة له والمتابعة وهذا كثير في ms3404 أهل الضلال. # PageV11P055 # فصل: # وأما تفضيل " أهل الصفة " على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة ~~العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى: مثل طلحة والزبير ~~وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح - أمين هذه الأمة - ~~ومع سعيد بن زيد. هم العشرة المشهود لهم بالجنة. قال الله عز وجل في كتابه: ~~{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} . ففضل الله السابقين قبل فتح ~~الحديبية إلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى: ~~{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وقال تعالى: {والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه} فرضي الله سبحانه عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. # PageV11P056 # وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ~~ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة وأكثرهم لم يكونوا من أهل الصفة والعشرة ~~لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص. فقد قيل: إنه أقام ~~بالصفة مرة وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد بن ~~معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي ~~بن كعب ونحوهم فلم يكونوا من " أهل الصفة " بل عامة أهل الصفة إنما كانوا ~~من فقراء المهاجرين؛ لأن الأنصار كانوا في ديارهم. ولم يكن أحد ينذر لأهل ~~الصفة ولا لغيرهم. # فصل: # وأما سماع المكاء والتصدية: وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء ~~كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من الصحابة ~~لا من أهل الصفة ولا من غيرهم؛ بل ولا من التابعين بل القرون المفضلة ms3405 التي ~~قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم {خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم} لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع لا في ~~الحجاز ولا في الشام # PageV11P057 # ولا في اليمن ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب. وإنما كان ~~السماع الذي يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة ~~وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا ~~واحدا منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي {أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم} وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي ~~موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون. وكان وجدهم على ذلك وكذلك ~~إرادة قلوبهم وكل من نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح ~~القلوب أو أنهم لما أنشد بعض القصائد تواجدوا على ذلك. أو أنهم مزقوا ~~ثيابهم أو أن قائلا أنشدهم: # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الطبيب الذي شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي # أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: {إن الفقراء يدخلون # PageV11P058 # الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم} أنشدوا شعرا وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله ~~إفك مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل الاتفاق من أهل العلم والإيمان لا ينازع ~~في ذلك إلا جاهل ضال وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب ~~باتفاق أهل العلم والإيمان. # فصل: # وأما قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف؛ مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة ~~فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه سواء كانوا من " أهل الصفة " ~~أو غيرهم أمر الله نبيه بالصبر مع عباده الصالحين؛ الذين يريدون وجهه وألا ~~تعدو عيناه عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. وهذه الآية في الكهف وهي سورة ~~مكية. وكذلك الآية التي في سورة الأنعام: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون ms3406 وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ~~من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} . # PageV11P059 # وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب ~~المتكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فنهاه الله عن طرد من ~~يريد وجه الله وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة ~~إلى المدينة وقبل وجود الصفة؛ لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل ~~الصفة وغيرهم. والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذين هم أولياء ~~الله وإن كانوا فقراء ضعفاء ولا يتقدم أحد عند الله بسلطانه وماله ولا بذله ~~وفقره وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح فنهى الله نبيه أن يطيع أهل ~~الرياسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفا أو فقيرا وأمره ألا يطرد ~~من كان منهم يريد وجهه وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر فيها ~~بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر الله ~~المتبعين لأهوائهم. # فصل: # وأما الحديث المروي: {ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله} فمن ~~الأكاذيب ليس في شيء من دواوين الإسلام وكيف والجماعة قد يكونون كفارا أو ~~فساقا يموتون على ذلك. # PageV11P060 # فصل: # و " أولياء الله " هم {الذين آمنوا وكانوا يتقون} كما ذكر الله تعالى في ~~كتابه. وهم " قسمان ": المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون. فولي ~~الله ضد عدو الله قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا} - إلى قوله - {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} وقال تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} وقال: {ويوم ~~يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} وقال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من ~~دوني وهم لكم عدو} وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يقول الله تعالى: من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة ms3407 وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته ولا بد له منه} . # PageV11P061 # و " الولي " مشتق من الولاء وهو القرب كما أن العدو من العدو وهو البعد. ~~فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر ~~به من طاعاته. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح ~~الصنفين المقتصدين من أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله بالواجبات ~~والسابقين المقربين وهم المتقربون إليه بالنوافل بعد الواجبات. وذكر الله " ~~الصنفين " في " سورة فاطر " و " الواقعة " و " الإنسان " و " المطففين " ~~وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه صرفا يمزج لأصحاب ~~اليمين. و " الولي المطلق " هو من مات على ذلك. فأما إن قام به الإيمان ~~والتقوى وكان في علم الله أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه ~~وليا لله أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم الله بعاقبته؟ هذا فيه قولان ~~للعلماء. وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل ~~بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد كماله أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل ~~غروب الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته. فيه أيضا قولان: ~~للفقهاء والمتكلمين والصوفية. # PageV11P062 # والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وكذلك ~~يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم. لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة ~~لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يشترط سلامة ~~العاقبة وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث: كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ~~ويبنون على هذا النزاع: إن ولي الله هل يصير ms3408 عدوا لله وبالعكس؟ ومن أحبه ~~الله ورضي عنه. هل أبغضه وسخط عليه في وقت ما وبالعكس؟ ومن أبغضه الله وسخط ~~عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين؟ . و " التحقيق " هو ~~الجمع بين القولين. فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه ~~وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير. فمن علم الله منه أنه يوافي حين ~~موته بالإيمان والتقوى فقد تعلق به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلا وأبدا ~~وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله ~~وعداوته وسخطه أزلا وأبدا لكن مع ذلك فإن الله تعالى يبغض ما قام بالأول من ~~كفر وفسوق قبل موته. وقد يقال: إنه يبغضه ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك ~~وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر ~~به ويرضاه وقد يقال إنه يواليه حينئذ على ذلك. والدليل على ذلك: اتفاق ~~الأئمة على أن من كان مؤمنا ثم ارتد # PageV11P063 # فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام ~~والحج قبل الإكمال؛ وإنما يقال كما قال الله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله} وقال {لئن أشركت ليحبطن عملك} وقال: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون} ولو كان فاسدا في نفسه لوجب الحكم بفساد أنكحته المتقدمة ~~وتحريم ذبائحه وبطلان إرثه المتقدم وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج ~~عن غيره كان حجه باطلا ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان عليهم أن يعيدوا ~~صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد لوجب أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك. ~~وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره لو كان محبوبا لله وليا له في حال كفره ~~لوجب أن يقضى بعدم إحكام ذلك الكفر وهذا كله خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع. والكلام في هذه " المسألة " نظير الكلام في الأرزاق والآجال وهي ~~أيضا مبنية على " قاعدة الصفات الفعلية " وهي قاعدة كبيرة. وعلى هذا يخرج ~~جواب ms3409 السائل فمن قال: إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان ~~والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره. ومن قال: قد يكون وليا لله من ~~كان مؤمنا تقيا وإن لم تعلم عاقبته فالعلم به أسهل. # PageV11P064 # ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز لهم ~~القطع على ذلك فمن ثبتت ولايته بالنص. وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم ~~فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص. # وأما من شاع له لسان صدق في الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل ~~يشهد له بذلك؟ هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك. هذا في ~~الأمر العام. وأما " خواص الناس " فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم ~~لكن هذا ليس ممن يجب التصديق العام به فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا ~~الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا وأهل المكاشفات ~~والمخاطبات يصيبون تارة؛ ويخطئون أخرى؛ كأهل النظر والاستدلال في موارد ~~الاجتهاد؛ ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب ~~الله وسنة رسوله؛ ولا يكتفوا بمجرد ذلك؛ فإن سيد المحدثين والمخاطبين ~~الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب؛ وقد كانت تقع له وقائع فيردها ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو ~~أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه عن ربه. ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV11P065 # وطاعته في جميع أموره الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا ~~يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في بعض دينه. وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون ~~مع الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر. وقد قال الله تعالى: {وما ~~أرسلنا من قبلك من ms3410 رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} فقد ضمن الله ~~للرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث؛ ~~ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره: وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ويحتمل ~~والله أعلم أن لا يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان في ~~أمنية المحدث؛ فإن نسخ ما ألقى الشيطان ليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم ~~معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان ~~وغيرهم لا تجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين فليس من شرط ~~أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم؛ بل # PageV11P066 # ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر ~~الذي تعقبه التوبة. وقد قال الله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك ~~هم المتقون} {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين} {ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} فقد وصفهم الله ~~بأنهم هم المتقون. و " المتقون " هم أولياء الله ومع هذا فأخبر أنه يكفر ~~عنهم أسوأ الذي عملوا. وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان. وإنما ~~يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ ~~ومن يعتقدون أنه من الأولياء. فالرافضة تزعم أن " الاثني عشر " معصومون من ~~الخطأ والذنب. ويرون هذا من أصول دينهم والغالية في المشايخ قد يقولون: إن ~~الولي محفوظ والنبي معصوم. وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه؛ فحاله حال من ~~يرى أن الشيخ والولي لا يخطئ ولا يذنب. وقد بلغ الغلو بالطائفتين إلى أن ~~يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي وأفضل منه وإن زاد الأمر جعلوا له ~~نوعا من الإلهية وكل ms3411 هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات ~~النصرانية. فإن في النصارى من الغلو في المسيح والأحبار والرهبان ما ذمهم ~~الله عليه في القرآن؛ وجعل ذلك عبرة لنا؛ لئلا # PageV11P067 # نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ~~ابن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله؛ ورسوله} . # فصل: # وأما " الفقراء " الذين ذكرهم الله في كتابه فهم صنفان: مستحقو الصدقات ~~ومستحقو الفيء. أما مستحقو الصدقات فقد ذكرهم الله في كتابه في قوله: {إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} وفي قوله: ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} . وإذا ذكر في القرآن اسم " الفقير " ~~وحده و " المسكين " وحده - كقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} - فهما شيء ~~واحد وإذا ذكرا جميعا فهما صنفان. والمقصود بهما أهل الحاجة. وهم الذين لا ~~يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه فمن كان كذلك من ~~المسلمين استحق الأخذ من الصدقات المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها ~~وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع المسألة معروف عند أهل العلم. وضد هؤلاء " ~~الأغنياء " الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم # PageV11P068 # " نوعان ": نوع تجب عليهم الزكاة وإن كانت الزكاة تجب على من قد تباح له ~~عند جمهور العلماء. ونوع لا تجب عليه الزكاة. وكل منهما قد يكون له فضل عن ~~نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} ~~. وقد لا يكون له فضل وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف هم أغنياء باعتبار ~~غناهم عن الناس وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها. # وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي ~~يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء وإن لم يكن ~~من أهل الزكاة ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون ~~بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما تقدم أغنياء ~~الأنبياء والصديقين من السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم. ومن هنا ~~قال الفقراء: " ذهب ms3412 أهل الدثور بالأجور " وقيل لما ساواهم الأغنياء في ~~العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية: {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} فهذا هو " الفقير " في عرف الكتاب والسنة. # PageV11P069 # وقد يكون الفقراء سابقين وقد يكونون مقتصدين وقد يكونون ظالمي أنفسهم ~~كالأغنياء وفي كلا الطائفتين: المؤمن الصديق والمنافق الزنديق. وأما ~~المستأخرون ف " الفقير " في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو " ~~الصوفي " في عرفهم أيضا ثم منهم من يرجح مسمى " الصوفي " على مسمى " الفقير ~~" لأنه عنده الذي قام بالباطن والظاهر ومنهم من يرجح مسمى الفقير لأنه عنده ~~الذي قطع العلائق ولم يشتغل في الظاهر بغير الأمور الواجبة وهذه منازعات ~~لفظية اصطلاحية. و " التحقيق " أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل في ~~مسمى الصديق والولي والصالح ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب ~~والسنة فمن حيث دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به ~~الرسالة وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل أو مما يوالي عليه ~~صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدين ~~والدنيا فهي أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات كالصناعات ~~فهذا لا بأس به بشرط ألا يعتقد أن تلك المباحات من الأمور المستحبات. وأما ~~ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله: من أنواع البدع والفجور. ~~فيجب النهي عنه كما جاءت به الشريعة. # PageV11P070 # و ### | سئل: # عن قوم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى باب " أهل الصفة " ~~فاستأذن فقالوا: من أنت؟ قال: أنا محمد # قالوا: ما له عندنا موضع الذي يقول: أنا. فرجع ثم استأذن ثانية وقال: أنا ~~محمد مسكين فأذنوا له. فهل يجوز التكلم بهذا. أم هو كفر؟ # فأجاب: # هذا الكلام من أعظم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى " أهل الصفة ~~" فإن " أهل الصفة " لم يكن لهم مكان يستأذن عليهم فيه إنما كانت الصفة في ~~شمالي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأوي إليها من لا أهل له ms3413 من ~~المؤمنين ولم يكن يقيم بها ناس معينون بل يذهب قوم ويجيء آخرون ولم يكن " ~~أهل الصفة " خيار الصحابة؛ بل كانوا من جملة الصحابة؛ ولم يكن أحد من ~~الصحابة يستخف بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر. ومن فعل ذلك فهو ~~كافر ومن اعتقد هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر فإنه يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل. والله أعلم. # PageV11P071 # سئل - رحمه الله -: # عن قوم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث لا سند لهم بها. ~~فيقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أنا من الله والمؤمنون مني ~~يتسمون بالأهوية منه} فهل هذا صحيح أم لا؟ ويقرءون بينهم أحاديث ويزعمون أن ~~عمر رضي الله عنه قال: كان أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثان ~~بحديث أبقى بينهما كأني زنجي لا أفقه. فهل يصح هذا أم لا؟ ويتحدثون عن ~~أصحاب الصفة بأحاديث كثيرة: منها أنهم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجدهم على الإسلام من قبل أن يبعث فوجدهم على الطريق وإنهم لم يكونوا ~~يغزون معه حقيقة. وإنه ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة فلما فر ~~المسلمون منهزمين ضربوا بسيوفهم في عسكر النبي صلى الله عليه وسلم. وقالوا: ~~نحن حزب الله الغالبون وزعموا أنهم لم يقتلوا إلا منافقين في تلك المرة فهل ~~يصح ذلك أم لا؟ والمسئول تعيين " أصحاب الصفة " كم هم من رجل؟ ومن كانوا من # PageV11P072 # الصحابة رضي الله عنهم ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى لما عرج بنبيه صلى ~~الله عليه وسلم أوحى الله إليه مائة ألف سر وأمره ألا يظهرها على أحد من ~~البشر. فلما نزل إلى الأرض وجد أصحاب الصفة يتحدثون بها فقال: يا رب؛ إنني ~~لم أظهر على هذا السر أحدا فأوحى الله إليه أنهم كانوا شهودا بيني وبينك ~~فهل لهذه الأشياء صحة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، جميع هذه الأحاديث أكاذيب مختلقة ليتبوأ مفتريها ~~مقعده من النار. لا خلاف بين جميع علماء المسلمين - أهل المعرفة ms3414 وغيرهم - ~~أنها مكذوبة مخلوقة ليس لشيء منها أصل؛ بل من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث ~~فإنه كافر؛ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وليس لشيء من هذه الأحاديث أصل ~~ألبتة. ولا توجد في كتاب؛ ولا رواها قط أحد ممن يعرف الله ورسوله. فأما " ~~الحديث الأول " قوله: {أنا من الله والمؤمنون مني} فلا يحفظ هذا اللفظ عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: ~~أنت مني وأنا منك} كما قال الله سبحانه: {بعضكم من بعض} أي أنتم نوع واحد. ~~متفقون في القصد والهدى كالروحين اللتين تتفقان في صفاتهما؛ وهي الجنود ~~المجندة التي # PageV11P073 # قال النبي صلى الله عليه وسلم {الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ~~وما تناكر منها اختلف} وأما أن يكون الخلق جزءا من الخالق تعالى. فهذا كفر ~~صريح يقوله أعداء الله النصارى ومن غلا من الرافضة؛ وجهال المتصوفة ومن ~~اعتقده فهو كافر. نعم للمؤمنين العارفين بالله المحبين له من مقامات القرب؛ ~~ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة ولا يعرفه حق المعرفة إلا من ~~أدركه وناله؛ والرب رب. والعبد عبد. ليس في ذاته شيء من مخلوقاته؛ ولا في ~~مخلوقاته شيء من ذاته: وليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب ~~تعالى به؛ أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به. وإن سمع شيء من ذلك منقول ~~عن بعض أكابر الشيوخ. فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون من الاتحادية ~~المباحية؛ الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية. والذي يصح منه ~~عن الشيوخ له معان صحيحة؛ ومنه ما صدر عن بعضهم في حال استيلاء حال عليه؛ ~~ألحقه تلك الساعة بالسكران الذي لا يميز ما يخرج منه من القول ثم إذا ثاب ~~عليه عقله وتمييزه ينكر ذلك القول؛ ويكفر من يقوله؛ وما يخرج من القول في ~~حال غيبة # PageV11P074 # عقل الإنسان لا يتخذه هو ولا غيره عقيدة. ولا حكم له؛ بل القلم مرفوع عن ~~النائم والمجنون والمغمى عليه والسكران الذي سكر بغير سبب محرم؛ مثل من ms3415 ~~يسقى الخمر وهو لا يعرفها أو أوجرها حتى سكر أو أطعم البنج وهو لا يعرفه؛ ~~فكذلك. وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال الله وعظمته وجماله أمورا عظيمة ~~تصادف قلوبا رقيقة فتحدث غشيا وإغماء. ومنها ما يوجب الموت. ومنها ما يخل ~~العقل. وإن كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعتري الناقصين عنهم؛ ~~لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم وضعف المحل المورود عليه فمن اغتر ~~بما يقولونه أو يفعلونه في تلك الحال كان ضالا مضلا. وإنما " الأحوال ~~الصحيحة " مثل ما دل عليه ما رواه البخاري في صحيحه من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: {من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددي عن # PageV11P075 # قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فانظر كيف ~~قال في تمام الحديث: {فبي يسمع وبي يبصر ولئن سألني ولئن استعاذني} فميز ~~بين الرب وبين العبد ألا تسمع إلى قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه ~~من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار} وقال: {وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم} إلى قوله {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} وقال: {يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ms3416 وروح منه} - إلى قوله - {ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} . وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله تعالى: يا ابن آدم ~~مرضت فلم تعدني فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول: أما علمت أن ~~عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده} وذكر في الجوع والعري مثل ذلك. ~~فانظر كيف عبر في أول الحديث بلفظ # PageV11P076 # مرضت ثم فسره في تمامه؛ بأن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده فميز ~~بين الرب والعبد والعبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله بحيث لا يريد ~~إلا ما يريده الله أمرا به ورضا ولا يحب إلا ما يحبه الله ولا يبغض إلا ما ~~يبغضه الله ولا يلتفت إلى عذل العاذلين ولوم اللائمين كما قال سبحانه: ~~{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} . والكلام في مقامات العارفين ~~طويل. وإنما الغرض أن يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا ~~النصارى وسلكوا سبيل أهل " الحلول والاتحاد " وكذبوا على الله ورسوله. ~~وكذبوا الله ورسوله وبين العالمين بالله والمحبين له أولياء الله الذين لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء كما اشتبه على كثير من ~~الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبئ بمحمد بن عبد الله رسول الله حقا حتى ~~صدقوا الكاذب وكذبوا الصادق. والله قد جعل على الحق آيات وعلامات وبراهين ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. # وأما حديث عمر: أنه كان كالزنجي بين النبي صلى الله عليه وسلم # PageV11P077 # وبين أبي بكر " فكذب مختلق نعم كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أقرب ~~الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم به وأعلمهم بمراده لما ~~يسألونه عنه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام العربي الذي ~~يفهمه الصحابة رضي الله عنهم ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما فهموه ويزيد ~~عليهم ولا يخالفه. مثل ms3417 ما في الصحيحين عن أبي سعيد {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خطب الناس فقال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة. فاختار ~~ذلك العبد ما عند الله. فبكى أبو بكر. وقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا ~~فجعل بعض الناس يعجب ويقول: عجبا لهذا الشيخ يبكي أن ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال: فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو المخير. وكان أبو بكر أعلمنا به} . فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر عبدا مطلقا وهذا كلام عربي لا لغز فيه ففهم الصديق لقوة معرفته ~~بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو العبد المخير ومعرفة أن المطلق هذا ~~المعين خارج عن دلالة اللفظ لكن يوافقه ولا يخالفه؛ ولهذا قال أبو سعيد: ~~كان أبو بكر أعلمنا به. ومن هذا أن الصديق - رضي الله عنه - لما عزم على ~~قتال # PageV11P078 # مانعي الزكاة قال له عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~عز وجل} . فقال أبو بكر. الزكاة من حقها والله؛ لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة فإن الزكاة حق المال؛ والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فرجع عمر وغيره إلى قول ~~أبي بكر. وكان هو أفهم لمعنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ ~~فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام} فهذا النص ~~الصريح موافق لفهم أبي بكر. وكذلك قوله في صلح الحديبية لعمر مثل ما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له وأمثال ذلك كثير. فأما أن النبي صلى الله ms3418 ~~عليه وسلم كان يتكلم بكلام لا يفهمه عمر وأمثاله بل يكون عندهم ككلام ~~الزنجي. فمن اعتقد هذا فهو جاهل ضال عليه من الله ما يستحقه. # وأما كون أهل الصفة كانوا قبل المبعث مهتدين. فعلى من قال # PageV11P079 # هذا: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ بل لا خلاف بين المسلمين أنهم ~~كانوا جاهلين؛ بل لا خلاف بين المسلمين أنهم كانوا كافرين جاهلين بالله ~~وبدينه؛ وإنما هداهم الله بكتابه؛ وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~بين أهل الصفة وسائر الصحابة فرق في الكفر والضلالة قبل إيمانهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ولقد كان بعد الإسلام كثير ممن لم يكن من " أهل الصفة ~~" كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أعلم بالله؛ وأعظم يقينا من ~~عامة أهل الصفة. وأما ما ذكر من تخلفهم عنه في الجهاد فقول جاهل ضال؛ بل هم ~~الذين كانوا أعظم الناس قتالا وجهادا؛ كما وصفهم القرآن في قوله: {للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} وقال في صفتهم: {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} ولقد قتل منهم في يوم واحد ~~يوم بئر معونة سبعون؛ حتى وجد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم موجدة وقنت ~~شهرا يدعو على الذين قتلوهم؛ وأخبر عنهم: {أنهم بهم تتقى المكاره؛ وتسد بهم ~~الثغور؛ وأنهم أول الناس ورودا على الحوض؛ وأنهم الشعث رءوسا. الدنس ثيابا؛ ~~الذين لا ينكحون المتنعمات؛ ولا تفتح لهم أبواب الملوك} . # PageV11P080 # وأما " عددهم " فقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي تاريخهم: وهم نحو من ~~ستمائة أو سبعمائة أو نحو ذلك. ولم يكونوا مجتمعين في وقت واحد بل كان في ~~شمال المسجد صفة يأوي إليها فقراء المهاجرين فمن تأهل منهم أو سافر أو خرج ~~غازيا خرج منها وقد كان يكون في الوقت الواحد فيها السبعون أو أقل أو أكثر ~~ومنهم: سعد بن أبي وقاص أحد ms3419 العشرة. وأبو هريرة وخبيب وسلمان وغيرهم. وأما ~~ما ذكر من أنهم عرفوا ما أوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج فكذب ملعون ~~قائله. وكيف يكون ذلك والمعراج كان بمكة قبل الهجرة وأهل الصفة إنما كانوا ~~بالمدينة بعد الهجرة وبناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة: ~~الطيبة وهذا كله واضح عند من عرف الله ورسوله وكان مسلما حنيفا أو كان ~~عالما بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه معه. وإنما يقع في ~~هذه الجهالات أقوام نقص إيمانهم وقل علمهم واستكبرت أنفسهم حتى صاروا ~~بمنزلة فرعون وصاروا أسوأ حالا من النصارى. والله يتوب علينا وعليهم وعلى ~~سائر إخواننا المسلمين ويهدينا وإياهم صراطه المستقيم صراط الذين أنعم ~~عليهم. غير المغضوب عليهم. ولا الضالين. والله تعالى أعلم. # PageV11P081 # وسئل: # عن " الفتوة " المصطلح عليها. . . إلخ. # فأجاب - رضي الله عنه - قائلا: # أما ما ذكره من " الفتوة " التي يلبس فيها الرجل لغيره سراويل ويسقيه ماء ~~وملحا؛ فهذا لا أصل له. ولم يفعلها أحد من السلف لا علي ولا غيره. والإسناد ~~الذي يذكرونه في " الفتوة " إلى أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب من طريقة ~~الخليفة الناصر وغيره إسناد مظلم عامة رجاله مجاهيل لا يعرفون وليس لهم ذكر ~~عند أهل العلم. وقد ذكر أن أصل ذلك: أنه وضع سراويل عند قبر علي فأصبح ~~مسدودا وهذا يجري عند غير علي كما يجري أمثال ذلك من الأمور التي يظن أنها ~~كرامة في الكنائس وغيرها مثل دخول مصروع إليها فيبرأ بنذر يجعل للكنيسة ~~ونحو ذلك. وهذا إذا لم يكن كذبا فإنه من فعل الشياطين. كما يفعل مثل ذلك ~~عند الأوثان وأنا أعرف من ذلك وقائع متعددة. # PageV11P082 # والمقصود هنا أن سراويل الفتوة لا أصل له عن علي ولا غيره من السلف وما ~~يشترطه بعضهم من الشروط إن كان مما أمر الله به ورسوله فإنه يفعل لأن الله ~~أمر به ورسوله وما نهى عنه مثل التعصب لشخص على شخص والإعانة على الإثم ~~والعدوان. فهو مما ينهى عنه ولو شرطوه. ولفظ " الفتى " في اللغة ms3420 هو الشاب. ~~كما ذكر ذلك أهل اللغة. ومنه قوله تعالى {ودخل معه السجن فتيان} وقوله: ~~{إنهم فتية آمنوا بربهم} {وإذ قال موسى لفتاه} . وقد فتى يفتى فهو فتى أي ~~بين الفتا والأفتا من الدواب خلاف المسان وقد يعبر بالفتى عن المملوك ~~مطلقا. كما قال تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} . ولما كان الشاب ألين عريكة ~~من الشيخ صار في طبعه من السخاء والكرم ما لا يوجد في الشيوخ. فصاروا ~~يعبرون بلفظ الفتى عن السخي الكريم. يقال: هو فتى بين الفتوة وقصد يفتى. ~~ويفاتى. والجمع فتيان وفتية. واستعمال لفظ الفتى بمعنى المتصف بمكارم ~~الأخلاق موجود في كلام كثير من المشايخ وقد يظن أن لفظ القرآن يدل على هذا. ~~ومنه قول بعض الشيوخ: طريقنا تفتى وليس تنصر يعني هو استعمال مكارم # PageV11P083 # الأخلاق؛ ليس هو النسك اليابس. [ومنه قول أبي إسماعيل الأنصاري: الفتوة ~~أن تقرب من يقصدك وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى من يسيء إليك سماحة لا كظما ~~وموادة لا مصابرة] (*) . # ونقل عن أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - أنه قال: الفتوة ترك ما تهوى لما ~~تخشى. كما قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} فمن دعا ~~إلى ما دعا إليه الله ورسوله من مكارم الأخلاق كان محسنا سواء سمي ذلك فتوة ~~أو لم يسمه ومن أحدث في دين الله ما ليس منه فهو رد. والغالب أنهم يدخلون ~~في الفتوة أمورا ينهى عنها فينهون عن ذلك ويؤمرون بما أمر الله به ورسوله ~~كما ينهون عن الإلباس والإسقاء. وإسناد ذلك إلى علي - رضي الله عنه - ~~وأمثال ذلك. PageV11P084 # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة إمام الوقت فريد الدهر جوهر العلم لب ~~الإيمان قطب الزمان مفتي الفرق شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~الشيخ الإمام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مؤيد السنة ~~مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني - رضي الله عنه - ونفع به آمين: # في جماعة يجتمعون في مجلس ويلبسون لشخص منهم لباس " الفتوة " ويديرون ~~بينهم في مجلسهم شربة ms3421 فيها ملح وماء يشربونها ويزعمون أن هذا من الدين ~~ويذكرون في مجلسهم ألفاظا لا تليق بالعقل والدين. فمنها أنهم يقولون؛ إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبس علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لباس ~~الفتوة ثم أمره أن يلبس من شاء ويقولون: إن اللباس أنزل على النبي - صلى ~~الله تعالى عليه وسلم - في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى: {يا بني آدم ~~قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} الآية - فهل هو كما زعموا؟ أم # PageV11P085 # كذب مختلق؟ وهل هو من الدين أم لا؟ وإذا لم يكن من الدين فما يجب على من ~~يفعل ذلك أو يعين عليه؟ ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله. ~~إلى عبد الجبار ويزعم أن ذلك من الدين؛ فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء ~~التي يسمون بها بعضهم بعضا من اسم الفتوة ورءوس الأحزاب والزعماء فهل لهذا ~~أصل أم لا؟ ويسمون المجلس الذي يجتمعون فيه " دسكرة " ويقوم للقوم نقيب إلى ~~الشخص الذي يلبسونه فينزعه اللباس الذي عليه بيده ويلبسه اللباس الذي ~~يزعمون أنه لباس الفتوة بيده فهل هذا جائز. أم لا؟ وإذا قيل: لا يجوز فعل ~~ذلك ولا الإعانة عليه؟ فهل يجب على ولي الأمر منعهم من ذلك؟ وهل للفتوة أصل ~~في الشريعة أم لا؟ وإذا قيل: لا أصل لها في الشريعة فهل يجب على غير ولي ~~الأمر أن ينكر عليهم ويمنعهم من ذلك أم لا؟ مع تمكنه من الإنكار وهل أحد من ~~الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أو التابعين أو من بعدهم من أهل العلم فعل ~~هذه الفتوة المذكورة أو أمر بها أم لا؟ وهل خلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~من النور؟ أم خلق من الأربع عناصر؟ أم من غير ذلك؟ وهل الحديث الذي يذكره ~~بعض الناس: {لولاك ما خلق الله عرشا. ولا كرسيا ولا أرضا ولا سماء # PageV11P086 # ولا شمسا ولا قمرا. ولا غير ذلك} صحيح هو أم لا؟ وهل " الأخوة " التي ~~يؤاخيها المشايخ بين الفقراء في السماع وغيره يجوز فعلها ms3422 في السماع ونحوه ~~أم لا؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين المهاجرين ~~والأنصار؟ أم بين كل مهاجري وأنصاري؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أم لا؟ بينوا لنا ذلك ~~بالتعليل والحجة المبينة وابسطوا لنا الجواب في ذلك بسطا شافيا مأجورين. ~~أثابكم الله تعالى. # فأجاب: # الحمد لله، أما ما ذكر من إلباس لباس " الفتوة " السراويل أو غيره وإسقاء ~~الملح والماء فهذا باطل لا أصل له ولم يفعل هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا أحد من أصحابه. لا علي بن أبي طالب ولا غيره ولا من التابعين لهم ~~بإحسان. والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ~~ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يعرف ولا يجوز لمسلم أن ينسب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الإسناد المجهول # PageV11P087 # الرجال أمرا من الأمور التي لا تعرف عنه فكيف إذا نسب إليه ما يعلم أنه ~~كذب وافتراء عليه فإن العالمين بسنته وأحواله متفقون على أن هذا من الكذب ~~المختلق عليه وعلى علي بن أبي طالب رضي الله عنها وما ذكروه من نزول هذا ~~اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته. و " اللباس الذي ~~يواري السوأة " هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح. أنزل ~~الله تعالى هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون: ثياب ~~عصينا الله فيها لا نطوف فيها فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: ~~{خذوا زينتكم عند كل مسجد} . والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس ~~الخرقة وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه ~~وأنه فرق الخرق على أصحابه وأن جبريل أتاه وقال له: إن ربك يطلب نصيبه من ~~زيق الفقر وأنه علق ذلك بالعرش. فهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع هو وأصحابه ms3423 على سماع كف ولا سماع دفوف ~~وشبابات ولا رقص ولا سقط عنه ثوب من ثيابه في ذلك ولا قسمه على أصحابه وكل ~~ما يروى من ذلك فهو كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته. # PageV11P088 # فصل: # والشروط التي تشترطها شيوخ " الفتوة " ما كان منها مما أمر الله به ~~ورسوله كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر ~~المظلوم. وصلة الأرحام والوفاء بالعهد. أو كانت مستحبة: كالعفو عن الظالم ~~واحتمال الأذى وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله وأن يجتمعوا على السنة ~~ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة. ونحو ذلك. فهذه يؤمن بها كل مسلم ~~سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها وما كان منها مما نهى الله عنه ~~ورسوله: مثل التحالف الذي يكون بين أهل الجاهلية أن كلا منهما يصادق صديق ~~الآخر في الحق والباطل ويعادي عدوه في الحق والباطل وينصره على كل من ~~يعاديه سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم ~~الحلال وهي شروط ليست في كتاب الله. وفي السنن عنه أنه قال: {المسلمون عند ~~شروطهم: إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا} وكل ما كان من الشروط التي بين ~~القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق ~~علماء المسلمين ما كان من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله # PageV11P089 # فإنه يؤمر به كما أمر الله به ورسوله. وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله ~~فإنه ينهى عنه كما نهى الله عنه ورسوله وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا ~~يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا على خلاف ما أمر الله به ورسوله؛ بل ~~على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود التي عهدها الله إلى بني آدم كما قال ~~الله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} . وكذلك ما يعقده المرء على نفسه ~~كعقد النذر أو يعقده الاثنان: كعقد البيع والإجارة والهبة وغيرهما. أو ما ~~يكون تارة من واحد وتارة من اثنين: كعقد الوقف والوصية؛ فإنه في جميع هذه ~~العقود متى اشترط العاقد شيئا ms3424 مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلا. وفي ~~الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ~~{من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . والعقود ~~المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية وهي شعبة من دين ~~المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقودا أمروا فيها بما نهى الله عنه ~~ورسوله ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله. فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم ~~أن يتجنبه. # PageV11P090 # فصل: # وأما لفظ " الفتى " فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى: {إنهم فتية آمنوا ~~بربهم} وقوله تعالى {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} ومنه قوله ~~تعالى {وإذ قال موسى لفتاه} . لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين صار كثير ~~من الشيوخ يعبرون بلفظ " الفتوة " عن مكارم الأخلاق. كقول بعضهم: طريقنا ~~تفتى وليس تنصر. وقول بعضهم. [" الفتوة " أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك ~~وتحسن إلى من يسيء إليك. سماحة لا كظما ومودة لا مضارة] (*) . وقول بعضهم: ~~" الفتوة " ترك ما تهوى لما تخشى. وأمثال هذه الكلمات التي توصف فيها ~~الفتوة بصفات محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم وهي لم تستحق المدح ~~في الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء. كلفظ ~~الإحسان والرحمة والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر والصدقة والزكاة ~~والخير. ونحو ذلك من الأسماء الحسنة التي تتضمن هذه المعاني فكل اسم علق ~~الله به المدح والثواب في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين وكل اسم علق به ~~الذم والعقاب في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين كلفظ الكذب والخيانة ~~PageV11P091 # والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك. وأما لفظ " الزعيم " فإنه مثل لفظ ~~الكفيل والقبيل والضمين قال تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} ~~فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيم؛ فإن كان قد تكفل بخير كان محمودا ~~على ذلك وإن كان شرا كان مذموما على ذلك. وأما " رأس الحزب " فإنه رأس ~~الطائفة التي تتحزب أي ms3425 تصير حزبا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ~~ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وإن ~~كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل ~~والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق ~~الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا ~~عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون ~~على الإثم والعدوان. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ~~قال: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى ~~عليه وسلم أنه قال: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا} وشبك بين # PageV11P092 # أصابعه. وفي الصحيح عنه أنه قال: {المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله} ~~وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما قال: تمنعه من ~~الظلم؛ فذلك نصرك إياه} . وفي الصحيح عنه أنه قال: {خمس تجب للمسلم على ~~المسلم: يسلم عليه إذا لقيه؛ ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس؛ ويجيبه إذا ~~دعاه. ويشيعه إذا مات} . وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ~~{والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} فهذه ~~الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق المؤمنين بعضهم ~~على بعض. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {لا ~~تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا} . ~~وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {إن الله يرضى لكم ~~ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا؛ وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} وفي السنن عنه صلى الله تعالى ~~عليه ms3426 وسلم أنه قال: {ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: صلاح ذات ~~البين فإن # PageV11P093 # فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر. ولكن تحلق الدين} فهذه ~~الأمور مما نهى الله ورسوله عنها. وأما لفظ " الدسكرة " فليست من الألفاظ ~~التي لها أصل في الشريعة فيتعلق بها حمد أو ذم؛ ولكن هي في عرف الناس يعبر ~~بها عن المجامع. كما في حديث هرقل: أنه جمع الروم في دسكرة؛ ويقال ~~للمجتمعين على شرب الخمر: إنهم في دسكرة؛ فلا يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم؛ ~~وهو إلى الذم أقرب؛ لأن الغالب في عرف الناس أنهم يسمون بذلك الاجتماع على ~~الفواحش والخمر والغناء. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل ~~مسلم؛ لكنه من فروض الكفايات؛ فإن قام بهما من يسقط به الفرض من ولاة ~~الأمر؛ أو غيرهم. والأوجب على غيرهم أن يقوم من ذلك بما يقدر عليه. # فصل: # والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر؛ ولم يخلق أحد ~~من البشر من نور؛ بل قد ثبت في الصحيح عن النبي # PageV11P094 # صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {إن الله خلق الملائكة من نور؛ وخلق ~~إبليس من مارج من نار؛ وخلق آدم مما وصف لكم} وليس تفضيل بعض المخلوقات على ~~بعض باعتبار ما خلقت منه فقط؛ بل قد يخلق المؤمن من كافر؛ والكافر من مؤمن؛ ~~كابن نوح منه وكإبراهيم من آزر؛ وآدم خلقه الله من طين: فلما سواه؛ ونفخ ~~فيه من روحه؛ وأسجد له الملائكة؛ وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء وبأن ~~خلقه بيديه؛ وبغير ذلك. فهو وصالحو ذريته أفضل من الملائكة؛ وإن كان هؤلاء ~~مخلوقين من طين؛ وهؤلاء من نور. وهذه " مسألة كبيرة " مبسوطة في غير هذا ~~الموضع؛ فإن فضل بني آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا. وإنما يظهر فضلهم إذا ~~دخلوا دار القرار: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ~~فنعم عقبى الدار} . والآدمي ms3427 خلق من نطفة؛ ثم من مضغة؛ ثم من علقة ثم انتقل ~~من صغر إلى كبر ثم من دار إلى دار فلا يظهر فضله وهو في ابتداء أحواله؛ ~~وإنما يظهر فضله عند كمال أحواله؛ بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره. ~~ومن هنا غلط من فضل الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء. وهم ~~في أثناء الأحوال. قبل أن يصلوا إلى ما وعدوا به في الدار الآخرة من نهايات ~~الكمال. # PageV11P095 # وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه ~~صريف الأقلام؛ وعلا على مقامات الملائكة؛ والله تعالى أظهر من عظيم قدرته ~~وعجيب حكمته من صالحي الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من ~~الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق في المخلوقات. فخلق بدنه من الأرض وروحه من ~~الملأ الأعلى ولهذا يقال: هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير. ومحمد ~~سيد ولد آدم. وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من ~~أجله العالم أو إنه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا ~~شمسا ولا قمرا. لكن ليس هذا حديثا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا ~~صحيحا ولا ضعيفا ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث. عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله. ويمكن ~~أن يفسر بوجه صحيح كقوله. {سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} وقوله: ~~{وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها} وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق ~~المخلوقات لبني آدم ومعلوم أن لله فيها حكما عظيمة غير ذلك، # PageV11P096 # وأعظم من ذلك ولكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم من ~~النعمة. فإذا قيل: فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون ms3428 فيه حكمة أخرى. وكذلك ~~قول القائل: لولا كذا ما خلق كذا لا يقتضي أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة ~~بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم محمد وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة ~~بالغة مقصودة أعظم من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى ~~الله تعالى عليه وسلم. والله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وكان آخر الخلق يوم الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق خلق يوم الجمعة بعد ~~العصر في آخر يوم الجمعة. وسيد ولد آدم هو محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم ~~- آدم فمن دونه تحت لوائه - قال صلى الله تعالى عليه وسلم {إني عند الله ~~لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته} أي كتبت نبوتي وأظهرت لما ~~خلق آدم قبل نفخ الروح فيه كما يكتب الله رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه. فإذا كان الإنسان هو خاتم ~~المخلوقات وآخرها # PageV11P097 # وهو الجامع لما فيها وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا ومحمد إنسان هذا ~~العين؛ وقطب هذه الرحى وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في ~~المخلوقات فما ينكر أن يقال: إنه لأجله خلقت جميعها وإنه لولاه لما خلقت ~~فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك. وأما إذا ~~حصل في ذلك غلو من جنس غلو النصارى بإشراك بعض المخلوقات في شيء من ~~الربوبية كان ذلك مردودا غير مقبول؛ فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ~~أنه قال: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: ~~عبد الله ورسوله} وقد قال تعالى. {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد} والله قد جعل له حقا لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح ~~العبادة إلا له ms3429 ولا الدعاء إلا له ولا التوكل إلا عليه ولا الرغبة إلا إليه ~~ولا الرهبة إلا منه ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ولا يأتي بالحسنات إلا ~~هو ولا يذهب السيئات إلا هو ولا حول ولا قوة إلا به {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} . {من ذا الذي # PageV11P098 # يشفع عنده إلا بإذنه} . {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} وقال تعالى: ~~{ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فجعل الطاعة لله ~~وللرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وكذلك في قوله: {ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى ~~الله راغبون} فالإيتاء لله والرسول. وأما التوكل فعلى الله وحده والرغبة ~~إلى الله وحده. # فصل: # وأما " المؤاخاة " فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين ~~والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء وبين ~~عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل ~~الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فصاروا يتوارثون ~~بالقرابة. وفي ذلك أنزل الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~وهذا هو المحالفة. واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة ~~والولاء محكم أو منسوخ؟ على قولين: # PageV11P099 # أحدهما: أن ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين ~~عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: {لا حلف في الإسلام وما كان من حلف ~~في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة} و (الثاني أن ذلك محكم وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه. وأما " المؤاخاة " بين المهاجرين كما ~~يقال: إنه آخى بين أبي بكر وعمر وإنه آخى عليا ونحو ذلك فهذا كله باطل وإن ~~كان بعض الناس ذكر أنه فعل بمكة وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة وذلك نقل ~~ضعيف: إما منقطع وإما بإسناد ضعيف. والذي في ms3430 الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر ~~الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية الثابتة تيقن أن ذلك كذب. وأما عقد " ~~الأخوة " بين الناس في زمامنا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة ~~الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: {إنما المؤمنون إخوة} وقول ~~صلى الله تعالى عليه وسلم {المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه} وقوله: ~~{لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة ~~أخيه} وقوله: {والذي # PageV11P100 # نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه} ونحو ذلك ~~من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن. فهذه الحقوق واجبة بنفس ~~الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة ~~عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله. وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن ~~وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان ~~بين المهاجرين والأنصار فهذه فيها للعلماء قولان بناء على أن ذلك منسوخ أم ~~لا؟ فمن قال: إنه منسوخ - كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. قال: إن ~~ذلك غير مشروع. ومن قال: إنه لم ينسخ - كما قال: أبو حنيفة وأحمد في ~~الرواية الأخرى - قال إنه مشروع. وأما " الشروط " التي يلتزمها كثير من ~~الناس في " السماع " وغيره مثل أن يقول: على المشاركة في الحسنات وأينا خلص ~~يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك. فهذه كلها شروط باطلة؛ فإن الأرض يومئذ ~~لله هو: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} وكما قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى ~~كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} . ~~وكذلك يشترطون شروطا من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها # PageV11P101 # وما أعلم أحدا ممن دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله ~~وفى بها؛ بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال؛ لا حقيقة له في المآل وأسعد ~~الناس من قام بما أوجبه الله ورسوله فضلا عن أن ms3431 يوجب على نفسه زيادات على ~~ذلك. وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع. والله أعلم. # PageV11P102 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # والشيخ " عدي بن مسافر بن صخر " كان رجلا صالحا وله أتباع صالحون ومن ~~أصحابه من فيه غلو عظيم يبلغ بهم غليظ الكفر وقد رأيت جزءا أتى بيد أتباعه ~~فيه نسبه وسلسلة طريقه فرأيت كليهما مضطربا. أما " النسب " فقالوا: عدي بن ~~مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن أحمد بن مروان بن الحكم بن مروان ~~الأموي. وهذا كذب قطعا فإنه يمتنع أن يكون بينه وبين مروان بن الحكم خمسة ~~أنفس. وأما " الخرقة " فقالوا: دخل على الشيخ العارف عقيل المنبجي وألبسه ~~الخرقة بيده والشيخ عقيل لبس الخرقة من يد الشيخ مسلمة المردجي والشيخ ~~مسلمة لبس الخرقة من يد الشيخ أبي سعيد الخراز. # PageV11P103 # قلت: هذا كذب واضح فإن مسلمة لم يدرك أبا سعيد بل بينهما أكثر من مائة ~~سنة بل قريبا من مائتي سنة. ثم قالوا: والشيخ أبو سعيد الخراز لبس الخرقة ~~من يد الشيخ أبي محمد العنسي والعنسي لبسها من يد الشيخ علي بن عليل الرملي ~~والشيخ علي بن عليل لبسها من يد والده الشيخ عليل الرملي والشيخ عليل لبس ~~الخرقة من يد الشيخ عمار السعدي والشيخ عمار السعدي لبس الخرقة من يد الشيخ ~~يوسف الغساني والشيخ يوسف الغساني لبس الخرقة من يد والده الشيخ يعقوب ~~الغساني والشيخ يعقوب الغساني لبس الخرقة من يد أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب يوم خطب الناس بالجابية وعمر بن الخطاب لبس الخرقة من يد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لبس الخرقة من يد ~~جبرائيل وجبرائيل من الله تعالى. قلت: لبس عمر للخرقة وإلباسه ولبس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للخرقة وإلباسه يعرف كل من له أدنى معرفة أنه كذب. ~~وأما الإسناد المذكور ما بين أبي سعيد إلى عمر فمجهول وما أعرف لهؤلاء ذكرا ~~لا في كتب الزهد والرقائق ولا في كتب الحديث والعلم ومن الممكن أن يكون ms3432 بعض ~~هؤلاء كانوا شيوخا وقد ركب هذا الإسناد عليهم من لم يعرف أزمانهم والله ~~أعلم بحقيقة أمرهم. # PageV11P104 # ثم ذكروا بعد هذا " عقيدته " وقالوا: هذه عقيدة السنة من إملاء الشيخ ~~عدي. و " العقيدة من (كتاب التبصرة للشيخ أبي الفرج المقدسي. بألفاظه نقل ~~المسطرة لكن حذفوا منها تسمية المخالفين وأقوالهم وذكروا ما ذكره من الأدلة ~~وزادوا فيها من ذكر يزيد وغيره أشياء لم يقلها الشيخ أبو الفرج وفيها ~~أحاديث موضوعة وقال في آخرها فهذا اعتقادنا وما نقلناه عن مشايخنا نقله ~~جبرائيل عن الله ونقله النبي صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل ونقله الصحابة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمي من سماه اللكائي في أول كتاب (شرح أصول ~~السنة كما ذكروا أن هذا أملاه الشيخ عدي من حفظه. وأمر بكتابته ورووا ذلك ~~بالسماع من الشيخ حسن بن عدي بن أبي البركات بسماعه من والده عدي بن أبي ~~البركات بن صخر بن مسافر وهو عدي. # PageV11P105 # و ### | سئل: # هل تخلل أبو بكر بالعباءة؟ وتخللت الملائكة لأجله بالعباءة # أم لا؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لم يتخلل أبو بكر بالعباءة ولا الملائكة تخللوا بالعباءة وذلك ~~كذب. والله أعلم. # PageV11P106 # وسئل: # عن معنى قول من يقول: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " فهل هي من جهة المعاصي؟ ~~أو من جهة جمع المال؟ . # فأجاب: # ليس هذا محفوظا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هو معروف عن جندب بن ~~عبد الله البجلي من الصحابة ويذكر عن المسيح ابن مريم عليه السلام وأكثر ما ~~يغلو في هذا اللفظ المتفلسفة ومن حذا حذوهم من الصوفية على أصلهم في تعلق ~~النفس إلى أمور ليس هذا موضع بسطها. وأما حكم الإسلام في ذلك: فالذي يعاقب ~~الرجل عليه الحب الذي يستلزم المعاصي: فإنه يستلزم الظلم والكذب والفواحش ~~ولا ريب أن الحرص على المال والرئاسة يوجب هذا كما في الصحيحين أنه قال: ~~{إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم ~~بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا} وعن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms3433 أنه قال: {ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم # PageV11P107 # بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه} . قال الترمذي حديث حسن. ~~فحرص الرجل على المال والشرف يوجب فساد الدين فأما مجرد الحب الذي في القلب ~~إذا كان الإنسان يفعل ما أمره الله به ويترك ما نهى الله عنه. ويخاف مقام ~~ربه وينهى النفس عن الهوى فإن الله لا يعاقبه على مثل هذا إذا لم يكن معه ~~عمل وجمع المال إذا قام بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه؛ ~~لكن إخراج فضول المال والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وأفرغ للقلب وأجمع ~~للهم وأنفع في الدنيا والآخرة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من أصبح ~~والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه ~~وجمع عليه ضيعته وأتته الدنيا وهي راغمة} . # PageV11P108 # وسئل - رحمه الله -: # عما يذكر من قولهم: اتخذوا مع الفقير أيادي فإن لهم دولة وأي دولة وقول ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث مع ~~أبي بكر رضي الله عنه وكنت بينهما كالزنجي ما معنى ذلك؟ وقول بعض الناس ~~لبعض: نحن في بركتك أو من وقت حللت عندنا حلت علينا البركة. ونحن في بركة ~~هذا الشيخ المدفون عندنا. هل هو قول مشروع أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، أما الحديثان الأولان فكلاهما كذب وما قال عمر بن الخطاب ما ~~ذكر عنه قط ولا روى هذا أحد بإسناد صحيح ولا ضعيف وهو كلام باطل؛ فإن من ~~كان دون عمر كان يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويفهم ما ينفعه الله ~~به فكيف بعمر؟ وعمر أفضل الخلق بعد أبي بكر فكيف يكون كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر بمنزلة كلام الزنجي. # PageV11P109 # ثم الذين يذكرون هذا الحديث من ملاحدة الباطنية؛ يدعون أنهم علموا ذلك ~~السر الذي لم يفهمه عمر. وحمله كل ms3434 قوم على رأيهم الفاسد؛ والنجادية يدعون ~~أنه قولهم وأهل الحقيقة الكونية الذين ينفون الأمر والنهي والوعيد يدعون ~~أنه قولهم. وأهل الحلول الخاص أشباه النصارى يدعون أنه قولهم؛ إلى أصناف ~~أخر يطول تعدادها. فهل يقول عاقل: إن عمر وهو شاهد لم يفهم ما قالا وإن ~~هؤلاء الجهال الضلال أهل الزندقة والإلحاد والمحال علموا معنى ذلك الخطاب ~~ولم ينقل أحد لفظه. وإنما وضع مثل هذا الكذب ملاحدة الباطنية حتى يقول ~~الناس: إن ما أظهره الرسل من القرآن والإيمان والشريعة له باطن يخالف ~~ظاهره؛ وكان أبو بكر يعلم ذلك الباطن دون عمر؛ ويجعلون هذا ذريعة عند ~~الجهال إلى أن يسلخوهم من دين الإسلام. ونظير هذا ما يروونه أن عمر تزوج ~~امرأة أبي بكر ليعرف حاله في الباطن فقالت: كنت أشم رائحة الكبد المشوية. ~~فهذا أيضا كذب وعمر لم يتزوج امرأة أبي بكر. بل تزوجها علي بن أبي طالب ~~وكانت قبل أبي بكر عند جعفر وهي أسماء بنت عميس وكانت من # PageV11P110 # عقلاء النساء وعمر كان أعلم بأبي بكر من نسائه وغيرهم. وأما الحديث الآخر ~~وهو قوله: {اتخذوا مع الفقراء أيادي فإن لهم دولة وأي دولة} فهذا - أيضا - ~~كذب ما رواه أحد من الناس والإحسان إلى الفقراء الذين ذكرهم الله في القرآن ~~قال الله فيهم: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو ~~خير لكم} - إلى قوله - {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} وأهل الفيء وهم ~~الفقراء المجاهدون الذين قال الله فيهم: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم} الآية. والمحسن إليهم وإلى غيرهم عليه أن يبتغي بذلك ~~وجه الله ولا يطلب من مخلوق لا في الدنيا ولا في الآخرة. كما قال تعالى: ~~{وسيجنبها الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ~~{إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} وقال: {ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا} {إنما نطعمكم لوجه الله} الآية. ومن طلب من الفقراء ~~الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية؛ فإن في الحديث الذي في سنن أبي ms3435 داود ~~{من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى ~~تعلموا أنكم قد كافأتموه} ولهذا كانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول ~~للرسول: اسمع ما دعوا به لنا؛ حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا ويبقى أجرنا على ~~الله. # PageV11P111 # وقال بعض السلف: إذا أعطيت المسكين فقال: بارك الله عليك. فقل: بارك الله ~~عليك. أراد أنه إذا أثابك بالدعاء فادع له بمثل ذلك الدعاء حتى لا تكون ~~اعتضت منه شيئا. هذا والعطاء لم يطلب منهم. وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {ما نفعني مال كمال أبي بكر} أنفقه يبتغي به وجه الله كما أخبر الله ~~عنه لا يطلب الجزاء من مخلوق لا نبي ولا غيره لا بدعاء ولا شفاعة. وقول ~~القائل: لهم في الآخرة دولة وأي دولة فهذا كذب؛ بل الدولة لمن كان مؤمنا ~~تقيا فقيرا كان أو غنيا وقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} ~~{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآيتين وقال تعالى: {إن الأبرار لفي ~~نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ونظير هذا في القرآن ~~كثير. ومع هذا فالمؤمنون: الأنبياء وسائر الأولياء لا يشفعون لأحد إلا بإذن ~~الله كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال: {ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى} وقال تعالى: {والأمر يومئذ لله} فمن أحسن إلى مخلوق يرجو أن ~~ذلك المخلوق يجزيه يوم القيامة كان من الأخسرين أعمالا: الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؛ بل إنما يجزي على الأعمال ~~يومئذ الواحد القهار # PageV11P112 # الذي إليه الإياب والحساب الذي لا يظلم مثقال ذرة. وإن تكن حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما. ولا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. # فصل: # وأما قول القائل: نحن في بركة فلان أو من وقت حلوله عندنا حلت البركة. ~~فهذا الكلام صحيح باعتبار باطل باعتبار. فأما الصحيح: فأن يراد به أنه ~~هدانا وعلمنا وأمرنا ms3436 بالمعروف ونهانا عن المنكر فببركة اتباعه وطاعته حصل ~~لنا من الخير ما حصل فهذا كلام صحيح. كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بركته لما آمنوا به وأطاعوه فببركة ذلك حصل ~~لهم سعادة الدنيا والآخرة بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة ~~الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. و ~~(أيضا إذا أريد بذلك أنه ببركة دعائه وصلاحه دفع الله الشر وحصل لنا رزق ~~ونصر فهذا حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟} وقد يدفع العذاب عن الكفار والفجار ~~لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن # PageV11P113 # لا يستحق العذاب. ومنه قوله تعالى {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} - ~~إلى قوله - {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} فلولا الضعفاء ~~المؤمنون الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار عذب الله الكفار: وكذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لولا ما في البيوت من النساء والذراري لأمرت ~~بالصلاة فتقام ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون ~~الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم} وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنينها. وقد ~~قال المسيح عليه السلام {وجعلني مباركا أين ما كنت} فبركات أولياء الله ~~الصالحين باعتبار نفعهم للخلق بدعائهم إلى طاعة الله وبدعائهم للخلق وبما ~~ينزل الله من الرحمة ويدفع من العذاب بسببهم حق موجود فمن أراد بالبركة هذا ~~وكان صادقا فقوله حق. وأما " المعنى الباطل " فمثل أن يريد الإشراك بالخلق: ~~مثل أن يكون رجل مقبور بمكان فيظن أن الله يتولاهم لأجله وإن لم يقوموا ~~بطاعة الله ورسوله فهذا جهل. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد ولد ~~آدم مدفون بالمدينة عام الحرة وقد أصاب أهل المدينة من القتل والنهب والخوف ~~ما لا يعلمه إلا الله وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء الراشدين أحدثوا أعمالا ~~أوجبت ذلك وكان على عهد الخلفاء يدفع الله عنهم بإيمانهم وتقواهم لأن ms3437 ~~الخلفاء الراشدين كانوا يدعونهم إلى ذلك # PageV11P114 # وكان ببركة طاعتهم للخلفاء الراشدين وبركة عمل الخلفاء معهم ينصرهم الله ~~ويؤيدهم. وكذلك الخليل صلى الله عليه وسلم مدفون بالشام وقد استولى النصارى ~~على تلك البلاد قريبا من مائة سنة وكان أهلها في شر. فمن ظن أن الميت يدفع ~~عن الحي مع كون الحي عاملا بمعصية الله فهو غالط. وكذلك إذا ظن أن بركة ~~الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله مثل أن يظن أن بركة ~~السجود لغيره وتقبيل الأرض عنده ونحو ذلك يحصل له السعادة؛ وإن لم يعمل ~~بطاعة الله ورسوله. وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له ويدخله الجنة ~~بمجرد محبته وانتسابه إليه فهذه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب ~~والسنة فهو من أحوال المشركين. وأهل البدع. باطل لا يجوز اعتقاده. ولا ~~اعتماده. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV11P115 # وسئل: # عن رجل " متصوف " قال لإنسان - في كلام جرى بينهم -: فقراء الأسواق فقال ~~له الرجل: اليهودي والنصراني والمسلم في السوق قال تعالى: {وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم} فقال " الصوفي ": قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الفقر إلى ~~الله والأولياء مفتقرون للخاتمة والأشقياء تحت القضاء} " قال الصوفي للرجل: ~~تعرف الفقر؟ فقال له: لا قال الصوفي: الفقر هو الله. فأنكروا عليه هذا ~~اللفظ. ثم في ثاني يوم قال رجل: أنت قلت: الفقر هو الله فقال الصوفي: أنا ~~قرأت في كتاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من رآني آمن بي} ~~وأنا رأيت الفقر فآمنت به والفقر هو الله. # فأجاب: # الحمد لله، أما الحديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع كونه ~~كذبا مناقض للعقل والدين؛ فإنه ليس كل من رآه آمن به؛ بل قد رآه كثير مثل ~~الكفار والمنافقين. وقول القائل: آمنت بالفقر أو كفرت بالفقر هو من الكلام ~~الباطل؛ بل هو # PageV11P116 # كفر يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل والله سبحانه هو الغني والخلق ~~هم الفقراء إليه. وقد قال تعالى: {لقد سمع الله قول الذين ms3438 قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق} . فإذا كان الذين قالوا إنه فقير قد توعدهم بهذا فكيف بمن يقول له ~~الفقر؟ و " المصدر " أبلغ من الصفة وإذا كان منزها على أن يوصف بذلك فكيف ~~يجعل المصدر اسما له؟ ولو قال القائل: أردت بذلك الفقر هو إرادة الله ولم ~~يكن في السياق ما يقتضي تصديقه لم يقبل ذلك منه وإن كان في السياق ما يقبل ~~تصديقه نهي عن العبارة الموهومة وأمر بالعبارة الحسنة. وأما قوله الحديث ~~المذكور وهو قوله: {الفقر فخري وبه أفتخر} فهو كذب موضوع لم يروه أحد من ~~أهل المعرفة بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه باطل؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يفتخر بشيء بل قال: {أنا سيد ولد آدم ولا فخر} وقال ~~في الحديث {إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد ~~على أحد} ولو افتخر بشيء لافتخر بما فضله الله به على سائر الخلق. # PageV11P117 # و " الفقر " وصف مشترك بينه وبين سائر الفقراء سواء أريد به الشرعي وهو ~~عدم المال أو الفقر الاصطلاحي وهو مكارم الأخلاق والزهد مع أن لفظه في ~~كلامه وكلام أصحابه لا يراد به إلا الفقر الشرعي دون الاصطلاحي والله أعلم. # PageV11P118 # وسئل: # عمن قال: إن " الفقير والغني " لا يفضل أحدهما صاحبه إلا بالتقوى. فمن ~~كان أتقى لله كان أفضل وأحب إلى الله تعالى. وإن الحديث الصحيح الذي قال ~~فيه صلى الله عليه وسلم {يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام} ~~هذا في حق ضعفاء المسلمين وصعاليكهم القائمين بفرائض الله تعالى وليس مختصا ~~بمجرد ما عرف واشتهر في هذه الأعصار المتأخرة من السجاد والمرقعة والعكاز ~~والألفاظ المنمقة؛ بل هذه الهيئات المعتادة في هذه الأزمنة مخترعة مبتدعة ~~فهل الأمر على ما ذكر أم لا؟ ؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، قد تنازع كثير من متأخري المسلمين في " الغني ~~الشاكر والفقير الصابر " أيهما أفضل؟ فرجح ms3439 هذا طائفة من العلماء والعباد ~~ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد وقد حكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان. ~~وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين # PageV11P119 # على الآخر. وقال طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى ~~فأيهما كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل وإن استويا في ذلك استويا في ~~الفضيلة وهذا أصح الأقوال؛ لأن الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى. ~~وقد قال الله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} . وقد كان في ~~الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء وكان ~~فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء والكاملون يقومون بالمقامين ~~فيقومون بالشكر والصبر على التمام. كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أبي ~~بكر وعمر - رضي الله عنهما ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع من الغنى ~~والغنى أنفع لآخرين كما تكون الصحة لبعضهم أنفع كما في الحديث الذي رواه ~~البغوي وغيره {إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى. ولو أفقرته لأفسده ذلك. ~~وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر. ولو أغنيته لأفسده ذلك. وإن من عبادي ~~من لا يصلحه إلا السقم. ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي إني بهم خبير ~~بصير} . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن فقراء المسلمين ~~يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم} وفي الحديث الآخر {لما علم الفقراء ~~الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل # PageV11P120 # ما قالوا. فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء} فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم ~~والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من ~~حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وإن تأخر في الدخول كما أن السبعين ~~ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن محصن وقد يدخل الجنة بحساب من ~~يكون أفضل من أحدهم. وصلى الله وسلم على محمد. # PageV11P121 # وقال شيخ الإسلام - رحمه ms3440 الله تعالى -: # فصل: # قد كثر تنازع الناس: أيهما أفضل " الفقير الصابر أو الغني الشاكر "؟ ؟ ~~وأكثر كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى أو بنوع من قلة المعرفة والنزاع فيها ~~بين الفقهاء والصوفية والعامة والرؤساء وغيرهم. وقد ذكر القاضي أبو الحسين ~~بن القاضي أبي يعلى في كتاب " التمام لكتاب الروايتين والوجهين " لأبيه ~~فيها عن أحمد روايتين. إحداهما أن الفقير الصابر أفضل. وذكر أنه اختار هذه ~~الرواية أبو إسحاق بن شاقلا ووالده القاضي أبو يعلى ونصرها هو. والثانية: ~~أن الغني الشاكر أفضل اختاره جماعة منهم ابن قتيبة. و " القول الأول " يميل ~~إليه كثير من أهل المعرفة والفقه # PageV11P122 # والصلاح من الصوفية والفقراء ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره و " القول ~~الثاني " يرجحه طائفة منهم. كأبي العباس بن عطاء وغيره وربما حكى بعض الناس ~~في ذلك إجماعا وهو غلط. وفي المسألة " قول ثالث " وهو الصواب أنه ليس هذا ~~أفضل من هذا مطلقا ولا هذا أفضل من هذا مطلقا بل أفضلهما أتقاهما. كما قال ~~تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال عمر بن الخطاب: الغنى والفقر ~~مطيتان لا أبالي أيتهما ركبت. وقد قال تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله ~~أولى بهما} وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ ابن حفص السهروردي وقد يكون ~~هذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال. وهذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال فإن استويا ~~في سبب الكرامة استويا في الدرجة وإن فضل أحدهما الآخر في سببها ترجح عليه؛ ~~هذا هو الحكم العام. والفقر والغنى حالان يعرضان للعبد باختياره تارة وبغير ~~اختياره أخرى كالمقام والسفر والصحة والمرض والإمارة والائتمار والإمامة ~~والائتمام. وكل جنس من هذه الأجناس لا يجوز إطلاق القول بتفضيله على الآخر؛ ~~بل قد يكون هذا أفضل في حال؛ وهذا في حال وقد يستويان في حال كما في الحديث ~~المرفوع في (شرح السنة للبغوي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروي عن ربه تعالى: {وإن من عبادي من # PageV11P123 # لا يصلحه إلا الغنى؛ ولو أفقرته لأفسده ذلك؛ وإن من عبادي من ms3441 لا يصلحه ~~إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو ~~أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ~~ذلك إني أدبر عبادي؛ إني بهم خبير بصير} . وفي هذا المعنى ما يروى: {إن ~~الله يحمي عبده المؤمن الدنيا؛ كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب} . ~~ويروى في مناجاة موسى نحو هذا. ذكره أحمد في الزهد. فهذا فيمن يضره الغنى ~~ويصلحه الفقر كما في الحديث الآخر {نعم المال الصالح للرجل الصالح} . وكما ~~أن الأقوال في المسألة " ثلاثة " فالناس " ثلاثة أصناف ": غني وهو من ملك ~~ما يفضل عن حاجته. وفقير؛ وهو من لا يقدر على تمام كفايته. وقسم ثالث: وهو ~~من يملك وفق كفايته؛ ولهذا كان في أكابر الأنبياء والمرسلين والسابقين ~~الأولين من كان غنيا: كإبراهيم الخليل وأيوب وداود وسليمان وعثمان بن عفان ~~وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وأسعد بن ~~زرارة وأبي أيوب الأنصاري وعبادة بن الصامت ونحوهم. ممن هو من أفضل الخلق ~~من النبيين والصديقين. # PageV11P124 # وفيهم من كان فقيرا: كالمسيح عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا وعلي بن أبي ~~طالب وأبي ذر الغفاري ومصعب بن عمير وسلمان الفارسي ونحوهم. ممن هو من أفضل ~~الخلق من النبيين والصديقين وقد كان فيهم من اجتمع له الأمران: الغنى تارة ~~والفقر أخرى؛ وأتى بإحسان الأغنياء وبصبر الفقراء: كنبينا صلى الله عليه ~~وسلم. وأبي بكر وعمر. والنصوص الواردة في الكتاب والسنة حاكمة بالقسط؛ فإن ~~الله في القرآن لم يفضل أحدا بفقر ولا غنى كما لم يفضل أحدا بصحة ولا مرض. ~~ولا إقامة ولا سفر ولا إمارة ولا ائتمار ولا إمامة ولا ائتمام؛ بل قال: {إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم} وفضلهم بالأعمال الصالحة: من الإيمان ودعائمه ~~وشعبه كاليقين والمعرفة ومحبة الله والإنابة إليه والتوكل عليه ورجائه ~~وخشيته وشكره والصبر له. وقال في آية العدل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ms3442 إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} . ولذلك كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يعدلون بين المسلمين. غنيهم وفقيرهم في أمورهم. ~~ولما طلب بعض الأغنياء من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الفقراء نهاه ~~الله عن ذلك. وأثنى عليهم بأنهم يريدون وجهه. فقال: {ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم} الآية. # PageV11P125 # وقال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} ولما طلب بعض الفقراء من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما لا يصلح له نهاه عن ذلك. وقال: {يا أبا ذر إني أراك ~~ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تأمرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم} ~~. وكانوا يستوون في مقاعدهم عنده وفي الاصطفاف خلفه؛ وغير ذلك. ومن اختص ~~منهم بفضل عرف النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك الفضل كما قنت للقراء ~~السبعين وكان يجلس مع أهل الصفة وكان أيضا لعثمان وطلحة والزبير وسعد بن ~~معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر ونحوهم من سادات المهاجرين والأنصار ~~الأغنياء منزلة ليست لغيرهم من الفقراء وهذه سيرة المعتدلين من الأئمة في ~~الأغنياء والفقراء. وهذا هو العدل والقسط الذي جاء به الكتاب والسنة وهي ~~طريقة عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد وابن المبارك ومالك وأحمد بن حنبل. ~~وغيرهم. في معاملتهم للأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء. وفي الأئمة ~~كالثوري ونحوه من كان يميل إلى الفقراء ويميل على الأغنياء مجتهدا في ذلك ~~طالبا به رضا الله حتى عتب عليه ذلك في آخر عمره ورجع عنه. # PageV11P126 # وفيهم من كان يميل مع الأغنياء والرؤساء: كالزهري ورجاء بن حيوة وأبي ~~الزناد وأبي يوسف ومحمد وأناس آخرين وتكلم فيهم من تكلم بسبب ذلك ولهم في ~~ذلك تأويل واجتهاد والأول هو العدل والقسط الذي دل عليه الكتاب والسنة. ~~ونصوص النبي صلى الله عليه وسلم معتدلة فإنه قد روي {أن الفقراء قالوا له: ~~يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ~~ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق فقال: ألا أعلمكم ms3443 شيئا؟ إذا فعلتموه ~~أدركتم به من سبقكم ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم فعلمهم ~~التسبيح المائة في دبر كل صلاة. فجاءوا إليه فقالوا: إن إخواننا من ~~الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وهذه الزيادة ~~في صحيح مسلم من مراسيل أبي صالح فهذا فيه تفضيل للأغنياء الذين عملوا مثل ~~عمل الفقراء من العبادات البدنية بالقلب والبدن وزادوا عليهم بالإنفاق في ~~سبيل الله ونحوه من العبادات المالية. وثبت عنه أيضا في الصحيح أنه قال: ~~{يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم - خمسمائة عام - وفي رواية ~~بأربعين خريفا} فهذا فيه تفضيل الفقراء المؤمنين بأنهم يدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء المؤمنين وكلاهما حق؛ فإن الفقير ليس معه مال كثير يحاسب على # PageV11P127 # قبضه وصرفه فلا يؤخر عن دخول الجنة لأجل الحساب فيسبق في الدخول وهو أحوج ~~إلى سرعة الثواب لما فاته في الدنيا من الطيبات. والغني يحاسب فإن كان ~~محسنا في غناه غير مسيء وهو فوقه رفعت درجته عليه بعد الدخول وإن كان مثله ~~ساواه وإن كان دونه نزل عنه. وليست حاجته إلى سرعة الثواب كحاجة الفقير. ~~ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في " حوضه ": الذي طوله شهر وعرضه شهر: ~~{ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل أول الناس علي وردا فقراء المهاجرين: ~~الدنسين ثيابا الشعث رءوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب ~~الملوك يموت أحدهم وحاجته تختلج في صدره لا يجد لها قضاء} فكانوا أسبق إلى ~~الذي يزيل ما حصل لهم في الدنيا من اللأواء والشدة وهذا موضع ضيافة عامة ~~فإنه يقدم الأشد جوعا في الإطعام وإن كان لبعض المستأخرين نوع إطعام ليس ~~لبعض المتقدمين لاستحقاقه ذلك ببذله عنده أو غير ذلك وليس في المسألة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصح من هذين الحديثين وفيها الحكم الفصل: إن ~~الفقراء لهم السبق والأغنياء لهم الفضل وهذا قد يترجح تارة وهذا كالسبعين ~~ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومع كل ألف سبعون ألفا؛ وقد ms3444 يحاسب بعدهم ~~من إذا دخل رفعت درجته عليهم. وما روي: {أن ابن عوف يدخل الجنة حبوا} كلام ~~موضوع لا أصل له؛ # PageV11P128 # فإنه قد ثبت بأدلة الكتاب والسنة أن أفضل الأمة أهل بدر ثم أهل بيعة ~~الرضوان والعشرة مفضلون على غيرهم والخلفاء الأربعة أفضل الأمة. وقد ثبت في ~~الصحاح أنه قال: {اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار ~~فرأيت أكثر أهلها النساء} وثبت في الصحاح أيضا أنه قال: {احتجت الجنة ~~والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: ~~ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون} وقوله: {وقفت على باب الجنة فإذا ~~عامة من يدخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أهل النار فقد أمر ~~بهم إلى النار} هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير} . فهذه الأحاديث ~~فيها معنيان: أحدهما أن الجنة دار المتواضعين الخاشعين لا دار المتكبرين ~~الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ فإنه قد ثبت في الصحيح {أنه لا يدخل ~~الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان. فقيل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن ~~الكبر. ذاك فقال: لا - إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط ~~الناس} فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يحب التجمل في اللباس # PageV11P129 # الذي لا يحصل إلا بالغنى وأن ذلك ليس من الكبر. وفي الحديث الصحيح: ~~{ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم: فقير مختال وشيخ زان وملك كذاب} وكذلك الحديث المروي: {لا يزال الرجل ~~يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله جبارا وما يملك ~~إلا أهله} . فعلم بهذين الحديثين: أن من الفقراء من يكون مختالا؛ لا يدخل ~~الجنة. وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر؛ يحب الله جماله. مع ms3445 قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} ومن هذا الباب قول هرقل لأبي ~~سفيان: أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: وهم أتباع ~~الأنبياء. وقد قالوا لنوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} فهذا فيه أن أهل ~~الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته؛ لأن حبهم ~~للرئاسة يمنعهم ذلك بخلاف المستضعفين. وفي هذا المعنى الحديث المأثور - إن ~~كان محفوظا - {اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين} ~~فالمساكين ضد المتكبرين. وهم الخاشعون لله. المتواضعون لعظمته الذين لا ~~يريدون علوا في الأرض. سواء كانوا أغنياء أو فقراء. # PageV11P130 # ومن هذا الباب إن الله خيره: بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون نبيا ~~ملكا فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده؛ لا ~~لأجل حظه وأما الملك فيتصرف لحظ نفسه وإن كان مباحا. كما قيل لسليمان: {هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} ففي هذه الأحاديث: أنه اختار العبودية ~~والتواضع. وإن كان هو الأعلى هو ومن اتبعه. كما قال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون} وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ولم يرد العلو وإن ~~كان قد حصل له. وقد أعطي مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره وإنما يفضل ~~الغنى لأجل الإحسان إلى الخلق والإنفاق في سبيل الله والاستعانة به على ~~طاعة الله وعبادته وإلا فذات ملك المال لا ينفع بل قد يضر وقد صبر مع هذا ~~من اللأواء والشدة على ما لم يصبر عليه غيره فنال أعلى درجات الشاكرين ~~وأفضل مقامات الصابرين وكان سابقا في حالي الفقر والغنى لم يكن ممن لا ~~يصلحه إلا أحدهما كبعض أصحابه وأمته. (المعنى الثاني أن الصلاح في الفقراء ~~أكثر منه في الأغنياء. كما أنه إذا كان في الأغنياء فهو أكمل منه في ~~الفقراء فهذا في هؤلاء أكثر وفي هؤلاء أكثر لأن فتنة الغنى أعظم من فتنة ~~الفقر فالسالم منها أقل. ومن سلم ms3446 منها كان أفضل ممن سلم من فتنة الفقر فقط؛ ~~ولهذا # PageV11P131 # صار الناس يطلبون الصلاح في الفقراء لأن المظنة فيهم أكثر. فهذا هذا ~~والله أعلم. فلهذا السبب صارت المسكنة نسبته وكذلك لما رأوا المسكنة ~~والتواضع في الفقراء أكثر اعتقدوا أن التواضع والمسكنة هو الفقر وليس كذلك. ~~بل الفقر هنا عدم المال والمسكنة خضوع القلب وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستعيذ من فتنة الفقر وشر فتنة الغنى وقال: بعض الصحابة ابتلينا بالضراء ~~فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر وقد قال صلى الله عليه وسلم {والله ما ~~الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان ~~قبلكم فتنافسوها} ولهذا كان الغالب على المهاجرين الفقر والغالب على ~~الأنصار الغنى والمهاجرون أفضل من الأنصار وكان في المهاجرين أغنياؤهم من ~~أفضل المهاجرين مع أنهم بالهجرة تركوا من أموالهم ما صاروا به فقراء ~~بالنسبة إلى ما كانوا عليه. # PageV11P132 # وسئل: # عن " الحمد والشكر " ما حقيقتهما؟ هل هما معنى واحد أو معنيان؟ وعلى أي ~~شيء يكون الحمد؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " الحمد " يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر ~~محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن والشكر لا يكون إلا على ~~إحسان المشكور إلى الشاكر فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على ~~المحاسن والإحسان فإن الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل ~~الأعلى وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} وقال: {الحمد لله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة} وقال: {الحمد لله فاطر ~~السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في ~~الخلق ما يشاء} . # PageV11P133 # وأما " الشكر " فإنه لا يكون إلا على الإنعام فهو أخص من الحمد من هذا ~~الوجه؛ لكنه يكون بالقلب واليد واللسان كما قيل: أفادتكم النعماء مني ~~ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجبا ولهذا قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} ms3447 ~~. و " الحمد " إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة ~~أنواعه والحمد أعم من جهة أسبابه ومن هذا الحديث {الحمد لله رأس الشكر فمن ~~لم يحمد الله لم يشكره} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده ~~عليها} والله أعلم. # PageV11P134 # تلخيص مناظرة في " الحمد والشكر " # بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وبين ابن المرحل # كان الكلام في الحمد والشكر وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح ~~والحمد لا يكون إلا باللسان. فقال ابن المرحل: قد نقل بعض المصنفين - وسماه ~~-: أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد. ومذهب ~~الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل وبنوا على هذا: أن من ترك ~~الأعمال يكون كافرا. لأن الكفر نقيض الشكر فإذا لم يكن شاكرا كان كافرا. ~~قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكي عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل ~~السنة خطأ. فإن مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل. ~~قال الله تعالى:: {اعملوا آل داود # PageV11P135 # شكرا} {وقام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقيل له: أتفعل ~~هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا} ~~. قال ابن المرحل: أنا لا أتكلم في الدليل وأسلم ضعف هذا القول؛ لكن أنا ~~أنقل أنه مذهب أهل السنة. قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ ~~فإن القول إذا ثبت ضعفه كيف ينسب إلى أهل الحق؟ ثم قد صرح من شاء الله من ~~العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل وقد دل ~~على ذلك الكتاب والسنة. قلت: وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر وقد ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم عن سجدة سورة ص سجدها داود توبة ونحن نسجدها ~~شكرا} . ثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟ . ~~قال ms3448 ابن المرحل: - هذا قد نقل والنقل لا يمنع لكن يستشكل. ويقال: هذا مذهب ~~مشكل. # PageV11P136 # قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النقل نوعان. أحدهما: أن ينقل ما سمع أو ~~رأى. والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا أو ~~مذهب أهل السنة كذا قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله وإن لم ~~يكن فلان قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرا. ألا ترى أن كثيرا من ~~المصنفين يقولون: مذهب الشافعي أو غيره كذا ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ~~ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه من جهة ~~الاستنباط لا من جهة النص؟ . وكذلك هذا لما كان أهل السنة لا يكفرون ~~بالمعاصي والخوارج يكفرون بالمعاصي. ثم رأى المصنف الكفر ضد الشكر -: أعتقد ~~أنا إذا جعلنا الأعمال شكرا لزم انتفاء الشكر بانتفائها ومتى انتفى الشكر ~~خلفه الكفر ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك: التكفير بالذنوب. فلهذا عزي إلى ~~أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر. قلت: كما أن كثيرا من المتكلمين أخرج ~~الأعمال عن الإيمان لهذه العلة. قال: وهذا خطأ لأن التكفير نوعان: أحدهما: ~~كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله. والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر ~~النعمة لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر # PageV11P137 # النعمة لا الكفر بالله. قلت: على أنه لو كان ضد الكفر بالله فمن ترك ~~الأعمال شاكرا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله. والكفر إنما يثبت ~~إذا عدم الشكر بالكلية. كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون ~~كافرا حتى يترك أصل الإيمان. وهو الاعتقاد. ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة ~~- التي هي ذات شعب وأجزاء - زوال اسمها كالإنسان إذا قطعت يده أو الشجرة ~~إذا قطع بعض فروعها. قال الصدر ابن المرحل: فإن أصحابك قد خالفوا الحسن ~~البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا ~~بالله. قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من ~~أصحابي هذا؟ بل يجوز ms3449 عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة حيث أطلقته الشريعة. ~~قال ابن المرحل: إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا لكن أصحابي قد خالفوا ~~الحسن في هذا. قال الشيخ تقي الدين: - ولا أصحابك خالفوه. فإن أصحابك # PageV11P138 # قد تأولوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي أطلق فيها الكفر على بعض ~~الفسوق - مثل ترك الصلاة. وقتال المسلمين - على أن المراد به كفر النعمة. ~~فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة. فعلم أنهم موافقو ~~الحسن لا مخالفوه. ثم عاد ابن المرحل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف. والنقل ~~ما يمنع لكن يستشكل. قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى ~~أهل السنة مذهب باطل أو ينسب الناقل عنهم إلى تصرفه في النقل كان نسبة ~~الناقل إلى التصرف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق مع أنهم صرحوا ~~في غير موضع: أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد. وهذا أظهر من أن ينقل ~~عن واحد بعينه. ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج ~~الأعمال أن تكون شكرا لله. بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال. ~~وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل. وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول ~~والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ " الحمد " " والشكر " مثل كتب ~~التفسير واللغة # PageV11P139 # وشروح الحديث يعرفه آحاد الناس. والكتاب والسنة قد دلا على ذلك. فخرج ابن ~~المرحل إلى شيء غير هذا فقال: - الحسن البصري يسمى الفاسق منافقا وأصحابك ~~لا يسمونه منافقا. قال الشيخ تقي الدين له: بل يسمى منافقا النفاق الأصغر ~~لا النفاق الأكبر. والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر ~~وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات. قال له ابن ~~المرحل: - ومن أين قلت: إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا؟ . قال الشيخ تقي ~~الدين: - هذا مشهور عند العلماء. وبذلك فسروا قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد ms3450 أخلف وإذا اؤتمن خان} وقد ذكر ذلك ~~الترمذي وغيره. وحكوه عن العلماء. وقال غير واحد من السلف " كفر دون كفر ~~ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك ". وإذا كان النفاق جنسا تحته نوعان فالفاسق ~~داخل في أحد نوعيه. # PageV11P140 # قال ابن المرحل: كيف تجعل النفاق اسم جنس وقد جعلته لفظا مشتركا وإذا كان ~~اسم جنس كان متواطئا والأسماء المتواطئة غير المشتركة فكيف تجعله مشتركا ~~متواطئا ". قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك. وإنما قلت: يطلق ~~على هذا وعلى هذا والإطلاق أعم. ثم لو قلت: إنه مشترك لكان الكلام صحيحا. ~~فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك. فأطلقت ~~لفظ النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك وتارة ~~بطريق التواطؤ كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار ~~الاشتراك وعند قوم باعتبار التواطؤ. ولهذا سمي مشككا. قال ابن المرحل: - ~~كيف يكون هذا؟ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره. قال له الشيخ تقي الدين: - ~~المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر. وذلك أن الماهيتين إذا كان ~~بينهما قدر مشترك وقدر مميز واللفظ يطلق على كل منهما فقد يطلق عليهما ~~باعتبار ما به # PageV11P141 # تمتاز كل ماهية عن الأخرى. فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي. وقد يكون ~~مطلقا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين. فيكون لفظا متواطئا. قلت: ثم ~~إنه في اللغة يكون موضوعا للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال على ~~استعماله: في هذا تارة وفي هذا تارة. فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما به ~~الاشتراك والامتياز. وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو الإضافة تكون هي ~~الدالة على ما به الامتياز مثال ذلك: " اسم الجنس " إذا غلب في العرف على ~~بعض أنواعه كلفظ الدابة إذا غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار ~~القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب. فيكون متواطئا. وقد نطلقه باعتبار ~~خصوصية الفرس فيكون مشتركا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب ويصير ~~استعماله في الفرس: تارة بطريق التواطؤ وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم ~~الجنس إذا ms3451 غلب على بعض الأشخاص وصار علما بالغلبة: مثل ابن عمرو والنجم فقد ~~نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمرو. ~~فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ. وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن ~~غيره من النجوم ومن بني عمرو. فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي ~~وبين المعنى النوعي. وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده # PageV11P142 # يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ ~~وبالوضع الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ " النفاق " من هذا الباب. فإنه ~~في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه. وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق ~~في اللغة فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين. ثم إبطان ما يخالف الدين إما ~~أن يكون كفرا أو فسقا. فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب فهذا هو النفاق ~~الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار. وإن أظهر أنه صادق ~~أو موف أو أمين وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك. فهذا هو النفاق ~~الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقا. فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق ~~التواطؤ. وعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان. ثم إنه قد يراد به النفاق ~~في أصل الدين مثل قوله {إن المنافقين في الدرك الأسفل} و {إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} والمنافق هنا: الكافر. وقد يراد به النفاق في فروعه. ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم: # PageV11P143 # {آية المنافق ثلاث} وقوله {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا} وقول ابن ~~عمر: فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث. ثم يخرج فيقول بخلافه " كنا نعد هذا ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نفاقا " فإذا أردت به أحد النوعين. فإما ~~أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد؛ والإضافة. فهذا لا يخرجه عن أن ~~يكون متواطئا كما إذا قال الرجل: جاء القاضي. وعنى به قاضي بلده لكون اللام ~~للعهد. كما قال سبحانه: {فعصى فرعون الرسول} أن اللام هي أوجبت قصر ms3452 الرسول ~~على موسى لا نفس لفظ " رسول ". وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير ~~مشتركا بين اللفظ العام والمعنى الخاص. فكذلك قوله {إذا جاءك المنافقون} ~~فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد ~~والمنافق المعهود: هو الكافر. أو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق ~~الكفر. وقوله صلى الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه كان منافقا} يعني به ~~منافقا بالمعنى العام وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن. فإطلاق لفظ " ~~النفاق " على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق. ~~كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك. وكذلك يجوز أن يراد به ~~الكافر خاصة. ويكون متواطئا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ " منافق " ~~بل لام التعريف. # PageV11P144 # وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه إما لغلبة ~~الاستعمال أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع. مثل تعريف الإضافة أو تعريف ~~اللام. فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك. وإن كان ~~لدلالة لفظية كان اللفظ باقيا على مواطأته. فلهذا صح أن يقال " النفاق " ~~اسم جنس تحته نوعان. لكون اللفظ في الأصل عاما متواطئا. وصح أن يقال: هو ~~مشترك بين النفاق في أصل الدين وبين مطلق النفاق في الدين. لكونه في عرف ~~الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر. # PageV11P145 # بحث ثان # وهو أن ### | الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص. # فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات ~~والشكر لا يكون إلا على الإحسان. والشكر أعم من جهة ما به يقع فإنه يكون ~~بالاعتقاد والقول والفعل. والحمد يكون بالفعل أو بالقول أو بالاعتقاد. أورد ~~الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجا الحنبلي: أن هذا الفرق إنما هو من جهة ~~متعلق الحمد والشكر لأن كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته فلا يكون ~~فرقا في الحقيقة والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها. ~~فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: - المعاني ms3453 على قسمين: مفردة ومضافة. ~~فالمعاني المفردة: حدودها لا توجد فيها بتعلقاتها. وأما المعاني الإضافية ~~فلا بد أن يوجد في # PageV11P146 # حدودها تلك الإضافات. فإنها داخلة في حقيقتها. ولا يمكن تصورها إلا بتصور ~~تلك المتعلقات فتكون المتعلقات جزءا من حقيقتها فتعين ذكرها في الحدود. ~~والحمد والشكر معلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه. فلا يتم ذكر حقيقتهما ~~إلا بذكر متعلقهما. فيكون متعلقهما داخلا في حقيقتهما. فاعترض الصدر ابن ~~المرحل: بأنه ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية. فلا يكون للحمد والشكر من ~~متعلقهما صفة ثبوتية. فإن المتعلق صفة نسبية. والنسب أمور عدمية. وإذا لم ~~تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة. لأن العدم لا يكون جزءا من ~~الوجود. فقال الشيخ تقي الدين: قولك: ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية. ~~ليس على العموم. بل قد يكون للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية وقد لا يكون. ~~وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية. ~~ثم الصفات المتعلقة نوعان: أحدهما: إضافة محضة. مثل الأبوة والبنوة ~~والفوقية والتحتية ونحوها. فهذه الصفة هي التي يقال فيها: هي مجرد نسبة ~~وإضافة. والنسب أمور عدمية. والثاني صفة ثبوتية مضافة # PageV11P147 # إلى غيرها كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات ~~فإن الحب صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب. فالحب معروض للإضافة بمعنى أن ~~الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة. ففرق بين ما هو إضافة ~~وبين ما هو صفة مضافة. فالإضافة يقال فيها: إنها عدمية. قال: وأما الصفة ~~المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب. قال ابن المرحل: الحب أمر عدمي. لأن الحب ~~نسبة والنسب عدمية. قال الشيخ تقي الدين: كون الحب والبغض والإرادة ~~والكراهة أمرا عدميا باطل. بالضرورة. وهو خلاف إجماع العقلاء. ثم هو مذهب ~~بعض المعتزلة في إرادة الله. فإنه زعم أنها صفة سلبية. بمعنى أنه غير مغلوب ~~ولا مستكره. وأطبق الناس على بطلان هذا القول. وأما إرادة المخلوق وحبه ~~وبغضه فلم نعلم أحدا من العقلاء قال: إنه عدمي. فأصر ابن المرحل على أن ~~الحب - الذي هو ms3454 ميل القلب إلى المحبوب - أمر عدمي. وقال: المحبة: أمر ~~وجودي. # PageV11P148 # قال الشيخ تقي الدين: - المحبة هي الحب. فإنه يقال: أحبه وحبه حبا ومحبة. ~~ولا فرق. وكلاهما مصدر. قال ابن المرحل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدرين ~~فهما أمر عدمي. قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات ~~الضرورية فقد انتهى وتم. وكون الحب والبغض أمرا وجوديا معلوم بالاضطرار؛ ~~فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية. ~~فإذا صار محبا فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل ~~أن يقوم به الحب. ومن يحس ذلك من نفسه يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه ~~وغضبه ولذته وألمه. ودليل ذلك: أنك تقول: أحب يحب محبة. ونقيض أحب: لم يحب. ~~ولم يحب صفة عدمية ونقيض العدم الإثبات. قال ابن المرحل: هذا ينتقض بقولهم: ~~امتنع يمتنع؛ فإن نقيض الامتناع: لا امتناع. وامتناع صفة عدمية. قال الشيخ ~~تقي الدين: الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي. حتى ~~تقوم به صفة. وإنما هو معلوم بالعقل. # PageV11P149 # وباعتبار كونه معلوما له ثبوت علمي وسلب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا ~~الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا: نقيض العدم ثبوت وأما الحب فإنه صفة قائمة ~~بالمحب. فإنك تشير إلى عين خارجة وتقول: هذا الحي صار محبا بعد أن لم يكن ~~محبا. فتخبر عن الوجود الخارجي. فإذا كان نقيضها عدما خارجيا كانت وجودا ~~خارجيا. وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة. ~~فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية. قلت: وإذا كان ~~الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير: صفات وجودية. ظهر ~~الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة. وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة. ~~فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه. ~~وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه. فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم ~~الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلقة بالغير. وتلك الصفة داخلة ms3455 في حقيقتهما. ~~فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ~~ثبوتية لهما. وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما. والدليل على ~~هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر # PageV11P150 # فعلم أن تصور متعلق الشكر داخل في تصور الشكر. قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا ~~إلا أمرا عدميا. فالحقيقة إن كانت مركبة من وجود وعدم وجب ذكرهما في تعريف ~~الحقيقة. كما أن من عرف الأب من حيث هو أب. فإن تصوره موقوف على تصور ~~الأبوة التي هي نسبة وإضافة. وإن كان الأب أمرا وجوديا. فالحمد والشكر ~~متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه. وإن لم يكن هذا المتعلق عارضا لصفة ~~ثبوتية. فلا يفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا المتعلق. كما لا يفهم معنى ~~الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذي هو التعلق. وكذلك الحمد والشكر أمران ~~متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه. وهذا التعلق جزء من هذا المسمى. ~~بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد. ومن لم يفهم الإحسان لم ~~يفهم الشكر. فإذا كان فهمها موقوفا على فهم متعلقهما فوقوفه على فهم التعلق ~~أولى. فإن التعلق فرع على المتعلق. وتبع له. فإذا توقف فهمهما على فهم ~~المتعلق الذي هو أبعد عنهما من التعلق. فتوقفه على فهم التعلق أولى. وإن ~~كان التعلق أمرا عدميا. والله أعلم. # PageV11P151 # قال له الشيخ تقي الدين ابن تيمية: - قوله: {وأحل الله البيع} قد أتبع ~~بقوله {وحرم الربا} وعامة أنواع الربا يسمى بيعا. والربا - وإن كان اسما ~~مجملا - فهو مجهول. واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة المستثنى فيبقى ~~المراد إحلال البيع الذي ليس بربا. فما لم يثبت أن الفرد المعين ليس بربا ~~لم يصح إدخاله في البيع الحلال. وهذا يمنع دعوى العموم. وإن كان الربا اسما ~~عاما فهو مستثنى من البيع أيضا. فيبقى البيع لفظا مخصوصا. فلا يصح ادعاء ~~العموم على الإطلاق. قال ابن المرحل: - هذا من باب التخصيص. وهنا عمومان ~~تعارضا وليس من باب الاستثناء. فإن صيغ الاستثناء معلومة. ms3456 وإذا كان هذا ~~تخصيصا لم يمنع ادعاء العموم فيه. قال الشيخ تقي الدين: - هذا كلام متصل ~~بعضه ببعض وهو من باب التخصيص المتصل. وتسميه الفقهاء استثناء كقوله: له ~~هذه الدار ولي منها هذا البيت. فإن هذا بمنزلة قوله: إلا هذا البيت. وكذلك ~~لو قال: أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانا وهو منهم. كان بمنزلة قوله: إلا ~~فلانا. وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله: أحل الله البيع إلا ما كان منه ربا. # PageV11P152 # فمن ادعى بعد هذا أنه عام في كل ما يسمى بيعا فهو مخطئ. قال ابن المرحل: ~~أنا أسلم أنه إنما هو عام في كل بيع لا يسمى ربا. قال له الشيخ تقي الدين: ~~وهذا كان المقصود. ولكن بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق؛ فإن دعوى العموم ~~على الإطلاق ينافي دعوى العموم في بعض الأنواع دون بعض. وهذا كلام بين. ~~وادعى مدع. أن فيه قولين. أحدهما: أنه عام مخصوص. والثاني: أنه عموم مراد. ~~فقال الشيخ تقي الدين: فإن دعوى أنه عموم مراد: باطل قطعا فإنا نعلم أن ~~كثيرا من أفراد البيع حرام. فاعترض ابن المرحل: بأن تلك الأفراد حرمت بعدما ~~أحلت. فيكون نسخا. قال الشيخ تقي الدين: - فيلزم من هذا أن لا نحرم شيئا من ~~البيوع بخبر واحد ولا بقياس. فإن نسخ القرآن لا يجوز بذلك. وإنما يجوز ~~تخصيصه به. وقد اتفق الفقهاء على التحريم بهذه الطريقة. # PageV11P153 # قال ابن المرحل: رجعت عن هذا السؤال؛ لكن أقول هو عموم مراد في كل ما ~~يسمى بيعا في الشرع. فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي. ~~قال الشيخ تقي الدين: البيع ليس من الأسماء المنقولة؛ فإن مسماه في الشرع ~~والعرف هو المسمى اللغوي؛ لكن الشارع اشترط لحله وصحته شروطا. كما قد كان ~~أهل الجاهلية لهم شروط أيضا بحسب اصطلاحهم. وهكذا سائر أسماء العقود مثل ~~الإجارة والرهن والهبة والقرض والنكاح. إذا أريد به العقد وغير ذلك: هي ~~باقية على مسمياتها. والنقل إنما يحتاج إليه إذا أحدث الشارع معاني لم تكن ~~العرب ms3457 تعرفها. مثل الصلاة والزكاة والتيمم. فحينئذ يحتاج إلى النقل. ومعاني ~~هذه العقود ما زالت معروفة. قال ابن المرحل: أصحابي قد قالوا: إنها منقولة. ~~قال الشيخ تقي الدين: لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح ~~الشرعي لكان التقدير: أحل الله البيع الصحيح الشرعي. أو أحل الله البيع ~~الذي هو عنده حلال. وهذا - مع أنه مكرر - فإنه يمنع الاستدلال بالآية. فإنا ~~لا نعلم دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي. ومتى ~~علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية. # PageV11P154 # قال ابن المرحل: - متى ثبت أن هذا الفرد يسمى بيعا في اللغة. # قلت: هو بيع في الشرع؛ لأن الأصل عدم النقل وإذا كان بيعا في الشرع دخل ~~في الآية. قال الشيخ تقي الدين: هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول ~~أما إذا ثبت أنه منقول. لم يصح إدخال فرد فيه. حتى يثبت أن الاسم المنقول ~~واقع عليه. وإلا فيلزم من هذا أن كل ما سمي في اللغة صلاة وزكاة وتيمما ~~وصوما وبيعا وإجارة ورهنا: أنه يجوز إدخاله في المسمى الشرعي بهذا ~~الاعتبار. وعلى هذا التقدير: فلا يبقى فرق بين الأسماء المنقولة وغيرها. ~~وإنما يقال: الأصل عدم النقل إذا لم يثبت. بل متى ثبت النقل فالأصل عدم ~~دخول هذا الفرد في الاسم المنقول حتى يثبت أنه داخل فيه بعد النقل. # PageV11P155 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى ~~وأرشد به من الغي وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وفرق به بين ~~الحق ms3458 والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي والمؤمنين # PageV11P156 # والكفار. والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار وبين أولياء الله ~~وأعداء الله فمن شهد له محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أولياء الله فهو ~~من أولياء الرحمن ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أولياء الشيطان. ~~وقد بين سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لله ~~أولياء من الناس وللشيطان أولياء ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ~~فقال تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون} {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات ~~الله ذلك هو الفوز العظيم} وقال تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} ~~{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف # PageV11P157 # يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم} {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} وقال تعالى {هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا ~~وخير عقبا} . وذكر " أولياء الشيطان " فقال تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} ms3459 وقال تعالى ~~{الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} وقال تعالى {وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} وقال ~~تعالى {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا} . وقال ~~تعالى {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} {إنما ذلكم الشيطان يخوف # PageV11P158 # أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى {إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا} إلى قوله {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم ~~مهتدون} وقال تعالى {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} وقال ~~الخليل عليه السلام {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ~~وليا} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة} الآيات إلى قوله {إنك أنت العزيز الحكيم} . # فصل: # وإذا عرف أن الناس فيهم " أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " فيجب أن يفرق ~~بين هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما فأولياء الله هم المؤمنون ~~المتقون كما قال تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~{الذين آمنوا وكانوا يتقون} . وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {يقول الله: من ~~عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة - أو فقد آذنته بالحرب - وما تقرب إلي # PageV11P159 # عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ms3460 يمشي. ولئن سألني ~~لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} وهذا أصح حديث ~~يروى في الأولياء فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من عادى وليا لله فقد ~~بارز الله بالمحاربة. وفي حديث آخر {وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث ~~الحرب} أي آخذ ثأرهم ممن عاداهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره وهذا لأن أولياء ~~الله هم الذين آمنوا به ووالوه فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ورضوا بما ~~يرضى وسخطوا بما يسخط وأمروا بما يأمر ونهوا عما نهى وأعطوا لمن يحب أن ~~يعطى ومنعوا من يحب أن يمنع كما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال {أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله} وفي حديث ~~آخر رواه أبو داود قال {ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد ~~استكمل الإيمان} . و " الولاية " ضد العداوة وأصل الولاية المحبة والقرب ~~وأصل # PageV11P160 # العداوة البغض والبعد. وقد قيل: إن الولي سمي وليا من موالاته للطاعات أي ~~متابعته لها والأول أصح. والولي القريب فيقال: هذا يلي هذا أي يقرب منه. ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض ~~فلأولى رجل ذكر} أي لأقرب رجل إلى الميت. وأكده بلفظ " الذكر " ليبين أنه ~~حكم يختص بالذكور ولا يشترك فيها الذكور والإناث كما قال في الزكاة {فابن ~~لبون ذكر} . فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ~~ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادي لوليه معاديا له كما قال ~~تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} فمن عادى ~~أولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه فلهذا قال {ومن عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة} . وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه وأفضل أنبيائه هم ~~المرسلون منهم وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {شرع لكم ms3461 من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} وقال تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن # PageV11P161 # مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما} . و ### | أفضل أولي العزم # محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام ~~الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به ~~الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلائق يوم ~~القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع ~~دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما ~~فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقا وأول الأمم بعثا كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم؛ فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه - يعني ~~يوم الجمعة - فهدانا الله له: الناس لنا تبع فيه غدا لليهود وبعد غد ~~للنصارى} . وقال صلى الله عليه وسلم {أنا أول من تنشق عنه الأرض} وقال صلى ~~الله عليه وسلم {آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت. فأقول أنا ~~محمد فيقول بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك} . # PageV11P162 # وفضائله صلى الله عليه وسلم وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله ~~الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه فلا يكون وليا لله إلا من آمن به وبما ~~جاء به واتبعه باطنا وظاهرا ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس ~~من أولياء الله؛ بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال الحسن البصري رحمه الله ~~ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها ~~أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى ms3462 ~~الله عليه وسلم فليس من أولياء الله وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم ~~أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله فاليهود ~~والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى: {قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} الآية. وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم} إلى قوله {ولا هم يحزنون} . وكان ~~مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا ~~يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون} {مستكبرين به سامرا تهجرون} وقال تعالى: {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك} إلى قوله {وهم يصدون عن المسجد الحرام # PageV11P163 # وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} فبين سبحانه أن المشركين ~~ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون. وثبت في الصحيحين عن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~جهارا من غير سر: {إن آل فلان ليسوا لي بأولياء - يعني طائفة من أقاربه - ~~إنما وليي الله وصالح المؤمنين} وهذا موافق لقوله تعالى {فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين} الآية. وصالح المؤمنين هو من كان صالحا من المؤمنين ~~وهم المؤمنون المتقون أولياء الله. ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة ~~وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا ~~يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} ومثل هذا الحديث الآخر: {إن أوليائي ~~المتقون أيا كانوا وحيث كانوا} . كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله ~~وليس وليا لله؛ بل عدو له فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يقرون ~~في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى ~~جميع الإنس؛ بل إلى الثقلين الإنس والجن ويعتقدون في الباطن # PageV11P164 # ما يناقض ذلك مثل ألا ms3463 يقروا في الباطن بأنه رسول الله وإنما كان ملكا ~~مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك أو يقولون إنه رسول الله إلى ~~الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى أو أنه مرسل إلى ~~عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه؛ بل لهم ~~طريق إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى أو أنهم يأخذون عن الله ~~كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة ~~وهم موافقون له فيها وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها أو لم يكن يعرفها ~~أو هم أعرف بها منه أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته. وقد يقول بعض ~~هؤلاء: إن " أهل الصفة " كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم ومنهم من يقول: ~~إن الله أوحى إلى أهل الصفة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج فصار أهل ~~الصفة بمنزلته وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون أن الإسراء كان بمكة كما قال ~~تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله} وأن الصفة لم تكن إلا بالمدينة وكانت صفة في شمالي مسجده ~~صلى الله عليه وسلم ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون ~~عندهم؛ فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي # PageV11P165 # صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به ومن ~~تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه. ولم يكن " ~~أهل الصفة " ناسا بأعيانهم يلازمون الصفة بل كانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى ~~ويقيم الرجل بها زمانا ثم ينتقل منها: والذين ينزلون بها من جنس سائر ~~المسلمين؛ ليس لهم مزية في علم ولا دين؛ بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله ~~النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة - أي استوخموها - ~~فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح - أي إبل لها لبن - وأمرهم أن ~~يشربوا من أبوالها وألبانها فلما ms3464 صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فأتي بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ~~وسمرت أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون وحديثهم في الصحيحين من ~~حديث أنس وفيه أنهم نزلوا الصفة فكان ينزلها مثل هؤلاء ونزلها من خيار ~~المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة ثم انتقل عنها ونزلها أبو ~~هريرة وغيره. وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي تاريخ من نزل الصفة. وأما " ~~الأنصار " فلم يكونوا من أهل الصفة وكذلك أكابر المهاجرين كأبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن # PageV11P166 # بن عوف وأبي عبيدة وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة. وقد {روي أنه بها غلام ~~للمغيرة بن شعبة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا واحد من السبعة} ~~وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية وكذا ~~كل حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة " الأولياء " و " الأبدال ~~" و " النقباء " و " النجباء و " الأوتاد " و " الأقطاب " مثل أربعة أو ~~سبعة أو اثني عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة وثلاثة عشر أو القطب ~~الواحد فليس في ذلك شيء صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينطق السلف ~~بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ " الأبدال ". وروي فيهم حديث أنهم أربعون ~~رجلا وأنهم بالشام وهو في المسند من حديث علي رضي الله عنه وهو حديث منقطع ~~ليس بثابت. ومعلوم أن عليا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن ~~معه بالشام فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي وقد أخرجا في ~~الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تمرق مارقة من ~~الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق} وهؤلاء ~~المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في ~~خلافة علي فقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه فدل هذا الحديث الصحيح على أن ~~علي # PageV11P167 # بن أبي طالب ms3465 أولى بالحق من معاوية وأصحابه؛ وكيف يكون الأبدال في أدنى ~~العسكرين دون أعلاهما؟ وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه أنشد منشد: # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي # وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه} فإنه كذب ~~باتفاق أهل العلم بالحديث وأكذب منه ما يرويه بعضهم: {أنه مزق ثوبه وأن ~~جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش} فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم ~~والمعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أظهر الأحاديث كذبا عليه ~~صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما يروونه عن عمر رضي الله عنه أنه قال: {كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجي} وهو كذب ~~موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. والمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة ~~في الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدعي في نفسه ~~وأمثاله # PageV11P168 # أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إما عنادا وإما جهلا كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم ~~أولياء الله وأن محمدا رسول الله؛ ولكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل ~~الكتاب وأنه لا يجب علينا اتباعه لأنه أرسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم ~~كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله وإنما أولياء الله الذين ~~وصفهم الله تعالى بولايته بقوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} . # ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله كما قال تعالى: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون} {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ms3466 فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} وقال تعالى: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله} إلى آخر السورة. وقال في أول السورة: {الم} {ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} # PageV11P169 # {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} {أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون} . فلا بد في الإيمان من أن تؤمن أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم خاتم النبيين لا نبي بعده وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين ~~الجن والإنس فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن؛ فضلا عن أن يكون من ~~أولياء الله المتقين؛ ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن ~~كما قال الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} ~~{أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} {والذين آمنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا ~~رحيما} ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ ~~أمره ونهيه. ووعده ووعيده وحلاله وحرامه؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان. # PageV11P170 # وأما خلق الله تعالى للخلق ورزقه إياهم وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم ~~ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده ~~يفعله بما يشاء من الأسباب لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل. ثم لو بلغ ~~الرجل في " الزهد والعبادة والعلم " ما بلغ ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم ms3467 فليس بمؤمن ولا ولي لله تعالى كالأحبار والرهبان من ~~علماء اليهود والنصارى وعبادهم: وكذلك المنتسبين إلى العلم والعبادة من ~~المشركين مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك ~~وله علم أو زهد وعبادة في دينه وليس مؤمنا بجميع ما جاء به فهو كافر عدو ~~لله وإن ظن طائفة أنه ولي لله كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا. # وكذلك حكماء " اليونان " مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام ~~والكواكب وكان أرسطو قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة سنة وكان وزيرا ~~للإسكندر بن فيلبس المقدوني وهو الذي تؤرخ به تواريخ الروم واليونان وتؤرخ ~~به اليهود والنصارى؛ وليس هذا هو ذو القرنين الذي ذكره الله في كتابه كما ~~يظن بعض الناس أن أرسطو كان وزيرا لذي القرنين لما رأوا أن ذاك اسمه ~~الإسكندر وهذا قد يسمى بالإسكندر ظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا وطائفة ~~معه # PageV11P171 # وليس الأمر كذلك؛ بل هذا الإسكندر المشرك الذي قد كان أرسطو وزيره متأخر ~~عن ذاك ولم يبن هذا السد ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج وهذا الإسكندر الذي ~~كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف. وفي أصناف المشركين من ~~مشركي العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد في العلم ~~والزهد والعبادة؛ ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاءوا به ولا يصدقهم ~~بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله ~~وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور ولهم ~~تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم ~~الشياطين. قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك ~~أثيم} {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} . وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى ~~المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلا بد أن يكذبوا ~~وتكذبهم شياطينهم. ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور مثل نوع من ~~الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع ms3468 في العبادة؛ ولهذا تنزلت ~~عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. ~~قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا # PageV11P172 # فهو له قرين} وذكر الرحمن هو الذكر الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه ~~فيقيض له الشيطان فيقترن به قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} وقال ~~تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى} فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التي أنزلها ولهذا لو ذكر الرجل ~~الله سبحانه وتعالى دائما ليلا ونهارا مع غاية الزهد وعبده مجتهدا في ~~عبادته ولم يكن متبعا لذكره الذي أنزله - وهو القرآن - كان من أولياء ~~الشيطان ولو طار في الهواء أو مشى على الماء؛ فإن الشيطان يحمله في الهواء. ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # فصل: # ومن الناس من يكون فيه إيمان وفيه شعبة من نفاق كما جاء في الصحيحين عن ~~عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~{أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من ~~النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب؛ # PageV11P173 # وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر} وفي الصحيحين أيضا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإيمان بضع ~~وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من ~~كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها وقد ثبت في ~~الصحيحين أنه {قال لأبي ذر - وهو من خيار المؤمنين - إنك امرؤ فيك جاهلية ~~فقال يا رسول الله أعلى كبر سني قال: نعم} ms3469 . وثبت في الصحيح عنه أنه قال ~~{أربع في أمتي من أمر الجاهلية: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب ~~والنياحة على الميت والاستسقاء بالنجوم} وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {آية المنافق ثلاث: إذا حدث ~~كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} وفي صحيح مسلم {وإن صام وصلى وزعم أنه ~~مسلم.} وذكر البخاري عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد قال الله تعالى: {وما أصابكم ~~يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين} {وليعلم الذين نافقوا وقيل ~~لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ~~هم للكفر يومئذ أقرب # PageV11P174 # منهم للإيمان} فقد جعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان فعلم أنهم ~~مخلطون وكفرهم أقوى وغيرهم يكون مخلطا وإيمانه أقوى. وإذا كان " أولياء ~~الله " هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله ~~تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ~~ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى وكذلك يتفاضلون في ~~عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق قال الله تعالى: {وإذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا ~~وهم كافرون} وقال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} وقال تعالى: {والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وقال تعالى في المنافقين {في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا} . فبين سبحانه وتعالى أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط ~~من ولاية الله بحسب إيمانه؛ وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ~~ونفاقه. وقال تعالى {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} وقال تعالى {ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم} . # PageV11P175 # فصل: # وأولياء الله على " طبقتين " سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون. ذكرهم ~~الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفي ms3470 سورة ~~الإنسان؛ والمطففين وفي سورة فاطر فإنه سبحانه وتعالى ذكر في الواقعة ~~القيامة الكبرى في أولها وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في أولها {إذا ~~وقعت الواقعة} {ليس لوقعتها كاذبة} {خافضة رافعة} {إذا رجت الأرض رجا} ~~{وبست الجبال بسا} {فكانت هباء منبثا} {وكنتم أزواجا ثلاثة} {فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة} {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} {والسابقون ~~السابقون} {أولئك المقربون} {في جنات النعيم} {ثلة من الأولين} {وقليل من ~~الآخرين} فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها ~~الأولين والآخرين كما وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع. ثم قال ~~تعالى في آخر السورة: فلولا أي: فهلا {إذا بلغت الحلقوم} {وأنتم حينئذ ~~تنظرون} {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} {فلولا إن كنتم غير مدينين} ~~{ترجعونها إن كنتم صادقين} # PageV11P176 # {فأما إن كان من المقربين} {فروح وريحان وجنة نعيم} {وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين} {فسلام لك من أصحاب اليمين} {وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين} {فنزل من حميم} {وتصلية جحيم} {إن هذا لهو حق اليقين} {فسبح باسم ~~ربك العظيم} . وقال تعالى في سورة الإنسان: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا} {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا} {إن الأبرار ~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا} {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} {ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا} {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا} {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} الآيات. وكذلك ذكر في ~~سورة المطففين فقال: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} إلى أن قال: {كلا إن ~~كتاب الأبرار لفي عليين} {وما أدراك ما عليون} {كتاب مرقوم} {يشهده ~~المقربون} {إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم} {يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون} {ومزاجه من تسنيم} {عينا يشرب بها المقربون} . وعن ابن ms3471 عباس ~~رضي الله عنهما وغيره من السلف قالوا يمزج # PageV11P177 # لأصحاب اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا وهو كما قالوا. فإنه تعالى ~~قال {يشرب بها} ولم يقل: يشرب منها لأنه ضمن ذلك قوله يشرب يعني يروى بها ~~فإن الشارب قد يشرب ولا يروى فإذا قيل يشربون منها لم يدل على الري فإذا ~~قيل يشربون بها كان المعنى يروون بها فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها ~~إلى ما دونها؛ فلهذا يشربون منها صرفا بخلاف أصحاب اليمين فإنها مزجت لهم ~~مزجا وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان {كان مزاجها كافورا} {عينا يشرب ~~بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} . فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك ~~السورة وهذا لأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من ~~كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر ~~مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما ~~اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت ~~عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة؛ وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن ~~بطأ به عمله لم يسرع به نسبه} رواه مسلم في صحيحه، وقال # PageV11P178 # صلى الله عليه وسلم {الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم ~~من في السماء} قال الترمذي: حديث صحيح. وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في ~~السنن {يقول الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن ~~وصلها وصلته ومن قطعها بتته} وقال {ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه ~~الله} ومثل هذا كثير. وأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين ~~كما تقدم. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمل القسمين في حديث الأولياء ~~فقال {يقول الله تعالى: من عادى لي وليا ms3472 فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي ~~عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها} . فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه ~~بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون ~~أنفسهم بالمندوبات؛ ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون ~~فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا # PageV11P179 # الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا إليه بجميع ~~ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما كما قال تعالى: {ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} يعني الحب المطلق كقوله تعالى: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا} فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات ~~يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفا ~~كما عملوا له صرفا والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم فلا يعاقبون ~~عليه ولا يثابون عليه فلم يشربوا صرفا؛ بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ~~ما مزجوه في الدنيا. ونظير هذا انقسام الأنبياء عليهم السلام إلى عبد رسول ~~ونبي ملك وقد خير الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبدا ~~رسولا وبين أن يكون نبيا ملكا فاختار أن يكون عبدا رسولا فالنبي الملك مثل ~~داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة والسلام قال الله تعالى في قصة سليمان ~~الذي {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} ~~{فسخرنا له الريح تجري # PageV11P180 # بأمره رخاء حيث أصاب} {والشياطين كل بناء وغواص} {وآخرين مقرنين في ~~الأصفاد} {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} أي أعط من شئت واحرم من شئت ~~لا حساب عليك فالنبي الملك ms3473 يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله عليه ~~ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه. وأما العبد ~~الرسول فلا يعطي أحدا إلا بأمر ربه ولا يعطي من يشاء ويحرم من يشاء بل روي ~~عنه أنه قال {إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث ~~أمرت} ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله تعالى: {قل ~~الأنفال لله والرسول} وقوله تعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول} وقوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول} . ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أن هذه الأموال تصرف فيما يحبه ~~الله ورسوله بحسب اجتهاد ولي الأمر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف ويذكر ~~هذا رواية عن أحمد وقد قيل في الخمس أنه يقسم على خمسة كقول الشافعي وأحمد ~~في المعروف عنه وقيل: على ثلاثة كقول أبي حنيفة رحمه الله. # PageV11P181 # و " المقصود هنا " أن العبد الرسول هو أفضل من النبي الملك كما أن ~~إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلاة والسلام أفضل من يوسف وداود ~~وسليمان عليهم السلام كما أن المقربين السابقين أفضل من الأبرار أصحاب ~~اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين فمن أدى ما أوجب الله عليه وفعل من ~~المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه ~~ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما أمره الله فهو من أولئك. # فصل: # وقد ذكر الله تعالى " أولياءه " المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في ~~قوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} {جنات عدن ~~يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} {وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} {الذي أحلنا دار ~~المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} لكن هذه الأصناف ~~الثلاثة في هذه الآية هم ms3474 أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة كما قال تعالى ~~{ثم # PageV11P182 # أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} . وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة وليس ذلك مختصا بحفاظ ~~القرآن؛ بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء وقسمهم إلى ظالم لنفسه ومقتصد ~~وسابق؛ بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار فإنه دخل فيها ~~جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم وهذا التقسيم لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ف " الظالم لنفسه " أصحاب الذنوب المصرون عليها ومن تاب من ذنبه أي ~~ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين و " المقتصد " المؤدي للفرائض ~~المجتنب للمحارم. و " السابق للخيرات " هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في ~~تلك الآيات ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن ~~السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} {والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ~~وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر # PageV11P183 # العاملين} و " المقتصد " المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم و " السابق ~~بالخيرات " هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات. وقوله {جنات عدن ~~يدخلونها} مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل ~~التوحيد. وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر وإخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره. فمن قال: إن أهل الكبائر مخلدون في النار ~~وتأول الآية على أن السابقين ms3475 هم الذين يدخلونها وأن المقتصد أو الظالم ~~لنفسه لا يدخلها كما تأوله من المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا ~~يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل ~~جميعهم الجنة من غير عذاب وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولإجماع سلف الأمة وأئمتها. وقد دل على فساد قول " الطائفتين " ~~قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه ~~يغفر ما دونه لمن يشاء ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من # PageV11P184 # المعتزلة لأن الشرك يغفره الله لمن تاب وما دون الشرك يغفره الله أيضا ~~للتائب فلا تعلق بالمشيئة؛ ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى: {قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} . فهنا عمم المغفرة وأطلقها فإن الله ~~يغفر للعبد أي ذنب تاب منه فمن تاب من الشرك غفر الله له ومن تاب من ~~الكبائر غفر الله له وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له. ففي آية التوبة ~~عمم وأطلق وفي تلك الآية خصص وعلق فخص الشرك بأنه لا يغفره وعلق ما سواه ~~على المشيئة ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم ~~بالمغفرة لكل مذنب. ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق أو يجوز ~~ألا يعذب بذنب فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض ولو كان ~~كل ظالم لنفسه مغفورا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة. ~~وقوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} دليل على أنه يغفر البعض دون ~~البعض فبطل النفي والوقف العام. # PageV11P185 # فصل: # وإذا كان " أولياء الله عز وجل " هم المؤمنون المتقون. والناس يتفاضلون ~~في الإيمان والتقوى فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك ms3476 كما أنهم لما ~~كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك. ~~وأصل الإيمان والتقوى: الإيمان برسل الله وجماع ذلك: الإيمان بخاتم الرسل ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالإيمان به يتضمن الإيمان بجميع كتب الله ورسله ~~وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل وبما جاءوا به فإن هذا هو الكفر الذي ~~يستحق صاحبه العذاب في الآخرة؛ فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه لا يعذب ~~أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة. قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} وقال تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} # PageV11P186 # {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال ~~تعالى عن أهل النار {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} ~~{قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير} فأخبر أنه كلما ألقي في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير ~~فكذبوه فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير. وقال تعالى في ~~خطابه لإبليس {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} فأخبر أنه يملؤها ~~بإبليس ومن اتبعه؛ فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم. فعلم أنه لا يدخل النار ~~إلا من تبع الشيطان وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له فإنه ممن لم ~~يتبع الشيطان ولم يكن مذنبا وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت ~~عليه الحجة بالرسل. # فصل: # ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا مجملا وأما الإيمان المفصل فيكون قد ~~بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل ~~وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به؛ ولكن آمن بما جاءت به الرسل ~~إيمانا مجملا فهذا إذا ms3477 عمل بما علم أن الله أمره به مع # PageV11P187 # إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى له من ولاية الله بحسب إيمانه ~~وتقواه وما لم تقم عليه الحجة فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان ~~المفصل به فلا يعذبه على تركه؛ لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته ~~من ذلك فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل ~~إيمانا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به؛ وكلاهما ولي لله ~~تعالى. والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما وأولياء الله المؤمنون المتقون ~~في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال تبارك وتعالى: {من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا} {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا} {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} {انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} . فبين الله ~~سبحانه وتعالى أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه وأن عطاءه ~~ما كان محظورا من بر ولا فاجر ثم قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} . فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة ~~يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجاتها أكبر من درجات ~~الدنيا وقد بين # PageV11P188 # تفاضل أنبيائه عليهم السلام كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى: {تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} وقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داود زبورا} . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن ~~أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ms3478 ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ~~فإن لو تفتح عمل الشيطان} وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب ~~فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} . وقد قال الله تعالى: {لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} وقال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} {درجات منه ومغفرة ورحمة وكان ~~الله غفورا رحيما} # PageV11P189 # وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} وقال ~~تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} وقال ~~تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما ~~تعملون خبير} . # فصل: # وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} وفي صحيح البخاري الحديث المشهور - وقد تقدم - يقول الله تبارك ~~وتعالى فيه: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} ولا يكون مؤمنا ~~تقيا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار # PageV11P190 # أهل اليمين ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين ~~المقربين فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من ms3479 ~~لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم ~~تبلغه الدعوة - وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول - فلا يكونون ~~من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين؛ فمن لم يتقرب إلى الله ~~لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله. وكذلك المجانين ~~والأطفال؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رفع القلم عن ثلاثة: عن ~~المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم. وعن النائم حتى يستيقظ} . وهذا ~~الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما. واتفق أهل ~~المعرفة على تلقيه بالقبول. لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند ~~جمهور العلماء. وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته ~~باتفاق العلماء. ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من ~~العبادات؛ بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة. ~~فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا ولا تصح عقوده ~~باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ~~ولا شهادته. ولا غير ذلك من # PageV11P191 # أقواله بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ولا ثواب ولا عقاب. ~~بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع وفي ~~مواضع فيها نزاع. وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا ~~التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا فلا يجوز لأحد أن ~~يعتقد أنه ولي لله؛ لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه أو ~~نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع؛ فإنه قد علم أن ~~الكفار والمنافقين - من المشركين وأهل الكتاب - لهم مكاشفات وتصرفات ~~شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن ~~يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية ~~الله فكيف ms3480 إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا؛ بل يعتقد أنه يتبع الشرع ~~الظاهر دون الحقيقة الباطنة. أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير ~~طريق الأنبياء عليهم السلام. أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على ~~قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية فهؤلاء ~~فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان. فضلا عن ولاية الله عز وجل. فمن احتج بما ~~يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم كان أضل من اليهود والنصارى. # PageV11P192 # وكذلك المجنون؛ فإن كونه مجنونا يناقض أن يصح منه الإيمان والعبادات التي ~~هي شرط في ولاية الله ومن كان يجن أحيانا ويفيق أحيانا. إذا كان في حال ~~إفاقته مؤمنا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم؛ فهذا إذا جن لم ~~يكن جنونه مانعا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه الذي أتى به في حال ~~إفاقته ويكون له من ولاية الله بحسب ذلك. وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد ~~إيمانه وتقواه؛ فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه. ولا ~~يحبطه بالجنون الذي ابتلي به من غير ذنب فعله والقلم مرفوع عنه في حال ~~جنونه. فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم ~~بل قد يأتي بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي لله فإن هذا إن لم ~~يكن مجنونا؛ بل كان متولها من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ~~ويفيق أخرى وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه ~~القلم؛ فهذا وإن لم يكن معاقبا عقوبة الكافرين فليس هو مستحقا لما يستحقه ~~أهل الإيمان والتقوى من كرامة الله عز وجل فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد ~~فيه أحد أنه ولي لله ولكن إن كان له حالة في ms3481 إفاقته كان فيها مؤمنا بالله ~~متقيا كان له من ولاية الله بحسب ذلك # PageV11P193 # وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ ~~عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه وجنونه لا يحبط عنه ~~ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق. # فصل: # وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات ~~فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو تقصيره ~~أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل: كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء؛ ~~بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل ~~البدع الظاهرة والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجدون في أهل ~~الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن ~~تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ~~ما تيسر منه} . # PageV11P194 # وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم " القراء " فيدخل فيهم العلماء ~~والنساك ثم حدث بعد ذلك اسم " الصوفية والفقراء ". واسم " الصوفية " هو ~~نسبة إلى لباس الصوف؛ هذا هو الصحيح وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء ~~وقيل إلى صوفة بن أد بن طانجة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك وقيل إلى ~~أهل الصفة وقيل إلى الصفا وقيل إلى الصفوة وقيل إلى الصف المقدم بين يدي ~~الله تعالى وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل صفي أو صفائي أو صفوي ~~أو صفي ولم يقل صوفي. وصار أيضا اسم " الفقراء " يعني به أهل السلوك وهذا ~~عرف حادث وقد تنازع الناس أيما أفضل مسمى " الصوفي ms3482 " أو مسمى " الفقير "؟ ~~ويتنازعون أيضا أيما أفضل: الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟ . وهذه المسألة ~~فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء وقد روي عن أحمد بن ~~حنبل فيها روايتان والصواب في هذا كله ما قاله الله تبارك وتعالى حيث قال: ~~{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . وفي ا لصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي # PageV11P195 # صلى الله عليه وسلم أنه سئل: {أي الناس أفضل؟ قال أتقاهم. قيل له: ليس عن ~~هذا نسألك فقال: يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن ~~إبراهيم خليل الله. فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: عن معادن العرب ~~تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا} . فدل الكتاب والسنة إن أكرم الناس عند الله أتقاهم. ~~وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا فضل لعربي على عجمي ولا ~~لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم ~~لآدم وآدم من تراب} . وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن الله تعالى ~~أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي} ~~. فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله فهو أكرم عند الله وإذا استويا في ~~التقوى استويا في الدرجة. ولفظ " الفقر " في الشرع يراد به الفقر من المال ~~ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين} # PageV11P196 # وقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} وقد مدح الله تعالى ~~في القرآن صنفين من الفقراء: أهل الصدقات وأهل الفيء فقال في الصنف الأول: ~~{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} وقال في ~~الصنف الثاني وهم أفضل الصنفين {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ms3483 ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون} . وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله ~~باطنا وظاهرا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {المؤمن من أمنه الناس على ~~دمائهم وأموالهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما ~~نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله} . أما الحديث الذي يرويه ~~بعضهم أنه قال في غزوة تبوك {رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر} ~~فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأفعاله وجهاد الكفار من أعظم الأعمال؛ بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال ~~الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على # PageV11P197 # القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما} وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم} . وثبت في صحيح مسلم وغيره عن {النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: ~~كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد ~~الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر: ما أبالي أن أعمل عملا بعد الإسلام ~~إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال علي بن أبي طالب الجهاد في سبيل الله أفضل ~~مما ذكرتما فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولكن إذا قضيت الصلاة سألته فسأله فأنزل الله تعالى هذه الآية} . وفي ~~الصحيحين عن {عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله؛ أي ~~الأعمال أفضل عند الله عز وجل؟ قال ms3484 الصلاة على وقتها قلت ثم أي؟ قال: بر ~~الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله قال: حدثني بهن رسول الله # PageV11P198 # صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني} وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه {سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله قيل: ثم ~~ماذا؟ قال حج مبرور} . وفي الصحيحين أن {رجلا قال له صلى الله عليه وسلم يا ~~رسول الله أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله قال: لا تستطيعه أو لا ~~تطيقه قال فأخبرني به قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ~~وتقوم ولا تفتر} ؟ وفي السنن عن {معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: يا معاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وقال: يا معاذ إني لأحبك فلا تدع ~~أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وقال له - ~~وهو رديفه - يا معاذ: أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم. ~~قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله ~~إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه ألا يعذبهم} . وقال ~~أيضا لمعاذ: {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة # PageV11P199 # سنامه الجهاد في سبيل الله} وقال: {يا معاذ ألا أخبرك بأبواب البر؟ الصوم ~~جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل في جوف الليل ~~ثم قرأ {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون} {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} ثم ~~قال: يا معاذ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت بلى فقال: أمسك عليك لسانك هذا ~~فأخذ بلسانه قال يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك ~~يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم} . وتفسير ~~هذا ما ثبت في ms3485 الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت} فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه ~~والصمت عن الشر خير من التكلم به فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها وكذلك ~~الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة أيضا كما ~~ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن ~~يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه} . # PageV11P200 # وثبت في الصحيحين عن {أنس أن رجالا سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكأنهم تقالوها فقالوا وأينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام ~~وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا ولكني ~~أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني} أي سلك غيرها ظانا أن غيرها خير منها فمن كان كذلك فهو بريء من الله ~~ورسوله قال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} بل يجب على ~~كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة. # فصل وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ؛ بل يجوز أن ~~يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب ~~بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى # PageV11P201 # الله عنه ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى ~~وتكون من الشيطان لبسها ms3486 عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم ~~يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة ~~عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ~~من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا ~~على القوم الكافرين} وقد ثبت في الصحيحين أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء ~~وقال: قد فعلت ففي صحيح مسلم عن {ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه ~~الآية {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها ~~قبل ذلك شيء أشد منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا ~~وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} # PageV11P202 # إلى قوله {أو أخطأنا} قال الله قد فعلت {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال ~~قد فعلت. وقد قال تعالى {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم} } . وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ~~هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعا أنه قال {إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر} فلم يؤثم المجتهد المخطئ؛ بل جعل له ~~أجرا على اجتهاده وجعل خطأه مغفورا له ولكن المجتهد المصيب له أجران ms3487 فهو ~~أفضل منه؛ ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان ~~بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن ~~يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له ~~مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه ~~على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله ~~وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه. والناس في هذا الباب " ثلاثة ~~أصناف " طرفان ووسط؛ فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما ~~يظن أنه حدث # PageV11P203 # به قلبه عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ~~ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا ~~وخيار الأمور أوساطها وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا ~~مخطئا فلا يتبع في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده. ~~والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله وأما إذا خالف قول بعض ~~الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف ~~الشرع. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قد كان ~~في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم} وروى الترمذي وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر} ~~{وفي حديث آخر إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وفيه لو كان نبي بعدي ~~لكان عمر} وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ما كنا نبعد أن السكينة ~~تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبي. وقال ابن عمر: ما كان عمر ~~يقول في شيء: إني لأراه كذا إلا كان كما يقول. وعن قيس ms3488 بن طارق قال كنا ~~نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك. وكان عمر يقول # PageV11P204 # اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور ~~صادقة. وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها ~~تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء ~~الله مخاطبات ومكاشفات؛ فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وقد ~~ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه محدث في هذه الأمة فأي محدث ومخاطب فرض في ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعمر أفضل منه ومع هذا فكان عمر رضي الله عنه ~~يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته ~~غير مرة وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد ~~رأى محاربة المشركين والحديث معروف في البخاري وغيره؛ فإن {النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة وهم ~~الذين بايعوه تحت الشجرة وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم ~~على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل وشرط لهم شروطا فيها نوع ~~غضاضة على المسلمين في # PageV11P205 # الظاهر فشق ذلك على كثير من المسلمين وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما في ~~ذلك من المصلحة وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال للنبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى قال: أفليس ~~قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ~~ديننا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني رسول الله وهو ناصري ولست ~~أعصيه ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. قال: ~~أقلت ms3489 لك أنك تأتيه العام؟ قال: لا قال: إنك آتيه ومطوف به فذهب عمر إلى أبي ~~بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه ~~أبو بكر مثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم} ولم يكن أبو بكر يسمع جواب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر رضي الله عنه أكمل موافقة لله ~~وللنبي صلى الله عليه وسلم من عمر وعمر رضي الله عنه رجع عن ذلك وقال: ~~فعملت لذلك أعمالا. وكذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عمر موته ~~أولا فلما قال أبو بكر: إنه مات رجع عمر عن ذلك. وكذلك في " قتال مانعي ~~الزكاة " قال عمر لأبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {أمرت أن # PageV11P206 # أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا فعلوا ~~ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها} فقال له أبو بكر رضي الله عنه ~~ألم يقل: " إلا بحقها " فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: ~~فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. ~~ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر مع أن عمر رضي الله عنه محدث؛ فإن ~~مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما ~~يقوله ويفعله والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه ~~على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور ~~الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في ~~أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ويقررهم على منازعته ولا ~~يقول لهم: أنا محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني فأي ~~أحد ادعى أو ادعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب يجب على ms3490 أتباعه أن ~~يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب ~~والسنة فهو وهم مخطئون ومثل هذا من أضل الناس فعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أفضل منه وهو # PageV11P207 # أمير المؤمنين وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على الكتاب ~~والسنة وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم فإن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن ~~الله عز وجل وتجب طاعتهم فيما يأمرون به؛ بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب ~~طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به؛ بل يعرض أمرهم ~~وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله وما خالف ~~الكتاب والسنة كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهدا معذورا ~~فيما قاله له أجر على اجتهاده. لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا وكان ~~من الخطإ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع؛ فإن الله تعالى ~~يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} وهذا تفسير قوله تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال ابن مسعود وغيره: حق تقاته أن يطاع فلا ~~يعصى وأن يذكر فلا ينسى؛ وأن يشكر فلا يكفر أي بحسب استطاعتكم فإن الله ~~تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وقال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} وقال تعالى: ~~{وأوفوا الكيل # PageV11P208 # والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ~~الإيمان بما جاءت به الأنبياء في غير موضع كقوله تعالى: {قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن ms3491 له ~~مسلمون} وقال تعالى: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} {أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} . ~~وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وأنه ~~ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار ~~بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل من خالف في هذا فليس ~~من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله # PageV11P209 # باتباعهم؛ بل إما أن يكون كافرا وإما أن يكون مفرطا في الجهل. وهذا كثير ~~في كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة ~~من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال أبو القاسم ~~الجنيد رحمة الله عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ~~ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال: لا يقتدى به. وقال أبو ~~عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر ~~الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كلامه ~~القديم {وإن تطيعوه تهتدوا} وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له ~~الكتاب والسنة فهو باطل. وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص ~~أنه ولي لله ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ~~ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ~~ما بعث الله به ms3492 رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الجنة وأهل ~~النار وبين السعداء والأشقياء # PageV11P210 # فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين؛ ~~ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول ~~وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال وآخرا إلى الكفر والنفاق ويكون ~~له نصيب من قوله تعالى {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} وقوله تعالى {يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا} وقوله تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار} . وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وفي # PageV11P211 # المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الآية {لما سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ما عبدوهم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم} ~~ولهذا قيل في مثل هؤلاء إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فإن أصل الأصول ~~تحقيق الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد من الإيمان ~~بالله ورسوله وبما جاء به الرسول صلى الله ms3493 عليه وسلم فلا بد من الإيمان بأن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم وعربهم ~~وعجمهم علمائهم وعبادهم ملوكهم وسوقتهم وأنه لا طريق إلى الله عز وجل لأحد ~~من الخلق إلا بمتابعته باطنا وظاهرا حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء لوجب عليهم اتباعه كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين} {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن ~~به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن ~~به ولينصرنه وقد قال # PageV11P212 # تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} {أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} . وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول مقلدا في ذلك لمن ~~يظن أنه ولي الله فإنه بنى أمره على أنه ولي لله؛ وأن ولي الله لا يخالف في ~~شيء ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان لم يقبل منه ما خالف الكتاب ms3494 والسنة؛ فكيف إذا لم يكن كذلك وتجد ~~كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في ~~بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو ~~يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها # PageV11P213 # أو يمشي على الماء أحيانا؛ أو يملأ إبريقا من الهواء؛ أو ينفق بعض ~~الأوقات من الغيب أو أن يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن بعض الناس ~~استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر الناس بما سرق ~~لهم؛ أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس في شيء من هذه ~~الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله؛ بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل ~~لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله تعالى أعظم ~~من هذه الأمور؛ وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا ~~لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين ~~وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن ~~يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله؛ بل يعتبر أولياء الله ~~بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور ~~الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة. مثال ذلك ~~أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ؛ ~~ولا يصلي الصلوات المكتوبة؛ بل يكون # PageV11P214 # ملابسا للنجاسات معاشرا للكلاب؛ يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر ~~والمزابل؛ رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية؛ ولا يتنظف؛ وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا كلب} وقال عن ~~هذه الأخلية: {إن هذه الحشوش محتضرة} أي يحضرها الشيطان وقال: {من أكل من ~~هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى ms3495 ~~منه بنو آدم} . وقال {إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا} وقال: {إن الله نظيف ~~يحب النظافة} وقال: {خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والفأرة ~~والغراب والحدأة والكلب العقور} وفي رواية {الحية والعقرب} . وأمر صلوات ~~الله وسلامه عليه بقتل الكلاب وقال: {من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ~~ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط} وقال: {لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب} ~~وقال: {إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب} . ~~وقال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه # PageV11P215 # واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . فإذا كان الشخص مباشرا ~~للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي ~~تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير؛ وإذ أن. . . (1) ~~الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها ~~الشيطان أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها أو يسجد إلى ~~ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين أو يلابس الكلاب أو النيران أو ~~يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر؛ ولا سيما إلى مقابر ~~الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ~~ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام ~~الرحمن فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن. قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب ~~الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله وقال عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل؛ وقال ابن مسعود: ~~الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل ms3496 والغناء ينبت النفاق في ~~القلب كما ينبت الماء البقل. PageV11P216 # وإن كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الرحمانية ~~والأحوال الشيطانية فيكون قد قذف الله في قلبه من نوره كما قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم} وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ~~ينظر بنور الله} قال الترمذي حديث حسن. وقد تقدم الحديث الصحيح الذي في ~~البخاري وغيره قال فيه: {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فإذا كان العبد من هؤلاء ~~فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما يفرق الصيرفي بين الدرهم ~~الجيد والدرهم الزيف وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس ~~الرديء وكما يفرق من يعرف # PageV11P217 # الفروسية بين الشجاع والجبان وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين ~~المتنبئ الكذاب فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول رب العالمين وموسى ~~والمسيح وغيرهم وبين مسيلمة الكذاب؛ والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث ~~الدمشقي؛ وباباه الرومي؛ وغيرهم من الكذابين؛ وكذلك يفرق بين أولياء الله ~~المتقين وأولياء الشيطان الضالين. # فصل: # و " الحقيقة " حقيقة الدين: دين رب العالمين، هي ما اتفق عليها الأنبياء ~~والمرسلون؛ وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج. ف " الشرعة " هي الشريعة قال ~~الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} وقال تعالى: {ثم جعلناك على ~~شريعة من ms3497 الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} . و " ~~المنهاج " هو الطريق قال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ~~ماء غدقا} {لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا} . # PageV11P218 # فالشرعة بمنزلة الشريعة للنهر والمنهاج هو الطريق الذي سلك فيه والغاية ~~المقصودة هي حقيقة الدين وهي عبادة الله وحده لا شريك له وهي حقيقة دين ~~الإسلام وهو أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا يستسلم لغيره فمن استسلم ~~له ولغيره كان مشركا والله لا يغفر أن يشرك به ومن لم يستسلم لله بل استكبر ~~عن عبادته كان ممن قال الله فيه: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين} . ودين الإسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ~~وقوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} عام في كل زمان ~~ومكان. فنوح وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم ~~الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له قال الله تعالى عن نوح: {يا ~~قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا ~~أمركم} إلى قوله: {وأمرت أن أكون من المسلمين} وقال تعالى: {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~وقال تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه # PageV11P219 # توكلوا إن كنتم مسلمين} وقال السحرة: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين} وقال يوسف عليه السلام {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} وقالت ~~بلقيس: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقال تعالى: {يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} وقال الحواريون {آمنا بالله ~~واشهد بأنا مسلمون} . فدين الأنبياء واحد وإن تنوعت شرائعهم كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى ms3498 الله عليه وسلم قال " {إنا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد} قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون} {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} . # PageV11P220 # فصل: # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء ~~أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم ~~عليهم " أربع مراتب " فقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا} . وفي الحديث: " {ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين ~~والمرسلين أفضل من أبي بكر} وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في ~~المسند " {أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله} وأفضل أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم القرن الأول. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير وجه أنه قال: # PageV11P221 # " {خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} ~~وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه. وفي الصحيحين أيضا عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} . والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى} وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} والسابقون الأولون الذين أنفقوا ms3499 ~~من قبل الفتح وقاتلوا والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة ~~وفيه {أنزل الله تعالى {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} {ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر} فقالوا يا رسول الله أوفتح هو قال: نعم} . وأفضل ~~السابقين الأولين " الخلفاء الأربعة " وأفضلهم أبو بكر ثم عمر وهذا هو ~~المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها وقد دلت ~~على ذلك دلائل بسطناها في " منهاج # PageV11P222 # أهل السنة النبوية في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية ". وبالجملة اتفقت ~~طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء ولا ~~يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة ~~بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واتباعا له كالصحابة الذين هم ~~أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به ~~وعملا به فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الأمم وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهم أبو بكر رضي الله ~~عنه. # وقد ظن طائفة غالطة أن " خاتم الأولياء " أفضل الأولياء قياسا على خاتم ~~الأنبياء ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن ~~علي الحكيم الترمذي فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع ثم صار طائفة من ~~المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء ومنهم من يدعي أن خاتم ~~الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله وأن الأنبياء يستفيدون ~~العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب " كتاب الفتوحات المكية " ~~و " كتاب الفصوص " فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى ~~وأوليائه كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن. # PageV11P223 # ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة والأنبياء عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم؟ والأولياء إنما ~~يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء وليس آخر ms3500 ~~الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم؛ فإن فضل محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم " {أنا سيد ولد ~~آدم ولا فخر} . وقوله: " {آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ ~~فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك} و " ليلة المعراج " رفع ~~الله درجته فوق الأنبياء كلهم فكان أحقهم بقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} إلى غير ذلك من الدلائل ~~كل منهم يأتيه الوحي من الله لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في ~~نبوته محتاجا إلى غيره فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق؛ بخلاف ~~المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة وجاء المسيح فكملها؛ ولهذا كان ~~النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح: كالتوراة والزبور وتمام ~~الأربع وعشرين نبوة وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين؛ بخلاف أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى ~~محدث؛ بل جمع له من الفضائل والمعارف # PageV11P224 # والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء؛ فكان ما فضله الله به من ~~الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر. وهذا بخلاف " الأولياء " ~~فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا ~~إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه. ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد ~~فهذا كافر ملحد وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن ~~أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو شر من اليهود والنصارى الذين ~~قالوا: إن محمدا رسول ms3501 إلى الأميين دون أهل الكتاب. فإن أولئك آمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض فكانوا كفارا بذلك وكذلك هذا الذي يقول إن محمدا بعث بعلم ~~الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر وهو أكفر من ~~أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم ~~بحقائق الإيمان الباطنة وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة. # PageV11P225 # فإذا ادعى المدعي أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور ~~الظاهرة دون حقائق الإيمان؛ وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة فقد ~~ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر وهذا شر ممن ~~يقول: أؤمن ببعض وأكفر ببعض ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى ~~القسمين. وهؤلاء الملاحدة يدعون أن " الولاية " أفضل من " النبوة " ويلبسون ~~على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون: مقام النبوة في برزخ ~~فويق الرسول ودون الولي ويقولون نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من ~~رسالته وهذا من أعظم ضلالهم فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ~~ولا موسى فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون. وكل رسول نبي ولي فالرسول نبي ~~ولي. ورسالته متضمنة لنبوته ونبوته متضمنة لولايته وإذا قدروا مجرد إنباء ~~الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن ~~يكون إلا وليا لله ولا تكون مجردة عن ولايته ولو قدرت مجردة لم يكن أحد ~~مماثلا للرسول في ولايته. # PageV11P226 # وهؤلاء قد يقولون - كما يقول صاحب " الفصوص " ابن عربي -: إنهم يأخذون من ~~المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول؛ وذلك أنهم اعتقدوا " ~~عقيدة المتفلسفة " ثم أخرجوها في قالب " المكاشفة " وذلك أن المتفلسفة ~~الذين قالوا إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها كما يقوله أرسطو ~~وأتباعه؛ أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم: كابن سينا وأمثاله ولا ~~يقولون إنها لرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولا خلق ~~الأشياء بمشيئته ms3502 وقدرته ولا يعلم الجزئيات؛ بل إما أن ينكروا علمه مطلقا ~~كقول أرسطو؛ أو يقولوا إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن ~~سينا وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها؛ فإن كل موجود في الخارج فهو معين ~~جزئي: الأفلاك كل معين منها جزئي وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها فمن ~~لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات والكليات إنما توجد كليات ~~في الأذهان لا في الأعيان. والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في " رد ~~تعارض العقل والنقل " وغيره. فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى بل ~~ومشركي العرب فإن جميع هؤلاء يقولون إن الله خلق السموات والأرض وإنه خلق ~~المخلوقات بمشيئته وقدرته وأرسطو ونحوه من المتفلسفة # PageV11P227 # واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام وهم لا يعرفون الملائكة ~~والأنبياء وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك وإنما غالب علوم القوم الأمور ~~الطبيعية وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب كثير الخطأ ~~واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير؛ ولكن ~~متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به ~~الرسل؛ فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة وركبوا مذهبا قد يعتزي إليه ~~متفلسفة أهل الملل؛ وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير ~~هذا الموضع. وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم قد بهر العالم واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى الله عليه ~~وسلم أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن ~~أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن ~~معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأولئك قد أثبتوا عقولا عشرة ~~يسمونها " المجردات " " والمفارقات ". وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس ~~للبدن وسموا تلك " المفارقات " لمفارقتها المادة وتجردها عنها. وأثبتوا ~~الأفلاك لكل فلك نفسا وأكثرهم جعلوها أعراضا وبعضهم جعلها جواهر. وهذه " ~~المجردات " التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور # PageV11P228 # موجودة في الأذهان لا في الأعيان كما ms3503 أثبت أصحاب أفلاطون " الأمثال ~~الأفلاطونية المجردة " أثبتوا هيولى مجردة عن الصورة ومدة وخلاء مجردين وقد ~~اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان؛ فلما أراد ~~هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة ~~وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي. # الأول: أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم ~~بلا تعلم. # الثاني: أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه ~~صورا أو يسمع في نفسه أصواتا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في ~~الخارج وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله ~~تعالى. # الثالث: أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم وجعلوا معجزات ~~الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس فأقروا من ذلك بما ~~يوافق أصولهم من قلب العصا حية دون انشقاق القمر ونحو ذلك؛ فإنهم ينكرون ~~وجود هذا. # PageV11P229 # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع. وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام ~~وأن هذا الذي جعلوه من الخصائص يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع ~~الأنبياء وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات ~~الله وهم كثيرون كما قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وليسوا عشرة ~~وليسوا أعراضا لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو " العقل الأول " ~~وعنه صدر كل ما دونه و " العقل الفعال العاشر " رب كل ما تحت فلك القمر. ~~وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ~~ما سوى الله. وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى " {أن أول ما ~~خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل فقال له: أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب} ". ويسمونه ~~أيضا " القلم " لما روي " {إن أول ما خلق الله القلم} " الحديث رواه ~~الترمذي. والحديث ms3504 الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث ~~كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم. وليس في شيء ~~من دواوين الحديث التي يعتمد عليها ومع هذا # PageV11P230 # فلفظه لو كان ثابتا حجة عليهم؛ فإن لفظه " {أول ما خلق الله تعالى العقل ~~قال له - ويروى - لما خلق الله العقل قال له} " فمعنى الحديث أنه خاطبه في ~~أول أوقات خلقه؛ ليس معناه أنه أول المخلوقات و " أول " منصوب على الظرف ~~كما في اللفظ الآخر (لما وتمام الحديث " {ما خلقت خلقا أكرم علي منك} " ~~فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره ثم قال " {فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك ~~العقاب} " فذكر أربعة أنواع من الأعراض وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي ~~والسفلي صدر عن ذلك العقل. فأين هذا من هذا. وسبب غلطهم أن لفظ " العقل " ~~في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان فإن " العقل " في ~~لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا كما في القرآن {وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير} {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} {أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} ويراد " بالعقل " ~~الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها. وأما أولئك ف " العقل ~~" عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل وليس هذا مطابقا للغة الرسل والقرآن. ~~وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها ~~عالم الأمر وقد يسمى " العقل " عالم الجبروت " والنفوس " عالم الملكوت؛ و " ~~الأجسام " # PageV11P231 # عالم الملك ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما ~~في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا وليس الأمر ~~كذلك. وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسا كثيرا كإطلاقهم أن " الفلك " ~~محدث: أي معلول مع إنه قديم عندهم والمحدث لا يكون إلا مسبوقا بالعدم ليس ~~في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثا والله قد أخبر ~~أنه خالق كل شيء وكل ms3505 مخلوق فهو محدث وكل محدث كائن بعد أن لم يكن؛ لكن ~~ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما ~~أخبرت به الرسل ولا أحكموا فيها قضايا العقول فلا للإسلام نصروا ولا ~~للأعداء كسروا وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة ونازعوهم في بعض ~~المعقولات الصحيحة فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب ~~قوة ضلال أولئك كما قد بسط في غير هذا الموضع. وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون ~~" جبريل " هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم والخيال ~~تابع للعقل فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا ~~أنهم " أولياء الله " وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله وأنهم يأخذون عن ~~الله بلا واسطة كابن عربي صاحب " الفتوحات " و " الفصوص " فقال: # PageV11P232 # إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول و " ~~المعدن " عنده هو العقل و " الملك " هو الخيال و " الخيال " تابع للعقل وهو ~~بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال؛ فلهذا صار عند ~~نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه فضلا عن أن ~~يكون فوقه فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين والنبوة أمر وراء ذلك فإن ~~ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة ~~الفلاسفة ليسوا من صوفية أهل العلم فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب ~~والسنة: كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف ~~الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم - رضوان الله ~~عليهم أجمعين. والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين ~~قول هؤلاء كقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ~~{لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقال تعالى: {وكم من ملك ms3506 في السماوات ~~لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: ~~{قل ادعوا # PageV11P233 # الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له} وقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون} {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} . وقد أخبر أن ~~الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام في صورة البشر وأن الملك تمثل لمريم ~~بشرا سويا وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة ~~دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ويراهم الناس كذلك. وقد وصف الله تعالى جبريل ~~عليه السلام بأنه ذو قوة عند ذي ذي العرش مكين؛ مطاع ثم أمين وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم رآه بالأفق المبين ووصفه بأنه {شديد القوى} {ذو مرة فاستوى} ~~{وهو بالأفق الأعلى} {ثم دنا فتدلى} {فكان قاب قوسين أو أدنى} {فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى} {ما كذب الفؤاد ما رأى} {أفتمارونه على ما يرى} {ولقد رآه ~~نزلة أخرى} {عند سدرة المنتهى} {عندها جنة المأوى} {إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى} {ما زاغ البصر وما طغى} {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} . # PageV11P234 # وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~" {إنه لم ير جبريل في صورته التي خلق عليها غير مرتين} " يعني المرة ~~الأولى بالأفق الأعلى والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى ووصف جبريل عليه ~~السلام في موضع آخر بأنه الروح الأمين وأنه روح القدس إلى غير ذلك من ~~الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء وأنه ~~جوهر قائم بنفسه ليس خيالا في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة ~~والمدعون ولاية الله وأنهم أعلم من الأنبياء. وغاية حقيقة هؤلاء إنكار " ~~أصول الإيمان " بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وحقيقة ~~أمرهم جحد الخالق فإنهم جعلوا وجود المخلوق ms3507 هو وجود الخالق وقالوا: الوجود ~~واحد ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات تشترك في ~~مسمى الوجود كما تشترك الأناسي في مسمى الإنسان والحيوانات في مسمى الحيوان ~~ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركا كليا إلا في الذهن وإلا فالحيوانية ~~القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفرس ووجود السموات ليس ~~هو بعينه وجود الإنسان فوجود الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته. # PageV11P235 # وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع فإنه لم يكن منكرا هذا الوجود ~~المشهود؛ لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له وهؤلاء وافقوه في ذلك؛ لكن ~~زعموا بأنه هو الله فكانوا أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادا منهم ~~ولهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله وقالوا: " لما كان فرعون في ~~منصب التحكم صاحب السيف وإن جار في العرف الناموسي كذلك قال أنا ربكم ~~الأعلى - أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منكم بما أعطيته في ~~الظاهر من الحكم فيكم ". قالوا: " ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله ~~أقروا له بذلك وقالوا: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} ~~قالوا: فصح قول فرعون {أنا ربكم الأعلى} وكان فرعون عين الحق " ثم أنكروا ~~حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة فصاروا ~~كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة ~~خاصة الخاصة من أهل ولاية الله وأنهم أفضل من الأنبياء وأن الأنبياء إنما ~~يعرفون الله من مشكاتهم. وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء؛ ولكن لما كان ~~الكلام في " أولياء الله " والفرق بين " أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " ~~وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاء لولاية الله وهم من أعظم الناس ولاية ~~للشيطان نبهنا على ذلك. ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الحالات # PageV11P236 # الشيطانية ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات: باب أرض الحقيقة ويقولون هي ~~أرض الخيال. فتعرف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال ومحل تصرف الشيطان ~~فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي ms3508 عليه قال تعالى: {ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون} {حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين} {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} . وقال تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ~~ضل ضلالا بعيدا} إلى قوله: - {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} ~~. وقال تعالى: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم} وقال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على ~~عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد ~~العقاب} وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # PageV11P237 # " {إنه رأى جبريل يزع الملائكة} " والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي ~~يؤيد بها عباده هربت منهم والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته. قال تعالى: ~~{إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} وقال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها} . وقال تعالى: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} وقال تعالى: {إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} {بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين} وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظنونها ~~ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام وكان من أول ما ظهر ~~من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي ms3509 أخبر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال " {سيكون في ثقيف كذاب ومبير} " وكان الكذاب: المختار بن ~~أبي عبيد والمبير: الحجاج بن يوسف. فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار ~~يزعم أنه ينزل إليه فقالا: صدق قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} . وقال الآخر وقيل له إن # PageV11P238 # المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال: قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم} . وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب ~~" الفتوحات " أنه ألقي إليه ذلك الكتاب؛ ولهذا يذكر أنواعا من الخلوات ~~بطعام معين وشيء معين وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين فيظنون ~~ذلك من كرامات الأولياء وإنما هو من الأحوال الشيطانية وأعرف من هؤلاء عددا ~~ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود ومنهم من كان يؤتى بمال ~~مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل ~~له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك. ولما كانت ~~أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ~~كما يوجد في كلام صاحب " الفتوحات المكية " و " الفصوص " وأشباه ذلك يمدح ~~الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم ويتنقص الأنبياء: كنوح وإبراهيم ~~وموسى وهارون ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين: كالجنيد بن محمد ~~وسهل بن عبد الله التستري ويمدح المذمومين عند المسلمين: كالحلاج ونحوه كما ~~ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية؛ فإن الجنيد - قدس الله روحه - كان من ~~أئمة الهدى فسئل عن التوحيد # PageV11P239 # فقال: " التوحيد " إفراد الحدوث عن القدم. فبين أن التوحيد أن تميز بين ~~القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق. وصاحب " الفصوص " أنكر هذا؛ وقال في ~~مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد هل يميز بين المحدث والقديم إلا من ~~يكون غيرهما؟ فخطأ الجنيد في قوله: (إفراد الحدوث عن القدم؛ لأن قوله هو: ~~إن وجود المحدث هو عين وجود ms3510 القديم كما قال في فصوصه: " ومن أسمائه الحسنى ~~" العلي " على من؟ وما ثم إلا هو وعن ماذا؟ وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو ~~عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست إلا هو " إلى أن قال: ~~" هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه ~~سواه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات ". فيقال ~~لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثا ~~غيرهما فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره وليس هو ثالث فالعبد يعرف ~~أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين ~~مخلوقاته ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده كما نطق بذلك القرآن في غير موضع ~~والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنا وظاهرا. وأما هؤلاء # PageV11P240 # الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم - وهو أحذقهم في اتحادهم - ~~لما قرئ عليه " الفصوص " فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم. فقال: القرآن كله ~~شرك وإنما التوحيد في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحدا فلم كانت ~~الزوجة حلالا والأخت حراما؟ فقال: الكل عندنا حلال ولكن هؤلاء المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر فإن الوجود ~~إذا كان واحدا فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من ~~قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب. فقال له مريده: فمن هو الذي يكذب؟ ~~وقالوا لآخر: هذه مظاهر. فقال لهم: المظاهر غير الظاهر أم هي؟ فإن كانت ~~غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها فلا فرق. وقد بسطنا الكلام على كشف ~~أسرار هؤلاء في موضع آخر وبينا حقيقة قول كل واحد منهم وأن صاحب " الفصوص " ~~يقول المعدوم شيء؛ ووجود الحق قاض عليه فيفرق بين الوجود والثبوت. ~~والمعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه فإن ~~أولئك قالوا: إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودا ليس هو ms3511 وجود ~~الرب. وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليه فليس # PageV11P241 # عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق وصاحبه الصدر القونوي يفرق بين ~~المطلق والمعين لأنه كان أقرب إلى الفلسفة فلم يقر بأن المعدوم شيء؛ لكن ~~جعل الحق هو الوجود المطلق وصنف " مفتاح غيب الجمع والوجود ". وهذا القول ~~أدخل في تعطيل الخالق وعدمه فإن المطلق بشرط الإطلاق - وهو الكلي العقلي لا ~~يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان والمطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي - ~~وإن قيل إنه موجود في الخارج فلا يوجد في الخارج إلا معينا وهو جزء من ~~المعين عند من يقول بثبوته في الخارج فيلزم أن يكون وجود الرب إما منتفيا ~~في الخارج وإما أن يكون جزءا من وجود المخلوقات وإما أن يكون عين وجود ~~المخلوقات. وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه؟ أم العدم يخلق الوجود؟ ~~أو يكون بعض الشيء خالقا لجميعه. وهؤلاء يفرون من لفظ " الحلول " لأنه ~~يقتضي حالا ومحلا ومن لفظ " الاتحاد " لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر ~~وعندهم الوجود واحد. ويقولون: النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو ~~الله ولو عمموا لما كفروا. وكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطئوا لما ~~عبدوا بعض # PageV11P242 # المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطئوا عندهم. والعارف المحقق ~~عندهم لا يضره عبادة الأصنام. وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم ففيه ما ~~يلزمهم دائما من التناقض لأنه يقال لهم: فمن المخطئ؟ لكنهم يقولون: إن الرب ~~هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق. ويقولون: إن المخلوقات ~~توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق ويقولون ما قاله صاحب " الفصوص ~~": " فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت ~~الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا أو مذمومة ~~عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة ". وهم مع كفرهم هذا لا ~~يندفع عنهم التناقض فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذاك وهؤلاء ~~يقولون ما كان يقوله التلمساني: إنه ثبت ms3512 عندنا في الكشف ما يناقض صريح ~~العقل. ويقولون: من أراد التحقيق - يعني تحقيقهم - فليترك العقل والشرع. ~~وقد قلت لمن خاطبته منهم: ومعلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأتم من كشف غيرهم ~~وخبرهم أصدق من خبر غيرهم؛ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يخبرون بما ~~تعجز عقول الناس عن معرفته؛ لا بما # PageV11P243 # يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ~~ويمتنع أن يكون في إخبار الرسول ما يناقض صريح العقول ويمتنع أن يتعارض ~~دليلان قطعيان: سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر ~~سمعيا فكيف بمن ادعى كشفا يناقض صريح الشرع والعقل؟ . وهؤلاء قد لا يتعمدون ~~الكذب لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج وأشياء يرونها ~~تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين وتكون من تلبيسات ~~الشياطين. وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء ~~ويذكرون أن النبوة لم تنقطع كما يذكر عن ابن سبعين وغيره ويجعلون المراتب " ~~ثلاثة " يقولون: العبد يشهد أولا طاعة معصية ثم طاعة بلا معصية ثم لا طاعة ~~ولا معصية و " الشهود الأول " هو الشهود الصحيح وهو الفرق بين الطاعات ~~والمعاصي وأما " الشهود الثاني " فيريدون به شهود القدر كما أن بعض هؤلاء ~~يقول: أنا كافر برب يعصى وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي ~~المشيئة. والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم: # PageV11P244 # أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات # ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فإن المعصية ~~التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله كما قال تعالى: ~~{تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية ~~والأمر الكوني والديني. وكانت هذه " المسألة " قد اشتبهت على طائفة من ~~الصوفية فبينها الجنيد رحمه الله لهم من اتبع الجنيد فيها كان على ms3513 السداد ~~ومن خالفه ضل لأنهم تكلموا في أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته وفي شهود ~~هذا التوحيد وهذا يسمونه الجمع الأول فبين لهم الجنيد أنه لا بد من شهود ~~الفرق الثاني وهو أنه مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة في مشيئة الله ~~وقدرته وخلقه يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه وبين ما ينهى عنه ~~ويكرهه ويسخطه ويفرق بين أوليائه وأعدائه كما قال تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {أم # PageV11P245 # حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون} . ولهذا كان ~~مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن؛ لا رب غيره وهو مع ذلك أمر بالطاعة ونهى عن المعصية وهو لا يحب ~~الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء وإن كانت واقعة بمشيئته ~~فهو لا يحبها ولا يرضاها بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم. وأما " المرتبة ~~الثالثة أن لا يشهد طاعة ولا معصية - فإنه يرى أن الوجود واحد وعندهم أن ~~هذا غاية التحقيق والولاية لله؛ وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته وغاية العداوة لله فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر ~~الكفار أولياء وقد قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ولا يتبرأ من ~~الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال ~~الله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال الخليل عليه # PageV11P246 # السلام لقومه المشركين: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وقال تعالى: {لا ms3514 تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . ~~وهؤلاء قد صنف بعضهم كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة ب ~~" نظم السلوك " يقول فيها: # لها صلاتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى سوائي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة # إلى أن قال: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # فإن دعيت كنت المجيب وإن ... أكن منادى أجابت من دعاني ولبت # إلى أمثال هذا الكلام؛ ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد ويقول: # PageV11P247 # إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # فإنه كان يظن أنه هو الله فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ~~ما كان يظنه وقال الله تعالى: {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم} فجميع ما في السموات والأرض يسبح لله؛ ليس هو الله ثم قال تعالى: ~~{له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير} {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقول في دعائه: " {اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك ~~من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني ~~الدين واغنني من الفقر} ". ثم قال: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ms3515 من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} # PageV11P248 # فذكر أن السموات والأرض - وفي موضع آخر - (وما بينهما) مخلوق مسبح له ~~وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء. وأما قوله (وهو معكم) فلفظ (مع) لا تقتضي في ~~لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر كقوله تعالى {اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين} وقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار} وقوله تعالى {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم} . ولفظ (مع) جاءت في القرآن عامة وخاصة ف " العامة " في هذه الآية ~~وفي آية المجادلة {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن ~~الله بكل شيء عليم} فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم؛ ولهذا قال ابن عباس ~~والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه. وأما " المعية الخاصة ~~" ففي قوله تعالى {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقوله تعالى ~~لموسى: {إنني معكما أسمع وأرى} وقال تعالى: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا} يعني النبي # PageV11P249 # صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه فهو مع موسى وهارون دون فرعون ~~ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه ومع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون دون الظالمين المعتدين. فلو كان معنى " المعية " أنه بذاته في كل ~~مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام؛ بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره ~~وتأييده دون أولئك. وقوله تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} أي ~~هو إله من في السموات وإله من في الأرض كما قال الله تعالى: {وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} وكذلك وقوله تعالى {وهو الله ~~في السماوات وفي الأرض} كما فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره: أنه ~~المعبود في السموات والأرض. ms3516 وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الرب تعالى ~~بائن من مخلوقاته يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل يوصف بصفات الكمال ~~دون صفات النقص ويعلم أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال كما قال الله ~~تعالى: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا ~~أحد} قال ابن عباس: (الصمد العليم الذي كمل في علمه العظيم الذي كمل في ~~عظمته القدير الكامل في قدرته الحكيم الكامل في حكمته السيد الكامل في ~~سؤدده. # PageV11P250 # وقال ابن مسعود وغيره: هو الذي لا جوف له. والأحد الذي لا نظير له. فاسمه ~~الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه واسمه الأحد يتضمن ~~اتصافه أنه لا مثل له. وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وفي ~~كونها تعدل ثلث القرآن. # فصل: # وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية الإيمانية بالحقائق ~~الخلقية القدرية الكونية؛ فإن الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر كما قال ~~تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ~~ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما في ~~الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه وهو سبحانه أمر ~~بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله أمر بالتوحيد والإخلاص ونهى ~~عن الإشراك بالله فأعظم الحسنات # PageV11P251 # التوحيد وأعظم السيئات الشرك. قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} . وفي الصحيحين عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: " {قلت يا رسول الله أي الذنب ms3517 أعظم؟ قال أن تجعل ~~لله ندا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت: ثم ~~أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك. فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} {إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله ~~غفورا رحيما} } . وأمر سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي وأخبر أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب ~~المقسطين؛ ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص وهو يكره ما نهى عنه كما قال في سورة سبحان {كل ذلك كان ~~سيئه عند ربك مكروها} وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين؛ وأمر بإيتاء ذي ~~القربى الحقوق # PageV11P252 # ونهى عن التبذير؛ وعن التقتير؛ وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه؛ وأن يبسطها ~~كل البسط ونهى عن قتل النفس بغير الحق وعن الزنا وعن قربان مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن إلى أن قال {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} وهو سبحانه لا ~~يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر. # والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما قال الله تعالى: {وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} وفي صحيح البخاري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده ~~إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} " وفي صحيح مسلم ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله ~~في اليوم مائة مرة} " وفي السنن عن ابن عمر قال: {كنا نعد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المجلس الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم مائة مرة أو قال أكثر من مائة مرة} " وقد أمر الله سبحانه عباده أن ~~يختموا ms3518 الأعمال الصالحات بالاستغفار فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم ~~من الصلاة يستغفر ثلاثا ويقول " {اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ~~ذا الجلال والإكرام} " # PageV11P253 # كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه وقد قال تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} ~~فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار. وكذلك ختم سورة المزمل وهي ~~سورة قيام الليل بقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} وكذلك ~~قال في الحج: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه ~~كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين} {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} بل أنزل سبحانه وتعالى في آخر الأمر لما ~~غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهي آخر غزواته: {لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم} {وعلى الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} وهي آخر ما ~~نزل من القرآن. وقد قيل: إن آخر سورة نزلت قوله تعالى {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا} فأمره تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار وفي الصحيحين ~~عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان # PageV11P254 # يقول في ركوعه وسجوده: " {سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي - ~~يتأول القرآن} " وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " ~~{اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم ~~اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت وما أسررت وما أعلنت لا إله إلا أنت} " وفي الصحيحين أن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه {قال يا رسول الله علمني دعاء ms3519 أدعو به في صلاتي قال: ~~قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي ~~مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم} " وفي السنن عن أبي بكر رضي ~~الله عنه {قال يا رسول الله علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال ~~قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد ~~أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على ~~نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك} ". ~~فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل ~~أحد محتاج إلى ذلك دائما. قال الله تبارك وتعالى: {وحملها # PageV11P255 # الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما} فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة وقد أخبر الله ~~تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم. وثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} " وهذا لا ~~ينافي قوله {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} فإن الرسول ~~نفى باء المقابلة والمعادلة والقرآن أثبت باء السبب. وقول من قال: إذا أحب ~~الله عبدا لم تضره الذنوب. معناه أنه إذا أحب عبدا ألهمه التوبة والاستغفار ~~فلم يصر على الذنوب ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف ~~للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة؛ بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره. وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله تعالى ~~{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} ~~{الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين} {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم # PageV11P256 # ذكروا ms3520 الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون} # ومن ظن أن " القدر " حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله ~~تعالى عنهم: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} قال الله تعالى رادا عليهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ~~ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون} {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . ولو كان " ~~القدر " حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود ~~والمؤتفكات وقوم فرعون ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين ولا يحتج أحد ~~بالقدر إلا إذا كان متبعا لهواه بغير هدى من الله ومن رأى القدر حجة لأهل ~~الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه أن لا يذم أحدا ولا يعاقبه إذا اعتدى ~~عليه؛ بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم فلا يفرق بين من يفعل ~~معه خيرا وبين من يفعل معه شرا وهذا ممتنع طبعا وعقلا وشرعا. وقد قال ~~تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار} ؟ وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} ؟ وقال تعالى: ~~{أم حسب الذين # PageV11P257 # اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون} وقال تعالى {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} أي مهملا لا يؤمر ~~ولا ينهى. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{احتج آدم وموسى قال موسى: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك ~~من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم: أنت ~~موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي ~~قبل أن أخلق {وعصى آدم ربه فغوى} ؟ قال: بأربعين سنة، قال: فلم تلومني على ~~أمر قدره الله علي قبل أن ms3521 أخلق بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى} " أي: غلبه ~~بالحجة. وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: " طائفة " كذبت به لما ظنوا أنه ~~يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر. و " طائفة " شر من هؤلاء ~~جعلوه حجة وقد يقولون: القدر # PageV11P258 # حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلا. ومن الناس ~~من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه أو لأنه كان قد تاب أو لأن الذنب كان ~~في شريعة واللوم في أخرى أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى. وكل هذا ~~باطل. ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة ~~التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ~~لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب ~~لا يلام وهو قد تاب منه أيضا ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر ~~لم يقل: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} . ~~والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب قال ~~الله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فأمره بالصبر على ~~المصائب والاستغفار من المعائب. وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة ~~فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض ~~والفقر والذل صبروا لحكم الله وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم كمن أنفق أبوه ~~ماله في المعاصي فافتقر أولاده لذلك فعليهم أن يصبروا لما # PageV11P259 # أصابهم وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر. و " الصبر " واجب باتفاق ~~العلماء وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله و " الرضا " قد قيل: إنه واجب وقيل: ~~هو مستحب وهو الصحيح وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من ~~إنعام الله عليه بها حيث جعلها سببا لتكفير خطاياه ورفع درجاته وإنابته ~~وتضرعه إليه ms3522 وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين وأما أهل ~~البغي والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم ويضيفون ~~الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة ~~قدري وعند المعصية جبري؛ أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. وأهل الهدى والرشاد ~~إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله عليهم بها وأنه هو الذي أنعم عليهم وجعلهم ~~مسلمين وجعلهم يقيمون الصلاة وألهمهم التقوى وأنه لا حول ولا قوة إلا به ~~فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله ~~وتابوا إليه منها؛ ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: {قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا ~~أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي # PageV11P260 # فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته ~~دخل الجنة} ". وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: " {يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم. يا ~~عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من ~~كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. ~~يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري؛ فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي؛ ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ~~ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي؛ لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت ms3523 كل إنسان مسألته ~~ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة. يا ~~عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد ~~الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} ". # PageV11P261 # فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير وأنه إذا وجد شرا فلا ~~يلومن إلا نفسه. وكثير من الناس يتكلم بلسان " الحقيقة " ولا يفرق بين ~~الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته وبين الحقيقة الدينية ~~الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية ~~موافقا لما أمر الله به على ألسن رسله وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ~~ذلك بالكتاب والسنة كما أن لفظ " الشريعة " يتكلم به كثير من الناس ولا ~~يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله ~~به رسوله؛ فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه ولا يخرج عنه إلا ~~كافر وبين الشرع الذي هو حكم الحاكم فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطئ. هذا إذا ~~كان عالما عادلا وإلا ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في ~~الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو ~~في النار} " وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: " {إنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن # PageV11P262 # قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} " فقد ~~أخبر سيد الخلق أنه إذا قضى بشيء مما سمعه وكان في الباطن بخلاف ذلك لم يجز ~~للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار. وهذا ~~متفق عليه بين العلماء في الأملاك المطلقة إذا حكم الحاكم بما ظنه ms3524 حجة ~~شرعية كالبينة والإقرار وكان الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضي له أن يأخذ ~~ما قضي به له بالاتفاق. وإن حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك؛ فأكثر العلماء ~~يقول إن الأمر كذلك وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وفرق أبو حنيفة ~~رضي الله عنه بين النوعين. فلفظ " الشرع والشريعة " إذا أريد به الكتاب ~~والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه ومن ظن أن لأحد ~~من أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا ~~وظاهرا فلم يتابعه باطنا وظاهرا فهو كافر. ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع ~~الخضر كان غالطا من وجهين: " أحدهما " أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا ~~كان على الخضر اتباعه؛ فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل وأما محمد صلى ~~الله عليه وسلم فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس ولو # PageV11P263 # أدركه من هو أفضل من الخضر: كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم؛ اتباعه فكيف ~~بالخضر سواء كان نبيا أو وليا؛ ولهذا قال الخضر لموسى: " إنا على علم من ~~علم الله علمنيه الله لا تعلمه؛ وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا ~~أعلمه " وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول مثل هذا. " الثاني " أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى ~~عليه السلام وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه ~~على ذلك فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفا من الظالم أن يأخذها ~~إحسان إليهم وذلك جائز وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرا ومن كان تكفيره ~~لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله. قال: ابن عباس رضي الله عنهما لنجدة ~~الحروري لما سأله عن قتل الغلمان - قال له - إن كنت علمت منهم ما علمه ~~الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم رواه البخاري. وأما الإحسان ~~إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع فهذا من صالح الأعمال فلم يكن في ms3525 ذلك ~~شيء مخالفا شرع الله. وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالما وقد ~~يكون عادلا وقد يكون صوابا وقد يكون خطأ وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه: ~~كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن # PageV11P264 # سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب ~~والسنة وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك كان جائزا أي ليس اتباع أحدهم واجبا على ~~جميع الأمة كاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحرم تقليد أحدهم كما ~~يحرم اتباع من يتكلم بغير علم. وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها ~~من أحاديث مفتراة أو تأول النصوص بخلاف مراد الله ونحو ذلك؛ فهذا من نوع ~~التبديل فيجب الفرق بين الشرع المنزل والشرع المؤول والشرع المبدل كما يفرق ~~بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية الأمرية وبين ما يستدل عليها بالكتاب ~~والسنة وبين ما يكتفى فيها بذوق صاحبها ووجده. # فصل: # وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين " الإرادة " و " الأمر " و " القضاء " و ~~" الإذن " و " التحريم " و " البعث " و " الإرسال " و " الكلام " و " الجعل ~~": بين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه؛ وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا ~~يثيب أصحابه ولا يجعلهم من أوليائه المتقين وبين الديني الذي أمر به وشرعه ~~وأثاب عليه وأكرمهم وجعلهم من أوليائه المتقين # PageV11P265 # وحزبه المفلحين وجنده الغالبين؛ وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين ~~أولياء الله وأعدائه فمن استعمله الرب سبحانه وتعالى فيما يحبه ويرضاه ومات ~~على ذلك كان من أوليائه ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك ~~كان من أعدائه. ف " الإرادة الكونية " هي مشيئته لما خلقه وجميع المخلوقات ~~داخلة في مشيئته وإرادته الكونية والإرادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ~~ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعا ودينا. وهذه مختصة بالإيمان والعمل ~~الصالح قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وقال نوح عليه السلام ~~لقومه: {ولا ينفعكم ms3526 نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} ~~وقال تعالى: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} ~~وقال تعالى في الثانية: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال في آية الطهارة: {ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} ~~ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح قال: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} {والله يريد أن يتوب ~~عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} # PageV11P266 # {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وقال لما ذكر ما أمر به ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وما نهاهم عنه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس بخلاف ~~من عصاه. وأما " الأمر " فقال في الأمر الكوني: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} وقال تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~بالبصر} وقال تعالى: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس} وأما: الأمر الديني: فقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} ~~وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} ~~وأما " الإذن " فقال في الكوني لما ذكر السحر: {وما هم بضارين به من أحد ~~إلا بإذن الله} أي بمشيئته وقدرته؛ وإلا فالسحر لم يبحه الله عز وجل. وقال ~~في " الإذن الديني ": {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله} وقال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {وداعيا إلى الله ~~بإذنه} ms3527 وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع # PageV11P267 # بإذن الله} وقال تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله} . وأما " القضاء " فقال في الكوني: {فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين} وقال سبحانه: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} وقال في ~~الديني: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر وليس المراد به قدر ذلك ~~فإنه قد عبد غيره كما أخبر في غير موضع كقوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وقول الخليل عليه ~~السلام لقومه: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين} وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا ~~قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} وقال تعالى: ~~{قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {ولا ~~أنا عابد ما عبدتم} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {لكم دينكم ولي دين} وهذه ~~كلمة تقتضي براءته من دينهم ولا تقتضي رضاه بذلك؛ كما قال تعالى في الآية ~~الأخرى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء ~~مما تعملون} . # PageV11P268 # ومن ظن من الملاحدة أن هذا رضا منه بدين الكفار فهو من أكذب الناس ~~وأكفرهم كمن ظن أن قوله {وقضى ربك} بمعنى قدر وأن الله سبحانه ما قضى بشيء ~~إلا وقع وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله؛ فإن هذا من أعظم الناس كفرا ~~بالكتب. وأما لفظ " البعث " فقال تعالى في البعث الكوني: {فإذا جاء وعد ~~أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا} وقال في البعث الديني: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} قال تعالى: {ولقد ms3528 بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} . وأما لفظ " الإرسال " فقال ~~في الإرسال الكوني: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} ~~وقال تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} وقال في الديني ~~{إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} وقال تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} ~~وقال تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا} وقال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} . وأما لفظ " ~~الجعل " فقال في الكوني: {وجعلناهم أئمة يدعون # PageV11P269 # إلى النار} وقال في الديني: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} وقال تعالى: ~~{ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} . وأما لفظ " التحريم ~~" فقال في الكوني: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} وقال تعالى: {فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} وقال في الديني {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} وقال تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} الآية. وأما ~~لفظ " الكلمات " فقال في الكلمات الكونية {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} وثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " {أعوذ بكلمات الله ~~التامة كلها من شر ما خلق ومن غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين ~~وأن يحضرون} " وقال صلى الله عليه وسلم " {من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات ~~الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك} " وكان ~~يقول: " {أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ~~ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق ~~إلا طارقا يطرق بخير يا # PageV11P270 # رحمن} ". و " {كلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر} " هي ~~التي كون بها الكائنات فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته. ~~وأما " كلماته الدينية " وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها ~~الأبرار وعصاها الفجار. وأولياء الله ms3529 المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية ~~وجعله الديني وإذنه الديني وإرادته الدينية. وأما كلماته الكونية التي لا ~~يجاوزها بر ولا فاجر؛ فإنه يدخل تحتها جميع الخلق حتى إبليس وجنوده وجميع ~~الكفار وسائر من يدخل النار فالخلق وإن اجتمعوا في شمول الخلق والمشيئة ~~والقدرة والقدر لهم فقد افترقوا في الأمر والنهي والمحبة والرضا والغضب. ~~وأولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور وتركوا المحظور وصبروا على ~~المقدور فأحبهم وأحبوه ورضي عنهم ورضوا عنه. وأعداؤه أولياء الشياطين وإن ~~كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم ويغضب عليهم ويلعنهم ويعاديهم. وبسط هذه الجمل ~~له موضع آخر وإنما كتبت هنا تنبيها على مجامع " الفرق بين أولياء الرحمن ~~وأولياء الشيطان " وجمع الفرق بينهما # PageV11P271 # اعتبارهم بموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي فرق الله ~~تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الأشقياء وبين أوليائه أهل الجنة ~~وأعدائه أهل النار وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وبين أعدائه أهل الغي ~~والضلال والفساد وأعدائه حزب الشيطان وأوليائه الذين كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه. قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله} الآية وقال تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة ~~أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان} . وقال في أعدائه {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم} وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} وقال: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} {والشعراء ~~يتبعهم الغاوون} {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} {وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من ~~بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} وقال تعالى: {فلا أقسم ~~بما تبصرون} {وما لا تبصرون} {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ~~ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} {ولو ms3530 ~~تقول # PageV11P272 # علينا بعض الأقاويل} {لأخذنا منه باليمين} {ثم لقطعنا منه الوتين} {فما ~~منكم من أحد عنه حاجزين} {وإنه لتذكرة للمتقين} {وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين} {وإنه لحسرة على الكافرين} {وإنه لحق اليقين} {فسبح باسم ربك ~~العظيم} وقال تعالى: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} إلى قوله: ~~{إن كانوا صادقين} . فنزه سبحانه وتعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين؛ وبين أن الذي جاءه ~~بالقرآن ملك كريم اصطفاه. قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ~~ومن الناس} وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} {نزل به الروح الأمين} ~~{على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان عربي مبين} وقال تعالى: {قل من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} الآية. وقال تعالى: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} إلى قوله {وبشرى للمسلمين} فسماه ~~الروح الأمين وسماه روح القدس. وقال تعالى: {فلا أقسم بالخنس} {الجواري ~~الكنس} يعني: الكواكب التي تكون في السماء خانسة أي: مختفية قبل طلوعها ~~فإذا ظهرت رآها الناس جارية في السماء فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي ~~يحجبها {والليل إذا عسعس} أي إذا أدبر وأقبل الصبح {والصبح # PageV11P273 # إذا تنفس} أي أقبل {إنه لقول رسول كريم} وهو جبريل عليه السلام {ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} أي مطاع في السماء أمين ثم قال: {وما ~~صاحبكم بمجنون} أي صاحبكم الذي من الله عليكم به إذ بعثه إليكم رسولا من ~~جنسكم يصحبكم إذ كنتم لا تطيقون أن تروا الملائكة كما قال تعالى: {وقالوا ~~لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} {ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا} الآية. وقال تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} أي رأى ~~جبريل عليه السلام {وما هو على الغيب بضنين} أي بمتهم وفي القراءة الأخرى: ~~{بضنين} أي ببخيل يكتم العلم ولا يبذله إلا بجعل كما يفعل من يكتم العلم ~~إلا بالعوض. {وما هو بقول شيطان رجيم} فنزه جبريل عليه السلام عن ms3531 أن يكون ~~شيطانا كما نزه محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعرا أو كاهنا. # فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم فيفعلون ما ~~أمر به وينتهون عما عنه زجر؛ ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه ~~فيؤيدهم بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره ولهم الكرامات ~~التي يكرم الله بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة في ~~الدين أو لحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم كذلك. # PageV11P274 # وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فهي ~~في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر ~~وتسبيح الحصا في كفه وإتيان الشجر إليه وحنين الجذع إليه وإخباره ليلة ~~المعراج بصفة بيت المقدس وإخباره بما كان وما يكون وإتيانه بالكتاب العزيز ~~وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام ~~وهو لم ينقص في حديث أم سلمة المشهور وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ~~ماء ولم تنقص وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص وهم نحو ~~ثلاثين ألفا ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين ~~كانوا معه كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة ورده ~~لعين أبي قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه [ولما أرسل محمد بن ~~مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرئت] (*) وأطعم من ~~شواء مائة وثلاثين رجلا كلا منهم حز له قطعة وجعل منها قطعتين فأكلوا منها ~~جميعهم ثم فضل فضلة ودين عبد الله أبي جابر لليهودي وهو ثلاثون وسقا. قال ~~جابر: فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له فلم يقبل فمشى ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لجابر جد له فوفاه الثلاثين وسقا ~~وفضل سبعة عشر وسقا ومثل هذا كثير قد جمعت نحو ألف معجزة. PageV11P275 # وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة ms3532 جدا: مثل ما كان " ~~أسيد بن حضير " يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج ~~وهي الملائكة نزلت لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين؛ وكان ~~سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها وعباد بن ~~بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ~~فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. رواه البخاري ~~وغيره. وقصة {الصديق في الصحيحين لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل ~~لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ~~ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا} . و " ~~خبيب بن عدي " كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى ~~بعنب يأكله وليس بمكة عنبة. و " عامر بن فهيرة: قتل شهيدا فالتمسوا جسده ~~فلم يقدروا عليه # PageV11P276 # وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال: عروة: فيرون ~~الملائكة رفعته. وخرجت " أم أيمن " مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت ~~تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته ~~فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها. و " سفينة " مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده. و " البراء بن مالك " كان إذا ~~أقسم على الله تعالى أبر قسمه وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد ~~يقولون: يا براء أقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم ~~فيهزم العدو فلما كان يوم " القادسية " قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا ~~أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا. و " خالد بن ~~الوليد " حاصر حصنا منيعا فقالوا لا نسلم حتى تشرب ms3533 # PageV11P277 # السم فشربه فلم يضره. و " سعد بن أبي وقاص " كان مستجاب الدعوة ما دعا قط ~~إلا استجيب له وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. و " عمر بن الخطاب " ~~لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى " سارية " فبينما عمر يخطب فجعل يصيح ~~على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا ~~أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح: يا سارية الجبل يا سارية ~~الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. ولما عذبت " الزبيرة " على ~~الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها قال المشركون أصاب بصرها ~~اللات والعزى قالت كلا والله فرد الله عليها بصرها. ودعا " سعيد بن زيد " ~~على أروى بنت الحكم فأعمي بصرها لما كذبت عليه فقال: اللهم إن كانت كاذبة ~~فأعم بصرها واقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت. " ~~والعلاء بن الحضرمي " كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين ~~وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم # PageV11P278 # فيستجاب له ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء لما ~~بعدهم فأجيب ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم ~~فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم؛ ودعا الله أن لا يروا جسده إذا ~~مات فلم يجدوه في اللحد. وجرى مثل ذلك " لأبي مسلم الخولاني " الذي ألقي في ~~النار فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم ~~التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله عز وجل فيه ~~فقال بعضهم: فقدت مخلاة فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها ~~وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله. قال ما ~~أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه ~~قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما؛ وقدم المدينة بعد موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر ms3534 الصديق رضي الله عنهما ~~وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله. ووضعت له جارية السم في طعامه فلم ~~يضره. وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فرد ~~الله عليها بصرها. وكان " عامر بن عبد قيس " يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه ~~وما # PageV11P279 # يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير ~~عددها ولا وزنها. ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم ~~وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف ~~شيئا غيره ومرت القافلة ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء ~~فكان يؤتى بالماء له بخار ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة ~~فلم يقدر عليه. وتغيب " الحسن البصري " عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا ~~الله عز وجل فلم يروه ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا. و " صلة بن ~~أشيم " مات فرسه وهو في الغزو فقال اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله ~~عز وجل فأحيا له فرسه. فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه ~~عارية فأخذ سرجه فمات الفرس وجاع مرة بالأهواز فدعا الله عز وجل واستطعمه ~~فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا. ~~وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب الرزق من غير هذا ~~الموضع فولى الأسد وله زئير. وكان " سعيد بن المسيب " في أيام الحرة يسمع ~~الأذان من قبر # PageV11P280 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق ~~غيره. ورجل من " النخع " كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه هلم ~~نتوزع متاعك على رحالنا فقال لهم: أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ~~ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره ms3535 فحمل عليه متاعه. ولما مات " أويس ~~القرني " وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرا محفورا فيه ~~لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب. وكان " عمرو بن عقبة بن ~~فرقد " يصلي يوما في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب ~~أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم. وكان " مطرف بن عبد ~~الله بن الشخير " إذا دخل بيته سبحت معه آنيته وكان هو وصاحب له يسيران في ~~ظلمة فأضاء لهما طرف السوط. ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في ~~قبره فأهوى # PageV11P281 # ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر. وكان " إبراهيم التيمي " يقيم ~~الشهر والشهرين لا يأكل شيئا وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه فمر ~~بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا ~~زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. وكان " عتبة الغلام ~~" سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا ودمعا غزيرا وطعاما من غير تكلف. فكان إذا ~~قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا ~~يدري من أين يأتيه. وكان " عبد الواحد بن زيد " أصابه الفالج فسأل ربه أن ~~يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده. ~~وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع. وأما ~~ما نعرفه عن أعيان ونعرفه في هذا الزمان فكثير. # PageV11P282 # ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج ~~إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته ~~ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو ~~درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر ~~منها في الصحابة؛ بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم ~~فهؤلاء أعظم درجة. وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال {عبد ms3536 الله بن صياد ~~الذي ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ظن بعض الصحابة أنه ~~الدجال وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ~~ليس هو الدجال؛ لكنه كان من جنس الكهان قال له النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~خبأت لك خبئا قال: الدخ الدخ. وقد كان خبأ له سورة الدخان فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم اخسأ فلن تعدو قدرك} " يعني إنما أنت من إخوان الكهان؛ ~~والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما ~~يسترقه من السمع وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي ~~رواه البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم {قال: إن الملائكة تنزل في ~~العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه ~~إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم} " # PageV11P283 # وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " {بينما ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا ~~رأيتموه؟ قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا تبارك وتعالى ~~إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة ~~العرش ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل ~~السماء الدنيا وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما ~~جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون} ". وفي رواية قال معمر قلت ~~للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية قال نعم ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم. و " الأسود العنسي " الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين ~~من يخبره ببعض الأمور ms3537 المغيبة فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من ~~الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه: حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها ~~كفره فقتلوه. # PageV11P284 # وكذلك " مسيلمة الكذاب " كان معه من الشياطين من يخبره. بالمغيبات ويعينه ~~على بعض الأمور وأمثال هؤلاء كثيرون مثل: الحارث الدمشقي " الذي خرج بالشام ~~زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد ~~وتمنع السلاح أن ينفذ فيه وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده وكان يرى الناس ~~رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة وإنما كانوا جنا ولما ~~أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه فقال له عبد ~~الملك: إنك لم تسم الله فسمى الله فطعنه فقتله. وهكذا أهل " الأحوال ~~الشيطانية " تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه {لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة الفطر فسرق منه ~~الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه فيقول له النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما فعل أسيرك البارحة فيقول زعم أنه لا يعود فيقول كذبك وإنه ~~سيعود فلما كان في المرة الثالثة. قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت ~~إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إلى آخرها ~~فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فلما أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال صدقك # PageV11P285 # وهو كذوب} " وأخبره أنه شيطان. ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال ~~الشيطانية بصدق أبطلتها مثل من يدخل النار بحال شيطاني أو يحضر سماع المكاء ~~والتصدية فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاما لا يعلم وربما لا ~~يفقه وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه وربما تكلم بألسنة مختلفة كما ~~يتكلم الجني على لسان المصروع والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك ~~بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس ولبسه وتكلم على لسانه فإذا ms3538 ~~أفاق لم يشعر بشيء مما قال ولهذا قد يضرب المصروع وذلك الضرب لا يؤثر في ~~الإنسي ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء لأن الضرب كان على الجني الذي ~~لبسه. ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا ~~يكون في ذلك الموضع ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو ~~غيرهما ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته فلا يحج حجا شرعيا؛ بل ~~يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات ولا يلبي ولا يقف بمزدلفة ولا يطوف ~~بالبيت؛ ولا يسعى بين الصفا والمروة ولا يرمي الجمار بل يقف بعرفة بثيابه ~~ثم يرجع من ليلته وهذا ليس بحج ولهذا رأى بعض هؤلاء الملائكة تكتب الحجاج ~~فقال ألا تكتبوني؟ فقالوا لست من الحجاج. يعني حجا شرعيا. # PageV11P286 # وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: # منها أن " كرامات الأولياء " سببها الإيمان والتقوى و " الأحوال ~~الشيطانية " سببها ما نهى الله عنه ورسوله. وقد قال تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فالقول على الله ~~بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله فلا تكون سببا ~~لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر ~~وقراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة ~~بالمخلوقات أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من ~~الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية. ومن هؤلاء من إذا حضر سماع ~~المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك ~~الدار فإذا حصل رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا ~~لغير واحد. ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت سواء كان ذلك الحي ~~مسلما أو نصرانيا أو مشركا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث # PageV11P287 # به ويقضي بعض حاجة ms3539 ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته ~~وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم ~~المشركين. ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر وربما أخبره ~~ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين ~~واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت ~~فيأتي الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ويقضي الديون ~~ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت ويدخل على زوجته ويذهب وربما يكونون ~~قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته. ومن ~~هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني فأنا ~~أجيء وأغسل نفسي فلما مات رآى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل ~~نفسه فلما قضى ذلك الداخل غسله - أي غسل الميت - غاب وكان ذلك شيطانا وكان ~~قد أضل الميت وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك فلما مات جاء أيضا في ~~صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك. # PageV11P288 # ومنهم من يرى عرشا في الهواء وفوقه نور ويسمع من يخاطبه ويقول أنا ربك ~~فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول. ~~ومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من ~~الصالحين وقد جرى هذا لغير واحد ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر: إما ~~الصديق رضي الله عنه أو غيره قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه ~~فيصبح وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر وإنما الجن قد حلقوا شعره أو ~~قصروه وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات ~~والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم والجن فيهم الكافر ~~والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في ~~الكفر والفسوق والضلال وقد يعاونونه إذا وافقهم على ms3540 ما يختارونه من الكفر ~~مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم ومثل أن يكتب أسماء ~~الله أو بعض كلامه بالنجاسة أو يقلب فاتحة الكتاب أو سورة الإخلاص أو آية ~~الكرسي أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم ~~به من الكفر. وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي إما في الهواء وإما ~~مدفوعا ملجأ إليه. إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها والإيمان بها ~~إيمان # PageV11P289 # بالجبت والطاغوت. والجبت السحر والطاغوت الشياطين والأصنام وإن كان الرجل ~~مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته. ~~ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله كان ~~عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية وكان أهل الشرك والبدع يعظمون ~~القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به أو يعتقدون أن الدعاء عنده ~~مستجاب أقرب إلى الأحوال الشيطانية فإنه ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد} ". وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال: " {إن من ~~آمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أهل الأرض ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله. لا يبقين في المسجد خوخة إلا ~~سدت إلا خوخة أبي بكر إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} ". وفي الصحيحين عنه أنه ذكر له ~~في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها فقال " {إن أولئك ~~إذا مات فيهم # PageV11P290 # الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيها تلك التصاوير أولئك شرار ~~الخلق عند الله يوم القيامة} ". وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه صلى الله ~~عليه وسلم قال " {إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين ~~اتخذوا القبور مساجد} " وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " {لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا ms3541 إليها} " وفي الموطأ عنه أنه قال " {اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ". ~~وفي السنن عنه أنه قال " {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني} ". وقال صلى الله عليه وسلم " {ما من رجل يسلم علي إلا رد ~~الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} " وقال صلى الله عليه وسلم " {إن الله ~~وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام} " وقال صلى الله عليه وسلم " ~~{أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة علي ~~قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد # PageV11P291 # أرمت - أي بليت؟ - فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} ". ~~وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه السلام {وقالوا ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال ابن عباس ~~وغيره من السلف: هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان. فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك كما نهى عن ~~الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ ~~والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة ~~لصلاة المشركين فسد هذا الباب. والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته فمن عبد ~~الشمس والقمر والكواكب ودعاها - كما يفعل أهل دعوة الكواكب - فإنه ينزل ~~عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور ويسمون ذلك روحانية الكواكب وهو ~~شيطان والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه ~~وعاقبة من أطاعه إلى شر إلا أن يتوب الله عليه وكذلك عباد الأصنام قد ~~تخاطبهم الشياطين # PageV11P292 # وكذلك من استغاث بميت أو غائب وكذلك من دعا الميت أو دعا به أو ظن أن ~~الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد ويروون حديثا هو كذب باتفاق ~~أهل المعرفة وهو: " {إذا أعيتكم الأمور فعليكم ms3542 بأصحاب القبور} " وإنما هذا ~~وضع من فتح باب الشرك. ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد ~~الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات ~~وهي من الشياطين: مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد أو يوضع ~~عنده مصروع فيرون شيطانه قد فارقه. يفعل الشيطان هذا ليضلهم وإذ قرأت آية ~~الكرسي هناك بصدق بطل هذا فإن التوحيد يطرد الشيطان؛ ولهذا حمل بعضهم في ~~الهواء فقال: لا إله إلا الله فسقط ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق ~~وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان. وهذا باب واسع لا يتسع له هذا ~~الموضع. # ولما كان الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله ~~ولا رسوله صارت الشياطين كثيرا ما تأوي إلى المغارات والجبال: مثل مغارة ~~الدم التي بجبل قاسيون وجبل لبنان الذي بساحل الشام وجبل الفتح بأسوان بمصر ~~وجبال بالروم وخراسان وجبال بالجزيرة وغير ذلك # PageV11P293 # وجبل اللكام وجبل الأحيش وجبل سولان قرب أردبيل وجبل شهنك عند تبريز وجبل ~~ماشكو عند أقشوان وجبل نهاوند وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن ~~بها رجالا من الصالحين من الإنس ويسمونهم رجال الغيب وإنما هناك رجال من ~~الجن فالجن رجال كما أن الإنس رجال قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} . ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجل شعراني ~~جلده يشبه جلد الماعز فيظن من لا يعرفه أنه إنسي وإنما هو جني ويقال بكل ~~جبل من هذه الجبال الأربعون الأبدال وهؤلاء الذين يظن أنهم الأبدال هم جن ~~بهذه الجبال كما يعرف ذلك بطرق متعددة. وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه ~~وذكر ما نعرفه من ذلك فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا ~~المختصر الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما ~~يعرف به جمل ذلك. # والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام: " قسم " يكذب بوجود ذلك لغير ~~الأنبياء وربما ms3543 صدق به مجملا # PageV11P294 # وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس من الأولياء. ومنهم من ~~يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله وكلا الأمرين خطأ ~~ولهذا تجد أن هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على ~~قتال المسلمين وأنهم من أولياء الله. وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق ~~عادة والصواب القول الثالث وهو أن معهم من ينصرهم من جنسهم لا من أولياء ~~الله عز وجل كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وهؤلاء ~~العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة ~~تقترن بهم الشياطين فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله؛ لكن خوارق ~~هؤلاء يعارض بعضها بعضا وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها ~~عليهم ولا بد أن يكون في أحدهم من الكذب جهلا أو عمدا ومن الإثم ما يناسب ~~حال الشياطين المقترنة بهم ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين ~~المتشبهين بهم من أولياء الشياطين. قال الله تعالى {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} والأفاك الكذاب. والأثيم الفاجر. ومن ~~أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين ~~قال الله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا # PageV11P295 # مكاء وتصدية} قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من السلف " ~~التصدية " التصفيق باليد و " المكاء " مثل الصفير فكان المشركون يتخذون هذا ~~عبادة وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من ~~الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك والاجتماعات الشرعية ولم يجتمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا ~~سقطت بردته؛ بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه. وكان أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون يستمعون ~~وكان عمر بن ms3544 الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ ~~وهم يستمعون {ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ ~~فقال له: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك ~~تستمع لحبرته لك تحبيرا} أي لحسنته لك تحسينا كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {زينوا القرآن بأصواتكم} " وقال صلى الله عليه وسلم " {لله أشهد ~~أذنا أي استماعا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} ~~": {وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود اقرأ علي القرآن فقال أقرأ عليك ~~وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى ~~انتهيت إلى # PageV11P296 # هذه الآية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~قال: حسبك فإذا عيناه تذرفان من البكاء} ". ومثل هذا السماع هو سماع ~~النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال: {أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ~~وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} وقال في ~~أهل المعرفة: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق} ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان ~~واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله} وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ~~ورزق كريم} وأما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقا إلى ~~الله تبارك وتعالى ولا يعدونه من القرب والطاعات # PageV11P297 # بل يعدونه من البدع المذمومة حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد ms3545 شيئا أحدثته ~~الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وأولياء الله العارفون ~~يعرفون ذلك ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا ولهذا تاب منه خيار من حضره ~~منهم. ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله كان نصيب الشيطان منه ~~أكثر وهو بمنزلة الخمر يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر؛ ولهذا إذا قويت ~~سكرة أهله نزلت عليهم الشياطين وتكلمت على ألسنة بعضهم وحملت بعضهم في ~~الهواء وقد تحصل عداوة بينهم كما تحصل بين شراب الخمر فتكون شياطين أحدهم ~~أقوى من شياطين الآخر فيقتلونه ويظن الجهال أن هذا من كرامات أولياء الله ~~المتقين وإنما هذا مبعد لصاحبه عن الله وهو من أحوال الشياطين؛ فإن قتل ~~المسلم لا يحل إلا بما أحله الله فكيف يكون قتل المعصوم مما يكرم الله به ~~أولياءه وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة فلم يكرم الله عبدا بمثل أن ~~يعينه على ما يحبه ويرضاه ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته. وذلك أن ~~الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات ومنها ما هو من جنس القدرة ~~والملك كالتصرفات الخارقة للعادات ومنها ما هو # PageV11P298 # من جنس الغنى عن جنس ما يعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال ~~والغنى. وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور إن استعان به على ما يحبه ~~الله ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته ويأمره الله به ورسوله ازداد بذلك ~~رفعة وقربا إلى الله ورسوله وعلت درجته وإن استعان به على ما نهى الله عنه ~~ورسوله كالشرك والظلم والفواحش استحق بذلك الذم والعقاب فإن لم يتداركه ~~الله تعالى بتوبة أو حسنات ماحية وإلا كان كأمثاله من المذنبين؛ ولهذا ~~كثيرا ما يعاقب أصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه ويسلب ~~العالم علمه. وتارة بسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة ~~وتارة ينزل إلى درجة الفساق وتارة يرتد عن الإسلام. وهذا يكون فيمن له ~~خوارق شيطانية؛ فإن كثيرا من هؤلاء يرتد عن الإسلام وكثير منهم لا يعرف أن ~~هذه شيطانية ms3546 بل يظنها من كرامات أولياء الله ويظن من يظن منهم أن الله عز ~~وجل إذا أعطى عبدا خرق عادة لم يحاسبه على ذلك كمن يظن أن الله إذا أعطى ~~عبدا ملكا ومالا وتصرفا لم يحاسبه عليه ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور ~~مباحة لا مأمورا بها ولا منهيا عنها فهذا يكون من عموم الأولياء وهم ~~الأبرار المقتصدون وأما السابقون المقربون فأعلى من هؤلاء كما أن العبد # PageV11P299 # الرسول أعلى من النبي الملك. ولما كانت الخوارق كثيرا ما تنقص بها درجة ~~الرجل كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك ويستغفر الله تعالى كما يتوب ~~من الذنوب: كالزنا والسرقة وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها وكلهم يأمر ~~المريد السالك أن لا يقف عندها ولا يجعلها همته ولا يتبجح بها؛ مع ظنهم ~~أنها كرامات فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها فإني أعرف من ~~تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها ~~وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر وتقول: هنيئا لك يا ولي الله فيقرأ آية ~~الكرسي فيذهب ذلك. وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: ~~خذني حتى يأكلني الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ~~ويخاطبه بذلك ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح ~~وبالعكس وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة أو تمر ~~به أنوار أو تحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه ~~فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله. وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول ~~له أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويظهر له الخوارق # PageV11P300 # مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء؛ فإذا خطر بقلبه ذهاب ~~الطير أو الجراد يمينا أو شمالا ذهب حيث أراد وإذا خطر بقلبه قيام بعض ~~المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه في ms3547 الظاهر وتحمله ~~إلى مكة وتأتي به وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة وتقول له هذه الملائكة ~~الكروبيون أرادوا زيارتك فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان فيرفع ~~رأسه فيجدهم بلحى ويقول له علامة إنك أنت المهدي إنك تنبت في جسدك شامة ~~فتنبت ويراها وغير ذلك وكله من مكر الشيطان. وهذا باب واسع لو ذكرت ما ~~أعرفه منه لاحتاج إلى مجلد كبير وقد قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانني} قال الله تبارك وتعالى: {كلا} ولفظ (كلا فيها زجر ~~وتنبيه: زجر عن مثل هذا القول وتنبيه على ما يخبر به ويؤمر به بعده وذلك ~~أنه ليس كل من حصل له نعم دنيوية تعد كرامة يكون الله عز وجل مكرما له بها ~~ولا كل من قدر عليه ذلك يكون مهينا له بذلك؛ بل هو سبحانه يبتلي عبده ~~بالسراء والضراء فقد يعطي النعم الدنيوية لمن لا يحبه. ولا هو كريم عنده ~~ليستدرجه بذلك. وقد يحمي منها من يحبه ويواليه لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده ~~أو يقع بسببها فيما يكرهه منه. # PageV11P301 # وأيضا " كرامات الأولياء " لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى فما كان ~~سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء ~~الله فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء ~~وإنما تحصل عند الشرك: مثل دعاء الميت والغائب أو بالفسق والعصيان وأكل ~~المحرمات: كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات ومثل الغناء ~~والرقص؛ لا سيما مع النسوة الأجانب والمردان وحالة خوارقه تنقص عند سماع ~~القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلا طويلا فإذا جاءت الصلاة ~~صلى قاعدا أو ينقر الصلاة نقر الديك وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ~~ويتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده ويحب سماع المكاء ~~والتصدية ويجد عنده مواجيد. فهذه أحوال شيطانية؛ وهو ممن يتناوله قوله ~~تعالى {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ms3548 له شيطانا فهو له قرين} . فالقرآن هو ~~ذكر الرحمن قال الله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} يعني تركت العمل بها قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما تكفل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا ~~يشقى في الآخرة؛ ثم قرأ هذه الآية. # PageV11P302 # فصل: # ومما يجب أن يعلم أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الإنس ~~والجن فلم يبق إنسي ولا جني إلا وجب عليه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~واتباعه فعليه أن يصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ومن قامت عليه الحجة ~~برسالته فلم يؤمن به فهو كافر سواء كان إنسيا أو جنيا. ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم مبعوث إلى الثقلين باتفاق المسلمين وقد استمعت الجن القرآن وولوا إلى ~~قومهم منذرين لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه ببطن نخلة لما ~~رجع من الطائف وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله {وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين} {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا ~~به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} {ومن لا يجب داعي # PageV11P303 # الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء} {أولئك في ضلال مبين} ~~. وأنزل الله تعالى بعد ذلك {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا} {يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} {وأنه ~~تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} {وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا} {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} {وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} ms3549 أي السفيه منا في أظهر قولي ~~العلماء. وقال غير واحد من السلف: كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي قال: ~~أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه فلما استغاثت الإنس بالجن ازدادت ~~الجن طغيانا وكفرا كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا} {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} {وأنا ~~لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا} وكانت الشياطين ترمي بالشهب ~~قبل أن ينزل القرآن؛ لكن كانوا أحيانا يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى ~~أحدهم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا ~~وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا كما قالوا: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} # PageV11P304 # وقال تعالى في الآية الأخرى: {وما تنزلت به الشياطين} {وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون} {إنهم عن السمع لمعزولون} قالوا: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق ~~قددا} أي على مذاهب شتى كما قال العلماء منهم المسلم والمشرك والنصراني ~~والسني والبدعي {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا} ~~أخبروا أنهم لا يعجزونه: لا إن أقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه {وأنا لما ~~سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} {وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون} أي الظالمون يقال أقسط إذا عدل وقسط إذا جار وظلم ~~{فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} {وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} {لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ~~ربه يسلكه عذابا صعدا} {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} {وأنه لما ~~قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به ~~أحدا} {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} {قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ms3550 ملتحدا} أي ملجأ ومعاذا {إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن ~~يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} {حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} . # PageV11P305 # ثم لما سمعت الجن القرآن أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ~~وهم جن نصيبين كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن مسعود وروي {أنه قرأ ~~عليهم سورة الرحمن وكان إذا قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قالوا: ولا بشيء ~~من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد} . {ولما اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ~~ما يكون لحما وكل بعرة علفا لدوابكم قال النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~تستنجوا بهما فإنهما زاد لإخوانكم من الجن} وهذا النهي ثابت عنه من وجوه ~~متعددة وبذلك احتج العلماء على النهي عن الاستنجاء بذلك وقالوا فإذا منع من ~~الاستنجاء بما للجن ولدوابهم فما أعد للإنس ولدوابهم من الطعام والعلف أولى ~~وأحرى. # ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الإنس والجن وهذا أعظم قدرا عند ~~الله تعالى من كون الجن سخروا لسليمان عليه السلام فإنهم سخروا له يتصرف ~~فيهم بحكم الملك ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم يأمرهم بما أمر الله ~~به ورسوله لأنه عبد الله ورسوله ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبي ~~الملك. وكفار الجن يدخلون النار بالنص والإجماع وأما مؤمنوهم فجمهور # PageV11P306 # العلماء على أنهم يدخلون الجنة وجمهور العلماء على أن الرسل من الإنس ولم ~~يبعث من الجن رسول. لكن منهم النذر وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود ~~هنا أن ### | الجن مع الإنس على أحوال: # فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده ~~وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من ~~خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل ~~الإنس في أمور مباحة له وهذا كأن ms3551 يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم ~~عليهم ويستعملهم في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك ~~وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله ~~مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله ~~عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم أو في العدوان عليهم بغير ~~القتل كتمريضه # PageV11P307 # وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة ~~فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ثم إن استعان بهم على الكفر فهو ~~كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق وإما مذنب غير فاسق وإن ~~لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات: مثل أن ~~يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي أو أن يحملوه إلى ~~عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله وأن يحملوه من مدينة ~~إلى مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به. وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ~~ذلك من الجن بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات وليس عنده ~~من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية وبين ~~التلبيسات الشيطانية فيمكرون به بحسب اعتقاده فإن كان مشركا يعبد الكواكب ~~والأوثان أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممن ~~صور ذلك الصنم على صورته من ملك أو نبي أو شيخ صالح فيظن أنه صالح وتكون ~~عبادته في الحقيقة للشيطان قال الله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} . # PageV11P308 # ولهذا كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها ~~فيقارنها الشيطان عند سجودهم ليكون سجودهم له؛ ولهذا يتمثل الشيطان بصورة ~~من يستغيث به المشركون. فإن كان ms3552 نصرانيا واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان ~~في صورة جرجس أو من يستغيث به وإن كان منتسبا إلى الإسلام واستغاث بشيخ ~~يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء في صورة ذلك الشيخ وإن كان من مشركي ~~الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك. ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ~~ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به وإن ~~كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم نقل أقوالهم له فيظن أولئك أن الشيخ سمع ~~أصواتهم من البعد وأجابهم وإنما هو بتوسط الشيطان. ولقد أخبر بعض الشيوخ ~~الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة فقال: يرونني الجن شيئا ~~براقا مثل الماء والزجاج ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به قال: فأخبر ~~الناس به ويوصلون إلي كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي ~~إليه. وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها ~~من لم يعرفها وقال إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة كما # PageV11P309 # يدخل النار بحجر الطلق وقشور النارنج ودهن الضفادع وغير ذلك من الحيل ~~الطبيعية فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون نحن والله لا نعرف شيئا من هذه ~~الحيل. فلما ذكر لهم الخبير إنكم لصادقون في ذلك ولكن هذه الأحوال شيطانية ~~أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق وتبين لهم من ~~وجوه أنها من الشيطان ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل ~~البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي لله فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله ~~من العبادات الشرعية فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه؛ لا من ~~كرامات الرحمن لأوليائه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~والمآب وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه وأنصاره ~~وأشياعه وخلفائه صلاة وسلاما نستوجب بهما شفاعته " آمين ". # PageV11P310 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة العارف الرباني المقذوف في قلبه النور ~~القرآني شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي ms3553 الله عنه ~~وأرضاه -: # الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا إله سواه وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه وهداه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين. # قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات # وإن كان اسم " المعجزة " يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة ~~المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها: الآيات - لكن كثيرا من ~~المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما فيجعل " المعجزة " # PageV11P311 # للنبي و " الكرامة " للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة. فنقول: صفات ~~الكمال ترجع إلى " ثلاثة ": العلم والقدرة والغنى. وإن شئت أن تقول: العلم ~~والقدرة. والقدرة إما على الفعل وهو التأثير وإما على الترك وهو الغنى ~~والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده؛ فإنه الذي ~~أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير وهو غني عن العالمين. وقد أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: {قل لا أقول ~~لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي} وكذلك قال نوح عليه السلام. فهذا أول أولي العزم وأول رسول بعثه ~~الله تعالى إلى أهل الأرض. وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم كلاهما يتبرأ ~~من ذلك. وهذا لأنهم يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم تارة بعلم الغيب ~~كقوله: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} و {يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها قل إنما علمها عند ربي} وتارة بالتأثير كقوله: {وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ~~خلالها تفجيرا} {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا} # PageV11P312 # إلى قوله {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} وتارة يعيبون عليه الحاجة ~~البشرية كقوله: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا ~~أنزل ms3554 إليه ملك فيكون معه نذيرا} {أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها} . فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب ولا يملك خزائن الله ولا هو ملك ~~غني عن الأكل والمال إن هو إلا متبع لما أوحي إليه واتباع ما أوحي إليه هو ~~الدين وهو طاعة الله وعبادته علما وعملا بالباطن والظاهر وإنما ينال من تلك ~~الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه إياه ويقدر منه على ما ~~أقدره الله عليه ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة ~~المطردة أو لعادة غالب الناس. فما كان من الخوارق من " باب العلم " فتارة ~~بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره. وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ~~ومناما. وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيا وإلهاما أو إنزال علم ضروري ~~أو فراسة صادقة ويسمى كشفا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات: فالسماع مخاطبات ~~والرؤية مشاهدات والعلم مكاشفة ويسمى ذلك كله " كشفا " و " مكاشفة " أي كشف ~~له عنه. # PageV11P313 # وما كان من " باب القدرة " فهو التأثير وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة ~~وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال مثل هلاك عدوه بغير أثر ~~منه كقوله {من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأثأر لأوليائي كما ~~يثأر الليث الحرب} . ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك. وكذلك ما ~~كان من " باب العلم والكشف ". قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المبشرات: {هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل ~~الصالح أو ترى له} وكما قال: النبي صلى الله عليه وسلم {أنتم شهداء الله في ~~الأرض} . وكل واحد " من الكشف والتأثير " قد يكون قائما به وقد لا يكون ~~قائما به بل يكشف الله حاله ويصنع له من حيث لا يحتسب كما قال يوسف بن ~~أسباط: " ما صدق الله عبد إلا صنع له " وقال: أحمد بن حنبل " لو وضع الصدق ~~على جرح لبرأ " لكن من قام بغيره له من ms3555 الكشف والتأثير فهو سببه أيضا وإن ~~كان خرق عادة في ذلك الغير فمعجزات الأنبياء وأعلامهم ودلائل نبوتهم تدخل ~~في ذلك. # PageV11P314 # وقد جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جميع أنواع " المعجزات والخوارق ~~": أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل أخبار نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عن الأنبياء المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم وغير ~~الأنبياء من الأولياء وغيرهم بما يوافق ما عند أهل الكتاب الذين ورثوه ~~بالتواتر أو بغيره من غير تعلم له منهم وكذلك إخباره عن أمور الربوبية ~~والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم ويعلم ~~أن ذلك موافق لنقول الأنبياء تارة بما في أيديهم من الكتب الظاهرة ونحو ذلك ~~من النقل المتواتر وتارة بما يعلمه الخاصة من علمائهم وفي مثل هذا قد ~~يستشهد أهل الكتاب وهو من حكمة إبقائهم بالجزية وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه. ~~فإخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من " باب العلم الخارق " ~~وكذلك إخباره عن الأمور المستقبلة مثل مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم ~~وقتال الترك وألوف مؤلفة من الأخبار التي أخبر بها مذكور بعضها في " كتب ~~دلائل النبوة " و " سيرة الرسول " و " فضائله " و " كتب التفسير " و " ~~الحديث " و " المغازي " مثل دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي وسيرة ابن ~~إسحاق وكتب الأحاديث المسندة كمسند الإمام أحمد والمدونة كصحيح البخاري ~~وغير ذلك مما # PageV11P315 # هو مذكور أيضا في " كتب أهل الكلام والجدل ": كأعلام النبوة للقاضي عبد ~~الجبار وللماوردي والرد على النصارى للقرطبي ومصنفات كثيرة جدا. وكذلك ما ~~أخبر عنه غيره مما وجد في كتب الأنبياء المتقدمين وهي في وقتنا هذا اثنان ~~وعشرون نبوة بأيدي اليهود والنصارى كالتوراة والإنجيل والزبور وكتاب شعيا ~~وحبقوق ودانيال وأرميا وكذلك إخبار غير الأنبياء من الأحبار والرهبان وكذلك ~~إخبار الجن والهواتف المطلقة وإخبار الكهنة كسطيح وشق وغيرهما وكذلك ~~المنامات وتعبيرها: كمنام كسرى وتعبير الموبذان وكذا إخبار الأنبياء ~~المتقدمين بما مضى وما عبر هو من أعلامهم. وأما " القدرة والتأثير " فإما ~~أن يكون في العالم العلوي أو ما دونه وما ms3556 دونه إما بسيط أو مركب والبسيط ~~إما الجو وإما الأرض؛ والمركب إما حيوان وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ~~ناطق وإما بهيم؛ فالعلوي كانشقاق القمر ورد الشمس ليوشع بن نون وكذلك ردها ~~لما فاتت عليا الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم نائم في حجره - إن صح ~~الحديث - فمن الناس من صححه كالطحاوي والقاضي عياض. ومنهم من جعله موقوفا ~~كأبي الفرج بن الجوزي وهذا أصح. وكذلك معراجه إلى السماوات. # PageV11P316 # وأما " الجو " فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة: كحديث الأعرابي الذي في ~~الصحيحين وغيرهما وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره وكذلك إسراؤه من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وأما " الأرض والماء " فكاهتزاز الجبل ~~تحته وتكثير الماء في عين تبوك وعين الحديبية ونبع الماء من بين أصابعه غير ~~مرة ومزادة المرأة. وأما " المركبات " فتكثيره للطعام غير مرة في قصة ~~الخندق من حديث جابر وحديث أبي طلحة وفي أسفاره وجراب أبي هريرة ونخل جابر ~~بن عبد الله وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه ~~وسقياه لغير واحد من الأرض كعين أبي قتادة. وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ~~ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض التمثيل. وكذلك من باب " القدرة " ~~عصا موسى صلى الله عليه وسلم وفلق البحر والقمل والضفادع والدم وناقة صالح ~~وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى كما أن من باب العلم إخبارهم ~~بما يأكلون # PageV11P317 # وما يدخرون في بيوتهم. وفي الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات ~~النبوية بخصوصها وإنما الغرض التمثيل بها. وأما المعجزات التي لغير ~~الأنبياء من " باب الكشف والعلم " فمثل قول عمر في قصة سارية وإخبار أبي ~~بكر بأن ببطن زوجته أنثى وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلا وقصة ~~صاحب موسى في علمه بحال الغلام. و " القدرة " مثل قصة الذي عنده علم من ~~الكتاب وقصة أهل الكهف وقصة مريم وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي مسلم الخولاني وأشياء يطول شرحها فإن تعداد ~~هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل ms3557 بالشيء الذي سمعه أكثر الناس. وأما ~~القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه. # PageV11P318 # فصل: # الخارق كشفا كان أو تأثيرا إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من ~~الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا إما واجب وإما مستحب وإن حصل به ~~أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا وإن كان على وجه يتضمن ~~ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض كقصة الذي ~~أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعوراء؛ لكن قد يكون صاحبها معذورا ~~لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة. فيكون من ~~جنس برح العابد. و " النهي " قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده ~~فالأول مثل أن يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه. وقد قال تعالى: ~~{ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} ومثل الأعمال المنهي عنها ~~إذا أورثت كشفا أو تأثيرا. والثاني أن يدعو على غيره بما لا يستحقه أو يدعو ~~للظالم بالإعانة ويعينه بهمته: كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال؛ ~~فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة # PageV11P319 # بحيث يعذرون والناقصين نقصا لا يلامون عليه كانوا برحية. وقد بينت في غير ~~هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه وإن كانوا عالمين قادرين كانوا ~~بلعامية فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو لمقصود منهي عنه فإما أن ~~يكون معذورا معفوا عنه كبرح أو يكون متعمدا للكذب كبلعام. فتلخص أن الخارق ~~" ثلاثة أقسام ": محمود في الدين ومذموم في الدين ومباح لا محمود ولا مذموم ~~في الدين؛ فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن فيه منفعة كان ~~كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث. قال أبو علي الجوزجاني: ~~كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة. فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة ~~وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا الذي ذكره ~~أصل ms3558 عظيم كبير في الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب. ~~وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا ~~به من الكرامات وخوارق العادات فأبدا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ~~ويحبون أن يرزقوا شيئا من ذلك. ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في ~~صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر ~~فيعلم أن الله # PageV11P320 # يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا والحكمة فيه أن يزداد بما ~~يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا فيقوى عزمه على هذا الزهد في ~~الدنيا والخروج من دواعي الهوى وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع ~~عن قلبه الحجاب ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات؛ لأن ~~المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق ~~اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينا. فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق ~~العادات لهذا الموضع استغناء به وتقتضي الحكمة كشف ذلك الآخر لموضع حاجته ~~وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادا وأهلية من الأول. فسبيل الصادق مطالبة ~~النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم ~~يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك. وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة. ~~فتعلم هذا؛ لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية. # PageV11P321 # فصل: # كلمات الله تعالى " نوعان ": كلمات كونية وكلمات دينية. فكلماته الكونية ~~هي: التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر} وقال سبحانه: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} وقال تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} والكون ~~كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية التأثيرية. و " النوع ~~الثاني " الكلمات الدينية وهي: القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي: ~~أمره ونهيه وخبره وحظ العبد منها العلم بها والعمل والأمر بما أمر الله به ~~كما أن ms3559 حظ العبد عموما وخصوصا من الأول العلم بالكونيات والتأثير فيها. أي ~~بموجبها. فالأولى قدرية كونية والثانية شرعية دينية وكشف الأولى العلم ~~بالحوادث الكونية وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية وقدرة الأولى ~~التأثير في الكونيات وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات وكما # PageV11P322 # أن الأولى تنقسم إلى تأثير في نفسه كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء ~~وجلوسه على النار وإلى تأثير في غيره بإسقام وإصحاح وإهلاك وإغناء وإفقار ~~فكذلك الثانية تنقسم إلى تأثير في نفسه بطاعته لله ورسوله والتمسك بكتاب ~~الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا وإلى تأثير في غيره بأن يأمر بطاعة الله ~~ورسوله؛ فيطاع في ذلك طاعة شرعية؛ بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة ~~الله ورسوله في الكلمات الدينيات. كما قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها ~~بالكلمات الكونيات. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر ~~المسلم في دينه فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ولم يسخر له شيء من ~~الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في ~~دينه إذا لم يكن وجود ذلك في حقه مأمورا به أمر إيجاب ولا استحباب وأما عدم ~~الدين والعمل به فيصير الإنسان ناقصا مذموما إما أن يجعله مستحقا للعقاب ~~وإما أن يجعله محروما من الثواب وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ~~ينال به العبد رضوان الله وحده وصلاته وثوابه وأما العلم بالكون والتأثير ~~فيه فلا ينال به ذلك إلا إذا كان داخلا في الدين بل قد يجب عليه شكره وقد ~~يناله به إثم. إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة أو ~~بالدين # PageV11P323 # فقط أو بالكون فقط. # فالأول كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} فإن السلطان النصير يجمع ~~الحجة والمنزلة عند الله وهو كلماته الدينية والقدرية والكونية عند الله ~~بكلماته الكونيات ومعجزات الأنبياء عليهم السلام تجمع الأمرين فإنها حجة ~~على النبوة من الله ms3560 وهي قدرية. وأبلغ ذلك القرآن الذي جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنه هو شرع الله وكلماته الدينيات وهو حجة محمد صلى الله عليه ~~وسلم على نبوته ومجيئه من الخوارق للعادات فهو الدعوة وهو الحجة والمعجزة. # وأما القسم الثاني فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبرا وأمرا ويعمل به ~~ويأمر به الناس ويعلم بوقت نزول المطر وتغير السعر وشفاء المريض وقدوم ~~الغائب ولقاء العدو وله تأثير إما في الأناسي وإما في غيرهم بإصحاح وإسقام ~~وإهلاك أو ولادة أو ولاية أو عزل. وجماع التأثير إما جلب منفعة كالمال ~~والرياسة؛ وإما دفع مضرة كالعدو والمرض أو لا واحد منهما مثل ركوب أسد بلا ~~فائدة؛ أو إطفاء نار ونحو ذلك. # وأما الثالث فمن يجتمع له الأمران؛ بأن يؤتى من الكشف # PageV11P324 # والتأثير الكوني ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي. وهو علم الدين والعمل ~~به والأمر به ويؤتى من علم الدين والعمل به ما يستعمل به الكشف والتأثير ~~الكوني؛ بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية أو أن تخرق له ~~العادة في الأمور الدينية؛ بحيث ينال من العلوم الدينية ومن العمل بها ومن ~~الأمر بها ومن طاعة الخلق فيها ما لم ينله غيره في مطرد العادة فهذه أعظم ~~الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر ~~الصديق وعمر وكل المسلمين. فهذا القسم الثالث هو مقتضى {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} إذ الأول هو العبادة والثاني هو الاستعانة وهو حال نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطنا وظاهرا فإن ~~كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة فالحجة ليظهر بها دين الله ~~ليؤمن الكافر ويخلص المنافق ويزداد الذين آمنوا إيمانا فكانت فائدتها اتباع ~~دين الله علما وعملا كالمقصود بالجهاد. والحاجة كجلب منفعة يحتاجون إليها ~~كالطعام والشراب وقت الحاجة إليه أو دفع مضرة عنهم ككسر العدو بالحصى الذي ~~رماهم به فقيل له: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} . وكل من هذين يعود ~~إلى منفعة ms3561 الدين كالأكل والشرب وقتال العدو والصدقة على # PageV11P325 # المسلمين؛ فإن هذا من جملة الدين والأعمال الصالحة. وأما " القسم الأول " ~~وهو المتعلق بالدين فقط فيكون منه ما لا يحتاج إلى الثاني ولا له فيه منفعة ~~كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين وعلمائهم وعبادهم مع أنه ~~لا بد أن يكون لهم حاجة أو انتفاع بشيء من الخوارق وقد يكون منهم من لا ~~يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها فانتفاء الخارق الكوني في حقه إما ~~لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصا ~~وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصا وقد لا يكون نقصا فإن كان لإخلاله ~~بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصا وهو سبب الضرر وإن كان لإخلاله ~~بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس هو نقصا عن رتبة أصحاب ~~اليمين المقتصدين وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسبب بالكونيات التي لا ~~يكون عدمها ناقصا لثواب لم يكن ذلك نقصا مثل من يمرض ولده ويذهب ماله فلا ~~يدعو ليعافى أو يجيء ماله أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه لينتصر عليه. وأما ~~" القسم الثاني " وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني فقد تقدم أنه تارة يكون ~~زيادة في دينه وتارة يكون نقصا وتارة لا له ولا عليه وهذا غالب حال أهل ~~الاستعانة كما أن الأول غالب حال أهل العبادة # PageV11P326 # وهذا الثاني بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبيا فيكون ~~خير أهل الأرض وقد يكون ظالما من شر الناس وقد يكون ملكا عادلا فيكون من ~~أوساط الناس؛ فإن العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب ~~كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه فسلطان الحال والقلب كسلطان ~~الملك واليد إلا أن أسباب هذا باطنة روحانية وأسباب هذا ظاهرة جثمانية. ~~وبهذا تبين لك أن القسم الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم وخير عند الله ~~وعند رسوله وعباده الصالحين المؤمنين العقلاء. وذلك من وجوه: # أحدها أن علم الدين طلبا وخبرا لا ينال إلا من جهة الرسول صلى الله ms3562 عليه ~~وسلم وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل ~~مما شركهم فيه بقية الناس فلا ينال علمه إلا هم وأتباعهم ولا يعلمه إلا هم ~~وأتباعهم. # الثاني أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة ~~وأحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم. # PageV11P327 # وأما " التأثير الكوني " فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر تأثيره في نفسه ~~وفي غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر وكالملوك والجبابرة المسلطين ~~والسلاطين الجبابرة وما كان من العلم مختصا بالصالحين أفضل مما يشترك فيه ~~المصلحون والمفسدون. # الثالث أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره. وأما ~~الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة بل قد يضره كما قال تعالى: {ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} . # الرابع أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو لا يكون فإن لم يكن ~~فيه فائدة؛ كالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع ~~بالجن لغير فائدة والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر؛ فهذا لا ~~منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما ~~يستعظم هذا من لم ينله. وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم ~~الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة فهو يستعظمه ~~من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة ودفع مضرة كالعدو والمرض؛ ~~فهذه المنفعة تنال غالبا بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق ولا يحصل ~~بالخوارق منها إلا القليل ولا تدوم إلا بأسباب أخرى. # PageV11P328 # وأما الآخر أيضا فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين. والدين وحده موجب ~~للآخرة بلا خارق بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من تحصيل الآخرة كحال ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك المال والرياسة التي تحصل لأهل الدين ~~بالخوارق إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق وحدها لا تؤثر في الدنيا إلا أثرا ~~ضعيفا. فإن قيل: مجرد الخوارق إن لم تحصل بنفسها منفعة لا ms3563 في الدين ولا في ~~الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له فهو موجب الرياسة والسلطان ثم يتوسط ذلك ~~فتجتلب المنافع الدينية والدنيوية وتدفع المضار الدينية والدنيوية. قلت: ~~نحن لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارق في نفسه من غير فعل الناس. وأما ~~إن تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول أولا: الدين الصحيح أوجب ~~لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو الواقع فإنه لا نسبة ~~لطاعة من أطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره إذ طاعة الأول أعم وأكثر ~~والمطيع بها خيار بني آدم عقلا ودينا وأما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ولا ~~يدخل فيها إلا جهال الناس كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ونحوهم وأهل ~~البوادي والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين. # PageV11P329 # ثم نقول ثانيا: لو كان الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب ~~الدين لكان غايته أن يكون ملكا من الملوك بل ملكه إن لم يقرنه بالدين فهو ~~كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التي ينالها ~~الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من الرياسة بالخارق المجرد فإن هذه ~~أكثر ما يكون مدة قريبة. # الخامس أن الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا ~~والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير. وأما الكشف أو التأثير فإن ~~لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة أما في الآخرة فلعدم ~~الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات وأما في الدنيا فإن الخوارق هي ~~من الأمور الخطرة التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم ~~والأهل والمال فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ~~ودينه وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه. وإن سلك طريق الوله والاختلاط ~~بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها - كما يفعله ~~مولهو الأحمدية - فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته وأشقى نفسه شقاء لا ~~مزيد عليه وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله ms3564 ~~من المحرمات وكذلك إن قصد تسخير الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام ~~والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم # PageV11P330 # ومحاربتهم بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ~~ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين - فهذا القدر إذا ~~فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله دينا يتقرب به إلى الله كان كأنه ~~قهرمان للناس يحفظ أموالهم أو طبيب أو صيدلي يعالج أمراضهم أو أعوان سلطان ~~يقاتلون عنه إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء. ومعلوم أن من سلك هذا المسلك ~~على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك أقواما ولا يعدل بينهم وربما أعان ~~الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرهم. وهذا يوجب له عداوة ~~الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا ~~إذا أمر الله به ورسوله؛ لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة ~~فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى. # السادس أن للدين علما وعملا إذا صح فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج ~~إلى ذلك صاحبه. قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب} وقال تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} وقال تعالى: ~~{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما} وقال تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا # PageV11P331 # وكانوا يتقون} {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} . وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ ~~قوله تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} } رواه الترمذي وحسنه من رواية أبي ~~سعيد. وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم {من عادى ~~لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ms3565 سمعه الذي يسمع ~~به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع ~~وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته ولا بد له منه} فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه وفيه أن محبوبه ~~به يعلم سمعا وبصرا وبه يعمل بطشا وسعيا وفيه أنه يجيبه إلى ما يطلبه منه ~~من المنافع ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار. وهذا باب واسع. وأما الخوارق ~~فقد تكون مع الدين وقد تكون مع عدمه أو فساده أو نقصه. # PageV11P332 # السابع أن الدين هو إقامة حق العبودية وهو فعل ما عليك وما أمرت به وأما ~~الخوارق فهي من حق الربوبية إذا لم يؤمر العبد بها وإن كانت بسعي من العبد ~~فإن الله هو الذي يخلقها بما ينصبه من الأسباب والعبد ينبغي له أن يهتم بما ~~عليه وما أمر به وأما اهتمامه بما يفعله الله إذا لم يؤمر بالاهتمام به فهو ~~إما فضول فتكون لما فيها من المنافع كالمنافع السلطانية المالية التي ~~يستعان بها على الدين كتكثير الطعام والشراب وطاعة الناس إذا رأوها. ولما ~~فيها من دفع المضار عن الدين بمنزلة الجهاد الذي فيه دفع العدو وغلبته. ثم ~~هل الدين محتاج إليها في الأصل ولأن الإيمان بالنبوة لا يتم إلا بالخارق أو ~~ليس بمحتاج في الخاصة بل في حق العامة؟ هذا نتكلم عليه. وأنفع الخوارق ~~الخارق الديني وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه ~~وسلم {ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة} ~~أخرجاه في الصحيحين. وكانت آيته هي دعوته وحجته بخلاف غيره من الأنبياء. ~~ولهذا نجد كثيرا من المنحرفين منا إلى العيسوية يفرون من القرآن والقال إلى ~~الحال كما أن المنحرفين منا إلى ms3566 الموسوية يفرون من الإيمان والحال إلى # PageV11P333 # القال ونبينا صلى الله عليه وسلم صاحب القال والحال وصاحب القرآن ~~والإيمان. ثم بعده الخارق المؤيد للدين المعين له لأن الخارق في مرتبة ~~(إياك نستعين والدين في مرتبة ( {إياك نعبد} . فأما الخارق الذي لم يعن ~~الدين فأما متاع دنيا أو مبعد صاحبه عن الله تعالى. فظهر بذلك أن الخوارق ~~النافعة تابعة للدين حادثة له كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين ~~وكذلك المال النافع كما كان السلطان والمال بيد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فمن جعلها هي المقصودة وجعل الدين تابعا لها ~~ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل فهو يشبه بمن يأكل الدنيا بالدين ~~وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة فإن ذلك مأمور به وهو ~~على سبيل نجاة وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع ~~وارتقى عن أن يكون دينه خوفا من النار أو طلبا للجنة يجعل همه بدينه أدنى ~~خارق من خوارق الدنيا ولعله يجتهد اجتهادا عظيما في مثله وهذا خطأ؛ ولكن ~~منهم من يكون قصده بهذا تثبيت قلبه وطمأنينته وإيقانه بصحة طريقه وسلوكه ~~فهو يطلب الآية علامة وبرهانا على صحة دينه كما # PageV11P334 # تطلب الأمم من الأنبياء الآيات دلالة على صدقهم فهذا أعذر لهم في ذلك. ~~ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم به عن ~~الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم صار كل من كان عنهم أبعد مع ~~صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه وعمله. فيظهر مع الأفراد في ~~أوقات الفترات وأماكن الفترات من الخوارق ما لا يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ~~ظهور النبوة والدعوة. # فصل: # العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة: حسية وعقلية وكشفية وسمعية ضرورية ~~ونظرية وغير ذلك وينقسم إلى قطعي وظني وغير ذلك وسنتكلم إن شاء الله تعالى ~~على ما يتبع منها وما لا يتبع في الأحكام الشرعية أعني الأحكام الشرعية على ~~العلم ms3567 بالكائنات من طريق الكشف يقظة ومناما كما كتبته في الجهاد. أما العلم ~~بالدين وكشفه فالدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية وأمور # PageV11P335 # طلبية عملية. فالأول كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويدخل في ذلك أخبار الأنبياء وأممهم ومراتبهم في الفضائل وأحوال الملائكة ~~وصفاتهم وأعمالهم ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار وما في الأعمال من الثواب ~~والعقاب وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم ومراتبهم وغير ذلك. وقد يسمى ~~هذا النوع أصول دين. ويسمى العقد الأكبر ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاما. ~~ويسمى عقائد واعتقادات ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية ويسمى علم ~~المكاشفة. (والثاني الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارح والقلب ~~كالواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات فإن الأمر والنهي قد ~~يكون بالعلم والاعتقاد فهو من جهة كونه علما واعتقادا أو خبرا صادقا أو ~~كاذبا يدخل في القسم الأول ومن جهة كونه مأمورا به أو منهيا عنه يدخل في ~~القسم الثاني مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذه ~~الشهادة من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول ومن جهة ~~أنها فرض واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمنا يستحق الثواب وبعدمها يصير كافرا ~~يحل دمه وماله فهي من القسم الثاني. # PageV11P336 # وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة إلى القسمين كاتفاقهم على أن ~~القرآن دليل فيهما في الجملة وقد يتنازعون في بعض الطرق كتنازعهم في أن ~~الأحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر هل تعلم بالعقل كما تعلم ~~بالسمع أم لا تعلم إلا بالسمع؟ وأن السمع هل هو منشأ الأحكام أو مظهر لها ~~كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها؟ وكذلك الاستدلال بالكتاب والسنة ~~والإجماع على المسائل الكبار في القسم الأول مثل مسائل الصفات والقدر ~~وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف وأبى ذلك كثير ~~من أهل البدع المتكلمين بما عندهم على أن السمع لا تثبت به تلك المسائل ~~فإثباتها بالعقل (1) حتى يزعم كثير من القدرية والمعتزلة أنه لا يصح ~~الاستدلال بالقرآن على حكمة الله وعدله وأنه خالق كل شيء ms3568 وقادر على كل شيء ~~وتزعم الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الأشعرية وغيرهم أنه لا يصح ~~الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته وأنه مستو على العرش. ويزعم ~~قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل ~~القطعية مطلقا؛ بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا. ~~ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على ~~مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين. PageV11P337 # ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالإجماع على شيء ومنهم من ~~يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لأنه ظني. وأنواع من هذه ~~المقالات التي ليس هذا موضعها. فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من ~~دليل أو مشاهدة باطنة أو ظاهرة عام أو خاص فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعا ~~كثيرا. وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحد بغير ~~الطريق التي يعرفها حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك. ~~وكذلك الأمور الكشفية التي للأولياء من أهل الكلام من ينكرها ومن أصحابنا ~~من يغلو فيها وخيار الأمور أوساطها. فالطريق العقلية والنقلية والكشفية ~~والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها ~~الناس نفيا وإثباتا فمن الناس من ينكر منها ما لا يعرفه ومن الناس من يغلو ~~فيما يعرفه فيرفعه فوق قدره وينفي ما سواه. فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم ~~الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض وهم أكثر خلق الله تناقضا واختلافا ~~وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيا. # PageV11P338 # وطائفة ممن تدعي السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة وحكايات ~~مصنوعة يعلم أنها كذب وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي وكثير من ~~المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفا وهي خيالات ~~غير مطابقة وأوهام غير صادقة {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} # فنقول: أما طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم عليها في أصول الفقه فهي - ~~بإجماع المسلمين - " الكتاب " لم ms3569 يختلف أحد من الأئمة في ذلك كما خالف بعض ~~أهل الضلال في الاستدلال على بعض المسائل الاعتقادية. والثاني: " السنة ~~المتواترة " التي لا تخالف ظاهر القرآن؛ بل تفسره مثل أعداد الصلاة وأعداد ~~ركعاتها ونصب الزكاة وفرائضها وصفة الحج والعمرة وغير ذلك من الأحكام التي ~~لم تعلم إلا بتفسير السنة. وأما السنة المتواترة التي لا تفسر ظاهر القرآن ~~أو يقال تخالف ظاهره كالسنة في تقدير نصاب السرقة ورجم الزاني وغير ذلك ~~فمذهب جميع السلف العمل بها أيضا إلا الخوارج؛ فإن من قولهم - أو قول بعضهم ~~- مخالفة السنة حيث قال أولهم للنبي صلى الله عليه وسلم في وجهه: إن هذه ~~القسمة ما أريد بها وجه الله. ويحكى عنهم أنهم لا يتبعونه صلى الله عليه ~~وسلم إلا فيما بلغه عن الله من # PageV11P339 # القرآن والسنة المفسرة له وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون ~~إلا بظاهره ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأولهم: {لقد خبت وخسرت إن لم أعدل} فإذا ~~جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال وهو ~~معتقد أنه أمين الله على وحيه فقد اتبع ظالما كاذبا وجوز أن يخون ويظلم ~~فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر ~~السماء؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {أيأمنني من في السماء ولا ~~تأمنوني؟} أو كما قال. يقول صلى الله عليه وسلم إن أداء الأمانة في الوحي ~~أعظم والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحي بحكمه وقسمه. وقد ينكر هؤلاء ~~كثيرا من السنن طعنا في العقل لا ردا للمنقول كما ينكر كثير من أهل البدع ~~السنن المتواترة عند أهل العلم كالشفاعة والحوض والصراط والقدر وغير ذلك. # الطريق الثالث: " السنن المتواترة " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما ~~متلقاة بالقبول بين أهل العلم بها؛ أو برواية الثقات لها. وهذه أيضا مما ~~اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف ms3570 وأكثر أهل العلم ~~وقد أنكرها بعض أهل الكلام. وأنكر كثير منهم أن يحصل العلم بشيء منها وإنما ~~يوجب العلم فلم # PageV11P340 # يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره وكثير من أهل الرأي قد ينكر كثيرا منها ~~بشروط اشترطها ومعارضات دفعها بها ووضعها كما يرد بعضهم بعضا لأنه بخلاف ~~ظاهر القرآن فيما زعم أو لأنه خلاف الأصول أو قياس الأصول أو لأن عمل ~~متأخري أهل المدينة على خلافه أو غير ذلك من المسائل المعروفة في كتب الفقه ~~والحديث وأصول الفقه. # الطريق الرابع: الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وأنكره بعض أهل البدع من ~~المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك ~~فتعذر العلم به غالبا ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات ~~الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي ~~الصحابة والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم والإجماع ~~السكوتي وغير ذلك. # الطريق الخامس: " القياس على النص والإجماع ". وهو حجة أيضا عند جماهير ~~الفقهاء لكن كثيرا من أهل الرأي أسرف فيه حتى استعمله قبل البحث عن النص ~~وحتى رد به النصوص وحتى استعمل منه الفاسد ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل ~~القياس من ينكره رأسا وهي مسألة كبيرة والحق فيها متوسط بين الإسراف ~~والنقص. # PageV11P341 # الطريق السادس: " الاستصحاب " وهو البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته ~~وانتفاؤه بالشرع وهو حجة على عدم الاعتقاد بالاتفاق وهل هو حجة في اعتقاد ~~العدم؟ فيه خلاف ومما يشبهه الاستدلال بعدم الدليل السمعي على عدم الحكم ~~الشرعي مثل أن يقال: لو كانت الأضحية أو الوتر واجبا لنصب الشرع عليه دليلا ~~شرعيا إذ وجوب هذا لا يعلم بدون الشرع ولا دليل فلا وجوب. فالأول يبقى على ~~نفي الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير له وهذا استدلال بعدم ~~الدليل السمعي المثبت على عدم الحكم إذ يلزم من ثبوت مثل هذا الحكم ثبوت ~~دليله السمعي؛ كما يستدل بعدم النقل ms3571 لما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وما ~~توجب الشريعة نقله وما يعلم من دين أهلها وعادتهم أنهم ينقلونه على أنه لم ~~يكن؛ كالاستدلال بذلك على عدم زيادة في القرآن وفي الشريعة الظاهرة وعدم ~~النص الجلي بالإمامة على علي أو العباس أو غيرهما؛ ويعلم الخاصة من أهل ~~العلم بالسنن والآثار وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه انتفاء أمور ~~من هذا لا يعلم انتفاءها غيرهم؛ ولعلمهم بما ينفيها من أمور منقولة ~~يعلمونها هم؛ ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها فإن وجود أحد الضدين ينفي الآخر ~~وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. (الطريق السابع - " المصالح ~~المرسلة " وهو أن يرى المجتهد أن هذا # PageV11P342 # الفعل يجلب منفعة راجحة؛ وليس في الشرع ما ينفيه؛ فهذه الطريق فيها خلاف ~~مشهور فالفقهاء يسمونها " المصالح المرسلة " ومنهم من يسميها الرأي وبعضهم ~~يقرب إليها الاستحسان وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم؛ فإن ~~حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ~~ثمرته وهذه مصلحة لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال ~~والأعراض والعقول والأديان. وليس كذلك بل المصالح المرسلة في جلب المنافع ~~وفي دفع المضار وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد ~~القسمين. وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين ففي الدنيا كالمعاملات ~~والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي وفي الدين ككثير من ~~المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير ~~منع شرعي. فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك ~~الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر. وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من ~~جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا ~~مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ~~ولم يعلموه # PageV11P343 # وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص وكثير منهم من أهمل ~~مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ~~ومستحبات أو وقع في ms3572 محظورات ومكروهات وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه. ~~وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح بل قد دل الكتاب والسنة ~~والإجماع على اعتبارها وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا ~~قياسا. # والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله غالبا. وهي ~~تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك. فإن ~~الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج وهو رؤية الشيء حسنا كما أن ~~الاستقباح رؤيته قبيحا والحسن هو المصلحة فالاستحسان والاستصلاح متقاربان ~~والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن لكن بين هذه فروق. والقول الجامع ~~أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ~~فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك لكن ما ~~اعتقده العقل مصلحة وإن كان # PageV11P344 # الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له إما أن الشرع دل عليه من حيث لم ~~يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة؛ لأن المصلحة هي ~~المنفعة الحاصلة أو الغالبة وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين ~~والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر: ~~{قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . وكثير مما ~~ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل ~~الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم يكن كذلك بل ~~كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين ~~والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات ~~مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة لهم {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. فإذا كان ~~الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا ~~الباب. ms3573 وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. فإن باب ~~جحود الحق ومعاندته غير باب جهله والعمى عنه والكفار فيهم هذا وفيهم هذا ~~وكذلك في أهل الأهواء من المسلمين القسمان. فإن الناس كما أنهم في باب ~~الفتوى والحديث # PageV11P345 # يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى فكذلك هم في أحوال الديانات وكذلك في ~~الأفعال قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم وقد يعتقدون أنه ليس بظلم هو ظلم فإن ~~الإنسان كما قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} فتارة ~~يجهل وتارة يظلم: ذلك في قوة علمه وهذا في قوة عمله. واعلم أن هذا الباب ~~مشترك بين أهل العلم والقول وبين أهل الإرادة والعمل فذلك يقول هذا جائز أو ~~حسن بناء على ما رآه وهذا يفعله من غير اعتقاد تحريمه أو اعتقاد أنه خير له ~~كما يجد نفعا في مثل السماع المحدث: سماع المكاء والتصدية واليراع التي ~~يقال لها الشبابة والصفارة والأوتار وغير ذلك وهذا يفعله لما يجده من لذته ~~وقد يفعله لما يجده من منفعة دينه بزيادة أحواله الدينية كما يفعل مع ~~القرآن. وهذا يقول هذا جائز لما يرى من تلك المصلحة والمنفعة وهو نظير ~~المقالات المبتدعة. وهذا يقول هو حق لدلالة القياس العقلي عليه. وهذا يقول ~~يجوز ويجب اعتقادها وإدخالها في الدين إذا كانت كذلك وكذلك سياسات ولاة ~~الأمور من الولاة والقضاة وغير ذلك. واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن ~~نفسه أنه قد يميز بعقله بين الحق والباطل والصدق والكذب وبين النافع والضار # PageV11P346 # والمصلحة والمفسدة. ولا يمكن المؤمن أن يدفع عن إيمانه أن الشريعة جاءت ~~بما هو الحق والصدق في المعتقدات وجاءت بما هو النافع والمصلحة في الأعمال ~~التي تدخل فيها الاعتقادات ولهذا لم يختلف الناس أن الحسن أو القبيح إذا ~~فسر بالنافع والضار والملائم للإنسان والمنافي له واللذيذ والأليم - فإنه ~~قد يعلم بالعقل هذا في الأفعال. وكذلك إذا فسر حسنه بأنه موجود أو كمال ~~الموجود يوصف بالحسن ومنه قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى} وقوله {الذي ~~أحسن كل ms3574 شيء خلقه} كما نعلم أن الحي أكمل من الميت في وجوده وأن العالم ~~أكمل من الجاهل وأن الصادق أكمل من الكاذب - فهذا أيضا قد يعلم بالعقل. ~~وإنما اختلفوا في أن العقل هل يعتبر المنفعة والمضرة. وأنه هل " باب ~~التحسين " واحد في الخالق والمخلوق؟ فأما الوجهان الأولان فثابتان في ~~أنفسهما ومنهما ما يعلم بالعقل: الأول في الحق المقصود والثاني في الحق ~~الموجود. (الأول متعلق بحب القلب وبغضه وإرادته وكراهته وخطابه بالأمر ~~والنهي. و (الثاني متعلق بتصديقه وتكذيبه وإثباته ونفيه وخطابه الخبري ~~المشتمل على النفي والإثبات والحق والباطل يتناول النوعين فإن الحق يكون ~~بمعنى الموجود الثابت والباطل بمعنى المعدوم المنتفي والحق بإزاء ما ينبغي ~~قصده وطلبه وعمله وهو النافع. والباطل بإزاء ما لا ينبغي قصده ولا طلبه ولا ~~عمل # PageV11P347 # وهو غير النافع. والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التي هي ~~حصول اللذة ودفع الألم هو حصول المطلوب وزوال المرهوب. حصول النعيم وزوال ~~العذاب. وحصول الخير وزوال الشر. ثم الموجود والنافع قد يكون ثابتا دائما ~~وقد يكون منقطعا لا سيما إذا كان زمنا يسيرا فيستعمل الباطل كثيرا بإزاء ما ~~لا يبقى من المنفعة وبإزاء ما لا يدوم من الوجود. كما يقال الموت حق ~~والحياة باطل وحقيقته أنه يستعمل بإزاء ما ليس من المنافع خالصا أو راجحا ~~كما تقدم القول فيه فيما يزهد فيه وهو ما ليس بنافع. والمنفعة المطلقة هي ~~الخالصة أو الراجحة. وأما ما يفوت أرجح منها أو يعقب ضررا ليس هو دونها ~~فإنها باطل في الاعتبار والمضرة أحق باسم الباطل من المنفعة. وأما ما يظن ~~فيه منفعة وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال. فهذه ~~الأمور التي يشرع الزهد فيها وتركها وهي باطل؛ ولذلك ما نهى الله عنه ~~ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملا على منفعة خالصة أو راجحة. ولهذا صارت ~~أعمال الكفار والمنافقين باطلة لقوله {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان ~~عليه ms3575 تراب} الآية. أخبر أن صدقة المرائي والمنان باطلة لم يبق فيها منفعة ~~له. وكذلك قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم} وكذلك الإحباط في # PageV11P348 # مثل قوله {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ولهذا تسميه الفقهاء العقود. ~~" والعبادات " بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده ولم يترتب ~~عليه أثره فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه. ومن هذا قوله {والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء} الآية وقوله {مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} وقوله ~~{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ولذلك وصف الاعتقادات ~~والمقالات بأنها باطلة ليست مطابقة ولا حقا كما أن الأعمال ليست نافعة. # وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة إن لم ~~يكن فيها منفعة كقوله صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ~~ينفع} فيعود الحق فيما يتعلق بالإنسان إلى ما ينفعه من علم وقول وعمل وحال ~~قال الله تعالى {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} - إلى قوله - ~~{كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم} {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على ~~محمد} - إلى قوله - {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} . # PageV11P349 # وإذا كان كذلك وقد علم أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل حابط لا ~~ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لأن ما ~~لم يرد به وجهه إما ألا ينفع بحال وإما أن ينفع في الدنيا أو في الآخرة ~~فالأول ظاهر وكذلك منفعته في الآخرة بعد الموت فإنه قد ثبت بنصوص المرسلين ~~أنه بعد الموت لا ينفع الإنسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله. وأما في ~~الدنيا فقد يحصل له لذات ms3576 وسرور وقد يجزى بأعماله في الدنيا لكن تلك اللذات ~~إذا كانت تعقب ضررا أعظم منها وتفوت أنفع منها وأبقى فهي باطلة أيضا فثبت ~~أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل وإن كان فيه لذة ما. وأما الكائنات ~~فقد كانت معدومة منتفية فثبت أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: " ألا كل ~~شيء ما خلا الله باطل " وكما قال صلى الله عليه وسلم {أصدق كلمة قالها شاعر ~~قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل} وإنها تجمع الحق الموجود والحق ~~المقصود وكل موجود بدون الله باطل وكل مقصود بدون قصد الله فهو باطل وعلى ~~هذين فقد فسر قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} إلا ما أريد به وجهه وكل شيء ~~معدوم إلا من جهته. هذا على قول وأما القول الآخر وهو المأثور عن طائفة من ~~السلف وبه فسره الإمام أحمد رحمه # PageV11P350 # الله تعالى في رده على الجهمية والزنادقة قال أحمد: وأما قوله {كل شيء ~~هالك إلا وجهه} وذلك أن الله أنزل {كل من عليها فان} فقالت الملائكة: هلك ~~أهل الأرض وطمعوا في البقاء فأنزل الله تعالى أنه يخبر عن أهل السموات ~~والأرض أنكم تموتون فقال: {كل شيء} من الحيوان {هالك} - يعني ميتا - {إلا ~~وجهه} فإنه حي لا يموت فلما ذكر ذلك أيقنوا عند ذلك بالموت " ذكر ذلك في ~~رده على الجهمية قولهم إن الجنة والنار تفنيان. وقد تبين مما ذكرناه أن ~~الحسن هو الحق والصدق والنافع والمصلحة والحكمة والصواب. وأن الشيء القبيح ~~هو الباطل والكذب والضار والمفسدة والسفه والخطأ. وأما مواضع الاشتباه ~~والنزاع واختلاف الخلائق فموضع واحد وذلك أن فعل الله كله حسن جميل قال ~~الله عز وجل: {الذي أحسن كل شيء خلقه} وقال تعالى {صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء} وقال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله ~~جميل يحب الجمال} وهو حكم عدل قال الله تعالى {شهد الله أنه ms3577 لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو # PageV11P351 # العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وقال تعالى {إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} وقال تعالى: {وهو الحكيم الخبير} . ~~وهذا كله متفق عليه بين الأمة مجملا غير مفسر فإذا فسر تنازعوا فيه. وذلك ~~أن هذه الأعمال الفاسدة والآلام وهذا الشر الوجودي المتعلق بالحيوان وأنه ~~لا يخلو عن أن يكون عملا من الأعمال أو أن يكون ألما من الآلام الواقعة ~~بالحيوان وذلك العمل القبيح والألم شره من ضرره وهذا العمل والتألم: ~~المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة تزعم أن الأعمال ليست من خلقه ولا كونها ~~شيئا وأن الآلام لا يجوز أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق أو تعوض بنفع ~~لاحق وكثير من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون بل الجميع خلقه ~~وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا فرق بين خلق المضار والمنافع والخير ~~والشر بالنسبة إليه. ويقول هؤلاء: إنه لا يتصور أن يفعل ظلما ولا سفها أصلا ~~بل لو فرض أنه فعل أي شيء كان فعله حكمة وعدلا وحسنا إذ لا قبيح إلا ما نهى ~~عنه وهو لم ينهه أحد ويسوون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم وعقوبة المحسن ورفع ~~درجات الكفار والمنافقين. والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد ~~ولا يتضرر بمعصيتهم # PageV11P352 # لكن الأولون يقولون: الإحسان إلى الغير حسن لذاته وإن لم يعد إلى المحسن ~~منه فائدة. والآخرون يقولون: ما حسن منا حسن منه وما قبح منا قبح منه ~~والآخرون مع جمهور الخلائق ينكرون والأولون يقولون: إذا أمر بالشيء فقد ~~أراده منا. لا يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو يضر كنحو ما يأمر الواحد ~~منا غيره بشيء فإنه لابد أن يريده منه ويعينه عليه وقد أقدر الكفار بغاية ~~القدرة ولم يبق يقدر على أن يجعلهم يؤمنون اختيارا وإنما كفرهم وفسوقهم ~~وعصيانهم بدون مشيئته واختياره. وآخرون يقولون: الأمر ليس بمستلزم الإرادة ~~أصلا وقد بينت التوسط بين هذين في غير هذا الموضع وكذلك أمره. والأولون ~~يقولون ms3578 لا يأمر إلا بما فيه مصلحة العباد والآخرون يقولون أمره لا يتوقف ~~على المصلحة. وهنا مقدمات تكشف هذه المشكلات. # إحداها أنه ليس ما حسن منه حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا فإن ~~المعتزلة شبهت الله بخلقه وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة ويقبح ~~لجلبه المضرة ويحسن لأنا أمرنا به ويقبح لأنا نهينا عنه وهذان الوجهان ~~منتفيان في حق الله تعالى قطعا ولو كان # PageV11P353 # الفعل يحسن باعتبار آخر كما قال بعض الشيوخ: # ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا # المقدمة الثانية أن الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا وقد يدرك بعض ~~ذلك بالعقل وإن فسر ذلك بالنافع والضار والمكمل والمنقص فإن أحكام الشارع ~~فيما يأمر به وينهى عنه تارة تكون كاشفة للصفات الفعلية ومؤكدة لها وتارة ~~تكون مبينة للفعل صفات لم تكن له قبل ذلك وأن الفعل تارة يكون حسنه من جهة ~~نفسه وتارة من جهة الأمر به وتارة من الجهتين جميعا. ومن أنكر أن يكون ~~للفعل صفات ذاتية لم يحسن إلا لتعلق الأمر به وأن الأحكام بمجرد نسبة ~~الخطاب إلى الفعل فقط فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد ~~والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها وأنكر ~~خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها. # المقدمة الثالثة أن الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير. ومن جعل شيئا ~~من الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته فقد ألحد في أسمائه وآياته بخلاف ما ~~عليه القدرية. # المقدمة الرابعة أن الله إذا أمر العبد بشيء فقد أراده منه # PageV11P354 # إرادة شرعية دينية وإن لم يرده منه إرادة قدرية كونية فإثبات إرادته في ~~الأمر مطلقا خطأ ونفيها عن الأمر مطلقا خطأ وإنما الصواب التفصيل كما جاء ~~في التنزيل {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} {يريد الله أن يخفف ~~عنكم} {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقال {فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ms3579 يجعل صدره ضيقا حرجا} وقال {أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد} وأمثال ذلك كثير. # المقدمة الخامسة: أن محبته ورضاه مستلزم للإرادة الدينية والأمر الديني ~~وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الإرادة الدينية فالمحبة والرضا والغضب ~~والسخط ليس هو مجرد الإرادة. هذا قول جمهور أهل السنة. ومن قال إن هذه ~~الأمور بمعنى الإرادة كما يقوله كثير من القدرية وكثير من أهل الإثبات فإنه ~~يستلزم أحد الأمرين: إما أن الكفر والفسوق والمعاصي مما يكرهها دينا فقد ~~كره كونها وإنها واقعة بدون مشيئته وإرادته. وهذا قول القدرية أو يقول إنه ~~لما كان مريدا لها شاءها فهو محب لها راض بها كما تقوله طائفة من أهل ~~الإثبات وكلا القولين فيه ما فيه فإن الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين ~~وقد رضي عن المؤمنين ويحب ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وليس هذا # PageV11P355 # المعنى ثابتا في الكفار والفجار والظالمين ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب ~~كل مختال فخور ومع هذا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأحسن ما يعتذر ~~به من قال هذا القول من أهل الإثبات: أن المحبة بمعنى الإرادة أنه أحبها ~~كما أرادها كونا. فكذلك أحبها ورضيها كونا. وهذا فيه نظر مذكور في غير هذا ~~الموضع. (فإن قيل تقسيم الإرادة لا يعرف في حقنا بل إن الأمر منه بالشيء. ~~إما أن يريده أو لا يريده وأما الفرق بين الإرادة والمحبة فقد يعرف في حقنا ~~(فيقال وهذا هو الواجب فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وليس أمره لنا كأمر ~~الواحد منا لعبده وخدمه وذلك أن الواحد منا إذا أمر عبده فإما أن يأمره ~~لحاجته إليه أو إلى المأمور به أو لحاجته إلى الأمر فقط فالأول كأمر ~~السلطان جنده بما فيه حفظ ملكه ومنافعهم له فإن هداية الخلق وإرشادهم ~~بالأمر والنهي هي من باب الإحسان إليهم والمحسن من العباد يحتاج إلى إحسانه ~~قال الله تعالى {إن أحسنتم أحسنتم ms3580 لأنفسكم وإن أسأتم فلها} وقال {من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} . والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى ~~خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم وإنما أمرهم إحسانا منه ونعمة أنعم بها # PageV11P356 # عليهم فأمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم. وإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب من أعظم نعمه على خلقه كما قال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقال ~~تعالى {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} وقال {يا ~~أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين} {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} فمن أنعم الله عليه مع ~~الأمر بالامتثال فقد تمت النعمة في حقه كما قال {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي} وهؤلاء هم المؤمنون. ومن لم ينعم عليه بالامتثال بل ~~خذله حتى كفر وعصى فقد شقي لما بدل نعمة الله كفرا كما قال {ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} والأمر والنهي ~~الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم يضر ذلك عدم انتفاع بعض الناس بهما ~~من الكفار كإنزال المطر وإنبات الرزق هو نعمة عامة وإن تضرر بها بعض الناس ~~لحكمة أخرى كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات وأعيانها وأفعالها لا يوجب ~~أن يحب كل شيء. منها فإذا أمر العبد بأمر فذاك إرشاد ودلالة فإن فعل ~~المأمور به صار محبوبا لله وإلا لم يكن محبوبا له وإن كان مرادا له وإرادته ~~له تكوينا لمعنى آخر. فالتكوين غير التشريع. (فإن قيل المحبة والرضا ~~يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب # PageV11P357 # والمحبوب ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحا ولذة وسرورا وكذلك البغض لا يكون ~~إلا عن منافرة بين المبغض والمبغض وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضا ~~ونحو ذلك والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا ~~يحبه وما لا يضره كيف يبغضه؟ والله غني لا تجوز عليه الحاجة إذ لو جازت ~~عليه الحاجة للزم حدوثه وإمكانه وهو غني عن العالمين وقد قال تعالى - أي ms3581 في ~~الحديث القدسي - {يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني} فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر. فيقال ~~الجواب من وجهين: # أحدهما الإلزام وهو أن نقول: الإرادة لا تكون إلا للمناسبة بين المريد ~~والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ~~ينتفع به ولا يريده ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار لا يكون إلا لنفرة ~~وبغض وإلا فما لم يتألم به الحي أصلا لا يكرهه ولا يدفعه. وكذلك نفس نفع ~~الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة فإن الواحد منا إنما يحسن إلى ~~غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة وإنما يضر غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة فإذا ~~كان الذي يثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم ~~يكن إثبات إحداهما ونفي الأخرى أولى من العكس ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته ~~من الإرادة # PageV11P358 # وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق وحينئذ فالواجب إما ~~نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم ~~وأن ذلك يستلزم الإرادة وأما إثبات الجميع كما جاءت به النصوص وحينئذ فمن ~~توهم أنه يلزم من ذلك محذور فأحد الأمرين لازم: إما أن ذلك المحذور لا يلزم ~~أو أنه إن لزم فليس بمحذور. # الجواب الثاني أن الذي يعلم قطعا هو أن الله قديم واجب الوجود كامل وأنه ~~لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص لكن كون هذه الأمور التي جاءت ~~بها النصوص مستلزمة للحدوث والإمكان أو النقص هو موضع النظر فإن الله غني ~~واجب بنفسه وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا حاجته. ~~وإن قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله مفتقر إلى ~~ذاته ومعلوم أنه غني بنفسه وأنه واجب الوجود بنفسه وأنه موجود بنفسه فتوهم ~~حاجة نفسه إلى نفسه إن عنى به أن ذاته لا تقوم إلا بذاته فهذا حق فإن الله ~~غني ms3582 عن العالمين وعن خلقه وهو غني بنفسه. وأما إطلاق القول بأنه غني عن ~~نفسه فهو باطل فإنه محتاج إلى نفسه وفي إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد ولا ~~خالق إلا الله تعالى فإذا كان سبحانه عليما يحب العلم عفوا يحب العفو جميلا ~~يحب # PageV11P359 # الجمال نظيفا يحب النظافة طيبا يحب الطيب وهو يحب المحسنين والمتقين ~~والمقسطين وهو سبحانه الجامع لجميع الصفات المحبوبة؛ والأسماء الحسنى ~~والصفات العلى وهو يحب نفسه ويثني بنفسه على نفسه والخلق لا يحصون ثناء ~~عليه بل هو كما أثنى على نفسه. فالعبد المؤمن يحب نفسه ويحب في الله من أحب ~~الله وأحبه الله؛ فالله سبحانه أولى بأن يحب نفسه ويحب في نفسه عباده ~~المؤمنين ويبغض الكافرين ويرضى عن هؤلاء ويفرح بهم ويفرح بتوبة عبده التائب ~~من أولئك ويمقت الكفار ويبغضهم ويحب حمد نفسه والثناء عليه كما {قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم للأسود بن سريع لما قال: إنني حمدت ربي بمحامد فقال إن ~~ربك يحب الحمد} وقال صلى الله عليه وسلم {لا أحد أحب إليه المدح من الله ~~ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل ولا أحد أصبر على ~~أذى من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم} فهو يفرح بما يحبه ~~ويؤذيه ما يبغضه ويصبر على ما يؤذيه وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما ~~يؤذيه كل ذلك من كماله وكل ذلك من صفاته وأفعاله وهو الذي خلق الخلائق ~~وأفعالهم وهم لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه. وإذا فرح ورضي ~~بما فعله بعضهم فهو سبحانه الذي خلق فعله كما أنه إذا فرح ورضي بما يخلقه ~~فهو الخالق وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم وصبر على أذاهم ~~بحكمته # PageV11P360 # فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد وهذا ~~قول عامة القدرية ونهاية الكمال والعزة. وأما الإمكان لو افتقر وجوده إلى ~~فرح غيره وأما الحدوث فيبنى على قيام الصفات فيلزم منه حدوثه وقد ms3583 ذكر في ~~غير هذا الموضع أن ما سلكه الجهمية في نفي الصفات فمبناه على القياس الفاسد ~~المحض وله شرح مذكور في غير هذا الموضع. ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها ~~في غاية الإحكام والإتقان وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص والإثبات ~~لكل كمال وأنه تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصا؛ بل من الكمال ~~أنه يفعل ما يفعله بعد أن لم يكن فاعله وأنه إذا كان كاملا بذاته وصفاته ~~وأفعاله لم يكن كاملا بغيره ولا مفتقرا إلى سواه بل هو الغني ونحن الفقراء ~~وقال تعالى {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ~~ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق} وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه ~~وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق ~~الكمال إذ كل كمال فمن كماله يستفاد وله الثناء الحسن الذي لا تحصيه العباد ~~وإنما هو كما أثنى على نفسه له الغنى الذي لا يفتقر إلى سواه {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا} . # PageV11P361 # فهذا الأصل العظيم وهو مسألة خلقه وأمره وما يتصل به من صفاته وأفعاله من ~~محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على ما يؤذيه هي متعلقة بمسائل ~~القدر ومسائل الشريعة. والمنهاج الذي هو المسئول عنه ومسائل الصفات ومسائل ~~الثواب والعقاب والوعد والوعيد وهذه الأصول الأربعة كلية جامعة وهي متعلقة ~~به وبخلقه. وهي في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسألة الصفات ~~الذاتية والفعلية ومسألة الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل ~~الصفات والكلام في حلول الحوادث ونفي الجسم وما في ذلك من تفصيل وتحقيق. ~~فإن المعطلة والملحدة في أسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل بناء ~~على ما اعتقدوه من نفي الجسم والعرض ونفي حلول الحوادث ونفي الحاجة. وهذه ~~الأشياء يصح نفيها باعتبار ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر فوقعوا في نفي الحق ~~الذي لا ريب فيه الذي جاءت ms3584 به الرسل ونزلت به الكتب وفطرت عليه الخلائق ~~ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية والله أعلم. # PageV11P362 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # تكلم طائفة من الصوفية في " خاتم الأولياء " وعظموا أمره كالحكيم الترمذي ~~- وهو من غلطاته؛ فإن الغالب على كلامه الصحة بخلاف ابن عربي فإنه كثير ~~التخليط لا سيما في الاتحاد - وابن عربي وغيرهم وادعى جماعة كل واحد أنه هو ~~كابن عربي وربما قيده بأنه ختم الولاية المحمدية أو الكاملة أو نحو ذلك؛ ~~لئلا يلزمه أن لا يخلق بعده لله ولي وربما غلوا فيه كما فعل ابن عربي في ~~فصوصه فجعلوه ممدا في الباطن لخاتم الأنبياء تبعا لغلوهم الباطل حيث قد ~~يجعلون الولاية فوق النبوة موافقة لغلاة المتفلسفة الذين قد يجعلون ~~الفيلسوف الكامل فوق النبي. وكذلك جهال القدرية والأحمدية واليونسية قد ~~يفضلون شيخهم # PageV11P363 # على النبي أو غيره من الأنبياء وربما ادعوا في شيخهم نوعا من الإلهية. ~~وكذلك طائفة من السعدية: يفضلون الولي على النبي. وقال بعضهم يقلد الشافعي ~~ولا يقلد أبو بكر وعمر وكذلك غالية الرافضة الذين قد يجعلون الإمام كان ~~ممدا للنبي في الباطن كما قد يجعلونه إلها. فأما الغلو في ولي غير النبي ~~حتى يفضل على النبي سواء سمي وليا أو إماما أو فيلسوفا وانتظارهم للمنتظر ~~الذي هو: محمد بن الحسن. أو إسماعيل بن جعفر نظير ارتباط الصوفية على الغوث ~~وعلى خاتم الأولياء فبطلانه ظاهر بما علم من نصوص الكتاب والسنة وما عليه ~~إجماع الأمة فإن الله جعل الذين أنعم عليهم أربعة: النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين فغاية من بعد النبي أن يكون صديقا كما كان خير هذه ~~الأمة بعد نبيها صديقا؛ ولهذا كانت غاية مريم ذلك في قوله: {ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} . وبهذا استدللت على ما ~~ذكره طائفة: كالقاضي أبي يعلى وغيره من أصحابنا وأبي المعالي وأظن ~~الباقلاني من الإجماع على أنها لم تكن نبية ليقرروا كرامات الأولياء بما ~~جرى على يديها فإن بعض الناس زعم أنها كانت نبية ms3585 فاستدللت بهذه الآية ففرح ~~مخاطبي بهذه الحجة؛ فإن الله ذكر ذلك في بيان غاية فضلها " دفعا لغلو ~~النصارى فيها؛ كما # PageV11P364 # يقال لمن ادعى في رجل أنه ملك من الملوك؛ أو غني من الأغنياء ونحو ذلك ~~فيقال: ما هو إلا رئيس قرية أو صاحب بستان فيذكر غاية ما له من الرئاسة ~~والمال فلو كان للمسيح مرتبة فوق الرسالة أولها مرتبة فوق الصديقية لذكرت. ~~ولهذا كان أصل الغلو في النصارى ويشابههم في بعضه غالية المتصوفة والشيعة ~~ومن انضم إليهم من الصابئة المتفلسفة فالرد عليهم من جهة واحدة. {وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة من ~~الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين} فهذه المسألة لشرحها موضع غير هذا ~~وهي أن كل من سوى الأنبياء دونهم. # وإنما الكلام هنا فيما يذكرونه من خاتم # PageV11P365 # الأولياء فنقول: هذه تسمية باطلة لا أصل لها في كتاب ولا سنة ولا كلام ~~مأثور عمن هو مقبول عند الأمة قبولا عاما؛ لكن يعلم من حيث الجملة أن آخر ~~من بقي من المؤمنين المتقين في العالم فهو آخر أولياء الله. ونقول ثانيا: ~~إن آخر الأولياء أو خاتمهم سواء كان المحقق أو فرض مقدر. ليس يجب أن يكون ~~أفضل من غيره من الأولياء فضلا عن أن يكون أفضلهم وإنما نشأ هذا من مجرد ~~القياس على خاتم الأنبياء. لما رأوا خاتم الأنبياء هو سيدهم. توهموا من ذلك ~~قياسا بمجرد الاشتراك في لفظ خاتم. # فقالوا: خاتم الأولياء أفضلهم. وهذا خطأ في الاستدلال؛ فإن فضل خاتم ~~الأنبياء عليهم لم يكن لمجرد كونه خاتما. بل لأدلة أخرى دلت على ذلك ثم ~~نقول: بل أول الأولياء في هذه الأمة وسابقهم هو أفضلهم فإن أفضل الأمة خاتم ~~الأنبياء. وأفضل الأولياء سابقهم إلى خاتم الأنبياء؛ وذلك لأن الولي مستفيد ~~من النبي وتابع له. فكلما قرب من النبي كان أفضل وكلما بعد عنه كان بالعكس. ~~بخلاف خاتم الأنبياء فإن استفادته إنما هي من الله. فليس في تأخره زمانا ما ~~يوجب تأخر مرتبته. بل ms3586 قد يجمع الله له ما فرقه في غيره من الأنبياء فهذا ~~الأمر الذي ذكرناه من أن السابقين من الأولياء هم خيرهم. هو الذي دل عليه ~~الكتاب والسنن المتواترة وإجماع السلف ويتصل بهذا ظن طوائف أن من المتأخرين ~~من قد يكون أفضل من أفاضل الصحابة ويوجد هذا في المنتسبين إلى العلم وإلى ~~العبادة وإلى الجهاد والإمارة. والملك. حتى في المتفقهة من قال: أبو حنيفة ~~أفقه من علي. وقال بعضهم يقلد الشافعي ولا يقلد أبو بكر وعمر ويتمسكون تارة ~~بشبه عقلية أو ذوقية من جهة أن متأخري كل فن يحكمونه أكثر من المتقدمين. ~~فإنهم يستفيدون علو الأولين مع العلوم التي اختصوا بها كما هو موجود في أهل ~~الحساب والطبائعيين والمنجمين وغيرهم. # PageV11P366 # ومن جهة الذوق وهو ما وجدوه لأواخر الصالحين من المشاهدات العرفانية ~~والكرامات الخارقة ما لم ينقل مثله عن السلف وتارة يستدلون بشبه نقلية مثل ~~قوله: {للعامل منهم أجر خمسين منكم} وقوله؛ {أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير ~~أم آخره} ؟ وهذا خلاف السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ~~ابن مسعود وعمران بن حصين (1) ومما هو في الصحيحين أو أحدهما من قوله: {خير ~~القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} وقوله: ~~{والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا: ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} ~~وغير ذلك من الأحاديث. وخلاف إجماع السلف: كقول ابن مسعود: " إن الله نظر ~~في قلوب العباد: فوجد قلب محمد خير قلوب العباد ثم نظر في قلوب العباد بعد ~~قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد " وقول حذيفة " يا معشر القراء ~~استقيموا. وخذوا سبيل من كان قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا ~~بعيدا " ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وقول ابن مسعود: " ~~من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا ~~PageV11P367 # وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على ms3587 الهدي المستقيم " وقول ~~جندب وغيره مما هو كثير مكتوب في غير هذا الموضع بل خلاف نصوص القرآن في ~~مثل قوله: {والسابقون الأولون} الآية. وقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل} الآية. وقوله: {والذين جاءوا من بعدهم} الآية وغير ذلك؛ ~~فإنه لم يكن الغرض بهذا الموضع هذه المسألة وإنما الغرض: الكلام على خاتم ~~الأولياء ومما يشبه هذا ظن طائفة كابن هود وابن سبعين والنفري والتلمساني: ~~أن الشيء المتأخر ينبغي أن يكون أفضل من المتقدم؛ لاعتقادهم أن العالم ~~متنقل من الابتداء إلى الانتهاء كالصبي الذي يكبر بعد صغره والنبات الذي ~~ينمو بعد ضعفه ويبنون على ذلك أن المسيح أفضل من موسى ويبعدون ذلك إلى أن ~~يجعلوا بعد محمد واحدا من البشر أكمل منه كما تقوله الإسماعيلية والقرامطة ~~والباطنية فليس على هذا دليل أصلا. أن كل من تأخر زمانه من نوع يكون أفضل ~~ذلك النوع فلا هو مطرد ولا منعكس. بل إبراهيم الخليل قد ثبت بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أنه خير البرية} أي بعد النبي. وكذلك قال الربيع بن خيثم: ~~" لا أفضل على نبينا أحدا # PageV11P368 # ولا أفضل على إبراهيم بعد نبينا أحدا وبعده جميع الأنبياء المتبعين لملته ~~مثل موسى وعيسى وغيرهما " وكذلك أنبياء بني إسرائيل كلهم بعد موسى وقد أجمع ~~أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى: على أن موسى أفضل من غيره من ~~أنبياء بني إسرائيل إلا ما يتنازعون فيه من المسيح. والقرآن قد شهد في ~~آيتين لأولي العزم فقال في قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} وقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} فهؤلاء الخمسة ~~أولوا العزم وهم الذين قد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحاح: أنهم يترادون ~~الشفاعة في أهل الموقف بعد آدم فيجب تفضيلهم على بنيهم وفيه تفضيل لمتقدم ~~على متأخر ولمتأخر على متقدم. وأصل الغلط في هذا الباب: أن تفضيل الأنبياء ~~أو الأولياء أو العلماء أو ms3588 الأمراء بالتقدم في الزمان أو التأخر أصل باطل ~~فتارة يكون الفضل في متقدم النوع وتارة في متأخر النوع؛ ولهذا يوجد في أهل ~~النحو والطب والحساب ما يفضل فيه المتقدم كبطليموس وسيبويه وبقراط وتارة ~~بالعكس. # PageV11P369 # وأما توهمهم أن متأخري كل فن أحذق من متقدميه؛ لأنهم كملوه فهذا منتقض ~~أولا: ليس بمطرد فإن كتاب سيبويه في العربية لم يصنف بعده مثله بل وكتاب ~~بطليموس بل نصوص بقراط لم يصنف بعدها أكمل منها. ثم نقول هذا قد يسلم في ~~الفنون التي تنال: بالقياس والرأي والحيلة. أما الفضائل المتعلقة باتباع ~~الأنبياء فكل من كان إلى الأنبياء أقرب مع كمال فطرته: كان تلقيه عنهم أعظم ~~وما يحسن فيه هو من الفضائل الدينية المأخوذة عن الأنبياء؛ ولهذا كان من ~~يخالف ذلك هو من المبتدعة الخارج عن سنن الأنبياء المعتقد أن له نصيبا من ~~العلوم والأحوال خارجا عن طور الأنبياء فكل من كان بالنبوة وقدرها أعظم: ~~كان رسوخه في هذه المسألة أشد. وأما الأذواق والكرامات فمنها ما هو باطل ~~والحق منه كان للسلف أكمل وأفضل بلا شك وخرق العادة: تارة يكون لحاجة العبد ~~إلى ذلك وقد يكون أفضل منه لا تخرق له تلك العادة فإن خرقها له سبب وله ~~غاية فالكامل قد يرتقي عن ذلك السبب وقد لا يحتاج إلى تلك الغاية المقصودة ~~بها ومع هذا فما للمتأخرين كرامة إلا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها. # PageV11P370 # وأما قوله: {لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون ~~على الخير أعوانا} فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عمل عمله بعض ~~المتقدمين كان له أجر خمسين؛ لكن لا يتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل ~~بعض أكابر السابقين؛ كأبي بكر وعمر فإنه ما بقي يبعث نبي مثل محمد يعمل معه ~~مثلما عملوا مع محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: {أمتي كالغيث لا يدرى ~~أوله خير أم آخره} مع أن فيه لينا فمعناه: في المتأخرين من يشبه المتقدمين ~~ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة ms3589 لا يدري الذي ينظر إليه أهذا ~~خير أم هذا؟ وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيرا. فهذا فيه بشرى للمتأخرين ~~بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر: {خير أمتي أولها ~~وآخرها. وبين ذلك ثبج أو عوج. وددت أني رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك؟ ~~قال: أنتم أصحابي} هو تفضيل للصحابة فإن لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من ~~مجرد الإخوة. وكذلك قوله: {أي الناس أعجب إيمانا} إلى قوله: {قوم يأتون ~~بعدي يؤمنون بالورق المعلق} هو يدل على أن إيمانهم عجب أعجب من إيمان غيرهم ~~ولا يدل على أنهم أفضل. فإن في الحديث أنهم # PageV11P371 # ذكروا الملائكة والأنبياء ومعلوم أن الأنبياء أفضل من هؤلاء الذين يؤمنون ~~بالورق المعلق. ونظيره كون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء فإنه لا يدل ~~على أنهم بعد الدخول يكونون أرفع مرتبة من جميع الأغنياء وإنما سبقوا ~~لسلامتهم من الحساب. وهذا باب التفضيل بين الأنواع في الأعيان والأعمال ~~والصفات أو بين أشخاص النوع باب عظيم يغلط فيه خلق كثير والله يهدينا سواء ~~الصراط. # PageV11P372 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # تكلم أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي في كتاب " ختم الولاية ": ~~بكلام مردود مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة حيث غلا في ذكر ~~الولاية وما ذكره من خاتم الأولياء وعصمة الأولياء ونحو ذلك مما هو مقدمة ~~لضلال ابن عربي وأمثاله الذين تكلموا في هذا الباب بالباطل والعدوان منها ~~قوله: فيقال لهذا المسكين: صف لنا منازل الأولياء - إذا استفرغوا مجهود ~~الصدق - كم عدد منازلهم؟ وأين منازل أهل الفرية؟ وأين الذين جازوا العساكر؟ ~~. بأي شيء جازوا؟ وإلى أين منتهاهم؟ وأين مقام أهل المجالس والحديث؟ وكم ~~عددهم؟ وبأي شيء استوجبوا هذا على ربهم؟ وما حديثهم ونجواهم؟ وبأي شيء ~~يفتتحون المناجاة؟ وبأي # PageV11P373 # شيء يختمونها؟ وماذا يخافون؟ وكيف يكون صفة سيرهم؟ ومن ذا الذي يستحق ~~خاتم الولاية كما استحق محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة؟ وبأي صفة ~~يكون ذلك المستحق لذلك؟ وما سبب (1) وكم مجالس هذه الأبدان حتى ترد ms3590 إلى ~~مالك الملك؟ إلى مسائل أخر كثيرة ذكرها من هذا النمط. ومنها فيه قال له ~~قائل: فهل يجوز أن يكون في هذا الزمان من يوازي أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما؟ قال: إن كنت تعني في العمل فلا وإن كنت تعني في الدرجات فغير مدفوع ~~وذلك أن الدرجات بوسائل القلوب وتسمية ما في الدرجات بالأعمال فمن الذي حول ~~رحمة الله عن أهل هذا الزمان حتى لا يكون فيهم سابق ولا مقرب ولا مجتبى ولا ~~مصطفى. أوليس المهدي كائنا في آخر الزمان؟ فهو في الفتنة يقوم بالعدل؛ فلا ~~يعجز عنها. أوليس كائنا في آخر الزمان من له ختم الولاية؟ وهو حجة الله على ~~جميع الأولياء يوم الموقف؟ فكما أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء ~~فأعطي ختم النبوة وهو حجة الله على جميع الأنبياء. فكذلك هذا الولي آخر ~~الأولياء في آخر الزمان. PageV11P374 # قال له قائل: فأين حديث النبي صلى الله عليه وسلم {خرجت من باب الجنة ~~فأتيت بالميزان فوضعت في كفة وأمتي في كفة فرجحت بالأمة. ثم وضع أبو بكر ~~مكاني فرجح بالأمة. ثم وضع عمر مكان أبي بكر فرجح بالأمة} فقال هذا وزن ~~الأعمال؛ لا وزن ما في القلوب أين يذهب بكم يا عجم؟ ما هذا إلا من غباوة ~~أفهامكم. ألا ترى أنه يقول: خرجت من باب الجنة والجنة للأعمال؛ والدرجات ~~للقلوب؛ والوزن للأعمال؛ لا لما في القلوب؛ إن الميزان لا يتسع لما في ~~القلوب. وقال فيه: " ثم لما قبض الله نبيه صير فيهم أربعين صديقا؛ بهم تقوم ~~الأرض فهم أهل بيته وهم آله؛ فكلما مات منهم رجل خلفه من يقوم مقامه. حتى ~~إذا انقرض عددهم وأتى وقت زوال الدنيا؛ بعث الله وليا اصطفاه واجتباه وقربه ~~وأدناه وأعطاه ما أعطى الأولياء وخصه بخاتم الولاية فيكون حجة الله يوم ~~القيامة على سائر الأولياء. فيوجد عنده ذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما ~~وجد عند محمد صلى الله عليه وسلم صدق النبوة؛ لم ينله القدر ولا وجدت النفس ~~سبيلا إلى الأخذ ms3591 بحظها من الولاية فإذا برز الأولياء يوم القيامة وأقبضوا ~~صدق الولاية والعبودية؛ وجد ألوفا عند هذا الذي ختم الولاية تماما؛ فكان ~~حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم # PageV11P375 # وكان شفيعهم يوم القيامة؛ فهو سيدهم. ساد الأولياء كما ساد محمد صلى الله ~~عليه وسلم الأنبياء فينصب له مقام الشفاعة ويثني على الله ثناء ويحمده ~~بمحامد يقر الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله فلم يزل هذا الولي مذكورا ~~أولا في البدء أولا في الذكر وأولا في العلم ثم الأول في المسألة ثم الأول ~~في الموازنة ثم الأول في اللوح المحفوظ ثم الأول في الميثاق ثم الأول في ~~الحشر؛ ثم الأول في الخطاب ثم الأول في الوفادة ثم الأول في الشفاعة ثم ~~الأول في الجواز وفي دخول الدار ثم الأول في الزيارة فهو في كل مكان أول ~~الأولياء كما كان محمد صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء فهو من محمد صلى ~~الله عليه وسلم عند الأذن والأولياء عند القفا. فهذا عند مقامه بين يديه في ~~ملك الله ونجواه. مثال في المجلس الأعظم فهو في منصته والأولياء من خلفه ~~درجة درجة ومنازل الأنبياء مثال بين عينيه فهؤلاء الأربعون في كل وقت هم ~~أهل بيته. ولست أعني من النسب إنما أهل بيت الذكر. # PageV11P376 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قال القاضي أبو يعلى في عيون المسائل: # مسألة: ومثبتو النبوات حصل لهم المعرفة بالله تعالى بثبوت النبوة من غير ~~نظر واستدلال في دلائل العقول خلافا للأشعرية في قولهم: لا تحصل حتى تنظر ~~وتستدل بدلائل العقول. وقال: نحن لا نمنع صحة النظر ولا نمنع حصول المعرفة ~~به وإنما خلافنا هل تحصل بغيره؛ واستدل بأن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجزة ~~علمنا أن هناك مرسلا أرسله؛ إذ لا يكون هناك نبي إلا وهناك مرسل وإذا ثبت ~~أن هناك مرسل أغنى ذلك عن النظر والاستدلال في دلائل العقول على إثباته. # PageV11P377 # وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد ما ذكره الخطابي أيضا في " الغنية عن ~~الكلام وأهله وقد سلك بعض من ms3592 بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق ~~الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة؛ لأن دلائلها مأخوذة من طريق ~~الحس لمن شاهدها. ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها؛ فلما ثبتت النبوة ~~صارت أصلا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي؛ وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر ~~المستجيبين للرسول؛ وذكر: قصة جعفر وأصحابه مع النجاشي وقصة الأعرابي الذي ~~قال: من خلق السماء وغير ذلك؟ قلت: كثير من المتكلمين يقولون: لا بد أن ~~تتقدم المعرفة أولا بثبوت الرب وصفاته التي يعلم بها أنه هو ويظهر المعجزة ~~وإلا تعذر الاستدلال بها على صدق الرسول فضلا عن وجود الرب. وأما الطريقة ~~التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون ~~فإنه كان منكرا للرب. قال تعالى: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ~~{أن أرسل معنا بني إسرائيل} {قال ألم نربك فينا وليدا} - إلى قوله - {قال ~~فرعون وما رب العالمين} {قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين} {قال لمن حوله ألا تستمعون} {قال ربكم ورب آبائكم الأولين} {قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون} {قال لئن اتخذت إلها غيري # PageV11P378 # لأجعلنك من المسجونين} {قال أولو جئتك بشيء مبين} {قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين} {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} {ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين} . فهنا: قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلا على ~~صدقه في كونه رسول رب العالمين. وفي أن له إلها غير فرعون يتخذه. وكذلك قال ~~تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو} فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة وذلك؛ لأن المعجزة - التي ~~هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع كسائر الحوادث بل هي أخص ~~من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة؛ ولهذا ~~يسبح الرب عندها ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد ويحصل في النفوس ذلة ~~من ذكر عظمته ms3593 ما لا يحصل للمعتاد إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها وتدل بظهورها ~~على الرسول وإذا تبين أنها تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله. فتتقرر بها ~~الربوبية والرسالة لا سيما عند من يقول دلالة المعجزة على صدق الرسول ~~ضرورية كما هو قول طائفة من متكلمي المعتزلة: كالجاحظ وطوائف من غيرهم ~~كالأشعرية والحنبلية الذين يقولون: يحصل الفرق بين المعجزة والسحر والكرامة ~~بالضرورة. # PageV11P379 # ومن يقول: إن شهادة المعجزة على صدق النبي معلوم بالضرورة وهم كثير من ~~الأشعرية والحنبلية وكثير من هؤلاء يقول: لأن عدم دلالتها على الصدق مستلزم ~~عجز البارئ إذ لا طريق سواها. وأما المعتزلة: فلأن عندهم أن ذلك قبيح لا ~~يجوز من الباري فعله. والأولون يقولون: ليس. . . (1) كأمور كثيرة جدا وقد ~~بينت في غير هذا الموضع أن العلم موجود ضروري وهو الذي عليه جمهور. . . (2) ~~PageV11P380 # وسئل: # أيما أولى معالجة ما يكره الله من قلبك مثل. الحسد والحقد والغل والكبر ~~والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب. وغير ذلك. مما يختص بالقلب من ~~درنه وخبثه؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة: من الصلاة والصيام وأنواع ~~القربات: من النوافل والمنذورات مع وجود تلك الأمور في قلبه؟ أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، من ذلك ما هو عليه واجب: وأن للأوجب فضلا وزيادة. كما قال ~~تعالى فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم {ما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه} . ثم قال {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه} والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب فإن ~~القلب ملك والأعضاء جنوده. فإذا خبث الملك خبثت جنوده؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله} وكذلك أعمال القلب لا بد أن تؤثر في عمل الجسد وإذا كان ~~المقدم هو الأوجب، سواء سمي # PageV11P381 # باطنا أو ظاهرا فقد يكون ما يسمى باطنا أوجب مثل ترك الحسد والكبر فإنه ~~أوجب عليه من نوافل الصيام وقد يكون مما سمي ظاهرا أفضل: ms3594 مثل قيام الليل ~~فإنه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التي تخطر في القلب من جنس الغبطة ~~ونحوها وكل واحد من عمل الباطن والظاهر يعين الآخر والصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر وتورث الخشوع ونحو ذلك من الآثار العظيمة: هي أفضل الأعمال والصدقة ~~والله أعلم. # PageV11P382 # وسئل هل قال النبي صلى الله عليه وسلم {زدني فيك تحيرا؟} وقال بعض ~~العارفين أول المعرفة الحيرة وآخرها الحيرة. قيل: من أين تقع الحيرة. قيل: ~~من معنيين: # أحدهما كثرة اختلاف الأحوال عليه والآخر شدة الشر وحذر الإياس. وقال ~~الواسطي: نازلة تنزل بقلوب العارفين بين الإياس والطمع لا تطمعهم في الوصل ~~فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون وقال بعضهم: متى أصل إلى طريق ~~الراجين وأنا مقيم في حيرة المتحيرين؟ . وقال محمد بن الفضل العارف: كلما ~~انتقل من حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة. وقال: أعرف الناس بالله ~~أشدهم فيه تحيرا وقال الجنيد: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة وقال ذو النون: ~~غاية العارفين التحير. وأنشد بعضهم: # قد تحيرت فيك خذ بيدي ... يا دليلا لمن تحير فيه # فبينوا لنا القول في ذلك بيانا شافيا؟. # PageV11P383 # فأجاب: # الحمد لله، هذا الكلام المذكور {زدني فيك تحيرا} من الأحاديث المكذوبة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وإنما ~~يرويه جاهل أو ملحد؛ فإن هذا الكلام يقتضي أنه كان حائرا وأنه سأل الزيادة ~~في الحيرة وكلاهما باطل؛ فإن الله هداه بما أوحاه إليه وعلمه ما لم يكن ~~يعلم وأمره بسؤال الزيادة من العلم بقوله: {رب زدني علما} وهذا يقتضي أنه ~~كان عالما وأنه أمر بطلب المزيد من العلم ولذلك أمر هو والمؤمنون بطلب ~~الهداية في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} وقد قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم} فمن يهدي الخلق كيف يكون حائرا. والله قد ذم الحيرة في القرآن ~~في قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه ~~إلى ms3595 الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى} . وفي الجملة فالحيرة من جنس ~~الجهل والضلال ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق علما بالله وبأمره ~~وأكمل الخلق اهتداء في نفسه وهديا لغيره وأبعد الخلق عن الجهل والضلال. قال ~~تعالى {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن الهوى} وقال ~~تعالى: # PageV11P384 # {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد} وقال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه} - إلى قوله - {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فالله قد هدى المؤمنين به وقال ~~تعالى: {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} فقد كفل الله لمن آمن به أن يجعل له ~~نورا يمشي به. كما قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وقال تعالى: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} ومثل هذا كثير ~~في القرآن والحديث. ولم يمدح الحيرة أحد من أهل العلم والإيمان ولكن مدحها ~~طائفة من الملاحدة: كصاحب " الفصوص " ابن عربي وأمثاله من الملاحدة الذين ~~هم حيارى فمدحوا الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة وادعوا أنهم أكمل الخلق ~~وأن خاتم الأولياء منهم يكون أفضل في العلم بالله من خاتم الأنبياء وأن ~~الأنبياء يستفيدون العلم بالله منهم وكانوا في # PageV11P385 # ذلك. كما يقال فيمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فإن ~~الأنبياء أقدم فكيف يستفيد المتقدم من المتأخر وهم عند المسلمين واليهود ~~والنصارى ليسوا أفضل من الأنبياء فخرج هؤلاء عن العقل والدين: دين المسلمين ~~واليهود والنصارى. وهؤلاء قد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع. ولهم في ~~" وحدة الوجود والحلول والاتحاد ms3596 " كلام من شر كلام أهل الإلحاد وأما غير ~~هؤلاء من الشيوخ الذين يذكرون الحيرة: فإن كان الرجل منهم يخبر عن حيرته ~~فهذا لا يقتضي مدح الحيرة؛ بل الحائر مأمور بطلب الهدى كما نقل عن الإمام ~~أحمد أنه علم رجلا أن يدعو يقول: يا دليل الحائرين دلني على طريق الصادقين ~~واجعلني من عبادك الصالحين. فأما الذي قال: أول المعرفة الحيرة وآخرها ~~الحيرة. فقد يريد بذلك معنى صحيحا مثل أن يريد أن الطالب السالك يكون حائرا ~~قبل حصول المعرفة والهدى فإن كل طالب للعلم والهدى هو قبل حصول مطلوبه في ~~نوع من الحيرة وقوله آخرها الحيرة قد يراد به أنه لا يزال طالب الهدى ~~والعلم فهو بالنسبة إلى ما لم يصل إليه حائرا وليس في ذلك مدح الحيرة ولكن ~~يراد به أنه لا بد أن يعتري الإنسان نوع من الحيرة التي يحتاج معها إلى ~~العلم والهدى. # PageV11P386 # وقوله: والحيرة من معنيين: # أحدهما: كثرة اختلاف الأحوال و " الآخر " شدة الشر وحذر الإياس - إخبار ~~عن سلوك معين؛ فإنه ليس كل سالك يعتريه هذا ولكن من السالكين من تختلف عليه ~~الأحوال حتى لا يدري ما يقبل وما يرد وما يفعل وما يترك والواجب على من كان ~~كذلك دوام الدعاء لله سبحانه وتعالى والتضرع إليه والاستهداء بالكتاب ~~والسنة. وكذلك بشدة الشر وحذر الإياس فإن في السالكين من يبتلى بأمور من ~~المخالفات يخاف معها أن يصير إلى اليأس من رحمة الله لقوة خوفه وكثرة ~~المخالفة عند نفسه ومثل هذا ينبغي أن يعلم سعة رحمة الله وقبول التوبة من ~~عباده وفرحه بذلك وقول الآخر: نازلة تنزل بقلوب العارفين بين اليأس والطمع ~~فلا تطمعهم في الوصول فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون فيقال: هذا ~~أيضا حال عارض لبعض السالكين ليس هذا أمرا لازما لكل من سلك طريق الله ولا ~~هو أيضا غاية محمودة " ولكن بعض السالكين يعرض له هذا. كما يذكر عن الشبلي ~~أنه كان ينشد في هذا المعنى: # PageV11P387 # أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وأبطأ رشاشها # فلا ms3597 غيمها يجلو فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها # وصاحب هذا الكلام إلى أن يعفو الله عنه ويغفر له مثل هذا الكلام أحوج منه ~~إلى أن يمدح عليه أو يقتدى به فيه ومثل هذا كثير قد تكلمنا عليه في غير هذا ~~الموضع؛ لما تكلمنا على ما يعرض لطائفة من كلام فيه معاتبة لجانب الربوبية ~~وإقامة حجة عليه بالمجنون المتحير وإقامة عذر المحب وأمور تشبه هذا. قد ~~تحيز من قال بموجبها إلى الكفر والإلحاد؛ إذ الواجب الإقرار لله بفضله ~~وجوده وإحسانه وللنفس بالتقصير والذنب. كما في الحديث الصحيح {سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي ~~وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا ~~بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته ~~دخل الجنة} وفي الحديث الصحيح الإلهي: {يقول الله تعالى: يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه} وفي الحديث الصحيح # PageV11P388 # {يقول الله: من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا. ومن تقرب إلي ذراعا تقربت ~~منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة} وفي الحديث الصحيح {أنا عند ظن عبدي ~~بي وأنا معه إذا ذكرني} وقد ثبت: أن الله تعالى كل نعمة منه فضل وكل نقمة ~~منه عدل وقد ثبت من حكمته ورحمته وعدله ما يبهر العقول؛ لأن هذه المسألة ~~تتعلق بأصول كبار من مسائل " القدر " و " الأمر " و " الوعد " و " الوعيد ~~". و " الأسماء والصفات " قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع. والمقصود ~~هنا: الكلام على ما ذكر عن هؤلاء الشيوخ فقول القائل: لا تطمعهم في الوصول ~~فيستريحون ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون. هي حال عارض لشخص قد تعلقت همته ~~بمطلوب معين وهو يتردد فيه بين اليأس والطمع ms3598 وهذا حال مذموم؟ لأن العبد لا ~~ينبغي له أن يقترح على الله شيئا معينا؛ بل تكون همته فعل المأمور وترك ~~المحظور والصبر على المقدور. فمتى أعين على هذه الثلاثة جاء بعد ذلك من ~~المطالب: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولو تعلقت هي ~~بمطلوب فدعا الله به فإن الله يعطيه إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته ~~وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها. ولفظ " ~~الوصول " لفظ مجمل؛ فإنه ما من سالك إلا وله غاية # PageV11P389 # يصل إليها. وإذا قيل: وصل إلى الله أو إلى توحيده أو معرفته أو نحو ذلك. ~~ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه إلا الله ~~تعالى. ويأس الإنسان أن يصل إلى ما يحبه الله ويرضاه من معرفته وتوحيده. ~~كبيرة من الكبائر؛ بل عليه أن يرجو ذلك ويطمع فيه. لكن من رجا شيئا طلبه ~~ومن خاف من شيء هرب منه وإذا اجتهد واستعان بالله تعالى ولازم الاستغفار ~~والاجتهاد فلا بد أن يؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال وإذا رأى أنه لا ~~ينشرح صدره ولا يحصل له حلاوة الإيمان ونور الهداية فليكثر التوبة ~~والاستغفار وليلازم الاجتهاد بحسب الإمكان فإن الله يقول: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا} وعليه بإقامة الفرائض ظاهرا وباطنا؛ ولزوم الصراط ~~المستقيم مستعينا بالله؛ متبرئا من الحول والقوة إلا به. ففي الجملة ليس ~~لأحد أن ييأس؛ بل عليه أن يرجو رحمة الله كما أنه ليس له أن لا ييأس؛ بل ~~عليه أن يخاف عذابه. قال تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . ~~قال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو # PageV11P390 # حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب والرجاء والخوف فهو ~~مؤمن موحد. وأما قول القائل: متى أصل إلى طريق الراجين؟ وأنا مقيم في حيرة ~~المتحيرين؛ فهذا ms3599 إخبار منه عن حال مذموم هو فيها كما يخبر الرجل عن نقص ~~إيمانه وضعف عرفانه وريب في يقينه؛ وليس مثل هذا مما يطلب؛ بل هو مما ~~يستعاذ بالله منه. وأما قول محمد بن الفضل: إنه قال: العارف كلما انتقل من ~~حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة. فهذا قد يراد به أنه كلما انتقل إلى ~~مقام من المعرفة واليقين حصل له تشوق إلى مقام لم يصل إليه من المعرفة؛ فهو ~~حائر بالنسبة إلى ما لم يصل إليه دون ما وصل إليه. وقوله: أعرف الناس بالله ~~أشدهم فيه تحيرا؛ أي أطلبهم لزيادة العلم والمعرفة؛ فإن كثرة علمه ومعرفته ~~توجب له الشعور بأمور لم يعرفها بعد؛ بل هو حائر فيها طالب لمعرفتها والعلم ~~بها ولا ريب أن أعلم الخلق بالله قد قال: {لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك} والخلق ما أوتوا من العلم إلا قليلا. وما نقل عن " الجنيد " أنه ~~قال: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة؛ # PageV11P391 # فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد. وفيه نظر هل قاله ولعل الأشبه أنه ليس من ~~كلامه المعهود؛ فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه؛ لم ~~يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل يقين ومعرفة وهدى وعلم؛ فإن الجنيد ~~أجل من أن يريد هذا وهذا الكلام مردود على من قاله. لكن إذا قيل: إن أهل ~~المعرفة مهما حصلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها ~~فهذا صحيح. كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأبو حاتم في ~~صحيحه: {اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع ~~قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي} قال: {من قال هذا أذهب الله همه ~~وغمه وأبدله مكانه فرحا} فقد أخبر أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب ~~عنده وهذه لا يعلمها ملك ولا بشر. فإذا أراد ms3600 المريد أن عقول العقلاء لم تصل ~~إلى معرفة مثل هذه الأمور فهذا صحيح وأما إذا أراد أن العقلاء ليس عندهم ~~علم ولا يقين بل حيرة وريب فهذا باطل قطعا. وما ذكر عن ذي النون " في هذا ~~الباب مع أن ذا النون قد وقع منه كلام أنكر عليه وعزره الحارث بن مسكين ~~وطلبه # PageV11P392 # المتوكل إلى بغداد واتهم بالزندقة وجعله الناس من الفلاسفة فما أدري هل ~~قال هذا أم لا؟ بخلاف الجنيد فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه وإن كان ~~كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثم معصوم ~~من الخطأ غير الرسول؛ لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ~~ما يعلم فساده بالضرورة من العقل والدين. وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة. ~~والله أعلم. # PageV11P393 # سئل: # عن رجل يحب رجلا عالما. فإذا التقيا ثم افترقا حصل لذلك الرجل شبه الغشي ~~من أجل الافتراق. وإذا كان الرجل العالم مشغولا بحيث لا يلتفت إليه لم يحصل ~~له هذا الحال. فهل هذا من الرجل المحب؟ . أم هو تأثير الرجل العالم؟ # فأجاب: # الحمد لله، سببه من هذا ومن هذا مثل الماء إذا شربه العطشان حصل له لذة ~~وطيب وسببها عطشه وبرد الماء وكذلك النار إذا وقعت في القطن سببه منها ومن ~~القطن. والعالم المقبل على الطالب يحصل له لذة وطيب وسرور بسبب إقبال هذا ~~وتوجهه وهذا حال المحب مع المحبوب والله أعلم. # PageV11P394 # سئل: # ما الحكمة في أن المشتغلين بالذكر والفكر والرياضة ومجاهدة النفس وما ~~أشبهه يفتح عليهم من الكشوفات والكرامات وما سوى ذلك من الأحوال - مع قلة ~~علمهم وجهل بعضهم - ما لا يفتح على المشتغلين بالعلم ودرسه؟ . والبحث عنه؟ ~~حتى لو بات الإنسان متوجها مشتغلا بالذكر والحضور لا بد أن يرى واقعة أو ~~يفتح عليه شيء ولو بات ليلة يكرر على باب من أبواب الفقه لا يجد ذلك حتى إن ~~كثيرا من المتعبدين يجد للذكر حلاوة ولذة ولا يجد ذلك عند قراءة القرآن مع ~~أنه قد وردت ms3601 السنة بتفضيل العالم على العابد لا سيما إذا كان العابد محتاجا ~~إلى علم هو مشتغل به عن العبادة. ففي الحديث {إن الملائكة تضع أجنحتها ~~لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن فضل العالم على ~~العابد كفضل القمر على سائر الكواكب} وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين: ~~ادخلوا الجنة فيقول العلماء بفضل علمنا عبدوا وجاهدوا فيقول الله عز وجل # PageV11P395 # لهم: أنتم عندي كملائكتي اشفعوا فيشفعون. ثم يدخلون الجنة} وغير ذلك من ~~الأحاديث والآثار. ثم إن كثيرا من المتعبدين يؤثر العبادة على طلب العلم مع ~~جهله بما يبطل كثيرا من عبادته كنواقض الوضوء أو مبطلات الصلاة والصوم ~~وربما يحكي بعضهم حكاية في هذا المعنى: بأن " رابعة العدوية " - رحمها الله ~~- أتت ليلة بالقدس تصلي حتى الصباح وإلى جانبها بيت فيه فقيه يكرر على باب ~~الحيض إلى الصباح فلما أصبحت رابعة قالت له: يا هذا وصل الواصلون إلى ربهم ~~وأنت مشتغل بحيض النساء. أو نحوها فما المانع أن يحصل للمشتغلين بالعلم ما ~~يحصل للمشتغلين بالعبادة مع فضله عليه؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا ريب أن الذي أوتي العلم والإيمان أرفع درجة من ~~الذين أوتوا الإيمان فقط كما دل على ذلك الكتاب والسنة والعلم الممدوح الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورثته الأنبياء. كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إن العلماء ورثة الأنبياء؛ إن الأنبياء لم يورثوا درهما ~~ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر} . وهذا العلم ثلاثة ~~أقسام: # PageV11P396 # " علم بالله وأسمائه وصفاته " وما يتبع ذلك وفي مثله أنزل الله سورة ~~الإخلاص وآية الكرسي ونحوهما. و " القسم الثاني ": العلم بما أخبر الله به ~~مما كان من الأمور الماضية وما يكون من الأمور المستقبلة وما هو كائن ~~الأمور الحاضرة وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص والوعد والوعيد وصفة ~~الجنة والنار ونحو ذلك. و " القسم الثالث ": العلم بما أمر الله به من ms3602 ~~الأمور المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب ~~وأحوالها وأقوال الجوارح وأعمالها وهذا العلم يندرج فيه العلم بأصول ~~الإيمان وقواعد الإسلام ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة وهذا ~~العلم يندرج فيه ما وجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة ~~فإن ذلك جزء من جزء من جزء من علم الدين كما أن المكاشفات التي يكون لأهل ~~الصفا جزء من جزء من جزء من علم الأمور الكونية. والناس إنما يغلطون في هذه ~~المسائل؛ لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة ولا يعرفون ~~حقائق الأمور الموجودة فرب رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف ~~القرآن ولا يكون له من الفهم؛ بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أوتي # PageV11P397 # القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن: مثل التمرة طعمها طيب ولا ~~ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن: كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها ~~مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها} . ~~فقد يكون الرجل حافظا لحروف القرآن وسوره ولا يكون مؤمنا بل يكون منافقا. ~~فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه. وإن كان ذلك المنافق ينتفع به ~~الغير كما ينتفع بالريحان. وأما الذي أوتي العلم والإيمان فهو مؤمن عليم ~~فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان؛ فهذا ~~أصل تجب معرفته. وههنا " أصل آخر ": وهو أنه ليس كل عمل أورث كشوفا أو ~~تصرفا في الكون يكون أفضل من العمل الذي لا يورث كشفا وتصرفا؛ فإن الكشف ~~والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله وإلا كان من متاع الحياة ~~الدنيا. وقد يحصل ذلك للكفار من المشركين وأهل الكتاب؟ وإن لم يحصل لأهل ~~الإيمان الذين هم أهل الجنة؛ وأولئك أصحاب النار. # PageV11P398 # ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى ms3603 من مثل هذا؛ وإنما تتلقى من دلالة ~~الكتاب والسنة؛ ولهذا كان كثير من الأعمال يحصل لصاحبه في الدنيا رئاسة ~~ومال فأكرم الخلق عند الله أتقاهم. ومن عبد الله بغير علم فقد أفسد أكثر ~~مما يصلح وإن حصل له كشف وتصرف؛ وإن اقتدى به خلق كثير من العامة؛ وقد ~~بسطنا الكلام في هذا الباب في مواضعه؟ فهذا " أصل ثان ". و " أصل ثالث " إن ~~تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا مثل تفضيل أصل الدين على فرعه وقد ~~يكون مقيدا. فقد يكون أحد العملين في حق زيد أفضل من الآخر والآخر في حق ~~عمرو أفضل وقد يكونان متماثلين في حق الشخص وقد يكون المفضول في وقت أفضل ~~من الفاضل؛ وقد يكون المفضول في حق من يقدر عليه وينتفع به أفضل من الفاضل ~~في حق من ليس كذلك. مثال ذلك أن قراءة القرآن أفضل من مجرد الذكر بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة - ولا اعتبار بمن يخالف ذلك من جهال ~~العباد - ثم الركوع والسجود ينهى فيه عن قراءة القرآن ويؤمر فيه بالذكر ~~وكذلك الذكر والدعاء في الطواف وعرفة ونحوهما أفضل من قراءة القرآن وكذلك ~~الأذكار المشروعة: مثل ما يقال عند سماع النداء ودخول المسجد والمنزل ~~والخروج منهما وعند سماع # PageV11P399 # الديكة والحمر ونحو ذلك أفضل من قراءة القرآن في هذا الموطن وأيضا فأكثر ~~السالكين إذا قرءوا القرآن لا يفهمونه. وهم بعد لم يذوقوا حلاوة الإيمان ~~الذي يزيدهم بها القرآن إيمانا فإذا أقبلوا على الذكر أعطاهم الذكر من ~~الإيمان ما يجدون حلاوته ولذته فيكون الذكر أنفع لهم حينئذ من قراءة لا ~~يفهمونها ولا معهم من الإيمان ما يزداد بقراءة القرآن أما إذا أوتي الرجل ~~الإيمان فالقرآن يزيده من الإيمان ما لا يحصل بمجرد الذكر فهذا " أصل ثالث ~~" و " أصل رابع ": وهو أن الرجل قد يأتي بالعمل الفاضل من غير قيام بشروطه ~~ولا إخلاص فيه فيكون بتفويت شرائطه دون من أتى بالمفضول المكمل. فهذه ~~الأصول ونحوها تبين جواب هذا السائل وإن كان تفصيل ms3604 ذلك لا تتسع له الورقة ~~والله أعلم. # PageV11P400 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قوم داوموا على " الرياضة " مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا: لا ~~نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام ولو تجوهروا لسقطت ~~عنهم وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا ~~نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة. فهل ~~هذا القول كفر من قائله؟ أم يبدع من غير تكفير. وهل يصير ذلك عمن في قلبه ~~خضوع للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ . # فأجاب: # لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه. وهو ~~شر من قول اليهود والنصارى؛ فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب وكفر ~~ببعض. وأولئك هم الكافرون حقا كما ذكر أنهم يقرون بأن لله أمرا ونهيا ووعدا ~~ووعيدا وأن ذلك متناول لهم إلى حين الموت. هذا إن كانوا متمسكين باليهودية ~~والنصرانية المبدلة المنسوخة. وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم - كما هو ~~الغالب على متكلمهم # PageV11P401 # ومتفلسفهم - كانوا شرا من منافقي هذه الأمة حيث كانوا مظهرين للكفر ~~ومبطنين للنفاق فهم شر ممن يظهر إيمانا ويبطن نفاقا. والمقصود أن المتمسكين ~~بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم ~~بالكلية؛ فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل؛ لا ~~يلتزمون لله أمرا ولا نهيا بحال؛ بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ~~ببقايا من الملل: كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين ببقايا من دين إبراهيم ~~عليه السلام فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه وإن كانوا مع ذلك مشركين ~~وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق بحيث يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر ~~عليهم ولا نهي. فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ~~ونهي بحيث لا يجب عليها شيء ولا يحرم عليها شيء فهؤلاء أكفر أهل الأرض وهم ~~من جنس فرعون وذويه وهم مع هذا لا بد أن يلتزموا بشيء يعيشون به إذ ms3605 لا يمكن ~~النوع الإنساني أن يعيش إلا بنوع أمر ونهي فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته ~~إلى طاعة الشيطان وعبادته؛ ففرعون هو الذي قال لموسى: {وما رب العالمين} ثم ~~كانت له آلهة يعبدها. كما قال له قومه: {ويذرك وآلهتك} . # PageV11P402 # ولكن كثير من هؤلاء لا يطلقون السلب العام ويخرجون عن ربقة العبودية ~~مطلقا بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم أو حل بعض المحرمات لهم فمنهم من ~~يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود وربما قد يزعم سقوطها ~~عنه إذا كان في حال مشاهدة وحضور وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء ~~عنها بما هو فيه من التوجه والحضور ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته ~~عليه؛ لأن الكعبة تطوف به أو لغير هذا من الحالات الشيطانية. ومنهم من ~~يستحل الفطر في رمضان لغير عذر شرعي زعما منه استغناؤه عن الصيام. ومنهم من ~~يستحل الخمر زعما منه أنها إنما تحرم على العامة الذين إذا شربوها تخاصموا ~~وتضاربوا دون الخاصة العقلاء ويزعمون أنها تحرم على العامة الذين ليس لهم ~~أعمال صالحة فأما أهل النفوس الزكية والأعمال الصالحة: فتباح لهم دون ~~العامة. وهذه " الشبهة " كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة على ~~قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك فإن قدامة بن مضعون شربها هو وطائفة وتأولوا ~~قوله تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي ~~بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا ~~على استحلالها قتلوا. وقال عمر # PageV11P403 # لقدامة: أخطأت استك الحفرة. أما إنك لو اتقيت وأمنت وعملت الصالحات لم ~~تشرب الخمر؛ وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب: أن الله سبحانه لما حرم الخمر - ~~وكان تحريمها بعد وقعة أحد - قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا ~~وهم يشربون الخمر؟ . فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في ~~الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من ms3606 المؤمنين المتقين ~~المصلحين. وهذا كما أنه لما صرف القبلة وأمرهم باستقبال الكعبة بعد أن ~~كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس فقال الله تعالى: {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} أي صلاتكم إلى بيت المقدس. فبين سبحانه أن من عمل بطاعة الله ~~أثابه الله على ذلك وإن نهى عن ذلك في وقت آخر ومن استحل ما لم يحرمه لم ~~يكن عليه جناح إذا كان من المؤمنين المتقين وإن حرم الله ذلك في وقت آخر. ~~فأما بعد أن حرم الخمر فاستحلالها بمنزلة الصلاة إلى الصخرة بعد تحريم ذلك ~~وبمنزلة التعبد بالسبت واستحلال الزنا وغير ذلك مما استقرت الشريعة على ~~خلاف ما كان وإلا فليس لأحد أن يستمسك من شرع منسوخ بأمر. ومن فعل ذلك كان ~~بمنزلة المستمسك بما نسخ من الشرائع؛ فلهذا اتفق الصحابة على أن من استحل ~~الخمر قتلوه ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطئوا وأيسوا ~~من التوبة. فكتب # PageV11P404 # عمر إلى قدامة يقول له: {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} {غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب} ما أدري أي ذنبيك أعظم استحلالك المحرم ~~أولا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق ~~عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك ومن جحد وجوب بعض الواجبات ~~الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق أو ~~جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم والخمر والميسر ~~والزنا وغير ذلك. أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم ~~والنكاح. فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أضمر ذلك كان زنديقا ~~منافقا لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يقتل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه. ~~ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش: كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب والخلو ~~بهن زعما منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن وإن كان محرما في ~~الشريعة. وكذلك من يستحل ذلك من المردان ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ~~ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين حتى يترقى من محبة المخلوق ms3607 إلى محبة ~~الخالق ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى وقد يستحلون الفاحشة الكبرى كما ~~يستحلها من يقول: إن التلوط مباح بملك اليمين. فهؤلاء كلهم كفار باتفاق ~~المسلمين وهم بمنزلة # PageV11P405 # من يستحل قتل المسلمين بغير حق. ويسبي حريمهم ويغنم أموالهم وغير ذلك من ~~المحرمات التي يعلم أنها من المحرمات تحريما ظاهرا متواترا. # لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به ف ### | لا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة # من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولهذا لو أسلم رجل ولم ~~يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد ~~إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية. بل قد اختلف ~~العلماء فيمن أسلم بدار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة ثم علم. هل يجب ~~عليه قضاء ما تركه في حال الجهل؟ على قولين في مذهب الإمام أحمد وغيره: ~~أحدهما: لا يجب عليه القضاء وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: يجب عليه القضاء ~~وهو المشهور عند أصحاب الشافعي بل النزاع بين العلماء في كل من ترك واجبا ~~قبل بلوغ الحجة: مثل ترك الصلاة عند عدم الماء يحسب أن الصلاة لا تصح بتيمم ~~أو من أكل حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويحسب أن ذلك هو ~~المراد بالآية كما جرى ذلك # PageV11P406 # لبعض الصحابة أو مس ذكره أو أكل لحم الإبل ولم يتوضأ ثم تبين له وجوب ذلك ~~وأمثال هذه المسائل هل يجب عليه القضاء؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. ~~وأصل ذلك هل يثبت حكم الخطاب في حق المكلف قبل التمكن من سماعه؟ على " ~~ثلاثة أقوال " في مذهب أحمد وغيره. قيل: يثبت مطلقا وقيل: لا يثبت مطلقا؛ ~~وقيل: يفرق بين الخطاب الناسخ؛ والخطاب المبتدأ. كأهل القبلة والصحيح الذي ~~تدل عليه الأدلة الشرعية: أن الخطاب لا يثبت في حق أحد قبل التمكن من ~~سماعه؛ فإن ms3608 القضاء لا يجب عليه في الصور المذكورة ونظائرها مع اتفاقهم على ~~انتفاء الإثم؛ لأن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان فإذا كان هذا في ~~التأثيم فكيف في التكفير وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي ~~يندرس فيها كثير من علوم النبوات حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله ~~من الكتاب والحكمة فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من ~~يبلغه ذلك ومثل هذا لا يكفر؛ ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة ~~عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيئا من هذه الأحكام ~~الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول؛ ولهذا ~~جاء في الحديث {يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا # PageV11P407 # صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقول أدركنا آباءنا وهم ~~يقولون: لا إله إلا الله وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا. فقال: ولا ~~صوم ينجيهم من النار} . وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {قال رجل - لم يعجل حسنة قط - ~~لأهله إذا مات فحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر ~~الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ~~ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال: لم ~~فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم؛ فغفر الله له} وفي لفظ آخر {أسرف ~~رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ~~اسحقوني ثم أذروني في البحر. فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه ~~أحدا. قال: ففعلوا ذلك به. فقال للأرض: أد ما أخذت فإذا هو قائم. فقال له: ~~ما حملك على ما صنعت. قال: خشيتك يا رب. أو قال: مخافتك فغفر له بذلك} وفي ms3609 ~~طريق آخر {قال الله لكل شيء أخذ منه شيئا: أد ما أخذت منه} . وقد أخرج ~~البخاري هذه القصة من حديث حذيفة وعقبة بن عمرو أيضا عن حذيفة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {كان # PageV11P408 # رجل فيمن كان قبلكم كان يسيء الظن بعمله. فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني ~~فذروني في البحر في يوم صائف ففعلوا فجمعه الله. ثم قال: ما حملك على الذي ~~فعلت؟ فقال: ما حملني إلا مخافتك. فغفر له} . وفي طريق آخر: {أن رجلا حضره ~~الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا ~~وأوقدوا فيه نارا حتى إذا أكلت لحمي ووصلت إلى عظمي فامتحشت فخذوها ~~فاطحنوها ثم انظروا يوما فذروني في اليم. فجمعه الله فقال: له لم فعلت ذلك؟ ~~قال: من خشيتك. فغفر الله له} قال عقبة بن عمرو أنا سمعته - يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم - يقول ذلك. وكان نباشا. فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر ~~عليه إذا تفرق هذا التفرق فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار ~~قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر. لكنه كان مع إيمانه ~~بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك ضالا في هذا الظن مخطئا. فغفر ~~الله له ذلك. والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك وأدنى ~~هذا أن يكون شاكا في المعاد وذلك كفر - إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم ~~بكفره - هو بين في عدم إيمانه # PageV11P409 # بالله تعالى ومن تأول قوله: لئن قدر الله علي بمعنى قضى أو بمعنى ضيق فقد ~~أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ~~ويعاد. وقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر ~~فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا. فذكر هذه الجملة ~~الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها وأنه فعل ذلك لئلا ~~يقدر الله عليه إذا فعل ms3610 ذلك فلو كان مقرا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك ~~كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له؛ ولأن التقدير عليه ~~والتضييق موافقان للتعذيب وهو قد جعل تفريقه مغايرا لأن يقدر الرب. قال: ~~فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. فلا يكون ~~الشرط هو الجزاء؛ ولأنه لو كان مراده ذلك لقال: فوالله لئن جازاني ربي أو ~~لئن عاقبني ربي ليعذبني عذابا كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك: ولأن لفظ ~~" قدر " بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة. ومن استشهد على ذلك بقوله: {وقدر في ~~السرد} وقوله: {ومن قدر عليه رزقه} فقد استشهد بما لا يشهد له. فإن اللفظ ~~كان بقوله: {وقدر في السرد} أي اجعل ذلك بقدر ولا تزد ولا تنقص وقوله: {ومن ~~قدر عليه رزقه} أي جعل رزقه قدر ما يغنيه # PageV11P410 # من غير فضل إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش. وأما " قدر " بمعنى قدر. أي ~~أراد تقدير الخير والشر فهو لم يقل: إن قدر علي ربي العذاب بل قال: لئن قدر ~~علي ربي والتقدير يتناول النوعين فلا يصح أن يقال؛ لئن قضى الله علي؛ لأنه ~~قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره؛ ولأنه لو كان المراد التقدير أو ~~التضييق لم يكن ما فعله مانعا من ذلك في ظنه. ودلائل فساد هذا التحريف ~~كثيرة ليس هذا موضع بسطها فغاية ما في هذا أنه كان رجلا لم يكن عالما بجميع ~~ما يستحقه الله من الصفات وبتفصيل أنه القادر وكثير من المؤمنين قد يجهل ~~مثل ذلك فلا يكون كافرا. ومن تتبع الأحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا الجنس ~~ما يوافقه كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: {ألا ~~أحدثكم عني وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: بلى قالت: لما كانت ~~ليلتي التي النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع ~~نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع فلم ms3611 يثبت إلا ~~ريثما ظن أني رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتقل رويدا وفتح الباب رويدا فخرج ثم ~~أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره ~~حتى جاء البقيع. فقام فأطال القيام ثم رفع يديه # PageV11P411 # ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول وهرولت وأحضر وأحضرت ~~فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فقال: ما لك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: ~~لا شيء. قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قالت: قلت: يا رسول الله ~~بأبي أنت وأمي فأخبرته. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم فلهزني ~~في صدري لهزة أوجعتني. ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله قالت: قلت ~~مهما يكتم الناس يعلمه الله قال: نعم قال: فإن جبريل - عليه السلام - أتاني ~~حين رأيت فناداني - فأخفاه منك فأجبته وأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد ~~وضعت ثيابك وظننت أنك رقدت وكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي - فقال: إن ربك ~~يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: ~~قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين ~~منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون} . فهذه عائشة أم المؤمنين: سألت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وسلم نعم وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك ولم تكن ~~قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة وإن كان الإقرار بذلك # PageV11P412 # بعد قيام الحجة من أصول الإيمان وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل ~~شيء هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب ولهذا لهزها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله وهذا الأصل مبسوط ~~في غير هذا الموضع. فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به ~~حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها ودلائل ~~فساد هذا القول كثيرة ms3612 في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها ومشايخها ~~لا يحتاج إلى بسطها. بل قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأمر والنهي ~~ثابت في حق العباد إلى الموت. وأما قول القائل: هل يصدر ذلك عمن في قلبه ~~خضوع للنبي صلى الله عليه وسلم؟ . فيقال: هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات ~~مطلقا بل قائل ذلك كافر بجميع الأنبياء والمرسلين؛ لأنهم جميعا أتوا بالأمر ~~والنهي للعباد إلى حين الموت بل لا يصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله ~~وإقرار بأنه إله العالم فإن هذا الإقرار يستلزم أن يكون الإنسان عبدا لله ~~خاضعا له ومن سوغ لإنسان أن يفعل ما يشاء من غير تعبد بعبادة الله فقد أنكر ~~أن يكون الله إلهه. # PageV11P413 # وأما قولهم إنهم قد تجوهروا فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا؟ . فيقال ~~لهم: ماذا تعنون بقولكم؟ فإن أرادوا أن النفس بقيت صافية طاهرة لا تنازع ~~إلى الشهوات والأهواء المردية فهذا لو كان حقا لكان معناه أن النفس قد صارت ~~مطيعة ليس فيها دواعي المعصية فتكون منقادة إلى فعل المأمور ولا تميل إلى ~~المحظور وهذا غايته أن تكون معصومة لا تطلب فعل القبيح وهذا ما يخرجها أن ~~تكون مأمورة منهية كالملائكة. وإذا قال مثل هؤلاء: لا ينافي ما عملنا قيل ~~لهم: الذي تعملونه إن كان من جنس الأهواء المردية فقد تناقضتم في زعمكم أن ~~نفوسكم لم يبق لها هوى. وإن كان من جنس الأعمال الصالحة فهذا جنس لا ينكر ~~فعلم أنهم متناقضون في هذا الكلام إذا أرادوا بتجوهر النفس صفاءها وطهارتها ~~عن الأكدار البشرية مع أن هذا الكمال ممتنع في حق البشر ما دامت الأرواح في ~~الأجسام؛ ولهذا أنكر المشايخ ذلك على من ادعاه كالآثار المعروفة في ذلك عن ~~الشيخ أبي علي الروذباري وغيرهم وأعظم الناس درجة الأنبياء عليهم السلام ~~وقد أمرهم الله بالتوبة والاستغفار حتى خاتم الرسل أمره الله في أواخر ما ~~أنزل عليه من القرآن ما أمره به بقوله: {إذا جاء نصر الله والفتح} {ورأيت ~~الناس يدخلون في ms3613 دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} ~~. # PageV11P414 # ولهذا كان الذي عليه سلف الأمة وأئمتها أن الأنبياء إنما هم معصومون من ~~الإقرار على الذنوب وأن الله يستدركهم بالتوبة التي يحبها الله - {يحب ~~التوابين} - وإن كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأن ما صدر منهم من ~~ذلك إنما كان لكمال النهاية بالتوبة لا لنقص البداية بالذنب. وأما غيرهم ~~فلا تجب له العصمة وإنما يدعي العصمة المطلقة لغير الأنبياء: الجهال من ~~الرافضة وغالية النساك وهذا مبسوط في موضعه. # وأما قولهم: حاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة فلا ريب أن الله يبعث ~~الأنبياء لما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد ولا ريب أن الله أمر ~~العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم ولا ريب أن الحكمة هي العلم ~~والعمل بها كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره من الأئمة؛ لكن أي شيء في هذا ~~مما يوجب سقوطها عن بعض العباد؟ وإنما يخرج عن الحكمة والمصلحة من يكون ~~سفيها مفسدا {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} {والله لا يحب ~~الفساد} . وأما قولهم: المراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام. ~~فالكلمة الأولى: زندقة ونفاق والثانية كذب واختلاق فإنه ليس المراد من ~~الشرائع مجرد ضبط العوام؛ بل المراد منها الصلاح باطنا # PageV11P415 # وظاهرا للخاصة والعامة في المعاش والمعاد ولكن في بعض فوائد العقوبات ~~المشروعة في الدنيا ضبط العوام. كما قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: " ~~إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " فإن من يكون من المنافقين ~~والفجار فإنه ينزجر بما يشاهده من العقوبات وينضبط عن انتهاك المحرمات فهذا ~~بعض فوائد العقوبات السلطانية المشروعة. وأما فوائد الأمر والنهي: فأعظم من ~~أن يحصيها خطاب أو كتاب؛ بل هي الجامعة لكل خير يطلب ويراد وفي الخروج عنها ~~كل شر وفساد. ودعوى هؤلاء أنهم من الخواص يوجب أنهم من حثالة منافقي العامة ~~وهم داخلون فيما نعت الله به المنافقين في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} ms3614 {يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون} {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون} {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} {وإذا قيل لهم آمنوا كما ~~آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون} - إلى قوله - {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} . وفي مثل قوله: {ألم تر ~~إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون # PageV11P416 # أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا} {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} {أولئك الذين يعلم الله ~~ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} {وما أرسلنا ~~من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} ولبسط الكلام على أمثال هؤلاء موضع غير هذا. ومن هؤلاء من يحتج ~~بقوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ويقول معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك ~~العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة. وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل ~~لك حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول ~~مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض وارتكاب المحارم وهذا كفر كما ~~تقدم. ومنهم من يظن استغناءه عن النوافل حينئذ وهذا مغبون منقوص جاهل ضال ~~خاسر باعتقاد الاستغناء عن النوافل واستخفافه بها حينئذ # PageV11P417 # بخلاف من تركها معتقدا كمال من فعلها حينئذ معظما لحاله فإن هذا ليس ~~مذموما وإن كان الفاعل لها مع ذلك أفضل منه أو يكون ms3615 هذا من المقربين ~~السابقين وهذا من المقتصدين أصحاب اليمين. ومن هؤلاء من يظن أن الاستمساك ~~بالشريعة - أمرا ونهيا - إنما يجب عليه ما لم يحصل له من المعرفة أو الحال ~~فإذا حصل له لم يجب عليه حينئذ الاستمساك بالشريعة النبوية بل له حينئذ أن ~~يمشي مع الحقيقة الكونية القدرية أو يفعل بمقتضى ذوقه ووجده وكشفه ورأيه من ~~غير اعتصام بالكتاب والسنة وهؤلاء منهم من يعاقب بسلب حاله حتى يصير منقوصا ~~عاجزا محروما ومنهم من يعاقب بسلب الطاعة حتى يصير فاسقا ومنهم من يعاقب ~~بسلب الإيمان حتى يصير مرتدا منافقا أو كافرا ملعنا. وهؤلاء كثيرون جدا ~~وكثير من هؤلاء يحتج بقصة موسى والخضر. فأما استدلالهم بقوله تعالى: {واعبد ~~ربك حتى يأتيك اليقين} فهي عليهم لا لهم قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل ~~لعمل المؤمنين أجلا دون الموت وقرأ قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ؛ ~~وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين وهؤلاء من ~~المستيقنين. وذلك مثل قوله: {ما سلككم في سقر} {قالوا لم نك من المصلين} - ~~إلى قوله - {وكنا نخوض مع الخائضين} # PageV11P418 # {وكنا نكذب بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} فهذا قالوه وهم في جهنم. ~~وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة ~~والخوض مع الخائضين حتى أتاهم اليقين. ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا ~~مؤمنين بذلك في الدنيا ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم: {وبالآخرة هم ~~يوقنون} وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون وهو اليقين. ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح - {لما توفي عثمان بن مظعون - وشهدت ~~له بعض النسوة بالجنة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وما يدريك؟ إني ~~والله وأنا رسول الله ما أدري ما يفعل بي} وقال: {أما عثمان فقد جاءه ~~اليقين من ربه} أي أتاه ما وعده وهو اليقين. و " يقين " على وزن فعيل. ~~وسواء كان فعيل بمعنى مفعول أي الموت. كالحبيب والنصيح والذبيح أو كان ~~مصدرا وضع موضع المفعول. كقوله: ms3616 {هذا خلق الله} وقوله: {أتى أمر الله} ~~وقوله: ضرب الأمير؛ وغفر الله لك. قيل: وقولهم قدرة عظيمة. وأمثال ذلك؛ ~~فإنه كثير. فعلى التقديرين المعنى لا يختلف؛ بل اليقين هو ما وعد به العباد ~~من أمر الآخرة وقوله: {حتى يأتيك اليقين} كقولك: يأتيك ما توعد. # فأما أن يظن أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان ثم لا عبادة # PageV11P419 # عليك. فهذا كفر باتفاق أئمة المسلمين؛ ولهذا لما ذكر للجنيد بن محمد أن ~~قوما يزعمون أنهم يصلون من طريق البر إلى ترك العبادات. فقال: الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء وما زال أئمة الدين ومشايخه يعظمون ~~النكير على هؤلاء المنافقين وإن كانوا من الزهاد العابدين وأهل الكشف ~~والتصرف في الكون وأرباب الكلام والنظر في العلوم فإن هذه الأمور قد يكون ~~بعضها في أهل الكفر والنفاق ومن المشركين وأهل الكتاب. وإنما الفاصل بين ~~أهل الجنة وأهل النار؛ الإيمان والتقوى. الذي هو نعت أولياء الله. كما قال: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} وأما احتجاجهم بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين: (أحدهما: أن ~~يقولوا: إن الخضر كان مشاهدا الإرادة الربانية الشاملة والمشيئة الإلهية ~~العامة وهي " الحقيقة الكونية ". فلذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر ~~والنهي الشرعي وهو من عظيم الجهل والضلال بل من عظيم النفاق والكفر فإن ~~مضمون هذا الكلام: أن من آمن بالقدر وشهد أن الله رب كل شيء لم يكن عليه ~~أمر ولا نهي وهذا كفر بجميع كتب الله ورسله وما جاءوا به من الأمر والنهي ~~وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء} قال الله # PageV11P420 # تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} ونظير هذا في سورة ~~النحل وفي سورة يس. {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا أنطعم ms3617 من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين} وكذلك ~~في سورة الزخرف: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يخرصون} . وهؤلاء هم " القدرية المشركية " الذين يحتجون بالقدر على ~~دفع الأمر والنهي هم شر من القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة الذين روي ~~فيهم: " إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم "؛ لأن هؤلاء يقرون ~~بالأمر والنهي والثواب والعقاب لكن أنكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق ~~وربما أنكروا سابق العلم. وأما " القدرية المشركية " فإنهم ينكرون الأمر ~~والنهي والثواب والعقاب، لكن وإن لم ينكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق ~~فإنهم ينكرون الأمر والنهي والوعد والوعيد ويكفرون بجميع الرسل والكتب؛ فإن ~~الله إنما أرسل الرسل مبشرين من أطاعهم بالثواب ومنذرين من عصاهم بالعقاب. ~~وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع غير هذا. # PageV11P421 # و " أيضا " فإن موسى # عليه السلام كان مؤمنا بالقدر وعالما به بل أتباعه من بني إسرائيل كانوا ~~أيضا مؤمنين بالقدر فهل يظن من له أدنى عقل أن موسى طلب أن يتعلم من الخضر ~~الإيمان بالقدر وأن ذلك يدفع الملام مع أن موسى أعلم بالقدر من الخضر بل ~~عموم أصحاب موسى يعلمون ذلك. و " أيضا " فلو كان هذا هو السر في قصة الخضر ~~بين ذلك لموسى. وقال: إني كنت شاهدا للإرادة والقدر وليس الأمر كذلك. بل ~~بين له أسبابا شرعية تبيح له ما فعل. كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وأما " ~~الوجه الثاني ": فإن من هؤلاء من يظن: أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن ~~الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وأنه قد يكون للولي ~~في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو ~~بعضها وكثير منهم يفضل الولي في زعمه إما مطلقا وإما من بعض الوجوه على ~~النبي زاعمين أن في قصة الخضر حجة لهم وكل هذه المقالات من أعظم الجهالات ~~والضلالات؛ بل من أعظم أنواع النفاق والإلحاد والكفر. فإنه قد علم ~~بالاضطرار من دين ms3618 الإسلام: أن رسالة محمد بن عبد # PageV11P422 # الله - صلى الله عليه وسلم - لجميع الناس: عربهم وعجمهم وملوكهم وزهادهم ~~وعلمائهم وعامتهم وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة؛ بل عامة الثقلين الجن ~~والإنس وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما ~~يشرعه لأمته من الدين. وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات بل لو ~~كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته. وقال الله ~~تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} . قال ابن عباس: ما بعث ~~الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ~~وأمره بأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وفي ~~سنن النسائي عن جابر {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى بيد عمر بن ~~الخطاب ورقة من التوراة فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء ~~نقية لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي} - هذا أو نحوه - ورواه أحمد في ~~المسند ولفظه: {ولو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم} وفي مراسيل ~~أبي داود قال: {كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا كتابا غير كتابكم. أنزل على # PageV11P423 # نبي غير نبيهم} وأنزل الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم} الآية. بل قد ثبت بل بالأحاديث الصحيحة {أن المسيح عيسى ابن ~~مريم إذا نزل من السماء فإنه يكون متبعا لشريعة محمد بن عبد الله صلى الله ~~عليه وسلم} فإذا كان صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه ونصره على من يدركه من ~~الأنبياء. فكيف بمن دونهم؟ بل مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا ~~يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره كموسى وعيسى. فإذا لم يجز ~~الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول فكيف بالخروج عنه والرسل؟ كما قال تعالى: ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل ms3619 إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون} {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} . وقال تعالى: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير} . # PageV11P424 # ولهذا لما كان قد دخل فيما ينقله أهل الكتاب عن الأنبياء تحريف وتبديل: ~~كان ما علمنا أنه صدق عنهم آمنا به وما علمنا أنه كذب رددناه وما لم نعلم ~~حاله لم نصدقه ولم نكذبه كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ~~فإما أن يحدثونكم بباطل فتصدقوهم وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم. وقولوا: ~~آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم} . ومما يبين الغلط الذي وقع لهم في ~~الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة: أن موسى عليه السلام لم يكن ~~مبعوثا إلى الخضر ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته؛ بل قد ثبت في ~~الصحيحين {إن الخضر قال له: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله ~~لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه} وذلك أن دعوة موسى ~~كانت خاصة. وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: فيما فضله الله به على الأنبياء قال: {كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ~~وبعثت إلى الناس عامة} فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد ~~ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته ولا استغناء عن رسالته كما ساغ للخضر ~~الخروج عن متابعة موسى وطاعته # PageV11P425 # مستغنيا عنه بما علمه الله. وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: ~~إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه ومن سوغ ms3620 هذا أو اعتقد أن ~~أحدا من الخلق: الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ومتابعته فهو كافر باتفاق المسلمين. ودلائل هذا من الكتاب والسنة ~~أكثر من أن تذكر هنا. وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة؛ ولهذا لما بين ~~الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل وافقه موسى ولم يختلفا حينئذ. ~~ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى لما وافقه. ومثل هذا وأمثاله يقع ~~للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة ~~والآخر لا يعلم ذلك السبب وإن كان قد يكون أفضل من الأول. مثل شخصين: دخلا ~~إلى بيت شخص وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله إما بإذن لفظي أو ~~غيره فيتصرف. وذلك مباح في الشريعة والآخر الذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف ~~وخرق السفينة كان من هذا الباب فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة إذا علموا ذلك؛ ~~لئلا يأخذها. . . (1) خير من انتزاعها منهم. PageV11P426 # ونظير هذا حديث الشاة التي أصابها الموت فذبحتها امرأة بدون إذن أهلها. ~~فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأذن لهم في أكلها ولم يلزم التي ~~ذبحت بضمان ما نقصت بالذبح؛ لأنه كان مأذونا فيه عرفا والإذن العرفي كالإذن ~~اللفظي؛ ولهذا {بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان في غيبته بدون ~~استئذانه لفظا} ولهذا لما دعاه أبو طلحة ونفرا قليلا إلى بيته قام بجميع ~~أهل المسجد لما علم من طيب نفس أبي طلحة وذلك لما يجعله الله من البركة. ~~وكذلك حديث جابر. وقد ثبت أن لحاما دعاه فاستأذنه في شخص يستتبعه؛ لأنه لم ~~يكن يعلم من طيب نفس اللحام ما علمه من طيب نفس أبي طلحة وجابر وغيرهما ~~وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه لعلمه بأنه كان يفتنهما ~~عن دينهما وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين بل يجوز قتلهم لدفع الصول ~~على الأموال؛ فلهذا ms3621 ثبت في صحيح البخاري أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس ~~عن قتل الغلمان قال: " إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم ~~وإلا فلا تقتلهم ". وكذلك في الصحيحين {أن عمر لما استأذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قتل ابن صياد وكان مراهقا لما ظنه الدجال فقال: إن يكنه فلن ~~تسلط عليه وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله} فلم يقل إن يكنه فلا خير لك في ~~قتله بل قال: {فلن تسلط عليه} . # PageV11P427 # وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ذلك محذورا ~~وإلا كان التعليل بالصغر كافيا فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم كان الأخص ~~عديم التأثير كما قال في الهرة: {إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات} . وأما بناء الجدار فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم وقد بين ~~الخضر: أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع؛ وإن كان ~~جائعا. ومن ذلك أن من أسباب الوجوب والتحريم والإباحة ما قد يكون ظاهرا ~~فيشترك فيها الناس ومنه ما يكون خفيا عن بعضهم ظاهرا لبعضهم على الوجه ~~المعتاد ومنه ما يكون خفيا يعرف بطريق الكشف وقصة الخضر من هذا الباب. وذلك ~~يقع كثيرا في أمتنا. مثل أن يقدم لبعضهم طعام فيكشف له أنه مغصوب فيحرم ~~عليه أكله وإن لم يحرم ذلك على من لم يعلم ذلك أو يظفر بمال يعلم أن صاحبه ~~أذن له فيه فيحل له أكله فإنه لا يحل ذلك لمن لم يعلم الإذن. وأمثال ذلك. ~~فمثل هذا إذا كان الشيخ من المعروفين بالصدق والإخلاص كان مثل هذا من مواقع ~~الاجتهاد الذي يصيب فيه تارة ويخطئ أخرى، # PageV11P428 # فإن المكاشفات يقع فيها من الصواب والخطأ نظير ما يقع في الرؤيا وتأويلها ~~والرأي والرواية وليس شيء معصوما على الإطلاق إلا ما ثبت عن الرسول؛ ولهذا ~~يجب رد جميع الأمور إلى ما بعث به ولهذا كان الصديق المتلقي عن الرسول كل ~~شيء؛ مثل أبي بكر أفضل من ms3622 المحدث مثل عمر؛ وكان الصديق يبين للمحدث المواضع ~~التي اشتبهت عليه؛ حتى يرده إلى الصواب. كما فعل أبو بكر بعمر يوم ~~الحديبية؛ ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم وفي قتال مانعي الزكاة وغير ~~ذلك. وهذا الباب قد بسطناه في غير هذا الموضع. والمقصود أنه ليس في قصة ~~الخضر ما يسوغ مخالفة شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلق. ~~نعم لفظ " الشرع " قد صار فيه اشتراك في عرف العامة منهم من يجعله عبارة عن ~~حكم الحكام ولا ريب أن حكم الحاكم قد يطابق الحق في الباطن وقد يخالفه ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أم سلمة: {إنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما ~~أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} ~~وقد اتفق المسلمون على أن حكم الحاكم بالحقوق المرسلة لا يغير الشيء عن ~~صفته في الباطن فلو حكم بمال زيد لعمر لإقرار أو بينة # PageV11P429 # كان ذلك باطلا في الباطن ولم يبح ذلك له في الباطن ولا يجوز له أخذه مع ~~العلم بالحال باتفاق المسلمين وكذلك عند جماهير الأمة لو حكم بعقد أو فسخ ~~نكاح أو طلاق وبيع فإن حكمه لا يغير الباطن عندهم وإن كان منهم من يقول: ~~حكمه يغير ذلك في هذا الموضع؛ لأن له ولاية العقود والفسوخ. فالصحيح قول ~~الجمهور وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وسائر فقهاء أهل الحجاز والحديث ~~وكثير من فقهاء العراق. # وأيضا فلفظ " الشرع " في هذا الزمان يطلق على ثلاثة معان: شرع منزل وشرع ~~متأول وشرع مبدل. " فالمنزل " الكتاب والسنة فهذا الذي يجب اتباعه على كل ~~واحد ومن اعتقد أنه لا يجب اتباعه على بعض الناس فهو كافر. و " المتأول " ~~موارد الاجتهاد التي تنازع فيها العلماء فاتباع أحد المجتهدين جائز لمن ~~اعتقد أن حجته هي القوية أو لمن ساغ له تقليده ولا يجب على عموم المسلمين ~~اتباع أحد بعينه إلا ms3623 رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكثير من المتفقهة إذا ~~رأى بعض الناس من المشايخ الصالحين يرى أنه يكون الصواب مع ذلك وغيره قد ~~خالف # PageV11P430 # الشرع وإنما خالف ما يظنه هو الشرع وقد يكون ظنه خطأ فيثاب على اجتهاده ~~وخطؤه مغفور له وقد يكون الآخر مجتهدا مخطئا. وأما " الشرع المبدل ": فمثل ~~الأحاديث الموضوعة والتأويلات الفاسدة والأقيسة الباطلة والتقليد المحرم ~~فهذا يحرم أيضا. وهذا من مثار النزاع فإن كثيرا من المتفقهة والمتكلمة قد ~~يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع مذهبه المعين وتقليد متبوعه؛ ~~والتزام حكم حاكمه باطنا وظاهرا ويرى خروجه عن ذلك خروجا عن الشريعة ~~المحمدية وهذا جهل منه وظلم؛ بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق. كما أن ~~كثيرا من المتصوفة والمتفقرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه وهو في هذا نظير ~~ذلك. وكل من هؤلاء قد يسوغ الخروج عما جاء به الكتاب والسنة لما يظنه ~~معارضا لهما إما لما يسميه هذا ذوقا ووجدا ومكاشفات ومخاطبات وإما لما ~~يسميه هذا قياسا ورأيا وعقليات وقواطع وكل ذلك من شعب النفاق بل يجب على كل ~~أحد تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما أخبر به وطاعته في جميع ما ~~أمر به وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال ولا بآراء الرجال وكل ما عارضه ~~فهو خطأ وضلال. # PageV11P431 # وقد ذكرنا من تفصيل ذلك في غير هذا الموضع ما لا يتسع له هذا المجال. ~~والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه؛ من الأقوال والأفعال ~~الباطنة والظاهرة وفي جميع الأحوال. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله ~~وحده وصلواته وسلامه على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV11P432 # سئل شيخ الإسلام: # عن الحديث المروي في " الأبدال " هل هو صحيح أم مقطوع؟ وهل " الأبدال " ~~مخصوصون بالشام؟ أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها ~~الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم؟ وهل صحيح أن الولي يكون قاعدا في جماعة ~~ويغيب جسده؟ وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من ~~المنسوبين إلى الدين ms3624 والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب ~~وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء # فأجاب: # أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل " الغوث " ~~الذي بمكة و " الأوتاد الأربعة " و " الأقطاب السبعة " و " الأبدال ~~الأربعين " و " النجباء الثلاثمائة ": فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله ~~تعالى؛ ولا هي أيضا مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ~~ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال. # PageV11P433 # فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن فيهم - يعني أهل الشام ~~- الأبدال الأربعين رجلا كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا} ولا ~~توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب؛ ولا هي مأثورة على ~~هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما؛ وإنما ~~توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ؛ وقد قالها إما آثرا لها ~~عن غيره أو ذاكرا. وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر ~~المتأخرين حقه بباطله فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب ~~رده وصار كثير من الناس على طرفي نقيض. قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من ~~الباطل. وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق وإنما الصواب التصديق ~~بالحق والتكذيب بالباطل وهذا تحقيق لما أخبر به النبي عليه السلام عن ركوب ~~هذه الأمة سنن من قبلها حذو القذة بالقذة. فإن أهل الكتابين لبسوا الحق ~~بالباطل وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم؛ ولهذا يتغير الدين # PageV11P434 # بالتبديل تارة وبالنسخ أخرى وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من ~~يدخل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل ولا بد ~~أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفا عن الرسل فينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره ~~المشركون. فالكتب المنزلة ms3625 من السماء والأثارة من العلم المأثورة عن خاتم ~~الأنبياء يميز الله بها الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وبذلك يتبين أن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقا في ~~كل زمان بل يجب القطع بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل؛ فإن المؤمنين يقلون ~~تارة ويكثرون أخرى ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى وينتقلون ~~في الأمكنة وليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل فيهم من ~~السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة وليس من شرط أولياء الله ~~أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل فيهم من السابقين المقربين تعيين العدد. وقد ~~بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من ~~أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من # PageV11P435 # ثلاثمائة فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ومن الممتنع أن يكون ذلك في ~~الكفار ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة ~~ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وإن كان قد خرج منها ~~بعد أن بويع فيها؛ ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل ~~منهم. ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل ~~وقت من أولياء الله المتقين؛ بل من الصديقين السابقين المقربين عدد لا يحصي ~~عدده إلا رب العالمين لا يحصرون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف ولما انقرضت ~~القرون الثلاثة الفاضلة كان في القرون الخالية من أولياء الله المتقين؛ بل ~~من السابقين المقربين من لا يعرف عدده وليسوا بمحصورين بعدد ولا محدودين ~~بأمد وكل من جعل لهم عددا محصورا فهو من المبطلين عمدا أو خطأ فنسأله من ~~كان القطب والثلاثة إلى سبعمائة في زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد عليهم ~~الصلاة والسلام في الفترة حين كان عامة الناس كفرة قال الله تعالى: {إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} أي ms3626 كان مؤمنا وحده وكان الناس كفارا ~~جميعا. وفي صحيح البخاري {أنه قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري ~~وغيرك} وقال الله تعالى: {هو الذي # PageV11P436 # بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} . وإن زعموا أنهم كانوا بعد ~~رسولنا عليه السلام نسألهم في أي زمان كانوا؟ ومن أول هؤلاء؟ وبأية آية؟ ~~وبأي حديث مشهور في الكتب الستة؟ وبأي إجماع متواتر من القرون الثلاثة ثبت ~~وجود هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده؟ لأن العقائد لا تعتقد إلا من هذه ~~الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلي {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فإن ~~لم يأتوا بهذه الأدلة الأربعة الشرعية فهم الكاذبون بلا ريب فلا نعتقد ~~أكاذيبهم. ويلزم منه أن يرزق الله سبحانه وتعالى الكفار وينصرهم على عدوهم ~~بالذات بلا واسطة ويرزق المؤمنين وينصرهم بواسطة المخلوقات والتعظيم في عدم ~~الواسطة كروح الله وناقة الله. تدبر ولا تتحير واحفظ القاعدة حفظا. # " فأما لفظ الغوث والغياث " فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين فلا ~~يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل. ومن زعم أن أهل ~~الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها # PageV11P437 # كشف الضر عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين ~~والسبعون إلى الأربعين والأربعون إلى السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة ~~إلى الغوث فهو كاذب ضال مشرك فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم ~~بقوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال سبحانه ~~وتعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} . فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه ~~حوائجهم بعده بوسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون} وقال إبراهيم عليه السلام داعيا لأهل مكة {ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما ms3627 ~~نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} {الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} . وقال النبي عليه ~~السلام لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالذكر {أيها الناس اربعوا على أنفسكم ~~فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون # PageV11P438 # سميعا قريبا؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} وهذا باب ~~واسع. وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم ~~المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم لا ظاهرا ولا باطنا بهذه الوسائط ~~والحجاب فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما يقوله ~~الظالمون علوا كبيرا وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من ~~إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به ثم مع هذا ~~يقولون إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ولا يعرف ~~له عين ولا أثر ولا يدرك له حس ولا خبر. وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب ~~فيهم مضاهاة للرافضة من بعض الوجوه؛ بل هذا الترتيب والأعداد تشبه من بعض ~~الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق ~~والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذي ما نزل الله به من سلطان. # PageV11P439 # وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد يعني ~~بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله به كما ~~يثبت الأرض بأوتادها وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء ~~فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد ~~العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان بدونه كان بحسبه وليس ذلك محصورا في أربعة ~~ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض. # وأما القطب فيوجد أيضا في كلامهم فلان من الأقطاب أو فلان قطب فكل من دار ~~عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره ~~سواء ms3628 كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو ~~دنياها باطنا أو ظاهرا ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر؛ لكن ~~الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا؛ ~~فهذا هو القطب في عرفهم فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره ~~وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء ولا ~~يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقا. # PageV11P440 # وكذلك لفظ " البدل " جاء في كلام كثير منهم فأما الحديث المرفوع فالأشبه ~~أنه ليس من كلام النبي عليه السلام فإن الإيمان كان بالحجاز وباليمن قبل ~~فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ثم لما كان في خلافة علي رضي الله ~~عنه قد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: " تمرق مارقة من المسلمين تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام؛ ~~ومعلوم أن الذين كانوا مع علي رضي الله عنه من الصحابة مثل عمار بن ياسر ~~وسهل بن حنيف ونحوهما كانوا أفضل من الذين كانوا مع معاوية وإن كان سعد بن ~~أبي وقاص ونحوه من القاعدين أفضل ممن كان معهما فكيف يعتقد مع هذا أن ~~الأبدال جميعهم الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام هذا باطل قطعا وإن ~~كان قد ورد في الشام وأهله فضائل معروفة فقد جعل الله لكل شيء قدرا. ~~والكلام يجب أن يكون بالعلم والقسط فمن تكلم في الدين بغير علم دخل في قوله ~~تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} وفي قوله تعالى {وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} ومن تكلم بقسط وعدل دخل في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} وفي قوله تعالى {وإذا قلتم فاعدلوا} وفي ~~قوله تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط} . والذين تكلموا باسم البدل فسروه ms3629 بمعان: منها أنهم أبدال ~~الأنبياء # PageV11P441 # ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا ومنها أنهم ~~أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات. وهذه الصفات كلها لا ~~تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض؛ وبهذا ~~التحرير يظهر المعنى في اسم " النجباء ". فالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر ~~بمعان باطلة بالكتاب والسنة وإجماع السلف مثل تفسير بعضهم " الغوث " هو ~~الذي يغيث الله به أهل الأرض في رزقهم ونصرهم فإن هذا نظير ما تقوله ~~النصارى في الباب وهو معدوم العين والأثر شبيه بحال المنتظر الذي دخل ~~السرداب من نحو أربعمائة وأربعين سنة. وكذلك من فسر " الأربعين الأبدال " ~~بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم فذلك باطل؛ بل النصر والرزق يحصل بأسباب ~~من آكدها دعاء المؤمنين وصلاتهم وإخلاصهم. ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا ~~بأقل ولا بأكثر؛ كما جاء في الحديث المعروف {أن سعد بن أبي وقاص قال: يا ~~رسول الله الرجل يكون حامية القوم أيسهم له مثل ما يسهم لأضعفهم؟ فقال: يا ~~سعد وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم} وقد يكون ~~للرزق والنصر أسباب أخر؛ فإن الفجار والكفار # PageV11P442 # أيضا يرزقون وينصرون؛ وقد يجدب الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم ~~لينيبوا إليه ويتوبوا من ذنوبهم فيجمع لهم بين غفران الذنوب وتفريج الكروب. ~~وقد يملي للكفار ويرسل السماء عليهم مدرارا؛ ويمددهم بأموال وبنين ~~ويستدرجهم من حيث لا يعلمون إما ليأخذهم في الدنيا أخذ عزيز مقتدر وإما ~~ليضعف عليهم العذاب في الآخرة فليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة؛ ~~قال الله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن} {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} {كلا} وليس في ~~أولياء الله المتقين؛ ولا عباد الله المخلصين الصالحين ولا أنبيائه ~~المرسلين؛ من كان غائب الجسد دائما عن أبصار الناس بل هذا من جنس قول ~~القائلين إن عليا في السحاب وإن محمد بن الحنفية في جبال رضوى وإن محمد بن ~~الحسن ms3630 بسرداب سامري وإن الحاكم بجبل مصر وإن الأبدال الأربعين رجال الغيب ~~بجبل لبنان فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان؛ نعم قد تخرق العادة ~~في حق الشخص فيغيب تارة عن أبصار الناس إما لدفع عدو عنه وإما لغير ذلك ~~وإما أنه يكون هكذا طول عمره فباطل نعم يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه ~~من أسرار الله تعالى وأمانته وأنواره ومعرفته غيبا عن أعين الناس ويكون ~~صلاحه وولايته غيبا عن # PageV11P443 # أكثر الناس فهذا هو الواقع وأسرار الحق بينه وبين أوليائه وأكثر الناس لا ~~يعلمون وقد بينا بطلان اسم الغوث مطلقا واندرج في ذلك غوث العجم ومكة ~~والغوث السابع. # وكذا لفظ " خاتم الأولياء " لفظ باطل لا أصل له وأول من ذكره محمد بن علي ~~الحكيم الترمذي وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن ~~حموية وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها وكل منهم يدعي أنه أفضل ~~من النبي عليه السلام من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان وكل ذلك ~~طمعا في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء وقد غلطوا؛ ~~فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك وليس كذلك خاتم ~~الأولياء فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله ~~عنه ثم عثمان رضي الله عنه ثم علي رضي الله عنه وخير قرونها القرن الذي بعث ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وخاتم ~~الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون في الناس وليس ذلك بخير الأولياء ~~ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنها ثم عمر: اللذان ~~ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما. # PageV11P444 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين؛ وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ms3631 خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين. # أما بعد، فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان ~~بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر " ~~البطائحية " يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس (1) ، لتشوف الهمم إلى ~~معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه فإن من كان غائبا عن ذلك قد يسمع ~~بعض أطراف الواقعة، PageV11P445 # ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع ~~غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة ولما حصل بها من عز الدين وظهور ~~كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة وظهور زيف من خرج عن ذلك ~~من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين. وقد كتبت في ~~غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء " البطائحية " وطريقهم وطريق (الشيخ أحمد بن ~~الرفاعي وحاله وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم؛ ليتبين ما دخلوا فيه ~~من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام؛ فإن ذلك يطول وصفه في هذا ~~الموضع وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في ~~مناظرتهم ومقابلتهم. وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا ~~الموضع - وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ~~ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين ~~الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد - ~~فيوجد أيضا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في ~~الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام ~~والكذب والتلبيس # PageV11P446 # وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما ~~يوجد. وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم ~~بعض ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التي يسمونها الإشارات وتاب منهم جماعة ~~وأدب منهم جماعة من شيوخهم وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة ms3632 ~~النار والحيات وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر ~~وغير ذلك وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة وأراد غير مرة منهم قوم ~~إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ~~ذلك بشرط التوبة حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض ~~البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة ~~ومن احترق كان مغلوبا فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك. وحكى ذلك الشيخ أنه ~~كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده قال: فقال لي: هذا ~~الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه ~~فأنكرت ذلك فقال لي إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت نعم قال فأقمت عنده إلى نصف ~~النهار ولم يظهر في الطعام أثر فاستعظم ذلك # PageV11P447 # التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن اليوم ~~بحضورك لم يظهر ذلك. فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك. ذلك التتري ~~كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك ~~من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك ~~بحضورك وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى ~~أمثالك فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض وأنتم بلق فيكم سواد ~~وبياض. فأعجب هذا المثل من كان حاضرا وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا تريد ~~أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن: من ~~الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة ~~والمتصوفة - لم يحسب لكم ذلك. فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلي عند ~~الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر؛ لا يذهب إلي عند ~~أهل الجهل بذلك. فقالوا لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا فقلت: همتي ~~ليست معكم؛ بل أنا معارض لكم ms3633 مانع لكم؛ لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا. ~~فانقلبوا صاغرين. # PageV11P448 # فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ ~~البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم وهو وأتباعه معروفون بأمور وكان يحضر ~~عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار ~~المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون به الناس ~~أن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم ~~- أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه - خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت هذا ~~بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا ~~من المشايخ الذين يقتدى بهم ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله ~~تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد ~~قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو {أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم رأى على رجل خاتما من حديد فقال ما لي أرى عليك حلية أهل ~~النار} . وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال فالتشبه ~~بأهل النار من المنكرات وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره {أحب القيد ~~وأكره الغل. القيد ثبات في الدين} فإذا كان مكروها في المنام فكيف في ~~اليقظة. فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحوا منه مع # PageV11P449 # زيادة وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ~~ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به. وذلك أن الأمور التي ليست ~~مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى ~~الله ولا اتخاذها طريقا إلى الله وسببا لأن يكون الرجل من أولياء الله ~~وأحبائه ولا اعتقاد ms3634 أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد ~~به الرجل خيرا عند الله وقربة إليه ولا أن يجعل شعارا للتائبين المريدين ~~وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم. فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء ~~به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات ~~أو مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه الله وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات ~~منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا ~~دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينا لم يأذن ~~الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف ~~بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر ~~الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر ~~طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره وعند ~~آخرين لا شيء عليه فلا # PageV11P450 # يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة (طاعة وعبادة) . # ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل " ~~الفتوة " و " رماة البندق " ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على ~~وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان دينا وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن ~~قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ ~~عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما ~~هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الكتاب والسنة؛ ~~إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه ~~قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم ms3635 ~~باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال ~~إنه قربة وطاعة. فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ~~ولا التعبد به ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين ~~لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل. وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من ~~العلماء والعباد يرون الشيء # PageV11P451 # إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه؛ بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه ~~دينا وطاعة وبرا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن ~~اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من ~~أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من ~~المعاصي التي يعلم أنها معاصي وسيئات. # فصل: # فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس ~~يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ~~ويطلبون الإيقاع بهم وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة ~~وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ لمسجد الجامع. وكان قد كتب إلي كتابا ~~بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل ~~إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة وحقيقة الأمر الصد عن سبيل ~~الله وأكل أموال الناس بالباطل. فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب. فإن جواب ~~مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه # PageV11P452 # وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا ~~بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله} ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون وفيهم شبه قوي ~~من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل} ولهذا كان السلف ms3636 يسمون أهل البدع أهل الأهواء. فحملهم هواهم على أن ~~تجمعوا تجمع الأحزاب ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال ~~التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونتفق على اتباع سبيله - فخرجوا من المسجد ~~الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على ~~مطلوبهم ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو - على ما ذكر لي - وهم من الصياح ~~والاضطراب على أمر من أعجب العجاب. فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة ~~والمعذرة وطلبا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة. فعمدوا إلى القصر ~~مرة ثانية وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج ~~والإزباد والإرعاد واضطراب الرءوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى وإظهار ~~التوله الذي # PageV11P453 # يخيلوا به على الردى وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم ~~من أضلوا من الجهال. فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر وسأل عنهم فقيل ~~له هم مشتكون فقال ليدخل بعضهم فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي ودعوى ~~الاعتداء مني عليهم كلاما كثيرا لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضرا ~~أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقالوا بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال ~~فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا قال فنسمع كلامه ~~فمن كان الحق معه نصرناه قالوا نريد أن تشد منا قال: لا ولكن أشد من الحق ~~سواء كان معكم أو معه قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم فكرروا ذلك فأمر ~~بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني ~~بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء. فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك ~~لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين لانتشارهم ~~في أقطار الأرضين وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا ~~أبلغ ما يمكن من الإحسان ms3637 فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة # PageV11P454 # الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال وإن ~~من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان. فجاء ~~الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار ~~وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة والخروج عما ينكر ~~عليهم من البدع الشنيعة. وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ~~ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله. ~~وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق. ثم ذكر لي أنه جاءهم ~~بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع. فاستخرت ~~الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله ~~في مثل هذه المسالك حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك ~~وأنها تكون بردا وسلاما على من اتبع ملة الخليل وأنها تحرق أشباه الصابئة ~~أهل الخروج عن هذه السبيل. وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام ~~الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين ~~الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق ~~المبين فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية # PageV11P455 # والإسماعيلية. يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى ~~جحود الحق تعالى. ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج ~~عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق كالملحدين من أهل الاتحاد ~~والغالية من أصناف العباد. فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب ~~أحدا للإسعاد لكن ذهب أيضا بعض من كان حاضرا من الأصحاب والله هو المسبب ~~لجميع الأسباب. وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء وقالوا ~~أنواعا مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء الذي استحوذوا به على أكثر ~~أهل الأرض من الأكابر والرؤساء مثل زعمهم أن لهم أحوالا لا يقاومهم فيها ~~أحد من الأولياء وأن لهم طريقا لا ms3638 يعرفها أحد من العلماء. وأن شيخهم هو في ~~المشايخ كالخليفة وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة وأن المنكر ~~عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر. وأن لهم طريقا ~~وله طريق. وهم الواصلون إلى كنه التحقيق وأشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف ~~والتزويق. وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء ~~والأجناد لخفاء نور الإسلام واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، # PageV11P456 # وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار ~~لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل. قال ~~المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم ~~أمرهم الباهر وذكر لي أنواعا من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب ~~والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق فأعاد الرسول إلي مرة ثانية فبلغه ~~أنا في الطريق وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة ~~والمتفقرة وأتباع أهل الاتحاد. مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن ~~يعينهم في حضورهم. فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع ~~متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع. فذكر لي نائب السلطان وغيره من ~~الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء. وقال إنهم قالوا: ~~إنك طلبت منهم الامتحان وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها فقلت هذا من ~~البهتان. وها أنا ذا أصف ما كان. قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدا ~~بأن يدخل نارا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار. وفي ذلك الحديث الصحيح. ~~وهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ~~ودنياهم ما الله به عليم. وذكرت # PageV11P457 # تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبسوا على الأمير المعروف بالأيدمري. ~~وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما وقد لبسوا أيضا على الملك العادل كتغا ~~في ملكه وفي حالة ولاية حماه وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر وضاق ~~المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم. فذكرت تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا ~~يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال ms3639 بيته الباطنة ثم يخبرونه بها على طريق ~~المكاشفة ووعدوه بالملك وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشبا طوالا ~~وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج فجعلوا يمشون على جبل ~~المزة وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا ~~منه مالا كثيرا ثم انكشف له أمرهم. قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة ~~الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة. وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلا في ~~القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى تتكلم وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل ~~زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود ~~عليه بركته وقالوا إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو ~~يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد ~~الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز # PageV11P458 # فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس ~~كتب أصحاب قفجق إليه كتابا وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى. ~~وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها وأنا ~~نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه ~~فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك ~~بالمجلس العام كما سأذكره. قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون ~~أن لهم أحوالا يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون ~~لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع ليس لهم أن يعترضوا علينا بل ~~يسلم إلينا ما نحن عليه - سواء وافق الشرع أو خالفه - وأنا قد استخرت الله ~~سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة ~~الله وكان مغلوبا وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار. فقال الأمير ~~ولم ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن ~~قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك ms3640 # PageV11P459 # من الحيل المعروفة لهم وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل ~~والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال: ~~أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك وألقى في قلبي أن أفعله ~~ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنا وظاهرا لحجة أو حاجة فالحجة لإقامة ~~دين الله والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله ~~وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين ~~الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم ~~في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا ~~حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات. ~~وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى ~~بالعصا التي ابتلعت سحرهم. فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على ~~السماط بذلك وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر ~~أحد على رده وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا ~~جالس بينها على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال اليوم ترى ~~حربا عظيما ولعل ذاك كان # PageV11P460 # جوابا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل. وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون ~~من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير إنما يكون الصلح ~~بعد ظهور الحق وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبها در فسمعته ~~يذكر له أيوب الحمال بمصر والمولهين ونحو ذلك فدل ذلك على أنه كان عند هذا ~~الأمير لهم صورة معظمة وأن لهم فيهم ظنا حسنا والله أعلم بحقيقة الحال؛ ~~فإنه ذكر لي ذلك. وكان الأمير أحب أن يشهد بها در هذه الواقعة ليتبين له ~~الحق فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم ms3641 الآن وهو ~~يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان. وقد قدم البطائحية وهم ~~جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة ~~الرءوس والأعضاء والطفر والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات ~~والحركات الخارجة عن العادات المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله ~~{واقصد في مشيك واغضض من صوتك} . فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء ~~والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ ~~آخر # PageV11P461 # يسمي نفسه خليفة سيده أحمد ويركب بعلمين وهم يسمونه: عبد الله الكذاب ولم ~~أكن أعرف ذلك. وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت ~~به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني فبقي في ~~نفسي أن هذا خفي علي تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد بل ~~أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته ذكر لي أنه ~~ذاك الذي كان اجتمع بي قديما فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد ~~يكون حيث كتم تلبيسه بيني وبينه. فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم ~~بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب ~~من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة. (فقلت أما التوبة ~~فمقبولة. قال الله تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} هذه إلى ~~جنب هذه. وقال تعالى {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} {وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم} . فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب بن ~~منبه روى أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقا في حكاية من ~~حكايات بني إسرائيل لا تثبت. # PageV11P462 # فقلت لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة ~~لشرعنا قد روى الإمام أحمد في مسنده {عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: أمتهوكون يا ms3642 ~~ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه ~~وتركتموني لضللتم} وفي مراسيل أبي داود {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~مع بعض أصحابه شيئا من كتب أهل الكتاب فقال كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا ~~غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم} وأنزل الله تعالى {أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما ~~علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا وإنما علينا أن نتبع ما ~~أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا ~~كما قال تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} . فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني ~~إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها وما علينا من عباد بني إسرائيل {تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} هات ما في ~~القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية ~~قوية. # PageV11P463 # فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة ~~والفقهاء ونحن قوم شافعية. # فقلت له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ~~ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي ~~الشافعية ودعوته وقلت: يا كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال هذا بدعة غير ~~مستحبة بل مكروهة أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من ~~العلماء بذلك. # وقلت ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا الخروج عن ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشك هل تكلمت هنا في قصة ~~موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بعد عهدي به. فانتدب ذلك الشيخ " عبد الله " ~~ورفع صوته. وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها وذكر كلاما لم ~~أضبط لفظه: مثل المجالس ms3643 والمدارس والباطن والظاهر؛ ومضمونه أن لنا الباطن ~~ولغيرنا الظاهر وأن لنا أمرا لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا ~~(فقلت له - ورفعت صوتي # PageV11P464 # وغضبت: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق كل هذا مردود ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد الخروج عن كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا من المشايخ والفقراء ولا من الملوك ~~والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. وذكرت هذا ونحوه. فقال - ورفع صوته -: نحن لنا ~~الأحوال وكذا وكذا. وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها ~~وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها. فقلت - ورفعت صوتي وغضبت - أنا ~~أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع ~~مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب؛ وربما قلت فعليه لعنة الله؛ ولكن بعد ~~أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: ~~لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع. وقشر ~~النارنج. وحجر الطلق. فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا ~~وأنت نلف في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت. (فقلت فقم؛ # PageV11P465 # وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت: لا حتى ~~تغتسل في الماء الحار والخل فأظهر الوهم على عادتهم فقال من كان يحب الأمير ~~فليحضر خشبا أو قال حزمة حطب. فقلت هذا تطويل وتفريق للجمع؛ ولا يحصل به ~~مقصود؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل؛ ومن احترقت إصبعه ~~فعليه لعنة الله؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل. وذكر لي أن ~~وجهه اصفر. ثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ~~ولو طرتم في الهواء؛ ومشيتم على الماء؛ ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ~~ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع. ولا على إبطال الشرع؛ فإن ms3644 ~~الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر؛ وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي ~~كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه؛ ويقتل رجلا ثم يمشي بين شقيه ثم يقول له قم ~~فيقوم ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك ~~وقع عظيم في القلوب. وذكرت قول أبي يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في ~~الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر ~~والنواهي وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي أتدري # PageV11P466 # ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد؟ قال: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ~~فلا تغتر به. فقال الشافعي: لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء ~~فلا تغتر به؛ وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به. ومشايخهم الكبار ~~يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح وجعلت ألح عليه في إظهار ما أدعوه من ~~النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد ~~والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير والناس يضجون في الميدان ويتكلمون ~~بأشياء لا أضبطها. فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: {فوقع الحق ~~وبطل ما كانوا يعملون} {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} وذكروا أيضا أن هذا ~~الشيخ يسمى عبد الله الكذاب. وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما ~~فقلت: ظهر لي حين أخذ الدراهم وذهب أنه ملبس وكان قد حكى حكاية عن نفسه ~~مضمونها أنه أدخل النار في لحيته قدام صاحب حماة ولما فارقني وقع في قلبي ~~أن لحيته مدهونة. وأنه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم. فلما ظهر للحاضرين ~~عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون ~~رجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة ~~المحال؛ وقمنا إلى # PageV11P467 # داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما تطلب منهم فقلت: ~~متابعة الكتاب والسنة مثل أن لا يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما أو أنه ~~يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك أو أنه يجوز اتباع ms3645 طريقة تخالف بعض ~~حكمهما ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر. وقد ~~توجب القتل دون الكفر وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد ~~المقدور عليه. فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق؟ ~~نحن نخلعها. فقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئا معينا؛ وإنما ~~المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم. فقال الأمير فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب ~~والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن المقصود أن يلتزموا هذا ~~التزاما عاما ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية ~~الميدان - وكان المقصود أن يكون هذا حكما عاما في حق جميع الناس؛ فإن هذا ~~مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان ~~والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور - أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت ~~عنقه. # PageV11P468 # قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله؛ فإن من ~~هؤلاء من لا يصلي ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا ~~علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله. ~~وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي ~~أمرنا أن نقول فيها: {إياك نعبد وإياك نستعين} وهذا قد فعل بالأمس بحضرة ~~شيخهم فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير ~~الذنوب. ولم يأمره بإعادة الصلاة. وكذلك يصيحون في الصلاة صياحا عظيما وهذا ~~منكر يبطل الصلاة. فقال: هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس. فقلت: العطاس ~~من الله والله يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدهم دفعه وأما هذا ~~الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم ويقدرون على دفعه ولقد حدثني ~~بعض الخبيرين بهم بعد المجلس أنهم يفعلون في الصلاة ما لا تفعله اليهود ~~والنصارى: مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الإمام وقول الآخر كذا وكذا ms3646 من ~~الإمام ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك ~~الصلاة يصلون بالنوبة وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين ليسوا # PageV11P469 # مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في ~~الصلاة أو غيرها. فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان ~~بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم قلت له أهذا موافق للكتاب ~~والسنة؟ فقال: هذا من الله حال يرد عليهم فقلت: هذا من الشيطان الرجيم لم ~~يأمر الله به ولا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحبه الله ولا رسوله ~~فقال: ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته فقلت ~~له: هذا من باب القضاء والقدر وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان ~~هو بمشيئته وإرادته وليس ذلك بحجة لأحد في فعله؛ بل ذلك مما زينه الشيطان ~~وسخطه الرحمن. فقال: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال. فقلت: بهذه السياط ~~الشرعية. فأعجب الأمير وضحك وقال: أي والله بالسياط الشرعية تبطل هذه ~~الأحوال الشيطانية كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد ومن لم يجب إلى الدين ~~بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت: هذا نائب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وغلامه وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله وأعاد الأمير # PageV11P470 # هذا الكلام وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟ . ~~فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم والمبتدع ~~لا يقر على بدعته. فأفحموا لذلك. و " حقيقة الأمر " أن من أظهر منكرا في ~~دار الإسلام لم يقر على ذلك فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر ولا يقر من ~~أظهر الفجور وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم ومن سواهم ~~فإن كان مسلما أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته وإن لم يكن مسلما ولا ذميا ~~فهو إما مرتد وإما مشرك وإما زنديق ظاهر الزندقة. وذكرت ### | ذم " المبتدعة " # فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر ms3647 بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر ~~{عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته ~~إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة} . وفي السنن {عن العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطبة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول ~~الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال أوصيكم بالسمع والطاعة ~~فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين # PageV11P471 # من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل ~~محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} وفي رواية {وكل ضلالة في النار} . فقال لي: ~~البدعة مثل الزنا وروى حديثا في ذم الزنا فقلت هذا حديث موضوع على رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من المعصية كما قال ~~سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها ~~والبدعة لا يتاب منها. وكان قد قال بعضهم: نحن نتوب الناس فقلت: مماذا ~~تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم ~~خير من حالهم بعد تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ما هم عليه ~~ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين ~~مشركين خارجين عن شريعة الإسلام يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله ~~وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي. قلت مخاطبا للأمير ~~والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه {عن عمر بن الخطاب أن ~~رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد فلعنه رجل مرة. ~~وقال: # PageV11P472 # لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ms3648 ورسوله} . قلت: فهذا رجل ~~كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنه. وأما المبتدع فمثل ما ~~أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل ~~حديث بعضهم في بعض - {أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم فجاءه ~~رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وقال ما قال. ~~فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد} وفي رواية؛ {لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان ~~محمد لنكلوا عن العمل} وفي رواية {شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من ~~قتلوه} . " قلت ": فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من ~~العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم وقتلهم علي بن ~~أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # PageV11P473 # وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته وأظن أني ذكرت قول الشافعي: لأن يبتلى ~~العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء. ~~فلما ظهر قبح البدع في الإسلام وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر ~~وأنهم مبتدعون بدعا منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب ~~الخمر أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - ~~يعني أتباع أحمد بن الرفاعي - فقلت منكرا بكلام غليظ: ويحك؛ أي شيء هو ~~الجناب العزيز وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو الزرجنة (1) تريدون أن ~~تبطلوا دين الله ورسوله فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم فقلت: مثل ~~ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن ~~شرهم ويقول أصحابهم إن لهم سرا مع الله فنصر ms3649 الله وأعان عليهم. وكان ~~الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل. ~~وقلت لهم: يا شبه الرافضة يا بيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق ~~عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد ~~يقاربون به الرافضة في ذلك أو يساوونهم PageV11P474 # أو يزيدون عليهم فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: لا تقولوا أكذب من ~~اليهود على الله ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم وقلت لهم: أنا كافر ~~بكم وبأحوالكم {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} . ولما رددت عليهم الأحاديث ~~المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتبا صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك وأعيد ~~الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه وأعاد الأمير هذا الكلام ~~واستقر الكلام على ذلك. والحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده. # PageV11P475 # سئل شيخ الإسلام وناصر السنة فريد الوقت وبحر العلوم بقية المجتهدين وحجة ~~المتأخرين تاج العارفين وقدوة المحققين رحلة الطالبين ونخبة الراسخين إمام ~~الزاهدين ومنال المجتهدين الإمام الحجة النوراني والعالم المجتهد الرباني ~~تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ~~أدام الله علو قدره في الدارين وجعله يتسنم ذروة الكمال مسرور القلب قرير ~~العين: # عن " المرشدة " كيف كان أصلها وتأليفها؟ وهل تجوز قراءتها أم لا؟ # فأجاب - رحمه الله تعالى - قائلا: # الحمد لله رب العالمين، أصل هذه: أنه وضعها أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الله بن التومرت الذي تلقب بالمهدي وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة ~~الخامسة من نحو مائتي سنة وكان قد دخل إلى بلاد العراق وتعلم طرفا من العلم ~~وكان فيه طرف من الزهد والعبادة. ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب؛ ~~إلى قوم من البربر # PageV11P476 # وغيرهم: جهال لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم الصلاة ~~والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعا من ~~المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين فصار يجيء إلى ms3650 المقابر يدفن بها أقواما ~~ويواطئهم على أن يكلموه إذا دعاهم ويشهدوا له بما طلبه منهم مثل أن يشهدوا ~~له بأنه المهدي الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يواطئ اسمه ~~اسمه واسم أبيه اسم أبيه. وأنه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا ~~وظلما. وأن من اتبعه أفلح ومن خالفه خسر ونحو ذلك من الكلام. فإذا اعتقد ~~أولئك البربر أن الموتى يكلمونه ويشهدون له بذلك عظم اعتقادهم فيه وطاعتهم ~~لأمره. ثم إن أولئك المقبورين يهدم عليهم القبور ليموتوا ولا يظهروا أمره ~~واعتقد أن دماء أولئك مباحة بدون هذا وأنه يجوز له إظهار هذا الباطل ليقوم ~~أولئك الجهال بنصره واتباعه. وقد ذكر عنه أهل المغرب وأهل المشرق الذين ~~ذكروا أخباره من هذه الحكايات أنواعا. وهي مشهورة عند من يعرف حاله عنه. ~~ومن الحكايات التي يأثرونها عنه أنه واطأ رجلا على إظهار الجنون وكان ذلك ~~عالما يحفظ القرآن والحديث والفقه فظهر بصورة الجنون والناس لا يعرفونه إلا ~~مجنونا. ثم أصبح ذات يوم وهو عاقل يقرأ القرآن والحديث والفقه وزعم أنه علم ~~ذلك في المنام وعوفي مما كان # PageV11P477 # به وربما قيل: إنه ذكر لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ذلك فصاروا ~~يحسنون الظن بذلك الشخص وأنه كان لهم يوم يسمونه يوم الفرقان فرق فيه بين ~~أهل الجنة وأهل النار بزعمه فصار كل من علموا أنه من أوليائهم جعلوه من أهل ~~الجنة وعصموا دمه ومن علموا أنه من أعدائهم جعلوه من أهل النار فاستحلوا ~~دمه واستحل دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا من أهل ~~الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة يقرءون القرآن والحديث: ~~كالصحيحين والموطأ وغير ذلك والفقه على مذهب أهل المدينة فزعم أنهم مشبهة ~~مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهار ~~القول بالتشبيه والتجسيم. واستحل أيضا أموالهم وغير ذلك من المحرمات بهذا ~~التأويل ونحوه من جنس ما كانت تستحله الجهمية المعطلة - كالفلاسفة ~~والمعتزلة وسائر نفاة ms3651 الصفات - من أهل السنة والجماعة لما امتحنوا الناس في ~~" خلافة المأمون " وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في ~~الآخرة ونفوا أن يكون لله علم أو قدرة أو كلام أو مشيئة أو شيء من الصفات ~~القائمة بذاته. وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله وولوه ~~الولايات وأعطوه الرزق من بيت المال وقبلوا شهادته وافتدوه من # PageV11P478 # الأسر ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه ~~أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال ولم يولوه ولاية ولم ~~يقبلوا له شهادة ولم يفدوه من الكفار. يقولون: هذا مشبه؛ هذا مجسم لقوله: ~~إن الله يرى في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله استوى على ~~العرش ونحو ذلك. فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة في أواخر ~~خلافة المأمون وخلافة أخيه المعتصم والواثق بن المعتصم ثم إن الله تعالى ~~كشف الغمة عن الأمة في ولاية المتوكل على الله الذي جعل الله عامة خلفاء ~~بني العباس من ذريته دون ذرية الذين أقاموا المحنة لأهل السنة. فأمر ~~المتوكل برفع المحنة وإظهار الكتاب والسنة وأن يروى ما ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من الإثبات النافي للتعطيل. وكان أولئك ~~الجهمية المعطلة قد بلغ من تبديلهم للدين أنهم كانوا يكتبون على ستور ~~الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ولا يقولون: وهو السميع البصير ~~وأنهم كانوا يمتحنون الناس بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فإذا قالوا وهو ~~السميع البصير أنكروا عليهم ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف ~~به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير # PageV11P479 # تكييف ولا تمثيل. فلا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه ولا يمثلون صفاته ~~بصفات خلقه بل يعلمون أن الله ليس كمثله شيء. لا في ذاته ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات. والله تعالى ~~بعث الرسل فوصفوه بإثبات ms3652 مفصل ونفي مجمل. وأعداء الرسل: الجهمية الفلاسفة ~~ونحوهم وصفوه بنفي مفصل وإثبات مجمل. فإن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه ~~بأنه: بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه حي قيوم وأنه عزيز حكيم وأنه ~~غفور رحيم وأنه سميع بصير. وأنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين وأنه لا ~~يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وأنه رضي عن المؤمنين ورضوا عنه وأنه ~~يغضب على الكفار ويلعنهم وأنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. ~~وأنه كلم موسى تكليما وأن القرآن نزل به الروح الأمين من الله على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم. كما قال: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وروح ~~القدس هو جبريل كما قال في الآية الأخرى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله ~~على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه} وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين} ~~{على قلبك لتكون من المنذرين} وقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ~~ناظرة} وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} # PageV11P480 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ~~دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه؛ فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل ~~موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه ~~فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه؛ وهي الزيادة} وقد استفاض عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال: {إنكم سترون ربكم كما ترون ~~القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته} و {إن الناس قالوا: يا رسول الله؛ هل ~~نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضامون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟ ~~قالوا: لا قال: فهل تضارون في رؤية القمر صحوا ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. ~~قال: فإنكم سترون ربكم. كما ترون الشمس والقمر} فشبه صلى الله عليه وسلم ~~الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي؛ فإن العباد لا يحيطون بالله علما؛ ~~ولا ms3653 تدركه أبصارهم. كما قال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} . ~~وقد قال غير واحد: من السلف والعلماء إن " الإدراك " هو الإحاطة فالعباد ~~يرون الله تعالى عيانا ولا يحيطون به فهذا وأمثاله مما أخبر الله به ~~ورسوله. وقال تعالى في النفي: {ليس كمثله شيء} {فلا تجعلوا لله أندادا} # PageV11P481 # {هل تعلم له سميا} . {ولم يكن له كفوا أحد} فبين في هذه الآيات أن الله ~~لا كفو له ولا ند له ولا مثل له ولا سمي له. فمن قال: إن علم الله كعلمي أو ~~قدرته كقدرتي أو كلامه مثل كلامي أو إرادته ومحبته ورضاه وغضبه مثل إرادتي ~~ومحبتي ورضائي وغضبي أو استواءه على العرش كاستوائي أو نزوله كنزولي أو ~~إتيانه كإتياني ونحو ذلك فهذا قد شبه الله ومثله بخلقه تعالى الله عما ~~يقولون وهو ضال خبيث مبطل بل كافر. ومن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ~~ولا كلام ولا مشيئة ولا سمع ولا بصر ولا محبة ولا رضى ولا غضب ولا استواء ~~ولا إتيان ولا نزول فقد عطل أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وألحد في أسماء ~~الله وآياته وهو ضال خبيث مبطل بل كافر؛ بل مذهب الأئمة والسلف إثبات ~~الصفات ونفي التشبيه بالمخلوقات إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل كما قال ~~نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما ~~وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. ومما ~~يبين ذلك: أن الله تعالى أخبرنا أن في الجنة ماء ولبنا وخمرا وعسلا ولحما ~~وفاكهة وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس ~~في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء فإذا # PageV11P482 # كانت المخلوقات في الجنة توافق المخلوقات في الدنيا في الأسماء والحقائق ~~ليست مثل الحقائق فكيف يكون الخالق مثل المخلوق إذا وافقه في الاسم. والله ~~تعالى قد أخبر أنه سميع بصير وأخبر عن الإنسان أنه سميع بصير وليس هذا مثل ~~هذا وأخبر أنه ms3654 حي وعن بعض عباده أنه حي وليس هذا مثل هذا. وأخبر أنه رءوف ~~رحيم وأخبر عن نبيه أنه رءوف رحيم وليس هذا مثل هذا. وأخبر أنه عليم حليم ~~وأخبر عن بعض عباده بأنه عليم حليم وليس هذا مثل هذا. وسمى نفسه الملك وسمى ~~بعض عباده الملك وليس هذا مثل هذا. وهذا كثير في الكتاب والسنة فكان سلف ~~الأمة وأئمتها كأئمة المذاهب: مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~على هذا إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل لا يقولون بقول أهل التعطيل نفاة ~~الصفات ولا بقول أهل التمثيل المشبهة للخالق بالمخلوقات فهذه طريقة الرسل ~~ومن آمن بهم. وأما المخالفون للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من ~~المتفلسفة وأشباههم فيصفون الرب تعالى " بالصفات السلبية " ليس كذا ليس كذا ~~ليس كذا ولا يصفونه بشيء من صفات الإثبات بل بالسلب الذي يوصف به المعدوم ~~فيبقى ما ذكروه مطابقا للمعدوم فلا يبقى # PageV11P483 # فرق بين ما يثبتونه وبين المعدوم وهم يقولون: إنه موجود ليس بمعدوم ~~فيتناقضون يثبتونه من وجه ويجحدونه من وجه آخر. ويقولون: إنه وجود مطلق لا ~~يتميز بصفة. وقد علم الناس أن المطلق لا يكون موجودا فإنه ليس في الأمور ~~الموجودة ما هو مطلق لا يتعين ولا يتميز عن غيره وإنما يكون ذلك فيما يقدره ~~المرء في نفسه فيقدر أمرا مطلقا وإن كان لا حقيقة له في الخارج فصار هؤلاء ~~المتفلسفة الجهمية المعطلون لا يجعلون الخالق سبحانه وتعالى موجودا مباينا ~~لخلقه؛ بل إما أن يجعلوه مطلقا في ذهن الناس أو يجعلوه حالا في المخلوقات ~~أو يقولون هو وجود المخلوقات. ومعلوم أن الله كان قبل أن يخلق المخلوقات ~~وخلقها فلم يدخل فيها ولم يدخلها فيه فليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ~~ذاته شيء من مخلوقاته وعلى ذلك دل الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها. فالجهمية المعطلة نفاة الصفات من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم - ~~الذين امتحنوا المسلمين كما تقدم - كانوا على هذا الضلال فلما أظهر الله ~~تعالى أهل السنة والجماعة ونصرهم. بقي هذا النفي في ms3655 نفوس كثير من أتباعهم ~~فصاروا يظهرون تارة مع الرافضة القرامطة الباطنية وتارة مع الجهمية ~~الاتحادية وتارة يوافقونهم # PageV11P484 # على أنه وجود مطلق ولا يزيدون على ذلك. وصاحب " المرشدة " كانت هذه ~~عقيدته كما قد صرح بذلك في كتاب له كبير شرح فيه مذهبه في ذلك ذكر فيه أن ~~الله تعالى وجود مطلق كما يقول ذلك ابن سينا وابن سبعين وأمثالهم. ولهذا لم ~~يذكر في " مرشدته " الاعتقاد الذي يذكره أئمة العلم والدين من أهل السنة ~~والجماعة أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام وغيرهم من أتباع الأئمة ~~الأربعة وغيرهم كما يذكره أئمة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل ~~الكلام: من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم ومشايخ التصوف والزهد ~~وعلماء أهل الحديث فإن هؤلاء كلهم متفقون على أن الله تعالى حي عالم بعلم ~~قادر بقدرة. كما قال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وقال ~~تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} . وقال تعالى: {وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} . وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم ~~هو أشد منهم قوة} وقال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد} أي بقوة. وفي الصحيح ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور ~~كلها كما يعلمهم السورة من القرآن. يقول: # PageV11P485 # إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة. ثم ليقل: اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر ~~وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه ~~باسمه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي ~~فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه ~~عني واصرفني عنه. واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضني به} . والأئمة الأربعة ~~وسائر من ذكر متفقون على أن الله تعالى يرى في الآخرة وأن القرآن كلام ~~الله. فصاحب " المرشدة " لم يذكر فيها شيئا من الإثبات الذي عليه طوائف أهل ~~السنة والجماعة ms3656 ولا ذكر فيها الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~باليوم الآخر وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الجنة والنار ~~والبعث والحساب وفتنة القبر والحوض وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة. ومن عادات ~~علمائهم أنهم يذكرون ذلك في العقائد المختصرة بل اقتصر فيها على ما يوافق ~~أصله وهو القول بأن الله وجود مطلق وهو قول المتفلسفة والجهمية # PageV11P486 # والشيعة ونحوهم ممن اتفقت طوائف أهل السنة والجماعة أهل المذاهب الأربعة ~~وغيرهم على إبطال قوله وتضليله. فذكر فيها ما تقوله نفاة الصفات ولم يذكر ~~فيها صفة واحدة لله تعالى ثبوتية وزعم في أولها أنه قد وجب على كل مكلف أن ~~يعلم ذلك وقد اتفقت الأئمة على أن الواجب على المسلمين ما أوجبه الله ~~ورسوله وليس لأحد أن يوجب على المسلمين ما لم يوجبه الله ورسوله والكلام ~~الذي ذكره بعضه قد ذكره الله ورسوله فيجب التصديق به وبعضه لم يذكره الله ~~ولا رسوله ولا أحد من السلف والأئمة فلا يجب على الناس أن يقولوا ما لم ~~يوجب الله قوله عليهم. وقد يقول الرجل كلمة وتكون حقا لكن لا يجب على كل ~~الناس أن يقولوها وليس له أن يوجب على الناس أن يقولوها فكيف إذا كانت ~~الكلمة تتضمن باطلا؟ وما ذكره من النفي يتضمن حقا وباطلا فالحق يجب اتباعه ~~والباطل يجب اجتنابه. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتاب كبير. وذكرنا سبب ~~تسميته لأصحابه بالموحدين فإن هذا مما أنكره المسلمون؛ إذ جميع أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم موحدون ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد. # PageV11P487 # و " التوحيد " هو ما بينه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم. كقوله تعالى: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} ~~{ولم يكن له كفوا أحد} وهذه السورة تعدل ثلث القرآن. وقوله: {قل يا أيها ~~الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ms3657 ما أعبد} {ولا أنا عابد ما ~~عبدتم} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {لكم دينكم ولي دين} وقال تعالى: {فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . فنفاة ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم سموا نفي الصفات توحيدا. فمن قال إن القرآن ~~كلام الله وليس بمخلوق. أو قال: إن الله يرى في الآخرة أو قال: " أستخيرك ~~بعلمك. وأستقدرك بقدرتك " لم يكن موحدا عندهم؛ بل يسمونه مشبها مجسما وصاحب ~~" المرشدة " لقب أصحابه موحدين اتباعا لهؤلاء الذين ابتدعوا توحيدا ما أنزل ~~الله به من سلطان وألحدوا في التوحيد الذي أنزل الله به القرآن. وقال أيضا ~~في قدرة الله تعالى: إنه قادر على ما يشاء وهذا يوافق قول الفلاسفة وعلي ~~الأسواري وغيره من المتكلمين الذين يقولون: إنه لا يقدر على غير ما فعل ~~ومذهب المسلمين أن الله على # PageV11P488 # كل شيء قدير. سواء شاءه أو لم يشأه كما قال تعالى: {قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا} . وقد ثبت في ~~{الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى {قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال: أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} ~~قال: أعوذ بوجهك. {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هاتان أهون} ~~قالوا فهو يقدر الله عليهما وهو لا يشاء أن يفعلهما بل قد أجار الله هذه ~~الأمة على لسان نبيها أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم أو يهلكهم ~~بسنة عامة. وقد قال تعالى: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} {بلى قادرين على ~~أن نسوي بنانه} فالله قادر على ذلك وهو لا يشاؤه وقد قال تعالى: {ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها} وقال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} ~~فالله تعالى قادر على ذلك فلو شاءه لفعله بقدرته وهو لا يشاؤه. وقد شرحنا ~~ما ذكره ms3658 فيها كلمة كلمة وبينا ما فيها من صواب وخطأ ولفظ مجمل في كتاب آخر. # PageV11P489 # فالعالم الذي يعلم حقائق ما فيها ويعرف ما جاء به الكتاب والسنة لا يضره ~~ذلك فإنه يعطي كل ذي حق حقه ولا حاجة لأحد من المسلمين إلى تعلمها وقراءتها ~~ولا يجوز لأحد أن يعدل عما جاء في الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها إلى ما أحدثه بعض الناس مما قد يتضمن خلاف ذلك أو يوقع الناس في ~~خلاف ذلك وليس لأحد أن يضع للناس عقيدة ولا عبادة من عنده؛ بل عليه أن يتبع ~~ولا يبتدع ويقتدي ولا يبتدي فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. وقال له: {قل هذه ~~سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} وقال تعالى: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} والنبي صلى الله ~~عليه وسلم علم المسلمين ما يحتاجون إليه في دينهم. فيأخذ المسلمون جميع ~~دينهم من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك من كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق ~~عليه سلف الأمة وأئمتها وليس ذلك مخالفا للعقل الصريح فإن ما خالف العقل ~~الصريح فهو باطل وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل ولكن فيه ألفاظ قد لا ~~يفهمها بعض الناس أو يفهمون منها معنى باطلا فالآفة منهم لا من الكتاب ~~والسنة؛ فإن # PageV11P490 # الله تعالى قال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين} . والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله. عليه توكلت ~~وإليه أنيب. # PageV11P491 ### | سئل: # عن رجل تخاطب هو وإنسان على من قرأ " المرشدة ". # قال الأول: قال بعض العلماء المرشدة لا يجوز أن نقرأها قال الآخر: من لا ~~يقرؤها فهو كافر؟ # الجواب: # الحمد لله، أما هذا القائل الثاني الذي قال: من لا يقرؤها فهو كافر فإنه ~~كاذب ضال مخطئ جاهل يجب أن يستتاب عن مثل هذا القول فإن ms3659 تاب وإلا عوقب ~~عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مثل هذا. بل إذا فهم مضمون قوله: من لم ~~يقرأها فهو كافر وأصر عليه بعد العلم كان هو الكافر المستحق لأن يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل. والله أعلم. # PageV11P492 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن قوم منتسبين إلى المشايخ: يتوبونهم عن قطع الطريق وقتل النفس والسرقة؛ ~~وألزموهم بالصلاة؛ لكنهم يصلون صلاة عادة البادية فهل يجب إقامة حدود ~~الصلاة أم لا؟ ومع هذا شعارهم الرفض وكشف الرءوس وتفتيل الشعر وحمل الحيات. ~~ثم غلب على قلوبهم حب الشيوخ. حتى كلما عثر أحدهم أو همه أمر استغاث بشيخه ~~ويسجدون لهم مرة في غيبتهم ومرة في حضورهم فتارة يصادف السجود إلى القبلة ~~وتارة إلى غيرها - حيث كان شيخه - ويزعمون هذا لله. ومنهم من يأخذ أولاد ~~الناس حوارات برضى الوالدين وبغير رضاهم وربما كان ولد الرجل معينا لوالديه ~~على السعي في الحلال فيأخذه ويعلمه الدروزة وينذر للموتى. ومنهم من يواخي ~~النسوان فإذا نهوا عن ذلك قال: لو حصل لي أمك وأختك وأختيهما فإذا قيل: لا ~~تنظر أجنبية. قال: أنظر عشرين نظرة ويحلفون # PageV11P493 # بالمشايخ. وإذا نهوا عن شيء من ذلك. قال: أنت شرعي. فهل المنكر عليهم ~~مأجور أم لا؟ وهل اتخاذ الخرقة على المشايخ له أصل في الشرع أم لا؟ وهل ~~انتساب كل طائفة إلى شيخ معين يثاب عليه. أم لا؟ وهل التارك له آثم أم لا؟ ~~ويقولون: إن الله يرضى لرضا المشايخ ويغضب بغضبهم ويستندون إلى قوله صلى ~~الله عليه وسلم {المرء مع من أحب} و {أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض ~~في الله} فهل ذلك دليل لهم أم هو شيء آخر؟ ومن هذه حاله هل يجوز دفع الزكاة ~~إليه؟ ؟ # فأجاب - قدس الله روحه -: # وأما كشف الرءوس وتفتيل الشعر وحمل الحيات: فليس هذا من شعار أحد من ~~الصالحين؛ لا من الصحابة ولا التابعين ولا شيوخ المسلمين لا المتقدمين ولا ~~المتأخرين ولا الشيخ أحمد بن الرفاعي ولا غيره وإنما ابتدع هذا بعد موت ~~الشيخ أحمد بمدة طويلة ms3660 ابتدعه طائفة انتسبت إليه فخالفوا طريق المسلمين ~~وخرجوا عن حقائق الدين وفارقوا طريق عباد الله الصالحين وهم نوعان: أهل حال ~~إبليسي. وأهل محال تلبيسي. فأما أهل " الأحوال " # PageV11P494 # منهم: فهم قوم اقترنت بهم الشياطين كما يقترنون بإخوانهم؛ فإذا حضروا ~~سماع المكاء والتصدية أخذهم الحال فيزيدون ويرغون. كما يفعله المصروع. ~~ويتكلمون بكلام لا يفهمونه هم ولا الحاضرون؛ وهي شياطينهم تتكلم على ~~ألسنتهم عند غيبة عقولهم كما يتكلم الجني على لسان المصروع ولهم مشابهون في ~~الهند من عباد الأصنام ومشابهون بالمغرب يسمى أحدهم المصلي؛ وهؤلاء الذين ~~في المغرب من جنس الزط الذين لا خلاق لهم؛ فإذا كان لبعض الناس مصروع أو ~~نحوه أعطاهم شيئا فيجيئون ويضربون لهم بالدف والملاهي ويحرقون ويوقدون نارا ~~عظيمة مؤججة ويضعون فيها الحديد العظيم حتى يبقى أعظم من الجمر وينصبون ~~رماحا فيها أسنة ثم يصعد أحدهم يقعد فوق أسنة الرماح قدام الناس ويأخذ ذلك ~~الحديد المحمي ويمره على يديه وأنواع ذلك. ويرى الناس حجارة يرمى بها ولا ~~يرون من رمى بها وذلك من شياطينهم الذين يصعدون بهم فوق الرمح وهم الذين ~~يباشرون النار وأولئك قد لا يشعرون بذلك كالمصروع الذي يضرب ضربا وجيعا وهو ~~لا يحس بذلك؛ لأن الضرب يقع على الجني فكذا حال أهل الأحوال الشيطانية ~~ولهذا كلما كان الرجل أشبه بالجن والشياطين كان حاله أقوى ولا يأتيهم الحال ~~إلا عند مؤذن الشيطان وقرآنه فمؤذنه المزمار وقرآنه الغناء. # PageV11P495 # ولا يأتيهم الحال عند الصلاة والذكر والدعاء والقراءة فلا لهذه الأحوال ~~فائدة في الدين ولا في الدنيا ولو كانت أحوالهم من جنس عباد الله الصالحين ~~وأولياء الله المتقين لكانت تحصل عندما أمر الله به من العبادات الدينية ~~ولكان فيها فائدة في الدين والدنيا لتكثير الطعام والشراب عند الفاقات ~~واستنزال المطر عند الحاجات والنصر على الأعداء عند المخافات وهؤلاء أهل ~~الأحوال الشيطانية في التلبيس يمحقون البركات ويقوون المخافات ويأكلون ~~أموال الناس بالباطل لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يجاهدون ~~في سبيل الله بل هم مع من أعطاهم وأطعمهم وعظمهم ms3661 وإن كان تتريا؛ بل يرجحون ~~التتر على المسلمين ويكونون من أعوانهم ونصرائهم الملاعين وفيهم من يستعين ~~على الحال بأنواع من السحر والشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله. وأما أهل " ~~المحال " منهم: فهم يصنعون أدوية كحجر الطلق ودهن الضفادع وقشور النارنج ~~ونحو ذلك. يمشون بها على النار ويمسكون نوعا من الحيات يأخذونها بضعة ~~ويقدمون على أكلها بفجور وما يصنعونه من السكر واللاذن وماء الورد وماء ~~الزعفران والدم فكل ذلك حيل وشعوذة يعرفها الخبير بهذه الأمور. ومنهم من ~~تأتيه الشياطين وذلك هم أهل المحال الشيطاني. # PageV11P496 # فصل: # وأما ما ذكروا من غلوهم في الشيوخ: فيجب أن يعلم أن الشيوخ الصالحين ~~الذين يقتدى بهم في الدين هم المتبعون لطريق الأنبياء والمرسلين كالسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ومن له في الأمة لسان ~~صدق - وطريقة هؤلاء دعوة الخلق إلى الله وإلى طاعته وطاعة رسوله واتباع ~~كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والمقصود أن يكون الدين كله لله ~~وتكون كلمة الله هي العليا. فإن الله تعالى يقول: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} {إن الله هو الرزاق ~~ذو القوة المتين} . والرسل أمروا الخلق أن لا يعبدوا إلا الله وأن يخلصوا ~~له الدين فلا يخافون غيره ولا يرجون سواه ولا يدعون إلا إياه. قال تعالى: ~~{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} # PageV11P497 # فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال تعالى: {ولو ~~أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله إنا إلى الله راغبون} فالإيتاء لله والرسول: {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} والحلال ما حلله رسول الله والحرام ما حرمه ~~والدين ما شرعه ليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعته وشريعته ومن لم ~~يقر به باطنا وظاهرا فهو كافر مخلد في النار. وخير الشيوخ الصالحين وأولياء ~~الله المتقين: أتبعهم له ms3662 وأقربهم وأعرفهم بدينه وأطوعهم لأمره: كأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي. وسائر التابعين بإحسان وأما الحسب فلله وحده ولهذا ~~قالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} ولم يقولوا ورسوله. كما قال تعالى: {الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل} وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين} أي: أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين. فهو وحده ~~يكفيهم فإنه سبحانه له الملك وله الحمد وهو كاف عبده. كما قال تعالى: {أليس ~~الله بكاف عبده} وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان} الآية. # PageV11P498 # {وروي أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله هل ربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد ~~فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية} فهو سبحانه سميع قريب مجيب رحيم وهو ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها وهو يعلم من أحوال العباد ما لا يعلمه غيره ~~ويقدر على قضاء حوائجهم التي لا يقدر عليها غيره ويرحمهم رحمة لا يرحمهم ~~بها غيره. والشيوخ الذين يقتدى بهم يدلون عليه ويرشدون إليه بمنزلة الأئمة ~~في الصلاة يصلون ويصلي الناس خلفهم وبمنزلة الدليل الذي للحاج هو يدلهم على ~~البيت وهو وهم جميعا يحجون إليه ليس لهم من الإلهية نصيب؛ بل من جعل لهم ~~شيئا من ذلك فهو من جنس النصارى المشركين الذين قال الله في حقهم: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقد قال نوح عليه ~~السلام {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك} وهكذا أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول. فليس لأحد أن يدعو ~~شيخا ميتا أو غائبا؛ بل ولا يدعو ميتا ولا غائبا: لا من الأنبياء ولا غيرهم ~~فلا يقول لأحدهم: يا سيدي فلان أنا في حسبك أو في جوارك ولا يقول: بك ~~أستغيث وبك أستجير ولا يقول: إذا ms3663 عثر: يا فلان ولا يقول: محمد وعلي ولا ~~الست نفيسة ولا سيدي الشيخ أحمد # PageV11P499 # ولا الشيخ عدي ولا الشيخ عبد القادر ولا غير ذلك ولا نحو ذلك مما فيه ~~دعاء الميت والغائب ومسألته والاستغاثة به والاستنصار به بل ذلك من أفعال ~~المشركين وعبادات الضالين. ومن المعلوم أن سيد الخلق محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقد ثبت في صحيح البخاري {أن الناس لما أجدبوا استسقى عمر بالعباس. ~~وقال اللهم إنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل بعم ~~نبينا فاسقنا فيسقون} فكانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يتوسلون ~~بدعائه وشفاعته لهم كما يتوسل به الناس يوم القيامة ويستشفعون به إلى ربهم ~~فيأذن الله له في الشفاعة فيشفع لهم. ألا ترى الله يقول {من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه} . وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فبين سبحانه أن ~~المخلوقات كلها ليس لأحد منها شيء في الملك ولا له شريك فيه ولا له ظهير ~~أي: معين لله تعالى كما تعاون الملوك وبين أن الشفاعة عنده لا تنفع إلا لمن ~~أذن له. {وإذا كان يوم القيامة يجيء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم ~~موسى ثم عيسى فيطلبون الشفاعة منهم فلا يشفع لهم أحد من هؤلاء الذين هم ~~سادة الخلق حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم. # PageV11P500 # فيأتي ربه فيحمده بمحامد ويسجد له فإذا أذن له في الشفاعة شفع لهم} . ~~فهذه حال هؤلاء الذين هم أفضل الخلق؛ فكيف غيرهم؟ فلما مات النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكونوا يدعونه ولا يستغيثون به ولا يطلبون منه شيئا لا عند ~~قبره ولا بعيدا من قبره؛ بل ولا يصلون عند قبره ولا قبر غيره لكن يصلون ~~ويسلمون عليه ويطيعون أمره ويتبعون شريعته ويقومون بما أحبه الله تعالى من ~~حق نفسه وحق رسوله ms3664 وحق عباده المؤمنين فإنه صلى الله عليه وسلم قال: {لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ~~ورسوله} وقال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} وقال: {لا تتخذوا قبري عيدا. ~~وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وقال: {لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} {وقال له رجل: ما شاء الله وشئت ~~فقال: أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده} وقال: {لا تقولوا ما شاء ~~الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد} . وفي المسند {أن معاذ ~~بن جبل سجد له. فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله رأيتهم في الشام ~~يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال: يا معاذ لو أمرت أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها} وقال: {يا # PageV11P501 # معاذ أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا لقبري قال: لا قال: فإنه لا يصلح ~~السجود إلا لله} أو كما قال. فإذا كان السجود لا يجوز لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيا ولا ميتا ولا لقبره فكيف يجوز السجود لغيره؟ بل قد ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال: {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} فقد نهى عن ~~الصلاة إليها كما نهى عن اتخاذها مساجد ولهذا لما أدخلوا حجرته في المسجد ~~لما وسعوه جعلوا مؤخرها مسنما منحرفا عن سمت القبلة لئلا يصلي أحد إلى ~~الحجرة النبوية فما الظن بالسجود إلى جهة غيره. كائنا من كان. وأما قول ~~القائل: هذا السجود لله تعالى فإن كان كاذبا في ذلك فكفى بالكذب خزيا وإن ~~كان صادقا في ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن السجود لا يكون إلا على ~~الوجه المشروع وهو السجود في الصلاة وسجود السهو وسجود التلاوة وسجود الشكر ~~على أحد قولي العلماء. وأما السجود عقيب الصلاة بلا سبب فقد كرهه العلماء ~~وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ولا ms3665 ~~استحبه أحد من الأئمة ولكن هؤلاء بلغهم حديث رواه أبو موسى الذي في الوظائف ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم كان # PageV11P502 # يصلي سجدتين بعد الوتر} ففعلوا (1) الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه {أنه ~~كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس ولم يداوم على ذلك} فسميت الركعتان ~~سجدتين. كما في أحاديث أخر. فهذا هو أصل ذلك. والكلام في هاتين الركعتين ~~مذكور في غير هذا الموضع. وأما السجدتان فلا أصل لهما ولا للسجود المجرد ~~بلا سبب وقالوا هو بدعة فكيف بالسجود إلى جهة مخلوق من غير مراعاة شروط ~~الصلاة وهذا يشابه من يسجد للشرق في الكنيسة مع النصارى ويقول: لله أو يسجد ~~مع اليهود إلى الصخرة ويقول: لله؛ بل سجود النصارى واليهود لله وإن كان إلى ~~غير قبلة المسلمين خير من السجود لغير الله. بل هذا بمنزلة من يسجد للشمس ~~عند طلوعها وغروبها ويسجد لبعض الكواكب والأصنام ويقولون: لله. # فصل: # وأما فساد الأولاد: بحيث يعلمه الشحاذة ويمنعه من الكسب الحلال أو يخرجه ~~ببلاده مكشوف الشعر. . . (2) في الناس، فهذا يستحق PageV11P503 # صاحبه العقوبة البليغة التي تزجره عن هذا الإفساد لا سيما إن أدخلوهم في ~~الفواحش وغير ذلك من المنكرات؛ ويجب تعليم أولاد المسلمين ما أمر الله ~~بتعليمهم إياه وتربيتهم على طاعة الله ورسوله. كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} # فصل: # وأما " النذر للموتى " من الأنبياء والمشايخ وغيرهم: أو لقبورهم أو ~~المقيمين عند قبورهم. فهو نذر شرك ومعصية لله تعالى. سواء كان النذر نفقة ~~أو ذهبا أو غير ذلك وهو شبيه بمن ينذر للكنائس؛ والرهبان وبيوت الأصنام. ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} " وقد اتفق العلماء على أن نذر ~~المعصية لا يجوز الوفاء به؛ بل عليه كفارة يمين في أحد قولي العلماء وهذا ~~إذا كان النذر لله وأما إذا كان النذر لغير الله فهو كمن ms3666 يحلف بغير الله ~~وهذا شرك. فيستغفر الله منه وليس في هذا وفاء ولا كفارة. ومن تصدق بالنقود ~~على أهل الفقر والدين فأجره على رب العالمين. # PageV11P504 # وأصل عقد النذر منهي عنه. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى عن النذر وقال: " {إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل} " ~~وإذا نذر فعليه الوفاء بما كان طاعة لله كالصلاة والصدقة والصيام والحج؛ ~~دون ما لم يكن طاعة لله تعالى. # فصل: # فأما مؤاخاة الرجال النساء الأجانب وخلوهم بهن ونظرهم إلى الزينة الباطنة ~~منهن: فهذا حرام باتفاق المسلمين ومن جعل ذلك من الدين فهو من إخوان ~~الشياطين. قال الله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما ~~الشيطان} وقال: {إياكم والدخول على النساء. قالوا: يا رسول الله: أرأيت ~~الحمو؟ قال: الحمو الموت} " ومن لم ينته عن ذلك عوقب عقوبة بليغة تزجره ~~وأمثاله من أهل الفساد والعناد. # PageV11P505 # فصل: # وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم ~~فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة ولم ينازعوا إلا في الحلف برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصة. والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا ~~بغيره وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت} وقال: {من حلف بغير الله فقد أشرك} فمن حلف بشيخه أو بتربته أو ~~بحياته أو بحقه على الله أو بالملوك أو بنعمة السلطان أو بالسيف أو بالكعبة ~~أو أبيه أو تربة أبيه أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق ~~المسلمين. # فصل: # وأما قول القائل: لمن أنكر عليه أنت شرعي. فكلام صحيح فإن أراد بذلك أن ~~الشرع لا يتبعه أو لا يجب عليه اتباعه وأنا خارج عن اتباعه فلفظ الشرع قد ~~صار له في عرف الناس " ثلاث معان ms3667 " الشرع المنزل والشرع المؤول والشرع ~~المبدل. # PageV11P506 # فأما الشرع المنزل: فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة وهذا الشرع ~~يجب على الأولين والآخرين اتباعه وأفضل أولياء الله أكملهم اتباعا له ومن ~~لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه فإنه يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل. وأما المؤول فهو ما اجتهد فيه العلماء من الأحكام فهذا من قلد ~~فيه إماما من الأئمة ساغ ذلك له ولا يجب على الناس التزام قول إمام معين. ~~وأما الشرع المبدل فهو الأحاديث المكذوبة والتفاسير المقلوبة والبدع المضلة ~~التي أدخلت في الشرع وليست منه والحكم بغير ما أنزل الله. فهذا ونحوه لا ~~يحل لأحد اتباعه. وإنما حكم الحكام بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر وحكم ~~الحاكم لا يحيل الأشياء عن حقائقها. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض. وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما ~~أقطع له قطعة من النار} فهذا قول إمام الحكام وسيد ولد آدم. # PageV11P507 # وقال صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم: فإن أصاب فله أجران وإذا ~~اجتهد فأخطأ فله أجر} " وقال {القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في ~~الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس بجهل فهو في ~~النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار} ". ومن خرج عن الشرع الذي ~~بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ظانا أنه متبع للحقيقة فإنه مضاه ~~للمشركين المكذبين للرسل ولفظ " الحقيقة " يقال: على " حقيقة كونية " و " ~~حقيقة بدعية " و " حقيقة شرعية ". ف " الحقيقة الكونية " مضمونها الإيمان ~~بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه. وهذا مما يجب أن يؤمن به ~~ولا يجوز أن يحتج به بل لله علينا الحجة البالغة فمن احتج بالقدر فحجته ~~داحضة ومن اعتذر بالقدر عن المعاصي فعذره غير مقبول. وأما " الحقيقة ~~البدعية " فهي سلوك طريق الله ms3668 سبحانه وتعالى مما يقع في قلب العبد من الذوق ~~والوجد والمحبة والهوى من غير اتباع الكتاب والسنة. كطريق النصارى فهم تارة ~~يعبدون غير الله وتارة يعبدون بغير أمر الله. كالنصارى المشركين الذين ~~اتخذوا أحبارهم # PageV11P508 # ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وابتدعوا الرهبانية ~~فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. ~~وأما دين المسلمين فكما قال الله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه قالوا: وما أخلصه وأصوبه. قال: إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على ~~السنة ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: " اللهم اجعل عملي كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا ". وأما " الحقيقة الدينية " ~~وهي تحقيق ما شرعه الله ورسوله مثل الإخلاص لله والتوكل على الله والخوف من ~~الله والشكر لله والصبر لحكم الله والحب لله ورسوله والبغض في الله ورسوله ~~ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله. فهذا حقائق أهل الإيمان وطريق أهل العرفان. # PageV11P509 # فصل: # والأمر بالمعروف وهو الحق الذي بعث الله به رسوله. والنهي عن المنكر وهو ~~ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور بل هو من أعظم الواجبات وأفضل الطاعات؛ ~~بل هو طريق أئمة الدين ومشايخ الدين نقتدي بهم فيه. قال الله تعالى: {ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون} وهذه الآية بها استدل المستدلون على أن شيوخ الدين يقتدى بهم في ~~الدين فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين ولا ممن ~~يقتدى به. # فصل: # وأما لباس الخرقة التي يلبسها بعض المشايخ المريدين: فهذه ليس لها أصل ~~يدل عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسنة ولا كان المشايخ ~~المتقدمون ms3669 وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين. ولكن طائفة من # PageV11P510 # المتأخرين رأوا ذلك واستحبوه وقد استدل بعضهم بأن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألبس أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ثوبا وقال لها: سنا} والسنا ~~بلسان الحبشة الحسن. وكانت قد ولدت بأرض الحبشة فلهذا خاطبها بذلك اللسان ~~واستدلوا أيضا بحديث {البردة التي نسجتها امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله إياها بعض الصحابة فأعطاه إياها وقال: أردت أن تكون كفنا لي} . وليس ~~في هذين الحديثين دليل على الوجه الذي يفعلونه. فإن إعطاء الرجل لغيره ما ~~يلبسه كإعطائه إياه ما ينفعه وأخذ ثوب من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه ~~البركة كأخذ شعره على وجه البركة وليس هذا كلباس ثوب أو قلنسوة على وجه ~~المتابعة والاقتداء؛ ولكن يشبه من بعض الوجوه خلع الملوك التي يخلعونها على ~~من يولونه كأنها شعار وعلامة على الولاية والكرامة؛ ولهذا يسمونها تشريفا. ~~وهذا ونحوه غايته أن يجعل من جنس المباحات؛ فإن اقترن به نية صالحة كان ~~حسنا من هذه الجهة وأما جعل ذلك سنة وطريقا إلى الله سبحانه وتعالى فليس ~~الأمر كذلك. وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين: فلا ريب أن الناس يحتاجون ~~من يتلقون عنه الإيمان والقرآن. كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين # PageV11P511 # الأولين بإحسان فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من ~~يعلمه الدين الباطن والظاهر. ولا يتعين ذلك في شخص معين؛ ولا يحتاج الإنسان ~~في ذلك أن ينتسب إلى شيخ معين كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها؛ ~~وكل ميت وصل إلى الإنسان من أقواله وأعماله وآثاره ما انتفع به في دينه فهو ~~شيخه من هذه الجهة؛ فسلف الأمة شيوخ الخلفاء قرنا بعد قرن؛ وليس لأحد أن ~~ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كل من ~~كان من أهل الإيمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخص أحدا ms3670 ~~بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه فيقدم من قدم الله تعالى ~~ورسوله عليه ويفضل من فضله الله ورسوله قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {لا فضل لعربي على عجمي؛ ولا ~~لعجمي على عربي؛ ولا أسود على أبيض؛ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى} . # PageV11P512 # فصل: # وأما قول القائل: أنت للشيخ فلان وهو شيخك في الدنيا والآخرة. فهذه بدعة ~~منكرة من جهة أنه جعل نفسه لغير الله ومن جهة أن قوله: شيخك في الدنيا ~~والآخرة كلام لا حقيقة له فإنه إن أراد أنه يكون معه في الجنة فهذا إلى ~~الله لا إليه وإن أراد أنه يشفع فيه فلا يشفع أحد لأحد إلا بإذن الله تعالى ~~إن أذن له أن يشفع فيه وإلا لم يشفع؛ وليس بقوله: أنت شيخي في الآخرة يكون ~~شافعا له - هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة - فقد تقدم أن سيد المرسلين ~~والخلق لا يشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة بعد امتناع غيره منها. وكم من ~~مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقول ~~القائل: " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به " هو من كلام أهل الشرك ~~والبهتان فإن عباد الأصنام أحسنوا ظنهم بها فكانوا هم وإياها من حصب جهنم ~~كما قال الله تعالى: {إنكم وما # PageV11P513 # تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} . لكن قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ~~ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن ~~تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة} ومن أمكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا ~~حاجة به إلى ذلك ولا يستحب له ذلك بل ms3671 يكره له. وأما إن كان لا يمكنه أن ~~يعبد الله بما أمره إلا بذلك مثل أن يكون في مكان يضعف فيه الهدى والعلم ~~والإيمان والدين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم ~~أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه فإنه يفعل الأصلح لدينه. وهذا ~~لا يكون في الغالب إلا لتفريطه وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده. فأما ~~الانتساب الذي يفرق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى ~~الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع فهذا مما ينهى عنه ~~ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV11P514 # فصل: # وأما قول القائل: إن الله يرضى لرضا المشايخ ويغضب لغضبهم. فهذا الحكم ~~ليس هو لجميع المشايخ ولا مختص بالمشايخ بل كل من كان موافقا لله: يرضى ما ~~يرضاه الله ويسخط ما يسخط الله كان الله يرضى لرضاه ويغضب لغضبه من المشايخ ~~وغيرهم ومن لم يكن كذلك من المشايخ لم يكن من أهل هذه الصفة. ومنه {قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان قد جرى بينه ~~وبين صهيب وخباب وبلال وغيرهم كلام في أبي سفيان بن حرب؛ فإنه مر بهم ~~فقالوا: ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها. فقال أتقولون هذا لكبير قريش؟ ~~ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: لعلك أغضبتهم يا أبا بكر ~~لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك أو كما قال. قال: فخرج عليهم أبو بكر فقال ~~لهم: يا إخواني أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أبا بكر} . فهؤلاء كان ~~غضبهم لله. وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول # PageV11P515 # الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها فبي يسمع وبي يبصر ms3672 وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . فهذا المؤمن الذي تقرب إلى الله ~~بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله لأنه فعل ما أحبه الله والجزاء من جنس ~~العمل. قال الله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وفي الحقيقة فالعبد الذي ~~يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه هو يرضى لرضا الله ويغضب لغضب الله وليكن هذان ~~مثالان: فمن أحب ما أحب الله وأبغض ما أبغض الله ورضي ما رضي الله لما يرضي ~~الله ويغضب لما يغضب؛ لكن هذا لا يكون للبشر على سبيل الدوام بل لا بد ~~لأكمل الخلق أن يغضب أحيانا غضب البشر ويرضى رضا البشر. ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {: اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب ~~البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ~~وقربة تقربه إليك يوم القيامة} # PageV11P516 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ~~في قضية معينة لكون غضبه لأجل أبي سفيان وهم كانوا يغضبون لله وإلا فأبو ~~بكر أفضل من ذلك وبالجملة فالشيوخ والملوك وغيرهم إذا أمروا بطاعة الله ~~ورسوله أطيعوا وإن أمروا بخلاف ذلك لم يطاعوا؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق وليس أحد معصوما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا في ~~الشيخ الذي ثبت معرفته بالدين وعمله به. وأما من كان مبتدعا بدعة ظاهرة أو ~~فاجرا فجورا ظاهرا. فهذا إلى أن تنكر عليه بدعته وفجوره أحوج منه إلى أن ~~يطاع فيما يأمر به؛ لكن إن أمر هو أو غيره بما أمر الله به ورسوله وجبت ~~طاعة الله ورسوله فإن طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد في كل حال؛ ولو ~~كان الآمر بها كائنا من كان. # فصل: (*) # وأما قوله صلى الله عليه وسلم " {المرء مع من أحب} " فهو من أصح ~~الأحاديث. ms3673 وقال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث ~~فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر وأرجو أن أحشر PageV11P517 # معهم وإن لم أعمل مثل أعمالهم. وكذلك " {أوثق عرى الإسلام الحب في الله ~~والبغض في الله} " لكن هذا بحيث أن يحب المرء ما يحبه الله ومن يحب الله ~~فيحب أنبياء الله كلهم؛ لأن الله يحبهم ويحب كل من علم أنه مات على الإيمان ~~والتقوى فإن هؤلاء أولياء الله والله يحبهم كالذين شهد لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة وغيرهم من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان. فمن شهد له النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة وأما من لم يشهد له بالجنة. فقد ~~قال طائفة من أهل العلم: لا نشهد له بالجنة ولا نشهد أن الله يحبه وقال ~~طائفة: بل من استفشى من بين الناس إيمانه وتقواه واتفق المسلمون على الثناء ~~عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وعبد ~~الله بن المبارك - رضي الله عنهم - وغيرهم. شهدنا لهم بالجنة؛ لأن في ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا ~~فقال: وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا. فقال: وجبت وجبت. ~~قالوا: يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها ~~خيرا فقلت: وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها ~~النار. قيل: # PageV11P518 # بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ} . وإذا علم هذا ~~فكثير من المشهورين بالمشيخة في هذه الأزمان قد يكون فيهم من الجهل والضلال ~~والمعاصي والذنوب ما يمنع شهادة الناس لهم بذلك بل قد يكون فيهم المنافق ~~والفاسق كما أن فيهم من هو من أولياء الله المتقين وعباد الله الصالحين ~~وحزب الله المفلحين كما أن غير المشايخ فيهم هؤلاء وهؤلاء في الجنة والتجار ~~والفلاحون وغيرهم من هذه الأصناف. إذا كان كذلك فمن طلب أن يحشر مع شيخ ms3674 لم ~~يعلم عاقبته كان ضالا؛ بل عليه أن يأخذ بما يعلم؛ فيطلب أن يحشره الله مع ~~نبيه والصالحين من عباده. كما قال الله تعالى: {وإن تظاهرا عليه فإن الله ~~هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} . وقال الله تعالى: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} وعلى هذا فمن أحب ~~شيخا مخالفا للشريعة كان معه؛ فإذا دخل الشيخ النار كان معه. ومعلوم أن ~~الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة أهل الضلال والجهالة فمن كان معهم كان ~~مصيره مصير أهل الضلال والجهالة وأما من كان من أولياء الله المتقين: كأبي ~~بكر وعمر وعثمان # PageV11P519 # وعلي وغيرهم؛ فمحبة هؤلاء من أوثق عرى الإيمان؛ وأعظم حسنات المتقين. ولو ~~أحب الرجل لما ظهر له من الخير الذي يحبه الله ورسوله أثابه الله على محبة ~~ما يحبه الله ورسوله وإن لم يعلم حقيقة باطنه فإن الأصل هو حب الله وحب ما ~~يحبه الله فمن أحب الله وأحب ما يحبه الله كان من أولياء الله. وكثير من ~~الناس يدعي المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} قال بعض السلف: ادعى قوم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فمحبة ~~الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس ~~يتفاضلون في هذا تفاضلا عظيما فمن كان أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند ~~الله. وأما من أحب شخصا لهواه مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه أو لحاجة يقوم ~~له بها أو لمال يتآكله به. أو بعصبية فيه. ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست ~~محبة لله؛ بل هذه محبة لهوى النفس وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في ~~الكفر والفسوق والعصيان. وما أكثر من يدعي حب مشايخ لله ولو كان يحبهم لله ~~لأطاع الله الذي # PageV11P520 # أحبهم لأجله فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ms3675 ذلك الغير. ~~وكيف يحب شخصا لله من لا يكون محبا لله وكيف يكون محبا لله من يكون معرضا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبيل الله. وما أكثر من يحب شيوخا أو ~~ملوكا أو غيرهم فيتخذهم أندادا يحبهم كحب الله. و ### | الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله # ظاهر فأهل الشرك يتخذون أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله وأهل الإيمان يحبون ذلك؛ لأن أهل الإيمان أصل حبهم هو حب الله ومن أحب ~~الله أحب من يحبه ومن أحبه الله فمحبوب المحبوب محبوب ومحبوب الله يحب الله ~~فمن أحب الله فيحبه من أحب الله. وأما أهل الشرك فيتخذون أندادا أو شفعاء ~~يدعونهم من دون الله قال الله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} وقال الله تعالى: {وما ~~لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن ~~بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} {إني إذا # PageV11P521 # لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون} وقال الله تعالى: {وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم ~~يتقون} وقال الله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . والله تعالى بعث الرسل وأنزل ~~الكتب؛ ليكون الدين كله لله وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح " {إنا معشر الأنبياء ديننا واحد} " فالدين واحد وإن تفرقت الشرعة ~~والمنهاج قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن ms3676 آلهة يعبدون} وقال الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} . ومن حين بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذي بعثه به؛ فإن دعوته ~~عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} . وقال ~~صلى الله عليه وسلم {لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن # PageV11P522 # بي إلا دخل النار} " قال الله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} . فعلى ~~الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعبدون إلا الله ويعبدونه ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بغيرها قال الله تعالى: {ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} ~~ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} " ~~وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل لله فأصل الدين وقاعدته يتضمن ~~أن يكون الله # PageV11P523 # هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه والإله ما ~~تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك. ~~والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا ms3677 إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه ~~بمحبته وعن رجاء ما سواه برجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما ~~سواه بالعمل له وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به؛ ولهذا كان وسط ~~الفاتحة {إياك نعبد وإياك نستعين} قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: {يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: ~~{الحمد لله رب العالمين} قال: الله حمدني عبدي. فإذا قال: {الرحمن الرحيم} ~~قال: أثنى علي عبدي وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي. وإذا قال: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما ~~سأل وإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} ". فوسط ~~السورة {إياك نعبد وإياك نستعين} فالدين أن لا يعبد إلا الله ولا يستعان ~~إلا إياه والملائكة والأنبياء وغيرهم عباد الله كما قال تعالى: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن # PageV11P524 # يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} {فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} فالحب لغير ~~الله كحب النصارى للمسيح وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلي وحب الغلاة ~~لشيوخهم وأئمتهم: مثل من يوالي شيخا أو إماما وينفر عن نظيره وهما متقاربان ~~أو متساويان في الرتبة فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل ~~وكفروا ببعض وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم وحال أهل ~~العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد: الذين يوالون بعض الشيوخ والأئمة دون ~~البعض. وإنما المؤمن من يوالي جميع أهل الإيمان. قال الله تعالى {إنما ~~المؤمنون إخوة} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {المؤمن للمؤمن كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه} - وقال {: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} . وقال ms3678 ~~عليه السلام {لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا} . و ### | مما يبين الحب لله والحب لغير الله: # أن أبا بكر كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم مخلصا لله وأبو طالب عمه ~~كان يحبه وينصره لهواه لا لله. فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه: ~~{وسيجنبها الأتقى} {الذي # PageV11P525 # يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} {ولسوف يرضى} وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله؛ بل أدخله النار؛ لأنه ~~كان مشركا عاملا لغير الله. وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق لا من النبي ~~ولا من غيره؛ بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى ~~الله وطالبا الأجر من الله. ورسوله يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} . والله هو الذي يخلق ويرزق ~~ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو سبحانه مسبب الأسباب ورب كل شيء ~~ومليكه. والأسباب التي يفعلها العباد مما أمر الله به وأباحه فهذا يسلك ~~وأما ما ينهى عنه نهيا خالصا أو كان من البدع التي لم يأذن الله بها فهذا ~~لا يسلك. قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} بين سبحانه ضلال الذين يدعون ~~المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم المبين أن المخلوقين لا يملكون مثقال ~~ذرة في السموات ولا في الأرض ثم بين أنه لا شركة لهم ثم بين أنه لا عون له ~~ولا ظهير؛ لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق. كما يقول بعضهم: إذا كانت # PageV11P526 # لك حاجة استوصي الشيخ فلان فإنك تجده أو توجه إلى ضريحه خطوات وناده يا ~~شيخ يقضي حاجتك وهذا غلط لا يحل فعله وإن كان من هؤلاء الداعين لغير الله ~~من يرى صورة المدعو أحيانا فذلك شيطان تمثل له. كما وقع مثل هذا لعدد كثير. ~~ونظير ms3679 هذا قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدي وغيره كل رزق لا يجيء على يد ~~الشيخ لا أريده. والعجب من ذي عقل سليم يستوصي من هو ميت يستغيث به ولا ~~يستغيث بالحي الذي لا يموت ويقوى الوهم عنده أنه لولا استغاثته بالشيخ ~~الميت لما قضيت حاجته. فهذا حرام فعله. # ويقول أحدهم إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل ~~إليه بالشيوخ. وهذا كلام أهل الشرك والضلال فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته ~~ولا يقدر على قضائها وحده ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل له بسبب ذلك والله ~~أعلم بكل شيء يعلم السر وأخفى وهو على كل شيء قدير. فالأسباب منه وإليه وما ~~من سبب من الأسباب إلا دائر موقوف على أسباب أخرى وله معارضات. فالنار لا ~~تحرق إلا إذا كان المحل قابلا فلا تحرق السمندل وإذا شاء الله منع أثرها ~~كما فعل بإبراهيم عليه السلام. # PageV11P527 # وأما مشيئة الرب فلا تحتاج إلى غيره ولا مانع لها بل ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه أرحم من الوالدة بولدها: يحسن إليهم ويرحمهم ~~ويكشف ضرهم مع غناه عنهم وافتقارهم إليه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~. فنفى الرب هذا كله فلم يبق إلا الشفاعة. فقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} وقال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فهو الذي يأذن في ~~الشفاعة وهو الذي يقبلها فالجميع منه وحده وكلما كان الرجل أعظم إخلاصا: ~~كانت شفاعة الرسول أقرب إليه. {قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا ~~رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله} ". وأما ~~الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى ويتعلقون بفلان فهؤلاء ~~من جنس المشركين الذين اتخذوا شفعاء من دون الله تعالى. قال الله تعالى: ~~{أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} ~~{قل لله الشفاعة جميعا} وقال الله تعالى: {ثم استوى على العرش ms3680 ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع} وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون # PageV11P528 # إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} . قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون المسيح والعزير والملائكة ~~فبين الله تعالى أن هؤلاء الملائكة والأنبياء عباده كما أن هؤلاء عباده ~~وهؤلاء يتقربون إلى الله وهؤلاء يرجون رحمة الله وهؤلاء يخافون عذاب الله. ~~فالمشركون اتخذوا مع الله أندادا يحبونهم كحب الله؛ واتخذوا شفعاء يشفعون ~~لهم عند الله ففيهم محبة لهم وإشراك بهم وفيهم من جنس ما في النصارى من حب ~~المسيح وإشراك به؛ والمؤمنون أشد حبا لله: فلا يعبدون إلا الله وحده ولا ~~يجعلون معه شيئا يحبونه كمحبته لا أنبيائه ولا غيرهم؛ بل أحبوا ما أحبه ~~بمحبتهم لله؛ وأخلصوا دينهم لله وعلموا أن أحدا لا يشفع لهم إلا بإذن الله؛ ~~فأحبوا عبد الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لحب الله وعلموا أنه عبد ~~الله المبلغ عن الله فأطاعوه فيما أمر وصدقوه فيما أخبر ولم يرجوا إلا ~~الله؛ ولم يخافوا إلا الله ولم يسألوا إلا الله وشفاعته لمن يشفع له هو ~~بإذن الله فلا ينفع رجاؤنا للشفيع ولا مخافتنا له وإنما ينفع توحيدنا ~~وإخلاصنا لله وتوكلنا عليه فهو الذي يأذن للشفيع فعلى المسلم أن يفرق بين ~~محبة المؤمنين ودينهم ومحبة النصارى # PageV11P529 # والمشركين ودينهم ويتبع أهل التوحيد والإيمان. ويخرج عن مشابهة المشركين ~~وعبدة الصلبان. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {: ثلاث ~~من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ~~ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} . وقال تعالى {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ms3681 سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال الله تعالى: {من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} وهذا باب واسع ودين الإسلام مبني على هذا ~~الأصل والقرآن يدور عليه. # PageV11P530 # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد؛ وتعلق كل منهم بسبب؛ واستند ~~إلى قول قيل. فمنهم من هو مكب على حضور السماعات المحرمة التي تعمل بالدفوف ~~التي بالجلاجل والشبابات المعروفة في هذا الزمان. ويحضرها المردان والنسوان ~~ويستند في ذلك إلى دعوى جواز حضور السماع عند الشافعي وغيره من الأئمة. # فأجاب: # أما السماعات المشتملة على الغناء والصفارات والدفوف المصلصلات: فقد اتفق ~~أئمة الدين أنها ليست من جنس القرب والطاعات بل ولو لم يكن على ذلك كالغناء ~~والتصفيق باليد والضرب بالقضيب والرقص ونحو ذلك فهذا وإن كان فيه ما هو ~~مباح وفيه ما هو مكروه وفيه ما هو محظور أو مباح للنساء دون الرجال. فلا ~~نزاع بين أئمة الدين أنه ليس من جنس القرب والطاعات والعبادات ولم يكن أحد ~~من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وغيرهم من مشايخ الدين # PageV11P531 # يحضرون مثل هذا السماع لا بالحجاز ولا مصر ولا الشام ولا العراق ولا ~~خراسان. لا في زمن الصحابة والتابعين ولا تابعيهم. لكن حدث بعد ذلك: فكان ~~طائفة يجتمعون على ذلك ويسمون الضرب بالقضيب على جلاجل ونحوه " التغبير ". # قال الحسن بن عبد العزيز الحراني: سمعت الشافعي يقول: خلفت ببغداد شيئا ~~أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وهذا من كمال ~~معرفة الشافعي وعلمه بالدين فإن القلب إذا تعود سماع القصائد والأبيات ~~والتذ بها حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات فيستغني بسماع الشيطان عن ~~سماع الرحمن. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن} " وقد فسره الشافعي وأحمد ms3682 بن حنبل وغيرهما بأنه من الصوت ~~فيحسنه بصوته ويترنم به بدون التلحين المكروه وفسره ابن عيينة وأبو عبيد ~~وغيرهما بأنه الاستغناء به وهذا وإن كان له معنى صحيح فالأول هو الذي دل ~~عليه الحديث فإنه قال: {ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به} " وفي الأثر: ~~" إن العبد إذا ركب الدابة أتاه الشيطان وقال له: تغن فإن لم يتغن. قال له: ~~تمن " فإن # PageV11P532 # النفس لا بد لها من شيء في الغالب تترنم به. فمن لم يترنم بالقرآن ترنم ~~بالشعر. وسماع القرآن هو سماع النبيين والمؤمنين والعارفين والعالمين. قال ~~الله تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح} الآية. وقال: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} الآية. وقال ~~تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم} الآيتين وقال: {الله ~~نزل أحسن الحديث} الآية. وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} الآية. وهذا " السماع " هو الذي شرعه الله للمؤمنين في الصلاة ~~وخارج الصلاة وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا ~~واحدا منهم يقرأ والناس يستمعون. {ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى ~~وهو يقرأ. فجعل يستمع لقراءته. وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ. فجعلت ~~أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا.} أي: لحسنته ~~تحسينا ". وكان عمر يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون لقراءته. ~~{وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: اقرأ علي القرآن. فقال: أقرأ ~~عليك وعليك أنزل قال: # PageV11P533 # إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت هذه ~~الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ؟ فقال: ~~حسبك فنظرت فإذا عيناه تذرفان بالدمع} فهذا هو السماع الذي يسمعه سلف الأمة ~~وقرونها المفضلة. وخيار الشيوخ إنما يقولون بهذا السماع. وأما الاستماع إلى ~~القصائد الملحنة والاجتماع عليها. فأكابر الشيوخ لم يحضروا هذا السماع ~~كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ms3683 ومعروف الكرخي ~~والسري السقطي وأمثالهم من المتأخرين: كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن ~~مسافر والشيخ أبي مدين والشيخ أبي البيان وأمثال هؤلاء المشايخ: فإنهم لم ~~يكونوا يحضرون هذا السماع وقد حضره طائفة من الشيوخ وأكابرهم ثم تابوا منه ~~ورجعوا عنه. وكان الجنيد - رحمه الله تعالى - لا يحضره في آخر عمره. ويقول: ~~من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به أي من قصد السماع صار ~~مفتونا وأما من سمع بيتا يناسب حاله بلا اقتصاد فهذا يستريح به. والذين ~~حضروا السماع المحدث الذي جعله الشافعي من إحداث الزنادقة لم يكونوا ~~يجتمعون مع مردان ونسوان ولا مع مصلصلات وشبابات وكانت أشعارهم مزهدات ~~مرققات. # PageV11P534 # فأما " السماع " المشتمل على منكرات الدين فمن عده من القربات استتيب فإن ~~تاب وإلا قتل. وإن كان متأولا جاهلا بين له خطأ تأويله وبين له العلم الذي ~~يزيل الجهل. هذا من كونه طريقا إلى الله. وأما كونه محرما على من يفعله على ~~وجه اللهو واللعب لا على وجه القربة إلى الله فهذا فيه تفصيل فأما المشتمل ~~على الشبابات والدفوف المصلصلة فمذهب الأئمة الأربعة تحريمه. وذكر أبو عمرو ~~بن الصلاح أن هذا ليس فيه خلاف في مذهب الشافعي فإن الخلاف إنما حكي في ~~اليراع المجرد مع أن العراقيين من أصحاب الشافعي لم يذكروا في ذلك نزاعا ~~ولا متقدمة الخراسانيين وإنما ذكره متأخرو الخراسانيين. وقد ثبت في صحيح ~~البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الذين يستحلون الحر والحرير ~~والخمر والمعازف على وجه الذم لهم وأن الله معاقبهم. فدل هذا الحديث على ~~تحريم المعازف. والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة وهذا اسم يتناول هذه ~~الآلات كلها. ولهذا قال الفقهاء: أن من أتلفها فلا ضمان عليه إذا أزال ~~التالف # PageV11P535 # المحرم وإن أتلف المالية ففيه نزاع ومذهب أحمد المشهور عنه. ومالك أنه لا ~~ضمان في هذه الصور أيضا وكذلك إذا أتلف دنان الخمر وشق ظروفه وأتلف الأصنام ~~المتخذة من الذهب كما أتلف موسى عليه السلام العجل المصنوع من الذهب ms3684 وأمثال ~~ذلك. # PageV11P536 # و ### | سئل: # عمن يؤاخي النسوان ويظهر شيئا من جنس الشعبذة؛ # كنقش شيء من القطن أو الخرقة باللاذن أو بغير ذلك أو يمسك النار مباشرة ~~بكفه أو بأصابعه بلا حائل بينه وبينها. إلخ. # فأجاب: # وأما مؤاخاة النساء وإظهار الإشارات المذكورة؛ فهي من أحوال إخوان ~~الشياطين وأصحاب هذه الإشارات ليس فيهم ولي لله بل هم بين حال شيطاني ومحال ~~بهتاني من حال إبليس ومحال تلبيس. وهؤلاء أصل حالهم أن الشياطين تنزل على ~~من يعمل ما يحبه الشيطان من الكذب والفجور فإذا خرج أحدهم عن العقل والدين ~~وصار من المتهوكين - الذين يطيعون الشيطان ويعصون الرحمن. وله شخير ونخير ~~كأصوات الحمير يحضر أحدهم السماع ويؤاخون النسوان ويتخذون الجيران ويرقصون ~~كالقرود وينقرون في صلاتهم الركوع والسجود. يبغضون سماع القرآن واتباع ~~شريعة الرحمن - تنزلت عليهم الشياطين التي تنزل على كل أفاك أثيم؛ فمنهم من ~~ترفعه # PageV11P537 # في الهواء ومنهم من تدخله النار ومنهم من يمشي ومعه ضوء يريه أن ذلك ~~كرامات ومنهم من يستغيث بالشيخ ويخاطب من يستغيث بالشيخ حتى يرى أن ذلك ~~كرامة للشيخ ومنهم من يحضر طعاما وفاكهة وحلوى إلى أمور أخرى قد عرفناها ~~وعرفنا من وقعت له هذه الأمور وأضعافها. فإذا تاب الرجل والتزم دين الإسلام ~~وصلى صلاة المسلمين وتاب عما حرمه رب العالمين واعتاض بسماع القرآن عن سماع ~~الشيطان ذهبت تلك الأحوال الشيطانية فإن قوي إيمانه حصلت له مقامات ~~الصالحين وإلا كفاه أن يكون من أهل جنة النعيم وهذا بين يعرف المسلم أن هذه ~~الأحوال شيطانية لا كرامات إيمانية. # PageV11P538 # وسئل: # عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد ومنهم من يقول: إن غاية ~~التحقيق وكمال سلوك الطريق ترك التكليف. بحيث أنه إذا ألزم بالصلاة يقوم ~~ويقول: خرجنا من الحضرة ووقفنا بالباب. # فأجاب: # أما من جعل كمال التحقيق الخروج من التكليف. فهذا مذهب الملاحدة من ~~القرامطة والباطنية ومن شابههم من الملاحدة المنتسبين إلى علم أو زهد أو ~~تصوف أو تزهد يقول: أحدهم إن العبد يعمل حتى تحصل له المعرفة فإذا حصلت زال ms3685 ~~عنه التكليف ومن قال: هذا فإنه كافر مرتد باتفاق أئمة الإسلام فإنهم متفقون ~~على أن الأمر والنهي جار على كل بالغ عاقل إلى أن يموت قال تعالى: {واعبد ~~ربك حتى يأتيك اليقين} . قال الحسن البصري: لم يجعل الله لعمل المؤمن غاية ~~دون الموت؛ وقرأ هذه الآية. و " اليقين " هنا ما بعد الموت. كما قال تعالى ~~في الآية الأخرى: {وكنا نكذب بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في # PageV11P539 # الحديث الصحيح {لما مات عثمان بن مظعون: أما عثمان فإنه أتاه اليقين من ~~ربه} وقد سئل الجنيد بن محمد - رحمه الله تعالى - عمن يقول: إنه وصل من ~~طريق البر إلى أن تسقط عنه الأعمال. فقال: الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من ~~قول هؤلاء ولقد صدق الجنيد - رحمه الله - فإن هذه كبائر وهذا كفر ونفاق ~~والكبائر خير من الكفر والنفاق. وقول الواحد من هؤلاء: خرجنا من الحضرة إلى ~~الباب كلمة حق أريد بها باطل فإنهم خرجوا من حضرة الشيطان إلى باب الرحمن ~~كما يحكى عن بعض شيوخ هؤلاء: أنهم كانوا في سماع فأذن المؤذن فقام إلى ~~الصلاة. فقال: كنا في الحضرة فصرنا إلى الباب ولا ريب أنه كان في حضرة ~~الشيطان فصار على باب الرحمن أما كونه أنه كان في حضرة الله فصار على بابه؛ ~~فهذا ممتنع عند من يؤمن بالله ورسوله فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {بأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد} " وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ ~~على الوضوء إلا مؤمن} . وفي الصحيح عن ابن مسعود. عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أنه # PageV11P540 # سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها} وفي الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته} وآخر ~~شيء وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته الصلاة وكان يقول {جعلت قرة عيني ~~في الصلاة} " وكان ms3686 يقول: {أرحنا يا بلال بالصلاة} " ولم يقل أرحنا منها فمن ~~لم يجد قرة عينه وراحة قلبه في الصلاة فهو منقوص الإيمان. قال الله تعالى: ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ~~في سبيل الله} . وهذا باب واسع لا ينكره من آمن بالله ورسوله. # PageV11P541 # سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عما أحدثه الفقراء المجردون والمطوعون من صحبة الشباب ومؤاخاة النسوان ~~والماجريات وحط رءوسهم بين يدي بعضهم بعضا وأكلهم مال بعضهم بعضا بغير حق ~~ومن جنى يشال تحت رجليه ويضرب بغير حق ووقوفهم مكشوفي الرءوس منحنين ~~كالراكعين ووضع النعال على رءوسهم ولباسهم الصوف والرقع والسجادة والسبحة ~~وأكل الحشيشة. وإذا جاءهم أمرد فرضوا عليه أن يصحبه واحد منهم ويطلبوا منه ~~الصحبة هل يجوز ذلك؟ أو نقل عن الصحابة؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما صحبة المردان على وجه الاختصاص بأحدهم - كما يفعلونه - مع ~~ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن ومبيته مع الرجل ونحو ذلك. فهذا ~~من أفحش المنكرات عند المسلمين وعند اليهود والنصارى وغيرهم فإنه قد علم ~~بالاضطرار من دين الإسلام ودين سائر الأمم بعد قوم لوط: تحريم الفاحشة ~~اللوطية ولهذا بين الله في كتابه أنه لم يفعلها قبل قوم لوط أحد من ~~العالمين وقد عذب الله # PageV11P542 # المستحلين لها بعذاب ما عذبه أحدا من الأمم حيث طمس أبصارهم وقلب مدائنهم ~~فجعل عاليها سافلها وأتبعهم بالحجارة من السماء. ولهذا جاءت الشريعة بأن ~~الفاحشة التي فيها القتل: يقتل صاحبها بالرجم بالحجارة. كما رجم النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهوديين وماعز بن مالك الأسلمي والغامدية وغيرهم ورجم ~~بعده خلفاؤه الراشدون. والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن وفي السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل ~~والمفعول به} ". ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعا؛ لكن تنوعوا في صفة ~~القتل: فبعضهم قال: يرجم وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدار في القرية ms3687 ويتبع ~~بالحجارة وبعضهم قال: يحرق بالنار؛ ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء ~~أنهما يرجمان بكرين كانا أو ثيبين حرين كانا أو مملوكين أو كان أحدهما ~~مملوكا للآخر وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو ~~كافر مرتد. وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بقبلة الأمرد ولمسه والنظر ~~إليه هو حرام باتفاق المسلمين. كما هو كذلك في المرأة الأجنبية. كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {العينان # PageV11P543 # تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش ~~والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} . ~~فإذا كان المستحل لما حرم الله كافرا فكيف بمن يجعله قربة وطريقا إلى الله ~~تعالى. قال الله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} ~~وسبب نزول الآية أن غير الحمس من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة فجعل الله ~~كشف عوراتهم فاحشة وبين أن الله لا يأمر بالفحشاء ولهذا {لما حج أبو بكر ~~الصديق قبل حجة الوداع نادى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم - وكان يحج ~~المسلم والمشرك - لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان} . فكيف بمن ~~يستحل إتيان الفاحشة الكبرى؟ أو ما دونها؟ ويجعل ذلك عبادة وطريقا. وإن كان ~~طائفة من المتفلسفة ومن وافقهم من ضلال المتنكسة جعلوا عشق الصور الجميلة ~~من جملة الطريق التي تزكى بها النفوس فليس هذا من دين المسلمين ولا اليهود ~~ولا النصارى. وإنما هو دين أهل الشرك الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به ~~الله. # PageV11P544 # وإن كان أتباع هؤلاء زادوا على ما شرعه ساداتهم وكبراؤهم زيادات من ~~الفواحش التي لا ترضاها القرود؛ فإنه قد ثبت في صحيح البخاري {أن أبا عمران ~~رأى في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمعت عليه القرود فرجمته} . ومثل ذلك قد ~~شاهده الناس في زماننا في غير القرود حتى الطيور. فلو كانت صحبة " المردان ~~" المذكورة خالية ms3688 عن الفعل المحرم فهي مظنة لذلك وسبب له؛ ولهذا كان ~~المشايخ العارفون بطريق الله يحذرون من ذلك. كما قال فتح الموصلي: أدركت ~~ثلاثين من الأبدال كل ينهاني عند مفارقتي إياه عن صحبة الأحداث. وقال معروف ~~الكرخي: كانوا ينهون عن ذلك. وقال بعض التابعين: ما أنا على الشاب الناسك ~~من سبع يجلس إليه بأخوف مني عليه من حدث يجلس إليه. وقال سفيان الثوري وبشر ~~الحافي: إن مع المرأة شيطانا ومع الحدث شيطانين. وقال بعضهم: ما سقط عبد من ~~عين الله إلا ابتلاه الله بصحبة هؤلاء الأحداث. وقد دخل من فتنة الصور ~~والأصوات على النساك ما لا يعلمه إلا الله حتى اعترف أكابر الشيوخ بذلك. ~~وتاب منهم من تداركه الله برحمته. ومعلوم أن هذا من باب اتباع الهوى بغير ~~هدى من الله. {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ومن استحل ذلك أو # PageV11P545 # اتخذه دينا كان ضالا مضاهيا للمشركين والنصارى ومن فعله مع اعترافه بأنه ~~ذنب أو معصية كان عاصيا أو فاسقا. وكذلك مؤاخاة " المرأة الأجنبية " بحيث ~~يخلو بها وينظر منها ما ليس للأجنبي أن ينظره حرام باتفاق المسلمين واتخاذ ~~ذلك دينا وطريقا كفر وضلال. والمال الذي يؤخذ لأجل إقرارهم ومعونة على ~~محادثة الرجل الأمرد هي من جنس جعل القوادة ومطالبتهم له بالصحبة من جنس ~~العرس على البغي. والله سبحانه أباح النكاح غير مسافحين ولا متخذي أخدان ~~فالمرأة المسافحة تزني بمن اتفق لها وكذلك الرجل المسافح: الذي يزني مع من ~~اتفق له. وأما المتخذ الخدن فهو الرجل يكون له صديقة والمرأة يكون لها صديق ~~فالأمرد المخادن للواحد من هؤلاء من جنس المرأة المتخذة خدنا. وكذلك الجعل ~~والمال الذي يؤخذ على هذا من جنس مهر البغي وجعل القوادة ونحو ذلك. وأما " ~~الماجريات " فإذا اختصم رجلان بقول أو فعل وجب أن يقام في أمرهما بالقسط. ~~قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} . ~~وقال {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ms3689 بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله} الآية. # PageV11P546 # وقد روي: أن اقتتالهما كان بالجريد والنعال. وقد قال تعالى: {لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} الآية. ~~وقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} . وقال: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} . وقال: {وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} الآية. فإن كان الشخصان قد اختصما نظر أمرهما ~~فإن تبين ظلم أحدهما كان المظلوم بالخيار بين الاستيفاء والعفو والعفو أفضل ~~فإن كان ظلمه بضرب أو لطم فله أن يضربه أو يلطمه كما فعل به عند جماهير ~~السلف وكثير من الأئمة وبذلك جاءت السنة. وقد قيل: إنه يؤدب ولا قصاص في ~~ذلك. وإن كان قد سبه فله أن يسبه مثل ما سبه إذا لم يكن فيه عدوان على حق ~~محض لله أو على غير الظالم. فإذا لعنه أو سماه باسم كلب ونحوه فله أن يقول ~~له مثل ذلك فإذا لعن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنه لم يظلمه. وإن ~~افترى عليه كذبا لم يكن له أن يفتري عليه كذبا؛ لأن الكذب حرام لحق الله. ~~كما قال كثير # PageV11P547 # من العلماء في القصاص في البدن: أنه إذا جرحه أو خنقه أو ضربه ونحو ذلك ~~يفعل به كما فعل. فهذا أصح قولي العلماء إلا أن يكون الفعل محرما لحق الله ~~كفعل الفاحشة أو تجريعه الخمر فقد نهى عن مثل هذا أكثرهم وإن كان بعضهم ~~سوغه بنظير ذلك. وإذا اعترف الظالم بظلمه وطلب من المظلوم أن يعفو عنه ~~ويستغفر الله له فهذا حسن مشروع. كما ثبت في الصحيح عن أبي الدرداء: {أنه ~~كان بين أبي بكر وعمر كلام وأن أبا بكر طلب من عمر أن يستغفر له فأبى عمر ~~ثم ندم. فطلب أبا بكر فوجده قد سبقه إلى ms3690 النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ~~ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يغفر الله لك يا أبا بكر ثم قال: أيها ~~الناس؛ إني قد جئت إليكم فقلت: إني رسول الله فقلتم: كذبت؛ وقال أبو بكر: ~~صدقت فهل أنتم تاركو لي صاحبي} ؟ ". وإذا طلب من المظلوم العفو بعد اعتراف ~~الظالم فأجاب: كان من المحسنين الذين أجرهم على الله وإن أبى إلا طلب حقه ~~لم يكن ظالما. لكن يكون قد ترك الأفضل الأحسن فليس لأحد أن يخرجه عن أهل ~~الطريق بمجرد ذلك كما قد يفعله كثير من الناس. قال الله تعالى: {ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب # PageV11P548 # أليم} فإنه لو كان من ترك الإحسان الذي لا يجب عليه يحسب خارجا عن الطريق ~~خرج عنه جمهور أهله. و ### | " أولياء الله " على صنفين: # مقربين سابقين وأصحاب يمين مقتصدين. كما روى البخاري في صحيحه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله تعالى: من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة. وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا ~~يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته ولا بد له منه} ". ثم أكثر هؤلاء الذين يذمون تارك العفو إنما ~~يذمونه لأهوائهم لكون الظالم صديق أحدهم أو وريثه أو قرينه ونحو ذلك. والله ~~سبحانه أوجب على عباده العدل في الصلح كما أوجبه في الحكم. فقال تعالى: ~~{فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} . وقيد الإصلاح الذي ~~يثيب عليه بالإخلاص فقال # PageV11P549 # تعالى: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} . إذ ~~كثير ms3691 من الناس يقصدون الإصلاح: إما لسمعة وإما لرياء. ومن العدل أن يمكن ~~المظلوم من الانتصاف ثم بعد ذلك الشفاعة إلى المظلوم في العفو ويصالحه ~~الظالم وترغيبه في ذلك. فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن حقوق العباد التي ~~فيها وزر الظالم ندب فيها إلى العفو. كقوله سبحانه: {والجروح قصاص فمن تصدق ~~به فهو كفارة له} . وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله إنه لا يحب الظالمين} . وعن أنس قال: {ما رفع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيء في القصاص إلا أمر فيه بالعفو} " وليس من شرط طلب العفو من ~~المظلوم أن الظالم يقوم على قدميه ولا يضع نعليه على رأسه ونحو ذلك مما قد ~~يلتزمه بعض الناس. وإنما شرطه التمكين من نفسه حتى يستوفى منه الحق. فإذا ~~أمكن المظلوم من استيفاء حقه فقد فعل ما وجب عليه. ثم المستحق بالخيار إن ~~شاء عفا وإن شاء استوفى. وللمظلوم أن يهجره ثلاثا وأما بعد الثلاث فليس له ~~أن يهجره على ظلمه إياه لقوله صلى الله عليه وسلم {لا يحل لمسلم أن # PageV11P550 # يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ ~~بالسلام} . وأما إذا كان الذنب لحق الله كالكذب والفواحش والبدع المخالفة ~~للكتاب والسنة أو إضاعة الصلاة بالتفريط وواجباتها ونحو ذلك فهذا لا بد فيه ~~من التوبة. وهل يشترط مع التوبة إظهار الإصلاح في العمل؟ على قولين ~~للعلماء. وإذا كان لهم شيخ مطاع فإن له أن يعزر العاصي بحسب ذنبه تعزيرا ~~يليق بمثله أن يفعله بمثله مثل هجره مدة كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الثلاثة المخلفين. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون: ~~يسوسون الناس في دينهم ودنياهم ثم بعد ذلك تفرقت الأمور فصار أمراء الحرب ~~يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس ~~فيما يرجع إليهم فيه من العلم والدين. وهؤلاء أولو أمر تجب طاعتهم فيما ~~يأمرون به من طاعة الله التي هم أولو أمرها. ms3692 وهو كذلك فسر أولو الأمر في ~~قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} بأمراء الحرب: من ~~الملوك ونوابهم وبأهل العلم والدين الذين يعلمون الناس دينهم ويأمرونهم ~~بطاعة الله فإن قوام الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى: # PageV11P551 # {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} . وإذا كان ولاة الحرب ~~عاجزين ومفرطين عن تقويم المنتسبين إلى الطريق كان تقويمهم على رؤسائهم ~~وكان لهم من تعزيرهم وتأديبهم ما يتمكنون منه إذا لم يقم به غيرهم. كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه. وهو أضعف الإيمان} ". وقد يكون تعزيره بنفيه ~~عن وطنه مدة كما كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينفي من شرب الخمر. ~~وكما نفي نصر بن حجاج إلى البصرة لخوف فتنة النساء به وقد مضت سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالنفي في الزنا ونفي المخنث وأمر بعض المشايخ ~~للمسيء بالسفر هذا أصله. وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل طويل ببيان الذنوب ~~والتوبة منها وشروط التوبة وهو حال مستصحب للعبد من أول أمره إلى آخر عمره ~~كما قال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا} الآية. وإذا تاب العبد وأخرج من ماله صدقة للتطهر من ذنبه: كان ذلك ~~حسنا مشروعا. قال تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة # PageV11P552 # عن عباده ويأخذ الصدقات} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {الصدقة تطفئ ~~الخطيئة كما يطفئ الماء النار. والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب} ~~" وقال النبي صلى الله عليه وسلم {فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها ~~الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر} {وقال كعب بن ~~مالك: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمسك عليك بعض مالك. فهو خير لك} . لكن لا يجوز إلزامه بصدقة. ولا تجب عليه ~~لا بإخراج ثيابه ms3693 ولا غير ذلك. ولا يجوز أن يقصد مطالبته بالتوبة أن يؤكل ~~ماله لا سيما إذا أعنت فجعل له ذنب من غير ذنب؛ فإن هذا يبقى كذبا وظلما ~~وأكلا للمال بالباطل ولا يجب أن يكون ما يخرجه صدقة مصروفا في طعام ~~يأكلونه؛ بل الخيرة إليه بوضعه حيث يكون أصلح وأطوع لله ولرسوله. والذي ~~ينبغي أن ينظر أحق الناس بتلك الصدقة فتدفع إليه وإما أن يجعل من جملة ~~التوبة صنعة طعام ودعوة فهذا بدعة. فما زال الناس يتوبون على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه من غير هذه البدعة. # PageV11P553 # وأما الشكر الذي فيه إخراج شيء من ماله: كملبوس أو غيره شكرا لله على ما ~~أنعم به إما من توبة وإما إصلاح ونحو ذلك. فهو حسن مشروع؛ فإن كعب بن مالك ~~لما جاءه المبشر بتوبة الله عليه: أعطاه ثوبه الذي كان عليه واستعار ثوبا ~~ذهب فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن تعيين اللباس وغيره في الشكر ~~بدعة أيضا. فإن فعل ذلك أحيانا فهو حسن فلا يجعل واجبا أو مستحبا إلا ما ~~جعله الله ورسوله واجبا أو مستحبا ولا ينكر إلا ما كرهه الله ورسوله. فلا ~~دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرم الله. وضرب الرجل تحت رجليه هو من ~~التعزير؛ فإن كان له ذنب يستحق به مثل ذلك من دين الله والمؤدب له ممن له ~~أهلية ذلك فهو حق. وأما كشف الرءوس والانحناء فليس من السنة. إنما هو مأخوذ ~~عن عادات بعض الملوك والجاهلية والمخلوق لا يسأل كشف رأس ولا ركوع له. ~~وإنما يركع لله في الصلاة وكشف الرءوس لله في الإحرام. وأما " لباس الصوف " ~~فقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة الصوف في السفر؛ ولهذا قال ~~الأوزاعي: لباس الصوف في السفر سنة وفي الحضر بدعة. # PageV11P554 # ومعنى هذا أن المداومة عليه في الحضر بدعة كما روينا عن محمد بن سيرين: ~~أنه بلغه أن أقواما يتحرون لباس الصوف. قال: أظن هؤلاء بلغهم أن المسيح كان ~~يلبس ms3694 الصوف فلبسوه لذلك وهدي نبينا أحب إلينا من هدي غيره. وفي السنن {أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدون الجمعة ولباسهم الصوف} ~~وفي الحديث الآخر " {قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم مجتابي النمار} ~~" والنمار من الصوف. وقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم القطن وغيره. ومعنى ~~هذا أن اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقا إلى الله بدعة. وأما لبسه للحاجة ~~والانتفاع به للفقير لعدم غيره أو لعدم لبس غيره ونحو ذلك فهو حسن مشروع. ~~والامتناع من لبسه مطلقا مذموم لا سيما من يدعي لبسه كبرا وخيلاء لم ينظر ~~الله إليه يوم القيامة فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح ~~أنه قال: {من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة} وقال: {بينما ~~رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة} " ~~وقد كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: المرتفع والمنخفض. وليس لأحد أن يجعل ~~من الدين ومن طريق الله إلا ما شرعه الله ورسوله لا سيما إذا كان التقييد ~~فيه فساد الدين والدنيا. فإن # PageV11P555 # لبس الصوف وترقيع الثوب عند الحاجة حسن من أفعال السلف. والامتناع من ذلك ~~مطلقا مذموم. فأما من عمد إلى ثوب صحيح فمزقه ثم يرقعه بفضلات ويلبس الصوف ~~الرفيع الذي هو أعلى من القطن والكتان. فهذا جمع فسادين: أما من جهة الدين ~~فإنه يظن التقييد بلبس المرقع والصوف من الدين ثم يريد أن يظهر صورة ذلك ~~دون حقيقته فيكون ما ينفقه على ذلك أعظم مما ينفق على القطن الصحيح وهذا ~~مخالف للزهد. وفساد المال بإتلافه وإنفاقه فيما لا ينفع لا في الدين ولا في ~~الدنيا. # PageV11P556 # ما تقول السادة الأعلام أئمة الإسلام ورثة الأنبياء عليهم السلام - رضي ~~الله عنهم وأرضاهم في صفة " سماع الصالحين " ما هو؟ وهل سماع القصائد ~~الملحنة بالآلات المطربة هو من القرب والطاعات. أم لا؟ وهل هو مباح أم لا؟ # فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -: # الحمد ms3695 لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. أصل هذه " ~~المسألة " أن يفرق بين السماع الذي ينتفع به في الدين وبين ما يرخص فيه ~~رفعا للحرج بين سماع المتقربين وبين سماع المتلعبين. فأما السماع الذي شرعه ~~الله تعالى لعباده وكان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون ~~عليه لصلاح قلوبهم وزكاة # PageV11P557 # نفوسهم - فهو سماع آيات الله تعالى وهو سماع النبيين والمؤمنين وأهل ~~العلم وأهل المعرفة. قال الله تعالى لما ذكر من ذكره من الأنبياء في قوله: ~~{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا} وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} . وقال تعالى: {إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} ~~. وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق} . وبهذا السماع أمر الله تعالى كما قال تعالى: {وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وعلى أهله أثنى كما في قوله ~~تعالى {فبشر عباد} {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} . وقال في الآية ~~الأخرى: {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} فالقول ~~الذي أمروا بتدبره هو القول الذي أمروا باستماعه. وقد قال تعالى: {أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب # PageV11P558 # أقفالها} . وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} . وكما ~~أثنى على هذا السماع ذم المعرضين عن هذا السماع فقال تعالى: {وإذا تتلى ~~عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} وقال تعالى: ~~{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} . وقال ~~تعالى: {وقال الرسول يا رب إن ms3696 قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} {وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} وقال تعالى: {فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين} {فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} {فرت من ~~قسورة} . وقال تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب} . وقال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا} . وهذا هو السماع الذي شرعه الله لعباده في صلاة ~~الفجر والعشاءين وغير ذلك. وعلى هذا السماع كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يجتمعون وكانوا إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون ~~يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى: # PageV11P559 # يا أبا موسى؛ ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون. وهذا هو السماع الذي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يشهده مع أصحابه ويستدعيه منهم كما في الصحيح عن ~~عبد الله بن مسعود قال: {قال النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ علي القرآن ~~قلت: أقرؤه عليك وعليك أنزل فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه ~~سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية. {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا ~~بك على هؤلاء شهيدا} قال: حسبك فنظرت فإذا عيناه تذرفان} وهذا هو الذي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسمعه هو وأصحابه. كما قال تعالى: {لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} و " الحكمة " هي السنة. وقال تعالى: {إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين} {وأن ~~أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} ~~وكذلك غيره من الرسل قال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وبذلك يحتج ~~عليهم يوم القيامة. كما قال ms3697 تعالى: {يا معشر الجن # PageV11P560 # والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} . وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها ~~فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} . ~~وقد أخبر أن المعتصم بهذا السماع مهتد مفلح والمعرض عنه ضال شقي. قال ~~تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} . ~~وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} . و " ذكر ~~الله " يراد به تارة: ذكر العبد ربه ويراد به الذكر الذي أنزله الله. كما ~~قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} . وقال نوح: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم} وقال: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون} . وقال: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه} . وقال: ~~{وإنه لذكر لك ولقومك} . وقال: {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء # PageV11P561 # منكم أن يستقيم} وقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين} . وهذا " السماع " له آثار إيمانية من المعارف القدسية ~~والأحوال الزكية يطول شرحها ووصفها وله في الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ~~ودموع العين واقشعرار الجلد وهذا مذكور في القرآن. وهذه الصفات موجودة في ~~الصحابة ووجدت بعدهم آثار ثلاثة: الاضطراب والصراخ والإغماء والموت في ~~التابعين. و " بالجملة " فهذا السماع هو أصل الإيمان؛ فإن الله بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إلى الخلق أجمعين ليبلغهم رسالات ربهم فمن سمع ما بلغه ~~الرسول فآمن به واتبعه اهتدى وأفلح ومن أعرض عن ذلك ضل وشقي. # وأما " سماع المكاء والتصدية " وهو ms3698 التصفيق بالأيدي والمكاء مثل الصفير ~~ونحوه فهذا هو سماع المشركين الذي ذكره الله تعالى في قوله: {وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} فأخبر عن المشركين أنهم كانوا يتخذون ~~التصفيق باليد والتصويت بالفم قربة ودينا. ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط ومن قال إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حضر ذلك فقد كذب # PageV11P562 # عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسنته. والحديث الذي ذكره محمد بن طاهر ~~المقدسي في " مسألة السماع " و " في صفة التصوف " ورواه من طريقه الشيخ أبو ~~حفص عمر السهروردي صاحب عوارف المعارف {أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده ~~أعرابي: # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي # إلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي # وأنه تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال له معاوية: ما أحسن لهوكم ~~فقال له: مهلا يا معاوية ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب} " فهو ~~حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن. وأظهر منه كذبا حديث آخر ~~يذكرون فيه: {أنه لما بشر الفقراء بسبقهم الأغنياء إلى الجنة تواجدوا ~~وخرقوا ثيابهم وأن جبرائيل نزل من السماء فقال: يا محمد إن ربك يطلب نصيبه ~~من هذه الخرق فأخذ منها خرقة فعلقها بالعرش وأن ذلك هو زيق الفقراء} وهذا ~~وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ومن بعدهم ومعرفة الإسلام والإيمان. # PageV11P563 # وهو يشبه رواية من روى: " أن أهل الصفة قاتلوا مع الكفار لما انكسر ~~المسلمون يوم حنين أو غير يوم حنين وأنهم قالوا نحن مع الله من كان الله ~~معه كنا معه " ومن روى: {أن صبيحة المعراج وجد أهل الصفة يتحدثون بسر كان ~~الله أمر نبيه أن يكتمه فقال لهم: من أين لكم هذا؟ قالوا: الله علمنا إياه ~~فقال: يا رب ألم تأمرني ألا أفشيه؟ فقال: أمرتك أنت ألا تفشيه ولكني أنا ~~أخبرتهم به} ونحو هذه الأحاديث التي يرويها طوائف منتسبون ms3699 إلى الدين مع فرط ~~جهلهم بدين الإسلام فيبنون عليها من النفاق والبدع ما يناسبها. تارة يسقطون ~~التوسط بالرسول وأنهم يصلون إلى الله تعالى من غير طريق الرسل مطلقا. فهذا ~~أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ فإن أولئك أسقطوا وساطة رسول واحد ولم يسقطوا ~~وساطة الرسل مطلقا. وهؤلاء إذا أسقطوا وساطة الرسل مطلقا عن أنفسهم كان هذا ~~أغلظ من كفر أولئك؛ لكنهم يقولون: لا تسقط الوساطة إلا عن الخاصة لا عن ~~العامة فيكونون أكفر من أهل الكتاب من جهة إسقاط السفارة مطلقا عنهم في بعض ~~الأحوال وأهل الكتاب أكفر من جهة إسقاط سفارة محمد مطلقا بل أهل الكتاب ~~الذين يقولون إنه رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب خير من هؤلاء فإن أولئك ~~أخرجوا عن رسالته من له كتاب وهؤلاء يخرجون عن رسالته من لا يبقى معه إلا ~~خيالات # PageV11P564 # ووساوس وظنون ألقاها إليه الشيطان مع ظنه أنه من خواص أولياء الله وهو من ~~أشد أعداء الله وتارة يجعلوا هذه الآثار المختلقة حجة فيما يفترونه من أمور ~~تخالف دين الإسلام ويدعون أنها من أسرار الخواص كما يفعل الملاحدة ~~والقرامطة والباطنية وتارة يجعلونها حجة في الإعراض عن كتاب الله وسنة نبيه ~~إلى ما ابتدعوه من اتخاذ دينهم لهوا ولعبا. وبالجملة قد عرف بالاضطرار من ~~دين الإسلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لصالحي أمته وعبادهم ~~وزهادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب ~~بالقضيب أو الدف. كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته واتباع ما جاء به من ~~الكتاب والحكمة لا في باطن الأمر ولا في ظاهره ولا لعامي ولا لخاصي ولكن ~~رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص ~~للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح. وأما الرجال على عهده فلم يكن ~~أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {التصفيق ~~للنساء والتسبيح للرجال} {. ولعن المتشبهات من النساء بالرجال. والمتشبهين ~~من الرجال بالنساء} ms3700 ". ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء ~~كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثا ويسمون الرجال # PageV11P565 # المغنين مخانيث وهذا مشهور في كلامهم. ومن هذا الباب حديث {عائشة رضي ~~الله عنها لما دخل عليها أبوها - رضي الله عنه - في أيام العيد وعندها ~~جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث. فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معرضا بوجهه عنهما مقبلا بوجهه الكريم إلى ~~الحائط. فقال: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الإسلام} ~~ففي هذا الحديث بيان: أن هذا لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان والنبي صلى الله ~~عليه وسلم أقر الجواري عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في ~~اللعب في الأعياد كما جاء في الحديث {ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة} " ~~وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها وليس ~~في حديث الجاريتين أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك. والأمر ~~والنهي إنما يتعلق بالاستماع؛ لا بمجرد السماع. كما في الرؤية فإنه إنما ~~يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار. وكذلك في اشتمام الطيب ~~إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه. ~~وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس # PageV11P566 # الخمس: من السمع والبصر والشم والذوق واللمس. إنما يتعلق الأمر والنهي من ~~ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا ~~نهي. وهذا مما وجه به الحديث الذي في السنن عن {ابن عمر أنه كان مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسمع صوت زمارة راع فعدل عن الطريق وقال: هل تسمع؟ هل ~~تسمع؟ حتى انقطع الصوت} فإن من الناس من يقول: بتقدير صحة هذا الحديث لم ~~يأمر ابن عمر بسد ms3701 أذنيه فيجاب بأنه كان صغيرا أو يجاب بأنه لم يكن يستمع ~~وإنما كان يسمع. وهذا لا إثم فيه. وإنما النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ~~طلبا للأفضل والأكمل كمن اجتاز بطريق فسمع قوما يتكلمون بكلام محرم فسد ~~أذنيه كيلا يسمعه فهذا حسن ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك. اللهم إلا أن ~~يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد. و " بالجملة " فهذه (مسألة ~~السماع تكلم كثير من المتأخرين في السماع: هل هو محظور؟ أو مكروه؟ أو مباح؟ ~~وليس المقصود بذلك مجرد رفع الحرج بل مقصودهم بذلك أن يتخذ طريقا إلى الله ~~يجتمع عليه أهل الديانات لصلاح القلوب والتشويق إلى المحبوب # PageV11P567 # والتخويف من المرهوب والتحزين على فوات المطلوب فتستنزل به الرحمة ~~وتستجلب به النعمة وتحرك به مواجيد أهل الإيمان وتستجلى به مشاهد أهل ~~العرفان حتى يقول بعضهم: إنه أفضل لبعض الناس أو للخاصة من سماع القرآن من ~~عدة وجوه؛ حتى يجعلونه قوتا للقلوب وغذاء للأرواح وحاديا للنفوس يحدوها إلى ~~السير إلى الله ويحثها على الإقبال عليه. ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به ~~لا يحن إلى القرآن ولا يفرح به ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع ~~الأبيات؛ بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية وإذا سمعوا ~~سماع المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب وتعاطت ~~المشروب. فمن تكلم في هذا: هل هو مكروه أو مباح؟ وشبهه بما كان النساء ~~يغنين به في الأعياد والأفراح لم يكن قد اهتدى إلى الفرق بين طريق أهل ~~الخسارة والفلاح ومن تكلم في هذا: هل هو من الدين؟ ومن سماع المتقين؟ ومن ~~أحوال المقربين؟ والمقتصدين؟ ومن أعمال أهل اليقين؟ ومن طريق المحبين ~~المحبوبين؟ ومن أفعال السالكين إلى رب العالمين؟ كان كلامه فيه من وراء ~~وراء بمنزلة من سئل عن علم الكلام المختلف فيه: هل هو محمود؟ أو مذموم؟ ~~فأخذ # PageV11P568 # يتكلم في جنس الكلام وانقسامه: إلى الاسم. والفعل والحرف أو يتكلم في مدح ~~الصمت أو في أن الله أباح ms3702 الكلام والنطق وأمثال ذلك مما لا يمس المحل ~~المشتبه المتنازع فيه. فإذا عرف هذا: فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون ~~الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا ~~العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل ~~سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في ~~أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه. # فقال: الشافعي - رضي الله عنه - خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~" التغبير " يصدون به الناس عن القرآن. وقال يزيد بن هارون: ما يغبر إلا ~~الفاسق ومتى كان التغبير. وسئل عنه الإمام أحمد فقال: أكرهه هو محدث. قيل: ~~أنجلس معهم؟ قال: لا وكذلك سائر أئمة الدين كرهوه وأكابر الشيوخ الصالحين ~~لم يحضروه فلم يحضره إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخي ~~ولا أبو سليمان الداراني ولا أحمد بن أبي الحواري والسري السقطي وأمثالهم. ~~والذين حضروه من # PageV11P569 # الشيوخ المحمودين تركوه في آخر أمرهم. وأعيان المشايخ عابوا أهله كما فعل ~~ذلك عبد القادر والشيخ أبو البيان وغيرهما من المشايخ. وما ذكره الشافعي - ~~رضي الله عنه - من أنه من إحداث الزنادقة كلام إمام خبير بأصول الإسلام فإن ~~هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة: كابن ~~الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم: كما ذكر أبو عبد الرحمن السلمي - ~~في مسألة السماع - عن ابن الراوندي. قال: إنه اختلف الفقهاء في السماع: ~~فأباحه قوم وكرهه قوم. وأنا أوجبه - أو قال - وأنا آمر به. فخالف إجماع ~~العلماء في الأمر به. و " الفارابي " كان بارعا في الغناء الذي يسمونه " ~~الموسيقا " وله فيه طريقة عند أهل صناعة الغناء وحكايته مع ابن حمدان ~~مشهورة. لما ضرب فأبكاهم ثم أضحكهم ثم نومهم ثم خرج. و " ابن سينا " ذكر في ~~إشاراته في " مقامات العارفين " في الترغيب فيه وفي عشق الصور ما يناسب ~~طريقة أسلافه الفلاسفة والصابئين المشركين الذين كانوا يعبدون الكواكب ~~والأصنام كأرسطو وشيعته من ms3703 اليونان - ومن اتبعه كبرقلس وثامسطيوس والإسكندر ~~الأفروديسي وكان أرسطو وزير الإسكندر بن فيلبس المقدوني # PageV11P570 # الذي تؤرخ له اليهود والنصارى وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة. وأما " ~~ذو القرنين " المذكور في القرآن الذي بنى " السد " فكان قبل هؤلاء بزمن ~~طويل وأما الإسكندر الذي وزر له أرسطو: فإنه إنما بلغ بلاد خراسان ونحوها ~~في دولة الفرس لم يصل إلى السد وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. و " ~~ابن سينا " أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان ومما أخذه من أهل الكلام ~~المبتدعين الجهمية ونحوهم. وسلك طريق الملاحدة الإسماعيلية في كثير من ~~أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشيء من كلام الصوفية وحقيقته تعود إلى كلام ~~إخوانه الإسماعيلية القرامطة الباطنية؛ فإن أهل بيته كانوا من الإسماعيلية: ~~اتباع الحاكم الذي كان بمصر وكانوا في زمنه ودينهم دين أصحاب " رسائل إخوان ~~الصفا " وأمثالهم من أئمة منافقي الأمم الذين ليسوا مسلمين ولا يهود ولا ~~نصارى. وكان الفارابي قد حذق في حروف اليونان التي هي تعاليم أرسطو وأتباعه ~~من الفلاسفة المشائين وفي أصواتهم صناعة الغناء ففي هؤلاء الطوائف من يرغب ~~فيه ويجعله مما تزكو به النفوس وترتاض به وتهذب به الأخلاق. # PageV11P571 # وأما " الحنفاء " أهل ملة إبراهيم الخليل الذي جعله الله إماما وأهل دين ~~الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره المتبعون لشريعة خاتم الرسل ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء ليس فيهم من يرغب في ذلك ولا يدعو ~~إليه. وهؤلاء هم أهل القرآن والإيمان والهدى والسعد والرشاد والنور والفلاح ~~وأهل المعرفة والعلم واليقين والإخلاص والمحبة له والتوكل عليه والخشية له ~~والإنابة إليه. ولكن قد حضره أقوام من أهل الإرادة وممن له نصيب من المحبة ~~لما فيه من التحريك لهم ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته كما دخل قوم من ~~الفقهاء أهل الإيمان بما جاء به الرسول في أنواع من كلام الفلاسفة المخالف ~~لدين الإسلام ظنا منهم أنه حق موافق ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته فإن ~~القيام بحقائق الدين علما وحالا وقولا وعملا ومعرفة وذوقا وخبرة ms3704 لا يستقل ~~بها أكثر الناس ولكن الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة؛ فإن الله ~~بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا. وقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا} وقد قال تعالى: {وأن هذا صراطي # PageV11P572 # مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} . قال {عبد الله ~~بن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا وخط خطوطا عن يمينه ~~وشماله. ثم قال: هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ~~ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} . وقد قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} } فقد رضي الله عن السابقين رضا ~~مطلقا ورضي عمن اتبعهم بإحسان. قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر في قلب ~~محمد فوجد قلبه خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته ثم نظر في قلوب الناس بعد ~~قلبه فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله ~~حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح. وقال عبد الله بن مسعود: من كان ~~منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا ~~قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم؛ ~~فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال ~~القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب ~~للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضرر # PageV11P573 # والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد يفعل في النفوس فعل حميا ~~الكؤوس. ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز ~~كما يجد شارب الخمر؛ بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر ويصدهم ~~ذلك ms3705 عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر ويوقع بينهم العداوة ~~والبغضاء أعظم من الخمر حتى يقتل بعضهم بعضا من غير مس بيد بل بما يقترن ~~بهم من الشياطين؛ فإنه يحصل لهم أحوال شيطانية بحيث تتنزل عليهم الشياطين ~~في تلك الحال ويتكلمون على ألسنتهم كما يتكلم الجني على لسان المصروع: إما ~~بكلام من جنس كلام الأعاجم الذين لا يفقه كلامهم كلسان الترك أو الفرس أو ~~غيرهم ويكون الإنسان الذي لبسه الشيطان عربيا لا يحسن أن يتكلم بذلك بل ~~يكون الكلام من جنس كلام من تكون تلك الشياطين من إخوانهم. وإما بكلام لا ~~يعقل ولا يفهم له معنى وهذا يعرفه أهل المكاشفة " شهودا وعيانا ". وهؤلاء ~~الذين يدخلون النار مع خروجهم عن الشريعة هم من هذا النمط فإن الشياطين ~~تلابس أحدهم بحيث يسقط إحساس بدنه حتى إن المصروع يضرب ضربا عظيما وهو لا ~~يحس بذلك ولا # PageV11P574 # يؤثر في جلده فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين وتدخل بهم النار وقد تطير بهم ~~في الهواء وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب عقله كما يلبس الشيطان ~~المصروع. وبأرض الهند والمغرب ضرب من الزط يقال لأحدهم: المصلى فإنه يصلى ~~النار كما يصلى هؤلاء وتلبسه ويدخلها ويطير في الهواء ويقف على رأس الزج ~~ويفعل أشياء أبلغ مما يفعله هؤلاء وهم من الزط الذين لا خلاق لهم والجن ~~تخطف كثيرا من الإنس وتغيبه عن أبصار الناس وتطير بهم في الهواء وقد باشرنا ~~من هذه الأمور ما يطول وصفه وكذلك يفعل هذا هؤلاء المتولهون والمنتسبون إلى ~~بعض المشايخ إذا حصل له وجد سماعي وعند سماع المكاء والتصدية منهم من يصعد ~~في الهواء ويقف على زج الرمح ويدخل النار ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم ~~يضعه على بدنه. وأنواع من هذا الجنس ولا تحصل له هذه الحال عند الصلاة ولا ~~عند الذكر ولا عند قراءة القرآن؛ لأن هذه عبادات شرعية إيمانية إسلامية ~~نبوية محمدية تطرد الشياطين وتلك عبادات بدعية شركية شيطانية فلسفية تستجلب ~~الشياطين. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ms3706 الصحيح: {ما اجتمع قوم ~~في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا # PageV11P575 # غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن ~~عنده} " وقد ثبت في الحديث الصحيح {أن أسيد بن حضير لما قرأ سورة الكهف ~~تنزلت الملائكة لسماعها كالظلة فيها السرج.} ولهذا كان المكاء والتصدية ~~يدعو إلى الفواحش والظلم ويصد عن حقيقة ذكر الله تعالى والصلاة كما يفعل ~~الخمر والسلف يسمونه تغبيرا؛ لأن التغبير هو الضرب بالقضيب على جلد من ~~الجلود وهو ما يغبر صوت الإنسان على التلحين فقد يضم إلى صوت الإنسان. إما ~~التصفيق بأحد اليدين على الأخرى وإما الضرب بقضيب على فخذ وجلد وإما الضرب ~~باليد على أختها أو غيرها على دف أو طبل كناقوس النصارى والنفخ في صفارة ~~كبوق اليهود. فمن فعل هذه الملاهي على وجه الديانة والتقرب فلا ريب في ~~ضلالته وجهالته. وأما إذا فعلها على وجه التمتع والتلعب فذهب الأئمة ~~الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر ~~والمعازف وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير} . و " المعازف " هي الملاهي كما ~~ذكر ذلك أهل اللغة. جمع معزفة وهي الآلة التي يعزف بها: أي يصوت بها. ولم ~~يذكر أحد من # PageV11P576 # أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا. إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب ~~الشافعي ذكر في اليراع وجهين بخلاف الأوتار ونحوها؛ فإنهم لم يذكروا فيها ~~نزاعا. وأما العراقيون الذين هم أعلم بمذهبه وأتبع له فلم يذكروا نزاعا لا ~~في هذا ولا في هذا بل صنف أفضلهم في وقته أبو الطيب الطبري شيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي في ذلك مصنفا معروفا. ولكن تكلموا في الغناء المجرد عن آلات ~~اللهو: هل هو حرام؟ أو مكروه؟ أو مباح؟ وذكر أصحاب أحمد لهم في ذلك ثلاثة ~~أقوال وذكروا عن الشافعي قولين ولم يذكروا عن أبي حنيفة ومالك في ذلك ~~نزاعا. وذكر زكريا بن يحيى الساجي - وهو أحد الأئمة المتقدمين المائلين ms3707 إلى ~~مذهب الشافعي - أنه لم يخالف في ذلك من الفقهاء المتقدمين إلا إبراهيم بن ~~سعد من أهل البصرة وما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي وأبو القاسم القشيري ~~وغيرهما: عن مالك وأهل المدينة في ذلك فغلط. وإنما وقعت الشبهة فيه لأن بعض ~~أهل المدينة كان يحضر السماع إلا أن هذا ليس قول أئمتهم وفقهائهم؛ بل قال ~~إسحاق بن عيسى الطباع: سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ~~فقال: إنما يفعله عندنا الفساق وهذا معروف في كتاب أصحاب مالك وهم أعلم ~~بمذهبه ومذهب أهل المدينة من طائفة في # PageV11P577 # المشرق لا علم لها بمذهب الفقهاء ومن ذكر عن مالك أنه ضرب بعود فقد افترى ~~عليه وإنما نبهت على هذا؛ لأن فيما جمعه أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن ~~طاهر المقدسي في ذلك حكايات وآثار يظن من لا خبرة له بالعلم وأحوال السلف ~~أنها صدق. وكان " الشيخ أبو عبد الرحمن " - رحمه الله - فيه من الخير ~~والزهد والدين والتصوف ما يحمله على أن يجمع من كلام الشيوخ والآثار التي ~~توافق مقصوده كل ما يجده؛ فلهذا يوجد في كتبه من الآثار الصحيحة والكلام ~~المنقول ما ينتفع به في الدين. ويوجد فيها من الآثار السقيمة والكلام ~~المردود ما يضر من لا خبرة له. وبعض الناس توقف في روايته. حتى أن البيهقي ~~كان إذا روى عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه. وأكثر الحكايات ~~التي يرويها أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة عنه فإنه كان أجمع شيوخه ~~لكلام الصوفية. و " محمد بن طاهر " له فضيلة جيدة من معرفة الحديث ورجاله ~~وهو من حفاظ وقته لكن كثيرا من المتأخرين: أهل الحديث وأهل الزهد وأهل ~~الفقه وغيرهم إذا صنفوا في باب ذكروا ما روي فيه من غث وسمين ولم يميزوا ~~ذلك كما يوجد ممن يصنف في الأبواب مثل المصنفين: في فضائل الشهور والأوقات ~~وفضائل الأعمال # PageV11P578 # والعبادات وفضائل الأشخاص وغير ذلك من الأبواب مثل ما صنف بعضهم في فضائل ~~رجب وغيرهم في فضائل صلوات الأيام والليالي وصلاة يوم ms3708 الأحد وصلاة يوم ~~الاثنين وصلاة يوم الثلاثاء وصلاة أول جمعة في رجب وألفية رجب وأول رجب ~~وألفية نصف شعبان وإحياء ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء. وأجود ما يروى ~~من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح وقد رواه أبو داود والترمذي. ومع هذا فلم ~~يقل به أحد من الأئمة الأربعة؛ بل أحمد ضعف الحديث ولم يستحب هذه الصلوات. ~~وأما ابن المبارك فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن الصلاة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها قعدة ~~طويلة بعد السجدة الثانية وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا ~~الحديث. ومن تدبر الأصول علم أنه موضوع. وأمثال ذلك؛ فإنها كلها أحاديث ~~موضوعة مكذوبة باتفاق أهل المعرفة مع أنها توجد في مثل كتاب أبي طالب وكتاب ~~أبي حامد وكتاب الشيخ عبد القادر؛ وتوجد في مثل أمالي أبي القاسم بن عساكر ~~وفيما صنفه عبد العزيز الكناني وأبو علي بن البنا وأبو الفضل بن ناصر ~~وغيرهم. وكذلك # PageV11P579 # أبو الفرج بن الجوزي: يذكر مثل هذا في فضائل الشهور ويذكر في الموضوعات ~~أنه كذب موضوع. والذين جمعوا الأحاديث في " الزهد والرقائق " يذكرون ما روي ~~في هذا الباب ومن أجل ما صنف في ذلك وأندره " كتاب الزهد " لعبد الله بن ~~المبارك. وفيه أحاديث واهية كذلك " كتاب الزهد " لهناد بن السري ولأسد بن ~~موسى وغيرهما. وأجود ما صنف في ذلك: " الزهد " للإمام أحمد لكنه مكتوب على ~~الأسماء وزهد ابن المبارك على الأبواب. وهذه الكتب يذكر فيها زهد الأنبياء ~~والصحابة والتابعين. ثم إن المتأخرين على صنفين: منهم من ذكر زهد المتقدمين ~~والمتأخرين. كأبي نعيم في الحلية وأبي الفرج بن الجوزي في " صفة الصفوة ". ~~ومنهم من اقتصر على ذكر المتأخرين من حين حدث اسم الصوفية كما فعل أبو عبد ~~الرحمن السلمي في " طبقات الصوفية " وصاحبه أبو القاسم القشيري في الرسالة ~~ثم الحكايات التي يذكرها هؤلاء بمجردها مثل ابن خميس وأمثاله فيذكرون ~~حكايات مرسلة بعضها صحيح وبعضها باطل. # PageV11P580 # مثل ذكرهم: أن الحسن صحب ms3709 عليا. وقد اتفق أهل المعرفة على أن " الحسن ~~البصري " لم يلق عليا ولا أخذ عنه شيئا وإنما أخذ عن أصحابه: كالأحنف بن ~~قيس وقيس بن معاذ وغيرهما. وكذلك حكاياتهم: أن الشافعي وأحمد اجتمعا لشيبان ~~الراعي وسألاه عن سجود السهو وكذلك اتفق أهل المعرفة على أن الشافعي وأحمد ~~لم يلقيا شيبان الراعي بل ولا أدركاه. وقد ذكر أبو عبد الرحمن في " حقائق ~~التفسير " عن جعفر بن محمد وأمثاله من الأقوال المأثورة ما يعلم أهل ~~المعرفة أنه كذب على جعفر بن محمد فإن جعفرا كذب عليه ما لم يكذب على أحد؛ ~~لأنه كان فيه من العلم والدين ما ميزه الله به وكان هو وأبوه - أبو جعفر - ~~وجده - علي بن الحسين - من أعيان الأئمة علما ودينا ولم يجئ بعد جعفر مثله ~~وفي أهل البيت. فصار كثير من أهل الزندقة والبدع ينسب مقالته إليه حتى ~~أصحاب " رسائل إخوان الصفا " ينسبونها إليه. وهذه الرسائل صنفت بعد موته ~~بأكثر من مائتي سنة صنفت عند ظهور مذهب الإسماعيلية العبيديين الذين بنوا ~~القاهرة وصنفت على مذهبهم الذي ركبوه من قول الفلاسفة اليونان ومجوس الفرس ~~والشيعة من أهل القبلة؛ ولهذا قال العلماء: إن ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه ~~الكفر المحض. # PageV11P581 # ونسبوا إلى جعفر أنه تكلم في تقدم المعرفة عن حوادث الكون: مثل اختلاج ~~الأعضاء والرعود والبروق والهفت وغير ذلك مما نزه الله جعفرا وأئمة أهل ~~بيته عن الكلام فيه. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. و (المقصود هنا أن ~~المذكور عن سلف الأمة وأئمتها من المنقولات: ينبغي للإنسان أن يميز بين ~~صحيحه وضعيفه كما ينبغي مثل ذلك في المعقولات والنظريات وكذلك في الأذواق ~~والمواجيد والمكاشفات والمخاطبات فإن كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة فيها ~~حق وباطل ولا بد من التمييز في هذا وهذا. وجماع ذلك أن ما وافق كتاب الله ~~وسنة رسوله الثابتة عنه وما كان عليه أصحابه فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل. ~~فإن الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن ms3710 تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقال تعالى. {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من # PageV11P582 # الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة - رضي الله عنها - {أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا ~~قام من الليل يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . ~~والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع. وقد تكلمنا على كلام ~~المشايخ في السماع وما ذكره القشيري في رسالته هو وغيره عنهم وشرحنا ذلك ~~كلمة كلمة لكن هذا الموضع لا يتسع لذلك. وجماع الأمر في ذلك أنه إذا كان ~~الكلام في السماع وغيره هل هو طاعة وقربة؟ فلا بد من دليل شرعي يدل على ذلك ~~وإذا كان الكلام: هل هو محرم؟ أو غير محرم؟ فلا بد من دليل شرعي يدل على ~~ذلك. إذ ليس الحرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله والله ~~سبحانه وتعالى ذم المشركين على أنهم ابتدعوا دينا لم يشرعه الله لهم وأنهم ~~حرموا ما لم يحرمه الله تعالى. فقال تعالى: # PageV11P583 # {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال تعالى: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} . وكثير من الناس يفعل في ~~السماع وغيره: ما هو من جنس الفواحش المحرمة وما يدعو إليها وزعمهم أن ذلك ~~يصلح ms3711 القلوب فهو مما أمر الله به؛ فهؤلاء لهم نصيب من معنى هذه الآية. قال ~~تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} . وقد كان المشركون يحرمون من الطعام واللباس أشياء ويتخذون ذلك ~~دينا وكان بعض الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} الآية. # PageV11P584 # وجماع الدين أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع ولا نعبده بالبدع ~~كما قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} . قال الفضيل بن عياض: أخلصه ~~وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ . قال: إن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل. حتى يكون ~~خالصا صوابا والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. وهذا الذي ~~ذكره الفضيل مما اتفق عليه أئمة المشايخ كما قال أبو سليمان الداراني: إنه ~~لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب ~~والسنة وقال الشيخ أبو سليمان أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله ~~حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع بأثر كان نورا على نور. وقال الجنيد: علمنا هذا ~~مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لم يصح له أن ~~يتكلم في علمنا هذا وقال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له ~~الكتاب والسنة فهو باطل وقال: كل عمل على ابتداع فإنه عذاب على النفس وكل ~~عمل بلا اقتداء فهو غش النفس. # PageV11P585 # وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ms3712 ~~بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله يقول: ~~{وإن تطيعوه تهتدوا} . ومثل هذا كثير في كلامهم. وإذا كان كذلك فليس لأحد ~~أن يسلك إلى الله إلا بما شرعه الرسول لأمته فهو الداعي إلى الله بإذنه ~~الهادي إلى صراطه الذي من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار فهو الذي فرق ~~الله به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي. آخره والحمد لله ~~رب العالمين. وصلى الله على محمد وصحبه وسلم. # PageV11P586 # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن " السماع " # فأجاب: # " السماع " الذي أمر الله به ورسوله واتفق عليه سلف الأمة ومشايخ الطريق: ~~هو سماع القرآن فإنه سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع ~~المؤمنين قال سبحانه وتعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ~~ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا ~~إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} وقال تعالى: {إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} . وقال تعالى: ~~{وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} وقال تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت # PageV11P587 # قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ~~ربهم ومغفرة ورزق كريم} وقال سبحانه وتعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون} وقال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} . وقال ~~سبحانه وتعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} وقال سبحانه ~~وتعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وهذا كثير في القرآن. وكما ~~أثنى سبحانه وتعالى على هذا السماع فقد ذم ms3713 المعرضين عنه كما قال: {لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} وقال: {والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} وقال سبحانه وتعالى: {فما لهم عن ~~التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} وقال سبحانه وتعالى: {ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه} وقال: {إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون} {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون} وقال سبحانه وتعالى: {وإذا تتلى عليه # PageV11P588 # آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} . ~~وهذا كثير في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع ~~المسلمين يمدحون من يقبل على هذا السماع ويحبه ويرغب فيه ويذمون من يعرض ~~عنه ويبغضه؛ ولهذا شرع الله للمسلمين في صلاتهم ولطسهم (1) شرع سماع المغرب ~~والعشاء الآخر. وأعظم سماع في الصلوات سماع الفجر الذي قال الله فيه: ~~{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} وقال عبد الله بن رواحة - رضي الله ~~عنه - يمدح النبي صلى الله عليه وسلم -: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع # وهو مستحب لهم خارج الصلوات وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه خرج ~~على أهل الصفة وفيهم واحد يقرأ وهم PageV11P589 # يستمعون فجلس معهم} ". وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقون يستمعون. وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يقول: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون {ومر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأبي موسى وهو يقرأ: فجعل يستمع لقراءته وقال: لقد أوتي هذا ~~مزمارا من مزامير داود وقال: يا أبا موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ ~~فجعلت أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا} ~~أي: حسنته لك تحسينا. وقال النبي صلى الله عليه ms3714 وسلم {ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن.} {زينوا القرآن بأصواتكم} " وقال: " {لله أشد أذنا للرجل حسن ~~الصوت من صاحب القينة إلى قينته} " وقوله: " ما أذن الله إذنا " أي سمع ~~سمعا ومنه قوله: {وأذنت لربها وحقت} أي سمعت والآثار في هذا كثيرة. وهذا ~~سماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية. والأحوال الزكية يطول شرحها ~~ووصفها. وله في الجسد آثار محمودة. من خشوع القلب ودموع العين واقشعرار ~~الجلد وقد ذكر الله هذه الثلاثة في القرآن. وكانت موجودة في أصحاب رسول ~~الله # PageV11P590 # صلى الله عليه وسلم وسلم الذين أثنى عليهم في القرآن ووجد بعدهم في ~~التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب والاختلاج والإغماء - أو الموت والهيام؛ ~~فأنكر بعض السلف ذلك - إما لبدعتهم وإما لحبهم. وأما جمهور الأئمة والسلف ~~فلا ينكرون ذلك؛ فإن السبب إذا لم يكن محظورا كان صاحبه فيما تولد عنه ~~معذورا. لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم ~~يؤثر السماع لقسوتهم كانوا مذمومين كما ذم الله الذين قال فيهم: {ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك} وقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ~~فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} ولو أثر فيهم آثارا محمودة لم يجذبهم عن حد ~~العقل. لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضا ومعذورين. # فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد ~~نظير الغبار. وإما بالتصفيق ونحو ذلك. فهو السماع المحدث في الإسلام فإنه ~~أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث قال: {خير القرون: القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم} وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ. # PageV11P591 # وقال الشافعي - رحمه الله -: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن. وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: هو ~~محدث أكرهه قيل له: إنه يرق عليه القلب. فقال: لا ms3715 تجلسوا معهم. قيل له: ~~أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله. فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون ~~الفاضلة لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في مصر ولا في العراق ~~ولا خراسان. ولو كان للمسلمين به منفعة في دينهم لفعله السلف. ولم يحضره ~~مثل: إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخي ولا السري ~~السقطي ولا أبو سليمان الداراني ولا مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدي ~~والشيخ أبي البيان ولا الشيخ حياة وغيرهم؛ بل في كلام طائفة من هؤلاء - ~~كالشيخ عبد القادر وغيره - النهي عنه. وكذلك أعيان المشايخ. وقد حضره من ~~المشايخ طائفة وشرطوا له المكان والإمكان والخلان والشيخ الذي يحرس من ~~الشيطان. وأكثر الذين حضروه من المشايخ الموثوق بهم رجعوا عنه في آخر ~~عمرهم. كالجنيد فإنه حضره وهو شاب وتركهم في آخر عمره. وكان يقول: من تكلف ~~السماع # PageV11P592 # فتن به ومن صادفه السماع استراح به. فقد ذم من يجتمع له ورخص فيمن يصادفه ~~من غير قصد. ولا اعتماد للجلوس له. وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل. فإن ~~الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل والهجر والقطيعة والشوق والتتيم والصبر ~~على العذل واللوم ونحو ذلك هو قول مجمل يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ~~ومحب الإخوان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان. فقد يكون فيه منفعة ~~إذا هيج القاطن وأثار الساكن وكان ذلك مما يحبه الله ورسوله. لكن فية مضرة ~~راجحة على منفعته: كما في الخمر والميسر فإن فيهما إثما كبيرا ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما. فلهذا لم تأت به الشريعة لم تأت إلا بالمصلحة ~~الخالصة أو الراجحة وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته فهو بمنزلة من ~~يأخذ درهما بدينار أو يسرق خمسة دراهم ويتصدق منها بدرهمين. وذلك أنه يهيج ~~الوجد المشترك فيثير من النفس كوامن تضره آثارها ويغذي النفس ويفتنها ~~فتعتاض به عن سماع القرآن حتى لا يبقى فيها محبة لسماع القرآن ولا التذاذ ~~به ولا استطابة له. بل # PageV11P593 # يبقى في النفس بغض ms3716 لذلك واشتغال عنه. كمن شغل نفسه بتعلم التوراة ~~والإنجيل وعلوم أهل الكتاب والصابئين واستفادته العلم والحكمة منها فأعرض ~~بذلك عن كتاب الله وسنة رسوله إلى أشياء أخرى تطول. فلما كان هذا السماع لا ~~يعطي بنفسه ما يحبه الله ورسوله من الأحوال والمعارف بل قد يصد عن ذلك ~~ويعطي ما لا يحبه الله ورسوله أو ما يبغضه الله ورسوله لم يأمر الله به ولا ~~رسوله ولا سلف الأمة ولا أعيان مشايخها. ومن نكته أن الصوت يؤثر في النفس ~~بحسنه: فتارة يفرح وتارة يحزن وتارة يغضب وتارة يرضى وإذا قوي أسكر الروح ~~فتصير في لذة مطربة من غير تمييز. كما يحصل للنفس إذا سكرت بالرقص وللجسد ~~أيضا إذا سكر بالطعام والشراب فإن السكر هو الطرب الذي يؤثر لذة بلا عقل ~~فلا تقوم منفعته بتلك اللذة بما يحصل من غيبة العقل التي صدت عن ذكر الله ~~وعن الصلاة وأوقعت العداوة والبغضاء. و " بالجملة " فعلى المؤمن أن يعلم: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به ~~ولا شيئا يبعد عن # PageV11P594 # النار إلا وقد حدث به وأن هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله فإن ~~الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من ~~السنة لم يلتفت إليه. قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له ~~الكتاب والسنة فهو باطل. وقال أبو سليمان الداراني: إنه لتلم بقلبي النكتة ~~من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقال أبو ~~سليمان أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يجد فيه أثرا فإذا ~~وجد فيه أثرا كان نورا على نور. وقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد ~~بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في ~~علمنا. و " أيضا " فإن الله يقول في الكتاب {وما كان صلاتهم ms3717 عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية} قال السلف من الصحابة والتابعين: " المكاء " كالصفير ونحوه من ~~التصويت مثل الغناء. و " التصدية ": التصفيق باليد. فقد أخبر الله عن ~~المشركين أنهم كانوا يجعلون التصدية # PageV11P595 # والغناء لهم صلاة وعبادة وقربة يعتاضون به عن الصلاة التي شرعها الله ~~ورسوله. وأما المسلمون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: ~~فصلاتهم وعبادتهم القرآن واستماعه والركوع والسجود وذكر الله ودعاؤه ونحو ~~ذلك مما يحبه الله ورسوله فمن اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة فقد ضاهى ~~المشركين في ذلك وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين: المهاجرين والأنصار. ~~فإن كان يفعله في بيوت الله فقد زاد في مشابهته أكبر وأكبر واشتغل به عن ~~الصلاة وذكر الله ودعائه فقد عظمت مشابهته لهم. وصار له كفل عظيم من الذم ~~الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية} لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده أو لحسنات ماحية أو غير ذلك. فيما ~~يفرق فيه بين المسلم والكافر. لكن مفارقته للمشركين في غير هذا لا يمنع أن ~~يكون مذموما خارجا عن الشريعة داخلا في البدعة التي ضاهى بها المشركين ~~فينبغي للمؤمن أن يتفطن له لهذا ويفرق بين سماع المؤمنين الذي أمر الله به ~~ورسوله وسماع المشركين الذي نهى الله عنه ورسوله. # PageV11P596 # ويعلم أن هذا السماع المحدث هو من جنس سماع المشركين وهو إليه أقرب منه ~~إلى سماع المسلمين. وإن كان قد غلط فيه قوم من صالح المسلمين فإن الله لا ~~يضيع أجرهم وصلاحهم لما وقع من خطئهم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~{إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد} ~~" وهذا كما أن جماعة من السلف قاتلوا أمير المؤمنين عليا بتأويل وعلي بن ~~أبي طالب وأصحابه أولى بالحق منهم وقد قال فيهم: من قصد الله فله الجنة. ~~وجماعة من السلف والخلف استحلوا بعض الأشربة بتأويل - وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة تحريم ما استحلوه - وإن كان خطؤهم مغفورا لهم. والذين حضروا هذا ~~السماع من المشايخ الصالحين شرطوا ms3718 له شروطا لا توجد إلا نادرا فعامة هذه ~~السماعات خارجة عن إجماع المشايخ ومع هذا فأخطئوا - والله يغفر لهم خطأهم ~~فيما خرجوا به عن السنة - وإن كانوا معذورين. والسبب الذي أخطئوا فيه أوقع ~~أمما كثيرة في المنكر الذي نهوا # PageV11P597 # عنه وليس للعالمين شرعة ولا منهاج ولا شريعة ولا طريقة أكمل من الشريعة ~~التي بعث الله بها نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - كما كان يقول في ~~خطبته: {خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم} " ~~ومن غلط بعضهم توهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين حضروا ~~هذا السماع سماع المكاء والتصدية والغناء والتصفيق بالأكف حتى روى بعض ~~الكاذبين {أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده أعرابي شعرا، قوله: # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي # سوى الحبيب الذي شغفت به ... فمنه دائي ومنه ترياقي # وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه. وقال: ~~ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب} ". وهذا الحديث كذب بإجماع ~~العارفين بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله. كما كذب بعض ~~الكذابين: أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع # PageV11P598 # المشركين وأمثال هذه الأمور المكذوبة إنما يكذبها من خرج عن أمر الله ~~ورسوله وأطبقت عليه طوائف من الجاهلين بأحوال الرسول وأصحابه؛ بل بأصول ~~الإسلام. وأما " الرقص " فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة بل ~~قد قال الله في كتابه: {واقصد في مشيك} وقال في كتابه: {وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا} أي: بسكينة ووقار. وإنما عبادة المسلمين الركوع ~~والسجود؛ بل الدف والرقص في الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من ~~سلف الأمة؛ بل أمروا بالقرآن في الصلاة والسكينة. ولو ورد على الإنسان حال ~~يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع وكان ذلك الحال بسبب مشروع. ~~كسماع القرآن ونحوه سلم إليه ذلك الحال كما تقدم فأما إذا تكلف من الأسباب ~~ما لم يؤمر به ms3719 مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له: مثل شرب الخمر مع علمه ~~أنها تسكره وإذا قال: ورد علي الحال وأنا سكران قيل له: إذا كان السبب ~~محظورا لم يكن السكران معذورا. فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو ~~مبتدع ضال من جنس خفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال الفاسدة الذين ~~ضارعوا عباد النصارى والمشركين والصابئين. في بعض ما لهم من الأحوال، # PageV11P599 # ومن كان كاذبا فهو منافق ضال. قال سيد المسلمين في وقته - الفضيل بن عياض ~~- في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا ~~أبا علي ما أخلصه؟ وأصوبه؟ . قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم ~~يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص ~~أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. وكان يقول: من وقر صاحب بدعة فقد ~~أعان على هدم الإسلام ومن زوج كريمته لصاحب بدعة فقد قطع رحمها ومن انتهر ~~صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا. وأكثر إشارته وإشارات غيره من ~~المشايخ بالبدعة إنما هي إلى البدع في العبادات والأحوال كما قال عن ~~النصارى {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} وقال ابن مسعود: " عليكم ~~بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر ~~جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة ~~وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فدمعت عيناه من خشية الله إلا ~~لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل ~~وسنة. فاحرصوا أن تكون أعمالكم - إن كانت اجتهادا أو اقتصادا - على منهاج ~~الأنبياء وسنتهم ". # PageV11P600 # وأما قول القائل: هذه شبكة يصاد بها العوام. فقد صدق فإن أكثرهم إنما ~~يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس على الطعام. كما قال الله فيهم: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله} ومن فعل هذا فهو ms3720 من أئمة الضلال الذين قيل في ~~رءوسهم: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} . وأما الصادقون منهم: فهم ~~يتخذونه شبكة لكن هي شبكة مخرقة يخرج منها الصيد إذا دخل فيها كما هو ~~الواقع كثيرا؛ فإن الذين دخلوا في السماع المبتدع في الطريق ولم يكن معهم ~~أصل شرعي شرعه الله ورسوله أورثتهم أحوالا فاسدة. وإلى عبادته ومحبته ~~وطاعته والرغبة إليه والتبتل له والتوكل عليه أحسن من (1) الإسلامية ~~والشريعة القرآنية والمناهج (2) الموصلة الحقيقة الجامعة لمصالح الدنيا ~~والآخرة. PageV11P601 # وإذا كان غير مشروع ولا مأمور به فالتطهر أو الإنصات له واستفتاح باب ~~الرحمة هو من جنس عادة الرهبان ليس من عبادة أهل الإسلام والإيمان ولا ~~عبادة أهل القرآن ولا من أهل السنة والإحسان. والحمد لله وحده. # PageV11P602 ### | سئل: # عمن قال إن السماع على الناس حرام وعلي حلال هل يفسق في ذلك أم لا؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # من ادعى أن المحرمات تحريما عاما: كالفواحش والظلم والملاهي حرام على ~~الناس حلال له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ومن ادعى في الدفوف والشباب ~~أنهما حرام على بعض الناس دون بعض فهذا مخالف للسنة والإجماع وأئمة الدين ~~وهو ضال من الضلال. ومن ثم مصرا على مثل ذلك كان فاسقا. والله أعلم. # PageV11P603 # سئل: # عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ثم يسجد بعضهم لبعض على وجه التواضع. ~~هل هذا سنة؟ أو فعله الشيوخ الصالحون؟ . # الجواب: # لا يجوز السجود لغير الله واتخاذ الضرب بالدف والغناء والرقص عبادة هو من ~~البدع التي لم يفعلها سلف الأمة ولا أكابر شيوخها: كالفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي وغير ~~هؤلاء. وكذلك أكابر الشيوخ المتأخرين مثل: الشيخ عبد القادر والشيخ عدي ~~والشيخ أبي مدين والشيخ أبي البيان وغير هؤلاء، فإنهم لم يحضروا " السماع ~~البدعي " بل كانوا يحضرون " السماع الشرعي " سماع الأنبياء وأتباعهم كسماع ~~القرآن. والله أعلم. # PageV11P604 # سئل ms3721 شيخ الإسلام: # عن رجل يحب السماع والرقص فأشار عليه رجل، فقال هذه الأبيات: # أنكروا رقصا وقالوا حرام ... فعليهم من أجل ذاك سلام # اعبد الله يا فقيه وصل ... والزم الشرع فالسماع حرام # بل حرام عليك ثم حلال ... عند قوم أحوالهم لا تلام # مثل قوم صفوا وبان لهم من ... جانب الطور جذوة وكلام # فإذا قوبل السماع بلهو ... فحرام على الجميع حرام # الجواب # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذا الشعر يتضمن منكرا من القول وزورا؛ بل ~~أوله يتضمن مخالفة الشريعة وآخره يفتح باب الزندقة والإلحاد والمخالفة ~~للحقيقة الإلهية الدينية النبوية. وذلك أن قول القائل: مثل قوم صفوا وبان ~~لهم من ... جانب الطور جذوة وكلام # PageV11P605 # يتضمن تمثيل هؤلاء بموسى بن عمران الذي نودي من جانب الطور ولما رأى ~~النار {قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من ~~النار لعلكم تصطلون} . وهذا قول طائفة من الناس يسلكون طريق الرياضة ~~والتصفية ويظنون أنهم بذلك يصلون إلى أن يخاطبهم الله كما خاطب موسى بن ~~عمران وهؤلاء ثلاثة أصناف: " صنف " يزعمون أنهم يخاطبون بأعظم مما خوطب به ~~موسى بن عمران. كما يقول ذلك من يقوله من أهل الوحدة والاتحاد القائلين بأن ~~الوجود واحد. كصاحب " الفصوص " وأمثاله. فإن هؤلاء يدعون أنهم أعلى من ~~الأنبياء وأن الخطاب الذي يحصل لهم من الله أعلى مما يحصل لإبراهيم وموسى ~~وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ومعلوم أن هذا الكفر أعظم من كفر اليهود ~~والنصارى الذين يفضلون الأنبياء على غيرهم لكن يؤمنون ببعض الأنبياء ~~ويكفرون ببعض. و " النوع الثاني " من يقول إن الله يكلمه مثل كلام موسى بن ~~عمران كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والمتصوفة الذين # PageV11P606 # يقولون: إن تكليم موسى فيض فاض على قلبه من العقل الفعال ويقولون: إن ~~النبوة مكتسبة. و " النوع الثالث ": الذين يقولون: إن موسى أفضل لكن صاحب ~~الرياضة قد يسمع الخطاب الذي سمعه موسى؛ ولكن موسى مقصودا بالتكليم دون هذا ~~كما يوجد هذا في أخبار صاحب " مشكاة الأنوار " وكذلك سلك مسلكه صاحب " خلع ms3722 ~~النعلين " وأمثالهما. وأما قوله في أول الشعر لمن يخاطبه: " الزم الشرع يا ~~فقيه وصل " يشعر بأنك أنت تبع الشرع وأما نحن فلنا إلى الله طريق غير الشرع ~~ومن ادعى أن له طريقا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير ~~الشريعة التي بعث الله بها رسوله فإنه أيضا كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه: كطائفة أسقطوا التكليف وزعموا أن العبد يصل إلى الله بلا متابعة ~~الرسل. و " طائفة " يظنون أن الخواص من الأولياء يستغنون عن متابعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما استغنى الخضر عن متابعة موسى وجهل هؤلاء أن موسى لم ~~يكن مبعوثا إلى الخضر ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول إلى كل أحد ظاهرا ~~وباطنا مع أن قضية الخضر لم تخالف شريعة موسى؛ بل وافقتها ولكن الأسباب ~~المبيحة للفعل لم يكن موسى علمها فلما علمها تبين أن الأفعال توافق شريعته ~~لا تخالفها. # PageV11P607 # وسئل: # عن الذين يعملون النار والإشارات مثل النبل والزعفران وغير ذلك؟ . # فأجاب: # أما هؤلاء الذين يظهرون " الإشارات " كالنبل والزعفران والمسك والنار ~~والجبة. فليسوا من أولياء الله الصالحين؛ بل هم من أحزاب الشياطين وأحوالهم ~~شيطانية ليست من كرامات الصالحين وهم يفسدون العقول والأديان والأعراض ~~والنساء والصبيان. ولا يحسن الظن بهم إلا جاهل عظيم الجهالة أو عدو لله ~~ورسوله فإنهم من جنس التتر المحاربين لله ورسوله. والله أعلم. # PageV11P608 # سئل: # عن رجل فلاح لم يعلم دينه ولا صلاته وإن في بلده شيخا أعطاه إجازة وبقي ~~يأكل الثعابين والعقارب ونزل عن فلاحته ويطلب رزقه. فهل تجوز الصدقة عليه ~~أم لا؟ ؟ # فأجاب: # الحمد لله، أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين. فمن ~~أكلها مستحلا لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ومن اعتقد التحريم وأكلها ~~فإنه فاسق عاص لله ورسوله فكيف يكون رجلا صالحا ولو ذكى الحية لكان أكلها ~~بعد ذلك حراما عند جماهير العلماء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~{خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب ~~العقور.} فأمر النبي صلى الله ms3723 عليه وسلم بقتل ذلك في الحل والحرم وسماهن ~~فواسق؛ لأنهن يفسقن: أي يخرجن على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز ~~منهن كما لا يحترز من السباع العادية فيكون # PageV11P609 # عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع وهن أخبث وأحرم. وأما الذين ~~يأكلون ويجعلون ذلك من باب " كرامات الأولياء " فهم أشر حالا ممن يأكلها من ~~الفساق؛ لأن كرامات الأولياء لا تكون بما نهى الله عنه ورسوله من أكل ~~الخبائث كما لا تكون بترك الواجبات وإنما هذه المخاريق التي يفعلها هؤلاء ~~المبتدعون: من الدخول في النار وأخذ الحيات وإخراج اللاذن والسكر والدم ~~وماء الورد. هي نوعان: " أحدهما " أن يفعلوا ذلك بحيل طبعية. مثل أدهان ~~معروفة يذهبون ويمشون في النار ومثل ما يشربه أحدهم مما يمنع سم الحية: مثل ~~أن يمسكها بعنقصتها حتى لا تضره ومثل أن يمسك الحية المائية ومثل أن يسلخ ~~جلد الحية ويحشوه طعاما وكم قتلت الحيات من أتباع هؤلاء ومثل أن يمسح جلده ~~بدم أخوين؛ فإذا عرق في السماع ظهر منه ما يشبه الدم ويصنع لهم أنواعا من ~~الحيل والمخادعات. " النوع الثاني " وهم أعظم: عندهم أحوال شيطانية تعتريهم ~~عند السماع الشيطاني فتنزل الشياطين عليهم كما تدخل في بدن المصروع ويزيد ~~أحدهم كما يزيد المصروع وحينئذ يباشر النار والحيات # PageV11P610 # والعقارب ويكون الشيطان هو الذي يفعل ذلك كما يفعل ذلك من تقترن بهم ~~الشياطين من إخوانهم الذين هم شر الخلق عند الناس من الطائفة التي تطلبهم ~~الناس لعلاج المصروع وهم من شر الخلق عند الناس فإذا طلبوا تحلوا بحلية ~~المقاتلة ويدخل فيهم الجن فيحارب مثل الجن الداخل في المصروع ويسمع الناس ~~أصواتا ويرون حجارة يرمى بها ولا يرون من يفعل ذلك ويرى الإنسي واقفا على ~~رأس الرمح الطويل. وإنما الواقف هو الشيطان ويرى الناس نارا تحمى. ويضع ~~فيها الفؤوس والمساحي ثم إن الإنسي يلحسها بلسانه وإنما يفعل ذلك الشيطان ~~الذي دخل فيه ويرى الناس هؤلاء يباشرون الحيات والأفاعي وغير ذلك ويفعلون ~~من الأمور ما هو أبلغ مما يفعله هؤلاء ms3724 المبتدعون الضالون المكذبون الملبسون ~~الذين يدعون أنهم أولياء الله وإنما هم من أعاديه المضيعين لفرائضه ~~المتعدين لحدوده. والجهال لأجل هذه الأحوال الشيطانية والطبيعية يظنوهم ~~أولياء الله؛ وإنما هذه الأحوال من جنس أحوال أعداء الله الكافرين ~~والفاسقين. ولا يجوز أن يعان من هؤلاء على ترك المأمور ولا فعل المحظور ولا ~~إقامة مشيخة تخالف الكتاب والسنة ولا أن يعطي رزقه على مشيخة يخرج بها من ~~طاعة الله ورسوله وإنما يعان بالأرزاق من قام بطاعة الله ورسوله ودعا إلى ~~طاعة الله ورسوله والله أعلم. # PageV11P611 # وسئل: # عن رجل منقطع في بيته لا يخرج ولا يدخل ويصلي في بيته ولا يشهد الجماعة ~~وإذا خرج إلى الجمعة يخرج مغطى الوجه ثم إنه يخترع العياط من غير سبب ~~وتجتمع عنده الرجال والنساء. فهل يسلم له حاله؟ أو يجب الإنكار عليه؟ # فأجاب: # هذه الطريقة طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليه المسلمون. ~~والله تعالى إنما يعبد بما شرع لا يعبد بالبدع. قال الله تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} فإن التعبد بترك الجمعة ~~والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقا كفر يجب أن يستتاب ~~صاحبه منه فإن تاب وإلا قتل. فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن لا ~~يعبد بترك الجمعة والجماعة بل يعبد بفعل الجمعة والجماعة ومن جعل الانقطاع ~~عن ذلك دينا لم يكن على دين المسلمين بل يكون من جنس الرهبان الذين يتخلون ~~بالصوامع والديارات والواحد من هؤلاء قد يحصل له بسبب الرياضة أو الشياطين ~~- بتقريبه إليهم أو غير ذلك - نوع كشف وذلك لا يفيده؛ بل هو كافر بالله ~~ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أمر الخلق أن يعبدوه وحده لا ~~يشركون به شيئا # PageV11P612 # ويعبدوه بما شرع وأمر أن لا يعبدوه بغير ذلك. قال تعالى: {فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} . فالسالك طريق الزهادة والعبادة إذا كان متبعا ~~للشريعة في ms3725 الظاهر وقصد الرياء والسمعة وتعظيم الناس له كان عمله باطلا لا ~~يقبله الله. كما ثبت في الصحيح أن الله يقول: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك ~~من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء. وهو كله للذي أشرك} وفي الصحيح ~~عنه أنه قال: {من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به} ". وإن كان خالصا ~~في نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة: مثل الذي يصمت دائما أو يقوم ~~في الشمس أو على السطح دائما أو يتعرى من الثياب دائما ويلازم لبس الصوف أو ~~لبس الليف ونحوه أو يغطي وجهه أو يمتنع من أكل الخبز أو اللحم أو شرب الماء ~~ونحو ذلك - كانت هذه العبادات باطلة ومردودة كما ثبت في الصحيح عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} ~~". وفي رواية: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عباس " {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما ~~هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر الصمت والقيام والبروز # PageV11P613 # للشمس مع الصوم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصوم وحده} لأنه ~~عبادة يحبها الله تعالى وما عداه ليس بعبادة وإن ظنها الظان تقربه إلى الله ~~تعالى. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: {إن خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة} . وثبت عنه في الصحيح {أن قوما من أصحابه قال أحدهم: أما أنا ~~فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام وقال الآخر: أما أنا ~~فلا أتزوج النساء وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما بال رجال يقول أحدهم: كيت وكيت لكني أصوم وأفطر وأنام وأتزوج ~~النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} ". فإذا كان هذا فيما هو جنسه ~~عبادة؛ فإن الصوم والصلاة جنسهما عبادة ms3726 وترك اللحم والتزويج جائز لكن لما ~~خرج في ذلك من السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع والتزم هذا ترك ~~المباح كما يفعل الرهبان تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك حيث ~~رغب عن سنته إلى خلافها وقال: {لا رهبانية في الإسلام} " فكيف بمن يرغب عما ~~هو من أعظم شعائر الإسلام وهو الصلاة في الجمعة والجماعات. وقد روي عن ابن ~~عباس أنهم سألوه غير مرة: عمن يصوم # PageV11P614 # النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة. فقال: " هو في النار ". وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين} وقال: {من ترك ~~ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه} وفي الصحيح والسنن: " {إن ~~أعمى قال: يا رسول الله إن لي قائدا لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في ~~بيتي قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب. وفي رواية قال: لا أجد لك ~~رخصة} . و " الجمعة " فريضة باتفاق الأئمة. و " الجماعة " واجبة أيضا عند ~~كثير من العلماء بل عند أكثر السلف وهل هي شرط في صحة الصلاة على قولين: ~~أقواهما كما في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سمع ~~النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له} . وعند طائفة من العلماء: أنها ~~واجبة على الكفاية. و " أحد الأقوال " أنها سنة مؤكدة ولا نزاع بين العلماء ~~أن صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين ضعفا # PageV11P615 # كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا نزاع بينهم أن من جعل ~~صلاته وحده أفضل من صلاته في جماعة فإنه ضال مبتدع مخالف لدين المسلمين. ~~وهذه البدع يذم أصحابها ويعرف أن الله لا يتقبلها وإن كان قصدهم بها ~~العبادة كما أنه لا يقبل عبادة الرهبان ونحوهم ممن يجتهدون في الزهد ~~والعبادة لأنهم لم يعبدوه بما شرع؛ بل ببدعة ابتدعوها كما قال: {ورهبانية ~~ابتدعوها} ms3727 فإن المتعبد بهذه البدع قصده أن يعظم ويزار وهذا عمله ليس خالصا ~~لله ولا صوابا على السنة؛ بل هو كما يقال: زغل وناقص بمنزلة لحم خنزير ميت؛ ~~حرام من وجهين. والواجب على كل مسلم التزام عبادة الله وحده لا شريك له ~~وطاعة رسوله والأمر بذلك لكل أحد والنهي عن ضد ذلك لكل أحد والإنكار على من ~~يخرج عن ذلك ولو طار في الهواء ومشى على الماء وليس تحت أديم السماء أحد ~~يقر على خلاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إن كان مقرا ~~بالإسلام ألزمه بطاعة الرسول واتباع سنته الواجبة وشريعته الهادية وإن كان ~~غير مقر بالإسلام كان كافرا ولو كان له من الزهد والرهبان ماذا عسى أن ~~يكون. # PageV11P616 # والكافر إن كان من أهل الذمة فله حكم أمثاله وإن كان من أهل الحرب فله ~~حكم أمثاله ويجب الإنكار على هذا المبتدع وأمثاله بحسن قصد بحيث يكون ~~المقصود طاعة الله ورسوله؛ لا اتباع هوى ولا منافسة ولا غير ذلك. قال الله ~~تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} . فالمقصود أن ~~يكون الدين كله لله ولا دين إلا ما شرعه الله تعالى على ألسن رسله. وفي ~~الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله الرجل يقاتل ~~شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء. فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} " فيكون المقصود علو كلمة الله ~~وظهور دين الله. وأن يعلم المسلمون كلهم أن ما عليه المبتدعون المراءون ليس ~~من الدين ولا من فعل عباد الله الصالحين؛ بل من فعل أهل الجهل والضلال ~~والإشراك بالله تعالى الذين يخرجون عن توحيده وإخلاص الدين له وعن طاعة ~~رسله. و " أصل الإسلام ": أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ~~فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله # PageV11P617 # ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق ms3728 شهادة أن ~~محمدا رسول الله. وإنما يحقق هذين " الأصلين " من لم يعبد إلا الله ولم ~~يخرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بلغها عن الله فإنه قال: ~~{تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك} " وقال: " {ما ~~تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار ~~إلا وقد حدثتكم به} " وقال {ابن مسعود: خط لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: هذا سبيل الله وهذه سبل على كل ~~سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} } . فالعبادات والزهادات والمقالات ~~والتورعات الخارجة عن سبيل الله - وهو الصراط المستقيم: الذي أمرنا الله أن ~~نسأله هدايته وهو ما دل عليه السنة - هي سبل الشيطان ولو كان لأحدهم من ~~الخوارق ما كان فليس أحدهم بأعظم من مقدمهم الدجال الذي يقول للسماء: أمطري ~~فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أظهري كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب ~~والفضة. وهو مع هذا عدو الله كافر بالله وأولياء الله هم المذكورون في ~~قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم # PageV11P618 # يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} فهم المؤمنون المتقون والتقوى فعل ما ~~أمر الله به وترك ما نهى الله عنه فمن ترك ما أمر الله واتخذ عبادة نهى ~~الله عنها. كيف يكون من هؤلاء. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: {من عادى لي وليا} ~~" الحديث. فبين سبحانه أنه ما تقرب العبد إلى الله بمثل أداء ما افترض ~~عليه. والتقرب بالواجبات فقط طريق المقتصدين أصحاب اليمين ثم التقرب بعد ~~ذلك بما أحبه الله من النوافل هو طريق السابقين المقربين والمحبوبات هي ما ~~أمر الله به ورسوله: أمر إيجاب أو أمر استحباب دون ما استحبه الرجل برأيه ~~وهواه والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV11P619 # وسئل شيخ الإسلام علامة الزمان، تقي ms3729 الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني - رضي الله عنه ~~-: # عن " جماعة " يجتمعون على قصد الكبائر: من القتل وقطع الطريق والسرقة ~~وشرب الخمر وغير ذلك. ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة ~~قصد منع المذكورين من ذلك فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه ~~بهذه النية وهو بدف بلا صلاصل وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة فلما فعل ~~هذا تاب منهم جماعة وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات ~~ويؤدي المفروضات ويجتنب المحرمات. فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على ~~هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح؟ مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها: أن يعلم أن ~~الله بعث محمدا # PageV11P620 # صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا. وأنه أكمل له ولأمته الدين كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} . وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه ~~والشقاوة لمن عصاه فقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} . ~~وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به كما قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وأخبر أنه يدعو إلى الله وإلى صراطه المستقيم ~~كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} . ~~وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وأخبر أنه يأمر ~~بالمعروف وينهى عن ms3730 المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث. كما قال تعالى: ~~{ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها # PageV11P621 # للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . وقد أمر الله الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - بكل معروف ونهى عن كل منكر. وأحل كل طيب. وحرم كل ~~خبيث. وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال: " {ما بعث الله ~~نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما ~~يعلمه لهم} " وثبت عن {العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. قال: فقلنا: يا ~~رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: أوصيكم بالسمع ~~والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة} . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {ما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به} ". وقال: ~~{تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك} ". # PageV11P622 # وشواهد هذا " الأصل العظيم الجامع " من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه ~~أهل العلم في الكتب. " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " كما ترجم عليه ~~البخاري والبغوي وغيرهما فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله ~~المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين وكان السلف - كمالك وغيره -: يقولون ~~السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وقال الزهري: كان من مضى ~~من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي ~~الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين لا بد أن يكون فيما ~~بعث الله به رسوله ms3731 من الكتاب والسنة وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصا ~~محتاجا تتمة. وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو ~~استحباب. والأعمال الفاسدة نهى الله عنها. والعمل إذ اشتمل على مصلحة ~~ومفسدة فإن الشارع حكيم. فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه وإن غلبت مفسدته ~~على مصلحته لم يشرعه؛ بل نهى عنه كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون} وقال تعالى: {يسألونك # PageV11P623 # عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما} ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك. وهكذا ما يراه الناس من الأعمال ~~مقربا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله؛ فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من ~~نفعه وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبا على ضرره لم يهمله الشارع؛ فإنه - صلى ~~الله عليه وسلم - حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم ~~إلى رب العالمين. إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب ~~المجتمعين على الكبائر فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي. يدل ~~أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة أو عاجز عنها فإن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من ~~هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها ~~عن الطرق البدعية. فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث ~~الله بها نبيه ما يتوب به العصاة فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر ~~أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم ~~بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي؛ # PageV11P624 # بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - وهم ~~خير أولياء الله المتقين من هذه ms3732 الأمة - تابوا إلى الله تعالى بالطرق ~~الشرعية لا بهذه الطرق البدعية. وأمصار المسلمين وقراهم قديما وحديثا ~~مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية ~~لا بهذه الطرق البدعية. فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا ~~بهذه الطرق البدعية بل قد يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية ~~عاجزا عنها ليس عنده علم بالكتاب والسنة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه ~~مما يتوب الله عليهم فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية. ~~إما مع حسن القصد. إن كان له دين وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم وأخذ ~~أموالهم بالباطل كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} فلا يعدل أحد ~~عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل أو عجز أو غرض فاسد. وإلا فمن ~~المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين. قال تعالى في ~~النبيين: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا ~~مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا} . # PageV11P625 # وقال تعالى في أهل المعرفة: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} . وقال تعالى في حق أهل العلم: {إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ~~ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} . ~~وقال في المؤمنين: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون} {أولئك هم المؤمنون حقا} وقال تعالى: {الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله} . وبهذا السماع هدى الله العباد ~~وأصلح لهم أمر المعاش والمعاد وبه بعث الرسول صلى الله ms3733 عليه وسلم وبه أمر ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وعليه كان يجتمع السلف كما كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأ ~~وهم يستمعون وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأبي موسى: ذكرنا ~~ربنا فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون. وفي الصحيح عن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته. وقال: لقد أوتي هذا ~~مزمارا # PageV11P626 # من مزامير آل داود. وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك ~~فقال: لو علمت أنك تسمعني لحبرته لك تحبيرا} . أي لحسنته لك تحسينا. وفي ~~الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم {قال لابن مسعود: اقرأ علي القرآن فقال: ~~أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت ~~عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال لي: حسبك فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من ~~البكاء} " وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال: {خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم} . ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا ~~هذا. لا بالحجاز ولا باليمن ولا بالشام ولا بمصر؛ والعراق؛ وخراسان ~~والمغرب. وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك وقد مدح الله أهل هذا السماع ~~المقبلين عليه. وذم المعرضين عنه. وأخبر أنه سبب الرحمة. فقال تعالى: {وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} . وقال تعالى: {والذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} وقال تعالى: {ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع # PageV11P627 # قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} . وقال تعالى: {ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} وقال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين} {فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} {فرت من قسورة} ~~وقال تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ms3734 فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه} ~~وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى} . ومثل هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله ~~من الكتاب والحكمة ويأمرهم بسماع ذلك. وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين: ~~في المغرب والعشاء والفجر. قال تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا} وبهذا مدح عبد الله بن رواحة النبي حيث قال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذ استثقلت بالكافرين المضاجع # PageV11P628 # أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أنما قال واقع وأحوال أهل هذا ~~السماع مذكورة في كتاب الله من وجل القلوب ودمع العيون واقشعرار الجلود. ~~وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه القرون فأنكره الأئمة حتى قال: الشافعي - ~~رحمه الله - خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يزعمون أنه ~~يرقق القلوب يصدون به الناس عن القرآن. وسئل الإمام أحمد عنه فقال: محدث ~~فقيل له: أنجلس معهم فيه؟ فقال: لا يجلس معهم. والتغبير هو الضرب بالقضيب ~~على جلودهم من أمثل أنواع السماع. وقد كرهه الأئمة فكيف بغيره والأئمة ~~المشايخ الكبار لم يحضروا هذا السماع المحدث مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم ~~بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي وأمثالهم. ولا ~~أكابر الشيوخ المتأخرين: مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدي والشيخ أبي مدين ~~والشيخ أبي البيان والشيخ أبي القاسم الحوفي والشيخ علي بن وهب والشيخ حياة ~~وأمثالهم. وطائفة من الشيوخ حضروه ثم رجعوا عنه. وسئل الجنيد عنه فقال: من ~~تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به. فبين # PageV11P629 # الجنيد أن قاصد هذا السماع صار مفتونا وأما من سمع ما يناسبه بغير قصد ~~فلا بأس. فإن النهي إنما يتوجه إلى الاستماع دون السماع ولهذا لو مر الرجل ~~بقوم ms3735 يتكلمون بكلام محرم لم يجب عليه سد أذنيه؛ لكن ليس له أن يستمع من غير ~~حاجة ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بسد أذنيه لما سمع ~~زمارة الراعي؛ لأنه لم يكن مستمعا بل سامعا. # وقول السائل وغيره: هل هو حلال؟ أو حرام؟ لفظ مجمل فيه تلبيس يشتبه الحكم ~~فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه؛ وذلك أن الكلام في ~~السماع وغيره من الأفعال على ضربين: # أحدهما أنه هل هو محرم؟ أو غير محرم؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي ~~تلتذ بها النفوس وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها. ~~مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله. # والنوع الثاني أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب ~~العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم # PageV11P630 # وأن تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو ~~من جنس العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات. فيجب الفرق بين سماع ~~المتقربين وسماع المتلعبين وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس ~~والأفراح ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب والتقرب ~~إلى رب السموات فإن هذا يسأل عنه: هل هو قربة وطاعة؟ وهل هو طريق إلى الله؟ ~~وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم وتحريك وجدهم لمحبوبهم ~~وتزكية نفوسهم وإزالة القسوة عن قلوبهم ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد ~~بالسماع؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة ~~والطاعة لا على وجه اللهو واللعب. إذا عرف هذا فحقيقة السؤال: هل يباح ~~للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي: إما محرمة؟ أو مكروهة؟ أو مباحة؟ قربة ~~وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله يدعو بها إلى الله ويتوب العاصين ويرشد به ~~الغاوين ويهدي به الضالين. ومن المعلوم أن الدين له " أصلان " فلا دين إلا ~~ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرمه الله. والله تعالى عاب على المشركين ms3736 أنهم ~~حرموا ما لم يحرمه الله وشرعوا دينا لم يأذن به الله. # PageV11P631 # ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم فإذا قيل: ~~إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة قال: إن فعله على هذا ~~الوجه حرام منكر يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل. ولو سئل: عن كشف الرأس ~~ولبس الإزار والرداء: أفتى بأن هذا جائز فإذا قيل: إنه يفعله على وجه ~~الإحرام. كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر. ولو سئل: عمن يقوم في ~~الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر ~~كما روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - " {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل ~~يريد أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه} " فهذا لو فعله لراحة ~~أو غرض مباح لم ينه عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه. وكذلك لو ~~دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك ولكن إذا فعل ذلك على ~~أنه عبادة، كما كانوا يفعلون في الجاهلية: # PageV11P632 # كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف فنهوا عن ذلك كما قال تعالى: {وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها} فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراما فمن فعله على وجه ~~البر والتقرب إلى الله كان عاصيا مذموما مبتدعا والبدعة أحب إلى إبليس من ~~المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة ~~فلا يتوب. ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله ولا يرجو ~~به الثواب وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينا وإذا ~~نهى عنه كان كمن نهى عن دينه ورأى أنه قد انقطع ms3737 عن الله وحرم نصيبه من الله ~~تعالى إذا تركه. فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين ولا يقول أحد من أئمة ~~المسلمين: إن اتخاذ هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى أمر مباح؛ بل من جعل ~~هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال مفتر مخالف لإجماع المسلمين. ومن ~~نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا ~~متكلما في الدين بلا علم. فالسؤال عن مثل هذا أن يقال: هل ما يفعله هؤلاء ~~طريق وقربة وطاعة لله تعالى يحبها الله ورسوله أم لا؟ وهل يثابون على ذلك ~~أم لا؟ وإذا لم يكن هذا قربة وطاعة وعبادة لله ففعلوه على أنه قربة # PageV11P633 # وطاعة وعبادة وطريق إلى الله تعالى. هل يحل لهم هذا الاعتقاد؟ وهذا العمل ~~على هذا الوجه؟ وإذا كان السؤال على هذا الوجه لم يكن للعالم المتبع للرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يقول: إن هذا من القرب والطاعات وأنه من أنواع ~~العبادات وأنه من سبيل الله تعالى وطريقه الذي يدعو به هؤلاء إليه ولا أنه ~~مما أمر الله تعالى به عباده: لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب وما لم يكن من ~~الواجبات والمستحبات فليس هو محمودا ولا حسنة ولا طاعة ولا عبادة باتفاق ~~المسلمين. فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو ~~المستحب فهو ضال مبتدع وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب. لا سيما كثير من ~~هؤلاء الذين يتخذون هذا السماع المحدث طريقا يقدمونه على سماع القرآن وجدا ~~وذوقا. وربما قدموه عليه اعتقادا فتجدهم يسمعون القرآن بقلوب لاهية وألسن ~~لاغية وحركات مضطربة وأصوات لا تقبل عليه قلوبهم ولا ترتاح إليه نفوسهم ~~فإذا سمعوا " المكاء " و " التصدية " أصغت القلوب واتصل المحبوب بالمحب ~~وخشعت الأصوات وسكنت الحركات فلا سعلة ولا عطاس ولا لغط ولا صياح وإن قرءوا ~~شيئا من القرآن أو سمعوه كان على وجه التكلف والسخرة كما لا يسمع الإنسان ~~ما لا حاجة له به # PageV11P634 # ولا فائدة له فيه حتى إذا ما ms3738 سمعوا مزمار الشيطان أحبوا ذلك وأقبلوا عليه ~~وعكفت أرواحهم عليه. فهؤلاء جند الشيطان وأعداء الرحمن وهم يظنون أنهم من ~~أولياء الله المتقين وحالهم أشبه بحال أعداء الله المنافقين؛ فإن المؤمن ~~يحب ما أحبه الله تعالى ويبغض ما أبغض الله تعالى ويوالي أولياء الله ~~ويعادي أعداء الله وهؤلاء يحبون ما أبغض الله ويبغضون ما أحب الله ويوالون ~~أعداء الله ويعادون أولياءه؛ ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه ~~من مزامير الشيطان وكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من ~~أعداء الله ورسوله وجند الشيطان. فيهم من يطير في الهواء والشيطان طائر به ~~ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه تصرعهم وفيهم من يحضر طعاما وإداما. ويملأ ~~الإبريق من الهواء والشياطين فعلت ذلك. فيحسب الجاهلون أن هذه من كرامات ~~أولياء الله المتقين وإنما هي من جنس أحوال الكهنة والسحرة وأمثالهم من ~~الشياطين ومن يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية والشيطانية لا يشتبه ~~عليه الحق بالباطل. وقد بسطنا الكلام على " مسألة السماع " وذكرنا كلام ~~المشايخ فيه في غير هذا الموضع وبالله التوفيق والله أعلم. وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV11P635 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد كتبت فيما تقدم: الكلام في " المكاشفات والمشاهدات " وأنها على " ~~ثلاثة أقسام " في الظاهر والباطن. وكذلك " السماع والمخاطبات والمحادثات " ~~ثلاثة أقسام: في الباطن والظاهر. فإن " السامع " إما أن يسمع نفس الصوت ~~الذي هو كلام المتكلم الصوتي أو غير كلامه. كما ترى عينه وإما أن يسمع صدى ~~الصوت ورجعه كما يرى تمثاله في ماء أو مرآة فهذه رؤية مقيدة وسماع مقيد كما ~~يقال: رأيته في المرآة لكن السمع يجمع بين الصورتين. وإما أن يتمثل له: ~~يعني كلامه في أصوات مسموعة كما يتمثل له في صورة فيراها. مثل أن ينقر بيده ~~نقرات أو يضرب بيده أوتارا أو يظهر أصواتا منفصلة عنه يبين فيها مقصوده. # PageV11P636 # وكذلك في الباطن: إما أن يسمع في المنام أو في اليقظة نفس كلام المتكلم. ~~مثل الملائكة مثلا كما يرى بقلبه عين ما يكشف له في ms3739 المنام واليقظة. وإما ~~أن يسمع مثال كلامه في نفسه كما يرى مثاله في نفسه بمنزلة الرؤيا التي يكون ~~تعبيرها عين ما رئي وإما أن تتمثل له المعاني في صورة كلام مسموع يحتاج إلى ~~تعبير. كما تتمثل له الأعيان في صورة أشخاص مرئية تحتاج إلى تعبير. وهذا ~~غالب ما يرى ويسمع في المنام. فإنه يحتاج إلى تأويل وهو بمنزلة الاستعارة ~~والأمثال المضروبة. فهذا هذا. والله أعلم. ### | فصل: # في الكون يقظة ومناما: # لما كانت الرؤية بالعين للأشياء على وجهين: # أحدهما: رؤية العين الشيء بلا واسطة وهي الرؤية المطلقة. مثل رؤية الشمس ~~والقمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ~~والقمر} " وقد تنازع الناس هل الرؤية انطباع المرئي في العين أو لانعكاس ~~شعاع البصر أو لا لواحد منهما. على أقوال معروفة. # PageV11P637 # والثاني: رؤية المثال؛ وهي الرؤية في ماء ومرآة ونحوهما. وهي رؤية مقيدة ~~ولهذا قال الفقهاء لو حلف لا رأيت زيدا؛ فرأى صورته في ماء أو مرآة لم ~~يحنث؛ لأن ذلك ليس هو المفهوم من مطلق الرؤية وهذا في الرؤية. كسماع الصدى ~~في السمع فإذا أراد الإنسان أن يرى ما يمر وراءه من الناس والدواب نظر في ~~المرآة التي تواجهه فتنجلي له فيها حقائق ما وراءه فمن هذه الرؤيا قد يرى ~~بيان الحقيقة وقد تتمثل له الحقيقة بمثال يحتاج إلى تحقيق. كما تمثل جبريل ~~في صورة البشر وهكذا القلب من شأنه أن يبصر فإن بصره هو البصر وعماه هو ~~العمى. كما قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور} . فتارة يرى الشيء نفسه إذا كشف له عنه وتارة يراه متمثلا في قلبه ~~الذي هو مرآته والقلب هو الرائي أيضا. وهذا يكون يقظة ويكون مناما كالرجل ~~يرى الشيء في المنام ثم يكون إياه في اليقظة من غير تغير. وللقلب " حال ~~ثالثة " كما للعين نظر في المنام: وهي التي تقع لغالب الخلق. أن يرى الرؤيا ~~مثلا مضروبا للحقيقة لا يضبط رؤية الحقيقة بنفسها ولا بواسطة ms3740 مرآة قلبه. ~~ولكن يرى ما له تعبير فيعتبر به و " عبارة الرؤيا " هو العبور من الشيء إلى ~~مثاله ونظيره وهو # PageV11P638 # حقيقة المقايسة والاعتبار؛ فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه ~~الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف. ثم ~~المرئي في هذا الوجه: في هذه الحال؛ وفي الحال التي قبلها هو موجود في قلب ~~الإنسان ونفسه وإن كان مثلا للحقيقة وواسطة لها. والمرئي في الوجه الأول: ~~هو عين الموجود في الخارج لا مرئي في القلب ومن العامة المتفلسفة من يزعم: ~~أن ما يسمعه الأنبياء من الكلام ويرونه من الملائكة إنما وجوده في قلوبهم ~~وذلك مبلغ هؤلاء من العلم؛ لأن ذلك هو غاية ما وجدوه ورأوه من أبناء جنسهم ~~فظنوا أن ليس وراء ذلك غاية. وقد يعارضهم من يتوهم أن ما يسمع ويرى لا يكون ~~في نفس الإنسان بل جميعه من الخارج. وكلاهما خطأ؛ بل منه ما يكون في نفس ~~الإنسان: مثل ما يراه ويسمعه في المنام إما مثالا لا تعبير له أو له تعبير. ~~ومنه ما يكون في الخارج: مثل رؤية مريم للرسول إذ تمثل لها # PageV11P639 # بشرا سويا ورؤية الصحابة لجبريل في صورة الأعرابي. فقد ظهر أن رؤية ~~الحقائق بالعين تطابق لرؤياها بالقلب كل منهما " ثلاثة أقسام " إدراك ~~الموجود في الخارج بعينه وإدراكه بواسطة تمثله في مرآة باطنة أو ظاهرة ~~وإدراكه متمثلا في غير صورته إما باطنا في القلب وإما ظاهرا في العين. ~~والله سبحانه أعلم. فالقياس في الحسيات كالقياس في العقليات وهذا الذي ~~كتبته في المكاشفات يجيء مثله في المخاطبات فإن البصر والسمع يظهران ما ~~يتلوه. # PageV11P640 # سئل شيخ الإسلام: # عمن يقول: إن بعض المشايخ إذا أقام السماع يحضره رجال الغيب وينشق السقف ~~والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم. وفيهم من يعتقد أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحضر معهم. فماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد؟ وما هي ~~صفة رجال الغيب؟ وهل يكون للتتار خفراء ولهم حال كحال خفراء أمة محمد صلى ~~الله عليه ms3741 وسلم أم لا؟ . # فأجاب: # وأما من زعم أن الملائكة أو الأنبياء تحضر " سماع المكاء والتصدية " محبة ~~ورغبة فيه فهو كاذب مفتر؛ بل إنما تحضره الشياطين وهي التي تنزل عليهم ~~وتنفخ فيهم. كما روى الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتا. قال: بيتك الحمام. قال ~~اجعل لي قرآنا. قال: قرآنك الشعر. قال: يا رب اجعل لي مؤذنا. قال: مؤذنك ~~المزمار} " وقد قال الله تعالى في كتابه مخاطبا للشيطان: {واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك} وقد فسر ذلك طائفة من # PageV11P641 # السلف بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن ~~سبيل الله. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما نهيت عن صوتين ~~أحمقين فاجرين: صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت لطم خدود أو شق جيوب ~~ودعاء بدعوى الجاهلية} كقولهم: وا لهفاه وا كبداه وا نصيراه وقد كوشف ~~جماعات من أهل المكاشفات بحضور الشياطين في مجامع السماعات الجاهلية: ذات ~~المكاء والتصدية وكيف يكر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطاني حتى ~~إن بعضهم صار يرقص فوق رءوس الحاضرين ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه ~~قد احتمله حتى رقص به فلما صرخ بشيطانه هرب وسقط ذلك الرجل. وهذه الأمور ~~لها أسرار وحقائق لا يشهدها؛ إلا أهل البصائر الإيمانية والمشاهد ~~الإيقانية؛ ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة وأعرض عن سبيل المبتدعة فقد ~~حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة. وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من سلك ~~السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي فإنه يصل إلى مقصوده ويجد الزاد والماء ~~في موطنه وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه. ومن سلك خلف غير الدليل # PageV11P642 # الهادي: كان ضالا عن الطريق. فإما أن يهلك وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى ~~الطريق. و " الدليل الهادي " هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وهاديا إلى صراط مستقيم صراط ~~الله الذي له ما في السموات ms3742 وما في الأرض. وآثار الشيطان تظهر في أهل ~~السماع الجاهلي: مثل الإزباد والإرغاء والصراخات المنكرة ونحو ذلك مما ~~يضارع أهل الصرع الذين يصرعهم الشيطان ولذلك يجدون في نفوسهم من ثوران مراد ~~الشيطان بحسب الصوت: إما وجد في الهوى المذموم وإما غضب وعدوان على من هو ~~مظلوم وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المحزون المحروم إلى غير ذلك من ~~الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها؛ ~~فإن السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السكر بالأشربة المطربة فيصدهم ~~عن ذكر الله وعن الصلاة ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه واتباعه ~~فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله. ويوقع بينهم ~~العداوة والبغضاء حتى يقتل بعضهم بعضا بأحواله الفاسدة الشيطانية. كما يقتل ~~العائن من أصابه بعينه. ولهذا قال من قال من العلماء: إن هؤلاء يجب عليهم ~~القود والدية # PageV11P643 # والقصاص إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة؛ لأنهم ظالمون ~~وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من مراداتهم المحرمة. كما يغتبط الظلمة ~~المسلطون. ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فإنهم قد ~~يكون لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج ~~المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} ". وقد يكون ~~لهم مع ذلك أحوال باطنة كما يكون لهم ملكة ظاهرة فإن سلطان الباطن معناه ~~السلطان الظاهر ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون. وما فعلوه من الإعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب ~~وباب القدرة والتمكن باطنا وظاهرا ليس مستلزما لولاية الله تعالى بل قد ~~يكون ولي الله متمكنا ذا سلطان وقد يكون مستضعفا إلى أن ينصره الله وقد ~~يكون مسلطا إلى أن ينتقم الله منه ms3743 فخفراء التتار في الباطن من جنس التتار ~~في الظاهر. هؤلاء في العباد بمنزلة هؤلاء في الأجناد. # PageV11P644 # وأما الغلبة فإن الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل ~~المؤمنين على الكافرين. كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~عدوهم لكن العاقبة للمتقين؛ فإن الله يقول: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} . وإذا كان في المسلمين ضعف وكان ~~عدوهم مستظهرا عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء ~~الواجبات باطنا وظاهرا وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهرا. قال الله ~~تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ~~ما كسبوا} وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم} وقال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي ~~عزيز} {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} . # PageV11P645 # وسئل: # عن النساء اللاتي يتعممن بالعمائم الكبار لا يرين الجنة ولا يشممن ~~رائحتها. وقد روي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {من قال: لا ~~إله إلا الله دخل الجنة} ". # فأجاب: # قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات ~~مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. ورجال ~~معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله} ومن زعم أن هذا الحديث ~~ليس بصحيح بما فيه من الوعيد الشديد فإنه جاهل ضال عن الشرع يستحق العقوبة ~~التي تردعه وأمثاله من الجهال الذين يعترضون على الأحاديث الصحيحة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الصحيحة في " الوعيد " كثيرة مثل قوله: ~~" {من قتل # PageV11P646 # نفسا معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة وريحها يوجد من مسيرة أربعين ~~خريفا} " ومثل قوله الذي في الصحيح: " {لا يدخل الجنة من في قلبه ms3744 ذرة من ~~كبر. قيل: يا رسول الله الرجل يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك؟ ~~فقال: لا الكبر بطر الحق وغمط الناس} . و " بطر الحق " جحده و " غمط الناس ~~" احتقارهم وازدراؤهم. ومثل قوله في الحديث الصحيح: {ثلاثة لا يكلمهم الله ~~يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وفقير مختال} ". ~~وفي القرآن من آيات الوعيد ما شاء الله كقوله: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وكما في قوله: {لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا ~~وكان ذلك على الله يسيرا} وقوله في الفرائض: {تلك حدود الله ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} ~~{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} . # PageV11P647 # وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن " الوعيد " في الكتاب والسنة لأهل ~~الكبائر موجود ولكن الوعيد الموجود في الكتاب والسنة قد بين الله في كتابه ~~وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحق التائب بقوله: {قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} أي لمن تاب. وقال في الآية الأخرى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذا في حق من لم يتب فالشرك لا يغفر وما دون ~~الشرك إن شاء الله غفره وإن شاء عاقب عليه. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ~~ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه} {ولهذا لما نزل ~~قوله: {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر: يا رسول الله؛ قد جاءت قاصمة ~~الظهر وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: يا أبا بكر ms3745 ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست ~~تصيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به} فالمصائب في الدنيا يكفر الله بها من ~~خطايا المؤمن ما به يكفر وكذلك الحسنات التي يفعلها. قال الله تعالى: {إن ~~الحسنات يذهبن السيئات} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر} ~~فالله تعالى لا يظلم # PageV11P648 # عبده شيئا كما قال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} . " فالوعيد " ينتفي عنه: إما بتوبة وإما بحسنات يفعلها تكافئ ~~سيئاته وإما بمصائب يكفر الله بها خطاياه وإما بغير ذلك وكما أن أحاديث ~~الوعيد تقدم وكذلك أحاديث الوعد. فقد يقول: لا إله إلا الله ويجحد وجوب ~~الصلاة والزكاة فهذا كافر يجب قتله وقد يكون من أهل الكبائر المستوجبين ~~للنار. وهذه " مسألة الوعد والوعيد " من أكبر مسائل العلم. وقد بسطناها في ~~مواضع؛ ولكن كتبنا هنا ما تسع الورقة. # PageV11P649 # وسئل: # عن الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن والحديث. هل لها حد تعرف به؟ وهل ~~قول من قال: إنها سبع أو سبعة عشر صحيحا؟ أو قول من قال: إنها ما اتفقت ~~فيها الشرائع - أعني على تحريمها؟ - أو إنها ما تسد باب المعرفة بالله؟ أو ~~إنها ما تذهب الأموال والأبدان؟ أو إنها إنما سميت كبائر بالنسبة والإضافة ~~إلى ما دونها؟ أو إنها لا تعلم أصلا وأبهمت كليلة القدر؟ أو يحكي بعضهم ~~أنها إلى التسعين أقرب أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة أو أنها ما رتب ~~عليها حد. أو ما توعد عليها بالنار؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ~~ابن عباس وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما وهو: أن الصغيرة ما دون ~~الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. وهو معنى قول من قال: ما ليس فيها حد في ~~الدنيا، وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار فهو من ~~الكبائر. ومعنى قول القائل: وليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد ms3746 في # PageV11P650 # الآخرة أي " وعيد خاص " كالوعيد بالنار والغضب واللعنة. وذلك لأن الوعيد ~~الخاص في الآخرة. كالعقوبة الخاصة في الدنيا. فكما أنه يفرق في العقوبات ~~المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع والقتل وجلد مائة أو ثمانين ~~وبين العقوبات التي ليست بمقدرة: وهي " التعزير " فكذلك يفرق في العقوبات ~~التي يعزر الله بها العباد - في غير أمر العباد بها - بين العقوبات ~~المقدرة: كالغضب واللعنة والنار. وبين العقوبات المطلقة. وهذا " الضابط " ~~يسلم من القوادح الواردة على غيره؛ فإنه يدخل كل ما ثبت في النص أنه كبيرة: ~~كالشرك والقتل والزنا والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وغير ذلك من ~~الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة وكالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم ~~وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور؛ فإن هذه الذنوب ~~وأمثالها فيها وعيد خاص كما قال في الفرار من الزحف: {ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير} وقال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا} . وقال: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض # PageV11P651 # أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} وقال: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم} {أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} ~~. وقال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم} . وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة ولا يشم ~~رائحة الجنة وقيل فيه: من فعله فليس منا وأن صاحبه آثم. فهذه كلها من ~~الكبائر. كقوله صلى الله عليه وسلم {لا يدخل الجنة قاطع} " وقوله: " {لا ~~يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر} وقوله: {من غشنا فليس منا} ". ~~وقوله: {من حمل علينا السلاح فليس منا} ". وقوله: " {لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق ms3747 حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ~~ينتهبها وهو مؤمن} ". وذلك لأن نفي الإيمان وكونه ليس من المؤمنين ليس ~~المراد به ما يقوله المرجئة: إنه ليس من خيارنا؛ فإنه لو ترك ذلك لم يلزم ~~أن يكون من خيارهم وليس المراد به ما يقوله الخوارج: إنه صار كافرا. ولا ما ~~يقوله المعتزلة: من أنه لم يبق معه من الإيمان شيء بل # PageV11P652 # هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. فهذه كلها أقوال باطلة قد بسطنا ~~الكلام عليها في غير هذا الموضع. ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد ~~وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب هو المؤدي للفرائض المجتنب المحارم ~~وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء ~~المؤمنين إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة وهذا معنى قول من قال: أراد ~~به نفي حقيقة الإيمان أو نفي كمال الإيمان فإنهم لم يريدوا نفي الكمال ~~المستحب فإن ترك الكمال المستحب لا يوجب الذم والوعيد والفقهاء يقولون: ~~الغسل ينقسم إلى: كامل ومجزئ. ثم من عدل عن الغسل الكامل إلى المجزئ لم يكن ~~مذموما. فمن أراد بقوله " نفي كمال الإيمان " أنه نفي الكمال المستحب فقد ~~غلط. وهو يشبه قول المرجئة ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب. وهذا مطرد في ~~سائر ما نفاه الله ورسوله: مثل قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} - إلى قوله - {أولئك هم ~~المؤمنون حقا} ومثل الحديث المأثور: " {لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين ~~لمن لا عهد له} " ومثل قوله صلى الله عليه وسلم " {لا صلاة إلا بأم # PageV11P653 # القرآن} " وأمثال ذلك. فإنه لا ينفي مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب ~~في ذلك؛ لا لانتفاء بعض مستحباته فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك فقد ترك ~~الواجب الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به وإن كان معه بعض الإيمان فإن ~~الإيمان يتبعض ms3748 ويتفاضل. كما قال صلى الله عليه وسلم " {يخرج من النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان} ". و (المقصود هنا أن نفي الإيمان والجنة أو كونه ~~من المؤمنين لا يكون إلا عن كبيرة. أما الصغائر فلا تنفي هذا الاسم والحكم ~~عن صاحبها بمجردها. فيعرف أن هذا النفي لا يكون لترك مستحب ولا لفعل صغيرة ~~بل لفعل كبيرة. وإنما قلنا: إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط ~~المذكورة لوجوه: # أحدها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من ~~الصحابة والتابعين والأئمة وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو ~~التصوف بغير دليل شرعي. وأما من قال من السلف: إنها إلى السبعين أقرب منها ~~إلى السبع فهذا لا يخالف ما ذكرناه. وسنتكلم عليها إن شاء الله واحدا ~~واحدا. # PageV11P654 # الثاني: أن الله قال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما} فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد ~~الكريم. وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ~~ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر. وكذلك من استحق ~~أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر إذ لو كان كذلك ~~لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب ~~يستحق العقوبة عليه. # الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب؛ فهو حد ~~يتلقى من خطاب الشارع وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله؛ بل هو ~~قول رأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا ~~يجوز. # الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر وأما تلك ~~الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر؛ لأن تلك الصفات لا دليل ~~عليها لأن الفرق بين ما اتفقت فيه الشرائع واختلفت لا يعلم إن لم يمكن وجود ~~عالم بتلك الشرائع على وجهها ms3749 وهذا غير معلوم لنا. # PageV11P655 # وكذلك " ما يسد باب المعرفة " هو من الأمور النسبية والإضافية فقد يسد ~~باب المعرفة عن زيد ما لا يسد عن عمرو وليس لذلك حد محدود. # الخامس: أن تلك الأقوال فاسدة. فقول من قال: إنها ما اتفقت الشرائع على ~~تحريمه دون ما اختلفت فيه. يوجب أن تكون الحبة من مال اليتيم ومن السرقة ~~والخيانة والكذبة الواحدة وبعض الإساءات الخفية ونحو ذلك كبيرة. وأن يكون ~~الفرار من الزحف ليس من الكبائر؛ إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة وكذلك يقتضي ~~أن يكون التزوج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر؛ لأنه ~~مما لم تتفق عليه الشرائع. وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث ووطئها ~~بعد ذلك. مع اعتقاد التحريم. وكذلك من قال: إنها ما تسد باب المعرفة أو ~~ذهاب النفوس والأموال؛ يوجب أن يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة. وأن ~~يكون عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك ليس من الكبائر. ومن قال: إنها سميت ~~كبائر بالنسبة إلى ما دونها وأن ما عصى الله # PageV11P656 # به فهو كبيرة فإنه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر ~~وصغائر. وهذا خلاف القرآن فإن الله قال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم} وقال: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون} وقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~وقال: {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقال: {وكل ~~صغير وكبير مستطر} والأحاديث كثيرة في الذنوب الكبائر. ومن قال: هي سبعة ~~عشر فهو قول بلا دليل. ومن قال: إنها مبهمة أو غير معلومة. فإنما أخبر عن ~~نفسه أنه لا يعلمها. ومن قال: إنه ما توعد عليه بالنار قد يقال: إن فيه ~~تقصيرا إذ الوعيد قد يكون بالنار وقد يكون بغيرها وقد يقال: إن كل وعيد فلا ~~بد أن يستلزم الوعيد بالنار. وأما من قال: إنها كل ذنب فيه وعيد فهذا يندرج ~~فيما ذكره ms3750 السلف؛ فإن كل ذنب فيه حد في الدنيا ففيه وعيد من غير عكس فإن ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر وقذف المحصنات ونحو ذلك فيها وعيد. كمن قال: إن ~~الكبيرة ما فيها وعيد. والله أعلم. # PageV11P657 # سئل - رضي الله عنه -: # عن: شرب الخمر وفعل الفاحشة أيهما أعظم إثما عند الله؟ أم هما مستويان؟ ~~وما هي الكبائر التي قال عز وجل فيها: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ؟ فما هي هذه الكبائر وما هي السيئات؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، " الكبائر " هي ما فيها حد في الدنيا أو في الآخرة: كالزنا ~~والسرقة والقذف التي فيها حدود في الدنيا. وكالذنوب التي فيها حدود في ~~الآخرة وهو الوعيد الخاص. مثل الذنب الذي فيه غضب الله ولعنته أو جهنم؛ ~~ومنع الجنة كالسحر واليمين الغموس والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وشهادة ~~الزور وشرب الخمر ونحو ذلك. هكذا روي عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وأحمد بن ~~حنبل وغيرهم من العلماء. قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} وقال تعالى: {الذين # PageV11P658 # يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} . وقال ~~تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ~~وقال تعالى {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها} وقال تعالى: {وكل صغير وكبير مستطر} . و (أكبر الكبائر الإشراك ~~بالله ثم قتل النفس ثم الزنا. كما قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} الآية. ~~والزنا أعظم من شرب الخمر إذا استويا في القدر. مثل من يزني مرة ويشرب ~~الخمر مرة فأما إذا قدر أن رجلا زنى مرة وآخر مدمن على شرب الخمر فهذا قد ~~يكون أعظم من ذاك. كما أنه لو زنى مرة وتاب كان خيرا من المصر على شرب ~~الخمر. وكذلك شارب الخمر إذا دعا غيره فيكون عليه إثم شربه وعليه قسط من ms3751 ~~إثم الذين دعاهم إلى الشرب. وكذلك إذا اقترن بالشرب سماع المزامير والشرب ~~على بعض الصور المحرمة ونحو ذلك فهذا مما يتغلظ فيه الشرب. والذنب يتغلظ ~~بتكراره وبالإصرار عليه وبما يقترن به من سيئات أخر. وكذلك لو قدرنا أن ~~الزاني زنى وهو خائف من الله وجل من عذابه والشارب يشرب لاهيا غافلا لا ~~يراقب الله. كان ذنبه أعظم من هذا الوجه. فقد يقترن بالذنوب ما يخففها وقد ~~يقترن بها # PageV11P659 # ما يغلظها. كما أن الحسنات قد يقترن بها ما يعظمها وقد يقترن بها ما ~~يصغرها. فكما أن الحسنات أجناس متفاضلة وقد يكون المفضول في كثير من ~~المواضع أفضل مما جنسه فاضل. فكذلك السيئات. فالصلاة أفضل من القراءة ~~والقراءة أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء؛ مع أن القراءة والذكر ~~والدعاء بعد الفجر وبعد العصر أفضل من تحري صلاة التطوع في ذلك وكذلك ~~التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيه وقد يكون بعض الناس ~~انتفاعه بالذكر والدعاء أعظم من انتفاعه بالقراءة فيكون أفضل في حقه. فهكذا ~~السيئات. وإن كان القتل أعظم من الزنا والزنا أعظم من الشرب. فقد يقترن ~~بالشرب من المغلظات ما يصير به أغلظ من بعض ضرر الزنا. وإذا عرف أن الحسنات ~~والسيئات تتفاضل بالأجناس تارة وتتفاضل بأحوال أخرى تعرض لها: تبين أن هذا ~~قد يكون أعظم من هذا وهذا أعظم من هذا. والعبد قد يأتي بالحسنة بنية وصدق ~~وإخلاص تكون أعظم من أضعافها. كما في حديث صاحب البطاقة الذي رجحت بطاقته ~~التي فيها: " لا إله إلا الله " بالسجلات التي فيها ذنوبه. وكما في حديث ~~البغي التي سقت كلبا بموقها فغفر الله لها. وكذلك في السيئات. والله أعلم. # PageV11P660 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل مدمن على المحرمات وهو مواظب على الصلوات الخمس ويصلي على محمد ~~مائة مرة كل يوم. ويقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله كل يوم ~~مائة مرة؛ فهل يكفر ذلك بالصلاة والاستغفار؟ # فأجاب: # قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل ms3752 مثقال ذرة شرا ~~يره} فمن كان مؤمنا وعمل عملا صالحا لوجه الله تعالى فإن الله لا يظلمه. بل ~~يثيبه عليه. وأما ما يفعله من المحرم اليسير فيستحق عليه العقوبة ويرجى له ~~من الله التوبة. كما قال الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} وإن مات ولم يتب فهذا أمره إلى ~~الله. هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته. لا يشهد له بجنة ولا نار بخلاف ~~الخوارج والمعتزلة فإنهم يقولون: إنه من فعل كبيرة أحبطت جميع حسناته وأهل ~~السنة والجماعة لا يقولون بهذا الإحباط. بل أهل الكبائر معهم حسنات وسيئات ~~وأمرهم إلى الله تعالى. # PageV11P661 # وقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} أي من اتقاه في ذلك العمل؛ ~~بأن يكون عملا صالحا خالصا لوجه الله تعالى وأن يكون موافقا للسنة. كما قال ~~تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} . وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وأهل الوعيد يقولون: لا يتقبل ~~العمل إلا ممن اتقاه بترك جميع الكبائر. وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة ~~في {قصة حمار الذي كان يشرب الخمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يحب ~~الله ورسوله} وكما في أحاديث الشفاعة وإخراج أهل الكبائر من النار. حتى ~~يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فقد قال الله تعالى: {فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} الآية. ومع هذا فقد ~~صح من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن} . وقال: " {من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها حرمها في الآخرة} ~~وقال: " {لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وحاملها ~~والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وآكل ثمنها} . # PageV11P662 # وقال أيضا شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وكل من ms3753 تاب من أي ذنب كان فإن الله يتوب عليه كما قال تعالى: {قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم} {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل ~~أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} . فقد أخبر الله في هذه الآية أنه ~~يغفر الذنوب: أي لمن تاب. وقد قال في الأخرى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهذا في حق من لم يتب فالشرك لا يغفره الله وما ~~دون الشرك أمره إلى الله إن شاء عاقب عليه وإن شاء عفا عنه. ومن الشرك أن ~~يدعو العبد غير الله كمن يستغيث في المخاوف # PageV11P663 # والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين. فيقول: يا سيدي الشيخ فلان لشيخ ~~ميت أو غائب فيستغيث به ويستوصيه ويطلب منه ما يطلب من الله من النصر ~~والعافية؛ فإن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين. وهؤلاء ~~المشركون قد يتمثل لأحدهم صورة الشيخ الذي استغاث به. فيظن أنه الشيخ أو ~~ملك جاء على صورته وإنما هو شيطان تمثل له ليضله ويغويه لما دعا غير الله؛ ~~كما كان نصيب المشركين الذين يعبدون الأصنام تخاطبهم الشياطين وتتراءى لهم ~~وتخبرهم ببعض الأمور الغائبة وإن كان فيما يخبرون به من الكذب ما يبين أنهم ~~شياطين. قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك ~~أثيم} وهؤلاء كثيرون في المشركين: من الهند والترك والحبشة. وفي المتشبهين ~~بهم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام. كأهل الإشارات الذين يظهرون إشارات ~~الدم والزعفران واللاذن ويدعون أنهم يغيرون التراب أو غيره. فيجعلونه كذلك ~~ومنهم من يدخل النار ويأكل الحيات ومنهم من يصرخ في بعض الناس فيمرض أو ~~يموت. وهذه الأحوال تعرض لهم عند فعل ما يأمر به الشيطان. مثل السماع ~~البدعي. سماع المكاء والتصدية وغير ذلك؛ فإن الذين # PageV11P664 # يتخذون ذلك قربة ودينا ms3754 تتحرك به قلوبهم ويحصل لهم عنده من الوجل والصياح ~~ما تنزل معه الشياطين كما يدخل الشيطان في بدن المصروع؛ ولهذا يزيد أحدهم ~~كأزباد المصروع ويصيح كصياحه. وذلك صياح الشياطين على ألسنتهم؛ ولهذا لا ~~يدري أحد ما جرى منه حتى يفيق ويتكلم الشيطان على لسان أحدهم بكلام لا ~~يعرفه الإنسان ويدخل أحدهم النار وقد لبسه الشيطان ويحصل ذلك لقوم من ~~النصارى بالمغرب وغيرهم. تلبسهم الشياطين فيحصل لهم مثل ذلك. فهؤلاء ~~المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة أحوالهم ليست من كرامات الصالحين؛ فإن ~~كرامات الصالحين إنما تكون لأولياء الله المتقين؛ الذين قال الله فيهم: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} وهم الذين يتقربون إلى الله بالفرائض التي فرضها عليهم ثم بالنوافل ~~التي ندبهم إليها. كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ~~تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني ~~لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن # PageV11P665 # يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} ". ولهذا قال أهل العلم والدين - ~~كأبي يزيد البسطامي وغيره -: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على ~~الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي. وقال الشافعي: لو ~~رأيتم صاحب بدعة يطير في الهواء فلا تغتروا به. فأولياء الله المتقون هم ~~المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وطريقهم طريق أنبياء الله المرسلين ~~وأولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين. وأما أهل الشرك والبدع والفجور ~~فأحوالهم من جنس أحوال " مسيلمة الكذاب " و " الأسود العنسي " الذين ms3755 ادعيا ~~النبوة في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وكان لكل منهما شياطين تخبره ~~وتعينه. وكان " العنسي " قد استولى على أرض اليمن في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم قتله الله على أيدي عباده المؤمنين وكان قد طلب من أبي مسلم ~~الخولاني أن يتابعه فامتنع فألقاه في النار فجعلها الله # PageV11P666 # عليه بردا وسلاما كما جرى لإبراهيم الخليل صلوات الله عليه وذلك مع صلاته ~~وذكره ودعائه لله مع سكينة ووقار. وهؤلاء أصحاب الأحوال الشيطانية لا تصير ~~النار عليهم بردا وسلاما. بل قد يطفونها كما يطفيها الناس وذلك في حال ~~اختلاط عقولهم وهيج شياطينهم وارتفاع أصواتهم هذا إن كان لأحدهم حال ~~شيطاني. وإلا فكثير منهم لا يحصل له ذلك؛ بل يدخل في نوع من المكر والمحال ~~فيتخذ حجر الطلق أو دهن الضفادع وأنواعا من الأدوية. كما يصنعون من جنس ما ~~تصنعه المشعبذون إخفاء اللاذن والسكر في يد أحدهم فإنهم نوعان: خاصتهم أهل ~~حال شيطاني وعامتهم أهل محال بهتاني. وهؤلاء لا يعطى أحدهم من الزكاة حتى ~~يتوب ويلتزم ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة ~~ويكون مع ذلك من مستحقي الزكاة المذكورين في قوله تعالى {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل} . فأما من كان غنيا ليس من هذه الأصناف فلا ~~يعطى من الزكاة لا سيما إذا كان مع غناه من شيوخ الضلال مثل شيوخ المضلين ~~الأغنياء # PageV11P667 # الذين ليسوا من الأصناف الثمانية؛ فإن هؤلاء لا يجوز أن يعطوا من الزكاة ~~بإجماع المسلمين. وهؤلاء إذا قالوا للإنسان: تعطينا وإلا فإني أنالك في ~~نفسك فإنه قد تعينهم شياطين على إضرار بعض الناس بقضاء الله وقدره لكن هذا ~~يكون لمن هو خارج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم مثل أهل الفجور والبدع ~~الذين لا يصلون الصلوات الخمس ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله فهؤلاء قد ~~تسلط عليهم بعض هؤلاء بذنوبهم وخطاياهم. وأما الذين يفعلون ما أمر الله به ~~ورسوله ms3756 من الصلوات الخمس وغيرها ويخلصون دينهم لله فلا يدعون إلا الله ولا ~~يعبدون غيره ولا ينذرون إلا لله ويحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فهؤلاء جند ~~الله الغالبون وحزب الله المفلحون فإنه يؤيدهم وينصرهم. وهؤلاء يهزمون ~~شياطين أولئك الضالين فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء واستغاثتهم بالله أن ~~يفعلوا شيئا من تلك الأحوال الشيطانية بل تهرب منهم تلك الشياطين. وهؤلاء ~~معترفون بذلك. يقولون: أحوالنا ما تنفذ قدام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ ~~قدام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة وغيرهم. فهؤلاء من أهل ~~الضلال والغي الذين يجب نهيهم واستتابتهم ومنعهم من طاعة الشيطان والشرك ~~والبدع والفجور وأمرهم بما # PageV11P668 # أمر الله به ورسوله واتباع الكتاب والسنة ولا يجوز للمؤمن أن يخافهم فإن ~~الله تعالى يقول في كتابه: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} {إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى: ~~{لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} {فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} . # PageV11P669 # وقال أيضا شيخ الإسلام - رحمه الله - رب يسر وأعن يا كريم. # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. ### | فصل: # في أن التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات. # و " الأول " يخفى على كثير من الناس. قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} وقال تعالى: {فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله واستغفر لذنبك ms3757 وللمؤمنين والمؤمنات} . وقال تعالى: {ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} # PageV11P670 # وقال: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى} . ومثل هذا في القرآن كثير. ~~فنقول: التوبة والاستغفار يكون من ترك مأمور ومن فعل محظور؛ فإن كلاهما من ~~السيئات والخطايا والذنوب. وترك " الإيمان " و " التوحيد " و " الفرائض " ~~التي فرضها الله تعالى على القلب والبدن من الذنوب بلا ريب عند كل أحد. بل ~~هي أعظم الصنفين. كما قد بسطناه فيما كتبناه من " القواعد " قبل ذهابي إلى ~~مصر. فإن جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات إذ قد يدخل في ذلك ترك ~~الإيمان والتوحيد ومن أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلد في النار ولو فعل ما ~~فعل. ومن لم يأت بالإيمان والتوحيد كان مخلدا ولو كانت ذنوبه من جهة ~~الأفعال قليلة: كالزهاد والعباد من المشركين وأهل الكتاب كعباد مشركي الهند ~~وعباد النصارى؛ وغيرهم؛ فإنهم لا يقتلون ولا يزنون ولا يظلمون الناس؛ لكن ~~نفس الإيمان والتوحيد الواجب تركوه. ولكن يقال: ترك الإيمان والتوحيد ~~الواجب إنما يكون مع الاشتغال بضده وضده إذا كان كفرا فهم يعاقبون على ~~الكفر وهو # PageV11P671 # من باب المنهي عنه وإن كان ضده من جنس المباحات كالاشتغال بأهواء النفس ~~ولذاتها من الأكل والشرب والرئاسة وغير ذلك عن الإيمان الواجب. فالعقوبة ~~هنا لأجل ترك الإيمان؛ لا لأجل ترك هذا الجنس. وقد يقال: كل من ترك الإيمان ~~والتوحيد فلا يتركه إلا إلى كفر وشرك؛ فإن النفس لا بد لها من إله تعبده ~~فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان. فيقال: عبادة الشيطان جنس عام وهذا إذا ~~أمره أن يشتغل بما هو مانع له من الإيمان والتوحيد يقال: عبده. كما أن من ~~أطاع الشيطان فقد عبده ولكن عبادة دون عبادة. والناس " نوعان " طلاب دين ~~وطلاب دنيا. فهو يأمر طلاب الدين بالشرك والبدعة كعباد المشركين وأهل ~~الكتاب ويأمر طلاب الدنيا بالشهوات البدنية. وفي الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إن ms3758 أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات ~~الفتن} ولهذا قال الحسن البصري لما ذكر الحديث " لكل عامل شرة ولكل شرة ~~فترة فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه. ~~فقالوا: أنت إذا مررت في السوق أشار إليك # PageV11P672 # الناس. فقال: إنه لم يعن هذا وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في ~~دنياه. وقد بسطت الكلام على " النوعين " في مواضع. كما ذكرنا في " اقتضاء ~~الصراط المستقيم " الكلام على قوله تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} وبسط هذا له ~~موضع آخر. فإن ترك الواجب وفعل المحرم متلازمان؛ ولهذا كان من فعل ما نهي ~~عنه يقال: إنه عصى الأمر. ولو قال لها: إن عصيت أمري فأنت طالق. فنهاها ~~فعصته ففيه وجهان: أصحهما أنها تطلق وبعض الفقهاء يعلل ذلك بأن هذا يعد في ~~العرف عاصيا ويجعلون هذا في الأصل نوعين. والتحقيق أن كل نهي ففيه طلب ~~واستدعاء لما يقصده الناهي. فهو أمر فالأمر يتناول هذا وهذا. ومنه قول ~~الخضر لموسى: {إنك لن تستطيع معي صبرا} {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} ~~{قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} . وقال له: {فإن اتبعتني ~~فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} . فقوله: # PageV11P673 # {فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ؟ قد تناوله قوله: {ولا أعصي ~~لك أمرا} . ومنه قول موسى لأخيه: {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} {ألا تتبعني ~~أفعصيت أمري} وموسى قال له: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ~~نهي. وهو لامه على أنه لم يتبعه وقال: أفعصيت أمري؟ وعباد العجل كانوا ~~مفسدين. وقد جعل هذا كله أمرا. وكذلك قوله: {ملائكة غلاظ شداد لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} فهم لا يعصونه إذا نهاهم وقوله عن ~~الرسول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم} فمن ركب ما نهي عنه فقد خالف أمره وقال تعالى: {وعصى آدم ms3759 ربه فغوى} ~~وإنما كان فعلا منهيا عنه. وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} هو يتناول ما نهي عنه أقوى مما ~~يتناول ما أمر به فإنه قال في الحديث الصحيح: {إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. ~~وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} ". وقوله: {يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} فالمعصية مخالفة الأمر ومخالف النهي عاص؛ ~~فإنه مخالف الأمر وفاعل المحظور قد يكون أظهر معصية من تارك المأمور. # PageV11P674 # و " بالجملة " فهما متلازمان. كل من أمر بشيء فقد نهي عن فعل ضده ومن نهي ~~عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما بسط في موضعه؛ ولكن لفظ " الأمر " يعم النوعين ~~واللفظ العام قد يخص أحد نوعيه باسم ويبقى الاسم العام للنوع الآخر فلفظ ~~الأمر عام لكن خصوا أحد النوعين بلفظ النهي فإذا قرن النهي بالأمر كان ~~المراد به أحد النوعين لا العموم. # فصل: # و " المقصود " أن الاستغفار والتوبة يكونان من كلا النوعين و " أيضا " ~~فالاستغفار والتوبة مما فعله وتركه في حال الجهل قبل أن يعلم أن هذا قبيح ~~من السيئات وقبل أن يرسل إليه رسول وقبل أن تقوم عليه الحجة فإنه سبحانه ~~قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . وقد قال طائفة من أهل الكلام ~~والرأي: إن هذا في الواجبات الشرعية غير العقلية. كما يقوله من يقوله من ~~المعتزلة وغيرهم: من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم: مثل أبي الخطاب وغيره على أن ~~الآية عامة: لا يعذب الله أحدا إلا بعد رسول. # PageV11P675 # وفيهما دليل على أنه لا يعذب إلا بذنب خلافا لما يقوله " المجبرة " أتباع ~~جهم: أنه تعالى يعذب بلا ذنب وقد تبعه طائفة تنسب إلى السنة: كالأشعري ~~وغيره وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره وقالوا: إن الله يجوز أن يعذب الأطفال ~~في الآخرة عذابا لا نهاية له من غير ذنب فعلوه وهؤلاء يحتجون بالآية على ~~إبطال قول من يقول: إن العقل يوجب عذاب من لم يفعل والآية حجة عليهم أيضا ms3760 ~~حيث يجوزون العذاب بلا ذنب فهي حجة على الطائفتين. ولها نظائر في القرآن ~~كقوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا} ~~. وقوله تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} . وقوله: {كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} . وما فعلوه ~~قبل مجيء الرسل كان سيئا وقبيحا وشرا؛ لكن لا تقوم عليهم الحجة إلا ~~بالرسول. هذا قول الجمهور. وقيل: إنه لا يكون قبيحا إلا بالنهي وهو قول من ~~لا يثبت حسنا ولا قبيحا إلا بالأمر والنهي. كقول جهم والأشعري ومن تابعه من ~~المنتسبين إلى السنة. وأصحاب مالك والشافعي وأحمد: كالقاضي أبي يعلى وأبي ~~الوليد الباجي وأبي المعالي الجويني وغيرهم والجمهور من السلف والخلف على ~~أن ما كانوا فيه قبل # PageV11P676 # مجيء الرسول من الشرك والجاهلية شيئا قبيحا وكان شرا. لكن لا يستحقون ~~العذاب إلا بعد مجيء الرسول؛ ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب ~~والفواحش ونحو ذلك " ثلاثة أقوال ": قيل: إن قبحهما معلوم بالعقل وأنهم ~~يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة وإن لم يأتهم الرسول كما يقوله المعتزلة ~~وكثير من أصحاب أبي حنيفة وحكوه عن أبي حنيفة نفسه وهو قول أبي الخطاب ~~وغيره. و " قيل ": لا قبح ولا حسن ولا شر فيهما قبل الخطاب وإنما القبيح ما ~~قيل فيه لا تفعل؛ والحسن ما قيل فيه افعل أو ما أذن في فعله. كما تقوله ~~الأشعرية ومن وافقهم من الطوائف الثلاثة. وقيل إن ذلك سيء وشر وقبيح قبل ~~مجيء الرسول؛ لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول. وعلى هذا عامة السلف ~~وأكثر المسلمين وعليه يدل الكتاب والسنة. فإن فيهما بيان أن ما عليه الكفار ~~هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. وفي ~~الصحيح {أن حذيفة قال: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله ~~بهذا الخير فهل بعد هذا الخير ms3761 من شر. قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من ~~أجابهم إليها قذفوه فيها} ". # PageV11P677 # فصل: # وقد أخبر الله تعالى عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتيهم الرسول. كقوله ~~لموسى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} {فقل هل لك إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ربك ~~فتخشى} . وقال: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} {ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} {ونمكن لهم في الأرض} . ~~فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيرا قبل أن يأتيه برسالة أنه ~~كان طاغيا مفسدا. وقال تعالى: {ولقد مننا عليك مرة أخرى} {إذ أوحينا إلى ~~أمك ما يوحى} {أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لي وعدو له} . وهو فرعون فهو إذ ذاك عدو لله ولم يكن جاءته ~~الرسالة بعد. # PageV11P678 # فصل: # و " أيضا " أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان ~~كالمباح المستوي الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين ما أمر ~~بالاستغفار والتوبة فعلم أنه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب إلا ~~بعد إقامة الحجة وهذا كقوله تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير} {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ~~وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} . وقوله تعالى {قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل ~~للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} وقال: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن ~~أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} {قال يا قوم إني لكم نذير مبين} {أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} {يغفر لكم من ذنوبكم} . فدل على أنها كانت ~~ذنوبا قبل إنذاره إياهم. وقال عن هود: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم ~~اعبدوا الله # PageV11P679 # ما لكم من ms3762 إله غيره إن أنتم إلا مفترون} {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون} {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه} فأخبر في أول خطابه أنهم مفترون. بأكثر الذي كانوا عليه كما قال لهم ~~في الآية الأخرى: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله ~~بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين} . وكذلك قال صالح: {يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ~~فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب} . وكذلك قال لوط لقومه: {أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} . فدل على أنها كانت فاحشة عندهم ~~قبل أن ينهاهم. بخلاف قول من يقول: ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى ~~نهاهم عنها؛ ولهذا قال لهم: {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ~~ناديكم المنكر} . وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما يفعلون ولكن أنذرهم بالعذاب. ~~وكذلك قول شعيب: {أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين} . بين أن ما فعلوه # PageV11P680 # كان بخسا لهم أشياءهم وأنهم كانوا عاثين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم؛ ~~بخلاف قول " المجبرة " أن ظلمهم ما كان سيئة إلا لما نهاهم وأنه قبل النهي ~~كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب وغير ذلك. كما يقولون في سائر ما ~~نهت عنه الرسل من الشرك والظلم والفواحش. وهكذا إبراهيم الخليل قال: {واذكر ~~في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} فهذا توبيخ على فعله قبل النهي وقال ~~أيضا: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا} . فأخبر أنهم ~~يخلقون إفكا قبل النهي. وكذلك قول الخليل لقومه أيضا: {ماذا تعبدون} {أئفكا ~~آلهة دون الله تريدون} {فما ظنكم برب العالمين} - إلى قوله - {أتعبدون ما ~~تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} ms3763 . فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل ~~النهي وقبل إنكاره عليهم ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: {أتعبدون ما ~~تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} أي وخلق ما تنحتون. فكيف يجوز أن تعبدوا ~~ما تصنعونه بأيديكم؟ وتدعون رب العالمين. # PageV11P681 # فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت ~~في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئا يذمون ~~عليه بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم وإنما كان قبيحا بالنهي ومعنى قبحه كونه ~~منهيا عنه لا لمعنى فيه؛ كما تقوله المجبرة. و " أيضا " ففي القرآن في ~~مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ويضرب ~~لهم الأمثال كقوله تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون} . وقوله: {أفلا تتقون} وقوله: {فأنى تسحرون} فهذا ~~يقتضي أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءهم عن عبادتها وأن ~~عبادتها من القبائح المذمومة؛ ولكن هؤلاء يظنون أن الشرك هو اعتقاد أن ثم ~~خالق آخر وهذا باطل؛ بل الشرك عبادة غير الله وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق. ~~وقوله: إنه كله لله، كذب مفترى (1) وإن قال: إنه مخلوق. ومثل هذا كثير في ~~القرآن. كقوله: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا ~~به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا PageV11P682 # شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها ~~أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله} وهذا في جملة ~~بعد جملة يقول: {أإله مع الله} إنكارا عليهم أن يعبدوا غير الله ويتخذوه ~~إلها مع اعترافهم بأن هذا لم يفعله إله غير الله وإنما فعله هو وحده. وقوله ~~{أإله مع الله} جواب الاستفهام أي إله مع الله موجود وهذا غلط فإنهم يجعلون ~~مع الله آلهة ويشهدون بذلك؛ لكن ما كانوا يقولون: إنهم فعلوا ذلك. والتقرير ~~إنما يكون لما يقرون به وهم مقرون بأنهم لم يفعلوا. لا يقرون بأنه ms3764 لم يكن ~~معه إله. قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل ~~إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} . وقد قال سبحانه: {وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} . وقال: {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم} . وقال: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} . # PageV11P683 # فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون إن كل عاص فهو جاهل. كما قد بسط في ~~موضع آخر فهو متناول لمن يكون علم التحريم أيضا. فدل على أنه يكون عاملا ~~سوءا وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي عنه وأنه يتوب من ذلك فيغفر ~~الله له ويرحمه وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب وقيام الحجة. # وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات وتكون مما لم يكن علم ~~أنه ذنب تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار فإن كثيرا من الناس إذا ~~ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها ~~قبيحة: كالفاحشة والظلم الظاهر. فأما ما قد يتخذ دينا فلا يعلم أنه ذنب إلا ~~من علم أنه باطل. كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل فإنه مما تجب التوبة ~~والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى. وكذلك البدع كلها. ولهذا قال ~~طائفة من السلف - منهم الثوري -: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن ~~المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم ~~قالوا: إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه ~~يحسب أنه على هدى ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر. ومن قال: إنه لا ~~يقبل # PageV11P684 # توبة مبتدع مطلقا فقد غلط غلطا منكرا. ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة ~~في توبة. ms3765 فمعناه ما دام مبتدعا يراها حسنة لا يتوب منها فأما إذا أراه الله ~~أنها قبيحة فإنه يتوب منها كما يرى الكافر أنه على ضلال؛ وإلا فمعلوم أن ~~كثيرا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها وتاب الله عليه منها. وهؤلاء لا ~~يحصيهم إلا الله. و " الخوارج " لما أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم رجع منهم ~~نصفهم أو نحوه وتابوا وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز وغيره منهم ~~من سمع العلم فتاب وهذا كثير فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير ~~من أهل القبلة وهو في غيرهم عام وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم ~~وجوبها كثيرة جدا ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد ~~والإيمان وما كان مأمورا بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة والتائب يتوب ~~مما تركه وضيعه وفرط فيه من حقوق الله تعالى كما يتوب مما فعله من السيئات ~~وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة فبالرسالة يستحق العقاب على ترك ~~هذا وفعل هذا. وإلا فكونه كان فاعلا للسيئات المذمومة وتاركا للحسنات التي ~~يذم تاركها كان تائبا قبل ذلك كما تقدم. وذكرنا " القولين " قول من نفى ~~الذم والعقاب وقول من أثبت الذم والعقاب. # PageV11P685 # فإن قيل: إذا لم يكن معاقبا عليها فلا معنى لقبحها. قيل بل فيه معنيان: # أحدهما: أنه سبب للعقاب لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة قال تعالى: ~~{وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} فلولا إنقاذه لسقطوا ومن كان ~~واقفا على شفير فهلك فهلاكه موقوف على سقوطه بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك ~~فقد بعد عن الهلاك. فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب. # الثاني: أنهم مذمومون منقوصون معيبون. فدرجتهم منخفضة بذلك ولا بد. ولو ~~قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضا ~~وثوابه. فهذه عقوبة بحرمان خير وهي أحد نوعي. العقوبة. وهذا وإن كان حاصلا ~~لكل من ترك مستحبا فإنه يفوته خيره ففرق بين ما يفوته ms3766 ما لم يحصل له وبين ~~ما ينقص ما عنده. وهذا كلام عام فيما لم يعاقب عليه من الذنوب. وأما من لم ~~يرسل إليه رسول في الدنيا: فقد رويت آثار أنهم يرسل إليهم رسول في عرصات ~~القيامة كما قد بسط في مواضع. # PageV11P686 # وقد تنازع الناس في " الوجوب والتحريم " هل يتحقق بدون العقاب على الترك؟ ~~على قولين. قيل: لا يتحقق؛ فإنه إذا لم يعاقب كان كالمباح وقيل: يتحقق؛ ~~فإنه لا بد أن يذم وإن لم يعاقب. وتحقيق الأمر أن العقاب " نوعان " نوع ~~بالآلام، فهذا قد يسقط بكثرة الحسنات ونوع بنقص الدرجة وحرمان ما كان ~~يستحقه. فهذا يحصل إذا لم يحصل الأول. والله تعالى يكفر سيئات المسيء كما ~~قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما} فيكفرها تارة بالمصائب فتبقى درجة صاحبها كما كانت وقد تصير ~~درجته أعلى ويكفرها بالطاعات ومن لم يأت بتلك السيئات أعلى درجة. فيحرم ~~صاحب السيئات ما يسقط بإزائها من طاعته وهذا مما يتوب منه من أراد ألا يخسر ~~ومن فرط في مستحبات فإنه يتوب أيضا؛ ليحصل له موجبها. فالتوبة تتناول هؤلاء ~~كلهم. و ### | توبة الإنسان من حسناته على أوجه: # أحدهما أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها. والثاني أن يتوب مما كان يظنه ~~حسنات ولم يكن كحال أهل البدع. والثالث يتوب من إعجابه ورؤيته أنه فعلها ~~وأنها حصلت # PageV11P687 # بقوته وينسى فضل الله وإحسانه وأنه هو المنعم بها وهذه توبة من فعل مذموم ~~وترك مأمور. ولهذا قيل: تخليص الأعمال مما يفسدها أشد على العاملين من طول ~~الاجتهاد. وهذا مما يبين احتياج الناس إلى التوبة دائما. ولهذا قيل: هي ~~مقام يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر عمره ولا بد منه لجميع ~~الخلق؛ فجميع الخلق عليهم أن يتوبوا وأن يستديموا التوبة. قال تعالى: ~~{وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما} . فغاية كل مؤمن التوبة. وقد قال الله لأفضل الأنبياء ms3767 وأفضل الخلق ~~بعد الأنبياء وهم السابقون الأولون: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم} . ومن أواخر ما أنزل الله قوله: {إذا جاء ~~نصر الله والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا} . وقد ثبت في الصحيحين {أنه كان يقول في ركوعه ~~وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لي يتأول القرآن} ". وفي لفظ ~~لمسلم عن عائشة قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر # PageV11P688 # أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك. قالت: ~~فقلت: يا رسول الله؛ أراك تكثر من قولك: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب ~~إليك. فقال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول: ~~سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فقد رأيتها: {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} فتح مكة {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} {فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا} } . وأمره سبحانه له بالتسبيح بحمده والاستغفار في ~~هذه الحال لا يقتضي أنه لا يشرع في غيرها أو لا يؤمر به غيره. بل يقتضي أن ~~هذا سبب لما أمر به وإن كان مأمورا به في مواضع أخر. كما يؤمر الإنسان ~~بالحمد والشكر على نعمه وإن كان مأمورا بالشكر عليها وكما يؤمر بالتوبة من ~~ذنب وإن كان مأمورا بالتوبة من غيره؛ لكن هو أمر أن يختم عمله بهذا فغيره ~~أحوج إلى هذا منه وقد يحتاج العبد إلى هذا في غير هذه الحال كما يحتاج إلى ~~التوبة فهو محتاج إلى التوبة والاستغفار مطلقا كما ثبت في الصحيح {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يستغفر عقب الصلاة ثلاثا} . قال تعالى: ~~{والمستغفرين بالأسحار} . قاموا الليل ثم جلسوا وقت السحر يستغفرون. وقد ~~ختم الله " سورة المزمل " وفيها قيام الليل بقوله: {واستغفروا # PageV11P689 # الله إن الله غفور رحيم} كما ختم بذلك " سورة المدثر " بقوله: {هو أهل ~~التقوى وأهل ms3768 المغفرة} فهو سبحانه أهل التقوى ولم يقل سبحانه أهل للتقوى. بل ~~قال: {أهل التقوى} فهو وحده أهل أن يتقى فيعبد دون ما سواه ولا يستحق غيره ~~أن يتقى كما قال: {وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله ~~تتقون} وقال: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~وهو أهل المغفرة ولا يغفر الذنوب غيره كما قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله} وفي غير حديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت} " فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة وقد جمع الله بين التوحيد ~~والاستغفار في غير موضع كقوله سبحانه: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل ~~الإسلام من توحيد الله وعبادته وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم ~~والرسول يستغفر من ترك ما كان تاركه كما قال فيه: {ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان} وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب والمؤمن إذا تبين له أنه ضيع حق ~~قرابته أو غيره استغفر الله من ذلك وتاب وكذلك إذا تبين له أن بعض ما يفعله ~~هو مذموم. # PageV11P690 # فصل: # و " أيضا " فمما يستغفر ويتاب منه ما في النفس من الأمور التي لو قالها ~~أو فعلها عذب. قال تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فهو يغفر لمن يرجع عما في نفسه فلم ~~يتكلم به ولم يعمل: كالذي هم بالسيئة ولم يعملها وإن تركها لله كتبت له ~~حسنة. وهذا مما يستغفر منه ويتوب؛ فإن الاستغفار والتوبة من كل ما كان سببا ~~للذم والعقاب وإن كان لم يحصل العقاب ولا الذم. فإنه يفضي إليه فيتوب من ~~ذلك: أي يرجع عنه حتى لا يفضي إلى شر فيستغفر الله منه. أي يطلب منه أن ~~يغفر له فلا يشقيه به؛ فإنه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به. فالذي يهم ~~بالسيئات وإن كان لا ms3769 يكتب عليه سيئة؛ لكنه اشتغل بها عما كان ينفعه فينقص ~~بها عمن لم يفعلها واشتغل بما ينفعه عنها. وقد بسطنا في غير هذا الموضع: أن ~~فعل الإنسان وقوله - إما له وإما عليه - لا يخلو من هذا أو هذا. فهو يستغفر ~~الله ويتوب مما # PageV11P691 # عليه. وقد يظن ظنون سوء باطلة وإن لم يتكلم بها فإذا تبين له فيها استغفر ~~الله وتاب. وظلمه لنفسه يكون بترك واجب كما يكون بفعل محرم. فقوله تعالى: ~~{ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه} من عطف العام على الخاص وكذلك قوله: {والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} وقد قيل: في قوله ~~تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} قيل: الفاحشة الزنا وقيل: ~~كل كبيرة وظلم النفس المذكور معها. قيل: هو فاحشة أيضا. وقيل: هي الصغائر. ~~وهذا يوافق قول من قال: الفاحشة هي الكبيرة فيكون الكلام قد تناول الكبيرة ~~والصغيرة ومن قال: الفاحشة الزنا يقول: ظلم النفس يدخل فيه سائر المحرمات ~~وقيل: الفاحشة الزنا وظلم النفس ما دونه من اللمس والقبلة والمعانقة وقيل: ~~هذا هو الفاحشة وظلم النفس المعاصي وقيل الفاحشة فعل وظلم النفس قول. ~~والتحقيق أن " ظلم النفس " جنس عام يتناول كل ذنب وفي الصحيحين {أن أبا بكر ~~قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم} # PageV11P692 # وفي صحيح مسلم وغيره {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه: ~~اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف ~~عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت} ". وقد قال أبو البشر وزوجته: ~~{ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} . وقال ~~موسى: ms3770 {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقال ذو النون " يونس ": {لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} . وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين} . وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) وقد قال عن أهل القرى المعذبين: {وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} . وأما قوله: {اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا} فقد قيل: إن الذنوب هي الصغائر والإسراف هو الكبائر. و " التحقيق " ~~أن " الذنوب " اسم جنس و " الإسراف " تعدي الحد ومجاوزة القصد كما في لفظ ~~الإثم والعدوان فالذنوب كالإثم PageV11P693 # والإسراف كالعدوان كما في قوله: {غير باغ ولا عاد} ومجاوزة قدر الحاجة ~~فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله. فهذا كله ذنب كالذي يرضى لنفسه ~~ويغضب لنفسه فهو متبع لهواه و " الإسراف " كالذي يغضب لله فيعاقب بأكثر مما ~~أمر الله. والآية في سياق قتال المشركين وما أصابهم يوم أحد. وقد أخبر عمن ~~قبلهم بقوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} وقد قيل على الصحيح ~~المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يقتل في معركة فقد قتل أنبياء ~~كثيرون {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله ~~يحب الصابرين} {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا} الآية. فجمعوا بين الصبر والاستغفار وهذا هو المأمور به في ~~المصائب الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها. والقتال كثيرا ~~ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله كالذي يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ~~رياء. فهذا كله ذنوب والذي يقاتل لله قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل ~~ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به قال الله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا # PageV11P694 # يسرف في القتل إنه كان منصورا} وقال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما} . وقال: {وكلوا واشربوا ms3771 ولا تسرفوا} فالإسراف ~~مجاوزة الحد. هذا آخر ما كتبته هنا. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله ~~رب العالمين. # PageV11P695 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب من العمل ~~الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه ~~والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل ~~لحظة يزداد علما بالله. وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه ~~وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات ~~العالية وإعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ ~~بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من ~~المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال ~~القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت: دائرة الاستغفار بين أهل ~~التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم ~~إلى # PageV11P696 # أولهم ومن الأعلى إلى الأدنى. وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم ~~وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله ~~بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره؛ سره وعلانيته ~~وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه. والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ~~ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد ~~يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله ~~وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه ~~من المؤمنين. وقال: إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه ~~كلما قوي نور الحق وبرهانه في القلوب خفي عن المعرفة كما يبهر ضوء الشمس ~~عيون الخفافيش بالنهار. فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين ~~بنور الهدى وبراهين الإيمان أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات الفارقين ~~بين الواردات الرحمانية والشيطانية العالمين العاملين {أولئك حزب الله ألا ~~إن حزب الله ms3772 هم المفلحون} . # PageV11P697 # وقال: التوبة من أعظم الحسنات والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله ~~وموافقة أمره باتباع رسوله والاستغفار من أكبر الحسنات وبابه واسع. فمن أحس ~~بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب: فعليه بالتوحيد ~~والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص. وكذلك إذا وجد العبد ~~تقصيرا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان. فعليه بالدعاء ~~لهم والاستغفار. {قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم إن لي ~~لسانا ذربا على أهلي. فقال له: أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة} ". # PageV11P698 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله: {ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم والليلة سبعين مرة} ". هل ~~المراد ذكر الاستغفار باللفظ؟ أو أنه إذا استغفر ينوي بالقلب أن لا يعود ~~إلى الذنب؟ وهل إذا تاب من الذنب وعزم بالقلب أن لا يعود إليه وأقام مدة ثم ~~وقع فيه أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثاني؟ أو يكون مغفورا بالتوبة ~~المتقدمة؟ وهل التائب من شرب الخمر ولبس الحرير يشربه في الآخرة؟ ويلبس ~~الحرير في الآخرة؟ والتوبة النصوح ما شرطها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان فإن التائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له كما في الحديث الآخر: {لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع ~~الإصرار} " فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة وإذا تاب منها غفرت. قال ~~تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم} الآية. # PageV11P699 # وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب أيضا. ~~وإذا تاب قبل الله توبته أيضا. وقد تنازع العلماء في التائب من الكفر. إذا ~~ارتد بعد إسلامه ثم تاب بعد الردة وأسلم. هل يعود عمله الأول؟ على " قولين ~~" مبناهما أن الردة هل تحبط العمل مطلقا أو تحبطه بشرط الموت عليها. فمذهب ~~أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقا. ومذهب الشافعي أنها تحبطه بشرط الموت ~~عليها. والردة ضد التوبة وليس من السيئات ما يمحو جميع ms3773 الحسنات إلا الردة ~~وقد قال تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه {توبة نصوحا} أن يتوب ثم لا يعود فهذه التوبة الواجبة التامة. ومن تاب ~~من شرب الخمر ولبس الحرير فإنه يلبس ذلك في الآخرة كما جاء في الحديث ~~الصحيح: {من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها} " وقد ذهب بعض الناس كبعض ~~أصحاب أحمد: إلى أنه لا يشربها مطلقا وقد أخطئوا الصواب. الذي عليه جمهور ~~المسلمين. # PageV11P700 # و ### | سئل: # عن اليهودي أو النصراني إذا أسلم، هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام؟ # فأجاب: # إذا أسلم باطنا وظاهرا غفر له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع وأما ~~الذنوب التي لم يتب منها مثل: أن يكن مصرا على ذنب أو ظلم أو فاحشة ولم يتب ~~منها بالإسلام. فقد قال بعض الناس: إنه يغفر له بالإسلام. والصحيح: أنه ~~إنما يغفر له ما تاب منه. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قيل: {أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم ~~يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} و " ~~حسن الإسلام " أن يلتزم فعل ما أمر الله به وترك ما نهي عنه. وهذا معنى ~~التوبة العامة فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها. وهكذا كان إسلام ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث # PageV11P701 # الصحيح لعمرو بن العاص: {أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله} " فإن ~~اللام لتعريف العهد والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن. وقوله: " ~~{ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} " أي: إذا أصر على ما كان يعمله ~~من الذنوب فإنه يؤاخذ بالأول والآخر. وهذا موجب النصوص والعدل فإن من تاب ~~من ذنب غفر له ذلك الذنب ولم يجب أن يغفر له غيره. والمسلم تائب من الكفر ~~كما قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ms3774 فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم} وقوله: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف} أي إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر لهم ما قد سلف. فالانتهاء عن الذنب هو ~~التوبة منه. من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه. وأما من لم ينته عن ذنب ~~فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر. والله أعلم. PageV11P702 # الجزء الثاني عشر # كتاب القرآن كلام الله حقيقة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. # قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي ~~له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله ~~عليه وسلم تسليما. # PageV12P005 # قاعدة في القرآن وكلام الله # فإن الأمة اضطربت في هذا اضطرابا عظيما وتفرقوا واختلفوا بالظنون ~~والأهواء بعد مضي القرون الثلاثة لما حدثت فيهم الجهمية المشتقة من الصابئة ~~وقد قال الله تعالى: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وقال ~~تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه} والاختلاف " نوعان ": اختلاف في تنزيله واختلاف ~~في تأويله. والمختلفون الذين ذمهم الله هم المختلفون في الحق بأن ينكر ~~هؤلاء الحق الذي مع هؤلاء أو بالعكس. فإن الواجب الإيمان بجميع الحق ~~المنزل. فأما من آمن بذلك وكفر به غيره فهذا اختلاف يذم فيه أحد الصنفين ~~كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} إلى قوله: # PageV12P006 # {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من ms3775 كفر} والاختلاف في تنزيله أعظم وهو ~~الذي قصدنا هنا فنقول: " الاختلاف في تنزيله " هو بين المؤمنين والكافرين ~~فإن المؤمنين يؤمنون بما أنزل والكافرون كفروا بالكتاب وبما أرسل الله به ~~رسله فسوف يعلمون فالمؤمنون بجنس الكتاب والرسل من المسلمين واليهود ~~والنصارى والصابئين يؤمنون بذلك والكافرون بجنس الكتاب والرسل من المشركين ~~والمجوس والصابئين يكفرون بذلك. وذلك أن الله أرسل الرسل إلى الناس لتبلغهم ~~كلام الله الذي أنزله إليهم فمن آمن بالرسل آمن بما بلغوه عن الله ومن كذب ~~بالرسل كذب بذلك. فالإيمان بكلام الله داخل في الإيمان برسالة الله إلى ~~عباده والكفر بذلك هو الكفر بهذا فتدبر هذا الأصل فإنه فرقان هذا الاشتباه؛ ~~ولهذا كان من يكفر بالرسل: تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر كما ~~أنه قد يكفر برب العالمين: مثل فرعون وقومه قال الله تعالى: {أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} الآية وقال تعالى عن نوح وهود: ~~{أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} وقال {وما قدروا الله ~~حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} إلى آخر الكلام، # PageV12P007 # فإن في هذه الآيات تقرير قواعد وقال عن الوحيد: {إن هذا إلا قول البشر} . ~~ولهذا كان أصل " الإيمان " الإيمان بما أنزله. قال تعالى: {الم} {ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} إلى ~~قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وفي وسط السورة: ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم} الآية. وفي آخرها: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله} الآيتين. وفي السورة التي تليها: {الم} {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل} {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} . وذكر في أثناء السورة ~~الإيمان بما أنزل وكذلك في آخرها: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ~~أن آمنوا بربكم فآمنا} إلى ms3776 قوله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم} الآية. ولهذا عظم تقرير هذا الأصل في القرآن. ~~فتارة يفتتح به السورة إما إخبارا كقوله: {ذلك الكتاب} وقوله. {الر تلك ~~آيات الكتاب الحكيم} وقوله: {الر كتاب أحكمت آياته} الآية. وكذلك ال " طس " ~~وال " حم ". فعامة ال " الم " وال " الر " وال " طس " وال " حم " كذلك. # PageV12P008 # وإما ثناء بإنزاله كقوله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل ~~له عوجا} {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} الآية. وأما في أثناء السور ~~فكثير جدا وثنى قصة موسى مع فرعون؛ لأنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل ~~فإن فرعون في غاية الكفر والباطل حيث كفر بالربوبية وبالرسالة وموسى في ~~غاية الحق والإيمان من جهة أن الله كلمه تكليما لم يجعل الله بينه وبينه ~~واسطة من خلقه فهو مثبت لكمال الرسالة وكمال التكلم ومثبت لرب العالمين بما ~~استحقه من النعوت وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار فإن الكفار أكثرهم لا ~~يجحدون وجود الله ولم يكن أيضا للرسل من التكليم ما لموسى؛ فصارت قصة موسى ~~وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتبارا لأهل الإيمان ولأهل الكفر؛ ولهذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقص على أمته عامة ليله عن بني إسرائيل وكان ~~يتأسى بموسى في أمور كثيرة ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال هذا فرعون ~~هذه الأمة وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار؛ ولهذا كان يعبد ~~آلهة من دون الله كما أخبر الله عنه بقوله: {ويذرك وآلهتك} وإن كان عالما ~~بما جاء به موسى مستيقنا له لكنه كان جاحدا مثبورا كما أخبر الله بذلك في ~~قوله: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين} {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} الآية. وقال تعالى: # PageV12P009 # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} إلى قوله: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض بصائر} الآية. والكفار بالرسل من قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم لوط وشعيب وقوم إبراهيم وموسى ومشركي العرب والهند والروم والبربر ms3777 ~~والترك واليونان والكشدانيين وسائر الأمم المتقدمين والمستأخرين يتبعون ~~ظنونهم وأهواءهم ويعرضون عن ذكر الله الذي آتاهم من عنده كما قال لهم لما ~~أهبط آدم من الجنة {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون} {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} وفي موضع آخر: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} الآية. وفي أخرى {إما يأتينكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي} . ثم إنهم مع أنهم ما نزل الله بما هم عليه من ~~سلطان {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} يزعمون أن لهم العقل والرأي ~~والقياس العقلي والأمثال المضروبة ويسمون أنفسهم الحكماء والفلاسفة ويدعون ~~الجدل والكلام والقوة والسلطان والمال ويصفون أتباع المرسلين بأنهم سفهاء ~~وأراذل وضلال ويسخرون منهم قال الله تعالى: # PageV12P010 # {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون} وقال: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} وقال تعالى: {إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين آمنوا يضحكون} إلى قوله {وما أرسلوا عليهم حافظين} وقال ~~تعالى عن قوم نوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} وقالوا: {وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي} وقال: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا} وقال: {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} بل ~~هم يصفون الأنبياء بالجنون والسفه والضلال وغير ذلك كما قالوا عن نوح: ~~{مجنون وازدجر} وقالوا: {إنا لنراك في ضلال مبين} ولهود: {إنا لنراك في ~~سفاهة} . # فصل: # و " الإيمان بالرسل " يجب أن يكون جامعا عاما مؤتلفا لا تفريق فيه ولا ~~تبعيض ولا اختلاف؛ بأن يؤمن بجميع الرسل وبجميع ما أنزل إليهم. فمن آمن ~~ببعض الرسل وكفر ببعض أو آمن ببعض ما أنزل الله وكفر ببعض فهو كافر وهذا ~~حال من بدل وكفر من اليهود والنصارى والصابئين؛ فإن # PageV12P011 # هؤلاء في أصلهم ms3778 قد يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا؛ فأولئك لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ونحوه في المائدة. ومنهم من فرق فآمن ~~ببعض وكفر ببعض كما قال تعالى عن اليهود: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل ~~الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه} الآيات وقال تعالى: {إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا} ~~الآية. وقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل} الآيتين وقال عن المؤمنين {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} ~~وقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . وذم الذين تفرقوا ~~واختلفوا في الكتب وهم الذين يؤمنون ببعض دون بعض فيكون مع هؤلاء بعض ومع ~~هؤلاء بعض كقوله: # PageV12P012 # {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وقوله: {وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} وقوله: {وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} وقال تعالى: {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} # فصل: # التفريق والتبعيض قد يكون في القدر تارة وقد يكون في الوصف: إما في الكم ~~وإما في الكيف كما قد يكون في التنزيل تارة وفي التأويل أخرى؛ فإن الموجود ~~له حقيقة موصوفة وله مقدار محدود فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق ~~والتبعيض في قدره وقد يقع في وصفه. فالأول مثل قول اليهود: نؤمن بما أنزل ~~على موسى دون ما أنزل على عيسى ومحمد. وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح ~~دون محمد. ms3779 فمن آمن ببعض الرسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا؛ فإنه لم يؤمن ~~بجميع المنزل وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن # PageV12P013 # ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض؛ فإن البدع مشتقة من الكفر. وأما " ~~الوصف " فمثل اختلاف اليهود والنصارى في المسيح: هؤلاء قالوا إنه عبد ~~مخلوق؛ لكن جحدوا نبوته وقدحوا في نسبه وهؤلاء أقروا بنبوته ورسالته؛ ولكن ~~قالوا هو الله فاختلف الطائفتان في وصفه وصفته كل طائفة بحق وباطل. ومثل " ~~الصابئة الفلاسفة " الذين يصفون إنزال الله على رسله بوصف بعضه حق وبعضه ~~باطل؛ مثل أن يقولوا: إن الرسل تجب طاعتهم ويجوز أن يسمى ما أتوا به كلام ~~الله؛ لكنه إنما أنزل على قلوبهم من الروح الذي هو العقل الفعال في السماء ~~الدنيا لا من عند الله وهكذا ما ينزل على قلوب غيرهم هو أيضا كذلك وليس ~~بكلام الله في الحقيقة وإنما هذا في الحقيقة كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنه سمي كلام الله مجازا. فهؤلاء أيضا مبعضين مفرقين؛ حيث صدقوا ببعض صفات ~~ما أنزل الله وبعض صفات رسله دون بعض وربما كان ما كفروا به من الصفات أكثر ~~مما آمنوا به كما أن ما كفر به اليهود من الكتاب أكثر وأعظم مما آمنوا به؛ ~~لكن هؤلاء أكفر من اليهود من وجه وإن كان اليهود أكفر منهم من وجه آخر. # PageV12P014 # فإن من كان من هؤلاء يهوديا أو نصرانيا فهو كافر من الجهتين ومن كان منهم ~~لا يوجب اتباع خاتم الرسل بل يجوز التدين باليهودية والنصرانية فهو أيضا ~~كافر من الجهتين فقد يكون أحدهم أكفر من اليهود والنصارى الكافرين بمحمد ~~والقرآن وقد يكون اليهود والنصارى أكفر ممن آمن منهم بأكثر صفات ما بعث ~~الله به محمدا صلى الله عليه وسلم لكنهم في الأصل أكفر من جنس اليهود ~~والنصارى فإن أولئك مقرون في الأصل بكمال الرسالة والنبوة وهؤلاء ليسوا ~~مقرين بكمال الرسالة والنبوة. كما أن من كان قديما مؤمنا من اليهود ~~والنصارى صالحا فهو أفضل ممن كان منهم مؤمنا ms3780 صالحا وكذلك من كان من ~~المنتسبين إلى الإسلام مؤمنا ببعض صفات القرآن وكلام الله وتنزيله على رسله ~~وصفات رسله دون بعض فنسبته إلى هؤلاء كنسبة من آمن ببعض نصوص الكتاب والسنة ~~دون بعض إلى اليهود والنصارى. ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه ~~الأمة حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض وإما ببعض صفات ~~التكليم والرسالة والنبوة دون بعض وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل. # PageV12P015 # فصل: # والسبب الذي أوقع هؤلاء في الكفر ببعض ما أنزله هو من جنس ما أوقع ~~الأولين في الكفر بجميع ما أنزل الله في كثير من المواضع فإن من تأمل وجد ~~شبه اليهود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين في الكفر بما أنزل الله على ~~محمد صلى الله عليه وسلم هي من جنس شبه المشركين والمجوس ومن معهم من ~~الصابئين في الكفر بجنس الكتاب وبما أنزل الله على رسله في كثير من ~~المواضع؛ فإنهم يعترضون على آياته وعلى الكتاب الذي أنزل معه وعلى الشريعة ~~التي بعث بها وعلى سيرته بنحو مما اعترض به على سائر الرسل: مثل موسى وعيسى ~~كما قال الله تعالى في جميعهم: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد} {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل ~~أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} إلى قوله: {كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب} {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} وفي الآية الأخرى: {إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه فاستعذ بالله} إلى قوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون} {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} ~~. # PageV12P016 # هذا مع أن السلطان الذي أيد الله به رسوله من أنواع الحجج المعجزات ~~وأنواع القدر الباهرات أعظم مما أيد به غيره ونبوته هي التي طبق نورها ~~مشارق الأرض ومغاربها وبه ثبتت نبوات من تقدمه وتبين الحق من الباطل وإلا ms3781 ~~فلولا رسالته لكان الناس في ظلمات بعضها فوق بعض وأمر مريج يؤفك عنه من ~~أفك: الكتابيون منهم والأميون؛ ولهذا لما كان ما يقال له إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبله: أمره الله سبحانه باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به. ~~وهذا من بعض حكمة إقرارهم بالجزية كقوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} وقوله: {كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب} وقوله: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم} وفي الآية الأخرى: {وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} {وما جعلناهم جسدا ~~لا يأكلون الطعام} الآية. ومثل قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} . وجماع شبه هؤلاء الكفار: أنهم ~~قاسوا الرسول على من فرق الله بينه وبينه وكفروا بفضل الله الذي اختص به ~~رسله فأتوا # PageV12P017 # من جهة القياس الفاسد. ولا بد في القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه ~~به: مثل جنس الوحي والتنزيل؛ فإن الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون ~~إليهم كقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} وقال سبحانه: ~~{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} {يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون} . وقال تعالى: في ال " طس " وقد افتتح كلا منهن بقصة موسى ~~وتكليم الله إياه وإرساله إلى فرعون فإنها أعظم القصص كما قدمناه فقال في ~~سورة الشعراء المحتوية على قصص المرسلين واحدا بعد واحد وهي " سبع ": قصة ~~موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ثم قال عن القرآن: {وإنه لتنزيل ~~رب العالمين} . {نزل به الروح الأمين} إلى قوله: {وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون} فذكر الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ~~ونحوهم وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع والشاعر أيضا ~~يأتي بكلام منظوم ms3782 يحرك به النفوس فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان ويعين ~~الشيطان بكذبه وفجوره. والشاعر مادته من نفسه وربما أعانه الشيطان. فأخبر ~~أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها وهو: الكاذب في قوله الفاجر في عمله؛ ~~بخلاف الصادق البر وأن الشعراء إنما يحركون # PageV12P018 # النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون وهم الذين يتبعون الأهواء وشهوات ~~الغي فنفى كلا منهما بانتفاء لازمه وبين ما يجتمع فيه شياطين الإنس والجن. # فصل: # إذا تبين هذا الأصل ظهر به اشتقاق البدع من الكفر فنقول: كما أن الذين ~~أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما ~~أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله وكان اليهود والنصارى صاروا كفارا ~~من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد فكذلك ~~الصابئة صاروا كفارا من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن جهة كفرهم بما أنزل ~~الله على محمد وإن كانوا منافقين كما قد ينافق اليهودي والنصراني. وهؤلاء ~~هم المستأخرون من اليهود والنصارى والصابئين. وذلك أن متأخري الصابئين لم ~~يؤمنوا أن لله كلاما أو يتكلم ويقول أو أنه ينزل من عنده كلاما وذكرا على ~~أحد من البشر أو أنه يكلم أحدا من البشر؛ بل عندهم لا يوصف الله بصفة ~~ثبوتية لا يقولون: إن له علما ولا محبة ولا رحمة وينكرون أن يكون # PageV12P019 # الله اتخذ إبراهيم خليلا أو كلم موسى تكليما وإنما يوصف عندهم بالسلب ~~والنفي مثل قولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا داخل العالم ولا خارجه أو ~~بإضافة مثل كونه مبدأ للعالم أو العلة الأولى، أو بصفة مركبة من السلب ~~والإضافة؛ مثل كونه عاقلا ومعقولا وعقلا. وعندهم أن الله لا يخص موسى ~~بالتكليم دون غيره ولا يخص محمدا بإرسال دون غيره فإنهم لا يثبتون له علما ~~مفصلا للمعلومات فضلا عن إرادة تفصيلية؛ بل يثبتون - إذا أثبتوا - له علما ~~جمليا كليا وغاية جملية كلية ومن أثبت النبوة منهم قال: إنها فيض تفيض على ~~نفس النبي من جنس ما يفيض على سائر ms3783 النفوس؛ لكن استعداد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أكمل بحيث يعلم ما لا يعلمه غيره ويسمع ما لا يسمع غيره ويبصر ما ~~لا يبصر غيره وتقدر نفسه على ما لا تقدر عليه نفس غيره. والكلام الذي تقوله ~~الأنبياء هو كلامهم وقولهم وهؤلاء الذين يقولون عن القرآن {إن هذا إلا قول ~~البشر} فإن " الوحيد " الذي هو الوليد بن المغيرة كان من جنسهم؛ كان من ~~المشركين الذين هم صابئون أيضا فإن الصابئين كأهل الكتاب تارة يجعلهم الله ~~قسما من المشركين وتارة يجعلهم الله قسيما لهم كما قال تعالى: {لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} # PageV12P020 # {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم} . وكذلك لما ذكر ~~الملل الست في الحج فقال: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية وقال تعالى ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الآية وهذا بعد قوله: {وقالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} إلى قوله: {ولو كره ~~الكافرون} . وقال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} فإذا ~~كان اليهود والنصارى قد يكونون مشركين فالصابئون أولى وذلك بعد تبديلهم ~~فحيث وصفوا بالشرك فبعد التبديل وحيث جعلوا غير مشركين فلأن أصل دينهم ~~الصحيح ليس فيه شرك فالشرك مبتدع عندهم؛ فينبغي التفطن لهذه المعاني. وكان ~~الوحيد من ذوي الرأي والقياس والتدبير من العرب وهو معدود من حكمائهم ~~وفلاسفتهم. ولهذا أخبر الله عنه بمثل حال المتفلسفة في قوله: {إنه فكر ~~وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر ~~واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} . # PageV12P021 # ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوكون؛ فإنه بهرهم نور النبوة ~~ولم تقع على أصولهم الفاسدة فصاروا على " أنحاء ": منهم من لا يؤمن بكثير ~~مما تقوله الأنبياء والمرسلون؛ بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يكذب به ومنهم من ~~يقول: يجوز الكذب لمصلحة راجحة والأنبياء فعلوا ذلك ومنهم من يقول: يجوز ~~هذا لصالح العامة ms3784 دون الخاصة وأمثلهم من يقول: بل هذه تخيلات وأمثلة مضروبة ~~لتقريب الحقائق إلى قلوب العامة وهذه طريقة الفارابي وابن سينا؛ لكن ابن ~~سينا أقرب إلى الإيمان من بعض الوجوه وإن لم يكن مؤمنا. فمن أدركته رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبهرته براهينها وأنوارها ورأى ما فيها من أصناف ~~العلوم النافعة والأعمال الصالحة - حتى قال ابن سينا: اتفق فلاسفة العالم ~~على أنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس - فلا بد أن يتأول نصوص ~~الكتاب والسنة على عادة إخوانه في تحريف الكلم عن مواضعه فيحرفون ما أخبرت ~~به الرسل عن كلام الله؛ تحريفا يصيرون به كفارا ببعض تأويل الكتاب في بعض ~~صفات تنزيله. فلما رأوا أن الرسل سمت هذا الكلام كلام الله وأخبرت أنه نزلت ~~به ملائكة الله مثل الروح الأمين جبريل أطلقت هذه # PageV12P022 # العبارة في الظاهر وكفرت بمعناها في الباطن وردوها إلى أصلهم أصل ~~الصابئين وصاروا منافقين في المسلمين وفي غيرهم من أهل الملل. فيقولون: هذا ~~القرآن كلام الله وهذا الذي جاءت به الرسل كلام الله ولكن المعنى أنه فاض ~~على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من العقل الفعال وربما قالوا إن العقل هو ~~جبريل الذي ليس على الغيب بضنين أي بخيل؛ لأنه فياض. ويقولون إن الله كلم ~~موسى من سماء عقله وإن أهل الرياضة والصفا يصلون إلى أن يسمعوا ما سمعه ~~موسى كما سمعه موسى. وقد ضل بكلامه كثير من المشهورين مثل أبي حامد الغزالي ~~ذكر هذا المعنى في بعض كتبه وصنفوا " رسائل إخوان الصفا " وغيرها وجمعوا ~~فيها على زعمهم بين مقالات الصابئة المتأخرين التي هي الفلسفة المبتدعة ~~وبين ما جاءت به الرسل عن الله فأتوا بما زعموا أنه معقول ولا دليل على ~~كثير منه وربما ذكروا أنه منقول. وفيه من الكذب والتحريف أمر عظيم وإنما ~~يضلون به كثيرا بما فيه من الأمور الطبيعية والرياضية التي لا تعلق لها ~~بأمر النبوات والرسالة لا بنفي ولا بإثبات ولكن ينتفع بها في مصالح الدنيا: ~~كالصناعات من الحراثة والحياكة ms3785 والبناية والخياطة ونحو ذلك. # PageV12P023 # فإذا عرف أن حقيقة قول هؤلاء المشركية الصابئة أن القرآن قول البشر كغيره ~~لكنه أفضل من غيره كما أن بعض البشر أفضل من بعض وأنه فاض على نفس النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المحل الأعلى كما تفيض سائر العلوم والمعارف على ~~نفوس أهلها فاعلم أن هذا القول كثر في كثير من المتأخرين المظهرين للإسلام ~~وهم منافقون وزنادقة وإن ادعوا كمال المعارف من المتفلسفة والمتكلمة ~~والمتصوفة والمتفقهين حتى يقول أحدهم - كالتلمساني - كلامنا يوصل إلى الله ~~والقرآن يوصل إلى الجنة. وقد يقول بعضهم - كابن عربي - إن الولي يأخذ من ~~حيث ما يأخذ الملك الذي يوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول كثير ~~منهم إن القرآن للعامة وكلامنا للخاصة. فهؤلاء جعلوا القرآن عضين وضربوا له ~~الأمثال؛ مثل ما فعل المشركون قبلهم كما فعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~فإن هؤلاء منهم من يفضل الولي الكامل والفيلسوف الكامل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه أو بعض الفلاسفة: - مثل ~~نفسه أو شيخه أو متبوعه - على النبي صلى الله عليه وسلم. وربما قالوا هو ~~أفضل من وجه والنبي أفضل من وجه فلهم من الإلحاد والافتراء في رسل الله ~~نظير ما لهم من الإلحاد والافتراء في رسالات الله فيقيسون الكلام الذي ~~بلغته الرسل عن الله بكلامهم ويقيسون رسل الله بأنفسهم. وقد بين الله حال ~~هؤلاء في مثل قوله: {وما قدروا # PageV12P024 # الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} إلى أن قال: {ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله} فذكر الله إنزال الكتابين الذين لم ينزل من عند ~~الله كتاب أهدى منهما - التوراة والقرآن - كما جمع بينهما في قوله: {قالوا ~~سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون} {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين} وكذلك الجن لما استمعت القرآن {قالوا يا ms3786 قومنا ~~إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} الآية. وقال تعالى: {قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن} ولهذا قال ~~النجاشي لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. ~~ثم ذكر تعالى حال الكذاب والمتنبئ. فقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} ~~فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله وبين من يزعم أنه يوحى إليه ~~ولا يعين من أوحاه فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين. ويدخل في ~~" القسم الثاني " من يري عينيه في المنام ما لا تريا # PageV12P025 # ومن يقول: ألقي في قلبي وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبا. ويدخل في " القسم ~~الأول " من يقول: قال الله لي أو أمرني الله أو وافقني أو قال لي ونحو ذلك؛ ~~بخيالات أو إلهامات يجدها في نفسه ولا يعلم أنها من عند الله بل قد يعلم ~~أنها من الشيطان مثل مسيلمة الكذاب ونحوه. ثم قال تعالى: {ومن قال سأنزل ~~مثل ما أنزل الله} فهذه حال من زعم أن البشر يمكنهم أن يأتوا بمثل كلام ~~الله أو أن هذا الكلام كلام البشر بفضيلة وقوة من صاحبه فإذا اجتهد المرء ~~أمكن أن يأتي بمثله. وهذا يعم من قال إنه يمكن معارضة القرآن كابن أبي سرح ~~في حال ردته وطائفة متفرقين من الناس ويعم المتفلسفة الصابئة المنافقين ~~والكافرين؛ ممن يزعم أن رسالة الأنبياء كلام فاض عليهم قد يفيض على غيرهم ~~مثله فيكون قد أنزل مثل ما أنزل الله في دعوى الرسل؛ لأن القائل سأنزل مثل ~~ما أنزل الله قد يقوله غير معتقد أن الله أنزل شيئا؛ وقد يقوله معتقدا أن ~~الله أنزل شيئا. # فصل: # ولهذا كان أول من أظهر إنكار التكليم والمخالة الجعد بن درهم " في أوائل ~~المائة الثانية وأمر علماء الإسلام - كالحسن البصري وغيره - # PageV12P026 # بقتله؛ فضحى به خالد بن ms3787 عبد الله القسري أمير العراق بواسط. فقال أيها ~~الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم ~~يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا. ثم نزل فذبحه. وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان فأنكر أن يكون الله ~~يتكلم ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام وقال: كلامه يخلق في محل كالهواء ~~وورق الشجر. ودخل بعض أهل الكلام والجدل من المنتسبين إلى الإسلام من ~~المعتزلة ونحوهم إلى بعض مقالة الصائبة والمشركين متابعة للجعد والجهم. ~~وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في " الخلق " على قولين: منهم من يقول إن السموات ~~مخلوقة بعد أن لم تكن كما أخبرت بذلك الرسل وكتب الله تعالى ومنهم من ابتدع ~~فقال: بل هي قديمة أزلية لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود بنفسه ~~ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية ولهم مقالات كثيرة الاضطراب في الخلق ~~والبعث والمبدأ والمعاد؛ لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل الله تعالى فيجمعهم ~~والظنون لا تجمع الناس في مثل هذه الأمور التي تعجز الآراء عن إدراك ~~حقائقها إلا بوحي من الله تعالى. وهم إنما يناظر بعضهم بعضا بالقياس ~~المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية السفلية وقوى الطبائع الموجودة في ~~التراب والماء والهواء # PageV12P027 # والحيوان والمعدن والنبات ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة ~~الله وعلم ما فوق السموات وأول الأمر وآخره؛ وهذا غلط بين اعترف به ~~أساطينهم بأن هذا غير ممكن وأنهم لا سبيل لهم إلى إدراك اليقين وأنهم إن ~~يتبعون إلا الظن. فلما كان هذا حال هذه الصابئة المبتدعة الضالة ومن أضلوه ~~من اليهود والنصارى وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهد بهدى الله الذي بعث ~~به رسله من أهل الكلام والجدل صاروا يريدون أن يأخذوا مأخذهم كما أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال: ومن الناس إلا فارس ~~والروم} فاحتجوا على حدوث العالم بنحو من مسالك هذه ms3788 الصابئة وهو الكلام في ~~الأجسام والأعراض بأن تثبت الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام ثم حدوثها ثم ~~يقال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في ~~إثبات حدوث العالم فلما رأوا أن الأعراض - التي هي الصفات - تدل عندهم على ~~حدوث الموصوف الحامل للأعراض التزموا نفيها عن الله؛ لأن ثبوتها مستلزم ~~حدوثه. وبطلان دليل حدوث العالم - الذي اعتقدوا أن لا دليل سواه بل ربما ~~اعتقدوا أنه لا يصح إيمان أحد إلا به - معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. # PageV12P028 # وهؤلاء يخالفون " الصابئة الفلاسفة " الذين يقولون بقدم العالم وبأن ~~النبوة كمال تفيض على نفس النبي؛ لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا وأتبع ~~للأدلة العقلية والسمعية لما تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن وإن ~~كانوا قد ضلوا في كثير مما جاءت به الرسل؛ لكن هم خير من أولئك من وجوه ~~أخرى وافقوا فيها أهل السنة فوافقوا أولئك على أن الله لم يتكلم كما ~~وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا صفة من الصفات ورأوا أن إثباته ~~متكلما يقتضي أن يكون جسما والجسم حادث؛ لأنه من الصفات الدالة على حدوث ~~الموصوف بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من غيره؛ بل الله يفتقر من ~~الخارج إلى ما لا يفتقر إليه غيره؛ ولأن فيه من الترتيب والتقديم والتأخير ~~ما ليس في غيره ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه متكلم والقرآن مملوء ~~بإثبات ذلك صاروا تارة يقولون متكلم مجازا لا حقيقة وهذا قولهم الأول لما ~~كانوا في بدعتهم على الفطرة قبل أن يدخلوا في المعاندة والجحود. ثم إنهم ~~رأوا أن هذا شنيعا فقالوا بل هو متكلم حقيقة وربما حكى بعض متكلميهم ~~الإجماع وليس عندهم كذلك بل حقيقة قولهم وأصله عند من عرفه وابتدعه أن الله ~~ليس بمتكلم وقالوا المتكلم من فعل الكلام ولو في محل منفصل عنه ففسروا ~~المتكلم في اللغة # PageV12P029 # بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم؛ لا حقيقة ولا مجازا؛ وهذا قول من ~~يقول إن القرآن مخلوق ms3789 وهو أحد قولي الصابئة الذين يوافقون الرسل في حدوث ~~العالم وهو وإن كان كفرا بما جاءت به الرسل فليس هو في الكفر مثل القول ~~الأول؛ لأن هؤلاء لا يقولون إن الله أراد أن يبعث رسولا معينا وأن ينزل ~~عليه هذا الكلام الذي خلقه وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه ~~الكتب الإلهية واتفقت عليه أهل الفطرة السليمة. ونشأ بين هؤلاء الذين هم ~~فروع الصابئة وبين المؤمنين أتباع الرسل الخلاف فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به ~~الرسل من وصف الله بالكلام والتكليم واختلفوا في كتاب الله فآمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض. واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ربهم من أن الله تكلم ~~بالقرآن وأنه كلم موسى تكليما وأنه يتكلم ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه كما ~~فعل الأولون؛ بل ردوا تحريف أولئك ببصائر الإيمان الذي علموا به مراد الرسل ~~من إخبارهم برسالة الله وكلامه واتبعوا هذا القرآن والحديث وإجماع السلف من ~~الصحابة والتابعين وسائر أتباع الأنبياء وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول ~~اليهود والنصارى حتى كان ابن المبارك - إمام المسلمين - يقول: إنا لنحكي ~~كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. # PageV12P030 # وكان قد كثر ظهور هؤلاء الذين هم فروع المشركين ومن اتبعهم من مبدلة ~~الصابئين ثم مبدلة اليهود والنصارى في أوائل المائة الثانية وأوائل الثالثة ~~في إمارة أبي العباس الملقب " بالمأمون " بسبب تعريب كتب الروم المشركين ~~الصابئين؛ الذين كانوا قبل النصارى ومن أشبههم من فارس والهند وظهرت علوم ~~الصابئين المنجمين ونحوهم. وقد تقدم أن أهل الكلام المبتدع في الإسلام هم ~~من فروع الصابئين كما يقال: المعتزلة مخانيث الفلاسفة. فظهرت هذه المقالة ~~في أهل العلم والكلام وفي أهل السيف والإمارة وصار في أهلها من الخلفاء ~~والأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات ~~والمسلمين والمسلمات الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم ولم يبدلوا ولم ~~يبتدعوا وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول ~~واتباعه وإلا فلو كان ذلك كثيرا فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة ms3790 لما يخالف ~~دين الإسلام من التمكن منهم. # فصل: # فجاء قوم من متكلمي الصفاتية الذين نصروا أن الله له علم وقدرة وبصر ~~وحياة بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية وفرقوا بين الصفات ~~القائمة بالجواهر فجعلوها أعراضا وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها ~~أعراضا؛ لأن العرض ما لا يدوم ولا يبقى أو ما يقوم بمتحيز أو # PageV12P031 # جسم فصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام. ~~وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة ~~الصابئة في كثير من أمورهم وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي ~~عليها كالصفات السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام. ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية أو ~~الصفات النبوية الخبرية السمعية ولهم اختلاف في البقاء والقدم وفي الإدراك ~~الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات ولهم أيضا اختلاف في الصفات ~~السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها ~~وكثير من متأخريهم لا يثبتها وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا ~~يثبتها. ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس ~~العقلي عنده ومنهم من يفوض معناها - وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس ~~فيما يتعلق بسائر الصفات. وإنما المقصود القول في " رسالة الله وكلامه " ~~الذي بلغته رسله فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما ~~سلكوه من الطرق الصابئة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته؛ فصار في مذهبهم في ~~الرسالة تركيب من الوراثتين لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع ~~الصابئة كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع: كالمعتزلة تركيب وليس ~~بين الأثارة النبوية وبين الأثارة الصابئة؛ # PageV12P032 # لكن أولئك أشد اتباعا للأثارة النبوية وأقرب إلى مذهب أهل السنة من ~~المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة. ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من ~~أهل الفقه والحديث والتصوف؛ لوجوه: " أحدها " كثرة الحق الذي يقولونه وظهور ~~الأثارة النبوية عندهم. " الثاني " لبسهم ذلك بمقاييس عقلية بعضها موروث عن ~~الصابئة وبعضها مما ابتدع في الإسلام واستيلاء ms3791 ما في ذلك من الشبهات عليهم ~~وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على ~~هذا الوجه. " الثالث " ضعف الأثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات والموضحة ~~لسبيل الهدى عندهم. " الرابع " العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى ~~السنة والحديث: تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين ~~لا يعلمون الكتاب إلا أماني ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق ~~الأمور. # PageV12P033 # فلما كان هذا " منهاجهم " وقالوا: إن القرآن غير مخلوق لما دل على ذلك من ~~النصوص وإجماع السلف ولما رأوا أنه مستقيم على الأصل الذي قرروه في الصفات ~~ورأوا أن التوفيق بين النصوص النبوية السمعية وبين القياس العقلي لا يستقيم ~~إلا أن يجعلوا القرآن معنى قائما بنفس الله تعالى - كسائر الصفات كما جعله ~~الأولون من باب المصنوعات المخلوقات لا قديما كسائر الصفات - ورأوا أنه ليس ~~إلا مخلوقا أو قديما فإن إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضي حلول الحوادث ~~بذاته وهو دليل على حدوث الموصوف ومبطل لدلالة حدوث العالم. ثم رأوا أنه لا ~~يجوز أن يكون معاني كثيرة؛ بل إما معنى واحدا عند طائفة أو معاني أربعة عند ~~طائفة والتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم بالنفس وأن ~~الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام؛ بل دالة عليه فتسمى باسمه؛ إما ~~مجازا عند طائفة أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة وإما مجازا في كلام ~~الله حقيقة في غيره عند طائفة. وخالفهم الأولون وبعض من يتسنن أيضا وقالوا: ~~لا حقيقة للكلام إلا الحروف والأصوات وليس وراء ذلك معنى إلا العلم ونوعه ~~أو الإرادة ونوعها فصار النزاع بين الطائفتين. # PageV12P034 # وأورد على هؤلاء أن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام إضافية ليست أنواعا ~~له وأقساما وأن كلام الله معنى واحد: إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن ~~وبالعبرية فهو توراة وبالسريانية فهو إنجيل. وقال لهم أكثر الناس هذا معلوم ~~الفساد بالضرورة كما قال الأولون إنه خلق الكلام في الهواء فصار متكلما به ~~وإن المتكلم من أحدث الكلام ولو في ذات غير ms3792 ذاته؛ وقال لهم أكثر الناس: إن ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة. وقال الجمهور من جميع الطوائف: إن الكلام اسم ~~للفظ والمعنى جميعا كما أن الإنسان المتكلم اسم للروح والجسم جميعا وأنه ~~إذا أطلق على أحدهما فبقرينة وأن معاني الكلام متنوعة ليست منحصرة في العلم ~~والإرادة كتنوع ألفاظه وإن كانت المعاني أقرب إلى الاتحاد والاجتماع ~~والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرق. والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة وإن ~~لم يكن عندهم الذي هو كلام الله مخلوقا وفرقوا بين كتاب الله وكلامه. ~~فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق وكلام الله هو معناها غير مخلوق. ~~وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون إنه مخلوق واختلف ~~هؤلاء أين خلقت هذه الحروف؟ هل خلقت في الهواء؟ أو في نفس جبرائيل؟ أو أن ~~جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد؟ # PageV12P035 # وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما ~~جاء عنهم من الكتب والأثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا لم ~~يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين وهو أن القرآن كلام الله لا يجعلون ~~بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله والقرآن هو القرآن - الذي يعلم ~~المسلمون إنه القرآن - حروفه ومعانيه والأمر والنهي هو اللفظ والمعنى ~~جميعا. ولهذا كان الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف: الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية - إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء - ~~إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا ذلك وخالفوا من قال إن الأمر هو المعنى ~~المجرد ويعلم أهل الأثارة النبوية - أهل السنة والحديث عامة المسلمين الذين ~~هم جماهير أهل القبلة - أن قوله تعالى {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه} ونحو ~~ذلك هو كلام الله لا كلام غيره وكلام الله هو ما تكلم به لا ما خلقه في ~~غيره ولم يتكلم به. # PageV12P036 # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن رجلين تجادلا في " الأحرف التي أنزلها الله على آدم " فقال أحدهما ~~إنها قديمة ليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. فقال الآخر ليست بكلام الله ~~وهي مخلوقة ms3793 بشكلها ونقطها والقديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل ~~غير مخلوق ولكنه كتب بها. وسألا أيهما أصوب قولا وأصح اعتقادا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل هذه المسألة هو معرفة " كلام الله تعالى ". ~~ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة وهو الذي يوافق ~~الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس ذلك # PageV12P037 # مخلوقا منفصلا عنه وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته فكلامه قائم بذاته ~~ليس مخلوقا بائنا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته لم يقل أحد من سلف الأمة إن ~~كلام الله مخلوق بائن عنه ولا قال أحد منهم إن القرآن أو التوراة أو ~~الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته ولا ~~قالوا إن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية بل قالوا لم ~~يزل الله متكلما إذا شاء فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء. ~~وكلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} والله سبحانه ~~تكلم بالقرآن العربي وبالتوراة العبرية. فالقرآن العربي كلام الله كما قال ~~تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} إلى قوله: {لسان ~~عربي مبين} فقد بين سبحانه أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله روح ~~القدس وهو جبريل - وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر - من الله ~~بالحق وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال: {إنما يعلمه بشر} كما قال بعض ~~المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمي فقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} ~~أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي {وهذا لسان عربي مبين} . # PageV12P038 # ففي هذا ما يدل على أن الآيات التي هي لسان عربي مبين نزلها روح القدس من ~~الله بالحق ms3794 كما قال في الآية الأخرى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين} والكتاب الذي أنزل مفصلا هو القرآن العربي باتفاق ~~الناس وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق ~~والعلم لا يكون إلا حقا فقال: يعلمون ولم يقل يقولون فإن العلم لا يكون إلا ~~حقا بخلاف القول. وذكر علمهم ذكر مستشهد به. وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى ~~غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح} إلى قوله: {حجة بعد الرسل} فرق سبحانه بين تكليمه لموسى وبين إيحائه ~~لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض} إلى قوله: {بروح القدس} وقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا} إلى آخر السورة. فقد بين سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا ~~على أحد الأوجه الثلاثة: إما وحيا وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء؛ فجعل الوحي غير التكليم والتكليم من وراء حجاب كان ~~لموسى. # PageV12P039 # وقد أخبر في غير موضع أنه ناداه كما قال: {وناديناه من جانب الطور} ~~الآية. وقال: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} الآية. و " النداء " ~~باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا صوتا مسموعا فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين ~~وجمهورهم. وأهل الكتاب يقولون: إن موسى ناداه ربه نداء سمعه بأذنه وناداه ~~بصوت سمعه موسى والصوت لا يكون إلا كلاما والكلام لا يكون إلا حروفا منظومة ~~وقد قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقال: {حم} {تنزيل من ~~الرحمن الرحيم} وقال: {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} فقد بين ~~في غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من الله. وهذا معنى قول السلف: ~~منه بدأ قال أحمد بن حنبل رحمه الله منه بدأ أي هو المتكلم به فإن الذين ~~قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه في ms3795 غيره فبدا من ذلك المخلوق فقال السلف: منه ~~بدأ أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره فيكون كلاما لذلك المحل الذي خلقه ~~فيه فإن الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات في محل كانت الصفة صفة لذلك ~~المحل ولم تكن صفة لرب العالمين فإذا خلق طعما أو لونا في محل كان ذلك ~~المحل هو المتحرك المتلون به وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علما ~~أو كلاما في محل كان ذلك المحل هو المريد # PageV12P040 # القادر العالم المتكلم بذلك الكلام ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ذلك ~~المحل صفة لرب العالمين وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات لا ~~بما يخلقه في غيره من المخلوقات فهو الحي العليم القدير السميع البصير ~~الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم ~~به لا بما يخلقه في غيره من هذه المعاني. ومن جعل كلامه مخلوقا لزمه أن ~~يقول المخلوق هو القائل لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري} وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاما إلا لرب العالمين وإذا ~~كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها ~~المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقا؛ بل كان ذلك كلاما لرب ~~العالمين. وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل: إن فلانا يقول لما خلق الله الأحرف ~~سجدت له إلا الألف فقالت: لا أسجد حتى أؤمر فقال: هذا كفر. فأنكر على من ~~قال إن الحروف مخلوقة؛ لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقا لزم أن يكون القرآن ~~العربي والتوراة العبرية وغير ذلك مخلوقا وهذا باطل مخالف لقول السلف ~~والأئمة مخالف للأدلة العقلية والسمعية كما قد بسط في غير هذا الموضع. # PageV12P041 # والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعا كثيرا. والطوائف الكبار نحو ست فرق ~~فأبعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة إن كلام الله إنما ~~هو ما يفيض على النفوس: إما من العقل الفعال وإما من غيره وهؤلاء ms3796 يقولون: ~~إنما كلم الله موسى من سماء عقله أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج. ~~وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية وأن الله لم يخلقها بمشيئته وقدرته ~~في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء بل يقولون: إن الله لا يعلم الجزئيات ~~فلما جاءت الأنبياء بما جاءوا به من الأمور الباهرة جعلوا يتأولون ذلك ~~تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويريدون أن يجمعوا بينها وبين أقوال ~~سلفهم الملاحدة فقالوا مثل ذلك. وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى وهم كثيرو ~~التناقض كقولهم إن الصفة هي الموصوف وهذه الصفة هي الأخرى فيقولون: هو عقل ~~وعاقل ومعقول ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق. وقد يعبرون عن ذلك بأنه ~~حي عالم معلوم محب محبوب ويقولون نفس العلم هو نفس المحبة وهو نفس القدرة. ~~ونفس العلم هو نفس العالم ونفس المحبة هي نفس المحبوب. ويقولون إنه علة ~~تامة في الأزل؛ فيجب أن يقارنها معلولها في # PageV12P042 # الأزل في الزمن وإن كان متقدما عليها بالعلة لا بالزمان. ويقولون إن ~~العلة التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان فلا يوجد معلول إلا ~~بعلة تامة ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان. ثم يعترفون بأن ~~حوادث العالم حدثت شيئا بعد شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب ~~أن يصير علة للحوادث المتعاقبة؛ بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث ~~وكذلك عدمت بعد حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم. وهؤلاء قابلهم ~~طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره وأن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح والحوادث لها ابتداء وقد حدثت ~~بعد أن لم تكن بدون سبب حادث. ولم يهتد الفريقان للقول الوسط وهو أن المؤثر ~~التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع التأثير ولا متراخيا عنه ~~كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} فهو سبحانه ~~يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا مع تكوينه في الزمان ms3797 ولا متراخيا عن ~~تكوينه كما يكون الانكسار عقب الكسر والانقطاع عقب القطع ووقوع الطلاق عقب ~~التطليق لا متراخيا عنه ولا مقارنا له في الزمان. والقائلون بالتراخي ظنوا ~~امتناع حوادث لا تتناهى فلزمهم أن # PageV12P043 # الرب لا يمكنه فعل ذلك فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلما ~~بمشيئته ويمتنع أن يكون لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته. فافترقوا ~~بعد ذلك منهم من قال: كلامه لا يكون إلا حادثا؛ لأن الكلام لا يكون إلا ~~مقدورا مرادا وما كان كذلك لا يكون إلا حادثا وما كان حادثا كان مخلوقا ~~منفصلا عنه؛ لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها في ظنهم. ومنهم من قال: بل ~~كلامه لا يكون إلا قائما به وما كان قائما به لم يكن متعلقا بمشيئته ~~وإرادته بل لا يكون إلا قديم العين؛ لأنه لو كان مقدورا مرادا لكان حادثا ~~فكانت الحوادث تقوم به ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل منها وما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها. ومنهم من قال: بل هو متكلم ~~بمشيئته وقدرته لكنه يمتنع أن يكون متكلما في الأزل أو أنه لم يزل متكلما ~~بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم وجود حوادث لا أول لها وذلك ممتنع. قالت " ~~هذه الطوائف ": ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم؛ فاستدللنا على حدوث ~~الأجسام بأنها لا تخلوا من الحوادث ولا تسبقها وما لم يسبق الحوادث فهو ~~حادث. ثم من هؤلاء من ظن أن هذه # PageV12P044 # قضية ضرورية ولم يتفطن لإجمالها. ومنهم من تفطن للفرق بين ما لم يسبق ~~الحوادث المحصورة المحدودة وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة. شيئا بعد شيء. ~~أما الأول فهو حادث بالضرورة؛ لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها ~~يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث. وأما جنس الحوادث شيئا بعد شيء فهذا شيء ~~تنازع فيه الناس فقيل إن ذلك ممتنع في الماضي والمستقبل كقول الجهم وأبي ~~الهذيل. فقال الجهم: بفناء الجنة والنار. وقال أبو الهذيل: بفناء حركات ~~أهلهما وقيل: بل هو جائز في ms3798 المستقبل دون الماضي؛ لأن الماضي دخل في الوجود ~~دون المستقبل. وهو قول كثير من طوائف النظار. وقيل: بل هو جائز في الماضي ~~والمستقبل. وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة السنة كعبد الله بن المبارك ~~وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله لم يزل متكلما إذا شاء وأن كلمات ~~الله لا نهاية لها وهي قائمة بذاته وهو متكلم بمشيئته وقدرته. وهو أيضا قول ~~أئمة الفلاسفة. لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك ويقولون إنه ~~قديم أزلي. وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين ~~وجماهير العقلاء. فإنهم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض؛ بل هو خالق ~~كل شيء وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن. وإن القديم الأزلي ~~هو الله تعالى بما هو متصف به من صفات # PageV12P045 # الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه؛ بل من قال عبدت الله ودعوت الله ~~فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها ويمتنع وجود ذاته بدون ~~صفاتها اللازمة لها. ثم لما تكلم في " النبوات " من اتبع أرسطو - كابن سينا ~~وأمثاله - ورأوا ما جاءت به الأنبياء من إخبارهم بأن الله يتكلم وأنه كلم ~~موسى تكليما وأنه خالق كل شيء أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه ~~فيقولون: الحدوث نوعان ذاتي وزماني ونحن نقول إن الفلك محدث الحدوث ~~الزماني؛ بمعنى أنه معلول وإن كان أزليا لم يزل مع الله وقالوا إنه مخلوق ~~بهذا الاعتبار والكتب الإلهية أخبرت بأن الله خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام والقديم الأزلي لا يكون في أيام. وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به ~~الرسل من أن الله خلق كل شيء وأنه خلق كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق ~~المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} ~~والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن المفعول المخلوق المصنوع لا يكون ~~مقارنا للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده وأن الفعل لا يكون إلا بإحداث ~~المفعول. # PageV12P046 # وقالوا لهؤلاء قولكم: " إنه مؤثر ms3799 تام في الأزل " لفظ مجمل يراد به ~~التأثير العام في كل شيء ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء ويراد به ~~التأثير في شيء معين دون غيره؛ فإن أردتم " الأول " لزم أن لا يحدث في ~~العالم حادث وهذا خلاف المشاهدة وإن أردتم " الثاني " لزم أن يكون كل ما ~~سوى الله مخلوقا حادثا كائنا بعد أن لم يكن وكان الرب لم يزل متكلما ~~بمشيئته فعالا لما يشاء وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق ~~ويوافق ما أخبرت به الرسل وعلى هذا يدل العقل الصريح. فتبين أن العقل ~~الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء وإن أردتم " الثالث " فسد قولكم؛ لأنه ~~يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد سبب يوجب ~~الإحداث وهذا يناقض قولكم. فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن ~~محدثا لشيء وإن لم يصح هذا بطل فقولكم باطل على التقديرين. وحقيقة قولكم أن ~~المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في ~~الزمن؛ وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء ويلزمكم أن كل ما حدث حدث بدون مؤثر ~~ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن ~~المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه. # PageV12P047 # وأيضا فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدا باطل في صريح العقل ~~وأيضا فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذي لا يكون إلا ممكنا ~~يقبل الوجود والعدم وهو الذي جعلتموه الممكن الخاص الذي قسيمه الضروري ~~الواجب والضروري الممتنع لا يكون إلا موجودا تارة ومعدوما أخرى وأن القديم ~~الأزلي لا يكون إلا ضروريا واجبا يمتنع عدمه. وهذا مما اتفق عليه أرسطو ~~وأتباعه حتى ابن سينا وذكره في كتبه المشهورة " كالشفا " وغيره. ثم تناقض ~~فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديما أزليا لم يزل ولا يزال وزعم أن الواجب ~~بغيره القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم وزعم ~~أن له ماهية غير وجوده. ms3800 وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير ~~هذا الموضع. و " القول الثاني " للناس في كلام الله تعالى قول من يقول: إن ~~الله لم يقم به صفة من الصفات لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ~~ولا رحمة ولا غضب ولا غير ذلك بل خلق كلاما في غيره فذلك المخلوق هو كلامه ~~وهذا قول الجهمية والمعتزلة. وهذا القول أيضا مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~السلف وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم؛ وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول ~~يوافق قولهم؛ بل لهم شبه عقلية فاسدة قد بينا فسادها في غير هذا # PageV12P048 # الموضع، وهؤلاء زعموا أنهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج وهم ~~لا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا. و " القول الثالث " قول من يقول: إنه ~~يتكلم بغير مشيئته وقدرته بكلام قائم بذاته أزلا وأبدا وهؤلاء موافقون لمن ~~قبلهم في أصل قولهم لكن قالوا الرب تقوم به الصفات ولا يقوم به ما يتعلق ~~بمشيئته وقدرته من الصفات الاختيارية. وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول ~~في الإسلام " عبد الله بن سعيد بن كلاب " ثم افترق موافقوه فمنهم من قال: ~~ذلك الكلام. معنى واحد هو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل محظور والخبر عن كل ~~مخبر عنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة. ~~وقالوا معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد ومعنى آية الكرسي هو معنى آية ~~الدين. وقالوا: الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له. ومن محققيهم ~~من جعل المعنى يعود إلى الخبر والخبر يعود إلى العلم. وجمهور العقلاء ~~يقولون: قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة. وهؤلاء يقولون تكليمه لموسى ليس ~~إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى. فقيل لهم: أفهم كل الكلام أم بعضه؟ ~~إن كان فهمه كله # PageV12P049 # فقد علم علم الله وإن كان فهم بعضه فقد تبعض وعندهم كلام الله لا يتبعض ~~ولا يتعدد. وقيل لهم: قد فرق الله بين تكليمه لموسى وإيحائه لغيره. وعلى ~~أصلكم لا فرق. وقيل لهم: ms3801 قد كفر الله من جعل القرآن العربي قول البشر وقد ~~جعله تارة قول رسول من البشر وتارة قول رسول من الملائكة فقال في موضع: ~~{إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون} فهذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقال في الآية ~~الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} ~~فهذا جبريل فأضافه تارة إلى الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري. والله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس. وكان بعض هؤلاء ادعى أن القرآن العربي ~~أحدثه جبريل أو محمد فقيل لهم: لو أحدثه أحدهما لم يجز إضافته إلى الآخر. ~~وهو سبحانه أضافه إلى كل منهما باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك ~~والنبي فدل ذلك على أنه قول رسول بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبي أحدثه من ~~تلقاء نفسه بل قد كفر من قال إنه قول البشر. # PageV12P050 # والطائفة الأخرى التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته قالت: بل الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب ~~أزلا وأبدا لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئا بعد شيء. ولم ~~يفرق هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين حروف قديمة أزلية وهذا ~~أيضا مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن الحروف ~~المتعاقبة شيئا بعد شيء يمتنع أن يكون كل منها قديما أزليا وإن كان جنسها ~~قديما؛ لإمكان وجود كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها وامتناع ~~كون كل منها قديما أزليا فإن المسبوق بغيره لا يكون أزليا. وقد فرق بعضهم ~~بين وجودها وماهيتها فقال: الترتيب في ماهيتها لا في وجودها وبطلان هذا ~~القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره فإن ماهية الكلام الذي هو حروف لا يكون ~~شيئا بعد شيء والصوت لا يكون إلا شيئا بعد شيء فامتنع أن يكون وجود الماهية ~~المعينة أزليا متقدما عليها به مع أن الفرق بينهما بينه لو ms3802 قدر الفرق ~~بينهما. ويلزم من هذين الوجهين أن يكون وجودها أيضا مترتبا ترتيبا متعاقبا. ~~ثم من هؤلاء من يزعم أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات ~~بالقرآن والتوراة والإنجيل أو بعض ذلك وكان أظهر # PageV12P051 # فسادا مما قبله فإنه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد. و " طائفة خامسة " ~~قالت: بل الله يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وغيره؛ لكن لم يكن ~~يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها وهؤلاء جعلوا ~~الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل كما فعله أولئك ~~ثم جعلوا الفعل والكلام ممكنا مقدورا من غير تجدد شيء أوجب القدرة والإمكان ~~كما قال أولئك في المفعولات المنفصلة. وأما السلف فقالوا: لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء وأن الكلام صفة كمال ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن من ~~يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن ~~يكون الكلام لازما لذاته ليس له عليه قدرة ولا له فيه مشيئة والكمال إنما ~~يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له ولا يكون الموصوف ~~متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به من الكلام والعلم والقدرة. وإذا كان ~~كذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا ~~بها لو كان حدوثها ممكنا فكيف إذا كان ممتنعا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا ~~يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال؛ ومن أجلها الكلام. فلم يزل ~~متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن # PageV12P052 # العربي وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه فلا تكون ~~الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله ~~تكلم بها. # فصل: # ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين. وسبب ~~نزاعهم أمران: " أحدهما " أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذي يتكلم الله به ~~فيسمع منه وبين ما إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ms3803 ذلك المبلغ فإن القرآن كلام ~~الله تكلم به بلفظه ومعناه بصوت نفسه؛ فإذا قرأه القراء قرءوه بأصوات ~~أنفسهم. فإذا قال القارئ: {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم} كان هذا ~~الكلام المسموع منه كلام الله لا كلام نفسه وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت ~~الله فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ كما قال النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} وكان يقول: {ألا رجل يحملني إلى قومه ~~لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي} وكلا الحديثين ثابت ~~فبين أن الكلام الذي يبلغه كلام ربه وبين أن القارئ # PageV12P053 # يقرؤه بصوت نفسه وقال صلى الله عليه وسلم {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} ~~قال أحمد والشافعي وغيرهما: هو تحسينه بالصوت. قال أحمد بن حنبل: يحسنه ~~بصوته فبين أحمد أن القارئ يحسن القرآن بصوت نفسه. و " السبب الثاني " أن ~~السلف قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق وقالوا لم يزل متكلما إذا ~~شاء. فبينوا أن كلام الله قديم أي جنسه قديم لم يزل ولم يقل أحد منهم إن ~~نفس الكلام المعين قديم ولا قال أحد منهم القرآن قديم؛ بل قالوا: إنه كلام ~~الله منزل غير مخلوق وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن ~~كلامه وكان منزلا منه غير مخلوق ولم يكن مع ذلك أزليا قديما بقدم الله وإن ~~كان الله لم يزل متكلما إذا شاء فجنس كلامه قديم. فمن فهم قول السلف وفرق ~~بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها ~~أهل الأرض. فمن قال إن حروف المعجم كلها مخلوقة وإن كلام الله تعالى مخلوق ~~فقد قال قولا مخالفا للمعقول الصريح والمنقول الصحيح ومن قال نفس أصوات ~~العباد أو مدادهم أو شيئا من ذلك قديم فقد خالف أيضا أقوال السلف وكان فساد ~~قوله ظاهرا لكل أحد وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا ~~قالته طائفة كبيرة من # PageV12P054 # طوائف المسلمين بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك. ms3804 ومن قال ~~إن الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين فقد ابتدع قولا باطلا في ~~الشرع والعقل. ومن قال: إن جنس الحروف التي تكلم الله بها بالقرآن وغيره ~~ليست مخلوقة وإن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقا والحروف المنتظمة ~~منه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب. وإذا ~~قال إن الله هدى عباده وعلمهم البيان فأنطقهم بها باللغات المختلفة وأنعم ~~عليهم بأن جعلهم ينطقون بالحروف التي هي مباني كتبه وكلامه وأسمائه فهذا قد ~~أصاب فالإنسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها مخلوق كائن بعد ~~أن لم يكن والرب تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله غير مخلوق ~~والعباد إذا قرءوا كلامه فإن كلامه الذي يقرؤونه هو كلامه لا كلام غيره ~~وكلامه الذي تكلم به لا يكون مخلوقا وكان ما يقرؤون به كلامه من حركاتهم ~~وأصواتهم مخلوقا وكذلك ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوبا في ~~المصاحف وكلامه غير مخلوق والمداد الذي يكتب به كلامه وغير كلامه مخلوق. # PageV12P055 # وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد كلماته بقوله تعالى: {قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا} وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذي يكتب به كلمات الله مخلوق ~~والقرآن المكتوب في المصاحف غير مخلوق وكذلك المكتوب في اللوح المحفوظ ~~وغيره قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} وقال: {كلا إنها تذكرة} ~~{فمن شاء ذكره} {في صحف مكرمة} {مرفوعة مطهرة} وقال تعالى: {يتلو صحفا ~~مطهرة} {فيها كتب قيمة} وقال: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} {لا يمسه ~~إلا المطهرون} . # فصل: # فهذان المتنازعان اللذان تنازعا في " الأحرف التي أنزلها الله على آدم " ~~فقال أحدهما: إنها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث. وقال الآخر: ~~إنها ليست بكلام الله وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها وإن القديم هو الله ~~وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل غير مخلوق ولكنه كتب بها. وسؤالهما أن ms3805 نبين ~~لهما الصواب وأيهما أصح اعتقادا يقال لهما: يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما ~~في السؤال من الكلام المجمل # PageV12P056 # فإن كثيرا من نزاع العقلاء لكونهم لا يتصورون مورد النزاع تصورا بينا ~~وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه في قول آخر غير القولين اللذين ~~قالاهما، وكثير من النزاع قد يكون مبنيا على أصل ضعيف إذا بين فساده ارتفع ~~النزاع. فأول ما في هذا السؤال قولهما: الأحرف التي أنزلها الله على آدم ~~فإنه قد ذكر بعضهم أن الله أنزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة وهذا ذكره ~~ابن قتيبة في المعارف وهو ومثله يوجد في التواريخ كتاريخ ابن جرير الطبري ~~ونحوه وهذا ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الإسرائيلية ونحوها من أحاديث ~~الأنبياء المتقدمين مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار ومالك بن دينار ومحمد بن ~~إسحاق وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء ~~المتقدمين لا يجوز أن يجعل عمدة في دين المسلمين إلا إذا ثبت ذلك بنقل ~~متواتر أو أن يكون منقولا عن خاتم المرسلين وأيضا فهذا النقل قد عارضه نقل ~~آخر وهو: " {إن أول من خط وخاط إدريس} ". فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ~~ذلك وأقوى فقد ذكروا فيه أن إدريس أول من خاط الثياب وخط بالقلم: وعلى هذا ~~فبنو آدم من قبل إدريس لم يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرؤون كتبا. والذي في ~~حديث أبي ذر المعروف عن أبي ذر، عن # PageV12P057 # النبي صلى الله عليه وسلم " {إن آدم كان نبيا مكلما كلمه الله قبلا} " ~~وليس فيه أنه أنزل عليه شيئا مكتوبا فليس فيه أن الله أنزل على آدم صحيفة ~~ولا كتابا ولا هذا معروف عند أهل الكتاب فهذا يدل على أن هذا لا أصل له ولو ~~كان هذا معروفا عند أهل الكتاب لكان هذا النقل ليس هو في القرآن ولا في ~~الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من جنس الأحاديث ~~الإسرائيلية التي لا يجب الإيمان بها؛ بل ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة ms3806 ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " {إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه} ". والله سبحانه علم آدم الأسماء كلها وأنطقه ~~بالكلام المنظوم. وأما تعليم حروف مقطعة لا سيما إذا كانت مكتوبة فهو تعليم ~~لا ينفع ولكن لما أرادوا تعليم المبتدئ بالخط صاروا يعلمونه الحروف المفردة ~~حروف الهجاء ثم يعلمونه تركيب بعضها إلى بعض فيعلم أبجد هوز وليس هذا وحده ~~كلاما. فهذا المنقول عن آدم من نزول حروف الهجاء عليه لم يثبت به نقل ولم ~~يدل عليه عقل؛ بل الأظهر في كليهما نفيه وهو من جنس ما يروونه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من تفسير اب ت ث وتفسير أبجد # PageV12P058 # هوز حطي ويروونه عن المسيح أنه قاله لمعلمه في الكتاب وهذا كله من ~~الأحاديث الواهية بل المكذوبة. ولا يجوز باتفاق أهل العلم بالنقل أن يحتج ~~بشيء من هذه وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في هذا الباب كالشريف ~~المزيدي والشيخ أبي الفرج وابنه عبد الوهاب وغيرهم. وقد يذكر ذلك طائفة من ~~المفسرين والمؤرخين فهذا كله عند أهل العلم بهذا الباب باطل لا يعتمد عليه ~~في شيء من الدين. وهذا وإن كان قد ذكره أبو بكر النقاش وغيره من المفسرين ~~وعن النقاش ونحوه نقله الشريف المزيدي الحراني وغيره فأجل من ذكر ذلك من ~~المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وقد بين في تفسيره أن كل ما نقل في ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو باطل. فذكر في آخر تفسيره اختلاف ~~الناس في تفسير أبجد هوز حطي وذكر حديثا رواه من طريق محمد بن زياد الجزري ~~عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {تعلموا أباجاد وتفسيرها ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد قال: ~~قالوا يا رسول الله وما تفسيرها؟ قال؟ أما الألف فآلاء الله وحرف من ~~أسمائه. وأما الباء فبهاء الله ms3807 وأما الجيم فجلال الله وأما الدال فدين # PageV12P059 # الله وأما الهاء فالهاوية وأما الواو فويل لمن سها وأما الزاي فالزاوية ~~وأما الحاء فحطوط الخطايا عن المستغفرين بالأسحار} " وذكر تمام الحديث من ~~هذا الجنس. وذكر حديثا ثانيا من حديث عبد الرحيم بن واقد حدثني الفرات بن ~~السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: " ليس شيء إلا وله سبب وليس كل ~~أحد يفطن له ولا بلغه ذلك أن لأبي جاد حديثا عجيبا أما " أبو جاد " فأبى ~~آدم الطاعة وجد في أكل الشجرة وأما " هوز " فزل آدم فهوى من السماء إلى ~~الأرض وأما " حطي " فحطت عنه خطيئته وأما " كلمن " فأكله من الشجرة ومن ~~عليه بالتوبة " وساق تمام الحديث من هذا الجنس. وذكر حديثا ثالثا من حديث ~~إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن ~~مسعود ومسعر بن كدام عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم: اكتب بسم ~~الله فقال له عيسى وما بسم الله؟ فقال له المعلم وما أدري. فقال له عيسى ~~الباء بهاء الله والسين سناؤه والميم ملكه والله إله الآلهة والرحمن رحمن ~~الدنيا والآخرة والرحيم رحيم الآخرة. أبو جاد: ألف آلاء الله وباء بهاء ~~الله وجيم جمال الله ودال الله الدائم وهوز هاء الهاوية} " وذكر حديثا # PageV12P060 # من هذا الجنس وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه. وروى أبو الفرج ~~المقدسي عن الشريف المزيدي حديثا عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تفسير: اب ت ث من هذا الجنس. ثم قال ابن جرير: ولو كانت الأخبار التي رويت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك صحاح الأسانيد لم يعدل عن القول بها ~~إلى غيرها ولكنها واهية الأسانيد غير جائز الاحتجاج بمثلها؛ وذلك أن محمد ~~بن زياد الجزري الذي حدث حديث معاوية بن قرة عن فرات عنه غير موثوق بنقله ~~وأن عبد الرحيم بن واقد الذي ms3808 خالفه في رواية ذلك عن الفرات مجهول غير معروف ~~عند أهل النقل وأن إسماعيل بن يحيى الذي حدث عن ابن أبي مليكة غير موثوق ~~بروايته ولا جائز عند أهل النقل الاحتجاج بأخباره. قلت: إسماعيل بن يحيى ~~هذا يقال له التيمي كوفي معروف بالكذب ورواية إسماعيل بن عياش في غير ~~الشاميين لا يحتج بها بل هو ضعيف فيما ينقله من أهل الحجاز وأهل العراق ~~بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين؛ فإنه حافظ لحديث أهل بلده كثير الغلط في ~~حديث أولئك وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال وعبد الرحمن بن واقد لا ~~يحتج به باتفاق أهل العلم وفرات بن السائب ضعيف أيضا # PageV12P061 # لا يحتج به فهو فرات بن أبي الفرات ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضا. وقد ~~تنازع الناس في أبجد هوز حطي فقال طائفة هي أسماء قوم قيل أسماء ملوك مدين ~~أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة. وقيل: هي أسماء الستة الأيام التي خلق ~~الله فيها الدنيا. والأول اختيار الطبري. وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد مثل ~~أبي عاد وهواز مثل رواد وجواب. وأنها لم تعرب لعدم العقد والتركيب. ~~والصواب: أن هذه ليست أسماء لمسميات وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من ~~حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم ولفظها: أبجد هوز حطي ليس لفظها أبو جاد ~~هواز. ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد ~~فيجعلون الألف واحدا والباء اثنين والجيم ثلاثة إلى الياء ثم يقولون الكاف ~~عشرون. . . (1) وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط ~~المكتوبة أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون: كل ألف ب وكل ب ج فكل ~~ألف ج. ومثلوا بهذه لكونها ألفاظا تدل على صورة الشكل والقياس لا يختص ~~بمادة دون مادة. كما جعل أهل التصريف لفظ " فعل " تقابل الحروف الأصلية، ~~PageV12P062 # والزائدة ينطقون بها. ويقولون: وزن استخرج " استفعل " وأهل العروض يزنون ~~بألفاظ مؤلفة من ذلك؛ لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل والزائد: ~~ولهذا سئل بعض هؤلاء عن وزن نكتل فقال نفعل ms3809 وضحك منه أهل التصريف. ووزنه ~~عندهم نفتل فإن أصله نكتال وأصل نكتال: نكتيل. تحركت الياء وانفتح ما قبلها ~~فقلبت ألفا ثم لما جزم الفعل سقطت كما نقول مثل ذلك في نعتد ونفتد من اعتاد ~~يعتاد واقتاد البعير يقتاده. ونحو ذلك في نقتيل فلما حذفوا الألف التي تسمى ~~لام الكلمة صار وزنها. . . (1) وجعلت " ثمانية " تكون متحركة: وهي الهمزة ~~وتكون ساكنة وهي حرفان على الاصطلاح الأول وحرف واحد على الثاني والألف ~~تقرن بالواو والياء لأنهن حروف العلة ولهذا ذكرت في آخر حروف المعجم ونطقوا ~~بأول لفظ كل حرف منها إلا الألف فلم يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء فجعلوا ~~اللام قبلها فقالوا: " لا " والتي في الأول هي الهمزة المتحركة فإن الهمزة ~~في أولها. وبعض الناس ينطق بها " لام ألف " والصواب أن ينطق بها " لا " ~~وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر ~~محقق. وأما النقول الضعيفة لا سيما المكذوبة فلا يعتمد عليها. وكذلك ~~النظريات الفاسدة والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها. PageV12P063 # الثاني أن يقال: هذه الحروف الموجودة في القرآن العربي قد تكلم الله بها ~~بأسماء حروف مثل قوله: {الم} وقوله {المص} وقوله {الم} - {طس} - {حم} - ~~{كهيعص} - {حم} - {عسق} - {ن} - {ق} فهذا كله كلام الله غير مخلوق. # الثالث أن هذه الحروف إذا وجدت في كلام العباد وكذلك الأسماء الموجودة في ~~القرآن إذا وجدت في كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وإبراهيم وغير ذلك ~~فيقال: هذه الأسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها؛ لكن لم يتكلم بها مفردة. ~~فإن الاسم وحده ليس بكلام؛ ولكن تكلم بها في كلامه الذي أنزله في مثل قوله ~~{محمد رسول الله} وقوله: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} إلى ~~قوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} وقوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} ونحو ذلك ونحن إذا تكلمنا بكلام ذكرنا ~~فيه هذه الأسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة كما قال أحمد بن حنبل ~~لرجل: ألست ms3810 مخلوقا؟ قال: بلى قال: أليس كلامك منك؟ قال: بلى قال: أليس ~~كلامك مخلوقا؟ قال: بلى قال: فالله تعالى غير مخلوق وكلامه منه ليس بمخلوق. ~~فقد نص أحمد وغيره على أن ### | كلام العباد مخلوق # وهم إنما # PageV12P064 # يتكلمون بالأسماء والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى لكن الله ~~تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق وصفات الله تعالى لا ~~تماثل صفات العباد؛ فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا ~~أفعاله والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ~~ليس كأصوات شيء من المخلوقات والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها ~~شيء من صفات المخلوقين كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده فإن ~~الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات وهو سبحانه قد علم العباد من ~~علمه ما شاء كما قال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وهم إذا ~~علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذي اتصف به ليس مخلوقا ونفس ~~العباد وصفاتهم مخلوقة لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقا فلا يقال: ~~إن ذلك العلم مخلوق لاتصاف الرب به وإن كان ما يتصف به العبد مخلوقا. وأصل ~~هذا أن ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق به ويوصف ~~به العباد بما يليق بهم من ذلك؛ مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ~~والكلام فإن الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام. فكلامه يشتمل على ~~حروف وهو يتكلم بصوت نفسه والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، # PageV12P065 # وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه. فهذه الصفات لها ثلاث ~~اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الرب. وتارة تعتبر مضافة إلى العبد وتارة ~~تعتبر مطلقة لا تختص بالرب ولا بالعبد. فإذا قال العبد: حياة الله وعلم ~~الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات ~~المخلوقين وإذا قال ms3811 علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد فهذا كله مخلوق ولا ~~يماثل صفات الرب. وإذا قال العلم والقدرة والكلام فهذا مجمل مطلق لا يقال ~~عليه كله إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير ~~مخلوق وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق فالصفة تتبع الموصوف. فإن كان ~~الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق. ~~فصفاته مخلوقة. ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن في نفسه ~~كلام الله غير مخلوق وإن كان حركات العباد وأصواتهم مخلوقة. ولو قال الجنب: ~~{الحمد لله رب العالمين} ينوي به القرآن منع من ذلك وكان قرآنا ولو قاله ~~ينوي به حمد الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئا وجاز له ذلك. ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {أفضل الكلام بعد # PageV12P066 # القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر} رواه مسلم في صحيحه. فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن وقال ~~هي من القرآن فهي من القرآن باعتبار وليست من القرآن باعتبار ولو قال ~~القائل: {يا يحيى خذ الكتاب} ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم ~~تبطل صلاته باتفاق العلماء وإن قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند ~~جمهور العلماء. ولو قال لرجل اسمه يحيى وبحضرته كتاب: يا يحيى خذ الكتاب ~~لكان هذا مخلوقا؛ لأن لفظ يحيى هنا مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب ~~ليس مرادا به ما أراده الله بقوله: {يا يحيى خذ الكتاب} والكلام كلام ~~المخلوق بلفظه ومعناه. وقد تنازع الناس في مسمى " الكلام " في الأصل فقيل: ~~هو اسم اللفظ الدال على المعنى وقيل: المعنى المدلول عليه باللفظ وقيل: لكل ~~منهما بطريق الاشتراك اللفظي وقيل: بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند ~~الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة. هذا قول السلف ~~وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من ms3812 الكتب. وهذا كما تنازع ~~الناس في مسمى " الإنسان " هل هو الروح فقط أو الجسد فقط؟ والصحيح أنه اسم ~~للروح والجسد جميعا وإن # PageV12P067 # كان مع القرينة قد يراد به هذا تارة وهذا تارة فتنازعهم في مسمى النطق ~~كتنازعهم في مسمى الناطق. فمن سمى شخصا محمدا وإبراهيم وقال: جاء محمد وجاء ~~إبراهيم لم يكن هذا محمدا وإبراهيم المذكورين في القرآن. ولو قال: محمد ~~رسول الله وإبراهيم خليل الله. يعني به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد ~~تكلم بمحمد وإبراهيم اللذين في القرآن لكن قد تكلم بالاسم وألفه كلاما فهو ~~كلامه لم يتكلم به في القرآن العربي الذي تكلم الله به. ومما يوضح ذلك أن ~~الفقهاء قالوا في " آداب الخلاء " أنه لا يستصحب ما فيه ذكر الله واحتجوا ~~بالحديث الذي في السنن " {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء ~~نزع خاتمه. وكان خاتمه مكتوبا عليه محمد رسول الله} محمد سطر رسول سطر الله ~~سطر. ولم يمنع أحد من العلماء أن يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف ~~الهجاء مثل ورق الحساب الذي يكتب فيه أهل الديوان الحساب ومثل الأوراق التي ~~يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك. وفي السيرة " {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أتاه سعد فقال له: أهذا شيء ~~أمر الله به فسمعا وطاعة أم شيء تفعله لمصلحتنا؟ فبين له النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك بوحي بل فعله باجتهاده فقال: لقد كنا في ~~الجاهلية # PageV12P068 # وما كانوا يأكلون منها تمرة إلا بقرى أو بشراء فلما أعزنا الله بالإسلام ~~يريدون أن يأكلوا تمرنا لا يأكلون تمرة واحدة وبصق سعد في الصحيفة وقطعها} ~~فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل هذه حروف فلا يجوز إهانتها ~~والبصاق فيها. وأيضا فقد كره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو ما ~~فيه كلام الآدميين. # وأما قول القائل: إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فإن أراد جنسها ~~فهذا صحيح وإن ms3813 أراد الحرف المعين فقد أخطأ فإن له مبدأ ومنتهى وهو مسبوق ~~بغيره وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا. وأيضا فلفظ الحروف مجمل يراد بالحروف ~~الحروف المنطوقة المسموعة التي هي مباني الكلام ويراد بها الحروف المكتوبة ~~ويراد بها الحروف المتخيلة في النفس والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف ~~باتفاق الناس. وأما الحروف فهل تكون كلاما بدون الصوت؟ فيه نزاع. والحرف قد ~~يراد به الصوت المقطع وقد يراد به نهاية الصوت وحده وقد يراد بالحروف ~~المداد وقد يراد بالحروف شكل المداد فالحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة ~~وإذا كتبت في المصحف قيل كلام الله المكتوب في المصحف غير مخلوق وأما نفس ~~أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق فالمداد مخلوق ~~بمادته وصورته وكلام الله المكتوب بالمداد غير مخلوق. ومن كلام الله # PageV12P069 # الحروف التي تكلم الله بها فإذا كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد ~~مخلوقا. وأشكال الحروف المكتوبة مما يختلف فيها اصطلاح الأمم. # والخط العربي قد قيل إن مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة وغيرها ~~والخط العربي تختلف صورته: العربي القديم فيه تكوف وقد اصطلح المتأخرون على ~~تغيير بعض صوره وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف وترتيبها ~~وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربي هو في نفسه لا يختلف ~~باختلاف الخطوط التي يكتب بها. فإن قيل: فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير ~~مخلوق مع قطع النظر عن كونه في كلام الخالق أو كلام المخلوق؟ فإن قلتم هو ~~من حيث هو غير مخلوق لزم أن يكون غير مخلوق في كلام العباد وإن قلتم مخلوق ~~لزم أن يكون مخلوقا في كلام الله؟ قيل: قول القائل الحرف من حيث هو هو ~~كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم من حيث هو هو والقدرة من حيث هي هي ~~والوجود من حيث هو هو ونحو ذلك. والجواب عن ذلك أن هذه الأمور وغيرها إذا ~~أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا مشخصة لم يكن لها حقيقة في الخارج عن ms3814 ~~الأذهان # PageV12P070 # إلا شيء معين فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق ووجود كل ~~مخلوق مختص به وإن كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله وكذلك العلم والقدرة ~~اسم عام يتناول أفراد ذلك وليس في الخارج إلا علم الخالق وعلم المخلوق وعلم ~~كل مخلوق مختص به قائم به واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ ~~الكلام والحروف وليس في الخارج إلا كلام الخالق وكلام المخلوقين. وكلام كل ~~مخلوق مختص به واسم الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ. وليس في الخارج ~~إلا الحروف التي تكلم الله بها الموجودة في كلام الخالق والحروف الموجودة ~~في كلام المخلوقين. فإذا قيل: إن علم الرب وقدرته بكلامه غير مخلوق وحروف ~~كلامه غير مخلوقة لم يلزم من ذلك أن يكون علم العبد وقدرته وكلامه غير ~~مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة. وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق ~~والحرف المكتوب وإذا قيل إن الله تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن ~~العربي وبقوله: الم - وحم - وطسم - وطس - ويس - وق - ون ونحو ذلك فهذا ~~كلامه وكلامه غير مخلوق وإذا كتب في المصاحف كان ما كتب من كلام الرب غير ~~مخلوق وإن كان المداد وشكله مخلوقا. و " أيضا " فإذا قرأ الناس كلام الله ~~فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به وإذا قرأه المبلغ لم ~~يخرج عن أن يكون # PageV12P071 # كلام الله؛ فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا أمرا يأمر به أو خبرا يخبره ~~ليس هو كلام المبلغ له عن غيره؛ إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين. وإذا ~~قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع ~~النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته ~~وحياته وقد يشار إليهما فالمشار إليه الأول غير مخلوق والمشار إليه الثاني ~~مخلوق والمشار إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق وما يوجد في كلام ~~الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب ms3815 أبدا. وإذا قال ~~القائل القاف في قوله {وأقم الصلاة لذكري} كالقاف في قوله: قفا نبك من ذكرى ~~حبيب ومنزل قيل: ما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين ولكن إذا ~~بلغنا كلام الله فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل ~~المخلوق. وفي هذا جواب للطائفتين لمن قاس صفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها ~~غير مخلوقة فإن الجهمية المعطلة أشباه اليهود والحلولية الممثلة # PageV12P072 # أشباه النصارى دخلوا في هذا وهذا أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه ~~بالنقائص التي تختص بالمخلوق: كالفقر والبخل وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق ~~فوصفوه بخصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله والمسلمون يصفون الله بما وصف ~~به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال وينزهونه عن الأكفاء والأمثال ~~فلا يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات؛ فإن المعطل يعبد عدما ~~والممثل يعبد صنما والله تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . ومما ~~ينبغي أن يعرف أن كلام المتكلم في نفسه واحد وإذا بلغه المبلغون تختلف ~~أصواتهم به فإذا أنشد المنشد قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل كان ~~هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه مع أن أصوات المنشدين له تختلف وتلك ~~الأصوات ليست صوت لبيد: وكذلك من روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه ~~كقوله: " {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} كان هذا الكلام ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه ويقال لمن رواه: أدى الحديث ~~بلفظه # PageV12P073 # وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول فالقرآن أولى أن يكون كلام الله ~~لفظه ومعناه وإذا قرأه القراء فإنما يقرءونه بأصواتهم. ولهذا كان الإمام ~~أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي ~~بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع وفي بعض الروايات ~~عنه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي؛ لأن اللفظ يراد ~~به مصدر لفظ ms3816 يلفظ لفظا ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق ويراد باللفظ ~~القول الذي يلفظ به اللافظ وذلك كلام الله لا كلام القارئ فمن قال إنه ~~مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن وإن هذا الذي يقرءوه المسلمون ~~ليس هو كلام الله ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول. # وأما صوت العبد فهو مخلوق وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت ~~العبد ولم يقل أحمد قط: من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي وإنما قال ~~من قال لفظي بالقرآن والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح فكل من ~~بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه وهو ~~إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة ~~والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات # PageV12P074 # العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد ويراد به نفس الكلام الذي ~~يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه منع أحمد وغيره من إطلاق النفي ~~والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة أو جعل صفات العباد ومدادهم غير ~~مخلوق. وقال أحمد: نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف: أي حيث تلي ~~وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق وما ~~كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ~~ومدادهم فهو مخلوق ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار فإنه معلوم أن ~~القرآن واحد ويقرؤه خلق كثير والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء ~~وإنما يكثر ما يقرءون به القرآن فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق ~~والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به وسمعه جبريل من الله وسمعه ~~محمد من جبريل وبلغه محمد إلى الناس وأنذر به الأمم؛ لقوله تعالى {لأنذركم ~~به ومن بلغ} قرآن واحد وهو كلام الله ليس بمخلوق. وليس هذا من باب ما هو ~~واحد بالنوع متعدد الأعيان كالإنسانية الموجودة ms3817 في زيد وعمرو ولا من باب ما ~~يقول الإنسان مثل قول غيره كما قال تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم} فإن # PageV12P075 # القرآن لا يقدر أحد أن يأتي بمثله كما قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} فالإنس والجن إذا اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن مع ~~قدرة كل قارئ على أن يقرأه ويبلغه. فعلم أن ما قرأه هو القرآن ليس هو مثل ~~القرآن وأما الحروف الموجودة في القرآن إذا وجد نظيرها في كلام غيره فليس ~~هذا هو ذاك بعينه بل هو نظيره وإذا تكلم الله باسم من الأسماء: كآدم ونوح ~~وإبراهيم وتكلم بتلك الحروف والأسماء التي تكلم الله بها فإذا قرئت في ~~كلامه فقد بلغ كلامه فإذا أنشأ الإنسان لنفسه كلاما لم يكن عين ما تكلم ~~الله به من الحروف والأسماء هو عين ما تكلم به العبد حتى يقال: إن هذه ~~الأسماء والحروف الموجودة في كلام العباد غير مخلوقة؛ فإن بعض من قال إن ~~الحروف والأسماء غير مخلوقة في كلام العباد ادعى أن المخلوق إنما هو النظم ~~والتأليف دون المفردات وقائل هذا يلزمه أن يكون أيضا النظم والتأليف غير ~~مخلوق إذا وجد نظيره في القرآن كقوله: {يا يحيى خذ الكتاب} وإن أراد بذلك ~~شخصا اسمه يحيى وكتابا بحضرته. (فإن قيل يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو ~~يحيى والكتاب المذكور في القرآن وإن كان اللفظ نظير اللفظ قيل كذلك # PageV12P076 # سائر الأسماء والحروف إنما يوجد نظيرها في كلام العباد لا في كلام الله. ~~وقولنا يوجد نظيرها في كلام الله تقريب أي يوجد فيما نقرؤه ونتلوه فإن ~~الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى وإبراهيم في القرآن هو مثل الصوت المسموع ~~من ذلك في غير القرآن وكلا الصوتين مخلوق. وأما الصوت الذي يتكلم الله به ~~فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ~~ومعانيه. وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين. فإذا ms3818 قلنا: {الحمد لله رب ~~العالمين} وقصد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم الله به فذلك القرآن تكلم الله ~~بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناهم وأما إذا قصدنا به الذكر ~~ابتداء من غير أن نقصد قراءة كلام الله فإنما نقصد ذكرا ننشئه نحن يقوم ~~معناه بقلوبنا وننطق بلفظه بألسنتنا وما أنشأناه من الذكر فليس هو من ~~القرآن وإن كان نظيره في القرآن. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: " {أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن فجعل درجتها دون درجة القرآن وهذا ~~يقتضي أنها ليست من القرآن. ثم قال: " {هي من القرآن} وكلا قوليه حق وصواب؛ ~~ولهذا منع أحمد أن يقال: الإيمان مخلوق. # PageV12P077 # وقال: لا إله إلا الله من القرآن. وهذا الكلام لا يجوز أن يقال: إنه ~~مخلوق وإن لم يكن من القرآن ولا يقال في التوراة والإنجيل إنهما مخلوقان ~~ولا يقال في الأحاديث الإلهية التي يرويها عن ربه إنها مخلوقة كقوله: " {يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} فكلام الله ~~قد يكون قرآنا وقد لا يكون قرآنا والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن. وكلام ~~الله كله غير مخلوق. فإذا فهم هذا في مثل هذا فليفهم في نظائره وأن ما يوجد ~~من الحروف والأسماء في كلام الله ويوجد في غير كلام الله يجوز أن يقال: إنه ~~من كلام الله باعتبار ويقال ليس من كلام الله باعتبار كما أنه يكون من ~~القرآن باعتبار وغير القرآن باعتبار لكن كلام الله القرآن وغير القرآن غير ~~مخلوق وكلام المخلوقين كله مخلوق. فما كان من كلام الله فهو غير مخلوق وما ~~كان من كلام غيره فهو مخلوق. وهؤلاء الذين يحتجون على نفي الخلق أو إثبات ~~القدم بشيء من صفات العباد وأعمالهم لوجود نظير ذلك فيما يضاف إلى الله ~~وكلامه والإيمان به شاركهم في هذا الأصل الفاسد ms3819 من احتج على خلق ما هو من ~~كلام الله وصفاته بأن ذلك قد يوجد نظيره فيما يضاف إلى العبد. مثال ذلك: أن ~~القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله قرءوه بحركاتهم وأصواتهم فقال ~~الجهمي أصوات العباد ومدادهم مخلوقة وهذا # PageV12P078 # هو المسمى بكلام الله أو يوجد نظيره في المسمى بكلام الله فيكون كلام ~~الله مخلوقا. وقال الحلولي الاتحادي الذي يجعل صفة الخالق هي عين صفة ~~المخلوق الذي: نسمعه من القراء هو كلام الله وإنما نسمع أصوات العباد ~~فأصوات العباد بالقرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فأصوات العباد ~~بالقرآن غير مخلوقة والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة ثم قالوا: الحروف ~~الموجودة في كلامهم هي هذه أو مثل هذه فتكون غير مخلوقة. وزاد بعض غلاتهم ~~فجعل أصوات كلامهم غير مخلوقة كما زعم بعضهم أن الأعمال من الإيمان وهو غير ~~مخلوق والأعمال غير مخلوقة. وزاد بعضهم أعمال الخير والشر وقال: هي القدر ~~والشرع المشروع [وقال عمر: ما مرادنا بالأعمال الحركات بل الثواب الذي يأتي ~~يوم القيامة كما ورد في الحديث الصحيح: " {أنه تأتي البقرة وآل عمران ~~كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من الطير صواف} فيقال له: وهذا الثواب ~~مخلوق. وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على أنه غير مخلوق] (*) وبذلك أجابوا ~~من احتج على خلق القرآن بمثل هذا الحديث فقالوا له: الذي يجيء يوم القيامة ~~هو ثواب القرآن لا نفس القرآن وثواب القرآن مخلوق إلى أمثال هذه الأقوال ~~التي ابتدعها طوائف والبدع تنشأ شيئا فشيئا وقد بسط الكلام في هذا الباب في ~~مواضع أخر. PageV12P079 # وقد بينا أن الصواب في هذا الباب هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع ~~السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان وهو ما كان عليه الإمام أحمد بن ~~حنبل ومن قبله من أئمة الإسلام ومن وافق هؤلاء فإن قول الإمام أحمد وقول ~~الأئمة قبله هو القول الذي جاء به الرسول ودل عليه الكتاب والسنة ولكن لما ~~امتحن الناس بمحنة الجهمية وطلب منهم تعطيل الصفات وأن يقولوا بأن القرآن ~~مخلوق وأن الله ms3820 لا يرى في الآخرة ونحو ذلك ثبت الله الإمام أحمد في تلك ~~المحنة؛ فدفع حجج المعارضين النفاة وأظهر دلالة الكتاب والسنة وإن السلف ~~كانوا على الإثبات فآتاه الله من الصبر واليقين ما صار به إماما للمتقين ~~كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون} ولهذا قيل فيه رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان ~~أشبهه. أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها فلما ظهر به من السنة ما ظهر كان ~~له من الكلام في بيانها وإظهارها أكثر وأعظم مما لغيره فصار أهل السنة من ~~عامة الطوائف يعظمونه وينتسبون إليه. وقد ذكرت كلامه وكلام غيره من الأئمة ~~ونصوص الكتاب والسنة في هذه الأبواب في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يدل ~~عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول وأن العقل الصريح لا يخالف # PageV12P080 # النقل الصحيح ولكن كثيرا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا فمن عرف ~~قول الرسول ومراده به كان عارفا بالأدلة الشرعية وليس في المعقول ما يخالف ~~المنقول؛ ولهذا كان أئمة السنة على ما قاله أحمد بن حنبل قال: معرفة الحديث ~~والفقه فيه أحب إلي من حفظه أي " معرفته " بالتمييز بين صحيحه وسقيمه. " ~~والفقه فيه " معرفة مراد الرسول وتنزيله على المسائل الأصولية والفروعية ~~أحب إلي من أن يحفظ من غير معرفة وفقه. وهكذا قال علي بن المديني وغيره من ~~العلماء فإنه من احتج بلفظ ليس بثابت عن الرسول أو بلفظ ثابت عن الرسول ~~وحمله على ما لم يدل عليه فإنما أتي من نفسه. # وكذلك " العقليات الصريحة " إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحا لم تكن إلا ~~حقا لا تناقض شيئا مما قاله الرسول والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي ~~بها يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف إمكان المعاد. ففي ~~القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد ~~مثله في كلام أحد من الناس بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة ~~العقلية يأتي ms3821 القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها قال تعالى: {ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} وقال: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل} وقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} . # PageV12P081 # وأما الحجج الداحضة التي يحتج بها الملاحدة وحجج الجهمية معطلة الصفات ~~وحجج الدهرية وأمثالها كما يوجد مثل ذلك في كلام المتأخرين الذين يصنفون في ~~الكلام المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون أنها عقليات ففيها من الجهل ~~والتناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. وقد بسط الكلام على هؤلاء في ~~مواضع أخر. وكان من أسباب ضلال هؤلاء تقصير الطائفتين أو قصورهم عن معرفة ~~ما جاء به الرسول وما كان عليه السلف ومعرفة المعقول الصريح؛ فإن هذا هو ~~الكتاب وهذا هو الميزان وقد قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} وهذه ~~المسألة لا تحتمل البسط على هذه الأمور؛ إذ كان المقصود هنا التنبيه على أن ~~هؤلاء المتنازعين أجمعوا على أصل فاسد ثم تفرقوا فأجمعوا على أن جعلوا عين ~~صفة الرب الخالق هي عين صفة المخلوق. ثم قال هؤلاء: وصفة المخلوق مخلوقة ~~فصفة الرب مخلوقة فقال هؤلاء: صفة الرب قديمة فصفة المخلوق قديمة ثم احتاج ~~كل منهما إلى طرد أصله فخرجوا إلى أقوال ظاهرة الفساد: خرج النفاة إلى أن ~~الله لم يتكلم بالقرآن ولا بشيء من الكتب الإلهية: لا التوراة ولا الإنجيل ~~ولا غيرهما وأنه لم # PageV12P082 # يناد موسى بنفسه نداء يسمعه منه موسى ولا تكلم بالقرآن العربي ولا ~~التوراة العبرية وخرج هؤلاء إلى أن ما يقوم بالعباد ويتصفون به يكون قديما ~~أزليا وأن ما يقوم بهم ويتصفون به لا يكون قائما بهم حالا فيهم بل يكون ~~ظاهرا عنهم من غير قيام بهم. # ولما تكلموا في " حروف المعجم " صاروا بين قولين: طائفة فرقت بين ~~المتماثلين فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق كما قال ابن حامد ~~والقاضي أبو يعلى ms3822 وابن عقيل وغيرهم فأنكر ذلك عليهم الأكثرون وقالوا هذا ~~مخالفة للحس والعقل فإن حقيقة هذا الحرف هي حقيقة هذا الحرف وقالوا الحرف ~~حرف واحد. وصنف في ذلك القاضي يعقوب البرزبيني مصنفا خالف به شيخه القاضي ~~أبا يعلى مع قوله في مصنفه: وينبغي أن يعلم أن ما سطرته في هذه المسألة أن ~~ذلك مما استفدته وتفرع عندي من شيخنا وإمامنا القاضي أبي يعلى بن الفراء ~~وإن كان قد نصر خلاف ما ذكرته في هذا الباب فهو العالم المقتدى به في علمه ~~ودينه فإني ما رأيت أحسن سمتا منه ولا أكثر اجتهادا منه ولا تشاغلا بالعلم ~~مع كثرة العلم والصيانة والانقطاع عن الناس والزهادة فيما بأيديهم والقناعة ~~في الدنيا باليسير مع حسن التجمل وعظم حشمته عند الخاص والعام ولم يعدل ~~بهذه الأخلاق شيئا من نفر من الدنيا. # PageV12P083 # وذكر القاضي يعقوب في مصنفه أن ما قاله قول أبي بكر أحمد بن المسيب ~~الطبري وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان وأنه سمع الفقيه عبد الوهاب بن ~~حلبة قاضي حران يقول: هو مذهب العلوي الحراني وجماعة من أهل حران. وذكره ~~أبو عبد الله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمي إلى مذهبنا: كأبي ~~محمد الكشفل وإسماعيل الكاوذري في خلق من أتباعهم يقولون إنها قديمة قال ~~القاضي أبو يعلى: وكذلك حكي لي عن طائفة بالشام أنها تذهب إلى ذلك منهم ~~النابلسي وغيره وذكر القاضي حسين أن أباه رجع في آخر عمره إلى هذا. وذكروه ~~عن الشريف أبي علي بن أبي موسى وتبعهم في ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسي ~~وابنه عبد الوهاب وسائر أتباعه وأبو الحسن بن الزاغوني وأمثاله. وذكر ~~القاضي يعقوب أن كلام أحمد يحتمل القولين. وهؤلاء تعلقوا بقول أحمد لما قيل ~~له إن سريا السقطي قال: لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا الألف فقالت لا ~~أسجد حتى أؤمر. فقال أحمد هذا كفر. وهؤلاء تعلقوا من قول أحمد بقوله: كل ~~شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق وبقوله لو كان كذلك ms3823 لما تمت ~~صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام الناس. وبقول أحمد # PageV12P084 # لأحمد بن الحسن الترمذي: ألست مخلوقا؟ قال بلى قال أليس كل شيء منك ~~مخلوقا؟ قال بلى قال فكلامك منك وهو مخلوق. # قلت الذي قاله أحمد في هذا الباب صواب يصدق بعضه بعضا وليس في كلامه ~~تناقض وهو أنكره على من قال: إن الله خلق الحروف؛ فإن من قال إن الحروف ~~مخلوقة كان مضمون قوله: أن الله لم يتكلم بقرآن عربي وأن القرآن العربي ~~مخلوق ونص أحمد أيضا على أن كلام الآدميين مخلوق ولم يجعل شيئا منه غير ~~مخلوق وكل هذا صحيح والسري رحمه الله إنما ذكر ذلك عن بكر بن خنيس العابد ~~فكان مقصودهما بذلك أن الذي لا يعبد الله إلا بأمره هو أكمل ممن يعبده ~~برأيه من غير أمر من الله واستشهدا على ذلك بما بلغهما " {أنه لما خلق الله ~~الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أؤمر} وهذا الأثر لا يقوم ~~بمثله حجة في شيء ولكن مقصودهما ضرب المثل أن الألف منتصبة في الخط ليست هي ~~مضطجعة كالباء والتاء فمن لم يفعل حتى يؤمر أكمل ممن فعل بغير أمر. وأحمد ~~أنكر قول القائل إن الله لما خلق الحروف وروي عنه أنه قال: من قال إن حرفا ~~من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي لأنه سلك طريقا إلى البدعة ومن قال إن ذلك ~~مخلوق فقد قال إن القرآن مخلوق. وأحمد قد صرح هو وغيره من الأئمة أن الله ~~لم يزل متكلما إذا # PageV12P085 # شاء وصرح أن الله يتكلم بمشيئته ولكن أتباع ابن كلاب كالقاضي وغيره ~~تأولوا كلامه على أنه أراد بذلك إذا شاء الإسماع؛ لأنه عندهم لم يتكلم ~~بمشيئته وقدرته. وصرح أحمد وغيره من السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق ~~ولم يقل أحد من السلف إن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته ولا قال أحد منهم إن ~~نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه ~~قديم أزلي لم يزل ولا ms3824 يزال وإن الله قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات ~~معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال فإن هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد ~~ولا غيره من أئمة المسلمين بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا ~~وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء مع قولهم إن كلام ~~الله غير مخلوق وإنه منه بدأ؛ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره ونصوصهم بذلك كثيرة ~~معروفة في الكتب الثابتة عنهم مثل ما صنف أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " ~~وغيره وما صنفه عبد الرحمن بن أبي حاتم من كلام أحمد وغيره وما صنفه أصحابه ~~وأصحاب أصحابه: كابنيه صالح وعبد الله وحنبل وأبي داود السجستاني صاحب " ~~السنن " والأثرم والمروذي وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري صاحب الصحيح وعثمان ~~بن سعيد الدارمي وإبراهيم الحربي وعبد الوهاب الوراق # PageV12P086 # وعباس بن عبد العظيم العنبري وحرب بن إسماعيل الكرماني ومن لا يحصى عدده ~~من أكابر أهل العلم والدين وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه وأخباره: كعبد ~~الرحمن بن أبي حاتم وأبي بكر الخلال وأبي الحسن البناني الأصبهاني وأمثال ~~هؤلاء ومن كان أيضا يأتم به وبأمثاله من الأئمة في الأصول والفروع: كأبي ~~عيسى الترمذي صاحب الجامع وأبي عبد الرحمن النسائي وأمثالهما ومثل أبي محمد ~~بن قتيبة وأمثاله وبسط هذا له موضع آخر. وقد ذكرنا في " المسائل ~~الطبرستانية " و " الكيلانية " بسط مذاهب الناس وكيف تشعبت وتفرعت في هذا ~~الأصل. والمقصود هنا أن كثيرا من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام ~~السلف والأئمة فمنهم من يعظمهم ويقول إنه متبع لهم مع أنه مخالف لهم من حيث ~~لا يشعر ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين ولا تقريرها ~~بالدلائل البرهانية وذلك لجهله بعلمهم؛ بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق ~~الذي تدل عليه الدلائل العقلية مع السمعية؛ فلهذا يوجد كثير من المتأخرين ~~يشتركون في أصل فاسد ثم يفرع كل قوم عليه فروعا فاسدة يلتزمونها كما صرحوا ~~في تكلم الله تعالى بالقرآن العربي وبالتوراة ms3825 العبرية وما فيهما من حروف ~~الهجاء مؤلفا أو مفردا لما رأوا أن ذلك بلغ بصفات المخلوقين اشتبه بصفات ~~المخلوقين فلم يهتدوا لموضع # PageV12P087 # الجمع والفرق فقال هؤلاء: هذا الذي يقرأ ويسمع مثل كلام المخلوقين فهو ~~مخلوق. وقال هؤلاء: هذا الذي من كلام الآدميين هو مثل كلام الله فيكون غير ~~مخلوق كما ذكر ابن عقيل في " كتاب الإرشاد " عن بعض القائلين بأن القرآن ~~مخلوق فقال: شبهة اعترض بها على بعض أئمتهم فقال: أقل ما في القرآن من ~~أمارات الحدث كونه مشبها لكلامنا والقديم لا يشبه المحدث ومعلوم أنه لا ~~يمكن دفع ذلك؛ لأن قول القائل لغلامه يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة يضاهي ~~قوله سبحانه حتى لا يميز السامع بينهما من حيث حسه إلا أن يخبره أحدهما ~~بقصده والآخر بقصده فيميز بينهما بخبر القائل لا بحسه وإذا اشتبها إلى هذا ~~الحد فكيف يجوز دعوى قدم ما يشابه المحدث ويسد مسده مع أنه إن جاز دعوى قدم ~~الكلام مع كونه مشاهدا للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي والأخبار ولا ~~مانع من ذلك فلما فزعنا نحن وأنتم إلى نفي التشبيه خوفا من جواب دخول ~~القرآن بالحدث علينا كذلك يجب أن تفزعوا من القول بالقدم مع وجود الشبه حتى ~~إن بعض أصحابكم يقول لقوة ما رأى من الشبه بينهما إن الكلام واحد والحروف ~~غير مخلوقة فكيف يجوز أن يقال في الشيء الواحد إنه قديم محدث. # PageV12P088 # قلت: وهذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي ~~يعقوب البرزبيني ذكره في مصنفه فقال: دليل عاشر وهو أن هذه الحروف بعينها ~~وصفتها ومعناها وفائدتها هي التي في كتاب الله تعالى وفي أسمائه وصفاته ~~والكتاب بحروفه قديم؛ وكذلك هاهنا. قال: فإن قيل: لا نسلم أن تلك لها حرمة ~~وهذه لا حرمة لها قيل: لا نسلم بل لها حرمة. فإن قيل: لو كان لها حرمة لوجب ~~أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها قيل: قد لا تمنع من قراءتها ~~ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا تمنع ms3826 من قراءتها ولها حرمة وهي قديمة ~~وإنما لم تمنع من قراءتها ومسها للحاجة إلى تعليمها كما يقال في الصبي يجوز ~~له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى تعليمه. فإن قيل: فيجب إذا حلف بها ~~حالف أن تنعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث قيل له: كما في حروف القرآن ~~مثله نقول هنا. فإن قيل: أليس إذا وافقها في هذه المعاني دل على أنها هي ~~ألا ترى أنه إذا تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمي فوافق صفتها صفة ما ~~في كتاب الله تعالى مثل قوله يا داود يا نوح يا يحيى وغير ذلك؛ فإنه موافق ~~لهذه الأسماء التي في كتاب الله وإن # PageV12P089 # كانت في كتاب الله قديمة وفي خطاب الآدمي محدثة؟ . قيل: كل ما كان موافقا ~~لكتاب الله من الكلام في لفظه ونظمه وحروفه فهو من كتاب الله وإن قصد به ~~خطاب آدمي. فإن قيل: فيجب إذا أراد بهذه الأسماء آدميا وهو في الصلاة أن لا ~~تبطل صلاته. قيل له: كذلك نقول وقد ورد مثل ذلك عن علي وغيره؛ إذ ناداه رجل ~~من الخوارج: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} قال: فأجابه علي ~~وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . وعن ~~ابن مسعود أنه استأذن عليه بعض أصحابه فقال: {ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين} . قال: فإن قيل: أليس إذا قال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} ونوى به ~~خطاب غلام اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقا؟ وإن نوى به القرآن يكون قديما قيل ~~له: في كلا الحالين يكون قديما؛ لأن القديم عبارة عما كان موجودا فيما لم ~~يزل والمحدث عبارة عما حدث بعد أن لم يكن والنية لا تجعل المحدث قديما ولا ~~القديم محدثا قال: ومن قال هذا فقد بالغ في الجهل والخطأ. # PageV12P090 # وقال أيضا: كل شيء يشبه بشيء ما فإنما يشبهه في بعض الأشياء دون بعض ولا ~~يشبهه من جميع أحواله؛ لأنه إذا كان مثله في جميع أحواله كان هو لا غيره ms3827 ~~وقد بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها. اه. # قلت: هذا كلام القاضي يعقوب وأمثاله مع أنه أجل من تكلم في هذه المسألة ~~ولما كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والإجماع والعقل خالفه ابن عقيل ~~وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به. # وأجاب ابن عقيل عن سؤال الذين قالوا هذا مثل هذا بأن قال: الاشتراك في ~~الحقيقة لا يدل على الاشتراك في الحدوث كما أن كونه عالما هو تبينه للشيء ~~على أصلكم ومعرفته به على قولنا على الوجه الذي يتبينه الواحد منا وليس ~~مماثلا لنا في كوننا عالمين. وكذلك كونه قادرا هو صحة الفعل منه سبحانه ~~وتعالى وليست قدرته على الوجه الذي قدرنا عليها فليس الاشتراك في الحقيقة ~~حاصلا والافتراق في القدم والحدوث حاصل. قال: " وجواب آخر " لا نقول إن ~~الله يتكلم بكلامه على # PageV12P091 # الوجه الذي يتكلم به زيد بمعنى أنه يقول: يا يحيى فإذا فرغ من ذلك انتقل ~~إلى قوله خذ الكتاب بقوة وترتب في الوجود كذلك بل هو سبحانه وتعالى يتكلم ~~به على وجه تعجز عن مثله أدواتنا. فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل يا ~~يحيى خذ الكتاب يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث فأما أنه يشابه ~~الكلام القائم بذاته فلا. قال ابن عقيل: قالوا فهذا لا يجيء على مذهبكم؛ ~~فإن عندكم التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء. قيل: ليس معنى قولنا هي ~~المتلو أنها هذه الأصوات المقطعة وإنما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة ~~في الأصوات المحدثة وظهورها في المحدث لا بد أن يكسبها صفة التقطيع لاختلاف ~~الأنفاس وإدارة اللهوات؛ لأن الآلة التي تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على ~~وجه التقطيع وكلام الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع والابتداء ~~والانتهاء والتكرار والبعدية والقبلية. ومن قال ذلك لم يعرف حد القديم ~~وادعى قدم الأعراض وتقطع القديم وتقطع القديم عرض لا يقوم بقديم ومن اعتقد ~~أن كلام الله القائم بذاته على حد تلاوة التالي من القطع والوصل والتقريب ~~والتبعيد والبعدية والقبلية ms3828 فقد شبه الله بخلقه. ولهذا روي في الخبر " {أن ~~موسى سأله بنو إسرائيل كيف سمعت كلام ربك؟ قال كالرعد الذي لا يترجع} يعني ~~ينقطع لعدم قطع الأنفاس وعدم الأنفاس والآلات والشفاه # PageV12P092 # واللهوات ومن قال غير ذلك وتوهم أن الله تكلم على لسان التالي أو الكلام ~~الذي قام بذاته على هذه الصفة من التقطيع والوصل والتقريب والتبعيد: فقد ~~حكم به محدثا؛ لأن الدلالة على حدوث العالم هو الاجتماع والافتراق؛ ولأن ~~هذه من صفاف الأدوات اه. # قلت فهذا الذي قاله ابن عقيل أقل خطأ مما قاله البرزبيني فإن ذلك مخالف ~~للنص والإجماع والعقل مخالفة ظاهرة فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أن من تكلم ~~في الصلاة بكلام الآدميين عامدا لغير مصلحتها عالما بالتحريم بطلت صلاته ~~بالإجماع خلاف ما ذكره القاضي يعقوب ومتى قصد به التلاوة لم تبطل بالإجماع ~~وإن قصد به التلاوة والخطاب ففيه نزاع وظاهر مذهب أحمد لا تبطل كمذهب ~~الشافعي وغيره وقيل تبطل كقول أبي حنيفة وغيره. وما ذكروه عن الصحابة حجة ~~عليهم؛ فإن قول علي بن أبي طالب: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين ~~لا يوقنون} هو كلام الله ولم يقصد علي أن يقول للخارجي: ولا يستخفنك ~~الخوارج؛ وإنما قصد أن يسمعه الآية وأنه عامل بها صابر لا يستخفه الذين لا ~~يوقنون وابن مسعود قال لهم وهو بالكوفة: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} . ~~ومعلوم أن مصر بلا تنوين هي مصر المدينة وهذه لم تكن بالكوفة. وابن مسعود ~~إنما كان بالكوفة؛ فعلم أنه قصد تلاوة الآية وقصد مع # PageV12P093 # ذلك تنبيه الحاضرين على الدخول؛ فإنهم سمعوا قوله ادخلوا فعلموا أنه أذن ~~لهم في الدخول وإن كان هو تلا الآية فهذا هذا. وأما جواب ابن عقيل فبناه ~~على أصل ابن كلاب الذي يعتقده هو وشيخه وغيرهما وهو الأصل الذي وافقوا فيه ~~ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره وهو أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ~~وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته؛ لامتناع قيام الأمور ~~الاختيارية به عندهم؛ لأنها ms3829 حادثة والله لا يقوم به حادث عندهم؛ ولهذا ~~تأولوا النصوص المناقضة لهذا الأصل كقوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون} فإن هذا يقتضي أنه سيرى الأعمال في المستقبل وكذلك ~~قوله: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} وقوله: ~~{وسيرى الله عملكم ورسوله} وكذلك قوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} فإن هذا يقتضي أنه يحبهم بعد اتباع الرسول. وكذلك قوله تعالى ~~{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فإن هذا يقتضي أنه ~~قال لهم بعد خلق آدم وكذلك قوله تعالى {فلما أتاها نودي} يقتضي أنه نودي ~~لما أتاها لم يناد قبل ذلك وكذلك قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} ومثل هذا في القرآن كثير. # PageV12P094 # وهذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى على ~~الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية وقال: ~~احذروا من حارث الآفة كلها من حارث فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل ~~بسبب تحذير الإمام أحمد عنه مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من عامة ~~من وافق ابن كلاب على هذا الأصل وقد قيل إن الحارث رجع عن ذلك وأقر بأن ~~الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب " التعرف لمذهب التصوف " أبو بكر ~~محمد بن إسحاق الكلاباذي. وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وأبي حنيفة وافقوا ابن كلاب على هذا الأصل كما قد بسط الكلام على ذلك في ~~مواضع أخر. واختلف كلام ابن عقيل في هذا الأصل فتارة يقول بقول ابن كلاب ~~وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية ~~ويقول إنه قام به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك وقام به ~~علم بأن كل شيء وجد غير العلم الذي كان أولا أنه سيوجد كما دل على ذلك عدة ~~آيات في القرآن كقوله تعالى: {لنعلم من يتبع الرسول} وغير ذلك. وكلامه ms3830 في ~~هذا الأصل وغيره يختلف تارة يقول بهذا وتارة يقول بهذا فإن هذه المواضع ~~مواضع # PageV12P095 # مشكلة كثر فيها غلط الناس؛ لما فيها من الاشتباه والالتباس. # والجواب الحق: أن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين كما لا يماثل في شيء ~~من صفاته صفات المخلوقين وقول القائل: إن الاشتراك في الحقيقة لا يدل على ~~الاشتراك في الحدوث لفظ مجمل فإنا إذا قلنا: لله علم ولنا علم أو له قدرة ~~ولنا قدرة أو له كلام ولنا كلام أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت وقلنا صفة ~~الخالق وصفة المخلوق اشتركتا في الحقيقة - فإن أريد بذلك أن حقيقتهما واحدة ~~بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع وإن أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه في ~~الحقيقة وإنما اختلفتا في الصفات العرضية كما قال ذلك طائفة من أهل الكلام ~~- وقد بين فساد ذلك في الكلام على " الأربعين " للرازي وغير ذلك - فهذا ~~أيضا من أبطل الباطل وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة ~~لحقيقة ذوات المخلوقين. وإن أريد بذلك أنهما اشتركا في مسمى العلم والقدرة ~~والكلام فهذا صحيح كما أنه إذا قيل: إنه موجود أو إن له ذاتا فقد اشتركا في ~~مسمى الوجود والذات لكن هذا المشترك أمر كلي لا يوجد كليا إلا في الأذهان ~~لا في الأعيان فليس في الخارج شيء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات في ~~كلياتها بخلاف اشتراك الأجزاء في الكل فإنه يجب الفرق بين قسمة الكلي إلى ~~جزئياته كقسمة الحيوان إلى # PageV12P096 # ناطق وغير ناطق وقسمة الإنسان إلى مسلم وكافر وقسمة الاسم إلى معرب ومبني ~~وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة الكلام إلى اسم وفعل ~~وحرف ففي الأول إنما اشتركت الأقسام في أمر كلي فضلا عن أن يكون الخالق ~~والمخلوقون مشتركين في شيء موجود في الخارج وليس في الخارج صفة لله يماثل ~~بها صفة المخلوق بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو مخالف بالحد والحقيقة؛ ~~لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق وإذا كان المخلوق ~~مخالفا بذاته ms3831 وصفاته لبعض المخلوقات في الحد والحقيقة فمخالفة الخالق لكل ~~مخلوق في الحقيقة أعظم من مخالفة أي مخلوق فرض لأي مخلوق فرض ولكن علمه ثبت ~~له حقيقة العلم ولقدرته حقيقة القدرة ولكلامه حقيقة الكلام كما ثبت لذاته ~~حقيقة الذاتية ولوجوده حقيقة الوجود وهو أحق بأن تثبت له صفات الكمال على ~~الحقيقة من كل ما سواه. فهذا هو المراد بقولنا: علمه يشارك علم المخلوق في ~~الحقيقة فليس ما يسمع من العباد من أصواتهم مشابها ولا مماثلا لما سمعه ~~موسى من صوته إلا كما يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين فهذا ~~في نفس تكلمه سبحانه وتعالى بالقرآن والقرآن عند الإمام أحمد وسائر أئمة ~~السنة كلامه تكلم به وتكلم بالقرآن العربي بصوت نفسه وكلم موسى بصوت نفسه ~~الذي لا يماثل شيئا من أصوات العباد. # PageV12P097 # ثم إذا قرأنا القرآن فإنما نقرؤه بأصواتنا المخلوقة التي لا تماثل صوت ~~الرب فالقرآن الذي نقرؤه هو كلام الله مبلغا عنه لا مسموعا منه وإنما نقرؤه ~~بحركاتنا وأصواتنا الكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة مع العقل قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{زينوا القرآن بأصواتكم} وقال الإمام أحمد في قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~" {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} قال يزينه ويحسنه بصوته كما قال: " {زينوا ~~القرآن بأصواتكم} فنص أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة إنا نقرأ القرآن ~~بأصواتنا والقرآن كلام الله كله لفظه ومعناه سمعه جبريل من الله وبلغه إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم وسمعه محمد منه وبلغه محمد إلى الخلق والخلق يبلغه ~~بعضهم إلى بعض ويسمعه بعضهم من بعض ومعلوم أنهم إذا سمعوا كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره فبلغوه عنه كما قال: " {نضر الله امرأ سمع منا حديثا ~~فبلغه كما سمعه} فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف التي تكلم ~~بها وبلغوا لفظه بأصوات أنفسهم وقد علم ms3832 الفرق بين من يروي الحديث بالمعنى ~~لا باللفظ واللفظ المبلغ هو لفظ الرسول وهو كلام الرسول؛ فإن كان صوت # PageV12P098 # المبلغ ليس صوت الرسول وليس ما قام بالرسول من الصفات والإعراض فارقته ~~وما قامت بغيره؛ بل ولا تقوم الصفة والعرض بغير محله. وإذا كان هذا معقولا ~~في صفات المخلوقين فصفات الخالق أولى بكل صفة كمال وأبعد عن كل صفة نقص ~~والتباين الذي بين صفة الخالق والمخلوق أعظم من التباين الذي بين صفة مخلوق ~~ومخلوق وامتناع الاتحاد والحلول بالذات للخالق وصفاته في المخلوق أعظم من ~~الاتحاد والحلول بالذات للمخلوق وصفاته في المخلوق وهذه جمل قد بسطت في ~~مواضع أخر. هذا مع أن احتجاج الجهمية والمعتزلة بأن كلام المخلوق بقوله: ~~{يا يحيى خذ الكتاب بقوة} مثل كلام الخالق غلط باتفاق الناس حتى عندهم فإن ~~الذين يقولون هو مخلوق يقولون إنه خلقه في بعض الأجسام إما الهواء أو غيره ~~كما يقولون: إنه خلق الكلام في نفس الشجرة فسمعه موسى. ومعلوم أن تلك ~~الحروف والأصوات التي خلقها الله ليست مماثلة لما يسمع من العبد وتلك هي ~~كلام الله المسموع منه عندهم؛ كما أن أهل السنة يقولون الذي تكلم هو الله ~~بمشيئته وليس ذلك مماثلا لصوت العبد. # PageV12P099 # وأما القائلون بقدم الكلام المعين سواء كان معنى أو حروفا أو أصواتا ~~فيقولون: خلق لموسى إدراكا أدرك به ذلك القديم وبكل حال فكلام المتكلم إذا ~~سمع من المبلغ عنه غير ما قام بنفس المتكلم المنشئ فكيف لا يكون ذلك في ~~كلام الله تعالى؟ . فيجب على الإنسان في " مسألة الكلام " أن يتحرى أصلين: # أحدهما تكلم الله بالقرآن وغيره هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل ~~تكلم بكلام قائم بذاته أم خلقه في غيره؟ والثاني تبليغ ذلك الكلام عن الله ~~وأنه ليس مما يتصف به الثاني وإن كان المقصود بالتبليغ الكلام المبلغ. وبسط ~~هذا له موضع آخر. وأيضا فهذان المتنازعان إذا قال أحدهما: إنها قديمة وليس ~~لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث وقال الآخر: إنها ليست بكلام الله وإنها ~~مخلوقة بشكلها ms3833 ونقطها قد يفهم من هذا أنهما أرادا بالحروف الحروف المكتوبة ~~دون المنطوقة والحروف المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها فإن الصحابة ~~لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة؛ لأنهم إنما كانوا يعتمدون ~~في القرآن على حفظه في صدورهم لا على المصاحف وهو منقول بالتواتر محفوظ في ~~الصدور ولو عدمت المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة فإن المسلمين ليسوا كأهل ~~الكتاب الذين يعتمدون على الكتب التي تقبل التغير والله أنزل القرآن على ~~محمد فتلقاه تلقيا وحفظه في قلبه لم ينزله مكتوبا كالتوراة # PageV12P100 # وأنزله منجما مفرقا ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب كما قال تعالى: {وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} الآية وقال تعالى: {وقرآنا فرقناه} ~~الآية وقال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن} الآية وقال تعالى: {إن علينا جمعه ~~وقرآنه} الآية. وفي الصحيح عن ابن عباس قال: {كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: {لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به} {إن علينا جمعه وقرآنه} } قال جمعه في صدرك ثم ~~تقرؤه: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} قال: فاستمع له وأنصت {ثم إن علينا ~~بيانه} أي نبينه بلسانك. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل ~~استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه؛ فلهذا لم ~~تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها وأيضا كانوا عربا لا يلحنون؛ فلم ~~يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء ~~والتاء مثل: يعملون وتعملون. فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأخرى. ثم إنه ~~في زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف وينقطها ~~وكانوا يعملون ذلك بالحمرة ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف والكسرة ~~بنقطة حمراء تحته والضمة بنقطة حمراء # PageV12P101 # أمامه. ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك " شد "؛ ويعملون المدة ~~بقولك " مد " وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين؛ لأن الهمزة أخت العين ثم ms3834 ~~خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين وعلامة المدة مختصرة كما ~~يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا ~~فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل " أنا " وعلى شكل " ثنا ". وتنازع العلماء ~~هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها؟ على قولين معروفين وهما روايتان عن الإمام ~~أحمد لكن لا نزاع بينهم أن المصحف إذا شكل ونقط وجب احترام الشكل والنقط ~~كما يجب احترام الحرف ولا تنازع بينهم أن مداد النقطة والشكل مخلوق كما أن ~~مداد الحرف مخلوق ولا نزاع بينهم أن الشكل يدل على الإعراب والنقط يدل على ~~الحروف وأن الإعراب من تمام الكلام العربي ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما ~~قالا: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. ولا ريب أن النقطة ~~والشكلة بمجردهما لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغي أن يجرد الكلام فيهما ولا ~~ريب أن إعراب القرآن العربي من تمامه ويجب الاعتناء بإعرابه والشكل يبين ~~إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف المنطوق كذلك يبين الشكل المكتوب ~~للإعراب المنطوق. # PageV12P102 # فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب وقلت ~~الأهواء والعصبيات وعرفوا موارد النزاع فمن تبين له الحق في شيء من ذلك ~~اتبعه ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له وينبغي له أن يستعين على ذلك ~~بدعاء الله ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم} . وقول القائل الآخر كلامه كتب بها: يقتضي أنه أراد بالحروف ~~ما يتناول المنطوق والمكتوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من قرأ ~~القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام ~~حرف وميم حرف} قال الترمذي: ms3835 حديث صحيح. فهنا لم يرد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالحرف نفس المداد وشكل المداد وإنما أراد الحرف المنطوق. وفي مراده ~~بالحرف قولان: قيل هذا اللفظ المفرد. وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بالحرف ~~الاسم كما قال: ألف حرف ولام حرف وميم حرف. # ولفظ " الحرف والكلمة " له في لغة العرب التي كان النبي # PageV12P103 # صلى الله عليه وسلم يتكلم بها معنى وله في اصطلاح النحاة معنى. فالكلمة ~~في لغتهم هي الجملة التامة الجملة الاسمية أو الفعلية كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: " {كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم} وقال صلى الله عليه وسلم " {إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ~~ألا كل شيء ما خلا الله باطل} وقال: " {إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان ~~الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن العبد ~~ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها سخطه إلى ~~يوم القيامة} وقال لأم المؤمنين " {لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما ~~قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه سبحان ~~الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته} ومنه قوله تعالى {كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها} وقوله تعالى {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله} وقوله: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} وقوله: ~~{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} ونظائره ~~كثيرة. ولا يوجد قط في الكتاب والسنة وكلام العرب لفظ الكلمة إلا # PageV12P104 # والمراد به الجملة التامة. فكثير من النحاة أو أكثرهم لا يعرفون ذلك؛ بل ~~يظنون أن اصطلاحهم في مسمى الكلمة ينقسم إلى اسم وفعل ms3836 وحرف هو لغة العرب ~~والفاضل منهم يقول: وكلمة بها كلام قد يؤم ويقولون: العرب قد تستعمل الكلمة ~~في الجملة التامة وتستعملها في المفرد وهذا غلط لا يوجد قط في كلام العرب ~~لفظ الكلمة إلا للجملة التامة. ومثل هذا اصطلاح المتكلمين على أن القديم هو ~~ما لا أول لوجوده أو ما لم يسبقه عدم ثم يقول بعضهم: وقد يستعمل القديم في ~~المتقدم على غيره سواء كان أزليا أو لم يكن كما قال تعالى: {حتى عاد ~~كالعرجون القديم} وقال: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} وقوله ~~تعالى {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} وقال: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} ~~{أنتم وآباؤكم الأقدمون} وتخصيص القديم بالأول عرف اصطلاحي ولا ريب أنه ~~أولى بالقدم في لغة الرب؛ ولهذا كان لفظ المحدث في لغة العرب بإزاء القديم ~~قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} وهذا يقتضي أن الذي نزل قبله ~~ليس بمحدث بل متقدم. وهذا موافق للغة العرب التي نزل بها القرآن # PageV12P105 # ونظير هذا لفظ " القضاء " فإنه في كلام الله وكلام الرسول المراد به ~~إتمام العبادة وإن كان ذلك في وقتها كما قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} وقوله: {فإذا قضيتم مناسككم} ثم ~~اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ " القضاء " مختصا بفعلها في غير وقتها ~~ولفظ " الأداء " مختصا بما يفعل في الوقت وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام ~~الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء في الأداء فيجعلون اللغة التي نزل ~~القرآن بها من النادر. ولهذا يتنازعون في مراد النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا} " وفي لفظ: " {فأتموا} " فيظنون أن ~~بين اللفظين خلافا وليس الأمر كذلك؛ بل قوله: " فاقضوا " كقوله: " فأتموا " ~~لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت؛ بل لا يوجد في كلام الشارع أمر بالعبادة ~~في غير وقتها لكن الوقت وقتان: وقت عام ووقت خاص لأهل الأعذار: كالنائم ~~والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر فإنما صليا في الوقت الذي أمر ms3837 الله ~~به فإن هذا ليس وقتا في حق غيرهما. # PageV12P106 # ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح ~~حادث فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التي ~~اعتادها. وما ذكر في مسمى " الكلام " ما ذكره سيبويه في كتابه عن العرب ~~فقال: واعلم " أن " في كلام العرب إنما وقعت على أن تحكى وإنما يحكى بعد ~~القول ما كان كلاما قولا؛ وإلا فلا يوجد قط لفظ الكلام والكلمة إلا للجملة ~~التامة في كلام العرب ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعاني واسم ~~حروف الهجاء؛ ولهذا سأل الخليل أصحابه: كيف تنطقون بالزاي من زيد؟ فقالوا: ~~زاي فقال نطقتم بالاسم وإنما الحرف زه؛ فبين الخليل أن هذه التي تسمى حروف ~~الهجاء هي أسماء. وكثيرا ما يوجد في كلام المتقدمين هذا " حرف من الغريب " ~~يعبرون بذلك عن الاسم التام فقوله صلى الله عليه وسلم " {فله بكل حرف} " ~~مثله بقوله: " ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ". وعلى نهج ذلك: وذلك حرف ~~والكتاب حرف ونحو ذلك. وقد قيل: إن ذلك أحرف والكتاب أحرف وروي ذلك مفسرا ~~في بعض الطرق. والنحاة اصطلحوا اصطلاحا خاصا فجعلوا لفظ " الكلمة " يراد # PageV12P107 # به الاسم أو الفعل أو الحرف الذي هو من حروف المعاني؛ لأن سيبويه قال في ~~أول كتابه: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. فجعل هذا ~~حرفا خاصا وهو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل؛ لأن سيبويه كان حديث ~~العهد بلغة العرب وقد عرف أنهم يسمون الاسم أو الفعل حرفا فقيد كلامه بأن ~~قال: وقسموا الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل وأراد ~~سيبويه أن الكلام ينقسم إلى ذلك قسمة الكل إلى أجزائه لا قسمة الكلي إلى ~~جزئياته كما يقول الفقهاء بأن القسمة كما يقسم العقار والمنقول بين الورثة ~~فيعطى هؤلاء قسم غير قسم هؤلاء كذلك الكلام هو مؤلف من الأسماء والأفعال ~~وحروف المعاني فهو مقسوم إليها وهذا التقسيم غير ms3838 تقسيم الجنس إلى أنواعه ~~كما يقال: الاسم ينقسم إلى معرب ومبني. وجاء الجزولي وغيره فاعترضوا على ~~النحاة في هذا ولم يفهموا كلامهم فقالوا: كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص ~~أنواعه فاسم المقسوم صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست أقساما له ~~وأرادوا بذلك الاعتراض على قول الزجاج: الكلام اسم وفعل وحرف. والذي ذكره ~~الزجاج هو الذي ذكره سيبويه وسائر أئمة النحاة وأرادوا بذلك القسمة الأولى ~~المعروفة وهي قسمة الأمور الموجودة إلى أجزائها كما يقسم العقار والمال ولم ~~يريدوا بذلك قسمة الكليات - التي لا توجد كليات # PageV12P108 # إلا في الذهن - كقسمة الحيوان إلى ناطق وبهيم وقسمة الاسم إلى المعرب ~~والمبني. فإن المقسم هنا هو معنى عقلي كلي لا يكون كليا إلا في الذهن. # فصل: # ولفظ " الحرف " يراد به حروف المعاني التي هي قسيمة الأسماء والأفعال: ~~مثل حروف الجر والجزم وحرفي التنفيس والحروف المشبهة للأفعال مثل " إن ~~وأخواتها " وهذه الحروف لها أقسام معروفة في كتب العربية كما يقسمونها بحسب ~~الإعراب إلى ما يختص بالأسماء وإلى ما يختص بالأفعال ويقولون: ما اختص بأحد ~~النوعين ولم يكن كالجزء منه كان عاملا كما تعمل حروف الجر وإن وأخواتها في ~~الأسماء وكما تعمل النواصب والجوازم في الأفعال؛ بخلاف حرف التعريف وحرفي ~~التنفيس: كالسين وسوف فإنهما لا يعملان لأنهما كالجزء من الكلمة ويقولون: ~~كان القياس في " ما " أنها لا تعمل لأنها تدخل على الجملة الاسمية والفعلية ~~ولكن أهل الحجاز أعملوها لمشابهتها لليس وبلغتهم جاء القرآن في قوله: {ما ~~هذا بشرا} {ما هن أمهاتهم} . # PageV12P109 # ويقسمون " الحروف " باعتبار معانيها إلى حروف استفهام وحروف نفي وحروف ~~تخصيص وغير ذلك ويقسمونها باعتبار بنيتها كما تقسم الأفعال والأسماء إلى ~~مفرد وثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي. فاسم الحرف هنا منقول عن اللغة إلى عرف ~~النحاة بالتخصيص وإلا فلفظ الحرف في اللغة يتناول الأسماء والحروف والأفعال ~~وحروف الهجاء تسمى حروفا وهي أسماء كالحروف المذكورة في أوائل السور لأن ~~مسماها هو الحرف الذي هو حرف الكلمة. وتقسم تقسيما آخر إلى حروف حلقية ~~وشفهية والمذكورة في أوائل السور ms3839 في القرآن هي نصف الحروف واشتملت من كل ~~صنف على أشرف نصفيه: على نصف الحلقية والشفهية والمطبقة؛ والمصمتة وغير ذلك ~~من أجناس الحروف. فإن لفظ " الحرف " أصله في اللغة هو الحد والطرف كما ~~يقال: حروف الرغيف وحرف الجبل. قال الجوهري: حرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ~~ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد ومنه قوله تعالى {ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف} إلى قوله: {والآخرة} فإن طرف الشيء إذا كان الإنسان عليه لم يكن ~~مستقرا؛ فلهذا كان من عبد الله على السراء دون الضراء عابدا له على حرف: ~~تارة يظهره وتارة ينقلب # PageV12P110 # على وجهه كالواقف على حرف الجبل فسميت حروف الكلام حروفا لأنها طرف ~~الكلام وحده ومنتهاه إذ كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ومنتهاه حده وحرفه ~~القائم بشفتيه ولسانه؛ ولهذا قال تعالى: {ألم نجعل له عينين} {ولسانا ~~وشفتين} فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا. ثم إذا كتب الكلام في المصحف ~~سموا ذلك حروفا فيراد بالحرف الشكل المخصوص ولكل أمة شكل مخصوص هي خطوطهم ~~التي يكتبون بها كلامهم ويراد به المادة ويراد به مجموعها وهذه الحروف ~~المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها وتدل عليها فسميت بأسمائها؛ إذ كان ~~الإنسان يكتب اللفظ بقلمه؛ ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} إلى قوله: {ما لم يعلم} فبين سبحانه في أول ما أنزله أنه ~~سبحانه هو الخالق الهادي الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى كما قال موسى: {ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} فالخلق يتناول كل ما سواه من المخلوقات ثم ~~خص الإنسان فقال: {خلق الإنسان من علق} . ثم ذكر أنه علم؛ فإن الهدى ~~والتعليم هو كمال المخلوقات. والعلم له " ثلاث مراتب " علم بالجنان وعبارة ~~باللسان وخط # PageV12P111 # بالبنان؛ ولهذا قيل: إن لكل شيء أربع وجودات: وجود عيني وعلمي ولفظي ~~ورسمي. وجود في الأعيان ووجود في الأذهان واللسان والبنان؛ لكن الوجود ~~العيني هو وجود الموجودات في أنفسها والله خالق كل شيء وأما الذهني الجناني ~~فهو العلم ms3840 بها الذي في القلوب والعبارة عن ذلك هو اللساني وكتابة ذلك هو ~~الرسمي البناني وتعليم الخط يستلزم تعليم العبارة واللفظ وذلك يستلزم تعليم ~~العلم فقال: {علم بالقلم} لأن التعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث وأطلق ~~التعليم ثم خص فقال: {علم الإنسان ما لم يعلم} . وقد تنازع الناس في وجود ~~كل شيء هل هو عين ماهيته أم لا؟ وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع ~~وبين أن الصواب من ذلك أنه قد يراد بالوجود ما هو ثابت في الأعيان ~~وبالماهية ما يتصور في الأذهان فعلى هذا فوجود الموجودات الثابت في الأعيان ~~ليس هو ماهيتها المتصورة في الأذهان؛ لكن الله خلق الموجود الثابت في ~~الأعيان وعلم الماهيات المتصورة في الأذهان كما أنزل بيان ذلك في أول سورة ~~أنزلها من القرآن وقد يراد بالوجود والماهية كلاهما: ما هو متحقق في ~~الأعيان وما هو متحقق في الأذهان فإذا أريد بهذا وهذا ما هو متحقق في ~~الأعيان أو ما هو متصور في الأذهان فليس هما في الأعيان اثنان؛ بل هذا هو ~~هذا. وكذلك الذهن إذا تصور شيئا فتلك الصورة # PageV12P112 # هي المثال الذي تصورها وذلك هو وجودها الذهني الذي تتصوره الأذهان؛ فهذا ~~فصل الخطاب في هذا الباب. ومن تدبر هذه المسائل وأمثالها تبين له أن أكثر ~~اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور} . وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل وتفاصيلها في مواضع أخرى؛ فإن ~~الناس كثر نزاعهم فيها حتى قيل: " مسألة الكلام " حيرت عقول الأنام. ولكن ~~سؤال هذين لا يحتمل البسط الكثير فإنهما سألا بحسب ما سمعاه واعتقداه ~~وتصوراه فإذا عرف السائل أصل مسألته ولوازمها وما فيها من الألفاظ المجملة ~~والمعاني المشتبهة تبين له أن من الخلق من تكلم في مثل هذه الأسماء بالنفي ~~والإثبات من غير تفصيل فلا بد له أن يقابله آخر بمثل إطلاقه. ومن الأصول ~~الكلية أن يعلم أن الألفاظ " نوعان ": نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على ~~كل مؤمن أن يقر ms3841 بموجب ذلك فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ~~ورسوله فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل والألفاظ # PageV12P113 # الشرعية لها حرمة. ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما ~~أثبته وينفي ما نفاه من المعاني فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر ~~ونطيعه في كل ما أوجب وأمر ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم ~~والإيمان وقد قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} . وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على ~~نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر ~~عن مراده فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى ~~يخالف خبر الرسول أنكره. ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه ~~اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه ~~الشرعي؛ فإن كثيرا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة حتى ~~تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها ولو سئل كل منهما ~~عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله ولو عرف دليله لم يلزم أن ~~من خالفه يكون مخطئا بل يكون في قوله نوع من الصواب وقد يكون هذا مصيبا من ~~وجه وهذا مصيبا من وجه وقد يكون الصواب في قول ثالث. # PageV12P114 # وكثير من الكتب المصنفة في " أصول علوم الدين " وغيرها تجد الرجل المصنف ~~فيها في " المسألة العظيمة " كمسألة القرآن والرؤية والصفات والمعاد وحدوث ~~العالم وغير ذلك يذكر أقوالا متعددة. والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه ~~سلف الأمة ليس في تلك الكتب؛ بل ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به وهذا من ~~أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة وهو مما نهيت الأمة عنه كما في ~~قوله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب ms3842 عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} . قال ابن عباس: تبيض ~~وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. وقد قال تعالى: ~~{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} ~~وقال تعالى: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} . وقد {خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر وهذا يقول ألم يقل ~~الله كذا؟ وهذا يقول ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا ~~دعيتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا: أن ضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ~~ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه} . ومما أمر الناس به أن ~~يعملوا بمحكم القرآن ويؤمنوا بمتشابهه. # PageV12P115 # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كتبت في أصول هذه المسائل قواعد متعددة ~~وأصولا كثيرة ولكن هذا الجواب كتب وصاحبه مستوفز في قعدة واحدة والله تعالى ~~يهدينا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه. والحمد لله رب العالمين. # PageV12P116 # وقال - رحمه الله -: # فصل: (*) # في بيان أن القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم ليس شيء منه كلاما ~~لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} {وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون} . {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين} . فأمره أن يقول: {نزله روح القدس من ربك ~~بالحق} فإن الضمير في قوله {قل نزله} عائد على ما في قوله: {بما ينزل} ~~والمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام وقوله: {والله أعلم ~~PageV12P117 # بما ينزل} فيه إخبار الله بأنه أنزله؛ لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح ~~القدس نزل به ولا أنه منزل منه. ms3843 ولفظ " الإنزال " في القرآن قد يرد مقيدا ~~بالإنزال منه: كنزول القرآن وقد يرد مقيدا بالإنزال من السماء ويراد به ~~العلو؛ فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك ~~وقد يرد مطلقا فلا يختص بنوع من الإنزال؛ بل ربما يتناول الإنزال من رءوس ~~الجبال كقوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} والإنزال من ظهور الحيوان ~~كإنزال الفحل الماء وغير ذلك. فقوله: {نزله روح القدس من ربك بالحق} بيان ~~لنزول جبريل به من الله فإن روح القدس هنا هو جبريل؛ بدليل قوله: {من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} وهو الروح الأمين كما في قوله: ~~{وإنه لتنزيل رب العالمين} {نزل به الروح الأمين} {على قلبك لتكون من ~~المنذرين} {بلسان عربي مبين} وفي قوله {الأمين} دلالة على أنه مؤتمن على ما ~~أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما ~~قال في صفته في الآية الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين} {مطاع ثم أمين} . وفي قوله: {منزل من ربك} دلالة على أمور: " منها " ~~بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم # PageV12P118 # من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من ~~المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم؛ فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى ~~الصفات وقال إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة جهميا؛ فإن " جهما ~~" أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في نفي ذلك فله في هذه ~~البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه وإن ~~كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك. فإن الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك ~~في الإسلام؛ فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر. وقال: يا ~~أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن ~~الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول ~~الجعد ms3844 بن درهم علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه؛ ولكن المعتزلة وإن وافقوا جهما في ~~بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك: كمسائل القدر والإيمان وبعض مسائل ~~الصفات أيضا ولا يبالغون في النفي مبالغته. وجهم يقول: إن الله تعالى لا ~~يتكلم. أو يقول: إنه يتكلم بطريق المجاز وأما " المعتزلة " فيقولون إنه ~~يتكلم حقيقة؛ لكن قولهم في المعنى هو قول جهم وجهم ينفي الأسماء أيضا كما ~~نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة وأما جمهور المعتزلة فلا ينفون ~~الأسماء. # PageV12P119 # والمقصود أن قوله: {منزل من ربك} فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق ~~من المخلوقات؛ ولهذا قال السلف: منه بدأ أي: هو الذي تكلم به لم يبتدأ من ~~غيره كما قالت الخلقية. و " منها " أن قوله: {منزل من ربك} فيه بطلان قول ~~من يجعله فاض على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من العقل الفعال أو غيره ~~كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة وهذا القول أعظم كفرا وضلالا من ~~الذي قبله. و " منها " أن هذه الآية - أيضا - تبطل قول من يقول إن القرآن ~~العربي ليس منزلا من الله بل مخلوق: إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر ~~غيرهما كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربي ليس ~~هو كلام الله وإنما كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ~~ذلك المعنى ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام: الهواء أو غيره أو ألهمه ~~جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربي أو ~~يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره: فهذه الأقوال التي تقدمت هي ~~تفريع على هذا القول فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولا ~~قبل أن يصل إلينا. # PageV12P120 # وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي وكذلك ~~التوراة العبرية ويفارقه من وجهين. " أحدهما " أن أولئك يقولون إن المخلوق ~~كلام الله وهؤلاء يقولون إنه ليس كلام الله؛ لكن يسمى كلام الله مجازا وهذا ms3845 ~~قول أئمتهم وجمهورهم. وقالت طائفة من متأخريهم؛ بل لفظ الكلام يقال على هذا ~~وهذا بالاشتراك اللفظي لكن هذا ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير ~~المتكلم به وهم مع هذا لا يقولون إن المخلوق كلام الله حقيقة كما تقوله ~~المعتزلة مع قولهم إنه كلامه حقيقة بل يجعلون القرآن العربي كلاما لغير ~~الله وهو كلام حقيقة وهذا شر من قول المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية ومن ~~هذا الوجه: فقول المعتزلة أقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة لكن ~~المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء وإنما ينازعونهم في اللفظ. " الثاني " ~~أن هؤلاء يقولون: لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته والخلقية يقولون: لا ~~يقوم بذاته كلام. ومن هذا الوجه فالكلابية خير من الخلقية في الظاهر؛ لكن ~~جمهور الناس يقولون: إن أصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا له كلاما ~~حقيقة غير المخلوق؛ فإنهم يقولون: إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر: ~~فإن عبر عنه بالعربية # PageV12P121 # كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا. ومنهم من قال: هو خمس معان. وجمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا ~~معلوم بالضرورة بعد التصور التام والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب ~~وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق؛ كما في الأخبار المتواترة. وأما مع ~~التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدا وقد يتفقون على جحد الضرورات وإن لم ~~يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولو لم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ~~ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول كما اتفقت النصارى والرافضة ~~وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها بالضرورة. وقال جمهور العقلاء: ~~نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن معنى ذلك معنى القرآن؛ بل معاني هذا ~~ليست معاني هذا ومعاني هذا ليست معاني هذا. وكذلك معنى: {قل هو الله أحد} ~~ليس هو معنى {تبت يدا أبي لهب وتب} ولا معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين. ~~وقالوا: إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا فجوزوا أن يكون ~~العلم والقدرة والكلام ms3846 والسمع والبصر صفة واحدة فاعترف أئمة هذا القول بأن ~~هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي. # PageV12P122 # ثم منهم من قال: الناس في الصفات إما مثبت لها وقائل بالتعدد وإما ناف ~~لها؛ وأما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع. وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي ~~المعالي وغيرهما. ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي الحسن الآمدي ~~وغيره. " والمقصود هنا " أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تبين بطلان ~~غيره فإن قوله: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} يقتضي نزول القرآن من ربه ~~والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل قوله: {فإذا قرأت القرآن} ~~وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجردة. وأيضا فضمير المفعول في ~~قوله نزله عائد على ما في قوله: {والله أعلم بما ينزل} فالذي أنزله الله هو ~~الذي نزله روح القدس فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون ~~نزله من الله فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ولا نزله ~~من نفسه. وأيضا فإنه قال عقيب هذه الآية: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} وهم كانوا ~~يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر لم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر ~~معانيه فقط؛ بدليل قوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين} فإنه تعالى أبطل قول الكفار بأن # PageV12P123 # لسان الذي ألحدوا إليه بأن أضافوا إليه هذا القرآن فجعلوه هو الذي يعلم ~~محمدا القرآن لسان أعجمي والقرآن لسان عربي مبين وعبر عن هذا المعنى بلفظ ~~{يلحدون} لما تضمن من معنى ميلهم عن الحق وميلهم إلى هذا الذي أضافوا إليه ~~هذا القرآن فإن لفظ " الإلحاد " يقتضي ميلا عن شيء إلى شيء بباطل فلو كان ~~الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن هذا ردا لقولهم؛ فإن الإنسان قد ~~يتعلم من الأعجمي شيئا بلغة ذلك الأعجمي ويعبر عنه هو بعبارته. وقد اشتهر ~~في التفسير أن بعض الكفار كانوا يقولون: هو تعلمه من شخص كان ms3847 بمكة أعجمي. ~~قيل: إنه كان مولى لابن الحضرمي وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل ~~به روح القدس بشرا والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربي مبين: ~~علم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين وأن محمدا لم يؤلف نظم القرآن ~~بل سمعه من روح القدس وإذا كان روح القدس نزل به من الله علم أنه سمعه منه ~~ولم يؤلفه هو وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين ~~سمعه روح القدس من الله ونزل به منه. ونظير هذه الآية قوله تعالى {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} إلى قوله: {فذرهم وما يفترون} ~~وكذلك قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم # PageV12P124 # الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} و " الكتاب ~~" اسم للقرآن العربي بالضرورة والاتفاق فإن الكلابية أو بعضهم يفرق بين ~~كلام الله وكتاب الله فيقول: كلامه هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق ~~وكتابه هو المنظوم المؤلف العربي وهو مخلوق. و " القرآن " يراد به هذا تارة ~~وهذا تارة والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنا وكتابا وكلاما ~~فقال تعالى {تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} وقال: {طس تلك آيات القرآن وكتاب ~~مبين} وقال: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} إلى قوله تعالى ~~{قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه} ~~فبين أن الذي سمعوه هو القرآن وهو الكتاب. وقال: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح ~~محفوظ} وقال: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} وقال: {يتلو صحفا مطهرة} ~~{فيها كتب قيمة} وقال: {والطور} {وكتاب مسطور} {في رق منشور} وقال: {ولو ~~نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} . ولكن لفظ الكتاب قد يراد به ~~المكتوب فيكون هو الكلام وقد يراد به ما يكتب فيه كما قال تعالى: {إنه ~~لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} وقال: {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا} . # PageV12P125 # و " المقصود هنا " أن قوله {وهو ms3848 الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} يتناول ~~نزول القرآن العربي على كل قول. وقد أخبر: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق} إخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم. وقال إنهم يعلمون ~~ذلك ولم يقل إنهم يظنونه أو يقولونه والعلم لا يكون إلا حقا مطابقا للمعلوم ~~بخلاف القول والظن الذي ينقسم إلى حق وباطل؛ فعلم أن القرآن العربي منزل من ~~الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا من محمد ~~ولا غيرهما وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة ~~كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه. وهذا لا ينافي ما جاء ~~عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ~~أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا ~~بحسب الحوادث ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله كما قال ~~تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} وقال تعالى: {إنه لقرآن كريم} {في ~~كتاب مكنون} {لا يمسه إلا المطهرون} . وقال تعالى: {كلا إنها تذكرة} {فمن ~~شاء ذكره} {في صحف مكرمة} {مرفوعة مطهرة} {بأيدي سفرة} {كرام بررة} وقال ~~تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} # PageV12P126 # فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ. وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ~~ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل ~~أو بعد ذلك وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة ~~القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله. والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا ~~يكون أن لو كان كيف كان يكون وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال ~~العباد قبل أن يعملوها كما ثبت ذلك في صريح الكتاب والسنة وآثار السلف ثم ~~إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها؛ فيقابل به الكتابة المتقدمة ~~على الوجود والكتابة المتأخرة عنه فلا يكون ms3849 بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس ~~وغيره من السلف - وهو حق - فإذا كان ما يخلقه بائنا منه قد كتبه قبل أن ~~يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم به. ~~ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من ~~وجوه: " منها " أن يقال إن الله سبحانه وتعالى قد كتب التوراة لموسى بيده ~~فبنو إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه وتعالى فيه ~~فإن كان محمد أخذه عن جبريل وجبريل عن الكتاب # PageV12P127 # كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة. وكذلك من قال إنه ألقى إلى جبريل ~~المعاني وأن جبريل عبر عنها بالكلام العربي فقوله يستلزم أن يكون جبريل ~~ألهمه إلهاما وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين. كما قال تعالى: {وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} وقال: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} ~~وقد أوحى إلى سائر النبيين فيكون هذا الوحي الذي يكون لآحاد الأنبياء ~~والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن جبريل؛ لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو ~~بمنزلة الواحد من هؤلاء؛ ولهذا زعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم ~~الأنبياء وقال: لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى ~~الرسول. فجعل أخذه وأخذ الملك الذي جاء إلى الرسول من معدن واحد وادعى أن ~~أخذه عن الله أعلى من أخذ الرسول للقرآن ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر وأن ~~هذا القول من جنسه. وأيضا فالله تعالى يقول: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط} إلى قوله: {وكلم الله موسى تكليما} ففضل موسى بالتكليم على غيره ~~ممن أوحى إليهم وهذا يدل على أمور: على أن الله يكلم عبده تكليما زائدا عن ~~الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص فإن # PageV12P128 # لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى عام وخاص فالتكليم هو المقسوم في ~~قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ms3850 أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا} والتكليم المطلق هو قسيم الوحي الخاص ليس هو قسما منه وكذلك لفظ ~~الوحي قد يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كما في قوله لموسى: {فاستمع ~~لما يوحى} وقد يكون قسيم التكليم الخاص كما في سورة الشورى وهذا يبطل قول ~~من يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات فإنه حينئذ لا فرق بين التكليم الذي ~~خص به موسى والوحي العام الذي يكون لآحاد العباد. ومثل هذا قوله في الآية ~~الأخرى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فإنه فرق بين الإيحاء وبين التكليم من وراء ~~الحجاب وبين إرسال رسول يوحي بإذنه ما يشاء فدل على أن التكليم من وراء ~~حجاب - كما كلم موسى - أمر غير الإيحاء. وأيضا فقوله: {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم} وقوله: {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} ~~وقوله: {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله ~~لا من غيره. وكذلك قوله {بلغ ما أنزل إليك من ربك} فإنه يدل على إثبات أن ~~ما أنزل إليه من ربه وأنه مبلغ مأمور بتبليغ ذلك. # PageV12P129 # وأيضا فهم يقولون: إنه معنى واحد فإن كان موسى سمع جميع المعنى فقد سمع ~~جميع كلام الله وإن سمع بعضه فقد تبعض وكلاهما ينقض قولهم؛ فإنهم يقولون: ~~إنه معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض فإن كان ما يسمعه موسى والملائكة هو ذلك ~~المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله وكلامه متضمن لجميع خبره وجميع ~~أمره فيلزم أن يكون كل واحد ممن كلمه الله أو أنزل عليه شيئا من كلامه ~~عالما بجميع أخبار الله وأوامره وهذا معلوم الفساد بالضرورة. وإن كان ~~الواحد من هؤلاء إنما يسمع بعضه فقد تبعض كلامه وذلك يناقض قولهم. وأيضا ~~فقوله: {وكلم الله موسى تكليما} وقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ~~وقوله: {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} وقوله: {فلما أتاها ~~نودي يا موسى} ms3851 {إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى} {وأنا ~~اخترتك فاستمع لما يوحى} الآيات. دليل على تكليم سمعه موسى. والمعنى المجرد ~~لا يسمع بالضرورة ومن قال إنه يسمع فهو مكابر ودليل على أنه ناداه والنداء ~~لا يكون إلا صوتا مسموعا ولا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع ~~لا حقيقة ولا مجازا. وأيضا فقد قال تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين} وقوله: {فلما أتاها نودي من # PageV12P130 # شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا ~~الله رب العالمين} وقال: {هل أتاك حديث موسى} {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس ~~طوى} وقال: {فلما أتاها نودي يا موسى} {إني أنا ربك} وفي هذا دليل على أنه ~~حينئذ نودي ولم يناد قبل ذلك؛ ولما فيها من معنى الظرف كما في قوله: {وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} ومثل هذا قوله: {ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين ~~كنتم تزعمون} فإنه وقت النداء بظرف محدود فدل على أن النداء يقع في ذلك ~~الحين دون غيره من الظروف وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه. ومثل ~~هذا قوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} وقوله: ~~{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب ~~بوقت معين فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته؛ بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته. ثم ~~من هؤلاء من قال إنه معنى واحد؛ لأن الحروف والأصوات متعاقبة يمتنع أن تكون ~~قديمة. ومنهم من قال: بل الحروف والأصوات قديمة الأعيان وأنها مترتبة في ~~ذاتها متقاربة في وجودها لم تزل ولا # PageV12P131 # تزال قائمة بذاته والنداء الذي سمعه موسى قديم أزلي لم يزل ولا يزال. ~~ومنهم من قال: بل الحروف قديمة الأعيان بخلاف الأصوات وكل هؤلاء يقولون: إن ~~التكليم والنداء ليس إلا ms3852 مجرد خلق إدراك المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ولا ~~يزال لا أنه يكون هناك كلام يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم؛ بل ~~تكليمه عندهم جعل العبد سامعا لما كان موجودا قبل سمعه بمنزلة جعل الأعمى ~~بصيرا لما كان موجودا قبل رؤيته من غير إحداث شيء منفصل عن الأعمى. فعندهم ~~لما جاء موسى لميقات ربه سمع النداء القديم لا أنه حينئذ نودي. ولهذا ~~يقولون: إنه يسمع كلامه لخلقه يدل عن قول الناس إنه يكلم خلقه وهؤلاء يردون ~~على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ويقولون عن أنفسهم إنهم أهل السنة ~~الموافقون للسلف الذين قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق وليس قولهم ~~قول السلف؛ لكن قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه وقول الخلقية أقرب إلى قول ~~السلف من وجه. أما كون قولهم أقرب فلأنهم يثبتون لله كلاما قائما بنفس الله ~~وهذا قول السلف؛ بخلاف الخلقية الذين يقولون: ليس كلامه إلا ما خلقه في ~~غيره فإن قول هؤلاء مخالف لقول السلف. وأما كون قول # PageV12P132 # الخلقية أقرب فلأنهم يقولون إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته وهذا قول السلف ~~وهؤلاء عندهم لا يقدر الله على شيء من كلامه وليس كلامه بمشيئته واختياره ~~بل كلامه عندهم كحياته وهم يقولون: الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل. ~~والخلقية يقولون صفة فعل لا صفة ذات ومذهب السلف أنه صفة ذات وصفة فعل معا ~~فكل منهما موافق للسلف من وجه دون وجه. واختلافهم في كلام الله تعالى شبيه ~~اختلافهم في أفعاله تعالى ورضاه وغضبه وإرادته وكراهته وحبه وبغضه وفرحه ~~وسخطه ونحو ذلك. فإن هؤلاء يقولون هذه كلها أمور مخلوقة بائنة عنه ترجع إلى ~~الثواب والعقاب. والآخرون يقولون بل هذه كلها أمور قديمة الأعيان قائمة ~~بذاته. ثم منهم من يجعلها كلها تعود إلى إرادة واحدة بالعين متعلقة بجميع ~~المخلوقات. ومنهم من يقول: بل هي صفات متعددة الأعيان لكن يقول: كل واحدة ~~واحدة العين قديمة قبل وجود مقتضياتها كما قالوا مثل ذلك في الكلام والله ~~تعالى يقول: {ذلك بأنهم ms3853 اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} فأخبر أن ~~أفعالهم أسخطته قال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} أي أغضبونا. وقال ~~تعالى: {ادعوني أستجب لكم} إلى أمثال ذلك مما يبين أنه سخط على الكفار لما ~~كفروا ورضي عن المؤمنين لما آمنوا. # PageV12P133 # ونظير هذا اختلافهم في أفعاله تعالى ومسائل القدر؛ فإن المعتزلة يقولون: ~~إنه يفعل لحكمة مقصودة وإرادة الإحسان إلى العباد؛ لكن لا يثبتون لفعله ~~حكمة تعود إليه. وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أصلا. فأولئك ~~أثبتوا حكمة لكن لا تقوم به وهؤلاء لا يثبتون له حكمة ولا قصدا يتصف به ~~والفريقان لا يثبتون له حكمة ولا مقصودا يعود إليه. وكذلك في " الكلام ": ~~أولئك أثبتوا كلاما هو فعله لا يقوم به. وهؤلاء يقولون ما لا يقوم به لا ~~يعود حكمه إليه. والفريقان يمنعون أن يقوم به حكمة مرادة له كما يمنع ~~الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده وقول أولئك أقرب إلى قول السلف ~~والفقهاء إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في أحكامه وأفعاله وأثبتوا كلاما يتكلم ~~به بقدرته ومشيئته وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف إذ أثبتوا الصفات وقالوا: ~~لا يوصف بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذي لم يقم به أصلا ولا يعود إليه حكم ~~من شيء لم يقم به فلا يكون متكلما بكلام لم يقم به ولا يكون حكيما كريما ~~ورحيما بحكمة ورحمة لم تقم به كما لا يكون عليما بعلم لم يقم به وقديرا ~~بقدرة لم تقم به ولا يكون محبا راضيا غضبان بحب ورضى وغضب لم يقم به. فكل ~~من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله؛ بل # PageV12P134 # وسائر صفاته وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه وليس قول ~~أحدهما هو قول السلف دون الآخر؛ لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات بل وسائر ~~الصفات والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة. فإن قيل: فقد قال ~~تعالى: {إنه لقول رسول كريم} وهذا يدل على أن الرسول أحدث الكلام العربي. ~~قيل: هذا باطل؛ وذلك لأن الله ذكر هذا في القرآن ms3854 في موضعين؛ والرسول في أحد ~~الموضعين محمد والرسول في الآية الأخرى جبريل. قال تعالى في سورة الحاقة: ~~{إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} فالرسول هنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقال في سورة التكوير: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين} {مطاع ثم أمين} فالرسول هنا جبريل. فلو كان أضافه إلى الرسول لكونه ~~أحدث حروفه أو أحدث منه شيئا لكان الخبران متناقضين فإنه إن كان أحدهما هو ~~الذي أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو الذي أحدثها. وأيضا فإنه قال: {لقول ~~رسول كريم} ولم يقل: لقول ملك ولا نبي ولفظ " الرسول " يستلزم مرسلا له فدل ~~ذلك على أن # PageV12P135 # الرسول مبلغ له عن مرسله؛ لا أنه أنشأ منه شيئا من جهة نفسه. وهذا يدل ~~على أنه أضافه إلى الرسول. لأنه بلغه وأداه لا لأنه أنشأ منه شيئا وابتدأه. ~~وأيضا فإن الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله: {إنه فكر وقدر} {فقتل كيف ~~قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر واستكبر} {فقال إن ~~هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} ومحمد بشر فمن قال: إنه قول محمد ~~فقد كفر ولا فرق بين أن يقول: هو قول بشر أو جني أو ملك فمن جعله قولا لأحد ~~من هؤلاء فقد كفر؛ ومع هذا فقد قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو ~~بقول شاعر} فجعله قول الرسول البشري مع تكفيره من يقول إنه قول البشر فعلم ~~أن المراد بذلك أن الرسول بلغه عن مرسله لا أنه قول له من تلقاء نفسه وهو ~~كلام الله الذي أرسله كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} فالذي بلغه الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول. ولهذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالمواسم ويقول: {ألا ~~رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي ms3855 فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي} ~~رواه أبو داود وغيره والكلام كلام من # PageV12P136 # قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا مؤديا وموسى سمع كلام الله من الله ~~بلا واسطة والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض فسماع موسى سماع مطلق بلا واسطة ~~وسماع الناس سماع مقيد بواسطة. كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} . ففرق بين ~~التكليم من وراء حجاب - كما كلم موسى - وبين التكليم بواسطة الرسول - كما ~~كلم الأنبياء بإرسال رسول إليهم - والناس يعلمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا تكلم بكلام تكلم به بحروفه ومعانيه بصوته صلى الله عليه وسلم ثم ~~المبلغون عنه يبلغون كلامه بحركاتهم وأصواتهم كما قال صلى الله عليه وسلم ~~{نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه} فالمستمع منه يبلغ حديثه كما ~~سمعه: لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول فالكلام هو كلام الرسول تكلم به بصوته ~~والمبلغ بلغ كلام الرسول لكن بصوت نفسه وإذا كان هذا معلوما فيمن يبلغ كلام ~~المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك. ولهذا قال تعالى: {وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {زينوا ~~القرآن بأصواتكم} فجعل الكلام كلام الباري وجعل الصوت الذي يقرأ به العبد ~~صوت القارئ وأصوات العباد ليست هي عين الصوت الذي ينادي # PageV12P137 # الله به ويتكلم به كما نطقت النصوص بذلك بل ولا مثله فإن الله ليس كمثله ~~شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فليس علمه مثل علم المخلوقين ~~ولا قدرته مثل قدرتهم ولا كلامه مثل كلامهم ولا نداؤه مثل ندائهم ولا صوته ~~مثل أصواتهم. فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون: ليس هو كلام الله أو ~~هو كلام غيره فهو ملحد مبتدع ضال. ومن قال: إن أصوات العباد أو المداد الذي ~~يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال؛ بل هذا القرآن هو كلام الله ~~وهو مثبت ms3856 في المصاحف وهو كلام الله مبلغا عنه مسموعا من القراء ليس هو ~~مسموعا منه والإنسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ويراها في ~~ماء أو مرآة فهذه رؤية مقيدة بالواسطة وتلك رؤية مطلقة بطريق المباشرة ~~وكذلك الكلام يسمع من المتكلم به بطريق المباشرة ويسمع من المبلغ عنه ~~بواسطة والمقصود بالسماع هو كلامه في الموضعين كما أن المقصود بالرؤية هو ~~المرئي في الموضعين. فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق ~~والاختلاف والاتفاق زالت عنه الشبهة التي تصيب كثيرا من الناس في هذا الباب ~~فإن طائفة قالت: هذا المسموع كلام الله والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق؛ ~~فكلام الله مخلوق. وهذا جهل فإنه مسموع من # PageV12P138 # المبلغ ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا أن يكون نفس الكلام مخلوقا. ~~وقالت " طائفة ": هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق والقرآن ليس بمخلوق فلا ~~يكون هذا المسموع كلام الله وهذا جهل؛ فإن المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام ~~الذي يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه. و " طائفة " قالت: هذا كلام الله ~~وكلام الله غير مخلوق فيكون هذا الصوت غير مخلوق وهذا جهل. فإنه إذا قيل: ~~هذا كلام الله فالمشار إليه هو الكلام من حيث هو هو وهو الثابت إذا سمع من ~~الله وإذا سمع من المبلغ عنه وإذا قيل للمسموع إنه كلام الله فهو كلام الله ~~مسموعا من المبلغ عنه لا مسموعا منه فهو مسموع بواسطة صوت العبد وصوت العبد ~~مخلوق. وأما كلام الله نفسه فهو غير مخلوق حيث ما تصرف. وهذه نكت قد بسط ~~الكلام فيها في غير هذا الموضع. # PageV12P139 # فصل: # فإن قيل: ما منشأ هذا النزاع والاشتباه والتفرق والاختلاف؟ قيل: منشؤه هو ~~الكلام الذي ذمه السلف وعابوه وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل: ~~فيه ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالف العقل والسمع فيأخذ هؤلاء جانب ~~النفي المشتمل على نفي الحق والباطل وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات ~~حق وباطل وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف؛ فكل كلام ~~خالف ذلك ms3857 فهو باطل ولا يخالف ذلك إلا كلام مخالف للعقل والسمع وذلك أنه لما ~~تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع استدلت الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ~~ثم إن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا: إن الأجسام لا تخلو عن ~~الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم تنوعت طرقهم في المقدمة ~~الأولى. فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان ~~وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن # PageV12P140 # الاجتماع والافتراق وهما حادثان وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن ~~الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وهي حادثة. وهذه طرق ~~المعتزلة ومن وافقهم على أن الأجسام لا تخلو عن بعض أنواع الأعراض. وتارة ~~يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن عرض منه. ويقولون: ~~القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ويقولون: إن الأعراض يمتنع بقاؤها لأن ~~العرض لا يبقى زمانين وهذه الطريقة هي التي اختارها الآمدي وزيف ما سواها ~~وذكر أن جمهور أصحابه اعتمدوا عليها وقد وافقهم عليها طائفة من الفقهاء من ~~أصحاب الأئمة الأربعة: كالقاضي أبى يعلى وأبي المعالي الجويني وأبي الوليد ~~الباجي وأمثالهم. وأما الهشامية والكرامية وغيرهم من الطوائف الذين يقولون ~~بحدوث كل جسم ويقولون: إن القديم تقوم به الحوادث فهؤلاء إذا قالوا بأن ما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث كما هو قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة ~~في هذا الأصل فإنهم يقولون إن الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام ~~المحدثة فإنها لا تخلو عن الحوادث. والناس متنازعون في " السكون " هل هو ~~أمر وجودي أو عدمي؟ # PageV12P141 # فمن قال إنه وجودي قال إن الجسم الذي لا يخلو عن الحركة والسكون إذا ~~انتفت عنه الحركة قام به السكون الوجودي وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة ~~والسكون على حدوث المتصف بذلك ومن قال إنه عدمي: لم يلزم من عدم الحركة عن ~~المحل ثبوت سكون وجودي فمن قال إنه تقوم به الحركة ms3858 أو الحوادث بعد أن لم ~~تكن مع قوله بامتناع تعاقب الحوادث كما هو قول الكرامية وغيرهم - يقولون: ~~إذا قامت به الحركة لم يعدم بقيامها سكون وجودي؛ بل ذلك عندهم بمنزلة قولهم ~~مع المعتزلة والأشعرية وغيرهم إنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلا ولا يقولون: إن ~~عدم الفعل أمر وجودي - كذلك الحركة عند هؤلاء وكان كثير من أهل الكلام ~~يقولون: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ~~بناء على أن هذه مقدمة ظاهرة فإن ما لا يسبق الحادث فلا بد أن يقارنه أو ~~يكون بعده وما قارن الحادث فهو حادث وما كان بعده فهو حادث. وهذا الكلام ~~مجمل فإنه إذا أريد به ما لا يخلو عن الحادث المعين أو ما لا يسبق الحادث ~~المعين فهو حق بلا ريب ولا نزاع فيه وكذلك إذا أريد بالحادث جملة ما له أول ~~أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك وأما إذا أريد بالحوادث الأمور التي تكون ~~شيئا بعد شيء لا إلى أول. وقيل: إنه ما لا يخلو عنها وما لم يخل عنها فهو ~~حادث لم يكن ذلك ظاهرا ولا بينا # PageV12P142 # بل هذا المقام حار فيه كثير من الأفهام وكثير فيه النزاع والخصام؛ ولهذا ~~صار المستدلون بقولهم: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث يعلمون أن هذا ~~الدليل لا يتم إلا إذا أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها فذكروا في ذلك طرقا ~~قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع. وهذا الأصل تنازع الناس فيه على " ~~ثلاثة أقوال ". فقيل: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبامتناع حوادث لا ~~أول لها مطلقا وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم من الكرامية والأشعرية ومن دخل ~~معهم من الفقهاء وغيرهم. وقيل: بل يجوز دوام الحوادث مطلقا وليس كل ما قارن ~~حادثا بعد حادث لا إلى أول يجب أن يكون حادثا؛ بل يجوز أن يكون قديما سواء ~~كان واجبا بنفسه أو بغيره وربما عبر عنه بالعلة والمعلول والفاعل والمفعول ~~ونحو ذلك وهذا قول الفلاسفة ms3859 القائلين بقدم العالم والأفلاك كأرسطو وأتباعه ~~مثل ثامسطيوس والإسكندر الأفريدوسي وبرقلس والفارابي وابن سينا وأمثالهم. ~~وأما جمهور الفلاسفة المتقدمين على أرسطو فلم يكونوا يقولون # PageV12P143 # بقدم الأفلاك. ثم الفلاسفة من هؤلاء وهؤلاء متنازعون في قيام الصفات ~~والحوادث بواجب الوجود على قولين معروفين لهم وإثبات ذلك قول كثير من ~~الأساطين القدماء وبعض المتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيره كما بسطت ~~أقوالهم في غير هذا الموضع. وقيل: بل إن كان المستلزم للحوادث ممكنا بنفسه ~~وأنه هو الذي يسمى مفعولا ومعلولا ومربوبا ونحو ذلك من العبارات وجب أن ~~يكون حادثا. وإن كان واجبا بنفسه لم يجز أن يكون حادثا وهذا قول أئمة أهل ~~الملل وأساطين الفلاسفة وهو قول جماهير أهل الحديث. وصاحب هذا القول يقول ~~ما لا يخلو عن الحوادث وهو ممكن بنفسه فهو حادث أو ما لا يخلو عن الحوادث ~~وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو مصنوع فهو حادث؛ لأنه إذا كان مفعولا ~~مستلزما للحوادث امتنع أن يكون قديما؛ فإن القديم المعلول لا يكون قديما ~~إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم معلوله بحيث يكون معه أزليا لا ~~يتأخر عنه وهذا ممتنع. فإن كونه مفعولا ينافي كونه قديما بل قدمه ينافي ~~كونه ممكنا فلا يكون ممكنا إلا ما كان محدثا عند جماهير العقلاء من الأولين ~~والآخرين وهذا قول الفلاسفة القدماء قاطبة كأرسطو وأتباعه وإنما أثبت ممكنا ~~قديما بعض متأخريهم كابن سينا وأتباعه خالفوا في # PageV12P144 # ذلك الفلاسفة القدماء قاطبة كما خالفوا في ذلك جماهير العقلاء من سائر ~~الطوائف؛ ولهذا تناقضوا في أحكام الممكن وورد عليهم فيه من الأسئلة ما لا ~~جواب لهم عنه كما ذكرت ذلك في الرد على الأربعين وغير ذلك من المواضع. وما ~~يدعى من أن المعلول قد يقارن علته إنما يعقل فيما كان شرطا لا فاعلا ~~كقولهم: حركت يدي فتحرك الخاتم؛ فإن حركة اليد شرط في تحريك الخاتم والشرط ~~والمشروط قد يتلازمان وليست فاعلة مبدعة لها وكذلك الشعاع مع النار والشمس ~~ونحو ذلك وأما ما يكون فاعلا فلا يتصور ms3860 أن يقارنه مفعوله في الزمان سواء ~~كان فاعلا بالإرادة أو قدر أنه فاعل بغير إرادة وسواء سمي فاعلا بالذات أو ~~بالطبع أو ما قدر لا يتصور أن يكون المفعول مقارنا لفاعله في الزمان كما ~~اعترف بذلك جماهير العقلاء من الأولين والآخرين. وأرسطو وأتباعه لم يقولوا ~~إن الفلك مفعول للرب ولا إنه معلول لعلة فاعلية أبدعت ذاته؛ بل زعموا أنه ~~قديم واجب بنفسه وأن له علة غائية يتشبه بها نحو حركة المعشوق يجب أن يقتدى ~~به والفلك عندهم يتحرك للتشبه بتلك العلة ولهذا قالوا: " الفلسفة " هي ~~التشبه بالإله بحسب الطاقة وقولهم - وإن كان فيه من الكفر والجهل بالله ~~أعظم مما في قول ابن سينا وأتباعه وفيهم من التناقض في الإلهيات # PageV12P145 # ما ليس هذا موضع بسطه - فلم يتناقضوا في إثبات ممكن قديم كتناقض ~~متأخريهم. ولهذا لما كانت هذه القضية مستقرة في فطر العقلاء وكان مجرد ~~العلم والخبر بأن السموات مخلوقة أو مصنوعة أو مفعولة موجبا للعلم بأنها ~~حادثة، لا يخطر بالفطر السليمة إمكان كونها مفعولة لفاعل فعلها مع كونها ~~قديمة لم تزل معه ولهذا لم يدع هذا إلا هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة. ~~و " أيضا " فإن ما استلزم الحوادث يمتنع أن يكون فاعله موجب بذاته يستلزم ~~معلوله في الأزل؛ فإن الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء لا يكون مجموعها في ~~الأزل ولا يكون شيء منها أزليا بل الأزلي هو دوامها واحدا بعد واحد والموجب ~~بذاته المستلزم لمعلوله في الأزل لا يكون معلوله شيئا بعد شيء سواء كان ~~صادرا عنه بواسطة أو بغير واسطة فإن ما كان واحدا بعد واحد يكون متعاقبا ~~حادثا شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون معلولا مقارنا لعلته في الأزل بخلاف ما ~~إذا قيل إن المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذي يفعل شيئا بعد شيء فإنه على ~~هذا التقدير لا يكون في الأزل موجبا بذاته ولا علة سابقة تامة لشيء من ~~العالم فلا يكون معه في الأزل من المخلوقات شيء لكن فاعليته للمفعولات تكون ~~شيئا بعد شيء وكل مفعول يوجد ms3861 عنده وجود كمال فاعليته # PageV12P146 # إذ المؤثر التام المستلزم لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه أثره؛ إذ لو ~~تخلف لم يكن مؤثرا تاما فوجود الأثر يستلزم وجود المؤثر التام ووجود المؤثر ~~التام يستلزم وجود الأثر فليس في الأزل مؤثر تام فليس مع الله شيء من ~~مخلوقاته قديم بقدمه والأزل ليس هو حدا محدودا ولا وقتا معينا. بل كل ما ~~يقدره العقل من الغاية التي ينتهي إليها فالأزل قبل ذلك كما هو قبل ما قدره ~~فالأزل لا أول له كما أن الأبد لا آخر له. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول: {أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء} فلو قيل إنه مؤثر تام في الأزل لشيء من الأشياء لزم أن يكون ~~مقارنا له دائما وذلك ينافي كونه مفعولا له وإنما يصح مثل هذا في الصفة ~~اللازمة للموصوف فإنه إذا قيل: الذات مقتض تام للصفة كان المعنى أن الذات ~~مستلزمة للصفة ليس المراد بذلك أن الذات مبدعة للصفة فإنه إذا تصور معنى ~~المبدع امتنع في المقارن بصريح المعقول سواء سمي علة فاعلة أو خالقا أو غير ~~ذلك وامتنع أن يقوم بالأثر شيء من الحوادث؛ لأن كل حادث يحدث لا يحدث إلا ~~إذا وجد مؤثره التام عند حدوثه وإن كانت ذات المؤثر موجودة قبل ذلك؛ لكن لا ~~بد من كمال وجود شروط التأثير عند وجود الأثر # PageV12P147 # وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وتخلف المعلول عن العلة التامة ووجود الممكن ~~بدون المرجح التام. وكل هذا ممتنع فامتنع أن يكون مؤثرا لشيء من الحوادث في ~~الأزل وامتنع أن يكون مؤثرا في الأزل فيما يستلزم الحوادث لأن وجود الملزوم ~~بدون اللازم محال فامتنع أن يكون المفعول المستلزم للحوادث قديما. وإذا قيل ~~ذاته مقتضية للحادث الثاني بشرط انقضاء الأول. قيل: فليس هو مقتضيا لشيء ~~واحد دائما فلا يكون معه قديم من مفعولاته. وقيل أيضا: هذا إنما يكون إذا ~~كانت لذاته أحوال متعاقبة تختلف المفعولات لأجلها فأما إذا قدر أن لا ms3862 يقوم ~~بها شيء من الأحوال المتعاقبة؛ بل حالها عند وجود الحادث كحالها قبله كان ~~امتناع فعله للحوادث المتعاقبة البائنة أعظم من امتناع فعله لحادث معين ~~فإذا كان الثاني ممتنعا عندهم فالأول أولى بالامتناع ومتى كان للذات أحوال ~~متعاقبة تقوم بها بطلت كل حجة لهم على قدم شيء من العالم وامتنع أيضا قدم ~~شيء من العالم إذا كان المفعول لا بد له من فاعل والفعل الحادث لا يكون ~~مفعوله إلا حادثا. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV12P148 # فصل: # وإذا عرف الأصل الذي منه تفرع نزاع الناس في " مسألة كلام الله " فالذين ~~قالوا ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا تنازعوا في كلام الله تعالى. فقال ~~كثير من هؤلاء: الكلام لا يكون إلا بمشيئة المتكلم وقدرته فيكون حادثا ~~كغيره من الحوادث ثم قالت طائفة: والرب لا تقوم به الحوادث فيكون الكلام ~~مخلوقا في غيره فجعلوا كلامه مخلوقا من المخلوقات ولم يفرقوا بين قال وفعل. ~~وقد علم أن المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من ~~الألوان والأصوات والروائح والحركة والعلم والقدرة والسمع والبصر فكيف يتصف ~~بما يخلقه في غيره من الكلام ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من إنطاق الجمادات ~~كلامه ومن علم أنه خالق كلام العباد وأفعالهم يلزمه أن يقول كل كلام في ~~الوجود فهو كلامه كما قال بعض الاتحادية: وكل كلام في الوجود كلامه سواء ~~علينا نثره ونظامه وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم فإن هؤلاء # PageV12P149 # يقولون: إنه خالق أفعال العباد وكلامهم مع قولهم إن كلامه مخلوق فيلزمهم ~~هذا. وأما " المعتزلة " فلا يقولون إن الله خالق أفعال العباد لكن الحجة ~~توجب القول بذلك. وقالت طائفة: بل الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم ويمتنع أن ~~يكون كلامه مخلوقا في غيره وهو متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثا بعد ~~أن لم يكن؛ لامتناع حوادث لا أول لها. وهذا قول الكرامية وغيرهم. ثم من ~~هؤلاء من يقول: كلامه كله حادث لا محدث. ومنهم من يقول هو حادث ومحدث. وقال ms3863 ~~كثير من هؤلاء الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقا: الكلام لازم ~~لذات الرب كلزوم الحياة ليس هو متعلقا بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم ~~الحياة؛ إذ لو قلنا إنه بقدرته ومشيئته لزم أن يكون حادثا وحينئذ فيلزم أن ~~يكون مخلوقا أو قائما بذات الرب فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل ~~الحوادث. لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده. قالوا: وتسلسل الحوادث ~~ممتنع؛ إذ التفريع على هذا الأصل. ثم إن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام ~~تنازعوا فيه فقالت طائفة: # PageV12P150 # القديم لا يكون حروفا ولا أصواتا؛ لأن الصوت يستحيل بقاؤه كما يستحيل ~~بقاء الحركة وما امتنع بقاؤه امتنع قدم عينه بطريق الأولى والأحرى فيمتنع ~~قدم شيء من الأصوات المعينة كما يمتنع قدم شيء من الحركات المعينة. لأن تلك ~~لا تكون كلاما إلا إذا كانت متعاقبة والقديم لا يكون مسبوقا بغيره فلو كانت ~~الميم من (بسم الله قديمة مع كونها مسبوقة بالسين والباء لكان القديم ~~مسبوقا بغيره وهذا ممتنع فيلزم أن يكون القديم هو المعنى فقط ولا يجوز ~~تعدده؛ لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر دون قدر ترجيحا بلا مرجح وإن كان لا ~~يتناهى لزم وجود أعداد لا نهاية لها في آن واحد. قالوا: وهذا ممتنع فيلزم ~~أن يكون معنى واحدا هو الأمر والخبر وهو معنى التوراة والإنجيل والزبور ~~والقرآن وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية. وقالت طائفة من أهل الكلام ~~والحديث والفقهاء وغيرهم: بل هو حروف قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال وهي ~~مترتبة في ذاتها لا في وجودها كالحروف الموجودة في المصحف وليس بأصوات ~~قديمة. ومنهم من قال: بل هو أيضا أصوات قديمة ولم يفرق هؤلاء بين الحروف ~~المنطوقة التي لا توجد إلا متعاقبة وبين الحروف المكتوبة التي توجد في آن ~~واحد كما يفرق بين الأصوات والمداد. فإن الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه ~~جسم يبقى وإذا كان الصوت لا يبقى امتنع # PageV12P151 # أن يكون الصوت المعين قديما؛ لأن ما وجب قدمه لزم بقاؤه وامتنع عدمه ~~والحروف ms3864 المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل القائم بالمداد أو ما يقدر بقدر ~~المداد: كالشكل المصنوع في حجر وورق فإزالة بعض أجزائه تدل على حدوثه وقد ~~يراد بالحروف نفس المداد. وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضا الأصوات ~~المقطعة المؤلفة وقد يراد بها حدود الأصوات وأطرافها كما يراد بالحرف في ~~الجسم حده ومنتهاه. فيقال: حرف الرغيف وحرف الجبل ونحو ذلك. ومنه قوله ~~تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف} وقد يراد بالحروف الحروف الخيالية ~~الباطنة وهي ما يتشكل في باطن الإنسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن ~~يتكلم به. وقد تنازع الناس هل يمكن وجود حروف بدون أصوات في الحي الناطق؟ ~~على قولين لهم وعلى هذا تنازعت هذه الطائفة القائلة بقدم أعيان الحروف هل ~~تكون قديمة بدون أصوات قديمة أم لا بد من أصوات قديمة لم تزل ولا تزال؟ ثم ~~القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا في المسموع من القارئ. هل يسمع منه ~~الصوت القديم؟ فقيل: المسموع هو الصوت القديم وقيل بل المسموع هو صوتان ~~أحدهما القديم والآخر المحدث فما لا بد منه في وجود القرآن فهو القديم وما ~~زاد على ذلك فهو المحدث. # PageV12P152 # وقيل: بل الصوت القديم غير المسموع من العبد. # وتنازعوا في " القرآن " هل يقال إنه حال في المصحف والصدور أم لا يقال ~~ذلك؟ على قولين. فقيل: هو ظاهر في المحدث ليس بحال فيه. وقيل: بل القرآن ~~حال في الصدور والمصاحف فهؤلاء الخلقية والحادثية والاتحادية والاقترانية ~~أصل قولهم أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا. ومن قال بهذا الأصل فإنه ~~يلزمه بعض هذه الأقوال أو ما يشبه ذلك فإن من الناس من يجعله حادثا يريد ~~أنه كائن بعد أن لم يكن ويجعل الحادثات إرادات وتصورات لا حروفا وأصواتا. ~~والداربي وغيره يميلون إلى هذا القول؛ فإنه إما أن يجعل كلام الله حادثا أو ~~قديما وإذا كان حادثا فإما أن يكون حادثا في غيره وإما أن يكون حادثا في ~~ذاته وإذا كان قديما فإما أن يكون القديم المعنى فقط أو ms3865 اللفظ فقط أو ~~كلاهما فإذا كان القديم هو المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام ~~الله تعالى ثم الكلام في ذلك المعنى قد عرف. وأما قدم اللفظ فقط فهذا لم ~~يقل به أحد؛ لكن من الناس من يقول إن الكلام القديم هو اللفظ. وأما معناه ~~فليس هو داخلا في مسمى الكلام بل هو العلم والإرادة وهما قديمان لكن ليس ~~ذلك داخلا في مسمى الكلام فهذا يقول الكلام القديم هو اللفظ # PageV12P153 # فقط إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات؛ لكنه يقول إن معناه قديم. ~~وأما " الفريق الثاني " الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقا وأن ~~القديم الواجب بنفسه يجوز أن تتعقب عليه الحوادث مطلقا وإن كان ممكنا لا ~~واجبا بنفسه فهؤلاء القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم الأفلاك وأنها لم ~~تزل ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ~~ونحوه منهم قالوا إنها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته وأما أرسطو ~~وأتباعه فإنهم قالوا: إن لها علة غائية تتحرك للتشبه بها في تحركها كما ~~يحرك المعشوق عاشقه ولم يثبتوا لها مبدعا موجبا ولا موجبا قائما بذاته ولا ~~قالوا إن الفلك ممكن بنفسه واجب بغيره بل الفلك عندهم واجب بنفسه لكن قالوا ~~مع ذلك: إن له علة غائية يتحرك للتشبه بها لا قوام له إلا بها فجعلوا ~~الواجب بنفسه الذي لا فاعل له مفتقرا إلى علة غائية منفصلة عنه هذه حقيقة ~~قول أرسطو وأتباعه؛ ولهذا لم يثبتوا الأول عالما بغيره؛ إذ لم يكن الأول ~~عندهم مبدعا للفلك؛ فإنه إذا كان مبدعا يجب أن يكون عالما بمفعوله كما قال: ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ولهذا كانت أقوالهم في الإلهيات من ~~أعظم الأقوال فسادا بخلاف أقوالهم في الطبيعيات؛ ولهذا كان قولهم أشد فسادا ~~في العقل والدين # PageV12P154 # من قول ابن سينا وأتباعه ولم يثبت أرسطو وأتباعه " العلة الأولى " بطريقة ~~الوجود ولا قسموا الوجود القديم إلى واجب وممكن بل الممكن عندهم لا يكون ~~إلا حادثا ولا أثبتوا ms3866 للموجود الواجب الخصائص المميزة للرب عن الأفلاك بل ~~هذا من تصرف متأخريهم الذين خلطوا فلسفتهم بكلام المعتزلة ونحوهم وإنما ~~أثبت واجب الوجود بطريقة الوجود ابن سينا وأتباعه. وحقيقة قول هؤلاء وجود ~~الحوادث بلا محدث أصلا أما على قول من جعل الأول علة غائية للحركة فظاهر، ~~فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعلا لها. فقولهم في حركات الأفلاك نظير ~~قول القدرية في حركة الحيوان وكل من الطائفتين قد تناقض قولهم. فإن هؤلاء ~~يقولون بأن فعل الحيوان صادر عن غيره. لكون القدرة والداعي مستلزمين وجود ~~الفعل والقدرة والداعي كلاهما من غير العبد. فيقال لهم: فقولوا هكذا في ~~حركة الفلك بقدرته وداعيه فإنه يجب أن يكونا صادرين عن غيره وحينئذ فيكون ~~الواجب بنفسه هو المحدث لتلك الحوادث شيئا بعد شيء وإن كان ذلك بواسطة ~~العقل وهذا القول هو الذي يقوله ابن سينا وأتباعه وهو باطل أيضا؛ لأن ~~الموجب بذاته القديم الذي يقارنه موجبه ومقتضاه يمتنع أن يصدر عنه # PageV12P155 # حادث بواسطة أو بلا واسطة فإن صدور الحوادث عن العلة التامة الأزلية ~~ممتنع لذاته. وإذا قالوا الحركة بتوسطه أي بتوسط حركة الفلك قيل لهم: ~~فالكلام إنما هو في حدوث الحركة الفلكية فإن الحركة الحادثة شيئا بعد شيء ~~يمتنع أن يكون المقتضي لها علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها فإن ذلك جمع ~~بين النقيضين؛ إذ القول بمقارنة المعلول لعلته في الأزل ووجوده معها يناقض ~~أن يتخلف المعلول أو شيء من المعلول عن الأزل بل يمتنع أن يكون المقتضي لها ~~ذاتا بسيطة لا يقوم بها شيء من الصفات والأحوال المقتضية لحدوث الحوادث ~~المتعاقبة المختلفة؛ بل يمتنع أن يكون المقتضي لها ذاتا موصوفة لا يقوم بها ~~شيء من الأحوال الموجبة لحدوث الحوادث المذكورة؛ فإن التجدد والتعدد ~~الموجود في المعلولات يمتنع صدوره عن علة واحدة بسيطة من كل وجه فصار حقيقة ~~قولهم إن الحوادث العلوية والسفلية لا محدث لها. وهؤلاء يقولون كلام الله ~~ما يفيض على النفوس الصافية كما أن ملائكة الله عندهم ما يتشكل فيها من ~~الصور ms3867 النورانية فلا يثبتون له كلاما خارجا عما في نفوس البشر ولا ملائكة ~~خارجة عما في نفوسهم غير " العقول العشرة " و " النفوس الفلكية التسعة " مع ~~أن أكثرهم يقولون إنها أعراض وقد بين في غير هذا الموضع أن ما يثبتونه من ~~المجردات # PageV12P156 # العقلية التي هي العقول والنفوس والمواد والصور إنما وجودها في الأذهان ~~لا في الأعيان. وأما " الصنف الثالث ### | " الذين فرقوا بين الواجب والممكن والخالق والمخلوق # والغني الذي لا يفتقر إلى غيره والفقير الذي لا قوام له إلا بالغني ~~فقالوا: كل ما قارن الحوادث من الممكنات فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وهو ~~مخلوق مصنوع مربوب وأنه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن مربوب شيء قديم ~~فضلا عن أن تقارنه حوادث لا أول لها؛ ولهذا كانت حركات الفلك دليلا على ~~حدوثه كما تقدم التنبيه على ذلك. وأما " الرب تعالى " إذا قيل لم يزل ~~متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا لما يشاء لم يكن دوام كونه متكلما بمشيئته ~~وقدرته ودوام كونه فاعلا بمشيئته وقدرته ممتنعا؛ بل هذا هو الواجب؛ لأن ~~الكلام صفة كمال لا نقص فيه فالرب أحق أن يتصف بالكلام من كل موصوف ~~بالكلام؛ إذ كل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به؛ لأن القديم ~~الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من المحدث الممكن المخلوق؛ ولأن كل كمال ~~ثبت للمخلوق فإنما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من الكمال وجب له فإنه ~~لو لم يجب له لكان إما ممتنعا وهو محال بخلاف الفرض وإما ممكنا فيتوقف ~~ثبوته له على غيره والرب # PageV12P157 # لا يحتاج في ثبوت كماله إلى غيره فإن معطي الكمال أحق بالكمال فيلزم أن ~~يكون غيره أكمل منه لو كان غيره معطيا له الكمال وهذا ممتنع؛ بل هو بنفسه ~~المقدسة مستحق لصفات الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه متكلما على غيره فيجب ثبوت ~~كونه متكلما وأن ذلك لم يزل ولا يزال والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن ~~يكون الكلام لازما له بدون قدرته ومشيئته والذي لم يزل متكلما ms3868 إذا شاء أكمل ~~ممن صار الكلام يمكنه بعد أن لم يكن الكلام ممكنا له. وحينئذ فكلامه قديم ~~مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل: إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ~~ذلك قدم صوت معين وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته ~~وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين وإن كان نوع الباء والسين قديما ~~لم يستلزم أن تكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة؛ لما علم من الفرق ~~بين النوع والعين وهذا الفرق ثابت في الإرادة والكلام والسمع والبصر وغير ~~ذلك من الصفات وبه تنحل الإشكالات الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها ~~وقدمها وحدوثها وكذلك تزول به الإشكالات الواردة في أفعال الرب وقدمها ~~وحدوثها وحدوث العالم. وإذا قيل: إن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ~~ممكنا بخلاف ما إذا قيل إن عين اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم # PageV12P158 # فإن هذا مكابرة للحس. والمتكلم يعلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل ~~وجوده بنوعها. وأما نفس الصوت المعين الذي قام به التقطيع أو التأليف ~~المعين لذلك الصوت؛ فيعلم أن عينه لم تكن موجودة قبله والمنقول عن الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السنة مطابق لهذا القول؛ ولهذا أنكروا على من زعم أن ~~حرفا من حروف المعجم مخلوق وأنكروا على من قال: " لما خلق الله الحروف سجدت ~~له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أؤمر " مع أن هذه الحكاية نقلت لأحمد عن ~~سري السقطي. وهو نقلها عن بكر بن خنيس العابد ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها ~~إلا بيان أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي ~~يعبد الله بغير شرع؛ فإن كثيرا من العباد يعبدون الله بما تحبه قلوبهم وإن ~~لم يكونوا مأمورين به فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد الله بالأمر ولم يفعل ~~شيئا حتى يؤمر به فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به وذكروا هذه الحكاية ~~الإسرائيلية شاهدا لذلك مع أن هذه لا إسناد لها ولا يثبت بها حكم ولكن ~~الإسرائيليات ms3869 إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها ~~بأس وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة؛ لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك مع أن ~~هذا أمر اصطلاحي وخط غير العربي لا يماثل خط العربي ولم يكن قصد أولئك ~~الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه ~~المنزلة مخلوقة بائنة عن الله؛ # PageV12P159 # بل هذا شيء لعله لم يخطر بقلوبهم والحروف المنطوقة لا يقال فيها إنها ~~منتصبة ولا ساجدة فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون: إن الله لم ~~يتكلم بالقرآن العربي ولا بالتوراة العبرية فقد قال عنهم ما لم يقولوه. ~~وأما الإمام أحمد: فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق وهو ~~أن نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه أنه قال: ومن زعم أن حرفا من حروف ~~المعجم مخلوق فهذا جهمي يسلك طريقا إلى البدعة فإنه إذا قال إن ذلك مخلوق. ~~فقد قال: إن القرآن مخلوق - أو كما قال - ولا ريب أن من جعل نوع الحروف ~~مخلوقا بائنا عن الله كائنا بعد أن لم يكن لزم عنده أن يكون كلام الله ~~العربي والعبري ونحوهما مخلوقا وامتنع أن يكون الله متكلما بكلامه الذي ~~أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون شيء من ذلك كلامه فطريقة ~~الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة للقول الثالث الموافق لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول. وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي ~~الشافعي في كتابه الذي سماه " الفصول في الأصول " سمعت الإمام أبا منصور ~~محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ ~~أبا حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي # PageV12P160 # وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال إنه مخلوق فهو ~~كافر والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله والنبي صلى الله عليه ~~وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الذي نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين ms3870 وما في صدورنا مسموعا ~~ومكتوبا. ومحفوظا ومقروءا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير ~~مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس ~~أجمعين. والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وذكر ما يتعلق ~~بهذا الباب من الكلام في سائر الصفات: كالعلم والقدرة والإرادة والسمع ~~والبصر والكلام في تعدد الصفة واتحادها وقدمها وحدوثها أو قدم النوع دون ~~الأعيان أو إثبات صفة كلية عمومية متناولة الأعيان مع تجدد كل معين من ~~الأعيان أو غير ذلك مما قيل في هذا الباب فإن هذه مواضع مشكلة وهي من ~~محارات العقول. ولهذا اضطرب فيها طوائف من أذكياء الناس ونظارهم والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. # PageV12P161 # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عمن قال: اختلاف المسلمين في كلام الله تعالى على " ثلاثة أنحاء " فقوم ~~إلى أنه قديم الحرف والصوت وهم الحشوية وقوم إلى أنه حادث بالصوت والحرف ~~وهم الجهمية ومن تابعهم وقوم إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم ~~بذات الله وهم الأشعرية؟ # فأجاب - رضي الله عنه وأرضاه -: # الحمد لله رب العالمين، قول القائل: إن اختلاف المسلمين في كلام الله على ~~" ثلاثة أنحاء " إلخ هو كلام بحسب ما بلغه من ذلك وأكثر من تكلم في هذه ~~المسألة من المتأخرين إنما يذكر فيها بعض اختلاف الناس. فقوم يحكون أربعة ~~أقوال كأبي المعالي ونحوه. وقوم يحكون خمسة أو ستة كالشهرستاني ونحوه. # PageV12P162 # والأقوال التي قالها المنتسبون إلى القبلة في هذه المسألة تبلغ سبعة أو ~~أكثر. # الأول: " قول المتفلسفة " ومن وافقهم من متصوف ومتكلم كابن سينا وابن ~~عربي الطائي وابن سبعين وأمثالهم ممن يقول بقول الصابئة الذين يقولون إن ~~كلام الله ليس له وجود خارج عن نفوس العباد؛ بل هو ما يفيض على النفوس من ~~المعاني: إعلاما وطلبا: إما من العقل الفعال كما يقوله كثير من المتفلسفة ~~وإما مطلقا كما يقوله بعض متصوفة الفلاسفة. وهذا قول الصابئة ونحوهم. ~~وهؤلاء يقولون: الكلام الذي سمعه موسى لم يكن موجودا إلا ms3871 في نفسه وصاحب " ~~مشكاة الأنوار " وأمثاله في كلامه ما يضاهي كلام هؤلاء أحيانا وإن كان ~~أحيانا يكفرهم وهذا القول أبعد عن الإسلام ممن يقول: القرآن مخلوق. # والقول الثاني قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: كلام الله ~~مخلوق يخلقه في بعض الأجسام فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله ولا يقوم - ~~عندهم - بالله كلام ولا إرادة وأول هؤلاء " الجعد بن درهم " الذي ضحى به ~~خالد بن عبد الله القسري - لما خطب الناس يوم عيد النحر - وقال: ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم # PageV12P163 # يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه. ~~وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم حتى امتحن الناس في ~~القرآن بالمحنة المشهورة في إمارة المأمون والمعتصم والواثق حتى رفع الله ~~شأن من ثبت فيها من أئمة السنة: كالإمام أحمد - رحمه الله - وموافقيه ~~وكشفها الله عن الناس في إمارة المتوكل وظهر في الأمة " مقالة السلف ": إن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. أي هو المتكلم به لم يبتدأ ~~من بعض المخلوقات - كما قالت الجهمية - بل هو منه نزل كما قال تعالى: ~~{تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق} وقال: {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} وقوله: {قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق} . ثم لما شاعت المحنة كثر اضطراب الناس ~~وتنازعهم في ذلك حتى صار أهل السنة والجماعة - المتفقون على أن كلام الله ~~منزل غير مخلوق - يقول كل منهم قولا يخالف به صاحبه وقد لا يشعر أحدهم ~~بخلاف الأدلة وصار أتباع الأئمة الأربعة - كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ~~مع كون الظاهر المشهور عندهم أن القرآن كلام الله غير مخلوق - بين كل طائفة ~~منهم تنازع في تحقيق ذلك كما سننبه على ذلك. # PageV12P164 # والقول الثالث: قول أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري ومن اتبعه: ~~كالقلانسي وأبي الحسن ms3872 الأشعري وغيرهم أن كلام الله معنى قائم بذات الله هو ~~الأمر بكل مأمور أمر الله به والخبر عن كل مخبر أخبر الله عنه إن عبر عنه ~~بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية ~~كان إنجيلا. والأمر والنهي والخبر ليست أنواعا له ينقسم الكلام إليها وإنما ~~كلها صفات له إضافية كما يوصف الشخص الواحد بأنه ابن لزيد وعم لعمرو وخال ~~لبكر والقائلون بهذا القول منهم من يقول: إنه معنى واحد في الأزل وإنه في ~~الأزل أمر ونهي وخبر كما يقوله الأشعري. ومنهم من قال: بل يصير أمرا ونهيا ~~عند وجود المأمور والمنهي. ومنهم من يقول: هو عدة معان الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار. وقد ألزم الناس أصحاب هذا القول أن يجعلوا العلم والقدرة ~~والإرادة والحياة شيئا واحدا فاعترف محققوهم بصحة الإلزام. # PageV12P165 # وجمهور العقلاء - من أهل السنة وأهل البدعة - يقولون إن فساد هذا القول ~~معلوم بالضرورة كما يقولون: إن فساد قول من يقول: إن الأصوات المسموعة من ~~العباد قديمة معلوم بالضرورة كما يقولون: إن فساد قول من يقول إن المتكلم ~~يكون متكلما بكلام يقوم بغيره وإن العالم يكون عالما بعلم يقوم بغيره ~~والقادر يكون قادرا بقدرة تقوم بغيره معلوم بالضرورة. وكما يقول جمهور ~~العقلاء: إن فساد قول من يقول: إن العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة وإن ~~العلم هو العالم والقدرة هي القادر معلوم بالضرورة. # القول الرابع: قول طوائف من أهل الكلام والحديث من السالمية وغيرهم ~~يقولون: إن كلام الله حروف وأصوات قديمة أزلية ولها مع ذلك معان تقوم بذات ~~المتكلم وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية في أن تكليم الله لعباده ليس ~~إلا مجرد خلق إدراك للمتكلم ليس هو أمرا منفصلا عن المستمع. ثم إن جمهور ~~هؤلاء لا يقولون إن تلك الأصوات هي المسموعة من القارئين بل يفرقون بين هذا ~~وهذا. ومنهم طائفة وهم أهل. . . (1) PageV12P166 # يقولون: إن الصوت القديم يسمع من القارئ. ثم قد يقولون تارة: إن القديم ~~نفس الصوت المسموع من القارئ وتارة يقولون: إنه يسمع من ms3873 القارئ صوتان قديما ~~ومحدثا. وكثير منهم أو أكثرهم لا يقولون بحلول القديم في المحدث؛ بل يقولون ~~ظهر فيه كما يظهر الوجه في المرآة. ومنهم من يقول بحلول القديم في المحدث ~~وليس هذا القول ولا الأقوال قبله قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولم يقل ~~ذلك لا الإمام أحمد ولا أئمة أصحابه ولا غيره من الأئمة؛ بل هم متفقون على ~~الإنكار على من قال إن لفظي بالقرآن غير مخلوق فكيف بمن قال صوتي غير ~~مخلوق؟ فكيف بمن قال صوتي قديم. وأما القول بأن المداد الذي في المصحف ~~قديم: فهذا ما رأيناه في كتاب أحد من طوائف الإسلام ولا نقله أحد عن رجل ~~معروف من العلماء أنه سمعه منه؛ ولكن طائفة يسكتون عن التكلم في المداد ~~بنفي أو إثبات ويقولون: لا نقول إنه قديم؛ ولكن نسكت سدا للذريعة. وقد حكاه ~~طائفة عمن سموهم الحشوية القول بقدم المداد وقالوا: إنهم يقولون: إن المداد ~~الذي في المصحف قديم وإنه لما كان في المحبرة كان محدثا فلما صار في الورق ~~صار قديما. # PageV12P167 # ورأينا طوائف يكذبون هؤلاء في النقل وكأن حقيقة الأمر أن أولئك يقولون ~~قول غيرهم بمجرد ما بلغهم من إطلاق قولهم أو لما ظنوه لازما لهم أو لما ~~سمعوه ممن يجازف في النقل ولا يحرره وربما سمعوه من بعض عوامهم إن كان ذلك ~~قد وقع. وهذا الباب وقع فيه غلط بهذا السبب حتى غلط الناس على من يعظمونه؛ ~~وبهذا السبب غلط أبا طالب " الإمام أحمد " فيما نقله عنه فإنه قرأ عليه: ~~{قل هو الله أحد} وسأله هذا مخلوق؟ فقال له أحمد هذا ليس بمخلوق. فبلغه أن ~~أبا طالب حكى عنه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فغضب عليه أحمد وقال. أنا ~~قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا. ولكن قرأت عليك: {قل هو الله ~~أحد} فقلت لك: هذا غير مخلوق فقلت نعم. فقال: فلم حكيت عني أني قلت لك لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لم أحكه عنك وإنما حكيته عن نفسي قال: ms3874 فلا تقل ~~هذا فإني لم أسمع عالما يقول هذا؛ ولكن قل: القرآن حيث تصرف كلام الله غير ~~مخلوق. ولهذا قال البخاري في " كتاب خلق الأفعال " إن " اللفظية " هؤلاء ~~يذكرون قولهم عن أحمد وهم لا يفهمون دقة قوله وموضع الشبهة أنه إذا قال هذا ~~فالإشارة تكون إلى الكلام من حيث هو كلام مع قطع النظر عما بلغ به من حركات ~~العبد وصوته كما أن # PageV12P168 # الرجل إذا كتب اسم الله - تبارك وتعالى - وسمع قائلا يذكر الله فقال هذا ~~ربي كان صادقا ولو قيل له: أتعبد هذا؟ لقال نعم. - لأن المشار إليه هو ~~المسمى بذلك - ألا تعلم المكتوب؟ والاسم يراد به من الكلام المؤلف المسمى ~~فإذا قال: {محمد رسول الله والذين معه} فالمراد أن المسمى الذي اسمه محمد ~~هو رسول الله؛ ليس المراد أن نفس اللفظ والخط هو رسول الله. ومن هنا تنازع ~~الناس في " الاسم " هل هو المسمى أو غيره وكان الصواب أن يمنع من كلا ~~الإطلاقين ويقال كما قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى} وكما قال صلى ~~الله عليه وسلم {إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة} . والذين ~~أطلقوا أنه المسمى كان أصل مقصودهم أن المراد به هو المسمى وأنه إذا ذكر ~~الاسم فالإشارة به إلى مسماه وإذا قال العبد حمدت الله ودعوت الله وعبدت ~~الله فهو لا يريد إلا أنه عبد المسمى بهذا الاسم. والذين نفوا ذلك رأوا أن ~~نفس اللفظ أو الخط ليس هو الأعيان المسماة بذلك وآخرون فرقوا بين التسمية ~~والاسم فجعلوا الألفاظ هي التسمية وجعلوا الاسم هو الأعيان المسماة ~~بالألفاظ فخرجوا عن موجب اللغة المعروفة التي جاء بها الكتاب والسنة. # PageV12P169 # وأصل مقصود الطوائف كلها صحيح؛ إلا من توسل منهم بقوله إلى قول باطل: مثل ~~قول الجهمية إن الاسم غير المسمى؛ فإنهم توسلوا بذلك إلى أن يقولوا: أسماء ~~الله غيره. ثم قالوا: وما كان غير الله فهو مخلوق بائن عنه فلا يكون الله ~~تعالى سمى نفسه باسم ولا تكلم باسم من أسمائه ولا يكون له كلام ms3875 تكلم به؛ بل ~~لا يكون كلامه إلا ما كان مخلوقا بائنا عنه. فهؤلاء لما علم السلف أن ~~مقصودهم باطل أنكروا إطلاقهم القول بأن كلام الله غير الله وأن علم الله ~~غير الله وأمثال ذلك؛ لأن لفظ " الغير " مجمل يحتمل الشيء البائن عن غيره ~~ويحتمل الشيء الذي ليس هو إياه ولا هو بائن عنه. فمن قال: إنه غيره ليجعله ~~بائنا عنه كان كلا المعنيين صحيحا وإن كان في العبارة تقصير. وهكذا أنكر ~~الأئمة قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. وقالوا: من قال هو ~~مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وكذلك قالوا في " التلاوة ~~والقراءة " لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بهما المصدر الذي هو فعل ~~العبد وأفعال العباد مخلوقة فمن جعل شيئا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك من ~~صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع ويراد ب " اللفظ " نفس الملفوظ كما يراد ~~بالتلاوة والقراءة نفس الكلام وهو القرآن نفسه. ومن قال كلام # PageV12P170 # الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وقرأه المسلمون مخلوق فهو ~~جهمي. ومن المعلوم أنه إذا سمع الناس كلام محدث يحدث بحديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم كقوله: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} قالوا: هذا ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو هذا كلامه بعينه. لأنهم قد علموا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك الكلام لفظه ومعناه وتكلم بصوته ثم ~~المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه فالكلام كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي تكلم بمعانيه وألف حروفه بصوته والمبلغ له بلغه بفعل نفسه وصوت نفسه. ~~فإذا قالوا: هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كانت إشارتهم إلى نفس ~~الكلام الذي هو الكلام حروفه ونظمه ومعانيه لا إلى ما اختص به المبلغ من ~~حركاته وأصواته؛ بل يضيفون الصوت إلى المبلغ فيقولون صوت حسن وما كان في ~~الكلام من فصاحة حروفه ونظمه وبلاغة معانيه فإنما يضاف إلى المتكلم به ~~ابتداء لا إلى المبلغ له؛ ولكن يضاف إلى المبلغ حسن ms3876 الأداء: كتجويد الحروف ~~وتحسين الصوت. ولهذا قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله} . # PageV12P171 # {وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس فيقول: ألا رجل ~~يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {زينوا ~~القرآن بأصواتكم} وقال: {الله أشد أذنا إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من ~~صاحب القينة إلى قينته} . فبين الله ورسوله أن القرآن المسموع كلام الله لا ~~كلام أحد من المخلوقين والناس يقرءونه بأصواتهم فمن قال: إن هذا القرآن ~~المسموع ليس هو كلام الله أو هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوما ~~بالضرورة شرعا وعقلا كما أن من قال: إن هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد ~~أو هو صوت الله كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا؛ بل هذا هو كلام ~~الله لا كلام غيره سمعه جبريل من الله وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جبريل وسمعه المسلمون من نبيهم. ثم بلغه بعضهم إلى بعض وليس لأحد من ~~الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته لم يحدث منهم أحد شيئا من حروفه ولا ~~نظمه ولا معانيه؛ بل جميع ذلك كلام الله تعالى. # القول الخامس: قول ### | الهشامية والكرامية # ومن وافقهم أن كلام الله حادث قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلما ~~بكلام؛ بل ما زال عندهم قادرا على الكلام وهو عندهم لم يزل متكلما بمعنى ~~أنه لم يزل قادرا على الكلام وإلا فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع؛ ~~كوجود # PageV12P172 # الأفعال عندهم وعند من وافقهم من أهل الكلام كالمعتزلة وأتباعهم. وهم ~~يقولون: إنه حروف وأصوات حادثة بذات الرب بقدرته ومشيئته. ولا يقولون: إن ~~الأصوات المسموعة والمداد الذي في المصحف قديم؛ بل يقولون: إن ذلك محدث. # القول السادس: قول الجمهور وأهل الحديث وأئمتهم: إن الله تعالى لم يزل ~~متكلما إذا شاء وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار والقرآن وغيره من الكتب ~~الإلهية كلام الله تكلم الله به بمشيئته وقدرته ليس ببائن عنه مخلوقا. ولا ~~يقولون إنه صار متكلما ms3877 بعد أن لم يكن متكلما ولا أن كلام الله تعالى من حيث ~~هو هو حادث؛ بل ما زال متكلما إذا شاء وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته ~~وقدرته فكلامه لا ينفد كما قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . ويقولون: ما جاءت ~~به النصوص النبوية الصحيحة ودلت عليه العقول الزكية الصريحة فلا ينفون عن ~~الله تعالى صفات الكمال سبحانه وتعالى. فيجعلونه كالجمادات التي لا تتكلم ~~ولا تسمع ولا تبصر. فلا تكلم عابديها ولا تهديهم سبيلا ولا ترجع إليهم قولا ~~ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا. # PageV12P173 # ومن جعل كلام الله لا يقوم إلا بغير الله كان المتصف به هو ذلك الغير ~~فتكون الشجرة هي القائلة لموسى {إنني أنا الله} ولهذا اشتد نكير السلف على ~~من قال ذلك. وقالوا هذا نظير قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} أي هذا كلام ~~قائم بغير الله؛ ولهذا صرح بحقيقة ذلك الاتحادية: كابن عربي ونحوه الذين ~~يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه. وأهل هذا القول ~~- الموافقون للسلف والأئمة - لا يقولون إن الرب كان مسلوبا صفات الكمال في ~~الأزل وإنه كان عاجزا عن الكلام حتى حدث له قدرة عليه كالطفل. والذين ~~يقولون: إن القرآن مخلوق يجعلون الكلام لغيره فيسلبونه صفات الكمال ~~ويقولون: إنه لا يقدر على الكلام في الأزل لا على كلام مخلوق ولا غيره. وهم ~~إن لم يصرحوا بالعجز عن الكلام في الأزل فهو لازم لقولهم. والكرامية فروا ~~من الأول؛ وجعلوه متكلما بكلام يقوم به؛ لكن لم يجعلوه متكلما في الأزل؛ بل ~~ولا قادرا على الكلام في الحقيقة في الأزل. والكلابية ومن وافقهم من ~~السالمية ونحوهم وصفوه بالكلام في الأزل وقالوا: إنه موصوف به أزلا وأبدا ~~لكن لم يجعلوه قادرا على الكلام ولا متكلما بمشيئته واختياره ولا يقدر أن ~~يحدث شيئا # PageV12P174 # يكون به مكلما لغيره؛ لكن يخلق لغيره إدراكا بما لم يزل كما يزيل العمى ~~عن الأعمى الذي لا يرى ms3878 الشمس التي كانت ظاهرة متجلية لا أن الشمس في نفسها ~~تجلت وظهرت وهذا يقول كثير من هؤلاء في رؤيته إنها ليست إلا مجرد خلق ~~الإدراك ليس هناك حجب منفصلة عن الرائي فلا يكشف حجابا ولا يرفع حجابا. ~~والقرآن مع الحديث ومع العقل يرد على هؤلاء؛ كقوله تعالى: {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} ولو كان الحجاب هو عدم ~~الرؤية: لكان الوحي وإرسال الرسل من وراء حجاب. وقال تعالى: {فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} وفي الصحيح: {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى ~~مناد؛ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما ~~هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار؟ قال: ~~فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر} والآثار في ~~ذلك كثيرة. و " أيضا " فقول الكلابية: إن الحقائق المتنوعة شيء واحد وقول ~~الآخرين إن الأصوات المتضادة تجتمع في آن واحد مما يقول أكثر العلماء ~~العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير ~~هذا الموضع. # PageV12P175 # و " المقصود هنا " الجواب عن قول هذا القائل: فقوم إلى أنه قديم الصوت ~~والحرف وهم الحشوية. إن أراد بذلك قول من يقول إن نفس الأصوات مجتمعة في ~~الأزل: فهذا قول من تقدم من السالمية وغيرهم من أهل الكلام والحديث. وأما ~~قول القائل: " حشوية " فهذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا في الشرع ولا في ~~اللغة ولا في العرف العام؛ ولكن يذكر أن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن ~~عبيد. وقال: كان عبد الله بن عمر حشويا. وأصل ذلك: أن كل طائفة قالت قولا ~~تخالف به الجمهور والعامة ينسب إلى أنه قول الحشوية أي الذين هم حشو في ~~الناس ليسوا من المتأهلين عندهم؛ فالمعتزلة تسمي من أثبت القدر حشويا ~~والجهمية يسمون مثبتة الصفات حشوية والقرامطة - كأتباع الحاكم - يسمون من ~~أوجب الصلاة والزكاة والصيام والحج حشويا. وهذا كما أن ms3879 الرافضة يسمون قول ~~أهل السنة والجماعة قول الجمهور وكذلك الفلاسفة تسمي ذلك قول الجمهور فقول ~~الجمهور وقول العامة من جنس واحد. فإن كان قائل ذلك يعتقد أن الخاصة لا ~~تقوله؛ وإنما تقوله العامة والجمهور فأضافه إليهم وسماهم حشوية. والطائفة ~~تضاف تارة إلى الرجل الذي هو رأس مقالتها كما يقال: الجهمية والإباضية ~~والأزارقة والكلابية والأشعرية والكرامية # PageV12P176 # ويقال في أئمة المذاهب: مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية. وتارة تضاف إلى ~~قولها وعملها كما يقال: الروافض والخوارج والقدرية والمعتزلة ونحو ذلك. ~~ولفظة الحشوية لا ينبني لا عن هذا ولا عن هذا. وأما قوله: وقوم ذهبوا إلى ~~أنه حادث بالصوت والحرف - وهم الجهمية - فهو كلام من لا يعرف مقالات الناس. ~~فإن الجهمية يقولون: إن الله لا يتكلم وليس له كلام وإنما خلق شيئا فعبر ~~عنه ومنهم قال: إنه يتكلم بكلام يخلقه في غيره وهو قول المعتزلة. وأما ~~الكرامية فتقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق وهو متكلم به بحرف وصوت. ~~ويقولون مع ذلك: إنه حادث قائم به وهم ليسوا من الجهمية؛ بل يردون عليهم ~~أعظم الرد وهم أعظم مباينة لهم من الأشعرية. ويقولون مع ذلك: إن القرآن ~~حادث في ذات الله. ثم من هؤلاء من يقول: إن كلام الله كله حادث ومنهم من لا ~~يقول ذلك وهذا القول معروف عن أبي معاذ التومني وزهير البابي وداود بن علي ~~الأصبهاني بل والبخاري صاحب الصحيح وغيره وطوائف كثيرة يذكر عنهم هذا فليس ~~كل من قال: إنه حادث كان من الجهمية ولا يقول إنه مخلوق. # PageV12P177 # وأما قوله: وقوم نحوا إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم بذات ~~الله - وهم الأشعرية - فهذا صحيح؛ ولكن هذا القول أول من قاله في الإسلام ~~عبد الله بن كلاب؛ فإن السلف والأئمة كانوا يثبتون لله تعالى ما يقوم به من ~~الصفات والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته. والجهمية تنكر هذا وهذا فوافق ~~ابن كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة وأنكر أن يقوم به شيء يتعلق ~~بمشيئته وقدرته. وجاء أبو الحسن الأشعري بعده ms3880 - وكان تلميذا لأبي علي ~~الجبائي المعتزلي ثم إنه رجع عن مقالة المعتزلة وبين تناقضهم في مواضع ~~كثيرة وبالغ في مخالفتهم في مسائل القدر والإيمان والوعد والوعيد حتى نسبوه ~~بذلك إلى قول المرجئة والجبرية والواقفة - وسلك في الصفات طريقة ابن كلاب. ~~وهذا القول في القرآن هو قول ابن كلاب في الأصل وهو قول من اتبعه كالأشعري ~~وغيره. وقوله: فمن قال إن الحرف والصوت الملفوظ بهما عين الكلام القديم ~~فلأهل الحق فيه رأيان: رأي بتكفيره ورأي بتبديعه إلى قوله: وليعلم أن الحرف ~~اللساني والحرف البناني كلاهما مقيد بزمام تصرفه. # PageV12P178 # فيقال: أما القول بأن المداد المكتوب قديم فما علمنا قائلا معروفا قال به ~~وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنفين لا من أصحاب أبي حنيفة ولا مالك ولا ~~الشافعي ولا أحمد؛ بل رأينا في كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد إنكار القول بأن المداد قديم وتكذيب من نقل ذلك وفي كلام ~~بعضهم ما يدل على أن في المصحف حرفا قديما ليس هو المداد. ثم منهم من يقول: ~~هو ظاهر فيه ليس بحال ومنهم من يقول هو حال. وفي كلام بعضهم ما يقتضي أن ~~يكون ذلك هو الشكل: شكل الحرف وصورته؛ لا مادته التي هي مداده وهذا القول ~~أيضا باطل كما أن القول بأن شيئا من أصوات الآدميين قديم هو قول باطل وهو ~~قول قاله طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وجمهور هؤلاء ينكرون هذا ~~القول. وكلام الإمام أحمد وجمهور أصحابه في إنكار هذا القول كثير مشهور. ~~ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله كما ~~أن من قال: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله. ~~ومن قال: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل بعضه كلام # PageV12P179 # الله وبعضه ليس كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله. ومن قال: إن ~~معنى آية الكرسي وآية الدين و {قل هو الله أحد} و {تبت يدا أبي لهب ms3881 وتب} ~~معنى واحد فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله. وأما " التكفير ": فالصواب أنه من ~~اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ: لم يكفر؛ بل يغفر ~~له خطؤه. ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر. ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق ~~وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب. ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح على ~~سيئاته. ف " التكفير " يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع ~~ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا؛ بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا لا سيما في مثل " ~~مسألة القرآن " وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس ~~بالعلم والدين. وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا ~~يحققه فيبقى عارفا ببعض الحق جاهلا ببعضه؛ بل منكرا له. ومن ههنا نشأ ~~نزاعهم فالذين قالوا إنه مخلوق: رأوا أن # PageV12P180 # الكلام لا يكون إلا بقدرة المتكلم. ومشيئته وإن كلاما لازما لذات المتكلم ~~لا يعقل؛ فإنه إن جعل معنى واحدا كان مكابرة للعقل وكذلك إن جعل أصواتا ~~أزلية ثم ظنوا أن ما كان بقدرة الرب ومشيئته لا يكون إلا منفصلا عنه وما ~~انفصل عنه فهو مخلوق. ولهذا أنكروا أن يجيء أو يأتي أو ينزل وغير ذلك مما ~~جاء به الكتاب والسنة. وآخرون وافقوهم على هذا الأصل الذي أحدثه أولئك وهو ~~أنه لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ لكن رأوا أن كلاما لا يقوم ~~بالمتكلم لا يكون كلاما له. فقالوا: إن كلامه قائم به. ثم رأى " فريق " أن ~~قدم الأصوات ممتنع فجعلوا القديم هو المعنى ثم رأوا أن تعدد المعاني ~~القديمة ممتنع وأنه يفضي إلى وجود معاني لا نهاية لها فقالوا هو معنى واحد. ~~ورأى " فريق آخر " أن كون المعاني المتنوعة معنى واحدا ممتنع وكون الرب لم ~~يتكلم بحروف القرآن بل خلقها في غيره موافقة لمن جعل الكلام لا يقوم ~~بالمتكلم؛ فإن ms3882 تلك الحروف المنظومة - كالقرآن العربي - إن قالوا هو كلام ~~الله لزم أن لا يكون كلامه قائما به بل بغيره؛ وإن قالوا ليس كلاما لله لزم ~~أن يكون كلاما لمن خلقت فيه فلا يكون الكلام العربي كلاما لله؛ بل كلاما ~~لمن خلق فيه. وهذا # PageV12P181 # هو الذي أنكروه على من قال القرآن مخلوق. والذي قال إنه مخلوق لم يقل إلا ~~هذا؛ فلزمهم أن يوافقوا في الحقيقة قول من يقول: القرآن مخلوق وإن ضموا إلى ~~ذلك قولا لا حقيقة له يخالف العقل والنقل: وهو إثبات معنى واحد يكون هو ~~جميع معاني التوراة والإنجيل والقرآن؛ لكنهم إنما قالوا ذلك فرارا من أقوال ~~ظنوها باطلة فلم يقصدوا إلا الفرار عما رأوه باطلا فوقعوا في أقوال لها ~~لوازم تقتضي بطلانها أيضا. فلما رأى هذا " الفريق الثاني " ما أجاب به ~~هؤلاء قالوا: إنه حروف وأصوات قديمة أزلية. فرد عليهم غيرهم. وقالوا: إن ~~الأصوات متضادة في نفسها والضدان لا يجتمعان وأقل ما في الأمور القديمة أن ~~تكون مجتمعة وقالوا لهم: الأصوات مستلزمة للحركات المستلزمة للقدرة ~~والإرادة فلا تكون الأصوات إلا بقدرة وإرادة وما كان كذلك لم يكن قديم ~~العين؛ لكن النزاع في كونه قديم النوع. وقالوا: الأصوات هي في نفسها يمتنع ~~بقاؤها وما امتنع بقاؤه امتنع قدمه فامتنع قدم الأصوات. وقال " آخرون ": ~~إذا كان الأمر كذلك كان متكلما بحروف وأصوات حادثة بمشيئته وقدرته قائمة ~~بذاته لكن يمتنع قدم شيء من ذلك؛ لأن الحوادث لا تكون أزلية ورأوا أن هذا ~~القول ينجيهم من # PageV12P182 # سائر ما وقع فيه غيرهم وليس فيه ما ينكر أولئك عليهم إلا أن يقوم بذات ~~الرب ما يتعلق بمشيئته وقدرته. فإن المعتزلة نفت أن يقوم به شيء من المعاني ~~وعبروا عن ذلك بأنه لا يقوم به شيء من الأعراض والحوادث فسموا ما يقوم به ~~من العلم والقدرة والحياة أعراضا. وما يقوم به من الخلق والإحسان والإتيان ~~والمجيء والنزول حوادث. وقالوا - لسلف الأمة وأئمتها وجمهورها: - إن قلتم ~~الكلام المعين لازم له فقد قلتم إنه تقوم به الأعراض ms3883 وإن قلتم يتكلم ~~باختياره وقدرته فقد قلتم تقوم به الحوادث. فقال هؤلاء: كلام المعتزلة ~~وقولهم لا تقوم به هذه الأمور: كلام باطل مخالف للكتاب والسنة ولإجماع سلف ~~الأمة. وهو أيضا مخالف لصريح العقل؛ فإن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ~~وحي بلا حياة ممتنع في صريح العقل. وكذلك إثبات خالق وعادل بلا خلق ولا عدل ~~وإثبات فاعل لا يقوم به فعل وإثبات رب لا يقدر على التصرف بنفسه؛ بل يكون ~~بمنزلة الجماد سلب لصفات الكمال عنه كما أن إثبات رب لا يعلم ولا يقدر سلب ~~لصفات الكمال عنه. # PageV12P183 # قال هؤلاء: فإذا قلنا إنه تكلم بالكلام حروفه ومعانيه. بمشيئته وقدرته ~~سلمنا من هذه المحاذير ولم يكن منا محذور شرعي ولا عقلي. فقال لهم " الفريق ~~السابع ": ولكن جعلتموه عاجزا عن الكلام في الأزل مسلوبا للكمال ولزمكم أن ~~يقال: إذا كان من الأزل إلى الأبد لم يتكلم ثم تكلم كان ذلك أمرا حادثا ~~فيحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول؛ فيلزم تسلسل ~~الحوادث. فإن كان ذلك ممتنعا بطل قولكم وإن كان جائزا فقولوا لم يزل متكلما ~~إذا شاء كما قاله أئمة السنة وجماهير أهل الحديث فإنكم حينئذ تكونون قد ~~وصفتم ربكم بصفات الكمال أزلا وأبدا. قالوا: وهذا القول خير من سائر ~~الأقوال مع موافقته المعقول وصحيح المنقول. فقال لهم أولئك: هذا يستلزم ~~حوادث لا أول لها. وذلك ممتنع فقال لهم هؤلاء: هذا كلام مبتدع وإنما ~~أخذتموه عن المعتزلة لم يأت به كتاب ولا سنة ولا قاله أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها ولا دل عليه العقل: بل العقل يدل على نقيضه. والذين قالوا هذا ~~القول من المعتزلة ومن تبعهم من الكرامية والأشعرية: ظنوا أنهم بهذا القول ~~يثبتون حدوث العالم. بناء على أن الأجسام لا تخلو من الأعراض المحدثة وما ~~لا يخلو من الحوادث فهو # PageV12P184 # محدث وهذا القول هو الذي سلط عليهم " الفلاسفة الدهرية " القائلين بقدم ~~العالم؛ فإن هذا القول الذي قالوه وجعلوه مستلزما لحدوث العالم هو مناقض ~~لحدوث العالم ms3884 بل هو مناقض لإثبات الصانع. فهم قصدوا نصر الإسلام بما ينافي ~~دين الإسلام. ولهذا كثر ذم السلف لمثل هذا الكلام وهذا هو أصل " الكلام ~~المذموم " عند سلف الأمة وأئمتها؛ وذلك لأن الشيء إذا كان يمكن وجوده ويمكن ~~عدمه فلا يوجد إلا بمقتض يستلزم وجوده وإن جاز وجوده بدون ذلك أمكن أن تكون ~~المخلوقات - التي يمكن وجودها وعدمها - وجدت بلا فاعل فلا بد للممكنات من ~~وجود واجب يحصل به وجودها ولا تكون مع وجود المقتضي التام محتملة للوجود ~~والعدم؛ بل يكون وجودها لازما حتما. فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~وإذا شاء الرب شيئا لم يمكن أن لا يكون؛ بل يجب كونه بمشيئة الرب تعالى ~~المستلزمة لقدرته. قالوا: وإذا كان كذلك: فالحادث الذي يمكن وجوده ويمكن ~~عدمه إذا حدث بدون سبب حادث مع استواء نسبته إلى جميع الأوقات واستواء نسبة ~~جميع الحوادث والأوقات إلى مشيئة الرب وقدرته لزم من ذلك أن يكون قد تخصص ~~بعض الحوادث بالحدوث وبعض # PageV12P185 # الأزمنة بالحدوث من غير مخصص يقتضي ذلك ومن غير سبب حادث يقتضي الحدوث. ~~وهذا مع أنه فاسد في صريح العقول: فهو يبطل ما استدلوا به على إثبات الصانع ~~فلا بد حينئذ أن يكون لحدوث الحوادث سبب حادث؛ وحينئذ فما من حادث إلا وهو ~~مسبوق بحادث. وحينئذ: فهذا يقتضي أن الله إذا كان متكلما بمشيئته وقدرته ~~أمكن أنه لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته ولم يجز أن يصير متكلما بعد أن لم ~~يكن متكلما بحال؛ لأن ذلك يقتضي حدوث الحادث بلا سبب حادث وهو ممتنع ويقتضي ~~أنه تجدد له من صفات الكمال ما أمكن ثبوته في الأزل؛ وذلك ممتنع. وذلك لأن ~~صفات الكمال التي يمكن اتصاف الرب بها لا يجوز أن يتوقف ثبوتها له على ~~غيره؛ لأنه يلزم أن يكون ذلك الغير هو المعطي له صفات الكمال ومعطي غيره ~~صفات الكمال أولى بأن يكون هو الرب تعالى ورب العالمين الخالق ما سواه الذي ~~يعطيه صفات الكمال لا يكون غيره ربا له ms3885 بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى عن ~~ذلك. وحينئذ فيجب اتصافه بالكلام إذا شاء أزلا وأبدا. قال هؤلاء: وهذا ~~الأصل يبطل حجة الفلاسفة الدهرية التي # PageV12P186 # احتجوا بها على قدم العالم وعجزتم أنتم معاشر المعتزلة وأتباعكم - من ~~المتكلمين القائلين بامتناع دوام الحوادث - عنها فإنهم ألزموكم على أصولكم؛ ~~إذ قدرتم ثبوت موجود لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يفعل شيئا بل يمتنع منه ~~في الأزل كل شيء يكون منه: من كلام أو فعل. فقالوا: إذا قدرنا وجود هذا ~~وأنه يبقى دائما أبدا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم تكلم وفعل؛ فلا بد من سبب ~~أوجب حدوث هذا الكلام والفعل إما حدوث قدرة أو إرادة أو علم أو غير ذلك من ~~الأسباب. فأما إذا قدر حاله فيما لا يزال كحاله فيما لم يزل: امتنع أن ~~يتجدد له كلام أو فعل أو غير فعل. فهذه حجة الفلاسفة عليكم؛ وأنتم لم ~~تجيبوهم إلا بالمكابرة أو بالإلزام " فالمكابرة " دعواكم حدوث الحوادث بلا ~~حدوث سبب؛ بل جعلتم نفس القدرة أو الإرادة القديمة: تخصص أحد المتماثلين عن ~~المثل الآخر بلا سبب أصلا مع أن نسبتها إلى جميع المتماثلات نسبة واحدة. ~~وهذا مع أنه معلوم البطلان بالضرورة: فهو يسد عليكم طريق " إثبات الصانع " ~~فإنه مبني على أن الحوادث لا بد لها من محدث والمخصص لا بد له من مخصص ~~والترجيح لا بد له من مرجح؛ إذا كان المخصص أو المرجح من الممكنات أو ~~المحدثات. وأما " الإلزام " فقولكم إن هذا الإشكال لازم للفلاسفة كما هو # PageV12P187 # لازم لنا. فإن الحوادث إذا امتنع حدوثها عن علة تامة أزلية - وليس عندكم ~~إلا العلة التامة الأزلية - لزم ألا يكون للحوادث محدث. وأما نحن إذا سلكنا ~~طريق سلف الأمة وأئمتها فنقول لهؤلاء الفلاسفة: بل خلق الله السموات والأرض ~~في ستة أيام كما أخبرت به الرسل فحدثت بأسباب حدثت قبل ذلك وإذا قلنا: إنه ~~لم يزل متكلما إذا شاء - و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ~~- كان ما يحدث حادثا بما شاء أن يتكلم ms3886 به من كلامه؛ لا سيما إذا قيل بنظير ~~ذلك في إرادته - سبحانه وتعالى - وأمكننا أن نجيب الفلاسفة بجواب آخر مركب ~~عنا وعنكم. فنقول لهم. وجود حوادث لا أول لها ممكن أو ممتنع؟ . فإن قلتم ~~ممتنع: لزمكم القول بحدوث العالم وأمكن حينئذ صحة قول الكرامية ونحوهم. وإن ~~قلتم: هو ممكن. قيل: فممكن حينئذ أن يكون هذا العالم حدث بسبب حادث قبله. ~~وكذلك السبب الآخر لا إلى غاية والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا ~~الموضع. و " المقصود هنا " التنبيه على أن هذه مقامات دقيقة مشكلة # PageV12P188 # بسببها افترقت الأمة واختلفت. فإذا اجتهد الرجل في متابعة الرسول ~~والتصديق بما جاء به وأخطأ في المواضع الدقيقة التي تشتبه على أذكياء ~~المؤمنين غفر الله له خطاياه؛ تحقيقا لقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح أن الله قال: " قد فعلت ". # وأما قول القائل: ومن قال: كلام الله منزه عن سمات الحدوث إذ الصوت ~~والحرف لازمهما الحدوث فكما لذاته التنزيه عن سمات الخلق كذلك لقوله الحق. ~~فيقال له: لا نزاع بين المسلمين؛ بل وسائر أهل الملل وغيرهم من العقلاء أن ~~الخالق منزه عن سمات الحدوث فإن قدمه ضروري؛ فيمتنع أن يقوم دليل على حدوثه ~~و " السمة " هي العلامة والدليل. ولكن منازعوك في الصوت والحرف: جمهور ~~الخلائق؛ إذ لم يوافق الكلابية على قولهم أحد من الطوائف لا الجهمية ولا ~~المعتزلة ولا الضرارية ولا النجارية ولا الكرامية ولا السالمية ولا جمهور ~~المرجئة والشيعة ولا جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف ولا الفلاسفة: لا ~~الإلهيون ولا الطبائعيون على اختلاف أصنافهم. وخصومهم منهم من يقول: الحروف ~~محدثة مخلوقة في محل منفصل عن الله كما يقولون هم ذلك؛ لكن يقولون: هذا ~~كلام الله ليس لله # PageV12P189 # كلام غيره كما أجمع المسلمون على أن هذا كلام الله بل أجمعت الأمم على أن ~~الكلام لا يعقل إلا كذلك. فإن قلتم: هذا هو كلام الله. لزمكم أن يكون كلامه ~~مخلوقا وإن قلتم: ليس ذلك كلام الله خالفتم المعلوم بالاضطرار من الشرع ms3887 ~~واللغة وإن قلتم نسمي هذا كلام الله وهذا كلام الله كلاهما حقيقة بطريق ~~الاشتراك اللفظي. قيل لكم: فإذا ثبت أن الكلام المخلوق في غيره هو كلام له ~~حقيقة بطل أصل حجتكم التي احتججتم بها حيث قلتم الكلام لا يكون كلاما إلا ~~لمن قام به ولا يكون المتكلم متكلما بكلام يحل في غيره. وقالوا لكم أيضا: ~~إثبات المعنى الذي أثبتموه غير هذه الحروف والأصوات يحتاج إلى إثبات وجوده ~~ثم إثبات قدمه ثم إثبات حدوثه وكل من هذه المقامات أنتم فيها منقطعون كما ~~هو مبسوط في موضعه وكما اعترف بذلك فضلاء هذه المقالة. و " الفريق الثاني " ~~يقول لكم: إنا نسلم لكم أن الحروف والأصوات محدثة؛ لكن نقول هي كلام الله ~~القائم بذاته فإن قلتم هذا يستلزم كونه محلا للحوادث قالوا لكم: ونفس هذا ~~من كلام المعتزلة الذي تلقيتموه عنهم وليس لكم على ذلك حجة لا عقلية ولا ~~شرعية # PageV12P190 # وقد اعترف فضلاؤكم بأن هذا القول يلزم جمهور الطوائف. وقال لكم منازعوكم: ~~قد دل على هذا الأصل الأدلة الشرعية والعقلية. و " الفريق الثالث " يقول ~~لكم: هب أنها محدثة أهي محدثة الأعيان أم نوعها محدث؟ فإن قلتم: إن كل فرد ~~من أفرادها محدث لم ينفعكم. وإن قلتم بل النوع محدث لامتناع حوادث لا ~~تتناهى. قيل لكم: هذا مما ينازعكم فيه جمهور أهل الحديث مع جمهور الفلاسفة ~~وينازعكم فيه أئمة الملل وأئمة النحل وينازعكم فيه الأئمة من أهل التوراة ~~والإنجيل والقرآن والأئمة؛ من الصابئة والفلاسفة والمجوس وغيرهم وإنما ~~ابتدع هذا القول في الإسلام طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم أئمة الدين ~~وأعلام المسلمين وهذا القول ليس معلوما بالكتاب والسنة والإجماع ولا قاله ~~أحد من السلف والأئمة وإنما هو قول مبتدع ومبتدعه يزعم أن العقل دل عليه. ~~ويثبت به حدوث العالم والعلم بإثبات الصانع. وهؤلاء يقولون له: العقل يدل ~~على نقيضه وأنه مناف مضاد لحدوث العالم ولإثبات الصانع. وهذا مبسوط في ~~موضعه؛ وإنما المقصود التنبيه على ما في هذا الكلام من موارد النزاع ومواقع ~~الإجماع. # PageV12P191 # وقول القائل: ms3888 كما لذاته التنزيه عن سمات الخلق فكذلك لقوله الحق. فهذا من ~~جنس سجع الكهان الذي لا يقيم حقا ولا يبطل باطلا فهل تقول إن كل ما وصف به ~~الرب من الصفات يتصف به كل ما له من الكلمات أو غيرها من الصفات؟ وإذا قيل: ~~إن الرب تعالى إله قادر خالق معبود فهل يجب أن يكون شيء من كلماته وصفاته ~~إلها قادرا خالقا معبودا؟ وهذا القول يضاهي قول النصارى الذين قالوا: كما ~~أن أقنوم الوجود إله فكذلك أقنوم الكلمة والروح فيثبتون للصفات الإلهية ~~التي أثبتوها للذات والرب تعالى له كلام قائم بمحل لا يوجد بغيره إذ لا بد ~~للكلام من محل لا يوجد الكلام بدونه فهل يجب أن يفتقر الرب إلى محل يقوم به ~~كما يفتقر الكلام إلى ذلك؟ ولكن يجب تنزيه كلامه عن كل نقص وعيب؛ إذ هو ~~المستحق للكمال في ذاته وصفاته وأفعاله. ويمتنع أن يخلو عن صفات الكمال من ~~الحياة والعلم والقدرة والكلام وغير ذلك من صفات الكمال مع أنه يتصف بها ~~بعض مخلوقاته فالموصوف الواجب الوجود القديم الأزلي أحق بصفات الكمال من ~~المخلوقات وكل كمال ثبت لمخلوق فمن الخالق استفاده والخالق أوهبه إياه ~~وأعطاه فواهب الكمال ومعطيه أحق به وأولى. # PageV12P192 # وهذا مما يعبر عنه كل قوم باصطلاحهم حتى تقول المتفلسفة: كل كمال ثبت ~~للمعلول فهو من كمال العلة. ومعلوم أن المخلوق الذي خلق من قبل ولم يك شيئا ~~ليس له من نفسه شيء أصلا؛ بل كل ما له فمن خالقه سبحانه وتعالى. وأما قوله: ~~ولتعلم أن الحرف اللساني والحرف البناني: كلاهما مقيد بزمان يصرفه المولى ~~متكلم قبل الزمان فتعالى كلامه عن أن تكتنفه الحدثان فقد عرف منازعة ~~المنازعين له في هذا ولم يذكر إلا مجرد الدعوى وقد علم أن تصور الدعوى ~~معلوم الفساد بالضرورة عند أكثر العقلاء وأن الدليل عليها مقدمات ينازعه ~~فيها جمهور العقلاء وآخرها ينتهي إلى مقدمات تلقوها عن شيوخهم المعتزلة؛ ~~فإن الكلابية والأشعرية إنما أخذوا مقدمات هذا الكلام ومادته منهم. وقد عرف ~~حالهم في ms3889 ذلك. وقوله المولى متكلم قبل الزمان إن أراد أنه سبحانه وتعالى ~~قبل السموات والأرض والليل والنهار وقبل جميع المخلوقات فهذا حق؛ لكن من ~~أين له أن كل ما كلم به عباده ويكلمهم به يوم القيامة يجب أن يكون قبل جميع ~~المخلوقات؟ ومن أين له أنه قبل خلق العالم كان مناديا لموسى قائلا له: ~~{إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} ؟ # PageV12P193 # وإن أراد أنه سبحانه وتعالى قبل ما يوصف بالقبل فهذا ممتنع فإنه سبحانه ~~موصوف بأنه الأول قبل كل شيء وإن أراد بذلك أن الزمان مقدار الفعل والحركة ~~وأن ذلك ممتنع في الأزل فقد عرف أن أئمة الملل والنحل ينازعونه في هذا مع ~~اتفاق أهل الملل على أن الله خالق السموات والأرض في ستة أيام وقوله: إن ~~الحرف والصوت أداتان يعبر بهما عن المعنى القائم بذات الله كما يعبر ~~الإنسان عما قام به من الطلب. تارة بالبنان وتارة باللسان وتارة بالرأس عند ~~طلب الرواح وعند طلب الإتيان فهذا مذهب الحق ومركب الصدق. فيقال له: هذا ~~عليه اعتراضات: " أحدها " أن يقال: ما ذلك المعنى القائم بالذات؟ أهو واحد ~~كما يقوله الأشعري وهو عنده مدلول التوراة والإنجيل والقرآن ومدلول آية ~~الكرسي والدين ومدلول سورة الإخلاص وسورة الكوثر؟ أم هو معان متعددة؟ فإن ~~قال بالأول: كان فساده معلوما بالاضطرار ثم يقال: التصديق فرع التصور ونحن ~~لا نتصور هذا فبين لنا معناه. ثم تكلم على إثباته فإن قال: هو نظير المعاني ~~الموجودة فينا كان هذا الكلام بعد النزول عما يحتمله من التشبيه والتمثيل ~~باطلا؛ لأن الذي فينا معان متعددة متنوعة وإما معنى واحد هو أمر بكل مأمور ~~به وخبر عن كل مخبر عنه فهذا غير متصور. # PageV12P194 # " الثاني " أن يقال: هب أنه متصور. فما الدليل على ثبوته؟ وما الدليل على ~~قدمه؟ . " الثالث " أن يقال: قولك الصوت والحرف عبارة عنه. أتعني به ~~الأصوات المسموعة من القراء أو الحروف الموجودة في التلاوة والمصاحف وإما ~~حروفا وأصواتا غير هذه. فإن قلت بالأول كان باطلا من ms3890 وجوه: " أحدها ": أنه ~~كل من أجاد القراءة عبر عما في نفس الله من غير أن يكون الله عبر عما في ~~نفسه فيكون المخلوق أقدر من الخالق. " الثاني " أن كثيرا من القراء أو ~~أكثرهم لا يفقهون أكثر معاني القرآن والتعبير عما في نفس المعبر فرع على ~~معرفته فمن لم يفهم جميع معاني القرآن - كلام الله - فكيف يعبر عن تلك ~~المعاني " الثالث " أن الناس لا يفهمون معاني القرآن إلا بدلالة ألفاظ ~~القرآن على معانيه؛ فإذا سمعوا ألفاظه وتدبروه كان اللفظ لهم دليلا على ~~المعاني والمستدل باللفظ على المعنى الذي أراده المتكلم يمتنع أن يكون هو ~~المعبر باللفظ عن المعنى فإن المعبر باللفظ عن المعنى يعرف المعنى أولا # PageV12P195 # ثم يدل غيره عليه بالعبارة والناس في القرآن على ضد هذه الحال؛ فيمتنع أن ~~يكونوا هم المعبرين به. # " الرابع " أن كل واحد منهم يعلم أنه تعلم القرآن العربي من غيره وأنه ~~ليس له فيه إلا الحفظ والتبليغ والأداء؛ بل يعلم أنه إذا حفظ خطب الخطباء ~~وشعر الشعراء لم يكن هو المعبر عما في أنفسهم بذلك الكلام؛ بل يكون الكلام ~~كلامهم وهو قد حفظه وأداه وبلغه. فكيف بكلام رب العالمين " الخامس " إن كل ~~واحد يعلم بالاضطرار أن نفس القرآن العربي كان موجودا قبل وجود كل القراء ~~وأن الناس إنما تلقوه عن محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما. و " بالجملة " فالدلالة على فساد هذا القول أكثر من أن تحصر. وإن ~~قلت: بل الحروف والأصوات المعبر بها عن المعاني التي أرادها الله من حروف ~~وأصوات كانت موجودة قبل وجود القراء: ولكن كل من القراء حفظ ذلك النظم ~~العربي الذي كان موجودا قبله قيل لك. فحينئذ قد كان ثم حروف وأصوات غير هذه ~~الأصوات المسموعة من القراء وغير المداد المكتوب في المصاحف وهذا هو # PageV12P196 # الحق الذي اتفق عليه جميع الخلق. فقول القائل: إنه ما ثم إلا المعنى ~~القائم بالذات أو هذه الحروف والأصوات ليس بحق. ويقال له حينئذ: فتلك ~~الحروف والأصوات أهي من كلام الله ms3891 الذي تكلم به؟ أم هي مخلوقة خلقها في ~~غيره؟ فإن قلت: هي من كلام الله تعالى لزمك ما فررت منه حيث أقررت أن لله ~~كلاما هو حروف وأصوات كما يقوله جمهور المسلمين. وإن قلت: ليست كلاما لله ~~فهذه أولى من أن تكون كلاما لله. وحينئذ فلا يكون هذا القرآن كلام الله ~~وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام. # وأما قوله: من قال لفظي عين كلام الله: فقد انسلخ عن ربقة العقل وغرق في ~~بحر العماية والجهل. فيقال: قول القائل: لفظي " عين كلام الله " كلام مجمل. ~~فإن " اللفظ " في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظا كما أن " التلاوة والقراءة " في ~~الأصل مصدر تلا يتلو وقرأ يقرأ ويعبر باللفظ والتلاوة والقراءة عن نفس ~~الكلام الملفوظ به المتلو المقروء. فإن الناس إذا قالوا: اللفظ يدل على ~~المعنى. لم يريدوا باللفظ المصدر؛ بل يريدون به الملفوظ به. وإذا قالوا لمن ~~سمعوه يتكلم: هذه ألفاظ حسنة أرادوا به ما يلفظه كما قال تعالى: {ما يلفظ ~~من # PageV12P197 # قول إلا لديه رقيب عتيد} يراد باللفظ نفس الفعل وقد يراد به نفس القول ~~الذي لفظه اللافظ. وهذا ك " القرآن " قد يراد به المصدر وقد يراد به الكلام ~~المقروء. وقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ~~والقرآن هنا مصدر كما في الآية عن ابن عباس قال: علينا أن نجمعه في صدرك ثم ~~أن تقرأه بلسانك فإذا قرأه جبريل فاستمع لقراءته. ثم إن علينا أن نبينه. ~~وقد يراد ب " القرآن " نفس الكلام المقروء كما قال: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا} وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وقال ~~تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} ~~وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله} ونظائره كثيرة. وإذا كان كذلك: فقول القائل لفظي: هو عين كلام ~~الله. إن أراد به المصدر فقد أخطأ فإن نفس حركاته ليست هي كلام الله وهذا ~~لا يقوله ms3892 أحد يفهم ما يقول. وإن أراد " الثاني ": كان المعنى أن هذا القرآن ~~الذي أتلوه هو عين كلام الله وهذا هو الذي يقصده الناس إذا قالوا: الذي ~~يقرأ # PageV12P198 # القراء عين كلام الله وهذا الذي نسمعه من القراء عين كلام الله وهذا الذي ~~يقرأ في الصلاة عين كلام الله لا يقصد أحد أن يجعل حركات العباد نفس كلامه. ~~ثم إذا قال القائل هذا فقد وافق قول الله تعالى: {وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} بل قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن ~~هذا الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم هو كلام الله لا كلام غيره. ~~تارة يسمع منه كما سمعه موسى بن عمران وتارة يسمع من المتلقين عنه كما سمعه ~~الصحابة من الرسول فهذا الذي نسمعه هو كلام الله متلقى عنه مسموعا من ~~المبلغ عنه. قال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} وقال ~~تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته} وقال تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} . والناس يعلمون أن ~~الكلام كلام من قاله آمرا بأمره مخبرا بخبره مبتدئا به لا كلام من بلغه عن ~~غيره وأداه. فالناس يقرءون القرآن وليس هو كلامهم؛ ولكنه كلام يقرءونه ~~بأفعالهم وأصواتهم. وإذا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام غيره إذا ~~رواه الناس عنه وبلغوه وقرءوه فهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من ~~المتكلمين بذلك الكلام والنبي # PageV12P199 # صلى الله عليه وسلم تكلم بلفظه ونظمه ومعناه وتكلم به بحروف وأصوات مع أن ~~أصوات الرواة ليست صوت النبي صلى الله عليه وسلم. فالقرآن إذا قرأه الناس ~~وبلغوه بأصواتهم وأفعالهم: كان أولى بأن يكون كلام الله وإن كانوا لم ~~يسمعوه من الله؛ بل من الخلق. ومما ينبغي أن يعلم: أن قول الله ورسوله ~~والمؤمنين إن هذا كلام الله؛ بل قول الناس لما بلغ من كلام المخلوقين إن ~~هذا كلام فلان حق كما اتفق على ذلك الناس؛ لكن عرضت ms3893 شبهة لكثير من ~~المتنطعين فلم يفرقوا بين ما إذا سمع كلام المتكلم به وبين ما إذا سمع من ~~غيره فظنوا أنه إذا قال: {فأجره حتى يسمع كلام الله} كان بمنزلة سماع موسى ~~كلام الله. فقالت " طائفة " المسموع أصوات العباد وكلام الله ليس هو أصوات ~~العباد فلا يكون المسموع كلام الله. وقالت " طائفة " بل هذا كلام الله وهذا ~~مخلوق؛ فكلام الله مخلوق. وقالت " طائفة ": بل هذا كلام الله وكلام الله ~~غير مخلوق فهذا غير مخلوق. # PageV12P200 # وهذا إذا أطلقوه " مجملا " فهو حق؛ لكن قال بعضهم: هذا لفظي أو تلاوتي أو ~~صوتي؛ فلفظي أو تلاوتي أو صوتي غير مخلوق؛ فضلوا كما ضل غيرهم؛ ولو اهتدوا ~~لعلموا أنا إذا قلنا: هذا كلام الله فلم نشر إليه بما امتاز قارئ عن قارئ ~~إذا كان من المعلوم أنه ما يسمع من كل قارئ فهو كلام الله مع العلم بأن صوت ~~هذا القارئ ليس هو صوت هذا القارئ فقد اتحد من جهة كونه كلام الله. واختلف ~~من جهة أصوات القراء. وهو كلام الله باعتبار الحقيقة المتحدة لا باعتبار ما ~~اختلف فيه أحوال القراء. وهذا لأن الكلام إنما يقصد به لفظه ومعناه ولفظه ~~هو الحروف المقروءة المنظومة. وإن كانت الحروف أصواتا مقطعة أو هي أطراف ~~الأصوات المقطعة فهي من الكلام باعتبار صورتها الخاصة من التقطيع والتأليف ~~لا باعتبار المادة الصوتية التي يشترك فيها جميع الصائتين؛ ولهذا ما كان في ~~الكلام من بلاغة وبيان وحسن تأليف ونظم وكمال معان وغير ذلك فهو للمتكلم ~~بلفظه ومعناه ليس هو لمجرد صفات الذي بلغه وأداه. وأما قول القائل: من قال ~~إن مذهب جهم بن صفوان هو مذهب الأشعري أو قريب أو سواء معه فهو جاهل بمذهب ~~الفريقين؛ إذ الجهمية # PageV12P201 # قائلون بخلق القرآن وبخلق جميع. . . (1) # والأشعري يقول بقدم القرآن وإن كلام الإنسان مخلوق للرحمن فوضح للبيب كل ~~من المذاهب الثلاثة. فيقال: لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ونحوهما من ~~المثبتة للصفات ليس هو قول الجهمية بل ولا المعتزلة بل هؤلاء لهم مصنفات ms3894 في ~~الرد على الجهمية والمعتزلة وبيان تضليل من نفاها بل هم تارة يكفرون ~~الجهمية والمعتزلة وتارة يضللونهم. لا سيما والجهم هو أعظم الناس نفيا ~~للصفات بل وللأسماء الحسنى. قوله من جنس قول الباطنية القرامطة حتى ذكروا ~~عنه أنه لا يسمى الله شيئا ولا غير ذلك من الأسماء التي يسمى بها المخلوق. ~~لأن ذلك بزعمه من التشبيه الممتنع. وهذا قول القرامطة الباطنية. وحكي عنه ~~أنه لا يسميه إلا " قادرا فاعلا "؛ لأن العبد عنده ليس بقادر ولا فاعل إذ ~~كان هو رأس المجبرة. وقوله في الإيمان شر من قول المرجئة فإنه لا يجعل ~~الإيمان إلا مجرد تصديق القلب. وابن كلاب " إمام الأشعرية أكثر مخالفة لجهم ~~وأقرب إلى السلف PageV12P202 # من الأشعري نفسه والأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني. ~~والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي وأتباعه فإن هؤلاء ~~نفوا الصفات: كالاستواء والوجه واليدين. ثم اختلفوا هل تتأول أو تفوض؟ على ~~قولين أو طريقين فأول قولي أبي المعالي هو تأويلها كما ذكر ذلك في " ~~الإرشاد " وآخر قوليه تحريم التأويل ذكر ذلك في " الرسالة النظامية " ~~واستدل بإجماع السلف على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب. وأما الأشعري نفسه ~~وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية وفي الرد على من ~~يتأولها كمن يقول: استوى بمعنى استولى. وهذا مذكور في كتبه كلها ك " الموجز ~~الكبير " و " المقالات الصغيرة والكبيرة " و " الإبانة " وغير ذلك. وهكذا ~~نقل سائر الناس عنه حتى المتأخرون كالرازي والآمدي ينقلون عنه إثبات الصفات ~~الخبرية ولا يحكون عنه في ذلك قولين. فمن قال: إن الأشعري كان ينفيها وأن ~~له في تأويلها قولين: فقد افترى عليه؛ ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه ~~كأبي المعالي ونحوه؛ فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة. # PageV12P203 # و " الأشعري " ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه كل منهما يكذب ~~عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهارا لموافقة أهل الحديث والسنة من ~~الحنبلية وغيرهم. وهذا كذب على الرجل فإنه لم يوجد ms3895 له قول باطن يخالف ~~الأقوال التي أظهرها ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض ~~هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته. فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر ~~دعوى مردودة شرعا وعقلا؛ بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع - تبين ~~له قطعا أنه كان ينصر ما أظهره؛ ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات ~~الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه مع كون ما ذهبوا ~~إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون وعليها يعتمدون. ~~و " الفريق الآخر ": دفعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا ~~خلاف هذا القول ولكونهم اتهموه بالتقية وليس كذلك بل هو انتصر للمسائل ~~المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة؛ كمسألة " الرؤية " و " ~~الكلام " وإثبات " الصفات " ونحو ذلك؛ لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة ~~وخبرته بالسنة خبرة مجملة؛ فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا ~~لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار # PageV12P204 # للسنة كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك. ~~والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون: إنه ~~متناقض وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة كما أن ~~المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الإسلام فإنهم بنوا كثيرا من الحجج ~~على أصول تناقض كثيرا من دين الإسلام؛ بل جمهور المخالفين للأشعري من ~~المثبتة والنفاة يقولون: إنما قاله في مسألة الرؤية والكلام: معلوم الفساد ~~بضرورة العقل. ولهذا يقول أتباعه: إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا ~~في " مسألة الرؤية والكلام "؛ فلما كان في كلامه شوب من هذا وشوب من هذا: ~~صار يقول من يقول إن فيه نوعا من التجهم. وأما من قال: إن قوله قول جهم فقد ~~قال الباطل. ومن قال: إنه ليس فيه شيء من قول جهم فقد قال الباطل والله يحب ~~الكلام بعلم وعدل وإعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل الناس منازلهم. وقول جهم هو ms3896 ~~النفي المحض لصفات الله تعالى وهو حقيقة قول القرامطة الباطنية ومنحرفي ~~المتفلسفة: كالفارابي وابن سينا. وأما مقتصدة الفلاسفة كأبي البركات صاحب ~~المعتبر وابن رشد الحفيد - ففي قولهم من الإثبات ما هو خير من قول جهم؛ فإن ~~المشهور عنهم إثبات الأسماء # PageV12P205 # الحسنى وإثبات أحكام الصفات ففي الجملة قولهم خير من قول جهم وقول ضرار ~~بن عمرو الكوفي خير من قولهم. وأما ابن كلاب والقلانسي والأشعري فليسوا من ~~هذا الباب بل هؤلاء معروفون بالصفاتية مشهورون بمذهب الإثبات؛ لكن في ~~أقوالهم شيء من أصول الجهمية وما يقول الناس إنه يلزمهم بسببه التناقض ~~وإنهم جمعوا بين الضدين وإنهم قالوا ما لا يعقل ويجعلونهم مذبذبين لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل في قولهم شيئا من أقوال الجهمية كما ~~أن الأئمة - كأحمد وغيره - كانوا يقولون: افترقت الجهمية على " ثلاث فرق ": ~~فرقة يقولون: القرآن مخلوق. وفرقة تقف ولا تقول مخلوق ولا غير مخلوق. وفرقة ~~تقول: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. ومن المعلوم أنهم إنما أرادوا بذلك افتراقهم ~~في " مسألة القرآن " خاصة وإلا فكثير من هؤلاء يثبت الصفات والرؤية ~~والاستواء على العرش وجعلوه من الجهمية في بعض المسائل: أي أنه وافق ~~الجهمية فيها؛ ليتبين ضعف قوله لا أنه مثل الجهمية ولا أن حكمه حكمهم؛ فإن ~~هذا لا يقوله من يعرف ما يقول. ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية ~~لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم كما يطلقه بتكفير المخلوقية وقد نسب إلى هذا ~~القول غير واحد من المعروفين بالسنة والحديث: كالحسين الكرابيسي ونعيم # PageV12P206 # ابن حماد الخزاعي والبويطي والحارث المحاسبي ومن الناس من نسب إليه ~~البخاري. # والقول بأن " اللفظ غير مخلوق " نسب إلى محمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم ~~الرازي؛ بل وبعض الناس ينسبه إلى أبي زرعة أيضا ويقول إنه هو وأبو حاتم ~~هجرا البخاري لما هجره محمد بن يحيى الذهلي والقصة في ذلك مشهورة. وبعد موت ~~أحمد " وقع بين بعض أصحابه وبعضهم وبين طوائف من غيرهم بهذا السبب وكان أهل ~~الثغر مع محمد بن داود المصيصي ms3897 شيخ أبي داود يقولون بهذا. فلما ولي صالح بن ~~أحمد قضاء الثغر: طلب منه أبو بكر المروذي أن يظهر لأهل الثغر " مسألة أبي ~~طالب " فإنه قد شهدها صالح وعبد الله ابنا أحمد والمروذي وفوران وغيرهم. ~~وصنف المروذي كتابا في الإنكار على من قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق ~~وأرسل في ذلك إلى العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وخراسان وغيرهم؛ ~~فوافقوه. وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " وبسط القول في ذلك. ~~ومع هذا فطوائف من المنتسبين إلى السنة وإلى اتباع أحمد كأبي عبد الله بن ~~منده وأبي نصر السجزي وأبي إسماعيل الأنصاري # PageV12P207 # وأبي العلاء الهمداني وغيرهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق. ويقولون: ~~إن هذا قول أحمد. ويكذبون - أو منهم من يكذب - برواية أبي طالب ويقولون: ~~إنها مفتعلة عليه أو يقولون رجع عن ذلك كما ذكر ذلك أبو نصر السجزي في ~~كتابه " الإبانة " المشهور. وليس الأمر كما قاله هؤلاء؛ فإن أعلم الناس ~~بأحمد وأخص الناس وأصدق الناس في النقل عنه هم الذين رووا ذلك عنه؛ ولكن ~~أهل خراسان لم يكن لهم من العلم بأقوال أحمد ما لأهل العراق الذين هم أخص ~~به. وأعظم ما وقعت فتنة " اللفظ " بخراسان وتعصب فيها على البخاري - مع ~~جلالته وإمامته - وإن كان الذين قاموا عليه أيضا أئمة أجلاء فالبخاري - رضي ~~الله عنه - من أجل الناس. وإذا حسن قصدهم واجتهد هو وهم أثابه الله وإياهم ~~على حسن القصد والاجتهاد. وإن كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط والخطأ ~~فالله يغفر لهم كلهم؛ لكن من الجهال من لا يدري كيف وقعت الأمور حتى رأيت ~~بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ودين يقول: مات البخاري بقرية خرتنك فأرسل ~~أحمد إلى أهل القرية يأمرهم أن لا يصلوا عليه لأجل قوله في " مسألة اللفظ " ~~وهذا من أبين الكذب على أحمد والبخاري وكاذبه جاهل بحالهما. فإن البخاري - ~~رضي الله عنه - توفي سنة ست وخمسين بعد موت أحمد بخمسة عشر # PageV12P208 # سنة فإن أحمد توفي سنة إحدى وأربعين وكان أحمد مكرما ms3898 للبخاري معظما. وأما ~~تعظيم البخاري وأمثاله لأحمد فهذا أظهر من أن يذكر. والبخاري ذكر في كتابه ~~في " خلق الأفعال " أن كلتا الطائفتين لا تفهم كلام أحمد. ومن الطائفة ~~الأخرى المنتسبة إلى السنة وأتباع أحمد: أبو نعيم الأصبهاني وأبو بكر ~~البيهقي وغيرهما ممن يقول: إنهم متبعون لأحمد وإن قولهم في " مسألة اللفظ " ~~موافق لقول أحمد. ووقع بين ابن منده وأبي نعيم بسبب ذلك مشاجرة حتى صنف أبو ~~نعيم كتابه في " الرد على الحروفية الحلولية " وصنف أبو عبد الله كتابه في ~~الرد على " اللفظية ". والمنتصرون للسنة - من أهل الكلام والفقه: كالأشعري ~~والقاضي أبي بكر بن الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم - يوافقون أحمد على ~~الإنكار على الطائفتين على من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق وعلى من يقول: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق ولكن يجعلون سبب الكراهة كون القرآن لا يلفظ؛ لأن اللفظ ~~الطرح والرمي. ثم هؤلاء منهم من ينكر تكلم الله بالصوت. ومنهم من يقر بذلك؛ ~~بل منهم من يقول إن الصوت المسموع هو الصوت القديم وينكرون مع ذلك على من ~~يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق لظنهم أن الكراهة # PageV12P209 # في ذلك لما فيه من الطرح والرمي وليس الأمر على ما ظنوه. فإن الإمام أحمد ~~وغيره من الأئمة لم ينكروا قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ~~لكون اللفظ الطرح فإنه لو كان كذلك لما أنكروا إلا مجرد ما يتصرف من حروف ~~لفظ يلفظ وليس كذلك؛ بل أنكروا على من قال التلاوة والقراءة مخلوقة وعلى من ~~قال: تلاوتي وقراءتي غير مخلوقة مع جواز قول المسلمين: قرأت القرآن وتلوته. ~~و " أيضا " فإنه يجوز أن يقال: لفظت الكلام وتلفظت به كما قال تعالى: ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ولكن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~قالوا: من قال: لفظي بالقرآن وتلاوتي أو قراءتي مخلوقة فهو جهمي. ومن قال: ~~إنه غير مخلوق فهو مبتدع لأن " اللفظ " و " التلاوة " و " القراءة " يراد ~~به مصدر لفظ يلفظ لفظا ومصدر قرأ يقرأ قراءة وتلا يتلو تلاوة ومسمى المصدر ms3899 ~~هو فعل العبد وحركاته ليس هو بقديم باتفاق سلف الأمة وأئمتها حتى القدرية ~~القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة. يقولون: إن ذلك ليس بقديم. ويقولون ~~إنه مخلوق لله. والسلف والأئمة - كحماد بن زيد والمعتمر بن سليمان ويحيى بن ~~سعيد القطان وأحمد بن حنبل وغيرهم - أنكروا على من قال: إن # PageV12P210 # أقوال العباد وأفعالهم غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد: ما زلت أسمع ~~أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. وقال بعض هؤلاء: من قال إن هذا ~~غير مخلوق فهو بمنزلة من قال: إن سماء الله وأرضه غير مخلوقة. وقد يراد ~~بالتلاوة والقراءة واللفظ نفس القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي هو كلام الله. # ومن قال إن كلام الله الذي أنزله على نبيه مخلوق فهو جهمي؛ ولهذا قال ~~أحمد وغيره من السلف: القرآن كلام الله حيث تصرف غير مخلوق ولم يقل أحد من ~~السلف والأئمة إن أصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة أو قديمة ولا قال أيضا ~~أحد منهم: إن المداد الذي يكتب به القرآن قديم أو غير مخلوق. فمن قال إن ~~شيئا من أصوات العباد أو أفعالهم أو حركاتهم أو مدادهم: قديم أو غير مخلوق ~~فهو مبتدع ضال مخالف لإجماع السلف والأئمة. وقد بدع أحمد بن حنبل من هو ~~أحسن حالا من هؤلاء وأمر بهجرهم إن لم يرجعوا عن بدعتهم. و " مسألة القرآن ~~" قد كثر فيها اضطراب الناس حتى قال بعضهم: مسألة الكلام حيرت عقول الأنام. ~~وغالبهم يقصدون وجها من # PageV12P211 # الحق ويعزب عنهم وجه آخر وكلام الأئمة من أشد الكلام كأحمد بن حنبل ومن ~~قبله من أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأئمة الذين ~~لهم في الأمة لسان صدق: مثل سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وعلقمة والأسود ~~والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم من التابعين. ومثل مالك والثوري والأوزاعي ~~والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك ~~وأمثالهم من تابعي التابعين ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن ms3900 إبراهيم ~~وأبي عبيد وأمثالهم من أتباع تابعي التابعين. وهم أئمة أهل القرون الثلاثة ~~الذين دخلوا في ثناء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {خير القرون القرن ~~الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} . ومن تدبر كلام أئمة ~~المسلمين في هذا الباب وغيرهم وجده أشد الكلام المطابق لصريح المعقول وصحيح ~~المنقول. وهذه الجملة لا تحتمل البسط هنا فقد بسطت في غير هذا الموضع وبين ~~أن " الكلام المذموم " الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل المخالف لصحيح ~~المنقول وصريح المعقول؛ وأن ما ثبت بالأدلة القطعية لا يتعارض ولا يتناقض ~~أصلا فلا يتعارض دليلان يقينيان أصلا سواء كانا عقليين # PageV12P212 # أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا ومن ظن أنهما يتعارضان كان ~~ذلك خطأ منه؛ لاعتقاده في أحدهما أنه يقيني ولا يكون كذلك ولا سيما إذا ~~كانا جميعا غير يقينيين. واختلاف الناس في هذا الباب وغيره كثير منه يكون " ~~اختلاف تنوع " مثل أن يقصد هذا حقا فيما يثبته والآخر يقصد حقا فيما نقضه ~~وكلاهما صادق. لكن يظنان أن بينهما نزاعا معنويا ولا يكون الأمر كذلك وكثير ~~من النزاع يعود إلى إطلاقات لفظية لا إلى معان عقلية وأحسن الناس طريقة من ~~كان إطلاقه موافقا للإطلاقات الشرعية والمعاني التي يقصدها معان صحيحة ~~تطابق الشرع والعقل. . . (1) . # وأصل منشأ نزاع المسلمين في هذا الباب: أن المتكلمين - من الجهمية ~~والمعتزلة ومن اتبعهم - سلكوا في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع طريقا ~~مبتدعة في الشرع مضطربة في العقل وأوجبوها وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع ~~إلا بها وتلك الطريق فيها مقدمات مجملة لها نتائج مجملة فغلط كثير من ~~سالكيها في مقصود الشارع ومقتضى العقل فلم يفهموا ما جاءت به النصوص ~~النبوية ولم يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية وذلك أنهم قالوا: لا يمكن ~~معرفة PageV12P213 # الصانع إلا بإثبات حدوث العالم ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا بإثبات ~~حدوث الأجسام. قالوا: والطريق إلى ذلك هو الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ~~ما قامت به الأعراض فمنهم من استدل بالحركة والسكون فقط ومنهم ms3901 من احتج ~~بالأكوان التي هي عندهم الاجتماع والافتراق والحركة والسكون. ومنهم من احتج ~~بالأعراض مطلقا. ومبنى الدليل على أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ ~~لامتناع حوادث لا أول لها. فيقول لهم المعارضون - من أهل الملل وغيرهم ~~القائلون بأن السموات والأرض محدثة عن عدم والقائلون بأن الأفلاك قديمة ~~أزلية - حدوث الحوادث بعد أن لم تكن أمر حادث. فلا بد له من سبب حادث وإلا ~~لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح. وقال لهم القائلون بحدوث الأفلاك من ~~أهل الملل وغيرهم: أنتم أثبتم حدوث العالم بطريق وحدوث العالم لا يتم إلا ~~مع نقيض ما أثبتموه. فما جعلتموه دليلا على حدوث العالم لا يدل على حدوثه؛ ~~بل ولا يستلزم حدوثه. والدليل لا بد أن يكون مستلزما المدلول؛ بحيث يلزم من ~~تحقق الدليل تحقق المدلول؛ بل هو مناف لحدوث العالم مناقض له وهو يقتضي ~~امتناع حدوث العالم بل امتناع حدوث # PageV12P214 # شيء من الأشياء. وهذا يقتضي بطلانه في نفسه وإنه لو صح لم يدل إلا على ~~نقيض المطلوب ونقيض ما يقوله كل عاقل. فإن كل عاقل يعلم حدوث الحوادث في ~~الجملة سواء قيل بقدم الأفلاك أم لم يقل بذلك؛ وذلك أن مبنى دليلكم على أن ~~القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وأن الإرادة الأزلية - التي ~~نسبتها إلى جميع المرادات على السواء - رجحت مرادا على مراد بلا مرجح غير ~~المرجح الذي نسبته إلى جميع المرجحات نسبة واحدة لا يتفاضل. ومن المعلوم أن ~~القول بترجيح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح أو ترجيح أحد المتماثلين على ~~الآخر بلا سبب يقتضي ذلك باطل في بديهة العقل. ولو قيل: إن ذلك صحيح لبطل ~~الدليل الذي يستدل به على ثبوت الصانع وحدوث العالم فإن مبنى الدليل على أن ~~المحدث لا بد له من محدث وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على العدم لا بد له ~~من مرجح ولا بد أن يكون المحدث المرجح قد حدث منه ما يستلزم وجود المحدث ~~الذي جعله موجودا وإذا لم يلزم وجوده ms3902 كان وجوده جائزا ممكنا: فكان محتملا ~~للوجود والعدم. فترجيح الوجود على العدم لا بد له من مرجح محدث له فكل # PageV12P215 # ما أمكن حدوثه إن لم يحصل له ما يستلزم حدوثه لم يحصل فما شاء الله كان ~~لا محالة ووجب وجوده بمشيئة الله وما لم يشأ لم يكن؛ بل يمتنع وجوده مع عدم ~~مشيئة الله تعالى له فما شاء الله حدوثه كان لازم الحدوث واجب الحدوث ~~بمشيئة الله لا بنفسه وما لم يشأ حدوثه كان ممتنع الحدوث لازم العدم واجب ~~العدم؛ لأنه لم توجد مشيئة الله المستلزمة لحدوثه. ثم إن الفلاسفة الدهرية ~~القائلين بقدم العالم قالوا: ما ذكرتموه من الدليل لا يدل على الحدوث؛ بل ~~يقتضي عدم الحدوث؛ لأن حدوث الحوادث بعد أن لم تكن عن ذات لم تزل معطلة من ~~الفعل باطل فيكون العالم قديما وعبروا عن ذلك بأن جميع الأمور المعتبرة في ~~كونه فاعلا إن وجدت في الأزل لزم وجود الفعل في الأزل وإلا لزم تخلف ~~المقتضى عن المقتضي التام. وحينئذ فإذا وجدت بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح ~~وإن لم توجد في الأزل فوجودها بعد ذلك أمر حادث؛ فيقتضي أمرا حادثا وإلا ~~لزم الحدوث بلا محدث وحينئذ فيلزم تسلسل الحوادث فإن القول في هذا الحادث ~~كالقول في غيره. وهذا مما تنكره المعتزلة وموافقوهم المتكلمون. قالوا: ~~فأنتم بين أمرين: إما إثبات التسلسل في الحوادث وإما إثبات الترجيح بلا ~~مرجح وكلاهما ممتنع عندكم. # PageV12P216 # ثم زعم هؤلاء الفلاسفة أن العالم قديم بناء على هذه الحجة ومن سلك سبيل ~~السلف والأئمة أثبت ما أثبتته الرسل من حدوث العالم بالدليل العقلي الذي لا ~~يحتمل النقيض وبين خطأ المتكلمين من المعتزلة ونحوهم الذين خالفوا السلف ~~والأئمة بابتداع بدعة مخالفة للشرع والعقل وبين أن ضلال الفلاسفة - ~~القائلين بقدم العالم ومخالفتهم العقل والشرع - أعظم من ضلال أولئك وبين أن ~~الاستدلال على حدوث العالم لا يحتاج إلى الطريق التي سلكها أولئك المتكلمون ~~بل يمكن إثبات حدوثه بطرق أخرى عقلية صحيحة لا يعارضها عقل صريح ولا نقل ~~صحيح. ms3903 وثبت بذلك أن ما سوى الله فإنه محدث كائن بعد أن لم يكن سواء سمي ~~جسما أو عقلا أو نفسا أو غير ذلك. فإن أولئك المتكلمين من المعتزلة ~~وأتباعهم لما لم يكن في حجتهم إلا إثبات حدوث أجسام العالم قالت الفلاسفة ~~ومن وافقهم من المتأخرين - كالشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم - إنكم لم ~~تقيموا دليلا على نفي ما سوى الأجسام. وحينئذ فإثبات حدوث أجسام العالم لا ~~يقتضي حدوث ما سوى الله إن لم تثبتوا أن كل ما سواه جسم وأنتم لم تثبتوا ~~ذلك؛ ولهذا صار بعض المتأخرين - كالأرموي ومن وافقه من أهل مصر كأبي عبد ~~الله القشيري - إلى أن أجسام العالم محدثة. وأما العقول والنفوس فتوقفوا عن ~~حدوثها وقالوا بقدمها # PageV12P217 # وإن كان حقيقة قولهم إنه موجب بالذات لها وإنه محدث للأجسام بسبب حدوث ~~بعض التصورات والإرادات التي تحدث للنفوس فيصير ذلك سببا لحدوث الأجسام ~~وهذا القول كما أنه معلوم البطلان في الشرع: فهو أيضا معلوم البطلان في ~~العقل كما سنبينه إن شاء الله تعالى. فنقول: الدليل الدال على أن كل ما سوى ~~الله محدث يتناول هذا وهذا. و " أيضا " فإذا كان موجبا بالذات كان اختصاص ~~حدوث أجسام العالم بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده يفتقر إلى مخصص والموجب ~~بذاته لا يصدر عنه ما يختص بوقت دون وقت؛ إذ لو جاز ذلك لم يكن موجبا ~~بذاته؛ ولجاز حدوث العالم عنه ولأن النفوس التي تثبتها الفلاسفة هي عند ~~جمهورهم عرض قائم بجسم الفلك؛ فيمتنع وجودها به بدون الفلك وعند ابن سينا ~~وطائفة أنها جوهر قائم بنفسه لكنها متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف. ~~وحينئذ فلو وجدت ولا تعلق لها بالجسم لم تكن نفسا؛ بل كانت عقلا فعلم أن ~~وجود النفس مستلزم لوجود الجسم. فإذا قال هؤلاء: إن النفس أزلية دون ~~الأجسام كان هذا القول # PageV12P218 # باطلا بصريح العقل مع أنه لم يعرف به قائل من العقلاء قبل هؤلاء. وإنما ~~ألجأ هؤلاء إلى هذا ظنهم صحة دليل المتكلمين على حدوث الأجسام وصحة قول ~~الفلاسفة بوجود موجود ms3904 وممكن غير الأجسام وإثبات الموجب بالذات؛ فلما بنوا ~~قولهم على الأصل الفاسد لهؤلاء ولهؤلاء: لزم هذا مع أنهم متناقضون في الجمع ~~بين هذين؛ فإن عمدة المتكلمين على إبطال حوادث لا أول لها. وعمدة الفلاسفة ~~على أن المؤثرية من لوازم الواجب بنفسه فإذا قالوا بقدم نفس لها تصورات ~~وإرادات لا تتناهى: لزم جواز حوادث لا تتناهى؛ فبطل أصل قول المتكلمين الذي ~~بنوا عليه حدوث الأجسام؛ فكان حينئذ موافقتهم المتكلمين بلا حجة عقلية فعلم ~~أنهم جمعوا بين المتناقضين. وأبو عبد الله ابن الخطيب وأمثاله كانوا أفضل ~~من هؤلاء وعرفوا أنه لا يمكن الجمع بين هذا وهذا فلم يقولوا هذا القول ~~المتناقض ولم يهتدوا إلى مذهب السلف والأئمة وإن كانوا يذكرون أصوله في ~~مواضع أخر ويثبتون أن جمهور العقلاء يلتزمونها فلو تفطنوا لما يقوم بذات ~~الله من كلامه وأفعاله المتعلقة بمشيئته وقدرته ودوام اتصافه بصفة الكمال ~~خلصوا من هذه المحارات. # PageV12P219 # ونحن ننبه على بعض الطرق العقلية التي يعلم بها حدوث كل ما سوى الله ~~تعالى. فنقول: من " الطرق " التي يعلم بها حدوث كل ما سوى الله هي أن يقال: ~~لو كان فيما سوى الله شيء قديم لكان صادرا عن علة تامة موجبة بذاتها ~~مستلزمة لمعلولها سواء ثبت له مشيئة أو اختيار أو لم يثبت؛ فإن القديم ~~الأزلي الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا يتصور وجوده إن لم يكن له في الأزل ~~مقتض تام يستلزم ثبوته. وهذا كما أنه معلوم بضرورة العقل فلا نزاع فيه بين ~~العقلاء فلا يقول أحد: إن القديم الأزلي صادر عن مؤثر لا يلزمه أثره فلا ~~يقول: إنه صادر عن علة غير تامة مستلزمة لغير معلولها ولا يقول: إنه صادر ~~عن موجب بذاته لا يقارنه موجبه ومقتضاه ولا يقول: إنه صادر عن فاعل ~~بالاختيار يمكن أن يتأخر مفعوله؛ فإنه إذا أمكن تأخر مفعوله أمكن أن يكون ~~ذلك القديم الأزلي قديما أزليا فيكون ثبوته في الأزل ممكنا وليس في الأزل ~~ما يستلزم ثبوته في الأزل فيمتنع ثبوته في الأزل. فإن ثبوت ms3905 الممكن الأزلي ~~بدون مقتض تام مستلزم له ممتنع بضرورة العقل. إذ قد علم بصريح العقل أن ~~شيئا من الممكنات لا يكون حتى يحصل المقتضي التام المستلزم لثبوته. # PageV12P220 # ومن نازع في هذا من المعتزلة وغيرهم وقال إنه لا ينتهي إلى حد الوجوب؛ بل ~~يكون العقل بالوجود أولى منه بالعدم فإنه لم ينازع في أن القادر المختار ~~يمتنع أن يكون مقدوره المعين أزليا مقارنا له؛ بل هذا مما لم ينازع فيه لا ~~هؤلاء ولا غيرهم. فتبين أنه لو كان شيء مما سوى الله أزليا للزم أن يكون له ~~مؤثر تام مستلزم له في الأزل؛ سواء سمي علة تامة أو موجبا بالذات أو قدر ~~أنه فاعل بالإرادة وأن مراده المعين يكون أزليا مقارنا له. وإذا كان كذلك ~~فنقول: ثبوت علة تامة أزلية ممتنع فإن العلة التامة الأزلية تستلزم معلولها ~~لا يتخلف عنها شيء من معلولها؛ فإنه إن تخلف عنها لم تكن علة تامة ~~لمعلولها؛ فيمتنع في الشيء الواحد أن يكون موجبا بذاته وأن يتخلف عنه موجبه ~~أو شيء من موجبه؛ فإن الموجب بالذات لشيء لا بد أن يكون ذلك الموجب جميعه ~~مقارنا لذاته والعلة التامة هي التي يقارنها معلولها. ولا يتأخر عنها شيء ~~من معلولها فلو تأخر عنها شيء من معلولها لم تكن علة تامة لذلك المستأخر. ~~والفلاسفة يسلمون أن ليس علة تامة في الأزل لجميع الحوادث التي تحدث شيئا ~~بعد شيء فإن ذلك جمع بين النقيضين. إذ يمتنع أن يكون علة تامة أزلية لأمر ~~حادث عنه غير أزلي. # PageV12P221 # وإن شئت قلت: يمتنع أن يكون موجبا بذاته في الأزل لأمر حادث ليس بأزلي؛ ~~سواء كان إيجابه بواسطة أو بغير واسطة فإن تلك الواسطة إن كانت أزلية كان ~~اللازم لها أزليا وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في الحادث بتوسطها ~~وهذا الذي سلموه معلوم أيضا بصريح العقل فالمقدمة برهانية مسلمة؛ لكن ~~يقولون: إنه علة تامة؛ لما هو قديم كالأفلاك عندهم. وليس علة تامة للحوادث ~~وهذا أيضا باطل. وذلك أن كل ما يقال: إنه ms3906 قديم كالأفلاك إما أن يجب أن يكون ~~مقارنا للحوادث كما يقولون في الفلك: إنه يجب له لزوم الحركة وإنه لم يزل ~~متحركا وإما أنه لا يجب أن يكون مقارنا لشيء من الحوادث؛ فإن كان الأول لزم ~~أن يكون علة تامة للحوادث وكونه علة تامة للحوادث محال؛ لأن ما قارنته ~~الحوادث ولم يخل منها بل هي لازمة له امتنع صدوره عن الموجب بدونها ووجود ~~الملزوم بدون اللازم محال وإذا كانت الحركة لازمة للفلك كما يقولون: فوجود ~~الفلك بدون الحركة محال فالموجب بذاته الذي هو علة تامة للفلك يجب أن يكون ~~علة تامة موجبة للوازمه وعلة تامة في الأزل بحركته لكن العلة التامة ~~الأزلية لا يجوز أن تكون علة تامة أزلية للحوادث لا الحركة ولا غيرها لأنه ~~يجب وجود معلولها الذي هو موجبها ومقتضاها # PageV12P222 # في الأزل وألا يتأخر عنها شيء من موجبها ومقتضاها ومعلولها. والحركة التي ~~توجد شيئا فشيئا هي وغيرها من الحوادث التي تحدث شيئا بعد شيء ليس واحد ~~منها قديما؛ بل كل منها حادث مسبوق بآخر؛ فيمتنع أن يكون شيء منها معلولا ~~للعلة التامة الأزلية؛ لامتناع أن يكون حادث من الحوادث قديما ويمتنع وجود ~~مجموع الحوادث في الأزل ويمتنع وجود المستلزم للحوادث إلا مع حادث من ~~الحوادث أو مع مجموع الحوادث وإذا كان كلاهما يمتنع أن يكون قديما امتنع أن ~~يكون شيء مما يستلزم الحوادث قديما فامتنع أن يكون لشيء من الحوادث أو ما ~~يستلزم الحوادث علة تامة قديمة؛ فامتنع صدور الحوادث أو شيء منها أو من ~~ملزوماتها عن علة تامة قديمة؛ فامتنع أن يكون شيء لا يخلو عن الحوادث صادرا ~~عن علة تامة أزلية؛ فامتنع أن يكون الفلك المقارن للحوادث علة تامة أزلية ~~قديمة. ولو كان قديما لصدر عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن قديما إلا إذا ~~كان المقتضي التام ثابتا في الأزل وثبوت المقتضي التام له ممتنع كما أن ~~قدمه ممتنع. وأما إن قيل: أن القديم شيء غير مقارن للحوادث ولا مستلزم لها ~~مثل أن يقال: القديم ms3907 أعيان ساكنة هي المعلول الأول فيقال ذلك المعلول إما ~~أن يجوز حدوث حال من الأحوال إما فيه أو عنه أو غير ذلك. وإما ألا يجوز. # PageV12P223 # فإن جاز حدوث حال من الأحوال له امتنع حدوث ذلك الحادث عن علة تامة أزلية ~~- وهو الموجب بالذات كما تقدم وكما هو معلوم ومتفق عليه بين العقلاء - ولا ~~بد من محدث والمحدث إن كان سوى الله فالقول في حدوثه إن كان محدثا أو في ~~حدوث ذلك الإحداث له بعد أن لم يكن كالقول في حدوث ذلك الحادث وإن كان هو ~~الله تعالى امتنع أن يكون موجبا بالذات له؛ إذ القديم لا يكون موجبا بالذات ~~لحادث - كما بين - فامتنع ثبوت العلة القديمة. وإذا لم يكن الصانع موجبا ~~بالذات - فلا يكون علة تامة - امتنع قدم شيء من العالم؛ لأنه لا يكون قديم ~~إلا عن علة تامة وإن قيل إنه لا يجوز حدوث لما فرض قديما معلولا للأول؛ ~~فهذا مع أنه لم يقل به أحد من العقلاء فهو باطل؛ لوجوه: " أحدها " أن واجب ~~الوجود تحدث له النسب والإضافات باتفاق العقلاء. فحدوث ذلك لغيره أولى. " ~~الثاني " أن الحوادث مشهودة في العالم العلوي والسفلي وهذه الحوادث صادرة ~~عن الله: إما بوسط أو بغير وسط فإذا كانت بوسط فتلك الوسائط حدثت عنها أمور ~~بعد أن لم تكن. فلزم حدوث الأحوال للقديم سواء كان هو الصانع أو كان هو ~~الوسائط للصانع. # PageV12P224 # وإن قيل: القديم هو شيء ليس بواسطة في شيء آخر. قيل: لا بد أن يكون ذلك ~~قابلا لحدوث الأحوال فإنه يمكن حدوث النسب والإضافات لله عز وجل بالضرورة ~~واتفاق العقلاء فإمكان ذلك لغيره أولى وإذا كان قابلا لها أمكن أن تحدث له ~~الأحوال كما تحدث لغيره من الممكنات؛ فإن الله لا يمتنع حدوث الحوادث عنه: ~~إما بوسط وإما بغير وسط؛ فإذا كان ذلك قابلا وصدور مثل ذلك عن الصانع ممكن ~~أمكن حدوث الحوادث عنه أو فيه بعد أن لم يكن. وحينئذ فالقول في حدوثها ~~كالقول في حدوث سائر ما يحدث عنه ms3908 وذلك محال من العلة التامة المستلزمة ~~لمعلومها فقد بين هذا البرهان الباهر أن كون الأول علة تامة لشيء من العالم ~~- محال لا فرق في ذلك بين الفلك وغيره؛ سواء قدر ذلك الغير جسما أو غير جسم ~~وسواء قدر مستلزما للحوادث فيه أو عنه - كما يقوله الفلاسفة الدهرية: ~~كالفارابي وابن سينا وأمثالهما وسلفهما من اليونان. فإنهم يقولون: الفلك ~~مستلزم للحوادث القديمة والعقول والنفوس مستلزمة للحوادث التي تحدث عنها ~~فكل منها مقارن للحوادث لا يجوز تقدمه عليها مع كون ذلك جميعه معلولا ~~للموجب بذاته فإذا تبين أن الموجب بذاته يمتنع أن يصدر عنه في الأزل حادث ~~أو مستلزم لحادث بطل كون صانع العالم علة تامة في الأزل ومتى بطل كونه علة ~~تامة في الأزل امتنع أن يكون فيما سواه شيء قديم بعينه فهذا بيان أن كل ما ~~سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن سواء قيل # PageV12P225 # بجواز دوام الحوادث أو قيل بامتناع ذلك. فإنه إن قيل بامتناع دوام ~~الحوادث لزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث وإن قيل بجواز دوام الحوادث فكل ~~منها حادث بعد أن لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من العالم مستلزم لحادث بعد أن ~~لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من العالم وكل ما كان مصنوعا وهو مستلزم للحوادث ~~امتنع أن يكون صانعه علة تامة قديمة موجبة له؛ فإذا امتنع ذلك امتنع أن ~~يكون قديما فامتنع أن يكون من العالم ما هو قديم بعينه. وأما كون الرب لم ~~يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا تقوم به الأفعال بمشيئته ونحو ذلك - ~~فهذا هو الذي قاله السلف والأئمة؛ فتبين أن الذي قاله السلف والأئمة هو ~~الحق المطابق للمنقول والمعقول. وأما كون قول الفلاسفة أبطل من قول ~~المعتزلة فإنه يقال لهم: أولئك جوزوا حدوث الحوادث عن ذات لم تزل غير فاعلة ~~ولا يقوم بها حادث ولا يصدر عنها حادث وأنتم قلتم الحوادث الدائمة المختلفة ~~تصدر عن هذه الذات وزدتم في نفي الصفات عنها فجعلتموها وجودا مطلقا بشرط ~~الإطلاق أو ms3909 ما يشبه ذلك فقولكم في نفي الصفات عنها أعظم من قول المعتزلة. # PageV12P226 # وقلتم: هو موجب بذاته علة تامة أزلية يقارنها المعلول الأزلي فلا يتأخر ~~عنها. ومعلوم أن صدور الحوادث المختلفة عن العلة التامة البسيطة الأزلية ~~التي لا يتخلف عنها مقتضاها ومعلولها أشد امتناعا من صدور الحوادث عن قادر ~~مختار بعد أن لم تكن صادرة عنه فإن كان حدوث الحوادث عن القديم الذي لم يقم ~~به حادث ممتنعا فقولكم أشد امتناعا وإن كان ممكنا فقول المعتزلة أقرب؛ فإن ~~قولهم: إن اقتضى أن لا يكون للحوادث سبب حادث فقولكم يقتضي أن لا يكون ~~للحوادث محدث أصلا والحوادث مشهودة والمحدث لا بد أن يكون موجودا عند ~~وجودها ولا بد أن يكون كل ما يعتبر في الأحداث موجودا عند الإحداث وذلك ~~يمتنع صدوره عن علة تامة. فتبين أن المقدمات التي احتج بها الفلاسفة على ~~المعتزلة وأتباعهم على قدم العالم يحتج بها بعينها على حدوث العالم؛ فإن ~~مبنى دليلهم على أن العلة التامة الأزلية تستلزم معلولها وأن الباري إن لم ~~يكن علة تامة أزلية لزم الحدوث بلا سبب وإن كان علة تامة أزلية لزم مقارنة ~~معلوله؛ فيلزم قدم العالم. أما كونه علة تامة فممتنع؛ لأن العلة التامة ~~الأزلية يقارنها معلولها كله لا يتأخر عنها شيء من معلولها والعالم لا ينفك ~~من حوادث مقارنة له بالضرورة واتفاق جماهير العقلاء وما كان مستلزما ~~للحوادث امتنع كونه معلول العلة التامة الأزلية؛ لامتناع كون الحوادث حادثة # PageV12P227 # عن علة تامة أزلية فإنه ما من حادث إلا وهو مسبوق بالعدم فليس هو علة ~~تامة لشيء منها وما من زمن يقدر إلا وفيه حادث فليس هو في شيء من الأوقات ~~علة تامة لا في الماضي ولا المستقبل؛ فامتنع أن يكون علة تامة وهو المطلوب؛ ~~فيلزم من ذلك كون كل ما سواه محدثا سواء قيل بتسلسل الحادثة أو لم يقل. ~~وأما قولهم: إن لم يكن علة تامة أزلية لزم الحدوث بلا سبب. فيقال لهم: هذا ~~إنما يلزم إذا لم يكن متكلما إذا شاء ms3910 - تقوم به الأفعال الاختيارية بقدرته ~~تعالى - وإلا فعلى هذا التقدير لم يزل ولا يزال قادرا على الفعل متكلما إذا ~~شاء وحينئذ فما حصل بمشيئته وقدرته من أقواله وأفعاله يكون هو السبب لما ~~بعده. وإن قالوا: هذا يستلزم قيام الحوادث به قيل لهم أولا: قيام الحوادث ~~بالقديم جائز عندكم ومن أنكر ذلك من أهل الكلام فإنما أنكره لاعتقاده أن ما ~~قامت به الحوادث فهو حادث فإن كان هذا الاعتقاد صحيحا بطل قولكم بقدم ~~الأفلاك وإن كان باطلا بطلت حجة من قال: إن القديم لا تقوم به الحوادث؛ فلا ~~يمكنكم على التقديرين أن تقولوا إنه لا تقوم به الحوادث؛ لكن أنتم نفيتم ~~ذلك بناء على نفي الصفات وقولكم في نفي الصفات في غاية الفساد ودليلكم عليه ~~قد بين فساده في غير هذا الموضع وبين بطلان ما ذكرتموه. # PageV12P228 # و " بالجملة " فإذا كان القول بحدوث العالم مستلزما لإثبات الصفات وقيام ~~الأفعال بالله كان ما ذكرناه من دليل حدوثه دليلا على أن العالم محدث وأن ~~محدثه موصوف بالصفات القائمة به فاعل الأفعال الاختيارية القائمة به كما ~~دلت على ذلك النصوص الإلهية المتواترة عن الأنبياء من القرآن والتوراة ~~والإنجيل. وذلك ما بين موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح والقضايا العقلية ~~التي هي أصول فطر العقلاء ومنتهى عقلهم توافق ذلك واعتبر ذلك بما ذكره أبو ~~عبد الله بن الخطيب الرازي في كتابه " الأربعين " في ضبط المقدمات التي ~~يمكن الرجوع إليها في إثبات المطالب العقلية. قال: واعلم أن ههنا " مقدمتين ~~" يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليهما. " المقدمة الأولى " مقدمة ~~الكمال والنقصان كقولهم هذه الصفة من صفات الكمال فيجب إثباتها لله وهذه ~~الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله وأكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على ~~هذه المقدمة. إلى أن قال: " أما المقدمة الثانية " وهي مقدمة الوجوب؛ ~~والإمكان وهذه # PageV12P229 # المقدمة في غاية الشرف والعلو وهي غاية عقول العقلاء. قالوا: الوجود إما ~~واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب وكذلك الواجب لا بد أن يكون واجبا ~~في ذاته وصفاته: إذ ms3911 لو كان ممكنا لافتقر إلى مؤثر آخر. # [" أما المقدمة الأولى " وهي أنه واجب لذاته: فهذا له لازمان: الأول أن ~~يكون منزها عن الكثرة في حقيقته ثم يلزم في ذاته أمور: " أحدها " أن لا ~~يكون متحيزا؛ لأن كل متحيز منقسم والمنقسم لا يكون فردا وإذا لم يكن متحيزا ~~لم يكن في جهة. و " ثانيها " أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد ولو كان ~~أكثر من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به الاشتراك غير ما ~~به الامتياز؛ فيلزم كون كل واحد منهما مركبا في نفسه وقد فرضناه فردا هذا ~~خالف اللازم الثاني؛ لكونه واجب الوجود لذاته أن لا يكون حالا ولا محلا ~~والأفعال الافتقار هي. . . (1) # قلت: ولقائل أن يقول: هذا هو أصل الفلاسفة في التوحيد الذي نفوا به صفاته ~~تعالى وهو ضعيف جدا] (*) . PageV12P230 # والأصل الذي بنوا عليه ذلك ضعيف جدا وإن كان اشتبه على كثير من ~~المتأخرين: وقولهم: إن الواجب لا يكون إلا واحدا. قصدوا به أنه ليس له علم ~~ولا قدرة ولا حياة ولا كلام يقوم به ولا شيء من الصفات القائمة به؛ لأنه لو ~~كان كذلك لكان الواجب أكثر من واحد كما يقوله المعتزلة إنه ليس له صفات ~~قديمة قائمة بذاته؛ لأنه لو كان كذلك لكان القديم أكثر من واحد. ولفظ " ~~الواجب والقديم " يراد به الإله الخالق سبحانه الواجب الوجود القديم فهذا ~~ليس إلا واحدا ويراد به صفاته الأزلية وهي قديمة واجبة بتقدم الموصوف ~~ووجوبه لم يجب أن تكون مماثلة له ولا تكون إلها كما أن صفة النبي ليست بنبي ~~وصفة الإنسان والحيوان ليست بإنسان ولا حيوان وكما أن صفة المحدث إن كانت ~~محدثة فموافقتها له في الحدوث لا يقتضي مماثلتها له وما ذكروا من الحجة على ~~ذلك ضعيفة. فإذا قالوا: لو كان له علم واجب بوجوب العالم لكان الواجب أكثر ~~من واحد. قيل له: ولم قلتم بامتناع كون الواجب أكثر من واحد؛ إذ كانت الذات ~~الواجبة إلها واحدا موصوفا بصفات الكمال. # PageV12P231 # قولهم: لو كان أكثر ms3912 من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به ~~الاشتراك غير ما به الامتياز؛ فيلزم أن يكون كل منهما مركبا في نفسه؛ وقد ~~فرضناه؛ فرد هذا خلق. يقال له في جوابه قول القائل اشتركا في الوجوب ~~وتباينا في التعيين تريد به أن الوجوب الذي يختص كلا منهما شاركه الآخر فيه ~~أم تريد أنهما اشتركا في الوجوب المطلق الكلي. والأول باطل لا يريده عاقل. ~~وأما الثاني فيقال: اشتراكهما في المطلق الكلي كاشتراكهما في التعيين ~~المطلق الكلي. فإن هذا له تعيين يخصه والتعيينان يشتركان في مطلق التعيين. ~~وكذلك هذا له حقيقة تخصه وهذا له حقيقة تخصه وهما يشتركان في مطلق الحقيقة ~~وكذلك لهذا ذات تخصه ولهذا ذات تخصه وهما يشتركان في مطلق الذات. وكذلك ~~سائر الأسماء التي تعم بالإطلاق وتخص بالتقييد كاسم الموجود والنفس ~~والماهية وغير ذلك. وإذا كان كذلك فمعلوم أنهما اشتركا في الوجوب المطلق ~~وامتاز كل منهما بوجوبه بتعيين يخصه. وحينئذ: فلا فرق بين الوجوب والتعيين. ~~فقول القائل: اشتركا في الوجوب المطلق وتباينا بالتعيين الخاص. # PageV12P232 # كقول القائل اشتركا في التعيين المطلق وتباينا بالوجوب الخاص. ومعلوم أن ~~مثل هذا لا مندوحة عنه سواء سمي تركيبا أو لم يسم فلا يمكن موجود يخلو عن ~~مثل هذه المشاركة والمباينة لا واجب ولا غيره وما كان من لوازم الوجود كان ~~نفيه عن الوجود الواجب ممتنعا. و " أيضا " فالمشترك المطلق الكلي لا يكون ~~كليا مشتركا إلا في الأذهان لا في الأعيان وإذا كان كذلك فليس في أحدهما ~~شيء يشاركه الآخر فيه في الخارج؛ بل كل ما اتصف به أحدهما لم يتصف الآخر ~~بعينه ولم يشاركه فيه؛ بل لا يشابهه فيه أو يماثله فيه. وإذا كان الاشتراك ~~ليس إلا في ما في الأذهان لم يكن أحدهما مركبا في مشترك ومميز؛ بل يكون كل ~~منهما موصوفا بصفة تخصه لا يشابهه الآخر فيها وبصفة يشابهه الآخر فيها وهذا ~~لا محذور فيه. وأيضا فيقال: هذا منقوض بالوجود فإن الوجود الواجب والممكن ~~يشتركان في مسمى الوجود ويباين أحدهما الآخر ms3913 بخصوصه؛ فيلزم تركيب الوجود ~~الواجب مما به الاشتراك ومما به الامتياز؛ فما كان الجواب عن هذا كان ~~الجواب عن ذلك. و " أيضا " فيقال: هب أنكم سميتم هذا تركيبا. فلم قلتم إن # PageV12P233 # هذا ممتنع على موجود من الموجودات واجبا كان أو ممكنا؟ مع أن المنازع ~~يقول هذا المعنى الذي نفيتموه وسميتموه تركيبا هو لازم لكل موجود. قولهم: ~~وقد فرضناه فردا. قيل: هب أنكم فرضتموه كذلك؛ لكن مجرد فرضكم لا يقتضي أن ~~يكون فردا بالمعنى الذي ادعيتموه إن لم يقم على ذلك دليل. # PageV12P234 # وسئل - قدس الله روحه -: (*) # عن بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما؛ بأوضح عبارة ~~وأبينها من أن ما في المصاحف هل هو كلام الله القديم؟ أم هو عبارة عنه لا ~~نفسه وأنه حادث أو قديم وأن كلام الله حرف وصوت؟ أم كلامه صفة قائمة به لا ~~تفارقه؟ وأن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} حقيقة أم لا؟ وأن ~~الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول أؤمن ~~(1) به كما أنزل هل يكفيه ذلك في الاعتقاد أم يجب عليه التأويل؟ # فأجاب: # الذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله تعالى ~~عليهم وعلى من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذي أنزله ~~الله على عبده ورسوله كلام الله تعالى وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود وأنه قرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون وأنه ~~PageV12P235 # {قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} . وأنه كما قال تعالى: {وإنه في أم الكتاب ~~لدينا لعلي حكيم} وأنه في الصدور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم في عقلها} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب} ~~وأن ما بين لوحي المصحف الذي كتبته الصحابة رضي الله عنهم ms3914 كلام الله كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن ~~تناله أيديهم} . فهذه " الجملة " تكفي المسلم في هذا الباب. وأما تفصيل ما ~~وقع في ذلك من النزاع فكثير منه يكون كلا الإطلاقين خطأ ويكون الحق في ~~التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر ~~حق صاحبه. وهذا من التفرق والاختلاف الذي ذمه الله تعالى ونهى عنه فقال: ~~{وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وقال: {ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وقال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا} وقال: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم} . # PageV12P236 # فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة ~~خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم ~~والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى. وقد بسطت القول في جنس هذه ~~المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذي اتفق عليه العقل والسمع. وبيان ~~ما يدخل في هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط في مواضع متعددة ولكن ~~نذكر منها جملة مختصرة بحسب حال السائل. والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة ~~بالنص والإجماع ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة ~~والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله. والتفصيل ~~المختصر أن نقول: من اعتقد أن المداد الذي في المصحف وأصوات العباد قديمة ~~أزلية فهو ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر ~~علماء الإسلام ولم يقل أحد قط من # PageV12P237 # علماء المسلمين إن ذلك قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم ومن ~~نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم ms3915 فهو مخطئ في هذا ~~النقل أو متعمد للكذب؛ بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع من ~~قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق كما جهموا من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق. وقد ~~صنف أبو بكر المروذي - أخص أصحاب الإمام أحمد به - في ذلك رسالة كبيرة ~~مبسوطة ونقلها عنه أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " الذي جمع فيه كلام ~~الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في أبواب الاعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ~~ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال: لفظي بالقرآن ~~مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر ~~أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ~~ذلك من يحكي عن بعض العلماء أن المداد الذي في المصحف قديم وجميع أئمة ~~أصحاب الإمام أحمد وغيرهم أنكروا ذلك وما علمت أن عالما يقول ذلك إلا ما ~~يبلغنا عن بعض الجهال: من الأكراد ونحوهم ". وقد ميز الله في كتابه بين ~~الكلام والمداد فقال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو # PageV12P238 # جئنا بمثله مددا} فهذا خطأ من هذا الجانب وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ ~~في الصدور كما أن الله معلوم بالقلوب وأنه متلو بالألسن كما أن الله مذكور ~~بالألسن وأنه مكتوب في المصحف كما أن الله مكتوب. وجعل ثبوت القرآن في ~~الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى في هذه المواضع؛ فهذا - ~~أيضا - مخطئ في ذلك فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام ~~فيها بين واضح؛ فإن الموجودات لها أربع مراتب: مرتبة في الأعيان ومرتبة في ~~الأذهان ومرتبة في اللسان ومرتبة في البنان. فالعلم يطابق العين واللفظ ~~يطابق العلم والخط يطابق اللفظ. فإذا قيل: إن العين في كتاب الله كما في ~~قوله: {وكل شيء فعلوه في الزبر} فقد علم أن الذي في الزبر إنما هو الخط ~~المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين ms3916 المصحف مرتبتان وهي اللفظ ~~والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين المصحف مرتبة بل نفس الكلام يجعل في ~~الكتاب وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من وجه آخر إلا إذا ~~أريد أن الذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه مثل قوله تعالى {وإنه لتنزيل رب ~~العالمين} {نزل به الروح الأمين} # PageV12P239 # {على قلبك} إلى قوله: {وإنه لفي زبر الأولين} . {أولم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل} . فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله صلى الله ~~عليه وسلم ولكن في زبر الأولين ذكر القرآن وخبره كما فيها ذكر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وخبره كما أن أفعال العباد في الزبر كما قال تعالى: {وكل ~~شيء فعلوه في الزبر} فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر وبين كون ~~الكلام نفسه في الزبر. كما قال تعالى: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} ~~وقال تعالى: {يتلو صحفا مطهرة} {فيها كتب قيمة} . فمن قال إن المداد قديم ~~فقد أخطأ ومن قال ليس في المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الذي هو عبارة ~~عن كلام الله فقد أخطأ؛ بل القرآن في المصحف كما أن سائر الكلام في الورق ~~كما أن الأمة مجمعة عليه وكما هو في فطر المسلمين فإن كل مرتبة لها حكم ~~يخصها وليس وجود الكلام في الكتاب كوجود الصفة في الموصوف مثل وجود العلم ~~والحياة في محلهما حتى يقال: إن صفة الله حلت بغيره أو فارقته ولا الوجود ~~فيه كالدليل المحض مثل وجود العالم الدال على الباري تعالى حتى يقال: ليس ~~فيه إلا ما هو علامة على كلام الله عز وجل؛ # PageV12P240 # بل هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف حقها ~~فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان ووجود العرض بالجسم ووجود الصورة ~~بالمرآة ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة وبين رؤيته بالقلب يقظة ومناما ~~ونحو ذلك وإلا ms3917 اضطربت عليه الأمور. وكذلك سؤال السائل عما في المصحف هل هو ~~حادث أو قديم؟ سؤال مجمل؛ فإن لفظ القديم أولا ليس مأثورا عن السلف وإنما ~~الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق وهو كلام الله حيث تلي ~~وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام واحد وإن تنوعت الصور التي يتلى فيها ويكتب ~~من أصوات العباد ومدادهم. فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من بلغه ~~مؤديا فإذا سمعنا محدثا يحدث بقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال ~~بالنيات} قلنا: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه مع ~~علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كل ~~من بلغ كلام غيره من نظم ونثر. ونحن إذا قلنا: هذا كلام الله لما نسمعه من ~~القارئ ونرى في المصحف فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع النظر عما ~~اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومداد الكاتب. # PageV12P241 # فمن قال: صوت القارئ ومداد الكاتب كلام الله الذي ليس بمخلوق فقد أخطأ ~~وهذا الفرق الذي بينه الإمام أحمد لمن سأله وقد قرأ: {قل هو الله أحد} ~~فقال: هذا كلام الله غير مخلوق فقال: نعم. فنقل السائل عنه أنه قال: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق فدعا به وزبره زبرا شديدا وطلب عقوبته وتعزيره وقال: أنا ~~قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق فقال: لا ولكن قلت لي لما قرأت {قل هو الله ~~أحد} هذا كلام الله غير مخلوق. قال: فلم تنقل عني ما لم أقله. فبين الإمام ~~أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين: هذا كلام الله. ~~فالإشارة إلى حقيقته التي تكلم الله بها وإن كنا إنما سمعناها ببلاغ المبلغ ~~وحركته وصوته؛ فإذا أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه أو صوته أو فعله ~~وقال: هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ. فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير ~~مخلوق. فالقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في الصحف ولا يقال: إن شيئا ms3918 ~~من المداد والورق غير مخلوق؛ بل كل ورق ومداد في العالم فهو مخلوق ويقال ~~أيضا: القرآن الذي في المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذي يقرؤه ~~المسلمون كلام الله غير مخلوق. ويتبين هذا الجواب بالكلام على " المسألة ~~الثانية " وهي قوله: # PageV12P242 # إن كلام الله هل هو حرف وصوت أم لا؟ فإن إطلاق الجواب في هذه المسألة ~~نفيا وإثباتا خطأ وهي من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال ~~قوم من متكلمة الصفاتية: إن كلام الله الذي أنزل على أنبيائه - كالتوراة ~~والإنجيل والقرآن والذي لم ينزله والكلمات التي كون بها الكائنات والكلمات ~~المشتملة على أمره ونهيه وخبره ليست إلا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت ~~بالله إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة وإن عبر عنها بالعربية كانت ~~القرآن وإن الأمر والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها وإن حروف القرآن ~~مخلوقة خلقها الله ولم يتكلم بها وليست من كلامه؛ إذ كلامه لا يكون بحرف ~~وصوت. عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات وتوهم ~~قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم. ~~والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في " ~~كتاب خلق أفعال العباد " وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم - أتباع النصوص ~~الثابتة وإجماع سلف الأمة وهو # PageV12P243 # أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاما لغيره؛ ~~ولكن أنزله على رسوله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجرد الحرف؛ بل ~~لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط؛ ولا المعاني فقط. كما أن ~~الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد؛ بل مجموعهما. ~~وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح وليس ذلك كأصوات ~~العباد لا صوت القارئ ولا غيره. وأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله. فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته ~~وحياته: فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا ms3919 ~~حروفه تشبه حروفه ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد ~~في أسمائه وآياته ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته. وقد ~~كتبت في الجواب المبسوط المستوفي: مراتب مذاهب أهل الأرض في ذلك وأن ~~المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفوس الأنبياء تفيض عليهم ~~المعاني من العقل الفعال فيصير في نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ~~ما يحدث في نفوس الأنبياء من الصور النورانية وهذا من جنس قول فيلسوف قريش ~~الوليد بن المغيرة: {إن هذا إلا قول البشر} فحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف # PageV12P244 # الرسول الكريم؛ لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية. وهؤلاء هم الصابئة؛ ~~فتقربت منهم الجهمية. فقالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام ~~وإنما كلامه ما يخلقه في الهواء أو غيره فأخذ ببعض ذلك قوم من متكلمة ~~الصفاتية. فقالوا: بل نصفه وهو المعنى كلام الله ونصفه وهو الحروف ليس هو ~~كلام الله بل هو خلق من خلقه. وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير ~~مخلوق. هل يقال: إنه قديم لم يزل ولا يتعلق بمشيئته؟ أم يقال: يتكلم إذا ~~شاء ويسكت إذا شاء؟ . على قولين مشهورين في ذلك وفي السمع والبصر ونحوهما ~~ذكرهما الحارث المحاسبي عن أهل السنة وذكرهما أبو بكر عبد العزيز عن أهل ~~السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية ~~وفرق الفقهاء: من المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية؛ بل وبين فرق ~~المتكلمين والفلاسفة في جنس هذا الباب. وليس هذا موضعا لبسط ذلك. هذا لفظ ~~الجواب في الفتيا المصرية. # PageV12P245 # وقال الإمام العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى ~~ورضي عنه - # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # أما بعد فهذا ### | " فصل في نزول القرآن " ولفظ " النزول " # حيث ذكر في كتاب الله تعالى فإن كثيرا من الناس فسروا النزول في مواضع من ~~القرآن بغير ما هو معناه المعروف لاشتباه المعنى ms3920 في تلك المواضع وصار ذلك ~~حجة لمن فسر نزول القرآن بتفسير أهل البدع. فمن الجهمية من يقول: أنزل ~~بمعنى خلق كقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} أو يقول: خلقه في ~~مكان عال ثم أنزله من ذلك المكان. # PageV12P246 # ومن الكلابية من يقول نزوله بمعنى الإعلام به وإفهامه للملك أو نزول ~~الملك بما فهمه. وهذا الذي قالوه باطل في اللغة والشرع والعقل. و " المقصود ~~هنا " ذكر النزول. فنقول وبالله التوفيق: النزول في كتاب الله عز وجل " ~~ثلاثة أنواع ": نزول مقيد بأنه منه ونزول مقيد بأنه من السماء ونزول غير ~~مقيد لا بهذا ولا بهذا. فالأول لم يرد إلا في القرآن كما قال تعالى: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال تعالى {نزله ~~روح القدس من ربك بالحق} وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} ~~وفيها قولان: " أحدهما " لا حذف في الكلام بل قوله: {تنزيل الكتاب} مبتدأ ~~وخبره {من الله العزيز الحكيم} و " الثاني " أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا ~~{تنزيل الكتاب} وعلى كلا القولين فقد ثبت أنه منزل منه وكذلك قوله: # PageV12P247 # {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وكذلك {حم} {تنزيل من الرحمن ~~الرحيم} {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} والتنزيل بمعنى المنزل ~~تسمية للمفعول باسم المصدر وهو كثير؛ ولهذا قال السلف: القرآن كلام الله ~~ليس بمخلوق منه بدأ. قال أحمد وغيره: وإليه يعود أي: هو المتكلم به. وقال ~~كلام الله من الله ليس ببائن منه أي لم يخلقه في غيره فيكون مبتدأ منزلا من ~~ذلك المخلوق؛ بل هو منزل من الله كما أخبر به ومن الله بدأ لا من مخلوق فهو ~~الذي تكلم به لخلقه. وأما النزول " المقيد " بالسماء فقوله: {وأنزلنا من ~~السماء} والسماء اسم جنس لكل ما علا فإذا قيد بشيء معين تقيد به، فقوله في ~~غير موضع من السماء مطلق أي في العلو؛ ثم قد بينه في موضع آخر بقوله {أأنتم ~~أنزلتموه من المزن} وقوله {فترى الودق يخرج من خلاله} أي أنه منزل ms3921 من ~~السحاب ومما يشبه نزول القرآن قوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشاء من عباده} فنزول الملائكة هو نزولهم بالوحي من أمره الذي هو كلامه ~~وكذلك قوله: {تنزل الملائكة والروح فيها} يناسب قوله: {فيها يفرق كل أمر ~~حكيم} {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} فهذا شبيه بقوله: {قل نزله روح ~~القدس} # PageV12P248 # وأما " المطلق " ففي مواضع. منها: ما ذكره من إنزال السكينة؛ بقوله: ~~{فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} وقوله: {هو الذي أنزل السكينة ~~في قلوب المؤمنين} إلى غير ذلك. ومن ذلك " إنزال الميزان " ذكره مع الكتاب ~~في موضعين وجمهور المفسرين على أن المراد به العدل وعن مجاهد - رحمه الله - ~~هو ما يوزن به ولا منافاة بين القولين. وكذلك العدل وما يعرف به العدل منزل ~~في القلوب والملائكة قد تنزل على قلوب المؤمنين؛ كقوله: {إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} فذلك الثبات نزل في القلوب بواسطة ~~الملائكة وهو السكينة. قال النبي صلى الله عليه وسلم {من طلب القضاء ~~واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ~~ملكا يسدده} فالله ينزل عليه ملكا وذلك الملك يلهمه السداد وهو ينزل في ~~قلبه. ومنه حديث حذيفة رضي الله عنه الذي في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن ~~وعلموا من السنة} والأمانة هي الإيمان أنزلها في أصل قلوب الرجال وهو ~~كإنزال الميزان والسكينة وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله} الحديث إلى آخره فذكر ~~أربعة غشيان # PageV12P249 # الرحمة وهي أن تغشاهم كما يغشى اللباس لابسه وكما يغشى الرجل المرأة ~~والليل النهار. ثم قال: {ونزلت عليهم السكينة} وهو إنزالها في قلوبهم ~~{وحفتهم الملائكة} أي جلست حولهم {وذكرهم الله فيمن عنده} من الملائكة. ~~وذكر الله الغشيان في مواضع مثل قوله تعالى {يغشي الليل النهار} وقوله: ~~{فلما تغشاها حملت ms3922 حملا خفيفا} وقوله: {والمؤتفكة أهوى} {فغشاها ما غشى} ~~وقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} هذا كله فيه ~~إحاطة من كل وجه. وذكر تعالى إنزال النعاس في قوله: {ثم أنزل عليكم من بعد ~~الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم} هذا يوم أحد. وقال في يوم بدر: {إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة منه} والنعاس ينزل في الرأس بسبب نزول الأبخرة التي ~~تدخل في الدماغ فتنعقد فيحصل منها النعاس. وطائفة من أهل الكلام - منهم أبو ~~الحسن الأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد - جعلوا النزول ~~والإتيان والمجيء حدثا يحدثه منفصلا عنه فذاك هو إتيانه واستواؤه على العرش ~~فقالوا استواؤه فعل يفعله في العرش يصير به مستويا عليه من غير فعل # PageV12P250 # يقوم بالرب لكن أكثر الناس خالفوهم. وقالوا: المعروف أنه لا يجيء شيء من ~~الصفات والأعراض إلا بمجيء شيء فإذا قالوا: جاء البرد أو جاء الحر فقد جاء ~~الهواء الذي يحمل الحر والبرد وهو عين قائمة بنفسها. وإذا قالوا: جاءت ~~الحمى فالحمى حر أو برد تقوم بعين قائمة بسبب أخلاط تتحرك وتتحول من حال ~~إلى حال فيحدث الحر والبرد بذلك وهذا بخلاف العرض الذي يحدث بلا تحول من ~~حامل مثل لون الفاكهة فإنه لا يقال في هذا: جاءت الحمرة والصفرة والخضرة بل ~~يقال: أحمر وأصفر وأخضر. وإذا كان كذلك فإنزاله تعالى العدل والسكينة ~~والنعاس والأمانة - وهذه صفات تقوم بالعباد - إنما تكون إذا أفضى بها إليهم ~~فالأعيان القائمة توصف بالنزول كما توصف الملائكة بالنزول بالوحي والقرآن ~~فإذا نزل بها الملائكة قيل إنها نزلت. وكذلك لو نزل غير الملائكة كالهواء ~~الذي نزل بالأسباب فيحدث الله منه البخار الذي يكون منه النعاس فكان قد ~~أنزل النعاس سبحانه بإنزال ما يحمله. وقد ذكر سبحانه إنزال الحديد والحديد ~~يخلق في المعادن. وما يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آدم عليه السلام # PageV12P251 # نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والمنقعة ~~والمطرقة والإبرة فهو كذب لا يثبت مثله. وكذلك الحديث الذي رواه ms3923 الثعلبي عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله أنزل أربع ~~بركات من السماء إلى الأرض فأنزل الحديد والماء والنار والملح} حديث موضوع ~~مكذوب في إسناده سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري رحمه الله وهو من ~~الكذابين المعروفين بالكذب. قال ابن الجوزي: هو سيف بن محمد ابن أخت سفيان ~~الثوري يروي عن الثوري وعاصم الأحول والأعمش قال أحمد رحمه الله هو كذاب ~~يضع الحديث وقال مرة: ليس بشيء وقال يحيى: كان كذابا خبيثا وقال مرة ليس ~~بثقة وقال أبو داود كذاب وقال زكريا الساجي يضع الحديث وقال النسائي: ليس ~~بثقة ولا مأمون وقال الدارقطني ضعيف متروك. والناس يشهدون أن هذه الآلات ~~تصنع من حديد المعادن. فإن قيل: إن آدم عليه السلام نزل معه جميع الآلات ~~فهذه مكابرة للعيان. وإن قيل بل نزل معه آلة واحدة وتلك لا تعرف فأي فائدة ~~في هذا لسائر الناس ثم ما يصنع بهذه الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق ~~بهذه الآلات وإذا خلق الله الحديد صنعت منه هذه الآلات مع أن # PageV12P252 # المأثور: {أن أول من خط وخاط إدريس عليه السلام} وآدم عليه السلام لم يخط ~~ثوبا فما يصنع بالإبرة. ثم أخبر أنه أنزل الحديد فكان المقصود الأكبر بذكر ~~الحديد هو اتخاذ آلات الجهاد منه كالسيف والسنان والنصل وما أشبه ذلك الذي ~~به ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذه لم تنزل من السماء. فإن قيل ~~نزلت الآلة التي يطبع بها قيل فالله أخبر أنه أنزل الحديد لهذه المعاني ~~المتقدمة والآلة وحدها لا تكفي بل لا بد من مادة يصنع بها آلات الجهاد؛ لكن ~~لفظ النزول أشكل على كثير من الناس حتى قال قطرب رحمه الله معناه جعله نزلا ~~كما يقال أنزل الأمر على فلان نزلا حسنا أي جعله نزلا. قال ومثله قوله ~~تعالى {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} وهذا ضعيف؛ فإن النزل إنما يطلق ~~على ما يؤكل لا على ما يقاتل به قال الله ms3924 تعالى {فنزل من حميم} والضيافة ~~سميت نزلا لأن العادة أن الضيف يكون راكبا فينزل في مكان يؤتى إليه بضيافته ~~فيه فسميت نزلا لأجل نزوله ونزل ببني فلان ضيف؛ ولهذا قال نوح عليه السلام ~~{رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} لأنه كان راكبا في السفينة ~~وسميت المواضع التي ينزل بها المسافرون منازل لأنهم يكونون ركبانا فينزلون ~~والمشاة تبع للركبان وتسمى المساكن منازل. # PageV12P253 # وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته ~~فإن الحديد إنما يخلق في المعادن والمعادن إنما تكون في الجبال فالحديد ~~ينزله الله من معادنه التي في الجبال لينتفع به بنو آدم وقال تعالى: {وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج} . وهذا مما أشكل أيضا. فمنهم من قال: جعل ~~ومنهم من قال: خلق لكونها تخلق من الماء فإن به يكون النبات الذي ينزل أصله ~~من السماء وهو الماء وقال قطرب: جعلناه نزلا. ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن ~~معناه المعروف لغة؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها ~~تأتي بطون أمهاتها ويقال للرجل: قد أنزل الماء وإذا أنزل وجب عليه الغسل مع ~~أن الرجل غالب إنزاله وهو على جنب إما وقت الجماع وإما بالاحتلام فكيف ~~بالأنعام التي غالب إنزالها مع قيامها على رجليها وارتفاعها على ظهور ~~الإناث ومما يبين هذا أنه لم يستعمل النزول فيما خلق من السفليات فلم يقل ~~أنزل النبات ولا أنزل المرعى وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال وأنزله ~~الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام. وقال تعالى {يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا} الآية وفيها قراءتان إحداهما بالنصب فيكون ~~لباس التقوى أيضا # PageV12P254 # منزلا. وإما على قراءة الرفع فلا وكلاهما حق وقد قيل فيه خلقناه وقيل ~~أنزلنا أسبابه وقيل ألهمناهم كيفية صنعته وهذه الأقوال ضعيفة؛ فإن النبات ~~الذي ذكروا لم يجئ فيه لفظ أنزلنا ولم يستعمل في كل ما يصنع أنزلنا فلم ~~يقل: أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك وهو لم يقل إنا أنزلنا كل لباس ~~ورياش ms3925 وقد قيل: إن الريش والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى ~~واحد مثل اللبس واللباس وقد قيل: هما المال والخصب والمعاش وارتاش فلان ~~حسنت حالته. والصحيح أن " الريش " هو الأثاث والمتاع قال أبو عمر والعرب ~~تقول: أعطاني فلان ريشه أي كسوته وجهازه. وقال غيره: الرياش في كلام العرب ~~الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش ونحوها وبعض المفسرين أطلق عليه ~~لفظ المال والمراد به مال مخصوص قال ابن زيد: جمالا؛ وهذا لأنه مأخوذ من ~~ريش الطائر وهو ما يروش به ويدفع عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه وكذلك ~~ما يبيت فيه الإنسان من الفرش وما يبسطه تحته ونحو ذلك والقرآن مقصوده جنس ~~اللباس الذي يلبس على البدن وفي البيوت كما قال تعالى {والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا} الآية فامتن سبحانه عليهم بما ينتفعون به من الأنعام في ~~اللباس والأثاث وهذا - والله أعلم - معنى إنزاله؛ فإنه ينزله # PageV12P255 # من ظهور الأنعام وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار وينتفع ~~به بنو آدم من اللباس والرياش. فقد أنزلها عليهم وأكثر أهل الأرض كسوتهم من ~~جلود الدواب فهي لدفع الحر والبرد وأعظم مما يصنع من القطن والكتان والله ~~تعالى ذكر في سورة النحل إنعامه على عباده فذكر في أول السورة أصول النعم ~~التي لا يعيش بنو آدم إلا بها وذكر في أثنائها تمام النعم التي لا يطيب ~~عيشهم إلا بها فذكر في أولها الرزق الذي لا بد لهم منه وذكر ما يدفع البرد ~~من الكسوة بقوله: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ثم في ~~أثناء السورة ذكر لهم المساكن والمنافع التي يسكنونها: مساكن الحاضرة ~~والبادية ومساكن المسافرين فقال تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} ~~الآية ثم ذكر إنعامه بالظلال التي تقيهم الحر والبأس فقال: {والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا} إلى قوله: {كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون} . ولم يذكر هنا ما يقي من البرد لأنه قد ذكره في أول السورة ~~وذلك في أصول النعم؛ ms3926 لأن البرد يقتل فلا يقدر أحد أن يعيش في البلاد ~~الباردة بلا دفء بخلاف الحر فإنه أذى لكنه لا يقتل كما يقتل البرد فإن الحر ~~قد يتقى بالظلال واللباس وغيرهما وأهله أيضا لا يحتاجون إلى وقاية كما ~~يحتاج إليه البرد؛ بل أدنى وقاية تكفيهم وهم في الليل وطرفي النهار # PageV12P256 # لا يتأذون به تأذيا كثيرا؛ بل لا يحتاجون إليه أحيانا حاجة قوية فجمع ~~بينهما في قوله {سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} . ولا حذف في ~~اللفظ ولا قصور في المعنى كما يظنه من لم يحسن حقائق معاني القرآن؛ بل لفظه ~~أتم لفظ ومعناه أكمل المعاني؛ فإذا كان اللباس والرياش ينزل من ظهور ~~الأنعام وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون كما تقدم فهو منزل من ~~الجهتين فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به بنو آدم حتى ينزل. فقد تبين أنه ~~ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف وهذا هو ~~اللائق بالقرآن فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب نزولا إلا بهذا المعنى ~~ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابا بغير لغتها ثم هو استعمال اللفظ ~~المعروف له معنى في معنى آخر بلا بيان وهذا لا يجوز بما ذكرنا؛ وبهذا يحصل ~~مقصود القرآن واللغة الذي أخبر الله تعالى أنه بينه وجعله هدى للناس وليكن ~~هذا آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ~~وسلم تسليما كثيرا. # PageV12P257 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ~~فسماه هنا كلام الله وقال في مكان آخر: {إنه لقول رسول كريم} فما معنى ذلك؟ ~~فإن طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون أن هذا حجة لهم ثم يقولون: أنتم تعتقدون ~~أن موسى - صلوات الله عليه - سمع كلام الله عز وجل حقيقة من الله من غير ~~واسطة وتقولون: إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات ~~مختلفة فما الفرق بين هذا وهذا؟ وتقولون: إن القرآن صفة لله تعالى ms3927 وأن صفات ~~الله تعالى قديمة؛ فإن قلتم إن هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول ~~وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية وإن قلتم: غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن ~~نطلب منكم في ذلك جوابا نعتمد عليه إن شاء الله تعالى. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه الآية حق كما ذكر الله وليست # PageV12P258 # إحدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا في واحدة منهما حجة لقول ~~باطل وإن كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس على قول باطل وذلك أن ~~قوله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} فيه دلالة ~~على أنه يسمع كلام الله من التالي المبلغ وأن ما يقرؤه المسلمون هو كلام ~~الله كما في حديث جابر في السنن: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض ~~نفسه على الناس في الموقف ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟ ~~فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي} وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~أنه لما خرج على المشركين فقرأ عليهم: {الم} {غلبت الروم} {في أدنى الأرض ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون} قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس ~~بكلامي ولا بكلام صاحبي؛ ولكنه كلام الله. وقد قال تعالى: {ذرني ومن خلقت ~~وحيدا} {وجعلت له مالا ممدودا} {وبنين شهودا} {ومهدت له تمهيدا} {ثم يطمع ~~أن أزيد} {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} {سأرهقه صعودا} {إنه فكر وقدر} {فقتل ~~كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر واستكبر} {فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} " فمن قال: إن هذا القرآن قول ~~البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد الذي أصلاه الله سقر. ومن المعلوم لعامة ~~العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول # PageV12P259 # النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} ~~إذا سمعه الناس من المبلغ قالوا: هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهذا كلام رسول الله صلى الله ms3928 عليه وسلم. ولو قال المبلغ هذا كلامي وقولي ~~لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله مبتدئا منشئا؛ لا لمن أداه ~~راويا مبلغا. فإذا كان مثل هذا معلوما في تبليغ كلام المخلوق فكيف لا يعقل ~~في تبليغ كلام الخالق الذي هو أولى أن لا يجعل كلاما لغير الخالق جل وعلا. ~~وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق} وقال: {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} {حم} {تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم} . فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس وكلاهما مبلغ له كما قال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} ~~وقال: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} {ليعلم ~~أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه ~~إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في ~~الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه ولا ~~معانيه قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من # PageV12P260 # الشيطان الرجيم} إلى قوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه ~~بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} . كان بعض المشركين ~~يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من بعض الأعاجم الذين بمكة إما عبد ~~ابن الحضرمي وإما غيره كما ذكر ذلك المفسرون فقال تعالى: {لسان الذي يلحدون ~~إليه} أي يضيفون إليه التعليم لسان {أعجمي وهذا لسان عربي مبين} فكيف يتصور ~~أن يعلمه أعجمي وهذا الكلام عربي؟ وقد أخبر أنه نزله روح القدس من ربك ~~بالحق فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذي ms3929 تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث ~~لحروفه ونظمه؛ إذ يمكن لو كان كذلك أن يكون تلقى من الأعجمي معانيه وألف هو ~~حروفه وبيان أن هذا الذي تعلمه من غيره نزل به روح القدس من ربك بالحق يدل ~~على أن القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه. ~~ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~غيره من الناس أو أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد قول لبيد: # PageV12P261 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال: شهدت بأن ~~وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش ~~رب العالمينا أو قوله: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ~~ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أرانا الهدى ~~بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع وهذا الشعر قاله منشئه لفظه ~~ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ومعناه القائم بنفسه ثم إذا ~~أنشده المنشد وبلغه عنه علم أنه شعر ذلك المنشئ وكلامه ونظمه وقوله مع أن ~~هذا الثاني أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه وقام بقلبه من المعنى نظير ما قام ~~بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد هو الصوت المسموع من المنشئ ~~والشعر شعر المنشئ لا شعر المنشد - والمحدث عن النبي # PageV12P262 # صلى الله عليه وسلم إذا روى قوله: {إنما الأعمال بالنيات} بلغه بحركته ~~وصوته مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بحركته وصوته وليس صوت ~~المبلغ صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المبلغ له عنه. فإذا كان هذا معلوما ~~معقولا فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارئ إذا قرأ {الحمد لله رب ~~العالمين} {الرحمن الرحيم} {مالك يوم الدين} أن يقال هذا الكلام كلام ~~البارئ وإن كان الصوت صوت القارئ. فمن ظن ms3930 أن الأصوات المسموعة من القراء ~~صوت الله فهو ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل قولا لم ~~يقله أحد من أئمة المسلمين؛ بل قد أنكر الإمام أحمد وغيره على من قال: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق وبدعوه كما جهموا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقالوا ~~القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فكيف من قال لفظي به قديم أو صوتي به ~~قديم؟ فابتداع هذا وضلاله أوضح. فمن قال إن لفظه بالقرآن غير مخلوق أو صوته ~~أو فعله أو شيئا من ذلك فهو ضال مبتدع. وهؤلاء قد يحتجون بقوله {حتى يسمع ~~كلام الله} ويقولون هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ~~ونحن لا نسمع # PageV12P263 # إلا صوت القارئ وهذا جهل منهم فإن سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون ~~تارة من المتكلم به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء} ومن قال: إن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو ~~إنا نسمع كلامه كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا. ولو ~~قال قائل: إنا نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه الصحابة منه ~~لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول أنا أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى وإن ~~كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه موسى فليس صوت المخلوقين صوتا للخالق. ~~وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه بالوحي ~~حتى يسمع أهل السموات والأرض صوته كجر السلسلة على الصفا وأمثال ذلك مما ~~جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها أن صفة المخلوق هي صفة الخالق؛ بل ~~ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق فليس ~~كلامه مثل كلامه ولا معناه مثل معناه ولا حرفه مثل حرفه ولا صوته مثل صوته ~~كما أنه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل ms3931 قدرته ولا سمعه مثل سمعه ولا بصره ~~مثل بصره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. # PageV12P264 # ولما استقر في فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام من المتكلم به ~~ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق في سماع كلام الله من ~~المبلغين عنه أوضح من أن يحتاج إلى الإطناب. وقد بين أئمة السنة والعلم - ~~كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتابه في خلق الأفعال وغيرهما من ~~أئمة السنة - من الفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت العباد بالقرآن وغيره ~~ما لا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل والدين. # فصل: # وأما قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم} فهذا قد ذكره في موضعين. فقال في ~~الحاقة {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون} فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال في ~~التكوير: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} ~~{وما صاحبكم بمجنون} {ولقد رآه بالأفق المبين} فالرسول هنا جبريل فأضافه ~~إلى الرسول من البشر تارة وإلى الرسول من الملائكة تارة باسم الرسول ولم ~~يقل: إنه لقول ملك ولا نبي لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ # PageV12P265 # عن غيره لا منشئ له من عنده {ما على الرسول إلا البلاغ} فكان قوله: {إنه ~~لقول رسول كريم} بمنزلة قوله لتبليغ رسول أو مبلغ من رسول كريم أو جاء به ~~رسول كريم أو مسموع عن رسول كريم؛ وليس معناه أنه أنشأه أو أحدثه أو أنشأ ~~شيئا منه أو أحدثه رسول كريم إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه ~~وابتدأه وإنما يكون رسولا فيما بلغه وأداه ومعلوم أن الضمير عائد إلى ~~القرآن مطلقا. و (أيضا فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن ~~يكون الرسول الآخر هو المنشئ المؤلف لها فبطل أن تكون إضافته إلى الرسول ~~لأجل إحداث لفظه ونظمه. ولو جاز أن تكون الإضافة هنا لأجل ms3932 إحداث الرسول له ~~أو لشيء منه لجاز أن نقول إنه قول البشر وهذا قول الوحيد الذي أصلاه الله ~~سقر. فإن قال قائل: فالوحيد جعل الجميع قول البشر ونحن نقول إن الكلام ~~العربي قول البشر وأما معناه فهو كلام الله. فيقال لهم: هذا نصف قول الوحيد ~~ثم هذا باطل من وجوه أخرى. وهو أن معاني هذا النظم معان متعددة متنوعة ~~وأنتم تجعلون # PageV12P266 # ذلك المعنى معنى واحدا هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وتجعلون ذلك ~~المعنى إذا عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة ~~وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من ~~العقل والدين؛ فإن التوراة إذا عربناها لم يكن معناها معنى القرآن والقرآن ~~إذا ترجمناه بالعبرانية لم يكن معناه معنى التوراة. و (أيضا فإن معنى آية ~~الكرسي ليس هو معنى آية الدين وإنما يشتركان في مسمى الكلام ومسمى كلام ~~الله كما تشترك الأعيان في مسمى النوع فهذا الكلام وهذا الكلام وهذا الكلام ~~كله يشترك في أنه كلام الله اشتراك الأشخاص في أنواعها كما أن الإنسان وهذا ~~الإنسان وهذا الإنسان يشتركون في مسمى الإنسان وليس في الخارج شخص بعينه هو ~~هذا وهذا وهذا وكذلك ليس في الخارج كلام واحد هو معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن وهو معنى آية الدين وآية الكرسي. ومن خالف هذا كان في مخالفته ~~لصريح المعقول من جنس من قال: إن أصوات العباد وأفعالهم قديمة أزلية. فاضرب ~~بكلام البدعتين رأس قائلهما وألزم الصراط المستقيم: صراط الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. # PageV12P267 # وبسبب هاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الفتن وعظمت الإحن وإن كان كل من ~~أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير من الناس كما فسر من ~~قال: إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه قديم: أن القديم ظهر في المحدث من ~~غير حلول فيه. وأما " أفعال العباد " فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة ~~خيرها وشرها وفسر ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم وهي مشروعة مقدرة ولم ~~يفرق بين الشرع ms3933 الذي هو كلام الله والمشروع الذي هو المأمور به والمنهي عنه ~~ولم يفرق بين القدر الذي هو علم الله وكلامه وبين المقدور الذي هو ~~مخلوقاته. والعقلاء كلهم يعلمون بالاضطرار أن الأمر والخبر نوعان للكلام ~~لفظه ومعناه ليس الأمر والخبر صفات لموصوف واحد - فمن جعل الأمر والنهي ~~والخبر صفات للكلام لا أنواعا له فقد خالف ضرورة العقل؛ وهؤلاء في هذا ~~بمنزلة من زعم أن الوجود واحد؛ إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد ~~بالعين؛ فإن انقسام " الموجود " إلى القديم والمحدث والواجب والممكن ~~والخالق والمخلوق والقائم بنفسه والقائم بغيره كانقسام " الكلام " إلى ~~الأمر والخبر أو إلى الإنشاء والإخبار أو إلى الأمر والنهي والخبر - فمن ~~قال الكلام معنى واحد هو الأمر والخبر فهو كمن قال الوجود واحد هو الخالق ~~والمخلوق أو الواجب والممكن. وكما أن حقيقة هذا تؤول إلى تعطيل الخالق ~~فحقيقة # PageV12P268 # هذا تؤول إلى تعطيل كلامه وتكليمه. وهذا حقيقة قول فرعون الذي أنكر ~~الخالق وتكليمه لموسى؛ ولهذا آل الأمر بمحقق هؤلاء إلى تعظيم فرعون وتوليه ~~وتصديقه في قوله: {أنا ربكم الأعلى} بل إلى تعظيمه على موسى وإلى الاستحقار ~~بتكليم الله لموسى كما قد بسط في غير هذا الموضع. (وأيضا فيقال: ما تقول في ~~كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره - كما قد ينقل كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم ويسمع من الرواة أو المبلغين - إن ~~ذلك المسموع من المبلغ بصوت المبلغ هو كلام المبلغ أو كلام المبلغ عنه؟ فإن ~~قال: كلام المبلغ لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من سمع منه فيكون القرآن ~~المسموع كلام ألف ألف قارئ لا كلام الله تعالى وأن يكون قوله: {إنما ~~الأعمال بالنيات} ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول وحينئذ فلا فضيلة ~~للقرآن في {إنه لقول رسول كريم} فإنه على قول هؤلاء قول كل منافق قرأه ~~والقرآن يقرؤه المؤمن والمنافق كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ms3934 ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها؛ ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن # PageV12P269 # مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها} وعلى هذا التقدير فلا يكون القرآن قول ~~بشر واحد بل قول ألف ألف بشر وأكثر من ذلك. وفساد هذا في العقل والدين ~~واضح. وإن قال: كلام المبلغ عنه علم أن الرسول المبلغ للقرآن ليس القرآن ~~كلامه ولكنه كلام الله؛ ولكن لما كان الرسول الملك قد يقال إنه شيطان بين ~~الله أنه تبليغ ملك كريم؛ لا تبليغ شيطان رجيم؛ ولهذا قال: {إنه لقول رسول ~~كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} إلى قوله: {وما هو بقول شيطان رجيم} . ~~وبين في هذه الآية أن الرسول البشري الذي صحبناه وسمعناه منه ليس بمجنون ~~وما هو على الغيب بمتهم. وذكره باسم " الصاحب " لما في ذلك من النعمة به ~~علينا إذ كنا لا نطيق أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من جنسنا كما قال تعالى ~~{لقد جاءكم رسول من أنفسكم} وقال {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون} كما قال في الآية الأخرى: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم ~~وما غوى} وبين أن الرسول الذي من أنفسنا والرسول الملكي أنهما مبلغان فكان ~~في هذا تحقيق أنه كلام الله. فلما كان الرسول البشري يقال: إنه مجنون أو ~~مفتر نزهه عن هذا وهذا وكذلك في السورة الأخرى قال: {إنه لقول رسول كريم} ~~{وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا # PageV12P270 # ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} وهذا مما يبين أنه أضافه إليه لأنه ~~بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه فإنه قال: {وإنه لتنزيل رب العالمين} {نزل ~~به الروح الأمين} فجمع بين قوله: {إنه لقول رسول كريم} وبين قوله: {وإنه ~~لتنزيل رب العالمين} والضميران عائدان إلى واحد فلو كان الرسول أحدثه ~~وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين؛ بل كان يكون تنزيلا من الرسول. ومن ~~جعل ms3935 الضمير في هذا عائدا إلى غير ما يعود إليه الضمير الآخر مع أنه ليس في ~~الكلام ما يقتضي اختلاف الضميرين ومن قال إن هذا عبارة عن كلام الله - فقل ~~له: هذا الذي تقرؤه أهو عبارة عن العبارة التي أحدثها الرسول الملك أو ~~البشر على زعمك؟ أم هو نفس تلك العبارة؟ فإن جعلت هذا عبارة عن تلك العبارة ~~جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول عبارة عن عبارة الله وحينئذ فيبقى ~~النزاع لفظيا؛ فإنه متى قال إن محمدا سمعه من جبريل جميعه وجبريل سمعه من ~~الله جميعه والمسلمون سمعوه من الرسول جميعه فقد قال الحق - وبعد هذا فقوله ~~عبارة لأجل التفريق بين التبليغ والمبلغ عنه كما سنبينه. وإن قلت: ليس هذا ~~عبارة عن تلك العبارة بل هو نفس تلك العبارة فقد جعلت ما يسمع من المبلغ هو ~~بعينه ما يسمع من المبلغ # PageV12P271 # عنه إذ جعلت هذه العبارة هي بعينها عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل أصل ~~قولك. واعلم أن أصل القول بالعبارة " أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ~~" هو أول من قال في الإسلام: إن معنى القرآن كلام الله. وحروفه ليست كلام ~~الله فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة والجماعة وكان قد ذهب إلى ~~إثبات الصفات لله تعالى وخالف المعتزلة في ذلك وأثبت العلو لله على العرش ~~ومباينته المخلوقات وقرر ذلك تقريرا هو أكمل من تقرير أتباعه بعده. وكان ~~الناس قد تكلموا فيمن بلغ كلام غيره هل يقال له حكاية عنه أم لا؟ وأكثر ~~المعتزلة قالوا: هو حكاية عنه فقال ابن كلاب: القرآن العربي حكاية عن كلام ~~الله؛ ليس بكلام الله. فجاء بعده " أبو الحسن الأشعري " فسلك مسلكه في ~~إثبات أكثر الصفات وفي مسألة القرآن أيضا واستدرك عليه قوله إن هذا حكاية ~~وقال: الحكاية إنما تكون مثل المحكي فهذا يناسب قول المعتزلة؛ وإنما يناسب ~~قولنا أن نقول هو عبارة عن كلام الله؛ لأن الكلام ليس من جنس العبارة فأنكر ~~أهل السنة والجماعة عليهم عدة أمور. # PageV12P272 # أحدها قولهم: ms3936 إن المعنى كلام الله وإن القرآن العربي ليس كلام الله وكانت ~~المعتزلة تقول: هو كلام الله وهو مخلوق فقال: هؤلاء هو مخلوق وليس بكلام ~~الله؛ لأن من أصول أهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل فإذا قام الكلام بمحل كان هو المتكلم به كما أن العلم والقدرة إذا ~~قاما بمحل كان هو العالم القادر وكذلك " الحركة ". وهذا مما احتجوا به على ~~المعتزلة وغيرهم من الجهمية في قولهم: إن كلام الله مخلوق خلقه في بعض ~~الأجسام - قالوا لهم لو كان كذلك لكان الكلام كلام ذلك الجسم الذي خلقه فيه ~~فكانت الشجرة هي القائلة: {إني أنا الله رب العالمين} فقال أئمة الكلابية ~~إذا كان القرآن العربي مخلوقا لم يكن كلام الله فقال طائفة من متأخريهم: بل ~~نقول الكلام مقول بالاشتراك بين المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة فقال ~~لهم المحققون: فهذا يبطل أصل حجتكم على المعتزلة؛ فإنكم إذا سلمتم أن ما هو ~~كلام الله حقيقة لا يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس ~~كلامه إلا ما خلقه في غيره. (الثاني قولهم: إن ذلك المعنى هو الأمر والنهي ~~والخبر وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وقال أكثر العقلاء: هذا الذي ~~قالوه معلوم الفساد بضرورة العقل. # PageV12P273 # الثالث أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد لأمته من ~~المعنى واللفظ ليس هو كلام الله. و " مسألة القرآن " لها طرفان (أحدهما ~~تكلم الله به وهو أعظم الطرفين (والثاني تنزيله إلى خلقه والكلام في هذا ~~سهل بعد تحقيق الأول. وقد بسطنا الكلام في ذلك في عدة مواضع وبينا مقالات ~~أهل الأرض كلهم في هذه المسائل وما دخل في ذلك من الاشتباه ومأخذ كل طائفة ~~ومعنى قول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم قصدوا به إبطال قول من ~~يقول: إن الله لم يقم بذاته كلام؛ ولهذا قال الأئمة كلام الله من الله ليس ~~ببائن عنه وذكرنا اختلاف المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام بمشيئته ~~وقدرته أم لا؟ وقول ms3937 من قال من أئمة السنة لم يزل الله متكلما إذا شاء وأن ~~قول السلف منه بدأ لم يريدوا به أنه فارق ذاته وحل في غيره؛ فإن كلام ~~المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف يجوز أن يفارق ذات ~~الله كلامه أو غيره من صفاته بل قالوا: منه بدأ أي: هو المتكلم به ردا على ~~المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين قالوا بدأ من المخلوق الذي خلق فيه. ~~وقولهم: إليه يعود. أي: يسرى عليه فلا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في ~~الصدور منه آية. # PageV12P274 # والمقصود هنا الجواب عن مسائل السائل. # فصل: # وأما قول القائل: أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير ~~واسطة وتقولون إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات ~~مختلفة فما الفرق بين ذلك؟ فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين ~~القدم والفرق. فإن كل عاقل يفرق بين سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~منه بغير واسطة - كسماع الصحابة منه - وبين سماعه منه بواسطة المبلغين عنه ~~كأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس وكل من السامعين سمع كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم حقيقة وكذلك من سمع شعر حسان بن ثابت أو عبد الله بن ~~رواحة أو غيرهما من الشعراء منه بلا واسطة ومن سمعه من الرواة عنه يعلم ~~الفرق بين هذا وهذا وهو في الموضعين شعر حسان لا شعر غيره والإنسان إذا ~~تعلم شعر غيره فهو يعلم أن ذلك الشاعر أنشأ معانيه ونظم حروفه بأصواته ~~المقطعة وإن كان المبلغ يرويه بحركة نفسه وأصوات نفسه. # PageV12P275 # فإذا كان هذا الفرق معقولا في كلام المخلوقين بين سماع الكلام من المتكلم ~~به ابتداء وسماعه بواسطة الراوي عنه أو المبلغ عنه فكيف لا يعقل ذلك في ~~سماع كلام الله؟ وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من القراء هو صوت الرب فهو ~~إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء وكذلك من توهم أن الصوت قديم ~~أو أن المداد قديم ms3938 فهذا لا يقوله ذو حس سليم؛ بل ما بين لوحي المصحف كلام ~~الله وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين لا كلام غيره فمن قال: إن الذي في ~~المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق. ومن زعم أن كلام الله ~~فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب في المصاحف أو أن المداد قديم أزلي فهو ~~أيضا ملحد مارق؛ بل كلام المخلوقين يكتب في الأوراق وهو لم يفارق ذواتهم ~~فكيف لا يعقل مثل هذا في كلام الله تعالى و " الشبهة " تنشأ في مثل هذا من ~~جهة أن بعض الناس لا يفرق بين المطلق من الكلام والمقيد. مثال ذلك أن ~~الإنسان يقول رأيت الشمس والقمر والهلال إذا رآه بغير واسطة " وهذه الرؤية ~~المطلقة " وقد يراه في ماء أو مرآة فهذه " رؤية مقيدة " فإذا أطلق قوله ~~رأيته أو ما رأيته حمل على مفهوم اللفظ المطلق وإذا قال: لقد رأيت الشمس في ~~الماء والمرآة فهو كلام صحيح مع التقييد واللفظ يختلف معناه # PageV12P276 # بالإطلاق والتقييد فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه كالشرط والاستثناء ~~ونحوهما من التخصيصات المتصلة كقوله: {ألف سنة إلا خمسين عاما} كان هذا ~~المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند جماهير الناس. ومن ~~قال إن هذا مجاز فقد غلط؛ فإن هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه وما ~~يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من تمام الكلام؛ ولهذا لا ~~يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي مفهومهما بخلاف استعمال لفظ الأسد ~~في الرجل الشجاع مع أن قول القائل: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظي ~~وهو مستند من أنكر المجاز في اللغة أو في القرآن ولم ينطق بهذا أحد من ~~السلف والأئمة ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام ~~الإمام أحمد فإنه قال فيما كتبه من " الرد على الزنادقة والجهمية " هذا من ~~مجاز القرآن. وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ~~الذي صنفه في " مجاز القرآن " ثم إن ms3939 هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز في ~~اللغة ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز ~~وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى ~~معنى المجاز ثم إنه لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة. # PageV12P277 # والمقصود أن القائل إذا قال: رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير ذلك ~~في الماء والمرآة فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين رؤية ذلك ~~بلا واسطة وإذا قال قائل: ما رأى ذلك؛ بل رأى مثاله أو خياله أو رأى الشعاع ~~المنعكس أو نحو ذلك لم يكن هذا مانعا لما يعلمه الناس ويقولونه من أنه رآه ~~في الماء أو المرآة وهذه الرؤية في الماء أو المرآة حقيقة مقيدة وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا ~~يتمثل في صورتي} هو كما قال صلى الله عليه وسلم رآه في المنام حقا فمن قال: ~~ما رآه في المنام حقا فقد أخطأ ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة ~~كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ؛ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير ~~دون تلك. وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام هو سماع منه في المنام ~~وليس هذا كالسماع منه في اليقظة وقد يرى الرائي في المنام أشخاصا ويخاطبونه ~~والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ولكن يقال: رآهم في المنام ~~حقيقة فيحترز بذلك عن الرؤيا التي هي حديث النفس. فإن " الرؤيا ثلاثة أقسام ~~" رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه ~~في اليقظة فيراه في المنام. وقد ثبت هذا التقسيم في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، # PageV12P278 # ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق بينها وبين اليقظة ما لا يظهر في ~~غيرها فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون مقيدة بواسطة المرآة والماء أو غير ~~ذلك حتى إن المرئي يختلف باختلاف المرآة فإذا كانت كبيرة مستديرة ms3940 رأى كذلك ~~وإن كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك فكذلك في " السماع " يفرق بين من سمع ~~كلام غيره منه ومن سمعه بواسطة المبلغ ففي الموضعين المقصود سماع كلامه كما ~~أن هناك في الموضعين يقصد رؤية نفس النبي؛ لكن إذا كان بواسطة اختلف ~~باختلاف الواسطة فيختلف باختلاف أصوات المبلغين كما يختلف المرئي باختلاف ~~المرايا - قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} . فجعل ### | " التكليم ثلاثة أنواع " # الوحي المجرد والتكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام والتكليم ~~بواسطة إرسال الرسول كما كلم الرسل بإرسال الملائكة وكما نبأنا الله من ~~أخبار المنافقين بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمون متفقون على أن ~~الله أمرهم بما أمرهم به في القرآن ونهاهم عما نهاهم عنه في القرآن وأخبرهم ~~بما أخبرهم به في القرآن فأمره ونهيه وإخباره بواسطة الرسول فهذا في تكليم ~~مقيد بالإرسال وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه من المبلغ لا منه وهذا ~~القرآن كلام الله مبلغا عنه مؤدى عنه وموسى سمع كلامه مسموعا منه لا مبلغا # PageV12P279 # عنه ولا مؤدى عنه وإذا عرف هذا المعنى زاحت الشبهة. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يروي عن ربه ويخبر عن ربه ويحكي عن ربه فهذا يذكر ما يذكره عن ربه من ~~كلامه الذي قاله راويا حاكيا عنه. فلو قال من قال: إن القرآن " حكاية ": إن ~~محمدا حكاه عن الله كما يقال بلغه عن الله وأداه عن الله لكان قد قصد معنى ~~صحيحا؛ لكن يقصدون - ما يقصده القائل بقوله فلان يحكي فلانا أي يفعل مثل ~~فعله وهو - أنه يتكلم بمثل كلام الله فهذا باطل قال الله تعالى {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} . ونكتة الأمر أن العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل ~~المطلوبة لغيرها. فلما كان مقصود الرائي أن يرى الوجه مثلا فرآه في المرآة ~~حصل مقصوده وقال رأيت الوجه وإن كان ms3941 ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة - ~~وكذلك من كان مقصوده أن يسمع القول الذي قاله غيره الذي ألف ألفاظه وقصد ~~معانيه فإذا سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود وإن كان سماعه من غيره هو ~~بواسطة صوت ذلك الغير الذي يختلف باختلاف الصائتين. والقلوب إنما تشير إلى ~~المقصود لا إلى ما ظهر به المقصود كما في " الاسم والمسمى " فإن القائل إذا ~~قال جاء زيد وذهب عمرو لم يكن مقصوده إلا الإخبار بالمجيء عن " المسمى " # PageV12P280 # ولكن بذكر الاسم أظهر ذلك. فمن ظن أن الموصوف بالمجيء والإتيان هو لفظ ~~زيد أو لفظ عمرو كان مبطلا فكذلك إذا قال القائل: هذا كلام الله وكلام الله ~~غير مخلوق فالمقصود هنا الكلام نفسه من حيث هو هو وإن كان إنما ظهر وسمع ~~بواسطة حركة التالي وصوته فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارئ وحركته كان ~~مبطلا؛ ولهذا لما قرأ أبو طالب المكي على الإمام أحمد رضي الله عنه {قل هو ~~الله أحد} وسأله هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق؟ فأجابه بأنه كلام الله ~~وأنه غير مخلوق فنقل عنه أبو طالب - خطأ منه - أنه قال لفظي بالقرآن غير ~~مخلوق فاستدعاه وغضب عليه وقال أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ قال: ~~لا ولكن قرأت عليك: {قل هو الله أحد} وقلت لك: هذا غير مخلوق فقلت: نعم قال ~~فلم تحكي عني ما لم أقل؟ لا تقل هذا؛ فإن هذا لم يقله عالم - وقصته مشهورة ~~حكاها عبد الله وصالح وحنبل والمروزي وفوران وبسطها الخلال في " كتاب السنة ~~" وصنف المروزي في " مسألة اللفظ " مصنفا ذكر فيه أقوال الأئمة. وهذا الذي ~~ذكره أحمد من أحسن الكلام وأدقه؛ فإن الإشارة إذا أطلقت انصرفت إلى المقصود ~~وهو كلام الله الذي تكلم به؛ لا إلى # PageV12P281 # ما وصل به إلينا من أفعال العباد وأصواتهم. فإذا قيل: لفظي جعل نفس ~~الوسائط غير مخلوقة وهذا باطل كما أن من رأى وجها في مرآة فقال أكرم الله ~~هذا الوجه وحياه أو قبحه كان دعاؤه ms3942 على الوجه الموجود في الحقيقة الذي رأى ~~بواسطة المرآة لا على الشعاع المنعكس فيها وكذلك إذا رأى القمر في الماء ~~فقال: قد أبدر أو لم يبدر فإنما مقصوده القمر الذي في السماء لا خياله ~~وكذلك من سمعه يذكر رجلا فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق علم أن المشار إليه ~~هو الشخص المسمى بالاسم؛ لا نفس الصوت المسموع من الناطق - فلو قال: هذا ~~الصوت أو صوتي بفلان صالح أو فاسق فسد المعنى وكان بعضهم يقول: لفظي ~~بالقرآن مخلوق فرأى في منامه وضارب يضربه وعليه فروة فأوجعه بالضرب فقال ~~له: لا تضربني فقال: أنا ما أضربك وإنما أضرب الفروة فقال: إنما يقع الضرب ~~علي فقال هكذا إذا قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فالخلق إنما يقع على القرآن. ~~يقول: كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس واسطة فهكذا المقصود بالتلاوة ~~كلام الله وصوتك واسطة فإذا قلت: مخلوق وقع ذلك على المقصود كما إذا سمعت ~~قائلا يذكر رجلا فقلت: أنا أحب هذا وأنا أبغض هذا انصرف الكلام إلى المسمى ~~المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر؛ ولهذا قال الأئمة: القرآن كلام الله غير ~~مخلوق كيفما # PageV12P282 # تصرف؛ بخلاف أفعال العباد وأصواتهم. فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ~~ضالا. # فصل: # وأما قول القائل: تقولون إن القرآن صفة الله وإن صفات الله غير مخلوقة ~~فإن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية ~~والاتحادية وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا. فمن تبين له ما نبهنا عليه سهل ~~عليه الجواب عن هذا وأمثاله فإن منشأ الشبهة أن قول القائل: هذا كلام الله ~~يجعل أحكامه واحدة سواء كان كلامه مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه. ومن هنا ~~تختلف طوائف من الناس. " طائفة " قالت هذا كلام الله وهذا حروف وأصوات ~~مخلوقة فكلام الله مخلوق. و " طائفة " قالت هذا مخلوق وكلام الله ليس ~~بمخلوق فهذا ليس كلام الله. و " طائفة " قالت هذا كلام الله وكلام الله ليس ~~بمخلوق وهذا ألفاظنا وتلاوتنا؛ فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة. # PageV12P283 # ومنشأ ضلال الجميع ms3943 من عدم الفرق في المشار إليه في هذا. فأنت تقول هذا ~~الكلام الذي تسمعه من قائله صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم وكذلك إذا سمعته ~~من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم فالمشار إليه في ~~الموضعين واحد وتقول أيضا: إن هذا صوت حسن وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا ~~سمعته من الناقل تقول: هذا صوت حسن أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ~~ليس هو المشار إليه هناك بل أشار إلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه وإلى ما ~~يختص به هذا من صوته وقلبه وإذا كتب الكلام في صفحتين كالمصحفين تقول في كل ~~منهما هذا قرآن كريم وهذا كتاب مجيد وهذا كلام الله فالمشار إليه واحد ثم ~~تقول هذا خط حسن وهذا قلم النسخ أو الثلث وهذا الخط أحمر أو أصفر والمشار ~~إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر. فإذا ميز الإنسان في المشار ~~إليه بهذا وهذا تبين المتفق والمفترق وعلم أن من قال هذا القرآن كلام الله ~~وكلام الله غير مخلوق أن المشار إليه الكلام من حيث هو مع قطع النظر عما به ~~وصل إلينا من حركات العباد وأصواتهم ومن قال: هذا مخلوق وأشار به إلى مجرد ~~صوت العبد وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن القرآن نفسه حروفه ومعانيه ~~الذي تعلم هذا القارئ من غيره وبلغه بحركته وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد ~~أخطأ وضل. # PageV12P284 # ويقال لهذا: هذا الكلام الذي أشرت إليه كان موجودا قبل أن يخلق هذا ~~القارئ فهب أن القارئ لم تخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن أين ~~يلزم أن يكون الكلام نفسه الذي كان موجودا قبله يعدم بعدمه ويحدث بحدوثه؟ ~~فإشارته بالخلق إن كانت إلى ما يختص به هذا القارئ من أفعاله وأصواته ~~فالقرآن غني عن هذا القارئ وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه وإن كانت ~~إلى الكلام الذي يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام ms3944 المنزل من الله ~~الذي جاء به جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته وهو كلام الله الذي تكلم به ~~فذاك يمتنع أن يكون مخلوقا فإنه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله الذي خلق ~~فيه ولم يكن كلاما لله ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان كلامه كان ما ~~أنطق به كل ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود بل كل كلام ~~في الوجود وهذا قول الحلولية الذين يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه سواء ~~علينا نثره ونظامه ومن قال: القرآن مخلوق فهو بين أمرين - إما أن يجعل كل ~~كلام في الوجود كلامه وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلا فيجعل العباد ~~المتكلمين أكمل منه وشبهه بالأصنام والجمادات والموات: كالعجل الذي لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا فيكون قد فر عن إثبات # PageV12P285 # صفات الكمال له حذرا في زعمه من التشبيه فوصفه بالنقص وشبهه بالجامد ~~والموات. وكذلك قول القائل: هذا نفس كلام الله وعين كلام الله وهذا الذي في ~~المصحف هو عين كلام الله ونفس كلام الله وأمثال هذه العبارات. هذه مفهومها ~~عند الإطلاق في فطر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره وأنه لا زيادة فيه ولا ~~نقصان؛ فإن من ينقل كلام غيره ويكتبه في كتاب قد يزيد فيه وينقص كما جرت ~~عادة الناس في كثير من مكاتبات الملوك وغيرها - فإذا جاء كتاب السلطان ~~فقيل: هذا الذي فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص: يعني لم يزد فيه ~~الكاتب ولا نقص. وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة في مسألة من تصنيفه قيل: هذا ~~الكلام كلام فلان بعينه: يعني لم يزد فيه ولم ينقص كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {: نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه} . فقوله فبلغه ~~كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته التي سمعه بها ولكن أراد أنه ~~يأتي بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولا ينقص فيكون قد بلغه كما سمعه. ~~فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله صلى الله عليه وسلم ms3945 ويكون قد سمع ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله. وذلك معنى قولهم هذا كلامه ~~بعينه وهذا نفس كلامه # PageV12P286 # لا يريدون أن هذا هو صوته وحركاته وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ~~ابتداء ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس يلجئ أصحابه إلى " القرمطة " في ~~السمعيات و " السفسطة " في العقليات. ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة ~~سليمة فإذا رأى الناس كلاما صحيحا فإن من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو ~~كتبه في كتاب لا يقول عاقل إن نفس ما قام بالمتكلم من المعاني التي في قلبه ~~والألفاظ القائمة بلسانه فارقته وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ولا ~~فارقته وحلت في الورق؛ بل ولا يقول إن نفس ما قام به من المعاني والألفاظ ~~هو نفس المداد الذي في الورق؛ بل ولا يقول إن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي ~~أصوات المبلغ عنه فهذه الأمور كلها ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق ~~إذا سمع وبلغ أو كتب في كتاب فكيف يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ ~~عنه أو كتبه سبحانه كما كتب التوراة لموسى وكما كتب القرآن في اللوح ~~المحفوظ وكما كتبه المسلمون في مصاحفهم. وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه ~~عنه بلفظه ومعناه؛ بل شعر مخلوق كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد ~~وأمثالهم من الشعراء ويقول الناس: هذا شعر حسان بعينه وهذا هو نفس شعر ~~حسان. وهذا شعر لبيد بعينه كقوله: # PageV12P287 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # ومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس ~~صفاتهم حتى حلت بهم بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم ~~وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فكيف يتوهم متوهم أن صفات الباري كلامه أو ~~غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته وأن ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله ~~كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلت فيه وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق ~~بل يمثلون العلم بنور السراج ms3946 يقتبس منه المتعلم ولا ينقص ما عند العالم كما ~~يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث الله له ضوءا كما يقال: إن الهوى ينقلب ~~نارا بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التي في المصباح ~~والمقرئ والمعلم يقرئ القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شيء؛ بل يصير ~~عند المتعلم مثل ما عنده. ولهذا يقال: فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه ~~ويقال: العلم الذي كان عند فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك كما يقال: نقلت ما ~~في الكتاب ونسخت ما في الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته وهم لا يريدون أن ~~نفس الحروف التي في الكتاب الأول عدمت منه وحلت في الثاني؛ بل لما كان ~~المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام وذلك يحصل ~~بأن يجعل في الثاني # PageV12P288 # مثل ما في الأول فيبقى المقصود بالأول منقولا منسوخا وإن كان لم يتغير ~~الأول بخلاف نقل الأجسام وتوابعها فإن ذلك إذا نقل من موضع إلى موضع زال عن ~~الأول. وذلك لأن الأشياء لها وجود في أنفسها وهو وجودها العيني ولها ثبوتها ~~في العلم ثم في اللفظ المطابق للعلم ثم في الخط. وهذا الذي يقال: وجود في ~~الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان: وجود عيني ~~ووجود علمي ولفظي ورسمي؛ ولهذا افتتح الله كتابه بقوله تعالى: {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} ~~{علم الإنسان ما لم يعلم} فذكر الخلق عموما وخصوصا ثم ذكر التعليم عموما ~~وخصوصا فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق العلم والعلم هو المطابق للمعلوم. ~~ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن في المصحف كالأعيان في الورق فظن أن ~~قوله: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} كقوله: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل} فجعل إثبات القرآن الذي هو كلام الله في المصاحف ~~كإثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط: إثبات القرآن كإثبات اسم الرسول هذا ~~كلام وهذا كلام وأما إثبات اسم الرسول فهذا كإثبات ms3947 الأعمال أو كإثبات ~~القرآن في # PageV12P289 # زبر الأولين قال تعالى {وكل شيء فعلوه في الزبر} وقال تعالى: {وإنه لفي ~~زبر الأولين} فثبوت الأعمال في الزبر وثبوت القرآن في زبر الأولين هو مثل ~~كون الرسول مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؛ ولهذا قيد سبحانه هذا بلفظ " ~~الزبر " و " الكتب " زبر. يقال زبرت الكتاب إذا كتبته والزبور بمعنى ~~المزبور أي المكتوب فالقرآن نفسه ليس عند بني إسرائيل ولكن ذكره كما أن ~~محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره فثبوت الرسول في كتبهم كثبوت القرآن في ~~كتبهم؛ بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي المصاحف؛ فإن نفس القرآن ~~أثبت فيها فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا وهذا مبسوط في موضعه. و ~~(المقصود هنا أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل حلت في ~~ذلك المحل الثاني وأما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثاني عن الأول مع ~~بقائه في الأول وإن كان الذي عند الثاني هو نظير ذلك ومثله؛ لكن لما كان ~~المقصود بالعلمين واحدا في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة التابع له ~~والدليل عليه ولم يكن للناس غرض في تعدد التابع كما في الاسم مع المسمى؛ ~~فإن اسم الشخص وإن ذكره أناس متعددون ودعا به أناس متعددون فالناس يقولون ~~إنه اسم واحد لمسمى واحد فإذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله # PageV12P290 # أشهد أن محمدا رسول الله وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن وقاله غير ~~المؤذن فالناس يقولون إن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله كما أن المسمى ~~هو الله ورسوله. وإذا قال: {اقرأ باسم ربك} وقال: {اركبوا فيها بسم الله} ~~وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} وقال: {بسم الله} ففي الجميع المذكور هو اسم ~~الله وإن تعدد الذكر والذاكر فالخبر الواحد من المخبر الواحد من مخبره ~~والأمر الواحد بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الاسم الواحد لمسماه هذا ~~في المركب نظير هذا في المفرد وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة وباعتبار اتحاد ~~المقصود وإن تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر ms3948 وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر ~~صفاتهم. وأما قول القائل: إن قلتم: إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول ~~وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد. مثاله مثال رجل ادعى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يحل بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه فأنكر الناس ~~ذلك عليه وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل في بدن غيره فقال: ~~أنتم تقولون: إن المحدث يقرأ كلامه وإن ما يقرؤه هو كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول ومعلوم أن هذا في غاية الفساد. # PageV12P291 # والناس متفقون على إطلاق القول بأن كلام زيد في هذا الكتاب وهذا الذي ~~سمعناه كلام زيد ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا ~~المتكلم أو في هذا الورق. وقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من ~~النعم في عقلها} وقوله: {الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب} ~~وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال الله في صدورنا وأجوافنا ولهذا ~~لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأن من قال القرآن في صدورنا فقد قال بقول ~~النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أي: جهمية الخلقية واللفظية ~~والواقفية وهذه الرابعة - اشتد نكيره لذلك وقال هذا أعظم من الجهمية. وهو ~~كما قال. فإن " الجهمية " ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن في الصدور ولا ~~يشبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة؛ فإن ~~النصارى يقولون؛ الأب والابن وروح القدس إله واحد وإن الكلمة التي هي ~~اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق؛ ولهذا كانوا يقولون: إن ~~الله هو المسيح ابن مريم ويقولون: المسيح ابن الله؛ ولهذا كانوا متناقضين ~~فإن الذي تدرع المسيح إن كان هو الإله الجامع للأقاليم فهو الأب نفسه وإن ~~كان هو صفة من # PageV12P292 # صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح عندهم إله ولو قال ~~النصارى ms3949 إن كلام الله في صدر المسيح كما هو في صدور سائر الأنبياء ~~والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر. فالحلولية المشهورون بهذا الاسم من ~~يقول بحلول الله في البشر كما قالت النصارى والغالية من الرافضة وغلاة ~~أتباع المشايخ أو يقولون بحلوله في كل شيء كما قالت الجهمية إنه بذاته في ~~كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من ~~مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره أو قال باتحاده بالمخلوقات ~~كلها أو قال: وجوده وجود المخلوقات أو نحو ذلك. فأما قول القائل: إن كلام ~~الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وإن الرسل بلغت كلام الله والذي ~~بلغته هو كلام الله وإن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك فهذا لا يسمى حلولا ومن ~~سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق. وقد تقدم أن ذلك لا يقتضي ~~مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره فكيف صفة الخالق تبارك وتعالى ~~ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في إثبات لفظ الحلول ونفيه عنه ~~هل يقال: إن كلام الله حال في المصحف أو حال في الصدور؟ وهل يقال: كلام ~~الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب حافظيه ونحو ذلك؟ فمنهم طائفة ~~نفت الحلول كالقاضي # PageV12P293 # أبي يعلى وأمثاله وقالوا: ظهر كلام الله في ذلك ولا نقول: حل؛ لأن حلول ~~صفة الخالق في المخلوق أو حلول القديم في المحدث ممتنع. وطائفة أطلقت القول ~~بأن كلام الله حال في المصحف كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي - الملقب بشيخ ~~الإسلام - وغيره وقالوا: ليس هذا هو الحلول المحذور الذي نفيناه. بل نطلق ~~القول بأن الكلام في الصحيفة ولا يقال بأن الله في الصحيفة أو في صدر ~~الإنسان كذلك نطلق القول بأن كلامه حال في ذلك دون حلول ذاته وطائفة ثالثة ~~كأبي علي بن أبي موسى وغيره قالوا: لا نطلق الحلول نفيا ولا إثباتا لأن ~~إثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ونفي ذلك يوهم نفي نزول ~~القرآن إلى الخلق فنطلق ms3950 ما أطلقته النصوص ونمسك عما في إطلاقه محذور لما في ~~ذلك من الإجمال. وأما قول القائل إن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم ~~بالحلول وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا فجواب ذلك أن المقالة المنكرة هنا ~~تتضمن ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكر. # أحدها: من يقول إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله ~~كجبريل ومحمد والله خلقه في غيره. # الثاني: قول من يقول إن كلام الله ليس إلا معنى واحدا هو # PageV12P294 # الأمر والنهي والخبر وإن الكتب الإلهية تختلف باختلاف العبارات لا ~~باختلاف المعاني فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وكذلك معنى آية ~~الدين وآية الكرسي كمن يقول إن معاني أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى ~~العليم والقدير والرحيم والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد في أسمائه وصفاته ~~وآياته. (الثالث قول من يقول إن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ~~ليس هو كلام الله وإن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين. فهذه ~~الأقوال الثلاثة باطلة بأي عبارة عبر عنها. وأما قول من قال: إن القرآن ~~العربي كلام الله بلغه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه تارة يسمع من ~~الله وتارة من رسله مبلغين عنه وهو كلام الله حيث تصرف وكلام الله تكلم به ~~لم يخلقه في غيره ولا يكون كلام الله مخلوقا ولو قرأه الناس وكتبوه وسمعوه. ~~وقال مع ذلك: إن أفعال العباد وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة فهذا لا ينكر ~~عليه وإذا نفى الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه وتنتقل إلى غيره ~~فقد أصاب في هذا المعنى؛ لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن العربي كلام ~~الله تعالى وليس هو ولا شيء منه كلاما لغيره ولكن بلغته عنه رسله وإذا كان ~~كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ومع العلم بأن ~~شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا في كلام الخالق أولى وأظهر ~~والله أعلم. # PageV12P295 # وقال أيضا شيخ الإسلام - قدس الله روحه ms3951 -: # فصل: # قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} وهو ~~منزل من الله كما قال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} . فأخبر ~~سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقا. وقال تعالى: {تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم} {حم} {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} {حم} ~~{تنزيل من الرحمن الرحيم} وقال تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} وقال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى} ونحو ذلك وقال تعالى: {قل نزله روح القدس # PageV12P296 # من ربك بالحق} . فأخبر سبحانه أنه منزل من الله ولم يخبر عن شيء أنه منزل ~~من الله إلا كلامه؛ بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك. ولهذا ~~كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود؛ فإن من قال إنه مخلوق يقول إنه خلق في بعض المخلوقات القائمة بنفسها ~~فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من الله فإخبار الله تعالى أنه منزل من ~~الله يناقض أن يكون قد نزل من غير الله؛ ولهذا فسر الإمام أحمد قوله " منه ~~بدأ " أي هو المتكلم به وقال أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن عنه. و " ~~أيضا " فلو كان مخلوقا في غيره لم يكن كلامه؛ بل كان يكون كلاما لذلك ~~المخلوق فيه وكذلك سائر ما وصف به نفسه من الإرادة والمحبة والمشيئة والرضى ~~والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور لو كان مخلوقا في غيره لم يكن الرب تعالى ~~متصفا به بل كان يكون صفة لذلك المحل؛ فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة ~~لذلك المحل ولم يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفا ~~بصفة موجودة قائمة بغيره؛ لأن ذلك فطري فما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة ~~يمتنع أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به. وهذا مبسوط في مواضع أخر. # PageV12P297 # ولم يقل السلف: ms3952 إن النبي سمعه من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين ~~قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته} وفي الصحيحين عن {ابن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله ~~عليه وسلم اقرأ علي القرآن قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن ~~أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت إلى هذه الآية {فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: حسبك فنظرت فإذا ~~عيناه تذرفان من البكاء} . والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل وهو ~~الذي نزل عليه به وجبريل سمعه من الله تعالى كما نص على ذلك أحمد وغيره من ~~الأئمة قال تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} ~~وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين} {على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان ~~عربي مبين} وقال تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا ~~إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ~~فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس - وهو الروح الأمين وهو جبريل - من الله ~~بالحق ولم يقل أحد من السلف: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه من الله ~~وإنما قال ذلك بعض المتأخرين. # PageV12P298 # وقوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن ~~علينا بيانه} هو كقوله تعالى: {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} ~~وقوله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} ونحو ذلك مما ~~يكون الرب فعله بملائكته. فإن لفظ (نحن هو للواحد المطاع الذي له أعوان ~~يطيعونه فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع ~~المخلوق أعوانه فهو سبحانه أحق باسم " نحن " و " فعلنا " ونحو ذلك من كل ما ~~يستعمل. وفي الصحيحين عن {ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما ms3953 ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما} . وقال سعيد بن جبير: أنا ~~أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله {لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به} {إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه لك في صدرك وتقرؤه {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} فإذا قرأه رسولنا وفي لفظ: فإذا قرأه جبريل فاستمع له ~~وأنصت {ثم إن علينا بيانه} أي نقرؤه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما قرأه ". # PageV12P299 # وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده في قوله {وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فبين ~~سبحانه أن التكليم تارة يكون وحيا وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى وتارة ~~يرسل رسولا فيوحي الرسول بإذن الله ما يشاء وقال تعالى: {الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس} فإذا أرسل الله تعالى رسولا كان ذلك مما يكلم به ~~عباده فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى: {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ~~قد نبأنا الله من أخباركم} وإنما نبأهم بواسطة الرسول والرسول مبلغ به كما ~~قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وقال تعالى: {ليعلم ~~أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ~~والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار} وقال صلى الله ~~عليه وسلم لما خطب المسلمين: {ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع} ~~وقال صلى الله عليه وسلم {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم ~~يسمعه فرب حامل غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه} # PageV12P300 # وفي السنن عن جابر قال {كان النبي صلى الله ms3954 عليه وسلم يعرض نفسه على ~~الناس بالموسم فيقول ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا ~~منعوني أن أبلغ كلام ربي} وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد ~~منهم إنه قديم لم يقل واحدا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم ~~بإحسان ولا من بعدهم من " الأئمة الأربعة " ولا غيرهم؛ بل الآثار متواترة ~~عنهم بأنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله ولما ظهر من قال إنه مخلوق قالوا ~~ردا لكلامه: إنه غير مخلوق ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس ~~فإن أحدا من المسلمين لم يقل إنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم ~~وإنما قالوا إنه مخلوق خلقه الله في غيره فرد السلف هذا القول كما تواترت ~~الآثار عنهم بذلك وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة وقالوا: منه بدأ وإليه يعود. ~~وأول من عرف أنه قال مخلوق: الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان وأول من ~~عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم افترق الذين شاركوه في ~~هذا القول. فمنهم من قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن ~~كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا ~~يتعدد ولا يتبعض والقرآن العربي لم يتكلم الله به # PageV12P301 # بل هو مخلوق خلقه في غيره. وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد ~~بالاضطرار فإنه من المعلوم بصريح العقل أن معنى " آية الكرسي " ليس معنى " ~~آية الدين " ولا معنى {قل هو الله أحد} معنى {تبت يدا أبي لهب وتب} فكيف ~~بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم ~~القيامة وغير ذلك من كلامه. ومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة ~~أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا بها. وكلا الحزبين يقول: إن الله ~~تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح يا ~~إبراهيم يا أيها المزمل يا أيها المدثر كما قد بسطت ms3955 أقوالهم في غير هذا ~~الموضع ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل أحد من السلف: إن ~~هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له ولا قال أحد منهم إن لفظي ~~بالقرآن قديم أو غير مخلوق فضلا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ ~~بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله ~~والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله وكلام ~~الله غير مخلوق. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا ~~تسافروا # PageV12P302 # بالقرآن إلى أرض العدو} وقال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} ~~والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق والصوت الذي يقرأ به هو صوت العبد ~~والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام ~~الباري والصوت الذي يقرأ به العبد صوت القارئ كما قال تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن الأصوات التي يقرأ بها ~~القرآن أصواتنا والقرآن كلام الله ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة ~~السنة: يحسنه الإنسان بصوته كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه ~~وسلم {لو علمت إنك تسمع لحبرته لك تحبيرا} . فكان ما قاله أحمد وغيره من ~~أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقا للكتاب والسنة وقد قال تعالى: ~~{واقصد في مشيك واغضض من صوتك} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} وقال تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} وقال تعالى: " {قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} ~~ففرق سبحانه بين المداد الذي يكتب به كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من ~~المداد الذي يكتب به الكلمات # PageV12P303 # مخلوق وكلمات الله غير مخلوقة. وقال تعالى: {ولو أنما في ms3956 الأرض من شجرة ~~أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} فالأبحر إذا قدرت ~~مدادا تنفد وكلمات الله لا تنفد؛ ولهذا قال أئمة السنة لم يزل الله متكلما ~~كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن ابن المبارك وأحمد بن ~~حنبل وغيرهما. هذا وقد أخبر سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع ~~فقال تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين} وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون} {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} وذكر سبحانه نداءه لموسى ~~عليه السلام في سورة " طه " و " مريم " و " الطس الثلاث " وفي سورة " ~~والنازعات " وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى {فلما أتاها نودي من ~~شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله ~~رب العالمين} وقال تعالى: {هل أتاك حديث موسى} {إذ ناداه ربه بالوادي ~~المقدس طوى} وقال تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} واستفاضت الآثار ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة ~~أنه سبحانه ينادي بصوت: نادى موسى # PageV12P304 # وينادي عباده يوم القيامة بصوت ويتكلم بالوحي بصوت ولم ينقل عن أحد من ~~السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف ولا أنه أنكر أن يتكلم ~~الله بصوت أو بحرف كما لم يقل أحد منهم إن الصوت الذي سمعه موسى قديم ولا ~~إن ذلك النداء قديم ولا قال أحد منهم: إن هذه الأصوات المسموعة من القراء ~~هي الصوت الذي تكلم الله به؛ بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي ~~يتكلم الله به وبين أصوات العباد. وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه ~~بصوت من الجهمية كما قال الإمام أحمد لما سئل عمن قال إن الله لا يتكلم ~~بصوت فقال: هؤلاء جهمية إنما يدورون على التعطيل. وذكر بعض ms3957 الآثار المروية ~~في أنه سبحانه يتكلم بصوت. وقد ذكر من صنف في السنة. . . (1) من ذلك قطعة ~~وعلى ذلك ترجم عليه البخاري في صحيحه بقوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ~~وقد ذكر البخاري في " كتاب خلق الأفعال " مما يبين به الفرق بين الصوتين ~~آثارا متعددة. وكانت محنة البخاري مع أصحابه محمد بن يحيى الذهلي وغيره بعد ~~موت أحمد بسنين ولم يتكلم أحمد في البخاري إلا بالثناء عليه. ومن نقل عن ~~أحمد أنه تكلم في البخاري بسوء فقد افترى عليه. PageV12P305 # وقد ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في كتابه الذي سماه ~~(الفصول في الأصول قال سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا ~~حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في ~~صدورنا: مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله ~~غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والناس أجمعين. وقد كان ~~طائفة من أهل الحديث والمنتسبين إلى السنة تنازعوا في اللفظ بالقرآن هل ~~يقال إنه مخلوق؟ ولما حدث الكلام في ذلك أنكرت أئمة السنة كأحمد بن حنبل ~~وغيره أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وقالوا: من قال: إنه مخلوق ~~فهو جهمي ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع. وأما صوت العبد فلم يتنازعوا ~~أنه مخلوق فإن المبلغ لكلام غيره بلفظ صاحب الكلام إنما بلغ غيره كما يقال: ~~روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب الكلام. و " اللفظ " ~~في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظا وكذلك " التلاوة " # PageV12P306 # والقراءة " مصدران؛ لكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء ~~المتلو وهو المراد باللفظ في إطلاقهم فإذا قيل: لفظي أو اللفظ بالقرآن ~~مخلوق أشعر أن ms3958 هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق وإذا قيل: لفظي غير ~~مخلوق أشعر أن شيئا مما يضاف إليه غير مخلوق وصوته وحركته مخلوقان لكن كلام ~~الله الذي يقرؤه غير مخلوق و " التلاوة " قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى ~~وقد يراد بها نفس حركة العبد وقد يراد بها مجموعهما. فإذا أريد بها الكلام ~~نفسه الذي يتلى فالتلاوة هي المتلو وإذا أريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست ~~هي المتلو وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها ~~أنها المتلو ولا أنها غيره. ولم يكن أحد من السلف يريد بالتلاوة مجرد قراءة ~~العباد وبالمتلو مجرد معنى واحد يقوم بذات الباري تعالى؛ بل الذي كانوا ~~عليه أن القرآن كلام الله تكلم الله به بحروفه ومعانيه ليس شيء منه كلاما ~~لغيره لا لجبريل ولا لمحمد ولا لغيرهما؛ بل قد كفر الله من جعله قول البشر ~~مع أنه سبحانه أضافه تارة إلى رسول من البشر وتارة إلى رسول من الملائكة ~~فقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} فالرسول هنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقال تعالى: # PageV12P307 # {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} {وما ~~صاحبكم بمجنون} {ولقد رآه بالأفق المبين} {وما هو على الغيب بضنين} {وما هو ~~بقول شيطان رجيم} {فأين تذهبون} {إن هو إلا ذكر للعالمين} فالرسول هنا ~~جبريل. وأضافه سبحانه إلى كل منهما باسم رسول لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له ~~عن غيره وأنه رسول فيه لم يحدث هو شيئا منه. إذ لو كان قد أحدث منه شيئا لم ~~يكن رسولا فيما أحدثه بل كان منشئا له من تلقاء نفسه وهو سبحانه يضيفه إلى ~~رسول من الملائكة تارة ومن البشر تارة فلو كانت الإضافة لكونه أنشأ حروفه ~~لتناقض الخبران فإن إنشاء أحدهما له يناقض إنشاء الآخر له. وقد كفر الله ~~تعالى من قال: إنه قول البشر فمن ms3959 قال إن القرآن أو شيئا منه قول بشر أو ملك ~~فقد كذب ومن قال إنه قول رسول من البشر ومن الملائكة بلغه عن مرسله ليس ~~قولا أنشأه فقد صدق ولم يقل أحد من السلف: إن جبريل أحدث ألفاظه ولا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ولا إن الله تعالى خلقها في الهواء أو غيره من ~~المخلوقات ولا إن جبريل أخذها من اللوح المحفوظ بل هذه الأقوال هي من أقوال ~~بعض المتأخرين. وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع على تنازع المبتدعين ~~الذين اختلفوا في الكتاب وبين فساد أقوالهم وأن القول السديد هو قول # PageV12P308 # السلف وهو الذي يدل عليه النقل الصحيح والعقل الصريح وإن كان عامة هؤلاء ~~المختلفين في الكتاب لم يعرفوا القول السديد قول السلف؛ بل ولا سمعوه ولا ~~وجدوه في كتاب من الكتب التي يتداولونها؛ لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية ~~ولا معاني الكتاب والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها ولهذا إنما يذكر ~~أحدهم أقوالا مبتدعة: إما قولين وإما ثلاثة وإما أربعة وإما خمسة والقول ~~الذي كان عليه السلف ودل عليه الكتاب والسنة لا يذكره لأنه لا يعرفه؛ ولهذا ~~تجد الفاضل من هؤلاء حائرا مقرا بالحيرة على نفسه وعلى من سبقه من هؤلاء ~~المختلفين لأنه لم يجد فيما قالوه قولا صحيحا. وكان أول من ابتدع الأقوال " ~~الجهمية المحضة النفاة " الذين لا يثبتون الأسماء والصفات فكانوا يقولون ~~أولا: إن الله تعالى لا يتكلم بل خلق كلاما في غيره وجعل غيره يعبر عنه وإن ~~قوله تعالى {وإذ نادى ربك موسى} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله ~~ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا بقي ثلث الليل فيقول: من يدعوني ~~فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟} معناه أن ملكا يقول ~~ذلك عنه كما يقال: نادى السلطان أي أمر مناديا ينادي عنه فإذا تلي عليهم ما ~~أخبر الله تعالى به عن نفسه من أنه يقول ويتكلم. قالوا هذا مجاز؛ كقول ~~العربي: # PageV12P309 # امتلأ الحوض وقال قطني. # وقالت (1) : اتساع بطنه ونحو ذلك. ms3960 فلما عرف السلف حقيقته وأنه مضاه لقول ~~المتفلسفة المعطلة الذين يقولون إن الله تعالى لم يتكلم وإنما أضافت الرسل ~~إليه الكلام بلسان الحال كفروهم وبينوا ضلالهم ومما قالوا لهم: إن المنادي ~~عن غيره - كمنادي السلطان - يقول: أمر السلطان بكذا خرج مرسومه بكذا لا ~~يقول إني آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا والله تعالى يقول في تكليمه لموسى ~~{إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} ويقول تعالى إذا ~~نزل ثلث الليل الغابر {من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني ~~فأغفر له؟} وإذا كان القائل ملكا قال - كما في الحديث الذي في الصحيحين - ~~{إذا أحب الله العبد نادى في السماء يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه ~~جبريل وينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع ~~له القبول في الأرض} فقال جبريل في ندائه عن الله تعالى: {إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه} وفي نداء الرب يقول {من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني ~~فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟} . PageV12P310 # فإن قيل: فقد روي أنه يأمر مناديا فينادي قيل هذا ليس في الصحيح فإن صح ~~أمكن الجمع بين الخبرين بأن ينادي هو ويأمر مناديا ينادي. أما أن يعارض ~~بهذا النقل النقل الصحيح المستفيض الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته ~~وتلقيه بالقبول مع أنه صريح في أن الله تعالى هو الذي يقول: {من يدعوني ~~فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟} فلا يجوز. وكذلك جهم ~~كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا ولا حيا ولا غير ذلك إلا على ~~سبيل المجاز. قال: لأنه إذا سمي باسم تسمى به المخلوق كان تشبيها وكان جهم ~~" مجبرا " يقول: إن العبد لا يفعل شيئا فلهذا نقل عنه أنه سمى الله قادرا؛ ~~لأن العبد عنده ليس بقادر. ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على ~~قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم فأثبتوا أسماء الله تعالى ولم ~~يثبتوا صفاته وقالوا نقول إن الله متكلم حقيقة وقد ms3961 يذكرون إجماع المسلمين ~~على أن الله متكلم حقيقة لئلا يضاف إليهم أنهم يقولون إنه غير متكلم لكن ~~معنى كونه سبحانه متكلما عندهم أنه خلق الكلام في غيره فمذهبهم ومذهب ~~الجهمية في المعنى سواء لكن هؤلاء يقولون هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن ~~يكون متكلما حقيقة. وحقيقة قول الطائفتين أنه غير # PageV12P311 # متكلم فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام ولا مريد إلا من قامت به ~~الإرادة ولا محب ولا راض ولا مبغض ولا رحيم إلا من قامت به الإرادة والمحبة ~~والرضى والبغض والرحمة وقد وافقهم على ذلك كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبي ~~حنيفة من المعتزلة. وغيرهم من أئمة المسلمين ليس فيهم من يقول بقول ~~المعتزلة لا في نفي الصفات ولا في القدر ولا المنزلة بين المنزلتين ولا ~~إنفاذ الوعيد. ثم تنازع المعتزلة والكلابية في حقيقة " المتكلم " فقالت ~~المعتزلة: المتكلم من فعل الكلام ولو أنه أحدثه في غيره ليقولوا إن الله ~~يخلق الكلام في غيره وهو متكلم به. وقالت الكلابية: المتكلم من قام به ~~الكلام وإن لم يكن متكلما بمشيئته وقدرته ولا فعل فعلا أصلا بل جعلوا ~~المتكلم بمنزلة الحي الذي قامت به الحياة وإن لم تكن حياته بمشيئته ولا ~~قدرته ولا حاصلة بفعل من أفعاله. وأما السلف وأتباعهم وجمهور العقلاء ~~فالمتكلم المعروف عندهم من قام به الكلام وتكلم بمشيئته وقدرته. لا يعقل ~~متكلم لم يقم به الكلام ولا يعقل متكلم بغير مشيئته وقدرته فكان كل من تينك ~~الطائفتين المبتدعتين أخذت بعض وصف المتكلم: المعتزلة أخذوا أنه فاعل ~~والكلابية أخذوا أنه محل الكلام ثم زعمت المعتزلة أنه يكون فاعلا للكلام في ~~غيره وزعموا هم ومن وافقهم من أتباع الكلابية كأبي الحسن # PageV12P312 # وغيره أن الفاعل لا يقوم به الفعل وكان هذا مما أنكره السلف وجمهور ~~العقلاء وقالوا لا يكون الفاعل إلا من قام به الفعل وأنه يفرق بين الفاعل ~~والفعل والمفعول وذكر البخاري في " كتاب خلق أفعال العباد " إجماع العلماء ~~على ذلك. والذين قالوا إن الفاعل لا يقوم به ms3962 الفعل وقالوا مع ذلك إن الله ~~فاعل أفعال العباد كأبي الحسن وغيره وأن العبد لم يفعل شيئا وإن جميع ما ~~يخلقه العبد فعل له وهم يصفونه بالصفات الفعلية المنفصلة عنه ويقسمون صفاته ~~إلى صفات ذات وصفات أفعال مع أن الأفعال عندهم هي المفعولات المنفصلة عنه ~~فلزمهم أن يوصف بما خلقه من الظلم والقبائح مع قولهم إنه لا يوصف بما خلقه ~~من الكلام وغيره فكان هذا تناقضا منهم تسلطت به عليهم المعتزلة. ولما قرروا ~~ما هو من أصول أهل السنة وهو أن المعنى إذا قام بمحل اشتق له منه اسم ولم ~~يشتق لغيره منه اسم كاسم المتكلم نقض عليهم المعتزلة ذلك باسم الخالق ~~والعادل فلم يجيبوا عن النقض بجواب سديد. وأما السلف والأئمة فأصلهم مطرد. ~~ومما احتجوا به على أن القرآن غير مخلوق ما احتج به الإمام أحمد وغيره من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم {أعوذ بكلمات الله التامات} . قالوا والمخلوق ~~لا يستعاذ به فعورضوا بقوله {أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك # PageV12P313 # منك} فطرد السلف والأئمة أصلهم وقالوا معافاته فعله القائم به وأما ~~العافية الموجودة في الناس فهي مفعوله. وكذلك قالوا: إن الله خالق أفعال ~~العباد فأفعال العباد القائمة بهم مفعولة له لا نفس فعله وهي نفس فعل العبد ~~وكان حقيقة قول أولئك نفي فعل الرب ونفي فعل العبد. فتسلطت عليهم المعتزلة ~~في " مسألة الكلام والقدر " تسلطا بينوا به تناقضهم كما بينوا هم تناقض ~~المعتزلة. وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة ~~فإنه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى فيعرف الطالب ~~فساد تلك الأقوال ويكون ذلك داعيا له إلى طلب الحق ولا تجد الحق إلا موافقا ~~لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقا ~~لصريح المعقول فيكون ممن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وممن له قلب يعقل ~~به وأذن يسمع بها بخلاف الذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ms3963 في أصحاب ~~السعير} . وقد وافق الكلابية على قولهم كثير من أهل الحديث والتصوف ومن أهل ~~الفقه المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وليس من الأئمة الأربعة # PageV12P314 # وأمثالهم من أئمة المسلمين من يقول بقولهم. وحدث مع الكلابية ونحوهم ~~طوائف أخرى من الكرامية وغير الكرامية من أهل الفقه والحديث والكلام ~~فقالوا: إنه سبحانه متكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته وهو يتكلم ~~بحروف وأصوات بمشيئته وقدرته ليتخلصوا بذلك من بدعتي المعتزلة والكلابية؛ ~~لكن قالوا إنه لم يكن يمكنه في الأزل أن يتكلم؛ بل صار الكلام ممكنا له بعد ~~أن كان ممتنعا عليه من غير حدوث سبب أوجب إمكان الكلام وقدرته عليه وهذا ~~القول مما وافق الكرامية عليه كثير من أهل الكلام والفقه والحديث؛ لكن ليس ~~من الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة المسلمين من نقل عنه مثل قولهم. وهذا مما ~~شاركوا فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن هؤلاء كلهم يقولون: إنه لم يكن الكلام ~~ممكنا له في الأزل ثم صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه من غير حدوث سبب ~~أوجب إمكانه؛ لكن الجهمية والمعتزلة يقولون إنه خلق كلاما في غيره من غير ~~أن يقوم به كلام؛ لأنه لو قام به كلام بمشيئته وقدرته لقامت به الحوادث ~~قالوا: ولا تقوم به الحوادث. قالت الجهمية. والمعتزلة. لأن الحوادث هي من ~~جملة الصفات التي يسمونها الأعراض. وعندهم لا يقوم به شيء من الصفات قالوا ~~لأن الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس هو بجسم؛ لأن الجسم لا يخلو ~~من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. # PageV12P315 # وقالت الكلابية: بل تقوم به الصفات ولا تقوم به الحوادث ونحن لا نسمي ~~الصفات أعراضا؛ لأن العرض عندنا لا يبقى زمانين وصفات الله تعالى باقية. ~~وقالوا: وأما الحوادث فلو قامت به لم يخل منها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو ~~منه ومن ضده وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. فقال الجمهور المنازعون ~~للطائفتين: أما قول أولئك: إنه لا تقوم به الصفات؛ لأنها أعراض والعرض لا ~~يقوم إلا بجسم وليس بجسم فتسمية ms3964 ما يقوم بغيره عرضا اصطلاح حادث وكذلك ~~تسمية ما يشار إليه جسما اصطلاح حادث أيضا و " الجسم " في لغة العرب هو ~~البدن وهو الجسد كما قال غير واحد من أهل اللغة منهم الأصمعي وأبو عمرو ~~فلفظ الجسم يشبه لفظ الجسد وهو الغليظ الكثيف. والعرب تقول هذا جسيم وهذا ~~أجسم من هذا أي أغلظ منه. قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم} وقال ~~تعالى {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} ثم قد يراد ~~بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به الغليظ الكثيف. وكذلك النظار يريدون ~~بلفظ " الجسم " تارة المقدار وقد يسمونه الجسم التعليمي وتارة يريدون به ~~الشيء المقدر وهو الجسمي الطبيعي والمقدار المجرد عن المقدر كالعدد المجرد ~~عن المعدود وذلك لا يوجد إلا # PageV12P316 # في الأذهان دون الأعيان. وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل ~~الذي تقوم به لا يوجد إلا في الذهن. قالوا وإذا كان هذا معنى الجسم بلغة ~~العرب فهو أخص من المشار إليه فإن الروح القائمة بنفسها لا يسمونها جسما بل ~~يقولون خرجت روحه من جسمه ويقولون إنه جسم وروح ولا يسمون الروح جسما ولا ~~النفس الخارج من الإنسان جسما لكن أهل الكلام اصطلحوا على أن كل ما يشار ~~إليه يسمى جسما كما اصطلحوا على أن كل ما يقوم بنفسه يسمى جوهرا ثم تنازعوا ~~في أن كل ما يشار إليه هل هو مركب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة ~~أو ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا على أقوال ثلاثة قد بسطت في غير هذا ~~الموضع؛ ولهذا كان كثير منهم يقولون الجسم عندنا هو القائم بنفسه أو هو ~~الموجود لا المركب. قال أهل العلم والسنة فإذا قالت الجهمية وغيرهم من نفاة ~~الصفات: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم قيل لهم: إن ~~أردتم بالجسم ما هو مركب من جواهر فردة أو ما هو مركب من المادة والصورة لم ~~نسلم لكم " المقدمة الأولى " وهي قولكم: إن الصفات لا تقوم إلا بما هو كذلك ~~قيل ms3965 لكم إن الرب تعالى قائم بنفسه والعباد يرفعون أيديهم إليه في الدعاء ~~ويقصدونه بقلوبهم وهو العلي الأعلى سبحانه ويراه المؤمنون بأبصارهم يوم ~~القيامة عيانا كما يرون القمر ليلة # PageV12P317 # البدر فإن قلتم: إن ما هو كذلك فهو جسم وهو محدث - كان هذا بدعة مخالفة ~~للغة والشرع والعقل وإن قلتم: نحن نسمي ما هو كذلك جسما ونقول إنه مركب قيل ~~تسميتكم التي ابتدعتموها هي من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان ومن ~~عمد إلى المعاني المعلومة بالشرع والعقل وسماها بأسماء منكرة لينفر الناس ~~عنها قيل له: النزاع في المعاني لا في الألفاظ ولو كانت الألفاظ موافقة ~~للغة فكيف إذا كانت من ابتداعهم؟ ومعلوم أن المعاني التي يعلم ثبوتها ~~بالشرع والعقل لا تدفع بمثل هذا النزاع اللفظي الباطل. وأما قولهم إن كل ما ~~كان تقوم به الصفات وترفع الأيدي إليه ويمكن أن يراه الناس بأبصارهم فإنه ~~لا بد أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فهذا ممنوع؛ ~~بل هو باطل عند جمهور العقلاء: من النظار والفقهاء وغيرهم كما قد بسط في ~~موضعه. قال الجمهور: وأما تفريق الكلابية بين المعاني التي لا تتعلق ~~بمشيئته وقدرته والمعاني التي تتعلق بمشيئته وقدرته - التي تسمي الحوادث ~~ومنهم من يسمي الصفات أعراضا لأن العرض لا يبقى زمانين - فيقال: قول ~~القائل: إن العرض الذي هو السواد والبياض والطول والقصر ونحو ذلك لا يبقى ~~زمانين قول محدث في الإسلام لم يقله أحد من السلف والأئمة وهو قول مخالف ~~لما عليه جماهير العقلاء من جميع # PageV12P318 # الطوائف؛ بل من الناس من يقول إنه معلوم الفساد بالاضطرار كما قد بسط في ~~موضع آخر. وأما تسمية المسمي للصفات أعراضا فهذا أمر اصطلاحي لمن قاله من ~~أهل الكلام ليس هو عرف أهل اللغة ولا عرف سائر أهل العلم والحقائق المعلومة ~~بالسمع والعقل لا يؤثر فيها اختلاف الاصطلاحات بل يعد هذا من النزاعات ~~اللفظية والنزاعات اللفظية أصوبها ما وافق لغة القرآن والرسول والسلف فما ~~نطق به الرسول والصحابة جاز النطق به ms3966 باتفاق المسلمين وما لم ينطقوا به ~~ففيه نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. وأما قول " الكلابية " ما يقبل الحوادث لا ~~يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. فقد نازعهم جمهور العقلاء في ~~كلا المقدمتين حتى أصحابهم المتأخرون نازعوهم في ذلك واعترفوا ببطلان ~~الأدلة العقلية التي ذكرها سلفهم على نفي حلول الحوادث به واعترف بذلك ~~المتأخرون من أئمة الأشعرية والشيعة والمعتزلة وغيرهم كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. وحدثت طائفة أخرى من السالمية وغيرهم - ممن هو من أهل الكلام ~~والفقه والحديث والتصوف ومنهم كثير ممن هو ينتسب إلى # PageV12P319 # مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وكثر هذا في بعض المتأخرين المنتسبين إلى ~~أحمد بن حنبل - فقالوا بقول المعتزلة وبقول الكلابية: وافقوا هؤلاء في ~~قولهم إنه قديم ووافقوا أولئك في قولهم إنه حروف وأصوات وأحدثوا قولا ~~مبتدعا - كما أحدث غيرهم - فقالوا: القرآن قديم وهو حروف وأصوات قديمة ~~أزلية لازمة لنفس الله تعالى أزلا وأبدا. واحتجوا على أنه قديم بحجج ~~الكلابية وعلى أنه حروف وأصوات بحجج المعتزلة. فلما قيل لهم: الحروف مسبوقة ~~بعضها ببعض فالباء قبل السين والسين قبل الميم والقديم لا يسبق بغيره ~~والصوت لا يتصور بقاؤه فضلا عن قدمه قالوا: الكلام له وجود وماهية كقول من ~~فرق بين الوجود والماهية من المعتزلة وغيرهم. قالوا: والكلام له ترتيب في ~~وجوده وترتيب ماهية الباء للسين بالزمان هي في وجوده وهي مقارنة لها في ~~ماهيتها لم تتقدم عليها بالزمان وإن كانت متقدمة بالمرتبة كتقدم بعض الحروف ~~المكتوبة على بعض. فإن الكاتب قد يكتب آخر المصحف قبل أوله ومع هذا فإذا ~~كتبه كان أوله متقدما بالمرتبة على آخره. فقال لهم جمهور العقلاء هذا مما ~~يعلم فساده بالاضطرار؛ فإن الصوت لا يتصور بقاؤه ودعوى وجود ماهية غير ~~الموجود في الخارج دعوى # PageV12P320 # فاسدة كما قد بسط في موضع آخر والترتيب الذي في المصحف هو ترتيب للحروف ~~المدادية والمداد أجسام فهو كترتيب الدار والإنسان وهذا أمر يوجد الجزء ~~الأول منه مع الثاني بخلاف الصوت فإنه لا يوجد الجزء ms3967 الثاني منه حتى يعدم ~~الأول كالحركة فقياس هذا بهذا قياس باطل ومن هؤلاء من يطلق لفظ القديم ولا ~~يتصور معناه ومنهم من يقول يعني بالقديم إنه بدأ من الله وإنه غير مخلوق ~~وهذا المعنى صحيح؛ لكن الذين نازعوا هل هو قديم أو ليس بقديم لم يعنوا هذا ~~المعنى فمن قال لهم: إنه قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحا لكنه ~~جاهل بمقاصد الناس مضل لمن خاطبه بهذا الكلام مبتدع في الشرع واللغة. ثم ~~كثير من هؤلاء يقولون: إن الحروف القديمة والأصوات ليست هي الأصوات ~~المسموعة من القراء ولا المداد الذي في المصحف ومنهم من يقول بل الأصوات ~~المسموعة من القراء هو الصوت القديم ومنهم من يقول بل يسمع من القارئ ~~شيئان: الصوت القديم وهو ما لا بد منه في وجود الكلام. والصوت المحدث وهو ~~ما زاد على ذلك وهؤلاء يقولون المداد الذي في المصحف مخلوق؛ لكن الحروف ~~القديمة ليست هي المداد؛ بل الأشكال والمقادير التي تظهر بالمداد وقد تنقش ~~في حجر وقد تخرق في ورق ومنهم من يمنع أن يقال في المداد إنه قديم أو # PageV12P321 # مخلوق وقد يقول لا أمنع عن ذلك بل أعلم أنه مخلوق لكن أسد باب الخوض في ~~هذا وهو مع هذا يهجر من يتكلم بالحق ومن يبين الصواب الموافق للكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة مع موافقته لصريح المعقول ومع دفعه للشناعات التي يشنع ~~بها بعضهم على بعض. وخوض الناس وتنازعهم في هذا الباب كثير قد بسطناه في ~~مواضع. وإنما المقصود هنا ذكر قول مختصر جامع يبين الأقوال السديدة التي دل ~~عليها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة في مسألة الكلام التي حيرت عقول ~~الأنام والله تعالى أعلم. # PageV12P322 # سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: # عن قوم يقولون: كلام الناس وغيرهم قديم - سواء كان صدقا أو كذبا فحشا أو ~~غير فحش نظما أو نثرا - ولا فرق بين كلام الله وكلامهم في القدم إلا من جهة ~~الثواب. وقال قوم منهم - بل أكثرهم ms3968 -: أصوات الحمير والكلاب كذلك ولما قرئ ~~عليهم ما نقل عن الإمام أحمد ردا على قولهم تأولوا ذلك وقالوا: بأن أحمد ~~إنما قال ذلك خوفا من الناس فهل هؤلاء مصيبون أو مخطئون؟ وهل على ولي الأمر ~~وفقه الله تعالى زجرهم عن ذلك أم لا؟ وهل يكفرون بالإصرار على ذلك أم لا؟ ~~وهل الذي نقل عن أحمد حق كما زعموا أم لا؟. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، بل هؤلاء مخطئون في ذلك خطأ محرما بإجماع المسلمين وقد قالوا ~~منكرا من القول وزورا؛ بل كفرا ومحالا يجب نهيهم عنه ويجب على ولاة الأمور ~~عقوبة من لم ينته منهم عن ذلك جزاء بما # PageV12P323 # كسبوا نكالا من الله؛ فإن هذا القول مخالف للعقل والدين مناقض للكتاب ~~والسنة وإجماع المؤمنين وهي " بدعة شنيعة " لم يقلها أحد قط من علماء ~~المسلمين: لا علماء السنة ولا علماء البدعة ولا يقولها عاقل يفهم ما يقول؛ ~~ولكن عرض لمن قالها شبهة ونحن نبينها إن شاء الله تعالى. ولا يحتاج في مثل ~~هذا الكلام الذي فساده معلوم ببداءة العقول أن يحتج له بنقل عن إمام من ~~الأئمة إلا من جهة بيان أن رده وإنكاره منقول عن الأئمة وأن قائله مخالف ~~للأمة مبتدع في الدين؛ ولتزول بذلك شبهة من يتوهم أن قولهم من لوازم قول ~~أحد من السلف ويعلم أنهم مخالفون لمذاهب الأئمة المقتدى بهم المعظمين؛ ~~وليتبين أن نقيض قولهم منصوص عن الأئمة المتبعين في السنة وليس ذلك مما ~~سكتوا عنه نفيا وإثباتا. وأنه لا ريب أن الإمام أحمد بن حنبل ومن قبله ~~وبعده من الأئمة نصوا على أن كلام الآدميين مخلوق - نصا مطلقا - بل نص أحمد ~~وكثير من الأئمة على " أفعال العباد " عموما وعلى " كلام الآدميين " خصوصا ~~ولم يمتنعوا عن هذا الإطلاق لأجل الشبهة التي عرضت لهؤلاء المبتدعة ~~المخالفين حتى لا يقول قائل منهم أو من غيرهم: إنه لا يقال مخلوق ولا غير ~~مخلوق لأجل شبهتهم أو لكون الكلام في # PageV12P324 # ذلك بدعة بل القول بأن كلام الآدميين مخلوق غير قديم ms3969 منصوص عن الأئمة ~~المتفق على إمامتهم في الدين والسنة. فمنهم من نص عليه لما تكلم في " مسائل ~~القدر " و " خلق أفعال العباد " ومنهم من نص عليه لما تكلم في " مسألة ~~تلاوة العباد للقرآن واللفظ به " ومنهم من نص عليه محتجا به على الفرق بين ~~كلام الخالق وكلام المخلوق. فروى أبو بكر أحمد بن هارون الخلال - وهو الذي ~~جمع نصوص أحمد في أصول الدين وأصول الفقه وفي أبواب الفقه كلها وفي الآداب ~~والأخلاق والزهد والرقائق وفي علل الحديث وفي التاريخ وغير ذلك من علوم ~~الإسلام. روي - في " كتاب السنة " في الكلام على اللفظية عن أبي بكر ابن ~~زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ~~ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع لا يكلم. قال الخلال: وأخبرنا أبو داود ~~السجستاني قال: سمعت أبا عبد الله يتكلم في " اللفظية " وينكر عليهم كلامهم ~~وسمعت إسحاق بن راهويه ذكر " اللفظية " وبدعهم وقال الخلال: سمعت ابن صدقة ~~قال سمعت يحيى بن حبيب بن عربي قال سمعت رجلا سأل معتمر بن سليمان أن لنا # PageV12P325 # إماما قدريا أصلي خلفه قال: من زعم أن لفظه غير مخلوق بمنزلة من زعم أن ~~سماء الله غير مخلوقة قال الخلال: وأخبرني أبو بكر المروزي حدثنا محمد بن ~~يحيى الأزدي حدثني مسدد قال: كنت عند يحيى القطان وجاء يحيى بن إسحاق بن ~~توبة العنبري فقال له يحيى حدث هذا يعني مسددا كيف قال حماد بن زيد فيها؟ - ~~أي " مسألتنا " - فقال سألت حماد بن زيد عمن قال: كلام الناس ليس بمخلوق ~~فقال هذا كلام أهل الكفر وقال يحيى بن إسحاق سألت معتمر بن سليمان عمن قال ~~كلام الناس ليس بمخلوق فقال هذا كفر. فهذه الآثار ونحوها مما اعتمد عليها ~~المشهورون بالسنة كالمروذي والخلال وغيرهما وكذلك الإمام أبو عبد الله ابن ~~بطة يعتمد في كتابه " الإبانة الكبير " على هذه الآثار ونحوهما. قلت: حماد ~~بن زيد أحد الأئمة الأعلام في السنة في طبقة مالك والثوري والأوزاعي وحماد ~~بن سلمة والليث ms3970 بن سعد في الزمان والإمامة بل هو عند علماء السنة أقعد ~~بالسنة من الثوري وإن كان الثوري أكثر علما منه وزهدا وعند علماء الحديث ~~أحفظ للحديث من حماد بن سلمة وإن كان حماد أشهر بالزهد وأكثر دعاء إلى ~~السنة وهو إمام البصرة في ذلك الزمان الذي كانت البصرة فيه مجمع علم ~~الإسلام وكان علماء الأمة وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل في ذلك العصر # PageV12P326 # الذي هو عصر تابعي التابعين هؤلاء المسلمين ونحوهم وهم من القرن الثالث ~~الممدوح. والمعتمر بن سليمان " أحد الأئمة الأعلام أيضا وهو دون حماد ابن ~~زيد وقد أدركه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما وهو أحد شيوخ الإمام ~~أحمد وأما حماد بن زيد " ففات الإمام أحمد فقال: فاتني حماد بن زيد فعوضني ~~الله بإسماعيل بن علية وفاتني مالك بن أنس فعوضني الله سفيان بن عيينة. ~~وأما يحيى بن سعيد القطان " فهو أحد علماء السنة وهو إمام أهل الحديث في ~~معرفة صحته وعلله ورجاله وضبطه حتى قال أحمد: ما رأيت بعيني مثله يعني في ~~ذلك الفن وعنه أخذ ذلك علي بن المديني وعن علي أخذ ذلك البخاري صاحب الصحيح ~~وقد ذكر الترمذي أنه لم ير في معرفة علل الحديث مثل محمد بن إسماعيل ~~البخاري. وهؤلاء العلماء الأئمة أنكروا على من قال كلام الآدميين ولفظهم ~~غير مخلوق لما نبغت " القدرية " المبتدعة وزعموا أن أفعال العباد غير ~~مخلوقة لله: لا أقوالهم ولا سائر أعمالهم: لا خيرها ولا شرها؛ بل يقولون: ~~هي محدثة أحدثها العبد وليست مخلوقة لأحد أو يقولون: العبد خلقها كما أنه ~~أحدثها؛ فإنهم قد يتنازعون في إثبات # PageV12P327 # خلق لغير الله ومع هذا فلم يكن بين الأمة نزاع في أنها محدثة كائنة بعد ~~أن لم تكن ولم يقل أحد: إنها قديمة؛ ولكن " القدرية " من المعتزلة وغيرهم ~~اعتقدوا أن الأفعال الاختيارية وما يتولد عنها من أفعال الملائكة والجن ~~والإنس - الطاعات والمعاصي - لم يخلقها الله. قالوا: لأنه لو خلقها للزم أن ~~يكون العبد مجبورا وأن يرتفع التكليف والوعد والوعيد والثواب والعقاب؛ ولأن ~~العبد ms3971 يعلم أنه هو الذي يحدث أفعاله علما ضروريا وعللوا ذلك بأدلة نظرية. ~~فلما ابتدعوا هذه " المقالة " أنكرها أئمة السنة كما أنكر الصحابة رضوان ~~الله عليهم أول هذه البدعة لما نبغت القدرية في أواخر عصر الصحابة فرد ~~عليهم ابن عمر وابن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة. وبين الأئمة ~~أن من جعل شيئا من المحدثات كأفعال العباد وغيرها ليس مخلوقا لله فهو مثل ~~من أنكر خلق الله لغير ذلك من المحدثات كالسماء والأرض؛ فإن الله رب ~~العالمين ومالك الملك وخالق كل شيء فليس شيء من العالمين خارجا عن ربوبيته ~~ولا شيء من الملك خارجا عن ملكه ولا شيء من المحدثات خارجا عن خلقه قال ~~تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} {له مقاليد السماوات ~~والأرض} وقال تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه # PageV12P328 # الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} وقال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى ~~يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} {ذلكم الله ~~ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل} {لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقال تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون} وقال تعالى: {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وقال تعالى: {إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر} وقال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} {وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} {والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون} {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} ولهذا كان أهل السنة والجماعة والحديث هم ~~المتبعين كتاب الله المعتقدين لموجب هذه النصوص حيث جعلوا كل محدث من ~~الأعيان والصفات والأفعال المباشرة والمتولدة وكل حركة طبعية أو إرادية أو ~~قسرية فإن الله خالق كل ذلك جميعه وربه ومالكه ومليكه ms3972 ووكيل عليه وإنه ~~سبحانه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم فآمنوا بعلمه المحيط وقدرته الكاملة ~~ومشيئته الشاملة وربوبيته التامة؛ ولهذا # PageV12P329 # قال ابن عباس: الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم ~~توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. # وأما صفة الله تعالى فهي داخلة في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة فإذا ~~قلت: عبدت الله ودعوت الله و {إياك نعبد} فهذا الاسم لا يخرج عنه شيء من ~~صفاته من علمه ورحمته وكلامه وسائر صفاته؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} وقال: {من حلف بغير الله فقد ~~أشرك} وقد ثبت عنه: " الحلف بعزة الله " والحلف بقوله: " لعمر الله " فعلم ~~أن ذلك ليس حلفا بغير الله فأعطوا هذه الآيات المنصوصة حقها في اتباع ~~عمومها الذي قد صرحت به في أن الله خالق كل شيء؛ إذ قد علم أن الله ليس هو ~~داخلا في المخلوق وعلم أن صفاته ليست خارجة عن مسمى اسمه. وأما " المعتزلة ~~" الذين جمعوا التجهم والقدر فأخرجوا عنها ما يتناوله الاسم يقينا من أفعال ~~الملائكة والجن والإنس والبهائم: طاعاتها وغير طاعاتها وذلك قسط كبير من ~~ملك الله وآياته؛ بل هي من محاسن ملكه وأعظم آياته ومخلوقاته وأدخلوا في ~~ذلك كلامه لكونه يسمى " شيئا " في مثل قوله: {إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} ولم ينظروا في أن ذلك مثل ~~تسمية علمه " شيئا " في قوله: {ولا يحيطون # PageV12P330 # بشيء من علمه إلا بما شاء} وتسمية نفسه شيئا في قوله: {قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم} وأن قوله: {كل شيء} يعم بحسب ما اتصل به ~~من الكلام. فإن الاسم تتنوع دلالته بحسب قيوده. ففي قوله: {وهو بكل شيء ~~عليم} دخل في ذلك نفسه لأنها تصلح أن تعلم وفي قوله: {وهو على كل شيء قدير} ~~دخل في ذلك ما يصلح أن يكون مقدورا وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ms3973 ممكنة ~~الوجود وقد يقال: دخل في ذلك كل ما يسمى شيئا بمعنى " مشيئا " فإن " الشيء ~~" في الأصل مصدر وهو بمعنى المشيء فكل ما يصلح أن يشاء فهو عليه قدير وإن ~~شئت قلت: قدير على كل ما يصلح أن يقدر عليه والممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق ~~العقلاء. وفي قوله: {الله خالق كل شيء} قد علم أن الخالق ليس هو المخلوق ~~وأنه لا يتناوله الاسم وإنما دخل فيه كل شيء مخلوق: وهي الحادثات جميعها. ~~هذا مع أن أهل السنة يقولون إن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة وهو فاعل لفعله ~~حقيقة وينهون عن إطلاق " الجبر " فإن لفظ " الجبر " يشعر أن الله أجبر ~~العبد على خلاف مراد العبد كما تجبر المرأة على النكاح؛ وليس كذلك؛ بل ~~العبد مختار يفعل باختياره ومشيئته ورضاه ومحبته ليس مجبورا عديم الإرادة ~~والله خالق هذا # PageV12P331 # كله؛ فإن هذه الأمور من المحدثات الممكنات فالدلالة على أن الله خالقها ~~كالدلالة على أنه خالق غيرها من المحدثات وليس هذا موضع الكلام على هذا فإن ~~ذلك له موضع آخر. وإنما الغرض هنا أن الأئمة ردوا على من جعل أقوال العباد ~~وأفعالهم خارجة عن خلق الله وجعلوا ذلك بمنزلة من جعل السماء والأرض ليس ~~مخلوقة لله. هذا مع أن أولئك المبتدعين كانوا يقولون إنها محدثة ليست قديمة ~~فكيف إذا قيل: إنها قديمة فإن ذلك يصير ضلالين بل ثلاث ضلالات. # أحدها: جعل المحدث المصنوع صفة لله قديمة مضاهاة للنصارى ونحوهم. # والثاني: إخراج مخلوق الله ومقدوره عن خلقه وقدرته كما قالته القدرية ~~مضاهاة للمجوس ونحوهم. # والثالث: إخراج فعل العبد ومقدوره وكسبه عن أن يكون مقدورا له وكسبا ~~وفعلا مضاهاة للجبرية القدرية المشركية فهذا كان وجه كلام أولئك الأئمة في ~~هذا. ثم لما حدثت بدعة " اللفظية " احتج أئمة ذلك العصر في جملة # PageV12P332 # ما احتجوا به بكلام أولئك السلف مثل البخاري الإمام صاحب " الصحيح " ومثل ~~أبي بكر المروزي الإمام صاحب الإمام أحمد بن حنبل وخلق كثير في زمنه ومثل ~~أبي بكر الخلال ونحوه. فاستدل هؤلاء الأئمة وغيرهم على ms3974 بطلان قول من يقول: ~~إن فعل العبد أو صفاته المتعلقة بصفات الله غير مخلوقة بما دل على أن أفعال ~~العباد وصفاتهم مخلوقة. فروى البخاري عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد القطان ~~قال ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. وروى المروزي صاحب ~~الإمام أحمد والخلال ما تقدم ذكره من كلام الأئمة من النص على خلق كلام ~~الآدميين وأفعالهم. وسيأتي إن شاء الله نصوص الإمام أحمد في ذلك فإن القصد ~~هنا التنبيه على الأصل الذي تشعب منه تفرق الأمة في هذا الموضع وهو " مسألة ~~اللفظ ". # فصل: # و " مسألة اللفظ بالقرآن " قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل ~~وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال ابن قتيبة ~~كلاما معناه لم يختلف أهل الحديث في شيء من # PageV12P333 # مذاهبهم إلا في " مسألة اللفظ ". وبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموض ~~والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي ولم يكن بين الناس نزاع في أن كلام ~~العباد الذي لم ينزله الله تعالى أنه محدث مخلوق وإن كان الكلام في " حروف ~~الهجاء " وفي " أسماء المحدثات " فيه نزاع هو الذي أوقع هؤلاء الجهال في ما ~~ارتكبوه من المحال كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى. ولا يتسع هذا الجواب ~~لشرح " مسألة اللفظ " مبسوطا؛ ولكن ننبه عليه مختصرا فنقول: إن الله تعالى ~~أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه وأمرهم أن يبلغوا إلى الناس ما أنزل الله عليهم ~~من وحيه وكلامه فمن الناس من آمن بالله ورسله وصدقهم فيما جاءوا به من عند ~~الله وأطاعهم فيما أمروا به. وهؤلاء هم المؤمنون في كل وقت وزمان وهم أهل ~~الجنة والسعادة كما قال تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} وقال تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . ومن الناس من كفر بهم ~~وكذب: مثل الأمم ms3975 الذين قص الله علينا أخبارهم من قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~لوط وأصحاب الأيكة وفرعون # PageV12P334 # ومشركي العرب وكل من لم يؤمن بأصل الرسالة من الهند والبراهمة وغيرهم ~~والترك والسودان وغيرهم من الأمم الأميين الذين لا كتاب لهم - سواء كانوا ~~مكذبين للرسل أو معرضين عن اتباعهم؛ فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله ~~سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله ~~حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة وإن كان ~~الكافر المكذب أعظم كفرا وكذلك الجاحد المكذب حسدا مع استيقان صدق الرسل ~~والسور المكية كلها خطاب مع هؤلاء. ولهذا يقول سبحانه: {كذبت قوم نوح ~~المرسلين} لأنهم كذبوا جميع الرسل ولم يؤمنوا بأصل الرسالة وقد قال تعالى ~~لما أهبط أباهم آدم: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن ~~بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} . فأخبر أنه إذا أتاهم هدى منه وهو ما ~~أنزله على رسله من الذكر فمن اتبعه اهتدى وسعد في الدنيا والآخرة ومن أعرض ~~عنه شقي وعمي # PageV12P335 # ولهذا قال في أوائل البقرة في نعت المؤمنين: {أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} كما قال هنا: {فلا يضل ولا يشقى} فإن الهدى ضد الضلال ~~والفلاح ضد الشقاء وقال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . ومن الناس من ~~آمن ببعض ما جاءت به الرسل وكفر ببعض كمن آمن ببعض المرسلين دون بعض ~~واليهود والنصارى حيث آمنوا بموسى أو موسى والمسيح معه دون محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولهذا يخاطب ms3976 الله في القرآن الأميين الذين لم يتبعوا رسولا وأهل ~~الكتاب المصدقين ببعض الرسل كما في قوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم} وفي قوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} . ~~وكمن آمن ببعض صفات الرسالة وكفر ببعض: من الصابئين الفلاسفة ونحوهم: الذين ~~قد يقرون بأصل الرسالة؛ لكن يجعلون الرسول بمنزلة الملك العادل: الذي قد ~~وضع قانونا لقومه أو يقولون: إن الرسالة للعامة دون الخاصة أو في الأمور ~~العملية دون العلمية أو في الأمور التي يشترك فيها الناس دون الخصائص التي ~~يمتاز بها الكمل # PageV12P336 # ويقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الجملة ويعظمونه ويقولون: ~~اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يرد إلى الأرض ناموس أعظم من ناموسه؛ لكنهم ~~مع هذا يكفرون ببعض ما جاء به: مثل أن يسوغوا اتباع غير دينه من اليهودية ~~والنصرانية وقد يسوغون الشرك أيضا للعامة أو للخاصة: مثل أن يسوغوا دعوة ~~الكواكب وعبادتها والسجود لها وقد يكذبون في الباطن بأشياء مما أخبر بها ~~ويزعمون أن ما أخبر به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هي أمثال ~~مضروبة لتفهيم العامة ما لا يجوز إظهاره وإبانة حقيقته؛ وذلك أنهم يجوزون ~~كذبه لمصلحة العامة بزعمهم. وقد يزعمون أن حقيقة العلم بالله تؤخذ من غير ~~ما جاء به الرسول وأن من الناس من يكون أعلم بالله منه أو أفضل منه ونحو ~~ذلك من المقالات وهذا الضرب ما زال موجودا لا سيما مع القرامطة الباطنية: ~~من الإسماعيلية والنصيرية والملوك العبيدية: الذين كانوا يدعون الخلافة ومع ~~الخرمية والمزدكية وأمثالهم من الطوائف وهؤلاء خواصهم أكفر من اليهود ~~والنصارى ومن الغالية الذين يقولون بإلهية علي ونحوه من البشر أو نبوته وهم ~~منافقون زنادقة؛ لكن في كثير من أتباعهم # PageV12P337 # من يظن أنه مؤمن بالكتب والرسل لما لبسوا عليه أصل قولهم أو وافقهم في ~~قول بعضهم دون بعض وأكثر هؤلاء يميلون إلى الرافضة ومنهم من ينتسب إلى ~~التصوف ومنهم من ينتسب إلى الكلام ومنهم من يدخل مع الفقهاء في مذاهبهم. ~~وهذا ms3977 الضرب يكثر في الدول الجاهلية البعيدين عن معرفة الإسلام والتزامه كما ~~كانوا كثيرين في دولة الديلم والعبيديين ونحوهم وكما يكثرون في دولة الجهال ~~من الترك ونحوهم من الجهال الذين آمنوا بالرسالة من حيث الجملة من غير علم ~~بتفاصيل ما جاء به الرسول لأن الجهال من الترك وغيرهم بهذا الضرب أشبه منهم ~~بغيرهم؛ فإن هؤلاء لا يوجبون اتباع الرسول على جميع أهل الأرض؛ لكنهم قد ~~يرون اتباعه أحسن من اتباع غيره فيتبعونه على سبيل الاستحباب أو يتبعون بعض ~~ما جاء به أو لا يتبعونه بحال. وهم في ذلك مقرون له ولأتباعه. والمؤمن ببعض ~~الرسالة دون بعض كافر أيضا كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا} {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} وقال تعالى - يخاطب أهل الكتاب -: ~~{ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم # PageV12P338 # وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من ~~يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ~~وما الله بغافل عما تعملون} وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} وقال ~~تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} {أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} . فذم الذين أوتوا قسطا من الكتاب ~~لما آمنوا بما خرج عن الرسالة وفضلوا الخارجين عن الرسالة على المؤمنين بها ms3978 ~~كما يفضل ذلك بعض من يفضل الصابئة من الفلاسفة والدول الجاهلية - جاهلية ~~الترك والديلم والعرب والفرس وغيرهم - على المؤمنين بالله وكتابه ورسوله ~~وكما ذم المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ~~ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله كما يصيب ذلك كثيرا ممن ~~يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم أو ~~إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة # PageV12P339 # الإسلام من ملوك الترك وغيرهم وإذا قيل لهم: تعالوا إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضا وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم ~~بالشبهات والشهوات أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم قالوا إنما ~~أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق ونوفق بين " الدلائل الشرعية " و " ~~القواطع العقلية " التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات أو " الذوقية " التي هي ~~في الحقيقة أوهام وخيالات {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} إلى قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} وقال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون} إلى قوله: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} الآية وقال تعالى: ~~{وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم} . وقد ذم الله سبحانه أهل التفرق والاختلاف ~~في الكتاب الذين يؤمن كل منهم ببعضه دون بعض كما قال تعالى: {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم # PageV12P340 # بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ms3979 صراط مستقيم} وقال تعالى: {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا} وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن ~~عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. وقال ~~تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون} وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب} {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ~~ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب ~~من بعدهم لفي شك منه مريب} {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ~~وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب # PageV12P341 # وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم} . فأمر الله نبيه أن يؤمن بجميع ~~الكتب المنزلة وأن يعدل بين الناس كلهم فيعطي كل ذي حق حقه ويمنع كل مبطل ~~عن باطله؛ فإن القسط والعدل في جميع أمور الدين والدنيا فيما جاء به وهو ~~المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال تعالى: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير} إلخ السورة. وهاتان الآيتان قد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعطيهما من كنز تحت العرش وأنه لم يقرأ بشيء منهما إلا أعطيه} ms3980 ~~وقد ثبت في الصحيح {أنه من قرأهما في ليلة كفتاه} وقال تعالى: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون} {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} . # PageV12P342 # فصل: # فلما كان في الأمم كفار ومنافقون يكفرون ببعض الرسالة دون بعض إما في ~~القدر وإما في الوصف كما أن فيهم كفارا ومنافقين يكفرون بأصل الرسالة وكان ~~في الكفار بأصل الرسالة من قال: إن الرسول شاعر وساحر وكاهن ومعلم ومجنون ~~ومفتر كما كان رئيس قريش وفيلسوفها وحكيمها الوليد بن المغيرة الوحيد ~~المذكور في قوله تعالى {ذرني ومن خلقت وحيدا} {وجعلت له مالا ممدودا} ~~{وبنين شهودا} {ومهدت له تمهيدا} {ثم يطمع أن أزيد} {كلا إنه كان لآياتنا ~~عنيدا} {سأرهقه صعودا} {إنه فكر وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم ~~نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا ~~إلا قول البشر} . فإنه صنع صنع الفيلسوف المخالف للرسل في تفكيره أولا: ~~الذي هو طلب الانتقال من تصور طرفي القضية إلى المبادئ الموجبة للتصديق ~~ليظفر بالحد الأوسط ثم قدر ثانيا والتقدير هو " القياس " وهو الانتقال من ~~المبادئ إلى المطلوب بالقياس المنطقي الشمولي؛ ولعمري # PageV12P343 # إنه لصواب إذا صحت مقدماته وإن كانت النتيجة في الأغلب أمورا كلية ذهنية ~~ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان كالعلوم الرياضية من الأعداد والمقادير؛ ~~فإن العدد المجرد عن المعدود والمقدار المجرد عن الأجسام إنما يوجد في ~~الذهن لكن أنى وأكثر مقدماته في الإلهيات دعاوى يدعى فيها بعموم؟ وأن ~~القضية من المسلمات بلا حجة ومتى لم يكن في القياس قضية كلية معلومة لم تفد ~~المطلوب وهم يلبسون المهملات التي هي في معنى الجزئيات بالكليات العامة ~~المسلمات أو يدعى فيها العموم بنوع من قياس التمثيل. ومعلوم أنه لا بد في ~~كل قياس ms3981 من " قضية كلية " وعامة " القضايا الكلية " التي لهم فيها المطالب ~~الإلهية لا يعلم كونها كلية عامة؛ إذ عمومها لا يعلم إلا بمجرد قياس ~~التمثيل الذي قد يكون من أفسد القياس المقتضي لتشبيه الله بخلقه كما ~~يقولون: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وليس معهم إلا تشبيه خالق السموات ~~والأرض ورب العالمين بالطبائع كطبيعة الماء والنار مع أن الواحد الذي ~~يثبتونه في الإلهيات وفي المنطق أيضا الذين يجعلون قضية الأنواع مركبة منه ~~وهو " الجنس " و " الفصل " لا حقيقة لها ولا توجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع. وبينا أن ما يثبتونه من ~~العقليات التي هي " الجواهر العقلية " المجردة # PageV12P344 # عن المادة وهي العقل والنفس والمادة والصورة التي ليست بجسم ولا عرض لا ~~حقيقة لها في الخارج وإنما تقدر في الأذهان لا في الأعيان وكذلك ما يثبتونه ~~من الواحد الذي يصفون به واجب الوجود ومن الواحد الذي يجعلون الأنواع تتركب ~~منه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان " والقياس العقلي " الذي يحتجون به ~~لا بد فيه من قضية كلية. و ### | القياس نوعان " # قياس الشمول " و " قياس التمثيل ". والناس متنازعون في مسمى " القياس " ~~فقيل هو حقيقة في التمثيل مجاز في الشمول كما ذكر ذلك أبو حامد وأبو محمد ~~المقدسي وغيرهما وقيل: هو حقيقة في عكس ذلك كما قاله ابن حزم وغيره من نفاة ~~قياس التمثيل وقيل: بل اسم القياس يتناولهما وهذا قول جمهور الناس. واسم " ~~القياس العقلي " يدخل فيه هذا وهذا؛ لكن من الناس من ظن أن " قياس التمثيل ~~" لا يفيد اليقين ولا يستعمل في العقليات كما ذهب إليه أبو المعالي وأبو ~~حامد والرازي وأبو محمد والآمدي وآخرون من أهل المنطق. وأما الجمهور فعندهم ~~كلا القياسين سواء وهذا هو الصواب؛ فإن مآل القياسين إلى شيء واحد وإنما ~~يختلف بترتيب # PageV12P345 # الدليل. فإن القائل إذا قال: النبيذ المتنازع فيه حرام؛ لأنه مسكر فكان ~~حراما قياسا على خمر العنب فلا بد له أن يثبت أن السكر هو مناط التحريم وهو ms3982 ~~الذي يسمى في قياس التمثيل " مناطا " و " علة ". و " أمارة " و " مشتركا " ~~و " وضعا " ونحو ذلك. ولا بد في القياس الصحيح من أن يقيم دليلا على أن ~~السكر مناط التحريم بحيث إذا وجد السكر وجد التحريم فإذا صاغ الدليل بقياس ~~الشمول فإن النبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالسكر في هذا النظم هو الحد الأوسط ~~المكرر وهو العلة في قياس التمثيل ولا بد له في هذا القياس من أن يثبت هذه ~~القضية الكلية الكبرى وهي قوله: كل مسكر حرام فما به ثبتت هذه القضية في ~~هذا النظم يثبت به أنه مناط التحريم في ذلك النظم لا فرق بينهما. وإذا قال ~~القائل: إثبات تأثير الوصف وكونه مناط الحكم هو عمدة القياس وهو جواب " ~~سؤال المطالبة " وبيان كون الوصف بالشمول هو مناط الحكم وهذا لا يثبت إلا ~~بأدلة ظنية. قيل له: وإثبات عموم القضية الكبرى في قياس الشمول هو عمدة ~~القياس؛ فإن الصغرى في الغالب تكون معلومة كما يكون ثبوت الوصف في الفرع ~~معلوما وإذا كان ثبوت الوصف في الفرع قد يحتاج إلى دليل كما قيل تحتاج # PageV12P346 # المقدمة الصغرى إلى دليل وإثبات المقدمة الكبرى لا يتأتى إلا بأدلة ظنية ~~ونفس ما به يثبت عموم القضية يثبت تأثير الوصف المشترك لا فرق بينهما أصلا ~~واستعمال كلا القياسين في الأمور الإلهية لا يكون إلا على وجه الأولى ~~والأحرى. وبهذه " الطريقة " جاء القرآن وهي طريقة سلف الأمة وأئمتها فإن ~~الله سبحانه لا يماثله شيء من الموجودات في " قياس التمثيل " ولا أن يدخل ~~في " قياس شمول " تتماثل أفراده بل ما ثبت لغيره من الكمال الذي لا نقص فيه ~~بوجه من الوجوه فهو أحق به وما نزه عنه غيره من النقائص فهو أحق بالتنزيه ~~منه كما قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} ~~وقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} . وقد بسطنا الكلام ~~على هذا في غير ms3983 هذا الموضع وبينا أن ما يستفاد ب " القياس الشمولي " في ~~عامة الأمور قد يستفاد بدون ذلك فتعلم أحكام الجزئيات الداخلة في القياس ~~بدون معرفة حكم القضية الكلية كما إذا قيل: الكل أعظم من الجزء والضدان لا ~~يجتمعان فما من كل معين وضدين معنيين إلا وإذا علم أن هذا جزء هذا وأن هذا ~~ضد هذا علم أن هذا أعظم من هذا وأن هذا لا يجامع هذا # PageV12P347 # بدون أن يخطر بالبال قضية كلية أن كل ضدين لا يجتمعان وأن كل كل فهو أعظم ~~من جزء. وكذلك إذا قيل النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من نقيضين يعرف ~~أنهما نقيضان إلا ويعرف أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان بدون أن يستحضر أن كل ~~نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان. فعامة المطالب يستغنى فيها عن القياس ~~المنطقي المتضمن للكبرى الذي لا بد فيه من قضية كلية والأمور المعينات لا ~~تعلم بمجرد القياس العقلي وإنما يعلم بالقياس القدر المشترك بينها وبين ~~غيرها وهم يسلمون ذلك وبينا أن الأدلة الدالة على الصانع هي آيات تدل ~~بنفسها على نفسه المقدسة وبينا الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس وأن ~~الأدلة أكمل وأنفع وطريقة القياس تابعة لها ودونها في المنفعة والكمال ~~والقرآن جاء بهذه وهذه ومعرفة الإلهيات والنبوات وغيرها فتلك الطريقة أكمل ~~وأتم. وهؤلاء يزعمون أنه لا ينال مطلوب فطري إلا بطريقة القياس الذي لا بد ~~فيه من قضية كلية والقضية الكلية لا تفيد إلا أمرا كليا عقليا لا تفيد ~~معرفة شيء معين وكل موجود فهو معين فكيف يقول عاقل مع هذا أنه لا ينال علم ~~إلا بهذه الطريق ثم إنهم في ضلالهم يظنون أن علم الأنبياء بل وعلم الرب ~~سبحانه إنما حصل # PageV12P348 # بواسطة القياس المنطقي وأن النبي له قوة حدسية يظفر بالحد الأوسط في ~~القياس المنطقي بدون معلم فيكون أكمل من غيره فيجعلون علمه بالغيب من هذا ~~الباب ولم يدرك بمثل هذا القياس علوما طبيعية أو حسابية ونحو ذلك فمن أين ~~أنه لا ينال علم إلا به؟ ومن أين أنه ms3984 لا مواد يقينية إلا ما يدعيه المدعي ~~مما عنده من الحدسيات المعتادة الظاهرة والباطنة والبديهيات المعتادة ~~والمتواترات والمجربات المعتادة. والحدسيات المعتادة والحس الباطن والظاهر ~~والتجربة ونحو ذلك لا يعلم بمجرده إلا أمر معين جزئي وذلك لا يصلح أن يكون ~~مقدمة في القياس ولكن يعلم في العموم إما بواسطة قياس تمثيل وإما بعلم ~~ضروري يحدثه الله في القلب ابتداء وإذا أحدث علما ضروريا عاما لأفراد ~~فإحداث العلم ببعض تلك الأفراد سهل فقل أن يستفاد بطريقهم علم بنتيجة إلا ~~والعلم بالنتيجة فيه ممكن بالطريق الذي به عرفت المقدمات أو أسهل فلا يكون ~~في قياسهم إلا زيادة تطويل وتهويل وتضليل. وقد بسطنا الكلام على " المنطق ~~اليوناني " بما فيه من حق وباطل ونافع وضار في غير هذا الموضع. ونفي العلم ~~إلا بهذا القياس ونفي كون القياس يقينيا إلا بهذه المقدمات قول بلا علم ~~وتكذيب بما لم يحط المكذب بعلمه؛ ولهذا كانت الطريقة النبوية السلفية أن ~~يستعمل في العلوم الإلهية " قياس الأولى " كما قال الله تعالى: {ولله # PageV12P349 # المثل الأعلى} إذ لا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها ~~ولا يتماثلان في شيء من الأشياء بل يعلم أن كل كمال - لا نقص فيه بوجه - ~~ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص وجب نفيه عن المخلوق فالخالق أولى ~~بنفيه عنه وأمثال هذه " الأقيسة العقلية " التي من نوع الأمثال المضروبة في ~~القرآن ولله المثل الأعلى وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. فلما كان ~~الكفار بالرسالة على ما ذكر جاء في الكفار ببعضها من شاركهم في بعض ذلك: ~~فأنكرت الجهمية أن يكون الله يتكلم أو يقول أو يحب أو يبغض وأنكروا سائر ~~صفاته التي جاءت بها الرسل فأنكروا بعض حقيقة الرسالة التي هي كلام الله ~~وأنكروا بعض ما في الرسالة من صفات الله. وأول من أظهر ذلك في الإسلام - ~~وإن كان ذلك موجودا قبل الإسلام في أمم أخرى - الجعد بن درهم شيخ الجهم بن ~~صفوان وكان على ما قيل من أهل حران وكان فيهم أئمة الفلاسفة ومنهم ms3985 تعلم أبو ~~نصر الفارابي كثيرا مما تعلم من الفلسفة على ما ذكره عبد اللطيف بن يوسف ~~البغدادي فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء ~~التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين في وقته: مثل الحسن ~~البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك فقال: أيها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم؛ فإني مضح بالجعد # PageV12P350 # ابن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما - ~~تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا - ثم نزل فذبحه. وبنوا ذلك على قاعدة ~~مبتدعة الصابئين المكذبين ببعض ما جاءت به الرسل الذين لا يصفون الرب إلا ~~بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة منهما وهم في هذا التعطيل موافقون ~~في الحقيقة لفرعون رئيس الكفار الذي جحد الصانع بالكلية؛ فإن جحود صفاته ~~مستلزم لجحود ذاته؛ ولهذا وافقوا فرعون في تكذيبه لموسى بأن ربه فوق ~~السموات حيث قال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} بخلاف محمد صلى الله عليه ~~وسلم الذي صدق موسى لما عرج به إلى ربه وأخبر أنه وجد موسى هناك وأنه جعل ~~يختلف بين ربه وبين موسى فمحمد صلى الله عليه وسلم صدق موسى في أن ربه فوق ~~السموات وفرعون كذبه في ذلك. والناس إما محمدي موسوي وإما فرعوني؛ إذ فرعون ~~كذب موسى في أن الله فوق وكذبه في أن الله كلمه كما أنكر وجود الصانع ومحمد ~~صدق موسى في هذا كله. وهؤلاء الصابئة المحضة من المتفلسفة يقولون: إن الله ~~ليس له كلام في الحقيقة؛ لكن كلامه - عند من أظهر الإقرار بالرسل منهم - ما ~~يفيض على نفوس الأنبياء وهو أنه محدث في نفوسهم من غير أن # PageV12P351 # يكون في الخارج عن نفوسهم لله عندهم كلام وهكذا كان الجهم يقول أولا: إن ~~الله لا كلام له ثم احتاج أن يطلق أن له كلاما لأجل المسلمين فيقول: هو ~~مجاز؛ ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يعلمون مقصودهم ms3986 وأن غرضهم ~~التعطيل وأنهم زنادقة و " الزنديق " المنافق. ولهذا تجد مصنفات الأئمة ~~يصفونهم فيها بالزندقة كما صنف الإمام أحمد " الرد على الزنادقة والجهمية " ~~وكما ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح ب " كتاب التوحيد والرد على الزنادقة ~~والجهمية " وكان عبد الله بن المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ~~ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وتقول الصابئة المحضة - الذين آمنوا في ~~الظاهر وآمنوا في الباطن ببعض الكتاب - كلام الله اسم لما يفيض على قلب ~~النبي من " العقل الفعال " أو غيره و " ملائكة الله " اسم لما يتشكل في ~~نفسه من الصور النورانية وقد يقولون: إن جبريل هو " العقل الفعال " أو هو ~~ما يتمثل في نفسه من الصور الخيالية كما يراه النائم؛ ولهذا يقول هؤلاء: إن ~~خاصة النبي التخييل وأن الأنبياء أظهروا خلاف ما أبطنوه لمصلحة العامة ولم ~~يفيدوا بكلامهم علما؛ لكن تخييلا ينتفع به العامة ويجعلون هذا من أفضل ~~الأمور ويمدحون الأنبياء بذلك ويعظمونهم # PageV12P352 # وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع أخر. وعندهم ليس خارجا عن نفس النبي ~~كلام ولا ملك كما يزعمه من يزعمه من المتفلسفة والصابئة المشركين وزعموا ~~أنهم مؤمنون وقالوا إنهم يجمعون بين النبوة والفلسفة كما يفعل الفارابي ~~وابن سينا وغيرهما من المتفلسفة والقرامطة الباطنية من الإسماعيلية ونحوهم ~~الذين أخذوا معاني المتفلسفة الروم والفرس فأخرجوها في قالب التشيع والرفض. ~~والإمامية والزيدية وغيرهم من الشيعة يعلمون أنهم كفار. ومثل ابن سبعين ~~وأمثاله ممن أظهر التصوف على طريقة هؤلاء فهو يأخذ معانيهم يكسوها عبارات ~~الصوفية والصوفية العارفون يعلمون أنهم كفار وإن شيوخ الصوفية الكبار ~~كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني وعمرو بن عثمان ~~الشبلي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأبي عبد الله محمد بن ~~خفيف الشيرازي ونحوهم - رضي الله عنهم - كانوا من أعظم الناس تكفيرا ~~لهؤلاء؛ فإن قول هؤلاء الزنادقة - وإن كان فيه إيمان من وجه آخر - فهؤلاء ~~موافقون في الحقيقة لمقدمهم الوحيد الذي قال: {إن هذا إلا قول البشر} لكن ~~ذاك كفر به كله ظاهرا ms3987 وباطنا وهؤلاء قد يؤمنون به ظاهرا وقد يؤمنون باطنا ~~ببعض صفاته: من أنه مطاع عظيم وأنه رئيس النوع الإنساني وأن هذا الكلام ~~الذي # PageV12P353 # جاء به كلام عظيم القدر صادر عن نفس صافية كاملة العلم والعمل لها ثلاث ~~خصائص تتفرد بها عن غيرها. خصيصة قوة الحدس والعلم وخصيصة قوة التأثير في ~~العالم السفلي بنفسه وخصيصة قوة التخيل المطابق للحقائق بحيث يسمع في نفسه ~~الأصوات ويرى من الصور ما يكون خيالا للحقائق وأنه يجوز إضافة كلامه إلى ~~الله وتسميته كلام الله حيث هو أمر به أمرا خياليا. وفي الحقيقة عندهم ما ~~يفيض على سائر النفوس الصافية من العلوم والكلمات هي أيضا كلام الله مثل ما ~~أنه كلام الله؛ لكن هو أشرف وخطابه دل على أنه رسول الخلق تجب عليهم طاعته ~~التي أخبرت بها الرسل لكن يطلقون عليه أنه متكلم؛ ولهذا يقولون: إن " ~~النبوة " مكتسبة فطمع غير واحد منهم أن يصير نبيا كما طمع السهروردي وابن ~~سبعين وغيرهما من الملحدين. وقد بينا أصول أقوالهم وفسادها في غير هذا ~~الموضع مثل كلامنا على إبطال قولهم: إن معجزات الأنبياء قوى نفسانية. وأما ~~" المعتزلة " ونحوهم فيوافقونهم في أن الله لا يتكلم في الحقيقة التي يعلم ~~الناس أن صاحبها يتكلم بل كلامه منفصل عنه ويزعمون أن ذلك حقيقة وليس كلامه ~~عندهم إلا أنه خلق في الهواء أو غيره # PageV12P354 # أصواتا يسمعها من يشاء من ملائكته وأنبيائه من غير أن يقوم بنفسه كلام لا ~~معنى ولا حروف وهم يتنازعون في ذلك المخلوق هل هو جسم أو عرض أو لا يوصف ~~بواحد منهما. ولما ظهر هؤلاء تكلم السلف من التابعين وتابعيهم في تكفيرهم ~~والرد عليهم بما هو مشهور عند السلف واطلع الأئمة الحذاق من العلماء على أن ~~حقيقة قول هؤلاء هو التعطيل والزندقة وإن كان عوامهم لا يفهمون ذلك كما ~~اطلعوا على أن حقيقة قول القرامطة والإسماعيلية هو التعطيل والزندقة وإن ~~كان عوامهم إنما يدينون بالرفض وجرت فتنة الجهمية كما امتحنت الأئمة وأقام ~~" الإمام أحمد " إمام السنة وصديق الأمة في ms3988 وقته وخليفة المرسلين ووارث ~~النبيين فثبت الله به الإسلام والقرآن وحفظ به على الأمة العلم والإيمان ~~ودفع به أهل الكفر والنفاق والطغيان الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. ~~فاستقر أهل السنة وجماهير الأمة وأهل الجماعة وأعلام الملة في شرقها وغربها ~~على الإيمان الذي جاءت به الرسل عن الله وجاء به خاتم النبيين مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وهو أن القرآن والتوراة والإنجيل كلام ~~الله وإن كلام الله لا يكون مخلوقا منفصلا عنه كما لا يكون كلام المتكلم ~~منفصلا عنه؛ فإن هذا جحود لكلامه الذي # PageV12P355 # هو رسالته ودفع لحقيقة ما أنبأت به الرسل وعلمته أممهم وإلحاد في أسماء ~~الله وآياته وتمثيل له بالمعدوم والموات؛ فإن الحياة والعلم والقدرة ~~والكلام ونحو ذلك صفات كمال والرب تعالى أحق بكل كمال فيمتنع أن يثبت ~~للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به كما يمتنع أن يتنزه المخلوق عن نقص إلا ~~والخالق أحق بتنزهه منه كيف وهو خالق الكمال للكاملين. و " أيضا " فمن لم ~~يتصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والقدرة والكلام وغير ~~ذلك فإما أن يكون قابلا للاتصاف بذلك ولم يتصف به أو غير قابل للاتصاف به. ~~فإن قبله ولم يتصف به كان موصوفا بصفات النقص: كالموت والجهل والعمى والصمم ~~والعجز والبكم باتفاق العقلاء؛ فإنهم متفقون على أن القابل لهذا ولهذا متى ~~لم يتصف بأحدهما اتصف بالآخر وإن قيل: إنه لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات كان ~~أنقص من القابل الذي لم يتصف بها. فالحيوان الذي يكون تارة سميعا وتارة أصم ~~وتارة بصيرا وتارة أعمى وتارة متكلما وتارة أخرس أكمل من الجماد الذي لا ~~يقبل أن يكون لا هذا ولا هذا. فمن لم يصفه بصفات الكمال لزمه إما أن يصفه ~~بهذه النقائص أو يكون أنقص ممن وصف بهذه النقائص. وذلك أن " المتفلسفة " # PageV12P356 # اصطلحوا على تقسيم " المتقابلين بالنفي والإثبات " إلى النقيضين وإلى ما ~~يسمونه " العدم والملكة " ف " العدم " عندهم سلب الشيء عما من شأنه أن يكون ~~متصفا به كالعمى والخرس؛ فإنه عدم البصر ms3989 والكلام عما من شأنه أن يكون بصيرا ~~متكلما. فأما الجماد فلا يسمونه لا بهذا ولا بهذا. " وشبهتهم " لبست على ~~طائفة من أهل النظر فظنوا أنه إذا لم يوصف بصفات الكمال من الحياة والعلم ~~والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن يتصف بصفات النقص لأنهما متقابلان تقابل ~~" العدم والملكة " لا تقابل النقيضين. فيقال لهم: هذا أولا اصطلاح لكم وإلا ~~فغيركم يسمي الجماد ميتا ومواتا ونحو ذلك كما في مثل قوله: {والذين يدعون ~~من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير أحياء} . ويقال لهم: " ~~ثانيا " النظر في المعاني العقلية ومعلوم أن عدم هذه الصفات يستلزم النقص ~~الثابت بعدمها. ويقال لهم " ثالثا ": إذا قلتم لا يتصف بواحد منهما لكونه ~~لا يقبل ذلك فهذا النقص أعظم من نقص العمى والصمم والبكم؛ فإنما لا يقبل # PageV12P357 # الاتصاف بصفات الكمال أنقص ممن هو قابل لها يمكن اتصافه بها؛ فإنه منه ~~بدأ؛ لا كما يقوله الصابئة ومن وافقهم من الجهمية: إنه ابتدأ من نفس النبي ~~أو من " العقل الفعال " أو من " الهواء " بل هو تنزيل من حكيم حميد وإنه ~~إليه يعود إذا أسري به من المصاحف والصدور. وصار " الإمام أحمد " علما لأهل ~~السنة الجائين بعده من جميع الطوائف: كلهم يوافقه في جمل أقواله وأصول ~~مذاهبه؛ لأنه حفظ على الأمة الإيمان الموروث والأصول النبوية - ممن أراد أن ~~يحرفها ويبدلها - ولم يشرع دينا لم يأذن الله به والذي قاله هو الذي يقوله ~~سائر الأئمة الأعيان حتى إن أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم؛ لكن جمع ~~متفرقها وجاهد مخالفها وأظهر دلالة الكتاب والسنة عليها ومقالاته ومقالات ~~الأئمة قبله وبعده في الجهمية كثيرة مشهورة. " والجهمية " هم نفاة صفات ~~الله المتبعون للصابئة الضالة. وصارت فروع التجهم تجول في نفوس كثير من ~~الناس. فقال بعض من كان معروفا بالسنة والحديث: ولا نقول مخلوق ولا غير ~~مخلوق بل نقف وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية ولكن كان المؤمنون أشد رهبة في ~~صدورهم من الله. # PageV12P358 # و " طائفة أخرى " قالت: نقول كلام الله الذي لم ينزله غير مخلوق وأما ms3990 ~~القرآن الذي أنزله على رسوله وتلاه جبريل ومحمد والمؤمنون فهو مخلوق وهؤلاء ~~هم " اللفظية ". فصارت الأمة تفزع إلى إمامها إذ ذاك فيقول لهم أحمد: ~~افترقت الجهمية على " ثلاث فرق " فرقة تقول: القرآن مخلوق وفرقة تقول كلام ~~الله وتسكت وفرقة تقول: ألفاظنا وتلاوتنا للقرآن مخلوقة. فإن حقيقة قول ~~هؤلاء أن القرآن الذي نزل به جبريل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو قرآن مخلوق لم يتكلم الله به وكان لهؤلاء شبهة كون أفعالنا وأصواتنا ~~مخلوقة ونحن إنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا. وربما قال بعضهم ما عندنا إلا ~~ألفاظنا وتلاوتنا وما في الأرض قرآن إلا هذا. وهذا مخلوق. فقابلهم قوم ~~أرادوا تقويم السنة فوقعوا في البدعة. وردوا باطلا بباطل وقابلوا الفاسد ~~بالفاسد فقالوا: تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة وألفاظنا به غير مخلوقة؛ لأن ~~هذا هو القرآن. والقرآن غير مخلوق ولم يفرقوا بين الاسم المطلق والاسم ~~المقيد في الدلالة وبين حال المسمى إذا كان مجردا وحاله إذا كان مقرونا ~~مقيدا. فأنكر الإمام أحمد أيضا على من قال: إن تلاوة العباد وقراءتهم ~~وألفاظهم وأصواتهم غير مخلوقة وأمر بهجران هؤلاء كما جهم الأولين وبدعهم. ~~والنقل عنه # PageV12P359 # بذلك من رواية ابنه عبد الله وصالح والمروذي وفوران وأبي طالب وأبي بكر ~~بن صدقة وخلق كثير من أصحابه وأتباعه. وقد قام أخص أتباعه " أبو بكر ~~المروذي " بعد مماته في ذلك وجمع كلامه وكلام الأئمة من أصحابه وغيرهم: مثل ~~عبد الوهاب الوراق والأثرم وأبي داود السجستاني والفضل بن زياد ومثنى بن ~~جامع الأنباري ومحمد بن إسحاق الصنعاني ومحمد بن سهل بن عسكر وغير هؤلاء من ~~علماء الإسلام. وبين بدعة هؤلاء الذين يقولون إن تلاوة العباد وألفاظهم ~~بالقرآن غير مخلوقة. وقد ذكر ذلك الخلال في " كتاب السنة " وبسط القول في ~~ذلك. قال الخلال: أخبرني أبو بكر المروذي قال: بلغ أبا عبد الله عن أبي ~~طالب أنه كتب إلى أهل نصيبين: أن لفظي بالقرآن غير مخلوق قال أبو بكر: ~~فجاءنا صالح بن أحمد فقال: قوموا إلى أبي فجئنا فدخلنا على أبي ms3991 عبد الله ~~فإذا هو غضبان شديد الغضب قد تبين الغضب في وجهه فقال: اذهب فجئني بأبي ~~طالب فجئت به فقعد بين يدي أبي عبد الله وهو يرعد فقال: كتبت إلى أهل ~~نصيبين تخبرهم عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق فقال: إنما حكيت عن ~~نفسي قال: فلا يحل هذا عنك ولا عن نفسي فما سمعت عالما قال هذا. قال أبو ~~عبد الله: القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فقيل لأبي طالب: اخرج وأخبر # PageV12P360 # أن أبا عبد الله قد نهى أن يقال لفظي بالقرآن غير مخلوق. فخرج أبو طالب ~~فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم: أن أبا عبد الله نهاه أن يقول لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق. ومع هذا فكل واحدة من " الطائفتين " الذين يقولون لفظنا ~~بالقرآن غير مخلوق والذين يقولون لفظنا وتلاوتنا مخلوقة ينتحل أبا عبد الله ~~وتحكي قولها عنه وتزعم أنه كان على مقالتها لأنه إمام مقبول عند الجميع؛ ~~ولأن الحق الذي مع كل طائفة يقوله أحمد والباطل الذي تنكره كل طائفة على ~~الأخرى يرده أحمد. فمحمد بن داود المصيصي أحد علماء الحديث وأحد شيوخ أبي ~~داود وجماعة في زمانه كأبي حاتم الرازي وغيره يقولون: لفظنا بالقرآن غير ~~مخلوق وتبعهم طائفة على ذلك: كأبي عبد الله بن حامد وأبي نصر السجزي وأبي ~~عبد الله بن منده وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري وأبي العلاء الهمداني ~~وأبي الفرج المقدسي وغير هؤلاء يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة ~~ويروون ذلك عن أحمد وأنه رجع إلى ذلك كما ذكره أبو نصر في كتابه " الإبانة ~~" وهي روايات ضعيفة بأسانيد مجهولة لا تعارض ما تواتر عنه عند خواص أصحابه ~~وأهل بيته والعلماء الثقات لا سيما وقد علم أنه في حياته خطأ أبا طالب في ~~النقل عنه حتى رده أحمد عن ذلك وغضب عليه غضبا شديدا. # PageV12P361 # وقد رأيت بعض هؤلاء طعن في تلك النقول الثابتة عنه ومنهم من حرفها لفظا ~~وأما تحريف معانيها فذهب إليه طوائف فأما الذين ثبتوا النقل عنه ووافقوه ~~على إنكاره الأمرين وهم جمهور ms3992 أهل السنة ومن انتسب إليهم من أهل الكلام ~~كأبي الحسن الأشعري وأمثاله فإنه ذكر في " مقالات أهل السنة والحديث " إنهم ~~ينكرون على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق ومن قال: لفظي به غير مخلوق وأنه ~~يقول بذلك. لكن من هؤلاء من تأول كلام أحمد وغيره في ذلك بأنه منع أن يقال: ~~إن القرآن يلفظ به وهذا قاله الأشعري وابن الباقلاني والقاضي أبو يعلى ~~وأتباعه كأبي الحسن بن الزاغوني وأمثاله. ثم هؤلاء الذين تأولوا كلامه على ~~ذلك منهم من قال: المعنى الذي أنكره أحمد على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ~~كما فعل ذلك الأشعري وأتباعه. ومنهم من قال: بل المعنى الذي أنكره أحمد على ~~من قال لفظي به غير مخلوق كما فعل ذلك القاضي وابن الزاغوني وأمثالهما؛ فإن ~~أحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شيء من كلام الله مخلوقا حروفه. أو ~~معانيه أو أن يكون معنى التوراة هو معنى القرآن وأن كلام الله إذا عبر عنه ~~بالعربية يكون قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية يكون هو التوراة وينكرون أن ~~يكون القرآن المنزل ليس هو كلام الله أو أن يطلق # PageV12P362 # القول على ما هو كلام الله بأنه مخلوق وأحمد والأئمة ينكرون على من يجعل ~~شيئا من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق. فضلا عن أن يكون قديما وكلام ~~أحمد في " مسألة التلاوة والإيمان والقرآن " من نمط واحد منع إطلاق القول ~~بأن ذلك مخلوق؛ لأنه يتضمن القول بأن من صفات الله ما هو مخلوق ولما فيه من ~~الذريعة ومنع أيضا إطلاق القول بأنه غير مخلوق لما في ذلك من البدعة ~~والضلال. # ولما كان أحمد قد صار هو إمام السنة كان من جاء بعده ممن ينتسب إلى السنة ~~ينتحله إماما كما ذكر ذلك الأشعري في " كتاب الإبانة " وغيره فقال إن قال ~~قائل: قد أنكرتم قول " الجهمية " و " المعتزلة " و " الخوارج " و " الروافض ~~" و " المرجئة " فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. ~~قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا ms3993 وسنة ~~نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن ~~حنبل " قائلون ولما خالفه مجانبون؛ فإنه الإمام الكامل والرئيس الفاضل الذي ~~أبان الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين ~~وشك الشاكين وذكر جملا من المقالات. # PageV12P363 # فلهذا صار من بعده متنازعين في هذا الباب. " فالطائفة " الذين يقولون ~~لفظنا وتلاوتنا غير مخلوقة ينتسبون إليه ويزعمون أن هذا آخر قوليه أو ~~يطعنون فيما يناقض ذلك عنه أو يتأولون كلامه بما لم يرده. و " الطائفة " ~~الذين يقولون إن التلاوة مخلوقة والقرآن المنزل الذي نزل به جبريل مخلوق ~~وإن الله لم يتكلم بحروف القرآن: يقولون: إن هذا قول أحمد وأنهم موافقوه ~~كما فعل ذلك أبو الحسن الأشعري. فيما ذكره عن أحمد وفسر به كلامه وذكر أنه ~~موافقه وكما ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في تنزيه أصحابه من مخالفة السنة ~~وأئمتها كالإمام أحمد وكما فعله أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المعروف في ~~ذلك وكما فعله أبو ذر الهروي والقاضي عبد الوهاب المالكي (وكما فعله أبو ~~بكر البيهقي في الاعتقاد في مناقب الإمام أحمد. وروي عنه أنه قال لفظي ~~بالقرآن مخلوق وتأول ما استفاض عنه من الإنكار على من قال لفظي بالقرآن ~~[غير] مخلوق على أنه أراد الجهمي المحض الذي يزعم أن القرآن الذي لم ينزل ~~مخلوق) (*) . وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخاري الإمام صاحب " الصحيح ~~" أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق وجعلوه من " اللفظية " حتى وقع بينه ~~وبين أصحابه: مثل محمد بن يحيى الذهلي PageV12P364 # وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم بسبب ذلك وكان في القضية أهواء وظنون حتى صنف ~~" كتاب خلق الأفعال " وذكر فيه ما رواه عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد ~~القطان أنه قال: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. وذكر ~~فيه ما يوافق ما ذكره في آخر كتابه " الصحيح " من أن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق وأن الله يتكلم بصوت وينادي بصوت. وساق في ذلك من الأحاديث الصحيحة ~~والآثار ما ms3994 ليس هذا موضع بسطه وبين الفرق بين الصوت الذي ينادي الله به ~~وبين الصوت الذي يسمع من العباد وأن الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت ~~المسموع من القارئ وبين دلائل ذلك وأن أفعال العباد وأصواتهم مخلوقة والله ~~تعالى بفعله وكلامه غير مخلوق. وقال في قوله: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث} إن حدثه ليس كحدث المخلوقين. وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} وذكر عن ~~علماء السلف: أن خلق الرب للعالم ليس هو المخلوق؛ بل فعله القائم به غير ~~مخلوق وذكر عن نعيم بن حماد الخزاعي: أن الفعل من لوازم الحياة وأن الحي لا ~~يكون إلا فعالا. إلى غير ذلك من المعاني التي تدل على علمه وعلم السلف ~~بالحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. # PageV12P365 # وذكر أن كل واحدة من طائفتي " اللفظية المثبتة والنافية " تنتحل أبا عبد ~~الله وأن أحمد بن حنبل كثير مما ينقل عنه كذب وأنهم لم يفهموا بعض كلامه ~~لدقته وغموضه وأن الذي قاله وقاله الإمام أحمد هو قول الأئمة والعلماء وهو ~~الذي دل عليه الكتاب والسنة. ورأيت بخط القاضي أبي يعلى - رحمه الله - على ~~ظهر " كتاب العدة " بخطه قال: نقلت من آخر " كتاب الرسالة " للبخاري في أن ~~القراءة غير المقروء. وقال: وقع عندي عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين ~~وجها كلها يخالف بعضها بعضا والصحيح عندي أنه قال ما سمعت عالما يقول: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق قال وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين. قال ~~أبو عبد الله البخاري قال ابن حنبل " اللفظي " الذي يقول: القرآن بألفاظنا ~~مخلوق. وكان " أيضا " قد نبغ في أواخر عصر أبي عبد الله من الكلابية ونحوهم ~~- أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري: الذي صنف مصنفات رد ~~فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهو من متكلمة الصفاتية وطريقته يميل ~~فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة؛ لكن فيها نوع من ms3995 البدعة؛ لكونه أثبت قيام ~~الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته؛ ولكن له في الرد ~~على الجهمية - نفاة الصفات والعلو - من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين ~~به فضله # PageV12P366 # في هذا الباب وإفساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب وصار ~~ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولي الألباب حتى صار قدوة ~~وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها؛ وإن ~~كانوا قد شركوهم في بعض أصولهم الفاسدة: التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من ~~جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول. وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو ~~العباس القلانسي ثم أبو الحسن الأشعري وأبو الحسن بن مهدي الطبري وأبو ~~العباس الضبعي وأبو سليمان الدمشقي وأبو حاتم البستي وغير هؤلاء: المثبتين ~~للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث المتلقبين بنظار أهل الحديث. وسلك ~~طريقة ابن كلاب - في الفرق بين " الصفات اللازمة " كالحياة و " الصفات ~~الاختيارية " وأن الرب يقوم به الأول دون الثاني - كثير من المتأخرين: من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد: كالتميميين أبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل ~~التميمي وابن ابنه رزق الله التميمي وعلى عقيدة الفضل التي ذكر أنها عقيدة ~~أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد من الاعتقاد. وكذلك ~~سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه # PageV12P367 # " السالمية " والقاضي أبو يعلى وأتباعه: كابن عقيل وأبي الحسن بن ~~الزاغوني وهي طريقة أبي المعالي الجويني وأبي الوليد الباجي والقاضي أبي ~~بكر بن العربي وغيرهم؛ لكنهم افترقوا في القرآن وفي بعض المسائل على قولين ~~- بعد اشتراكهم في الفرق الذي قرره ابن كلاب - كما قد بسط كلام هؤلاء في ~~مواضع أخر. والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا ~~الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون عن أصحابه وهذا هو سبب تحذير الإمام ~~أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية. ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من ~~المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول: إن الله لم يتكلم بصوت فأنكر أحمد ذلك ms3996 ~~وجهم من يقوله وقال: هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل وروى الآثار ~~في أن الله يتكلم بصوت وكذلك أنكر على من يقول إن الحروف مخلوقة قال عبد ~~الله بن أحمد بن حنبل في " كتاب السنة ": قلت لأبي: إن ههنا من يقول إن ~~الله لا يتكلم بصوت فقال: يا بني هؤلاء جهمية زنادقة إنما يدورون على ~~التعطيل وذكر الآثار في خلاف قولهم. # PageV12P368 # وكذلك البخاري صاحب " الصحيح " وسائر الأئمة أنكروا ذلك أيضا وروى ~~البخاري في آخر " الصحيح " وفي " كتاب خلق الأفعال " ما جاء في ذلك من ~~الآثار وبين الفرق بين صوت الله الذي يتكلم به وبين أصوات العباد بالقرآن ~~موافقة منه للإمام أحمد وغيره من الأئمة حيث بين أن الله يتكلم بصوت كما ~~جاءت به الآثار وأن ذلك ليس صوت العبد بالقراءة؛ بل ذلك هو صوت العبد كما ~~قد نص على ذلك كله في مواضع وعامة أئمة السنة والحديث على هذا الإثبات ~~والتفريق: لا يوافقون قول من يزعم أن الكلام ليس فيه حرف ولا صوت ولا ~~يوافقون قول من يزعم أن الصوت المسموع من القراء وألفاظهم قديمة ولا ~~يقولون: إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات. وقد كتبت كلام " الإمام أحمد " ~~ونصوصه وكلام الأئمة قبله وبعده في غير هذا الموضع؛ فإن جواب هذه " المسألة ~~" لا يحتمل البسط الكثير؛ ولم يكن في كلام الإمام أحمد ولا الأئمة أن الصوت ~~الذي تكلم الله به قديم؛ بل يقولون لم يزل الله متكلما وقد يقولون لم يزل ~~الله متكلما إذا شاء بما شاء كما يقول ذلك الإمام أحمد وابن المبارك ~~وغيرهما. # وكذلك قد تنازع الناس في زمنهم وبعده - من أصحابهم وغيرهم - في معنى كون ~~القرآن غير مخلوق هل المراد به أن نفس الكلام قديم # PageV12P369 # أزلي كالعلم؟ أو أن الله لم يزل موصوفا بأنه متكلم إذا شاء؟ على قولين. ~~ذكرهما الحارث المحاسبي عن أهل السنة وأبو بكر عبد العزيز في " كتاب الشافي ~~" عن أصحاب الإمام أحمد وذكرهما أبو عبد الله ابن حامد في كتابه " أصول ~~الدين ". والنزاع في ms3997 ذلك بين سائر طوائف السنة والحديث وهذا مبني على أصل " ~~الصفات الفعلية الاختيارية " والنزاع فيه بين جميع الطوائف من أهل الحديث ~~والسنة والفقه والتصوف ومن دخل معهم من أهل المذاهب الأربعة وبين سائر ~~الفرق حتى بين الفلاسفة أيضا وقد حققت ذلك في غير هذا الموضع. وهذا منشأ ~~نزاع الذين وافقوا السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فإن هؤلاء ~~تنازعوا في أن الرب هل يتكلم بمشيئته وقدرته؟ على قولين. فالذين وافقوا ابن ~~كلاب قالوا: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته؛ بل كلامه لازم لذاته كحياته ثم ~~من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة العين فلم يمكنه أن ~~يقول: القديم هو الحروف والأصوات؛ لأنها لا تكون إلا متعاقبة والصوت لا ~~يبقى زمانين فضلا عن أن يكون قديما. فقال: القديم هو معنى واحد لامتناع ~~معاني لا نهاية لها وامتناع التخصيص بعدد دون عدد. فقالوا: هو معنى واحد ~~وقالوا: إن الله لا يتكلم بالكلام العربي والعبري وقالوا: إن معنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وسائر كلام الله معنى واحد # PageV12P370 # ومعنى آية الكرسي وآية الدين معنى واحد. إلى غير ذلك من اللوازم التي ~~يقول جمهور العقلاء إنها معلومة الفساد بضرورة العقل ومن هؤلاء من عرف أن ~~الله تكلم بالقرآن العربي والتوراة العبرية وأنه نادى موسى بصوت وينادي ~~عباده بصوت وأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه؛ لكن اعتقدوا مع ذلك أنه ~~قديم العين وأن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته. فالتزموا أنه حروف وأصوات ~~قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال وقالوا: إن الباء لم تسبق السين والسين لم ~~تسبق الميم وأن جميع الحروف مقترنة بعضها ببعض اقترانا قديما أزليا لم يزل ~~ولا يزال وقالوا: هي مترتبة في حقيقتها وماهيتها غير مترتبة في وجودها. ~~وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد إلى غير ذلك من " اللوازم " التي ~~يقول جمهور العقلاء إنها معلومة الفساد بضرورة العقل. ومن هؤلاء من يقول: ~~هو قديم ولا يفهم معنى القديم. فإذا سئل عن ذلك قال: هي قديمة في العلم ولا ms3998 ~~يعلم أن المخلوقات كالسماء والأرض بهذه المثابة مع أنها مخلوقة ومنهم من ~~يقول: قديم بمعنى أنه متقدم على غيره ولا يعرف أن الذين قالوا: إنه مخلوق ~~لا ينازعون في أنه قديم بهذا المعنى ومنهم من يقول: إن مرادنا بأنه قديم ~~أنه غير مخلوق ولا يفهم أنه مع ذلك يكون أزليا لم يزل وهؤلاء سمعوا # PageV12P371 # ممن يوافقهم على أنه غير مخلوق: قالوا هو قديم فوافقوا على أنه قديم ولم ~~يتصوروا ما يقولونه. كما أن من الناس من قال: هو غير مخلوق وأراد بذلك أنه ~~غير مكذوب وهذا مما لم يتنازع فيه الناس كما لم يتنازعوا في أنه قديم بمعنى ~~أنه متقدم على غيره. و " القول الثاني " قول من يقول إن الله يتكلم بمشيئته ~~وقدرته مع أن كلامه غير مخلوق. وهذا قول جماهير أهل السنة والنظر وأئمة ~~السنة والحديث لكن من هؤلاء من اعتقد أن الله لم يكن يمكنه أن يتكلم في ~~الأزل بمشيئته كما لم يكن يمكنه عندهم أن يفعل في الأزل شيئا فالتزموا أنه ~~تكلم بمشيئته بعد أن لم يكن متكلما كما أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا وهذا ~~قول كثير من أهل الكلام والحديث والسنة. وأما السلف والأئمة فقالوا: إن ~~الله يتكلم بمشيئته وقدرته وإن كان مع ذلك قديم النوع - بمعنى أنه لم يزل ~~متكلما إذا شاء؛ فإن الكلام صفة كمال ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن ~~يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون متكلما بمشيئته وقدرته ومن لا يزال ~~متكلما بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكنا له بعد أن يكون ممتنعا ~~منه أو قدر أن ذلك ممكن فكيف إذا # PageV12P372 # كان ممتنعا؟ لامتناع أن يصير الرب قادرا بعد أن لم يكن وأن يكون التكلم ~~والفعل ممكنا بعد أن كان غير ممكن؟ كما قد بسط هذا في مواضع أخر. # وكانت " اللفظية الخلقية " من أهل الحديث يقولون: نقول: إن ألفاظنا ~~بالقرآن مخلوقة وإن التلاوة غير المتلو. والقراءة غير المقروء. و " اللفظية ~~المثبتة " يقولون: نقول: إن ألفاظنا بالقرآن غير ms3999 مخلوقة والتلاوة هي المتلو ~~والقراءة هي المقروء. وأما المنصوص الصريح عن الإمام أحمد وأعيان أصحابه ~~وسائر أئمة السنة والحديث فلا يقولون مخلوقة ولا غير مخلوقة ولا يقولون ~~التلاوة هي المتلو مطلقا ولا غير المتلو مطلقا كما لا يقولون: الاسم هو ~~المسمى ولا غير المسمى. وذلك أن " التلاوة والقراءة " كاللفظ قد يراد به ~~مصدر تلا يتلو تلاوة وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظا ومسمى المصدر هو فعل ~~العبد وحركاته وهذا المراد باسم التلاوة والقراءة واللفظ مخلوق وليس ذلك هو ~~القول المسموع: الذي هو المتلو. وقد يراد باللفظ الملفوظ وبالتلاوة المتلو ~~وبالقراءة المقروء وهو القول المسموع وذلك هو المتلو ومعلوم أن القرآن ~~المتلو: الذي يتلوه العبد ويلفظ # PageV12P373 # به غير مخلوق وقد يراد بذلك مجموع الأمرين. فلا يجوز إطلاق الخلق على ~~الجميع ولا نفي الخلق عن الجميع. وصار " ابن كلاب " يريد بالتلاوة القرآن ~~العربي وبالمتلو المعنى القائم بالذات وهؤلاء إذا قالوا: التلاوة غير ~~المتلو وهي مخلوقة: كأن مرادهم أن الله لم يتكلم بالقرآن العربي بل عندهم ~~أن القرآن العربي مخلوق. وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة والحديث. ويظن ~~هؤلاء أنهم يوافقون البخاري أو غيره ممن قد يفرق بين التلاوة والمتلو وليس ~~الأمر كذلك. ومن الآخرين من يقول: " التلاوة " هي المتلو ويريد بذلك أن نفس ~~ما تكلم الله به من الحروف والأصوات هو الأصوات المسموعة من القراء حتى ~~يجعل الصوت المسموع من العبد هو صوت الرب وهؤلاء يقولون: نفس صوت المخلوق ~~وصفته هي عين صفة الخالق وهؤلاء " اتحادية حلولية في الصفات " يشبهون ~~النصارى من بعض الوجوه وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة. ويظن هؤلاء أنهم ~~يوافقون أحمد وإسحاق وغيرهما ممن ينكر على " اللفظية " وليس الأمر كذلك؛ ~~فلهذا كان المنصوص عن الإمام أحمد وأئمة السنة والحديث أنه لا يقال: ~~ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ولا غير # PageV12P374 # مخلوقة. ولا أن التلاوة هي المتلو مطلقا ولا غير المتلو مطلقا؛ فإن اسم ~~القول والكلام قد يتناول هذا وهذا؛ ولهذا يجعل الكلام قسيما للعمل ليس قسما ~~منه في مثل ms4000 قوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وقد ~~يجعل قسما منه كما في قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين} {عما كانوا يعملون} . ~~قال طائفة من السلف عن قول لا إله إلا الله ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو ~~يتلوه آناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما ~~يعمل} ولهذا تنازع أصحاب أحمد فيمن حلف لا يعمل اليوم عملا هل يحنث ~~بالكلام؟ على قولين. ذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره. ولم تكن " اللفظية ~~الخلقية " ينكرون كون القرآن كلام الله حروفه ومعانيه وأن الله يتكلم بصوت؛ ~~بل قد يقولون: القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه؛ فإن الله يتكلم بصوت ~~كما نص عليه أحمد والبخاري وغيرهما من الأئمة وكما جاءت به الآثار؛ ولكن ~~يقولون المنزل إلى الأرض من الحروف والمعاني ليس هو نفس كلام الله الذي ليس ~~بمخلوق؛ بل ربما سموها حكاية عن كلام الله كما يقوله ابن كلاب أو عبارة عن ~~كلام الله كما يقوله الأشعري وربما سموها كلام الله؛ لأن المعنى مفهوم ~~عندهم. # PageV12P375 # ولكن لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلم لهم فيها ~~أصولا - هم واضعوها: من امتناع تكلمه تعالى بالحروف وامتناع قيام " الصفات ~~الاختيارية " بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك؛ ~~لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث - ~~اضطره ذلك إلى أن يقول: ليس كلام الله إلا مجرد المعنى وإن الحروف ليست من ~~كلام الله وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعري؛ وإن تنازعا في أن الرب كان في ~~الأزل آمرا ناهيا أو صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن. وفي أن " الكلام " هل ~~هو صفة واحدة كما يقوله الأشعري أو خمس صفات كما يقوله ابن كلاب. وصار ~~هؤلاء مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين. (أحدهما أن نصف القرآن من ~~كلام الله والنصف الآخر ليس كلام ms4001 الله عندهم؛ بل خلقه الله في الهواء أو في ~~اللوح المحفوظ أو أحدثه جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء في كونهم ~~جعلوا نصف القرآن مخلوقا موافقين لمن قال بخلقه؛ لكن هؤلاء يقولون: إن هذا ~~النصف المخلوق كلام الله وأولئك يقولون: هو مخلوق منفصل عن الله وهو كلامه؛ ~~لكن أولئك لا يجعلون لله كلاما متصلا به قائما بنفسه ولا معاني ولا حروفا. ~~وهؤلاء يقولون: لله كلام قائم به # PageV12P376 # متصل به هو معنى. فصار أولئك أشد بدعة في نفيهم حقيقة الكلام عن الله وفي ~~جعلهم كلام الله مخلوقا. وهؤلاء أشد بدعة في إخراجهم ما هو من كلام الله عن ~~أن يكون من كلام الله وصاروا في هذا موافقين الوحيد في بعض قوله لا في كله ~~وهو قولهم: إن نصف القرآن ليس قول الله: بل قول البشر. وربما استدل بعضهم ~~بأنه مضاف إلى الرسول فيكون هو أحدث حروفه ولم يتأمل هذا القائل فيرى أنه ~~أضافه تارة إلى رسول هو جبريل وتارة إلى رسول هو محمد بقوله في الآية ~~الأولى: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} ~~فهذا جبريل وقال في الآية الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر ~~قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} وهذا محمد فلو كانت ~~إضافته إليه لأنه ابتدأ حروفه وأحدثها لم يصلح أن يضاف إلى كل منهما؛ ~~لامتناع أن يكون كل منهما هو أحدث حروفه؛ ولأنه قال: {إنه لقول رسول} وهذا ~~إخبار عن القرآن الذي هو بالمعنى أحق عندهم وعند أهل السنة أيضا فلو كان ~~الرسول ابتدأه لكان القرآن من عنده لا من عند الله وإنما أضافه الله إلى ~~الرسول لأنه بلغه وأداه وجاء به من عند الله: ولهذا قال: {لقول رسول} ولم ~~يقل لقول ملك ولا نبي؛ بل جاء باسم الرسول ليتبين # PageV12P377 # أنه واسطة فيه وسفير والكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئا؛ لا لمن تكلم ~~به مبلغا مؤديا كما يقال مثل ذلك في جميع ms4002 كلام الناس فكيف بكلام الله؟ وهذا ~~على القول المشهور في التفسير المطابق لظاهر القرآن: أن الرسول في أحد ~~الموضعين محمد صلى الله عليه وسلم وفي الآخر جبريل عليه السلام. وأما على ~~قول طائفة جعلته في الموضعين جبريل فيكون الجواب هو الثاني والإثبات في ~~الحقيقة حجة لمن يقول إنما يتكلم بكلام الله ويقول قوله؛ لأنه جعل الرسول ~~يقول قول الله الذي أرسله به والمعنى يراد من هذا قطعا كما أريد منه اللفظ ~~أيضا. وأيضا فإن هؤلاء جعلوا الكلام الذي يتصف الله به معنى واحدا وهو ~~الأمر والنهي والخبر والاستخبار وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن ~~وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة وإن عبر عنه بالسريانية كان هو ~~الإنجيل وهذا مما أجمع جمهور العقلاء على أن فساده معلوم بالضرورة. و " ~~المعنى الثاني " الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إن القرآن ~~المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله لا حروفه ولا معانيه بل هو مخلوق عندهم ~~ويقولون: هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس؛ لأن # PageV12P378 # العبارة لا تشبه المعبر عنه؛ بخلاف الحكاية والمحكي وهذا فيه من زيادة ~~البدع ما لم يكن في قول " اللفظية " من أهل الحديث الذين أنكر عليهم أئمة ~~السنة وقالوا هم " جهمية " إذ جعلوا الحروف من إحداث الرسول وليست مما تكلم ~~الله به بحال وقالوا: إنه ليس لله في الأرض كلام ولم يكن أيضا في " اللفظية ~~" القدماء الذين يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق من يقول إن صوت العبد غير ~~مخلوق أو أن الصوت القديم يسمع من العبد أو أن هذا الصوت صوت الله أو يسمع ~~معه صوت الله؛ وإنما أحدث هذا أيضا المتطرفون منهم كما أحدث المتطرفون من ~~أولئك أن حروف القرآن ليست كلام الله؛ فإن هاتين " البدعتين " الشنيعتين لم ~~تكونا بعد ظهرتا في أولئك المنحرفين الذين أنكر الإمام أحمد وغيره قولهم من ~~الطائفتين وأن القرآن ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس وذلك المعنى إليه يعود ~~كلام الله من التوراة والإنجيل والقرآن. و " الأخرى " قد رأت حروف ms4003 القرآن ~~من كلام الله وأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه وأن المعنى الواحد يمتنع ~~أن يكون هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وأنه يمتنع أن يكون مدلول ~~التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وعلموا أنا إذا ترجمنا التوراة بالعربية لم ~~يصر معناها معنى القرآن وأن هذه الأقوال معلومة الفساد # PageV12P379 # بالضرورة عارضها بعضها؛ لأن القرآن حرف وصوت واعتقد بعضهم أنه ليس القرآن ~~والكلام إلا مجرد الحروف والأصوات وأولئك يقولون ليس الكلام إلا مجرد ~~المعنى القائم بالنفس. وكلا هذين السلبين الجحودين الحادثين خلاف ما كان ~~عليه الأئمة كالإمام أحمد وغيره من الأئمة وأعيان العلماء من سائر الطوائف. ~~فإن الكلام عندهم اسم للحروف والمعاني جميعا كما أن " الإنسان " الناطق ~~المتكلم اسم للجسد والروح جميعا ومن قال: إن الإنسان ليس إلا هذه الجملة ~~المشاهدة فهو بمنزلة من قال ليس الكلام إلا الأصوات المقطعة ومن قال: إن ~~الإنسان ليس إلا لطيفة وراء هذا الجسد فهو بمنزلة من قال: إن الكلام ليس ~~إلا معنى وراء هذه الحروف والأصوات وكلاهما جحد لبعض حقائق مسميات الأسماء ~~وإنكار لحدود ما أنزل الله على رسوله. # فصل: # ثم إن فروخ " اللفظية النافية " الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من ~~كلام الله تروي عن منازعيها أنهم يقولون: القرآن ليس هو إلا الأصوات ~~المسموعة من العبد وإلا المداد المكتوب في الورق، # PageV12P380 # وإن هذه الأصوات وهذا المداد قديمان وهذا القول ما قاله أحد ممن يقول إن ~~القرآن ليس إلا الحروف والأصوات؛ بل أنكروا ذلك وردوه وكذبوا من نقل عنهم: ~~أن المداد قديم ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون كما يحكى عن ~~أعيانهم مثل سكان بعض الجبال: أن الورق والجلد والوتد وما أحاط به من ~~الحائط كلام الله أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذي لا يقوله مسلم ولا ~~عاقل. وفروخ " اللفظية المثبتة " الذين يقولون إن القرآن ليس إلا الحروف ~~والصوت: تحكي عن منازعيها: أن القرآن ليس محفوظا في القلوب ولا متلوا ~~بالألسن ولا مكتوبا في المصاحف وهذا أيضا ليس قولا لأولئك؛ بل هم متفقون ~~على ms4004 أن القرآن محفوظ في القلوب متلو بالألسنة مكتوب في المصاحف لكن جهالهم ~~وغاليتهم إذا تدبروا حقيقة قول مقتصديهم - إن القرآن العربي لم يتكلم الله ~~به وإنه ليس إلا معنى واحد قائم بالذات وأصوات العباد ومداد المصحف يدل على ~~ذلك المعنى وأنه ليس لله في الأرض كلام في الحقيقة وليس في الأرض إلا ما هو ~~دال على كلام الله ولم يقل إلا ما هو دال على كلام الله وكلام الله إن عبر ~~عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه ~~بالسريانية كان إنجيلا وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتكلم الرب ~~بمشيئته وقدرته؛ إلى # PageV12P381 # أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين - أسقطوا حرمة المصحف وربما داسوه ~~ووطئوه وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها. وهؤلاء أشد كفرا ونفاقا ممن يقول ~~الجلد والورق كلام الله؛ فإن أولئك آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل وهؤلاء ~~كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله فسوف يعلمون؛ إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون. وأما أهل العلم بالمقالة ~~وأهل الإيمان بالشريعة فيعظمون المصحف ويعرفون حرمته ويوجبون له ما أوجبته ~~الشريعة من الأحكام فإنه كان في قولهم نوع من الخطأ والبدعة وفي مذهبهم من ~~التجهم والضلال ما أنكروا به بعض صفات الله وبعض صفات كلامه ورسله وجحدوا ~~بعض ما أنزل الله على رسله وصاروا مخانيث للجهمية الذكور المنكرين لجميع ~~الصفات لكنهم مع ذلك متأولون قاصدون الحق. وهم مع تجهمهم هذا يقولون: إن ~~القرآن مكتوب في المصحف مثل ما أن الله مكتوب في المصحف وإنه متلو بالألسن ~~مثل ما أن الله مذكور بالألسن ومحفوظ في القلوب مثل ما أن الله معلوم ~~بالقلوب وهذا القول فيه نوع من الضلال والنفاق والجهل بحدود ما أنزل الله ~~على رسوله ما فيه، وهو الذي أوقع الجهال في الاستخفاف بحرمة # PageV12P382 # آيات الله وأسمائه حتى ألحدوا في أسمائه وآياته. كما أن إطلاق الأولين: ~~أنه ليس للقرآن حقيقة إلا الحروف والأصوات ولا يفرق بين صوت الله المسموع ms4005 ~~منه وصوت القارئ وأن القرآن قديم أوقع الجهال منهم والكاذبين عليهم في ~~نقلهم عنهم: أن أصوات العباد والمداد الذي في المصحف قديم وأن الحروف التي ~~هي كلام الله هي المداد وإن كانوا لم يقولوا ذلك؛ بل أنكروه؛ كما فرق الله ~~بين الكلمات والمداد في قوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} فإن هؤلاء غلطوا " غلطين ~~" غلطا في مذهبهم وغلطا في الشريعة. أما الغلط في " تصوير مذهبهم " فكان ~~الواجب أن يقولوا: إن القرآن في المصحف مثل ما أن العلم والمعاني في الورق ~~فكما يقال: العلم في هذا الكتاب يقال: الكلام في هذا الكتاب؛ لأن الكلام ~~عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور له المثل بالعلم القائم بالذات لا ~~بالذات نفسها. وأما الغلط في " الشريعة " فيقال لهم: إن القرآن في المصاحف ~~مثل ما أن اسم الله في المصاحف؛ فإن القرآن كلام: فهو محفوظ بالقلوب كما ~~يحفظ الكلام بالقلوب وهو مذكور بالألسنة كما يذكر # PageV12P383 # الكلام بالألسنة وهو مكتوب في المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب في ~~المصاحف والأوراق والكلام الذي هو اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه والمعنى ~~يطابق الحقائق الموجودة. # فمن قال: إن القرآن محفوظ كما أن الله معلوم وهو متلو كما أن الله مذكور ~~ومكتوب كما أن الرسول مكتوب فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين: فإنه جعل ~~وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى ~~المطابق لها والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى {إنه لقرآن كريم} {في ~~كتاب مكنون} وبين قوله تعالى {وإنه لفي زبر الأولين} . فإن القرآن لم ينزل ~~على أحد قبل محمد: لا لفظه ولا جميع معانيه ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه ~~كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه فذكر القرآن في زبر الأولين كما أن ذكر محمد ~~في زبر الأولين وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. فالله ورسوله معلوم ~~بالقلوب مذكور بالألسن مكتوب في المصحف كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا ~~مذكور لهم مكتوب عندهم وإنما ذاك ms4006 ذكره والخبر عنه وأما نحن فنفس القرآن ~~أنزل إلينا ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا كما أن نفس القرآن في الكتاب ~~المكنون وهو في الصحف المطهرة. ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى {وكل شيء ~~فعلوه في الزبر} # PageV12P384 # وبين قوله تعالى {وكتاب مسطور} {في رق منشور} فإن الأعمال في الزبر ~~كالرسول وكالقرآن في زبر الأولين وأما " الكتاب المسطور في الرق المنشور " ~~فهو كما يكتب الكلام نفسه والصحيفة فأين هذا من هذا؟ وذلك أن كل شيء فله " ~~أربع مراتب " في الوجود: وجود في الأعيان ووجود في الأذهان: ووجود في ~~اللسان ووجود في البنان: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي. ولهذا كان أول ما ~~أنزل الله من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وذكر فيها أنه سبحانه معطي ~~الوجودين فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} فهذا الوجود ~~العيني ثم قال: {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم ~~يعلم} فذكر أنه أعطى الوجود العلمي الذهني وذكر التعليم بالقلم؛ لأنه ~~مستلزم لتعليم اللفظ والعبارة وتعليم اللفظ والعبارة مستلزم لتعليم المعنى ~~فدل بذكره آخر المراتب على أولها؛ لأنه لو ذكر أولها أو أطلق التعليم لم ~~يدل ذلك على العموم والاستغراق. وإذا كان كذلك فالقرآن كلام والكلام له " ~~المرتبة الثالثة " ليس بينه وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة؛ بل نفس الكلام ~~يثبت في الكتاب كما قال الله تعالى: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب # PageV12P385 # مكنون} وقال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} وقال: {يتلو صحفا ~~مطهرة} {فيها كتب قيمة} وقال: {كلا إنها تذكرة} {فمن شاء ذكره} {في صحف ~~مكرمة} {مرفوعة مطهرة} وقال: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} . وقد يقال: ~~إنه مكتوب فيها كما يطلق القول: إنه فيها كما قال تعالى: {والطور} {وكتاب ~~مسطور} {في رق منشور} وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من الأعيان ~~فإنما في الصحف اسمه وهو من الكلام؛ ولهذا قال: {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} وإنما في التوراة ~~كتابته ms4007 وذكره وصفته واسمه وهي " المرتبة الرابعة " منه فكيف يجوز تشبيه كون ~~القرآن أو الكلام في الصحف أو الورق بكون الله أو رسوله أو السماء أو الأرض ~~في الصحف أو الورق ولو قال قائل: الله أو رسوله في الصحف أو الورق لأنكر ~~ذلك؛ إلا مع قرائن تبين المراد كما في قوله: {وكل شيء فعلوه في الزبر} وفي ~~قوله: {وإنه لفي زبر الأولين} فإن المراد بذلك ذكره وكتابته. و " الزبر " ~~جمع زبور والزبور فعول بمعنى مفعول أي مزبور أي: مكتوب فلفظ الزبور يدل على ~~الكتابة وهذا مثل ما في الحديث المعروف {عن ميسرة الفجر: قال قلت: يا رسول ~~الله # PageV12P386 # متى كنت نبيا - وفي رواية متى كتبت نبيا -؟ قال: وآدم بين الروح والجسد} ~~رواه أحمد. فهذا الكون هو كتابته وتقديره وهو " المرتبة الرابعة " كما ~~تقدم. فإن هذه المرتبة تتقدم وجود المخلوقات عند الله وعند من شاء من خلقه؛ ~~وإن كانت قد تتأخر أيضا؛ ف {إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة} رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال ابن عباس في قوله: {إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون} إن الله يأمر الملائكة بأن تنسخ من اللوح المحفوظ ما كتبه من ~~القدر ويأمر الحفظة أن تكتب أعمال بني آدم فتقابل بين النسختين فتكونان ~~سواء ثم يقول ابن عباس: ألستم قوما عربا؟ وهل تكون النسخة إلا من أصل؟ . ~~والتقدير والكتابة تكون تفصيلا بعد جملة. فالله تعالى لما قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة لم يظهر ذلك التقدير ~~للملائكة ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره كما يظهر ~~لهم ذلك من كل مولود كما في الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة ~~مثل ذلك ثم # PageV12P387 # يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه ms4008 الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع ~~كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد} وفي طريق آخر وفي رواية {ثم ~~يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو ~~سعيد ثم ينفخ فيه الروح} . فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: ~~أن الملك يؤمر بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد بعد خلق جسد ابن آدم ~~وقبل نفخ الروح فيه. فكان ما كتبه الله من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو سيد ولد آدم بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه من هذا الجنس كما ~~في الحديث الآخر الذي في المسند وغيره عن العرباض بن سارية {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في ~~طينته} وهذا وأمثاله من وجود الأعيان في الصحف. # وأما وجود الكلام في الصحف فنوع آخر؛ ولهذا حكى ابن قتيبة من مذهب أهل ~~الحديث والسنة: أن القرآن في المصحف حقيقة لا مجازا كما يقوله بعض المتكلمة ~~وإحدى " الجهميات " التي أنكرها أحمد وأعظمها قول من زعم أن القرآن ليس في ~~الصدور ولا في المصاحف وأن من قال ذلك فقد قال بقول النصارى كما حكي له ذلك ~~عن موسى # PageV12P388 # ابن عقبة الصوري - أحد كتبة الحديث إذ ذاك؛ ليس هو صاحب المغازي؛ فإن ذلك ~~قديم من أصحاب التابعين - فأعظم ذلك أحمد وذكر النصوص والآثار الواردة وذلك ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم {استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور ~~الرجال من النعم من عقلها} ومثل قوله: {الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن ~~كالبيت الخرب} وغير ذلك. وليس الغرض هنا إلا التنبيه اللطيف. ومن قال: إن ~~هذا شبه قول النصارى فلم يعرف قول النصارى ولا قول المسلمين أو علم وجحد؛ ~~وذلك أن النصارى تقول: إن الكلمة وهي جوهر إله عندهم ورب معبود تدرع ~~الناسوت واتحد به كاتحاد الماء واللبن أو حل فيه حلول الماء في الظرف أو ~~اختلط به اختلاط النار والحديد ms4009 والمسلمون لا يقولون إن القرآن جوهر قائم ~~بنفسه معبود وإنما هو كلام الله الذي تكلم به ولا يقولون اتحد بالبشر. وأما ~~إطلاق حلوله في المصاحف والصدور فكثير من المنتسبين إلى السنة الخراسانيين ~~وغيرهم يطلق ذلك ومنهم من العراقيين وغيرهم من ينفي ذلك ويقول: هو فيه على ~~وجه الظهور لا على وجه الحلول # PageV12P389 # ومنهم من لا يثبته ولا ينفيه بل يقول: القرآن في القلوب والمصاحف لا يقال ~~هو حال ولا غير حال؛ لما في النفي والإثبات من إيهام معنى فاسد وكما يقول ~~ذلك طوائف من الشاميين وغيرهم ولا نزاع بينهم: أن كلام الله لا يفارق ذات ~~الله وأنه لا يباينه كلامه ولا شيء من صفاته؛ بل ليس شيء من صفة موصوف ~~تباين موصوفها وتنتقل إلى غيره فكيف يتوهم عاقل أن كلام الله يباينه وينتقل ~~إلى غيره؟ ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه وقد جاء ~~في الأحاديث والآثار: " أنه منه بدأ ومنه خرج " ومعنى ذلك أنه هو المتكلم ~~به لم يخرج من غيره ولا يقتضي ذلك أنه باينه وانتقل عنه فقد قال سبحانه في ~~حق المخلوقين: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} ومعلوم أن ~~كلام المخلوق لا يباين محله وقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو ~~معنى تبليغه كما قال: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} وقال تعالى: {الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه} وقال تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم ~~يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه} وقال {: ~~بلغوا عني ولو آية} . والكلام في الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف # PageV12P390 # والعرض بالجوهر. بحيث تصير صفة له ولا هو فيه كما يكون الجسم في الحيز ~~الذي انتقل إليه من حيز آخر ولا هو فيه كمجرد الدليل المحض بمنزلة العالم ~~الذي هو دليل على الصانع؛ بل هو قسم ms4010 آخر معقول بنفسه ولا يجب أن يكون لكل ~~موجود نظير يطابقه من كل وجه؛ بل الناس بفطرهم يفهمون معنى كلام المتكلم في ~~الصحيفة ويعلمون أن كلامه الذي قام به لم يفارق ذاته ويحل في غيره ويعلمون ~~أن ما في الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى في نفسه ابتداء بل ما في الصحيفة ~~مطابق للفظه ولفظه مطابق لمعناه ومعناه مطابق للخارج وقد يعلم ما في نفسه ~~بأدلة طبعية وبحركات إرادية لم يقصد بها الدلالة ولا يقول أحد إن ذلك ~~الكلام للمتكلم مثل كلامه المسموع منه فلو كان الكلام إنما سمي بذلك لمجرد ~~الدلالة لشاركه كل دليل وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ذلك. ولو كان ما في ~~المصحف وجب احترامه لمجرد الدلالة وجب احترام كل دليل؛ بل الدال على الصانع ~~وصفاته أعظم من الدال على كلامه وليست له حرمة كحرمة المصحف والدال على ~~المعنى القائم بنفس الإنسان قد يعلم تارة بغير اختياره وقد يعلم بأصوات ~~طبعية كالبكاء وقد يعلم بحركات لم يقصد بها الدلالة وقد يعلم بحركات يقصد ~~بها الدلالة كالإشارة وقد يعلم باللفظ الذي تقصد به الدلالة. # PageV12P391 # فصل: # وصار هؤلاء الذين غلطوا مذهب " اللفظية " وزادوا فيه شرا كثيرا إذ قالوا: ~~" القراءة " غير المقروء و " التلاوة " غير المتلو و " الكتابة " غير ~~المكتوب إنما يعنون بالقراءة أصوات القارئين وب " الكتابة " مداد الكاتبين ~~ويعنون أن هذا غير المعنى القائم بالذات الذي هو كلام الله وإنما هو دلالة ~~عليه وعبارة عنه؛ وليس عندهم إلا قراءة ومقروء فلم يبق إلا صوت ومداد ومعنى ~~قائم بالذات؛ ليس ثم قرآن غير ذلك. وأسقطوا حروف كلام الله التي تكلم بها ~~وحقيقة معاني القرآن التي في نفس الله تعالى وأسقطوا أيضا معاني القرآن ~~التي في نفوس القارئين والمستمعين؛ فإنه لا ريب أن القرآن الذي نقرؤه فيه ~~حروف ومعاني حروف منطوقة ومسطورة؛ فإذا لم يكن عندهم إلا صوت العبد وحبر ~~المصحف فأين المعاني؟ وأين حروف القرآن التي أنزلها الله؟ وإن كانت عندهم ~~مخلوقة. وكيف يتصور أن لا يكون لجميع ما ms4011 أنزل الله تعالى من الكتب إلا معنى ~~واحد يكون أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا # PageV12P392 # وتكون هذه أوصافه لا أقسامه؟ فإن هؤلاء يقولون: إن معاني جميع كلام الله ~~معنى واحد فمعنى: {تبت يدا أبي لهب} هو معنى {قل هو الله أحد} ومعنى ~~التوراة هو معنى القرآن والإنجيل. ثم قد يجعلون معاني الكلام كلها الخبر ~~وقد يجعلون معنى الخبر العلم ويجعلون العلم بهذا غير العلم بهذا. ولهذا كان ~~أكثر العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم بالاضطرار ويقولون: الأمر والنهي ~~والخبر صفات إضافية للكلام وليست هي أنواع الكلام وأقسامه وكلام الله شأنه ~~أعظم من شأن كلام المخلوقين والكلام الذي في المصحف هو من هذا القسم الأخير ~~دون الأقسام المتقدمة فكيف إذا كان لذلك اللفظ من الخصائص ما قيل فيه: {قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا} . لكن من الأشياء ما يدل على غيره بقصد منه ومنها ما ~~يدل على غيره بغير قصد منه للدلالة كالجامدات فإن فيها مقاصد غير دلالتها ~~على الخالق ومن الأشياء ما لا يقصد به إلا الدلالة. بحيث إذا ذكر ما يقصد ~~بذكره ذكر مدلوله كالاسم مع مسماه فالمقصود من الاسم هو المسمى؛ فلهذا إذا ~~ذكر الاسم كان المقصود به المسمى وكذلك " اللفظ " مع المعنى الذي هو مدلوله ~~وكذلك " الخط " مع اللفظ فالمقصود من الخط # PageV12P393 # إنما هو اللفظ والمقصود من الحروف المرسومة هو الحروف المنطوقة؛ ولهذا ~~كان لفظ الحرف مقولا عليهما جميعا. فإذا قيل: الكلام من الكتاب عرف أن ~~المقصود مما في الكتاب هو الكلام دون غيره ولهذا كان لهذا من الاختصاص ~~بالحرمة ما ليس لما يقصد منه الدلالة وغير الدلالة والله أعلم. # فصل: # وصار أولئك الذين غلطوا مذهب " اللفظية المثبتة " الذين يقولون: لفظنا ~~بالقرآن غير مخلوق ويقولون: " التلاوة " هي المتلو و " الكتابة " هي ~~المكتوب وما عندهم من القرآن إلا ما توهموا من الحروف والأصوات يلتزم ~~أحدهم: أن الصوت القديم يسمع من القارئ ويوهمون المخالف لهم أن عين الصوت ~~المسموع ms4012 من العبد هو عين الصوت الذي تكلم الله به وينكرون معاني حقائق ~~القرآن أن تكون من كلام الله ولا يجعلون المعنى من كلام الله وكان السلف ~~يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق والقرآن حيث تصرف فهو كلام الله غير ~~مخلوق. و " اللفظية المبتدعة المثبتة " الذين أنكر عليهم الإمام أحمد وغيره # PageV12P394 # إنما قالوا لفظنا به غير مخلوق. ولم يقولوا قديم. فجاءت المغلطة لمذهبهم ~~فقالوا: لفظنا به قديم ولفظنا به أصواتنا فأصواتنا به قديمة. والإمام أحمد ~~وسائر الأئمة من أصحابه الذين صحبوه وغيرهم ومن بعدهم من الأئمة ينكرون هذه ~~" المراتب الأربع " فإنهم ينكرون أن يقال: لفظي به غير مخلوق فكيف لفظي به ~~قديم؟ فكيف صوتي به غير مخلوق؟ فكيف صوتي به قديم؟ أو بعض الصوت المسموع ~~قديم؟ ونحو ذلك. # فصل: # ومن تأمل نصوص " الإمام أحمد " في هذا الباب وجدها من أسد الكلام وأتم ~~البيان ووجد كل طائفة منتسبة إلى السنة قد تمسكت منها بما تمسكت ثم قد يخفى ~~عليها من السنة في موضع آخر ما ظهر لبعضها فتنكره. ومنشأ النزاع بين أهل ~~الأرض والاضطراب العظيم الذي لا يكاد ينضبط في هذا الباب يعود إلى " أصلين ~~". " مسألة " تكلم الله بالقرآن وسائر كلامه. و " مسألة " تكلم العباد ~~بكلام الله. # PageV12P395 # وسبب ذلك أن التكلم والتكليم له مراتب ودرجات وكذلك تبليغ المبلغ لكلام ~~غيره له وجوه وصفات ومن الناس من يدرك من هذه الدرجات والصفات بعضها وربما ~~لم يدرك إلا أدناها. ثم يكذب بأعلاها فيصيرون مؤمنين ببعض الرسالة كافرين ~~ببعضها ويصير كل من الطائفتين مصدقة بما أدركته مكذبة بما مع الآخرين من ~~الحق. وقد بين الله في كتابه وسنة رسوله ذلك فقال تعالى: {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ~~وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داود زبورا} {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا ms4013 لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما} وقال: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس} . ففي هذه الآية خص بالتكليم بعضهم وقد صرح في الآية الأخرى بأنه ~~كلم موسى تكليما واستفاضت الآثار بتخصيص موسى بالتكليم فهذا التكليم الذي ~~خص به موسى على نوح وعيسى ونحوهما ليس هو # PageV12P396 # التكليم العام الذي قال فيه: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فإن هذه الآية قد جمع فيها ~~جميع درجات التكليم كما ذكر ذلك السلف. فروينا في كتاب " الإبانة " لأبي ~~نصر السجزي وكتاب البيهقي وغيرهما عن عقبة قال: سئل ابن شهاب عن هذه الآية: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} قال ابن شهاب: نزلت هذه الآية تعم من أوحى ~~الله إليه من البشر. فكلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب والوحي ما ~~يوحي الله إلى النبي من أنبيائه عليهم السلام ليثبت الله عز وجل ما أراد من ~~وحيه في قلب النبي ويكتبه وهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين ~~رسله ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ~~ولكنهم يحدثون به الناس حديثا ويبينونه لهم؛ لأن الله أمرهم أن يبينوه ~~للناس ويبلغوهم إياه ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ~~ملائكته فيكلمون به أنبياءه من الناس ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من ~~الملائكة فيوحيه وحيا في قلب من يشاء من رسله. قلت: فالأول الوحي وهو ~~الإعلام السريع الخفي: إما في اليقظة # PageV12P397 # وإما في المنام فإن رؤيا الأنبياء وحي ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح وقال ~~عبادة بن الصامت - ويروى مرفوعا -: {رؤيا المؤمن ms4014 كلام يكلم به الرب عبده في ~~المنام} وكذلك في " اليقظة " فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر} وفي ~~رواية في الصحيح " مكلمون " وقد قال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي وبرسولي} وقال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} . بل قد ~~قال تعالى: {وأوحى في كل سماء أمرها} وقال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} ~~فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومناما. وقد يكون بصوت هاتف يكون ~~الصوت في نفس الإنسان ليس خارجا عن نفسه يقظة ومناما كما قد يكون النور ~~الذي يراه أيضا في نفسه. فهذه " الدرجة " من الوحي التي تكون في نفسه من ~~غير أن يسمع صوت ملك في أدنى المراتب وآخرها وهي أولها باعتبار السالك وهي ~~التي أدركتها عقول الإلهيين من فلاسفة الإسلام الذين فيهم إسلام وصبوء ~~فآمنوا ببعض صفات الأنبياء والرسل - وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم - ولكن ~~كفروا بالبعض فتجد بعض # PageV12P398 # هؤلاء يزعم أن النبوة مكتسبة أو أنه قد استغنى عن الرسول أو أن غير ~~الرسول قد يكون أفضل منه وقد يزعمون: أن كلام الله لموسى كان من هذا النمط ~~وأنه إنما كلمه من سماء عقله وأن الصوت الذي سمعه كان في نفسه أو أنه سمع ~~المعنى فائضا من العقل الفعال أو أن أحدهم قد يصل إلى مقام موسى. ومنهم من ~~يزعم أنه يرتفع فوق موسى ويقولون: إن موسى سمع الكلام بواسطة ما في نفسه من ~~الأصوات ونحن نسمعه مجردا عن ذلك. ومن هؤلاء من يزعم أن جبريل الذي نزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم هو الخيال النوراني: الذي يتمثل في نفسه كما يتمثل ~~في نفس النائم ويزعمون أن القرآن أخذه محمد عن هذا الخيال المسمى بجبريل ~~عندهم؛ ولهذا قال ابن عربي صاحب " الفصوص " و " الفتوحات المكية ": إنه ~~يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك: الذي يوحي به إلى الرسول. وزعم أن ~~مقام " النبوة " دون الولاية ms4015 وفوق " الرسالة " فإن محمدا - بزعمهم الكاذب - ~~يأخذ عن هذا الخيال النفساني - الذي سماه ملكا - وهو يأخذ عن العقل المجرد ~~الذي أخذ منه هذا الخيال. ثم هؤلاء لا يثبتون لله كلاما اتصف به في الحقيقة ~~ولا يثبتون أنه قصد إفهام أحد بعينه؛ بل قد يقولون لا يعلم أحدا بعينه؛ إذ ~~علمه # PageV12P399 # وقصده عندهم إذا أثبتوه لم يثبتوه إلا كليا لا يعين أحدا بناء على أنه ~~يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي. وقد يقرب أو يقرب من ~~مذهبهم من قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام - مع أنه كفر ~~باتفاق المسلمين - فقد وقع في كثير منه من له فضل في الكلام والتصوف ونحو ~~ذلك ولولا أني أكره التعيين في هذا الجواب لعينت أكابر من المتأخرين. وقد ~~يكون الصوت الذي يسمعه خارجا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك من ~~ملائكته أو غير ملك وهو الذي أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم واعتقدوا ~~أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحي الذي هو أحد أقسام ~~التكليم أو قسيم التكليم بالرسول. وهو " القسم الثاني " حيث قال تعالى: {أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فهذا إيحاء الرسول. وهو غير الوحي الأول ~~من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام. وإيحاء الرسول أيضا " أنواع " ~~ففي الصحيحين {عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو ~~أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ~~فأعي ما يقول قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته # PageV12P400 # ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا} . ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم أن نزول الملك عليه تارة يكون في الباطن بصوت مثل ~~صلصلة الجرس. وتارة يكون متمثلا بصورة رجل يكلمه كما كان جبريل يأتي في ~~صورة دحية الكلبي وكما تمثل لمريم بشرا سويا وكما جاءت الملائكة ms4016 لإبراهيم ~~وللوط في صورة الآدميين كما أخبر الله بذلك في غير موضع وقد سمى الله كلا ~~النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيا؛ لما في ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه ~~يحتاج أن يعلم أنه ملك وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في ~~الصوت. و " القسم الثالث " التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام ~~ولهذا سمى الله هذا " نداء " و " نجاء " فقال تعالى: {وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا} وقال تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} {إني ~~أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى} {وأنا اخترتك فاستمع لما ~~يوحى} وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله} وقال تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ~~وقال بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: {وكلم الله موسى تكليما} فمن جعل هذا من ~~جنس الوحي الأول - كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة # PageV12P401 # ومن تكلم في التصوف على طريقهم كما في " مشكاة الأنوار " وكما في " كتاب ~~خلع النعلين " وكما في كلام الاتحادية كصاحب " الفصوص " وأمثاله - فضلاله ~~ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع؛ بل وصريح المعقول من أبين الأمور. وكذلك ~~من زعم: أن تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الإلهام والوحي؛ وأن الواحد ~~منا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى - كما يوجد مثل ذلك في كلام طائفة من ~~فروخ الجهمية الكلابية ونحوهم - فهذا أيضا من أعظم الناس ضلالا. وقد دل ~~كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيهما عموم وخصوص. فإذا ~~كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه ~~الآية واندرج التكليم في الوحي العام حيث قال تعالى: {فاستمع لما يوحى} ~~وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي: الذي يشترك فيه ~~الأنبياء وغيرهم كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص ~~الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} ثم ~~قال ms4017 تعالى: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم} " فالإيحاء " ليس ~~بتكليم ولا يناقض الكلام وقوله تعالى في الآية الأخرى: {ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا} إن جعل # PageV12P402 # معنى الاستثناء منقطعا اتفق معنى التكليم في الآيتين وإن جعل متصلا كان ~~التكليم مثل التكليم في سورة الشورى وهو التكليم العام؛ وقد تبين أنه إنما ~~كلم موسى تكليما خاصا كاملا بقوله: {منهم من كلم الله} مع العلم بأن الجميع ~~أوحى إليهم وكلمهم التكليم العام وبأنه فرق بين تكليمه وبين الإيحاء إلى ~~النبيين وكذا التكليم بالمصدر وبأنه جعل التكليم من وراء حجاب قسما غير ~~إيحائه وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تكليمه الخاص ~~لموسى منه إليه وقد ثبت أنه كلمه بصوت سمعه موسى كما جاءت الآثار بذلك عن ~~سلف الأمة وأئمتها موافقة لما دل عليه الكتاب والسنة. وغلطت هنا " الطائفة ~~الثالثة " الكلابية. فاعتقدت أنه إنما أوحى إلى موسى عليه السلام معنى ~~مجردا عن صوت. واختلفت هل يسمع ذلك؟ فقال بعضهم يسمع ذلك المعنى بلطيفة ~~خلقها فيه قالوا: إن السمع والبصر والشم والذوق واللمس معان تتعلق بكل ~~موجود كما قال ذلك الأشعري وطائفة وقال بعضهم لم يسمع موسى كلام الله فإنه ~~عنده معنى والمعنى لا يسمع كما قال ذلك القاضي أبو بكر وطائفة. وهذا الذي ~~أثبتوه في جنس الوحي العام الذي فرق الله عز وجل # PageV12P403 # بينه وبين تكليمه لموسى عليه السلام حيث قال: {إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله: {وكلم الله موسى تكليما} وفرق ~~بين إيحائه وبين تكليمه من وراء حجاب حيث قال: {إلا وحيا أو من وراء حجاب} ~~وحيث فرق بين الرسول المكلم وغيره بقوله تعالى: {منهم من كلم الله} . لكن ~~هؤلاء يثبتون أن لله كلاما هو معنى قائم بنفسه هو متكلم به وبهذا صاروا ~~خيرا ممن لا يثبت له كلاما إلا ما أوحى في نفس النبي من المعنى؛ أو ما سمعه ~~من الصوت المحدث ولكن لفرط ردهم على هؤلاء زعموا: أنه لا ms4018 يكون كلاما لله ~~بحال إلا ما قام به؛ فإنه لا يقوم به إلا المعنى. فأنكروا أن تكون الحروف ~~كلام الله وأن يكون القرآن العربي كلام الله. وجاءت " الطائفة الرابعة " ~~فردوا على هؤلاء دعواهم أن يكون الكلام مجرد المعنى فزعم بعضهم أن الكلام ~~ليس إلا الحرف أو الصوت فقط وإن المعاني المجردة لا تسمى كلاما أصلا؛ وليس ~~كذلك؛ بل الكلام المطلق اسم للمعاني والحروف جميعا وقد يسمى أحدهما كلاما ~~مع التقييد كما يقول النحاة: " الكلام " اسم وفعل وحرف. فالمقسوم هنا اللفظ ~~وكما قال الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتكلم على التفكر ~~وبالتفكر على التدبر ويناطقون القلوب حتى نطقت. وكما قال # PageV12P404 # الجنيد: " التوحيد " قول القلب " والتوكل " عمل القلب. فجعلوا للقلب نطقا ~~وقوة كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم للنفس حديثا في قوله: {إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها} - ثم قال -: {ما لم تتكلم به أو تعمل به} ~~. فعلم أن " الكلام المطلق " هو ما كان بالحروف المطابقة للمعنى وإن كان مع ~~التقييد قد يقع بغير ذلك حتى إنهم قد يسمون كل إفهام ودلالة يقصدها الدال ~~قولا سواء كانت باللفظ أو الإشارة أو العقد - عقد الأصابع - وقد يسمون أيضا ~~الدلالة قولا وإن لم تكن بقصد من الدال مثل دلالة الجامدات كما يقولون: ~~قالت: " اتساع بطنه ". وامتلأ الحوض وقال قطني قطني رويدا قد ملأت بطني ~~وقالت له العينان سمعا وطاعة ويسمى هذا لسان الحال ودلالة الحال ومنه ~~قولهم: سل الأرض من فجر أنهارك وسقى ثمارك وغرس أشجارك؟ فإن لم تجبك حوارا ~~أجابتك اعتبارا. ومنه قولهم: تخبرني العينان ما القلب كاتم ولا خير في ~~الحياء والنظر الشزر ومنه قولهم: # PageV12P405 # سألت الدار تخبرني ... عن الأحباب ما فعلوا # فقالت لي أناخ القوم ... أياما وقد رحلوا # وقد يسمى شهادة وقد زعم طائفة أن ما ذكر في القرآن من تسبيح المخلوقات هو ~~من هذا الباب وهو دلالتها على الخالق تعالى؛ ولكن الصواب أن ثم تسبيحا آخر ~~زائدا على ما فيها من الدلالة كما قد سبق ms4019 في موضع آخر؛ لكن هذا كله يكون مع ~~التقييد والقرينة؛ ولهذا يصح سلب الكلام والقول عن هذه الأشياء كما قال ~~تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} وقال تعالى: {أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} وقال الخليل عليه السلام ~~{فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وقال تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} {ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون} وقال تعالى: {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} وقال ~~تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وهذا معلوم بالضرورة والتواتر ~~وهو سلب القول والكلام عن الحي الساكت والعاجز فكيف عن الموات وقد علم أن ~~الله تعالى موصوف بغاية صفات الكمال وأن الرسل قد أثبتوا أنه متكلم بالكلام ~~الكامل التام في غاية الكمال فمن لم يجعل كلامه إلا مجرد معنى أو مجرد حروف ~~أو مجرد حروف وأصوات فما قدر الله حق قدره ومن لم يجعل كلامه إلا ما يقوم # PageV12P406 # بغيره فقد سلبه الكمال وشبهه بالموات وكذلك من لم يجعله يتكلم بمشيئته أو ~~جعله يتكلم بمشيئته وقدرته ولكن جعل الكلام من جملة المخلوقات وجعله يوصف ~~بمخلوقاته أو جعله يتكلم بعد أن لم يكن متكلما فكل من هذه الأقوال وإن كان ~~فيه إثبات بعض الحق ففيه رد لبعض الحق ونقص لما يستحقه الله من الكمال. # فصل: # وكل من هؤلاء أدرك من درجات الكلام وأنواعه بعض الحق. وكذلك " الأصل ~~الثاني " وهو تكلمنا بكلام الله؛ فإن الكتاب والسنة والإجماع دل على أن هذا ~~الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله لا كلام غيره ولو قال أحد: إن حرفا منه ~~أو معنى ليس هو من كلام الله أو أنه كلام غير الله وسمع ذلك منه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه لعلم بالاضطرار أنهم كانوا يقابلونه بما ~~يقابلون أهل الجحود والضلال؛ بل قد أجمع الخلائق على نحو ذلك في كل كلام. ~~فجميع الخلق الذين يعلمون أن قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل # PageV12P407 # من شعر لبيد يعلمون أن هذا ms4020 كلام لبيد وأن قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ~~ومنزل هو من كلام امرئ القيس مع علمهم أنهم إنما سمعوها من غيره بصوت ذلك ~~الغير فجاء المؤمنون ببعض الحق دون بعض فقالوا: ليس هذا أو لا نسمع إلا صوت ~~العبد ولفظه؛ ثم قال " النفاة ": ولفظ العبد محدث وليس هو كلام الله فهذا ~~المسموع محدث وليس هو كلام الله. وقالت " المثبتة ": بل هذا كلام الله وليس ~~إلا لفظه أو صوته فيكون لفظه أو صوته كلام الله وكلام الله غير مخلوق أو ~~قديم فيكون لفظه أو صوته غير مخلوق أو قديم. وكل من الفريقين قد علم الناس ~~بالضرورة من دين الأمة؛ بل وبالعقل أنه مخطئ في بعض ما قاله مبتدع فيه؛ ~~ولهذا أنكر الأئمة ذلك وإذا رجع أحدهم إلى فطرته وجد الفرق بين أن يشير إلى ~~الكلام المسموع فيقال: هذا كلام زيد وبين أن يقول هذا صوت زيد ويجد فطرته ~~تصدق بالأول وتكذب بالثاني قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {زينوا القرآن ~~بأصواتكم} ". وكل أحد يعلم بفطرته ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الكلام # PageV12P408 # كلام الباري والصوت صوت القارئ؛ ولهذا قال " الإمام أحمد " لأبي طالب لما ~~قرأ عليه: {قل هو الله أحد} وقال له: هذا غير مخلوق فحكى عنه أنه قال: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق قال له: أنا قلت لك لفظي غير مخلوق؟ قال: لا. ولكن قرأت ~~عليك: {قل هو الله أحد} فقلت: هذا غير مخلوق. فبين أحمد الفرق بين أن يقول: ~~هذا الكلام غير مخلوق أو يقول: لفظ هذا المتكلم غير مخلوق؛ لأن قوله لفظي " ~~مجمل " يدخل فيه فعله ويدخل فيه صوته. فإذا قيل: لفظي أو تلاوتي أو قراءتي ~~غير مخلوقة أو هي المتلو أشعر ذلك أن فعل العبد وصوته قديم وأن ما قام به ~~من المعنى والصوت هو عين ما قام بالله من المعنى والصوت وإذا قال: لفظي ~~بالقرآن أو تلاوتي للقرآن أو لفظ القرآن أو ms4021 تلاوته مخلوقة أو التلاوة غير ~~المتلو أو القراءة غير المقروء أفهم ذلك أن حروف القرآن ليست من كلام الله ~~بحال وأن نصف القرآن كلام الله ونصفه كلام غيره وأفهم ذلك أن قراءة الله ~~للقرآن مباينة لمقروئه وتلاوته للقرآن مباينة لمتلوه وأن قراءة العبد ~~للقرآن مباينة لمقروء العبد وتلاوته له مباينة لمتلوه وأفهم ذلك أنما نزل ~~إلينا ليس هو كلام الله؛ لأن المقروء والمتلو هو كلام الله والمغايرة عند ~~هؤلاء تقتضي المباينة فما باين كلامه لم يكن كلاما له فلا يكون هذا الذي ~~أنزله كلامه. # PageV12P409 # ولما كان الكلام إنما يكون بحركة وفعل تنشأ عنه حروف ومعان صار الكلام ~~يدخل في اسم الفعل والعمل: تارة باعتبار الحركة والفعل ويخرج عنه تارة ~~باعتبار الحروف والمعاني؛ ولهذا يجيء في الكتاب والسنة قسما منه تارة كما ~~في قوله تعالى {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة} وقسيما له أخرى كما في قوله تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} . ولهذا تنازع العلماء فيما إذا حلف لا يعمل ~~عملا في هذا المكان ولم يكن له نية ولا سبب يفيد هل يحنث بالكلام؟ على ~~قولين في مذهب الإمام أحمد وغيره وذكروهما روايتين عن أحمد؛ ولهذا قال أبو ~~محمد بن قتيبة في كتابه الذي ألفه في بيان " اللفظ " أن القراءة قرآن وعمل ~~لا يتميز أحدهما عن الآخر فمن قال: إنها قرآن فهو صادق ومن حلف إنها عمل ~~فهو بار وأخطأ من أطلق: أن القراءة مخلوقة وأخطأ من زعم أنها غير مخلوقة ~~ونسبهما جميعا إلى قلة العلم وقصور الفهم؛ فإن هذه المسألة خفيت على ~~الطائفتين لغموضها؛ فإن إحدى الطائفتين وجدت القراءة تسمى قرآنا فنفت الخلق ~~عنها والأخرى وجدت القراءة فعلا يثاب صاحبه عليه فأثبتت حدوثه. # PageV12P410 # قلت: والخطأ في هذا الأصل في طرفين كما أنه في الأصل الأول في طرفين. ففي ~~الأصل الأول من قال: ms4022 إنه ليس له كلام قائم به ومن قال: ليس كلامه إلا معنى ~~مجرد أو صوت مجرد. وفي هذا الأصل من قال: كلامه لا يقوله غيره أو لا يسمع ~~من غيره ومن قال: كلامه إذا أبلغه غيره وأداه فحاله كحاله إذا سمعه منه ~~وتلاه بل كلامه يقوله: رسله وعباده ويتكلمون به ويتلونه ويقرءونه فهو كلامه ~~حيث تصرف وحيث تلي وحيث كتب وكلامه ليس بمخلوق حيث تصرف؛ وهو مع هذا فليس ~~حاله إذا قرأه العباد وكتبوه كحاله إذا قرأه الله وسمعوه منه ولا من يسمعه ~~من القارئ بمنزلة موسى بن عمران الذي سمع كلام رب العالمين منه كما جاء في ~~الحديث: " {إذا سمع الخلائق القرآن يوم القيامة من الله فكأنهم لم يسمعوه ~~قبل ذلك} " بل ولا تلاوة الرسول وسمعه منه كتلاوة غيره وسمعه منه؛ بل ولا ~~تلاوة بعض الناس والسماع منه كتلاوة بعض الناس والسماع منه وهو كلام الله ~~تعالى الذي ليس بمخلوق في جميع أحواله وإن اختلفت أحواله. ومما يجب أن يعرف ~~أن قول الله ورسوله والمؤمنين لما أنزله الله: هذا كلام الله؛ بل وقول ~~الناس لما يسمعونه من كلام الناس: هذا كلام فلان كقولهم لمثل قوله: " {إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل # PageV12P411 # امرئ ما نوى} " هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمثل قوله: ألا ~~كل شيء ما خلا الله باطل هذا شعر لبيد. فليس قولهم: هذا هو هذا؛ لأنه مساو ~~له في النوع كما يقال: هذا السواد هو هذا السواد؛ فإن هذا يقولونه لما اتفق ~~من الكلامين والعلمين؛ والقدرتين والشخصين. ويقولون في مثل ذلك: وقع الخاطر ~~على الخاطر كوقع الحافر على الحافر. وفي الحقيقة فهو إنما هو مثله كما قال ~~تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} وهم يقولون: هذا هو هذا مع ~~اتفاقهما في الصفات وقد يكون مع اختلافهما اختلافا غير مقصود كما أنهم ~~يقولون للعين الواحدة إذا اختلفت صفتها هذه عين هذه ولا هو أيضا بمنزلة من ~~تمثل بكلام لغيره سواء كان نظما أو نثرا مثل ms4023 أن يتمثل الرجل بقول لغيره ~~فيصير متكلما به متشبها بالمتكلم به أولا وهذا مثل أن نقول قولا قاله غيرنا ~~موافقين لذلك القائل في صحة القول. ولهذا قال الفقهاء: إن من قال ما يوافق ~~لفظ القرآن على وجه # PageV12P412 # الذكر والدعاء مثل أن يقول عند ابتداء الفعل بسم الله وعند الأكل الحمد ~~لله ونحو ذلك لم يكن قارئا وجاز له ذلك مع الجنابة ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} رواه مسلم. فجعلها أفضل الكلام ~~بعد القرآن وأخبر أنها من القرآن فهي من القرآن. وإذا قالها على وجه الذكر ~~لم يكن قارئا. لكن هذا الوجه قد يضاف فيه الكلام إلى الأول وإن لم يقصد ~~الثاني تبليغ كلامه؛ لأنه هو الذي أنشأ الحقيقة ابتداء والثاني قالها ~~احتذاء فإذا تمثل الرجل بقول الشاعر وإن لم يقصد تبليغ شعره: ألا كل شيء ما ~~خلا الله باطل قيل له هذا كلام لبيد؛ لكن الثاني قد لا يقصد إلا أن يتكلم ~~به ابتداء لاعتقاده صحة معناه. ومن هنا تنازع أهل العلم في " حروف الهجاء " ~~وفي " الأسماء " المنزلة في القرآن وفي " كلمات " في القرآن إذا تمثل الرجل ~~بها ولم يقصد بها القراءة هل يقال: ليست مخلوقة لأنها من القرآن؟ أو يقال: ~~إذا لم يقصد بها القرآن وكلام الله فليست من كلام الله فتكون # PageV12P413 # مخلوقة على قولين لأهل السنة. وأما الإنسان إذا قال ما هو كلام لغيره ~~يقصد تبليغه وتأديته أو التكلم به معتقدا أنه إنما قصد التكلم بكلام غيره ~~الذي هو الآمر بأمره. المخبر بخبره؛ المتكلم ابتداء بحروفه ومعانيه فهنا ~~الكلام كلام الأول قطعا ليس كلاما للثاني بوجه من الوجوه وإنما وصل إلى ~~الناس بواسطة الثاني. وليس للكلام نظير من كل وجه فيشتبه به وإنما هو أمر ~~معقول بنفسه فإن كلام زيد المخلوق وإن كان قد عدم مثلا وعدم أيضا ما قام به ~~من الصفة فإذا رواه عنه راو آخر ms4024 وقلنا: هذا كلام زيد. فإنما نشير إلى ~~الحقيقة التي ابتدأ بها زيد واتصف بها وهذه هي تلك بعينها: أعني الحقيقة ~~الصورية؛ لا المادة؛ فإن الصوت المطلق بالنسبة إلى الحروف الصوتية المقطعة ~~بمنزلة المادة والصورة وهو لم يكن كلاما للمتكلم الأول؛ لأجل الصوت المطلق ~~الذي يشترك فيه صوت الآدميين والبهائم العجم والجمادات وإنما هو لأجل ~~الصورة التي ألفها زيد مع تأليفه لمعانيها. ووجود هذه الصورة في المادتين ~~ليس بمنزلة وجود الأنواع والأشخاص في الأعيان ولا بمنزلة وجود الأعراض في ~~الجواهر ولا # PageV12P414 # هو بمنزلة سائر الصور في موادها الجوهرية؛ بل هو حقيقة قائمة بنفسها وليس ~~لكل حقيقة نظير مطابق من كل وجه. وإذا قالوا: هذا شعر لبيد فإنما يشيرون ~~إلى اللفظ والمعنى جميعا. ثم مع هذا لو قال القائل: أنا أنشأت لفظ هذا ~~الشعر أو هذا اللفظ من إنشائي أو لفظي بهذا الشعر من إنشائي لكذبه الناس ~~كلهم وقالوا له: بل أنت رويته وأنشدته. أما أن تكون أحدثت لفظه أو هو محدث ~~البارحة بلفظك؛ أو لفظك به محدث البارحة فكذب؛ لأن لفظ هذا الشعر موجود من ~~دهر طويل وإن كنت أنت أديته بحركتك وصوتك فالحركة والصوت أمر طبيعي يشركك ~~فيه الحيوان ناطقه وأعجمه فليس لك فيه حظ من حيث هو كلام ولا من حيث هو ~~كلام ذلك الشاعر؛ إذ كونه كلاما أو كلاما لمتكلم هو مما يختص به المتكلم؛ ~~إنما أديته بآلة يشركك فيها العجماوات والجمادات؛ لكن الحمد لله الذي جعل ~~لك من العقل والتمييز ما تهتدي به ويسير به لسانك ولم يجعل ذلك للعجماوات؛ ~~فجعل فعلك وصفتك تعينك على عقل الكلام والتكلم به ولم يجعل فعل العجم ~~وصفتها كذلك. فإذا كان هذا في مخلوق بلغ كلام مخلوق مثله فكيف الظن بكلام ~~الخالق جل جلاله الذي فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه # PageV12P415 # فإن له شأنا آخر يختص به لا يشبه بتبليغ سائر الكلام كما أنه في نفسه لا ~~يشبه سائر الكلام وليس له مثل يقدر عليه أحد من الخلق؛ بخلاف ms4025 سائر ما يبلغ ~~من كلام البشر؛ فإن مثله مقدور فلا يجوز إضافة هذا الكلام المسموع الذي هو ~~القرآن إلى غير الله بوجه من الوجوه؛ إلا على سبيل التبليغ كقوله تعالى: ~~{إنه لقول رسول كريم} والله سبحانه قد خاطبنا به بواسطة الرسول كما تقدم. ~~وقد بسطت الكلام في هذه المواضع التي هي محارات العقول التي اضطربت فيها ~~الخلائق في الموضع الذي يليق به؛ فإن هذا جواب فتيا لا يليق به إلا التنبيه ~~على جمل الأمور وإثبات وجوب نسبة الكلام إلى من بدأ منه لفظه ومعناه دون من ~~بلغه عنه وأداه وأنه كلام المتصف به مبتدئا حقيقة سواء سمع منه أو سمع ممن ~~بلغه وأداه بفعله وصوته مع العلم بأن أفعال العباد وصفاتهم مخلوقة وأن قول ~~الله ورسوله والمؤمنين: هذا كلام الله وما بين اللوحين كلام الله حقيقة لا ~~ريب فيه وأن " القرآن " الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه ويحفظونه هو كلام ~~الله تعالى وكلام الله حيث تصرف غير مخلوق. وأما ما اقترن بتبليغه وقراءته ~~من أفعال العباد وصفاتهم فإنه مخلوق. لكن هذا الموضع فيه اشتباه وإشكال لا ~~تحتمل تحريره وبسطه هذه الفتوى؛ لأن صاحبها مستوفز عجلان يريد أخذها؛ ولأن ~~في # PageV12P416 # ذلك من الدقة والغموض ما يحتاج إلى ذكر النصوص وبيان معانيها وضرب ~~الأمثال التي توضح حقيقة الأمر وليس هذا موضعه. بل الذي يعلم من حيث " ~~الجملة " أن الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم في الأمة لسان صدق عام ~~لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب؛ بل كان بعضهم أعظم علما به وقياما بواجبه ~~من بعض. وقد غلط في بعض ذلك من أكابر الناس جماعات. وقد رد الإمام أحمد ~~عامة البدع في هذا الباب هو والأئمة. # فأول ما ابتدع الجهمية القول " بخلق القرآن " و " نفي الصفات " فأنكرها ~~من كان في ذلك الوقت من التابعين ثم تابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة ~~وكفروا قائلها. ثم ابتدع بعض أهل الحديث والكلام الذين ناظروا الجهمية: ~~القول بأن القرآن المنزل مخلوق أو أنه ليس بكلام الله أو أنه ms4026 ليس في ~~المصاحف ولا في الصدور وأنكر بعضهم أن تكون حروف القرآن كلام الله أو أن ~~يكون الله تكلم بالصوت وأنكر الإمام أحمد وأئمة وقته ذلك. وقابلهم قوم من ~~أهل الكلام والحديث؛ فزعموا أن ألفاظ العباد وأصوات العباد غير مخلوقة أو ~~ادعوا أن بعض أفعال العباد أو صفاتهم غير مخلوقة أو أن ما يسمع من الناس من ~~القرآن هو مثل ما يسمع # PageV12P417 # من الله تعالى من كل وجه ونحو ذلك. فأنكر الإمام أحمد وعامة أئمة وقته ~~وأصحابه وغيرهم من العلماء ذلك. وإنكار جميع هذه البدع وردها موجود عن ~~الإمام أحمد وغيره من الأئمة في الكتب الثابتة مثل " كتاب السنة " للخلال و ~~" الإبانة " لابن بطة و " كتب المحنة " التي رواها حنبل وصالح و " كتاب ~~السنة " لعبد الله بن أحمد و " السنة " للالكائي و " السنة " لابن أبي حاتم ~~وما شاء الله من الكتب. فأما ### | الرد على " الجهمية " # القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن ففي كلام التابعين وتابعيهم والأئمة ~~المشاهير من ذلك شيء كثير وفي " مسألة القرآن " من ذلك آثار كثيرة جدا. مثل ~~ما روى ابن أبي حاتم وابن شاهين واللالكائي وغيرهم من غير وجه عن علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قيل له يوم صفين: حكمت رجلين فقال: ما حكمت ~~مخلوقا ما حكمت إلا القرآن وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة فلما وضع ~~الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له فوثب إليه ابن عباس ~~فقال له: مه القرآن منه. وفي رواية: القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج ~~وإليه يعود. وعن عبد الله بن مسعود قال: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية ~~كفارة فمن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع. # PageV12P418 # ومن المستفيض عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وربما وقفه بعضهم على ~~سفيان والأول هو المشهور - قال: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة ~~يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ومشايخ عمرو من لقي ~~عمرو من الصحابة والتابعين. وعن ms4027 علي بن الحسين زين العابدين وابنه جعفر بن ~~محمد: ليس القرآن بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. ومثل هذا مأثور عن ~~الحسن البصري وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى وأبي ~~حنيفة وابن أبي ذئب وابن الماجشون والأوزاعي والشافعي وأبي بكر بن عياش ~~وهشيم وعلي بن عاصم وعبد الله بن المبارك وأبي إسحاق الفزاري ووكيع بن ~~الجراح والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن ~~معاذ وأبي يوسف ومحمد والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وبشر بن ~~الحارث ومعروف الكرخي وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي ثور والبخاري ومسلم ~~وأبي زرعة وأبي حاتم ومن لا يحصى كثرة. قال أبو القاسم اللالكائي - وقد سمى ~~علماء القرون الفاضلة ومن يليهم الذين نقل عنهم في كتابه أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق " - فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا من التابعين وأتباع ~~التابعين والأئمة # PageV12P419 # المرضيين - سوى الصحابة - على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام وفيهم ~~نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتمذهبوا بمذاهبهم ولو اشتغلت بنقل ~~قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر لا ~~ينكر عليهم المنكر ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو ~~صلبه. قال: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق الجعد بن درهم ~~ثم " الجهم بن صفوان " وكلاهما قتله المسلمون. وممن أفتى بقتل هؤلاء: مالك ~~بن أنس ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان بن عيينة وأبو جعفر المنصور ~~الخليفة ومعمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ ~~بن معاذ ووكيع بن الجراح وأبوه وعبد الله بن داود الخريبي وبشر بن الوليد - ~~صاحب أبي يوسف - وأبو مصعب الزهري وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور وأحمد ~~بن حنبل وغير هؤلاء من الأئمة. # وكذلك ذم " الواقفة " وتضليلهم - الذين لا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق - ~~مأثور عن جمهور هؤلاء الأئمة مثل ابن الماجشون وأبي مصعب ووكيع بن الجراح ~~وأبي الوليد ms4028 وأبي الوليد الجارودي صاحب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وأبي ~~ثور وإسحاق بن راهويه، # PageV12P420 # ومن لا يحصي عدده إلا الله. # وأما البدعة الثانية - المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له - وهي " ~~مسألة اللفظية " فقد أنكر بدعة " اللفظية " الذين يقولون: إن تلاوة القرآن ~~وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم جعلوهم من الجهمية وبينوا أن قولهم: ~~يقتضي القول بخلق القرآن وفي كثير من كلامهم تكفيرهم. وكذلك من يقول: إن ~~هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو عبارة عنه أو أنه ليس ~~في المصحف والصدور إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور ونحو ذلك ~~وهذا محفوظ عن الإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي مصعب الزهري وأبي ثور ~~وأبي الوليد الجارودي ومحمد بن بشار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن ~~يحيى بن أبي عمرو العدني ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن أسلم الطوسي وعدد ~~كثير لا يحصيهم إلا الله من أئمة الإسلام وهداته. وكذلك أنكر بدعة " ~~اللفظية المثبتة " - الذين يقولون: إن لفظ العباد أو صوت العباد به غير ~~مخلوق أو يقولون إن التلاوة التي هي فعل العبد وصوته غير مخلوقة - الأئمة ~~الذين بلغتهم هذه # PageV12P421 # البدعة: مثل الإمام أحمد بن حنبل وأبي عبد الله البخاري صاحب الصحيح وأبي ~~بكر المروذي أخص أصحاب الإمام أحمد بن حنبل به وأخذ في ذلك أجوبة علماء ~~الإسلام إذ ذاك: ببغداد والبصرة والكوفة والحرمين والشام وخراسان وغيرهم: ~~مثل عبد الوهاب الوراق وأبي بكر الأثرم ومحمد بن بشار بندار وأبي الحسين ~~علي بن مسلم الطوسي ويعقوب الدورقي ومحمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الله ~~المخرمي الحافظ ومحمد بن إسحاق الصاغاني والعباس بن محمد الدوري وعلي بن ~~داود القنطري ومثنى بن جامع الأنباري وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ~~ومحمد بن يحيى الأزدي والحسن بن عبد العزيز الجروي وعبد الكريم بن الهيثم ~~العاقولي وأبي موسى بن أبي علقمة النفروني وغيره من علماء المدينة ومحمد بن ~~عبد الرحمن المقري وأبي الوليد بن أبي الجارود وأحمد بن ms4029 محمد بن القاسم بن ~~أبي مرة وغيرهم من أهل مكة وأحمد بن سنان الواسطي وعلي بن حرب الموصلي ومن ~~شاء الله تعالى من أئمة أهل السنة وأهل الحديث من أصحاب الإمام أحمد بن ~~حنبل وغيرهم ينكرون على من يجعل لفظ العبد بالقرآن أو صوته به أو غير ذلك ~~من صفات العباد المتعلقة بالقرآن غير مخلوقة ويأمرون بعقوبته بالهجر وغيره ~~وقد جمع بعض كلامهم في ذلك أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " # PageV12P422 # ومن المشهور في " كتاب صريح السنة " لمحمد بن جرير الطبري وهو متواتر عنه ~~لما ذكر الكلام في أبواب السنة قال: وأما القول في " ألفاظ العباد بالقرآن ~~" فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا إلا عمن في قوله الشفاء ~~والعفاء وفي اتباعه الرشد والهدى ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبي ~~عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا ~~عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول " اللفظية " جهمية يقول الله: {حتى ~~يسمع كلام الله} ممن يسمع؟ قال ابن جرير: وسمعت جماعة من أصحابنا - لا أحفظ ~~أسماءهم - يحكون عنه أنه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ~~ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. قال ابن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن ~~نقوله غير قوله إذ لم يكن لنا إمام نأتم به سواه وفيه الكفاية والمقنع وهو ~~الإمام المتبع. وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل في " كتاب المحنة " ~~تناهى إلي أن أبا طالب حكى عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق فأخبرت ~~أبي بذلك فقال: من أخبرك فقلت: فلان فقال: ابعث إلى أبي طالب فوجهت إليه ~~فجاء وجاء فوران فقال له أبي: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب # PageV12P423 # وجعل يرتعد فقال له: قرأت عليك {قل هو الله أحد} فقلت لي: هذا ليس بمخلوق ~~قال له: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني: أنك وضعت ~~ذلك في كتابك وكتبت ms4030 به إلى قوم فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو واكتب إلى ~~القوم الذين كتبت إليهم: أني لم أقل هذا وغضب وأقبل عليه فقال: تحكي عني ما ~~لم أقل لك؟ فجعل فوران يعتذر له وانصرف من عنده وهو مرعوب فعاد أبو طالب ~~فذكر أنه حك ذلك من كتابه وأنه كتب إلى القوم يخبرهم؟ أنه وهم على أبي عبد ~~الله في الحكاية. قال الفضل بن زياد: كنت أنا والبستي عند أبي طالب قال: ~~فأخرج إلينا كتابه وقد ضرب على المسألة وقال: كان الخطأ من قبلي وأنا ~~أستغفر الله وإنما قرأت على أبي عبد الله القرآن فقال: هذا غير مخلوق كان ~~الوهم من قبلي يا أبا العباس وقال الخلال في: " السنة " حدثنا المروزي قال ~~لي أبو عبد الله قد غيظ قلبي على ابن شداد قلت: أي شيء حكى عنك؟ قال: حكى ~~عني في اللفظ فبلغ ابن شداد أن أبا عبد الله قد أنكر عليه فجاءنا حمدون بن ~~شداد بالرقعة فيها مسائل فأدخلتها على أبي عبد الله فنظر فرأى فيها: أن ~~لفظي بالقرآن غير مخلوق - مع مسائل فيها - فقال أبو عبد الله: فيها كلام ما ~~تكلمت به فقام من الدهليز فدخل # PageV12P424 # فأخرج المحبرة والقلم وضرب أبو عبد الله على موضع: لفظي بالقرآن غير ~~مخلوق وكتب أبو عبد الله بخطه بين السطرين: القرآن حيث تصرف غير مخلوق. ~~وقال: ما سمعت أحدا تكلم في هذا بشيء وأنكر على من قال: لفظي بالقرآن غير ~~مخلوق. وقال الخلال في " كتاب السنة ": أخبرني زكريا بن الفرج الوراق قال ~~حدثنا أبو محمد فوران قال جاءني صالح - وأبو بكر المروذي عندي - فدعاني إلى ~~أبي عبد الله وقال: إنه قد بلغ أبي أن أبا طالب قد حكى عنه أنه يقول: لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق فقمت إليه فتبعني صالح فدار صالح من بابه فدخلنا على أبي ~~عبد الله فإذا أبو عبد الله غضبان شديد الغضب بين الغضب في وجهه فقال لأبي ~~بكر: اذهب فجئني بأبي طالب فجاء أبو طالب وجعلت أسكن أبا ms4031 عبد الله قبل مجيء ~~أبي طالب وأقول: له حرمة فقعد بين يديه - وهو متغير اللون - فقال له أبو ~~عبد الله: حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: إنما حكيت عن ~~نفسي فقال: لا تحك هذا عنك ولا عني فما سمعت عالما يقول هذا - أو العلماء ~~شك فوران - وقال له: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف فقلت لأبي طالب - ~~وأبو عبد الله يسمع - إن كنت حكيت هذا لأحد فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد ~~الله نهى عن # PageV12P425 # هذا؟ فخرج أبو طالب فأخبر غير واحد - بنهي أبي عبد الله - منهم أبو بكر ~~بن زنجويه والفضل بن زياد القطان وحمدان بن علي الوراق وأبو عبيد وأبو عامر ~~وكتب أبو طالب بخطه إلى أهل نصيبين - بعد موت أبي عبد الله - يخبرهم أن أبا ~~عبد الله نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق وجاءني أبو طالب بكتابه وقد ~~ضرب على المسألة من كتابه قال زكريا بن الفرج: فمضيت إلى عبد الوهاب الوراق ~~فأخذ الرقعة فقرأها فقال لي: من أخبرك بهذا عن أحمد فقلت له: فوران بن محمد ~~فقال: الثقة المأمون على أحمد قال زكريا: وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر ~~المروذي عبد الوهاب فصار عند عبد الوهاب شاهدان. قال زكريا وسمعت عبد ~~الوهاب قال: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق يهجر ولا يكلم ويحذر عنه وكان ~~قبل ذلك قال: هو مبتدع. وروى الخلال عن أبي الحارث قال سمعت رجلا يقول لأبي ~~عبد الله يا أبا عبد الله أليس نقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق بمعنى من ~~المعاني وعلى كل حال وجهة؟ فقال أبو عبد الله: نعم. واستيعاب هذا يطول. ~~وكذلك في كلام الإمام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم من إضافة صوت # PageV12P426 # العبد بالقرآن إليه ما يطول كما جاء الحديث النبوي بذلك: مثل قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} " وقوله: {لله أشد أذنا إلى ~~الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} " فذكر الخلال في ~~(كتاب القرآن عن إسحاق ms4032 بن إبراهيم قال قال لي أبو عبد الله يوما - وكنت ~~سألته عنه -: تدري ما معنى من لم يتغن بالقرآن؟ قلت: لا. قال: هو الرجل ~~يرفع صوته فهذا معناه إذا رفع صوته فقد تغنى به وعن منصور بن صالح أنه قال ~~لأبيه: يرفع صوته بالقرآن بالليل؟ قال: نعم إن شاء رفعه " ثم ذكر حديث أم ~~هانئ: {كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على عريش من الليل} " ~~وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: " {زينوا القرآن بأصواتكم} " فقال: " ~~التزيين " أن تحسنه. وعن الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن ~~القراءة: فقال يحسنه بصوته من غير تكلف وقال أبو بكر الأثرم سألت أبا عبد ~~الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: كل شيء محدث؛ فإنه لا يعجبني إلا أن يكون ~~صوت الرجل لا يتكلفه قال القاضي أبو يعلى فيما علقه بخطه على " جامع الخلال ~~": هذا يدل من كلامه على أن صوت القارئ ليس هو الصوت القديم؛ لأنه أضافه ~~إلى القارئ الذي هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان. # PageV12P427 # وأما ما في كلام أحمد والأئمة من إنكارهم على من يقول إن هذا القرآن ~~مخلوق وإن القراءة مخلوقة وتعظيمهم لقول من يقول: إنه ليس في الصدور قرآن ~~ولا في المصاحف قرآن وزعم من زعم أن من قال ذلك فقد قال بقول النصارى ~~والحلولية فإنكار أحمد وغيره هذه المقالات كثير شائع موجود في كتب كثيرة ~~ولم تكن هذه الفتيا محتاجة إلى تقرير هذا الأصل فلم يحتج إلى تفصيل الكلام ~~فيه؛ بخلاف الأصل الآخر وقد ذكرنا من ذلك ما يسره الله في غير هذا الموضع ~~ولو ذكرت ما في كلام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم: من الرد على من يقول: لفظ ~~العبد أو صوته غير مخلوق أو يقول: إن الصوت المسموع من القاري قديم لطال. ~~وهذا أبو نصر السجزي قد صنف " الإبانة " المشهور وهو من أعظم القائلين: بأن ~~التلاوة هي المتلو واللفظ بالقرآن هو القرآن وهو غير مخلوق وأنكر ما سوى ~~ذلك عن أحمد ms4033 ومع هذا فقد قال: فإن اعترض خصومنا فقالوا: أنتم وإن قلتم: ~~القراءة قرآن وكلام الله فلا تطلقون أن الصوت المسموع من القاري صوت الله؛ ~~بل تنسبونه إلى القاري وإذا لم يمكنكم إطلاق ذلك دل على أنه غير القرآن قال ~~أبو نصر: فالجواب أن اعتصامنا في هذا الباب بظاهر الشرع # PageV12P428 # وقولنا في القراءة والصوت غير مختلف وإذا قرأ القارئ القرآن لا يقول: إن ~~هذه قراءة الله ولا يجيز ذلك بوجه: بل ينسب القراءة إلى القارئ توسعا لوجود ~~التحويل منه وإنما يقول إن قراءة القاري قرآن وقد ثبت ذلك في الشرع باتفاق ~~الكل؛ فإن الأشعري مع مخالفته لنا يقول: المسموع من القاري قرآن وقد بينا: ~~أن التمييز بين القراءة والقرآن في هذا الموضع الذي اختلفنا فيه غير ممكن ~~وكذلك يقول: إن الصوت المسموع من قارئ القرآن قراءة وقرآن والشرع يوجب ما ~~قلناه لا أعلم خلافا بين المسلمين في ذلك. # فصل: # وأما نصوص الإمام أحمد على " خلق كلام الآدميين " و " خلق أفعال العباد " ~~فموجودة في مواضع كثيرة كما نص على ذلك سائر الأئمة. وليس بين أهل السنة في ~~ذلك اختلاف؛ ولهذا قال يحيى بن سعيد القطان شيخ الإمام أحمد: ما زلت أسمع ~~أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة وقد سئل الإمام أحمد عن أفاعيل العباد ~~مخلوقة هي؟ فقال نعم. ونص على كلام الآدميين في رواية أحمد بن الحسن ~~الترمذي كما سيأتي وفيما خرجه على " الزنادقة والجهمية " وهو # PageV12P429 # مروي من طريق ابنه عبد الله وجادة (1) . # وقد ذكره الخلال أيضا في " كتاب السنة " ونقل منه القاضي أبو يعلى وغيره ~~وقد حكى إجماع الخلق على ذلك غير واحد منهم أبو نصر السجزي في " الإبانة " ~~وهو من أشد الناس إنكارا على من يقول: إن ألفاظ العباد بالقرآن مخلوقة أو ~~يقول: إن المسموع من القارئ ليس هو القرآن. قال أبو نصر: وأما نسبة الأصوات ~~إلى القراء - فيما ذكرنا في هذا الباب وفي غيره من كتابنا هذا - ونسبة ~~القراءة إليهم وإن فرح بها الزائغون فلا حجة لهم فيها؛ وذلك أنا ms4034 لم نختلف ~~في إضافة الصوت إلى الإنسان وأنه إذا صاح أو تكلم بكلام الناس أو نادى ~~إنسانا فصوته مخلوق. قال: وهذا لا يشتبه: وإنما وقع الاختلاف في أن المستمع ~~من قارئ القرآن ماذا يستمع؟ وساق الكلام إلى آخره. وذكر في موضع آخر " ~~الإجماع " أيضا على ذلك. # فصل: # وإنما نبهت على أصل مقالة الإمام أحمد وسائر أئمة السنة وأهل الحديث في " ~~مسألة تلاوتنا للقرآن " لأنها أصل ما وقع من الاضطراب PageV12P430 # والتنازع في هذا الباب مثل " مسألة الإيمان " هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ ~~و " مسألة نور الإيمان " و " الهدى " ونحو ذلك من المسائل التي يكثر تنازع ~~أهل الحديث والسنة فيها ويتمسك كل فريق ببعض من الحق فيصيرون بمنزلة الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب مختلفين في الكتاب كل منهم بمنزلة الذي يؤمن ببعض ~~ويكفر ببعض وهم عامتهم في جهل وظلم: جهل بحقيقة الإيمان والحق وظلم الخلق ~~ويقع بسببها بين الأمة من التكفير والتلاعن ما يفرح به الشيطان ويغضب له ~~الرحمن ويدخل به من فعل ذلك فيما نهى الله عنه من التفرق والاختلاف ويخرج ~~عما أمر الله به من الاجتماع والائتلاف. وأصل ذلك القرب والاتصال الحاصل ~~بين ما أنزله الله تعالى من القرآن والإيمان الذي هو من صفاته وبين أفعال ~~العباد وصفاتهم؛ فلعسر الفرق والتمييز يميل قوم إلى زيادة في الإثبات. ~~وآخرون إلى زيادة في النفي؛ ولهذا كان مذهب الإمام أحمد والأئمة الكبار: ~~النهي عن الإثبات العام والنفي العام؛ بل إما الإمساك عنهما - وهو الأصلح ~~للعموم وهو جمل الاعتقاد. وأما التفصيل المحقق فهو لذي العلم من أهل ~~الإيمان كما أن الأول لعموم أهل الإيمان. وهذه المسألة لها أصلان: # PageV12P431 # أحدهما أن " أفعال العباد مخلوقة " وقد نص عليها الأئمة أحمد وغيره وسائر ~~أئمة أهل السنة والجماعة المخالفين للقدرية واتفقت الأمة على أن أفعال ~~العباد محدثة. و (الأصل الثاني مسألة " تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به " ~~هل يقال إنه مخلوق أو غير مخلوق؟ والإمام أحمد قد نص على رد المقالتين هو ~~وسائر أئمة السنة من المستقدمين والمستأخرين؛ ms4035 لكن كان رده على " اللفظية ~~النافية " أكثر وأشهر وأغلظ لوجهين. # أحدهما: أن قولهم يفضي إلى زيادة التعطيل والنفي وجانب النفي - أبدا - شر ~~من جانب الإثبات؛ فإن الرسل جاءوا بالإثبات المفصل في صفات الله وبالنفي ~~المجمل: فوصفوه بالعلم والرحمة والقدرة والحكمة والكلام والعلو وغير ذلك من ~~الصفات وفي النفي: {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له كفوا أحد} . وأما الخارجون ~~عن حقيقة الرسالة: من الصابئة والفلاسفة والمشركين وغيرهم ومن تجهم من ~~أتباع الأنبياء فطريقتهم " النفي المفصل " ليس كذا ليس كذا وفي الإثبات أمر ~~مجمل ولهذا يقال: المعطل أعمى والمشبه أعشى. فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من ~~أهل التعطيل. # الوجه الثاني: أن أحمد إنما ابتلي بالجهمية المعطلة فهم خصومه، # PageV12P432 # فكان همه منصرفا إلى رد مقالاتهم؛ دون أهل الإثبات؛ فإنه لم يكن في ذلك ~~الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة في الإثبات؛ كما ظهر من كان يدعو إلى ~~زيادة في النفي. والإنكار يقع بحسب الحاجة والبخاري لما ابتلي " باللفظية ~~المثبتة " ظهر إنكاره عليهم كما في تراجم آخر " كتاب الصحيح " وكما في " ~~كتاب خلق الأفعال " مع أنه كذب من نقل عنه أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق من ~~جميع أهل الأمصار وأظنه حلف على ذلك وهو الصادق البار. # فصل: # وقد نص أحمد على نفس هذه " المسألة " في غير موضع فروى أبو القاسم ~~اللالكائي في " أصول السنة " قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال حدثنا عمرو بن ~~جعفر قال؛ حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: قلت لأحمد بن حنبل: إن الناس ~~قد وقعوا في القرآن فكيف أقول؟ فقال أليس أنت مخلوقا؟ قلت: نعم قال: فكلامك ~~منك مخلوق؟ قلت: نعم قال: أفليس القرآن من كلام الله؟ قلت: نعم قال: وكلام ~~الله من الله؟ قلت: نعم قال: فيكون من الله شيء مخلوق. # PageV12P433 # بين أحمد للسائل: أن الكلام من المتكلم وقائم به؛ لا يجوز أن يكون الكلام ~~غير متصل بالمتكلم ولا قائم به؛ بدليل أن كلامك أيها المخلوق منك؛ لا من ~~غيرك فإذا كنت أنت مخلوقا وجب أن يكون كلامك ms4036 أيضا مخلوقا وإذا كان الله ~~تعالى غير مخلوق امتنع أن يكون ما هو منه وبه مخلوقا. وقصده بذلك الرد على ~~" الجهمية " الذين يزعمون أن كلام الله ليس من الله ولا متصل به. فبين أن ~~هذا الكلام ليس هو معنى كون المتكلم متكلما ولا هو حقيقة ذلك ولا هو مراد ~~الرسل والمؤمنين من الإخبار عن أن الله قال ويقول وتكلم بالقرآن ونادى ~~وناجى ودعا ونحو ذلك مما أخبرت به عن الله رسله واتفق عليه المؤمنون به من ~~جميع الأمم؛ ولهذا قال تعالى: {ولكن حق القول مني} وقال: {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم} وقال تعالى: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} ~~وقال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} . وليس ~~القرآن عينا من الأعيان القائمة بنفسها حتى يقال: هذا مثل قوله: {وسخر لكم ~~ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وإنما هو صفة كالعلم والقدرة ~~والرحمة والغضب والإرادة والنظر والسمع ونحو ذلك؛ وذلك لا يقوم إلا بموصوف ~~وكل معنى له اسم # PageV12P434 # وهو قائم بمحل وجب أن يشتق لمحله منه اسم وأن لا يشتق لغير محله منه اسم. ~~فكما أن الحياة والعلم والقدرة إذا قام بموصوف وجب أن يشتق له منه اسم الحي ~~والعالم والقادر؛ ولا يشتق الحي والعالم والقادر لغير من قام به العلم ~~والقدرة فكذلك القول والكلام والحب والبغض والرضا والرحمة والغضب والإرادة ~~والمشيئة إذا قام بمحل وجب أن يشتق لذلك الموصوف منه الاسم والفعل فيقال: ~~هو الصادق والشهيد والحكيم والودود والرحيم والآمر ولا يشتق لغيره منه اسم. ~~فلو لم يكن الله سبحانه وتعالى هو القائل بنفسه: {أنا الله لا إله إلا أنا} ~~بل أحدث ذلك في غيره لم يكن هو الآمر بهذه الأمور ولا المخبر بهذا الخبر ~~ولكان ذلك المحل هو الآمر بهذا الأمر المخبر بهذا الخبر وذلك المحل: إما ~~الهواء وإما غيره فيكون ذلك المحل المخلوق هو القائل لموسى: {إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا فاعبدني} ولهذا كان السلف يقولون في ms4037 هذه الآية وأمثالها: من ~~قال: إنه مخلوق فقد كفر. ويستعظمون القول بخلق هذه الآية وأمثالها أكثر من ~~غيرها يعظم عليهم أن تقوم دعوى الإلهية والربوبية لغير الله تعالى. ولهذا ~~كان مذهب جماهير " أهل السنة والمعرفة " - وهو المشهور عند أصحاب الإمام ~~أحمد وأبي حنيفة وغيرهم: من المالكية والشافعية # PageV12P435 # والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام: من الكرامية وغيرهم - أن كون ~~الله سبحانه وتعالى خالقا ورازقا ومحييا ومميتا وباعثا ووارثا وغير ذلك من ~~صفات فعله وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق ومذهب الجمهور أن ~~الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الله القائم به والمخلوق هو المخلوقات ~~المنفصلة عنه. وذهب طوائف من " أهل الكلام " من المعتزلة والأشعرية ومن ~~وافقهم: من الفقهاء الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم إلى أنه ليس لله ~~صفة ذاتية من أفعاله وإنما الخلق هو المخلوق أو مجرد نسبة وإضافة وهذا ~~اختيار ابن عقيل وأول قولي القاضي أبي يعلى وهؤلاء عندهم حال الذات التي ~~تخلق وترزق أو لا تخلق ولا ترزق سواء. وبهذا نقضت المعتزلة على من ناظرها ~~من الصفاتية الأشعرية ونحوهم؛ لما استدلت الصفاتية بما تقدم من " القاعدة ~~الشريفة " فقالوا: ينتقض عليكم بالخالق والرازق وغير ذلك من أسماء الأفعال؛ ~~فإن الخلق والرزق قائم بغيره وقد اشتق له منه اسم الخالق والرازق؛ ولم يقم ~~به صفة فعل أصلا فكذلك الصادق والحكيم والمتكلم والرحيم والودود وهذا النقض ~~لا يلزم جماهير الأمة وعامة أهل السنة والجماعة؛ فإن الباب عندهم واحد وليس ~~هذا قولا بقدم مخلوقاته أو مفعولاته سواء قيل: أن نفس فعله القائم به قديم ~~فقط كما يقوله كثير من هؤلاء # PageV12P436 # الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والكلام والصوفية - ~~أو يقولون له عند إحداث المخلوقات أحوال ونسب كما يقوله كثير من هؤلاء: ~~الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام من الطوائف كلها. وذلك لأن القول ~~في ذلك كالقول في مشيئته وإرادته فإنه وإن كان مذهب أهل السنة وسائر ~~الصفاتية أنها قديمة فليست مراداته قديمة وكذلك صفة الخلق والتكوين؛ وذلك ~~لأن الشرع والعقل ms4038 يدل على أن حال الخالق والرازق الفاطر المحيي المميت ~~الهادي النصير ليس حاله في نفسه كحاله لو لم يبدع هذه الأمور؛ ولهذا قال ~~سبحانه وتعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} . فالفرق بين الخالق وغير الخالق ~~كالفرق بين القادر وغير القادر. والمخالف يقول إنما هو موصوف بالقدوة التي ~~تتناول ما يخلقه وما لا يخلقه سواء في نفسه كان خالقا أو لم يكن خالقا ليس ~~له من كونه خالقا " صفة ثبوتية " لا صفة كمال ولا صفة وجود مطلق كما له ~~بكونه قادرا. ونصوص الكتاب والسنة توجب أن تكون أسماء أفعاله من أسمائه ~~الحسنى التي تقتضي أن يكون بها محمودا مثنى عليه ممجدا؛ وذلك يقتضي أنها من ~~صفات الكمال وليس الغرض هنا ذكر هذه " المسألة " وإنما هي طرد حجة # PageV12P437 # الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف الثقات وسائر الصفاتية؛ ولهذا قال ~~الإمام أحمد في رواية حنبل في " كتاب المحنة ": لم يزل الله عالما متكلما ~~غفورا. فبين اتصافه بالعلم - وهو صفة ذاتية محضة - و " بالمغفرة " وهي من " ~~الصفات الفعلية " والكلام الذي يشبه هذا وهذا وذكر أنه لم يزل متصفا بهذه ~~الصفات والأسماء وقال الإمام أحمد فيما خرجه في " الرد على الزنادقة ~~والجهمية " لما ذكر قول جهم: إنه يتكلم؛ ولكن كلامه مخلوق. قال أحمد قلنا ~~له: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق ففي مذهبكم كان الله في وقت من الأوقات لا ~~يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد ~~جمعتم بين كفر وتشبيه وكذلك ذكروا في " المحنة " فيما استدل به الإمام أحمد ~~في المناظرة واستدل بقوله: {ولكن حق القول مني} قال: فإن يكن القول من غير ~~الله فهو مخلوق. # فصل: # وأما قول القائل: إن أحمد إنما قال ذلك خوفا من الناس فبطلان هذا يعلمه ~~كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد وقائل هذا إلى العقوبة البليغة التي يفتري ~~بها على الأئمة أحوج منه إلى جوابه؛ فإن # PageV12P438 # الإمام أحمد صار مثلا سائرا يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق ~~وأنه لم ms4039 تكن تأخذه في الله لومة لائم حتى صار اسم الإمام مقرونا باسمه في ~~لسان كل أحد فيقال: قال الإمام أحمد. هذا مذهب الإمام أحمد. لقوله تعالى ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فإنه ~~أعطي من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة في الدين. وقد تداوله " ثلاثة ~~خلفاء " مسلطون من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة ~~والوزراء والسعاة والأمراء والولاة من لا يحصيهم إلا الله. فبعضهم بالحبس ~~وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره وبالترغيب في الرياسة والمال ما شاء ~~الله وبالضرب وبعضهم بالتشريد والنفي وقد خذله في ذلك عامة أهل الأرض - حتى ~~أصحابه العلماء والصالحون والأبرار وهو مع ذلك لم يعطهم كلمة واحدة مما ~~طلبوه منه وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم ولا استعمل ~~التقية؛ بل قد أظهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره ودفع من ~~البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم: من نظرائه وإخوانه المتقدمين ~~والمتأخرين؛ ولهذا قال بعض شيوخ الشام: لم يظهر أحد ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما أظهره أحمد بن حنبل فكيف يظن به أنه كان يخاف في هذه ~~الكلمة التي لا قدر لها؟ # PageV12P439 # و " أيضا " فمن أصوله أنه لا يقول في الدين قولا مبتدعا وقد جعلوا ~~يطالبونه بما ابتدعوه فيقول لهم: كيف أقول ما لم يقل فكيف يكتم كلمة ما ~~قالها أحد قبله من خلق الله. و " أيضا " فإن أحمد بن الحسن الترمذي من خواص ~~أصحابه وأعيانهم فما الموجب لأن يستعمل التقية معه. و " أيضا " فلم يكن به ~~حاجة إلى أن يقول: كلام الآدمي مخلوق وإنما هو ذكر ذلك مستدلا به ضاربا به ~~المثل فكيف يبتدئ بكلام هو عنده باطل لم يسأله عنه أحد و " أيضا " فقد كان ~~يسعه أن يسكت عن هذا؛ فإن الإنسان إذا خاف من إظهار قول كتمه. أما إظهاره ~~لقول لم يطلب منه وهو باطل عنده فهذا لا يفعله أقل الناس عقلا وعلما ودينا. ms4040 ~~فمن يسب " الإمام أحمد " الذي موقفه من الإسلام وأهله فوق ما يصفه الواصف؛ ~~ويعرفه العارف فقد استوجب من غليظ العقوبة ما يكون نكالا لكل مفتر كاذب ~~راجم بالظن قاذف قائل على الله ورسوله والمؤمنين وأئمتهم ما لا يقوله العدو ~~المنافق. و " أيضا " فقد ذكر ذلك فيما صنفه من " الرد على الزنادقة # PageV12P440 # والجهمية " وهو في الحبس وكتبه بخطه ولم يكن ذلك مما أظهره لأعدائه: ~~الذين يحتاج غيره إلى أن يستعمل معهم التقية. وهذا القول أقبح من قول ~~الروافض فيما ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قاله وفعله على ~~وجه التقية؛ فإن الإمام أحمد صنف الرد عليهم وبين أنهم زنادقة فأي تقية ~~تكون لهم مع هذا وهو يجاهدهم ببيانه وبنانه وقلمه ولسانه؟ # فصل: # شبهة هؤلاء أنهم وجدوا الناس قد تكلموا في " حروف المعجم " و " أسماء ~~المخلوقات ". فإن المنتسبين إلى السنة تكلموا في حروف المعجم في غير القرآن ~~والكتب الإلهية وقال طوائف منهم: كابن حامد وأبي نصر السجزي والقاضي في ~~أشهر قوليه وابن عقيل وغيرهم: إنها مخلوقة وقالوا: الحروف حرفان. وقال ~~طوائف وهم كثير من أهل الشام والعراق وخراسان: كالقاضي يعقوب البرزبيني ~~والشريف أبي الفضائل الزيدي الحراني ويروى ذلك عن الشيخ أبي الحسين بن ~~سمعون وهو قول القاضي أبي الحسين وحكاه عن أبيه في آخر قوليه وهو قول الشيخ ~~أبي الفرج الأنصاري والشيخ عبد # PageV12P441 # القادر وابن الزاغوني وغيرهم: الحرف حرف واحد وحروف المعجم غير مخلوقة ~~حيث تصرفت؛ لأنها من كلام الله وحقيقة الحرف واحدة لا تختلف. وقد نقل عن ~~الإمام أحمد رضي الله عنه الإنكار على من قال: بخلق الحروف وإنه لما حكي له ~~أن بعض الناس قال: لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقال الإمام ~~أحمد: هذا كفر. وروي إنكار ذلك عن غيره من الأئمة. والأولون لا ينازعون في ~~هذا؛ فإنهم ينكرون على من يقول: إن الحروف مخلوقة؛ فإنه إذا قال ذلك دخل ~~فيه حروف كلام الله تعالى من القرآن وغيره وهم يخصون الكلام في الحروف ~~الموجودة ms4041 في كلام المخلوق دون الحروف الموجودة في كلام الله ويقولون: حقيقة ~~الحروف والاسم وإن كانت واحدة فذلك بمنزلة كلمات موجودة في القرآن وقد تكلم ~~بها بعض المخلوقين. فالمتكلم تارة يقصد أن يتكلم بكلام غيره وإن وافقه في ~~لفظه بالنسبة إلينا وهذا لا يتأتى إلا في الشيء اليسير وهو ما دون السورة ~~القصيرة؛ فإن الله قد تحدى الخلق أن يأتوا بسورة مثله وأخبر أنهم لن ~~يفعلوا. قال الأولون: فموافقة لفظ الكلام للفظ الكلام لا يوجب أن # PageV12P442 # يكون لأحدهما حكم الآخر في النسبة إلى المتكلم المخلوق؛ بحيث ينسب أحدهما ~~إلى من ينسب إليه الآخر فكيف بالنسبة إلى الخالق؟ بل {لما كتب مسيلمة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله رد عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب} كان اللفظ ~~برسول الله من المتكلمين سواء: من أحدهما صدق - ومن أعظم الصدق - ومن الآخر ~~كذب - ومن أقبح الكذب. وقد ذكر الله عن الكفار مقالات سوء في كتابه مثل ~~قولهم: {اتخذ الله ولدا} {ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وقولهم: {عزير ابن الله} و {المسيح ابن الله} ~~وغير ذلك من الأقوال الباطلة وقد حكاها الله عنهم فإذا تكلمنا بما حكاه ~~الله عنهم كنا متكلمين بكلام الله ولو حكيناها عنهم ابتداء لكنا قد حكينا ~~كلامهم الكذب المذموم. ولهذا قال الفقهاء: من ذكر الله أو دعاه جاز له ذلك ~~مع الجنابة وإن وافق لفظ القرآن إذا لم يقصد القراءة. وقالوا: لو تكلم بلفظ ~~القرآن في الصلاة يقصد مجرد خطاب الآدمي بطلت صلاته؛ لأن ذلك من كلام ~~الآدميين والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإن قصد مع تنبيه ~~الغير القراءة صحت صلاته عند الجمهور كما لو لم # PageV12P443 # يقصد إلا القراءة. وعند بعضهم تبطل كقول أبي حنيفة. ومن هذا الباب مسألة ~~الفتح على الإمام وتنبيه الداخل بآية من القرآن وغير ذلك. وسبب ذلك أن ms4042 معنى ~~الكلام داخل في مسماه ليس هو اسما لمجرد اللفظ والمعنى: هو إنشاء وإخبار ~~والإنشاء فيه الأمر والنهي ومعلوم أن أمر زيد ليس هو أمر عمرو ولا حكمه ~~حكمه وإن اتفق اللفظ وكذلك اختيار زيد ليس هو اختيار عمرو ولا حكمه حكمه ~~وإن اتفق اللفظ. فالآمر المطاع الحكيم إذا أمر بأمر كان له حكم خلاف ما إذا ~~أمر به الجاهل العاجز وإن اتفق لفظهما وكذلك الشاهد العالم الصادق إذا أخبر ~~بخبر كان حكمه خلاف ما إذا أخبر به الجاهل الكاذب وإن اتفق لفظهما. وإذا ~~كان كذلك فمن أدخل في كلام له بعض لفظ أدخله غيره في كلامه لم يوجب ذلك أن ~~يكون هذا اللفظ من كلام ذلك المتكلم وإن كان أحد اللفظين شبيها بالآخر وهو ~~بمنزلة من كتب حروفا تشبه حروف المصحف كتبها كلاما آخر لم يكن ذلك مما يوجب ~~أن يكون من حروف المصحف. وقال الآخرون مجرد الموافقة في اللفظ لا يوجب أن ~~يجعل حكم # PageV12P444 # أحد اللفظين حكم الآخر لكن إذا كان أحدهما أصلا سابقا إلى ذلك الكلام ~~والآخر إنما احتذى فيه حذوه ومثاله: كان اللفظ والكلام منسوبا إلى الأول؛ ~~بمنزلة من تمثل بقول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل أو بقوله: ويأتيك ~~بالأخبار من لم تزود أو بمثل من الأمثال السائرة كقوله: " عسى الغوير أبؤسا ~~" و " يداك أوكتا وفوك نفخ " وكل الصيد في جوف الفرا " ونحو ذلك. فهذا ~~الكلام هو تكلم به في المعنى الذي أراده؛ لا على سبيل التبليغ عن غيره ومع ~~هذا فهو منسوب إلى قائله الأول فهكذا الحروف الموجودة في كلام الله وإن ~~أدخلها الناس في كلامهم الذي هو كلامهم فأصلها مأخوذ من كلام الله تعالى. ~~قال الأولون: هنا مقامان. أحدهما: أن كل من أنطقه الله بهذه الحروف فإنما ~~كان ذلك بطريق الاستفادة من كلام الله أو ممن استفادها من كلام الله. وهذه ~~الدعوى العامة تحتاج إلى دليل؛ فإن تعليم الله لآدم الأسماء أو إنزاله كتبه ~~بهذه الحروف لا يوجب أن يكون لم ms4043 ينطق غير آدم ممن لم يسمع # PageV12P445 # الكتب المنزلة بهذه الحروف كما كانت العرب تنطق بهذه الحروف والأسماء قبل ~~نزول القرآن والله تعالى أنزله بلسانهم الذي كانوا يتكلمون به قبل نزول ~~القرآن. # المقام الثاني: أنه لو لم يكن أحد نطق بها إلا مستفيدا لها من كلام الله؛ ~~لكن إذا أنشأ بها كلاما لنفسه ولم يقصد بها قراءة كلام الله لم تكن في هذه ~~الحال من كلام الله كما لو فعل ذلك في بعض الجمل المركبة وأولى. ويدل على ~~ذلك الأحكام الشرعية. قال الآخرون - القائلون بأن حروف المعجم غير مخلوقة ~~مطلقا - لنا في الأسماء الموجودة في غير القرآن قولان. منهم من يقول بأن ~~جميع الأسماء غير مخلوقة كما يقول ذلك في الحروف. ومنهم من لا يقول ذلك وقد ~~حكى القولين ابن حامد وغيره عمن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيره من ~~القائلين بأن حروف المعجم غير مخلوقة فمن عمم ذلك استدل بقوله تعالى: {وعلم ~~آدم الأسماء كلها} وهذه الحجة مبنية على مقدمتين. (إحداهما أن مبدأ اللغات ~~توقيفية وأن المراد بالتوقيف خطاب الله بها لا تعريفه بعلم ضروري وهذا ~~الموضع قد تنازع فيه الناس من أصحاب الإمام أحمد وسائر الفقهاء وأهل الحديث ~~والأصول. # PageV12P446 # فقال قوم: إنها توقيفية وهو قول أبي بكر عبد العزيز والشيخ أبي محمد ~~المقدسي وطوائف من أصحاب الإمام أحمد؛ وهو قول الأشعري وابن فورك وغيرهما. ~~وقال قوم: بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي. وهذا قول طوائف: منهم ابن عقيل ~~وغيره. وقال قوم: يجوز فيها هذا وهذا ولا نجزم بشيء. وهذا قول القاضي أبي ~~يعلى والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وغيرهما. ولم يقل: إنها كلها اصطلاحية ~~إلا طوائف من المعتزلة ومن اتبعهم - ورأس هذه المقالة أبو هاشم ابن ~~الجبائي. والذين قالوا إنها " توقيفية " تنازعوا: هل التوقيف بالخطاب أو ~~بتعريف ضروري أو كليهما؟ فمن قال: إنها توقيفية وإن التوقيف بالخطاب فإنه ~~ينبني على ذلك أن يقال: إنها غير مخلوقة؛ لأنها كلها من كلام الله تعالى؛ ~~لكن نحن نعلم قطعا أن في أسماء الأعلام ما ms4044 هو مرتجل وضعه الناس ابتداء ~~فيكون التردد في أسماء الأجناس. و " أيضا " فإن تعليم الله لآدم بالخطاب لا ~~يوجب بقاء تلك الأسماء بألفاظها في ذريته؛ بل المأثور أن أهل سفينة نوح لما ~~خرجوا من السفينة أعطي كل قوم لغة وتبلبلت ألسنتهم. وهذه المسألة فيها ~~تجاذب والنزاع فيها بين أصحابنا وسائر أهل السنة يعود إلى نزاع # PageV12P447 # لفظي فيما يتحقق فيه النزاع وليس بينهم والحمد لله خلاف محقق معنوي. وذلك ~~أن الذي قال الحرف حرف واحد وإن حروف المعجم ليست مخلوقة؛ إنما مقصوده بذلك ~~أنها داخلة في كلام الله وأنها منتزعة من كلام الله وأنها مادة لفظ كلام ~~الله وذلك غير مخلوق وهذا لا نزاع فيه. فأما حرف مجرد فلا يوجد لا في ~~القرآن ولا في غيره ولا ينطق بالحرف إلا في ضمن ما يأتلف من الأسماء ~~والأفعال وحروف المعاني وأما الحروف التي ينطق بها مفردة مثل: ألف لام ميم ~~ونحو ذلك فهذه في الحقيقة أسماء الحروف وإنما سميت حروفا باسم مسماها كما ~~يسمى ضرب فعل ماض باعتبار مسماه؛ ولهذا لما سأل الخليل أصحابه كيف تنطقون ~~بالزاء من زيد؟ قالوا: نقول " زا " قال: جئتم بالاسم؛ وإنما يقال " زه ". ~~وليس في القرآن من حروف الهجاء - التي هي أسماء الحروف - إلا نصفها وهي ~~أربعة عشر حرفا وهي نصف أجناس الحروف: نصف المجهورة والمهموسة والمستعلية ~~والمطبقة والشديدة والرخوة وغير ذلك من أجناس الحروف. وهو أشرف النصفين. ~~والنصف الآخر لا يوجد في القرآن إلا في ضمن الأسماء أو الأفعال أو حروف ~~المعاني - التي ليست باسم ولا فعل. فلا يجوز أن نعتقد أن حروف المعجم ~~بأسمائها جميعها موجودة في القرآن؛ لكن نفس حروف المعجم التي # PageV12P448 # هي أبعاض الكلام موجودة في القرآن؛ بل قد اجتمعت في آيتين: " إحداهما " ~~في آل عمران و " الثانية " في سورة الفتح: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم} ~~الآية و {محمد رسول الله} الآية. وإذا كان كذلك فمن تكلم بكلام آخر مؤلف من ~~حروف الهجاء فلم ينطق بنفس الحروف التي في لفظ القرآن وإنما ms4045 نطق بمثلها ~~وذلك الذي نطق به قد يكون هو أخذه وإذا ابتدأ من لفظ كلام الله تعالى وقد ~~لا يكون حقيقة. قيل: الحرف من حيث هو هو شيء واحد له الحقيقة المطلقة التي ~~لا تأليف فيها لا توجد لا في كلام الله تعالى ولا في كلام عباده وإنما ~~الموجود الحرف الذي هو جزء من اللفظ أو اسمه إذا لم يوجد إلا حرف؛ ولكن هذا ~~المطلق؛ بل الأعيان الموجودة في الخارج قائمة بأنفسها كالإنسان لا يوجد ~~مجردا عن الأعيان في الأعيان لا يوجد مجردا عن الأعيان إلا في الذهن لا في ~~الخارج فكيف بالحرف الذي لا يوجد في الخارج إلا مؤلفا فلو قدر أنه يوجد في ~~الخارج غير مؤلف متعدد الأعيان كما يوجد الإنسان لم تكن حقيقته المطلقة من ~~حيث هي هي موجودة إلا في الأذهان لا في الأعيان. فتبين أن الحروف تختلف ~~أحكامها باختلاف معانيها واختلاف المتكلم # PageV12P449 # بها وهذا أوجب تعظيم حروف القرآن المنطوقة والمسطورة وكان لها من الأحكام ~~الشرعية ما امتازت به عما سواها واختلاف الأحكام إنما كان لاختلاف صفاتها ~~وأحوالها. فتبين أن الواجب أن يقال ما قاله الأئمة كأحمد وغيره: إن كلام ~~الإنسان كله مخلوق حروفه ومعانيه والقرآن غير مخلوق حروفه ومعانيه. وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {يقول الله: أنا الرحمن ~~خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته} " وروى ~~الربيع بن أنس عن {المسيح أنه قال: عجبا لهم كيف يكفرون به وهم يتقلبون في ~~نعمائه ويتكلمون بأسمائه} . وذكر في معظم حروف المعجم أنها مباني أسماء ~~الله الحسنى وكتبه المنزلة من السماء وهذا مما يحتج به من قال: ليست مخلوقة ~~وليس بحجة؛ فإن أسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق وما اشتقه هو من ~~أسمائه فتكلم به فكلامه به غير مخلوق وأما إذا اشتقوا اسما أحدثوه فذلك ~~الاسم هم أحدثوه ولا يلزم إذا كان المشتق منه غير مخلوق أن يكون المشتق ~~كذلك. وما يروى عن المسيح فلا ms4046 يعرف ثبوته عنه وبتقدير ثبوته فإذا كان قد ~~ألهم عباده أن يتكلموا بالحروف # PageV12P450 # التي هي مباني أسمائه التي تكلم بها لم يلزم أن يكون ما أحدثوه هم غير ~~مخلوق. " وبالجملة " فمن نظر إلى أن حقيقة الحرف التي لا تختلف موجودة في ~~كلام الله وكلام الله غير مخلوق قال إنها مخلوقة إشارة إلى نفس حقيقة ~~الحرف؛ لا إلى عين جزء اللفظ الذي به ينطق الكفار والمشركون؛ فإن ذلك الحرف ~~الذي هو صوت لمقدر أو تقدير صوت قائم بالكافر والمشرك لا يقول عاقل: إنه ~~غير مخلوق؛ مع أنه ليس مضافا إلى الله بوجه من الوجوه وإنما يضاف إلى الله ~~ما شاركه في اسمه مما كان متعلقا بالمعنى المضاف إلى الله. وهذا بخلاف ~~الحروف التي في كلام الله؛ فإن تلك كلام الله كيف ما تصرفت ونحن لما يسر ~~الله كلامه بألسنتنا أمكننا أن نتكلم بكلامه؛ لكن بأدواتنا وأصواتنا؛ وليس ~~تكلمنا به وسمعه منا كتكلم الله به وسمعه منه كما تقدمت الإشارة إلى هذا ~~كما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك سائر ما يضاف إليه؛ ولكن لما أنطقنا الله ~~بأدواتنا وحركاتنا وأصواتنا صار بين بعض لفظنا به ولفظنا بغيره نوع من ~~الشبه؛ فإذا تكلمنا بكلام آخر فهو يشبه من بعض الوجوه لفظنا وصوتنا بالقرآن ~~لا يشبه تكلم الله به وقراءته إياه فإذا كان وجود هذه الحروف في كلام ~~الآدميين ليس بمنزلة تكلم الله بالقرآن وإنما يشبه من بعض الوجوه تكلمنا به # PageV12P451 # من جهة ما يضاف إلينا لا من جهة ما يضاف إلى الله امتنع حينئذ أن يقال: ~~عين الحرف الذي هو جزء لفظة من الاسم الذي ينطق به الناس هو عين الحرف الذي ~~هو جزء لفظ من كلام الله تعالى وإنما يشبهه ويقاربه فهو هو باعتبار النوع؛ ~~وليس هو إياه باعتبار العين والشخص خلاف حروف كلام الله القرآن؛ فإنها كلام ~~الله حيث تصرفت وفيها دقة وشبهة أشرنا إليها في هذا الجواب وشرحناها في ~~موضعها. فمن قال: إن الحروف حرفان أراد به أنهما عينان وشخصان ms4047 وهذا حق. ومن ~~قال: الحرف حرف واحد أراد به: أن الحقيقة النوعية واحدة في الموضعين وهذا ~~حق. ومن قال: إن حروف الهجاء من كلام الآدميين غير مخلوقة فقد صدق باعتبار ~~الحقيقة النوعية. ومن قال: إنها مخلوقة باعتبار العين الشخصية فقد صدق. ~~ونظير هذا كثير يوجد في كلام أهل العلم وأهل السنة من النفي والإثبات ويكون ~~النزاع في معنيين متنوعين نزاعا لفظيا اعتباريا وقد قال بعض الفضلاء: أكثر ~~اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء؛ لكن وقوع الاشتراك والإجمال يضل به ~~كثير من الخلق كما يهتدي به كثير من الخلق وهو سبب ضلال هؤلاء الجهال ~~المسئول عنهم فإن حجتهم: أن الله علم آدم الأسماء كلها وعلمه البيان وهو ~~مبني على # PageV12P452 # أن " اللغات توقيفية " كقول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: كأبي بكر ~~عبد العزيز وأبي محمد المقدسي وهو قول الأشعري وابن فورك وغيرهما. لكن " ~~التوقيف " هل المراد به التكليم أو التعريف أو كلاهما؟ هذا فيه نزاع أيضا ~~كما تقدم. فالذين قالوا: إنها غير مخلوقة يقولون: إنها " توقيفية " وإن ~~التعليم هو بالخطاب فيكون الله قد تكلم بالأسماء كلها وكلام الله غير ~~مخلوق. قال هؤلاء الجهال الضالون: وكلام الآدميين ليس إلا ما يأتلف من ~~الحروف والأسماء وتلك غير مخلوقة. فهذا أيضا غير مخلوق. فبنوا قولهم على أن ~~حروف المعجم غير مخلوقة وأن الأسماء المؤلفة من الحروف غير مخلوقة واعتقدوا ~~مع ذلك أن كلام الآدميين ليس إلا ما يأتلف من الأسماء والحروف وتلك غير ~~مخلوقة فقالوا: كلام الآدميين غير مخلوق؛ لأن مفرداته غير مخلوقة. وإذا ~~ضويقوا. فقد يقولون النظم والتأليف مخلوق وأما نفس المنظوم المؤلف فهو قديم ~~ثم يحسبون أن المواد المنظومة المؤلفة هي أدخل في الكلام من نفس التأليف ~~والنظم كما أن أجزاء البيت هي أدخل في مسماه من تأليفه وإن كان البيت اسما ~~للأجزاء ولتأليفها. # PageV12P453 # وربما طرد بعضهم هذه " المقالة " في سائر أصوات الآدميين. ولما ألزمهم من ~~خاطبهم بأصوات العباد؛ التي ليست بكلام طرد بعضهم ذلك في الأصوات ثم طرد ~~ذلك في أصوات ms4048 البهائم: من الحمير وغيرها ويلزمهم طرد ذلك في جميع الأصوات ~~حتى أصوات العيدان والمزامير؛ إذ لا فرق بينها وبين أصوات البهائم. واعلم ~~أن الجهالة إذا انتهت إلى هذا الحد صارت بمنزلة من يقول: إن الوتد والحائط ~~والعجل الذي يعمل منه الجلد كلام الله أو يقول: إن يزيد بن معاوية كان من ~~الأنبياء الكبار أو يقول: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يعانق ~~المشاة ويصافح الركبان أو يقول: إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين بالحجرة أو ~~أنهما فرعون وهامان وأنهما كانا كافرين عدوين للنبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~أبي جهل وأبي لهب أو يقول: إن علي بن أبي طالب هو العلي الأعلى رب السموات ~~والأرض أو يقول: إن الذي صفعته اليهود وصلبته ووضعت الشوك على رأسه هو الذي ~~خلق السموات والأرض وإن اليدين المسمرتين هما اللتان خلقتا السموات والأرض ~~أو يقول: إن الله قعد في بيت المقدس يبكي وينوح حتى جاء بعض مشايخ اليهود ~~فبرك عليه أو أنه بكى حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وأنه ندم على الطوفان ~~وعض يديه من الندم حتى جرى الدم أو يقول: إن # PageV12P454 # الشيخ فلانا والشيخ فلانا يخلق ويرزق وكل رزق لا يرزقنيه ما أريده أو ~~يقول إن عليا هو الذي كان يعلم القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو يقول: ~~إن صانع العالم لما صنعه غلبت عليه الطبيعة حتى أهلك نفسه أو يقول: إن ~~وجوده ووجود هذا وهذا هو عين وجود الحق وإن الله هو عين السموات والأرض ~~والنبات والحيوان وأن كل صوت ونطق في العالم فهو صوته وكلامه وكل حركة في ~~العالم وسكون فهو حركته وسكونه وإن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإنه لو ~~زالت السموات والأرض لزالت حقيقة الله وإنه من حيث ذاته لا اسم له ولا صفة ~~وإنه لا وجود له إلا في الأعيان الممكنات وإنه الوجود المطلق الساري في ~~المخلوقات: الذي لا يتميز ولا ينفصل عن المخلوقات. إلى أمثال هذه المقالات ~~التي يقولها الغلاة من المشركين والكتابيين. ومن ms4049 أشبههم من غالية هذه ~~الأمة. فإن المنتسبين إلى السنة والحديث - وإن كانوا أصلح من غيرهم من ~~أشباههم فالسنة في الإسلام كالإسلام في الملل كما أنه يوجد في المنتسبين ~~إلى الإسلام ما يوجد في غيرهم وإن كان كل خير في غير المسلمين فهو في ~~المسلمين أكثر وكل شر في المسلمين فهو في غيرهم أكثر فكذلك المنتسبة إلى ~~السنة - قد يوجد فيهم ما يوجد في غيرهم وإن كان كل خير في غير أهل السنة ~~فهو فيهم أكثر وكل # PageV12P455 # شر فيهم فهو في غيرهم أكثر؛ إذ قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لتتبعن سنن من كان قبلكم: حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن} ؟ " وقال: " {لتأخذن مآخذ ~~الأمم قبلكم: شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا: فارس والروم؟ قال: ومن الناس ~~إلا هؤلاء} ". وإزالة شبهة هؤلاء تحتاج إلى الكلام في " الحروف والأسماء " ~~هل هي مخلوقة أم غير مخلوقة وإن كنا قد أشرنا إلى ذلك؛ بل نتكلم على تقدير ~~أنها غير مخلوقة ونقول مع هذا: يجب القطع بأن كلام الآدميين مخلوق ويطلق ~~القول بذلك إطلاقا لا يحتاج إلى تفصيل: بأن يقال نظمه وتأليفه مخلوق وحروفه ~~وأسماؤه غير مخلوقة أو تركيبه مخلوق ومفرداته غير مخلوقة فإن هذا التفصيل ~~لا يحتاج إليه. وذلك لأن كلام المتكلم هو عبارة عن ألفاظه ومعانيه كما ~~قدمناه ليس الكلام اسما لمجرد الألفاظ ولا لمجرد المعاني. وعامة ما يوجد في ~~الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة؛ بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظا ~~الكلام والقول وهذا كلام فلان أو كلام فلان؛ فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ ~~والمعنى جميعا # PageV12P456 # لشموله لهما؛ ليس حقيقة في اللفظ فقط كما يقوله قوم؛ ولا في المعنى فقط ~~كما يقوله قوم. ولا مشترك بينهما كما يقوله قوم. ولا مشترك في كلام ~~الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله كما يقوله قوم. ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ms4050 به ~~أو تعمل به} " {وقول معاذ له: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال: ثكلتك أمك يا ~~معاذ؛ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم} " وقوله: " ~~{كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان ~~الله وبحمده سبحان الله العظيم} " وقوله: " {إن أصدق كلمة قالها الشاعر: ~~كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل} وقوله: " {إني لأعلم كلمة لا ~~يقولها أحد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا. فمن كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة} " وما في القرآن: مثل قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} وقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} ونحو ذلك من ~~أسماء القول والكلام جميعا ونحوهما فإنه يدخل فيه اللفظ والمعنى جميعا عند ~~الإطلاق. # PageV12P457 # وإذا كان كذلك فالمتكلم بالكلام المبتدئ له سواء كان نظما أو نثرا لا ريب ~~أنه هو الذي ألف معانيه وألف ألفاظه؛ وأما مفردات " الأسماء والحروف " فلا ~~ريب أنه تعلمها من غيره سواء كانت مخلوقة أو غير مخلوقة؛ فإن " اللغات " ~~سابقة لكلام عامة المتكلمين ونطق الناطقين من البشر وهم تلقوا الأسماء ~~وحروف الأسماء الموجودة في لغاتهم عمن قبلهم إلى أن ينتهي الأمر إلى أول ~~متكلم بتلك الأسماء المفردة. ثم أنه مما علم بالاضطرار واتفق عليه أهل ~~الأرض جميعهم: أن الكلام هو كلام من ألف معانيه وألفاظه وإن كان جميع ما ~~فيه من الأسماء والحروف إنما تعلمها من غيره فالناس مطبقون على أن هذه ~~القصائد كلام منشئيها: مثل شعر امرئ القيس والنابغة الذبياني: كقوله: قفا ~~نبك من ذكرى حبيب ومنزل فجميع الأمم يعلمون ويقولون إن هذا شعر امرئ القيس ~~وكلامه وإن كانت الأسماء المفردة فيه إنما تعلمها من غيره؛ فإن العرب نطقت ~~قبله بلفظ " قفا " وبلفظ " نبك " وبلفظ " من ذكرى " " حبيب " " ومنزل " ~~وجميع المسلمين إذا سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم " {إنما # PageV12P458 # الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} " أو " {ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما ms4051 سواهما ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار} " وقوله: " {من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار} " قالوا: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا حديثه وهذا ~~قوله مع علمهم أن جميع مفردات هذا الكلام قد كانت موجودة في كلام العرب ~~قبله: مثل لفظ " إنما " ولفظ " الأعمال " ولفظ " النية " و " النيات " ولفظ ~~" كل امرئ " ولفظ " ما نوى " وغير ذلك. وهكذا كلام الصحابة والتابعين وكلام ~~مصنفي الكتب والرسائل والخطب كلهم يقول: هذه الرسالة كلام فلان وهذه الخطبة ~~كلام فلان وهذه المسألة من كلام فلان مع علمهم بأنه مسبوق بمفردات الكلام: ~~أسمائه وحروف هجائه وذلك لأن الكلام لم يكن كلاما باعتبار الألفاظ المفردة ~~ولا باعتبار أجزائها - وهي حروف الهجاء - ولا كان المقصود بوضع اللفظ ~~للمعنى الدلالة على المعاني المفردة فإن المعاني المفردة لا يعلم وضع اللفظ ~~لها إلا بعد العلم بها فلو كان العلم بها لا يستفاد إلا من اللفظ لزم ~~الدور. ولهذا يقول أهل العربية - وهم أخبر بمشبهات الألفاظ من # PageV12P459 # غيرهم -: إن اسم الكلام لا يقال إلا على الجملة المفيدة كالمركبة من ~~اسمين أو اسم وفعل. وقد ذكر ذلك " سيبويه " حكيم لسان العرب في (باب ~~الحكاية بالقول حيث ذكر أن القول يحكى به ما كان كلاما ولا يحكى به ما كان ~~قولا والقول إنما تحكى به الجمل المفيدة. فعلم أنها هي الكلام في لغة ~~العرب. وحيث أطلق الفقهاء اسم " الكلام " على حرفين فصاعدا في (باب الصلاة ~~فإنما غرضهم ما يبطل الصلاة سواء كان مفيدا أو غير مفيد وموضوعا أو مهملا ~~حتى لو صوت تصويتا طويلا ولحن لحون الغناء أبطل الصلاة وإن لم يكن ذلك في ~~اللغة كلاما. وهم فيما إذا حلف لا يتكلم أو ليتكلمن لا يعلقون البر والحنث ~~إلا بما هو في عرف الحالف كلام وإن كان أخص من الكلام الذي يبطل الصلاة ~~ولهذا لو حلف لا يتكلم وأطلق ms4052 يمينه حنث بكلام المخلوقين وهل يحنث بتكلمه ~~بالقرآن؟ من العلماء من قال: لا يحنث بحال. ومنهم من قال: لا يحنث بتلاوته ~~في الصلاة. ومنهم من توقف؛ لأن اليمين مرجعها إلى عرف الحالف فعموم اسم ~~الكلام وخصوصه عندهم بحسب الأحكام المتعلقة به. والسلف إذا ذموا أهل الكلام ~~وقالوا: علماء الكلام زنادقة وما ارتدى أحد بالكلام فأفلح فلم يريدوا به ~~مطلق الكلام، # PageV12P460 # وإنما هو حقيقة عرفية فيمن يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين. ~~والخائضون في " أصول الفقه " وإن قالوا: إن الكلام ما تألف من حرفين فصاعدا ~~أو ما انتظم من " الحروف " وهي الأصوات المقطعة المتواضع عليها. وتنازعوا ~~في الحرف الواحد المؤلف مع غيره هل يسمى كلاما؟ على قولين؛ كما قال أكثر ~~متكلميهم: إن الجسم هو المؤلف وأقل التركيب من جوهرين وتنازعوا في الجوهر ~~الواحد المؤلف هل يسمى جسما؟ على قولين؛ فهذا اصطلاح خاص لهم. كما اصطلح ~~النحاة على أن المفرد مثل الاسم وحرف المعنى يسمى كلمة وإن كانت الكلمة في ~~لغة العرب العرباء لا توجد إلا اسما للجملة التامة إلا أن يكون شيئا لا ~~يحضرني الآن. وإذا كان الناس متفقين على أن الكلام هو كلام من ألف ألفاظه ~~ومعانيه وإن كان قد تعلم أسماءه من غيره زالت كل شبهة في المسألة ووجب ~~إطلاق القول بأن كلام الآدميين مخلوق كما يطلق القول بأن هذا الشعر من كلام ~~فلان وهذا الكلام كلام فلان؛ لا كلام الذين تكلموا قبلهم بتلك الأسماء ~~وحروفها؛ فإن كلام الآدميين هو كلام الذين أنشئوه وابتدءوه فألفوا ألفاظه ~~ومعانيه وإن كان بعضهم قد تعلم أسماءه وحروفه من بعض ولو كانت أسماؤه قد ~~سمعوها من الله تعالى. # PageV12P461 # واعلم أن هنا أمرا عجيبا وهو أن هؤلاء القوم ضد الذين يجعلون القرآن الذي ~~يقرءونه كلام الآدميين لا كلام الله فإن أولئك عمدوا إلى كلام الله الذي ~~يتلونه ويبلغونه ويؤدونه - فجعلوه كلام أنفسهم وهؤلاء عمدوا إلى كلامهم - ~~المتضمن الكفر والفسوق والعصيان والكذب والبطلان - فجعلوه كلام الله الذي ~~ليس بمخلوق. فأولئك لم ينظروا إلا إلى من ms4053 سمع منه الكلام وهؤلاء لم ينظروا ~~إلا إلى من اعتقدوا أنه تكلم أولا بمفردات الكلام. وأما " الأمة الوسط " ~~الباقون على الفطرة وجميع بني آدم فيقولون لما بلغه المبلغ عن غيره وأداه ~~ولما قرأه من كلام غيره وتلاه. هذا كلام ذاك وإنما بلغت بقواك كما قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه لما خرج على قريش فقرأ عليهم: {الم} {غلبت الروم} ~~{في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} فقالوا: هذا كلامك أم كلام ~~صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكن كلام الله. وهذا كما قال الله ~~تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} وفي سنن أبي داود عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {أنه كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فيقول: ألا رجل ~~يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي} " ~~فبين # PageV12P462 # صلى الله عليه وسلم أنما يبلغه ويتلوه هو كلام الله لا كلامه وإن كان ~~يبلغه بأفعاله وصوته كما قال: " {زينوا القرآن بأصواتكم} " وقال: {لله أشد ~~أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} ". والأمم ~~متفقون على هذا إذا سمعوا من يروي قصيدة من شعر مثل " قفا نبك " أو " هل ~~غادر الشعراء " أو " خطبة " مثل خطب علي وزياد أو " رسالة " كرسالة عبد ~~الحميد ونحوه أو سجعا من سجع الكهان أو قرآنا مفترى كقرآن مسيلمة الكذاب ~~قالوا: هذا شعر امرئ القيس وكلام علي وكلام عبد الحميد وقرآن مسيلمة وهو ~~كلامه ولم يجعلوه كلاما للمبلغ المؤدي بالواسطة وإن كان بلغه بفعله وصوته ~~وإذا أنشأ رجل قصيدة أو خطبة أو رسالة أو سجعا أو تكلم بكلام منثور: آمرا ~~أو مخبرا قالوا: هذا كلام فلان وقوله وإن كان قد تعلم مفرداته من غيره ~~وتلقنها من أحد. فمن قال: إن الكلام هو كلام لمن تعلم منه المفردات فهو ~~أبعد عن العقل والدين ممن قال: إن الكلام لمن بلغه وأداه وإنما الكلام كلام ~~من اتصل به واتصف به وألفه وأنشأه وكان مخبرا بخبره وآمرا ms4054 بأمره وناهيا عن ~~نهيه. # PageV12P463 # فصل: # وأما سؤال السائل: هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم؟ فنعم يجب ذلك في ~~هؤلاء وفي كل من أظهر مقالة تخالف الكتاب والسنة؛ فإن ذلك من " المنكر " ~~الذي أمر الله بالنهي عنه كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وهو من " الإثم " الذي قال الله فيه: ~~{لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} . وكل من ~~أثبت لله ما نفاه عن نفسه أو نفى عن الله ما أثبته لنفسه من المعطلة ~~والممثلة فإنه قال على الله غير الحق وذلك مما زجر الله عنه بقوله للنصارى: ~~{يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} وبقوله: ~~{قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} وقال عن الشيطان: {إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال: {قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق # PageV12P464 # وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} . فإن من قال غير الحق فقد قال على الله ما لا يعلم؛ فإن الباطل لا ~~يعلم إلا إذا علم بطلانه فأما اعتقاد أنه الحق فهو جهل لا علم فمن قاله فقد ~~قال ما لا يعلم وكذلك من تبع في هذه الأبواب وغيرها من أبواب الدين آباءه ~~وأسلافه من غير اعتصام منه بالكتاب والسنة والإجماع فإنه ممن ذمه الله في ~~كتابه: مثل قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} ~~وقوله: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} . وكذلك من اتبع الظنون والأهواء ms4055 ~~معتقدا أنها " عقليات " و " ذوقيات " فهو ممن قال الله فيه: {إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} وإنما يفصل بين الناس فيما ~~تنازعوا فيه الكتاب المنزل من السماء والرسول المؤيد بالأنباء كما قال ~~تعالى: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} وقال ~~تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين # PageV12P465 # مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه} وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقال تعالى: {وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله} بل على الناس أن يلتزموا الأصول الجامعة الكلية ~~التي اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها: فيؤمنون بما وصف الله به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله: من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وليس لأحد ~~أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له ~~المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد ~~إقامة الحجة وإزالة الشبهة. # فصل: # وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبني على أصل لا بد من التنبيه عليه؛ فإنه ~~بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطرابا كثيرا في تكفير أهل البدع والأهواء كما ~~اضطربوا قديما وحديثا في سلب الإيمان عن أهل الفجور والكبائر وصار كثير من ~~أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية والممثلة يعتقدون ~~اعتقادا هو ضلال # PageV12P466 # يرونه هو الحق ويرون كفر من خالفهم في ذلك فيصير فيهم شوب قوي من أهل ~~الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق ولعل أكثر هؤلاء المكفرين يكفر ب " ~~المقالة " التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها. وبإزاء هؤلاء المكفرين ~~بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب أو يعرفون بعضه ~~ويجهلون بعضه وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه ولا ينهون عن ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم؛ بل ms4056 لعلهم ~~يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذما مطلقا؛ لا يفرقون فيه بين ما دل ~~عليه الكتاب والسنة والإجماع وما يقوله أهل البدعة والفرقة أو يقرون الجميع ~~على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها ~~النزاع وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة ~~والمتفلسفة كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام وكلا هاتين ~~الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة. وإنما الواجب بيان ما بعث الله ~~به رسله وأنزل به كتبه وتبليغ ما جاءت به الرسل عن الله والوفاء بميثاق ~~الله الذي أخذه على العلماء فيجب أن يعلم ما جاءت به الرسل ويؤمن به ويبلغه ~~ويدعو إليه # PageV12P467 # ويجاهد عليه ويزن جميع ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في الأصول ~~والفروع الباطنة والظاهرة بكتاب الله وسنة رسوله غير متبعين لهوى: من عادة ~~أو مذهب أو طريقة أو رئاسة أو سلف؛ ولا متبعين لظن: من حديث ضعيف أو قياس ~~فاسد - سواء كان قياس شمول أو قياس تمثيل - أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله ~~وعمله؛ فإن الله ذم في كتابه الذين يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ويتركون ~~اتباع ما جاءهم من ربهم من الهدى. # فصل: # إذا تبين ذلك فاعلم أن " مسائل التكفير والتفسيق " هي من مسائل " الأسماء ~~والأحكام " التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة وتتعلق بها ~~الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا؛ فإن الله ~~سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين وهذا من الأحكام ~~الكلية في كل وقت ومكان قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال تعالى - لما ذكر قول اليهود ~~والنصارى -: # PageV12P468 # {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين} . فأمر أن يطالبهم بالبرهان على هذا النفي العام وما فيه ~~من الإثبات الباطل ثم قال: {بلى ms4057 من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . فأخبر سبحانه عمن مضى ممن كان متمسكا ~~بدين حق من اليهود والنصارى والصابئين وعن المؤمنين بعد مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنه من جمع " الخصال الثلاث " التي هي جماع الصلاح وهي الإيمان ~~بالخلق والبعث: بالمبدأ والمعاد؛ الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل ~~الصالح؛ وهو أداء المأمور به وترك المنهي عنه. فإن له حصول الثواب وهو أجره ~~عند ربه واندفاع العقاب. فلا خوف عليه مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه؛ ~~ولذلك قال: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} إخلاص الدين لله وهو عبادته ~~وحده لا شريك له وهو حقيقة قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} وهو محسن. ف " ~~الأول " وهو إسلام الوجه هو النية وهذا " الثاني " - وهو الإحسان - هو ~~العمل. وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الإيمان العام والإسلام العام ~~الذي أوجبه الله على جميع عباده من الأولين والآخرين. # PageV12P469 # وهو " دين الله العام " الذي لا يقبل من أحد سواه وبه بعث جميع الرسل كما ~~قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} وقال تعالى لبني آدم جميعا: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى} وقال في الآية الأخرى {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~{والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . فكان من ~~أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة " بدعة الخوارج " المكفرة بالذنب ~~فإنهم تكلموا في الفاسق ms4058 الملي فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة ~~ومنهم من قال: والصغيرة لا تجامع الإيمان أبدا بل تنافيه وتفسده كما يفسد ~~الأكل والشرب الصيام قالوا: لأن الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور فمتى ~~بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات. # PageV12P470 # ثم قالت " الخوارج ": فيكون العاصي كافرا؛ لأنه ليس إلا مؤمن وكافر ثم ~~اعتقدوا أن عثمان وعليا وغيرهما عصوا ومن عصى فقد كفر فكفروا هذين ~~الخليفتين وجمهور الأمة. وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين إنه يخرج ~~من الإيمان ولا يدخل في الكفر. وقابلتهم " المرجئة " و " الجهمية " ومن ~~اتبعهم من الأشعرية والكرامية. فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ~~ولا ترك المحظورات البدنية والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان؛ بل هو شيء ~~واحد يستوي فيه جميع المؤمنين: من الملائكة والنبيين والمقربين والمقتصدين ~~والظالمين. ثم قال فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب واللسان وقال أكثر ~~متكلميهم: هو التصديق بالقلب وقال بعضهم: التصديق باللسان. قالوا: لأنه لو ~~دخلت فيه الواجبات العملية لخرج منه من لم يأت بها كما قالت الخوارج ونكتة ~~هؤلاء جميعهم توهمهم أن من ترك بعض الإيمان فقد تركه كله. وأما " أهل السنة ~~والجماعة " من الصحابة جميعهم والتابعين وأئمة أهل السنة وأهل الحديث ~~وجماهير الفقهاء والصوفية مثل مالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد ~~والشافعي وأحمد بن حنبل # PageV12P471 # وغيرهم، ومحققي أهل الكلام فاتفقوا على أن الإيمان والدين قول وعمل. هذا ~~لفظ السلف من الصحابة وغيرهم وإن كان قد يعني بالإيمان في بعض المواضع ما ~~يغاير العمل؛ لكن الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين والإيمان ~~ويدخل في القول قول القلب واللسان وفي العمل عمل القلب والجوارح. وقال ~~المفسرون لمذهبهم: إن له أصولا وفروعا وهو مشتمل على أركان وواجبات - ليست ~~بأركان - ومستحبات؛ بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرهما من العبادات؛ فإن اسم ~~الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك مثل الإحرام وترك محظوراته والوقوف ~~بعرفة ومزدلفة ومنى والطواف ببيت الله الحرام وبين الجبلين المكتنفين به ~~وهما الصفا والمروة. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان متى تركت ms4059 لم يصح الحج ~~كالوقوف بعرفة. وعلى ترك محظور متى فعله فسد الحج وهو الوطء ومشتمل على ~~واجبات: من فعل وترك يأثم بتركها عمدا ويجب مع تركها - لعذر أو غيره - ~~الجبران بدم كالإحرام من المواقيت المكانية والجمع بين الليل والنهار بعرفة ~~وكرمي الجمار ونحو ذلك وكترك اللباس المعتاد والتطيب والصيد وغير ذلك. ~~ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها؛ فلا يأثم بتركها ولا يجب دم ~~مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه وسوق الهدي وذكر الله، # PageV12P472 # ودعائه في الطواف والوقوف وغيرهما. وقلة الكلام إلا في أمر بمعروف ونهي ~~عن منكر أو ذكر الله تعالى فمن فعل الواجب وترك المحظور فقد أتم الحج ~~والعمرة لله وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل. لكن من أتى بالمستحب ~~فهو أكمل منه وأتم منه حجا وهو سابق مقرب ومن ترك المأمور وفعل المحظور ~~لكنه أتى بركنه وترك مفسده فهو حاج حجا ناقصا يثاب على ما فعله من الحج ~~ويعاقب على ما تركه وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع عقوبته على ما تركه ومن ~~أخل بركن الحج أو فعل مفسد فحجه فاسد لا يسقط به فرض؛ بل عليه إعادته مع ~~أنه قد يتنازع في إثابته على ما فعله وإن لم يسقط به الفرض والأشبه أنه ~~يثاب عليه. فصار " الحج ثلاثة أقسام " كاملا بالمستحبات وتاما بالواجبات ~~فقط وناقصا عن الواجب. والفقهاء يقسمون الوضوء والغسل إلى كامل ومجزئ؛ لكن ~~يريدون بالكامل ما أتى بمفروضه ومسنونه وبالمجزئ ما اقتصر على واجبه. فهذا ~~في " الأعمال المشروعة ". وكذلك في " الأعيان المشهودة " فإن الشجرة مثلا ~~اسم لمجموع الجذع والورق والأغصان وهي بعد ذهاب الورق # PageV12P473 # شجرة وبعد ذهاب الأغصان شجرة؛ لكن كاملة وناقصة فليفعل مثل ذلك في مسمى ~~الإيمان والدين أن " الإيمان ثلاث درجات ": إيمان السابقين المقربين. وهو ~~ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات: من فعل وترك. وإيمان المقتصدين أصحاب ~~اليمين. وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك. وإيمان الظالمين. وهو ما ~~يترك فيه بعض الواجبات أو يفعل فيه بعض ms4060 المحظورات. ولهذا قال علماء السنة ~~في وصفهم " اعتقاد أهل السنة والجماعة ": إنهم لا يكفرون أحدا من أهل ~~القبلة بذنب إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب فأما أصل الإيمان ~~الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا به وانقيادا له؛ فهذا ~~أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن؛ ولهذا تواتر في الأحاديث " ~~{أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} {مثقال حبة من إيمان} ~~. وفي رواية الصحيح أيضا " {مثقال حبة من خير} " " {مثقال ذرة من خير} وقال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة {الإيمان بضع وستون ~~- أو بضعة وستون أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} " فعلم أن الإيمان يقبل ~~التبعيض والتجزئة وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما ~~يقوله الخارجون عن مقالة أهل # PageV12P474 # السنة: إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة؛ بل هو شيء واحد: إما أن يحصل كله ~~أو لا يحصل منه شيء. ومما يتصل به أن يعرف أن الإيمان هو من الأسماء ~~الكتابية القرآنية النبوية الدينية الشرعية؛ فيتنوع مسماها قدرا ووصفا ~~بتنوع الكتب الإلهية؛ فمنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين من الأولين ~~والآخرين وجميع الكتب الإلهية: مثل الإقرار بالله واليوم الآخر وعبادة الله ~~وحده لا شريك له والصدق والعدل. واعلم أن عامة السور المكية التي أنزلها ~~الله بمكة هي في هذا الإيمان العام المشترك بين الأنبياء جميعهم والمؤمنين ~~جميعهم. وهذا القدر المشترك هو في بعض الملل أعظم قدرا ووصفا فإن ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته ووصف اليوم الآخر أكمل مما ~~جاء به سائر الأنبياء. ومنه ما تختلف فيه الشرائع والمناهج كالقبلة والمنسك ~~ومقادير العبادات وأوقاتها وصفاتها والسنن والأحكام وغير ذلك فمسمى الإيمان ~~والدين في أول الإسلام ليس هو مسماه في آخر زمان النبوة؛ بل مسماه في الآخر ~~أكمل كما قال تعالى: ms4061 {اليوم أكملت لكم دينكم} وقال في السورة: {ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله} ولهذا قال الإمام أحمد كان بدء الإيمان في أول ~~الإسلام ناقصا فجعل يتم وهكذا # PageV12P475 # مسمى الإيمان والدين قد شرع في حق الأشخاص بحسب ما أمر الله به كلا منهم ~~وبحسب ما فعله مما أمر الله به. ولهذا كان المؤمنون من الأولين والآخرين؛ ~~من الذين هادوا والنصارى والصابئين والمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم مشتركين في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح كما دل عليه ~~القرآن. مع أن اليهود كان يجب عليهم الإقرار بما لا يجب علينا الإقرار به؛ ~~مثل إقرارهم بواجبات التوراة وبمحرماتها مثل السبت وشحم الثرب والكليتين. ~~ولا يجب عليهم التصديق المفصل بما لم ينزل عليهم من أسماء الله وصفاته ~~وصفات اليوم الآخر. ونحن يجب علينا من الإيمان بذلك ما لم يجب عليهم ويجب ~~علينا من الإقرار بالصلوات الخمس والزكاة المفروضة وحج البيت وغير ذلك مما ~~هو داخل في إيماننا وليس داخلا في إيمانهم؛ فإن الإقرار بهذه الأشياء داخل ~~في الإيمان باتفاق الأمة. وكذلك الإقرار بأعيان الأنبياء كان الإقرار ~~بأعيانهم داخلا في إيمان من قبلنا ونحن إنما يدخل في إيماننا الإقرار بهم ~~من حيث الجملة. والمنازعون لأهل السنة منهم من يقول: الإيمان في الشرع مبقى ~~على ما كان عليه في اللغة؛ وهو التصديق. ومنهم من يقول: هو # PageV12P476 # منقول إلى معنى آخر. وهو أداء الواجبات. وأما أهل السنة فقد يقول بعضهم: ~~هو منقول كالأسماء الشرعية: من الصلاة والزكاة. وقد يقول بعضهم: بل هو ~~متروك على ما كان وزادت عليه الشريعة أشياء. ومنهم من يقول: بل هو باق على ~~أصله من التصديق مع دخول الأعمال فيه فإن الأعمال داخلة في التصديق فالمؤمن ~~يصدق قوله بعمله كما قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي؛ ~~ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} ". ومنهم من يقول: ليس الإيمان في اللغة هو ~~التصديق؛ بل هو الإقرار وهو ms4062 في الشرع الإقرار أيضا والإقرار يتناول القول ~~والعمل. وليس هذا موضع بسط ذلك فقد بسطته في غير هذا الموضع. وإذا عرف مسمى ~~الإيمان فعند ذكر استحقاق الجنة والنجاة من النار وذم من ترك بعضه ونحو ذلك ~~- يراد به الإيمان الواجب كقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~وقوله {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا} الآية. وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله # PageV12P477 # ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} . وقوله في ~~الجنة: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} . وقوله صلى الله عليه وسلم {لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن} " فنفي عنه الإيمان الواجب الذي يستحق به الجنة ~~ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان وسائر أجزائه وشعبه. وهذا معنى قولهم: نفي ~~كمال الإيمان لا حقيقته أي الكمال الواجب ليس هو الكمال المستحب المذكور في ~~قول الفقهاء: الغسل كامل ومجزئ. ومن هذا الباب: قوله صلى الله عليه وسلم " ~~{من غشنا فليس منا} " ليس المراد به أنه كافر. كما تأولته الخوارج ولا أنه ~~ليس من خيارنا. كما تأولته المرجئة؛ ولكن المضمر يطابق المظهر والمظهر هو ~~المؤمنون المستحقون للثواب السالمون من العذاب والغاش ليس منا لأنه متعرض ~~لسخط الله وعذابه. وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه إما ~~لعدم تمكنه من العلم: مثل أن لا تبلغه الرسالة أو لعدم تمكنه من العمل لم ~~يكن مأمورا بما يعجز عنه ولم يكن ذلك من الإيمان # PageV12P478 # والدين الواجب في حقه وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل؛ بمنزلة ~~صلاة المريض والخائف والمستحاضة وسائر أهل الأعذار الذين يعجزون عن إتمام ~~الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه وبه أمروا إذ ذاك وإن كانت ~~صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms4063 ~~{المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير} " رواه مسلم ~~عن أبي هريرة في حديث حسن السياق. وقوله: " {صلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد} " ولو أمكنه العلم به دون ~~العمل لوجب الإيمان به علما واعتقادا دون العمل. # فصل: # فهذا أصل مختصر في " مسألة الأسماء " وأما " مسألة الأحكام " وحكمه في ~~الدار الآخرة فالذي عليه الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وسائر أهل السنة ~~والجماعة. أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان؛ بل يخرج منها من ~~معه مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان. وأما " الخوارج " ومن وافقهم من ~~المعتزلة فيوجبون خلود من # PageV12P479 # دخل النار وعندهم من دخلها خلد فيها ولا يجتمع في حق الشخص الواحد العذاب ~~والثواب وأهل السنة والجماعة وسائر من اتبعهم متفقون على اجتماع الأمرين في ~~حق خلق كثير. كما جاءت به السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. و ~~" أيضا ": فأهل السنة والجماعة لا يوجبون العذاب في حق كل من أتى كبيرة ولا ~~يشهدون لمسلم بعينه بالنار لأجل كبيرة واحدة عملها؛ بل يجوز عندهم أن صاحب ~~الكبيرة يدخله الله الجنة بلا عذاب إما لحسنات تمحو كبيرته منه أو من غيره؛ ~~وإما لمصائب كفرتها عنه وإما لدعاء مستجاب منه أو من غيره فيه وإما لغير ~~ذلك. و " الوعيدية " من الخوارج والمعتزلة: يوجبون العذاب في حق أهل ~~الكبائر؛ لشمول نصوص الوعيد لهم. مثل قوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وتجعل المعتزلة إنفاذ ~~الوعيد أحد " الأصول الخمسة " التي يكفرون من خالفها ويخالفون أهل السنة ~~والجماعة في وجوب نفوذ الوعيد فيهم وفي تخليدهم؛ ولهذا منعت الخوارج ~~والمعتزلة أن يكون لنبينا صلى الله عليه وسلم شفاعة في أهل الكبائر - في ~~إخراج أهل الكبائر من النار. وهذا مردود بما تواتر عنه من السنن في ذلك ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # PageV12P480 # {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي} وأحاديثه في إخراجه من النار من قد ms4064 دخلها. ~~وليس الغرض هنا تحرير هذه الأصول وإنما الغرض التنبيه عليها وكان ما أوقعهم ~~في ذلك أنهم سمعوا نصوص الوعيد فرأوها عامة فقالوا: يجب أن يدخل فيها كل من ~~شملته وهو خبر وخبر الله صدق فلو أخلف وعيده كان كإخلاف وعده والكذب على ~~الله محال فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد فإنها قد تتناول كثيرا من أهل ~~الكبائر فعاد كل فريق إلى أصله الفاسد. فقال الأولون: نصوص الوعد لا تتناول ~~إلا مؤمنا وهؤلاء ليسوا مؤمنين. وقال الآخرون: نصوص الوعيد لا تتناول إلا ~~كافرا وكل من القولين خطأ. فإن النصوص - مثل قوله. {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما} لم يشترط فيها الكفر؛ بل هي في حق المتدين بالإسلام. وقوله: ~~" {من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} " لم يشترط فيه فعل ~~الواجبات؛ بل قد ثبت في الصحاح " {وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر} ". فهنا ~~اضطرب الناس فأنكر قوم من المرجئة العموم وقالوا: ليس في اللغة عموم وهم ~~الواقفية في العموم من المرجئة وبعض # PageV12P481 # الأشعرية والشيعية وإنما التزموا ذلك لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص ~~الوعيد. وقالت المقتصدة: بل العموم صحيح والصيغ صيغ عموم؛ لكن العام يقبل ~~التخصيص؛ وهذا مذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين إلا هذه الشرذمة. ~~قالوا: فمن عفي عنه كان مستثنى من العموم. وقال قوم آخرون: بل إخلاف الوعيد ~~ليس بكذب وإن العرب لا تعد عارا أو شنارا أن يوعد الرجل شرا ثم لا ينجزه ~~كما تعد عارا أو شنارا أن يعد خيرا ثم لا ينجزه وهذا قول طوائف من ~~المتقدمين والمتأخرين وقد احتجوا بقول كعب بن زهير يخاطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول قالوا: ~~فهذا وعيد خاص وقد رجا فيه العفو مخاطبا للنبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن ~~العفو عن المتوعد جائز وإن لم يكن من باب تخصيص العام. والتحقيق أن يقال: ~~الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد # PageV12P482 # والوعيد كما أن ذلك مشتمل على نصوص ms4065 الأمر والنهي وكل من النصوص يفسر ~~الآخر ويبينه فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر ~~المحبط؛ لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله فكذلك نصوص الوعيد ~~للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة؛ لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر ~~الذنوب جميعا لمن تاب وهذا متفق عليه بين المسلمين فكذلك في موارد النزاع. ~~فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات وأن من يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ~~وأن مصائب الدنيا تكفر الذنوب وأنه يقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أهل الكبائر وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما بين أن ~~الصدقة يبطلها المن والأذى وأن الربا يبطل العمل وأنه إنما يتقبل الله من ~~المتقين؛ أي في ذلك العمل ونحو ذلك. فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها كما ~~جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة ~~كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة. وبهذا تبين أنا نشهد بأن ~~{الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # PageV12P483 # إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} على الإطلاق والعموم ولا نشهد ~~لمعين أنه في النار؛ لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه؛ لأن لحوق الوعيد ~~بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء ~~الموانع في حقه وفائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا العذاب ~~والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه. يبين هذا: أنه قد ثبت: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم {لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها} . وثبت عنه ~~في صحيح البخاري عن عمر {أن رجلا كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله} " فنهى عن لعن هذا ~~المعين وهو مدمن خمر؛ لأنه يحب الله ms4066 ورسوله وقد لعن شارب الخمر على العموم. # فصل: # إذا ظهرت هذه المقدمات في اسم المؤمن والكافر والفاسق الملي وفي حكم ~~الوعد والوعيد والفرق بين المطلق والمعين وما وقع في # PageV12P484 # ذلك من الاضطراب ف " مسألة تكفير أهل البدع والأهواء " متفرعة على هذا ~~الأصل. ونحن نبدأ بمذهب أئمة السنة فيها قبل التنبيه على الحجة فنقول: ~~المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة ### | تكفير الجهمية # وهم المعطلة لصفات الرحمن؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من ~~الكتاب وحقيقة قولهم جحود الصانع ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه ~~على لسان رسله؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وقال غير واحد من الأئمة إنهم ~~أكفر من اليهود والنصارى يعنون من هذه الجهة ولهذا كفروا من يقول: إن ~~القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة وإن الله ليس على العرش وإن الله ~~ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب ونحو ذلك من صفاته. وأما " المرجئة ~~": فلا تختلف نصوصه أنه لا يكفرهم؛ فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في ~~الفروع وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء: ~~ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم " باب الأسماء " وهذا من نزاع الفقهاء لكن ~~يتعلق بأصل # PageV12P485 # الدين؛ فكان المنازع فيه مبتدعا. وكذلك " الشيعة " المفضلون لعلي على أبي ~~بكر لا يختلف قوله إنهم لا يكفرون؛ فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضا وإن ~~كانوا يبدعون. وأما " القدرية " المقرون بالعلم و " الروافض " الذين ليسوا ~~من الغالية والجهمية والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان هذا حقيقة ~~قوله المطلق مع أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم ~~والخوارج مع قوله: ما أعلم قوما شرا من الخوارج. ثم طائفة من أصحابه يحكون ~~عنه في تكفير أهل البدع مطلقا روايتين حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك ~~وليس الأمر كذلك وعنه في تكفير من لا يكفر روايتان أصحهما لا يكفر. وربما ~~جعل ms4067 بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكفر مطلقا وهو خطأ محض. والجهمية - عند ~~كثير من السلف: مثل عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أصحاب ~~الإمام أحمد وغيرهم - ليسوا منه الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها ~~هذه الأمة؛ بل أصول هذه عند هؤلاء: هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية ~~وهذا المأثور # PageV12P486 # عن أحمد وهو المأثور عن عامة أئمة السنة والحديث أنهم كانوا يقولون؛ من ~~قال: القرآن مخلوق فهو كافر ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ~~ونحو ذلك. ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين: " أحدهما " أنه كفر ~~ينقل عن الملة. قال: وهو قول الأكثرين. و " الثاني " أنه كفر لا ينقل. ~~ولذلك قال الخطابي: إن هذا قالوه على سبيل التغليظ وكذلك تنازع المتأخرون ~~من أصحابنا في تخليد المكفر من هؤلاء؛ فأطلق أكثرهم عليه التخليد كما نقل ~~ذلك عن طائفة من متقدمي علماء الحديث؛ كأبي حاتم؟ وأبي زرعة وغيرهم وامتنع ~~بعضهم من القول بالتخليد. وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة ~~توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك ~~المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرا فيتعارض عندهم ~~الدليلان وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب ~~الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو ~~كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا أن التكفير ~~له شروط وموانع قد تنتقي في حق المعين وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير ~~المعين # PageV12P487 # إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة ~~الأئمة: الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام ~~بعينه. فإن الإمام أحمد - مثلا - قد باشر " الجهمية " الذين دعوه إلى خلق ~~القرآن ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات ~~الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات ~~وقطع الأرزاق ورد الشهادة ms4068 وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من ~~أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم ~~يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه ~~بحكمهم في الكافر فلا يولونه ولاية ولا يفتكونه من عدو ولا يعطونه شيئا من ~~بيت المال ولا يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية ويمتحنون الناس عند ~~الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك. فمن أقر بخلق القرآن حكموا ~~له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ومن كان داعيا ~~إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه. ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن ~~الدعاء إلى المقالة أعظم من # PageV12P488 # قولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة ~~بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة ~~وغيره. ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء ~~إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ ~~فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع وهذه الأقوال ~~والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من ~~الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة وقد ~~نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين فأما أن يذكر عنه في ~~المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل. فيقال: من كفره ~~بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه ومن لم ~~يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل ~~العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. أما ~~الكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} وقوله ~~تعالى {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} . # PageV12P489 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله ~~تعالى قال: قد فعلت لما دعا ms4069 النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بهذا ~~الدعاء} . وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " {أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش} " و " ~~{أنه لم يقرأ بحرف منها إلا أعطيه} ". وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن ~~الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عموما محفوظا وليس في ~~الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه وإن عذب ~~المخطئ. من غير هذه الأمة. و " أيضا " قد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال ~~لأهله: إذا مات فأحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن ~~قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل ~~فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ~~فإذا هو قائم بين يديه. ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب وأنت ~~أعلم؛ فغفر الله له} ". # PageV12P490 # وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أصحاب الحديث ~~والأسانيد من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنها تفيدهم العلم اليقيني وإن ~~لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم. فهذا الرجل كان قد وقع ~~له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم؛ بعد ما أحرق وذري ~~وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان أصلان عظيمان: " أحدهما " ~~متعلق بالله تعالى وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير. و " الثاني " متعلق ~~باليوم الآخر. وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله ومع ~~هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن ~~الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا - وهو خوفه من ms4070 الله أن ~~يعاقبه على ذنوبه - غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر ~~والعمل الصالح. وأيضا: فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان} " # PageV12P491 # وفي رواية: {مثقال دينار من خير ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ~~حبة من خردل من إيمان} " وفي رواية " من خير " " {ويخرج من النار من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير} " وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدل أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان ~~والخير وإن كان قليلا وأن الإيمان مما يتبعض ويتجزأ. ومعلوم قطعا أن كثيرا ~~من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الإيمان بالله ورسوله إذ الكلام فيمن ~~يكون كذلك. وأيضا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا ~~على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء ~~الحي وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم ~~في الخلافة والتفضيل كلام معروف وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق ~~تكفير بعض أقوال معروفة. وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بل عجبت} ~~ويقول: إن الله لا يعجب؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر ~~يعجبه علمه. كان عبد الله أفقه منه فكان يقول: {بل عجبت} فهذا قد أنكر ~~قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام ~~من الأئمة وكذلك بعض السلف أنكر # PageV12P492 # بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} وقال: ~~إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا وإنكار الآخر قراءة قوله: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه} وقال: إنما هي: ووصى ربك. وبعضهم كان حذف المعوذتين وآخر ~~يكتب سورة القنوت. وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما ~~لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ms4071 وإن كان يكفر بذلك من قامت ~~عليه الحجة بالنقل المتواتر. وأيضا فإن الكتاب والسنة قد دل على أن الله لا ~~يعذب أحدا إلا بعد إبلاغ الرسالة فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسا ومن ~~بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة ~~الرسالية. وذلك مثل قوله تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~وقوله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} الآية. ~~وقوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} وقوله: {وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم} الآية. وقوله: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} وقوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا} وقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم # PageV12P493 # خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء} وقوله: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} وقوله " {ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين} ونحو هذا في القرآن في مواضع متعددة. فمن كان قد ~~آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول فلم يؤمن به تفصيلا؛ إما ~~أنه لم يسمعه. أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها أو اعتقد معنى آخر لنوع ~~من التأويل الذي يعذر به. فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله ما ~~يوجب أن يثيبه الله عليه وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر ~~مخالفها. وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما ~~لا يكفر مخالفه؛ بل ولا يفسق؛ بل ولا يأثم؛ مثل الخطأ في الفروع العملية؛ ~~وإن كان بعض المتكلمة والمتفقهة يعتقد أن المخطئ فيها آثم وبعض المتكلمة ~~والمتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب فهذان القولان شاذان ومع ms4072 ذلك فلم ~~يقل أحد بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت ~~خطأ المنازع # PageV12P494 # فيها بالنصوص والإجماع القديم مثل استحلال بعض السلف والخلف لبعض أنواع ~~الربا واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر واستحلال آخرين للقتال في الفتنة. ~~وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة المعروفين ~~وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلا عن أن يكفر ~~حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء إلى سائر أهل البغي فإنهم مع إيجابهم ~~لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم لأجل التأويل كما يقول هؤلاء الأئمة: إن شارب ~~النبيذ المتنازع فيه متأولا لا يجلد ولا يفسق. وقد قال تعالى: {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} وقال تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} . وثبت في الصحاح من حديث عمرو بن ~~العاص وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} ". وثبت في الصحيح {عن بريدة بن ~~الحصيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن ~~تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك وحكم ~~أصحابك فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم} " # PageV12P495 # وأدلة هذا الأصل كثيرة لها موضع آخر. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن ~~من بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به فهو كافر لا يقبل منه ~~الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة؛ ولأن العذر بالخطأ ~~حكم شرعي فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر والواجبات تنقسم إلى أركان ~~وواجبات ليست أركانا: فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور والنصوص إنما ~~أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه ~~المسائل: إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في ~~عامة أصول الإيمان. وإما ms4073 أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم مع ~~أنها أيضا من أصول الإيمان. فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة ~~وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة؛: هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين ~~والجاحد لها كافر بالاتفاق مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع ~~خطئه. وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين: فمعلوم أن المخطئين من ~~المؤمنين بالله ورسوله أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب # PageV12P496 # فوجب أن يلحق بهم وعلى هذا مضى عمل الأمة قديما وحديثا في أن عامة ~~المخطئين من هؤلاء تجري عليهم أحكام الإسلام التي تجري على غيرهم هذا مع ~~العلم بأن كثيرا من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر وأولئك كفار في الدرك ~~الأسفل من النار فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة ~~منافقون بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن ~~الصابئين والمشركين فهؤلاء كفار في الباطن ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر ~~أيضا. وأصل ضلال هؤلاء الأعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة ~~وابتغاء الهدى في خلاف ذلك فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ الرسالة كافر لا ~~ريب فيه مثل من يرى أن الرسالة للعامة دون الخاصة كما يقوله قوم من ~~المتفلسفة وغالية المتكلمة والمتصوفة أو يرى أنه رسول إلى بعض الناس دون ~~بعض كما يقوله كثير من اليهود والنصارى. فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين: " ~~أحدهما " أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول وأن خلاف ذلك كفر ~~على الإطلاق فنفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة أو أنه على ~~العرش أو أن القرآن كلامه أو # PageV12P497 # أنه كلم موسى أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك ~~وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث. و " الأصل الثاني " أن التكفير ~~العام - كالوعيد العام - يجب القول بإطلاقه وعمومه. وأما الحكم على المعين ~~بأنه كافر أو مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف ~~على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه. ومما ينبغي ms4074 أن يعلم في هذا الموضع أن ~~الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على شخص في الدنيا؛ إما بقتل أو جلد أو غير ~~ذلك ويكون في الآخرة غير معذب مثل قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على ~~العدالة ومثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة فإنا نقيم ~~الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبي صلى الله عليه وسلم على ماعز بن مالك ~~وعلى الغامدية مع قوله: {لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له} " ومثل ~~إقامة الحد على من شرب النبيذ المتنازع فيه متأولا مع العلم بأنه باق على ~~العدالة. بخلاف من لا تأويل له فإنه لما شرب الخمر بعض الصحابة # PageV12P498 # واعتقدوا أنها تحل للخاصة تأول قوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} اتفق الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وغيرهما على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. ~~وكذلك نعلم أن خلقا لا يعاقبون في الدنيا مع أنهم كفار في الآخرة مثل أهل ~~الذمة المقرين بالجزية على كفرهم. ومثل المنافقين المظهرين الإسلام فإنهم ~~تجري عليهم أحكام الإسلام وهم في الآخرة كافرون كما دل عليه القرآن في آيات ~~متعددة كقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} ~~الآية. وقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس ~~من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور} {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} الآية. ~~وهذا لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو في الدار الآخرة التي هي دار الثواب ~~والعقاب. وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع # PageV12P499 # به الظلم والعدوان كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين ms4075 لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} وقال تعالى: {إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق} وهذا لأن ~~المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة القسط كما قال تعالى: {لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب إن الله قوي عزيز} . وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة ~~لعقوبة الآخرة ولا بالعكس. ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة ~~الذي يضل الناس لأجل إفساده في الدين سواء قالوا: هو كافر أو ليس بكافر. ~~وإذا عرف هذا فتكفير " المعين " من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه ~~بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة ~~الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل وإن كانت هذه المقالة لا ريب ~~أنها كفر. وهكذا الكلام في تكفير جميع " المعينين " مع أن بعض هذه # PageV12P500 # البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس ~~لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له ~~المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد ~~إقامة الحجة وإزالة الشبهة. وهذا الجواب لا يحتمل أكثر من هذا. والله ~~المسئول أن يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم. # PageV12P501 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # في رجل قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما وإنما خلق الكلام والصوت في ~~الشجرة وموسى عليه السلام سمع من الشجرة لا من الله وأن الله عز وجل لم ~~يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ. فهل هو على الصواب أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا على الصواب؛ بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها؛ بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإذا قال: لا أكذب ~~بلفظ القرآن - وهو قوله: {وكلم الله موسى ms4076 تكليما} - بل أقر بأن هذا اللفظ ~~حق لكن أنفي معناه وحقيقته؛ فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة ~~على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين ~~والسبعين فرقة. وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له الجعد بن ~~درهم # PageV12P502 # فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى؛ فإنه خطب الناس فقال في ~~خطبته: ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول ~~الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه. وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك وأخذ ~~هذه المقالة عنه جهم بن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحوز وإليه نسبت هذه ~~المقالة التي تسمى " مقالة الجهمية " وهي نفي صفات الله تعالى فإنهم ~~يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة ولا يكلم عباده وأنه ليس له علم ولا حياة ~~ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات ويقولون: القرآن مخلوق. ووافق الجهم على ذلك " ~~المعتزلة " أصحاب عمرو بن عبيد وضموا إليها بدعا أخرى في القدر وغيره؛ لكن ~~المعتزلة يقولون إن الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة؛ لكن حقيقة ذلك عندهم ~~أنه خلق كلاما في غيره إما في شجرة وإما في هواء وأما في غير ذلك من غير أن ~~يقوم بذات الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا مشيئة ولا حياة ~~ولا شيء من الصفات. والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فيقولون: إن الله لم ~~يكلم موسى تكليما ولا يتكلم. وتارة لا يظهرون هذا اللفظ؛ لما فيه من ~~الشناعة المخالفة لدين الإسلام واليهود والنصارى فيقرون باللفظ # PageV12P503 # ولكن يقرنونه بأنه خلق في غيره كلاما. وأئمة الدين كلهم متفقون على ما ~~جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليما وأن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت ~~به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ms4077 وأن لله علما وقدرة ونحو ذلك. ~~ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ~~ذكر في كتابه في " شرح أصول السنة " مقالات السلف والأئمة في الأصول: ذكر ~~من قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا أو ~~أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الإعصار ومضي ~~السنين والأعوام وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا ~~بمذاهبهم. ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا: لكني ~~اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر ومن أنكر قولهم ~~استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه قال: ولا خلاف بين الأمة أن أول ~~من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم في سني نيف وعشرين ومائة ثم جهم بن صفوان ~~فأما جعد فقتلة خالد بن عبد الله القسري. وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام ~~بن عبد الملك. # PageV12P504 # وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجهين أنهم قالوا له ~~يوم صفين: حكمت رجلين؟ فقال: ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن وعن عكرمة ~~قال كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل وقال: اللهم رب ~~القرآن اغفر له فوثب إليه ابن عباس فقال: مه القرآن منه. وعن عبد الله بن ~~مسعود قال: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين. وهذا ثابت عن ابن مسعود وعن ~~سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ ~~سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود وفي لفظ يقولون: ~~القرآن كلام الله غير مخلوق وقال حرب الكرماني ثنا إسحاق بن إبراهيم يعني ~~ابن راهويه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين ~~سنة أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون: الله الخالق ~~وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود. وهذا قد ~~رواه عن ms4078 ابن عيينة إسحاق وإسحاق إما أن يكون سمعه منه أو من بعض أصحابه عنه ~~وعن جعفر بن محمد الصادق - وهو مشهور عنه - أنهم سألوه عن القرآن أخالق هو ~~أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. وهكذا روي عن الحسن ~~البصري وأيوب السختياني وسليمان # PageV12P505 # التيمي وخلق من التابعين. وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري ~~وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثال ~~هؤلاء من الأئمة وكلام هؤلاء الأئمة وأتباعهم في ذلك كثير مشهور بل اشتهر ~~عن أئمة السلف تكفير من قال: القرآن مخلوق وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~كما ذكروا ذلك عن مالك بن أنس وغيره؟ ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد - وكان ~~من أصحاب ضرار بن عمرو ممن يقول: القرآن مخلوق فلما ناظر الشافعي وقال له: ~~القرآن مخلوق قال له الشافعي - كفرت بالله العظيم: ذكره ابن أبي حاتم في ~~الرد على الجهمية قال: كان في كتابي عن الربيع بن سليمان قال: حضرت الشافعي ~~أو حدثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن ~~عمرو بن يزيد فسأل حفص عبد الله قال: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيبه ~~فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه وكلاهما أشار إلى الشافعي فسأل الشافعي فاحتج ~~عليه وطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق وكفر حفصا الفرد. قال الربيع: فلقيت حفصا في المسجد بعد هذا فقال: ~~أراد الشافعي قتلي. وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول ~~القرآن مخلوق واستتابته وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه. # PageV12P506 # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال ~~في أوله: " ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة ": ~~أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ~~وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه: " وإن القرآن كلام الله منه ms4079 ~~بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على نبيه وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا ~~وأثبتوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه ~~فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث ~~قال: {سأصليه سقر} فلما أوعد الله سقر لمن قال: {إن هذا إلا قول البشر} ~~علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ". وأما أحمد بن حنبل فكلامه ~~في مثل هذا مشهور متواتر وهو الذي اشتهر بمحنة هؤلاء الجهمية فإنهم أظهروا ~~القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه وأن القرآن مخلوق حتى صار ~~حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى ودعوا الناس إلى ذلك وعاقبوا من لم ~~يجبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل عن الولاية وإما بالحبس أو ~~بالضرب وكفروا من خالفهم فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى أخمد الله به ~~باطلهم ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم وأذلهم بعد العز وأخملهم بعد الشهرة ~~واشتهر عند خواص الأمة وعوامها أن القرآن كلام # PageV12P507 # الله غير مخلوق وإطلاق القول أن من قال إنه مخلوق فقد كفر. وأما إطلاق ~~القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم من القول بأن ~~القرآن مخلوق وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإنه أنكر نص القرآن ~~وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله والذي يقول القرآن مخلوق هو في المعنى ~~موافق له فلذلك كفره السلف. قال البخاري في كتاب " خلق الأفعال " قال سفيان ~~الثوري: من قال القرآن مخلوق فهو كافر قال: وقال عبد الله بن المبارك: من ~~قال {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن ~~يقول ذلك قال وقال ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ~~هاهنا بل على العرش استوى وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال فوق سمواته على عرشه ~~بائن من خلقه. وقال: من قال " لا إله إلا الله " مخلوق فهو كافر وإنا نحكي ~~كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي ms4080 كلام الجهمية. قال وقال علي بن ~~عاصم: ما الذين قالوا إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم. ~~قال البخاري: وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق # PageV12P508 # وقيل له: سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق؟ فقال: هؤلاء الزنادقة. قال: وقال ~~أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد - وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق - ~~فقال كيف يصنعون ب {قل هو الله أحد} كيف يصنعون بقوله: {إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا} ؟ قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود ~~والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من ~~لا يعرف كفرهم. قال: وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو ~~كافر وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في ~~النار إذ قال {أنا ربكم الأعلى} ؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال: {إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار ~~فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق. فأخبر بذلك أبو ~~عبيد فاستحسنه وأعجبه. ومعنى كلام هؤلاء السلف رضي الله عنهم أن من قال إن ~~كلام الله مخلوق خلقه في الشجرة أو غيرها - كما قال هذا الجهمي المعتزلي ~~المسئول عنه - كان حقيقة قوله: إن الشجرة هي التي قالت لموسى {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ومن قال: هذا مخلوق قال ذلك فهذا المخلوق ~~عنده كفرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} كلاهما مخلوق وكلاهما قال ذلك. ~~فإن كان قول فرعون كفرا فقول هؤلاء أيضا كفر. # PageV12P509 # ولا ريب أن قول هؤلاء يئول إلى قول فرعون؛ وإن كانوا لا يفهمون ذلك؛ فإن ~~فرعون كذب موسى فيما أخبر به: من أن ربه هو الأعلى وأنه كلمه كما قال ~~تعالى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} وهو قد كذب موسى ms4081 في أن الله ~~كلمه. ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاما في غيره صار هو المتكلم به وذلك ~~باطل وضلال من وجوه كثيرة: (أحدها أن الله سبحانه أنطق الأشياء كلها نطقا ~~معتادا ونطقا خارجا عن المعتاد قال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} وقال تعالى: {حتى إذا ما جاءوها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} {وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} وقال تعالى: {يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} وقد قال تعالى: {إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} وقد {ثبت أن الحصى كان يسبح في يد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأن الحجر كان يسلم عليه} وأمثال ذلك من إنطاق ~~الجمادات؛ فلو كان إذا خلق كلاما في غيره كان هو المتكلم به كان هذا كله ~~كلام الله تعالى ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام كما كلم موسى بن عمران بل ~~قد ثبت أن الله خالق # PageV12P510 # أفعال العباد فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلما بما خلقه ~~من الكلام لكان كل كلام في الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم ~~وهذا تقوله غلاة الجهمية كابن عربي وأمثاله يقولون: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون: إن كلام الآدميين غير ~~مخلوق؛ فإن كل واحدة من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق ~~فأولئك يجعلون الجميع مخلوقا وأن الجميع كلام الله وهؤلاء يجعلون الجميع ~~كلام الله وهو غير مخلوق ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية ~~وشيخ المشبهة الحلولية. وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة ~~لدين الإسلام سلط الله أعداء الدين فإن الله يقول {ولينصرن الله من ينصره ~~إن الله لقوي عزيز} {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} وأي معروف أعظم من ~~الإيمان بالله وأسمائه وآياته. وأي منكر أعظم ms4082 من الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته؟ # الوجه الثاني: أن يقال لهؤلاء الضالين: ما خلقه الله في غيره # PageV12P511 # من الكلام وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره فإذا ~~خلق الله في بعض الأجسام حركة أو طعما أو لونا أو ريحا كان ذلك الجسم هو ~~المتحرك المتلون المتروح المطعوم وإذا خلق بمحل حياة أو علما أو قدرة أو ~~إرادة أو كلاما كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم. فإذا ~~خلق كلاما في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك ~~الكلام كما لو خلق فيه إرادة أو حياة أو علما ولا يكون الله هو المتكلم به ~~كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعا أو بصرا كان ذلك المحل هو الحي به ~~والقادر به والسميع به والبصير به فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفا ~~بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة فلا يكون هو ~~المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات ولا المصوت بما خلقه في غيره من ~~الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة ~~فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في غيره من الكلام ولا يكون متكلما بذلك ~~الكلام. (الوجه الثالث أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى ~~فاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها ~~دون معنى المصدر التي هي مشتقة منه والناس # PageV12P512 # متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام فلا يكون مريد ~~إلا بإرادة وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك. ثم ~~هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر فإنما ~~يسمى بالحي من قامت به الحياة وبالمتحرك من قامت به الحركة وبالعالم من قام ~~به العلم وبالقادر من قامت به القدرة. فأما من لم يقم به مسمى المصدر ~~فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات. ms4083 وهذا معلوم بالاعتبار في جميع ~~النظائر. وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات ~~وعلى الصفة. والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته. وهذا كما أنه ثابت في ~~الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال: مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم وعلم ويعلم ~~وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء قيل: إن الفعل المشتق من المصدر أو ~~المصدر مشتق من الفعل لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر. ~~فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم ~~والمعلم وكذلك التعلم والتكلم والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو ~~التكليم والتعليم والتكلم والتعلم فإذا قيل. تكلم فلان أو كلم فلان فلانا ~~ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: {وكلم الله موسى # PageV12P513 # تكليما} وقوله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات} وقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} يقتضي أن الله هو ~~المكلم فكما يمتنع أن يقال: هو متكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم ~~بكلام قائم بغيره. فهذه خمسة أوجه: (أحدها أنه يلزم الجهمية على قولهم أن ~~يكون كل كلام خلقه الله كلاما له: إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا ~~كونه خلقه وكل من فعل كلاما ولو في غيره كان متكلما به عندهم وليس للكلام ~~عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول " قائما " يدل لكونه خلق ~~صوتا في محل والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم ~~يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات فلا يبقى فرق بين الصوت الذي ~~هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام. (الثاني أن الصفة ~~إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمها إلى ذلك المحل ولا ~~يعود حكمها إلى غيره. (الثالث أن يشتق منه المصدر واسم الفاعل والصفة ~~المشبهة به # PageV12P514 # ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره. وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف ~~والأئمة ms4084 أن من قال إن الله خلق كلاما في غيره لزمه أن يكون حكم التكلم ~~عائدا إلى ذلك المحل لا إلى الله. (الرابع أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر ~~فقال (تكليما قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز لئلا ~~يظن أنه أرسل إليه رسولا أو كتب إليه كتابا بل كلمه منه إليه. (والخامس أن ~~الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال: {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} الآية فكان تكليم موسى ~~من وراء الحجاب وقال: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} ~~وقال {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} - إلى قوله - ~~{وكلم الله موسى تكليما} والوحي هو ما نزله الله على قلوب الأنبياء بلا ~~واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء ~~أفضل منه؛ لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة وموسى إنما عرفه ~~بواسطة ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم ~~من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم الكفر باتفاق ~~المسلمين. # PageV12P515 # ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه يقتضي تعطيل الرسالة فإن الرسل ~~إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله؛ بل يقتضي تعطيل التوحيد فإن من لا يتكلم ولا ~~يقوم به علم ولا حياة هو كالموات بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ~~ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق ~~لا يتعين ولا يتخصص. فكان قول هؤلاء مضاهيا لقول " المتفلسفة الدهرية " ~~الذين يجعلون وجود الرب وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لا صفة له. وقد علم أن ~~المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن. وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضا ~~حقيقة تكليمه لموسى ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال وهكذا ~~يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء وحقيقة قولهم: إن القرآن قول البشر لكنه ~~صدر عن نفس ms4085 صافية شريفة. وإذا كانت المعتزلة خيرا من هؤلاء وقد كفر السلف ~~من يقول بقولهم فكيف هؤلاء وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال ~~حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت إسحاق بن راهويه يقول. ليس بين أهل العلم ~~اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره ~~مخلوقا؟ ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا: علم الله وقدرته ومشيئته ~~مخلوقة فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله # PageV12P516 # - تبارك اسمه - ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة وهو الكفر المحض الواضح؛ لم ~~يزل الله عالما متكلما له المشيئة والقدرة في خلقه والقرآن كلام الله وليس ~~بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر. وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن ~~مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق. فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال لأن ~~الله يقول {ولكن حق القول مني} ولا يكون من الله شيء مخلوق. وهذا القول ~~قاله غير واحد من السلف. وقال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله ليس ببائن ~~منه وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدأ ومنه خرج وإليه يعود ~~كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه} يعني ~~القرآن وقد روي أيضا عن أبي أمامة مرفوعا. وقال أبو بكر الصديق لأصحاب ~~مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة " ويحكم أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلاما ~~لم يخرج من إل " أي من رب. وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج ومنه ~~بدا. أنه فارق ذاته وحل بغيره فإن كلام المخلوق إذ تكلم به لا يفارق ذاته # PageV12P517 # ويحل بغيره فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم ~~إن يقولون إلا كذبا} فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ~~ذاتهم. و " أيضا " فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره لا صفة الخالق ms4086 ولا ~~صفة المخلوق والناس إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم بلغوه عنه ~~كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغوه ~~بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك فالكلام كلام الباري والصوت صوت ~~القارئ قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ~~وقال صلى الله عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} ولكن مقصود السلف الرد ~~على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره فيكون قد ابتدأ ~~وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله كما يقولون: كلامه لموسى خرج من ~~الشجرة فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج وذكروا قوله {ولكن ~~حق القول مني} فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات. و " من " هي ~~لابتداء الغاية فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم # PageV12P518 # يكن صفة لله كقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} ~~وقوله في المسيح: {وروح منه} وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: {وما بكم من ~~نعمة فمن الله} . وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة ~~لله كقوله {ولكن حق القول مني} . وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن ~~القرآن نزل منه وأنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ~~ممن يقول: إنه لم ينزل منه قال تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق} وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وروح القدس هو جبريل ~~كما قال في الآية الأخرى {نزل به الروح الأمين} {على قلبك} وقال {من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} وقال هنا {نزله روح القدس من ~~ربك} فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك وكذلك ~~سائر آيات القرآن كقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقوله {حم} ~~{تنزيل ms4087 الكتاب من الله العزيز العليم} وقوله {حم} {تنزيل من الرحمن الرحيم} ~~وقوله {الم} {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} وقوله {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} . # PageV12P519 # فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله فمن قال: إنه منزل من بعض ~~المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله مكذب لكتاب الله. متبع لغير ~~سبيل المؤمنين. ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض ~~المخلوفات كالمطر بأن قال: {أنزل من السماء ماء} ؟ فذكر المطر في غير موضع ~~وأخبر أنه نزله من السماء والقرآن أخبر أنه منزل منه. وأخبر بتنزيل مطلق في ~~مثل قوله {وأنزلنا الحديد} لأن الحديد ينزل من رءوس الجبال لا ينزل من ~~السماء وكذلك الحيوان؛ فإن الذكر ينزل الماء في الإناث. فلم يقل فيه من ~~السماء ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على ~~الله من أمة محمد لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة ~~بيده وأنزلها مكتوبة. فيكون بنو إسرائيل قد قرءوا الألواح التي كتبها الله ~~وأما المسلمون فأخذوه عن محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد أخذه عن جبريل ~~وجبريل عن اللوح فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل وتكون منزلة بني إسرائيل ~~أرفع من منزلة محمد صلى الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية والله سبحانه ~~جعل من فضائل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أنزل عليهم كتابا لا ~~يغسله الماء وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة وفرقه عليهم لأجل ذلك. فقال: ~~{وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} وقال تعالى: ~~{وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا} . # PageV12P520 # ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة ~~جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله. كما يترجم عن الأخرس الذي ~~كتب كلاما ولم يقدر أن يتكلم به. وهذا خلاف دين المسلمين. وإن احتج محتج ms4088 ~~بقوله: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} قيل له فقد قال في ~~الآية الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} ~~{ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} فالرسول في هذه الآية محمد صلى الله عليه ~~وسلم والرسول في الأخرى جبريل فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض ~~الخبران. فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال: {لقول ~~رسول} ولم يقل ملك ولا نبي ولا ريب أن الرسول بلغه كما قال تعالى: {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} فكان {النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ~~على الناس في الموسم ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن ~~قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي؟} ولما أنزل الله: {الم} {غلبت الروم} ~~خرج أبو بكر الصديق فقرأها على على الناس فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ ~~فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله. وإن احتج بقوله {ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} قيل له # PageV12P521 # هذه الآية حجة عليك فإنه لما قال {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} علم أن ~~الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين ~~الموصوف وغيره كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته وما آكل إلا ~~طعاما حلالا ونحو ذلك ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله ~~الجهمي ولكنه الذي أنزل جديدا فإن الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء ~~فالمنزل أولا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا. وكل ما تقدم على غيره فهو ~~قديم في لغة العرب كما قال: {كالعرجون القديم} وقال: {تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} وقال: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} وقال: {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} وكذلك قوله: {جعلناه قرآنا عربيا} لم ~~يقل جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه؛ ولكن قال: {جعلناه قرآنا عربيا} ~~أي صيرناه ms4089 عربيا لأنه قد كان قادرا على أن ينزله عجميا فلما أنزله عربيا ~~كان قد جعله عربيا دون عجمي. وهذه المسألة من أصول أهل الإيمان والسنة التي ~~فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم والكلام عليها مبسوط في ~~غير هذا الموضع والله أعلم. # PageV12P522 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر: بل كلمه تكليما فقال: ~~إن قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث ومن قال: إن ~~الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر فهل هو كما قال أو لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما فهذا إن كان لم يسمع ~~القرآن فإنه يعرف أن هذا نص القرآن فإن أنكره بعد ذلك استتيب فإن تاب وإلا ~~قتل ولا يقبل منه إن كان كلامه بعد أن يجحد نص القرآن بل لو قال: إن معنى ~~كلامي أنه خلق صوتا في الهواء فأسمعه موسى كان كلامه أيضا كفرا وهو قول ~~الجهمية الذين كفرهم السلف وقالوا: يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا؛ لكن من ~~كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب فإنه ~~لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي من خالفها كفر. إذ كثير من الناس # PageV12P523 # يخطئ فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيرا مما يرد من معاني الكتاب والسنة. ~~والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة والكفر لا يكون إلا بعد البيان. ~~والأئمة الذين أمروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ~~ويقولون: القرآن مخلوق ونحو ذلك قيل إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم وقيل لأنهم ~~إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظا ~~لدين الناس أن يضلوهم. وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية ~~من شر طوائف أهل البدع حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة. ومن ~~الجهمية: المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق وإن الله ~~إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في ms4090 الهواء وإنه لا يرى في الآخرة - وإنه ~~ليس مباينا لخلقه وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب ~~رسله وإبطال دينه. وأما قول الجهمي: إن قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف ~~وصوت والحرف والصوت محدث ومن قال إن الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر. ~~فيقال لهذا الملحد: أنت تقول إنه كلمه بحرف وصوت # PageV12P524 # لكن تقول بحرف وصوت خلقه في الهواء وتقول: إنه لا يجوز أن تقوم به الحروف ~~والأصوات لأنها لا تقوم إلا بمتحيز والباري ليس بمتحيز ومن قال إنه متحيز ~~فقد كفر. ومن المعلوم أن من جحد ما نطق به الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ~~ممن أقر بما جاء به الكتاب والسنة. وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة إن ~~العقل معه قال له الموافق للنصوص: بل العقل معي وهو موافق للكتاب والسنة ~~فهذا يقول إن معه السمع والعقل وذاك إنما يحتج لقوله بما يدعيه من العقل ~~الذي يبين منازعه فساده ولو قدر أن العقل معه. " والكفر " هو من الأحكام ~~الشرعية وليس كل من خالف شيئا علم بنظر العقل يكون كافرا ولو قدر أنه جحد ~~بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفرا في الشريعة. وأما من ~~خالف ما علم أن الرسول جاء به فهو كافر بلا نزاع. وذلك أنه ليس في الكتاب ~~والسنة ولا في قول أحد من سلف الأمة وأئمتها الإخبار عن الله بأنه متحيز أو ~~أنه ليس بمتحيز ولا في الكتاب والسنة أن من قال هذا وهذا يكفر. وهذا اللفظ ~~مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد أسماء مبتدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة؛ بل ~~يستفسر هذا القائل إذا قال: إن الله متحيز أو ليس بمتحيز فإن قال: أعني ~~بقولي إنه متحيز # PageV12P525 # أنه دخل في المخلوقات وإن المخلوقات قد حازته وأحاطت به فهذا باطل. وإن ~~قال أعني به أنه منحاز عن المخلوقات مباين لها فهذا حق. وكذلك قوله: ليس ~~بمتحيز إن أراد به أن المخلوق لا يحوز الخالق فقد أصاب وإن قال إن الخالق ms4091 ~~لا يباين المخلوق وينفصل عنه فقد أخطأ. وإذا عرف ذلك فالناس في الجواب عن ~~حجته الداحضة - وهي قوله " لو قلت إنه كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت ~~والحرف والصوت محدث " - ثلاثة أصناف: صنف منعوه المقدمة الأولى وصنف منعوه ~~المقدمة الثانية - وصنف لم يمنعوه المقدمتين بل استفسروه وبينوا أن ذلك لا ~~يمنع أن يكون الله كلم موسى تكليما. ف " الصنف الأول " أبو محمد عبد الله ~~بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ومن اتبعهما قالوا: لا ~~نسلم أن الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت بل الكلام معنى قائم بذات المتكلم ~~والحروف والأصوات عبارة عنه " وذلك المعنى القائم بذات الله تعالى يتضمن ~~الأمر بكل ما أمر به والخبر عن كل ما أخبر عنه إن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا وقالوا: إنه اسم الكلام حقيقة فيكون اسم الكلام مشتركا أو مجازا في ~~كلام الخالق وحقيقة في كلام المخلوق. # PageV12P526 # " والصنف الثاني " سلموا لهم أن الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت ومنعوهم ~~المقدمة الثانية وهو أن الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا. وصنف قالوا: إن ~~المحدث كالحادث سواء كان قائما بنفسه أو بغيره وهو يتكلم بكلام لا يكون ~~قديما وهو بحرف وصوت وهذا قول من يقول القرآن قديم وهو بحرف وصوت كأبي ~~الحسن بن سالم وأتباعه السالمية وطوائف ممن اتبعه وقال هؤلاء في الحرف ~~والصوت نظير ما قاله الذين قبلهم في المعاني. وقالوا كلام لا بحرف ولا صوت ~~لا يعقل ومعنى يكون أمرا ونهيا وخبرا ممتنع في صريح العقل ومن ادعى أن معنى ~~التوراة والإنجيل والقرآن واحد وإنما اختلفت العبارات الدالة عليه - فقوله ~~معلوم الفساد بالاضطرار عقلا وشرعا وإخراج الحروف عن مسمى الكلام مما يعلم ~~فساده بالاضطرار من جميع اللغات وإن جاز أن يقال: إن الحروف والأصوات ~~المخلوقة في غير كلام الله حقيقة أمكن حينئذ أن يكون كلم موسى بكلام مخلوق ~~في غيره. وقالوا لإخوانهم الأولين: إذا قلتم إن الكلام هو مجرد المعنى # PageV12P527 # وقد خلق عبارة بيان. . . (1) فإن قلتم إن تلك ms4092 العبارة كلامه حقيقة بطلت ~~حجتكم على المعتزلة؛ فإن أعظم حجتكم عليهم قولكم إنه يمتنع أن يكون متكلما ~~بكلام يخلقه في غيره كما يمتنع أن يعلم بعلم قائم بغيره وأن يقدر بقدرة ~~قائمة بغيره وأن يريد بإرادة قائمة بغيره وإن قلتم هي كلام مجازا لزم أن ~~يكون الكلام حقيقة في المعنى مجازا في اللفظ وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار ~~من جميع اللغات. و " الصنف الثالث ": الذين لم يمنعوا المقدمتين ولكن ~~استفسروهم وبينوا أن هذا لا يستلزم صحة قولكم بل قالوا: إن قلتم: إن الحرف ~~والصوت محدث بمعنى أنه يجب أن يكون مخلوقا منه منفصلا عنه فهذا دليل على ~~فساد قولكم وتناقضه وهذا قول ممنوع وإن قلتم: بمعنى أنه لا يكون قديما فهو ~~مسلم لكن هذه التسمية محدثة. وهؤلاء " صنفان ": صنف قالوا: إن المحدث هو ~~المخلوق المنفصل عنه فإذا قلنا: الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا كان بمنزلة ~~قولنا لا يكون إلا مخلوقا وحينئذ فيكون هذا المعتزلي أبطل قوله PageV12P528 # بقوله حيث زعم أنه يتكلم بحرف وصوت مخلوق ثم استدل على ذلك بما يقتضي أنه ~~يتكلم لا يتكلم بكلام مخلوق فيه تلبيس. ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ~~ولا بكلام مخلوق بل هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما أنه سبحانه ~~وتعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه سبحانه ~~استوى إلى السماء وهي دخان وأنه سبحانه يأتي في ظلل من الغمام والملائكة ~~كما قال {وجاء ربك والملك صفا صفا} وقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} وقال تعالى: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون} وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير. يبين الله سبحانه ~~أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من تكليمه وأفعاله القائمة بنفسه وما كان ~~قائما بنفسه هو كلامه لا كلام غيره. والمخلوق لا يكون قائما بالخالق ولا ~~يكون الرب محلا للمخلوقات ms4093 بل هو سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله ~~وليس من ذلك شيء مخلوقا إنما المخلوق ما كان بائنا عنه. وكلام الله من الله ~~ليس ببائن منه ولهذا قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ # PageV12P529 # وإليه يعود فقالوا: منه بدأ أي هو المتكلم به لا أنه خلقه في بعض الأجسام ~~المخلوقة. وهذا " الجواب " هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه وطوائف ~~من أهل الكلام من أئمتهم: من الهشامية والكرامية وغيرهم. وأتباع الأئمة ~~الأربعة: أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد: منهم من يختار جواب الصنف ~~الأول وهم الذين يرتضون قول ابن كلاب في القرآن وهم طوائف من متأخري أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومنهم من يختار جواب الصنف الثاني وهم ~~الطوائف الذين ينكرون قول ابن كلاب ويقولون إن القرآن قديم: كالسالمية ~~وطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومنهم من يختار جواب ~~الطائفة الثالثة وهم الذين ينكرون قول الطائفتين المتقدمتين الكلابية ~~والسالمية. ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية - والكرامية ينتسبون إلى أبي ~~حنيفة - ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضا لما فيه من تناقض آخر؛ بل ~~يقول بقول أئمة الحديث: كالبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن إسحاق بن ~~خزيمة ومن قبلهم من السلف: # PageV12P530 # كأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومحمد بن كعب القرظي والزهري ~~وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وما نقل من ذلك عن ~~الصحابة والتابعين وفي ذلك آثار كثيرة معروفة في كتب السنن والآثار تضيق ~~عنها هذه الورقة. وبين الأصناف الثلاثة منازعات ودقائق تضيق عنها هذه ~~الورقة وقد بسطنا الكلام عليها في مواضع وبينا حقيقة كل قول وما هو القول ~~الصواب في صريح المعقول وصحيح المنقول؛ لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على ~~تضليل من يقول إن كلام الله مخلوق. والأمة متفقة على أن من قال إن كلام ~~الله مخلوق لم يكلم موسى تكليما يستتاب فإن تاب وإلا يقتل. والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على ms4094 سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. # PageV12P531 # وسئل أيضا - رحمه الله -: # عمن قال: كلم الله موسى تكليما وسمعته أذناه ووعاه قلبه وإن الله كتب ~~التوراة بيده وناوله إياه من يده إلى يده وقال آخر: لم يكلمه إلا بواسطة. # فأجاب: # القائل الذي قال: إن الله كلم موسى تكليما - كما أخبر في كتابه - مصيب ~~وأما الذي قال: كلم الله موسى بواسطة فهذا ضال مخطئ؛ بل قد نص الأئمة على ~~أن من قال ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإن هذا الكلام إنكار لما قد ~~علم بالاضطرار من دين الإسلام ولما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله ~~تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} الآية ففرق ~~بين تكليمه من وراء حجاب - كما كلم موسى - وبين تكليمه بواسطة رسول كما ~~أوحى إلى غير موسى قال الله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده} إلى قوله: {وكلم الله موسى تكليما} . # PageV12P532 # والأحاديث بذلك كثيرة في الصحيحين والسنن وفي الحديث المحفوظ عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حديث {التقى آدم وموسى قال آدم: أنت موسى الذي كلمك ~~الله تكليما لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه} . وسلف الأمة وأئمتها كفروا ~~الجهمية الذين قالوا: إن الله خلق كلاما في بعض الأجسام سمعه موسى وفسر ~~التكليم بذلك. وأما قوله: {إن الله كتب التوراة بيده} فهذا قد روي في ~~الصحيحين فمن أنكر ذلك فهو - مخطئ ضال وإذا أنكره بعد معرفة الحديث الصحيح ~~يستحق العقوبة. وأما قوله " ناولها بيده إلى يده " فهذا مأثور عن طائفة من ~~التابعين وهو هكذا عند أهل الكتاب؛ لكن لا أعلم غير هذا اللفظ مأثورا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالمتكلم به إن أراد ما يخالف ذلك فقد أخطأ. ~~والله أعلم. # PageV12P533 # ما تقول السادة الأعلام أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين -: # هل هذا القرآن الذي نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو كلام الله الذي قام ~~به حين تكلم به وكان صفة له أم لا؟ وإذا كان ms4095 كلامه فهل إذا تلوناه وقام بنا ~~يطلق عليه كلام الله وصفته؟ أم يطلق عليه كلام الله دون صفته؟ أم في ذلك ~~تفصيل يجب بيانه؟ وهل إذا قام بنا كان منتقلا عن الله بعد أن قام به؟ أم ~~يكون قائما بنا وبه معا؟ أم الذي قام بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية ~~عنه ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا؟ وهل يكون صفة لنا محدثة قامت بمحدث؛ ~~إذ القديم لا يقوم بمحدث والمحدث لا يكون قديما وهل " التلاوة " هي نفس ~~المتلو أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله رب العالمين، هذه " المسألة " جوابها يحتمل البسط ويمكن فيه ~~الاختصار ثم بسط الجواب بعض البسط؛ فأما الجواب المختصر فإنه يقال: جواب # PageV12P534 # هذه المسألة مبني على " مقدمة " وهي أن يعرف الإنسان معنى قول القائل لما ~~بلغه عن غيره: هذا كلام ذلك الغير؛ فإن المحدث إذا حدث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} أو قوله: ~~{الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس} أو ~~قوله: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} ونحو ذلك. فإنه من المعلوم أن ~~هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بلفظه ومعناه فهو الذي أخبر ~~بمعناه وهو الذي ألف حروفه وتكلم بها بصوته. ثم المبلغ بذلك عنه بلغ كلامه ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما ~~سمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه} فدعا بالنضرة ~~لمن سمع منه حديثا فبلغه كما سمعه. فبين أن الحديث المسموع منه هو الحديث ~~المبلغ عنه مع العلم بأن المبلغ عنه بلغه بأفعاله وأصواته وأن الصوت ~~المسموع منه هو صوته لا صوت النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم تكلم بذلك الحديث بصوته المختص به فالمبلغ ms4096 عنه هو حديثه ~~الذي سمع منه وليس الصوت المسموع صوته. فإذا قال القائل: هل هذا الحديث ~~الذي قرأه المحدث القائم به # PageV12P535 # حين القراءة هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قام به حين تكلم به ~~وكان صفة له أم لا؟ قيل له: إن كنت تريد أن نفس الحديث من حيث هو هو كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي قام به حين تكلم به كان صفة له؛ فنعم هذا ~~الحديث من حيث هو هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإن كنت تريد أن ما ~~اختص بالقارئ من حركاته وأصواته هو القائم بالرسول فليس كذلك. وكذلك إن ~~أردت أن نفس ما اختص به الرسول من حركاته وأصواته والصفات القائمة بنفسه هي ~~بعينها انتقلت عن الرسول وقامت بالقارئ فليس كذلك. وقول القائل: هذا هو هذا ~~وليس هو إياه وهذا هو عين هذا وليس هو عينه: لفظ فيه إجمال فإن من نقل لفظ ~~غيره كما سمعه وكتبه في كتاب فإنه يقول: هذا كلام فلان بعينه وهذا نفس ~~كلامه وهذا عين كلامه. ومراده أن نفس ما قاله هو الذي بلغه عنه وهو المكتوب ~~في الكتاب لم يزد فيه ولم ينقص منه. فإذا قال القائل: لما سمع من القارئ ~~هذا عين كلام الله أو هذا كلام الله بعينه أو هذا نفس كلام الله أو قال لما ~~بين لوحي المصحف: هذا كلام الله بعينه. وهذا عين كلام الله كان صادقا # PageV12P536 # ومن أنكر ذلك بهذا الاعتبار كان مقتضى قوله: أن القرآن زيد فيه ونقص؛ ~~ولهذا كان الناس مطبقين على أن ما بين اللوحين كلام الله؛ والإنكار على من ~~نفى ذلك. وقد يقال لكلام المتكلم المسموع منه: هذا كلام زيد بعينه؛ وهذا ~~عين كلام زيد وهذا نفس كلام زيد بمعنى أنه مسموع منه بلا واسطة؛ بحيث يسمع ~~صفة ذلك المتكلم المختص به بذلك كما قال أيوب السختياني. كان الحسن يتكلم ~~بكلام فيأتي مثل الدر؛ فتكلم به بعده قوم فجاء مثل البعر. والمتكلم بالكلام ~~من البشر له ms4097 صوت يخصه ونغمة تخصه كما له سجية تخصه كما قال تعالى: {واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم} . وله أيضا - إن كان أمرا أو نهيا أو خبرا - من الحال ~~والصفة والكيفية ما يختص به فإذا سمع كلامه بالصفة المختصة به وقيل: هذا ~~كلامه بعينه وهذا عين كلامه ونفس كلامه وأدخلت الصفة المختصة به في مسمى ~~العين والنفس لم يصدق هذا عليه إذا كان مرويا. لكن لما كان الناس في زماننا ~~يعلمون أن أحدا لا يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه: لم يسبق هذا ~~المعنى إلى ذهن أحد بل كل أحد يعلم أنا إذا قلنا سمعنا كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعينه وهذا عين كلامه فإنما ~~المراد # PageV12P537 # به المعنى الأول وهو كونه مسموعا من المبلغ عنه لا أنه مسموع منه ولا أن ~~تكلمه الذي يختص بالكلام وجد. وإذا كان هذا في كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكلام الله سبحانه أولى بذلك فإن الناس يعلمون أن أحدا منهم لم يسمعه ~~من الله كما سمع موسى كلام الله من الله؛ بل يعلمون أن كلام الله إنما سمع ~~من المبلغين له كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} وقال تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم} وقال نوح: {ولكني رسول من رب العالمين} {أبلغكم رسالات ربي} وفي سنن ~~أبي داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالموقف: {ألا رجل ~~يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي} فلما ~~كان هذا مستقرا في قلوب المستمعين علموا أن قوله تعالى {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} إنما هو سماعه من المبلغين له ~~لا سماعه منه وإن هذا السماع ليس كسماع موسى كلام الله من الله؛ فإن موسى ~~سمعه منه بلا واسطة ونحن إذا سمعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الصحابة لم يكن كسمع ms4098 الصحابة # PageV12P538 # من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم يبلغون حديثه كما سمعوه مع العلم ~~بأنهم لم يحكوا صوت النبي صلى الله عليه وسلم فلا هي أصواتهم صوته ولا مثل ~~صوته مع أنهم بلغوا حديثه كما سمعوه. فالقرآن أولى أن يكون جبريل بلغه كما ~~سمعه والرسول بلغه كما سمعه والأمة بلغته كما سمعته وأن يكون ما بلغته هو ~~ما سمعته وهو كلام الله عز وجل في الحالين؛ مع أن الرسول بشر من جنس البشر ~~" والله تعالى: {ليس كمثله شيء} . والتفاوت الذي بين صفات الخالق والمخلوق ~~أعظم من التفاوت بين أدنى المخلوقات وأعلاها فإذا كان سمع التابعين لكلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ليس كسمع الصحابة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسماع كلام الله من الله أبعد من مماثلة سماع شيء لشيء من ~~المخلوفات. والقائل إذا قال لما سمعه من المبلغ عن الرسول هذا كلام الرسول ~~أو هذا كلام صواب أو حق أو صحيح أو هذا حديث رسول الله أداه كما سمعه. أو ~~هذا نفس كلام الرسول أو عينه فإنما قصد إلى مجرد الكلام وهو ما يوجد حال ~~سماعه من المبلغ والمبلغ عنه لم يشر إلى ما يختص بأحدهما؛ فلم يشر إلى مجرد ~~صوت المبلغ ولا مجرد صوت المبلغ عنه ولا إلى حركة أحد منهما؛ بل هناك أمر ~~يتحد في الحالين # PageV12P539 # وهذا أمر يتعدد يختص كل منهما منه بما يخصه. فإذا قيل: هذا هو كلامه كانت ~~الإشارة إلى المتحد المتفق عليه بينهما. وإذا قيل: هذا صوته كانت الإشارة ~~إلى المختص المتعدد فيقال: هذا صوت غليظ أو رقيق أو حسن أو ليس حسنا؛ كما ~~في الحديث الذي في سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لله ~~أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته} وفي ~~الحديث المشهور: {زينوا القرآن بأصواتكم} قال أحمد. يحسنه بصوته ما استطاع. ~~فبين الإمام أحمد أن الصوت صوت القارئ مع أن الكلام كلام الباري. وهذا كما ~~أنه ms4099 معلوم من تبليغ كلام الله ورسوله فكذلك في تبليغ كلام كل أحد فإذا سمع ~~الناس منشدا ينشد. ألا كل شيء ما خلا الله باطل قالوا: هذا شعر لبيد لفظه ~~ومعناه وهذا كلام لبيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أصدق كلمة قالها ~~الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل} . ولو قال المنشد: هذا ~~شعري أو كلامي لكذبه الناس كما يكذبونه لو قال: هذا صوت لبيد وإذا قال: هذا ~~لفظ لبيد بالمعنى المعروف - وهو أن هذا الكلام الملفوظ هو كلامه بنظمه ~~وتأليفه - لصدقه الناس. # PageV12P540 # وإن قال: هذا لفظه بمعنى أن هذا بلفظه كذبه الناس؛ فإن " اللفظ " يراد به ~~المصدر " ويراد به الملفوظ وكذلك " التلاوة " و " القراءة " يراد بذلك ~~المصدر ويراد به الكلام نفسه الذي يقرأ ويتلى. وأصل هذا أن تعلم الجامع ~~والفارق بين سماع الكلام من المتكلم به ومن المبلغ له عن المتكلم به وأنه ~~كلامه في الحالين: لكن هو في أحدهما مسموع منه سماعا مطلقا بغير واسطة وفي ~~الأخرى مسموع منه سماعا مقيدا بواسطة التبليغ كما أنك تارة ترى الشمس ~~والقمر والكواكب بطريق المباشرة فلا تحتاج في ذلك إلى واسطة وتارة تراها في ~~ماء أو مرآة ونحو ذلك؛ تراها بواسطة ذلك الجسم الشفاف فهي المقصودة بالرؤية ~~في الموضعين. لكن في إحدى الحالتين رأيتها نفسها بالمباشرة رؤية مطلقة وفي ~~الأخرى رأيتها رؤية مقيدة بواسطة. وإذا قلت: المرئي مثالها أو خيالها أو ~~نحو ذلك. قيل: أنت تجد الفرق بين رؤيتك خيال الشيء الذي هو ظله وتمثاله ~~الذي هو صورته المصورة وبين رؤيته في الماء والمرآة؛ إذا كان المرئي هنا ~~وإن كان لا بد فيه من توسط خيال فالمقصود بالرؤية هو الحقيقة؛ ولكن تختلف ~~باختلاف المرآة فيرى كبيرا إن كانت المرآة كبيرة وصغيرا # PageV12P541 # إن كانت المرآة صغيرة ومستطيلا إن كانت المرآة مستطيلة. وهذا الكلام ~~المروي عن الغير المقصود منه هو نفس كلام ذلك الغير وإن كان لا بد من توسط ~~صوت هذا المبلغ؛ ولهذا يختلف باختلاف صوت المبلغ؛ فتارة ms4100 يكون رقيقا وتارة ~~غليظا وتارة مجهورا به وتارة مخافتا به. فإن قلت: فهذا المسموع مثل كلام ~~المروي عنه أو حكاية كلام المروي عنه كما أطلق ذلك طائفة من أهل الكلام من ~~المعتزلة وغيرهم كان إطلاق هذا خطأ كما أنك إذا قلت لما تراه في الماء ~~والمرآة هذا مثل الشمس أو هذا يحكي الشمس: كان إطلاق ذلك خطأ قال تعالى: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ~~الآية فقد بين عجز الخلائق عن الإتيان بمثله مع أنهم قادرون على تبليغه ~~وتلاوته؛ فعلم أن هذا المسموع لا يقال إنه مثل كلام الله كما سماه كلامه؛ ~~لكنه كلامه بواسطة المبلغ لا بطريق المباشرة. والله سبحانه قد فرق بين ~~التكليمين. فقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ففرق بين تكليمه من وراء حجاب - ~~كما كلمه موسى - وبين تكليمه بإرساله رسولا يوحي بإذنه؛ ذاك تكليم بلا # PageV12P542 # واسطة وهذا تكليمه بواسطة. وإن قلت: لما يبلغه المبلغ عن غيره هذا حكاية ~~كلام ذلك كان الإطلاق خطأ فإن لفظ " الحكاية " إذا أطلق يراد به أنه أتى ~~بكلام يشبه كلامه كما يقال: هذا يحاكي هذا وهذا قد حكى هذا؛ لكن قد يقال: ~~فلان قد حكى هذا الكلام عن فلان. كما يقال: رواه عنه وبلغه عنه ونقله عنه ~~وحدث به عنه؛ ولهذا يجيء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي ~~عن ربه. فكلما بلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله فقد حكاه عنه ورواه ~~عنه. فالقائل إذا قال للقارئ هذا يحكي كلام الله أو يحكي القرآن فقد يفهم ~~منه أنه يأتي بكلام يحاكي به كلام الله وهذا كفر. وإن أراد أنه بلغه وتلاه ~~فالمعنى صحيح؛ لكن ينبغي تعبيره بما لا يدل على معنى باطل فيقول: قرأه ~~وتلاه وبلغه وأداه؛ ولهذا إذا قيل: يحكي القراءات السبع ويرويها وينقلها لم ~~ينكر ذلك؛ لأنه لا يفهم منه إلا ms4101 تبليغها؛ لا أنه يأتي بمثلها. # PageV12P543 # فصل: # إذا تبين ذلك، فيقال: هذا القرآن الذي نقرؤه ونبلغه ونسمعه هو كلام الله ~~الذي تكلم به ونزل به منه روح القدس كما قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} {وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين} فهذا الكلام في القرآن الذي قالوا: إنما يعلمه ~~إياه بشر وقد أبطل الله ذلك بقوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين} فدل على أن المراد به نفس القرآن العربي الذي يمتنع أن يعلمه ~~إياه ذلك الأعجمي الذي ألحدوا إليه. وقد قيل: إنه رجل بمكة مولى لابن ~~الحضرمي والمعاني المجردة لا يمتنع تعلمها من الأعجمي بخلاف هذا القرآن ~~العربي فدل أن هذا القرآن نزله روح القدس من الله تبارك وتعالى. # PageV12P544 # ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق} وهذا الكلام صفة الله تعالى وأما ما اختص قيامه بنا؛ من ~~حركاتنا وأصواتنا وفهمنا وغير ذلك من صفاتنا فلم يقم منه شيء بذات الله ~~سبحانه كما أن ما اختص الرب تعالى بقيامه به لم ينتقل عنه ولم يقم بغيره لا ~~هو ولا مثله: فإن المخلوق إذا سمع من المخلوق كلامه وبلغه عنه كان ما بلغه ~~هو كلامه كما تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم {: نضر الله امرأ سمع منا ~~حديثا فبلغه كما سمعه} مع أن ما قام بالنبي صلى الله عليه وسلم - بباطنه من ~~العلم والإرادة وغيرهما وبظاهره من الحركة والصوت وغيرهما - لم ينتقل عنه ~~ولم يقم بغيره؛ بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم وتنتقل عنهم فكيف ~~يجوز ms4102 أن يقال: إن صفة الخالق فارقت ذاته فانتقلت عنه؟ والمتعلم إذا أخذ علم ~~المعلم ونقله عنه لم يفارق ذات الأول وينتقل عنها إلى الثاني؛ بل نفس ~~الحقيقة العلمية حصلت له مثل ما حصلت لمعلمه أو ليس مثله بل يشبهه؛ ولهذا ~~يشبه العلم بضوء السراج كل أحد يقتبس منه وهو لم ينقص. ومن المعلوم أن من ~~أوقد من مصباح غيره فإنه لم ينتقل إلى سراجه شيء من جرم تلك النار ولا شيء ~~من صفاتها القائمة بها؛ بل جعل الله بسبب ملاصقة النار ذلك نارا مثل تلك # PageV12P545 # فالحقيقة النارية موجودة وإن كانت هذه العين ليست تلك؛ لكن النار والعلم ~~ليس هو مثل الكلام الذي يبلغ عن الغير؛ بل هو مثل أن يسمع بعض الناس كلام ~~غيره وشعر غيره فيقول من جنس ما قال ويقول كما قال غيره مثله. كما يقال: ~~وقع الخاطر على الخاطر كوقع الحافر على الحافر وليس هذا من التبليغ ~~والرواية في شيء (فإن قول القائل: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل هو كلام لبيد # كيف ما أنشده الناس وكتبوه؛ فهذا الشعر الذي ينشده هو شعر لبيد بعينه. ~~فإذا قيل: الشعر الذي قام بنا هو الذي قام بلبيد. قيل: إن أريد بذلك أن ~~الشعر من حيث هو هو إن أريد أن نفس ما قام بذاته فارق ذاته وانتقل إلينا؛ ~~فليس كذلك وكذلك إن أريد أن عين الصفة المختصة بذلك الشخص كحركته وصوته هي ~~عين الصفة المختصة بنا كحركتنا وصوتنا فليس كذلك) (*) . فقولك: هذا هو هذا ~~لفظ فيه إجمال يبينه السياق. فإذا قلت: هذا الكلام هو ذاك أو هذا الشعر هو ~~ذاك كنت صادقا. وإذا قلت هذا الصوت هو ذاك كان كذبا. والناس لا يقصدون إذا ~~قالوا: هذا شعر لبيد إلا القدر المتحد PageV12P546 # وهي الحقيقة من حيث هي مع قصر النظر عما اختص به أحدهما. فإن قيل: القدر ~~المتحد كلي مطلق والكليات إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان. قيل: ذكر ~~هذا هنا غلط فإن هذا إنما يقال لو كان ms4103 رجل قد قال شعر لبيد من غير أن يعلم ~~بشعره. فنقول: هذان شيئان اشتركا في النوع الكلي وامتاز أحدهما عن الآخر ~~بما يخصه والكلي إنما يوجد كليا في الذهن لا في الخارج وأما هنا فنفس شعره ~~كان له وجود في الخارج والمقصود من الحقيقة الكلامية - مع قطع النظر عن صوت ~~زيد وصوت عمرو - موجود لما تكلم به لبيد وموجود إذا أنشده غير لبيد وتلك ~~الحقيقة المتحدة موجودة هنا وهنا؛ ليست مثل وجود الإنسانية في زيد وعمرو ~~وخالد؛ فإن إنسانية زيد ليست إنسانية عمرو بل مثلها والمشترك بينهما لا ~~يوجد في الخارج وهنا نفس الكلام الذي تكلم به لبيد تكلم به المنشد عنه ولا ~~يقال: إنه أنشأ مثله ولا أنشد مثله بل يقال: أنشد شعره بعينه. لكن الشعر ~~عرض والعرض لا يقوم إلا بغيره؛ فلا بد أن يقوم إما بلبيد وإما بغيره ~~والقائم به وإن كان ليس مثل القائم بغيره؛ لكن المقصود بهما واحد. فالتماثل ~~والتغاير في الوسيلة والاتحاد في الحقيقة المقصودة وتلك الحقيقة هي إنشاء ~~لبيد لا إنشاء غيره والعقلاء # PageV12P547 # يعلمون أنه ليس نفس الصوت المسموع من لبيد هو نفس الصوت المسموع من ~~المنشد؛ لكن نفس المقصود بالصوت هو الكلام؛ فإن الصوت واسطة في تبليغه؛ ~~ولهذا ما كان في الصوت من مدح وذم كان للمبلغ وما كان في الكلام من مدح وذم ~~كان للمتكلم المبلغ عنه في لفظه ونظمه ومعناه. وإذا عرف هذا: فقول القائل: ~~هذا القرآن الذي نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو كلام الله الذي قام به ~~حين تكلم به وكان صفة له أم لا؟ قيل له: أما الكلام فهو كلام الله لا ~~كلامنا ولا غيرنا وهو مسموع من المبلغ لا من الله - كما تقدم - وهو مسموع ~~بواسطة سماعا مقيدا لا سماعا من الله مطلقا - كما تقدم - وليس شيء مما قام ~~بذاته فارقه وانتقل إلينا ولا شيء مما يختص بذواتنا - كحركاتنا وأصواتنا ~~فهو منا - قائما به. وأما قوله: هذا القرآن الذي نتلوه القائم بنا حين ~~التلاوة هو كلام ms4104 الله الذي قام به حين تكلم به؟ فلفظ القيام فيه إجمال فإن ~~أراد أن نفس صفة الرب تكون صفة لغيره أو صفة العبد تكون صفة للرب فليس ~~كذلك. وإن أراد أن نفس ما ليس بمخلوق صار مخلوفا أو ما هو مخلوق صار غير ~~مخلوق فليس الأمر كذلك. وإن أراد أن ما اختص الرب بقيامه به شاركه فيه غيره ~~فليس الأمر كذلك. وإن # PageV12P548 # أراد أن نفس الكلام كلامه لا كلام غيره في الحالين - كما تقدم تقريره - ~~فالأمر كذلك. وقد علم أن الحال إذا سمع من الله ليس كالحال إذا سمع من خلقه ~~وذلك فرق بين الحالين وإن كان الكلام واحدا. فإذا كان هذا الفرق ثابتا في ~~كلام المخلوق مسموعا ومبلغا عنه فثبوته في كلام الله أولى وأحرى فإن الله ~~ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا يمكن أن يكون ~~تكلمه به وسماعه مما يعرف له نظير ولا مثال ولا يقاس ذلك بتكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسماع الكلام منه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يمكننا ~~أن نعرف صفاته والرب تعالى لا مثال له وهو أبعد عن مماثلة المخلوقات أعظم ~~من بعد مماثلة أعظم المخلوقات عن مماثلة أدناها. # وقول السائل: إذا تلوناه وقام بنا يطلق عليه كلام الله وصفته أم يطلق ~~عليه كلام الله دون صفته؟ أم في ذلك تفصيل يجب بيانه؟ فيقال: هو كلام الله ~~وصفته مسموعا من المبلغ عنه لا منه؛ فالنفي والإثبات بدون هذا التفصيل ~~يوهم: إما أنه كلام الله مسموعا منه أو أنه ليس كلام الله. بل كلام المبلغ ~~عنه. وكلا القولين خطأ وقع في كلام طائفتين من الناس. طائفة جعلت هذا كلام ~~المبلغ عنه؛ لا كلام # PageV12P549 # الله. وطائفة قالت: هذا كلام الله مسموعا من الله ولم تفرق بين الحالين؛ ~~حتى ادعى بعضها أن الصوت المسموع قديم وتلك لم تجعله كلام الله؛ بل كلام ~~الناس. فهؤلاء يقولون: ليس هذا كلام الله وأولئك يقولون: هذا الصوت المسموع ~~قديم. وكلا القولين ms4105 خطأ وضلال؛ لكن هو كلامه مقيدا بواسطة المبلغ القارئ ~~ليس هو كلامه وصفته مطلقا عن التقييد مسموعا منه وكلام المتكلم يضاف إليه ~~مطلقا إذا سمع منه ومقيدا إذا سمع من المبلغ عنه كما أن رؤيته يقال: مطلقة ~~إذا رئي مباشرة. ويقال: مقيدة إذا رئي في ماء أو مرآة. وأما قوله: إذا قام ~~بنا هل كان منتقلا عن الله بعد أن قام به أم يكون قائما بنا وبه معا؟ أم ~~الذي قام بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه؟ ويكون إطلاق كلام الله ~~عليه مجازا؟ فيقال: إن صفة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل عنه وتقوم بغيره ~~فكيف يجوز أن يقال: إن صفة الرب سبحانه فارقت ذاته وانتقلت عنه وقامت ~~بغيره. وقد بينا أن المتكلم منا إذا أرسل غيره بكلام فإنه ما قام به؛ بل لم ~~يفارق ذاته وينتقل إلى غيره؛ فكلام الله أولى وأحرى؛ بل كلامه سبحانه قائم ~~به كما يقوم به لو تكلم به ولم يرسل به رسولا فإرساله رسولا به يفيد إبلاغه ~~إلى الخلق. وإنزاله إليهم # PageV12P550 # لا يوجب نقصا في حق الرب ولا زوال اتصافه به ولا خروجه عن أن يكون كلامه؛ ~~بل نعلم أن الرب كما أنه قد يتكلم به ولا يرسل به رسولا قد يتكلم به ويرسل ~~به رسولا فهو في الحالين كلامه - سبحانه -؛ بل إرسال الرسول به نفع الخلق ~~وهداهم ولم يجب به نقصان صفة مولاهم. وقوله: أم يكون قائما بنا وبه؟ فيقال: ~~معنى القائم لفظ مجمل؛ فإن أريد أن نفس الكلام من حيث هو هو تكلم هو به ~~وتكلمنا به مبلغين له عنه فكذلك هو. وإن أريد أن ما اختص به يقوم بنا أو ما ~~اختص بنا يقوم به فهذا ممتنع. وإن أريد بالقيام أنا بلغنا كلامه أو قرأنا ~~كلامه أو تلونا كلامه فهذا صحيح. فكذلك إن أريد أن هذا الكلام كلامه مسموعا ~~من المبلغ لا منه. وإن أريد بالقيام أن الشيء الذي اختص به هو بعينه قام ~~بغيره مختصا به فهذا ممتنع. ms4106 وإن قيل: الصفة الواحدة تقوم بموضعين. قيل: هذا ~~أيضا مجمل؛ فإن أريد أن الشيء المختص بمحل يقوم بمحل آخر فهذا ممتنع وإن ~~أريد أن الكلام الذي يسمى صفة واحدة يقوم بالمتكلم به ويبلغه عنه غيره كان ~~هذا صحيحا. فهذه المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة ~~المبينة وكل لفظ يحتمل حقا وباطلا فلا يطلق إلا مبينا به المراد الحق دون # PageV12P551 # الباطل فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. وكثير من ~~نزاع الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا ~~معنى يثبته ويفهم منها الآخر معنى ينفيه. ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل ~~والمثبتة يجمعون بين حق وباطل. وأما قوله: أم الذي يقوم بنا يكون عبارة عن ~~كلام الله أو حكاية عنه ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا؟ فيقال: العبارة ~~عن كلام الغيب يقال لمن في نفسه معنى ثم يعبر عنه غيره كما يعبر عما في نفس ~~الأخرس من فهم مراده والذين قالوا: " القرآن عبارة عن كلام الله " قصدوا ~~هذا وهذا باطل؛ بل القرآن العربي تكلم الله به؛ وجبريل بلغه عنه. وأما " ~~الحكاية " فيراد بها ما يماثل الشيء كما يقال: هذا يحاكي فلانا إذا كان ~~يأتي بمثل قوله أو عمله وهذا ممتنع في القرآن؛ فإن الله تعالى يقول: قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله الآية. ~~وقد يقال فلان حكى فلان عنه أي بلغه عنه ونقله عنه ويجيء في الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يحكي عن ربه ويقال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم روى عن ربه وحكى عن ربه. فإذا قيل: إنه حكى عن الله بمعنى أنه ~~بلغ عن الله فهذا صحيح. # PageV12P552 # وأما قول القائل: هل يكون كلام الله مجازا؟ فيقال: علامة المجاز صحة نفيه ~~ونحن نعلم بالاضطرار أن فلانا لو قال بحضرة الرسول ليس هذا كلام الله لكان ~~عنده لم يكن متكلما بالحقيقة اللغوية. وأيضا: فهذا موجود في كل من ms4107 بلغ كلام ~~غيره أنه يقال هذا كلام المبلغ عنه لا كلام المبلغ والله أعلم. # PageV12P553 # ما تقول السادة أئمة الدين: # في رجلين قال أحدهما: القرآن المسموع كلام الله. وقال الآخر: هو كلام ~~جبريل كما قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} فهل أصاب أم أخطأ؟ وما الجواب ~~عما احتج به؟ وهل هذا القول قاله أحد من الشيوخ والأئمة أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين؟ . # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله رب العالمين؛ بل القرآن كلام الله تعالى وليس كلام جبريل. ولا ~~كلام محمد صلى الله عليه وسلم وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وأئمة المسلمين وأصحابهم الذين يفتى بقولهم في الإسلام كأبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وجبريل سمعه من الله وسمعه محمد من جبريل كما ~~قال تعالى {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} . وروح القدس هو جبريل وقال ~~تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال تعالى: ~~{تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقال تعالى: {حم} {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم} فهو منزل من الله كما قال # PageV12P554 # تعالى: {نزل به الروح الأمين} {على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان عربي ~~مبين} . وأما قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم} فإنه أضافه إليه لأنه بلغه ~~وأداه لا لكونه أحدث منه شيئا وابتدأه؛ فإنه سبحانه قال في إحدى الآيتين: ~~{إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} فالرسول هنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال في الآية الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين} {مطاع ثم أمين} فالرسول هنا جبريل. والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس؛ فلو كانت إضافته إلى أحدهما لكونه ألف النظم العربي وأحدث منه شيئا ~~غير ذلك تناقض الكلام. فإنه إن كان نظم أحدهما لم يكن نظم الآخر. وأيضا ~~فإنه قال: {لقول رسول} ولم يقل لقول ملك ولا نبي ولفظ الرسول يشعر بأنه ~~مبلغ له ms4108 عن مرسله لا أنه أنشأ من عنده شيئا. وأيضا فقوله: {إنه لقول رسول ~~كريم} ضمير يعود إلى القرآن # PageV12P555 # والقرآن يتناول معانيه ولفظه ومجموع هذا ليس قولا لغير الله بإجماع ~~المسلمين وإطلاق القول بأن القرآن كلام جبريل أو محمد أو غيرهما من ~~المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين؛ بل عظم الله الإنكار على من ~~يقول إنه قول البشر فقال تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} إلى قوله: {إنه فكر ~~وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر ~~واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} {سأصليه سقر} ~~{وما أدراك ما سقر} . فمن قال: إن القرآن قول البشر فقد كفر وكذلك من قال ~~إنه قول ملك؛ وإنما يقول إنه قول جبريل أحد رجلين: إما رجل من الملاحدة ~~والفلاسفة. الذين يقولون: إنه فيض فاض على نفس النبي من العقل الفعال ~~ويقولون: إنه جبريل. ويقولون: إن جبريل هو الخيال الذي يتمثل في نفس النبي ~~صلى الله عليه وسلم. يقولون: إنه تلقاه معان مجردة ثم إنه تشكل في نفسه ~~حروفا كما يتشكل في نفس النائم كما يقول ذلك ابن عربي صاحب " الفصوص " ~~وغيره من الملاحدة؛ ولهذا يدعي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحي به إلى الرسول فإن " المعدن " عنده هو العقل و " الملك " هو ~~الخيال الذي في نفسه والنبي عندهم يأخذ من هذا الخيال. # PageV12P556 # وهذا الكلام من أظهر الكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وهو مما ~~يعلم فساده بالاضطرار من دين المسلمين. أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعري ويظن ~~أن هذا قول الأشعري؛ بناء على أن الكلام العربي لم يتكلم الله به عنده ~~وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب: هو الأمر والخبر؛ إن عبر عنه ~~بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه ~~بالسريانية كان إنجيلا وهذا القول وإن كان قول ابن كلاب والقلانسي والأشعري ~~ونحوهم فلم يقولوا: إن الكلام العربي كلام جبريل ومن حكى ms4109 هذا عن الأشعري ~~نفسه فهو مجازف وإنما قال طائفة من المنتسبين إليه - كما قالت طائفة أخرى - ~~إنه نظم محمد صلى الله عليه وسلم ولكن المشهور عنه أن الكلام العربي مخلوق ~~ولا يطلق عليه القول بأنه كلام الله؛ لكن إذا كان مخلوقا فقد يكون خلقه في ~~الهواء أو في جسم؛ لكن القول إذا كان ضعيفا ظهر الفساد في لوازمه. وهذا ~~القول أيضا لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأصحابهم ~~الذين يفتى بقولهم: بل كان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر علماء الأمصار في القرآن مخالف لهذا القول ~~وكذلك أبو محمد الجويني - والد أبي # PageV12P557 # المعالي - قال: مذهب الشافعي وأصحابه في الكلام ليس هو قول الأشعري وعامة ~~العقلاء يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار فإنا نعلم أن التوراة ~~إذا عربت لم تكن هي القرآن ونعلم أن آية الكرسي ليست هي معنى آية الدين. ~~والله تعالى قد فرق في كتابه بين تكليمه لموسى وإيحائه إلى غيره بقوله ~~تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله: ~~{وكلم الله موسى تكليما} وقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ففرق بين التكليم الذي ~~حصل لموسى وبين الإيحاء المشترك وموسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة كما ~~قال تعالى. {فاستمع لما يوحى} {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} . والرسول ~~إذا بلغه إلى الناس وبلغه الناس عنه كان مسموعا سماعا مقيدا بواسطة المبلغ ~~كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ~~فهو مسموع مبلغ عنه بواسطة المخلوق؛ بخلاف سماع موسى صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان العبد يسمع كلام الرسول من المبلغين عنه فليس ذلك كالسماع منه فأمر ~~الله تعالى أعظم. # PageV12P558 # ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام ~~الله تعالى ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد ولا مداد ms4110 المصاحف قديم مع ~~اتفاقهم على أن المثبت بين لوحي المصحف كلام الله وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} فالكلام الذي يقرؤه المسلمون كلام الله ~~والأصوات التي يقرءون بها أصواتهم. والله أعلم. # PageV12P559 # وسئل - رحمه الله -: # ما تقول السادة العلماء الجهابذة - أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين - ~~فيمن يقول: الكلام غير المتكلم والقول غير القائل والقرآن والمقروء والقارئ ~~كل واحد منها له معنى؟ بينوا لنا ذلك بيانا شافيا؛ ليصل إلى ذهن الحاذق ~~والبليد أثابكم الله بمنه. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، من قال: إن الكلام غير المتكلم والقول غير القائل وأراد أنه ~~مباين له ومنفصل عنه فهذا خطأ وضلال وهو قول من يقول: إن القرآن مخلوق ~~فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره ويوهمون ~~الناس بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر والكلام غير المتكلم ثم ~~يقولون: وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس منهم. فإن لفظ " الغير " ~~يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له وعلى هذا فلا يجوز أن يقال علم ~~الله غيره ولا يقال إن الواحد # PageV12P560 # من العشرة غيرها وأمثال ذلك وقد يراد بلفظ " الغير " ما ليس هو الآخر ~~وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ~~ذات الله الموصوفة بصفاته مخلوقا؛ لأن صفاته ليست هي الذات؛ لكن قائمة ~~بالذات والله سبحانه وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله وليس ~~الاسم اسما لذات لا صفات لها؛ بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها. والصواب في ~~مثل هذا أن يقال: الكلام صفة المتكلم والقول صفة القائل وكلام الله ليس ~~باينا منه؛ بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ولا يجوز أن ~~يقال: إن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره. بل يقال كما قال السلف: إنه ~~كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. ms4111 فقولهم: " منه بدأ " رد على من ~~قال: إنه مخلوق في بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ. فبينوا أن الله هو ~~المتكلم به " منه بدأ " لا من بعض المخلوقات " وإليه يعود " أي فلا يبقى في ~~الصدور منه آية ولا في المصاحف حرف وأما القرآن فهو كلام الله. فمن قال: إن ~~القرآن الذي هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال إن الكلام ~~غير المتكلم وكذلك من قال إن كلام # PageV12P561 # الله له مقروء غير القرآن الذي تكلم به فخطؤه ظاهر وكذلك من قال: إن ~~القرآن الذي يقرؤه المسلمون غير المقروء الذي يقرؤه المسلمون فقد أخطأ. وإن ~~أراد ب " القرآن " مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا وقال: أردت أن القراءة غير ~~المقروء؛ فلفظ القراءة مجمل قد يراد بالقراءة القرآن وقد يراد بالقراءة ~~المصدر فمن جعل " القراءة " التي هي المصدر غير المقروء كما يجعل التكلم ~~الذي هو فعله غير الكلام الذي هو يقوله وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد ~~صدق فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلا كالحركة ويتضمن ما يقترن ~~بالفعل من الحروف والمعاني؛ ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة وقسما منه ~~أخرى. فالأول كما يقول: الإيمان قول وعمل. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~{إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به} " ومنه ~~قوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ". ومنه قوله ~~تعالى {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل} وأمثال ~~ذلك مما يفرق بين القول والعمل. وأما دخول القول في العمل ففي مثل قوله ~~تعالى {فوربك لنسألنهم أجمعين} {عما كانوا يعملون} . أجمعين عما كانوا ~~يعملون وقد فسروه بقول لا إله إلا الله ولما # PageV12P562 # {سئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله} مع قوله: ~~{الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله؛ وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق} ونظائر ذلك متعددة. وقد تنوزع فيمن حلف لا يعمل عملا إذا قال ~~قولا ms4112 كالقراءة ونحوها هل يحنث؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره بناء على هذا. ~~فهذه الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها. وإلا وقع فيها ~~نزاع واضطراب. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV12P563 # و ### | سئل: # هل نفس المصحف هو نفس القرآن أم كتابته؟ # وما في صدور القراء هل هو نفس القرآن أو حفظه؟ . # فأجاب: الواجب أن يطلق ما أطلقه الكتاب والسنة كقوله تعالى: {بل هو قرآن ~~مجيد} {في لوح محفوظ} وقوله: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} {لا يمسه ~~إلا المطهرون} وقوله: {والطور} {وكتاب مسطور} {في رق منشور} وقوله: {يتلو ~~صحفا مطهرة} {فيها كتب قيمة} وقوله تعالى {كلا إنها تذكرة} {فمن شاء ذكره} ~~{في صحف مكرمة} {مرفوعة مطهرة} {بأيدي سفرة} {كرام بررة} . وكذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو} وقوله: {استذكروا ~~القرآن فهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم في عقلها} وكلاهما في ~~الصحيحين وقوله: {الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب} قال ~~الترمذي: حديث صحيح. # PageV12P564 # فمن قال: القرآن في المصاحف والصدور فقد صدق ومن قال: فيها حفظه وكتابته ~~فقد صدق ومن قال: القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور فقد صدق ومن ~~قال: إن المداد أو الورق أو صفة العبد أو فعله أو حفظه وصوته قديم أو غير ~~مخلوق فهو مخطئ ضال ومن قال: إن ما في المصحف ليس هو كلام الله أو ما في ~~صدور القراء ليس هو كلام الله أو قال: إن القرآن العزيز لم يتكلم به الله ~~ولكن هو مخلوق أو صنفه جبريل أو محمد وقال: إن القرآن في المصاحف كما أن ~~محمدا في التوراة والإنجيل فهو أيضا مخطئ ضال. فإن القرآن كلام والكلام ~~نفسه يكتب في المصحف. بخلاف الأعيان فإنه إنما يكتب اسمها وذكرها فالرسول ~~مكتوب في التوراة والإنجيل ذكره ونعته كما أن القرآن في زبر الأولين وكما ~~أن أعمالنا في الزبر. قال تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} وقال تعالى: {وكل ~~شيء فعلوه في الزبر} ومحمد مكتوب في ms4113 التوراة والإنجيل كما أن القرآن في تلك ~~الكتب وكما أن أعمالنا في الكتب وأما القرآن فهو نفسه مكتوب في المصاحف ليس ~~المكتوب ذكره والخبر عنه كما يكتب اسم الله في الورق ومن لم يفرق بين كتابة ~~الأسماء والكلام وكتابة المسميات والأعيان - كما جرى لطائفة من الناس - فقد ~~غلط غلطا سوى فيه بين الحقائق المختلفة كما قد # PageV12P565 # يجعل مثل هؤلاء الحقائق المختلفة شيئا واحدا كما قد جعلوا جميع أنواع ~~الكلام معنى واحدا. وكلام المتكلم يسمع تارة منه وتارة من المبلغ. فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قال: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ~~فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه} فهذا الكلام قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه؛ فلفظه لفظ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ومعناه معنى الرسول. فإذا بلغه المبلغ عنه بلغ كلام الرسول بلفظه ~~ومعناه؛ ولكن صوت الصحابي المبلغ ليس هو صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل وبلغه عن الله إلى محمد؛ ~~ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته فهو كلام الله حيث سمع وكتب وقرئ كما ~~قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه} . وكلام الله تكلم الله به بنفسه تكلم به باختياره وقدرته ليس ~~مخلوقا بائنا عنه. بل هو قائم بذاته مع أنه تكلم به بقدرته ومشيئته ليس ~~قائما بدون قدرته ومشيئته. # PageV12P566 # والسلف قالوا: لم يزل الله تعالى متكلما إذا شاء. فإذا قيل: كلام الله ~~قديم؛ بمعنى أنه لم يصر متكلما بعد أن لم يكن متكلما ولا كلامه مخلوق ولا ~~معنى واحد قديم قائم بذاته؛ بل لم يزل متكلما إذا شاء فهذا كلام صحيح. ولم ~~يقل أحد من السلف إن نفس الكلام المعين قديما. وكانوا يقولون: القرآن كلام ~~الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. ولم يقل أحد ms4114 منهم إن القرآن قديم ~~ولا قالوا: إن كلامه معنى واحد قائم بذاته ولا قالوا: إن حروف القرآن أو ~~حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله وإن كان جنس الحروف لم يزل الله ~~متكلما بها إذا شاء؛ بل قالوا: إن حروف القرآن غير مخلوقة وأنكروا على من ~~قال: إن الله خلق الحروف. وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول: ~~لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. يقولون: من قال هو مخلوق فهو جهمي ومن ~~قال غير مخلوق فهو مبتدع؛ فإن " اللفظ " يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ويراد ~~باللفظ الملفوظ به وهو نفس الحروف المنطوقة وأما أصوات العباد ومداد ~~المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف في أن ذلك مخلوق وقد نص أحمد وغيره على أن ~~صوت القارئ صوت العبد وكذلك غير أحمد من الأئمة. وقال أحمد: من # PageV12P567 # قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي فالإنسان وجميع صفاته ~~مخلوق حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة وجميع صفاته مخلوقة؛ فمن قال عن شيء ~~من صفات العبد إنها غير مخلوقة أو قديمة فهو مخطئ ضال ومن قال عن شيء من ~~كلام الله أو صفاته إنه مخلوق فهو مخطئ ضال. وأما أصوات العباد بالقرآن ~~والمداد الذي في المصحف فلم يكن أحد من السلف يتوقف في ذلك؛ بل كلهم متفقون ~~أن أصوات العباد مخلوقة والمداد كله مخلوق وكلام الله الذي يكتب بالمداد ~~غير مخلوق قال الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . وهذه المسائل قد بسط الكلام ~~عليها وذكر أقوال الناس واضطرابهم فيها في مواضع أخر. # PageV12P568 # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر؛ فإن هذه المصاحف المكتوبة اتفق ~~عليها الصحابة ونقلوها قرآنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي متواترة من ~~عهد الصحابة نعلم علما ضروريا أنها ما غيرت والقراءة المعروفة عن السلف ~~الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة ولا فرق عند الأئمة ~~بين قراءة ms4115 أبي جعفر ويعقوب وخلف وبين قراءة حمزة والكسائي وأبي عمرو ونعيم ~~ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها إن القراءة مختصة بالقراء السبعة. فإن ~~هؤلاء: إنما جمع قراءاتهم أبو بكر ابن مجاهد بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة ~~واتبعه الناس على ذلك وقصد أن ينتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار ولم يقل هو ~~ولا أحد من الأئمة إن ما خرج عن هذه السبعة فهو باطل ولا إن قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أنزل القرآن على سبعة أحرف} أريد به قراءة هؤلاء السبعة؛ ~~ولكن # PageV12P569 # هذه السبعة اشتهرت في أمصار لا يعرفون غيرها كأرض المغرب. فأولئك لا ~~يقرءون بغيرها؛ لعدم معرفتهم باشتهار غيرها. فأما من اشتهرت عندهم هذه كما ~~اشتهر غيرها. مثل أرض العراق وغيرها فلهم أن يقرءوا بهذا وهذا والقراءة ~~الشاذة مثل ما خرج عن مصحف عثمان كقراءة من قرأ: الحي القيام وصراط من ~~أنعمت عليهم وإن كانت الأزقية واحدة والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ~~والذكر والأنثى وأمثال ذلك. فهذه إذا قرئ بها في الصلاة ففيها قولان ~~مشهوران للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد. " أحدهما " تصح الصلاة بها؛ ~~لأن الصحابة الذين قرءوا بها كانوا يقرءونها في الصلاة ولا ينكر عليهم. " ~~والثاني " لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا وعلى هذا القول فهل يقال: إنها كانت ~~قرآنا فنسخ ولم يعرف من قرأ بالناسخ؟ أو لم تنسخ ولكن كانت القراءة بها ~~جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت أو لغير ذلك هذا فيه نزاع مبسوط في غير ~~هذا الموضع. وأما من قرأ بقراءة أبي جعفر ويعقوب ونحوهما: فلا تبطل الصلاة ~~بها باتفاق الأئمة؛ ولكن بعض المتأخرين من المغاربة ذكر في ذلك كلاما وافقه ~~عليه بعض من لم يعرف أصل هذه المسألة. # PageV12P570 # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: # وأما " الحروف " هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فالخلاف في ذلك بين الخلف ~~مشهور فأما السلف فلم ينقل عن أحد منهم أن حروف القرآن وألفاظه وتلاوته ~~مخلوقة ولا ما يدل على ذلك. بل قد ms4116 ثبت عن غير واحد منهم الرد على من قال: ~~إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. وقالوا: هو جهمي. ومنهم من كفره وفي لفظ بعضهم ~~تلاوة القرآن ولفظ بعضهم الحروف. وممن ثبت ذلك عنه أحمد بن حنبل وأبو ~~الوليد الجارودي صاحب الشافعي وإسحاق بن راهويه والحميدي ومحمد بن أسلم ~~الطوسي وهشام بن عمار وأحمد بن صالح المصري. ومن أراد الوقوف على نصوص ~~كلامهم فليطالع الكتب المصنفة في السنة؛ مثل " الرد على الجهمية " للإمام ~~عبد الرحمن بن أبي حاتم وكتاب " الشريعة " للآجري و " الإبانة " لابن بطة و ~~" السنة " للالكائي و " السنة " للطبراني، # PageV12P571 # وغير ذلك من الكتب الكثيرة ولم ينسب أحد منهم إلى خلاف ذلك إلا بعض أهل ~~الغرض نسب البخاري إلى أنه قال ذلك. وقد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه قال: ~~من قال عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب. وتراجمه في آخر صحيحه تبين ~~ذلك. وهنا ثلاثة أشياء: " أحدها " حروف القرآن التي هي لفظه قبل أن ينزل ~~بها جبريل وبعد ما نزل بها فمن قال: إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف ~~فإنه لم يكن في زمانهم من يقول هذا إلا الذين قالوا. إن القرآن مخلوق فإن ~~أولئك قالوا بالخلق للألفاظ؛ ألفاظ القرآن وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرون ~~بثبوته لا مخلوقا ولا غير مخلوق وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام ~~بهذا: منهم عبد الكريم الشهرستاني مع خبرته بالملل والنحل فإنه ذكر أن ~~السلف مطلقا ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير مخلوقة وقال: ظهور القول بحدوث ~~القرآن محدث وقرر مذهب السلف في كتابه المسمى ب " نهاية الكلام ". " الثاني ~~" أفعال العباد وهي حركاتهم التي تظهر عليها التلاوة. فلا خلاف بين السلف ~~أن أفعال العباد مخلوفة؛ ولهذا قيل: إنه بدع # PageV12P572 # أكثرهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن ذلك قد يدخل فيه فعله. " الثالث ~~" التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية فهذه منهم من يصفها بالخلق ~~وأول من قال ذلك - فيما بلغنا - حسين الكرابيسي وتلميذه داود الأصبهاني ~~وطائفة؛ فأنكر ذلك عليهم علماء ms4117 السنة في ذلك الوقت وقالوا فيهم كلاما غليظا ~~وجمهورهم - وهم اللفظية عند السلف - الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق أو ~~القرآن بألفاظنا مخلوق ونحو ذلك. وعارضهم طائفة من أهل الحديث والسنة ~~كثيرون فقالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق والذي استقرت عليه نصوص الإمام ~~أحمد وطبقته من أهل العلم: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال ~~غير مخلوق فهو مبتدع هذا هو الصواب عند جماهير أهل السنة أن لا يطلق واحد ~~منهما كما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف؛ لأن كل واحد من الإطلاقين يقتضي ~~إيهاما لخطأ؛ فإن أصوات العباد محدثة بلا شك وإن كان بعض من نصر السنة ينفي ~~الخلق عن الصوت المسموع من العبد بالقرآن وهو مقدار ما يكون من القرآن ~~المبلغ. فإن جمهور أهل السنة أنكروا ذلك وعابوه جريا على منهاج أحمد # PageV12P573 # وغيره من أئمة الهدى وقال النبي صلى الله عليه وسلم {زينوا القرآن ~~بأصواتكم} . وأما التلاوة في نفسها التي هي حروف القرآن وألفاظه فهي غير ~~مخلوقة والعبد إنما يقرأ كلام الله بصوته كما أنه إذا قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات} فهذا الكلام لفظه ومعناه إنما هو ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد بلغه بحركته وصوته كذلك القرآن ~~لفظه ومعناه كلام الله تعالى؛ ليس للمخلوق فيه إلا تبليغه وتأديته وصوته ~~وما يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة في نفسها؛ قبل أن يتكلم بها الخلق ~~وبعد أن يتكلموا بها وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب وإنما غلط ~~بعض الموافقين والمخالفين فجعلوا البابين بابا واحدا وأرادوا أن يستدلوا ~~على نفس حدوث حروف القرآن بما دل على حدوث أفعال العباد وما تولد عنها وهذا ~~من أقبح الغلط وليس في الحجج العقلية ولا السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف ~~القرآن إلا من جنس ما يحتج به على حدوث معانيه. والجواب عن الحجج مثل ~~الجواب عن هذه لمن استهدى الله فهداه. وأما ما ذكروه من آيات الصفات ~~وأحاديثها: فمذهب سلف الأمة ms4118 من الصحابة والتابعين وسائر الأئمة المتبوعين ~~الإقرار والإمرار. قال # PageV12P574 # أبو سليمان الخطابي وأبو بكر الخطيب: مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديث ~~الصفات إجراؤها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وقالا في ذلك: إن ~~الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله ~~فإذا كان إثبات ذاته إثبات وجود لا إثبات كيفية: فكذلك إثبات صفاته إثبات ~~وجود لا إثبات كيفية فلا نقول: إن معنى اليد القدرة ولا إن معنى السمع ~~العلم هذا كلامهما. وقال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل إلى سماء ~~الدنيا؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإن قال: نحن لا نعلم كيفية ذاته. فقل: ~~ونحن لا نعلم كيفية صفاته وكيف نعلم كيفية صفة ولا نعلم كيفية موصوفها. ومن ~~فهم من صفات الله تعالى ما هو مستلزم للحدوث مجانس لصفات المخلوقين ثم أراد ~~أن ينفي ذلك عن الله فقد شبه وعطل؛ بل الواجب أن لا يوصف الله إلا بما وصف ~~به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث. وأن نعلم مع ذلك أن ~~الله تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه ولا في أوصافه ولا في أفعاله وأن ~~الخلق لا تطيق عقولهم كنه معرفته ولا تقدر ألسنتهم على بلوغ صفته {سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون} {وسلام على المرسلين} {والحمد لله رب العالمين} ~~وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV12P575 # وسئل - رحمه الله -: # عمن يقول: إن الشكل والنقط من كلام الله تبارك وتعالى وهل ذلك حق أم ~~باطل؟ وما الحكم في الأحرف؟ هل هي كلام الله أم لا؟ بينوا لنا ذلك مثابين ~~مأجورين؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفا ولم ~~ينقطوها؛ فإنهم كانوا عربا لا يلحنون ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة لما ~~نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها وذلك جائز عند أكثر العلماء وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد وكرهه بعضهم والصحيح أنه لا يكره؛ لأن الحاجة داعية ~~إلى ذلك ولا نزاع ms4119 بين العلماء أن حكم الشكل والنقط حكم الحروف المكتوبة فإن ~~النقط تميز بين الحروف والشكل يبين الإعراب لأنه كلام من تمام الكلام. ~~ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: " إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض ~~حروفه " فإذا قرأ القارئ {الحمد لله رب العالمين} كانت الضمة والفتحة ~~والكسرة من تمام لفظ القرآن. وإذا كان كذلك فالمداد الذي يكتب به الشكل ~~والنقط كالمداد الذي # PageV12P576 # يكتب به الحروف والمداد كله مخلوق ليس منه شيء غير مخلوق. والصوت الذي ~~يقرأ به الناس القرآن هو صوت العباد؛ لكن الكلام كلام الله تعالى قال ~~تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {زينوا القرآن بأصواتكم} فالكلام كلام الباري والصوت ~~صوت القارئ وهذا ليس هو الصوت الذي ينادي الله به عباده ويسمعه موسى وغيره ~~كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وكلام الله غير مخلوق عند سلف الأمة وأئمتها ~~وهو أيضا يتكلم بمشيئته وقدرته عندهم لم يزل متكلما إذا شاء فهو قديم النوع ~~وأما نفس " النداء " الذي نادى به موسى ونحوه ذلك فحينئذ ناداه به كما قال ~~تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} وكذلك نظائره فكان السلف يفرقون بين نوع ~~الكلام وبين الكلمة المعينة. قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . وكلام الله وما ~~يدخل في كلامه من ندائه. وغير ذلك ليس بمخلوق بائن منه بل هو منه والقرآن ~~سمعه جبريل من الله ونزل به إلى محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق} وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق} وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} ~~ونحو ذلك. # PageV12P577 # والنبي صلى الله عليه وسلم بلغه إلى الأمة والمسلمون يسمعه بعضهم من بعض ~~وليس ذلك كسماع موسى كلام الله فإنه سمعه بلا واسطة والذي يقرؤه المسلمون ~~ويكتبونه في مصاحفهم هو كلام الله لا كلام ms4120 غيره وهم يقرءونه بأصواتهم ~~ويكتبونه بمدادهم في ورقهم. وأفعالهم وأصواتهم ومدادهم مخلوق. والقرآن الذي ~~يقرءونه ويكتبونه هو كلام الله تعالى غير مخلوق سواء قرءوه قراءة يثابون ~~عليها أو لا يثابون عليها وسواء كتبوه مشكولا منقوطا أو كتبوه غير مشكول ~~ولا منقوط؛ فإن ذلك لا يخرجه عن أن يكون المكتوب هو القرآن وهو كلام الله ~~الذي أنزله على محمد وما بين اللوحين كلام الله سواء كان مشكولا منقوطا أو ~~كان غير مشكول ولا منقوط وكلام الله منزل غير مخلوق وأصوات العباد والمداد ~~مخلوقان. والقرآن العربي كلام الله تكلم به ليس بعضه كلام الله وبعضه ليس ~~كلام الله وليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا التبليغ لم يحدث واحد منهما شيئا ~~من حروفه؛ بل الجميع كلام الله تبارك وتعالى. وهذه " المسائل " مبسوطة في ~~غير هذا الجواب. ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة. والله أعلم. # PageV12P578 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # الكلام في " القرآن " و " الكلام " هل هو حرف وصوت أم ليس بحرف وصوت ~~محدث: حدث في حدود المائة الثالثة وانتشر في المائة الرابعة؛ فإن أبا سعيد ~~بن كلاب ثم أبا الحسن الأشعري ونحوهما لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات ~~وأن القرآن ليس بمخلوق ورأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديما وأنه ~~لا يمكن أن يكون قديما إلا أن يكون معنى قائما بنفس الله كعلمه وزادوا أن ~~الله لا يتكلم بصوت ولا لغة لا قديم ولا غير قديم لما رأوه من امتناع قيام ~~أمر حادث به وخالفوا في ذلك جمهور المسلمين: من أهل الحديث والفقه والكلام ~~والتصوف وإن تنوعت مآخذهم فإن الآثار شاهدة بأن الله يتكلم بصوت. ولهذا جهم ~~الإمام أحمد وغيره من أنكر ذلك. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن أقواما ~~يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت. # PageV12P579 # فقال: هؤلاء جهمية؛ إنما يدورون على التعطيل وذكر حديث ابن مسعود وكذلك ~~رواه غير واحد عن أحمد. وكذلك البخاري ترجم في صحيحه بابا في قوله: {حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم} ms4121 بين فيه الحجة على أن الله يتكلم بصوت. وكذلك المصنفون ~~في السنة من أئمة الحديث وهم كثير وكذلك أئمة الصوفية كالحارث المحاسبي ~~وأبي الحسن بن سالم وغيرهما وكذلك الفقهاء من جميع الطوائف: المالكية ~~والشافعية والحنفية والحنبلية المصنفون في أصول الفقه يقررون أن الأمر ~~والنهي والخبر والعموم له صيغ موضوعة في اللغة تدل بمجردها على أنها أمر ~~ونهي وخبر وعموم ويذكرون خلاف الأشعرية في أن الأمر لا صيغة له. ثم ~~المثبتون للصوت منهم المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق يقولون كلامه صوت ~~قائم بغيره ومنهم الكرامية وطوائف من أهل الحديث من الحنبلية وغيرهم ~~يقولون: يتكلم بصوت قائم به لكن ليس الصوت بقديم. ومنهم طائفة من متكلمة ~~أهل السنة من الحنبلية وغيرهم يقولون: يتكلم بصوت قديم قائم به. ومنهم ~~طائفة من الفقهاء من الحنفية وغيرهم يقولون: يخاطب # PageV12P580 # بصوت قائم بغيره والمعنى قديم قائم به. فلما أظهرت الأشعرية - كالقاضي ~~أبي بكر بن الباقلاني وغيره في أواخر المائة الرابعة - أن الكلام ليس بحرف ~~ولا صوت ولا لغة وقد تبعهم قوم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي ~~حنيفة وقليل من أصحاب أحمد. رأى أهل الحديث وجمهور أهل السنة من الفقهاء ~~وأهل الحديث ما في ذلك من البدعة؛ فأظهروا خلاف ذلك وأطلق من أطلق منهم أن ~~كلام الله حرف وصوت. . . (1) . PageV12P581 # سئل - رحمه الله -: # عن رجلين تباحثا فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت. وقال الآخر: ليس هو بحرف ~~ولا صوت وقال أحدهما: النقط التي في المصحف والشكل من القرآن وقال الآخر: ~~ليس ذلك من القرآن فما الصواب في ذلك؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، هذه " المسألة " يتنازع فيها كثير من الناس ~~ويخلطون فيها الحق بالباطل فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت إن أراد بذلك أن ~~هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين وأن جبريل سمعه من الله ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والمسلمون سمعوه من النبي صلى ms4122 ~~الله عليه وسلم كما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وقال: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} فقد أصاب في ذلك؛ ~~فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة ~~والإجماع. # PageV12P582 # ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبريل أو غيره ~~عبر به عن المعنى القائم بذات الله كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن ~~وافقهما فهو قول باطل من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم ~~بالذات وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد وأنه لا يتعدد ولا يتبعض ~~وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وبالعبرانية كان توراة وبالسريانية كان ~~إنجيلا فيجعلون معنى آية الكرسي وآية الدين و {قل هو الله أحد} و {تبت يدا ~~أبي لهب} والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحدا وهذا قول فاسد بالعقل ~~والشرع وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف. وإن أراد ~~القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من القراء والمداد الذي في ~~المصاحف قديم أزلي أخطأ وابتدع وقال ما يخالف العقل والشرع؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال {زينوا القرآن بأصواتكم} فبين أن الصوت صوت القارئ ~~والكلام كلام البارئ كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره ~~كما ذكر الله ذلك وفي السنن عن جابر بن عبد الله أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: # PageV12P583 # ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ ~~كلام ربي} وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم. {الم} {غلبت الروم} أهذا ~~كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي؛ ولكنه كلام الله ~~تعالى. والناس إذا بلغوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: {إنما ~~الأعمال بالنيات} فإن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~تكلم به بصوته ms4123 وبحروفه ومعانيه والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فالقرآن أولى أن يكون كلام الله إذا بلغته الرسل عنه ~~وقرأته الناس بأصواتهم. والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه ونادى ~~موسى بصوت نفسه؛ كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وصوت العبد ليس هو ~~صوت الرب ولا مثل صوته؛ فإن الله ليس كمثله شيء: لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله. وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به ~~الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت ~~ليس منه شيء كلاما لغيره لا جبريل ولا غيره وأن العباد يقرءونه بأصوات ~~أنفسهم وأفعالهم فالصوت المسموع من العبد # PageV12P584 # صوت القارئ والكلام كلام البارئ. وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا ~~يميز بين صوت العبد وصوت الرب؛ بل يجعل هذا هو هذا فينفيهما جميعا أو ~~يثبتهما جميعا فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله ~~وأن يكون مناديا لعباده بصوته وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام ~~الله كما نفى أن يكون صوت العبد صفة لله عز وجل ثم جعل كلام الله المتنوع ~~شيئا واحدا لا فرق بين القديم والحادث هو مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني ~~الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل حيث جعل الكلام المتنوع شيئا واحدا لا ~~حقيقة له عند التحقيق. وإذا ثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن ~~التمييز بينهما مع قوله إن الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات قديمة ~~أزلية الأعيان فجعل عين صفة الرب تحل في العبد أو تتحد بصفته فقال بنوع من ~~الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل. وقد علم أن عدم الفرق والمباينة ~~بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته خطأ وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها؛ بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد ومتفقون ~~أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه صلى ms4124 الله عليه وسلم حروفه ~~ومعانيه # PageV12P585 # وأنه ينادي عباده بصوته ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات ~~العباد وعلى أنه ليس شيء من أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديما بل القرآن ~~مكتوب في مصاحف المسلمين مقروء بألسنتهم محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله. ~~والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط لأنهم كانوا عربا لا ~~يلحنون ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها فإن كتبت بلا شكل ولا ~~نقط جاز وإن كتبت بنقط وشكل جاز ولم يكره في أظهر قولي العلماء وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد. وحكم " النقط والشكل " حكم الحروف فإن الشكل يبين إعراب ~~القرآن كما يبين النقط الحروف. والمداد الذي يكتب به الحروف ويكتب به الشكل ~~والنقط مخلوق وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط ~~وبغير شكل ونقط ليس بمخلوق وحكم الإعراب حكم الحروف؛ لكن الإعراب لا يستقل ~~بنفسه بل هو تابع للحروف المرسومة؛ فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما ~~بالكلام؛ بل القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله: معانيه وحروفه ~~وإعرابه والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم. والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام ~~الله وهو القرآن العربي الذي أنزل على نبيه: سواء كتب # PageV12P586 # بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم؛ بل هو ~~مخلوق والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد هو كلام الله منزل غير مخلوق ~~والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين؛ لأن كلام الله مكتوب فيها واحترام ~~النقط والشكل إذا كتب المصحف مشكلا منقوطا كاحترام الحروف باتفاق علماء ~~المسلمين كما أن حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين. ~~ولهذا قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ ~~بعض حروفه. # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله فلا يقال بعضه كلام ~~الله وبعضه ليس بكلام الله وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى فإنه قد ~~أخبر أنه نادى موسى في غير ms4125 موضع من القرآن كما قال تعالى: {هل أتاك حديث ~~موسى} {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى} والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق ~~أهل اللغة وقد قال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} فقد فرق الله بين إيحائه إلى ~~النبيين وبين تكليمه لموسى # PageV12P587 # فمن قال: إن موسى لم يسمع صوتا؛ بل ألهم معناه لم يفرق بين موسى وغيره ~~وقد قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات} وقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فقد فرق بين الإيحاء والتكلم من ~~وراء حجاب كما كلم الله موسى فمن سوى بين هذا وهذا كان ضالا. وقد قال ~~الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من الأئمة: لم يزل الله متكلما إذا شاء. ~~وهو يتكلم بمشيئته وقدرته يتكلم بشيء بعد شيء كما قال تعالى: {فلما أتاها ~~نودي يا موسى} فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ذلك وقال تعالى: {فلما ذاقا ~~الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} فهو ~~سبحانه ناداهما حين أكلا منها ولم ينادهما قبل ذلك وكذلك قال تعالى: {ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} بعد أن خلق آدم وصوره ~~ولم يأمرهم قبل ذلك وكذا قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون} فأخبر أنه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من تراب ~~ومثل هذا الخبر في القرآن كثير: يخبر أنه تكلم في وقت معين ونادى في وقت ~~معين. وقد # PageV12P588 # ثبت في الصحيحين عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms4126 لما خرج إلى الصفا قرأ ~~قوله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وقال: نبدأ بما بدأ الله به} ~~فأخبر أن الله بدأ بالصفا قبل المروة. والسلف اتفقوا على أن كلام الله منزل ~~غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فظن بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين ثم ~~قالت طائفة: هو معنى واحد هو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي والخبر بكل ~~مخبر إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن ~~عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا. وهذا القول مخالف للشرع والعقل. وقالت ~~طائفة: هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله لم تزل لازمة لذاته ~~وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معا أزلا وأبدا لم تزل ~~ولا تزال لم يسبق منها شيء شيئا. وهذا أيضا مخالف للشرع والعقل. وقالت ~~طائفة: إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وإنه في الأزل كان متكلما بالنداء ~~الذي سمعه موسى وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى الوادي ~~المقدس؛ بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء. ~~وهؤلاء وافقوا الذين قالوا إن القرآن # PageV12P589 # مخلوق في أصل قولهم. فإن أصل قولهم أن الرب لا تقوم به الأمور ~~الاختيارية. فلا يقوم به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته وقالوا: هذه حوادث ~~والرب لا تقوم به الحوادث. فخالفوا صحيح المنقول وصريح المعقول واعتقدوا ~~أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم وأخطئوا في ذلك فلا ~~للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا وادعوا أن الرب لم يكن قادرا في الأزل ~~على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا بغير ~~أمر حدث أو يغيرون العبارة فيقولون. لم يزل قادرا؛ لكن يقولون: إن المقدور ~~كان ممتنعا وإن الفعل صار ممكنا له بعد أن صار ممتنعا عليه من غير تجدد ~~شيء. وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا: كان قادرا في الأزل على ما يمكن فيما ~~لا يزال لا على ما لا يمكن في ms4127 الأزل فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه ~~قادرا في حال كون المقدور عليه ممتنعا عندهم ولم يفرقوا بين نوع الكلام ~~والفعل وبين عينه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا؛ بل الفلاسفة ادعوا أن ~~مفعوله المعين قديم بقدمه فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح ~~المنقول؛ فإن الأدلة لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم بل تدل على أن ما ~~سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن؛ إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته كما تدل على ~~ذلك الدلائل # PageV12P590 # القطعية والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته بصريح العقل ~~واتفاق عامة العقلاء. بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته ولا ~~يتصور مقارنة مفعوله المعين له ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة فكيف بالفاعل ~~بالإرادة. وما يذكر بأن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل ~~يجري مجرى الشروط فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط بل قد يقارنه كما ~~تقارن الحياة العلم وأما ما كان فاعلا سواء سمي علة أو لم يسم علة فلا بد ~~أن يتقدم على الفعل المعين والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من ~~مفعولاته ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلزمه مفعول معين. وقول القائل حركت ~~يدي فتحرك الخاتم هو من باب الشرط لا من باب الفاعل؛ ولأنه لو كان العالم ~~قديما لكان فاعله موجبا بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه ولو ~~كان كذلك لم يحدث شيء من الحوادث وهذا خلاف المشاهدة. وإن كان هو سبحانه لم ~~يزل قادرا على الكلام والفعل؛ بل لم يزل متكلما إذا شاء فاعلا لما يشاء ولم ~~يزل موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال والإكرام والعالم فيه من ~~الإحكام والإتقان ما دل على علم الرب وفيه من الاختصاص ما دل على مشيئته ~~وفيه من الإحسان ما دل على رحمته؛ وفيه من العواقب الحميدة ما دل على حكمته ~~وفيه # PageV12P591 # من الحوادث ما دل على قدرة الرب تعالى مع أن الرب مستحق لصفات الكمال ~~لذاته؛ ms4128 فإنه مستحق لكل كمال ممكن الوجود لا نقص فيه منزه عن كل نقص وهو ~~سبحانه ليس له كفؤ في شيء من أموره فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل ~~منزه فيها عن التشبيه والتمثيل ومنزه عن النقائص مطلقا؛ فإن وصفه بها من ~~أعظم الأباطيل وكماله من لوازم ذاته المقدسة لا يستفيده من غيره بل هو ~~المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله فيهم من صفات الأحياء وخالق صفات ~~الكمال أحق بها ولا كفؤ له فيها. # وأصل اضطراب الناس في " مسألة كلام الله " أن الجهمية والمعتزلة لما ~~ناظرت الفلاسفة في " مسألة حدوث العالم " اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات ~~والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا بناء على أن ما لا يتناهى لا يمكن ~~وجوده والتزموا أن الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام؛ بل كان ~~ذلك ممتنعا عليه. وكان معطلا عن ذلك وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرا في ~~الأزل على الفعل فيما لا يزال مع امتناع الفعل عليه في الأزل فيجمعون بين ~~النقيضين حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته؛ إذ كان الفعل ~~يستلزم أن يكون له أول والأزل لا أول له والجمع بين إثبات الأولية ونفيها ~~جمع بين النقيضين. # PageV12P592 # ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين ~~والمفعول المعين وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام؛ بل هذا يكون ~~دائما وإن كان كل من آحاده حادثا كما يكون دائما في المستقبل وإن كان كل من ~~آحاده فانيا بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائما فإن هذا هو الباطل في ~~صريح العقل وصحيح النقل؛ ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك لم ينازع ~~فيه إلا شرذمة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن ~~المفعول قد يكون قديما واجب الوجود بغيره فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء مع ~~مخالفتهم لسلفهم أرسطو وأتباعه؛ فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك وإن قالوا بقدم ~~الأفلاك وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين بناء ms4129 على إثبات علة ~~غائية لحركة الفلك يتحرك الفلك للتشبه بها لم يثبتوا له فاعلا مبدعا ولم ~~يثبتوا ممكنا قديما واجبا بغيره وهم وإن كانوا أجهل بالله وأكفر من ~~متأخريهم فهم يسلمون لجمهور العقلاء أن ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا ~~محدثا مسبوقا بالعدم فاحتاجوا أن يقولوا كلامه مخلوق منفصل عنه. وطائفة ~~وافقتهم على امتناع وجود ما لا نهاية له؛ لكن قالوا تقوم به الأمور ~~الاختيارية فقالوا إنه في الأزل لم يكن متكلما بل ولا كان الكلام مقدورا له ~~ثم صار متكلما بلا حدوث حادث بكلام يقوم به وهو قول الهاشمية والكرامية ~~وغيرهم. # PageV12P593 # وطائفة قالت إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين لازما ~~لذات الرب فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم منهم من قال: هو معنى واحد قديم ~~فجعل آية الكرسي وآية الدين وسائر آيات القرآن والتوراة والإنجيل وكل كلام ~~يتكلم الله به معنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض ومنهم من قال: إنه حروف ~~وأصوات مقترنة لازمة للذات. وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل ~~قولهم إنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته وإنه لا تقوم به ~~الأمور الاختيارية وإنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض ولا ~~يأتي يوم القيامة ولم يناد موسى حين ناداه ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه ~~الطاعات ولا تفرحه توبة التائبين. وقالوا في قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون} ونحو ذلك: إنه لا يراها إذا وجدت؛ بل إما أنه لم ~~يزل رائيا لها وإما أنه لم يتجدد شيء موجود بل تعلق معدوم إلى أمثال هذه ~~المقالات التي خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة مع مخالفة صريح العقل. والذي ~~ألجأهم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه لا يقدر في ~~الأزل على الفعل والكلام وخالفوا السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم: الخلقية والحدوثية ~~والاتحادية والاقترانية. # PageV12P594 # وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون: إن الله لم يتكلم لا بكلام ms4130 ~~قائم بذاته ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته: لا قديم النوع ولا قديم ~~العين ولا حادث ولا مخلوق؛ بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء. ~~ويقولون إنه كلم موسى من سماء عقله وقد يقولون: إنه تعالى يعلم الكليات دون ~~الجزئيات؛ فإنه إنما يعلمها على وجه كلي ويقولون مع ذلك: إنه يعلم نفسه ~~ويعلم ما يفعله. وقولهم يعلم نفسه ومفعولاته حق كما قال تعالى: {ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير} لكن قولهم مع ذلك: إنه لا يعلم الأعيان المعينة ~~جهل وتناقض فإن نفسه المقدسة معينة والأفلاك معينة وكل موجود معين. فإن لم ~~يعلم المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات إذ الكليات إنما تكون كليات في ~~الأذهان لا في الأعيان فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات. ~~تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وهم إنما ألجأهم إلى هذا الإلحاد ~~فرارهم من تجدد الأحوال للباري تعالى مع أن هؤلاء يقولون إن الحوادث تقوم ~~بالقديم وإن الحوادث لا أول لها؛ لكن نفوا ذلك عن الباري لاعتقادهم أنه لا ~~صفة له؛ بل هو وجود مطلق وقالوا: إن العلم نفس عين العالم والقدرة نفس عين ~~القادر والعلم والعالم شيء واحد والمريد والإرادة # PageV12P595 # شيء واحد فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى وجعلوا الصفات هي الموصوف. ومنهم من ~~يقول بل العلم كل المعلوم كما يقوله الطوسي صاحب " شرح الإشارات " فإنه ~~أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه وابن سينا أقرب إلى ~~الصواب لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به وجعل الصفة عين الموصوف ~~وكل صفة هي الأخرى. ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول ~~معاني الكلام شيء واحد؛ لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا: إذا جاز أن تكون ~~المعاني المتعددة شيئا واحدا جاز أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي ~~الإرادة. فاعترف حذاق أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه. ثم قالوا: وإذا ~~جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز أن تكون الصفة هي ms4131 الموصوف فجاء ابن ~~عربي وابن سبعين والقونوي ونحوهم من الملاحدة فقالوا: إذا جاز أن تكون هذه ~~الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف جاز أن يكون الموجود الواجب القديم ~~الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو عين ~~وجود الخالق وقالوا: الوجود واحد ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد # PageV12P596 # بالعين كما لم يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين والكلام الواحد ~~بالنوع. وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر ~~والاتحاد الذي قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات كما ~~أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه وقالوا هو يتكلم بحرف وصوت قديم ~~قالوا أولا: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا تسبق الباء السين؛ بل لما ~~نادى موسى فقال {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} {إني أنا الله رب ~~العالمين} كانت الهمزة والنون وما بينهما موجودات في الأزل يقارن بعضها ~~بعضا لم تزل ولا تزال لازمة لذات الله تعالى. ثم قال فريق منهم: إن ذلك ~~القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء. وقال بعضهم: بل المسموع صوتان ~~قديم ومحدث - وقال بعضهم: أشكال المداد قديمة أزلية. وقال بعضهم: محل ~~المداد قديم أزلي. وحكي عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي وأكثرهم ~~يتكلمون بلفظ القديم ولا يفهمون معناه؛ بل منهم من يظن أن معناه أنه قديم ~~في علمه ومنهم من يظن أن معناه متقدم على غيره ومنهم من يظن أن معنى اللفظ ~~أنه غير مخلوق ومنهم من لا يميز بين ما يقول فصار هؤلاء حلولية اتحادية في ~~الصفات ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في # PageV12P597 # الذات والصفات وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل. والصواب في هذا ~~الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها: أنه سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء ~~وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته وأن كلماته لا نهاية لها وأنه نادى موسى بصوت ~~سمعه موسى وإنما ناداه حين أتى؛ لم يناده قبل ذلك وأن صوت الرب لا يماثل ~~أصوات العباد كما أن علمه لا ms4132 يماثل علمهم وقدرته لا تماثل قدرتهم وأنه ~~سبحانه بائن من مخلوقاته بذاته وصفاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته ~~القائمة بذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وإن أقوال أهل التعطيل والاتحاد ~~الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة وأقوال أهل الحلول ~~الذين يقولون بالحلول في الذات أو الصفات باطلة وهذه الأمور مبسوطة في غير ~~هذا الموضع وقد بسطناها في الواجب الكبير والله أعلم بالصواب. # PageV12P598 # وسئل - رحمه الله -: # عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به؟ ومن كتب شيئا من القرآن ثم محاه ~~بماء أو حرقه فهل له حرمة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما المصحف العتيق والذي تخرق وصار بحيث لا ينتفع به بالقراءة ~~فيه فإنه يدفن في مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه في موضع يصان ~~فيه وإذا كتب شيء من القرآن أو الذكر في إناء أو لوح ومحي بالماء وغيره ~~وشرب ذلك فلا بأس به نص عليه أحمد وغيره ونقلوا عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء ~~وهذا يقتضي أن لذلك بركة. والماء الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~أيضا ماء مبارك؛ صب منه على جابر وهو مريض. وكان الصحابة يتبركون به ومع ~~هذا فكان يتوضأ على التراب وغيره فما بلغني أن مثل هذا الماء ينهى عن صبه ~~في التراب ونحوه ولا أعلم في ذلك نهيا فإن أثر الكتابة لم يبق بعد المحو ~~كتابة ولا يحرم على الجنب مسه. ومعلوم أنه ليس # PageV12P599 # له حرمة كحرمته ما دام القرآن والذكر مكتوبان كما أنه لو صيغ فضة أو ذهب ~~أو نحاس على صورة كتابة القرآن والذكر أو نقش حجر على ذلك على تلك الصورة ~~ثم غيرت تلك الصياغة وتغير الحجر لم يجب لتلك المادة من الحرمة ما كان لها ~~حين الكتابة. وقد كان العباس بن عبد المطلب يقول في ماء زمزم: لا أحله ~~لمغتسل ولكن لشارب حل ms4133 وبل. وروي عنه أنه قال: لشارب ومتوضئ ولهذا اختلف ~~العلماء هل يكره الغسل والوضوء من ماء زمزم وذكروا فيه روايتين عن أحمد. ~~والشافعي احتج بحديث العباس والمرخص احتج بحديث فيه أن {النبي صلى الله ~~عليه وسلم توضأ من ماء زمزم} والصحابة توضئوا من الماء الذي نبع من بين ~~أصابعه مع بركته؛ لكن هذا وقت حاجة. والصحيح: أن النهي من العباس إنما جاء ~~عن الغسل فقط لا عن الوضوء والتفريق بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه فإن ~~الغسل يشبه إزالة النجاسة؛ ولهذا يجب أن يغسل في الجنابة ما يجب أن يغسل من ~~النجاسة؛ وحينئذ فصون هذه المياه المباركة من النجاسات متوجه بخلاف صونها ~~من التراب ونحوه من الطاهرات. والله أعلم. PageV12P600 # الجزء الثالث عشر # كتاب مقدمة التفسير # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - طيب الله ثراه - فيما صنفه بقلعة دمشق ~~أخيرا: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا ~~هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # PageV13P005 ### | فصل: # في الفرقان بين الحق والباطل # وأن الله بين ذلك بكتابه ونبيه # فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذي أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقانا ~~ومن كان أبعد عن اتباع الكتاب والرسول كان أبعد عن الفرقان واشتبه عليه ~~الحق بالباطل كالذين اشتبه عليهم عبادة الرحمن بعبادة الشيطان والنبي ~~الصادق بالمتنبئ الكاذب وآيات النبيين بشبهات الكذابين حتى اشتبه عليهم ~~الخالق بالمخلوق. فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق؛ ~~ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ففرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال ~~والرشاد والغي والصدق والكذب والعلم والجهل والمعروف والمنكر وطريق أولياء ~~الله السعداء وأعداء الله الأشقياء؛ # PageV13P006 # وبين ما عليه الناس من الاختلاف وكذلك النبيون قبله قال الله تعالى: {كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ms4134 ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {تالله لقد أرسلنا ~~إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} ~~{وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون} وقال سبحانه وتعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا} وقال تعالى: {الم} {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} {نزل ~~عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل} {من قبل هدى ~~للناس وأنزل الفرقان} . قال جماهير المفسرين: هو القرآن. روى ابن أبي حاتم ~~بإسناده عن الربيع بن أنس قال: هو الفرقان فرق بين الحق والباطل. قال: وروي ~~عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك وروي بإسناده عن شيبان ~~عن قتادة في قوله: {وأنزل الفرقان} قال: هو القرآن الذي أنزله الله على ~~محمد ففرق به بين الحق والباطل وبين فيه دينه وشرع فيه شرائعه وأحل حلاله ~~وحرم حرامه وحد # PageV13P007 # حدوده وأمر بطاعته ونهى عن معصيته. وعن عباد بن منصور سألت الحسن عن قوله ~~تعالى {وأنزل الفرقان} قال: هو كتاب بحق. و " الفرقان " مصدر فرق فرقانا ~~مثل الرجحان والكفران والخسران وكذلك " القرآن " هو في الأصل مصدر قرأ ~~قرآنا ومنه قوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن ~~علينا بيانه} ويسمى الكلام المقروء نفسه " قرآنا " وهو كثير كما في قوله: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} كما أن الكلام هو اسم ~~مصدر كلم تكليما وتكلم تكلما ويراد به الكلام نفسه؛ وذلك لأن الإنسان إذا ~~تكلم كان كلامه بفعل منه وحركة هي مسمى المصدر وحصل عن الحركة صوت يقطع ~~حروفا هو نفس التكلم فالكلام والقول ونحو ذلك يتناول هذا وهذا؛ ولهذا كان ~~الكلام تارة يجعل نوعا من العمل إذا أريد به المصدر ms4135 وتارة يجعل قسيما له ~~إذا أريد ما يتكلم به وهو يتناول هذا وهذا. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. ~~والمقصود هنا أن لفظ " الفرقان " إذا أريد به المصدر كان المراد أنه أنزل ~~الفصل والفرق بين الحق والباطل وهذا منزل في الكتاب فإن في الكتاب الفصل، ~~وإنزال الفرق هو إنزال الفارق. وإن أريد بالفرقان ما يفرق فهو الفارق أيضا ~~فهما في المعنى سواء وإن أريد # PageV13P008 # بالفرقان نفس المصدر فيكون إنزاله كإنزال الإيمان وإنزال العدل فإنه جعل ~~في القلوب التفريق بين الحق والباطل بالقرآن كما جعل فيها الإيمان والعدل ~~وهو سبحانه وتعالى أنزل الكتاب والميزان والميزان قد فسر بالعدل وفسر بأنه ~~ما يوزن به ليعرف العدل وهو كالفرقان يفسر بالفرق ويفسر بما يحصل به الفرق ~~وهما متلازمان؛ فإذا أريد الفرق نفسه فهو نتيجة الكتاب وثمرته ومقتضاه وإذا ~~أريد الفارق فالكتاب نفسه هو الفارق ويكون له اسمان كل اسم يدل على صفة ~~ليست هي الصفة الأخرى سمي كتابا باعتبار أنه مجموع مكتوب تحفظ حروفه ويقرأ ~~ويكتب وسمي فرقانا باعتبار أنه يفرق بين الحق والباطل كما تقدم كما سمي هدى ~~باعتبار أنه يهدي إلى الحق وشفاء باعتبار أنه يشفي القلوب من مرض الشبهات ~~والشهوات ونحو ذلك من أسمائه. وكذلك أسماء " الرسول " كالمقفي والماحي ~~والحاشر. وكذلك " أسماء الله الحسنى " كالرحمن والرحيم والملك والحكيم ونحو ~~ذلك. والعطف يكون لتغاير الأسماء والصفات وإن كان المسمى واحدا كقوله: {سبح ~~اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} وقوله: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن} ونحو ذلك. # PageV13P009 # وهنا ذكر أنه نزل الكتاب فإنه نزله متفرقا وأنه أنزل التوراة والإنجيل ~~وذكر أنه أنزل الفرقان وقد أنزل سبحانه وتعالى الإيمان في القلوب وأنزل ~~الميزان والإيمان. و " الميزان " مما يحصل به الفرقان أيضا كما يحصل ~~بالقرآن وإذا أنزل القرآن حصل به الإيمان والفرقان ونظير هذا قوله: {ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا} قيل: الفرقان هو التوراة وقيل هو ~~الحكم بنصره على فرعون كما في قوله: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا ms4136 على ~~عبدنا يوم الفرقان} . وكذلك قوله: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} قيل: ~~" النور " هو محمد عليه الصلاة والسلام وقيل: هو الإسلام. وقوله: {قد جاءكم ~~برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} قيل: " البرهان " هو محمد وقيل هو ~~الحجة والدليل. وقيل: القرآن والحجة والدليل تتناول الآيات التي بعث بها ~~محمد صلى الله عليه وسلم لكنه هناك جاء بلفظ آتينا وجاءكم. وهنا قال: ~~{وأنزل الفرقان} جاء بلفظ الإنزال؛ فلهذا شاع بينهم أن القرآن والبرهان ~~يحصل بالعلم والبيان كما حصل بالقرآن ويحصل بالنظر والتمييز بين أهل الحق ~~والباطل بأن ينجي هؤلاء وينصرهم ويعذب هؤلاء فيكون قد فرق بين الطائفتين ~~كما يفرق المفرق بين أولياء الله وأعدائه بالإحسان إلى هؤلاء وعقوبة هؤلاء. # PageV13P010 # وهذا كقوله في القرآن في قوله: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير} قال الوالبي ~~عن ابن عباس {يوم الفرقان} يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل. قال ابن ~~أبي حاتم وروي عن مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ~~ومقاتل بن حيان نحو ذلك؛ وبذلك فسر أكثرهم {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~كما في قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} أي: من كل ما ضاق على الناس قال ~~الوالبي عن ابن عباس في قوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} أي مخرجا ~~قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي ومقاتل بن ~~حيان كذلك غير أن مجاهدا قال مخرجا في الدنيا والآخرة وروي عن الضحاك عن ~~ابن عباس قال نصرا قال: وفي آخر قول ابن عباس والسدي نجاة. وعن عروة بن ~~الزبير {يجعل لكم فرقانا} أي: فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ~~ويطفئ به باطل من خالفكم وذكر البغوي عن مقاتل بن حيان قال مخرجا في الدنيا ~~من الشبهات لكن قد يكون هذا تفسيرا لمراد مقاتل بن حيان كما ذكر أبو الفرج ~~بن الجوزي عن ابن عباس ومجاهد ms4137 وعكرمة والضحاك وابن # PageV13P011 # قتيبة: أنهم قالوا هو المخرج. ثم قال: والمعنى يجعل لكم مخرجا في الدنيا ~~من الضلال وليس مرادهم وإنما مرادهم المخرج المذكور في قوله: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} والفرقان المذكور في قوله: {وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان} وقد ذكر عن ابن زيد أنه قال هدى في قلوبهم يعرفون به الحق من ~~الباطل ونوعا الفرقان فرقان الهدى والبيان والنصر والنجاة هما نوعا " ~~الظهور " في قوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله} يظهره بالبيان والحجة والبرهان ويظهر باليد والعز والسنان. ~~وكذلك " السلطان " في قوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} فهذا النوع ~~وهو الحجة والعلم كما في قوله: {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون} وقوله: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن ~~في صدورهم إلا كبر} وقوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان} وقد فسر " السلطان " بسلطان القدرة واليد وفسر بالحجة ~~والبيان فمن الفرقان ما نعته الله به في قوله: {ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة # PageV13P012 # والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ففرق بين المعروف ~~والمنكر أمر بهذا ونهى عن هذا وبين الطيب والخبيث أحل هذا وحرم هذا. ومن " ~~الفرقان " أنه فرق بين أهل الحق المهتدين المؤمنين المصلحين أهل الحسنات ~~وبين أهل الباطل الكفار الضالين المفسدين أهل السيئات قال تعالى: {أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} وقال تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} وقال تعالى: {أم ms4138 من هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} وقال تعالى: {وما يستوي ~~الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا الحرور} {وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} } ~~إن أنت إلا نذير} {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} وقال # PageV13P013 # تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وقال تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون} فهو سبحانه بين الفرق بين أشخاص أهل الطاعة لله والرسول ~~والمعصية لله والرسول كما بين الفرق بين ما أمر به وبين ما نهى عنه. # وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق وأن المخلوق لا يجوز أن ~~يسوي بين الخالق والمخلوق في شيء فيجعل المخلوق ندا للخالق قال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} وقال تعالى: {هل تعلم له سميا} {ولم يكن له كفوا أحد} {ليس كمثله شيء} ~~وضرب الأمثال في القرآن على من لم يفرق؛ بل عدل بربه وسوى بينه وبين خلقه؛ ~~كما قالوا - وهم في النار يصطرخون فيها -: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} ~~{إذ نسويكم برب العالمين} وقال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} ~~{وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} {والله يعلم ما تسرون ~~وما تعلنون} {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} . فهو سبحانه الخالق العليم الحق الحي ~~الذي لا يموت ومن سواه لا يخلق شيئا كما قال: {إن الذين تدعون من دون الله ~~لن يخلقوا # PageV13P014 # ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب} {ما قدروا الله حق قدره} . وهذا مثل ضربه الله؛ فإن الذباب من ~~أصغر الموجودات وكل ms4139 من يدعى من دون الله لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه. فإذا تبين أنهم لا يخلقون ذبابا ~~ولا يقدرون على انتزاع ما يسلبهم فهم عن خلق غيره وعن مغالبته أعجز وأعجز: ~~و " المثل " هو الأصل والنظير المشبه به كما قال: {ولما ضرب ابن مريم مثلا ~~إذا قومك منه يصدون} أي لما جعلوه نظيرا قاسوا عليه آلهتهم وقالوا إذا كان ~~قد عبد وهو لا يعذب فكذلك آلهتنا فضربوه مثلا لآلهتهم وجعلوا يصدون أي ~~يضجون ويعجبون منه احتجاجا به على الرسول والفرق بينه وبين آلهتهم ظاهر كما ~~بينه في قوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} وقال ~~في فرعون: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} أي مثلا يعتبر به ويقاس عليه غيره ~~فمن عمل بمثل عمله جوزي بجزائه؛ ليتعظ الناس به فلا يعمل بمثل عمله. وقال ~~تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} وهو ~~ما ذكره من أحوال الأمم الماضية التي يعتبر # PageV13P015 # بها ويقاس عليها أحوال الأمم المستقبلة كما قال: {لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب} فمن كان من أهل الإيمان قيس بهم وعلم أن الله يسعده في ~~الدنيا والآخرة ومن كان من أهل الكفر قيس بهم وعلم أن الله يشقيه في الدنيا ~~والآخرة كما قال في حق هؤلاء: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في ~~الزبر} وقد قال: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين} وقال في حق المؤمنين: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} وقال: {وذا النون ~~إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين} {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين} وقال في قصة أيوب: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} {رحمة منا ~~وذكرى لأولي الألباب} وقال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وقال: ~~{أم ms4140 حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب} وقال: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك} . فلفظ " المثل " يراد به النظير الذي يقاس عليه ويعتبر به ويراد # PageV13P016 # به مجموع القياس قال سبحانه: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم} أي لا أحد يحييها وهي رميم. فمثل الخالق بالمخلوق في هذا ~~النفي فجعل هذا مثل هذا لا يقدر على إحيائها سواء نظمه في قياس تمثيل أو ~~قياس شمول كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن معنى ~~القياسين قياس الشمول وقياس التمثيل واحد - والمثل المضروب المذكور في ~~القرآن - فإذا قلت: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام وأقمت الدليل على المقدمة ~~الكبرى بقوله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر حرام} فهو كقوله صلى الله عليه ~~وسلم قياسا على الخمر؛ لأن الخمر إنما حرمت لأجل الإسكار وهو موجود في ~~النبيذ. فقوله: {ضرب مثل فاستمعوا له} جعل ما هو من أصغر المخلوقات مثلا ~~ونظيرا يعتبر به فإذا كان أدون خلق الله لا يقدرون على خلقه ولا منازعته ~~فلا يقدرون على خلق ما سواه فيعلم بها من عظمة الخالق وأن كل ما يعبدون من ~~دون الله في السماء والأرض لا يقدرون على ما هو أصغر مخلوقاته. وقد قيل: ~~إنهم جعلوا آلهتهم مثلا لله فاستمعوا لذكرها؛ وهذا لأنهم لم يفقهوا المثل ~~الذي ضربه الله جعلوا المشركين هم الذين ضربوا هذا المثل. ومثل هذا في ~~القرآن قد ضربه الله ليبين أنه لا يقاس المخلوق بالخالق ويجعل له ندا ومثلا ~~كقوله: {قل من يرزقكم من السماء # PageV13P017 # والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} {فذلكم الله ربكم الحق ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} {كذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~فسقوا أنهم ms4141 لا يؤمنون} {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون { {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل ~~الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون} {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا إن الله عليم بما يفعلون} . ولما قرر الوحدانية قرر النبوة كذلك فقال: ~~{وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل ~~الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} {بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله} وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق وهذا من تكذيبهم ~~إياه ولم يكن المشركون يسوون بين آلهتهم وبين الله في كل شيء بل كانوا ~~يؤمنون بأن الله هو الخالق المالك لهم وهم مخلوقون مملوكون له ولكن كانوا ~~يسوون بينه وبينها في المحبة والتعظيم والدعاء والعبادة والنذر لها ونحو ~~ذلك مما يخص به الرب # PageV13P018 # فمن عدل بالله غيره في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى فهو مشرك؛ بخلاف من ~~لا يعدل به ولكن يذنب مع اعترافه بأن الله ربه وحده وخضوعه له خوفا من ~~عقوبة الذنب فهذا يفرق بينه وبين من لا يعترف بتحريم ذلك. # فصل: # وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوي بين ~~الأمور المتماثلة فيحكم في الشيء خلقا وأمرا بحكم مثله لا يفرق بين ~~متماثلين ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين؛ بل إن كانا مختلفين متضادين لم ~~يسو بينهما. ولفظ " الاختلاف " في القرآن يراد به التضاد والتعارض؛ لا يراد ~~به مجرد عدم التماثل - كما هو اصطلاح كثير من النظار - ومنه قوله: {ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وقوله: {إنكم لفي قول مختلف} ~~{يؤفك عنه من أفك} وقوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} . وقد ms4142 ~~بين سبحانه وتعالى أن السنة لا تتبدل ولا تتحول في غير # PageV13P019 # موضع و " السنة " هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل ~~بنظيره الأول؛ ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار وقال: {لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب} . والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل ~~حكمه كما قال ابن عباس: هلا اعتبرتم الأصابع بالأسنان؟ فإذا قال: {فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار} وقال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} أفاد أن من ~~عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم؛ ليحذر أن يعمل مثل أعمال الكفار؛ وليرغب ~~في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء قال تعالى: {قد خلت من قبلكم ~~سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} وقال تعالى: {وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} ~~{سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} وقال تعالى: {لئن ~~لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ~~ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} ~~{سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وهذه الآية ~~أنزلها الله قبل الأحزاب وظهور الإسلام وذل المنافقين فلم يستطيعوا أن ~~يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك قبل بدر وبعدها وقبل أحد وبعدها ~~فأخفوا النفاق وكتموه؛ فلهذا لم # PageV13P020 # يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة. ~~ويقول: إذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه ~~الآية؛ بقوله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} {سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} قال قتادة: ذكر لنا أن ~~المنافقين كانوا يظهرون ما في أنفسهم من النفاق؛ فأوعدهم الله بهذه الآية ~~فلما أوعدهم بهذه الآية أسروا ذلك وكتموه {سنة الله في الذين خلوا من قبل} ~~يقول: هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق. قال مقاتل بن حيان: قوله: ~~{سنة الله في الذين ms4143 خلوا من قبل} يعني كما قتل أهل بدر وأسروا فذلك قوله: ~~{سنة الله في الذين خلوا من قبل} . قال السدي: كان النفاق على " ثلاثة أوجه ~~": " نفاق " مثل نفاق عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ومالك بن داعس ~~فكان هؤلاء وجوها من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أن يأتوا الزنا يصونون ~~بذلك أنفسهم. {والذين في قلوبهم مرض} قال: الزناة. إن وجدوه عملوا به وإن ~~لم يجدوه لم يتبعوه. و " نفاق " يكابرون النساء مكابرة. وهم هؤلاء الذين ~~يجلسون # PageV13P021 # على الطريق ثم قال: {ملعونين} ثم فصلت الآية {أين ما ثقفوا} يعملون هذا ~~العمل مكابرة النساء. قال السدي: هذا حكم في القرآن ليس يعمل به لو أن رجلا ~~أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم ~~فيهم غير الجلد والرجم؛ أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم. قال السدي: قوله: {سنة} ~~كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم. قال: فمن كابر امرأة على نفسها فقتل فليس ~~على قاتله دية لأنه مكابر. قلت: هذا على وجهين: " أحدهما " أن يقتل دفعا ~~لصوله عنها مثل أن يقهرها فهذا دخل في قوله: {من قتل دون حرمته فهو شهيد} ~~وهذه لها أن تدفعه بالقتل؛ لكن إذا طاوعت ففيه نزاع وتفصيل وفيه قضيتان من ~~عمر وعلي معروفتان وأما إذا فجر بها مستكرها ولم تجد من يعينها عليه فهؤلاء ~~نوعان: " أحدهما " أن يكون له شوكة كالمحاربين لأخذ المال وهؤلاء محاربون ~~للفاحشة فيقتلوا. قال السدي قد قاله غيره. وذكر أبو اللوبي أن هذه جرت عنده ~~ورأى أن هؤلاء أحق بأن يكونوا محاربين. و " الثاني " أن لا يكونوا ذوي شوكة ~~بل يفعلون ذلك غيلة # PageV13P022 # واحتيالا حتى إذا صارت عندهم المرأة أكرهوها فهذا المحارب غيلة كما قال ~~السدي. يقتل أيضا وإن كانوا جماعة في المصر فهم كالمحاربين في المصر وهذه ~~المسائل لها مواضع أخر. و " المقصود " أن الله أخبر أن سنته لن تبدل ولن ~~تتحول وسنته عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي وهذا يقتضي ~~أنه سبحانه يحكم ms4144 في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة؛ ولهذا قال: {أكفاركم ~~خير من أولئكم} وقال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي أشباههم ونظراءهم ~~وقال: {وإذا النفوس زوجت} قرن النظير بنظيره وقال تعالى: {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} وقال: {قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} وقال: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} . فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان ~~والجنة وقد قال تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم} وقال تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون # PageV13P023 # ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} وقال تعالى: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم} فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم وهم خير الناس بعد ~~الأنبياء فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وأولئك خير أمة محمد كما ثبت في ~~الصحاح من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {خير القرون القرن ~~الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} . ولهذا كان معرفة ~~أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين ~~وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد ~~والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه ~~الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة إجماعهم ~~ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ~~ونزاعهم. وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج ~~عنهم فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى ~~يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ms4145 ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم # PageV13P024 # في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ~~خير وأحسن تأويلا} . وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ~~ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ~~ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي ~~والزهد والتصوف. فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما ~~هو عما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف ألبتة أو عرفوا ~~بعضها ولم يعرفوا سائرها فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ~~ينازعهم من الطوائف المتأخرين؛ طائفة أو طائفتين أو ثلاث وتارة عرفوا أقوال ~~بعض السلف، والأول كثير في " مسائل أصول الدين وفروعه " كما تجد كتب أهل ~~الكلام مشحونة بذلك يحكون إجماعا ونزاعا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك ~~ألبتة؛ بل قد يكون قول السلف خارجا عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال ~~الله وأفعاله وصفاته؛ مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك. وهم إذا ~~ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع فإنه لو أمكن العلم ~~بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به؛ لعدم علمهم بأقوال السلف ~~فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع # PageV13P025 # بإجماعهم في مسائل النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيرا. ~~وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد ~~التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغا لم يخالف إجماعا؛ لأن كثيرا من أصول ~~المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه والنزاع ~~الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ~~ممن قد اشتهرت لهم أقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة وإجماع ~~الصحابة. بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال: إنه خلاف ~~الإجماع وإنما يرد بالنص وإذا قيل: قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع ~~النزاع. فمثل هذا مبني على ms4146 مقدمتين: " إحداهما " العلم بأنه لم يبق في ~~الأمة من يقول بقول الآخر وهذا متعذر. # " الثانية " أن مثل هذا هل يرفع النزاع. . . (1) مشهور فنزاع السلف ~~PageV13P026 # يمكن القول به إذا كان معه حجة؛ إذ. . . (1) على خلافه، ونزاع المتأخرين ~~لا يمكن. . . (2) لأن كثيرا منه قد تقدم الإجماع على خلافه كما دلت النصوص ~~على خلافه ومخالفة إجماع السلف خطأ قطعا. و " أيضا " فلم يبق مسألة في ~~الدين إلا وقد تكلم فيها السلف فلا بد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو ~~يوافقه وقد بسطنا في غير هذا الموضع أن الصواب في أقوالهم أكثر وأحسن وأن ~~خطأهم أخف من خطأ المتأخرين وأن المتأخرين أكثر خطأ وأفحش وهذا في جميع ~~علوم الدين؛ ولهذا أمثلة كثيرة يضيق هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه ~~أعلم. # فصل: # ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة فإنه قد عرف تفسيره وما ~~أريد بذلك من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال ~~بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا PageV13P027 # قال الفقهاء " الأسماء ثلاثة أنواع " نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة ~~والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ ~~القبض ولفظ المعروف في قوله {وعاشروهن بالمعروف} وكان من أعظم ما أنعم الله ~~به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان ### | من الأصول المتفق عليها بين الصحابة # والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ~~ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات ~~والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم: فيه نبأ من قبلهم وخبر ما بعدهم وحكم ما بينهم هو الفصل ليس بالهزل ~~من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله ~~المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به ms4147 الأهواء ~~ولا تلتبس به الألسن فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه ولا يحرف به لسانه ولا ~~يخلق عن كثرة الترداد فإذا ردد مرة بعد مرة لم يخلق ولم يمل كغيره من ~~الكلام ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به ~~أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. فكان القرآن هو ~~الإمام الذي يقتدى به؛ ولهذا لا يوجد في كلام # PageV13P028 # أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة ولا ~~قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل. ~~والنقل - يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين - إما أن يفوض وإما ~~أن يؤول. ولا فيهم من يقول: إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف ~~القرآن والحديث؛ فضلا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي ~~يأتي الرسول وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد والأنبياء كلهم يأخذون عن ~~مشكاته. أو يقول: الولي أفضل من النبي ونحو ذلك من مقالات أهل الإلحاد فإن ~~هذه الأقوال لم تكن حدثت بعد في المسلمين. وإنما يعرف مثل هذه إما عن ~~ملاحدة اليهود أو النصارى فإن فيهم من يجوز أن غير النبي أفضل من النبي كما ~~قد يقوله في الحواريين فإنهم عندهم رسل وهم يقولون: أفضل من داود وسليمان؛ ~~بل ومن إبراهيم وموسى وإن سموهم أنبياء إلى أمثال هذه الأمور. ولم يكن ~~السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها؛ أو بسنة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم تفسرها. فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين ~~القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخا لها فالنسخ ~~عندهم اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل وإن كان ذلك المعنى ~~لم # PageV13P029 # يرد بها وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية؛ بل قد لا يفهم منها وقد فهمه ~~منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الإبهام ms4148 والإفهام نسخا وهذه التسمية لا تؤخذ عن ~~كل واحد منهم. وأصل ذلك من إلقاء الشيطان ثم يحكم الله آياته فما ألقاه ~~الشيطان في الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم يدل عليه سمى هؤلاء ما ~~يرفع ذلك الظن نسخا كما سموا قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} ناسخا لقوله: ~~{اتقوا الله حق تقاته} وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ناسخا لقوله: ~~{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه. إذ المقصود أنهم كانوا متفقين على ~~أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن لا رأي ومعقول وقياس ولا ذوق ووجد وإلهام ~~ومكاشفة. وكانت البدع الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم ~~للقرآن لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب ~~تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي. قالوا: فمن لم يكن برا ~~تقيا فهو كافر وهو مخلد في النار. ثم قالوا: وعثمان # PageV13P030 # وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله فكانت ~~بدعتهم لها مقدمتان. " الواحدة " أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه ~~فهو كافر. " والثانية " أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب ~~الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا فإنه أول بدعة ظهرت في ~~الإسلام فكفر أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في ذمهم والأمر بقتالهم. قال الإمام أحمد ~~بن حنبل رضي الله عنه صح فيهم الحديث من عشرة أوجه؛ ولهذا قد أخرجها مسلم ~~في صحيحه وأفرد البخاري قطعة منها وهم مع هذا الذم إنما قصدوا اتباع القرآن ~~فكيف بمن تكون بدعته معارضة القرآن والإعراض عنه وهو مع ذلك يكفر المسلمين ~~كالجهمية ثم " الشيعة " لما حدثوا لم يكن الذي ابتدع التشيع قصده الدين؛ بل ~~كان غرضه فاسدا وقد قيل إنه كان منافقا زنديقا فأصل بدعتهم مبنية على الكذب ~~على رسول الله صلى ms4149 الله عليه وسلم وتكذيب الأحاديث الصحيحة؛ ولهذا لا يوجد ~~في فرق الأمة من الكذب أكثر مما يوجد فيهم بخلاف الخوارج فإنه لا يعرف فيهم ~~من يكذب. # PageV13P031 # والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم لكثرة الكذب فيهم؛ ولهذا ~~أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث علي إلا عن أهل بيته ~~كأولاده مثل الحسن والحسين ومثل محمد بن الحنفية وكاتبه عبيد الله بن أبي ~~رافع أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم مثل عبيدة السلماني والحارث التيمي وقيس بن ~~عباد وأمثالهم؛ إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن علي؛ فلهذا أخرج أصحاب ~~الصحيح حديثهم. وهاتان الطائفتان " الخوارج والشيعة " حدثوا بعد مقتل عثمان ~~وكان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان في السنة الأولى ~~من ولايته متفقين لا تنازع بينهم ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت ~~نوعا من التفرق وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون ~~بعد مقتل عثمان ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت ~~الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفارقوه وفارقوا جماعة المسلمين ~~إلى مكان يقال له حروراء فكف عنهم أمير المؤمنين وقال: لكم علينا أن لا ~~نمنعكم حقكم من الفيء ولا نمنعكم المساجد إلى أن استحلوا دماء المسلمين ~~وأموالهم فقتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على سرح المسلمين؛ فعلم علي أنهم ~~الطائفة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV13P032 # حيث قال: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية آيتهم فيهم رجل مخدج اليد عليها بضعة عليها شعرات} وفي رواية: ~~{يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان} فخطب الناس وأخبرهم بما سمع من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هم هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام ~~وأغاروا على سرح الناس فقاتلهم ووجد العلامة بعد أن كاد لا يوجد فسجد لله ~~شكرا. وحدث في أيامه الشيعة لكن كانوا مختفين بقولهم ms4150 لا يظهرونه لعلي ~~وشيعته؛ بل كانوا ثلاث طوائف: " طائفة " تقول: إنه إله وهؤلاء لما ظهر ~~عليهم أحرقهم بالنار وخد لهم أخاديد عند باب مسجد بني كندة وقيل إنه أنشد: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: أتي علي بزنادقة فحرقهم ~~بالنار ولو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب ~~بعذاب الله ولضربت أعناقهم لقوله: {من بدل دينه فاقتلوه} # PageV13P033 # وهذا الذي قاله ابن عباس هو مذهب أكثر الفقهاء وقد روي أنه أجلهم ثلاثا. # والثانية " السابة " وكان قد بلغه عن ابن السوداء أنه كان يسب أبا بكر ~~وعمر فطلبه. قيل: إنه طلبه ليقتله فهرب منه. # والثالثة " المفضلة " الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فتواتر عنه أنه ~~قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وروى ذلك البخاري في صحيحه عن ~~محمد بن الحنفية أنه سأل أباه من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. وكانت الشيعة الأولى لا ~~يتنازعون في تفضيل أبي بكر وعمر وإنما كان النزاع في علي وعثمان؛ ولهذا قال ~~شريك بن عبد الله: إن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ~~وعمر. فقيل له تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: كل الشيعة كانوا على هذا. ~~وهو الذي قال هذا على أعواد منبره أفنكذبه فيما قال؟ ولهذا قال سفيان ~~الثوري: من فضل عليا على أبي بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وما ~~أرى يصعد له إلى الله عز وجل عمل وهو كذلك. رواه أبو داود في سننه وكأنه ~~يعرض بالحسن بن صالح بن حيي فإن الزيدية الصالحية وهم أصلح طوائف الزيدية ~~ينسبون إليه. # PageV13P034 # ولكن الشيعة لم يكن لهم في ذلك الزمان جماعة ولا إمام ولا دار ولا سيف ~~يقاتلون به المسلمين؛ وإنما كان هذا للخوارج تميزوا بالإمام والجماعة ~~والدار وسموا دارهم دار الهجرة وجعلوا دار المسلمين دار كفر ms4151 وحرب. وكلا ~~الطائفتين تطعن بل تكفر ولاة المسلمين وجمهور الخوارج يكفرون عثمان وعليا ~~ومن تولاهما والرافضة يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم ولكن الفساد ~~الظاهر كان في الخوارج: من سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف؛ فلهذا ~~جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم والأحاديث في ذمهم والأمر بقتالهم كثيرة جدا ~~وهي متواترة عند أهل الحديث مثل أحاديث الرؤية وعذاب القبر وفتنته وأحاديث ~~الشفاعة والحوض. وقد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة: روى بعضها أهل ~~السنن كأبي داود وابن ماجه وبعض الناس يثبتها ويقويها ومن العلماء من طعن ~~فيها وضعفها ولكن الذي ثبت في ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر ~~وابن عباس. وأما لفظ الرافضة فهذا اللفظ أول ما ظهر في الإسلام لما خرج زيد ~~بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن # PageV13P035 # عبد الملك واتبعه الشيعة فسئل عن أبي بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما ~~فرفضه قوم فقال: رفضتموني رفضتموني فسموا الرافضة فالرافضة تتولى أخاه أبا ~~جعفر محمد بن علي والزيدية يتولون زيدا وينسبون إليه. ومن حينئذ انقسمت ~~الشيعة إلى زيدية ورافضة إمامية. ثم في آخر عصر الصحابة حدثت " القدرية " ~~وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ~~ووعده ووعيده وظنوا أن ذلك ممتنع وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه ~~ووعده ووعيده وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن ~~يعصي؛ لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن ~~المأمور يعصيه ولا يطيعه وظنوا أيضا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن ~~يخلق من يعلم أنه يفسد فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق الصحابة أنكروا ~~إنكارا عظيما وتبرءوا منهم حتى قال عبد الله بن عمر: أخبر أولئك أني بريء ~~منهم وأنهم مني برآء والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ~~ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر وذكر عن أبيه ms4152 حديث جبريل ~~وهذا أول حديث في صحيح مسلم وقد أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة ~~أيضا مختصرا. # ثم كثر الخوض في " القدر " وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام # PageV13P036 # وبعضه في المدينة فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب ~~المتقدم وصار نزاع الناس في " الإرادة " و " خلق أفعال العباد " فصاروا في ~~ذلك حزبين: " النفاة " يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة وهو لم يرد إلا ~~ما أمر به ولم يخلق شيئا من أفعال العباد. وقابلهم الخائضون في القدر من " ~~المجبرة " مثل الجهم بن صفوان وأمثاله فقالوا: ليست الإرادة إلا بمعنى ~~المشيئة والأمر والنهي لا يستلزم إرادة وقالوا: العبد لا فعل له ألبتة ولا ~~قدرة بل الله هو الفاعل القادر فقط وكان جهم مع ذلك ينفي الأسماء والصفات ~~يذكر عنه أنه قال لا يسمى الله شيئا ولا غير ذلك من الأسماء التي تسمى بها ~~العباد إلا القادر فقط؛ لأن العبد ليس بقادر. # وكانت " الخوارج " قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة وقالوا: ~~إنهم كفار مخلدون في النار فخاض الناس في ذلك وخاض في ذلك القدرية بعد موت ~~الحسن البصري فقال عمرو بن عبيد وأصحابه: لا هم مسلمون ولا كفار؛ بل لهم ~~منزلة بين المنزلتين وهم مخلدون في النار فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون ~~وعلى أنه ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء ولكن لم يسموهم كفارا واعتزلوا # PageV13P037 # حلقة أصحاب الحسن البصري مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما. فسموا ~~معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن. وقيل: إن قتادة كان يقول أولئك ~~المعتزلة. # وتنازع الناس في " الأسماء والأحكام " أي في أسماء الدين مثل مسلم ومؤمن ~~وكافر وفاسق وفي أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة فالمعتزلة وافقوا الخوارج ~~على حكمهم في الآخرة دون الدنيا فلم يستحلوا من دمائهم وأموالهم ما استحلته ~~الخوارج وفي الأسماء أحدثوا المنزلة بين المنزلتين وهذه خاصة المعتزلة التي ~~انفردوا بها وسائر أقوالهم قد شاركهم فيها غيرهم. وحدثت " المرجئة " وكان ~~أكثرهم من أهل الكوفة ولم يكن أصحاب عبد الله من المرجئة ولا ms4153 إبراهيم ~~النخعي وأمثاله فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن الأعمال ليست من ~~الإيمان وكانت هذه البدعة أخف البدع فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في ~~الاسم واللفظ دون الحكم؛ إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل ~~حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما هم مع سائر أهل السنة متفقين على أن ~~الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة كما جاءت ~~الأحاديث الصحيحة بذلك وعلى أنه لا بد في الإيمان # PageV13P038 # أن يتكلم بلسانه. وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم ~~والعقاب فكان في الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته ~~نزاع لفظي؛ فإن الإيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال؛ لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {الإيمان بضع وستون شعبة - أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} وإذا ~~عطف عليه العمل كقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فقد ذكر مقيدا ~~بالعطف فهنا قد يقال: الأعمال دخلت فيه وعطفت عطف الخاص على العام وقد ~~يقال: لم تدخل فيه ولكن مع العطف كما في اسم الفقير والمسكين - إذا أفرد ~~أحدهما تناول الآخر وإذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان كما في آية ~~الصدقات كقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} وكما في آية الكفارة ~~كقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} وفي قوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم} فالفقير والمسكين شيء واحد. وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك ~~في لفظ البر والتقوى والمعروف وفي الإثم والعدوان والمنكر تختلف دلالتها في ~~الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن وقد بسط هذا بسطا كبيرا في الكلام على ~~الإيمان وشرح حديث جبريل الذي فيه بيان أن الإيمان أصله في القلب؛ وهو ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله كما في # PageV13P039 # المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام علانية والإيمان ~~في القلب} وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ألا إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح ms4154 لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي ~~القلب} فإذا كان الإيمان في القلب فقد صلح القلب فيجب أن يصلح سائر الجسد؛ ~~فلذلك هو ثمرة ما في القلب؛ فلهذا قال بعضهم الأعمال ثمرة الإيمان. وصحته ~~لما كانت لازمة لصلاح القلب دخلت في الاسم كما نطق بذلك الكتاب والسنة في ~~غير موضع. وفي " الجملة " الذين رموا بالإرجاء من الأكابر مثل طلق بن حبيب ~~وإبراهيم التيمي ونحوهما: كان إرجاؤهم من هذا النوع وكانوا أيضا لا يستثنون ~~في الإيمان وكانوا يقولون: الإيمان هو الإيمان الموجود فينا ونحن نقطع بأنا ~~مصدقون ويرون الاستثناء شكا وكان عبد الله بن مسعود وأصحابه يستثنون وقد ~~روي في حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال؛ لكن أحمد ~~أنكر هذا وضعف هذا الحديث وصار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال: قول ~~أنه يجب الاستثناء ومن لم يستثن كان مبتدعا. وقول أن الاستثناء محظور فإنه ~~يقتضي الشك في الإيمان. # PageV13P040 # والقول الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار؛ ~~فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي وأنه يقبل ~~أعمالي ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده أن لا يزكي ~~نفسه وأن لا يقطع بأنه عمل عملا كما أمر فقبل منه والذنوب كثيرة والنفاق ~~مخوف على عامة الناس. قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم ~~يخاف النفاق على نفسه لا يقول واحد منهم إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ~~والبخاري في أول صحيحه بوب أبوابا في " الإيمان والرد على المرجئة " وقد ~~ذكر بعض من صنف في هذا الباب من أصحاب أبي حنيفة قال: وأبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد كرهوا أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل - قال محمد: ~~لأنهم أفضل يقينا - أو إيماني كإيمان جبريل أو إيماني كإيمان أبي بكر أو ~~كإيمان هذا ولكن يقول آمنت بما آمن به جبريل وأبو بكر. وأبو حنيفة وأصحابه ~~لا يجوزون الاستثناء في الإيمان بكون ms4155 الأعمال منه ويذمون المرجئة والمرجئة ~~عندهم الذين لا يوجبون الفرائض ولا اجتناب المحارم؛ بل يكتفون بالإيمان وقد ~~علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على الشرط؛ لأن المعلق على ~~الشرط لا يوجد إلا عند وجوده كما قالوا في قوله: أنت طالق إن شاء الله. ~~فإذا علق الإيمان # PageV13P041 # بالشرط كسائر المعلقات بالشرط لا يحصل إلا عند حصول الشرط. قالوا: وشرط ~~المشيئة الذي يترجاه القائل لا يتحقق حصوله إلى يوم القيامة فإذا علق العزم ~~بالفعل على التصديق والإقرار فقد ظهرت المشيئة وصح العقد فلا معنى ~~للاستثناء؛ ولأن الاستثناء عقيب الكلام يرفع الكلام فلا يبقى الإقرار ~~بالإيمان والعقد مؤمنا وربما يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على ~~الإيمان بقاء التصديق وذلك يزيله. " قلت ": فتعليلهم في المسألة إنما يتوجه ~~فيمن يعلق إنشاء الإيمان على المشيئة كالذي يريد الدخول في الإسلام فيقال ~~له: آمن. فيقول: أنا أومن إن شاء الله أو آمنت إن شاء أو أسلمت إن شاء الله ~~أو أشهد إن شاء الله أن لا إله إلا الله وأشهد إن شاء الله أن محمدا رسول ~~الله والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء وإنما كان ~~استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان فاستثنوا إما أن الإيمان ~~المطلق يقتضي دخول الجنة وهم لا يعلمون الخاتمة كأنه إذا قيل للرجل: أنت ~~مؤمن. قيل له: أنت عند الله مؤمن من أهل الجنة فيقول: أنا كذلك إن شاء ~~الله. أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال الإيمان الواجب. ولهذا كان من ~~جواب بعضهم إذا قيل له أنت مؤمن: آمنت بالله وملائكته وكتبه فيجزم بهذا ولا ~~يعلقه أو يقول: إن كنت تريد # PageV13P042 # الإيمان الذي يعصم دمي ومالي فأنا مؤمن وإن كنت تريد قوله: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ~~{أولئك هم المؤمنون حقا} وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ms4156 الله أولئك هم الصادقون} ~~فأنا مؤمن إن شاء الله وأما الإنشاء فلم يستثن فيه أحد ولا شرع الاستثناء ~~فيه؛ بل كل من آمن وأسلم آمن وأسلم جزما بلا تعليق. فتبين أن النزاع في ~~المسألة قد يكون لفظيا فإن الذي حرمه هؤلاء غير الذي استحسنه وأمر به أولئك ~~ومن جزم جزم بما في قلبه من الحال وهذا حق لا ينافي تعليق الكمال والعاقبة ~~ولكن هؤلاء عندهم الأعمال ليست من الإيمان فصار الإيمان هو الإسلام عند ~~أولئك. والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام. وهو المشهور عن ~~أحمد رضي الله عنه. وقد روي عنه فيه الاستثناء كما قد بسط هذا في شرح حديث ~~جبريل وغيره من نصوص الإيمان التي في الكتاب والسنة. # PageV13P043 # ولو قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله: ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا ~~التفصيل؛ وهو أن الكلام يراد به شيئان يراد به إيقاع الطلاق تارة ويراد به ~~منع إيقاع تارة فإن كان مراده أنت طالق بهذا اللفظ. فقوله: إن شاء الله مثل ~~قوله بمشيئة الله وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع وإن كان قد ~~علق لئلا يقع أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق ~~بعد هذا فإنه حينئذ شاء الله أن تطلق. وقول من قال المشيئة تنجزه ليس كما ~~قال بل نحن نعلم قطعا أن الطلاق لا يقع إلا إذا طلقت المرأة بأن يطلقها ~~الزوج أو من يقوم مقامه من ولي أو وكيل فإذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط ~~فإذا قال أنت طالق إن شاء الله وقصد حقيقة التعليق لم يقع إلا بتطليق بعد ~~ذلك وكذلك إذا قصد تعليقه لئلا يقع الآن. وأما إن قصد إيقاعه الآن وعلقه ~~بالمشيئة توكيدا وتحقيقا فهذا يقع به الطلاق. وما أعرف أحدا أنشأ الإيمان ~~فعلقه على المشيئة فإذا علقه فإن كان مقصوده أنا مؤمن إن شاء الله أنا أومن ~~بعد ذلك فهذا لم يصر مؤمنا مثل الذي يقال له: هل تصير من ms4157 أهل دين الإسلام ~~فقال أصير إن شاء الله فهذا لم يسلم بل هو باق على الكفر. وإن كان قصده أني ~~قد آمنت وإيماني بمشيئة الله صار مؤمنا لكن إطلاق اللفظ يحتمل # PageV13P044 # هذا وهذا فلا يجوز إطلاق مثل هذا اللفظ في الإنشاء وأيضا فإن الأصل أنه ~~إنما يعلق بالمشيئة ما كان مستقبلا فأما الماضي والحاضر فلا يعلق بالمشيئة ~~والذين استثنوا لم يستثنوا في الإنشاء كما تقدم كيف وقد أمروا أن يقولوا: ~~{آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط} وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله} فأخبر أنهم آمنوا فوقع الإيمان منهم قطعا بلا ~~استثناء. وعلى كل أحد أن يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا كما أمر الله بلا ~~استثناء وهذا متفق عليه بين المسلمين ما استثني أحد من السلف قط في مثل هذا ~~وإنما الكلام إذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن كما يخبر عن نفسه بأنه بر تقي ~~فقول القائل له: أنت مؤمن هو عندهم كقوله: هل أنت بر تقي؟ فإذا قال: أنا بر ~~تقي فقد زكى نفسه. فيقول: إن شاء الله وأرجو أن أكون كذلك وذلك أن الإيمان ~~التام يتعقبه قبول الله له وجزاؤه عليه وكتابة الملك له فالاستثناء يعود ~~إلى ذلك لا إلى ما علمه هو من نفسه وحصل واستقر؛ فإن هذا لا يصح تعليقه ~~بالمشيئة؛ بل يقال: هذا حاصل بمشيئة الله وفضله وإحسانه وقوله فيه إن شاء ~~الله بمعنى إذ شاء الله وذلك تحقيق لا تعليق. # PageV13P045 # والرجل قد يقول: والله ليكونن كذا إن شاء الله وهو جازم بأنه يكون ~~فالمعلق هو الفعل كقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} والله عالم ~~بأنهم سيدخلونه وقد يقول الآدمي لأفعلن كذا إن شاء الله وهو لا يجزم بأنه ~~يقع لكن يرجوه فيقول: يكون إن شاء الله ثم عزمه عليه قد يكون جازما ولكن لا ~~يجزم بوقوع المعزوم عليه وقد يكون العزم مترددا معلقا بالمشيئة أيضا ولكن ms4158 ~~متى كان المعزوم عليه معلقا لزم تعليق بقاء العزم فإنه بتقدير أن تعليق ~~العزم ابتداء أو دواما في مثل ذلك؛ ولهذا لم يحنث المطلق المعلق وحرف " إن ~~" لا يبقي العزم فلا بد إذا دخل على الماضي صار مستقبلا تقول: إن جاء زيد ~~كان كذلك {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في ~~شقاق} وإذا أريد الماضي دخل حرف " إن " كقوله: {إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني} فيفرق بين قوله: أنا مؤمن إن شاء الله وبين قوله إن كان الله شاء ~~إيماني. وكذلك إذا كان مقصوده أني لا أعلم بماذا يختم لي كما قيل لابن ~~مسعود: إن فلانا يشهد أنه مؤمن. قال: فليشهد أنه من أهل الجنة فهذا مراده ~~إذا شهد أنه مؤمن عند الله يموت على الإيمان وكذلك إن كان مقصوده أن إيماني ~~حاصل بمشيئة الله. ومن لم يستثن قال أنا لا أشك في إيمان قلبي فلا جناح ~~عليه إذا # PageV13P046 # لم يزك نفسه ويقطع بأنه عامل كما أمر وقد تقبل الله عمله وإن لم يقل إن ~~إيمانه كإيمان جبريل وأبي بكر وعمر ونحو ذلك من أقوال المرجئة كما كان مسعر ~~بن كدام يقول أنا لا أشك في إيماني قال أحمد: ولم يكن من المرجئة فإن ~~المرجئة الذين يقولون: الأعمال ليست من الإيمان وهو كان يقول: هي من ~~الإيمان لكن أنا لا أشك في إيماني. وكان الثوري يقول لسفيان بن عيينة: ألا ~~تنهاه عن هذا فإنهم من قبيلة واحدة وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع. والمقصود هنا أن النزاع في هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس ~~المنازعة في كثير من الأحكام وكلهم من أهل الإيمان والقرآن. " وأما جهم " ~~فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به وهذا القول لا ~~يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها؛ بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال ~~بهذا القول ولكن هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؛ ولكن قالوا مع ذلك إن ~~كل من ms4159 حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو ~~قلبه من المعرفة وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال غيرهم في " الإيمان ". # PageV13P047 # والأصل الذي منه نشأ النزاع اعتقاد من اعتقد أن من كان مؤمنا لم يكن معه ~~شيء من الكفر والنفاق وظن بعضهم أن هذا إجماع كما ذكر الأشعري أن هذا إجماع ~~فهذا كان أصل الإرجاء كما كان " أصل القدر " عجزهم عن الإيمان بالشرع ~~والقدر جميعا فلما كان هذا أصلهم صاروا حزبين. قالت الخوارج والمعتزلة قد ~~علمنا يقينا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان وإذا زال ~~بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق فيكون ~~أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء. وقالت " ~~المرجئة " - مقتصدتهم وغلاتهم كالجهمية - قد علمنا أن أهل الذنوب من أهل ~~القبلة لا يخلدون في النار؛ بل يخرجون منها كما تواترت بذلك الأحاديث. ~~وعلمنا بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة أنهم ليسوا كفارا مرتدين؛ فإن الكتاب ~~قد أمر بقطع السارق لا بقتله وجاءت السنة بجلد الشارب لا بقتله فلو كان ~~هؤلاء كفارا مرتدين لوجب قتلهم؛ وبهذا ظهر للمعتزلة ضعف قول الخوارج ~~فخالفوهم في أحكامهم في الدنيا. و " الخوارج " لا يتمسكون من السنة إلا بما ~~فسر مجملها دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم فلا يرجمون الزاني ولا يرون ~~للسرقة # PageV13P048 # نصابا وحينئذ فقد يقولون: ليس في القرآن قتل المرتد فقد يكون المرتد ~~عندهم نوعين. و " أقوال الخوارج " إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف ~~لهم على كتاب مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرامية ~~والأشعرية والسالمية وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية ومذاهب أهل الحديث ~~والفلاسفة والصوفية ونحو هؤلاء. وقد بسط الكلام على تفصيل القول في أقوال ~~هؤلاء في غير هذا الموضع. # وإن الناس في ### | ترتيب أهل الأهواء # على " أقسام ": # منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم فيبدأ بالخوارج. ومنهم من يرتبهم بحسب ~~خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية كما فعله كثير من أصحاب ~~أحمد ms4160 رضي الله عنه كعبد الله ابنه ونحوه وكالخلال وأبي عبد الله بن بطة ~~وأمثالهما وكأبي الفرج المقدسي وكلا الطائفتين تختم بالجهمية؛ لأنهم أغلظ ~~البدع وكالبخاري في صحيحه فإنه بدأ ب " كتاب الإيمان والرد على المرجئة " ~~وختمه " بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية ". # PageV13P049 # ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات فيكون الكلام ~~أولا مع الجهمية وكذلك رتب أبو القاسم الطبري كتابه في أصول السنة والبيهقي ~~أفرد لكل صنف مصنفا فله مصنف في الصفات ومصنف في القدر ومصنف في شعب ~~الإيمان ومصنف في دلائل النبوة ومصنف في البعث والنشور وبسط هذه الأمور له ~~موضع آخر. # والمقصود هنا أن ### | منشأ النزاع في " الأسماء والأحكام " في الإيمان والإسلام # أنهم لما ظنوا أنه لا يتبعض قال أولئك: فإذا فعل ذنبا زال بعضه فيزول كله ~~فيخلد في النار فقالت الجهمية والمرجئة: قد علمنا أنه ليس يخلد في النار ~~وأنه ليس كافرا مرتدا؛ بل هو من المسلمين وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون ~~مؤمنا تام الإيمان ليس معه بعض الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم لا يتبعض ~~فاحتاجوا أن يجعلوا الإيمان شيئا واحدا يشترك فيه جميع أهل القبلة فقال ~~فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب والقول باللسان فقالت الجهمية بعد تصديق ~~اللسان قد لا يجب إذا كان الرجل أخرس أو كان مكرها فالذي لا بد منه تصديق ~~القلب وقالت المرجئة: الرجل إذا أسلم كان مؤمنا قبل أن يجب عليه شيء من ~~الأفعال. وأنكر كل هذه الطوائف أنه " ينقص " والصحابة قد ثبت عنهم # PageV13P050 # أن الإيمان يزيد وينقص وهو قول أئمة السنة وكان ابن المبارك يقول: هو ~~يتفاضل ويتزايد ويمسك عن لفظ ينقص وعن مالك في كونه لا ينقص روايتان ~~والقرآن قد نطق بالزيادة في غير موضع ودلت النصوص على نقصه كقوله: {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن} ونحو ذلك لكن لم يعرف هذا اللفظ إلا في قوله في ~~النساء {ناقصات عقل ودين} وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا ~~تصلي وبهذا استدل غير واحد ms4161 على أنه ينقص. وذلك أن أصل أهل السنة أن ### | الإيمان يتفاضل من وجهين: # من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد. أما " الأول " فإنه ليس الإيمان الذي ~~أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص فإن المسلمين في أول ~~الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك وأمروا ~~بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة فكان من الإيمان في أول الأمر الإيمان ~~بوجوب استقبال بيت المقدس ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال ~~الكعبة فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة. و " أيضا " فمن وجب عليه الحج ~~والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله ~~أوجب عليه ما لا يجب # PageV13P051 # على غيره إلا مجملا وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل وكذلك الرجل أول ما ~~يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن ~~بوجوبها ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان وهذا من أصول ~~غلط المرجئة؛ فإنهم ظنوا أنه شيء واحد وأنه يستوي فيه جميع المكلفين ~~فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء؛ كما أنه إذا تلفظ ~~الفاسق بالشهادتين أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس. فيقال ~~لهم: قد تبين أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل ~~ويتباينون فيه تباينا عظيما فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على ~~البشر ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم ويجب على العلماء ~~ما لا يجب على غيرهم ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم وليس المراد أنه ~~يجب عليهم من العمل فقط؛ بل ومن التصديق والإقرار. فإن الناس وإن كان يجب ~~عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما ~~أخبر به وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلا وما لم يؤمر به العبد ~~من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به فمن ms4162 أمر بحج وجب عليه معرفة ~~ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها فيجب عليه من الإيمان # PageV13P052 # والعمل ما لا يجب على غيره وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر ~~الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره فيجب ~~عليه من العلم والإيمان والعمل ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ~~ليسا من الإيمان وإن جعل جميع ذلك داخلا في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال ~~قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره. ولهذا كان من الناس من قد يؤمن ~~بالرسول مجملا فإذا جاءت أمور أخرى لم يؤمن بها فيصير منافقا مثل طائفة ~~نافقت لما حولت القبلة إلى الكعبة وطائفة نافقت لما انهزم المسلمون يوم أحد ~~ونحو ذلك. ولهذا وصف الله المنافقين في القرآن بأنهم آمنوا ثم كفروا كما ~~ذكر ذلك في سورة المنافقين وذكر مثل ذلك في سورة البقرة فقال: {مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون} {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} وقال طائفة من السلف: عرفوا ثم أنكروا ~~وأبصروا ثم عموا. فمن هؤلاء من كان يؤمن أولا إيمانا مجملا ثم يأتي أمور لا ~~يؤمن # PageV13P053 # بها فينافق في الباطن وما يمكنه إظهار الردة بل يتكلم بالنفاق مع خاصته ~~وهذا كما ذكر الله عنهم في الجهاد فقال: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم} {طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} ~~. و " بالجملة " فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه ~~أحوال الناس ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النساء {ناقصات عقل ودين} وقال في نقصان دينهن: {إنها ~~إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي} وهذا مما أمر الله به فليس هذا النقص دينا لها ~~تعاقب عليه لكن ms4163 هو نقص حيث لم تؤمر بالعبادة في هذا الحال والرجل كامل حيث ~~أمر بالعبادة في كل حال فدل ذلك على أن من أمر بطاعة يفعلها كان أفضل ممن ~~لم يؤمر بها وإن لم يكن عاصيا فهذا أفضل دينا وإيمانا وهذا المفضول ليس ~~بمعاقب ومذموم فهذه زيادة كزيادة الإيمان بالتطوعات؛ لكن هذه زيادة بواجب ~~في حق شخص وليس بواجب في حق شخص غيره فهذه الزيادة لو تركها بهذا لا يستحق ~~العقاب بتركها وذاك لا يستحق العقاب بتركها ولكن إيمان ذلك أكمل. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} . # PageV13P054 # فهذا يبين تفاضل الإيمان في نفس الأمر به وفي نفس الأخبار التي يجب ~~التصديق بها. # و" النوع الثاني " هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استوائهم في الواجب ~~وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع وكلاهما محل النزاع. وهذا أيضا يتفاضلون ~~فيه فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم ولا إيمان من أدى ~~الواجبات كإيمان من أخل ببعضها كما أنه ليس دين هذا وبره وتقواه مثل دين ~~هذا وبره وتقواه؛ بل هذا أفضل دينا وبرا وتقوى فهو كذلك أفضل إيمانا كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا} وقد ~~يجتمع في العبد إيمان ونفاق كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا ~~خاصم فجر} . وأصل هؤلاء أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل؛ بل هو شيء واحد ~~يستوي فيه جميع العباد فيما أوجبه الرب من الإيمان وفيما يفعله العبد من ~~الأعمال فغلطوا في هذا وهذا ثم تفرقوا كما تقدم. وصارت المرجئة على " ثلاثة ~~أقوال " فعلماؤهم وأئمتهم أحسنهم # PageV13P055 # قولا؛ وهو أن قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان. # وقالت الجهمية: هو تصديق القلب فقط. # وقالت الكرامية هو القول فقط. # فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان لكن ms4164 إن كان مقرا بقلبه كان من أهل ~~الجنة وإن كان مكذبا بقلبه كان منافقا مؤمنا من أهل النار وهذا القول هو ~~الذي اختصت به الكرامية وابتدعته. ولم يسبقها أحد إلى هذا القول وهو آخر ما ~~أحدث من الأقوال في الإيمان وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون ~~قلبه فهو من أهل الجنة وهو غلط عليهم؛ بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان ~~وإنه من أهل النار فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبا في النار ~~بل يكون مخلدا فيها. وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {يخرج منها ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} . وإن قالوا لا يخلد وهو منافق لزمهم ~~أن يكون المنافقون يخرجون من النار والمنافقون قد قال الله فيهم: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} . وقد نهى الله ~~نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له: {استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وقال: {ولا # PageV13P056 # تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون} وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله. فإن قالوا: هؤلاء قد ~~كانوا يتكلمون بألسنتهم سرا فكفروا بذلك وإنما يكون مؤمنا إذا تكلم بلسانه ~~ولم يتكلم بما ينقضه فإن ذلك ردة عن الإيمان. قيل لهم: ولو أضمروا النفاق ~~ولم يتكلموا به كانوا منافقين. قال تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم ~~سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} . وأيضا قد ~~أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم كاذبون فقال ~~تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وقال ~~تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} . وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {الإسلام علانية والإيمان في القلب} وقد قال الله تعالى: {قالت ~~الأعراب آمنا قل ms4165 لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ~~وفي الصحيحين عن سعد: أن {النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجالا ولم يعط ~~رجلا. فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن؟ فقال: ~~أو مسلم مرتين أو ثلاثا} . وبسط الكلام # PageV13P057 # في هذا له مواضع أخر وقد صنفت في ذلك مجلدا غير ما صنفت فيه غير ذلك. ~~وكلام الناس في هذا الاسم ومسماه كثير؛ لأنه قطب الدين الذي يدور عليه وليس ~~في القول اسم علق به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من ~~اسم الإيمان والكفر؛ ولهذا سمي هذا الأصل " مسائل الأسماء والأحكام " وقد ~~رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا في أنه قول اللسان فقط ورأيت لابن الباقلاني ~~فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط وكلاهما في عصر واحد وكلاهما يرد على ~~المعتزلة والرافضة. و " المقصود هنا " أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن ~~والإيمان. فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفرق ~~والاختلاف شيعا. صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان ولكن ~~على أصول ابتدعها شيوخهم عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان ~~بالرسول وغير ذلك ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به وما خالفها ~~تأولوه؛ فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ~~ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى؛ إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على ~~غير ذلك والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف ~~أمكن؛ # PageV13P058 # ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول؛ بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها. ~~ولهذا قال كثير منهم - كأبي الحسين البصري ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن ~~الحاجب - إن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم ~~إحداث قول ثالث؛ بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين. فجوزوا أن ~~تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أنزل ~~الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون؛ ولكن قالوا: إن الله ms4166 ~~أراد معنى آخر وهم لو تصوروا هذه " المقالة " لم يقولوا هذا؛ فإن أصلهم أن ~~الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث لم ~~يقولوه؛ لكن قد اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم والتأويل عندهم مقصوده بيان ~~احتمال في لفظ الآية بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ ولم يستشعروا أن ~~المتأول هو مبين لمراد الآية مخبر عن الله تعالى أنه أراد هذا المعنى إذا ~~حملها على معنى. وكذلك إذا قالوا يجوز أن يراد بها هذا المعنى والأمة قبلهم ~~لم يقولوا أريد بها إلا هذا أو هذا فقد جوزوا أن يكون ما أراده الله لم ~~يخبر به الأمة وأخبرت أن مراده غير ما أراده؛ لكن الذي قاله هؤلاء يتمشى ~~إذا كان التأويل أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير # PageV13P059 # حكم بأنه مراد وتكون الأمة قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله ضالة عن ~~معرفته وانقرض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية؛ ولكن طائفة ~~قالت: يجوز أن يريد هذا المعنى وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا المعنى وليس ~~فيهم من علم المراد فجاء الثالث وقال: هاهنا معنى يجوز أن يكون هو المراد ~~فإذا كانت الأمة من الجهل بمعاني القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال ~~توجه ما قالوه. وبسط هذا له موضع آخر. و " المقصود " أن كثيرا من المتأخرين ~~لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن ولا على الإيمان الذي جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف السلف؛ فلهذا كان السلف أكمل علما وإيمانا ~~وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر كما قدمناه. وكان الأصل الذي أسسوه هو ما أمرهم ~~الله به في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ~~واتقوا الله إن الله سميع عليم} فإن هذا أمر للمؤمنين بما وصف به الملائكة ~~كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ms4167 من خشيته مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} فوصفهم سبحانه بأنهم # PageV13P060 # لا يسبقونه بالقول وأنهم بأمره يعملون فلا يخبرون عن شيء من صفاته ولا ~~غير صفاته إلا بعد أن يخبر سبحانه بما يخبر به؛ فيكون خبرهم وقولهم تبعا ~~لخبره وقوله كما قال: {لا يسبقونه بالقول} وأعمالهم تابعة لأمره فلا يعملون ~~إلا ما أمرهم هو أن يعملوا به فهم مطيعون لأمره سبحانه. وقد وصف سبحانه ~~بذلك ملائكة النار فقال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وقد ظن ~~بعضهم أن هذا توكيد وقال بعضهم: بل لا يعصونه في الماضي ويفعلون ما أمروا ~~به في المستقبل. وأحسن من هذا وهذا أن العاصي هو الممتنع من طاعة الأمر مع ~~قدرته على الامتثال فلو لم يفعل ما أمر به لعجزه لم يكن عاصيا فإذا قال: ~~{لا يعصون الله ما أمرهم} لم يكن في هذا بيان أنهم يفعلون ما يؤمرون فإن ~~العاجز ليس بعاص ولا فاعل لما أمر به وقال: {ويفعلون ما يؤمرون} ليبين أنهم ~~قادرون على فعل ما أمروا به فهم لا يتركونه لا عجزا ولا معصية. والمأمور ~~إنما يترك ما أمر به لأحد هذين إما أن لا يكون قادرا وإما أن يكون عاصيا لا ~~يريد الطاعة فإذا كان مطيعا يريد طاعة الآمر وهو قادر وجب وجود فعل ما أمر ~~به فكذلك الملائكة المذكورون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # PageV13P061 # وقد وصف الملائكة بأنهم {عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين} فالملائكة مصدقون بخبر ربهم مطيعون لأمره ولا يخبرون حتى يخبر ~~ولا يعملون حتى يأمر كما قال تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ~~وقد أمر الله المؤمنين أن يكونوا مع الله ورسوله ms4168 كذلك فإن البشر لم يسمعوا ~~كلام الله منه؛ بل بينهم وبينه رسول من البشر فعليهم أن لا يقولوا حتى يقول ~~الرسول ما بلغهم عن الله ولا يعملون إلا بما أمرهم به كما قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع ~~عليم} قال مجاهد: لا تفتاتوا عليه بشيء حتى يقضيه الله على لسانه (تقدموا ~~معناه تتقدموا وهو فعل لازم وقد قرئ (يقدموا يقال: قدم وتقدم كما يقال: بين ~~وتبين وقد يستعمل قدم متعديا أي قدم غيره لكن هنا هو فعل لازم فلا تقدموا ~~معناه لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله. فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من ~~الدين إلا تبعا لما جاء به # PageV13P062 # الرسول ولا يتقدم بين يديه؛ بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعا لقوله وعمله ~~تبعا لأمره فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا يؤسس دينا غير ~~ما جاء به الرسول وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله ~~الله والرسول فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل فهذا أصل ~~أهل السنة، وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم في الباطن ونفس الأمر على ما ~~تلقوه عن الرسول؛ بل على ما رأوه أو ذاقوه ثم إن وجدوا السنة توافقه وإلا ~~لم يبالوا بذلك فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضا أو حرفوها تأويلا. ~~فهذا هو الفرقان بين أهل الإيمان والسنة وأهل النفاق والبدعة وإن كان هؤلاء ~~لهم من الإيمان نصيب وافر من اتباع السنة لكن فيهم من النفاق والبدعة بحسب ~~ما تقدموا فيه بين يدي الله ورسوله وخالفوا الله ورسوله ثم إن لم يعلموا أن ~~ذلك يخالف الرسول ولو علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين بل ناقصي الإيمان ~~مبتدعين وخطؤهم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وإن نقصوا به. # PageV13P063 # فصل: # وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا ms4169 عدل بل لا يكون ~~عنده إلا جهل وظلم وظن {وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} وذلك ~~لأن ما أخبر به الرسول فهو حق باطنا وظاهرا فلا يمكن أن يتصور أن يكون الحق ~~في نقيضه؛ وحينئذ فمن اعتقد نقيضه كان اعتقاده باطلا والاعتقاد الباطل لا ~~يكون علما وما أمر به الرسول فهو عدل لا ظلم فيه فمن نهى عنه فقد نهى عن ~~العدل ومن أمر بضده فقد أمر بالظلم؛ فإن ضد العدل الظلم فلا يكون ما يخالفه ~~إلا جهلا وظلما ظنا وما تهوى الأنفس وهو لا يخرج عن قسمين أحسنهما أن يكون ~~كان شرعا لبعض الأنبياء ثم نسخ وأدناهما أن يكون ما شرع قط؛ بل يكون من ~~المبدل فكل ما خالف حكم الله ورسوله فإما شرع منسوخ وإما شرع مبدل ما شرعه ~~الله؛ بل شرعه شارع بغير إذن من الله كما قال: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} لكن هذا وهذا قد يقعان في خفي الأمور ودقيقها ~~باجتهاد من أصحابها استفرغوا فيه # PageV13P064 # وسعهم في طلب الحق ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك كما وقع مثل ~~ذلك من بعض الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك؛ ولم يكن منهم مثل ~~هذا في جلي الأمور وجليلها؛ لأن بيان هذا من الرسول كان ظاهرا بينهم فلا ~~يخالفه إلا من يخالف الرسول وهم معتصمون بحبل الله يحكمون الرسول فيما شجر ~~بينهم لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله فضلا عن تعمد مخالفة الله ورسوله. ~~فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم ودق على كثير من ~~الناس ما كان جليا لهم فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن ~~مثل هذا في السلف. وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ~~ويثيبهم على اجتهادهم. وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر ~~خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك ~~وهؤلاء المتأخرون ms4170 لم يجدوا من يعينهم على ذلك؛ لكن تضعيف الأجر لهم في أمور ~~لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل ~~الصحابة؛ فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض ~~في موالاة الرسول وتصديقه # PageV13P065 # وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه ~~وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين ~~وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما ~~بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم {لا تسبوا ~~أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه} . # وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم {خير القرون ~~قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} فجملة القرن الأول ~~أفضل من القرن الثاني والثاني أفضل من الثالث والثالث أفضل من الرابع لكن ~~قد يكون في الرابع من هو أفضل من بعض الثالث وكذلك في الثالث مع الثاني. ~~وهل يكون فيمن بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة المفضولين لا ~~الفاضلين؟ هذا فيه نزاع وفيه قولان حكاهما القاضي عياض وغيره ومن الناس من ~~يفرضها في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فإن معاوية له مزية الصحبة ~~والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد ~~والخوف من الله تعالى وبسط هذا له موضع آخر. و " المقصود هنا " أن من خالف ~~الرسول فلا بد أن يتبع الظن # PageV13P066 # وما تهوى الأنفس كما قال تعالى في المشركين الذين يعبدون اللات والعزى: ~~{إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} . وقال في ~~الذين يخبرون عن الملائكة أنهم إناث: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى} {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا} {فأعرض عن من تولى عن ms4171 ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} ~~{ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} ~~وهم جعلوهم إناثا كما قال: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ~~وفي القراءة الأخرى عند الرحمن {إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} ~~وهؤلاء قال عنهم: {إن يتبعون إلا الظن} لأنه خبر محض ليس فيه عمل وهناك: ~~{وما تهوى الأنفس} لأنهم كانوا يعبدونها ويدعونها فهناك عبادة وعمل بهوى ~~أنفسهم فقال: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} والذي جاء به الرسول ~~كما قال: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن الهوى} {إن ~~هو إلا وحي يوحى} {علمه شديد القوى} وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن ~~وما تهوى الأنفس فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان ~~غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئا # PageV13P067 # كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من ~~الله وكان من إلقاء الشيطان. وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه ~~حجة ودليلا أما أن يحتج بأدلة عقلية ويظنها برهانا وأدلة قطعية وتكون شبهات ~~فاسدة مركبة من ألفاظ مجملة ومعان متشابهة لم يميز بين حقها وباطلها كما ~~يوجد مثل ذلك في جميع ما يحتج به من خالف الكتاب والسنة إنما يركب حججه من ~~ألفاظ متشابهة فإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وهذه هي ~~الحجج العقلية وإن تمسك المبطل بحجج سمعية فإما أن تكون كذبا على الرسول أو ~~تكون غير دالة على ما احتج بها أهل البطول فالمنع إما في الإسناد وأما في ~~المتن ودلالته على ما ذكر وهذه الحجة السمعية هذه حجة أهل العلم الظاهر. ~~وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فإن أهل الحق من هؤلاء لهم ~~إلهامات صحيحة مطابقة كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} وكان عمر ms4172 ~~يقول اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنها تجلى لهم ~~أمور صادقة. وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # PageV13P068 # قال: {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله: {إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين} } وقال بعض الصحابة: أظنه والله للحق يقذفه الله على ~~قلوبهم وأسماعهم وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها} وفي رواية {فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي} فقد أخبر أنه يسمع ~~بالحق ويبصر به. وكانوا يقولون إن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه ~~وقال صلى الله عليه وسلم {من سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم ~~يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده} وقال الله تعالى {نور على ~~نور} نور الإيمان مع نور القرآن. وقال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه} وهو المؤمن على بينة من ربه ويتبعه شاهد من الله وهو ~~القرآن شهد الله في القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الإيمان وهذا القدر ~~مما أقر به حذاق النظار لما تكلموا في وجوب النظر وتحصيله للعلم فقيل لهم: ~~أهل التصفية والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية ~~بدون النظر كما قال الشيخ الملقب بالكبيري - للرازي ورفيقه وقد قالا له يا ~~شيخ بلغنا أنك تعلم علم اليقين فقال: نعم فقالا: كيف تعلم ونحن نتناظر # PageV13P069 # في زمان طويل كلما ذكر شيئا أفسدته وكلما ذكرت شيئا أفسده؟ فقال: - هو ~~واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران ~~الكلام وطلب أحدهما أن تحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له ~~وكان من المعتزلة النفاة. فتبين له أن الحق مع أهل الإثبات وأن الله سبحانه ~~فوق سمواته وعلم ذلك ms4173 بالضرورة رأيت هذه الحكاية بخط القاضي نجم الدين أحمد ~~بن محمد بن خلف المقدسي وذكر أن الشيخ الكبيري حكاها له وكان قد حدثني بها ~~عنه غير واحد حتى رأيتها بخطه وكلام المشايخ في مثل هذا كثير وهذا الوصف ~~الذي ذكره الشيخ جواب لهم بحسب ما يعرفون فإنهم قد قسموا العلم إلى ضروري ~~ونظري والنظري مستند إلى الضروري والضروري هو العلم الذي يلزم نفس المخلوق ~~لزوما لا يمكنه معه الانفكاك عنه هذا حد القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره. ~~فخاصته أنه يلزم النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه فقال لهم: علم اليقين ~~عندنا هو من هذا الجنس وهو علم يلزم النفس لزوما لا يمكنه مع ذلك الانفكاك ~~عنه وقال: واردات؛ لأنه يحصل مع العلم طمأنينة وسكينة توجب العمل به ~~فالواردات تحصل بهذا وهذا وهذا قد أقر به كثير من حذاق النظار متقدميهم ~~كالكيا الهراسي والغزالي # PageV13P070 # وغيرهما - ومتأخريهم - كالرازي والآمدي - وقالوا نحن لا ننكر أن يحصل ~~لناس علم ضروري بما يحصل لنا بالنظر هذا لا ندفعه لكن إن لم يكن علما ~~ضروريا فلا بد له من دليل والدليل يكون مستلزما للمدلول عليه بحيث يلزم من ~~انتفاء الدليل انتفاء المدلول عليه. قالوا: فإن كان لو دفع ذلك الاعتقاد ~~الذي حصل له لزم دفع شيء مما يعلم بالضرورة فهذا هو الدليل وإن لم يكن كذلك ~~فهذا هوس لا يلتفت إليه وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود أن هذا الجنس واقع ~~لكن يقع أيضا ما يظن أنه منه كثير أو لا يميز كثير منهم الحق من الباطل كما ~~يقع في الأدلة العقلية والسمعية. فمن هؤلاء من يسمع خطابا أو يرى من يأمره ~~بقضية ويكون ذلك الخطاب من الشيطان ويكون ذلك الذي يخاطبه الشيطان وهو يحسب ~~أنه من أولياء الله من رجال الغيب. ورجال الغيب هم الجن وهو يحسب أنه إنسي ~~وقد يقول له: أنا الخضر أو إلياس بل أنا محمد أو إبراهيم الخليل أو المسيح ~~أو أبو بكر أو عمر أو أنا الشيخ فلان ms4174 أو الشيخ فلان ممن يحسن بهم الظن وقد ~~يطير به في الهواء أو يأتيه بطعام أو شراب أو نفقة فيظن هذا كرامة؛ بل آية ~~ومعجزة تدل على أن هذا من رجال الغيب أو من الملائكة ويكون ذلك شيطانا لبس ~~عليه فهذا # PageV13P071 # ومثله واقع كثيرا أعرف منه وقائع كثيرة كما أعرف من الغلط في السمعيات ~~والعقليات. فهؤلاء يتبعون ظنا لا يغني من الحق شيئا ولو لم يتقدموا بين يدي ~~الله ورسوله؛ بل اعتصموا بالكتاب والسنة لتبين لهم أن هذا من الشيطان وكثير ~~من هؤلاء يتبع ذوقه ووجده وما يجده محبوبا إليه بغير علم ولا هدى ولا بصيرة ~~فيكون متبعا لهواه بلا ظن وخيارهم من يتبع الظن وما تهوى الأنفس. وهؤلاء ~~إذا طلب من أحدهم حجة ذكر تقليده لمن يحبه من آبائه وأسلافه كقول المشركين: ~~{إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وإن عكسوا احتجوا ~~بالقدر وهو أن الله أراد هذا وسلطنا عليه فهم يعملون بهواهم وإرادة نفوسهم ~~بحسب قدرتهم كالملوك المسلطين وكان الواجب عليهم أن يعملوا بما أمر الله ~~فيتبعون أمر الله وما يحبه ويرضاه لا يتبعون إرادتهم وما يحبونه هم ويرضونه ~~وأن يستعينوا بالله فيقولون: {إياك نعبد وإياك نستعين} لا حول ولا قوة إلا ~~بالله لا يعتمدون على ما أوتوه من القوة والتصرف والحال؛ فإن هذا من الجد ~~وقد كان {النبي صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة وفي الاعتدال بعد ~~الركوع: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد} . # PageV13P072 # فالذوق والوجد هو يرجع إلى حب الإنسان ووجده بحلاوته وذوقه وطعمه وكل ~~صاحب محبة فله في محبوبه ذوق ووجد فإن لم يكن ذلك بسلطان من الله وهو ما ~~أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم كان صاحبه متبعا لهواه بغير هدى وقد ~~قال الله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال تعالى: ~~{وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ms4175 إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين} . # وكذلك من اتبع ما يرد عليه من الخطاب أو ما يراه من الأنوار والأشخاص ~~الغيبية ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة فإنما يتبع ظنا لا يغني من الحق ~~شيئا. فليس في المحدثين الملهمين أفضل من عمر كما قال صلى الله عليه وسلم ~~{إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر منهم} ~~وقد وافق عمر ربه في عدة أشياء ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله؛ بل يجعل ما ورد عليه إذا ~~تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة وكان أبو بكر يبين له ~~أشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان # PageV13P073 # الصديق وإرشاده وتعليمه كما جرى يوم الحديبية ويوم مات الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ويوم ناظره في مانعي الزكاة وغير ذلك وكانت المرأة ترد عليه ما ~~يقوله وتذكر الحجة من القرآن فيرجع إليها كما جرى في مهور النساء ومثل هذا ~~كثير. فكل من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر ~~فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعا لما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا يجعل ما جاء به الرسول تبعا لما ورد عليه وهؤلاء ~~الذين أخطئوا وضلوا وتركوا ذلك واستغنوا بما ورد عليهم وظنوا أن ذلك يغنيهم ~~عن اتباع العلم المنقول. وصار أحدهم يقول: أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا ~~علمنا عن الحي الذي لا يموت فيقال له: أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو ~~حق ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين وإما من اليهود ~~والنصارى وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي من الله؟ ومن أين لك أنه ليس ~~من وحي الشيطان؟ # و" الوحي " وحيان: وحي ms4176 من الرحمن ووحي من الشيطان قال تعالى: {وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شياطين الإنس والجن يوحي # PageV13P074 # بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} وقال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} وقد كان المختار بن أبى عبيد من هذا الضرب حتى قيل لابن عمر وابن ~~عباس قيل لأحدهما إنه يقول إنه يوحى إليه فقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم} وقيل للآخر: إنه يقول إنه ينزل عليه فقال {هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين} . فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الإيماني القرآني ~~النبوي الشرعي أعظم من حاجة غيرهم وهؤلاء لهم حسيات يرونها ويسمعونها ~~والحسيات يضطر إليها الإنسان بغير اختياره كما قد يرى الإنسان أشياء ويسمع ~~أشياء بغير اختياره كما أن النظار لهم قياس ومعقول وأهل السمع لهم أخبار ~~منقولات وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم: الحس والخبر والنظر وكل إنسان ~~يستدل من هذه الثلاثة في بعض الأمور؛ لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض ~~الناس في الدين وغير الدين كالطب فإنه تجربات وقياسات وأهله منهم من تغلب ~~عليه التجربة ومنهم من يغلب عليه القياس والقياس أصله التجربة والتجربة لا ~~بد فيها من قياس؛ لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلة والمناسبة وصاحب ~~القياس من يستخرج العلة المناسبة ويعلق الحكم بها والعقل خاصة القياس ~~والاعتبار والقضايا الكلية فلا بد له من الحسيات التي # PageV13P075 # هي الأصل ليعتبر بها والحس إن لم يكن مع صاحبه عقل وإلا فقد يغلط. والناس ~~يقولون: غلط الحس والغلط تارة من الحس وتارة من صاحبه؛ فإن الحس يرى أمرا ~~معينا فيظن صاحبه فيه شيئا آخر فيؤتى من ظنه فلا بد له من العقل. ولهذا ~~النائم يرى شيئا وتلك الأمور لها وجود وتحقيق؛ ولكن هي خيالات وأمثلة؛ فلما ~~عزب ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتا ~~ويكلمونه ويفعل أمورا كثيرة وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل ~~لأن عقله عزب عنه وتلك الصورة التي رآها مثال ms4177 صورته وخيالها؛ لكن غاب عقله ~~عن نفسه حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك ~~خيالات ومثالات، ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم في المنام أن ذلك في ~~المنام وهذا كالذي يرى صورته في المرآة أو صورة غيره فإذا كان ضعيف العقل ~~ظن أن تلك الصورة هي الشخص حتى أنه يفعل به ما يفعل بالشخص. وهذا يقع ~~للصبيان والبله كما يخيل لأحدهم في الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل فيظنونه ~~شخصا حقيقة ولا يعلمون أنه خيال فالحس إذا أحس حسا صحيحا لم يغلط لكن معه ~~عقل لم يميز بين هذا العين والمثال؛ فإن العقل قد عقل قبل # PageV13P076 # هذا أن مثل هذا يكون مثالا وقد عقل لوازم الشخص بعينه وأنه لا يكون في ~~الهواء ولا في المرآة ولا يكون بدنه في غير مكانه وأن الجسم الواحد لا يكون ~~في مكانين. وهؤلاء الذين لهم مكاشفات ومخاطبات يرون ويسمعون ما له وجود في ~~الخارج وما لا يكون موجودا إلا في أنفسهم كحال النائم وهذا يعرفه كل أحد ~~ولكن قد يرون في الخارج أشخاصا يرونها عيانا وما في خيال الإنسان لا يراه ~~غيره ويخاطبهم أولئك الأشخاص ويحملونهم ويذهبون بهم إلى عرفات فيقفون بها ~~وإما إلى غير عرفات ويأتوهم بذهب وفضة وطعام ولباس وسلاح وغير ذلك ويخرجون ~~إلى الناس ويأتونهم أيضا بمن يطلبونه مثل من يكون له إرادة في امرأة أو صبي ~~فيأتونه بذلك إما محمولا في الهواء وإما بسعي شديد ويخبر أنه وجد في نفسه ~~من الباعث القوي ما لم يمكنه المقام معه أو يخبر أنه سمع خطابا وقد يقتلون ~~له من يريد قتله من أعدائه أو يمرضونه. فهذا كله موجود كثيرا؛ لكن من الناس ~~من يعلم أن هذا من الشيطان وأنه من السحر وأن ذلك حصل بما قاله وعمله من ~~السحر. ومنهم من يعلم أن ذلك من الجن ويقول: هذا كرامة أكرمنا بتسخير الجن ~~لنا ومنهم من لا يظن أولئك الأشخاص إلا آدميين أو # PageV13P077 # ملائكة فإن ms4178 كانوا غير معروفين قال هؤلاء رجال الغيب وإن تسموا فقالوا: ~~هذا هو الخضر وهذا هو إلياس وهذا هو أبو بكر وعمر وهذا هو الشيخ عبد القادر ~~أو الشيخ عدي أو الشيخ أحمد الرفاعي أو غير ذلك ظن أن الأمر كذلك. فهنا لم ~~يغلط لكن غلط عقله حيث لم يعرف أن هذه شياطين تمثلت على صور هؤلاء وكثير من ~~هؤلاء يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أو غيره من الأنبياء أو ~~الصالحين يأتيه في اليقظة ومن يرى ذلك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~الشيخ وهو صادق في أنه إياه من قال إنه النبي أو الشيخ أو قيل له ذلك فيه ~~لكن غلط حيث ظن صدق أولئك. والذي له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع مثل أن يأمروه بما ~~يخالف أمر الله ورسوله وتارة يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يأتي ~~أحدا من أصحابه بعد موته في اليقظة ولا كان يخاطبهم من قبره فكيف يكون هذا ~~لي وتارة يعلم أن الميت لم يقم من قبره وأن روحه في الجنة لا تصير في ~~الدنيا هكذا. وهذا يقع كثيرا لكثير من هؤلاء ويسمون تلك الصورة رقيقة # PageV13P078 # فلان وقد يقولون: هو معناه تشكل وقد يقولون: روحانيته. ومن هؤلاء من ~~يقول: إذا مت فلا تدعوا أحدا يغسلني ولا فلانا يحضرني فإني أنا أغسل نفسي ~~فإذا مات رأوه قد جاء وغسل ذلك البدن ويكون ذلك جنيا قد قال لهذا الميت إنك ~~تجيء بعد الموت واعتقد ذلك حقا؛ فإنه كان في حياته يقول له أمورا وغرض ~~الشيطان أن يضل أصحابه وأما بلاد المشركين كالهند فهذا كثيرا ما يرون الميت ~~بعد موته جاء وفتح حانوته ورد ودائع وقضى ديونا ودخل إلى منزله ثم ذهب وهم ~~لا يشكون أنه الشخص نفسه وإنما هو شيطان تصور في صورته. ومن هؤلاء من يكون ~~في جنازة أبيه أو غيره والميت على سريره ms4179 وهو يراه آخذا يمشي مع الناس بيد ~~ابنه وأبيه قد جعل شيخا بعد أبيه فلا يشك ابنه أن أباه نفسه هو كان الماشي ~~معه الذي رآه هو دون غيره وإنما كان شيطانا ويكون مثل هذا الشيطان قد سمى ~~نفسه خالدا وغير خالد وقال لهم إنه من رجال الغيب وهم يعتقدون أنه من الإنس ~~الصالحين ويسمونه خالدا الغيبي وينسبون الشيخ إليه فيقولون: محمد الخالدي ~~ونحو ذلك. # فإن الجن مأمورون ومنهيون كالإنس وقد بعث الله الرسل من الإنس إليهم وإلى ~~الإنس وأمر الجميع بطاعة الرسل كما قال # PageV13P079 # تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} وهذا بعد قوله: {ويوم يحشرهم جميعا ~~يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ~~ما شاء الله} . قال غير واحد من السلف: أي كثير من أغويتم من الإنس ~~وأضللتموهم. قال البغوي: قال بعضهم: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون ~~لهم: من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهيئونها ويسهل ~~سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من ~~الضلالة والمعاصي قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا ~~وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري. قال: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن ~~الجن أمرت وعملت الإنس وعن محمد بن كعب قال هو الصحابة في الدنيا وقال ابن ~~السائب استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم واستمتاع الجن بالإنس أن قالوا: ~~قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في أنفسهم وعظما في ~~نفوسهم وهذا كقوله: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا} # PageV13P080 # قلت " الاستمتاع بالشيء " هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ~~ويهواه ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال: {فما ms4180 ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور ~~بالذكور والإناث بالإناث. ويدخل في هذا الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة ~~كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم ومماليكهم ويدخل في ذلك الاستمتاع ~~بالأموال كاللباس ومنه قوله: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} ~~وكان من السلف من يمتع المرأة بخادم فهي تستمتع بخدمته ومنهم من يمتع بكسوة ~~أو نفقة ولهذا قال الفقهاء: أعلى المتعة خادم وأدناها كسوة تجزي فيها ~~الصلاة. وفي " الجملة " استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع ~~الإنس بالإنس قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} وقال ~~تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} قال مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله ~~وقال الخليل: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ~~ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} وقال تعالى: {أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه} فالمشرك يعبد ما يهواه واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه ~~بما يهواه وقد وقع في الإنس والجن هذا كله. # PageV13P081 # وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم فالجن ~~تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه والإنس تطيع الجن فتارة تسجد له ~~وتارة تسجد لما يأمره بالسجود له وتارة تمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة ~~وكذلك الجنيات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمنه ما يريد نساء الإنس من ~~الرجال وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم فكثير من رجالهم ينال من نساء الإنس ~~ما يناله الإنسي وقد يفعل ذلك بالذكران. و ### | صرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة: # تارة يكون الجني يحب المصروع فيصرعه ليتمتع به وهذا الصرع يكون أرفق من ~~غيره وأسهل وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا أو ~~يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى وهذا أشد الصرع وكثيرا ما يقتلون ~~المصروع وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل. ~~ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر ~~الكهان فإن ms4181 في الإنس من له غرض في هذا؛ لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ~~ذلك فإن كان القوم كفارا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال: إنه كاهن كما ~~كان بعض العرب كهانا وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان ~~وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى # PageV13P082 # الكهان وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم وإن كان القوم ~~مسلمين لم يظهر أنه كاهن بل يجعل ذلك من باب الكرامات وهو من جنس الكهان ~~فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي بأن يطيعه ~~الإنسي في بعض ما يريده إما في شرك وإما في فاحشة وإما في أكل حرام وإما في ~~قتل نفس بغير حق. فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق ~~والعصيان ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم وهم ~~يأمرون السارق أن يسرق ويذهبون إلى أهل المال فيقولون: فلان سرق متاعكم؛ ~~ولهذا يقال: القوة الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية فإن الملكية فيها ~~العلم النافع والعمل الصالح والبهيمية فيها الشهوات كالأكل والشرب والسبعية ~~فيها الغضب وهو دفع المؤذي وأما الشيطانية فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا ~~دفع مضرة. والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه ~~وإنما يعرفون الشهوة والغضب والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة؛ لكن ~~المذموم هو العدوان فيهما وأما الشيطان فيأمر بالشر الذي لا منفعة فيه ويحب ~~ذلك كما فعل إبليس بآدم لما وسوس له وكما # PageV13P083 # امتنع من السجود له فالحسد يأمر به الشيطان والحاسد لا ينتفع بزوال ~~النعمة عن المحسود لكن يبغض ذلك وقد يكون بغضه لفوات غرضه وقد لا يكون. ومن ~~استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في إحضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام وثياب ~~ونفقة؛ فقد يأتون ببعض ذلك وقد يدلونه على كنز وغيره. واستمتاع الجن بالإنس ~~استعمالهم فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية. ومن استمتاع الإنس ~~بالجن استخدامهم فيما يطلبه الإنس من شرك وقتل وفواحش فتارة يتمثل ms4182 الجني في ~~صورة الإنسي فإذا استغاث به بعض أتباعه أتاه فظن أنه الشيخ نفسه وتارة يكون ~~التابع قد نادى شيخه وهتف به يا سيدي فلان فينقل الجني ذلك الكلام إلى ~~الشيخ بمثل صوت الإنسي حتى يظن الشيخ أنه صوت الإنسي بعينه ثم إن الشيخ ~~يقول: نعم ويشير إشارة يدفع بها ذلك المكروه فيأتي الجني بمثل ذلك الصوت ~~والفعل فيظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذي أجابه وهو الذي فعل ذلك حتى ~~أن تابع الشيخ قد يكون يده في إناء يأكل فيضع الجني يده في صورة يد الشيخ ~~ويأخذ من الطعام؛ فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه والجني يمثل للشيخ ~~نفسه مثل ذلك الإناء؛ فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده # PageV13P084 # في ذلك الإناء فإذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدي كانت في الإناء ~~فيصدقه ويكون بينهما مسافة شهر والشيخ موضعه ويده لم تطل ولكن الجني مثل ~~للشيخ ومثل للمريد حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر وإنما كان عنده ما ~~مثله الجني وخيله. وإذا سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب إما سرقة وإما شخص ~~مات وطلب منه أن يخبر بحاله أو علة في النساء أو غير ذلك فإن الجني قد يمثل ~~ذلك فيريه صورة المسروق فيقول الشيخ: ذهب لكم كذا وكذا ثم إن كان صاحب ~~المال معظما وأراد أن يدله على سرقته مثل له الشيخ الذي أخذه أو المكان ~~الذي فيه المال فيذهبون إليه فيجدونه كما قال والأكثر منهم أنهم يظهرون ~~صورة المال ولا يكون عليه؛ لأن الذي سرق المال معه أيضا جني يخدمه والجن ~~يخاف بعضهم من بعض كما أن الإنس يخاف بعضهم بعضا فإذا دل الجني عليه جاء ~~إليه أولياء السارق فآذوه وأحيانا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ~~ويرشونه كما يصيب من يعرف اللصوص من الإنس تارة يعرف السارق ولا يعرف به ~~إما لرغبة ينالها منه وإما لرهبة وخوف منه وإذا كان المال المسروق لكبير ~~يخافه ويرجوه عرف سارقه فهذا وأمثاله من ms4183 استمتاع بعضهم ببعض. # والجن مكلفون كتكليف الإنس ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل # PageV13P085 # إلى الثقلين الجن والإنس وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص وإجماع ~~المسلمين. وأما مؤمنوهم: ففيهم قولان وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ~~ويدخلون الجنة وقد روي أنهم يكونون في ربضها يراهم الإنس من حيث لا يرون ~~الإنس عكس الحال في الدنيا وهو حديث رواه الطبراني في معجمه الصغير يحتاج ~~إلى النظر في إسناده. وقد احتج ابن أبي ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله ~~تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} وقد ذكر الجن والإنس: الأبرار والفجار في ~~الأحقاف والأنعام. واحتج الأوزاعي وغيره بقوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جان} وقد قال تعالى في الأحقاف: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين { {ولكل درجات مما عملوا} ~~وقد تقدم قبل هذا ذكر أهل الجنة وقوله: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} ثم قال: {ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات أهل ~~الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا وقد قال تعالى عن قول الجن: ~~{منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} وقالوا: {وأنا منا المسلمون ~~ومنا القاسطون فمن # PageV13P086 # أسلم فأولئك تحروا رشدا} {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} ففيهم الكفار ~~والفساق والعصاة وفيهم من فيه عبادة ودين بنوع من قلة العلم كما في الإنس ~~وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره من الإنس. فاليهود مع اليهود والنصارى مع ~~النصارى والمسلمون مع المسلمين والفساق مع الفساق وأهل الجهل والبدع مع أهل ~~الجهل والبدع. # واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء: منهم من يستخدمهم في ~~المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وقد يظنون ذلك ~~من كرامات الصالحين وإنما هو من أفعال الشياطين. ومنهم من يستخدمهم في أمور ~~مباحة إما إحضار ماله أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك ms4184 معصوم أو دفع ~~من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك. و " النوع ~~الثالث " أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله كما يستعمل الإنس في مثل ذلك ~~فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله كما ~~يأمر الإنس وينهاهم وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال من اتبعه ~~واقتدى به من أمته وهم أفضل الخلق فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله ~~به ورسوله # PageV13P087 # وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله؛ إذ كان نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا بذلك إلى الثقلين الإنس والجن وقد قال الله له: {قل ~~هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم} . وعمر رضي الله عنه لما نادى يا سارية الجبل قال: ~~إن لله جنودا يبلغون صوتي. وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحي الجن فجنود ~~الله بلغوا صوت عمر إلى سارية وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر وإلا نفس صوت ~~عمر لا يصل نفسه في هذه المسافة البعيدة وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه ~~فيقول: يا فلان فيعان على ذلك فيقول الواسطة بينهما يا فلان وقد يقول لمن ~~هو بعيد عنه يا فلان احبس الماء تعال إلينا وهو لا يسمع صوته فيناديه ~~الواسطة بمثل ذلك يا فلان احبس الماء أرسل الماء؛ إما بمثل صوت الأول إن ~~كان لا يقبل إلا صوته وإلا فلا يضر بأي صوت كان إذا عرف أن صاحبه قد ناداه. ~~وهذه حكاية: كان عمر مرة قد أرسل جيشا فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار ~~الجيش وشاع الخبر فقال عمر: من أين لكم # PageV13P088 # هذا؟ قالوا شخص صفته كيت وكيت فأخبرنا فقال عمر ذاك أبو الهيثم بريد الجن ~~وسيجيء بريد الإنسان بعد ذلك بأيام. وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ~~ويستكتمه إياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون به فإن الجن تسمعه ms4185 وتخبر به الناس ~~والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه استخدام سليمان لكن أعطي ملكا لا ~~ينبغي لأحد بعده وسخرت له الإنس والجن وهذا لم يحصل لغيره والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لما تفلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال: {فأخذته فذعته حتى ~~سال لعابه على يدي وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ثم ذكرت دعوة ~~أخي سليمان فأرسلته} فلم يستخدم الجن أصلا؛ لكن دعاهم إلى الإيمان بالله ~~وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة وبايعهم كما فعل بالإنس. والذي أوتيه صلى ~~الله عليه وسلم أعظم مما أوتيه سليمان؛ فإنه استعمل الجن والإنس في عبادة ~~الله وحده وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه ~~الله وطلب مرضاته واختار أن يكون عبدا رسولا على أن يكون نبيا ملكا فداود ~~وسليمان ويوسف أنبياء ملوك وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد فهو أفضل ~~كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين وكثير ممن يرى هذه ~~العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الأولياء وكثير من أهل # PageV13P089 # الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الأنبياء والصالحين في الآيات الخارقة ~~وما لأولياء الشيطان من ذلك - من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع والضلال من الداخلين في الإسلام فجعلوا الخوارق جنسا ~~واحدا وقالوا: كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال ~~بها والتحدي بمثلها. # وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلا بد أن يسلبه الله ما ~~كان معه من ذلك وأن يقيض له من يعارضه ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه ~~الله فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل إليهم لا يأتون بمثل ما أتى به ~~النبي مما لم يكن معتادا للناس قالوا: إن عجز الناس عن المعارضة خرق عادة ~~فهذه هي المعجزات عندهم وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا المعجزات ~~هي خرق العادة لكن أنكروا كرامات الصالحين وأنكروا أن يكون السحر والكهانة ~~إلا من جنس الشعبذة والحيل لم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك وأولئك ~~أثبتوا ms4186 الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون إلا لرجل ~~صالح أو نبي قالوا: فإذا ظهرت على يد رجل كان صالحا بهذا الإجماع. وهؤلاء ~~أنفسهم قد ذكروا أنها يكون للسحرة ما هو مثلها وتناقضوا في ذلك كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع. # PageV13P090 # فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من ~~العجائب وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح؛ فصار من ظهرت هذه له يظن أنها ~~كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك ثم ~~يقولون: الولي إذا تولى لا يعترض عليه فمنهم من يراه مخالفا لما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة المفروضة وأكل الخبائث كالخمر ~~والحشيشة والميتة وغير ذلك وفعل الفواحش والفحش والتفحش في المنطق وظلم ~~الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله وهو مع ذلك يظن فيه أنه ولي من ~~أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا من الله تعالى ولا يعلمون ~~أن هذه من أعمال الشياطين وأن هذه من أولياء الشياطين تضل بها الناس ~~وتغويهم. ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك فتارة يأتون الشخص في النوم يقول ~~أحدهم: أنا أبو بكر الصديق وأنا أتوبك لي وأصير شيخك وأنت تتوب الناس لي ~~ويلبسه فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك أن الصديق هو الذي جاءه ولا يعلم ~~أنه الشيطان وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام ~~وتارة يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصا وتارة يقول: أنا الشيخ ~~فلان فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره. # PageV13P091 # وكثيرا ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت فيأتونه في صورة ذلك الشيخ ~~وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه أو أن ملكا تصور بصورته ~~وجاءه ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته ~~الشياطين والملائكة لا تجيب مشركا. وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية ~~وقد يكون ملكا أو ms4187 أميرا كبيرا ويكون كافرا وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف ~~الموت فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه فيسلم على ~~يديه ويتوبه ويطعمه ويدله على الطريق ويقول من أنت؟ فيقول: أنا فلان ويكون ~~من مؤمني الجن. كما جرى مثل هذا لي. كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى ~~كثير من الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص أنا ابن تيمية فلم يشك ~~ذلك الأمير أني أنا هو وأخبر بذلك ملك ماردين وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ~~ملك مصر رسولا وكنت في الحبس؛ فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ولكن ~~كان هذا جنيا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم؛ لما جاءوا إلى ~~دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم # PageV13P092 # ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا ~~الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس. فلم لا يجوز أن يكون ملكا؟ قلت لا. ~~إن الملك لا يكذب وهذا قد قال أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك. ~~وكثير من الناس رأى من قال إني أنا الخضر وإنما كان جنيا. ثم صار من الناس ~~من يكذب بهذه الحكايات إنكارا لموت الخضر والذين قد عرفوا صدقها يقطعون ~~بحياة الخضر وكلا الطائفتين مخطئ فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر هم ~~كثيرون صادقون والحكايات متواترات؛ لكن أخطئوا في ظنهم أنه الخضر وإنما كان ~~جنيا ولهذا يجري مثل هذا لليهود والنصارى فكثيرا ما يأتيهم في كنائسهم من ~~يقول إنه الخضر وكذلك اليهود يأتيهم في كنائسهم من يقول إنه الخضر وفي ذلك ~~من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع يبين صدق من رأى شخصا وظن أنه ~~الخضر وأنه غلط في ظنه أنه الخضر وإنما كان جنيا وقد يقول: أنا المسيح أو ~~موسى أو محمد أو أبو بكر أو عمر أو الشيخ فلان فكل هذا قد وقع والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {من ms4188 رآني في المنام فقد رآني حقا # PageV13P093 # فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي} قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها ~~في حياته. وهذه رؤية في المنام وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدا من الموتى ~~يجيء بنفسه للناس عيانا قبل يوم القيامة فمن جهله أتي ومن هنا ضلت النصارى ~~حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب - كما يظنون - أنه أتى إلى الحواريين ~~وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيلهم وكلها تشهد بذلك وذاك الذي جاء كان ~~شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ويجوز أن يشتبه مثل هذا على ~~الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ولكن ما أخبرهم المسيح قبل ~~أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه ولم يرفع حتى بلغ رسالات ~~ربه فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء. وأصحاب الحلاج لما قتل كان ~~يأتيهم من يقول أنا الحلاج فيرونه في صورته عيانا وكذلك شيخ بمصر يقال له ~~الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة وأراني صادق ~~من أصحابه الكتاب الذي أرسله فرأيته بخط الجن - وقد رأيت خط الجن غير مرة - ~~وفيه كلام من كلام الجن وذاك المعتقد يعتقد أن الشيخ حي وكان يقول: انتقل ~~ثم مات وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له خوارق من الجن وقيل كان بعد هذا ~~يأتي خواص # PageV13P094 # أصحابه في صورته فيعتقدون أنه هو وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء علي أو ~~بقاء محمد بن الحنفية قد كان يأتي إلى بعض أصحابهم جني في صورته وكذا منتظر ~~الرافضة قد يراه أحدهم أحيانا ويكون المرئي جنيا. فهذا باب واسع واقع كثيرا ~~وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر ففي المشركين أكثر مما في النصارى وهو ~~في النصارى كما هو في الداخلين في الإسلام وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ~~ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من أصحابها فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما ~~كان عليه كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس قد يأتيه قوم ms4189 كفار فيدعوهم ~~إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرا مما كانوا وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدا ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ~~وبأقوام لا خلاق لهم} وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام ~~والرأي فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق ~~وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها والخير والشر درجات فينتفع بها ~~أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه. # PageV13P095 # وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين: من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد ~~الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو ~~خير من أن يكونوا كفارا وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين ~~والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا ~~مسلمين وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفار ~~فهو خير. وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والفضائل ~~والأحكام والقصص قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه وإن ~~كانت كذبا وهذا كالرجل يسلم رغبة في الدنيا ورهبة من السيف ثم إذا أسلم ~~وطال مكثه بين المسلمين دخل الإيمان في قلبه فنفس ذل الكفر الذي كان عليه ~~وانقهاره ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا فانتقل إلى خير مما ~~كان عليه وخف الشر الذي كان فيه. ثم إذا أراد الله هدايته أدخل الإيمان في ~~قلبه. # والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان # PageV13P096 # ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان {ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} . وأكثر المتكلمين يردون باطلا بباطل ~~وبدعة ببدعة؛ لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل ~~المسلمين فيصير الكافر مسلما مبتدعا وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة ~~كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة ms4190 أهل السنة وقد ذكرنا فيما تقدم ~~أصناف البدع. ولا ريب أن ### | المعتزلة خير من الرافضة # ومن الخوارج؛ فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة وكلهم يتولون أبا ~~بكر وعمر وعثمان وكذلك المعروف عنهم أنهم يتولون عليا ومنهم من يفضله على ~~أبي بكر وعمر؛ ولكن حكي عن بعض متقدميهم أنه قال: فسق يوم الجمل إحدى ~~الطائفتين ولا أعلم عينها. وقالوا إنه قال: لو شهد علي والزبير لم أقبل ~~شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ولو شهد علي مع آخر ففي قبول شهادته قولان ~~وهذا القول شاذ فيهم والذي عليه عامتهم تعظيم علي. ومن المشهور عندهم ذم ~~معاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص لأجل علي ومنهم من يكفر هؤلاء ويفسقهم؛ ~~بخلاف طلحة والزبير # PageV13P097 # وعائشة فإنهم يقولون: إن هؤلاء تابوا من قتاله وكلهم يتولى عثمان ويعظمون ~~أبا بكر وعمر ويعظمون الذنوب فهم يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلقون الكذب ~~كالرافضة ولا يرون أيضا اتخاذ دار غير دار الإسلام كالخوارج ولهم كتب في ~~تفسير القرآن ونصر الرسول ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض ~~وهم قصدهم إثبات توحيد الله ورحمته وحكمته وصدقه وطاعته وأصولهم الخمس عن ~~هذه الصفات الخمس؛ لكنهم غلطوا في بعض ما قالوه في كل واحد من أصولهم الخمس ~~فجعلوا من " التوحيد " نفي الصفات وإنكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق ~~فوافقوا في ذلك الجهمية وجعلوا من " العدل " أنه لا يشاء ما يكون ويكون ما ~~لا يشاء وأنه لم يخلق أفعال العباد فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإثبات العدل ~~وجعلوا من الرحمة نفي أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة. وكذلك هم ~~والخوارج قالوا ب " إنفاذ الوعيد " ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب؛ إذ كان ~~عندهم قد أخبر بالوعيد العام فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه وغلطوا في فهم ~~الوعيد. وكذلك " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف " قصدوا به طاعة ~~الله ورسوله كما يقصده الخوارج والزيدية فغلطوا في ذلك. وكذلك إنكارهم ~~للخوارق غير المعجزات قصدوا به إثبات النبوة # PageV13P098 # ونصرها وغلطوا فيما سلكوه فإن النصر لا يكون ms4191 بتكذيب الحق وذلك لكونهم لم ~~يحققوا خاصة آيات الأنبياء. # والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم وبينوا ما ~~بينوه من تناقضهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة فحصل بما قالوه من ~~بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير. فإن الأشعري ~~كان من المعتزلة وبقي على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبي علي الجبائي فلما ~~انتقل عن مذهبهم كان خبيرا بأصولهم وبالرد عليهم وبيان تناقضهم [وأما ما ~~بقي عليه من السنة] (*) فليس هو من خصائص المعتزلة بل هو من القدر المشترك ~~بينهم وبين الجهمية وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الأشعري في شيء منها؛ ~~بل ناقضهم في جميع أصولهم ومال في " مسائل العدل والأسماء والأحكام " إلى ~~مذهب جهم ونحوه. وكثير من الطوائف " كالنجارية " أتباع حسين النجار و " ~~الضرارية " أتباع ضرار بن عمرو يخالفون المعتزلة في القدر والأسماء ~~والأحكام وإنفاذ الوعيد. والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف ~~والخوارق والصوفية يذمونها ويعيبونها. PageV13P099 # وكذلك يبالغون في ذم النصارى أكثر مما يبالغون في ذم اليهود وهم إلى ~~اليهود أقرب كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب؛ فإن النصارى عندهم ~~عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون واليهود عندهم علم ونظر ~~بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة فهم مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: ولا أعلم في هذا الحرف ~~اختلافا بين المفسرين. وروى بإسناده عن أبي روق عن ابن عباس وغير طريق ~~الضالين وهم النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه يقول: فألهمنا دينك ~~الحق - وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له - حتى لا تغضب علينا كما غضبت ~~على اليهود ولا تضلنا كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم يقول: امنعنا ~~من ذلك برفقك ورحمتك ورأفتك وقدرتك. قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم في هذا ~~الحرف اختلافا بين المفسرين وقد قال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: من فسد ~~من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ms4192 ففيه شبه من النصارى. ~~فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ودليله فيعظمون العلم وطريقه وهو ~~الدليل والسلوك في طريقه وهو النظر. وأهل الزهد يعظمون الإرادة والمريد ~~وطريق أهل الإرادة. # PageV13P100 # فهؤلاء يبنون أمرهم على الإرادة وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هي ~~القوة العلمية ولا بد لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا ولا بد أن يكون هذا ~~وهذا موافقا لما جاء به الرسول. فالإيمان قول وعمل وموافقة السنة وأولئك ~~عظموا النظر وأعرضوا عن الإرادة وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعي ~~فغلطوا من جهة كون جانب الإرادة لم يعظموه وإن كانوا يوجبون الأعمال ~~الظاهرة فهم لا يعرفون أعمال القلوب وحقائقها ومن جهة أن النظر لم يميزوا ~~فيه بين النظر الشرعي الحق الذي أمر به الشارع وأخبر به وبين النظر البدعي ~~الباطل المنهي عنه. وكذلك " الصوفية " عظموا جنس الإرادة إرادة القلب وذموا ~~الهوى وبالغوا في الباب ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة ~~لأمر الله ورسوله وبين الإرادة البدعية بل أقبلوا على طريق الإرادة دون ~~طريقة النظر وأعرض كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين؛ ولهذا ~~صار هؤلاء يميل إليهم النصارى ويميلون إليهم وأولئك يميل إليهم اليهود ~~ويميلون إليهم وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض. وكذلك بين أهل ~~الكلام والرأي وبين أهل التصوف والزهد # PageV13P101 # تنافر وتباغض وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ~~نسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين. # فصل: # فإن قيل: فإذا كان في كتب الأناجيل التي عندهم أن المسيح صلب وأنه بعد ~~الصلب بأيام أتى إليهم وقال لهم: أنا المسيح - ولا يقولون: إن الشيطان تمثل ~~على صورته فالشيطان ليس هو لحم وعظم - وهذه أثر المسامير أو نحو هذا الكلام ~~فأين الإنجيل الذي قال الله عز وجل فيه: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه} وقال قبل هذا: {وقفينا على ms4193 آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه ~~من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وهدى وموعظة للمتقين} {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} وقد # PageV13P102 # قال قبل هذا: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء} وقال أيضا: {ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وقال ~~أيضا: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما ~~أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~فلا تأس على القوم الكافرين} . وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ~~لأهل الكتاب الذين بعث إليهم - وهم من كان في وقته ومن يأتي من بعدهم إلى ~~يوم القيامة - لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم وكذلك قوله: {وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} إخبار عن اليهود الموجودين وأن ~~عندهم التوراة فيها حكم الله وكذلك قوله: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه} هو أمر من الله على لسان محمد لأهل الإنجيل ومن لا يؤمر على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قيل قبل هذا: إنه قد قيل: ليس في العالم نسخة ~~بنفس ما أنزل الله في التوراة والإنجيل؛ بل ذلك مبدل؛ فإن التوراة انقطع ~~تواترها والإنجيل # PageV13P103 # إنما أخذ عن أربعة. ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة أو ~~الإنجيل باطل ليس من كلام الله ومنهم من قال: بل ذلك قليل. وقيل لم يحرف ~~أحد شيئا من حروف الكتب وإنما حرفوا معانيها بالتأويل وهذان القولان قال ~~كلا منهما كثير من المسلمين والصحيح القول الثالث وهو أن في الأرض نسخا ~~صحيحة وبقيت إلى عهد النبي ms4194 صلى الله عليه وسلم ونسخا كثيرة محرفة ومن قال ~~إنه لم يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه ومن قال جميع النسخ بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ والقرآن يأمرهم أن ~~يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه وليس في ~~القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ. وإذا كان كذلك فنقول: هو سبحانه قال: ~~{وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} وما أنزله الله هو ما تلقوه عن ~~المسيح فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى ~~عليه السلام ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل من الخبر عن موسى ~~وعيسى بعد توفيهما ليس هو مما أنزله الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى بل هو ~~مما كتبوه مع ذلك للتعريف بحال توفيهما وهذا خبر محض من # PageV13P104 # الموجودين بعدهما عن حالهما ليس هو مما أنزله الله عليهما ولا هو مما ~~أمرا به في حياتهما ولا مما أخبرا به الناس. وكذلك: {لستم على شيء حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} وقوله: {ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ~~فإن إقامة الكتاب العمل بما أمر الله به في الكتاب من التصديق بما أخبر به ~~على لسان الرسول وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ~~ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع ~~مثل هذا في الكتب المصنفة يصنف الشخص كتابا فيذكر ناسخه في آخره عمر المصنف ~~ونسبه وسنه ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف. ولهذا أمر الصحابة ~~والعلماء بتجريد القرآن وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن فلا يكتب أسماء ~~السور ولا التخميس والتعشير ولا آمين ولا غير ذلك والمصاحف القديمة كتبها ~~أهل العلم على هذه الصفة وفي المصاحف من قد كتب ناسخها أسماء السور ~~والتخميس والتعشير والوقف ms4195 والابتداء وكتب في آخر المصحف تصديقه ودعا وكتب ~~اسمه ونحو ذلك وليس هذا من القرآن # PageV13P105 # فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلى ~~الحواريين ليس هو مما قاله المسيح وإنما هو مما رآه من بعده والذي أنزله ~~الله هو ما سمع من المسيح المبلغ عن الله. فإن قيل: فإذا كان الحواريون قد ~~اعتقدوا أن المسيح صلب وأنه أتاهم بعد أيام وهم الذين نقلوا عن المسيح ~~الإنجيل والدين فقد دخلت الشبهة. قيل: الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء ~~إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن الأنبياء فإن الحجة في كلام الأنبياء. ~~وما سوى ذلك فموقوف على الحجة إن كان حقا قبل وإلا رد؛ ولهذا كان ما نقله ~~الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والحديث يجب قبوله؛ لا سيما ~~المتواتر كالقرآن وكثير من السنن. وأما ما قالوه فما أجمعوا عليه فإجماعهم ~~معصوم وما تنازعوا فيه رد إلى الله والرسول وعمر قد كان أولا أنكر موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى رد ذلك عليه أبو بكر وقد تنازعوا في دفنه حتى ~~فصل أبو بكر بالحديث الذي رواه وتنازعوا في تجهيز جيش أسامة وتنازعوا في ~~قتال مانعي الزكاة فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والنصارى ليسوا متفقين على صلب المسيح ولم يشهد أحد منهم # PageV13P106 # صلبه؛ فإن الذي صلب إنما صلبه اليهود ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا ~~وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح وقد قيل: إنهم ~~عرفوا أنه ليس هو المسيح ولكنهم كذبوا وشبهوا على الناس والأول هو المشهور ~~وعليه جمهور الناس. وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب؛ لكن ~~عمدتهم على ذلك الشخص الذي جاء بعد أيام وقال: أنا المسيح وذاك شيطان وهم ~~يعترفون بأن الشياطين كثيرا ما تجيء ويدعي أحدهم أنه نبي أو صالح ويقول: ~~أنا فلان النبي أو الصالح ويكون شيطانا وفي ذلك حكايات متعددة مثل حكاية ~~الراهب ms4196 الذي جاءه جاء وقال: أنا المسيح جئت لأهديك فعرف أنه الشيطان فقال: ~~أنت قد بلغت الرسالة ونحن نعمل بها فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل ~~منك. فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب كما قال تعالى: {وإن ~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} وأضاف ~~الخبر عن قتله إلى اليهود بقوله: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله} فإنهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة؛ إذ كانوا يعتقدون جواز قتل ~~المسيح ومن جوز قتله فهو كمن قتله فهم في هذا القول كاذبون وهم آثمون وإذا ~~قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر لأنهم لم يقتلوه وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك ~~وسعيهم فيه وقد قال النبي # PageV13P107 # صلى الله عليه وسلم {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصا ~~على قتل صاحبه} . وقوله: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} قيل: هم ~~اليهود وقيل النصارى والآية تعم الطائفتين وقوله {لفي شك منه} قيل: من قتله ~~وقيل: منه أي في شك منه هل صلب أم لا كما اختلفوا فيه فقالت اليهود هو ساحر ~~وقالت النصارى إنه إله فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا وهم في شك من ~~ذلك: {ما لهم به من علم} فإذا كان هذا في الصلب فكيف في الذي جاء بعد الرفع ~~وقال إنه هو المسيح؟ . فإن قيل: إذا كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا ~~في إيمانهم فأين المؤمنون به الذين قال فيهم: {وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا} وقوله: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} . قيل: ~~ظن من ظن منهم أنه صلب لا يقدح في إيمانه إذا كان لم يحرف ما جاء به ~~المسيح. بل هو مقر بأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح في # PageV13P108 # إيمانه فإن هذا اعتقاد موته على وجه معين وغاية الصلب أن ms4197 يكون قتلا له ~~وقتل النبي لا يقدح في نبوته وقد قتل بنو إسرائيل كثيرا من الأنبياء. وقال ~~تعالى {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} الآية. وقال تعالى: {وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} . ~~وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم هو مثل اعتقاد كثير ~~من مشايخ المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في اليقظة فإنهم لا ~~يكفرون بذلك؛ بل هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتباعا للسنة واتباعا ~~له وكان في الزهد والعبادة أعظم من غيره وكان يأتيه من يظن أنه رسول الله ~~فهذا غلط منه لا يوجب كفره فكذلك ظن من ظن من الحواريين أن ذلك هو المسيح ~~لا يوجب خروجهم عن الإيمان بالمسيح ولا يقدح فيما نقلوه عنه وعمر لما كان ~~يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ~~وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه لم يكن هذا قادحا في إيمانه وإنما كان غلطا ~~ورجع عنه. # PageV13P109 # فصل: # وقوله تعالى في هذه: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} هو ذم لهم على ~~اتباع الظن بلا علم وكذلك قوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى} وكذلك قوله: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا} وقوله تعالى {وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} وقوله: {أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} {وما يتبع أكثرهم ~~إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون} . فهذه عدة ~~مواضع يذم الله فيها الذين لا يتبعون إلا الظن وكذلك قوله: {قل هل عندكم من ms4198 ~~علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} {قل فلله الحجة ~~البالغة} مطالبة بالعلم وذم لمن يتبع الظن وما عنده علم وكذلك قوله: ~~{نبئوني بعلم إن # PageV13P110 # كنتم صادقين} وقوله: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} وأمثال ذلك ذم ~~لمن عمل بغير علم. وعمل بالظن. وقد ثبت في السنة المتواترة وإجماع الأمة أن ~~الحاكم يحكم بشاهدين وإن لم يكن شهود حلف الخصم. وفي الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ~~من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما ~~أقطع له قطعة من النار} . و ### | الاجتهاد في " تحقيق المناط " # مما اتفق المسلمون عليه ولا بد منه كحكم ذوي عدل بالمثل في جزاء الصيد ~~وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ذلك فلا يقطع به الإنسان؛ بل ~~يجوز أن تكون القبلة في غير جهة اجتهاده كما يجوز إذا حكم أن يكون قد قضي ~~لأحدهما بشيء من حق الآخر وأدلة الأحكام لا بد فيها من هذا؛ فإن دلالة ~~العموم في الظواهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر الواحد والقياس وإن كان ~~قوم نازعوا في القياس فالفقهاء منهم لم ينازعوا في خبر الواحد كالظاهرية ~~ومن نازع في هذا وهذا لم ينازع في العموم كالمعتزلة البغداديين وإن نازع في ~~العموم والقياس منازع كبعض الرافضة مثل الموسوي ونحوه لم ينازع في الأخبار؛ ~~فإن الإمامية عمدتهم على ما نقل عن الاثني عشر فلا بد لهم من الرواية ولا ~~يوجد من # PageV13P111 # يستغني عن الظواهر والأخبار والأقيسة بل لا بد أن يعمل ببعض ذلك مع تجويز ~~نقيضه وهذا عمل بالظن والقرآن قد حرم اتباع الظن. وقد تنوعت طرق الناس في ~~جواز هذا؛ فطائفة قالت: لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا وقالوا ~~إن خبر الواحد يفيد العلم وكذلك يقولون في الظواهر بل يقولون نقطع بخطأ من ~~خالفنا وننقض حكمه كما يقوله داود وأصحابه وهؤلاء عمدتهم إنما هو ms4199 ما يظنونه ~~ظاهرا - وأما الاستصحاب فالاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة - ~~وهم في كثير مما يحتجون به قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ؛ بل الظاهر ~~خلافه؛ فطائفة قالت: لما قام الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا ~~متبعين للعلم فنحن نعمل بالعلم عند وجود العلم لا نعمل بالظن وهذه طريقة ~~القاضي أبي بكر وأتباعه. وهنا السؤال المشهور في " حد الفقه ": أنه العلم ~~بالأحكام الشرعية العملية وقال الرازي: العلم بالأحكام الشرعية العملية ~~المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة قال: فإن قلت: ~~الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما؟ قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة ~~صورة لصورة في مناط # PageV13P112 # الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه فالعلم حاصل قطعا والظن واقع في ~~طريقه وحقيقة هذا الجواب أن هنا مقدمتين: # إحداهما: أنه قد حصل عندي ظن # والثانية: قد قام الدليل القطعي على وجوب اتباع هذا الظن. ف " المقدمة ~~الأولى " وجدانية و " الثانية " عملية استدلالية؛ فليس الظن هنا مقدمة في ~~الدليل كما توهمه بعضهم لكن يقال: العمل بهذا الظن هو حكم أصول الفقه ليس ~~هو الفقه بل الفقه هو ذاك الظن الحاصل بالظاهر؛ وخبر الواحد والقياس ~~والأصول تفيد أن العمل بهذا الظن واجب وإلا فالفقهاء لا يتعرضون لهذا فهذا ~~الحكم العملي الأصولي ليس هو الفقه وهذا الجواب جواب القاضي أبي بكر وهو ~~بناه على أصله فإن عنده كل مجتهد مصيب وليس في نفس الأمر أمر مطلوب ولا على ~~الظن دليل يوجب ترجيح ظن على ظن؛ بل الظنون عنده بحسب الاتفاق. وقال ~~الغزالي وغيره ممن نصر قوله: قد يكون بحسب ميل النفس إلى أحد القولين دون ~~الآخر كميل ذي الشدة إلى قول وذي اللين إلى قول. وحينئذ فعندهم متى وجد ~~المجتهد ظنا في نفسه فحكم الله في حقه # PageV13P113 # اتباع هذا الظن وقد أنكر أبو المعالي وغيره عليه هذا القول إنكارا بليغا ~~وهم معذورون في إنكاره فإن هذا أولا مكابرة فإن الظنون عليها أمارات ودلائل ~~يوجب ms4200 وجودها ترجيح ظن على ظن وهذا أمر معلوم بالضرورة والشريعة جاءت به ~~ورجحت شيئا على شيء والكلام في شيئين: في اتباع الظن وفي الفقه هل هو من ~~الظنون؟ أما الأول: فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث وهو أن كل ما أمر الله ~~تعالى به فإنما أمر بالعلم وذلك أنه في المسائل الخفية عليه أن ينظر في ~~الأدلة ويعمل بالراجح وكون هذا هو الراجح أمر معلوم عند أمر مقطوع به وإن ~~قدر أن ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به وإذا ظن الرجحان فإنما ~~ظنه لقيام دليل عنده على أن هذا راجح وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان ~~الاعتقاد أما اعتقاد الرجحان فقد يكون علما وقد لا يعمل حتى يعلم الرجحان ~~وإذا ظن الرجحان أيضا فلا بد أن يظنه بدليل يكون عنده أرجح من دليل الجانب ~~الآخر ورجحان هذا غير معلوم فلا بد أن ينتهي الأمر إلى رجحان معلوم عنده ~~فيكون متبعا لما علم أنه أرجح وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الأحسن ~~كما قال {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} وقال: {الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} وقال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} فإذا كان # PageV13P114 # أحد الدليلين هو الأرجح فاتباعه هو الأحسن وهذا معلوم. فالواجب على ~~المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره وهو العمل بأرجح الدليلين ~~المتعارضين وحينئذ فما عمل إلا بالعلم وهذا جواب الحسن البصري وأبي وغيرهم ~~والقرآن ذم من لا يتبع إلا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا أرجح من ~~غيره؛ كما قال: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} وقال: {هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن} وهكذا في سائر المواضع يذم الذين إن ~~يتبعون إلا الظن فعندهم ظن مجرد لا علم معه وهم يتبعونه والذي جاءت به ~~الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا ~~فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا؛ لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون ms4201 ~~المرجوح هو الثابت في نفس الأمر. وهذا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال: {ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع} ~~فإذا أتى أحد الخصمين بحجة مثل بينة تشهد له ولم يأت الآخر بشاهد معها كان ~~الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح فما حكم إلا بعلم؛ لكن الآخر قد يكون له حجة ~~لا يعلمها أو لا يحسن أن يبينها مثل أن يكون قد قضاه أو أبرأه وله بينة ~~تشهد بذلك وهو لا يعلمها أو لا # PageV13P115 # يذكرها أو لا يجسر أن يتكلم بذلك فيكون هو المضيع لحقه حيث لم يبين حجته ~~والحاكم لم يحكم إلا بعلم وعدل وضياع حق هذا كان من عجزه وتفريطه لا من ~~الحاكم. وهكذا أدلة الأحكام فإذا تعارض خبران أحدهما مسند ثابت والآخر مرسل ~~كان المسند الثابت أقوى من المرسل وهذا معلوم؛ لأن المحدث بهذا قد علم عدله ~~وضبطه والآخر لم يعلم عدله ولا ضبطه كشاهدين زكى أحدهما ولم يزك الآخر فهذا ~~المزكي أرجح وإن جاز أن يكون في نفس الأمر قول الآخر هو الحق؛ لكن المجتهد ~~إنما عمل بعلم وهو علمه برجحان هذا على هذا؛ ليس ممن لم يتبع إلا الظن ولم ~~يكن تبين له إلا بعد الاجتهاد التام فيمن أرسل ذلك الحديث وفي تزكية هذا ~~الشاهد فإن المرسل قد يكون راويه عدلا حافظا كما قد يكون هذا الشاهد عدلا. ~~ونحن ليس معنا علم بانتفاء عدالة الراوي لكن معنا عدم العلم بعدالتهما وقد ~~لا تعلم عدالتهما مع تقويتها ورجحانها في نفس الأمر فمن هنا يقع الخطأ في ~~الاجتهاد؛ لكن هذا لا سبيل إلى أن يكلفه العالم أن يدع ما يعلمه إلى أمر لا ~~يعلمه لإمكان ثبوته في نفس الأمر فإذا كان لا بد من ترجيح أحد القولين وجب ~~ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته وإن لم يعلم انتفاؤه من ~~جهته فإنهما إذا # PageV13P116 # تعارضا وكانا متناقضين فإثبات أحدهما هو نفي الآخر فهذا الدليل المعلوم ~~قد ms4202 علم أنه يثبت هذا وينفي ذلك وذلك المجهول بالعكس فإذا كان لا بد من ~~الترجيح وجب قطعا ترجيح المعلوم ثبوته على ما لم يعلم ثبوته. ولكن قد يقال: ~~إنه لا يقطع بثبوته وقد قلنا: فرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد أما ~~اعتقاد الرجحان فهو علم والمجتهد ما عمل إلا بذلك العلم وهو اعتقاد رجحان ~~هذا على هذا وأما رجحان هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد فهو الظن؛ لكن لم ~~يكن ممن قال الله فيه: {إن يتبعون إلا الظن} بل هنا ظن رجحان هذا وظن رجحان ~~ذاك وهذا الظن هو الراجح ورجحانه معلوم فحكم بما علمه من الظن الراجح ~~ودليله الراجح وهذا معلوم له لا مظنون عنده وهذا يوجد في جميع العلوم ~~والصناعات كالطب والتجارة وغير ذلك. # وأما الجواب عن قولهم الفقه من باب الظنون: فقد أجاب طائفة منهم أبو ~~الخطاب بجواب آخر وهو أن العلم المراد به العلم الظاهر وإن جوز أن يكون ~~الأمر بخلافه كقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات} . والتحقيق أن عنه جوابين: # PageV13P117 # " أحدهما " أن يقال: جمهور مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويفتون ~~بها هي ثابتة بالنص أو الإجماع وإنما يقع الظن والنزاع في قليل مما يحتاج ~~إليه الناس وهذا موجود في سائر العلوم وكثير مسائل الخلاف هي في أمور قليلة ~~الوقوع ومقدرة وأما ما لا بد للناس منه من العلم مما يجب عليهم ويحرم ويباح ~~فهو معلوم مقطوع به وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه وإخراجه من الفقه ~~قول لم يعلم أحد من المتقدمين قاله ولا احترز بهذا القيد أحد إلا الرازي ~~ونحوه وجميع الفقهاء يذكرون في كتب الفقه وجوب الصلاة والزكاة والحج ~~واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وتحريم الخمر والفواحش ~~وغير ذلك مما يعلم من الدين ضرورة. و " أيضا " فكون الشيء معلوما من الدين ~~ضرورة أمر إضافي فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا ~~بالكلية فضلا عن كونه يعلمه بالضرورة وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن ~~النبي صلى الله عليه ms4203 وسلم سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة وقضى أن الولد ~~للفراش وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة وأكثر الناس لا يعلمه ألبتة. " ~~الجواب الثاني " أن يقال: الفقه لا يكون فقها إلا من المجتهد المستدل وهو ~~قد علم أن هذا الدليل أرجح وهذا الظن أرجح # PageV13P118 # فالفقه هو علمه برجحان هذا الدليل وهذا الظن؛ ليس الفقه قطعه بوجوب العمل ~~أي بما أدى إليه اجتهاده بل هذا القطع من أصول الفقه والأصولي يتكلم في جنس ~~الأدلة ويتكلم كلاما كليا فيقول: يجب إذا تعارض دليلان أن يحكم بأرجحهما ~~ويقول أيضا: إذا تعارض العام والخاص فالخاص أرجح وإذا تعارض المسند والمرسل ~~فالمسند أرجح ويقول أيضا: العام المجرد عن قرائن التخصيص شموله الأفراد ~~أرجح من عدم شموله ويجب العمل بذلك. فأما الفقيه: فيتكلم في دليل معين في ~~حكم معين مثل أن يقول قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ~~لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} خاص ~~في أهل الكتاب ومتأخر عن قوله: {ولا تنكحوا المشركات} وتلك الآية لا تتناول ~~أهل الكتاب وإن تناولتهم فهذا خاص متأخر؛ فيكون ناسخا ومخصصا فهو يعلم أن ~~دلالة هذا النص على الحل أرجح من دلالة ذلك النص على التحريم وهذا الرجحان ~~معلوم عنده قطعا وهذا الفقه الذي يختص به الفقيه هو علم قطعي لا ظني ومن لم ~~يعلم كان مقلدا للأئمة الأربعة والجمهور الذين جوزوا نكاح الكتابيات، ~~واعتقاد المقلد ليس بفقه. ولهذا قال المستدل على أعيانها: والفقيه قد استدل ~~على عين # PageV13P119 # الحكم المطلوب والمسؤول عنه وحيث لا يعلم الرجحان فهو متوقف لا قول له ~~وإذا قيل له: فقد قال: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} قال: هذا نزل عام ~~الحديبية والمراد به المشركات فإن سبب النزول يدل على أنهن مرادات قطعا ~~وسورة المائدة بعد ذلك فهي خاص متأخر وذاك عام متقدم والخاص المتأخر أرجح ~~من العام المتقدم. ولهذا لما نزل قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فارق عمر ~~امرأة مشركة وكذلك غيره فدل على أنهم كانوا ينكحون ms4204 المشركات إلى حين نزول ~~هذه الآية ولو كانت آية البقرة قد نزلت قبل هذه لم يكن كذلك؛ فدل على أن ~~آية البقرة بعد آية الممتحنة وآية المائدة بعد آية البقرة. فهذا النظر ~~وأمثاله هو نظر الفقيه العالم برجحان دليل وظن على دليل وهذا علم لا ظن. ~~فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه وأن العالم إنما يعلم بما يوجب العلم ~~بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه ~~فلا يجوز اتباعه وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: {إن يتبعون إلا الظن} ~~فهم لا يتبعون إلا الظن ليس عندهم علم. ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح ~~لكانوا قد اتبعوا علما لم يكونوا ممن يتبع إلا الظن والله أعلم. # PageV13P120 # فصل: # فهاهنا ثلاثة أشياء " أحدها " الظن الراجح في نفس المستدل المجتهد. و " ~~الثاني " الأدلة - التي يسميها بعض المتكلمين أمارات - التي تعارضت وعلم ~~المستدل بأن التي أوجبت ذلك الظن أقوى من غيرها. " الثالث " أنه قد يكون في ~~نفس الأمر دليل آخر على القول الآخر لم يعلم به المستدل وهذا هو الواقع في ~~عامة موارد الاجتهاد؛ فإن الرجل قد يسمع نصا عاما كما سمع ابن عمر وغيره أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قطع الخفين وأنه أمر أن لا يخرج أحد حتى ~~يودع البيت أو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير وظاهره ~~العموم وهذا راجح على الاستصحاب النافي للتحريم فعملوا بهذا الراجح وهم ~~يعلمون قطعا أن النهي أولى من الاستصحاب؛ لكن يجوز أن يكون مع الاستصحاب ~~دليل خاص؛ ولكن لما لم يعلموه لم يجز لهم أن يعدلوا عما علموه إلى ما لم ~~يعلموه فكانوا يفتون بأن الحائض عليها الوداع وعليها قطع الخفين وأن قليل ~~الحرير وكثيره حرام. # PageV13P121 # وابن الزبير كان يحرمه على الرجال والنساء؛ لعموم قوله: {من لبس الحرير ~~في الدنيا لم يلبسه في الآخرة} وكان في نفس الأمر نصوص خاصة بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رخص للحائض أن ms4205 تنفر بلا وداع وأنها تلبس الخفين وغيرهما مما ~~نهى عنه المحرم ولكن تجتنب النقاب والقفازين وأنه رخص في موضع أصبعين أو ~~ثلاث أو أربعة من الحرير كما بين ذلك في الصحيح في رواية عمر ولم يعرف به ~~ابنه عبد الله وكان له جبة مكفوفة بالحرير فلما سمع ابن عمر ونحوه هذه ~~النصوص الخاصة رجعوا وعلموا حينئذ أنه كان في نفس الأمر دليل أقوى من ~~الدليل الذي يستصحبوه ولم يعلموا به وهم في الحالين إنما حكموا بعلم لم ~~يكونوا ممن لم يتبع إلا الظن فإنهم أولا رجحوا العموم على استصحاب البراءة ~~الأصلية وهذا ترجيح بعلم فإن هذا راجح بلا ريب والشرع طافح بهذا. فما أوجبه ~~الله أو حرمه في كتابه كالوضوء والصلاة والحج وغيرهما هي نصوص عامة وما ~~حرمه كالميتة والدم ولحم الخنزير حرمه بنصوص عامة وهي راجحة ومقدمة على ~~البراءة الأصلية النافية للوجوب والتحريم فمن رجح ذلك فقد حكم بعلم وحكم ~~بأرجح الدليلين المعلوم الرجحان ولم يكن ممن لم يتبع إلا الظن لكن لتجويزه ~~أن يكون النص مخصوصا صار عنده ظن راجح ولو علم أنه لا تخصيص هناك قطع ~~بالعموم وكذلك # PageV13P122 # لو علم إرادة نوع قطع بانتفاء الخصوص وهذا القول في سائر الأدلة مثل أن ~~يتمسك بنصوص وتكون منسوخة ولم يبلغه الناسخ كالذين نهوا عن الانتباذ في ~~الأوعية وعن زيارة القبور ولم يبلغهم النص الناسخ. وكذلك الذين صلوا إلى ~~بيت المقدس قبل أن يبلغهم النسخ مثل من كان من المسلمين بالبوادي وبمكة ~~والحبشة وغير ذلك؛ وهؤلاء غير الذين كانوا بالمدينة وصلى بعضهم صلاة إلى ~~القبلتين: بعضها إلى هذه القبلة وبعضها إلى هذه القبلة لما بلغهم النسخ وهم ~~في أثناء الصلاة فاستداروا في صلاتهم من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة من ~~جهة الشام إلى جهة اليمن. فالقاضي أبو بكر ونحوه من الذين ينفون أن يكون في ~~الباطن حكم مطلوب بالاجتهاد أو دليل عليه ويقولون: ما ثم إلا الظن الذي في ~~نفس المجتهد والأمارات لا ضابط لها وليست أمارة أقوى من ms4206 أمارة؛ فإنهم إذا ~~قالوا ذلك لزمهم أن يكون الذي عمل بالمرجوح دون الراجح مخطئا وعندهم ليس في ~~نفس الأمر خطأ. وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون: بل الأمارات ~~بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر وعلى الإنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى فإذا ~~رأى دليلا أقوى من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه # PageV13P123 # كان مخطئا معذورا وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه وخطؤه ~~مغفور له وذلك الباطن هو الحكم؛ لكن بشرط القدرة على معرفته فمن عجز عن ~~معرفته لم يؤاخذ بتركه. فإذا أريد بالخطأ الإثم فليس المجتهد بمخطئ؛ بل كل ~~مجتهد مصيب مطيع لله فاعل ما أمره الله به وإذا أريد به عدم العلم بالحق في ~~نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران كما في المجتهدين في جهة الكعبة إذا صلوا ~~إلى أربع جهات فالذي أصاب الكعبة - واحد وله أجران لاجتهاده وعمله - كان ~~أكمل من غيره والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن زاده الله ~~علما وعملا زاده أجرا بما زاده من العلم والعمل قال تعالى: {وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} قال مالك عن زيد بن أسلم ~~بالعلم وكذلك قال في قصة يوسف: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن ~~يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} . وقد تبين أن جميع ~~المجتهدين إنما قالوا بعلم واتبعوا العلم وأن " الفقه " من أجل العلوم ~~وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس ~~عند الآخر؛ إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر ~~كما قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين} # PageV13P124 # {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر ~~والاستدلال في الأصول والفروع ولم يفرق أحد من السلف والأئمة ms4207 بين أصول ~~وفروع. بل جعل الدين " قسمين " أصولا وفروعا لم يكن معروفا في الصحابة ~~والتابعين ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ ~~وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من ~~جهة المعتزلة وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن ~~الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد مصيب ومراده أنه لا يأثم. وهذا قول عامة ~~الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما. ولهذا يقبلون شهادة أهل الأهواء ~~ويصلون خلفهم ومن ردها - كمالك وأحمد - فليس ذلك مستلزما لإثمهما؛ لكن ~~المقصود إنكار المنكر وهجر من أظهر البدعة فإذا هجر ولم يصل خلفه ولم تقبل ~~شهادته كان ذلك منعا له من إظهار البدعة؛ ولهذا فرق أحمد وغيره بين الداعية ~~للبدعة المظهر لها وغيره وكذلك قال الخرقي: ومن صلى خلف من يجهر ببدعة أو ~~منكر أعاد وبسط هذا له موضع آخر. # PageV13P125 # والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطا يميز بين النوعين بل ~~تارة يقولون: هذا قطعي وهذا ظني وكثير من مسائل الأحكام قطعي وكثير من ~~مسائل الأصول ظني عند بعض الناس فإن كون الشيء قطعيا وظنيا أمر إضافي وتارة ~~يقولون: الأصول هي العلميات الخبريات والفروع العمليات وكثير من العمليات ~~من جحدها كفر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة يقولون: هذه عقليات ~~وهذه سمعيات وإذا كانت عقليات لم يلزم تكفير المخطئ فإن الكفر حكم شرعي ~~يتعلق بالشرع وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وإذا تدبر الإنسان تنازع ~~الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند الأخرى كما في مسائل الأحكام. ~~مثال ذلك ما تقدم في الأصول الخمسة: التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين ~~ومسائل الأسماء والأحكام وإنفاذ الوعيد وهي التي توالي المعتزلة من وافقهم ~~عليها ويتبرءون ممن خالفهم فيها وقد قدمنا أنهم قصدوا توحيد الرب وإثبات ~~عدله وحكمته ورحمته وصدقه وطاعة أمره لكن غلطوا في كل واحدة من هذه الأمور ~~كما تقدم. وكذلك الذين ناقضوهم من الجهمية ومن ms4208 سلك مسلكهم كأبي الحسن ~~الأشعري وأصحابه - فإنهم ناقضوهم في الأصول الخمسة وكان عندهم علم # PageV13P126 # ليس عند أولئك وكان عند أولئك علم ليس عند هؤلاء وكل من الطائفتين لم تحط ~~علما بما في الكتاب والسنة من بيان هذه الأمور؛ بل علموا بعضا وجهلوا بعضا؛ ~~فإن هؤلاء المجبرة هم في الحقيقة لا يثبتون لله عدلا ولا حكمة ولا رحمة ولا ~~صدقا. فأولئك قصدوا إثبات هذه الأمور. أما العدل فعندهم كل ممكن فهو عدل ~~والظلم عندهم هو الممتنع فلا يكون ثم عدل يقصد فعله وظلم يقصد تركه؛ ولهذا ~~يجوزون عليه فعل كل شيء وإن كان قبيحا ويقولون: القبيح هو ما نهي عنه وهو ~~لا ناهي له ويجوزون الأمر بكل شيء وإن كان منكرا وشركا والنهي عن كل شيء ~~وإن كان توحيدا ومعروفا فلا ضابط عندهم للفعل؛ فلهذا ألزموهم جواز إظهار ~~المعجزات على يد الكاذب ولم يكن لهم عن ذلك جواب صحيح ولم يذكروا فرقا بين ~~المعجزات وغيرها ولا ما به يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا ~~نقضوا أصلهم وقد قال الله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط} وعندهم هذا لا فائدة فيه فليس في الممكن قسط ~~وجور حتى يكون قائما بهذا دون هذا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وكذلك " ~~الحكمة " عندهم لا يفعل لحكمة وقد فسروا " الحكمة " إما بالعلم وإما ~~بالقدرة وإما بالإرادة ومعلوم أن القادر قد يكون # PageV13P127 # حكيما ويكون غير حكيم كذلك المريد قد تكون إرادته حكمة وقد تكون سفها ~~والعلم يطابق المعلوم سواء كان حكمة أو سفها فليس عندهم في نفس الأمر أن ~~الله حكيم وكذلك " الرحمة " ما عندهم في نفس الأمر إلا إرادة ترجيح أحد ~~المثلين بلا مرجح نسبتها إلى نفع العباد وضررهم سواء فليس عندهم في نفس ~~الأمر رحمة ولا محبة أيضا. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين تناقضهم في ~~الصفات والأفعال؛ حيث أثبتوا الإرادة مع نفي المحبة والرضا ومع نفي الحكمة ~~وبين تناقضهم وتناقض ms4209 كل من أثبت بعض الصفات دون بعض وأن المتفلسفة نفاة ~~الإرادة أعظم تناقضا منهم؛ فإن الرازي ذكر في المطالب العالية " مسألة ~~الإرادة " ورجح فيها نفي الإرادة؛ لأنه لم يمكنه أن يجيب عن حجة المتفلسفة ~~على أصول أصحابه الجهمية والمعتزلة ففر إليهم وكذلك في غير هذا من المسائل ~~فهو تارة يرجح قوله قول المتفلسفة وتارة يرجح قول المتكلمة وتارة يحار ويقف ~~واعترف في آخر عمره بأن طريق هؤلاء وهؤلاء لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا. ~~وقال: قد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ~~ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: {الرحمن ~~على العرش استوى} {إليه يصعد الكلم # PageV13P128 # الطيب} واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به علما} ومن جرب ~~مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. فقد تبين أنهم لا يثبتون عدل الرب ولا حكمته ~~ولا رحمته وكذلك الصدق فإنهم لما أرادوا أن يقيموا الدليل على أن الله صادق ~~تعذر ذلك عليهم فقالوا: الصدق في الكلام النفساني واجب؛ لأنه يعلم الأمور ~~ومن يعلم يمتنع أن يقوم في نفسه خبر بخلاف علمه وعلى هذا اعتمد الغزالي ~~وغيره. فقيل لهم: هذا ضعيف لوجهين: " أحدهما " الصدق في ذلك المعنى لا ينفع ~~إن لم يثبت الصدق في العبارات الدالة عليه ويميز بين الأفعال عندهم. " ~~الثاني " أنهم أثبتوا الخبر النفساني فإن الإنسان يخبرك بالكذب فيقوم في ~~نفسه معنى ليس هو العلم وهو معنى الخبر فهذا يقتضي أنهم يقولون: إن العالم ~~قد يقوم في نفسه خبر بخلاف علمه والرازي لما ذكر مسألة أنه لا يجوز أن ~~يتكلم بكلام ولا يعني به شيئا خلافا للحشوية قيل له: هل قال أحد من طوائف ~~الأمة إن الله لا يعني بكلامه شيئا؟ وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم ~~العباد معناه. وقيل # PageV13P129 # له: هب أن في هذا نزاعا فهو لم يقم دليلا على امتناع ذلك؛ بل قال هذا عيب ~~أو نقص والله منزه عنه فقيل له: إما أن يريد المعنى القائم بالذات أو ~~العبارات المخلوقة ms4210 أما الأول فلا يجوز إرادته هنا؛ لأن المسألة هي فيمن ~~يتكلم بالحروف المنظومة، ولا يعني به شيئا وذلك القائم بالذات هو نفس ~~المعنى وإن أردت الحروف - وهو مراده - فتلك عندك مخلوقة ويجوز عندك أن يخلق ~~كل شيء ليس منزها عن فعل من الأفعال والعيب عندك هو ما لا تريده فهذا ~~ممتنع. فتبين أنه ليس لهم حجة لا على صدقه ولا على تنزيهه عن العيب في ~~خطابه؛ فإن ذلك إنما يكون ممن ينزهه عن بعض الأفعال وتبين بذلك أنهم لا ~~يثبتون عدله ولا حكمته ولا رحمته ولا صدقه والمعتزلة قصدهم إثبات هذه ~~الأمور؛ ولهذا يذكرونها في خطبة الصفات كما يذكرها أبو الحسين البصري وغيره ~~كما ذكر في أول صور الأدلة خطبة مضمونها: أن الله واحد عدل {لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} و {إن الله بالناس لرءوف رحيم} وأظن فيها ~~إثبات صدقه؛ ولهذا يكفرون من يجوره أو يكذبه أو يسفهه أو يشبهه؛ ولكن قد ~~غلطوا في مواضع كثيرة كما قد نبه على هذا في غير موضع فكلا الطائفتين معها ~~حق وباطل ولم يستوعب الحق إلا من اتبع المهاجرين والأنصار وآمن بما جاء به ~~الرسول كله على # PageV13P130 # وجهه لم يؤمن ببعض ويكفر ببعض وهؤلاء هم أهل الرحمة الذين لا يختلفون؟ ~~بخلاف أولئك المختلفين. قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} . # فصل: # والجهمية والمعتزلة مشتركون في نفي الصفات وابن كلاب ومن تبعه - كالأشعري ~~وأبي العباس القلانسي ومن تبعهم - أثبتوا الصفات؛ لكن لم يثبتوا الصفات ~~الاختيارية مثل كونه يتكلم بمشيئته ومثل كون فعله الاختياري يقوم بذاته ~~ومثل كونه يحب ويرضى عن المؤمنين بعد إيمانهم ويغضب ويبغض الكافرين بعد ~~كفرهم ومثل كونه يرى أفعال العباد بعد أن يعملوها كما قال تعالى: {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فأثبت رؤية مستقبلة وكذلك قوله ~~تعالى {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} ومثل كونه ~~نادى موسى حين أتى لم يناده قبل ذلك بنداء قام بذاته؛ فإن المعتزلة ms4211 ~~والجهمية يقولون: خلق نداء في الهواء. والكلابية والسالمية يقولون: النداء ~~قام بذاته وهو قديم؛ لكن سمعه موسى فاستجدوا سماع موسى وإلا فما زال عندهم ~~مناديا. # PageV13P131 # والقرآن والأحاديث وأقوال السلف والأئمة كلها تخالف هذا وهذا وتبين أنه ~~ناداه حين جاء وأنه يتكلم بمشيئته في وقت بكلام معين كما قال: {ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وقال تعالى: {إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} . والقرآن فيه ~~مئون من الآيات تدل على هذا الأصل وأما الأحاديث فلا تحصى. وهذا قول أئمة ~~السنة والسلف وجمهور العقلاء؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك والإمام أحمد ~~بن حنبل وغيرهما: لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وهذا قول عامة أهل السنة؛ ~~فلهذا اتفقوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولم نعرف عن أحد من ~~السلف أنه قال: هو قديم لم يزل. والذين قالوا من المتأخرين: هو قديم كثير ~~منهم من لم يتصور المراد؛ بل منهم من يقول: هو قديم في علمه ومنهم من يقول: ~~قديم أي متقدم الوجود متقدم على ذات زمان المبعث؛ لا أنه أزلي لم يزل ومنهم ~~من يقول بل مرادنا بقديم أنه غير مخلوق وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع. و " المقصود هنا " أنه على هذا الأصل إذا خلق المخلوقات رآها وسمع ~~أصوات عباده وكان ذلك بمشيئته وقدرته؛ إذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته ~~وبذلك صاروا يرون ويسمع كلامهم وقد جاء في # PageV13P132 # القرآن والسنة في غير موضع أنه يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات ~~كقوله: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم: ملك كذاب وشيخ زان وعائل مستكبر} وكذلك في " الاستماع " قال ~~تعالى: {وأذنت لربها وحقت} أي استمعت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ما ~~أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به} وقال: {لله أشد ~~إذنا إلى صاحب القرآن من صاحب القينة إلى قينته} فهذا تخصيص ms4212 بالإذن وهو ~~الاستماع لبعض الأصوات دون بعض. وكذلك (سمع) الإجابة كقوله: {سمع الله لمن ~~حمده} وقول الخليل: {إنك سميع الدعاء} وقوله: {إنه سميع قريب} يقتضي ~~التخصيص بهذا السمع فهذا التخصيص ثابت في الكتاب والسنة وهو تخصيص بمعنى ~~يقوم بذاته بمشيئته وقدرته - كما تقدم - وعند النفاة هو تخصيص بأمر مخلوق ~~منفصل لا بمعنى يقوم بذاته. وتخصيص من يحب بالنظر والاستماع المذكور يقتضي ~~أن هذا النوع منتف عن غيرهم. لكن مع ذلك هل يقال: إن نفس الرؤية والسمع ~~الذي هو مطلق الإدراك هو من لوازم ذاته فلا يمكن وجود مسموع ومرئي إلا # PageV13P133 # وقد تعلق به كالعلم؟ أو يقال: إنه أيضا بمشيئته وقدرته فيمكنه أن لا ينظر ~~إلى بعض المخلوقات؟ هذا فيه قولان: والأول قول من لا يجعل ذلك متعلقا ~~بمشيئته وقدرته وأما الذين يجعلونه متعلقا بمشيئته وقدرته فقد يقولون: متى ~~وجد المرئي والمسموع وجب تعلق الإدراك به. والقول الثاني: أن جنس السمع ~~والرؤية يتعلق بمشيئته وقدرته فيمكن أن لا ينظر إلى شيء من المخلوقات وهذا ~~هو المأثور عن طائفة من السلف كما روى ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني ~~قال: ما نظر الله إلى شيء من خلقه إلا رحمه ولكنه قضى أن لا ينظر إليهم. ~~وقد يقال: هذا مثل الذكر والنسيان فإن الله تعالى قال: {فاذكروني أذكركم} ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ~~ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ~~ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة} فهذا الذكر يختص بمن ~~ذكره فمن لا يذكره لا يحصل له هذا الذكر ومن آمن به وأطاعه ذكره برحمته ومن ~~أعرض عن الذكر الذي أنزله أعرض عنه كما قال: {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا} ms4213 {قال # PageV13P134 # كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} ومثله قوله: {المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم} . وقد فسروا هذا النسيان بأنه. . . (1) وهذا النسيان ضد ~~ذلك الذكر وفي الصحيح في حديث الكافر يحاسبه قال: {أفظننت أنك ملاقي؟ قال: ~~لا. قال فاليوم أنساك كما نسيتني} فهذا يقتضي أنه لا يذكره كما يذكر أهل ~~طاعته هو متعلق بمشيئته وقدرته أيضا وهو سبحانه قد خلق هذا العبد وعلم ما ~~سيعمله قبل أن يعمله ولما عمل علم ما عمل ورأى عمله فهذا النسيان لا يناقض ~~ما علمه سبحانه من حال هذا. # فصل: # جماع " الفرقان " بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق ~~السعادة والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك: أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل ~~به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه وبه PageV13P135 # يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من ~~كلام سائر الناس يعرض عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل وإن لم ~~يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه أو قد ~~عرف مراده ولكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو تكذيبه فإنه يمسك فلا ~~يتكلم إلا بعلم. والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول. ~~وقد يكون علم من غير الرسول؛ لكن في أمور " دنيوية " مثل الطب والحساب ~~والفلاحة والتجارة. وأما الأمور " الإلهية والمعارف الدينية " فهذه العلم ~~فيها مأخذه عن الرسول فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم في تعريف الخلق بها ~~وأقدرهم على بيانها وتعريفها فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة ~~وهذه الثلاثة بها يتم المقصود ومن سوى الرسول إما أن يكون في علمه بها نقص ~~أو فساد وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه إما لرغبة ~~وإما لرهبة وإما لغرض آخر وإما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما ~~عرفه الجنان. وبيان الرسول على وجهين: # PageV13P136 # تارة يبين " الأدلة العقلية " الدالة ms4214 عليها والقرآن مملوء من الأدلة ~~العقلية والبراهين اليقينية على المعارف الإلهية والمطالب الدينية. وتارة ~~يخبر بها خبرا مجردا لما قد أقامه من الآيات البينات والدلائل اليقينيات ~~على أنه رسول الله المبلغ عن الله وأنه لا يقول عليه إلا الحق وأن الله شهد ~~له بذلك وأعلم عباده وأخبرهم أنه صادق مصدوق فيما بلغه عنه والأدلة التي ~~بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة وهي أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل وهي ~~أيضا شرعية سمعية لكن الرسول بينها ودل عليها وأرشد إليها وجميع طوائف ~~النظار متفقون على أن القرآن اشتمل على الأدلة العقلية في المطالب الدينية ~~وهم يذكرون ذلك في كتبهم الأصولية وفي كتب التفسير وعامة النظار أيضا ~~يحتجون بالأدلة السمعية الخبرية المجردة في المطالب الدينية فإنه إذا ثبت ~~صدق الرسول وجب تصديقه فيما يخبر به. و ### | " العلوم ثلاثة أقسام " # منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية وأحسن الأدلة العقلية التي بينها ~~القرآن وأرشد إليها الرسول فينبغي أن يعرف أن أجل الأدلة العقلية وأكملها ~~وأفضلها مأخوذ عن الرسول؛ فإن من الناس من يذهل عن هذا فمنهم من يقدح في ~~الدلائل العقلية مطلقا لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي ~~أحدثه من أحدثه من المتكلمين. ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل ~~اليقينية # PageV13P137 # العقلية منه؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط ~~فلا بد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت النبوة وصدق الخبر حتى يستدل بعد ذلك ~~بخبر من ثبت بالعقل صدقه ومنها ما لا يعلمه غير الأنبياء إلا بخبر الأنبياء ~~وخبرهم المجرد هو دليل سمعي مثل تفاصيل ما أخبروا به من الأمور الإلهية ~~والملائكة والعرش والجنة والنار وتفاصيل ما يؤمر به وينهى عنه. فأما نفس ~~إثبات الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته ونحو ذلك فهذا ~~لا يعلم بالأدلة العقلية وإن كانت الأدلة والآيات التي يأتي بها الأنبياء ~~هي أكمل الأدلة العقلية؛ لكن معرفة هذه ليست مقصورة على الخبر المجرد وإن ~~كانت أخبار الأنبياء ms4215 المجردة تفيد العلم اليقيني أيضا؛ فيعلم بالأدلة ~~العقلية التي أرشدوا إليها ويعلم بمجرد خبرهم لما علم صدقهم بالأدلة ~~والآيات والبراهين التي دلت على صدقهم. # وقد ### | تنازع الناس في " العلم بالمعاد وبحسن الأفعال وقبحها " # فأكثر الناس يقولون: إنه يعلم بالعقل مع السمع والقائلون بأن العقل يعلم ~~به الحسن والقبح أكثر من القائلين بأن المعاد يعلم بالعقل قال أبو الخطاب: ~~هو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ومنهم من يقول: المعاد والحسن والقبح لا ~~يعلم إلا بمجرد الخبر وهو قول الأشعري # PageV13P138 # وأصحابه ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي ~~الجويني وأبي الوليد الباجي وغيرهم وكلهم متفقون على أن من العلوم ما يعلم ~~بالعقل والسمع الذي هو مجرد الخبر مثل كون أفعال العباد مخلوقة لله أو غير ~~مخلوقة وكون رؤيته ممكنة أو ممتنعة ونحو ذلك. وكتب أصول الدين لجميع ~~الطوائف مملوءة بالاحتجاج بالأدلة السمعية الخبرية؛ لكن الرازي طعن في ذلك ~~في " المطالب العالية " قال: لأن الاستدلال بالسمع مشروط بأن لا يعارضه ~~قاطع عقلي فإذا عارضه العقلي وجب تقديمه عليه قال: والعلم بانتفاء المعارض ~~العقلي متعذر وهو إنما يثبت بالسمع ما علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به ~~كالمعاد وقد يظن أن هذه طريقة أئمته الواقفة في الوعيد كالأشعري والقاضي ~~أبي بكر وغيرهما وليس كذلك؛ فإن هؤلاء إنما وقفوا في أخبار الوعيد خاصة؛ ~~لأن العموم عندهم لا يفيد القطع أو لأنهم لا يقولون بصيغ العموم وقد تعارضت ~~عندهم الأدلة؛ وإلا فهم يثبتون الصفات الخبرية لله. كالوجه واليد بمجرد ~~السمع والخبر ولم يختلف قول الأشعري في ذلك وهو قول أئمة أصحابه لكن أبو ~~المعالي وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية؛ بل فيهم من ينفيها ومنهم من يقف ~~فيها كالرازي والآمدي فيمكن أن يقال: قول الأشعري ينتزع من قول هؤلاء # PageV13P139 # بأن يقال: لا يعرف أنهم اعتمدوا في الأصول على دليل سمعي؛ لكن يقال: ~~المعاد يحتجون عليه بالقرآن والأحاديث؛ ولكن الرازي هو الذي سلك فيه طريق ~~العلم الضروري أن الرسول جاء به. وفي " الحقيقة " فجميع الأدلة اليقينية ~~توجب ms4216 علما ضروريا والأدلة السمعية الخبرية توجب علما ضروريا بأخبار الرسول؛ ~~لكن منها ما تكثر أدلته كخبر الأخبار المتواترة ويحصل به علم ضروري من غير ~~تعيين دليل وقد يعين الأدلة ويستدل بها وبسط هذا له موضع آخر. و " المقصود ~~هنا " أن يؤخذ من الرسول العلوم الإلهية الدينية سمعيها وعقليها ويجعل ما ~~جاء به هو الأصول لدلالة الأدلة اليقينية البرهانية على أن ما قاله حق جملة ~~وتفصيلا فدلائل النبوة عامتها تدل على ذلك جملة وتفاصيل الأدلة العقلية ~~الموجودة في القرآن والحديث تدل على ذلك تفصيلا. وأيضا فإن الأنبياء والرسل ~~إنما بعثوا بتعريف هذا فهم أعلم الناس به وأحقهم بقيامه وأولاهم بالحق فيه. ~~وأيضا فمن جرب ما يقولونه ويقوله غيرهم وجد الصواب معهم # PageV13P140 # والخطأ مع مخالفيهم كما قال الرازي - مع أنه من أعظم الناس طعنا في ~~الأدلة السمعية حتى ابتدع قولا ما عرف به قائل مشهور غيره وهو أنها لا تفيد ~~اليقين ومع هذا فإنه يقول - لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية ~~فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ ~~في الإثبات {إليه يصعد الكلم الطيب} {الرحمن على العرش استوى} وأقرأ في ~~النفي: {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به علما} قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف ~~مثل معرفتي. وأيضا فمن اعتبر ما عند الطوائف الذين لم يعتصموا بتعليم ~~الأنبياء وإرشادهم وإخبارهم وجدهم كلهم حائرين ضالين شاكين مرتابين أو ~~جاهلين جهلا مركبا فهم لا يخرجون عن المثلين اللذين في القرآن {والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} {أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . # PageV13P141 # فصل: # وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم كما قال مجاهد: أهل البدع ~~والشبهات: يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل ms4217 كما قال فيهم ~~الإمام أحمد قال: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة ~~الكتاب يحتجون بالمتشابه من الكلام ويضلون الناس بما يشبهون عليهم. ~~والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم ثم ~~يعرضون على ذلك القرآن والحديث فإن وافقه احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا وإن ~~خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله وهذا فعل ~~أئمتهم وتارة يعرضون عنه ويقولون: نفوض معناه إلى الله وهذا فعل عامتهم. ~~وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول يجعلون أقوالهم البدعية ~~محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها والمخالف إما كافر وإما جاهل لا يعرف هذا ~~الباب وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول # PageV13P142 # ويجعلون كلام الله ورسوله الذي يخالفها من المتشابه الذي لا يعرف معناه ~~إلا الله أو لا يعرف معناه إلا الراسخون في العلم والراسخون عندهم من كان ~~موافقا لهم على ذلك القول؛ وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات ~~الكتاب وترك المحكم كالنصارى والخوارج وغيرهم؛ إذ كان هؤلاء أخذوا ~~بالمتشابه من كلام الله وجعلوه محكما وجعلوا المحكم متشابها. وأما أولئك - ~~كنفاة الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم وكالفلاسفة - ~~فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه وإن لم يكن معهم ~~من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه ويجعلون ما جاءت به الأنبياء وإن كان ~~صريحا قد يعلم معناه بالضرورة يجعلونه من المتشابه؛ ولهذا كان هؤلاء أعظم ~~مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع حتى قال يوسف بن أسباط وعبد الله بن ~~المبارك وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد: أن الجهمية نفاة الصفات خارجون عن ~~الثنتين وسبعين فرقة قالوا: وأصولها أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة ~~والقدرية. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن في قوله تعالى {منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات} في المتشابهات قولان: # PageV13P143 # " أحدهما " أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس. و " الثاني " - وهو ~~الصحيح - أن التشابه أمر نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره ~~ولكن ms4218 ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد وتلك المتشابهات إذا عرف معناها ~~صارت غير متشابهة؛ بل القول كله محكم كما قال: {أحكمت آياته ثم فصلت} وهذا ~~كقوله: " {الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من ~~الناس} " وكذلك قولهم: {إن البقر تشابه علينا} . وقد صنف أحمد كتابا في " ~~الرد على الزنادقة والجهمية " فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولوه على ~~غير تأويله وفسر تلك الآيات كلها وذمهم على أنهم تأولوا ذلك المتشابه على ~~غير تأويله وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء في تفسيرها؛ مثل الآيات ~~التي سأل عنها نافع بن الأزرق ابن عباس قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية ~~إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عني بها. ومن قال من السلف إن ~~المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضا ومراده بالتأويل ما استأثر ~~الله بعلمه مثل وقت الساعة ومجيء أشراطها ومثل كيفية نفسه وما أعده في ~~الجنة لأوليائه. # PageV13P144 # وكان من أسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم كقوله: (إنا) و ~~(نحن) وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذي له أعوان؛ لم يرد ~~به أن الآلهة ثلاثة فتأويل هذا الذي هو تفسيره يعلمه الراسخون ويفرقون بين ~~ما قيل فيه: إياي وما قيل فيه إنا لدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه؛ إذ ~~كانوا رسله وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده ولهذا لا يقول: فإيانا ~~فاعبدوا ولا إيانا فارهبوا بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية ~~والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها ~~الملائكة قال: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} ونحو ذلك مع أن تأويل هذا - وهو حقيقة ما ~~دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم - لا يعلمه إلا الله ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع. و " المقصود هنا " أن الواجب أن يجعل ما ~~قاله الله ورسوله هو الأصل ويتدبر معناه ms4219 ويعقل ويعرف برهانه ودليله إما ~~العقلي وإما الخبري السمعي ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا وتجعل أقوال ~~الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: ~~يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا فإن أرادوا بها ما # PageV13P145 # يوافق خبر الرسول قبل وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ " ~~المركب " و " الجسم " و " المتحيز " و " الجوهر " و " الجهة " و " العرض " ~~ونحو ذلك ولفظ " الحيز " ونحو ذلك فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب ~~والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح؛ بل ولا في اللغة أيضا بل هم ~~يختصون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ ~~فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى ويبطل ما دل عليه القرآن: بالأدلة العقلية ~~والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وعرف وجه الكلام ~~على أدلتهم فإنها ملفقة من مقدمات مشتركة يأخذون اللفظ المشترك في إحدى ~~المقدمتين بمعنى وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر فهو في صورة اللفظ دليل وفي ~~المعنى ليس بدليل كمن يقول: سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا ~~يتزوجها والذي قال: # أيها المنكح الثريا سهيلا # أراد امرأة اسمها الثريا ورجلا اسمه سهيل. ثم قال: # عمرك الله كيف يلتقيان # PageV13P146 # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان # وهذا لفظ مشترك فجعل يعجبه وإنكاره من الظاهر من جهة اللفظ المشترك وقد ~~بسط الكلام على أدلتهم المفصلة في غير موضع. # والأصل الذي بنى عليه نفاة الصفات وعطلوا ما عطلوه حتى صار منتهاهم إلى ~~قول فرعون الذي جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلمه هو استدلالهم ~~على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من ~~الحوادث ولم تسبقها وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث وهذا أصل ~~قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم وأصل قول المتكلمين الذين ~~أطبقوا على ذمهم وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها أقوال السلف والأئمة في ~~ذم الجهمية وفي ذم هؤلاء ms4220 المتكلمين. # والسلف لم يذموا جنس الكلام. فإن كل آدمي يتكلم ولا ذموا الاستدلال ~~والنظر والجدل الذي أمر الله به رسوله والاستدلال بما بينه الله ورسوله بل ~~ولا ذموا كلاما هو حق؛ بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة ~~وهو المخالف للعقل أيضا وهو الباطل. فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام ~~الباطل وهو المخالف للشرع والعقل. # PageV13P147 # ولكن كثير من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام فمنهم من اعتقده موافقا ~~للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم الخليل استدل به ومن هؤلاء من يجعله أصل ~~الدين ولا يحصل الإيمان أو لا يتم إلا به؛ ولكن من عرف ما جاء به الرسول ~~وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون ~~هذا المسلك فصار من عرف ذلك يعرف أن هذا بدعة وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد؛ ~~بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل؛ لكنه طويل أو يبعد المعرفة أو هو ~~طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه فصاروا يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل ~~والطريق المخيف مع اعتقادهم أنه يوصل إلى المعرفة وأنه صحيح في نفسه. وأما ~~الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل عقلا وشرعا وأنه ليس بطريق موصل ~~إلى المعرفة بل إنما يوصل لمن اعتقد صحته إلى الجهل والضلال ومن تبين له ~~تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك. ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة ~~والشك؛ إذ كان حقيقته أن كل موجود فهو حادث مسبوق بالعدم وليس في الوجود ~~قديم وهذا مكابرة؛ فإن الوجود مشهود وهو إما حادث وإما قديم والحادث لا بد ~~له من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين. # PageV13P148 # وكذلك ما ابتدعه في هذه الطريق ابن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن ~~على الواجب أبطل من ذلك كما قد بسط ذلك في غير هذا الموضع وحقيقته أن كل ~~موجود فهو ممكن ليس في الوجود موجود بنفسه مع أنهم جعلوا هذا طريقا لإثبات ~~الواجب بنفسه كما يجعل أولئك هذا طريقا لإثبات القديم وكلاهما يناقض ثبوت ~~القديم والواجب فليس في ms4221 واحد منهما إثبات قديم ولا واجب بنفسه مع أن ثبوت ~~موجود قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة. ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن ~~الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه وقالوا: هو الله. وأنكروا أن يكون ~~للعالم رب مباين للعالم؛ إذ كان ثبوت القديم الواجب بنفسه لا بد منه على كل ~~قول وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ينكر هذا الوجود المشهود فلما كان ~~حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن ~~هذا يلزمهم؛ بل يظنون أنهم أقاموا الدليل على إثبات القديم الواجب بنفسه. ~~ولكن وصفوه بصفات الممتنع فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو صفة ولا ~~موصوف ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تستلزم عدمه وكان هذا ~~مما تنفر عنه العقول والفطر ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة ~~الموجود فدليلهم في نفس # PageV13P149 # الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم ~~والواجب وهذا الذي أثبتوه هو ممتنع فما أثبتوا قديما ولا واجبا. فجاء آخرون ~~من جهميتهم فرأوا هذا مكابرة ولا بد من إثبات القديم والواجب فقالوا: هو ~~هذا العالم فكان قدماء الجهمية يقولون: إنه بذاته في كل مكان وهؤلاء قالوا: ~~هو عين الموجودات والموجود القديم الواجب هو نفس الموجود المحدث الممكن ~~والحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه وأما ~~حقيقة قولهم فهو النفي أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولكن هذا لم تسمعه ~~الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم؛ ولهذا كان الأئمة يحكون عن ~~الجهمية أنه في كل مكان ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية وشاع عند الناس ~~أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام: جهمية الأوصاف إلا أنها قد ~~حليت بمحاسن الأشياء وهم لم يقصدوا نفي القديم والواجب فإن هذا لا يقصده ~~أحد من العقلاء لا مسلم ولا كافر؛ إذ كان خلاف ما يعلمه كل أحد ببديهة عقله ~~فإنه إذا قدر أن جميع الموجودات حادثة عن عدم ms4222 لزم أن كل الموجودات حدثت ~~بأنفسها ومن المعلوم ببداهة العقول أن الحادث # PageV13P150 # لا يحدث بنفسه؛ ولهذا قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ~~وقد قيل: {أم خلقوا من غير شيء} من غير رب خلقهم وقيل: من غير مادة وقيل: ~~من غير عاقبة وجزاء والأول مراد قطعا فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلا ~~بد له من خالق. ومعرفة الفطر أن المحدث لا بد له من محدث أظهر فيها من أن ~~كل محدث لا بد له من مادة خلق منها وغاية خلق لها فإن كثيرا من العقلاء ~~نازع في هذا وهذا ولم ينازع في الأول. طائفة قالت: إن هذا العالم حدث من ~~غير محدث أحدثه؛ بل من الطوائف من قال: إنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له ~~صانع وأما أن يقول: إنه محدث حدث بنفسه بلا صانع فهذا لا يعرف عن طائفة ~~معروفة وإنما يحكى عمن لا يعرف. ومثل هذا القول وأمثاله يقوله من يقوله ممن ~~حصل له فساد في عقله صار به إلى السفسطة والسفسطة تعرض لآحاد الناس وفي بعض ~~الأمور؛ ولكن أمة من الأمم كلهم سوفسطائية في كل شيء هذا لا يتصور؛ فلهذا ~~لا يعرف عن أمة من الأمم أنهم قالوا بحدوث العالم من غير محدث. وهؤلاء لما ~~اعتقدوا أن كل موصوف أو كل ما قامت به صفة أو # PageV13P151 # فعل بمشيئته فهو محدث وممكن لزمهم القول بحدوث كل موجود؛ إذ كان الخالق ~~جل جلاله متصفا بما يقوم به من الصفات والأمور الاختياريات مثل أنه متكلم ~~بمشيئته وقدرته ويخلق ما يخلقه بمشيئته وقدرته؛ لكن هؤلاء اعتقدوا انتفاء ~~هذه الصفات عنه؛ لاعتقادهم صحة القول بأن ما قامت به الصفات والحوادث فهو ~~حادث؛ لأن ذلك لا يخلو من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وإذا كان ~~حادثا كان له محدث قديم واعتقدوا أنهم أثبتوا الرب وأنه ذات مجردة عن ~~الصفات ووجوده مطلق لا يشار إليه ولا يتعين. ويقولون: هو بلا إشارة ولا ~~تعيين وهذا الذي ms4223 أثبتوه لا حقيقة له في الخارج وإنما هو في الذهن فكان ما ~~أثبتوه واعتقدوا أنه الصانع للعالم إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان ~~وكان حقيقة قولهم تعطيل الصانع. فجاء إخوانهم في أصل المقالة. وقالوا: هذا ~~الوجود المطلق المجرد عن الصفات هو الوجود الساري في الموجودات فقالوا ~~بحلوله في كل شيء. وقال آخرون منهم: هو وجود كل شيء ومنهم من فرق بين ~~الوجود والثبوت ومنهم من فرق بين التعيين والإطلاق ومنهم من جعله في العالم ~~كالمادة في الصورة ومنهم من جعله في العالم كالزبد في # PageV13P152 # اللبن وكالزيت والشيرج في السمسم والزيتون وقد بسط الكلام على هؤلاء في ~~غير هذا الموضع. و " المقصود هنا " أن الأصل الذي أضلهم قولهم ما قامت به ~~الصفات والأفعال والأمور الاختيارية أو الحوادث فهو حادث ثم قالوا: والجسم ~~لا يخلو من الحوادث وأثبتوا ذلك بطرق منهم من قال: لا يخلو عن الأكوان ~~الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ومنهم من قال: لا يخلو عن ~~الحركة والسكون فقط ومنهم من قال: لا يخلو عن الأعراض والأعراض كلها حادثة ~~وهي لا تبقى زمانين وهذه طريقة الآمدي وزعم أن أكثر أصحاب الأشعرية اعتمدوا ~~عليها والرازي اعتمد على طريقة الحركة والسكون. وقد بسط الكلام على هذه ~~الطرق وجميع ما احتجوا به على حدوث الجسم وإمكانه وذكرنا في ذلك كلامهم هم ~~أنفسهم في فساد جميع هذه الطرق وأنهم هم بينوا فساد جميع ما استدل به على ~~حدوث الجسم وإمكانه وبينوا فسادها طريقا طريقا بما ذكروه كما قد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع. وأما الهشامية والكرامية وغيرهم ممن يقول بأنه جسم قديم ~~فقد شاركوهم في أصل هذه المقالة؛ لكن لم يقولوا بحدوث كل جسم ولا # PageV13P153 # قالوا: إن الجسم لا ينفك عن الحوادث؛ إذ كان القديم عندهم جسما قديما وهو ~~خال من الحوادث وقد قيل: أول من قال في الإسلام أن القديم جسم هو هشام بن ~~الحكم كما أن أول من أظهر في الإسلام نفي الجسم هو الجهم بن صفوان. # وكلام السلف والأئمة ms4224 في ذم الجهمية كثير مشهور فإن مرض التعطيل شر من مرض ~~التجسيم وإنما كان السلف يذمون المشبهة كما قال الإمام أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه وإسحاق بن راهويه وغيرهما قالوا: المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري ~~ويد كيدي وقدم كقدمي وابن كلاب ومن تبعه أثبتوا الصفات التي لا تتعلق ~~بمشيئته وقدرته فأما التي تتعلق بمشيئته وقدرته فينفونها قالوا لأنها حادثة ~~ولو قامت به الحوادث لكان حادثا لأن ما قبل الشيء لم يخل عنه وعن ضده فلو ~~قبل بعض هذه الحوادث لم يخل منه ومن ضده فلم يخل من الحوادث فيكون حادثا. و ~~" محمد بن كرام " كان بعد ابن كلاب في عصر مسلم بن الحجاج أثبت أنه يوصف ~~بالصفات الاختياريات ويتكلم بمشيئته وقدرته؛ ولكن عنده يمتنع أنه كان في ~~الأزل متكلما بمشيئته وقدرته؛ لامتناع حوادث لا أول لها فلم يقل بقول السلف ~~إنه لم يزل متكلما إذا شاء بل قال: إنه صار يتكلم بمشيئته وقدرته كما صار ~~يفعل بمشيئته وقدرته بعد أن لم يكن كذلك. وقال: هو وأصحابه في المشهور عنه: # PageV13P154 # إن الحوادث التي تقوم به لا يخلو منها ولا يزول عنها؛ لأنه لو قامت به ~~الحوادث ثم زالت عنه كان قابلا لحدوثها وزوالها وإذا كان قابلا لذلك لم يخل ~~منه وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وإنما يقبل على أصلهم أنه تقوم به ~~الحوادث فقط كما يقبل أن يفعلها ويحدثها ولا يلزم من ذلك أنها لم تخل منه ~~كما لم يلزم أنه لم يزل فاعلا لها والحدوث عندهم غير الإحداث والقرآن عندهم ~~حادث لا محدث؛ لأن المحدث يفتقر إلى إحداث بخلاف الحدوث. وهم إذا قالوا: ~~كان خاليا منها في الأزل وكان ساكنا لم يقولوا إنه قام به حادث؛ بل يقولون ~~السكون أمر عدمي كما يقوله الفلاسفة؛ ولكن الحركة أمر وجودي؛ بخلاف ما ~~يقوله من يقوله من المعتزلة والأشعرية: إن السكون أمر وجودي كالحركة فإذا ~~حصل به حادث لم يكن ثم عدم هذا الحادث فإنما يعدم الحادث بإحداث يقوم به ms4225 ~~وهذا ممتنع وهم يقولون: إنه يمتنع عدم الجسم وعندهم أن الباري يقوم به ~~إحداث المخلوقات وإفناؤها فالحوادث التي تقوم بهم تقوم به لو أفناها لقام ~~به الإحداث والإفناء فكان قابلا لأن يحدث فيه حادث ويفنى ذلك الحادث وما ~~كان كذلك لم يخل من إحداث وإفناء فلم يخل من الحوادث وما لم يخل منها فهو ~~حادث وإنما كان كذلك لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده كما قالت ~~الكلابية؛ لكن المعتزلة يقولون: # PageV13P155 # السكون ضد الحركة فالقابل لأحدهما لا يخلو عنه وعن الآخر. وهؤلاء يقولون: ~~السكون ليس بضد وجودي؛ بل هو عدمي وإنما الوجودي هو الإحداث والإفناء فلو ~~قبل قيام الإحداث والإفناء به لكان قابلا لقيام الأضداد الوجودية والقابل ~~للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وهؤلاء لما أراد منازعوهم إبطال قولهم كان ~~عمدتهم بيان تناقض أقوالهم كما ذكر ذلك أبو المعالي وأتباعه وكما ذكر ~~الآمدي تناقضهم من وجوه كثيرة. قد ذكرت في غير هذا الموضع وغايتهما أنها ~~تدل على مناقضتهم لا على صحة مذهب المنازع. وثم طائفة كثيرة تقول: إنه تقوم ~~به الحوادث وتزول وإنه كلم موسى بصوت وذلك الصوت عدم وهذا مذهب أئمة السنة ~~والحديث من السلف وغيرهم وأظن الكرامية لهم في ذلك قولان وإلا فالقول بفناء ~~الصوت الذي كلم به موسى من جنس القول بقدمه كما يقول ذلك من يقوله من أهل ~~الكلام والحديث والفقه من السالمية وغيرهم ومن الحنبلية والشافعية ~~والمالكية يقول: إنه كلم موسى بصوت سمعه موسى وذلك الصوت قديم وهذا القول ~~يعرف فساده ببديهة العقل وكذلك قول من يقول كلمه بصوت حادث وأن ذلك الصوت ~~باق لا يزال هو وسائر ما يقوم به من الحوادث هي أقوال يعرف فسادها ~~بالبديهة. # PageV13P156 # وإنما أوقع هذه الطوائف في هذه الأقوال ذلك الأصل الذي تلقوه عن الجهمية ~~وهو أن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث وهو باطل عقلا وشرعا وهذا الأصل فاسد ~~مخالف للعقل والشرع وبه استطالت عليهم الفلاسفة الدهرية فلا للإسلام نصروا ~~ولا لعدوه كسروا. بل قد خالفوا ms4226 السلف والأئمة وخالفوا العقل والشرع وسلطوا ~~عليهم وعلى المسلمين عدوهم من الفلاسفة والدهرية والملاحدة بسبب غلطهم في ~~هذا الأصل الذي جعلوه أصل دينهم ولو اعتصموا بما جاء به الرسول لوافقوا ~~المنقول والمعقول وثبت لهم الأصل؛ ولكن ضيعوا الأصول فحرموا الوصول؛ ~~والأصول اتباع ما جاء به الرسول. وأحدثوا أصولا ظنوا أنها أصول ثابتة وكانت ~~كما ضرب الله المثلين: مثل البناء والشجرة. فقال في المؤمنين والمنافقين: ~~{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} وقال: {ضرب ~~الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} {تؤتي أكلها ~~كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} {ومثل كلمة ~~خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} والأصول مأخوذة # PageV13P157 # من أصول الشجرة وأساس البناء؛ ولهذا يقال فيه الأصل ما ابتني عليه غيره ~~أو ما تفرع عنه غيره. فالأصول الثابتة هي أصول الأنبياء كما قيل: # أيها المغتدي لتطلب علما ... كل علم عبد لعلم الرسول # تطلب الفرع كي تصحح حكما ... ثم أغفلت أصل أصل الأصول # والله يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ~~وهذه الأصول ينبني عليها ما في القلوب ويتفرع عليها وقد ضرب الله مثل ~~الكلمة الطيبة التي في قلوب المؤمنين ومثل الكلمة الخبيثة التي في قلوب ~~الكافرين. و (الكلمة هي قضية جازمة وعقيدة جامعة ونبينا صلى الله عليه وسلم ~~أوتي فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه؛ فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية ~~والآخرية على أتم قضية فالكلمة الطيبة في قلوب المؤمنين - وهي العقيدة ~~الإيمانية التوحيدية - كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فأصل أصول ~~الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبات أصل الشجرة الطيبة وفرعها في السماء ~~{إليه يصعد الكلم الطيب ms4227 والعمل الصالح # PageV13P158 # يرفعه} والله سبحانه مثل الكلمة الطيبة أي: كلمة التوحيد بشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء. فبين بذلك أن الكلمة الطيبة لها أصل ثابت في ~~قلب المؤمن ولها فرع عال وهي ثابتة في قلب ثابت كما قال يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فالمؤمن عنده يقين ~~وطمأنينة والإيمان في قلبه ثابت مستقر وهو في نفسه ثابت على الإيمان مستقر ~~لا يتحول عنه والكلمة الخبيثة {كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض} استؤصلت ~~واجتثت كما يقطع الشيء يجتث من فوق الأرض {ما لها من قرار} لا مكان تستقر ~~فيه ولا استقرار في المكان؛ فإن القرار يراد به مكان الاستقرار كما قال ~~تعالى: {وبئس القرار} وقال: {جعل لكم الأرض قرارا} . ويقال: فلان ما له ~~قرار أي ثبات وقد فسر القرار في الآية بهذا وهذا فالمبطل ليس قوله ثابتا في ~~قلبه ولا هو ثابت فيه ولا يستقر كما قال تعالى في المثل الآخر: {فأما الزبد ~~فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} فإنه وإن اعتقده مدة فإنه ~~عند الحقيقة يخونه كالذي يشرك بالله فعند الحقيقة يضل عنه ما كان يدعو من ~~دون الله. وكذلك الأفعال الباطلة التي يعتقدها الإنسان عند الحقيقة تخونه ~~ولا تنفعه بل هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها # PageV13P159 # من قرار فمن كان معه كلمة طيبة أصلها ثابت كان له فرع في السماء يوصله ~~إلى الله فإنه سبحانه {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ومن لم ~~يكن معه أصل ثابت فإنه يحرم الوصول؛ لأنه ضيع الأصول؛ ولهذا تجد أهل البدع ~~والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى: {له دعوة الحق والذين ~~يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} . # والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب؛ بأن يكون هو المعبود وحده لا شريك ~~له وإنما يعبد بما أمر به على ألسن رسله. ms4228 وأصل عبادته معرفته بما وصف به ~~نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ ولهذا كان مذهب السلف أنهم يصفون الله بما ~~وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته ~~ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته. والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة ~~{ما قدروا الله حق قدره} في ثلاث مواضع؛ ليثبت عظمته في نفسه وما يستحقه من ~~الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وليثبت ما أنزله على # PageV13P160 # رسله فقال في الزمر: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة} الآية. وقال في الحج: {ضعف الطالب والمطلوب} {ما قدروا الله حق ~~قدره} وقال في الأنعام: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء} . وفي المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار ~~فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن ~~يتقيه حق تقاته وأن يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق ~~جهاده} وقال: {اتقوا الله حق تقاته} والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل ~~مراد أي حق جهاده الذي أمركم به وحق تقاته التي أمركم بها واقدروه قدره ~~الذي بينه لكم وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر. ~~وأما ما يخرج عن طاقة البشر فذلك لا يذم أحد على تركه قالت عائشة: فاقدروا ~~قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. ودلت الآية على أن له قدرا ~~عظيما؛ لا سيما قوله: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه} وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره. # PageV13P161 # وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~هذه الآية ms4229 لما ذكر له بعض اليهود أن الله يحمل السموات على أصبع والأرضين ~~على أصبع والجبال على أصبع والشجر والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع؛ ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقول الحبر وقرأ هذه ~~الآية. وعن ابن عباس {قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~أبا القاسم ما تقول إذا وضع الله السماء على ذه؟ والأرض على ذه والجبال ~~والماء على ذه وسائر الخلق على ذه؟ فأنزل الله تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} } رواه ~~الإمام أحمد بن حنبل والترمذي من حديث أبي الضحى عن ابن عباس وقال غريب حسن ~~صحيح. وهذا يقتضي أن عظمته أعظم مما وصف ذلك الحبر فإن الذي في الآية أبلغ ~~كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {يقبض ~~الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك ~~الأرض} ؟ وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى. ثم يقول: أين ~~الملوك؟ أين الجبارون؟ # PageV13P162 # أين المتكبرون} ؟ " ورواه مسلم أبسط من هذا وذكر فيه أنه يأخذ الأرض بيده ~~الأخرى. وقد روى ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا عمرو بن رافع ثنا يعقوب بن عبد ~~الله عن جعفر عن سعيد بن جبير قال: تكلمت اليهود في صفة الرب تبارك وتعالى ~~فقالوا ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه: {وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} فجعل صفته التي وصفوه بها شركا. وقال: حدثنا أبي ثنا ~~أبو نعيم ثنا الحكم يعني أبا معاذ عن الحسن قال: عمدت اليهود فنظروا في خلق ~~السموات والأرض والملائكة فلما فرغوا أخذوا يقدرونه فأنزل الله تعالى على ~~نبيه: {وما قدروا الله حق قدره} وهذا يدل على أنه أعظم مما وصفوه وأنهم لم ~~يقدروه حق ms4230 قدره. وقوله: {عما يشركون} فكل من جعل مخلوقا مثلا للخالق في شيء ~~من الأشياء فأحبه مثل ما يحب الخالق أو وصفه بمثل ما يوصف به الخالق فهو ~~مشرك سوى بين الله وبين المخلوق في شيء من الأشياء فعدل بربه. والرب تعالى ~~لا كفؤ له ولا سمي له ولا مثل له ومن # PageV13P163 # جعله مثل المعدوم والممتنع فهو شر من هؤلاء فإنه معطل ممثل والمعطل شر من ~~المشرك. والله ثنى قصة فرعون في القرآن في غير موضع؛ لاحتياج الناس إلى ~~الاعتبار بها فإنه حصل له من الملك ودعوى الربوبية والإلهية والعلو ما لم ~~يحصل مثله لأحد من المعطلين وكانت عاقبته إلى ما ذكر الله تعالى # وليس لله صفة يماثله فيها غيره؛ فلهذا لم يجز أن يستعمل في حقه قياس ~~التمثيل ولا قياس الشمول الذي تستوي أفراده فإن ذلك شرك؛ إذ سوي فيه ~~بالمخلوق؛ بل قياس الأولى. فإنه سبحانه له المثل الأعلى في السموات والأرض ~~فهو أحق من غيره بصفات الكمال وأحق من غيره بالتنزيه عن صفات النقص. وقد ~~بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع وبين أن من جعله الوجود المطلق والمقيد ~~بالسلب أو ذاتا مجردة فهؤلاء مثلوه بأنقص المعقولات الذهنية وجعلوه دون ~~الموجودات الخارجية. والنفاة الذين قصدوا إثبات حدوث العالم بإثبات حدوث ~~الجسم لم يثبتوا بذلك حدوث شيء كما قد بين في موضعه. # ثم إنهم جعلوا عمدتهم في تنزيه الرب عن النقائص على نفي الجسم ومن سلك ~~هذا المسلك لم ينزه الله عن شيء من النقائص ألبتة فإنه # PageV13P164 # ما من صفة ينفيها لأنها تستلزم التجسيم وتكون من صفات الأجسام إلا يقال ~~له فيما أثبته نظير ما يقوله هو في نفس تلك الصفة. فإن كان مثبتا لبعض ~~الصفات قيل له: القول في هذه الصفة التي تنفيها كالقول فيما أثبته فإن كان ~~هذا تجسيما وقولا باطلا فهذا كذلك وإن قلت: أنا أثبت هذا على الوجه الذي ~~يليق بالرب قيل له: وكذلك هذا. وإن قلت: أنا أثبته وأنفي التجسيم. قيل: ~~وهذا كذلك فليس لك ms4231 أن تفرق به بين المتماثلين. وإن كان ممن يثبت الأسماء ~~وينفي الصفات كالمعتزلة قيل له في الصفات ما يقوله هو في الأسماء فإذا كان ~~يثبت حيا عالما قادرا وهو لا يعرف من هو متصف بذلك إلا جسما كان إثبات أن ~~له علما وقدرة كما نطق به الكتاب والسنة كذلك. وإن كان ممن لا يثبت لا ~~الأسماء ولا الصفات كالجهمية المحضة والملاحدة قيل له: فلا بد أن تثبت ~~موجودا قائما بنفسه وأنت لا تعرف ذلك إلا جسما وإن قال: لا أسميه باسم لا ~~إثبات ولا نفي. قيل له: سكوتك لا ينفي الحقائق ولا واسطة بين النفي ~~والإثبات فإما أن يكون حقا ثابتا موجودا وإما أن يكون باطلا معدوما. # PageV13P165 # وأيضا فإن كنت لم تعرفه فأنت جاهل فلا تتكلم وإن عرفته فلا بد أن تميز ~~بينه وبين غيره بما يختص به مثل أن تقول: رب العالمين أو القديم الأزلي أو ~~الموجود بنفسه ونحو ذلك وحينئذ فقد أثبت حيا موجودا قائما بنفسه وأثبته ~~فاعلا وأنت لا تعرف ما هو كذلك إلا الجسم. وإن قدر أنه جاحد له قيل له: ~~فهذا الوجود مشهود فإن كان قديما أزليا موجودا بنفسه فقد يثبت جسم قديم ~~أزلي موجود بنفسه وهو ما فررت منه وإن كان مخلوقا مصنوعا فله خالق خلقه ولا ~~بد أن يكون قديما أزليا؛ فقد ثبت الموجود القائم بنفسه القديم الأزلي على ~~كل تقدير. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. وهنا قد نبهنا على ذلك هو أنه كل ~~من بنى تنزيهه للرب عن النقائص والعيوب على نفي الجسم فإنه لا يمكنه أن ~~ينزهه عن عيب أصلا بهذه الحجة وكذلك من جعل عمدته نفي التركيب. ومن تدبر ما ~~ذكروه في كتبهم تبين له أنهم لم يقيموا حجة على وجوده فلا هم أثبتوه ~~وأثبتوا له ما يستحقه ولا نزهوه ونفوا عنه ما لا يجوز عليه؛ إذ كان إثباته ~~هو إثبات حدوث الجسم ولم يقيموا على ذلك دليلا والنفي اعتمدوا فيه على ذلك ~~وهم متناقضون فيه لو # PageV13P166 # كانوا أقاموا ms4232 دليلا على نفي كونه جسما فكيف إذا لم يقيموا على ذلك دليلا ~~وتناقضوا. وهذا مما يتبين لك أن من خرج عن الكتاب والسنة فليس معه علم لا ~~عقلي ولا سمعي؛ لا سيما في هذا المطلوب الأعظم لكنهم قد يكونون معتقدين ~~لعقائد صحيحة عرفوها بالفطرة العقلية وبما سمعوه من القرآن ودين المسلمين ~~فقلوبهم تثبت ما تثبت وتنفي ما تنفي بناء على هذه الفطرة المكملة بالشرعة ~~المنزلة؛ لكنهم سلكوا هذه الطرق البدعية وليس فيها علم أصلا؛ ولكن يستفاد ~~من كلامهم إبطال بعضهم لقول المبطل الآخر وبيان تناقضه. ولهذا لما ذكروا ~~المقالات الباطلة في الرب جعلوا يردونها بأن ذلك تجسيم كما فعل القاضي أبو ~~بكر في هداية المسترشدين وغيره فلم يقيموا حجة على أولئك المبطلين وردوا ~~كثيرا مما يقول اليهود بأنه تجسيم وقد كان اليهود عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة وكانوا أحيانا يذكرون له بعض الصفات كحديث الحبر وقد ذم الله ~~اليهود على أشياء كقولهم: (إن الله فقير وإن يده مغلولة وغير ذلك ولم يقل ~~النبي صلى الله عليه وسلم قط إنهم يجسمون ولا أن في التوراة تجسيما ولا ~~عابهم بذلك ولا رد هذه الأقوال الباطلة بأن هذا تجسيم كما فعل ذلك من فعله ~~من النفاة. # PageV13P167 # فتبين أن هذه الطريقة مخالفة للشرع والعقل وأنها مخالفة لما بعث الله به ~~رسوله ولما فطر عليه عباده وأن أهلها من جنس الذين قالوا {لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . وقد بينا في غير هذا الموضع فساد ما ذكره ~~الرازي من أن طريقة الوجوب والإمكان من أعظم الطرق وبينا فسادها وأنها لا ~~تفيد علما وأنهم لم يقيموا دليلا على إثبات واجب الوجود وأن طريقة الكمال ~~أشرف منها وعليها اعتماد العقلاء قديما وحديثا وهو قد اعترف في آخر عمره ~~بأنه قد تأمل الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ووجد أقرب الطرق طريقة القرآن. وطريقة الوجوب والإمكان لم ~~يسلكها أحد قبل ابن سينا وهو أخذها من كلام المتكلمين ms4233 الذين قسموا الوجود ~~إلى محدث وقديم فقسمه هو إلى واجب وممكن؛ ليمكنه القول بأن الفلك ممكن مع ~~قدمه وخالف بذلك عامة العقلاء من سلفه وغير سلفه وخالف نفسه فإنه قد ذكر في ~~المنطق ما ذكره سلفه من أن الممكن لا يكون إلا محدثا كما قد بسط الكلام ~~عليه في غير هذا الموضع. ثم إن هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة انتهت بهم ~~إلى قول فرعون؛ فإن # PageV13P168 # فرعون جحد الخالق وكذب موسى في أن الله كلمه وهؤلاء ينتهي قولهم إلى جحد ~~الخالق وإن أثبتوه قالوا إنه لا يتكلم ولا نادى أحدا ولا ناجاه. وعمدتهم في ~~نفي ذاته على نفي الجسم. وفي نفي كلامه وتكليمه لموسى على أنه لا تحله ~~الحوادث فلا يبقى عندهم رب ولا مرسل؛ فحقيقة قولهم يناقض شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فإن الرسول هو المبلغ لرسالة مرسله والرسالة ~~هي كلامه الذي بعثه به فإذا لم يكن متكلما لم تكن رسالة. ولهذا اتفق ~~الأنبياء على أن الله يتكلم ومن لم يقل إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما ~~يقوم بذاته لم يقل إنه يتكلم والنفاة منهم من يقول: الكلام صفة فعل بمعنى ~~أنه مخلوق بائن عنه ومنهم من يقول: هو صفة ذات بمعنى أنه كالحياة يقوم ~~بذاته وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته وكل طائفة مصيبة في إبطال باطل الأخرى. ~~والدليل يقوم على أنه صفة ذات وفعل تقوم بذات الرب والرب يتكلم بمشيئته ~~وقدرته فأدلة من قال: إنه صفة فعل كلها إنما تدل على أنه يتكلم بقدرته ~~ومشيئته وهذا حق وأدلة من قال إنه صفة ذات إنما تدل على أن كلامه يقوم ~~بذاته وهذا حق وأما من أثبت أحدهما # PageV13P169 # كمن قال إن كلامه مخلوق أو قال إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته فهؤلاء في ~~الحقيقة لم يثبتوا أنه يتكلم ولا أثبتوا له كلاما؛ ولهذا يقولون: ما لا ~~يعقل. هذا يقول: إنه معنى واحد قام بالذات وهذا يقول: حروف أو حروف وأصوات ~~قديمة أزلية لازمة لذاته وهذا يقول: مخلوق بائن ms4234 عنه. ولهذا لما ظهر لطائفة ~~من أتباعهم ما في قولهم من الفساد ولم يعرفوا عين هذه الأقوال الثلاثة ~~حاروا وتوقفوا وقالوا: نحن نقر بما عليه عموم المسلمين من أن القرآن كلام ~~الله وأما كونه مخلوقا أو بحرف وصوت أو معنى قائم بالذات فلا نقول شيئا من ~~هذا. ومعلوم أن الهدى في هذه الأصول ومعرفة الحق فيها هو معرفة ما جاء به ~~الرسول وهو الموافق لصريح المعقول أنفع وأعظم من كثير مما يتكلمون فيه من ~~العلم لا سيما والقلوب تطلب معرفة الحق في هذه بالفطرة ولما قد رأوا من ~~اختلاف الناس فيها. وهؤلاء يذكرون هذا الوقف في عقائدهم وفيما صنفوه في ~~أصول الدين كما قد رأيت منهم من أكابر شيوخ العلم والدين بمصر والشام قد ~~صنفوا في أصول الدين ما صنفوه ولما تكلموا في " مسألة القرآن " وهل هو ~~مخلوق؟ أو قديم؟ أو هو الحروف والأصوات؟ أو معنى قائم بالذات؟ نهوا عن هذه ~~الأقوال وقالوا: الواجب أن يقال ما قاله # PageV13P170 # المسلمون كلهم: أن القرآن كلام الله ويمسك عن هذه الأقوال. وهؤلاء توقفوا ~~عن حيرة وشك ولهم رغبة في العلم والهدى والدين وهم من أحرص الناس على معرفة ~~الحق في ذلك وغيره لكن لم يعلموا إلا هذه الأقوال الثلاثة: قول المعتزلة ~~والكلابية والسالمية وكل طائفة تبين فساد قول الأخرى وفي كل قول من الفساد ~~ما يوجب الامتناع من قبوله ولم يعلموا قولا غير هذه فرضوا بالجهل البسيط ~~وكان أحب إليهم من الجهل المركب وكان أسباب ذلك أنهم وافقوا هؤلاء على أصل ~~قولهم ودينهم وهو الاستدلال على حدوث الأجسام وحدوث العالم بطريقة أهل ~~الكلام المبتدع كما سلكها من ذكرته من أجلاء شيوخ أهل العلم والدين ~~والاستدلال على إمكانها بكونها مركبة كما سلك الشيخ الآخر وهذا ينفي عن ~~الواجب أن يكون جسما بهذه الطريقة وذلك نفي عنه أنه جسم بتلك الطريقة وحذاق ~~النظار الذين كانوا أخبر بهذه الطرق وأعظم نظرا واستدلالا بها وبغيرها قد ~~عرفوا فسادها كما قد بسط في غير هذا الموضع. # والله سبحانه ms4235 قد أخبر أنه {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله} وأخبر " أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا " والله سبحانه ~~يجزي الإنسان بجنس عمله فالجزاء من جنس العمل؛ فمن خالف الرسل عوقب بمثل ~~ذنبه؛ فإن كان قد قدح فيهم # PageV13P171 # ونسب ما يقولونه إلى أنه جهل وخروج عن العلم والعقل ابتلي في عقله وعلمه ~~وظهر من جهله ما عوقب به. ومن قال عنهم إنهم تعمدوا الكذب أظهر الله كذبه ~~ومن قال: إنهم جهال أظهر الله جهله ففرعون وهامان وقارون لما قالوا عن موسى ~~إنه ساحر كذاب أخبر الله بذلك عنهم في قوله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~وسلطان مبين} {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} وطلب فرعون ~~إهلاكه بالقتل وصار يصفه بالعيوب كقوله: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ~~ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} . وقال: {أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} أهلك الله فرعون وأظهر كذبه ~~وافتراءه على الله وعلى رسله وأذله غاية الإذلال وأعجزه عن الكلام النافع؛ ~~فلم يبين حجة وفرعون هذه الأمة أبو جهل كان يسمى أبا الحكم ولكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سماه أبا جهل وهو كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبو جهل أهلك به نفسه وأتباعه في الدنيا والآخرة. والذين قالوا عن الرسول ~~إنه أبتر وقصدوا أنه يموت فينقطع ذكره عوقبوا بانبتارهم كما قال تعالى: {إن ~~شانئك هو الأبتر} فلا يوجد من شنأ الرسول إلا بتره الله حتى أهل البدع ~~المخالفون لسنته. قيل لأبي بكر بن عياش إن بالمسجد قوما يجلسون للناس ~~ويتكلمون بالبدعة # PageV13P172 # فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم وأهل ~~البدعة يموتون ويموت ذكرهم. # وهؤلاء المشبهون لفرعون الجهمية نفاة الصفات الذين وافقوا فرعون في جحده ~~وقالوا إنه ليس فوق السموات وإن الله لم يكلم موسى تكليما كما قال فرعون: ~~{وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب ms4236 السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} . وكان فرعون جاحدا للرب فلولا أن ~~موسى أخبره أن ربه فوق العالم لما قال: {فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} قال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون ~~إلا في تباب} وقال تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله ~~غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ~~وإني لأظنه من الكاذبين} {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون} {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين} {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ~~{وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} . ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم لما عرج به إلى ربه وفرض عليه الصلوات # PageV13P173 # الخمس ذكر أنه رجع إلى موسى وأن موسى قال له: ارجع إلى ربك فسله التخفيف ~~إلى أمتك كما تواتر هذا في أحاديث المعراج فموسى صدق محمدا في أن ربه فوق ~~وفرعون كذب موسى في أن ربه فوق فالمقرون بذلك متبعون لموسى ومحمد والمكذبون ~~بذلك موافقون لفرعون. وهذه الحجة مما اعتمد عليها غير واحد من النظار وهي ~~مما اعتمد عليها أبو الحسن الأشعري في كتابه " الإبانة " وذكر عدة أدلة ~~عقلية وسمعية على أن الله فوق العالم وقال في أوله: فإن قال قائل: قد ~~أنكرتم قول الجهمية والقدرية والخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة فعرفونا ~~قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول ~~به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا وما جاء عن ~~الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن ~~حنبل بن محمد بن حنبل قائلون ولما خالف قوله مجانبون فإنه الإمام الكامل ~~والرئيس الفاضل الذي أبان الله به الحق وأوضح به المناهج وقمع به بدع ~~المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين؛ فرحمه الله من إمام مقدم # PageV13P174 # وكبير مفهم وعلى جميع ms4237 أئمة المسلمين. وذكر جملة الاعتقاد والكلام على علو ~~الله على العرش وعلى الرؤية ومسألة القرآن ونحو ذلك وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع. و " المقصود هنا " أن المعطلة نفاة الصفات أو نفاة بعضها لا ~~يعتمدون في ذلك على ما جاء به الرسول؛ إذ كان ما جاء به الرسول إنما يتضمن ~~الإثبات لا النفي؛ لكن يعتمدون في ذلك على ما يظنونه أدلة عقلية ويعارضون ~~بذلك ما جاء به الرسول. وحقيقة قولهم أن الرسول لم يذكر في ذلك ما يرجع ~~إليه لا من سمع ولا عقل فلم يخبر بذلك خبرا بين به الحق على زعمهم ولا ذكر ~~أدلة عقلية تبين الصواب في ذلك على زعمهم بخلاف غير هذا فإنهم معترفون بأن ~~الرسول ذكر في القرآن أدلة عقلية على ثبوت الرب وعلى صدق الرسول. وقد ~~يقولون أيضا: إنه أخبر بالمعاد؛ لكن نفوا الصفات لما رأوا أن ما ذكروه من ~~النفي لم يذكره الرسول فلم يخبر به ولا ذكر دليلا عقليا عليه؛ بل إنما ذكر ~~الإثبات وليس هو في نفس الأمر حقا فأحوج الناس إلى التأويل أو التفويض فلما ~~نسبوا ما جاء به الرسول إلى أنه ليس فيه لا دليل سمعي ولا عقلي، لا خبر ~~يبين الحق ولا # PageV13P175 # دليل يدل عليه عاقبهم الله بجنس ذنوبهم فكان ما يقولونه في هذا الباب ~~خارجا عن العقل والسمع مع دعواهم أنه من العقليات البرهانية فإذا اختبره ~~العارف وجده من الشبهات الشيطانية من جنس شبهات أهل السفسطة والإلحاد الذين ~~يقدحون في العقليات والسمعيات. وأما السمع فخلافهم له ظاهر لكل أحد وإنما ~~يظن من يعظمهم ويتبعهم أنهم أحكموا العقليات فإذا حقق الأمر وجدهم كما قال ~~أهل النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وكما قال تعالى: ~~{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} {أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ms4238 إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} فلما كان حقيقة قولهم ~~إن القرآن والحديث ليس فيه في هذا الباب دليل سمعي ولا عقلي سلبهم الله في ~~هذا الباب معرفة الأدلة السمعية والعقلية حتى كانوا من أضل البرية مع ~~دعواهم أنهم أعلم من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بل قد يدعون أنهم ~~أعلم من النبيين وهذا ميراث من فرعون وحزبه اللعين. # PageV13P176 # وقد قيل: إن أول من عرف أنه أظهر في الإسلام التعطيل الذي تضمنه قول ~~فرعون هو الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال: أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم إني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ~~ثم نزل فذبحه وشكر له علماء المسلمين ما فعله كالحسن البصري وغيره. وهذا ~~الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان شؤمه عاد ~~عليه حتى زالت الدولة؛ فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم ~~الله ممن خالف الرسل وانتصر لهم؛ ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا ~~الشام وغيرها ظهر فيها النفاق والزندقة الذي هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول ~~فرعون " إنكار الصانع وإنكار عبادته " وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفض ~~فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة وظهر بسببهم الرفض والإلحاد حتى ~~كان من كان ينزل الشام مثل بني حمدان الغالية ونحوهم متشيعين؛ وكذلك من كان ~~من بني بويه في المشرق. وكان ابن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم قال: وبسبب ~~ذلك اشتغلت في الفلسفة وكان مبدأ ظهورهم من حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ ~~بعد وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية؛ ولهذا سمي حينئذ بأمير المؤمنين ~~الأموي الذي كان بالأندلس وكان قبل ذلك لا يسمى # PageV13P177 # بهذا الاسم ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان فلما ولي المقتدر قال هذا ~~صبي لا تصح ولايته فسمي بهذا الاسم. وكان بنو عبيد الله القداح الملاحدة ms4239 ~~يسمون بهذا الاسم لكن هؤلاء كانوا في الباطن ملاحدة زنادقة منافقين وكان ~~نسبهم باطلا كدينهم؛ بخلاف الأموي والعباسي فإن كلاهما نسبه صحيح وهم ~~مسلمون كأمثالهم من خلفاء المسلمين. فلما ظهر النفاق والبدع والفجور ~~المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام ~~والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت ~~المقدس في أواخر المائة الرابعة وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام ~~بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة؛ إلى أن تولى نور الدين ~~الشهيد وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه ثم استنجد ~~به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم [وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت ~~مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين يوسف بن سادي (1) وخطب بها لبني العباس؛ ~~فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين ~~الإسلام مائة سنة] (*) . PageV13P178 # فكان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس ~~البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة. فلما ظهر في ~~الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط عليهم الكفار ولما أقاموا ما ~~أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار؛ تحقيقا ~~لقوله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ~~{تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون} {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} {وأخرى تحبونها نصر من الله ~~وفتح قريب وبشر المؤمنين} . وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام ~~كانوا منصورين على الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم فلما ظهر ~~منهم ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سلط عليهم الكفار قال تعالى: ~~{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا} {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا ~~خلال الديار وكان وعدا ms4240 مفعولا} {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا ~~جاء وعد الآخرة # PageV13P179 # ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا ~~تتبيرا} {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} . ~~وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو - ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة ~~بالعراق وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدا يقال: قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل ~~بحلب دار الملك حينئذ كان بعض الشيوخ يقول هو - للمسلمين بمنزلة بخت نصر ~~لبني إسرائيل. وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد ~~والنفاق والبدع حتى أنه صنف الرازي كتابا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل ~~السحر سماه " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " ويقال: إنه صنفه لأم ~~السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه وكان من أعظم ~~ملوك الأرض وكان للرازي به اتصال قوي حتى أنه وصى إليه على أولاده وصنف له ~~كتابا سماه " الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية ". وهذه الاختيارات ~~لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~كما قال جابر في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: {كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلمنا # PageV13P180 # الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم ~~أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم اللهم إن كنت تعلم أن هذا ~~الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره ثم ~~بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ~~فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به} وأهل النجوم ~~لهم اختيارات إذا أراد أحدهم أن يفعل فعلا أخذ طالعا سعيدا فعمل فيه ذلك ~~العمل لينجح بزعمهم وقد صنف الناس كتبا في الرد عليهم وذكروا كثرة ما يقع ~~من خلاف مقصودهم فيما يخبرون ms4241 به ويأمرون به وكم يخبرون من خبر فيكون كذبا ~~وكم يأمرون باختيار فيكون شرا والرازي صنف الاختيارات لهذا الملك وذكر فيه ~~الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك كما ذكر في " السر المكتوم " في عبادة ~~الكواكب ودعوتها مع السجود لها والشرك بها ودعائها مثل ما يدعو الموحدون ~~ربهم؛ بل أعظم والتقرب إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق ~~والعصيان فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر والغناء ونحو ~~ذلك مما حرمه الله ورسوله. # PageV13P181 # وهذا في نفس الأمر يقرب إلى الشياطين الذين يأمرونهم بذلك ويقولون لهم: ~~إن الكوكب نفسه يحب ذلك وإلا فالكواكب مسخرات بأمر الله مطيعة لله لا تأمر ~~بشرك ولا غيره من المعاصي ولكن الشياطين هي التي تأمر بذلك ويسمونها ~~روحانية الكواكب وقد يجعلونها ملائكة وإنما هي شياطين فلما ظهر بأرض المشرق ~~بسبب مثل هذا الملك ونحوه ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع ~~سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا الملك وجرت له أمور فيها ~~عبرة لمن يعتبر ويعلم تحقيق ما أخبر الله به في كتابه حيث يقول: {سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} أي أن القرآن حق ~~وقال: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} وبسط هذا له موضع آخر. و " المقصود هنا ~~" أن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب ~~التي أوجبت إدبارها وفي آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان وقد قيل: إن ~~أصله من ترمذ وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية. وقد قتل في بعض الحروب. ~~وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء الحجاز والشام ~~والعراق ولهذا يوجد لعبد الله بن المبارك وغيره من علماء المسلمين بالمشرق ~~من الكلام في الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم مع أن عامة # PageV13P182 # أئمة المسلمين تكلموا فيهم ولكن لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق لكن قوي ~~أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ~~ما تلقاه. ثم لما ولي الخلافة اجتمع بكثير من ms4242 هؤلاء ودعا إلى قولهم في آخر ~~عمره وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التي ببلد سيس - وكانت إذ ذاك أعظم ~~ثغور بغداد ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون ~~بها رابط بها الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه والسري السقطي وغيرهما ~~وتولى قضاءها أبو عبيد وتولى قضاءها أيضا صالح بن أحمد بن حنبل ولهذا ذكرت ~~في كتب الفقه كثيرا فإنها كانت ثغرا عظيما فكتب من الثغر - إلى نائبه ~~ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا: ~~القرآن مخلوق فلم يجبه أحد ثم كتب كتابا ثانيا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه ~~وإرساله إليه فأجاب أكثرهم ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد ~~القيد وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح؛ فأرسلوهما ~~إليه فمات قبل أن يصلا إليه ثم أوصى إلى أخيه أبي إسحاق وكان هذا سنة ثماني ~~عشرة ومائتين وبقي أحمد بن حنبل في الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من ~~المناظرة حتى قطعهم بالحجة ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه وظهر مذهب # PageV13P183 # النفاة الجهمية وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء ~~وعزلوه من الولايات ولم يقبلوا شهادته وكانوا إذا افتكوا الأسرى يمتحنون ~~الأسير فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه. وكتب قاضيهم أحمد بن أبي دؤاد ~~على ستارة الكعبة " ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم " لم يكتب وهو {السميع ~~البصير} ثم ولي الواثق واشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة وظهرت ~~حينئذ السنة وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود أن أئمة المسلمين لما عرفوا ~~حقيقة قول الجهمية بينوه حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام ~~اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وكان ينشد: # عجبت لشيطان دعا الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم # وقيل له: بماذا يعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ~~قيل له: بحد؟ قال: بحد. وكذلك قال أحمد ms4243 بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم بن ~~راهويه وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم من أئمة السنة. # PageV13P184 # و ### | حقيقة قول الجهمية المعطلة # هو قول فرعون وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه كما كان فرعون يفعل فكان ~~يجحد الخالق جل جلاله ويقول: {ما علمت لكم من إله غيري} ويقول لموسى {لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} ويقول: {أنا ربكم الأعلى} وكان ينكر ~~أن يكون الله كلم موسى أو يكون لموسى إله فوق السموات ويريد أن يبطل عبادة ~~الله وطاعته ويكون هو المعبود المطاع. فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة ~~يئول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته ~~وإنكار كلامه حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان فصاروا يقولون: ~~العالم هو الله والوجود واحد والموجود القديم الأزلي الخالق هو الموجود ~~المحدث المخلوق والرب هو العبد ما ثم رب وعبد وخالق ومخلوق؛ بل هو عندهم ~~فرقان. ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم؛ ويعيبون على نوح وعلى ~~إبراهيم الخليل وغيرهما ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات وجميع ~~الأصنام ولا يرضون بأن تعبد الأصنام حتى يقولوا: إن عباد الأصنام لم يعبدوا ~~إلا الله وأن الله نفسه هو العابد وهو المعبود وهو الوجود كله فجحدوا الرب ~~وأبطلوا دينه وأمره ونهيه # PageV13P185 # وما أرسل به رسله وتكليمه لموسى وغيره. وقد ضل في هذا جماعة لهم معرفة ~~بالكلام والفلسفة والتصوف المناسب لذلك كابن سبعين والصدر القونوي تلميذ ~~ابن عربي والبلياني والتلمساني وهو من حذاقهم علما ومعرفة وكان يظهر المذهب ~~بالفعل فيشرب الخمر ويأتي المحرمات. وحدثني الثقة أنه قرأ عليه " فصوص ~~الحكم " لابن عربي وكان يظنه من كلام أولياء الله العارفين فلما قرأه رآه ~~يخالف القرآن قال فقلت له: هذا الكلام يخالف القرآن فقال: القرآن كله شرك ~~وإنما التوحيد في كلامنا وكان يقول: ثبت عندنا في الكشف ما يخالف صريح ~~المعقول. وحدثني من كان معه ومع آخر نظير له فمرا على كلب أجرب ميت بالطريق ~~عند دار الطعم فقال له رفيقه: هذا أيضا هو ذات الله؟ فقال: وهل ms4244 ثم شيء خارج ~~عنها؟ نعم الجميع في ذاته. وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول فرعون؛ لكن فرعون ما ~~كان يخاف أحدا فينافقه فلم يثبت الخالق وإن كان في الباطن مقرا به وكان ~~يعرف أنه ليس هو إلا مخلوق؛ لكن حب العلو في الأرض والظلم # PageV13P186 # دعاه إلى الجحود والإنكار كما قال {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا ~~سحر مبين} {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين} . وأما هؤلاء فهم من وجه ينافقون المسلمين فلا يمكنهم إظهار جحود ~~الصانع ومن وجه هم ضلال يحسبون أنهم على حق وأن الخالق هو المخلوق فكان ~~قولهم هو قول فرعون لكن فرعون كان معاندا مظهرا للجحود والعناد وهؤلاء إما ~~جهال ضلال وإما منافقون مبطنون الإلحاد والجحود يوافقون المسلمين في الظاهر ~~وحدثني الشيخ عبد السيد الذي كان قاضي اليهود ثم أسلم وكان من أصدق الناس ~~ومن خيار المسلمين وأحسنهم إسلاما أنه كان يجتمع بشيخ منهم يقال له الشرف ~~البلاسي يطلب منه المعرفة والعلم. قال: فدعاني إلى هذا المذهب فقلت له: ~~قولكم يشبه قول فرعون قال: ونحن على قول فرعون فقلت لعبد السيد واعترف لك ~~بهذا؟ قال نعم وكان عبد السيد إذ ذاك قد ذاكرني بهذا المذهب فقلت له: هذا ~~مذهب فاسد وهو يئول إلى قول فرعون فحدثني بهذا فقلت له ما ظننت أنهم ~~يعترفون بأنهم على قول فرعون لكن مع إقرار الخصم ما يحتاج إلى بينة. قال ~~عبد السيد فقلت له: لا أدع موسى وأذهب # PageV13P187 # إلى فرعون فقال: ولم؟ قلت: لأن موسى أغرق فرعون فانقطع واحتج عليه ~~بالظهور الكوني فقلت لعبد السيد - وكان هذا قبل أن يسلم - نفعتك اليهودية ~~يهودي خير من فرعوني. وفيهم جماعات لهم عبادة وزهد وصدق فيما هم فيه وهم ~~يحسبون أنه حق وعامتهم - الذين يقرون ظاهرا وباطنا بأن محمدا رسول الله ~~وأنه أفضل الخلق أفضل من جميع الأنبياء والأولياء - لا يفهمون حقيقة قولهم؛ ~~بل يحسبون أنه تحقيق ما جاء به الرسول وأنه من جنس كلام أهل المعرفة الذين ~~يتكلمون في ms4245 حقائق الإيمان والدين وهم من خواص أولياء الله فيحسبون هؤلاء من ~~جنس أولئك من جنس الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ~~والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله وأمثال هؤلاء. وأما عرافهم ~~الذين يعلمون حقيقة قولهم فيعلمون أنه ليس الأمر كذلك ويقولون ما يقول ابن ~~عربي ونحوه إن الأولياء أفضل من الأنبياء وإن خاتم الأولياء أفضل من خاتم ~~الأنبياء وإن جميع الأنبياء يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء ~~وأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يأتي خاتم الأنبياء فإنهم ~~متجهمة متفلسفة يخرجون أقوال المتفلسفة والجهمية في قالب الكشف. # PageV13P188 # وعند المتفلسفة أن جبريل إنما هو خيال في نفس النبي ليس هو ملكا يأتي من ~~السماء والنبي عندهم يأخذ من هذا الخيال وأما خاتم الأولياء في زعمهم فإنه ~~يأخذ من العقل المجرد الذي يأخذ منه الخيال؛ فهو يأخذ من المعدن الذي يأخذ ~~منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول. وهم يعظمون فرعون. ويقولون ما قاله ~~صاحب " الفصوص " قال: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه جار ~~في العرف الناموسي؛ لذلك قال: {أنا ربكم الأعلى} أي وإن كان الكل أربابا ~~بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم قال: ولما ~~علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك. وقالوا له: ~~{فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} قال: فصح قول فرعون {أنا ~~ربكم الأعلى} وإن كان فرعون عين الحق. وحدثني الثقة الذي كان منهم ثم رجع ~~عنهم أن أبغض الناس إليهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. قال: وإذا ~~نهق الحمار ونبح الكلب سجدوا له وقالوا هذا هو الله فإنه مظهر من المظاهر. ~~قال: فقلت له محمد بن عبد الله أيضا مظهر من المظاهر فاجعلوه كسائر المظاهر ~~وأنتم تعظمون المظاهر كلها أو اسكتوا عنه قال فقالوا لي: محمد نبغضه فإنه ~~أظهر الفرق ودعا إليه وعاقب من لم يقل به قال: # PageV13P189 # فتناقضوا في ms4246 مذهبهم الباطل وجعلوا الكلب والحمار أفضل من أفضل الخلق قال ~~لي: وهم يصرحون باللعنة له ولغيره من الأنبياء ولا ريب أنهم من أعظم الناس ~~عبادة للشيطان وكفرا بالرحمن. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكا ~~وإذا سمعتم نهيق الحمار ونباح الكلب فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت ~~شيطانا} فهم إذا سمعوا نهيق الحمار ونباح الكلب تكون الشياطين قد حضرت ~~فيكون سجودهم للشياطين. وكان فيهم شيخ جليل من أعظمهم تحقيقا - لكن هذا لم ~~يكن من هؤلاء الذين يسبون الأنبياء - وقد صنف كتابا سماه " فك الأزرار عن ~~أعناق الأسرار " ذكر فيه مخاطبة جرت له مع إبليس وأنه قال له ما معناه: ~~إنكم قد غلبتموني وقهرتموني ونحو هذا لكن جرت لي قصة تعجبت منها مع شيخ ~~منكم فإني تجليت له فقلت: أنا الله لا إله إلا أنا فسجد لي فتعجبت كيف سجد ~~لي. قال هذا الشيخ: فقلت له: ذاك أفضلنا وأعلمنا وأنت لم تعرف قصده ما رأى ~~في الوجود اثنين وما رأى إلا واحدا فسجد لذلك الواحد لا يميز بين إبليس ~~وغيره فجعل هذا الشيخ ذاك الذي سجد لإبليس لا يميز # PageV13P190 # بين الرب وغيره؛ بل جعل إبليس هو الله هو وغيره من الموجودات جعله أفضلهم ~~وأعلمهم. ولهذا عاب ابن عربي نوحا أول رسول بعث إلى أهل الأرض وهو الذي جعل ~~الله ذريته هم الباقين وأنجاه ومن معه في السفينة وأهلك سائر أهل الأرض لما ~~كذبوه؛ فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعظم قومه الكفار الذين عبدوا ~~الأصنام وأنهم ما عبدوا إلا الله وأن خطاياهم خطت بهم فغرقوا في بحار العلم ~~بالله وهذا عادته ينتقص الأنبياء ويمدح الكفار كما ذكر مثل ذلك في قصة نوح ~~وإبراهيم وموسى وهارون وغيرهم. ومدح عباد العجل وتنقص هارون وافترى على ~~موسى. فقال: وكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل ~~لعلمه بأن الله قد قضى أن ms4247 لا يعبد إلا إياه وما قضى الله بشيء إلا وقع فكان ~~عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه؛ فإن العارف من ~~يرى الحق في كل شيء؛ بل يراه عين كل شيء فذكر عن موسى أنه عتب على هارون ~~أنه أنكر عليهم عبادة العجل وأنه لم يسع ذلك فأنكره فإن العارف من يرى الحق ~~في كل شيء؛ بل يراه عين كل شيء. # PageV13P191 # وهذا من أعظم الافتراء على موسى وهارون وعلى الله وعلى عباد العجل؛ فإن ~~الله أخبر عن موسى أنه أنكر العجل إنكارا أعظم من إنكار هارون وأنه أخذ ~~بلحية هارون لما لم يدعهم ويتبع موسى لمعرفته. قال تعالى: {وما أعجلك عن ~~قومك يا موسى} {قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} {قال فإنا قد ~~فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا ~~قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب ~~من ربكم فأخلفتم موعدي} {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا ~~من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري} {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ~~فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا} {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ~~ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى} {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} {ألا تتبعني أفعصيت ~~أمري} {قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين ~~بني إسرائيل ولم ترقب قولي} . قلت لبعض هؤلاء: هذا الكلام الذي ذكره هذا عن ~~موسى # PageV13P192 # وهارون يوافق القرآن أو يخالفه؟ فقال: لا بل يخالفه قلت: فاختر لنفسك إما ~~القرآن وإما كلام ابن عربي. وكذلك قال عن نوح قال: لو أن نوحا جمع لقومه ~~بين الدعوتين لأجابوه أي ذكر لهم فدعاهم جهارا ثم دعاهم إسرارا إلى ms4248 أن قال: ~~ولما علموا أن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو؛ لأنه ما عدم من البداية فيدعى ~~إلى الغاية {أدعو إلى الله} فهذا عين المكر {على بصيرة} فنبه أن الأمر كله ~~لله فأجابوه مكرا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من ~~حيث هويته وإنما هي من حيث أسمائه فقال: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا} فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم ~~إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم: {لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق ~~بقدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله ~~من يجهله كما قال في المحمديين: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا} أي حكم فالعارف يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق ~~والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ~~فما عبد غير الله في كل معبود. # PageV13P193 # وهو دائما يحرف القرآن عن مواضعه كما قال في هذه القصة: {مما خطيئاتهم} ~~فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهي الحيرة {فأدخلوا نارا} في ~~عين الماء في المحمديين {وإذا البحار سجرت} سجرت التنور أوقدته {فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا} فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد ~~وقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} بمعنى أمر وأوجب وفرض. وفي القراءة ~~الأخرى (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه فجعل معناه أنه قدر وشاء أن لا ~~تعبدوا إلا إياه وما قدره فهو كائن فجعل معناها كل معبود هو الله وأن أحدا ~~ما عبد غير الله قط وهذا من أظهر الفرية على الله وعلى كتابه وعلى دينه ~~وعلى أهل الأرض. فإن الله في غير موضع أخبر أن المشركين عبدوا غير الله؛ بل ~~يعبدون الشيطان كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم ms4249 عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} {ولقد أضل منكم ~~جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} وقال تعالى عن يوسف أنه قال: {يا صاحبي ~~السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقال ~~تعالى: # PageV13P194 # {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ~~يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} {إن هؤلاء متبر ~~ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} {قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم ~~على العالمين} . وقال تعالى عن الخليل: {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ~~يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا} {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} ~~{قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا} ~~{قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} {وأعتزلكم وما تدعون من ~~دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} {فلما اعتزلهم وما يعبدون ~~من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} {ووهبنا لهم من رحمتنا ~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا} . فهو سبحانه يقول: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله} وهؤلاء الملحدون يقولون: ما عبدنا غير الله في كل معبود. وقال ~~تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا # PageV13P195 # له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} ~~{ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين} إلى قوله: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ~~ربهم وذلة في الحياة الدنيا ms4250 وكذلك نجزي المفترين} . قال أبو قلابة: هي لكل ~~مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله. # والجهمية النفاة كلهم مفترون كما قال الإمام أحمد بن حنبل إنما يقودون ~~قولهم إلى فرية على الله وهؤلاء من أعظمهم افتراء على الله فإن القائلين ~~بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق هم أعظم افتراء ممن يقول إنه يحل فيه ~~وهؤلاء يجهلون من يقول بالحلول أو يقول بالاتحاد وهو أن الخالق اتحد مع ~~المخلوق فإن هذا إنما يكون إذا كان شيئان متباينان ثم اتحد أحدهما بالآخر ~~كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت مع الناسوت وهذا إنما يقال في شيء ~~معين. وهؤلاء عندهم ما ثم وجود لغيره حتى يتحد مع وجوده وهم من أعظم الناس ~~تناقضا فإنهم يقولون ما ثم غير ولا سوى وتقول السبعينية ليس إلا الله بدل ~~قول المسلمين لا إله إلا الله ثم يقولون # PageV13P196 # هؤلاء المحجوبون لا يرون هذا. فإذا كان ما ثم غير ولا سوى فمن المحجوب ~~ومن الحاجب؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حجب؟ فقد أثبتوا أربعة أشياء: قوم ~~محجوبون وقوم ليسوا بمحجوبين وأمر انكشف لهؤلاء وحجب عن أولئك. فأين هذا من ~~قولهم ما ثم اثنان ولا وجودان؟ كما حدثني الثقة أنه قال للتلمساني: فعلى ~~قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته؟ قال: نعم الجميع عندنا سواء؛ ~~لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم فقيل لهم: فمن المخاطب ~~للمحجوبين أهو هم أم غيرهم؟ فإن كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم أنه ~~حرام عليهم دونه وإن كانوا غيره فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير. وهؤلاء ~~اشتبه عليهم الواحد بالنوع بالواحد بالعين فإنه يقال: الوجود واحد كما ~~يقال: الإنسانية واحدة والحيوانية واحدة أي يعني واحد كلي وهذا الكلي لا ~~يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج فظنوا هذا الكلي ثابتا في الخارج ثم ~~ظنوه هو الله وليس في الخارج كلي مع كونه كليا وإنما يكون كليا في الذهن ~~وإذا قدر في الخارج كلي فهو جزء من المعينات وقائم ms4251 بها ليس هو متميزا قائما ~~بنفسه فحيوانية الحيوان وإنسانية الإنسان سواء قدرت معينة أو مطلقة هي صفة ~~له ويمتنع أن تكون صفة الموصوف مبدعة له ولو # PageV13P197 # قدر وجودها مجردا عن العيان على رأي من أثبت " المثل الأفلاطونية " فتثبت ~~الماهيات الكلية مجردة عن الموصوفات ويدعى أنها قديمة أزلية مثل إنسانية ~~مجردة وحيوانية مجردة وهذا خيال باطل. وهذا الذي جعله مجردا هو مجرد في ~~الذهن وليس في الخارج كلي مجرد وإذا قدر ثبوت كلي مجرد في الخارج وهو مسمى ~~الوجود فهذا يتناول وجود المحدثات كلها كما يتناول وجود القديم وهذا لا ~~يكون مبدعا لشيء ولا اختصاص له بصفات الكمال فلا يوصف بأنه حي عليم قدير؛ ~~إذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه عاجز جاهل ميت والخالق لا بد أن يكون ~~حيا عليما قديرا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم لو قدر أن ~~هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة فقد ثبت وجودان أحدهما ~~غير الآخر وأحدهما محدث مخلوق فيكون الآخر الخالق غير المخلوق ولا يمكن جحد ~~وجود الأعيان المعينة ولكن الواحد من هؤلاء قد يغيب عن شهود المغيبات كما ~~يغيب عن شهود نفسه فيظن أن ما لم يشهده قد عدم في نفسه وفني وليس كذلك فإن ~~ما عدم وفني شهوده له وعلمه به ونظره إليه فالمعدوم الفاني صفة هذا الشخص ~~وإلا فالموجودات في نفسها باقية على حالها لم تتغير وعدم العلم ليس علما ~~بالمعدوم. وعدم المشهود ليس شهودا للعدم؛ ولكن هذه الحال يعتري كثيرا من ~~السالكين # PageV13P198 # يغيب أحدهم عن شهود نفسه وغيره من المخلوقات وقد يسمون هذا فناء واصطلاما ~~وهذا فناء عن شهود تلك المخلوقات؛ لا أنها في نفسها فنيت ومن قال: فني ما ~~لم يكن وبقي ما لم يزل فالتحقيق - إذا كان صادقا - أنه فني شهوده لما لم ~~يكن وبقي شهوده لما لم يزل لا أن ما لم يكن فني في نفسه فإنه باق موجود؛ ~~ولكن يتوهمون إذا لم يشهدوه أنه قد عدم في نفسه. ومن هنا ms4252 دخلت طائفة في ~~الاتحاد والحلول فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق ~~في ذلك فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه إلا الله ويفنى ذكره وشهوده لما سواه ~~فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت حتى يتوهم أنه هو الله وأن الوجود ~~هو الله. ومن هذا الباب غلط أبي يزيد ونحوه حيث قال: ما في الجبة إلا الله. ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أنه ### | يعبر بالفناء عن ثلاثة أمور: " # أحدها " أنه يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه. وبمحبته وطاعته # PageV13P199 # وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه وطاعته وخشيته ورجائه ~~والتوكل عليه وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب ~~وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فقد فني من قلبه التأله لغير الله وبقي ~~في قلبه تأله الله وحده وفني من قلبه حب غير الله وخشية غير الله والتوكل ~~على غير الله وبقي في قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله. وهذا ~~الفناء يجامع البقاء فيتخلى القلب عن عبادة غير الله مع تحلي القلب بعبادة ~~الله وحده كما قال صلى الله عليه وسلم لرجل {قل: أسلمت لله وتخليت} وهو ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالنفي مع الإثبات؛ نفي إلهية غيره مع ~~إثبات إلهيته وحده فإنه ليس في الوجود إله إلا الله ليس فيه معبود يستحق ~~العبادة إلا الله؛ فيجب أن يكون هذا ثابتا في القلب؛ فلا يكون في القلب من ~~يألهه القلب ويعبده إلا الله وحده ويخرج من القلب كل تأله لغير الله ويثبت ~~فيه تأله الله وحده؛ إذ كان ليس ثم إله إلا الله وحده. وهذه الولاية لله ~~مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم قال تعالى عن الخليل ~~عليه السلام {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين} {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} وقال: ~~{أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم # PageV13P200 # الأقدمون} {فإنهم ms4253 عدو لي إلا رب العالمين} . وقال تعالى: {قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده} . قلت لبعض من خاطبته من شيوخ هؤلاء: قول الخليل: {إنني ~~براء مما تعبدون} ممن تبرأ الخليل أتبرأ من الله تعالى وعندكم ما عبد غير ~~الله قط؟ والخليل قد تبرأ من كل ما كانوا يعبدون إلا من رب العالمين وقد ~~جعله الله لنا وفيمن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} ~~{ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} ~~{لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن ~~الله هو الغني الحميد} . وقد قال صلى الله عليه وسلم {أصدق كلمة قالها ~~الشاعر كلمة لبيد: # PageV13P201 # ألا كل شيء ما خلا الله باطل} وهذا تصديق قوله تعالى تعالى: {ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير} ~~وقال تعالى: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} ~~وقال سبحانه: {كل شيء هالك إلا وجهه} قال طائفة من السلف كل عمل باطل إلا ~~ما أريد به وجهه وقد قال سبحانه: {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت ~~إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين} {ولا تدع مع الله إلها آخر} . # و" الإله " هو المألوه أي المستحق لأن يؤله أي يعبد ولا يستحق أن يؤله ~~ويعبد إلا الله وحده وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى ms4254 قرار أرضه باطل وفعال ~~بمعنى مفعول مثل لفظ الركاب والحمال؛ بمعنى المركوب والمحمول. وكان الصحابة ~~يرتجزون في حفر الخندق يقولون: # هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر # وإذا قيل: هذا هو الإمام فهو الذي يستحق أن يؤتم به كما قال تعالى ~~لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي # PageV13P202 # قال لا ينال عهدي الظالمين} فعهده بالإمامة لا ينال الظالم فالظالم لا ~~يجوز أن يؤتم به في ظلمه ولا يركن إليه كما قال تعالى: {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار} فمن ائتم بمن لا يصلح للإمامة فقد ظلم نفسه فكيف ~~بمن جعل مع الله إلها آخر وعبد من لا يصلح للعبادة والله تعالى: {لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقد غلط طائفة من أهل الكلام فظنوا ~~أن " الإله " بمعنى الفاعل وجعلوا الإلهية هي القدرة والربوبية فالإله هو ~~القادر وهو الرب وجعلوا العباد مألوهين كما أنهم مربوبون. فالذين يقولون ~~بوحدة الوجود متنازعون في أمور لكن إمامهم ابن عربي يقول: الأعيان ثابتة في ~~العدم ووجود الحق فاض عليها؛ فلهذا قال: فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلها. فزعم ~~أن المخلوقات جعلت الرب إلها لها حيث كانوا مألوهين ومعنى مألوهين عنده ~~مربوبين وكونهم مألوهين حيث كانت أعيانهم ثابتة في العدم. وفي كلامهم من ~~هذا وأمثاله مما فيه تنقص بالربوبية ما لا يحصى فتعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. و " التحقيق " أن الله خالق كل شيء والمعدوم ليس بشيء ~~في الخارج ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره # PageV13P203 # ويخبر به فيكون سببا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج كما قال: ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . والله سبحانه خالق ~~الإنسان ومعلمه فهو الذي {خلق الإنسان من علق} وهو {الأكرم} {الذي علم ~~بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} ولو قدر أن الإله بمعنى الرب فهو الذي ~~جعل المربوب مربوبا فيكون على هذا هو الذي جعل المألوه مألوها والمربوب لم ~~يجعله ربا ms4255 بل ربوبيته صفة وهو الذي خلق المربوب وجعله مربوبا وهو إذا آمن ~~بالرب واعتقد ربوبيته وأخبر بها كان قد اتخذ الله ربا ولم يبغ ربا سوى الله ~~ولم يتخذ ربا سواه كما قال تعالى: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} ~~وقال تعالى: {أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} وقال: {ولا يأمركم ~~أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ~~وهو أيضا في نفسه هو الإله الحق لا إله غيره فإذا عبده الإنسان فقد وحده من ~~لم يجعل معه إلها آخر ولا اتخذ إلها غيره قال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها ~~آخر فتكون من المعذبين} وقال تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا} وقال إبراهيم لأبيه آزر: {أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين} فالمخلوق ليس بإله في نفسه لكن عابده اتخذه إلها وجعله إلها ~~وسماه # PageV13P204 # إلها وذلك كله باطل لا ينفع صاحبه بل يضره كما أن الجاهل إذا اتخذ إماما ~~ومفتيا وقاضيا كان ذلك باطلا؛ فإنه لا يصلح أن يؤم ولا يفتي ولا يقضي وغير ~~الله لا يصلح أن يتخذ إلها يعبد ويدعى فإنه لا يخلق ولا يرزق وهو سبحانه لا ~~مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد. ومن دعا من لا ~~يسمع دعاءه أو يسمع ولا يستجيب له فدعاؤه باطل وضلال وكل من سوى الله إما ~~أنه لا يسمع دعاء الداعي أو يسمع ولكن لا يستجيب له فإن غير الله لا يستقل ~~بفعل شيء ألبتة وقد قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فغير الله لا مالك ~~لشيء ولا شريك في شيء ولا هو معاون للرب في شيء؛ بل قد يكون له شفاعة إن ~~كان من الملائكة والأنبياء والصالحين ولكن لا ms4256 تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له فلا بد أن يأذن للشافع أن يشفع وأن يأذن للمشفوع له أن يشفع له ومن ~~دونه لا يملكون الشفاعة ألبتة فلا يصلح من سواه لأن يكون إلها معبودا كما ~~لا يصلح أن يكون خالقا رازقا لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير. # PageV13P205 # فصل: # وهؤلاء كان من أعظم أسباب ضلالهم مشاركتهم للفلاسفة وتلقيهم عنهم فإن ~~أولئك القوم من أبعد الناس عن الاستدلال بما جاء به الرسول فإن الرسول بعث ~~بالبينات والهدى: يبين الأدلة العقلية ويخبر الناس بالغيب الذي لا يمكنهم ~~معرفته بعقولهم وهؤلاء المتفلسفة يقولون: إنه لم يفد الناس علما بخبره ولا ~~بدلالته وإنما خاطب خطابا جمهوريا ليصلح به العامة فيعتقدوا في الرب ~~والمعاد اعتقادا ينفعهم وإن كان كذبا وباطلا، وحقيقة كلامهم أن الأنبياء ~~تكذب فيما تخبر به لكن كذبا للمصلحة فامتنع أن يطلبوا من خبرهم علما وإذا ~~لم تكن أخبارهم مطابقة للمخبر فكيف يثبتون أدلة عقلية على ثبوت ما أخبروا ~~به. والمتكلمون - الذين يقولون: إنهم لا يخبرون إلا بصدق ولكن يسلكون في ~~العقليات غير طريقهم - مبتدعون مع إقرارهم بأن القرآن اشتمل على الأدلة ~~العقلية فكيف بهؤلاء الملاحدة المفترين؟ ولهذا لا يعتنون بالقرآن ولا ~~بتفسيره ولا بالحديث وكلام السلف، وإن # PageV13P206 # تعلموا من ذلك شيئا فلأجل تعلق الجمهور به ليعيشوا بينهم بذكره؛ لا ~~لاعتقادهم موجبه في الباطن وهذا بخلاف طوائف المتكلمين فإنهم يعظمون القرآن ~~في الجملة وتفسيره مع ما فيهم من البدع. ولهذا لما استولى التتار على بغداد ~~وكان الطوسي منجما لهولاكو استولى على كتب الناس الوقف والملك فكان كتب ~~الإسلام مثل التفسير والحديث والفقه والرقائق يعدمها وأخذ كتب الطب والنجوم ~~والفلسفة والعربية فهذه عنده هي الكتب المعظمة وكان بعض من أعرفه قارئا ~~خطيبا لكن كان يعظم هؤلاء ويرتاض رياضة فلسفية سحرية حتى يستخدم الجن وكان ~~بعض الشياطين ألقى إليه أن هؤلاء يستولون على دار الإسلام فكان يقول لبعض ~~أصحابنا يا فلان عن قليل يرى ms4257 هذا الجامع جامع دمشق يقرأ فيه المنطق ~~والطبيعي والرياضي والإلهي ثم يرضيه فيقول: والعربية أيضا والعربية إنما ~~احتاج المسلمون إليها لأجل خطاب الرسول بها فإذا أعرض عن الأصل كان أهل ~~العربية بمنزلة شعراء الجاهلية أصحاب المعلقات السبع ونحوهم من حطب النار. # PageV13P207 # فصل: # أول التفرق والابتداع في الإسلام بعد مقتل " عثمان " وافتراق المسلمين؛ ~~فلما اتفق علي ومعاوية على التحكيم أنكرت الخوارج وقالوا لا حكم إلا لله ~~وفارقوا جماعة المسلمين فأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع نصفهم والآخرون ~~أغاروا على ماشية الناس واستحلوا دماءهم فقتلوا ابن خباب وقالوا كلنا قتله ~~فقاتلهم علي وأصل مذهبهم تعظيم القرآن وطلب اتباعه لكن خرجوا عن السنة ~~والجماعة فهم لا يرون اتباع السنة التي يظنون أنها تخالف القرآن كالرجم ~~ونصاب السرقة وغير ذلك فضلوا؛ فإن الرسول أعلم بما أنزل الله عليه والله قد ~~أنزل عليه الكتاب والحكمة وجوزوا على النبي أن يكون ظالما فلم ينفذوا لحكم ~~النبي ولا لحكم الأئمة بعده بل قالوا: إن عثمان وعليا ومن والاهما قد حكموا ~~بغير ما أنزل الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فكفروا ~~المسلمين بهذا وبغيره وتكفيرهم وتكفير سائر أهل البدع مبني على مقدمتين ~~باطلتين: # إحداهما: أن هذا يخالف القرآن. # PageV13P208 # والثانية: أن من خالف القرآن يكفر ولو كان مخطئا أو مذنبا معتقدا للوجوب ~~والتحريم. # وبإزائهم " الشيعة " غلوا في الأئمة وجعلوهم معصومين يعلمون كل شيء ~~وأوجبوا الرجوع إليهم في جميع ما جاءت به الرسل فلا يعرجون لا على القرآن ~~ولا على السنة؛ بل على قول من ظنوه معصوما وانتهى الأمر إلى الائتمام بإمام ~~معدوم لا حقيقة له فكانوا أضل من الخوارج فإن أولئك يرجعون إلى القرآن وهو ~~حق وإن غلطوا فيه وهؤلاء لا يرجعون إلى شيء بل إلى معدوم لا حقيقة له ثم ~~إنما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى فيتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل ~~غير معصوم؛ ولهذا كانوا أكذب الطوائف والخوارج صادقون فحديثهم من أصح ~~الحديث وحديث الشيعة من أكذب الحديث. ولكن الخوارج دينهم ms4258 المعظم مفارقة ~~جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم والشيعة تختار هذا لكنهم عاجزون ~~والزيدية تفعل هذا والإمامية تارة تفعله وتارة يقولون لا نقتل إلا تحت راية ~~إمام معصوم والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم ~~ولهذا أوصت الملاحدة - مثل القرامطة الذين كانوا في البحرين وهم من أكفر ~~الخلق ومثل قرامطة المغرب ومصر وهم كانوا يستترون بالتشيع - أوصوا بأن يدخل ~~على المسلمين من باب التشيع فإنهم # PageV13P209 # يفتحون الباب لكل عدو للإسلام من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين وهم من ~~أبعد الناس عن القرآن والحديث كما قد بسط هذا في مواضع. والمقصود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إني تارك فيكم ثقلين كتاب الله فحض على كتاب الله ~~ثم قال: وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا} فوصى المسلمين بهم ~~لم يجعلهم أئمة يرجع المسلمون إليهم فانتحلت الخوارج كتاب الله وانتحلت ~~الشيعة أهل البيت وكلاهما غير متبع لما انتحله؛ فإن الخوارج خالفوا السنة ~~التي أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم ~~ولهذا تأول سعد بن أبي وقاص فيهم هذه الآية {وما يضل به إلا الفاسقين} ~~{الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض} وصاروا يتتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير ~~تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ولا اتباع للسنة ولا ~~مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن. وأما مخالفة الشيعة لأهل ~~البيت فكثيرة جدا قد بسطت في مواضع. # PageV13P210 # فصل: # ثم حدث في آخر عصر الصحابة " القدرية " فكانت الخوارج تتكلم في حكم الله ~~الشرعي: أمره ونهيه وما يتبع ذلك من وعده ووعيده وحكم من وافق ذلك ومن ~~خالفه ومن يكون مؤمنا وكافرا وهي " مسائل الأسماء والأحكام " وسموا محكمة ~~لخوضهم في التحكيم بالباطل وكان الرجل إذا قال: لا حكم إلا لله قالوا: هو ~~محكم أي خائض في حكم الله فخاض أولئك في شرع الله بالباطل وأما " القدرية " ~~فخاضوا في قدره بالباطل. # وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض ms4259 الشرع فصاروا حزبين حزبا يعظمون الشرع ~~والأمر والنهي والوعد والوعيد واتباع ما يحبه الله ويرضاه وهجر ما يبغضه ~~وما يسخطه وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر فقطعوا ما أمر ~~الله به أن يوصل ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه كما قطعت الخوارج ما أمر ~~الله به أن يوصل من اتفاق الكتاب والسنة وأهل الجماعة ففرقوا بين الكتاب ~~والسنة وفرقوا بين الكتاب وجماعة المسلمين وفرقوا بين المسلمين فقطعوا # PageV13P211 # ما أمر الله به أن يوصل وكذلك " القدرية " فصاروا حزبين. " حزبا " يغلب ~~الشرع فيكذب بالقدر وينفيه أو ينفي بعضه. و " حزبا " يغلب القدر فينفي ~~الشرع في الباطن أو ينفي حقيقته ويقول لا فرق بين ما أمر الله به وما نهى ~~عنه في نفس الأمر الجميع سواء وكذلك أولياؤه وأعداؤه وكذلك ما ذكر أنه يحبه ~~وذكر أنه يبغضه؛ لكنه فرق بين المتماثلين بمحض المشيئة يأمر بهذا وينهى عن ~~مثله فجحدوا الفرق والفصل الذي بين التوحيد والشرك وبين الإيمان والكفر ~~وبين الطاعة والمعصية وبين الحلال والحرام كما أن أولئك وإن أقروا بالفرق ~~فأنكروا الجمع وأنكروا أن يكون الله على كل شيء قدير ومنهم من أنكر أن يكون ~~الله بكل شيء عليما وأنكروا أن يكون خالقا لكل شيء وأن يكون ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن وأنكروا أن يكون الله فعالا لما يشاء وأثبتوا لغير الله ~~الانفراد بالأحداث وشركاء خلقوا كخلقه كما فعلت المجوس واعتقدوا أنه لا ~~يمكن الإيمان بأمره ونهيه إلا مع تعجيزه أو تجهيله وأنه لا يمكن أن يوصف ~~بالإحسان والكرم إن لم يجعل عاجزا وإلا لزم أن يكون بخيلا. كما أن " ~~القدرية المجبرة " قالوا: لا يمكن أن يجعل عالما قادرا # PageV13P212 # إلا بتسفيهه وتجويره. فهؤلاء نفوا حكمته وعدله وأولئك نفوا قدرته ومشيئته ~~أو قدرته ومشيئته وعلمه وهؤلاء ضاهوا المجوس في الإشراك بربوبيته حيث جعلوا ~~غيره خالقا وأولئك ضاهوا المشركين الذين لا يفرقون بين عبادته وعبادة غيره ~~بل يجوزون عبادة غيره كما يجوزون عبادته ويقولون: {لو شاء الله ما ms4260 أشركنا} ~~الآية وهؤلاء منتهى توحيدهم توحيد المشركين وهو توحيد الربوبية فأما توحيد ~~الإلهية المتضمن للأمر والنهي ولكون الله يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه ~~فهم ينكرونه ولهذا هم أكثر اتباعا لأهوائهم وأكثر شركا وتجويزا من المعتزلة ~~ومنتهى متكلميهم وعبادهم تجويز عبادة الأصنام وأن العارف لا يستحسن حسنة ~~ولا يستقبح سيئة كما ذكر ذلك صاحب منازل السائرين وأما عبادة الأصنام فباح ~~بها متأخروهم كالرازي صنف فيها مصنفا وابن عربي وابن سبعين وأمثالهما ~~يصرحون بجواز عبادتها وبالإنكار على من أنكر ذلك وهم متناقضون في ذلك. ف " ~~القدرية " أصلهم أنه لا يمكن إثبات قدرته وحكمته؛ إذ لو كان قادرا لفعل غير ~~ما فعل فلما لم يفعله دل على أنه غير قادر وقالوا: تثبت حكمته كما يثبت ~~حكمه؛ لأن نفي ذلك يوجب السفه والظلم وهو منزه عنه؛ بخلاف ما لم يقدر عليه ~~فإنه معذور إذا لم يفعله # PageV13P213 # فلا يلام عليه وقالت: " المجبرة " بل قدرته ثابتة بلا حكمة ولا يجوز أن ~~يفعل لحكمة؛ لأن ذلك إنما يكون لمن يحتاج إلى الفعل وهو منزه عن الحاجة ولا ~~عدل ولا ظلم بل كل ما أمكن فعله فهو عدل وليس في الأفعال ما هو حسن ينبغي ~~الأمر به وقبيح ينبغي النهي عنه ولا معروف ومنكر؛ بل يجوز أن يأمر بكل شيء ~~وينهى عن كل شيء. ثم من حقق منهم أنكر الشرع بالكلية وأنكر النبوات مع أنه ~~مضطر إلى أن يأمر بشيء وينهى عن شيء؛ فإن هذا لازم لجميع الخلق لا يجدون ~~عنه محيصا؛ لكن من اتبع الأنبياء يأمر بما ينفعه وينفع غيره وينهى عما يضره ~~ويضر غيره ومن خالف الأنبياء فلا بد أن يأمر بما يضر وينهى عما ينفع فيستحق ~~عذاب الدنيا والآخرة وأما من كان منهم مقرا بالنبوة فأنكر الشرع في الباطن ~~وقال: العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة صار منافقا يظهر خلاف ما يبطن ~~ويقول الشرع لأجل المارستان؛ ولهذا يسمون " باطنية " كما سموا الملاحدة " ~~باطنية " فإن كلاهما يبطن خلاف ما يظهر يبطنون تعطيل ms4261 ما جاء به الرسول من ~~الأمر والنهي. فمنتهى الجهمية المجبرة إما مشركون ظاهرا وباطنا وإما ~~منافقون يبطنون الشرك؛ ولهذا يظنون بالله ظن السوء وأنه لا ينصر محمدا # PageV13P214 # وأتباعه كما قال تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا} وهم يتعلقون بقوله: {لا يسأل عما يفعل} وبأنه {يفعل ما ~~يشاء} ولذلك لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب كثر في عبادهم وعلمائهم ~~من صار مع المشركين وأهل الكتاب وارتد عن الإسلام إما باطنا وظاهرا وإما ~~باطنا وقال: إنه مع الحقيقة ومع المشيئة الإلهية وصاروا يحتجون لمن هو معظم ~~للرسل عما لا يوافق على تكذيبه بأن ما يفعله من الشرك والخروج عن الشريعة ~~وموالاة المشركين وأهل الكتاب والدخول في دينهم ومجاهدة المسلمين معهم هو ~~بأمر الرسول فتارة تأتيهم شياطينهم بما يخيلون لهم أنه مكتوب من نور وأن ~~الرسول أمر بقتال المسلمين مع الكفار لكون المسلمين قد عصوا. ولما ظهر أن ~~مع المشركين وأهل الكتاب خفراء لهم من الرجال المسلمين برجال الغيب وأن لهم ~~خوارق تقتضي أنهم أولياء الله صار الناس من أهل العلم ثلاثة أحزاب. حزب ~~يكذبون بوجود هؤلاء؛ ولكن عاينهم الناس وثبت ذلك عمن عاينهم أو حدثه الثقاة ~~بما رأوه وهؤلاء إذا رأوهم أو تيقنوا وجودهم خضعوا لهم. # PageV13P215 # وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله ~~غير طريقة الأنبياء. وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا أولياء الله خارجين عن دائرة ~~الرسول فقالوا: يكون الرسول هو ممدا للطائفتين لهؤلاء وهؤلاء فهؤلاء معظمون ~~للرسول جاهلون بدينه وشرعه والذين قبلهم يجوزون اتباع دين غير دينه وطريق ~~غير طريقه. وكانت هذه الأقوال الثلاثة بدمشق لما فتحت عكا ثم تبين بعد ذلك ~~أن هؤلاء من أتباع الشياطين وأن رجال الغيب هم الجن وأن الذين مع الكفار ~~شياطين وأن من وافقهم من الإنس فهو من جنسهم شيطان من شياطين الإنس أعداء ~~الأنبياء كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ms4262 شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} . وكان سبب الضلال عدم الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وأصله قول الجهمية الذين يسوون بين ~~المخلوقات فلا يفرقون بين المحبوب والمسخوط ثم إنه بعد ذلك جرت أمور يطول ~~وصفها. ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق انكشفت أمور أخرى فظهر أن # PageV13P216 # اليونسية كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار. وحضر عندي بعض شيوخهم ~~واعترف بالردة عن الإسلام وحدثني بفصول كثيرة فقلت له لما ذكر لي احتجاجهم ~~بما جاءهم من أمر الرسول: فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا وكان ~~في بغداد بضعة عشر بغيا فالجيش الكفار المشركون الذين جاءوا كانوا شرا من ~~هؤلاء فإن هؤلاء كن يزنين اختيارا فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من ~~حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم وردوهم عن الإسلام إلى الكفر ~~وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم الصليب حتى بقي المسلمون ~~مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي فهل ~~يأمر محمد صلى الله عليه وسلم بهذا ويرضى بهذا فتبين له وقال: لا والله ~~وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام لما كانت شياطين المشركين ~~تكرههم على الردة في الباطن وتعذبهم إن لم يرتدوا فقلت كان هذا لضعف ~~إيمانهم وتوحيدهم والمادة التي يشهدونها من جهة الرسول وإلا فالشياطين لا ~~سلطان لهم على قلوب الموحدين وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل ~~أنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم الله بتصريف الأمر فبينت لهم أن رجال ~~الغيب هم الجن كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم # PageV13P217 # رهقا} ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون؛ ~~إنما يحتجب الإنسي أحيانا لا يكون دائما محتجبا عن أبصار الإنس؛ بخلاف الجن ~~فإنهم كما قال الله {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} . وكان غير هذا ~~من المشايخ من يذكر عن الشيخ محمد بن السكران أن " هولاكو " ملك المشركين ~~لما دخل ms4263 بغداد رأى ابن السكران شيخا محلوق الرأس على صورة شيخ من مشايخ ~~الدين والطريق آخذا بفرس هولاكو قال: فلما رأيته أنكرت هذا واستعظمت أن ~~يكون شيخ من شيوخ المسلمين يقود فرس ملك المشركين لقتل المسلمين فقلت: يا ~~هذا أو كلمة نحو هذا فقال تأمر بأمر أو قال له: هل يفعل هذا بأمر أو فعلت ~~هذا بأمر؟ فقلت: نعم بأمر فسكت ابن السكران وأقنعه هذا الجواب وكان هذا ~~لقلة علمه بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وظن أن ما يؤمر به ~~الشيوخ في قلوبهم هو من الله وأن من قال: حدثني قلبي عن ربي فإن الله هو ~~يناجيه ومن قال: أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا ~~يموت هو كذلك وهذا أضل ممن ادعى الاستغناء عن الأنبياء وأنه لا يحتاج إلى ~~واسطتهم. وجواب هذا أن يقال له: بأمر من تأمر؟ فإن قال: بأمر الله # PageV13P218 # قيل: بأمر الله الذي بعث به رسوله وأنزل به القرآن أم بأمر وقع في قلبك؟ ~~فإن قال: بالأول ظهر كذبه؛ فإنه ليس فيما يأمر الله به رسوله أن يأتي ~~بالكفار المشركين وأهل الكتاب لقتل المسلمين وسبيهم وأخذ أموالهم لأجل ذنوب ~~فعلوها ويجعل الدار تعبد بها الأوثان ويضرب فيها بالنواقيس ويقتل قراء ~~القرآن وأهل العلم بالشرع ويعظم النجسية علماء المشركين وقساوسة النصارى ~~وأمثال ذلك؛ فإن هؤلاء أعظم عداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم وهم من جنس ~~مشركي العرب الذين قاتلوه يوم أحد وأولئك عصاة من عصاة أمته وإن كان فيهم ~~منافقون كثيرون فالمنافقون يبطنون نفاقهم. وإن قال: بأمر وقع في قلبي لم ~~يكذب لكن يقال من أين لك أن هذا رحماني ولم لا يكون الشيطان هو الذي أمرك ~~بهذا؟ وقد علمت أن ما يقع في قلوب المشركين وأهل الكتاب هو من الشيطان فإن ~~رجع إلى توحيد الربوبية وأن الجميع بمشيئته قيل له: فحينئذ يكون ما يفعله ~~الشيطان والمشركون وأهل الكتاب هو بالأمر ولا ريب أنه بالأمر الكوني القدري ~~فجميع الخلق داخلون تحته؛ لكن من ms4264 فعل بمجرد هذا الأمر لا بأمر الرسول فإنما ~~يكون من جنس شياطين الإنس والجن وهو مستوجب لعذاب الله في الدنيا والآخرة ~~وهو عابد لغير الله متبع لهواه وهو ممن قال الله فيه: {لأملأن جهنم منك ~~وممن # PageV13P219 # تبعك منهم أجمعين} وممن قال فيهم الشيطان: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} {إلا ~~عبادك منهم المخلصين} قال الله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين} وقال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} وقال تعالى: ~~{إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} {وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} فكيف تأمر بالشرك والكفر وتسلط الكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب على المسلمين وقتل الكفار للمسلمين هذا لا يأمر الله به كما لا ~~يأمر بالفحشاء فإن هذا من أفحش الفواحش إذا جعلت الفاحشة اسما لكل ما يعظم ~~قبحه فكانت جميع القبائح السيئة داخلة في الفحشاء. وكان أيضا بالشام بعض ~~أكابر الشيوخ ببعلبك - الشيخ عثمان شيخ دير ناعس - يأتيه خفير الفرنج ~~النصارى راكبا أسدا ويخلو به ويناجيه ويقول: يا شيخ عثمان وكلت بحفظ ~~خنازيرهم فيعذره عثمان وأتباعه في ذلك ويرون أن الله أمره بهذا كما أمر ~~الخضر أن يفعل ما فعل كما عذر ابن السكران وأمثاله خفراء المشركين التتار. ~~والجواب لهذا كالجواب لذلك يقال له: وكلك الله تعالى بهذا؟ # PageV13P220 # الذي أنزل على لسان نبيه الدين أمر أن يوالي المسلمين وأن لا يتخذ اليهود ~~والنصارى أولياء؛ بل أمرك أن تبغضهم وتجاهدهم بما استطعت هو أمرك أن تتوكل ~~بحفظ خنازيرهم فإن قال: هذا ظهر كذبه وإن قال: بل هو أمر ألقي في قلبي لم ~~يكذب وقيل له: فهذا من أمر الشيطان لا من أمر الرحمن الذي أنزل به كتبه ~~وأرسل به رسله؛ ولكنه من الأمر الذي كونه وقدره كشرك المشركين الذين قالوا: ~~{لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} ms4265 . ومن هؤلاء من يظن الرجال الذين يؤيد ~~بهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب هم أولياء الله ولا يجب عليهم اتباع ~~الرسول كالملائكة الموكلة ببني آدم المعقبات. فقلت لشيخ كان من شيوخهم: ~~محمد أرسل إلى الثقلين الإنس والجن ولم يرسل إلى الملائكة فكل إنسي أو جني ~~خرج عن الإيمان به فهو عدو لله لا ولي لله؛ بخلاف الملائكة. ثم يقال له: ~~الملائكة لا يعاونون الكفار على المعاصي ولا على قتال المسلمين؛ وإنما ~~يعاونهم على ذلك الشياطين؛ ولكن الملائكة قد تكون موكلة بخلقهم ورزقهم ~~وكتابة أعمالهم فإن ذلك ليس بمعصية فهذا الجواب بالفرق بينهم وبين الملائكة ~~من هذين الوجهين. # PageV13P221 # وقد ظهر أنهم من جنس الشياطين لا من جنس الملائكة وكان هذا الشيخ هو ~~وأبوه من خفراء الكفار وكان والده يقال له: " محمد الخالدي " نسبة إلى ~~شيطان كان يقربه يقال له الشيخ خالد وهم يقولون إنه من الإنس من رجال ~~الغيب. وحدثني الثقة عنه أنه كان يقول الأنبياء ضيعوا الطريق ولعمري لقد ~~ضيعوا طريق الشياطين: شياطين الإنس والجن وهؤلاء المشايخ: الذين يحبون ~~المسلمين ولكن يوالون الشيوخ الذين يوالون المشركين الذين هم خفراء الكفار ~~ويظنون أنهم من أولياء الله اشتركوا هم وهم في أصل ضلالة وهو: أنهم جعلوا ~~الخوارق الشيطانية من جنس الكرامات الرحمانية ولم يفرقوا بين أولياء الرحمن ~~وأولياء الشيطان كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو ~~له قرين} فهؤلاء وهؤلاء عشوا عن ذكر الرحمن الذي أنزله وهو الكتاب والسنة ~~وعن الروح الذي أوحاه الله إلى نبيه الذي جعله الله نورا يهدي به من يشاء ~~من عباده وبه يحصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ولم يفرقوا بين ~~آيات الأنبياء ومعجزاتهم وبين خوارق السحرة والكهان؛ إذ هذا " مذهب الجهمية ~~المجبرة " وهؤلاء كلهم يشتركون في هذا المذهب فلا يجعلون الله يحب ما أمر ~~به ويبغض ما نهى عنه بل يجعلون كل ما قدره وقضاه فإنه يحبه # PageV13P222 # ويرضاه فبقي جميع الأمور عندهم سواء وإنما يتميز بنوع من الخوارق فمن كان ms4266 ~~له خارق جعلوه من أولياء الله وخضعوا له إما اتباعا له وإما موافقة له ~~ومحبة وإما أن يسلموا له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه إذ كانت قلوبهم لم يبق ~~فيها من الإيمان ما يعرفون به المعروف وينكرون به المنكر في هذا الموضع. ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف ~~الإيمان} وفي رواية لمسلم {من جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو ~~مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} وميتو ~~الأحياء الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا وفي حديث حذيفة الذي في ~~صحيح مسلم: {إن الفتنة تعرض على القلوب كالحصير عودا عودا فأيما قلب أنكرها ~~نكتت فيه نكتة بيضاء وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تبقى القلوب ~~على قلبين: قلب أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض وقلب ~~أسود مرباد لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه} . فهؤلاء ~~العباد الزهاد الذين عبدوا الله بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا # PageV13P223 # بالأمر والنهي منتهاهم اتباع أهوائهم {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} لا سيما إذا كانت حقيقتهم هي قول " الجهمية المجبرة " فرأوا أن جميع ~~الكائنات اشتركت في المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض بأن الله يحب هذا ~~ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه؛ فإن الله يحب المعروف ويبغض المنكر فإذا لم ~~يفرقوا بين هذا وهذا نكت في قلوبهم نكت سود فسود قلوبهم فيكون المعروف ما ~~يهوونه ويحبونه ويجدونه ويذوقونه ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه ~~قلوبهم كالمشركين الذين كانوا {عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر مستنفرة} ~~{فرت من قسورة} ولهذا يوجد في هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن القرآن والشرع ~~كما تنفر الحمر المستنفرة التي تفر من الرماة ومن الأسد ولهذا يوصفون بأنهم ~~إذا قيل لهم قال المصطفى نفروا. وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول - لمن ~~رآه ms4267 من هؤلاء كاليونسية والأحمدية - يا خنازير يا أبناء الخنازير ما أرى ~~لله ورسوله عندكم رائحة {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} كل منهم ~~يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن الله بلا واسطة الرسول {وإذا جاءتهم ~~آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته} وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن قول " القدرية الجهمية المجبرة " أعظم مناقضة # PageV13P224 # لما جاءت به الرسل من قول النفاة ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا في زمن ~~السلف؛ بل كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم فإنه من جنس قول ~~المشركين المكذبين للرسل ومنتهاهم الشرك وتكذيب الرسل وهذا جماع الكفر كما ~~أن التوحيد وتصديق الرسل جماع الإيمان ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من ~~المشركين وأهل الكتاب وبسط هذه الأمور له موضع آخر. والمقصود هنا أن " ~~القدرية المجبرة " من جنس المشركين كما أن " النافية " من جنس المجوس وأن ~~المجبرة ما عندهم سوى القدرة والمشيئة في نفس الأمر والنافية تنفي القدرة ~~العامة والمشيئة التامة وتزعم أنها تثبت الحكمة والعدل وفي الحقيقة كلاهما ~~ناف للحكمة والعدل والمشيئة والقدرة كما قد بسط في مواضع. وأولئك يتعلقون ~~بقوله: {لا يسأل عما يفعل} و {الله يفعل ما يشاء} وهذا ذكره الله إثباتا ~~لقدرته لا نفيا لحكمته وعدله؛ بل بين سبحانه أنه يفعل ما يشاء فلا أحد ~~يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئا بل هو قادر على فعل ما يشاء؛ بخلاف المخلوق ~~الذي يشاء أشياء كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني ~~إن شئت؛ فإن الله لا مكره له ولكن ليعزم المسألة} # PageV13P225 # وذلك أنه إنما يقال: افعل كذا إن شئت لمن قد يفعله مكرها فيفعل ما لا ~~يريد لدفع ضرر الإكراه عنه والله تعالى لا مكره له فلا يفعل إلا ما يشاء ~~فقوله تعالى: {إن الله يفعل ما يشاء} و ms4268 {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ونحو ~~ذلك هو لإثبات قدرته على ما يشاء وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون ~~إنه لم يشأ كل ما كان بل لا يشاء إلا الطاعة ومع هذا فقد شاءها ولم تكن ممن ~~عصاه وليس هو قادرا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعا ولا عاصيا. فهذه ### | الآيات التي تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة # كما أن الآيات التي يحتج بها النفاة التي تدل على أنه حكم عادل لا يظلم ~~مثقال ذرة وأنه لم يخلق الخلق عبثا ونحو ذلك تدل على فساد قول المجبرة وليس ~~في هذه الآيات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين؛ بل ما تحتج ~~به كل طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى وكلا القولين باطل وهذا هو الذي نهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند وغيره وبعضه في ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه خرج على ~~أصحابه وهم يتمارون في القدر. هذا يقول ألم يقل الله كذا؟ وهذا يقول ألم ~~يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا ~~دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟} ولهذا قال أحمد في بعض مناظرته لمن ~~صار يضرب الآيات # PageV13P226 # بعضها ببعض: إنا قد نهينا عن هذا. فمن دفع نصوصا يحتج بها غيره لم يؤمن ~~بها بل آمن بما يحتج صار ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. وهذا حال أهل ~~الأهواء هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب وقد ~~تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الأقوال فصاروا كما قال عن أهل ~~الكتاب: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} . فإذا ترك الناس بعض ما ~~أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ ~~بل {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ms4269 كل حزب بما لديهم فرحون} وهؤلاء كلهم ليس ~~معهم من الحق إلا ما وافقوا فيه الرسول وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر ~~به وما أمر به وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم ~~{وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} وقد تكون تلك البدعة أعظم عندهم ~~مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي " الأصول العقلية " كالقدرية المجبرة ~~والنفاة فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام في الأصول - وهو الذي يسمونه ~~العقليات - أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع؛ فالمعتزلة يجعلون العقليات هي ~~الخبريات والأمريات جميعا كالواجبات الشرعية # PageV13P227 # لكن يقولون أيضا إن الشرع أوجبها ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه. ~~وكذلك ما ابتدعوه في الخبريات كإثبات حدوث العالم بطريقة الأعراض ~~واستلزامها للأجسام وهم ينفون الصفات والقدر ويسمون ذلك " التوحيد والعدل ~~". وجهم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيا منهم فإنهم ينفون الأسماء مع الصفات ~~وهم رءوس المجبرة والأشعرية وافقتهم في الجبر؛ لكن نازعوهم نزاعا لفظيا في ~~إثبات الكسب والقدرة عليه وهم يرون أن هذه الأصول العقلية - وهي العلم بما ~~يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال - هي أعظم العلوم وأشرفها ~~وأنهم برزوا بها على الصحابة وأن النبي لم يعلمها الصحابة: إما لكونه وكلها ~~إلى استنباط الأمة وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد وإما ~~لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد. ~~وهذه هي " الأصول العقلية " التي يعتمدون عليها هم ومن يوافقهم كالقاضي أبي ~~يعلى وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي تبعا للقاضي أبي بكر وأمثاله وهو ~~وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله كما ناقض الأشعري وأمثاله أبا علي وأبا ~~هاشم. # PageV13P228 # وكل الأصول العقلية التي ابتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة في العقل والشرع وإن ~~كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين ويقدمونها على الأصول ~~الشرعية فإنهم في ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد والزهاد والفقراء والصوفية من ~~الخوارق الشيطانية ويفضلونها على العبادات الشرعية والعبادات الشرعية هي ~~التي معهم من الإسلام ms4270 وتلك كلها باطلة وإن كانت أعظم عندهم من العبادات حتى ~~يقولوا: نهاية الصوفي ابتداء الفقيه ونهاية الفقيه ابتداء الموله. وكذلك ~~صاحب " منازل السائرين " يذكر في كل باب ثلاث درجات فالأولى وهي أهونها ~~عندهم توافق الشرع في الظاهر والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق ~~والثالثة في الأغلب تخالف؛ لا سيما في " التوحيد " و " الفناء " و " الرجاء ~~" ونحو ذلك وهذا الذي ابتدعوه هو أعظم عندهم مما وافقوا فيه الرسل وكثير من ~~العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض وهذا كثير والله أعلم. والحمد لله ~~وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV13P229 # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا وأن لذلك الباطن باطنا إلى ~~سبعة أبطن ويروون في ذلك حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {للقرآن ~~باطن وللباطن باطن إلى سبعة أبطن} ويفسرون القرآن بغير المعروف عن الصحابة ~~والتابعين والأئمة من الفقهاء ويزعمون أن عليا قال: لو شئت لأوقرت من تفسير ~~فاتحة الكتاب كذا وكذا حمل جمل ويقولون: إنما هو من علمنا إذ هو اللدني. ~~ويقولون كلاما معناه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص كل قوم بما يصلح ~~لهم فإنه أمر قوما بالإمساك وقوما بالإنفاق وقوما بالكسب وقوما بترك الكسب. ~~ويقولون: إن هذا ذكرته أشياخنا في " العوارف " وغيره من كتب المحققين وربما ~~ذكروا أن # PageV13P230 # حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين خصه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبحديث أبي هريرة {حفظت جرابين} . ويروون كلاما عن أبي سعيد الخراز أنه ~~قال: للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية ~~يخبرون عنها بلسان الأزلية ويقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~{إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لم ~~ينكره إلا أهل الغرة بالله} . فهل ما ادعوه صحيحا أم لا؟ . فسيدي يبين لنا ~~مقالاتهم؛ فإن المملوك وقف على كلام لبعض العلماء ذكر فيه أن الواحدي قال: ~~ألف ms4271 أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه " حقائق التفسير " إن صح عنه فقد كفر ~~ووقفت على هذا الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما شابهه فما رأي سيدي ~~في ذلك؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {للقرآن باطن} الحديث ~~يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيدهم المردودة شرعا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب الشيخ - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلقة التي ~~لم يروها أحد # PageV13P231 # من أهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث؛ ولكن يروى عن الحسن البصري ~~موقوفا أو مرسلا {إن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا} وقد شاع في كلام كثير ~~من الناس: " علم الظاهر وعلم الباطن " و " أهل الظاهر وأهل الباطن ". ودخل ~~في هذه العبارات حق وباطل. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع؛ لكن نذكر هنا ~~جملا من ذلك فنقول: قول الرجل: " الباطن " إما أن يريد علم الأمور الباطنة ~~مثل العلم بما في القلوب من المعارف والأحوال والعلم بالغيوب التي أخبرت ~~بها الرسل وإما أن يريد به العلم الباطن أي الذي يبطن عن فهم أكثر الناس أو ~~عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك. فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما ~~يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح ومنه ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ومنه ما ~~هو علم بالشهادة وهو ما يشهده الناس بحواسهم ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما ~~غاب عن إحساسهم. وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب كما قال تعالى: {الم} {ذلك # PageV13P232 # الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب} والغيب الذي يؤمن ~~به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه ~~وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن ~~الإيمان بالغيب؛ فإن وصف الرسالة هو من الغيب وتفصيل ذلك هو الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} وقال: {ومن ~~يكفر ms4272 بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} . ~~والعلم بأحوال القلوب. - كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة والإرادات ~~الصحيحة والفاسدة والعلم بمعرفة الله ومحبته والإخلاص له وخشيته والتوكل ~~عليه والرجاء له والحب فيه والبغض فيه والرضا بحكمه والإنابة إليه والعلم ~~بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس كالسخاء والحياء والتواضع والكبر والعجب ~~والفخر والخيلاء وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ~~ونحوه - قد يقال: له: " علم الباطن " أي علم بالأمر الباطن فالمعلوم هو ~~الباطن وأما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب وقد دل على ذلك الكتاب ~~والسنة وكلام السلف وأتباعهم بل غالب آي القرآن هو من هذا # PageV13P233 # العلم؛ فإن الله أنزل القرآن {وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} ~~. بل هذا العلم هو العلم بأصول الدين؛ فإن اعتقاد القلب أصل لقول اللسان ~~وعمل القلب أصل لعمل الجوارح والقلب هو ملك البدن كما قال أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث ~~الملك خبثت جنوده وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ألا ~~وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهي القلب} . ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد ~~صلاح قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقا إن أظهر الإسلام؛ فإن الإسلام ~~يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والإيمان في القلب كما في المسند عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} ~~وكلام الصحابة والتابعين والأحاديث والآثار في هذا أكثر منها في الإجارة ~~والشفعة والحيض والطهارة بكثير كثير؛ ولكن هذا العلم ظاهر موجود مقول ~~باللسان مكتوب في الكتب؛ ولكن من كان بأمور القلب أعلم كان أعلم به وأعلم ~~بمعاني القرآن والحديث. وعامة الناس يجدون هذه الأمور في أنفسهم ذوقا ووجدا ~~فتكون # PageV13P234 # محسوسة لهم بالحس الباطن؛ لكن الناس في حقائق الإيمان متفاضلون تفاضلا ~~عظيما فأهل الطبقة العليا يعلمون حال أهل السفلى من ms4273 غير عكس كما أن أهل ~~الجنة في الجنة ينزل الأعلى إلى الأسفل ولا يصعد الأسفل إلى الأعلى والعالم ~~يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلا والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما؛ ~~فلهذا كان في حقائق الإيمان الباطنة وحقائق أنباء الغيب التي أخبرت بها ~~الرسل ما لا يعرفه إلا خواص الناس فيكون هذا العلم باطنا من جهتين: من جهة ~~كون المعلوم باطنا ومن جهة كون العلم باطنا لا يعرفه أكثر الناس. ثم إن هذا ~~الكلام في هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل في غيره فما وافق ~~الكتاب والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل كالكلام في الأمور الظاهرة. # فصل: # وأما إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس أو عن بعضهم ~~فهذا على نوعين: " أحدهما " باطن يخالف العلم الظاهر. و " الثاني " لا ~~يخالفه. # PageV13P235 # فأما الأول فباطل؛ فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم ~~الظاهر كان مخطئا إما ملحدا زنديقا وإما جاهلا ضالا. وأما الثاني فهو ~~بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا فإن الباطن إذا ~~لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم فإن علم أنه ~~حق قبل وإن علم أنه باطل رد وإلا أمسك عنه وأما الباطن المخالف للظاهر ~~المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية ~~وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين. وشر هؤلاء ~~القرامطة فإنهم يدعون أن للقرآن والإسلام باطنا يخالف الظاهر؛ فيقولون: " ~~الصلاة " المأمور بها ليست هذه الصلاة أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة ~~وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا و " الصيام " كتمان أسرارنا و " ~~الحج " السفر إلى زيارة شيوخنا المقدسين ويقولون: إن " الجنة " للخاصة: هي ~~التمتع في الدنيا باللذات و " النار " هي التزام الشرائع والدخول تحت ~~أثقالها ويقولون: إن " الدابة " التي يخرجها الله للناس هي العالم الناطق ~~بالعلم في كل وقت وإن " إسرافيل " الذي ينفخ في الصور هو العالم الذي ينفخ ~~بعلمه في القلوب ms4274 حتى تحيا و " جبريل " هو العقل الفعال الذي تفيض عنه ~~الموجودات و " القلم " هو العقل الأول # PageV13P236 # الذي تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول وأن الكواكب والقمر والشمس التي ~~رآها إبراهيم هي النفس والعقل وواجب الوجود وأن الأنهار الأربعة التي رآها ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هي العناصر الأربعة وأن الأنبياء ~~التي رآها في السماء هي الكواكب. فآدم هو القمر ويوسف هو الزهرة وإدريس هو ~~الشمس وأمثال هذه الأمور. وقد دخل في كثير من أقوال هؤلاء كثير من ~~المتكلمين والمتصوفين؛ لكن أولئك القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر ~~المحض وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم؛ ~~لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون عليا على أبي بكر وفيهم من يفضل عليا ~~في العلم الباطن كطريقة الحربي وأمثاله ويدعون أن عليا كان أعلم بالباطن ~~وأن هذا العلم أفضل من جهته وأبو بكر كان أعلم بالظاهر. وهؤلاء عكس محققي ~~الصوفية وأئمتهم فإنهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر ~~الصديق. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن ~~والظاهر وحكى الإجماع على ذلك غير واحد. وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: {وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين} أنه علي ويفسرون قوله تعالى {تبت يدا أبي لهب ~~وتب} بأنهما أبو بكر وعمر وقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} أنهم طلحة والزبير # PageV13P237 # {والشجرة الملعونة في القرآن} بأنها بنو أمية. وأما باطنية الصوفية ~~فيقولون في قوله تعالى {اذهب إلى فرعون} إنه القلب و {إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة} إنها النفس ويقول أولئك هي عائشة ويفسرون هم والفلاسفة تكليم ~~موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال أو غيره ويجعلون (خلع النعلين ترك ~~الدنيا والآخرة ويفسرون (الشجرة التي كلم منها موسى و (الوادي المقدس ونحو ~~ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له وممن سلك ذلك صاحب " مشكاة ~~الأنوار " وأمثاله وهي مما أعظم المسلمون إنكاره عليه وقالوا أمرضه " ~~الشفاء " وقالوا: دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر ومن الناس ms4275 ~~من يطعن في هذه الكتب ويقول: إنها مكذوبة عليه وآخرون يقولون: بل رجع عنها ~~وهذا أقرب الأقوال؛ فإنه قد صرح بكفر الفلاسفة في مسائل وتضليلهم في مسائل ~~أكثر منها وصرح بأن طريقتهم لا توصل إلى المطلوب. وباطنية الفلاسفة يفسرون ~~الملائكة والشياطين بقوى النفس وما وعد الناس به في الآخرة بأمثال مضروبة ~~لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم لا بإثبات حقائق منفصلة ~~يتنعم بها ويتألم بها وقد وقع في هذا الباب في كلام كثير من متأخري الصوفية ~~ما لم يوجد مثله عن أئمتهم ومتقدميهم كما وقع في كلام كثير من متأخري أهل # PageV13P238 # الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن أئمتهم ومتقدميهم. وهؤلاء المتأخرون ~~- مع ضلالهم وجهلهم - يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها حتى آل ~~الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدا كما فعل ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله ~~فإنهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين وهم يدعون مع ذلك أن ~~الشيوخ المتقدمين: كالجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وإبراهيم ~~الخواص وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد وينكرون على الجنيد وأمثاله إذا ~~ميزوا بين الرب والعبد كقوله: " التوحيد " إفراد الحدوث عن القدم. ولعمري ~~إن توحيدهم الذي جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الإلحاد ~~الذي أنكره المشايخ المهتدون وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه وحذروا الناس منه ~~وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق والقديم والمحدث وأن ~~التوحيد أن يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها وأنه ليس في مخلوقاته ~~شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. ثم إنهم يدعون أنهم أعلم بالله ~~من المرسلين وأن الرسل إنما تستفيد معرفة الله من مشكاتهم ويفسرون القرآن ~~بما يوافق باطنهم الباطل كقوله: {مما خطيئاتهم} فهي التي خطت بهم فغرقوا في ~~بحار العلم بالله وقولهم إن العذاب مشتق من العذوبة ويقولون: إن # PageV13P239 # كلام نوح في حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم ويفسرون قوله تعالى {إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ms4276 تنذرهم لا يؤمنون} بعلم الظاهر بل {ختم ~~الله على قلوبهم} فلا يعلمون غيره {وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} فلا يسمعون من ~~غيره ولا يرون غيره فإنه لا غير له فلا يرون غيره. ويقولون في قوله: {وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أن معناه قدر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا ~~يتصور أن يعبد غيره فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره لأنه ما ثم غير ~~وأمثال هذه التأويلات والتفسيرات التي يعلم كل مؤمن وكل يهودي ونصراني علما ~~ضروريا أنها مخالفة لما جاءت به الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم ~~أجمعين. وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان: " أحدهما " أن يكون المعنى ~~المذكور باطلا؛ لكونه مخالفا لما علم فهذا هو في نفسه باطل فلا يكون الدليل ~~عليه إلا باطلا؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق. و " الثاني " ~~ما كان في نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ~~ذلك فهذا الذي يسمونه " إشارات " و " حقائق التفسير " لأبي عبد الرحمن فيه ~~من هذا الباب شيء كثير. # PageV13P240 # وأما " النوع الأول " فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين ~~للمسلمين في أصول دينهم فإن من علم أن السابقين الأولين قد رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل ومن أقر بوجوب ~~الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرا علم أن من تأول نصا على سقوط ~~ذلك من بعضهم فقد افترى ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام ~~عقله حاضرا علم أن من تأول نصا يقتضي تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر. وأما ~~" النوع الثاني " فهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس فإن المعنى يكون ~~صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل ~~عليه وهذان قسمان: " أحدهما " أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا ~~افتراء على الله فمن قال المراد بقوله: {تذبحوا بقرة} هي النفس وبقوله ~~{اذهب ms4277 إلى فرعون} هو القلب {والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر ~~{رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعا سجدا} علي: فقد كذب على الله إما متعمدا ~~وإما مخطئا. و " القسم الثاني " أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس # PageV13P241 # لا من باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو ~~الذي تسميه الصوفية إشارة وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ~~ذلك فمن سمع قول الله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} وقال: إنه اللوح ~~المحفوظ أو المصحف فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا ~~يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة وهي قلوب ~~المتقين كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ولهذا يروى هذا عن طائفة من ~~السلف؛ قال تعالى: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} وقال: {هذا ~~بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} وقال: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام} وأمثال ذلك. وكذلك من قال: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا ~~جنب " فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه ~~من الكبر والحسد فقد أصاب قال تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم} وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا} وأمثال ذلك. و ### | " كتاب حقائق التفسير " لأبي عبد الرحمن السلمي يتضمن ثلاثة أنواع: # PageV13P242 # " أحدها " نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق فإن ~~أكثره باطل عنه وعامتها فيه من موقوف أبي عبد الرحمن وقد تكلم أهل المعرفة ~~في نفس رواية أبي عبد الرحمن حتى كان البيهقي إذا حدث عنه يقول حدثنا من ~~أصل سماعه. و " الثاني " أن يكون المنقول صحيحا لكن الناقل أخطأ فيما قال. ~~و " الثالث " نقول صحيحة عن قائل مصيب. فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل وحجته داحضة ms4278 وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره إذا فسر ~~به الخطاب فهو خطأ وإن ذكر على سبيل الإشارة والاعتبار والقياس فقد يكون ~~حقا وقد يكون باطلا. وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على ~~غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات ~~الله محرف للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم ~~البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل ~~مثل قول بعضهم: لو # PageV13P243 # شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب إلخ. فهذا إذا صح عمن نقل عنه كعلي ~~وغيره لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر؛ بل يكون هذا من الباطن ~~الصحيح الموافق للظاهر الصحيح. وقد تقدم أن الباطن إذا أريد به ما لا يخالف ~~الظاهر المعلوم فقد يكون حقا وقد يكون باطلا؛ ولكن ينبغي أن يعرف أنه قد ~~كذب على علي وأهل بيته؛ لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من ~~الصحابة حتى إن الإسماعيلية والنصيرية يضيفون مذهبهم إليه وكذلك المعتزلة. ~~وكذلك فرقة التصوف يقولون: إن الحسن البصري صحبه وإنه دخل المسجد فرأى ~~الحسن يقص مع القصاص فقال: ما صلاح الدين؟ قال الورع. قال: فما فساده؟ قال ~~الطمع فأقره وأخرج غيره؛ وقد اتفق أهل المعرفة بالمنقولات أن الحسن لم يصحب ~~عليا ولم يأخذ عنه شيئا وإنما أخذ عن أصحابه كالأحنف بن قيس وقيس بن سعد بن ~~عباد وأمثالهما ولم يقص الحسن في زمن علي؛ بل ولا في زمن معاوية؛ وإنما قص ~~بعد ذلك وقد كانوا في زمن علي يكذبون عليه حتى كان الناس يسألونه كما ثبت ~~في الصحيحين {أنه قيل له: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ~~تقرءونه؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا هذه الصحيفة. وفيها ~~أسنان الإبل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر وفي لفظ: هل عهد إليكم # PageV13P244 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس؟ فقال: ms4279 لا ~~وفي لفظ: إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه} . وأما ### | " العلم اللدني " # فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين وعباده الصالحين بسبب ~~طهارة قلوبهم مما يكرهه واتباعهم ما يحبه ما لا يفتح به على غيرهم. وهذا ~~كما قال علي: إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وفي الأثر: " من عمل بما ~~علم ورثه الله علم ما لم يعلم " وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع كقوله: ~~{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما} فقد أخبر أنه من فعل ما ~~يؤمر به يهديه الله صراطا مستقيما وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام} وقال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} ~~وقال: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} وقال تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين} وقال تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} ~~وقال تعالى: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} . وأخبر أن اتباع ~~ما يكرهه يصرف عن العلم والهدى كقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~وقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله وما يشعركم # PageV13P245 # أنها إذا جاءت لا يؤمنون} {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} أي: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ~~ونقلب أفئدتهم أي يتركون الإيمان ونحن نقلب أفئدتهم لكونهم لم يؤمنوا أول ~~مرة أي ما يدريكم أنه لا يكون هذا وهذا حينئذ. ومن فهم معنى الآية عرف خطأ ~~من قال (أن بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح؛ بل يعلم حينئذ أنها أحسن من ~~قراءة الكسر وهذا باب واسع. والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام طرفان ~~ووسط. فقوم يزعمون أن مجرد الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس توجب حصول ~~العلم بلا سبب آخر. وقوم يقولون: لا أثر لذلك بل الموجب للعلم العلم ~~بالأدلة الشرعية أو العقلية. وأما الوسط: ms4280 فهو أن ذلك من أعظم الأسباب ~~معاونة على نيل العلم؛ بل هو شرط في حصول كثير من العلم وليس هو وحده ~~كافيا؛ بل لا بد من أمر آخر إما العلم بالدليل فيما لا يعلم إلا به # PageV13P246 # وإما التصور الصحيح لطرفي القضية في العلوم الضرورية. وأما العلم النافع ~~الذي تحصل به النجاة من النار ويسعد به العباد فلا يحصل إلا باتباع الكتب ~~التي جاءت بها الرسل قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن} إلخ وقال تعالى: ~~{ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} فمن ظن أن الهدى ~~والإيمان يحصل بمجرد طريق العلم مع عدم العمل به أو بمجرد العمل والزهد ~~بدون العلم فقد ضل. وأضل منهما من سلك في العلم والمعرفة طريق أهل الفلسفة ~~والكلام بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا العمل بموجب العلم أو سلك في ~~العمل والزهد طريق أهل الفلسفة والتصوف بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا ~~اعتبار العمل بالعلم؛ فأعرض هؤلاء عن العلم والشرع وأعرض أولئك عن العمل ~~والشرع فضل كل منهما من هذين الوجهين وتباينوا تباينا عظيما حتى أشبه هؤلاء ~~اليهود المغضوب عليهم وأشبه هؤلاء النصارى الضالين؛ بل صار منهما من هو شر # PageV13P247 # من اليهود والنصارى كالقرامطة والاتحادية وأمثالهم من الملاحدة الفلاسفة. # فصل: # وأما قول القائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم خص كل قوم بما يصلح لهم ~~إلخ فهذا الكلام له وجهان: إن أراد به أن الأعمال المشروعة يختلف الناس ~~فيها بحسب اختلاف أحوالهم فهذا لا ريب فيه فإنه ليس ما يؤمر به الفقير كما ~~يؤمر به الغني ولا ما يؤمر به المريض كما يؤمر به الصحيح ولا ما يؤمر به ~~عند المصائب هو ما يؤمر به عند النعم ولا ما تؤمر ms4281 به الحائض كما تؤمر به ~~الطاهرة ولا ما تؤمر به الأئمة كالذي تؤمر به الرعية فأمر الله لعباده قد ~~يتنوع بتنوع أحوالهم كما قد يشتركون في أصل الإيمان بالله وتوحيده والإيمان ~~بكتبه ورسله. وإن أراد به أن الشريعة في نفسها تختلف وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاطب زيدا بخطاب يناقض ما خاطب به عمرا أو أظهر لهذا شيئا يناقض ~~ما أظهره لهذا كما يرويه الكذابون {أن عائشة سألته # PageV13P248 # هل رأيت ربك؟ فقال: لا. وسأله أبو بكر فقال: نعم} . " وأنه أجاب عن مسألة ~~واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال السائلين " فهذا من كلام الكذابين ~~المفترين؛ بل هو من كلام الملاحدة المنافقين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال {ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين} والحديث في سنن أبي داود ~~وغيره {وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم ابن أبي سرح فجاء به عثمان ~~ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم بايعه ثم ~~قال: أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلي وقد أعرضت عن هذا فيقتله؟ فقال بعضهم: ~~هلا أومضت إلي يا رسول الله؟ فقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين} ~~وهذا مبالغة في استواء ظاهره وباطنه وسره وعلانيته وأنه لا يبطن خلاف ما ~~يظهر على عادة المكارين المنافقين. ولا ريب أن القرامطة وأمثالهم من ~~الفلاسفة يقولون: إنه أظهر خلاف ما أبطن وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها ~~خلاف ما أفهمهم لأجل مصلحتهم؛ إذ كان لا يمكنه صلاحهم إلا بهذا الطريق وقد ~~زعم ذلك ابن سينا وأصحاب " رسائل إخوان الصفا " وأمثالهم من الفلاسفة ~~والقرامطة الباطنية؛ فإن ابن سينا كان هو وأهل بيته من أتباع الحاكم ~~القرمطي العبيدي الذي كان بمصر. وقول هؤلاء كما أنه من أكفر الأقوال فجهلهم ~~من أعظم الجهل # PageV13P249 # وذلك أنه إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يعلمه أهل العقل والذكاء من الناس ~~وإذا علموه امتنع في العادة تواطؤهم على كتمانه كما يمتنع تواطؤهم على ~~الكذب فإنه كما يمتنع ms4282 في العادة تواطؤ الجميع على الكذب يمتنع تواطؤهم على ~~كتمان ما تتوفر الهمم والدواعي على بيانه وذكره لا سيما مثل معرفة هذه ~~الأمور العظيمة التي معرفتها والتكلم بها من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي ~~عليه ألا ترى أن الباطنية ونحوهم أبطنوا خلاف ما أظهروه للناس وسعوا في ذلك ~~بكل طريق وتواطئوا عليه ما شاء الله. حتى التبس أمرهم على كثير من أتباعهم. ~~ثم إنهم مع ذلك اطلع على حقيقة أمرهم جميع أذكياء الناس من موافقيهم ~~ومخالفيهم وصنفوا الكتب في كشف أسرارهم ورفع أستارهم ولم يكن لهم في الباطن ~~حرمة عند من عرف باطنهم ولا ثقة بما يخبرون به ولا التزام طاعة لما يأمرون ~~وكذلك من فيه نوع من هذا الجنس. فمن سلك هذه السبيل لم يبق لمن علم أمره ~~ثقة بما يخبر به وبما يأمر به وحينئذ فينتقض عليه جميع ما خاطب به الناس ~~فإنه ما من خطاب يخاطبهم به إلا ويجوزون عليه أن يكون أراد به غير ما أظهره ~~لهم فلا يثقون بأخباره وأوامره فيختل عليه الأمر كله فيكون مقصوده صلاحهم ~~فيعود ذلك بالفساد العظيم؛ بل كل من وافقه فلا بد أن يظهر خلاف ما أبطن ~~كاتباع من سلك هذه السبيل من القرامطة # PageV13P250 # الباطنية وغيرهم لا تجد أحدا من موافقيهم إلا ولا بد أن يبين أن ظاهره ~~خلاف باطنه ويحصل لهم بذلك من كشف الأسرار وهتك الأستار ما يصيرون به من ~~شرار الكفار. وإذا كانت الرسل تبطن خلاف ما تظهر فإما أن يكون العلم بهذا ~~الاختلاف ممكنا لغيرهم وإما أن لا يكون فإن لم يكن ممكنا كان مدعي ذلك ~~كذابا مفتريا؛ فبطل قول هؤلاء الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وإن ~~كان العلم بذلك ممكنا علم بعض الناس مخالفة الباطن للظاهر وليس لمن يعلم ~~ذلك حد محدود؛ بل إذا علمه هذا علمه هذا وعلمه هذا فيشيع هذا ويظهر؛ ولهذا ~~كان من اعتقد هذا في الأنبياء كهؤلاء الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ~~ونحوهم معرضين عن حقيقة خبره وأمره لا يعتقدون باطن ما أخبر ms4283 به ولا ما أمر؛ ~~بل يظهر عليه من مخالفة أمره والإعراض عن خبره ما يظهر لكل أحد ولا تجد في ~~أهل الإيمان من يحسن بهم الظن؛ بل يظهر فسقهم ونفاقهم لعوام المؤمنين فضلا ~~عن خواصهم. وأيضا فمن كانت هذه حاله كان خواصه أعلم الناس بباطنه والعلم ~~بذلك يوجب الانحلال في الباطن ومن علم حال خاصة النبي صلى الله عليه وسلم - ~~كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين - علم أنهم كانوا أعظم الناس ~~تصديقا لباطن أمر خبره وظاهره وطاعتهم # PageV13P251 # له في سرهم وعلانيتهم ولم يكن أحد منهم يعتقد في خبره وأمره ما يناقض ~~ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه وأرشدهم إليه ولهذا لم يكن في الصحابة من تأول ~~شيئا من نصوصه على خلاف ما دل عليه لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته ~~ولا فيما أخبر به عما بعد الموت وأن ما ظهر من هذا ما ظهر إلا ممن هو عند ~~الأئمة من أهل النفاق والاتحاد كالقرامطة والفلاسفة والجهمية نفاة حقائق ~~الأسماء والصفات. ومن تمام هذا أن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص ~~أحدا من أصحابه بخطاب في علم الدين قصد كتمانه عن غيره ولكن كان قد يسأل ~~الرجل عن المسألة التي لا يمكن جوابها؛ فيجيبه بما ينفعه {كالأعرابي الذي ~~سأله عن الساعة والساعة لا يعلم متى هي؟ فقال: ما أعددت لها؟ فقال ما أعددت ~~لها من كثير عمل؛ ولكني أحب الله ورسوله فقال: المرء مع من أحب} فأجابه ~~بالمقصود من علمه بالساعة ولم يكن يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه؛ بل كان ~~بعضهم أكمل فهما لكلامه من بعض كما في الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك ~~العبد ما عند الله؛ فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا يا رسول ~~الله فجعل الناس يعجبون # PageV13P252 # أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة ~~قال: وكان رسول الله ms4284 صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به} ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ولا في لفظه ما يدل ~~عليه؛ لكن أبو بكر لكمال معرفته بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم علم أنه ~~هو ذلك العبد فلم يخص عنهم بباطن يخالف الظاهر؛ بل يوافقه ولا يخالف مفهوم ~~لفظه ومعناه. # وأما ما يرويه بعض الكذابين {عن عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما} فهذا من أظهر الأكاذيب ~~المختلقة لم يروه أحد من علماء المسلمين في شيء من كتب أهل العلم وهو من ~~أظهر الكذب فإن عمر أفضل الأمة بعد أبي بكر وهو المحدث الملهم الذي ضرب ~~الله الحق على لسانه وقلبه وهو أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة فإذا ~~كان هو حاضرا يسمع الألفاظ ولم يفهم الكلام كالزنجي فهل يتصور أن يكون غيره ~~أفهم منه لذلك؟ فكيف من لم يسمع ألفاظ الرسول؟ بل يزعم أن ما يدعيه من ~~المعاني هي تلك المعاني بمجرد الدعوى التي لو كانت مجردة لم تقبل فكيف إذا ~~قامت البينة على كذب مدعيها؟ . وأما حديث حذيفة: فقد ثبت في الصحيح: {أن ~~حذيفة كان # PageV13P253 # يعلم السر الذي لا يعلمه غيره} وكان ذلك ما أسره إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عام تبوك من أعيان المنافقين فإنه روى أن جماعة من المنافقين ~~أرادوا أن يحلوا حزام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ليسقط عن ~~بعيره فيموت وأنه أوحي إليه بذلك وكان حذيفة قريبا منه فأسر إليه أسماءهم. ~~ويقال إن عمر لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة وهذا ليس فيه شيء من ~~حقائق الدين ولا من الباطن الذي يخالف الظاهر فإن الله قد ذكر في كتابه من ~~صفات المنافقين وأخبارهم ما ذكره حتى أن سورة " براءة " سميت الفاضحة ~~لكونها فضحت المنافقين وسميت المبعثرة وغير ذلك من الأسماء لكن القرآن لم ~~يذكر فلانا وفلانا فإذا عرف بعض الناس أن فلانا وفلانا ms4285 من هؤلاء المنافقين ~~الموصوفين كان ذلك بمنزلة تعريفه أن فلانا وفلانا من المؤمنين الموعودين ~~بالجنة فإخباره صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر وعمر وغيرهما في الجنة ~~كإخباره أن أولئك منافقون وهذا إذا كان من العلم الباطن فهو من الباطن ~~الموافق للظاهر المحقق له المطابق له. # ونظيره في " الأمر " ما يسمى " تحقيق المناط " وهو أن يكون الشارع قد علق ~~الحكم بوصف فنعلم ثبوته في حق المعين كأمره باستشهاد ذوي عدل ولم يعين ~~فلانا وفلانا فإذا علمنا أن هذا ذو # PageV13P254 # عدل كنا قد علمنا أن هذا المعين موصوف بالعدل المذكور في القرآن وكذلك ~~لما حرم الله الخمر والميسر؛ فإذا علمنا أن هذا الشراب المصنوع من الذرة ~~والعسل خمرا علمنا أنه داخل في هذا النص فعلمنا بأعيان المؤمنين وأعيان ~~المنافقين هو من هذا الباب وهذا هو من تأويل القرآن. وهذا على الإطلاق لا ~~يعلمه إلا الله فإن الله يعلم كل مؤمن وكل منافق ومقادير إيمانهم ونفاقهم ~~وما يختم لهم. وأما الرسول فقد قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم ~~يردون إلى عذاب عظيم} فالله يطلع رسوله ومن شاء من عباده على ما يشاء من ~~ذلك. وأما حديث أبي هريرة فهو حديث صحيح قال: " حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جرابين فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا ~~البلعوم ". ولكن ليس في هذا من الباطن الذي يخالف الظاهر شيء؛ بل ولا فيه ~~من حقائق الدين وإنما كان في ذلك الجراب الخبر عما سيكون من الملاحم والفتن ~~فالملاحم الحروب التي بين المسلمين والكفار والفتن ما يكون بين المسلمين # PageV13P255 # ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم ~~وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة وإظهار مثل هذا مما تكرهه الملوك ~~وأعوانهم لما فيه من الإخبار بتغير دولهم. ومما يبين هذا أن أبا هريرة إنما ~~أسلم عام خيبر فليس هو من السابقين الأولين ms4286 ولا من أهل بيعة الرضوان وغيره ~~من الصحابة أعلم بحقائق الدين منه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثه ~~وغيره بالحديث فيسمعونه كلهم ولكن كان أبو هريرة أحفظهم للحديث ببركة حصلت ~~له من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لأن {النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم ~~ذات يوم حديثا فقال: أيكم يبسط ثوبه فلا ينسى شيئا سمعه ففعل ذلك أبو ~~هريرة} وقد روي " أنه كان يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا يصلي وثلثا ينام ~~وثلثا يدرس الحديث " ولم ينقل أحد قط عن أبي هريرة حديثا يوافق الباطنية ~~ولا حديثا يخالف الظاهر المعلوم من الدين. ومن المعلوم أنه لو كان عنده شيء ~~من هذا لم يكن بد أن ينقل عنه أحد شيئا منه بل النقول المتواترة عنه كلها ~~تصدق ما ظهر من الدين وقد روى من أحاديث صفات الله وصفات اليوم الآخر ~~وتحقيق العبادات ما يوافق أصول أهل الإيمان ويخالف قول أهل البهتان. # PageV13P256 # وأما ما يروى عن أبي سعيد الخراز وأمثاله في هذا الباب وما يذكره أبو ~~طالب في كتابه وغيره وكلام بعض المشايخ الذي يظن أنه يقول بباطن يخالف ~~الظاهر وما يوجد من ذلك في كلام أبي حامد الغزالي أو غيره. فالجواب عن هذا ~~كله أن يقال: ما علم من جهة الرسول فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وما عارض ~~ذلك فإما أن يكون نقلا عن غير مصدق أو قولا لغير معصوم فإن كثيرا مما ينقل ~~عن هؤلاء كذب عليهم والصدق من ذلك فيه ما أصابوا فيه تارة وأخطئوا فيه أخرى ~~وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة متشابهة لو كانت من ألفاظ المعصوم لم ~~تعارض الحكم المعلوم فكيف إذا كانت من قول غير المعصوم. وقد جمع أبو الفضل ~~الفلكي كتابا من كلام أبي يزيد البسطامي سماه " النور من كلام طيفور " فيه ~~شيء كثير لا ريب أنه كذب على أبي يزيد البسطامي وفيه أشياء من غلط أبي يزيد ~~- رحمة الله عليه - وفيه أشياء حسنة من كلام أبي يزيد وكل أحد من الناس ~~يؤخذ ms4287 من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن قيل له عن أبي يزيد أو غيره من المشايخ: أنه قال لمريديه: # PageV13P257 # إن تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء فعارضه الآخر وقال: ~~قلت لمريدي إن تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء؛ فصدق هذا ~~النقل عنه ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبي يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم ~~حاله فقد دل على عظيم جهله أو نفاقه فإنه إن كان قد علم ما أخبر به الرسول ~~من دخول من يدخل النار من أهل الكبائر وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول ~~من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل الكبار: كنوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى فيمتنعون ويعتذرون. ثم صدق أن مريدي أبي يزيد أو غيره يمنعون أحدا من ~~الأمة من دخول النار أو يخرجون هم كل من دخلها كان ذلك كفرا منه بما أخبر ~~به الصادق المصدوق بحكاية منقولة كذب ناقلها أو أخطأ قائلها إن لم يكن تعمد ~~الكذب وإن كان لا يعلم ما أخبر به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الإيمان. ~~فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة وأن يجتهد في أن يعرف ما أخبر به ~~الرسول وأمر به علما يقينيا؛ وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه ~~المجهول فإن مثال ذلك مثل من كان سائرا إلى مكة في طريق معروفة لا شك أنها ~~توصله إلى مكة إذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف ~~منتهاها وهذا مثال من عدل # PageV13P258 # عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدري هل يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ~~ذلك. وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على ~~الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة فإن ~~هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد ~~وعمرو كائنا من كان فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ms4288 ويترك إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد رأيت في هذا الباب من عجائب الأمور ما لا يحصيه إلا ~~العليم بذات الصدور. وأما الحديث المأثور: {إن من العلم كهيئة المكنون لا ~~يعلمه إلا أهل العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله} فهذا ~~قد رواه أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام في كتابه الذي سماه " الفاروق ~~بين المثبتة والمعطلة " وذكر فيه أحاديث الصفات صحيحها وغريبها ومسندها ~~ومرسلها وموقوفها. وذكره أيضا أبو حامد الغزالي في كتبه. ثم هذا يفسره بما ~~يناسب أقواله التي يميل فيها إلى ما يشبه أقوال نفاة الصفات من الفلاسفة ~~ونحوهم. وذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أنه كان يقول: # PageV13P259 # المراد بذلك أحاديث الصفات؛ فكان يفسر ذلك بما يناقض قول أبي حامد من ~~أقوال أهل الإثبات. والحديث ليس إسناده ثابتا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو ~~في أمهات كتب الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام في تفسيره وإذا قدر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كلام مجمل ليس فيه تعيين لقول معين ~~فحينئذ فما من مدع يدعي أن المراد قوله إلا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك. ~~ولا ريب أن قول يحيى بن عمار وأبي إسماعيل الأنصاري ونحوهما من أهل الإثبات ~~أقرب من قول النفاة إن هذا العلم هو من علم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاتفاق وعلم الصحابة. ومن المعلوم أن قول النفاة لا ينقله أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف بخلاف مذهب المثبتة ~~فإن القرآن والحديث والآثار عن الصحابة مملوءة به فكيف يحمل كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم على علم لم ينقله عنه أحد ويترك حمله على العلم المنقول عنه ~~وعن أصحابه. وكذلك ما ذكره البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: {حدثوا ~~الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله} قد حمله أبو ~~الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف وأمثاله على علوم الباطنية # PageV13P260 # الفلاسفة نفاة الصفات وهذا تحريف ms4289 ظاهر فإن قول علي: أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله. دليل على أن ذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال ~~النفاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والمعتزلة لم ينقل فيها مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لا صحيحا ولا ضعيفا فكيف يكذب الله ورسوله ~~في شيء لم ينقله أحد عن الله ورسوله؟ بخلاف ما رواه أهل الإثبات من أحاديث ~~صفات الرب وملائكته وجنته وناره فإن هذا كثير مشهور قد لا تحتمله عقول بعض ~~الناس فإذا حدث به خيف أن يكذب الله ورسوله. ومن هذا الباب قول عبد الله بن ~~مسعود: " ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " ~~وابن مسعود فيما يقول ذاكرا أو آمرا من أعظم الناس إثباتا للصفات وأرواهم ~~لأحاديثها وأصحابه من أجل التابعين وأبلغهم في هذا الباب وكذلك أصحاب ابن ~~عباس فكل من كان من الصحابة أعلم كان إثباته وإثبات أصحابه أبلغ فعلم أن ~~الصحابة لم يكونوا يبطنون خلاف ما يظهرون ولا يظهرون الإثبات ويبطنون النفي ~~ولا يظهرون الأمر ويبطنون امتناعه؛ بل هم أقوم الناس بتصديق الرسول فيما ~~أخبر وطاعته فيما أمر. وهذا باب واسع دخل فيه من الأمور ما لا يتسع هذا ~~الموضع # PageV13P261 # لتفصيله ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بد له من ظاهر وباطن ~~فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر ~~العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان. ~~فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من ~~أهل الخسران؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار قال تعالى: {ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} {يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} الآيات فإن الله أنزل في أول سورة ~~البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في ~~صفة المنافقين وقال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ms4290 الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} السورة وقال ~~تعالى: {لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم} الآية. والملاحدة يظهرون موافقة المسلمين ويبطنون خلاف ذلك ~~وهم شر من المنافقين فإن المنافقين نوعان: نوع يظهر الإيمان ويبطن الكفر ~~ولا يدعي أن الباطن الذي يبطنه من الكفر هو حقيقة الإيمان والملاحدة تدعي ~~أن ما تبطنه من الكفر هو حقيقة الإيمان # PageV13P262 # وأن الأنبياء والأولياء هم من جنسهم يبطنون ما يبطنونه مما هو كفر وتعطيل ~~فهم يجمعون بين إبطان الكفر وبين دعواهم أن ذلك الباطن هو الإيمان عند أهل ~~العرفان فلا يظهرون للمستجيب لهم أن باطنه طعن في الرسول والمؤمنين وتكذيب ~~له؛ بل يجعلون ذلك من كمال الرسول وتمام حاله وأن الذي فعله هو الغاية في ~~الكمال وأنه لا يفعله إلا أكمل الرجال من سياسة الناس على السيرة العادلة ~~وعمارة العالم على الطريقة الفاضلة وهذا قد يظنه طوائف حقا باطنا وظاهرا ~~فيئول أمرهم إلى أن يكون النفاق عندهم هو حقيقة الإيمان وقد علم بالاضطرار ~~أن النفاق ضد الإيمان. ولهذا كان أعظم الأبواب التي يدخلون منها باب التشيع ~~والرفض؛ لأن الرافضة هم أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن معرفة المنقول ~~والمعقول وهم يجعلون التقية من أصول دينهم ويكذبون على أهل البيت كذبا لا ~~يحصيه إلا الله حتى يرووا عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي. ~~و " التقية " هي شعار النفاق؛ فإن حقيقتها عندهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس ~~في قلوبهم وهذا حقيقة النفاق. ثم إذا كان هذا من أصول دينهم صار كل ما ~~ينقله الناقلون عن علي أو غيره من أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة ~~والجماعة يقولون: هذا قالوه على سبيل التقية ثم فتحوا باب النفاق للقرامطة ~~الباطنية # PageV13P263 # الفلاسفة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم؛ فجعلوا ما يقوله الرسول هو من ~~هذا الباب أظهر به خلاف ما أبطن وأسر به خلاف ما أعلن فكان حقيقة قولهم أن ~~الرسول هو إمام المنافقين وهو صلى الله ms4291 عليه وسلم الصادق المصدوق المبين ~~للناس ما نزل إليهم المبلغ لرسالة ربه المخاطب لهم بلسان عربي مبين. قال ~~تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال تعالى: {إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وقال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر} وقال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا} وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} ~~وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} وقال تعالى: ~~{إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن علينا بيانه} ~~وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} ~~وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وقال تعالى: {فهل ~~على الرسل إلا البلاغ المبين} وقالت الرسل {ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} ~~{وما علينا إلا البلاغ المبين} وقال: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول ~~إلا # PageV13P264 # البلاغ المبين} وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم ~~فإنما على رسولنا البلاغ المبين} وقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} . فهذا ونحوه مما يبين أن الرسل ~~عليهم أن يبلغوا البلاغ المبين يقال: بان الشيء وأبان واستبان وتبين وبين ~~كلها أفعال لازمة. وقد يقال: أبان غيره وبينه وتبينه واستبانه. ومعلوم أن ~~الرسل فعلوا ما عليهم؛ بل قد أخذ الله على أهل العلم الميثاق بأن يبينوا ~~العلم ولا يكتموه وذم كاتميه فقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله} وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ~~من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} فقد ~~لعن كاتمه وأخبر أنه بينه للناس في الكتاب فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد ~~كتم الحق وأخفاه وأظهر ms4292 خلاف ما أبطن؟ فلو سكت عن بيان الحق كان كاتما ومن ~~نسب الأنبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول إنهم أنبياء فهو من أشر ~~المنافقين وأخبثهم وأبينهم تناقضا. وكثير من أهل النسك والعبادة والعلم ~~والنظر ممن سلك طريق # PageV13P265 # بعض الصوفية والفقراء وبعض أهل الكلام والفلسفة يسلك مسلك الباطنية في ~~بعض الأمور لا في جميعها حتى يرى بعضهم سقوط الصلاة عن بعض الخواص أو حل ~~الخمر وغيرها من المحرمات لهم أو أن لبعضهم طريقا إلى الله عز وجل غير ~~متابعة الرسول. # وقد يحتج بعضهم بقصة موسى والخضر ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة؛ فيجوز ~~لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروج عن الشريعة وهم في هذا ضالون من ~~وجهين: " أحدهما " أن الخضر لم يخرج عن الشريعة؛ بل الذي فعله كان جائزا في ~~شريعة موسى؛ ولهذا لما بين له الأسباب أقره على ذلك ولو لم يكن جائزا لما ~~أقره ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التي بها أبيحت تلك، فظن أن الخضر ~~كالملك الظالم فذكر ذلك له الخضر. و " الثاني " أن الخضر لم يكن من أمة ~~موسى ولا كان يجب عليه متابعته؛ بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه ~~الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وذلك أن دعوة ~~موسى لم تكن عامة فإن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم بعث إلى الناس كافة؛ بل بعث إلى الإنس والجن باطنا وظاهرا؛ فليس لأحد ~~أن يخرج عن طاعته ومتابعته لا في الباطن ولا # PageV13P266 # في الظاهر؛ لا من الخواص ولا من العوام. ومن هؤلاء من يفضل بعض الأولياء ~~على الأنبياء وقد يجعلون الخضر من هؤلاء وهذا خلاف ما أجمع عليه مشايخ ~~الطريق المقتدى بهم دع عنك سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين؛ بل لما تكلم ~~الحكيم الترمذي في كتاب " ختم الأولياء " بكلام ذكر أنه يكون في آخر ~~الأولياء من هو أفضل من الصحابة وربما لوح بشيء من ذكر الأنبياء - قام ms4293 عليه ~~المسلمون وأنكروا ذلك عليه ونفوه من البلد بسبب ذلك ولا ريب أنه تكلم في ~~ذلك بكلام فاسد باطل لا ريب فيه. ومن هناك ضل من اتبعه في ذلك حتى صار ~~جماعات يدعي كل واحد أنه خاتم الأولياء كابن عربي صاحب " الفصوص " وسعد ~~الدين بن حمويه وغيرهما وصار بعض الناس يدعي أن في المتأخرين من يكون أفضل ~~في العلم بالله من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار إلى أمثال هذه ~~المقالات التي يطول وصفها مما هو باطل بالكتاب والسنة والإجماع؛ بل طوائف ~~كثيرون آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة الكونية القدرية وظنوا أن من شهدها ~~سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد وهذا هو دين المشركين الذين قالوا: ~~{لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} . # PageV13P267 # وهؤلاء شر من القدرية المعتزلة الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ~~ويكذبون بالقدر؛ فإن أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين ~~بالأنبياء والشرائع فهم من شر الناس وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير ~~هذا الموضع. و " المقصود هنا " أن الظاهر لا بد له من باطن يحققه ويصدقه ~~ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى ~~باطنا يخالف ظاهرا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه ~~وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه فكما أن الإنسان لا بد له من روح وبدن ~~وهما متفقان فلا بد لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من ~~الإنسان والظاهر للظاهر منه. والقرآن مملوء من ذكر أحكام الباطن والظاهر ~~والباطن أصل الظاهر كما قال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب ~~الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد ~~لها سائر الجسد ألا وهي القلب} وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} وقد قال تعالى: {أولئك كتب في ~~قلوبهم ms4294 # PageV13P268 # الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء} وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} وقال تعالى: ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} وقال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وأمثال هذا كثير في القرآن. وقال في ~~حق الكفار: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال: {ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} وأمثال ذلك. فنسأل الله العظيم أن ~~يصلح بواطننا وظواهرنا ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من جميع أمورنا بمنه وكرمه. ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. # PageV13P269 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي: # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # فصل: # قوله تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته} إلى قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} {وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين ~~آمنوا إلى صراط مستقيم} . جعل الله ### | القلوب ثلاثة أقسام: # قاسية وذات مرض ومؤمنة مخبتة؛ وذلك لأنها إما أن تكون يابسة # PageV13P270 # جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون يابسة جامدة. ف " الأول " ~~هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب فيه الإيمان ~~ولا يرتسم فيه العلم؛ لأن ذلك يستدعي محلا لينا قابلا. و " الثاني " لا ~~يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ms4295 لينه ~~مع ضعف وانحلال. فالثاني هو الذي فيه مرض والأول هو القوي اللين. وذلك أن ~~القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلا فإما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوي ~~ولا تبطش أو تبطش بعنف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة ~~لضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فهو مثل ~~القلب العليم الرحيم فبالرحمة خرج عن القسوة وبالعلم خرج عن المرض؛ فإن ~~المرض من الشكوك والشبهات. ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والإيمان ~~والإخبات. وفي قوله: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ~~فتخبت له قلوبهم} دليل على أن العلم يدل على الإيمان ليس أن أهل العلم # PageV13P271 # ارتفعوا عن درجة الإيمان - كما يتوهمه طائفة من المتكلمة - بل معهم العلم ~~والإيمان كما قال تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وقال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله} الآية. وعلى هذا فقوله: {والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا} نظير هذه الآية فإنه أخبر هنا أن الذين ~~أوتوا العلم يعلمون أنه الحق من ربهم وأخبر هناك أنهم يقولون في المتشابه: ~~{آمنا به كل من عند ربنا} وكلا الموضعين موضع ريب وشبهة لغيرهم؛ فإن الكلام ~~هناك في المتشابه وهنا فيما يلقي الشيطان مما ينسخه الله ثم يحكم الله ~~آياته وجعل المحكم هنا ضد الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان؛ ولهذا قال ~~طائفة من المفسرين المتقدمين: إن " المحكم " هو الناسخ و " المتشابه " ~~المنسوخ. أرادوا والله أعلم قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم ~~الله آياته} . والنسخ هنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الله. وقد ~~أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو: أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة ~~ومقابل المنسوخ أخرى. والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف - العام - كل ظاهر ~~ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق فإن هذا متشابه لأنه ~~يحتمل معنيين # PageV13P272 # ويدخل ms4296 فيه المجمل فإنه متشابه وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ~~ليس بمراد وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه نسخا لما يلقيه الشيطان في ~~معاني القرآن؛ ولهذا كانوا يقولون: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ فإذا عرف ~~الناسخ عرف المحكم. وعلى هذا فيصح أن يقال: المحكم والمنسوخ كما يقال ~~المحكم والمتشابه. وقوله بعد ذلك {ثم يحكم الله آياته} جعل جميع الآيات ~~محكمة محكمها ومتشابهها كما قال: {الر} {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} وقال: ~~{تلك آيات الكتاب الحكيم} على أحد القولين. وهنالك جعل الآيات قسمين: محكما ~~ومتشابها كما قال: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} . وهذه ~~المتشابهات مما أنزله الرحمن لا مما ألقاه الشيطان ونسخه الله. فصار المحكم ~~في القرآن تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله وتارة يقابل بما نسخه ~~الله مما ألقاه الشيطان. ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا ~~حتى يقول: هذه الآية محكمة ليست منسوخة ويجعل المنسوخ ليس محكما وإن كان ~~الله أنزله أولا اتباعا لظاهر قوله: {فينسخ الله} {ثم يحكم الله آياته} . # PageV13P273 # فهذه ثلاث معان تقابل المحكم ينبغي التفطن لها. وجماع ذلك أن " الإحكام " ~~تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان فالمحكم المنزل من ~~عند الله أحكمه الله أي فصله من الاشتباه بغيره وفصل منه ما ليس منه؛ فإن ~~الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل ~~إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد فالمنع جزء معناه لا ~~جميع معناه. وتارة يكون " الإحكام " في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ ~~الذي هو رفع ما شرع وهو اصطلاحي أو يقال - وهو أشبه بقول السلف - كانوا ~~يسمون كل رفع نسخا سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة. وإلقاء الشيطان في ~~أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ وقد يكون في سمع المبلغ وقد يكون في فهمه ~~كما قال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} الآية. ومعلوم أن من سمع ~~النص الذي ms4297 قد رفع حكمه أو دلالة له فإنه يلقي الشيطان في تلك التلاوة اتباع ~~ذلك المنسوخ فيحكم الله آياته بالناسخ الذي به يحصل رفع الحكم وبيان ~~المراد. وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال: المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار ~~والله أعلم. وتارة يكون " الإحكام " في التأويل والمعنى وهو تمييز الحقيقة # PageV13P274 # المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات الآيات ~~المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين. قال أحمد بن ~~حنبل " المحكم " الذي ليس فيه اختلاف والمتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي ~~موضع كذا. ولم يقل في المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله وإنما قال: ~~{وما يعلم تأويله إلا الله} وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا ~~الموضع فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا على ما دل ~~عليه أدلة كثيرة وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين ~~وجماهير الأمة. ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره بل قال: {كتاب أنزلناه ~~إليك مبارك ليدبروا آياته} وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات ~~وما لا يعقل له معنى لا يتدبر: وقال: {أفلا يتدبرون القرآن} ولم يستثن شيئا ~~منه نهى عن تدبره. والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ~~ومعرفة معناه فلم يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه. يبين ذلك أن التأويل قد ~~روى أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~كحيي بن أخطب وغيره من # PageV13P275 # طلب من حروف الهجاء التي في أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة كما سلك ~~ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين وزعموا أنه ستمائة وثلاثة ~~وتسعون عاما لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل بعد إسقاط المكرر وهذا ~~من نوع تأويل الحوادث التي أخبر بها القرآن في اليوم الآخر. وروي أن من ~~النصارى الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد نجران من ms4298 تأول ~~(إنا و (نحن على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع. وهذا تأويل في الإيمان ~~بالله فأولئك تأولوا في اليوم الآخر وهؤلاء تأولوا في الله. ومعلوم أن: ~~(إنا و (نحن من المتشابه فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه ويراد ~~بها الواحد الذي معه أعوانه وإن لم يكونوا من جنسه ويراد بها الواحد المعظم ~~نفسه الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام ~~مسمى فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع. و " الأسماء المشتركة ~~في اللفظ " هي من المتشابه وبعض " المتواطئة " أيضا من المتشابه ويسميها ~~أهل التفسير ### | " الوجوه والنظائر " # وصنفوا " كتب الوجوه والنظائر " فالوجوه في الأسماء المشتركة والنظائر في ~~الأسماء المتواطئة. وقد ظن بعض أصحابنا المصنفين في ذلك أن الوجوه # PageV13P276 # والنظائر جميعا في الأسماء المشتركة فهي نظائر باعتبار اللفظ ووجوه ~~باعتبار المعنى وليس الأمر على ما قاله بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن ~~تأمله. والذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه مثل {وإلهكم ~~إله واحد} {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} {ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله} {ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به ~~الناس إذا وضعوه على غير مواضعه وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التي أخبر ~~عنها. وذلك أن " الكلام نوعان ": إنشاء فيه الأمر وإخبار فتأويل الأمر هو ~~نفس الفعل المأمور به كما قال من قال من السلف إن السنة هي تأويل الأمر. ~~{قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه ~~وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن} تعني قوله: {فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . وأما الإخبار فتأويله عين الأمر المخبر ~~به إذا وقع ليس تأويله فهم معناه. # PageV13P277 # وقد جاء اسم " التأويل " في القرآن في غير موضع وهذا معناه قال الله ~~تعالى: {ولقد ms4299 جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} {هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق} فقد أخبر أنه فصل الكتاب وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ~~ثم قال: {هل ينظرون} أي ينتظرون {إلا تأويله يوم يأتي تأويله} إلى آخر ~~الآية. وإنما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها: كالدابة ~~ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفا صفا وما في ~~الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك ~~فحينئذ يقولون: {قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو ~~نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه ~~الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته إلا الله؛ فإن الله يقول: {فلا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين} ويقول: {أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر} وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة ~~إلا الأسماء؛ فإن الله قد أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا ~~وفضة وغير ذلك ونحن نعلم قطعا أن # PageV13P278 # تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما في ~~قوله: {وأتوا به متشابها} على أحد القولين أنه يشبه ما في الدنيا وليس مثله ~~فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض ~~الوجوه. فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ~~ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا ولا سبيل إلى إدراكنا لها ~~لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه. وتلك الحقائق على ما هي عليه هي ~~تأويل ما أخبر الله به. وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من ~~المتفلسفة وغيرهم فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح ~~ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن. ومن دخل في الإسلام ونافق المؤمنين تأول ~~ذلك على ms4300 أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحاني إن كان من المتفلسفة ~~الصابئة المنكرة لحشر الأجساد. وإن كان من منافقة الملتين المقرين بحشر ~~الأجساد تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي في الجنة من الروحاني والسماع ~~الطيب والروائح العطرة. فكل ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته. ~~وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه إذ الأسماء تشبه الأسماء والمسميات تشبه ~~المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها. فهؤلاء يتبعون هذا # PageV13P279 # المتشابه {ابتغاء الفتنة} بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون في ~~الجنة هذه الحقائق {وابتغاء تأويله} ليردوه إلى المعهود الذي يعلمونه في ~~الدنيا. قال الله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} فإن تلك الحقائق قال ~~الله فيها: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} لا ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل. وقوله: {وما يعلم تأويله} إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو ~~على المتشابه؛ فإن كان عائدا على الكتاب كقوله (منه و (منه {فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فهذا يصح؛ فإن جميع آيات الكتاب ~~المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به لا ~~يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلا الله. وقد يستدل لهذا أن الله جعل ~~التأويل للكتاب كله مع إخباره أنه مفصل بقوله {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ~~على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} ~~فجعل التأويل الجائي للكتاب المفصل. وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا ~~وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله وإنما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم ~~نظيره عندنا وكذلك قوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} # PageV13P280 # وإذا كان التأويل للكتاب كله والمراد به ذلك ارتفعت الشبهة وصار هذا ~~بمنزلة قوله: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض} إلى قوله: {إنما علمها عند ~~الله} وكذلك قوله: {يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما ms4301 ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا} فأخبر أنه ليس علمها إلا عند الله وإنما هو ~~علم وقتها المعين وحقيقتها وإلا فنحن قد علمنا من صفاتها ما أخبرنا به. ~~فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله وهذا واضح بين. ولا ينافي كون ~~علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه وأن نفسر النصوص ~~المبينة لأحوالها فهذا هذا. وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله ~~كثير من الناس فلأن المخبر به من الوعد والوعيد متشابه بخلاف الأمر والنهي ~~ولهذا في الآثار: " العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه " لأن المقصود في الخبر ~~الإيمان وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه ~~بخلاف الأمر والنهي؛ ولهذا قال بعض العلماء: " المتشابه " الأمثال والوعد ~~والوعيد و " المحكم " الأمر والنهي فإنه متميز غير مشتبه بغيره فإنه أمور ~~نفعلها قد علمناها بالوقوع وأمور نتركها لا بد أن نتصورها. # PageV13P281 # ومما جاء من لفظ " التأويل " في القرآن قوله تعالى {بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} والكناية عائدة على القرآن أو على ما لم ~~يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن. قال تعالى: {وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين} {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} {ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين} . فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما ~~كان ليفترى من دون الله وهذه الصيغة تدل على امتناع المنفي كقوله: {وما كان ~~ربك ليهلك القرى بظلم} وقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} لأن الخلق ~~عاجزون عن الإتيان بمثله كما تحداهم وطالبهم لما قال: {أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} فهذا ~~تعجيز لجميع ms4302 المخلوقين. قال تعالى: {ولكن تصديق الذي بين يديه} أي مصدق ~~الذي بين يديه {وتفصيل الكتاب} أي مفصل الكتاب فأخبر أنه مصدق الذي بين ~~يديه ومفصل الكتاب والكتاب اسم جنس وتحدى القائلين: افتراه ودل على أنهم هم # PageV13P282 # المفترون قال: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} أي ~~كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. ففرق بين الإحاطة ~~بعلمه وبين إتيان تأويله. فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله فإن الإحاطة ~~بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به ~~وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن ~~ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله. و " نكتة ذلك " أن الخبر لمعناه صورة ~~علمية وجودها في نفس العالم كذهن الإنسان مثلا ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في ~~الخارج عن العلم واللفظ إنما يدل ابتداء على المعنى الذهني ثم تتوسط ذلك أو ~~تدل على الحقيقة الخارجة فالتأويل هو الحقيقة الخارجة وأما معرفة تفسيره ~~ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية. وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم أن الله ~~إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه محكمه ومتشابهه وإن ~~لم يعلم تأويله. ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار: {وإذا قرأت القرآن ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} {وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في # PageV13P283 # القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} فقد أخبر - ذما للمشركين - أنه إذا ~~قرئ عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور وجعل على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا. فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم في ذلك. وقوله: {أن يفقهوه} يعود إلى القرآن ~~كله. فعلم أن الله يحب أن يفقه؛ ولهذا قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية ~~إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها وما استثنى ms4303 من ذلك لا ~~متشابها ولا غيره. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره ~~مرات أقف عند كل آية وأسأله عنها. فهذا ابن عباس حبر الأمة وهو أحد من كان ~~يقول: لا يعلم تأويله إلا الله يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن. وهذا هو ~~الذي حمل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عند قوله ~~{والراسخون في العلم} فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل لأن مجاهدا تعلم من ~~ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن ~~غير الله. وأصل ذلك أن لفظ " التأويل " فيه اشتراك بين ما عناه الله في # PageV13P284 # القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين ~~فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو ~~المذكور في القرآن. ومجاهد إمام التفسير. قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به. وأما التأويل فشأن آخر. ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم ~~يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله ولا قال هذه من المتشابه الذي لا ~~يعلم معناه ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في ~~القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~أهل العلم والإيمان جميعهم وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس وهذا ~~لا ريب فيه. وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في ~~آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك. فلقبوها: " هل يجوز أن يشتمل القرآن على ~~ما لا يعلم معناه ". وما " تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم " فجوز ذلك طوائف ~~متمسكين بظاهر من هذه الآية وبأن الله يمتحن عباده بما شاء ومنعها طوائف ~~ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن # PageV13P285 # مواضعه. والغالب على كلا الطائفتين الخطأ أولئك يقصرون في فهم القرآن ~~بمنزلة من قيل فيه: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} وهؤلاء ~~معتدون بمنزلة الذين ms4304 يحرفون الكلم عن مواضعه. # ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: " لا يجوز أن يتكلم الله ~~بكلام ولا يعني به شيئا خلافا للحشوية ". وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم ~~بما لا معنى له. وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟ وبين نفي المعنى ~~عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم. ثم احتج بما لا يجري على ~~أصله فقال: هذا عبث والعبث على الله محال. وعنده أن الله لا يقبح منه شيء ~~أصلا بل يجوز أن يفعل كل شيء وليس له أن يقول: العبث صفة نقص فهو منتف عنه؛ ~~لأن النزاع في الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال ويجوز أن يشتمل ~~الفعل عنده على كل صفة فلا نقل صحيح ولا عقل صريح. ومثار الفتنة بين ~~الطائفتين ومحار عقولهم: أن مدعي التأويل أخطئوا في زعمهم أن العلماء ~~يعلمون التأويل وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن ~~مواضعه؛ فإن الأولين لعلمهم # PageV13P286 # بالقرآن والسنن وصحة عقولهم وعلمهم بكلام السلف وكلام العرب علموا يقينا ~~أن التأويل الذي يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن؛ فإنهم حرفوا الكلم عن ~~مواضعه وصاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر وما ~~بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر حتى عن ~~أكثر أحوال الأنبياء وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم ~~الآخر وفي آيات القدر ويتأولون آيات الصفات وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية ~~على ما جاء في بعض الصفات وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر وآخرون من ~~أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم ~~من تحريف الكلم عن مواضعه. والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف ~~وأهل السنة وأكثر أهل الكلام والبدع رأوا أيضا أن النصوص دلت على معرفة ~~معاني القرآن ورأوا عجزا وعيبا وقبيحا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرءونه ~~ويتلونه وهم لا يفهمونه وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل؛ لكن ms4305 ~~أخطئوا في معنى التأويل الذي نفاه الله وفي التأويل الذي أثبتوه وتسلق بذلك ~~مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة ~~بنوع من الجهل وصار الآخرون أكثر كلاما وجدالا ولكن بفرية على الله وقول ~~عليه ما لا # PageV13P287 # يعلمونه وإلحاد في أسمائه وآياته. فهذا هذا. ومنشأ الشبهة الاشتراك في ~~لفظ التأويل. فإن " التأويل " في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة ~~والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى ~~المرجوح لدليل يقترن به وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ~~ومسائل الخلاف. فإذا قال أحدهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول ~~على كذا قال الآخر: هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل. والمتأول عليه ~~وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه وبيان الدليل الموجب للصرف ~~إليه عن المعنى الظاهر وهذا هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات ~~إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل أو ذم التأويل أو قال بعضهم آيات الصفات لا ~~تؤول وقال الآخر: بل يجب تأويلها وقال الثالث: بل التأويل جائز يفعل عند ~~المصلحة ويترك عند المصلحة أو يصلح للعلماء دون غيرهم إلى غير ذلك من ~~المقالات والتنازع. وأما " التأويل " في لفظ السلف فله معنيان: " أحدهما " ~~تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير ~~عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا # PageV13P288 # وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد ~~بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا واختلف أهل ~~التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير. و " المعنى الثاني " في لفظ ~~السلف - وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا -: هو نفس المراد بالكلام فإن ~~الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب وإن كان خبرا كان تأويله ~~نفس الشيء المخبر به. وبين هذا المعنى والذي قبله بون؛ فإن الذي قبله يكون ~~التأويل فيه من باب العلم والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح ويكون وجود ~~التأويل في القلب واللسان له ms4306 الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا ~~فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة. ~~فإذا قيل: طلعت الشمس فتأويل هذا نفس طلوعها. ويكون " التأويل " من باب ~~الوجود العيني الخارجي فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي ~~عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها وتلك الحقائق لا تعرف على ما هي عليه ~~بمجرد الكلام والإخبار إلا أن يكون المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير ~~كلام وإخبار؛ لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب: إما بضرب # PageV13P289 # المثل وإما بالتقريب وإما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها وإما بغير ~~ذلك. وهذا الوضع والعرف الثالث هو لغة القرآن التي نزل بها. وقد قدمنا ~~التبيين في ذلك. ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف: {وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك} وقوله: {ودخل معه السجن فتيان ~~قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا ~~تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} {قال لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} وقول الملأ: {أضغاث أحلام وما ~~نحن بتأويل الأحلام بعالمين} {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلوني} وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر {آوى إليه أبويه ~~وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ~~وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} . فتأويل الأحاديث ~~التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه كما قال يوسف: {هذا ~~تأويل رؤياي من قبل} والعالم بتأويلها: الذي يخبر به. كما قال يوسف: {لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه} أي في المنام {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} ~~أي قبل أن يأتيكما التأويل. # PageV13P290 # وقال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} قالوا: أحسن عاقبة ~~ومصيرا. فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد إلى الكتاب ms4307 والسنة. ~~والتأويل في سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا. والتأويل في الأعراف ويونس ~~تأويل القرآن وكذلك في سورة آل عمران. وقال تعالى في قصة موسى والعالم: ~~{قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} إلى قوله: ~~{وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} فالتأويل هنا تأويل ~~الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها ومن قتل الغلام ~~ومن إقامة الجدار فهو تأويل عمل لا تأويل قول. وإنما كان كذلك لأن التأويل ~~مصدر أوله يؤوله تأويلا مثل حول تحويلا وعول تعويلا. وأول يؤول تعديه آل ~~يئول أولا مثل حال يحول حولا. وقولهم: آل يئول أي عاد إلى كذا ورجع إليه ~~ومنه " المآل " وهو ما يئول إليه الشيء ويشاركه في الاشتقاق الأكبر " ~~الموئل " فإنه من وأل وهذا من أول. والموئل المرجع قال تعالى: {لن يجدوا من ~~دونه موئلا} . ومما يوافقه في اشتقاقه الأصغر " الآل " فإن آل الشخص من # PageV13P291 # يئول إليه؛ ولهذا لا يستعمل إلا في عظيم بحيث يكون المضاف إليه أعظم من ~~المضاف يصلح أن يئول إليه الآل كآل إبراهيم وآل لوط وآل فرعون بخلاف الأهل ~~والأول أفعل لأنهم قالوا في تأنيثه أولى كما قالوا جمادى الأولى. وفي ~~القصص: {له الحمد في الأولى والآخرة} . ومن الناس من يقول: فوعل ويقول: ~~أولة. إلا أن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام العرب؛ بل عدم صرفه يدل على أنه ~~أفعل لا فوعل فإن فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف، سمي المتقدم أول - والله أعلم ~~- لأن ما بعده يئول إليه ويبنى عليه فهو أس لما بعده وقاعدة له. والصيغة ~~صيغة تفضيل لا صفة مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا من باب أحمر وحمراء؛ ~~ولهذا يقولون: جئته من أول أمس وقال: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} ~~{وأنا أول المسلمين} {ولا تكونوا أول كافر به} فإذا قيل هذا أول هؤلاء فهو ~~الذي فضل عليهم في الأول لأن كل واحد يرجع إلى ما قبله فيعتمد عليه وهذا ~~السابق كلهم ms4308 يئول إليه فإن من تقدم في فعل فاستن به من بعده كان السابق ~~الذي يئول الكل إليه فالأول له وصف السؤدد والاتباع. ولفظ " الأول " مشعر ~~بالرجوع والعود و " الأول " مشعر بالابتداء والمبتدأ؛ خلاف العائد لأنه ~~إنما كان أولا لما بعده فإنه يقال: # PageV13P292 # أول المسلمين وأول يوم فما فيه من معنى الرجوع والعود هو للمضاف إليه لا ~~للمضاف. وإذا قلنا: آل فلان فالعود إلى المضاف؛ لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه ~~مآلا ومرجعا لغيره لأن كونه مفضلا دل على أنه مآل ومرجع لا آيل راجع؛ إذ لا ~~فضل في كون الشيء راجعا إلى غيره آيلا إليه وإنما الفضل في كونه هو الذي ~~يرجع إليه ويؤال إليه. فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في ~~كونه مآلا ومرجعا والتفضيل المطلق في ذلك يقتضي أن يكون هو السابق المبتدئ ~~والله أعلم. فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ~~ما تأوله المتكلم؛ فإن التفعيل يجري على غير فعل كقول: {وتبتل إليه تبتيلا} ~~فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا وتأولت الكلام تأويلا ~~وأولت الكلام تأويلا. والمصدر واقع موقع الصفة إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى ~~الفاعل كعدل وصوم وفطر وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير وهذا خلق الله. ~~فالتأويل: هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه أو تأول هو إليه. والكلام ~~إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤول إلى حقيقته # PageV13P293 # التي هي عين المقصود به كما قال بعض السلف في قوله {لكل نبإ مستقر} قال ~~حقيقة فإنه إن كان خبرا فإلى الحقيقة المخبر بها يئول ويرجع وإلا لم تكن له ~~حقيقة ولا مآل ولا مرجع بل كان كذبا وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة ~~يئول ويرجع وإن لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا. ومتى كان الخبر وعدا أو ~~وعيدا فإلى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يئول كما {روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه تلا هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو ms4309 من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا} قال إنها كائنة ولم يأت تأويلها ~~بعد} وعن عبد الله قال: خمس قد مضين البطشة واللزام والدخان والقمر والروم. # فصل: # وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله. أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم ~~تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم. فإنهم وإن ~~أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا ~~من وجهين: الأول: من قال: إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه فنقول أما ~~الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا ~~أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه # PageV13P294 # الداخل في هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه. وجعلوا أسماء الله وصفاته ~~بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم ولا قالوا: إن الله ينزل كلاما لا يفهم ~~أحد معناه وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: تمر ~~كما جاءت. ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل ~~النصوص عما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون ~~تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منها بعض ~~ما دلت عليه كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. ~~وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت وفي أحاديث الوعيد مثل ~~قوله: {من غشنا فليس منا} وأحاديث الفضائل ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف ~~كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر. ~~فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد في كتاب " ~~الرد على الزنادقة والجهمية " أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن وتكلم أحمد على ~~ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية وجرى في ذلك على ~~سنن الأئمة قبله. فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه ~~وأنه ms4310 لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف ~~له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته. # PageV13P295 # ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على إبطال ~~تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين. و " التأويل المردود " هو ~~صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره. فلو قيل إن هذا هو التأويل ~~المذكور في الآية وأنه لا يعلمه إلا الله لكان في هذا تسليم للجهمية أن ~~للآية تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه إلا الله وليس هذا مذهب السلف ~~والأئمة وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها؛ لا التوقف فيها وعندهم ~~قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا ~~يلحد فيها. والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول: لا ريب ~~أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار ~~والعليم والقدير والرءوف ونحو ذلك ووصف نفسه بصفات مثل " سورة الإخلاص " و ~~" آية الكرسي " وأول " الحديد " وآخر " الحشر " وقوله: {إن الله بكل شيء ~~عليم} و {على كل شيء قدير} وأنه {يحب المتقين} و {المقسطين} و {المحسنين} ~~وأنه يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات {فلما آسفونا انتقمنا منهم} {ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} {ولكن كره الله انبعاثهم} {الرحمن على العرش ~~استوى} {ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} {وهو الذي # PageV13P296 # في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم} {إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} {إنني معكما أسمع وأرى} . {وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض} {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} ~~. {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . {يريدون وجهه} {ولتصنع على عيني} - ~~إلى أمثال ذلك. فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا ~~في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم ms4311 في البعض؟ فإن قلت: هذا في الجميع كان ~~هذا عنادا ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل كفر صريح. ~~فإنا نفهم من قوله: {إن الله بكل شيء عليم} معنى ونفهم من قوله: {إن الله ~~على كل شيء قدير} معنى ليس هو الأول ونفهم من قوله: {ورحمتي وسعت كل شيء} ~~معنى ونفهم من قوله: {إن الله عزيز ذو انتقام} معنى. وصبيان المسلمين بل ~~وكل عاقل يفهم هذا. وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب - مع انتسابه ~~إلى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة - من يقول: إنا نسمي الله الرحمن ~~العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شيء قط وكذلك في ~~قوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه} يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم. ~~وهذا # PageV13P297 # الغلو في الظاهر من جنس غلو القرامطة في الباطن لكن هذا أيبس وذاك أكفر. ~~ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى حق ~~موجود أم لا؟ فإن قال: لا كان معطلا محضا وما أعلم مسلما يقول هذا. وإن ~~قال: نعم قيل له: فلم فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ~~ما فيها من المعاني من الرحمة والعلم وكلاهما في الدلالة سواء؟ فلا بد أن ~~يقول: نعم؛ لأن ثبوت الصفات محال في العقل لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث ~~بخلاف الذات. فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثاني كما سنذكره وهو من ~~أقر بفهم بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض. فيقال له: ما الفرق بين ما ~~أثبته وبين ما نفيته أو سكت عن إثباته ونفيه فإن الفرق إما أن يكون من جهة ~~السمع لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة بخلاف الآخر أو من جهة ~~العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر وكلا الوجهين باطل في ~~أكثر المواضع؟ . أما " الأول " فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع ~~بصير علي عظيم كدلالته على أنه عليم ms4312 قدير ليس بينهما فرق من جهة النص وكذلك ~~ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وإرادته. # PageV13P298 # وأما " الثاني " فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت مثلا حقيقة رحمته ~~ومحبته وأعدت ذلك إلى إرادته؟ فإن قال: لأن المعنى المفهوم من الرحمة في ~~حقنا هي رقة تمتنع على الله قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ~~ميل يمتنع على الله. فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه قيل له: ~~ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه وكذلك محبته. وإن قال - وهو حقيقة قوله -: لم ~~أثبت الإرادة وغيرها بالسمع وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل ~~وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى الطريقتين لأن الفعل دل على القدرة ~~والإحكام دل على العلم والتخصيص دل على الإرادة قيل له الجواب من ثلاثة ~~أوجه: (أحدها: أن الإنعام والإحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة ~~التخصيص على الإرادة. والتقريب والإدناء وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا ~~من المحب تدل على المحبة أو مطلق التخصيص يدل على الإرادة. وأما التخصيص ~~بالإنعام فتخصيص خاص. والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص. وما سلكه في ~~مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا. # الثاني: يقال له: هب أن العقل لا يدل على هذا فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ~~ينفي به الإرادة، والسمع دليل مستقل بنفسه بل # PageV13P299 # الطمأنينة إليه في هذه المضايق أعظم ودلالته أتم فلأي شيء نفيت مدلوله أو ~~توقفت وأعدت هذه الصفات كلها إلى الإرادة مع أن النصوص لم تفرق؟ فلا يذكر ~~حجة إلا عورض بمثلها في إثباته الإرادة زيادة على الفعل. " الثالث " يقال ~~له: إذا قال لك الجهمي الإرادة لا معنى لها إلا عدم الإكراه أو نفس الفعل ~~والأمر به وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا إن قال بقدمها ومحذورا إن قال ~~بحدوثها. وهنا اضطربت المعتزلة فإنهم لا يقولون بإرادة قديمة لامتناع صفة ~~قديمة عندهم ولا يقولون بتجدد صفة له لامتناع حلول الحوادث عند أكثرهم مع ~~تناقضهم. فصاروا حزبين: البغداديون وهم أشد غلوا في البدعة في الصفات ms4313 وفي ~~القدر نفوا حقيقة الإرادة. وقال الجاحظ لا معنى لها إلا عدم الإكراه. وقال ~~الكعبي لا معنى لها إلا نفس الفعل إذا تعلقت بفعله ونفس الأمر إذا تعلقت ~~بطاعة عباده. والبصريون كأبي علي وأبي هاشم قالوا: تحدث إرادة لا في محل ~~فلا إرادة فالتزموا حدوث حادث غير مراد وقيام صفة بغير محل، # PageV13P300 # وكلاهما عند العقلاء معلوم الفساد بالبديهة. كان جوابه أن ما ادعى إحالته ~~من ثبوت الصفات ليس بمحال والنص قد دل عليها والعقل أيضا فإذا أخذ الخصم ~~ينازع في دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو مقرمطا وهذا بعينه موجود في ~~الرحمة والمحبة فإن خصومه ينازعونه في دلالة السمع والعقل عليها على الوجه ~~القطعي. ثم يقال لخصومه: بم أثبتم أنه عليم قدير؟ فما أثبتوه به من سمع ~~وعقل فبعينه تثبت الإرادة وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله في العليم ~~والقدير. وإذا انتهى الأمر إلى ثبوت المعاني وأنها تستلزم الحدوث أو ~~التركيب والافتقار كان الجواب ما قررناه في غير هذا الموضع؛ فإن ذلك لا ~~يستلزم حدوثا ولا تركيبا مقتضيا حاجة إلى غيره. ويعارضون أيضا بما ينفي به ~~أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة ويلزمون بوجود الرب الخالق المعلوم ~~بالفطرة الخلقية والضرورة العقلية والقواطع العقلية واتفاق الأمم وغير ذلك ~~من الدلائل ثم يطالبون بوجود من جنس ما نعهده أو بوجود يعلمون كيفيته فلا ~~بد أن يفروا إلى إثبات ما لا تشبه حقيقته الحقائق. فالقول في سائر ما سمى ~~ووصف به نفسه كالقول في نفسه سبحانه وتعالى. # PageV13P301 # و " نكتة هذا الكلام " أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب ~~والسنة لا بد أن يثبت الشيء لقيام المقتضي وانتفاء المانع وينفي الشيء ~~لوجود المانع أو لعدم المقتضي أو يتوقف إذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع ~~فيبين له أن المقتضي فيما نفاه قائم؛ كما أنه فيما أثبته قائم إما من كل ~~وجه أو من وجه يجب به الإثبات. فإن كان المقتضي هناك حقا فكذلك هنا وإلا ~~فدرء ذاك المقتضي ms4314 من جنس درء هذا. وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله ~~فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته فإذا كان ذلك المانع ~~المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر ~~فإنه إن كان حقا نفاهما وإن كان باطلا لم ينف واحدا منهما فعليه أن يسوي ~~بين الأمرين في الإثبات والنفي ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات. فهذه ~~نكتة الإلزام لمن أثبت شيئا. وما من أحد إلا ولا بد أن يثبت شيئا أو يجب ~~عليه إثباته. فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التي يدعي أنها موجبة ~~النفي خيالات غير صحيحة وإن لم يعرف فسادها على التفصيل وأما من حيث ~~التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتضي كما قرر هذا غير مرة. # PageV13P302 # فإن قال من أثبت هذه الصفات التي هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة ~~ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم: هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب ~~والتجسيم. قيل له: وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلي كما استلزمت ~~هذه عندك التركيب الحسي فإن أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها ~~أعراضا لا يمنع ثبوتها قيل له: وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا ~~أو تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها. فإن قيل: هذه لا يعقل منها إلا ~~الأجزاء قيل له: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض فإن قال: العرض ما لا يبقى ~~وصفات الرب باقية. قيل: والبعض ما جاز انفصاله عن الجملة وذلك في حق الله ~~محال فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق الله تعالى مطلقا والمخلوق يجوز ~~أن تفارقه أعراضه وأبعاضه. فإن قال ذلك تجسيم والتجسيم منتف قيل: وهذا ~~تجسيم والتجسيم منتف. # PageV13P303 # فإن قال: أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد ~~نظير قيل له: فاعقل صفة هي لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد ~~نظير فإن نفي عقل هذا نفي عقل ذاك وإن كان بينهما نوع فرق لكنه فرق غير ~~مؤثر في ms4315 موضع النزاع؛ ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفي الجميع لكن ذاك أيضا ~~مستلزم لنفي الذات ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء صرح بأنها ~~صفة قائمة به كالعلم والقدرة وهذا أيضا ليس هو معقول النص ولا مدلول العقل ~~وإنما الضرورة ألجأتهم إلى هذه المضايق. وأصل ذلك: أنهم أتوا بألفاظ ليست ~~في الكتاب ولا في السنة وهي ألفاظ جملة مثل: " متحيز " و " محدود " و " جسم ~~" و " مركب " ونحو ذلك ونفوا مدلولها وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا ~~عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم ~~بحدوث الأعراض أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل ~~بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل؛ إذ الدليل القطعي لا يقبل الترك ~~لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية ~~أخرى فصاروا أحزابا. تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم ~~المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول # PageV13P304 # كهشام بن الحكم الرافضي فإنه قد قيل: أول ما تكلم في الجسم نفيا وإثباتا ~~من زمن هشام بن الحكم وأبي الهذيل العلاف فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء ~~المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما ~~سلكوه من القياس واعتقد الأولون إحالة ثبوته واعتقد هذا إحالة نفيه وتارة ~~يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. فما أعلم أحدا ~~من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن ~~يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره إذ كلامهم من عند غير الله ~~وقد قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . ~~والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم ~~والإيمان والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب ~~تحريف الكلم عن مواضعه ولا يعرض ms4316 عنها فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ~~ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني. فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من ~~المتشابه. # PageV13P305 # الوجه الثاني: أنه إذا قيل: هذه من المتشابه أو كان فيها ما هو من ~~المتشابه كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها ~~فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله إما المتشابه وإما ~~الكتاب كله كما تقدم ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في ~~القيامة وأمور القيامة وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران ~~أنهم احتجوا على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنا و (نحن ونحو ذلك ~~ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين وفي ~~مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى فإن نفي ~~المشابهة بين الله وبين خلقه أعظم من نفي المشابهة بين موعود الجنة وموجود ~~الدنيا. وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن ### | نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى # ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل لعلهم يتذكرون} {قرءانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} وقال تعالى: ~~{الر تلك آيات الكتاب المبين} {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} ~~فأخبر أنه أنزله ليعقلوه وأنه طلب تذكرهم. وقال أيضا: {وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون} # PageV13P306 # فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن من ذلك ~~شيئا؛ بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه مثل قوله {أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالها} وقوله {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره ~~كله وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبر لما تدبر. وقال ~~علي رضي الله ms4317 عنه لما قيل له: هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في ~~كتابه وما في هذه الصحيفة. فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة والفهم أخص ~~من العلم والحكم قال الله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {رب مبلغ أوعى من سامع} وقال {بلغوا عني ولو ~~آية} . وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع ~~نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها ورووا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن وأئمة الصحابة في ~~هذا أعظم من غيرهم مثل عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: لو أعلم أعلم ~~بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل لأتيته. وعبد الله بن عباس الذي دعا له ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV13P307 # وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة ~~والتابعين إثباتا للصفات ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن له ~~خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين ~~بل وثالثهما في علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلهما في جلالته ~~جلالة أصحاب زيد بن ثابت؛ لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا ~~عن غيره مثل عمر وابن عمر وابن عباس. ولو كان معاني هذه الآيات منفيا أو ~~مسكوتا عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما ~~فيه. ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون ~~منه التفسير مع التلاوة ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن ~~عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن ms4318 والعلم والعمل. وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك ~~لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل ~~عن قوله # PageV13P308 # تعالى: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى فقال: الاستواء معلوم والكيف ~~مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك ربيعة قبله. وقد تلقى الناس ~~هذا الكلام بالقبول فليس في أهل السنة من ينكره. وقد بين أن الاستواء معلوم ~~كما أن سائر ما أخبر به معلوم ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها ~~لا يقال كيف استوى. ولم يقل مالك الكيف معدوم وإنما قال الكيف مجهول. وهذا ~~فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة غير أن أكثرهم يقولون لا تخطر ~~كيفيته ببال ولا تجري ماهيته في مقال ومنهم من يقول: ليس له كيفية ولا ~~ماهية. فإن قيل: معنى قوله: " الاستواء معلوم " أن ورود هذا اللفظ في ~~القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل ~~الذي استأثر الله بعلمه. قيل: هذا ضعيف؛ فإن هذا من باب تحصيل الحاصل فإن ~~السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية. وأيضا فلم يقل: ذكر ~~الاستواء في القرآن ولا إخبار الله بالاستواء؛ وإنما قال: # PageV13P309 # الاستواء معلوم. فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم لم يخبر عن الجملة. ~~وأيضا فإنه قال: " والكيف مجهول " ولو أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول ~~أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان الاستواء غير معلوم فلم ينف إلا العلم ~~بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء. وهذا شأن جميع ما وصف الله به ~~نفسه لو قال في قوله: {إنني معكما أسمع وأرى} كيف يسمع وكيف يرى؟ لقلنا: ~~السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: ~~التكليم معلوم والكيف غير معلوم. وأيضا فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم ~~من أهل السنة: يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش لا ~~ينكرون معنى الاستواء ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه ms4319 ~~بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة. قال بعضهم: ~~ارتفع على العرش علا على العرش. وقال بعضهم عبارات أخرى وهذه ثابتة عن ~~السلف قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب " الرد على الجهمية ". ~~وأما التأويلات المحرفة مثل استولى وغير ذلك فهي من التأويلات المبتدعة لما ~~ظهرت الجهمية. # PageV13P310 # وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات؛ بل في صحيح البخاري ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة يا عائشة إذا رأيت الذين يتبعون ~~ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم} وهذا عام. وقصة صبيغ بن عسل ~~مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى ~~رآه عمر فسأل عمر عن {والذاريات ذروا} فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ ~~فقال: وأنا عبد الله عمر وضربه الضرب الشديد. وكان ابن عباس إذا ألح عليه ~~رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ. ~~وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما ~~قال النبي عليه الصلاة والسلام {إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه} وكما ~~قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} ~~فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: {لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض} فإن ذلك ~~يوقع الشك في قلوبهم. ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا ~~الله فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا مثل أغلوطات المسائل التي نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. # PageV13P311 # و ### | مما يبين الفرق بين " المعنى " و " التأويل " # أن صبيغا سأل عمر عن (الذاريات وليست من الصفات وقد تكلم الصحابة في ~~تفسيرها مثل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها كره سؤاله لما ~~رآه من قصده؛ لكن علي كانت رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم ms4320 طاعة عمر ~~حتى يؤدبه. و (الذاريات و (الحاملات و (الجاريات و (المقسمات فيها اشتباه ~~لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك إذ ليس ~~في اللفظ ذكر الموصوف. والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ~~ومقاديرها وصفاتها ومتى تهب وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل ~~المطر وكذلك في (الجاريات) و (المقسمات) فهذا لا يعلمه إلا الله. وكذلك في ~~قوله: (إنا) و (نحن) ونحوهما من أسماء الله التي فيها معنى الجمع كما اتبعه ~~النصارى؛ فإن معناه معلوم وهو الله سبحانه؛ لكن اسم الجمع يدل على تعدد ~~المعاني؛ بمنزلة الأسماء المتعددة: مثل العليم والقدير والسميع والبصير فإن ~~المسمى واحد ومعاني الأسماء متعددة فهكذا الاسم الذي لفظه الجمع. وأما ~~التأويل الذي اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك. والكيف مجهول. ~~فإذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره قيل هذا هو التأويل الذي لا ~~يعلمه إلا الله. # PageV13P312 # وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله. فإن قيل: فقد {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} قيل: أما ~~تأويل الأمر والنهي فذاك يعلمه واللام هنا للتأويل المعهود لم يقل: تأويل ~~كل القرآن فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة مخبرها إلا ~~الله والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله وهذا كقوله: {هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} وقوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله} فإن المراد تأويل الخبر الذي أخبر فيه عن المستقبل فإنه ~~هو الذي " ينتظر " " ويأتي " و " لما يأتهم ". وأما تأويل الأمر والنهي ~~فذاك في الأمر. وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى إن أدخل في التأويل لا ~~ينتظر. والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. # PageV13P313 # وقال الشيخ الإمام العلامة القدوة العارف الفقيه الحافظ الزاهد العابد ~~السالك الناسك مفتي الفرق ركن الشريعة عالم العصر فريد الدهر؛ ترجمان ~~القرآن وارث الأنبياء آخر المجتهدين تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ms4321 بن تيمية الحراني - تغمده الله برحمته -: # فصل: # في ### | أقسام القرآن # وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة ~~بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على ~~أنه من عظيم آياته. # PageV13P314 # فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب؛ كقوله تعالى: {فورب السماء والأرض ~~إنه لحق} . وإما على جملة طلبية كقوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} {عما ~~كانوا يعملون} مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب ~~الخبر وقد يراد به محض القسم. والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا ~~بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها. ~~فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء ~~والأرض؛ فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها وما أقسم عليه الرب عز وجل فهو من ~~آياته؛ فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس. وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة ~~وهو الغالب. وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى: {لو تعلمون ~~علم اليقين} وقوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} {ولو ترى إذ يتوفى الذين ~~كفروا الملائكة} {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} {ولو ترى إذ وقفوا على النار} ~~{ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} . ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام؛ لأن المراد ~~أنك لو رأيته PageV13P315 # لرأيت هولا عظيما؛ فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دل. . . (1) المحرم ~~وهو أيضا تنبيه. فإذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام كان أولى ~~بالتعظيم وكذلك إذا أريد الحلول فإنه هو السلبي فالمعنى واحد. [وقد أقسم ب ~~{التين والزيتون} و {البلد الأمين} . والجواب مذكور في قوله تعالى {لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد} وهو مكابدة أمر الدنيا والآخرة] (*) وهذه المكابدة ~~تقتضي قوة صاحبها وكثرة تصرفه واحتياله فقال تعالى: {أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد} {يقول أهلكت مالا لبدا} {أيحسب أن لم يره أحد} فهذا الإنسان من جنس ~~أولئك الأمم ومن جنس الذي قال: {ما أغنى عني ماليه} {هلك عني سلطانيه} له ms4322 ~~قوة يكابد بها الأمور وكل أهلكه أفيظن مع هذا أنه لن يقدر عليه أحد فيجازيه ~~بأعماله؟ ويحسب أن ما أهلكه من المال لم يره أحد فيعلم ما فعل؟ والقدرة ~~والعلم بهما يحصل الجزاء؛ بل بهما يحصل كل شيء وإخباره تعالى بأنه قادر ~~وأنه عالم يتضمن الوعيد والتهديد؛ فإنه إذا كان قادرا أمكن الجزاء وإذا كان ~~عالما أمكن الجزاء فبالعدل يقدر ما عمل ومن لم يكن قادرا عالما لم يمكنه ~~الجزاء فإن العاجز عن الشخص لا يمكنه # PageV13P316 # جزاؤه والذي له قدرة لكن لا يرى ما فعل إن جازاه بلا علم كان ظالما ~~معتديا فلا بد له من العلم بما فعل. ولهذا كان الحاكم يحتاج إلى الشهود ~~والملوك يحتاجون إلى أهل الديوان يخبرونهم بمقادير الأموال وغيرها؛ ليكون ~~عملهم بعلم. . . (1) ذكر أنه خلق الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد؟ ولن لنفي المستقبل يقول: أيحسب أن لن يقدر عليه في المستقبل أحد ولهذا ~~كان ذاك الخائف من ربه الذي أمر أهله بإحراقه وذرايته يعلم أن الجزاء متعلق ~~بالقدرة فقال: {لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين} ~~. وهو سبحانه يهدد بالقدرة لكون المقدور يقترن بها؛ كما يهدد بالعلم لكون ~~الجزاء يقع معه كما في {قوله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم أو من تحت أرجلكم} فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت: أعوذ ~~بوجهك أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} فقال: هاتان أهون} ~~وذلك لأنه تكلم في ذكر القدرة ونوع المقدور كما يقول القائل: أين تهرب مني؟ ~~أنا أقدر أن أمسكك. وكذلك في العلم بالرؤية كقوله هنا: {أيحسب أن لم يره ~~أحد} PageV13P317 # وقوله تعالى في الذي ينهى عبدا إذا صلى: {ألم يعلم بأن الله يرى} وقوله ~~تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقوله: {أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} . وقوله تعالى {وكل شيء ~~فعلوه في الزبر} {وكل صغير وكبير مستطر} وأمثال ذلك. ms4323 فذكر رؤيته الأعمال ~~وعلمه بها وإحصائه لها يتضمن الوعيد بالجزاء عليها كما يقول القائل: قد ~~علمت ما فعلت وقد جاءتني أخبارك كلها وأمثال ذلك فليس المراد الإخبار بقدرة ~~مجردة وعلم مجرد؛ لكن بقدرة وعلم يقترن بهما الجزاء؛ إذ كان مع حصول العلم ~~والقدرة يمكن الجزاء؛ ويبقى موقوفا على مشيئة المجازي لا يحتاج معه إلى شيء ~~حينئذ؛ فيجب طلب النجاة بالاستغفار والتوبة إليه وعمل الحسنات التي تمحو ~~السيئات. # فصل: # وهو سبحانه وتعالى لما أقسم ب (الصافات) ؛ و (الذاريات) و (المرسلات) ذكر ~~المقسم عليه. فقال تعالى: {إن إلهكم لواحد} وقال تعالى: {إنما توعدون ~~لصادق} {وإن الدين لواقع} وقال تعالى: {إنما توعدون لواقع} . ولم يذكره في ~~النازعات؛ فإن الصافات هي الملائكة وهو لم يقسم على وجودها كما لم يقسم على ~~وجود نفسه؛ # PageV13P318 # إذ كانت الأمم معترفة بالصافات وكانت معرفته ظاهرة عندهم لا يحتاج إلى ~~إقسام بخلاف التوحيد فإنه كما قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون} وكذلك الملائكة يقر بها عامة الأمم كما ذكر الله عن قوم نوح وعاد ~~وثمود وفرعون مع شركهم وتكذيبهم بالرسل أنهم كانوا يعرفون الملائكة. قال ~~قوم نوح: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ~~ملائكة} وقال تعالى: {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} {إذ جاءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة} وقال فرعون: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} ~~{فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} وكذلك مشركو ~~العرب قال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ~~ثم لا ينظرون} وقال تعالى: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} وقال تعالى عن الأمم مطلقا: ~~{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا} {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ms4324 عليهم من السماء ~~ملكا رسولا} # PageV13P319 # فكانت هذه الأمم المكذبة للرسل المشركة بالرب مقرة بالله وبملائكته فكيف ~~بمن سواهم؟ فعلم أن الإقرار بالرب وملائكته معروف عند عامة الأمم؛ فلهذا لم ~~يقسم عليه وإنما أقسم على التوحيد؛ لأن أكثرهم مشركون. وكذلك (الذاريات) و ~~(الحاملات) و (الجاريات) هي أمور مشهودة للناس و (المقسمات) أمرا هم ~~الملائكة فلم يكن فيما أقسم به ما أقسم عليه؛ فذكر المقسم عليه. فقال ~~تعالى: {إنما توعدون لصادق} {وإن الدين لواقع} . و (المرسلات) سواء كانت هي ~~الملائكة النازلة بالوحي والمقسم عليه الجزاء في الآخرة أو الرياح أو هذا ~~وهذا؛ فهي معلومة أيضا. وأما (النازعات غرقا) فهي الملائكة القابضة للأرواح ~~وهذا يتضمن الجزاء وهو من أعظم المقسم عليه. قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} وقال تعالى: {توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون} {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} . . . (1) هو، ولا يعين على عبادته ~~إلا هو وهذا يقين يعطي الاستعانة والتوكل، PageV13P320 # وهو يقين بالقدر الذي لم يقع؛ فإن الاستعانة والتوكل إنما يتعلق ~~بالمستقبل. فأما ما وقع فإنما فيه الصبر والتسليم والرضى كما في حديث عمار ~~بن ياسر رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم {أسألك الرضا ~~بعد القضاء} وقول " لا حول ولا قوة إلا بالله " يوجب الإعانة؛ ولهذا سنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن: " حي على الصلاة. فيقول: المجيب: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله فإذا قال: حي على الفلاح قال المجيب: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله " وقال المؤمن لصاحبه: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله} ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيء. فقوله: ما شاء ~~الله. تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن؛ بل يؤمن بالقدر. ويقول: لا قوة ~~إلا بالله. وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " هي كنز من كنوز الجنة " و " الكنز " مال مجتمع ~~لا يحتاج إلى ms4325 جمع؛ وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى. ~~ومعلوم أنه ### | لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وقدرته # وأن الخلق ليس منهم شيء إلا ما أحدثه الله فيهم فإذا انقطع طلب القلب # PageV13P321 # للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلا ~~هو. قال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده} وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله} وقال تعالى: {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير} وقال تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} ؟ . وقال صاحب يس ~~{أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده في غير ~~موضع. وفي الأثر {من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن سره أن ~~يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده} . قال تعالى: ~~{وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} والله ~~تعالى أمر بعبادته والتوكل عليه قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال ~~تعالى: {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} وقال موسى: {يا ~~قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} . # PageV13P322 # وقال شعيب: {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} وقال المؤمنون: ~~{ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} وقال تعالى: {واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} وقال ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} . فافترق ~~الناس هنا أربعة أصناف: صنف لا يعبدونه ms4326 ولا يتوكلون عليه وهم شرار الخلق. ~~وصنف يقصدون عبادته بفعل ما أمر وترك ما حظر لكن لم يحققوا التوكل ~~والاستعانة فيعجزون عن كثير مما يطلبونه ويجزعون في كثير من المصائب. ثم من ~~هؤلاء من يكذب بالقدر ويجعل نفسه هو المبدع لأفعاله؛ فهؤلاء في الحقيقة لا ~~يستعينونه ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا تقويمها ولا هدايتها. وهؤلاء ~~مخذولون كما هم عند الأمة كذلك، وقوم يؤمنون بالقدر قولا واعتقادا؛ لكن لم ~~تتصف به قلوبهم علما وعملا كما اتصفت بقصد الطهارة والصلاة؛ فهم أيضا ضعفاء ~~عاجزون. # PageV13P323 # وصنف نظر إلى جانب القدرة والمشيئة وأن الله تعالى هو المعطي والمانع ~~والخافض والرافع؛ فغلب عليهم التوجه إليه من هذه الجهة والاستعانة به ~~والافتقار إليه لطلب ما يريدونه فهؤلاء يحصل لأحدهم نوع سلطان وقدرة ظاهرة ~~أو باطنة وقهر لعدوه؛ بل قتل له ونيل لأغراضه؛ لكن لا عاقبة لهم؛ فإن ~~العاقبة للتقوى؛ بل آخرتهم آخرة ردية. وليس الكلام في الكفار والظلمة ~~المعرضين عن الله فإن هؤلاء دخلوا في القسم الأول الذين لا عبادة لهم ولا ~~استعانة؛ ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله ونوع من الخشية ~~والذكر والزهد لكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده وما يستحليه ~~ويستحبه لا بالأمر الشرعي وهم أصناف: منهم المعرض عن التزام العبادات ~~الشرعية مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير. وهؤلاء كثير منهم ~~يموت على غير الإسلام. ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة ~~والصيام والحج وترك المحرمات؛ لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي؛ ~~بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء # PageV13P324 # من عطاء ربك} وهو سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر فقد يعطى أحد ~~هؤلاء تصرفا: إما بقهر عدوه وإما بنصر وليه كما تعطى الملوك. وقد يعطى نوعا ~~من المكاشفة إما بإخبار بعض الجن له وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف وإما ~~بغير ذلك. وقد يقول الواحد من هؤلاء: أنا آخذ من الله وغيري يأخذ من ms4327 محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيرى بحاله في ذاك وتفرده أن ما أوتيه من التصرف ~~والمكاشفة يحصل له بغير طريق محمد صلى الله عليه وسلم وهو صادق في ذلك؛ لكن ~~هذه في الحقيقة وبال عليه؛ فإن من تصرف بغير أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأخذ ما لم يبحه له الرسول. فولى وعزل وأعطى ومنع بغير أمر الرسول وقتل ~~وضرب بغير أمره وأكرم وأهان بغير أمره وجاءه خطاب في باطنه بالأمر والنهي؛ ~~فاعتقد أن الله أمره ونهاه من غير واسطة الرسول كانت حالته هذه كلها من ~~الشيطان وكان الشيطان هو الذي يأمره وينهاه؛ فيأمره فيتصرف وهو يظن أنه ~~يتصرف بأمر الله؛ ولعمري هو يتصرف بأمر الله الكوني القدري بواسطة أمر ~~الشيطان كما قال تعالى في السحرة: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} ~~كما أن المؤمن يتصرف بأمر الله الكوني القدري؛ لكن بواسطة أمر الرسول ~~المبلغ له عن الله عز وجل. # PageV13P325 # فالحلال عنده ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما ~~شرعه الله ورسوله؛ بخلاف ذاك فإنه لا يأخذ عن الرسول الأمر والنهي الباطن ~~ولا ما يفعله ويأمر به وهذا الضرب كثير في المشايخ أرباب القلوب والأحوال ~~الذين ضعف علمهم بالكتاب والسنة ومتابعة الرسول وغلب عليهم ما يجده أحدهم ~~في قلبه وما يؤمر به في باطنه سواء وافق الرسول أو خالفه. ثم تفاوتوا في ~~ذلك بحسب قربهم من الرسول وبعدهم منه؛ فكثير منهم بعد عنه حتى صار يرى أنه ~~يعاون الكفار على قتال المسلمين ويرى أن الله سبحانه أمره بذلك ويعتقد أن ~~أهل الصفة فعلوا ذلك. ومنهم من يرى أن الرسول لم يرسل إليه وإلى أشكاله ~~وإنما أرسل إلى العوام. ومنهم من يعتقد أن الرسول كان خاضعا لأهل الصفة ~~وكانوا مستغنين عنه إلى أمثال هذه الأصناف التي كثرت في هذه الأزمنة. # PageV13P326 # وهؤلاء كلهم يدعون علم الحقيقة ويقولون؛ الحقيقة لون والشريعة لون آخر ~~ويجمعهم شيئان: أن لهم تصرفا وكشفا خارجا عن ما للعامة وأنهم معرضون عن ms4328 وزن ~~ذلك بالكتاب والسنة وتحكيم الرسول في ذلك؛ فهم بمنزلة الملوك الذين لهم ملك ~~يسوسونه بغير أمر الله ورسوله؛ لكن الملوك لا يقول أحدهم إن الله أمرني ~~بذلك ولا أني ولي الله ولا أن لي مادة من الله خارجة عن الرسول ولا أن ~~الرسل لم تبعث إلى مثلي وإنما الملوك يقصدون أغراضهم ولا يجعلونها دينا. ~~وهؤلاء يجعلون أغراضهم التي هي من أعظم الظلم والفساد بل والكفر يجعلون ذلك ~~دينا يدين به أولياء الله عندهم؛ لأن هذه الأمور إنما تحصل لهم بنوع من ~~الزهادة والعبادة؛ ولكن ليس هو الزهد والعبادة التي بعث الله بها رسوله؛ بل ~~يشبهه حال أهل الكتاب والمشركين من عباد الهند والنصارى وأمثالهم. ولهذا ~~تظهر مشابهتهم لعباد المشركين وأهل الكتاب حتى أن من رأى عباد الهنود ثم ~~رأى مولهي بيت الرفاعي أنكر وجود هؤلاء في ديار الإسلام. وقال: هؤلاء مثل ~~عباد المشركين من الهند سواء وأرفع من # PageV13P327 # هؤلاء من يشبه عباد النصارى ورهبانهم في أمور كثيرة خارجة عن شريعة ~~الإسلام فلما كان فيهم دين مبتدع من جنس دين المشركين وأهل الكتاب ظنوا ما ~~يظنه أولئك من أن هذا دين صحيح وأنه دين يقرب إلى الله وأن أهله أولياء ~~الله؛ فإن جميع طوائف العلماء والعباد من جميع أهل الملل يظنون (1) . ~~PageV13P328 # قال شيخ الإسلام: # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن برحمتك # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية. ~~تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز في منقول ذلك ومعقوله ~~بين الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإن ~~الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق ~~المبين. والعلم إما نقل مصدق عن معصوم وإما قول ms4329 عليه دليل معلوم، # PageV13P329 # وما سوى هذا فإما مزيف مردود وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود. ~~وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين والذكر الحكيم ~~والصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن ~~كثرة الترديد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل ~~به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ومن تركه من جبار ~~قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. قال تعالى: {فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقال تعالى: {قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {الر كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد} {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وقال تعالى: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من # PageV13P330 # عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة ~~بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد والله الهادي إلى سبيل الرشاد. # فصل: # يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما ~~بين لهم ألفاظه فقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} يتناول هذا وهذا ~~وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان ~~بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم عشر آيات ms4330 لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ~~قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ ~~السورة وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا وأقام ~~ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين قيل: ثمان سنين ذكره مالك. وذلك أن الله ~~تعالى قال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا # PageV13P331 # آياته} وقال: {أفلا يتدبرون القرآن} وقال: {أفلم يدبروا القول} وتدبر ~~الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلك قال تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون} وعقل الكلام متضمن لفهمه. ومن المعلوم أن كل كلام ~~فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه فالقرآن أولى بذلك وأيضا فالعادة ~~تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه فكيف ~~بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا ~~كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا وهو وإن كان في التابعين ~~أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم وكلما كان العصر أشرف ~~كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر ومن التابعين من تلقى جميع ~~التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل ~~آية منه وأسأله عنها ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ~~ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم وكذلك ~~الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره. ~~والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم # PageV13P332 # السنة وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال كما ~~يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال. # فصل: # الخلاف بين السلف في التفسير قليل وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في ~~التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ~~وذلك صنفان: " أحدهما " أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة ~~صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر ms4331 مع اتحاد المسمى - بمنزلة ~~الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة - كما قيل في اسم السيف ~~الصارم والمهند وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وأسماء القرآن فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم ~~من أسمائه الحسنى مضادا لدعائه باسم آخر؛ بل الأمر كما قال تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} . وكل اسم من ~~أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي # PageV13P333 # تضمنها الاسم. كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات ~~والقدرة والرحيم يدل على الذات والرحمة ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ~~ممن يدعي الظاهر: فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: ~~لا يقال هو حي ولا ليس بحي؛ بل ينفون عنه النقيضين؛ فإن أولئك القرامطة ~~الباطنية لا ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما في أسمائه ~~الحسنى من صفات الإثبات فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في ~~الظاهر موافقا لغلاة الباطنية في ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك. وإنما المقصود ~~أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته. ويدل أيضا ~~على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم وكذلك أسماء النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب وكذلك أسماء القرآن: مثل ~~القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب. وأمثال ذلك. فإذا كان ~~مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى هذا الاسم ~~وقد يكون الاسم علما وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله: {ومن أعرض عن ذكري} ما ~~ذكره؟ فيقال له: هو القرآن مثلا أو هو ما أنزله من الكتب. فإن الذكر مصدر. ~~والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. # PageV13P334 # فإذا قيل: ذكر الله بالمعنى الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وإذا قيل بالمعنى الأول كان ~~ما يذكره هو وهو ms4332 كلامه وهذا هو المراد في قوله: {ومن أعرض عن ذكري} لأنه ~~قال قبل ذلك {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} وهداه ~~هو ما أنزله من الذكر وقال بعد ذلك: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} ~~{قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} . والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه ~~المنزل أو هو ذكر العبد له فسواء قيل ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ~~ذلك كان المسمى واحدا. وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة ~~المختصة به فلا بد من قدر زائد على تعيين المسمى مثل أن يسأل عن القدوس ~~السلام المؤمن وقد علم أنه الله؛ لكن مراده ما معنى كونه قدوسا سلاما مؤمنا ~~ونحو ذلك. إذا عرف هذا فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على ~~عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر كمن يقول: أحمد هو ~~الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور # PageV13P335 # والرحيم أي أن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة ومعلوم أن هذا ~~ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم. ~~فقال بعضهم: هو " القرآن ": أي اتباعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة هو حبل الله ~~المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وقال بعضهم: هو " الإسلام " ~~لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي ~~وغيره: {ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين ~~أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو ~~على رأس الصراط قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران حدود الله ~~والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق ~~الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن} فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام ~~هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما ms4333 أن لفظ " ~~صراط " يشعر بوصف ثالث وكذلك قول من قال: هو " السنة والجماعة " وقول من ~~قال: " هو طريق العبودية " وقول من قال: " هو طاعة الله ورسوله " صلى الله ~~عليه وسلم وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا # PageV13P336 # إلى ذات واحدة؛ لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. " الصنف الثاني " أن ~~يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع ~~على النوع - لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مثل سائل ~~أعجمي سأل عن مسمى " لفظ الخبز " فأري رغيفا وقيل له: هذا. فالإشارة إلى ~~نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده - مثال ذلك ما نقل في قوله: {ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} . فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك ~~للمحرمات. والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه ~~من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات. فالمقتصدون هم أصحاب اليمين {والسابقون ~~السابقون} {أولئك المقربون} . ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع ~~الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت والمقتصد الذي يصلي في ~~أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار ويقول الآخر السابق ~~والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة فإنه ذكر المحسن بالصدقة ~~والظالم بأكل الربا والعادل بالبيع والناس في الأموال إما محسن وإما عادل ~~وإما ظالم فالسابق المحسن بأداء # PageV13P337 # المستحبات مع الواجبات والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة والمقتصد الذي ~~يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا وأمثال هذه الأقاويل. فكل قول فيه ذكر ~~نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على ~~نظيره؛ فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق. والعقل ~~السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز. ~~وقد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان ~~المذكور شخصا؛ كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم إن آية ms4334 الظهار ~~نزلت في امرأة أوس بن الصامت وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو ~~هلال بن أمية وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله. وأن قوله: {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله} نزلت في بني قريظة والنضير وأن قوله: {ومن يولهم ~~يومئذ دبره} نزلت في بدر وأن قوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} نزلت ~~في قضية تميم الداري وعدي بن بداء وقول أبي أيوب إن قوله: {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} نزلت فينا معشر الأنصار الحديث، ونظائر هذا كثير مما ~~يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود ~~والنصارى. أو في قوم من المؤمنين. # PageV13P338 # فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم؛ ~~فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق والناس وإن تنازعوا في اللفظ ~~العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين ~~أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وإنما غاية ما يقال إنها تختص ~~بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. # والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا ونهيا فهي متناولة لذلك الشخص ~~ولغيره ممن كان بمنزلته وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ~~وغيره ممن كان بمنزلته أيضا. # ومعرفة " سبب النزول " يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم ~~بالمسبب؛ ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع ~~إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها. وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به ~~تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب ~~كما تقول عنى بهذه الآية كذا. # PageV13P339 # وقد ### | تنازع العلماء في قول الصاحب نزلت هذه الآية في كذا # هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى ~~التفسير منه الذي ليس بمسند فالبخاري يدخله في المسند وغيره ms4335 لا يدخله في ~~المسند وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره؛ بخلاف ما إذا ذكر ~~سببا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند. وإذا عرف هذا فقول ~~أحدهم نزلت في كذا لا ينافي قول الآخر نزلت في كذا إذا كان اللفظ يتناولهما ~~كما ذكرناه في التفسير بالمثال وإذا ذكر أحدهم لها سببا نزلت لأجله وذكر ~~الآخر سببا؛ فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب أو تكون نزلت ~~مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب. وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في ~~تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى ~~وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن ~~التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين؛ إما لكونه مشتركا ~~في اللفظ كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) ~~الذي يراد به إقبال الليل وإدباره # PageV13P340 # وإما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين ~~كالضمائر في قوله: {ثم دنا فتدلى} {فكان قاب قوسين أو أدنى} وكلفظ: ~~{والفجر} {وليال عشر} {والشفع والوتر} وما أشبه ذلك. فمثل هذا قد يجوز أن ~~يراد به كل المعاني التي قالها السلف وقد لا يجوز ذلك فالأول إما لكون ~~الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة وإما لكون اللفظ المشترك ~~يجوز أن يراد به معنياه إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء: المالكية والشافعية ~~والحنبلية وكثير من أهل الكلام وإما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما إذا لم ~~يكن لتخصيصه موجب فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني. ومن ~~الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن المعاني ~~بألفاظ متقاربة لا مترادفة فإن الترادف في اللغة قليل وأما في ألفاظ القرآن ~~فإما نادر وإما معدوم وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ ~~بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن فإذا قال القائل: ~~{يوم تمور السماء مورا} ms4336 إن المور هو الحركة كان تقريبا إذ المور حركة خفيفة ~~سريعة. # PageV13P341 # وكذلك إذا قال: " الوحي " الإعلام أو قيل {أوحينا إليك} أنزلنا إليك أو ~~قيل: {وقضينا إلى بني إسرائيل} أي أعلمنا وأمثال ذلك فهذا كله تقريب لا ~~تحقيق فإن الوحي هو إعلام سريع خفي والقضاء إليهم أخص من الإعلام فإن فيه ~~إنزالا إليهم وإيحاء إليهم. والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ~~ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في قوله: {لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} أي مع نعاجه و {من أنصاري إلى الله} أي مع ~~الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين فسؤال النعجة يتضمن ~~جمعها وضمها إلى نعاجه وكذلك قوله: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك} ضمن معنى يزيغونك ويصدونك وكذلك قوله: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا} ضمن معنى نجيناه وخلصناه وكذلك قوله: {يشرب بها عباد الله} ضمن ~~يروى بها ونظائره كثيرة. ومن قال " لا ريب لا شك " فهذا تقريب وإلا فالريب ~~فيه اضطراب وحركة كما قال: {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} وفي الحديث أنه ~~{مر بظبي حاقف فقال: لا يريبه أحد} فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة ~~فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة. ولفظ " الشك " وإن قيل: إنه يستلزم هذا ~~المعنى؛ لكن لفظه لا يدل عليه. # PageV13P342 # وكذلك إذا قيل: ذلك الكتاب هذا القرآن فهذا تقريب؛ لأن المشار إليه وإن ~~كان واحدا فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة ولفظ " ~~الكتاب " يتضمن من كونه مكتوبا مضموما ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه ~~مقروءا مظهرا باديا فهذه الفروق موجودة في القرآن فإذا قال أحدهم: (أن تبسل ~~أي تحبس وقال الآخر: ترتهن ونحو ذلك لم يكن من اختلاف التضاد وإن كان ~~المحبوس قد يكون مرتهنا وقد لا يكون إذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم وجمع ~~عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا؛ فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من ~~عبارة أو عبارتين ومع هذا فلا بد من ms4337 اختلاف محقق بينهم كما يوجد مثل ذلك في ~~الأحكام. ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم بل ~~متواتر عند العامة أو الخاصة كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها ~~وفرائض الزكاة ونصبها وتعيين شهر رمضان والطواف والوقوف ورمي الجمار ~~والمواقيت وغير ذلك. ثم اختلاف الصحابة في الجد والإخوة وفي المشركة ونحو ~~ذلك لا يوجب ريبا في جمهور مسائل الفرائض بل ما يحتاج إليه عامة الناس هو ~~عمود النسب من الآباء والأبناء والكلالة؛ من الإخوة والأخوات ومن نسائهم ~~كالأزواج فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة # PageV13P343 # ذكر في الأولى الأصول والفروع وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض ~~كالزوجين وولد الأم وفي الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب وهم الإخوة ~~لأبوين أو لأب واجتماع الجد والإخوة نادر؛ ولهذا لم يقع في الإسلام إلا بعد ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل أو لذهول عنه ~~وقد يكون لعدم سماعه وقد يكون للغلط في فهم النص وقد يكون لاعتقاد معارض ~~راجح فالمقصود هنا التعريف بجمل الأمر دون تفاصيله. # فصل: # الاختلاف في التفسير على " نوعين " منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم ~~بغير ذلك - إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق والمنقول إما عن ~~المعصوم وإما عن غير المعصوم والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم ~~أو غير المعصوم - وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه ~~والضعيف ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه. وهذا " القسم الثاني من المنقول " ~~وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام ~~فيه من فضول الكلام. # PageV13P344 # وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه دليلا ~~فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ~~وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ~~وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك فهذه ms4338 الأمور طريق العلم بها النقل ~~فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم - كاسم صاحب ~~موسى أنه الخضر - فهذا معلوم وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل ~~الكتاب - كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل ~~الكتاب - فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه} وكذلك ~~ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف ~~التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة ~~نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين لأن احتمال أن يكون ~~سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل ~~الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم # PageV13P345 # الصاحب فيما يقوله فكيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن ~~تصديقهم؟ والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية ~~الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ~~ذلك. وأما " القسم الأول " الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما ~~يحتاج إليه ولله الحمد فكثيرا ما يوجد في التفسير والحديث والمغازي أمور ~~منقولة عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ~~وسلامه والنقل الصحيح يدفع ذلك؛ بل هذا موجود فيما مستنده النقل وفيما قد ~~يعرف بأمور أخرى غير النقل. فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في ~~الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره ومعلوم أن ~~المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الإمام ~~أحمد ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي ويروى ليس لها ~~أصل أي إسناد؛ ms4339 لأن الغالب عليها المراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبير ~~والشعبي والزهري وموسى بن عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم كيحيى بن سعيد الأموي ~~والوليد بن مسلم والواقدي ونحوهم في المغازي؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهل ~~المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت # PageV13P346 # عندهم وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ~~ما ليس لغيرهم ولهذا عظم الناس كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك ~~وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار. # وأما " التفسير " فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس ~~كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس ~~كطاووس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم؛ وكذلك أهل الكوفة منه أصحاب ~~ابن مسعود ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم وعلماء أهل المدينة في التفسير ~~مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن ~~وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب. # و" المراسيل " إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير ~~قصد كانت صحيحة قطعا فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر وإما أن يكون ~~كذبا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه؛ فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان ~~صدقا بلا ريب. فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين ~~لم يتواطآ على اختلافه وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا # PageV13P347 # بلا قصد علم أنه صحيح مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من ~~الأقوال والأفعال ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر مثل ما ~~ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في ~~الجملة فإنه لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي ~~كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة ms4340 ~~من أحدهما لصاحبه فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتا وينظم الآخر مثله أو يكذب ~~كذبة ويكذب الآخر مثلها أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروي ~~فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظا ومعنى مع الطول المفرط بل يعلم ~~بالعادة أنه أخذها منه وكذلك إذا حدث حديثا طويلا فيه فنون وحدث آخر بمثله ~~فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه أو يكون الحديث صدقا وبهذه الطريق ~~يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم ~~يكن أحدها كافيا إما لإرساله وإما لضعف ناقله لكن مثل هذا لا تضبط به ~~الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق فلا يحتاج ذلك إلى طريق يثبت ~~بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد ~~بل يعلم قطعا أن حمزة وعليا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد # PageV13P348 # وأن عليا قتل الوليد وأن حمزة قتل قرنه ثم يشك في قرنه هل هو عتبة أو ~~شيبة. وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات ~~في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك. ~~ولهذا إذا روي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم بأنه حق لا سيما إذا علم ~~أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهم النسيان والغلط؛ فإن ~~من عرف الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر وجابر وأبي سعيد وأبي ~~هريرة وغيرهم علم يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عمن هو فوقهم كما يعلم الرجل من حال من ~~جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس ويقطع الطريق ~~ويشهد بالزور ونحو ذلك. وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة فإن ~~من عرف مثل أبي صالح السمان والأعرج وسليمان ms4341 بن يسار وزيد بن أسلم وأمثالهم ~~علم قطعا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث # PageV13P349 # فضلا عمن هو فوقهم مثل محمد بن سيرين والقاسم بن محمد أو سعيد بن المسيب ~~أو عبيدة السلماني أو علقمة أو الأسود أو نحوهم. وإنما يخاف على الواحد من ~~الغلط؛ فإن الغلط والنسيان كثيرا ما يعرض للإنسان ومن الحفاظ من قد عرف ~~الناس بعده عن ذلك جدا كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة والثوري ~~وأمثالهم لا سيما الزهري في زمانه والثوري في زمانه فإنه قد يقول القائل: ~~إن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه. و " المقصود " ~~أن الحديث الطويل إذا روي مثلا من وجهين مختلفين من غير مواطأة امتنع عليه ~~أن يكون غلطا كما امتنع أن يكون كذبا؛ فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة ~~متنوعة وإنما يكون في بعضها فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ورواها الآخر ~~مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها كما امتنع الكذب في ~~جميعها من غير مواطأة. ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في ~~القصة مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر؛ فإن من ~~تأمل طرقه علم قطعا أن الحديث صحيح وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن. ~~وقد بين ذلك البخاري في صحيحه فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه ~~أهل العلم بالقبول والتصديق # PageV13P350 # والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر؛ والأمة ~~مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب وهذا ~~إجماع على الخطإ وذلك ممتنع وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب ~~على الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو ~~قياس ظني أن يكون الحق في الباطن؛ بخلاف ما اعتقدناه فإذا ms4342 أجمعوا على الحكم ~~جزمنا بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا. ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع ~~الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا ~~به أنه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي ~~حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك ~~طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك؛ ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم ~~يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك وهو قول أكثر الأشعرية كأبي ~~إسحاق وابن فورك وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك وتبعه مثل أبي ~~المعالي وأبي حامد وابن عقيل وابن الجوزي وابن الخطيب والآمدي ونحو هؤلاء ~~والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وأبو إسحاق وأمثاله من أئمة ~~الشافعية وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية # PageV13P351 # وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني وأمثالهم من ~~الحنبلية. وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية وإذا كان ~~الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم ~~بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر ~~والنهي والإباحة. و " المقصود هنا " أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو ~~الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول؛ لكن هذا ينتفع به كثيرا في ~~علم أحوال الناقلين. وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ ~~وبالحديث المرسل ونحو ذلك؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ~~ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره قال أحمد: قد أكتب ~~حديث الرجل لأعتبره ومثل هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر؛ فإنه كان من ~~أكثر الناس حديثا ومن خيار الناس؛ لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه ~~المتأخر غلط فصار يعتبر بذلك ويستشهد به وكثيرا ما يقترن هو والليث بن سعد ~~والليث حجة ثبت إمام. وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ ~~فإنهم أيضا يضعفون من حديث ms4343 الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط ~~فيها بأمور يستدلون بها ويسمون هذا " علم علل الحديث " # PageV13P352 # وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه ~~فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر كما عرفوا {أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ~~ميمونة وهو حلال وأنه صلى في البيت ركعتين} وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها ~~حراما؛ ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط وكذلك أنه " اعتمر أربع عمر " ~~وعلموا أن قول ابن عمر: " إنه اعتمر في رجب " مما وقع فيه الغلط وعلموا أنه ~~تمتع وهو آمن في حجة الوداع وأن قول عثمان لعلي: " كنا يومئذ خائفين " مما ~~وقع فيه الغلط وأن ما وقع في بعض طرق البخاري {أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ ~~الله لها خلقا آخر} مما وقع فيه الغلط وهذا كثير. والناس في هذا الباب ~~طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا ~~يميز بين الصحيح والضعيف فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها ~~معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به ~~كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريد ~~أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى إذا عارض الصحيح المعروف ~~أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا له في مسائل العلم مع أن ~~أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط. # PageV13P353 # وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك فعليه أدلة يعلم ~~بها أنه كذب ويقطع بذلك مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل البدع ~~والغلو في الفضائل مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين ~~كان له كأجر كذا وكذا نبيا. وفي " التفسير " من هذه الموضوعات قطعة كبيرة ~~مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن ~~سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم. و ms4344 " الثعلبي " هو في نفسه كان فيه ~~خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع و ~~" الواحدي " صاحبه كان أبصر منه بالعربية؛ لكن هو أبعد عن السلامة واتباع ~~السلف والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي لكنه صان تفسيره من الأحاديث ~~الموضوعة والآراء المبتدعة. والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث ~~الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة وحديث علي الطويل في تصدقه بخاتمه في ~~الصلاة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ومثل ما روي في قوله: {ولكل قوم هاد} ~~أنه علي {وتعيها أذن واعية} أذنك يا علي. # PageV13P354 # فصل: # وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ~~فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد ~~يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق ووكيع وعبد بن حميد ~~وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم. ومثل تفسير الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ~~وبقي بن مخلد وأبي بكر بن المنذر وسفيان بن عيينة وسنيد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبي سعيد الأشج وأبي عبد الله بن ماجه. وابن مردويه - " إحداهما " ~~قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. و " الثانية " قوم ~~فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب ~~من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به. ف " الأولون " ~~راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة ~~والبيان. # PageV13P355 # و " الآخرون " راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير ~~نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في ~~احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم كما أن ~~الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ~~ذلك الآخرون وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى ms4345 اللفظ ~~أسبق. والأولون " صنفان ": تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به ~~وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به وفي كلا الأمرين قد يكون ما ~~قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول وقد ~~يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول. وهذا كما أنه وقع في تفسير ~~القرآن فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث فالذين أخطئوا في الدليل والمدلول - ~~مثل طوائف من أهل البدع - اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط ~~الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا إلى القرآن فتأولوه ~~على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ~~ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن # PageV13P356 # مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية ~~والمرجئة وغيرهم. وهذا كالمعتزلة مثلا فإنهم من أعظم الناس كلاما وجدالا ~~وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم؛ مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم ~~شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي ومثل كتاب أبي علي ~~الجبائي والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني ولعلي بن عيسى ~~الرماني والكشاف لأبي القاسم الزمخشري فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب ~~المعتزلة. وأصول المعتزلة " خمسة " يسمونها هم: التوحيد والعدل والمنزلة ~~بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. و " ~~توحيدهم " هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات وغير ذلك قالوا: إن ~~الله لا يرى وإن القرآن مخلوق وإنه ليس فوق العالم وإنه لا يقوم به علم ولا ~~قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات. وأما ~~" عدلهم " فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها ولا هو ~~قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم # PageV13P357 # يخلقها الله لا خيرها ولا شرها ولم يرد إلا ما أمر به شرعا وما سوى ذلك ~~فإنه يكون بغير مشيئته وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة كالمفيد وأبي جعفر ~~الطوسي وأمثالهما ولأبي ms4346 جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة؛ لكن يضم إلى ذلك ~~قول الإمامية الاثني عشرية؛ فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ~~ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. # ومن ### | أصول المعتزلة مع الخوارج " # إنفاذ الوعيد في الآخرة " وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة ولا ~~يخرج منهم أحدا من النار. ولا ريب أنه قد رد عليهم طوائف من المرجئة ~~والكرامية والكلابية وأتباعهم؛ فأحسنوا تارة وأساءوا أخرى حتى صاروا في ~~طرفي نقيض كما قد بسط في غير هذا الموضع. والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا ~~رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من ~~تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة وذلك من جهتين: تارة من ~~العلم بفساد قولهم وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن إما دليلا على ~~قولهم أو جوابا على المعارض لهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا ويدس ~~البدع في # PageV13P358 # كلامه وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه حتى إنه يروج على خلق ~~كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله. وقد رأيت من ~~العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق ~~أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك. ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء ~~وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو ~~أبلغ من ذلك وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة فإنهم فسروا ~~القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه فتفسير الرافضة كقولهم: {تبت يدا ~~أبي لهب} هما أبو بكر وعمر و {لئن أشركت ليحبطن عملك} أي بين أبي بكر وعلي ~~في الخلافة و {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} هي عائشة، و {فقاتلوا أئمة ~~الكفر} طلحة والزبير و {مرج البحرين} علي وفاطمة و {اللؤلؤ والمرجان} الحسن ~~والحسين {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} في علي بن أبي طالب و {عم ms4347 ~~يتساءلون} {عن النبإ العظيم} علي بن أبي طالب و {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} هو علي ~~ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة وكذلك ~~قوله {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} نزلت في علي لما أصيب بحمزة. # PageV13P359 # ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ~~{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} أن ~~الصابرين رسول الله والصادقين أبو بكر والقانتين عمر والمنفقين عثمان ~~والمستغفرين علي وفي مثل قوله: {محمد رسول الله والذين معه} أبو بكر {أشداء ~~على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعا سجدا} علي. وأعجب من ذلك ~~قول بعضهم: {والتين} أبو بكر {والزيتون} عمر {وطور سينين} عثمان {وهذا ~~البلد الأمين} علي وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا ~~يدل عليه بحال فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص وقوله تعالى ~~{والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} كل ذلك نعت ~~للذين معه وهي التي يسميها النحاة خبرا بعد خبر. و " المقصود هنا " أنها ~~كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه ولا يجوز أن يكون كل منها مرادا به ~~شخص واحد وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرا في شخص واحد كقوله: إن ~~قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} أريد بها علي وحده وقول ~~بعضهم: أن قوله: {والذي جاء بالصدق وصدق به} أريد بها أبو بكر وحده وقوله: ~~{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أريد بها أبو بكر # PageV13P360 # وحده ونحو ذلك. # و" تفسير ابن عطية وأمثاله " أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من ~~تفسير الزمخشري ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على ~~وجهه لكان أحسن وأجمل فإنه كثيرا ما ينقل من " تفسير محمد بن جرير الطبري " ~~وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا ~~يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه ms4348 قول المحققين وإنما يعني بهم طائفة من أهل ~~الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم وإن ~~كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة؛ لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ويعرف ~~أن هذا من جملة التفسير على المذهب. فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان ~~لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه ~~وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين ~~للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. و " في الجملة " من عدل عن مذاهب ~~الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا ~~وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب # PageV13P361 # ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم ~~بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل ~~والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما ~~سمعية. كما هو مبسوط في موضعه. و " المقصود هنا " التنبيه على مثار ~~الاختلاف في التفسير وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى ~~أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ~~ما أريد به وتأولوه على غير تأويله فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان ~~القول الذي خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم وأن ~~يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما ~~نصبه الله من الأدلة على بيان الحق. وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح ~~الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن ~~وتفسيره. وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية ~~والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة؛ لكن القرآن لا يدل ~~عليها مثل كثير مما ms4349 ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق # PageV13P362 # التفسير وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة فإن ذلك يدخل في القسم ~~الأول وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعا حيث يكون المعنى الذي قصدوه ~~فاسدا. # فصل: # فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن ~~يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر ~~من مكان فقد بسط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة ~~للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: ~~كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن قال ~~الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما} وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين ~~لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ولهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه} " يعني السنة. # PageV13P363 # والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى ~~وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا ~~موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه فإن لم تجده فمن السنة كما ~~{قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ ~~قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ ~~قال أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: ~~الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله} " وهذا الحديث في ~~المساند والسنن بإسناد جيد. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في ~~السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من ~~القرآن والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من ms4350 الفهم التام والعلم الصحيح ~~والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ~~والأئمة المهديين: " مثل عبد الله بن مسعود " قال الإمام أبو جعفر محمد بن ~~جرير الطبري: حدثنا أبو كريب قال أنبأنا جابر بن نوح أنبأنا الأعمش عن أبي ~~الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما ~~نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم # PageV13P364 # فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناوله ~~المطايا لأتيته وقال الأعمش أيضا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل ~~منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. ومنهم ~~الحبر البحر " عبد الله بن عباس " ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال: ~~{اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} " وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار ~~أنبأنا وكيع أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله ~~يعني ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيى بن داود عن ~~إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق عن ~~ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس ثم رواه عن بندار عن جعفر ~~بن عون عن الأعمش به كذلك فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن ~~عباس هذه العبارة وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح وعمر ~~بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ ~~. وقال الأعمش عن أبي وائل استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم فخطب ~~الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة - وفي # PageV13P365 # رواية سورة النور - ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم ~~لأسلموا. ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في ~~تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس ولكن ms4351 في بعض الأحيان ينقل ~~عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث قال: " {بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار} " رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو؛ ~~ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب ~~فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك ولكن هذه الأحاديث ~~الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فإنها على ثلاثة أقسام: " أحدها " ~~ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. و " الثاني " ما ~~علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. و " الثالث " ما هو مسكوت عنه لا من هذا ~~القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم # PageV13P366 # وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ولهذا يختلف علماء أهل ~~الكتاب في مثل هذا كثيرا ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في ~~مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعدتهم وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ ~~وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل ~~من البقرة ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله ~~في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم ~~ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: {سيقولون ثلاثة رابعهم ~~كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ~~قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا ~~تستفت فيهم منهم أحدا} . فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا ~~المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف ~~القولين الأولين وسكت عن الثالث فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ~~ردهما ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم ms4352 لا طائل تحته فيقال في مثل هذا: ~~{قل ربي أعلم بعدتهم} فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله ~~عليه؛ فلهذا قال: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} أي لا تجهد نفسك فيما لا ~~طائل تحته ولا تسألهم عن ذلك فإنهم # PageV13P367 # لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن ~~تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر ~~فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل ~~به عن الأهم فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ~~ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على ~~الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب ~~أو جاهلا فقد أخطأ كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا ~~متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ~~ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور والله الموفق للصواب. # فصل: # إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع ~~كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين " كمجاهد بن جبر " فإنه كان آية ~~في التفسير كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا # PageV13P368 # أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من ~~فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها وبه إلى الترمذي قال: ~~حدثنا الحسين بن مهدي البصري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في ~~القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا وبه إليه قال حدثنا ابن أبي عمر حدثنا ~~سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم ~~أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا ~~أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام عن ms4353 عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: ~~رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال: فيقول له ابن ~~عباس اكتب حتى سأله عن التفسير كله ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك ~~التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن ~~أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب وأبي العالية ~~والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن ~~بعدهم فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من ~~لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالا وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء ~~بلازمه أو نظيره ومنهم من # PageV13P369 # ينص على الشيء بعينه والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب ~~لذلك والله الهادي. وقال شعبة بن الحجاج وغيره أقوال التابعين في الفروع ~~ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن ~~خالفهم وهذا صحيح أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة فإن ~~اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويرجع في ذلك إلى ~~لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك. # [فأما " تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام حدثنا مؤمل حدثنا سفيان حدثنا ~~عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " {من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار} ". حدثنا وكيع ~~حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده ~~من النار} " وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد حدثني حسان بن هلال ~~قال حدثنا سهيل أخو حزم القطعي قال حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد ~~أخطأ} ms4354 " قال الترمذي هذا حديث غريب وقد # PageV13P370 # تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم] (*) . # وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم ~~شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما ~~من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه ~~بغير علم أو من قبل أنفسهم وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا ~~من قبل أنفسهم بغير علم فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به ~~وسلك غير ما أمر به فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه ~~لم يأت الأمر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق ~~حكمه الصواب في نفس الأمر؛ لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم. وهكذا ~~سمى الله تعالى القذفة كاذبين فقال: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون} فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه ~~أخبر بما لا يحل له الإخبار به وتكلف ما لا علم له به والله أعلم. ولهذا ~~تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن سليمان عن ~~عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلني وأي ~~سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟ : وقال أبو عبيد القاسم بن ~~سلام: حدثنا محمود بن يزيد PageV13P371 # عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ~~{وفاكهة وأبا} فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ~~ما لا أعلم؟ - منقطع - وقال أبو عبيد أيضا حدثنا يزيد عن حميد عن أنس أن ~~عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {وفاكهة وأبا} فقال هذه الفاكهة قد عرفناها ~~فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو ms4355 التكلف يا عمر وقال عبد بن ~~حميد حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كنا ~~عند عمر بن الخطاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ: {وفاكهة وأبا} فقال ما ~~الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه. وهذا كله محمول على ~~أنهما - رضي الله عنهما - إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب وإلا فكونه ~~نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى تعالى: {فأنبتنا فيها حبا} {وعنبا ~~وقضبا} {وزيتونا ونخلا} {وحدائق غلبا} . وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن ~~إبراهيم قال: حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن ~~آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها. إسناده صحيح وقال أبو ~~عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال سأل رجل ابن ~~عباس عن: {يوم كان مقداره ألف سنة} فقال له # PageV13P372 # ابن عباس فما: {يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ؟ فقال الرجل إنما سألتك ~~لتحدثني فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما ~~فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم وقال ابن جرير: حدثني يعقوب يعني ابن ~~إبراهيم حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: جاء طلق ~~بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن. فقال أحرج عليك إن ~~كنت مسلما لما قمت عني أو قال: أن تجالسني وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول ~~في القرآن شيئا. وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب إنه كان لا ~~يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل ~~سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل من يزعم ~~أنه لا يخفى عليه منه شيء ms4356 يعني عكرمة وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي ~~يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس فإذا ~~سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. وقال ابن جرير: حدثني أحمد ~~بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت ~~فقهاء المدينة وإنهم # PageV13P373 # ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد ~~بن المسيب ونافع وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام ~~بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط وقال أيوب وابن عون ~~وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن آية من ~~القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن فاتق الله وعليك ~~بالسداد. وقال أبو عبيد حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن ~~يسار عن أبيه قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده حدثنا ~~هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه وقال ~~شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي والله ما من آية إلا وقد ~~سألت عنها ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم أنبأنا عمر ~~بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن ~~الله. فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن ~~الكلام في التفسير بما لا علم لهم به فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة ~~وشرعا فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا ~~منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه وهذا هو الواجب على كل ~~أحد فإنه كما يجب السكوت عما # PageV13P374 # لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى ~~{لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ولما جاء في الحديث المروي من طرق: " {من سئل ms4357 ~~عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار} ". وقال ابن جرير: حدثنا محمد ~~بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير ~~على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ~~وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV13P375 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بكتابه الذي هو الهدى والشفاء ~~والنور وجعله أحسن الحديث وأحسن القصص وجعله الصراط المستقيم لأهل العقل ~~والتدبر ولأهل التلاوة والذكر ولأهل الاستماع والحال: فالمعتصمون به علما ~~وحالا وتلاوة وسمعا باطنا وظاهرا هم المسلمون حقا خاصة أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثم لما انحرف من انحرف من أهل الكلام والحروف إلى كلام غيره ومن ~~أهل السماع والصوت إلى سماع غيره كان الانحراف في أربع طوائف متجانسة: # قوم تركوا التعلم منه والنظر فيه والتدبر له إلى كلام غيره من كلام ~~الصابئة أو اليهود أو ما هو مولد من ذلك أو مجانس له أو نحو ذلك. وهم ~~منحرفة المتكلمة. # وبإزائهم قوم أقاموا حروفه وحفظوه وتلوه من غير فقه فيه ولا # PageV13P376 # فهم لمعانيه ولا معرفة للمقالات التي توافقه أو تخالفه ووجه بيانه ~~لمسائلها ودلائلها وهم ظاهرية القراء والمحدثين ونحوهم وهذان الصنفان نظير ~~متفقه لا يعرف الحديث أو صاحب حديث لا يتفقه فيه. وكذلك متكلم لا يتدبر ~~القرآن أو قارئ لا يعرف من القرآن أنواع الكلام الحق والباطل فهاتان فرقتان ~~علميتان. و " الثالثة " قوم تركوا استماع القلوب له والتنعم به وتحرك القلب ~~عن محركاته وذوق حلاوته ووجود طعمه إلى سماع أصوات غيره من شعر أو ملاهي من ~~أصوات الصابئة أو النصارى أو ما هو مولد عن ذلك ومجانس له أو نحو ذلك وهم ~~منحرفة المتصوفة والمتفقرة. وبإزائهم قوم يصوتون به ويسمعون قراءته من غير ~~تحرك عنه ولا وجد فيه ولا ذوق لحقائقه ومعانيه وهم ظاهرية العباد والمتطوعة ~~والمتقرئة. فهذان الصنفان صاحب حال تحرك الأصوات حاله وليست تلك ms4358 الحركة ~~والحال عن الصوت بالقرآن وصاحب مقال يميز بين الأقوال وينظر فيها وليس ذلك ~~النظر والمقال عن القرآن وبإزائهما صاحب عبادة ظاهرة معه استماع ظاهر ~~القرآن وتلاوته وصاحب علم ظاهر معه حفظ حروف القرآن أو تفسير حروفه من ~~غريبه وإعرابه وأسباب نزوله ونحو ذلك. فهذه الأقسام الأربعة الذين وقفوا مع ~~ظاهر العلم والعمل المشروعين والذين خاضوا في باطن العلم # PageV13P377 # والعمل؛ لكن غير المشروعين جاء التفريط والاعتداء منهم. ولهذا وقع بينهم ~~التعادي فالأولون يرمون الآخرين بالبدعة والضلالة وقد صدقوا. والآخرون ~~ينسبون الأولين إلى الجهالة والعجز وقد صدقوا. ثم قد يكون مع بعض الأولين ~~كثير من العلم والعمل المشروع كما قد يكون مع بعض الآخرين كثير من العلم ~~الباطن والحال الكامن كما قد روى الحسن البصري في مراسيله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {العلم علمان: علم في القلب وعلم في اللسان. ~~فعلم القلب هو العلم النافع وعلم اللسان حجة الله على عباده} " وقال يحيى ~~بن سعيد التيمي أبو حيان فيما رواه الخلال في جامعه عن الثوري: " العلماء ~~ثلاثة: فعالم بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله ~~وعالم بالله وبأمر الله ". # PageV13P378 # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما سؤاله عن: " إجراء القرآن على ظاهره " فإنه إذا آمن بما وصف الله به ~~نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين. ولفظ ~~" الظاهر " في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه على ~~الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه فهذا ضال؛ بل يجب ~~القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فقد ~~قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. يعني أن موعود الله ~~في الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق هذه الأمور ~~الموجودة في الدنيا؛ فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا يدركه ~~العباد # PageV13P379 # ليست حقيقته كحقيقة شيء منها. وأما إن أراد ms4359 بإجرائه على الظاهر الذي هو ~~الظاهر في عرف سلف الأمة لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد في أسماء الله ~~تعالى ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة؛ بل ~~يجري ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه ~~سلف الأمة فهذا مصيب في ذلك وهو الحق. وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها ~~والله أعلم. # PageV13P380 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من ~~النار} " فاختلاف المفسرين في آية واحدة إن كان بالرأي فكيف النجاة؟ وإن لم ~~يكن بالرأي فكيف وقع الاختلاف والحق لا يكون في طرفي نقيض أفتونا.؟ # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: " ~~أحدهما " ليس فيه تضاد وتناقض؛ بل يمكن أن يكون كل منهما حقا وإنما هو ~~اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات وعامة الاختلاف الثابت عن ~~مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب فإن الله سبحانه إذا ذكر ~~في القرآن اسما مثل قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} فكل من المفسرين يعبر عن ~~الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته وكل ذلك حق بمنزلة ما يسمى ~~الله ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته فيقول بعضهم: ~~{الصراط المستقيم} كتاب الله أو اتباع كتاب الله # PageV13P381 # ويقول الآخر: {الصراط المستقيم} هو الإسلام أو دين الإسلام ويقول الآخر: ~~{الصراط المستقيم} هو السنة والجماعة ويقول الآخر: {الصراط المستقيم} طريق ~~العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور أو ~~متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ~~ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته كما إذا ~~قيل: محمد هو أحمد وهو الحاشر وهو الماحي وهو العاقب وهو خاتم المرسلين وهو ~~نبي الرحمة وهو نبي الملحمة. وكذلك إذا قيل: القرآن هو الفرقان والنور ~~والشفاء والذكر الحكيم والكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت. ms4360 وكذلك أسماء الله ~~الحسنى {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} وهو {الذي خلق ~~فسوى} {والذي قدر فهدى} {والذي أخرج المرعى} {فجعله غثاء أحوى} {هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} {هو الله الذي ~~لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} ~~{هو الله الخالق البارئ المصور} # PageV13P382 # وأمثال ذلك. فهو سبحانه واحد صمد وأسماؤه الحسنى تدل كلها على ذاته ويدل ~~هذا من صفاته على ما لا يدل عليه الآخر فهي متفقة في الدلالة على الذات ~~متنوعة في الدلالة على الصفات؛ فالاسم يدل على الذات والصفة المعينة ~~بالمطابقة ويدل على أحدهما بطريق التضمن وكل اسم يدل على الصفة التي دل ~~عليها بالالتزام؛ لأنه يدل على الذات المتكنى به جميع الصفات فكثير من ~~التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه. ومنه " قسم آخر " وهو أن يذكر المفسر ~~والمترجم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر ~~مثل أن يقول قائل من العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف وليس المقصود ~~مجرد عينه وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص. وهذا كما إذا سئلوا عن قوله: ~~{فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} أو عن قوله: {إن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} أو عن الصالحين أو الظالمين ونحو ذلك من ~~الأسماء العامة الجامعة التي قد يتعسر أو يتعذر على المستمع أو المتكلم ضبط ~~مجموع معناه؛ إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما ~~يحصل به غرضه وقد يستدل به على نظائره. فإن الظالم لنفسه: هو تارك المأمور ~~فاعل المحظور و " المقتصد " # PageV13P383 # هو فاعل الواجب وتارك المحرم و " السابق " هو فاعل الواجب والمستحب وتارك ~~المحرم والمكروه. فيقول المجيب بحسب حاجة السائل: " الظالم " الذي يفوت ~~الصلاة والذي لا يسبغ الوضوء أو الذي لا يتم الأركان ونحو ذلك و " المقتصد ~~" الذي يصلي في الوقت كما أمر و " السابق بالخيرات " الذي يصلي الصلاة ~~بواجباتها ومستحباتها ويأتي ms4361 بالنوافل المستحبة معها وكذلك يقول مثل هذا في ~~الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا ~~يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله فمن ادعى ~~علمه فهو كاذب. والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه ~~السنة وإن كان من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معاني القرآن؛ ~~إذ لم يتمكن من تغيير لفظه. و " أيضا ": فقد يخفى على بعض العلماء بعض ~~معاني القرآن كما خفي عليه بعض السنة؛ فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب. ~~والله أعلم. # PageV13P384 # سئل شيخ الإسلام: # عن جندي نسخ بيده صحيح مسلم والبخاري والقرآن وهو ناو كتابة الحديث ~~والقرآن العظيم. وإن سمع بورق أو أقلام اشترى بألف درهم وقال: أنا إن شاء ~~الله أكتب في جميع هذا الورق أحاديث الرسول والقرآن ويؤمل آمالا بعيدة فهل ~~يأثم أو لا؟ وأي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري؟ أم القرطبي؟ ~~أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس عليه إثم فيما ينويه ويفعله من كتابة العلوم الشرعية فإن ~~كتابة القرآن والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموجودة الثابتة من أعظم ~~القربات والطاعات. وأما " التفاسير " التي في أيدي الناس فأصحها " تفسير ~~محمد بن جرير الطبري " فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه ~~بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي والتفاسير غير المأثورة ~~بالأسانيد كثيرة كتفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد ووكيع وابن أبي شيبة وأحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه. # PageV13P385 # وأما " التفاسير الثلاثة " المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث ~~الضعيفة " البغوي " لكنه مختصر من " تفسير الثعلبي " وحذف منه الأحاديث ~~الموضوعة والبدع التي فيه وحذف أشياء غير ذلك. وأما " الواحدي " فإنه تلميذ ~~الثعلبي وهو أخبر منه بالعربية؛ لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها ~~تقليدا لغيره. وتفسيره و " تفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز " فيها ~~فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة ms4362 وغيرها. وأما " الزمخشري " ~~فتفسيره محشو بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول ~~بخلق القرآن وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد وغير ذلك من ~~أصول المعتزلة. و " أصولهم خمسة " يسمونها التوحيد والعدل والمنزلة بين ~~المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن معنى " ~~التوحيد " عندهم يتضمن نفي الصفات؛ ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين ~~وهذا إنما هو إلحاد في أسماء الله وآياته. # PageV13P386 # ومعنى " العدل " عندهم يتضمن التكذيب بالقدر وهو خلق أفعال العباد وإرادة ~~الكائنات والقدرة على شيء ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب؛ لكن هذا قول ~~أئمتهم؛ وهؤلاء منصب الزمخشري فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم ~~وأتباعهم. ومذهب أبي الحسين والمعتزلة الذين على طريقته نوعان: مسايخية ~~وخشبية. وأما " المنزلة بين المنزلتين " فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ~~بوجه من الوجوه كما لا يسمى كافرا فنزلوه بين منزلتين. و " إنفاذ الوعيد " ~~عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ~~ذلك كما تقوله الخوارج. و " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " يتضمن عندهم ~~جواز الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف. وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة ~~لا يهتدي أكثر الناس إليها ولا لمقاصده فيها مع ما فيه من الأحاديث ~~الموضوعة ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين. و " تفسير القرطبي " خير منه ~~بكثير وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة وأبعد من البدع وإن كان كل من هذه ~~الكتب لا بد أن يشتمل على ما ينقد؛ لكن يجب العدل بينها # PageV13P387 # وإعطاء كل ذي حق حقه. و " تفسير ابن عطية " خير من تفسير الزمخشري وأصح ~~نقلا وبحثا وأبعد عن البدع وإن اشتمل على بعضها؛ بل هو خير منه بكثير؛ بل ~~لعله أرجح هذه التفاسير؛ لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها. وثم تفاسير ~~أخر كثيرة جدا كتفسير ابن الجوزي والماوردي. # PageV13P388 # وسئل: # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم " {أنزل القرآن على سبعة أحرف} " ما ~~المراد بهذه السبعة؟ وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع ms4363 وعاصم وغيرهما هي ~~الأحرف السبعة أو واحد منها؟ وما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما ~~احتمله خط المصحف؟ وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محيصن وغيرهما من ~~القراءات الشاذة أم لا؟ وإذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه " مسألة كبيرة " قد تكلم فيها أصناف العلماء ~~من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم حتى ~~صنف فيها التصنيف المفرد ومن آخر ما أفرد في ذلك ما صنفه الشيخ أبو محمد ~~عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي المعروف بأبي شامة صاحب " شرح ~~الشاطبية ". # PageV13P389 # فأما ذكر أقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطا فيحتاج من ذكر ~~الأحاديث الواردة في ذلك وذكر ألفاظها وسائر الأدلة إلى ما لا يتسع له هذا ~~المكان ولا يليق بمثل هذا الجواب؛ ولكن نذكر النكت الجامعة التي تنبه على ~~المقصود بالجواب. فنقول: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن " الأحرف السبعة ~~" التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل عليها ليست هي " ~~قراءات القراء السبعة المشهورة " بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو ~~بكر بن مجاهد وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد فإنه أحب أن يجمع المشهور ~~من قراءات الحرمين والعراقين والشام؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج ~~منها علم النبوة من القرآن وتفسيره والحديث والفقه من الأعمال الباطنة ~~والظاهرة وسائر العلوم الدينية فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من ~~أئمة قراء هذه الأمصار؛ ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها ~~القرآن لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي ~~الحروف السبعة أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير ~~قراءتهم. ولهذا قال من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى ~~حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في ~~زمانه في رأس المائتين. # PageV13P390 # ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها ms4364 لا تتضمن ~~تناقض المعنى وتضاده؛ بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبد الله ~~بن مسعود: إنما هو كقول أحدكم أقبل وهلم وتعال. وقد يكون معنى أحدهما ليس ~~هو معنى الآخر؛ لكن كلا المعنيين حق وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف ~~تضاد وتناقض وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذا حديث: {أنزل القرآن على سبعة أحرف إن قلت: غفورا رحيما أو قلت: ~~عزيزا حكيما فالله كذلك ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية ~~رحمة} ". وهذا كما في القراءات المشهورة (ربنا باعد) (وباعد) ، {إلا أن ~~يخافا ألا يقيما} . و (إلا أن يخافا ألا يقيما) (وإن كان مكرهم لتزول) . ~~(وليزول منه الجبال) و (بل عجبت) . (وبل عجبت) ونحو ذلك. ومن القراءات ما ~~يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه كقوله: (يخدعون ويخادعون ~~(ويكذبون ويكذبون (ولمستم ولامستم) و (حتى يطهرن) (ويطهرن) ونحو ذلك فهذه ~~القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق وكل قراءة منها مع القراءة ~~الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من ~~المعنى علما وعملا لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك # PageV13P391 # تعارض بل كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من كفر بحرف منه فقد ~~كفر به كله. وأما ما اتحد لفظه ومعناه وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات ~~والمدات والإمالات ونقل الحركات والإظهار والإدغام والاختلاس وترقيق ~~اللامات والراءات: أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القراءات الأصول فهذا أظهر ~~وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ إذ هذه ~~الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا ولا يعد ذلك ~~فيما اختلف لفظه واتحد معناه أو اختلف معناه من المترادف ونحوه ولهذا كان ~~دخول هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها من أولى ما ~~يتنوع فيه اللفظ أو المعنى وإن وافق ms4365 رسم المصحف وهو ما يختلف فيه النقط أو ~~الشكل. ولذلك لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعين من السلف والأئمة في أنه ~~لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين؛ بل من ثبت ~~عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي ونحوهما كما ~~ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ # PageV13P392 # بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف؛ ~~بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة وأحمد بن ~~حنبل وبشر بن الحارث وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن ~~نصاح المدنيين وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق وغيرهم على قراء حمزة ~~والكسائي. وللعلماء الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء؛ ~~ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الأحد عشر ~~كثبوت هذه السبعة يجمعون ذلك في الكتب ويقرءونه في الصلاة وخارج الصلاة ~~وذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم. وأما الذي ذكره القاضي عياض ~~ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في ~~الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة مشهورة فإنما كان ذلك في ~~القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه. ولم ينكر أحد من العلماء ~~قراءة العشرة ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون في بلد من ~~بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره ولم يتصل به بعض هذه القراءات فليس له أن ~~يقرأ بما لا يعلمه فإن # PageV13P393 # القراءة كما قال زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول كما أن ما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات في الصلاة ومن أنواع صفة ~~الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه ~~وأما من علم نوعا ولم يعلم غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلمه ~~وليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه ms4366 من ذلك ولا أن يخالفه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا} ". # وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود ~~وأبي الدرداء رضي الله عنهما (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر ~~والأنثى) كما قد ثبت ذلك في الصحيحين. ومثل قراءة عبد الله (فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات) وكقراءته: (إن كانت إلا زقية واحدة) ونحو ذلك. فهذه إذا ~~ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة؟ على قولين للعلماء ~~هما روايتان مشهورتان عن الإمام أحمد وروايتان عن مالك. " إحداهما " يجوز ~~ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة. " والثانية ~~" لا يجوز ذلك وهو قول أكثر العلماء؛ لأن هذه # PageV13P394 # القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن ثبتت فإنها ~~منسوخة بالعرضة الآخرة فإنه قد ثبت في الصحاح {عن عائشة وابن عباس رضي الله ~~عنهم أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في ~~كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين والعرضة الآخرة هي ~~قراءة زيد بن ثابت وغيره} وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في ~~صحف أمر زيد بن ثابت بكتابتها ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف ~~وإرسالها إلى الأمصار وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة علي وغيره. وهذا ~~النزاع لا بد أن يبنى على الأصل الذي سأل عنه السائل وهو أن القراءات ~~السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا؟ فالذي عليه جمهور العلماء من ~~السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة؛ بل يقولون: إن مصحف عثمان هو أحد ~~الحروف السبعة وهو متضمن للعرضة الآخرة التي عرضها النبي صلى الله عليه ~~وسلم على جبريل والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول. ~~وذهب طوائف من الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل ms4367 على ~~الأحرف السبعة وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام # PageV13P395 # كالقاضي أبي بكر الباقلاني وغيره؛ بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن ~~تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة وقد اتفقوا على نقل هذا المصحف الإمام ~~العثماني وترك ما سواه حيث أمر عثمان بنقل القرآن من الصحف التي كان أبو ~~بكر وعمر كتبا القرآن فيها ثم أرسل عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر من ~~أمصار المسلمين بمصحف وأمر بترك ما سوى ذلك. قال هؤلاء: ولا يجوز أن ينهى ~~عن القراءة ببعض الأحرف السبعة. ومن نصر قول الأولين يجيب تارة بما ذكر ~~محمد بن جرير وغيره من أن القراءة على الأحرف السبعة لم يكن واجبا على ~~الأمة وإنما كان جائزا لهم مرخصا لهم فيه وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف ~~اختاروه كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا؛ بل مفوضا إلى ~~اجتهادهم؛ ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب مصحف زيد وكذلك ~~مصحف غيره. # وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه فلم يكن لهم أن يقدموا آية ~~على آية في الرسم كما قدموا سورة على سورة لأن ترتيب الآيات مأمور به نصا ~~وأما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهادهم. قالوا: فكذلك الأحرف السبعة فلما رأى ~~الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد ~~اجتمعوا على ذلك # PageV13P396 # اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ولم يكن في ذلك ترك ~~لواجب ولا فعل لمحظور. ومن هؤلاء من يقول بأن الترخيص في الأحرف السبعة كان ~~في أول الإسلام؛ لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا فلما ~~تذللت ألسنتهم بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أرفق ~~بهم أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة. ويقولون: إنه نسخ ما سوى ~~ذلك. وهؤلاء يوافق قولهم قول من يقول: إن حروف أبي بن كعب وابن مسعود ~~وغيرهما مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة. # وأما من قال عن ابن مسعود: أنه كان يجوز ms4368 القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ~~وإنما قال: قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة وإنما هو كقول أحدكم: ~~أقبل وهلم وتعال فاقرؤوا كما علمتم أو كما قال. ثم من جوز القراءة بما يخرج ~~عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال يجوز ذلك؛ لأنه من الحروف السبعة التي ~~أنزل القرآن عليها ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ: تارة يقول ليس هو من ~~الحروف # PageV13P397 # السبعة وتارة يقول: هو من الحروف المنسوخة وتارة يقول: هو مما انعقد ~~إجماع الصحابة على الإعراض عنه وتارة يقول: لم ينقل إلينا نقلا يثبت بمثله ~~القرآن. وهذا هو الفرق بين المتقدمين والمتأخرين. ولهذا كان في المسألة " ~~قول ثالث " وهو اختيار جدي أبي البركات أنه إن قرأ بهذه القراءات في ~~القراءة الواجبة - وهي الفاتحة عند القدرة عليها - لم تصح صلاته؛ لأنه لم ~~يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك وإن قرأ بها فيما ~~لا يجب لم تبطل صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن ~~يكون ذلك من الحروف السبعة التي أنزل عليها. وهذا القول ينبني على " أصل " ~~وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ ~~فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك إذ ليس ذلك مما أوجب علينا ~~أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا. وذهب فريق من أهل الكلام إلى ~~وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعض هؤلاء - كالقاضي أبي بكر - بخطأ الشافعي ~~وغيره ممن أثبت البسملة آية من القرآن في غير سورة النمل لزعمهم أن ما كان ~~من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه والصواب # PageV13P398 # القطع بخطأ هؤلاء وأن البسملة آية من كتاب الله حيث كتبها الصحابة في ~~المصحف إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن وجردوه عما ليس منه كالتخميس والتعشير ~~وأسماء السور؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها كما أنها ليست ~~من السورة التي قبلها؛ بل هي كما كتبت آية أنزلها الله في أول ms4369 كل سورة وإن ~~لم تكن من السورة وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة. وسواء قيل ~~بالقطع في النفي أو الإثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا ~~تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت؛ بل قد يقال ما قاله طائفة من ~~العلماء: إن كل واحد من القولين حق وإنها آية من القرآن في بعض القراءات ~~وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين وليست آية في بعض القراءات؛ وهي ~~قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين. # وأما قول السائل: ما ### | السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء # فيما احتمله خط المصحف؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ ~~الشارع لهم القراءة بذلك كله إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل ~~القراءة سنة متبعة وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف ~~الإمامي وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منهما خارجا عن ~~المصحف. ومما # PageV13P399 # يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما ~~اتفقوا في قوله تعالى {وما الله بغافل عما يعملون} في موضع وتنوعوا في ~~موضعين وقد بينا أن القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن ~~إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم. والاعتماد في نقل ~~القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {إن ربي قال لي أن قم في قريش فأنذرهم. فقلت: أي ~~رب إذا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا - فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك ~~كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل ~~بمن أطاعك من عصاك وأنفق أنفق عليك} " فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى ~~صحيفة تغسل بالماء؛ بل يقرؤه في كل حال كما جاء في نعت أمته: " أناجيلهم في ~~صدورهم " بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله ~~إلا نظرا لا عن ظهر قلب. وقد ثبت ms4370 في الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة كالأربعة الذين من الأنصار ~~وكعبد الله بن عمرو فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى # PageV13P400 # نافع وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها وذلك باتفاق ~~علماء السلف والخلف. وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من ~~الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين؛ بل ~~القراءات الثابتة عن أئمة القراء - كالأعمش ويعقوب وخلف وأبي جعفر يزيد بن ~~القعقاع وشيبة بن نصاح ونحوهم - هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء ~~السبعة عند من ثبت ذلك عنده كما ثبت ذلك. وهذا أيضا مما لم يتنازع فيه ~~الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء وغيرهم وإنما تنازع الناس من ~~الخلف في المصحف العثماني الإمام الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان والأمة بعدهم هل هو بما فيه من القراءات ~~السبعة وتمام العشرة وغير ذلك هل هو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن ~~عليها؟ أو هو مجموع الأحرف السبعة على قولين مشهورين. والأول قول أئمة ~~السلف والعلماء والثاني قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم وهم متفقون ~~على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد فيه المعنى ويتناقض؛ ~~بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الآيات بعضها بعضا. # PageV13P401 # وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك ~~لهم؛ إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأي والابتداع. أما إذا قيل: ~~إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر وكذلك بطريق الأولى إذا قيل: إن ذلك حرف من ~~الأحرف السبعة فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرءوه على سبعة أحرف كلها شاف ~~كاف مع تنوع الأحرف في الرسم؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه ~~في اللفظ أولى وأحرى وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ~~ولا منقوطة؛ لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء والفتح والضم ~~وهم يضبطون باللفظ ms4371 كلا الأمرين ويكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين ~~المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين ~~المنقولين المعقولين المفهومين؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلقوا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا كما قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي - وهو الذي روى عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {خيركم من تعلم القرآن وعلمه} " كما رواه ~~البخاري في صحيحه وكان يقرئ القرآن أربعين سنة. قال - حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى # PageV13P402 # يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ~~جميعا. ولهذا دخل في معنى قوله: " {خيركم من تعلم القرآن وعلمه} " تعليم ~~حروفه ومعانيه جميعا؛ بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه وذلك ~~هو الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما: ~~تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم ~~تتعلمون الإيمان. وفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا " {أن الأمانة نزلت ~~في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن} " وذكر الحديث بطوله ولا تتسع هذه الورقة ~~لذكر ذلك. وإنما المقصود التنبيه على أن ذلك كله مما بلغه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الناس. وبلغنا أصحابه عنه الإيمان والقرآن حروفه ~~ومعانيه وذلك مما أوحاه الله إليه كما قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا} وتجوز القراءة في الصلاة وخارجها بالقراءات الثابتة ~~الموافقة لرسم المصحف كما ثبتت هذه القراءات وليست شاذة حينئذ. والله أعلم. # PageV13P403 # وسئل أيضا: # عن " جمع القراءات السبع " هل هو سنة أم بدعة؟ وهل جمعت على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه ms4372 وسلم أم لا؟ وهل لجامعها مزية ثواب على من قرأ برواية ~~أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة متبعة يأخذها الآخر عن ~~الأول فمعرفة القراءة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها أو يقرهم ~~على القراءة بها أو يأذن لهم وقد أقروا بها سنة. والعارف في القراءات ~~الحافظ لها له مزية على من لم يعرف ذلك ولا يعرف إلا قراءة واحدة. وأما ~~جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة وأما جمعها لأجل الحفظ ~~والدرس فهو من الاجتهاد الذي فعله طوائف في القراءة. وأما الصحابة. . . (1) ~~. PageV13P404 # وقال شيخ الإسلام: ### | فصل: # في " تحزيب القرآن " وفي " كم يقرأ " وفي " مقدار الصيام والقيام المشروع ~~". # عن {عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب فكان ~~يتعاهد ابنته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش ~~لنا كنفا مذ أتيناه فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: القن به فلقيته بعد فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم. قال: متى - أو كيف ~~- تختم؟ قلت: كل ليلة. قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام واقرأ القرآن في كل ~~شهر. قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم ثلاثة أيام من كل جمعة. قلت: إني ~~أطيق أكثر من ذلك. قال: أفطر يومين وصم يوما قال: قلت إني أطيق أكثر من ~~ذلك. قال: صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم واقرأ القرآن في كل ~~سبع ليال مرة. قال: فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أني كبرت وضعفت} " فكان يقرأ على # PageV13P405 # بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف ~~عليه بالليل؛ فإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن كراهية أن ~~يترك شيئا فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: في ثلاث وفي ~~خمس وأكثرهم على سبع. وفي لفظ: " {اقرأ القرآن في شهر قلت: إني أجد ms4373 قوة. ~~قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك} " رواه بكماله البخاري وهذا لفظه. ~~وروى مسلم الحديث بنحوه واللفظ الآخر مثله. وفي رواية {ألم أخبر أنك تصوم ~~الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة فقلت: نعم يا نبي الله. وفيه قال: اقرأ القرآن ~~في كل شهر قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل عشر ~~قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ~~ذلك. قال: فشددت فشدد علي وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم إنك لا تدري ~~لعلك يطول بك عمرك قال: فصرت إلى الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم} " وعن ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {اقرأ القرآن في كل ~~ثلاث} " رواه أحمد وأبو داود. قلت هذه الرواية نبه عليها البخاري. وقال ~~بعضهم: في ثلاث وهو معنى ما روي عن {سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا ~~رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: نعم وكان يقرؤه حتى توفي} # PageV13P406 # رواه أحمد من طريق ابن لهيعة. وذكر أن بعضهم قال: في خمس وأكثرهم على سبع ~~فالصحيح عندهم في حديث عبد الله بن عمرو أنه انتهى به النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى سبع كما أنه أمره ابتداء بقراءته في الشهر فجعل الحد ما بين الشهر ~~إلى الأسبوع وقد روي أنه أمره ابتداء أن يقرأه في أربعين وهذا في طرف السعة ~~يناظر التثليث في طرف الاجتهاد. وأما رواية من روى: " {من قرأ القرآن في ~~أقل من ثلاث لم يفقه} " فلا تنافي رواية التسبيع فإن هذا ليس أمرا لعبد ~~الله بن عمرو ولا فيه أنه جعل قراءته في ثلاث دائما سنة مشروعة وإنما فيه ~~الإخبار بأن من قرأه في أقل من ثلاث لم يفقه ومفهومه مفهوم العدد وهو مفهوم ~~صحيح أن من قرأه في ثلاث فصاعدا فحكمه نقيض ذلك والتناقض يكون بالمخالفة ~~ولو من بعض الوجوه. فإذا كان من يقرؤه في ثلاث ms4374 أحيانا قد يفقهه حصل مقصود ~~الحديث ولا يلزم إذا شرع فعل ذلك أحيانا لبعض الناس أن يكون المداومة على ~~ذلك مستحبة؛ ولهذا لم يعلم في الصحابة على عهده من داوم على ذلك أعني على ~~قراءته دائما فيما دون السبع ولهذا كان الإمام أحمد - رحمه الله - يقرؤه في ~~كل سبع. # PageV13P407 # والمقصود بهذا الفصل أنه إذا كان التحزيب المستحب ما بين أسبوع إلى شهر - ~~وإن كان قد روي ما بين ثلاث إلى أربعين - فالصحابة إنما كانوا يحزبونه سورا ~~تامة لا يحزبون السورة الواحدة كما روى {أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن ~~شعبة ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له قال: وكان كل ~~ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول ~~القيام وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش. ثم يقول: لا سواء كنا ~~مستضعفين مستذلين بمكة فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا ~~وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان ~~يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة قال: إنه طرأ علي حزبي من القرآن ~~فكرهت أن أجيء حتى أتمه.} {قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة ~~وحزب المفصل واحد} . رواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد وابن ماجه وفي رواية ~~للإمام أحمد قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة ~~وثلاث عشرة وحزب المفصل من (ق) حتى يختم. ورواه الطبراني # PageV13P408 # في معجمه فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحزب القرآن؟ فقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحزبه ثلاثا وخمسا فذكره. وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبد الله بن عمرو في ~~أن المسنون كان عندهم قراءته في سبع؛ ms4375 ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم يجعلوه ~~ثلاثة ولا خمسة وفيه أنهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر؛ فإنه قد علم ~~أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين. هذه التي ~~تكون رءوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك كان في ~~زمن الحجاج وما بعده وروي أن الحجاج أمر بذلك. ومن العراق فشا ذلك ولم يكن ~~أهل المدينة يعرفون ذلك. وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج ~~بالعراق فمعلوم أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ~~كان لهم تحزيب آخر؛ فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية ~~ستون آية. وتارة بالسور لكن تسبيعه بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين ~~التحزيب بالسور. فإن قيل: فترتيب سور القرآن ليس هو أمرا واجبا منصوصا # PageV13P409 # عليه وإنما هو موكول إلى الناس؛ ولهذا اختلف ترتيب مصاحف الصحابة رضي ~~الله عنهم ولهذا في كراهة تنكيس السور روايتان عن الإمام أحمد " إحداهما " ~~يكره لأنه خلاف المصحف العثماني المتفق عليه. و " الثانية " لا يكره كما ~~يلقنه الصبيان؛ إذ قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بالبقرة ثم ~~النساء ثم آل عمران. قيل: لا ريب أن قراءة سورة بعد سورة لا بد أن يكون ~~مرتبا، أكثر ما في الباب أن الترتيب يكون أنواعا كما أنزل القرآن على أحرف ~~وعلى هذا فهذا التحزيب يكون تابعا لهذا الترتيب. ويجوز أيضا أن يكون هذا ~~التحزيب مع كل ترتيب فإنه ليس في الحديث تعيين السور. وهذا الذي كان عليه ~~الصحابة هو الأحسن؛ لوجوه: " أحدها " أن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائما ~~الوقوف على بعض الكلام المتصل بما بعده حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون ~~المعطوف عليه فيحصل القارئ في اليوم الثاني مبتدئا بمعطوف كقوله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وقوله: {ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله} وأمثال ذلك. ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض - حتى كلام ~~المتخاطبين - حتى يحصل الابتداء # PageV13P410 # في اليوم الثاني بكلام المجيب ms4376 كقوله تعالى: {قال ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا} . ومثل هذه الوقوف لا يسوغ في المجلس الواحد إذا طال ~~الفصل بينهما بأجنبي؛ ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء أو شرط ونحو ~~ذلك بعد طول الفصل بأجنبي لم يسغ باتفاق العلماء ولو تأخر القبول عن ~~الإيجاب بمثل ذلك بين المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع ومن حكى عن أحمد خلاف ~~ذلك فقد أخطأ كما أخطأ من نقل عن ابن عباس في الأول خلاف ذلك وذلك أن ~~المنقول عن أحمد أنه فيما إذا كان المتعاقدان غائبين أو أحدهما غائبا ~~والآخر حاضرا فينقل الإيجاب أحدهما إلى الآخر فيقبل في مجلس البلاغ وهذا ~~جائز بخلاف ما إذا كانا حاضرين والذي في القرآن نقل كلام حاضرين متجاورين ~~فكيف يسوغ أن يفرق هذا التفريق لغير حاجة؟ بخلاف ما إذا فرق في التلقين ~~لعدم حفظ المتلقن ونحو ذلك. " الثاني " أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت ~~عادته الغالبة وعادة أصحابه أن يقرأ في الصلاة بسورة ك (ق ونحوها وكما كان ~~عمر رضي الله عنه يقرأ " بيونس " و " يوسف " و " النحل " {ولما قرأ صلى ~~الله عليه وسلم بسورة المؤمنين في الفجر أدركته سعلة فركع في أثنائها. ~~وقال: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأخفف لما ~~أعلم من وجد أمه به} ". # PageV13P411 # وأما " القراءة بأواخر السور وأوساطها " فلم يكن غالبا عليهم؛ ولهذا ~~يتورع في كراهة ذلك وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد وغيره ومن أعدل ~~الأقوال قول من قال يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانا؛ لئلا يخرج عما مضت به ~~السنة. وعادة السلف من الصحابة والتابعين. وإذا كان كذلك فمعلوم أن هذا ~~التحزيب والتجزئة فيه مخالفة السنة أعظم مما في قراءة آخر السورة ووسطها في ~~الصلاة وبكل حال فلا ريب أن التجزئة والتحزيب الموافق لما كان هو الغالب ~~على تلاوتهم أحسن. و " المقصود " أن التحزيب بالسورة التامة أولى من ~~التحزيب بالتجزئة. " الثالث " أن التجزئة المحدثة لا سبيل فيها إلى التسوية ~~بين حروف ms4377 الأجزاء؛ وذلك لأن الحروف في النطق تخالف الحروف في الخط في ~~الزيادة والنقصان يزيد كل منهما على الآخر من وجه دون وجه وتختلف الحروف من ~~وجه وبيان ذلك بأمور: " أحدها " أن ألفات الوصل ثابتة في الخط وهي في اللفظ ~~تثبت في القطع وتحذف في الوصل فالعاد إن حسبها انتقض عليه حال القارئ إذا ~~وصل وهو الغالب فيها وإن أسقطها انتقض عليه بحال القارئ القاطع وبالخط. # PageV13P412 # " الثاني " أن الحرف المشدد حرفان في اللفظ أولهما ساكن وهذا معروف بالحس ~~واتفاق الناس وهما متماثلان في اللفظ وأما في الخط فقد يكونان حرفا واحدا ~~مثل ( {إياك} و ( {إياك} وقد يكونان حرفين مختلفين مثل: {الرحمن الرحيم} ~~{اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم} و {حينئذ} - و {قد سمع} ~~- فالعاد إن حسب اللفظ فالإدغام إنما يكون في حال الوصل دون حال القطع ~~ويلزمه أن يجعل الأول من جنس الثاني وهذا مخالف لهذا الحرف المعاد بها. وإن ~~حسب الخط كان الأمر أعظم اضطرابا فإنه يلزمه أن يجعل ذلك تارة حرفا وتارة ~~حرفين مختلفين وهذا وإن كان هو الذي يتهجى فالنطق بخلافه. " الثالث " أن ~~تقطيع حروف النطق من جنس تقطيع العروضيين وأما حروف الخط فيخالف هذا من ~~وجوه كثيرة والناس في العادة إنما يتهجون الحروف مكتوبة لا منطوقة وبينهما ~~فرق عظيم. " الرابع " أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل وغير ترتيل ومقادير ~~المدات والأصوات من القراء غير منضبطة وقد يكون في أحد الحزبين من حروف ~~المد أكثر مما في الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية في النطق ومراعاة مجرد ~~الخط لا فائدة فيه؛ فإن ذلك لا يوجب تسوية زمان القراءة. # PageV13P413 # وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد كان ذلك من جنس تجزئته ~~بالسور هو أيضا تقريب فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض في الحروف وفي ~~ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض والافتتاح بما فتح ~~الله به السورة والاختتام بما ختم به وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ~~ذلك التحزيب. وفيه أيضا ms4378 من زوال المفاسد الذي في ذلك التحزيب ما تقدم ~~التنبيه على بعضها فصار راجحا بهذا الاعتبار. ومن المعلوم أن ### | طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح # فتستحب إطالة القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه ~~الشرعية من غير أن يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع الأيام ~~فعلم أن التسوية في مقادير العبادات البدنية في الظاهر لا اعتبار به إذا ~~قارنه مصلحة معتبرة ولا يلزم من التساوي في القدر التساوي في الفضل؛ بل قد ~~ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن {قل هو الله أحد} ~~تعدل ثلث القرآن وثبت في الصحيح أن فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في القرآن مثلها وثبت في الصحيح أن آية الكرسي أعظم آية في ~~القرآن؛ وأمثال ذلك. فإذا قرأ القارئ في اليوم الأول البقرة وآل عمران ~~والنساء # PageV13P414 # بكمالها وفي اليوم الثاني إلى آخر براءة وفي اليوم الثالث إلى آخر النمل: ~~كان ذلك أفضل من أن يقرأ في اليوم الأول إلى قوله: {بليغا} وفي اليوم ~~الثاني إلى قوله: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} فعلى هذا إذا قرأه كل شهر كما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو أولا عملا على قياس ~~تحزيب الصحابة؛ فالسورة التي تكون نحو جزء أو أكثر بنحو نصف أو أقل بيسير ~~يجعلها حزبا كآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. وأما البقرة ~~فقد يقال: يجعلها حزبا وإن كانت بقدر حزبين وثلث؛ لكن الأشبه أنه يقسمها ~~حزبين للحاجة؛ لأن التحزيب لا بد أن يكون متقاربا؛ بحيث يكون الحزب مثل ~~الأجزاء ومثله مرة ودون النصف وأما إذا كان مرتين وشيئا فهذا تضعيف وزيادة. ~~وعلى هذا فإلى الأعراف سبعة أجزاء والأنفال جزء وبراءة جزء فإن هذا أولى من ~~جعلها جزءا؛ لأن ذلك يفضي إلى أن يكون نحو الثلث في ثمانية والذي رجحناه ~~يقتضي أن يكون نحو الثلث في تسعة وهذا أقرب إلى العدل. وتحزيب الصحابة أوجب ~~أن يكون ms4379 الحزب الأول أكثر ويكون إلى آخر العنكبوت العشر الثاني سورتين ~~سورتين. وأما يونس وهود فجزءان أيضا أو جزء واحد لأنهما أول # PageV13P415 # ذوات {الر} ويكون على هذا الثلث الأول سورة سورة والثاني سورتين سورتين؛ ~~لكن الأول أقرب إلى أن يكون قريب الثلث الأول في العشر الأول فإن الزيادة ~~على الثلث بسورة أقرب من الزيادة بسورتين وأيضا فيكون عشرة أحزاب سورة سورة ~~وهذا أشبه بفعل الصحابة ويوسف والرعد جزء وكذلك إبراهيم والحجر وكذلك النحل ~~وسبحان وكذلك الكهف ومريم وكذلك طه والأنبياء وكذلك الحج والمؤمنون وكذلك ~~النور والفرقان وكذلك ذات {طس} الشعراء والنمل والقصص وذات {الم} العنكبوت ~~والروم ولقمان والسجدة جزء والأحزاب وسبأ وفاطر جزء ويس والصافات وص جزء ~~والزمر وغافر وحم السجدة جزء والخمس البواقي من آل حم جزء. والثلث الأول ~~أشبه بتشابه أوائل السور والثاني أشبه بمقدار جزء من تجزئة الحروف وهو ~~المرجح. ثم " القتال " و " الفتح " و " الحجرات " و " ق " و " الذاريات " ~~جزء ثم الأربعة الأجزاء المعروفة وهذا تحزيب مناسب مشابه لتحزيب الصحابة ~~رضي الله عنهم وهو مقارب لتحزيب الحروف وإحدى عشرة سورة حزب حزب؛ إذ البقرة ~~كسورتين؛ فيكون إحدى عشرة سورة وهي نصيب إحدى عشرة ليلة. والله أعلم. # PageV13P416 # وسئل - رحمه الله -: # عن جماعة اجتمعوا في ختمة وهم يقرءون لعاصم وأبي عمرو فإذا وصلوا إلى ~~سورة الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ففعلهم ذلك هو الأفضل أم ~~لا؟ وهل الحديث الذي ورد في التهليل والتكبير صحيح بالتواتر أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا قرءوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو الأفضل؛ ~~بل المشروع المسنون فإن هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا في ~~أوائل السور ولا في أواخرها. فإن جاز لقائل أن يقول: إن ابن كثير نقل ~~التكبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز لغيره أن يقول: إن هؤلاء ~~نقلوا تركه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ من الممتنع أن تكون قراءة ~~الجمهور التي نقلها أكثر من قراءة ابن كثير ms4380 قد أضاعوا فيها ما أمرهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما ~~تتوفر الهمم والدواعي إلى نقله فمن جوز على جماهير القراء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقرأهم بتكبير زائد فعصوا لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، # PageV13P417 # وتركوا ما أمرهم به استحق العقوبة البليغة التي تردعه وأمثاله عن مثل ~~ذلك. وأبلغ من ذلك البسملة؛ فإن من القراء من يفصل بها ومنهم من لا يفصل ~~بها وهي مكتوبة في المصاحف ثم الذين يقرءون بحرف من لا يبسمل لا يبسملون ~~ولهذا لا ينكر عليهم ترك البسملة إخوانهم من القراء الذين يبسملون فكيف ~~ينكر ترك التكبير على من يقرأ قراءة الجمهور؟ وليس التكبير مكتوبا في ~~المصاحف وليس هو في القرآن باتفاق المسلمين. ومن ظن أن التكبير من القرآن ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. بخلاف البسملة؛ فإنها من القرآن حيث كتبت في ~~مذهب الشافعي وهو مذهب أحمد المنصوص عنه في غير موضع وهو مذهب أبي حنيفة ~~عند المحققين من أصحابه وغيرهم من الأئمة؛ لكن مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~وغيرهما أنها من القرآن حيث كتبت البسملة وليست من السورة. ومذهب مالك ليست ~~من القرآن إلا في سورة النمل وهو قول في مذهب أبي حنيفة وأحمد. ومع هذا ~~فالنزاع فيها من مسائل الاجتهاد فمن قال: هي من القرآن حيث كتبت أو قال: ~~ليست هي من القرآن إلا في سورة # PageV13P418 # النمل كان قوله من الأقوال التي ساغ فيها الاجتهاد. وأما التكبير: فمن ~~قال: إنه من القرآن فإنه ضال باتفاق الأئمة والواجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل فكيف مع هذا ينكر على من تركه ومن جعل تارك التكبير مبتدعا أو مخالفا ~~للسنة أو عاصيا فإنه إلى الكفر أقرب منه إلى الإسلام والواجب عقوبته؛ بل إن ~~أصر على ذلك بعد وضوح الحجة وجب قتله. ولو قدر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بالتكبير لبعض من أقرأه كان غاية ذلك يدل على جوازه أو استحبابه فإنه ms4381 ~~لو كان واجبا لما أهمله جمهور القراء ولم يتفق أئمة المسلمين على عدم وجوبه ~~ولم ينقل أحد من أئمة الدين أن التكبير واجب وإنما غاية من يقرأ بحرف ابن ~~كثير أن يقول: إنه مستحب وهذا خلاف البسملة فإن قراءتها واجبة عند من ~~يجعلها من القرآن ومع هذا فالقراء يسوغون ترك قراءتها لمن لم ير الفصل بها ~~فكيف لا يسوغ ترك التكبير لمن ليس داخلا في قراءته. وأما ما يدعيه بعض ~~القراء من التواتر في جزئيات الأمور فليس هذا موضع تفصيله. # PageV13P419 # وسئل: # عمن يقول عن الإمام مالك أنه قال: من كتب مصحفا على غير رسم المصحف ~~العثماني فقد أثم أو قال: كفر. فهل هذا صحيح؟ وأكثر المصاحف اليوم على غير ~~المصحف العثماني فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف العثماني بشرط ألا ~~يبدل لفظا ولا يغير معنى أم لا؟ # فأجاب: # أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك فهو كذب على مالك سواء أريد ~~به رسم الخط أو رسم اللفظ فإن مالكا كان يقول عن أهل الشورى إن لكل منهم ~~مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام وهم ~~علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف مع عثمان. وأيضا ~~فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التي تخرج عن مصحف عثماني ففيه روايتان عن مالك ~~وأحمد وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم فكيف يكفر فاعل ذلك. # PageV13P420 # وأما اتباع رسم الخط بحيث يكتبه بالكوفي فلا يجب عند أحد من المسلمين ~~وكذلك اتباعه فيما كتبه بالواو والألف هو حسن لفظ رسم خط الصحابة. وأما ~~تكفير من كتب ألفاظ المصحف بالخط الذي اعتاده فلا أعلم أحدا قال بتكفير من ~~فعل ذلك؛ لكن متابعة خطهم أحسن هكذا نقل عن مالك وغيره والله أعلم. # PageV13P421 # وسئل: # عن قوم يقرؤون القرآن ويلحنون فيه؛ فأنكر عليهم منكر. فقال قائل منهم: كل ~~لحنة بعشر حسنات؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا قدروا على تصحيح صححوا وإن عجزوا عن ذلك ms4382 فلا بأس بذلك حسب ~~استطاعتهم. # PageV13P422 # و ### | سئل عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان ورجاء الثواب فهل يؤجر على قراءته للدراسة ومخافة النسيان أم لا؟ # وقد ذكر رجل ممن ينسب إلى العلم أن القارئ إذا قرأ للدراسة مخافة النسيان ~~أنه لا يؤجر فهل قوله صحيح أم لا؟ # فأجاب: # بل إذا قرأ القرآن لله تعالى فإنه يثاب على ذلك بكل حال ولو قصد بقراءته ~~أنه يقرؤه لئلا ينساه فإن نسيان القرآن من الذنوب فإذا قصد بالقرآن أداء ~~الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن واجتناب ما نهي عنه من إهماله حتى ينساه ~~فقد قصد طاعة الله فكيف لا يثاب. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من ~~عقلها} " وقال صلى الله عليه وسلم " {عرضت علي سيئات أمتي فرأيت من مساوئ ~~أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام عنها حتى ينساها} " وفي # PageV13P423 # صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ما اجتمع قوم في بيت ~~من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم ~~السكينة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع ~~به نسبه} ". والله أعلم. PageV13P424 # الجزء الرابع عشر # كتاب التفسير # الجزء الأول # من سورة الفاتحة إلى سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # فصل: # أسماء القرآن # القرآن الفرقان الكتاب الهدى النور الشفاء البيان الموعظة الرحمة بصائر ~~البلاغ الكريم المجيد العزيز المبارك التنزيل المنزل الصراط المستقيم حبل ~~الله الذكر الذكرى تذكرة {وإنه لتذكرة للمتقين} {إنه تذكرة} {فمن شاء ذكره} ~~{مصدقا لما بين يديه} و {تصديق الذي بين يديه} المهيمن عليه {وتفصيل كل ~~شيء} {تبيانا لكل شيء} المتشابه المثاني الحكيم {تلك آيات الكتاب # PageV14P001 # الحكيم} محكم المفصل {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} البرهان {قد ~~جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} على ms4383 أحد القولين الحق {قد ~~جاءكم الحق من ربكم} عربي مبين أحسن الحديث أحسن القصص على قول كلام الله ~~{فأجره حتى يسمع كلام الله} العلم {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} ~~العلي الحكيم {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} القيم {يتلو صحفا مطهرة} ~~{فيها كتب قيمة} {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} {قيما} وحي في ~~قوله: {إن هو إلا وحي يوحى} حكمة في قوله: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر} {حكمة بالغة} وحكما في قوله: {أنزلناه حكما عربيا} ونبأ على قول في ~~قوله: {عن النبإ العظيم} ونذير على قول {هذا نذير من النذر الأولى} في حديث ~~أبي موسى شافعا مشفعا وشاهدا مصدقا وسماه النبي صلى الله عليه وسلم " حجة ~~لك أو عليك " وفي حديث الحارث عن علي {عصمة لمن استمسك به} . وأما وصفه ~~بأنه يقص وينطق ويحكم ويفتي ويبشر ويهدي فقال: {إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل} {هذا كتابنا ينطق عليكم} {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب} أي يفتيكم أيضا {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون} . # PageV14P002 # فصل: # في الآيات الدالة على اتباع القرآن. {قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} فإنه ~~في التفسير المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الله} . . . (1) . ~~PageV14P003 # وسئل - رحمه الله -: # عن أحاديث هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح؟ إلخ ~~فقال. # فصل: # وأما حديث فاتحة الكتاب فقد ثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال ~~الله: حمدني عبدي وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي وإذا ~~قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ms4384 ولا الضالين} ~~قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . # PageV14P004 # وثبت في صحيح مسلم عن {ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح ~~اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض ولم ~~ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: ~~فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته} وفي بعض ~~الأحاديث: {إن فاتحة الكتاب أعطيها من كنز تحت العرش.} # فصل: # قال الله تعالى: في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} وهذه السورة هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع ~~المثاني والقرآن العظيم وهي الشافية وهي الواجبة في الصلوات لا صلاة إلا ~~بها وهي الكافية تكفي من غيرها ولا يكفي غيرها عنها. والصلاة أفضل الأعمال ~~وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح؛ أفضل كلمها الطيب وأوجبه القرآن وأفضل ~~عملها الصالح وأوجبه السجود كما جمع بين الأمرين في أول سورة أنزلها على ~~رسوله حيث افتتحها # PageV14P005 # بقوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وختمها بقوله: {واسجد واقترب} ~~فوضعت الصلاة على ذلك أولها القراءة وآخرها السجود. ولهذا قال سبحانه في ~~صلاة الخوف: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} والمراد بالسجود الركعة التي ~~يفعلونها وحدهم بعد مفارقتهم للإمام وما قبل القراءة من تكبير واستفتاح ~~واستعاذة هي تحريم للصلاة ومقدمة لما بعده أول ما يبتدئ به كالتقدمة وما ~~يفعل بعد السجود من قعود وتشهد فيه التحية لله والسلام على عباده الصالحين ~~والدعاء والسلام على الحاضرين فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم.} ولهذا لما تنازع العلماء ### | أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام # أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره: كان الصحيح أنهما سواء ~~القيام فيه أفضل الأذكار والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة ~~رسول الله صلى ms4385 الله عليه وسلم معتدلة يجعل الأركان قريبا من السواء وإذا ~~أطال القيام طولا كثيرا - كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف - أطال ~~معه الركوع والسجود وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود وأم الكتاب كما ~~أنها القراءة الواجبة فهي أفضل سورة في القرآن. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV14P006 # في الحديث الصحيح: {لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا ~~القرآن مثلها وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته} وفضائلها ~~كثيرة جدا. وقد جاء مأثورا عن الحسن البصري رواه ابن ماجه وغيره أن الله ~~أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع علمها في الأربعة وجمع علم الأربعة في ~~القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في أم القرآن وجمع علم ~~أم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين {إياك نعبد وإياك نستعين} وإن علم ~~الكتب المنزلة من السماء اجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين. ولهذا ثبت في ~~الحديث الصحيح حديث: {إن الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {الحمد لله رب ~~العالمين} قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله أثنى ~~علي عبدي وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله عز وجل: مجدني عبدي وفي ~~رواية: فوض إلي عبدي وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: فهذه الآية ~~بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: فهؤلاء لعبدي ~~ولعبدي ما سأل} # PageV14P007 # فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين ~~الكلمتين مقتسم السورة ف {إياك نعبد} مع ما قبله لله {وإياك نستعين} مع ما ~~بعده للعبد وله ما سأل. ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء ونصفها ~~مسألة وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء. وإذا كان الله قد فرض علينا أن ~~نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض ~~علينا أن نعبده ms4386 وأن نستعينه؛ إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء ~~وسؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجابا لمجرد لفظ لا معنى له فإن هذا لا يجوز أن ~~يقع؛ بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة فإن ذلك قد يحصل ~~أصله بمجرد القلب أو القلب والبدن بل أوجب دعاء الله عز وجل ومناجاته ~~وتكليمه ومخاطبته بذلك ليكون الواجب من ذلك كاملا صورة ومعنى بالقلب وبسائر ~~الجسد. وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجابا وغير إيجاب في مواضع ~~كقوله في آخر سورة هود: {فاعبده وتوكل عليه} وقول العبد الصالح شعيب: {وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} وقول إبراهيم والذين معه: {ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} وقوله سبحانه إذ أمر رسوله أن يقول: ~~{كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم # PageV14P008 # يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} . فأمر ~~نبيه بأن يقول: على الرحمن توكلت وإليه متاب كما أمره بهما في قوله: ~~{فاعبده وتوكل عليه} والأمر له أمر لأمته وأمره بذلك في أم القرآن وفي ~~غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة لله وامتثالا لأمره ولا يتقدموا بين يدي ~~الله ورسوله؛ ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم والخالصون ~~من أمته من الأدعية والعبادات وغيرها إنما هو بأمر من الله؛ بخلاف من يفعل ~~ما لم يؤمر به وإن كان حسنا أو عفوا وهذا أحد الأسباب الموجبة لفضله وفضل ~~أمته على من سواهم وفضل الخالصين من أمته على المشوبين الذين شابوا ما جاء ~~به بغيره كالمنحرفين عن الصراط المستقيم. وإلى هذين الأصلين كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقصد في عباداته وأذكاره ومناجاته مثل قوله في الأضحية: ~~{اللهم هذا منك ولك} فإن قوله: " منك " هو معنى التوكل والاستعانة وقوله: " ~~لك " هو معنى العبادة ومثل قوله في قيامه من الليل: {لك أسلمت وبك آمنت ~~وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت أعوذ بعزتك لا ms4387 إله إلا أنت ~~أن تضلني أنت الحي الذي لا تموت والجن والإنس يموتون} إلى أمثال ذلك. # PageV14P009 # إذا تقرر هذا الأصل فالإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي ~~القسمة الممكنة إما أن يأتي بهما وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي ~~بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعا. ولهذا كان الناس في هذه الأقسام ~~الأربعة؛ بل أهل الديانات هم أهل هذه الأقسام وهم المقصودون هنا بالكلام. ~~قسم يغلب عليه قصد التأله لله ومتابعة الأمر والنهي والإخلاص لله تعالى ~~واتباع الشريعة في الخضوع لأوامره وزواجره وكلماته الكونيات؛ لكن يكون ~~منقوصا من جانب الاستعانة والتوكل فيكون إما عاجزا وإما مفرطا وهو مغلوب ~~إما مع عدوه الباطن وإما مع عدوه الظاهر وربما يكثر منه الجزع مما يصيبه ~~والحزن لما يفوته وهذا حال كثير ممن يعرف شريعة الله وأمره ويرى أنه متبع ~~للشريعة وللعبادة الشرعية ولا يعرف قضاءه وقدره وهو حسن القصد طالب للحق ~~لكنه غير عارف بالسبيل الموصلة والطريق المفضية. وقسم يغلب عليه قصد ~~الاستعانة بالله والتوكل عليه وإظهار الفقر والفاقة بين يديه والخضوع ~~لقضائه وقدره وكلماته الكونيات؛ لكن يكون منقوصا من جانب العبادة وإخلاص ~~الدين لله فلا يكون مقصوده # PageV14P010 # أن يكون الدين كله لله وإن كان مقصوده ذلك فلا يكون متبعا لشريعة الله عز ~~وجل ومنهاجه؛ بل قصده نوع سلطان في العالم إما سلطان قدرة وتأثير وإما ~~سلطان كشف وإخبار أو قصده طلب ما يريده ودفع ما يكرهه بأي طريق كان أو ~~مقصوده نوع عبادة وتأله بأي وجه كان همته في الاستعانة والتوكل المعينة له ~~على مقصوده فيكون إما جاهلا وإما ظالما تاركا لبعض ما أمره الله به راكبا ~~لبعض ما نهى الله عنه وهذه حال كثير ممن يتأله ويتصوف ويتفقر ويشهد قدر ~~الله وقضاءه ولا يشهد أمر الله ونهيه ويشهد قيام الأكوان بالله وفقرها إليه ~~وإقامته لها ولا يشهد ما أمر به وما نهى عنه وما الذي يحبه الله منه ويرضاه ~~وما الذي يكرهه منه ويسخطه. ولهذا يكثر في ms4388 هؤلاء من له كشف وتأثير وخرق ~~عادة مع انحلال عن بعض الشريعة ومخالفة لبعض الأمر وإذا أوغل الرجل منهم ~~دخل في الإباحية والانحلال وربما صعد إلى فساد التوحيد فيخرج إلى الاتحاد ~~والحلول المقيد كما قد وقع لكثير من الشيوخ ويوجد في كلام صاحب " منازل ~~السائرين " وغيره ما يفضي إلى ذلك. وقد يدخل بعضهم في " الاتحاد المطلق ~~والقول بوحدة الوجود " فيعتقد أن الله هو الوجود المطلق كما يقول صاحب " ~~الفتوحات المكية " في أولها: # PageV14P011 # الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف # إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف # وقسم ثالث معرضون عن عبادة الله وعن الاستعانة به جميعا. وهم فريقان: أهل ~~دنيا وأهل دين فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله ~~ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى} وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة ~~بما يعتقدونه من الأسباب. واعلم أنه يجب التفريق بين من قد يعرض عن عبادة ~~الله والاستعانة به وبين من يعبد غيره ويستعين بسواه. ### | فصل: # قال الله عز وجل في أول السورة: {الحمد لله رب العالمين} # فبدأ بهذين الاسمين: الله والرب. و " الله " هو الإله المعبود فهذا الاسم ~~أحق بالعبادة؛ ولهذا يقال: الله أكبر. الحمد لله سبحان الله # PageV14P012 # لا إله إلا الله و " الرب " هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي وهذا ~~الاسم أحق باسم الاستعانة والمسألة. ولهذا يقال: {رب اغفر لي ولوالدي} ~~{ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} {رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي} {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} . فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم ~~الرب. فالاسم الأول يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه وما خلق له وما فيه ~~صلاحه وكماله وهو عبادة الله والاسم الثاني يتضمن خلق العبد ومبتداه وهو ~~أنه يربه ويتولاه مع أن الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية ~~والربوبية ms4389 تستلزم الألوهية أيضا. والاسم " الرحمن " يتضمن كمال التعليقين ~~وبوصف الحالين فيه تتم سعادته في دنياه وأخراه. ولهذا قال تعالى: {وهم ~~يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} فذكر هنا ~~الأسماء الثلاثة: (الرحمن و (ربي و (الإله وقال: {عليه توكلت وإليه متاب} ~~كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن؛ لكن بدأ هناك باسم الله؛ ولهذا بدأ ~~في السورة ب (إياك نعبد فقدم الاسم وما يتعلق به من العبادة؛ لأن # PageV14P013 # تلك السورة فاتحة الكتاب وأم القرآن فقدم فيها المقصود الذي هو العلة ~~الغائية فإنها علة فاعلية للعلة الغائية. وقد بسطت هذا المعنى في مواضع؛ في ~~أول " التفسير " وفي " قاعدة المحبة والإرادة " وفي غير ذلك. # فصل: # ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم ~~إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم ~~بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته وكان الدعاء له ~~والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له والإنابة إليه. ولهذا ~~إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له الذي هو المقصود ~~المستلزم للإقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم {ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله} وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال: {وإذا غشيهم ~~موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} فأخبر أنهم مقرون بربوبيته وأنهم ~~مخلصون له الدين إذا مسهم # PageV14P014 # الضر في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم. ~~وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل فهم ~~دعوا إليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب ~~الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته؛ لما يمدهم به في الباطن من ~~الأحوال التي بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله عز وجل في ~~القرآن هذا الصنف كثيرا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون في ~~الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري في نوع من الحقائق الكونية ms4390 القدرية ~~الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية وقد تكلمت على هذا المعنى ~~في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به والله سبحانه أعلم. # فصل: # وذلك أن الإنسان بل وجميع المخلوقات عباد لله تعالى فقراء إليه مماليك له ~~وهو ربهم ومليكهم وإلههم لا إله إلا هو فالمخلوق ليس له من نفسه شيء أصلا؛ ~~بل نفسه وصفاته وأفعاله وما ينتفع به أو يستحقه وغير ذلك إنما هو من خلق ~~الله والله عز وجل رب # PageV14P015 # ذلك كله ومليكه وبارئه وخالقه ومصوره. وإذا قلنا ليس له من نفسه إلا ~~العدم فالعدم ليس هو شيئا يفتقر إلى فاعل موجود؛ بل العدم ليس بشيء وبقاؤه ~~مشروط بعدم فعل الفاعل لا أن عدم الفاعل يوجبه ويقتضيه كما يوجب الفاعل ~~المفعول الموجود؛ بل قد يضاف عدم المعلول إلى عدم العلة وبينهما فرق وذلك ~~أن المفعول الموجود إنما خلقه وأبدعه الفاعل وليس المعدوم أبدعه عدم الفاعل ~~فإنه يفضي إلى التسلسل والدور؛ ولأنه ليس اقتضاء أحد العدمين للآخر بأولى ~~من العكس؛ فإنه ليس أحد العدمين مميزا لحقيقة استوجب بها أن يكون فاعلا وإن ~~كان يعقل أن عدم المقتضي أولى بعدم الأثر من العكس فهذا لأنه لما كان وجود ~~المقتضي هو المفيد لوجود المقتضي صار العقل يضيف عدمه إلى عدمه إضافة ~~لزومية؛ لأن عدم الشيء إما أن يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع. وبعد ~~قيام المقتضي لا يتصور أن يكون العدم إلا لأجل هاتين الصورتين أو الحالتين؛ ~~فلما كان الشيء الذي انعقد سبب وجوده يعوقه ويمنعه المانع المنافي وهو أمر ~~موجود وتارة لا يكون سببه قد انعقد صار عدمه تارة ينسب إلى عدم مقتضيه ~~وتارة إلى وجود مانعه ومنافيه. وهذا معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن؛ إذ # PageV14P016 # مشيئته هي الموجبة وحدها لا غيرها فيلزم من انتفائها انتفاؤه لا يكون شيء ~~حتى تكون مشيئته لا يكون شيء بدونها بحال فليس لنا سبب يقتضي وجود شيء حتى ~~تكون مشيئته مانعة من وجوده بل مشيئته هي ms4391 السبب الكامل فمع وجودها لا مانع ~~ومع عدمها لا مقتضى {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده} {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله} {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} . وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلا؛ بل ما بنا من ~~نعمة فمن الله وإذا مسنا الضر فإليه نجأر والخير كله بيديه كما قال: {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقال: {أولما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} . وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سيد الاستغفار الذي في صحيح البخاري: {اللهم أنت ربي لا ~~إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ~~ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت} وقال في دعاء الاستفتاح الذي في صحيح مسلم: # PageV14P017 # {لبيك وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك تباركت ربنا وتعاليت} . وذلك ~~أن الشر إما أن يكون موجودا أو معدوما فالمعدوم سواء كان عدم ذات أو عدم ~~صفة من صفات كمالها أو فعل من أفعالها مثل عدم الحياة أو العلم أو السمع أو ~~البصر أو الكلام أو العقل أو العمل الصالح على تنوع أصنافه مثل معرفة الله ~~ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه ورجائه وخشيته وامتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه وغير ذلك من الأمور المحمودة الباطنة والظاهرة من الأقوال ~~والأفعال. فإن هذه الأمور كلها خيرات وحسنات وعدمها شر وسيئات؛ لكن هذا ~~العدم ليس بشيء أصلا حتى يكون له بارئ وفاعل فيضاف إلى الله وإنما هو من ~~لوازم النفس التي هي حقيقة الإنسان قبل أن تخلق وبعد أن خلقت؛ فإنها قبل أن ~~تخلق ms4392 عدم مستلزم لهذا العدم وبعد أن خلقت - وقد خلقت ضعيفة ناقصة - فيها ~~النقص والضعف والعجز فإن هذه الأمور عدمية فأضيف إلى النفس من باب إضافة ~~عدم المعلول إلى عدم علته وعدم مقتضيه وقد تكون من باب إضافته إلى وجود ~~منافيه من وجه آخر سنبينه إن شاء الله تعالى. و " نكتة الأمر " أن هذا الشر ~~والسيئات العدمية ليست موجودة حتى يكون الله خالقها فإن الله خالق كل شيء. # PageV14P018 # والمعدومات تنسب تارة إلى عدم فاعلها وتارة إلى وجود مانعها فلا تنسب ~~إليه هذه الشرور العدمية على الوجهين: # أما " الأول " فلأنه الحق المبين فلا يقال عدمت لعدم فاعلها ومقتضيها. ~~وأما " الثاني " - وهو وجود المانع - فلأن المانع إنما يحتاج إليه إذا وجد ~~المقتضي ولو شاء فعلها لما منعه مانع وهو - سبحانه - لا يمنع نفسه ما شاء ~~فعله؛ بل هو فعال لما يشاء؛ ولكن الله قد يخلق هذا سببا ومقتضيا ومانعا فإن ~~جعل السبب تاما لم يمنعه شيء وإن لم يجعله تاما منعه المانع لضعف السبب ~~وعدم إعانة الله له فلا يعدم أمر إلا لأنه لم يشأه كما لا يوجد أمر إلا ~~لأنه يشاؤه وإنما تضاف هذه السيئات العدمية إلى العبد لعدم السبب منه تارة ~~ولوجود المانع منه أخرى. أما عدم السبب فظاهر فإنه ليس منه قوة ولا حول ولا ~~خير ولا سبب خير أصالة ولو كان منه شيء لكان سببا فأضيف إليه لعدم السبب؛ ~~ولأنه قد صدرت منه أفعال كان سببا لها بإعانة الله له فما لم يصدر منه كان ~~لعدم السبب. # PageV14P019 # وأما وجود المانع المضاد له المنافي فلأن نفسه قد تضيق وتضعف وتعجز أن ~~تجمع بين أفعال ممكنة في نفسها متنافية في حقه فإذا اشتغل بسمع شيء أو بصره ~~أو الكلام في شيء أو النظر فيه أو إرادته أو اشتغلت جوارحه بعمل كثير ~~اشتغلت عن عمل آخر وإن كان ذلك خيرا لضيقه وعجزه؛ فصار قيام إحدى الصفات ~~والأفعال به مانعا وصادا عن آخر. والضيق والعجز يعود إلى عدم قدرته فعاد ~~إلى العدم الذي ms4393 هو منه والعدم المحض ليس بشيء حتى يضاف إلى الله تعالى وأما ~~إن كان الشيء موجودا كالألم وسبب الألم فينبغي أن يعرف أن الشر الموجود ليس ~~شرا على الإطلاق ولا شرا محضا وإنما هو شر في حق من تألم به وقد تكون مصائب ~~قوم عند قوم فوائد. ولهذا جاء في الحديث الذي رويناه مسلسلا {آمنت بالقدر ~~خيره وشره وحلوه ومره} وفي الحديث الذي رواه أبو داود: {لو أنفقت ملء الأرض ~~ذهبا لما قبله منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وتعلم أن ما أصابك لم يكن ~~ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك} فالخير والشر هما بحسب العبد المضاف إليه ~~كالحلو والمر سواء وذلك أن من لم يتألم بالشيء ليس في حقه شرا ومن تنعم به ~~فهو في حقه خير كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من قص عليه أخوه ~~رؤيا أن # PageV14P020 # يقول: خيرا تلقاه وشرا توقاه خيرا لنا وشرا لأعدائنا} فإنه إذا أصاب ~~العبد شر سر قلب عدوه؛ فهو خير لهذا وشر لهذا؛ ومن لم يكن له وليا ولا عدوا ~~فليس في حقه خيرا ولا شرا وليس في مخلوقات الله ما يؤلم الخلق كلهم دائما ~~ولا ما يؤلم جمهورهم دائما؛ بل مخلوقاته إما منعمة لهم أو لجمهورهم في أغلب ~~الأوقات كالشمس والعافية فلم يكن في الموجودات التي خلقها الله ما هو شر ~~مطلقا عاما. فعلم أن الشر المخلوق الموجود شر مقيد خاص وفيه وجه آخر هو به ~~خير وحسن وهو أغلب وجهيه كما قال تعالى: {أحسن كل شيء خلقه} وقال تعالى: ~~{صنع الله الذي أتقن كل شيء} وقال تعالى: {ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق} وقال: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا} . وقد علم المسلمون أن الله لم يخلق شيئا ما إلا لحكمة؛ فتلك ~~الحكمة وجه حسنه وخيره ولا يكون في المخلوقات شر محض لا خير فيه ولا فائدة ~~فيه بوجه من الوجوه؛ وبهذا يظهر معنى قوله: {والشر ليس إليك} وكون الشر لم ms4394 ~~يضف إلى الله وحده؛ بل إما بطريق العموم أو يضاف إلى السبب أو يحذف فاعله. # PageV14P021 # فهذا الشر الموجود الخاص المقيد سببه: إما عدم وإما وجود؛ فالعدم مثل عدم ~~شرط أو جزء سبب إذ لا يكون سببه عدما محضا فإن العدم المحض لا يكون سببا ~~تاما لوجود؛ ولكن يكون سبب الخير واللذة قد انعقد ولا يحصل الشرط فيقع ~~الألم؛ وذلك مثل عدم فعل الواجبات الذي هو سبب الذم والعقاب ومثل عدم العلم ~~الذي هو سبب ألم الجهل وعدم السمع والبصر والنطق الذي هو سبب الألم بالعمى ~~والصمم والبكم وعدم الصحة والقوة الذي هو سبب الألم والمرض والضعف. فهذه ~~المواضع ونحوها يكون الشر أيضا مضافا إلى العدم المضاف إلى العبد حتى يتحقق ~~قول الخليل: {وإذا مرضت فهو يشفين} فإن المرض وإن كان ألما موجودا فسببه ~~ضعف القوة وانتفاء الصحة الموجودة وذلك عدم هو من الإنسان المعدوم بنفسه ~~حتى يتحقق قول الحق {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقوله: {قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم} ونحو ذلك فيما كان سببه عدم فعل الواجب وكذلك قول ~~الصحابي: وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. # يبين ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر والفسوق والعصيان إنما يفعلها ~~العبد لجهله أو لحاجته فإنه إذا كان عالما بمضرتها وهو غني عنها امتنع أن ~~يفعلها والجهل أصله عدم والحاجة أصلها العدم. # PageV14P022 # فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم والغنى ولهذا يقول في القرآن: {ما كانوا ~~يستطيعون السمع} {أفلم تكونوا تعقلون} ؟ {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} {فهم ~~على آثارهم يهرعون} إلى نحو هذه المعاني. وأما الموجود الذي هو سبب الشر ~~الموجود الذي هو خاص كالآلام مثل الأفعال المحرمة من الكفر الذي هو تكذيب ~~أو استكبار والفسوق الذي هو فعل المحرمات ونحو ذلك. فإن ذلك سبب الذم ~~والعقاب وكذلك تناول الأغذية الضارة وكذلك الحركات الشديدة المورثة للألم ~~فهذا الوجود لا يكون وجودا تاما محضا؛ إذ الوجود التام المحض لا يورث إلا ~~خيرا كما قلنا إن العدم المحض لا يقتضي وجودا؛ بل يكون ms4395 وجودا ناقصا إما في ~~السبب وإما في المحل كما يكون سبب التكذيب عدم معرفة الحق والإقرار به وسبب ~~عدم هذا العلم والقول عدم أسبابه من النظر التام والاستماع التام لآيات ~~الحق وأعلامه. وسبب عدم النظر والاستماع: إما عدم المقتضي فيكون عدما محضا ~~وإما وجود مانع من الكبر أو الحسد في النفس {والله لا يحب كل مختال فخور} ~~وهو تصور باطل وسببه عدم غنى النفس بالحق فتعتاض عنه بالخيال الباطل. # PageV14P023 # و " الحسد " أيضا سببه عدم النعمة التي يصير بها مثل المحسود أو أفضل ~~منه؛ فإن ذلك يوجب كراهة الحاسد لأن يكافئه المحسود أو يتفضل عليه. وكذلك ~~الفسوق كالقتل والزنا وسائر القبائح إنما سببها حاجة النفس إلى الاشتفاء ~~بالقتل والالتذاذ بالزنا وإلا فمن حصل غرضه بلا قتل أو نال اللذة بلا زنا ~~لا يفعل ذلك والحاجة مصدرها العدم وهذا يبين - إذا تدبره الإنسان - أن الشر ~~الموجود إذا أضيف إلى عدم أو وجود فلا بد أن يكون وجودا ناقصا فتارة يضاف ~~إلى عدم كمال السبب أو فوات الشرط وتارة يضاف إلى وجود ويعبر عنه تارة ~~بالسبب الناقص والمحل الناقص وسبب ذلك إما عدم شرط أو وجود مانع والمانع لا ~~يكون مانعا إلا لضعف المقتضي وكل ما ذكرته واضح بين إلا هذا الموضع ففيه ~~غموض يتبين عند التأمل وله طرفان: " أحدهما " أن الموجود لا يكون سببه عدما ~~محضا. و " الثاني " أن الموجود لا يكون سببا للعدم المحض وهذا معلوم ~~بالبديهة أن الكائنات الموجودة لا تصدر إلا عن حق موجود. # PageV14P024 # ولهذا كان معلوما بالفطرة أنه لا بد لكل مصنوع من صانع كما قال تعالى: ~~{أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم أم ~~هم خلقوا أنفسهم؟ . ومن المتكلمين من استدل على هذا المطلوب بالقياس وضرب ~~المثال. والاستدلال عليه ممكن ودلائله كثيرة. والفطرة عند صحتها أشد إقرارا ~~به وهو لها أبده وهي إليه أشد اضطرارا من المثال الذي يقاس به. وقد اختلف ~~أهل الأصول في العلة الشرعية ### | هل يجوز تعليل ms4396 الحكم الوجودي بالوصف العدمي فيها مع قولهم: إن العدمي يعلل بالعدمي؟ # فمنهم من قال: يعلل به ومنهم من أنكر ذلك ومنهم من فصل بين ما لا يجوز أن ~~يكون علة للوجود في قياس العلة ويجوز أن تكون علته له في قياس الدلالة فلا ~~يضاف إليه في قياس الدلالة وهذا فصل الخطاب وهو أن قياس الدلالة يجوز أن ~~يكون العدم فيه علة وجزءا من علة؛ لأن عدم الوصف قد يكون دليلا على وصف ~~وجودي يقتضي الحكم. وأما " قياس العلة " فلا يكون العدم فيه علة تامة؛ لكن ~~يكون جزءا من العلة التامة وشرطا للعلة المقتضية التي ليست بتامة وقلنا: ~~جزء من العلة التامة. وهو معنى كونه شرطا في اقتضاء العلة الوجودية # PageV14P025 # وهذا نزاع لفظي فإذا حققت المعاني ارتفع. فهذا في بيان أحد الطرفين وهو ~~أن الموجود لا يكون سببه عدما محضا. وأما " الطرف الثاني " وهو أن الموجود ~~لا يكون سببا لوجود يستلزم عدما فلأن العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود ~~بل يكفي فيه عدم السبب الموجود؛ ولأن السبب الموجود إذا أثر فلا بد أن يؤثر ~~شيئا والعدم المحض ليس بشيء فالأثر الذي هو عدم محض بمنزلة عدم الأثر؛ بل ~~إذا أثر الإعدام فالإعدام أمر وجودي فيه عدم فإن جعل الموجود معدوما ~~والمعدوم موجودا أمر معقول أما جعل المعدوم معدوما فلا يعقل إلا بمعنى ~~الإبقاء على العدم والإبقاء على العدم يكفي فيه عدم الفاعل والفرق معلوم ~~بين عدم الفاعل وعدم الموجب في عدم العلة وبين فاعل العدم وموجب العدم وعلة ~~العدم. والعدم لا يفتقر إلى الثاني؛ بل يكفي فيه الأول. فتبين بذلك الطرفان ~~وهو أن العدم المحض الذي ليس فيه شوب وجود لا يكون وجودا ما: لا سببا ولا ~~مسببا ولا فاعلا ولا مفعولا أصلا فالوجود المحض التام الذي ليس فيه شوب عدم ~~لا يكون سببا لعدم أصلا ولا مسببا عنه ولا فاعلا له ولا مفعولا أما كونه ~~ليس مسببا عنه ولا مفعولا له فظاهر وأما كونه ليس سببا له فإن كان ms4397 سببا ~~لعدم محض فالعدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود وإن كان لعدم # PageV14P026 # فيه وجود فذاك الوجود لا بد له من سبب ولو كان سببه تاما وهو قابل لما ~~دخل فيه عدم؛ فإنه إذا كان السبب تاما والمحل قابلا وجب وجود المسبب فحيث ~~كان فيه عدم فلعدم ما في السبب أو في المحل فلا يكون وجودا محضا. فظهر أن ~~السبب حيث تخلف حكمه إن كان لفوات شرط فهو عدم وإن كان لوجود مانع فإنما ~~صار مانعا لضعف السبب وهو أيضا عدم قوته وكماله فظهر أن الوجود ليس سبب ~~العدم المحض وظهر بذلك القسمة الرباعية وهي أن الوجود المحض لا يكون إلا ~~خيرا. يبين ذلك أن كل شر في العالم لا يخرج عن قسمين إما ألم وإما سبب ~~الألم وسبب الألم مثل الأفعال السيئة المقتضية للعذاب والألم الموجود لا ~~يكون إلا لنوع عدم فكما يكون سببه تفرق الاتصال؛ وتفرق الاتصال هو عدم ~~التأليف والاتصال الذي بينهما وهو الشر والفساد. وأما سبب الألم فقد قررت ~~في " قاعدة كبيرة " أن أصل الذنوب هو عدم الواجبات لا فعل المحرمات وأن فعل ~~المحرمات إنما وقع لعدم الواجبات فصار أصل الذنوب عدم الواجبات وأصل الألم # PageV14P027 # عدم الصحة؛ ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم في خطبة الحاجة ~~أن يقولوا: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} فيستعيذ من شر ~~النفس الذي نشأ عنها من ذنوبها وخطاياها ويستعيذ من سيئات الأعمال التي هي ~~عقوباتها وآلامها؛ فإن قوله: {ومن سيئات أعمالنا} قد يراد به السيئات في ~~الأعمال وقد يراد به العقوبات؛ فإن لفظ السيئات في كتاب الله يراد به ما ~~يسوء الإنسان من الشر وقد يراد به الأعمال السيئة قال تعالى: {إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} . ومعلوم أن شر النفس هو الأعمال السيئة ~~فتكون سيئات الأعمال هي الشر والعقوبات الحاصلة بها فيكون مستعيذا من نوعي ~~السيئات: الأعمال السيئة وعقوباتها كما في ms4398 الاستعاذة المأمور بها في ~~الصلاة: {أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن ~~فتنة المسيح الدجال} فأمرنا بالاستعاذة من العذاب عذاب الآخرة وعذاب البرزخ ~~ومن سبب العذاب ومن فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وذكر الفتنة ~~الخاصة بعد الفتنة العامة فتنة المسيح الدجال فإنها أعظم الفتن كما في ~~الحديث الصحيح: {ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح ~~الدجال} . # PageV14P028 # فصل: # إذا ظهر أن العبد وكل مخلوق فقير إلى الله محتاج إليه ليس فقيرا إلى سواه ~~فليس هو مستغنيا بنفسه ولا بغير ربه؛ فإن ذلك الغير فقير أيضا محتاج إلى ~~الله ومن المأثور عن أبي يزيد - رحمه الله - أنه قال: استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي أنه قال: ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وهذا تقريب وإلا فهو ~~كاستغاثة العدم بالعدم؛ فإن المستغاث به إن لم يخلق الحق فيه قوة وحولا ~~وإلا فليس له من نفسه شيء قال سبحانه: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال تعالى: {وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله} . # واسم العبد يتناول معنيين. " أحدهما " بمعنى العابد كرها كما قال: {إن كل ~~من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} وقال: {وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها} وقال: {بديع السماوات والأرض} {كل # PageV14P029 # له قانتون} وقال: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} . و " ~~الثاني " بمعنى العابد طوعا وهو الذي يعبده ويستعينه وهذا هو المذكور في ~~قوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} وقوله: {عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا} وقوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله: ~~{إلا عبادك منهم المخلصين} وقوله: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون} وقوله: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب} وقوله: {فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى} وقوله: {نعم العبد إنه أواب} وقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا} وقوله: {وأنه لما ms4399 قام عبد الله يدعوه} . وهذه العبودية قد يخلو ~~الإنسان منها تارة وأما الأولى فوصف لازم إذا أريد بها جريان القدر عليه ~~وتصريف الخالق له قال تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} وعامة السلف على أن المراد ~~بالاستسلام استسلامهم له بالخضوع والذل لا مجرد تصريف الرب لهم كما في ~~قوله: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} وهذا الخضوع والذل هو ~~أيضا لازم لكل عبد لا بد له من ذلك وإن # PageV14P030 # كان قد يعرض له أحيانا الإعراض عن ربه والاستكبار فلا بد له عند التحقيق ~~من الخضوع والذل له؛ لكن المؤمن يسلم له طوعا فيحبه ويطيع أمره والكافر ~~إنما يخضع له عند رغبة ورهبة فإذا زال عنه ذلك أعرض عن ربه كما قال: {وإذا ~~مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن ~~لم يدعنا إلى ضر مسه} وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} . وفقر المخلوق وعبوديته ~~أمر ذاتي له لا وجود له بدون ذلك والحاجة ضرورية لكل المصنوعات المخلوقات ~~وبذلك هي أنها لخالقها وفاطرها إذ لا قيام لها بدونه وإنما يفترق الناس في ~~شهود هذا الفقر والاضطرار وعزوبه عن قلوبهم. و " أيضا " ف ### | العبد يفتقر إلى الله من جهة أنه معبوده # الذي يحبه حب إجلال وتعظيم فهو غاية مطلوبه ومراده ومنتهى همته ولا صلاح ~~له إلا بهذا وأصل الحركات الحب والذي يستحق المحبة لذاته هو الله فكل من ~~أحب مع الله شيئا فهو مشرك وحبه فساد؛ وإنما الحب الصالح النافع حب الله ~~والحب لله والإنسان فقير إلى الله من جهة عبادته له ومن جهة استعانته به ~~للاستسلام والانقياد لمن أنت إليه فقير وهو ربك وإلهك. # PageV14P031 # وهذا العلم والعمل أمر فطري ضروري؛ فإن النفوس تعلم فقرها إلى خالقها ~~وتذل لمن افتقرت إليه وغناه من الصمدية التي انفرد بها فإنه {يسأله من في ms4400 ~~السماوات والأرض} وهو شهود الربوبية بالاستعانة والتوكل والدعاء والسؤال ثم ~~هذا لا يكفيها حتى تعلم ما يصلحها من العلم والعمل وذلك هو عبادته والإنابة ~~إليه؛ فإن العبد إنما خلق لعبادة ربه فصلاحه وكماله ولذته وفرحه وسروره في ~~أن يعبد ربه وينيب إليه وذلك قدر زائد على مسألته والافتقار إليه؛ فإن جميع ~~الكائنات حادثة بمشيئته قائمة بقدرته وكلمته محتاجة إليه فقيرة إليه مسلمة ~~له طوعا وكرها فإذا شهد العبد ذلك وأسلم له وخضع فقد آمن بربوبيته ورأى ~~حاجته وفقره إليه صار سائلا له متوكلا عليه مستعينا به إما بحاله أو بقاله ~~بخلاف المستكبر عنه المعرض عن مسألته. ثم هذا المستعين به السائل له إما أن ~~يسأل ما هو مأمور به أو ما هو منهي عنه أو ما هو مباح له؛ ف " الأول " حال ~~المؤمنين السعداء الذين حالهم {إياك نعبد وإياك نستعين} و " الثاني " حال ~~الكفار والفساق والعصاة الذين فيهم إيمان به وإن كانوا كفارا كما قال: {وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فهم مؤمنون بربوبيته مشركون في عبادته ~~كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي: # PageV14P032 # يا حصين كم تعبد؟ قال: سبعة آلهة: ستة في الأرض وواحدا في السماء قال: ~~فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء قال: أسلم حتى أعلمك كلمة ~~ينفعك الله تعالى بها فأسلم فقال: قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي} ~~رواه أحمد وغيره. ولهذا قال سبحانه وتعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} أخبر ~~سبحانه أنه قريب من عباده يجيب دعوة الداعي إذا دعاه فهذا إخبار عن ربوبيته ~~لهم وإعطائه سؤلهم وإجابة دعائهم؛ فإنهم إذا دعوه فقد آمنوا بربوبيته لهم ~~وإن كانوا مع ذلك كفارا من وجه آخر وفساقا أو عصاة قال تعالى: {وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا} وقال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ms4401 أو ~~قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون} ونظائره في القرآن كثيرة ثم أمرهم بأمرين فقال: {فليستجيبوا ~~لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} ف " الأول " أن يطيعوه فيما أمرهم به من ~~العبادة والاستعانة و " الثاني " الإيمان بربوبيته وألوهيته وأنه ربهم ~~وإلههم. ولهذا قيل: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة؛ # PageV14P033 # لأنه عقب آية الدعاء بقوله: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} والطاعة ~~والعبادة هي مصلحة العبد التي فيها سعادته ونجاته وأما إجابة دعائه وإعطاء ~~سؤاله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة قال تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه ~~بالخير وكان الإنسان عجولا} وقال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} وقال تعالى عن المشركين: {وإذ قالوا ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم} وقال: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم} ~~وقال: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} وقال: {واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} {ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} الآية وقال: {فمن حاجك فيه ~~من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} {وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما دخل على أهل جابر فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ ~~فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون} . # PageV14P034 # فصل: # فالعبد كما أنه فقير إلى الله دائما في إعانته وإجابة دعوته وإعطاء سؤاله ~~وقضاء حوائجه فهو فقير إليه في أن يعلم ما يصلحه وما هو الذي يقصده ويريده ~~وهذا هو الأمر والنهي والشريعة وإلا فإذا قضيت حاجته التي طلبها وأرادها ~~ولم تكن مصلحة له كان ذلك ضررا عليه وإن كان في الحال له فيه لذة ومنفعة ~~فالاعتبار بالمنفعة الخالصة أو الراجحة وهذا قد عرفه الله عباده برسله ~~وكتبه: ms4402 علموهم وزكوهم وأمروهم بما ينفعهم ونهوهم عما يضرهم وبينوا لهم أن ~~مطلوبهم ومقصودهم ومعبودهم يجب أن يكون هو الله وحده لا شريك له؛ كما أنه ~~هو ربهم وخالقهم وأنهم إن تركوا عبادته أو أشركوا به غيره خسروا خسرانا ~~مبينا وضلوا ضلالا بعيدا وكان ما أوتوه من قوة ومعرفة وجاه ومال وغير ذلك - ~~وإن كانوا فيه فقراء إلى الله مستعينين به عليه مقرين بربوبيته - فإنه ضرر ~~عليهم ولهم بئس المصير وسوء الدار. وهذا هو الذي تعلق به الأمر الديني ~~الشرعي والإرادة الدينية # PageV14P035 # الشرعية كما تعلق بالأول الأمر الكوني القدري والإرادة الكونية القدرية. ~~والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية؛ فإنه بين لهم هداهم ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب وأعانهم على اتباع ذلك علما وعملا كما من عليهم ~~وعلى سائر الخلق بأن خلقهم ورزقهم وعافاهم ومن على أكثر الخلق بأن عرفهم ~~ربوبيته لهم وحاجتهم إليه وأعطاهم سؤلهم وأجاب دعاءهم قال تعالى: {يسأله من ~~في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} فكل أهل السموات والأرض يسألونه ~~فصارت الدرجات أربعة. " قوم " لم يعبدوه ولم يستعينوه وقد خلقهم ورزقهم ~~وعافاهم. و " قوم " استعانوه فأعانهم ولم يعبدوه. و " قوم " طلبوا عبادته ~~وطاعته ولم يستعينوه ولم يتوكلوا عليه. و " الصنف الرابع " الذين عبدوه ~~واستعانوه فأعانهم على عبادته وطاعته وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقد بين سبحانه ما خص به المؤمنين في قوله: {حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} . ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على أفضل المرسلين محمد وآله وصحبه ~~أجمعين. # PageV14P036 # قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: ### | فصل: # والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم # فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء؛ فإنه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى ~~السعادة إلا بهذه الهداية فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم وإما من ~~الضالين وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله وهذه الآية مما يبين فساد مذهب ~~القدرية. وأما سؤال من ms4403 يقول فقد هداهم فلا حاجة بهم إلى السؤال وجواب من ~~أجابه بأن المطلوب دوامها كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به؛ ~~فإن الصراط المستقيم أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من ~~علم وعمل ولا يفعل ما نهي عنه وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما ~~أمر به في ذلك الوقت # PageV14P037 # وما نهي عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك ~~المحظور فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت ~~واحد بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما ~~يهتدي به في ذلك الصراط المستقيم. نعم حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق ~~والرسول حق ودين الإسلام حق وذلك حق؛ ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل ~~له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول ~~الخلق ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم. ~~والإنسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر ~~فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه ~~وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه ونومه ويقظته فكل ما يقوله ويعمله ~~يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله وعدل ينافي ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم ~~المفصل والعدل المفصل كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط ~~المستقيم وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية وبيعة ~~الرضوان: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} إلى قوله تعالى: {ويهديك صراطا # PageV14P038 # مستقيما} فإذا كان هذه حاله في آخر حياته أو قريبا منها فكيف حال غيره. # والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن وبالإسلام وطريق العبودية وكل هذا حق. # فهو موصوف بهذا وبغيره ف " القرآن " مشتمل على مهمات وأمور دقيقة ونواه ~~وأخبار وقصص وغير ذلك إن لم يهد الله العبد إليها فهو جاهل بها ms4404 ضال عنها ~~وكذلك " الإسلام " وما اشتمل عليه من المكارم والطاعات والخصال المحمودة ~~وكذلك " العبادة وما اشتملت عليه ". فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ~~ضرورية في سعادته ونجاته وفلاحه؛ بخلاف حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله ~~يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه فإذا كان من أهل الهدى به كان ~~سعيدا قبل الموت وبعده وكان الموت موصلا إلى السعادة الأبدية وكذلك النصر ~~إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيدا وكان القتل من تمام النعمة فتبين ~~أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق؛ بل لا نسبة بينهما؛ ~~لأنه إذا هدي كان من المتقين {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب} وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره الله وكان من جند ~~الله وهم الغالبون؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض. # PageV14P039 # و" أيضا " فإنه يتضمن الرزق والنصر؛ لأنه إذا هدي ثم أمر وهدى غيره بقوله ~~وفعله ورؤيته فالهدى التام أعظم ما يحصل به الرزق والنصر فتبين أن هذا ~~الدعاء جامع لكل مطلوب وهذا مما يبين لك أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها وأن ~~فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال ~~الخضوع فإذا تعينت الأفعال فهذا القول أولى والله أعلم. وصلى الله على نبيه ~~محمد وسلم تسليما كثيرا. # PageV14P040 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه " سورة البقرة " من تقرير أصول العلم ~~وقواعد الدين: أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين فوصف حال ~~أهل الهدى ثم الكافرين ثم المنافقين. فهذه " جمل خبرية " ثم ذكر " الجمل ~~الطلبية " فدعا الناس إلى عبادته وحده ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض ~~وبناء السماء وإنزال الماء وإخراج الثمار رزقا للعباد ثم قرر " الرسالة " ~~وذكر " الوعد والوعيد " ثم ذكر مبدأ " النبوة والهدى " وما بثه في العالم ~~من الخلق والأمر ثم ذكر تعليم آدم الأسماء وإسجاد الملائكة له لما شرفه من ~~العلم؛ فإن هذا ms4405 تقرير لجنس ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ~~ودين الحق فقص جنس دعوة الأنبياء. ثم انتقل إلى خطاب بني إسرائيل وقصة موسى ~~معهم وضمن ذلك تقرير نبوته إذ هو قرين محمد فذكر آدم الذي هو أول، # PageV14P041 # وموسى الذي هو نظيره وهما اللذان احتجا وموسى قتل نفسا فغفر له وآدم أكل ~~من الشجرة فتاب عليه وكان في قصة موسى رد على الصابئة ونحوهم ممن يقر بجنس ~~النبوات ولا يوجب اتباع ما جاءوا به وقد يتأولون أخبار الأنبياء وفيها رد ~~على أهل الكتاب بما تضمنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم وتقرير نبوته وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر وذكر النسخ ~~الذي ينكره بعضهم وذكر النصارى وأن الأمتين لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم. ~~كل هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة. ثم أخذ سبحانه في بيان ~~شرائع الإسلام التي على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم الذي هو إمام وبناء البيت ~~الذي بتعظيمه يتميز أهل الإسلام عما سواهم وذكر استقباله وقرر ذلك؛ فإنه ~~شعار الملة بين أهلها وغيرهم؛ ولهذا يقال: أهل القبلة كما يقال: {من صلى ~~صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم} . وذكر من " المناسك " ما ~~يختص بالمكان وذلك أن الحج له مكان وزمان و " العمرة " لها مكان فقط ~~والعكوف والركوع والسجود شرع فيه؛ ولا يتقيد به ولا بمكان ولا بزمان؛ لكن ~~الصلاة تتقيد باستقباله فذكر سبحانه هذه الأنواع الخمسة: من العكوف # PageV14P042 # والصلاة والطواف والعمرة والحج والطواف يختص بالمكان فقط ثم أتبع ذلك ما ~~يتعلق بالبيت من الطواف بالجبلين وأنه لا جناح فيه جوابا لما كان عليه ~~الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل إهلالهم لمناة وجوابا لقوم ~~توقفوا عن الطواف بهما. وجاء ذكر الطواف بعد العبادات المتعلقة بالبيت - بل ~~وبالقلوب والأبدان والأموال - بعد ما أمروا به من الاستعانة بالصبر والصلاة ~~اللذين لا يقوم الدين إلا بهما وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر؛ ~~لأن ذلك من تمام ms4406 أمر البيت؛ لأن أهل الملل لا يخالفون فيه فلا يقوم أمر ~~البيت إلا بالجهاد عنه وذكر الصبر على المشروع والمقدور وبين ما أنعم به ~~على هذه الأمة من البشرى للصابرين فإنها أعطيت ما لم تعط الأمم قبلها فكان ~~ذلك من خصائصها وشعائرها كالعبادات المتعلقة بالبيت؛ ولهذا يقرن بين الحج ~~والجهاد لدخول كل منهما في سبيل الله فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله بالنص ~~والإجماع وكذلك الحج في الأصح كما قال: {الحج من سبيل الله} . وبين أن هذا ~~معروف عند أهل الكتاب بذمه لكاتم العلم ثم ذكر أنه لا يقبل دينا غير ذلك. ~~ففي أولها: {فلا تجعلوا لله أندادا} وفي أثنائها. {ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا} ف " الأول " نهي عام و " الثاني " نهي خاص وذكرها بعد ~~البيت لينتهى عن قصد # PageV14P043 # الأنداد المضاهية له ولبيته من الأصنام والمقابر ونحو ذلك ووحد نفسه قبل ~~ذلك وأنه {لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} ثم ذكر ما يتعلق بتوحيده من ~~الآيات. ثم ذكر الحلال والحرام وأطلق الأمر في المطاعم؛ لأن الرسول بعث ~~بالحنيفية وشعارها وهو البيت وذكر سماحتها في الأحوال المباحة وفي الدماء ~~بما شرعه من القصاص ومن أخذ الدية ثم ذكر العبادات المتعلقة بالزمان فذكر ~~الوصية المتعلقة بالموت ثم الصيام المتعلق برمضان وما يتصل به من الاعتكاف ~~ذكره في عبادات المكان وعبادات الزمان فإنه يختص بالمسجد وبالزمان استحبابا ~~أو وجوبا بوقت الصيام ووسطه أولا بين الطواف والصلاة؛ لأن الطواف يختص ~~بالمسجد الحرام والصلاة تشرع في جميع الأرض والعكوف بينهما. ثم أتبع ذلك ~~بالنهي عن أكل الأموال بالباطل وأخبر أن المحرم " نوعان ": نوع لعينه ~~كالميتة ونوع لكسبه كالربا والمغصوب فأتبع المعنى الثابت بالمحرم الثابت ~~تحريمه لعينه وذكر في أثناء عبادات الزمان المنتقل الحرام المنتقل؛ ولهذا ~~أتبعه بقوله: {يسألونك عن الأهلة} الآية وهي أعلام العبادات الزمنية وأخبر ~~أنه جعلها مواقيت للناس في أمر دينهم ودنياهم وللحج لأن البيت تحجه ~~الملائكة والجن فكان هذا أيضا # PageV14P044 # في أن الحج موقت بالزمان كأنه موقت بالبيت المكاني؛ ms4407 ولهذا ذكر بعد هذا من ~~أحكام الحج ما يختص بالزمان مع أن المكان من تمام الحج والعمرة. وذكر " ~~المحصر " وذكر تقديم الإحلال المتعلق بالمال وهو الهدي عن الإحلال المتعلق ~~بالنفس وهو الحلق وأن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل بالأسهل فالأسهل؛ ولهذا ~~كان آخر ما يحل عين الوطء فإنه أعظم المحظورات ولا يفسد النسك بمحظور سواه. ~~وذكر " التمتع بالعمرة إلى الحج " لتعلقه بالزمان مع المكان فإنه لا يكون ~~متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج وحتى لا يكون أهله حاضري المسجد ~~الحرام - وهو الأفقي - فإنه الذي يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد ~~السفرين عنه أما الذي هو حاضر فسيان عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج ثم ~~ذكر وقت الحج وأنه أشهر معلومات وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة؛ فإن ~~هذا مختص بزمان ومكان؛ ولهذا قال: {فمن فرض فيهن الحج} ولم يقل: والعمرة ~~لأنها تفرض في كل وقت ولا ريب أن السنة فرض الحج في أشهره ومن فرض قبله ~~خالف السنة فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر - إذ ليس فيه نقض للمشروع وليس ~~كمن صلى قبل الوقت - وإما أن يلزم # PageV14P045 # الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمرا وهذان قولان مشهوران. ثم أمر عند قضاء ~~المناسك بذكره وقضاؤها - والله أعلم - قضاء التفث والإحلال؛ ولهذا قال بعد ~~ذلك: {واذكروا الله في أيام معدودات} وهذا أيضا من العبادات الزمانية ~~المكانية. وهو ذكر الله تعالى مع رمي الجمار ومع الصلوات ودل على أنه مكاني ~~قوله: {فمن تعجل في يومين} الآية وإنما يكون التعجيل والتأخير في الخروج من ~~المكان؛ ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال: أيام منى وإلى عملها ~~فيقال: أيام التشريق كما يقال: ليلة جمع وليلة مزدلفة ويوم عرفة ويوم الحج ~~الأكبر ويوم العيد ويوم الجمعة فتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال؛ إذ ~~الزمان تابع للحركة والحركة تابعة للمكان. فتدبر تناسب القرآن وارتباط بعضه ~~ببعض وكيف ذكر أحكام الحج فيها في موضعين: مع ذكر بيته وما يتعلق بمكانه ~~وموضع ذكر فيه الأهلة فذكر ما يتعلق بزمانه وذكر ms4408 أيضا القتال في المسجد ~~الحرام والمقاصة في الشهر الحرام؛ لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق ~~بالمكان؛ ولهذا قرن سبحانه ذكر كون الأهلة مواقيت للناس والحج. وذكر أن " ~~البر " ليس أن يشقي الرجل نفسه ويفعل ما لا فائدة # PageV14P046 # فيه من كونه يبرز للسماء فلا يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد دخول بيته لا ~~يأتيه إلا من ظهره فأخبر أن الهلال الذي جعل ميقاتا للحج شرع مثل هذا وإنما ~~تضمن شرع التقوى ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحكام النكاح والوالدات وما ~~يتعلق بالأموال والصدقات والربا والديون وغير ذلك ثم ختمها بالدعاء العظيم ~~المتضمن وضع الآصار والأغلال والعفو والمغفرة والرحمة وطلب النصر على القوم ~~الكافرين الذين هم أعداء ما شرعه من الدين في كتابه المبين. والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV14P047 # قال شيخ الإسلام: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من " كتب التفسير " إلا ما هو ~~خطأ. # منها قوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} الآية، ذكر أن المشهور أن ~~السيئة الشرك وقيل الكبيرة يموت عليها قاله عكرمة قال مجاهد: هي الذنوب ~~تحيط بالقلب. قلت: الصواب ذكر أقوال السلف وإن كان فيها ضعيف فالحجة تبين ~~ضعفه فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة وهم ينقلون ~~عن بعض السلف أن هذه الآية أخطأ فيها الكاتب كما قيل في غيرها ومن أنكر ~~شيئا من القرآن بعد تواتره استتيب فإن تاب وإلا قتل وأما قبل تواتره عنده ~~فلا يستتاب؛ لكن يبين له وكذلك الأقوال التي جاءت الأحاديث بخلافها: فقها ~~وتصوفا واعتقادا وغير ذلك. وقول مجاهد صحيح كما في الحديث الصحيح: {إذا ~~أذنب العبد # PageV14P048 # نكت في قلبه نكتة سوداء} إلخ والذي يغشى القلب يسمى " رينا " و " طبعا " ~~و " ختما " و " قفلا " ونحو ذلك فهذا ما أصر عليه. و " إحاطة الخطيئة " ~~إحداقها به فلا يمكنه الخروج وهذا هو البسل بما كسبت نفسه أي: تحبس عما فيه ~~نجاتها في الدارين؛ فإن المعاصي قيد وحبس لصاحبها عن الجولان في فضاء ~~التوحيد وعن جني ثمار ms4409 الأعمال الصالحة. ومن المنتسبين إلى السنة من يقول: ~~إن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا والأكثرون على خلافه وأن الله سبحانه يزن ~~الحسنات والسيئات وعلى هذا دل الكتاب والسنة وهو معنى الوزن؛ لكن تفسير ~~السيئة بالشرك هو الأظهر؛ لأنه سبحانه غاير بين المكسوب والمحيط فلو كان ~~واحدا لم يغاير والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت به لأنه لم يتب منها. و " ~~أيضا " قوله (سيئة نكرة وليس المراد جنس السيئات بالاتفاق. و " أيضا " لفظ ~~(السيئة قد جاء في غير موضع مرادا به الشرك وقوله: (سيئة أي حال سيئة أو ~~مكان سيئة ونحو ذلك كما في قوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} أي حالا حسنة ~~تعم الخير كله وهذا اللفظ يكون صفة وقد ينقل من الوصفية إلى الاسمية ~~ويستعمل لازما أو # PageV14P049 # متعديا يقال: ساء هذا الأمر أي قبح ويقال: ساءني هذا قال ابن عباس في ~~قوله: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} عملوا الشرك؛ لأنه وصفهم ~~بهذا فقط ولو آمنوا لكان لهم حسنات وكذا لما قال: (كسب سيئة) لم يذكر حسنة ~~كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى} أي فعلوا الحسنى وهو ما أمروا به كذلك ~~(السيئة) تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك. # PageV14P050 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه - # فصل: # قال الله تعالى: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين} ~~وقال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} {فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين} وقد قال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} قال طائفة من ~~السلف: " الغيب " هو الله أو من الإيمان بالغيب الإيمان بالله. ففي موضع ~~نفى عن نفسه أن يكون غائبا وفي موضع جعله نفسه غيبا. ولهذا اختلف الناس في ~~هذه المسألة فطائفة من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم - كالقاضي وابن عقيل ~~وابن الزاغوني - يقولون: بقياس الغائب على الشاهد ويريدون بالغائب الله ~~ويقولون: قياس الغائب على الشاهد ثابت بالحد والعلة والدليل والشرط، كما ~~يقولون # PageV14P051 # في مسائل الصفات في إثبات العلم والخبرة والإرادة وغير ذلك. وأنكر ذلك ~~عليهم طائفة منهم الشيخ أبو محمد في رسالته إلى ms4410 أهل رأس العين وقال: لا ~~يسمى الله غائبا واستدل بما ذكر. وفصل الخطاب بين الطائفتين أن اسم " الغيب ~~والغائب " من الأمور الإضافية يراد به ما غاب عنا فلم ندركه ويراد به ما ~~غاب عنا فلم يدركنا وذلك لأن الواحد منا إذا غاب عن الآخر مغيبا مطلقا لم ~~يدرك هذا هذا ولا هذا هذا والله سبحانه شهيد على العباد رقيب عليهم مهيمن ~~عليهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فليس هو غائبا وإنما ~~لما لم يره العباد كان غيبا؛ ولهذا يدخل في الغيب الذي يؤمن به وليس هو ~~بغائب؛ فإن " الغائب " اسم فاعل من قولك غاب يغيب فهو غائب والله شاهد غير ~~غائب وأما " الغيب " فهو مصدر غاب يغيب غيبا وكثيرا ما يوضع المصدر موضع ~~الفاعل كالعدل والصوم والزور وموضع المفعول كالخلق والرزق ودرهم ضرب ~~الأمير. ولهذا يقرن الغيب بالشهادة وهي أيضا مصدر فالشهادة هي المشهود أو ~~الشاهد والغيب هو إما المغيب عنه فهو الذي لا يشهد نقيض الشهادة وإما بمعنى ~~الغائب الذي غاب عنا فلم نشهده فتسميته باسم المصدر فيه تنبيه # PageV14P052 # على النسبة إلى الغير أي ليس هو بنفسه غائبا وإنما غاب عن الغير أو غاب ~~الغير عنه. وقد يقال اسم " الشهادة والغيب " يجمع النسبتين فالشهادة ما ~~شهدنا وشهدناه والغيب ما غاب عنا وغبنا عنه فلم نشهده وعلى كل تقدير ~~فالمعنى في كونه غيبا هو انتفاء شهودنا له وهذه تسمية قرآنية صحيحة فلو ~~قالوا: قياس الغيب على الشهادة لكانت العبارة موافقة وأما قياس الغائب ففيه ~~مخالفة في ظاهر اللفظ ولكن موافقة في المعنى؛ فلهذا حصل في إطلاقه التنازع. # PageV14P053 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # المثل في الأصل هو الشبيه وهو نوعان لأن القضية المعينة إما أن تكون شبها ~~معينا أو عاما كليا فإن القضايا الكلية التي تعلم وتقال هي مطابقة مماثلة ~~لكل ما يندرج فيها وهذا يسمى قياسا في لغة السلف واصطلاح المنطقيين وتمثيل ~~الشيء المعين بشيء معين هو أيضا يسمى قياسا في لغة السلف ms4411 واصطلاح الفقهاء ~~وهو الذي يسمى قياس التمثيل. ثم من متأخري العلماء - كالغزالي وغيره - من ~~ادعى أن حقيقة القياس إنما يقال على هذا وما يسميه تأليف القضايا الكلية ~~قياسا فمجاز من جهة أنه لم يشبه فيه شيء بشيء وإنما يلزم من عموم الحكم ~~تساوي أفراده فيه ومنهم من عكس كأبي محمد بن حزم فإنه زعم # PageV14P054 # أن لفظ القياس إنما ينبغي أن يكون في تلك الأمور العامة وهو القياس ~~الصحيح. والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما في القرآن كما سأذكره ~~أن كليهما قياس وتمثيل واعتبار وهو في قياس التمثيل ظاهر وأما قياس التكليل ~~والشمول فلأنه يقاس كل واحد من الأفراد بذلك المقياس العام الثابت في العلم ~~والقول وهو الأصل كما يقاس الواحد بالأصل الذي يشبهه فالأصل فيهما هو المثل ~~والقياس هو ضرب المثل وأصله - والله أعلم - تقديره فضرب المثل للشيء تقديره ~~له كما أن القياس أصله تقدير الشيء بالشيء ومنه ضرب الدرهم وهو تقديره وضرب ~~الجزية والخراج وهو تقديرهما والضريبة المقدرة والضرب في الأرض لأنه يقدر ~~أثر الماشي بقدره وكذلك الضرب بالعصا لأنه تقدير الألم بالآلة وهو جمعه ~~وتأليفه وتقديره كما أن الضريبة هي المال المجموع والضريبة الخلق وضرب ~~الدرهم جمع فضة مؤلفة مقدرة وضرب الجزية والخراج إذا فرضه وقدره على مر ~~السنين والضرب في الأرض الحركات المقدرة المجموعة إلى غاية محدودة ومنه ~~تضريب الثوب المحشو وهو تأليف خلله طرائق طرائق. ولهذا يسمون الصورة ~~القياسية الضرب كما يقال للنوع الواحد ضرب لتألفه واتفاقه وضرب المثل لما ~~كان جمعا بين علمين يطلب منهما علم # PageV14P055 # ثالث كان بمنزلة ضراب الفحل الذي يتولد عنه الولد ولهذا يقسمون الضرب إلى ~~ناتج وعقيم كما ينقسم ضرب الفحل للأنثى إلى ناتج وعقيم وكل واحد من نوعي ~~ضرب المثل - وهو القياس - تارة يراد به التصوير وتفهيم المعنى وتارة يراد ~~به الدلالة على ثبوته والتصديق به فقياس تصور وقياس تصديق فتدبر هذا. ~~وكثيرا ما يقصد كلاهما فإن ضرب المثل يوضح صورة المقصود وحكمه. # و ### | ضرب الأمثال في المعاني ms4412 نوعان # هما نوعا القياس: " أحدهما " الأمثال المعينة التي يقاس فيها الفرع بأصل ~~معين موجود أو مقدر وهي في القرآن بضع وأربعون مثلا كقوله: {مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا} إلى آخره وقوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} وقوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب} الآية {ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين} . فإن التمثيل بين الموصوفين اللذين يذكرهم من المنافقين ~~والمنفقين المخلصين منهم والمرائين وبين ما يذكره سبحانه من تلك الأمثال # PageV14P056 # هو من جنس قياس التمثيل الذي يقال فيه: مثل الذي يقتل بكودين القصار كمثل ~~الذي يقتل بالسيف ومثل الهرة تقع في الزيت كمثل الفأرة تقع في السمن ونحو ~~ذلك؛ ومبناه على الجمع بينهما؛ والفرق في الصفات المعتبرة في الحكم المقصود ~~إثباته أو نفيه وقوله: مثله كمثل كذا. تشبيه للمثل العلمي بالمثل العلمي ~~لأنه هو الذي بتوسطه يحصل القياس فإن المعتبر ينظر في أحدهما فيتمثل في ~~علمه وينظر في الآخر فيتمثل في علمه ثم يعتبر أحد المثلين بالآخر فيجدهما ~~سواء فيعلم أنهما سواء في أنفسهما لاستوائهما في العلم ولا يمكن اعتبار ~~أحدهما بالآخر في نفسه حتى يتمثل كل منهما في العلم فإن الحكم على الشيء ~~فرع على تصوره؛ ولهذا والله أعلم يقال مثل هذا كمثل. . . (1) # وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه من غير ~~تصريح بذكر الفرع كقوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري ~~من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر} إلى قوله: {كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} فإن هذا يحتاج إلى تفكر؛ ولهذا سأل ~~عمر عنها من حضره من الصحابة فأجابه ابن عباس بالجواب الذي أرضاه. ونظير ~~ذلك ذكر القصص؛ فإنها كلها أمثال هي أصول قياس ms4413 PageV14P057 # واعتبار ولا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها لأن كل إنسان له في حالة منها ~~نصيب فيقال فيها: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} ويقال عقب ~~حكايتها: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} ويقال: {قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا} إلى قوله: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} والاعتبار هو القياس ~~بعينه كما قال ابن عباس لما سئل عن دية الأصابع فقال هي سواء واعتبروا ذلك ~~بالأسنان أي قيسوها بها فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع فكذلك ~~الأصابع ويقال: اعتبرت الدراهم بالصنجة إذا قدرتها بها. " النوع الثاني " ~~الأمثال الكلية وهذه التي أشكل تسميتها أمثالا كما أشكل تسميتها قياسا حتى ~~اعترض بعضهم قوله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} فقال: أين المثل ~~المضروب؟ وكذلك إذا سمعوا قوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل} يبقون حيارى لا يدرون ما هذه الأمثال وقد رأوا عدد ما فيه من تلك ~~الأمثال المعينة بضعا وأربعين مثلا. وهذه " الأمثال " تارة تكون صفات وتارة ~~تكون أقيسة فإذا كانت أقيسة فلا بد فيها من خبرين هما قضيتان وحكمان وأنه ~~لا بد أن يكون أحدهما كليا؛ لأن الأخبار التي هي القضايا لما انقسمت إلى ~~معينة ومطلقة وكلية وجزئية وكل من ذلك انقسم إلى خبر عن إثبات # PageV14P058 # وخبر عن نفي فضرب المثل الذي هو القياس لا بد أن يشتمل على خبر عام وقضية ~~كلية وذلك هو المثل الثابت في العقل الذي تقاس به الأعيان المقصود حكمها ~~فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار لجواز أن يكون المقصود حكمه خارجا عن ~~العموم؛ ولهذا يقال: لا قياس عن قضيتين جزئيتين بل لا بد أن تكون إحداهما ~~كلية ولا قياس أيضا عن سالبتين؛ بل لا بد أن تكون إحداهما موجبة وإلا ~~فالسلبان لا يدخل أحدهما في الآخر فلا بد فيه من خبر يعم. وجملة ما يضرب من ~~الأمثال ستة عشر؛ لأن الأولى إما جزئية وإما كلية مثبتة أو نافية فهذه ~~أربعة إذا ضربتها في أربعة صارت ستة عشر تحذف منهما ms4414 الجزئيتان سواء كانتا ~~موجبتين أو سالبتين أو إحداهما سالبة والأخرى موجبة فهذه ست من ستة عشر ~~والسالبتان سواء كانتا جزئيتين أو كليتين أو إحداهما دون الأخرى؛ لكن إذا ~~كانتا جزئيتين سالبتين فقد دخلت في الأول يبقى ضربان محذوفين من ستة عشر. ~~ويحذف منهما السالبة الكلية الصغرى مع الكبرى الموجبة الجزئية؛ لأن الكبرى ~~إذا كانت جزئية لم يجب أن يلاقيها السلب؛ بخلاف الإيجاب فإن الإيجابين ~~الجزئيين يلتقيان وكذلك الإيجاب الجزئي مع السلب الكلي يلتقيان لاندراج ذلك ~~الموجب تحت السلب العام. # PageV14P059 # يبقى من الستة عشر ستة أضرب فإذا كانت إحداهما موجبة كلية جاز في الأخرى ~~الأقسام الأربعة وإذا كانت سالبة كلية جاز أن تقارنها الموجبتان لكن تقدم ~~مقارنة الكلية لها ولا بد في الجزئية أن تكون صغرى وإذا كانت موجبة جزئية ~~جاز أن تقارنها الكليتان وقد تقدمتا وإذا كانت سالبة جزئية لم يجز أن ~~يقارنها إلا موجبة كلية وقد تقدمت فيقر الناتج ستة والملغى عشرة ~~وبالاعتبارين تصير ثمانية. فهذه الضروب العشرة مدار ثمانية منها على ~~الإيجاب العام ولا بد في جميع ضروبه من أحد أمرين إما إيجاب وعموم وإما سلب ~~وخصوص فنقيضان لا يفيد اجتماعهما فائدة؛ بل إذا اجتمع النقيضان من نوعين ~~كسالبة كلية وموجبة جزئية فتفيد بشرط كون الكبرى هي العامة فظهر أنه لا بد ~~في كل قياس من ثبوت وعموم إما مجتمعين في مقدمة وإما مفترقين في المقدمتين. ~~وأيضا مما يجب أن يعلم أن غالب الأمثال المضروبة والأقيسة إنما يكون الخفي ~~فيها إحدى القضيتين وأما الأخرى فجلية معلومة فضارب المثل وناصب القياس ~~إنما يحتاج أن يبين تلك القضية الخفية فيعلم بذلك المقصود لما قاربها في ~~الفعل من القضية السلبية والجلية هي الكبرى التي هي أعم. # PageV14P060 # فإن الشيء كلما كان أعم كان أعرف في العقل لكثرة مرور مفرداته في العقل ~~وخير الكلام ما قل ودل؛ فلهذا كانت الأمثال المضروبة في القرآن تحذف منها ~~القضية الجلية لأن في ذكرها تطويلا وعيا وكذلك ذكر النتيجة المقصودة بعد ~~ذكر المقدمتين يعد تطويلا. واعتبر ذلك ms4415 بقوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} ما أحسن هذا البرهان فلو قيل بعده: وما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا ~~الله لكان هذا من الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل وإنما ذلك من ~~تأليف المعاني في العقل مثل تأليف الأسماء من الحروف في الهجاء والخط إذا ~~علمنا الصبي الخط نقول: " با " " سين " " ميم " صارت (بسم) فإذا عقل لم ~~يصلح له بعد ذلك أن يقرأه تهجيا فيذهب ببهجة الكلام؛ بل قد صار التأليف ~~مستقرا وكذلك النحوي إذا عرف أن " محمد رسول الله " مبتدأ وخبر لم يلف كلما ~~رفع مثل ذلك أن يقول: لأنه مبتدأ وخبر. فتأليف الأسماء من الحروف لفظا ~~ومعنى وتأليف الكلم من الأسماء وتأليف الأمثال من الكلم جنس واحد. ولهذا ~~كان المؤلفون للأقيسة يتكلمون أولا في مفردات الألفاظ والمعاني التي هي ~~الأسماء ثم يتكلمون في تأليف الكلمات من الأسماء الذي هو الخبر والقصة ~~والحكم ثم يتكلمون في تأليف الأمثال المضروبة الذي هو " القياس " و " ~~البرهان " و " الدليل " و " الآية " # PageV14P061 # و " العلامة ". فهذا مما ينبغي أن يتفطن له فإن من أعظم كمال القرآن تركه ~~في أمثاله المضروبة وأقيسته المنصوبة لذكر المقدمة الجلية الواضحة المعلومة ~~ثم اتباع ذلك بالإخبار عن النتيجة التي قد علم من أول الكلام أنها هي ~~المقصود؛ بل إنما يكون ضرب المثل بذكر ما يستفاد ذكره وينتفع بمعرفته فذلك ~~هو البيان وهو البرهان وأما ما لا حاجة إلى ذكره فذكره عي. وبهذا يظهر لك ~~خطأ قوم من البيانيين الجهال والمنطقيين الضلال حيث قال بعض أولئك: الطريقة ~~الكلامية البرهانية في أساليب البيان ليست في القرآن إلا قليلا وقال ~~الثاني: إنه ليس في القرآن برهان تام فهؤلاء من أجهل الخلق باللفظ والمعنى ~~فإنه ليس في القرآن إلا الطريقة البرهانية المستقيمة لمن عقل وتدبر. و " ~~أيضا " فينبغي أن يعرف أن مدار ضرب المثل ونصب القياس على العموم والخصوص ~~والسلب والإيجاب؛ فإنه ما من خبر إلا وهو إما عام أو خاص: سالب أو موجب ~~فالمعين خاص محصور والجزئي أيضا خاص ms4416 غير محصور والمطلق إما عام وإما في ~~معنى الخاص. فينبغي لمن أراد معرفة هذا الباب أن يعرف " صيغ النفي والعموم ~~" فإن ذلك يجيء في القرآن على أبلغ نظام. # PageV14P062 # مثال ذلك أن " صيغة الاستفهام " يحسب من أخذ ببادئ الرأي أنها لا تدخل في ~~القياس المضروب؛ لأنه لا يدخل فيه إلا القضايا الخبرية وهذه طلبية فإذا ~~تأمل وعلم أن أكثر استفهامات القرآن أو كثيرا منها إنما هي استفهام إنكار ~~معناه الذم والنهي إن كان إنكارا شرعيا أو معناه النفي والسلب إن كان إنكار ~~وجود ووقوع كما في قوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم} {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم} الآية وكذلك قوله: {آلله خير أم ما يشركون} وقوله في تعديد ~~الآيات: {أإله مع الله} أي أفعل هذه إله مع الله والمعنى ما فعلها إلا الله ~~وقوله: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} وما معها. وهذا الذي ذكرناه ~~الذي جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى وقد يعبر في اللغة بضرب ~~المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ فيستفاد منه التعبير كما يستفاد ~~من اللغة؛ لكن لا يستفاد منه الدليل على الحكم كأمثال القرآن وهو أن يكون ~~الرجل قد قال كلمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاه فشاعت في الاستعمال حتى ~~يصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول وإن كان اللفظ في الأصل غير ~~موضوع لها فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من المعنى الخاص إلى # PageV14P063 # العام كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل في الجملة مثل قولهم: " يداك ~~أوكتا وفوك نفخ " هو مواز لقولهم: " أنت جنيت هذا " لأن هذا المثل قيل ~~ابتداء لمن كانت جنايته بالإيكاء والنفخ ثم صار مثلا عاما وكذلك قولهم: " ~~الصيف ضيعت اللبن " مثل قولك " فرطت وتركت الحزم وتركت ما يحتاج إليه وقت ~~القدرة عليه حتى فات " وأصل الكلمة قيلت للمعنى الخاص. وكذلك " عسى الغوير ~~أبؤسا " أي ms4417 أتخاف أن يكون لهذا الظاهر الحسن باطن رديء؟ فهذا نوع من البيان ~~يدخل في اللغة والخطاب فالمتكلم به حكمه حكم المبين بالعبارة الدالة سواء ~~كان المعنى في نفسه حقا أو باطلا إذ قد يتمثل به في حق من ليس كذلك فهذا ~~تطلبه في القرآن من جنس تطلب الألفاظ العرفية فهو نظر في دلالة اللفظ على ~~المعنى لا نظر في صحة المعنى ودلالته على الحكم وليس هو المراد بقوله: ~~{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} فتدبر هذا فإنه يجلو عنك شبهة ~~لفظية ومعنوية. وهذه الأمثال اللغوية أنواع موجود في القرآن منها أجناسها ~~وهي معلنة ببلاغة لفظه ونظمه وبراعة بيانه اللفظي والذين يتكلمون في علم ~~البيان وإعجاز القرآن يتكلمون في مثل هذا ومن الناس من يكون أول ما يتكلم ~~بالكلمة صارت مثلا ومنهم من لا تصير الكلمة مثلا # PageV14P064 # حتى يتمثل بها الضارب فيكون هذا أول من تمثل بها كقوله صلى الله عليه ~~وسلم {الآن حمي الوطيس} وكقوله: {مسعر حرب} ونحو ذلك؛ لكن النفي بصيغة ~~الاستفهام المضمن معنى الإنكار هو نفي مضمن دليل النفي؛ فلا يمكن مقابلته ~~بمنع وذلك أنه لا ينفي باستفهام الإنكار إلا ما ظهر بيانه أو ادعي ظهور ~~بيانه فيكون ضاربه إما كاملا في استدلاله وقياسه وإما جاهلا كالذي قال: {من ~~يحيي العظام وهي رميم} . إذا تبين ذلك فالأمثال المضروبة في القرآن منها ما ~~يصرح فيه بتسميته مثلا ومنها ما لا يسمى بذلك. . . (1) {مثلهم كمثل الذي ~~استوقد} والذي يليه {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} ~~{ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} ~~{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذي ينفق ماله رئاء الناس} الآية {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ~~مرضاة الله} . والذي بعده ليس فيه لفظ مثل {كدأب آل فرعون} في الثلاثة {قد ~~كان لكم آية} {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} وقوله: {أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم} . PageV14P065 # ومن ms4418 هذا الباب قوله: {ولا أقول لكم} الآية ويسمى جدالا {فمثله كمثل ~~الكلب} - إلى قوله - {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} {إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء} الآية {مثل الفريقين كالأعمى والأصم} {إلا ~~كباسط كفيه إلى الماء} وقول يوسف {أأرباب متفرقون} {قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير} الآية {أنزل من السماء ماء} إلى قوله: {كذلك يضرب الله الأمثال} ~~{مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار} {مثل الذين كفروا ~~بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح} {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة} ~~إلى آخره {وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} {للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} {فلا تضربوا لله الأمثال} {ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا} والذي بعده {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة} {انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال} في موضعين {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا} بعد أدلة التوحيد والنبوة والتحدي بالقرآن ~~{واضرب لهم مثلا رجلين} القصة {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} {ولقد صرفنا ~~في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} ينبه على أنها ~~براهين وحجج تفيد تصورا أو تصديقا {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} ~~{يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} {مثل ~~نوره} - إلى # PageV14P066 # قوله - {ويضرب الله الأمثال للناس} {والذين كفروا أعمالهم كسراب} المثلين ~~مثل نور المؤمنين في المساجد وأولئك في الظلمات {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا} - ف " التفسير " يعم التصوير ويعم التحقيق بالدليل كما ~~في تفسير الكلام المشروح - {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} الآية ~~{وتلك الأمثال نضربها للناس} {وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض} {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل ولئن جئتهم بآية} الآية {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} {فإذا هو خصيم ~~مبين} {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} وقوله: {إن هذا أخي له تسع ms4419 وتسعون نعجة} ~~{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} إلى قوله {ضرب الله مثلا رجلا} ~~{ولما ضرب ابن مريم مثلا} إلى آخره لما أوردوه نقضا على قوله: {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله} فهم الذين ضربوه جدلا {الذين كفروا وصدوا} إلى قوله: ~~{كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} {كمثل الذين من قبلهم قريبا} {كمثل الشيطان ~~إذ قال للإنسان اكفر} {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا ~~من خشية الله وتلك الأمثال} {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} الآية ~~{ضرب الله مثلا للذين كفروا} وللذين آمنوا {وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا} {كأنهم إلى نصب يوفضون} {كالفراش} و ~~{كالعهن} . # PageV14P067 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من " كتب في التفسير " إلا ما ~~هو خطأ فيها. # منها قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآيتان، فهو سبحانه وصف أهل ~~السعادة من الأولين والآخرين وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه من ~~غير تناقض ومناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المعروف عند السلف ويدل عليه ~~ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد {قال سلمان: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر ~~من عبادتهم فنزلت الآية} . ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار كما روي بأسانيد ~~ضعيفة وهذا هو الصحيح كما في مسلم {إلا بقايا من أهل الكتاب} . والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يجيب بما لا علم عنده وقد # PageV14P068 # ثبت أنه أثنى على من مات في الفترة كزيد بن عمرو وغيره ولم يذكر ابن أبي ~~حاتم خلافا عن السلف؛ لكن ذكر عن ابن عباس ثم أنزل الله {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا} الآية ومراده أن الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من ~~الأولين والآخرين وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة ~~عليه؛ فإن من المعلوم أن ms4420 من كذب رسولا واحدا فهو كافر فلا يتناوله قوله: ~~{من آمن بالله} إلخ. وظن بعض الناس: أن الآية فيمن بعث إليهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم خاصة فغلطوا ثم افترقوا على أقوال متناقضة. # PageV14P069 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # قسم الله من ذمه من أهل الكتاب إلى محرفين وأميين حيث يقول: {أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون} {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون} ~~{أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} {ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم ~~وويل لهم مما يكسبون} . وفي هذا عبرة لمن ركب سننهم من أمتنا؛ فإن ~~المنحرفين في # PageV14P070 # نصوص الكتاب والسنة كالصفات ونحوها من الأخبار والأوامر: " قوم " يحرفونه ~~إما لفظا وإما معنى وهم النافون لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم جحودا ~~وتعطيلا ويدعون أن هذا موجب العقل الصريح القاضي على السمع. و " قوم " لا ~~يزيدون على تلاوة النصوص لا يفقهون معناها ويدعون أن هذا موجب السمع الذي ~~كان عليه السلف وأن الله لم يرد من عباده فهم هذه النصوص فهم {لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني} أي تلاوة {وإن هم إلا يظنون} . ثم يصنف أقوام علوما ~~يقولون: إنها دينية وأن النصوص دلت عليها والعقل وهي دين الله؛ مع مخالفتها ~~لكتاب الله فهؤلاء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله ~~بوجه من الوجوه. فتدبر كيف اشتملت هذه الآيات على الأصناف الثلاثة وقوله في ~~صفة أولئك: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} حال من ~~يكتم النصوص التي يحتج بها منازعه حتى إن منهم من يمنع من رواية الأحاديث ~~المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ms4421 ولو أمكنهم كتمان القرآن لكتموه ~~لكنهم يكتمون منه وجوه دلالته من العلوم المستنبطة منه ويعوضون الناس عن ~~ذلك بما يكتبونه بأيديهم ويضيفونه إلى أنه من عند الله. # PageV14P071 # وسئل: # عن معنى قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} والله سبحانه لا يدخل عليه ~~النسيان. # فأجاب: # أما قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} ففيها قراءتان أشهرهما: (أو ننسها) ~~أي ننسيكم إياها: أي نسخنا ما أنزلناه أو اخترنا تنزيل ما نريد أن ننزله ~~نأتكم بخير منه أو مثله والثانية: (أو ننسأها) بالهمز أي نؤخرها ولم يقرأ ~~أحد ننساها فمن ظن أن معنى ننسأها بمعنى ننساها فهو جاهل بالعربية والتفسير ~~قال موسى عليه السلام {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} و " ~~النسيان " مضاف إلى العبد كما في قوله: {سنقرئك فلا تنسى} {إلا ما شاء ~~الله} ولهذا قرأها بعض الصحابة: (أو تنساها) أي تنساها يا محمد وهذا واضح ~~لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين ننسأها بالهمز وبين ننساها بلا همز والله ~~أعلم. # PageV14P072 # قال أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: # في قوله تعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} الآية وفيها قولان: # أحدهما: أن القصاص هو القود وهو أخذ الدية بدل القتل كما جاء عن ابن عباس ~~أنه كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فجعل الله في هذه الأمة ~~الدية فقال: {فمن عفي له من أخيه شيء} والعفو هو أن يقبل الدية في العمد ~~{ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} مما كان على بني إسرائيل والمراد على هذا القول ~~أن يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. قال قتادة: إن أهل ~~الجاهلية كان فيهم بغي وكان الحي إذا كان فيهم عدد وعدة فقتل عبدهم عبد قوم ~~آخرين قالوا: لن يقتل به إلا حر تعززا على غيرهم وإن قتلت امرأة منهم امرأة ~~من آخرين قالوا لن يقتل بها إلا رجلا فنزلت هذه الآية وهذا قول أكثر ~~الفقهاء وقد ذكر ذلك الشافعي وغيره. # PageV14P073 # ويحتج بها طائفة من أصحاب ms4422 مالك والشافعي وأحمد على أن الحر لا يقتل ~~بالعبد لقوله: {والعبد بالعبد} فينقض ذلك عليه بالمرأة فإنه قال: {والأنثى ~~بالأنثى} وطائفة من المفسرين لم يذكروا إلا هذا القول. " القول الثاني " أن ~~القصاص في القتلى يكون بين الطائفتين المقتتلتين قتال عصبية وجاهلية فيقتل ~~من هؤلاء ومن هؤلاء أحرار وعبيد ونساء فأمر الله تعالى بالعدل بين ~~الطائفتين بأن يقاص دية حر بدية حر ودية امرأة بدية امرأة وعبد بعبد فإن ~~فضل لإحدى الطائفتين شيء بعد المقاصة فلتتبع الأخرى بمعروف ولتؤد الأخرى ~~إليها بإحسان وهذا قول الشعبي وغيره وقد ذكره محمد بن جرير الطبري وغيره ~~وعلى هذا القول فإنه إذا جعل ظاهر الآية لزمته إشكالات؛ لكن المعنى الثاني ~~هو مدلول الآية ومقتضاه ولا إشكال عليه؛ بخلاف القول الأول يستفاد من دلالة ~~الآية كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى وما ذكرناه يظهر من وجوه. # أحدها أنه قال: {كتب عليكم القصاص في القتلى} و " القصاص " مصدر قاصه ~~يقاصه مقاصة وقصاصا ومنه مقاصة الدينين أحدهما بالآخر والقصاص في القتلى ~~إنما يكون إذا كان الجميع قتلى كما ذكر الشعبي فيقاص هؤلاء القتلى بهؤلاء ~~القتلى أما إذا قتل # PageV14P074 # رجل رجلا فالمقتول ميت فهنا المقتول لا مقاصة فيه ولكن القصاص أن يمكن من ~~قتل القاتل لا غيره وفي اعتبار المكافآت فيه قولان للفقهاء قيل: تعتبر ~~المكافآت فلا يقتل مسلم بذمي ولا حر بعبد وهو قول الأكثرين مالك والشافعي ~~وأحمد وقيل لا تعتبر المكافآت كقول أبي حنيفة والمكافآت لا تسمى قصاصا. ~~وأيضا فإنه قال: {كتب عليكم القصاص} وإن أريد بالقصاص المكافآت فتلك لم ~~تكتب وإن أريد به استيفاء القود فذلك مباح للولي إن شاء اقتص وإن شاء لم ~~يقتص فلم يكتب عليه الاقتصاص وقد أورد هذا السؤال بعضهم وقال: هو مكتوب على ~~القاتل أن يمكن من نفسه فيقال له: هو تعالى قال: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} وليس هذا خطابا للقاتل وحده بل هو خطاب لأولياء المقتول بدليل قوله ~~تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء ms4423 إليه بإحسان} ثم لا ~~يقال للقاتل: كتب عليك القصاص في المقتول فإن المقتول لا قصاص فيه. و " ~~أيضا " فنفس انقياد القاتل للولي ليس هو قصاصا؛ بل الولي له أن يقتص وله أن ~~لا يقتص وإنما سمي هذا قودا لأن الولي يقوده وهو بمنزلة تسليم السلعة إلى ~~المشتري ثم قال تعالى: {الحر بالحر} فكيف يقال مثل هذا قصده القاتل؛ بل هذا ~~خطاب للأمة # PageV14P075 # بالمقاصة والمعادلة في القتل. {والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: كتاب ~~الله القصاص لما كسرت الربيع سن جارية وامتنعوا من أخذ الأرش فقال أنس بن ~~النضر: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم بالأرش فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره} كقوله تعالى: {والجروح ~~قصاص} يعني " كتاب الله " أن يؤخذ العضو بنظيره فهذا قصاص لأنه مساواة ~~ولهذا كانت المكافآت في الأعضاء والجروح معتبرة باتفاق العلماء وإن قيل ~~القصاص هو أن يقتل قاتله لا غيره فهو خلاف الاعتداء قيل: نعم وهذا قصاص في ~~الأحياء لا في القتلى. (الثاني أنه قال: {في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى} ومعلوم باتفاق المسلمين أن العبد يقتل بالعبد ~~وبالحر والأنثى تقتل بالأنثى وبالذكر والحر يقتل بالحر وبالأنثى أيضا عند ~~عامة العلماء وقيل: يشترط أن تؤدى تمام ديته وإذا كان كذلك فقوله: {الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} إنما يدل على مقاصة الحر بالحر ~~ومعادلته به ومقابلته به وكذلك العبد بالعبد والأنثى بالأنثى وهذا إنما ~~يكون إذا كانوا مقتولين فيقابل كل واحد بالآخر وينظر أيتعادلان أم يفضل ~~لأحدهما على الآخر فضل أما في القتلى فلا يختص هذا بهذا باتفاق المسلمين. ~~(الثالث أنه قال: {فمن عفي له من أخيه شيء} لفظ (عفي) # PageV14P076 # هنا قد استعمل متعديا؛ فإنه قال: (عفي) (شيء) ولم يقل: (عفا) (شيئا) وهذا ~~إنما يستعمل في الفعل كما قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} وأما ~~العفو عن ms4424 القتل فذاك يقال فيه عفوت عن القاتل فولي المقتول بين خيرتين: بين ~~أن يعفو عن القتل ويأخذ الدية فلم يعف له شيء؛ بل هو عفا عن القتل وإذا عفا ~~فإما أن يستحق الدية بنفسه أو بغير رضا القاتل على قولين. وقد قال بعضهم: ~~{من أخيه} أي من دم أخيه أي ترك له القتل ورضي بالدية؛ والمراد القاتل يعني ~~أن القاتل عفي له من دم أخيه المقتول أي ترك له القتل فيكون التقدير أن ~~الولي عفا للقاتل من دم المقتول شيئا وهذا كلام لا يعرف لا يقال: عفوت لك ~~شيئا ولا يقال: عفوت من دم القاتل وإنما الذي يقال: إنه عفا عن القاتل فأين ~~هذا من هذا؟ . وأما على القول الأول فالمتقاصان إذا تعادا القتلى فمن عفي ~~له أي فضل له من مقاصة أخيه مقاصة أخرى أي هذا الذي فضل له فضل كما يقال: ~~أبقي له من جهة أخيه بقية {فاتباع بالمعروف} فهذا المستحق للفضل يتبع ~~المقاص الآخر بالمعروف وذلك يؤدي إلى هذا بإحسان {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ~~أي من أن كل طائفة تؤدي قتلى الأخرى فإن في هذا تثقيلا عظيما له {ولكم في ~~القصاص حياة} فإنهم # PageV14P077 # إذا تعادوا القتلى وتقاصوا وتعادلوا لم يبق واحدة تطلب الأخرى بشيء فحيي ~~هؤلاء وحيي هؤلاء بخلاف ما إذا لم يتقاصوا فإنهم يتقاتلون وتقوم بينهم ~~الفتن التي يموت فيها خلائق كما هو معروف في فتن الجاهلية والإسلام إنما ~~تقع الفتن لعدم المعادلة والتناصف بين الطائفتين وإلا فمع التعادل والتناصف ~~الذي يرضى به أولو الألباب لا تبقى فتنة. وقوله: {فمن اعتدى بعد ذلك} فطلب ~~من الطائفة الأخرى مالا أو قوما أو آذاهم بسبب ما بينهم من الدم {فله عذاب ~~أليم} وهذا كقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم} و " الأخوة " هنا كالأخوة هناك وهذا في ms4425 قتلى الفتن. ~~وأما إذا قتل رجل رجلا من غير فتنة فهم كانوا يعرفون أن القاتل يقتل لكن ~~كانت الطائفة القوية تطلب أن تقتل غير القاتل أو من هو أكثر من القاتل أو ~~اثنين بواحد وإذا كان القاتل منها لم تقتل به من هو دونه كما قيل: إنه كان ~~بين قريظة والنضير لكن هذا لم تثر به الفتن بل فيه ظلم الطائفة القوية ~~للضعيفة ولم # PageV14P078 # يكن في الأمم من يقول إن القاتل الظالم المتعدي مطلقا لا يقتل فهذا لم ~~يكن عليه أحد من بني آدم؛ بل كل بني آدم مطبقون على أن القاتل في الجملة ~~يقتل لكن الظلمة الأقوياء يفرقون بين قتيل وقتيل. وقول من قال: إن قوله: ~~{ولكم في القصاص حياة} معناه أن القاتل إذا عرف أنه يقتل كف فكان في ذلك ~~حياة له وللمقتول يقال له: هذا معنى صحيح؛ ولكن هذا مما يعرفه جميع الناس ~~وهو مغروز في جبلتهم وليس في الآدميين من يبيح قتل أحد من غير أن يقتل ~~قاتله؛ بل كلهم مع التساوي يجوزون قتل القاتل ولا يتصور أن الناس. . . (1) ~~إذا كان كل من قدر على غيره قتله وهو لا يقتل يرضى بمال وإذا كان هذا ~~المعنى من أوائل ما يعرفه الآدميون ويعلمون أنهم لا يعيشون بدونه صار هذا ~~مثل حاجتهم إلى الطعام والشراب والسكنى فالقرآن أجل من أن يكون مقصوده ~~التعريف بهذه الأمور البديهية؛ بل هذا مما يدخل في معناه وهو أنه إذا كتب ~~عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر وعبد بعبد وأنثى بأنثى فجعل دية ~~هذا كدية هذا ودم هذا كدم هذا متضمن لمساواتهم في الدماء والديات وكان بهذه ~~المقاصة لهم حياة من الفتن التي توجب هلاكهم كما هو معروف وهذا المعنى مما ~~يستفاد من هذه الآية فعلم أن دم الحر وديته كدم الحر وديته فيقتل به وإذا ~~علم أن التقاص يقع للتساوي في الديات علم أن للمقتول دية. PageV14P079 # ولفظ القصاص يدل على المعادلة والمساواة فيدل على أن الله أوجب العدل ~~والإنصاف في ms4426 أمر القتلى فمن قتل غير قاتله فهو ظالم والمقتول وأولياؤه إذا ~~امتنعوا من إنصاف أولياء المقتول فهم ظالمون هؤلاء خارجون عما أوجبه الله ~~من العدل وهؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل. وقد ذكر سبحانه هذا ~~المعنى في قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا} وإذا دلت على العدل في القود بطريق اللزوم والتنبيه ذهب ~~الإشكال ولم يقل: فلم لا قال: والعبد بالعبد والحر؟ فإنه لم يكن المقصود ~~أنه يقاص به في القتلى ومعلوم أنه إنما يقاص الحر بالحر لا بالمرأة والمرأة ~~بالمرأة لا بالحر والعبد بالعبد. فظهرت فائدة التخصيص به والمقابلة في ~~الآية. ودلت الآية حينئذ على أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى؛ إذا كانا متساويين في الدم وبدله هو الدية ولم ينتف أن يقتل عبد ~~بحر وأنثى بذكر ولا لها مفهوم ينفي ذلك؛ بل كما دلت على ذلك بطريق التنبيه ~~والفحوى والأولى كذلك تدل على هذا أيضا؛ فإنه إذا قتل العبد بالعبد فقتله ~~بالحر أولى وإذا قتلت المرأة بالمرأة فقتلها بالرجل أولى. # PageV14P080 # وأما قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى فالآية لم تتعرض له لا بنفي ولا ~~إثبات ولا لها مفهوم يدل عليه لا مفهوم موافقة ولا مخالفة؛ فإنه إذا كان في ~~المقاصة يقاس الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لتساوي الديات دل ~~ذلك على قتل النظير بالنظير والأدنى بالأعلى. يبقى قتل الأعلى الكثير الدية ~~بالأدنى القليل الدية ليس في الآية تعرض له فإنه لم يقصد بها ابتداء القود ~~وإنما قصد المقاصة في القتلى لتساوي دياتهم. # ف ### | إن قيل: دية الحر كدية الحر ودية الأنثى كدية الأنثى ويبقى العبيد قيمتهم متفاضلة؟ . # قيل: عبيدهم كانوا متقاربين القيمة وقوله: {والعبد بالعبد} قد يراد به ~~بالعبد المماثل به كما يقال: ثوب بثوب وإن كان أحدهما أغلى قيمة فذاك مما ~~عفي له وقد يعفى إذا لم تعرف قيمتهم وهو الغالب فإن المقتولين في الفتن ~~عبيدهم الذين يقاتلون معهم وهم يكونون تربيتهم عندهم لم يشتروهم ms4427 فهذا يكون ~~مع العلم بتساوي القيمة ومع الجهل بتفاضلها؛ فإن المجهول كالمعدوم ولو أتلف ~~كل من الرجلين ثوب الآخر ولا يعلم واحد منهما قيمة واحد من الثوبين قيل ثوب ~~بثوب وهذا لأن الزيادة محتملة من الطرفين: يحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى # PageV14P081 # ويحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى وليس ترجيح أحدهما أولى من الآخر والأصل ~~براءة ذمة كل واحد من الزيادة فلا تشتغل الذمة بأمر مشكوك فيه لو كان الشك ~~في أحدهما فكيف إذا كان من الطرفين؟ . فظهر حكمة قوله: {والعبد بالعبد} ~~وظهر بهذا أن القرآن دل على ما يحتاج الخلق إلى معرفته والعمل به ويحقن به ~~دماؤهم ويحيون به ودخل في ذلك ما ذكره الآخرون من العدل في القود. ودلت ~~الآية على أن القتلى يؤخذ لهم ديات فدل على ثبوت الدية على القاتل وأنها ~~مختلفة باختلاف المقتولين وهذا مما من الله به على أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم حيث أثبت القصاص والدية. وأما كون العفو هو قبول الدية في العمد وأنه ~~يستحقها العافي بمجرد عفوه فالآية لم تتعرض لهذا. ودلت هذه الآية على أن ~~الطوائف الممتنعة تضمن كل منهما ما أتلفته الأخرى من دم ومال بطريق الظلم ~~لقوله: {من أخيه} بخلاف ما أتلفه المسلمون للكفار والكفار للمسلمين. وأما ~~القتال بتأويل " كقتال أهل الجمل وصفين " فلا ضمان فيه أيضا بطريق الأولى ~~عند الجمهور فإنه إذا كان الكفار المتأولون # PageV14P082 # لا يضمنون فالمسلمون المتأولون أولى أن لا يضمنوا. ودلت الآية على أن هذا ~~الضمان على مجموع الطائفة يستوي فيه الردء والمباشر لا يقال: انظروا من قتل ~~صاحبكم هذا فطالبوه بديته بل يقال: ديته عليكم كلكم فإنكم جميعا قتلتموه؛ ~~لأن المباشر إنما تمكن بمعاونة الردء له وعلى هذا دل قوله: {وإن فاتكم شيء ~~من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} ~~فإن أولئك الكفار كان عليهم مثل صداق هذه المرأة التي ذهبت إليهم فإذا لم ~~يؤدوه أخذ من أموالهم التي يقدر المسلمون عليها مثل امرأة جاءت منهم ~~يستحقون ms4428 صداقها فيعطي المسلم زوج تلك المرتدة صداقها من صداق هذه المسلمة ~~المهاجرة التي يستحقه الكفار لكونها أسلمت وهاجرت وفوتت زوجها بضعها كما ~~فوتت المرتدة بضعها لزوجها وإن كان زوج المهاجرة ليس هو الذي تزوج بالمرتدة ~~لأن الطائفة لما كانت ممتنعة يمنع بعضها بعضا صارت كالشخص الواحد. ولهذا ~~لما قتل خالد من قتل من بني جذيمة وداهم النبي صلى الله عليه وسلم من عنده؛ ~~لأن خالدا نائبه وهو لا يمكنهم من مطالبته وحبسه لأنه متأول وكذلك عمرو بن ~~أمية وعاقلته خالد بن الوليد لأنه قتل هذا على سبيل الجهاد لا لعداوة تخصه ~~وقد تنازع الفقهاء في خطأ ولي الأمر هل هو في بيت المال أو على ذمته؟ على ~~قولين. # PageV14P083 # ولهذا كان ما غنمته السرية يشاركها فيه الجيش وما غنمه الجيش شاركته فيه ~~السرية لأنه إنما يغنم بعضهم بظهر بعض فإذا اشتركوا في المغرم اشتركوا في ~~المغنم وكذلك في العقوبة يقتل الردء والمباشر من المحاربين عند جماهير ~~الفقهاء كما قتل عمر رضي الله عنه ربيئة المحاربين وهو قول مالك وأبي حنيفة ~~وأحمد وهو مذهب مالك في القتل قودا وفي السراق أيضا. وبيان دلالة الآية على ~~ذلك أن المقتولين إذا حبس حر بحر وعبد بعبد وأنثى بأنثى فالحر من هؤلاء ليس ~~قاتله هو ولي الحر من هؤلاء؛ بل قد يكون غيره وكذلك العبد من هؤلاء ليس ~~قاتله هو سيد العبد من هؤلاء؛ بل قد يكون غيره؛ لكن لما كانوا مجتمعين ~~متناصرين على قتال أولئك ومحاربتهم كان من قتله بعضهم فكلهم قتله وكلهم ~~يضمنونه؛ ولهذا ما فضل لأحد الطائفتين يؤخذ من مال الأخرى. فإن قيل: إذا ~~كان مستقرا في فطر بني آدم أن القاتل الظالم لنظيره يستحق أن يقتل وليس في ~~الآدميين من يقول إنه لا يقتل فما الفائدة في قوله تعالى {وكتبنا عليهم ~~فيها} - أي في التوراة - {أن النفس بالنفس والعين بالعين} الآية. إذا كان ~~مثل هذا الشرع يعرفه العقلاء كلهم؟ . قيل لهم: فائدته بيان تساوي دماء بني ~~إسرائيل وأن دماءهم # PageV14P084 # متكافئة ليس ms4429 لشريفهم مزية على ضعيفهم وهذه الفائدة الجليلة التي جاءت بها ~~شرائع الأنبياء فأما الطوائف الخارجون عن شرائع الأنبياء فلا يحكمون بذلك ~~مطلقا؛ بل قد لا يقتلون الشريف وإذا كان الملك عادلا فقد يفعل بعض ذلك فهذا ~~الذي كتبه الله في التوراة من تكافؤ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على ~~من سواهم فحكم أيضا في المؤمنين به من جميع الأجناس بتكافؤ دمائهم فالمسلم ~~الحر يقتل بالمسلم الحر من جميع الأجناس باتفاق العلماء. # وبهذا ظهر الجواب عن احتجاج من احتج بآية التوراة على أن المسلم يقتل ~~بالذمي لقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} و " شرع من قبلنا شرع ~~لنا " فإنه يقال: الذي كتب عليهم أن النفس منهم بالنفس منهم وهم كلهم كانوا ~~مؤمنين لم يكن فيهم كافر ولم يكن في شريعتهم إبقاء كافر بينهم لا بجزية ولا ~~غيرها وهذا مثل شرع محمد صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم ~~وليس في الشريعتين أن دم الكافر يكافئ دم المسلم؛ بل جعل الإيمان هو الواجب ~~للمكافآت دليل على انتفاء ذلك في الكافر - سواء كان ذميا أو مستأمنا - ~~لانتفاء الإيمان الواجب للمكافأة فيه؛ نعم يحتج بعمومه على العبد. وليس في ~~العبد نصوص صريحة صحيحة كما في الذمي؛ بل ما روي {من قتل عبده قتلناه به} ~~وهذا لأنه إذا قتله ظالما كان الإمام ولي # PageV14P085 # دمه؛ لأن القاتل كما لا يرث المقتول إذا كان حرا فكذلك لا يكون ولي دمه ~~إذا كان عبدا؛ بل هذا أولى كيف يكون ولي دمه وهو القاتل؟ بل لا يكون ولي ~~دمه؛ بل ورثة القاتل السيد؛ لأنهم ورثته وهو بالحياة ولم يثبت له ولاية حتى ~~تنتقل إليهم فيكون وليه الإمام. وحينئذ فللإمام قتله فكل من قتل عبده كان ~~للإمام أن يقتله. و " أيضا " فقد ثبت بالسنة والآثار أنه إذا مثل بعبده عتق ~~عليه وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما وقتله أشد أنواع المثل فلا يموت إلا ~~حرا؛ لكن حريته لم تثبت في حال الحياة حتى يرثه عصبته؛ بل حريته ثبتت ms4430 حكما ~~وهو إذا كان عتق كان ولاؤه للمسلمين فيكون الإمام هو وليه فله قتل قاتل ~~عبده. وقد يحتج بهذا من يقول: إن قاتل عبد غيره لسيده قتله وإذا دل الحديث ~~على هذا كان هذا القول هو الراجح والقول الآخر ليس معه نص صريح ولا قياس ~~صحيح وقد قال الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: من قتل ولا ولي له كان الإمام ~~ولي دمه فله أن يقتل وله أن يعفو على الدية؛ لا مجانا. يؤيد هذا أن من قال: ~~لا يقتل حر بعبد يقول: إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد المسلم. قال الله ~~تعالى في كتابه: {ولعبد مؤمن خير # PageV14P086 # من مشرك} فالعبد المؤمن خير من الذمي المشرك فكيف لا يقتل به والعبد ~~المؤمن مثل الحرائر المؤمنات كما دلت عليه هذه الآية وهو قول جماهير السلف ~~والخلف وهذا قوي على قول أحمد؛ فإنه يجوز شهادة العبد كالحر؛ بخلاف الذمي ~~فلماذا لا يقتل الحر بالعبد وكلهم مؤمنون وقد {قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم المؤمنون تتكافأ دماؤهم} . # PageV14P087 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قوله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} من باب بدل الاشتمال ~~والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم: إنهم يقدمون ما ~~بيانه أهم وهم به أعنى؟ . قيل: السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في ~~الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم انتهاكه وانتهاك حرمته وكان اهتمامهم بالشهر ~~فوق اهتمامهم بالقتال فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قدم في ~~الذكر وكان تقديمه مطابقا لما ذكرنا من القاعدة. فإن قيل: فما الفائدة في ~~إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر وهلا اكتفى بضميره فقال: هو كبير؟ وأنت إذا ~~قلت: سألته عن زيد هو في الدار كان أوجز من أن تقول أزيد في الدار؟ . قيل: ~~في إعادته بلفظ الظاهر بلاغة بديعة وهو تعليق الحكم الخبري باسم القتال فيه ~~عموما ولو أتى بالمضمر فقال: هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال ~~المسئول عنه وليس الأمر كذلك؛ # PageV14P088 # وإنما هو عام في كل قتال ms4431 وقع في شهر حرام. ونظير هذه الفائدة {قوله صلى ~~الله عليه وسلم - وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال -: هو الطهور ماؤه} ~~فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله: " نعم توضئوا به " لئلا يتوهم اختصاص ~~الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص فعدل عن قوله: " نعم توضئوا " إلى ~~جواب عام يقتضي تعليق الحكم والطهورية بنفس مائه من حيث هو فأفاد استمرار ~~الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الأمة وبطل توهم قصره على السبب فتأمله فإنه ~~بديع. فكذلك في الآية لما قال: {قتال فيه كبير} فجعل الخبر ب (كبير واقعا ~~عن {قتال فيه} فيتعلق الحكم به على العموم؛ ولفظ " المضمر " لا يقتضي ذلك. ~~وقريب من هذا قوله تعالى {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين} ولم يقل أجرهم تعليقا لهذا الحكم بالوصف وهو كونهم ~~مصلحين وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور. وقريب منه وهو ألطف معنى ~~قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض # PageV14P089 # قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} ولم يقل فيه تعليقا بحكم الاعتزال ~~بنفس الحيض وإنه هو سبب الاعتزال وقال: {قل هو أذى} ولم يقل: (المحيض أذى ~~لأنه جاء به على الأصل؛ ولأنه لو كرره لثقل اللفظ به لتكرره ثلاث مرات وكان ~~ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذكره مضمرا ليفيد تعليق الحكم ~~بكونه حيضا بخلاف قوله: {قل هو أذى} فإنه إخبار بالواقع والمخاطبون يعلمون ~~أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم ~~بالشرع فتأمله. # PageV14P090 # سئل شيخ الإسلام: # عن قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات} وقد أباح العلماء التزويج ~~بالنصرانية واليهودية؛ فهل هما من المشركين أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة قال تعالى: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم.} وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم وقد روي عن ابن عمر: أنه كره نكاح النصرانية وقال: لا أعلم ms4432 ~~شركا أعظم ممن تقول: إن ربها عيسى ابن مريم. وهو اليوم مذهب طائفة من أهل ~~البدع وقد احتجوا بالآية التي في سورة البقرة وبقوله {ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر} والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه. (أحدها أن أهل الكتاب لم ~~يدخلوا في المشركين فجعل أهل الكتاب غير المشركين بدليل قوله: # PageV14P091 # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} ~~. فإن قيل: فقد وصفهم بالشرك بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} قيل أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك؛ فإن الله إنما ~~بعث الرسل بالتوحيد فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك؛ ~~ولكن النصارى ابتدعوا الشرك كما قال: {سبحانه وتعالى عما يشركون} فحيث ~~وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به وحيث ~~ميزهم عن المشركين فلأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد ~~لا بالشرك. فإذا قيل: أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين؛ فإن ~~الكتاب الذي أضيفوا إليه لا شرك فيه كما إذا قيل: المسلمون وأمة محمد لم ~~يكن فيهم من هذه الجهة لا اتحاد ولا رفض ولا تكذيب بالقدر ولا غير ذلك من ~~البدع وإن كان بعض الداخلين في الأمة قد ابتدع هذه البدع؛ لكن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة فلا يزال فيها من هو متبع لشريعة ~~التوحيد؛ بخلاف أهل الكتاب ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون ~~بالاسم؛ بل قال: عما يشركون بالفعل وآية البقرة قال فيها: # PageV14P092 # المشركين والمشركات بالاسم والاسم أوكد من الفعل. # الوجه الثاني أن يقال: إن شملهم لفظ (المشركين) في سورة البقرة كما وصفهم ~~بالشرك فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفردا ومقرونا فإذا أفردوا دخل ~~فيهم أهل الكتاب وإذا قرنوا بأهل الكتاب لم يدخلوا فيهم كما قيل: مثل هذا ~~في اسم الفقير والمسكين ونحو ذلك ms4433 فعلى هذا يقال: آية البقرة عامة وتلك خاصة ~~والخاص يقدم على العام. (الوجه الثالث أن يقال: آية المائدة ناسخة لآية ~~البقرة لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء وقد جاء في الحديث ~~المائدة من. . . (1) PageV14P093 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # لما ذكر سبحانه ما يبطل الصدقة من المن والأذى ومن الرياء ومثله بالتراب ~~على الصفوان إذا أصابه المطر ولهذا قال: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} لأن ~~الإيمان بأحدهما لا ينفع هنا بخلاف قوله في النساء: {إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا} إلى قوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} . فإنه في معرض الذم فذكر غايته وذكر ما يقابله ~~وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم. فالأول ~~الإخلاص. و " التثبيت " هو التثبت كقوله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} كقوله: {وتبتل إليه تبتيلا} ويشبه - والله أعلم ~~- أن يكون هذا من باب قدم وتقدم كقوله: {لا تقدموا # PageV14P094 # بين يدي الله ورسوله} فتبتل وتثبت لازم بمعنى ثبت لأن التثبت هو القوة ~~والمكنة وضده الزلزلة والرجفة فإن الصدقة من جنس القتال فالجبان يرجف ~~والشجاع يثبت ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم وأما الخيلاء التي يحبها ~~الله فاختيال الرجل بنفسه عند الحرب واختياله بنفسه عند الصدقة} لأنه مقام ~~ثبات وقوة فالخيلاء تناسبه وإنما الذي لا يحبه الله المختال الفخور البخيل ~~الآمر بالبخل فأما المختال مع العطاء أو القتال فيحبه. وقوله {من أنفسهم} ~~أي ليس المقوي له من خارج كالذي يثبت وقت الحرب لإمساك أصحابه له وهذا ~~كقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} بل تثبته ومغفرته من جهة نفسه. وقد ذكر ~~الله سبحانه في البقرة والنساء الأقسام الأربعة في العطاء. إما أن لا يعطي ~~فهو البخيل المذموم في النساء أو يعطي مع الكراهة والمن والأذى فلا يكون ~~بتثبيت وهو المذموم في البقرة أو مع الرياء فهو المذموم في السورتين فبقي ~~القسم الرابع: ابتغاء رضوان الله وتثبيتا من أنفسهم. # PageV14P095 # ونظيره " الصلاة ms4434 " إما أن لا يصلي أو يصلي رياء أو كسلان أو يصلي مخلصا ~~والأقسام الثلاثة الأول مذمومة وكذلك " الزكاة " ونظير ذلك " الهجرة ~~والجهاد " فإن الناس فيهما أربعة أقسام وكذلك {إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا} في الثبات والذكر وكذلك: {وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة.} في الصبر والمرحمة أربعة أقسام وكذلك {استعينوا بالصبر والصلاة} ~~فهم. . . (1) في الصبر والصلاة فعامة هذه الأشفاع التي في القرآن: إما ~~عملان وإما وصفان في عمل: انقسم الناس فيها قسمة رباعية ثم إن كانا عملين ~~منفصلين كالصلاة والصبر والصلاة والزكاة ونحو ذلك نفع أحدهما ولو ترك الآخر ~~وإن كانا شرطين في عمل كالإخلاص والتثبت لم ينفع أحدهما فإن المن والأذى ~~محبط كما أن الرياء محبط كما دل عليه القرآن ومن هذا تقوى الله وحسن الخلق ~~فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون والبر والتقوى والحق والصبر ~~وأفضل الإيمان السماحة والصبر. بخلاف الأشفاع في الذم كالإفك والإثم ~~والاختيال والفخر والشح والجبن والإثم والعدوان؛ فإن الذم ينال أحدهما ~~مفردا PageV14P096 # ومقرونا لأن الخير من باب المطلوب وجوده لمنفعته فقد لا تحصل المنفعة إلا ~~بتمامه والشر يطلب عدمه لمضرته وبعض المضار يضر في الجملة غالبا ولهذا فرق ~~في الأسماء بين الأمر والنهي والإثبات والنفي فإذا أمر بالشيء اقتضى كماله ~~وإذا نهى عنه اقتضى النهي عن جميع أجزائه ولهذا حيث أمر الله بالنكاح - كما ~~في المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره وكما في الإحصان - فلا بد من الكمال ~~بالعقد والدخول وحيث نهى عنه كما في ذوات المحارم فالنهي عن كل منهما على ~~انفراده وهذا مذهب مالك وأحمد المنصوص عنه أنه إذا حلف ليتزوجن لم يبر إلا ~~بالعقدة والدخول بخلاف ما إذا حلف لا يتزوج فإنه يحنث بالعقدة وكذلك إذا ~~حلف لا يفعل شيئا حنث بفعل بعضه بخلاف ما إذا حلف ليفعلنه فإن دلالة الاسم ~~على كل وبعض تختلف باختلاف النفي والإثبات. ولهذا لما أمر الله بالطهارة ~~والصلاة والزكاة والحج كان الواجب الإتمام كما قال تعالى: {بكلمات فأتمهن} ~~وقال: {وإبراهيم الذي وفى.} ولما ms4435 نهى عن القتل والزنا والسرقة والشرب كان ~~ناهيا عن أبعاض ذلك؛ بل وعن مقدماته أيضا وإن كان الاسم لا يتناوله في ~~الإثبات ولهذا فرق في الأسماء النكرات بين النفي والإثبات والأفعال كلها # PageV14P097 # نكرات وفرق بين الأمر والنهي بين التكرار وغيره {وقال صلى الله عليه وسلم ~~إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه} . ~~وإنما اختلف في المعارف المنفية على روايتين كما في قوله: لا تأخذ الدراهم ~~ولا تكلم الناس. # PageV14P098 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ~~ضريحه -: # فصل: # في قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} قد ثبت في صحيح مسلم عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن {أبي هريرة قال: لما أنزل الله: {وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} اشتد ذلك على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب ~~وقالوا: أي رسول الله كلفنا من العمل ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد ~~والصدقة؛ وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ ~~قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما قرأها القوم وذلت بها ~~ألسنتهم أنزل الله في أثرها: {آمن الرسول # PageV14P099 # بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا ~~نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما ~~فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم {ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال: نعم {ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به} قال: نعم. {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت ms4436 مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين} قال: نعم.} وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~معناه وقال: قد فعلت قد فعلت بدل نعم. ولهذا قال كثير من السلف والخلف: ~~إنها منسوخة بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} كما نقل ذلك عن ابن ~~مسعود وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس في رواية عنه والحسن والشعبي وابن ~~سيرين وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني والسدي ومحمد بن كعب ومقاتل ~~والكلبي وابن زيد ونقل عن آخرين أنها ليست منسوخة بل هي ثابتة في المحاسبة ~~على العموم فيأخذ من يشاء ويغفر لمن يشاء كما نقل ذلك عن ابن عمر والحسن # PageV14P100 # واختاره أبو سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى وقالوا: هذا خبر والأخبار ~~لا تنسخ. و " فصل الخطاب ": أن لفظ " النسخ " مجمل فالسلف كانوا يستعملونه ~~فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك كما قال من قال: إن ~~قوله: {اتقوا الله حق تقاته} {وجاهدوا في الله حق جهاده} نسخ بقوله: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} وليس بين الآيتين تناقض لكن قد يفهم بعض الناس من ~~قوله: {حق تقاته} و {حق جهاده} الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه ~~هذا كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته. وإن لم يكن نسخ ذلك ~~نسخ ما أنزله بل نسخ ما ألقاه الشيطان إما من الأنفس أو من الأسماع أو من ~~اللسان. وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم ~~تدل عليه لكنه محتمل وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: {وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم} الآية إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب ~~على كل ما في النفوس وقوله: {لمن يشاء} يقتضي أن الأمر إليه في المغفرة ~~والعذاب لا إلى غيره. ولا يقتضي أنه يغفر ويعذب بلا حكمة ولا عدل كما قد ~~يظنه من يظنه من # PageV14P101 # الناس حتى يجوزوا أنه يعذب على الأمر اليسير من السيئات مع كثرة الحسنات ~~وعظمها وأن ms4437 الرجلين اللذين لهما حسنات وسيئات يغفر لأحدهما مع كثرة سيئاته ~~وقلة حسناته ويعاقب الآخر على السيئة الواحدة مع كثرة حسناته ويجعل درجة ~~ذاك في الجنة فوق درجة الثاني. وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله الناس بلا ذنب ~~وأن يكلفهم ما لا يطيقون ويعذبهم على تركه والصحابة إنما هربوا وخافوا أن ~~يكون الأمر من هذا الجنس فقالوا: لا طاقة لنا بهذا؛ فإنه إن كلفنا ما لا ~~نطيق عذبنا فنسخ الله هذا الظن وبين أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وبين بطلان ~~قول هؤلاء الذين يقولون إنه يكلف العبد ما لا يطيقه ويعذبه عليه وهذا القول ~~لم يعرف عن أحد من السلف والأئمة؛ بل أقوالهم تناقض ذلك حتى إن سفيان بن ~~عيينة سئل عن قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قال: إلا يسرها ولم ~~يكلفها طاقتها. قال البغوي: وهذا قول حسن؛ لأن الوسع ما دون الطاقة وإنما ~~قاله طائفة من المتأخرين لما ناظروا المعتزلة في " مسائل القدر " وسلك ~~هؤلاء مسلك الجبر جهم وأتباعه فقالوا هذا القول وصاروا فيه على مراتب وقد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع. قال ابن الأنباري في قوله: {ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تجشم # PageV14P102 # وتحمل مكروه. قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول ~~للرجل ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك؛ لكنه ثقيل عليه النظر إليه قال: ~~ومثله قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} . قلت ليست هذه لغة العرب وحدهم؛ بل ~~هذا مما اتفق عليه العقلاء. و " الاستطاعة في الشرع " هي ما لا يحصل معه ~~للمكلف ضرر راجح كاستطاعة الصيام والقيام فمتى كان يزيد في المرض أو يؤخر ~~البرء لم يكن مستطيعا؛ لأن في ذلك مضرة راجحة؛ بخلاف هؤلاء فإنهم كانوا لا ~~يستطيعون السمع لبغض الحق وثقله عليهم: إما حسدا لقائله وإما اتباعا للهوى ~~ورين الكفر والمعاصي على القلوب وليس هذا عذرا فلو لم يأمر العباد إلا بما ~~يهوونه لفسدت السموات ms4438 والأرض ومن فيهن. # والمقصود أن السلف لم يكن فيهم من يقول: إن العبد لا يكون مستطيعا إلا في ~~حال فعله وأنه قبل الفعل لم يكن مستطيعا فهذا لم يأت الشرع به قط ولا اللغة ~~ولا دل عليه عقل؛ بل العقل يدل على نقيضه كما قد بسط في غير هذا الموضع. ~~والرب تعالى يعلم أن العبد لا يفعل الفعل مع أنه مستطيع له والمعلوم أنه لا ~~يفعله ولا يريده لا أنه لا يقدر عليه والعلم يطابق # PageV14P103 # المعلوم فالله يعلم ممن استطاع الحج والقيام والصيام أنه مستطيع ويعلم أن ~~هذا مستطيع يفعل مستطاعه فالمعلوم هو عدم الفعل لعدم إرادة العبد؛ لا لعدم ~~استطاعته كالمقدورات له التي يعلم أنه لا يفعلها لعدم إرادته لها لا لعدم ~~قدرته عليها والعبد قادر على أن يفعل وقد علم الله أنه لا يفعل مع القدرة؛ ~~ولهذا يعذبه لأنه إنما أمره بما استطاع لا بما لا يستطيع ومن لم يستطع لم ~~يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه. وإذا قيل: فيلزم أن يكون قادرا على ~~تغيير علم الله لأن الله علم أنه لا يفعل فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير ~~علم الله. قيل: هذه مغلطة؛ وذلك أن مجرد قدرته على الفعل لا يلزم فيها ~~تغيير العلم وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل ولو وقع الفعل ~~لكان المعلوم وقوعه؛ لا عدم وقوعه فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله ~~بعدم وقوعه؛ بل إن وقع كان الله قد علم أنه يقع وإن لم يقع كان الله قد علم ~~أنه لا يقع ونحن لا نعرف علم الله إلا بما يظهر وعلم الله مطابق للواقع ~~فيمتنع أن يقع شيء يستلزم تغيير العلم بل أي شيء وقع كان هو المعلوم والعبد ~~الذي لم يفعل لم يأت بشيء يغير العلم؛ بل هو قادر على فعل ما لم يقع # PageV14P104 # ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع. وإذا قيل: فمع عدم ~~وقوعه يعلم الله أنه لا ms4439 يقع فلو قدر العبد على وقوعه قدر على تغيير العلم. ~~قيل ليس الأمر كذلك؛ بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم يوقعه ولو أوقعه لم ~~يكن المعلوم إلا وقوعه فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه فإذا ~~وقع كان الله عالما أنه سيقع وإذا لم يقع كان الله عالما بأنه لا يقع ألبتة ~~فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون ~~لازمه وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال. ومما يلزم هؤلاء أن لا يبقى أحد ~~قادرا على شيء إلا الرب؛ فإن الأمور نوعان: " نوع " علم الله أنه سيكون و " ~~نوع " علم الله أنه لا يكون. ف " الأول " لا بد من وقوعه. و " الثاني " لا ~~يقع ألبتة. فما علم الله أنه سيقع يعلم أنه يقع بمشيئته وقدرته وما علم أنه ~~لا يقع يعلم أنه لا يشاؤه وهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. # PageV14P105 # وأما " المعتزلة " فعندهم أنه يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء وأولئك " ~~المجبرة " في جانب وهؤلاء في جانب وأهل السنة وسط. وما يفعله العباد ~~باختيارهم يعلم سبحانه أنهم فعلوه بقدرتهم ومشيئتهم وما لم يفعلوه مع ~~قدرتهم عليه يعلم أنهم لم يفعلوه لعدم إرادتهم له لا لعدم قدرتهم عليه وهو ~~سبحانه الخالق للعباد ولقدرتهم وإرادتهم وأفعالهم وكل ذلك مقدور للرب وليس ~~هذا مقدورا بين قادرين بل القادر المخلوق هو وقدرته ومقدوره مقدور للخالق ~~مخلوق له. و " المقصود هنا " أن قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} حق والنسخ فيها هو رفع فهم من فهم من الآية ما لم ~~تدل عليه فمن فهم أن الله يكلف نفسا ما لا تسعه فقد نسخ الله فهمه وظنه ومن ~~فهم منها أن المغفرة والعذاب بلا حكمة وعدل فقد نسخ فهمه وظنه فقوله: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} رد للأول وقوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~رد للثاني وقوله: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ms4440 كقوله في آل عمران: {ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم} ~~وقوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض # PageV14P106 # يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير} ونحو ذلك. وقد علمنا ~~أنه لا يغفر أن يشرك به وأنه لا يعذب المؤمنين وأنه يغفر لمن تاب كذلك ~~قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية. ودلت هذه الآية على أنه ~~سبحانه يحاسب بما في النفوس وقد قال عمر: زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ~~وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. و " المحاسبة " تقتضي أن ذلك يحسب ويحصى. ~~وأما " المغفرة والعذاب " فقد دل الكتاب والسنة على أن من في قلبه الكفر ~~وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله وقد عفا الله لهذه الأمة ~~- وهم المؤمنون حقا الذين لم يرتابوا - عما حدثت به أنفسها ما لا تتكلم به ~~أو تعمل كما هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أن الذي يهم بالحسنة تكتب له والذي يهم بالسيئة لا تكتب ~~عليه حتى يعملها} إذا كان مؤمنا من عادته عمل الحسنات وترك السيئات فإن ترك ~~السيئة لله كتبت له حسنة فإذا أبدى العبد ما في نفسه من الشر بقول أو فعل ~~صار من الأعمال التي يستحق عليها الذم والعقاب # PageV14P107 # وإن أخفى ذلك وكان ما أخفاه متضمنا لترك الإيمان بالله والرسول مثل الشك ~~فيما جاء به الرسول أو بغضه كان معاقبا على ما أخفاه في نفسه من ذلك؛ لأنه ~~ترك الإيمان الذي لا نجاة ولا سعادة إلا به وأما إن كان وسواسا والعبد ~~يكرهه فهذا صريح الإيمان كما هو مصرح به في الصحيح. وهذه " الوسوسة " هي ~~مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته ~~صريح الإيمان وقد خاف من خاف من الصحابة من العقوبة على ذلك فقال تعالى: ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} . # و " الوسع " فعل ms4441 بمعنى المفعول أي ما يسعه لا يكلفها ما تضيق عنه فلا ~~تسعه وهو المقدور عليه المستطاع وقال بعض الناس: إن " الوسع " اسم لما يسع ~~الإنسان ولا يضيق عليه. وليس كذلك؛ بل ما يسع الإنسان هو مباح له وما لم ~~يسعه ليس مأمورا به فما يسعه قد يؤمر به وأما ما لا يسعه فهو المباح يقال: ~~يسعني أن أفعل كذا ولا يسعني أن أفعل كذا والمباح هو الواسع ومنه باحة ~~الدار فالمباح لك أن تفعله هو يسعك ولا تخرج عنه ومنه يقال: رحم الله من ~~وسعته السنة فلم يتعدها إلى البدعة: أي فيما أمر الله به وما # PageV14P108 # أباحه ما يكفي المؤمن المتبع في دينه ودنياه لا يحتاج أن يخرج عنه إلى ما ~~نهي عنه. وأما ما كلفت به فهو ما أمرت بفعله وذلك يكون مما تسعه أنت لا مما ~~يسعك هو وقد يقال: لا يسعني تركه؛ بل تركه محرم وقد قال تعالى: {تلك حدود ~~الله فلا تقربوها} وهو أول الحرام وقال: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} وهي ~~آخر الحلال وقال: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم} وهذا التغيير نوعان: أحدهما: أن يبدوا ذلك فيبقى قولا ~~وعملا يترتب عليه الذم والعقاب. # والثاني أن يغيروا الإيمان الذي في قلوبهم بضده من الريب والشك والبغض ~~ويعزموا على ترك فعل ما أمر الله به ورسوله فيستحقون العذاب هنا على ترك ~~المأمور وهناك على فعل المحظور. وكذلك ما في النفس مما يناقض محبة الله ~~والتوكل عليه والإخلاص له والشكر له يعاقب عليه؛ لأن هذه الأمور كلها واجبة ~~فإذا خلي القلب عنها واتصف بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات. # PageV14P109 # وبهذا التفصيل تزول شبه كثيرة ويحصل الجمع بين النصوص فإنها كلها متفقة ~~على ذلك فالمنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يعاقبون على أنهم لم تؤمن ~~قلوبهم؛ بل أضمرت الكفر قال تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} ~~وقال: {في قلوبهم مرض} وقال: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ms4442 قلوبهم} ~~فالمنافق لا بد أن يظهر في قوله وفعله ما يدل على نفاقه وما أضمره كما قال ~~عثمان بن عفان: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات ~~لسانه وقد قال تعالى عن المنافقين: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} ~~ثم قال: {ولتعرفنهم في لحن القول} وهو جواب قسم محذوف أي: والله لتعرفهم في ~~لحن القول فمعرفة المنافق في لحن القول لا بد منها وأما معرفته بالسيما ~~فموقوفة على المشيئة. ولما كانت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه} خبرا من الله؛ ليس فيها إثبات إيمان للعبد بخلاف الآيتين بعدها كما ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ~~ليلة كفتاه} متفق عليه وهما قوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون} إلى آخرها. وكلام السلف يوافق ما ذكرناه قال ابن عباس: هذه ~~الآية لم تنسخ ولكن الله إذا جمع الخلائق يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في ~~أنفسكم # PageV14P110 # مما لم تطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به ~~أنفسهم وهو قوله: {يحاسبكم به الله} يقول: يخبركم به الله وأما أهل الشرك ~~والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب وهو قوله: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} . وقد روي عن ابن عباس: أنها نزلت في كتمان الشهادة وروي ذلك عن ~~عكرمة والشعبي وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب وذلك ككتمان العيب الذي ~~يجب إظهاره وكتمان العلم الذي يجب إظهاره وعن مجاهد أنه الشك واليقين وهذا ~~أيضا من باب ترك الواجب؛ لأن اليقين واجب وروي عن عائشة: ما أعلنت فإن الله ~~يحاسبك به وأما ما أخفيت فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا. وهذا قد يكون ~~مما يعاقب فيه العبد بالغم كما سئل سفيان بن عيينة عن غم لا يعرف سببه قال ~~هو ذنب هممت به في سرك ولم تفعله فجزيت هما به. فالذنوب لها عقوبات: السر ~~بالسر والعلانية بالعلانية وروي عنها مرفوعا {قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله ms4443 عليه وسلم عن هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله} فقال يا عائشة هذه معاتبة الله العبد مما يصيبه من النكبة والحمى حتى ~~الشوكة والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع لها فيجدها في جيبه حتى إن ~~المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير} . # PageV14P111 # قلت: هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يعاقب به المؤمن في الدنيا؛ وليس ~~فيه أن كل ما أخفاه يعاقب به بل فيه أنه إذا عوقب على ما أخفاه عوقب بمثل ~~ذلك وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة. وقد روى الروياني في مسنده من طريق ~~الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ~~وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه العقوبة بذنبه حتى يوافيه بها يوم القيامة} ~~وقد قال تعالى: {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ~~والله خبير بما تعملون} {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة ~~منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور} . فهؤلاء كانوا في ظنهم ظن الجاهلية ظنا ~~ينافي اليقين بالقدر وظنا ينافي بأن الله ينصر رسوله فكان عقابهم على ترك ~~اليقين ووجود الشك وظن الجاهلية ومثل هذا كثير. # PageV14P112 # ومما يدخل في ذلك نيات الأعمال فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ~~نوى. و " النية " هي مما يخفيه الإنسان في نفسه فإن كان قصده ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى استحق الثواب وإن كان قصده رياء الناس استحق العقاب كما قال ms4444 ~~تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} وقال: ~~{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} . وفي حديث أبي هريرة ~~الصحيح في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار في الذي تعلم وعلم ليقال: ~~عالم قارئ والذي قاتل ليقال جريء وشجاع. والذي تصدق ليقال جواد وكريم ~~فهؤلاء إنما كان قصدهم مدح الناس لهم وتعظيمهم لهم وطلب الجاه عندهم؛ لم ~~يقصدوا بذلك وجه الله وإن كانت صور أعمالهم صورا حسنة فهؤلاء إذا حوسبوا ~~كانوا ممن يستحق العذاب كما في الحديث: {من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ~~ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فله من عمله النار} وفي ~~الحديث الآخر: {من طلب علما مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا ليصيب به ~~عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام} ~~. وفي " الجملة " القلب هو الأصل كما قال أبو هريرة: القلب ملك الأعضاء ~~والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا # PageV14P113 # خبث خبثت جنوده وهذا كما في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ~~وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب} فصلاحه وفساده يستلزم صلاح ~~الجسد وفساده فيكون هذا مما أبداه لا مما أخفاه. وكل ما أوجبه الله على ~~العباد لا بد أن يجب على القلب فإنه الأصل وإن وجب على غيره تبعا فالعبد ~~المأمور المنهي إنما يعلم بالأمر والنهي قلبه وإنما يقصد بالطاعة والامتثال ~~القلب والعلم بالمأمور والامتثال يكون قبل وجود الفعل المأمور به كالصلاة ~~والزكاة والصيام وإذا كان العبد قد أعرض عن معرفة الأمر وقصد الامتثال كان ~~أول المعصية منه؛ بل كان هو العاصي وغيره تبع له في ذلك؛ ولهذا قال في حق ~~الشقي: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب وتولى} الآيات وقال في حق السعداء: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} في غير موضع والمأمور نوعان. " نوع " هو ms4445 عمل ~~ظاهر على الجوارح وهذا لا يكون إلا بعلم القلب وإرادته. فالقلب هو الأصل ~~فيه كالوضوء والاغتسال وكأفعال الصلاة: من القيام والركوع والسجود. وأفعال ~~الحج: من الوقوف والطواف # PageV14P114 # وإن كانت أقوالا فالقلب أخص بها فلا بد أن يعلم القلب وجود ما يقوله أو ~~بما يقول ويقصده. # ولهذا كانت الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده ~~فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه ~~إيمان ولا كفر ولا عقد من العقود ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين وكذلك ~~النائم إذا تكلم في منامه فأقواله كلها لغو سواء تكلم المجنون والنائم ~~بطلاق أو كفر أو غيره وهذا بخلاف الطفل؛ فإن المجنون والنائم إذا أتلف مالا ~~ضمنه ولو قتل نفسا وجبت ديتها كما تجب دية الخطأ. وتنازع العلماء في ~~السكران مع اتفاقهم أنه لا تصح صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم {مروهم ~~بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} وهو معروف في ~~السنن. وتنازعوا في عقود السكران كطلاقه وفي أفعاله المحرمة كالقتل والزنا ~~هل يجرى مجرى العاقل أو مجرى المجنون أو يفرق بين أقواله وأفعاله وبين بعض ~~ذلك وبعض؟ على عدة أقوال معروفة. والذي تدل عليه النصوص والأصول وأقوال ~~الصحابة: أن أقواله هدر - كالمجنون - لا يقع بها طلاق ولا غيره؛ فإن الله ~~تعالى قد قال: # PageV14P115 # {حتى تعلموا ما تقولون} فدل على أنه لا يعلم ما يقول والقلب هو الملك ~~الذي تصدر الأقوال والأفعال عنه فإذا لم يعلم ما يقول لم يكن ذلك صادرا عن ~~القلب؛ بل يجري مجرى اللغو والشارع لم يرتب المؤاخذة إلا على ما يكسبه ~~القلب من الأقوال والأفعال الظاهرة كما قال: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب ولم يتعمدها وكذلك ~~ما يحدث به المرء نفسه لم يؤاخذ منه إلا بما قاله أو فعله وقال قوم: إن ~~الله قد أثبت للقلب كسبا فقال: {بما كسبت قلوبكم} فليس لله عبد أسر ms4446 عملا أو ~~أعلنه من حركة في جوارحه أو هم في قلبه إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ثم ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. واحتجوا بقوله تعالى: {إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} وهذا القول ضعيف شاذ؛ فإن قوله: {يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم} إنما ذكره لبيان أنه يؤاخذ في الأعمال بما كسب القلب لا ~~يؤاخذ بلغو الأيمان كما قال: {بما عقدتم الأيمان} فالمؤاخذة لم تقع إلا بما ~~اجتمع فيه كسب القلب مع عمل الجوارح فأما ما وقع في النفس؛ فإن الله تجاوز ~~عنه ما لم يتكلم به أو يعمل وما وقع من لفظ أو حركة بغير قصد القلب وعلمه ~~فإنه لا يؤاخذ به. و " أيضا " فإذا كان السكران لا يصح طلاقه والصبي المميز ~~تصح # PageV14P116 # صلاته ثم الصبي لا يقع طلاقه فالسكران أولى وقد {قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لماعز لما اعترف بالحد: أبك جنون؟ قال: لا ثم أمر باستنكاهه لئلا يكون ~~سكران} فدل على أن إقرار السكران باطل وقضية ماعز متأخرة بعد تحريم الخمر ~~فإن الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أحد باتفاق الناس وقد ثبت عن عثمان وغيره من ~~الصحابة كعبد الله بن عباس أن طلاق السكران لا يقع ولم يثبت عن صحابي ~~خلافه. والذين أوقعوا طلاقه لم يذكروا إلا مأخذا ضعيفا وعمدتهم أنه عاص ~~بإزالة عقله وهذا صحيح يوجب عقوبته على المعصية التي هي الشرب فيحد على ذلك ~~وأما الطلاق فلا يعاقب به مسلم على المعصية ولو كان كذلك لكان كل من شرب ~~الخمر أو سكر طلقت امرأته وإنما قال من قال: إذا تكلم به طلقت فهم اعتبروا ~~كلامه لا معصيته ثم إنه في حال سكره قد يعتق والعتق قربة فإن صححوا عتقه ~~بطل الفرق وإن ألغوه فإلغاء الطلاق أولى فإن الله يحب العتق ولا يحب ~~الطلاق. ثم من علل ذلك بالمعصية لزمه طرد ذلك فيمن زال عقله بغير مسكر ~~كالبنج وهو قول من يسوي بين البنج والسكران من أصحاب الشافعي وموافقيه كأبي ~~الخطاب والأكثرون ms4447 على الفرق وهو منصوص # PageV14P117 # أحمد وأبي حنيفة وغيرهما؛ لأن الخمر تشتهيها النفس وفيها الحد؛ بخلاف ~~البنج فإنه لا حد فيه؛ بل فيه التعزير؛ لأنه لا يشتهى كالميتة والدم ولحم ~~الخنزير فيها التعزير وعامة العلماء على أنه لا حد فيها إلا قولا نقل عن ~~الحسن فهذا فيمن زال عقله. وأما إذا كان يعلم ما يقول فإن كان مختارا قاصدا ~~لما يقوله فهذا هو الذي يعتبر قوله وإن كان مكرها فإن أكره على ذلك بغير حق ~~فهذا عند جمهور العلماء أقواله كلها لغو مثل كفره وإيمانه وطلاقه وغيره ~~وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وأبو حنيفة وطائفة يفرقون بين ما ~~يقبل الفسخ وما لا يقبله. قالوا: فما يقبل الفسخ لا يلزم من المكره كالبيع؛ ~~بل يقف على إجازته له وما لا يقبل الفسخ كالنكاح والطلاق واليمين فإنه يلزم ~~من المكره. والجمهور ينازعون في هذا الفرق: في ثبوت الوصف وفي تعلق الحكم ~~به؛ فإنهم يقولون: النكاح ونحوه يقبل الفسخ وكذلك العتق يقبل الفسخ عند ~~الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد حتى إن المكاتب قد يحكمون بعتقه ثم ~~يفسخون العتق ويعيدونه عبدا والأيمان المنعقدة تقبل التحلة كما قال تعالى: ~~{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . # PageV14P118 # وبسط الكلام على هذا له موضع آخر. # و " المقصود هنا " أن ### | القلب هو الأصل في جميع الأفعال والأقوال # فما أمر الله به من الأفعال الظاهرة فلا بد فيه من معرفة القلب وقصده وما ~~أمر به من الأقوال وكل ما تقدم والمنهي عنه من الأقوال والأفعال إنما يعاقب ~~عليه إذا كان بقصد القلب وأما ثبوت بعض الأحكام كضمان النفوس والأموال إذا ~~أتلفها مجنون أو نائم أو مخطئ أو ناس فهذا من باب العدل في حقوق العباد ليس ~~هو من باب العقوبة. فالمأمور به كما ذكرنا " نوعان " نوع ظاهر على الجوارح ~~ونوع باطن في القلب. " النوع الثاني " ما يكون باطنا في القلب كالإخلاص وحب ~~الله ورسوله والتوكل عليه والخوف منه وكنفس إيمان القلب وتصديقه بما أخبر ~~به الرسول فهذا النوع تعلقه ms4448 بالقلب ظاهر فإنه محله وهذا النوع هو أصل النوع ~~الأول وهو أبلغ في الخير والشر من الأول فنفس إيمان القلب وحبه وتعظيمه لله ~~وخوفه ورجائه والتوكل عليه وإخلاص الدين له لا يتم شيء من المأمور به ظاهرا ~~إلا بها وإلا فلو عمل أعمالا ظاهرة بدون هذه كان منافقا وهي في أنفسها توجب ~~لصاحبها أعمالا ظاهرة توافقها وهي أشرف من فروعها كما قال تعالى: # PageV14P119 # {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} . وكذلك تكذيب ~~الرسول بالقلب وبغضه وحسده والاستكبار عن متابعته أعظم إثما من أعمال ظاهرة ~~خالية عن هذا كالقتل والزنا والشرب والسرقة وما كان كفرا من الأعمال ~~الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما ~~لكفر الباطن وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له بل ~~قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين ~~يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله كما ذكر ~~أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين ~~حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر. ~~وهنا " أصول " تنازع الناس فيها. منها أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ~~ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ ~~فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على ~~الجوارح فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط ~~بالإسلام ولا فعل شيئا من واجباته بلا خوف فهذا لا يكون مؤمنا في الباطن؛ ~~وإنما هو كافر. # PageV14P120 # وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمنا في الباطن. . . (1) وأن مجرد معرفة ~~القلب وتصديقه يكون إيمانا يوجب الثواب يوم القيامة بلا قول ولا عمل ظاهر ~~وهذا باطل شرعا وعقلا كما قد بسط في غير هذا الموضع وقد كفر السلف كوكيع ~~وأحمد وغيرهما من يقول بهذا القول وقد قال النبي ms4449 صلى الله عليه وسلم {إن في ~~الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} ~~فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن ~~القلب غير صالح والقلب المؤمن صالح فعلم أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به ~~لا يكون قلبه مؤمنا حتى إن المكره إذا كان في إظهار الإيمان فلا بد أن ~~يتكلم مع نفسه وفي السر مع من يأمن إليه ولا بد أن يظهر على صفحات وجهه ~~وفلتات لسانه كما قال عثمان. وأما إذا لم يظهر أثر ذلك لا بقوله ولا بفعله ~~قط فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان. وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا ~~يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن ولو بوجه من الوجوه ~~وإن لم يظهر كل موجبه لمعارض فالمقتضي لظهور موجبه قائم؛ والمعارض لا يكون ~~لازما للإنسان لزوم القلب له؛ وإنما يكون في بعض الأحوال متعذرا إذا ~~PageV14P121 # كتم ما في قلبه كمؤمن آل فرعون مع أنه قد دعا إلى الإيمان دعاء ظهر به من ~~إيمان قلبه ما لا يظهر من إيمان من أعلن إيمانه بين موافقيه وهذا في معرفة ~~القلب وتصديقه. ومنها قصد القلب وعزمه إذا قصد الفعل وعزم عليه مع قدرته ~~على ما قصده هل يمكن أن لا يوجد شيء مما قصده وعزم عليه؟ فيه قولان أصحهما ~~أنه إذا حصل القصد الجازم مع القدرة وجب وجود المقدور وحيث لم يفعل العبد ~~مقدوره دل على أنه ليس هناك قصد جازم وقد يحصل قصد جازم مع العجز عن ~~المقدور لكن يحصل معه مقدمات المقدور وقيل: بل قد يمكن حصول العزم التام ~~بدون أمر ظاهر. وهذا نظير قول من قال ذلك في المعرفة والتصديق وهما من ~~أقوال أتباع جهم الذين نصروا قوله في الإيمان كالقاضي أبي بكر وأمثاله ~~فإنهم نصروا قوله وخالفوا السلف والأئمة وعامة طوائف المسلمين. وبهذا ينفصل ~~النزاع في " مؤاخذة العبد بالهمة " فمن الناس: من قال: يؤاخذ ms4450 بها إذا كانت ~~عزما ومنهم من قال: لا يؤاخذ بها والتحقيق: أن الهمة إذا صارت عزما فلا بد ~~أن يقترن بها قول أو # PageV14P122 # فعل؛ فإن الإرادة مع القدرة تستلزم وجود المقدور. والذين قالوا: يؤاخذ ~~بها احتجوا بقوله: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار} الحديث وهذا لا حجة فيه؛ فإنه ذكر ذلك في رجلين اقتتلا كل منهما ~~يريد قتل الآخر وهذا ليس عزما مجردا؛ بل هو عزم مع فعل المقدور؛ لكنه عاجز ~~عن إتمام مراده وهذا يؤاخذ باتفاق المسلمين فمن اجتهد على شرب الخمر وسعى ~~في ذلك بقوله وعمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين وهو كالشارب وإن لم ~~يقع منه شرب وكذلك من اجتهد على الزنا والسرقة ونحو ذلك بقوله وعمله ثم عجز ~~فهو آثم كالفاعل ومثل ذلك في قتل النفس وغيره كما جعل الداعي إلى الخير له ~~مثل أجر المدعو ووزره لأنه أراد فعل المدعو وفعل ما يقدر عليه فالإرادة ~~الجازمة مع فعل المقدور من ذلك فيحصل له مثل أجر الفاعل ووزره وقد قال ~~تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم} الآية. وفصل الخطاب في الآية أن {أولي الضرر} ~~نوعان: نوع لهم عزم تام على الجهاد ولو تمكنوا لما قعدوا ولا تخلفوا وإنما ~~أقعدهم العذر فهم كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV14P123 # إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: ~~وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر} وهم أيضا كما قال في حديث أبي ~~كبشة الأنماري {هما في الأجر سواء} وكما في حديث أبي موسى {إذا مرض العبد ~~أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما} فأثبت له مثل ذلك العمل؛ ~~لأن عزمه تام وإنما منعه العذر. والنوع الثاني من " أولي الضرر " الذين ليس ~~لهم عزم على الخروج فهؤلاء يفضل عليهم الخارجون المجاهدون وأولو الضرر ~~العازمون عزما جازما على الخروج وقوله تعالى {غير أولي الضرر} سواء كان ~~استثناء أو صفة ms4451 دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفي الاستواء فإذا ~~فصل الأمر فيهم بين العازم وغير العازم بقيت الآية على ظاهرها ولو جعل ~~قوله: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} عاما في ~~أهل الضرر وغيرهم لكان ذلك مناقضا لقوله: {غير أولي الضرر} فإن قوله: {لا ~~يستوي القاعدون} {والمجاهدون} إنما فيها نفي الاستواء؛ فإن كان أهل الضرر ~~كلهم كذلك لزم بطلان قوله: {غير أولي الضرر} ولزم أنه لا يساوي المجاهدين ~~قاعد ولو كان من أولي الضرر وهذا خلاف مقصود الآية. و " أيضا " فالقاعدون ~~إذا كانوا من غير أولي الضرر والجهاد # PageV14P124 # ليس بفرض عين فقد حصلت الكفاية بغيرهم؛ فإنه لا حرج عليهم في القعود؛ بل ~~هم موعودون بالحسنى كأولي الضرر وهذا مثل قوله: {لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل} الآية فالوعد بالحسنى شامل لأولي الضرر وغيرهم. فإن قيل: ~~قد قال في الأولى في فضلهم درجة ثم قال في فضلهم {درجات منه ومغفرة ورحمة} ~~كما قال: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم.} فقوله: {أعظم درجة} كما قال في السابقين {أعظم ~~درجة} وهذا نصب على التمييز: أي درجتهم أعظم درجة وهذا يقتضي تفضيلا مجملا ~~يقال: منزلة هذا أعظم وأكبر كذلك قوله: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما} الآيات؛ ليس المراد به أنهم لم يفضلوا عليهم إلا بدرجة فإن في ~~الحديث الصحيح الذي يرويه أبو سعيد وأبو هريرة: {إن في الجنة مائة درجة ~~أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض} ~~الحديث وفي # PageV14P125 # حديث أبي سعيد: {من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له ~~الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرى ms4452 يرفع ~~الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ~~فقال: وما هي يا رسول الله؟ قال الجهاد في سبيل الله} فهذا الحديث الصحيح ~~بين أن المجاهد يفضل على القاعد الموعود بالحسنى من غير أولي الضرر مائة ~~درجة وهو يبطل قول من يقول: إن الوعد بالحسنى والتفضيل بالدرجة مختص بأولي ~~الضرر فهذا القول مخالف للكتاب والسنة. وقد يقال: إن (درجة منصوب على ~~التمييز كما قال أعظم درجة أي فضل درجتهم على درجتهم أفضل كما يقال: فضل ~~هذا على هذا منزلا ومقاما وقد يراد (بالدرجة جنس الدرج وهي المنزلة ~~والمستقر لا يراد به درجة واحدة من العدد وقوله: {وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما} {درجات} منصوب (بفضل لأن التفضيل زيادة للمفضل ~~فالتقدير زادهم عليهم أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة فهذا النزاع في ~~العازم الجازم إذا فعل مقدوره هل يكون كالفاعل في الأجر والوزر أم لا؟ وأما ~~في استحقاق الأجر والوزر فلا نزاع في ذلك وقوله: {إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما} فيه حرص كل واحد منهما على قتل صاحبه وفعل مقدوره فكلاهما مستحق ~~للنار # PageV14P126 # ويبقى الكلام في تساوي القعودين بشيء آخر. وهكذا ### | حال المقتتلين من المسلمين في الفتن # الواقعة بينهم فلا تكون عاقبتهما إلا عاقبة سوء الغالب والمغلوب فإنه لم ~~يحصل له دنيا ولا آخرة كما قال الشعبي: أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة ~~أتقياء ولا فجرة أشقياء وأما الغالب فإنه يحصل له حظ عاجل ثم ينتقم منه في ~~الآخرة وقد يعجل الله له الانتقام في الدنيا كما جرى لعامة الغالبين في ~~الفتن فإنهم أصيبوا في الدنيا كالغالبين في الحرة وفتنة أبي مسلم الخراساني ~~ونحو ذلك. وأما من قال: إنه لا يؤاخذ بالعزم القلبي فاحتجوا بقوله صلى الله ~~عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها} وهذا ليس فيه أنه عاف ~~لهم عن العزم بل فيه أنه عفا عن حديث النفس إلى أن يتكلم أو يعمل فدل على ~~أنه ما لم يتكلم أو ms4453 يعمل لا يؤاخذ؛ ولكن ظن من ظن أن ذلك عزما وليس كذلك؛ ~~بل ما لم يتكلم أو يعمل لا يكون عزما؛ فإن العزم لا بد أن يقترن به المقدور ~~وإن لم يعمل العازم إلى المقصود فالذي يعزم على القتل أو الزنا أو نحوه ~~عزما جازما لا بد أن يتحرك ولو برأسه أو يمشي أو يأخذ آلة أو يتكلم كلمة أو ~~يقول أو يفعل شيئا فهذا كله ما يؤاخذ به كزنا العين واللسان والرجل فإن هذا ~~يؤاخذ به وهو من مقدمات الزنا التام # PageV14P127 # بالفرج وإنما وقع العفو عما ما لم يبرز خارجا بقول أو فعل ولم يقترن به ~~أمر ظاهر قط فهذا يعفى عنه لمن قام بما يجب على القلب من فعل المأمور به ~~سواء كان المأمور به في القلب وموجبه في الجسد أو كان المأمور به ظاهرا في ~~الجسد وفي القلب معرفته وقصده فهؤلاء إذا حدثوا أنفسهم بشيء كان عفوا مثل ~~هم ثابت بلا فعل ومثل الوسواس الذي يكرهونه وهم يثابون على كراهته وعلى ترك ~~ما هموا به وعزموا عليه لله تعالى وخوفا منه. # PageV14P128 # وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: # اعلم أن الله سبحانه وتعالى أعطى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وبارك ~~خواتيم (سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤت منه نبي قبله ومن تدبر هذه ~~الآيات وفهم ما تضمنته من حقائق الدين وقواعد الإيمان الخمس والرد على كل ~~مبطل وما تضمنته من كمال نعم الله تعالى على هذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمته ومحبة الله سبحانه لهم وتفضيله إياهم على من سواهم فليهنه العلم ولو ~~ذهبنا نستوعب الكلام فيها لخرجنا عن مقصود الكتاب ولكن لا بد من كليمات ~~يسيرة تشير إلى بعض ذلك فنقول: لما كانت (سورة البقرة) سنام القرآن وأكثر ~~سوره أحكاما وأجمعها لقواعد الدين: أصوله وفروعه وهي مشتملة على ذكر " ~~أقسام الخلق ": المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر أوصافهم وأعمالهم. وذكر ~~الأدلة الدالة على إثبات الخالق - سبحانه وتعالى - وعلى وحدانيته وذكر نعمه ~~وإثبات نبوة رسوله صلى الله ms4454 عليه وسلم، # PageV14P129 # وتقرير المعاد وذكر الجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب. ثم ذكر ~~تخليق العالم العلوي والسفلي. ثم ذكر خلق آدم عليه السلام وإنعامه عليه ~~بالتعليم وإسجاد ملائكته له وإدخاله الجنة ثم ذكر محنته مع إبليس وذكر حسن ~~عاقبة آدم عليه السلام. ثم ذكر " المناظرة " مع أهل الكتاب من اليهود ~~وتوبيخهم على كفرهم وعنادهم ثم ذكر النصارى والرد عليهم وتقرير عبودية ~~المسيح ثم تقرير النسخ والحكمة في وقوعه. ثم بناء البيت الحرام وتقرير ~~تعظيمه وذكر بانيه والثناء عليه ثم تقرير الحنيفية ملة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وتسفيه من رغب عنها ووصية بنيه بها وهكذا شيئا فشيئا إلى آخر ~~السورة فختمها الله تعالى بآيات جوامع مقررة لجميع مضمون السورة فقال ~~تعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} . ~~فأخبر تعالى: أن ما في السموات وما في الأرض ملكه وحده لا # PageV14P130 # يشاركه فيه مشارك وهذا يتضمن انفراده بالملك الحق والملك العام لكل موجود ~~وذلك يتضمن توحيد ربوبيته وتوحيد إلهيته فتضمن نفي الولد والصاحبة والشريك؛ ~~لأن ما في السموات وما في الأرض إذا كان ملكه وخلقه لم يكن له فيهم ولد ولا ~~صاحبة ولا شريك. وقد استدل سبحانه بعين هذا الدليل في سورة الأنعام وسورة ~~مريم فقال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شيء} وقال تعالى في سورة مريم: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} ~~{إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} ويتضمن ذلك أن الرغبة ~~والسؤال والطلب والافتقار لا يكون إلا إليه وحده؛ إذ هو المالك لما في ~~السموات والأرض. ولما كان تصرفه سبحانه في خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان ~~وهو تصرف بخلقه وأمره وأخبر أن ما في السموات وما في الأرض ملكه فما تصرف ~~خلقا وأمرا إلا في ملكه الحقيقي وكانت سورة البقرة مشتملة من الأمر والخلق ms4455 ~~على ما لم يشتمل عليه سورة غيرها - أخبر تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال ~~تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فهذا متضمن ~~لكمال علمه # PageV14P131 # سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه ~~كما لم يخرج شيء ممن في السموات والأرض عن ملكه فعلمه عام وملكه عام. ثم ~~أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه فتضمن ذلك ~~علمه بهم وتعريفهم إياه ثم قال: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فتضمن ذلك ~~قيامه عليهم بالعدل والفضل فيغفر لمن يشاء فضلا ويعذب من يشاء عدلا وذلك ~~يتضمن الثواب والعقاب المستلزم للأمر والنهي المستلزم للرسالة والنبوة. ثم ~~قال تعالى: {والله على كل شيء قدير} فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته ~~ألبتة وأن كل مقدور واقع بقدره ففي ذلك رد على المجوس الثنوية والفلاسفة ~~والقدرية المجوسية وعلى كل من أخرج شيئا من المقدورات عن خلقه وقدرته - وهم ~~طوائف كثيرون. فتضمنت الآية إثبات التوحيد وإثبات العلم بالجزئيات والكليات ~~وإثبات الشرائع والنبوات وإثبات المعاد والثواب والعقاب وقيام الرب على ~~خلقه بالعدل والفضل وإثبات كمال القدرة وعمومها وذلك يتضمن حدوث العالم ~~بأسره؛ لأن القديم لا يكون مقدورا ولا مفعولا. ثم إن إثبات كمال علمه ~~وقدرته يستلزم إثبات سائر صفاته # PageV14P132 # العلى وله من كل صفة اسم حسن فيتضمن إثبات أسمائه الحسنى وكمال القدرة ~~يستلزم أن يكون فعالا لما يريد وذلك يتضمن تنزيهه عن كل ما يضاد كماله ~~فيتضمن تنزيهه عن الظلم المنافي لكمال غناه وكمال علمه؛ إذ الظلم إنما يصدر ~~عن محتاج أو جاهل وأما الغني عن كل شيء العالم بكل شيء سبحانه فإنه يستحيل ~~منه الظلم كما يستحيل عليه العجز المنافي لكمال قدرته والجهل المنافي لكمال ~~علمه. فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة وأفصح لفظ وأوضح معنى. ~~وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة؛ بل إنما ~~تقتضي محاسبة الرب عبده بها وهي أعم ms4456 من العقاب والأعم لا يستلزم الأخص وبعد ~~محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ ~~فيها ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها فمراده بيان معناها والمراد منها ~~وذلك يسمى نسخا في لسان السلف كما يسمون الاستثناء نسخا. ثم قال تعالى: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله} فهذه شهادة الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بإيمانه بما أنزل ~~إليه من ربه وذلك يتضمن إعطاءه # PageV14P133 # ثواب أكمل أهل الإيمان - زيادة على ثواب الرسالة والنبوة - لأنه شارك ~~المؤمنين في الإيمان ونال منه أعلى مراتبه وامتاز عنهم بالرسالة والنبوة ~~وقوله: {أنزل إليه من ربه} يتضمن أنه كلامه الذي تكلم به ومنه نزل لا من ~~غيره كما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك} وقال: {تنزيل من رب ~~العالمين} . وهذا أحد ما احتج به أهل السنة على المعتزلة القائلين بأن الله ~~لم يتكلم بالقرآن قالوا: فلو كان كلاما لغير الله لكان منزلا من ذلك المحل ~~لا من الله؛ فإن القرآن صفة لا تقوم بنفسها؛ بخلاف قوله: {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} فإن تلك أعيان قائمة بنفسها فهي منه خلقا ~~وأما " الكلام " فوصف قائم بالمتكلم فلما كان منه فهو كلامه؛ إذ يستحيل أن ~~يكون منه ولم يتكلم به. ثم شهد تعالى للمؤمنين بأنهم آمنوا بما آمن به ~~رسولهم ثم شهد لهم جميعا بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله فتضمنت ~~هذه الشهادة إيمانهم بقواعد الإيمان الخمسة التي لا يكون أحد مؤمنا إلا بها ~~وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد ذكر تعالى هذه ~~الأصول الخمسة في أول السورة ووسطها # PageV14P134 # وآخرها فقال في أولها: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون} فالإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من قبله يتضمن ~~الإيمان بالكتب والرسل والملائكة ثم قال: {وبالآخرة هم يوقنون} والإيمان ~~بالله يدخل في الإيمان بالغيب وفي الإيمان بالكتب والرسل فتضمنت ms4457 الإيمان ~~بالقواعد الخمس. وقال في وسطها: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين} ثم حكى عن أهل الإيمان أنهم قالوا: {لا نفرق ~~بين أحد من رسله} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض فلا ينفعنا إيماننا بمن آمنا به ~~منهم كما لم ينفع أهل الكتاب ذلك؛ بل نؤمن بجميعهم ونصدقهم ولا نفرق بينهم ~~وقد جمعتهم رسالة ربهم فنفرق بين من جمع الله بينهم ونعادي رسله ونكون ~~معادين له. فباينوا بهذا الإيمان جميع طوائف الكفار المكذبين لجنس الرسل. ~~والمصدقين لبعضهم المكذبين لبعضهم. وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته ~~وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه الحسنى وعموم قدرته ومشيئته وكمال علمه ~~وحكمته فباينوا بذلك جميع طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه؛ فإن ~~كمال الإيمان بالله يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه وتنزيهه عما نزه نفسه # PageV14P135 # عنه فباينوا بهذين الأمرين جميع طوائف الكفر وفرق أهل الضلال الملحدين في ~~أسماء الله وصفاته. ثم قالوا: {سمعنا وأطعنا} فهذا إقرار منهم بركني ~~الإيمان الذي لا يقوم إلا بهما وهما السمع المتضمن للقبول؛ لا مجرد سمع ~~الإدراك المشترك بين المؤمنين والكفار؛ بل سمع الفهم والقبول و " الثاني " ~~الطاعة المتضمنة لكمال الانقياد وامتثال الأمر وهذا عكس قول الأمة الغضبية ~~سمعنا وعصينا. فتضمنت هذه الكلمات كمال إيمانهم وكمال قبولهم وكمال ~~انقيادهم ثم قالوا: {غفرانك ربنا وإليك المصير} لما علموا أنهم لم يوفوا ~~مقام الإيمان حقه مع الطاعة والانقياد الذي يقتضيه منهم وأنهم لا بد أن ~~تميل بهم غلبات الطباع ودواعي البشرية إلى بعض التقصير في واجبات الإيمان ~~وأنه لا يلم شعث ذلك إلا مغفرة الله تعالى لهم سألوه غفرانه الذي هو غاية ~~سعادتهم ونهاية كمالهم؛ فإن غاية كل مؤمن المغفرة من الله تعالى فقالوا: ~~{غفرانك ربنا} ثم اعترفوا أن مصيرهم ومردهم إلى مولاهم الحق لا بد لهم من ~~الرجوع إليه فقالوا: {وإليك المصير} . فتضمنت هذه الكلمات إيمانهم به ~~ودخولهم تحت طاعته وعبوديته # PageV14P136 # واعترافهم بربوبيته واضطرارهم إلى مغفرته واعترافهم بالتقصير في حقه ~~وإقرارهم برجوعهم إليه. ثم قال تعالى: {لا يكلف الله ms4458 نفسا إلا وسعها} فنفى ~~بذلك ما توهموه من أنه يعذبهم بالخطرات التي لا يملكون دفعها وأنها داخلة ~~تحت تكليفه فأخبرهم أنه لا يكلفهم إلا وسعهم فهذا هو البيان الذي قال فيه ~~ابن عباس وغيره فنسخها الله عنهم بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقد ~~تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه ~~لم يكلفهم ما لا يطيقون وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك. والله تعالى ~~أمرهم بعبادته وضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال ما يسعونه وأعطاهم من الرزق ~~ما يسعهم فتكليفهم يسعونه وأرزاقهم تسعهم فهم في الوسع في رزقه وأمره: ~~وسعوا أمره ووسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد وما يسعه العبد وهذا هو ~~اللائق برحمته وبره وإحسانه وحكمته وغناه؛ لا قول من يقول إنه كلفهم ما لا ~~قدرة لهم عليه ألبتة ولا يطيقونه ثم يعذبهم على ما لا يعملونه. وتأمل قوله ~~عز وجل: {إلا وسعها} كيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه؛ لا في ضيق ~~وحرج ومشقة؛ فإن الوسع # PageV14P137 # يقتضي ذلك فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ~~ولا حرج؛ بخلاف ما يقدر عليه الشخص فإنه قد يكون مقدورا له ولكن فيه ضيق ~~وحرج عليه وأما وسعه الذي هو منه في سعة فهو دون مدى الطاقة والمجهود؛ بل ~~لنفسه فيه مجال ومتسع وذلك مناف للضيق والحرج {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} بل {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال سفيان بن عيينة في ~~قوله: {إلا وسعها} إلا يسرها لا عسرها ولم يكلفها طاقتها ولو كلفها طاقتها ~~لبلغ المجهود. فهذا فهم أئمة الإسلام وأين هذا من قول من قال إنه كلفهم ما ~~لا يطيقونه ألبتة ولا قدرة لهم عليه؟ ثم أخبر تعالى أن ثمرة هذا التكليف ~~وغايته عائدة عليهم وأنه تعالى يتعالى عن انتفاعه بكسبهم وتضرره باكتسابهم؛ ~~بل لهم كسبهم ونفعه. وعليهم اكتسابهم وضرره فلم يأمرهم بما ms4459 أمرهم به حاجة ~~منه إليهم؛ بل رحمة وإحسانا وتكرما ولم ينههم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم ~~بل حمية وحفظا وصيانة وعافية. وفيه أيضا أن نفسا لا تعذب باكتساب غيرها ولا ~~تثاب بكسبه ففيه معنى قوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} . # PageV14P138 # وفيه أيضا إثبات كسب النفس المنافي للجبر. وفيه أيضا اجتماع الحكمة فيه ~~فإما كسب خيرا أو اكتسب شرا لم يبطل اكتسابه كسبه كما يقوله أهل الإحباط ~~والتخليد؛ فإنهم يقولون: إن عليه ما اكتسب وليس له ما كسب فالآية رد على ~~جميع هذه الطوائف فتأمل كيف أتى فيما لها بالكسب الحاصل ولو لأدنى ملابسة ~~وفيما عليها بالاكتساب الدال على الاهتمام والحرص والعمل؛ فإن اكتسب أبلغ ~~من كسب ففي ذلك تنبيه على غلبة الفضل للعدل والرحمة للغضب. ثم لما كان ما ~~كلفهم به عهودا منه ووصايا وأوامر تجب مراعاتها والمحافظة عليها وأن لا يخل ~~بشيء منها؛ ولكن غلبة الطباع البشرية تأبى إلا النسيان والخطأ والضعف ~~والتقصير أرشدهم الله تعالى إلى أن يسألوه مسامحته إياهم في ذلك كله ورفع ~~موجبه عنهم بقولهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل ~~علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} أي لا تكلفنا من الآصار التي ~~يثقل حملها ما كلفته من قبلنا؛ فإنا أضعف أجسادا وأقل احتمالا. ثم لما ~~علموا أنهم غير منفكين مما يقضيه ويقدره عليهم كما أنهم غير منفكين مما ~~يأمرهم به وينهاهم عنه سألوه التخفيف في قضائه وقدره # PageV14P139 # كما سألوه التخفيف في أمره ونهيه فقالوا: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به} فهذا في القضاء والقدر والمصائب وقولهم {ربنا ولا تحمل علينا إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا} في الأمر والنهي والتكليف فسألوه التخفيف في ~~النوعين. ثم سألوه العفو والمغفرة والرحمة والنصر على الأعداء؛ فإن بهذه ~~الأربعة تتم لهم النعمة المطلقة ولا يصفو عيش في الدنيا والآخرة إلا بها ~~وعليها مدار السعادة والفلاح فالعفو متضمن لإسقاط حقه قبلهم ومسامحتهم به ~~والمغفرة ms4460 متضمنة لوقايتهم شر ذنوبهم وإقباله عليهم ورضاه عنهم؛ بخلاف العفو ~~المجرد؛ فإن العافي قد يعفو ولا يقبل على من عفا عنه ولا يرضى عنه فالعفو ~~ترك محض والمغفرة إحسان وفضل وجود والرحمة متضمنة للأمرين مع زيادة الإحسان ~~والعطف والبر فالثلاثة تتضمن النجاة من الشر والفوز بالخير والنصرة تتضمن ~~التمكين من إعلان عبادته وإظهار دينه وإعلاء كلمته وقهر أعدائه وشفاء ~~صدورهم منهم وإذهاب غيظ قلوبهم وحزازات نفوسهم وتوسلوا في خلال هذا الدعاء ~~إليه باعترافهم أنه مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه فهو ناصرهم وهاديهم ~~وكافيهم ومعينهم ومجيب دعواتهم ومعبودهم. فلما تحققت قلوبهم بهذه المعارف ~~وانقادت وذلت لعزة ربها ومولاها وأجابتها جوارحهم أعطوا كلما سألوه من ذلك ~~فلم يسألوا # PageV14P140 # شيئا منه إلا قال الله تعالى: قد فعلت كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك. فهذه كلمات قصيرة مختصرة في معرفة مقدار هذه الآيات ~~العظيمة الشأن الجليلة المقدار التي خص الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأمته من كنز تحت العرش. وبعد ففيها من المعارف وحقائق العلوم ما تعجز ~~عقول البشر عن الإحاطة به والله المرغوب إليه أن لا يحرمنا الفهم في كتابه ~~إنه رحيم ودود. والحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وآله ~~وصحبه أجمعين. # PageV14P141 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في الدعاء المذكور في آخر (سورة البقرة) وهو قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا} إلى آخرها. قد ثبت في صحيح مسلم: {أنه قال قد فعلت} وكذلك ~~في صحيحه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أعطيت ~~فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم تقرأ بحرف منها إلا ~~أعطيته} وفي صحيحه أيضا عن ابن مسعود قال: {لما أسري برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما ~~يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: ~~{إذ يغشى السدرة ms4461 ما يغشى} قال: فراش من ذهب قال: فأعطي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثا أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن مات ~~من أمته لا يشرك بالله شيئا المقحمات} . # PageV14P142 # قال بعض الناس إذا كان هذا الدعاء قد أجيب فطلب ما فيه من باب تحصيل ~~الحاصل وهذا لا فائدة فيه فيكون هذا الدعاء عبادة محضة ليس المقصود به ~~السؤال وهذا القول قد قاله طائفة في جميع الدعاء أنه إن كان المطلوب مقدرا ~~فلا حاجة إلى سؤاله وطلبه وإن كان غير مقدر لم ينفع الدعاء - دعوت أو لم ~~تدع - فجعلوا الدعاء تعبدا محضا كما قال ذلك طائفة أخرى في التوكل. وقد ~~بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وذكرنا قول من جعل ذلك أمارة أو ~~علامة بناء على أنه ليس في الوجود سبب يفعل به؛ بل يقترن أحد الحادثين ~~بالآخر قاله طائفة من القدرية النظار وأول من عرف عنه ذلك الجهم بن صفوان ~~ومن وافقه وذكرنا أن " القول الثالث " هو الصواب وهو أن الدعاء والتوكل ~~والعمل الصالح سبب في حصول المدعو به من خير الدنيا والآخرة والمعاصي سبب ~~وأن الحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط وانتفاء الموانع فإذا حصل ~~ذلك حصل المسبب بلا ريب. والمقصود هنا الكلام في الدعاء الذي قد علم أنه ~~أجيب فقال بعض الناس: هذا تعبد محض لحصول المطلوب بدون دعائنا فلا يبقى ~~سببا ولا علامة وهذا ضعيف. # PageV14P143 # أما أولا فإن العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه لا يأمر الله به وهذا بناء ~~على قول السلف: إن الله لم يخلق ولم يأمر إلا لحكمة كما لم يخلق ولم يأمر ~~إلا لسبب. والذين ينكرون الأسباب والحكم يقولون بل يأمر بما لا منفعة فيه ~~للعباد ألبتة وإن أطاعوه وفعلوا ما أمرهم به كما بسط الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع. والمقصود أن كل ما أمر الله به أمر به لحكمة وما نهى عنه نهى ~~لحكمة وهذا مذهب أئمة الفقهاء قاطبة وسلف الأمة وأئمتها وعامتها ms4462 فالتعبد ~~المحض بحيث لا يكون فيه حكمة لم يقع. نعم قد تكون الحكمة في المأمور به وقد ~~تكون في الأمر وقد تكون في كليهما فمن المأمور به ما لو فعله العبد بدون ~~الأمر حصل له منفعة: كالعدل والإحسان إلى الخلق وصلة الرحم وغير ذلك. فهذا ~~إذ أمر به صار فيه " حكمتان " حكمة في نفسه وحكمة في الأمر فيبقى له حسن من ~~جهة نفسه ومن جهة أمر الشارع وهذا هو الغالب على الشريعة وما أمر الشرع به ~~بعد أن لم يكن إنما كانت حكمته لما أمر به. وكذلك ما نسخ زالت حكمته وصارت ~~في بدله كالقبلة. وإذا قدر أن الفعل ليست فيه حكمة أصلا فهل يصير بنفس ~~الأمر فيه حكمة الطاعة؟ وهذا جائز عند من يقول بالتعبد المحض وإن لم يقل # PageV14P144 # بجواز الأمر لكل شيء؛ لكن يجعل من باب الابتلاء والامتحان فإذا فعل صار ~~العبد به مطيعا كنهيهم عن الشرب إلا من اغترف غرفة بيده. والتحقيق أن الأمر ~~الذي هو ابتلاء وامتحان يحض عليه من غير منفعة في الفعل متى اعتقده العبد ~~وعزم على الامتثال حصل المقصود وإن لم يفعله كإبراهيم لما أمر بذبح ابنه ~~وكحديث أقرع وأبرص وأعمى لما طلب منهم إعطاء ابن السبيل فامتنع الأبرص ~~والأقرع فسلبا النعمة وأما الأعمى فبذل المطلوب فقيل له أمسك مالك فإنما ~~ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك وهذا هو الحكمة الناشئة من نفس الأمر ~~والنهي لا من نفس الفعل فقد يؤمر العبد وينهى وتكون الحكمة طاعته للأمر ~~وانقياده له وبذله للمطلوب كما كان المطلوب من إبراهيم تقديم حب الله على ~~حبه لابنه حتى تتم خلته به قبل ذبح هذا المحبوب لله فلما أقدم عليه وقوي ~~عزمه بإرادته لذلك تحقق بأن الله أحب إليه من الولد وغيره ولم يبق في قلبه ~~محبوب يزاحم محبة الله. وكذلك أصحاب طالوت ابتلوا بالامتناع من الشرب ليحصل ~~من إيمانهم وطاعتهم ما تحصل به الموافقة والابتلاء هاهنا كان بنهي لا بأمر ~~وأما رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة ms4463 فالفعل في نفسه مقصود لما تضمنه ~~من ذكر الله. # PageV14P145 # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله في الحديث الذي في السنن ~~{إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله} رواه أبو ~~داود والترمذي وغيرهما فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا له حكمة فكيف ~~يقال لا حكمة؛ بل هو تعبد وابتلاء محض. وأما فعل مأمور في الشرع ليس فيه ~~مصلحة ولا منفعة ولا حكمة إلا مجرد الطاعة والمؤمنون يفعلونه فهذا لا أعرفه ~~بل ما كان من هذا القبيل نسخ بعد العزم كما نسخ إيجاب الخمسين صلاة إلى ~~خمس. و " المعتزلة " تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر؛ ولهذا لم يجوزوا ~~النسخ قبل التمكن وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي ~~الحسن التميمي وبنوه على أصلهم وهو أن الأمر عندهم كاشف عن حسن الفعل ~~الثابت في نفسه لا مثبت لحسن الفعل وأن الأمر لا يكون إلا بحسن وغلطوا في ~~المقدمتين فإن الأمر وإن كان كاشفا عن حسن الفعل فالفعل بالأمر يصير له حسن ~~آخر غير الحسن الأول وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة فقد يأمر بما ~~ليس بحسن في نفسه وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه ~~وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا. والجهمية تنكر أن ~~يكون في الفعل حكمة أصلا في نفسه ولا في نفس # PageV14P146 # الأمر بناء على أصلهم أنه لا يأمر لحكمة وعلى أن الأفعال بالنسبة إليه ~~سواء ليس بعضها حسنا وبعضها قبيحا وكلا الأصلين قد وافقتهم عليه الأشعرية ~~ومن اتبعهم من الفقهاء كأصحاب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم وهما أصلان ~~مبتدعان؛ فإن مذهب السلف والأئمة أن الله يخلق لحكمة ويأمر لحكمة ومذهب ~~السلف والأئمة أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى ذلك ولا يحب الكفر ~~والفسوق والعصيان؛ وإن كان قد شاء وجود ذلك وقد بسط هذا في موضع آخر. وقد ~~قال تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} فإن نفس السجود خضوع لله ولو ~~فعله ms4464 الإنسان لله مع عدم علمه أنه أمر به انتفع كالسحرة الذين سجدوا قبل ~~الأمر بالسجود. وكذلك قول العبد حط عنا خطايانا دعاء لله وخضوع وقد قال ~~تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وهذه ~~الأفعال المدعو بها في آخر البقرة أمور مطلوبة للعباد. وقد أجيب بجواب آخر ~~وهو أن الله تعالى إذا قدر أمرا فإنه يقدر أسبابه والدعاء من جملة أسبابه ~~كما أنه لما قدر النصر يوم بدر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه ~~أصحابه بالنصر وبمصارع القوم كان من أسباب ذلك استغاثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودعاؤه وكذلك # PageV14P147 # ما وعده به ربه من الوسيلة وقد قضى بها له وقد أمر أمته بطلبها له وهو ~~سبحانه قدرها بأسباب منها ما سيكون من الدعاء. وعلى هذا فالداخل في السبب ~~هو ما وقع من الدعاء المأمور به والله أعلم بذلك فيثيب هذا الداعي على ما ~~فعله من الدعاء بجعله تمام السبب ولا يكون على هذا الدعاء سببا في اختصاصه ~~بشيء من ذلك؛ بل في حصوله لمجموع الأمة؛ لكن هو يثاب على الدعاء لكونه من ~~جملة الأسباب وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من عبد يدعو الله ~~بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما ~~أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما أن يكفر عنه من ~~الذنوب مثلها وإما أن يدفع عنه من البلاء مثلها قالوا يا رسول الله إذا ~~نكثر قال: الله أكثر} (1) فالداعي بهذا كالداعي بالوسيلة يحصل له من الأجر ~~ما يخصه كالداعي للأمة ولأخيه الغائب ودعاؤه من أسباب الخير التي بها رحمة ~~الأمة كما يثاب على سؤاله الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن تحل عليه ~~الشفاعة يوم القيامة. وهنا " جواب ثالث " وهو أن كل من دعا بهذا الدعاء حصل ~~له من المدعو المطلوب ما لا يحصل بدون المطلوب من الدعاء فيكون الدعاء به ~~كدعائه بسائر مطالبه ms4465 من المغفرة والرحمة وليس هو كدعاء PageV14P148 # الغائب للغائب؛ فإن الملك يقول هناك: ولك بمثله فيدعو له الملك بمثل ما ~~دعا به للغائب وهنا هو داع لنفسه وللمؤمنين. وبيان هذا أن الشرع وإن كان قد ~~استقر بموت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبر أن الله تجاوز لأمته عن ~~الخطأ والنسيان وقد أخبر أن الرسول يضع عن أمته إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم وسأل ربه لأمته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك؛ ~~لكن ثبوت هذا الحكم في حق آحاد الأمة قد لا يحصل إلا بطاعة الله ورسوله ~~فإذا عصى الله ذلك الشخص العاصي عوقب عن ذلك بسلب هذه النعمة وإن كانت ~~الشريعة لم تنسخ. يبين هذا أن في هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة ~~والرحمة والنصر على الكفار ومعلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من أفراد ~~الأمة بل منهم من يدخل النار ومنهم من ينصر عليه الكفار ومنهم من يسلب ~~الرزق لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو ~~قصروا وقول الله: " قد فعلت " يقال فيه شيئان. # أحدهما: أنه قد فعل ذلك بالمؤمنين المذكورين في الآية والإيمان المطلق ~~يتضمن طاعة الله ورسوله. فمن لم يكن كذلك نقص # PageV14P149 # إيمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص ويعوق الله عليه ملاذ ~~ذلك ولم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام بالإيمان الواجب. # الثاني: أن يقال: هذا الدعاء استجيب له في جملة الأمة ولا يلزم من ذلك ~~ثبوته لكل فرد وكلا الأمرين صحيح؛ فإن ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل ~~ولولا ذلك لأهلكوا بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم. وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {سألت ربي لأمتي ثلاثا فأعطاني ~~اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن ~~لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم ~~بينهم فمنعنيها. وقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لم يرد} . وكذلك في ~~الصحيحين: ms4466 {لما نزل قوله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم} قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال: ~~أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هاتان أهون} وهذا ~~لأنه لا بد أن تقع الذنوب من هذه الأمة ولا بد أن يختلفوا؛ فإن هذا من ~~لوازم الطبع البشري لا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك # PageV14P150 # ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلا على نقصها؛ ~~بل هي أفضل الأمم وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية وهو في غيرها أكثر ~~وأعظم وخير غيرها أقل والخير فيها أكثر والشر فيها أقل فكل خير في غيرها ~~فهو فيها أعظم وكل شر فيها فهو في غيرها أعظم. وأما حصول المطلوب للآحاد ~~منها فلا يلزم حصوله لكل عاص؛ لأنه لم يقم بالواجب ولكن قد يحصل للعاصي من ~~ذلك بحسب ما معه من طاعة الله تعالى أما حصول المغفرة والعفو والرحمة بحسب ~~الإيمان والطاعة فظاهر؛ لأن هذا من الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد ~~والوعيد وهذا يتنوع بتنوع الإيمان والعمل الصالح. وأما دفع المؤاخذة بالخطأ ~~والنسيان ودفع الآصار فإن هذا قد يشكل لأنه من باب الأحكام الشرعية أحكام ~~الأمر والنهي. فيقال: الخطأ والنسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة ~~الأمة؛ فإن العاصي لا يأثم بالخطأ والنسيان؛ فإنه إذا أكل ناسيا أتم صومه ~~سواء كان مطيعا في غير ذلك أو عاصيا فهذا هو الذي يشكل وعنه جوابان. ~~(أحدهما أن الذنوب والمعاصي قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية # PageV14P151 # السمحة؛ فإن الإنسان قد يفعل شيئا ناسيا أو مخطئا ويكون لتقصيره في طاعة ~~الله علما وعملا لا يعلم أن ذلك مرفوع عنه؛ إما لجهله وإما لكونه ليس هناك ~~من يفتيه بالرخصة في الحنيفية السمحة. والعلماء قد تنازعوا في كثير من ~~مسائل الخطأ والنسيان واعتقد كثير منهم بطلان العبادات أو بعضها به كمن ~~يبطل الصوم بالنسيان وآخرون بالخطأ وكذلك الإحرام وكذلك الكلام في الصلاة ~~وكذلك إذا ms4467 فعل المخلوق عليه ناسيا أو مخطئا فإذا كان الله سبحانه قد نفى ~~المؤاخذة بالخطأ والنسيان وخفي ذلك في مواضع كثيرة على كثير من علماء ~~المسلمين كان هذا عقوبة لمن لم يجد في نفسه ثقة إلا هؤلاء فيفتونه بما ~~يقتضي مؤاخذته بالخطأ والنسيان فلا يكون مقتضى هذا الدعاء حاصلا في حقه ~~لعدم العلم لا لنسخ الشريعة. والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على ~~الذنوب سلب الهدى والعلم النافع كقوله: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله ~~عليها بكفرهم} وقال: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} وقال: {وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة} وقال: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال: {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم} # PageV14P152 # وهذا كما أنه حرم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل ظلمهم وبغيهم ~~فشريعة محمد لا تنسخ ولا تعاقب أمته كلها بهذا ولكن قد تعاقب ظلمتهم بهذا ~~بأن يحرموا الطيبات أو بتحريم الطيبات: إما تحريما كونيا بأن لا يوجد غيثهم ~~وتهلك ثمارهم وتقطع الميرة عنهم أو أنهم لا يجدون لذة مأكل ولا مشرب ولا ~~منكح ولا ملبس ونحوه كما كانوا يجدونها قبل ذلك وتسلط عليهم الغصص وما ينغص ~~ذلك ويعوقه ويجرعون غصص المال والولد والأهل كما قال تعالى: {فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} وقال: ~~{أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين} {نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} ~~وقال: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} فيكون هذا كابتلاء أهل السبت بالحيتان. ~~وإما أن يعاقبوا باعتقاد تحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله ~~عندهم كما قد فعل ذلك كثير من الأمة اعتقدوا تحريم أشياء فروج عليهم بما ~~يقعون فيه من الأيمان والطلاق وإن كان الله ورسوله لم يحرم ذلك؛ لكن لما ~~ظنوا أنها محرمة عليهم عوقبوا بحرمان العلم الذي يعلمون به الحل فصارت ~~محرمة عليهم تحريما كونيا وتحريما شرعيا في ظاهر الأمر؛ فإن المجتهد عليه ~~أن يقول ما ms4468 أدى إليه اجتهاده فإذا لم يؤد اجتهاده إلا إلى تحريم هذه ~~الطيبات لعجزه عن معرفة # PageV14P153 # الأدلة الدالة على الحل كان عجزه سببا للتحريم في حق المقصرين في طاعة ~~الله. وكذلك اعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التي يحتاجون إليها كضمان ~~البساتين والمشاركات وغيرها وذلك لخفاء أدلة الشرع فثبت التحريم في حقهم ~~بما ظنوه من الأدلة وهذا كما أن الإنسان يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام ~~الطيب والشراب الطيب ما هو موجود وهو مقدور عليه لو علمه؛ لكن لا يعرف بذلك ~~عقوبة له وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد قال تعالى: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} فهو سبحانه إنما ضمن الأشياء على ~~وجهها واستقامتها للمتقين كما ضمن هذا للمتقين. فتبين أن المقصرين في طاعته ~~من الأمة قد يؤاخذون بالخطأ والنسيان ومن غير نسخ بعد الرسول لعدم علمهم ~~بما جاء به الرسول من التيسير ولعدم علم من عندهم من العلماء بذلك؛ ولهذا ~~يوجد كثير ممن لا يصلي في السفر قصرا يرى الفطر في السفر حراما فيصوم في ~~السفر مع المشقة العظيمة عليه وهذا عقوبة له لتقصيره في الطاعة؛ لكنه مما ~~يكفر الله به من خطاياه ما يكفره كما يكفر خطايا المؤمنين بسائر مصائب ~~الدنيا. # PageV14P154 # وكذلك منهم من يعتقد التربيع في السفر واجبا فيربع فيبتلى بذلك لتقصيره ~~في الطاعة ومنهم من يعتقد تحريم أمور كثيرة من المباحات التي بعضها مباح ~~بالاتفاق وبعضها متنازع فيه؛ لكن الرسول لم يحرمه؛ فهؤلاء الذين اعتقدوا ~~وجوب ما لم يوجبه الله ورسوله وتحريم ما لم يحرمه حمل عليهم إصرا ولم توضع ~~عنهم جميع الآصار والأغلال وإن كان الرسول قد وضعها لكنهم لم يعلموها. وقد ~~يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصارا وأغلالا من جهة مطاعهم: مثل حاكم ومفت ~~وناظر وقف وأمير ينسب ذلك إلى الشرع؛ لاعتقاده الفاسد أن ذلك من الشرع ~~ويكون عدم علم مطاعيهم تيسير الله عليهم عقوبة في حقهم لذنوبهم كما لو قدر ~~أنه سار بهم في طريق يضرهم وعدل بهم ms4469 عن طريق فيه الماء والمرعى لجهله لا ~~لتعمده مضرتهم أو أقام بهم في بلد غالي الأسعار مع إمكان المقام ببلد آخر. ~~وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع يظلمهم ويقصد ظلمهم يبتلون أيضا بمطاع ~~يجهل مصلحتهم الشرعية والكونية فيكون جهل هذا من أسباب عقوبتهم كما أن ظلم ~~ذلك من أسباب مضرتهم فهؤلاء لم ترفع عنهم الآصار والأغلال لذنوبهم ومعاصيهم ~~وإن كان الرسول ليس في شرعه آصار وأغلال فلهذا تسلط عليهم حكام الجور ~~والظلم وتساق # PageV14P155 # إليهم الأعداء وتقاد بسلاسل القهر والقدر وذلك من الآصار والأغلال التي ~~لم ترفع عنهم مع عقوبات لا تحصى؛ وذلك لضعف الطاعة في قلوبهم وتمكن المعاصي ~~وحب الشهوات فيها فإذا قالوا {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا} دخل فيه هذا. # وأما قوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فعلى قولين: # قيل: هو من باب التحميل القدري لا من باب التكليف الشرعي أي: لا تبتلينا ~~بمصائب لا نطيق حملها كما يبتلى الإنسان بفقر لا يطيقه أو مرض لا يطيقه أو ~~حدث أو خوف أو حب أو عشق لا يطيقه ويكون سبب ذلك ذنوبه. وهذا مما يبين أن ~~الذنوب عواقبها مذمومة مطلقا. وقوله: {من يعمل سوءا يجز به} و {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قول حق وقال تعالى في ~~قصة قوم لوط: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} . فما من أحد ~~يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم حتى تعمد النظر يورث القلب ~~علاقة يتعذب بها الإنسان وإن قويت حتى صارت غراما وعشقا زاد العذاب الأليم ~~سواء قدر أنه قادر على # PageV14P156 # المحبوب أو عاجز عنه؛ فإن كان عاجزا فهو في عذاب أليم من الحزن والهم ~~والغم وإن كان قادرا فهو في عذاب أليم من خوف فراقه ومن السعي في تأليفه ~~وأسباب رضاه فإن نزل به الموت أو افتقر تضاعف عليه العذاب وإن صار إلى غيره ~~استبدالا به أو مشاركة قوي عذابه فإن هذا ms4470 الجنس يحصل فيه من العذاب ما لا ~~يحصل في عشق البغايا وما يحصل مثله في الحلال وإن حصل في الحلال نوع عذاب ~~كان أخف من نظيره وكان ذلك سبب ذنوب أخرى. فإذا دعا الإنسان بهذا الدعاء ~~يخص نفسه ويعم المسلمين فله من ذلك أعظم نصيب كيف لا وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {الآيتان من آخر سورة البقرة ما قرأ بهما أحد في ليلة إلا ~~كفتاه} وكيف لا تكفيانه وما دعا به من ذلك لم يحصل له إلا ما حصل لسائر ~~المؤمنين الذين لم يقرءوهما فإن الداعي بهذا الدعاء له منه نصيب يخصه كسائر ~~الأدعية. ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا ~~الطاعة لله مطلقا بقولهم: {سمعنا وأطعنا} ثم أنزل هذا الدعاء فدعوا به ~~فاستجيب لهم. ولهذا كانوا في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV14P157 # وكانوا فيها على عهد أبي بكر خيرا مما كانوا فيها على عهد عمر فلما كانوا ~~في زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أوجبت اجتهاد الإمام في نوع من التشديد عليهم ~~كمنعهم من متعة الحج وكإيقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة وكتغليظ العقوبة في ~~الخمر وكان أطوعهم لله وأزهدهم مثل أبي عبيدة ينقاد له عمر ما لا ينقاد ~~لغيره وخفي عليهم بعض مسائل الفرائض وغيرها حتى تنازعوا فيها وهم مؤتلفون ~~متحابون كل منهم يقر الآخر على اجتهاده. فلما كان في آخر خلافة " عثمان " ~~زاد التغير والتوسع في الدنيا وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر ~~فحصل بين بعض القلوب تنافر حتى قتل عثمان فصاروا في فتنة عظيمة قد قال ~~تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} أي هذه الفتنة لا ~~تصيب الظالم فقط؛ بل تصيب الظالم والساكت عن نهيه عن الظلم كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم ~~الله بعقاب منه} . وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات وصاروا يختصمون ~~في متعة الحج ms4471 ونحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر فطائفة تمنع المتعة ~~مطلقا كابن الزبير وطائفة تمنع الفسخ كبني أمية وأكثر الناس وصاروا يعاقبون ~~من تمتع وطائفة أخرى توجب المتعة وكل منهم لا # PageV14P158 # يقصد مخالفة الرسول؛ بل خفي عليهم العلم وكان ذلك سببه ما حدث من الذنوب ~~كما قال صلى الله عليه وسلم {خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت ~~ولعل ذلك أن يكون خيرا لكم} أي قد يكون إخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا في ليالي ~~العشر كلها؛ فإنه قد يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس. والنزاع في ~~الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم؛ ولهذا صنف رجل ~~كتابا سماه " كتاب الاختلاف " فقال أحمد: سمه " كتاب السعة " وإن الحق في ~~نفس الأمر واحد وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من ~~الشدة عليه ويكون من باب قوله تعالى {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~. وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوبا ~~فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالا لا إثم عليه فيه بحال؛ بخلاف ~~ما إذا علم فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة كما أن خفاء العلم بما ~~يوجب الرخصة قد يكون عقوبة كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة. ~~والرخصة رحمة وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد: {وعسى # PageV14P159 # أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} . والمقصود ~~هنا أن من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه؛ بل يكون سببا ~~لنسيان ما علم ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك. والله سبحانه كان ~~أسكن آدم وزوجه الجنة وقال لهما: {وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين} {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ~~وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} فكل عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه تكون ~~إلى قيام الساعة ms4472 وفي النار يوم القيامة سببها الذنوب ومعصية الرب تعالى. ~~فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا وظاهرا كان في نعيم الإيمان ~~والعلم وارد عليه من جهاته وهو في جنة الدنيا كما في الحديث: {إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا. قيل: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر} وقال: {ما ~~بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة} فإنه كان يكون هنا في رياض العلم ~~والإيمان. وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقا بالمحل ~~الأعلى # PageV14P160 # فلا يزال في علو ما دام كذلك فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل فلا يزال في ~~هبوط ما دام كذلك ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة؛ فإن أراد الله به خيرا ثاب ~~وعمل في حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه قال تعالى: {لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} فتقوى القلوب هي التي تنال الله ~~كما قال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فأما الأمور ~~المنفصلة عنا من اللحوم والدماء فإنها لا تنال الله. و " الباطنية " ~~المنكرون لخلق العالم في ستة أيام ومعاد الأبدان الذين يجعلون للقرآن ~~تأويلا يوافق قولهم عندهم ما ثم " جنة " إلا لذة ما تتصف بها النفس من ~~العلم والأخلاق الحميدة وما ثم " نار " إلا ألم ما تتصف به النفس من الجهل ~~والأخلاق الذميمة السيئة فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها لفوات ~~العلم أو لفوات الدنيا المحبوبة لها وحجبها إنما هي ذنوبها. وهذا الكلام ~~مما يذكره أبو حامد في " المضنون به على غير أهله " لكن قد يقول هذا: ليس ~~هو عذاب القبر المذكور في الأجسام؛ بل ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة. ولا ~~نعيم عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس ~~ولا عذاب. # PageV14P161 # وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا؛ فإن الناس في الدنيا يثابون ~~ويعاقبون بأمور منفصلة عنهم فكيف في دار الجزاء. ولكن الذي أثبتوه من هذا ~~وهذا منه ما هو حق ولكن الباطل جحدهم ما جحدوه مما ms4473 أخبر الله به ورسوله ~~فهؤلاء عندهم أن آدم لم يكن إلا في جنة العلم وهبوطه انخفاض درجته في العلم ~~وهذا كذب؛ ولكن ما أثبتوه من الحق حق وقصة آدم تدل عليه بطريق الاعتبار ~~الذي تسميه الصوفية الإشارة؛ لا أنه هو المراد بالآية؛ لكن قد دل عليه آيات ~~أخر تدل على أن من كذب بالحق عوقب بأن يطبع على قلبه فلا يفهم العلم أو لا ~~يفهم المراد منه وأنه يسلط عليه عدوه ويجد ذلا كما قال تعالى عن اليهود: ~~{وضربت عليهم الذلة والمسكنة} {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} . ولا ريب أن ~~لذة العلم أعظم اللذات و " اللذة " التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة هي ~~لذة العلم بالله والعمل له وهو الإيمان به وهم يجعلون ذلك الوجود المطلق. ~~وأيضا فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له بل كان مع حب لغيره ~~كائنا من كان فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا والآخرة وهم ~~لا يجعلون كمال اللذة إلا في نفس العلم. # PageV14P162 # و" أيضا " فاقتصارهم على اللذة العقلية خطأ والنصارى زادوا عليهم السمع ~~والشم فقالوا: يتمتعون بالأرواح المتعشقة والنغمات المطربة ولم يثبتوا هم ~~ولا اليهود الأكل والشرب ولا النكاح - وهي لذة اللمس - والمسلمون أثبتوا ~~جميع أنواع اللذات: سمعا وبصرا وشما وذوقا ولمسا للروح والبدن جميعا وكان ~~هذا هو الكمال؛ لا ما يثبته أهل الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة ~~الباطنية وأعظم لذات الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه كما في الحديث ~~الصحيح: {فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه} وهو ثمرة معرفته ~~وعبادته في الدنيا فأطيب ما في الدنيا معرفته وأطيب ما في الآخرة النظر ~~إليه سبحانه؛ ولهذا كان التجلي يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة ~~في الدنيا. وأبو حامد يذكر في كتبه هو وأمثاله " الرؤية " وأنها أفضل أنواع ~~النعيم ويذكر كشف الحجب وأنهم يرون وجه الله ولكن هذا كله يريد به ما تقوله ~~الجهمية والفلاسفة؛ فإن " الرؤية " عندهم ليست إلا ms4474 العلم؛ لكن كما أن ~~الإنسان قد يرى الشيء بعينيه وقد يمثل له خياله إذا غاب عنه فهكذا العلم ~~ففي الدنيا ليس عندهم من العلم إلا مثال كالخيال في الحساب وفي الآخرة ~~يعلمونه بلا مثال وهو عندهم " وجود لا داخل العالم ولا خارجه " و " كشف ~~الحجاب " # PageV14P163 # عندهم رفع المانع الذي في الإنسان من الرؤية وهو أمر عدمي فحقيقته جعل ~~العبد عالما وهذا كله مما تقول به الفلاسفة والباطنية. وهؤلاء إنما يأمرون ~~بالزهد في الدنيا لينقطع تعلق النفس بها وقت فراق النفس فلا تبقى النفس ~~مفارقة لشيء يحبه؛ لكن أبو حامد لا يبيح محظورات الشرع قط؛ بل يقول قتل ~~واحد من هؤلاء خير من قتل عدد كثير من الكفار. وأما هؤلاء فالواصل عندهم ~~إلى العلم المطلوب قد يبيحون له محظورات الشرائع حتى الفواحش والخمر وغيرها ~~إذا كانوا ممن يعتقد تحريم الخمر وإلا فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة ~~الإسلام؛ بل يجوزون التهود والتنصر وكل من كان من هؤلاء واصلا إلى علمهم ~~فهو سعيد. وهكذا تقول الاتحادية منهم: كابن سبعين؛ وابن هود والتلمساني ~~ونحوهم ويدخلون مع النصارى بيعهم ويصلون معهم إلى الشرق ويشربون معهم ومع ~~اليهود الخمر ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من ~~إباحة المحظورات؛ ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول ولأنهم أجهل فيقبلون ما ~~يقولونه أعظم من قبولهم لقول المسلمين وعلماء النصارى جهال إذا كان فيهم ~~متفلسف # PageV14P164 # عظموه وهؤلاء يتفلسفون. والواحد من هؤلاء يفرح إذا قيل له لست بمسلم؛ ~~ويحكي عن نفسه - كما كان أحمد المارديني وهو من أصحاب ابن عربي يحكي عن ~~نفسه - أنه دخل إلى بعض ديارات النصارى ليأخذ منهم ما يأكله هو ورفيقه فأخذ ~~بعضهم يتكلم في المسلمين ويقول: يقولون: كذا وكذا فقال له آخر: لا تتكلم في ~~المسلمين فهذا واحد منهم فقال ذلك المتكلم هذا وجهه وجه مسلم؟ أي ليس هذا ~~بمسلم فصار يحكيها المارديني أن النصراني قال عنه ليس هذا بمسلم ويفرح بقول ~~النصراني ويصدقه فيما يقول أي ليس هو بمسلم. والمتفلسفة يصرحون بهذا. ms4475 ~~يقولون: قلنا: كذا وكذا وقال المسلمون: كذا وكذا وربما قالوا قلنا: كذا ~~وقال المليون: أي أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وكتبهم مشحونة ~~بهذا ولا بد لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على دينهم. لكن دخولهم في هذا ~~كدخولهم في سياسة الملوك كما كانوا مع الترك الكفار وكانوا مع هولاكو " ملك ~~المغول الكفار ومع القان " الذي هو أكبر منه خليفة جنكزخان " ببلاد الخطا ~~وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك # PageV14P165 # الملك بحسب غرضه كما كان النصير الطوسي " وأمثاله مع هولاكو " ملك الكفار ~~وهو الذي أشار عليهم بقتل الخليفة ببغداد لما استولى عليها وأخذ كتب الناس: ~~ملكها ووقفها وأخذ منها ما يتعلق بغرضه وأفسد الباقي وبنى الرصد ووضعها فيه ~~وكان يعطي من وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية والطوينية ويعطي في ~~رصده الفيلسوف والمنجم والطبيب أضعاف ما يعطي الفقيه ويشرب هو وأصحابه ~~الخمر في شهر رمضان ولا يصلون. وكذلك كان بالشام ومصر طائفة مع تصوفهم ~~وتألههم وتزهدهم يشرب أحدهم الخمر في نهار رمضان وتارة يصلون وتارة لا ~~يصلون. فإنهم لا يدينون بإيجاب واجبات الإسلام وتحريم محرماته عليهم؛ بل ~~يقولون: هذا للعامة والأنبياء وأما مثلنا فلا يحتاج إلى الأنبياء. ويحكون ~~عن بعض الفلاسفة أنه قيل له: قد بعث نبي فقال: لو كان الناس كلهم مثلي ما ~~احتاجوا إلى نبي. ومثل هذه الحكاية يحكيها من يكون رئيس الأطباء ولا يعرف ~~الزندقة ولا يدري مضمون هذه الكلمة ما هو لجهله بالنبوات وقيل لرئيسهم ~~الأكبر في زمن موسى ألا تأتيه فتأخذ عنه؟ فقال: نحن قوم مهديون فلا نحتاج ~~إلى من يهدينا. وأما ما ذكروه من حصول اللذة في القلب والنعيم بالإيمان ~~بالله # PageV14P166 # والمعرفة به فهو حق وهو سبب دخول الجنة وقد قال صلى الله عليه وسلم {إذا ~~دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين} وما ذاك ~~إلا لأنه في شهر رمضان تنبعث القلوب إلى الخير والأعمال الصالحة التي بها ~~وبسببها تفتح أبواب الجنة ويمتنع من الشرور التي بها ms4476 تفتح أبواب النار ~~وتصفد الشياطين فلا يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه في الإفطار فإن المصفد هو ~~المقيد لأنهم إنما يتمكنون من بني آدم بسبب الشهوات فإذا كفوا عن الشهوات ~~صفدت الشياطين. والجنة والنار التي تفتح وتغلق غير ما في القلوب؛ ولكن ما ~~في القلوب سبب له ودليل عليه وأثر من آثاره وقد قال تعالى: {إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} وقال صلى الله عليه ~~وسلم {الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم} فقيل: ~~يأكلون ويشربون ما سيصير نارا وقيل: هو سبب النار. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV14P167 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ~~ضريحه -: # فصل: # في قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} {إن الدين عند الله الإسلام} : قد ~~تنوعت عبارات المفسرين في لفظ (شهد فقالت طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو ~~عبيدة: أي حكم وقضى. وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي بين. وقالت طائفة: ~~أي أعلم. وكذلك قالت طائفة معنى شهادة الله الإخبار والإعلام ومعنى شهادة ~~الملائكة والمؤمنين الإقرار وعن ابن عباس أنه شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق ~~الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال: {شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو} . وكل هذه الأقوال وما في معناها صحيحة؛ وذلك أن الشهادة # PageV14P168 # تتضمن كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به وهذا قد يكون مع أن الشاهد ~~نفسه يتكلم بذلك ويقوله ويذكره وإن لم يكن معلما به لغيره ولا مخبرا به ~~لسواه. فهذه أول مراتب الشهادة. ثم قد يخبره ويعلمه بذلك فتكون الشهادة ~~إعلاما لغيره وإخبارا له ومن أخبر غيره بشيء فقد شهد به سواء كان بلفظ ~~الشهادة أو لم يكن كما في قوله تعالى {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} قوله تعالى {وما شهدنا ~~إلا بما علمنا} الآية. ms4477 ففي كلا الموضعين إنما أخبروا خبرا مجردا وقد قال: ~~{واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله غير مشركين به} . وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {عدلت شهادة الزور الإشراك بالله قالها مرتين أو ~~ثلاثا ثم تلا هذه الآية: {واجتنبوا قول الزور} } وهذا يعم كل قول زور بأي ~~لفظ كان وعلى أي صفة وجد فلا يقوله العبد ولا يحضره ولا يسمعه من قول غيره. ~~و " الزور " هو الباطل الذي قد ازور عن الحق والاستقامة أي تحول وقد سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الزور وقد قال في المظاهرين من نسائهم ~~{وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} . # PageV14P169 # وفي الصحيحين عن {ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر ~~- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ~~وبعد العصر حتى تغرب الشمس} وهؤلاء حدثوه أنه نهى عن ذلك؛ ولم يقولوا: نشهد ~~عندك؛ فإن الصحابة لم يكونوا يلتزمون هذا اللفظ في التحديث وإن كان أحدهم ~~قد ينطق به ومنه قولهم في ماعز: فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولفظه كان إقرارا ولم يقل: أشهد. ومنه قوله تعالى ~~{كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} وشهادة المرء على نفسه هي ~~إقراره وهذا لا يشترط فيه لفظ الشهادة باتفاق العلماء وإنما تنازعوا في ~~الشهادة عند الحاكم هل يشترط فيها لفظ أشهد؟ على قولين في مذهب أحمد وكلام ~~أحمد يقتضي أنه لا يعتبر ذلك وكذلك مذهب مالك و " الثاني " يشترط ذلك كما ~~يحكى عن مذهب أبي حنيفة والشافعي. و " المقصود هنا " الآية. فالشهادة تضمنت ~~مرتبتين: " إحداهما " تكلم الشاهد وقوله وذكره لما شهد في نفسه به. و " ~~الثاني " إخباره وإعلامه لغيره بما شهد به؛ فمن قال: # PageV14P170 # حكم وقضى فهذا من باب اللازم فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر. ولا ريب ~~أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرهم به وقضى به وحكم فقال: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه} وقال: {أن أنذروا أنه ms4478 لا إله إلا أنا فاتقون} وقال: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} الآية وقال تعالى: ~~{وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} وقال: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} وهذا كثير في القرآن يوجب ~~على العباد عبادته وتوحيده ويحرم عليهم عبادة ما سواه فقد حكم وقضى: أنه لا ~~إله إلا هو. ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك؛ وذلك أنه إذا شهد ~~أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم أن ما سواه ليس بإله فلا يعبد وأنه ~~وحده الإله الذي يستحق العبادة وهذا يتضمن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة ~~ما سواه فإن النفي والإثبات في مثل هذا يتضمن الأمر والنهي كما إذا استفتى ~~شخص شخصا فقال له قائل: هذا ليس بمفت هذا هو المفتي ففيه نهي عن استفتاء ~~الأول وأمر وإرشاد إلى استفتاء الثاني. # PageV14P171 # وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم أو طلب شيئا من غير ولي الأمر فقيل له: ليس ~~هذا حاكما ولا هذا سلطانا؛ هذا هو الحاكم وهذا هو السلطان فهذا النفي ~~والإثبات يتضمن الأمر والنهي وذلك أن الطالب إنما يطلب من عنده مراده ~~ومقصوده فإذا ظنه شخصا فقيل له: ليس مرادك عنده وإنما مرادك عند هذا كان ~~أمرا له بطلب مراده عند هذا دون ذاك. والعابدون إنما مقصودهم أن يعبدوا من ~~هو إله يستحق العبادة فإذا قيل لهم كل ما سوى الله ليس بإله إنما الإله هو ~~الله وحده كان هذا نهيا لهم عن عبادة ما سواه وأمرا بعبادته. و " أيضا " ~~فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الإله يقتضي أنه يستحق العبادة فإذا ~~أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه كان ذلك أمرا بما يستحقه. وليس ~~المراد هنا " بالإله " من عبده عابد بلا استحقاق فإن هذه الآلهة كثيرة؛ ~~ولكن تسميتهم آلهة والخبر عنهم بذلك واتخاذهم معبودين أمر ms4479 باطل كما قال ~~تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} ~~وقال: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} . # PageV14P172 # فالآلهة التي جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة؛ لكن هي لا تستحق ~~العبادة فليست بآلهة كمن جعل غيره شاهدا أو حاكما أو مفتيا أو أميرا وهو لا ~~يحسن شيئا من ذلك. ولا بد لكل إنسان من إله يألهه ويعبده {تعس عبد الدينار ~~وعبد الدرهم} فإن بعض الناس قد أله ذلك محبة وذلا وتعظيما كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع. فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم وقضى بأن لا يعبد ~~إلا إياه. و " أيضا " فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال: ~~للجمل الخبرية قضية ويقال: قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى وانتفاء هذا ~~المعنى وكل شاهد ومخبر هو حاكم بهذا الاعتبار قد حكم بثبوت ما أثبته ونفي ~~ما نفاه حكما خبريا قد يتضمن حكما طلبيا. ### | فصل: # وشهادة الرب وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة. # فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه وأوحاه إلى عباده # PageV14P173 # كما قال: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون} إلى غير ذلك من الآيات. وقد علم بالتواتر ~~والاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد ويشهد أن لا إله إلا هو ~~بقوله وكلامه؛ وهذا معلوم من جهة كل من بلغ عنه كلامه ولهذا قال تعالى: {أم ~~اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} وأما ~~شهادته بفعله فهو ما نصبه من الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها ~~بالعقل وإن لم يكن هناك خبر عن الله وهذا يستعمل فيه لفظ الشهادة والدلالة ~~والإرشاد فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره فهو بمنزلة المخبر به الشاهد ~~به كما قيل: سل الأرض من فجر أنهارها وغرس أشجارها وأخرج ثمارها وأحيا ~~نباتها وأغطش ليلها وأوضح ms4480 نهارها؛ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا. وهو ~~سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه؛ فإن دلالتها إنما هي بخلقه لها فإذا كانت ~~المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو وهو سبحانه الذي جعلها دالة عليه؛ ~~فإن دلالتها إنما هي بخلقه وبين ذلك؛ فهو الشاهد المبين بها أنه لا إله إلا ~~هو وهذه الشهادة الفعلية ذكرها طائفة. قال ابن كيسان: {شهد الله} بتدبيره ~~العجيب وأموره # PageV14P174 # المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو. # فصل: # وقوله: {قائما بالقسط} هو نصب على الحال وفيه وجهان: قيل: هو حال من ~~(شهد) : أي شهد قائما بالقسط. وقيل: من (هو أي لا إله إلا هو قائما بالقسط ~~كما يقال: لا إله إلا هو وحده وكلا المعنيين صحيح. وقوله: {قائما بالقسط} ~~يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على مذهب الكوفيين في أن المعمول الواحد ~~يعمل فيه عاملان كما قالوا في قوله: {هاؤم اقرءوا كتابيه} {آتوني أفرغ عليه ~~قطرا} و {عن اليمين وعن الشمال قعيد} ونحو ذلك. وسيبويه وأصحابه يجعلون لكل ~~عامل معمولا ويقولون حذف معمول أحدهما لدلالة الآخر عليه وقول الكوفيين ~~أرجح كما قد بسطته في غير هذا الموضع. وعلى المذهبين فقوله: {بالقسط} يخرج ~~على هذا إما كونه يشهد قائما بالقسط؛ فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل ~~كما في قوله # PageV14P175 # {كونوا قوامين بالقسط} فالقيام بالقسط يكون في القول وهو القول العدل ~~ويكون في الفعل. فإذا قيل: شهد {قائما بالقسط} أي: متكلما بالعدل مخبرا به ~~آمرا به: كان هذا تحقيقا لكون الشهادة شهادة عدل وقسط وهي أعدل من كل شهادة ~~كما أن الشرك أظلم من كل ظلم وهذه الشهادة أعظم الشهادات. وقد ذكروا في سبب ~~نزول هذه الآية ما يوافق ذلك فذكر ابن السائب: {أن حبرين من أحبار الشام ~~قدما على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ~~ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة فقالا: أنت محمد؟ ms4481 قال: نعم ~~قالا: وأحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك. ~~فقال: سلاني. فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت هذه الآية} . ~~ولفظ " القيام بالقسط " كما يتناول القول يتناول العمل فيكون التقدير: بشهد ~~وهو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم؛ فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا ~~فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده فيعبد وأن غيره لا يستحق ~~العبادة وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء وأن المشركين به في ~~النار فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء # PageV14P176 # المشركين بالنار كان هذا من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة وكان قوله: ~~{قائما بالقسط} تنبيها على جزاء المخلصين والمشركين كما في قوله: {أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت} قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية ~~شهد الله قائما بالقسط ومعنى قوله: {قائما بالقسط} أي بتدبير الخلق كما ~~يقال: فلان قائم بأمر فلان أي يدبره ويتعاهد أسبابه وقائم بحق فلان أي مجاز ~~له فالله تعالى مدبر رزاق مجاز بالأعمال. وإذا اعتبر القسط في الإلهية كان ~~المعنى: " لا إله إلا هو قائما بالقسط " أي هو وحده الإله قائما بالقسط ~~فيكون وحده مستحقا للعبادة مع كونه قائما بالقسط كما يقال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله إلها واحدا أحدا صمدا وهذا الوجه أرجح؛ فإنه يتضمن أن الملائكة ~~وأولي العلم يشهدون له مع أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط. و " الوجه ~~الأول " لا يدل على هذا؛ لأن كونه قائما بالقسط كما شهد به أبلغ من كونه ~~حال الشاهد وقيامه بالقسط يتضمن أنه يقول الصدق ويعمل بالعدل كما قال: ~~{وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} وقال هود: {إن ربي على صراط مستقيم} فأخبر أن ~~الله على صراط مستقيم وهو العدل الذي لا عوج فيه. # PageV14P177 # وقال: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} وهو مثل ضربه ~~الله لنفسه ولما يشرك به من الأوثان كما ذكر ذلك في قوله: {قل هل من ~~شركائكم ms4482 من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق} الآية. وقال: {أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق} الآيات. إلى قوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} فأخبر أنه خالق منعم ~~عالم وما يدعون من دونه لا تخلق شيئا ولا تنعم بشيء ولا تعلم شيئا وأخبر ~~أنها ميتة فهل يستوي هذا وهذا؟ فكيف يعبدونها من دون الله مع هذا الفرق ~~الذي لا فرق أعظم منه؟ ولهذا كان هذا أعظم الظلم والإفك. ومن هذا الباب ~~قوله تعالى {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما ~~يشركون} فقوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون} {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو ~~كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم} كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو وما يشركون به كما ~~ذكر نظير ذلك في غير موضع وإن كان هذا الفرق معلوما بالضرورة لكل أحد؛ لكن ~~المشركون مع اعترافهم بأن # PageV14P178 # آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه وبينها في المحبة والدعاء والعبادة ~~ونحو ذلك. و " المقصود هنا " أن الرب سبحانه على صراط مستقيم وذلك بمنزلة ~~قوله: {قائما بالقسط} فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان فمن كان قوله وعمله ~~بالقسط كان مستقيما ومن كان قوله وعمله مستقيما كان قائما بالقسط. ولهذا ~~أمرنا الله سبحانه أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم ~~عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وصراطهم هو العدل ~~والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك ~~معاصيه فالمعاصي كلها ظلم مناقض للعدل مخالف للقيام بالقسط والعدل. والله ~~سبحانه أعلم. # فصل: # ثم قال تعالى: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} . ذكر عن جعفر بن محمد أنه ~~قال: الأولى وصف وتوحيد والثانية رسم وتعليم. أي قوله: {لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم} . ومعنى هذا أن الأولى ms4483 هو # PageV14P179 # ذكر أن الله شهد بها فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} والتالي للقرآن ~~إنما يذكر أن الله شهد بها هو والملائكة وأولو العلم وليس في ذلك شهادة من ~~التالي نفسه بها فذكرها الله مجردة ليقولها التالي فيكون التالي قد شهد بها ~~أنه لا إله إلا هو. فالأولى خبر عن الله بالتوحيد لنفسه بشهادته لنفسه وهذه ~~خبر عن الله بالتوحيد. وختمها بقوله: {العزيز الحكيم} والعزة تتضمن القدرة ~~والشدة والامتناع والغلبة. تقول العرب: عز يعز بفتح العين إذا صلب وعز يعز ~~بكسرها إذا امتنع وعز يعز بضمها إذا غلب. فهو سبحانه في نفسه قوي متين وهو ~~منيع لا ينال وهو غالب لا يغلب. والحكيم يتضمن حكمه وعلمه وحكمته فيما ~~يقوله ويفعله فإذا أمر بأمر كان حسنا وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا أراد ~~خلق شيء كان صوابا فهو حكيم في إراداته وأفعاله وأقواله. # فصل: # وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أصول: شهادة أن لا إله إلا الله وأنه قائم ~~بالقسط وأنه العزيز الحكيم؛ فتضمنت وحدانيته المنافية # PageV14P180 # للشرك وتضمنت عدله المنافي للظلم وتضمنت عزته وحكمته المنافية للذل ~~والسفه وتضمنت تنزيهه عن الشرك والظلم والسفه ففيها إثبات التوحيد وإثبات ~~العدل وإثبات الحكمة وإثبات القدرة. والمعتزلة قد تحتج بها على ما يدعونه ~~من التوحيد والعدل والحكمة ولا حجة فيها لهم؛ لكن فيها حجة عليهم وعلى ~~خصومهم الجبرية أتباع الجهم بن صفوان؛ الذين يقولون: كل ما يمكن فعله فهو ~~عدل وينفون الحكمة. فيقولون: يفعل لا لحكمة فلا حجة فيها لهم؛ فإنه أخبر ~~أنه لا إله إلا هو وليس في ذلك نفي الصفات وهم يسمون نفي الصفات توحيدا؛ بل ~~الإله هو المستحق للعبادة والعبادة لا تكون إلا مع محبة المعبود. والمشركون ~~جعلوا لله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله؛ فدل ذلك على ~~أن المؤمنين يحبون الله أعظم من محبة المشركين لأندادهم؛ فعلم أن الله ~~محبوب لذاته ومن لم يقل بذلك لم يشهد في الحقيقة أن لا إله إلا هو. ~~والجهمية والمعتزلة يقولون: ms4484 إن ذاته لا تحب فهم في الحقيقة منكرون إلهيته ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV14P181 # وقيامه بالقسط مقرون بأنه لا إله إلا هو؛ فذكر ذلك على أنه لا يماثله أحد ~~في شيء من أموره والمعتزلة تجعل القسط منه مثل القسط من المخلوقين؛ فما كان ~~عدلا من المخلوقين كان عدلا من الخالق وهذا تسوية منهم بين الخالق ~~والمخلوق؛ وذلك قدح في أنه لا إله إلا هو. والجهمية عندهم أي شيء أمكن ~~وقوعه كان قسطا فيكون قوله: {قائما بالقسط} كلاما لا فائدة فيه ولا مدح؛ ~~فإنه إذا كان كل مقدور قسطا كان المعنى أنه قائم بما يفعله والمعنى أنه ~~فاعل لما يفعله وليس في هذا مدح ولا هو المفهوم من كونه قائما بالقسط؛ بل ~~المفهوم منه أنه يقوم بالقسط لا بالظلم مع قدرته عليه؛ لكنه سبحانه مقدس ~~منزه أن يظلم أحدا كما قال: {ولا يظلم ربك أحدا} وقد أمر عباده أن يكونوا ~~قوامين بالقسط وقال: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} فهو يقوم عليها ~~بكسبها لا بكسب غيرها وهذا من قيامه بالقسط. وقال: {ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} الآية. وأيضا فمن قيامه بالقسط وقيامه على ~~كل نفس بما كسبت: أنه لا يظلم مثقال ذرة كما قال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره} إلى آخرها. # PageV14P182 # والمعتزلة تحبط الحسنات العظيمة الكثيرة بكبيرة واحدة وتحبط إيمانه ~~وتوحيده بما هو دون ذلك من الذنوب وهذا مما تفردوا به من الظلم الذي نزه ~~الله نفسه عنه فهم ينسبون الله إلى الظلم لا إلى العدل. والله أعلم. # فصل: # وقوله: {هو العزيز الحكيم} إثبات لعزته وحكمته وفيها رد على الطائفتين ~~الجبرية والقدرية؛ فإن الجبرية - أتباع جهم - ليس له عندهم في الحقيقة ~~حكمة؛ ولهذا لما أرادت الأشعرية أن تفسر حكمته فسروها إما بالقدرة وإما ~~بالعلم وإما بالإرادة. ومعلوم أنه ليس في شيء من ذلك إثبات لحكمته فإن ~~القادر والعالم والمريد قد يكون حكيما وقد لا يكون والحكمة أمر زائد على ~~ذلك وهم يقولون: إن ms4485 الله لا يفعل لحكمة ويقولون أيضا: الفعل لغرض إنما يكون ~~ممن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ؛ وذلك ينفى عن الله. والمعتزلة أثبتوا أنه ~~يفعل لحكمة. وسموا ذلك غرضا: هم وطائفة # PageV14P183 # من المثبتة؛ لكن قالوا: الحكمة أمر منفصل عنه لا يقوم به كما قالوا في ~~كلامه وإرادته؛ فاستطال عليهم المجبرة بذلك فقالوا: الحكيم من يفعل لحكمة ~~تعود إلى نفسه فإن لم تعد إلى نفسه لم يكن حكيما؛ بل كان سفيها. فيقال ~~للمجبرة: ما نفيتم به الحكمة هو بعينه حجة من نفى الإرادة من المتفلسفة ~~ونحوهم قالوا: الإرادة لا تكون إلا لمن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ وإثبات ~~إرادة بدون هذا لا يعقل وأنتم تقولون: نحن موافقون للسلف وسائر أهل السنة ~~على إثبات الإرادة فما كان جوابا لكم عن هذا السؤال فهو جواب سائر أهل ~~السنة لكم حيث أثبتم إرادة بلا حكمة يراد الفعل لها. وقد بسط هذا في غير ~~هذا الموضع وبين ما في لفظ هذه الحجة من الكلمات المجملة. والله أعلم. # فصل: # وإثبات شهادة أولي العلم يتضمن أن الشهادة له بالوحدانية يشهد بها له ~~غيره من المخلوقين الملائكة والبشر. وهذا متفق عليه يشهدون أن لا إله إلا ~~الله ويشهدون بما شهد به لنفسه. # PageV14P184 # وزعم طائفة من الاتحادية أنه لا يوحد أحد الله وأنشدوا: # ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد # وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد ~~أن يكون الموحد هو الموحد؛ فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله ~~الموحد لنفسه لا العبد. وهذا في زعمهم هو السر الذي كان الحلاج يعتقده وهو ~~بزعمهم قول خواص العارفين؛ لكن لا يصرحون به. وحقيقة قولهم: أنهم اعتقدوا ~~في عموم الصالحين ما اعتقدته النصارى في المسيح؛ لكن لم يمكنهم إظهاره؛ فإن ~~دين الإسلام يناقض ذلك مناقضة ظاهرة فصاروا يشيرون إليه ويقولون: إنه من ~~السر المكتوم ومن علم الأسرار الغيبية فلا يمكن أن يباح به وإنما هو قول ~~ملحد وهو شر من قول النصارى فإن النصارى ms4486 إنما قالوا ذلك في المسيح لم ~~يقولوه في جميع الصالحين. وقد بسط الكلام على ذلك في غير موضع؛ إذ المقصود ~~التنبيه على ما في هذه الآية من أصول الإيمان والتوحيد وإبطال قول ~~المبتدعين. # PageV14P185 # فصل: # وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد ودلالته لهم وتعريفهم بما شهد ~~به لنفسه فلا بد أن يعرفهم أنه شهد فإن هذه الشهادة أعظم الشهادات وإلا فلو ~~شهد شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك ولم تقم عليهم حجة بتلك ~~الشهادة كما أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة لم يبينها بل كتمها لم ينتفع ~~أحد بها ولم تقم بها حجة. ولهذا ذم سبحانه من كتم العلم الذي أنزله وما فيه ~~من الشهادة كما قال تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} أي عنده ~~شهادة من الله وكتمها وهو العلم الذي بينه الله فإنه خبر من الله وشهادة ~~منه بما فيه. وقد ذم من كتمه كما كتم بعض أهل الكتاب ما عندهم من الخبر ~~والشهادة لإبراهيم وأهل بيته وكتموا إسلامهم وما عندهم من الأخبار بمثل ما ~~أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم وبصفته وغير ذلك قال تعالى: {إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك ~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} . وقال # PageV14P186 # تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون} والشهادة لا بد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه ~~لا يحصل مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور؛ ولهذا ذم من يكتم ويحرف فقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ~~أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} . وفي ~~الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما ms4487 ~~محقت بركة بيعهما} . # فصل: # وإذا كان لا بد من بيان شهادته للعباد؛ ليعلموا أنه قد شهد فهو قد بينها ~~بالطريقين: بالسمع والبصر. فالسميع يسمع آيات الله المتلوة المنزلة والبصير ~~يعاين آياته المخلوقة الفعلية؛ وذلك أن شهادته تتضمن # PageV14P187 # بيانه ودلالته للعباد وتعريفهم ذلك وذلك حاصل بآياته فإن آياته هي ~~دلالاته وبراهينه التي بها يعرف العباد خبره وشهادته كما عرفهم بها أمره ~~ونهيه وهو عليم حكيم؛ فخبره يتضمن أمره ونهيه وفعله يبين حكمته. فالأنبياء ~~إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية ولا بد أن يعرف صدق ~~الأنبياء فيما أخبروا عنه؛ وذلك قد عرفه بآياته التي أيد بها الأنبياء ودل ~~بها على صدقهم فإنه لم يبعث نبيا إلا بآية تبين صدقه إذ تصديقه بما لا يدل ~~على صدقه غير جائز كما قال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} أي بالآيات ~~البينات. وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون} {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} . وقال: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم} وقال: {فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير} . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على ~~مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي # PageV14P188 # فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة} . فالآيات والبراهين التي أرسل ~~بها الرسل دلالات الله على صدقهم دل بها العباد وهي شهادة الله بصدقهم فيما ~~بلغوا عنه والذي بلغوه فيه شهادته لنفسه فيما أخبر به؛ ولهذا قال بعض ~~النظار: إن المعجزة تصديق الرسول وهي تجري مجرى المرسل صدقت فهي تصديق ~~بالفعل تجري مجرى التصديق بالقول؛ إذ كان الناس لا يسمعون كلام الله المرسل ~~منه وتصديقه إخبار بصدقه وشهادة له بالصدق وشهادة له بأنه أرسله وشهادة له ~~بأن كل ما يبلغه عنه كلامه. وهو سبحانه ms4488 اسمه المؤمن وهو في أحد التفسيرين ~~المصدق الذي يصدق أنبياءه فيما أخبروا عنه بالدلائل التي دل بها على صدقه. ~~وأما الطريق العياني فهو أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين ~~لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق؛ كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا ~~في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد} أي أولم يكف بشهادته المخبرة بما علمه وهو الوحي الذي أخبر به ~~الرسول؛ فإن الله على كل شيء شهيد وعليم به فإذا أخبر به وشهد كان ذلك ~~كافيا وإن لم ير # PageV14P189 # المشهود به وشهادته قد علمت بالآيات التي دل بها على صدق الرسول فالعالم ~~بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات المشاهدة التي تدل على أن القرآن حق ~~بل قد يعلم ذلك بما علم به أن الرسول صادق فيما أخبر به عن شهادة الله ~~تعالى وكلامه. وكذلك ذكر الكتاب المنزل فقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} الآيات إلى قوله: {إلا الظالمون} فبين ~~أن القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم فإنه من أعظم الآيات ~~البينة الدالة على صدق من جاء به وقد اجتمع فيه من الآيات ما لم يجتمع في ~~غيره فإنه هو الدعوة والحجة وهو الدليل والمدلول عليه والحكم وهو الدعوى ~~وهو البينة على الدعوى وهو الشاهد والمشهود به. وقوله: {في صدور الذين ~~أوتوا العلم} سواء أريد به أنه بين في صدورهم أو أنه محفوظ في صدورهم أو ~~أريد به الأمران وهو الصواب فإنه محفوظ في صدور العلماء بين في صدورهم ~~يعلمون أنه حق كما قال: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق} وقال: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} {وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك # PageV14P190 # فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} ~~. وقال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ms4489 ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين} {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ~~ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في ~~السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} . ~~فيها بيان ما يوجب السعادة للمؤمنين وينجيهم من العذاب. ثم قال: {قل كفى ~~بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض} فإنه إذا كان عالما ~~بالأشياء كانت شهادته بعلم وقد بين شهادته بالآيات الدالة على صدق الرسول ~~ومنها القرآن والله أعلم. ### | فصل: # وأما كونه سبحانه صادقا فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد؛ # فإن الكذب من أبغض الصفات عند بني آدم فهو سبحانه منزه عن # PageV14P191 # ذلك وكل إنسان محمود يتنزه عن ذلك؛ فإن كل أحد يذم الكذب فهو وصف ذم على ~~الإطلاق. وأما عدم علم الإنسان ببعض الأشياء فهذا من لوازم المخلوق ولا ~~يحيط علما بكل شيء إلا الله فلم يكن عدم العلم عند الناس نقصا كالكذب؛ ~~فلهذا يبين الرب علمه بما يشهد به وأنه أصدق حديثا من كل أحد وأحسن حكما ~~وأصدق قيلا؛ لأنه سبحانه أحق بصفات الكمال من كل أحد {وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض} وهو يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو سبحانه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته. و {ومن عنده علم الكتاب} وهم أهل الكتاب فهم يشهدون بما جاءت به ~~الأنبياء قبل محمد؛ فيشهدون أنهم أتوا بمثل ما أتى به كالأمر بعبادة الله ~~وحده والنهي عن الشرك والإخبار بيوم القيامة والشرائع الكلية ويشهدون أيضا ~~بما في كتبهم من ذكر صفاته ورسالته وكتابه. وهذان الطريقان بهما تثبت نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهي الآيات والبراهين الدالة على صدقه أو شهادة ~~نبي آخر قد علم صدقه له بالنبوة. فذكر هذين النوعين بقوله: {قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم # PageV14P192 # ومن عنده علم الكتاب} فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلي في آياته ~~وبراهينه وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله. ~~وكذلك قوله: {قل أي ms4490 شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم} فقوله: {قل ~~الله} فيها وجهان: قيل: هو جواب السائل وقوله {شهيد} خبر مبتدأ: أي هو ~~شهيد. وقيل: هو مبتدأ وقوله: {شهيد} خبره؛ فأغنى ذلك عن جواب الاستفهام. و ~~" الأول " على قراءة من يقف على قوله {قل الله} و " الثاني " على قراءة من ~~لا يقف وكلاهما صحيح؛ لكن الثاني أحسن وهو أتم. وكل أحد يعلم أن الله أكبر ~~شهادة فلما قال: {قل أي شيء أكبر شهادة} علم أن الله أكبر شهادة من كل شيء ~~فقيل له: {قل الله شهيد بيني وبينكم} ولما قال: {الله شهيد بيني وبينكم} ~~كان في هذا ما يغني عن قوله: إن الله أكبر شهادة. وذلك أن كون الله أكبر ~~شهادة هو معلوم ولا يثبت بمجرد قوله {أكبر شهادة} # PageV14P193 # بخلاف كونه شهيدا بينه وبينهم؛ فإن هذا مما يعلم بالنص والاستدلال فينظر ~~هل شهد الله بصدقه وكذبهم في تكذيبه؟ أم شهد بكذبه وصدقهم في تكذيبه؟ وإذا ~~نظر في ذلك علم أن الله شهد بصدقه وكذبهم بالنوعين من الآيات: بكلامه الذي ~~أنزله وبما بين أنه رسول صادق. ولهذا أعقبه بقوله: {وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ} فإن هذا القرآن فيه الإنذار وهو آية شهد بها أنه صادق ~~وبالآيات التي يظهرها في الآفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أن القرآن حق. ~~وقوله في هذه الآية: {قل الله شهيد بيني وبينكم} وكذلك قوله: {قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم} وكذلك قوله: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} وكذلك ~~قوله: {هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} . فذكر سبحانه ~~أنه شهيد بينه وبينهم ولم يقل: شاهد علينا ولا شاهد لي؛ لأنه ضمن الشهادة ~~الحكم فهو شهيد يحكم بشهادته بيني وبينكم والحكم قدر زائد على مجرد ~~الشهادة؛ فإن الشاهد قد يؤدي الشهادة. وأما الحاكم فإنه يحكم بالحق للمحق ~~على المبطل ويأخذ حقه منه ويعامل المحق بما يستحقه والمبطل بما يستحقه. # PageV14P194 # وهكذا شهادة الله بين الرسول ومتبعيه وبين مكذبيه فإنها تتضمن حكم ms4491 الله ~~للرسول وأتباعه يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق الرسول على أنها ~~الحق وتلك الآيات أنواع متعددة ويحكم له أيضا بالنجاة والنصر والتأييد ~~وسعادة الدنيا والآخرة ولمكذبيه بالهلاك والعذاب وشقاء الدنيا والآخرة كما ~~قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~فيظهره بالدلائل والآيات العلمية التي تبين أنه حق ويظهره أيضا بنصره ~~وتأييده على مخالفيه ويكون منصورا كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد} فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك في قوله: {شهد الله} . قال ~~مجاهد والفراء وأبو عبيدة: {شهد الله} أي حكم وقضى؛ لكن الحكم في قوله ~~{بيني وبينكم} أظهر وقد يقول الإنسان لآخر: فلان شاهد بيني وبينك أي يتحمل ~~الشهادة بما بيننا فالله يشهد بما أنزله ويقوله وهذا مثل الشهادة على أعمال ~~العباد؛ ولكن المكذبون ما كانوا ينكرون التكذيب ولا كانوا يتهمون الرسول ~~بأنه ينكر دعوى الرسالة فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه بالقرآن. ~~والله أعلم. # PageV14P195 # فصل: # وكذلك قوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا} فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه ~~وأنه أنزله بعلمه فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبرا عمن دونه ~~وهذا كقوله: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} وليس معنى ~~مجرد كونه أنزله أنه هو معلوم له فإن جميع الأشياء معلومة له وليس في ذلك ~~ما يدل على أنها حق؛ لكن المعنى أنزله فيه علمه كما يقال فلان يتكلم بعلم ~~ويقول بعلم فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال: {قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض} ولم يقل تكلم به بعلمه؛ لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى ~~الأرض. فإذا قال: {أنزله بعلمه} تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم ~~الله كما قال: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} وذلك يتضمن أنه كلام ~~الله ms4492 نفسه منه نزل ولم ينزل من عند غيره؛ لأن غير الله لا يعلم ما في نفس ~~الله من العلم - ونفسه هي ذاته # PageV14P196 # المقدسة - إلا أن يعلمه الله بذلك كما قال المسيح عليه السلام {تعلم ما ~~في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} وقالت الملائكة: {لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا} وقال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وقال: ~~{فلا يظهر على غيبه أحدا} {إلا من ارتضى من رسول} فغيبه الذي اختص به لا ~~يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي ~~اختص به. وأما ما أظهره لعباده فإنه يعلمه من شاء وما تتحدث به الملائكة ~~فقد تسترق الشياطين بعضه؛ لكن هذا ليس من غيبه وعلم نفسه الذي يختص به بل ~~هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه وهو سبحانه قال: {لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك أنزله بعلمه} فشهد أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التي تدل على ~~أنه كلامه وأن الرسول صادق. وكذلك قال في هود: {فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} لما تحداهم ~~بالإتيان بمثله في قوله: {فليأتوا بحديث مثله} ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور ~~مثله فعجزوا عن ذا وذاك ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فإن الخلائق ~~لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله؛ وإذا كان # PageV14P197 # الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من ~~الله نزله بعلمه لم ينزله بعلم مخلوق فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم ~~الله. وقوله: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} لأن فيه من ~~الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله أنزله فذكره ذلك يستدل ~~به تارة على أنه حق منزل من الله لكن تضمن من الأخبار عن أسرار السموات ~~والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب ما لا يعلمه إلا الله. فمن هنا ~~نستدل بعلمنا بصدق أخباره ms4493 أنه من الله. وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى ~~استدللنا بذلك على أن خبره حق وإذا كان خبرا بعلم الله فما فيه من الخبر ~~يستدل به عن الأنبياء وأممهم وتارة عن يوم القيامة وما فيها والخبر الذي ~~يستدل به لا بد أن نعلم صحته من غير جهته وذلك كإخباره بالمستقبلات فوقعت ~~كما أخبر وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند أهل الكتاب من غير تعلم ~~منهم وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها كما قال: {وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا} إلى قوله: {نبأني العليم الخبير} فقوله: {قل أنزله الذي يعلم ~~السر في السماوات والأرض} استدلال بأخباره؛ ولهذا ذكره تكذيبا لمن قال هو ~~{إفك افتراه وأعانه # PageV14P198 # عليه قوم آخرون} وقوله: {أنزله} استدلال على أنه حق وأن الخبر الذي فيه ~~عن الله حق؛ ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي وظهور عجز الخلق عن الإتيان ~~بمثله. ### | فصل: # ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم وما تنطق به الألسن من ذلك # كما في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها ~~خيرا فقال: وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت ~~قالوا يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها ~~خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها ~~النار أنتم شهداء الله في الأرض} فقوله: " شهداء الله " أضافهم إلى الله ~~تعالى. والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له. وإلى من يشهد عنده فتقبل شهادته ~~كما يقال: شهود القاضي وشهود السلطان ونحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم وقد ~~يدخل في ذلك من يشهد عليه بما تحمله # PageV14P199 # من الشهادة ليؤديها عند غيره كالذين يشهد الناس عليهم بعقودهم أو ~~أقاريرهم. فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله ويؤدون الشهادة عنه ~~فإنهم إذا رأوا من جعله الله برا تقيا يشهدون أن الله جعله كذلك ويؤدون عنه ~~الشهادة فهم شهداء الله في الأرض وهو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ms4494 ~~ما يشهدون به وينطقون به وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك فهذا أيضا من ~~شهادته. وقد قال تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وفسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بالرؤيا الصالحة وفسرها بثناء الناس ~~وحمدهم والبشرى خبر بما يسر والخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله تعالى. ~~والله سبحانه أعلم. # PageV14P200 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} المراد به أمنه عند الموت من الكفر ~~عند عرض الأديان؟ أم المراد به إذا أحدث حدثا لا يقتص منه ما دام في الحرم؟ ~~. # فأجاب: # التفسير المعروف في أن الله جعل الحرم بلدا آمنا قدرا وشرعا فكانوا في ~~الجاهلية يسفك بعضهم دماء بعض خارج الحرم فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل ~~قاتل أبيه لم يهجروا حرمته ففي الإسلام كذلك وأشد. لكن لو أصاب الرجل حدا ~~خارج الحرم ثم لجأ إليه فهل يكون آمنا لا يقام عليه الحد فيه أم لا؟ فيه ~~نزاع. وأكثر السلف على أنه يكون آمنا كما نقل عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما ~~وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما. وقد استدلوا بهذه الآية ~~وبقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله # PageV14P201 # حرم مكة يوم خلق الله السموات والأرض وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل ~~لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها} . فإن أحد ترخص ~~بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقولوا: إنما أحلها الله لرسوله ولم ~~يحلها لك. ومعلوم أن الرسول إنما أبيح له فيها دم من كان مباحا في الحل وقد ~~بين أن ذلك أبيح له دون غيره. والمراد بقوله {ومن دخله} الحرم كله. وأما ~~عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ومن لم يحج خيف عليه ~~الموت على غير الإسلام كما جاء في الحديث {من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى ~~بيت الله ثم لم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا} والله أعلم. # PageV14P202 # وللشيخ - رحمه الله -: # في قوله تعالى {إنما ذلكم ms4495 الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين} هذا هو الصواب الذي عليه جمهور المفسرين: كابن عباس وسعيد بن ~~جبير وعكرمة والنخعي؛ وأهل اللغة كالفراء وابن قتيبة والزجاج وابن الأنباري ~~وعبارة الفراء: يخوفكم بأوليائه كما قال: {لينذر بأسا شديدا من لدنه} ببأس ~~شديد. وقوله: {لينذر يوم التلاق} وعبارة الزجاج: يخوفكم من أوليائه. قال ~~ابن الأنباري: والذي نختاره في الآية يخوفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت ~~الأموال: أي أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول ويقتصرون على ذكر ~~الثاني. وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له في تخويف ~~ناس بناس ضرورة فحذف الأول ليس مقصودا وهذا يسمى حذف اختصار كما يقال: فلان ~~يعطي الأموال والدراهم. وقد قال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين ونقل ~~هذا # PageV14P203 # عن الحسن والسدي وهذا له وجه سنذكره؛ لكن الأول أظهر لأن الآية إنما نزلت ~~بسبب تخويفهم من الكفار كما قال قبلها: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} الآيات. ثم قال: {فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين} فهي إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس. وقد قال: {يخوف ~~أولياءه} ثم قال: {فلا تخافوهم} والضمير عائد إلى أولياء الشيطان الذين قال ~~فيهم: {فاخشوهم} قبلها. وأما ذلك القول فالذي قاله فسرها من جهة المعنى وهو ~~أن الشيطان إنما يخوف أولياءه بالمؤمنين؛ لأن سلطانه على أوليائه بخوف يدخل ~~عليهم المخاوف دائما فالمخاوف منصبة إليهم محيطة بقولهم وإن كانوا ذوي ~~هيئات وعدد وعدد فلا تخافوهم. وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا ~~يخوفهم الكفار أو أنهم أرادوا المفعول الأول: أي يخوف المنافقين أولياءه ~~وإلا فهو يخوف الكفار كما يخوف المنافقين ولو أنه أريد أنه يخوف أولياءه: ~~أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه وهو قوله: {فلا تخافوهم} . ~~وأيضا فهذا فيه نظر؛ فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم كما قال: # PageV14P204 # تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم} وقال تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ms4496 غرورا} . ~~ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ذلك. ~~قال تعالي: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} وقال: {إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} ~~وقال: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله} . وفي حديث ~~قرطبة أن جبريل قال: " إني ذاهب إليهم فمزلزل بهم الحصن " فتخويف الكفار ~~والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين. ولكن الذين قالوا ذلك من ~~السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام فهم يوالون العدو ~~فصاروا بذلك منافقين وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم ~~كما قال تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} ~~وقال تعالى {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت} الآيات. إلى قوله: {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون ~~عن أنبائكم} فكلا القولين صحيح من حيث المعنى؛ لكن لفظ أوليائه هم الذين ~~يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه سياق # PageV14P205 # الآية ولفظها، والله أعلم. # وإذا جعلهم الشيطان مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم فجعله ~~خائفا. فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ويجعل ناسا خائفين ~~منهم. ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ولا ~~يخاف الناس. كما قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} بل يجب عليه أن يخاف ~~الله فخوف الله أمر به وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه. وقال تعالى: {لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} فنهى عن ~~خشية الظالم وأمر بخشيته والذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا ~~إلا الله. وقال: {وإياي فارهبون} . وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك وأخاف ~~من لا يخافك وهذا كلام ساقط لا يجوز؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا ~~يخاف أحدا لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله؛ فإن من لا يخاف الله أخس ~~وأذل أن يخاف ms4497 فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى الله عنه ~~والله أعلم. # PageV14P206 # وقال شيخ الإسلام: # في الكلام على قوله تعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما} . # فذكر ما يتعلق بشهوات الآدميين من سائر ما تشتهيه أنفسهم حتى النساء ~~والمردان وقال: العبد يجب عليه إذا وقع في شيء من ذلك أن يجاهد نفسه وهواه ~~وتكون مجاهدته لله تعالى وحده. ثم قال: وميل النفس إلى النساء عام في طبع ~~جميع بني آدم وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كالمردان وإن لم يكن ~~يفعل الفاحشة الكبرى كان بما هو دون ذلك من المباشرة وإن لم تكن كان بالنظر ~~ويحصل للنفس بذلك ما هو معروف عند الناس. وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما ~~يطول وصفه فإذا ابتلي المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه في طاعة الله ~~تعالى وهو مأمور بهذا الجهاد وليس هو أمرا حرمه على نفسه فيكون في طاعة ~~نفسه وهواه؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه فتكون المجاهدة للنفس ~~في طاعة الله ورسوله. # PageV14P207 # وفي حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا {من عشق فعف وكتم ~~وصبر ثم مات فهو شهيد} وأبو يحيى في حديثه نظر؛ لكن المعنى الذي ذكر فيه دل ~~عليه الكتاب والسنة فإن الله أمره بالتقوى والصبر فمن التقوى أن يعف عن كل ~~ما حرم الله من نظر بعين ومن لفظ بلسان ومن حركة بيد ورجل. والصبر أن يصبر ~~عن شكوى به إلى غير الله فإن هذا هو الصبر الجميل. وأما الكتمان فيراد به ~~شيئان: " أحدهما " أن يكتم بثه وألمه ولا يشكو إلى غير الله فمتى شكا إلى ~~غير الله نقص صبره وهذا أعلى الكتمانين؛ لكن هذا لا يصبر عليه كل أحد؛ بل ~~كثير من الناس يشكو ما به وهذا على وجهين. فإن شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب ~~النفوس ليعالج نفسه بعلاج الإيمان فهو بمنزلة المستفتي وهذا حسن وإن شكا ~~إلى من يعينه على المحرم ms4498 فهذا حرام وإن شكا إلى غيره لما في الشكوى من ~~الراحة كما أن المصاب يشتكي مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ينفعه ~~ولا الاستعانة على معصية فهذا ينقص صبره؛ لكن لا يأثم مطلقا إلا إذا اقترن ~~به ما يحرم كالمصاب الذي يتسخط. و " الثاني " أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع ~~الناس؛ لما في ذلك # PageV14P208 # من إظهار السوء والفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت وتمنت ~~وتتيمت والإنسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا ~~له إلى الفعل والنساء متى رأين البهائم تنزو الذكور منها على الإناث ملن ~~إلى الباءة؛ والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء أو رأى ~~ذلك أو تخيله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل وإذا ذكر الإنسان طعاما اشتهاه ~~ومال إليه وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالت ~~نفسه إليه. والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه. فكلما كان في نفس ~~الإنسان محبته إذا تصوره تحركت المحبة والطلب إلى ذلك المحبوب المطلوب إما ~~إلى وصفه وإما إلى مشاهدته وكلاهما يحصل به تخيل في النفس وقد يحصل التخيل ~~بالسماع والرؤية أو التفكر في بعض الأمور المتعلقة به؛ فإذا تخيلت النفس ~~تلك الأمور المتعلقة به انقلبت إلى تخيلة أخرى فتحركت داعية المحبة سواء ~~كانت المحبة محمودة أو مذمومة. ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز ~~وتتحرك بذكر الأبرق والأجرع والعلي ونحو ذلك؛ لأنه رأى تلك المنازل لما كان ~~ذاهبا إلى المحبوب فصار ذكرها يذكر المحبوب. وكذلك إذا ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تذكر به وتحركت محبته. # PageV14P209 # فالمبتلى بالفاحشة والعشق. إذا ذكر ما به لغيره تحركت النفوس إلى جنس ~~ذلك؛ لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة؛ فإذا تصورت جنس ذلك تحركت ~~إلى المحبوب؛ ولهذا نهى الله عن إشاعة الفاحشة. # PageV14P210 # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ms4499 ~~واضربوهن} وقوله تعالى {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} إلى قوله تعالى {والله ~~بما تعملون خبير} يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ذاك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " النشوز " في قوله تعالى {تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع} هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا تطيعه إذا ~~دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير إذنه ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب ~~عليها من طاعته. وأما النشوز في قوله: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} فهو ~~النهوض والقيام والارتفاع وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ ومنه النشز ~~من الأرض وهو المكان المرتفع الغليظ ومنه قوله تعالى {وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها} أي نرفع بعضها إلى بعض ومن قرأ (ننشرها أراد نحييها فسمى المرأة ~~العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها وسمي النهوض ~~نشوزا لأن القاعد يرتفع عن الأرض. والله أعلم. # PageV14P211 # وقال: # فصل: # قوله تعالى {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل} في النساء وفي الحديد أنه {لا يحب كل مختال فخور} {الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قد تؤولت في البخل بالمال والمنع والبخل ~~بالعلم ونحوه وهي تعم البخل بكل ما ينفع في الدين والدنيا من علم ومال وغير ~~ذلك كما تأولوا قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} النفقة من المال والنفقة من ~~العلم. وقال معاذ في العلم: تعلمه لمن لا يعلمه صدقة. وقال أبو الدرداء: ما ~~تصدق رجل بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها جماعة فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. ~~أو كما قال. وفي الأثر نعمة العطية ونعمت الهدية الكلمة من الخبر يسمعها ~~الرجل ثم يهديها إلى أخ له أو كما قال: وهذه صدقة الأنبياء وورثتهم ~~العلماء؛ ولهذا كان الله وملائكته وحيتان البحر وطير الهواء يصلون على معلم ~~الناس الخير كما أن # PageV14P212 # كاتم العلم يلعنه الله ويلعنه اللاعنون وبسط هذا كثير في فضل بيان العلم ~~وذم ضده. والغرض هنا أن الله يبغض المختال الفخور البخيل به فالبخيل به ~~الذي منعه والمختال إما أن يختال فلا ms4500 يطلبه ولا يقبله وإما أن يختال على ~~بعض الناس فلا يبذله وهذا كثيرا ما يقع عند بعض الناس أنه يبخل بما عنده من ~~العلم ويختال به وأنه يختال عن أن يتعدى من غيره وضد ذلك التواضع في طلبه ~~وبذله والتكرم بذلك. # PageV14P213 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد كتبنا في غير موضع الكلام على جمع الله تعالى بين الخيلاء والفخر وبين ~~البخل كما في قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل} في النساء والحديد وضد ذلك الإعطاء والتقوى المتضمنة ~~للتواضع كما قال: {فأما من أعطى واتقى} وقال: {إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون} وهذان الأصلان هما جماع الدين العام كما يقال التعظيم ~~لأمر الله والرحمة لعباد الله. فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع ~~وذلك أصل التقوى والرحمة لعباد الله بالإحسان إليهم وهذان هما حقيقة الصلاة ~~والزكاة فإن الصلاة متضمنة للخشوع لله والعبودية له والتواضع له والذل له ~~وذلك كله مضاد للخيلاء والفخر والكبر. والزكاة متضمنة لنفع الخلق والإحسان ~~إليهم وذلك مضاد للبخل. # PageV14P214 # ولهذا وغيره كثر القران بين الصلاة والزكاة في كتاب الله. وقد ذكرنا فيما ~~تقدم أن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرا لله أو دعاء له كما قال ~~عبد الله بن مسعود: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة ولو كنت في السوق وهذا ~~المعنى - وهو دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع ~~والخضوع - هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم ~~والقاعد والمضطجع. والقارئ والأمي والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها ~~وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطؤ المنافي للاشتراك ~~والمجاز وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. إذ من الناس من ادعى فيها الاشتراك ~~ومنهم من ادعى المجاز بناء على كونها منقولة من المعنى اللغوي أو مزيدة أو ~~على غير ذلك وليس الأمر كذلك؛ بل اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل ~~على نوع أو عين كقولك هذا الإنسان ms4501 وهذا الحيوان أو قولك: هات الحيوان الذي ~~عندك وهي غنم فهنا اللفظ قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في ~~جميع الموارد وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين. فاللفظ المشترك الموجود ~~في جميع التصاريف على القدر المشترك وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلا أو ~~غيرها دل على الخصوص والتعيين وكما أن المعنى الكلي المطلق لا وجود له في # PageV14P215 # الخارج فكذلك لا يوجد في الاستعمال لفظ مطلق مجرد عن جميع الأمور ~~المعينة. فإن الكلام إنما يفيد بعد العقد والتركيب وذلك تقييد وتخصيص كقولك ~~أكرم الإنسان أو الإنسان خير من الفرس. ومثله قوله: {أقم الصلاة} ونحو ذلك ~~ومن هنا غلط كثير من الناس في المعاني الكلية حيث ظنوا وجودها في الخارج ~~مجردة عن القيود وفي اللفظ المتواطئ حيث ظنوا تجرده في الاستعمال عن ~~القيود. والتحقيق: أنه لا يوجد المعنى الكلي المطلق في الخارج إلا معينا ~~مقيدا ولا يوجد اللفظ الدال عليه في الاستعمال إلا مقيدا مخصصا وإذا قدر ~~المعنى مجردا كان محله الذهن وحينئذ يقدر له لفظ مجرد غير موجود في ~~الاستعمال مجردا. و " المقصود هنا " أن اسم الصلاة فيه عموم وإطلاق ولكن لا ~~يستعمل إلا مقرونا بقيد إنما يختص ببعض موارده كصلواتنا وصلاة الملائكة ~~والصلاة من الله سبحانه وتعالى وإنما يغلط الناس في مثل هذا حيث يظنون أن ~~صلاة هذا الصنف مثل صلاة هذا مع علمهم بأن هذا ليس مثل هذا فإذا لم يكن ~~مثله لم يجب أن تكون صلاته مثل صلاته وإن كان بينهما قدر متشابه كما قد ~~حققنا هذا في الرد على الاتحادية والجهمية والمتفلسفة ونحوهم. # PageV14P216 # ومن هذا الباب أسماء الله وصفاته التي يسمى ويوصف العباد بما يشبهها ~~كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك. وكذلك اسم الزكاة هو بالمعنى العام كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل معروف صدقة} ولهذا ثبت ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {على كل مسلم صدقة} وأما ~~الزكاة المالية المفروضة فإنما تجب ms4502 على بعض المسلمين في بعض الأوقات ~~والزكاة المقارنة للصلاة تشاركها في أن كل مسلم عليه صدقة كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق ~~قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: يعين صانعا أو يصنع لأخرق قالوا فإن لم يستطع؟ ~~قال: يكف نفسه عن الشر} . وأما قوله في الحديث الصحيح حديث أبي ذر وغيره: ~~{على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تهليلة ~~صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة} فهذا - إن شاء الله - كتضمن ~~هذه الأعمال نفع الخلائق فإنه بمثل هذا العمل يحصل الرزق والنصر والهدى ~~فيكون ذلك من الصدقة على الخلق. ثم إن هذه الأعمال هي من جنس الصلاة وجنس ~~الصلاة الذي # PageV14P217 # ينتفع به الغير يتضمن المعنيين الصلاة والصدقة ألا ترى أن الصلاة على ~~الميت صلاة وصدقة؟ وكذلك كل دعاء للغير واستغفار مع أن الدعاء للغير دعاء ~~للنفس أيضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ما من رجل ~~يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا له بدعوة قال ~~الملك الموكل به: آمين ولك بمثل} . # PageV14P218 # وقال: # فصل: # قول الناس: الآدمي جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف؛ فإن ضعفه يعود إلى ضعف ~~قواه من قوة العلم والقدرة وأما تجبره فإنه يعود إلى اعتقاداته وإراداته ~~أما اعتقاده فأن يتوهم في نفسه أنه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك وهذا ~~هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو أن يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له. ومما ~~يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فإنه يورث هذا ~~الاختيال. وأما الإرادة فإرادة أن يتعظم ويعظم وهو إرادة العلو في الأرض ~~والفخر على الناس وهو أن يريد من العلو ما لا يصلح له أن يريده وهو الرئاسة ~~والسلطان حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة ~~وهذا موجود في جنس العلماء والعباد والأمراء وغيرهم. # PageV14P219 # وكل واحد من الاعتقاد والإرادة ms4503 يستلزم جنس الآخر؛ فإن من تخيل أنه عظيم ~~أراد ما يليق بذلك الاختيال ومن أراد العلو في الأرض فلا بد أن يتخيل عظمة ~~نفسه وتصغير غيره حتى يطلب ذلك ففي الإرادة يتخيله مقصودا وفي الاعتقاد ~~يتخيله موجودا ويطلب توابعه من الإرادات. وقد قال الله تعالى: {إن الله لا ~~يحب كل مختال فخور} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {الكبر بطر الحق وغمط ~~الناس} فالفخر يشبه غمط الناس فإن كليهما تكبر على الناس. وأما بطر الحق - ~~وهو جحده ودفعه - فيشبه الاختيال الباطل فإنه تخيل أن الحق باطل بجحده ~~ودفعه. ثم هنا وجهان: " أحدهما " أن يجعل الاختيال وبطر الحق من باب ~~الاعتقادات وهو أن يجعل الحق باطلا والباطل حقا فيما يتعلق بتعظيم النفس ~~وعلو قدرها فيجحد الحق الذي يخالف هواها وعلوها ويتخيل الباطل الذي يوافق ~~هواها وعلوها ويجعل الفخر وغمط الناس من باب الإرادات فإن الفاخر يريد أن ~~يرفع نفسه ويضع غيره وكذلك غامط الناس. يؤيد هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن ~~عياض بن حمار المجاشعي # PageV14P220 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا ~~يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد} فبين أن التواضع المأمور به ضد ~~البغي والفخر. {وقال في الخيلاء التي يبغضها الله: الاختيال في الفخر ~~والبغي} . . . (1) فكان في ذلك ما دل على أن الاستطالة على الناس إن كانت ~~بغير حق فهي بغي؛ إذ البغي مجاوزة الحد. وإن كانت بحق فهي الفخر؛ لكن يقال ~~على هذا: البغي يتعلق بالإرادة فلا يجوز أن يجعل هو من باب الاعتقاد وقسيمه ~~من باب الإرادة بل البغي كأنه في الأعمال والفخر في الأقوال أو يقال: البغي ~~بطر الحق والفخر غمط الناس. " الوجه الثاني " أن يكونا جميعا متعلقين ~~بالاعتقاد والإرادة لكن الخيلاء غمط الحق يعود إلى الحق في نفسه الذي هو حق ~~الله وإن لم يكن يتعلق به حق آدمي والفخر وغمط الناس يعود إلى حق الآدميين؛ ~~فيكون التنويع لتمييز حق الآدميين مما هو حق ms4504 لله لا يتعلق [ب] (2) ~~الآدميين؛ بخلاف الشهوة في حال الزنا وأكل مال الغير: فلما قال سبحانه: {إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} ~~والبخل منع النافع: قيد هذا بهذا وقد كتبت فيما قبل هذا من التعاليق: ~~الكلام في التواضع والإحسان والكلام في التكبر والبخل. PageV14P221 # وقال شيخ الإسلام: # قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله} الآية بعد قوله: {كل من عند الله} لو ~~اقتصر على الجمع أعرض العاصي عن ذم نفسه والتوبة من الذنب والاستعاذة من ~~شره وقام بقلبه حجة إبليس فلم تزده إلا طردا كما زادت المشركين ضلالا حين ~~قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} . ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد ~~والإيمان بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية كما في خطبته صلى الله عليه ~~وسلم {الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره} فيشكره ويستعينه على طاعته ~~ويستغفره من معصيته ويحمده على إحسانه. ثم قال: {ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا} إلى آخره. لما استغفر من المعاصي استعاذه من الذنوب التي لم تقع. ~~ثم قال: {ومن سيئات أعمالنا} أي ومن عقوباتها. ثم قال {من يهد الله فلا مضل ~~له} إلخ. شهادة بأنه المتصرف في خلقه ففيه إثبات القضاء الذي هو نظام ~~التوحيد هذا كله مقدمة بين يدي الشهادتين فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته ~~واستغفاره واللجأ إليه، # PageV14P222 # والإيمان بأقداره. فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان. وقال كون ~~الحسنات من الله والسيئات من النفس له وجوه: " الأول " أن النعم تقع بلا ~~كسب. " الثاني " أن عمل الحسنات من إحسان الله إلى عبده فخلق الحياة وأرسل ~~الرسل وحبب إليهم الإيمان. وإذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك وإذا علمت أن ~~الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال. " الثالث " أن الحسنة تضاعف. " الرابع ~~" أن الحسنة يحبها ويرضاها فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع؛ ولهذا تأدب العارفون ~~فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله كما قال إمام الحنفاء: {الذي خلقني فهو ~~يهدين} إلى قوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} . " الخامس " أن الحسنة مضافة ~~إليه؛ لأنه ms4505 أحسن بها بكل اعتبار وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة. " السادس ~~" أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة؛ # PageV14P223 # لأنها إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فتركه لما عرف أنه ~~ذنب وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية وإنما يثاب على الترك على هذا ~~الوجه. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى ~~الإيمان وهو أصل الترك. وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك. ~~وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا؛ بل صادرا ~~عن بغض وعداوة. وأما السيئات فمنشؤها من الظلم والجهل. وفي الحقيقة كلها ~~ترجع إلى الجهل وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها؛ فإن هذا خاصة العقل وقد ~~يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة والغفلة والشهوة أصل الشر كما قال تعالى: ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} الآية. " السابع " أن ~~ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه. " الثامن " ~~أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه من إنعام الله عليه؛ فيرجع في ~~ذلك إلى الله ولا يرجو إلا هو؛ فهو يستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره ~~وأن ما يستحق من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه؛ ولكن لا يبلغ أن ~~يشكر بمعصية الله فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق ونعم المخلوق # PageV14P224 # منه أيضا وجزاؤه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله. فإذا عرف أن {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} صار ~~توكله ورجاؤه إلى الله وحده وإذا عرف ما يستحقه من الشكر الذي يستحقه صار ~~له. . . (1) والشر انحصر سببه في النفس؛ فعلم من أين يؤتى فتاب واستعان ~~بالله كما قال بعض السلف: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه. وقد ~~تقدم قول السلف ابن عباس وغيره: أن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم ~~يستثن أحد وهذا ms4506 من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص ". التاسع " ~~أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة: كما قال تعالى: {الخبيثات ~~للخبيثين} الآية. قال جمهور السلف: الكلمات {الخبيثات للخبيثين} وقال: ~~{ومثل كلمة خبيثة} وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب} والأقوال والأفعال صفات ~~للقائل الفاعل فإذا اتصفت النفس بالخبث فمحلها ما يناسبها فمن أراد أن يجعل ~~الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح؛ بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى ~~PageV14P225 # تصلح للجنة كما في حديث أبي سعيد الذي في الصحيح وفيه: {حتى إذا هذبوا ~~ونقوا أذن لهم في دخول الجنة} فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه لم يطمع ~~في السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل علم تحقيق قوله: {من يعمل سوءا يجز ~~به} {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} إلخ. وعلم أن الرب عليم حكيم رحيم عدل ~~وأفعاله على قانون العدل والإحسان كما في الصحيح {يمين الله ملآى} إلى ~~قوله: {والقسط بيده الأخرى} وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب ~~والعقاب بلا حكمة ولا عدل. إلى أن قال: ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر ~~والنهي أن يقول - كما نقل عن الشاذلي - يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق ~~على لسانك موجودا كما يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية تستلزم تعطيل ~~الأمر والنهي مما يوجب أن يجوز عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي. وآخرون ~~من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر وكافر ~~ويقولون: هذه موهبة ويظنونها من الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التي ~~يكون مثلها للسحرة والكهان كما قال تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم} إلى قوله: {هاروت وماروت} وصح قوله: # PageV14P226 # {لتتبعن سنن من كان قبلكم} . فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن ~~نبذ القرآن وراء ظهره واتبع ما تتلو الشياطين فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ~~ولا يوالي من أمر القرآن بموالاته ولا يعادي من أمر القرآن ms4507 بمعاداته؛ بل ~~يعظم من يأتي ببعض الخوارق. ثم منهم من يعرف أنه من الشياطين؛ لكن يعظمه ~~لهواه ويفضله على طريقة القرآن وهؤلاء كفار قال الله تعالى فيهم: {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} إلخ. # قال: وفي قوله تعالى {فمن نفسك} من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ~~ولا يشتغل بملام الناس وذمهم؛ بل يسأل الله أن يعينه على طاعته؛ ولهذا كان ~~أنفع الدعاء وأعظمه دعاء الفاتحة وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة ويدخل فيه من ~~أنواع الحاجات ما لا يمكن حصره ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا قصة في ~~القرآن إلا لنعتبر وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول؛ فلولا أن ~~في النفوس ما في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا ~~نشبهه قط؛ ولكن الأمر كما قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك} وقوله: {أتواصوا به} وقوله: {تشابهت قلوبهم} ولهذا # PageV14P227 # في الحديث: {لتسلكن سنن من كان قبلكم} . وقد بين القرآن أن السيئات من ~~النفس وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به وطلب أن يكون شريكا له وكلا ~~هذين وقع. وقال بعضهم ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون وذلك أن الإنسان ~~إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس رأى ما يبغض نظيره وأتباعه حسدا كما فعلت ~~اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى؛ ولهذا أخبر عنهم ~~بنظير ما أخبر به عن فرعون. # PageV14P228 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني - تغمده الله تعالى برحمته ~~-: # الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له. ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # فصل: # في قوله تعالى {ما أصابك من حسنة ms4508 فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~وبعض ما تضمنته من الحكم العظيمة. # هذه الآية: ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد وذم الناكثين عنه، # PageV14P229 # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا} الآيات إلى أن ذكر صلاة الخوف وقد ذكر قبلها طاعة الله وطاعة الرسول ~~والتحاكم إلى الله وإلى الرسول. ورد ما تنازع فيه الناس إلى الله وإلى ~~الرسول. وذم الذين يتحاكمون ويردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله والرسول. ~~فكانت تلك الآيات: تبيينا للإيمان بالله وبالرسول. ولهذا قال فيها: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما} . وهذا جهاد عما جاء به الرسول. وقد قال تعالى {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله} وقال تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين} وقال {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم # PageV14P230 # أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات} الآية. وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم} {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} {وأخرى ~~تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا ~~الذين آمنوا على ms4509 عدوهم فأصبحوا ظاهرين} . وذكر بعد آيات الجهاد إنزال ~~الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما أراه الله ونهيه عن ضد ذلك. ~~وذكره فضل الله عليه ورحمته في حفظه وعصمته من إضلال الناس له وتعليمه ما ~~لم يكن يعلم. وذم من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين. وتعظيم أمر الشرك ~~وشديد خطره وأن الله لا يغفره. ولكن يغفر ما دونه لمن يشاء - إلى أن بين أن ~~أحسن الأديان: دين من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا. بشرط أن تكون عبادته ~~بفعل الحسنات التي شرعها # PageV14P231 # لا بالبدع والأهواء. وهم أهل ملة إبراهيم الذين اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~{واتخذ الله إبراهيم خليلا} . فكان في الأمر بطاعة الرسول والجهاد عليها: ~~اتباع التوحيد وملة إبراهيم. وهو إخلاص الدين لله وأن يعبد الله بما أمر به ~~على ألسن رسله من الحسنات. وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد: ذم من يخاف ~~العدو ويطلب الحياة. وبين أن ترك الجهاد: لا يدفع عنهم الموت. بل أينما ~~كانوا أدركهم الموت ولو كانوا في بروج مشيدة. فلا ينالون بترك الجهاد ~~منفعة. بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا والآخرة. فقال تعالى {ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة ~~خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} . وهذا الفريق قد قيل: إنهم منافقون. وقيل: ~~نافقوا لما كتب عليهم القتال. وقيل: بل حصل منهم جبن وفشل. فكان في قلوبهم ~~مرض. كما قال تعالى: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال # PageV14P232 # رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى ~~لهم} {طاعة وقول معروف} الآية وقال تعالى {وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} . والمعنى متناول لهؤلاء ~~ولهؤلاء. ولكل من كان بهذه الحال. ثم قال: {أينما تكونوا يدرككم الموت ms4510 ولو ~~كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} . فالضمير في قوله " وإن تصبهم " يعود إلى من ذكر. وهم الذين {يخشون ~~الناس} أو يعود إلى معلوم وإن لم يذكر. كما في مواضع كثيرة. وقد قيل: إن ~~هؤلاء كانوا كفارا من اليهود. وقيل: كانوا منافقين. وقيل: بل كانوا من ~~هؤلاء وهؤلاء. والمعنى يعم كل من كان كذلك. ولكن تناوله لمن أظهر الإسلام ~~وأمر بالجهاد: أولى. ثم إذا تناول الذم هؤلاء: فهو للكفار الذين لا يظهرون ~~الإسلام أولى # PageV14P233 # وأحرى. والذي عليه عامة المفسرين: أن " الحسنة " و " السيئة " يراد بهما ~~النعم والمصائب. ليس المراد: مجرد ما يفعله الإنسان باختياره باعتباره من ~~الحسنات أو السيئات. # فصل: # ولفظ " الحسنات " و " السيئات " في كتاب الله: يتناول هذا وهذا قال الله ~~تعالى عن المنافقين {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وقال تعالى: {إن تصبك حسنة تسؤهم وإن ~~تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون} وقال تعالى ~~{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} وقال تعالى {وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان ~~كفور} وقال تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن معه: {فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} ذكر هذا بعد ~~قوله: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} . وأما ~~الأعمال المأمور بها والمنهي عنها: ففي مثل قوله تعالى {من # PageV14P234 # جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا ما كانوا يعملون} وقوله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين} وقوله تعالى {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما} . وهنا قال {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~ولم يقل: ms4511 وما فعلت وما كسبت. كما قال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} وقال تعالى: {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} وقال ~~تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا} وقال تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم} وقال تعالى: {فأصابتكم مصيبة الموت} ~~وقال تعالى: {وبشر الصابرين} {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون} . فلهذا كان قول {ما أصابك من حسنة} و {من سيئة} متناول لما ~~يصيب الإنسان ويأتيه من النعم التي تسره ومن المصائب التي تسوءه. فالآية ~~متناولة لهذا قطعا. وكذلك قال عامة المفسرين. قال أبو العالية: {وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله} # PageV14P235 # قال: هذه في السراء {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} قال: وهذه في ~~الضراء. وقال السدي: {وإن تصبهم حسنة} قالوا والحسنة الخصب ينتج خيولهم ~~وأنعامهم ومواشيهم ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان {يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة} قالوا - والسيئة: الضرر في أموالهم تشاؤما بمحمد - ~~قالوا: {هذه من عندك} يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدا أصابنا هذا ~~البلاء. فأنزل الله {قل كل من عند الله} الحسنة والسيئة {فمال هؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون حديثا} قال: القرآن. وقال الوالبي عن ابن عباس {ما أصابك ~~من حسنة فمن الله} قال: ما فتح الله عليك يوم بدر. وكذلك قال الضحاك. وقال ~~الوالبي أيضا عن ابن عباس " من حسنة " قال: ما أصاب من الغنيمة والفتح فمن ~~الله. قال: " والسيئة " ما أصابه يوم أحد. إذ شج في وجهه وكسرت رباعيته. ~~وقال: أما " الحسنة " فأنعم الله بها عليك وأما " السيئة " فابتلاك الله ~~بها. # PageV14P236 # وروي أيضا عن حجاج عن عطية عن ابن عباس {ما أصابك من حسنة فمن الله} قال: ~~هذا يوم بدر {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: هذا يوم أحد. يقول: ما كان ~~من نكبة: فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. وكذلك روى ابن ms4512 عيينة عن إسماعيل بن ~~أبي خالد عن أبي صالح فمن " نفسك " قال: فبذنبك وأنا قدرتها عليك. روى هذه ~~الآثار ابن أبي حاتم وغيره. وروي أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير. قال: ~~ما تريدون من القدر؟ أما تكفيكم هذه الآية التي في سورة النساء {وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} ؟ أي من ~~نفسك. والله ما وكلوا إلى القدر. وقد أمروا به. وإليه يصيرون. وكذلك في ~~تفسير أبي صالح عن ابن عباس {وإن تصبهم حسنة} الخصب والمطر {وإن تصبهم ~~سيئة} الجدب والبلاء. وقال ابن قتيبة {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} قال: الحسنة النعمة. والسيئة البلية. # PageV14P237 # وقد ذكر أبو الفرج في قوله " {ما أصابك من حسنة} - ومن سيئة " ثلاثة ~~أقوال. أحدها: أن " الحسنة " ما فتح الله عليهم يوم بدر. و " السيئة " ما ~~أصابهم يوم أحد. قال: رواه ابن أبي طلحة - وهو الوالبي - عن ابن عباس. قال: ~~والثاني " الحسنة " الطاعة. و " السيئة " المعصية. قاله أبو العالية. ~~والثالث " الحسنة " النعمة. و " السيئة " البلية. قاله ابن منبه. قال: وعن ~~أبي العالية نحوه. وهو أصح. قلت: هذا هو القول المعروف بالإسناد عن أبي ~~العالية كما تقدم من تفسيره المعروف الذي يروى عنه هو وغيره من طريق أبي ~~جعفر الداري عن الربيع بن أنس عنه وأمثاله. وأما الثاني: فهو لم يذكر ~~إسناده. ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون أقوال السلف بلا إسناد. ~~وكثير منها ضعيف. بل كذب لا يثبت عمن نقل عنه. وعامة المفسرين المتأخرين ~~أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف وطائفة منهم تحملها على الطاعة والمعصية. # PageV14P238 # فأما الصنف الأول: فهي تتناوله قطعا. كما يدل عليه لفظها وسياقها ومعناها ~~وأقوال السلف. وأما المعنى الثاني: فليس مرادا دون الأول قطعا. ولكن قد ~~يقال: إنه مراد مع الأول باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة: هو نعمة ~~في حقه من الله أصابته. وما يقع منه من المعصية: هو سيئة أصابته. ms4513 ونفسه ~~التي عملت السيئة. وإذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء: أولى ~~أن يكون من نفسه. فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه. مع ~~أن الجميع مقدر كما تقدم. وقد روي عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان يقرأ " ~~فمن نفسك وأنا قدرتها عليك ". # فصل: # والمعصية الثانية: قد تكون عقوبة الأولى. فتكون من سيئات الجزاء مع أنها ~~من سيئات العمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته ~~- # PageV14P239 # عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {عليكم بالصدق. ~~فإن الصدق يهدي إلى البر. والبر يهدي إلى الجنة. ولا يزال الرجل يصدق ~~ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب. فإن الكذب يهدي إلى ~~الفجور والفجور يهدي إلى النار. ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب ~~عند الله كذابا} . وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة ~~الثانية قد تكون من ثواب الأولى. وكذلك السيئة الثانية: قد تكون من عقوبة ~~الأولى. قال تعالى {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما} ~~وقال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال تعالى: {والذين قتلوا ~~في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} {سيهديهم ويصلح بالهم} {ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم} وقال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} وقال تعالى: {وكتاب ~~مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم} وقال تعالى: {وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون} وقال تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} # PageV14P240 # وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى} وقال تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون} {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} ms4514 وقال ~~تعالى {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} وقال تعالى ~~{ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} وقال تعالى {ولما ~~بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} وقال تعالى {الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} ~~{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا} {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى {قل ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} . قال أبو عثمان ~~النيسابوري: من أمر السنة على نفسه - قولا وفعلا - نطق بالحكمة. ومن أمر ~~الهوى على نفسه - قولا وفعلا - نطق بالبدعة. لأن الله تعالى يقول {وإن ~~تطيعوه تهتدوا} # PageV14P241 # قلت: وقد قال في آخر السورة {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} . وقال تعالى {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون} {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} وقال تعالى {إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا الله عنهم} وقال تعالى {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد ~~تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين} - إلى قوله - {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى ~~إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين} وقال تعالى {وقالوا قلوبنا غلف ~~بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} وقال تعالى أيضا {وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} . وقال تعالى {فبهت ~~الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} وقال تعالى {ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم ms4515 الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} {ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا} وقال تعالى في النوعين {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق # PageV14P242 # واضربوا منهم كل بنان} {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} وقال تعالى {سنلقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم ~~النار وبئس مثوى الظالمين} . وقال تعالى {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} {ولولا أن كتب الله ~~عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار} {ذلك بأنهم ~~شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} . وقال تعالى {لن ~~يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} {ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء ~~بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} وقال تعالى {ترى كثيرا منهم يتولون ~~الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم ~~خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون} وقال تعالى {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} وقال ~~تعالى {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا # PageV14P243 # في الأرض وتقطعوا أرحامكم} {أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم} {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} {إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم} {ذلك بأنهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ms4516 والله يعلم إسرارهم} . ~~وقال تعالى {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} {فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} ~~وقال تعالى {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين} وقال تعالى في ضد هذا {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم ~~هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما} - إلى ~~قوله - {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} ~~{سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} . وتوليتهم ~~الأدبار: ليس مما نهوا عنه ولكن هو من جزاء أعمالهم. وهذا باب واسع. # PageV14P244 # فصل: # وإذا كانت السيئات التي يعملها الإنسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت - ~~وهي مضرة - جاز أن يقال: هي مما أصابه من السيئات وهي بذنوب تقدمت. وعلى كل ~~تقدير: فالذنوب التي يعملها؛ هي من نفسه. وإن كانت مقدرة عليه. فإنه إذا ~~كان الجزاء الذي هو مسبب عنها من نفسه فعمله الذي هو ذلك الجزاء: من نفسه ~~بطريق الأولى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته {نعوذ بالله من ~~شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} . {وقال له أبو بكر رضي الله عنه علمني ~~دعاء. فقال قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ~~ومليكه. أشهد أن لا إله إلا أنت. أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن ~~أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت ~~مضجعك} . # PageV14P245 # فقد بين أن قوله {فمن نفسك} يتناول العقوبات على الأعمال ويتناول ~~الأعمال. مع أن الكل بقدر الله. # فصل: # وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه: منها: أنهم يقولون: فعل العبد - ~~حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله. بل الله قد ms4517 أعطى كل واحد من ~~الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات. لكن هذا عندهم: أحدث إرادة فعل بها ~~الحسنات. وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات. وليس واحد منهما من إحداث الرب ~~عندهم. والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات. وهم لا يفرقون في الأعمال بين ~~الحسنات والسيئات إلا من جهة الأمر. لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات ~~دون السيئات. بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا. لكن منهم من يقول: بأنه ~~يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة: ما يكون جزاء. كما يقوله أهل السنة. # PageV14P246 # لكن على هذا: فليست عندهم كل الحسنات من الله. ولا كل السيئات. بل بعض ~~هذا وبعض هذا. الثاني: أنه قال {كل من عند الله} فجعل الحسنات من عند الله ~~كما جعل السيئات من عند الله. وهم لا يقولون بذلك في الأعمال. بل في ~~الجزاء. وقوله - بعد هذا - {ما أصابك من حسنة} و {من سيئة} مثل قوله {وإن ~~تصبهم حسنة} وقوله {وإن تصبهم سيئة} . الثالث: أن الآية أريد بها: النعم ~~والمصائب. كما تقدم. وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي ~~أعمالهم التي استحقوا بها العقاب. فإن قوله {كل من عند الله} هو النعم ~~والمصائب. ولأن قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} حجة عليهم. وبيان أن الإنسان هو فاعل السيئات. وأنه يستحق عليها ~~العقاب. والله ينعم عليه بالحسنات - عملها وجزائها - فإنه إذا كان ما ~~أصابهم من حسنة فهو من الله: فالنعم من الله. سواء كانت ابتداء أو كانت ~~جزاء. وإذا كانت جزاء - وهي من الله -: فالعمل الصالح الذي كان سببها: هو ~~أيضا من الله. أنعم بهما الله على العبد. وإلا فلو كان هو من نفسه - كما ~~كانت السيئات من نفسه - لكان كل ذلك من نفسه. والله تعالى قد فرق بين ~~النوعين في الكتاب والسنة. كما في الحديث الصحيح الإلهي: {عن الله يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم # PageV14P247 # أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد ms4518 غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه} وقال تعالى {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم ~~أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال تعالى {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون} وقال تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} وقال تعالى {وما ظلمناهم ولكن ظلموا ~~أنفسهم} وقال تعالى {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} وقال تعالى ~~{لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقال تعالى للمؤمنين {ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون} وقد أمروا أن يقولوا في الصلاة {اهدنا الصراط المستقيم} ~~{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . # فصل: # وقد ظن طائفة: أن في الآية إشكالا أو تناقضا في الظاهر حيث قال {كل من ~~عند الله} ثم فرق بين الحسنات والسيئات. فقال {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . # PageV14P248 # وهذا من قلة فهمهم وعدم تدبرهم الآية. وليس في الآية تناقض. لا في ظاهرها ~~ولا في باطنها. لا في لفظها ولا معناها. فإنه ذكر عن المنافقين والذين في ~~قلوبهم مرض الناكصين عن الجهاد. ما ذكره بقوله {أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك} هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~بسبب ما أمرتنا به من دينك والرجوع عما كنا عليه: أصابتنا هذه السيئات. ~~لأنك أمرتنا بما أوجبها. فالسيئات: هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب ~~المصائب: هو أمرهم بها. وقولهم " من عندك " تتناول مصائب الجهاد التي توجب ~~الهزيمة لأنه أمرهم بالجهاد. وتتناول أيضا مصائب الرزق على جهة التشاؤم ~~والتطير. أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك. كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى ~~وبمن معه. وكما قال أهل القرية للمرسلين {إنا تطيرنا بكم} وكما قال الكفار ~~من ثمود لصالح ولقومه: {اطيرنا بك وبمن معك} فكانوا يقولون ms4519 عما يصيبهم - من ~~الحرب والزلزال والجراح والقتل وغير ذلك مما يحصل من العدو -: هو منك. لأنك ~~أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك. ويقولون عن هذا وعن المصائب السمائية: إنها ~~منك. أي بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك: أصابتنا هذه # PageV14P249 # المصائب كما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير ~~اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} . فهذا ~~يتناول كل من جعل طاعة الرسول وفعل ما بعث به: مسببا لشر أصابه: إما من ~~السماء. وإما من آدمي. وهؤلاء كثيرون. لم يقولوا " هذه من عندك " بمعنى: ~~أنك أنت الذي أحدثتها. فإنهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث ~~شيئا من ذلك ولم يكن قولهم " من عندك " خطابا من بعضهم لبعض. بل هو خطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم. ومن فهم هذا تبين له أن قوله {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} لا يناقض قوله {كل من عند الله} بل ~~هو محقق له. لأنهم - هم ومن أشبههم إلى يوم القيامة - يجعلون ما جاء به ~~الرسول والعمل به: سببا لما قد يصيبهم من مصائب. وكذلك من أطاعه إلى يوم ~~القيامة. وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به ويقولون: ليس هذا مما أمر الله ~~به. ولو كان مما أمر الله به: لما جرى على أهله هذا البلاء. # PageV14P250 # وتارة لا يقدحون في الأصل. لكن يقدحون في القضية المعينة. فيقولون: هذا ~~بسوء تدبير الرسول. كما قال عبد الله بن أبي ابن سلول يوم أحد - إذ كان ~~رأيه مع رأي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة - فسأله صلى ~~الله عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد: أن يخرج. فوافقهم ودخل ~~بيته ولبس لامته. فلما لبس لأمته ندموا. وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أنت أعلم. فإن شئت أن لا نخرج فلا نخرج. فقال: {ما ينبغي لنبي إذا لبس ~~لامته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه} يعني: أن الجهاد ms4520 يلزم ~~بالشروع كما يلزم الحج. لا يجوز ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار ~~في الحج. # فصل: # والمفسرون ذكروا في قوله {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} هذا وهذا. ~~فعن ابن عباس، والسدي، وغيرهما: أنهم يقولون هذا، تشاؤما بدينه. وعن عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم. قال: بسوء تدبيرك - يعني # PageV14P251 # كما قاله عبد الله بن أبي وغيره يوم أحد - وهم كالذين {قالوا لإخوانهم ~~وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} . فبكل حال: قولهم " من عندك " هو طعن فيما ~~أمر الله به ورسوله: من الإيمان والجهاد. وجعل ذلك: هو الموجب للمصائب التي ~~تصيب المؤمنين المطيعين، كما أصابتهم يوم أحد. وتارة تصيب عدوهم. فيقول ~~الكافرون: هذا بشؤم هؤلاء، كما قال أصحاب القرية للمرسلين {إنا تطيرنا بكم} ~~وكما قال تعالى عن آل فرعون {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} وقال تعالى عن قوم صالح {قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند ~~الله بل أنتم قوم تفتنون} ولما قال أهل القرية {إنا تطيرنا بكم لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} {قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل ~~أنتم قوم مسرفون} . قال الضحاك: في قوله {ألا إنما طائرهم عند الله} يقول: ~~الأمر من قبل الله ما أصابكم من أمر فمن الله، بما كسبت أيديكم. # PageV14P252 # وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " معايبكم " وقال قتادة " عملكم عند الله ~~". وفي رواية غير علي: عملكم عند الله {بل أنتم قوم تفتنون} أي تبتلون ~~بطاعة الله ومعصيته. رواهما ابن أبي حاتم وغيره. وعن ابن إسحاق قال: قالت ~~الرسل " طائركم معكم " أي أعمالكم. فقد فسروا " الطائر " بالأعمال وجزائها، ~~لأنهم كانوا يقولون: إنما أصابنا ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل ~~وأتباعهم. فبين الله سبحانه: أن طائرهم - وهو الأعمال وجزاؤها - هو عند ~~الله. وهو معهم. فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم كما قال ~~تعالى {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} ms4521 وهو من الله؛ لأن الله تعالى قدر ~~تلك المصائب بأعمالهم. فمن عنده تتنزل عليهم المصائب. جزاء على أعمالهم، لا ~~بسبب الرسل وأتباعهم. وفي هذا يقال: إنهم إنما يجزون بأعمالهم، لا بأعمال ~~غيرهم. ولذلك قال في هذه الآية - لما كان المنافقون والكفار ومن في قلبه ~~مرض يقول: هذا الذي أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد، عقوبة # PageV14P253 # دينية وصل إلينا - بين سبحانه: أن ما أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم. ~~ففي هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه تلك ~~المصائب. وعلى من انتسب إلى الإيمان بالرسول، ونسبها إلى فعل ما جاء به ~~الرسول، وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول. # فصل: # والمقصود: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سببا لشيء من ~~المصائب. ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سببا لمصيبة، بل طاعة الله والرسول ~~لا تقتضي إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة. ولكن قد تصيب المؤمنين ~~بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم. لا بما أطاعوا فيه الله والرسول، كما ~~لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم. لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم. وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال: ليس هو بسبب نفس ~~إيمانهم وطاعتهم، لكن امتحنوا به، ليتخلصوا مما فيهم من الشر # PageV14P254 # وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار، ليتميز طيبه من خبيثه. والنفوس فيها ~~شر. والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه. قال تعالى {وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله ~~لا يحب الظالمين} {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} وقال تعالى ~~{وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} ولهذا قال صالح عليه ~~السلام لقومه {طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون} . ولهذا كانت المصائب ~~تكفر سيئات المؤمنين، وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم وما أصابهم في الجهاد من ~~مصائب بأيدي العدو، فإنه يعظم أجرهم بالصبر عليها. وفي الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms4522 قال {ما من غازية يغزون في سبيل الله، فيسلمون ويغنمون إلا ~~تعجلوا ثلثي أجرهم. وإن أصيبوا وأخفقوا: تم لهم أجرهم} . وأما ما يلحقهم من ~~الجوع والعطش والتعب: فذاك يكتب لهم به عمل صالح. كما قال تعالى {ذلك بأنهم ~~لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} . وشواهد هذا كثيرة. # PageV14P255 # فصل: # والمقصود: أن قوله {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} فإنهم جعلوا ما يصيبهم من ~~المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول. وكانوا يقولون: النعمة التي تصيبنا هي من ~~عند الله. والمصيبة من عند محمد. أي بسبب دينه وما أمر به. فقال تعالى: قل ~~هذا وهذا من عند الله. لا من عند محمد. محمد لا يأتي لا بنعمة ولا بمصيبة ~~ولهذا قال بعد هذا {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} قال: السدي ~~وغيره: هو القرآن. فإن القرآن إذا هم فقهوا ما فيه: تبين لهم أنه إنما ~~أمرهم بالخير، والعدل، والصدق، والتوحيد. لم يأمرهم بما يكون سببا للمصائب. ~~فإنهم إذا فهموا ما في القرآن علموا: أنه لا يكون سببا للشر مطلقا. وهذا ~~مما يبين أن ما أمر الله به: يعلم بالأمر به حسنه ونفعه، وأنه مصلحة ~~للعباد. وليس كما يقول من يقول: قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه ~~إذا فعلوه. بل فيه مضرة لهم. # PageV14P256 # فإنه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم. ومما يوضح ~~ذلك: أنه لما قال {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~قال بعدها {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} فإنه قد شهد له ~~بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات والمعجزات. وإذا شهد الله له كفى به ~~شهيدا. ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته بما ذكروه من الشبه التي هي عليهم ms4523 لا ~~لهم بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته. والله ~~تعالى قد شهد له: أنه أرسله للناس رسولا. فكان ختم الكلام بهذا إبطالا ~~لقولهم: إن المصائب من عند الرسول. ولهذا قال، بعد هذا {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} . # فصل: # وكان فيما ذكره إبطال لقول الجهمية المجبرة ونحوهم، ممن يقول: إن الله قد ~~يعذب العباد بلا ذنب. وأنه قد يأمر العباد بما لا ينفعهم، بل بما يضرهم. ~~فإن فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر، وإن لم يفعلوه عاقبهم. # PageV14P257 # يقولون هذا ومثله، ويزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء. والقرآن يرد على ~~هؤلاء من وجوه كثيرة، كما يرد على المكذبين بالقدر. فالآية ترد على هؤلاء ~~وهؤلاء، كما تقدم، مع احتجاج الفريقين بها. وهي حجة على الفريقين. فإن قال ~~نفاة القدر: إنما قال في الحسنة " هي من الله " وفي السيئة " هي من نفسك " ~~لأنه يأمر بهذا، وينهى عن هذا، باتفاق المسلمين. قالوا: ونحن نقول: المشيئة ~~ملازمة للأمر. فما أمر به فقد شاءه وما لم يأمر به لم يشأه. فكانت مشيئته ~~وأمره حاضة على الطاعة دون المعصية. فلهذا كانت هذه منه دون هذه. قيل: أما ~~الآية: فقد تبين أن الذين قالوا " الحسنة من عند الله، والسيئة من عندك " ~~أرادوا: من عندك يا محمد، أي بسبب دينك. فجعلوا رسالة الرسول هي سبب ~~المصائب. وهذا غير مسألة القدر. وإذا كان قد أريد: أن الطاعة والمعصية - ~~مما قد قيل - كان # PageV14P258 # قوله {كل من عند الله} حجة عليكم كما تقدم. وقوله بعد هذا {ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} لا ينافي ذلك. بل " الحسنة " ~~أنعم الله بها وبثوابها و " السيئة " هي من نفس الإنسان ناشئة، وإن كانت ~~بقضائه وقدره، كما قال تعالى {من شر ما خلق} فمن المخلوقات ما له شر، وإن ~~كان بقضائه وقدره. وأنتم تقولون: الطاعة والمعصية هما من أحداث الإنسان، ~~بدون أن يجعل الله هذا فاعلا وهذا فاعلا، ms4524 وبدون أن يخص الله المؤمن بنعمة ~~ورحمة أطاعه بها وهذا مخالف للقرآن. # فصل: # فإن قيل: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة، والنعم والمصائب مقدرة. فلم ~~فرق بين الحسنات، التي هي النعم، والسيئات، التي هي المصائب؟ فجعل هذه من ~~الله، وهذه من نفس الإنسان؟ . قيل: لفروق بينهما: # PageV14P259 # " الفرق الأول ": أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم ~~أصلا. فهو ينعم بالعافية والرزق والنصر، وغير ذلك على من لم يعمل خيرا قط. ~~وينشئ للجنة خلقا يسكنهم فضول الجنة. وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيرا. ~~ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل. وأما العقاب: فلا ~~يعاقب أحدا إلا بعمله. " الفرق الثاني ": أن الذي يعمل الحسنات. إذا عملها، ~~فنفس عمله الحسنات: هو من إحسان الله، وبفضله عليه بالهداية والإيمان، كما ~~قال أهل الجنة {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله} . وفي الحديث الصحيح {يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه} . فنفس خلق الله لهم أحياء، وجعله لهم السمع والأبصار والأفئدة: هو ~~من نعمته ونفس إرسال الرسول إليهم، وتبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به: ~~هو من نعمته. وإلهامهم الإيمان، وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل # PageV14P260 # لهم بها الإيمان دون الكافرين: هو من نعمته. كما قال تعالى {ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون} {فضلا من الله ونعمة} . فجميع ما يتقلب فيه العالم من ~~خيري الدنيا والآخرة: هو نعمة محضة منه بلا سبب سابق يوجب لهم حقا. ولا حول ~~ولا قوة لهم من أنفسهم إلا به. وهو خالق نفوسهم، وخالق أعمالها الصالحة، ~~وخالق الجزاء. فقوله {ما أصابك من حسنة فمن الله} حق من كل وجه، ظاهرا ~~وباطنا على مذهب أهل السنة. وأما " السيئة " فلا تكون إلا بذنب العبد. ~~وذنبه من نفسه. وهو لم يقل: إني لم أقدر ذلك ولم أخلقه. بل ذكر ms4525 للناس ما ~~ينفعهم. # فصل: # فإذا تدبر العبد علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله، فشكر الله، ~~فزاده الله من فضله عملا صالحا، ونعما يفيضها عليه. # PageV14P261 # وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه: استغفر وتاب. فزال عنه ~~سبب الشر. فيكون العبد دائما شاكرا مستغفرا. فلا يزال الخير يتضاعف له، ~~والشر يندفع عنه. كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته الحمد ~~لله فيشكر الله. ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه على الطاعة. ونستغفره من ~~المعصية. ثم يقول ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} فيستعيذ ~~به من الشر الذي في النفس، ومن عقوبة عمله. فليس الشر إلا من نفسه ومن عمل ~~نفسه. فيستعيذ الله من شر النفس: أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا. ثم إذا عمل ~~استعاذ بالله من سيئات عمله، ومن عقوبات عمله. فاستعانه على الطاعة ~~وأسبابها. واستعاذ به من المعصية وعقابها. فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة ~~فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه: يوجب له هذا وهذا. فهو سبحانه فرق ~~بينهما هنا، بعد أن جمع بينهما في قوله {قل كل من عند الله} . فبين أن ~~الحسنات والسيئات: النعم والمصائب، والطاعات والمعاصي، على قول من أدخلها ~~في " من عند الله ". ثم بين الفرق الذي ينتفعون به. وهو أن هذا الخير: من # PageV14P262 # نعمة الله، فاشكروه يزدكم. وهذا الشر: من ذنوبكم. فاستغفروه، يدفعه عنكم. ~~قال الله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} وقال تعالى {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} ~~{ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} . والمذنب ~~إذا استغفر ربه من ذنبه فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء والمؤمنين، كآدم ~~وغيره. وإذا أصر، واحتج بالقدر: فقد تأسى بالأشقياء، كإبليس ومن اتبعه من ~~الغاوين. فكان من ذكره: أن السيئة من نفس الإنسان ms4526 بذنوبه، بعد أن ذكر: أن ~~الجميع من عند الله، تنبيها على الاستغفار والتوبة، والاستعاذة بالله من شر ~~نفسه وسيئات عمله. والدعاء بذلك في الصباح والمساء، وعند المنام، كما {أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أبا بكر الصديق، أفضل الأمة، حيث علمه ~~أن يقول اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أعوذ بك من شر ~~نفسي # PageV14P263 # وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم} . ~~فيستغفر مما مضى. ويستعيذ مما يستقبل. فيكون من حزب السعداء. وإذا علم أن ~~الحسنة من الله - الجزاء والعمل - سأله أن يعينه على فعل الحسنات. بقوله ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} وبقوله {اهدنا الصراط المستقيم} وقوله {ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} ونحو ذلك. وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله ~~فقط، ولم يذكر الفرق فإنه يحصل من هذا التسوية. فأعرض العاصي والمذنب عن ذم ~~نفسه وعن التوبة من ذنوبها، والاستعاذة من شرها. بل وقام في نفسه: أن يحتج ~~على الله بالقدر. وتلك حجة داحضة، لا تنفعه. بل تزيده عذابا وشقاء، كما ~~زادت إبليس لما قال {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} وقال {رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} . وكالذين يقولون يوم ~~القيامة {لو أن الله هداني لكنت من # PageV14P264 # المتقين} وكالذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء} . فمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه، وأعرض عما أمر الله به، من ~~التوبة والاستغفار، والاستعانة بالله، والاستعاذة به، واستهدائه: كان من ~~أخسر الناس في الدنيا والآخرة. فهذا من فوائد ذكر الفرق بين الجمع. # فصل: # الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله وينميها، ويثيب على الهم بها. ~~والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها فيعطي صاحب الحسنة: من الحسنات ~~فوق ما عمل. وصاحب السيئة: لا يجزيه إلا بقدر عمله. قال تعالى {من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا ~~يظلمون} . الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه، لأنه ms4527 أحسن بها من كل وجه، ~~كما تقدم. فما من وجه من وجوهها: إلا وهو يقتضي الإضافة إليه. # PageV14P265 # وأما السيئة: فهو إنما يخلقها بحكمة. وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه. ~~فإن الرب لا يفعل سيئة قط. بل فعله كله حسن وحسنات. وفعله كله خير. ولهذا ~~{كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح والخير بيديك. والشر ~~ليس إليك} فإنه لا يخلق شرا محضا. بل كل ما يخلقه: ففيه حكمة، هو باعتبارها ~~خير. ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس. وهو شر جزئي إضافي. فأما شر كلي، أو ~~شر مطلق: فالرب منزه عنه. وهذا هو الشر الذي ليس إليه. وأما الشر الجزئي ~~الإضافي: فهو خير باعتبار حكمته. ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط. بل إما ~~أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله {وخلق كل شيء} . وإما أن يضاف إلى السبب ~~كقوله {من شر ما خلق} . وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن {وأنا لا ندري أشر ~~أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} . وهذا الموضع ضل فيه فريقان من ~~الناس الخائضين في القدر بالباطل: # PageV14P266 # فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون. ~~لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح. وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد ~~القبيح. وفرقة: لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة بل ~~قالت: إذا كان يخلق هذا: فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئا لحكمة. وما ثم ~~فعل تنزه عنه. بل كل ما كان ممكنا جاز أن يفعله. وجوزوا: أن يأمر بكل كفر ~~ومعصية. وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل. وأن يعذب الأنبياء، وينعم ~~الفراعنة والمشركين وغير ذلك. ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول. وهذا منكر من ~~القول وزور، كالأول. قال تعالى {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال ~~تعالى {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} وقال تعالى {أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا ms4528 الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار} ونحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن # PageV14P267 # والمسيء. وأن من جوز عليه التسوية بينهما: فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر ~~عليه. وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان: لا يكون فيه حكمة. بل فيه من ~~الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم مما لا يقدر قدره إلا الله. وليس إذا وقع ~~في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة: يكون شرا كليا عاما. بل الأمور ~~العامة الكلية: لا تكون إلا خيرا ومصلحة للعباد. كالمطر العام وكإرسال رسول ~~عام. وهذا مما يقتضي: أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذابا عليه بالمعجزات التي ~~أيد بها أنبياءه الصادقين. فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ~~ودنياهم وآخرتهم. وليس هذا كالملك الظالم، والعدو. فإن الملك الظالم: لا بد ~~أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه. وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم: خير ~~من ليلة واحدة بلا إمام. وإذا # PageV14P268 # قدر كثرة ظلمه: فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون ~~عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه. وكذلك ما يسلط ~~عليهم من العدو. وأما من يكذب على الله، ويقول - أي يدعي - أنه نبي: فلو ~~أيده الله تأييد الصادق: للزم أن يسوي بينه وبين الصادق. فيستوي الهدى ~~والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار. ويرتفع التمييز بين هذا ~~وهذا. وهذا مما يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم. ولهذا ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل ~~البدع، كالخوارج. وأمر بالصبر على جور الأئمة. ونهى عن قتالهم والخروج ~~عليهم. ولهذا قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة. وأما المتنبئون ~~الكذابون: فلا يطيل تمكينهم. بل لا بد أن يهلكهم. لأن فسادهم عام في الدين ~~والدنيا والآخرة. قال تعالى {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} {لأخذنا منه ~~باليمين} {ثم لقطعنا منه الوتين} وقال تعالى {أم يقولون افترى على الله ~~كذبا فإن يشأ الله يختم ms4529 على # PageV14P269 # قلبك} فأخبر: أنه - بتقدير الافتراء - لا بد أن يعاقب من افترى عليه. # فصل: # وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس، فاستدلت القدرية النفاة والمجبرة على ~~أنه إذا جاز أن يضل شخصا: جاز أن يضل كل الناس. وإذا جاز أن يعذب حيوانا ~~بلا ذنب ولا عوض: جاز أن يعذب كل حي بلا ذنب ولا عوض. وإذا جاز عليه أن لا ~~يعين واحدا ممن أمره على طاعة أمره: جاز أن لا يعين كل الخلق. فلم تفرق ~~الطائفتان بين الشر الخاص والعام. وبين الشر الإضافي، والشر المطلق. ولم ~~يجعلوا في الشر الإضافي حكمة يصير بها من قسم الخير. ثم قال النفاة: وقد ~~علم أنه منزه عن تلك الأفعال. فإنا لو جوزنا عليه هذا لجوزنا عليه تأييد ~~الكذاب بالمعجزات، وتعذيب الأنبياء وإكرام الكفار، وغير ذلك، مما يستعظم ~~العقلاء إضافته إلى الله تعالى. # PageV14P270 # فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة: بل كل الأفعال جائزة عليه، كما جاز ~~ذلك الخاص. وإنما يعلم أنه لا يفعل ما لا يفعل، أو يفعل ما يفعل: بالخبر، ~~خبر الأنبياء عنه. وإلا فمهما قدر: جاز أن يفعله، وجاز أن لا يفعله. ليس في ~~نفس الأمر سبب ولا حكمة، ولا صفة تقتضي التخصيص ببعض الأفعال دون بعض. بل ~~ليس إلا مشيئة، نسبتها إلى جميع الحوادث سواء. ترجح أحد المتماثلين بلا ~~مرجح. فقيل لهم: فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز. فلا يبقى المعجز دليلا على ~~صدق الأنبياء. فلا يبقى خبر نبي يعلم به الفرق. فيلزم - مع الكفر بالأنبياء ~~- أن لا يعلم الفرق، لا بسمع ولا بعقل. فاحتالوا للفرق بين المعجزات ~~وغيرها. بأن تجويز إتيان الكذاب بالمعجزات يستلزم تعجيز الباري تعالى عما ~~به يفرق بين الصادق والكاذب. أو لأن دلالتها على الصدق معلوم بالاضطرار. ~~كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. وبين خطأ الطائفتين. وأن ~~هؤلاء الذين اتبعوا جهما في الجبر - ونفوا حكمة الله ورحمته، والأسباب التي ~~بها يفعل، وما خلقه من القوى وغيرها - هم مبتدعة مخالفون للكتاب والسنة ~~وإجماع السلف، مع مخالفتهم لصريح المعقول. ms4530 كما أن القدرية النفاة: مخالفون ~~للكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفتهم لصريح المعقول. # PageV14P271 # فصل: # والمقصود هنا: الكلام على قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} وأن هذا يقتضي، أن العبد لا يزال شاكرا مستغفرا. وقد ذكر: ~~أن الشر لا يضاف إلى الله، إلا على أحد الوجوه الثلاثة. وقد تضمنت الفاتحة ~~للأقسام الثلاثة هو سبحانه الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها} وقد سبقت ~~وغلبت رحمته غضبه، وهو الغفور الودود، الحليم الرحيم. فإرادته: أصل كل خير ~~ونعمة، وكل خير ونعمة فمنه {وما بكم من نعمة فمن الله} . وقد قال سبحانه ~~{نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} ثم قال {وأن عذابي هو العذاب الأليم} ~~وقال تعالى {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} فالمغفرة ~~والرحمة من صفاته المذكورة # PageV14P272 # بأسمائه. فهي من موجب نفسه المقدسة، ومقتضاها ولوازمها. وأما العذاب: فمن ~~مخلوقاته، الذي خلقه بحكمة، هو باعتبارها حكمة ورحمة. فالإنسان لا يأتيه ~~الخير إلا من ربه وإحسانه وجوده. ولا يأتيه الشر إلا من نفسه. فما أصابه من ~~حسنة: فمن الله. وما أصابه من سيئة: فمن نفسه. وقوله {وما أصابك} إما أن ~~تكون كاف الخطاب له صلى الله عليه وسلم - كما قال ابن عباس وغيره - وهو ~~الأظهر. لقوله بعد ذلك {وأرسلناك للناس رسولا} . وإما أن تكون لكل واحد من ~~الآدميين، كقوله {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} . لكن هذا ضعيف. ~~فإنه لم يتقدم هنا ذكر الإنسان ولا مكانه. وإنما تقدم ذكر طائفة قالوا ما ~~قالوه. فلو أريد ذكرهم: لقيل ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من ~~سيئة. لكن خوطب الرسول بهذا، لأنه سيد ولد آدم. وإذا كان هذا حكمه: كان هذا ~~حكم غيره بطريق الأولى والأحرى. كما في مثل قوله {اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين} ، وقوله تعالى {لئن أشركت # PageV14P273 # ليحبطن عملك} وقوله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل ms4531 الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} . ثم هذا الخطاب نوعان: نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره ~~بطريق الأولى، كقوله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ~~أزواجك} ثم قال {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . ونوع: قد يكون خطابه ~~خطابا به لجميع الناس، كما يقول كثير من المفسرين: الخطاب له والمراد غيره. ~~وليس المعنى: أنه لم يخاطب بذلك. بل هو المقدم. فالخطاب له خطاب لجميع ~~الجنس البشري. وإن كان هو لا يقع منه ما نهي عنه. ولا يترك ما أمر به. بل ~~هذا يقع من غيره. كما يقول ولي الأمر للأمير: سافر غدا إلى المكان الفلاني. ~~أي أنت ومن معك من العسكر. وكما ينهى أعز من عنده عن شيء. فيكون نهيا لمن ~~دونه. وهذا معروف من الخطاب. فقوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} الخطاب له صلى الله عليه وسلم. وجميع الخلق داخلون في # PageV14P274 # هذا الخطاب بالعموم، وبطريق الأولى. بخلاف قوله {وأرسلناك للناس رسولا} ~~فإن هذا له خاصة. ولكن من يبلغ عنه يدخل في معنى الخطاب. كما قال صلى الله ~~عليه وسلم {بلغوا عني ولو آية} وقال {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه ~~إلى من لم يسمعه} وقال {ليبلغ الشاهد الغائب} وقال {إن العلماء ورثة ~~الأنبياء} وقد قال تعالى في القرآن {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ} . والمقصود هنا: أن " الحسنة " مضافة إليه سبحانه من كل وجه. و " ~~السيئة " مضافة إليه لأنه خلقها. كما خلق " الحسنة " فلهذا قال {كل من عند ~~الله} . ثم إنه إنما خلقها لحكمة. ولا تضاف إليه من جهة أنها سيئة، بل تضاف ~~إلى النفس التي تفعل الشر بها لا لحكمة. فتستحق أن يضاف الشر والسيئة ~~إليها. فإنها لا تقصد بما تفعله من الذنوب خيرا يكون فعله لأجله أرجح. بل ~~ما كان هكذا فهو من باب الحسنات. ولهذا كان فعل الله حسنا. لا يفعل قبيحا ~~ولا سيئا قط. وقد دخل في هذا سيئات الجزاء ms4532 والعمل. لأن المراد بقوله {ما ~~أصابك من حسنة} و {من سيئة} النعم والمصائب، كما تقدم. لكن إذا كانت ~~المصيبة من نفسه - لأنه أذنب - فالذنب من نفسه بطريق الأولى. فالسيئات من ~~نفسه بلا ريب. وإنما جعلها منه مع الحسنة بقوله: # PageV14P275 # {كل من عند الله} كما تقدم. لأنها لا تضاف إلى الله مفردة. بل في العموم، ~~كقوله {كل من عند الله} . وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر، لا تذكر إلا ~~مقرونة، كقولنا " الضار النافع، المعطي المانع، المعز المذل " أو مقيدة، ~~كقوله {إنا من المجرمين منتقمون} . وكل ما خلقه - مما فيه شر جزئي إضافي - ~~ففيه من الخير العام والحكمة والرحمة أضعاف ذلك. مثل إرسال موسى إلى فرعون. ~~فإنه حصل به التكذيب والهلاك لفرعون وقومه. وذلك شر بالإضافة إليهم. لكن ~~حصل به - من النفع العام للخلق إلى يوم القيامة، والاعتبار بقصة فرعون - ما ~~هو خير عام. فانتفع بذلك أضعاف أضعاف من استضر به. كما قال تعالى {فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} وقال ~~تعالى بعد ذكر قصته {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} . وكذلك محمد صلى الله عليه ~~وسلم شقي برسالته طائفة من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب، وهم الذين كذبوه، ~~وأهلكهم الله تعالى بسببه. ولكن سعد بها أضعاف أضعاف هؤلاء. ولذلك من شقي ~~به من أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن # PageV14P276 # يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. فأهلك الله بالجهاد طائفة. واهتدى ~~به من أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك. والذين أذلهم الله من أهل الكتاب ~~بالقهر والصغار، أو من المشركين الذين أحدث فيهم الصغار، فهؤلاء كان قهرهم ~~رحمة لهم. لئلا يعظم كفرهم، ويكثر شرهم. ثم بعدهم حصل من الهدى والرحمة ~~لغيرهم ما لا يحصيهم إلا الله. وهم دائما يهتدي منهم ناس من بعد ناس ببركة ~~ظهور دينه بالحجة واليد. فالمصلحة بإرساله وإعزازه، وإظهار دينه، فيها من ~~الرحمة التي حصلت بذلك ما لا نسبة لها إلى ما حصل بذلك لبعض الناس من شر ~~جزئي إضافي، لما في ذلك ms4533 من الخير والحكمة أيضا. إذ ليس فيما خلقه الله ~~سبحانه شر محض أصلا، بل هو شر بالإضافة. # فصل: # الفرق الخامس: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها كلها أمور ~~وجودية. أنعم الله بها عليه، وحصلت بمشيئة الله ورحمته وحكمته وقدرته ~~وخلقه، ليس في الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى # PageV14P277 # الله. بل كلها أمر وجودي. وكل موجود وحادث فالله هو الذي يحدثه. وذلك: أن ~~الحسنات إما فعل مأمور به، أو ترك منهي عنه. والترك: أمر وجودي. فترك ~~الإنسان لما نهي عنه، ومعرفته بأنه ذنب قبيح، وبأنه سبب للعذاب، وبغضه ~~وكراهته له، ومنع نفسه منه إذا هويته، واشتهته وطلبته. كل هذه أمور وجودية. ~~كما أن معرفته بأن الحسنات - كالعدل والصدق - حسنة، وفعله لها أمور وجودية. ~~ولهذا إنما يثاب الإنسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية وقصد ~~فعلها ابتغاء وجه ربه. وطاعة لله ولرسوله، ويثاب على ترك السيئات إذا تركها ~~بالكراهة لها، والامتناع منها. قال تعالى {ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} ~~وقال تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي ~~المأوى} وقال تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} . وفي الصحيحين عن ~~أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله. ومن كان يكره # PageV14P278 # أن يرجع في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار} ~~. وفي السنن عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم {أوثق عرى ~~الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله} . وفيها عن أبي أمامة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل ~~الإيمان} . وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~{من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. ms4534 فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع ~~فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان} . وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه - ~~لما ذكر الخلوف - قال {من جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو ~~مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} وقد ~~قال تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} . # PageV14P279 # وقال على لسان الخليل {إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين} وقال {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين} وقال {فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} فهذا البغض ~~والعداوة والبراءة مما يعبد من دون الله ومن عابديه: هي أمور موجودة في ~~القلب، وعلى اللسان والجوارح، كما أن حب الله وموالاته وموالاة أوليائه: ~~أمور موجودة في القلب، وعلى اللسان والجوارح. وهي تحقيق قول " لا إله إلا ~~الله " وهو إثبات تأليه القلب لله حبا خالصا وذلا صادقا. ومنع تأليهه لغير ~~الله، وبغض ذلك وكراهته. فلا يعبد إلا الله. ويحب أن يعبده، ويبغض عبادة ~~غيره ويحب التوكل عليه وخشيته ودعاءه ويبغض التوكل على غيره وخشيته ودعاءه. ~~فهذه كلها أمور موجودة في القلب. وهي الحسنات التي يثيب الله عليها. وأما ~~مجرد عدم السيئات، من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها، بل لا يفعلها ~~لكونها لم تخطر بباله، أو تخطر كما تخطر # PageV14P280 # الجمادات التي لا يحبها ولا يبغضها - فهذا لا يثاب على عدم ما يفعله من ~~السيئات. ولكن لا يعاقب أيضا على فعلها. فكأنه لم يفعلها. فهذا تكون ~~السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والمجنون والبهيمة. لا ثواب ولا عقاب. ~~ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه ms4535 تحريمها. فإن لم يعتقد تحريمها ويكرها وإلا ~~عوقب على ترك الإيمان بتحريمها. ### | فصل: # وقد تنازع الناس في الترك: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ . # والأكثرون على أنه وجودي. وقالت طائفة - كأبي هاشم بن الجبائي - إنه عدمي ~~وأن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل، لا على ترك يقوم بنفسه. ويسمون " ~~المذمية " لأنهم رتبوا الذم على العدم المحض. والأكثرون يقولون: الترك أمر ~~وجودي. فلا يثاب من # PageV14P281 # ترك المحظور إلا على ترك يقوم بنفسه. وتارك المأمور: إنما يعاقب على ترك ~~يقوم بنفسه. وهو أن يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل فيمتنع. فهذا ~~الامتناع أمر وجودي. ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده، كما يشتغل عن ~~عبادة الله وحده بعبادة غيره. فيعاقب على ذلك. ولهذا كان كل من لم يعبد ~~الله وحده، فلا بد أن يكون عابدا لغيره. يعبد غيره فيكون مشركا. وليس في ~~بني آدم قسم ثالث. بل إما موحد، أو مشرك، أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من ~~أهل الملل: النصارى ومن أشبههم من الضلال، المنتسبين إلى الإسلام. قال الله ~~تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} {إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون} وقد قال تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} لما قال إبليس {لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} ~~{إلا عبادك منهم المخلصين} قال تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} . فإبليس لا يغوي المخلصين. ولا سلطان له عليهم. إنما ~~سلطانه على الغاوين. وهم الذين يتولونه، وهم الذين به مشركون. # PageV14P282 # وقوله {الذين يتولونه والذين هم به مشركون} صفتان لموصوف واحد. فكل من ~~تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به فقد تولاه. قال تعالى {ألم أعهد إليكم ~~يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم} . وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان ms4536 يظن أنه يعبد ~~الملائكة والأنبياء. وقال تعالى {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} {قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} . ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة ~~والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم فيظنون أن الذي خاطبهم ملك أو نبي، أو ولي، ~~وإنما هو شيطان، جعل نفسه ملكا من الملائكة، كما يصيب عباد الكواكب وأصحاب ~~العزائم والطلسمات. يسمون أسماء، يقولون: هي أسماء الملائكة مثل منططرون ~~وغيره، وإنما هي أسماء الجن. وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء ~~والأولياء والملائكة قد يتمثل لأحدهم من يخاطبه، فيظنه النبي، أو الصالح ~~الذي دعاه. وإنما # PageV14P283 # هو شيطان تصور في صورته، أو قال: أنا هو، لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو. ~~وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين، من النصارى ومن المنتسبين إلى الإسلام ~~يدعونهم عند قبورهم، أو مغيبهم. ويستغيثون بهم. فيأتيهم من يقول: إنه ذلك ~~المستغاث به في صورة آدمي إما راكبا، وإما غير راكب. فيعتقد المستغيث: أنه ~~ذلك النبي، أو الصالح، أو أنه سره، أو روحانيته، أو رقيقته أو المعنى تشكل، ~~أو يقول: إنه ملك جاء على صورته. وإنما هو شيطان يغويه، لكونه أشرك بالله ~~ودعا غيره: الميت فمن دونه. فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك. فظن أنه ~~يدعو النبي، أو الصالح، أو الملك. وأنه هو الذي شفع له، أو هو الذي أجاب ~~دعوته. وإنما هو الشيطان، ليزيده غلوا في كفره وضلاله. فكل من لم يعبد الله ~~مخلصا له الدين، فلا بد أن يكون مشركا عابدا لغير الله. وهو في الحقيقة: ~~عابد للشيطان. فكل واحد من بني آدم إما عابد للرحمن، وإما عابد للشيطان. ~~قال تعالى {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} {حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} {ولن # PageV14P284 # ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} وقال تعالى {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ms4537 يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} . فبنو آدم منحصرون في الأصناف ~~الستة. وبسط هذا له موضع آخر. # فصل: # والمقصود هنا: أن الثواب والعقاب إنما يكون على عمل وجودي بفعل الحسنات، ~~كعبادة الله وحده، وترك السيئات، كترك الشرك أمر وجودي، وفعل السيئات، مثل ~~ترك التوحيد، وعبادة غير الله أمر وجودي. قال تعالى {من جاء بالحسنة فله ~~خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون} وقال تعالى {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} وقال تعالى ~~{من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} وقال تعالى {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ~~{والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة} - إلى قوله - {أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال تعالى # PageV14P285 # {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون} . فأما عدم الحسنات والسيئات: فجزاؤه عدم الثواب والعقاب. وإذا ~~فرض رجل آمن بالرسول مجملا، وبقي مدة لا يفعل كثيرا من المحرمات، ولا سمع ~~أنها محرمة، فلم يعتقد تحريمها. مثل من آمن ولم يعلم أن الله حرم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير، ولا علم أنه حرم نكاح الأقارب سوى أربعة أصناف، ولا ~~حرم بالمصاهرة أربعة أصناف - حرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه - ~~فإذا آمن ولم يفعل هذه المحرمات، ولا اعتقد تحريمها، لأنه لم يسمع ذلك: ~~فهذا لا يثاب ولا يعاقب. ولكن إذا علم التحريم فاعتقده: أثيب على اعتقاده. ~~وإذا ترك ذلك - مع دعاء النفس إليه - أثيب ثوابا آخر، كالذي تدعوه نفسه إلى ~~الشهوات فينهاها كالصائم الذي تشتهي نفسه الأكل والجماع فينهاها، والذي ~~تشتهي نفسه شرب الخمر والفواحش فينهاها. فهذا يثاب ثوابا آخر، بحسب نهيه ~~لنفسه، وصبره على المحرمات، واشتغاله بالطاعات التي هي ضدها. فإذا فعل تلك ~~الطاعات كانت مانعة له عن المحرمات. # PageV14P286 # وإذا تبين هذا: فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، نعمة من الله ~~تعالى وما أحبته النفس من ذلك، ms4538 وكرهته من السيئات: فهو الذي حبب الإيمان ~~إلى المؤمنين، وزينه في قلوبهم. وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. # فصل: # وأما السيئات: فمنشؤها الجهل والظلم. فإن أحدا لا يفعل سيئة قبيحة إلا ~~لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها. ولا يترك حسنة ~~واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها. وفي الحقيقة: فالسيئات ~~كلها ترجع للجهل. وإلا فلو كان عالما علما نافعا بأن فعل هذا يضره ضررا ~~راجحا لم يفعله. فإن هذا خاصية العاقل. ولهذا إذا كان من الحسنات ما يعلم ~~أنه يضره ضررا راجحا، كالسقوط من مكان عال، أو في نهر يغرقه، أو المرور ~~بجنب حائط مائل، أو دخول نار متأججة، أو رمي ماله في البحر ونحو ذلك، # PageV14P287 # لم يفعله، لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه. ومن لم يعلم أن هذا يضره - ~~كالصبي، والمجنون، والساهي والغافل - فقد يفعل ذلك. ومن أقدم على ما يضره - ~~مع علمه بما فيه من الضرر عليه - فلظنه أن منفعته راجحة. فإما أن يجزم بضرر ~~مرجوح، أو يظن أن الخير راجح. فلا بد من رجحان الخير، إما في الظن وإما في ~~المظنون، كالذي يركب البحر ويسافر الأسفار البعيدة للربح. فإنه لو جزم بأنه ~~يغرق أو يخسر لما سافر، لكنه يترجح عنده السلامة والربح، وإن كان مخطئا في ~~هذا الظن. وكذلك الذنوب: إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع، لم يسرق. وكذلك ~~الزاني: إذا جزم بأنه يرجم، لم يزن. والشارب يختلف حاله. فقد يقدم على جلد ~~أربعين وثمانين، ويديم الشرب مع ذلك. ولهذا كان الصحيح: أن عقوبة الشارب ~~غير محدودة، بل يجوز أن تنتهي إلى القتل، إذا لم ينته إلا بذلك. كما جاءت ~~بذلك الأحاديث. كما هو مذكور في غير هذا الموضع. وكذلك العقوبات، متى جزم ~~طالب الذنب بأنه يحصل له به # PageV14P288 # الضرر الراجح لم يفعله. بل إما ألا يكون جازما بتحريمه، أو يكون غير جازم ~~بعقوبته. بل يرجو العفو بحسنات، أو توبة، أو بعفو الله، أو يغفل عن هذا ~~كله. ولا يستحضر تحريما، ms4539 ولا وعيدا فيبقى غافلا. غير مستحضر للتحريم. ~~والغفلة من أضداد العلم. # فصل: # فالغفلة والشهوة أصل الشر. قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا} والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع ~~الجهل. وإلا فصاحب الهوى، إذا علم قطعا أن ذلك يضره ضررا راجحا: انصرفت ~~نفسه عنه بالطبع. فإن الله تعالى جعل في النفس حبا لما ينفعها، وبغضا لما ~~يضرها. فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا. بل متى فعلته كان لضعف ~~العقل. ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل، وذو نهى، وذو حجا. ولهذا كان البلاء ~~العظيم من الشيطان. لا من مجرد النفس. فإن # PageV14P289 # الشيطان يزين لها السيئات. ويأمرها بها، ويذكر لها ما فيها من المحاسن. ~~التي هي منافع لا مضار. كما فعل إبليس بآدم وحواء. فقال {يا آدم هل أدلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى} {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما} {وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} . ~~ولهذا قال تعالى {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} ~~{وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} وقال تعالى {أفمن زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا} وقال تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون} . وقوله {زينا لكل أمة عملهم} هو بتوسيط تزيين الملائكة، ~~والأنبياء، والمؤمنين للخير. وتزيين شياطين الجن والإنس للشر. قال تعالى ~~{وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم} فأصل ما يوقع الناس في السيئات: الجهل، وعدم العلم بكونها تضرهم ~~ضررا راجحا، أو ظن أنها تنفعهم نفعا راجحا. ولهذا قال # PageV14P290 # الصحابة رضي الله عنهم " كل من عصى الله فهو جاهل " وفسروا بذلك قوله ~~تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ~~كقوله {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ms4540 نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} ~~ولهذا يسمى حال فعل السيئات: الجاهلية. فإنه يصاحبها حال من حال جاهلية. ~~قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية؟ {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} فقالوا: كل ~~من عصى الله فهو جاهل. ومن تاب قبيل الموت: فقد تاب من قريب. وعن قتادة قال ~~" أجمع أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل من عصى ربه فهو ~~في جهالة، عمدا كان أو لم يكن. وكل من عصى الله فهو جاهل " وكذلك قال ~~التابعون ومن بعدهم. قال مجاهد: من عمل ذنبا - من شيخ، أو شاب - فهو ~~بجهالة، وقال: من عصى ربه فهو جاهل. حتى ينزع عن معصيته. وقال أيضا: هو ~~إعطاء الجهالة العمد. وقال مجاهد أيضا: من عمل سوءا خطأ، أو إثما عمدا: فهو ~~جاهل. حتى ينزع منه. رواهن ابن # PageV14P291 # أبي حاتم. ثم قال: وروي عن قتادة، وعمرو بن مرة، والثوري، ونحو ذلك " ~~خطأ، أو عمدا ". وروي عن مجاهد والضحاك قالا: ليس من جهالته أن لا يعلم ~~حلالا ولا حراما. ولكن من جهالته: حين دخل فيه. وقال عكرمة: الدنيا كلها ~~جهالة وعن الحسن البصري: أنه سئل عنها؟ فقال: هم قوم لم يعلموا ما لهم مما ~~عليهم. قيل له: أرأيت لو كانوا قد علموا؟ قال: فليخرجوا منها. فإنها جهالة. ~~قلت: ومما يبين ذلك: قوله تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وكل من ~~خشيه، وأطاعه، وترك معصيته: فهو عالم. كما قال تعالى {أم من هو قانت آناء ~~الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون} . وقال رجل للشعبي: أيها العالم. فقال: إنما العالم من ~~يخشى الله. قوله تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} يقتضي أن كل من ~~خشي الله فهو عالم. فإنه لا يخشاه إلا عالم. # PageV14P292 # ويقتضي أيضا: أن العالم من يخشى الله. ms4541 كما قال السلف. قال ابن مسعود " ~~كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار جهلا ". ومثل هذا الحصر يكون من ~~الطرفين. حصر الأول في الثاني. وهو مطرد، وحصر الثاني في الأول نحو قوله ~~{إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} وقوله {إنما أنت منذر من ~~يخشاها} وقوله {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . وذلك: أنه أثبت ~~الخشية للعلماء، ونفاها عن غيرهم. وهذا كالاستثناء. فإنه من النفي: إثبات، ~~عند جمهور العلماء. كقولنا " لا إله إلا الله " قوله تعالى {ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى} وقوله {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقوله {ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} . وقد ذهب طائفة إلى أن ~~المستثنى مسكوت عنه. لم يثبت له ما ذكر. ولم ينف عنه. وهؤلاء يقولون ذلك في ~~صيغة الحصر بطريق الأولى. فيقولون: نفى الخشية عن غير العلماء، ولم يثبتها ~~لهم. # PageV14P293 # والصواب: قول الجمهور. أن هذا كقوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق} فإنه ينفي التحريم عن غير هذه ~~الأصناف ويثبتها لها. لكن أثبتها للجنس. أو لكل واحد من العلماء؟ كما يقال: ~~إنما يحج المسلمون. ولا يحج إلا مسلم. وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط؟ ~~. ففي هذه الآية وأمثالها: هو مقتض. فهو عام. فإن العلم بما أنذرت به الرسل ~~يوجب الخوف. فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات. وترك ~~السيئات. وكل عاص فهو جاهل. ليس بتام العلم. يبين ما ذكرنا من أن أصل ~~السيئات الجهل، وعدم العلم. وإذا كان كذلك. فعدم العلم ليس شيئا موجودا. بل ~~هو مثل عدم القدرة، وعدم السمع والبصر، وسائر الأعدام. والعدم: لا فاعل له. ~~وليس هو شيئا. وإنما الشيء الموجود. والله تعالى خالق كل شيء. فلا يجوز أن ~~يضاف العدم المحض إلى الله. لكن قد يقترن به ما هو موجود. فإذا لم يكن ~~عالما بالله، لا يدعوه إلى الحسنات، ms4542 وترك السيئات. والنفس بطبعها متحولة. ~~فإنها حية. والإرادة والحركة الإرادية من # PageV14P294 # لوازم الحياة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~{أصدق الأسماء: حارث وهمام} فكل آدمي حارث وهمام. أي عامل كاسب، وهو همام. ~~أي يهم ويريد. فهو متحرك بالإرادة. وقد جاء في الحديث {مثل القلب: مثل ريشة ~~ملقاة بأرض فلاة وللقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا} . فلما ~~كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها. فإذا هداها الله: علمها ما ينفعها وما ~~يضرها. فأرادت ما ينفعها، وتركت ما يضرها. # فصل: # والله سبحانه قد تفضل على بني آدم بأمرين، هما أصل السعادة: # أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال {كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه ~~أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول ~~أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها} } قال تعالى ~~{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم} . # PageV14P295 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {يقول ~~الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين. وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} . فالنفس بفطرتها إذا تركت ~~كانت مقرة لله بالإلهية محبة له تعبده لا تشرك به شيئا. ولكن يفسدها ما ~~يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل. قال تعالى ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} {أو تقولوا ~~إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} . ~~وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع. الثاني: أن الله تعالى قد هدى ~~الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم وبما ms4543 أنزل ~~إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل. قال تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~{خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ~~ما لم يعلم} وقال تعالى {الرحمن} {علم القرآن} {خلق الإنسان} {علمه # PageV14P296 # البيان} وقال تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي قدر ~~فهدى} وقال تعالى {وهديناه النجدين} . ففي كل أحد ما يقتضي معرفته بالحق ~~ومحبته له. وقد هداه ربه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة ~~الأولى والآخرة. وجعل في فطرته محبة لذلك. لكن قد يعرض الإنسان - بجاهليته ~~وغفلته - عن طلب علم ما ينفعه. وكونه لا يطلب ذلك ولا يريده: أمر عدمي لا ~~يضاف إلى الله تعالى. فلا يضاف إلى الله: لا عدم علمه بالحق ولا عدم إرادته ~~للخير. لكن النفس كما تقدم: الإرادة والحركة من لوازمها فإنها حية حياة ~~طبيعية؛ لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيى الحياة النافعة الكاملة. ~~وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها. فلا هي حية متنعمة بالحياة. ~~ولا هي ميتة مستريحة من العذاب. قال تعالى {فذكر إن نفعت الذكرى} {سيذكر من ~~يخشى} {ويتجنبها الأشقى} {الذي يصلى النار الكبرى} {ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيا} فالجزاء من جنس العمل. لما كان في الدنيا: ليس بحي الحياة النافعة ~~التي خلق لأجلها. # PageV14P297 # بل كانت حياته من جنس حياة البهائم. ولم يكن ميتا عديم الإحساس: كان في ~~الآخرة كذلك. فإن مقصود الحياة: هو حصول ما ينتفع به الحي ويستلذ به والحي ~~لا بد له من لذة أو ألم. فإذا لم تحصل له اللذة: لم يحصل له مقصود الحياة ~~فإن الألم ليس مقصودا. كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة لا تدعه يتنعم ~~بشيء مما يتنعم به الأحياء. فهذا يبقى طول حياته يختار الموت ولا يحصل له. ~~فلما كان من طبع النفس الملازم لها: وجود الإرادة والعمل إذ هو حارث همام. ~~فإن عرفت الحق وأرادته وأحبته وعبدته: فذلك من تمام إنعام الله عليها. وإلا ~~فهي بطبعها ms4544 لا بد لها من مراد معبود غير الله. ومرادات سيئة تضرها. فهذا ~~الشر قد تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده. وهذا عدم لا يضاف إلى فاعل ~~ومن كونها بطبعها لا بد لها من مراد معبود. فعبدت غيره. وهذا هو الشر الذي ~~تعذب عليه. وهو من مقتضى طبعها مع عدم هداها. والقدرية يعترفون بهذا جميعه. ~~وبأن الله خلق الإنسان مريدا. لكن يجعلون المخلوق كونه مريدا بالقوة ~~والقبول. أي قابلا لأن يريد هذا وهذا. # PageV14P298 # وأما كونه مريدا لهذا المعين وهذا المعين: فهذا عندهم ليس مخلوقا لله ~~وغلطوا في ذلك غلطا فاحشا. فإن الله خالق هذا كله. وإرادة النفس لما تريده ~~من الذنوب وفعلها: هو من جملة مخلوقات الله تعالى فإن الله خالق كل شيء. ~~وهو الذي ألهم النفس - التي سواها - فجورها وتقواها. {وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دعائه اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها. أنت ~~وليها ومولاها} . وهو سبحانه: جعل إبراهيم وآله أئمة يهدون بأمره. وجعل ~~فرعون وآله أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. لكن هذا لا يضاف ~~مفردا إلى الله تعالى لوجهين: من جهة علته الغائية ومن جهة سببه وعلته ~~الفاعلية. أما الغائية: فإن الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لا شر. ~~وإن كان شرا إضافيا. فإذا أضيف مفردا: توهم المتوهم مذهب جهم: أن الله يخلق ~~الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة. والأخبار والسنة ~~والاعتبار تبطل هذا المذهب. # PageV14P299 # كما أنه إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض: كان هذا ~~ذما لهم وكان باطلا. وإذا قيل: يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي ~~العليا ويكون الدين كله لله ويقتلون من منعهم من ذلك: كان هذا مدحا لهم ~~وكان حقا. فإذا قيل: إن الرب تبارك وتعالى حكيم رحيم. أحسن كل شيء خلقه ~~وأتقن ما صنع وهو أرحم الراحمين. أرحم بعباده من الوالدة بولدها. والخير ~~كله بيديه. والشر ليس إليه. بل لا يفعل إلا خيرا. ms4545 وما خلقه من ألم لبعض ~~الحيوانات أو من أعمالهم المذمومة: فله فيها حكمة عظيمة ونعمة جسيمة - كان ~~هذا حقا. وهو مدح للرب وثناء عليه. وأما إذا قيل: إنه يخلق الشر الذي لا ~~خير فيه ولا منفعة لأحد. ولا له فيها حكمة ولا رحمة. ويعذب الناس بلا ذنب: ~~لم يكن هذا مدحا للرب ولا ثناء عليه. بل كان بالعكس. ومن هؤلاء من يقول: إن ~~الله تعالى أضر على خلقه من إبليس. وبسط القول في بيان فساد قول هؤلاء له ~~موضع آخر. وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات: من الحكمة # PageV14P300 # والرحمة. وما لم نعلم أعظم مما علمناه. فتبارك الله أحسن الخالقين وأرحم ~~الراحمين وخير الغافرين. ومالك يوم الدين. الأحد الصمد. الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد. الذي لا يحصي العباد ثناء عليه. بل هو كما أثنى ~~على نفسه الذي له الحمد في الأولى والآخرة. وله الحكم وإليه ترجعون. الذي ~~يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ولإحسانه إلى عباده. سبحانه وتعالى. يستحق ~~أن يحمد لما له في نفسه من المحامد والإحسان إلى عباده. هذا حمد شكر وذاك ~~حمد مطلقا. وقد ذكرنا - في غير هذا الموضع - ما قيل: من أن كل ما خلقه الله ~~فهو نعمة على عباده المؤمنين. يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه وهو من آلائه. ~~ولهذا قال في آخر سورة النجم {فبأي آلاء ربك تتمارى} وفي سورة الرحمن يذكر ~~{كل من عليها فان} ونحو ذلك. ثم يقول عقب ذلك {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . ~~وقال آخرون: منهم الزجاج وأبو الفرج بن الجوزي {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي ~~من هذه الأشياء المذكورة. لأنها كلها ينعم بها عليكم في دلالتها إياكم على ~~وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. وهذا قالوه في سورة الرحمن. # PageV14P301 # وقالوا في قوله {فبأي آلاء ربك تتمارى} فبأي نعم ربك التي تدل على ~~وحدانيته تتشكك؟ وقيل: تشك وتجادل؟ قال ابن عباس: تكذب؟ . قلت: قد ضمن ~~{تتمارى} معنى تكذب. ولهذا عداه بالتاء. فإن التماري: تفاعل من ms4546 المراء. ~~يقال: تمارينا في الهلال. والمراء في القرآن كفر وهو يكون تكذيبا وتشكيكا. ~~وقد يقال: لما كان الخطاب لهم. قال {تتمارى} أي تتمارون. ولم يقل: تمتري. ~~فإن التفاعل يكون بين اثنين تماريا. قالوا: والخطاب للإنسان. قيل للوليد بن ~~المغيرة. فإنه قال {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم الذي وفى} {ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى} ثم التفت إليه فقال {فبأي آلاء ربك تتمارى} تكذب. كما ~~قال {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} {وخلق الجان من مارج من نار} {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان} . ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده يحمد عليه حمد ~~شكر وله فيه حكمة تعود إليه يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدا يستحقه لذاته. ~~فجميع المخلوقات: فيها إنعام على العباد كالثقلين المخاطبين بقوله # PageV14P302 # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} من جهة أنها آيات للرب يحصل بها هدايتهم ~~وإيمانهم الذي يسعدون به في الدنيا والآخرة. فيدلهم عليه وعلى وحدانيته ~~وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. والآيات التي بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ~~ونصرهم. وإهلاك عدوهم - كما ذكره في سورة النجم {وأنه أهلك عادا الأولى} ~~{وثمود فما أبقى} {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى} {والمؤتفكة ~~أهوى} {فغشاها ما غشى} - تدلهم على صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد. ما بشروا به وأنذروا به. ولهذا قال عقيب ذلك {هذا ~~نذير من النذر الأولى} قيل: هو محمد. وقيل: هو القرآن. فإن الله سمى كلا ~~منهما بشيرا ونذيرا. فقال في رسول الله {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} وقال تعالى {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} وقال تعالى في ~~القرآن {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} {بشيرا ونذيرا} وهما ~~متلازمان. وكل من هذين المعنيين: مراد. يقال: هذا نذير أنذر بما أنذرت به ~~الرسل والكتب الأولى. وقوله " من النذر " أي من جنسها. أي رسول من # PageV14P303 # الرسل المرسلين. ففي المخلوقات: نعم من جهة حصول الهدى والإيمان ~~والاعتبار والموعظة بها. وهذه أفضل النعم. فأفضل النعم: نعمة الإيمان. وكل ~~مخلوق من المخلوقات: فهو ms4547 الآيات التي يحصل بها ما يحصل من هذه النعمة. قال ~~تعالى {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقالي تعالى {تبصرة وذكرى لكل ~~عبد منيب} . وما يصيب الإنسان إن كان يسره: فهو نعمة بينة. وإن كان يسوءه: ~~فهو نعمة من جهة أنه يكفر خطاياه. ويثاب بالصبر عليه. ومن جهة أن فيه حكمة ~~ورحمة لا يعلمها {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} . وقد قال في الحديث {والله لا يقضي ~~الله للمؤمن قضاء إلا كان # PageV14P304 # خيرا له. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان ~~خيرا له} . # وإذا كان هذا وهذا: فكلاهما من نعم الله عليه. وكلتا النعمتين تحتاج مع ~~الشكر إلى الصبر. أما نعمة الضراء: فاحتياجها إلى الصبر ظاهر. وأما نعمة ~~السراء: فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها. # فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء. # كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا. وابتلينا بالسراء فلم نصبر. ~~وفي الحديث {أعوذ بك من فتنة الفقر. وشر فتنة الغنى} . والفقر: يصلح عليه ~~خلق كثير. # والغنى: لا يصلح عليه إلا أقل منهم. ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة ~~المساكين. لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر. لكن لما ~~كان في السراء: اللذة. وفي الضراء: الألم. اشتهر ذكر الشكر في السراء ~~والصبر في الضراء. قال تعالى {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ~~إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني # PageV14P305 # إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير} ولأن صاحب السراء: أحوج إلى الشكر وصاحب الضراء: أحوج إلى الصبر. فإن ~~صبر هذا وشكر هذا: واجب. إذا تركه استحق العقاب. وأما صبر صاحب السراء: فقد ~~يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات. وقد يكون واجبا ولكن لإتيانه بالشكر ~~- الذي هو حسنات - يغفر له ما يغفر من سيئاته. وكذلك صاحب الضراء: لا يكون ~~الشكر في حقه مستحبا ms4548 إذا كان شكرا يصير به من السابقين المقربين. وقد يكون ~~تقصيره في الشكر: مما يغفر له لما يأتي به من الصبر. فإن اجتماع الشكر ~~والصبر جميعا: يكون مع تألم النفس وتلذذها يصبر على الألم ويشكر على النعم. ~~وهذا حال يعسر على كثير من الناس. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن ~~الله تعالى منعم بهذا كله وإن كان لا يظهر الإنعام به في الابتداء لأكثر ~~الناس. فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون. فكل ما يفعله الله فهو نعمة منه. # وأما ذنوب الإنسان: فهي من نفسه. ومع هذا فهي - مع # PageV14P306 # حسن العاقبة - نعمة وهي نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار ~~والهدى والإيمان. ولهذا كان من أحسن الدعاء قوله {اللهم لا تجعلني عبرة ~~لغيري ولا تجعل أحدا أسعد بما علمتني مني} . وفي دعاء القرآن {ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} {لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} كما فيه ~~{واجعلنا للمتقين إماما} أي فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم. ولا تجعلنا ~~فتنة لمن يضل بنا ويشقى. و " الآلاء " في اللغة: هي النعم وهي تتضمن ~~القدرة. قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السورة - سورة الرحمن - نعماءه ~~وذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته. جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين ~~ليفهم النعم ويقررهم بها. وقد روى الحاكم في صحيحه والترمذي عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال {قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الرحمن حتى ختمها. ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا. ~~ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة - {فبأي آلاء ربكما تكذبان} - إلا قالوا: ~~ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب. فلك الحمد} . # PageV14P307 # والله تعالى يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته. ويذكر ~~بآياته التي فيها نعمه وإحسانه إلى عباده. ويذكر بآياته المبينة لحكمته ~~تعالى. وهي كلها متلازمة. فكل ما خلق: فهو نعمة ودليل على قدرته وعلى ~~حكمته. لكن نعمة الرزق والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس: ~~ظاهرة لكل أحد. ms4549 فلهذا يستدل بها كما في سورة النحل. وتسمى سورة النعم. كما ~~قاله قتادة وغيره. وعلى هذا: فكثير من الناس يقول: الحمد أعم من الشكر. من ~~جهة أسبابه. فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة. والشكر أعم من جهة أنواعه. ~~فإنه يكون بالقلب واللسان واليد. فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة: لم يكن الحمد ~~إلا على نعمة. والحمد لله على كل حال. لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة ~~على عباده. لكن هذا فهم من عرف ما في المخلوقات من النعم. والجهمية ~~والجبرية: بمعزل عن هذا. # PageV14P308 # وكذلك كل ما يخلقه: ففيه له حكمة. فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة. ~~والجهمية أيضا بمعزل عن هذا. وكذلك القدرية الذين يقولون: لا تعود الحكمة ~~إليه. بل ما ثم إلا نفع الخلق. فما عندهم إلا شكر كما ليس عند الجهمية إلا ~~قدرة. والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة: لا يظهر فيها وصف حمد كالقادر الذي ~~يفعل ما لا ينتفع به ولا ينفع به أحدا. فهذا لا يحمد. فحقيقة قول الجهمية ~~أتباع جهم: أنه لا يستحق الحمد. فله عندهم ملك بلا حمد مع تقصيرهم في معرفة ~~ملكه. كما أن المعتزلة له عندهم نوع من الحمد بلا ملك تام. إذ كان عندهم ~~يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. وتحدث حوادث بلا قدرته. وعلى مذهب ~~السلف: له الملك وله الحمد تامين. وهو محمود على حكمته كما هو محمود على ~~قدرته ورحمته. # PageV14P309 # وقد قال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم} فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة ~~والحكمة. وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم. فمن قصر عن معرفة السنة ~~فقد نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد ~~إلهية. بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ~~ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال: إنه ~~يثبت الحكمة بما معناها يعود ms4550 إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل ~~لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه. ~~وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت: أنه رأس الشكر. فهو أول ~~الشكر. والحمد - وإن كان على نعمته وعلى حكمته - فالشكر بالأعمال # PageV14P310 # هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته. فقد صار مجموع ~~الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم القرآن أمر الشكر. ولم يعظم أمر الحمد ~~مجردا إذ كان نوعا من الشكر. وشرع الحمد - الذي هو الشكر المقول - أمام كل ~~خطاب مع التوحيد. ففي الفاتحة: الشكر والتوحيد. والخطب الشرعية لا بد فيها ~~من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان. فسبحان الله وبحمده: فيها ~~الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد ~~والتكبير. وقد قال تعالى {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} . # وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح وإن لم يكن باختياره أو لا يكون ~~الحمد إلا على الأمور الاختيارية. كما قيل في الذم؟ فيه نظر ليس هذا موضعه. ~~وفي الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ~~ربنا ولك الحمد. ملء السماء وملء # PageV14P311 # الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد - ~~وكلنا لك عبد - لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد} هذا لفظ الحديث. " أحق " أفعل التفضيل. وقد غلط فيه طائفة من ~~المصنفين فقالوا {حق ما قال العبد} . وهذا ليس لفظ الرسول. وليس هو بقول ~~سديد. فإن العبد يقول الحق والباطل. بل حق ما يقوله الرب. كما قال تعالى ~~{فالحق والحق أقول} . ولكن لفظه {أحق ما قال العبد} خبر مبتدأ محذوف. أي ~~الحمد أحق ما قال العبد. أو هذا - وهو الحمد - أحق ما قال العبد. ففيه ~~بيان: أن الحمد لله أحق ما قاله العباد. ولهذا أوجب قوله في كل صلاة وأن ~~تفتتح به الفاتحة. وأوجب ms4551 قوله في كل خطبة وفي كل أمر ذي بال. والحمد ضد ~~الذم. والحمد يكون على محاسن المحمود مع المحبة له كما أن الذم يكون على ~~مساويه مع البغض له. فإذا قيل: إنه سبحانه يفعل الخير والحسنات وهو حكيم ~~رحيم # PageV14P312 # بعباده أرحم بعباده من الوالدة بولدها: أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه. ~~وأما إذا قيل: بل يخلق ما هو شر محض لا نفع فيه ولا رحمة ولا حكمة لأحد. ~~وإنما يتصف بإرادة ترجح مثلا على مثل. لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب. ~~وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للإحسان إلى الخلق بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء ~~عنده. وهو - مع هذا - يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر ويفعل ما يفعل لا ~~لحكمة - ونحو ذلك مما يقوله الجهمية -: لم يكن هذا موجبا لأن يحبه العباد ~~ويحمدوه. بل هو موجب للعكس. ولهذا فإن كثيرا من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم ~~والطعن. ويذكرون ذلك نظما ونثرا. وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر في ~~كلامه ما يقتضي هذا. ومن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به لكن يرى أن ليس في ~~ذكره منفعة أو يخاف من عموم المسلمين. وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو ~~هذا. وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله. ويجعلون الرب ظالما لهم. # PageV14P313 # وهو خلاف ما وصف الله به نفسه في قوله تعالى {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين} وقوله {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} وقوله {وما ربك بظلام ~~للعبيد} . كيف يكون ظالما؟ وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض أو قصر في ~~حقه لكان يؤاخذه ويعاقبه وينتقم منه. ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه. ولو ~~قال: إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه: لم يكن هذا عذرا له عندهم ~~باتفاق العقلاء. فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه ~~احتجاجا بالقدر. فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجا بالقدر. وهو سبحانه ~~الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة. وإن تك حسنة يضاعفها. ويؤت من لدنه ~~أجرا ms4552 عظيما. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. فقوله {أحق ما قال العبد} ~~يقتضي: أن حمد الله أحق ما قاله العبد. فله الحمد على كل حال. لأنه لا يفعل ~~إلا الخير # PageV14P314 # والإحسان الذي يستحق الحمد عليه سبحانه وتعالى. وإن كان العباد لا ~~يعلمون. وهو سبحانه خلق الإنسان وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لا بد فيها ~~من الشر لحكمة بالغة ورحمة سابغة. فإذا قيل: فلم لم يخلقها على غير هذا ~~الوجه؟ . قيل: كان يكون ذلك خلقا غير الإنسان. وكانت الحكمة التي خلقها ~~بخلق الإنسان لا تحصل. وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا {أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء} وما لم تعلمه الملائكة فكيف يعلمه آحاد الناس. ونفس ~~الإنسان خلقت كما قال الله تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر ~~جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} وقال تعالى {خلق الإنسان من عجل} . فقد خلقت ~~خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة ورحمة عميمة. فكان ذلك خيرا ~~ورحمة. وإن كان فيه شر إضافي كما تقدم. فهذا من جهة الغاية مع أنه لا يضاف ~~الشر إلى الله. وأما الوجه الثاني من جهة السبب: فإن هذا الشر إنما وجد ~~لعدم # PageV14P315 # العلم والإرادة التي تصلح النفس. فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ~~ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك. وهذا كله من فضل الله ~~وإحسانه. لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها بل حصل لها من زين ~~لها السيئات - من شياطين الإنس والجن - مالت إلى ذلك وفعلت السيئات. فكان ~~فعلها للسيئات. مركبا من عدم ما ينفع وهو الأفضل. ووجود هؤلاء الذين ~~حيروها. والعدم لا يضاف إلى الله. وهؤلاء: القول فيهم كالقول فيها: خلقهم ~~لحكمة. فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح: هو أحد السببين. وكان الشر المحض ~~الذي لا خير فيه: هو العدم المحض والعدم لا يضاف إلى الله. فإنه ليس شيئا. ~~والله خالق كل شيء: كانت السيئات منها باعتبار أن ذاتها في نفسها مستلزمة ~~للحركة الإرادية التي تحصل منها - مع عدم ms4553 ما يصلحها - تلك السيئات. # والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين. إن ~~اعترف به إقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته ونفوذ مشيئته وإقرارا بكلماته ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر واعترافا بفقره وحاجته إلى الله وأنه ~~إن لم يهده فهو ضال. وإن لم يتب عليه فهو مصر. وإن لم يغفر له فهو هالك: ~~خضع لعزته وحكمته. فهذا حال # PageV14P316 # المؤمنين الذين يرحمهم الله ويهديهم ويوفقهم لطاعته. وإن قال ذلك احتجاجا ~~على الرب ودفعا للأمر والنهي عنه وإقامة لعذر نفسه فهذا ذنب أعظم من الأول. ~~وهذا من أتباع الشيطان. ولا يزيده ذلك إلا شرا. وقد ذكرنا أن الرب سبحانه ~~محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه. ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى ~~عباده. ويستحق أن يرضى العبد بقضائه. لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيرا وعدلا. ~~ولأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له {إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا ~~له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له} . فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه ~~الرب لنفسه - من الحمد والثناء - ولأنه محسن إلى المؤمن. وما تسأله طائفة ~~من الناس وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال {لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا ~~كان خيرا له} وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب. فكيف يكون ذلك خيرا؟ . # وعنه جوابان: # أحدهما: أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث، إنما دخل فيه # PageV14P317 # ما يصيب الإنسان من النعم والمصائب كما في قوله {ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ولهذا قال {إن أصابته سراء شكر. فكان ~~خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له} فجعل القضاء: ما يصيبه من ~~سراء وضراء. هذا ظاهر لفظ الحديث. فلا إشكال عليه. الوجه الثاني: أنه إذا ~~قدر أن الأعمال دخلت في هذا. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من سرته ~~حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن} . فإذا قضى له بأن يحسن فهذا مما يسره. فيشكر ~~الله عليه. وإذا قضى عليه بسيئة: ms4554 فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها ~~إذا لم يتب منها. فإن تاب أبدلت بحسنة. فيشكر الله عليها. وإن لم يتب ابتلي ~~بمصائب تكفرها فصبر عليها. فيكون ذلك خيرا له. والرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال {لا يقضي الله للمؤمن} والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب بل يتوب منه. ~~فيكون حسنة كما قد جاء في عدة آيات. إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة ~~بعمله. لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة. والذنب يوجب ذل العبد ~~وخضوعه ودعاء الله واستغفاره إياه وشهوده بفقره وحاجته إليه وأنه لا يغفر ~~الذنوب إلا هو. # PageV14P318 # فيحصل للمؤمن - بسبب الذنب - من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك. فيكون ~~هذا القضاء خيرا له. فهو في ذنوبه بين أمرين: إما أن يتوب فيتوب الله عليه ~~فيكون من التوابين الذين يحبهم الله. وإما أن يكفر عنه بمصائب؛ تصيبه ضراء ~~فيصبر عليها. فيكفر عنه السيئات بتلك المصائب وبالصبر عليها ترتفع درجاته. ~~وقد جاء في بعض الأحاديث {يقول الله تعالى أهل ذكري أهل مجالستي. وأهل شكري ~~أهل زيادتي. وأهل طاعتي أهل كرامتي. وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي. إن ~~تابوا فأنا حبيبهم} أي محبهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين {وإن لم ~~يتوبوا فأنا طبيبهم. أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب} . وفي قوله ~~تعالى {فمن نفسك} من الفوائد: أن العبد لا يركن إلى نفسه ولا يسكن إليها. ~~فإن الشر لا يجيء إلا منها. ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا ~~إليه. فإن ذلك من السيئات التي أصابته. وهي إنما أصابته بذنوبه. فيرجع إلى ~~الذنوب فيستغفر منها. ويستعيذ # PageV14P319 # بالله من شر نفسه وسيئات عمله. ويسأل الله أن يعينه على طاعته. فبذلك ~~يحصل له كل خير ويندفع عنه كل شر. ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه: ~~دعاء الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} فإنه إذا هداه هذا الصراط: أعانه على طاعته وترك ~~معصيته. فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في ms4555 الآخرة. لكن الذنوب هي من لوازم ~~نفس الإنسان. وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة: وهو إلى الهدى أحوج منه إلى ~~الأكل والشرب. ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه. فلماذا يسأل ~~الهدى؟ . وأن المراد بسؤال الهدى: الثبات أو مزيد الهداية. بل العبد محتاج ~~إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله. وإلى ما يتولد من تفاصيل ~~الأمور في كل يوم. وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك. فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم ~~يجعله الله مريدا للعمل بعلمه وإلا # PageV14P320 # كان العلم حجة عليه. ولم يكن مهتديا. والعبد محتاج إلى أن يجعله الله ~~قادرا على العمل بتلك الإرادة الصالحة. فإنه لا يكون مهتديا إلى الصراط ~~المستقيم - صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين - إلا بهذه العلوم والإرادات والقدرة على ذلك. ويدخل في ذلك من ~~أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه. ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في ~~كل صلاة لفرط حاجتهم إليه. فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء. وإنما ~~يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن والمأمورين ~~بهذا الدعاء. ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها في ~~الدنيا والآخرة. فيعلم أن الله - بفضله ورحمته - جعل هذا الدعاء من أعظم ~~الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر. ومما يبين ذلك: أن الله تعالى لم ~~يقص علينا في القرآن قصة أحد # PageV14P321 # إلا لنعتبر بها لما في الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا. وإنما يكون ~~الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول وكانا مشتركين في المقتضي للحكم. فلولا أن ~~في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل - فرعون ومن قبله - لم ~~يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط. ولكن الأمر كما قال تعالى {ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} وكما قال تعالى {كذلك ما أتى الذين ~~من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} وقال تعالى {كذلك قال الذين من ms4556 ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} وقال تعالى {يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل} . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: ~~فمن؟} . وقال {لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها: شبرا بشبر وذراعا بذراع. قيل: ~~يا رسول الله فارس والروم؟ قال: فمن؟} وكلا الحديثين في الصحيحين. # PageV14P322 # {ولما كان في غزوة حنين كان للمشركين شجرة - يقال لها: ذات أنواط يعلقون ~~عليها أسلحتهم وينوطونها بها ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس يا رسول ~~الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر. قلتم كما قال ~~قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. إنها السنن. لتركبن سنن من ~~كان قبلكم} . وقد بين القرآن: أن السيئات من النفس وإن كانت بقدر الله. ف ### | أعظم السيئات: # جحود الخالق. والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة وندا له أو أن تكون ~~إلها من دونه. وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله ~~تعالى. وقال {ما علمت لكم من إله غيري} وقال {أنا ربكم الأعلى} وقال لموسى ~~{لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} و {فاستخف قومه فأطاعوه} . ~~وإبليس يطلب: أن يعبد ويطاع من دون الله. فيريد: أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد ~~الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. وفي نفوس ~~سائر الإنس والجن: شعبة من هذا وهذا. إن لم يعن # PageV14P323 # الله العبد ويهده وإلا وقع في بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب الإمكان. ~~قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر ~~فأظهر. وغيره عجز فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس ~~وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. ~~فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه ~~على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما ms4557 يهواه ويريده. قال ~~تعالى {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} والناس عنده في هذا ~~الباب: كما هم عند ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم. يقولون " يا ~~رباعي " أي صديق وعدو. فمن وافق هواهم: كان وليا وإن كان كافرا مشركا. ومن ~~لم يوافق هواهم: كان عدوا وإن كان من أولياء الله المتقين. وهذه هي حال ~~فرعون. والواحد من هؤلاء: يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه لكنه # PageV14P324 # لا يتمكن مما تمكن منه فرعون: من دعوى الإلهية وجحود الصانع. وهؤلاء - ~~وإن كانوا يقرون بالصانع - لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته وطاعته ~~المتضمنة ترك طاعتهم: فقد يعادونه كما عادى فرعون موسى. وكثير من الناس ممن ~~عنده بعض عقل وإيمان لا يطلب هذا الحد بل يطلب لنفسه ما هو عنده. فإن كان ~~مطاعا مسلما: طلب أن يطاع في أغراضه وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله. ~~ويكون من أطاعه في هواه: أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه. ~~وهذه شعبة من حال فرعون. وسائر المكذبين للرسل. وإن كان عالما - أو شيخا - ~~أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره حتى لو كانا يقرآن كتابا واحدا كالقرآن أو ~~يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها كالصلوات الخمس. فإنه يحب من يعظمه بقبول ~~قوله والاقتداء به: أكثر من غيره. وربما أبغض نظيره وأتباعه حسدا وبغيا كما ~~فعلت اليهود لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعا ~~إليه موسى. قال تعالى {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما ~~أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم} وقال تعالى {وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما # PageV14P325 # جاءتهم البينة} وقال تعالى {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم} . ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون. وسلط ~~عليهم من انتقم به منهم. فقال تعالى عن فرعون {إن فرعون علا في الأرض وجعل ~~أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ms4558 يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين} وقال تعالى عنهم {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} ولهذا قال تعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} # والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه ~~وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده وليكون الدين كله لله ولتكون ~~كلمة الله هي العليا كما أرسل كل رسول بمثل ذلك. قال تعالى {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى {واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} . وقد أمر ~~الله الرسل كلهم بهذا وأن لا يتفرقوا فيه. فقال {إن # PageV14P326 # هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} وقال تعالى {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون} {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} . ~~قال قتادة: أي دينكم دين واحد. وربكم رب واحد. والشريعة مختلفة. وكذلك قال ~~الضحاك عن ابن عباس {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي دينكم دين واحد. قال ابن ~~أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك. وقال ~~الحسن: بين لهم ما يتقون وما يأتون. ثم قال: إن هذه سنتكم سنة واحدة. وهكذا ~~قال جمهور المفسرين. و " الأمة " الملة. والطريقة كما قال تعالى {قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} - مقتدون كما يسمى " الطريق ~~" إماما. لأن السالك فيه يأتم به فكذلك السالك يؤمه ويقصده. و " الأمة " ~~أيضا معلم الخير الذي يأتم به الناس. كما أن " الإمام " هو الذي يأتم به ~~الناس. وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماما. وأخبر أنه {كان أمة} # PageV14P327 # وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحدا. لا يتفرقون فيه كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إنا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد} وقد ms4559 قال الله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضا. لا يختلفون مع تنوع ~~شرائعهم. فمن كان من المطاعين - من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك - ~~متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى ~~مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في ~~نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله. وأما ~~من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع ~~المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون الله: فهذا ~~حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون ~~الله أندادا # PageV14P328 # يحبونهم كحب الله. والله سبحانه وتعالى أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا ~~يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا ~~عليه ولا يستعان إلا به. فالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به ~~الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه ~~وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا فيرى أن ~~عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق ~~محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل ~~صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ~~ولا في القرآن مثلها. فإن فيها {إياك نعبد وإياك نستعين} . فالمؤمن يرى: أن ~~عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنه # PageV14P329 # إياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. ms4560 لأنه إنما عمل له ~~ما عمل لله كما قال الأبرار {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا} ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ ~~استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر ~~الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ~~ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن ~~عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. ~~فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا ~~عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم ~~الكافرين} {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ~~كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله ~~بما تعملون بصير} . # PageV14P330 # قال قتادة {وتثبيتا من أنفسهم} احتسابا من أنفسهم وقال الشعبي: يقينا ~~وتصديقا من أنفسهم. وكذلك قال الكلبي. قيل: يخرجون الصدقة طيبة بها أنفسهم. ~~على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله. يعلمون: أن ما أخرجوه خير لهم مما ~~تركوه. قلت: إذا كان المعطي محتسبا للأجر عند الله مصدقا بوعد الله له: ~~طالب من الله لا من الذي أعطاه فلا يمن عليه. كما لو قال رجل لآخر: أعط ~~مماليكك هذا الطعام وأنا أعطيك ثمنه؛ لم يمن على المماليك. لا سيما إذا كان ~~يعلم: أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء. # فصل: # الفرق السادس: أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية - وإن ~~كانت خلقا لله - فهو عقوبة له على عدم فعله ما ms4561 خلقه الله له. وفطره عليه. ~~فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له. ودله على الفطرة. كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {كل مولود يولد على الفطرة} وقال تعالى {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . # PageV14P331 # فهو لما لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه وما أمر به - من معرفة الله ~~وحده. وعبادته وحده - عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك ~~والمعاصي. قال تعالى للشيطان {اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا} - إلى قوله - {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقال تعالى {إنه ليس ~~له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون} . وقال تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون} . فقد تبين: أن إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية ~~الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~إنه من عبادنا المخلصين} . فإذا أخلص العبد لربه الدين: كان هذا مانعا له ~~من فعل ضد ذلك ومن إيقاع الشيطان له في ضد ذلك. وإذا لم يخلص لربه الدين ~~ولم يفعل ما خلق له وفطر عليه: عوقب على ذلك. وكان من عقابه: # PageV14P332 # تسلط الشيطان عليه حتى يزين له فعل السيئات. وكان إلهامه لفجوره عقوبة له ~~على كونه لم يتق الله. وعدم فعله للحسنات: ليس أمرا وجوديا حتى يقال: إن ~~الله خلقه بل هو أمر عدمي. لكن يعاقب عليه لكونه: عدم ما خلق له وما أمر ~~به. وهذا يتضمن العقوبة على أمر عدمي. لكن بفعل السيئات لا بالعقوبات - ~~التي يستحقها بعد إقامة الحجة عليه - بالنار ونحوها. وقد تقدم أن مجرد عدم ~~المأمور: هل يعاقب عليه؟ فيه قولان. والأكثرون يقولون: لا يعاقب عليه لأنه ~~عدم محض. ويقولون: إنما يعاقب على الترك. وهذا ms4562 أمر وجودي. وطائفة - منهم: ~~أبو هاشم - قالوا: بل يعاقب على هذا العدم. بمعنى أنه يعاقب عليه كما يعاقب ~~على فعل الذنوب بالنار ونحوها. وما ذكر في هذا الوجه: هو أمر وسط. وهو أن ~~يعاقبه على هذا العدم بفعل السيئات لا بالعقوبة عليها. ولا يعاقبه عليها ~~حتى يرسل إليه رسوله. فإذا عصى الرسول: استحق حينئذ العقوبة التامة. وهو ~~أولا: إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره بأن يتوب منه. # PageV14P333 # أو بأن لا تقوم عليه الحجة. وهو كالصبي الذي لا يشتغل بما ينفعه بل بما ~~هو سبب لضرره ولكن لا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ. فإذا بلغ عوقب. ثم ما ~~تعوده من فعل السيئات: قد يكون سببا لمعصيته بعد البلوغ وهو لم يعاقب إلا ~~على ذنبه. ولكن العقوبة المعروفة: إنما يستحقها بعد قيام الحجة عليه. وأما ~~اشتغاله بالسيئات: فهو عقوبة عدم عمله للحسنات. وعلى هذا: فالشر ليس إلى ~~الله بوجه من الوجوه. فإنه - وإن كان الله خالق أفعال العباد - فخلقه ~~للطاعات: نعمة ورحمة وخلقه للسيئات: له فيه حكمة ورحمة وهو - مع هذا - عدل ~~منه فما ظلم الناس شيئا. ولكن الناس ظلموا أنفسهم. وظلمهم لأنفسهم نوعان: ~~عدم عملهم بالحسنات. فهذا ليس مضافا إليه. وعملهم للسيئات: خلقه عقوبة لهم ~~على ترك فعل الحسنات التي خلقهم لها وأمرهم بها. فكل نعمة منه فضل. وكل ~~نقمة منه عدل. # PageV14P334 # ومن تدبر القرآن: تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر والمعاصي ~~يجعله جزاء لذلك العمل. كقوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} وقال تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} وقال تعالى {وأما من بخل واستغنى} {وكذب بالحسنى} {فسنيسره للعسرى} ~~. وهذا وأمثاله: بذلوا فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور وترك مأمور. ~~وتلك الأمور إنما كانت منهم وخلقت فيهم لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له. ولا ~~بد لهم من حركة وإرادة. ms4563 فلما لم يتحركوا بالحسنات: حركوا بالسيئات عدلا من ~~الله. حيث وضع ذلك موضعه في محله القابل له - وهو القلب الذي لا يكون إلا ~~عاملا - فإذا لم يعمل الحسنة استعمل في عمل السيئة. كما قيل: نفسك إن لم ~~تشغلها شغلتك. وهذا الوجه - إذا حقق - يقطع مادة كلام القدرية المكذبة ~~والمجبرة الذين يقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله. ويجعلون خلقها ~~والتعذيب عليها ظلما. والذين يقولون: إنه خلق كفر الكافرين ومعصيتهم ~~وعاقبهم على ذلك لا لسبب ولا لحكمة. # PageV14P335 # فإذا قيل لأولئك: إنه إنما أوقعهم في تلك الذنوب وطبع على قلوبهم: عقوبة ~~لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به. فما ظلمهم ولكن هم ظلموا أنفسهم. يقال: ~~ظلمته إذا نقصته حقه. قال تعالى {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه ~~شيئا} . وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء ~~له على عمل منه متقدم. ويقولون: إنه خلق طاعة المطيع. فلا ينازعون في نفس ~~خلق أفعال العباد. لكن يقولون: ما خلق شيئا من الذنوب ابتداء بل إنما خلقها ~~جزاء لئلا يكون ظالما. فنقول: أول ما يفعله العبد من الذنوب: هو أحدثه لم ~~يحدثه الله. ثم ما يكون جزاء على ذلك: فالله محدثه. وهم لا ينازعون في ~~مسألة خلق الأفعال إلا من هذه الجهة. وهذا الذي ذكرناه: يوافقون عليه. لكن ~~يقولون: أول الذنوب لم يحدثه الله بل يحدثه العبد لئلا يكون الجزاء عليه ~~ظلما. وما ذكرناه: يوجب أن الله خالق كل شيء. فما حدث شيء إلا # PageV14P336 # بمشيئته وقدرته. لكن أول الذنوب الوجودية: هو المخلوق. وذاك عقوبة على ~~عدم فعل العبد لما خلق له ولما كان ينبغي له أن يفعله. وهذا العدم لا يجوز ~~إضافته إلى الله. وليس بشيء حتى يدخل في قولنا {الله خالق كل شيء} وما ~~أحدثه من الذنوب الوجودية فأولها: عقوبة للعبد على هذا العدم. وسائرها: قد ~~يكون عقوبة للعبد على ما وجد. وقد يكون عقوبة له على استمراره على العدم. ~~فما دام لا يخلص لله العمل: فلا يزال ms4564 مشركا. ولا يزال الشيطان مسلطا عليه. ~~ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه - بأن استعمله ابتداء فيما خلق له وهذا لم ~~يستعمله - هو تخصيص منه بفضله ورحمته. ولهذا يقول الله {والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ولذلك حكمة ورحمة هو أعلم بها كما خص بعض ~~الأبدان بقوى لا توجد في غيرها وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض وجودية ~~وغير ذلك من حكمته. وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب. والله أعلم بالصواب. # PageV14P337 # فصل: # ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان: قوله تعالى {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وهذا من تمام ~~قوله {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} الآية ~~فذكر: أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة وهذا عدم ~~الإيمان. لكن يقال: إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم وهم قد تركوا الإيمان ~~وكذبوا الرسول. وهذه أمور وجودية لكن الموجب للعذاب: هو عدم الإيمان. وما ~~ذكر شرط في التعذيب بمنزلة إرسال الرسول. فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما ~~جنسه مباح - من أكل وشرب وبيع وسفر وغير ذلك - وهذا الجنس لا يستحق عليه ~~العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان الواجب عليه. ومن الناس من يقول: ضد ~~الإيمان هو تركه. وهو أمر وجودي لا ضد له إلا ذلك. # PageV14P338 # فصل: # الفرق السابع: من الحسنات والسيئات التي تتناول الأعمال والجزاء في كون ~~هذه تضاف إلى النفس. وتلك تضاف إلى الله: أن السيئات التي تصيب الإنسان - ~~وهي مصائب الدنيا والآخرة - ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه. فانحصرت ~~في نفسه. وأما ما يصيبه من الخير والنعم: فإنه لا تنحصر أسبابه. لأن ذلك من ~~فضل الله وإحسانه يحصل بعمله وبغير عمله. وعمله نفسه من إنعام الله عليه. ~~وهو سبحانه لا يجزي بقدر العمل بل يضاعفه له. ولا يقدر العبد على ضبط ~~أسبابها لكن يعلم أنها من فضل الله وإنعامه. فيرجع فيها إلى الله. فلا يرجو ~~إلا الله. ms4565 ولا يتوكل إلا عليه. ويعلم أن النعم كلها من الله. وأن كل ما ~~خلقه فهو نعمة كما تقدم. فهو يستحق الشكر المطلق العام التام الذي لا ~~يستحقه غيره. ومن الشكر: ما يكون جزاء على ما يسره على يديه من الخير # PageV14P339 # كشكر الوالدين وشكر من أحسن إليك من غيرهما. فإنه {من لا يشكر الناس لا ~~يشكر الله} لكن لا يبلغ من حق أحد وإنعامه: أن يشكر بمعصية الله أو أن يطاع ~~بمعصية الله. فإن الله هو المنعم بالنعم العظيمة التي لا يقدر عليها مخلوق. ~~ونعمة المخلوق إنما هي منه أيضا. قال تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} ~~وقال تعالى {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وجزاؤه ~~سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله. فلهذا لم يجز أن ~~يطاع مخلوق في معصية الخالق كما قال تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ~~وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} وقال في الآية الأخرى ~~{وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح {على المرء المسلم: السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ~~ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة} . وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال {إنما الطاعة في المعروف} وقال ~~{من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه} وقال {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} ~~. # PageV14P340 # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أنه إذا عرف أن النعم كلها ~~من الله وأنه لا مقدر أن يأتي بها إلا الله. فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا ~~يذهب السيئات إلا هو. وأنه {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده} صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده. وكذلك إذا ~~علم ما يستحقه الله من الشكر - الذي لا يستحقه غيره - صار ms4566 علمه بأن الحسنات ~~من الله: يوجب له الصدق في شكر الله والتوكل عليه. ولو قيل: إنها من نفسه ~~لكان غلطا. لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل. وما كان لعمله فيه مدخل: فإن ~~الله هو المنعم به. فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ولا ملجأ ولا منجى منه ~~إلا إليه. وعلم أن الشر قد انحصر سببه في النفس. فضبط ذلك وعلم من أين ~~يؤتى. فاستغفر ربه مما فعل وتاب. واستعان الله واستعاذ به مما لم يعمل بعد ~~كما قال من قال من السلف " لا يرجون عبد إلا ربه. ولا يخافن عبد إلا ذنبه ~~". # PageV14P341 # وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم الذين يقولون: إن الله يعذب بلا ذنب ~~ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائما أبدا بلا ذنب. فإن هؤلاء يقولون: ~~يخاف الله خوفا مطلقا سواء كان له ذنب أو لم يكن له ذنب. ويشبهون خوفه ~~بالخوف من الأسد ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ولا سطوته بل قد يقهر ~~ويعذب من لا ذنب له من رعيته. فإذا صدق العبد بقوله تعالى {وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} علم بطلان هذا القول وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه ~~حتى المصائب التي تصيب العبد كلها بذنوبه. وقد تقدم قول السلف - ابن عباس ~~وغيره - أن ما أصابهم يوم أحد من الغم والفشل: إنما كان بذنوبهم. لم يستثن ~~من ذلك أحد. وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص. وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {ما يصيب المؤمن من وصب ولا ~~نصب ولا هم ولا حزن ولا غم - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها من ~~خطاياه} . # PageV14P342 # فصل: # الفرق الثامن: أن السيئة إذا كانت من النفس. والسيئة خبيثة مذمومة وصفها ~~بالخبث في مثل قوله {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} . # قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين ومن كلام بعضهم: الأقوال ~~والأفعال الخبيثة للخبيثين. وقد قال تعالى {ضرب الله مثلا كلمة طيبة} {ومثل ~~كلمة خبيثة} وقال الله {إليه يصعد الكلم ms4567 الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل. فإذا كانت النفس متصفة بالسوء ~~والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها. فمن أراد: أن يجعل الحيات ~~والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير: لم يصلح. # PageV14P343 # ومن أراد: أن يجعل الذي يكذب شاهدا على الناس لم يصلح. وكذلك من أراد: أن ~~يجعل الجاهل معلما للناس مفتيا لهم. أو يجعل العاجز الجبان مقاتلا عن ~~الناس. أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئا سائسا للناس أو للدواب: فمثل هذا ~~يوجب الفساد في العالم. وقد يكون غير ممكن. مثل من أراد أن يجعل الحجارة ~~تسبح على وجه الماء كالسفن أو تصعد إلى السماء كالريح ونحو ذلك. فالنفوس ~~الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث شيء. فإن ~~ذلك موجب للفساد أو غير ممكن. بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت حتى تصلح ~~لسكنى الجنة. كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن المؤمنين إذا نجوا من النار - أي عبروا الصراط - ~~وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم ~~في الدنيا. فإذا هذبوا ونقوا: أذن لهم في دخول الجنة} . # PageV14P344 # وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {يخلص المؤمنون من النار. فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. ~~فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا: أذن ~~لهم في دخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه ~~بمنزله كان في الدنيا} . والتهذيب: التخليص كما يهذب الذهب. فيخلص من الغش. ~~فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب ~~فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط؟ . وأيضا فإذا كان سببها ثابتا ~~فالجزاء كذلك بخلاف الحسنة. فإنها من إنعام الحي القيوم الباقي الأول ~~الآخر. فسببها دائم فيدوم بدوامه. وإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه: لم ~~يطمع ms4568 في السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل علم تحقيق قوله تعالى {من ~~يعمل سوءا يجز به} وقوله {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره} . # PageV14P345 # وعلم أن الرب عليم حليم رحيم عدل وأن أفعاله جارية على قانون العدل ~~والإحسان. وكل نعمة منه فضل. وكل نقمة منه عدل. وفي الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال {يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل ~~والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه. ~~والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع} . وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون ~~الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل ولا وضع للأشياء مواضعها. فيصفون الرب بما ~~يوجب الظلم والسفه. وهو سبحانه قد شهد {أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} . ولهذا يقولون: لا ندري ~~ما يفعل بمن فعل السيئات. بل يجوز عندهم: أن يعفو عن الجميع. ويجوز عندهم: ~~أن يعذب الجميع. ويجوز أن يعذب ويغفر بلا موازنة. بل يعفو عن شر الناس ~~ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة ولا يغفرها له. وهم يقولون: السيئة لا تمحى ~~لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك. وقد لا يفرقون به بين الصغائر ~~والكبائر. # PageV14P346 # قالوا: لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر خبر الله ورسوله. قالوا: ~~وليس في الكتاب والسنة ما يبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات إلا الكفر. ~~وتأولوا قوله تعالى {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} بأن ~~المراد بالكبائر: قد يكون هو الكفر وحده. كما قال تعالى {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به} . وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر ابن الباقلاني وغيره ممن ~~يقول بمثل هذه الأقوال ممن سلك مسلك جهم بن صفوان في القدر وفي الوعيد. ~~وهؤلاء قصدوا مناقضة المعتزلة في القدر والوعيد. فأولئك لما قالوا: إن الله ~~لم يخلق أفعال العباد وأنه يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. وسلكوا ms4569 مسلك ~~نفاة القدر في هذا وقالوا في الوعيد بنحو قول الخوارج. قالوا: إن من دخل ~~النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها. بل يكون عذابه مؤبدا. فصاحب ~~الكبيرة أو من رجحت سيئاته - عندهم - لا يرحمه الله أبدا. بل يخلده في ~~النار. فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة فيما قالوه في القدر. ~~وناقضهم جهم في هذا وهذا. وسلك هؤلاء مسلك جهم. مع انتسابهم إلى أهل السنة ~~والحديث # PageV14P347 # وأتباع السلف. وكذلك سلكوا في الإيمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم ~~وأتباعه. وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة: نوع في الأسماء والصفات. فغلا في ~~نفي الأسماء والصفات. ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ونحوهم. ~~ووافقه المعتزلة في نفي الصفات دون الأسماء. والكلابية - ومن وافقهم من ~~السالمية. ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية - وافقوه على ~~نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات. والكرامية ونحوهم: وافقوه على ~~أصل ذلك. وهو امتناع دوام ما لا يتناهى. وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل ~~متكلما إذا شاء وفعالا لما يشاء إذا شاء. لامتناع حوادث لا أول لها. وهو عن ~~هذا الأصل - الذي هو نفي وجود ما لا يتناهى في المستقبل - قال بفناء الجنة ~~والنار. وقد وافقه أبو الهذيل إمام المعتزلة على هذا لكن قال: بتناهي ~~الحركات. فالمعتزلة في الصفات: مخانيث الجهمية. # PageV14P348 # وأما الكلابية: فيثبتون الصفات في الجملة. وكذلك الأشعريون ولكنهم - كما ~~قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري -: الجهمية الإناث. وهم مخانيث المعتزلة. ~~ومن الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة. وقد ذكر الأشعري وغيره هذا. ~~لأن قائله لم يعلم أن جهما سبق هؤلاء إلى هذا الأصل أو لأنهم مخانيثهم من ~~بعض الوجوه. وإلا فإن مخالفتهم للفلاسفة كبيرة جدا. والشهرستاني يذكر عن ~~شيوخهم: أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة. لأن الشهرستاني إنما يرى مناظرة ~~أصحابه الأشعرية في الصفات ونحوها مع المعتزلة بخلاف أئمة السنة والحديث. ~~فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية. وهم المشهورون عند السلف والأمة بنفي ~~الصفات. وأهل النفي للصفات والتعطيل لها: هم عند السلف يقال لهم: الجهمية. ms4570 ~~وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف. وأما المعتزلة: فامتازوا بقولهم ~~بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدث ذلك عمرو بن عبيد. وكان هو وأصحابه يجلسون ~~معتزلين للجماعة فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة وكان ذلك بعد موت الحسن ~~البصري في أوائل المائة الثانية. # PageV14P349 # وبعدهم حدثت الجهمية. وكان القدر: قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله ~~بن الزبير بعد موت معاوية ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس - رضي الله ~~عنهم - وغيرهما. وابن عباس مات قبل ابن الزبير. وابن عمر مات عقب موته وعقب ~~ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين. فبقي الناس يخوضون في القدر ~~بالحجاز والشام والعراق وأكثره: كان بالشام والعراق بالبصرة وأقله: كان ~~بالحجاز. ثم لما حدثت المعتزلة - بعد موت الحسن وتكلم في المنزلة بين ~~المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار وأن النار لا ~~يخرج منها من دخلها. وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر. فإن ~~به يتم التغليظ على أهل الذنوب. ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئا من ~~نفي الصفات. إلى أن ظهر الجعد بن درهم وهو أولهم فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري وقال " أيها الناس ضحوا. تقبل الله ضحاياكم. فإني مضح بالجعد بن ~~درهم. إنه زعم: أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا # PageV14P350 # ولم يكلم موسى تكليما. تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا " ثم نزل ~~فذبحه. وهذا كان بالعراق. ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ. ~~ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق: أكثر كلاما في ~~رد مذهب جهم من أهل الحجاز والشام والعراق مثل إبراهيم بن طهمان وخارجة بن ~~مصعب ومثل عبد الله بن المبارك وأمثالهم - وقد تكلم في ذمهم - وابن ~~الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهم. وإنما اشتهرت ~~مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة. فإنهم في ~~إمارة المأمون قووا وكثروا. فإنه كان قد أقام بخراسان مدة. واجتمع بهم. ثم ~~كتب بالمحنة ms4571 من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين. وفيها مات. وردوا أحمد بن ~~حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين. وفيها كانت محنته مع المعتصم ~~ومناظرته لهم في الكلام. فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه وبين أن لا حجة ~~لهم في شيء من ذلك وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم: جهل ~~وظلم. وأراد المعتصم إطلاقه. فأشار عليه من أشار بأن المصلحة # PageV14P351 # ضربه حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة. فلما ضربوه قامت الشناعة ~~عليهم في العامة وخافوا الفتنة. فأطلقوه. وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له ~~نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف. فجمع له مثل أبي عيسى ~~محمد بن عيسى برغوث من أكابر النجارية أصحاب حسين النجار. وأئمة السنة - ~~كابن المبارك وأحمد، وإسحاق والبخاري وغيرهم - يسمون جميع هؤلاء: جهمية. ~~وصار كثير من المتأخرين - من أصحاب أحمد وغيرهم - يظنون أن خصومه كانوا ~~المعتزلة. ويظنون أن بشر بن غياث المريسي - وإن كان قد مات قبل محنة أحمد ~~وابن أبي دؤاد ونحوهما - كانوا معتزلة. وليس كذلك. بل المعتزلة كانوا نوعا ~~من جملة من يقول القرآن مخلوق. وكانت الجهمية أتباع جهم والنجارية أتباع ~~حسين النجار والضرارية أتباع ضرار بن عمرو والمعتزلة هؤلاء يقولون: القرآن ~~مخلوق. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن جهما اشتهر عنه نوعان من ~~البدعة. أحدهما: # PageV14P352 # نفي الصفات، والثاني: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة ~~القلب. وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة. وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه ~~فيهما. وأما الأشعري: فوافقه على أصل قوله ولكن قد ينازعه منازعات لفظية. ~~وجهم لم يثبت شيئا من الصفات - لا الإرادة ولا غيرها - فهو إذا قال: إن ~~الله يحب الطاعات ويبغض المعاصي. فمعنى ذلك عنده: الثواب والعقاب. وأما ~~الأشعري: فهو يثبت الصفات - كالإرادة - فاحتاج حينئذ أن يتكلم في الإرادة: ~~هل هي المحبة أم لا؟ وأن المعاصي: هل يحبها الله أم لا؟ فقال: إن المعاصي ~~يحبها الله ويرضاها كما يريدها. وذكر أبو المعالي الجويني: أنه أول ms4572 من قال ~~ذلك وأن أهل السنة قبله كانوا يقولون: إن الله لا يحب المعاصي. وذكر ~~الأشعري في الموجز: أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم. أشك في بعضهم. # PageV14P353 # وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة فصاروا ~~يوافقون جهما في مسائل الأفعال والقدر وإن كانوا مكفرين له في مسائل الصفات ~~كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب " ذم الكلام " فإنه من المبالغين ~~في ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ في ذم ~~الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث. وربما كان ~~يلعنهم. وقد قال له بعض الناس - بحضرة نظام الملك - أتلعن الأشعرية؟ فقال: ~~ألعن من يقول: ليس في السموات إله ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبي. ~~وقام من عنده مغضبا. ومع هذا فهو في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال: ~~أبلغ من الأشعرية. لا يثبت سببا ولا حكمة بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم ~~لا تبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة. والحكم عنده: هي المشيئة. لأن ~~العارف المحقق - عنده - هو من يصل إلى مقام الفناء. فيفنى عن جميع مراداته ~~بمراد الحق. وجميع الكائنات مرادة له. وهذا هو الحكم عنده. و " الحسنة " و ~~" السيئة " يفترقان في حظ العبد لكونه ينعم بهذه ويعذب بهذه. والالتفات إلى ~~هذا هو من حظوظ النفس. ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. # PageV14P354 # وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد كما ذكر ذلك في غير موضع. وبين لهم ~~الجنيد الفرق الثاني. وهو أنهم - مع مشاهدة المشيئة العامة - لا بد لهم من ~~مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما ~~يبغضه. وبين لهم الجنيد كما قال في التوحيد: هو إفراد الحدوث عن القدم. فمن ~~سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف والمعرفة كان قد اهتدى ونجا وسعد. ومن لم ~~يسلك في القدر مسلكه بل سوى بين الجميع: لزمه أن لا يفرق بين الحسنات ~~والسيئات وبين الأنبياء والفساق. فلا يقول: إن الله يحب هؤلاء ms4573 وهذه ~~الأعمال. ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال. بل جميع الحوادث: هو يحبها كما ~~يريدها كما قاله الأشعري. وإنما الفرق: أن هؤلاء ينعمون. وهؤلاء يعذبون. ~~والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا - بالنسبة إلى المخلوق - كان أعقل ~~منهم. فإن هؤلاء يدعون: أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا ~~وهذا. # PageV14P355 # وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب. أما في حق العبد: فيلزمهم أن تستوي عنده ~~جميع الحوادث. وهذا محال قطعا. وهم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر ~~الأشياء. أما الفناء عن جميعها: فممتنع. فإنه لا بد أن يفرق كل حي بين ما ~~يؤلمه وبين ما يلذه. فيفرق بين الخبز والتراب والماء والشراب. فهؤلاء: ~~عزلوا الفرق الشرعي الإيماني الرحماني الذي به فرق الله بين أوليائه ~~وأعدائه. وظنوا أنهم مع الجمع القدري. وعلى هذا: فإن تسوية العبد بين جميع ~~الحوادث ممتنع لذاته بل لا بد للعبد من أن يفرق. فإن لم يفرق بالفرق الشرعي ~~- فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما يرضاه وما يسخطه - وإلا فرق بالفرق ~~الطبعي بهواه وشيطانه. فيحب ما تهواه نفسه وما يأمر به شيطانه. ومن هنا: ~~وقع منهم خلق كثير في المعاصي. وآخرون في الفسوق. وآخرون في الكفر. حتى ~~جوزوا عبادة الأصنام. ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود. وهم الذين ~~خالفوا # PageV14P356 # الجنيد وأئمة الدين في التوحيد. فلم يفرقوا بين القديم والمحدث. وهؤلاء ~~صرحوا بعبادة كل موجود. كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. وهو ~~قول أهل الوحدة كابن عربي الحاتمي وابن سبعين والقونوي والتلمساني ~~والبلياني وابن الفارض وأمثالهم. والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم ~~والعدل والأسباب في القدر بين أهل الكلام والمتصوفة الذين وافقوا جهما في ~~هذا الأصل. وهو بدعته الثانية التي اشتهرت عنه بخلاف الإرجاء. فإنه منسوب ~~إلى طوائف غيره. فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه ~~ويمكن فعله من غير مراعاة حكمة ولا رحمة ولا عدل. ويقولون: إن مشيئته هي ~~محبته. ولهذا تجد من ms4574 اتبعهم: غير معظم للأمر والنهي والوعد والوعيد بل هو ~~منحل عن الأمر الشرعي كله أو عن بعضه أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه. فإنهم ~~أرادوا: أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء وأن كل ما شاءه فقد أحبه. وأنه ~~يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها ولا حكمة يسوقه إليها بل غايته: أنه ~~يسوق المقادير إلى المواقيت. # PageV14P357 # لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور. بل وافقوا جهما ومن ~~قال بقوله - كالأشعري - في أنه في نفس الأمر: لا حسن ولا سيئ. وإنما الحسن ~~والقبح: مجرد كونه مأمورا به ومحظورا. وذلك فرق يعود إلى حظ العبد. وهؤلاء ~~يدعون الفناء عن الحظوظ. فتارة: يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من ~~مقام التلبيس أو ما يشبه هذا. كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب ~~منازل السائرين. وتارة يقولون: يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة. كما ~~يقوله الشيخ المغربي إلى أنواع ليس هذا موضع بسطها. ومن يسلك مسلكهم: غايته ~~- إذا عظم الأمر والنهي - أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك ~~مشهودا. والفرق على لسانك موجودا. ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره: أقوال ~~وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي. مثل أن يدعو: أن يعطيه الله إذا ~~عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده: أن يجعل # PageV14P358 # الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم. ~~ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي. وقد بسط الكلام على ~~هذا في غير هذا الموضع. وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون: أن يكرم الله بكرامات ~~أكابر الأولياء من يكون فاجرا بل كافرا. ويقولون: هذه موهبة وعطية يعطيها ~~الله من يشاء. ما هي متعلقة لا بصلاة ولا بصيام. ويظنون أن تلك من كرامات ~~الأولياء. وتكون كراماتهم: من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة ~~والكهان. قال الله تعالى {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ ~~فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا ms4575 يعلمون} ~~{واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} . وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} . والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله القرآن: ~~عدل كثير منهم - ممن أضله الشيطان من المنتسبين إلى الإسلام - إلى أن نبذ ~~كتاب الله # PageV14P359 # وراء ظهره واتبع ما تتلوه الشياطين. فلا يعظم أمر القرآن ولا نهيه. ولا ~~يوالي من أمر القرآن بموالاته. ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته. بل يعظم ~~من رآه يأتي ببعض خوارقهم التي يأتي بمثلها السحرة والكهان. بإعانة ~~الشياطين. وهي تحصل بما تتلوه الشياطين. ثم منهم من يعرف: أن هذا من ~~الشيطان. ولكن يعظم ذلك لهواه ويفضله على طريق القرآن ليصل به إلى تقديس ~~العامة. وهؤلاء كفار. كالذين قال الله تعالى فيهم {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا} {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا} . وهؤلاء ضاهوا الكفار الذين قال الله تعالى فيهم {ولما جاءهم رسول ~~من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا} الآية. ومنهم: من لا يعرف أن هذا من الشياطين. ~~وقد يقع في مثل هذا طوائف من أهل الكلام والعلم وأهل # PageV14P360 # العبادة والتصوف. حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام. لما رأوه فيها من ~~الأحوال العجيبة. التي تعينهم عليها الشياطين. لما يحصل لهم بها من بعض ~~أغراضهم من الظلم والفواحش فلا يبالون بشركهم بالله ولا كفرهم به وبكتابه ~~إذا نالوا ذلك ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس. وتعظيمهم لهم. لرياسة ينالونها ~~أو مال ينالونه. وإن كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك: عملوه ودعوا إليه. ~~بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول ms4576 صلى الله عليه وسلم. أو اعتقاد أن ~~الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن. لأجل مصلحة الجمهور. كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية. وقد دخل في رأي هؤلاء ~~طائفة من هؤلاء وهؤلاء. وهذا مما ضاهوا به فارس والروم وغيرهم. فإن فارس ~~كانت تعظم الأنوار وتسجد للشمس وللنار. والروم كانوا - قبل النصرانية - ~~مشركين يعبدون الكواكب والأصنام فهؤلاء الذين أشبهوا فارس والروم: شر من ~~الذين أشبهوا اليهود والنصارى. فإن أولئك ضاهوا أهل الكتاب فيما بدل أو ~~نسخ. وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس والمشركين فارس والروم ومن دخل ~~في ذلك من الهند واليونان. ومذهب الملاحدة الباطنية: مأخوذ من قول المجوس ~~بالأصلين # PageV14P361 # ومن قول فلاسفة اليونان بالعقول والنفوس. وأصل قول المجوس: يرجع إلى أن ~~تكون الظلمة المضاهية للنور: هي إبليس وقول الفلاسفة بالنفس. فأصل الشر: ~~عبادة النفس والشيطان وجعلهما شريكان للرب وأن يعدلا به. ونفس الإنسان تفعل ~~الشر بأمر الشيطان. وقد {علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله ~~عنه أن يقول - إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه - اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك. إنك ~~تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى {ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} مع قوله تعالى {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وقوله {لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين} وقد ظهرت دعوى النفس الإلهية في فرعون ونحوه ممن ادعى أنه إله ~~مع الله أو من دونه وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع الله كالمسيح وغيره. # PageV14P362 # وأصل الشرك في بني آدم: كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين. فإنهم ~~لما ماتوا: عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. فهذا أول شرك ~~كان في بني آدم. وكان في قوم نوح. فإنه أول رسول ms4577 بعث إلى أهل الأرض. يدعوهم ~~إلى التوحيد. وينهاهم عن الشرك. كما قال تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} {وقد أضلوا كثيرا} وهذه أسماء ~~قوم صالحين كانوا في قوم نوح. فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم ثم ذهبت ~~هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض ثم صارت إلى العرب. كما ذكر ذلك ابن ~~عباس وغيره. إن لم تكن أعيانها وإلا فهي نظائرها. وأما الشرك بالشيطان: ~~فهذا كثير. فمتى لم يؤمن الخلق بأنه " لا إله إلا الله " بمعنى: أنه ~~المعبود المستحق للعبادة دون ما سواه. وأنه يحب أن يعبد وأنه أمر أن يعبد ~~وأنه لا يعبد إلا بما أحبه مما شرع من واجب ومستحب - فلا بد أن يقعوا في ~~الشرك وغيره. فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء. ~~لا يحب # PageV14P363 # شيئا دون شيء: فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئا. وبين من ~~يعبد معه آلهة أخرى. وجعلوا الأمر معلقا بمشيئة. ليس معها حكمة ولا رحمة ~~ولا عدل. ولا فرق فيها بين الحسنات والسيئات: طمعت النفس في نيل ما تريده ~~بدون طاعة الله ورسوله. ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح ولم ~~يقيدوا الصلاح بالعلم الصحيح والإيمان الصادق والتقوى بل جعلوا علامة ~~الصلاح هذه الخوارق. وجوزوا الخوارق مطلقا. وحكوا في ذلك مكاشفات وقالوا ~~أقوالا منكرة. فقال بعضهم: إن الولي يعطى قول " كن " وقال بعضهم: إنه لا ~~يمتنع على الولي فعل ممكن. كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال. وهذا ~~قاله ابن عربي والذين اتبعوه. قالوا: إن الممتنع لذاته مقدور عليه ليس ~~عندهم ما يقال: إنه غير مقدور عليه للولي حتى ولا الجمع بين الضدين ولا غير ~~ذلك. وزاد ابن عربي: أن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات. والذي لا ~~يعزب عن قدرته شيء من الممكنات: هو الله وحده. فهذا تصريح منهم: بأن الولي ~~مثل الله إن لم يكن هو الله. # PageV14P364 # وصرح بعضهم: بأنه يعلم كل ms4578 ما يعلمه الله. ويقدر على كل ما يقدر الله ~~عليه. وادعوا أن هذا كان للنبي ثم انتقل إلى الحسن بن علي ثم من الحسن إلى ~~ذريته واحدا بعد واحد. حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي ثم إلى ابنه. ~~خاطبني بذلك: من هو من أكابر أصحابهم. وحدثني الثقة من أعيانهم أنهم ~~يقولون: إن محمدا هو الله. وحدثني بعض الشيوخ الذين لهم سلوك وخبرة: أنه ~~كان هو وابن هود في مكة فدخلا الكعبة. فقال له ابن هود - وأشار إلى وسط ~~الكعبة - هذا مهبط النور الأول. وقال له: لو قال لك صاحب هذا البيت: أريد ~~أن أجعلك إلها ماذا كنت تقول له؟ قال: وقف شعري من هذا الكلام وانخنست - أو ~~كما قال. ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله: أنه لما دخل الزنج البصرة. ~~قيل له في ذلك. فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال ~~عن أماكنها لأزالها. ولو سألوه: # PageV14P365 # أن لا يقيم القيامة لما أقامها. لكنهم يعلمون مواضع رضاه فلا يسألونه إلا ~~ما يحب. وهذه الحكاية: إما كذب على سهل - وهو الذي نختار أن يكون حقا - أو ~~تكون غلطا منه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وذلك: أن ما أخبر الله أن يكون ~~فلا بد أن يكون. ولو سأله أهل السموات والأرض أن لا يكون: لم يجبهم مثل ~~إقامة القيامة وأن لا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين وغير ذلك. بل كل ما ~~علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في أن لا يكون. لكن الدعاء سبب ~~يقضي الله به ما علم الله: أنه سيكون بهذا السبب كما يقضي بسائر الأسباب ما ~~علم: أنه سيكون بها. وقد سأل الله تعالى - من هو أفضل من كل من في البصرة ~~بكثير - ما هو دون هذا فلم يجابوا. لما سبق الحكم بخلاف ذلك كما سأله ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يغفر لأبيه. وكما سأله نوح عليه السلام ~~سأله نجاة ابنه. فقيل له {يا نوح إنه ms4579 ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ~~تسألني ما ليس لك به علم} . وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قيل له في ~~شأن عمه أبي # PageV14P366 # طالب {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ~~قربى} وقيل له في المنافقين {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم} وقد قال تعالى عموما {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فمن هذا الذي لو سأل الله ما يشاؤه ~~هو أعطاه إياه. {وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. أخبر ~~أنه يسجد تحت العرش ويحمد ربه ويثني عليه. فيقال له: أي محمد ارفع رأسك وقل ~~يسمع. وسل تعط. واشفع تشفع. قال: فيحد لي حدا. فأدخلهم الجنة} وقد قال ~~تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} . وأي اعتداء أعظم ~~وأشنع من أن يسأل العبد ربه: أن لا يفعل ما قد أخبر أنه لا بد أن يفعله أو ~~أن يفعل ما قد أخبر أنه لا يفعله. وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقال {وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {ما من # PageV14P367 # داع يدعو الله بدعوة ليس فيها ظلم ولا قطيعة رحم: إلا أعطاه الله بها ~~إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته. وإما أن يدخر له من الخير مثلها. ~~وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها} . فالدعوة التي ليس فيها اعتداء يحصل بها ~~المطلوب أو مثله. وهذا غاية الإجابة. فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعا. أو ~~مفسدا للداعي أو لغيره. والداعي جاهل لا يعلم ما فيه المفسدة عليه. والرب ~~قريب مجيب. وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها. والكريم الرحيم إذا سئل ~~شيئا بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه: أعطاه نظيره كما يصنع الوالد ms4580 ~~بولده إذا طلب منه ما ليس له. فإنه يعطيه من ماله نظيره. ولله المثل ~~الأعلى. وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم - لما طلبت منه طائفة من بني ~~عمه أن يوليهم ولاية لا تصلح لهم - فأعطاهم من الخمس ما أغناهم عن ذلك ~~وزوجهم كما فعل بالفضل بن عباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وقد روي في ~~الحديث {ليس شيء أكرم على الله من الدعاء} وهذا حق. # PageV14P368 # فصل: # ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} أوجب هذا: أن لا يطلب العبد الحسنات - والحسنات ~~تدخل فيها كل نعمة - إلا من الله. وأن يعلم أنها من الله وحده فيستحق الله ~~عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره. ويعلم أنه لا إله إلا هو. كما قال تعالى ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} . فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده. ثم ~~قال {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} وهذا إخبار عن حالهم والجؤار: يتضمن ~~رفع الصوت. والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر. وأما في حال النعمة: فهو ~~ساكن إما شاكرا وإما كفورا {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} {ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} . # PageV14P369 # وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه ~~وإسباغ النعماء عليه فيضيف العبد - بعد ذلك - الإنعام إلى غيره. ويعبد غيره ~~تعالى. ويجعل المشكور غيره على النعم كما قال تعالى {وإذا مس الناس ضر دعوا ~~ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون} ~~{ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} وقال تعالى {قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين} {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} وقال تعالى ~~{وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعو إليه من قبل ms4581 وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار} . وقوله {نسي ما كان يدعو إليه} أي نسي الضر الذي كان يدعو ~~الله لدفعه عنه كما قال في سورة الأنعام {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} . فذم الله سبحانه حزبين: حزبا لا ~~يدعونه في الضراء. ولا يتوبون إليه. وحزبا يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون ~~إليه. فإذا # PageV14P370 # كشف الضر عنهم: أعرضوا عنه وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه. ~~فهذا الحزب نوعان - كالمعطلة والمشركة - حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعوا ~~الله ولم يتضرعوا إليه ولم يتوبوا إليه كما قال {ولقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} {فلولا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} وقال تعالى ~~{ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} وقال تعالى {أولا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} وقال ~~تعالى {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} وحزب ~~يتضرعون إليه في حال الضراء. ويتوبون إليه. فإذا كشفها عنهم: أعرضوا عنه ~~كما قال تعالى {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون} وقال تعالى {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه ~~الشر فذو دعاء عريض} وقال تعالى {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} وقال في المشركين ما ~~تقدم {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} {ثم إذا كشف # PageV14P371 # الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} . والممدوح: هو القسم الثالث. وهم ~~الذين يدعونه ويتوبون إليه. ويثبتون على عبادته والتوبة إليه في حال ~~السراء. فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء. وهم ms4582 أهل الصبر والشكر كما ~~ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام. فقال تعالى {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ~~أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين} {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} وقال تعالى ~~{ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} {قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} وقال تعالى {وهل أتاك نبأ ~~الخصم إذ تسوروا المحراب} {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ~~بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط} {إن ~~هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} ~~{قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على ~~بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} ~~وقال تعالى عن آدم وحواء {فدلاهما بغرور فلما ذاقا # PageV14P372 # الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ~~ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} ~~{قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~وقال: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} . وقال ~~تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} ~~{وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة والله يحب المحسنين} . وقوله " قتل " أي النبي قتل. هذا أصح ~~القولين. وقوله {معه ربيون كثير} جملة في موضع الخبر صفة للنبي - صفة بعد ~~صفة - أي كم من نبي معه ربيون كثير قتل ms4583 ولم يقتلوا معه. فإنه كان يكون ~~المعنى: أنه قتل وهم معه. والمقصود: أنه كان معه ربيون كثير وقتل في ~~الجملة. وأولئك الربيون {ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا} . # PageV14P373 # و " الربيون " الجموع الكثيرة. وهم الألوف الكثيرة. وهذا المعنى: هو الذي ~~يناسب سبب النزول وهو ما أصابهم يوم أحد لما قيل: " إن محمدا قد قتل " وقد ~~قال قبل ذلك {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين} وهي التي تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم مات النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقال " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد ~~الله فإن الله حي لا يموت ". فإنه عند قتل النبي وموته: تحصل فتنة عظيمة ~~للناس - المؤمنين والكافرين - وتحصل ردة ونفاق لضعف قلوب أتباعه لموته ولما ~~يلقيه الشيطان في قلوب الكافرين: إن هذا قد انقضى أمره وما بقي يقوم دينه. ~~وأنه لو كان نبيا لما قتل وغلب. ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى: أنه كم من نبي ~~قتل؟ . فإن بني إسرائيل قتلوا كثيرا من الأنبياء. والنبي معه ربيون كثير ~~أتباع له. وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال. بل يقتل وقد اتبعه ربيون ~~كثير. فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله وما ضعفوا. وما استكانوا. والله ~~يحب الصابرين. ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها # PageV14P374 # تحصل المصائب - فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم - وسألوا الله أن يغفر لهم ~~وأن يثبت أقدامهم فيثبتهم على الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا. ولا ينكلوا عن ~~الجهاد. قال تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وسألوه أن ~~ينصرهم على القوم الكافرين. سألوا ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت ~~وما يعطيهم من عنده من النصر. فإنه هو الناصر وحده. وما النصر إلا من عند ~~الله. وكذا أنزل الملائكة عونا لهم. ms4584 قال تعالى لما أنزل الملائكة {وما جعله ~~الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز ~~حكيم} وقال تعالى {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين} وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا: أنه لما كانت الحسنة من ~~إحسانه تعالى والمصائب من نفس الإنسان - وإن كانت بقضاء الله وقدره - وجب ~~على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن يستغفره من ذنوبه. وألا يتوكل إلا عليه ~~وحده. فلا يأتي بالحسنات إلا هو. فأوجب ذلك للعبد: توحيده والتوكل عليه ~~وحده والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب. # PageV14P375 # وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة. كما ثبت عنه ~~في الصحيح {أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ربنا ~~ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ~~أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد} فهذا حمد وهو شكر لله ~~تعالى. وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد. ثم يقول بعد ذلك {اللهم لا مانع ~~لما أعطيت. ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . وهذا تحقيق ~~لوحدانيته: لتوحيد الربوبية. خلقا وقدرا وبداية وهداية. هو المعطي المانع. ~~لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولتوحيد الإلهية - شرعا وأمرا ونهيا - ~~وهو أن العباد وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة وبختا ورياسة في الظاهر أو في ~~الباطن كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة {فلا ينفع ذا الجد منك الجد} أي ~~لا ينجيه ولا يخلصه من سؤالك وحسابك حظه وعظمته وغناه. ولهذا قال {لا ينفعه ~~منك} ولم يقل " لا ينفعه عندك " فإنه لو قيل ذلك: أوهم أنه لا يتقرب به ~~إليك لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما ~~أبالي كالذين # PageV14P376 # أوتوا النبوة والملك لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء فقد يظن ذو الجد - ~~الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده - أنه كذلك. فقال {ولا ms4585 ينفع ذا الجد منك} ~~ضمن " ينفع " معنى " ينجي ويخلص " فبين أن جده لا ينجيه من العذاب. بل ~~يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك. فلا ينجيه ولا يخلصه. ~~فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد وتحقيق قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~وقوله {فاعبده وتوكل عليه} وقوله {عليه توكلت وإليه أنيب} وقوله {واذكر اسم ~~ربك وتبتل إليه تبتيلا} {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} . ~~فقوله {لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت} توحيد الربوبية الذي يقتضي: ~~أنه سبحانه: هو الذي يسأل ويدعى ويتوكل عليه. وهو سبب لتوحيد الإلهية ودليل ~~عليه. كما يحتج به في القرآن على المشركين. فإن المشركين كانوا يقرون بهذا ~~التوحيد - توحيد الربوبية - ومع هذا يشركون بالله. فيجعلون له أندادا ~~يحبونهم كحب الله. ويقولون: إنهم شفعاؤنا عنده وإنهم يتقربون بهم إليه. ~~فيتخذونهم شفعاء وقربانا كما قال تعالى {ويعبدون من دون الله ما لا # PageV14P377 # يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وقال تعالى {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال تعالى ~~{ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} {فلولا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون} . # وهذا التوحيد: هو عبادة الله وحده لا شريك له. وأن لا نعبده إلا بما أحبه ~~وما رضيه. وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله - صلوات الله عليهم - فهو ~~متضمن لطاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وأن يكون الله ~~ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما. وهو يتضمن: أن يحب الله حبا لا ~~يماثله ولا يساويه فيه غيره بل يقتضي: أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أحب إليه من نفسه. فإذا كان الرسول - لأجل أنه رسول الله - يجب أن يكون أحب ~~إلى المؤمن من نفسه فكيف بربه سبحانه وتعالى؟ . وفي صحيح البخاري {أن عمر ~~قال يا رسول الله والله إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ms4586 فقال: لا يا ~~عمر حتى أكون # PageV14P378 # أحب إليك من نفسك. قال: فوالذي بعثك بالحق إنك لأحب إلي من نفسي قال: ~~الآن يا عمر} . وقد قال تعالى {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} وقال ~~تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ~~. فإن لم يكن الله ورسوله والجهاد في سبيله: أحب إلى العبد من الأهل والمال ~~- على اختلاف أنواعه - فإنه داخل تحت هذا الوعيد. # فهذا التوحيد - توحيد الإلهية - يتضمن فعل المأمور وترك المحظور. ومن ~~ذلك: الصبر على المقدور كما أن الأول يتضمن الإقرار بأنه لا خالق ولا رازق ~~ولا معطي ولا مانع إلا الله وحده. فيقتضي: أن لا يسأل العبد غيره ولا يتوكل ~~إلا عليه ولا يستعين إلا به كما قال تعالى في النوعين {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} وقال {فاعبده وتوكل عليه} . # PageV14P379 # وهذا التوحيد: هو الفارق بين الموحدين والمشركين. وعليه يقع الجزاء ~~والثواب في الأولى والآخرة. فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين. فإن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. أما توحيد الربوبية: ~~فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه. فكان ~~ذلك التوحيد - الذي هو توحيد الربوبية - حجة عليهم. فإذا كان الله هو رب كل ~~شيء ومليكه ولا خالق ولا رازق إلا هو. فلماذا يعبدون غيره معه وليس له ~~عليهم خلق ولا رزق ولا بيده لهم منع ولا عطاء بل هو عبد مثلهم لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فإن قالوا " ليشفع " فقد ~~قال الله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فلا يشفع من له شفاعة - من ~~الملائكة والنبيين - إلا بإذنه. وأما قبورهم - وما نصب عليها من قباب ~~وأنصاب - أو تماثيلهم - التي مثلت على صورهم مجسدة أو مرقومة - فجعل ~~الاستشفاع بها استشفاعا بهم فهذا باطل عقلا وشرعا. ms4587 فإنها لا شفاعة لها بحال ~~ولا لسائر الأصنام التي عملت للكواكب والجن والصالحين وغيرهم. # PageV14P380 # وإذا كان الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى: فما ~~بقي الشفعاء شركاء كشفاعة المخلوق عند المخلوق. فإن المخلوق يشفع عنده ~~نظيره - أو من هو أعلى منه أو دونه - بدون إذن المشفوع إليه. ويقبل المشفوع ~~إليه ولا بد شفاعته: إما لرغبته إليه أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به ~~أو يدفع عنه ما يخشاه وإما لرهبته منه وإما لمحبته إياه وإما للمعاوضة ~~بينهما والمعاونة وإما لغير ذلك من الأسباب. وتكون شفاعة الشفيع: هي التي ~~حركت إرادة المشفوع إليه وجعلته مريدا للشفاعة بعد أن لم يكن مريدا لها. ~~كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور. فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدا ~~لفعله. وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق: فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما ~~سأله. فالشفيع: كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب. فهو أيضا قد شفع ~~المشفوع إليه. فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب. فقد شفع الطالب ~~والمطلوب. والله تعالى وتر لا يشفعه أحد. فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه # PageV14P381 # فالأمر كله إليه وحده. فلا شريك له بوجه. ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في ~~آية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد. فقال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه} . وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. إذا سجد وحمد ~~ربه. يقال له " ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فيحد له حدا. ~~فيدخلهم الجنة " فالأمر كله لله. كما قال {قل إن الأمر كله لله} وقال ~~لرسوله {ليس لك من الأمر شيء} وقال {ألا له الخلق والأمر} . فإذا كان لا ~~يشفع عند الله أحد إلا بإذنه. فهو يأذن لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول ~~الشفاعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {اشفعوا ~~تؤجروا ويقضي ms4588 الله على لسان نبيه ما شاء} . وإذا دعاه الداعي وشفع عنده ~~الشفيع. فسمع الدعاء وقبل الشفاعة: لم يكن هذا مؤثرا فيه. كما يؤثر المخلوق ~~في المخلوق. فإنه سبحانه هو الذي جعل هذا يدعو وهذا يشفع. وهو الخالق ~~لأفعال العباد. فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها. وهو الذي وفقه للعمل ~~ثم أثابه عليه. وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه. فما يؤثر فيه شيء # PageV14P382 # من المخلوقات. بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سببا لما يفعله. وهذا ~~مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وهو خالق أفعال ~~العباد كما هو خالق سائر المخلوقات. قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع ~~أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد. ولكن هذا يناقض قول القدرية. ~~فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه: ~~لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلا لما لم يكن فاعلا له. فبدعائه جعله ~~مجيبا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة. وهذا ~~يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه. فإن ### | " الإذن " نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق وإذن بمعنى الإباحة والإجازة. # فمن الأول: قوله في السحر {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} فإن ~~ذلك بمشيئة الله وقدرته. وإلا فهو لم يبح السحر. # PageV14P383 # والقدرية تنكر هذا " الإذن " وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن الله. ~~وكذلك قوله {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} فإن الذي أصابهم من ~~القتل والجراح والتمثيل والهزيمة: إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ~~ولأفعال المؤمنين. والنوع الثاني: قوله {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} ~~{وداعيا إلى الله بإذنه} وقوله {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله} فإن هذا يتضمن إباحته لذلك وإجازته له ورفع الجناح ~~والحرج عن فاعله مع كونه بمشيئته وقضائه. فقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا ms4589 ~~بإذنه} هو هذا الإذن الكائن بقدره وشرعه. ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر. ~~فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن. فمن جعل العباد ~~يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقا لها وقادرا عليها ومشيئا لها ~~فعنده: كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته وإن كان قد أباح ~~الشفاعة. وأما الكفر والسحر وقتال الكفار: فهو عندهم بغير إذنه # PageV14P384 # لا هذا الإذن ولا هذا الإذن. فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين. وعندهم: ~~أنه لم يشأه ولم يخلقه. بل كان بدون مشيئته وخلقه. والمشركون المقرون ~~بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القدري وإن لم يأذن لهم إباحة ~~وجوازا. ومن كان مكذبا بالقدر - مثل كثير من النصارى - يقولون: إن شفاعة ~~الشفعاء بغير إذن لا قدري ولا شرعي. والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون ~~بغير إذن قدري. ومن سأل الله بغير إذنه الشرعي: فقد شفع عنده بغير إذن قدري ~~ولا شرعي. فالداعي المأذون له في الدعاء: مؤثر في الله عندهم. لكن بإباحته. ~~والداعي غير المأذون له: إذا أجاب دعاءه فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ~~ولا بهذا الإذن كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره. والله تعالى يقول {من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن الله ~~الشرعي وإن # PageV14P385 # كان خالقا لفعله - كشفاعة نوح لابنه وشفاعة إبراهيم لأبيه وشفاعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي ابن سلول حين صلى عليه بعد موته. ~~وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} قد قلتم: إنه يعم النوعين. فإنه لو ~~أراد الإذن القدري: لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر ~~وسحر. ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه وما لا يكون بإذنه. ولو أراد الإذن ~~الشرعي فقط: لزم قول القدرية. وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعي؟ . قيل: ~~المنفي من الشفاعة بلا إذن: هي الشفاعة التامة وهي المقبولة كما في قول ~~المصلي " سمع الله لمن حمده " أي استجاب له. وكما في ms4590 قوله تعالى {هدى ~~للمتقين} وقوله {إنما أنت منذر من يخشاها} وقوله {فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد} ونحو ذلك. فإن الهدى والإنذار والتذكير والتعليم لا بد فيه من قبول ~~المتعلم. فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود. وإلا قيل: علمته فلم يتعلم. ~~كما قيل {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} فكذلك الشفاعة. # فالشفاعة: مقصودها قبول المشفوع إليه - وهي الشفاعة التامة. فهذه هي التي ~~لا تكون إلا بإذنه. وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل # PageV14P386 # شفاعته: كانت كعدمها وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها. كما قال ~~نوح {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين} وكما نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على ~~المنافقين. وقال له {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وقال له {سواء عليهم أستغفرت لهم أم ~~لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} . ولهذا قال على لسان المشركين {فما لنا ~~من شافعين} {ولا صديق حميم} . فالشفاعة المطلوبة: هي شفاعة المطاع الذي ~~تقبل شفاعته. وهذه ليست لأحد عند الله إلا بإذنه قدرا وشرعا. فلا بد أن ~~يأذن فيها. ولا بد أن يجعل العبد شافعا. فهو الخالق لفعله والمبيح له كما ~~في الداعي: هو الذي أمره بالدعاء وهو الذي يجعل الداعي داعيا فالأمر كله ~~لله خلقا وأمرا. كما قال {ألا له الخلق والأمر} . وقد روي في حديث - ذكره ~~ابن أبي حاتم وغيره - أنه قال {فمن يثق به فليدعه} أي فلم يبق لغيره لا خلق ~~ولا أمر. ولما كان المراد بالشفاعة المثبتة: هي الشفاعة المطلقة وهي ~~المقصود بالشفاعة وهي المقبولة بخلاف المردودة. فإن أحدا لا يريدها لا # PageV14P387 # الشافع ولا المشفوع له ولا المشفوع إليه. ولو علم الشافع والمشفوع له ~~أنها ترد: لم يفعلوها. والشفاعة المقبولة: هي النافعة. بين ذلك في مثل قوله ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقوله {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن ms4591 له الرحمن ورضي له قولا} فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا ~~تنفع عنده إلا لمن أذن له. وهو الإذن الشرعي بمعنى: أباح له ذلك. وأجازه. ~~كما قال تعالى {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} وقوله {لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم} وقوله {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ونحو ذلك. ~~وقوله {إلا لمن أذن له} هو إذن للمشفوع له. فلا يأذن في شفاعة مطلقة لأحد. ~~بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه. قال تعالى {يومئذ ~~يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} {يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} وفيه قولان: قيل: إلا ~~شفاعة من أذن له الرحمن. وقيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن. فهو ~~الذي تنفعه الشفاعة. وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين. لا يذكرون غيره # PageV14P388 # لأنه لم يقل " لا تنفع إلا من أذن له " ولا قال " لا تنفع الشفاعة إلا ~~فيمن أذن له " بل قال {لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له} فهي لا تنفع ولا ~~ينتفع بها ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم. كما قال تعالى في الآية الأخرى ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع ~~مأذون له. بل لو أريد هذا لقيل: لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له. وإنما ~~قال {إلا لمن أذن له} وهو المشفوع له الذي تنفعه الشفاعة. وقوله {حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم} لم يعد إلى " الشفعاء " بل عاد إلى المذكورين في قوله {وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} ثم قال {ولا تنفع الشفاعة عنده} ثم ~~بين أن هذا منتف {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} ~~فلا يعلمون ماذا قال حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟ . وهو ~~سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع. فهذا الإذن هو الإذن المطلق ~~بخلاف ما إذا أذن ms4592 للشافع فقط. فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له. إذ ~~قد يأذن له إذنا خاصا. # PageV14P389 # وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع ~~إلا المؤمنين. وكذلك قال السلف في هذه الآية. قال قتادة في قوله {إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا} قال: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود ~~الذي قال الله تعالى {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} هو شفاعته يوم ~~القيامة. وقوله {إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} إن الله يشفع المؤمنين ~~بعضهم في بعض. قال البغوي {إلا من أذن له الرحمن} أذن الله له أن يشفع له ~~{ورضي له قولا} أي ورضي قوله. قال ابن عباس: يعني قال " لا إله إلا الله " ~~قال البغوي: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن. وقد ذكروا القولين في ~~قوله تعالى {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقدم طائفة هناك: أن ~~المستثنى هو الشافع دون المشفوع له بخلاف ما قدموه هنا. منهم البغوي. فإنه ~~لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له. # PageV14P390 # وقال هناك: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} في الشفاعة قاله ~~تكذيبا لهم حيث قالوا {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} قال: ويجوز أن يكون المعنى: ~~إلا لمن أذن له أن يشفع له. وكذلك ذكروا القولين في قوله {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} وسنتكلم على هذه الآية إن شاء ~~الله تعالى ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين وأنه منقطع. ومعنى هاتين ~~الآيتين مثل معنى تلك الآية. وهو يعم النوعين. وذلك: أنه سبحانه قال {يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} و " الشفاعة " مصدر ~~شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى محل الفعل تارة. ويماثله ~~الذي يسمى لفظه " المفعول به " تارة كما يقال: أعجبني دق الثوب ودق القصار. ~~وذلك مثل لفظ " العلم " يضاف تارة إلى العلم وتارة إلى المعلوم. فالأول ~~كقوله {ولا يحيطون ms4593 بشيء من علمه} وقوله {أنزله بعلمه} وقوله {أنما أنزل ~~بعلم الله} ونحو ذلك. والثاني: كقوله {إن الله عنده علم الساعة} فالساعة ~~هنا: معلومة لا عالمة. وقوله حين قال فرعون {فما بال القرون الأولى} # PageV14P391 # قال موسى {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} ومثل هذا كثير. ~~فالشفاعة مصدر لا بد لها من شافع ومشفوع له. والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع ~~وكل شفاعة لمشفوع له. فإذا قال {يومئذ لا تنفع الشفاعة} نفى النوعين: شفاعة ~~الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله {إلا من أذن له الرحمن} يتناول النوعين: ~~من أذن له الرحمن ورضي له قولا من الشفعاء. ومن أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~من المشفوع له. وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب. وتنفع الشافع فتقبل ~~منه ويكرم بقبولها ويثاب عليه. والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعا ولا مشفوعا ~~له {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} فهذا الصنف المأذون لهم المرضي ~~قولهم: هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة. وهذا موافق لسائر الآيات. فإنه تارة ~~يشترط في الشفاعة إذنه. كقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . وتارة ~~يشترط فيها الشهادة بالحق. كقوله {ولا يملك الذين # PageV14P392 # يدعون من دونه الشفاعة} ثم قال {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} . وهنا ~~اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن وأن يقول صوابا والمستثنى يتناول مصدر ~~الفاعل والمفعول كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته. فهو يتناول زرع ~~الحارث وزرع الأرض لكن هنا قال {إلا من أذن له الرحمن} والاستثناء مفرغ. ~~فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا. وإنما قال {لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن له الرحمن} فإذا لم يكن في الكلام حذف كان المعنى: لا تنفع الشفاعة ~~إلا هذا النوع فإنهم تنفعهم الشفاعة. ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع ~~والمشفوع له. وإن جعل فيه حذف - تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن ~~له الرحمن - كان المصدر مضافا إلى النوعين كل واحد بحسبه يضاف إلى بعضهم ~~لكونه شافعا وإلى بعضهم لكونه مشفوعا ms4594 له ويكون هذا كقوله {ولكن البر من آمن ~~بالله} أي من يؤمن. و {مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} أي مثل داعي الذين ~~كفروا كمثل الناعق أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به أي الذي ينعق به. ~~والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم. فلهذا كان من أفصح الكلام: إيجازه دون ~~الإطناب فيه. # PageV14P393 # وقوله {يومئذ لا تنفع الشفاعة} إذا كان من هذا الباب لم يحتج: أن الشافع ~~تنفعه الشفاعة. وإن لم يكرمه كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة. وفي الآية ~~الأخرى {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} من هؤلاء وهؤلاء. لكن قد ~~يقال: التقدير: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن ~~لغيره أن يشفع فيه. فيكون الإذن للطائفتين والنفع للمشفوع له كأحد الوجهين ~~أو ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء. فكما أن الإذن للطائفتين ~~فالنفع أيضا للطائفتين. فالشافع ينتفع بالشفاعة. وقد يكون انتفاعه بها أعظم ~~من انتفاع المشفوع له. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح {اشفعوا تؤجروا. ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء} . ولهذا كان من ~~أعظم ما يكرم به الله عبده محمدا صلى الله عليه وسلم هو الشفاعة التي يختص ~~بها. وهي المقام المحمود الذي يحمده به الأولون والآخرون. وعلى هذا لا ~~تحتاج الآية إلى حذف بل يكون معناها: # PageV14P394 # يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعا ولا مشفوعا {إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا} . ولذلك جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {يا بني ~~عبد مناف لا أملك لكم من الله من شيء. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا أملك لك من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله لا أملك لك من الله ~~من شيء} . وفي الصحيح أيضا {لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته ~~بعير له رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول: أغثني أغثني، فأقول: قد ~~أبلغتك، لا أملك لك من الله ms4595 من شيء} . فيعلم من هذا: أن قوله {ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة} و {لا يملكون منه خطابا} على مقتضاه. وأن ~~قوله في الآية {لا يملكون منه} كقوله صلى الله عليه وسلم {لا أملك لكم من ~~الله من شيء} وهو كقول إبراهيم لأبيه {وما أملك لك من الله من شيء} . وهذه ~~الآية تشبه قوله تعالى {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون ~~منه خطابا} {يوم يقوم الروح والملائكة صفا # PageV14P395 # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} فإن هذا مثل قوله {يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ففي الموضعين: اشترط ~~إذنه. فهناك ذكر " القول الصواب " وهنا ذكر " أن يرضى قوله " ومن قال ~~الصواب رضي الله قوله. فإن الله إنما يرضى بالصواب. وقد ذكروا في تلك الآية ~~قولين: أحدهما: أنه الشفاعة أيضا كما قال ابن السائب: لا يملكون شفاعة إلا ~~بإذنه. والثاني: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قال مقاتل: ~~كذلك قال مجاهد {لا يملكون منه خطابا} قال: كلاما. هذا من تفسيره الثابت ~~عنه. وهو من أعلم - أو أعلم - التابعين بالتفسير. قال الثوري: إذا جاءك ~~التفسير عن مجاهد فحسبك به. وقال: عرضت المصحف على ابن عباس: أقفه عند كل ~~آية وأسأله عنها. وعليه اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري في صحيحه. وهذا ~~يتناول " الشفاعة " أيضا. # PageV14P396 # وفي قوله {لا يملكون منه خطابا} لم يذكر استثناء. فإن أحدا لا يملك من ~~الله خطابا مطلقا. إذ المخلوق لا يملك شيئا يشارك فيه الخالق كما قد ذكرناه ~~في قوله {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} أن هذا عام مطلق. فإن أحدا ~~- ممن يدعي من دونه - لا يملك الشفاعة بحال. ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا ~~من غير أن يكون ذلك مملوكا لهم. وكذلك قوله {لا يملكون منه خطابا} هذا قول ~~السلف وجمهور المفسرين. وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار. لا يملكون مخاطبة ~~الله في ذلك اليوم. قال ابن عطية: قوله {لا يملكون} الضمير للكفار. أي ms4596 لا ~~يملكون - من إفضاله وإكماله - أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها. وهذا مبتدع. ~~وهو خطأ محض. والصحيح: قول الجمهور والسلف: أن هذا عام كما قال في آية أخرى ~~{وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} وفي حديث التجلي الذي في الصحيح ~~- لما ذكر مرورهم على الصراط - قال صلى الله عليه وسلم {ولا يتكلم أحد إلا ~~الرسل ودعوى الرسل: اللهم سلم سلم} فهذا في وقت المرور على الصراط. وهو بعد ~~الحساب والميزان. فكيف بما قبل ذلك؟ . # PageV14P397 # وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل وأولي العزم وكل يقول " إن ربي قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله. وإني فعلت كذا وكذا ~~نفسي نفسي نفسي " فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى ~~بالشفاعة فكيف بغيرهم؟ . وأيضا فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل ~~الجنة وبعد أن ذكر الكافرين. فقال {إن للمتقين مفازا} {حدائق وأعنابا} ~~{وكواعب أترابا} {وكأسا دهاقا} {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا} {جزاء من ~~ربك عطاء حسابا} {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ~~خطابا} ثم قال {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن وقال صوابا} فقد أخبر: أن " الروح والملائكة " يقومون صفا لا ~~يتكلمون. وهذا هو تحقيق قوله {لا يملكون منه خطابا} والعرب تقول: ما أملك ~~من أمر فلان أو من فلان شيئا أي لا أقدر من أمره على شيء. وغاية ما يقدر ~~عليه الإنسان من أمر غيره: خطابه ولو بالسؤال. فهم في ذلك الموطن لا يملكون ~~من الله شيئا ولا الخطاب. فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه. ولا يتكلم إلا من ~~أذن له الرحمن وقال صوابا. قال تعالى {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من # PageV14P398 # الله من شيء} فقد أخبر الخليل: أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء. فكيف ~~غيره؟ . # وقال مجاهد أيضا {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} قال: حقا في الدنيا ~~وعملا به. رواه - والذي قبله - عبد بن حميد. ms4597 وروي عن عكرمة {وقال صوابا} ~~قال: الصواب قول لا إله إلا الله. فعلى قول مجاهد: يكون المستثنى: من أتى ~~بالكلم الطيب والعمل الصالح. وقوله في سورة طه {لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن ورضي له قولا} فإذا جعلت هذه مثل تلك: فتكون الشفاعة هي الشفاعة ~~المطلقة. وهي الشفاعة في الحسنات وفي دخول الجنة كما في الصحيحين {أن الناس ~~يهتمون يوم القيامة. فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مقامنا ~~هذا؟} فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم. وفي حديث الشفاعة {أدخل من أمتك من لا ~~حساب عليه من الباب الأيمن} فهذه شفاعة في أهل الجنة. ولهذا قيل: إن # PageV14P399 # هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويشفع غيره في ~~العصاة. فقوله {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما وفي أهل الجنة وفي المستحقين ~~للعذاب. وهو سبحانه في هذه وتلك: لم يذكر العمل. إنما قال {وقال صوابا} ~~وقال {ورضي له قولا} لكن قد دل الدليل على أن " القول الصواب المرضي " لا ~~يكون صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح لكن نفس القول مرضي فقد قال الله ~~{إليه يصعد الكلم الطيب} . # وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} قولين. أحدهما: أن ~~المستثنى هو الشافع. ومحل " من " الرفع. والثاني: هو المشفوع له. قال أبو ~~الفرج: في معنى الآية قولان. أحدهما: أنه أراد ب {الذين يدعون من دونه} ~~آلهتهم. ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة. فقال {إلا من شهد بالحق} وهو ~~شهادة أن لا إله إلا الله {وهم يعلمون} بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. قال: ~~وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة. # PageV14P400 # والثاني أن المراد ب {الذين يدعون} عيسى وعزيرا والملائكة الذين عبدهم ~~المشركون لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد {إلا من شهد بالحق} وهي كلمة الإخلاص ~~{وهم يعلمون} أن الله خلق عيسى وعزيرا والملائكة. وهذا مذهب قوم منهم ~~مجاهد. ms4598 وقال البغوي {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق} هم عيسى وعزير والملائكة. فإنهم عبدوا من دون الله. ولهم الشفاعة. ~~وعلى هذا تكون " من " في محل رفع. وقيل " من " في محل خفض. وأراد بالذين ~~يدعون: عيسى وعزيرا والملائكة. يعني: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد ~~بالحق. قال: والأول أصح. قلت: قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة منهم ابن أبي ~~حاتم. روى بإسناده المعروف - على شرط الصحيح - عن مجاهد قوله {ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة} عيسى وعزير والملائكة يقول: لا يشفع عيسى ~~وعزير والملائكة {إلا من شهد بالحق} يعلم الحق. هذا لفظه. جعل " شفع " ~~متعديا بنفسه وكذلك لفظ. . . (1) # وعلى هذا فيكون منصوبا لا يكون مخفوضا كما قاله البغوي؛ PageV14P401 # فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم. ويكون على هذا يقال: شفعته وشفعت ~~له كما يقال: نصحته ونصحت له. و " شفع " أي صار شفيعا للطالب. أي لا يشفعون ~~طالبا ولا يعينون طالبا {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} أن الله ربهم. وروي ~~بإسناده عن قتادة {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} الملائكة وعيسى وعزير. أي ~~أنهم قد عبدوا من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة. قلت: كلا القولين ~~معناه صحيح. لكن التحقيق في تفسير الآية: أن الاستثناء منقطع. ولا يملك أحد ~~من دون الله الشفاعة مطلقا. لا يستثنى من ذلك أحد عند الله. فإنه لم يقل: ~~ولا يشفع أحد. ولا قال: لا يشفع لأحد بل قال {ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة} وكل من دعي من دون الله لا يملك الشفاعة ألبتة. والشفاعة بإذن ~~ليست مختصة بمن عبد من دون الله؛ وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد ~~كما عبد المسيح. وهو - مع هذا - له شفاعة ليست لغيره. فلا يحسن أن تثبت ~~الشفاعة لمن دعي من دون الله دون من لم يدع. # PageV14P402 # فمن جعل الاستثناء متصلا فإن معنى كلامه: أن من دعي من دون الله لا يملك ~~الشفاعة إلا أن يشهد بالحق وهو ms4599 يعلم أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو ~~يعلم. ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله لم تذكر شفاعتهم لأحد. وهذا المعنى ~~لا يليق بالقرآن ولا يناسبه. وسبب نزول الآية يبطله أيضا. وأيضا فقوله {ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} يتناول كل معبود من دونه. ويدخل في ذلك ~~الأصنام. فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا. قال تعالى {ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} . فإذا قيل: إنه استثنى ~~الملائكة والأنبياء كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله ~~يشفعون لهم. وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن قتادة. فإنه إذا كان ~~المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء كان في هذا ~~إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا # PageV14P403 # صالحين. والقرآن كله يبطل هذا المعنى. ولهذا قال تعالى {وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ~~وقال تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرب. ~~فعلم: أنه لا بد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق. ~~وأيضا فإن في القرآن: إذا نفى الشفاعة من دونه: نفاها مطلقا. فإن قوله {من ~~دونه} إما أن يكون متصلا بقوله يملكون أو بقوله يدعون أو بهما. فالتقدير: ~~لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه. أو لا يملك الذين يدعونهم من دونه ~~أن يشفعوا. وهذا أظهر. لأنه قال {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} ~~فأخر " الشفاعة " وقدم " من دونه ". ومثل هذا كثير في القرآن يدعون من دون ~~الله ويعبدون من دون الله كقوله {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم} وقوله ms4600 {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} . بخلاف ما إذا ~~قيل: لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه. # PageV14P404 # فإن هذا لا نظير له في القرآن. واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا ~~يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه أو لمن ارتضى ونحو ذلك لا يقال في هذا ~~المعنى " من دونه " فإن الشفاعة هي من عنده. فكيف تكون من دونه؛ لكن قد ~~تكون بإذنه وقد تكون بغير إذنه. وأيضا فإذا قيل {الذين يدعون} مطلقا. دخل ~~فيه الرب تعالى. فإنهم كانوا يدعون الله ويدعون معه غيره. ولهذا قال ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} . والتقدير الثالث: لا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة من دونه وهذا أجود من الذي قبله. لكن يرد عليه ما ~~يرد على الأول. ومما يضعفهما: " أن الشفاعة " لم تذكر بعدها صلة لها. بل ~~قال {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} فنفى ملكهم الشفاعة مطلقا. ~~وهذا هو الصواب. وأن كل من دعي من دون الله: لا يملك الشفاعة. فإن المالك ~~للشيء: هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته. والرب تعالى لا يشفع أحد عنده ~~إلا بإذنه. فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال. ولا يقال في هذا " إلا ~~بإذنه " إنما يقال ذلك في الفعل. فيقال {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . # PageV14P405 # وأما في الملك: فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها. فلا يملك مخلوق الشفاعة ~~بحال ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكا لها. بل هذا ممتنع كما يمتنع أن ~~يكون خالقا وربا. وهذا كما قال {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} فنفى الملك مطلقا. ثم قال {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له} فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه. لم يثبت أن مخلوقا يملك ~~الشفاعة. بل هو سبحانه له الملك وله الحمد. لا شريك له في الملك قال تعالى ~~{تبارك ms4601 الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} {الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا} . ولهذا - لما نفى الشفعاء من دونه - نفاهم نفيا مطلقا بغير ~~استثناء. وإنما يقع الاستثناء: إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه. كما قال تعالى ~~{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} ~~وكما قال تعالى {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع} وكما قال تعالى {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} فلما قال " من دونه ~~" نفى الشفاعة مطلقا. وإذا ذكر " بإذنه " لم يقل " من دونه " كقوله {من # PageV14P406 # ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقوله {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} . # فمن تدبر القرآن: تبين له أنه كما قال تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني} يشبه بعضه بعضا. ويصدق بعضه بعضا. ليس بمختلف ولا بمتناقض ~~{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . وهو " مثاني " يثني ~~الله فيه الأقسام. ويستوفيها. والحقائق: إما متماثلة. وهي " المتشابه " ~~وإما مماثلة. وهي: الأصناف والأقسام والأنواع. وهي " المثاني ". و " ~~التثنية " يراد بها: جنس التعديد من غير اقتصار على اثنين فقط. كما في قوله ~~تعالى {ارجع البصر كرتين} يراد به: مطلق العدد كما تقول: قلت له مرة بعد ~~مرة. تريد: جنس العدد. وتقول: هو يقول كذا ويقول كذا. وإن كان قد قال مرات ~~كقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما {عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه جعل ~~يقول بين السجدتين: رب اغفر لي. رب اغفر لي} لم يرد: أن هذا قاله مرتين فقط ~~كما يظنه بعض الناس الغالطين. بل يريد: أنه جعل يثني هذا القول ويردده ~~ويكرره كما كان يثني لفظ التسبيح. # PageV14P407 # وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم {إنه ركع ~~نحوا من قيامه يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم ms4602 وذكر أنه ~~سجد نحوا من قيامه يقول في سجوده: رب اغفر لي. رب اغفر لي} . وقد صرح في ~~الحديث الصحيح {أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران} ~~فإنه قام بهذه السور كلها. وذكر {أنه كان يقول: سبحان ربي العظيم سبحان ربي ~~العظيم سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى} . فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ: ~~جنس التعداد والتكرار لا الاقتصار على مرتين. فإن " الاثنين " أول العدد ~~الكثير. فذكر أول الأعداد يعني أنه عدد هذا اللفظ لم يقتصر على مرة واحدة. ~~فالتثنية التعديد. والتعديد يكون للأقسام المختلفة. و ### | ليس في القرآن تكرار محض بل لا بد من فوائد في كل خطاب. # ف " المتشابه " في النظائر المتماثلة. و " المثاني " في الأنواع. وتكون ~~التثنية في المتشابه أي هذا المعنى قد ثني في القرآن لفوائد أخر. # PageV14P408 # ف " المثاني " تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي " السبع المثاني " ~~لتضمنها هذا وهذا. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن قوله {ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة} قد تم الكلام هنا. فلا يملك أحد من المعبودين ~~من دون الله الشفاعة ألبتة. ثم استثنى {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} فهذا ~~استثناء منقطع. والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين. فلما نفى ~~ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا مالك لها. كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها هل ~~يشفعون في أحد؟ فقال: نعم {من شهد بالحق وهم يعلمون} . وهذا يتناول الشافع ~~والمشفوع له. فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. فالملائكة والأنبياء ~~والصالحون - وإن كانوا لا يملكون الشفاعة - لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا. ~~وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله. ~~فيشهدون بالحق وهم يعلمون. لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء ~~والشيوخ. كما جاء الحديث الصحيح: {إن الرجل يسأل في قبره؟ ما تقول في هذا ~~الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو عبد الله ورسوله. جاءنا بالبينات والهدى. ~~وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري. سمعت # PageV14P409 # الناس يقولون شيئا فقلته} ms4603 فلهذا قال {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} . وقد ~~تقدم قول ابن عباس: يعني من قال " لا إله إلا الله " يعني: خالصا من قلبه. # والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين: أن الشفاعة إنما تكون ~~في أهل " لا إله إلا الله ". وقد ثبت في صحيح البخاري. {أن أبا هريرة قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: يا ~~أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من ~~حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله ~~خالصا من قبل نفسه} . فبين أن المخلص لها من قبل نفسه: هو أسعد بشفاعته صلى ~~الله عليه وسلم من غيره ممن يقولها بلسانه وتكذبها أقواله وأعماله. # فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق شهدوا " أن لا إله إلا الله " كما شهد الله ~~لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم {شهد الله أنه لا إله إلا # PageV14P410 # هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} . ~~فإذا شهدوا - وهم يعلمون - كانوا من أهل الشفاعة شافعين ومشفوعا لهم. فإن ~~المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. ~~كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: - في الحديث الطويل حديث التجلي والشفاعة - {حتى إذا ~~خلص المؤمنون من النار. فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله ~~في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. ~~يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من ~~عرفتم. فتحرم صورهم على النار} - وذكر تمام الحديث ". وسبب نزول الآية - ~~على ما ذكروه - مؤيد لما ذكره. قال أبو الفرج ابن الجوزي: سبب نزولها: أن ~~النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا " إن كان ما يقول محمد حقا. فنحن نتولى ~~الملائكة. فهم أحق بالشفاعة من محمد. فنزلت هذه الآية " قاله مقاتل. # PageV14P411 # وعلى هذا: فيقصد أن ms4604 الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة. فليس توليكم ~~إياهم واستشفاعكم بهم: بالذي يوجب أن يشفعوا لكم. فإن أحدا ممن يدعى من دون ~~الله لا يملك الشفاعة. ولكن {من شهد بالحق وهم يعلمون} فإن الله يشفع فيه. ~~فالذي تنال به الشفاعة: هي الشهادة بالحق. وهي شهادة أن لا إله إلا الله. ~~لا تنال بتولي غير الله. لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين. فمن والى ~~أحدا من هؤلاء ودعاه وحج إلى قبره أو موضعه ونذر له وحلف به وقرب له ~~القرابين ليشفع له: لم يغن ذلك عنه من الله شيئا. وكان من أبعد الناس عن ~~شفاعته وشفاعة غيره. فإن الشفاعة إنما تكون: لأهل توحيد الله وإخلاص القلب ~~والدين له. ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك. فهذا القول والعبادة الذي ~~يقصد به المشركون الشفاعة: يحرم عليهم الشفاعة. فالذين عبدوا الملائكة ~~والأنبياء والأولياء والصالحين - ليشفعوا لهم - كانت عبادتهم إياهم ~~وإشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم: به حرموا شفاعتهم وعوقبوا بنقيض ~~قصدهم. لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وكثير من أهل الضلال: يظن ~~أن الشفاعة # PageV14P412 # تنال بهذه الأمور التي فيها شرك أو هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون ~~الأولون. وكما يظنه النصارى ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام. الذين يدعون ~~غير الله ويحجون إلى قبره أو مكانه وينذرون له ويحلفون به. ويظنون: أنه ~~بهذا يصير شفيعا لهم. قال تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . قال طائفة ~~من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله أنهم لا ~~يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله. كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة. وهذا لا ~~استثناء فيه وإن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم ms4605 من دون الله كانوا يرجون ~~رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة كسائر عباده ~~المؤمنين وقد قال تعالى {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . # وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال قد بسطت في غير هذا الموضع. # PageV14P413 # فكثير منهم: يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له ~~كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالي وغيره. ويقولون: من كان أكثر صلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان أحق بالشفاعة من غيره. وكذلك من كان أحسن ظنا بشخص ~~وأكثر تعظيما له: كان أحق بشفاعته. وهذا غلط. بل هذا هو قول المشركين الذين ~~قالوا: نتولى الملائكة ليشفعوا لنا. يظنون أن من أحب أحدا - من الملائكة ~~والأنبياء والصالحين وتولاه - كان ذلك سببا لشفاعته له. وليس الأمر كذلك. ~~بل الشفاعة: سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له فكل ~~من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة. فإن ~~الشفاعة: من الله مبدؤها وعلى الله تمامها فلا يشفع أحد إلا بإذنه. وهو ~~الذي يأذن للشافع. وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له. وإنما الشفاعة سبب ~~من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده. وأحق الناس برحمته: هم ~~أهل التوحيد والإخلاص له فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله ~~" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة. # PageV14P414 # والمذنبون - الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا ~~النار -: من كان منهم من أهل " لا إله إلا الله " فإن النار تصيبه بذنوبه. ~~ويميته الله في النار إماتة. فتحرقه النار إلا موضع السجود. ثم يخرجه الله ~~من النار بالشفاعة. ويدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. فبين أن ~~مدار الأمر كله: على تحقيق كلمة الإخلاص وهي " لا إله إلا الله " لا على ~~الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم كما ظنه الجاهليون. وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع. والمقصود هنا: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الحمد ms4606 ~~الذي هو رأس الشكر وبين التوحيد والاستغفار إذا رفع رأسه من الركوع فيقول ~~ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء ~~بعد. أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد -: لا مانع لما ~~أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد ثم يقول اللهم طهرني ~~بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى ~~الثوب الأبيض من الدنس} كما رواه مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه # PageV14P415 # من الركوع - قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما ~~شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد - لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . وروى مسلم ~~أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع - قال: سمع الله لمن حمده. اللهم ربنا ~~لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم طهرني ~~بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى ~~الثوب الأبيض من الوسخ} . وقد روى مسلم في صحيحه أيضا {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول اللهم لك الحمد وقال وملء الأرض وملء ما بينهما} . ~~ولم يذكر في بعض الروايات. لأن " السموات والأرض " قد يراد بهما: العلو ~~والسفل مطلقا. فيدخل في ذلك الهواء وغيره. فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته ~~وسافل بالنسبة إلى ما فوقه. فقد يجعل من السماء. كما يجعل السحاب سماء ~~والسقف سماء. وكذا قال في القرآن {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش} # PageV14P416 # ولم يقل " وما بينهما " كما يقول {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ms4607 دونه من ولي ولا شفيع} . ~~فتارة يذكر قوله وما بينهما فيما خلقه في ستة أيام. وتارة لا يذكره. وهو ~~مراد. فإن ذكره كان إيضاحا وبيانا وإن لم يذكره دخل في لفظ " السموات ~~والأرض " ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقول {ملء السموات وملء ~~الأرض} ولا يقول " وما بينهما " وتارة يقول " وما بينهما " وفيها كلها ~~{وملء ما شئت من شيء بعد} وفي رواية أبي سعيد {أحق ما قال العبد} إلى آخره. ~~وفي رواية ابن أبي أوفى " الدعاء بالطهارة من الذنوب ". ففي هذا الحمد رأس ~~الشكر والاستغفار. فإن ربنا غفور شكور. فالحمد بإزاء النعمة. والاستغفار: ~~بإزاء الذنوب. وذلك تصديق قوله تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} . ففي {سيد الاستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي} ~~وفي حديث أبي سعيد {الحمد رأس الشكر والتوحيد} كما جمع بينهما في # PageV14P417 # أم القرآن. فأولها تحميد وأوسطها: توحيد وآخرها: دعاء. وكما في قوله {هو ~~الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} . وفي ~~حديث الموطأ {أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. من قالها: كتب الله له ~~ألف حسنة. وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك. ولم يأت ~~أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه. ومن قال في يوم مائة ~~مرة: سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر} . وفضائل هذه ~~الكلمات في أحاديث كثيرة: وفيها: التوحيد والتحميد. فقوله {لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له} توحيد. وقوله {له الملك وله الحمد} تحميد. وفيها معان ~~أخرى شريفة. وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل ~~حديث كفارة المجلس {سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك ~~وأتوب إليك} فيه: التسبيح والتحميد # PageV14P418 # والتوحيد والاستغفار. من قالها في مجلس إن كان مجلس ms4608 لغط كانت كفارة له ~~وإن كان مجلس ذكر: كانت كالطابع له. وفي حديث أيضا " إن هذا يقال عقب ~~الوضوء ". ففي الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد ~~يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من ~~أيها شاء} وفي حديث آخر أنه يقول {سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا ~~أنت أستغفرك وأتوب إليك} . وقد روي عن طائفة من السلف في الكلمات التي ~~تلقاها آدم من ربه نحو هذه الكلمات. روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال " اللهم ~~لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. إنك خير ~~الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فارحمني. ~~فأنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب ~~علي. إنك أنت التواب الرحيم ". # PageV14P419 # فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد ~~والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي ~~بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات. وقد ~~قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله {فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وفي قوله {ألا تعبدوا إلا ~~الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وفي قوله ~~{قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه} . وفي حديث رواه ابن أبي عاصم وغيره {يقول الشيطان: أهلكت الناس ~~بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم ~~الأهواء. فهم يذنبون ولا يستغفرون. لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} . و " ~~لا إله إلا الله " تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل ~~الكلام. وهي أعلى ms4609 شعب الإيمان. كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال {الإيمان بضع # PageV14P420 # وستون - أو بضع وسبعون - شعبة. أعلاها: قول لا إله إلا الله. وأدناها: ~~إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} . ف " لا إله إلا الله " ~~هي قطب رحى الإيمان وإليها يرجع الأمر كله. والكتب المنزلة: مجموعة في قوله ~~تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} وهي معنى " لا إله إلا الله " و " لا حول ~~ولا قوة إلا بالله " هي من معنى " لا إله إلا الله " و " الحمد لله " في ~~معناها و " سبحان الله والله أكبر " من معناها. لكن فيها تفصيل بعد إجمال. # فصل: # وقد ظن بعض المتأخرين: أن معنى قوله {فمن نفسك} أي أفمن نفسك؟ وأنه ~~استفهام على سبيل الإنكار ومعنى كلامه: أن الحسنات والسيئات كلها من الله ~~لا من نفسك. وهذا القول يباين معنى الآية. فإن الآية بينت أن السيئات من ~~نفس الإنسان. أي بذنوبه. وهؤلاء يقولون: ليست السيئات من نفسه. # PageV14P421 # وممن ذكر ذلك: أبو بكر بن فورك. فإنه قال: معناه: أفمن نفسك؟ يدل عليه ~~قول الشاعر: # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب # قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في ~~الخبر المخصوص من غير دلالة. فإن هذا يناقض المقصود. ويستلزم أن كل من أراد ~~أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه بأن يقدر في خبره استفهاما. ويجعله ~~استفهام إنكار. وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم ~~عليه السلام " هذا ربي " أهذا ربي؟ قال ابن الأنباري: هذا القول شاذ. لأن ~~حرف الاستفهام لا يضمر إذا كان فارقا بين الإخبار والاستخبار. وهؤلاء ~~استشهدوا بقوله {أفإن مت فهم الخالدون} . وهذا لا حجة فيه. لأنه قد تقدم ~~الاستفهام في أول الجملة في الجملة الشرطية {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} ~~فلم يحتج إلى ذكره ثانية. بل ذكره يفسد الكلام. ومثله قوله {أفإن مات أو ~~قتل # PageV14P422 # انقلبتم على أعقابكم} وقوله {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى ms4610 أنفسكم ~~استكبرتم} وقوله {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} وهذا من فصيح الكلام ~~وبليغه. واستشهدوا بقوله: # لعمرك لا أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟ # وقوله: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا؟ # تقديره: أكذبتك عينك؟ . وهذا لا حجة فيه. لأن قوله فيما بعد " أم بثمان " ~~و " أم رأيت " يدل على الألف المحذوفة في البيت الأول. وأما الثاني: فإن ~~كانت " أم " هي المتصلة فكذلك. وإن كانت هي المنفصلة. فالخبر على بابه. ~~وهؤلاء مقصودهم: أن النفس لا تأثير لها في وجود السيئات. # PageV14P423 # وليست سببا فيها. بل قد يقولون: إن المعاصي علامة محضة على العقوبة ~~لاقترانها بها. لا أنها سبب لها. وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ~~وللعقل. والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحدا ولم يعذبه إلا ~~بذنب. فقال هنا {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقال لهم في شأن أحد {أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال ~~تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} وقال تعالى في ~~سورة الشورى أيضا {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} . ~~وقال تعالى {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون} وقال تعالى {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} {ذكرى وما كنا ~~ظالمين} وقال تعالى {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو ~~عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وقال تعالى {ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون} وقال تعالى {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} وقال تعالى {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} وقال تعالى في سورة ~~القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك # PageV14P424 # العذاب {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} وقال تعالى {مثل ما ينفقون ~~في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ms4611 أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ~~وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} . وقال تعالى عن أهل سبأ {فأعرضوا ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم} - إلى قوله - {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي ~~إلا الكفور} وقال تعالى {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد} وقال تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وفي الحديث الصحيح ~~الإلهي {يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد ~~خيرا: فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك: فلا يلومن إلا نفسه} . وفي سيد ~~الاستغفار {أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي} وقال تعالى {وإن للذين ظلموا ~~عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون} . والحمد لله وحده وصلى الله على عبد ~~الله ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. ورضي الله عن الصحابة أجمعين وعن ~~التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. # PageV14P425 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # قال الله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} فنفى أن يكون دين أحسن من هذا ~~الدين وأنكر على من أثبت دينا أحسن منه؛ لأن هذا استفهام إنكار وهو إنكار ~~نهي وذم لمن جعل دينا أحسن من هذا. قال قتادة والضحاك وغيرهما: إن المسلمين ~~وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ~~ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله تعالى منكم ونبينا ~~خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله تعالى: ~~{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآية. # PageV14P426 # وروى سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: لما نزلت هذه الآية: ~~{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} قال أهل الكتاب: ~~نحن وأنتم سواء حتى نزلت {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} ~~الآية. ونزلت فيهم أيضا {ومن أحسن دينا} الآية. وقد روي عن مجاهد قال قالت ~~قريش: لا نبعث أو لا نحاسب وقال أهل الكتاب: ms4612 {لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة} فأنزل الله عز وجل: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} وهذا ~~يقتضي أنها خطاب للكفار من الأميين وأهل الكتاب؛ لاعتقادهم أنهم لا يعذبون ~~العذاب الدائم والأول أشهر في النقل وأظهر في الدليل؛ لأن السورة مدنية ~~بالاتفاق فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور المدنية. وأيضا: فإنه قد ~~استفاض من وجوه متعددة أنه لما نزل قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} شق ~~ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى بين لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن مصائب الدنيا من الجزاء وبها يجزى المؤمن؛ فعلم أنهم مخاطبون بهذه ~~الآية لا مجرد الكفار. وأيضا قوله بعد هذا: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو # PageV14P427 # أنثى وهو مؤمن} الآية. وقوله: {ومن أحسن دينا} يدل على أن هناك تنازعا في ~~تفضيل الأديان لا مجرد إنكار عقوبة بعد الموت. وأيضا: فما قبلها وما بعدها ~~خطاب مع المؤمنين وجواب لهم فكان المخاطب في هذه الآية هو المخاطب في بقية ~~الآيات. فإن قيل: الآية نص في نفي دين أحسن من دين هذا المسلم لكن من أين ~~أنه ليس دين مثله؟ فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يكون ثم دين أحسن منه. أو ~~دونه أو مثله وقد ثبت أنه لا أحسن منه فمن أين في الآية أنه لا دين مثله؟ ~~ونظيرها قوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين} قيل: لو قلنا في هذا المقام: إن الآية لم تدل إلا على نفي الأحسن ~~لم يضر هذا؛ فإن الخطاب له مقامات قد يكون الخطاب تارة بإثبات صلاح الدين ~~إذا كان المخاطب يدعي أو يظن فساده ثم في مقام بأن يقع النزاع في التفاضل ~~فيبين أن غيره ليس أفضل منه. ثم في مقام ثالث يبين أنه أفضل من غيره. وهكذا ~~إذا تكلمنا في أمر الرسول ففي مقام نبين صدقه وصحة رسالته. وفي مقام بأن ~~نبين أن غيره ليس أفضل منه وفي مقام ثالث نبين أنه سيد ولد ms4613 # PageV14P428 # آدم؛ وذلك أن الكلام يتنوع بحسب حال المخاطب. # ثم نقول: يدل على أن هذا الدين أحسن وجوه: # " أحدها " أن هذه الصيغة وإن كانت في أصل اللغة لنفي الأفضل لدخول النفي ~~على أفعل فإنه كثيرا ما يضمر بعرف الخطاب يفضل - المذكور المجرور بمن مفضلا ~~عليه في الإثبات فإنك إذا قلت: هذا الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن ~~مفضلا عليه والأول مفضلا فإذا قلت لا أحسن من هذا أو من أحسن من هذا؟ أو ~~ليس فيهم أفضل من هذا أو ما عندي أعلم من زيد أو ما في القوم أصدق من عمرو ~~أو ما فيهم خير منه فإن هذا التأليف يدل على أنه أفضلهم وأعلمهم وخيرهم؛ بل ~~قد صارت حقيقة عرفية في نفي فضل الداخل في أفعل وتفضيل المجرور على الباقين ~~وأنها تقتضي نفي فضلهم وإثبات فضله عليهم وضمنت معنى الاستثناء كأنك قلت: ~~ما فيهم أفضل إلا هذا أو ما فيهم المفضل إلا هذا كما أن (إن) إذا كفت بما ~~النافية صارت متضمنة للنفي والإثبات. وكذلك الاستثناء. وإن كان في الأصل ~~للإخراج من الحكم فإنه صار حقيقة عرفية في مناقضة المستثنى منه فالاستثناء ~~من النفي إثبات، # PageV14P429 # ومن الإثبات نفي واللفظ يصير بالاستعمال له معنى غير ما كان يقتضيه أصل ~~الوضع. وكذلك يكون في الأسماء المفردة تارة ويكون في تركيب الكلام أخرى ~~ويكون في الجمل المنقولة كالأمثال السائرة جملة فيتغير الاسم المفرد بعرف ~~الاستعمال عما كان عليه في الأصل إما بالتعميم وإما بالتخصيص وإما ~~بالتحويل؛ كلفظ الدابة والغائط والرأس. ويتغير التركيب بالاستعمال عما كان ~~يقتضيه نظائره كما في زيادة حرف النفي في الجمل السلبية وزيادة النفي في ~~كاد وبنقل الجملة عن معناها الأصلي إلى غيره كالجمل المتمثل بها كما في ~~قولهم: " يداك أوكتا وفوك نفخ " و " عسى الغوير أبؤسا ". # " الوجه الثاني " أنه إذا كان لا دين أحسن من هذا فالغير إما أن يكون ~~مثله أو دونه ولا يجوز أن يكون مثله؛ لأن الدين إذا ماثل الدين وساواه في ~~جميع الوجوه كان هو ms4614 إياه وإن تعدد الغير لكن النوع واحد فلا يجوز أن يقع ~~التماثل والتساوي بين الدينين المختلفين فإن اختلافهما يمنع تماثلهما؛ إذ ~~الاختلاف ضد التماثل فكيف يكونان مختلفين متماثلين؟ واختلافهما اختلاف تضاد ~~لا تنوع؛ فإن أحد الدينين يعتقد فيه أمور على أنها حق واجب والآخر يقول ~~إنها باطل محرم. فمن المحال استواء هذين الاعتقادين. # PageV14P430 # وكذلك الاقتصادان فإن هذا يقصد المعبود بأنواع من المقاصد والأعمال ~~والآخر يقصده بما يضاد ذلك وينافيه وليس كذلك تنوع طرق المسلمين ومذاهبهم؛ ~~فإن دينهم واحد كل منهم يعتقد ما يعتقده الآخر ويعبده بالدين الذي يعبده ~~ويسوغ أحدهما للآخر أن يعمل بما تنازع فيه من الفروع فلم يختلفا؛ بل نقول ~~أبلغ من هذا أن القدر الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لا بد أن يكون ~~أحدهما أحسن عند الله فإن هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة على ~~أن المصيب عند الله واحد في جميع المسائل فذاك الصواب هو أحسن عند الله وإن ~~كان أحدهما يقر الآخر. فالإقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا مرجوحا وإنما ~~يمنع أن يكون محرما. وإذا كان هذا في دق الفروع فما الظن بما تنازعوا فيه ~~من الأصول؟ فإنه لا خلاف بين المسلمين ولا بين العقلاء أن المصيب في نفس ~~الأمر واحد وإنما تنازعوا في المخطئ هل يغفر له أو لا يغفر وهل يكون مصيبا ~~بمعنى أداء الواجب؟ وسقوط اللوم لا بمعنى صحة الاعتقاد؟ فإن هذا لا يقوله ~~عاقل: أن الاعتقادين المتناقضين من كل وجه يكون كل منهما صوابا. فتلخيص ~~الأمر أن هذا المقام إنما فيه تفضيل قول وعمل على قول وعمل فالأقوال ~~والأعمال المختلفة لا بد فيها من تفضيل بعضها على بعض # PageV14P431 # عند جمهور الأمة؛ بل ومن قال بأن كل مجتهد مصيب قد لا ينازع أن أحدهما ~~أحسن وأصوب ولا يدعي تماثلهما. وإن ادعاه فلم يدعه إلا في دق الفروع مع أن ~~قوله ضعيف مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف. وأما الحل فلم يدع مدع تساوي ~~الأقسام فيه وهذا بخلاف التنوع المحض مثل ms4615 قراءة سورة وقراءة سورة أخرى ~~وصدقة بنوع وصدقة بنوع آخر. فإن هذا قد يتماثل؛ لأن الدين واحد في ذلك من ~~كل وجه وإنما كلامنا في الأديان المختلفة وليس هنا خلاف بحال. وإذا ثبت أن ~~الدينين المختلفين لا يمكن تماثلهما لم يحتج إلى نفي هذا في اللفظ لانتفائه ~~بالعقل. وكذلك لما سمعوا قوله: {ولا تكن كصاحب الحوت} كان في هذا ما يخاف ~~انتقاصهم إياه. هذا مع أن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة شاهدة بتفضيل ~~بعض النبيين على بعض وبعض الرسل على بعض قاضية لأولي العزم بالرجحان شاهدة ~~بأن محمدا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وأكرم الخلق على ربه؛ لكن تفضيل ~~الدين الحق أمر لا بد من اعتقاده؛ ولهذا ذكره الله في الآية. # PageV14P432 # وأما تفضيل الأشخاص فقد لا يحتاج إليه في كل وقت فالدين الواجب لا بد من ~~تفضيله؛ إذ الفضل يدخل في الوجوب وإذا وجب الدين به دون خلافه فلأن يجب ~~اعتقاد فضله أولى. وأما الدين المستحب فقد لا يشرع اعتقاد فعله إلا في حق ~~من شرع له فعل ذلك المستحب وإلا فمن الناس من يضره إذا سلك سبيلا من سبل ~~السلام الإسلامية أن يرى غيره أفضل منها؛ لأنه يتشوف إلى الأفضل فلا يقدر ~~عليه والمفضول يعرض عنه. وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته ~~إذا كان يترك طريقته ولا يسلك تلك فليس أيضا من الحق أن يعتقد أن طريقته ~~أفضل من غيرها؛ بل مصلحته أن يسلك تلك الطريقة المفضية به إلى رحمة الله ~~تعالى فإن بعض المتفقهة يدعون الرجل إلى ما هو أفضل من طريقته عندهم وقد ~~يكونون مخطئين فلا سلك الأول ولا الثاني وبعض المتصوفة المريد يعتقد أن ~~شيخه أكمل شيخ على وجه الأرض وطريقته أفضل الطرق. وكلاهما انحراف؛ بل يؤمر ~~كل رجل أن يأتي من طاعة الله ورسوله بما استطاعه ولا ينقل من طاعة الله ~~ورسوله بطريقته وإن كان فيها نوع نقص أو خطأ ولا يبين له نقصها إلا إذا نقل ~~إلى ما ms4616 هو أفضل منها وإلا فقد ينفر قلبه عن الأولى بالكلية حتى يترك الحق ~~الذي لا يجوز تركه ولا يتمسك بشيء آخر. # PageV14P433 # وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استقصاؤه وهو مبني على أربعة أصول: " أحدها ~~" معرفة مراتب الحق والباطل والحسنات والسيئات والخير والشر؛ ليعرف خير ~~الخيرين وشر الشرين. " الثاني " معرفة ما يجب من ذلك وما لا يجب وما يستحب ~~من ذلك وما لا يستحب ". الثالث " معرفة شروط الوجوب والاستحباب من الإمكان ~~والعجز وأن الوجوب والاستحباب قد يكون مشروطا بإمكان العلم والقدرة. " ~~الرابع " معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم؛ ليؤمر كل شخص بما يصلحه أو بما ~~هو الأصلح له من طاعة الله ورسوله وينهى عما ينفع نهيه عنه ولا يؤمر بخير ~~يوقعه فيما هو شر من المنهي عنه مع الاستغناء عنه. وهذا القدر الذي دلت ~~عليه هذه الآية - من أن دين من أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~هو أحسن الأديان أمر متفق عليه بين المسلمين - معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام؛ # PageV14P434 # بل من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. ~~ولكن كتاب الله هو حاكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه ومبين وجه الحكم؛ ~~فإنه بين بهذه الآية وجه التفضيل بقوله: {أسلم وجهه لله} وبقوله: {وهو ~~محسن} فإن الأول بيان نيته وقصده ومعبوده وإلهه وقوله: {وهو محسن} فانتفى ~~بالنص نفي ما هو أحسن منه وبالعقل ما هو مثله فثبت أنه أحسن الأديان. " ~~الوجه الثالث " أن النزاع كان بين الأمتين أي الدينين أفضل؟ فلم يقل لهما: ~~إن الدينين سواء ولا نهوا عن تفضيل أحدهما؛ لكن حسمت مادة الفخر والخيلاء ~~والغرور الذي يحصل من تفضيل أحد الدينين؛ فإن الإنسان إذا استشعر فضل نفسه ~~أو فضل دينه يدعوه ذلك إلى الكبر والخيلاء والفخر؛ فقيل للجميع: {من يعمل ~~سوءا يجز به} سواء كان دينه فاضلا أو مفضولا؛ فإن النهي عن السيئات والجزاء ~~عليها واقع لا محالة، قال تعالى {والذاريات ذروا} إلى قوله: {لواقع} . فلما ~~استشعر المؤمنون أنهم مجزيون على السيئات ولا ms4617 يغني عنهم فضل دينهم وفسر لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الجزاء قد يكون # PageV14P435 # في الدنيا بالمصائب بين بعد ذلك فساد دين الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~بقوله: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} الآية. فبين أن العمل الصالح ~~إنما يقع الجزاء عليه في الآخرة مع الإيمان وإن كان قد يجزى به صاحبه في ~~الدنيا بلا إيمان فوقع الرد على الكفار من جهة جزائهم بالسيئات ومن جهة أن ~~حسناتهم لا يدخلون بها الجنة إلا مع الإيمان ثم بين بعد هذا فضل الدين ~~الإسلامي الحنفي بقوله: {ومن أحسن دينا} فجاء الكلام في غاية الإحكام. ومما ~~يشبه هذا من بعض الوجوه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفضل بين الأنبياء ~~التفضيل الذي فيه انتقاص المفضول والغض منه كما قال صلى الله عليه وسلم {لا ~~تفضلوا بين الأنبياء} وقال: {لا تفضلوني على موسى} بيان لفضله وبهذين يتم ~~الدين. فإذا كان الله هو المعبود وصاحبه قد أخلص له وانقاد وعمله فعل ~~الحسنات فالعقل يعلم أنه لا يمكن أن يكون دين أحسن من هذا؛ بخلاف دين من ~~عند غير الله وأسلم وجهه له أو زعم أنه يعبد الله لا بإسلام وجهه؛ بل يتكبر ~~كاليهود ويشرك كالنصارى أو لم يكن محسنا بل فاعلا للسيئات دون الحسنات وهذا ~~الحكم # PageV14P436 # عدل محض وقياس وقسط دل القرآن العقلاء على وجه البرهان فيه. وهكذا غالب ~~ما بينه القرآن فإنه يبين الحق والصدق ويذكر أدلته وبراهينه؛ ليس يبينه ~~بمجرد الإخبار عن الأمر كما قد يتوهمه كثير من المتكلمة والمتفلسفة أن ~~دلالته سمعية خبرية وأنها واجبة لصدق المخبر؛ بل دلالته أيضا عقلية برهانية ~~وهو مشتمل من الأدلة والبراهين على أحسنها وأتمها بأحسن بيان لمن كان له ~~فهم وعقل؛ بحيث إذا أخذ ما في القرآن من ذلك وبين لمن لم يعلم أنه كلام ~~الله أو لم يعلم صدق الرسول أو يظن فيه ظنا مجردا عن ما يجب من قبول قول ~~المخبر كان فيه ما يبين صدقه وحقه ويبرهن عن ms4618 صحته. # PageV14P437 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # في قوله تعالى {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما} فقوله: {يختانون أنفسهم} مثل قوله في سورة البقرة {علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم} قال ابن قتيبة وطائفة من المفسرين: معناه تخونون ~~أنفسكم. زاد بعضهم: تظلمونها. فجعلوا الأنفس مفعول {تختانون} وجعلوا ~~الإنسان قد خان نفسه أي ظلمها بالسرقة كما فعل ابن أبيرق - أو بجماع امرأته ~~ليلة الصيام كما فعل بعض الصحابة - وهذا القول فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه ~~الإنسان فقد ظلم فيه نفسه سواء فعله سرا أو علانية. وإذا كان اختيان النفس ~~هو ظلمها أو ارتكاب ما حرم عليها كان كل مذنب مختانا لنفسه وإن جهر بالذنوب ~~وكان كفر الكافرين # PageV14P438 # وقتالهم للأنبياء وللمؤمنين اختيانا لأنفسهم وكذلك قطع الطريق والمحاربة ~~وكذلك الظلم الظاهر وكان ما فعله قوم نوح وهود وصالح وشعيب اختيانا ~~لأنفسهم. ومعلوم أن هذا اللفظ لم يستعمل في هذه المعاني كلها وإنما استعمل ~~في خاص من الذنوب مما يفعل سرا وحتى قال ابن عباس في قوله: {تختانون ~~أنفسكم} عنى بذلك فعل عمر فإنه روي أنه {لما جاء الأنصاري فشكى أنه بات تلك ~~الليلة ولم يتعش لما نام قبل العشاء وكان من نام قبل الأكل حرم عليه الأكل ~~فيستمر صائما فأصبح يتقلب ظهرا لبطن فلما شكا حاله إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال عمر: يا رسول الله إني أردت أهلي الليلة فقالت إنها قد نامت ~~فظننتها لم تنم فواقعتها فأخبرتني أنها كانت قد نامت قالوا: فأنزل الله في ~~عمر: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} } . وقد قيل: إن الجماع ليلة ~~الصيام كانوا منهيين عنه مطلقا بخلاف الأكل فإنه كان مباحا قبل النوم. وقد ~~روي {أن عمر جامع امرأته بعد العشاء قبل النوم وأنه لما فعل أخذ يلوم نفسه ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعتذر إلى الله من نفسي ~~هذه الخائنة إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء ms4619 فوجدت رائحة طيبة فسولت ~~لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت # PageV14P439 # جديرا بذلك يا عمر} وجاء طائفة من الصحابة فذكروا مثل ذلك فأنزل الله هذه ~~الآية. فهذا فيه أن نفسه الخاطئة سولت له ذلك ودعته إليه وأنه أخذ يلومها ~~بعد الفعل فالنفس هنا هي الخائنة الظالمة والإنسان تدعوه نفسه في السر إذا ~~لم يره أحد إلى أفعال لا تدعو إليها علانية وعقله ينهاه عن تلك الأفعال ~~ونفسه تغلبه عليها. ولفظ الخيانة حيث استعمل لا يستعمل إلا فيما خفي عن ~~المخون كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده ولو شاهده لما ~~خانه. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون} وقال تعالى: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا ~~قليلا منهم} وقالت امرأة العزيز: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله ~~لا يهدي كيد الخائنين} وقال تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قام: {أما فيكم رجل يقوم إلى هذا فيضرب ~~عنقه؟ فقال له رجل: هلا أومضت إلي؟ فقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين} قال تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما} # PageV14P440 # {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {آية المنافق ~~ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} وفي حديث آخر {على كل خلق ~~يطبع المؤمن إلا الخيانة والكذب} ومثل هذا كثير. وإذا كان كذلك فالإنسان ~~كيف يخون نفسه. وهو لا يكتمها ما يقوله ويفعله سرا عنها؟ كما يخون من لا ~~يشهده من الناس؟ كما يخون الله والرسول إذا لم يشاهده فلا يكون ممن يخاف ~~الله بالغيب ولم خصت هذه الأفعال بأنها خيانة للنفس دون غيرها؟ فالأشبه - ~~والله أعلم - أن يكون قوله: {تختانون أنفسكم} مثل قوله: ms4620 {إلا من سفه نفسه} ~~. والبصريون يقولون في مثل هذا: إنه منصوب على أنه مفعول له ويخرجون قوله: ~~{سفه} عن معناه في اللغة فإنه فعل لازم؛ فيحتاجون أن ينقلوه من اللزوم إلى ~~التعدية بلا حجة. وأما الكوفيون - كالفراء وغيره ومن تبعهم - فعندهم أن هذا ~~منصوب على التمييز وعندهم أن المميز قد يكون معرفة كما يكون نكرة وذكروا ~~لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب مثل قولهم: ألم فلان # PageV14P441 # رأسه ووجع بطنه ورشد أمره. وكان الأصل سفهت نفسه ورشد أمره. ومنه قولهم: ~~غبن رأيه وبطرت نفسه فقوله تعالى: {بطرت معيشتها} من هذا الباب فالمعيشة ~~نفسها بطرت فلما كان الفعل. . . (1) نصبه على التمييز قال تعالى: {ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} فقوله: {سفه نفسه} معناه ~~إلا من سفهت نفسه أي كانت سفيهة فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز ~~كما في قوله: {واشتعل الرأس شيبا} ونحو ذلك. وهذا اختيار ابن قتيبة وغيره؛ ~~لكن ذاك نكرة وهذا معرفة. وهذا الذي قاله الكوفيون أصح في اللغة والمعنى؛ ~~فإن الإنسان هو السفيه نفسه: كما قال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس} {ولا ~~تؤتوا السفهاء} فكذلك قوله: {تختانون أنفسكم} أي تختان أنفسكم فالأنفس هي ~~التي اختانت كما أنها هي السفيهة. وقال: اختانت ولم يقل خانت؛ لأن الافتعال ~~فيه زيادة فعل على ما في مجرد الخيانة قال عكرمة: والمراد بالذين يختانون ~~أنفسهم ابن أبيرق الذي سرق الطعام والقماش وجعل هو وقومه يقولون: إنما سرق ~~فلان لرجل آخر. PageV14P442 # فهؤلاء اجتهدوا في كتمان سرقة السارق ورمي غيره بالسرقة كما قال تعالى: ~~{يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول} فكانوا خائنين للصاحب والرسول وقد اكتسبوا الخيانة. وكذلك الذين ~~كانوا يجامعون بالليل وهم يجتهدون في أن ذلك لا يظهر عنهم حين يفعلونه وإن ~~أظهروه فيما بعد عند التوبة أما عند الفعل فكانوا يحتاجون من ستر ذلك ~~وإخفائه ما لا يحتاج إليه الخائن وحده أو يكون قوله: {تختانون أنفسكم} أي ~~يخون بعضكم بعضا ms4621 كقوله: {فاقتلوا أنفسكم} وقوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم} وقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} فإن ~~السارق وأقواما خانوا إخوانهم المؤمنين. والمجامع إن كان جامع امرأته وهي ~~لا تعلم أنه حرام فقد خانها والأول أشبه. والصيام مبناه على الأمانة فإن ~~الصائم يمكنه الفطر ولا يدري به أحد فإذا أفطر سرا فقد خان أمانته والفطر ~~بالجماع المستور خيانة كما أن أخذ المال سرا وإخبار الرسول والمظلوم ببراءة ~~السقيم وسقم البريء خيانة فهذا كله خيانة والنفس هي التي خانت؛ فإنها تحب ~~الشهوة والمال والرئاسة وخان واختان مثل كسب واكتسب فجعل الإنسان مختانا. # PageV14P443 # ثم بين أن نفسه هي التي تختان كما أنها هي التي تضر؛ لأن مبدأ ذلك من ~~شهوتها ليس هو مما يأمر به العقل والرأي ومبدأ السفه منها لخفتها وطيشها ~~والإنسان تأمره نفسه في السر بأمور ينهاها عنه العقل والدين فتكون نفسه ~~اختانته وغلبته وهذا يوجد كثيرا في أمر الجماع والمال؛ ولهذا لا يؤتمن على ~~ذلك أكثر الناس ويقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة في ذلك. قال ~~سعيد بن المسيب: لو ائتمنت على بيت مال لأديت الأمانة ولو ائتمنت على امرأة ~~سوداء لخفت أن لا أؤدي الأمانة فيها. وكذلك المال لا يؤتمن عليه أصحاب ~~الأنفس الحريصة على أخذه كيف اتفق. وهذا كله مما يبين أن النفس تخون ~~أمانتها وإن كان الرجل ابتداء لا يقصد الخيانة فتحمله على الخيانة بغير ~~أمره وتغلبه على رأيه ولهذا يلوم المرء نفسه على ذلك ويذمها ويقول هذه ~~النفس الفاعلة الصانعة؛ فإنها هي التي اختانت. # فصل: # ودل قوله: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} أنه لا يجوز الجدال عن ~~الخائن ولا يجوز للإنسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت # PageV14P444 # خائنة: لها في السر أهواء وأفعال باطنة تخفى على الناس فلا يجوز المجادلة ~~عنها قال تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} وقال تعالى: {وذروا ~~ظاهر الإثم وباطنه} وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن} وقد قال تعالى: ms4622 {بل الإنسان على نفسه بصيرة} {ولو ألقى معاذيره} فإنه ~~يعتذر عن نفسه بأعذار ويجادل عنها وهو يبصرها بخلاف ذلك وقال تعالى: {كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا} وقال تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} . وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم} فهو يجادل عن نفسه ~~بالباطل وفيه لدد: أي ميل واعوجاج عن الحق وهذا على نوعين: أحدهما أن تكون ~~مجادلته وذبه عن نفسه مع الناس و " الثاني " فيما بينه وبين ربه بحيث يقيم ~~أعذار نفسه ويظنها محقة وقصدها حسنا وهي خائنة ظالمة لها أهواء خفية قد ~~كتمتها حتى لا يعرف بها الرجل حتى يرى وينظر قال شداد بن أوس: إن أخوف ما ~~أخاف عليكم الشهوة الخفية قال أبو داود: هي حب الرياسة. وهذا من شأن النفس ~~حتى إنه يوم القيامة يريد أن يدفع عن نفسه ويجادل الله بالباطل قال تعالى: ~~{يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ~~ألا إنهم هم الكاذبون} # PageV14P445 # {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون} وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين} {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} . ~~وقد جاءت الأحاديث بأن الإنسان يجحد أعماله يوم القيامة حتى يشهد عليه سمعه ~~وبصره وجوارحه. وقال تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} . ومن ~~عادة المنافقين المجادلة عن أنفسهم بالكذب والأيمان الفاجرة وصفهم الله ~~بذلك في غير موضع. {وفي قصة تبوك لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وجاء ~~المنافقون يعتذرون إليه فجعل يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله فلما جاء ~~كعب قال: والله يا رسول الله لو قعدت بين يدي ms4623 ملك من ملوك الأرض لقدرت أن ~~أخرج من سخطه: إني أوتيت جدلا؛ ولكن أخاف إن حدثتك حديث كذب ترضى به عني ~~ليوشكن الله أن يسخطك علي؛ ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه ~~عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين ~~تخلفت عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV14P446 # أما هذا فقد صدق يعني والباقي يكذبون ثم إنه هجره مدة ثم تاب الله عليه ~~ببركة صدقه} . فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز؛ بل إن ~~أذنب سرا بينه وبين الله اعترف لربه بذنبه وخضع له بقلبه وسأله مغفرته وتاب ~~إليه فإنه غفور رحيم تواب وإن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهرا وإن أظهر جميلا ~~وأبطن قبيحا تاب في الباطن من القبيح فمن أساء سرا أحسن سرا ومن أساء ~~علانية أحسن علانية {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} . # PageV14P447 # سورة المائدة # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # سورة المائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم ~~والأمر والنهي؛ ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {هي آخر ~~القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها} ولهذا افتتحت بقوله: {أوفوا ~~بالعقود} والعقود هي العهود وذكر فيها من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم ~~يذكر في غيرها والآيات فيها متناسبة مثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} . وقد ~~اشتهر في التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا # PageV14P448 # التبتل من الصحابة مثل عثمان بن مظعون والذين اجتمعوا معه. وفي الصحيحين ~~{حديث أنس في الأربعة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر. وقال الآخر: ~~أما أنا فأقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر: ~~أما أنا فلا آكل اللحم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر ~~وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} فيشبه والله ms4624 أعلم أن ~~يكون قوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} فيمن حرم الحلال على نفسه ~~بقول أو عزم على تركه مثل الذي قال: لا أتزوج النساء ولا آكل اللحم وهي ~~الرهبانية المبتدعة فإن الراهب لا ينكح ولا يذبح. وقوله: {ولا تعتدوا} فيمن ~~قال: أقوم لا أنام وقال أصوم لا أفطر؛ لأن الاعتداء مجاوزة الحد فهذا مجاوز ~~للحد في العبادة المشروعة كالعدوان في الدعاء في قوله: {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {سيكون قوم ~~يعتدون في الدعاء والطهور} فالاعتداء في " العبادات وفي الورع " كالذين ~~تحرجوا من أشياء ترخص فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفي " الزهد " كالذين ~~حرموا الطيبات وهذان القسمان ترك فقوله: " {ولا تعتدوا} " إما أن يكون ~~مختصا بجانب الأفعال العبادية وإما أن # PageV14P449 # يكون العدوان يشمل العدوان في العبادة والتحريم وهذان النوعان هما اللذان ~~ذم الله المشركين بهما في غير موضع حيث عبدوا عبادة لم يأذن الله بها ~~وحرموا ما لم يأذن الله به فقوله: {لا تحرموا} {ولا تعتدوا} يتناول ~~القسمين. والعدوان هنا كالعدوان في قوله: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~إما أن يكون أعم من الإثم وإما أن يكون نوعا آخر وإما أن يكون العدوان في ~~مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها ومجاوزة حد المباح وإما أن يكون في ~~ذلك مجاوزة حد التحريم أيضا فإنها ثلاثة أمور: مأمور به ومنهي عنه ومباح. ~~ثم ذكر بعد هذا قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته} الآية ذكر هذا بعد النهي عن التحريم ليبين المخرج ~~من تحريم الحلال إذا عقد عليه يمينا بالله أو يمينا أخرى وبهذا يستدل على ~~أن تحريم الحلال يمين. ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام فبين به ما حرمه فإن نفي التحريم الشرعي يقع فيه طائفة من ~~الإباحية كما يقع في تحريم الحلال طائفة من هؤلاء يكونون في حال اجتهادهم ~~ورياضتهم تحريمية ثم إذا وصلوا بزعمهم صاروا إباحية وهاتان ms4625 # PageV14P450 # آفتان تقعان في المتعبدة والمتصوفة كثيرا وقرن بينهما حكم الأيمان فإن ~~كلاهما يتعلق بالفم داخلا وخارجا كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان ~~والأطعمة وفيه رخصة في كفارة الأيمان مطلقا خلافا لما شدد فيه طائفة من ~~الفقهاء من جعل بعض الأيمان لا كفارة فيها فإن هذا التشديد مضاه للتحريم ~~فيكون الرجل ممنوعا من فعل الواجب أو المباح بذلك التشديد وهذا كله رحمة من ~~الله بنا دون غيرنا من الأمم التي حرم عليهم أشياء عقوبة لهم ولا كفارة في ~~أيمانهم ولم يطهرهم من الرجس كما طهرنا فتدبر هذا فإنه نافع. # PageV14P451 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قوله: {سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} قيل: اللام لام كي أي ~~يسمعون ليكذبوا ويسمعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم يأتوك فيكونون كذابين ~~ونمامين جواسيس والصواب أنها لام التعدية مثل قوله: {سمع الله لمن حمده} ~~فالسماع مضمن معنى القبول أي قابلون للكذب ويسمعون من قوم آخرين لم يأتوك ~~ويطيعونهم فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب وعلى طاعة غيره من الكفار ~~والمنافقين مثل قوله: {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} ~~أي هم يطلبون أن يفتنوكم وفيكم من يسمع منهم فيكون قد ذمهم على اتباع ~~الباطل في نوعي الكلام خبره وإنشائه فإن باطل الخبر الكذب وباطل الإنشاء ~~طاعة غير الرسل وهذا بعيد. ثم قال: {سماعون للكذب أكالون للسحت} فذكر أنهم ~~في # PageV14P452 # غذائي الجسد والقلب يغتذون الحرام بخلاف من يأكل الحلال ولا يقبل إلا ~~الصدق وفيه ذم لمن يروج عليه الكذب ويقبله أو يؤثره لموافقته هواه ويدخل ~~فيه قبول المذاهب الفاسدة؛ لأنها كذب لا سيما إذا اقترن بذلك قبولها لأجل ~~العوض عليها سواء كان العوض من ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو ~~غير ذلك وهو شبيه بقوله: {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} . . . (1) أهل البدع وأهل الفجور الذين ~~يصدقون بما كذب به على الله ورسوله وأحكامه والذين يطيعون الخلق في معصية ~~الخالق. ومثله: {هل ms4626 أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} ~~{يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} فإنما تنزلت بالسمع الذي يخلط فيه بكلمة ~~الصدق ألف كلمة من الكذب على من هو كذاب فاجر فيكون سماعا للكذب من مسترقة ~~السمع. ثم قال في السورة: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت} فقول الإثم وسماع الكذب وأكل السحت أعمال متلازمة في العادة ~~وللحكام منها خصوص فإن الحاكم إذا PageV14P453 # ارتشى سمع الشهادة المزورة والدعوى الفاجرة فصار سماعا للكذب أكالا للسحت ~~قائلا للإثم. ولهذا خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين ~~تركه؛ لأنه ليس قصدهم قبول الحق وسماعه مطلقا؛ بل يسمعون ما وافق أهواءهم ~~وإن كان كذبا وكذلك العلماء الذين يتقولون الروايات المكذوبة. # PageV14P454 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو ~~خطأ. # منها قوله: {وعبد الطاغوت} والصواب عطفه على قوله: {من لعنه الله} فعل ~~ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية؛ لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ~~أو مضمرا وهذا الفعل اسم من عبد الطاغوت وهو الضمير في عبد ولم يعد حرف ~~(من) لأن هذه الأفعال لصنف واحد وهم اليهود. # PageV14P455 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} الآية. ~~ومن المشهور في التفسير: أنها نزلت بسبب جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا ~~على الترهب وفي الصحيحين عن أنس: {أن رجالا سألوا أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن عبادته في السر فتقالوا ذلك} وذكر الحديث. وفي الصحيحين عن ~~سعد قال: {رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن ~~له لاختصينا} . وعن عكرمة أن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون ~~والمقداد وسالما # PageV14P456 # مولى أبي حذيفة في أصحاب لهم تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ~~ولبسوا المسوح وحرموا ms4627 الطيبات من الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل ~~السياحة من بني إسرائيل وهموا بالاختصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار ~~فنزلت هذه الآية. وكذلك ذكر سائر المفسرين ما يشبه هذا المعنى. وقد ذم الله ~~الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وذم الذين يتبعون الشهوات والذين ~~يريدون أن تميلوا ميلا عظيما ويريدون ميل المؤمنين ميلا عظيما. وذم الذين ~~اتبعوا ما أترفوا فيه والذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام. وأكثر ~~الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات شربة الخمر كما قال تعالى: {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة} فجمعوا بين الشهوة المحرمة وترك ذكر الله وإضاعة الصلاة ~~وكذلك غيرهم من أهل الشهوات. ثم نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات وعن ~~الاعتداء في تناولها وهو مجاوزة الحد وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة ~~بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم فيكونوا قد تجاوزوا # PageV14P457 # الحد وأسرفوا. وقيل: لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام ~~من أموال الناس فإن آكل الطيبات والشهوات المعتدي فيها لا بد أن يقع في ~~الحرام لأجل الإسراف في ذلك. والمقصود بالزهد ترك ما يضر العبد في الآخرة ~~وبالعبادة فعل ما ينفع في الآخرة فإذا ترك الإنسان ما ينفعه في دينه وينفعه ~~في آخرته وفعل من العبادة ما يضر فقد اعتدى وأسرف وإن ظن ذلك زهدا نافعا ~~وعبادة نافعة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والنخعي: {ولا تعتدوا} أي لا ~~تجبوا أنفسكم وقال عكرمة لا تسيروا بغير سيرة المسلمين: من ترك النساء ~~ودوام الصيام والقيام. وقال مقاتل: لا تحرموا الحلال وعن الحسن لا تأتوا ما ~~نهى الله عنه وهذا ما أريد به لا تحرموا الحلال ولا تفعلوا الحرام؛ فيكون ~~قد نهى عن النوعين؛ لكن سبب نزول الآية وسياقها يدل على قول الجمهور وقد ~~يقال هذا مثل قوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقوله في تمام الآية: ~~{وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} الآية. وكذلك الأحاديث الصحيحة كقول ~~أحدهم: لا أتزوج النساء ms4628 # PageV14P458 # وقول الآخر لا آكل اللحم. كما في حديث أنس المتقدم وهذا مما يدل على أن ~~صوم الدهر مكروه وكذلك مداومة قيام الليل. # فصل: # وهذا الذي جاءت به شريعة الإسلام هو الصراط المستقيم وهو الذي يصلح به ~~دين الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أعدل الصيام صيام داود كان ~~يصوم يوما ويفطر يوما} وفي رواية صحيحة: " أفضل " والأفضل هو الأعدل ~~الأقوم. وهذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وهي وسط بين هذين الصنفين: أصحاب ~~البدع وأصحاب الفجور أهل الإسراف والتقشف الزائد. ولهذا كان السلف يحذرون ~~من هذين الصنفين. قال الحسن: هو المبتدع في دينه والفاجر في دنياه وكانوا ~~يقولون: احذروا صاحب الدنيا أغوته دنياه وصاحب هوى متبع لهواه وكانوا ~~يأمرون بمجانبة أهل البدع والفجور. ف " القسم الأول " أهل الفجور # PageV14P459 # وهم المترفون المنعمون أوقعهم في الفجور ما هم فيه. و " القسم الثاني " ~~المترهبون أوقعهم في البدع غلوهم وتشديدهم هؤلاء استمتعوا بخلاقهم وهؤلاء ~~خاضوا كما خاض الذين من قبلهم وذلك أن الذين يتبعون الشهوات المنهي عنها أو ~~يسرفون في المباحات ويتركون الصلوات والعبادات المأمور بها يستحوذ عليهم ~~الشيطان والهوى فينسيهم الله والدار الآخرة ويفسد حالهم كما هو مشاهد كثيرا ~~منهم. والذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات - وإن كانوا يقولون: إن الله ~~لم يحرم هذا؛ بل يلتزمون ألا يفعلوه إما بالنذر وإما باليمين كما حرم كثير ~~من العباد والزهاد أشياء - يقول أحدهم: لله علي ألا آكل طعاما بالنهار أبدا ~~ويعاهد أحدهم ألا يأكل الشهوة الملائمة ويلتزم ذلك بقصده وعزمه وإن لم يحلف ~~ولم ينذر. فهذا يلتزم أن لا يشرب الماء وهذا يلتزم ألا يأكل الخبز وهذا ~~يلتزم ألا يشرب الفقاع وهذا يلتزم ألا يتكلم قط وهذا يجب نفسه وهذا يلتزم ~~ألا ينكح ولا يذبح. وأنواع هذه الأشياء من الرهبانية التي ابتدعوها على ~~سبيل مجاهدة النفس وقهر الهوى والشهوة. ولا ريب أن مجاهدة النفس مأمور بها ~~وكذلك قهر الهوى والشهوة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{المجاهد من جاهد ms4629 نفسه في ذات الله والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد # PageV14P460 # الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله} لكن المسلم المتبع ~~لشريعة الإسلام هو المحرم ما حرمه الله ورسوله فلا يحرم الحلال ولا يسرف في ~~تناوله؛ بل يتناول ما يحتاج إليه من طعام أو لباس أو نكاح ويقتصد في ذلك ~~ويقتصد في العبادة؛ فلا يحمل نفسه ما لا تطيق. فهذا تجده يحصل له من ~~مجاهدات النفس وقهر الهوى ما هو أنفع له من تلك الطريق المبتدعة الوعرة ~~القليلة المنفعة التي غالب من سلكها ارتد على حافره ونقض عهده ولم يرعها حق ~~رعايتها. وهذا يثاب على ذلك ما لا يثاب على سلوك تلك الطريق وتزكو به نفسه ~~وتسير به إلى ربه ويجد بذلك من المزيد في إيمانه ما لا يجده أصحاب تلك ~~الطريق فإنهم لا بد أن تدعوهم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة؛ فإنه ما من بني ~~آدم إلا من أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا وقد قال تعالى: {وخلق ~~الإنسان ضعيفا} . قال طاوس في أمر النساء وقلة صبره عنهن كما تقدم فميل ~~النفس إلى النساء عام في طبع جميع بني آدم وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى ~~الذكران كما هو المذكور عنهم؛ فيبتلى بالميل إلى المردان وإن لم يفعل ~~الفاحشة الكبرى ابتلي بما هو دون ذلك من المباشرة والمشاهدة ولا يكاد أن ~~يسلم أحدهم من الفاحشة إما في سره وإما # PageV14P461 # بينه وبين الأمرد ويحصل للنفس من ذلك ما هو معروف عند الناس. وقد ذكر ~~الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلي المسلم ببعض ذلك كان عليه ~~أن يجاهد نفسه في الله وهو مأمور بهذا الجهاد ليس أمرا أوجبه وحرمه هو على ~~نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه؛ ~~فيصير بالمجاهدة في طاعة الله ورسوله. وفي حديث رواه أبو يحيى القتات عن ~~مجاهد عن ابن عباس مرفوعا: {من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات فهو شهيد} وأبو ~~يحيى ms4630 في حديثه نظر؛ لكن المعنى الذي ذكره دل عليه الكتاب والسنة؛ فإن الله ~~أمر بالتقوى والصبر فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرمه الله من نظر بعين ومن ~~لفظ بلسان ومن حركة بيد ورجل ومن الصبر أن يصبر عن شكوى ما به إلى غير الله ~~عز وجل. فإن هذا هو الصبر الجميل. وأما الكتمان فيراد به شيئان: " أحدهما " ~~أن يكتم بثه وألمه فلا يشكو إلى غير الله فمتى شكا إلى غير الله نقص صبره ~~وهذا أعلى الكتمانين؛ لكن هذا لا يقدر عليه كل أحد؛ بل كثير من الناس يشكو ~~ما به وهذا على # PageV14P462 # وجهين: فإن شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب الأديان ومضرات النفوس ومنافعها؛ ~~ليعالج نفسه بعلاج الإيمان؛ فهذا بمنزلة المستفتي وهذا حسن. وإن شكا إلى من ~~يعينه على المحرم فهذا حرام وإن شكا إلى غيره لما في الشكوى من الراحة كما ~~يشكو المصاب مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ينفعه ولا الاستعانة ~~على مصيبته فهذا ينقص صبره؛ ولكن لا يأثم مطلقا إلا إذا اقترن به ما يحرم ~~كالمصاب الذي يتسخط. و " الثاني " أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس؛ لما ~~في ذلك من إظهار السوء والفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت ~~وتمنت وتتيمت والإنسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك ~~داعيا له إلى الفعل والتشبه به والنساء متى رأين البهائم تنزو الذكور منها ~~على الإناث ملن إلى الباءة والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان ~~والنساء ورأى ذلك أو تخيله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل وإذا ذكر للإنسان ~~طعام اشتهاه ومال إليه وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو ~~غيره مالت نفسه إليه والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه وكل ما في نفس ~~الإنسان محبته إذا تصوره تحركت # PageV14P463 # المحبة والطلب إلى ذلك المحبوب المطلوب؛ إما إلى وصفه وإما إلى مشاهدته ~~وكلاهما يحصل به تخيل في ms4631 النفس وقد يحصل التخيل بالسماع أو الرؤية أو الفكر ~~في بعض الأمور المتعلقة به فإذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت ~~إلى ما تخيلته فتحركت داعية المحبة سواء كانت محبة محمودة أو مذمومة. ولهذا ~~تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز أو كان أوان الحج أو رأى من يذهب إلى ~~الحج من أهله وأقاربه أو أصحابه أو غيرهم ولو لم يسمع ذلك ويراه لما تحرك ~~ولا حدث منه داعية قوته إلى ذلك فتتحرك بذكر الأبرق والأجرع والعلي ونحو ~~ذلك؛ لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهبا إلى محبوبه فصار ذكرها يذكره ~~بالمحبوب. وكذلك أصحاب المتاجر والأموال إذا سمع أحدهم بالمكاسب تحركت ~~داعيته إلى ذلك وكذلك أهل الفرج والتنزه إذا رأوا من يقصد ذلك تحركوا إليه ~~وهذه الدواعي كلها مركوزة في نفوس بني آدم والإنسان ظلوم جهول. وكذلك ذكر ~~آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به وتحرك محبته فالمبتلى بالفاحشة ~~والعشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت نفس ذلك الغير إلى جنس ذلك؛ لأن النفوس ~~مجبولة على حب الصور الجميلة # PageV14P464 # فإذا تصورت جنسا تحرك إليها المحبوب. ولهذا نهى الله تعالى عن إشاعة ~~الفاحشة. وكذلك أمر بستر الفواحش كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم ~~عليه كتاب الله} وقال: {كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن ~~يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح يتحدث به} فما دام الذنب مستورا ~~فعقوبته على صاحبه خاصة وإذا ظهر ولم ينكر كان ضرره عاما فكيف إذا كان في ~~ظهوره تحريك لغيره إليه. ولهذا كره الإمام أحمد وغيره إنشاد الأشعار: الغزل ~~الرقيق؛ لأنه يحرك النفوس إلى الفواحش؛ فلهذا أمر من يبتلى بالعشق أن يعف ~~ويكتم ويصبر فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} . والمقصود أنه يثاب على هذه المجاهدة والمجاهد من جاهد ~~نفسه في الله. وأما المبتدعون في ms4632 الزهد والعبادة السالكون طريق الرهبان ~~فإنهم قد يزهدون في النكاح وفضول الطعام والمال ونحو ذلك. وهذا محمود؛ لكن ~~عامة هؤلاء لا بد أن يقعوا في ذنوب من هذا الجنس كما نجد كثيرا منهم يبتلى ~~بصحبة الأحداث وإرفاق النساء؛ فيبتلون بالميل # PageV14P465 # إلى الصور المحرمة من النساء والصبيان ما لا يبتلى به أهل السنة المتبعون ~~للشريعة المحمدية. وحكاياتهم في هذا أكثر من أن يحكى بسطها في كتاب وعندهم ~~من الفواحش الباطنة والظاهرة ما لا يوجد عند غيرهم وخيار من فيهم يميل إلى ~~الأحداث والغناء والسماع؛ لما يجدون في ذلك من راحة النفوس ولو اتبعوا ~~السنة لاستراحوا من ذلك. قال أبو سعيد الخراز لما قال له الشيطان في ~~المنام: لي فيكم لطيفتان السماع وصحبة الأحداث قال أبو سعيد: قل من ينجو ~~منهما من أصحابنا حتى [إنهم] لقوة محبة نفوسهم [له] (1) صار ذلك ممتزجا ~~بطريقهم إلى الله فإن أحدهم يجد في نفسه عند مشاهدة الشاهد من الرغبة فيما ~~اعتاده من العبادة والزهادة ما لا يجدها بدون ذلك وعنده في نفسه عند سماع ~~القصائد من الشوق والرغبة والنشاط ما لا يجده عند سماع القرآن فصاروا في ~~شبهة وشهوة لم يكتف الشيطان منهم بوقوعهم في الأمور المحرمة التي تفتنهم ~~حتى جعلهم يعتبرون ذلك عبادة كالذين قال الله فيهم: {وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} الآية. وهؤلاء هم الذين أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات. وإذا وقعوا في السماع وقعوا فيه بشوق ورغبة قوية ~~ومحبة تامة PageV14P466 # وبذلوا فيه أنفسهم وأموالهم. فقد يبذلون فيه نساءهم وأبناءهم ويدخلون في ~~الدياثة لأغراضهم فيأتي أحدهم بولده فيهبه للشيخ يفعل ما أراد هو ومن يلوذ ~~به ويسمونه حوارا وإن كان حسن الصورة استأثر به الشيخ دونهم ويعد أهله ذلك ~~بركة حصلت له من الشيخ ويرتفع الحياء بين أم الصبي وأبيه وبين الفقراء. ~~وإذا صلوا صلوا صلاة المنافقين يقومون إليها وهم كسالى {يراءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا} . فقد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ومع هذا فهم ~~قد يزهدون في بعض ms4633 الطيبات التي أحلها الله لهم ويجتهدون في عبادات وأذكار ~~لكن مع بدعة وأفعال لا تجوز مما تقدم ذكره فتلك البدعة هي التي أوقعتهم في ~~اتباع الشهوات وإضاعة الصلوات؛ لأن الشريعة مثالها مثال سفينة نوح؛ من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وهؤلاء تخلفوا عنها فغرقوا بحبهم ويتوب الله ~~على من تاب. والسالكون للشريعة المحمدية إذا ابتلوا بالذنوب لم تكن التوبة ~~عليهم من الآصار والأغلال؛ بل من الحنيفية السمحة وأما أهل البدع فقد تكون ~~التوبة عليهم آصارا وأغلالا كما كانت على من قبلنا من الرهبان فإنهم إذا ~~وقع أحدهم في الذنب لم يخلص من شره إلا ببلاء شديد من أجل خروجه عن السنة. # PageV14P467 # وهؤلاء قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه السلوك إلى الله تعالى إلا ببدعة. ~~وكذلك أهل الفجور المترفين قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه فعل الواجبات إلا بما ~~يفعله من الذنوب ولا يمكنه ترك المحرمات إلا بذلك وهذا يقع لبشر كثير من ~~الناس. منهم من يقول: إنه لا يمكن أداء الصلوات واجتناب الكلام المحرم - من ~~الغيبة وغيرها - إلا بأكل الحشيشة. ويقول الآخر: إن أكلها يعينه على ~~استنباط العلوم وتصفية الذهن حتى يسميها بعضهم معدن الفكر والذكر ومحركة ~~العزم الساكن وكل هذا من خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء وغيرهم وإنها لعمى ~~الذهن ويصير آكلها أبكم مجنونا لا يعي ما يقول. وكذلك في هؤلاء من يقول: إن ~~محبته لله ورغبته في العبادة وحركته ووجده وشوقه وغير ذلك لا يتم إلا بسماع ~~القصائد ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم وسماع الأصوات والنغمات ويزعمون ~~أنهم بسماع هذه الأصوات ورؤية الصور المحركات تتحرك عندهم من دواعي الزهد ~~والعبادة ما لا تتحرك بدون ذلك وأنهم بدون ذلك قد يتركون # PageV14P468 # الصلوات ويفعلون المحرمات الكبار كقطع الطريق وقتل النفوس ويظنون أنهم ~~بهذا ترتاض نفوسهم وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ارتكاب المحارم والكبائر ~~وتحملها على الصلاة والصوم والحج. وهذا مستند كثير من الشيوخ الذين يدعون ~~الناس إلى طريقهم بالسماع المبتدع على اختلاف ألوانه وأنواعه. منهم من يدعو ~~إليه بالدف ms4634 والرقص ومنهم من يضيف إلى ذلك الشبابات ومنهم من يعمله بالنساء ~~والصبيان ومنهم من يعمله بالدف والكف ومنهم من يعمله بأذكار واجتماع ~~وتسبيحات وقيام وإنشاد أشعار وغير ذلك من سائر أنواعه وألوانه. وربما ضموا ~~إليه من معاشرة النساء والمردان ونحو ذلك. ويقولون هؤلاء الذين توبناهم وقد ~~كانوا لا يصلون ولا يحجون ولا يصومون بل كانوا يقطعون الطريق ويقتلون النفس ~~ويزنون؛ فتوبناهم عن ذلك بهذا السماع. وما أمكن أحدهم استتابتهم بغير هذا. ~~وقد يعترفون أن ما فعلوه بدعة منهي عنها أو محرمة؛ ولكن يقولون ما أمكننا ~~إلا هذا وإن لم نفعل هذا القليل من المحرم حصل الوقوع فيما هو أشد منه ~~تحريما وفي ترك الواجبات ما يزيد إثمه على إثم هذا المحرم القليل في جنب ما ~~كانوا فيه من المحرم الكثير. # PageV14P469 # ويقولون: إن الإنسان يجد في نفسه نشاطا وقوة في كثير من الطاعات إذا حصل ~~له ما يحبه وإن كان مكروها حراما. وأما بدون ذلك فلا يجد شيئا ولا يفعله. ~~وهو أيضا يمتنع عن المحرمات إذا عوض بما يحبه وإن كان مكروها وإلا لم يمتنع ~~وهذه الشبهة واقعة لكثير من الناس وجوابها مبني على ثلاث مقامات: " أحدها " ~~أن المحرمات قسمان: " أحدهما " ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئا لا ~~لضرورة ولا لغير ضرورة: كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم. والظلم ~~المحض وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . فهذه الأشياء محرمة في جميع ~~الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يبح منها شيئا قط ولا في حال من ~~الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية ونفي التحريم عما سواها؛ فإنما ~~حرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير حرمه في حال دون حال وليس تحريمه ~~مطلقا. # PageV14P470 # وكذلك " الخمر " يباح لدفع الغصة بالاتفاق ويباح لدفع العطش في أحد قولي ~~العلماء ومن لم يبحها قال: ms4635 إنها لا تدفع العطش وهذا مأخذ أحمد. فحينئذ ~~فالأمر موقوف على دفع العطش بها فإن علم أنها تدفعه أبيحت بلا ريب كما يباح ~~لحم الخنزير لدفع المجاعة وضرورة العطش الذي يرى أنه يهلكه أعظم من ضرورة ~~الجوع؛ ولهذا يباح شرب النجاسات عند العطش بلا نزاع فإن اندفع العطش وإلا ~~فلا إباحة في شيء من ذلك. وكذلك " الميسر " فإن الشارع أباح السبق فيه ~~بمعنى الميسر للحاجة في مصلحة الجهاد. وقد قيل إنه ليس منه وهو قول من لم ~~يبح العوض من الجانبين مطلقا إلا المحلل ولا ريب أن الميسر أخف من أمر ~~الخمر وإذا أبيحت الخمر للحاجة فالميسر أولى. والميسر لم يحرم لذاته إلا ~~لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء. فإذا كان فيه ~~تعاون على الرمي الذي هو من جنس الصلاة وعلى الجهاد الذي فيه تعاون وتتألف ~~به القلوب على الجهاد زالت هذه المفسدة. وكذلك بيع الغرر هو من جنس الميسر ~~ويباح منه أنواع عند الحاجة ورجحان المصلحة. # PageV14P471 # وكذلك " الربا " حرم لما فيه من الظلم وأوجب ألا يباع الشيء إلا بمثله ثم ~~أبيح بيعه بجنسه خرصا عند الحاجة بخلاف غيرها من المحرمات فإنها تحرم في ~~حال دون حال. ولهذا - والله أعلم - نفى التحريم عما سواها وهو التحريم ~~المطلق العام فإن المنفي من جنس المثبت فلما أثبت فيها التحريم العام ~~المطلق نفاه عما سواها. و " المقام الثاني " أن يفرق بين ما يفعل في ~~الإنسان ويأمر به ويبيحه وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه فإذا ~~كان من المحرمات ما لو نهى عنه حصل ما هو أشد تحريما منه لم ينه عنه ولم ~~يبحه أيضا. ولهذا ### | لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه؛ # ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم ~~المنكر والذنوب وإذا كان قوم على بدعة أو فجور ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ~~ذلك شر ms4636 أعظم مما هم عليه من ذلك ولم يمكن منعهم منه ولم يحصل بالنهي مصلحة ~~راجحة لم ينهوا عنه. بخلاف ما أمر الله به الأنبياء وأتباعهم من دعوة ~~الخلق؛ فإن دعوتهم يحصل بها مصلحة راجحة على مفسدتها كدعوة موسى # PageV14P472 # لفرعون ونوح لقومه فإنه حصل لموسى من الجهاد وطاعة الله وحصل لقومه من ~~الصبر والاستعانة بالله ما كانت عاقبتهم به حميدة وحصل أيضا من تغريق فرعون ~~وقومه ما كانت مصلحته عظيمة. وكذلك نوح حصل له ما أوجب أن يكون ذريته هم ~~الباقين وأهلك الله قومه أجمعين فكان هلاكهم مصلحة. فالمنهي عنه إذا زاد ~~شره بالنهي وكان النهي مصلحة راجحة كان حسنا وأما إذا زاد شره وعظم وليس في ~~مقابلته خير يفوته لم يشرع إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة فإن أدى ذلك ~~إلى شر أعظم منه لم يشرع مثل أن يكون الآمر لا صبر له فيؤذى فيجزع جزعا ~~شديدا يصير به مذنبا وينتقص به إيمانه ودينه. فهذا لم يحصل به خير لا له ~~ولا لأولئك؛ بخلاف ما إذا صبر واتقى الله وجاهد ولم يتعد حدود الله بل ~~استعمل التقوى والصبر؛ فإن هذا تكون عاقبته حميدة. وأولئك قد يتوبون فيتوب ~~الله عليهم ببركته وقد يهلكهم ببغيهم ويكون ذلك مصلحة كما قال تعالى: {فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} # PageV14P473 # وأما الإنسان في نفسه فلا يحل له أن يفعل الذي يعلم أنه محرم لظنه أنه ~~يعينه على طاعة الله فإن هذا لا يكون إلا مفسدة أو مفسدته راجحة على مصلحته ~~وقد تنقلب تلك الطاعة مفسدة؛ فإن الشارع حكيم فلو علم أن في ذلك مصلحة لم ~~يحرمه لكن قد يفعل الإنسان المحرم ثم يتوب وتكون مصلحته أنه يتوب منه ويحصل ~~له بالتوبة خشوع ورقة وإنابة إلى الله تعالى؛ فإن الذنوب قد يكون فيها ~~مصلحة مع التوبة منها فإن الإنسان قد يحصل له بعدم الذنوب كبر وعجب وقسوة ~~فإذا وقع في ذنب أذله ذلك وكسر قلبه ولين قلبه بما يحصل له من التوبة. ms4637 ~~ولهذا قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ويفعل ~~السيئة فيدخل بها الجنة وهذا هو الحكمة في ابتلاء من ابتلي بالذنوب من ~~الأنبياء والصالحين وأما بدون التوبة فلا يكون المحرم إلا مفسدته راجحة ~~فليس للإنسان أن يعتقد حل ما يعلم أن الله حرمه قطعا وليس له أن يفعله قطعا ~~فإن غلبته نفسه وشيطانه فوقع فيه تاب منه فإن تاب فصار بالتوبة خيرا مما ~~كان قبله فهذا من رحمة الله به حين تاب عليه وإلا فلو لم يتب لفسد حاله ~~بالذنب وليس له أن يقول أنا أفعل ثم أتوب ولا يبيح الشارع له ذلك لأنه ~~بمنزلة من يقول أنا أطعم نفسي ما يمرضني ثم أتداوى أو آكل السم ثم أشرب ~~الترياق. # PageV14P474 # والشارع حكيم فإنه لا يدري هل يتمكن من التوبة أم لا؟ وهل يحصل الدواء ~~بالترياق وغيره أم لا؟ وهل يتمكن من الشرب أم لا؟ لكن لو وقع هذا وكانت ~~آخرته إلى التوبة النصوح كان الله قد أحسن إليه بالتوبة وبالعفو عما سلف من ~~ذنوبه وقد يكون مثل هذا ليس صلاحه إلا في أن يذنب ويتوب ولو لم يفعل ذلك ~~كان شرا منه لو لم يذنب ويتب؛ لكن هذا أمر يتعلق بخلق الله وقدره وحكمته لا ~~يمكن أحد أن يأمر به الإنسان؛ لأنه لا يدري أن ذلك خير له وليس ما يفعله ~~خلقا - لعلمه وحكمته - يجوز للرسل وللعباد أن يفعلوه ويأمروا به. و ### | قصة الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره # ولا فعل الخضر ما فعله لكونه مقدرا كما يظنه بعض الناس؛ بل ما فعله الخضر ~~هو مأمور به في الشرع بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر؛ فإنه لم يفعل ~~محرما مطلقا؛ ولكن خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار فإن إتلاف بعض ~~المال لصلاح أكثره هو أمر مشروع دائما. وكذلك قتل الإنسان الصائل لحفظ دين ~~غيره أمر مشروع وصبر الإنسان على الجوع مع إحسانه إلى غيره أمر مشروع. فهذه ~~القضية تدل على أنه ms4638 يكون من الأمور ما ظاهره فساد فيحرمه من لم يعرف الحكمة ~~التي لأجلها فعل وهو مباح في الشرع # PageV14P475 # باطنا وظاهرا لمن علم ما فيه من الحكمة التي توجب حسنه وإباحته. وهذا لا ~~يجيء في الأنواع الأربعة فإن الشرك والقول على الله بلا علم والفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والظلم: لا يكون فيها شيء من المصلحة وقتل النفس أبيح في ~~حال دون حال؛ فليس من الأربعة. وكذلك إتلاف المال يباح في حال دون حال ~~وكذلك الصبر على المجاعة؛ ولذلك قال: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} فإخلاص الدين له والعدل واجب مطلقا في ~~كل حال وفي كل شرع؛ فعلى العبد أن يعبد الله مخلصا له الدين ويدعوه مخلصا ~~له لا يسقط هذا عنه بحال ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل " لا إله ~~إلا الله ". فهذا حق الله على كل عبد من عباده كما في الصحيحين من حديث ~~{معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ أتدري ما حق الله على ~~عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا} ~~الحديث. فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه # PageV14P476 # مخلصا له الدين ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة ~~غيره: كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالا من المشرك؛ فلا بد من عبادة الله وحده ~~وهذا واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد ألبتة وهو الإسلام العام الذي لا ~~يقبل الله دينا غيره. ولكن لا يعذب الله أحدا حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه ~~لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر ~~عن عبادة ربه فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل ~~النار إلا من اتبع الشيطان فمن لا ذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله ~~بالنار أحدا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا فمن لم ms4639 تبلغه دعوة رسول إليه ~~كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت ~~بذلك الآثار. فيجب الفرق في الواجبات والمحرمات - والتمييز بينهما هو ~~اللازم لكل أحد على كل حال وهو العدل في حق الله وحق عباده بأن يعبدوا الله ~~مخلصين له الدين ولا يظلم الناس شيئا وما هو محرم على كل أحد في كل حال لا ~~يباح منه شيء وهو الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم - وبين ما ~~سوى ذلك. قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا # PageV14P477 # به شيئا} فهذا محرم مطلقا لا يجوز منه شيء {وبالوالدين إحسانا} فهذا فيه ~~تقييد. فإن الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه بل له أن يأمره ~~وينهاه وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الإحسان إليه. وإذا كان مشركا جاز ~~للولد قتله وفي كراهته نزاع بين العلماء. قوله: {ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق} فهذا تحريم خاص {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} هذا مطلق ~~{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} هذا مقيد فإن ~~يتامى المشركين أهل الحرب يجوز غنيمة أموالهم؛ لكن قد يقال: هذا أخذ وقربان ~~بالتي هي أحسن إذا فسر الأحسن بأمر الله ورسوله {وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط} هذا مقيد بمن يستحق ذلك {وإذا قلتم فاعدلوا} هذا مطلق. {وبعهد الله ~~أوفوا} فالوفاء واجب؛ لكن يميز بين عهد الله وغيره ويفرق بين ما يسكت عنه ~~الإنسان وبين ما يلفظ به ويفعله ويأمر به ويفرق بين ما قدره الله فحصل ~~بسببه خير وبين ما يؤمر به العبد فيحصل بسببه خير. # PageV14P478 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قوله - تعالى علوا كبيرا: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} لا ~~يقتضي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا نهيا ولا إذنا كما في الحديث ~~المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس ms4640 إنكم تقرءون هذه الآية ~~وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} . وكذلك ~~في حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا في تأويلها {إذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك} وهذا يفسره حديث أبي سعيد ~~في مسلم: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} فإذا قوي أهل الفجور حتى لا يبقى لهم ~~إصغاء إلى # PageV14P479 # البر؛ بل يؤذون الناهي لغلبة الشح والهوى والعجب سقط التغيير باللسان في ~~هذه الحال وبقي بالقلب و " الشح " هو شدة الحرص التي توجب البخل والظلم وهو ~~منع الخير وكراهته و " الهوى المتبع " في إرادة الشر ومحبته و " الإعجاب ~~بالرأي " في العقل والعلم فذكر فساد القوى الثلاث التي هي العلم والحب ~~والبغض. كما في الحديث الآخر: {ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه وبإزائها الثلاث المنجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في ~~الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا} وهي التي سألها في الحديث الآخر: ~~{اللهم إني أسألك خشيتك في السر والعلانية وأسألك كلمة الحق في الغضب ~~والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى} . فخشية الله بإزاء اتباع الهوى فإن ~~الخشية تمنع ذلك كما قال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ~~والقصد في الفقر والغنى بإزاء الشح المطاع وكلمة الحق في الغضب والرضا ~~بإزاء إعجاب المرء بنفسه وما ذكره الصديق ظاهر؛ فإن الله قال: {عليكم ~~أنفسكم} أي الزموها وأقبلوا عليها ومن مصالح النفس فعل ما أمرت به من الأمر ~~والنهي. وقال: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع ~~الله وأدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما؛ ولكن في الآية فوائد عظيمة: # PageV14P480 # " أحدها " ألا يخاف المؤمن من الكفار والمنافقين فإنهم لن يضروه إذا كان ~~مهتديا. # " الثاني " ألا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم فإن معاصيهم لا تضره إذا ms4641 اهتدى ~~والحزن على ما لا يضر عبث وهذان المعنيان مذكوران في قوله: {واصبر وما صبرك ~~إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} . " الثالث " ألا يركن ~~إليهم ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات كقوله: {لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم} فنهاه عن الحزن ~~عليهم والرغبة فيما عندهم في آية ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية ~~فإن الإنسان قد يتألم عليهم ومنهم إما راغبا وإما راهبا. " الرابع " ألا ~~يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو ~~هجرهم أو عقوبتهم؛ بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا ~~اهتديت كما قال: {ولا يجرمنكم شنآن قوم} الآية. وقال: {وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وقال: {فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يتعدى # PageV14P481 # حدود الله إما بجهل وإما بظلم وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك ~~الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين. " الخامس " أن يقوم ~~بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك ~~السبيل القصد فإن ذلك داخل في قوله: {عليكم أنفسكم} وفي قوله: {إذا ~~اهتديتم} . فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وفيها المعنى الآخر. وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما ~~وعملا وإعراضه عما لا يعنيه كما قال صاحب الشريعة: {من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه} ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر ~~دين غيره ودنياه لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة. وكذلك العمل فصاحبه ~~إما معتد ظالم وإما سفيه عابث وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويكون من باب الظلم ~~والعدوان. فتأمل الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء وأنت إذا ms4642 تأملت ~~ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها # PageV14P482 # ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل ~~كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن؛ محنة أحمد وغيره وكما ~~بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته ~~وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم ~~وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور ~~في قولهم: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} . وبإزاء هذا العدوان ~~تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر ~~الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين - لا يبالي بأيهما ظفر - غلو أو ~~تقصير. فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تارك الإعانة على البر والتقوى ~~وفاعل المأمور به وزيادة منهي عنها بإزائه تارك المنهي عنه وبعض المأمور به ~~والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV14P483 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # الذي يدل عليه القرآن في سورة المائدة في آية الشهادة في قوله {فيقسمان ~~بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا} أي بقولنا ولو كان ذا قربى حذف ضمير كان ~~لظهوره أي ولو كان المشهود له كما في قوله: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى} وكما في قوله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} إلى قوله: {إن يكن ~~غنيا أو فقيرا} أي المشهود عليه ونحو ذلك؛ لأن العادة أن الشهادة المزورة ~~يعتاض عليها وإلا فليس أحد يشهد شهادة مزورة بلا عوض - ولو مدح - أو اتخاذ ~~يد. وآفة الشهادة: إما اللي وإما الإعراض: الكذب والكتمان فيحلفان لا نشتري ~~بقولنا ثمنا: أي لا نكذب ولا نكتم شهادة الله أو لا نشتري بعهد الله ثمنا؛ ~~لأنهما كانا مؤتمنين فعليهما عهد بتسليم المال إلى مستحقه؛ فإن الوصية عهد ~~من العهود. وقوله بعد ذلك ms4643 {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} أعم من أن يكون # PageV14P484 # في الشهادة أو الأمانة. وسبب نزول الآية يقتضي أنه كان في الأمانة فإنهما ~~استشهدا وائتمنا لكن ائتمانهما ليس خارجا عن القياس؛ بل حكمه ظاهر فلم يحتج ~~فيه إلى تنزيل بخلاف استشهادهما والمعثور على استحقاق الإثم ظهور بعض ~~الوصية عند من اشتراها منهما بعد أن وجد ذكرها في الوصية وسئلا عنها ~~فأنكراها. وقوله: {من الذين استحق عليهم} يحتمل أن يكون مضمنا معنى بغى ~~عليهم وعدى (عليهم كما يقال في الغصب: غصبت علي مالي. ولهذا قيل: {لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما وما اعتدينا} أي كما اعتدوا. ثم قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} وحديث ابن عباس في ~~البخاري صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بمعنى ما في القرآن فرد ~~اليمين على المدعيين بعد أن استحلف المدعى عليهم لما عثر على أنهما استحقا ~~إثما وهو إخبار المشترين أنهم اشتروا " الجام " منهما بعد قولهما ما رأيناه ~~فحلف النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من المدعين الأوليان وأخذ " الجام " ~~من المشتري وسلم إلى المدعي وبطل البيع وهذا لا يكون مع إقرارهما بأنهما ~~باعا الجام؛ فإنه لم يكن يحتاج إلى يمين المدعيين لو اعترفا بأنه جام ~~الموصي وأنهما # PageV14P485 # غصباه وباعاه بل بقوا على إنكار قبضه مع بيعه أو ادعوا مع ذلك أنه أوصى ~~لهما به وهذا بعيد. فظاهر الآية أن المدعى عليه المتهم بخيانة ونحوها - كما ~~اتهم هؤلاء - إذا ظهر كذبه وخيانته كان ذلك لوثا يوجب رجحان جانب المدعي؛ ~~فيحلف ويأخذ كما قلنا في الدماء سواء والحكمة فيهما واحدة وذلك أنه لما ~~كانت العادة أن القتل لا يفعل علانية بل سرا فيتعذر إقامة البينة ولا يمكن ~~أن يؤخذ بقول المدعي مطلقا أخذ بقول من يترجح جانبه فمع عدم اللوث جانب ~~المنكر راجح أما إذا كان قتل ولوث قوي جانب المدعي فيحلف. وكذلك الخيانة ~~والسرقة يتعذر إقامة البينة عليهما في العادة ومن يستحل أن يسرق فقد ms4644 لا ~~يتورع عن الكذب فإذا لم يكن لوث فالأصل براءة الذمة أما إذا ظهر لوث بأن ~~يوجد بعض المسروق عنده فيحلف المدعي ويأخذ وكذلك لو حلف المدعى عليه ابتداء ~~ثم ظهر بعض المسروق عند من اشتراه أو اتهبه أو أخذه منه فإن هذا اللوث في ~~تغليب الظن أقوى؛ لكن في الدم قد يتيقن القتل ويشك في عين القاتل فالدعوى ~~إنما هي بالتعيين. وأما في الأموال: فتارة يتيقن ذهاب المال وقدره مثل أن ~~يكون # PageV14P486 # معلوما في مكان معروف، وتارة يتيقن ذهاب مال لا قدره بأن يعلم أنه كان ~~هناك مال وذهب. وتارة يتيقن هتك الحرز ولا يدري أذهب بشيء أم لا؟ هذا في ~~دعوى السرقة وأما في دعوى الخيانة فلا تعلم الخيانة فإذا ظهر بعض المال ~~المتهم به عند المدعى عليه أو من قبضه منه ظهر اللوث بترجيح جانب المدعي ~~فإن تحليف المدعى عليه حينئذ بعيد. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {لو يعطى ~~الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه} ~~جمع فيه الدماء والأموال فكما أن الدماء إذا كان مع المدعي لوث حلف فكذلك ~~الأموال كما حلفناه مع شاهده فكل ما يغلب على الظن صدقه فهو بمنزلة شاهده ~~كما جعلنا في الدماء الشهادة المزورة لنقص نصابها أو صفاتها لوثا وكذلك في ~~الأموال جعل الشاهد مع اليمين فالشاهد المزور مع لوث وهو. . . (1) لكن ~~ينبغي أن تعتبر في هذا حال المدعي والمدعى عليه في الصدق والكذب فإن باب ~~السرقة والخيانة لا يفعله إلا فاسق فإن كان من أهل ذلك لم يكن. . . (2) إذا ~~لم يكن إلا عدلا. وكذلك المدعي قد يكذب فاعتبار العدالة والفسق في هذا يدل ~~عليه قول الأنصاري: كيف نرضى بأيمان قوم كفار؟ فعلم أن المتهم إذا كان ~~فاجرا فللمدعي أن لا يرضى بيمينه لأنه من يستحل أن يسرق يستحل أن يحلف. ~~PageV14P487 # سورة الأنعام # سئل - رضي الله عنه -: # عن قوله تعالى {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} وقوله تعالى {وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من ms4645 عمره إلا في كتاب} وقوله تعالى {يمحوا الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب} هل المحو والإثبات في اللوح المحفوظ والكتاب الذي جاء في ~~الصحيح {أن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده على عرشه} الحديث. وقد جاء: {جف ~~القلم} فما معنى ذلك في المحو والإثبات؟ . وهل شرع في الدعاء أن يقول: " ~~اللهم إن كنت كتبتني كذا فامحني واكتبني كذا فإنك قلت: {يمحوا الله ما يشاء ~~ويثبت} وهل صح أن عمر كان يدعو بمثل هذا؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد ~~بصلة الرحم كما جاء في الحديث؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، # PageV14P488 # أما قوله سبحانه: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} فالأجل الأول هو أجل كل ~~عبد؛ الذي ينقضي به عمره والأجل المسمى عنده هو: أجل القيامة العامة. ولهذا ~~قال: {مسمى عنده} فإن وقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال: ~~{يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو} . بخلاف ما إذا قال: (مسمى كقوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} ~~إذ لم يقيد بأنه مسمى عنده فقد يعرفه العباد. وأما أجل الموت فهذا تعرفه ~~الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد. كما قال في ~~الصحيحين عن ابن مسعود قال: {حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ~~الصادق المصدوق -: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون ~~علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ~~فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح} فهذا الأجل ~~الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده. وأما أجل القيامة ~~المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو. # PageV14P489 # وأما قوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} فقد قيل إن المراد الجنس ~~أي ما يعمر من عمر إنسان ولا ينقص من عمر إنسان ثم التعمير والتقصير يراد ~~به شيئان: ms4646 " أحدهما " أن هذا يطول عمره وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره نقصا ~~له بالنسبة إلى غيره كما أن المعمر يطول عمره وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره ~~نقصا له بالنسبة إلى غيره كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر. وقد يراد ~~بالنقص النقص من العمر المكتوب كما يراد بالزيادة الزيادة في العمر ~~المكتوب. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سره أن ~~يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه} وقد قال بعض الناس: إن ~~المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا ~~في الكثير قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان. فيقال لهؤلاء تلك ~~البركة. وهي الزيادة في العمل والنفع. هي أيضا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع ~~الأشياء. والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة # PageV14P490 # فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب. وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك ~~المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن ~~آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم فرأى فيهم ~~رجلا له بصيص فقال من هذا يا رب؟ فقال ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال ~~أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال فقد وهبت له من عمري ستين ~~سنة. فكتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من ~~عمري ستون سنة. قالوا: وهبتها لابنك داود. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته} وروي ~~أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره. فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم ~~جعله ستين وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيا ~~فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان ~~وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له وما ms4647 يزيده ~~إياه بعد ذلك والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله والله يعلم الأشياء ~~قبل كونها وبعد كونها؛ # PageV14P491 # فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله ~~سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات. ~~وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم؟ . # PageV14P492 # وقال أيضا: # فصل: # ذكر الله أنه يرفع درجات من يشاء في قصة مناظرة إبراهيم وفي قصة احتيال ~~يوسف ولهذا قال السلف: بالعلم؛ فإن سياق الآيات يدل عليه فقصة إبراهيم في ~~العلم بالحجة والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين وقصة يوسف في العلم ~~بالسياسة والتدبير لتحصل منفعة المطلوب فالأول علم بما يدفع المضار في ~~الدين والثاني علم بما يجلب المنافع أو يقال: الأول هو العلم الذي يدفع ~~المضرة عن الدين ويجلب منفعته والثاني علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب ~~منفعتها أو يقال قصة إبراهيم في علم الأقوال النافعة عند الحاجة إليها وقصة ~~يوسف في علم الأفعال النافعة عند الحاجة إليها فالحاجة في جلب المنفعة ودفع ~~المضرة قد تكون إلى القول وقد تكون. . . (1) . # ولهذا كان المقصرون عن علم الحجج والدلالات، وعلم السياسة PageV14P493 # والإمارات مقهورين مع هذين الصنفين تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو ~~يفسد الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم وتارة بالاحتياج إليهم إذا هجم على ~~أنفسهم من أنفسهم ذلك وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شر بعض في ~~الدين والدنيا وتارة يعيشون في ظلهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم ~~ولا وال يظلمهم وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع والسياسة ~~الدافعة للظلم. ولهذا قيل: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء ~~وكما أن المنفعة فيهما فالمضرة منهما فإن البدع والظلم لا تكون إلا فيهما: ~~أهل الرياسة العلمية وأهل الرياسة القدرية ولهذا قال طائفة من السلف ~~كالثوري وابن عيينة وغيرهما ما معناه: أن من نجا من فتنة البدع وفتنة ~~السلطان فقد نجا من الشر كله وقد بسطت القول ms4648 في هذا في الصراط المستقيم عند ~~قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} . # PageV14P494 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو ~~خطأ. # منها قوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} والآية بعدها. أشكلت ~~قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة وليس ~~كذلك؛ لكنها داخلة في خبر أن. والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا: لم يكن قسمهم صدقا؛ بل قد يكون كذبا وهو ظاهر ~~الكلام المعروف أنها " أن " المصدرية ولو كان (ونقلب) إلخ. كلاما مبتدأ لزم ~~أن كل من جاءته آية قلب فؤاده وليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم. # PageV14P495 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم} ذكر هذا بعد قوله: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون} {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما ~~هم مقترفون} {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من ~~الممترين} ثم قال: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم} وقال تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن ~~تجد من دونه ملتحدا} . فأخبر في هاتين الآيتين أنه لا مبدل لكلمات الله ~~وأخبر في الأولى أنها تمت صدقا وعدلا. وقد تواتر {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV14P496 # أنه كان يستعيذ ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات وفي بعض الأحاديث ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر} . وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} {لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات ms4649 الله ذلك هو الفوز العظيم} . وقال ~~تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ~~ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} فأخبر في هذه الآية أيضا ~~أنه لا مبدل لكلمات الله؛ عقب قوله: {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا} وذلك بيان أن وعد الله الذي وعده رسله من كلماته التي لا مبدل لها ~~لما قال في أوليائه: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله} فإنه ذكر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأن لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة. فوعدهم بنفي المخافة والحزن وبالبشرى في ~~الدارين. وقال بعد ذلك: {ولا مبدل لكلمات الله} فكان في هذا تحقيق كلام ~~الله الذي هو وعده. كما قال: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} . وقال: {وعد ~~الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . وقال المؤمنون: {ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} . ~~فإخلاف ميعاده تبديل # PageV14P497 # لكلماته - وهو سبحانه لا مبدل لكلماته. يبين ذلك قوله تعالى {لا تختصموا ~~لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} ~~فأخبر سبحانه أنه قدم إليهم بالوعيد وقال: {ما يبدل القول لدي} وهذا يقتضي ~~أنه صادق في وعيده أيضا وأن وعيده لا يبدل. وهذا مما احتج به القائلون بأن ~~فساق الملة لا يخرجون من النار. وقد تكلمنا عليهم في غير هذا الموضع؛ لكن ~~هذه الآية تضعف جواب من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز. فإن قوله: {ما يبدل ~~القول لدي} بعد قوله: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} دليل على أن وعيده لا يبدل ~~كما لا يبدل وعده. لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد وتفسير بعضها ~~ببعض من غير تبديل شيء منها كما يجمع بين نصوص الأمر والنهي من غير تبديل ~~شيء منها. وقد قال تعالى: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ~~ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله} والله ms4650 أعلم. PageV14P498 # الجزء الخامس عشر # كتاب التفسير # الجزء الثاني # من سورة الأعراف إلى سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعراف # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - # فصل: # حجة إبليس في قوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} هي باطلة ~~لأنه عارض النص بالقياس. ولهذا قال بعض السلف: أول من قاس إبليس وما عبدت ~~الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ويظهر فسادها بالعقل من وجوه خمسة. " أحدها " ~~أنه ادعى أن النار خير من الطين وهذا قد يمنع فإن الطين فيه السكينة ~~والوقار والاستقرار والثبات والإمساك ونحو ذلك وفي النار الخفة والحدة ~~والطيش والطين فيه الماء والتراب. " الثاني " أنه وإن كانت النار خيرا من ~~الطين فلا يجب أن يكون # PageV15P005 # المخلوق من الأفضل أفضل فإن الفرع قد يختص بما لا يكون في أصله وهذا ~~التراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنبات ما هو خير منه والاحتجاج على ~~فضل الإنسان على غيره بفضل أصله على أصله حجة فاسدة احتج بها إبليس وهي حجة ~~الذين يفخرون بأنسابهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من قصر به عمله ~~لم يبلغ به نسبه} ". " الثالث " أنه وإن كان مخلوقا من طين فقد حصل له بنفخ ~~الروح المقدسة فيه ما شرف به فلهذا قال: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين} فعلق السجود بأن ينفخ فيه من روحه فالموجب للتفضيل هذا ~~المعنى الشريف الذي ليس لإبليس مثله. " الرابع " أنه مخلوق بيدي الله تعالى ~~كما قال تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وهو كالأثر المروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وعن عبد الله بن عمرو في تفضيله على ~~الملائكة حيث قالت الملائكة: " {يا رب قد خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ~~ويشربون ويلبسون وينكحون؛ فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا فقال: لا ~~أفعل. ثم أعادوا. فقال: لا أفعل ثم أعادوا فقال: وعزتي لا أجعل صالح من ~~خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان} ". " الخامس " أنه لو فرض أنه أفضل فقد ~~يقال: ms4651 إكرام الأفضل للمفضول ليس بمستنكر. # PageV15P006 # سئل الشيخ - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} الآية الكريمة. هل ~~ذلك عام لا يراهم أحد أم يراهم بعض الناس دون بعض؟ وهل الجن والشياطين جنس ~~واحد ولد إبليس أم جنسين: ولد إبليس وغير ولده؟ . # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله ورضي عنه آمين - ~~فقال: # الحمد لله، الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا ~~حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها وليس فيه أنهم لا ~~يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضا؛ لكن لا ~~يرونهم في كل حال والشياطين هم مردة الإنس والجن وجميع الجن ولد إبليس. ~~والله أعلم. # PageV15P007 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # قوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} والفاحشة أريد بها ~~كشف السوآت فيستدل به على أن في الأفعال السيئة من الصفات ما يمنع أمر ~~الشرع بها فإنه أخبر عن نفسه في سياق الإنكار عليهم أنه لا يأمر بالفحشاء ~~فدل ذلك على أنه منزه عنه فلو كان جائزا عليه لم يتنزه عنه. فعلم أنه لا ~~يجوز عليه الأمر بالفحشاء؛ وذلك لا يكون إلا إذا كان الفعل في نفسه سيئا ~~فعلم أن كلما كان في نفسه فاحشة فإن الله لا يجوز عليه الأمر به وهذا قول ~~من يثبت للأفعال في نفسها صفات الحسن والسوء كما يقوله أكثر العلماء ~~كالتميميين وأبي الخطاب؛ خلاف قول من يقول: إن ذلك لا يثبت قط إلا بخطاب. ~~وكذلك قوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} علل النهي عنه ~~بما اشتمل عليه من أنه فاحشة وأنه ساء سبيلا فلو # PageV15P008 # كان إنما صار فاحشة وساء سبيلا بالنهي لما صح ذلك؛ لأن العلة تسبق ~~المعلول لا تتبعه ومثل ذلك كثير في القرآن. وأما في الأمر فقوله: {كتب ms4652 ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} دليل على أنه أمر به؛ لأنه ~~خير لنا؛ ولأن الله علم فيه ما لم نعلمه. ومثله قوله في آية الطهور {ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} دليل على أنه أمر بالطهور؛ ~~لما فيه من الصلاح لنا وهذا أيضا في القرآن كثير. # PageV15P009 # وقال الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية على قول الله عز وجل: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه ~~خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين} : هاتان الآيتان مشتملتان على ~~آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ فإن الدعاء في القرآن يراد ~~به هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما؛ وهما متلازمان. فإن دعاء المسألة ~~هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره ودفعه. وكل من يملك الضر والنفع ~~فإنه هو المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر. ولهذا أنكر تعالى على من ~~عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا. وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ~~{ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} وقال: {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم} فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر ~~والمتعدي فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم. وهذا كثير في القرآن يبين تعالى ~~أن المعبود لا بد أن يكون مالكا # PageV15P010 # للنفع. والضر فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة ويدعو خوفا ورجاء دعاء ~~العبادة فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة. ~~وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. وعلى هذا فقوله: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} يتناول نوعي الدعاء. وبكل منهما فسرت ~~الآية. قيل: أعطيه إذا سألني. وقيل: أثيبه إذا عبدني. والقولان متلازمان. ~~وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في ~~حقيقته ومجازه؛ بل هذا ms4653 استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعا فتأمله ~~فإنه موضوع عظيم النفع وقل ما يفطن له. وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين ~~فصاعدا فهي من هذا القبيل. مثال ذلك قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل} فسر " الدلوك " بالزوال وفسر بالغروب وليس بقولين؛ بل اللفظ ~~يتناولهما معا؛ فإن الدلوك هو الميل. ودلوك الشمس ميلها. ولهذا الميل مبتدأ ~~ومنتهى فمبتدؤه الزوال ومنتهاه الغروب واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار. ~~ومثاله أيضا تفسير " الغاسق " بالليل وتفسيره بالقمر. فإن ذلك # PageV15P011 # ليس باختلاف؛ بل يتناولهما لتلازمهما. فإن القمر آية الليل. ونظائره ~~كثيرة. ومن ذلك قوله تعالى {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي دعاؤكم ~~إياه وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول ومحل ~~الأول مضافا إلى الفاعل وهو الأرجح من القولين. وعلى هذا فالمراد به نوعي ~~الدعاء وهو في دعاء العبادة أظهر أي ما يعبأ بكم لولا أنكم ترجونه وعبادته ~~تستلزم مسألته. فالنوعان داخلان فيه. ومن ذلك قوله تعالى {وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم} فالدعاء يتضمن النوعين وهو في دعاء العبادة أظهر؛ ولهذا أعقبه: ~~{إن الذين يستكبرون عن عبادتي} الآية. ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا. ~~وروى الترمذي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول - على المنبر - " {إن الدعاء هو العبادة. ثم قرأ قوله تعالى {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم} الآية} قال الترمذي حديث حسن صحيح. # PageV15P012 # وأما قوله تعالى {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له} الآية. وقوله: {إن يدعون من دونه إلا إناثا} الآية. وقوله: ~~{وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل} الآية. وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين ~~لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة فهو في دعاء ~~العبادة أظهر؛ لوجوه ثلاثة: " أحدها " أنهم قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم. " الثاني " أن الله ~~تعالى: فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى: {وقيل لهم أين ما كنتم ~~تعبدون} ms4654 {من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} وقوله تعالى {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} . وقوله تعالى {لا أعبد ما ~~تعبدون} فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم. " الثالث " أنهم كانوا يعبدونها في ~~الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها ومع هذا فكانوا ~~يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء ~~مسألة. وقوله تعالى {فادعوا الله مخلصين له الدين} هو دعاء العبادة والمعنى ~~اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره. # PageV15P013 # وأما قول إبراهيم عليه السلام {إن ربي لسميع الدعاء} فالمراد بالسمع ~~هاهنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام؛ لأنه سميع لكل ~~مسموع. وإذا كان كذلك فالدعاء: دعاء العبادة ودعاء الطلب وسمع الرب تعالى ~~له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع هذا وهذا. وأما قول زكريا ~~عليه السلام {ولم أكن بدعائك رب شقيا} فقد قيل: إنه دعاء المسألة والمعنى: ~~أنك عودتني إجابتك ولم تشقني بالرد والحرمان؛ فهو توسل إليه سبحانه وتعالى ~~بما سلف من إجابته وإحسانه وهذا ظاهر هاهنا. وأما قوله تعالى {قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن} الآية: فهذا الدعاء: المشهور أنه دعاء المسألة وهو ~~سبب النزول. قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول مرة: " يا ~~الله " ومرة " يا رحمن " فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه ~~الآية. وأما قوله {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} فهذا دعاء ~~العبادة المتضمن للسلوك رغبة ورهبة والمعنى: إنا كنا نخلص له العبادة؛ ~~وبهذا استحقوا أن وقاهم الله عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين ~~الناجي وغيره؛ فإنه سبحانه يسأله من في السموات # PageV15P014 # والأرض {لن ندعو من دونه إلها} أي: لن نعبد غيره. وكذا قوله: {أتدعون ~~بعلا} الآية. وأما قوله: {وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم} فهذا دعاء المسألة ~~يكبتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم أن شركاءهم لا يستجيبون لهم ~~دعوتهم وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى {ويوم يقول نادوا شركائي ~~الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} ms4655 . إذا عرف هذا: فقوله تعالى: {ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية} يتناول نوعي الدعاء؛ لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن ~~دعاء العبادة ولهذا أمر بإخفائه وإسراره. قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة ~~العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ~~أي ما كانت إلا همسا بينهم وبين ربهم عز وجل؛ وذلك أن الله عز وجل يقول: ~~{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وأنه ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله فقال: {إذ نادى ~~ربه نداء خفيا} . وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: " أحدها " أنه أعظم ~~إيمانا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي. و " ثانيها " أنه أعظم ~~في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع # PageV15P015 # الأصوات عندهم ومن رفع صوته لديهم مقتوه ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع ~~الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. و " ثالثها " أنه ~~أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الخاشع ~~الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه. وذلت جوارحه وخشع صوته؛ ~~حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه ~~بالنطق. وقلبه يسأل طالبا مبتهلا ولسانه لشدة ذلته ساكتا وهذه الحال لا ~~تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلا. و " رابعها " أنه أبلغ في الإخلاص. و " ~~خامسها " أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ~~فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه. و " سادسها " ~~- وهو من النكت البديعة جدا - أنه دال على قرب صاحبه للقريب لا مسألة نداء ~~البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: {إذ نادى ربه ~~نداء خفيا} # PageV15P016 # فلما استحضر القلب قرب الله عز وجل وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ~~ما أمكنه. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى بعينه بقوله في ~~الحديث الصحيح: {لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: ~~أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ms4656 إنكم تدعون سميعا قريبا إن ~~الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} ". وقد قال تعالى: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وهذا القرب من الداعي هو ~~قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ~~ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} فيه ~~الإرشاد والإعلام بهذا القرب. و " سابعها " أنه أدعى إلى دوام الطلب ~~والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد ~~يمل اللسان وتضعف قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لا ~~يطول له؛ بخلاف من خفض صوته. و " ثامنها " أن إخفاء الدعاء أبعد له من ~~القواطع والمشوشات؛ # PageV15P017 # فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل على هذا تشويش ولا ~~غيره وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا بد ومانعته وعارضته ولو لم ~~يكن إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته؛ فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف ~~هذا فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة. و " تاسعها " أن أعظم النعمة الإقبال ~~والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة ~~فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد. ~~وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك ~~كيدا} الآية. وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر ~~بها فسلبه إياها الأغيار؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله ~~تعالى ولا يطلع عليه أحد والقوم أعظم شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله عز وجل ~~وما وهب الله من محبته والأنس به وجمعية القلب ولا سيما فعله للمهتدي ~~السالك فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء في قلبه - بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى ~~حاله مع الله ms4657 تعالى ليقتدى به ويؤتم به - لم يبال. وهذا باب عظيم النفع ~~إنما يعرفه أهله. # PageV15P018 # وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة ~~والإقبال على الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء عن أعين ~~الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة. و " عاشرها " أن الدعاء هو ذكر للمدعو ~~سبحانه وتعالى متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه فهو ذكر وزيادة ~~كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه للطلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{أفضل الدعاء الحمد لله} " فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض؛ لأن الحمد ~~متضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب؛ فالحامد طالب للمحبوب فهو أحق ~~أن يسمى داعيا من السائل الطالب؛ فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب فهو ~~دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه. و " ~~المقصود " أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال ~~تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يذكره في نفسه قال مجاهد وابن جريج: أمروا أن يذكروه في الصدور ~~بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت والصياح وتأمل كيف قال في آية الذكر: ~~{واذكر ربك} الآية. وفي آية الدعاء: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} فذكر التضرع ~~فيهما معا وهو التذلل والتمسكن والانكسار # PageV15P019 # وهو روح الذكر والدعاء. وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها ~~وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف فإن الذكر يستلزم المحبة ~~ويثمرها؛ ولا بد لمن أكثر من ذكر الله أن يثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم ~~تقترن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل تضره؛ لأنها توجب التواني والانبساط ~~وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات ~~وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله. ومحبته ~~له فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل. ولقد حدثني رجلا أنه أنكر ~~على بعض هؤلاء خلوة له ترك فيها الجمعة فقال له الشيخ أليس الفقهاء يقولون: ms4658 ~~إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط؟ فقال له: بلى. فقال له: فقلب ~~المريد أعز عليه من عشرة دراهم - أو كما قال - وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه ~~لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه. فقال له: هذا غرور بك الواجب الخروج إلى أمر ~~الله عز وجل. فتأمل هذا الغرور العظيم كيف أدى إلى الانسلاخ عن الإسلام ~~جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها ~~وهو يظن أنه من خاصة الخاصة. # PageV15P020 # وسبب هذا عدم ### | اقتران الخوف من الله بحبه # وإرادته؛ ولهذا قال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن ~~عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب ~~والخوف والرجاء فهو مؤمن. والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في ~~هذه المعاطب فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما كلها شيء ~~كالخائف الذي معه سوط يضرب به مطيته؛ لئلا تخرج عن الطريق. والرجا حاد ~~يحدوها يطلب لها السير والحب قائدها وزمامها الذي يشوقها فإذا لم يكن ~~للمطية سوط ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنها. ~~فما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته ~~فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا ومتى ضعف فيه ~~شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه فتأمل أسرار القرآن وحكمته في اقتران الخيفة ~~بالذكر والخفية بالدعاء مع دلالته على اقتران الخفية بالدعاء والخيفة ~~بالذكر أيضا وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء؛ لأن الدعاء مبني ~~عليه فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه؛ إذ طلب ~~ما لا طمع له فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف # PageV15P021 # إليه فذكر في كل آية ما هو اللائق بها من الخوف والطمع فتبارك من أنزل ~~كلامه شفاء لما في الصدور. وقوله تعالى {إنه لا يحب المعتدين} قيل المراد ~~أنه لا ms4659 يحب المعتدين في الدعاء كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء ~~وغير ذلك. وقد روى أبو داود في سننه عن {عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه ~~يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني ~~سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء} وعلى هذا ~~فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على ~~المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة ~~أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب. ويسأله ~~بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ولدا من غير زوجة ~~ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله. وفسر الاعتداء برفع ~~الصوت أيضا في الدعاء. وبعد: فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء ~~بالدعاء مرادا # PageV15P022 # بها فهو من جملة المراد والله لا يحب المعتدين في كل شيء: دعاء كان أو ~~غيره؛ كما قال تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وعلى هذا: ~~فيكون أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهم يدعون معه غيره ~~فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا؛ فإن أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة في ~~غير موضعها فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا في قوله تعالى {إنه لا يحب ~~المعتدين} ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع؛ بل دعاء هذا كالمستغني المدلي ~~على ربه وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل. فمن لم يسأل مسألة ~~مسكين متضرع خائف فهو معتد. ومن الاعتداء أن يعبده بما لم يشرع ويثني عليه ~~بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء في دعائه: الثناء ~~والعبادة وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب. وعلى هذا فتكون الآية ~~دالة على شيئين: " أحدهما " محبوب للرب سبحانه وهو الدعاء ms4660 تضرعا وخفية. " ~~الثاني " مكروه له مسخوط وهو الاعتداء فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما ~~يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير # PageV15P023 # وهو لا يحب فاعله ومن لا يحبه الله فأي خير يناله؟ وقوله تعالى {إنه لا ~~يحب المعتدين} عقيب قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} دليل على أن من لم يدعه ~~تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم؛ فقسمت الآية الناس إلى قسمين؛ ~~داع لله تضرعا وخفية ومعتد بترك ذلك. وقوله تعالى {ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها} قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والداعي إلى غير طاعة ~~الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله ~~مفسد فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد في ~~الأرض بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ومخالفة أمره. قال ~~الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} قال عطية في ~~الآية: ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال ~~غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بني آدم فتقول: اللهم ~~العنهم فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر. و " بالجملة " فالشرك والدعوة إلى ~~غير الله وإقامة معبود غيره أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~أعظم الفساد # PageV15P024 # في الأرض ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة ~~له لا لغيره والطاعة والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره إنما ~~تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن أمر بمعصيته فلا ~~سمع ولا طاعة: فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه ~~وبالأمر بالتوحيد ونهى عن فسادها بالشرك به ومخالفة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله ~~وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل شر في العالم وفتنة وبلاء ~~وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول ms4661 صلى الله عليه وسلم والدعوة ~~إلى غير الله. ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي ~~غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى {وادعوه خوفا ~~وطمعا} إنما ذكر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع فأمر أولا ~~بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر أيضا أن يكون الدعاء خوفا وطمعا. وفصل الجملتين ~~بجملتين: " إحداهما " خبرية ومتضمنة للنهي وهي قوله: {إنه لا يحب المعتدين} ~~. # PageV15P025 # و " الثانية " طلبية. وهي قوله تعالى {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} ~~والجملتان مقررتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها. ثم لما تم تقريرها ~~وبيان ما يضاده أمر بدعائه خوفا وطمعا؛ لتعلق قوله {إنه لا يحب المعتدين} ~~بقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} . ولما كان قوله: {وادعوه خوفا ~~وطمعا} مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان وهي الحب والخوف والرجاء: ~~عقبها بقوله {إن رحمة الله قريب من المحسنين} أي: إنما تنال من دعاه خوفا ~~وطمعا فهو المحسن والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول ~~الثلاثة. ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الاعتداء بعدم التضرع والخفية ~~عقب ذلك بقوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} . وانتصاب قوله: {تضرعا وخفية} ~~{خوفا وطمعا} على الحال أي ادعوه متضرعين إليه مختفين خائفين مطيعين. ~~وقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا ~~المأمور هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم من # PageV15P026 # الله رحمته ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه ~~تضرعا وخفية وخوفا وطمعا. فقرر مطلوبكم منه وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه ~~وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله تعالى {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ~~له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله بمفهومه. فدلالته بمنطوقه على قرب ~~الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق ~~بالإحسان وهو السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعده من غير ~~المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة؛ وإنما اختص أهل الإحسان بقرب ~~الرحمة لأنها إحسان من الله عز ms4662 وجل أرحم الراحمين وإحسانه تبارك وتعالى ~~إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم ~~أحسن إليهم برحمته وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان ~~بعدت عنه الرحمة بعد ببعد وقرب بقرب فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه ~~برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته. والله سبحانه يحب ~~المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن ~~أبغضه الله فرحمته أبعد # PageV15P027 # شيء منه والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو ~~إلى نفسه فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى والإقبال ~~إليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة ~~وخشية. فهذا هو مقام " الإحسان " كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان؛ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه} " فإذا ~~كان هذا هو الإحسان فرحمته قريب من صاحبه؛ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ~~يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلا الجنة؟ . وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن ~~عدي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: {قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم. قال: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة} ". آخر ~~الكلام على الآيتين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم. # PageV15P028 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قوله سبحانه: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين} {قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ms4663 يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ظاهره دليل على أن شعيبا والذين آمنوا ~~معه كانوا على ملة قومهم؛ لقولهم: {أو لتعودن في ملتنا} ولقول شعيب: (أنعود ~~فيها {أولو كنا كارهين} ولقوله: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم} فدل على أنهم كانوا فيها. ولقوله: {بعد إذ نجانا الله منها} . فدل ~~على أن الله أنجاهم منها بعد التلوث بها؛ ولقوله: {وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ولا يجوز أن يكون الضمير عائدا على قومه؛ لأنه ~~صرح فيه بقوله: {لنخرجنك يا شعيب} ولأنه هو المحاور له بقوله: {أولو كنا ~~كارهين} إلى آخرها وهذا يجب أن يدخل فيه المتكلم ومثل هذا في سورة إبراهيم ~~{وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} الآية. # PageV15P029 # وقال شيخ الإسلام: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~فيها، # ومنها قوله: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} الآية وما في ~~معناها. التحقيق: أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حتى ~~في النسب كما في حديث هرقل. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص ~~إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون ~~وجوبه وترك ما يعرفون قبحه. قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم؛ ولهذا ~~لم يذكره أحد من المشركين قادحا. وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما ~~جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع وأن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو ~~كافر، # PageV15P030 # كافر والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلا عن أن تقر به. قال تعالى: {ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره} الآية. وقال: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده لينذر يوم التلاق} فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق ms4664 ~~وكلاهما عرفوه بالوحي. وما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بغضت إليه الأوثان ~~لا يجب أن يكون لكل نبي فإنه سيد ولد آدم والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر ~~الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى ~~وبالنصر والقهر كما كان نوح وإبراهيم. ولهذا يضيف الله الأمر إليهما في مثل ~~قوله: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} الآية. {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم} الآية. وذلك أن نوحا أول رسول بعث إلى المشركين وكان مبدأ شركهم ~~من تعظيم الموتى الصالحين. وقوم إبراهيم مبدؤه من عبادة الكواكب ذاك الشرك ~~الأرضي وهذا السماوي؛ ولهذا سد صلى الله عليه وسلم ذريعة هذا وهذا. # PageV15P031 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قد أخبر الله بأنه بارك في أرض الشام في آيات: منها قوله: {وأورثنا القوم ~~الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} . ومنها ~~قوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} . ومنها قوله: ~~{تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين} . ومنها ~~قوله: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} وهي قرى الشام ~~وتلك قرى اليمن والتي بينهما قرى الحجاز ونحوها وبادت. ومنها قوله: {إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} . # PageV15P032 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قال الله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال} فأمر بذكر الله في نفسه فقد يقال: هو ذكره في قلبه بلا ~~لسانه؛ لقوله بعد ذلك: {ودون الجهر من القول} وقد يقال وهو أصح: بل ذكر ~~الله في نفسه باللسان مع القلب وقوله: {ودون الجهر من القول} كقوله: {ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} . وفي الصحيح عن عائشة ~~قالت نزلت في الدعاء. وفي الصحيح عن {ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يجهر بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن أنزل ~~عليه فقال الله: لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت ms4665 ~~به عن أصحابك فلا يسمعوه} . فنهاه عن الجهر والمخافتة. فالمخافتة هي ذكره ~~في نفسه والجهر المنهي عنه هو الجهر المذكور في قوله: {ودون الجهر} # PageV15P033 # فإن الجهر هو الإظهار الشديد يقال: رجل جهوري الصوت ورجل جهير. وكذلك قول ~~عائشة في الدعاء فإن الدعاء كما قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وقال: ~~{إذ نادى ربه نداء خفيا} فالإخفاء قد يكون بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة ~~والجهر مثل المناداة المطلقة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم {لما رفع ~~أصحابه أصواتهم بالتكبير فقال: أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته} " ونظير قوله: {واذكر ربك في نفسك} قوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما روى عن ربه " {من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. ومن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه} " وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه فإنه جعله ~~قسيم الذكر في الملأ وهو نظير قوله: {ودون الجهر من القول} والدليل على ذلك ~~أنه قال: {بالغدو والآصال} ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في ~~الصلاة وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب مثل صلاتي الفجر والعصر والذكر ~~المشروع عقب الصلاتين وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه وفعله من ~~الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة # PageV15P034 # طرفي النهار بالغدو والآصال. وقد يدخل في ذلك أيضا ذكر الله بالقلب فقط؛ ~~لكن يكون الذكر في النفس كاملا وغير كامل؛ فالكامل باللسان مع القلب وغير ~~الكامل بالقلب فقط. # ويشبه ذلك قوله تعالى {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} فإن ~~القائلين بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية وأجاب عنها ~~أصحابنا وغيرهم بجوابين: " أحدهما " أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفيا. و " ~~الثاني " أنه قيده بالنفس وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد خلاف ~~دلالة المطلق. وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم " {إن الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ms4666 به} " فقوله حدثت به أنفسها ما لم ~~تتكلم به دليل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق وأنه ليس باللسان. ~~وقد احتج بعض هؤلاء بقوله: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور} وجعلوا القول المسر في القلب دون اللسان؛ لقوله: {إنه عليم بذات ~~الصدور} وهذه حجة ضعيفة جدا؛ لأن # PageV15P035 # قوله: {وأسروا قولكم أو اجهروا به} يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به ~~أخرى وهذا إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة. وقوله بعد ~~ذلك: {إنه عليم بذات الصدور} من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه إذا ~~كان عليما بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى. ونظيره قوله: ~~{سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} . # PageV15P036 ### | سورة الأنفال # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # قال سبحانه في قصة بدر: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين} {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} فوعدهم ~~بالإمداد بألف وعدا مطلقا وأخبر أنه جعل إمداد الألف بشرى ولم يقيده وقال ~~في قصة أحد: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين} {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فإن هذا أظن فيه قولين: " أحدهما " أنه ~~متعلق بأحد؛ لقوله بعد ذلك: {ليقطع طرفا من الذين كفروا} الآية. ولأنه وعد ~~مقيد وقوله فيه: {وما # PageV15P037 # جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} يقتضي خصوص البشرى بهم. وأما ~~قصة بدر فإن البشرى بها عامة فيكون هذا كالدليل على ما روي من أن ألف بدر ~~باقية في الأمة فإنه أطلق الإمداد والبشرى وقدم (به) على (لكم) عناية ~~بالألف وفي أحد كانت العناية بهم لو صبروا فلم يوجد الشرط. # PageV15P038 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في قوله: {فلم تقتلوهم} الآية ثلاثة أقوال: " أحدها " أنه مبني على أن ~~الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي؛ بل من فعل الله والقتل هو الإزهاق وذاك ms4667 ~~متولد وهذا قد يقوله من ينفي التولد وهو ضعيف؛ لأنه نفى الرمي أيضا وهو فعل ~~مباشر ولأنه قال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا} فأثبت القتل. ولأن القتل هو الفعل الصالح للإزهاق ليس هو الزهوق؛ ~~بخلاف الإماتة. " الثاني " أنه مبني على خلق الأفعال وهذا قد يقوله كثير من ~~الصوفية وأظنه مأثورا عن الجنيد سلب العبد الفعل نظرا إلى الحقيقة؛ لأن ~~الله هو خالق كل صانع وصنعته وهذا ضعيف لوجهين. " أحدهما " أنا وإن قلنا ~~بخلق الفعل فالعبد لا يسلبه بل يضاف # PageV15P039 # الفعل إليه أيضا فلا يقال ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا علمت ~~فإن هذا مكابرة؛ إذ أقل أحواله الاتصاف وهو ثابت. وأيضا فإن هذا لم يأت في ~~شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ببدر ولو كان هذا لعموم ~~خلق الله أفعال العباد لم يختص ببدر. " الثالث " أن الله سبحانه خرق العادة ~~في ذلك فصارت رءوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة وصارت ~~الجريدة تصير سيفا يقتل به. وكذلك رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابت ~~من لم يكن في قدرته أن يصيبه فكان ما وجد من القتل وإصابة الرمية خارجا عن ~~قدرتهم المعهودة فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه وهذا أصح وبه يصح الجمع بين ~~النفي والإثبات {وما رميت} أي ما أصبت {إذ رميت} إذ طرحت {ولكن الله رمى} ~~أصاب. وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ~~ضعيف كإنباع الماء وغيره من خوارق العادات أو الأمور الخارجة عن قدرة ~~الفاعل وهذا ظاهر فلا حجة فيه لا على الجبر ولا على نفي التولد. # PageV15P040 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في قوله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} والكلام عليها من وجهين: # " أحدهما " في الاستغفار الدافع للعذاب. # و" الثاني " في ### | العذاب المدفوع بالاستغفار. # أما " الأول ": فإن العذاب إنما يكون على الذنوب والاستغفار يوجب مغفرة ~~الذنوب التي هي سبب العذاب فيندفع العذاب كما قال ms4668 تعالى: {الر كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير} {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ~~ويؤت كل ذي فضل فضله} فبين سبحانه أنهم إذا فعلوا ذلك متعوا متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى ثم إن كان لهم فضل أوتوا الفضل. # PageV15P041 # وقال تعالى عن نوح: {يا قوم إني لكم نذير مبين} {أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون} {يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} إلى قوله: {استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا} {يرسل السماء عليكم مدرارا} الآية وقال تعالى: {ويا ~~قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم} وذلك أنه قد قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير} وقال تعالى {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم} وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} . # وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي ويعم ما يكون من العباد وذلك ~~أن الجميع قد سماه الله عذابا كما قال تعالى في النوع الثاني: {وإذ نجيناكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} وقال ~~تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم} وكذلك: {قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا} إذ التقدير بعذاب من عنده أو بعذاب بأيدينا كما قال تعالى: ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} . # PageV15P042 # وعلى هذا فيكون العذاب بفعل العباد وقد يقال: التقدير: {ونحن نتربص بكم ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} أو يصيبكم بأيدينا؛ لكن الأول هو الأوجه؛ ~~لأن الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها إصابة بسوء؛ إذ قد يقال: أصابه ~~بخير وأصابه بشر. قال تعالى: ms4669 {وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء ~~من عباده} وقال تعالى: {فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من ~~عباده إذا هم يستبشرون} . وقال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء} ولأنه لو كان لفظ الإصابة يدل على ~~الإصابة بالشر لاكتفى بذلك في قوله: {أن يصيبكم الله} . وقد قال تعالى ~~أيضا: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه ~~من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . ومن ذلك قوله تعالى ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} إلى قوله: {وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين} وقوله تعالى {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} . # PageV15P043 # ومن ذلك أنه يقال في بلال ونحوه: كانوا من المعذبين في الله ويقال إن أبا ~~بكر اشترى سبعة من المعذبين في الله. وقال صلى الله عليه وسلم " {السفر ~~قطعة من العذاب} ". وإذا كان كذلك فقوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} مع ما قد ثبت في الصحيحين عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه ~~لما نزل قوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال: أعوذ ~~بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} قال: هاتان أهون} " يقتضي أن لبسنا شيعا وإذاقة بعضنا بأس بعض هو من ~~العذاب الذي يندفع بالاستغفار كما قال: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة} وإنما تنفى الفتنة بالاستغفار من الذنوب والعمل الصالح. وقوله ~~تعالى {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم} قد يكون العذاب ~~من عنده وقد يكون بأيدي العباد فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد ~~يبتليهم بأن ms4670 يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإن ~~الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف بينهم وجعل ~~بأسهم على عدو الله وعدوهم # PageV15P044 # وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس ~~بعض. وكذلك قوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} يدخل في العذاب الأدنى ما يكون بأيدي العباد كما قد فسر بوقعة بدر ~~بعض ما وعد الله به المشركين من العذاب. # PageV15P045 ### | سورة التوبة # وقال: قد يستدل بقوله: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا ~~الكفر على الإيمان} على أن الولد يكون مؤمنا بإيمان والده؛ لأنه لم يذكر ~~الولد في استحبابه الكفر على الإيمان مع أنه أولى بالذكر وما ذاك إلا أن ~~حكمه مخالف لحكم الأب والأخ. وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه وبين ~~المستقل كما استدل سفيان بن عيينة وغيره بقوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا ~~من بيوتكم أو بيوت آبائكم} أن بيت الولد مندرج في بيوتكم؛ لأنه وماله ~~لأبيه. ويستدل بقوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها} على أن إسلام الوليد صحيح؛ لأنه جعله من جملة القائلين قول من يطلب ~~الهجرة وطلب الهجرة لا يصح إلا بعد الإيمان وإذا كان له قول في ذلك معتبر ~~كان أصلا في ذلك ولم يكن تابعا؛ بخلاف الطفل الذي لا تمييز له؛ فإنه تابع ~~لا قول له. # PageV15P046 # سئل - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {وقالت اليهود عزير ابن الله} كلهم قالوا ذلك أم بعضهم؟ ~~{وقول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما ~~كنتم تعبدون؟ فيقولون العزير} الحديث. هل الخطاب عام أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم} لم يقل جميع الناس ولا قال: إن جميع الناس قد جمعوا ~~لكم؛ بل المراد به الجنس. وهذا كما ms4671 يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل ~~الفلاني يفعلون كذا وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك فيشتركون ~~في إثم القول. والله أعلم. # PageV15P047 # وقال: # في الكلام على قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} تدل على أن ~~الاستهزاء بالله كفر وبالرسول كفر من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر ~~بالضرورة فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطا؛ فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر ~~وإلا لم يكن لذكره فائدة وكذلك الآيات. و " أيضا " فالاستهزاء بهذه الأمور ~~متلازم والضالون مستخفون بتوحيد الله تعالى يعظمون دعاء غيره من الأموات ~~وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به كما قال تعالى: {وإذا رأوك ~~إن يتخذونك إلا هزوا} الآية. فاستهزءوا بالرسول صلى الله عليه وسلم لما ~~نهاهم عن الشرك وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال ~~والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد؛ لما في أنفسهم من عظيم الشرك. وهكذا تجد من ~~فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك؛ لما عنده من الشرك ~~قال الله تعالى: {ومن الناس # PageV15P048 # من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب ~~الله فهو مشرك ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله. فهؤلاء الذين ~~اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته ويعظمون ~~ما اتخذوه من دون الله شفعاء ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ولا يجترئ أن ~~يحلف بشيخه كاذبا. وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ ~~إما عند قبره أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر ~~ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون ~~المشاهد فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك. ~~وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم؛ مضاهاة لمشركي ~~العرب الذين ذكرهم الله في قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا} الآية. فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله ويقولون: الله ~~غني ms4672 وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخشع # PageV15P049 # ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل فهل هذا ~~إلا من حال المشركين لا الموحدين ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات ~~حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات؛ بل يستثقلونها ~~ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: {قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} . والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء ~~الله: منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه ~~فأغاثه وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى؛ فجاءه ~~فأخرجه إلى بلاد الإسلام. وآخر قال: قبر فلان الترياق المجرب. ومنهم من إذا ~~نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه. وقد قال ~~تعالى للموحدين: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ~~ذكرا} وقد قال شعيب: {يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} وقال تعالى: {لأنتم ~~أشد رهبة في صدورهم من الله} . # PageV15P050 # سئل شيخ الإسلام: # عن معنى قوله تعالى {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} الآية. ~~والتوبة إنما تكون عن شيء يصدر من العبد والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم ~~من الكبائر والصغائر. # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية: # الحمد لله، الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الإقرار على ~~الذنوب كبارها وصغارها وهم بما أخبر الله به عنهم من التوبة يرفع درجاتهم ~~ويعظم حسناتهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين و ### | ليست التوبة نقصا؛ بل هي من أفضل الكمالات # وهي واجبة على جميع الخلق كما قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا} {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله ~~على المؤمنين والمؤمنات} فغاية كل مؤمن هي التوبة ثم التوبة تتنوع كما ~~يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء ~~بالتوبة والاستغفار: عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم. فقال آدم: # PageV15P051 # {ربنا ظلمنا ms4673 أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقال ~~نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين} وقال الخليل: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب} وقال هو وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} وقال موسى: {أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنا إليك} وقال تعالى: {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين} . وقد ذكر الله سبحانه توبة داود وسليمان وغيرهما من ~~الأنبياء والله تعالى {يحب التوابين ويحب المتطهرين} وفي أواخر ما أنزل ~~الله على نبيه: {إذا جاء نصر الله والفتح} {ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا} {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة: {اللهم باعد بيني وبين ~~خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد} " ~~وفي الصحيح أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح: " {اللهم أنت الملك لا إله إلا ~~أنت # PageV15P052 # أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت} " وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول: " {اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره أوله وآخره} " ~~وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " {اللهم اغفر لي ~~خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي ~~وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما ~~أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا ~~أنت} ". ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة. وقد قال الله تعالى: ms4674 {واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} فتوبة المؤمنين واستغفارهم هو من أعظم حسناتهم ~~وأكبر طاعاتهم وأجل عباداتهم التي ينالون بها أجل الثواب ويندفع بها عنهم ~~ما يدفعه من العقاب. فإذا قال القائل: أي حاجة بالأنبياء إلى العبادات ~~والطاعات؟ كان جاهلا؛ لأنهم إنما نالوا ما نالوه بعبادتهم وطاعتهم فكيف ~~يقال: إنهم لا يحتاجون إليها فهي أفضل عبادتهم وطاعتهم. وإذا قال القائل: ~~فالتوبة لا تكون إلا عن ذنب والاستغفار كذلك # PageV15P053 # قيل له: الذنب الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة فأما ما حصل منه ~~توبة فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة كما قال بعض السلف: ~~كان داود بعد التوبة أحسن منه حالا قبل الخطيئة ولو كانت التوبة من الكفر ~~والكبائر؛ فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد ~~الأنبياء وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب ولم ~~يكن ما تقدم قبل التوبة نقصا ولا عيبا؛ بل لما تابوا من ذلك وعملوا ~~الصالحات كانوا أعظم إيمانا وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم؛ فلم يعرف ~~الجاهلية كما عرفوها. ولهذا قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وقد قال الله تعالى: {والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا} {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{أن الله يحاسب عبده يوم القيامة فيعرض عليه صغار الذنوب ويخبئ عنه كبارها ~~فيقول: فعلت يوم كذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب وهو مشفق # PageV15P054 # من كبارها أن تظهر فيقول إني قد غفرتها لك وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة ~~فهنالك يقول رب إن لي سيئات ما أراها بعد} " فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل ~~الله سيئاته حسنات انقلب ما كان ms4675 يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه ~~الله بها فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له بل كانت توبته منها من أنفع ~~الأمور له والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية فمن نسي القرآن ثم حفظه ~~خير ممن حفظه الأول لم يضره النسيان ومن مرض ثم صح وقوي لم يضره المرض ~~العارض. والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من ~~تكميل العبودية والتضرع والخشوع لله والإنابة إليه وكمال الحذر في المستقبل ~~والاجتهاد في العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجوع والعطش والمرض ~~والفقر والخوف ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن فإنه يحصل له من ~~المحبة لذلك وحلاوته ولذته والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه والحذر أن يقع ~~فيما حصل أولا ما لم يحصل بدون ذلك. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع. وينبغي أن يعرف أن ### | التوبة لا بد منها لكل مؤمن # ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله ويزول عنه كل ما يكره إلا بها. # PageV15P055 # ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق وأكرمهم على الله وهو المقدم على ~~جميع الخلق في أنواع الطاعات؛ فهو أفضل المحبين لله وأفضل المتوكلين على ~~الله وأفضل العابدين له وأفضل العارفين به وأفضل التائبين إليه وتوبته أكمل ~~من توبة غيره؛ ولهذا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وبهذه المغفرة ~~نال الشفاعة يوم القيامة كما ثبت في الصحيح: " {أن الناس يوم القيامة ~~يطلبون الشفاعة من آدم فيقول: إني نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها نفسي ~~نفسي نفسي. ويطلبونها من نوح فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر ~~بها. نفسي نفسي نفسي. ويطلبونها من الخليل ثم من موسى ثم من المسيح فيقول: ~~اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: فيأتوني ~~فأنطلق فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها ~~الآن فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل ms4676 تعط واشفع تشفع فأقول: أي رب ~~أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة} ". فالمسيح - صلوات الله عليه وسلامه - ~~دلهم على محمد صلى الله عليه وسلم وأخبر بكمال عبوديته لله وكمال مغفرة ~~الله له إذ ليس بين المخلوفين والخالق نسب إلا محض العبودية والافتقار من ~~العبد # PageV15P056 # ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} " وثبت عنه ~~في الصحيح أنه كان يقول: " {يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده ~~إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} " وثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال: " {إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة} " فهو صلى الله عليه وسلم لكمال عبوديته لله. وكمال محبته له وافتقاره ~~إليه وكمال توبته واستغفاره: صار أفضل الخلق عند الله فإن الخير كله من ~~الله وليس للمخلوق من نفسه شيء بل هو فقير من كل وجه والله غني عنه من كل ~~وجه محسن إليه من كل وجه فكلما ازداد العبد تواضعا وعبودية ازداد إلى الله ~~قربا ورفعة؛ ومن ذلك توبته واستغفاره. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} " رواه ابن ماجه ~~والترمذي. # PageV15P057 ### | سورة يونس # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قوله: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب} وقوله: {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} وقوله: ~~{الشمس والقمر بحسبان} وقوله {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم} وقوله: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} دليل على ~~توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب فقوله: {لتعلموا عدد السنين ~~والحساب} إن علق بقوله: {وقدره منازل} كان الحكم مختصا بالقمر وإن أعيد إلى ~~أول الكلام تعلق بهما ويشهد للأول قوله في الأهلة فإنه موافق لذلك ms4677 ولأن كون ~~الشمس ضياء والقمر نورا لا يوجب علم عدد السنين والحساب بخلاف تقدير القمر ~~منازل فإنه هو الذي # PageV15P058 # يقتضي علم عدد السنين والحساب ولم يذكر انتقال الشمس في البروج. ويؤيد ~~ذلك قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} الآية فإنه ~~نص على أن السنة هلالية وقوله: {الحج أشهر معلومات} يؤيد ذلك لكن يدل على ~~الآخر قوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} . وهذا ~~والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب وما جاءت به الشريعة من اعتبار ~~الشهر والعام الهلالي دون الشمسي أن كل ما حد من الشهر والعام ينقسم في ~~اصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي وسنته عددية. ~~وأما الشهر الشمسي: فعددي وسنته طبيعية فأما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ظاهرة ~~لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الاجتماع لأنه أمر مضبوط بالحس لا يدخله ~~خلل ولا يفتقر إلى حساب بخلاف الاجتماع فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب وبخلاف ~~الشهر الشمسي لو ضبط. وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية فهي من جنس # PageV15P059 # الاجتماع ليس أمرا ظاهرا للحس بل يفتقر إلى حساب سير الشمس في المنازل ~~وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه ~~العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر بخلاف محاذاة الشمس لجزء من ~~أجزاء الفلك يسمى برج كذا أو محاذاتها لإحدى نقطتي الرأس أو الذنب فإنه ~~يفتقر إلى حساب. ولما كانت البروج اثني عشر فمتى تكرر الهلالي اثني عشر فقد ~~انتقل فيها كلها فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا ~~أو شرطا إما بأصل الشرع كالصيام والحج. وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة ~~الإيلاء وصوم الكفارة والنذر. وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار ~~والأيمان وغير ذلك. # PageV15P060 # وقال: # هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~فيها، # منها ms4678 قوله: {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} ظن طائفة أن (ما) ~~نافية وهو خطأ. بل هي استفهام فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم في غير ~~موضع. فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون لأنهم يتبعون وإنما يتبع ~~الأئمة. ولهذا قال: {إن يتبعون إلا الظن} ولو أراد النفي لقال: إن يتبعون ~~إلا من ليسوا شركاء بل بين أن المشرك لا علم معه إن هو إلا الظن والحرص ~~كقوله: {قتل الخراصون} . # PageV15P061 ### | سورة هود # وقال: # فصل: # وقوله تعالى {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} وهذا يعم جميع ~~من هو على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. فالبينة العلم النافع والشاهد الذي ~~يتلوه العمل الصالح وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم القيامة فإن ~~الرسول على بينة من ربه ومتبعيه على بينة من ربه. وقال في حق الرسول: {قل ~~إني على بينة من ربي} وقال في حق المؤمنين: {أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول ~~السورة فقال: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} {والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم} {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم} الآيات. إلى قوله: {أفمن كان على بينة من ربه} . # PageV15P062 # وقال أبو الدرداء: لا تهلك أمة حتى يتبعوا أهواءهم ويتركوا ما جاءتهم به ~~أنبياؤهم من البينات والهدى وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني} فمن اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة والبصيرة هي ~~البينة. وقال: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} ~~الآية. فالنور الذي يمشي في الناس هو البينة والبصيرة وقال: {الله نور ~~السماوات والأرض} الآية. قال أبي بن كعب وغيره: هو مثل نور المؤمن وهو نوره ~~الذي في قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع والعمل الصالح. وذلك ms4679 بينة ~~من ربه. وقال: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} فهذا النور ~~الذي هو عليه وشرح الصدر للإسلام هو البينة من ربه وهو الهدى المذكور في ~~قوله: {أولئك على هدى من ربهم} واستعمل في هذا حرف الاستعلاء لأن القلب لا ~~يستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالما موقنا بالحق فيكون العلم والإيمان صبغة ~~له ينصبغ بها كما قال: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} ويصير مكانة له ~~كما قال: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} والمكان ~~والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به كالسقف مثلا ~~وقد يراد به ما يحيط به. فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة ~~وبصيرة صار # PageV15P063 # مكانة لهم استقروا عليها وقد تحيط بهم بخلاف الذين قال فيهم: {ومن الناس ~~من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه} فإن هذا ليس ثابتا مستقرا مطمئنا بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو ~~جانبه فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطا في الوادي. وكذلك ~~فرق بين من {أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان} وبين {من أسس بنيانه على ~~شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم} وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من ~~النار فأنقذهم منها وشواهد هذا كثير. فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على ~~بينة من ربهم وبصيرة وهدى ونور وهو الإيمان الذي في قلوبهم والعلم والعمل ~~الصالح ثم قال: {ويتلوه شاهد منه} والضمير في (منه عائد إلى الله تعالى أي: ~~ويتلو هذا الذي هو على بينة من ربه شاهد من الله والشاهد من الله كما أن ~~البينة التي هو عليها المذكورة من الله أيضا. وأما قول من قال: " الشاهد " ~~من نفس المذكور وفسره بلسانه أو بعلي بن أبي طالب فهذا ضعيف لأن كون شاهد ~~الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقا فإنه مثل شهادة # PageV15P064 # الإنسان لنفسه ms4680 بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله فإن الله يكون هو الشاهد ~~وهذا كما قيل في قوله: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب} إنه علي فهذا ضعيف لأن شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتد ~~إلا به لا تكون برهانا للصدق ولا حجة على الكفر بخلاف شهادة من عنده علم ~~الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة كما قال في هذه السورة: {ومن ~~قبله كتاب موسى إماما ورحمة} وقال: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} ~~وقال: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ~~الآية. وقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وهذا ~~الشاهد من الله هو القرآن. ومن قال: إنه جبريل فجبريل لم يقل شيئا من تلقاء ~~نفسه بل هو الذي بلغ القرآن عن الله وجبريل يشهد أن القرآن منزل من الله ~~وأنه حق كما قال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا} والذي قال هو جبريل. قال: يتلوه أي يقرؤه كما ~~قال: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي إذا قرأه جبريل فاتبع ما قرأه. وقال: ~~{علمه شديد القوى} . ومن قال: الشاهد لسانه وجعل الضمير المذكور عائدا على ~~القرآن ولم يذكر لأنه جعل البينة هي القرآن ولو كانت البينة هي القرآن # PageV15P065 # لما احتاج إلى ذلك وقد قال: على بينة من ربه فقد ذكر أن القرآن من الله ~~وقد علم أنه نزل به جبريل على محمد وكلاهما بلغه وقرأه فقوله: {ويتلوه} ~~جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضا ~~فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرا في القرآن فإن القرآن كلام الله واحد ~~لا يكون عليه وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ~~ذكرناه: أن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول وهو إخباره أنه رسول الله ~~وأن الله أنزل القرآن عليه. ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن ms4681 قد نزل ~~من القرآن قبلها إلا بعضه وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه ~~فمن آمن حينئذ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة. وأيضا فتسمية جبريل ~~شاهدا لا نظير له في القرآن وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدا وتسمية علي ~~شاهدا لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة بخلاف شهادة الله فإن الله أخبر ~~بشهادته لرسوله في غير موضع وسمى ما أنزله شهادة منه في قوله: {ومن أظلم ~~ممن كتم شهادة عنده من الله} فدل على أن كلام الله الذي أنزله وأخبر فيه ~~بما أخبر شهادة منه. # PageV15P066 # وهو سبحانه يحكم ويشهد ويفتي ويقص ويبشر ويهدي بكلامه ويصف كلامه بأنه ~~يحكم ويفتي ويقص ويهدي ويبشر وينذر كما قال: {قل الله يفتيكم فيهن} {قل ~~الله يفتيكم في الكلالة} وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون} وقال: {نحن نقص عليك أحسن القصص} وقال: {قل إني على ~~بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق ~~وهو خير الفاصلين} وقال: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} . وكذلك سمى ~~الرسول هاديا فقال: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} كما سماه بشيرا ونذيرا ~~وسمى القرآن بشيرا ونذيرا فكذلك لما كان هو يشهد للرسول والمؤمنين بكلامه ~~الذي أنزله وكان كلامه شهادة منه: كان كلامه شاهدا منه كما كان يحكم ويفتي ~~ويقص ويبشر وينذر. ولما قيل لعلي بن أبي طالب حكمت مخلوقا قال: ما حكمت ~~مخلوقا وإنما حكمت القرآن. فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله والذي يشهد ~~به القرآن هو شهادة الله عز وجل. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وقد كان ~~إماما وأخذ التفسير عن أبيه زيد وكان زيد إماما فيه ومالك وغيره أخذوا عنه ~~التفسير وأخذه عنه عبد الله # PageV15P067 # ابن وهب صاحب مالك وأصبغ بن الفرج الفقيه. قال - في قوله تعالى {أفمن كان ~~على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} : قال رسول الله: " كان على بينة من ms4682 ربه ~~" والقرآن يتلوه شاهد أيضا؛ لأنه من الله. وقد ذكر الزجاج فيما ذكره من ~~الأقوال: ويتلو رسول الله القرآن وهو شاهد من الله. وقال أبو العالية: ~~{أفمن كان على بينة من ربه} هو محمد {ويتلوه شاهد منه} القرآن قال ابن أبي ~~حاتم وروي عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية ومجاهد وأبي صالح وإبراهيم وعكرمة ~~والضحاك وقتادة والسدي وخصيف وابن عيينة نحو ذلك. وهذا الذي قالوه صحيح؛ ~~ولكن لا يقتضي ذلك أن المتبعين له ليسوا على بينة من ربهم؛ بل هم على بينة ~~من ربهم. وقد قال الحسن البصري: {أفمن كان على بينة من ربه} قال: المؤمن ~~على بينة من ربه ورواه ابن أبي حاتم وروي عن الحسين بن علي {ويتلوه شاهد ~~منه} يعني محمدا شاهد من الله؛ وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من شهد ~~له. وقول القائل: من قال هو محمد كقول من قال هو جبريل؛ فإن كلاهما بلغ ~~القرآن والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # PageV15P068 # فاصطفى جبريل من الملائكة واصطفى محمدا من الناس. وقال في جبريل: {إنه ~~لقول رسول كريم} وقال في محمد: {إنه لقول رسول كريم} وكلاهما رسول من الله؛ ~~كما قال {حتى تأتيهم البينة} {رسول من الله يتلو صحفا مطهرة} {فيها كتب ~~قيمة} فكلاهما رسول من الله بلغ ما أرسل به وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام ~~الله وأما شهادتهم بما شهد به القرآن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن ~~فإنه يشهد بكل ما شهد به القرآن؛ لكونه آمن به سواء كان قد بلغه أو لم ~~يبلغه. ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له وهو مأمور بهذا ~~وبهذا وله أجر على هذا وهذا كما قال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون} ولهذا كان يقول أشهد أني عبد الله ورسوله فشهادة جبريل ومحمد ~~بما شهد به القرآن من جهة إيمانهما به لا من جهة كونهما مرسلين به فإن ~~الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله وقد ms4683 يرسل غير رسول بشيء فيشهد ~~الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقا ولا حكيما؛ ولكن علم أن ~~جبريل ومحمدا يعلمان أن الله صادق حكيم فهما يشهدان بما شهد الله به. وكذلك ~~الملائكة والمؤمنون يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق # PageV15P069 # وأن الله صادق حكيم لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بعدل {وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا} . فقد تبين أن شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن وشهادة ~~القرآن هي شهادة الله تعالى والقرآن شاهد من الله وهذا الشاهد يوافق ويتبع ~~ذلك الذي على بينة من ربه؛ فإن البينة والبصيرة والنور والهدى الذي عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون قد شهد القرآن المنزل من الله بأن ذلك ~~حق. {ويتلوه} معناه يتبعه كما قال: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته} أي يتبعونه حق اتباعه وقال: {والقمر إذا تلاها} أي تبعها وهذا قفاه ~~إذا تبعه. وقد قال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} فهذا الشاهد يتبع الذي على ~~بينة من ربه فيصدقه ويزكيه ويؤيده ويثبته كما قال: {قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا} وقال: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك} وقال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . وقد سمى ~~الله القرآن سلطانا في غير موضع فإذا كان السلطان المنزل من الله يتبع هذا ~~المؤمن كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علما وعملا وقال: {وننزل من القرآن ما ~~هو شفاء ورحمة للمؤمنين} # PageV15P070 # {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} الآية. وقال ~~جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن ~~فازددنا إيمانا فهم كانوا يتعلمون الإيمان ثم يتعلمون القرآن. وقال بعضهم ~~في قوله: {نور على نور} قال: نور القرآن على نور الإيمان كما قال: {ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وقال السدي في قوله: {نور على نور} ~~نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا ms4684 بصاحبه. فتبين ~~أن قوله: {أفمن كان على بينة من ربه} يعني هدى الإيمان {ويتلوه شاهد منه} ~~أي من الله يعني القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ويتبعه وقال: {يتلوه} ~~لأن الإيمان هو المقصود؛ لأنه إنما يراد بإنزال القرآن الإيمان وزيادته. ~~ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة والقرآن ~~بلا إيمان لا ينفع في الآخرة؛ بل صاحبه منافق؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل ~~الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها ~~طيب وطعمها مر # PageV15P071 # ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها} ". ~~ولهذا جعل الإيمان " بينة " وجعل القرآن شاهدا؛ لأن البينة من البيان و " ~~البينة " هي السبيل البينة وهي الطريق البينة الواضحة وهي أيضا ما يبين بها ~~الحق فهي بينة في نفسها مبينة لغيرها وقد تفسر بالبيان وهي الدلالة ~~والإرشاد؛ فتكون كالهدى كما يقال: فلان على هدى وعلى علم؛ فيفسر بمعنى ~~المصدر والصفة والفاعل. # ومنه قوله: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} أي بيان ما فيها أو ~~يبين ما فيها أو الأمر البين فيها وقد سمى الرسول بينة كما قال: {حتى ~~تأتيهم البينة} {رسول من الله} فإنه يبين الحق والمؤمن على سبيل بينة ونور ~~من ربه والشاهد المقصود به شهادته للمشهود له فهو يشهد للمؤمن بما هو عليه ~~وجعل الإيمان من الله كما جعل الشاهد من الله لأن الله أنزل الإيمان في جذر ~~قلوب الرجال كما في الصحيحين عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~{إن الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من ~~السنة} ". وأيضا: فالإيمان ما قد أمر الله به. وأيضا فالإيمان إنما هو ما ~~أخبر به الرسول وهذا أخبر به الرسول لكن الرسول له وحيان وحي تكلم الله به ms4685 ~~يتلى ووحي لا يتلى فقال: # PageV15P072 # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الآية. وهو يتناول القرآن والإيمان. ~~وقيل الضمير في قوله: {جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} يعود إلى ~~الإيمان ذكر ذلك عن ابن عباس. وقيل: إلى القرآن. وهو قول السدي وهو ~~يتناولهما وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه وهو الوحي الذي جاء ~~بالإيمان والقرآن. فقد تبين أن كلاهما من الله نور وهدى ومنه هذا يعقل ~~بالقلب؛ لما قد يشاهد من دلائل الإيمان مثل دلائل الربوبية والنبوة وهذا ~~يسمع بالآذان والإيمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد الله به في قوله: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} أي أن القرآن ~~حق فهذه الآيات متأخرة عن نزول القرآن وهو مثل ما فعل من نصر رسوله ~~والمؤمنين يوم بدر وغير يوم بدر فإنه آيات مشاهدة صدقت ما أخبر به القرآن ~~ولكن المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا. وقيل: نزول أكثر القرآن الذي ثبت ~~الله به لنبيه وللمؤمنين؛ ولهذا قال: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ~~فهو يشهد لرسوله بأنه صادق بالآيات الدالة على نبوته وتلك آمن بها المؤمنون ~~ثم أنزل من القرآن شاهدا له ثم أظهر آيات معاينة تبين لهم أن القرآن حق. # PageV15P073 # فالقرآن وافق الإيمان والآيات المستقبلة وافقت القرآن والإيمان؛ ولهذا ~~قال: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة} فقوله: {ومن قبله} يعود الضمير إلى ~~الشاهد الذي هو القرآن كما قال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} الآية ثم قال: {ومن قبله ~~كتاب موسى إماما ورحمة} الآية. فقوله {ومن قبله} الضمير يعود إلى القرآن ~~أي: من قبل القرآن كما قاله ابن زيد. وقيل: يعود إلى الرسول كما قاله مجاهد ~~وهما متلازمان. وقوله: {ومن قبله كتاب موسى} فيه وجهان قيل: هو عطف مفرد ~~وقيل: عطف جملة. قيل المعنى {ويتلوه شاهد منه} ويتلوه أيضا من قبله كتاب ~~موسى فإنه شاهد بمثل ما ms4686 شهد به القرآن وهو شاهد من الله وقيل: {ومن قبله ~~كتاب موسى} جملة؛ ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن كما قال في الأحقاف. ~~وقوله تعالى {أولئك يؤمنون به} يدل على أن قوله: {أفمن كان على بينة من ~~ربه} تتناول المؤمنين فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر كما تتناول النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأولئك يعود إليهم الضمير فإنهم مؤمنون به بالشاهد من ~~الله فالإيمان به إيمان بالرسول والكتاب الذي قبله. # PageV15P074 # ثم قال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وروى الإمام أحمد وابن ~~أبي حاتم وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على وجه إلا وجدت تصديقه في كتاب الله؛ حتى بلغني أنه ~~قال: " {لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بما ~~أرسلت به إلا دخل النار} " قال سعيد: فقلت أين هذا في كتاب الله حتى أتيت ~~على هذه الآية: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال الأحزاب هي ~~الملل كلها. وقوله تعالى {أولئك يؤمنون به} أي كل من كان على بينة من ربه ~~فإنه يؤمن بالشاهد من الله والإيمان به إيمان بما جاء به موسى قال: {أولئك ~~يؤمنون به} وهم المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم من أصحابه وغيرهم إلى ~~قيام الساعة ثم قال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} والأحزاب هم ~~أصناف الأمم الذين تحزبوا وصاروا أحزابا كما قال تعالى: {كذبت قبلهم قوم ~~نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} . وقد ذكر الله طوائف ~~الأحزاب في مثل هذه السورة وغيرها وقد قال تعالى عن مكذبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} وهم الذين قال فيهم: {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا # PageV15P075 # فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ms4687 كل حزب بما لديهم فرحون} وقال ~~عن أحزاب النصارى: {فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم} الآيات. وأما من قال: الضمير في قوله: {أولئك يؤمنون به} يعود على ~~أهل الحق قال: إنه موسى وعيسى ومحمد. فإنه إن أراد بهم من كان مؤمنا ~~بالكتابين قبل نزول القرآن فلم يتقدم لهم ذكر والضمير في قوله (به مفرد ولو ~~آمن مؤمن بكتاب موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن ~~مؤمنا. وهذان القولان حكاهما أبو الفرج ولم يسم قائلهما والبغوي وغيره لم ~~يذكروا نزاعا في أنهم من آمن بمحمد ولكن ذكروا قولا إنهم من آمن به من أهل ~~الكتاب وهذا قريب. ولعل الذي حكى قولهم أبو الفرج أرادوا هذا وإلا فلا وجه ~~لقولهم. ومن العجب أن أبا الفرج ذكر بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال: " ~~أحدها " أنهم جميع الملل قاله سعيد بن جبير. # PageV15P076 # و " الثاني " اليهود والنصارى قاله قتادة. و " الثالث " قريش قاله السدي. ~~و " الرابع " بنو أمية وبنو المغيرة. قال - أي - أبي طلحة بن عبد العزى ~~قاله مقاتل. وهذه الآية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن في قوله: {ومن ~~يكفر به} وكذلك: {أولئك يؤمنون به} إنه القرآن ودليله قوله تعالى {فلا تك ~~في مرية منه إنه الحق من ربك} وهذا هو القرآن بلا ريب وقد قيل: هو الخبر ~~المذكور وهو أنه من يكفر به من الأحزاب وهذا أيضا هو القرآن فعلم أن المراد ~~هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم وأنه من قال في أولئك إنهم غير من ~~آمن بمحمد لم يتصور ما قال. وقد تقدم في قوله: {ومن قبله كتاب موسى} وجهان. ~~هل هو عطف جملة أو مفرد؛ لكن الأكثرون على أنه مفرد. وقال الزجاج المعنى: ~~وكان من قبل هذا كتاب موسى. دليل على أمر محمد فيتلون كتاب موسى عطفا على ~~قوله: {ويتلوه شاهد منه} أي ويتلو كتاب موسى؛ لأن موسى وعيسى بشرا بمحمد في ~~التوراة والإنجيل ونصب إماما على الحال. # PageV15P077 # قلت: قد تقدم أن ms4688 الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه أي يتبعه شاهدا ~~له بما هو عليه من البينة. # وقوله: {أفمن كان على بينة من ربه} كمن لم يكن قال الزجاج: وترك ~~المعادلة؛ لأن فيما بعده دليلا عليه وهو قوله: {مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع} قال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا ~~إلى الدنيا وأرادوها جاء بهذه الآية وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن ~~يريد الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان دليلا عليه وقال ابن ~~الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى وهذا كثير في القرآن. قلت: نظير هذه ~~الآية من المحذوف: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} كمن ليس كذلك وقد قال ~~بعد هذا: {ومن يكفر به من الأحزاب} وهذا هو القسم الآخر المعادل لهذا الذي ~~هو على بينة من ربه وعلى هذا يكون معناها {أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} ويكون أيضا معناها: {أفمن كان على بينة ~~من ربه} أي بصيرة في دينه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وهذا كقوله: ~~{أومن كان ميتا فأحييناه} الآية. وكقوله {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين ~~له سوء عمله} وقوله: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي} الآية. ~~والمحذوف في مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك كقوله: {أومن # PageV15P078 # ينشأ في الحلية} أي تجعلون له من ينشأ في الحلية ولا بد من دليل على ~~المحذوف وقد يكون المحذوف مثل أن يقال: أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه أو ~~يعرض عن متابعته أو يفتن أو يعذب كما قال: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ~~فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} . وقد قيل في هذه الآية إن المحذوف: ~~{أفمن زين له سوء عمله} فرأى الباطل حقا؟ والقبيح حسنا كمن هداه الله فرأى ~~الحق حقا والباطل باطلا والقبيح قبيحا والحسن حسنا؟ وقيل: جوابه تحت قوله: ~~{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} لكن يرد عليه أن ms4689 يقال: الاستفهام ما معناه إلا ~~أن تقدر. أي: هذا تقدر أن تهديه أو ربك؟ أو تقدر أن تجزيه كما قال: {أرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} ولهذا قال: {فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء} وكما قال: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~علم} الآية. وعلى هذا يكون معناها كمعنى قوله: {أفمن كان على بينة من ربه ~~كمن زين له سوء عمله} . وعلى هذا فالمعنى هنا: {أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى} يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك كقوله: {قل ~~إني على بينة من ربي وكذبتم به} وحذف جواب # PageV15P079 # الشرط وكقوله: {أرأيت إن كان على الهدى} {أو أمر بالتقوى} {أرأيت إن كذب ~~وتولى} . فقد تبين أن معنى الآية من أشرف المعاني وهذا هو الذي ينتفع به كل ~~أحد وأن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه من الإيمان الذي شهد له القرآن ~~فصار على نور من ربه وبرهان من ربه على ما دلت عليه البراهين العقلية ~~والسمعية كما قال: {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} فالنور المبين المنزل يتناول ~~القرآن. قال قتادة: بينة من ربكم وقال الثوري: هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال البغوي: هذا قول المفسرين ولم أجده منقولا عن غير الثاني ولا ذكره ابن ~~الجوزي عن غيره. وذكر في البرهان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحجة. والثاني: ~~أنه الرسول وذكر أنه القرآن عن قتادة. والذي رواه ابن أبي حاتم عن قتادة ~~بالإسناد الثابت أنه بينة من الله والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء ~~التي بعثوا بها فكل ما دل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهو برهان. قال ~~تعالى: {فذانك برهانان من ربك} وقال لمن قال: لا يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى قل: هاتوا برهانكم. ومحمد هو الصادق المصدوق قد أقام الله ~~على صدقه براهين كثيرة # PageV15P080 # وصار محمد نفسه برهانا فأقام من البراهين على صدقه؛ فدليل الدليل دليل ~~وبرهان البرهان برهان وكل آية له ms4690 برهان والبرهان اسم جنس لا يراد به واحد ~~كما في قوله: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ولو جاءوا بعده ببراهين ~~كانوا ممتثلين. و " المقصود " أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه ~~وهو بينة من الله كما قال قتادة وحجة من الله كما قال مجاهد والسدي: المؤمن ~~على تلك البينة ويتلوه شاهد من الله وهو النور الذي أنزله مع البرهان. ~~والله أعلم. # فصل: # وأما من قال: {أفمن كان على بينة من ربه} إنه محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما قاله طائفة من السلف فقد يريدون بذلك التمثيل لا التخصيص فإن المفسرين ~~كثيرا ما يريدون ذلك ومحمد هو أول من كان على بينة من ربه وتلاه شاهد منه ~~وكذلك الأنبياء وهو أفضلهم وإمامهم والمؤمنون تبع له وبه صاروا على بينة من ~~ربهم. والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام كقوله: {فإن كنت في شك مما # PageV15P081 # أنزلنا إليك} {لئن أشركت ليحبطن عملك} {فإذا فرغت فانصب} {قل إن ضللت ~~فإنما أضل على نفسي} ونحو ذلك وذلك أن الأصل فيما خوطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في كل ما أمر به ونهي عنه وأبيح له سار في حق أمته كمشاركة أمته ~~له في الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل التخصيص فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت ~~في حق الأمة إذا لم يخصص هذا مذهب السلف والفقهاء ودلائل ذلك كثيرة كقوله: ~~{فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} الآية ولما أباح له الموهوبة قال: ~~{خالصة لك من دون المؤمنين} الآية. فإذا كان هذا مع كون الصيغة خاصة فكيف ~~تجعل الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟ ولفظ " من " أبلغ صيغ العموم؛ ~~لا سيما إذا كانت شرطا أو استفهاما كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~{ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وقوله: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} ~~وقوله: {أومن كان ميتا فأحييناه} وقوله {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين ~~له سوء عمله} . و " أيضا ": فقد ذكر بعد ذلك قوله: {أولئك ms4691 يؤمنون به ومن ~~يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وذكر بعد هذا: {مثل الفريقين} وقد تقدم ~~قبل هذا ذكر الفريقين وقوله: {أولئك # PageV15P082 # يؤمنون به} إشارة إلى جماعة ولم يقدم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه ~~إلا (من) والضمير يعود تارة إلى لفظ (من) وتارة إلى معناها كقوله: {ومنهم ~~من يستمع إليك} {ومنهم من يستمعون إليك} {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى} {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} الآية. ~~وأما الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. فقوله: {أولئك يؤمنون به} ~~دليل على أن الذي على بينة من ربه كثيرون لا واحد قال ابن أبي حاتم: ثنا ~~عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري: {أفمن كان على بينة من ربه} . قال: ~~المؤمن على بينة من ربه وهذا الذي قاله الحسن البصري هو الصواب والرسول هو ~~أول المؤمنين كما قال: {وأمرت أن أكون من المؤمنين} . ومن قال: إن الشاهد ~~من الله هو محمد كما رواه ابن أبي حاتم ثنا الأشج ثنا أبو أسامة عن عوف عن ~~سليمان الفلاني عن الحسين بن علي: {ويتلوه شاهد منه} يعني محمدا شاهدا من ~~الله فهنا معنى كونه شاهدا من الله هو معنى كونه رسول الله وهو يشهد ~~للمؤمنين بأنهم على حق وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول الله فشهادته لنفسه ~~معلومة قد علم أنه صادق فيها بالبراهين الدالة على نبوته وأما شهادته ~~للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما بلغه من القرآن ويخبر به عن # PageV15P083 # ربه فهو إذا شهد كان شاهدا من الله. # وأما شهادته عليهم بالإيمان والتصديق وغير ذلك فكما في قوله: {فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} {ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة القرآن فإن المؤمن متبع للقرآن ~~ومحمد شاهد من الله يتلوه كما تلاه جبريل. ومن قال إن الشاهد لسان محمد فهو ~~إنما أراد بهذا القول التلاوة أي: أن لسان ms4692 محمد يقرأ القرآن وهو شاهد منه ~~أي من نفسه فإن لسانه جزء منه وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ~~ثبت ذلك عمن نقل عنه فإن هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب. وذلك أن ~~طائفة من جهال الشيعة ظنوا أن عليا هو الشاهد منه أي من النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما قال له: " {أنت مني وأنا منك} ". وهذا قاله لغيره أيضا فقد ~~ثبت في الصحيحين أنه قال " {الأشعريون هم مني وأنا منهم} ". وقال عن ~~جليبيب: " {هذا مني وأنا منه} " # PageV15P084 # وكل مؤمن هو من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الخليل: {فمن تبعني ~~فإنه مني} وقال: {ومن لم يطعمه فإنه مني} ورووا هذا القول عن علي نفسه وروي ~~عنه بإسناد أجود منه أنه قال كذب من قال هذا قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين ~~بن زيد الطحان ثنا إسحاق بن منصور ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال عن عباد ~~بن عبد الله قال: قال علي: ما من قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل ~~فيك؟ قال: {ويتلوه شاهد منه} وهذا كذب على علي قطعا. وإن ثبت النقل عن عباد ~~هذا فإن له منكرات عنه كقوله: أنا الصديق الأكبر أسلمت قبل الناس بسبع ~~سنين. وقد رووا عن علي ما يعارض ذلك قال ابن أبي حاتم؛ ثنا أبي ثنا عمرو بن ~~علي الباهلي ثنا محمد بن شواص ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عروة عن ~~محمد بن علي - يعني ابن الحنفية - قال: قلت لأبي: يا أبة {ويتلوه شاهد منه} ~~إن الناس يقولون: إنك أنت هو قال: وددت لو أني أنا هو. ولكنه لسانه؟ قال ~~ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه ~~أن " الشاهد منه " هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما تكلم علماء أهل البيت ~~في أنه محمد ردا على من قال من الجهلة: إنه علي؛ فإن هذه السورة نزلت بمكة ~~وعلي كان # PageV15P085 # إذ ذاك ms4693 صغيرا لم يبلغ. وكان ممن اتبع الرسول ولو كان ابن رسول الله ليس ~~ابن عمه لم تكن شهادته تنفع. لا عند المسلمين ولا عند الكفار؛ بل مثل هذه ~~الشهادة فيها تهمة القرابة. ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد ~~وشهادة الولد لوالده لا تقبل فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم مؤكدا لها؟ ولذلك قالوا في قوله تعالى {ومن عنده علم الكتاب} إنه ~~علي وهم مع كذبهم هم أجهل الناس فإنهم نسبوا الله والرسول إلى الاحتجاج بما ~~لا يحتج به إلا جاهل فأرادوا تعظيم علي فنسبوا الله والرسول إلى الجهل وعلي ~~إنما فضيلته باتباعه للرسول فإذا قدح في الأصل بطل الفرع. وأما قول من قال ~~من المفسرين: إن " الشاهد " جبريل عليه السلام فقد روى ذلك عكرمة عن ابن ~~عباس ذكره ابن أبي حاتم عنه وعن أبي العالية وأبي صالح ومجاهد في إحدى ~~الروايات عنه وإبراهيم وعكرمة والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك. وهؤلاء ~~جعلوا {ويتلوه} بمعنى يقرؤه أي: ويتلو القرآن الذي هو البينة: شاهد من الله ~~هو وقيل: بل معنى قولهم: إن القرآن يتلوه جبريل هو شاهد محمد صلى الله عليه ~~وسلم أي الذي يتلوه جاء من عند الله. وقد تقدم بيان ضعف هذا القول فإن كل ~~من فسر يتلوه # PageV15P086 # بمعنى يقرؤه جعل الضمير فيه عائدا إلى القرآن وجعل الشاهد غير القرآن. ~~والقرآن لم يتقدم له ذكر إنما قال: {أفمن كان على بينة من ربه} والبينة لا ~~يجوز أن يكون تفسيرها بحفظ القرآن فإن المؤمنين كلهم على بينة من ربهم وإن ~~لم يحفظوا القرآن؛ بخلاف البصيرة في الدين فإنه من لم يكن على بصيرة من ربه ~~لم يكن مؤمنا حقا بل من القائلين - لمنكر ونكير - آه آه لا أدري سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته. والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه فهو على هدى ~~ونور وبصيرة سواء حفظ القرآن أو لم يحفظه وإن أريد اتباع القرآن فهو ~~الإيمان وأكثر القرآن لم يكن نزل حين ms4694 نزول هذه الآية وقد تقدم إنما يختص به ~~جبريل ومحمد فهو تبليغ الرسالة عن الله وصدقهما في ذلك. وأما كون رسالة ~~الله حقا فهذا هو المشهود به من كل رسول وهما لا يختصان بذلك بل يؤمنان به ~~كما يؤمن بذلك كل ملك وكل مؤمن وشهادتهما بأن النبي والمؤمنين على حق من ~~هذا الوجه الثاني المشترك ولو قال: ويبلغه وينزل به رسول من الله لكان ما ~~قالوه متوجها كما قال: # PageV15P087 # {قل نزله روح القدس} {نزل به الروح الأمين} {فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله} أما كونه شاهدا يقرؤه فهذا لا نظير له في القرآن. و " أيضا " فالشاهد ~~الذي هو من الله هو الكلام فإن الكلام نزل منه كما يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق ويقال في الرسول إنه منه كما قال رسول من الله ويقال في الشخص الشاهد ~~فيقال فيه هو من شهداء الله وأما كونه يقال فيه شاهد من الله أنها برهان من ~~الله وآيات من الله في الآيات التي يخلقها الله تصديقا لرسوله: فهذا يحتاج ~~استعماله إلى شاهد. والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة في القرآن فإنها تفسر ~~بلغته المعروفة فيه إذا وجدت لا يعدل عن لغته المعروفة مع وجودها وإنما ~~يحتاج إلى غير لغته في لفظ لم يوجد له نظير في القرآن كقوله: {ويكأن الله} ~~{ولات حين مناص} {وكأسا دهاقا} {وفاكهة وأبا} و {قسمة ضيزى} ونحو ذلك من ~~الألفاظ الغريبة في القرآن والذين قالوا هذه الأقوال: إنما أتوا من جهة ~~قوله: {ويتلوه} فظنوا أن تلاوته هي قراءته ولم يتقدم للقرآن ذكر. ثم جعل ~~هذا يقول جبريل تلاه وهذا يقول محمد وهذا يقول لسانه. والتلاوة قد وجدت في ~~القرآن واللغة المشهورة بمعنى الاتباع. وكثير من المفسرين لا يذكر في هذه ~~الآية القول الصحيح فيبقى الناظر الفطن حائرا # PageV15P088 # ولم يذكر في الذي على بينة من ربه إلا أنه الرسول ويذكر في الشاهد عدة ~~أقوال. ثم من العجب أنه يقول: {أولئك يؤمنون} أولئك أصحاب محمد. وقيل: ~~المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب ms4695 وهو على ما فسره لم يتقدم لهم ذكر فكيف ~~يشار إليهم بقوله: {يؤمنون به} وأبو الفرج ذكر قولا أنهم المسلمون ولم يذكر ~~أن الآية تعم النبي والمؤمنين ولما ذكر قول من قال: إنهم المسلمون قال: ~~وهذا يخرج على قول الضحاك في البينة أنها رسول الله. وقد ذكر في " البينة " ~~أربعة أقوال: أنها الدين ذكره أبو صالح عن ابن عباس وأنها رسول الله قاله ~~الضحاك وأنها القرآن قاله ابن زيد وأنها البيان. قاله مقاتل. ثم قال: فإن ~~قلنا: المراد من كان على بينة من ربه المسلمون فالمعنى أنهم يتبعون الرسول ~~وهو البينة ويتبع هذا النبي شاهد منه يصدقه والمسلمون إذا كانوا على بينة ~~فهي الإيمان بالرسول ليست البينة ذات الرسول والرسول ليس هو مذكورا في ~~كلامه فقوله: {ويتلوه} لا بد أن يعود إلى {منه} (1) لكن إعادته إلى البينة ~~أولى. PageV15P089 # وفسر البينة بالرسول وجعل الشاهد يشهد له بصدقه. ثم الشاهد جبريل أو غيره ~~فلو قال: الشاهد هو القرآن يشهد للمؤمنين فإنه يتبعهم كما يتبعونه كان قد ~~ذكر الصواب. وهو قد ذكر أقوالا كثيرة لم يذكرها غيره وذكر في يتلوه قولين " ~~أحدهما " يتبعه. و " الثاني " يقرؤه وهما قولان مشهوران. وذكر في " ه " ~~يتلوه قولين: أنها ترجع إلى النبي. و " الثاني " أنها ترجع إلى القرآن. ~~والتحقيق: أنها ترجع إلى " من " أو ترجع إلى البينة والبينة يراد بها ~~القرآن فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن وإذا رجع الضمير إلى " من " فإن ~~جعل مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو القول الذي تقدم بيان فساده - ~~عاد الضمير إلى البينة - وإن كان " من " تتناول كل من كان على بينة من ربه ~~من المؤمنين ورسول الله أولى المؤمنين تناول الجميع. ومما يوضح ذلك: أن ~~رسول الله جاء بالرسالة من الله وهذا يختص به وتصديق هذه الرسالة والإيمان ~~بها واجب على الثقلين والرسول هو أول من يجب عليه الإيمان بهذه الرسالة ~~التي أرسله الله # PageV15P090 # بها ولهذا قال في سورة يونس: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ms4696 ديني ~~فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن ~~أكون من المؤمنين} . وقال: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} إلى غير ذلك ~~من الآيات. فهو صلى الله عليه وسلم يتعلق به أمران عظيمان. " أحدهما " ~~إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله وهذا مختص به. و " الثاني " تصديقه ~~فيما جاء به وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه وهذا يجب عليه وعلى ~~كل أحد فإنه قد يوجد فيمن يرسله المخلوق من يصدق في رسالته؛ لكنه لا ~~يتبعها؛ إما لطعنه في المرسل وإما لكونه يعصيه وإن كان قد أرسل بحق فالملوك ~~كثيرا ما يرسلون رسولا بكتب وغيرها يبلغ الرسل رسالتهم فيصدقون بها. ثم قد ~~يكون الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره من المرسل إليهم ولهذا ظن طائفة ~~منهم القاضي أبو بكر أن مجرد كونه رسولا لله لا يستلزم المدح. ثم قال: إن ~~هذا قد يقال فيمن قبل الرسالة وبلغها وفيمن لم يقبل لكن هذا غلط فإن الله ~~لا يرسل رسولا إلا وقد اصطفاه فيبلغ رسالات ربه. ورسل الله # PageV15P091 # هم أطوع الخلق لله وأعظم إيمانا بما بعثوا به بخلاف المخلوق فإنه يرسل من ~~يكذب عليه ومن يعصيه ومن لا يعتقد وجوب طاعته والخالق منزه عن ذلك. لكن ~~هؤلاء الذين قالوا هذا يجوزون على الرب أن يرسل كل أحد بكل شيء ليس في ~~العقل عندهم ما يمنع ذلك وإنما ينزهون الرسل عما أجمع المسلمون على تنزيههم ~~عنه عندهم مما ثبت بالسمع لا من جهة كونه رسولا كما قد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع وبين أن هذا الأصل خطأ. ولما كان هو صلى الله عليه وسلم يتعلق به ~~الأمران. في " الأول " يقال: آمنت له كما قال تعالى: {فما آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه} وقوله: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} {وما أنت بمؤمن لنا} . ~~وفي " الثاني " يقال: آمنت بالله فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما جاء به والله ~~تعالى ذكر هذين. فذكر " أولا " ما ms4697 يثبت نبوته وصدقه بقوله: {أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين} {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله ~~إلا هو} كما تقدم التنبيه على ذلك. # PageV15P092 # ولما كان الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان: إما الجهل وإما فساد ~~القصد ذكر ما يزيل الجهل وهو الآيات الدالة على صدقه ثم ذكر أهل فساد القصد ~~بقوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون} {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون} فهؤلاء أهل فساد القصد. فهذان الأمران هما ~~المانعان للخلق من اتباع هذا الرسول كما أنه في البقرة ذكر ما يوجب العلم ~~وحسن القصد فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} . ثم قال: {فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} . فلما ~~أثبت هذين الأصلين: أخذ بعد هذا في بيان الإيمان به وحال من آمن ومن كفر ~~فقال: {أفمن كان على بينة من ربه} الآية. ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم} وهذا يتناول كل كافر ممن كذب على الله بادعاء الرسالة كاذبا ويتناول ~~كل من كذب رسولا صادقا فقال: إن الله لم يرسل هذا ولم يأمر بهذا فكذب على ~~الله وهذا إنما يقع ممن فسد # PageV15P093 # قصده بحب الدنيا وإرادتها وممن أحب الرئاسة وأراد العلو في الأرض من أهل ~~الجهل. وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة حتى يلقي عليه كنفه ويقول فعلت يوم ~~كذا كذا وكذا ويوم كذا كذا وكذا فيقول: نعم. فيقول: إني قد سترتها عليك في ~~الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى ms4698 كتاب حسناته بيمينه} ". وأما الكفار ~~والمنافقون: ف {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله ~~على الظالمين} ثم ذكر تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ذكر مثل ~~الفريقين فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما بعدها وعرف مقصود القرآن: ~~تبين له المراد وعرف الهدى والرسالة وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج. ~~وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه فهذا منشأ ~~الغلط من الغالطين؛ لا سيما كثير ممن يتكلم فيه بالاحتمالات اللغوية. فإن ~~هؤلاء أكثر غلطا من المفسرين المشهورين؛ فإنهم لا يقصدون معرفة معناه كما ~~يقصد ذلك المفسرون. وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد ~~الله؛ # PageV15P094 # بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها وهؤلاء يقعون في ~~أنواع من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف ~~وقالوا: إذا اختلف الناس في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ~~ثالث؛ بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين وهذا خطأ فإنهم إذا ~~أجمعوا على أن المراد بالآية إما هذا وإما هذا كان القول بأن المراد غير ~~هذين القولين خلافا لإجماعهم؛ ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة ~~المراد وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن ويفهمون منه كلهم غير ~~المراد [ويأتي] (1) متأخرون يفهمون المراد فهذا هذا والله أعلم. # فصل: # وقوله: {أفمن كان على بينة من ربه} كما تقدم هو كقوله: {قل إني على بينة ~~من ربي} وقوله: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم} وقوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وقوله ~~{أولئك على هدى من ربهم} . PageV15P095 # فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من الله فاجتمع في هذا اللفظ حرف ~~الاستعلاء وحرف (من) لابتداء الغاية و ### | ما يستعمل فيه حرف ابتداء الغاية فيقال: هو من الله على نوعين # فإنه إما أن يكون من الصفات التي لا ms4699 تقوم بنفسها ولا بمخلوق فهذا يكون ~~صفة له وما كان عينا قائمة بنفسها أو بمخلوق فهي مخلوقة. " فالأول " كقوله: ~~{ولكن حق القول مني} وقوله: {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} كما قال السلف: ~~القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. " والنوع الثاني " كقوله: ~~{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون} وقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} و {ما أصابك من حسنة فمن الله} ~~وكما يقال: إلهام الخير وإيحاؤه من الله وإلهام الشر وإيحاؤه من الشيطان ~~والوسوسة من الشيطان. فهذا نوعان. تارة يضاف باعتبار السبب وتارة باعتبار ~~العاقبة والغاية. فالحسنات هي النعم والسيئات هي المصائب كلها من عند الله ~~لكن تلك الحسنات أنعم الله بها على العبد فهي منه إحسانا وتفضلا وهذه عقوبة ~~ذنب من نفس العبد فهي من نفسه باعتبار أن عمله السيئ كان # PageV15P096 # سببها وهي عقوبة له؛ لأن النفس أرادت تلك الذنوب ووسوست بها. وتارة يقال ~~باعتبار حسنات العمل وسيئاته وما يلقى في القلب من التصورات والإرادات ~~فيقال للحق: هو من الله ألهمه العبد ويقال للباطل: إنه من الشيطان وسوس به ~~ومن النفس أيضا لأنها أرادته كما قال عمر وابن عمر وابن مسعود فيما قالوه ~~باجتهادهم: إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان والله ~~ورسوله بريئان منه. وهذا لفظ ابن مسعود في حديث بروع بنت واشق قال: إن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان لأنه حكم بحكم فإن كان موافقا ~~لحكم الله فهو من الله لأنه موافق لعلمه وحكمه فهو منه باعتبار أنه سبحانه ~~ألهمه عبده لم يحصل بتوسط الشيطان والنفس وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به ~~والنفس أرادته ووسوست به وإن كان ذلك مخلوقا فيه والله خلقه فيه؛ لكن الله ~~لم يحكم به وإن لم يكن ما وقع لي من إلهام الملك كما قال ابن مسعود: إن ~~للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة؛ فلمة الملك إيعاد بالخير ms4700 وتصديق ~~بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق " فالتصديق من باب الخبر ~~والإيعاد بالخير والشر من باب الطلب والإرادة. قال تعالى: {الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة # PageV15P097 # منه وفضلا والله واسع عليم} . فهذه حسنات العمل من الله عز وجل بهذين ~~الاعتبارين. " أحدهما " أنه يأمر بها ويحبها وإذا كانت خيرا فهو يصدقها ~~ويخبر بها فهي من علمه وحكمه وهي أيضا من إلهامه لعبده وإنعامه عليه لم تكن ~~بواسطة النفس والشيطان؛ فاختصت بإضافتها إلى الله من جهة أنها من علمه ~~وحكمه وأن النازل بها إلى العبد ملك كما اختص القرآن بأنه منه كلام وقرآن ~~مسيلمة بأنه من الشيطان فإن ما يلقيه الله في قلوب المؤمنين من الإلهامات ~~الصادقة العادلة هي من وحي الله وكذلك ما يريهم إياه في المنام قال عبادة ~~بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه وقال عمر: اقتربوا ~~من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم يتجلى لهم أمور صادقة وقد ~~قال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} {وأوحينا إلى أم ~~موسى} {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا} وقال: {فألهمها فجورها وتقواها} ~~على قول الأكثرين وهو أن المراد أنه ألهم الفاجرة فجورها والتقية تقواها ~~فالإلهام عنده هو البيان بالأدلة السمعية والعقلية. وأهل السنة يقولون: كلا ~~النوعين من الله هذا الهدى المشترك # PageV15P098 # وذاك الهدى المختص وإن كان قد سماه إلهاما كما سماه هدى كما في قوله: ~~{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وكذلك قد قيل في قوله: ~~{وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير والشر وهو هدى البيان العام ~~المشترك. وقيل: هدينا المؤمن لطريق الخير والكافر لطريق الشر؛ فعلى هذا ~~يكون قد جعل الفجور هدى كما جعل أولئك البيان إلهاما. وكذلك قوله {إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} قيل هو الهدى المشترك وهو أنه بين له ~~الطريق التي يجب سلوكها والطريق التي لا يجب سلوكها. وقيل بل هدى كلا من ~~الطائفتين إلى ما سلكه من السبيل {إما شاكرا وإما كفورا} ms4701 . لكن تسمية هذا ~~هدى قد يعتذر عنه بأنه هدى مقيد لا مطلق كما قال: {فبشرهم بعذاب أليم} وكما ~~قال: {يؤمنون بالجبت والطاغوت} وأنه {يقول الحق} و {يأمر بالعدل} فهو موافق ~~لقوله وأمره لعلمه وحكمه كما أن القرآن وسائر كلامه كذلك وباعتبار أنه أنعم ~~على العبد بواسطة جنده بالملائكة. ويقال لضد هذا - وهو الخطأ - هذا من ~~الشيطان والنفس؛ لأن الله لا يقوله ولا يأمر به؛ ولأنه إنما ينكته في قلب ~~الإنسان # PageV15P099 # الشيطان ونفسه تقبله من الشيطان؛ فإنه يزين لها الشيء فتطيعه فيه وليس كل ~~ما كان من الشيطان يعاقب عليه العبد؛ ولكن يفوته به نوع من الحسنات ~~كالنسيان فإنه من الشيطان والاحتلام من الشيطان والنعاس عند الذكر والصلاة ~~من الشيطان والصعق عند الذكر من الشيطان ولا إثم على العبد فيما غلب عليه ~~إذا لم يكن ذلك بقصد منه أو بذنب. فقوله: {إني على بينة من ربي} وشبهها مما ~~تقدم ذكره: من هذا الباب وكذلك قوله: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ~~وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} فإن المؤمنين على تصديق ما أخبر الله ~~به وفعل ما أمر الله ابتداء وتبليغا كالقرآن وقد قال: " إن الله أنزل ~~الأمانة في جذر قلوب الرجال " فهي تنزل في قلوب المؤمنين من نوره وهداه ~~وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق نافعة في الدنيا والآخرة وهو الإيمان الذي ~~هو إفضال المنعم، وهو أفضل النعم. # وأما قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله} فقد دخل في ذلك نعم الدنيا كلها ~~كالعافية والرزق والنصر وتلك حسنات يبتلي الله العبد بها. كما يبتليه ~~بالمصائب هل شكر أم لا؟ وهل يصبر أم لا؟ كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات} وقال: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه} الآيات. # PageV15P100 # وقد يقال في الشيء إنه من الله وإن كان مخلوقا إذا كان مختصا بالله كآيات ~~الأنبياء كما قال لموسى: {فذانك برهانان من ربك} وقلب العصا حية وإخراج ~~اليد بيضاء من غير سوء مخلوق لله لكنه منه لأنه دل ms4702 به وأرشد إلى صدق نبيه ~~موسى وهو تصديق منه وشهادة منه له بالرسالة والصدق فصار ذلك من الله بمنزلة ~~البينة من الله والشهادة من الله وليست هذه الآيات مما تفعله الشياطين ~~والكهان كما يقال: هذه علامة من فلان وهذا دليل من فلان وإن لم يكن ذلك ~~كلاما منه. وقد سمى موسى ذلك بينة من الله فقال: {قد جئتكم ببينة من ربكم} ~~فقوله: ببينة من ربكم كقوله: {فذانك برهانان من ربك} . وهذه البينة هنا حجة ~~وآية ودلالة مخلوقة تجري مجرى شهادة الله وإخباره بكلامه كالعلامة التي ~~يرسل بها الرجل إلى أهله وكيله قال سعيد بن جبير في الآية: هي كالخاتم تبعث ~~به فيكون هذا بمنزلة قوله صدقوه فيما قال أو أعطوه ما طلب. فالقرآن والهدى ~~منه وهو من كلامه وعلمه وحكمه الذي هو قائم به غير مخلوق وهذه الآيات دليل ~~على ذلك كما يكتب كلامه في # PageV15P101 # المصاحف؛ فيكون المراد المكتوب به الكلام يعرف به الكلام قال تعالى: {قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا} . ولهذا يكون لهذه الآيات المعجزات حرمة: كالناقة وكالماء ~~النابع بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. والله سبحانه أعلم. # PageV15P102 # فصل: # في قوله تعالى {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} الآية وما ~~بعدها إلى قوله: {أفلا تذكرون} ذكر سبحانه الفرق بين أهل الحق والباطل وما ~~بينهما من التباين والاختلاف مرة بعد مرة ترغيبا في السعادة وترهيبا من ~~الشقاوة. وقد افتتح السورة بذلك فقال: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير} {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} فذكر أنه نذير ~~وبشير؛ نذير ينذر بالعذاب لأهل النار وبشير يبشر بالسعادة لأهل الحق. ثم ~~ذكر حال الفريقين في السراء والضراء فقال: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ms4703 أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير} . ثم ذكر بعد هذا قصص الأنبياء وحال من اتبعهم ومن كذبهم # PageV15P103 # كيف سعد هؤلاء في الدنيا والآخرة وشقي هؤلاء في الدنيا والآخرة فذكر ما ~~جرى لهم إلى قوله: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك} إلى قوله: {وذلك يوم ~~مشهود} . ثم ذكر حال الذين سعدوا والذين شقوا. ثم قال: {إن في ذلك لآية لمن ~~خاف عذاب الآخرة} فإنه قد يقال: غاية ما أصاب هؤلاء أنهم ماتوا والناس كلهم ~~يموتون وأما كونهم أهلكوا كلهم وصارت بيوتهم خاوية وصاروا عبرة يذكرون ~~بالشر ويلعنون إنما يخاف ذلك من آمن بالآخرة فإن لعنة المؤمنين لهم بالآخرة ~~وبغضهم لهم كما جرى لآل فرعون هو مما يزيدهم عذابا كما أن لسان الصدق وثناء ~~الناس ودعاءهم للأنبياء واتباعهم لهم هو مما يزيدهم ثوابا. فمن استدل بما ~~أصاب هؤلاء على صدق الأنبياء فآمن بالآخرة خاف عذاب الآخرة وكان ذلك له آية ~~وأما من لم يؤمن بالآخرة ويظن أن من مات لم يبعث فقد لا يبالي بمثل هذا وإن ~~كان يخاف هذا من لا يخاف الآخرة؛ لكن كل من خاف الآخرة كان هذا حاله وذلك ~~له آية. وقد ختم السورة بقوله: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم ~~إنا عاملون} إلى آخرها كما افتتحها بقوله: {ألا تعبدوا إلا الله} فذكر ~~التوحيد والإيمان بالرسل فهذا دين الله في الأولين # PageV15P104 # والآخرين قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم ~~تعبدون وماذا أجبتم المرسلين. ولهذا قال: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين} و {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} هو الشرك في العبادة وهذان هما ~~الإيمان والإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ تارة في ركعتي الفجر ~~سورتي الإخلاص وتارة بآيتي الإيمان والإسلام فيقرأ قوله: {آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا} الآية فأولها الإيمان وآخرها الإسلام ويقرأ في الثانية: {قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله} فأولها ~~إخلاص العبادة لله وآخرها الإسلام له. وقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي ms4704 هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} ففيها الإيمان والإسلام في آخرها ~~وقال: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون} . # PageV15P105 # فصل: # وقوله تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} فقد فصله بعد إحكامه؛ بخلاف من ~~تكلم بكلام لم يحكمه وقد يكون في الكلام المحكم ما لم يبينه لغيره؛ فهو ~~سبحانه أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده كما قال: {وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين} وقال: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون} فهو سبحانه بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن يتكلم ~~بلا علم. وقد ذكر براهين التوحيد والنبوة قبل ذكر الفرق بين أهل الحق ~~والباطل فقال: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} إلى ~~قوله: {فهل أنتم مسلمون} فلما تحداهم بالإتيان بعشر سور مثله مفتريات هم ~~وجميع من يستطيعون من دونه: كان في مضمون تحديه أن هذا لا يقدر أحد على ~~الإتيان بمثله من دون الله كما قال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} . وحينئذ: ~~فعلم أن ذلك من خصائص من أرسله الله وما كان # PageV15P106 # مختصا بنوع فهو دليل عليه؛ فإنه مستلزم له وكل ملزوم دليل على لازمه ~~كآيات الأنبياء كلها فإنها مختصة بجنسهم. وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين ~~الجنس خاتمهم لا يمكن أن يأتي به غيره وكان ذلك برهانا بينا على أن الله ~~أنزله وأنه نزل بعلم الله؛ هو الذي أخبر بخبره وأمر بما أمر به كما قال: ~~{لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} الآية. وثبوت الرسالة ملزوم ~~لثبوت التوحيد وأنه لا إله إلا الله من جهة أن الرسول أخبر بذلك ومن جهة ~~أنه لا يقدر أحد على الإتيان بهذا القرآن إلا الله فإن من العلم ما لا ~~يعلمه إلا الله إلى غير ذلك من وجوه البيان فيه كما قد بسط ونبه عليه ms4705 في ~~غير هذا الموضع؛ ولا سيما هذه السورة فإن فيها من البيان والتعجيز ما لا ~~يعلمه إلا الله وفيها من المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما لا يقدر قدره ~~إلا الله. و " المقصود هنا " هو الكلام على قوله: {أفمن كان على بينة من ~~ربه ويتلوه شاهد} حيث سأل السائل عن تفسيرها وذكر ما في التفاسير من كثرة ~~الاختلاف فيها وأن ذلك الاختلاف يزيد الطالب عمى عن معرفة المراد الذي يحصل ~~به الهدى والرشاد فإن الله تعالى إنما نزل القرآن ليهتدى به لا ليختلف فيه ~~والهدى إنما يكون إذا عرفت معانيه فإذا حصل الاختلاف المضاد لتلك المعاني ~~التي لا يمكن الجمع بينه # PageV15P107 # وبينها لم يعرف الحق ولم تفهم الآية ومعناها ولم يحصل به الهدى والعلم ~~الذي هو المراد بإنزال الكتاب. قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين ~~كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم ~~كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى ~~يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ~~جميعا. وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا ~~نزلت وماذا عني بها. وقد قال تعالى {أفلا يتدبرون القرآن} وتدبر الكلام ~~إنما ينتفع به إذا فهم. وقال: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} . ~~فالرسل تبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ ~~المبين؛ والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل والعقل يتضمن العلم ~~والعمل فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلا؛ ولهذا ~~لا يعد عاقلا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره فالمجنون الذي لا يفرق ~~بين هذا وهذا قد يلقي نفسه في المهالك وقد يفر مما ينفعه. # PageV15P108 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض} وقوله تعالى {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} . # فأجاب: # الحمد لله، قال طوائف من العلماء إن ms4706 قوله: {ما دامت السماوات والأرض} ~~أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة ~~وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن} وقال بعض العلماء في قوله تعالى {ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} هي أرض الجنة. وعلى ~~هذا فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التي هي سقف الجنة؛ إذ ~~كل ما علا فإنه يسمى في اللغة سماء كما يسمى السحاب سماء والسقف سماء. # PageV15P109 # و " أيضا " فإن السموات وإن طويت وكانت كالمهل واستحالت عن صورتها فإن ~~ذلك لا يوجب عدمها وفسادها بل أصلها باق؛ بتحويلها من حال إلى حال كما قال ~~تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} وإذا بدلت فإنه لا يزال سماء ~~دائمة وأرض دائمة والله أعلم. # PageV15P110 ### | سورة يوسف # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قول يوسف صلى الله عليه وسلم لما قالت له امرأة العزيز: {هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} المراد بربه في أصح القولين ~~هنا سيده وهو زوجها الذي اشتراه من مصر الذي قال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى ~~أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} قال الله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~. فلما وصى به امرأته فقال لها {أكرمي مثواه} قال يوسف {إنه ربي أحسن ~~مثواي} ولهذا قال: {إنه لا يفلح الظالمون} والضمير في: {إنه} معلوم بينهما ~~وهو سيدها. # PageV15P111 # وأما قوله تعالى {لولا أن رأى برهان ربه} فهذا خبر من الله تعالى أنه رأى ~~برهان ربه وربه هو الله كما قال لصاحبي السجن: {ذلكما مما علمني ربي إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} وقوله: {ربي} مثل قوله لصاحب الرؤيا: ~~{اذكرني عند ربك} قال تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} قيل أنسي يوسف ذكر ~~ربه لما قال: {اذكرني عند ربك} . وقيل: بل الشيطان أنسى ms4707 الذي نجا منهما ذكر ~~ربه وهذا هو الصواب فإنه مطابق لقوله: {اذكرني عند ربك} قال تعالى: {فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه} والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ~~ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه؛ بل كان ذاكرا لربه. وقد دعاهما قبل تعبير ~~الرؤيا إلى الإيمان بربه وقال لهما: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . وقال لهما قبل ذلك {لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه} أي في الرؤيا {إلا # PageV15P112 # نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} يعني التأويل {ذلكما مما علمني ربي إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} {واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فبذا يذكر ربه عز وجل فإن هذا ~~مما علمه ربه؛ لأنه ترك ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله وإن كانوا مقرين ~~بالصانع ولا يؤمنون بالآخرة واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين - الذين جعلهم ~~الله أئمة يدعون بأمره - إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فذكر ربه ثم دعاهما إلى ~~الإيمان بربه. ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا} الآية ثم لما قضى تأويل الرؤيا: {وقال للذي ظن أنه ناج ~~منهما اذكرني عند ربك} فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه؟ وإنما أنسى ~~الشيطان الناجي ذكر ربه أي الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه وهو أن يذكر ~~عنده يوسف. والذين قالوا ذلك القول قالوا: كان الأولى أن يتوكل على الله ~~ولا يقول اذكرني عند ربك. فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن ~~بضع سنين. فيقال: ليس في قوله: {اذكرني عند ربك} ما يناقض التوكل؛ بل قد ~~قال يوسف: {إن الحكم إلا ms4708 لله} كما أن قول أبيه: {لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة} لم يناقض توكله؛ بل قال: # PageV15P113 # {وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون} . و " أيضا " فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده ~~المخلصين والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله؛ فإن ذلك شرك ويوسف ~~لم يكن مشركا لا في عبادته ولا توكله بل قد توكل على ربه في فعل نفسه ~~بقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} فكيف لا يتوكل ~~عليه في أفعال عباده. وقوله: {اذكرني عند ربك} مثل قوله لربه: {اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم} فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا ~~مناقضا للتوكل ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه فكيف يكون قوله للفتى: ~~{اذكرني عند ربك} مناقضا للتوكل وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم ~~حاله ليتبين الحق ويوسف كان من أثبت الناس. ولهذا بعد أن طلب {وقال الملك ~~ائتوني به} قال {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ~~ربي بكيدهن عليم} فيوسف يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك. ويقول: ~~{ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة} فلم يكن في قوله له: {اذكرني # PageV15P114 # عند ربك} ترك لواجب ولا فعل لمحرم حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في ~~السجن بضع سنين وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلما له مع ~~علمهم ببراءته من الذنب. قال الله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين} ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه؛ ليتم ~~بذلك صبره وتقواه فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال؛ ولهذا قال: {أنا يوسف ~~وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} ولو لم يصبر ويتق بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعا من السجن لم ~~يحصل له هذا الصبر والتقوى ms4709 وفاته الأفضل باتفاق الناس. لكن تنازع العلماء ### | هل يمكن الإكراه على الفاحشة # على قولين: قيل لا يمكن كقول أحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهما قالوا: لأن ~~الإكراه يمنع الانتشار. والثاني: يمكن وهو قول مالك والشافعي وابن عقيل ~~وغيره من أصحاب أحمد؛ لأن الإكراه لا ينافي الانتشار فإن الإكراه لا ينافي ~~كون الفعل اختيارا بل المكره يختار دفع أعظم الشرين بالتزام # PageV15P115 # أدناهما. وأيضا: فالانتشار بلا فعل منه؛ بل قد يقيد ويضجع فتباشره المرأة ~~فتنتشر شهوته فتستدخل ذكره. فعلى قول الأولين لم يكن يحل له ما طلبت منه ~~بحال وعلى القول الثاني فقد يقال الحبس ليس بإكراه يبيح الزنا؛ بخلاف ما لو ~~غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو يتلفون بعض أعضائه فالنزاع إنما هو في هذا وهم ~~لم يبلغوا به إلى هذا الحد وإن قيل كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته ~~الأفضل. وأيضا: فالإكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر وتبقى له شهوة وإرادة ~~في الفاحشة. ومن قال: الزنا لا يتصور فيه الإكراه يقول: فرق بين ما لا فعل ~~له - كالمقيد - وبين من له فعل كما أن المرأة إذا أضجعت وقيدت حتى فعل بها ~~الفاحشة لم تأثم بالاتفاق وإن أكرهت حتى زنت ففيه قولان هما روايتان عن ~~أحمد؛ لكن الجمهور يقولون لا تأثم وقد دل على ذلك قوله تعالى {ومن يكرهن ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وهؤلاء يقولون: فعل المرأة لا يحتاج ~~إلى انتشار فإنما هو كالإكراه على شرب الخمر؛ بخلاف فعل الرجل وبسط هذا له ~~موضع آخر. # PageV15P116 # و " المقصود " أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه وهو سبحانه لا يذكر عن ~~أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه ولم يذكر عن يوسف استغفارا من ~~هذه الكلمة. كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة؛ فعلم أنه لم يفعل ~~ذنبا في هذا ولا هذا؛ بل هم هما تركه لله؛ فأثيب عليه حسنة كما قد بسط هذا ~~في موضعه. وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات فذلك جوزي ms4710 به صاحبه بالمصائب ~~المكفرة كما في قوله صلى الله عليه وسلم {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ~~ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به خطاياه} ولما {أنزل الله ~~تعالى هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر: يا رسول الله جاءت ~~قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك ~~اللأوى؟ فذلك مما تجزون به} . فتبين أن قوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} أي ~~نسي الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربه ونسي ذكر يوسف ربه والمصدر يضاف إلى ~~الفاعل والمفعول ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه وأنساه الشيطان ~~أن يذكر ربه؛ هذا الذكر الخاص؛ فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا ~~الذكر بقلبه وأنساه # PageV15P117 # الشيطان تذكير ربه وإذكار ربه لما قال: {اذكرني} أمره بإذكار ربه فأنساه ~~الشيطان إذكار ربه فإذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ~~ذاكرا ليوسف والذكر هو مصدر وهو اسم فقد يضاف من جهة كونه اسما؛ فيعم هذا ~~كله؛ أي أنساه الذكر المتعلق بربه والمضاف إليه. ومما يبين أن الذي نسي ربه ~~هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون} وقوله: {وادكر بعد أمة} دليل على أنه كان قد نسي ~~فادكر. فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: {اذكرني عند ربك} و ~~{ارجع إلى ربك} ونحو ذلك. وهذا كان جائزا في شرعه كما جاز في شرعه أن يسجد ~~له أبواه وإخوته وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا وإن كان هذا منسوخا ~~في شرع محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله: {إنه ربي أحسن مثواي} إن أراد به السيد فلا جناح عليه؛ لكن معلوم ~~أن ترك الفاحشة خوفا لله واجب ولو رضي سيدها ويوسف عليه السلام تركها خوفا ~~من الله. {ولقد همت به وهم بها # PageV15P118 # لولا أن رأى برهان ربه} قال تعالى: ms4711 {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه ~~من عبادنا المخلصين} وقال يوسف أيضا: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} {فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن إنه هو السميع العليم} فدل على أنه كان معه من خوف الله ما يزعه عن ~~الفاحشة ولو رضي بها الناس وقد دعا ربه عز وجل أن يصرف عنه كيدهن. وقوله: ~~{السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} بصيغة جمع التذكير وقوله: {كيدهن} بصيغة ~~جمع التأنيث ولم يقل مما يدعينني إليه دليل على الفرق بين هذا وهذا وأنه ~~كان من الذكور من يدعوه مع النساء إلى الفاحشة بالمرأة وليس هناك إلا زوجها ~~وذلك أن زوجها كان قليل الغيرة أو عديمها وكان يحب امرأته ويطيعها؛ ولهذا ~~لما اطلع على مراودتها قال: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين} فلم يعاقبها ولم يفرق بينها وبين يوسف حتى لا تتمكن من مراودته ~~وأمر يوسف أن لا يذكر ما جرى لأحد محبة منه لامرأته ولو كان فيه غيرة لعاقب ~~المرأة. ومع هذا فشاعت القصة واطلع عليها الناس من غير جهة يوسف حتى تحدثت ~~بها النسوة في المدينة وذكروا أنها تراود فتاها عن نفسه ومع هذا: {أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت # PageV15P119 # كل واحدة منهن سكينا} وأمرت يوسف أن يخرج عليهن؛ ليقمن عذرها على مراودته ~~وهي تقول لهن: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم ~~يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} . وهذا يدل على أنها لم تزل ~~متمكنة من مراودته والخلوة به مع علم الزوج بما جرى وهذا من أعظم الدياثة ~~ثم إنه لما حبس فإنما حبس بأمرها والمرأة لا تتمكن من حبسه إلا بأمر الزوج ~~فالزوج هو الذي حبسه؛ وقد روي أنها قالت: هذا القبطي هتك عرضي فحبسه؛ وحبسه ~~لأجل المرأة معاونة لها على مطلبها لدياثته وقلة غيرته فدخل هو في من دعا ~~يوسف إلى الفاحشة. فعلم أن يوسف لم يترك الفاحشة لأجله ولا ms4712 لخوفه منه بل قد ~~علم يقينا أنه لم يكن يخاف منه وأن يوسف لو أعطاها ما طلبت لم يكن الزوج ~~يدري ولو درى فلعله لم يكن ينكر؛ فإنه قد درى بالمراودة والخلوة التي هي ~~مقتضية لذلك في الغالب فلم ينكر ولو قدر أنه هم بعقوبة يوسف فكانت هي ~~الحاكمة على الزوج القاهرة له. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما رأيت ~~من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن} {ولما راجعنه في ~~إمامة الصديق قال: إنكن لأنتن صواحب يوسف} {ولما أنشده الأعشى # PageV15P120 # وهن شر غالب لمن غلب # استعاد ذلك منه وقال: وهن شر غالب لمن غلب} . فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج ~~وتمنعه من عقوبة يوسف؟ وقد عهد الناس خلقا من الناس تغلبهم نساؤهم؛ من نساء ~~التتر وغيرهم يكون لامرأته غرض فاسد في فتاه أو فتاها وتفعل معه ما تريد ~~وإن أراد الزوج أن يكشف أو يعاقب منعته ودفعته؛ بل وأهانته وفتحت عليه ~~أبوابا من الشر بنفسها وأهلها وحشمها والمطالبة بصداقها وغير ذلك؛ حتى ~~يتمنى الرجل الخلاص منها رأسا برأس مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف ~~الغيرة. فهذا كله يبين أن الداعي ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف الله لا ~~خوفا من السيد فلهذا قال: {إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} قيل ~~هذا مما يبين محاسن يوسف ورعايته لحق الله وحق المخلوقين ودفعه الشر بالتي ~~هي أحسن فإن الزنا بامرأة الغير فيه حقان مانعان كل منهما مستقل بالتحريم. ~~فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضي الزوج وظلم الزوج في امرأته حرام لحق بحيث ~~لو سقط حق الله بالتوبة منه فحق هذا في امرأته لا يسقط كما لو ظلمه وأخذ ~~ماله وتاب من حق الله لم يسقط # PageV15P121 # حق المظلوم بذلك ولهذا جاز للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها ويلاعنها ~~ويسعى في عقوبتها بالرجم بخلاف الأجنبي فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن بل ~~يحد إذا لم يأت بأربعة شهداء فإفساد المرأة على زوجها من أعظم ms4713 الظلم لزوجها ~~وهو عنده أعظم من أخذ ماله. ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء ~~إذا لم يندفع إلا بالقتل بالاتفاق ويجوز في أظهر القولين قتله وإن اندفع ~~بدونه كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم ~~وذكر أنه وجد رجلا تفخذ امرأته فضربه بالسيف فأقره عمر على ذلك وشكره وقبل ~~قوله أنه قتله لذلك إذ ظهرت دلائل ذلك. وهذا كما لو اطلع رجل في بيته فإنه ~~يجوز له أن يفقأ عينه ابتداء وليس عليه أن ينذره هذا أصح القولين كما ثبت ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو اطلع رجل في بيتك ~~ففقأت عينه ما كان عليك شيء} وكذلك قال في الذي عض يد غيره فنزع يده ~~فانقلعت أسنان العاض. وهذا مذهب فقهاء الحديث. وأكثر السلف وفي المسألتين ~~نزاع ليس هذا موضعه؛ إذ المقصود أن الزاني بامرأة غيره ظالم للزوج وللزوج ~~حق عنده ولهذا {ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من # PageV15P122 # زنى بامرأة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء} . ~~وفي الصحيحين عن {ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال أن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ~~ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك} فذكر الزنا بحليلة الجار فعلم أن للزوج ~~حقا في ذلك وكان ظلم الجار أعظم؛ للحاجة إلى المجاورة. وإن قيل: هذا قد لا ~~يمكن زوج المرأة أن يحترز منه والجار عليه حق زائد على حق الأجنبي فكيف إذا ~~ظلم في أهله والجيران يأمن بعضهم بعضا ففي هذا من الظلم أكثر مما في غيره ~~وجاره يجب عليه أن يحفظ امرأته من غيره فكيف يفسدها هو. فلما كان الزنا ~~بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم مثل لحم الخنزير الميت: ~~علل يوسف ذلك بحق الزوج وإن كان كل من الأمرين مانعا له وكان في ms4714 تعليله بحق ~~الزوج فوائد. " منها " أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به بخلاف حق الله ~~تعالى فإنها لا تعرف عقوبة الله في ذلك. و " منها " أن المرأة قد ترتدع ~~بذلك فترعى حق زوجها إما # PageV15P123 # خوفا وإما رعاية لحقه فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن هذا رعاية لحق سيده ~~فالمرأة أولى بذلك لأنها خائنة في نفس المقصود منها بخلاف المملوك فإن ~~المطلوب منه الخدمة وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله. و " منها " أن هذا ~~مانع مؤيس لها فلا تطمع فيه لا بنكاح ولا بسفاح بخلاف الخلية من الزوج ~~فإنها تطمع فيه بنكاح حلال. و " منها " أنه لو علل بالزنا فقد تسعى هي في ~~فراق الزوج والتزوج به فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ولهذا إذا طلقت ~~امرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها. ولو طلقها ليتزوج بها - كما قال سعد ~~بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إن لي امرأتين فاختر أيتهما شئت حتى أطلقها ~~وتتزوجها - لكنه بدون رضاه لا يحل كما في المسند عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ليس منا من خبب امرأة على زوجها ولا عبدا على مواليه} وقد ~~حرم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ويستام على سوم ~~أخيه فإذا كان بعد الخطبة وقبل العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بامرأته ~~فكيف بعد العقد والدخول والصحبة. فلو علل بأن هذا زنا محرم ربما طمعت في أن ~~تفارق الزوج وتتزوجه فإن كيدهن عظيم؛ وقد جرى مثل هذا. فلما علل بحق # PageV15P124 # سيده وقال: {إنه ربي أحسن مثواي} يئست من ذلك وعلمت أنه يراعي حق الزوج ~~فلا يزاحمه في امرأته ألبتة ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضي بالفاحشة وأباح ~~امرأته لم يكن هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه أيضا فإنه ليس كل حق للإنسان ~~له أن يسقطه ولا يسقط بإسقاطه وإنما ذاك فيما يباح له بذله وهو ما لا ضرر ~~عليه في بذله مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع. وأما ms4715 ما ليس له بذله فلا يباح ~~بإباحته كما لو قال له: علمني السحر والكفر والكهانة وأنت في حل من إضلالي ~~أو قال له: بعني رقيقا وخذ ثمني وأنت في حل من ذلك. وكذلك إذا قال: افعل بي ~~أو بابني أو بامرأتي أو بإمائي الفاحشة لم يكن هذا مما يسقط حقه فيه ~~بإباحته فإنه ليس له بذل ذلك ومعلوم أن الله يعاقبها على الفاحشة وإن ~~تراضيا بها؛ لكن المقصود أن في ذلك أيضا ظلما لهذا الشخص لا يرتفع بإباحته ~~كظلمه إذا جعله كافرا أو رقيقا فإن كونه يفعل به الفاحشة أو بأهله فيه ضرر ~~عليه لا يملك إباحته كالضرر عليه في كونه كافرا وهو كما لو قال له: أزل ~~عقلي وأنت في حل من ذلك؛ فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك بل هو ممنوع من ذلك ~~كما يمنع السفيه من التصرف في ماله أو إسقاط حقوقه وكذلك المجنون والصغير؛ ~~فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم. # PageV15P125 # ولهذا لو أذن له الصبي أو السفيه في أخذ ماله لم يكن له ذلك ومن أذن ~~لغيره في تكفيره أو تجنينه أو تخنيثه والإفحاش به وبأهله فهو من أسفه ~~السفهاء وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك؛ ~~لما فيه من ظلمه؛ ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا ~~رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره ولو كان التحريم لمجرد حق الله تعالى ~~لسقط برضاه ولو كان حقه إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة ~~والإنسان يحرم عليه قتل نفسه أعظم مما يحرم عليه قتل غيره. فلو قال لغيره: ~~اقتلني لم يملك منه أعظم مما يملك هو من نفسه. ولهذا يوم القيامة يتظلم من ~~الأكابر وهم لم يكرهوهم على الكفر بل باختيارهم كفروا. قال تعالى: {يوم ~~تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} {وقالوا ~~ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقال: ms4716 {حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون} وقال تعالى: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} . وكذلك الناس يلعنون ~~الشيطان وإن كان لم يكرههم على الذنوب؛ # PageV15P126 # بل هم باختيارهم أذنبوا. فإن قيل: هؤلاء يقولون لشياطين الإنس والجن: نحن ~~لم نكن نعلم أن في هذا علينا ضررا ولكن أنتم زينتم لنا هذا وحسنتموه حتى ~~فعلناه ونحن كنا جاهلين بالأمر. قيل: كما نعلم أن ### | الجاهل بما عليه في الفعل من الضرر لا عبرة برضاه وإذنه # وإنما يصح الرضاء والإذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به وما كان على ~~الإنسان فيه ضرر راجح لا يرضى به إلا لعدم علمه وإلا فالنفس تمتنع بذاتها ~~من الضرر الراجح. ولهذا كان من اشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم ~~يعلم بحاله غير راض به؛ بل له الفسخ بعد ذلك؛ كذلك الكفر والجنون والفاحشة ~~بالأهل لا يرضى بها إلا من لم يعلم بما فيها من الضرر عليه فإذا أذن فيها ~~لم يسقط حقه؛ بل يكون مظلوما ولو قال: أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به ~~كان كذبا؛ بل هو من أجهل الناس بما يقوله. ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم ~~معناه وقال نويت موجبه عند الله لم يصح ذلك في أظهر القولين مثل أن يقول: " ~~بهشم " ولا يعرف معناها أو يقول: أنت طالق إن دخلت الدار وينوي موجبها # PageV15P127 # من العربية وهو لا يعرف ذلك؛ فإن النية والقصد والرضا مشروط بالعلم فما ~~لم يعلمه لا يرضى به إلا إذا كان راضيا به مع العلم ومن كان يرضى بأن يكفر ~~ويجن وتفعل الفاحشة به وبأهله. فهو لا يعلم ما عليه في ذلك من الضرر؛ بل هو ~~سفيه. فلا عبرة برضاه وإذنه؛ بل له حق عند من ظلمه وفعل به ذلك غير ما لله ~~من الحق. وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع. ولهذا ms4717 قال يوسف عليه السلام ~~{إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} يقول: متى أفسدت امرأته كنت ~~ظالما بكل حال وليس هذا جزاء إحسانه إلي. والناس إذا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان أبغض بعضهم بعضا وإن كانوا فعلوه بتراضيهم قال طاووس: ما اجتمع ~~رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تقال وقال الخليل عليه السلام {إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وهؤلاء ~~لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا لمجرد كونه عصى الله؛ بل لما حصل له ~~بمشاركته ومعاونته من الضرر وقال تعالى عن أهل الجنة التي أصبحت كالصريم: ~~{فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} أي يلوم بعضهم بعضا. وقال: {الأخلاء يومئذ # PageV15P128 # بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} . فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين ~~كانت عاقبتها عداوة وإنما تكون على مصلحتهما إذا كانت في ذات الله فكل ~~منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه فهذا ~~التراضي لا اعتبار به؛ بل يعود تباغضا وتعاديا وتلاعنا وكل منهما يقول ~~للآخر: لولا أنت ما فعلت أنا وحدي هذا؛ فهلاكي كان مني ومنك. والرب لا ~~يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن فلو كان أحدهما ظالما للآخر فيه لنهي ~~عن ذلك ويقول كل منهما للآخر: أنت لأجل غرضك أوقعتني في هذا؛ كالزانيين كل ~~منهما يقول للآخر لأجل غرضك فعلت معي هذا. ولو امتنعت لم أفعل أنا هذا؛ لكن ~~كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه؛ فتعادلا. ولهذا إذا كان الطلب ~~والمراودة من أحدهما أكثر كان الآخر يتظلمه ويلعنه أكثر وإن تساويا في ~~الطلب تقاوما؛ فإذا رضي الزوج بالدياثة فإنما هو لإرضاء الرجل أو المرأة ~~لغرض له آخر؛ مثل أن يكون محبا لها؛ ولا تقيم معه إلا على هذا الوجه فهو ~~يقول للزاني بها: أنت لغرضك أفسدت علي امرأتي وأنا إنما رضيت لأجل غرضها ~~فأنت لما أفسدت علي امرأتي وظلمتني ms4718 # PageV15P129 # فعلت معي ما فعلت. ومن ذلك أنه لو قال: إني أخاف الله أن يعاقبني ونحو ~~ذلك لقالت: أنت إنما تترك غرضي لغرضك في النجاة وأنا سيدتك فينبغي أن تقدم ~~غرضي على غرضك فلما قال: {إنه ربي أحسن مثواي} علل بحق سيده الذي يجب عليه ~~وعليها رعاية حقه. # فصل: # وفي قول يوسف: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} عبرتان: " إحداهما " اختيار السجن ~~والبلاء على الذنوب والمعاصي. و " الثانية " طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت ~~القلب على دينه ويصرفه إلى طاعته وإلا فإذا لم يثبت القلب صبا إلى الآمرين ~~بالذنوب وصار من الجاهلين. ففي هذا توكل على الله واستعانة به أن يثبت ~~القلب على الإيمان والطاعة وفيه صبر على المحنة والبلاء والأذى الحاصل إذا ~~ثبت على الإيمان والطاعة. # PageV15P130 # وهذا كقول موسى عليه السلام لقومه: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} لما قال فرعون: {سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ~~إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} . وكذلك قوله: ~~{والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} . ومنه قول ~~يوسف عليه السلام {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وهو نظير قوله: {وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وقوله: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور} وقوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} . فلا بد من التقوى بفعل المأمور ~~والصبر على المقدور كما فعل يوسف عليه السلام اتقى الله بالعفة عن الفاحشة ~~وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس واستعان الله ودعاه حتى يثبته على ~~العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن وصبر على الحبس. # PageV15P131 # وهذا كما قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ~~جعل فتنة ms4719 الناس كعذاب الله} وكما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة ذلك هو الخسران المبين} {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ~~ذلك هو الضلال البعيد} {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير} فإنه لا بد من أذى لكل من كان في الدنيا فإن لم يصبر على الأذى في ~~طاعة الله بل اختار المعصية كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير. ~~{ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} . ومن احتمل الهوان ~~والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز في معصية الله كما فعل يوسف عليه ~~السلام وغيره من الأنبياء والصالحين كانت العاقبة له في الدنيا والآخرة ~~وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيما وسرورا كما أن ما يحصل لأرباب ~~الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزنا وثبورا. فيوسف صلى الله عليه وسلم خاف ~~الله من الذنوب ولم يخف من أذى الخلق وحبسهم إذ أطاع الله بل آثر الحبس ~~والأذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات ونيل الرياسة والمال مع ~~المعصية فإنه لو وافق امرأة العزيز نال الشهوة وأكرمته المرأة بالمال ~~والرياسة # PageV15P132 # وزوجها في طاعتها فاختار يوسف الذل والحبس وترك الشهوة والخروج عن المال ~~والرياسة مع الطاعة على العز والرياسة والمال وقضاء الشهوة مع المعصية. بل ~~قدم الخوف من الخالق على الخوف من المخلوق وإن آذاه بالحبس والكذب فإنها ~~كذبت عليه؛ فزعمت أنه راودها ثم حبسته بعد ذلك. وقد قيل: إنها قالت لزوجها ~~إنه هتك عرضي لم يمكنها أن تقول له راودني فإن زوجها قد عرف القصة؛ بل كذبت ~~عليه كذبة تروج على زوجها. وهو أنه قد هتك عرضها بإشاعة فعلها وكانت كاذبة ~~على يوسف لم يذكر عنها شيئا؛ بل كذبت أولا وآخرا؛ كذبت عليه بأنه طلب ~~الفاحشة وكذبت عليه بأنه أشاعها وهي التي طالبت وأشاعت فإنها قالت للنسوة: ms4720 ~~فذلكن الذي لمتنني فيه. ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. فهذا غاية الإشاعة ~~لفاحشتها لم تستر نفسها. والنساء أعظم الناس إخبارا بمثل ذلك وهن قبل أن ~~يسمعن قولها قد قلن في المدينة: {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} فكيف ~~إذا اعترفت بذلك وطلبت رفع الملام عنها؟ . # PageV15P133 # وقد قيل: إنهن أعنها في المراودة وعذلنها على الامتناع. ويدل على ذلك ~~قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} وقوله: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فدل على أن هناك كيدا منهن ~~وقد قال لهن الملك: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا ~~عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين} فهن لم يراودنه لأنفسهن؛ إذ كان ذلك غير ممكن وهو عند المرأة في ~~بيتها وتحت حجرها؛ لكن قد يكن أعن المرأة على مطلوبها. وإذا كان هذا في فعل ~~الفاحشة فغيرها من الذنوب أعظم مثل الظلم العظيم للخلق كقتل النفس المعصومة ~~ومثل الإشراك بالله ومثل القول على الله بلا علم. قال تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فهذه أجناس ~~المحرمات التي لا تباح بحال ولا في شريعة وما سواها - وإن حرم في حال - فقد ~~يباح في حال. # PageV15P134 # فصل: # واختيار النبي صلى الله عليه وسلم له ولأهله الاحتباس في شعب بني هاشم ~~بضع سنين لا يبايعون ولا يشارون؛ وصبيانهم يتضاغون من الجوع قد هجرهم ~~وقلاهم قومهم وغير قومهم. هذا أكمل من حال يوسف عليه السلام. فإن هؤلاء ~~كانوا يدعون الرسول إلى الشرك وأن يقول على الله غير الحق. يقول: ما أرسلني ~~ولا نهى عن الشرك. وقد قال تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا} {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا} {إذا ms4721 لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا} {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك ~~إلا قليلا} {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} . وكان ~~كذب هؤلاء على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف؛ فإنهم ~~قالوا: إنه ساحر وإنه كاهن وإنه مجنون وإنه # PageV15P135 # مفتر. وكل واحدة من هؤلاء أعظم من الزنا والقذف؛ لا سيما الزنا المستور ~~الذي لا يدري به أحد. فإن يوسف كذب عليه في أنه زنى وأنه قذفها وأشاع عنها ~~الفاحشة؛ فكان الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف. ~~وكذلك الكذب على أولي العزم مثل نوح وموسى حيث يقال عن الواحد منهم: إنه ~~مجنون وإنه كذاب يكذب على الله وما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~من أذى المشركين أعظم من مجرد الحبس فإن يوسف حبس وسكت عنه والنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه كانوا يؤذون بالأقوال والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم ~~المعتادة. وهذا معنى الحبس فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه في السجن بل ~~المراد منعه من التصرف المعتاد. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له حبس ~~ولا لأبي بكر؛ بل أول من اتخذ السجن عمر وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~{يسلم الغريم إلى غريمه ويقول: ما فعل أسيرك} فيجعله أسيرا معه حتى يقضيه ~~حقه وهذا هو المطلوب من الحبس. والصحابة - رضي الله عنهم - منعوهم من ~~التصرف بمكة أذى لهم حتى خرج كثير منهم إلى أرض الحبشة فاختاروا السكنى بين ~~أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى بين قومهم والباقون # PageV15P136 # أخرجوا من ديارهم وأموالهم أيضا مع ما آذوهم به حتى قتلوا بعضهم وكانوا ~~يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه ويضعون الصخرة على بطن أحدهم في ~~رمضاء مكة إلى غير ذلك من أنواع الأذى. وكذلك المؤمن من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يختار الأذى في طاعة الله على الإكرام مع معصيته كأحمد بن حنبل ms4722 ~~اختار القيد والحبس والضرب على موافقة السلطان وجنده على أن يقول على الله ~~غير الحق في كلامه وعلى أن يقول ما لا يعلم أيضا فإنهم كانوا يأتون بكلام ~~يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل وبكلام مجمل يحتاج إلى تفسير؛ فيقول ~~لهم الإمام أحمد: ما أدري ما هذا؟ فلم يوافقهم على أن يقول على الله غير ~~الحق. ولا على أن يقول على الله ما لا يعلم. # PageV15P137 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله - بعد كلام: (1) # [يهم أحدهم] (2) بالذنب فيذكر مقامه بين يدي الله فيدعه فكان يوسف ممن ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. ثم إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان ~~شابا عزبا أسيرا في بلاد العدو حيث لم يكن هناك أقارب أو أصدقاء فيستحي ~~منهم إذا فعل فاحشة فإن كثيرا من الناس يمنعه من مواقعة القبائح حياؤه ممن ~~يعرفه فإذا تغرب فعل ما يشتهيه. وكان أيضا خاليا لا يخاف مخلوقا فحكم النفس ~~الأمارة - لو كانت نفسه كذلك - أن يكون هو المعترض لها؛ بل يكون هو المتحيل ~~عليها كما جرت به عادة كثير ممن له غرض في نساء الأكابر إن لم يتمكن من ~~الدعوة ابتداء. فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة لكان أسرع مجيب فكيف ~~إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه التي يخاف الضرر بمخالفتها. ثم إن ~~زوجها الذي عادته أن يزجر المرأة لم يعاقبها؛ بل أمر PageV15P138 # يوسف بالإعراض كما ينعر الديوث ثم إنها استعانت بالنساء وحبسته وهو يقول: ~~{رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين} . فليتدبر اللبيب هذه الدواعي التي دعت يوسف إلى ما دعته وأنه مع ~~توفرها وقوتها ليس له عن ذلك صارف إذا فعل ذلك ولا من ينجيه من المخلوقين؛ ~~ليتبين له أن الذي ابتلي به يوسف كان من أعظم الأمور وأن تقواه وصبره عن ~~المعصية - حتى لا يفعلها مع ظلم الظالمين له حتى لا يجيبهم - كان من أعظم ~~الحسنات وأكبر الطاعات وأن نفس يوسف عليه الصلاة والسلام كانت ms4723 من أزكى ~~الأنفس فكيف أن يقول: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} والله يعلم ~~أن نفسه بريئة ليست أمارة بالسوء؛ بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء والهم ~~الذي وقع كان زيادة في زكاء نفسه وتقواها وبحصوله مع تركه لله لتثبت له به ~~حسنة من أعظم الحسنات التي تزكي نفسه. " الوجه السادس " أن قوله: {ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب} إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن ~~يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ~~ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه فإنه لم يتقدم من يوسف كلام يشير به ~~إليه ولا تقدم # PageV15P139 # أيضا ذكر عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: {ما علمنا عليه من ~~سوء} وقول امرأة العزيز: {أنا راودته عن نفسه} وهذا فيه بيان كذبها فيما ~~قالته أولا ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إن قوله (ذلك من ~~قول يوسف مع أنه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل لا يصح بحال. " الوجه السابع ~~" أن المعنى على هذا التقدير - لو كان هنا ما يشار إليه من قول يوسف أو ~~عمله - إن عفتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيز أني لم أخنه ويوسف عليه الصلاة ~~والسلام إنما تركها خوفا من الله ورجاء لثوابه؛ ولعلمه بأن الله يراه؛ لا ~~لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فأخبر ~~أنه رأى برهان ربه وأنه من عباده المخلصين. ومن ترك المحرمات ليعلم المخلوق ~~بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه ولم يكن بذلك مخلصا فهذا الذي أضافوه ~~إلى يوسف إذا فعله آحاد الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على ~~من عمل لأجله. # PageV15P140 # فإن قيل: فقد قال يوسف أولا: {إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} ~~. قيل: إن كان مراده بذلك سيده: فالمعنى أنه أحسن ms4724 إلي؛ وأكرمني فلا يحل لي ~~أن أخونه في أهله فإني أكون ظالما ولا يفلح الظالم؛ فترك خيانته في أهله ~~خوفا من الله لا ليعلم هو بذلك. فإن قيل: مراده تأتي إظهار براءتي ليعلم ~~العزيز أني لم أخنه بالغيب فالمعلل إظهار براءته لا نفس عفافه. قيل: لم يكن ~~مراده بإظهار براءته مجرد علم واحد؛ بل مراده علم الملك وغيره. ولهذا قال ~~للرسول: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ولو كان ~~هذا من قول يوسف لقال: ذلك ليعلموا أني بريء وأني مظلوم. ثم هذا لا يليق أن ~~يذكر عن يوسف؛ لأنه قد ظهرت براءته وحصل مطلوبه فلا يحتاج أن يقول ذلك ~~لتحصيل ذلك. وهم قد علموا أنه إنما تأخر لتظهر براءته فلا يحتاج مثل هذا أن ~~ينطق به. # PageV15P141 # " الوجه الثامن " أن الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه من لذلك ~~عنده قدر وهذا يناسب لو كان العزيز غيورا وللعفة عنده جزاء كثير والعزيز قد ~~ظهرت عنه من قلة الغيرة وتمكين امرأته من جنسه مع الظالمين مع ظهور براءته ~~ما يقتضي أن مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله. ~~فإن النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني ~~لأهله وكف نفسي عن ذلك؛ بل سلطها ومكنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في ~~نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله هذا تفعل الفاحشة إما نكاية فيه ومجازاة له ~~على ظلمه وإما إهمالا له لعدم غيرته وظهور دياثته ولا يصبر في مثل هذا ~~المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفا منه وراجيا لثوابه لا من يريد ~~تعريف الخلق بعمله. " الوجه التاسع " أن الخيانة ضد الأمانة وهما من جنس ~~الصدق والكذب. ولهذا يقال: الصادق الأمين ويقال الكاذب الخائن. وهذا حال ~~امرأة العزيز؛ فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت راودني لكانت كاذبة ~~وخائنة فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه؛ ~~ولهذا قالت: {وإنه لمن ms4725 الصادقين} فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. # PageV15P142 # فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة؛ ولكن هو باب الظلم ~~والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: {معاذ الله ~~إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} ولم يقل هنا الخائنين. ثم قال ~~تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} ولم يقل ~~لنصرف عنه الخيانة؛ فليتدبر اللبيب هذه الدقائق في كتاب الله تعالى. " ~~الوجه العاشر " أن في الكلام المحكي الذي أقره الله تعالى: {إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} وهذا يدل على أنه ليس كل نفس أمارة بالسوء؛ ~~بل ما رحم ربي ليس فيه النفس الأمارة بالسوء. وقد ذكر طائفة من الناس أن ~~النفس لها ثلاثة أحوال: تكون أمارة بالسوء ثم تكون لوامة أي تفعل الذنب ثم ~~تلوم عليه أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة. ثم تصير مطمئنة. و " المقصود ~~هنا " أن ما رحم ربي من النفوس ليست بأمارة وإذا كانت النفوس منقسمة إلى ~~مرحومة وأمارة فقد علمنا قطعا أن نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة ~~بالسوء؛ لأنها أمرت بذلك مرة بعد مرة وراودت وافترت واستعانت بالنسوة وسجنت ~~وهذا من # PageV15P143 # أعظم ما يكون من الأمر بالسوء. وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فإن لم يكن ~~نفسه من النفوس المرحومة عن أن تكون أمارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإن من ~~تدبر قصة يوسف علم أن الذي رحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما ~~يكون؛ ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة وما من أحد من ~~الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن ~~تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة: ~~فما في النفوس مرحومة فإذا كل النفوس أمارة بالسوء وهو خلاف ما في القرآن. ~~ولا يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن مسلم بن يسار؛ أن أعرابية دعته إلى ~~نفسها وهما في البادية؛ فامتنع وبكى وجاء أخوه وهو ms4726 يبكي فبكى وبكت المرأة ~~وذهبت فنام فرأى يوسف في منامه وقال: أنا يوسف الذي هممت وأنت مسلم الذي لم ~~تهم فقد يظن من يسمع هذه الحكاية أن حال مسلم كان أكمل. وهذا جهل لوجهين: " ~~أحدهما " أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة المراودة ولا لها عليه حكم ولا ~~لها عليه قدرة أن تكذب عليه وتستعين بالنسوة # PageV15P144 # وتحبسه، وزوجها لا يعينه ولا أحد غير زوجها يعينه على العصمة؛ بل مسلم ~~لما بكى ذهبت تلك المرأة ولو استعصمت لكان صراخه منها أو خوفها من الناس ~~يصرفها عنه. وأين هذا مما ابتلي به يوسف عليه الصلاة والسلام. " الثاني " ~~أن الهم من يوسف لما تركه لله كان له به حسنة ولا نقص عليه. وثبت في ~~الصحيحين من حديث السبعة الذين {يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ~~دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين} وهذا لمجرد ~~الدعوة فكيف بالمراودة والاستعانة والحبس؟ . ومعلوم أنها كانت ذات منصب وقد ~~ذكر أنها كانت ذات جمال وهذا هو الظاهر فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن تكون ~~جميلة. وأما البدوية الداعية لمسلم فلا ريب أنها دون ذلك ورؤياه في المنام ~~وقوله: أنا يوسف الذي هممت وأنت مسلم الذي لم تهم غايته أن يكون بمنزلة أن ~~يقول ذلك له يوسف في اليقظة وإذا قال هذا: كان هذا خيرا له ومدحا وثناء ~~وتواضعا من يوسف وإذا تواضع الكبير مع من دونه لم تسقط منزلته. " الوجه ~~الحادي عشر " أن هذا الكلام فيه - مع الاعتراف # PageV15P145 # بالذنب - الاعتذار بذكر سببه فإن قولها: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين} فيه اعتراف بالذنب وقولها: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء} إشارة تطابق لقولها: {أنا راودته} أي أنا مقرة بالذنب ما أنا مبرئة ~~لنفسي. ثم بينت السبب فقالت: {إن النفس لأمارة بالسوء} . فنفسي من هذا ~~الباب فلا ينكر صدور هذا مني. ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة فقالت: ~~{إن ربي غفور رحيم} . فإن قيل: فهذا كلام من ms4727 يقر بأن الزنا ذنب وأن الله قد ~~يغفر لصاحبه. قلت: نعم. والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: {يوسف أعرض ~~عن هذا واستغفري لذنبك} فأمره لها بالاستغفار لذنبها دليل أنهم كانوا يرون ~~ذلك ذنبا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين فقد كانت العرب مشركين وهم ~~يحرمون الفواحش ويستغفرون الله منها حتى {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~بايع هند بنت عتبة بن ربيعة بيعة النساء على أن لا تشرك بالله شيئا ولا ~~تسرق ولا تزني. قالت: أوتزني الحرة؟} وكان الزنا معروفا عندهم في الإماء. ~~ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية في مقابلة الرق وأصل # PageV15P146 # اللفظ هو العفة ولكن العفة عادة من ليست أمة؛ بل قد ذكر البخاري في صحيحه ~~عن أبي رجاء العطاردي أنه رأى في الجاهلية قردا يزني بقردة فاجتمعت القرود ~~عليه حتى رجمته. وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين أنه رأى في جامع نوعا من ~~الطير قد باض فأخذ الناس بيضة وجاء ببيض جنس آخر من الطير فلما انفقس البيض ~~خرجت الفراخ من غير الجنس فجعل الذكر يطلب جنسه حتى اجتمع منهن عدد فما ~~زالوا بالأنثى حتى قتلوها ومثل هذا معروف في عادة البهائم. والفواحش مما ~~اتفق أهل الأرض على استقباحها وكراهتها وأولئك القوم كانوا يقرون بالصانع ~~مع شركهم؛ ولهذا قال لهم يوسف: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . " الوجه الثاني عشر " أن يقال: ~~إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه؛ ~~ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من ~~فعلها وإما # PageV15P147 # أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها؛ لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة ~~فإن الأمة متفقة على أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ فإن ms4728 ذلك يناقض مقصود ~~الرسالة ومدلول المعجزة. وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك ولكن المقصود هنا ~~أن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه كما ~~ذكر في قصة آدم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء. وبهذا يجيب من ينصر قول ~~الجمهور الذين يقولون بالعصمة من الإقرار على من ينفي الذنوب مطلقا فإن ~~هؤلاء من أعظم حججهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره حيث قالوا: نحن مأمورون ~~بالتأسي بهم في الأفعال وتجويز ذلك يقدح في التأسي؛ فأجيبوا بأن التأسي ~~إنما هو فيما أقروا عليه كما أن النسخ جائز فيما يبلغونه من الأمر والنهي ~~وليس تجويز ذلك مانعا من وجوب الطاعة لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ فعدم ~~النسخ يقرر الحكم وعدم الإنكار يقرر الفعل والأصل عدم كل منهما. ويوسف صلى ~~الله عليه وسلم لم يذكر الله تعالى عنه في القرآن أنه فعل مع المرأة ما ~~يتوب عنه أو يستغفر منه أصلا. وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة ~~ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع # PageV15P148 # منه بعض مقدماتها مثل ما يذكرون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ~~ونحو هذا وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا مستند ~~لهم فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء ~~وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا وفي داود ما قالوا فلو لم يكن ~~معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه فكيف نصدقهم فيما قد ~~دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر ~~في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرا ~~وإما تائبا والإصرار ممتنع فتعين أن يكون تائبا. والله لم يذكر عنه توبة في ~~هذا ولا استغفارا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدل ذلك على أن ما فعله ~~يوسف كان من الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة كما ms4729 أخبر الله عنه بقوله ~~تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . وإذا كان الأمر ~~في يوسف كذلك؛ كان ما ذكر من قوله: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي} إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف فإضافة الذنوب إلى ~~يوسف في هذه القضية فرية على الكتاب والرسول وفيه تحريف للكلم عن مواضعه ~~وفيه # PageV15P149 # الاغتياب لنبي كريم وقول الباطل فيه بلا دليل ونسبته إلى ما نزهه الله ~~منه وغير مستبعد أن يكون أصل هذا من اليهود أهل البهت الذين كانوا يرمون ~~موسى بما برأه الله منه فكيف بغيره من الأنبياء؟ وقد تلقى نقلهم من أحسن به ~~الظن وجعل تفسير القرآن تابعا لهذا الاعتقاد. واعلم أن المنحرفين في مسألة ~~العصمة على طرفي نقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه: قوم أفرطوا ~~في دعوى امتناع الذنوب حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من ~~التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك. وقوم أفرطوا في أن ~~ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه وأضافوا إليهم ذنوبا وعيوبا نزههم ~~الله عنها. وهؤلاء مخالفون للقرآن وهؤلاء مخالفون للقرآن ومن اتبع القرآن ~~على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط مهتديا إلى الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم {اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لتتبعن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا ~~رسول الله اليهود والنصارى # PageV15P150 # قال: فمن؟} وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح: {لتأخذن أمتي مأخذ الأمم ~~قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم؟ قال: ومن ~~الناس إلا هؤلاء؟} ولا ريب أنه صار عند كثير من الناس من علم أهل الكتاب ~~ومن فارس والروم ما أدخلوه في علم المسلمين ودينهم وهم لا يشعرون كما دخل ~~كثير ms4730 من أقوال المشركين من أهل الهند واليونان وغيرهم والمجوس والفرس ~~والصابئين من اليونان وغيرهم في كثير من المتأخرين لا سيما في جنس ~~المتفلسفة والمتكلمة. ودخل كثير من أقوال أهل الكتاب اليهود والنصارى في ~~طائفة هم أمثل من هؤلاء إذ أهل الكتاب كانوا خيرا من غيرهم. ولما فتح ~~المسلمون البلاد كانت الشام ومصر ونحوهما مملوءة من أهل الكتاب النصارى ~~واليهود فكانوا يحدثونهم عن أهل الكتاب بما بعضه حق وبعضه باطل؛ فكان من ~~أكثرهم حديثا عن أهل الكتاب كعب الأحبار. وقد قال معاوية - رضي الله عنه - ~~ما رأينا في هؤلاء الذين يحدثونا عن أهل الكتاب أصدق من كعب وإن كنا لنبلو ~~عليه الكذب أحيانا. ومعلوم أن عامة ما عند كعب أن ينقل ما وجده في كتبهم ~~ولو # PageV15P151 # نقل ناقل ما وجده في الكتب عن نبينا صلى الله عليه وسلم لكان فيه كذب ~~كثير فكيف بما في كتب أهل الكتاب مع طول المدة وتبديل الدين وتفرق أهله ~~وكثرة أهل الباطل فيه. وهذا باب ينبغي للمسلم أن يعتني به وينظر ما كان ~~عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بما جاء به ~~وأعلم الناس بما يخالف ذلك من دين أهل الكتاب والمشركين والمجوس والصابئين. ~~فإن هذا أصل عظيم. ولهذا قال الأئمة - كأحمد بن حنبل وغيره - أصول السنة هي ~~التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تأمل هذا ~~الباب وجد كثيرا من البدع أحدثت بآثار أصلها عنهم مثل ما يروى في فضائل ~~بقاع في الشام من الجبال والغيران ومقامات الأنبياء ونحو ذلك. مثل ما يذكر ~~في جبل قاسيون ومقامات الأنبياء التي فيه وما في إتيان ذلك من الفضيلة حتى ~~إن بعض المفترين من الشيوخ جعل زيارة مغارة فيه ثلاث مرات تعدل حجة ~~ويسمونها مقامات الأنبياء. والآثار التي تروى في ذلك لا تصل إلى الصحابة ~~وإنما هي عمن # PageV15P152 # دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب وإلا فلو كان لهذا أصل لكان هذا عند أكابر ~~الصحابة الذين قدموا ms4731 الشام مثل بلال بن رباح ومعاذ بن جبل وعبادة بن ~~الصامت؛ بل ومثل أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة وأمثالهم. فقد دخل الشام ~~من أكابر الصحابة أفضل ممن دخل بقية الأمصار غير الحجاز فلم ينقل عن أحد ~~منهم اتباع شيء من آثار الأنبياء لا مقابرهم ولا مقاماتهم فلم يتخذوها ~~مساجد ولا كانوا يتحرون الصلاة فيها والدعاء عندها؛ بل قد ثبت عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا يصلون فيه ~~فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تتخذوا آثار ~~أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. من أدركته الصلاة فيه فليصل ~~وإلا فليمض. ولما دخل البيت المقدس وأراد أن يبني مصلى للمسلمين: قال لكعب؟ ~~أين أبنيه؟ قال ابنه خلف الصخرة. قال: خالطتك يهودية يا ابن اليهودية؛ بل ~~أبنيه أمامها ولهذا كان عبد الله بن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى في قبليه ~~ولم يذهب إلى الصخرة. وكانوا يكذبون ما ينقله كعب: أن الله قال لها: أنت ~~عرشي الأدنى ويقولون: من وسع كرسيه السموات والأرض كيف تكون # PageV15P153 # الصخرة عرشه الأدنى ولم تكن الصحابة يعظمونها وقالوا: إنما بنى القبة ~~عليها عبد الملك بن مروان لما كان محاربا لابن الزبير وكان الناس يذهبون ~~إلى الحج فيجتمعون به عظم الصخرة؛ ليشتغلوا بزيارتها عن جهة ابن الزبير ~~وإلا فلا موجب في شريعتنا لتعظيم الصخرة وبناء القبة عليها وسترها بالأنطاع ~~والجوخ. ولو كان هذا من شريعتنا: لكان عمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم ~~أحق بذلك ممن بعدهم؛ فإن هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم ~~بسنته وأتبع لها ممن بعدهم. وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل ~~صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا فتحوه؛ بل ولا بنوا على قبر أحد من الأنبياء ~~مسجدا؛ فإنهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن من كان ~~قبلكم ms4732 كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك} . ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى إلى عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - فكتب إليه عمر إذا كان بالنهار فاحفر ثلاثة عشر قبرا ثم ~~ادفنه بالليل في واحد منها وعفر قبره لئلا يفتتن به الناس وقد تأملت الآثار ~~التي تروى في قصد هذه المقامات والدعاء # PageV15P154 # عندها أو الصلاة فلم أجد لها عن الصحابة أصلا بل أصلها عمن أخذ عن أهل ~~الكتاب. فمن أصول الإسلام أن تميز ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب والحكمة ولا تخلطه بغيره ولا تلبس الحق بالباطل كفعل أهل الكتاب. ~~فإن الله سبحانه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~يزيغ عنها بعدي إلا هالك} وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه {خط لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: هذا ~~سبيل الله وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} } . ~~وجماع ذلك بحفظ أصلين: " أحدهما " تحقيق ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة والتفسيرات الباطلة بل ~~يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته. # PageV15P155 # و " الثاني " أن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيا ولا رواية. قال الله ~~تعالى فيما يأمر به بني إسرائيل وهو عبرة لنا: {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما ~~معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون} ~~{ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} فلا يكتم الحق الذي ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يلبس بغيره من الباطل ولا يعارض ~~بغيره. قال الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ms4733 ما تذكرون} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله.} وهؤلاء ~~الأقسام الثلاثة هم أعداء الرسل. فإن أحدهم إذا أتى بما يخالفه إما أن ~~يقول: إن الله أنزله علي فيكون قد افترى على الله أو يقول: أوحي إليه ولم ~~يسم من أوحاه أو يقول: أنا أنشأته وأنا أنزل مثل ما أنزل الله فإما أن ~~يضيفه إلى الله أو إلى نفسه أو لا يضيفه إلى أحد. وهذه الأقسام الثلاثة هم ~~من شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. قال ~~الله تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} والله أعلم والحمد ~~لله. # PageV15P156 # سئل رضي الله عنه: # عن قوله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ؟ ~~وهل الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة أم لا؟ وهل الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر داخل في هذه الدعوة أم لا وإذا كانا داخلين أو لم يكونا ~~فهل هما من الواجبات على كل فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم لا؟ وإذا ~~كانا واجبين فهل يجبان مطلقا مع وجود المشقة بسببهما أم لا؟ وهل للآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقتص من الجاني عليه إذا آذاه في ذلك لئلا ~~يؤدي إلى طمع منه في جانب الحق أم لا؟ وإذا كان له ذلك فهل تركه أولى مطلقا ~~أم لا؟ . # فأجاب - رضي الله عنه وأرضاه -: # الحمد لله رب العالمين، الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما ~~جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا وذلك يتضمن ~~الدعوة إلى الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت ~~والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، # PageV15P157 # والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره والدعوة إلى أن يعبد العبد ~~ربه كأنه يراه. فإن هذه الدرجات الثلاث ms4734 التي هي " الإسلام " و " الإيمان " ~~و " الإحسان " داخلة في الدين كما قال في الحديث الصحيح: {هذا جبريل جاءكم ~~يعلمكم دينكم} بعد أن أجابه عن هذه الثلاث. فبين أنها كلها من ديننا. و " ~~الدين " مصدر والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول يقال دان فلان فلانا إذا ~~عبده وأطاعه كما يقال دانه إذا أذله. فالعبد يدين الله أي يعبده ويطيعه ~~فإذا أضيف الدين إلى العبد فلأنه العابد المطيع وإذا أضيف إلى الله فلأنه ~~المعبود المطاع كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله} . فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل ذلك عبادته وحده ~~لا شريك له كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه. قال تعالى: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا # PageV15P158 # في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد؛ ~~الأنبياء إخوة لعلات وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه ~~نبي} فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم كما قال تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} . فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية ~~والعملية فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر والعملية ~~كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل كقوله ~~تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآيات الثلاث. وقوله: ~~{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى آخر الوصايا. وقوله: {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقوله: {قل ~~إنما حرم ربي ms4735 الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . # PageV15P159 # فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما في السور ~~المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان ~~الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ~~ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي ~~أكمل الله بها الدين: كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام ~~المناكح ونحوها؛ وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم ~~كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين. ولهذا كان الخطاب في السور المكية: ~~{يا أيها الناس} لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر ~~بالأصل فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعز بها أهل ~~الإيمان وكان بها أهل الكتاب خوطب هؤلاء وهؤلاء؛ فهؤلاء: {يا أيها الذين ~~آمنوا} وهؤلاء {يا أهل الكتاب} أو {يا بني إسرائيل} ولم ينزل بمكة شيء من ~~هذا؛ ولكن في السور المدنية خطاب: {يا أيها الناس} كما في سورة النساء ~~وسورة الحج وهما مدنيتان وكذا في البقرة. وهذا يعكر على قول الحبر ابن ~~عباس؛ لأن الحكم المذكور يشمل جنس الناس والدعوة بالاسم الخاص لا تنافي ~~الدعوة بالاسم العام # PageV15P160 # فالمؤمنون داخلون في الخطاب ب {يا أيها الناس} وفي الخطاب ب {يا أيها ~~الذين آمنوا} فالدعوة إلى الله تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به والنهي عن ~~كل ما نهى الله عنه وهذا هو الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر. والرسول ~~صلى الله عليه وسلم قام بهذه الدعوة فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به ~~ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه؛ أمر بكل معروف ونهى عن كل منكر. قال تعالى: ~~{ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ms4736 ~~يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث} . ودعوته إلى الله هي بإذنه لم يشرع دينا لم يأذن به ~~الله كما قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا} خلاف الذين ذمهم في قوله: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} وقد قال تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من ~~رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} . # PageV15P161 # ومما يبين ما ذكرناه: أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى الله تارة ~~وتارة بالدعوة إلى سبيله كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة} وذلك أنه قد علم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر لا بد ~~فيما يدعو إليه من أمرين: " أحدهما " المقصود المراد. و " الثاني " الوسيلة ~~والطريق الموصل إلى المقصود؛ فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى ~~سبيله؛ فإنه سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة. والعبادة: اسم يجمع ~~غاية الحب له وغاية الذل له فمن ذل لغيره مع بغضه لم يكن عابدا ومن أحبه من ~~غير ذل له لم يكن عابدا والله سبحانه يستحق أن يحب غاية المحبة؛ بل يكون هو ~~المحبوب المطلق الذي لا يحب شيء إلا له وأن يعظم ويذل له غاية الذل؛ بل لا ~~يذل لشيء إلا من أجله ومن أشرك غيره في هذا وهذا لم يحصل له حقيقة الحب ~~والتعظيم فإن الشرك يوجب نقص المحبة. قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} أي أشد حبا لله من ~~هؤلاء # PageV15P162 # لأندادهم وقال تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا} وكذلك الاستكبار يمنع حقيقة الذل لله؛ بل يمنع حقيقة ~~المحبة لله فإن الحب التام يوجب الذل والطاعة فإن المحب لمن يحب مطيع. ~~ولهذا كان الحب ms4737 درجات أعلاها " التتيم " وهو التعبد وتيم الله أي عبد الله؛ ~~فالقلب المتيم هو المعبد لمحبوبه وهذا لا يستحقه إلا الله وحده. والإسلام ~~أن يستسلم العبد لله لا لغيره كما ينبئ عنه قول: " لا إله إلا الله " فمن ~~استسلم له ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم له فهو مستكبر وكلاهما ضد ~~الإسلام. والشرك غالب على النصارى ومن ضاهاهم من الضلال والمنتسبين إلى ~~الأمة. وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذا الموضع في مواضع متعددة. وذلك ~~يتعلق بتحقيق الألوهية لله وتوحيده وامتناع الشرك وفساد السموات والأرض ~~بتقدير إله غيره والفرق بين الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية وبيان أن ~~العباد فطروا على الإقرار به ومحبته وتعظيمه وأن القلوب لا تصلح إلا بأن ~~تعبد الله وحده ولا # PageV15P163 # كمال لها ولا صلاح ولا لذة ولا سرور ولا فرح ولا سعادة بدون ذلك وتحقيق ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وغير ذلك مما يتعلق بهذا الموضع الذي في تحقيقه تحقيق مقصود ~~الدعوة النبوية والرسالة الإلهية وهو لب القرآن وزبدته وبيان التوحيد ~~العلمي القولي المذكور في قوله: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} والتوحيد ~~القصدي العملي المذكور في قوله تعالى {قل يا أيها الكافرون} وما يتصل بذلك ~~فإن هذا بيان لأصل الدعوة إلى الله وحقيقتها ومقصودها. لكن المقصود في ~~الجواب ذكر ذلك على طريق الإجمال؛ إذ لا يتسع الجواب لتفصيل ذلك وكل ما ~~أحبه الله ورسوله من واجب ومستحب من باطن وظاهر فمن الدعوة إلى الله الأمر ~~به وكل ما أبغضه الله ورسوله من باطن وظاهر؛ فمن الدعوة إلى الله النهي عنه ~~لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه الله ويترك ما ~~أبغضه الله سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة كالتصديق ~~بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته والمعاد ~~وتفصيل ذلك وما أخبر به عن سائر المخلوقات كالعرش والكرسي والملائكة ~~والأنبياء وأممهم وأعدائهم؛ وكإخلاص الدين لله وأن ms4738 يكون الله ورسوله أحب ~~إلينا مما سواهما وكالتوكل عليه والرجاء لرحمته، # PageV15P164 # وخشية عذابه والصبر لحكمه وأمثال ذلك وكصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء ~~بالعهد وصلة الأرحام وحسن الجوار وكالجهاد في سبيله بالقلب واليد واللسان. ~~إذا تبين ذلك: فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه وهم أمته يدعون إلى ~~الله كما دعا إلى الله. وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به ونهيهم عما ينهى عنه ~~وإخبارهم بما أخبر به؛ إذ الدعوة تتضمن الأمر وذلك يتناول الأمر بكل معروف ~~والنهي عن كل منكر. وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك فقال ~~تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وقال ~~تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} الآية وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو الذي يسميه العلماء ~~فرض كفاية إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين فالأمة كلها مخاطبة بفعل ~~ذلك؛ ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. قال تعالى: {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} . ~~فمجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى الله؛ ولهذا كان إجماعهم # PageV15P165 # حجة قاطعة فأمته لا تجتمع على ضلالة وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا ~~فيه إلى الله وإلى رسوله وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما ~~يقدر عليه إذا لم يقم به غيره فما قام به غيره سقط عنه وما عجز لم يطالب ~~به. وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به؛ ولهذا يجب على ~~هذا أن يقوم بما لا يجب على هذا وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة ~~وبحسب غيره أخرى؛ فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب وهذا إلى عمل ظاهر واجب ~~وهذا إلى عمل باطن واجب؛ فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة وفي الوقوع ~~أخرى. وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم؛ لكنها فرض على ~~الكفاية وإنما يجب على ms4739 الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به ~~غيره وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول ~~والجهاد في سبيل الله وتعليم الإيمان والقرآن. وقد تبين بذلك أن الدعوة ~~نفسها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فإن الداعي طالب مستدع مقتض لما دعي ~~إليه وذلك هو الأمر به؛ إذ الأمر هو طلب للفعل المأمور به واستدعاء له ~~ودعاء إليه فالدعاء # PageV15P166 # إلى الله الدعاء إلى سبيله فهو أمر بسبيله وسبيله تصديقه فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر. وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين وجوب ~~فرض الكفاية لا وجوب فرض الأعيان كالصلوات الخمس بل كوجوب الجهاد. # والقيام بالواجبات: من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها ~~كما جاء في الحديث: {ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها ~~فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه ~~حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه} فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف ~~وينكر المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم ~~بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك. ~~ولهذا قال تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} وقد ~~أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر: {قم فأنذر} ~~{وربك فكبر} {وثيابك فطهر} {والرجز فاهجر} {ولا تمنن تستكثر} {ولربك فاصبر} ~~وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال: {واصبر على ما يقولون} # PageV15P167 # وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا} وقال: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} . وقد جمع سبحانه ~~بين التقوى والصبر في مثل قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور} . والمؤمنون كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وما أمر ~~به من المعروف وينهون ms4740 عما نهى الله عنه من المنكر فيؤذيهم المشركون وأهل ~~الكتاب. وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه وقال لهم: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك ~~من عزم الأمور} وقد قال يوسف عليه السلام {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . فالتقوى تتضمن ~~طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر يتناول الصبر على ~~المصائب التي منها أذى المأمور المنهي للآمر الناهي. # لكن للآمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره كما يدفع الإنسان عن نفسه ~~الصائل فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على ~~دفعه فله دفعه عنه؛ بخلاف ما إذا وقع الأذى # PageV15P168 # وتاب منه؛ فإن هذا مقام الصبر والحلم والكمال في هذا الباب حال نبينا صلى ~~الله عليه وسلم كما في الصحيحين {عن عائشة أنها قالت ما ضرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيده خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد ~~في سبيل الله ولا نيل منه فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا ~~انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله} فقد تضمن خلقه العظيم ~~أنه لا ينتقم لنفسه إذا نيل منه وإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء ~~حتى ينتقم لله ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن من آذاه فقد آذى ~~الله وقتل سابه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ردة أو لكونه ردة ~~مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود. والمنقول عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في احتماله وعفوه عمن كان يؤذيه كثير كما قال تعالى: {ود كثير من ~~أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما ~~تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} . فالآمر الناهي إذا ~~أوذي وكان أذاه تعديا لحدود الله وفيه حق لله يجب على كل أحد النهي عنه ~~وصاحبه مستحق للعقوبة؛ لكن ms4741 لما دخل فيه حق الآدمي كان له العفو عنه كما له ~~أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير ذلك وعفوه عنه لا # PageV15P169 # يسقط عن ذلك العقوبة التي وجبت عليه لحق الله؛ لكن يكمل لهذا الآمر ~~الناهي مقام الصبر والعفو الذي شرع الله لمثله حتى يدخل في قوله تعالى {وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وفي قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره} . ثم هنا فرق لطيف: أما الصبر فإنه مأمور به مطلقا فلا ينسخ. ~~وأما العفو والصفح فإنه جعل إلى غاية وهو: أن يأتي الله بأمره فلما أتى ~~بأمره: بتمكين الرسول ونصره - صار قادرا على الجهاد لأولئك وإلزامهم ~~بالمعروف ومنعهم عن المنكر - صار يجب عليه العمل باليد في ذلك ما كان عاجزا ~~عنه وهو مأمور بالصبر في ذلك كما كان مأمورا بالصبر أولا. والجهاد مقصوده ~~أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله؛ فمقصوده إقامة دين ~~الله لا استيفاء الرجل حظه؛ ولهذا كان ما يصاب به المجاهد في نفسه وماله ~~أجره فيه على الله؛ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما أتلفوه للمسلمين من ~~الدماء والأموال؛ بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان ~~ملكا لهم عند جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو الذي مضت به سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين. # PageV15P170 # فالآمر الناهي إذا نيل منه وأوذي ثم إن ذلك المأمور المنهي تاب وقبل الحق ~~منه: فلا ينبغي له أن يقتص منه ويعاقبه على أذاه فإنه قد سقط عنه بالتوبة ~~حق الله كما يسقط عن الكافر إذا أسلم حقوق الله تعالى كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ~~ما كان قبلها} والكافر إذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله: دخل في ذلك ما ~~اعتدى به على المسلمين في نفوسهم وأموالهم؛ لأنه ما كان ms4742 يعتقد ذلك حراما؛ ~~بل كان يستحله فلما تاب من ذلك غفر له هذا الاستحلال وغفرت له توابعه. # فالمأمور المنهي إن كان مستحلا لأذى الآمر الناهي كأهل البدع والأهواء ~~الذين يعتقدون أنهم على حق وأن الآمر الناهي لهم معتد عليهم فإذا تابوا لم ~~يعاقبوا بما اعتدوا به على الآمر الناهي من أهل السنة كالرافضي الذي يعتقد ~~كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك فإن تاب من هذا الاعتقاد وصار يحبهم ~~ويتولاهم لم يبق لهم عليه حق بل دخل حقهم في حق الله ثبوتا وسقوطا؛ لأنه ~~تابع لاعتقاده. ولهذا كان جمهور العلماء - كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أصح ~~الروايتين والشافعي في أحد القولين على - أن أهل البغي المتأولين لا يضمنون ~~ما أتلفوه على أهل العدل بالتأويل كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل ~~البغي بالتأويل باتفاق العلماء. # PageV15P171 # وكذلك أصح قولي العلماء في المرتدين فإن المرتد والباغي المتأول والمبتدع ~~كل هؤلاء يعتقد أحدهم أنه على حق فيفعل ما يفعله متأولا فإذا تاب من ذلك ~~كان كتوبة الكافر من كفره؛ فيغفر له ما سلف مما فعله متأولا وهذا بخلاف من ~~يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان كالمسلم إذا ظلم المسلم والذمي إذا ظلم ~~المسلم والمرتد الذي أتلف مال غيره وليس بمحارب بل هو في الظاهر مسلم أو ~~معاهد فإن هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالاتفاق. فالمأمور المنهي إن كان يعتقد ~~أن أذى الآمر الناهي جائز له فهو من المتأولين وحق الآمر الناهي داخل في حق ~~الله تعالى فإذا تاب سقط الحقان وإن لم يتب كان مطلوبا بحق الله المتضمن حق ~~الآدمي فإما أن يكون كافرا وإما أن يكون فاسقا وإما أن يكون عاصيا. فهؤلاء ~~كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه وإن كان مجتهدا مخطئا فهذا قد عفا الله عنه ~~خطأه فإذا كان قد حصل بسبب اجتهاده الخطأ أذى للآمر الناهي بغير حق فهو ~~كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ وكان في ذلك ما هو أذى للمسلم أو كالشاهد أو ~~كالمفتي. فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك ms4743 المجتهد المخطئ كان هذا مما ابتلى ~~الله به هذا الآمر الناهي. قال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ~~وكان ربك بصيرا} فهذا مما يرتفع عنه الإثم في نفس الأمر وكذلك # PageV15P172 # الجزاء على وجه العقوبة؛ ولكن قد يقال: قد يسقط الجزاء على وجه القصاص ~~الذي يجب في العمد ويثبت الضمان الذي يجب في الخطأ كما تجب الدية في الخطأ ~~وكما يجب ضمان الأموال التي يتلفها الصبي والمجنون في ماله وإن وجبت الدية ~~على عاقلة القاتل خطأ؛ معاونة له فلا بد من استيفاء حق المظلوم خطأ؛ فكذلك ~~هذا الذي ظلم خطأ؛ لكن يقال: يفرق بين ما كان الحق فيه لله وحق الآدمي تبع ~~له وما كان حقا لآدمي محضا أو غالبا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والجهاد من هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل البغي ~~ضمان ما أتلفوه لأهل العدل بالتأويل وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفرا ولا ~~فسقا. وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم ولم يجهزوا على جريحهم ~~ولم يسبوا حريمهم ولم يغنموا أموالهم فلا يقاتلونهم على ما أتلفوه من ~~النفوس والأموال إذا أتلفوا مثل ذلك أو تملكوا عليهم. فتبين أن القصاص ساقط ~~في هذا الموضع؛ لأن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه الأجر على الله وهذا ~~مما يتعلق بحق العبد الآمر الناهي. وأما قول السائل: هل يقتص منه لئلا يؤدي ~~إلى طمع منه في # PageV15P173 # جانب الحق؟ فيقال: متى كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق في ذلك ~~لله ورسوله فيفعل فيه ما يفعل في نظيره وإن لم يكن فيه أذى للآمر الناهي. ~~والمصلحة في ذلك تتنوع؛ فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال وتارة تكون ~~المصلحة المهادنة وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة وهذا ~~يشبه ذلك؛ لكن الإنسان تزين له نفسه أن عفوه عن ظالمه يجريه عليه وليس ~~كذلك؛ بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {ثلاث إن ~~كنت لحالفا عليهن ما زاد الله عبدا بعفو ms4744 إلا عزا وما نقصت صدقة من مال وما ~~تواضع أحد لله إلا رفعه الله} . فالذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو الإنسان ~~عن حقه ويستوفي حقوق الله بحسب الإمكان. قال تعالى: {والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون} قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا ~~عفوا. قال تعالى: {هم ينتصرون} يمدحهم بأن فيهم همة الانتصار للحق والحمية ~~له؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجزا وذلا؛ بل هذا مما يذم به الرجل والممدوح ~~العفو مع القدرة والقيام لما يجب من نصر الحق لا مع إهمال حق الله وحق ~~العباد. والله تعالى أعلم. # PageV15P174 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # في قوله تعالى {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} ~~الآية: قراءتان في هذه الآية؛ بالتخفيف والتثقيل. وكانت عائشة رضي الله ~~عنها تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني ~~عروة عن عائشة قالت له - وهو يسألها عن قوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة ~~قالت - معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها - قلت: فما هذا النصر - {حتى ~~إذا استيئس الرسل} بمن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ~~جاءهم نصر الله عند ذلك لعمري لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن. ~~وفي الصحيح أيضا عن ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة يقول قال ابن عباس: {حتى ~~إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة ذهب بها هنالك وتلا {حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى # PageV15P175 # نصر الله ألا إن نصر الله قريب} فلقيت عروة فذكرت ذلك له فقال: قالت ~~عائشة: معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل ~~أن يكون؛ ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا وخافوا أن يكون من معهم ~~يكذبهم؛ فكانت تقرؤها: {وظنوا أنهم قد كذبوا} مثقلة. فعائشة جعلت استيأس ~~الرسل من الكفار المكذبين وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم ولكن القراءة ~~الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها وقد تأولها ابن عباس وظاهر الكلام ms4745 معه والآية ~~التي تليها إنما فيها استبطاء النصر وهو قولهم: {متى نصر الله} فإن هذه ~~كلمة تبطئ لطلب التعجيل. وقوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} قد يكون مثل قوله: ~~{إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان} والظن لا ~~يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل ~~الكلام في العلم ويسمون الاعتقاد المرجوح وهما بل قد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث} وقد قال تعالى: {وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا} . # PageV15P176 # فالاعتقاد المرجوح هو ظن وهو وهم وهذا الباب قد يكون من حديث النفس ~~المعفو عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت ~~به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل} وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح ~~الإيمان كما ثبت {في الصحيح أن الصحابة قالوا يا رسول الله: إن أحدنا ليجد ~~في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض: أحب إليه ~~من أن يتكلم به. قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال ذلك صريح الإيمان} وفي ~~حديث آخر: {إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد ~~كيده إلى الوسوسة.} فهذه الأمور التي هي تعرض ثلاثة أقسام: منها ما هو ذنب ~~يضعف به الإيمان وإن كان لا يزيله. واليقين في القلب له مراتب ومنه ما هو ~~عفو يعفى عن صاحبه ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان. ونظير هذا: ما في ~~الصحيح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يرحم الله لوطا لقد كان يأوي ~~إلى ركن شديد؛ ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق بالشك ~~من إبراهيم إذ قال له ربه: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن # PageV15P177 # قلبي} } وقد ترك البخاري ذكر قوله: " بالشك " لما خاف فيها من ms4746 توهم بعض ~~الناس. ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنا كما أخبر الله عنه بقوله: {أولم تؤمن ~~قال بلى} ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: {ولكن ليطمئن قلبي} فالتفاوت بين ~~الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وسلم شكا لذلك بإحياء الموتى ~~كذلك الوعد بالنصر في الدنيا: يكون الشخص مؤمنا بذلك؛ ولكن قد يضطرب قلبه ~~فلا يطمئن فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه قد كذب فالشك مظنة أنه يكون من باب ~~واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنب ~~فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك كما في أفعالهم على ما ~~عرف من أصول السنة والحديث. وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم فإنهم لا ~~بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ويعلمون أنه ~~قد ابتلي به من هو خير منهم وكانت العاقبة إلى خير فليتيقن المرتاب ويتوب ~~المذنب ويقوى إيمان المؤمنين فبها يصح الاتساء بالأنبياء كما في قوله: {لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} . # PageV15P178 # وفي القرآن من قصص المرسلين التي فيها تسلية وتثبيت ليتأسى بهم في الصبر ~~على ما كذبوا وأوذوا كما قال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} . . . (1) ولنا؛ لأنه أسوة في ذلك ما هو ~~كثير في القرآن؛ ولهذا قال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال: ~~{ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} وقال: {فاصبر كما صبر أولو العزم ~~من الرسل ولا تستعجل لهم} {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} ~~. # وإذا كان الاتساء بهم مشروعا في هذا وفي هذا فمن المشروع التوبة من الذنب ~~والثقة بوعد الله وإن وقع في القلب ظن من الظنون وطلب مزيد الآيات لطمأنينة ~~القلوب كما هو المناسب للاتساء والاقتداء دون ما كان المتبوع معصوما مطلقا. ~~فيقول التابع: أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب فإذا أذنب استيأس ms4747 من ~~المتابعة والاقتداء؛ لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول ~~بالعصمة بخلاف ما إذا قيل: إن ذلك مجبور بالتوبة فإنه تصح معه المتابعة كما ~~قيل: أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر ومن أشبه أباه ما ظلم. ~~PageV15P179 # والله تعالى قص علينا قصص توبة الأنبياء لنقتدي بهم في المتاب وأما ما ~~ذكره سبحانه أن الاقتداء بهم في الأفعال التي أقروا عليها فلم ينهوا عنها ~~ولم يتوبوا منها فهذا هو المشروع. فأما ما نهوا عنه وتابوا منه فليس بدون ~~المنسوخ من أفعالهم وإن كان ما أمروا به أبيح لهم ثم نسخ تنقطع فيه ~~المتابعة؛ فما لم يؤمروا به أحرى وأولى. وأيضا فقوله: {وظنوا أنهم قد ~~كذبوا} قد يكونون ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم؛ ~~فتبين الأمر بخلافه فهذا جائز عليهم كما سنبينه فإذا ظن بالموعود به ما ليس ~~هو فيه ثم تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك كذب وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ~~ما لا يجب أن يكون فيه. فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون ~~وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى. ومما ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ذكر هنا ~~شيئان: " أحدهما " استيئاس الرسل. و " الثاني " ظن أنهم كذبوا. وقد ذكرنا ~~لفظ " الظن " فأما لفظ (استيأسوا فإنه قال سبحانه: {حتى إذا استيئس الرسل} ~~ولم يقل يئس الرسل ولا ذكر ما استيأسوا منه وهذا اللفظ قد ذكره في هذه ~~السورة {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم # PageV15P180 # ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في ~~يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.} ~~وقد يقال: الاستيئاس ليس هو الإياس؛ لوجوه: " أحدها " أن إخوة يوسف لم ~~ييأسوا منه بالكلية فإن قول كبيرهم: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو ~~يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} دليل على أنه يرجو أن يحكم الله له ms4748 وحكمه ~~هنا لا بد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب ~~قعوده في مصر لأجل ذلك. وأيضا: ف " اليأس " يكون في الشيء الذي لا يكون ولم ~~يجئ ما يقتضي ذلك فإنهم قالوا: {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ~~فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين} {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من ~~وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} فامتنع من تسليمه إليهم. ومن المعلوم ~~أن هذا لا يوجب القطع بأنه لا يسلم إليهم فإنه يتغير عزمه ونيته وما أكثر ~~تقليب القلوب وقد يتبدل الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره وقد يتخلص ~~بغير اختياره والعادات قد جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه. فقد # PageV15P181 # يعطيه وقد يخرج من يده بغير اختياره وقد يموت عنه فيخرج والعالم مملوء من ~~هذا. " الوجه الثاني " قال لهم يعقوب: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف ~~وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون} ~~. فنهاهم عن اليأس من روح الله ولم ينههم عن الاستيئاس وهو الذي كان منهم. ~~وأخبر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ومن المعلوم أنهم لم ~~يكونوا كافرين فهذا هو " الوجه الثالث " أيضا. وهو أنه أخبر أنه {لا ييئس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون} فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله ~~وأن يقعوا في الاستيئاس بل المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله ~~وهذه السورة تضمنت ذكر المستيئسين وأن الفرح جاءهم بعد ذلك لئلا ييأس ~~المؤمن؛ ولهذا فيها: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} فذكر استيئاس ~~الإخوة من أخي يوسف وذكر استيئاس الرسل يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس ~~وما ذكرته عائشة جميعا. " الوجه الرابع " أن الاستيئاس استفعال من اليأس ~~والاستفعال # PageV15P182 # يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير فالاستخراج والاستفهام ~~والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية يقال: استخرجت المال من غيري وكذلك ~~استفهمت ولا يصلح ms4749 هذا أن يكون معنى الاستيئاس فإن أحدا لا يطلب اليأس ~~ويستدعيه؛ ولأن استيأس فعل لازم لا متعد. ويكون للاستفعال لصيرورة المستفعل ~~على صفة غيره وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم: استحجر الطين أي صار ~~كالحجر. واستنوق الفحل أي صار كالناقة. وأما النظر فيما استيأسوا منه فإن ~~الله تعالى ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: {فلما استيأسوا منه} . وأما ~~الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه بل أطلق وصفهم بالاستيئاس فليس لأحد أن ~~يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه ولا ذكر ابن عباس ذلك. ~~وثبت أن قوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} لا يدل على ظاهره فضلا عن باطنه: أنه ~~حصل في قلوبهم مثل تساوي الطرفين فيما أخبروا به فإن لفظ الظن في اللغة لا ~~يقتضي ذلك؛ بل يسمى ظنا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرا مرجوحا ~~في نفسه. واسم # PageV15P183 # اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله وتصديقه وعدم تصديقه ~~وسكينته وعدم سكينته ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط كما يحسب ذلك بعض ~~الناس كما نبهنا عليه في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا الكلام على قوله: ~~{حتى إذا استيئس الرسل} . فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مطلقا فمن المعلوم ~~أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق - كما هو غالب إخباراته - لم ~~يقيد زمانه ولا مكانه ولا سنته ولا صفته فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود ~~به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد ~~طائفة من الصحابة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد ~~الحرام ويطوفون به أن ذلك يكون عام الحديبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى. فلما استيأسوا من ~~دخوله مكة ذلك العام - لما صدهم المشركون حتى قاضاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الصلح المشهور - بقي في قلب بعضهم شيء حتى {قال عمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ms4750 ونطوف؟ قال: بلى. فأخبرتك أنك ~~تدخله هذا العام؟ . قال: لا. قال: فإنك داخله ومطوف} وكذلك قال له أبو بكر. ~~وكان أبو بكر رضي الله عنه أكثر علما وإيمانا من عمر حتى تاب # PageV15P184 # عمر مما صدر منه وإن كان عمر - رضي الله عنه - محدثا كما جاء في الحديث ~~الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن ~~في أمتي أحد فعمر} فهو - رضي الله عنه - المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق ~~على لسانه وقلبه؛ ولكن مزية التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلما ~~وإيمانا بما جاء به درجته فوق درجته؛ فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب ~~المتابعة للآثار النبوية فهو معلم لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ~~ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلما لعمر ومؤدبا له حيث قال له: فأخبرك ~~أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا قال إنك آتيه ومطوف. فبين له الصديق أن وعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت وكونه سعى في ذلك العام وقصده ~~لا يوجب أن يعني ما أخبر به؛ فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون؛ بل يكون غيره؛ ~~إذ ليس من شرط النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كما قصده؛ بل من تمام نعمة ~~ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده كما كان صلح ~~الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام بخلاف خبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق. # PageV15P185 # وكذلك ظن النبي كما {قال في تأبير النخل: إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني ~~بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله} فاستيئاس عمر وغيره ~~من دخول ذلك هو استيئاس مما ظنوه موعودا به ولم يكن موعودا به. ومثل هذا لا ~~يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئا فيكون الأمر بخلاف ما ظنوه فقد يظنون ~~فيما وعدوه تعيينا وصفات ولا يكون كما ظنوه فييأسون مما ظنوه في ms4751 الوعد لا ~~من تعيين الوعد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {رأيت أن أبا جهل قد ~~أسلم؛ فلما أسلم خالد ظنوه هو فلما أسلم عكرمة علم أنه هو} . وروى مسلم في ~~صحيحه {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون: فقال لو لم تفعلوا هذا ~~لصلح قال: فخرج شيصا فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: ~~أنتم أعلم بأمر دنياكم} وروي أيضا {عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة ابن عبيد ~~الله قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على ؤوس النخل فقال: ~~ما يصنع هؤلاء فقال: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما أظن يغني ذلك شيئا فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإنني # PageV15P186 # ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني ~~لن أكذب على الله} . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا ~~بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب على الله فهو أتقانا لله وأعلمنا بما ~~يتقى وهو أحق أن يكون آخذا بما يحدثنا عن الله فإذا أخبره الله بوعد كان ~~علينا أن نصدق به وتصديقه هو به أعظم من تصديقنا ولم يكن لنا أن نشك فيه ~~وهو - بأبي - أولى وأحرى أن لا يشك فيه؛ لكن قد يظن ظنا كقوله: {إنما ظننت ~~ظنا فلا تؤاخذوني بالظن} وإن كان أخبره به مطلقا فمستنده ظنون كقوله في ~~حديث ذي اليدين: {ما قصرت الصلاة ولا نسيت} . وقد يظن الشيء ثم يبين الله ~~الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك في أمور كقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا} نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهم ~~أن يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية. وكذلك في قصة بني أبيرق ~~التي أنزل الله فيها: {إنا أنزلنا إليك الكتاب ms4752 بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} ، وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي ~~كان يسرق وأخرجوا البريء؛ # PageV15P187 # فظن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك. {وقال في ~~حديث قصر الصلاة: لم أنس ولم تقصر فقالوا: بلى قد نسيت} . وكان قد نسي ~~فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده حتى تبين الأمر بعد ذلك. {وروي عنه أنه قال: ~~إني لأنسى لأسن} وأيضا فقوله في القرآن: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته حيث قال في صدر الآيات: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} ~~الآيات. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسى الأنصاري عن سعيد بن جبير {عن ~~ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من ~~فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم فنزل ~~منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر ~~بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن ~~تقرأ بحرف منها إلا أعطيته} . وفي صحيح مسلم عن آدم عن سعيد بن جبير {عن ~~ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله} دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله فقال النبي # PageV15P188 # صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الإيمان ~~في قلوبهم فأنزل الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} الآيات إلى قوله: {أو أخطأنا} قال قد فعلت إلى آخر ~~السورة قال: قد فعلت} . وفي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه {عن ~~أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ms4753 به الله} ~~اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب ~~فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد ~~والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم: ~~أنزل الله عز وجل في أثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إلى قوله: ~~{وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها سبحانه فأنزل الله {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} إلى قوله: {قبلنا} قال: نعم: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ~~قال: نعم. إلى آخر السورة قال: نعم} . والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه ~~أنه يجوز عليهم الخطأ في # PageV15P189 # الاجتهاد؛ لكن لا يقرون عليه وإذا كان في الأمر والنهي فكيف في الخبر؟ ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فأحسب أنه صادق ~~فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} فنفس ~~ما يعد الله به الأنبياء والمؤمنين حقا لا يمترون فيه كما قال تعالى في قصة ~~نوح {ونادى نوح ربه} إلى آخر الآية. ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء ~~الشيطان المذكور في قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} إلى قوله: ~~{صراط مستقيم} وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع. وللناس فيها ~~قولان مشهوران؛ بعد اتفاقهم على أن التمني هو التلاوة والقرآن كما عليه ~~المفسرون من السلف كما في قوله: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون} وأما من أول النهي على تمني القلب فذاك فيه كلام آخر؛ ~~وإن قيل: إن الآية تعم النوعين؛ لكن الأول هو المعروف المشهور في التفسير ~~وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعا لقوله ms4754 بعد ذلك: {فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض} . وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا # PageV15P190 # لم يتكلم به النبي؛ لكن قد يكون في ظنه الذي يتكلم به بعضه النخل ونحوها ~~وهو يوافق ما ذكرناه. وإذا كان التمني لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان: ~~" الأول " أن الإلقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول وهذا قول من ~~تأول الآية بمنع جواز الإلقاء في كلامه. و " الثاني " - وهو الذي عليه عامة ~~السلف ومن اتبعهم - أن الإلقاء في نفس التلاوة كما دلت عليه الآية وسياقها ~~من غير وجه كما وردت به الآثار المتعددة ولا محذور في ذلك إلا إذا أقر عليه ~~فأما إذا نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته فلا محذور في ذلك وليس هو ~~خطأ وغلط في تبليغ الرسالة إلا إذا أقر عليه. ولا ريب أنه معصوم في تبليغ ~~الرسالة أن يقر على خطأ كما قال: {فإذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني ~~لن أكذب على الله} ولولا ذلك لما قامت الحجة به فإن كونه رسول الله يقتضي ~~أنه صادق فيما يخبر به عن الله والصدق يتضمن نفي الكذب ونفي الخطأ فيه. فلو ~~جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله وأقر عليه لم يكن كل ما يخبر به عن ~~الله. والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا وقصدوا # PageV15P191 # خيرا وأحسنوا في ذلك؛ لكن يقال لهم: ألقى ثم أحكم فلا محذور في ذلك. فإن ~~هذا يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهي من بعض الوجوه فإنه إذا موقن مصدق ~~برفع قول سبق لسانه به ليس أعظم من إخباره برفعه. ولهذا قال في النسخ: {وإن ~~كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} فظنهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما ~~يظنونه من معنى الوعد وهذا جائز لا محذور فيه. إذا لم يقروا عليه وهذا وجه ~~حسن وهو موافق لظاهر الآية ولسائر ms4755 الأصول من الآيات والأحاديث والذي يحقق ~~ذلك أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من باب الأمر والنهي. فإذا كان من ~~الجائز في باب الأمر والنهي أن يظنوا شيئا ثم يتبين الأمر لهم بخلافه؛ فلأن ~~يجوز ذلك في باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى حتى إن باب الأمر ~~والنهي إذا تمسكوا فيه بالاستصحاب لم يقع في ذلك ظن خلاف ما هو عليه الأمر ~~في نفسه؛ فإن الوجوب والتحريم الذي لا يثبت إلا بخطاب إذا نفوه قبل الخطاب ~~كان ذلك اعتقادا مطابقا للأمر في نفسه وباب الوعد إذا لم يخبروا به قد ~~يظنون انتفاءه كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى استغفر له ونهينا عن ~~الاقتداء. كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم ~~أنه عنك} وحتى استأذن ربه في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له في # PageV15P192 # ذلك وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهى عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة ~~حتى أنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ~~إلى قوله: {لأواه حليم} وقال عن المنافقين: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا} الآية. وقال {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم} فإذا كان صلى على المنافقين واستغفر لهم راجيا أن يغفر لهم قبل أن ~~يعلم ذلك. ولهذا سوغ العلماء أن يروى في باب الوعد والوعيد من الأحاديث ما ~~لم يعلم أنه كذب وإن كان ضعيف الإسناد. بخلاف باب الأمر والنهي فإنه لا ~~يؤخذ فيه إلا بما يثبت أنه صدق؛ لأن باب الوعد والوعيد إذا أمكن أن يكون ~~الخبر صدقا وأمكن أن يوجد الخبر كذبا لم يجز نفيه؛ لا سيما بلا علم كما لم ~~يجز الجزم بثبوته بلا علم؛ إذ لا محذور فيه. منابت الناس (1) اللفظ تعيين ~~الوعد والوعيد فلا يجوز منع ذلك بمنع الحديث إذا أمكن أن يكون صدقا؛ لأن في ~~ذلك إبطالا لما هو حق وذلك لا يجوز. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{حدثوا ms4756 عن بني إسرائيل PageV15P193 # ولا حرج} وهذا الباب وهو " باب الوعد والوعيد " هو في الكتاب بأسماء ~~مطلقة للمؤمنين والصابرين والمجاهدين والمحسنين فما أكثر من يظن من الناس ~~أنه من أهل الوعد ويكون اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد لا في ~~اعتقاد صدق الوعد في نفسه. وهذا كقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقوله: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين} الآيتين فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق ~~للنصر وإن جند الله الغالبون ويكون الأمر بخلاف ذلك. وقد يقع من النصر ~~الموعود به ما لا يظن أنه من الموعود به فالظن المخطئ فهم ذلك كثير جدا ~~أكثر من باب الأمر والنهي مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك وهذا مما لا يحصر ~~الغلط فيه إلا الله تعالى وهذا عام لجميع الآدميين؛ لكن الأنبياء صلوات ~~الله عليهم وسلامه لا يقرون؛ بل يتبين لهم وغير الأنبياء قد لا يتبين له ~~ذلك في الدنيا. ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بتصديق الوعد # PageV15P194 # والإيمان وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت ومن الاستغفار ~~لزوال الذنوب التي بها تحقيق اتصافه بصفة الوعد. كما قال تعالى: {فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله ~~حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} الآية. والآيات في هذا الباب ~~كثيرة معلومة. والله تعالى أعلم. # PageV15P195 ### | سورة الرعد # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: ### | فصل في قوله تعالى {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} # قيل المراد سموهم بأسماء حقيقة لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن ~~لم تقدروا بطل ما تدعونه. وقيل: إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الإله ~~كالخالق والرازق فإذا كانت هذه كاذبة عليها فكذلك اسم الآلهة وقد حام حول ~~معناها كثير من المفسرين فما شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن كان ما قالوه ~~صحيحا. فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على ms4757 حقيقة المعنى فإنه سبحانه ~~يقول: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} وهذا استفهام # PageV15P196 # تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم ونفي كل معبود مع الله الذي هو قائم على ~~كل نفس بما كسبت بعلمه وقدرته وجزائه في الدنيا والآخرة. فهو رقيب عليها ~~حافظ لأعمالها مجاز لها بما كسبت من خير وشر. فإذا جعلتم أولئك شركاء ~~فسموهم إذا بالأسماء التي يسمى بها القائم على كل نفس بما كسبت فإنه سبحانه ~~يسمى بالحي القيوم المحيي المميت السميع البصير الغني عما سواه وكل شيء ~~فقير إليه ووجود كل شيء به. فهل تستحق آلهتكم اسما من تلك الأسماء؟ فإن ~~كانت آلهة حقا فسموها باسم من هذه الأسماء؛ وذلك بهت بين؛ فإذا انتفى عنها ~~ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها. وأما إن سموها بأسمائها الصادقة ~~عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات وأسماء الحيوان التي عبدوها من دون ~~الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين الذين أشركوهم مع الله جل وعلا ~~وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب والأسماء الشاملة لجميعها أسماء ~~المخلوقات: المحتاجات المدبرات المقهورات. وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا ~~فهذه أسماؤها الحق وهي تبطل إلهيتها؛ لأن الأسماء التي من لوازم الإلهية ~~مستحيلة عليها؛ فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر الأدلة على بطلان إلهيتها ~~وامتناع كونها شركاء لله عز وجل. # PageV15P197 ### | سورة الحجر # وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني - ~~قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه -: # فصل: # في آيات ثلاث متناسبة متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على أكثر الناس. ~~قوله تعالى {قال هذا صراط علي مستقيم} {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} . وقوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر} وقوله ~~تعالى {إن علينا للهدى} {وإن لنا للآخرة والأولى} . # PageV15P198 # فلفظ هذه الآيات فيه أن السبيل الهادي هو على الله. وقد ذكر أبو الفرج بن ~~الجوزي في الآية الأولى ثلاثة أقوال بخلاف الآيتين الأخريين فإنه لم يذكر ~~فيهما إلا قولا واحدا. فقال في تلك الآية: اختلفوا في ms4758 معنى هذا الكلام على ~~ثلاثة أقوال. (أحدها: أنه يعني بقوله هذا: الإخلاص. فالمعنى أن الإخلاص ~~طريق إلي مستقيم و " علي " بمعنى " إلي ". و (الثاني: هذا طريق علي جوازه ~~لأني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم. وهو خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل ~~تخاصمه " طريقك علي " فهو كقوله {إن ربك لبالمرصاد} . و (الثالث هذا صراط ~~علي استقامته أي أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان. قال: وقرأ قتادة ~~ويعقوب: {هذا صراط علي} أي رفيع. قلت: هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من ~~قبله كالثعلبي والواحدي والبغوي وذكروا قولا رابعا. فقالوا - واللفظ للبغوي ~~وهو مختصر الثعلبي. # PageV15P199 # قال الحسن: معناه صراط إلي مستقيم. وقال مجاهد: الحق يرجع إلي وعليه ~~طريقه لا يعرج على شيء. وقال الأخفش: يعني علي الدلالة على الصراط ~~المستقيم. وقال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن ~~يخاصمه " طريقك علي " أي لا تفلت مني كما قال تعالى {إن ربك لبالمرصاد} . ~~وقيل: معناه علي استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية. فذكروا ~~الأقوال الثلاثة وذكروا قول الأخفش " علي الدلالة على الصراط المستقيم ". ~~وهو يشبه القول الأخير لكن بينهما فرق. فإن ذاك يقول: علي استقامته بإقامة ~~الأدلة. فمن سلكه كان على صراط مستقيم. والآخر يقول: علي أن أدل الخلق عليه ~~بإقامة الحجج. ففي كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم بنصب الأدلة لكن ~~هذا جعل الدلالة عليه وهذا جعل عليه استقامته - أي بيان استقامته - وهما ~~متلازمان. ولهذا - والله أعلم - لم يجعله أبو الفرج قولا رابعا. وذكروا ~~القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره: أي رفيع. قال البغوي: وعبر بعضهم عنه " ~~رفيع أن ينال مستقيم أن يمال ". # PageV15P200 # قلت: القول الصواب هو قول أئمة السلف - قول مجاهد ونحوه - فإنهم أعلم ~~بمعاني القرآن. لا سيما مجاهد. فإنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس من ~~فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها " وقال الثوري: إذا جاءك ~~التفسير عن مجاهد فحسبك به. والأئمة كالشافعي وأحمد والبخاري ونحوهم ~~يعتمدون على تفسيره. والبخاري في صحيحه أكثر ما ينقله من التفسير ينقله ~~عنه. والحسن البصري أعلم التابعين ms4759 بالبصرة. وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه. ~~رواه الناس كابن أبي حاتم وغيره. من تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~في قوله {هذا صراط علي مستقيم} الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على ~~شيء. وذكر عن قتادة أنه فسرها على قراءته - وهو يقرأ " علي " - فقال: أي ~~رفيع مستقيم. وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل. فروي ~~من طريق ورقاء. عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله {قصد السبيل} قال: طريق الحق ~~على الله. قال: وروي عن السدي أنه قال: الإسلام. وعطاء قال: هي طريق الجنة. ~~فهذه الأقوال - قول مجاهد والسدي وعطاء - في هذه الآية هي مثل قول مجاهد ~~والحسن في تلك الآية. وذكر ابن أبي حاتم من تفسير العوفي عن ابن عباس في ~~قوله # PageV15P201 # {وعلى الله قصد السبيل} يقول: على الله البيان - أن يبين الهدى والضلالة. ~~وذكر ابن أبي حاتم في هذه الآية قولين ولم يذكر في آية الحجر إلا قول مجاهد ~~فقط. وابن الجوزي لم يذكر في آية النحل إلا هذا القول الثاني وذكره عن ~~الزجاج فقال: {وعلى الله قصد السبيل} القصد: استقامة الطريق - يقال: طريق ~~قصد وقاصد إذا قصد بك إلى ما تريد قال الزجاج: المعنى وعلى الله تبيين ~~الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين. وكذلك الثعلبي والبغوي ~~ونحوهما لم يذكروا إلا هذا القول لكن ذكروه باللفظين. قال البغوي: يعني ~~بيان طريق الهدى من الضلالة. وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين. قال: ~~والقصد: الصراط المستقيم {ومنها جائر} يعني ومن السبيل ما هو جائر عن ~~الاستقامة معوج. فالقصد من السبيل: دين الإسلام والجائر منها: اليهودية ~~والنصرانية وسائر ملل الكفر. # PageV15P202 # قال جابر بن عبد الله: قصد السبيل: بيان الشرائع والفرائض. وقال عبد الله ~~بن المبارك وسهل بن عبد الله: قصد السبيل: السنة {ومنها جائر} الأهواء ~~والبدع. دليله: قوله تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} . ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ذكره في ~~تفسير قوله تعالى {إن ms4760 علينا للهدى} - عن الفراء كما سيأتي. فقد ذكر القولين ~~في الآيات الثلاث تبعا لمن قبله كالثعلبي وغيره. والمهدوي ذكر في الآية ~~الأولى قولين من الثلاثة وذكر في الثانية ما رواه العوفي وقولا آخر. فقال: ~~قوله {قال هذا صراط علي مستقيم} أي على أمري وإرادتي. وقيل: هو على التهديد ~~كما يقال " علي طريقك وإلي مصيرك ". وقال في قوله: {وعلى الله قصد السبيل} ~~قال ابن عباس: أي بيان الهدى من الضلال. وقيل: السبيل الإسلام {ومنها جائر} ~~أي ومن السبيل جائر أي عادل عن الحق. وقيل المعنى " وعنها جائر " أي عن ~~السبيل ف " من " بمعنى " عن ". وقيل: معنى قصد السبيل: سيركم ورجوعكم ~~والسبيل واحدة بمعنى الجمع. # PageV15P203 # قلت: هذا قول بعض المتأخرين - جعل " القصد " بمعنى " الإرادة " أي عليه ~~قصدكم للسبيل في ذهابكم ورجوعكم. وهو كلام من لم يفهم الآية. فإن " السبيل ~~القصد " هي السبيل العادلة أي عليه السبيل القصد. و " السبيل " اسم جنس ~~ولهذا قال: {ومنها جائر} . أي عليه القصد من السبيل ومن السبيل جائر. ~~فأضافه إلى اسم الجنس إضافة النوع إلى الجنس أي " القصد من السبيل " كما ~~تقول " ثوب خز ". ولهذا قال: {ومنها جائر} . وأما من ظن أن التقدير " قصدكم ~~السبيل " فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من وجوه متعددة. وابن عطية لم ~~يذكر في آية الحجر إلا قول الكسائي وهو أضعف الأقوال وذكر المعنى الصحيح ~~تفسيرا للقراءة الأخرى. فذكر أن جماعة من السلف قرءوا {علي مستقيم} من ~~العلو والرفعة. قال: والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص - لما ~~استثنى إبليس من أخلص قال الله له: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال ~~أنت بإغوائك أهله. قال: وقرأ جمهور الناس {علي مستقيم} . والإشارة بهذا على ~~هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص. لما قسم إبليس هذين # PageV15P204 # القسمين قال الله " هذا طريق علي " أي هذا أمر إلي مصيره. والعرب تقول " ~~طريقك في هذا الأمر على فلان " أي إليه يصير النظر في أمرك. وهذا نحو قوله ~~{إن ربك لبالمرصاد} . قال: والآية على هذه القراءة ms4761 خبر يتضمن وعيدا. قلت: ~~هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير - لا في هذه الآية ولا في نظيرها. ~~وإنما قاله الكسائي لما أشكل عليه معنى الآية الذي فهمه السلف ودل عليه ~~السياق والنظائر. وكلام العرب لا يدل على هذا القول. فإن الرجل وإن كان ~~يقول لمن يتهدده ويتوعده " علي طريقك " فإنه لا يقول: إن طريقك مستقيم. ~~وأيضا فالوعيد إنما يكون للمسيء لا يكون للمخلصين. فكيف يكون قوله هذا " ~~إشارة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص " وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء؟ هؤلاء ~~سلكوا الطريق المستقيم التي تدل على الله وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة. ~~وأيضا فإنما يقول لغيره في التهديد " طريقك علي " من لا يقدر عليه في الحال ~~لكن ذاك يمر بنفسه عليه وهو متمكن منه كما كان أهل # PageV15P205 # المدينة يتوعدون أهل مكة بأن " طريقكم علينا " لما تهددوهم بأنكم آويتم ~~محمدا وأصحابه. كما قال أبو جهل لسعد بن معاذ لما ذهب سعد إلى مكة " لا ~~أراك تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم " فقال " لئن ~~منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه - طريقك على المدينة " أو نحو هذا. ~~فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم فيتمكنون حينئذ من جزائهم. ومثل ~~هذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى. فإن الله قادر على العباد حيث كانوا ~~كما قالت الجن {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا} وقال ~~{وما أنتم بمعجزين في الأرض.} وإذا كانت العرب تقول ما ذكره: يقولون " ~~طريقك في هذا الأمر على فلان " أي إليه يصير أمرك فهذا يطابق تفسير مجاهد ~~وغيره من السلف كما قال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على ~~شيء. فطريق الحق على الله وهو الصراط المستقيم الذي قال الله فيه {هذا صراط ~~علي مستقيم} كما فسرت به القراءة الأخرى. فالصراط في القراءتين هذا الصراط ~~المستقيم الذي أمر الله المؤمنين # PageV15P206 # أن يسألوه إياه في صلاتهم فيقولوا {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير ms4762 المغضوب عليهم ولا الضالين} . وهو الذي وصى به في قوله ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون.} وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره وهو قوله {إلا ~~عبادك منهم المخلصين} فتعبد العباد له بإخلاص الدين له: طريق يدل عليه وهو ~~طريق مستقيم. ولهذا قال بعده {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.} وابن عطية ذكر ~~أن هذا معنى الآية في تفسير الآية الأخرى مستشهدا به مع أنه لم يذكره في ~~تفسيرها. فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول ~~كأنه هو الذي اتفق أن رأى غيره قد قاله هناك. فقال - رحمه الله. وقوله ~~{وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر} . وهذه أيضا من أجل نعم الله تعالى. أي ~~على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه - وذلك بنصب الأدلة وبعث الرسل. وإلى ~~هذا ذهب المتأولون. قال: ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد ~~فعلى الله طريقه وإلى ذلك مصيره. فيكون هذا مثل قوله {هذا صراط علي # PageV15P207 # مستقيم} وضد {قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك} أي لا يفضي ~~إلى رحمتك. وطريق قاصد معناه: بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز: بعيد عن ~~نهج الطريق القاصد قال: والألف واللام في " السبيل " للعهد وهي سبيل الشرع ~~وليست للجنس ولو كانت للجنس لم يكن منها جائر. وقوله {ومنها جائر} يريد ~~طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعباد الأصنام. والضمير في " منها " يعود على ~~" السبيل " التي يتضمنها معنى الآية كأنه قال " ومن السبيل جائر " فأعاد ~~عليها وإن كان لم يجر لها ذكر لتضمن لفظة " السبيل " بالمعنى لها. قال: ~~ويحتمل أن يكون الضمير في " منها " على " سبيل الشرع " المذكورة ويكون " من ~~" للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من أمة محمد - كأنه قال: ومن بنيات ~~الطرق من هذه السبيل ومن شعبها جائر. (قلت: سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن ~~الصراط المستقيم فيما ابتدعوا فيه. ولا يقال إن ذلك من السبيل المشروعة. # PageV15P208 # وأما قوله " إن قوله: ms4763 {قصد السبيل} هي سبيل الشرع وهي سبيل الهدى والصراط ~~المستقيم. وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين في دلالة ~~الآية وهو مرجوح. والصحيح الوجه الآخر أن " السبيل " اسم جنس ولكن الذي على ~~الله هو القصد منها وهي سبيل واحد ولما كان جنسا قال {ومنها جائر} والضمير ~~يعود على ما ذكر بلا تكلف. وقوله " لو كان للجنس لم يكن منها جائر " ليس ~~كذلك. فإنها ليست كلها عليه بل إنما عليه القصد منها وهي سبيل الهدى ~~والجائر ليس من القصد. وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل ~~وليس كذلك. بل إنما عليه سبيل واحدة وهي الصراط المستقيم - هي التي تدل ~~عليه. وسائرها سبيل الشيطان كما قال {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} . وقد أحسن - رحمه الله - في هذا ~~الاحتمال وفي تمثيله ذلك بقوله {هذا صراط علي مستقيم} . # وأما آية الليل - قوله {إن علينا للهدى} - فابن عطية مثلها بهذه الآية ~~لكنه فسرها بالوجه الأول فقال: # PageV15P209 # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم ~~الإدراك كما قال {وعلى الله قصد السبيل} ثم كل أحد يتكسب ما قدر له. وليست ~~هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم يوجد كافر. قلت: وهذا هو ~~الذي ذكره ابن الجوزي - وذكره عن الزجاج. قال الزجاج: إن علينا أن نبين ~~طريق الهدى من طريق الضلال. وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه عبد بن حميد. ~~قال: حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة: {إن علينا للهدى} علينا بيان حلاله ~~وحرامه وطاعته ومعصيته. وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسير سعيد عن قتادة في ~~قوله {إن علينا للهدى} يقول: على الله البيان - بيان حلاله وحرامه وطاعته ~~ومعصيته. لكن قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه ~~فتبين به حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. وأما الثعلبي والواحدي والبغوي ~~وغيرهم فذكروا القولين وزادوا أقوالا أخر. فقالوا - واللفظ للبغوي: # PageV15P210 # {إن علينا للهدى} ms4764 يعني البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من ~~طريق الضلالة. وهو قول قتادة قال: على الله بيان حلاله وحرامه. وقال ~~الفراء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى {وعلى الله قصد ~~السبيل} يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. قال: وقيل معناه إن ~~علينا للهدى والإضلال كقوله " بيدك الخير " قلت: هذا القول هو من الأقوال ~~المحدثة التي لم تعرف عن السلف وكذلك ما أشبهه. فإنهم قالوا: معناه بيدك ~~الخير والشر والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول {والخير ~~بيديك والشر ليس إليك} . والله تعالى خالق كل شيء - لا يكون في ملكه إلا ما ~~يشاء - والقدر حق. لكن فهم القرآن ووضع كل شيء موضعه وبيان حكمة الرب وعدله ~~مع الإيمان بالقدر هو طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقد ذكر المهدوي ~~الأقوال الثلاثة فقال: إن علينا للهدى # PageV15P211 # والضلال. فحذف قتادة. المعنى: إن علينا بيان الحلال والحرام. وقيل: ~~المعنى إن علينا أن نهدي من سلك سبيل الهدى. قلت: هذا هو قول الفراء لكن ~~عبارة الفراء أبين في معرفة هذا القول. فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا ~~الآيات الثلاث بأن الطريق المستقيم لا يدل إلا على الله. ومنهم من فسرها ~~بأن عليه بيان الطريق المستقيم. والمعنى الأول متفق عليه بين المسلمين. ~~وأما الثاني فقد يقول طائفة: ليس على الله شيء - لا بيان هذا ولا هذا. ~~فإنهم متنازعون هل أوجب على نفسه كما قال {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وقوله ~~{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وقوله {وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها.} وإذا كان عليه بيان الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه وطاعته ~~ومعصيته فهذا يوافق قول من يقول: إن عليه إرسال الرسل وإن ذلك واجب عليه ~~فإن البيان لا يحصل إلا بهذا. وهذا يتعلق بأصل آخر وهو أن كل ما فعله فهو ~~واجب منه # PageV15P212 # أوجبته مشيئته وحكمته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فما شاءه وجب ~~وجوده وما لم يشأه امتنع ms4765 وجوده. وبسط هذا له موضع آخر. ودلالة الآيات على ~~هذا فيها نظر. وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من الآيات الثلاث قطعا ~~وأنه أرشد بها إلى الطريق المستقيم وهي الطريق القصد وهي الهدى إنما تدل ~~عليه - وهو الحق طريقه على الله لا يعرج عنه. لكن نشأت الشبهة من كونه قال ~~" علينا " بحرف الاستعلاء ولم يقل " إلينا " والمعروف أن يقال لمن يشار ~~إليه أن يقال " هذه الطريق إلى فلان " ولمن يمر به ويجتاز عليه أن يقول " ~~طريقنا على فلان ". وذكر هذا المعنى بحرف الاستعلاء. وهو من محاسن القرآن ~~الذي لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء. فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم ~~إلى الله على أي طريق سلكوا كما قال تعالى {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا فملاقيه} وقال {وإلى الله المصير} {إن إلينا إيابهم} أي إلينا ~~مرجعهم وقال # PageV15P213 # {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} {وهو القاهر فوق عباده ~~ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} {ثم ~~ردوا إلى الله مولاهم الحق} وقال {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم ~~الذي وفى} {ألا تزر وازرة وزر أخرى} {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} {وأن ~~سعيه سوف يرى} {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} {وأن إلى ربك المنتهى} وقال {وإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} فأي سبيل سلكها العبد فإلى الله مرجعه ومنتهاه لا بد له من لقاء ~~الله {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.} وتلك ~~الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدى وهو الصراط المستقيم هو الذي يسعد ~~أصحابه وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون ~~الشيطان. وهذه سبيل من عبد الله وحده وأطاع رسله. فلهذا قال {إن علينا ~~للهدى} {وعلى الله قصد السبيل} {قال هذا صراط علي مستقيم} . فالهدى وقصد ~~السبيل والصراط المستقيم ms4766 إنما يدل على عبادته وطاعته - لا يدل على معصيته ~~وطاعة الشيطان. # PageV15P214 # فالكلام تضمن معنى " الدلالة " إذ ليس المراد ذكر الجزاء في الآخرة فإن ~~الجزاء يعم الخلق كلهم. بل المقصود بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته ~~وطاعة رسله - ما الذي يدل على ذلك؟ فكأنه قيل: الصراط المستقيم يدل على ~~الله - على عبادته وطاعته. وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون " هذه ~~الطريق على فلان " إذا كانت تدل عليه وكان هو الغاية المقصود بها؛ وهذا غير ~~كونها " عليه " بمعنى أن صاحبها يمر عليه. وقد قيل: # فهن المنايا أي واد سلكته ... عليها طريقي أو علي طريقها # وهو كما قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله. فالمقصود بالسبيل هو: ~~الذي يدل ويوقع عليه كما يقال: إن سلكت هذه السبيل وقعت على المقصود ونحو ~~ذلك وكما يقال " على الخبير سقطت ". فإن الغاية المطلوبة إذا كانت عظيمة ~~فالسالك يقع عليها ويرمي نفسه عليها. وأيضا فسالك طريق الله متوكل عليه. ~~فلا بد له من عبادته ومن التوكل عليه. فإذا قيل " عليه الطريق المستقيم " ~~تضمن أن سالكه عليه يتوكل # PageV15P215 # وعليه تدله الطريق وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط لا يعدل عن ذلك إلى نحو ~~ذلك من المعاني التي يدل عليها حرف الاستعلاء دون حرف الغاية. وهو سبحانه ~~قد أخبر أنه على صراط مستقيم. فعليه الصراط المستقيم وهو على صراط مستقيم - ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله أعلم. # PageV15P216 ### | سورة النحل # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # اللباس له منفعتان: # إحداهما: الزينة بستر السوأة. والثانية: الوقاية لما يضر من حر أو برد أو ~~عدو. فذكر اللباس في (سورة الأعراف) لفائدة الزينة وهي المعتبرة في الصلاة ~~والطواف كما دل عليه قوله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} وقال: {يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} وقال: {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق} ردا على ما كانوا عليه في الجاهلية من تحريم ~~الطواف في الثياب الذي قدم بها غير الحمس ومن ms4767 أكل ما سلوه من الأدهان. # PageV15P217 # وذكره في النحل لفائدة الوقاية في قوله: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} ولما كانت هذه ~~الفائدة حيوانية طبيعية لا قوام للإنسان إلا بها جعلها من النعم ولما كانت ~~تلك فائدة كمالية قرنها بالأمر الشرعي وتلك الفائدة من باب جلب المنفعة ~~بالتزين وهذه من باب دفع المضرة فالناس إلى هذه أحوج. فأما قوله: {سرابيل ~~تقيكم الحر} ولم يذكر " البرد " فقد قيل لأن التنزيل كان بالأرض الحارة فهم ~~يتخوفونه وقيل: حذف الآخر للعلم به ويقال هذا من باب التنبيه؛ فإنه إذا ~~امتن عليهم بما يقي الحر فالامتنان بما يقي البرد أعظم؛ لأن الحر أذى؛ ~~والبرد بؤس والبرد الشديد يقتل والحر قل أن يقع فيه هكذا فإن باب التنبيه ~~والقياس كما يكون في خطاب الأحكام يكون في خطاب الآلاء وخطاب الوعد والوعيد ~~كما قلته في قوله: {لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا} مثله من يقول ~~لا تنفروا في البرد فإن جهنم أشد زمهريرا " ومن اغبرت قدماه في سبيل الله ~~حرمهما الله على النار " فالوحل والثلج أعظم ونحو ذلك. وفي الآية شرع لباس ~~جنن الحرب؛ ولهذا قرن من قرن باب اللباس والتحلي بالصلاة لأن للحرب لباسا ~~مختصا مع اللباس المشترك وطابق قولهم اللباس والتحلي قوله: {يحلون فيها من ~~أساور من ذهب # PageV15P218 # ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} . وأحسن من هذا أنه قد تقدم ذكر وقاية البرد ~~في أول السورة بقوله: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ~~فيقال لم فرق هذا؟ فيقال والله أعلم: المذكور في أول السورة النعم الضرورية ~~التي لا يقومون بدونها: من الأكل وشرب الماء القراح ودفع البرد والركوب ~~الذي لا بد منه في النقلة وفي آخرها ذكر كمال النعم: من الأشربة الطيبة ~~والسكون في البيوت وبيوت الأدم والاستظلال بالظلال ودفع الحر والبأس ~~بالسرابيل فإن هذا يستغنى عنه في الجملة. ففي الأول الأصول وفي الآخر ~~الكمال؛ ولهذا قال: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} . # وأيضا: ms4768 فالمساكن لها منفعتان: إحداهما السكون فيها لأجل الاستتار فهي ~~كلباس الزينة من هذا الوجه. والثاني: وقاية الأذى من الشمس والمطر والريح ~~ونحو ذلك فجمع الله الامتنان بهذين فقال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} ~~هذه بيوت المدر {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم} هذه بيوت العمود {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين} يدخل فيه أهبة البيت من البسط والأوعية والأغطية ونحوها وقال {من ~~بيوتكم سكنا} ولم يقل من المدر بيوتا كما قال: {من جلود الأنعام بيوتا} لأن ~~السكن بيان منفعة البيت فبه تظهر النعمة واتخاذ # PageV15P219 # البيوت من المدر معتاد فالنعمة بظهور أثرها؛ بخلاف الأنعام فإن الهداية ~~إلى اتخاذ البيوت من جلودها أظهر من الهداية إلى نفس اتخاذ البيوت. وأما ~~فائدة الوقاية فقال: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا} فالظلال يعم جميع ما يظل من العرش والفساطيط والسقوف مما يصطنعه ~~الآدميون وقوله: {من الجبال أكنانا} لأن الجبل يكن الإنسان من فوقه ويمينه ~~ويساره وأسفل منه ليس مقصوده الاستظلال؛ بخلاف الظلال فإن مقصودها ~~الاستظلال؛ ولهذا قرن بهذه ما في السرابيل من منفعة الوقاية فجمع في هذه ~~الآية بين وقاية اللباس المنتقل مع البدن ووقاية الظلال الثابتة على الأرض؛ ~~ولهذا كانوا في الجاهلية يسوون بينهما في حق المحرم فكما نهى عن تغطية ~~الرأس نهوه عن الدخول تحت سقف حتى أنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها} . وجاز للمحرم أن يستظل بالثابت من الخيام والشجر وأما الشيء ~~المنتقل معه المتصل كالمحمل ففيه ما فيه لتردده بين السرابيل وبين المستقر ~~من الظلال والأكنة. كما أنه قبل هذه الآيات ذكر أصناف الأشربة من اللبن ~~والخمر والعسل وذكر في أول السورة المراكب والأطعمة وهذه مجامع المطاعم ~~والمشارب والملابس والمساكن والمراكب. # PageV15P220 # وقال شيخ الإسلام: # قوله عز وجل: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} الآيتين. لفظ " الإنزال " ~~في القرآن يرد " مقيدا " بأنه منه كالقرآن وبالإنزال من السماء ويراد به ~~العلو كالمطر و " مطلقا " فلا ms4769 يختص بنوع (*) ؛ بل يتناول إنزال الحديد من ~~الجبال والإنزال من ظهور الحيوان وغير ذلك فقوله: {نزله روح القدس من ربك} ~~بيان لنزول جبريل به من الله كقوله: {نزل به الروح الأمين} أي أنه مؤتمن لا ~~يزيد ولا ينقص؛ فإن الخائن قد يغير الرسالة. وفيها دلالة على أمور. منها: ~~بطلان قول من زعم خلقه في جسم كالجهمية من المعتزلة وغيرهم؛ فإن السلف ~~يسمون من قال بخلقه ونفى الصفات والرؤية جهميا؛ فإن جهما أول من ظهرت عنه ~~بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك فله مزية المبالغة والابتداء بكثرة ~~إظهاره وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك؛ لكن المعتزلة وإن وافقوه في البعض ~~فهم يخالفونه في مثل مسائل الإيمان والقدر وبعض الصفات وجهم يقول إن الله ~~لا PageV15P221 # يتكلم أو يتكلم مجازا وهم يقولون يتكلم حقيقة ولكن قولهم في المعنى قوله ~~وهو ينفي الأسماء كالباطنية والفلاسفة. ومنها: بطلان قول من زعم أنه فاض من ~~العقل الفعال أو غيره وهذا أعظم كفرا وضلالا من الذي قبله. ومنها إبطال قول ~~الأشعرية إن كلام الله معنى وهذا العربي خلق ليدل عليه سواء قالوا: خلق في ~~بعض الأجسام أو ألهمه جبريل أو أخذه من اللوح فإن هذا لا بد له من متكلم ~~تكلم به أولا وهذا يوافق قول من قال إنه مخلوق؛ لكن يفارقه من وجهين. ~~أحدهما: أن أولئك يقولون المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون إنه كلام مجازا ~~وهذا أشر من قول المعتزلة؛ بل هو قول الجهمية المحضة؛ لكن المعتزلة ~~يوافقونهم في المعنى. الثاني: أنهم يقولون لله كلام قائم بذاته والخلقية ~~يقولون لا يقوم بذاته؛ فإن الكلابية خير منهم في الظاهر؛ لكن في الحقيقة لم ~~يثبتوا كلاما له غير المخلوق. والمقصود أن الآية تبطل هذا و " القرآن " اسم ~~للعربي لقوله: {فإذا قرأت القرآن} . وأيضا فقوله: {نزله} عائد إلى قوله: ~~{والله # PageV15P222 # أعلم بما ينزل} فالذي نزله الله هو الذي نزله روح القدس وأيضا قال: {ولقد ~~نعلم أنهم يقولون} الآية وهم يقولون: إنما يعلم هذا القرآن العربي بشر ~~لقوله: ms4770 {لسان الذي يلحدون إليه} - إلخ فعلم أن محمدا لم يؤلف نظما بل سمعه ~~من روح القدس وروح القدس الذي نزل به من الله فعلم أنه سمعه منه لم يؤلفه ~~هو. ونظيرها قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} و " الكتاب " اسم ~~للقرآن بالضرورة والاتفاق؛ فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه ~~ولفظ " الكتاب " يراد به المكتوب فيه فيكون هو الكلام ويراد به ما يكتب فيه ~~كقوله: {في كتاب مكنون} وقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} ~~وقوله: {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} إخبار مستشهد بهم فمن لم يقر به منا ~~فهم خير منه من هذا الوجه. وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره: أنه ~~أنزل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا ولا ينافي أنه مكتوب في ~~اللوح قبل نزوله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعده. فإذا أنزل ~~جملة إلى بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ينزله والله يعلم ما كان وما يكون ~~وما لا يكون لو كان كيف يكون وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن ~~يعملوها ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها فيقابل بين # PageV15P223 # الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس ~~وغيره. فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف لا يكتب ~~كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم؟ . ومن قال: إن جبرائيل أخذه عن ~~الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه. منها: أنه سبحانه كتب التوراة ~~لموسى بيده؛ فبنو إسرائيل أخذوا كلامه من الكتاب الذي كتبه ومحمد عن جبريل ~~عن الكتاب فهم أعلى بدرجة ومن قال: إنه ألقى إلى جبريل معاني وعبر بالعربي ~~فمعناه أنه ألهمه إلهاما وهذا يكون لآحاد المؤمنين كقوله: {وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} {وأوحينا إلى أم موسى} فيكون هذا أعلى من ~~أخذ محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضا: فإنه سبحانه قال: {إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا ms4771 إلى نوح والنبيين من بعده} - إلى قوله - {وكلم الله موسى ~~تكليما} وهذا يدل على أمور: على أنه يكلم العبد تكليما زائدا على الوحي ~~الذي هو قسيم التكليم الخاص. فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى ~~عام وخاص فالتكليم # PageV15P224 # العام هو المقسوم في قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب} الآية. فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص لا قسما منه وكذلك ~~الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كقوله: {فاستمع لما يوحى} . ويكون ~~قسيما له كما في الشورى وهذا يبطل قول من قال: إنه معنى واحد قائم بالذات ~~فإنه لا فرق بين العام وما لموسى. وفرق سبحانه في " الشورى " بين الإيحاء ~~وبين التكليم من وراء حجاب وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء. # PageV15P225 ### | سورة الإسراء # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # في الكلام على قوله تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} الآيتين لما ~~ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من الملائكة ومنهم من ذكر أنهم من الإنس؛ ~~ومنهم من ذكر أنهم من الجن. لفظ السلف يذكرون جنس المراد من الآية على ~~التمثيل كما يقول الترجمان لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفا والآية هنا قصد ~~بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء ~~والصالحين. سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما ~~تتناول من دعا الملائكة والجن ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره ~~الله بأفعالهم ومع هذا فقد نهى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن ~~الداعين ولا تحويله لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أو من ~~حال إلى حال كتغيير صفته أو قدره ولهذا قال: {ولا تحويلا} فذكر نكرة تعم ~~أنواع التحويل. # PageV15P226 # وقال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} ~~كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فقالت الجن: ~~الإنس تستعيذ بنا فزادوهم رهقا وقد نص الأئمة ms4772 - كأحمد وغيره - على أنه لا ~~تجوز الاستعاذة بمخلوق وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق لما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك فإذا كان لا ~~يجوز ذلك فلأن لا يجوز أن يقول: أنت خير مستعاذ يستعاذ به أولى. فالاستعاذة ~~والاستجارة؛ والاستغاثة: كلها من نوع الدعاء أو الطلب وهي ألفاظ متقاربة. ~~ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~هناك وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به كما ~~قال عمرو بن سعيد: إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. ~~وفي الصحيح: {يعوذ عائذ بهذا البيت} . والمقصود: أن كثيرا من الضالين ~~يستغيثون بمن يحسنون به الظن ولا يتصور أن يقضي لهم أكثر مطالبهم كما أن ما ~~تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة يكذبون في أكثره؛ بل يصدقون في واحدة ~~ويكذبون في أضعافها ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها # PageV15P227 # يكذبون فيما أخبروا به وأعانوا عليه لإفساد حال الرجال في الدين والدنيا ~~ويكون فيه شبهة للمشركين كما يخبر الكاهن ونحوه. والله سبحانه جعل الرسول ~~مبلغا لأمره ونهيه ووعده ووعيده وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون ~~العالم بقضاء الحاجات وكشف الكربات وليس هذا من دين المسلمين بل النصارى ~~تقول هذا في المسيح وحده بشبهة الاتحاد والحلول؛ ولهذا لم يقولوه في ~~إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم في غاية الجهل في ذلك فإن الآيات التي بعث ~~بها موسى أعظم ولو كان هذا ممكنا لم يكن للمسيح خاصية به: بل موسى أحق. ~~ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره ~~من جهة الإلهية فلا يجدون فرقا بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات ~~أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية فموسى أحق وأما ولادته من غير أب فهو يدل ~~على قدرة الخالق؛ لا على أن المخلوق أفضل من غيره. # PageV15P228 ### | سورة الكهف # فصل: # {حديث علي رضي الله عنه المخرج في ms4773 الصحيحين لما طرقه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفاطمة وهما نائمان فقال: ألا تصليان؟ فقال علي: يا رسول الله ~~إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها. فولى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يضرب بيده على فخذه ويعيد القول ويقول: {وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا} } . هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر؛ فإن قوله: " ~~إنما أنفسنا بيد الله " إلى آخره. استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر ~~وهي في نفسها كلمة حق؛ لكن لا تصلح لمعارضة الأمر بل معارضة الأمر بها من ~~باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} وهؤلاء ~~أحد أقسام القدرية وقد [صنفتهم] في غير هذا الموضع. فالمجادلة الباطلة. . . ~~(1) . PageV15P229 ### | سورة مريم # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # " سورة مريم " مضمونها: تحقيق عبادة الله وحده وأن خواص الخلق هم عباده ~~فكل كرامة ودرجة رفيعة في هذه الإضافة وتضمنت الرد على الغالين الذين زادوا ~~في النسبة إلى الله حتى نسبوا إليه عيسى بطريق الولادة والرد على المفرطين ~~في تحقيق العبادة وما فيها من الكرامة وجحدوا نعم الله التي أنعم بها على ~~عباده المصطفين. افتتحها بقوله: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وندائه ربه نداء ~~خفيا وموهبته له يحيى ثم قصة مريم وابنها وقوله: {إني عبد الله} . . إلخ ~~بين فيها الرد على الغلاة في المسيح وعلى الجفاة النافين عنه ما أنعم الله ~~به عليه؛ ثم أمر نبيه بذكر إبراهيم وما دعا إليه من عبادة الله وحده ونهيه ~~إياه عن عبادة الشيطان وموهبته # PageV15P230 # له إسحاق ويعقوب وأنه جعل له لسان صدق عليا وهو الثناء الحسن وأخبر عن ~~يحيى وعيسى وإبراهيم ببر الوالدين مع التوحيد وذكر موسى وموهبته له أخاه ~~هارون نبيا كما وهب يحيى لزكريا وعيسى لمريم وإسحاق لإبراهيم. فهذه السورة ~~" سورة المواهب " وهي ما وهبه الله لأنبيائه من الذرية الطيبة والعمل ~~الصالح والعلم النافع ثم ذكر ذرية آدم لأجل إدريس {وممن حملنا مع نوح} وهو ~~إبراهيم ومن ذرية إبراهيم ms4774 وإسرائيل إلى آخر القصة. ثم قال: {فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} الآية. فهذه حال المفرطين في عبادة ~~الله ثم استثنى التائبين وبين أن الجنة لمن تاب وأن جنات عدن وعدها الرحمن ~~عباده بالغيب وهم أهل تحقيق العبادة ثم قال: {تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا} ثم قال: {فاعبده واصطبر لعبادته} . ثم ذكر حال منكري ~~المعاد وحال من جعل له الأولاد وقرن بينهما فيما رواه البخاري من حديث أبي ~~هريرة: {كذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك} ~~الحديث. {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} ثم ذكر إقسامه على # PageV15P231 # حشدهم والشياطين وإحضارهم حول جهنم جثيا وفيها دلالة على أن المخبر عن ~~خبر يحصل في المستقبل لا يكون إلا بطريقين: إما اطلاعه على الغيب وهو العلم ~~بما سيكون؛ وإما أن يكون قد اتخذ عند الرحمن عهدا والله موف بعهده فالأول ~~علم بالخبر والثاني علم بالأمر. الأول علم بالكلمات الكونية والثاني علم ~~بالكلمات الدينية وهذا الذي أقسم أنه يأتي يوم المعاد ما ذكر كاذب في قسمه ~~فإنه ليس له اطلاع على الغيب ولا اتخذ عند الرحمن عهدا. وهذا كما قيل في ~~إجابة الدعاء: أنه تارة يكون لصحة الاعتقاد وهو مطابقة الخبر وتارة لكمال ~~الطاعة وهو موافقة الأمر كقوله: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} . فذكر حال من ~~تمنى على الله الباطل بلا علم بالواقع ولا اتخاذ عهد بالمشروع. ثم ذكر حال ~~الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا فنفى الولادة عن نفسه ورد على من أثبتها ~~وأثبت المودة ردا على من أنكرها فقال: {سيجعل لهم الرحمن ودا} أي يحبهم؛ ~~ويحببهم إلى عباده وقد وافق ذلك ما في الصحيحين: {إذا أحب الله العبد نادى ~~جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض} # PageV15P232 # وقال في البغض عكس ذلك. وفي قول إبراهيم: {إنه كان بي حفيا} وقوله في ~~موسى: {وناديناه ms4775 من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} وما ذكره للمؤمنين من ~~المودة: إثبات لما ينكره الجاحدون من محبة الله وتكليمه كما في الأول نفي ~~لما يثبته المفترون من اتخاذ الولد. # PageV15P233 # سئل - رضي الله عنه -: # عن قوله عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا} هل ذلك فيمن أضاع وقتها فصلاها في غير وقتها أم فيمن أضاعها فلم ~~يصلها وقوله تعالى {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} هل هو عن فعل ~~الصلاة أو السهو فيها كما جرت العادة من صلاة الغفلة الذين لا يعقلون من ~~صلاتهم شيئا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، بل المراد بهاتين الآيتين من أضاع الواجب في ~~الصلاة لا مجرد تركها هكذا فسرها الصحابة والتابعون وهو ظاهر الكلام فإنه ~~قال: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} فأثبت لهم صلاة وجعلهم ~~ساهين عنها فعلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها وقد قال طائفة من السلف: ~~بل هو السهو عما يجب فيها مثل ترك الطمأنينة وكلا المعنيين حق والآية ~~تتناول هذا وهذا كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، # PageV15P234 # تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها ~~أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} . فبين النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الحديث أن صلاة المنافق تشتمل على التأخير عن الوقت الذي يؤمر بفعلها ~~فيه وعلى النقر الذي لا يذكر الله فيه إلا قليلا وهكذا فسروا قوله: {فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} بأن إضاعتها تأخيرها عن وقتها ~~وإضاعة حقوقها وجاء في الحديث: {إن العبد إذا قام إلى الصلاة بطهورها ~~وقراءتها وسجودها - أو كما قال - صعدت ولها برهان كبرهان الشمس تقول له: ~~حفظك الله كما حفظتني وإذا لم يتم طهورها وقراءتها وسجودها - أو كما قال - ~~فإنها تلف كما يلف الثوب وتقول له: ضيعك الله كما ضيعتني} قال سلمان ~~الفارسي: ms4776 الصلاة مكيال من وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قال في ~~المطففين. وفي سنن أبي داود عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا ~~خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ثمنها إلا تسعها إلا عشرها} . وقد تنازع ~~العلماء فيمن غلب عليه الوسواس في صلاته هل عليه الإعادة على قولين. لكن ~~الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا إعادة عليه واحتجوا بما في # PageV15P235 # الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أذن ~~المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل ~~فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ~~فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لن يدري كم صلى ~~فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم} . فقد عم بهذا الكلام ولم ~~يأمر أحدا بالإعادة. و " الثاني " عليه الإعادة وهو قول طائفة من العلماء: ~~من الفقهاء والصوفية من أصحاب أحمد وغيره كأبي عبد الله بن حامد وغيره لما ~~تقدم من قوله ولم يكتب له منها إلا عشرها. والتحقيق أنه لا أجر له إلا بقدر ~~الحضور؛ لكن ارتفعت عنه العقوبة التي يستحقها تارك الصلاة وهذا معنى قولهم: ~~تبرأ ذمته بها أي: لا يعاقب على الترك لكن الثواب على قدر الحضور كما قال ~~ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها فلهذا شرعت السنن الرواتب جبرا ~~لما يحصل من النقص في الفرائض والله أعلم. # PageV15P236 ### | سورة طه # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # " سورة طه " مضمونها تخفيف أمر القرآن وما أنزل الله تعالى من كتبه فهي " ~~سورة كتبه " - كما أن مريم " سورة عباده ورسله " - افتتحها بقوله: {ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى} . . إلى قوله: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ~~العلا} . ثم ذكر قصة موسى ونداء الله له ومناجاته إياه وتكليمه له وقصته من ~~أبلغ ms4777 أمر الرسل فلهذا ثنيت في القرآن؛ لأنه حصل له الخطاب والكتاب وأرسل ~~إلى فرعون الجاحد المرتاب المكذب للربوبية والرسالة وهذا أعظم الكافرين ~~عنادا واستوفى القصة في هذه السورة إلى قوله: {رب زدني علما} ثم ذكر قصة ~~آدم؛ لأنها أول النبوات. وتضمنت السورة ذكر موسى وآدم لما بينهما من ~~المناسبة مما يقتضي # PageV15P237 # ذكرهما ولما بينهما من المناظرة فإن موسى نظير آدم في الأمر الذي صار لكل ~~منهما كما أن المسيح نظير آدم في الخلق وقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} ~~الآيات وهذا يشابه ما في القرآن في غير موضع من ذكر نبوة آدم ثم نبوة موسى ~~بعده وأمر بني إسرائيل ثم أمر نبيه بالصلاة التي في القرآن كما جمع بين ~~الأمرين بالقراءة والسجود في أول سورة أنزلت وختمها بالرسول المبلغ لكل ما ~~أمر به كما افتتحها بذكر التنزيل عليه. # PageV15P238 # وقال: ### | فصل: # " في طريقتي العلم والعمل " # قال الله تعالى لموسى وهارون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} ~~وقال في السورة بعينها {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا} إلى قوله: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد ~~لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} . فذكر في كل واحدة من الرسالتين العظيمتين ~~- رسالة موسى ورسالة محمد - أن ذلك لأجل التذكر أو الخشية ولم يقل: ليتذكر ~~ويخشى ولا قال: ليتقون ويحدث لهم ذكرا؛ بل جعل المطلوب أحد الأمرين وهذا ~~مطابق لقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ونحو ذلك. # PageV15P239 # وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم ~~يعصه وذلك يرجع إلى تحقيق قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين} وقوله: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقوله: {أولي الأيدي ~~والأبصار} وقوله: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وقوله: {إن ~~المجرمين في ضلال وسعر} وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} الآية ونحو ms4778 ذلك. وسبب ~~ذلك أن الخير إما بمعرفة الحق واتباعه في العلم والعمل جميعا صلاح القول ~~والعمل: العلم والإرادة. والعلم أصل العمل وأصل الإرادة والمحبة وغير ذلك ~~وهو مستلزم له ما لم يحصل معارض مانع. فالعلم بالحق يوجب اتباعه إلا لمعارض ~~راجح: مثل اتباع الهوى بالاستكبار ونحوه كحال الذين قال الله فيهم: {سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} ~~وقال: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال: {فإنهم لا يكذبونك ~~ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ولهذا قال: {يا داود # PageV15P240 # إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله} ونحو ذلك. فإن أصل الفطرة التي فطر الناس عليها إذا سلمت من ~~الفساد إذا رأت الحق اتبعته وأحبته. إذ ### | الحق نوعان: # حق موجود فالواجب معرفته والصدق في الإخبار عنه وضد ذلك الجهل والكذب. ~~وحق مقصود وهو النافع للإنسان فالواجب إرادته والعمل به وضد ذلك إرادة ~~الباطل واتباعه. ومن المعلوم أن الله خلق في النفوس محبة العلم دون الجهل ~~ومحبة الصدق دون الكذب ومحبة النافع دون الضار وحيث دخل ضد ذلك فلمعارض من ~~هوى وكبر وحسد ونحو ذلك؛ كما أنه في صالح الجسد خلق الله فيه محبة الطعام ~~والشراب الملائم له دون الضار فإذا اشتهى ما يضره أو كره ما ينفعه فلمرض في ~~الجسد وكذلك أيضا إذا اندفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير ~~ذلك: أحب القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح كما أن # PageV15P241 # الجسد إذا اندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب فكل واحد من ~~وجود المقتضي وعدم الدافع: سبب للآخر وذلك سبب لصلاح حال الإنسان وضدهما ~~سبب لضد ذلك فإذا ضعف العلم غلب (1) الهوى الإنسان، وإن وجد العلم والهوى ~~وهما المقتضي والدافع فالحكم للغالب. وإذا كان كذلك فصلاح بني آدم الإيمان ~~والعمل الصالح ولا يخرجهم عن ذلك ms4779 إلا شيئان: أحدهما: الجهل المضاد للعلم ~~فيكونون ضلالا والثاني اتباع الهوى والشهوة اللذين في النفس فيكونون غواة ~~مغضوبا عليهم؛ ولهذا قال: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} وقال: ~~{عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ} فوصفهم بالرشد الذي هو خلاف الغي وبالهدى الذي هو خلاف ~~الضلال وبهما يصلح العلم والعمل جميعا ويصير الإنسان عالما عادلا لا جاهلا ~~ولا ظالما. PageV15P242 # وهم في الصلاح على ضربين: تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له اتبعه ~~وعمل به فهذا هو الذي يدعى بالحكمة وهو الذي يتذكر وهو الذي يحدث له القرآن ~~ذكرا. والثاني أن يكون له من الهوى والمعارض ما يحتاج معه إلى الخوف الذي ~~ينهى النفس عن الهوى؛ فهذا يدعى بالموعظة الحسنة وهذا هو القسم الثاني ~~المذكور في قوله: {أو يخشى} وفي قوله {لعلهم يتقون} وقد قال في السورة في ~~قصة فرعون: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} {فقل هل لك إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ~~ربك فتخشى} فجمع بين التزكي والهدى والخشية كما جمع بين العلم والخشية في ~~قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وفي قوله: {وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون} وفي قوله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا ~~مستقيما.} وذلك لما ذكرناه من أن كل واحد من العلم بالحق الذي يتضمنه ~~التذكر والذكر الذي يحدثه القرآن ومن الخشية المانعة من اتباع الهوى سبب ~~لصلاح حال الإنسان وهو مستلزم للآخر إذا قوي على # PageV15P243 # ضده فإذا قوي العلم والتذكر دفع الهوى؛ وإذا اندفع الهوى بالخشية أبصر ~~القلب وعلم. وهاتان هما الطريقة العلمية والعملية كل منهما إذا صحت تستلزم ~~ما تحتاج إليه من الأخرى وصلاح العبد ما يحتاج إليه ويجب عليه منهما جميعا؛ ~~ولهذا كان فساده بانتفاء كل منهما. فإذا انتفى العلم الحق كان ضالا غير ~~مهتد وإذا انتفى اتباعه كان غاويا مغضوبا عليه. ولهذا قال: {صراط الذين ~~أنعمت ms4780 عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال: {والنجم إذا هوى} {ما ضل ~~صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} وقال في ضد ذلك: ~~{إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله} وقال: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} وقال: {فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى} وقال في ضده: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} وقال: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} وقال في ضده: {إن المجرمين في ضلال وسعر} قال ابن عباس: " تكفل ~~الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ~~". فهو سبحانه يجمع بين الهدى والسعادة وبين الضلال والشقاوة # PageV15P244 # بين حسنة الدنيا والآخرة وسيئة الدنيا والآخرة ويقرن بين العلم النافع ~~والعمل الصالح بين العلم الطيب والعمل الصالح كما يقرن بين ضديهما وهو " ~~الضلال " و " الغي ": اتباع الظن وما تهوى الأنفس. والقرينان متلازمان عند ~~الصحة والسلامة من المعارض وقد يتخلف أحدهما عن الآخر عند المعارض الراجح. ~~فلهذا إذا كان في مقام الذم والنهي والاستعاذة كان الذم والنهي لكل منهما: ~~من الضلال والغي: من الجهل والظلم: من الضلال والغضب ولأن كلا منهما صار ~~مكروها مطلوب العدم لا سيما وهو مستلزم للآخر وأما في مقام الحمد والطلب ~~ومنة الله فقد يطلب أحدهما وقد يطلب كل منهما وقد يحمد أحدهما وقد يحمد كل ~~منهما لأن كلا منهما خير مطلوب محمود وهو سبب لحصول الآخر؛ لكن كمال الصلاح ~~يكون بوجودهما جميعا وهذا قد يحصل له إذا حصل أحدهما ولم يعارضه معارض ~~والداعي للخلق الآمر لهم يسلك بذلك طريق الرفق واللين فيطلب أحدهما لأنه ~~مطلوب في نفسه وهو سبب للآخر؛ فإن ذلك أرفق من أن يأمر العبد بهما جميعا ~~فقد يثقل ذلك عليه والأمر بناء والنهي هدم والأمر هو يحصل العافية بتناول ~~الأدوية والنهي من باب الحمية والبناء والعافية تأتي شيئا بعد شيء وأما ms4781 ~~الهدم فهو أعجل والحمية أعم وإن كان قد يحصل فيهما # PageV15P245 # ترتيب أيضا فكيف إذا كان كل واحد من الأمرين سببا وطريقا إلى حصول ~~المقصود مع حصول الآخر. فقوله سبحانه: {لعله يتذكر أو يخشى} وقوله: {لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا} طلب وجود أحد الأمرين بتبليغ الرسالة وجاء بصيغة: ~~(لعل تسهيلا للأمر ورفقا وبيانا لأن حصول أحدهما طريق إلى حصول المقصود فلا ~~يطلبان جميعا في الابتداء ولهذا جاء في الأثر: {إن من ثواب الحسنة الحسنة ~~بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها} لا سيما أصول الحسنات التي تستلزم ~~سائرها مثل الصدق فإنه أصل الخير كما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن ~~البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ~~ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.} ولهذا قال ~~سبحانه: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} وقال: ~~{ويل لكل أفاك أثيم} {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم ~~يسمعها} ولهذا يذكر أن # PageV15P246 # بعض المشايخ أراد أن يؤدب بعض أصحابه الذين لهم ذنوب كثيرة فقال: يا بني: ~~أنا آمرك بخصلة واحدة فاحفظها لي؛ ولا آمرك الساعة بغيرها التزم الصدق ~~وإياك والكذب وتوعده على الكذب بوعيد شديد فلما التزم ذلك الصدق دعاه إلى ~~بقية الخير ونهاه عما كان عليه فإن الفاجر لا حد له في الكذب. # PageV15P247 # قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: # فصل: # في قوله تعالى {إن هذان لساحران} . فإن هذا مما أشكل على كثير من الناس ~~فإن الذي في مصاحف المسلمين {إن هذان} بالألف وبهذا قرأ جماهير القراء ~~وأكثرهم يقرأ (إن) مشددة وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (إن) مخففة لكن ابن ~~كثير يشدد نون (هذان) دون حفص والإشكال من جهة العربية ms4782 على القراءة ~~المشهورة وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم وجمهور ~~القراء عليها وهي أصح القراءات لفظا ومعنى. وهذا يتبين بالكلام على ما قيل ~~فيها. فإن منشأ الإشكال: أن الاسم المثنى يعرب في حال النصب والخفض بالياء ~~وفي حال الرفع بالألف وهذا متواتر من لغة العرب: # PageV15P248 # لغة القرآن وغيرها في الأسماء المبنية كقوله: {ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك} ثم قال {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} وقال: ~~{ورفع أبويه على العرش} وقال: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ولم ~~يقل: الكعبان وقال: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} {إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} ولم يقل: اثنان وقال: {قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين} . وقال: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} ~~ولم يقل: اثنان ولا الذكران والأنثيان وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} ولم ~~يقل: زوجان وقال: {فإن كن نساء فوق اثنتين} ولم يقل: اثنتان. ومثل هذا كثير ~~مشهور في القرآن وغيره. فظن النحاة أن الأسماء المبهمة المبنية مثل هذين ~~واللذين تجري هذا المجرى وأن المبني في حال الرفع يكون بالألف ومن هنا نشأ ~~الإشكال. وكان أبو عمرو إماما في العربية فقرأ بما يعرف من العربية: إن ~~هذين لساحران. وقد ذكر أن له سلفا في هذه القراءة وهو الظن # PageV15P249 # به: أنه لا يقرأ إلا بما يرويه لا بمجرد ما يراه وقد روي عنه أنه قال: ~~إني لأستحيي من الله أن أقرأ: {إن هذان} وذلك لأنه لم ير لها وجها من جهة ~~العربية ومن الناس من خطأ أبا عمرو في هذه القراءة ومنهم الزجاج قال: لا ~~أجيز قراءة أبي عمرو خلاف المصحف. وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم ~~المصحف فاحتج لها كثير من النحاة بأن هذه لغة بني الحارث بن كعب وقد حكى ~~ذلك غير واحد من أئمة العربية. قال المهدوي: بنو الحارث بن كعب يقولون: ~~ضربت الزيدان ms4783 ومررت بالزيدان كما تقول: جاءني الزيدان: قال المهدوي: حكى ~~ذلك أبو زيد والأخفش والكسائي والفراء وحكى أبو الخطاب أنها لغة بني كنانة ~~وحكى غيره أنها لغة لخثعم ومثله قول الشاعر: # تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هاوي التراب عقيم # وقال ابن الأنباري: هي لغة لبني الحارث بن كعب وقريش قال الزجاج: وحكى ~~أبو عبيدة عن أبي الخطاب - وهو رأس من رءوس الرواة - أنها لغة لكنانة ~~يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد وأنشدوا: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يجد ... مساغا لناباه الشجاع لصمما # PageV15P250 # وقال: ويقول هؤلاء: ضربته بين أذناه. قلت بنو الحارث بن كعب هم أهل نجران ~~ولا ريب أن القرآن لم ينزل بهذه اللغة بل المثنى من الأسماء المبنية في ~~جميع القرآن هو بالياء في النصب والجر كما تقدمت شواهده. وقد ثبت في الصحيح ~~عن عثمان أنه قال: إن القرآن نزل بلغة قريش وقال للرهط القرشيين الذين ~~كتبوا المصحف هم وزيد: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش؛ فإن القرآن ~~نزل بلغتهم ولم يختلفوا إلا في حرف وهو (التابوت) فرفعوه إلى عثمان فأمر أن ~~يكتب بلغة قريش رواه البخاري في صحيحه. وعن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على ~~عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع ~~حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه ~~الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أن ~~أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى ~~عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله ابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: ~~إذا اختلفتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش # PageV15P251 # فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف ~~إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في ms4784 كل ~~صحيفة أو مصحف أن يحرق. وهذه الصحيفة التي أخذها من عند حفصة هي التي أمر ~~أبو بكر وعمر بجمع القرآن فيها لزيد بن ثابت وحديثه معروف في الصحيحين ~~وغيرهما وكانت بخطه؛ فلهذا أمر عثمان أن يكون هو أحد من ينسخ المصاحف من ~~تلك الصحف ولكن جعل معه ثلاثة من قريش ليكتب بلسانهم فلم يختلف لسان قريش ~~والأنصار إلا في لفظ (التابوه) و (التابوت) فكتبوه (التابوت) بلغة قريش. ~~وهذا يبين أن المصاحف التي نسخت كانت مصاحف متعددة وهذا معروف مشهور وهذا ~~مما يبين غلط من قال في بعض الألفاظ: إنه غلط من الكاتب أو نقل ذلك عن ~~عثمان؛ فإن هذا ممتنع لوجوه. منها: تعدد المصاحف واجتماع جماعة على كل مصحف ~~ثم وصول كل مصحف إلى بلد كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين يقرءون القرآن ~~ويعتبرون ذلك بحفظهم والإنسان إذا نسخ مصحفا غلط في بعضه عرف غلطه بمخالفة ~~حفظه القرآن وسائر المصاحف فلو قدر أنه # PageV15P252 # كتب كاتب مصحفا ثم نسخ سائر الناس منه من غير اعتبار للأول والثاني أمكن ~~وقوع الغلط في هذا وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة ووقف عليه خلق عظيم ممن ~~يحصل التواتر بأقل منهم ولو قدر أن الصحيفة كان فيها لحن فقد كتب منها ~~جماعة لا يكتبون إلا بلسان قريش ولم يكن لحنا فامتنعوا أن يكتبوه إلا بلسان ~~قريش فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا: {إن هذان} وهم يعلمون أن ذلك لحن لا ~~يجوز في شيء من لغاتهم أو: {المقيمين الصلاة} وهم يعلمون أن ذلك لحن كما ~~زعم بعضهم. قال الزجاج في قوله: {المقيمين الصلاة} قول من قال: إنه خطأ - ~~بعيد جدا؛ لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والقدوة فكيف يتركون شيئا ~~يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم وقال ابن الأنباري: حديث عثمان لا ~~يصح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا ليصلحه من بعده. قلت: ومما ~~يبين كذب ذلك: أن عثمان لو قدر ذلك فيه فإنما رأى ذلك في نسخة واحدة فإما ms4785 ~~أن تكون جميع المصاحف اتفقت على الغلط وعثمان قد رآه في جميعها وسكت: فهذا ~~ممتنع عادة وشرعا: من الذين كتبوا ومن عثمان ثم من المسلمين الذين وصلت ~~إليهم المصاحف ورأوا ما فيها وهم يحفظون القرآن ويعلمون أن فيه لحنا # PageV15P253 # لا يجوز في اللغة فضلا عن التلاوة وكلهم يقر هذا المنكر لا يغيره أحد ~~فهذا مما يعلم بطلانه عادة ويعلم من دين القوم الذين لا يجتمعون على ضلالة؛ ~~بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا في كتاب الله منكرا لا ~~يغيره أحد منهم مع أنهم لا غرض لأحد منهم في ذلك ولو قيل لعثمان: مر الكاتب ~~أن يغيره لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه. فهذا ونحوه مما يوجب القطع ~~بخطأ من زعم أن في المصحف لحنا أو غلطا وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس ~~قوله حجة فالخطأ جائز عليه فيما قاله؛ بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف ~~وكتبوه وقرءوه فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك وكما قال عثمان: إذا اختلفتم ~~في شيء فاكتبوه بلغة قريش وكذلك قال عمر لابن مسعود أقرئ الناس بلغة قريش ~~ولا تقرئهم بلغة هذيل؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل. وقوله تعالى في ~~القرآن: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} يدل على ذلك فإن قومه هم قريش ~~كما قال: {وكذب به قومك وهو الحق} . وأما كنانة فهم جيران قريش والناقل ~~عنهم ثقة ولكن الذي ينقل بنقل ما سمع وقد يكون سمع ذلك في الأسماء المبهمة ~~المبنية فظن أنهم يقولون ذلك في سائر الأسماء؛ بخلاف من سمع " بين أذناه " ~~و " لناباه " فإن هذا صريح في الأسماء التي ليست مبهمة. # PageV15P254 # وحينئذ فالذي يجب أن يقال: إنه لم يثبت أنه لغة قريش؛ بل ولا لغة سائر ~~العرب: أنهم ينطقون في الأسماء المبهمة إذا ثنيت بالياء وإنما قال ذلك من ~~قاله من النحاة قياسا جعلوا باب التثنية في الأسماء المبهمة كما هو في سائر ~~الأسماء وإلا فليس في القرآن شاهد يدل على ما قالوه وليس ms4786 في القرآن اسم ~~مبهم مبني في موضع نصب أو خفض إلا هذا ولفظه (هذان فهذا نقل ثابت متواتر ~~لفظا ورسما. ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطا منكرا كما قد بسط في ~~غير هذا الموضع: فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها ~~مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط. وأيضا فإن القراء إنما قرءوا بما ~~سمعوه من غيرهم والمسلمون كانوا يقرءون (سورة طه) على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهي من أول ما نزل من القرآن قال ~~ابن مسعود بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من ~~تلادى. رواه البخاري عنه. وهي مكية باتفاق الناس قال أبو الفرج وغيره: هي ~~مكية بإجماعهم؛ بل هي من أول ما نزل وقد روي: أنها كانت مكتوبة عند أخت عمر ~~وأن سبب إسلام عمر كان لما بلغه إسلام أخته وكانت السورة تقرأ عندها. # PageV15P255 # فالصحابة لا بد أن قد قرءوا هذا الحرف ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرءوه ~~بالياء كأبي عمرو فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء ولم تكتب إلا ~~بالياء فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرءونها بالألف كما قرأها الجمهور وكان ~~الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة يقرءون هذه السورة في الصلاة ~~وخارج الصلاة ومنهم سمعها التابعون ومن التابعين سمعها تابعوهم فيمتنع أن ~~يكون الصحابة كلهم قرءوها بالياء مع أن جمهور القراء لم يقرءوها إلا بالألف ~~وهم أخذوا قراءتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة فهذا مما يعلم به ~~قطعا أن عامة الصحابة إنما قرءوها بالألف كما قرأ الجمهور وكما هو مكتوب. ~~وحينئذ فقد علم أن الصحابة إنما قرءوا كما علمهم الرسول وكما هو لغة للعرب ~~ثم لغة قريش فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة عندهم في الأسماء المبهمة ~~تقول: إن هذان ومررت بهذان: تقولها في الرفع والنصب والخفض بالألف ومن قال ~~إن لغتهم أنها تكون في الرفع بالألف طولب بالشاهد على ذلك والنقل عن لغتهم ~~المسموعة ms4787 منهم نثرا ونظما وليس في القرآن ما يشهد له ولكن عمدته القياس. ~~وحينئذ فنقول: # PageV15P256 # قياس هذا بغيرها من الأسماء غلط فإن الفرق بينهما ثابت عقلا وسماعا: أما ~~النقل والسماع فكما ذكرناه وأما العقل والقياس فقد تفطن للفرق غير واحد من ~~حذاق النحاة فحكى ابن الأنباري وغيره عن الفراء قال: ألف التثنية في " هذان ~~" هي ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والاثنين كما فرقت بين الواحد والجمع ~~نون الذين وحكاه المهدوي وغيره عن الفراء ولفظه قال: إنه ذكر أن الألف ليست ~~علامة التثنية بل هي ألف هذا فزدت عليها نونا ولم أغيرها كما زدت على الياء ~~من الذي فقلت الذين في كل حال قال وقال بعض الكوفيين: الألف في هذا مشبهة ~~يفعلان فلم تغير كما لم تغير. قال: وقال الجرجاني: لما كان اسما على حرفين ~~أحدهما حرف مد ولين وهو كالحركة ووجب حذف إحدى الألفين في التثنية لم يحسن ~~حذف الأولى؛ لئلا يبقى الاسم على حرف واحد فحذف علم التثنية وكان النون يدل ~~على التثنية ولم يكن لتغيير النون الأصلية الألف وجه فثبت في كل حال كما ~~يثبت في الواحد. قال المهدوي: وسأل إسماعيل القاضي ابن كيسان عن هذه ~~المسألة فقال: لما لم يظهر في المبهم إعراب في الواحد ولا في الجمع جرت ~~التثنية على ذلك مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغير فقال إسماعيل: ما ~~أحسن ما قلت لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يؤنس به فقال له ابن كيسان: فليقل ~~القاضي # PageV15P257 # حتى يؤنس به فتبسم. قلت: بل تقدمه الفراء وغيره والفراء في الكوفيين مثل ~~سيبويه في البصريين؛ لكن إسماعيل كان اعتماده على نحو البصريين والمبرد كان ~~خصيصا به. وبيان هذا القول: أن المفرد " ذا " فلو جعلوه كسائر الأسماء ~~لقالوا في التثنية: " ذوان " ولم يقولوا: " ذان " كما قالوا عصوان ورجوان ~~ونحوهما من الأسماء الثلاثية " وها " حرف تنبيه وقد قالوا فيما حذفوا لامه: ~~أبوان فردته التثنية إلى أصله وقالوا في غير هذا. . . (1) ويدان وأما " ذا ~~" فلم يقولوا " ذوان " بل قالوا ms4788 كما فعلوا في " ذو " و " ذات " التي بمعنى ~~صاحب فقالوا: هو ذو علم وهما ذوا علم كما قال: {ذواتا أفنان} وفي اسم ~~الإشارة قالوا: " ذان " و " تان " كما قال: {فذانك برهانان من ربك} فإن " ~~ذا " بمعنى صاحب هو اسم معرب فتغير إعرابه في الرفع والنصب والجر فقيل: ذو ~~وذا وذي. وأما المستعمل في الإشارة والأسماء الموصولة والمضمرات هي مبنية؛ ~~PageV15P258 # لكن أسماء الإشارة لم تفرق لا في واحده ولا في جمعه بين حال الرفع والنصب ~~والخفض فكذلك في تثنيته؛ بل قالوا: قام هذا وأكرمت هذا ومررت بهذا وكذلك ~~هؤلاء في الجمع فكذلك المثنى قال: هذان وأكرمت هذان ومررت بهذان فهذا هو ~~القياس فيه أن يلحق مثناه بمفرده وبمجموعه لا يلحق بمثنى غيره الذي هو أيضا ~~معتبر بمفرده ومجموعه. فالأسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها ومجموعها ~~تقول: رجل ورجلان ورجال فهو معرب في الأحوال الثلاثة: يظهر الإعراب في ~~مثناه كما ظهر في مفرده ومجموعه. فتبين أن الذين قالوا: إن مقتضى العربية ~~أن يقال: إن هذين ليس معهم بذلك نقل عن اللغة المعروفة في القرآن التي نزل ~~بها القرآن؛ بل هي أن يكون المثنى من أسماء الإشارة مبنيا في الأحوال ~~الثلاثة على لفظ واحد كمفرد أسماء الإشارة ومجموعها. وحينئذ فإن قيل: إن ~~الألف هي ألف المفرد زيد عليها النون أو قيل: هي علم للتثنية وتلك حذفت أو ~~قيل بل هذه الألف تجمع هذا وهذا معنى جواب ابن كيسان وقول الفراء مثله في ~~المعنى وكذلك قول الجرجاني وكذلك قول من قال: إن الألف فيه تشبه ألف ~~يفعلان. # PageV15P259 # ثم يقال: قد يكون الموصول كذلك كقوله: {واللذان يأتيانها منكم} فإن ثبت ~~أن لغة قريش أنهم يقولون رأيت الذين فعلا ومررت باللذين فعلا وإلا فقد ~~يقال: هو بالألف في الأحوال الثلاثة؛ لأنه اسم مبني والألف فيه بدل الياء ~~في الذين وما ذكره الفراء وابن كيسان وغيرهما يدل على هذا؛ فإن الفراء شبه ~~هذا بالذين وتشبيه اللذان به أولى وابن كيسان علل بأن المبهم مبني لا يظهر ~~فيه الإعراب ms4789 فجعل مثناه كمفرده ومجموعه وهذا العلم يأتي في الموصول. يؤيد ~~ذلك: أن المضمرات من هذا الجنس والمرفوع والمنصوب لهما ضمير متصل ومنفصل؛ ~~بخلاف المجرور فإنه ليس له إلا متصل؛ لأن المجرور لا يكون إلا بحرف أو مضاف ~~لا يقدم على عامله فلا ينفصل عنه فالضمير المتصل في الواحد الكاف من أكرمتك ~~ومررت بك وفي الجمع أكرمتكم ومررت بكم وفي التثنية زيدت الألف في النصب ~~والجر فيقال: أكرمتكما ومررت بكما كما نقول في الرفع ففي الواحد والجمع ~~فعلت وفعلتم وفي التثنية فعلتما بالألف وحدها زيدت علما على التثنية في حال ~~الرفع والنصب والجر كما زيدت في المنفصل في قوله " إياكما " و " أنتما ". ~~فهذا كله مما يبين أن لفظ المثنى في الأسماء المبنية في الأحوال الثلاثة ~~نوع واحد: لم يفرقوا بين مرفوعه وبين منصوبه ومجروره # PageV15P260 # كما فعلوا ذلك في الأسماء المعربة وأن ذلك في المثنى أبلغ منه في لفظ ~~الواحد والجمع إذ كانوا في الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور وبين ~~ضمير المرفوع في الواحد والمثنى ولا يفرقون في المثنى وفي لفظ الإشارة ~~والموصول ولا يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره ففي المثنى ~~بطريق الأولى. والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا. ذكر شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة في موضع آخر ~~وذكر فيها هذا الاعتراض: # فصل: # وقد يعترض على ما كتبناه أولا بأنه جاء أيضا في غير الرفع بالياء كسائر ~~الأسماء قال تعالى: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس} ولم يقل " اللذان أضلانا " كما قيل في الذين إنه بالياء في الأحوال ~~الثلاثة وقال تعالى في قصة موسى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} ولم ~~يقل " هاتان " و " هاتان " تبع لابنتي وقد يسمى عطف بيان وهو يشبه الصفة ~~كقوله: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} لكن الصفة تكون مشتقة أو في معنى المشتق ~~وعطف # PageV15P261 # البيان يكون بغير ذلك كأسماء الأعلام وأسماء الإشارة وهذه الآية نظير ~~قوله: {إن هذان لساحران} . وأما قوله: ms4790 {أرنا الذين أضلانا} فقد يفرق بين ~~اسم الإشارة والموصول بأن اسم الإشارة على حرفين؛ بخلاف الموصول؛ فإن الاسم ~~هو " اللذا " عدة حروف وبعده يزاد علم الجمع فتكسر الذال وتفتح النون وعلم ~~التثنية فتفتح الذال وتكسر النون والألف فقلت. . . (1) في النصب والجر؛ لأن ~~الاسم الصحيح إذا جمع جمع التصحيح كسر آخره في النصب وفي الجر وفتحت نونه ~~وإذا ثني فتح آخره وكسرت نونه في الأحوال الثلاثة. وهذا يبين أن الأصل في ~~التثنية هي الألف وعلى هذا فيكون في إعرابه لغتان جاء بهما القرآن: تارة ~~يجعل كاللذان وتارة يجعل كاللذين؛ ولكن في قوله: {إحدى ابنتي هاتين} كان ~~هذا أحسن من قوله " هاتان " لما فيه من اتباع لفظ المثنى بالياء فيهما ولو ~~قيل هاتان لأشبه. . . (2) ، كما لو قيل: " إن ابنتي هاتان " فإذا جعل ~~بالياء علم تابع مبين عطف بيان لتمام معنى الاسم؛ لا خبر تتم به الجملة. ~~وأما قوله: {إن هذان لساحران} فجاء اسما مبتدأ: اسم (إن) PageV15P262 # وكان مجيئه بالألف أحسن في اللفظ من قولنا: " إن هذين لساحران " لأن ~~الألف أخف من الياء؛ ولأن الخبر بالألف فإذا كان كل من الاسم والخبر بالألف ~~كان أتم مناسبة وهذا معنى صحيح وليس في القرآن ما يشبه هذا من كل وجه وهو ~~بالياء. فتبين أن هذا المسموع والمتواتر ليس في القياس الصحيح ما يناقضه ~~لكن بينهما فروق دقيقة والذين استشكلوا هذا إنما استشكلوه من جهة القياس؛ ~~لا من جهة السماع ومع ظهور الفرق يعرف ضعف القياس. وقد يجيب من يعتبر كون ~~الألف في هذا هو المعروف في اللغة بأن يفرق بين قوله: {إن هذان} وقوله: ~~{إحدى ابنتي هاتين} أن هذا تثنية مؤنث وذاك تثنية مذكر والمذكر المفرد منه ~~" ذا " بالألف فزيدت فوق نون التثنية وأما المؤنث فمفرده " ذي " أو " ذه " ~~أو " ته ". وقوله: {إحدى ابنتي هاتين} تثنية " تي " بالياء فكان جعلها ~~بالياء في النصب والجر أشبه بالمفرد؛ بخلاف تثنية المذكر وهو " ذا " فإنه ~~بالألف فإقراره بالألف أنسب وهذا فرق بين تثنية المؤنث وتثنية المذكر ~~والفرق بينه ms4791 وبين اللذين قد تقدم. وحينئذ فهذه القراءة هي الموافقة للسماع ~~والقياس ولم يشتهر # PageV15P263 # ما يعارضها من اللغة التي نزل بها القرآن. والله أعلم. وقوله: {إحدى ~~ابنتي هاتين} هو كقول النبي صلى الله عليه وسلم {من أكل من هاتين الشجرتين ~~الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الآدميون} ~~ومثله في الموصول قول ابن عباس لعمر: أخبرني عن المرأتين اللتين قال الله ~~فيهما: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه} الآية. آخره والحمد لله وحده # PageV15P264 ### | سورة الأنبياء # وقال - رحمه الله - # فصل: # " سورة الأنبياء " سورة الذكر وسورة الأنبياء الذين عليهم نزل الذكر ~~افتتحها بقوله: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الآية وقوله: {فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقوله: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} ~~وقوله: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} وقوله: {وذكرا للمتقين} وقوله: {وهذا ~~ذكر مبارك} وقوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} وقوله: {قال رب ~~احكم بالحق} يعني والله أعلم انصر أهل الحق أو انصر الحق وقيل: افصل الحق ~~بيننا وبين قومنا وكان الأنبياء يقولون: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق} وأمر محمدا أن يقول: {رب احكم بالحق} وروى مالك عن زيد بن أسلم قال: ~~{كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: {قال رب احكم بالحق} ~~} . # PageV15P265 ### | سورة الحج # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # سورة الحج فيها مكي ومدني وليلي ونهاري وسفري وحضري وشتائي وصيفي؛ وتضمنت ~~منازل المسير إلى الله بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنها. ويوجد فيها ~~ذكر القلوب الأربعة: الأعمى والمريض والقاسي والمخبت الحي المطمئن إلى ~~الله. وفيها من التوحيد والحكم والمواعظ على اختصارها ما هو بين لمن تدبره ~~وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها توحيدا وصلاة وزكاة وحجا وصياما قد ~~تضمن ذلك كله قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} فيدخل في قوله: {وافعلوا الخير} كل واجب ~~ومستحب؛ فخصص في هذه الآية وعمم ثم قال: {وجاهدوا في الله ms4792 حق جهاده} فهذه ~~الآية وما بعدها: لم تترك خيرا إلا جمعته ولا شرا إلا نفته. # PageV15P266 # قال شيخ الإسلام: # قوله: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} {كتب ~~عليه أنه من تولاه} في أثناء آيات المعاد وعقبها بآية المعاد ثم أتبعه ~~بقوله: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} {ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله} إلى قوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} فيه ~~بيان حال المتكلمين وحال المتعبدين المجادلين بلا علم والعابدين بلا علم بل ~~مع الشك لأن هذه السورة سورة الملة الإبراهيمية الذي جادل بعلم وعبد الله ~~بعلم ولهذا ضمنت ذكر الحج وذكر الملل الست. فقوله يجادل في الله بلا علم ذم ~~لكل من جادل في الله بغير علم وهو دليل على أنه جائز بالعلم كما فعل ~~إبراهيم بقومه وفي الأولى ذم المجادل بغير علم وفي الثانية بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير. وهذا والله أعلم من باب عطف الخاص على العام أو ~~الانتقال من الأدنى إلى الأعلى ليبين أن الذي يجادل بالكتاب أعلاهم ثم ~~بالهدى فالعلم اسم جامع ثم منه ما يعلم بالدليل القياسي فهو أدنى أقسامه ~~فيخص # PageV15P267 # باسم العلم ويفرد ما عداه باسمه الخاص؛ فإما معلوم بالدليل القياسي وهو ~~علم النظر وإما ما علم بالهداية الكشفية كما للمحدثين وللمتفرسين ولسائر ~~المؤمنين وهو الهدى وإما ما نزل من عند الله من الكتب وهو أعلاها فأعلاها ~~العلم المأثور عن الكتب ثم كشوف الأولياء ثم قياس المتكلمين وغيرهم من ~~العلماء. # PageV15P268 # وقال: # في قوله تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} ~~{يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد} {يدعو ~~لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} فإن آخر هذه الآية قد أشكل ~~على كثير من الناس كما قال طائفة من ms4793 المفسرين كالثعلبي والبغوي واللفظ ~~للبغوي قال: هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة أولها: قالوا: قد قال ~~الله تعالى في الآية الأولى: {يدعو من دون الله ما لا يضره} أي لا يضره ترك ~~عبادته وقوله: {لمن ضره} أي ضر عبادته؛ - قلت: هذا جواب. وذكر صاحب الكشاف ~~جوابا غير هذا: فقال: فإن قلت: الضر والنفع منتفيان عن الأصنام مثبتان لهما ~~في الآيتين وهذا تناقض قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم: وذلك أن الله ~~سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو يعتقد فيه لجهله ~~وضلاله # PageV15P269 # أنه يستشفع به حين يستشفع به؛ ثم قام يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ ~~حين رأى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التي ~~ادعاها لها: {لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} أو كرر يدعو ~~كأنه قال: {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} ثم قال: {لمن ضره} ~~بكونه معبودا {أقرب من نفعه} بكونه شفيعا {لبئس المولى} . قلت: فقد جعل ضره ~~بكونه معبودا وذكر تضرره بذلك: وفي الآخرة. وقد قال السدي ما يتضمن ~~الجوابين في تفسيره المعروف قال: {ما لا يضره} قال: لا يضره إن عصاه {وما ~~لا ينفعه} قال: لا ينفعه الصنم إن أطاعه {يدعو لمن ضره} قال: ضره في الآخرة ~~من أجل عبادته إياه في الدنيا. قلت: وهذا الذي ذكر من الجواب: كلام صحيح ~~لكن لم يبين فيه وجه نفي التناقض. فنقول: قوله: {ما لا يضره وما لا ينفعه} ~~هو نفي لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعا أو ضرا وهذا يتناول كل ~~ما سوى # PageV15P270 # الله من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها فإنما سوى الله لا ~~يملك لا لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا. كما قال تعالى في سياق نهيه عن ~~عبادة المسيح: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال ~~المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه ms4794 الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} {لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ~~ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم} {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} {قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} ~~وقد قال لخاتم الرسل: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} ~~وقال: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} وقال على العموم: {ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وقال: {وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} وقال: {قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال ~~صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} # PageV15P271 # {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون} . وقوله: {يدعو ~~من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} نفي عام كما في قوله: {ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا} فهو لا يقدر أن يضر أحدا سواء عبده أو لم يعبده ولا ينفع ~~أحدا سواء عبده أو لم يعبده؛ وقول من قال: لا ينفع إن عبد ولا يضر إن لم ~~يعبد بيان لانتفاء الرغبة والرهبة من جهته؛ بخلاف الرب الذي يكرم عابديه ~~ويرحمهم ويهين من لم يعبده ويعاقبه. والتحقيق أنه لا ينفع ولا يضر مطلقا ~~فإن الله سبحانه وسعت رحمته كل شيء وهو ينعم على كثير من خلقه وإن لم ~~يعبدوه فنفعه للعباد لا ms4795 يختص بعابديه وإن كان في هذا تفصيل ليس هذا موضعه ~~وما دونه لا ينفع لا من عبده ولا من لم يعبده؛ وهو سبحانه الضار النافع: ~~قادر على أن يضر من يشاء وإن كان ما ينزله من الضر بعابديه هو رحمة في حقهم ~~كما قال أيوب: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} وقال تعالى: {وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو} وقال أيضا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {قل لا ~~أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} وقال تعالى: {والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس} وهو سبحانه يحدث ما يحدثه من الضرر بمن لا ~~يوصف بمعصية من الأطفال والمجانين والبهائم؛ لما في ذلك من الحكمة والنعمة # PageV15P272 # والرحمة كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. فإن المقصود هنا أن نفي الضر ~~والنفع عمن سواه عام لا يجب أن يخص هذا بمن عبده وهذا بمن لم يعبده؛ وإن ~~كان هذا التخصيص حقا باعتبار صحيح؛ وجواب من أجاب بأن معناه لا يضر ترك ~~عبادته وضره بعبادته أقرب من نفعه مبني على هذا التخصيص. وإذا كان كذلك ~~فنقول: المنفي قدرة من سواه على الضر والنفع. وأما قوله: {ضره أقرب من ~~نفعه} فنقول أولا: المنفي هو فعلهم بقوله: {ما لا يضره وما لا ينفعه} ~~والمثبت اسم مضاف إليه فإنه لم يقل: يضر أعظم مما ينفع؛ بل قال: {لمن ضره ~~أقرب من نفعه} والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة فلا يجب أن يكون الضر ~~والنفع المضافين من باب إضافة المصدر إلى الفاعل بل قد يضاف المصدر من جهة ~~كونه اسما كما تضاف سائر الأسماء وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب ~~حدوثه وإن لم يكن فاعلا كقوله: {بل مكر الليل والنهار} ولا ريب أن بين ~~المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة كأنه قيل: لمن شره ~~أقرب من خيره وخسارته أقرب من ربحه؛ فتدبر هذا. ولو جعل هو فاعل الضر بهذا ~~لأنه سبب فيه لا لأنه هو الذي # PageV15P273 # فعل الضرر ms4796 وهذا كقول الخليل عن الأصنام: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} ~~فنسب الإضلال إليهن والإضلال هو ضرر لمن أضللنه وكذلك قوله: {وما زادوهم ~~غير تتبيب} وهذا كما يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار وأهلك النساء ~~الأحمران الذهب والحرير؛ وكما يقال للمحبوب المعشوق الذي تضر محبته وعشقه: ~~إنه عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره؛ وإن كان ذاك المحبوب قد لا يكون ~~شاعرا بحال هذا ألبتة وكذلك يقال في المحسود؛ إنه يعذب حاسديه وإن كان لا ~~شعور له بهم. وفي الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت ~~على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كما أهلكتهم} ~~فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة لهم: وذلك بسبب حبها والحرص عليها ~~والمنافسة فيها وإن كانت مفعولا بها لا اختيار لها فهكذا المدعو المعبود من ~~دون الله الذي لم يأمر بعبادة نفسه: إما لكونه جمادا وإما لكونه عبدا مطيعا ~~لله من الملائكة والأنبياء والصالحين من الإنس والجن فما يدعى من دون الله ~~هو لا ينفع ولا يضر لكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه. وعبادة ~~ذاك ودعاؤه هو الذي ضره فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه # PageV15P274 # فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة. وإن كان عذاب الآخرة أشد ~~فالمشركون الذين عبدوا غير الله حصل لهم بسبب شركهم بهؤلاء من عذاب الله في ~~الدنيا ما جعله الله عبرة لأولي الأبصار قال الله تعالى: {ذلك من أنباء ~~القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت ~~عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير ~~تتبيب} فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم إلا شرا. وقد قيل في هذا كما قيل ~~في الضر. قيل: ما زادتهم عبادتها وقيل: إنها في القيامة تكون عونا عليهم ~~فتزيدهم شرا وهذا كقوله: {واتخذوا من دون الله ms4797 آلهة ليكونوا لهم عزا} {كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} والتتبيب: عبر عنه الأكثرون: بأنه ~~التخسير كقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} وقيل: التثبير والإهلاك وقيل: ~~ما زادوهم إلا شرا؛ وقوله: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} فعل ماض يدل على أن هذا كان ~~في الدنيا؛ وقد يقال: فالشر كله من جهتهم فلم قيل: فما زادوهم فيقال: بل ~~عذبوا على كفرهم بالله ولو لم يعبدوهم فلما عبدوهم مع ذلك ازدادوا بذلك ~~كفرا وعذابا فما زادوهم إلا خسارة وشرا؛ ما زادوهم ربحا وخيرا. # PageV15P275 ### | سورة المؤمنون # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # في قوله تعالى {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} طال ~~الفصل بين أن واسمها وخبرها فأعاد (أن) لتقع على الخبر لتأكيده بها؛ ونظير ~~هذا قوله تعالى {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} لما ~~طال الكلام أعاد (أن) هذا قول الزجاج وطائفة وأحسن من هذا أن يقال: كل ~~واحدة من هاتين الجملتين جملة شرطية مركبة من جملتين جزائيتين فأكدت الجملة ~~الشرطية " بأن " على حد تأكيدها في قول الشاعر: إن من يدخل الكنيسة يوما ~~يلق فيها جآذرا وظباء ثم أكدت الجملة الجزائية ب " أن " إذ هي المقصودة على ~~حد تأكيدها في قوله تعالى {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين} . ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من ~~الشرط والجزاء # PageV15P276 # وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} فلا يقال في هذا " إن " أعيدت لطول الكلام ونظيره قوله تعالى ~~{إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا} ونظيره: {أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} فهما تأكيدان ~~مقصودان لمعنيين مختلفين ألا ترى تأكيد قوله: {غفور رحيم} ب " إن " غير ~~تأكيد {من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من ms4798 بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} له ب ~~" أن " وهذا ظاهر لا خفاء به وهو كثير في القرآن وكلام العرب. وأما قوله ~~تعالى {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} فهذا ليس من ~~التكرار في شيء؛ فإن قولهم خبر (كان) قدم على اسمها و " أن " قالوا: في ~~تأويل المصدر وهو الاسم فهما اسم كان وخبرها والمعنى: وما كان لهم قول إلا ~~قول: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} ونظير هذا قوله تعالى {وما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا} والجواب قول؛ وتقول: ما لفلان قول إلا قول: " لا حول ولا قوة إلا ~~بالله " فلا تكرار أصلا. وأما قوله تعالى {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم ~~من قبله # PageV15P277 # لمبلسين} فهي من أشكل ما أورد ومما أعضل على الناس فهمها فقال كثير من ~~أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد قال الزمخشري: {من ~~قبله} من باب التوكيد كقوله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين ~~فيها} ومعنى التوكيد فيه: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد ~~فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار بذلك على قدر اهتمامهم بذلك. ~~هذا كلامه. وقد اشتمل على دعويين باطلتين: إحداهما: قوله: إنه من باب ~~التكرير. والثانية تمثيله ذلك بقوله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها} فإن " في " الأولى على حد قولك زيد في الدار: أي حاصل أو كائن ~~وأما الثانية فمعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون فلما اختلف ~~العاملان ذكر الحرفين فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر ~~عليه ومثل هذا لا يقال له تكرار ونظير هذا أن تقول زيد في الدار نائم فيها ~~أو ساكن فيها ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين. وأما قوله: {من قبل أن ~~ينزل عليهم من قبله} فليس من التكرار بل تحته معنى دقيق والمعنى فيه: وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل # PageV15P278 # عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين فهنا قبليتان: قبلية لنزوله مطلقا ~~وقبلية لذلك النزول المعين أن لا يكون ms4799 متقدما على ذلك الوقت فيئسوا قبل ~~نزوله يأسين: يأسا لعدمه مرئيا ويأسا لتأخره عن وقته؛ فقبل الأولى ظرف ~~اليأس وقبل الثانية ظرف المجيء والإنزال. ففي الآية ظرفان معمولان وفعلان ~~مختلفان عاملان فيهما وهما الإنزال والإبلاس فأحد الظرفين متعلق بالإبلاس ~~والثاني متعلق بالنزول؛ وتمثيل هذا: أن تقول إذا كنت معتادا للعطاء من شخص ~~فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به قد كنت آيسا. # PageV15P279 ### | سورة النور # قال الشيخ الرباني والصديق الثاني: إمام الأئمة ومفتي الأمة: وبحر العلوم ~~وبدر النجوم. وسند الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ: وفريد العصر وأوحد ~~الدهر: وشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام: وعلامة الزمان وترجمان القرآن: ~~وعلم الزهاد وأوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين البحر الزاخر ~~والصارم الباتر: أبو العباس تقي الدين أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد ~~الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد ~~الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر علي بن عبد الله بن تيمية ~~الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه ورضي عنه وأرضاه: # PageV15P280 ### | فصل: # في معان مستنبطة من سورة النور # قال تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون} ففرضها بالبينات والتقدير لحدود الله التي من يتعد حلالها إلى ~~الحرام فقد ظلم نفسه ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود وبين فيها ~~فرض العقوبة للزانيين مائة جلدة وبين فيها فريضة الشهادة على الزنا وأنها ~~أربع شهادات وكذلك فريضة شهادة المتلاعنين كل منهما يشهد أربع شهادات بالله ~~ونهى فيها عن تعدي حدوده في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان ~~سواء كان في منزله أو في ولايته ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه إذ الحقوق ~~نوعان: نوع لله فلا يتعدى حدوده ونوع للعباد فيه أمر فلا يفعل إلا بإذن ~~المالك وليس لأحد أن يفعل شيئا في حق غيره إلا بإذن الله وإن لم يأذن ~~المالك فإذن الله هو الأصل وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الإذن فيه. ~~ولهذا ضمنها الاستئذان في المساكن والمطاعم والاستئذان ms4800 في # PageV15P281 # الأمور الجامعة كالصلاة والجهاد ونحوهما ووسطها بذكر النور الذي هو مادة ~~كل خير وصلاح كل شيء وهو ينشأ عن امتثال أمر الله واجتناب نهيه وعن الصبر ~~على ذلك فإنه ضياء فإن حفظ الحدود بتقوى الله يجعل الله لصاحبه نورا كما ~~قال تعالى: {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم.} فضد النور الظلمة ولهذا عقب ذكر النور وأعمال ~~المؤمنين فيها بأعمال الكفار وأهل البدع والضلال فقال: {والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة} إلى قوله {ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} وكذلك الظلم ظلمات يوم ~~القيامة وظلم العبد نفسه من الظلم فإن للسيئة ظلمة في القلب وسوادا في ~~الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق كما روي ذلك عن ~~ابن عباس. يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ومثل أعمال ~~الكفار بالظلمة. و " الإيمان " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. و " ~~الكفر " # PageV15P282 # اسم جامع لكل ما يبغضه الله وينهى عنه وإن كان لا يكفر العبد إذا كان معه ~~أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي كما لا يكون مؤمنا إذا كان معه أصل ~~الكفر وبعض فروع الإيمان - ولغض البصر اختصاص بالنور كما سنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى - وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن ~~العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن ~~زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله {كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون} } رواه الترمذي وصححه. وفي الصحيح أنه قال {إنه ~~ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة} والغين حجاب رقيق أرق ~~من الغيم فأخبر أنه يستغفر الله استغفارا يزيل الغين عن القلب فلا يصير ~~نكتة سوداء كما أن النكتة السوداء إذا أزيلت لا تصير رينا. وقال حذيفة: ms4801 إن ~~الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد قلبه ~~بياضا فلو كشفتم عن قلب المؤمن لرأيتموه أبيض مشرقا وإن النفاق يبدو منه ~~لمظة سوداء فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد قلبه سوادا فلو كشفتم عن قلب ~~المنافق لوجدتموه أسود مربدا. وقال صلى الله عليه وسلم {إن النور إذا دخل ~~القلب انشرح وانفسح قيل: فهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: نعم # PageV15P283 # التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل ~~نزوله} . وفي خطبة الإمام أحمد التي كتبها في كتابه في الرد على الجهمية ~~والزنادقة قال: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من ~~أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله ~~الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ~~ضال تائه حيران قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ~~ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين ~~عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون ~~للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله ~~بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~نعوذ بالله من شبه المضلين. قلت: وقد قرن الله سبحانه في كتابه في غير موضع ~~بين أهل الهدى والضلال وبين أهل الطاعة والمعصية بما يشبه هذا كقوله تعالى: ~~{وما يستوي الأعمى والبصير} {ولا الظلمات ولا النور} {ولا الظل ولا الحرور} ~~{وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وقال: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع} الآية وقال في المنافقين: # PageV15P284 # {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآيات وقال: {الله ولي الذين آمنوا} ~~الآية. وقال: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} . ~~والآيات في ذلك كثيرة. وهذا النور الذي يكون للمؤمن في الدنيا على حسن عمله ~~واعتقاده يظهر في الآخرة كما قال تعالى: {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} ~~الآية فذكر النور هنا ms4802 عقيب أمره بالتوبة كما ذكره في سورة النور عقيب أمره ~~بغض البصر وأمره بالتوبة في قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون} وذكر ذلك بعد أمره بحقوق الأهلين والأزواج وما يتعلق بالنساء ~~وقال في سورة الحديد: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم} الآيات إلى قوله في المنافقين: {مأواكم النار هي مولاكم وبئس ~~المصير.} فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون ~~به ويطلبون الاقتباس من نورهم فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم وبين ~~المؤمنين كما أن المنافقين لما فقدوا النور في الدنيا كان مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات فقوله ~~تعالى: {الزانية والزاني} الآية فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من ~~المؤمنين وذلك بشهادته على نفسه أو بشهادة المؤمنين عليه؛ لأن المعصية إذا ~~كانت ظاهرة كانت عقوبتها # PageV15P285 # ظاهرة؛ كما جاء في الأثر: " من أذنب سرا فليتب سرا ومن أذنب علانية فليتب ~~علانية " وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى - كما في الحديث: {من ستر ~~مسلما ستره الله} - بل ذلك إذا ستر كان ذلك إقرارا لمنكر ظاهر: وفي الحديث ~~{إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة} ~~فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن. # ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة كما روي ذلك عن الحسن البصري ~~وغيره؛ لأنه لما أعلن ذلك استحق عقوبة المسلمين له وأدنى ذلك أن يذم عليه ~~لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور ~~والمعصية أو البدعة لاغتر به الناس وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو ~~عليه ويزداد أيضا هو جرأة وفجورا ومعاصي فإذا ذكر بما فيه انكف وانكف غيره ~~عن ذلك وعن صحبته ومخالطته قال الحسن البصري: {أترغبون عن ذكر الفاجر ~~اذكروه بما فيه كي يحذره الناس} وقد روي مرفوعا و " الفجور " اسم جامع لكل ~~متجاهر بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب ms4803 قائله. ولهذا كان ~~مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أو تهتكا أو مخالطة لمن هذا ~~حاله بحيث لا يبالي بطعن الناس عليه فإن # PageV15P286 # هجره نوع تعزير له فإذا أعلن السيئات أعلن هجره وإذا أسر أسر هجره إذ ~~الهجرة هي الهجرة على السيئات وهجرة السيئات هجرة ما نهى الله عنه كما قال ~~تعالى: {والرجز فاهجر} وقال تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا} وقال: {وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم.} وقد روي عن عمر بن الخطاب: ~~أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب به أخوه إلى أمير مصر عمرو بن ~~العاص ليجلده الحد جلده الحد سرا وكان الناس يجلدون علانية فبعث عمر بن ~~الخطاب إلى عمرو ينكر عليه ذلك. ولم يعتد عمر بذلك الجلد حتى أرسل إلى ابنه ~~فأقدمه المدينة فجلده الحد علانية ولم ير الوجوب سقط بالحد الأول وعاش ابنه ~~بعد ذلك مدة ثم مرض ومات ولم يمت من ذلك الجلد ولا ضربه بعد الموت كما ~~يزعمه الكذابون. قوله تعالى {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} الآية: نهى ~~تعالى عما يأمر به الشيطان في العقوبات عموما وفي أمر الفواحش خصوصا فإن ~~هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة والرأفة التي يزينها الشيطان بانعطاف ~~القلوب على أهل الفواحش والرأفة بهم حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة ~~في الدياثة وقلة الغيرة إذا # PageV15P287 # رأى من يهوى بعض المتصلين به أو يعاشره عشرة منكرة أو رأى له محبة أو ~~ميلا وصبابة وعشقا ولو كان ولده رأف به وظن أن هذا من رحمة الخلق ولين ~~الجانب بهم ومكارم الأخلاق وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم دين وضعف إيمان ~~وإعانة على الإثم والعدوان وترك للتناهي عن الفحشاء والمنكر. وتدخل النفس ~~به في القيادة التي هي أعظم الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع قومها في ~~استحسان ما كانوا يتعاطونه من إتيان الذكران والمعاونة لهم على ms4804 ذلك وكانت ~~في الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط وفي الباطن منافقة على دين قومها لا ~~تقلي عملهم كما قلاه لوط؛ فإنه أنكره ونهاهم عنه وأبغضه وكما فعل النسوة ~~اللواتي بمصر مع يوسف فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من فعل ~~الفاحشة معها؛ ولهذا قال {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} وذلك بعد ~~قولهن {إنا لنراها في ضلال مبين} . # ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب فإن الشهوة توجب السكر كما قال ~~تعالى عن قوم لوط: {إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {العينان تزنيان وزناهما ~~النظر} الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه # PageV15P288 # الأنواع المذكورة في هذا الحديث: كالنظر والاستمتاع والمخاطبة. ومنهم من ~~يرتقي إلى اللمس والمباشرة ومنهم من يقبل وينظر وكل ذلك حرام وقد نهانا ~~الله عز وجل أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد فكيف بما هو دون ~~ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم ~~على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم ~~وغيره. وذلك أن المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والاستمتاع بصورة ذلك ~~المحبوب وكلامه فليس دواؤه في أن يعطي نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك لأنه ~~مريض والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه فأخذتنا ~~رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ~~ينفعه فيزداد سقمه فيهلك وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض فليس الرأفة به ~~والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات ولا يعان على ذلك ولا أن يمكن من ~~ترك ما ينفعه من الطاعات التي تزيل مرضه قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} أي فيها الشفاء وأكبر من ذلك. بل الرأفة به أن يعان على ~~شرب الدواء وإن كان كريها: مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات ms4805 وأن ~~يحمى عما يقوي داءه ويزيد علته وإن اشتهاه. ولا يظن الظان أنه إذا حصل له ~~استمتاع # PageV15P289 # بمحرم يسكن بلاؤه بل ذلك يوجب له انزعاجا عظيما وزيادة في البلاء والمرض ~~في المآل فإنه وإن سكن بلاؤه وهدأ ما به عقيب استمتاعه أعقبه ذلك مرضا ~~عظيما عسيرا لا يتخلص منه بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل ~~استحكام الداء الذي ترامى به إلى الهلاك والعطب ومن المعلوم أن ألم العلاج ~~النافع أيسر وأخف من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية ~~كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب وهي من رحمة الله بعباده ورأفته ~~بهم الداخلة في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فمن ترك هذه ~~الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه وإن ~~كان لا يريد إلا الخير إذ هو في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء ~~والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك ~~تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير رأفة بهم فيكون ~~ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم. ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته ~~لهم في ذلك المرض وذوقه ما ذاقوه من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة ~~فيترك ما أمر الله به من العقوبة وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق ~~نفسه ونظرائه وهو بمنزلة جماعة من المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم # PageV15P290 # فوجد كبيرهم مرارته فترك شربه ونهى عن سقيه للباقين. ومنهم من تأخذه ~~الرأفة لكون أحد الزانيين محبوبا له إما أن يكون محبا لصورته وجماله بعشق ~~أو غيره أو لقرابة بينهما أو لمودة أو لإحسانه إليه أو لما يرجو منه من ~~الدنيا أو غير ذلك أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول: ~~{إنما يرحم الله من عباده الرحماء} ويقول الأحمق: {الراحمون يرحمهم الرحمن ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} وغير ذلك وليس كما قال بل ذلك وضع ~~الشيء في غير ms4806 موضعه بل قد ورد في الحديث {لا يدخل الجنة ديوث} فمن لم يكن ~~مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها لم يكن مريدا ~~للعقوبة عليها فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه قال تعالى: {ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله} الآية. فإن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني ~~على محبته ومحبة رسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن ~~الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما يرحم الله من عباده الرحماء} ~~وقال: {لا يرحم الله من لا يرحم الناس} وقال: # PageV15P291 # {من لا يرحم لا يرحم} وفي السنن: {الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء} . فهذه الرحمة حسنة مأمور بها أمر إيجاب أو ~~استحباب بخلاف الرأفة في دين الله فإنها منهي عنها والشيطان. يريد من ~~الإنسان الإسراف في أموره كلها فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة زين له الرحمة ~~حتى لا يبغض ما أبغضه الله؛ ولا يغار لما يغار الله منه وإن رآه مائلا إلى ~~الشدة زين له الشدة في غير ذات الله حتى يترك من الإحسان والبر واللين ~~والصلة والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ويتعدى في الشدة فيزيد في الذم ~~والبغض والعقاب على ما يحبه الله ورسوله: فهذا يترك ما أمر الله به من ~~الرحمة والإحسان وهو مذموم مذنب في ذلك ويسرف فيما أمر الله به ورسوله من ~~الشدة حتى يتعدى الحدود وهو من إسرافه في أمره. فالأول مذنب والثاني مسرف ~~{إنه لا يحب المسرفين} فليقولا جميعا: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} . وقوله تعالى {إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} فالمؤمن بالله واليوم الآخر يفعل ما يحبه الله ~~ورسوله وينهى عما يبغضه الله ورسوله ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه ~~يتبع هواه فتارة تغلب عليه الرأفة # PageV15P292 # هوى وتارة تغلب عليه الشدة هوى فيتبع ما يهواه في ms4807 الجانبين بغير هدى من ~~الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} فإن الزنا من الكبائر وأما ~~النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر فإن أصر على النظر أو ~~على المباشرة صار كبيرة وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش فإن ~~دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون أعظم ~~بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن ~~لا يأتي كبيرة ولا يصر على صغيرة وفي الحديث المرفوع {لا صغيرة مع إصرار ~~ولا كبيرة مع استغفار} . بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما ~~قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} . ~~ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان والله تعالى ~~إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط المشركين والعاشق ~~المتيم يصير عبدا لمعشوقه منقادا له أسير القلب له. وقد جمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر الحدود إن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ~~فيما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ~~حالت شفاعته دون حد # PageV15P293 # من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في ~~سخط الله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج ~~مما قال} فالشافع في تعطيل الحدود مضاد لله في أمره؛ لأن الله أمر بالعقوبة ~~على تعدي الحدود فلا يجوز أن تأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصي ~~والظلمة. وجماع ذلك كله فيما وصف الله به المؤمنين حيث قال {أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين} وقال {أشداء على الكفار رحماء بينهم} فإن هذه ~~الكبائر كلها من شعب الكفر ولم يكن المسلم كافرا بمجرد ارتكاب كبيرة؛ ولكنه ~~يزول عنه اسم الإيمان الواجب كما في الصحاح عنه صلى الله عليه وسلم ms4808 {لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} الحديث إلى آخره ففيهم من نقص الإيمان ما ~~يوجب زوال الرأفة والرحمة بهم واستحقوا بتلك الشعبة من الشدة بقدر ما فيها ~~ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه ويعذب ويبغض من وجه ~~آخر ويثاب من وجه ويعاقب من وجه فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الشخص ~~الواحد يجتمع فيه الأمران خلافا لما يزعمه الخوارج ونحوهم من المعتزلة فإن ~~عندهم أن من استحق العذاب من أهل القبلة لا يخرج من النار فأوجبوا خلود أهل ~~التوحيد. وقال من استحق العذاب: لا يستحق الثواب. # PageV15P294 # ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد والعقوبات ولم يأخذ المؤمنين به ~~رأفة أن يرحم من وجه آخر فيحسن إليه ويدعى له وهذا الجانب أغلب في الشريعة ~~كما أنه الغالب في صفة الرب سبحانه كما في الصحيحين: {إن الله كتب كتابا ~~فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي وفي رواية سبقت غضبي} وقال: ~~{نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} {وأن عذابي هو العذاب الأليم} وقال: ~~{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} فجعل الرحمة صفة له ~~مذكورة في أسمائه الحسنى وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته غير ~~مذكورين في أسمائه. ومن هذا الباب ما أمر الله به من الغلظة على الكفار ~~والمنافقين فقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم} وقال: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} الآيات ~~إلى قوله في قصة إبراهيم: {حتى تؤمنوا بالله وحده} وكذلك آخر المجادلة وقد ~~ثبت في صحيح مسلم عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت: " أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا: البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم} . وفي الصحيحين ~~من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد أنه # PageV15P295 # صلى الله عليه وسلم: {اختصم إليه رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله اقض ~~بيننا بكتاب الله. وقال ms4809 الآخر - وهو أفقه منه - يا رسول الله اقض بيننا ~~بكتاب الله وأذن لي: إن ابني كان عسيفا على هذا وإنه زنى بامرأته فافتديت ~~منه بمائة شاة ووليدة وإني سألت أهل العلم فقالوا: على ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأقضين بينكما بكتاب الله: أما ~~المائة شاة والوليدة فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها} . فهذه المرأة أحد من ~~رجمه النبي صلى الله عليه وسلم ورجم أيضا اليهوديين على باب مسجده ورجم ~~ماعز بن مالك ورجم الغامدية. ورجم غير هؤلاء. وهذا الحديث يوافق ما في ~~الآية من بيان السبيل الذي جعله الله لهن: وهو جلد مائة وتغريب عام في ~~البكر وفي الثيب الرجم لكن الذي في هذا الحديث هو الجلد والنفي للبكر من ~~الرجال وأما الآية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء خاصة؛ ومن فقهاء ~~العراق من لا يوجب مع الحد تغريبا ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة كما أن ~~أكثرهم لا يوجبون مع رجم جلد مائة ومنهم من يوجبهما جميعا كما فعل علي ~~بشراحة الهمدانية حيث جلدها ثم رجمها وقال: " جلدتها بكتاب الله ورجمتها ~~بسنة نبيه " # PageV15P296 # رواه البخاري: وعن أحمد في ذلك روايتان. وهو سبحانه ذكر في سورة النساء ~~ما يختص بالنساء من العقوبة بالإمساك في البيوت إلى الممات أو إلى جعل ~~السبيل ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} فإن ~~الأذى يتناول الصنفين وأما الإمساك فيختص بالنساء فالنساء يؤذين ويحبسن ~~بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس لأن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما ~~لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك إبداء الزينة وترك التبرج ~~فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل. لأن ظهور ~~النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن. وقوله {فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} دل على شيئين: على أن نصاب الشهادة على الفاحشة أربعة وعلى أن ~~الشهداء بها على نسائنا يجب ms4810 أن يكونوا منا فلا تقبل شهادة الكفار على ~~المسلمين وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع في قبول شهادة الكفار بعضهم على ~~بعض وفيه قولان عند أحمد: أشهرهما عنده وعند أصحابه أنها لا تقبل كمذهب ~~مالك والشافعي. والثانية أنها تقبل اختارها أبو الخطاب من أصحاب أحمد وهو ~~قول أبي حنيفة وهو أشبه بالكتاب والسنة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا تجوز شهادة أهل ملة على أهل ملة إلا # PageV15P297 # أمتي فإن شهادتهم تجوز على من سواهم} فإنه لم ينف شهادة أهل الملة ~~الواحدة بعضها على بعض بل مفهوم ذلك جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضها ~~على بعض؛ ولكن فيه بيان أن المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم لقوله تعالى ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} وفي آخر الحج مثلها. وقد ~~ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~{يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال هل ~~بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير فيقال لنوح: من يشهد لك فيقول: ~~محمد وأمته فيؤتى بكم فتشهدون أنه بلغ} وكذلك في الصحيحين من حديث أنس في ~~شهادتهم على تلك الجنازتين وأنهم أثنوا على إحداهما خيرا وعلى الأخرى شرا ~~فقال: {أنتم شهداء الله في أرضه} الحديث. ولهذا لما كان أهل السنة والجماعة ~~الذين محضوا الإسلام ولم يشوبوه بغيره كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق ~~الأمة بخلاف أهل البدع والأهواء كالخوارج والروافض فإن بينهم من العداوة ~~والظلم ما يخرجهم عن كمال هذه الحقيقة التي جعلها الله لأهل السنة قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: {يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين} . # PageV15P298 # وقد استدل من جوز ### | شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض # بهذه الآية التي في المائدة وهي قوله {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ~~إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} ~~الآية ثم ms4811 قال من أخذ بظاهر هذه الآية من أهل الكوفة: دلت هذه الآية على ~~قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين فيكون في ذلك تنبيه ودلالة على قبول ~~شهادة بعضهم على بعض بطريق الأولى ثم نسخ الظاهر لا يوجب نسخ الفحوى ~~والتنبيه وهذه الآية الدالة على نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث ~~الموافقين للسلف في العمل بهذه الآية وما يوافقها من الحديث أوجه وأقوى فإن ~~مذهبه قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر لأنه موضع ~~ضرورة فإذا جازت شهادتهم لغيرهم فعلى بعضهم أجوز وأجوز. ولهذا يجوز في ~~الشهادة للضرورة ما لا يجوز في غيرها كما تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع ~~عليه الرجال حتى نص أحمد على قبول شهادتهن في الحدود التي تكون في مجامعهن ~~الخاصة. مثل الحمامات والعرسات ونحو ذلك. فالكفار الذين لا يختلط بهم ~~المسلمون أولى أن تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا حكمنا بينهم والله أمرنا أن ~~نحكم بينهم والنبي صلى الله عليه وسلم رجم الزانيين من اليهود من غير سماع ~~إقرار منهما ولا شهادة مسلم عليهما ولولا قبول شهادة بعضهم على بعض لم يجز ~~ذلك والله أعلم. # PageV15P299 # ثم إن في تولي مال بعضهم بعضا نزاع ف ### | هل يتولى الكافر العدل في دينه مال ولده الكافر؟ # على قولين في مذهب أحمد وغيره والصواب المقطوع به: أن بعضهم أولى ببعض ~~وقد مضت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وسنة خلفائه وقوله تعالى ~~{فآذوهما} أمر بالأذى مطلقا ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره بل ذكر أنه يجب ~~إيذاؤهما ولفظ " الأذى " يستعمل في الأقوال كثيرا كقوله: {لن يضروكم إلا ~~أذى} وقوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} {والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} {ومنهم الذين يؤذون النبي} وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله} ونظائر ذلك كثيرة ذكرناها في ~~" كتاب الصارم المسلول ". وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم في شارب الخمر ~~{عاقبوه وآذوه} وقال {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ms4812 والإعراض هو الإمساك ~~عن الإيذاء. فالمذنب لا يزال يؤذى وينهى ويوعظ ويوبخ ويغلظ له في الكلام ~~إلى أن يتوب ويطيع الله وأدنى ذلك هجره فلا يكلم بالكلام الطيب كما هجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الثلاثة الذين خلفوا حتى ظهرت توبتهم ~~وصلاحهم وهذه آية محكمة لا نسخ فيها فمن أتى الفاحشة من الرجال والنساء ~~فإنه يجب إيذاؤه بالكلام الزاجر له عن المعصية إلى # PageV15P300 # أن يتوب وليس ذلك محدودا بقدر ولا صفة إلا ما يكون زاجرا له داعيا إلى ~~حصول المقصود وهو توبته وصلاحه وقد علقه تعالى على هذين الأمرين: التوبة ~~والإصلاح. فإذا لم يوجدا فلا يجوز أن يكون الأمر بالإعراض موجودا فيؤذى ~~والآية دلت على وجوب الإيذاء للذين يأتيان الفاحشة منا ودلت على وجوب ~~الإعراض عن الأذى في حق من تاب وأصلح فأما من تاب بترك فعل الفاحشة ولم ~~يصلح فقد تنازع الفقهاء هل يشترط في قبول التوبة صلاح العمل؟ على قولين في ~~مذهب أحمد وغيره. وهذه تشبه قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} إلى قوله {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} فأمر بقتالهم ثم علق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح: ~~وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب الكف ~~عنهم ثم إن صلوا وزكوا وإلا عوقبوا بعد ذلك على ترك الفعل؛ لأن الشارع في ~~التوبة شرع الكف عن أذاه ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام وكذلك التائب ~~من الفاحشة يشرع الكف عن أذاه إلى أن يصلح فإن أصلح وجب الإعراض عن أذاه ~~وإن لم يصلح لم يجب الكف عن أذاه بل يجوز أو يجب أذاه. وهذه الآية مما ~~يستدل بها على التعزير بالأذى والأذى وإن كان # PageV15P301 # يستعمل كثيرا في الكلام في مرتكب الفاحشة فليس هو مختصا به كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمن بصق في القبلة: {إنك قد آذيت الله ورسوله} . وكذلك ~~قال في حق فاطمة ابنته {يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها} وكذلك قال لمن ms4813 ~~أكل الثوم والبصل: {إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم} وقال لصاحب ~~السهام: {خذ بنصالها لئلا تؤذي أحدا من المسلمين} وقد قال تعالى: {فإذا ~~طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي} . وقوله تعالى ~~{فإن تابا وأصلحا} هل يكون من توبته اعترافه بالذنب فإذا ثبت الذنب بإقراره ~~فجحد إقراره وكذب الشهود على إقراره أو ثبت بشهادة شهود هل يعد بذلك تائبا؟ ~~فيه نزاع فذكر الإمام أحمد أنه لا توبة لمن جحد وإنما التوبة لمن أقر وتاب ~~واستدل بقصة علي بن أبي طالب أنه أتي بجماعة ممن شهد عليهم بالزندقة فاعترف ~~منهم ناس فتابوا فقبل توبتهم وجحد منهم جماعة فقتلهم وقد {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن ~~العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه} رواه البخاري. فمن أذنب سرا ~~فليتب سرا وليس عليه أن يظهر ذنبه كما في الحديث: {من ابتلي بشيء من هذه ~~القاذورات فليستتر بستر الله # PageV15P302 # فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله} وفي الصحيح: {كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله عليه ~~فيكشف ستر الله عنه} فإذا ظهر من العبد الذنب فلا بد من ظهور التوبة ومع ~~الجحود لا تظهر التوبة فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب؛ ولهذا كان السلف ~~يستعملون ذلك فيمن أظهر بدعة أو فجورا فإن هذا أظهر حال الضالين وهذا أظهر ~~حال المغضوب عليهم ومن أذاه منعه - مع القدرة - من الإمامة والحكم والفتيا ~~والرواية والشهادة وأما بدون القدرة فليفعل المقدور عليه. وقوله: {واللذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما} فأمر بإيذائهما ولم يعلق ذلك على استشهاد أربعة كما ~~علق ذلك في حق النساء وإمساكهن في البيوت ولم يأمر به هنا كما أمر به هناك؛ ~~وليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد لأن ذلك لا بد أن يكون الحكم واحدا ~~مثل الإعتاق فإذا كان الحكم متفقا في الجنس دون النوع كإطلاق الأيدي ms4814 في ~~التيمم وتقييدها في الوضوء إلى المرافق وإطلاق ستين مسكينا في الإطعام ~~وتقييد الإعتاق بالإيمان مع أن كلاهما عبادة مالية يراد بها نفع الخلق وفي ~~ذلك نزاع بين العلماء. ولم يحمل المسلمون من الصحابة والتابعين المطلق على ~~المقيد في قوله: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم # PageV15P303 # اللاتي دخلتم بهن} الآية: وقوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف} قال الصحابة والتابعون وسائر أئمة الدين: الشرط في ~~الربائب خاصة وقالوا: أبهموا ما أبهم الله والمبهم هو المطلق والمشروط فيه ~~هو المؤقت المقيد فأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء يحرمن بالعقد ~~والربائب لا يحرمن إلا إذا دخل بأمهاتهن؛ لكن تنازعوا هل الموت كالدخول؟ ~~على قولين في مذهب أحمد وذلك لأن الحكم مختلف والقيد ليس متساويا في ~~الأعيان؛ فإن تحريم جنس ليس مثل تحريم جنس آخر يخالفه كما أن تحريم الدم ~~والميتة ولحم الخنزير لما كان أجناسا فليس تقييد الدم بكونه مسفوحا يوجب ~~تقييد الميتة والخنزير أن يكون مسفوحا وهنا القيد كون الربيبة مدخولا بأمها ~~والدخول بالأم لا يوجد مثله في الحليلتين وأم المرأة؛ إذ الدخول في الحليلة ~~بها نفسها وفي أم المرأة ببنتها. وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على ~~المقيد في نصب الشهادة؛ بل لما ذكر الله في آية الدين رجلين أو رجلا ~~وامرأتين وفي الرجعة رجلين أقروا كلا منهما على حاله؛ لأن سبب الحكم مختلف ~~وهو المال والبضع واختلاف السبب يؤثر في نصاب الشهادة وكما في إقامة الحد ~~في الفاحشة وفي القذف بها اعتبر فيه أربعة شهداء فلا يقاس بذلك عقود ~~الأيمان والأبضاع وذكر في حد القذف ثلاثة أحكام: # PageV15P304 # جلد ثمانين وترك قبول شهادتهم أبدا وإنهم فاسقون {إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} وأن التوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه ~~المقذوف وترفع الفسق بلا تردد وهل ترفع المنع من قبول الشهادة؟ فأكثر ~~العلماء قالوا ترفعه. # وإذا اشتهر عن شخص الفاحشة بين الناس لم يرجم؛ لما ثبت في الصحيح عن ابن ms4815 ~~عباس أنه لما ذكر حديث الملاعنة وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن جاءت به ~~يشبه الزوج فقد كذب عليها وإن جاءت به يشبه الرجل الذي رماها به فقد صدق ~~عليها} فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم {لولا ~~الأيمان لكان لي ولها شأن} فقيل لابن عباس: أهذه التي قال فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها} ؟ فقال: لا تلك ~~امرأة كانت تعلن السوء في الإسلام: فقد أخبر أنه لا يرجم أحدا إلا ببينة ~~ولو ظهر عن الشخص السوء. ودل هذا الحديث على أن الشبه له تأثير في ذلك وإن ~~لم يكن بينة وكذلك ثبت عنه أنه لما مر عليه بتلك الجنازة فأثنوا عليها خيرا ~~إلى آخره قال: {أنتم شهداء الله في أرضه} وفي المسند عنه أنه قال {يوشك أن ~~تعلموا أهل الجنة من أهل النار قيل: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: بالثناء ~~الحسن والثناء السيئ} . فقد جعل الاستفاضة # PageV15P305 # حجة وبينة في هذه الأحكام ولم يجعلها حجة في الرجم. وكذلك تقبل شهادة أهل ~~الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر عند أحمد وكذلك شهادة الصبيان في ~~الجراح إذا أدوها قبل التفرق في إحدى الروايتين وإذا شهد شاهد أنه رأى ~~الرجل والمرأة والصبي في لحاف أو في بيت مرحاض أو رآهما مجردين أو محلولي ~~السراويل ويوجد مع ذلك ما يدل على ذلك. من وجود اللحاف قد خرج عن العادة ~~إلى مكانهما أو يكون مع أحدهما أو معهما ضوء قد أظهره فرآه فأطفأه فإن ~~إطفاءه دليل على استخفائه بما يفعل فإذا لم يكن ما يستخفى به إلا ما شهد به ~~الشاهد كان ذلك من أعظم البيان على ما شهد به. فهذا الباب باب عظيم النفع ~~في الدين وهو مما جاءت به الشريعة التي أهملها كثير من القضاة والمتفقهة ~~زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا بشهود عاينوا أو إقرار مسموع وهذا خلاف ما ~~تواترت به السنة وسنة الخلفاء الراشدين وخلاف ما ms4816 فطرت عليه القلوب التي ~~تعرف المعروف وتنكر المنكر ويعلم العقلاء أن مثل هذا لا تأباه سياسة عادلة؛ ~~فضلا عن الشريعة الكاملة ويدل عليه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} . ففي الآية دلالات. # PageV15P306 # أحدها قوله: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} فأمر بالتبين عند مجيء كل فاسق ~~بكل نبأ؛ بل من الأنباء ما ينهى فيه عن التبين ومنها ما يباح فيه ترك ~~التبين ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة لبعض الناس؛ لأنه علل الأمر بأنه إذا ~~جاءنا فاسق بنبأ خشية أن نصيب قوما بجهالة فلو كان كل من أصيب بنبأ كذلك لم ~~يحصل الفرق بين العدل والفاسق بل هذه دلالة واضحة على أن الإصابة بنبأ ~~العدل الواحد لا ينهى عنها مطلقا وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد في ~~جنس العقوبات فإن سبب نزول الآية يدل على ذلك فإنها نزلت في إخبار واحد بأن ~~قوما قد حاربوا بالردة أو نقض العهد. وفيه أيضا أنه متى اقترن بخبر الفاسق ~~دليل آخر يدل على صدقه فقد استبان الأمر وزال الأمر بالتثبت فتجوز إصابة ~~القوم وعقوبتهم بخبر الفاسق مع قرينة إذا تبين بهما الأمور فكيف خبر الواحد ~~العدل مع دلالة أخرى؛ ولهذا كان أصح القولين أن مثل هذا لوث في باب القسامة ~~فإذا انضاف إيمان المقسمين صار ذلك بينة تبيح دم المقسم عليه. وقوله: {أن ~~تصيبوا قوما بجهالة} فجعل المحذور هو الإصابة لقوم بلا علم فمتى أصيبوا ~~بعلم زال المحذور وهذا هو المناط الذي دل عليه القرآن كما قال: {إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون} وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} . # PageV15P307 # وأيضا فإنه علل ذلك بخوف الندم والندم إنما يحصل على عقوبة البريء من ~~الذنب كما في سنن أبي داود: {ادرءوا الحدود بالشبهات فإن الإمام إن يخطئ في ~~العفو خير من أن يخطئ في العقوبة} فإذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئا ~~أو يخطئ فيعفو عن مذنب كان هذا الخطأ خير الخطأين. أما إذا ms4817 حصل عنده علم ~~أنه لم يعاقب إلا مذنبا فإنه لا يندم ولا يكون فيه خطأ والله أعلم. وقد ذكر ~~الشافعي وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين " أحدهما " أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في الزاني إذا لم يحصن: {جلد مائة وتغريب عام} والثاني ~~نفي المخنثين فيما روته أم سلمة {أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ~~وعندها مخنث وهو يقول لعبد الله أخيها: إن فتح الله لك الطائف غدا أدلك على ~~ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخرجوهم من بيوتكم} رواه الجماعة إلا الترمذي. وفي رواية في الصحيح {لا ~~يدخلن هؤلاء عليكم} وفي رواية {أرى هذا يعرف مثل هذا لا يدخلن عليكم بعد ~~اليوم} . قال ابن جريج: المخنث هو هيت وهكذا ذكره غيره. وقد قيل: إنه هنب ~~وزعم بعضهم أنه ماتع وقيل هوان. وروى الجماعة إلا مسلما {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال، # PageV15P308 # والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا: ~~يعني المخنثين} وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة: - بهم وهيت وماتع - على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما ~~كان تخنيثهم وتأنيثهم لينا في القول وخضابا في الأيدي والأرجل كخضاب النساء ~~ولعبا كلعبهن. وفي سنن أبي داود عن أبي يسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي ~~هريرة. {أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمخنث وقد خضب رجليه ويديه ~~بالحناء فقال: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي ~~إلى النقيع فقيل: يا رسول الله ألا نقتله فقال: إني نهيت عن قتل المصلين} ~~قال أبو أسامة حماد بن أسامة: والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع وقيل: ~~إنه الذي حماه النبي صلى الله عليه وسلم لإبل الصدقة ثم حماه عمر وهو على ~~عشرين فرسخا من المدينة وقيل: عشرين ميلا. ونقيع الخضمات موضع آخر قرب ~~المدينة وقيل: هو الذي حماه عمر. والنقيع موضع يستنقع ms4818 فيه الماء كما في ~~الحديث: {أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات} . فإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذي يمكن ~~الرجال من نفسه والاستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى ~~به شر من هؤلاء وهو # PageV15P309 # أحق بالنفي من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم؛ فإن المخنث فيه إفساد ~~للرجال والنساء؛ لأنه إذا تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو ~~رجل فيفسدهن ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء؛ ولأن المرأة ~~إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هي وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين وقد تختار ~~هي مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال. وأما إفساده للرجال فهو أن ~~يمكنهم من الفعل به - كما يفعل بالنساء - بمشاهدته ومباشرته وعشقه فإذا ~~أخرج من بين الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ووجد هناك من يفعل به ~~الفاحشة فهنا يكون نفيه بحبسه في مكان واحد ليس معه فيه غيره وإن خيف خروجه ~~فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من بين الناس. # ولهذا ### | تنازع العلماء في نفي المحارب من الأرض # هل هو طرده بحيث لا يأوي في بلد أو حبسه أو بحسب ما يراه الإمام من هذا ~~وهذا ففي مذهب أحمد ثلاث روايات الثالثة أعدل وأحسن فإن نفيه بحيث لا يأوي ~~في بلد لا يمكن لتفرق الرعية واختلاف هممهم؛ بل قد يكون بطرده يقطع الطريق ~~وحبسه قد لا يمكن؛ لأنه يحتاج إلى مؤنة إلى طعام وشراب وحارس؛ ولا ريب أن ~~النفي أسهل إن أمكن. # PageV15P310 # وقد روي {أن هيتا لما اشتكى الجوع أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل ~~المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى} ومعلوم أن ~~قوله: {أو ينفوا من الأرض} لا يتضمن نفيه من جميع الأرض وإنما هو نفيه من ~~بين الناس وهذا حاصل بطرده وحبسه. وهذا الذي جاءت به الشريعة من النفي هو ~~نوع من الهجرة أي هجره وليس هذا كنفي ms4819 الثلاثة الذين خلفوا ولا هجره كهجرهم ~~فإنه منع الناس من مخالطتهم ومخاطبتهم حتى أزواجهم ولم يمنعهم من مشاهدة ~~الناس وحضور مجامعهم في الصلاة وغيرها وهذا دون النفي المشروع فإن النفي ~~المشروع مجموع من الأمرين وذلك أن الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة ~~بعضهم بعضا على مصلحة دينهم ودنياهم فمن كان بمخالطته للناس لا يحصل منه ~~عون على الدين بل يفسدهم ويضرهم في دينهم ودنياهم استحق الإخراج من بينهم ~~وذلك أنه مضرة بلا مصلحة؛ فإن مخالطته لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم؛ فإن ~~الصبي إذا رأى صبيا مثله يفعل شيئا تشبه به وسار بسيرته مع الفساق فإن ~~الاجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد والضرر على النساء والصبيان ~~والرجال فيجب أن يعاقب اللوطي والزاني بما فيه تفريقه وإبعاده. و ### | جماع الهجرة # هي هجرة السيئات وأهلها وكذلك هجران الدعاة إلى # PageV15P311 # البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم وكذلك من ~~يترك الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم ~~على البر والتقوى فالزناة واللوطية وتارك الجهاد وأهل البدع وشربة الخمر ~~هؤلاء كلهم ومخالطتهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة لا على بر ولا ~~تقوى فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور فهذا ترك المأمور من ~~الاجتماع وذلك فعل المحظور منه فعوقب كل منها بما يناسب جرمه فإن العقوبة ~~إنما تكون على ترك مأمور أو فعل محظور كما قال الفقهاء: إنما يشرع التعزير ~~في معصية ليس فيها حد فإن كان فيها كفارة فعلى قولين في مذهب أحمد وغيره. ~~قال: وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه ~~يفعل منه بحسب الاستطاعة فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين فإنه ~~يجاهد من يقدر على جهاده وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه ~~يعاقب من يقدر على عقوبته فإذا لم يمكن النفي والحبس عن جميع الناس كان ~~النفي والحبس على حسب القدرة مثل أن يحبس بدار لا يباشر إلا أهلها لا يخرج ms4820 ~~منها أو أن لا يباشر إلا شخصا أو شخصين فهذا هو الممكن؛ فيكون هو المأمور ~~به وإن أمكن أن يجعل في مكان قد قل فيه القبيح ولا يعدم بالكلية كان ذلك هو ~~المأمور به فإن الشريعة جاءت بتحصيل # PageV15P312 # المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فالقليل من الخير خير من تركه ~~ودفع بعض الشر خير من تركه كله وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تحبس شبيها ~~بحالها إذا زنت سواء كانت بكرا أو ثيبا فإن جنس الحبس مما شرع في جنس ~~الفاحشة. ومما يدخل في هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة ~~ومن وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن وكان أولا قد أمر ~~بأخذ شعره؛ ليزيل جماله الذي كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من أحسن ~~الناس وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة ~~يعاقب عليها؛ لكن كان في النساء من يفتتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن فإن ~~انتقاله عن وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب وهذا من باب التفريق ~~بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه وليس من باب المعاقبة وقد ~~كان عمر ينفي في الخمر إلى خيبر زيادة في عقوبة شاربها. ومن أقوى ما يهيج ~~الفاحشة إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق ومحبة الفواحش ومقدماتها ~~بالأصوات المطربة فإن المغني إذا غنى بذلك حرك القلوب المريضة إلى محبة ~~الفواحش فعندها يهيج مرضه ويقوى بلاؤه وإن كان القلب في عافية من ذلك جعل ~~فيه مرضا كما قال بعض السلف: الغناء رقية الزنا. # PageV15P313 # ورقية الحية هي ما تستخرج بها الحية من جحرها ورقية العين والحمة هي ما ~~تستخرج به العافية ورقية الزنا هو ما يدعو إلى الزنا ويخرج من الرجل هذا ~~الأمر القبيح والفعل الخبيث كما أن الخمر أم الخبائث قال ابن مسعود: " ~~الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل " وقال تعالى لإبليس: ~~{واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ms4821 وشاركهم في الأموال ~~والأولاد} واستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء - كما قال من قال من السلف - ~~وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك فإن هذه الأصوات كلها توجب انزعاج ~~القلب والنفس الخبيثة إلى ذلك وتوجب حركتها السريعة واضطرابها حتى يبقى ~~الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان بالكرة والنفس متحركة؛ فإن سكنت ~~فبإذن الله وإلا فهي لا تزال متحركة. وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس لا ~~تزال تتحرك عليه وفي الحديث المرفوع: {القلب أشد تقلبا من القدر إذا ~~استجمعت غليانا} وفي الحديث الآخر: {مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض ~~تحركها الريح} وفي صحيح البخاري عن سالم عن ابن عمر قال: {كانت يمين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب} وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم مصرف القلوب اصرف ~~قلوبنا إلى طاعتك} وفي الترمذي # PageV15P314 # عن أبي سفيان {قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قال فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت ~~به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم. القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف ~~يشاء} . # وقوله تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} لما أمر الله تعالى بعقوبة الزانيين ~~حرم مناكحتهما على المؤمنين هجرا لهما ولما معهما من الذنوب والسيئات. كما ~~قال تعالى: {والرجز فاهجر} وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر مثله بقوله تعالى: ~~{إنكم إذا مثلهم} وهو زوج له وقد قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} ~~أي عشراءهم وقرناءهم وأشباههم ونظراءهم ولهذا يقال المستمع شريك المغتاب. ~~ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر وكان فيهم جليس لهم صائم ~~فقال: ابدءوا به في الجلد ألم تسمع الله يقول {فلا تقعدوا معهم} ؟ فإذا كان ~~هذا في المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم للمنكر يكون مجالسهم مثلا لهم ~~فكيف بالعشرة الدائمة. والزوج يقال له العشير ms4822 كما في الحديث من حديث ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء # PageV15P315 # يكفرن قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان} فأخبر أنه لا ~~يفعل ذلك إلا زان أو مشرك. أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ~~ومجامعة أهلها. وأما الزاني ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن مشركا. وفي ~~الآية دليل على أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان وإن لم يكن كافرا مشركا ~~كما في الصحيح: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} وذلك أنه أخبر أنه لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة ثم قال تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين} فعلم أن ~~الإيمان يمنع من ذلك ويزجر وأن فاعله إما مشرك وإما زان ليس من المؤمنين ~~الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش الرجل وفي ~~مناكحتها معاشرة الفاجرة دائما ومصاحبتها والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما ~~داموا عليه وهذا المعنى موجود في الزاني فإن الزاني إن لم يفسد فراش امرأته ~~كان قرين سوء لها كما قال الشعبي: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها. ~~وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر في دينها ودنياها فنكاح الزانية أشد من ~~جهة الفراش ونكاح الزاني أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم على المرأة ~~فتبقى المرأة الحرة العفيفة في أسر الفاجر الزاني # PageV15P316 # الذي يقصر في حقوقها ويتعدى عليها. ولهذا اتفق الفقهاء على اعتبار ~~الكفاءة في الدين وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة واختلفوا في صحة ~~النكاح بدون ذلك وهما قولان مشهوران في مذهب أحمد وغيره فإن من نكح زانية ~~مع أنها تزني فقد رضي بأن يشترك هو وغيره فيها ورضي لنفسه بالقيادة ~~والدياثة ومن نكحت زان وهو يزني بغيرها فهو لا يصون ماءه حتى يضعه فيها؛ بل ~~يرميه فيها وفي غيرها من البغايا فهي بمنزلة الزانية المتخذة خدنا فإن ~~مقصود النكاح حفظ الماء في المرأة وهذا الرجل لا يحفظ ماءه والله سبحانه ~~شرط في الرجال أن يكونوا ms4823 محصنين غير مسافحين فقال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} وهذا المعنى مما لا ينبغي إغفاله؛ ~~فإن القرآن قد نصه وبينه بيانا مفروضا كما قال تعالى: {سورة أنزلناها ~~وفرضناها} . فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد ~~وغيرهم وفيه آثار عن السلف وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه وليس مع من ~~أباحه ما يعتمد عليه. وقد ادعى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~{والمحصنات} # PageV15P317 # وزعموا أن البغي من المحصنات وتلك الآيات حجة عليهم فإن أقل ما في ~~الإحصان العفة وإذا اشترط فيه الحرية فذاك تكميل للعفة والإحصان ومن حرم ~~نكاح الأمة لئلا يرق ولده كيف يبيح البغي التي تلحق به من ليس بولده وأين ~~فساد فراشه من رق ولده وكذلك من زعم أن النكاح هنا هو الوطء والمعنى أن ~~الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة والزانية لا يطؤها إلا زان أو مشرك وهذا ~~أبلغ في الحجة عليهم فمن وطئ زانية أو مشركة بنكاح فهو زان وكذلك من وطئها ~~زان فإن ذم الزاني بفعله الذي هو الزنا حتى لو استكرهها أو استدخلت ذكره ~~وهو نائم كانت العقوبة للزاني دون قرينه وهذه المسألة مبسوطة في كتب الفقه. ~~والمقصود قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} فإن هذا يدل على أن ~~الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة وإن ذلك حرام على المؤمنين وليس هذا ~~لمجرد كونه فاجرا بل لخصوص كونه زانيا وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل ~~لخصوص زناها بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا كما جعل الزوج ~~زانيا إذا تزوج زانية هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا وإذا كانا ~~مشركين فينبغي أن يعلم ذلك. ومضمونه أن الرجل الزاني لا يجوز نكاحه حتى ~~يتوب وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان والمرأة إذا كانت # PageV15P318 # زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها بل يأتيها هو وغيره كان الزوج زانيا هو ~~وغيره يشتركون في وطئها كما تشترك الزناة في وطء المرأة الواحدة ms4824 ولهذا يجب ~~عليه نفي الولد الذي ليس منه. فمن نكح زانية فهو زان أي تزوجها ومن نكحت ~~زانيا فهي زانية أي تزوجته؛ فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني ~~فتكون المرأة خدنا وخليلا له لا يأتي غيرها فإن الرجل إذا كان زانيا لا يعف ~~امرأته وإذا لم يعفها تشوقت هي إلى غيره فزنت به كما هو الغالب على نساء ~~الزواني أو من يلوط بالصبيان فإن نساءه يزنين ليقضين إربهن ووطرهن ويراغمن ~~أزواجهن بذلك حيث لم يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهن فهن أيضا لم يعففن أنفسهن ~~عن غير أزواجهن؛ ولهذا يقال: " عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم وبروا آباءكم ~~تبركم أبناؤكم " فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان ومن عقوبة السيئة ~~السيئة بعدها؛ فإن الرجل إذا رضي أن ينكح زانية رضي بأن تزني امرأته والله ~~تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر فإذا ~~رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت عمله وكذلك إن رضي الرجل أن ينكح زانية ~~فقد رضي عملها ومن رضي الزنا كان بمنزلة الزاني. فإن أصل الفعل هو الإرادة ~~ولهذا جاء في الأثر " من غاب عن معصية فرضيها # PageV15P319 # كان كمن شهدها أو فعلها ": وفي الحديث {المرء على دين خليله} وأعظم الخلة ~~خلة الزوجين. وأيضا فإن الله قد جعل في نفوس بني آدم من الغيرة ما هو معروف ~~فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم من غيرته على نفسه أن يزني فإذا لم ~~يكره أن تكون زوجته بغيا وهو ديوث كيف يكره أن يكون هو زان ولهذا لم يوجد ~~من هو ديوث أو قواد يعف عن الزنا فإن الزاني له شهوة في نفسه والديوث ليس ~~له شهوة في زنا غيره فإذا لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته كيف ~~يكون معه إيمان يمنعه من الزنا فمن استحل أن يترك امرأته تزني استحل أعظم ~~الزنا ومن أعان على ذلك فهو كالزاني ومن أقر على ذلك مع إمكان تغييره فقد ~~رضيه ومن تزوج ms4825 غير تائبة فقد رضي أن تزني إذ لا يمكنه منعها من ذلك فإن كيد ~~النساء عظيم. # ولهذا جاز للرجل إذا أتت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها لتفتدي نفسها منه ~~وهو نص أحمد وغيره لأنها بزناها طلبت الاختلاع منه وتعرضت لإفساد نكاحه ~~فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب ولا يسقط المهر بمجرد زناها كما دل ~~عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم للملاعن لما قال: مالي قال {لا مال لك ~~عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كاذبا عليها # PageV15P320 # فهو أبعد لك} لأنها إذا زنت قد تتوب؛ لكن زناها يبيح له إعضالها حتى ~~تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب. وفي الغالب أن الرجل لا يزني ~~بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير فلا يزال يزني بما يعجبه فتبقى امرأته ~~بمنزلة المعلقة التي لا هي أيم ولا ذات زوج فيدعوها ذلك إلى الزنا ويكون ~~الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه القصاص مكايدة له ومغايظة؛ فإنه ~~ما لم يحفظ غيبها لم تحفظ غيبه ولها في بضعه حق كما له في بضعها حق فإذا ~~كان من العادين لخروجه عما أباح الله له لم يكن قد أحصن نفسه وأيضا فإن ~~داعية الزاني تشتغل بما يختاره من البغايا فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة ~~ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا. وهذه ~~معان شريفة لا ينبغي إهمالها. وعلى هذا فالمرأة المساحقة زانية كما جاء في ~~الحديث {زنا النساء سحاقهن} والرجل الذي يعمل عمل قوم لوط بمملوك أو غيره ~~هو زان والمرأة الناكحة له زانية فلا تنكحه إلا زانية أو مشركة ولهذا يكثر ~~في نساء اللوطية من تزني بغير زوجها وربما زنت بمن يتلوط هو به مراغمة له ~~وقضاء لوطرها وكذلك المرأة المزوجة بمخنث ينكح كما تنكح هي متزوجة بزان بل ~~هو أسوأ الشخصين حالا فإنه مع الزنا صار مخنثا ملعونا على نفسه للتخنيث غير ~~اللعنة التي تصيبه بعمل قوم لوط # PageV15P321 # فإن النبي ms4826 صلى الله عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط وثبت عنه في ~~الصحيح أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال {أخرجوهم من ~~بيوتكم.} وكيف يجوز للمرأة أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره؟ فهو ~~يؤتى كما تؤتى المرأة وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزاني بغير ~~امرأته عنها فإذا لم تكن له غيرة على نفسه ضعفت غيرته على امرأته وغيرها؛ ~~ولهذا يوجد من كان مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله ~~والمرأة إذا رضيت بالمخنث واللوطي كانت على دينه فتكون زانية وأبلغ فإن ~~تمكين المرأة من نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه فإذا رضيت ذلك من زوجها ~~رضيته من نفسها. ولفظ هذه الآية وهو قوله تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية} ~~الآية يتناول هذا كله إما بطريق عموم اللفظ أو بطريق التنبيه وفحوى الخطاب ~~الذي هو أقوى من مدلول اللفظ وأدنى ذلك أن يكون بطريق القياس كما قد بيناه ~~في حد اللوطي ونحوه والله أعلم. # وقوله تعالى {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات} فأخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا ~~تكون خبيثة لطيب فإن ذلك خلاف الحصر، فلا # PageV15P322 # تنكح الزانية الخبيثة إلا زانيا خبيثا وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون ~~الطيب لامرأة خبيثة فإن ذلك خلاف الحصر؛ إذ قد ذكر أن جميع الخبيثات ~~للخبيثين فلا تبقى خبيثة لطيب ولا طيب لخبيثة. وأخبر أن جميع الطيبات ~~للطيبين فلا تبقى طيبة لخبيث فجاء الحصر من الجانبين موافقا لقوله: {الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك ~~على المؤمنين} ولهذا قال من قال من السلف: ما بغت امرأة نبي قط فإن هذه ~~السورة نزل صدرها بسبب أهل الإفك وما قالوه في عائشة ولهذا لما قيل فيها ما ~~قيل وصارت شبهة استشار النبي صلى الله عليه وسلم من استشاره في طلاقها قبل ~~أن تنزل براءتها؛ إذ لا يصلح له أن تكون امرأته غير طيبة ms4827 وقد روي {أنه لا ~~يدخل الجنة ديوث} والديوث الذي يقر السوء في أهله. ولهذا كانت الغيرة على ~~الزنا مما يحبها الله وأمر بها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم {أتعجبون ~~من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه والله أغير مني؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن} ولهذا أذن الله للقاذف إذا كان زوجها أن يلاعن: فيشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين وجعل ذلك يدفع عنه حد القذف كما لو أقام على ~~ذلك أربعة شهود لأنه محتاج إلى قذفها لأجل ما أمر الله به من # PageV15P323 # الغيرة ولأنها ظلمته بإفساد فراشه وإن كانت قد حبلت من الزنا فعليه ~~اللعان لينفي عنه النسب الباطل لئلا يلحق به ما ليس منه. وقد مضت سنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين المتلاعنين سواء حصلت الفرقة بتلاعنهما أو ~~احتاجت إلى تفريق الحاكم أو حصلت عند انقضاء لعان الزوج؛ لأن أحدهما ملعون ~~أو خبيث فاقترانهما بعد ذلك يقتضي مقارنة الخبيث الملعون للطيب وفي صحيح ~~مسلم عن عمران ابن حصين {حديث المرأة التي لعنت ناقة لها فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخذ ما عليها وأرسلت؛ وقال: لا تصحبنا ناقة ملعونة} . وفي ~~الصحيحين عنه أنه لما اجتاز بديار ثمود قال: {لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ~~إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لئلا يصيبكم ما ~~أصابهم} فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب. وهكذا ~~السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصي: لا ~~ينبغي لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله عز ~~وجل وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ماقتا لهم شانئا ما هم فيه بحسب الإمكان ~~كما في الحديث: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يستطع # PageV15P324 # فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} وقال تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأة فرعون} الآية. وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن ms4828 الأرض ~~لصاحب مصر لقوم كفار. وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن في موضعين: ~~أحدهما أن يكون مكرها عليها والثاني: أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على ~~مفسدة المقارنة أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم ~~المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة ~~وفي الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل باحتمال أدناهما وهو الأمر ~~الذي أكره عليه قال تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وقال تعالى: ~~{ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} ثم قال: {ومن يكرهن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم} وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} {إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} {فأولئك عسى الله أن ~~يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} وقال: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} الآية. # PageV15P325 # فقد دلت هذه الآية على النهي عن مناكحة الزاني والمناكحة نوع خاص من ~~المعاشرة والمزاوجة والمقارنة والمصاحبة ولهذا سمي كل منهما زوجا وصاحبا ~~وقرينا وعشيرا للآخر والمناكحة في أصل اللغة المجامعة والمضامة فقلوبهما ~~تجتمع إذا عقد العقد بينهما ويصير بينهما من التعاطف والتراحم ما لم يكن ~~قبل ذلك حتى تثبت بذلك حرمة المصاهرة في غير الربيبة لمجرد ذلك والتوارث ~~وعدة الوفاة وغير ذلك: وأوسط ذلك اجتماعهما خاليين في مكان واحد وهو ~~المعاشرة المقررة للصداق كما قضى به الخلفاء وآخر ذلك اجتماع المباضعة وهذا ~~وإن اجتمع بدون عقد نكاح فهو اجتماع ضعيف؛ بل اجتماع القلوب أعظم من مجرد ~~اجتماع البدنين بالسفاح. ودل قوله: {الطيبات للطيبين} على ذلك من جهة ~~المعنى ومن جهة اللفظ ودل أيضا على النهي عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم كما ~~دل على هذا غير ذلك من النصوص: مثل قوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} ~~أي: وأشباههم ونظراءهم والزوج أعم من النكاح المعروف قال تعالى: ms4829 {يهب لمن ~~يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} وقال: {وإذا ~~النفوس زوجت} وقال: {من كل زوج بهيج} و {كريم} وقال: {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين} وقال: {جعل فيها زوجين اثنين} وقال: {وخلقناكم أزواجا} وقال: {احمل ~~فيها من كل زوجين # PageV15P326 # اثنين} وقال: {إن من أزواجكم وأولادكم} . وإن كان في الآية نص في الزوجة ~~التي هي الصاحبة وفي الولد منها فمعنى ذلك في كل مشابه ومقارن ومشارك وفي ~~كل فرع وتابع ف {الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل} و {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا} {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} . فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز ~~إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله ويدل على ذلك الحديث الذي في ~~السنن: {لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي} وفيها: {المرء على دين ~~خليله فلينظر أحدكم من يخالل} وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ثم إن زنت ~~فليجلدها الحد ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير} و " الضفير " الحبل وشك الراوي ~~هل أمر ببيعها في الثالثة أو الرابعة. وهذا أمر من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو ثلاثا ولو بأدنى مال قال ~~الإمام أحمد: إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV15P327 # والإماء اللاتي يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة لا للتمتع فكيف بأمة ~~التمتع؟ وإذا وجب إخراج الأمة الزانية عن ملكه فكيف بالزوجة الزانية والعبد ~~والمملوك نظير الأمة ويدل على ذلك كله ما رواه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي ~~طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه لعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا} ~~فهذا يوجب لعنة كل من آوى محدثا سواء كان ms4830 إحداثه بالزنا أو السرقة أو غير ~~ذلك وسواء كان الإيواء بملك يمين أو نكاح أو غير ذلك لأن أقل ما في ذلك ~~تركه إنكارا للمنكر. # فصل: # والمؤمن محتاج إلى امتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه بنكاح وغيره قال ~~تعالى: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} الآية. ~~وكذلك المرأة التي زنى بها الرجل فإنه لا يتزوج بها إلا بعد التوبة في أصح ~~القولين كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار؛ لكن إذا أراد أن يمتحنها هل هي ~~صحيحة التوبة أم لا؟ فقال عبد الله ابن عمر وهو المنصوص عن أحمد: أنه ~~يراودها عن نفسها فإن أجابته لم تصح توبتها وإن لم تجبه فقد تابت. وقالت ~~طائفة: هذا الامتحان # PageV15P328 # فيه طلب الفاحشة منها وقد تنقض التوبة وقد تأمره نفسه بتحقيق فعل الفاحشة ~~ويزين لهما الشيطان ذلك ولا سيما إن كان يحبها وتحبه وقد تقدم له معها فعل ~~الفاحشة مرات وذاقته وذاقها فقد تنقض التوبة ولا تخالفه فيما أراده منها. ~~ومن قال بالأول قال: الأمر الذي يقصد به امتحانها لا يقصد به نفس الفعل فلا ~~يكون أمرا بما نهى الله عنه ويمكنه أن لا يطلب الفاحشة؛ بل يعرض بها وينوي ~~شيئا آخر والتعريض للحاجة جائز؛ بل واجب في مواضع كثيرة. وأما نقضها توبتها ~~فإذا جاز أن تنقض التوبة معه جاز أن تنقضها مع غيره والمقصود أن تكون ~~ممتنعة ممن يراودها فإذا لم تكن ممتنعة منه لم تكن ممتنعة من غيره. وأما ~~تزيين الشيطان له الفعل فهذا داخل في كل أمر يفعله الإنسان من الخير يجد ~~فيه محبته فإذا أراد الإنسان أن يصاحب المؤمن أو أراد المؤمن أن يصاحب أحدا ~~وقد ذكر عنه الفجور وقيل إنه تاب منه أو كان ذلك مقولا عنه سواء كان ذلك ~~القول صدقا أو كذبا: فإنه يمتحنه بما يظهر به بره أو فجوره وصدقه أو كذبه ~~وكذلك إذا أراد أن يولي أحدا ولاية امتحنه؛ كما أمر عمر بن عبد العزيز ~~غلامه أن يمتحن ابن أبي موسى لما أعجبه ms4831 سمته فقال له: قد علمت مكاني عند ~~أمير المؤمنين فكم تعطيني إذا أشرت عليه بولايتك؟ # PageV15P329 # فبذل له مالا عظيما فعلم عمر أنه ليس ممن يصلح للولاية وكذلك في ~~المعاملات وكذلك الصبيان والمماليك الذين عرفوا أو قيل عنهم الفجور وأراد ~~الرجل أن يشتريه بأنه يمتحنه فإن المخنث كالبغي وتوبته كتوبتها. ومعرفة ~~أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس وتارة تكون بالجرح والتعديل وتارة ~~تكون بالاختبار والامتحان. # فصل: # وكما عظم الله الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف فقال بعد ذلك: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ثم ~~ذكر رمي الرجل امرأته وما أمر فيه من التلاعن ثم ذكر قصة أهل الإفك وبين ما ~~في ذلك من الخير للمقذوف المكذوب عليه وما فيه من الإثم للقاذف وما يجب على ~~المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير ويقولون: هذا ~~إفك مبين؛ لأن دليله كذب ظاهر ثم أخبر أنه قول بلا حجة فقال: {لولا جاءوا ~~عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} ثم ~~أخبر أنه لولا فضله عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا به. # PageV15P330 # وقوله: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} فهذا ~~بيان لسبب العذاب وهو تلقي الباطل بالألسنة والقول بالأفواه وهما نوعان ~~محرمان: القول بالباطل والقول بلا علم. ثم قال سبحانه: {لولا إذ سمعتموه ~~قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} . فالأول تحضيض على ~~الظن الحسن وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف. ففي الأول قوله: {اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن بعض الظن إثم} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث} وكذا قوله تعالى {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} ~~دليل على حسن مثل هذا الظن الذي أمر الله به وقد ثبت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: {ما أظن فلانا وفلانا يدريان من أمرنا هذا ~~شيئا} . فهذا يقتضي جواز بعض الظن كما احتج البخاري بذلك؛ لكن مع ms4832 العلم بما ~~عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة يجب أن يظن به ~~الخير دون الشر. وفي الآية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان ونهي عن أن يقول ~~الإنسان ما ليس له به علم لقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} والله ~~تعالى جعل في فعل الفاحشة والقذف من العقوبة ما لم يجعله في شيء من ~~المعاصي؛ لأنه جعل فيها الرجم وقد رجم هو - تعالى - قوم # PageV15P331 # لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة اللواط وجعل العقوبة على القذف بها ~~ثمانين جلدة والرمي بغيرها فيه الاجتهاد ويجوز عند بعض العلماء أن يبلغ ~~الثمانين عند كثير منهم كما قال علي: " لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر ~~وعمر إلا جلدته حد المفتري ". وكما قال عبد الرحمن بن عوف: إذا شرب هذى ~~وإذا هذى افترى وحد الشرب ثمانون وحد المفتري ثمانون. وقوله تعالى {إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة} الآية. وهذا ذم لمن يحب ذلك وذلك يكون بالقلب فقط ويكون مع ذلك ~~باللسان والجوارح وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها في ~~المؤمنين: إما حسدا أو بغضا وإما محبة للفاحشة وإرادة لها وكلاهما محبة ~~للفاحشة وبغضا للذين آمنوا فكل من أحب فعلها ذكرها. وكره العلماء الغزل من ~~الشعر الذي يرغب فيها وكذلك ذكرها غيبة محرمة سواء كان بنظم أو نثر وكذلك ~~التشبه بمن يفعلها منهي عنه: مثل الأمر بها؛ فإن الفعل يطلب بالأمر تارة ~~وبالإخبار تارة فهذان الأمران للفجرة الزناة اللوطية: مثل ذكر قصص الأنبياء ~~والصالحين للمؤمنين أولئك يعتبرون من الغيرة بهم وهؤلاء يعتبرون من ~~الاغترار؛ فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص # PageV15P332 # أشباههم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة ومن ذلك قوله تعالى {ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} قيل: أراد ~~الغناء وقيل أراد قصص الملوك من الكفار من الفرس. وبالجملة كل ما رغب ms4833 ~~النفوس في طاعة الله ونهاها عن معصيته من خبر أو أمر فهو من طاعته وكل ما ~~رغبها في معصيته ونهى عن طاعته فهو من معصيته فأما ذكر الفاحشة وأهلها بما ~~يجب أو يستحب في الشريعة: مثل النهي عنها وعنهم والذم لها ولهم وذكر ما ~~يبغضها وينفر عنها وذكر أهلها مطلقا حيث يسوغ ذلك وما يشرع لهم من الذم في ~~وجوههم ومغيبهم: فهذا كله حسن يجب تارة ويستحب أخرى وكذلك ما يدخل فيها من ~~وصفها ووصف أهلها من العشق على الوجه المشروع الذي يوجب الانتهاء عما نهى ~~الله عنه والبغض لما يبغضه. وهذا كما أن الله قص علينا في القرآن قصص ~~الأنبياء والمؤمنين والمتقين وقصص الفجار والكفار: لنعتبر بالأمرين: فنحب ~~الأولين وسبيلهم ونقتدي بهم ونبغض الآخرين وسبيلهم ونجتنب فعالهم. وقد ذكر ~~الله عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشة # PageV15P333 # وعلائقها على وجه الذم ما فيه عبرة قال تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه ~~أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} إلى آخر القصة في مواضع ~~من كتابه. فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة - وهو رسول الله - بتقريعهم بها ~~بقوله: {أتأتون الفاحشة} وهذا استفهام إنكار ونهي إنكار ذم ونهي كالرجل ~~يقول للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ أما تتقي الله؟ ثم قال: {أئنكم لتأتون الرجال ~~شهوة من دون النساء} وهذا استفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما فيه وليس ~~هذا من باب القذف واللمز. وكذلك قوله: {كذبت قوم لوط المرسلين} إلى آخر ~~القصة فقد واجههم بذمهم وتوبيخهم على فعل الفاحشة ثم إن أهل الفاحشة ~~توعدوهم وتهددوهم بإخراجهم من القرية وهذا حال أهل الفجور إذا كان بينهم من ~~ينهاهم طلبوا نفيه وإخراجه وقد عاقب الله أهل الفاحشة اللوطية بما أرادوا ~~أن يقصدوا به أهل التقوى؛ حيث أمر بنفي الزاني ونفي المخنث فمضت سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنفي هذا وهذا وهو سبحانه أخرج المتقين من بينهم ~~عند نزول العذاب. وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف {وراودته التي هو في ~~بيتها عن نفسه} ms4834 إلى قوله: {فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} وما ذكره ~~بعد ذلك فمن كلام يوسف من قوله: {ما بال # PageV15P334 # النسوة اللاتي قطعن أيديهن} وهذا من باب الاعتبار الذي يوجب انتهار ~~النفوس عن معصية الله والتمسك بالتقوى وكذلك ما بينه في آخر السورة بقوله: ~~{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} . ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب ~~سماع هذه السورة لما فيها من ذكر العشق وما يتعلق به؛ لمحبته لذلك ورغبته ~~في الفاحشة حتى إن من الناس من يقصد إسماعها للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء ~~ويعطفون على ذلك ولا يختارون أن يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهي ~~عن ذلك حتى قال بعض السلف: كل ما حصلته في سورة يوسف أنفقته في سورة النور. ~~وقد قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} ثم قال: {ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} . فكل أحد ~~يحب سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة ويبغض سماع ذلك إعراضا عن دفع هذه ~~المحبة وإزالتها: فهو مذموم. ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ~~ذلك مما فيه ترغيب في معصية الله وصد عن سبيل الله. # PageV15P335 # ومن هذا الباب ### | سماع كلام أهل البدع والنظر في كتبهم # لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية الله فهذا الباب تجتمع فيه ~~الشبهات والشهوات والله تعالى ذم هؤلاء في مثل قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا} وفي مثل قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} ومثل قوله: {هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين} الآية وما بعدها ومثل قوله: {ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} وقوله: ~~{مستكبرين به سامرا تهجرون} ومثل قوله: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} ومثل قوله: {وإن تطع أكثر من ms4835 في ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله} الآية. ومثل هذا كثير في القرآن فأهل المعاصي ~~كثيرون في العالم؛ بل هم أكثر كما قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله} الآية. وفي النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قولا ~~وعملا ما لا يعلمه إلا الله وأهلها يدعون الناس إليها ويقهرون من يعصيهم ~~ويزينونها لمن يطيعهم. فهم أعداء الرسل وأندادهم فرسل الله يدعون الناس إلى ~~طاعة الله ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة ويجاهدون عليها وينهونهم عن معاصي ~~الله ويحذرونهم منها بالرغبة والرهبة ويجاهدون من يفعلها. وهؤلاء يدعون ~~الناس إلى معصية الله # PageV15P336 # ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة قولا وفعلا ويجاهدون على ذلك قال تعالى: ~~{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} ثم قال: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله} ~~وقال تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت} . ومثل هذا في القرآن كثير والله سبحانه قد أمرنا بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم ~~المعروف لا يمكنه الأمر به والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته فمن لا يعلمه لا ~~يمكنه النهي عنه وقد أوجب الله علينا فعل المعروف وترك المنكر فإن حب الشيء ~~وفعله وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما حتى يصح القصد إلى فعل ~~المعروف وترك المنكر فإن ذلك مسبوق بعلمه فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه ~~حب له ولا بغض ولا فعل ولا ترك؛ لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلم ~~علما مفصلا يمكن معه فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا. ولهذا أوجب الله على ~~الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات: مثل صفة الصلاة والصيام والحج ~~والجهاد والأمر بالمعروف # PageV15P337 # والنهي عن المنكر إذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها فكما أنا لا ~~نكون مطيعين إذا علمنا عدم ms4836 الطاعة فلا نكون مطيعين إلا إذا لم نعلم وجودها؛ ~~بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها وكون كل منهما معصية فإن الجهل بالتساوي ~~كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية بعضها بجنسه؛ فإن لم نعلم المماثلة ~~كان كما لو علمنا المفاضلة. وأما معرفة ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفى ~~بمعرفته في بعض المواضع مجملا فالإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره وقد ~~يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها من الحجج ~~وإلى دفع أهوائهم وإراداتهم وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك وذلك ~~لا يكون إلا بالصبر كما قال تعالى: {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} . وأول ذلك أن ~~نذكر الأقوال والأفعال على وجه الذم لها والنهي عنها وبيان ما فيها من ~~الفساد فإن الإنكار بالقلب واللسان قبل الإنكار باليد وهذه طريقة القرآن ~~فيما يذكره تعالى عن الكفار والفساق والعصاة من أقوالهم وأفعالهم؛ يذكر ذلك ~~على وجه الذم والبغض لها ولأهلها وبيان فسادها وضدها والتحذير منها كما أن ~~فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان ومن فيهم من أنبيائه وأوليائه على وجه ~~المدح والحب وبيان صلاحه ومنفعته والترغيب فيه وذلك نحو قوله تعالى {وقالوا ~~اتخذ # PageV15P338 # الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} {لقد جئتم ~~شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} {أن ~~دعوا للرحمن ولدا} {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} {إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا} {وقالت اليهود عزير ابن الله} الآيات. وهذا كثير جدا فالذي ~~يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم: إما كافر وإما فاجر بحسب قوله وفعله وليس ~~منهم من هو بعكسه وليس عليه عذاب في تركه؛ لكنه لا يثاب على مجرد عدم ذلك ~~وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه ~~لله وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذي يثاب عليه وهو أدنى ms4837 ~~الإيمان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده} إلى آخره وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته وذلك لا يكون إلا ~~بعد العلم به وبقبحه ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان ثم يكون باليد والنبي ~~صلى الله عليه وسلم قال {وذلك أضعف الإيمان} فيمن رأى المنكر. فأما إذا رآه ~~فلم يعلم أنه منكر ولم يكرهه لم يكن هذا الإيمان موجودا في القلب في حال ~~وجوده ورؤيته: بحيث يجب بغضه # PageV15P339 # وكراهته والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين إذا وجدوا وإذا لم يكن ~~المنكر موجودا لم يجب ذلك ويثاب من أنكره عند وجوده ولا يثاب من لم يوجد ~~عنده حتى ينكره وكذلك ما يدخل في ذلك من الأقوال والأفعال المنكرات قد يعرض ~~عنها كثير من الناس إعراضهم عن جهاد الكفار والمنافقين وعن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فهؤلاء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات ~~فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله. فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يجتمع في كثير من الناس هذان ~~الأمران بغض الكفر وأهله وبغض الفجور وأهله وبغض نهيهم وجهادهم كما يحب ~~المعروف وأهله ولا يحب أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس والمال؛ وقد قال ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وقال تعالى: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقوله {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم # PageV15P340 # أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} ~~الآية. وكثير من الناس بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم من ~~كراهتهم للمنكرات لا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات ~~فربما مالوا إليها ms4838 تارة وعنها أخرى فتكون نفس أحدهم لوامة بعد أن كانت ~~أمارة ثم إذا ارتقى إلى الحال الأعلى في هجر السيئات وصارت نفسه مطمئنة ~~تاركة للمنكرات والمكروهات لا تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك واحتمال ما ~~يؤذيه من الأقوال والأفعال: فإن هذا شيء آخر داخل في قوله: {ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} الآيات إلى ~~قوله: {وكان الله على كل شيء مقيتا} والشفاعة الإعانة؛ إذ المعين قد صار ~~شفعا للمعان فكل من أعان على بر أو تقوى كان له نصيب منه ومن أعان على ~~الإثم والعدوان كان له كفل منه وهذا حال الناس فيما يفعلونه بقلوبهم ~~وألسنتهم وأيديهم من الإعانة على البر والتقوى والإعانة على الإثم والعدوان ~~ومن ذلك الجهاد بالنفس والمال على ذلك من الجانبين كما قال تعالى قبل ذلك: ~~{يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} إلى قوله ~~{إن كيد الشيطان كان ضعيفا} . # PageV15P341 # ومن هنا يظهر الفرق في السمع والبصر: من الإيمان وآثاره والكفر وآثاره ~~والفرق بين المؤمن البر وبين الكافر والفاجر؛ فإن المؤمنين يسمعون أخبار ~~أهل الإيمان فيشهدون رؤيتهم على وجه العلم والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ~~ولأخبارهم وآثارهم كرؤية الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وسمعهم لما بلغه ~~عن الله والكافر والمنافق يسمع ويرى على وجه البغض والجهل كما قال تعالى: ~~{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} وقال: {فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت} وقال: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون} وقال: {فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم} ~~وقال تعالى في حق المؤمنين: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها ~~صما وعميانا} وقال في حق الكفار: {فما لهم عن التذكرة معرضين} والآيات في ~~هذا كثيرة جدا. وكذلك النظر إلى زينة الحياة ms4839 الدنيا فتنة فقال تعالى {ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ربك خير وأبقى} وفي التوبة {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} الآية ~~وقال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} الآية وقال: {ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا} وقال: {أفلا ينظرون # PageV15P342 # إلى الإبل كيف خلقت} الآيات. وقال: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} ~~وقال: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} الآية ~~وكذلك قال الشيطان: {إني أرى ما لا ترون} وقال: {فلما تراءى الجمعان} ~~الآيات وقال: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا} الآية. فالنظر إلى متاع ~~الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهي عنه والنظر إلى المخلوقات ~~العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب إليه. وأما رؤية ~~ذلك عند الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدفع شر أولئك وإزالته ~~فمأمور به وكذلك رؤية الاعتبار شرعا في الجملة فالعين الواحدة ينظر إليها ~~نظرا مأمورا به إما للاعتبار وإما لبغض ذلك والنظر إليه لبغض الجهاد منهي ~~عنه وكذلك الموالاة والمعاداة؛ وقد تحصل للعبد فتنة بنظر منهي عنه وهو يظن ~~أنه نظر عبرة وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة كالذين قال الله تعالى ~~فيهم: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية فإنها نزلت في الجد بن قيس ~~لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتجهز لغزو الروم فقال: إني مغرم ~~بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم فأذن لي في القعود قال تعالى: {ألا في ~~الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} . # PageV15P343 # فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول وأما ما يكون من الفعل بالجوارح ~~فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا؛ بل يكون ~~عذابه أشد فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب ~~الأليم في الدنيا والآخرة وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل فكيف ~~إذا اقترن بها قول أو فعل؟ بل على الإنسان ms4840 أن يبغض ما أبغضه الله من فعل ~~الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا ومن رضي عمل قوم حشر معهم كما ~~حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط فإن ذلك لا يقع من المرأة ~~لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم. فمن هذا الباب قيل: من أعان على ~~الفاحشة وإشاعتها مثل القواد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ~~ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك: مثل ~~المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية وغيرها فإنهم يحبون أن تشيع ~~الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين بخلاف ما إذا كانت قليلة ~~خفيفة خفية ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية الله وينهى عن ~~طاعته منهي عنه محرم بخلاف عكسه فإنه واجب كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} أي أن ما فيها من طاعة الله وذكره ~~وامتثال أمره أكبر من ذلك. # PageV15P344 # وقال في الخمر والميسر: {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} أي: يوقعهم ذلك ~~في معصيته التي هي العداوة والبغضاء وهذا من أعظم المنكرات التي تنهى عنه ~~الصلاة والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر كما هو الواقع فإن شارب الخمر ~~تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا كان أو حراما فالله تعالى لم يذكر الجماع لأن ~~الخمر لا تدعو إلى الحرام بعينه من الجماع فيأتي شارب الخمر ما يمكنه من ~~الجماع سواء كان حلالا أو حراما والسكر يزيل العقل الذي كان يميز السكران ~~به بين الحلال والحرام والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام؛ ولهذا يكثر ~~شارب الخمر من مواقعة الفواحش ما لا يكثر من غيرها حتى ربما يقع على ابنته ~~وابنه ومحارمه وقد يستغني بالحلال إذا أمكنه ويدعو شرب الخمر إلى أكل أموال ~~الناس بالباطل: من سرقة ومحاربة وغير ذلك؛ لأنه يحتاج إلى الخمر وما ~~يستتبعه من مأكول وغيره من فواحش وغناء. وشرب الخمر يظهر أسرار الرجال حتى ~~يتكلم شاربه بما في باطنه وكثير من الناس إذا ms4841 أرادوا استفهام ما في قلوب ~~الرجال من الأسرار يسقونهم الخمر وربما يشربون معهم ما لا يسكرون به. وأيضا ~~فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره ومصلحته في معاشه ومعاده وجميع أموره ~~التي يدبرها برأيه وعقله فجميع الأمور التي تصد # PageV15P345 # عنها الخمر من المصالح وتوقعها من المفاسد داخلة في قوله تعالى {ويصدكم ~~عن ذكر الله وعن الصلاة.} وكذلك إيقاع العداوة والبغضاء هي منتهى قصد ~~الشيطان؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {ألا أنبئكم بأفضل من درجة ~~الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا ~~رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن إفساد ذات البين هي الحالقة لا أقول ~~تحلق الشعر ولكن تحلق الدين} . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الفواحش ~~والظلم وغير ذلك من الذنوب توقع العداوة والبغضاء وأن كل عداوة أو بغضاء ~~فأصلها من معصية الله والشيطان يأمر بالمعصية ليوقع فيما هو أعظم منها ولا ~~يرضى بغاية ما قدر على ذلك. وأيضا فالعداوة والبغضاء شر محض لا يحبها عاقل؛ ~~بخلاف المعاصي فإن فيها لذة كالخمر والفواحش؛ فإن النفوس تريد ذلك والشيطان ~~يدعو إليها النفوس حتى يوقعها في شر لا تهواه ولا تريده والله تعالى قد بين ~~ما يريده الشيطان بالخمر والميسر ولم يذكر ما يريده الإنسان ثم قال في سورة ~~النور: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات ~~الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} # PageV15P346 # وقال في سورة البقرة: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} {إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فنهى عن اتباع ~~خطواته - وهو اتباع أمره بالاقتداء والاتباع - وأخبر أنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر والسوء والقول على الله بلا علم وقال فيها: {الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} فالشيطان يعد الفقر ويأمر ~~بالفحشاء والمنكر والسوء والله يعد المغفرة والفضل ويأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وقال عن نبيه: {يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم ms4842 عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} وقال عن أمته: {يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} . وذكر مثل ذلك في مواضع كثيرة. فتارة يخص اسم المنكر ~~بالنهي وتارة يقرنه بالفحشاء وتارة يقرن معهما البغي وكذلك المعروف: تارة ~~يخصه بالأمر وتارة يقرن به غيره كما في قوله تعالى {لا خير في كثير من ~~نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} وذلك لأن الأسماء قد ~~يكون عمومها وخصوصها بحسب الإفراد والتركيب: كلفظ الفقير والمسكين فإن ~~أحدهما إذا أفرد كان عاما لما يدلان عليه عند الاقتران؛ بخلاف اقترانهما ~~فإنه يكون معنى كل # PageV15P347 # منهما ليس هو معنى الآخر بل أخص من معناه عند الإفراد وأيضا فقد يعطف على ~~الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التخصيص ثم قد قيل: إن ذلك المخصص يكون ~~مذكورا بالمعنى العام والخاص. فإذا عرف هذا. فاسم " المنكر " يعم كل ما ~~كرهه الله ونهى عنه وهو المبغض واسم " المعروف " يعم كل ما يحبه الله ~~ويرضاه ويأمر به فحيث أفردا بالذكر فإنهما يعمان كل محبوب في الدين ومكروه ~~وإذا قرن المنكر بالفحشاء فإن الفحشاء مبناها على المحبة والشهوة و " ~~المنكر " هو الذي تنكره القلوب فقد يظن أن ما في الفاحشة من المحبة يخرجها ~~عن الدخول في المنكر وإن كانت مما تنكرها القلوب فإنها تشتهيها النفوس و " ~~المنكر " قد يقال: إنه يعم معنى الفحشاء وقد يقال: خصت لقوة المقتضي لما ~~فيها من الشهوة وقد يقال: قصد بالمنكر ما ينكر مطلقا والفحشاء لكونها تشتهى ~~وتحب وكذلك " البغي " قرن بها لأنه أبعد عن محبة النفوس. ولهذا كان جنس ~~عذاب صاحبه أعظم من جنس عذاب صاحب الفحشاء ومنشؤه من قوة الغضب كما أن ~~الفحشاء منشؤها عن قوة الشهوة ولكل من النفوس لذة بحصول مطلوبها فالفواحش ~~والبغي مقرونان بالمنكر وأما الإشراك والقول على الله بلا علم فإنه منكر # PageV15P348 # محض ليس في النفوس ميل إليهما؛ بل إنما يكونان عن عناد وظلم فهما منكر ~~وظلم محض بالفطرة. فهذه الخصال فساد في القوة العلمية والعملية ms4843 فالصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر سواء كان الضمير عائدا إلى الشيطان أو إلى من يتبع خطوات الشيطان ~~فإن من أتى الفحشاء والمنكر سواء فإن كان الشيطان أمره فهو متبعه مطيعه ~~عابد له وإن كان الآتي هو الآمر فالأمر بالفعل أبلغ من فعله فمن أمر بها ~~غيره رضيها لنفسه. ومن الفحشاء والمنكر استماع العبد مزامير الشيطان ~~والمغني هو مؤذنه الذي يدعو إلى طاعته فإن الغناء رقية الزنا وكذلك من ~~اتباع خطوات الشيطان القول على الله بلا علم {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون} وهذه حال أهل البدع والفجور وكثير ممن ~~يستحل مؤاخاة النساء والمردان وإحضارهم في سماع الغناء ودعوى محبة صورهم ~~لله وغير ذلك مما فتن به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين. ثم إنه سبحانه ~~نهى المظلوم بالقذف أن يمنع ما ينبغي له فعله من الإحسان إلى ذوي قرابته ~~والمساكين وأهل التوبة وأمره بالعفو # PageV15P349 # والصفح؛ فإنهم كما يحبون أن يغفر الله لهم فليعفوا وليصفحوا وليغفروا ولا ~~ريب أن صلة الأرحام واجبة وإيتاء المساكين واجب وإعانة المهاجرين واجب فلا ~~يجوز ترك ما يجب من الإحسان للإنسان بمجرد ظلمه وإساءته في عرضه كما لا ~~يمنع الرجل ميراثه وحقه من الصدقات والفيء بمجرد ذنب من الذنوب وقد يمنع من ~~ذلك لبعض الذنوب. وفي الآية دلالة على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي ~~الأرحام - الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب - فإنه قد ثبت في الصحيح عن عائشة ~~في قصة الإفك أن أبا بكر الصديق حلف أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة وكان أحد ~~الخائضين في الإفك في شأن عائشة وكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر وقد جعله ~~الله من ذوي القربى الذين نهى عن ترك إيتائهم والنهي يقتضي التحريم فإذا لم ~~يجز الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجبا لأن الحلف على ترك الجائز جائز. # فصل: # قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين ms4844 جلدة} وقال فيها {والذين يرمون أزواجهم} ، # PageV15P350 # {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} وقال فيها: {لولا جاءوا ~~عليه بأربعة شهداء} فذكر عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم يقيدهم بكونهم منا ~~ولا ممن نرضى ولا من ذوي العدل كما قيد صفة الشهداء في غير هذا الموضع. # ولهذا تنازع العلماء: هل شهادة الأربعة التي يجب بها الحد على الزاني مثل ~~شهادة أهل الفسوق والعصيان وغيرهم هل تدرأ الحد عن القاذف؟ على قولين في ~~مذهب أحمد. " أحدهما " أنها تدرأ الحد عن القاذف وإن لم توجب حد الزنا على ~~المقذوف كشهادة الزوج على امرأته أربع شهادات بالله فإن ذلك يدرأ حد القذف ~~ولا يجب الحد على امرأته لمجرد ذلك؛ لأنها تدفع العذاب عنها بشهادتها أربع ~~شهادات ولو لم تشهد فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن أو يخلى سبيلها؟ فيه ~~نزاع مشهور بين العلماء فلا يلزم من درء الحد عن القاذف وجوب حد الزنا على ~~المقذوف؛ فإن كلاهما حد والحدود تدرأ بالشبهات والأربع شهادات للقاذف شبهة ~~قوية ولو اعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلاثا درئ الحد عن القاذف ولم يجب ~~الحد عنها عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن - مثل أن يكون مشهورا ~~بالفاحشة - لم يحد قاذفه حد القذف ولم يحد هو حد الزنا لمجرد الاستفاضة، # PageV15P351 # وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد وقد اعتبر نصاب حد الزنا بأربعة شهداء. ~~وكذلك تعتبر صفاتهم فلا يقام حد الزنا على مسلم إلا بشهادة مسلمين لكن ~~يقال: لم يقيدهم بأن يكونوا عدولا مرضيين كما قيدهم في آية الدين بقوله: ~~{ممن ترضون من الشهداء} وقال في آية الوصية: {اثنان ذوا عدل منكم} وقال في ~~آية الرجعة {وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} فقد أمرنا الله ~~سبحانه بأن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضا وهؤلاء هم ~~الممتثلون ما أمرهم الله به بقوله {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى ms4845 بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} الآية. وفي قوله: {وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} وقوله: {ولا تكتموا الشهادة} وقوله: {ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا} وقوله: {والذين هم بشهاداتهم قائمون} فهم يقومون ~~بالشهادة بالقسط لله فيحصل مقصود الذي استشهده. " الوجه الثاني " أن كون ~~شهادتهم مقبولة مسموعة لأنهم أهل العدل والرضى. فدل على وجوب ذلك في القبول ~~والأداء وقد نهى سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله: {إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا} الآية لكن هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره، # PageV15P352 # وأما الفاسقان فصاعدا فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى وما ذكروه من ~~عدد الشهود لا يعتبر في الحكم باتفاق العلماء في مواضع وعند جمهورهم قد ~~يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك ويحكم بشاهد ويمين كما ~~مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه {قضى بشاهد ويمين} رواه أبو ~~داود وغيره من حديث أبي هريرة ورواه مسلم من حديث ابن عباس: {أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين} ورواه غيرهما ويدل على هذا أن الله لم ~~يعتبر عند الأداء هذا القيد: لا في آية الزنا ولا في آية القذف بل قال: ~~{فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء} وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد ولم يأمر به عند ~~خبر الفاسقين فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد؛ ~~ولهذا قال العلماء: إذا استراب الحاكم في الشهود فرقهم وسألهم عن مكان ~~الشهادة وزمانها وصفتها وتحملها وغير ذلك مما يتبين به اتفاقهم واختلافهم. ~~وقوله تعالى {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} فهذا نص في أن هؤلاء القذفة لا ~~تقبل لهم شهادة أبدا واحدا كانوا أو عددا؛ بل لفظ الآية ينتظم العدد على ~~سبيل الجمع والبدل؛ لأن الآية نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث ~~والفقه والتفسير وكان الذين قذفوا # PageV15P353 # عائشة عددا ولم يكونوا واحدا لما رأوها قد قدمت صحبة صفوان بن ms4846 المعطل ~~السلمي بعد قفول العسكر وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها عدمت فرفع أصحاب ~~الهودج هودجها معتقدين أنها فيه لخفتها ولم تكن فيه فلما رجعت لم تجد أحدا ~~من الجيش فمكثت مكانها وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش فلما رآها أعرض بوجهه ~~عنها وأناخ راحلته حتى ركبتها ثم ذهب بها إلى العسكر فكانت خلوته بها ~~للضرورة كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة: مثل ما ~~قدمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة وقصة عائشة. وقد دلت الآية على ~~أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين. ودلت أيضا على أن ~~شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور فإنه كان من جملتهم مسطح بن ~~أثاثة وحسان بن ثابت كما في الصحيح عن عائشة وكان منهم حمنة بنت جحش وغيرها ~~ومعلوم أنه لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون بعده شهادة أحد ~~منهم لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر ~~مكذب بالقرآن وهؤلاء ما زالوا مسلمين وقد نهى الله عن قطع صلتهم ولو ردت ~~شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة وقصة ~~عائشة كانت أعظم من قصة المغيرة؛ لكن من # PageV15P354 # رد شهادة القاذف بعد التوبة قد يقول: أرد شهادة من حد في القذف وهؤلاء لم ~~يحدوا والأولون يجيبون بأجوبة. # أحدها أنه قد روي في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم حد أولئك. ~~والثاني أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن وهم لا يقولون به كما هو ~~مقرر في موضعه. والثالث أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه وقالوا: قد يكون ~~القاذف صادقا وقد يكون كاذبا فإعراض المقذوف عن طلب حد القذف قد يكون لصدق ~~القاذف فإذا طلب الحد ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه ومعلوم أن ~~الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد؛ فإن الله هو الذي ~~برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سموات يتلى فإذا كانت ms4847 شهادتهم بعد ~~توبتهم مقبولة فشهادة غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولى بالقبول وقصة ~~عمر بن الخطاب التي حكم فيها بين المهاجرين والأنصار في شأن المغيرة لما ~~شهد عليه ثلاثة بالزنا وتوقف الرابع عن الشهادة فجلد أولئك الثلاثة ورد ~~شهادتهم دليل على الفصلين جميعا كما دلت قصة عائشة على قبول شهادتهم بعد ~~التوبة والجلد؛ لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل عمر # PageV15P355 # والمسلمون شهادتهما والثالث وهو أبو بكرة مع كونه من أفضلهم لم يتب فلما ~~لم يتب لم يقبل المسلمون شهادته وكان من صالحي المسلمين وقد قال عمر تب ~~أقبل شهادتك؛ لكن إذا كان القرآن قد بين أن القذفة إن لم يأتوا بأربعة ~~شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا ثم قال بعد ذلك: {وأولئك هم الفاسقون} {إلا ~~الذين تابوا} فمعلوم أن قوله: {وأولئك هم الفاسقون} وصف ذم لهم زائد على ما ~~ذكره من رد شهادتهم. # وأما تفسير " العدالة " المشروطة في هؤلاء الشهداء: فإنها الصلاح في ~~الدين والمروءة والصلاح في أداء الواجبات وترك الكبيرة والإصرار على ~~الصغيرة. و " الصلاح في المروءة " استعمال ما يجمله ويزينه واجتناب ما ~~يدنسه ويشينه فإذا وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين ~~الأبرار. وأما أنه لا يستشهد أحد في وصية أو رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة ~~حتى يكون بهذه الصفة فليس في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك؛ بل هذا ~~صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها ~~ومن كان كذلك كان من أولياء الله المتقين. ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون ~~الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها؛ بل قد يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق ~~عباده ما لا يحصيه # PageV15P356 # إلا الله تعالى مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا ومع ذلك لم ~~يجعلوه قادحا في عدالته؛ إما لعدم استشعار كثرة الواجبات وإما لالتفاتهم ~~إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات وليس الأمر كذلك في الشريعة وبالجملة هذا ~~معتبر في باب الثواب والعقاب والمدح والذم والموالاة والمعاداة وهذا ms4848 أمر ~~عظيم. وأما قول من يقول: الأصل في المسلمين العدالة فهو باطل؛ بل الأصل في ~~بني آدم الظلم والجهل كما قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} ~~. ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال الإنسان عن الظلم والجهل إلى ~~العدل. و (باب الشهادة مداره على أن يكون الشهيد مرضيا أو يكون ذا عدل ~~يتحرى القسط والعدل في أقواله وأفعاله والصدق في شهادته وخبره وكثيرا ما ~~يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات؛ كما أن الصفات التي اعتبروها ~~كثيرا ما توجد بدون هذا كما قد رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا؛ لكن يقال: ~~إن ذلك مظنة الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق على صحته: {عليكم بالصدق؛ ~~فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة} الحديث إلى آخره. # PageV15P357 # فالصدق مستلزم للبر كما أن الكذب مستلزم للفجور فإذا وجد الملزوم وهو ~~تحري الصدق وجد اللازم وهو البر وإذا انتفى اللازم وهو البر انتفى الملزوم ~~وهو الصدق وإذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللازم وإذا انتفى ~~اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم وهو الكذب؛ فلهذا استدل بعدم بر الرجل على ~~كذبه وبعدم فجوره على صدقه. فالعدل الذي ذكره الفقهاء من انتفى فجوره وهو ~~إتيان الكبيرة والإصرار على الصغيرة وإذا انتفى ذلك فيه انتفى كذبه الذي ~~يدعوه إلى هذا الفجور والفاسق هو من عدم بره وإذا عدم بره عدم صدقه ودلالة ~~هذا الحديث مبنية على أن الداعي إلى البر يستلزم البر والداعي إلى الفجور ~~يستلزم الفجور. فالخطأ كالنسيان والعمد كالكذب. والله أعلم. # PageV15P358 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # في قوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} - في طرده الكلام على ما يتعلق بهذه الآية ~~وغيرها فقال - وأما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه. " أحدها " أن هذه الآية ~~في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثير من أهل العلم فروى ~~هشيم ms4849 عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بني كاهل قال فسر ابن عباس " سورة النور ~~" فلما أتى على هذه الآية: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} ~~إلى آخر الآية قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله: {إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة قال: فهم ~~رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسره. # PageV15P359 # وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات} نزلت في عائشة خاصة ~~واللعنة في المنافقين عامة فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن ~~يقذف عائشة وأمهات المؤمنين؛ لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعيبه فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له ~~إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه؛ فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيما ولهذا جوز ~~له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف ~~امرأة بحال ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما ~~يلحقه لو كان هو المقذوف. # ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن ### | من قذف امرأة محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها # لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين والرواية الأخرى عنه وهي قول ~~الأكثرين أنه لا حد عليه؛ لأنه أذى لهما لا قذف لهما والحد التام إنما يجب ~~بالقذف وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم أذى كقذفه ومن يقصد عيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق وهذا معنى قول ابن عباس اللعنة ~~في المنافقين عامة. وقد وافق ابن عباس جماعة فروى الإمام أحمد والأشج ms4850 عن ~~خصيف # PageV15P360 # قال سألت سعيد بن جبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ قال: لا؛ بل ~~الزنا قال: قلت: فإن الله تعالى يقول: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة وروى ~~أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية: {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} فقال: هذه الآية لأمهات ~~المؤمنين خاصة وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: هن نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال معمر عن الكلبي: إنما عنى بهذه الآية أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال ~~الله تعالى أو يتوب. ووجه هذا أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب ~~بمجرد القذف فتكون اللام في قوله: {المحصنات الغافلات المؤمنات} لتعريف ~~المعهود والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة ~~الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو يقصر اللفظ العام على سببه ~~للدليل الذي يوجب ذلك. ويؤيد هذا القول: أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على ~~قذف محصنات غافلات مؤمنات وقال في أول السورة: {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} الآية. فرتب الحد ورد الشهادة ~~والفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن يكون # PageV15P361 # المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك - والله ~~أعلم - لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان؛ لأنهن ~~أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة وعوام المسلمات إنما يعلم ~~منهن في الغالب ظاهر الإيمان. ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: {والذي ~~تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليل على ~~اختصاصه بالعذاب العظيم وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا ~~والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل ~~من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا: {ولهم عذاب ms4851 عظيم} فعلم أن الذي ~~رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وتولى كبر الإفك ~~وهذه صفة المنافق ابن أبي والله أعلم أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة ~~أيضا موافقة لتلك الآية لأنه لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن صاحبه في الدنيا والآخرة ولهذا قال ابن عباس ليس فيها ~~توبة؛ لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته أو يريد إذا تاب من ~~القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به ~~أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما ~~بغت امرأة نبي قط. # PageV15P362 # ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في ~~الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة قالت: {فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في ~~أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه ~~إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ~~أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا ~~من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج وكان ~~رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتلنه ~~ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن ~~عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت فثار ~~الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ~~وسكت} وفي رواية أخرى صحيحة أن ms4852 هذه الآية في أزواج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة. ويقول آخرون يعني أزواج المؤمنين عامة وقال أبو سلمة: قذف # PageV15P363 # المحصنات من الموجبات ثم قرأ: {إن الذين يرمون المحصنات} الآية وعن عمر ~~بن قيس قال: قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رواهما الأشج وهذا قول كثير من ~~الناس. ووجهه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه؛ إذ لا موجب ~~لخصوصه وليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم داخل في العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع ~~والسبب في واحدة هنا؛ ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن ~~عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه ~~والفرق بين الآيتين: أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي ~~المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله ~~سبحانه وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه وعن أصحابه: {أن قذف المحصنات من الكبائر} وفي لفظ في ~~الصحيح: {قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.} تم اختلف هؤلاء فقال أبو حمزة ~~الثمالي: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة # PageV15P364 # مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر فعلى هذا يكون ~~فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر ~~الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر وهو ~~بمنزلة من سب النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: إنها نزلت زمن العهد يعني - ~~والله أعلم - أنه عنى بها مثل أولئك المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية ~~نزلت ليالي الإفك وكان الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت ~~بعد ذلك بسنين ومنهم من أجراها على ms4853 ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قذف ~~عائشة وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق وسبب النزول لا بد أن يندرج في العموم ~~ولأنه لا موجب لتخصيصها. والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: ~~{لعنوا في الدنيا والآخرة} على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال في ~~الآية الأخرى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} ~~وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن ~~يلعنهم الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن الله يتولى لعنة بعضهم ~~وهو من كان قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن ~~مخلوقا فلعنه قد يكون بمعنى # PageV15P365 # الدعاء عليهم وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله. ويؤيد هذا أن ~~الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان ~~من الكاذبين فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن يلعنه الله كما ~~أمر الله رسوله أن يباهل من حاجه في المسيح بعد ما جاءه من العلم بأن ~~يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف ومما يلعن ~~به أن يجلد وأن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن ~~والقبول وهي من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا ~~والآخرة فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن أسباب ~~الرحمة في الدارين. ومما يؤيد الفرق أنه قال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} ولم يجئ إعداد العذاب ~~المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} ~~وقوله: {وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} وقوله: {فباءوا ~~بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب ~~مهين} {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ms4854 مهين} {وإذا علم من ~~آياتنا # PageV15P366 # شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} {وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين ~~عذاب مهين} {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين.} وأما ~~قوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين} فهي - والله أعلم - فيمن جحد الفرائض واستخف بها على أنه لم ~~يذكر أن العذاب أعد له. وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في ~~قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وقوله: {ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} ~~وفي المحارب {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وفي القاتل ~~{وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقوله: {ولا تتخذوا أيمانكم ~~دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم ~~عذاب عظيم} وقد قال سبحانه: {ومن يهن الله فما له من مكرم} وذلك لأن ~~الإهانة إذلال وتحقير وخزي وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل ~~الكريم ولا يهان فلما قال في هذه الآية: {وأعد لهم عذابا مهينا} علم أنه من ~~جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين ولما قال هناك: {ولهم عذاب # PageV15P367 # عظيم} جاز أن يكون من جنس العذاب في قوله: {لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب ~~عظيم.} ومما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه قال هناك: {وأعد لهم عذابا مهينا} ~~والعذاب إنما أعد للكافرين؛ فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها وما ~~هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله ~~لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين قال سبحانه {واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين} فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا وأن يتقوا ~~الله وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول ~~النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي مع أنها معدة للكافرين لا لهم. ولذلك ~~جاء في الحديث: {أما ms4855 أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا ~~يحيون وأما أقوام لهم ذنوب فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم الله منها.} ~~وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان لا ~~يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشئ الله ~~لما فضل منها خلقا آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء إنما ~~يعد لمن يستوجبه ويستحقه ولمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق ~~التبع أو لسبب آخر. والله أعلم. # PageV15P368 # وقال شيخ الإسلام: # فصل # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} إلى قوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما جعل الاستئذان من أجل ~~النظر} . والنظر المنهي عنه هو نظر العورات ونظر الشهوات وإن لم تكن من ~~العورات. والله سبحانه ذكر ### | الاستئذان على نوعين. # ذكر في هذه الآية أحدهما وفي الآيتين في آخر السورة النوع الثاني وهو ~~استئذان الصغار والمماليك كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة ~~الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} فأمر باستئذان الصغار والمماليك حين ~~الاستيقاظ من النوم وحين إرادة النوم، # PageV15P369 # وحين القائلة؛ فإن في هذه الأوقات تبدو العورات كما قال تعالى: {ثلاث ~~عورات لكم} . وفي ذلك ما يدل على أن المملوك المميز والمميز من الصبيان: ~~ليس له أن ينظر إلى عورة الرجل كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الصبي ~~والمملوك وغيرهما. وأما دخول هؤلاء في غير هذه الأوقات بغير استئذان فهو ~~مأخوذ من قوله تعالى {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم ~~على بعض} . وفي ذلك دلالة على أن الطوافين يرخص فيهم ما لا يرخص في غير ~~الطوافين عليكم والطوافات والطواف من يدخل ms4856 بغير إذن كما تدخل الهرة وكما ~~يدخل الصبي والمملوك وإذا كان هذا في الصبي المميز فغير المميز أولى. ويرخص ~~في طهارته كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في الصبيان ~~والهرة وغيرهم: أنهم إن أصابتهم نجاسة أنها تطهر بمرور الريق عليها ولا ~~تحتاج إلى غسل؛ لأنهم من الطوافين كما أخبر به الرسول في الهرة مع علمه ~~أنها تأكل الفأرة ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ليقال طهر فمها ~~بورودها الماء فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل فالاستئذان في ~~أول السورة قبل دخول # PageV15P370 # البيت مطلقا والتفريق في آخرها لأجل الحاجة لأن المملوك والصغير طواف ~~يحتاج إلى دخول البيت في كل ساعة فشق استئذانه بخلاف المحتلم. # وقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} ~~الآية إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} . ~~فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج كما أمرهم ~~جميعا بالتوبة وأمر النساء خصوصا بالاستتار وأن لا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب ~~الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر؛ فإن ~~هذه لا بد من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد. وقال ~~ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة وهي الرواية الثانية عن أحمد ~~وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره. وأمر سبحانه النساء بإرخاء ~~الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين وهذا دليل على القول الأول وقد ذكر عبيدة ~~السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن ~~حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق وثبت في الصحيح: {أن المرأة ~~المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين} وهذا مما يدل على أن النقاب # PageV15P371 # والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن ~~وأيديهن. وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره ~~فقال: {ولا يضربن بأرجلهن ms4857 ليعلم ما يخفين من زينتهن} وقال: {وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن} فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن وأرخينها ~~على أعناقهن. و " الجيب " هو شق في طول القميص. فإذا ضربت المرأة بالخمار ~~على الجيب سترت عنقها. وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها والإرخاء إنما ~~يكون إذا خرجت من البيت فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك وقد ثبت في ~~الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى ~~عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت ~~يمينه فضرب عليها الحجاب} وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن ~~وأيديهن. والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضي ~~الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أي لكاع فيظهر ~~من الأمة رأسها ويداها ووجهها. # PageV15P372 # وقال تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح ~~أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن} . فرخص للعجوز التي ~~لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب وإن ~~كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها كما استثنى ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم لعدم الشهوة التي ~~تتولد منها الفتنة وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي ~~من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها. وليس في الكتاب والسنة إباحة ~~النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم ~~يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق ~~بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر ~~دون الإماء واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن ~~احتجابا واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنع من إبداء الزينة ~~الخفية لهم لعدم ms4858 الشهوة في هؤلاء وهؤلاء فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى ~~وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها. وكما أن ~~المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز # PageV15P373 # إبداء الزينة الخفية له فالخطاب خرج عاما على العادة فما خرج عن العادة ~~خرج به عن نظائره فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ~~ذلك كما لو كانت في غير ذلك وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء: لو ~~كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر ~~من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء والصبيان إذا كن ~~حسانا تختشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ذلك العلماء # قال المروذي قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل - الرجل ينظر إلى ~~المملوك قال: إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه كم نظرة ألقت في قلب صاحبها ~~البلاء: وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: رجل تاب وقال: لو ضرب ظهري ~~بالسياط ما دخلت في معصية إلا أنه لا يدع النظر فقال: أي توبة هذه {قال ~~جرير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك} . ~~وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي وسويد قالا: حدثني إبراهيم بن هراسة عن ~~عثمان بن صالح عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم ~~صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى. وهذا الاستدلال والقياس ~~والتنبيه بالأدنى على الأعلى وكان يقال: # PageV15P374 # لا يبيت الرجل في بيت مع الغلام الأمرد وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن ~~أبي سهل الصعلوكي: قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة ~~أصناف. صنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون ذلك العمل. وقال إبراهيم ~~النخعي: كانوا يكرهون مجالسة الأغنياء وأبناء الملوك وقال: مجالستهم فتنة ~~إنما هم بمنزلة النساء. ووقفت جارية لم ير أحسن وجها منها على بشر الحافي ~~فسألته عن باب حرب فدلها ثم وقف عليه غلام حسن الوجه ms4859 فسأله عن باب حرب ~~فأطرق رأسه فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه فقيل له: يا أبا نصر جاءتك ~~جارية فسألتك فأجبتها وجاءك هذا الغلام فسألك فلم تكلمه فقال: نعم. يروى عن ~~سفيان الثوري أنه قال: مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي ~~شيطانيه. وروى أبو الشيخ القزويني بإسناده عن بشر أنه قال: احذروا هؤلاء ~~الأحداث وقال فتح الموصلي: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم ~~أوصاني عند مفارقتي له: اتق صحبة الأحداث: اتق معاشرة الأحداث. وكان سفيان ~~الثوري لا يدع أمرد يجالسه وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع ~~فاحتال هشام فدخل في غمار الناس مستترا بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر ~~حديثا فأخبر بذلك مالك فضربه ستة عشر سوطا فقال هشام: ليتني سمعت # PageV15P375 # مائة حديث وضربني مائة سوط وكان يقول: هذا علم إنما أخذناه عن ذوي اللحى ~~والشيوخ فلا يحمله عنا إلا أمثالهم وقال يحيى بن معين: ما طمع أمرد أن ~~يصحبني ولا أحمد بن حنبل في طريق. وقال أبو علي الروذباري: قال لي أبو ~~العباس أحمد بن المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس ~~بالأحداث وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور؟ فقال: هيهات قد رأينا من ~~هو أقوى منهم إيمانا إذا رأى الحدث قد أقبل فر منه كفراره من الأسد وإنما ~~ذاك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فيأخذها تصرف الطباع ما ~~أكثر الخطأ ما أكثر الغلط قال الجنيد بن محمد جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه ~~غلام أمرد حسن الوجه فقال له: من هذا الفتى فقال الرجل: ابني فقال لا تجئ ~~به معك مرة أخرى فلامه بعض أصحابه في ذلك فقال أحمد: على هذا رأينا أشياخنا ~~وبه أخبرونا عن أسلافهم. وجاء حسن بن الرازي إلى أحمد ومعه غلام حسن الوجه ~~فتحدث معه ساعة فلما أراد أن ينصرف قال له أحمد: يا أبا علي لا تمش مع هذا ~~الغلام في طريق فقال: يا أبا ms4860 عبد الله إنه ابن أختي قال: وإن كان: لا يأثم ~~الناس فيك وروى ابن الجوزي بإسناده عن # PageV15P376 # سعيد بن المسيب قال: إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى الغلام الأمرد ~~فاتهموه وقد روي في ذلك أحاديث مسندة ضعيفة وحديث مرسل أجود منها وهو ما ~~رواه أبو محمد الخلال. ثنا عمر بن شاهين ثنا محمد بن أبي سعيد المقري. ثنا ~~أحمد بن حماد المصيصي ثنا عباس بن مجوز ثنا أبو أسامة عن مجالد عن سعيد عن ~~الشعبي قال: {قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم ~~غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهره وقال ~~كانت خطيئة داود في النظر} هذا حديث منكر. وأما المسندة فمنها ما رواه ابن ~~الجوزي بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من نظر ~~إلى غلام أمرد بريبة حبسه الله في النار أربعين عاما} وروى الخطيب البغدادي ~~بإسناده عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تجالسوا ~~أبناء الملوك؛ فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق} ~~إلى غير ذلك من الأحاديث الضعيفة. # وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة: مثل ابن زوجها وابنه وابن ~~أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما: متى كان يخاف عليه الفتنة ~~أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب. وهذه المواضع التي أمر الله تعالى ~~بالاحتجاب فيها مظنة الفتنة؛ ولهذا قال تعالى: # PageV15P377 # {ذلك أزكى لهم} فقد تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكى وإذا كان ~~النظر والبروز قد انتفى فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب ~~واللذة بالنظر كان ترك النظر والاحتجاب أولى بالوجوب ولا زكاة بدون حفظ ~~الفرج من الفاحشة؛ لأن حفظه يتضمن حفظه عن الوطء به في الفروج والأدبار ~~ودون ذلك وعن المباشرة ومس الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إليه فعليه أن ~~يحفظ فرجه عن نظر الغير ومسه. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث ms4861 {بهز ~~بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما ~~نذر فقال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال: فإذا كان القوم ~~بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قال: فإذا كان ~~أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} وقد {نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن تباشر المرأة المرأة في شعار واحد وأن يباشر الرجل الرجل ~~في شعار واحد} و {نهى عن المشي عراة} {ونهى عن أن ينظر الرجل إلى عورة ~~الرجل وأن تنظر المرأة إلى عورة المرأة} وقال: {من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر} وفي رواية: {من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام إلا بمئزر} . # PageV15P378 # وقال العلماء: يرخص للنساء في الحمام عند الحاجة كما يرخص للرجال مع غض ~~البصر وحفظ الفرج وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء أو عليها غسل لا يمكنها ~~إلا في الحمام. وأما إذا اعتادت الحمام وشق عليها تركه فهل يباح لها على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما لا يباح والثاني يباح وهو مذهب أبي حنيفة ~~واختاره ابن الجوزي. # وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى المحرمات ~~فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه وقد ~~ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان وذلك أن البيوت سترة ~~كالثياب التي على البدن كما جمع بين اللباسين في قوله تعالى {والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم} فكل منهما وقاية من الأذى الذي يكون سموما مؤذيا ~~كالحر والشمس والبرد وما يكون من بني آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك. ~~وقد ذكر في أول " سورة النحل " أصول النعم وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من ~~المهلكات وذكر في أثنائها تمام النعم وما ms4862 يدفع الحر فإنه من المؤذيات ثم ~~قال: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم # PageV15P379 # تسلمون} وفي الصحيحين عن {أبي هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: إذا اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما ~~كان عليك من جناح} وهذا الخاص يفسر العام الذي في الصحيح عن {عبد الله بن ~~مغفل: أنه رأى رجلا يخذف قال: لا تخذف؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الخذف} وقال: إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها تكسر السن ~~وتفقأ العين " وفي الصحيحين عن سهل بن سعد {أن رجلا اطلع في حجرة في باب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه ~~فقال لو أعلم أنك تنظر إلي لطعنت به في عينك؛ إنما جعل الاستئذان من أجل ~~البصر} . وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل؛ لأن الناظر ~~معتد بنظره فيدفع كما يدفع سائر البغاة ولو كان الأمر كما قالوا لدفع ~~بالأسهل فالأسهل. ولم يجز قلع عينه ابتداء إذا لم يذهب إلا بذلك والنصوص ~~تخالف ذلك؛ فإنه أباح أن تخذفه حتى تفقأ عينه قبل أمره بالانصراف وكذلك ~~قوله {لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك} فجعل نفس النظر مبيحا للطعن في ~~العين ولم يذكر الأمر له بالانصراف وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له ~~على ذلك حيث جنى هذه الجناية على حرمة صاحب البيت فله أن يفقأ عينه بالحصى ~~والمدرى. # PageV15P380 # والنظر إلى العورات حرام داخل في قوله تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش} ~~وفي قوله: {ولا تقربوا الفواحش} فإن الفواحش وإن كانت ظاهرة في المباشرة ~~بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك من الملامسة والنظر وغير ذلك وكما في قصة ~~لوط: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} {أتأتون الفاحشة ~~وأنتم تبصرون} وقوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} . فالفاحشة أيضا ~~تتناول كشف العورة وإن لم يكن في ذلك مباشرة ms4863 كما قال تعالى: {وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} وهذه الفاحشة هي طوافهم بالبيت عراة ~~وكانوا يقولون لا نطوف بثياب عصينا الله فيها؛ إلا الحمس فإنهم كانوا ~~يطوفون في ثيابهم وغيرهم إن حصل له ثياب من الحمس طاف فيها وإلا طاف عريانا ~~وإن طاف بثيابه حرمت عليه فألقاها فكانت تسمى لقاء وكذلك المرأة إذا لم ~~يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها ويدها الأخرى على دبرها وطافت وتقول: ~~اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله وقد سمى الله ذلك فاحشة وقوله ~~في سياق ذلك: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} يتناول كشف ~~العورة أيضا وإبداءها ويؤكد ذلك أن إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمى ~~فحشاء وتفحشا فكشف الأعضاء والفعل للبصر ككشف ذلك للسمع. # PageV15P381 # وكل واحد من الكشفين يسمى وصفا كما قال عليه السلام {لا تنعت المرأة ~~المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها} ويقال: فلان يصف فلانا وثوب يصف البشرة ~~ثم إن كل واحد من إظهار ذلك للسمع والبصر يباح للحاجة؛ بل يستحب إذا لم ~~يحصل المستحب أو الواجب إلا بذلك {كقول النبي صلى الله عليه وسلم لماعز: ~~أنكتها} وكقوله {من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا} . ~~والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتتناول إظهار الفعل وأعضاءه وهذا ~~كما أن ذلك يتناول ما فحش وإن كان بعقد نكاح كقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} فأخبر ~~أن هذا النكاح فاحشة وقد قيل إن هذا من الفواحش الباطنة فظهر أن الفاحشة ~~تتناول العقود الفاحشة كما تتناول المباشرة بالفاحشة؛ فإن قوله: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} يتناول العقد والوطء. وفي قوله: {ما ظهر ~~منها وما بطن} عموم لأنواع كثيرة من الأقوال والأفعال وأمر تعالى بحفظ ~~الفرج مطلقا بقوله: {ويحفظوا فروجهم} وبقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} الآيات. وقال: {والحافظين فروجهم ~~والحافظات} فحفظ الفرج ms4864 مثل قوله: {والحافظون لحدود الله} وحفظها هو صرفها ~~عما لا يحل. # PageV15P382 # وأما الأبصار فلا بد من فتحها والنظر بها وقد يفجأ الإنسان ما ينظر إليه ~~بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها كما أمر ~~لقمان ابنه بالغض من صوته. وأما قوله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله} الآية فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقا فهم مأمورون ~~بذلك في مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده صلى الله عليه وسلم وأما غض الصوت ~~مطلقا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو غض خاص ممدوح ويمكن العبد أن ~~يغض صوته مطلقا في كل حال ولم يؤمر العبد به؛ بل يؤمر برفع الصوت في مواضع: ~~إما أمر إيجاب أو استحباب فلهذا قال: {واغضض من صوتك} فإن الغض في الصوت ~~والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه فبالسمع يدخل القلب وبالصوت يخرج ~~منه كما جمع العضوين في قوله: {ألم نجعل له عينين} {ولسانا وشفتين} فبالعين ~~والنظر يعرف القلب الأمور واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور هذا ~~رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه وهذا ترجمانه. # ثم قال تعالى: {ذلكم أزكى لكم وأطهر} وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا} وقال في آية الاستئذان: # PageV15P383 # {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} وقال: {فاسألوهن من وراء حجاب ~~ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} وقال: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم ~~وأطهر} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد} وقال في دعاء الجنازة: {واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من ~~خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس} . فالطهارة - والله أعلم - هي من ~~الذنوب التي هي رجس والزكاة تتضمن معنى الطهارة التي هي عدم الذنوب ومعنى ~~النماء بالأعمال الصالحة: مثل المغفرة والرحمة ومثل النجاة من العذاب ~~والفوز بالثواب ومثل عدم الشر وحصول الخير؛ فإن الطهارة تكون من الأرجاس ~~والأنجاس ms4865 وقد قال تعالى: {إنما المشركون نجس} وقال: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} وقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} ~~وقال عن المنافقين: {فأعرضوا عنهم إنهم رجس} . وقال عن قوم لوط: {ونجيناه ~~من القرية التي كانت تعمل الخبائث} وقال اللوطية عن لوط وأهله: {أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون} قال مجاهد: عن أدبار الرجال ويقال في دخول ~~الغائط {أعوذ بك من الخبث والخبائث} ومن الرجس النجس الخبيث # PageV15P384 # المخبث وهذه النجاسة تكون من الشرك والنفاق والفواحش والظلم ونحوها وهي ~~لا تزول إلا بالتوبة عن ترك الفاحشة وغيرها فمن تاب منها فقد تطهر وإلا فهو ~~متنجس وإن اغتسل بالماء من الجنابة فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة ولا يرفع ~~عنه نجاسة الفاحشة التي قد تنجس بها قلبه وباطنه؛ فإن تلك نجاسة لا يرفعها ~~الاغتسال بالماء وإنما يرفعها الاغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى ~~الممات. وهذا معنى ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره: ثنا سويد بن سعيد ثنا ~~مسلم بن خالد عن إسماعيل بن كثير عن مجاهد قال: لو أن الذي يعمل - يعني عمل ~~قوم لوط - اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا. ورواه ~~ابن الجوزي وروى القاسم بن خلف في " كتاب ذم اللواط " بإسناده عن الفضيل بن ~~عياض أنه قال: لو أن لوطيا اغتسل بكل قطرة نزلت من السماء للقي الله غير ~~طاهر. وقد روى أبو محمد الخلال عن العباس الهاشمي ذلك مرفوعا. وحديث ~~إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: اللوطيان لو اغتسلا بماء البحر لم يجزهما ~~إلا أن يتوبا ورفع مثل هذا الكلام منكر؛ وإنما هو معروف من كلام السلف. ~~وكذلك روي عن {أبي هريرة وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال في خطبته: من نكح امرأة في دبرها # PageV15P385 # أو غلاما أو رجلا: حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتى ~~يدخله الله نار جهنم ويحبط الله عمله ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويجعل في ~~تابوت من نار ويسمر ms4866 عليه بمسامير من حديد فتشك تلك المسامير في وجهه وجسده} ~~قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب وذلك أن تارك اللواط متطهر كما دل عليه ~~القرآن ففاعله غير متطهر من ذلك فيكون متنجسا؛ فإن ضد الطهارة النجاسة؛ لكن ~~النجاسة أنواع مختلفة: تختلف أحكامها. ومن هاهنا غلط بعض الناس من الفقهاء؛ ~~فإنهم لما رأوا ما دل عليه القرآن من طلب طهارة الجنب بقوله: {وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا} قالوا: فيكون الجنب نجسا وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي ~~هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن المؤمن لا ينجس} لما انخنس ~~منه وهو جنب وكره أن يجالسه فهذه النجاسة التي نفاها النبي صلى الله عليه ~~وسلم هي نجاسة الطهارة بالماء التي ظنها أبو هريرة والجنابة تمنع الملائكة ~~أن تدخل بيتا فيه جنب وقال أحمد: إذا وضع الجنب يده في ماء قليل أنجس الماء ~~فظن بعض أصحابه أنه أراد النجاسة الحسية وإنما أراد الحكمية فإن الفرع لا ~~يكون أقوى من الأصل ولا يكون الماء أعظم من البدن؛ بل غايته أن يقوم به ~~المانع الذي قام بالبدن والجنب ظاهره ممنوع من الصلاة فيكون الماء كذلك ~~طاهرا لا يتوضأ به للصلاة. # PageV15P386 # وأما الزكاة فهي متضمنة النماء والزيادة كالزرع وإن كانت الطهارة قد تدخل ~~في معناها؛ فإن الشيء إذا تنظف مما يفسده زكا ونما وصلح وزاد في نفسه ~~كالزرع ينفى من الدغل قال الله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا ~~منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} ~~وقال: {قد أفلح من زكاها} وقال: {فارجعوا هو أزكى لكم} فإن الرجوع عمل صالح ~~يزيد المؤمن زكاة وطهارة وقال: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} فإن ذلك مجانبة ~~لأسباب الريبة؛ وذلك من نوع مجانبة الذنوب والبعد عنها ومباعدتها فأخبر أن ~~ذلك أطهر لقلوب الطائفتين. وأما الآية التي نحن فيها وهي قوله: {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} فالغض من البصر ~~وحفظ الفرج يتضمن البعد عن ms4867 نجاسة الذنوب ويتضمن الأعمال الصالحة التي يزكو ~~بها الإنسان وهو أزكى والزكاة تتضمن الطهارة؛ فإن فيها معنى ترك السيئات ~~ومعنى فعل الحسنات ولهذا تفسر تارة بالطهارة وتارة بالزيادة والنماء ~~ومعناها يتضمن الأمرين وإن كان قرن الطهارة معها في الذكر مثل قوله: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب وتوجب ~~الزكاة التي هي العمل الصالح كما أن الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم # PageV15P387 # وهما يكونان باجتناب الذنوب وحفظ الجوارح ويكونان بالتوبة والصدقة التي ~~هي الإحسان وهذان هما التقوى والإحسان و {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون} . وقد روى الترمذي وصححه {أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما أكثر ~~ما يدخل الناس النار؟ فقال: الأجوفان: الفم والفرج وسئل عن أكثر ما يدخل ~~الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق} فيدخل في تقوى الله حفظ الفرج ~~وغض البصر ويدخل في حسن الخلق الإحسان إلى الخلق والامتناع من إيذائهم وذلك ~~يحتاج إلى الصبر والإحسان إلى الخلق يكون عن الرحمة والله تعالى يقول: ~~{وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} . وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا كما قدمها ~~في قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} فإن ~~اجتناب الذنوب يوجب الزكاة التي هي زوال الشر وحصول الخير والمفلحون هم ~~الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات كما وصفهم في أول سورة البقرة فقال: ~~{الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} الآيات: وقال: {قد أفلح من ~~زكاها} فإذا كان قد أخبر أن هؤلاء مفلحون وأخبر أن المفلحين هم المتقون: ~~{الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} وأخبر أن من زكى ~~نفسه فهو مفلح: دل ذلك على # PageV15P388 # أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة في أول سورة البقرة. وقوله: {ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم} وقوله: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} فالتزكية ~~من العباد لأنفسهم هي إخبارهم عن أنفسهم بكونها زاكية واعتقاد ذلك؛ لا نفس ~~جعلها زاكية وقال تعالى عن إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ms4868 يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} وقال: {لقد من الله على ~~المؤمنين} الآية وقال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} الآية فامتن ~~سبحانه على العباد بإرساله في عدة مواضع فهذه أربعة أمور أرسله بها: تلاوة ~~آياته عليهم وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة. وقد أفرد تعليمه الكتاب ~~والحكمة بالذكر مثل قوله: {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} . ~~وقوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} وذلك أن التلاوة ~~عليهم وتزكيتهم أمر عام لجميع المؤمنين؛ فإن التلاوة هي تبليغ كلامه تعالى ~~إليهم وهذا لا بد منه لكل مؤمن وتزكيتهم هو جعل أنفسهم زكية بالعمل الصالح ~~الناشئ عن الآيات التي سمعوها وتليت عليهم فالأول سمعهم والثاني طاعتهم ~~والمؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا. الأول علمهم والثاني عملهم والإيمان قول ~~وعمل فإذا سمعوا آيات الله وعوها بقلوبهم وأحبوها وعملوا بها ولم يكونوا ~~كمن قال فيهم: {ومثل الذين كفروا كمثل # PageV15P389 # الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وإذا ~~عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين. والله قال: {يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وقال في ضدهم: {الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} فأخبر أنهم ~~أعظم كفرا ونفاقا وجهلا وذلك ضد الإيمان والعلم فاستماع آيات الله والتزكي ~~بها أمر واجب على كل أحد فإنه لا بد لكل عبد من سماع رسالة سيده التي أرسل ~~بها رسوله إليه وهذا هو السماع الواجب الذي هو أصل الإيمان ولا بد من ~~التزكي بفعل المأمور وترك المحظور فهذان لا بد منهما. # وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية؛ لا يجب على كل أحد ~~بعينه أن يكون عالما بالكتاب: لفظه ومعناه عالما بالحكمة جميعها؛ بل ~~المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم كما هم مخاطبون بالجهاد بل وجوب ~~ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد؛ فإنه أصل الجهاد ولولاه لم يعرفوا علام ~~يقاتلون ولهذا كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل ms4869 قيامهم بالجهاد فالجهاد ~~سنام الدين وفرعه وتمامه وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه ومقصود الرسالة فعل ~~الواجبات والمستحبات جميعا ولا ريب أن استماع كتاب الله والإيمان به وتحريم ~~حرامه وتحليل حلاله. والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب # PageV15P390 # على كل أحد وهذا هو التلاوة المذكورة في: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه ~~حق تلاوته أولئك يؤمنون به} . فأخبر عن الذين يتلونه حق تلاوته أنهم يؤمنون ~~به وبه قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم وقوله: {حق تلاوته} ~~كقوله {وجاهدوا في الله حق جهاده} {اتقوا الله حق تقاته} . وأما حفظ جميع ~~القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فلا يجب على كل أحد؛ لكن يجب ~~على العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه ~~وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن؟ فيه خلاف ولكن هذه المعرفة الحكمية التي ~~تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التي علمها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه وأمته؛ بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ~~من الألفاظ والمعاني والأفعال والمقاصد ولا يجب هذا على كل أحد. # وقوله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} دليل على أن الزكاة هي ~~التقوى والتقوى تنتظم الأمرين جميعا؛ بل ترك السيئات مستلزم لفعل الحسنات ~~إذ الإنسان حارث همام ولا يدع إرادة السيئات وفعلها إلا بإرادة الحسنات ~~وفعلها؛ إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعا؛ بل الإنسان بالطبع مريد فعال ~~وهذا دليل على أن هذا يكون سببه # PageV15P391 # الزكاة والتقوى التي بها يستحق الإنسان الجنة كما في صحيح البخاري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تكفل لي بحفظ ما بين لحييه ورجليه ~~أتكفل له بالجنة} . ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة؛ والزكاة متضمنة حصول ~~الخير وزوال الشر فإذا حصل الخير وزال الشر - من العلم والعمل - حصل له نور ~~وهدى ومعرفة وغير ذلك والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية وغير ذلك. هذا لمن ~~ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك ms4870 أيضا قدرة وسلطانا وهذه ~~صفات الكمال: العلم والعمل والقدرة. وحسن الإرادة وقد جاءت الآثار بذلك ~~وأنه يحصل لمن غض بصره نور في قلبه ومحبة كما جرب ذلك العالمون العاملون. ~~وفي مسند أحمد حدثنا عتاب عن عبد الله - وهو ابن المبارك - أنا يحيى بن ~~أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا ~~أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها} . ورواه أبو بكر بن الأنباري في أماليه من ~~حديث ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب به ولفظه: {من نظر إلى امرأة فغض بصره ~~عند أول دفعة رزقه الله عبادة يجد حلاوتها} . وقد رواه أبو نعيم في الحلية: # PageV15P392 # حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن يعقوب: قال: ~~حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن ~~مرة عن ابن عمر: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {النظرة الأولى خطأ ~~والثانية عمد والثالثة تدبر نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام ~~إبليس من تركه خشية الله ورجاء ما عنده أثابه الله تعالى بذلك عبادة تبلغه ~~لذتها} رواه أبو جعفر الخرائطي في " كتاب اعتلال القلوب " ثنا علي بن حرب ~~ثنا إسحاق بن عبد الواحد ثنا هشيم ثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن ~~دثار عن جبلة عن حذيفة ابن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه خوفا من الله أثابه ~~الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه} . وقد رواه أبو محمد الخلال من حديث عبد ~~الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي وفيه ذكر السهم. ورواه أبو نعيم: ~~ثنا عبد الله بن محمد هو أبو الشيخ ثنا ابن عفير قال ثنا شعيب بن سلمة ثنا ~~عصمة بن محمد عن موسى يعني ابن ms4871 عقبة عن القاسم بن محمد عن عائشة: قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما من عبد يكف بصره عن محاسن امرأة ولو شاء ~~أن ينظر إليها لنظر إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها} وروى ابن أبي ~~الفوارس من طريق # PageV15P393 # ابن الجوزي عن محمد بن المسيب ثنا عبد الله قال حدثني الحسن عن مجاهد ~~قال: " غض البصر عن محارم الله يورث حب الله " وقد روى مسلم في صحيحه من ~~حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده ~~{جرير بن عبد الله البجلي: قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر ~~الفجأة فأمرني أن أصرف بصري} ورواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس به ورواه ~~أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضا وقال: الترمذي حسن صحيح. وفي ~~رواية قال: {أطرق بصرك} أي انظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى ~~الأرض أو إلى جهة أخرى. وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ~~حدثنا شريك عن ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: {قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي لا تتبع النظرة النظرة. فإن لك ~~الأولى وليست لك الأخرى} ورواه الترمذي من حديث شريك وقال غريب لا نعرفه ~~إلا من حديثه وفي الصحيح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{إياكم والجلوس على الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نقعد ~~فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا ~~وما حق الطريق # PageV15P394 # يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر} وروى أبو القاسم البغوي عن {أبي أمامة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: اكفلوا لي ستا أكفل لكم الجنة: إذا حدث ~~أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف: غضوا أبصاركم وكفوا ~~أيديكم واحفظوا ms4872 فروجكم} . فالنظر داعية إلى فساد القلب. قال بعض السلف: ~~النظر سهم سم إلى القلب فلهذا أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بغض الأبصار ~~التي هي بواعث إلى ذلك وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن يزيد عن القاسم ~~عن أبي أمامة مرفوعا: {لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو ~~لتكسفن وجوهكم} وقال الطبراني حدثنا أحمد بن زهير التستري قال قرأنا على ~~محمد بن حفص بن عمر الضرير المقري: حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثنا هزيم بن ~~سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن ~~مسعود قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النظر سهم من سهام إبليس ~~مسموم فمن تركه من مخافة الله أبدله الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه} وفي ~~حديث أبي هريرة الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {زنا العينين النظر} ~~وذكر الحديث رواه البخاري تعليقا ومسلم مسندا وقد كانوا ينهون # PageV15P395 # أن يحد الرجل بصره إلى المردان وكانوا يتهمون من فعل ذلك في دينه. وقد ~~ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال ~~بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. قال شيخ الإسلام: وأما النور والعلم والحكمة فقد ~~دل عليه قوله تعالى في قصة يوسف: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك ~~نجزي المحسنين} فهي لكل محسن. وفي هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر ~~وحفظ الفرج وأمره بالتوبة مما لا بد منه أن يدرك ابن آدم من ذلك. وقال أبو ~~عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا الحسين الوراق يقول: من غض بصره عن محرم أورثه ~~الله بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها ويهدي بها إلى طريق مرضاته. وهذا لأن ~~الجزاء من جنس العمل؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو ~~أحب إليه منه وإذا كان النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله ~~أعطاه الله نورا في قلبه وبصرا يبصر به الحق. قال شاه الكرماني: من غض ms4873 بصره ~~عن المحارم وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعود نفسه أكل ~~الحلال وكف نفسه عن الشهوات: لم تخطئ له فراسة وإذا صلح علم الرجل فعرف ~~الحق وعمله واتبع الحق: صار زكيا تقيا مستوجبا للجنة. # PageV15P396 # ويؤيد ذلك حديث أبي أمامة المشهور من رواية البغوي: حدثنا طالوت بن عباد ~~حدثنا فضالة بن جبير سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: {اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا ~~اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا ~~فروجكم} . فقد كفل بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال فالثلاثة الأولى تبرئة من ~~النفاق والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق والمخاطبون مسلمون فإذا لم يكن ~~منافقا كان مؤمنا وإذا لم يكن فاسقا كان تقيا فيستحق الجنة. ويوافق ذلك ما ~~رواه ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني حدثني عمر بن سهل المازني قال ~~حدثني عمر بن محمد بن صهبان حدثني صفوان بن سليم عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن ~~محارم الله وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية ~~الله} . # وقوله سبحانه: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه} يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور وغير ذلك من ~~متاع الدنيا: أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله إليهما كما في ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV15P397 # {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم} وقد قال تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا} ~~وذلك أن الله يمتع بالصور كما يمتع بالأموال وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا ~~وكلاهما يفتن أهله وأصحابه وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى. والهلكى ~~رجلان. فمستطيع وعاجز فالعاجز مفتون بالنظر ومد العين إليه والمستطيع مفتون ~~فيما ms4874 أوتي منه غارق قد أحاط به ما لا يستطيع إنقاذ نفسه منه. وهذا المنظور ~~قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقا أو فاسقا كما يعجبه المسموع منهم ~~قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب ~~مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله} فهذا تحذير من ~~الله تعالى من النظر إليهم واستماع قولهم فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم ~~فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم وأن قولهم يعجب ~~السامعين. ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله: {كأنهم خشب مسندة} فهذا ~~مثل قلوبهم وأعمالهم وقال تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا} الآية: وقد قال تعالى في قصة قوم لوط: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ~~. والتوسم من السمة وهي العلامة فأخبر # PageV15P398 # سبحانه أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين. وفي الترمذي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله} ثم قرأ: ~~{إن في ذلك لآيات للمتوسمين} فدل ذلك على أن من اعتبر بما عاقب الله به ~~غيره من أهل الفواحش كان من المتوسمين. وأخبر تعالى عن اللوطية أنه طمس ~~أبصارهم فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس الأبصار كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد ~~منهم. وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لأفعالهم إعطاء الأنوار وهذا مناسب ~~لذكر آية النور عقيب غض الأبصار. وأما القدرة والقوة التي يعطيها الله لمن ~~اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف كما جاء {إن الذي يترك هواه يفرق الشيطان ~~من ظله} وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ليس الشديد بالصرعة ~~إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} وفي رواية: {أنه مر بقوم يخذفون ~~حجرا فقال: ليس الشدة في هذا وإنما الشدة في أن يمتلئ أحدكم غيظا ثم يكظمه ~~لله} أو كما قال. وهذا ذكره في الغضب؛ لأنه معتاد لبني آدم كثيرا ويظهر ~~للناس. وسلطان الشهوة يكون في الغالب مستورا عن أعين الناس وشيطانها خاف ~~ويمكن في كثير من الأوقات الاعتياض ms4875 بالحلال عن # PageV15P399 # الحرام وإلا فالشهوة إذا اشتعلت واستولت قد تكون أقوى من الغضب وقد قال ~~تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} أي ضعيفا عن النساء لا يصبر عنهن وفي قوله: ~~{ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ذكروا منه العشق والعشق يفضي بأهله ~~إلى الأمراض والإهلاك وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضا وقد دل القرآن على أن ~~القوة والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة كقوله في سورة ~~هود: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم} وقوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} {ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . وإذا كان الذي قد يهجر السيئات ~~يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى الله عنه يجعل الله له من النور ~~والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله فما ظنك بالذي لم يحم حول السيئات ~~ولم يعرها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها بل هو يجاهد في سبيل الله أهلها ~~ليتركوا السيئات؟ فهل هذا وذاك سواء؛ بل هذا له من النور والإيمان والعزة ~~والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ذاك وحاله ~~أعظم وأعلى ونوره أتم وأقوى فإن السيئات تهواها النفوس ويزينها الشيطان ~~فتجتمع فيها الشبهات والشهوات. فإذا كان المؤمن قد حبب الله إليه الإيمان ~~وزينه في قلبه وكره # PageV15P400 # إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغي بحب الله ورسوله وما ~~يتبع ذلك وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى وأعطاه الله من القوة والقدرة ~~ما أيده به: حيث دفع بالعلم الجهل وبإرادة الحسنات إرادة السيئات وبالقوة ~~على الخير القوة على الشر في نفسه فقط والمجاهد في سبيل الله يطلب فعل ذلك ~~في نفسه وغيره أيضا حتى يدفع جهله بالظلم وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ~~ونحو ذلك. والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل كما قال تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون} وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية وقال ms4876 ~~{أجعلتم سقاية الحاج} الآية فكذلك يكون هذا الجزاء في حق المجاهدين كما قال ~~تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فهذا في العلم والنور وقال: ~~{ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} إلى قوله: {صراطا مستقيما} فقتل ~~النفوس هو قتل بعضهم بعضا وهو من الجهاد والخروج من ديارهم هو الهجرة ثم ~~أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا ففي الآية أربعة أمور: الخير المطلق والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة ~~والأجر العظيم وهداية الصراط المستقيم. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وقال: {ولينصرن الله # PageV15P401 # من ينصره} إلى قوله: {عاقبة الأمور} وقال: {يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم} . وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون ~~فروجهم فقد وصفهم الله بضد ذلك: من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم ~~الرشد والبغض وطمس الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان ~~والإسراف والسوء والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط: {بل أنتم قوم ~~تجهلون} فوصفهم بالجهل وقال: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وقال: {أليس ~~منكم رجل رشيد} وقال: {فطمسنا أعينهم} وقال: {بل أنتم قوم مسرفون} وقال: ~~{فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} وقال: {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} وقال: ~~{أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} إلى قوله: ~~{انصرني على القوم المفسدين} إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} وقوله: {مسومة ~~عند ربك للمسرفين} . # PageV15P402 # فصل: # في قوله في آخر الآية: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون} فوائد جليلة: منها أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا السياق ~~تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التي هي: ترك غض البصر وحفظ ~~الفرج وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك فمستقل ومستكثر كما في الحديث: {ما ~~من أحد من بني آدم إلا أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا} وذلك لا يكون ~~إلا عن نظر وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms4877 قال {كل بني آدم ~~خطاء وخير الخطائين التوابون} وفي الصحيح عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {يقول الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم.} وفي الصحيحين عن ابن عباس ~~قال: " ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: {إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ~~فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق} الحديث إلى آخره. وفيه: {والنفس # PageV15P403 # تتمنى ذلك وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} أخرجه البخاري تعليقا من ~~حديث طاووس عن أبي هريرة. ورواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كتب على ابن آدم نصيبه من ~~الزنا يدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع ~~واللسان زناه الكلام واليدان زناهما البطش والرجلان زناهما الخطى والقلب ~~يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه} وقد روى الترمذي حديثا واستغربه عن ~~ابن عباس في قوله {إلا اللمم} {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تغفر ~~اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما.} ومنها أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا ~~أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون بالتوبة وإنما أمروا بها لتقبل منهم ~~فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين كما قال تعالى: {ألم يعلموا أن الله ~~هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} وقال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} وسواء كانت الفواحش مغلظة ~~لشدتها وكثرتها - كإتيان ذوات المحارم وعمل قوم لوط أو غير ذلك - وسواء تاب ~~الفاعل أو المفعول به فمن تاب تاب الله عليه بخلاف ما عليه طائفة من الناس ~~فإنهم إذا رأوا من عمل من هذه الفواحش شيئا أيسوه من رحمة الله # PageV15P404 # حتى يقول أحدهم: من عمل من ذلك شيئا لا يفلح أبدا ولا يرجون له قبول توبة ~~ويروى عن علي أنه ms4878 قال: منا كذا ومنا كذا والمعفوج ليس منا ويقولون: إن هذا ~~لا يعود صالحا ولو تاب مع كونه مسلما مقرا بتحريم ما فعل. ويدخلون في ذلك ~~من استكره على فعل شيء من هذه الفواحش ويقولون: لو كان لهذا عند الله خير ~~ما سلط عليه من فعل به مثل هذا واستكرهه كما يفعل بكثير من المماليك طوعا ~~وكرها وكما يفعل بأجراء أهل الصناعات طوعا وكرها وكذلك من في معناهم من ~~صبيان الكتاتيب وغيرهم ونسوا قوله تعالى {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم} وهؤلاء قد لا يعلمون صورة التوبة وقد يكون هذا حالا وعملا ~~لأحدهم وقد يكون اعتقادا فهذا من أعظم الضلال والغي؛ فإن القنوط من رحمة ~~الله بمنزلة الأمن من مكر الله تعالى وحالهم مقابل لحال مستحلي الفواحش؛ ~~فإن هذا أمن مكر الله بأهلها وذاك قنط أهلها من رحمة الله؛ والفقيه كل ~~الفقيه هو الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله. ~~وهذا في أصل الذنوب الإرادية نظير ما عليه أهل الأهواء والبدع # PageV15P405 # فإن أحدهم يعتقد تلك السيئات حسنات فيأمن مكر الله وكثير من الناس يعتقد ~~أن توبة المبتدع لا تقبل وقد قال تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم} . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: {كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: أنا محمد وأنا أحمد والمقفى ~~والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة} وفي حديث آخر: {أنا نبي الرحمة وأنا نبي ~~الملحمة} وذلك أنه بعث بالملحمة وهي: المقتلة لمن عصاه وبالتوبة لمن أطاعه ~~وبالرحمة لمن صدقه واتبعه وهو رحمة للعالمين وكان من قبله من الأنبياء لا ~~يؤمر بقتال. وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى ~~عقوبات شديدة كما قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير ms4879 لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم} وقد روي عن أبي العالية وغيره: أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا ~~أصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه فأنزل الله في حق هذه الأمة: ~~{والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} ~~إلى قوله: {ونعم أجر العاملين} فخص الفاحشة بالذكر مع قوله {ظلموا أنفسهم} ~~والظلم يتناول الفاحشة وغيرها تحقيقا لما ذكرناه # PageV15P406 # من قبول التوبة من الفواحش مطلقا: من الذين يأتيانها من الرجال والنساء ~~جميعا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يبسط يده ~~بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع ~~الشمس من مغربها} وفي الصحيح عنه أنه قال: {من تاب قبل طلوع الشمس من ~~مغربها تاب الله عليه} وفي السنن عنه أيضا أنه قال: {لا تنقطع الهجرة حتى ~~تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها} وعنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: {قال الشيطان وعزتك يا رب لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت ~~أرواحهم في أجسادهم فقال الرب تعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال ~~أغفر لهم ما استغفروني} وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{يقول الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا ~~أبالي ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ~~ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك ~~بقرابها مغفرة.} والذي يمنع توبة أحد هؤلاء إما بحاله وإما بقاله ولا يخلو ~~من أحد أمرين: أن يقول: إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته وإما أن # PageV15P407 # يقول أحدهم: لا يتوب الله علي أبدا أما الأول فباطل بكتاب الله وسنة نبيه ~~وإجماع المسلمين وإن كان قد تكلم بعض العلماء في توبة القاتل وتوبة الداعي ~~إلى البدع وفي ذلك نزاع في مذهب أحمد وفي مذهب مالك أيضا نزاع ذكره صاحب ~~التمثيل والبيان في " الجامع " وغيره وتكلموا أيضا في ms4880 توبة الزنديق ونحو ~~ذلك. فهم قد يتنازعون في كون التوبة في الظاهر تدفع العقوبة: إما لعدم ~~العلم بصحتها وإما لكونها لا تمنع ما وجب من الحد ولم يقل أحد من الفقهاء: ~~إن الزنديق ونحوه إذا تاب فيما بينه وبين الله توبة صحيحة لم يتقبلها الله ~~منه وأما القاتل والمضل فذاك لأجل تعلق حق الغير به والتوبة من حقوق العباد ~~لها حال آخر وليس هذا موضع الكلام فيها وفي تفصيلها وإنما الغرض أن الله ~~يقبل التوبة من كل ذنب كما دل عليه الكتاب والسنة. والفواحش خصوصا ما علمت ~~أحدا نازع في التوبة منها والزاني والمزنى به مشتركان في ذلك إن تابا تاب ~~الله عليهما ويبين التوبة خصوصا من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره الله ~~في قصة قوم لوط؛ فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم ببعض ومع هذا فقد دعاهم ~~جميعهم إلى تقوى الله والتوبة منها فلو كانت توبة المفعول به أو غيره لا ~~تقبل لم يأمرهم بما لا يقبل قال تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين} {إذ قال ~~لهم أخوهم لوط ألا تتقون} # PageV15P408 # {إني لكم رسول أمين} {فاتقوا الله وأطيعون} فأمرهم بتقوى الله المتضمنة ~~لتوبتهم من هذه الفاحشة والخطاب وإن كان للفاعل فإنه إنما خص به لأنه صاحب ~~الشهوة والطلب في العادة؛ بخلاف المفعول به؛ فإنه لم تخلق فيه شهوة لذلك في ~~الأصل؛ وإن كانت قد تعرض له لمرض طارئ أو أجر يأخذه من الفاعل أو لغرض آخر. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV15P409 # سئل شيخ الإسلام # عن قوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى ~~لهم إن الله خبير بما يصنعون} {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} الآية والحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذكر " زنا الأعضاء كلها " وماذا على الرجل إذا مس يد الصبي ~~الأمرد فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا؟ وما على الرجل إذا جاءت ~~إلى عنده المردان ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ ms4881 بذلك وما جاء في التحريم من ~~النظر إلى وجه الأمرد الحسن؟ وهل هذا الحديث المروي: {إن النظر إلى الوجه ~~المليح عبادة} صحيح أم لا؟ وإذا قال أحد: أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد ~~لأجل شيء؛ ولكني إذا رأيته قلت: سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين فهل ~~هذا القول صواب أم لا؟ أفتونا مأجورين. (*) # فأجاب - قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه ورضي عنه ونفع بعلومه وحشرنا في ~~زمرته -: PageV15P410 # الحمد لله، إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره: " أحدهما ~~" أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء وهو المشهور في مذهب مالك وذكره القاضي ~~أبو يعلى في شرح المذهب وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. " والثاني " أنه ~~لا ينقض وهو المشهور من مذهب الشافعي. والقول الأول أظهر فإن الوطء في ~~الدبر يفسد العبادات التي تفسد بالوطء في القبل كالصيام والإحرام والاعتكاف ~~ويوجب الغسل كما يوجبه هذا؛ فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات هذا ~~فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما عليه لو مس أجنبية لشهوة؛ كذلك ~~إذا مس الأمرد لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء. ~~والذي لا ينقض الوضوء بمسه يقول: إنه لم يخلق محلا لذلك. فيقال: لا ريب أنه ~~لم يخلق لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات؛ لكن هذا القدر لم ~~يعتبر في بعض الوطء فلو وطئ في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام وإن كان ~~الدبر لم يخلق محلا # PageV15P411 # للوطء مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة ~~ونقض الوضوء باللمس يراعى فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون المس لشهوة عند ~~الأكثرين - كمالك وأحمد وغيرهما - يراعى كما يراعى مثل ذلك في الإحرام ~~والاعتكاف وغير ذلك. وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم ~~حتى لو مس بنته وأخته وأمه لشهوة انتقض وضوءه؛ فكذلك من الأمرد. وأما ~~الشافعي وأحمد في رواية فيعتبر المظنة وهو أن النساء مظنة الشهوة فينقض ~~الوضوء سواء كان ms4882 بشهوة أو بغير شهوة؛ ولهذا لا ينقض مس المحارم؛ لكن لو مس ~~ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة. وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة ~~والتلذذ بمس الأمرد - كمصافحته ونحو ذلك - حرام بإجماع المسلمين - كما يحرم ~~التلذذ بمس ذوات المحارم والمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة ~~اللوطي أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء ~~كان أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما ~~جاء ذلك في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل به أصحابه من غير نزاع ~~يعرف بينهم وقتله بالرجم كما قتل الله قوم لوط؛ وبذلك جاءت الشريعة في قتل ~~الزاني أنه بالرجم؛ {فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك والغامدية ~~واليهوديين # PageV15P412 # والمرأة التي أرسل إليها أنيسا وقال: اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها فرجمها} . # والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم والمرأة ~~الأجنبية بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ بالنظر ~~كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام ~~فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة. # وقول القائل: إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله: إن النظر إلى وجوه ~~النساء الأجانب والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة. ~~ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة. ~~قال الله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} . ومعلوم ~~أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الاعتبار والدلالة ~~على الخالق من جنس ما في صور المردان فهل يقول مسلم: إن للإنسان أن ينظر ~~على هذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين وصور محارمه. ويقول: إن ذلك ~~عبادة؛ بل من جعل مثل هذا # PageV15P413 # النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهو بمنزلة ms4883 ~~من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة أو جعل تناول يسير الخمر عبادة أو جعل ~~السكر من الحشيشة عبادة؛ فمن جعل المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة أو جعل ~~شيئا من المحرمات التي يعلم تحريمها في دين الإسلام عبادة: فإنه يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل. وهو مضاه به للمشركين {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون} وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون: لا ~~نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على ~~وجه اجتناب ثياب المعصية. وقد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن جعل جنس ~~الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة. والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر. ~~وهو نوعان: غض البصر عن العورة. وغضه عن محل الشهوة. فالأول: كغض الرجل ~~بصره عن عورة غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا ينظر الرجل إلى ~~عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة} ويجب على الإنسان أن يستر عورته ~~كما {قال لمعاوية بن حيدة: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك # PageV15P414 # قلت: فإذا كان أحدنا مع قومه قال: إن استطعت أن لا تريها أحدا فلا يرينها ~~قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} . ~~ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلي وكذلك إذا اغتسل الرجل وحده - ~~بحيث يجد ما يستره - فله أن يغتسل عريانا كما اغتسل موسى عريانا وأيوب وكما ~~في اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح واغتساله في حديث ميمونة. ~~وأما النوع الثاني من النظر - كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة ~~الأجنبية - فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا لها كان عليه ~~التعزير؛ لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر. وكذلك النظر ~~إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن. ms4884 وكذلك النظر ~~إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما ~~اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة. والخالق سبحانه ~~يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد بأعجب في قدرته من خلق ذي ~~اللحية؛ ولا خلق النساء بأعجب في # PageV15P415 # قدرته من خلق الرجال؛ فتخصيص الإنسان بالتسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون ~~غيره كتخصيصه بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل؛ وما ذاك لأنه أدل على ~~عظمة الخالق عنده؛ ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون ~~تسبيحه لما حصل في نفسه من الهوى كما أن النسوة لما رأين يوسف {أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} . وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور ~~والأموال؛ وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله ~~الله به. وقد قال تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} وقال في المنافقين: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ~~فاحذرهم قاتلهم الله} . فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر ~~أجسامهم؛ لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة وليسوا ممن ينظر إليه ~~لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن ينظر إليه لشهوة # PageV15P416 # وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى وهنا الاعتبار ~~بقلبه وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور ~~فهذا حسن. وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم ~~وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار؛ فهذا أيضا إذا كان على وجه ~~استحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم بقوله: {ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ms4885 الدنيا لنفتنهم فيه} . وأما إن كان على ~~وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط: كالنظر إلى الأزهار فهذا من ~~الباطل الذي لا يستعان به على الحق. وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه ~~شهوة كان حراما بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع بالنظر أو كان نظرا بشهوة ~~الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره إلى الأشجار والأزهار وما يجده ~~عند نظره إلى النسوان والمردان. فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعي فصار ~~النظر إلى المردان ثلاثة أقسام: " أحدها " ما تقترن به الشهوة. فهو محرم ~~بالاتفاق. # PageV15P417 # و " الثاني " ما يجزم أنه لا شهوة معه. كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن ~~وابنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من ~~أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم. وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى ~~المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد ~~من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي لا ~~يخطر بقلبه شيء من الشهوة؛ لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد ~~كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات منكشفات الرءوس ويخدمن ~~الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان ~~يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين ~~كان هذا من باب الفساد. وكذلك المردان الحسان. لا يصلح أن يخرجوا في ~~الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن ~~الأمرد الحسن من التبرج ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب؛ ولا من رقصه ~~بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك. وإنما وقع ~~النزاع بين العلماء في " القسم الثالث " من النظر وهو النظر إليه بغير ~~شهوة؛ لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان في # PageV15P418 # مذهب أحمد أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي وغيره أنه لا يجوز. و " ~~الثاني " يجوز؛ لأن الأصل عدم ms4886 ثورانها؛ فلا يحرم بالشك بل قد يكره. والأول ~~هو الراجح كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية ~~من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية؛ لكن لأنه يخاف ثورانها؛ ولهذا ~~حرم الخلوة بالأجنبية؛ لأنه مظنة الفتنة. والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة ~~فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة. ~~ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة ~~مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة. ~~وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز. ومن كرر النظر إلى الأمرد ~~ونحوه وأدامه وقال: إني لا أنظر لشهوة كذب في ذلك فإنه إذا لم يكن له داع ~~يحتاج معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك. ~~وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت في الصحاح {عن جرير قال سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة قال: اصرف بصرك} وفي. السنن ~~أنه {قال لعلي رضي الله عنه # PageV15P419 # يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية} وفي ~~الحديث الذي في المسند وغيره: {النظر سهم مسموم من سهام إبليس} وفيه: {من ~~نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى ~~يوم القيامة} أو كما قال. ولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن ~~النظر إليها: كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر: # " أحدها " حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله فإن من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه والنفس تحب النظر إلى هذه الصور لا سيما ~~نفوس أهل الرياضة والصفا؛ فإنه يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور حتى ~~تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع. ولهذا قال بعض التابعين: ~~ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف عليه ms4887 من حدث جميل يجلس ~~إليه. وقال بعضهم: اتقوا النظر إلى أولاد الملوك فإن فتنتهم كفتنة العذارى. ~~وما زال أئمة العلم والدين - كأئمة الهدى وشيوخ الطريق - يوصون بترك صحبة ~~الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين من # PageV15P420 # الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال بعضهم: ما سقط عبد ~~من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان. ثم النظر يولد المحبة فيكون ~~علاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة؛ لانصباب القلب إليه ثم غراما؛ ~~للزومه للقلب. كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا إلى أن يصير تتيما والمتيم ~~المعبد وتيم الله عبد الله؛ فيبقى القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون أخا ولا ~~خادما. وهذا إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من ~~الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام {كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فامرأة العزيز كانت ~~مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ويوسف عليه السلام مع عزوبته ~~ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة: عصمه ~~الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله: {لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك منهم ~~المخلصين} قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} و " الغي " هو اتباع الهوى. وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى ~~ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة - كابن سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر # PageV15P421 # عن بعضهم من جهال المتصوفة - فإنهم أهل ضلال فهم مع مشاركة اليهود في ~~الغي والنصارى في الضلال: زادوا على الأمتين في ذلك فإن هذا وإن ظن أن فيه ~~منفعة للعاشق كتلطيف نفسه وتهذيب أخلاقه أو للمعشوق من السعي في مصالحه ~~وتعليمه وتأديبه وغير ذلك فمضرة ذلك أضعاف منفعته وأين إثم ذلك من نفعه؟ . ~~وإنما هذا كما يقال: إن في الزنا منفعة لكل منهما بما يحصل له من اللذة ~~والسرور ويحصل لها من الجعل وغير ذلك وكما يقال: إن في شرب الخمر منافع ~~بدنية ms4888 ونفسية. وقال تعالى في الخمر والميسر: {قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . وهذا قبل التحريم دع ما قاله عند التحريم ~~وبعده فإن التعبد بهذه الصور هو من جنس الفواحش وباطنه من باطن الفواحش وهو ~~من باطن الإثم. قال الله تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} وقال تعالى: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون} . وليس بين أئمة الدين نزاع في أن هذا ليس ~~بمستحب كما أنه ليس بواجب فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع ~~المسلمين واليهود والنصارى؛ بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم وهو # PageV15P422 # ممن اتبع هواه بغير هدى من الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وقال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} وقال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب} . # وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهي وجعل هذا ~~طريقا له إلى الله كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة فقوله هذا أعظم كفرا ~~من قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط. فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين ~~الذين يجب قتلهم بإجماع كل أمة فإن عباد الأصنام قالوا: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} . وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجودا في نفس ~~الأصنام وحالا فيها؛ فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه في المخلوقات أنها أدلة ~~عليه وآيات له بل يريدون أنه سبحانه ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور ~~الماء في الصوفة والزبد في اللبن والزيت في الزيتون والدهن في السمسم ونحو ~~ذلك مما يقتضي حلول نفس ذاته في مخلوقاته أو اتحاده بها فيقولون في جميع ~~المخلوقات: نظير ما ms4889 قاله النصارى في المسيح خاصة ثم يجعلون المردان مظاهر ~~الجمال فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقا إلى استحلال الفواحش بل إلى استحلال ~~كل محرم؛ كما قيل لأفضل # PageV15P423 # مشايخهم التلمساني: إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق فما الفرق بين ~~أمي وأختي وبنتي حتى يكون هذا حلال وهذا حرام؟ قال: الجميع عندنا سواء لكن ~~هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. ومن هؤلاء الحلولية ~~والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص إما ببعض الأنبياء كالمسيح ~~أو ببعض الصحابة كقول الغالية في علي أو ببعض الشيوخ كالحلاجية ونحوهم أو ~~ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المردان. ويقول أحدهم: إنما أنظر إلى صفات ~~خالقي وأشهدها في هذه الصورة والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من ~~يؤمن بالله ورسوله. ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا فكيف ~~إذا قاله في صبي أمرد فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها. وقد ~~قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون} فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا مع ~~اعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفارا فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا؟ مع ~~أن الله فيها أو متحد بها فوجوده وجودها ونحو ذلك من المقالات. # PageV15P424 # وأما " الفائدة الثانية " في غض البصر: فهو نور القلب والفراسة قال تعالى ~~عن قوم لوط: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} فالتعلق بالصور يوجب فساد ~~العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما قيل: سكران سكر هوى وسكر مدامة ~~... فمتى يفيق من به سكران # وقيل أيضا: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: {الله نور السماوات ~~والأرض} وكان شجاع بن شاه الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول: من عمر ~~ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام # PageV15P425 # المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه ms4890 ~~هو أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة. والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو ~~من جنس عمله فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ~~ذلك مما ينال ببصيرة القلب. " الفائدة الثالثة " قوة القلب وثباته وشجاعته؛ ~~فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة فإن في الأثر: {الذي يخالف ~~هواه يفرق الشيطان من ظله} ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ~~ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن ~~عصاه. قال تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين} . ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز ~~بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله. وكان الحسن البصري يقول: وإن ~~هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم ذلل البغال فإن ذل المعصية في رقابهم أبى ~~الله إلا أن يذل من عصاه ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ~~ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت: {إنه لا يذل من واليت ~~ولا يعز من عاديت} . # PageV15P426 # ثم الصوفية المشهورون عند الأمة - الذين لهم لسان صدق في الأمة - لم ~~يكونوا يستحسنون مثل هذا؛ بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث ~~وفي الرد على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق: ما لا يتسع هذا الموضع ~~لذكره. وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فيتظاهر ~~بدعوى الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل ~~النفاق والبهتان. والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ~~ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة. والله سبحانه أعلم. # PageV15P427 ### | سورة الفرقان # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # أكبر الكبائر ثلاث: الكفر ثم قتل النفس بغير الحق ثم الزنا كما رتبها ~~الله في قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا ms4891 يزنون} وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ~~قال: {قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ~~قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن ~~تزاني بحليلة جارك} . # ولهذا الترتيب وجه معقول وهو أن قوى الإنسان ثلاث: # قوة العقل وقوة الغضب وقوة الشهوة. فأعلاها القوة العقلية - التي يختص ~~بها الإنسان دون سائر الدواب وتشركه فيها الملائكة كما قال أبو بكر عبد ~~العزيز من أصحابنا وغيره: خلق للملائكة عقول بلا شهوة، # PageV15P428 # وخلق للبهائم شهوة بلا عقل وخلق للإنسان عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته ~~فهو خير من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه. ثم القوة ~~الغضبية التي فيها دفع المضرة ثم القوة الشهوية التي فيها جلب المنفعة. ومن ~~الطبائعيين من يقول: القوة الغضبية هي الحيوانية؛ لاختصاص الحيوان بها دون ~~النبات. والقوة الشهوية هي النباتية لاشتراك الحيوان والنبات فيها. واختصاص ~~النبات بها دون الجماد. لكن يقال: إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات ~~والحيوان فليس كذلك فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية ولا شهوة ولا ~~غضب. وإن أراد نفس النمو والاغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها. وله نظير في ~~الغضب. وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع وهذا معنى موجود في سائر ~~الأجسام الصلبة القوية فذات الشهوة والغضب مختص بالحي. وأما موجبهما من ~~الاعتداء والدفع فمشترك بينهما وبين النبات القوي فقوة الدفع والمنع موجود ~~في النبات الصلب القوي دون اللين الرطب فتكون قوة الدفع مختصة ببعض النبات؛ ~~لكنه موجود في سائر الأجسام الصلبة فبين الشهوة والغضب عموم وخصوص. # PageV15P429 # وسبب ذلك: أن قوى الأفعال في النفس إما جذب وإما دفع فالقوة الجاذبة ~~الجالبة للملائم هي الشهوة وجنسها: من المحبة والإرادة ونحو ذلك والقوة ~~الدافعة المانعة للمنافي هي الغضب وجنسها: من البغض والكراهة وهذه القوة ~~باعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هي مطلق الشهوة والغضب ~~وباعتبار ما يختص به الإنسان العقل والإيمان والقوى ms4892 الروحانية المعترضة. ~~فالكفر متعلق بالقوة العقلية الناطقة الإيمانية؛ ولهذا لا يوصف به من لا ~~تمييز له والقتل ناشئ عن القوة الغضبية وعدوان فيها. والزنا عن القوة ~~الشهوانية. فالكفر اعتداء وفساد في القوة العقلية الإنسانية وقتل النفس ~~اعتداء وفساد في القوة الغضبية والزنا اعتداء وفساد في القوة الشهوانية. ~~ومن وجه آخر ظاهر: أن الخلق خلقهم الله لعبادته وقوام الشخص بجسده وقوام ~~النوع بالنكاح والنسل فالكفر فساد المقصود الذي له خلقوا وقتل النفس فساد ~~النفوس الموجودة والزنا فساد في المنتظر من النوع. فذاك إفساد الموجود وذاك ~~إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالا موجودا أو منع المنعقد أن يوجد ~~وإعدام الموجود أعظم فسادا؛ فلهذا كان الترتيب كذلك. ومن # PageV15P430 # وجه ثالث أن الكفر فساد القلب والروح الذي هو ملك الجسد والقتل إفساد ~~للجسد الحامل له وإتلاف الموجود. وأما الزنا فهو فساد في صفة الوجود لا في ~~أصله لكن هذا يختص بالزنا ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنا. # فصل: # وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التي أفضل الجنس الإنساني؛ وهم العرب ~~والروم والفرس. فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية وهم ~~سكان وسط الأرض طولا وعرضا فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتبع. ~~فغلب على العرب القوة العقلية النطقية واشتق اسمها من وصفها فقيل لهم: عرب: ~~من الإعراب وهو البيان والإظهار وذلك خاصة القوة المنطقية. # PageV15P431 # وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما واشتق اسمها من ~~ذلك فقيل لهم الروم فإنه يقال: رمت هذا أرومه إذا طلبته واشتهيته. وغلب على ~~الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرياسة واشتق اسمها من ~~ذلك فقيل فرس كما يقال فرسه يفرسه إذا قهره وغلبه. ولهذا توجد هذه الصفات ~~الثلاث غالبة على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها؛ ولهذا كانت العرب أفضل ~~الأمم وتليها الفرس لأن القوة الدفعية أرفع وتليها الروم. # فصل: # وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثا: فضيلة العقل والعلم والإيمان: ~~التي هي كمال القوة المنطقية وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية ms4893 ~~وكمال الشجاعة هو الحلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس الشديد ~~بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} والحلم والكرم ملزوزان في ~~قرن كما أن كمال القوة الشهوية العفة فإذا كان الكريم عفيفا والسخي حليما ~~اعتدل الأمر. وفضيلة السخاء والجود التي هي كمال القوة الطلبية الحبية فإن ~~السخاء يصدر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق كما تصدر الشجاعة عن # PageV15P432 # القوة والصعوبة ويبس الخلق فالقوة الغضبية هي قوة النصر والقوة الشهوية ~~قوة الرزق وهما المذكوران في قوله: {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ~~والرزق والنصر مقترنان في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرا. وأما الفضيلة ~~الرابعة التي يقال لها العدالة فهي صفة منتظمة للثلاث وهو الاعتدال فيها ~~وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق العملية كما جاء من {حديث سعد لما قال فيه ~~العبسي: إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يخرج في السرية} . # فصل: # وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى فإن ~~المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور فإن معجزة نبيهم هي علم ~~الله وكلامه؛ وهم الأمة الوسط. وأما اليهود فأضعفت القوة الشهوية فيهم حتى ~~حرم عليهم من المطاعم والملابس ما لم يحرم على غيرهم وأمروا من الشدة ~~والقوة بما أمروا به ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب ~~الشهوة # PageV15P433 # والنصارى أضعفت فيهم القوة الغضبية فنهوا عن الانتقام والانتصار ولم تضعف ~~فيهم القوة الشهوية فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم بل أحل ~~لهم بعض الذي حرم عليهم وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر في ~~اليهود وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس في اليهود فغالب معاصيهم من ~~باب الشهوات لا من باب الغضب وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق. ~~ولما كان في الصوفية والفقهاء عيسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الشهوات ~~ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما يذمون به ولما ~~كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة كان ms4894 فيهم من الغضب ووقع فيهم من ~~القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به. # فصل: # جنس القوة الشهوية الحب، وجنس القوة الغضبية البغض والغضب والبغض متفقان ~~في الاشتقاق الأكبر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {أوثق عرى الإيمان ~~الحب في الله والبغض في الله} فإن هاتين القوتين هما الأصل وقال: {من أحب ~~لله وأبغض لله # PageV15P434 # وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان} فالحب والبغض هما الأصل والعطاء ~~عن الحب وهو السخاء والمنع عن البغض وهو الشحاحة. فأما الغضب فقد يقال: هو ~~خصوص في البغض وهو الشدة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غليان دم القلب ~~لطلب الانتقام وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تعدل طائفة من المتكلمين عن ~~مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن ~~لا يريد الغضب الخاص فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة فأما ~~الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحبية. # فصل: # فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية وترك المنهي عنه ~~صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية والأمر بالمعروف صادر عن ~~المحبة والإرادة والنهي عن المنكر صادر عن البغض والكراهة كذلك الترغيب في ~~المعروف والترهيب عن المنكر والحض على هذا والزجر عن هذا ولهذا لا تكف ~~النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية وبذلك يقوم العدل والقسط في ~~الحكم والقسم # PageV15P435 # وغير ذلك كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشهوية فإن اندفاع المكروه ~~بدون حصول المحبوب عدم؛ إذ لا محبوب ولا مكروه وحصول المحبوب والمكروه وجود ~~فاسد إذ قد حصلا معا وهما متقابلان في الترجيح فربما يختار بعض النفوس هذا ~~ويختار بعضها هذا وهذا عند التكافؤ وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير ~~فيترجح فيه الوجود كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه ~~العدم. لكن لما كان المقتضي لكل واحد من المحبوب والمكروه الذي هو الخير ~~والشر موجودا؛ وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف صار يعظم في ~~الشرع والطبع دفع المكروه. أما ms4895 في الشرع فبالتقوى فإن اسمها في الكتاب ~~والسنة والإجماع عظيم والعاقبة لأهلها والثواب لهم. وأما في الطبع فتعظيم ~~النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره فإن أهل الرزق معظمون ~~لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق وذاك - والله أعلم - لأن ~~النصر بلا رزق ينفع فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها وأما ~~الرزق بلا نصر فلا ينفع فإن الأسباب الناصرة تابعة وفي هذا نظر فقد يقال: ~~هما متقابلان فإن أهل النصر يحبون أهل الرزق أكثر مما يحب أهل الرزق لأهل ~~النصر فإن الرزق محبوب والنصر معظم. # PageV15P436 # وقد يقال: بل النصر أعظم كما تقدم فإن اندفاع المكروه محبوب أيضا وهو لا ~~يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب فاختص الناصر بالتعظيم ~~لدفعه المعارض وأما الرازق فلا معارض له بل له موافق فالناصر محبوب معظم. ~~وقد يقابل هذا بأن يقال: وفوات المحبوب مكروه أيضا والمحبوب لا يحصل إلا ~~بقوة الجذب ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى؛ بل قد يكون الجذب أقوى؛ بل الجذب ~~في الأصل أقوى؛ لأن المقصود بالقصد الأول والدفع خادم تابع له وكما أن ~~الدافع دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضي وترجيح المانع على المقتضي غير حق؛ ~~بل المقتضي أقوى بالقول المطلق فإنه لا بد منه في الوجود. وأما المانع ~~فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض وقد لا يكون معارض فالمقتضي والمحبة هو ~~الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود وأما المانع والبغضة فهو ~~الفرع والتابع. ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: {إن ~~رحمتي تغلب غضبي} . ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته وأما الشر ففي ~~الأفعال كقوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} {وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم} وقوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} # PageV15P437 # يبقى أن يقال: فلم عظمت التقوى؟ فيقال: إنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها ~~واحتاج العبد إلى رعايتها لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى محرك؛ ولهذا كان ~~أعظم ما دعت إليه الرسل ms4896 الإخلاص والنهي عن الإشراك لأن الإقرار الفطري حاصل ~~لوجود مقتضيه وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه؛ ولهذا كانت حاجة ~~الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعض والجالبة لمنفعة بعضهم بعضا ~~كما أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار وأصل الدين هو عبادة الله: ~~الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه وهو الفطرة التي فطر عليها ~~الناس. وهذه المحبة التي هي أصل الدين: انحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية ~~من الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة ~~عبادته ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به فيأمرون الناس بالبر وينسون ~~أنفسهم وهذا فاش فيهم وهو عدم المحبة والعمل وفريق من منحرفة العيسوية من ~~الصوفية والمتعبدين خلطوها بمحبة ما يكرهه وأنكروا البغض والكراهية فلم ~~ينكروا شيئا ولم يكرهوه أو قصروا في الكراهة والإنكار وأدخلوا فيها الصور ~~والأصوات ومحبة الأنداد. ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشئ ~~عن # PageV15P438 # البغض لأن فيهم البغض دون الحب وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو لأن ~~فيهم محبة لغير معبود صحيح ففيهم طلب وإرادة ومحبة ولكن لا إلى مطلوب صحيح ~~ولا مراد صحيح ولا محبوب صحيح بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه ففيهم محبة الحق ~~والباطل وهو وجود المحبوب والمكروه كما في الآخرين بغض الحق والباطل وهو ~~دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم. فيحمد من هؤلاء ~~محبة الحق والاعتراف به ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره. # PageV15P439 ### | سورة النمل # قال شيخ الإسلام: # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~فيها، # منها قوله تعالى {من جاء بالحسنة فله خير منها} الآية. المشهور عن السلف ~~أن الحسنة: لا إله إلا الله وأن السيئة الشرك وعن السدي قال: ذلك عند ~~الحساب ألغي بدل كل حسنة عشر سيئات فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا ~~أن يغفر الله له. قلت: تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح ~~وأن السيئة مثلها وأن الهم بالحسنة حسنة والهم ms4897 بالسيئة لا يكتب. فأهل القول ~~الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في التوحيد؛ فإن عبادة الله بما أمر به ~~كما قال: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} الآية. وقال تعالى: {ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة} الآية. # PageV15P440 # فالكلمة الطيبة التوحيد وهي كالشجرة والأعمال ثمارها في كل وقت وكذلك ~~السيئة هي العمل لغير الله وهذا هو الشرك؛ فإن الإنسان حارث همام لا بد له ~~من عمل ولا بد له من مقصود يعمل لأجله. وإن عمل لله ولغيره فهو شرك. ~~والذنوب من الشرك فإنها طاعة للشيطان. قال: {إني كفرت بما أشركتموني من ~~قبل} الآية وقال: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} الآية. ~~وفي الحديث: {وشر الشيطان وشركه} لكن إذا كان موحدا وفعل بعض الذنوب نقص ~~توحيده كما قال: {لا يزني الزاني} إلخ. ومن ليس بمؤمن فليس بمخلص وفي ~~الحديث {تعس عبد الدينار} إلخ. وحديث أبي بكر {قل: اللهم إني أعوذ بك أن ~~أشرك بك شيئا وأنا أعلم} إلخ؛ لكن إذا لم يعدل بالله غيره فيحبه مثل حب ~~الله بل الله أحب إليه وأخوف عنده وأرجى من كل مخلوق فقد خلص من الشرك ~~الأكبر. # PageV15P441 ### | سورة الأحزاب # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا} دليل على مثل معنى ~~الحديث الصحيح: {أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك ~~كلا أو ضياعا فعلي} حيث جعله الله أولى بهم من أنفسهم. ثم جعل الأقارب ~~بعضهم أولى ببعض؛ لأن كونه أولى بهم من أنفسهم يقتضي أن يكون أولى بهم من ~~أولي أرحامهم؛ وذلك لا يقتضي ملك مالهم أحياء فكذلك أمواتا وإنما يقتضي حمل ~~الكل والضياع من ماله وهو الخمس أو خمسه أو مال الفيء كله على الخلاف ~~المعروف وفيه دليل على أن الأولوية المقتضية للميراث المذكورة في ms4898 قوله صلى ~~الله عليه وسلم {فلأولى رجل ذكر} مشروطة بالإيمان. # PageV15P442 # وهذه الآية المقيدة تقضي على تلك المطلقة في الأنفال لثلاثة أوجه. " ~~أحدها " أن هذه في سورة الأحزاب بعد الخندق وتلك في الأنفال عقب بدر. " ~~الثاني " أن هذا مطلق ومقيد في حكم واحد وسبب واحد والحكم هنا متضمن ~~للإباحة والاستحقاق والتحريم على الغير وإيجاب الإعطاء. " الثالث " أن آية ~~الأنفال ذكر فيها الأولوية بعد أن قطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين ~~أيضا فهي دليل ثان وهاتان الآيتان تفسران المطلق في آية المواريث ويكون هذا ~~تفسير القرآن بالقرآن وإن كان قوله: {لا يرث الكافر المسلم} موافقا له؛ ~~فأما ميراث المسلم من الكافر ففيه الخلاف الشاذ فنستفيد من الآيتين أيضا مع ~~الحديث ويدخل في الآيتين سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل والموت ~~وفي قوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} دليل على الوصية كآيات ~~النساء. قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج في أزواج أدعيائهم} الآية دليل على أن ما أبيح له كان مباحا لأمته؛ ~~لأنه أخبر أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة في مثل ذلك التزويج فلولا أن ~~فعله المباح له يقتضي الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر. # PageV15P443 # وأيضا فإنه إذا كان ذلك في تزويجه امرأة الدعي الذي كان يعتقد أن تزوجها ~~حرام ففي ما لا شبهة فيه أولى. وأيضا إذا كان هذا في النكاح الذي خص فيه من ~~المباحات بما لم تشركه أمته كالنكاح بلا عدد وتزوج الموهوبة بلا مهر وقد ~~بين أن إباحة عقدة النكاح دليل على إباحة ذلك لأمته ففيما لم يظهر خصوصية ~~فيه كالنكاح أولى. وهذا يدل على أن سائر ما أبيح له مباح لأمته إلا ما خصه ~~الدليل من المعاملات والأطعمة واللباس ونحو ذلك. وأيضا فيدل على هذا الأصل ~~قوله: في سياق ما أحله له: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم وما ملكت أيمانهم ms4899 لكيلا يكون عليك حرج} من وجهين. " أحدهما " أنه ~~لما أحل له الواهبة قال: {خالصة لك من دون المؤمنين} ليبين اختصاصه بذلك. ~~فعلم أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتا وإلا فلا معنى لتخصيص هذا ~~الموضع ببيان الاختصاص. " الثاني " أنه ما أحله من الأزواج ومن المملوكات ~~ومن الأقارب # PageV15P444 # أطلق وفي الموهوبة قيدها بالخلوص له؛ فعلم أن سكوته عن التقييد في أولئك ~~دليل الاشتراك. فإن قيل: السكوت لا يدل على واحد منهما والتقييد بالخلوص ~~ينفي الاشتراك فتكون فائدته أن لا يظن الاشتراك بدليل منفصل فإن التحليل له ~~لا يدل على الاختصاص قطعا لكن هل يدل على الاشتراك أم لا يدل على واحد ~~منهما؟ هذا موضع التردد. فإذا قيد بالخلوص دل على الاختصاص. قيل: لو لم يدل ~~على الاشتراك لم يثبت الحكم في حق الأمة لانتفاء دليله كما أن ما سكت عنه ~~من المحرمات لم يثبت الحكم لانتفاء دليله. وهنا إما أن يقال: كانوا ~~يستحلونه على الأصل وليس كذلك؛ لأن الفروج محظورة إلا بالتحليل الشرعي فكان ~~يكون محظورا عليهم فلا يحتاج إلى إخلاصه له لو لم يكن الخطاب المطلق يقتضي ~~الاشتراك والعموم وأنه من باب الخاص في اللفظ العام في الحكم. وأصل هذا أن ~~اللفظ في اللغة قد يصير بحسب العرف الشرعي أو غيره أخص أو أعم؛ فالخطاب له ~~وإن كان خاصا في اللفظ لغة فهو عام عرفا وهو مما نقل بالعرف الشرعي من ~~الخصوص إلى العموم كما ينقل مثل ذلك في مخاطبات الملوك ونحو ذلك وهو كثير. ~~كما أن # PageV15P445 # العام قد يصير بالعرف خاصا. وأيضا فإنه يبنى ذلك على أصل دليل الخطاب وأن ~~التخصيص بالذكر مع العام المقتضي للتعميم يدل على التخصيص بالحكم فلما خص ~~خطاب الموهوبة بذكر الخلوص دل على انتفاء الخلوص عن الباقي. وإنما انتفاء ~~الخلوص عن الباقي بعدم ذكر الخلوص مع إثبات التحليل للرسول صلى الله عليه ~~وسلم فعلم أن إثبات التحليل له مع عدم تخصيصه به يقتضي العموم. وعلى هذا ~~فالخطاب الذي مخرجه في اللغة خاص ثلاثة ms4900 أقسام. إما أن يدل على العموم كما ~~في العام عرفا مثل خطاب الرسول والواحد من الأمة ومثل تنبيه الخطاب كقوله: ~~لا أشرب لك الماء من عطش ومثقال حبة وقنطار ودينار. وإما أن يدل على اختصاص ~~المذكور بالحكم ونفيه عما سواه كما في مفهوم المخالفة إذا كان المقتضي ~~للتعميم قائما وخص أحد الأقسام بالذكر. وإما أن لا يدل على واحد منهما لفظا ~~ثم يوجد العموم من جهة المعنى إما من جهة قياس الأولى وإما من جهة سائر ~~أنواع القياس، # PageV15P446 # ويجب الفرق بين تنبيه الخطاب وبين قياس الأولى فإن الحكم في ذاك مستفاد ~~من اللفظ عمهما عرفا وخطابا وهنا مستفاد من الحكم بحيث لو دل على الحكم فعل ~~أو إقرار أو خطاب يقطع معه بأن المتكلم لم يرد إلا الصورة لكان ثبوت الحكم ~~لنوع يقتضي ثبوته لما هو أحق به منه؛ فالعموم هنا معنوي محض وهناك لفظي ~~ومعنوي فتدبر هذا فإنه فصل بين المتنازعين من أصحابنا وغيرهم في التنبيه هل ~~هو مستفاد من اللفظ أو هو قياس جلي؟ لتعلم أنه قسمان. والفرق أن المستفاد ~~من اللفظ يريد المتكلم به العموم. ويمثل بواحد تنبيها كقول النحوي: ضرب زيد ~~عمرا؛ بخلاف المستفاد من المعنى. والآية المتقدمة وهي قوله: {زوجناكها لكي ~~لا} تدل على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم تقتضي الإباحة لأمته مع القطع ~~بأن الفعل في نفسه لا يعم لفظا ووضعا وإنما يعم بما ثبت من أن الأصل ~~الاشتراك والايتساء. ويدل على ذلك أيضا قوله في السورة: {لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة} الآية. فإن فيها التأسي فيما أصابه. ومتى ثبت الحكم ~~في الايتساء به في حكمه عندما أصابه: كان كذلك فيما فعله؛ إذ المصاب عليه ~~فيه واجبات ومحرمات؛ فدلت هذه # PageV15P447 # الآية على أن الأصل مشاركته في الإيجاب والحظر كما دلت تلك على أن الأصل ~~مشاركته في الإحلال. # قوله: {قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} ~~الآية: دليل على أن الحجاب إنما أمر به الحرائر دون الإماء؛ لأنه خص ms4901 أزواجه ~~وبناته ولم يقل وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك ثم قال: {ونساء ~~المؤمنين} والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين كما لم يدخل في قوله: ~~{نسائهن} ما ملكت أيمانهن حتى عطف عليه في آيتي النور والأحزاب: وهذا قد ~~يقال إنما ينبني على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث وإلا فمن قال: هي ~~فيهما أو في الذكور ففيه نظر. وأيضا فقوله: {للذين يؤلون من نسائهم} وقوله: ~~{الذين يظاهرون منكم من نسائهم} إنما أريد به الممهورات دون المملوكات ~~فكذلك هذا فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن وآية الحجاب عند ~~المخاطبة في المساكن؛ فهذا مع ما في الصحيح من أنه {لما اصطفى صفية بنت حيي ~~وقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه} دل على ~~أن الحجاب كان مختصا بالحرائر. وفي الحديث دليل على أن أمومة المؤمنين ~~لأزواجه دون سراريه # PageV15P448 # والقرآن ما يدل إلا على ذلك؛ لأنه قال: {وأزواجه أمهاتهم} وقال: {ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} وهذا أيضا دليل ثالث من الآية؛ لأن الضمير في ~~قوله: {وإذا سألتموهن} عائد إلى أزواجه فليس للمملوكات ذكر في الخطاب؛ لكن ~~إباحة سراريه من بعده فيه نظر. # فصل: # من قال من أن السراح والفراق صريح في الطلاق؛ لأن القرآن ورد بذلك وجعل ~~الصريح ما استعمله القرآن فيه كما يقوله: الشافعي والقاضي وغيرهما من ~~الأصحاب: فقوله ضعيف لوجهين. " أحدهما " أن هذا الأصل لا دليل عليه بل هو ~~فاسد؛ فإن الواقع أن الناس ينطقون بلغاتهم التي توافق لغة العرب أو تخالفها ~~من عربية أخرى عربا مقررة أو مغيرة لفظا أو معنى أو من عربية مولدة أو ~~عربية معربة تلقيت عن العجم أو عن عجمية؛ فإن الطلاق ونحوه يثبت بجميع هذه ~~الأنواع من اللغات: إذ المدار على المعنى ولم يحرم ذلك عليهم أو حرم عليهم ~~فلم يلتزموه؛ فإن ذلك لا يوجب وقوع ما لم يوقعوه. وأيضا فاستعمال القرآن ~~لفظا في معنى # PageV15P449 # لا يقتضي أن ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك ms4902 المعنى. " الوجه الثاني " وهو ~~القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في غير الطلاق؛ مثل قوله: ~~{إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن} فهذا بعد التطليق البائن الذي لا عدة فيه أمر ~~بتسريحهن مع التمتيع ولم يرد به إيقاع طلاق ثان؛ فإنه لا يقع ولا يؤمر به ~~وفاقا وإنما أراد التخلية بالفعل وهو رفع الحبس عنها حيث كان النكاح فيه ~~الجمع ملكا وحكما والجمع حسا وفعلا بالحبس وكلاهما موجبه وهما متلازمان؛ ~~فإذا زال الملك أمر بإزالة اليد: كما يقال في الأموال الملك والحيازة ~~فالقبض في الموضعين تابع للعقد فإذا رفع العقد إما بإزالة اليد التي هي ~~القبض. وقوله: {فتعالين أمتعكن وأسرحكن} لا يستدل به على أن التسريح هو ~~التطليق؛ فإنه قد يريد به التخلية الفعلية: حيث قرنه بالمتاع؛ لكن التخلية ~~الفعلية مستلزمة للتطليق أو يريد به الأمرين ولم يرد به الطلاق وحده لأن ~~ذلك لا يفيدهن بل يضرهن وكذلك قوله: {فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف} وقوله: {أو فارقوهن بمعروف} كذلك. فإن الرجعية إذا قاربت ~~انقضاء العدة لا يؤمر فيها بتطليق ثان: إذا لم يرتجعها وإنما يؤمر # PageV15P450 # بتخلية سبيلها وهو التسريح والفراق بالأبدان؛ بحيث لا يحبسهن ولا يستولي ~~عليهن كرفع اليد عن الأموال. قوله: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن ~~لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ~~به ولكن ما تعمدت قلوبكم} نص في أنه لا حرج فيما أخطأ به من دعاء الرجل إلى ~~غير أبيه أو إلى غير مولاه. ثم قد يستدل به على رفع الجناح في جميع ما أخطأ ~~به الإنسان من قول أو عمل: إما بالعموم لفظا ويقال: ورود اللفظ العام على ~~سبب مقارن له في الخطاب لا يوجب قصره عليه وإما بالعموم المعنوي بالجامع ~~المشترك من أن الأخطاء لا تأثير له في القلب؛ فيكون عمل جارحة بلا عمد قلب ~~والقلب هو الأصل كما قال: {إذا صلحت صلح ms4903 لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها ~~سائر الجسد} وإذا كان الأصل لم يعمل شيئا لم يضر عمل الفروع دونه لأنه صالح ~~لا فساد فيه فيكون الجسد كله صالحا فلا يكون فاسدا: فلا يكون في ذلك إثم إذ ~~الإثم لا يكون إلا عن فساد في الجسد وتكون هذه الآية ردفا لقوله: {لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال قد فعلت. ويؤيده قوله في الإيمان: {لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فإنه # PageV15P451 # إذا كان اليمين بالله - وفيها ما فيها - لا يؤاخذ فيها إلا بما كسب القلب ~~فغيرها من الأقوال كذلك وأولى وإذا كان ما حلف عليه من اليمين يظنه كما حلف ~~عليه فتبين بخلافه هو من الخطأ الذي هو اللغو؛ لأن قلبه لم يكسب مخالفة كما ~~لو أنه أخبر بذلك من غير يمين لم يكن عليه إثم الكاذب كما لو دعا الرجل ~~لغير أبيه ومولاه خطأ وإذا لم يكن بلا يمين عليه إثم الكاذب لم يكن مع ~~اليمين عليه حكم الحالف المخالف؛ إذ اليمين على الماضي حين يؤكد بالقسم ~~فكذلك ما حلف عليه من المستقبل وفعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه أو مخطئا ~~جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يكسب قلبه مخالفة ولا حنثا كما أنه لو وعد بذلك ~~من غير يمين لم يكن مخالفا ولو أمر به فتركه كذلك لم يكن عاصيا. وهذا دليل ~~يتناول الطلاق وغيره إما من جهة العموم المعنوي أو المعنوي واللفظي وأي فرق ~~بين أن يقارن اللغو عقد اليمين أو يقارن الحنث فيها وقوله: {ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان} أي هذا سبب المؤاخذة؛ لا أنه موجب لها بالاتفاق فيوجد ~~الخطأ في سببها وشرطها ومن قال: لا لغو في الطلاق فلا حجة معه؛ بل عليه ~~لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا وأما إذا ~~قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه ذكره كما لو عمد ذكر اليمين به. ~~PageV15P452 # الجزء السادس عشر # كتاب ms4904 التفسير # الجزء الثالث # من سورة الزمر إلى سورة الإخلاص # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. ### | سورة الزمر # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # فصل: # قد قال تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} والمراد بالقول ~~القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها كما قال تعالى: {أفلم يدبروا القول ~~أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} واللام لتعريف القول المعهود؛ فإن ~~السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه وقد بسطنا هذا في غير هذا ~~الموضع وبينا فساد قول من استدل بهذه على سماع الغناء وغيره وجعلها عامة ~~وبينا أن تعميمها في كل قول باطل بإجماع المسلمين. وهنا سؤال مشهور وهو أنه ~~قال: {يستمعون القول فيتبعون # PageV16P005 # أحسنه} فقد قسم القول إلى حسن وأحسن والقرآن كله متبع وهذا حجتهم. فيقال: ~~الجواب من ثلاثة أوجه: إلزام وحل. " الأول " أن هذا مثل قوله: {واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} ومثل قوله: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} فقد أمر ~~المؤمنين باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم وأمر بني إسرائيل أن يأخذوا ~~بأحسن التوراة وهذا أبلغ من تلك الآية؛ فإن تلك إنما فيها مدح باتباع ~~الأحسن ولا ريب أن القرآن فيه الخبر والأمر بالحسن والأحسن واتباع القول ~~إنما هو العمل بمقتضاه ومقتضاه فيه حسن وأحسن ليس كله أحسن وإن كان القرآن ~~في نفسه أحسن الحديث؛ ففرق بين حسن الكلام بالنسبة إلى غيره من الكلام وبين ~~حسنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر عنه. " الوجه الثاني " أن يقال: ~~إنه قال: {فبشر عباد} {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب} والقرآن تضمن خبرا وأمرا فالخبر عن ~~الأبرار والمقربين وعن الكفار والفجار؛ فلا ريب أن اتباع الصنفين حسن # PageV16P006 # واتباع المقربين أحسن والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات. ولا ريب ~~أن الاقتصار على فعل الواجبات حسن وفعل المستحبات معها أحسن ومن اتبع ~~الأحسن ms4905 فاقتدى بالمقربين وتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كان أحق ~~بالبشرى. وعلى هذا فقوله: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} {وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها} هو أيضا أمر بذلك؛ لكن الأمر يعم أمر الإيجاب والاستحباب. ~~فهم مأمورون بما في ذلك من واجب أمر إيجاب وبما فيه من مستحب أمر استحباب ~~كما هم مأمورون مثل ذلك في قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى} وقوله: {يأمرهم بالمعروف} والمعروف يتناول القسمين وقوله: {وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون} وهو يعم القسمين: وقوله: {اركعوا واسجدوا} وأمثال ذلك. # PageV16P007 # وقال رحمه الله: # فصل: # في السماع # أصل السماع الذي أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم سماع فقه وقبول؛ ولهذا انقسم الناس فيه أربعة أصناف: صنف معرض ممتنع ~~عن سماعه وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى وصنف فقهه ولكنه لم يقبله والرابع ~~الذي سمعه سماع فقه وقبول. ف " الأول " كالذين قال فيهم: {وقال الذين كفروا ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} و " الصنف الثاني " من سمع ~~الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى. قال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وقال تعالى: ~~{ومنهم من يستمع # PageV16P008 # إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} وقال تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} {إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} وقال تعالى: {وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا ~~على أدبارهم نفورا} {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ~~إذ يقول الظالمون إن ms4906 تتبعون إلا رجلا مسحورا} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} . وقوله: ~~{أن يفقهوه} يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد العربية ومن ~~فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد في الخارج وهو: " الأعيان " و " الأفعال " ~~و " الصفات " المقصودة بالأمر والخبر؛ بحيث يراها ولا يعلم أنها مدلول ~~الخطاب: مثل من يعلم وصفا مذموما ويكون هو متصفا به أو بعضا من جنسه ولا ~~يعلم أنه داخل فيه. وقال تعالى: # PageV16P009 # {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} {ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} قال ذلك بعد قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} {ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} فقوله: {ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم} لم يرد به مجرد إسماع الصوت لوجهين. " أحدهما " أن هذا السماع لا ~~بد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين إلا به. كما قال {وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وقال {لأنذركم به ومن ~~بلغ} وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . والثاني أنه وحده لا ينفع؛ ~~فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم بخلاف ~~إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله لمن فيه خير وهذا نظير ما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من يرد الله به خيرا يفقهه ~~في الدين} وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذي يفقه ~~معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيرا ولم يرد به خيرا وأن من علم الله فيه ~~خيرا أو أراد به خيرا فلا بد أن يسمعه ويفقهه؛ إذ الحديث قد بين أن كل من ~~يرد الله به خيرا يفقهه: فالأول مستلزم ms4907 للثاني والصيغة عامة فمن لم يفقهه ~~لم يكن داخلا في العموم فلا يكون الله # PageV16P010 # أراد به خيرا وقد انتفى في حقه اللازم فينتفي الملزوم. وكذلك قوله: {ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} بين أن الأول شرط للثاني: شرطا نحويا وهو ~~ملزوم وسبب فيقتضي أن كل من علم الله فيه خيرا أسمعه هذا الإسماع فمن لم ~~يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرا فتدبر كيف وجب هذا السماع وهذا الفقه ~~وهذا حال المؤمنين بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه أو فقه لا سماع معه ~~أعني هذا السماع. وأما قوله: {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} فقد يشكل على ~~كثير من الناس. لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة ~~الأولى الذي كان يكون لو علم فيهم خيرا وليس في الآية ما يقتضي ذلك؛ بل ~~ظاهرها وباطنها ينافي ذلك؛ فإن الضمير في قوله: {ولو أسمعهم} عائد إلى ~~الضميرين في قوله: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} وهؤلاء قد دل الكلام ~~على أن الله لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم إذ " لو " يدل على عدم الشرط ~~دائما: وإذا كان الله ما علم فيهم خيرا فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون. ~~بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا وهم " الصنف الثالث ". ودلت الآية ~~على أنه ليس لكل من سمع وفقه يكون فيه خير؛ # PageV16P011 # بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به فلا يكون فيه خيرا ودلت أيضا على ~~أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير فإنه هو الذي ينتفع به فأما من ليس ~~ينتفع به فلا يطلب تفهيمه. و " الصنف الثالث " من سمع الكلام وفقهه؛ لكنه ~~لم يقبله ولم يطع أمره: كاليهود الذين قال الله فيهم: {من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان ~~خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} وقال تعالى: ~~{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد ms4908 كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون} إلى قوله: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني} أي تلاوة. فهؤلاء من " الصنف الأول " الذين يسمعون ويقرءون ولا ~~يفقهون ويعقلون - إلى قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا} إلى قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده ~~بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} {وقالوا قلوبنا ~~غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} كما # PageV16P012 # قال في تلك الآية: {ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} وقال ~~في النساء: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} ~~{وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التي ~~استحقوا بها ما استحقوه. ومنها قولهم: {قلوبنا غلف} . فعلم أنهم كاذبون في ~~هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب؛ ولهذا قال: {بل لعنهم الله} و ~~{طبع الله عليها بكفرهم} فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به ~~لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم} . ف (غلف جمع أغلف. وأما " غلف " بالتحريك فجمع غلاف ~~والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف. فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون في ذلك واللعنة ~~الإبعاد عن الرحمة فلو عملوا به لرحموا؛ ولكن لم يعملوا به فكانوا مغضوبا ~~عليهم ملعونين وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه وفقه كلام الرسل ولم يكن ~~موافقا له بالإقرار تصديقا وعملا. و " الصنف الرابع " الذين سمعوا سماع فقه ~~وقبول فهذا هو السماع المأمور به كما قال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وقال تعالى: {قل # PageV16P013 # أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} {يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا ms4909 أحدا} وقال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين} {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا ~~به} الآيات. وقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} الآية: ~~وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا} وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ~~{وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} وقال ~~تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا} وكذلك قوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى} ومثله قوله: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين} فالبيان يعم كل من فقهه والهدى والموعظة للمتقين. وقوله: {هذا ~~بصائر للناس وهدى ورحمة # PageV16P014 # لقوم يوقنون} وقوله: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} . وهنا ~~لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا المتقي المؤمن أن يكون ~~كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن فإن هذا أولا ممتنع؛ إذ لا يكون ~~مؤمنا متقيا من لم يسمع شيئا من القرآن. وثانيا أن الشرط إنما يجب أن يقارن ~~المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدما زمانيا كاستقبال القبلة في الصلاة. وثالثا ~~أن المقصود أن يبين شيئان: " أحدهما " أن الانتفاع به بالاهتداء والاتعاظ ~~والرحمة هو وإن كان موجبا له؛ لكن لا بد مع الفاعل من القابل إذ الكلام لا ~~يؤثر فيمن لا يكون قابلا له وإن كان من شأنه أن يهدي ويعظ ويرحم وهذا حال ~~كل كلام. " الثاني " أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون ويستدل ~~بعدم الاهتداء به ms4910 على عدم الإيمان والتقوى كما يقال المتعلمون لكتاب بقراط ~~هم الأطباء وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه بل بتعلمه وكما يقال: كتاب ~~سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه وكما ~~يقال: هذا مكان موافق للرماة والركاب. # PageV16P015 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قال الله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ~~الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} . فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من ~~السماء ينابيع والينابيع جمع ينبوع وهو منبع الماء كالعين والبئر فدل ~~القرآن على أن ماء السماء تنبع منه الأرض والاعتبار يدل على ذلك فإنه إذا ~~كثر ماء السماء كثرت الينابيع وإذا قل قلت. وماء السماء ينزل من السحاب ~~والله ينشئه من الهواء الذي في الجو وما يتصاعد من الأبخرة. وليس في القرآن ~~أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما بالاعتبار فإن ~~الماء قد ينبع من بطون الجبال، # PageV16P016 # ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل ~~كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ~~ماء وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من ~~السماء فلا يجزم بأن جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء ~~السماء. والله أعلم. # PageV16P017 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~بن تيمية الحراني - قدس الله روحه -: # فصل: # في قوله تعالى {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} {وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له} . وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين وأما ~~آيتا النساء قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~فلا يجوز ms4911 أن تكون في حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة فإن ~~التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضا بنصوص القرآن واتفاق المسلمين. وهذه ~~الآية فيها تخصيص وتقييد وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق هذه خص فيها الشرك ~~بأنه لا يغفره وما عداه لم يجزم بمغفرته؛ بل علقه بالمشيئة فقال: {ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} . # PageV16P018 # وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه كما ترد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ~~فهي ترد أيضا على المرجئة الواقفية الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا ~~يغفر لأحد ويجوز أن يغفر للجميع فإنه قد قال: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور لكن لمن يشاء فلو كان لا يغفره لأحد بطل ~~قوله: {ويغفر ما دون ذلك} ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: {لمن يشاء} فلما ~~أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة ~~العامة مما دون الشرك؛ لكنها لبعض الناس. وحينئذ فمن غفر له لم يعذب ومن لم ~~يغفر له عذب وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة وهو القطع بأن بعض عصاة ~~الأمة يدخل النار وبعضهم يغفر له: لكن هل ذلك على وجه الموازنة والحكمة أو ~~لا اعتبار بالموازنة؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم ~~بناء على أصل الأفعال الإلهية هل يعتبر فيها الحكمة والعدل. وأيضا فمسألة ~~الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة كما قد بسط في غير هذا الموضع. ~~والمقصود هنا أن قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فيه نهي عن القنوط من رحمة الله ~~تعالى وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من # PageV16P019 # رحمة الله وإن عظمت ذنوبه ولا أن يقنط الناس من رحمة الله. قال بعض السلف ~~إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي ~~الله. # والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا ms4912 يغفر له. إما لكونه إذا تاب لا يقبل ~~الله توبته ويغفر ذنوبه وإما بأن يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة؛ بل هو ~~مغلوب معها والشيطان قد استحوذ عليه فهو ييأس من توبة نفسه وإن كان يعلم ~~أنه إذا تاب غفر الله له وهذا يعتري كثيرا من الناس. والقنوط يحصل بهذا ~~تارة وبهذا تارة: فالأول {كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة وتسعين أن الله لا ~~يغفر له فقتله وكمل به مائة ثم دل على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن الله ~~يقبل توبته} . والحديث في الصحيحين. والثاني كالذي يرى للتوبة شروطا كثيرة ~~ويقال له لها شروط كثيرة يتعذر عليه فعلها فييأس من أن يتوب. # وقد تنازع الناس في العبد هل يصير في حال تمتنع منه التوبة إذا أرادها. ~~والصواب الذي عليه أهل السنة والجمهور أن التوبة ممكنة من كل ذنب وممكن أن ~~الله يغفره وقد فرضوا في ذلك من توسط أرضا مغصوبة ومن توسط جرحى فكيفما ~~تحرك قتل بعضهم. فقيل هذا لا طريق له إلى التوبة. والصحيح أن هذا إذا تاب ~~قبل الله توبته. # PageV16P020 # أما من توسط الأرض المغصوبة فهذا خروجه بنية تخلية المكان وتسليمه إلى ~~مستحقه ليس منهيا عنه ولا محرما؛ بل الفقهاء متفقون على أن من غصب دارا ~~وترك فيها قماشه وماله إذا أمر بتسليمها إلى مستحقها فإنه يؤمر بالخروج ~~منها وبإخراج أهله وماله منها وإن كان ذلك نوع تصرف فيها لكنه لأجل ~~إخلائها. والمشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه وإن كان فيه مرور فيه ومثل ~~هذا حديث الأعرابي المتفق على صحته لما بال في المسجد فقام الناس إليه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله وأمرهم أن ~~يصبوا على بوله دلوا من ماء} . فهو لما بدأ بالبول كان إتمامه خيرا من أن ~~يقطعوه فيلوث ثيابه وبدنه ولو زنى رجل بامرأة ثم تاب لنزع ولم يكن مذنبا ~~بالنزع وهل هو وطء؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد. فلو حلف أن لا يطأ ~~امرأته بالطلاق ms4913 الثلاث فالذين يقولون: إنه يقع به الطلاق الثلاث إذا وطئها ~~تنازعوا هل يجوز له وطؤها؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. " أحدهما " ~~يجوز كقول الشافعي. و " الثاني " لا يجوز كقول مالك فإنه يقول: إذا أجزت ~~الوطء لزم أن يباشرها في حال النزع وهي محرمة وهذا إنما يجوز للضرورة لا ~~يجوزه ابتداء وذلك يقول النزع ليس بمحرم. # PageV16P021 # وكذلك الذين يقولون إذا طلع عليه الفجر وهو مولج فقد جامع لهم في النزع ~~قولان: في مذهب أحمد وغيره وأما على ما نصرناه فلا يحتاج إلى شيء من هذه ~~المسائل فإن الحالف إذا حنث يكفر يمينه ولا يلزمه الطلاق الثلاث وما فعله ~~الناس حال التبين من أكل وجماع فلا بأس به لقوله: (حتى) . والمقصود أنه لا ~~يجوز أن يقنط أحد ولا يقنط أحدا من رحمة الله فإن الله نهى عن ذلك وأخبر ~~أنه يغفر الذنوب جميعا. فإن قيل قوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} معه ~~عموم على وجه الإخبار فدل أن الله يغفر كل ذنب؛ ومعلوم أنه لم يرد أن من ~~أذنب من كافر وغيره فإنه يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة فإن ~~هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع؛ إذ كان الله أهلك ~~أمما كثيرة بذنوبها ومن هذه الأمة من عذب بذنوبه إما قدرا وإما شرعا في ~~الدنيا قبل الآخرة. وقد قال تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} وقال: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فهذا يقتضي أن هذه الآية ~~ليست على ظاهرها؛ بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا. أي ذلك مما قد ~~يفعله أو أنه يغفره لكل تائب لكن يقال: فلم أتى بصيغة الجزم والإطلاق في ~~موضع التردد والتقييد؟ قيل بل # PageV16P022 # الآية على مقتضاها فإن الله أخبر أنه يغفر جميع الذنوب ولم يذكر أنه يغفر ~~لكل مذنب؛ بل قد ذكر في غير موضع أنه لا يغفر لمن مات كافرا فقال: {إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم ms4914 كفار فلن يغفر الله لهم} . ~~وقال في حق المنافقين: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم} لكن هذا اللفظ العام في الذنوب هو مطلق في المذنبين. فالمذنب لم ~~يتعرض له بنفي ولا إثبات؛ لكن يجوز أن يكون مغفورا له ويجوز أن لا يكون ~~مغفورا له. إن أتى بما يوجب المغفرة غفر له وإن أصر على ما يناقضها لم يغفر ~~له. وأما جنس الذنب فإن الله يغفره في الجملة: الكفر والشرك وغيرهما؛ ~~يغفرها لمن تاب منها ليس في الوجود ذنب لا يغفره الرب تعالى؛ بل ما من ذنب ~~إلا والله تعالى يغفره في الجملة. # وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعا وفيها رد على طوائف رد على من ~~يقول إن الداعي إلى البدعة لا تقبل توبته ويحتجون بحديث إسرائيلي فيه: {أنه ~~قيل لذلك الداعية فكيف بمن أضللت؟} وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة ~~والحديث وليسوا من العلماء بذلك كأبي علي الأهوازي وأمثاله ممن لا يميزون ~~بين # PageV16P023 # الأحاديث الصحيحة والموضوعة وما يحتج به وما لا يحتج به؛ بل يروون كل ما ~~في الباب محتجين به. وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه ~~وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة ~~الداعي إلى الكفر وتوبة من فتن الناس عن دينهم. وقد تاب قادة الأحزاب: مثل ~~أبي سفيان بن حرب والحارث ابن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن ~~أبي جهل وغيرهم بعد أن قتل على الكفر بدعائهم من قتل وكانوا من أحسن الناس ~~إسلاما وغفر الله لهم. قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف} . وعمرو بن العاص كان من أعظم الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين ~~وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم {يا عمرو أما علمت أن ~~الإسلام يجب ما كان قبله} وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود في قوله: {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ms4915 أيهم أقرب} قال كان ناس من الإنس ~~يعبدون ناسا من الجن فأسلم أولئك الجن والإنس يعبدونهم. ففي هذا أنه لم يضر ~~الذين أسلموا عبادة غيرهم بعد الإسلام لهم وإن كانوا هم أضلوهم أولا. # PageV16P024 # وأيضا فالداعي إلى الكفر والبدعة وإن كان أضل غيره فذلك الغير يعاقب على ~~ذنبه؛ لكونه قبل من هذا واتبعه وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم ~~القيامة مع بقاء أوزار أولئك عليهم فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ولا ~~ما حمله هو لأجل إضلالهم وأما هم فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد؛ ولكن ~~توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى كما تاب كثير ~~من الكفار وأهل البدع وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة. وسحرة فرعون كانوا ~~أئمة في الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير. ومن ذلك توبة قاتل النفس. ~~والجمهور على أنها مقبولة؛ وقال ابن عباس لا تقبل؛ وعن أحمد روايتان. وحديث ~~قاتل التسعة والتسعين في الصحيحين دليل على قبول توبته وهذه الآية تدل على ~~ذلك وآية النساء إنما فيها وعيد في القرآن كقوله: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} ومع هذا فهذا إذا ~~لم يتب. وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق الناس فبأي وجه ~~يكون وعيد القاتل لاحقا به وإن تاب؟ هذا في غاية الضعف؟ ولكن قد يقال لا ~~تقبل توبته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم بالقتل؛ بل التوبة تسقط حق الله ~~والمقتول مطالبه بحقه وهذا صحيح في جميع حقوق الآدميين حتى الدين فإن في ~~الصحيحين عن النبي # PageV16P025 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين} لكن حق ~~الآدمي يعطاه من حسنات القاتل. فمن تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات حتى ~~يكون له ما يقابل حق المقتول ولعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم الذنوب بعد ~~الكفر فلا يكون لصاحبه حسنات تقابل حق المقتول فلا بد أن يبقى له سيئات ms4916 ~~يعذب بها وهذا الذي قاله قد يقع من بعض الناس فيبقى الكلام فيمن تاب وأخلص: ~~وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به؟ ~~وهذا موضع دقيق على مثله يحمل حديث ابن عباس؛ لكن هذا كله لا ينافي موجب ~~الآية وهو أن الله تعالى يغفر كل ذنب الشرك والقتل والزنا وغير ذلك من حيث ~~الجملة فهي عامة في الأفعال مطلقة في الأشخاص. ومثل هذا قوله: {اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} عام في الأشخاص مطلق في أحوال. . . (1) الأرجل؛ إذ ~~قد تكون مستورة بالخف واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال. وكذلك قوله تعالى ~~{يوصيكم الله في أولادكم} عام في الأولاد عام في الأحوال؟ إذ قد يكون الولد ~~موافقا في الدين ومخالفا وحرا وعبدا. واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال. ~~PageV16P026 # وكذلك قوله: {يغفر الذنوب} عام في الذنوب مطلق في أحوالها؛ فإن الذنب قد ~~يكون صاحبه تائبا منه وقد يكون مصرا واللفظ لم يتعرض لذلك بل الكلام يبين ~~أن الذنب يغفر في حال دون حال فإن الله أمر بفعل ما تغفر به الذنوب ونهى ~~عما به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة فقال: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ~~له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} {أن تقول نفس يا حسرتا ~~على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} {أو تقول لو أن الله هداني ~~لكنت من المتقين} {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} ~~{بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} فهذا إخبار أنه ~~يوم القيامة يعذب نفوسا لم يغفر لها كالتي كذبت بآياته واستكبرت وكانت من ~~الكافرين ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها. فإن قيل فقد ~~قال تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون} وقال تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ms4917 آمنوا ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} ؟ قيل: إن ~~القرآن قد بين توبة الكافر وإن كان قد ارتد ثم عاد إلى الإسلام في غير موضع ~~كقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق # PageV16P027 # وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا ~~هم ينظرون} {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} ~~وقوله: {كيف يهدي الله} أي أنه لا يهديهم مع كونهم مرتدين ظالمين؛ ولهذا ~~قال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} فمن ارتد عن دين الإسلام لم يكن إلا ~~ضالا لا يحصل له الهدى إلى أي دين ارتد. " والمقصود " أن هؤلاء لا يهديهم ~~الله ولا يغفر لهم إلا أن يتوبوا. وكذلك قال في قوله: {من كفر بالله من بعد ~~إيمانه إلا من أكره} ومن كفر بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد ~~قال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم} . وهو سبحانه في آل عمران ذكر المرتدين ثم ذكر التائبين ~~منهم ثم ذكر من لا تقبل توبته ومن مات كافرا؛ فقال: {إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} {إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} . وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ~~ذكروا فيهم أقوالا: قيل لنفاقهم وقيل # PageV16P028 # لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت ~~وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي: لن تقبل توبتهم حين ~~يحضرهم الموت فيكون هذا كقوله: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} . وكذلك ~~قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ms4918 آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} قال مجاهد وغيره من المفسرين: ازدادوا ~~كفرا ثبتوا عليه حتى ماتوا. قلت: وذلك لأن التائب راجع عن الكفر ومن لم يتب ~~فإنه مستمر يزداد كفرا بعد كفر فقوله: {ثم ازدادوا} بمنزلة قول القائل ثم ~~أصروا على الكفر واستمروا على الكفر وداموا على الكفر فهم كفروا بعد ~~إسلامهم ثم زاد كفرهم ما نقص فهؤلاء لا تقبل توبتهم وهي التوبة عند حضور ~~الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب ورجع عن كفره فلم يزدد ~~بل نقص؛ بخلاف المصر إلى حين المعاينة فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلا ~~عن هدمه. وفي الآية الأخرى قال: {لم يكن الله ليغفر لهم} وذكر أنهم # PageV16P029 # آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا قيل لأن المرتد إذا ~~تاب غفر له كفره فإذا كفر بعد ذلك ومات كافرا حبط إيمانه فعوقب بالكفر ~~الأول والثاني كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: {قيل: يا رسول الله ~~أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل ~~في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر} فلو قال: إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم كان هؤلاء الذين ~~ذكرهم في آل عمران فقال: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم} بل ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك وهو المرتد ~~التائب؛ فهذا إذا كفر وازداد كفرا لم يغفر له كفره السابق أيضا فلو آمنوا ~~ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لم يكونوا قد ازدادوا كفرا فلا يدخلون ~~في الآية. والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة ~~الزنديق فذاك إنما هو في الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر ~~أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا ~~على ms4919 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم} . ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة # PageV16P030 # لا شرعا ولا قدرا والعقوبات التي تقام من حد أو تعزير إما أن يثبت سببها ~~بالبينة مثل قيام البينة بأنه زنى أو سرق أو شرب فهذا إذا أظهر التوبة لم ~~يوثق بها ولو درئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد فإنه كل من تقام عليه البينة ~~يقول قد تبت وإن كان تائبا في الباطن كان الحد مكفرا وكان مأجورا على صبره ~~وأما إذا جاء هو بنفسه فاعترف وجاء تائبا فهذا لا يجب أن يقام عليه الحد في ~~ظاهر مذهب أحمد نص عليه في غير موضع وهي من مسائل التعليق واحتج عليها ~~القاضي بعدة أحاديث وحديث الذي قال: {أصبت حدا فأقمه علي فأقيمت الصلاة} ~~يدخل في هذا لأنه جاء تائبا وإن شهد على نفسه كما شهد به ماعز والغامدية ~~واختار إقامة الحد أقيم عليه وإلا فلا. كما في حديث ماعز: {فهلا تركتموه؟} ~~والغامدية ردها مرة بعد مرة. فالإمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل ~~هذا؛ ولكن هو إذا طلب ذلك أقيم عليه كالذي يذنب سرا وليس على أحد أن يقيم ~~عليه حدا: لكن إذا اختار هو أن يعترف ويقام عليه الحد أقيم وإن لم يكن ~~تائبا وهذا كقتل الذي ينغمس في العدو هو مما يرفع الله به درجته كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له وهل ~~وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله} . وقد قيل في ماعز إنه رجع عن الإقرار ~~وهذا هو أحد القولين # PageV16P031 # فيه في مذهب أحمد وغيره؛ وهو ضعيف والأول أجود. وهؤلاء يقولون: سقط الحد ~~لكونه رجع عن الإقرار ويقولون رجوعه عن الإقرار مقبول وهو ضعيف؛ بل فرق بين ~~من أقر تائبا ومن أقر غير تائب فإسقاط العقوبة بالتوبة - كما دلت عليه ~~النصوص - أولى من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار؛ والإقرار ms4920 شهادة منه على ~~نفسه؛ ولو قبل الرجوع لما قام حد بإقرار فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار ~~مع أنه قد يكون صادقا فالرجوع الذي هو فيه كاذب أولى. آخره والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # PageV16P032 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله} . قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت {من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء} (*) . أخبرنا أبو الفتح محمد بن علي الكوفي الصوفي أنا ~~أبو الحسن علي بن الحسن التميمي ثنا محمد بن إسحاق الرملي ثنا هشام بن عمار ~~ثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن {رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه ~~الآية: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} ~~من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش} ~~وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء وابن عباس. وقال مقاتل والسدي والكلبي: هو ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام} يعني ~~الخلق كلهم قيام على أرجلهم {ينظرون} ما يقال لهم وما يؤمرون به. هذا كلام ~~الواحدي في " كتاب الوسيط ". بينوا لنا PageV16P033 # حقيقة الصعوق هل يطلق على الموت في حق المذكورين؟ . وحقيقة الاستثناء؟ # فأجاب: # الحمد لله، الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى ~~عزرائيل ملك الموت. وروي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه وإنما ~~يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم ممن زعم أن الملائكة ~~هي العقول والنفوس وأنه لا يمكن موتها بحال؛ بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا ~~العالم. والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون ms4921 كما قال ~~سبحانه: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} . وقال تعالى: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال تعالى: {وكم ~~من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى} . والله سبحانه وتعالى قادر على أن يميتهم ثم يحييهم كما هو قادر # PageV16P034 # على إماتة البشر والجن ثم إحيائهم وقد قال سبحانه: {وهو الذي يبدأ الخلق ~~ثم يعيده وهو أهون عليه} وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير وجه وعن غير واحد من أصحابه أنه قال: {إن الله إذا تكلم بالوحي ~~أخذ الملائكة غشي} وفي رواية: {إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا} وفي رواية ~~{سمعت الملائكة كجر السلسلة على صفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ~~ماذا قال: ربكم؟ قالوا: الحق فينادون: الحق الحق} . فقد أخبر في هذه ~~الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعوق الغشي فإذا جاز عليهم صعوق الغشي جاز ~~عليهم صعوق الموت وهؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا ولا هذا وصعوق الغشي ~~هو مثل صعوق موسى عليه السلام. قال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ~~وخر موسى صعقا} والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات: نفخة الفزع ذكرها في سورة ~~النمل في قوله: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله} . ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: {ونفخ في الصور فصعق ~~من # PageV16P035 # في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون} . وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين فإن ~~الجنة ليس فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله فإن ~~الله أطلق في كتابه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{إن الناس ms4922 يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش ~~فلا أدري هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله؟} وهذه الصعقة قد قيل إنها ~~رابعة وقيل إنها من المذكورات في القرآن؛ وبكل حال النبي: صلى الله عليه ~~وسلم قد توقف في موسى هل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ ~~فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم بكل من استثناه الله لم يمكنا ~~أن نجزم بذلك وصار هذا مثل العلم بقرب الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ذلك ~~مما لم يخبر به وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر والله أعلم. وصلى الله على ~~محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # PageV16P036 ### | سورة الشورى # وقال الشيخ - رحمه الله -: # قد كتبت بعض ما يتعلق بقوله تعالى: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون} إلى قوله: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} ~~فمدحهم على الانتصار تارة وعلى الصبر أخرى. و " المقصود هنا " أن الله لما ~~حمدهم على هذه الصفات من الإيمان والتوكل ومجانبة الكبائر والاستجابة لربهم ~~وإقام الصلاة والاشتوار في أمرهم وانتصارهم إذا أصابهم البغي والعفو والصبر ~~ونحو ذلك كان هذا دليلا على أن ضد هذه الصفات ليس محمودا بل مذموما فإن هذه ~~الصفات مستلزمة لعدم ضدها؛ فلو كان ضدها محمودا لكان عدم المحمود محمودا ~~وعدم المحمود لا يكون محمودا إلا أن يخلفه ما هو محمود؛ ولأن حمدها والثناء ~~عليها طلب لها وأمر بها ولو أنه أمر استحباب والأمر بالشيء نهي عن ضده قصدا ~~أو لزوما وضد الانتصار العجز وضد الصبر الجزع؛ فلا خير في العجز ولا في ~~الجزع كما نجده في حال كثير من الناس حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو # PageV16P037 # أرادوا منكرا فلا هم ينتصرون ولا يصبرون؛ بل يعجزون ويجزعون. وفي سنن أبي ~~داود من رواية عوف بن مالك {أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يلوم ms4923 على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ~~ونعم الوكيل} . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ~~احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت ~~لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} . لا ~~تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور ومن الناس من يجمع كلا الشرين؛ فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالحرص على النافع والاستعانة بالله والأمر يقتضي ~~الوجوب وإلا فالاستحباب. ونهى عن العجز وقال: {إن الله يلوم على العجز} ~~والعاجز ضد الذين هم ينتصرون والأمر بالصبر والنهي عن الجزع معلوم في مواضع ~~كثيرة. وذلك لأن الإنسان بين أمرين: أمر أمر بفعله فعليه أن يفعله # PageV16P038 # ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن ~~يصبر عليه ولا يجزع منه؛ ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره الأمر ~~أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. وهذا في ~~جميع الأمور؛ لكن عند المؤمن الذي فيه حيلة هو ما أمر الله به وأحبه له؛ ~~فإن الله لم يأمره إلا بما فيه حيلة له إذ لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد أمره ~~بكل خير فيه له حيلة وما لا حيلة فيه هو ما أصيب به من غير فعله. واسم ~~الحسنات والسيئات يتناول القسمين فالأفعال مثل قوله تعالى {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ومثل قوله تعالى {إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} ومثل قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~ومثل قوله تعالى {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} والمصائب المقدرة ~~خيرها وشرها مثل قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} . إلى ~~آيات كثيرة من هذا الجنس. والله أعلم. # PageV16P039 ### | سورة الزخرف # وقال: # فصل: # قوله: {وإذا بشر ms4924 أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} يشبه ~~قوله: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} {وقالوا أآلهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} فيشبه والله أعلم أن يكون ضرب ~~المثل أنهم جعلوا المسيح ابنه. والملائكة بناته والولد يشبه أباه فجعلوه ~~لله شبيها ونظيرا. أو يكون المعنى في المسيح أنه مثل لآلهتهم؛ لأنه عبد من ~~دون الله. فعلى الأول يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وهم النصارى والمشركون ~~وعلى الثاني يكون ضاربه هو الذي عارض به قوله: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} فلما قال ابن الزبعرى: لأخصمن محمدا. فعارضه بالمسيح وناقضه ~~به كان قد ضربه مثلا قاس الآلهة عليه ويترجح هذا بقوله: {ما ضربوه لك إلا ~~جدلا} فعلم أنهم هم الذين # PageV16P040 # ضربوه لا النصارى. فإن " المثل " يقال على الأصل وعلى الفرع " والمثل " ~~يقال على المفرد ويقال على الجملة التي هي القياس كما قد ذكرت فيما تقدم أن ~~ضرب المثل هو القياس أما قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد وأما قياس ~~الشمول فيكون تسميته ضرب مثل كتسميته قياسا كما بينته في غير هذا الموضع من ~~جهة مطابقة المعاني الذهنية للأعيان الخارجية ومماثلتها لها ومن جهة مطابقة ~~ذلك المفرد المعين للمعنى العام الشامل للأفراد ولسائر الأفراد؛ فإن الذهن ~~يرتسم فيه معنى عام يماثل الفرد المعين وكل فرد يماثل الآخر فصار هذا ~~المعنى يماثل هذا وكل منهما يماثل المعنى العام الشامل لهما. وبهذا والله ~~أعلم سمي ضرب مثل وسمي قياسا فإن الضرب الجمع والجمع في القلب واللسان وهو ~~العموم والشمول فالجمع والضرب والعموم والشمول في النفس معنى ولفظا فإذا ~~ضرب مثلا فقد صيغ عموما مطابقا أو صيغ مفردا مشابها؛ فتدبر هذا فإنه حسن إن ~~شاء الله. ولك أن تقول: كل إخبار بمثل صوره المخبر في النفس فهو ضرب # PageV16P041 # مثل؛ لأن المتكلم جمع مثلا في نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق للمخبر ~~فيكون المثل هو الخبر وهو الوصف كقوله: {مثل الجنة التي ms4925 وعد المتقون} ~~وقوله: {ضرب مثل فاستمعوا له} . وبسط هذا اللفظ واشتماله على محاسن الأحكام ~~والأدلة قد ذكرته في غير هذا الموضع. # PageV16P042 ### | سورة الأحقاف # سأل رجل آخر: # عن قوله تعالى {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة} فقال: ما سمعنا بنص ~~القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل فقال الآخر: عيسى إنما كان ~~تبعا لموسى والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام تيسير مما في التوراة فأنكر ~~عليه رجل وقال: كان لعيسى شرع غير شرع موسى واحتج بقوله: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} قال: فما الحكم في قوله: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة} ؟ فقال: ليست ~~هذه حجة. # فأجاب شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قد أخبر الله في القرآن أن عيسى قال لهم: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} ~~فعلم أنه أحل البعض دون الجميع وأخبر عن المسيح أنه علمه التوراة والإنجيل ~~بقوله: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} ومن المعلوم أنه لولا ~~أنه متبع لبعض ما في التوراة لم يكن تعلمها # PageV16P043 # له منة ألا ترى أنا نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل وإن كان كثير من ~~شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن فهذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين ~~من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة وأكثر الأحكام يتبع فيها ما في ~~التوراة؛ وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين. ولهذا كان النصارى متفقين على ~~حفظ التوراة وتلاوتها كما يحفظون الإنجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن ~~قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك ورقة بن نوفل ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم - لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يأتيه قال هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى. وكذلك قالت الجن: {إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى} وقال تعالى: {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} قالوا ساحران ~~تظاهرا أي موسى ومحمد وفي ms4926 القراءة الأخرى: {سحران تظاهرا} أي التوراة ~~والقرآن. وكذلك قال: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به # PageV16P044 # موسى نورا وهدى للناس} إلى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه} فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ~~ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن ~~كان مغايرا لبعضها. فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: ~~{نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل} {من ~~قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} وقال: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن} فيذكر الثلاثة تارة ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر: وهو ~~أن الإنجيل من وجه أصل ومن وجه تبع؛ بخلاف القرآن مع التوراة فإنه أصل من ~~كل وجه بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب وإن كان موافقا للتوراة في ~~أصول الدين وكتبه من الشرائع والله أعلم. # PageV16P045 ### | سورة ق # سئل - رحمه الله -: # عن قوله: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} ما المزيد؟ # فأجاب: # قد قيل إنها تقول: {هل من مزيد} أي ليس في محتمل للزيادة. والصحيح أنها ~~تقول: {هل من مزيد} على سبيل الطلب أي هل من زيادة تزاد في والمزيد ما ~~يزيده الله فيها من الجن والإنس كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى ~~يضع رب العزة فيها قدمه ويروى عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط ~~قط} . فإذا قالت حسبي حسبي كانت قد اكتفت بما ألقي فيها ولم تقل بعد ذلك هل ~~من مزيد بل تمتلئ بما فيها لانزواء بعضها إلى بعض؛ فإن الله يضيقها على من ~~فيها لسعتها فإنه قد وعدها ليملأنها # PageV16P046 # من الجنة والناس أجمعين وهي واسعة فلا تمتلئ حتى يضيقها على من فيها. ~~قال: " وأما ms4927 الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا فيدخلهم الجنة. فبين أن الجنة لا ~~يضيقها سبحانه بل ينشئ لها خلقا فيدخلهم الجنة لأن الله يدخل الجنة من لم ~~يعمل خيرا؛ لأن ذلك من باب الإحسان. وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا لمن ~~عصى فلا يعذب أحدا بغير ذنب. والله أعلم. # PageV16P047 ### | سورة المجادلة # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قوله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} خص ~~سبحانه رفعه بالأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان وهم الذين ~~استشهد بهم في قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط} وأخبر أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى الرسول هو الحق ~~بقوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} فدل ~~على أن تعلم الحجة والقيام بها يرفع درجات من يرفعها كما قال تعالى: {نرفع ~~درجات من نشاء} قال زيد بن أسلم: بالعلم. فرفع الدرجات والأقدار على قدر ~~معاملة القلوب بالعلم والإيمان فكم ممن يختم القرآن في اليوم مرة أو مرتين ~~وآخر لا ينام الليل وآخر لا يفطر وغيرهم أقل عبادة # PageV16P048 # منهم وأرفع قدرا في قلوب الأمة فهذا كرز بن وبرة وكهمس وابن طارق يختمون ~~القرآن في الشهر تسعين مرة وحال ابن المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم في ~~القلوب أرفع. وكذلك ترى كثيرا ممن لبس الصوف ويهجر الشهوات ويتقشف وغيره ~~ممن لا يدانيه في ذلك من أهل العلم والإيمان أعظم في القلوب وأحلى عند ~~النفوس وما ذاك إلا لقوة المعاملة الباطنة وصفائها وخلوصها من شهوات النفوس ~~وأكدار البشرية وطهارتها من القلوب التي تكدر معاملة أولئك وإنما نالوا ذلك ~~بقوة يقينهم بما جاء به الرسول وكمال تصديقه في قلوبهم ووده ومحبته وأن ~~يكون الدين كله لله فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وابتهاجها وسرورها كما قال تعالى: {والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا} الآية. ففضل ms4928 الله ورحمته القرآن والإيمان من فرح به فقد فرح ~~بأعظم مفروح به ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه. فإذا ~~استقر في القلب وتمكن فيه العلم بكفايته لعبده ورحمته له وحلمه عنده وبره ~~به وإحسانه إليه على الدوام أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل محب بكل ~~محبوب سواه. فلا يزال مترقيا # PageV16P049 # في درجات العلو والارتفاع بحسب رقيه في هذه المعارف. هذا في " باب معرفة ~~الأسماء والصفات " وأما في " باب فهم القرآن " فهو دائم التفكر في معانيه ~~والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس وإذا ~~سمع شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن فإن شهد له بالتزكية قبله ~~وإلا رده وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه وهمته عاكفة على مراد ربه من ~~كلامه. ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن ~~إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد ~~الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك. فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم ~~مراد الرب من كلامه وكذلك شغل النطق ب {أأنذرتهم} وضم الميم من (عليهم ~~ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك. وكذلك مراعاة النغم وتحسين ~~الصوت. وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التي هي ~~بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان. # PageV16P050 # وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم. وكذلك تأويل ~~القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن ~~تبعا لمذهبه وتقوية لقول إمامه وكل محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من ~~كلامه في كثير من ذلك أو أكثره. وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه ~~غير كاف في معرفة التوحيد والأسماء والصفات وما يجب لله وينزه عنه؛ بل ~~الكافي في ذلك عقول الحيارى والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن ~~مخالفة ظاهرة. وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV16P051 ### | سورة الطلاق ms4929 # وقال: # فصل: # وأما قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} فقد ~~بين فيها أن المتقي يدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من المخرج ويجلب له ~~من المنفعة بما ييسره له من الرزق والرزق اسم لكل ما يغتذى به الإنسان؛ ~~وذلك يعم رزق الدنيا ورزق الآخرة. وقد قال بعضهم: ما افتقر تقي قط قالوا: ~~ولم؟ قال: لأن الله يقول: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب} . وقول القائل: قد نرى من يتقي وهو محروم. ومن هو بخلاف ذلك وهو ~~مرزوق. فجوابه: أن الآية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب ولم تدل على ~~أن غير المتقي لا يرزق؛ بل لا بد لكل مخلوق من الرزق قال الله تعالى: {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} حتى # PageV16P052 # إن ما يتناوله العبد من الحرام هو داخل في هذا الرزق فالكفار قد يرزقون ~~بأسباب محرمة ويرزقون رزقا حسنا وقد لا يرزقون إلا بتكلف وأهل التقوى ~~يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة ولا يكون خبيثا ~~والتقي لا يحرم ما يحتاج إليه من الرزق وإنما يحمى من فضول الدنيا رحمة به ~~وإحسانا إليه؛ فإن توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه وتقديره يكون رحمة ~~لصاحبه. قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~ربي أكرمن} {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} {كلا} أي: ~~ليس الأمر كذلك فليس كل من وسع عليه رزقه يكون مكرما ولا كل من قدر عليه ~~رزقه يكون مهانا؛ بل قد يوسع عليه رزقه إملاء واستدراجا وقد يقدر عليه رزقه ~~حماية وصيانة له وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون لما له من ذنوب ~~وخطايا كما قال بعض السلف: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم {من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ~~ومن كل ضيق ms4930 مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب} . وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات ~~يذهبن السيئات والاستغفار سبب للرزق والنعمة وأن المعاصي سبب للمصائب ~~والشدة فقال تعالى: # PageV16P053 # {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} إلى قوله: {ويؤت كل ذي ~~فضل فضله} وقال تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} إلى قوله: {ويجعل لكم ~~جنات ويجعل لكم أنهارا} وقال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا} {لنفتنهم فيه} وقال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون} وقال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} وقال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ~~ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقال تعالى: {فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون} {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ~~ما كانوا يعملون} . وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يبتلي عباده بالحسنات ~~والسيئات؛ فالحسنات هي النعم والسيئات هي المصائب؛ ليكون العبد صبارا ~~شكورا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {والذي نفسي بيده ~~لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له} . # PageV16P054 # وقال أيضا: # فصل: # قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} ~~قد روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أخذ الناس كلهم ~~بهذه الآية لكفتهم} وقوله: (مخرجا) عن بعض السلف: أي من كل ما ضاق على ~~الناس وهذه الآية مطابقة لقوله: {إياك نعبد ms4931 وإياك نستعين} الجامعة لعلم ~~الكتب الإلهية كلها؛ وذلك أن التقوى هي العبادة المأمور بها فإن تقوى الله ~~وعبادته وطاعته أسماء متقاربة متكافئة متلازمة والتوكل عليه هو الاستعانة ~~به فمن يتقي الله مثال: {إياك نعبد} ومن يتوكل على الله مثال {إياك نستعين} ~~كما قال: {فاعبده وتوكل عليه} وقال: {عليك توكلنا وإليك أنبنا} وقال: {عليه ~~توكلت وإليه أنيب} . ثم جعل للتقوى فائدتين: أن يجعل له مخرجا وأن يرزقه من # PageV16P055 # حيث لا يحتسب. والمخرج هو موضع الخروج وهو الخروج وإنما يطلب الخروج من ~~الضيق والشدة وهذا هو الفرج والنصر والرزق فبين أن فيها النصر والرزق كما ~~قال: {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم} هذا لجلب ~~المنفعة وهذا لدفع المضرة. وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه وفي هذا ~~بيان التوكل على الله من حيث إن الله يكفي المتوكل عليه كما قال: {أليس ~~الله بكاف عبده} ؟ خلافا لمن قال: ليس في التوكل إلا التفويض والرضا. ثم إن ~~الله بالغ أمره ليس هو كالعاجز. {قد جعل الله لكل شيء قدرا} وقد فسروا ~~الآية بالمخرج من ضيق الشبهات بالشاهد الصحيح والعلم الصريح والذوق. كما ~~قالوا يعلمه من غير تعليم بشر ويفطنه من غير تجربة؛ ذكره أبو طالب المكي ~~كما قالوا في قوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} إنه نور يفرق به بين ~~الحق والباطل كما قالوا: بصرا والآية تعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق ~~الباطن قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وتعم ذوق الأجساد وذوق ~~القلوب من العلم والإيمان كما قيل مثل ذلك في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} ~~وكما قال: {أنزل من السماء ماء} وهو القرآن والإيمان. # PageV16P056 ### | سورة التحريم # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} هل هذا ~~اسم رجل كان على عهد النبي صلى ms4932 الله عليه وسلم أم لا؟ وإيش معنى قوله ~~{نصوحا} ؟ # فأجاب: # الحمد لله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة والتابعين ~~رضي الله عنهم التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه و " نصوح " ~~هي صفة للتوبة وهي مشتقة من النصح والنصيحة. وأصل ذلك هو الخلوص. يقال: ~~فلان ينصح لفلان إذا كان يريد له الخير إرادة خالصة لا غش فيها وفلان يغشه ~~إذا كان باطنه يريد السوء وهو يظهر إرادة الخير كالدرهم المغشوش ومنه قوله ~~تعالى {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~حرج إذا نصحوا لله ورسوله} أي أخلصوا لله ورسوله قصدهم وحبهم. ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # PageV16P057 # {الدين النصيحة ثلاثا قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم} فإن أصل الدين هو حسن النية وإخلاص القصد؛ ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم {ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ~~ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} أي ~~هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب مسلم بل يحبها ويرضاها. فالتوبة ~~النصوح هي الخالصة من كل غش وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما يعود إلى ~~الذنب لبقايا في نفسه فمن خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى الذنب ~~فهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى؛ ولو تاب العبد ثم عاد ~~إلى الذنب قبل الله توبته الأولى ثم إذا عاد استحق العقوبة فإن تاب تاب ~~الله عليه أيضا. ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصر؛ بل يتوب ولو عاد ~~في اليوم مائة مرة فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله يحب العبد المفتن التواب} وفي حديث آخر: {لا ~~صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار} وفي حديث آخر: {ما أصر من استغفر ولو ~~عاد في اليوم مائة مرة} # PageV16P058 # ومن قال ms4933 من الجهال: إن " نصوح " اسم رجل كان على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر الناس أن يتوبوا كتوبته: فهذا رجل مفتر كذاب جاهل بالحديث ~~والتفسير جاهل باللغة ومعاني القرآن؛ فإن هذا امرؤ لم يخلقه الله تعالى ولا ~~كان في المتقدمين أحد اسمه نصوح ولا ذكر هذه القصة أحد من أهل العلم ولو ~~كان كما زعم الجاهل لقيل توبوا إلى الله توبة نصوح وإنما قال: {توبة نصوحا} ~~والنصوح هو التائب. ومن قال: إن المراد بهذه الآية رجل أو امرأة اسمه نصوح ~~وإن كان على عهد عيسى أو غيره فإنه كاذب يجب أن يتوب من هذه فإن لم يتب ~~وجبت عقوبته بإجماع المسلمين. والله أعلم. # PageV16P059 ### | سورة الملك # وقال - رحمه الله تعالى -: # قوله تعالى {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} دلت على علمه بالأشياء ~~من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي: " أحدها " أنه خالق ~~لها والخلق هو الإبداع بتقدير فتضمن تقديرها في العلم قبل تكوينها. " ~~الثاني " أنه مستلزم للإرادة والمشيئة؛ فيلزم تصور المراد وهذه الطريقة ~~المشهورة عند أكثر أهل الكلام. " الثالث " أنها صادرة عنه وهو سببها التام ~~والعلم بالأصل يوجب العلم بالفرع فعلمه بنفسه يستلزم علم كل ما يصدر عنه. " ~~الرابع " أنه لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفي وهذا هو المقتضي للعلم ~~بالأشياء فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام. # PageV16P060 ### | سورة القلم # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # سورة (ن) هي سورة " الخلق " الذي هو جماع الدين الذي بعث الله به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى فيها: {وإنك لعلى خلق عظيم} قال ابن ~~عباس: على دين عظيم. وقاله ابن عيينة وأخذه أحمد عن ابن عيينة. فإن الدين ~~والعادة والخلق ألفاظ متقاربة المعنى في الذات وإن تنوعت في الصفات كما قيل ~~في لفظ الدين: فهذا دينه أبدا وديني. وجمع بعض الزنادقة بينهما في قوله: # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # PageV16P061 # (ن) أقسم سبحانه بالقلم وما يسطرون؛ فإن ms4934 القلم به يكون الكتاب الساطر ~~للكلام: المتضمن للأمر والنهي والإرادة والعلم المحيط بكل شيء؛ فالإقسام ~~وقع بقلم التقدير ومسطوره فتضمن أمرين عظيمين تناسب المقسم عليه. " أحدهما ~~" الإحاطة بالحوادث قبل كونها وأن من علم بالشيء قبل كونه أبلغ ممن علمه ~~بعد كونه فإخباره عنه أحكم وأصدق. " الثاني " أن حصوله في الكتابة والتقدير ~~يتضمن حصوله في الكلام والقول والعلم من غير عكس؛ فإقسامه بآخر المراتب ~~العلمية يتضمن أولها من غير عكس؛ وذلك غاية المعرفة واستقرار العلم إذا صار ~~مكتوبا. فليس كل معلوم مقولا ولا كل مقول مكتوبا وهذا يبين لك حكمة الإخبار ~~عن القدر السابق بالكتاب دون الكلام فقط أو دون العلم فقط. والمقسم عليه ~~ثلاث جمل: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} {وإن لك لأجرا غير ممنون} {وإنك لعلى ~~خلق عظيم} سلب عنه النقص الذي يقدح فيه وأثبت له الكمال المطلوب في الدنيا ~~والآخرة وذلك أن الذي أتى به إما أن يكون حقا أو باطلا وإذا كان باطلا فإما ~~أن يكون مع العقل أو عدمه فهذه الأقسام الممكنة في نظائر هذا. # PageV16P062 # " الأول " أن يكون باطلا ولا عقل له. فهذا مجنون لا ذم عليه ولا يتبع. " ~~الثاني " أن يكون باطلا وله عقل فهذا يستحق الذم والعقاب. " الثالث " أن ~~يكون حقا مع العقل فنفى عنه الجنون أولا ثم أثبت له الأجر الدائم الذي هو ~~ضد العقاب ثم بين أنه على خلق عظيم؛ وذلك يبين عظم الحق الذي هو عليه بعد ~~أن نفى عنه البطلان. وأيضا: فالناس نوعان: إما معذب وإما سليم منه. والسليم ~~ثلاثة أقسام: إما غير مكلف وإما مكلف قد عمل صالحا: مقتصدا وإما سابق ~~بالخيرات. فجعل القسم مرتبا على الأحوال الثلاثة ليبين أنه أفضل قسم ~~السعداء وهذا غاية كمال السابقين بالخيرات وهذا تركيب بديع في غاية ~~الإحكام. ثم قال {فلا تطع المكذبين} الآيات؛ فتضمن أصلين: " أحدهما " أنه ~~نهاه عن طاعة هذين الضربين فكان فيه فوائد: " منها " أن النهي عن طاعة ~~المرء نهي عن التشبه به بالأولى، فلا # PageV16P063 # يطاع المكذب والحلاف ولا يعمل ms4935 بمثل عملهما كقوله: {ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين} وأمثاله فإن النهي عن قبول قول من يأمر بالخلق الناقص أبلغ في ~~الزجر من النهي عن التخلق به. " ومنها " أن ذلك أبلغ في الإكرام. والاحترام ~~فإن قوله: لا تكذب ولا تحلف ولا تشتم ولا تهمز: ليس هو مثل قوله لا تطع من ~~يكون متلبسا بهذه الأخلاق؛ لما فيه من تشريفه وبراءته. " ومنها " أن ~~الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة؛ ففيه تحذير عن اكتساب شيء من أخلاقهم بالمخالطة ~~لهم؛ فليأخذ حذره فإنه محتاج إلى مخالطتهم لأجل دعوتهم إلى الله تعالى. " ~~ومنها " أنهم يبدون مصالح فيما يأمرون به فلا تطع من كان هكذا ولو أبداها ~~فإن الباعث لهم على ما يأمرون به هو ما في نفوسهم من الجهل والظلم وإذا كان ~~الأصل المقتضي للأمر فاسدا لم يقبل من الآمر فإن الأمر مداره على العلم ~~بالمصلحة وإرادتها فإذا كان جاهلا لم يعلم المصلحة وإذا كان الخلق فاسدا لم ~~يردها؛ وهذا معنى بليغ. " # PageV16P064 # الأصل الثاني " أنه ذكر قسمين المكذبين وذوي الأخلاق الفاسدة وذلك لوجوه: ~~" أحدها " أن المأمور به هو الإيمان والعمل الصالح فضده التكذيب والعمل ~~الفاسد. و " الثاني " أن المؤمنين مأمورون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ~~فكما أنا مأمورون بقبول هذه الوصية والإيصاء بها: فقد نهينا عن قبول ضدها. ~~وهو التكذيب بالحق والترك للصبر فإن هذه الأخلاق إنما تحصل لعدم الصبر ~~والصبر ضابط الأخلاق المأمور بها؛ ولهذا ختم السورة به وقال: {وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا} فكان في سورة العصر ما بين هنا. فنهاه عن طاعة الذي في ~~خسر ضد الذي للمؤمنين الآمرين بالحق والصبر والذي في خسر هو الكذاب المهين ~~فهو تارك للحق والصبر. # " الأصل الثالث " (1) : أن صلاح الإنسان في العلم النافع والعمل الصالح ~~وهو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله والعمل الصالح جماع العدل وجماع ما نهى ~~الله عنه الناس: هو الظلم. كما قرر في غير هذا. قال تعالى: {وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا} والتكذيب بالحق صادر إما عن جهل وإما عن ظلم وهو ~~الجاحد PageV16P065 # المعاند وصاحب الأخلاق ms4936 الفاسدة إنما يوقعه فيها أحد أمرين: إما الجهل بما ~~فيها وما في ضدها فهذا جاهل وإما الميل والعدوان وهو الظلم فلا يفعل ~~السيئات إلا جاهل بها أو محتاج إليها متلذذ بها وهو الظالم. فنهاه عن طاعة ~~الجاهلين والظالمين. وقوله: {ودوا لو تدهن} الآية أخبر أنهم يحبون ادهانه ~~ليدهنوا فهم لا يأمرونه نصحا؛ بل يريدون منه الادهان ويتوسلون بادهانه إلى ~~ادهانهم ويستعملونه لأغراضهم في صورة الناصح؛ وذلك لما نشأ من تكذيبهم ~~بالحق فإنه لم يبق في قلوبهم غاية ينتهون إليها من الحق؛ لا في الحق ~~المقصود ولا الحق الموجود لا خبرا عنه ولا أمرا به ولا اعتقادا ولا ~~اقتصادا. ثم قال: {ولا تطع كل حلاف مهين} إلخ. ذكر أربع آيات كل آيتين جمعت ~~نوعا من الأخلاق الفاسدة المذمومة وجمع في كل آية بين النوع المتشابه خبرا ~~وطلبا فالحلاف مقرون بالمهين؛ لأن الحلاف هو كثير الحلف وإنما يكون على ~~الخبر أو الطلب فهو إما تصديق أو تكذيب أو حض أو منع؛ وإنما يكثر الرجل ذلك ~~في خبره إذا احتاج أن يصدق ويوثق بخبره. ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب ~~في العهد محتاجا إلى الناس فهو من أذل الناس {حلاف مهين} حلاف في أقواله. ~~مهين في أفعاله. # PageV16P066 # وأما الهماز المشاء بنميم: فالهمز أقوى من اللمز وأشد - سواء كان همز ~~الصوت أو همز حركة - ومنه " الهمزة " وهي نبرة من الحلق مثل التهوع ومنه ~~الهمز بالعقب كما في حديث زمزم: {أنه همز جبريل بعقبه} والفعال: مبالغة في ~~الفاعل. فالهماز المبالغ في العيب نوعا وقدرا. القدرة من صورة اللفظ وهو ~~الفعال. والنوع من مادة اللفظ وهو الهمزة. والمشاء بنميم هو من العيب ولكنه ~~عيب في القفا فهو عيب الضعيف العاجز. فذكر العياب بالقوة والعياب بالضعف ~~والعياب في مشهد والعياب في مغيب. وأما {مناع للخير معتد أثيم} فإن الظلم ~~نوعان: ترك الواجب وهو منع الخير وتعد على الغير وهو المعتدي. وأما الأثيم ~~مع المعتدي فكقوله: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . وأما العتل الزنيم: ~~فهو الجبار الفظ ms4937 الغليظ الذي قد صار من شدة تجبره وغلظه معروفا بالشر ~~مشهورا به له زنمة كزنمة الشاة. ويشبه - والله أعلم - أن يكون الحلاف ~~المهين الهماز المشاء بنميم من جنس واحد وهو في الأقوال وما يتبعها من ~~الأفعال والمناع المعتدي الأثيم العتل الزنيم من جنس وهو في الأفعال وما ~~يتبعها من الأقوال. فالأول الغالب على جانب الأعراض والثاني الغالب على ~~جانب # PageV16P067 # الحقوق في الأحوال والمنافع ونحو ذلك. ووصفه بالظلم والبخل والكبر كما في ~~قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون} الآية. وقوله: ~~{سنسمه على الخرطوم} فيه إطلاق يتضمن الوسم في الآخرة وفي الدنيا أيضا. فإن ~~الله جعل للصالحين سيما وجعل للفاجرين سيما. قال تعالى: {سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود} وقال يظهر: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} الآية. ~~فجعل الإرادة والتعريف بالسيما الذي يدرك بالبصر معلقا على المشيئة وأقسم ~~على التعريف في لحن القول وهو الصوت الذي يدرك بالسمع. فدل على أن ~~المنافقين لا بد أن يعرفوا في أصواتهم وكلامهم الذي يظهر فيه لحن قولهم ~~وهذا ظاهر بين لمن تأمله في الناس من أهل الفراسة في الأقوال وغيرها مما ~~يظهر فيها من النواقض والفحش وغير ذلك. وأما ظهور ما في قلوبهم على وجوههم ~~فقد يكون وقد لا يكون ودل على أن ظهور ما في باطن الإنسان على فلتات لسانه ~~أقوى من ظهوره على صفحات وجهه؛ لأن اللسان ترجمان القلب فإظهاره لما أكنه ~~أوكد؛ ولأن دلالة اللسان قالية ودلالة الوجه حالية. والقول أجمع وأوسع ~~للمعاني التي في القلب من الحال؛ ولهذا فضل من فضل كابن قتيبة وغيره السمع ~~على البصر. # PageV16P068 # والتحقيق: أن السمع أوسع والبصر أخص وأرفع وإن كان إدراك السمع أكثر ~~فإدراك البصر أكمل؛ ولهذا أقسم أنه لا بد أن يدركهم بسمعه وأما إدراكه ~~إياهم بالبصر بسيماهم فقد يكون وقد لا يكون. فأخبر سبحانه أنه لا بد أن يسم ~~صاحب هذه الأخلاق الخبيثة على خرطومه وهو أنفه الذي هو عضوه البارز الذي ~~يسبق البصر إليه عند مشاهدته؛ لتكون ms4938 السيما ظاهرة من أول ما يرى وهذا ظاهر ~~في الفجرة الظلمة الذين ودعهم الناس اتقاء شرهم وفحشهم فإن لهم سيما من شر ~~يعرفون بها. وكذلك الفسقة وأهل الريب. وقوله: {إنا بلوناهم} إلخ. فيه بيان ~~حال البخلاء وما يعاقبون به في الدنيا قبل الآخرة من تلف الأموال إما ~~إغراقا وإما إحراقا وإما نهبا وإما مصادرة وإما في شهوات الغي وإما في غير ~~ذلك مما يعاقب به البخلاء الذين يمنعون الحق. وليس إقدام في صنائع المعروف ~~وهو قوله {مناع للخير} وهو أحد نوعي الظلم كما أخبروا به عن نفوسهم في ~~قولهم: {يا ويلنا إنا كنا طاغين} وكما قال صلى الله عليه وسلم {مطل الغني ~~ظلم} . وتضمن عقوبة الظالم المانع للحق أو متعدي الحق كما يعاقب الله مانع ~~الزكاة وهو مناع الخير وآكل الربا والميسر: الذي هو أكل المال بالباطل وكل ~~منهما أخبر الله في كتابه أنه يعاقبه بنقيض # PageV16P069 # قصده فهنا أخبر بعقوبة تارك الحقوق وفي البقرة بعقوبة المرابي وهذه ~~العقوبة تتناول من يترك هذا الواجب وفعل هذا المحرم من المحتالين كما أخبر ~~في هذه السورة وكما هو المشاهد في أهل منع الحقوق المالية والحيل الربوية ~~من العقوبات والمثلات. فإنه سبحانه إذا أنعم على عبد بباب من الخير وأمره ~~بالإنفاق فيه فبخل عاقبه بباب من الشر يذهب فيه أضعاف ما بخل به وعقوبته في ~~الآخرة مدخرة ثم أتبع ذلك بعقوبة المتكبر الذي هو من نوع العتل الزنيم الذي ~~يدعى إلى السجود والطاعة فيأبى؛ ففيها عقوبة تارك الصلاة وتارك الزكاة. ~~فتارك الصلاة هو المعتدي الأثيم العتل الزنيم. وتارك الزكاة الظالم البخيل. ~~وختمها بالأمر بالصبر الذي هو جماع الخلق العظيم في قوله: {فاصبر لحكم ربك} ~~وذلك نص في الصبر على ما يناله من أذى الخلق وعلى المصائب السماوية. والصبر ~~على الأول أشد وصاحب الحوت ذهب مغاضبا لربه لأجل الأمر السماوي ولهذا قال: ~~{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} إلخ فآخرها منعطف على أول ما في ~~قوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} وقوله: {ويقولون إنه لمجنون} ms4939 والإزلاق ~~بالبصر هو الغاية في البغض والغضب والأذى. فالصبر # PageV16P070 # على ذلك نوع من الحلم وهو احتمال أذى الخلق وفي ذلك ما يدفع كيدهم وشرهم. ~~وما ذكره في قصة أهل الجنة من أمر السخاء والجود وما ذكره هنا من الحلم ~~والصبر: هو جماع الخلق الحسن كما جمع بينهما في قوله: {الذين ينفقون في ~~السراء والضراء} الآية كما قيل: # بحلم وبذل ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير # فالإحسان إلى الناس بالمال والمنفعة واحتمال أذاهم كالسخاء المحمود كما ~~جمع بينهما في قوله: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ففي أخذه ~~العفو من أخلاقهم احتمال أذاهم وهو نوعان: ترك ما لك من الحق عليهم فأخذ ~~العفو أن لا تطلب ما تركوه من حقك وأن لا تنهاهم فيما تعدوا فيه الحد فيك ~~وإذا لم تأمرهم ولم تنههم فيما يتعلق (1) . PageV16P071 # وقال: هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما ~~هو خطأ فيها. # منها قوله: {بأييكم المفتون} حار فيها كثير والصواب المأثور عن السلف. ~~قال مجاهد: الشيطان. وقال الحسن: هم أولى بالشيطان من نبي الله. فبين ~~المراد فإنه يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الاختصار مع البلاغة وفهم ~~المعنى. وقال الضحاك: المجنون. فإن من كان به الشيطان ففيه الجنون. وعن ~~الحسن: الضال. وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي؛ بل لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خالف أهل العقل في نظرهم كما يقال ما لفلان عقل. ~~ومثل هذا رموا به أتباع الأنبياء كقوله: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون} ومثله في هذه الأمة كثير يسخرون من المؤمنين ويرمونهم بالجنون ~~والعظائم التي هم أولى بها منهم. قال الحسن لقد رأيت رجالا لو رأيتموهم ~~لقلتم مجانين ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين ولو رأوا خياركم لقالوا هؤلاء ~~لا خلاق لهم ولو رأوا شراركم لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون # PageV16P072 # بيوم الحساب. وهذا كثير في كلام السلف؛ يصفون أهل زمانهم وما هم عليه من ~~مخالفة من تقدم فما الظن بأهل زماننا. ms4940 والذين لم يفهموا هذا. قالوا الباء ~~زائدة قاله ابن قتيبة وغيره. وهذا كثير كقوله: {سيعلمون غدا من الكذاب ~~الأشر} {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} الآيات. {إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون} {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب} الآية. # PageV16P073 # وقال: # فصل # ولجماعة من الفضلاء كلام في قوله تعالى {يوم يفر المرء من أخيه} {وأمه ~~وأبيه} لم ابتدأ بالأخ ومن عادة العرب أن يبدأ بالأهم؟ # فلما سئلت عن هذا قلت: إن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه فتارة ~~يقتضي الابتداء بالأعلى وتارة بالأدنى وهنا المناسبة تقتضي الابتداء ~~بالأدنى لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مفصلا شيئا بعد شيء فلو ذكر ~~الأقرب أولا لم يكن في ذكر الأبعد فائدة طائلة فإنه يعلم أنه إذا فر من ~~الأقرب فر من الأبعد ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة فابتدئ بنفي ~~الأبعد منتقلا منه إلى الأقرب فقيل أولا. {يفر المرء من أخيه} فعلم أن ثم ~~شدة توجب ذلك. وقد يجوز أن يفر من غيره ويجوز أن لا يفر. فقيل {وأمه وأبيه} ~~فعلم أن الشدة أكبر من ذلك بحيث توجب الفرار من الأبوين. ثم قيل {وصاحبته ~~وبنيه} فعلم أنها طامة بحيث توجب الفرار # PageV16P074 # مما لا يفر منهم إلا في غاية الشدة وهي الزوجة والبنون ولفظ صاحبته أحسن ~~من زوجته. قلت: فهذا في الخبر ونظيره في الأمر قوله: {ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} وقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ~~أو كسوتهم} فإن الواجبات نوعان على الترتيب. فيقدم فيه الأعلى فالأعلى كما ~~في كفارة الظهار والقتل واليمين وعلى التخيير فابتدأ فيها بأخفها ليبين أنه ~~كان مجزيا لا نقص فيه وإن ذكر الأعلى بعده للترغيب فيه لا للإيجاب فانتقال ~~القلب من العمل الأدنى إلى الأعلى أولى من أن يؤمر بالأعلى ثم يذكر له ~~الأدنى فيزدريه القلب. ولهذا لما ذكر في جزاء الصيد الأعلى ابتداء كان لنا ~~في ترتيبه روايتان وإذا نصرنا المشهور قلنا قدم فيه الأعلى لأن الأدنى ~~بقدرته في قوله: ms4941 {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} . ولهذا لما ~~ابتدأ بالأثقل في حدود المحاربين لم يكن عندنا على التخيير ولا على ~~الترتيب؛ بل بحسب الجرائم وليس في لفظ الآية ما يقتضي التخيير كما يتوهمه ~~طائفة من الناس فإنه لم يقل الواجب أو الجزاء هذا # PageV16P075 # أو هذا أو هذا كما قال: فكفارته هذا أو هذا أو هذا وكما قال: {ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك} وإنما قال: إنما جزاؤهم هذا أو هذا أو هذا فالكلام ~~فيه نفي وإثبات: تقديره: ما جزاؤهم إلا أحد الثلاثة كما قال في آية ~~الصدقات: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} أي ما هي إلا لهؤلاء. وقد تقرر ~~أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكور ما نفاه عن غيره فلما نفى الجواز لغير ~~الأصناف أثبت الجواز لا الوجوب ولا الاستحقاق كما فهمه من اعتقد وجوب ~~الاستيعاب من ظاهر الخطاب وهنا نفى أن يكون ما سوى أحد هذه جزاء فأثبت أن ~~يكون جزاء المحارب أحد هذه العقوبات. والمحاربون جملة ليسوا واحدا فظهر ~~الفرق بين هذه. الآية وبين الآيتين من وجوه: # أحدها: أن المحاربين ذكروا باسم الجمع ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع ~~الأفراد على الأفراد فلو قيل: جزاء المعتدين إما القتل وإما القطع وإما ~~الجلد وإما الصلب وإما الحبس: لم يقتض هذا التخيير في كل معتد بين هذه ~~العقوبات بل توزيع العقوبات على أنواعهم كذلك إذا قيل: جزاء المحاربين كذا ~~أو كذا أو كذا أو كذا بخلاف قوله: {فكفارته} وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة} # PageV16P076 # الثاني: أن المقصود نفي جواز ما سوى [ذلك] (1) وإثبات ضده وهي جواز ~~المذكور في الجملة وذلك أعم من أن يكون مخيرا أو معينا بخلاف ما إذا لم يكن ~~المقصود إلا مجرد الإثبات؛ فإن إثباته بصيغة التخيير يدل عليه. وهذا معروف ~~في مواد الإثبات المحض أو مواد الحصر كما قال صلى الله عليه وسلم للخصم ~~المدعي: {شاهداك أو يمينه} وفي لفظ: {ليس لك منه إلا ذلك} فحصر طريق الحق ~~وليس الغرض التخيير. وكذلك ms4942 يقال: الواجب في القتل القصاص أو الدية ولا تصح ~~الصلاة إلا بوضوء أو تيمم ولا بد يوم الجمعة من الظهر أو الجمعة ولا يترك ~~في دار الإسلام إلا مسلم أو معاهد وسبب ذلك أنه إذا كان بعض المقصود الذي ~~دل عليه اللفظ نفس ما سوى الأمور المذكورة كان مدلوله إثباتا يقتضي النفي ~~وهو الوجود المشترك من هذه الأمور والقدر المشترك بينها أعم من أن يكون ~~معينا أو مخيرا وأما إذا أثبتت ابتداء فلو لم تكن مخيرة بل معينة ولم يدل ~~اللفظ عليه كان تلبيسا. " الوجه الثالث " وهو لطيف أن يقال: مفهوم (أو) ~~إثبات التقسيم المطلق كما قلنا: إن الواو مفهومها التشريك المطلق بين ~~المعطوف والمعطوف عليه فأما الترتيب: فلا ينفيه ولا يثبته؛ إذ الدال ~~PageV16P077 # على مجرد المشترك لا يدل على المميز فكذلك (أو) هي للتقسيم المطلق وهو ~~ثبوت أحد الأمرين مطلقا وذلك أعم من أن يثبت على سبيل التخيير بينه وبين ~~الآخر. أو على سبيل الترتيب أو على سبيل التوزيع وهو ثبوت هذا في حال وهذا ~~في حال كما أنهم قالوا: هي في الطلب يراد بها الإباحة تارة كقولهم: تعلم ~~النحو أو الفقه والتخيير أخرى. كقولهم: كل السمك أو اللبن وأرادوا بالإباحة ~~جواز الجمع. وهي في نفسها تثبت القدر المشترك وهو أحد الاثنين. إما مع ~~إباحة الآخر أو حظره فلا تدل عليه بنفسها بل من جهة المادة الخاصة؛ ولهذا ~~جمعنا بين القتل والصلب وبينه وبين القطع على رواية فإن (أو لا تنفي ذلك ~~فإذا كان حرف أو يدل على مجرد إثبات أحد المذكورات فهنا مسلكان: " أحدهما " ~~أن يقال: إذا كانت في مادة الإيجاب أفادت التخيير وإذا كانت في مادة الجواز ~~أفادت القدر المشترك كما هو مشهور عن النحاة المتكلمين في معاني الحروف ~~أنهم يقولون: يراد بها تارة الإذن في أحد الشيئين مع حظر الآخر وتارة الإذن ~~في أحدهما وإن ضم إليه الآخر كما ذكروه من الأمثلة. وحينئذ فهذه الآية في ~~مادة الجواز لأن المنفي هو الجواز. فيكون # PageV16P078 # المثبت هو الجواز ms4943 كما ذكرناه في آية الصدقات بخلاف آية الكفارة؛ فإنها في ~~مادة الوجوب. " المسلك الثاني " أن يقال: لا فرق بين المادتين الجواز ~~والوجوب؛ بل وفي الوجوب قد يباح الجمع. كما لو كفر بالجميع مع الغنى؛ لكن ~~يقال: دلالتها في الجميع على التفريق المطلق ضد دلالة (الواو. ثم إن لم يدل ~~دليل على ترتيب ولا تعيين: جاز فعل كل واحد من الخصال لعدم ما يدل على ~~التعيين والترتيب لا للدليل المنافي لذلك كما في قوله: {فتحرير رقبة} فإن ~~الرقبة المعينة يجزي عتقها؛ كثبوت القدر المشترك فيها وعدم ما يوجب المعين ~~لا لدليل دل على نفس المعين؛ وإن دل دليل على التعيين والترتيب: قلنا به ~~كما نقول بتقييد المطلق وليس تقييد المطلق رفعا لظاهر اللفظ بل ضم حكم آخر ~~إليه وهذا مسلك حسن في هذا الموضع ونظائره؛ فإنه يجب الفرق بين ما يثبته ~~اللفظ وبين ما ينفيه فإذا قلنا في المحاربين بالتعيين لدليل خبري أو قياسي ~~كان كالقول بالترتيب في الوضوء والإيمان في الرقبة ونحوهما. # PageV16P079 ### | سورة التكوير # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # قوله: {وإذا الموءودة سئلت} {بأي ذنب قتلت} دليل على أنه لا يجوز قتل ~~النفس إلا بذنب منها فلا يجوز قتل الصبي والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما ~~فلا ذنب لهما وهذه العلة لا ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل صبيان أهل ~~الحرب وأما العلة المشتركة بينهم وبين النساء فكونهم ليسوا من أهل القتال ~~على الصحيح الذي هو قول الجمهور أو كونهم يصيرون للمسلمين. فأما التعليل ~~بهذا وحده في الصبي فلا والآية تقتضي ذم قتل كل من لا ذنب له من صغير وكبير ~~وسؤالها توبيخ قاتلها وقوله في السورة: {إنه لقول رسول كريم} إلى قوله: ~~{وما هو بقول شيطان رجيم} هو جبريل وهو نظير ما في سورة الشعراء أنه تنزلت ~~به الملائكة لا الشياطين؛ بخلاف الإفك ونحوه فإنه تنزل به الشياطين فوقع ~~الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم والأفاك والشاعر والكاهن وبين الملك ~~والشيطان والعلماء ورثة الأنبياء. # PageV16P080 # وقال شيخ الإسلام: # في ms4944 قوله تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أخبر أن ~~مشيئتهم موقوفة على مشيئته ومع هذا فلا يوجب ذلك وجود الفعل منهم؛ إذ أكثر ~~ما فيه أنه جعلهم شائين ولا يقع الفعل منهم حتى يشاؤه منهم كما في قوله ~~تعالى {فمن شاء ذكره} {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} ومع هذا فلا بد من ~~إرادة الفعل منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم. فهنا أربع إرادات: ~~إرادة البيان وإرادة المشيئة وإرادة الفعل وإرادة الإعانة. والله أعلم. # PageV16P081 ### | سورة الأعلى # قال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # قال ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفراييني يحكي ما جرى ~~له قال: وجرى في كلام السلطان: أليس تقول: إنه يرى لا في جهة؟ فقلت: " نعم ~~يرى لا في جهة كما أنه لم يزل يرى نفسه لا في جهة ولا من جهة ويراه غيره ~~على ما يرى ورأى نفسه والجهة ليست بشرط في الرؤية. وقلت أيضا: " المرئيات ~~المعقولة فيما بيننا هكذا نراها في جهة ومحل. والقضاء بمجرد المعهود لا ~~يمكن دون السير والبحث لأنا كما لا نرى إلا في جهة ومحل كذلك لم نر إلا ~~متلونا ذا قدر وحجم يحتمل المساحة والثقل ولا يخلو من # PageV16P082 # حرارة ورطوبة أو يبوسة إذا لم يكن عرضا لا يقبل التثنية والتأليف وغير ~~ذلك. ومع هذا فلا عبرة بشيء من هذا ". قال: ثم بلغني أن السلطان ذلك اليوم ~~والليلة وثاني يوم يكرر على نفسه في مجلسه: " كيف يعقل شيء لا في جهة؟ ". ~~وما شغل القلب في أول الأمر وتربى عليه فإن قلعه صعب والله المعين. غير أنه ~~فرحت الكرامية بما كان منه في ذلك. فلما رجعت إلى البيت فإذا أنا برقعة ~~فيها مكتوب: " الأستاذ أدام الله سلامته على مذهبه إن الباري ليس في جهة ~~فكيف يرى لا في جهة؟ " فكتبت: " خبر الرؤية صحيح وهي واجبة كما بشرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفيه دلالة على أن الله يرى لا في جهة لأنه صلى الله ~~عليه وسلم قال ms4945 {لا تضامون في رؤيته} ومعناه: لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته ~~فإنه لا في جهة " وكلاما طويلا من كل وجه ملأت ظهر الرقعة وبطنها منه. فلما ~~ردت إليه أنفذها إلى حاكم البلد وهو أبو محمد الناصحي واستفتاه فيما قلته. ~~فجمع قوما من الحنفية والكرامية فكتب هو أعزك الله بأن من قال بأن الله لا ~~يرى في جهة مبتدع ضال وكتب أبو حامد المعتزلي مثله وكتب إنسان بسطامي مؤدب ~~في دار # PageV16P083 # صاحب الجيش مثله فردوا عليه. فأنفذ إلي ما في ذلك المحضر الذي فيه خطوطهم ~~وكتب إلي رقعة وقال فيها: " إنهم كتبوا هكذا فما تقول في هذه الفتاوى؟ " ~~فقلت: إن هؤلاء القوم يجب أن يسألوا عن مسائل الفقه التي يقال فيها بتقليد ~~العامي للعالم. فأما معرفة الأصول والفتاوى فيها فليس من شأنهم وهم يقولون: ~~إنا لا نحسن ذلك. قلت: قول هؤلاء: " إن الله يرى من غير معاينة ومواجهة " ~~قول انفردوا به دون سائر طوائف الأمة وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة. والأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ترد عليهم كقوله ~~في الأحاديث الصحيحة: {إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضارون في ~~رؤيته} {وقوله لما سأله الناس: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل ترون ~~الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟ . قالوا: نعم. وهل ترون القمر صحوا ليس دونه ~~سحاب؟ قالوا نعم. قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر} . فشبه ~~الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي؛ فإن الكاف - حرف # PageV16P084 # التشبيه - دخل على الرؤية. وفي لفظ للبخاري {يرونه عيانا} . ومعلوم أنا ~~نرى الشمس والقمر عيانا مواجهة فيجب أن نراه كذلك. وأما رؤية ما لا نعاين ~~ولا نواجهه فهذه غير متصورة في العقل فضلا عن أن تكون كرؤية الشمس والقمر. ~~ولهذا صار حذاقهم إلى إنكار الرؤية وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في ~~الباطن؛ فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا ننازع فيه ~~المعتزلة. وأما قوله: إن الخبر يدل على أنهم يرونه لا في جهة وقوله: " لا ms4946 ~~تضامون " معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته فإنه لا في جهة فهذا تفسير ~~للحديث بما لا يدل عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم؛ بل هو تفسير منكر عقلا ~~وشرعا ولغة. فإن قوله " لا تضامون " يروى بالتخفيف. أي: لا يلحقكم ضيم في ~~رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال فإنه قد يلحقهم ضيم في ~~طلب رؤيته حين يرى؛ وهو سبحانه يتجلى تجليا ظاهرا فيرونه كما ترى الشمس ~~والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته. وهذه الرواية المشهورة. وقيل " لا تضامون ~~" بالتشديد أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض # PageV16P085 # كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال. وكذلك " تضارون " و " ~~تضارون ". فإما أن يروى بالتشديد ويقال: " لا تضامون " أي لا تضمكم جهة ~~واحدة فهذا باطل لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض. فهو " تفاعل " كالتماس ~~والتراد ونحو ذلك. وقد يروى " لا تضامون " بالضم والتشديد أي لا يضام بعضكم ~~بعضا. وبكل حال فهو من " التضام " الذي هو مضامة بعضهم بعضا ليس هو أن شيئا ~~آخر لا يضمكم فإن هذا المعنى لا يقال فيه " لا تضامون " فإنه لم يقل " لا ~~يضمكم شيء " ثم يقال: الراءون كلهم في جهة واحدة على الأرض. وإن قدر أن ~~المرئي ليس في جهة فكيف يجوز أن يقال: " لا تضمكم جهة واحدة " وهم كلهم على ~~الأرض أرض القيامة أو في الجنة وكل ذلك جهة ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ~~ممتنع حسا وعقلا. وأما قوله: " هو يرى لا في جهة فكذلك يراه غيره فهذا ~~تمثيل باطل. فإن الإنسان يمكن أن يرى بدنه ولا يمكن أن يرى غيره إلا أن ~~يكون بجهة منه وهو أن يكون أمامه سواء كان عاليا أو سافلا. # PageV16P086 # وقد تخرق له العادة فيرى من خلفه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إني ~~لأراكم من بعدي} وفي رواية {من بعد ظهري} وفي لفظ للبخاري {إني لأراكم من ~~ورائي} وفي لفظ في الصحيحين {إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين ~~يدي} . لكن هم بجهة منه ms4947 وهم خلفه. فكيف تقاس رؤية الرائي لغيره على رؤيته ~~لنفسه؟ ثم تشبيه رؤيته هو برؤيتنا نحن تشبيه باطل. فإن بصره يحيط بما رآه ~~بخلاف أبصارنا. وهؤلاء القوم أثبتوا ما لا يمكن رؤيته وأحبوا نصر مذهب أهل ~~السنة والجماعة والحديث فجمعوا بين أمرين متناقضين. فإن ما لا يكون داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يشار إليه يمتنع أن يرى بالعين لو كان وجوده في ~~الخارج ممكنا فكيف وهو ممتنع؟ وإنما يقدر في الأذهان من غير أن يكون له ~~وجود في الأعيان فهو من باب الوهم والخيال الباطل. ولهذا فسروا " الإدراك " ~~بالرؤية في قوله: {لا تدركه الأبصار} كما فسرتها المعتزلة. لكن عند ~~المعتزلة هذا خرج مخرج المدح فلا يرى بحال وهؤلاء قالوا: لا يرى في الدنيا ~~دون الآخرة. والآية تنفي الإدراك مطلقا دون الرؤية كما قال ابن كلاب # PageV16P087 # وهذا أصح. وحينئذ فتكون الآية دالة على إثبات الرؤية وهو أنه يرى ولا ~~يدرك فيرى من غير إحاطة ولا حصر. وبهذا يحصل المدح فإنه وصف لعظمته أنه لا ~~تدركه أبصار العباد وإن رأته وهو يدرك أبصارهم. قال ابن عباس وعكرمة بحضرته ~~لمن عارض بهذه الآية: " ألست ترى السماء؟ ". قال: " بلى " قال: " أفكلها ~~ترى؟ " وكذلك قال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وهؤلاء يقولون: ~~علمه شيء واحد لا يمكن أن يحاط بشيء منه دون شيء فقالوا: ولا يحيطون بشيء ~~من معلومه. وليس الأمر كذلك بل نفس العلم جنس يحيطون منه بما شاء وسائره لا ~~يحيطون به. وقال: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ~~والراجح من القولين أن الضمير عائد إلى {ما بين أيديهم وما خلفهم} وإذا لم ~~يحيطوا بهذا علما وهو بعض مخلوقات الرب فأن لا يحيطوا علما بالخالق أولى ~~وأحرى. قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وقال: {ألم يأتكم نبأ الذين ~~من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم} - الآية فإذا قيل {لا تدركه ~~الأبصار} ms4948 . أي لا تحيط به دل على أنه # PageV16P088 # يوصف بنفي الإحاطة به مع إثبات الرؤية. وهذا ممتنع على قول هؤلاء فإن هذا ~~إنما يكون بزعمهم فيما ينقسم فيرى بعضه من بعض. فتكون هناك رؤية بلا إدراك ~~وإحاطة وعندهم لا يتصور أن يرى إلا رؤية واحدة متماثلة كما يقولونه في ~~كلامه: إنه شيء واحد لا يتبعض ولا يتعدد. وفي الإيمان به. إنه شيء واحد لا ~~يقبل الزيادة والنقصان. وأما الإدراك والإحاطة الزائد على مطلق الرؤية فليس ~~انتفاؤه لعظمة الرب عندهم بل لأن ذاته لا تقبل ذاك كما قالت المعتزلة: إنها ~~لا تقبل الرؤية. وأيضا فهم والمعتزلة لا يريدون أن يجعلوا للأبصار إدراكا ~~غير الرؤية. سواء أثبتت الرؤية أو نفيت. فإن هذا يبطل قول المعتزلة بنفي ~~الرؤية ويبطل قول هؤلاء بإثبات رؤية بلا معاينة ومواجهة. # فصل: # هذا مع أن ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين وكذلك ~~المجيء والإتيان. موافقة لأبي الحسن فإن هذا قوله وقول متقدمي أصحابه. # PageV16P089 # فقال ابن فورك فيما صنف في أصول الدين: فإن سألت الجهمية عن الدلالة على ~~أن القديم سميع بصير قيل لهم: قد اتفقنا على أنه حي تستحيل عليه الآفات ~~والحي إذا لم يكن مأووفا بآفات تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات كان ~~سميعا بصيرا. وإن سألت فقلت: " أين هو؟ " فجوابنا " إنه في السماء " كما ~~أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال عز من قائل {أأمنتم من في السماء} ~~وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه. وأنك لو سألت صغيرهم ~~وكبيرهم فقلت: " أين الله؟ " لقالوا: " إنه في السماء " ولم ينكروا لفظ ~~السؤال ب " أين ". {لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت ~~للعتق فقال أين الله؟ فقالت في السماء مشيرة بها. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعتقها فإنها مؤمنة} ولو كان ذلك قولا منكرا لم يحكم بإيمانها ولأنكره ~~عليها. ومعنى ذلك أنه فوق السماء لأن " في " بمعنى فوق. قال الله تعالى ~~{فسيحوا في الأرض} أي فوقها. قال: وإن سألت " كيف هو؟ " قلنا ms4949 له: " كيف " ~~سؤال عن صفته. وهو ذو الصفات العلى هو العالم الذي له العلم والقادر # PageV16P090 # الذي له القدرة والحي الذي له الحياة الذي لم يزل منفردا بهذه الصفات لا ~~يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. (قلت: فهذا الكلام هو موافق لما ذكره الأشعري في ~~كتاب " الإبانة " ولما ذكره ابن كلاب كما حكاه عنه ابن فورك. لكن ابن كلاب ~~يقول: إن العلو والمباينة من الصفات العقلية. وأما هؤلاء فيقولون: كونه في ~~السماء صفة خبرية كالمجيء والإتيان ويطلقون القول بأنه بذاته فوق العرش ~~وذلك صفة ذاتية عندهم. والأشعري يبطل تأويل من تأول الاستواء بمعنى ~~الاستيلاء والقهر بأنه لم يزل مستوليا على العرش وعلى كل شيء والاستواء ~~مختص بالعرش. فلو كان بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال: " هو مستو على كل شيء ~~وعلى الأرض وغيرها " كما يقال " إنه مستول عليها " ولما اتفق المسلمون على ~~أن الاستواء مختص بالعرش. فهذا الاستواء الخاص ليس بمعنى الاستيلاء العام. ~~وأين للسلطان جعل الاستواء بمعنى القهر والغلبة وهو الاستيلاء؟ . فيشبه ~~والله أعلم أن يكون اجتهاده مختلفا في هذه المسائل كما اختلف اجتهاد غيره. ~~فأبو المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه وحكى إجماع السلف على تحريمه. وابن ~~عقيل له أقوال مختلفة وكذلك # PageV16P091 # لأبي حامد والرازي وغيرهم. ومما يبين اختلاف كلام ابن فورك أنه في مصنف ~~آخر قال؛ فإن قال قائل: " أين هو؟ " قيل: ليس بذي كيفية فنخبر عنها إلا أن ~~يقول " كيف صنعه؟ " فمن صنعه أنه يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو الصانع ~~للأشياء كلها. فهنا أبطل السؤال عن الكيفية وهناك جوزه وقال؛ الكيفية هي ~~الصفة وهو ذو الصفات وكذلك السؤال عن الماهية قال في ذلك المصنف: وإن سألت ~~الجهمية فقالت " ما هو؟ " يقال لهم: " ما " يكون استفهاما عن جنس أو صفة في ~~ذات المستفهم. فإن أردت بذلك سؤالا عن صفته فهو العلم والقدرة والكلام ~~والعزة والعظمة. وقال في الآخر: فإن قال قائل " حدثونا عن الواحد الذي ~~تعبدونه ما هو؟ " قيل: إن أردت بقولك " ما جنسه؟ ". فليس بذي جنس. وإن ms4950 أردت ~~بقولك " ما هو؟ " أي: أشيروا إليه حتى أدركه بحواسي فليس بحاضر للحواس. وإن ~~أردت بقولك: " ما هو؟ " أي دلوني عليه بعجائب صنعته وآثار حكمته فالدلالة ~~عليه قائمة. وإن أردت بقولك " ما اسمه؟ " فنقول: هو الله الرحمن الرحيم ~~القادر السميع البصير. # PageV16P092 # وهو في هذا المصنف أثبت أنه على العرش بخلاف ما كان عليه قبل العرش. ~~فقال: فإن قال " فحدثونا عنه أين كان قبل أن يخلق؟ " قيل " أين؟ " تقتضي ~~مكانا والأمكنة مخلوقات وهو سبحانه لم يزل قبل الخلق والأماكن لا في مكان ~~ولا يجري عليه وقت ولا زمان. فإن قال: " فعلى ما هو اليوم؟ " قيل له: مستو ~~على العرش كما قال سبحانه: {الرحمن على العرش استوى} . وقال: فإن قال قائل: ~~" لم يزل الباري قادرا عالما حيا سميعا بصيرا؟ " قيل: نعم. فإن قال فلم ~~أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا؟ " قيل له: إن أردت بقولك " لم يزل خالقا أي ~~لم يزل الخلق معه في قدمه فهذا خطأ لأن معنى الخلق أنه لم يكن ثم كان. فكيف ~~يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجودا وإن أردت بقولك أن الخالق لم يزل وكان ~~قادرا على أن يخلق الخلق فكذلك نقول لأن الخالق لم يزل والخلق لم يكن ثم ~~كان وقد كان لم يزل قادرا على أن يخلق الخلق فهذا الجواب. قال: فإن قيل " ~~إذا قلتم إنه الآن خالق فما أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا "؟ قيل له: لا ~~يلزم ذلك. وذلك أنه الآن مستو على # PageV16P093 # عرشه فلا يجب أن يكون لم يزل مستويا على عرشه. فكذلك ما قلناه يناسبه. ~~فإن قيل " الاستواء منه فعل ويستحيل أن يكون الفعل لم يزل " قال قيل: ~~والخلق منه فعل ويستحيل أن يكون الخلق لم يزل. فهذا الكلام ليس إلا ببيان ~~الذين يقولون: إنه استوى على العرش بعد أن لم يكن ويقولون بقدم صفة التكوين ~~والخلق وأنه لم يزل خالقا. فألزمهم: " أنا نقول في الخلق ما نقوله نحن ~~وأنتم في الاستواء ". وهذا جواب ضعيف من وجوه: أحدها: ms4951 أنه في الحقيقة ليس ~~عنده أنه استوى بعد أن لم يكن كما قد بحثه مع السلطان بل هو الآن كما كان. ~~فلا يصح القياس عليه. الثاني: أنه قد سلم أنه لم يزل قادرا على أن يخلق ~~الخلق وهذا يقتضي إمكان وجود المقدور في الأزل. فإنه إذا كان المقدور ~~ممتنعا لم تكن هناك قدرة فكيف يجعله لم يزل قادرا مع امتناع أن يكون ~~المقدور لم يزل ممكنا؟ بل المقدور عنده كان ممتنعا ثم صار ممكنا بلا سبب ~~حادث اقتضى ذلك. # PageV16P094 # الثالث: أن قوله: " لأن معنى الخلق أنه لم يكن ثم كان فكيف يكون ما لم ~~يكن ثم كان لم يزل موجودا؟ " فيقال: بل كل مخلوق فهو محدث مسبوق بعدم نفسه ~~وما ثم قديم أزلي إلا الله وحده. وإذا قيل: " لم يزل خالقا " فإنما يقتضي ~~قدم نوع الخلق و " دوام خالقيته " لا يقتضي قدم شيء من المخلوقات. فيجب ~~الفرق بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم تكن فإن هذه لا يقول عاقل إن ~~منها شيئا أزليا. ومن قال بقدم شيء من العالم - كالفلك أو مادته - فإنه ~~يجعله مخلوقا بمعنى أنه كان بعد أن لم يكن؛ ولكن إذ أوجده القديم. ولكن لم ~~يزل فعالا خالقا ودوام خالقيته من لوازم وجوده. فهذا ليس قولا بقدم شيء من ~~المخلوقات بل هذا متضمن لحدوث كل ما سواه. وهذا مقتضى سؤال السائل له. ~~الوجه الرابع أن يقال: العرش حادث كائن بعد أن لم يكن لم يزل مستويا عليه ~~بعد وجوده. وأما الخلق فالكلام في نوعه ودليله على امتناع حوادث لا أول لها ~~قد عرف ضعفه والله أعلم. وكان ابن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة ~~الكرامية كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم وكما كفرهم ~~عند # PageV16P095 # السلطان. ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد بل ~~ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه هو ظلم نفسه. وأهل السنة ~~والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق؛ يتبعون الرسول فلا يبتدعون. ~~ومن اجتهد فأخطأ ms4952 خطأ يعذره فيه الرسول عذروه. وأهل البدع مثل الخوارج ~~يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه. وهؤلاء كل منهم يرد بدعة ~~الآخرين ولكن هو أيضا مبتدع فيرد بدعة ببدعة وباطلا بباطل. وكذلك ما حكاه ~~من مناظراتهم له عند الوزير مجلسا بعد مجلس هو من هذا الباب. فإن المعتزلة ~~والكرامية يقولون حقا وباطلا وسنة وبدعة كما أنه هو أيضا كذلك يقول حقا ~~وباطلا موافقة لأبي الحسن. وأبو الحسن سلك في مسألة الأسماء والأحكام ~~والقدر مسلك الجهم بن صفوان - مسلك المجبرة ومسلك غلاة المرجئة. فهؤلاء ~~قدرية مجبرة والمعتزلة قدرية نافية. فوقع بينهم غاية التضاد في مسائل ~~التعديل والتجوير ونحوها. والله يحب الكلام بعلم وعدل ويكره الكلام بجهل ~~وظلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {القضاة ثلاثة: قاضيان في النار ~~وقاض # PageV16P096 # في الجنة - رجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى ~~بخلافه فهو في النار. ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة} . وقد حرم ~~سبحانه الكلام بلا علم مطلقا وخص القول عليه بلا علم بالنهي فقال تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا} وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} . وأمر بالعدل على أعداء المسلمين. فقال: {كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى} . # فصل: # وهو سبحانه وصف نفسه بالعلو. وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم لأنه من ~~صفات الكمال كما مدح نفسه بأنه العظيم والعليم والقدير والعزيز والحليم ~~ونحو ذلك. وأنه الحي # PageV16P097 # القيوم ونحو ذلك من معاني أسمائه الحسنى. فلا يجوز أن يتصف بأضداد هذه. ~~فلا يجوز أن يوصف بضد الحياة والقيومية والعلم والقدرة مثل الموت والنوم ~~والجهل والعجز واللغوب. ولا بضد العزة وهو الذل ولا بضد الحكمة وهو السفه. ~~فكذلك لا يوصف ms4953 بضد العلو وهو السفول ولا بضد العظيم وهو الحقير. بل هو ~~سبحانه منزه عن هذه النقائص المنافية لصفات الكمال الثابتة له. فثبوت صفات ~~الكمال له ينفي اتصافه بأضدادها وهي النقائص. وهو سبحانه ليس كمثله شيء ~~فيما يوصف به من صفات الكمال. فهو منزه عن النقص المضاد لكماله ومنزه عن أن ~~يكون له مثل في شيء من صفاته. ومعاني التنزيه ترجع إلى هذين الأصلين. وقد ~~دل عليهما سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن بقوله: {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} . فاسمه " الصمد " يجمع معاني صفات الكمال كما قد بسط ذلك في ~~تفسير هذه السورة وفي غير موضع. وهو كما في تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس ~~أنه المستوجب لصفات السؤدد العليم # PageV16P098 # الذي قد كمل في علمه الحكيم الذي قد كمل في حكمته إلى غير ذلك مما قد ~~بين. وقوله " الأحد " يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير {ولم يكن له كفوا أحد} ~~. وقد ذكرنا في غير موضع أن ما وصف الله تعالى به نفسه من الصفات السلبية ~~فلا بد أن يتضمن معنى ثبوتيا. فالكمال هو في الوجود والثبوت والنفي مقصوده ~~نفي ما يناقض ذلك. فإذا نفي النقيض الذي هو العدم والسلب لزم ثبوت النقيض ~~الآخر الذي هو الوجود والثبوت. وبينا هذا في آية الكرسي وغيرها مما في ~~القرآن كقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} فإنه يتضمن كمال الحياة والقيومية. ~~وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يتضمن كمال الملك. وقوله: {ولا ~~يحيطون بشيء من علمه} يقتضي اختصاصه بالتعليم دون ما سواه. والوحدانية ~~تقتضي الكمال والشركة تقتضي النقص. وكذلك قوله: {ولا يئوده حفظهما} {وما ~~مسنا من لغوب} {لا تدركه الأبصار} {لا يعزب عنه مثقال ذرة} . وأمثال ذلك ~~مما هو مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV16P099 # والمقصود هنا أن علوه من صفات المدح اللازمة له. فلا يجوز اتصافه بضد ~~العلو ألبتة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {أنت ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت ms4954 الظاهر فليس فوقك شيء ~~وأنت الباطن فليس دونك شيء} ولم يقل " تحتك ". وقد تكلمنا على هذا الحديث ~~في غير هذا الموضع. وإذا كان كذلك فالمخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه ~~السلف لا يجعلونه متصفا بالعلو دون السفول. بل إما أن يصفوه بالعلو والسفول ~~أو بما يستلزم ذلك وإما أن ينفوا عنه العلو والسفول. وهم نوعان. فالجهمية ~~القائلون بأنه بذاته في كل مكان أو بأنه لا داخل العالم ولا خارجه لا ~~يصفونه بالعلو دون السفول. فإنه إذا كان في مكان فالأمكنة منها عال وسافل. ~~فهو في العالي عال وفي السافل سافل. بل إذا قالوا إنه في كل مكان فجعلوا ~~الأمكنة كلها محال له - ظروفا وأوعية جعلوها في الحقيقة أعلى منه. فإن ~~المحل يحوي الحال والظرف والوعاء يحوي المظروف الذي فيه والحاوي فوق ~~المحوى. والسلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا " إنه فوق العرش # PageV16P100 # وإنه في السماء فوق كل شيء " لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو ~~يكون محلا له أو ظرفا ووعاء سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو فوق كل شيء وهو ~~مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه. وهو عال على كل شيء وهو الحامل للعرش ~~ولحملة العرش بقوته وقدرته. وكل مخلوق مفتقر إليه وهو غني عن العرش وعن كل ~~مخلوق. وما في الكتاب والسنة من قوله {أأمنتم من في السماء} ونحو ذلك قد ~~يفهم منه بعضهم أن " السماء " هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه. ~~فيقولون: قوله {في السماء} بمعنى " على السماء " كما قال: {ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل} أي " على جذوع النخل " وكما قال: {فسيروا في الأرض} أي " على ~~الأرض ". ولا حاجة إلى هذا بل " السماء " اسم جنس للعالي لا يخص شيئا. ~~فقوله {في السماء} أي " في العلو دون السفل ". وهو العلي الأعلى فله أعلى ~~العلو وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره العلي الأعلى سبحانه وتعالى. ~~والقائلون بأنه في كل مكان هو عندهم في المخلوقات السفلية القذرة الخبيثة ~~كما هو في المخلوقات العالية. وغلاة هؤلاء ms4955 الاتحادية الذين يقولون " الوجود ~~واحد " كابن عربي الطائي صاحب " فصوص # PageV16P101 # الحكم " و " الفتوحات المكية " يقولون " الموجود الواجب القديم هو ~~الموجود المحدث الممكن ". ولهذا قال ابن عربي في " فصوص الحكم ": " ومن ~~أسمائه الحسنى " العلي ". على من وما ثم إلا هو؟ وعن ماذا وما هو إلا هو؟ . ~~فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى " محدثات " هي العلية ~~لذاتها وليست إلا هو. إلى أن قال: " فالعلي لنفسه هو الذي يكون له جميع ~~الأوصاف الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو ~~مذمومة عرفا وعقلا وشرعا. وليس ذلك إلا المسمى الله ". فهو عنده الموصوف ~~بكل ذم كما هو الموصوف بكل مدح. وهؤلاء يفضلون عليه بعض المخلوقات فإن في ~~المخلوقات ما يوصف بالعلو دون السفول كالسموات. وما كان موصوفا بالعلو دون ~~السفول كان أفضل مما لا يوصف بالعلو أو يوصف بالعلو والسفول. وقد قال ~~فرعون: {أنا ربكم الأعلى} . قال ابن عربي: # PageV16P102 # " ولما كان فرعون في منصب التحكم والخليفة بالسيف جاز في العرف الناموسي ~~أن قال {أنا ربكم الأعلى} . أي وإن كان أن الكل أربابا بنسبة ما فأنا ~~الأعلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ~~ينكروه بل أقروا له بذلك وقالوا له: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا} فالدولة لك. فصح قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} . فبهذا وأمثاله ~~يصححون قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} وينكرون أن يكون الله عاليا فضلا عن ~~أن يكون هو الأعلى ويقولون: " على من يكون أعلى أو عما ذا يكون أعلى؟ ". ~~وهكذا سائر الجهمية يصفون بالعلو على وجه المدح ما هو عال من المخلوقات ~~كالسماء والجنة والكواكب ونحو ذلك ويعلمون أن العالي أفضل من السافل وهم لا ~~يصفون ربهم بأنه الأعلى ولا العلي بل يجعلونه في السافلات كما هو في ~~العاليات. والجهمية الذين يقولون " ليس هو داخل العالم ولا خارجه ولا يشار ~~إليه ألبتة هم أقرب إلى التعطيل والعدم كما أن أولئك أقرب إلى الحلول ~~والاتحاد بالمخلوقات. فهؤلاء ms4956 يثبتون موجودا لكنه في الحقيقة المخلوق لا ~~الخالق؛ وأولئك ينفون فلا يثبتون وجودا ألبتة لكنهم # PageV16P103 # يثبتون وجود المخلوقات ويقولون إنهم يثبتون وجود الخالق. وإذا قالوا: نحن ~~نقول: " هو عال بالقدرة أو بالقدر " قيل: هذا فرع ثبوت ذاته وأنتم لم ~~تثبتوا موجودا يعرف وجوده فضلا عن أن يكون قادرا أو عظيم القدر. وإذا ~~قالوا: كان الله قبل خلق الأمكنة والمخلوقات موجودا وهو الآن على ما عليه ~~كان لم يتغير ولم يكن هناك فوق شيء ولا عاليا على شيء فكذلك هو الآن قيل: ~~هذا غلط ويظهر فساده بالمعارضة ثم بالحل وبيان فساده. أما " الأول " ~~فيلزمهم أن لا يكون الآن عاليا بالقدرة ولا بالقدر كما كان في الأزل. فإنه ~~إذا قدر وجوده وحده فليس هناك موجود يكون قادرا عليه ولا قاهرا له ولا ~~مستوليا عليه ولا موجودا يكون هو أعظم قدرا منه. فإن كان مع وجود المخلوقات ~~لم يتجدد له علو عليها كما زعموا فيجب أن يكون بعدها ليس قادرا لشيء ولا ~~مستوليا عليه ولا قاهرا لعباده ولا قدره أعظم من قدرها. وإذا كانوا يقولون ~~هم وجميع العقلاء إنه مع وجود المخلوق يوصف بأمور إضافية لا يوصف # PageV16P104 # بها إذا قدر موجودا وحده علم أن التسوية بين الحالين خطأ منهم. وقد اتفق ~~العقلاء على جواز تجدد النسب والإضافات مثل المعية وإنما النزاع في تجدد ما ~~يقوم بذاته من الأمور الاختيارية. وقد بين في غير هذا الموضع أن النسب ~~والإضافات مستلزمة لأمور ثبوتية وأن وجودها بدون الأمور الثبوتية ممتنع. ~~والإنسان إذا كان جالسا فتحول المتحول عن يمينه بعد أن كان عن شماله قيل " ~~إنه عن شماله ". فقد تجدد من هذا فعل به تغيرت النسبة والإضافة. وكذلك من ~~كان تحت السطح فصار فوقه فإن النسبة بالتحتية والفوقية تجدد لما تجدد فعل ~~هذا. وإذا قيل " نفس السقف لم يتغير " قيل قد يمنع هذا ويقال: ليس حكمه إذا ~~لم يكن فوقه شيء كحكمه إذا كان فوقه شيء. وإذا قيل عن الجالس " إنه لم ~~يتغير " قيل: قد يمنع هذا ms4957 ويقال: ليس حكمه إذا كان الشخص عن يساره كحكمه ~~إذا كان عن يمينه فإنه يحجب هذا الجانب ويوجب من التفات الشخص وغير ذلك ما ~~لم يكن قبل ذلك. وكذلك من تجدد له أخ أو ابن أخ بإيلاد أبيه أو أخيه قد وجد ~~هنا أمور ثبوتية. وهذا الشخص يصير فيه من العطف والحنو على هذا الولد ~~المتجدد ما لم يكن قبل ذلك وهي الرحم والقرابة. # PageV16P105 # وبهذا يظهر الجواب الثاني وهو أن يقال: العلو والسفول ونحو ذلك من الصفات ~~المستلزمة للإضافة وكذلك الاستواء والربوبية والخالقية ونحو ذلك. فإذا كان ~~غيره موجودا فإما أن يكون عاليا عليه وإما أن لا يكون كما يقولون هم: إما ~~أن يكون عاليا عليه بالقهر أو بالقدر أو لا يكون خلاف ما إذا قدر وحده ~~فإنهم لا يقولون إنه حينئذ قاهر أو قادر أو مستول عليه فلا يقال إنه عال ~~عليه. وإن قالوا: " إنه قادر وقاهر " كان ذلك مشروطا بالغير وكذلك علو ~~القدر قيل: وكذلك علو ذاته ما زال عاليا بذاته لكن ظهور ذلك مشروط بوجود ~~الغير. والإلزامات مفحمة لهم. وحقيقة قولهم إنه لم يكن قادرا في الأزل ثم ~~صار قادرا. يقولون لم يزل قادرا مع امتناع المقدور وإنه لم يكن الفعل ممكنا ~~فصار ممكنا. فيجمعون بين النقيضين. # فصل: # وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول فالذين يقولون: هو فوق العرش وهو أيضا ~~في كل مكان والذين يقولون: إذا نزل كل ليلة فإنه # PageV16P106 # يخلو منه العرش أو غيره من المخلوقات أكبر منه ويقولون: لا يمتنع أن يكون ~~الخالق أصغر من المخلوق كما يقول شيوخهم: إنه لا يمتنع أن يكون الخالق أسفل ~~من المخلوق فهؤلاء لا يصفونه بأنه أكبر من كل شيء بل ولا هو على قولهم ~~الكبير المتعال ولا هو العلي العظيم. وقد بسط الرد على هؤلاء في " مسألة ~~النزول " لما ذكر قول أئمة السنة مثل حماد بن زيد وإسحاق بن راهويه ~~وغيرهما: " إنه ينزل ولا يخلو منه العرش " ذكر قول من أنكر ذلك من ~~المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة ms4958 وبين فساد قولهم شرعا وعقلا. وهؤلاء ~~في مقابلة الذين ينفون النزول. وإذا قيل: حديث النزول ونحوه ظاهره ليس ~~يحتمل التأويل فهذا صحيح إذا أريد بالظاهر ما يظهر لهؤلاء ونحوهم من أنه ~~ينزل إلى أسفل فيصير تحت العرش كما ينزل الإنسان من سطح داره إلى أسفل. ~~وعلى قول هؤلاء ولا يبقى حينئذ العلي ولا الأعلى بل يكون تارة أعلى وتارة ~~أسفل - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وكذلك ما ورد من نزوله ~~يوم القيامة في ظلل من الغمام ومن نزوله # PageV16P107 # إلى الأرض لما خلقها ومن نزوله لتكليم موسى وغير ذلك كله من باب واحد ~~كقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقوله: ~~{وجاء ربك والملك صفا صفا} وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} والنفاة المعطلة ينفون المجيء والإتيان ~~بالكلية ويقولون: ما ثم إلا ما يحدث في المخلوقات والحلولية يقولون: إنه ~~يأتي ويجيء بحيث يخلو منه مكان ويشغل آخر فيخلو منه ما فوق العرش ويصير بعض ~~المخلوقات فوقه. فإذا أتى وجاء لم يصر على قولهم العلي الأعلى ولا كان هو ~~العلي العظيم. لا سيما إذا قالوا: إنه يحويه بعض المخلوقات فتكون أكبر منه ~~سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوا عظيما. وكذلك قوله: {أأمنتم من ~~في السماء} إن كان قد قال أحد: إنه في جوف السماء فهو شر قولا من هؤلاء ~~ولكن هذا ما علمت به قائلا معينا منسوبا إلى علم حتى أحكيه قولا. ومن قال: ~~" إنه في السماء " فمراده أنه في العلو ليس مراده أنه في جوف الأفلاك إلا ~~أن بعض الجهال يتوهم ذلك. وقد ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ. # PageV16P108 # الظاهر ولا ريب أنه محمول على خلاف هذا بالاتفاق؛ لكن هذا هو الذي يظهر ~~لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا القول ويسمعونه أو هو مدلول اللفظ في ~~اللغة هو مما لا يسلم لهم كما قد يبسط في مواضع. وقد قال تعالى: {قل لا ~~يعلم من في ms4959 السماوات والأرض الغيب إلا الله} فاستثنى نفسه والعالم " من في ~~السموات والأرض " ولا يجوز أن يقال هذا استثناء منقطع لأن المستثنى مرفوع ~~ولو كان منقطعا لكان منصوبا. والمرفوع على البدل والعامل فيه هو العامل في ~~المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ كأنه قال " لا يعلم الغيب إلا الله ". فيلزم ~~أنه داخل في " من في السموات والأرض ". وقد قدمنا أن لفظ " السماء " يتناول ~~كل ما سما ويدخل فيه السموات والكرسي والعرش وما فوق ذلك. لأن هذا في جانب ~~النفي وهو لم يقل هنا: " السموات السبع " بل عم بلفظ " السموات ". وإذا كان ~~لفظ " السماء " قد يراد به السحاب ويراد به الفلك ويراد به ما فوق العالم ~~ويراد به العلو مطلقا ف " السموات " جمع " سماء " وكل من فيما يسمى " سماء ~~" وكل من فيما يسمى " أرضا " لا يعلم الغيب إلا الله. # PageV16P109 # وهو سبحانه قال {قل لا يعلم من} ولم يقل " ما " فإنه لما اجتمع ما يعقل ~~وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه ب " من " لتكون أبلغ فإنهم مع كونهم من ~~أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله. وهذا هو الغيب المطلق ~~عن جميع المخلوقين الذي قال فيه {فلا يظهر على غيبه أحدا} . # والغيب المقيد ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس ~~وشهدوه فإنما هو غيب عمن غاب عنه ليس هو غيبا عمن شهده. والناس كلهم قد ~~يغيب عن هذا ما يشهده هذا فيكون غيبا مقيدا أي غيبا عمن غاب عنه من ~~المخلوقين لا عمن شهده ليس غيبا مطلقا غاب عن المخلوقين قاطبة. وقوله: ~~{عالم الغيب والشهادة} أي عالم ما غاب عن العباد مطلقا ومعينا وما شهدوه ~~فهو سبحانه يعلم ذلك كله. # والنفاة للعلو ونحوه من الصفات معترفون بأنه ليس مستندهم خبر الأنبياء لا ~~الكتاب ولا السنة ولا أقوال السلف ولا مستندهم فطرة العقل وضرورته ولكن ~~يقولون: معنا النظر العقلي. وأما أهل السنة المثبتون للعلو فيقولون: إن ذلك ~~ثابت بالكتاب والسنة والإجماع مع فطرة الله التي فطر العباد ms4960 عليها وضرورة ~~العقل ومع نظر العقل واستدلاله. # PageV16P110 # لكن الذين يقولون بأنه ينزل ولا يبقى فوق العرش وأنه يكون في جوف ~~المخلوقات ونحو هؤلاء قد يقولون إن مستندهم في ذلك السمع وهو ما فهموه من ~~القرآن أو من الأحاديث الصحيحة أو غير الصحيحة أو من أقوال السلف وهم ~~أخطئوا من حيث نظروا اقتصروا على فهمه من نص واحد كفهمهم من حديث النزول ~~ولم يتدبروا ما في الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ~~ينافي أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه. # ويتدبروا أيضا دلالة النص مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر بأن الليل يختلف فيكون ليل أهل المشرق ونصفه وثلثه الآخر قبل ذلك في ~~المغرب بقريب من يوم. فيلزم على قولهم أنه لا يزال تحت العرش وهو قد أخبر ~~أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض. وما ذكروه ينافي استواءه على ~~العرش وأنه ليس فوق العرش كما قد بسط في مواضع. # فصل: # " الأعلى " على وزن أفعل التفضيل مثل الأكرم والأكبر والأجل. ولهذا {قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قال أبو سفيان # PageV16P111 # اعل هبل اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه؟ قالوا: وما ~~نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل} . . وهو مذكور بأداة التعريف " الأعلى " ~~مثل {وربك الأكرم} بخلاف ما إذا قيل " الله أكبر " فإنه منكر. ولهذا معنى ~~يخصه يتميز به ولهذا معنى يخصه يتميز به كما بين العلو والكبرياء والعظمة. ~~فإن هذه الصفات وإن كانت متقاربة بل متلازمة فبينها فروق لطيفة؛ ولهذا {قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته} . فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء وهو ~~أعلى من الإزار. # ولهذا كان شعائر الصلاة والأذان والأعياد والأماكن العالية هو التكبير. ~~وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ms4961 ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول " الله أكبر " " الله أعظم " ولهذا ~~كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير. فلو قال: " ~~الله أعظم " لم تنعقد به الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم {مفتاح ~~الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} . وهذا # PageV16P112 # قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم. ولو أتى بغير ذلك من ~~الأذكار مثل سبحان الله والحمد لله لم تنعقد به الصلاة. # ولأن التكبير مختص بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال ~~الانخفاض كما في السنن {عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك} . ~~{ولما نزل قوله: {فسبح باسم ربك العظيم} قال: اجعلوها في ركوعكم} {ولما نزل ~~{سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم} . {وثبت عنه أنه كان يقول في ~~ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى} ولم يكن يكبر في ~~الركوع والسجود. لكن قد كان يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل كما ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم {كان يقول في ركوعه وسجوده ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن} أي يتأول قوله: ~~{فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . فكان يجمع بين التسبيح والتحميد. # PageV16P113 # وكذلك قد كان يقرن بالتسبيح في الركوع والسجود التهليل كما في صحيح مسلم ~~{عن عائشة قالت: افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب ~~إلى بعض نسائه فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا ~~إله إلا أنت. فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي شأن} . ففي هذه ~~الأحاديث كلها أنه كان يسبح في الركوع والسجود لكن قد يقرن بالتسبيح ~~التحميد والتهليل وقد يقرن به الدعاء. ولم ينقل أنه كبر في الركوع والسجود. ~~وأما قراءة القرآن فيهما فقد ثبت عنه أنه قال: {إني نهيت أن أقرأ القرآن ~~راكعا وساجدا} رواه مسلم من حديث ms4962 علي ومن حديث ابن عباس. وذلك أن القرآن ~~كلام الله فلا يتلى إلا في حال الارتفاع والتكبير أيضا محله حال الارتفاع. ~~وجمهور العلماء على أنه يشرع التسبيح في الركوع والسجود وروي عن مالك أنه ~~كره المداومة على ذلك لئلا يظن وجوبه. ثم اختلفوا في وجوبه. فالمشهور عن ~~أحمد وإسحاق وداود وغيرهم وجوبه. وعن أبي حنيفة والشافعي استحبابه. ~~والقائلون بالوجوب منهم من يقول: يتعين " سبحان ربي العظيم " # PageV16P114 # و " سبحان ربي الأعلى " للأمر بهما وهو قول كثير من أصحاب أحمد: ومنهم من ~~يقول: بل يذكر بعض الأذكار المأثورة. والأقوى أنه يتعين التسبيح إما بلفظ " ~~سبحان " وإما بلفظ " سبحانك " ونحو ذلك. وذلك أن القرآن سماها " تسبيحا " ~~فدل على وجوب التسبيح فيها وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود كما ~~سماها الله " قرآنا " وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام. وسماها " قياما " ~~و " سجودا " و " ركوعا " وبينت السنة علة ذلك ومحله. وكذلك التسبيح يسبح في ~~الركوع والسجود. وقد نقل {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول سبحان ~~ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى؛ وأنه كان يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم ~~اغفر لي؛ وسبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت} . وفي بعض روايات أبي داود {سبحان ~~ربي العظيم وبحمده} وفي استحباب هذه الزيادة عن أحمد روايتان. وفي صحيح ~~مسلم عن عائشة {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده ~~سبوح قدوس رب الملائكة والروح} وفي السنن أنه كان يقول {سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة} . فهذه كلها تسبيحات. # PageV16P115 # والمنقول عن مالك أنه كان يكره المداومة على ذلك. فإن كان كراهة المداومة ~~على " سبحان ربي الأعلى والعظيم " فله وجه وإن كان كراهة المداومة على جنس ~~التسبيح فلا وجه له وأظنه الأول. وكذلك المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة ~~على " سبحان ربي العظيم " لئلا يظن أنها فرض؛ وهذا يقتضي أن مالكا أنكر أن ~~تكون فرضا واجبا. وهذا قوي ظاهر بخلاف جنس التسبيح فإن أدلة وجوبه في ~~الكتاب والسنة كثيرة جدا. وقد علم ms4963 أنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم على ~~التسبيح بألفاظ متنوعة. وقوله " اجعلوها في ركوعكم وفي سجودكم " يقتضي أن ~~هذا محل لامتثال هذا الأمر لا يقتضي أنه لا يقال إلا هي مع ما قد ثبت أنه ~~كان يقول غيرها. والجمع بين صيغتي تسبيح بعيد بخلاف الجمع بين التسبيح ~~والتحميد والتهليل والدعاء. فإن هذه أنواع والتسبيح نوع واحد فلا يجمع فيه ~~بين صيغتين. وأيضا قد ثبت في الصحيح أنه قال: {أفضل الكلام بعد القرآن # PageV16P116 # أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} ~~. فهذا يقتضي أن هذه الكلمات أفضل من غيرها. فإن جعل التسبيح نوعا واحدا ف ~~" سبحان الله " و " سبحان ربي الأعلى " سواء وإن جعل متفاضلا ف " سبحان ~~الله " أفضل بهذا الحديث. وأيضا فقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} و {فسبح باسم ~~ربك العظيم} أمر بتسبيح ربه ليس أمرا بصيغة معينة. فإذا قال " سبحان الله ~~وبحمده " " سبحانك اللهم وبحمدك " فقد سبح ربه الأعلى والعظيم. فإن الله هو ~~الأعلى وهو العظيم واسمه " الله " يتناول معاني سائر الأسماء بطريق التضمن ~~وإن كان التصريح بالعلو والعظمة ليس هو فيه. ففي اسمه " الله " التصريح ~~بالإلهية واسمه " الله " أعظم من اسمه " الرب ". وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفى ~~الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده} . فالقيام فيه التحميد وفي ~~الاعتدال من الركوع وفي الركوع والسجود التسبيح وفي الانتقال التكبير وفي ~~القعود التشهد وفيه التوحيد. فصارت الأنواع الأربعة في الصلاة. # PageV16P117 # والفاتحة أيضا فيها التحميد والتوحيد. فالتحميد والتوحيد ركن يجب في ~~القراءة؛ والتكبير ركن في الافتتاح؛ والتشهد الآخر ركن في القعود كما هو ~~المشهور عن أحمد وهو مذهب الشافعي وفيه التشهد المتضمن للتوحيد. يبقى ~~التسبيح وأحمد يوجبه في الركوع والسجود وروي عنه أنه ركن وهو قوي لثبوت ~~الأمر به في القرآن والسنة. فكيف يوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يجئ أمر بها في الصلاة خصوصا ولا ms4964 يوجب التسبيح مع الأمر به في الصلاة ~~ومع كون الصلاة تسمى " تسبيحا "؟ وكل ما سميت به الصلاة من أبعاضها فهو ركن ~~فيها كما سميت " قياما " و " ركوعا " و " سجودا " " وقراءة " وسميت أيضا " ~~تسبيحا ". ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينفي وجوبه في حال السهو ~~كما ورد في التشهد الأول أنه لما تركه سجد للسهو؛ لكن قد يقال: لما لم يأمر ~~به المسيء في صلاته دل على أنه واجب ليس بركن. وبسط هذه المسائل له موضع ~~آخر. والمقصود هنا أن التسبيح قد خص به حال الانخفاض كما خص حال الارتفاع ~~بالتكبير. فذكر العبد في حال انخفاضه وذله ما يتصف به # PageV16P118 # الرب مقابل ذلك. فيقول في السجود " سبحان ربي الأعلى " وفي الركوع " ~~سبحان ربي العظيم ". # و" الأعلى " يجمع معاني العلو جميعها وأنه الأعلى بجميع معاني العلو. وقد ~~اتفق الناس على أنه علا على كل شيء بمعنى أنه قاهر له قادر عليه متصرف فيه ~~كما قال: {إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} وعلا أنه عال عن ~~كل عيب ونقص فهو عال عن ذلك منزه عنه كما قال تعالى: {ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} {ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا} {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا} {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} فقرن تعاليه عن ~~ذلك بالتسبيح. وقال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} {عالم ~~الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} وقالت الجن: {وأنه تعالى جد ربنا ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا} . # PageV16P119 # وفي دعاء الاستفتاح: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ". ~~وفي الصحيحين أنه كان يقول في آخر استفتاحه: {تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب ~~إليك} فقد بين سبحانه أنه تعالى عما ms4965 يقول المبطلون وعما يشركون. فهو متعال ~~عن الشركاء والأولاد كما أنه مسبح عن ذلك. وتعاليه سبحانه عن الشريك هو ~~تعاليه عن السمي والند والمثل فلا يكون شيء مثله. وقد ذكروا من معاني العلو ~~الفضيلة كما يقال: الذهب أعلى من الفضة. ونفي المثل عنه يقتضي أنه أعلى من ~~كل شيء فلا شيء مثله. وهو يتضمن أنه أفضل وخير من كل شيء كما أنه أكبر من ~~كل شيء. وفي القرآن: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير ~~أم ما يشركون} . ويقول: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} ويقول: {أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} وقالت السحرة: {والله ~~خير وأبقى} وهو سبحانه يبين أن المعبودين دونه ليسوا مثله في مواضع كقوله: ~~{قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع # PageV16P120 # والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال فأنى تصرفون} {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} ~~{قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون} {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} ~~{وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون} . وقال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} {وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} ~~{والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير أحياء ~~وما يشعرون أيان يبعثون} وكذلك قوله في أثناء السورة {ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ~~هل يستوون الحمد لله ms4966 بل أكثرهم لا يعلمون} {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي ~~هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} فهو سبحانه يبين أنه هو المستحق ~~للعبادة دون ما يعبد من دونه # PageV16P121 # وأنه لا مثل له. ويبين ما اختص به من صفات الكمال وانتفائها عما يعبد من ~~دونه. ويبين أنه يتعالى عما يشركون وعما يقولون من إثبات الأولاد والشركاء ~~له. وقال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} ~~وهم كانوا يقولون إنهم يشفعون لهم ويتقربون بهم. لكن كانوا يثبتون الشفاعة ~~بدون إذنه فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة وهذا نوع من الشرك. فلهذا قال ~~تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} فالشفاعة لا يملكها أحد غير ~~الله. كما روى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا} يقول: لابتغت الحوائج من الله. وعن معمر عن قتادة: {لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا} لابتغوا التقرب إليه مع أنه ليس كما يقولون. وعن سعيد عن ~~قتادة: {لو كان معه آلهة كما يقولون} يقول: لو كان معه آلهة إذا لعرفوا له ~~فضله ومزيته عليهم ولابتغوا إليه ما يقربهم إليه. وروي عن سفيان الثوري: ~~لتعاطوا سلطانه. وعن أبي بكر الهذلي عن سعيد بن جبير: سبيلا إلى أن يزيلوا ~~ملكه والهذلي ضعيف. # PageV16P122 # فقد تضمن العلو الذي ينعت به نفسه في كتابه أنه متعال عما لا يليق به من ~~الشركاء والأولاد فليس كمثله شيء. وهذا يقتضي ثبوت صفات الكمال له دون ما ~~سواه. وأنه لا يماثله غيره في شيء من صفات الكمال بل هو متعال عن أن يماثله ~~شيء. وتضمن أنه عال على كل ما سواه قاهر له قادر عليه نافذة مشيئته فيه ~~وأنه عال على الجميع فوق عرشه. فهذه ثلاثة أمور في اسمه " العلي ". وإثبات ~~علوه علوه على ما سواه وقدرته عليه وقهره يقتضي ربوبيته له وخلقه له وذلك ~~يستلزم ثبوت الكمال. وعلوه ms4967 عن الأمثال يقتضي أنه لا مثل له في صفات الكمال. ~~وهذا وهذا يقتضي جميع ما يوصف به في الإثبات والنفي. ففي الإثبات يوصف ~~بصفات الكمال وفي النفي ينزه عن النقص المناقض للكمال وينزه عن أن يكون له ~~مثل في صفات الكمال. كما قد دلت على هذا وهذا سورة الإخلاص {قل هو الله ~~أحد} {الله الصمد} . وتعاليه عن الشركاء يقتضي اختصاصه بالإلهية وأنه لا ~~يستحق # PageV16P123 # العبادة إلا هو وحده كما قال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} أي وإن كانوا كما يقولون يشفعون عنده بغير ~~إذنه ويقربونكم إليه بغير إذنه فهو الرب والإله دونهم وكانوا يبتغون إليه ~~سبيلا بالعبادة له والتقرب إليه. هذا أصح القولين. كما قال: {إن هذه تذكرة ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقال {إنه ~~تذكرة} {فمن شاء ذكره} وقال: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب} ثم قال: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} فتعالى عن أن ~~يكون معه إله غيره أو أحد يشفع عنده إلا بإذنه أو يتقرب إليه أحد إلا ~~بإذنه. فهذا هو الذي كانوا يقولون. ولم يكونوا يقولون إن آلهتهم تقدر أن ~~تمانعه أو تغالبه. بل هذا يلزم من فرض إله آخر يخلق كما يخلق وإن كانوا هم ~~لم يقولوا ذلك كما قال: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب ~~كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} فقد تبين أن اسمه " الأعلى " يتضمن ~~اتصافه بجميع صفات الكمال وتنزيهه عما ينافيها من صفات النقص وعن أن يكون ~~له مثل وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه. # PageV16P124 # فصل: # والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له. ~~فإن التسبيح يقتضي التنزيه والتعظيم والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي ~~يحمد عليها. فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده. قال ابن أبي حاتم: ~~حدثنا أبي ثنا ابن نفيل الحراني ثنا النضر ابن عربي قال: ms4968 سأل رجل ميمون بن ~~مهران عن " سبحان الله ". فقال: " اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء ". ~~وقال: حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا حفص بن غياث عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس قال " سبحان " قال: تنزيه الله نفسه من السوء. وعن الضحاك عن ابن ~~عباس في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} قال عجب. وعن أبي الأشهب عن ~~الحسن قال: " سبحان " اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه. وقد جاء عن غير واحد ~~من السلف مثل قول ابن عباس: إنه # PageV16P125 # تنزيه نفسه من السوء " وروي في ذلك حديث مرسل وهو يقتضي تنزيه نفسه من ~~فعل السيئات كما يقتضي تنزيهه عن الصفات المذمومة. ونفي النقائص يقتضي ثبوت ~~صفات الكمال وفيها التعظيم كما قال ميمون بن مهران " اسم يعظم الله به ~~ويحاشى به من السوء ". وروى عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن ~~عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة قال: {سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن التسبيح فقال: إنزاهه عن السوء} . وقال حدثنا الضحاك بن مخلد عن ~~شبيب عن عكرمة عن ابن عباس: " سبحان الله " قال: تنزيهه. حدثنا كثير بن ~~هشام ثنا جعفر بن برقان ثنا يزيد بن الأصم قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ~~" لا إله إلا الله " نعرفها أنه لا إله غيره و " الحمد لله " نعرفها أن ~~النعم كلها منه وهو المحمود عليها و " الله أكبر " نعرفها أنه لا شيء أكبر ~~منه فما " سبحان الله "؟ فقال ابن عباس: وما ينكر منها؟ هي كلمة رضيها الله ~~لنفسه وأمر بها ملائكته وفزع إليها الأخيار من خلقه. # PageV16P126 # فصل: # قوله: {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} العطف يقتضي اشتراك المعطوف ~~والمعطوف عليه فيما ذكر وأن بينهما مغايرة إما في الذات وإما في الصفات. ~~وهو في الذات كثير كقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا} . وأما في الصفات فمثل هذه الآية. فإن الذي خلق ~~فسوى هو الذي قدر فهدى؛ لكن هذا ms4969 الاسم والصفة ليس هو ذاك الاسم والصفة. ~~ومثله قوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ومثله قوله: {الذين يؤمنون ~~بالغيب} إلى قوله {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} . وقوله: ~~{لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر} ~~وقوله: {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن ~~اللغو معرضون} وقوله: {إلا المصلين} {الذين هم على صلاتهم دائمون} # PageV16P127 # {والذين في أموالهم حق معلوم} الآيات. وقوله: {إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات} الآيات فإنه من صدق وصبر ولم يسلم ولم يؤمن لم يكن ~~ممن أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما. وكثيرا ما تأتي الصفات بلا عطف كقوله: ~~{هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن} وقوله: ~~{قل أعوذ برب الناس} {ملك الناس} {إله الناس} . وقد تجيء خبرا بعد خبر ~~كقوله: {وهو الغفور الودود} {ذو العرش المجيد} {فعال لما يريد} . ولو كان " ~~فعال " صفة لكان معرفا بل هو خبر بعد خبر. وقوله: {هو الأول والآخر} خبر ~~بعد خبر لكن بالعطف بكل من الصفات. وأخبار المبتدأ قد تجيء بعطف وبغير عطف. ~~وإذا ذكر بالعطف كان كل اسم مستقلا بالذكر وبلا عطف يكون الثاني من تمام ~~الأول بمعنى. ومع العطف لا تكون الصفات إلا للمدح والثناء أو للمدح وأما ~~بلا عطف فهو في النكرات للتمييز وفي المعارف قد يكون للتوضيح. # PageV16P128 # {والذي أخرج المرعى} وصف بكل صفة من هذه الصفات ومدح بها وأثني عليه بها. ~~وكانت كل صفة من هذه الصفات مستوجبة لذلك. # فصل: # قال تعالى: {الذي خلق فسوى} . فأطلق الخلق والتسوية ولم يخص بذلك الإنسان ~~كما أطلق قوله بعد {والذي قدر فهدى} لم يقيده. فكان هذا المطلق لا يمنع ~~شموله لشيء من المخلوقات. وقد بين موسى عليه السلام شموله في قوله: {ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} . وقد ذكر المقيد بالإنسان في قوله: {يا ~~أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} {الذي خلقك ms4970 فسواك فعدلك} . وقد ذكر ~~المطلق والمقيد في أول ما نزل من القرآن وهو قوله: {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} . وفي جميع هذه الآيات مطلقها ومقيدها والجامع بين ~~المطلق والمقيد قد ذكر خلقه وذكر هدايته وتعليمه بعد الخلق كما قال في هذه ~~السورة: {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} . # PageV16P129 # لأن جميع المخلوقات خلقت لغاية مقصودة بها فلا بد أن تهدى إلى تلك الغاية ~~التي خلقت لها. فلا تتم مصلحتها وما أريدت له إلا بهدايتها لغاياتها. وهذا ~~مما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها كما قال ذلك السلف ~~وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء. وقالت طائفة كجهم وأتباعه إنه لم يخلق ~~شيئا لشيء ووافقه أبو الحسن الأشعري ومن اتبعه من الفقهاء أتباع الأئمة. ~~وهم يثبتون أنه مريد وينكرون أن تكون له حكمة يريدها. وطائفة من المتفلسفة ~~يثبتون عنايته وحكمته وينكرون إرادته. وكلاهما تناقض. وقد بسط الكلام على ~~فساد قول هؤلاء في غير هذا الموضع وأن منتهاهم جحد الحقائق. فإن هذا يقول: ~~" لو كان له حكمة يفعل لأجلها لكان يجب أن يريد الحكمة وينتفع بها وهو منزه ~~عن ذلك ". وذاك يقول: " لو كان له إرادة لكان يفعل لجر منفعة؛ فإن الإرادة ~~لا تعقل إلا كذلك ". وأرسطو وأتباعه يقولون: " لو فعل شيئا لكان الفعل لغرض ~~وهو منزه عن ذلك ". # PageV16P130 # فيقال لهؤلاء: هذه الحوادث المشهودة ألها محدث أم لا؟ فإن قالوا " لا " ~~فهو غاية المكابرة. وإذا جوزوا حدوث الحوادث بلا محدث فتجويزها بمحدث لا ~~إرادة له أولى. وإن قالوا " لها محدث " ثبت الفاعل. وإذا ثبت الخالق المحدث ~~فإما أن يفعل بإرادة أو بغير إرادة. فإن قالوا " يفعل بغير إرادة " كان ذلك ~~أيضا مكابرة. فإن كل حركة في العالم إنما صدرت عن إرادة. فإن الحركات إما ~~طبعية وإما قسرية وإما إرادية. لأن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو ~~من سبب خارج. وما كان منها فإما أن يكون مع ms4971 الشعور أو بدون الشعور. فما كان ~~سببه من خارج فهو القسري وما كان سببه منها بلا شعور فهو الطبعي وما كان مع ~~الشعور فهو الإرادي. فالقسري تابع للقاسر والذي يتحرك بطبعه كالماء والهواء ~~والأرض هو ساكن في مركزه؛ لكن إذا خرج عن مركزه قسرا طلب العود إلى مركزه ~~فأصل حركته القسر. ولم تبق حركة أصلية إلا الإرادية. فكل حركة في العالم ~~فهي عن إرادة. فكيف تكون جميع الحوادث والحركات بلا إرادة؟ . وأيضا فإذا ~~جوزوا أن تحدث الحوادث العظيمة عن فاعل غير مريد فجواز ذلك عن فاعل مريد ~~أولى. # PageV16P131 # وإذا ثبت أنه مريد قيل: إما أن يكون أرادها لحكمة وإما أن يكون أرادها ~~لغير حكمة. فإن قالوا " لغير حكمة " كان مكابرة. فإن الإرادة لا تعقل إلا ~~إذا كان المريد قد فعل لحكمة يقصدها بالفعل. وأيضا فإذا جوزوا أن يكون ~~فاعلا مريدا بلا حكمة فكونه فاعلا مريدا لحكمة أولى بالجواز. وأما قولهم: " ~~هذا لا يعقل إلا في حق من ينتفع وذلك يوجب الحاجة والله منزه عن ذلك ". فإن ~~أرادوا أنه يوجب احتياجه إلى غيره أو شيء من مخلوقاته فهو ممنوع وباطل؛ فإن ~~كل ما سواه محتاج إليه من كل وجه. وهو الصمد الغني عن كل ما سواه وكل ما ~~سواه محتاج إليه وهو القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه. فكيف يكون ~~محتاجا إلى غيره؟ وإن أرادوا أنه تحصل له بالخلق حكمة هي أيضا حاصلة ~~بمشيئته فهذا لا محذور فيه بل هو الحق. وإذا قالوا " الحكمة هي اللذة " ~~قيل: لفظ " اللذة " لم يرد به الشرع وهو موهم ومجمل. لكن جاء الشرع بأنه " ~~يحب " و " يرضى " # PageV16P132 # و " يفرح بتوبة التائبين " ونحو ذلك. فإذا أريد ما دل عليه الشرع والعقل ~~فهو حق. وإن قالوا: " الحكمة إما أن تراد لنفسها أو لحكمة " قيل: المرادات ~~نوعان ما يراد لنفسه وما يراد لغيره. وقد يكون الشيء غاية وحكمة بالنسبة ~~إلى مخلوق وهو مخلوق لحكمة أخرى. فلا بد أن ينتهي الأمر إلى حكمة يريدها ~~الفاعل لذاتها. والمعتزلة ومن ms4972 وافقهم كابن عقيل وغيره تثبت حكمة لا تعود ~~إلى ذاته. وأما السلف فإنهم يثبتون حكمة تعود إليه كما قد بين في غير هذا ~~الموضع. والمقصود هنا ذكر قوله تعالى {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} . ~~والتسوية: جعل الشيئين سواء كما قال: {وما يستوي الأعمى والبصير} وقوله ~~تعالى {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} و {سواء} وسط لأنه معتدل بين ~~الجوانب. وذلك أنه لا بد في الخلق والأمر من العدل. فلا بد من التسوية بين ~~المتماثلين فإذا فضل أحدهما فسد المصنوع كما في مصنوعات العباد إذا بنوا ~~بنيانا فلا بد من التسوية بين الحيطان إذ لو رفع # PageV16P133 # حائط على حائط رفعا كثيرا فسد. ولا بد من التسوية بين جذوع السقف فلو كان ~~بعض الجذوع قصيرا عن الغاية وبعضها فوق الغاية فسد. وكذلك إذا بني صف فوق ~~صف لا بد من التسوية بين الصفوف وكذلك الدرج المبنية. وكذلك إذا صنع لسقي ~~الماء جداول ومساكب فلا بد من العدل والتسوية فيها. وكذلك إذا صنعت ملابس ~~للآدميين فلا بد من أن تكون مقدرة على أبدانهم لا تزيد ولا تنقص. وكذلك ما ~~يصنع من الطعام لا بد أن تكون أخلاطه على وجه الاعتدال والنار التي تطبخه ~~كذلك. وكذلك السفن المصنوعة. ولهذا قال الله لداود: {وقدر في السرد} أي لا ~~تدق المسمار فيقلق ولا تغلظه فيفصم واجعله بقدر. فإذا كان هذا في مصنوعات ~~العباد وهي جزء من مصنوعات الرب فكيف بمخلوقاته العظيمة التي لا صنع فيها ~~للعباد كخلق الإنسان وسائر البهائم وخلق النبات وخلق السموات والأرض ~~والملائكة. فالفلك الذي خلقه وجعله مستديرا ما له من فروج كما قال تعالى: ~~{الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور} {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} وقال ~~تعالى: {والسماء ذات الحبك} وقال: # PageV16P134 # {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} فهو ~~سبحانه سواها كما سوى الشمس والقمر وغير ذلك من المخلوقات ms4973 فعدل بين ~~أجزائها. ولو كان أحد جانبي السماء داخلا أو خارجا لكان فيها فروج وهي ~~الفتوق والشقوق ولم يكن سواها كمن بنى قبة ولم يسوها. وكذلك لو جعل أحد ~~جانبيها أطول أو أنقص ونحو ذلك. فالعدل والتسوية لازم لجميع المخلوقات ~~والمصنوعات. فمتى لم تصنع بالعدل والتسوية بين المتماثلين وقع فيها الفساد. ~~وهو سبحانه {الذي خلق فسوى} . قال أبو العالية في قوله: {خلق فسوى} قال: ~~سوى خلقهن وهذا كما قال تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} . # فصل: # ثم إذا خلق المخلوق فسوى فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد. ~~فلا بد أن يهدى بعد ذلك إلى ما خلق له. # PageV16P135 # وتلك الغاية لا بد أن تكون معلومة للخالق. فإن العلة الغائية هي أول في ~~العلم والإرادة وهي آخر في الوجود والحصول. ولهذا كان الخالق لا بد أن يعلم ~~ما خلق. فإنه قد أراده وأراد الغاية التي خلقه لها والإرادة مستلزمة للعلم. ~~فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به. والصانع إذا أراد أن يصنع شيئا فقد ~~علمه وأراده وقدر في نفسه ما يصنعه والغاية التي ينتهي إليها وما الذي ~~يوصله إلى تلك الغاية. والله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم ~~كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء} . وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض وفي رواية ثم خلق السموات والأرض} . # PageV16P136 # فقد قدر سبحانه ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء ~~إلى يوم القيامة كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أول ~~ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال ما أكتب؟ فقال: اكتب ما يكون إلى يوم ms4974 ~~القيامة} . وأحاديث تقديره سبحانه وكتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جدا. ~~روى ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه سئل عن قوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} ~~فقال قال ابن عباس: إن الله قدر المقادير بقدرته ودبر الأمور بحكمته وعلم ~~ما العباد صائرون إليه وما هو خالق وكائن من خلقه فخلق الله لذلك جنة ونارا ~~فجعل الجنة لأوليائه وعرفهم وأحبهم وتولاهم ووفقهم وعصمهم وترك أهل النار ~~استحوذ عليهم إبليس وأضلهم وأزلهم. فخلق لكل شيء ما يشاكله في خلقه ما ~~يصلحه من رزقه في بر أو في بحر. فجعل للبعير خلقا لا يصلح شيء من خلقه على ~~غيره من الدواب. وكذلك كل دابة خلق الله له منها ما يشاكلها في خلقها فخلقه ~~مؤتلف لما خلقه له غير مختلف. قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي ثنا يحيى بن زكريا ~~بن مهران القزاز # PageV16P137 # نا حبان بن عبيد الله قال: سألت الضحاك عن هذه الآية {إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر} قال الضحاك قال ابن عباس فذكره. وقال: حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا طلحة ~~بن سنان عن عاصم عن الحسن قال: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق. خلق الله خلقا ~~وأجل أجلا وقدر رزقا وقدر مصيبة وقدر بلاء وقدر عافية. فمن كفر بالقدر فقد ~~كفر بالقرآن. وقال حدثنا الحسن بن عرفة ثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد ~~الملك بن جريح عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم ~~وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر. فقال: أو قد فعلوها؟ ~~قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: {ذوقوا مس سقر} {إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر} أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على ~~موتاهم. إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين. وقال أيضا: حدثنا علي ~~بن الحسين بن الجنيد حدثنا سهل الخياط ثنا أبو صالح الحداني نا حبان بن ~~عبيد الله قال: سألت # PageV16P138 # الضحاك عن قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ms4975 ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها} . قال قال ابن عباس: إن الله خلق العرش فاستوى عليه ثم ~~خلق القلم فأمره ليجري بإذنه وعظم القلم كقدر ما بين السماء والأرض فقال ~~القلم: بما يا رب أجري؟ فقال. " بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات ~~أو نفس أو أثر يعني به العمل أو رزق أو أجل ". فجرى القلم بما هو كائن إلى ~~يوم القيامة. فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش. # فصل: # فقوله سبحانه: {والذي قدر فهدى} يتضمن أنه قدر ما سيكون للمخلوقات وهداها ~~إليه. علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق فخلق ذلك الرزق وسواه وخلق ~~الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق. وهدى غيره من الأحياء أن يسوق إليه ذلك ~~الرزق. وخلق الأرض وقدر حاجتها إلى المطر وقدر السحاب وما يحمله من المطر. ~~وخلق ملائكة هداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض # PageV16P139 # فيمطر المطر الذي قدره. وقدر ما نبت بها من الرزق وقدر حاجة العباد إلى ~~ذلك الرزق. وهداهم إلى ذلك الرزق وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم. وقد ذكر ~~المفسرون أنواعا من تقديره وهدايته: فروى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما ~~بالإسناد الثابت عن مجاهد في قوله: {قدر فهدى} قال: الإنسان للشقاوة ~~والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها. وكذلك رواه عبد بن حميد في تفسيره قال: ~~هدى الإنسان للسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراتعها. وقال حدثنا يونس عن ~~شيبان عن قتادة: {قدر فهدى} قال: " لا والله ما أكره الله عبدا على معصية ~~قط ولا على ضلالة ولا رضيها له ولا أمره ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها ~~ونهاكم عن معصيته ". قلت: قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدر ~~ما قدره من السعادة والشقاوة كما قال الحسن وقتادة وغيرهما من أئمة ~~المسلمين فإنهم لم يكونوا متنازعين. فما سبق من سبق تقدير الله وإنما كان ~~نزاع بعضهم في الإرادة وخلق الأفعال. # PageV16P140 # وإنما نازع في التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة ~~كابن ms4976 عمر وابن عباس وغيرهما. وذكر قتادة أن الله لم يكره أحدا على معصية. ~~وهذا صحيح فإن أهل السنة المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحدا ~~على معصية كما يكره الوالي والقاضي وغيرهما للمخلوق على خلاف مراده يكرهونه ~~بالعقوبة والوعيد. بل هو سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله وهو ~~خالق كل شيء. وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية وأنه ~~لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر حتى قيل: إن مالكا كره لمعمر أن يروي عنه ~~التفسير لكونه اتهم بالقدر. وهذا القول حق ولم يعرف أحد من السلف قال " إن ~~الله أكره أحدا على معصية ". بل أبلغ من ذلك أن لفظ " الجبر " منعوا من ~~إطلاقه كالأوزاعي والثوري والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم. نهوا عن أن يقال " إن الله جبر العباد " وقالوا: إن هذا بدعة في ~~الشرع وهو مفهم للمعنى الفاسد. # PageV16P141 # قال الأوزاعي وغيره: إن السنة جاءت ب " جبل " ولم تأت ب " جبر " {فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخلقين يحبهما الله ~~الحلم والأناة. فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل ~~خلقين جبلت عليهما. قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله} . ~~وقال الزبيدي وغيره: إنما يجبر العاجز يعني الجبر الذي هو بمعنى الإكراه ~~كما تجبر المرأة على النكاح. والله أجل وأعظم من أن يجبر أحدا يعني أنه ~~يخلق إرادة العبد فلا يحتاج إلى إجباره. فالزبيدي وطائفة نفوا " الجبر " ~~وكان مفهومه عندهم هذا. وأما الأوزاعي وأحمد بن حنبل وغيرهما فكرهوا أن ~~يقال " جبر " وأن يقال " لم يجبر " لأن " الجبر " قد يراد به الإكراه والله ~~لا يكره أحدا. وقد يراد به أنه خالق الإرادة كما قال محمد بن كعب: " الجبار ~~هو الذي جبر العباد على ما أراد ". و " الجبر " بهذا المعنى صحيح. وقول ~~مجاهد في قوله: {قدر فهدى} " هدى الإنسان للسعادة والشقاوة " يبين أن هذا ~~عنده مما دخل في قوله: {قدر فهدى} # PageV16P142 # أي ms4977 هدى السعداء إلى السعادة التي قدرها وهدى الأشقياء إلى الشقاء الذي ~~قدره. وهكذا قال مجاهد في قوله: {إنا هديناه السبيل} قال: السعادة ~~والشقاوة. وقال عكرمة: سبيل الهدى. رواهما عبد بن حميد. وكذلك روى ابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله: {وهديناه النجدين} قال: الشقاوة والسعادة. وقد قال ~~هو وجماهير السلف: {وهديناه النجدين} : أي الخير والشر. رواه ابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود. ثم قال: وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في إحدى. . . (1) ~~وشقيق بن سلمة وأبي صالح ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وعكرمة وشرحبيل بن ~~سعيد وابن سنان الرازي والضحاك وعطاء الخراساني وعمرو بن قيس الملائي نحو ~~ذلك. وروي عن محمد بن كعب القرظي قال: الحق والباطل. PageV16P143 # وهذا كلام مجمل فيه ما هو متفق عليه وهو أنه يبين للناس ما أرسله من ~~الرسل ونصبه من الدلائل والآيات وأعطاهم من العقول طريق الخير والشر كما في ~~قوله: {وأما ثمود فهديناهم} . وأما إدخال الهدى الذي هو الإلهام في ذلك ~~بمعنى أنه هدى المؤمن إلى أن يؤمن ويعمل صالحا إلى أن يسعد بذلك وهدى ~~الكافر إلى ما يعمله إلى أن يشقى بذلك فهذا منهم من يدخله في الآية كمجاهد ~~وغيره ويدخله في قوله: {إنا هديناه السبيل} . وعكرمة وغيره يخرجون ذلك عن ~~معنى هذه الآية وإن كانوا مقرين بالقدر. ومن قال: " هدى " بمعنى بين فقط ~~فقد هدى كل عبد إلى نجد الخير والشر جميعا أي بين له طريق الخير والشر. ومن ~~أدخل في ذلك السعادة والشقاوة يقول: في هذا تقسيم أي هذه الهداية عامة ~~مشتركة وخص المؤمن بهداية إلى نجد الخير وخص الكافر بهداية إلى نجد الشر. ~~ومن لم يدخل ذلك في الآية قد يحتجون بحديث من مراسيل الحسن قال: ذكر لنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: {يا أيها الناس: إنما هما النجدان ~~نجد الخير ونجد الشر. فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير؟} . # PageV16P144 # ويحتجون بأن إلهام الفاجر طريق الفجور لم يسمه هدى بل سماه ضلالا ms4978 والله ~~امتن بأنه هدى. وقد يجيب الآخر بأن يقول: هو لا يدخل في الهدى المطلق لكن ~~يدخل في الهدى المقيد كقوله: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وكما في لفظ ~~البشارة قال: {فبشرهم بعذاب أليم} ولفظ الإيمان فقال: {يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} . وهذان القولان في قوله: {فألهمها فجورها وتقواها} قيل: هو ~~البيان العام وقيل: بل ألهم الفاجر الفجور والتقي التقوى. وهذا في تلك ~~الآية أظهر لأن الإلهام استعماله مشهور في إلهام القلوب لا في التبيين ~~الظاهر الذي تقوم به الحجة. وقد {علم النبي صلى الله عليه وسلم حصينا ~~الخزاعي لما أسلم أن يقول: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي} . ولو كان ~~الإلهام بمعنى البيان الظاهر لكان هذا حاصلا للمسلم والكافر. قال ابن عطية: ~~و {سوى} معناه عدل وأتقن حتى صارت الأمور مستوية دالة على قدرته ووحدانيته. ~~وقرأ جمهور القراء {قدر} بتشديد الدال فيحتمل أن يكون # PageV16P145 # من القدر والقضاء ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة بين الأشياء. قلت: ~~هما متلازمان لأن التقدير الأول يسمى تقديرا؛ لأن ما يجري بعد ذلك يجري على ~~قدره فهو موازن له ومعادل له. قال: وقرأ الكسائي وحده بتخفيف الدال فيحتمل ~~أن يكون بمعنى القدرة ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة ". قلت: وهذا ~~قول الأكثرين أنهما بمعنى واحد. قال ابن عطية: وقوله {فهدى} عام لوجوه ~~الهدايات في الإنسان والحيوان. وقد خصص بعض المفسرين أشياء من الهدايات ~~فقال الفراء: معناه هدى وأضل واكتفى بالواحد لدلالتها على الأخرى. قال وقال ~~مقاتل والكلبي: هدى إلى وطء الذكور للإناث. وقيل هدى المولود عند وضعه إلى ~~مص الثدي. وقال مجاهد: هدى الناس للخير والشر والبهائم للمراتع. قال ابن ~~عطية: " وهذه الأقوال مثالات والعموم في الآية أصوب في كل تقدير وفي كل ~~هداية ". وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي هذه الأقوال وغيرها فذكر # PageV16P146 # سبعة أقوال: قدر السعادة والشقاوة وهدى للرشد والضلالة قاله مجاهد. وقيل: ~~جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه قاله عطاء. وقيل: قدر مدة الجنين في ~~الرحم ثم هداه للخروج قاله السدي. وقيل: قدرهم ms4979 ذكرانا وإناثا وهدى الذكور ~~لإتيان الإناث قاله مقاتل. وقيل: قدر فهدى وأضل فحذف " وأضل " لأن في ~~الكلام ما يدل عليه حكاه الزجاج. وقيل: قدر الأرزاق وهدى إلى طلبها؛ وقيل ~~قدر الذنوب فهدى إلى التوبة حكاهما الثعلبي. قلت: القول الذي حكاه الزجاج ~~هو قول الفراء وهو من جنس قوله: " إن نفعت وإن لم تنفع " ومن جنس قوله " ~~سرابيل تقيكم الحر والبرد ". وقد تقدم ضعف مثل هذا ولهذا لم يقله أحد من ~~المفسرين. والأقوال الصحيحة هي من باب المثالات كما قال ابن عطية. وهكذا ~~كثير من تفسير السلف يذكرون من النوع مثالا لينبهوا به على غيره أو لحاجة ~~المستمع إلى معرفته أو لكونه هو الذي يعرفه كما يذكرون مثل ذلك في مواضع ~~كثيرة. كقوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} وقوله: {وآخرين منهم} وقوله: ~~{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقوله: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات} # PageV16P147 # وكذلك تفسير: {والشفع والوتر} و {وشاهد ومشهود} وغير ذلك وقوله: {وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون} وأمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال. ومن ذلك ~~قولهم: إن " هذه الآية نزلت في فلان وفلان " فبهذا يمثل بمن نزلت فيه نزلت ~~فيه أولا وكان سبب نزولها لا يريدون به أنها آية مختصة به كآية اللعان وآية ~~القذف وآية المحاربة ونحو ذلك. لا يقول مسلم إنها مختصة بمن كان نزولها ~~بسببه. واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع ~~الذي هو سببه لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع. فلا ~~يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت وآية اللعان لم ~~يدخل فيها إلا عاصم بن عدي أو هلال بن أمية: وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا ~~كفار قريش؛ ونحو ذلك مما لا يقوله مسلم ولا عاقل. فإن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قد عرف بالاضطرار من دينه أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن والله تعالى ~~خاطب بالقرآن جميع # PageV16P148 # الثقلين كما قال: {لأنذركم ms4980 به ومن بلغ} . فكل من بلغه القرآن من إنسي ~~وجني فقد أنذره الرسول به. والإنذار هو الإعلام بالمخوف والمخوف هو العذاب ~~ينزل بمن عصى أمره ونهيه. فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن أنه إن لم يطعه ~~وإلا عذبه الله تعالى وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى. وهو قد مات فإنما ~~طاعته باتباع ما في القرآن مما أوجبه الله وحرمه وكذلك ما أوجبه الرسول ~~وحرمه بسنته. فإن القرآن قد بين وجوب طاعته وبين أن الله أنزل عليه الكتاب ~~والحكمة وقال لأزواج نبيه {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} # فصل: # ثم قال: {والذي أخرج المرعى} {فجعله غثاء أحوى} هو سبحانه لما ذكر قوله: ~~{قدر فهدى} دخل في ذلك ما قدره من أرزاق العباد والبهائم وهداهم إليها فهدى ~~من يأتي بها إليهم. وذلك من تمام إنعامه على عباده كما جاء في الأثر: {إن ~~الله يقول: # PageV16P149 # إني والجن والإنس لفي نبأ عظيم أخلق ويعبدون غيري وأرزق ويشكرون سواي} ~~وهذا المعنى قد روي في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} أي تجعلون شكركم ~~وشكر ربكم التكذيب بإنعام الله وإضافة الرزق إلى غيره كالأنواء كما ثبت في ~~الصحيح عن ابن عباس قال: {مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا: هذه رحمة ~~الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا قال: فنزلت هذه الآية {فلا أقسم ~~بمواقع النجوم} حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} } وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما أنزل الله من السماء ~~من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث فيقولون: ~~الكوكب كذا وكذا وفي رواية بكوكب كذا وكذا} . وروى ابن المنذر في تفسيره: ~~ثنا محمد بن علي يعني الصائغ ثنا سعيد هو ابن منصور ثنا هشيم عن أبي بشر عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ms4981 "، # PageV16P150 # يعني الأنواء. وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا وكانوا يقولون: مطرنا ~~بنوء كذا وكذا فأنزل الله {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} وروى ابن أبي حاتم ~~عن عطاء الخراساني عن عكرمة في قول الله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: ~~تجعلون رزقكم من عند غير الله تكذيبا وشكرا لغيره. # لكن قوله: {والذي أخرج المرعى} خص به إخراج المرعى وهو ما ترعاه الدواب ~~وذكر أنه جعله غثاء أحوى. وهذا فيه ذكر أقوات البهائم لكن أقوات الآدميين ~~أجل من ذلك وقد دخلت هي وأقوات البهائم في قوله {قدر فهدى} . وأيضا فالذي ~~يصير غثاء أحوى لم تقتت به البهائم وإنما تقتات به قبل ذلك. فهو والله أعلم ~~خص هذا بالذكر لأنه مثل الحياة الدنيا. إذ كانت هذه السورة تضمنت أصول ~~الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بالرسل والكتب التي جاءوا بها ~~وذلك يتضمن الإيمان بالملائكة. وفيها العمل الصالح الذي ينفع في الآخرة ~~والفاسد الذي يضر فيها. # PageV16P151 # فذكر سبحانه المرعى عقب ما ذكره من الخلق والهدى ليبين مآل بعض المخلوقات ~~وأن الدنيا هذا مثلها. وقد ذكر الله ذلك في الكهف ويونس والحديد. قال ~~تعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} وقال ~~تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ~~ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ~~ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وقد جعل إهلاك المهلكين حصادا ~~لهم فقال: {ذلك من أنباء # PageV16P152 # القرى نقصه ms4982 عليك منها قائم وحصيد} وقال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} {ثم رددناه أسفل سافلين} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون} فقوله: {والذي أخرج المرعى} {فجعله غثاء أحوى} هو مثل للحياة ~~الدنيا وعاقبة الكفار ومن اغتر بالدنيا فإنهم يكونون في نعيم وزينة وسعادة ~~ثم يصيرون إلى شقاء في الدنيا والآخرة. كالمرعى الذي جعله غثاء أحوى. # فصل: # قوله: {فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى. الذي يصلى ~~النار الكبرى} فقوله: إن نفعت الذكرى كقوله: إن الذكرى تنفع المؤمنين. ~~وقوله: إن نفعت الذكرى و " إن " هي الشرطية. # PageV16P153 # وحكى الماوردي أنها بمعنى " ما ". # وهذه تكون " ما " المصدرية. وهي بمعنى الظرف، أي: ذكر ما نفعت، ما دامت ~~تنفع. ومعناها قريب من معنى الشرطية. وأما إن ظن ظان أنها نافية فهذا غلط ~~بين. فإن الله لا ينفي نفع الذكرى مطلقا وهو القائل {فتول عنهم فما أنت ~~بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع} ثم قال {المؤمنين} . . . (1) . # وعن. . . (2) فذكر إن نفعت الذكرى: إن قبلت الذكرى. وعن مقاتل: فذكر وقد ~~نفعت الذكرى. وقيل: ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. قاله طائفة، أولهم ~~الفراء، واتبعه جماعة، منهم النحاس، والزهراوي. والواحدي. والبغوي ولم يذكر ~~غيره. قالوا: وإنما لم يذكر الحال الثانية كقوله: سرابيل تقيكم الحر وأراد ~~الحر والبرد. وإنما قالوا هذا لأنهم قد علموا أنه يجب عليه تبليغ جميع ~~الخلق وتذكيرهم سواء آمنوا أو كفروا. فلم يكن وجوب التذكير مختصا بمن ~~PageV16P154 # تنفعه الذكرى كما قال في الآية الأخرى: {فذكر إنما أنت مذكر} {لست عليهم ~~بمسيطر} وقال: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} وقال: {ويقولون إنه ~~لمجنون} {وما هو إلا ذكر للعالمين} وقال: {ليكون للعالمين نذيرا} . وهذا ~~الذي قالوه له معنى صحيح وهو قول الفراء وأمثاله لكن لم يقله أحد من مفسري ~~السلف. ولهذا كان أحمد بن حنبل ينكر على الفراء وأمثاله ما ينكره ويقول: ~~كنت أحسب الفراء رجلا صالحا حتى رأيت كتابه في معاني القرآن. وهذا المعنى ~~الذي قالوه مدلول عليه بآيات أخر. وهو معلوم ms4983 بالاضطرار من أمر الرسول فإن ~~الله بعثه مبلغا ومذكرا لجميع الثقلين الإنس والجن. لكن ليس هو معنى هذه ~~الآية. بل معنى هذه يشبه قوله: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} وقوله: {إنما ~~أنت منذر من يخشاها} وقوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} ~~وقوله {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء منكم أن يستقيم} فالقرآن جاء ~~بالعام والخاص. وهذا كقوله: {هدى للمتقين} ونحو ذلك. # PageV16P155 # وسبب ذلك أن التعليم والتذكير والإنذار والهدى ونحو ذلك له فاعل وله ~~قابل. فالمعلم المذكر يعلم غيره ثم ذلك الغير قد يتعلم ويتذكر وقد لا يتعلم ~~ولا يتذكر. فإن تعلم وتذكر فقد تم التعليم والتذكير وإن لم يتعلم ولم يتذكر ~~فقد وجد أحد طرفيه وهو الفاعل دون المحل القابل. فيقال في مثل هذا: علمته ~~فما تعلم وذكرته فما تذكر وأمرته فما أطاع. وقد يقال " ما علمته وما ذكرته ~~" لأنه لم يحصل تاما ولم يحصل مقصوده فينفى لانتفاء كماله وتمامه. وانتفاء ~~فائدته بالنسبة إلى المخاطب السامع وإن كانت الفائدة حاصلة للمتكلم القائل ~~المخاطب. فحيث خص بالتذكير والإنذار ونحوه المؤمنون فهم مخصوصون بالتام ~~النافع الذي سعدوا به. وحيث عمم فالجميع مشتركون في الإنذار الذي قامت به ~~الحجة على الخلق سواء قبلوا أو لم يقبلوا. # وهذا هو الهدى المذكور في قوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} فالهدى هنا هو البيان والدلالة والإرشاد العام المشترك. وهو ~~كالإنذار العام والتذكير العام. وهنا قد هدى المتقين وغيرهم كما قال: {ولكل ~~قوم هاد} وأما قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} فالمطلوب الهدى الخاص # PageV16P156 # التام الذي يحصل معه الاهتداء كقوله: {هدى للمتقين} وقوله: {فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة} وقوله: {فإن الله لا يهدي من يضل} وقوله: {يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وهذا كثير في القرآن. وكذلك الإنذار قد ~~قال: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} وقال ~~تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا} وقال في الخاص: {إنما ms4984 أنت منذر من يخشاها} {إنما تنذر من اتبع الذكر ~~وخشي الرحمن بالغيب} فهذا الإنذار الخاص وهو التام النافع الذي انتفع به ~~المنذر. والإنذار هو الإعلام بالمخوف فعلم المخوف فخاف فآمن وأطاع. وكذلك ~~التذكير عام وخاص. فالعام هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد وهذا يحصل بإبلاغهم ~~ما أرسل به من الرسالة. قال تعالى: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين} {إن هو إلا ذكر للعالمين} . وقال تعالى: {وما هي إلا ذكرى ~~للبشر} . وقال تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} . ثم قال: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} فذكر العام والخاص. # PageV16P157 # والتذكر هو الذكر التام الذي يذكره المذكر به وينتفع به. وغير هؤلاء قال ~~تعالى فيهم: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} ~~{لاهية قلوبهم} وقال تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين} فقد أتاهم وقامت به الحجة ولكن لم يصغوا إليه بقلوبهم فلم ~~يفهموه أو فهموه فلم يعملوا به كما قال: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} والخاص هو التام النافع وهو الذي حصل معه ~~تذكر لمذكر فإن هذا ذكرى كما قال: {فذكر إن نفعت الذكرى} {سيذكر من يخشى} ~~{ويتجنبها الأشقى} أي يجنب الذكرى وهو إنما جنب الذكرى الخاصة. وأما ~~المشترك الذي تقوم به الحجة فقد ذكر هو وغيره بذلك وقامت الحجة عليهم. وقد ~~قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال: {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} وقال عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ~~ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شيء} وقال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # PageV16P158 # يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} . ~~وأما تمثيلهم ذلك بقوله {سرابيل تقيكم الحر} أي وتقيكم البرد فعنه جوابان: ~~أحدهما: أنه ليس هناك حرف شرط علق به الحكم بخلاف هذا الموضع. فإنه إذا علق ~~الأمر ms4985 بشرط وكان مأمورا به في حال وجود الشرط كما هو مأمور به في حال عدمه ~~كان ذكر الشرط تطويلا للكلام تقليلا للفائدة وإضلالا للسامع. وجمهور الناس ~~على أن مفهوم الشرط حجة ومن نازع فيه يقول: سكت عن غير المعلق لا يقول: إن ~~اللفظ دل على المسكوت كما دل على المنطوق. فهذا لا يقوله أحد. الثاني: أن ~~قوله {تقيكم الحر} على بابه وليس في الآية ذكر البرد. وإنما يقول " إن ~~المعطوف محذوف " هو الفراء وأمثاله ممن أنكر عليهم الأئمة حيث يفسرون ~~القرآن بمجرد ظنهم وفهمهم لنوع من علم العربية عندهم. وكثيرا لا يكون ما ~~فسروا به مطابقا. وليس في الكلام ما يدل على ذكر البرد ولكن الله ذكر في # PageV16P159 # هذه السورة إنعامه على عباده وتسمى " سورة النعم " فذكر في أولها أصول ~~النعم التي لا بد منها ولا تقوم الحياة إلا بها وذكر في أثنائها تمام ~~النعم. وكان ما يقي البرد من أصول النعم فذكر في أول السورة في قوله ~~{والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} . فالدفء ما يدفئ ويدفع البرد. ~~والبرد الشديد يوجب الموت بخلاف الحر. فقد مات خلق من البرد بخلاف الحر فإن ~~الموت منه غير معتاد. ولهذا قال بعض العرب البرد بؤس والحر أذى. فلما ذكر ~~في أثنائها تمام النعم ذكر الظلال وما يقي الحر وذكر الأسلحة وما يقي القتل ~~فقال: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} ~~. فذكر أنه يتم نعمته كما بين ذلك في هذه الآيات فقال: {كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون} . وفرق بين الظلال والأكنان؛ فإن الظلال يكون بالشجر # PageV16P160 # ونحوه مما يظل ولا يكن بخلاف ما في الجبال من الغيران فإنه يظل ويكن. ~~فهذا في الأمكنة ثم قال في اللباس: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم} فهذا في اللباس. واللباس والمساكن كلاهما تقي الناس ما يؤذيهم ~~من حر وبرد وعدو وكلاهما تسترهم عن أعين الناظرين. ms4986 وفي البيوت خاصة يسكنون ~~كما قال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} . فلما ذكر البيوت المسكونة امتن بكونه ~~جعلها سكنا يسكنون فيها من تعب الحركات. وذكر أنه جعل لهم بيوتا أخرى ~~يحملونها معهم ويستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم. فذكر البيوت الثقيلة ~~التي لا تحمل والخفية التي تحمل. فتبين أن ما مثلوا به حجة عليهم. فقوله: ~~{إن نفعت الذكرى} - كما قال مفسرو السلف والجمهور - على بابها قال الحسن ~~البصري: تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر. # PageV16P161 # وعلى هذا فقوله تعالى: {إن نفعت الذكرى} لا يمنع كون الكافر يبلغ القرآن ~~لوجوه. أحدها: أنه لم يخص قوما دون قوم لكن قال: {فذكر} وهذا مطلق بتذكير ~~كل أحد. وقوله: {إن نفعت الذكرى} لم يقل " إن نفعت كل أحد ". بل أطلق ~~النفع. فقد أمر بالتذكير إن كان ينفع. والتذكير المطلق العام ينفع. فإن من ~~الناس من يتذكر فينتفع به والآخر تقوم عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك ~~فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره نفع أيضا. ولأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة ~~فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره فتحصل بالذكرى منفعة. فكل تذكير ذكر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين حصل به نفع في الجملة وإن كان النفع ~~للمؤمنين الذين قبلوه واعتبروا به وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم ~~الحجة. فإن قيل: فعلى هذا كل تذكير قد حصل به نفع فأي فائدة في التقييد؟ # PageV16P162 # قيل: بل منه ما لم ينفع أصلا وهو ما لم يؤمر به. وذلك كمن أخبر الله أنه ~~لا يؤمن كأبي لهب فإنه بعد أن أنزل الله قوله {سيصلى نارا ذات لهب} فإنه لا ~~يخص بتذكير بل يعرض عنه. وكذلك كل من لم يصغ إليه ولم يستمع لقوله فإنه ~~يعرض عنه كما قال: {فتول عنهم فما أنت بملوم} ثم قال: {وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين} فهو إذا بلغ قوما الرسالة فقامت الحجة عليهم ثم امتنعوا من ~~سماع كلامه أعرض عنهم. فإن الذكرى حينئذ لا تنفع أحدا. ms4987 وكذلك من أظهر أن ~~الحجة قامت عليه وأنه لا يهتدي فإنه لا يكرر التبليغ عليه. الوجه الثاني: ~~أن الأمر بالتذكير أمر بالتذكير التام النافع كما هو أمر بالتذكير المشترك. ~~وهذا التام النافع يخص به المؤمنين المنتفعين. فهم إذا آمنوا ذكرهم بما ~~أنزل وكلما أنزل شيء من القرآن ذكرهم به ويذكرهم بمعانيه ويذكرهم بما نزل ~~قبل ذلك. بخلاف الذين قال فيهم: {فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم # PageV16P163 # حمر مستنفرة} {فرت من قسورة} . فإن هؤلاء لا يذكرهم كما يذكر المؤمنين ~~إذا كانت الحجة قد قامت عليهم وهم معرضون عن التذكرة لا يسمعون. ولهذا قال. ~~{عبس وتولى} {أن جاءه الأعمى} {وما يدريك لعله يزكى} {أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى} {أما من استغنى} {فأنت له تصدى} {وما عليك ألا يزكى} {وأما من جاءك ~~يسعى} {وهو يخشى} {فأنت عنه تلهى} فأمره أن يقبل على من جاءه يطلب أن يتزكى ~~وأن يتذكر. وقال: {سيذكر من يخشى} إلى قوله {قد أفلح من تزكى} فذكر التذكر ~~والتزكي كما ذكرهما هناك. وأمره أن يقبل على من أقبل عليه دون من أعرض عنه ~~فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذاك. فيكون مأمورا أن يذكر المنتفعين بالذكرى ~~تذكيرا يخصهم به غير التبليغ العام الذي تقوم به الحجة كما قال: {فتول عنهم ~~فما أنت بملوم} {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . وقال: {ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} وفي الصحيحين {عن ابن عباس: قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن سمعه المشركون فسبوا القرآن ~~ومن أنزل عليه ومن جاء به فقال الله له: ولا تجهر به فيسمعه المشركون ولا ~~تخافت # PageV16P164 # به عن أصحابك} . فنهى عن أن يسمعهم إسماعا يكون ضرره أعظم من نفعه. وهكذا ~~كل ما يأمر الله به لا بد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته والمصلحة هي ~~المنفعة والمفسدة هي المضرة. فهو إنما يؤمر بالتذكير إذا كانت المصلحة ~~راجحة وهو أن تحصل به منفعة راجحة على المضرة. وهذا يدل على الوجه الأول ~~والثاني. فحيث كان ms4988 الضرر راجحا فهو منهي عما يجلب ضررا راجحا. والنفع أعم ~~في قبول جميعهم فقبول بعضهم نفع وقيام الحجة على من لم يقبل نفع وظهور ~~كلامه حتى يبلغ البعيد نفع وبقاؤه عند من سمعه حتى بلغه إلى من لم يسمعه ~~نفع. فهو صلى الله عليه وسلم ما ذكر قط إلا ذكرى نافعة لم يذكر ذكرى قط ~~يكون ضررها راجحا. وهذا مذهب جمهور المسلمين من السلف والخلف أن ما أمر ~~الله به لا بد أن تكون مصلحته راجحة ومنفعته راجحة. وأما ما كانت مضرته ~~راجحة فإن الله لا يأمر به. وأما جهم ومن وافقه من الجبرية فيقولون: إن ~~الله قد يأمر بما ليس فيه منفعة ولا مصلحة ألبتة بل يكون ضررا محضا إذا ~~فعله # PageV16P165 # المأمور به وقد وافقهم على ذلك طائفة من متأخري أتباع الأئمة ممن سلك ~~مسلك المتكلمين - أبي الحسن الأشعري وغيره في مسائل القدر فنصر مذهب جهم ~~والجبرية. الوجه الثالث: أن قوله: {الذكرى} يتناول التذكر والتذكير. فإنه ~~قال: {فذكر إن نفعت الذكرى} . فلا بد أن يتناول ذلك تذكيره. # ثم قال: {سيذكر من يخشى} {ويتجنبها الأشقى} . والذي يتجنبه الأشقى هو ~~الذي فعله من يخشى وهو التذكر. فضمير الذكرى هنا يتناول التذكر وإلا فمجرد ~~التذكير الذي قامت به الحجة لم يتجنبه أحد. لكن قد يراد بتجنبها أنه لم ~~يستمع إليها ولم يصغ كما قال: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} . والحجة ~~قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الاستماع والتدبر لا بنفس الاستماع. ~~ففي الكفار من تجنب سماع القرآن واختار غيره كما يتجنب كثير من المسلمين ~~سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا كما قال: ~~{سيذكر من يخشى} . فلما قال: {فذكر إن نفعت الذكرى} فقد يراد بالذكرى نفس # PageV16P166 # تذكيره تذكر أو لم يتذكر. وتذكيره نافع لا محالة كما تقدم وهذا يناسب ~~الوجه الأول. وقد ذكر بعضهم أن هذا يراد به توبيخ من لم يتذكر من قريش قال ~~ابن عطية: اختلف الناس في معنى قوله: {فذكر إن نفعت الذكرى} فقال الفراء ms4989 ~~والنحاس والزهراوي: معناه " وإن لم تنفع " فاقتصر على الاسم الواحد لدلالته ~~على الثاني. قال وقال بعض الحذاق: قوله: {إن نفعت الذكرى} اعتراض بين ~~الكلامين على جهة التوبيخ لقريش. أي إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة ~~العتاة. وهذا كنحو قول الشاعر: # لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي # وهذا كله كما تقول لرجل: " قل لفلان واعذله إن سمعك " إنما هو توبيخ ~~للمشار إليه. # قلت: هذا القائل هو الزمخشري وهذا القول فيه بعض الحق. لكنه أضعف من ذاك ~~القول من وجه آخر. فإن مضمون هذا القول أنه مأمور بتذكير من لا يقبل ولا ~~ينفع بالذكرى دون من يقبل كما قال: " إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة ~~العتاة " وكما أنشده في البيت. # PageV16P167 # ثم البيت الذي أنشده خبر عن شخص خاطب آخر. فيقول: لقد أسمعت لو كان من ~~تناديه حيا. وهذا كقوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون} وقوله: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين} وقوله: {قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ~~ينذرون} . فهذا يناسب معنى البيت وهو خبر خاص. وأما الأمر بالإنذار فهو ~~مطلق عام. وإن كان مخصوصا فالمؤمنون أحق بالتخصيص كما قال: {فذكر بالقرآن ~~من يخاف وعيد} وقال: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . ليس الأمر مختصا ~~بمن لا يسمع. كيف وقد قال بعد ذلك: {سيذكر من يخشى} {ويتجنبها الأشقى} فهذا ~~الذي يخشى هو ممن أمره بتذكيره وهو ينتفع بالذكرى. فكيف لا يكون لهذا الشرط ~~فائدة إلا ذم من لم يسمع؟ وأما قول القائل " قل لفلان واعذله إن سمعك " ~~فهذا وأمثاله يقوله الناس لمن يظنون أنه لا يقبل ولكن يرجون قبوله. فهم ~~يقصدون توبيخه على تقدير الرد لا على تقدير القبول. فيقولون: " قل له إن ~~كان يسمع منك " و " قل له إن كان يقبل " و " انصحه إن # PageV16P168 # كان يقبل النصيحة " وهو كله من هذا الباب. فهو أمر بالنصيحة التامة ~~المقبولة إن كان يقبلها وأمر بأصل النصح ms4990 وإن رده وذم له على هذا التقدير. ~~وكذلك قوله: {فذكر إن نفعت الذكرى} أمر بتذكير كل أحد فإن انتفع كان تذكره ~~تاما نافعا. وإلا حصل أصل التذكير الذي قامت به الحجة ودل ذلك على ذمه ~~واستحقاقه التوبيخ. مع أنه سبحانه إنما قال: {إن نفعت الذكرى} ولم يقل " ~~ذكر من تنفعه الذكرى فقط ". كما في قوله: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} ~~فهناك الأمر بالتذكير خاص. وقد جاء عاما وخاصا كخطاب القرآن ب {يا أيها ~~الناس} وهو عام وب {يا أيها الذين آمنوا} خاص لمن آمن بالقرآن. فهناك قال: ~~{فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وهنا قال: {سيذكر من يخشى} {ويتجنبها الأشقى} . ~~ولم يقل " سينتفع من يخشى ". فإن النفع الحاصل بالتذكير أعم من تذكر من ~~يخشى. فإنه إذا ذكر قامت الحجة على الجميع. والأشقى الذي تجنبها حصل ~~بتذكيره قيام الحجة عليه واستحقاقه لعذاب الدنيا والآخرة. # PageV16P169 # وفي ذلك لله حكم ومنافع هي نعم على عباده. فكل ما يقضيه الله تعالى هو من ~~نعمته على عباده: ولهذا يقول عقب تعديد ما يذكره: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~ولما ذكر ما ذكره في سورة النجم وذكر إهلاك مكذبي الرسل قال: {فبأي آلاء ~~ربك تتمارى} فإهلاكهم من آلاء ربنا. وآلاؤه نعمه التي تدل على رحمته وعلى ~~حكمته وعلى مشيئته وقدرته وربوبيته سبحانه وتعالى. ومن نفع تذكير الذي ~~يتجنبها أنه لما قامت عليه الحجة واستحق العذاب خف بذلك شر عن المؤمنين فإن ~~الله يهلكهم بعذاب من عنده أو بأيديهم. وبهلاكه ينتصر الإيمان وينتشر ~~ويعتبر به غيره وذلك نفع عظيم. وهو أيضا يتعجل موته فيكون أقل لكفره. فإن ~~الله أرسل محمدا رحمة للعالمين فبه تصل الرحمة إلى كل أحد بحسب الإمكان. ~~وأيضا فإن الذي يتجنبها بتجنبه استحق هذا الوعيد المذكور فصار ذلك تحذيرا ~~لغيره من أن يفعل مثل فعله. قال تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما ~~خلفها} وقال تعالى عن فرعون: {فجعلناهم # PageV16P170 # سلفا ومثلا للآخرين} وقال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} # فصل: # وقوله: {سيذكر من يخشى} يقتضي ms4991 أن كل من يخشى يتذكر. والخشية قد تحصل عقب ~~الذكر وقد تحصل قبل الذكر وقوله: {من يخشى} مطلق. ومن الناس من يظن أن ذلك ~~يقتضي أنه لا بد أن يكون قد خشي أولا حتى يذكر وليس كذلك. بل هذا كقوله: ~~{هدى للمتقين} وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} وقوله: {فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد} وقوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} وهو إنما ~~خاف الوعيد بعد أن سمعه لم يكن وعيد قبل سماع القرآن وكذلك قوله: {إنما ~~تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} وهو إنما اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بعد أن أنذره الرسول. وقد لا يكونون خافوها قبل الإنذار ولا كانوا متقين ~~قبل سماع # PageV16P171 # القرآن بل به صاروا متقين. وهذا كما يقول القائل: ما يسمع هذا إلا سعيد ~~وإلا مفلح وإلا من رضي الله عنه. وما يدخل في الإسلام إلا من هداه الله ~~ونحو ذلك. وإن كانت هذه الحسنات والنعم تحصل بعد الإسلام وسماع القرآن. ~~ومثل هذا قوله: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} وقد قال في نظيره ~~{ويتجنبها الأشقى} وإنما يشقى بتجنبها. وهذا كما يقال: إنما يحذر من يقبل ~~وإنما ينتفع بالعلم من عمل به. فمن استمع القرآن فآمن به وعمل به صار من ~~المتقين الذين هو هدى لهم. ومن لم يؤمن به ولم يعمل به لم يكن من المتقين؛ ~~ولم يكن ممن اهتدى به. بل هو كما قال الله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} ولم يرد أنهم كانوا ~~مؤمنين. فلما سمعوه صار هدى وشفاء؛ بل إذا سمعه الكافر فآمن به صار في حقه ~~هدى وشفاء وكان من المؤمنين به بعد سماعه. # PageV16P172 # وهذا كقوله في النوع المذموم: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين} {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل} ولا يجب أن يكونوا فاسقين قبل ضلالهم؛ بل من سمعه فكذب به ms4992 صار ~~فاسقا وضل. وسعد بن أبي وقاص وغيره أدخلوا في هذه الآية أهل الأهواء ~~كالخوارج. وكان سعد يقول: هم من {الفاسقين} {الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} ولم يكن علي وسعد وغيرهما من ~~الصحابة يكفرونهم. وسعد أدخلهم في هذه الآية لقوله: {وما يضل به إلا ~~الفاسقين} وهم ضلوا به بسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه وتأويله على غير ما ~~أراد الله. فتمسكوا بمتشابهه وأعرضوا عن محكمه وعن السنة الثابتة التي تبين ~~مراد الله بكتابه. فخالفوا السنة وإجماع الصحابة مع ما خالفوه من محكم كتاب ~~الله تعالى. ولهذا أدخلهم كثير من السلف في الذين {يتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} {الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} وبسط هذا ~~له موضع آخر. والمقصود الآية وقد دلت على أن كل من يخشى فلا بد أن # PageV16P173 # يتذكر. فقد يتذكر فتحصل له بالتذكر خشية وقد يخشى فتدعوه الخشية إلى ~~التذكر. وهذا المعنى ذكره قتادة: فقال: والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره. ~~{ويتجنبها الأشقى} قال قتادة: فلا والله لا يتنكب عبد هذا الذكر زهدا فيه ~~وبغضا له ولأهله إلا شقيا بين الشقاء. والخشية في القرآن مطلقة تتناول خشية ~~الله وخشية عذابه في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: {يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها} {فيم أنت من ذكراها} {إلى ربك منتهاها} {إنما أنت منذر من ~~يخشاها} وقال تعالى: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} وقال تعالى: {الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب} {يستعجل بها الذين ~~لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} وقال: {قالوا ~~إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} # PageV16P174 # فصل: # الكلام على قوله {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} وفي هذه الآية ~~قال: {سيذكر من يخشى} وقال في قصة فرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ~~أو يخشى} فعطف الخشية على التذكر. وقال: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ~~وفي قصة الرجل ms4993 الصالح المؤمن الأعمى قال: {وما يدريك لعله يزكى} {أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى} وقال في {حم} المؤمن: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ~~وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} {هو الذي يريكم آياته وينزل ~~لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب} فقال {وما يتذكر إلا من ينيب} # PageV16P175 # والإنابة جعلها مع الخشية في قوله: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ} {من ~~خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} {ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود} وذلك ~~لأن الذي يخشى الله لا بد أن يرجوه ويطمع في رحمته فينيب إليه ويحبه ويحب ~~عبادته وطاعته فإن ذلك هو الذي ينجيه مما يخشاه ويحصل به ما يحبه. والخشية ~~لا تكون ممن قطع بأنه معذب؛ فإن هذا قطع بالعذاب يكون معه القنوط واليأس ~~والإبلاس. ليس هذا خشية وخوفا. وإنما يكون الخشية والخوف مع رجاء السلامة. ~~ولهذا قال: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} فصاحب الخشية لله ~~ينيب إلى الله كما قال: {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} {هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ} {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} {ادخلوها بسلام ذلك ~~يوم الخلود} وهذا يكون مع تمام الخشية والخوف. فأما في مباديها فقد يحصل ~~للإنسان خوف من العذاب والذنب # PageV16P176 # الذي يقتضيه فيشتغل بطلب النجاة والسلام ويعرض عن طلب الرحمة والجنة. وقد ~~يفعل مع سيئاته حسنات توازيها وتقابلها فينجو بذلك من النار ولا يستحق ~~الجنة بل يكون من أصحاب الأعراف. وإن كان مآلهم إلى الجنة فليسوا ممن أزلفت ~~لهم الجنة أي قربت لهم إذ كانوا لم يأتوا بخشية الله والإنابة إليه. ~~واستجمل بعد ذلك. # فصل: # وأما قوله في قصة فرعون: {لعله يتذكر أو يخشى} وقوله: {وما يدريك لعله ~~يزكى} {أو يذكر فتنفعه الذكرى} فلا يناقض هذه الآية. لأنه لم يقل في هذه ~~الآية " سيخشى من يذكر " بل ذكر أن كل من خشي فإنه يتذكر إما أن يتذكر ~~فيخشى وإن كان غيره يتذكر فلا يخشى؛ وإما أن تدعوه الخشية إلى التذكر. ~~فالخشية مستلزمة ms4994 للتذكر. فكل خاش متذكر. كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} فلا يخشاه إلا # PageV16P177 # عالم فكل خاش لله فهو عالم. هذا منطوق الآية. وقال السلف وأكثر العلماء ~~إنها تدل على أن كل عالم فإنه يخشى الله كما دل غيرها على أن كل من عصى ~~الله فهو جاهل. كما قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن قوله: {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} فقالوا لي: " كل من عصى الله ~~فهو جاهل ". وكذلك قال مجاهد والحسن البصري وغيرهم من العلماء التابعين ومن ~~بعدهم. وذلك أن الحصر في معنى الاستثناء والاستثناء من النفي إثبات عند ~~جمهور العلماء. فنفى الخشية عمن ليس من العلماء؛ وهم العلماء به الذين ~~يؤمنون بما جاءت به الرسل يخافونه. قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون} وأثبتها للعلماء. فكل عالم يخشاه. فمن لم يخش الله فليس من ~~العلماء بل من الجهال كما قال عبد الله بن مسعود: " كفى بخشية الله علما ~~وكفى # PageV16P178 # بالاغترار بالله جهلا ". وقال رجل للشعبي " أيها العالم " فقال: " إنما ~~العالم من يخشى الله " فكذلك قوله: {سيذكر من يخشى} يقتضي أن كل من يخشاه ~~فلا بد أن يكون ممن تذكر. وقد ذكر أن الأشقى يتجنب الذكرى فصار الذي يخشى ~~ضد الأشقى. فلذلك يقال " كل من تذكر خشي ". والتحقيق أن التذكر سبب الخشية ~~فإن كان تاما أوجب الخشية؛ كما أن العلم سبب الخشية فإن كان تاما أوجب ~~الخشية. # وعلى هذا فقوله في قصة فرعون {لعله يتذكر أو يخشى} جعل ذلك نوعين لما في ~~ذلك من الفوائد. أحدها: أنه إذا تذكر أنه مخلوق وأن الله خالقه وليس هو ~~إلها وربا كما ذكر وذكر إحسان الله إليه. فهذا التذكر يدعوه إلى اعترافه ~~بربوبية الله وتوحيده وإنعامه عليه. فيقتضي الإيمان والشكر وإن قدر أن الله ~~لا يعذبه. فإن مجرد كون الشيء حقا ونافعا يقتضي طلبه وإن لم يخف ضررا # PageV16P179 # بعدمه. كما ms4995 يسارع المؤمنون إلى فعل التطوعات والنوافل لما فيها من النفع ~~وإن كان لا عقوبة في تركها. كما يحب الإنسان علوما نافعة وإن لم يتضرر ~~بتركها. وكما قد يحب محاسن الأخلاق ومعالي الأمور لما فيها من المنفعة ~~واللذة في الدنيا والآخرة وإن لم يخف ضررا بتركها. فهو إذا تذكر آلاء الله ~~وتذكر إحسانه إليه فهذا قد يوجب اعترافه بحق الله وتوحيده وإحسانه إليه ~~ويقتضي شكره لله وتسليم قوم موسى إليه وإن لم يخف عذابا. فهذا قد حصل بمجرد ~~التذكر. قال {أو يخشى} . ونفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده الله به من ~~عذاب الدنيا والآخرة فإن هذا الخوف قد يحمله على الطاعة والانقياد ولو لم ~~يتذكر. وقد يحصل تذكر بلا خشية وقد يحصل خشية بلا تذكر وقد يحصلان جميعا ~~وهو الأغلب. قال تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى} . وأيضا فذكر الإنسان يحصل ~~بما عرفه من العلوم قبل هذا فيحصل بمجرد عقله وخشيته تكون بما سمعه من ~~الوعيد. فبالأول يكون ممن له قلب يعقل به والثاني يكون ممن له أذن يسمع ~~بها. # PageV16P180 # وقد تحصل الذكرى الموجبة للخير بهذا وبهذا كما قال تعالى: {وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص} {إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . الفائدة الثانية: أن ~~التذكر سبب الخشية والخشية حاصلة عن التذكر. فذكر التذكر الذي هو السبب ~~وذكر الخشية التي هي النتيجة وإن كان أحدهما مستلزما للآخر كما قال {إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} وكما قال أهل النار: {لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقال: {أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} فكل من النوعين يحصل به النجاة لأنه مستلزم ~~للآخر. فالذي يسمع ما جاءت به الرسل سمعا يعقل به ما قالوه ينجو. وإلا ~~فالسمع بلا ms4996 عقل لا ينفعه كما قال: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم} وقال: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} وقال: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} . # PageV16P181 # وكذلك العقل بلا سمع لما جاءت به الرسل لا ينفع. وقد اعترف أهل النار ~~بمجيء الرسل فقالوا: {بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} ~~. وكذلك المعتبرين بآثار المعذبين الذين قال فيهم: {أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} . إنما ينتفعون إذا سمعوا ~~أخبار المعذبين المكذبين للرسل والناجين الذين صدقوهم فسمعوا قول الرسل ~~وصدقوهم. الفائدة الثالثة: أن الخشية أيضا سبب للتذكر كما تقدم. فكل منهما ~~قد يكون سببا للآخر. فقد يخاف الإنسان فيتذكر وقد يتذكر الأمور المخوفة ~~فيطلب النجاة منها ويتذكر ما يرجو به النجاة منها فيفعله. فإن قيل: مجرد ظن ~~الخوف قد يوجب الخوف فكيف قال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ؟ . قيل: ~~النفس لها هوى غالب قاهر لا يصرفه مجرد الظن وإنما يصرفه العلم بأن العذاب ~~واقع لا محالة. وأما من كان يظن أن العذاب يقع ولا يوقن بذلك فلا يترك ~~هواه. ولهذا قال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} . # PageV16P182 # وقال تعالى في ذم الكفار: {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ~~قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} ووصف المتقين ~~بأنهم بالآخرة يوقنون. ولهذا أقسم الرب على وقوع العذاب والساعة. وأمر نبيه ~~أن يقسم على وقوع الساعة وعلى أن القرآن حق فقال: {زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} وقال: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل ~~بلى وربي لتأتينكم} وقال: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} . # فصل: # وأما قوله تعالى {وما يتذكر إلا من ينيب} فهو حق كما قال. فإن المتذكر ~~إما أن يتذكر ما ms4997 يدعوا إلى الرحمة والنعمة والثواب كما يتذكر الإنسان ما ~~يدعوه إلى السؤال فينيب وإما أن يتذكر ما يقتضي الخوف والخشية فلا بد له من ~~الإنابة حينئذ لينجو مما يخاف. ولهذا قيل في فرعون {لعله يتذكر} فينيب {أو ~~يخشى} # PageV16P183 # وكذلك قال له موسى {هل لك إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ربك فتخشى} فجمع ~~موسى: بين الأمرين لتلازمهما. وقال في حق الأعمى: {وما يدريك لعله يزكى} ~~{أو يذكر فتنفعه الذكرى} . فذكر الانتفاع بالذكرى كما قال {وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين} . والنفع نوعان: حصول النعمة واندفاع النقمة. ونفس اندفاع ~~النقمة نفع وإن لم يحصل معه نفع آخر ونفس المنافع التي يخاف معها عذاب نفع ~~وكلاهما نفع. فالنفع تدخل فيه الثلاثة والثلاثة تحصل بالذكرى كما قال ~~تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وقال: {وما يدريك لعله يزكى} {أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى} . وأما ذكر التزكي مع التذكر فهو كما ذكر في قصة فرعون ~~الخشية مع التذكر. وذلك أن التزكي هو الإيمان والعمل الصالح الذي تصير به ~~نفس الإنسان زكية كما قال في هذه السورة: {قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه ~~فصلى} وقال {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من دساها} # PageV16P184 # وقال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} ~~وقال {وويل للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} وقال موسى لفرعون: {هل لك ~~إلى أن تزكى} {وأهديك إلى ربك فتخشى} . وعطف عليه {أو يذكر فتنفعه الذكرى} ~~لوجوه: أحدها: أن التزكي يحصل بامتثال أمر الرسول وإن كان صاحبه لا يتذكر ~~علوما عنه كما قال: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم} ثم قال: {ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} . فالتلاوة عليهم والتزكية عام لجميع المؤمنين وتعليم الكتاب ~~والحكمة خاص ببعضهم. وكذلك التزكي عام لكل من آمن بالرسول وأما التذكر فهو ~~مختص لمن له علوم يذكرها فعرف بتذكره ما لم يعلمه غيره من تلقاء نفسه. ~~الوجه الثاني: أن قوله {أو يذكر فتنفعه الذكرى} يدخل فيه النفع قليله ~~وكثيره والتزكي أخص من ذلك. الثالث: أن التذكر سبب التزكي. فإنه إذا تذكر ~~خاف ms4998 ورجا فتزكى. فذكر الحكم وذكر سببه. ذكر العمل وذكر العلم وكل منهما ~~مستلزم للآخر. # PageV16P185 # فإنه لا يتزكى حتى يتذكر ما يسمعه من الرسول كما قال: {سيذكر من يخشى} . ~~فلا بد لكل مؤمن من خشية وتذكر. وهو إذا تذكر فإنه ينتفع وقد تتم المنفعة ~~فيتزكى. وقوله: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} فيه أيضا نحو هذه الوجوه. ~~فإن الشاكر قد يشكر الله على نعمه وإن لم يخف والتذكر قد يقتضي الخشية. ~~وأيضا فإن التذكر يقتضي الخوف من العقاب وطلب الثواب فيعمل للمستقبل والشكر ~~على النعم الماضية. وأيضا فالتذكر تذكر علوم سابقة ومنها تذكر نعم الله ~~عليه فهو سبب للشكر. تذكر السبب والمسبب. وأيضا فإن الشكر يقتضي المزيد من ~~النعم والتذكر قد يكون لهذا وقد يكون خوفا من العذاب. وقد يكون الأمر ~~بالعكس فالشاكر قد يشكر الشكر الواجب لئلا يكون كفورا فيعاقب على ترك الشكر ~~بسلب النعمة وعقوبات أخر # PageV16P186 # والمتذكر قد يتذكر ما أعده الله لمن أطاعه فيطيعه طلبا لرحمته. وأيضا ~~فالتذكر قد يكون لفعل الواجبات التي يدفع بها العقاب والشكور يكون للمزيد ~~من فضله كما في الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت ~~قدماه. فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ~~فقال: أفلا أكون عبدا شكورا؟} . {وقال صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم ~~الموت: إما محسن فيزداد إحسانا وإما مسيء فلعله أن يستعتب} . فالمؤمن دائما ~~في نعمة من ربه تقتضي شكرا وفي ذنب يحتاج إلى استغفار. وهو في سيد ~~الاستغفار يقول {أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت} . وقد علم تحقيق قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} فما أصابه من الحسنات هي نعم الله فتقتضي شكرا وما ~~أصابه من المصائب فبذنوبه تقتضي تذكرا لذنوبه يوجب توبة واستغفارا. وقد جعل ~~الله {الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر} فيتوب # PageV16P187 # ويستغفر من ذنوبه {أو أراد شكورا} لربه ms4999 على نعمه. وكل ما يفعله الله ~~بالعبد من نعمة وكل ما يخلفه الله فهو نعمة الله عليه. فكلما نظر إلى ما ~~فعله ربه شكر وإذا نظر إلى نفسه استغفر. والتذكر قد يكون تذكر ذنوبه وعقاب ~~ربه. وقد يدخل فيه تذكر آلائه ونعمه فإن ذلك يدعو إلى الشكر. قال تعالى ~~{اذكروا نعمة الله عليكم} في غير موضع فقد أمر بذكر نعمه. فالمتذكر يتذكر ~~نعم ربه ويتذكر ذنوبه. وأيضا فهو ذكر الشكور لأنه مقصود لنفسه فإن الشكر ~~ثابت في الدنيا والآخرة. وذكر التذكر لأنه أصل للاستغفار والشكر وغير ذلك. ~~فذكر المبدأ وذكر النهاية. وهذا المعنى يجمع ما قيل والله سبحانه أعلم. # فصل: # والتذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره كما قال: {أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر وجاءكم النذير} أي قامت الحجة عليكم بالنذير الذي جاءكم ~~وبتعميركم عمرا يتسع للتذكر. # PageV16P188 # وقد أمر سبحانه بذكر نعمه في غير موضع كقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم ~~وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} . والمطلوب بذكرها شكرها كما قال: {ومن ~~حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما ~~تعملون} {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون} {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} . وقوله: {كما أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم} يتناول كل من خوطب بالقرآن. وكذلك قوله: {لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} . فالرسول من ~~أنفس من خوطب بهذا الكلام إذ هي كاف الخطاب. ولما خوطب به أولا قريش ثم ~~العرب ثم سائر الأمم صار يخص ويعم بحسب ذلك. وفيه ما يخص قريشا كقوله: ~~{لإيلاف قريش} {إيلافهم رحلة الشتاء # PageV16P189 # والصيف} . وقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} . وفيه ما يعم العرب ويخصهم ~~كقوله: {هو ms5000 الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته} والأميون ~~يتناول العرب قاطبة دون أهل الكتاب. ثم قال: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} ~~. فهذا يتناول كل من دخل في الإسلام بعد دخول العرب فيه إلى يوم القيامة ~~كما قال ذلك مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد وغيرهما. فإن قوله {وآخرين ~~منهم} أي في الدين دون النسب إذ لو كانوا منهم في النسب لكانوا من الأميين. ~~وهذا كقوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~. وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت سئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنهم فقال: {لو كان الإيمان معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس} . ~~فهذا يدل على دخول هؤلاء لا يمنع دخول غيرهم من الأمم. وإذا كانوا هم منهم ~~فقد دخلوا في قوله: {لقد من الله على # PageV16P190 # المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} . فالمنة على جميع المؤمنين عربهم ~~وعجمهم سابقهم ولاحقهم. والرسول منهم لأنه إنسي مؤمن. وهو من العرب أخص ~~لكونه عربيا جاء بلسانهم وهو من قريش أخص. و ### | الخصوص يوجب قيام الحجة لا يوجب الفضل # إلا بالإيمان والتقوى لقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . ولهذا كان ~~الأنصار أفضل من الطلقاء من قريش وهم ليسوا من ربيعة ولا مضر بل من قحطان. ~~وأكثر الناس على أنهم من ولد هود ليسوا من ولد إبراهيم. وقيل إنهم من ولد ~~إسماعيل لحديث أسلم لما قال {ارموا فإن أباكم كان راميا} وأسلم من خزاعة ~~وخزاعة من ولد إبراهيم. وفي هذا كلام ليس هذا موضعه إذ المقصود أن الأنصار ~~أبعد نسبا من كل ربيعة ومضر مع كثرة هذه القبائل. ومع هذا هم أفضل من جمهور ~~قريش إلا من السابقين الأولين من المهاجرين وفيهم قرشي وغير قرشي. ومجموع ~~السابقين ألف وأربعمائة غير مهاجري الحبشة. # PageV16P191 # فقوله: {لقد جاءكم} يخص قريشا والعرب ثم يعم سائر البشر لأن القرآن خطاب ~~لهم. والرسول من أنفسهم والمعنى ليس بملك لا يطيقون الأخذ منه ولا جني. ثم ~~يعم الجن لأن ms5001 الرسول أرسل إلى الإنس والجن والقرآن خطاب للثقلين والرسول ~~منهم جميعا كما قال: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} فجعل الرسل ~~التي أرسلها من النوعين مع أنهم من الإنس. فإن الإنس والجن مشتركون مع ~~كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين. فإنهم يأكلون ويشربون وينكحون وينسلون ~~ويغتذون وينمون بالأكل والشرب. وهذه الأمور مشتركة بينهم. وهم يتميزون بها ~~عن الملائكة فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل. فصار الرسول ~~من أنفس الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تميزوا به عن الملائكة ~~حتى كان الرسول مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة. وكذلك قوله: {لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من # PageV16P192 # أنفسهم} هو كقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة} وقوله: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} . ثم قال: {فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} . والمقصود أنه أمر بذكر النعم وشكرها. ~~وقال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} في غير موضع. وقال ~~للمؤمنين: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} فذكر النعم من الذكر الذي أمروا ~~به. ومما أمروا به تذكرة قصص الأنبياء المتقدمين كما قال: {واذكر في الكتاب ~~إبراهيم} {واذكر في الكتاب موسى} {واذكر في الكتاب إسماعيل} {واذكر في ~~الكتاب إدريس} وقال {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} {واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب} {واذكر إسماعيل واليسع} . ومما أمروا به تذكرة ما وعدوا به ~~من الثواب والعقاب. قال تعالى: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} . # PageV16P193 # ومما أمروا بتذكره آيات الله التي يستدلون بها على قدرته وعلى المعاد ~~كقوله: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} {أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا} . وقد قال لموسى: {وذكرهم بأيام الله} وهي ~~تتناول أيام نعمه وأيام نقمه ليشكروا ويعتبروا. ولهذا قال: {إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور} . فإن ذكر النعم يدعو إلى الشكر؛ وذكر النقم يقتضي ~~الصبر على فعل المأمور وإن كرهته النفس. ms5002 وعن المحظور وإن أحبته النفس لئلا ~~يصيبه ما أصاب غيره من النقمة. # فصل: # وقوله: {ويتجنبها الأشقى} {الذي يصلى النار الكبرى} {ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيا} . وقد ذكر في سورة الليل قوله: {فأنذرتكم نارا تلظى} {لا يصلاها إلا ~~الأشقى} {الذي كذب وتولى} . وهذا الصلي قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح # PageV16P194 # الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ~~ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا ~~فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر. فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا ~~أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل. فقال رجل ~~من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية} . وفي رواية ~~ذكرها ابن أبي حاتم فقال: ذكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا ~~سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطب فأتى على هذه {ثم لا يموت فيها ولا يحيا} فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون. وأما الذين ~~ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيهم فيشفعون ~~فيؤتى بهم إلى نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت الغثاء في ~~حميل السيل} . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الصلي لأهل النار ~~الذين هم أهلها وأن الذين ليسوا من أهلها فإنها تصيبهم بذنوبهم وأن الله ~~يميتهم فيها حتى يصيروا فحما ثم يشفع فيهم فيخرجون ويؤتى # PageV16P195 # بهم إلى نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وهذا المعنى ~~مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم بل متواتر في أحاديث كثيرة في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما. وفيها الرد على طائفتين. على ~~الخوارج والمعتزلة الذين ms5003 يقولون " إن أهل التوحيد يخلدون فيها " وهذه الآية ~~حجة عليهم وعلى من حكي عنه من غلاة المرجئة " أنه لا يدخل النار من أهل ~~التوحيد أحد ". فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخولها تكذيب ~~لهؤلاء وأولئك. وفيه رد على من يقول " يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد ~~أحدا النار " كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة ومرجئة أهل الكلام ~~المنتسبين إلى السنة وهم الواقفة من أصحاب أبي الحسن وغيرهم كالقاضي أبي ~~بكر وغيره. فإن النصوص المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد وخروجهم. ~~والقول ب " أن أحدا لا يدخلها من أهل التوحيد " ما أعلمه ثابتا عن شخص معين ~~فأحكيه عنه. لكن حكي عن مقاتل بن سليمان # PageV16P196 # وقال: احتج من قال ذلك بهذه الآية. وقد أجيبوا بجوابين. أحدهما: جواب ~~طائفة منهم الزجاج قالوا. هذه نار مخصوصة. لكن قوله بعدها {وسيجنبها ~~الأتقى} لا يبقى فيه كبير وعد فإنه إذا جنب تلك النار جاز أن يدخل غيرها. ~~وجواب آخرين قالوا: لا يصلونها صلي خلود. وهذا أقرب. وتحقيقه أن الصلي هنا ~~هو الصلي المطلق وهو المكث فيها والخلود على وجه يصل العذاب إليهم دائما. ~~فأما من دخل وخرج فإنه نوع من الصلي ليس هو الصلي المطلق لا سيما إذا كان ~~قد مات فيها والنار لم تأكله كله فإنه قد ثبت أنها لا تأكل مواضع السجود ~~والله أعلم. # فصل: # جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما وعلى سائر المرسلين ~~في أمور مثل قوله: {إن هذا لفي الصحف الأولى} {صحف إبراهيم وموسى} . # PageV16P197 # وفي حديث {أبي ذر الطويل قلت: يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: ~~مائة كتاب وأربعة كتب: ثلاثين صحيفة على شيث وخمسين على إدريس وعشر على ~~إبراهيم. وعشر على موسى قبل التوراة. وأنزل التوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان. وقال في الحديث: فهل عندنا شيء مما في صحف إبراهيم؟ فقال: نعم ~~وقرأ قوله: {قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} {بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا} {والآخرة خير وأبقى} {إن هذا لفي الصحف ms5004 الأولى} {صحف إبراهيم ~~وموسى} } . فإن التزكي هو التطهر والتبرك بترك السيئات الموجب زكاة النفس ~~كما قال: {قد أفلح من زكاها} ولهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة ~~وتارة بالنظافة والإماطة. والتحقيق أن الزكاة تجمع بين الأمرين إزالة الشر ~~وزيادة الخير. وهذا هو العمل الصالح وهو الإحسان. وذلك لا ينفع إلا ~~بالإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له الذي هو أصل الإيمان. وهو قول {وذكر ~~اسم ربه فصلى} . فهذه الثلاث قد يقال تشبه الثلاث التي يجمع الله بينها في ~~القرآن في مواضع مثل قوله في أول البقرة {هدى للمتقين} {الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} . ومثل قوله: # PageV16P198 # {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} . وقد يقال: تشبه الثنتين ~~المذكورتين في قوله {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} الآية وقوله: ~~{ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} . لكن هنا التزكي في الآية أعم ~~من الإنفاق. فإنه ترك السيئات الذي أصله بترك الشرك. فأول التزكي التزكي من ~~الشرك كما قال: {وويل للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} وقال: {يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم} . والتزكي من الكبائر الذي هو تمام التقوى كما قال {فلا ~~تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} وقال: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل ~~الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا} . فعلم أن التزكية هو الإخبار ~~بالتقوى. ومنه التزكي بالطهارة وبالصدقة والإحسان كما قال {خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} . و {ذكر اسم ربه} قد يعني به الإيمان بالله و " ~~الصلاة ": # PageV16P199 # العمل. فقد يذكر اسم ربه من لا يصلي. ومن الفقهاء من يقول: هو ذكر اسمه ~~في أول الصلاة. ولهذا والله أعلم قدم التزكي في هذه الآية. وكان طائفة من ~~السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلاة العيد يتأولون بهذه الآية. وكان بعض ~~السلف أظنه يزيد بن أبي حبيب يستحب أن يتصدق أمام كل صلاة لهذا المعنى. ~~ولما قدم الله الصلاة على النحر في قوله: {فصل لربك ms5005 وانحر} وقدم التزكي على ~~الصلاة في قوله: {قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} كانت السنة أن ~~الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر. ويشبه ~~والله أعلم أن يكون الصوم من التزكي المذكور في الآية. فإن الله يقول {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} . فمقصود الصوم ~~التقوى وهو من معنى التزكي. وفي حديث ابن عباس: {فرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين} . # PageV16P200 # فالصدقة من تمام طهرة الصوم. وكلاهما تزك متقدم على صلاة العيد. فجمعت ~~هاتان الكلمتان الترغيب فيما أمر الله به من الإيمان والعمل الصالح. وفي ~~قوله: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} {والآخرة خير وأبقى} الإيمان باليوم ~~الآخر. وهذه الأصول المذكورة في قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقال: {إن هذا لفي الصحف الأولى} {صحف ~~إبراهيم وموسى} . وقال: أيضا {أفرأيت الذي تولى} {وأعطى قليلا وأكدى} ~~{أعنده علم الغيب فهو يرى} {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم الذي ~~وفى} {ألا تزر وازرة وزر أخرى} {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} {وأن سعيه سوف ~~يرى} {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} وأيضا فإن إبراهيم صاحب الملة وإمام الأمة. ~~قال الله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} وقال: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} . وقال: {ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم # PageV16P201 # حنيفا} وقال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} وقال {إني جاعلك ~~للناس إماما} . وموسى صاحب الكتاب والكلام والشريعة الذي لم ينزل من السماء ~~كتاب أهدى منه ومن القرآن. ولهذا قرن بينهما في مواضع كقوله: {قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا} إلى قوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} وقوله ~~{قالوا سحران} إلى قوله {قل فأتوا ms5006 بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} ~~وقول الجن: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه} وقوله: ~~{قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله} وقول النجاشي " إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ". ~~وقيل في موسى: {وكلم الله موسى تكليما} وفي إبراهيم {واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا} وأصل الخلة عبادة الله وحده والعبادة غاية الحب والذل. وموسى صاحب ~~الكتاب والكلام. ولهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة خلة إبراهيم وتكليم ~~موسى. ولما نبغت البدع الشركية في هذه الأمة أنكر ذلك الجعد بن درهم # PageV16P202 # فقتله المسلمون لما ضحى به أمير العراق خالد بن عبد الله وقال: " ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ". ثم نزل فذبحه. ولما بعث الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل الأرض. وهم في الأصل صنفان - أميون ~~وكتابيون. والأميون كانوا ينتسبون إلى إبراهيم فإنهم ذريته وخزان بيته وعلى ~~بقايا من شعائره. والكتابيون أصلهم كتاب موسى. وكلا الطائفتين قد بدلت ~~وغيرت. فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها وجاء بالكتاب المهيمن المصدق لما ~~بين يديه المبين لما اختلف فيه وما حرف وكتم من الكتاب الأول. # فصل: # وإبراهيم وموسى قاما بأصل الدين الذي هو الإقرار بالله وعبادته وحده لا ~~شريك له ومخاصمة من كفر بالله. فأما إبراهيم فقال الله فيه {ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه # PageV16P203 # أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي ~~وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت ~~الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} وذكر الله عنه أنه طلب منه إرادة ~~إحياء الموتى فأمره الله بأخذ أربعة من الطير. فقرر أمر الخلق والبعث ~~المبدأ والمعاد الإيمان بالله واليوم الآخر. وهما اللذان يكفر بهما أو ~~بأحدهما كفار الصابئة والمشركين من الفلاسفة ونحوهم ms5007 الذين بعث الخليل إلى ~~نوعهم. فإن منهم من ينكر وجود الصانع؛ وفيهم من ينكر صفاته؛ وفيهم من ينكر ~~خلقه ويقول: إنه علة؛ وأكثرهم ينكرون إحياء الموتى. وهم مشركون يعبدون ~~الكواكب العلوية والأصنام السفلية. والخليل صلوات الله عليه رد هذا جميعه. ~~فقرر ربوبية ربه كما في هذه الآية. وقرر الإخلاص له ونفى الشرك كما في سورة ~~الأنعام وغيرها. وقرر البعث بعد الموت. واستقر في ملته محبته لله ومحبة ~~الله له باتخاذ الله له خليلا. # PageV16P204 # ثم إنه ناظر المشركين بعبادة من لا يوصف بصفات الكمال. فقال لأبيه: {يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} . وقال لأبيه وقومه: ~~{ما تعبدون} {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} {قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون} {أو ينفعونكم أو يضرون} إلى قوله {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ~~{الذي خلقني فهو يهدين} {والذي هو يطعمني ويسقين} {وإذا مرضت فهو يشفين} ~~{والذي يميتني ثم يحيين} إلى آخر الكلام. وقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} وقال: {إنني براء مما تعبدون} ~~{إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} ~~فإبراهيم دعا إلى الفطرة. وهو عبادة الله وحده لا شريك له. وهو الإسلام ~~العام والإقرار بصفات الكلمات لله والرد على من عبد من سلبها. فلما عابهم ~~بعبادة من لا علم له ولا يسمع ولا يبصر قال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} {الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} # PageV16P205 # ولما عابهم بعبادة من لا يغني شيئا فلا ينفع ولا يضر قال: {الذي خلقني ~~فهو يهدين} {والذي هو يطعمني ويسقين} {وإذا مرضت فهو يشفين} {والذي يميتني ~~ثم يحيين} {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} فإن الإنسان يحتاج إلى ~~جلب المنفعة لقلبه وجسمه ودفع المضرة عن ذلك. وهو أمر الدين والدنيا. ~~فمنفعة الدين الهدى؛ ومضرته الذنوب ودفع ms5008 المضرة المغفرة. ولهذا جمع بين ~~التوحيد والاستغفار في مواضع متعددة. ومنفعة الجسد الطعام والشراب؛ ومضرته ~~المرض ودفع المضرة الشفاء. وأخبر أن ربه يحيي ويميت وأنه فطر السموات ~~والأرض. وإحياؤه فوق كماله بأنه حي. وأنه فطر السموات والأرض يقتضي إمساكها ~~وقيامها الذي هو فوق كماله بأنه قائم بنفسه حيث قال عن النجوم {لا أحب ~~الآفلين} فإن الآفل هو الذي يغيب تارة ويظهر تارة فليس هو قائما على # PageV16P206 # عبده في كل وقت. والذين يعبدون ما سوى الله من الكواكب ونحوها ويتخذونها ~~أوثانا يكونون في وقت البزوغ طالبين سائلين وفي وقت الأفول لا يحصل مقصودهم ~~ولا مرادهم. فلا يجتلبون منفعة ولا يدفعون مضرة ولا ينتفعون إذ ذاك بعبادة. ~~فبين ما في الآلهة التي تعبد من دون الله من النقص وبين ما لربه فاطر ~~السموات والأرض من الكمال بأنه الخالق الفاطر العليم السميع البصير الهادي ~~الرازق المحيي المميت. وسمى ربه بالأسماء الحسنى الدالة على نعوت كماله ~~فقال: {يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز ~~الحكيم} وقال: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وقال: ~~{سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} فوصف ربه بالحكمة والرحمة المناسب لمعنى ~~الخلة كما قال {إنه كان بي حفيا} وموسى عليه السلام خاصم فرعون الذي جحد ~~الربوبية والرسالة وقال: {أنا ربكم الأعلى} و {ما علمت لكم من إله غيري} . ~~وقصته في القرآن مثناة مبسوطة لا يحتاج هذا الموضع إلى بسطها. وقرر أيضا ~~أمر الربوبية وصفات الكمال لله ونفى الشرك. # PageV16P207 # ولما اتخذ قومه العجل بين الله لهم صفات النقص التي تنافي الألوهية فقال: ~~{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} . وقال: {فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي} {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا} {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن} ~~فوصفه بأنه وإن كان قد صوت صوتا ms5009 هو خوار فإنه لا يكلمهم ولا يرجع إليهم ~~قولا وأنه لا يهديهم سبيلا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. وكذلك ذكر الله ~~سبحانه على لسان محمد في الشرك عموما وخصوصا فقال: {أيشركون ما لا يخلق ~~شيئا وهم يخلقون} {ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون} {وإن تدعوهم ~~إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} {إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} ~~{ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ~~آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} # PageV16P208 # واستفهم استفهام إنكار وجحود لطرق الإدراك التام وهو السمع والبصر. ~~والعمل التام وهو اليد والرجل كما أنه سبحانه لما أخبر فيما روى عنه رسوله ~~عن أحبابه المتقربين إليه بالنوافل فقال: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها} . # فصل: # وأهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله ومحبته ورحمته وسائر ما له من ~~الأسماء الحسنى والمثل الأعلى. وينزهونه عن مشابهة الأجساد التي لا حياة ~~فيها. فإن الله قال: {وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} وقال: {وما جعلناهم ~~جسدا لا يأكلون الطعام} . وقال: {عجلا جسدا له خوار} فوصف الجسد بعدم ~~الحياة فإن الموتان لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يغني شيئا. وأما أهل ~~البدع والضلالة من الجهمية ونحوهم فإنهم سلكوا # PageV16P209 # سبيل أعداء إبراهيم وموسى ومحمد الذين أنكروا أن يكون الله كلم موسى ~~تكليما واتخذ إبراهيم خليلا. وقد كلم الله محمدا واتخذه خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا ورفعه فوق ذلك درجات: وتابعوا فرعون الذي قال: {يا هامان ابن ~~لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} وتابعوا المشركين الذين {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما ms5010 تأمرنا} واتبعوا الذين ألحدوا في أسماء الله. فهم يجحدون ~~حقيقة كونه الرحمن أو أنه يرحم أو يكلم أو يود عباده أو يودونه أو أنه فوق ~~السموات. ويزعمون أن من أثبت له هذه الصفات فقد شبهه بالأجسام الحسية وهي ~~الحيوان كالإنسان وأن هذا تشبيه لله بخلقه. فهم قد شبهوه بالأجساد الميتة ~~فيما هو نقص وعيب وتشبيه دلت الكتب الإلهية والفطرة العقلية أنه عيب ونقص ~~بل يقتضي عدمه. وأما أهل الإثبات فلو فرض أن فيما قالوه تشبيها ما فليس هو ~~تشبيها بمنقوص معيب ولا هو في صفة نقص أو عيب بل في غاية ما يعلم أنه ~~الكمال وأن لصاحبه الجلال والإكرام. # PageV16P210 # فصار أهل السنة يصفونه بالوجود وكمال الوجود وأولئك يصفونه بعدم كمال ~~الوجود أو بعدم الوجود بالكلية. فهم ممثلة معطلة ممثلة في العقل والشرع ~~معطلة في العقل والشرع. أما في العقل فلأنهم مثلوه بالعدم والأجساد ~~الموتان. وأما في الشرع فإنهم مثلوا ما جاءت به الرسل من صفاته بنفس صفات ~~المخلوقات وإن كان هذا التمثيل الذي ادعوا أنه معنى النصوص أقل تمثيلا من ~~تمثيلهم الذي ادعوه. وأما تعطيلهم في العقل فإنه تعطيل للصفات تعطيل مستلزم ~~لعدم الذات. ولهذا ألجئ كثير منهم إلى نفي الذات بالكلية وصاروا على طريقة ~~فرعون لا يقرون إلا بوجود المخلوقات وإن كانوا قد ينافقون فيقرون بألفاظ لا ~~معنى لها أو بعبادات لا معبود لها. وأما تعطيلهم للشرع فإنهم جحدوا ما في ~~كتب الله من المعاني وحرفوا الكلم عن مواضعه أو قالوا: نحن كالأميين لا ~~نعلم الكتاب إلا أماني أو: قلوبنا غلف. وقالوا لما جاء به الرسول من الكتاب ~~والسنة نظير ما قالته الكفار # PageV16P211 # {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} و ~~( {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} . وهكذا قال هؤلاء: لا نفقه ~~كثيرا مما يقول الرسول وقالوا كما قال الذين يستمعون للرسول فإذا خرجوا من ~~عنده {قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} . وصاروا كالذين قيل فيهم: ~~{وإذا قرأت القرآن جعلنا ms5011 بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} ~~{وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} . فتدبر ما ذكره الله عن أعداء الرسل ~~من نفي فقههم وتكذيبهم تجد بعض ذلك فيمن أعرض عن ذكر الله وعن تدبر كتابه ~~واتبع ما تتلوه الشياطين وما توحيه إلى أوليائها والله يهدينا صراطا ~~مستقيما. ولهذا كانت هذه الجهمية المعطلة المشابهون للكفار والمشركين من ~~الصابئة وغيرهم الجاحدة لوجود الصانع أو صفاته ترمي أهل العلم والإيمان ~~والكتاب والسنة تارة بأنهم يشبهون اليهود لما في التوراة # PageV16P212 # وكتب الأنبياء من الصفات ولما ابتدعه بعض اليهود من التشبيه المنفي عن ~~الله؛ وتارة بأنهم يشبهون النصارى لما أثبتته النصارى من صفة الحياة والعلم ~~ولما ابتدعته من أن الأقانيم جواهر وأن أقنوم الكلمة اتحد بالناسوت. وهذا ~~الرمي موجود في كلامهم قبل الإمام أحمد بن حنبل وفي زمنه وهو موجود في ~~كلامه وكلام أصحابه حكاية ذلك. ذكره في كتاب " الرد على الجهمية والزنادقة ~~" وأنهم قالوا " إذا أثبتم الصفات فقد قلتم بقول النصارى " ورد ذلك. وفي " ~~مسائله ": أن طائفة قالوا له: من قال " القرآن غير مخلوق أو هو في الصدور " ~~فقد قال بقول النصارى. وهكذا الجهمية ترمي الصفاتية بأنهم يهود هذه الأمة. ~~وهذا موجود في كلام متقدمي الجهمية ومتأخريهم مثل ما ذكره أبو عبد الله ~~محمد بن عمر الرازي الجهمي الجبري وإن كان قد يخرج إلى حقيقة الشرك وعبادة ~~الكواكب والأوثان في بعض الأوقات. وصنف في ذلك كتابه المعروف في السحر ~~وعبادة الكواكب والأوثان. مع أنه كثيرا ما يحرم ذلك وينهى عنه متبعا ~~للمسلمين وأهل الكتب والرسالة. وينصر الإسلام وأهله في مواضع كثيرة كما ~~يشكك أهله ويشكك غير # PageV16P213 # أهله في أكثر المواضع. وقد ينصر غير أهله في بعض المواضع. فإن الغالب ~~عليه التشكيك والحيرة أكثر من الجزم والبيان. وهؤلاء لهم أجوبة. أحدها: أن ~~مشابهة اليهود والنصارى ليست محذورا إلا فيما خالف دين الإسلام ونصوص ~~الكتاب والسنة والإجماع. وإلا فمعلوم أن دين المرسلين ms5012 واحد وأن التوراة ~~والقرآن خرجا من مشكاة واحدة. وقد استشهد الله بأهل الكتاب في غير موضع حتى ~~قال: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~على مثله فآمن واستكبرتم} . فإذا أشهد أهل الكتاب على مثل قول المسلمين كان ~~هذا حجة ودليلا وهو من حكمة إقرارهم بالجزية. فيفرح بموافقة المقالة ~~المأخوذة من الكتاب والسنة لما يأثره أهل الكتاب عن المرسلين قبلهم. ويكون ~~هذا من أعلام النبوة ومن حجج الرسالة ومن الدليل على اتفاق الرسل. الثاني: ~~أن المشابهة التي يدعونها ليست صحيحة. فإن أهل السنة # PageV16P214 # لا يوافقون اليهود والنصارى فيما ابتدعوه من الدين والاعتقاد. ولهذا قلت ~~في بيان فساد قول ابن الخطيب: إنه لم يفهم مقالة أهل الحديث والسنة من ~~الحنبلية وغيرهم ولم يفهم مقالة النصارى. وأوضحت ذلك في موضعه كما بين ~~الإمام أحمد الفرق بين مقالة أهل السنة وبين مقالة النصارى المبتدعة وكما ~~يبين الفرق بين مقالة أهل السنة ومقالة اليهود المبتدعة. الثالث: أنه إذا ~~فرض مشابهة أهل الإثبات لليهود أو النصارى فأهل النفي والتعطيل مشابهون ~~للكفار والمشركين من النصارى وغيرهم. ومعلوم قطعا أن مشابهة أهل الكتابين ~~خير من مشابهة من ليس من أهل الكتاب من الكفار بالربوبية والنبوات ونحوهم. ~~ولهذا قيل: المشبه أعشى والمعطل أعمى. ولهذا فرح المؤمنون على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بانتصار النصارى على المجوس كما فرح المشركون بانتصار ~~المجوس على النصارى. فتدبر هذا فإنه نافع في مواضع والله أعلم. ولهذا كان ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية مجوس هذه الأمة. وهم يجعلون الصفاتية نصارى ~~الأمة ويميلون إلى اليهود لموافقتهم # PageV16P215 # لهم في أمور كثيرة أكثر من النصارى كما يميل طائفة من المتصوفة والمتفقرة ~~إلى النصارى أكثر من اليهود. فإذا كان الصفاتية إلى النصارى أقرب وضدهم إلى ~~المجوس والمشركين أقرب تبين أن الصفاتية أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه الذين فرحوا بانتصار الروم النصارى على فارس المجوس وأن المعطلة هم ~~إلى المشركين أقرب الذين فرحوا بانتصار المجوس على النصارى. # PageV16P216 ### | سورة الغاشية ms5013 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # قوله: {هل أتاك حديث الغاشية} {وجوه يومئذ خاشعة} {عاملة ناصبة} {تصلى ~~نارا حامية} {تسقى من عين آنية} فيها قولان: أحدهما أن المعنى وجوه في ~~الدنيا خاشعة عاملة ناصبة تصلى يوم القيامة نارا حامية ويعني بها عباد ~~الكفار كالرهبان وعباد البدود وربما تؤولت في أهل البدع كالخوارج. و " ~~القول الثاني " أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع أي تذل وتعمل وتنصب قلت ~~هذا هو الحق لوجوه: " أحدها " أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه ~~أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية. وعلى الأول لا يتعلق إلا # PageV16P217 # بقوله (تصلى) ويكون قوله (خاشعة) صفة للوجوه قد فصل بين الصفة والموصوف ~~بأجنبي متعلق بصفة أخرى متأخرة والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ ~~تصلى نارا حامية. والتقديم والتأخير على خلاف الأصل؛ فالأصل إقرار الكلام ~~على نظمه وترتيبه تغيير ترتيبه. ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع ~~القرينة أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب ومعلوم أنه ليس هنا ~~قرينة تدل على التقديم والتأخير؛ بل القرينة تدل على خلاف ذلك فإرادة ~~التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان وأمر المخاطب بفهمه تكليف ~~لما لا يطاق. " الوجه الثاني " أن الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء ~~في السورة فقال بعد ذلك: {وجوه يومئذ ناعمة} {لسعيها راضية} {في جنة عالية} ~~ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح ~~فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين لا اختلافهما وحينئذ فيكون الأشقياء ~~وصفت وجوههم بحالها في الآخرة. " الثالث " أن نظير هذا التقسيم قوله: {وجوه ~~يومئذ ناضرة} # PageV16P218 # {إلى ربها ناظرة} {ووجوه يومئذ باسرة} {تظن أن يفعل بها فاقرة} وقوله: ~~{وجوه يومئذ مسفرة} {ضاحكة مستبشرة} {ووجوه يومئذ عليها غبرة} {ترهقها ~~قترة} {أولئك هم الكفرة الفجرة} وهذا كله وصف للوجوه لحالها في الآخرة لا ~~في الدنيا. " الرابع " أن وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن وإنما في ~~القرآن ذكر العلامة كقوله: {سيماهم في وجوههم} وقوله: {ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم} وقوله: {تعرف في ms5014 وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون ~~بالذين يتلون عليهم آياتنا} وذلك لأن العمل والنصب ليس قائما بالوجوه فقط؛ ~~بخلاف السيما والعلامة. " الخامس " أن قوله: {خاشعة} {عاملة ناصبة} لو جعل ~~صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم فإن هذا إلى المدح أقرب وغايته ~~أنه وصف مشترك بين عباد المؤمنين وعباد الكفار والذم لا يكون بالوصف ~~المشترك ولو أريد المختص لقيل خاشعة للأوثان مثلا عاملة لغير الله ناصبة في ~~طاعة الشيطان وليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصا بالكفار ولا ~~كونه مذموما. وليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا ولا وعيد عليه فحمله على ~~هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. # PageV16P219 # " السادس " أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار ولا موجب للتخصيص فإن الذين لا ~~يتعبدون من الكفار أكثر وعقوبة فساقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة فإن ~~من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها وأدى الواجبات المتفق عليها لم تكن ~~عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ويزنون. فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم ~~المتروك أكثر وأكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب. " السابع " أن هذا الخطاب ~~فيه تنفير عن العبادة والنسك ابتداء ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار ~~والمبتدعة وليس في الخطاب تقييد كان هذا سعيا في إصلاح الخطاب بما لم يذكر ~~فيه. # PageV16P220 ### | سورة البلد # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # قوله تعالى: {ألم نجعل له عينين} {ولسانا وشفتين} {وهديناه النجدين} ~~الهداية محلها القلب وهذه الأعضاء الثلاثة التي هي دائمة الحركة والكسب إما ~~للإنسان وإما عليه بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب ~~وبخلاف بقية الأعضاء الظاهرة فإن السكون أغلب وحركتها قليلة بالنسبة إلى ~~هذه وهذه الثلاثة التي يروى {عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه قال: من كان ~~صمته فكرا ونطقه ذكرا ونظره عبرة} . وفي حديث عند ابن أبي حاتم في صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كثير ms5015 الصمت دائم الفكر متواصل الأحزان ~~فالصمت والفكر للسان والقلب وأما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو الألم ~~على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن ذلك منهي عنه ولم يكن من حاله وإنما أراد ~~به الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور وهذا مشترك بين القلب والعين. # PageV16P221 # وفيه أيضا في الصحيحين حديث ابن عباس {أنه كان إذا قام من الليل يصلي ~~ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات العشر من أواخر سورة آل عمران} فيجمع بين ~~الذكر والنظر والفكر فالنظر أي نظر القلب ونظر العين والذكر أيضا لا بد مع ~~ذكر اللسان من ذكر القلب. ولما كان النظر مبدأ والذكر منتهى لأن النظر ~~يتقدم الإدراك والعلم والذكر يتأخر عن الإدراك والعلم؛ ولهذا كان المتكلمة ~~في النظر المقتضي للعلم وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر ~~على آلة الذكر وختم بهداية الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر. وذكر ~~سبحانه اللسان والشفتين لأنهما العضوان الناطقان. فأما الهواء والحلق ~~والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة ~~غيرها من أجزاء الحنك فأما اللسان والشفتان فمنفصلة. ثم الشفتان لما كانا ~~النهاية حملا الحروف الجوامع: الباء والفاء والميم والواو. فأما الباء ~~والفاء فهما الحرفان السببيان فإن الباء أبدا تفيد الإلصاق والسبب وكذلك ~~الفاء تفيد التعقيب والسبب؛ وبالأسباب تجتمع الأمور بعضها ببعض. # PageV16P222 # وأما الميم والواو فلهما الجمع والإحاطة ألا ترى أن الميم ضمير لجمع ~~المخاطبين في الأنواع الخمسة: ضميري الرفع والنصب المتصلين والمنفصلين ~~وضمير الخفض في مثل قوله: (أنتم) و (علمتم) و (إياكم) و (علمكم) و (بكم) ~~وضمير لجمع الغائبين في الأنواع الخمسة أيضا والمضمر أيا كان إما متكلم أو ~~مخاطب أو غائب واحد أو اثنان أو جمع مرفوع أو منصوب أو مجرور. فقد أحاطت ~~بالجميع مطلقا. أما الجمع المطلق فبنفسها وأما الجمع المقدر باثنين فبزيادة ~~علم التثنية وهو الألف في مثل أنتما وعلمتما وكذلك الباقي. ولهذا زيدت ~~الواو في الجمع المطلق فقيل عليهموا وأنتموا كما زيدت الألف في التثنية ومن ~~حذفها حذفها تخفيفا؛ ولأن ms5016 ترك العلامة علامة فصارت الميم مشتركة ثم الفارق ~~الألف أو عدمها مع الواو. وأما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل ~~قالوا ونحوها وأما المتصلة مثل إياكم وهم فعلى اللغتين؛ فلما صارت الواو ~~تمام المضمر المرفوع المنفصل والياء تمام المؤنث: صارت للمؤنث مطلقا في ~~جميع أحواله؛ لأنه تلو المذكر والمفرد مذكره ومؤنثه قبل المثنى والمجموع ~~فإن المفرد قبل المركب ثم الألف صارت علم التثنية مطلقا في المظهر والمضمر ~~كما أن الواو علم لجمع المذكر وجعل الياء علمي النصب والجر # PageV16P223 # في المظهر من المثنى والمجموع؛ لأن المظهر قبل المضمر وأقوى منه فكانت ~~أحق أن تكون فيه من الألف فحين ما كان أقوى كانت الواو وحين ما كان أوسط ~~كان الياء. وأما الجموع الظاهرة فالواو هي علم الجمع المذكر الصحيح كما أن ~~الألف علم التثنية؛ ولهذا ينطق بها حيث لا إعراب لكن في حال النصب والخفض ~~قلبتا ياءين لأجل الفرق وذلك لأن الأسماء الظاهرة لها الغيبة دون الخطاب في ~~جميع العربية وذلك لأن الواو أقوى حروف العلة والضمة بعضها وهي أقوى ~~الحركات لما فيها من الجمع وكونها آخرا فجعلت للجمع والألف أخف حروف العلة ~~فجعلت للاثنين لأن الياء كانت قد صارت للمؤنث في المفرد المرفوع الذي هو ~~الأصل في قولك. . . (1) ، وجاءت الميم في مثل اللهم إشعار بجميع الأسماء؛ ~~وذلك لأن حرف الشفة لما كان جامعا للقوة من مبدإ مخارج الحروف إلى منتهاها ~~بمنزلة الخاتم الآخر الذي حوى ما في المتقدم وزيادة كان جامعا لقوي الحروف ~~فجعل جامعا للأسماء مظهرها ومضمرها وجامعا بين المفردات والجمل فالواو ~~والفاء عاطفان والفاء رابطة جملة بجملة. ولما كانت النون قريبة من الفيهة ~~فهي أنفية جعلت لجمع المؤنث PageV16P224 # لأنه دون جمع المذكر وثنى العينين والشفتين لأن العينين هما ربيئة القلب ~~وليس من الأعضاء أشد ارتباطا بالقلب من العينين؛ ولهذا جمع بينهما في قوله: ~~{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} {تتقلب فيه القلوب والأبصار} {وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر} {قلوب يومئذ واجفة} {أبصارها خاشعة} ولأن كليهما له ~~النظر؛ فنظر القلب الظاهر ms5017 بالعينين والباطن به وحده وكذلك اللسان هو الذكر ~~والشفتان أنثاه. # PageV16P225 ### | سورة الشمس # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # فصل: # في قوله تعالى {والشمس وضحاها} {والقمر إذا تلاها} {والنهار إذا جلاها} ~~{والليل إذا يغشاها} . وضمير التأنيث في {جلاها} و {يغشاها} لم يتقدم ما ~~يعود عليه إلا الشمس فيقتضي أن النهار يجلي الشمس وأن الليل يغشاها و " ~~التجلية " الكشف والإظهار و " الغشيان " التغطية واللبس ومعلوم أن الليل ~~والنهار ظرفا الزمان والفعل إذا أضيف إلى الزمان فقيل هذا الزمان أو هذا ~~اليوم يبرد أو يبرد أو ينبت الأرض ونحو ذلك فالمقصود أن ذلك يكون فيه كما ~~يوصف الزمان بأنه عصيب وشديد ونحس وبارد وحار وطيب ومكروه والمراد وصف ما ~~فيه. فكون الشيء فاعلا وموصوفا هو بحسب ما يليق به كل شيء بحسبه. # PageV16P226 # فالنهار يجلي الشمس والليل يغشاها وإن كان ظهور الشمس هو سبب النهار ~~ومغيبها سبب الليل. وقد ذكر ذلك بقوله: {والشمس وضحاها} فأضاف الضحى إليها. ~~والضحى يعم النهار كله كما قال {أم السماء بناها} {رفع سمكها فسواها} ~~{وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} وقال {والضحى} {والليل إذا سجى} . وقوله: ~~{والسماء وما بناها} {والأرض وما طحاها} {ونفس وما سواها} {فألهمها فجورها ~~وتقواها} فقد قيل: إن " ما " مصدرية والتقدير: والسماء وبناء الله إياها ~~والأرض وطحو الله إياها ونفس وتسوية الله إياها. لا بد من ذكر الفاعل في ~~الجملة لا يصلح أن يقدر المصدر هنا مضافا إلى الفعل فقط فيقال " وبنائها " ~~لأن الفاعل مذكور في الجملة في قوله {وما بناها} {وما طحاها} فإن الفعل لا ~~بد له من فاعل في الجملة ومفعول أيضا. فلا بد أن يكون في التقدير الفاعل ~~والمفعول. لكن إذا كانت مصدرية كانت " ما " حرفا ليس فيها ضمير فيكون ضمير ~~الفاعل في " بناها " عائدا على غير مذكور بل إلى معلوم والتقدير: والسماء ~~وما بناها الله وهذا خلاف الأصل؛ وخلاف الظاهر. # PageV16P227 # والقول الثاني: أنها موصولة والتقدير: الذي بناها والذي طحاها. و " ما " ~~فيها عموم وإجمال يصلح لما لا يعلم ولصفات من يعلم ms5018 كقوله تعالى: {لا أعبد ~~ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} وقوله {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء} . وهذا المعنى يجيء في قوله: {وما خلق الذكر والأنثى} . وهذا ~~المعنى كما أنه ظاهر الكلام وأصله هو أكمل في المعنى أيضا. فإن القسم ~~بالفاعل يتضمن الإقسام بفعله بخلاف الإقسام بمجرد الفعل. وأيضا فالأقسام ~~التي في القرآن عامتها بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة. يقسم بنفس الفعل ~~كقوله: {والصافات صفا} {فالزاجرات زجرا} {فالتاليات ذكرا} وكقوله: ~~{والنازعات} {والمرسلات} ونحو ذلك. وهو سبحانه تارة يقسم بنفس المخلوقات؛ ~~وتارة بربها وخالقها كقوله {فورب السماء والأرض} وكقوله {وما خلق الذكر ~~والأنثى} وتارة يقسم بها وبربها. وفي هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله؛ وأقسم ~~بمخلوق دون فعله فأقسم بفاعله. # PageV16P228 # فإنه قال: {والشمس وضحاها} {والقمر إذا تلاها} {والنهار إذا جلاها} ~~{والليل إذا يغشاها} . فأقسم بالشمس والقمر والليل والنهار وآثارها ~~وأفعالها كما فرق بينهما في قوله: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} ~~وقال: {وكل في فلك يسبحون} فإنه بأفعال هذه الأمور وآثارها تقوم مصالح بني ~~آدم وسائر الحيوان. وقال: {والشمس وضحاها} ولم يقل: " ونهارها " ولا " ~~ضيائها " لأن " الضحى " يدل على النور والحرارة جميعا وبالأنوار والحرارة ~~تقوم مصالح العباد. ثم أقسم بالسماء والأرض وبالنفس ولم يذكر معها فعلا ~~فذكر فاعلها فقال: {وما بناها} {وما طحاها} {ونفس وما سواها} . فلم يصلح أن ~~يقسم بفعل النفس لأنها تفعل البر والفجور وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو ~~معظم من مخلوقاته. لكن ذكر في ضمير القسم أنه خالق أفعالها بقوله: {وما ~~سواها} {فألهمها فجورها وتقواها} . فإذا كان قد بين أنه خالق فعل العبد ~~الذي هو أظهر الأشياء فعلا واختيارا وقدرة فلأن يكون خالق فعل الشمس والقمر ~~والليل والنهار بطريق الأولى والأحرى. # PageV16P229 # وأما السماء والأرض فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى يقسم بها إلا ~~ما يظهر من الشمس والقمر والليل والنهار. والسماء والأرض أعظم من الشمس ~~والقمر والليل والنهار والنفس أشرف الحيوان المخلوق. فكان القسم بصانع هذه ~~الأمور العظيمة مناسبا وكان إقسامه بصانعها تنبيها على أنه ms5019 صانع ما فيها من ~~الشمس والقمر والليل والنهار. فتضمن الكلام الإقسام بصانع هذه المخلوقات ~~وبأعيانها وما فيها من الآثار والمنافع لبني آدم. وختم القسم بالنفس التي ~~هي آخر المخلوقات فإن الله خلق آدم يوم الجمعة آخر المخلوقات. وبين أنه ~~خالق جميع أفعالها ودل على أنه خالق جميع أفعال ما سواها. وهو سبحانه مع ما ~~ذكر من عموم خلقه لجميع الموجودات على مراتبها حتى أفعال العبد المنقسمة ~~إلى التقوى والفجور وبين انقسام الأفعال إلى الخير والشر وانقسام الفاعلين ~~إلى مفلح وخائب سعيد وشقي. وهذا يتضمن الأمر والنهي والوعد والوعيد. فكان ~~في ذلك رد على القدرية المجوسية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه وإلهامه ~~وعلى القدرية المشركية الذين يبطلون أمره ونهيه ووعده ووعيده. احتجاجا ~~بقضائه وقدره. # PageV16P230 # وقد قيل في قوله: {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من دساها} إن الضمير عائد ~~إلى " الله " أي " قد أفلح من زكاها الله وقد خاب من دساها الله ". وهذا ~~مخالف للظاهر بعيد عن نهج البيان الذي ألف عليه القرآن إذ كان الأحسن " قد ~~أفلحت من زكاها الله وقد خابت من دساها " وهذا ضعيف. وأيضا فقوله {فألهمها ~~فجورها وتقواها} بيان للقدر فلا حاجة إلى ذكره. مرة ثانية عقب ذلك في مثل ~~هذه السورة القصيرة. ولهذا لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات ~~القدر إلا هذه الآية دون الثانية كما في صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي ~~قال قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ~~عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم ~~وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال فقال: أفلا ~~يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت: كل شيء خلق الله وملك ~~يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله: إني لم أرد بما ~~سألتك إلا لأحرز عقلك. فإن {رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms5020 فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ~~عليهم ومضى فيهم من قدر # PageV16P231 # قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: ~~لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم} وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل {ونفس وما ~~سواها} {فألهمها فجورها وتقواها} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن تصديق ~~ما أخبر به من القضاء قوله {فألهمها فجورها وتقواها} والذي في الحديث هو ~~القدر السابق من علم الله وكتابه وكلامه؛ وهذا إنما تنكره غالية القدرية. ~~وأما الذي في القرآن فهو خلق الله أفعال العباد وهذا أبلغ. فإن القدرية ~~المجوسية تنكره. فالذي في القرآن يدل على ما في الحديث وزيادة ولهذا جعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا له. وذلك من وجوه. أحدها: أنه إذا علم أن ~~الله هو الملهم للفجور والتقوى ولم يكن في ذلك ظلم كما تقوله القدرية ~~الإبليسية ولا مخالفة للأمر والنهي والوعد والوعيد كما تقوله القدرية ~~المشركية فالإقرار بأن الله كتب ذلك وقدره قبل وجوده مما لا نزاع فيه عند ~~الإنسان من جهة القدر. ولهذا قد أقر بالقدر السابق جمهور القدرية الذين ~~ينكرون خلق الأفعال. ولم يثبت أحد من القدرية أن الله خالق أفعال العباد ~~وينكره من جهة القدر أن الله خالق ذلك. # PageV16P232 # الوجه الثاني: أنه إذا ثبت أن الله خالق فعل العبد وأنه الملهم الفجور ~~والتقوى كان ذلك من جملة مصنوعاته والشبهة التي عرضت للقدرية التي سأل ~~المزنيان النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي في أعمال العباد التي عليها ~~الثواب والعقاب خاصة ولم ينكروا من جهة القدر أن الله قدر ما يخلقه هو قبل ~~وجوده. وإنما أنكر من أنكر منهم إذا اشتبه أمر أفعال العباد. وهؤلاء يقولون ~~إن الله يقدر الأمور قبل وجودها إلا أفعال العباد والسعادة والشقاوة. فإن ~~ذلك لا ينبغي أن يعلمه حتى يكون لأن أمر الأمير بما يعلم أن المكلف لا ~~يطيعه فيه بل يكون ضررا عليه مستقبح عندهم. وقد حكى طوائف ms5021 من المصنفين في ~~أصول الفقه وغيرهم الخلاف في ذلك عن المعتزلة. وقالوا: يجوز أن الله يأمر ~~العبد بما يعلم أنه لا يفعله خلافا للمعتزلة. لأن في جنس المعتزلة من يخالف ~~في ذلك وأكثرهم لا يخالف في ذلك؛ وإنما يخالف فيه طائفة منهم. فإذا كان ~~القرآن قد أثبت أنه الملهم للنفس فجورها وتقواها كان ذلك من جملة مفعولاته. ~~فلا تبقى شبهة القدرية أنه قدر ذلك قبل وجوده كما لا شبهة عندهم في تقديره ~~لما يخلقه من الأعيان والصفات. وأما من أنكر تقديره العلم من منكرة الصفات ~~أو بعضها فأولئك # PageV16P233 # لهم مأخذ آخر ليس مأخذهم أمر الصفات. الوجه الثالث: أنه قد كان ألهم ~~الفجور والتقوى وهو خالق فعل العبد. فلا بد أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه ~~كما قال {ألا يعلم من خلق} لأن الفاعل المختار يريد ما يفعله والإرادة ~~مستلزمة لتصور المراد. وذلك هو العلم بالمراد المفعول. وإذا كان خلقه للشيء ~~مستلزما لعلمه به فذلك أصل القدر السابق وما علمه الله سبحانه بقوله وبكتبه ~~فلا نزاع فيه. وهذا بين في جميع الأشياء في هذا وغيره. فإنه سبحانه إذا ~~ألهم الفجور والتقوى فالملهم إن لم يميز بين الفجور والتقوى ويعلم أن هذا ~~الفعل الذي يريد أن يفعله هذا فجور والذي يريد أن يفعله هذا تقوى لم يصح ~~منه إلهام الفجور والتقوى. فظهر بهذا حسن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~من تصديق الآية لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من القدر السابق. ~~وقوله سبحانه {فألهمها فجورها وتقواها} كما يدل على القدر فيدل على الشرع. ~~فإنه لو قال " فألهمها أفعالها " كما يقول الناس # PageV16P234 # " خالق أفعال العباد " لم يكن في ذلك تمييز بين الخير والشر والمحبوب ~~والمكروه والمأمور به والمنهي عنه. بل كان فيه حجة للمشركين من المباحية ~~والجبرية الذين يدفعون الأمر والنهي والحسن والقبح؛ فإنه خلق أفعال العباد. ~~فلما قال {فألهمها فجورها وتقواها} كان الكلام تفريقا بين الحسن المأمور به ~~والقبيح المنهي عنه وأن الأفعال منقسمة إلى حسن وسيئ ms5022 مع كونه تعالى خالق ~~الصنفين. وهذه طريقة القرآن في غير موضع يذكر المؤمن والكافر وأفعالهما ~~الحسنة والسيئة ووعده ووعيده؛ ويذكر أنه خالق الصنفين كقوله {يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء} ونحو ذلك. وهذا الأصل ضلت فيه الجبرية والقدرية: فإن ~~القدرية المجوسية قالوا: إن الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح لصفات قائمة بها ~~والعبد هو المحدث لها بدون قدرة الله وبدون خلقه. فقالت الجبرية: بل العبد ~~مجبور على فعله والجبر حق يوجب وجود أفعاله عند وجود الأسباب التي يخلقها ~~الله وامتناع وجودها عند عدم شيء من الأسباب. وإذا كان مجبورا يمتنع أن ~~يكون الفعل حسنا أو قبيحا لمعنى يقوم به. # PageV16P235 # وهذه طريقة أبي عبد الله الرازي ونحوه من الجبرية النافين لانقسام الفعل ~~في نفسه إلى حسن وقبيح. والأولى طريقة أبي الحسين البصري ونحوه من القدرية ~~القائلين بأن فعل العبد لم يحدثه إلا هو والعلم بذلك ضروري أو نظري؛ وأن ~~الفعل ينقسم في نفسه إلى حسن وقبيح والعلم بذلك ضروري. وأبو الحسين هو إمام ~~المتأخرين من المعتزلة وله من العقل والفضل ما ليس لأكثر نظرائه. لكن هو ~~قليل المعرفة بالسنن ومعاني القرآن وطريقة السلف. وهو وأبو عبد الله الرازي ~~في هذا الباب في طرفي نقيض ومع كل منهما من الحق ما ليس مع الآخر. فأبو ~~الحسين يدعي أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري والرازي يدعي أن العلم بأن ~~افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه ضروري ~~كذلك. بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري. ثم يعتقد كل فريق أن هذا ~~العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة وليس الأمر كذلك. بل كلاهما ~~صادق فيما ذكره من العلم الضروري ومصيب في ذلك وإنما وقع غلطه في إنكاره ما ~~مع الآخر من الخلق. فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون # PageV16P236 # هذا الإحداث ممكن الوجود بمشيئة الله تعالى. ولهذا كان مذهب أهل السنة ~~المحضة أن العبد فاعل لفعله حقيقة كما ادعاه أبو الحسين من الضرورة؛ لا ms5023 ~~يقولون: ليس بفاعل حقيقة أو ليس بفاعل كما يقوله المائلون إلى الجبر مثل ~~طائفة أبي عبد الله الرازي. يقولون مع ذلك: إن الله هو الخالق لهذا الفاعل ~~ولفعله وهو الذي جعله فاعلا حقيقة وهو خالق أفعال العباد كما يقوله أهل ~~الإثبات من الأشعرية طائفة الرازي وغيرهم؛ لا كما يقوله القدرية مثل أبي ~~الحسين وطائفته: إن الله لم يخلق أفعال العباد. ولهذا نص الأئمة كالإمام ~~أحمد ومن قبله من الأئمة كالأوزاعي وغيره على إنكار إطلاق القول بالجبر ~~نفيا وإثباتا فلا يقال " إن الله جبر العباد " ولا يقال " لم يجبرهم ". فإن ~~لفظ " الجبر " فيه اشتراك وإجمال. فإذا قيل " جبرهم " أشعر بأن الله يجبرهم ~~على فعل الخير والشر بغير اختيارهم وإذا قيل " لم يجبرهم " أشعر بأنهم ~~يفعلون ما يشاءون بغير اختياره وكلاهما خطأ. وقد بسطنا القول في هذا في غير ~~هذا الموضع. والمقصود هنا أن هذين الفريقين اعتقدوا تنافي القدر والشرع كما ~~اعتقد ذلك المجوس والمشركون فقالوا: إذا كان خالقا للفعل امتنع # PageV16P237 # أن يكون الفعل في نفسه حسنا له ثواب أو قبيحا عليه عقاب. ثم قالت ~~القدرية: لكن الفعل منقسم فليس خالقا للفعل. وقالت الجبرية: لكنه خالق فليس ~~الفعل منقسما. ولكن الجبرية المقرون بالرسل يقرون بالانقسام من جهة أمر ~~الشارع ونهيه فقط ويقولون: له أن يأمر بما شاء لا لمعنى فيه وينهى عما يشاء ~~لا لأجل معنى فيه ويقولون في خلقه وفي أمره جميعا: يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد. وأما من غلب عليه رأي أو هوى فإنه ينحل عن ربقة الشارع إذا عاين ~~الجبر ويقولون ما يقوله المشركون {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} ومن أقر بالشرع والأمر والنهي والحسن والقبح دون القدر وخلق ~~الأفعال كما عليه المعتزلة فهو من القدرية المجوسية الذين شابهوا المجوس. ~~وللمعتزلة من مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر. ومن أقر بالقضاء والقدر ~~وخلق الأفعال وعموم الربوبية وأنكر المعروف والمنكر والهدى والضلال ~~والحسنات والسيئات ففيه شبه من المشركين والصابئة. # PageV16P238 # وكان الجهم بن صفوان ومن ms5024 اتبعه كذلك لما ناظر أهل الهند كما كان المعتزلة ~~كذلك لما ناظروا المجوس الفرس والمجوس أرجح من المشركين. فإن من أنكر الأمر ~~والنهي أو لم يقر بذلك فهو مشرك صريح كافر أكفر من اليهود والنصارى والمجوس ~~كما يوجد ذلك في كثير من المتكلمة والمتصوفة أهل الإباحة ونحوهم. ولهذا لم ~~يظهر هؤلاء ونحوهم في عصر الصحابة والتابعين لقرب عهدهم بالنبوة. وإنما ظهر ~~أولئك القدرية المجوسية لأن مذهبهم فيه تعظيم للأمر والنهي والثواب ~~والعقاب. فهم أقرب إلى الكتاب والسنة والرسول والدين من هؤلاء المعطلة ~~للأمر والنهي فإن هؤلاء من شر الخلق. وأما القدرية الإبليسية فهم الذين ~~يقرون بوجود الأمر والنهي من الله ويقرون مع ذلك بوجود القضاء والقدر منه ~~لكن يقولون: هذا فيه جهل وظلم. فإنه بتناقضه يكون جهلا وسفها وبما فيه من ~~عقوبة العبد بما خلق فيه يكون ظلما. وهذا حال إبليس. فإنه قال {بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض # PageV16P239 # ولأغوينهم أجمعين} . فأقر بأن الله أغواه ثم جعل ذلك عنده داعيا يقتضي أن ~~يغوي هو ذرية آدم. وإبليس هو أول من عادى الله وطغى في خلقه وأمره وعارض ~~النص بالقياس. ولهذا يقول بعض السلف: أول من قاس إبليس. فإن الله أمره ~~بالسجود لآدم فاعترض على هذا الأمر بأني خير منه وامتنع من السجود. فهو أول ~~من عادى الله وهو الجاهل الظالم الجاهل بما في أمر الله من الحكمة الظالم ~~باستكباره الذي جمع فيه بين بطر الحق وغمط الناس. ثم قوله لربه " فبما ~~أغويتني لأفعلن " جعل فعل الله الذي هو إغواؤه له حجة له وداعيا إلى أن ~~يغوي ابن آدم. وهذا طعن منه في فعل الله وأمره وزعم منه أنه قبيح فأنا أفعل ~~القبيح أيضا. فقاس نفسه على ربه ومثل نفسه بربه. ولهذا كان مضاهيا للربوبية ~~كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم {: إن إبليس ~~ينصب عرشه على البحر ثم يبعث سراياه فأعظمهم فتنة أقربهم إليه منزلة. فيجيء ~~الرجل فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا. ms5025 ثم يجيء الآخر فيقول: ما زلت به حتى ~~فرقت بينه وبين زوجته فيلتزمه ويدنيه منه ويقول: أنت أنت} . # PageV16P240 # والقدرية قصدوا تنزيه الله عن السفه وأحسنوا في هذا القصد. فإنه سبحانه ~~مقدس عما يقول الظالمون من إبليس وجنوده علوا كبيرا حكم عدل. لكن ضاق ذرعهم ~~وحصل عندهم نوع جهل اعتقدوا معه أن هذا التنزيه لا يتم إلا بأن يسلبوه ~~قدرته على أفعال العباد وخلقه لها وشمول إرادته لكل شيء. فناظروا إبليس ~~وحزبه في شيء واستحوذ عليهم إبليس من ناحية أخرى. وهذا من أعظم آفات الجدال ~~في الدين بغير علم أو بغير الحق. وهو الكلام الذي ذمه السلف فإن صاحبه يرد ~~باطلا بباطل وبدعة ببدعة. فجاء طوائف ممن ناظرهم من أهل الإثبات ليقرروا أن ~~الله خالق كل شيء ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير. ~~فضاق ذرعهم وعلمهم واعتقدوا أن هذا لا يتم إن لم ننكر محبة الله ورضاه وما ~~خص به بعض الأفعال دون بعض من الصفات الحسنة والسيئة؛ وننكر حكمته ورحمته ~~فيجوز عليه كل فعل لا ينزه عن ظلم ولا غيره من الأفعال. وزاد قوم في ذلك ~~حتى عطلوا الأمر والنهي والوعد والوعيد رأسا. ومال هؤلاء إلى الإرجاء كما ~~مال الأولون إلى الوعيد. فقالت الوعيدية: # PageV16P241 # كل فاسق خالد في النار لا يخرج منها أبدا؛ وقالت الخوارج: هو كافر. ~~وغالية المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة. ومن صرح بالكفر أنكر الوعيد ~~في الآخرة رأسا كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة ~~والباطنية. وكان هؤلاء الجبرية المرجئة أكفر بالأمر والنهي والوعد والوعيد ~~من المعتزلة الوعيدية القدرية. وأما مقتصدة المرجئة الجبرية الذين يقرون ~~بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأن من أهل القبلة من يدخل النار فهؤلاء أقرب ~~الناس إلى أهل السنة. وقد روى الترمذي {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم} . لكن المعتزلة ~~من القدرية أصلح من الجبرية والمرجئة ونحوهم في الشريعة علمها وعملها. ~~فكلامهم في ms5026 أصول الفقه وفي اتباع الأمر والنهي خير من كلام المرجئة من ~~الأشعرية وغيرهم. فإن كلام هؤلاء في أصول الفقه قاصر جدا وكذلك هم مقصرون ~~في تعظيم الطاعات والمعاصي. ولكن هم في أصول الدين أصلح من أولئك فإنهم ~~يؤمنون من صفات الله وقدرته وخلقه بما لا يؤمن به أولئك. وهذا الصنف أعلى. # PageV16P242 # فلهذا كانت المرجئة في الجملة خيرا من القدرية حتى إن الإرجاء دخل فيه ~~الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بخلاف الاعتزال. فإنه ليس فيه أحد من فقهاء ~~السلف وأئمتهم. # فصل: # فإذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق. وتارة ~~بالتكذيب بالشرع والوعيد وتارة بتظليم الرب كان في هذه السورة ردا على هذه ~~الطوائف كلها. فقوله تعالى {فألهمها فجورها وتقواها} إثبات للقدر بقوله " ~~فألهمها "؛ وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها ~~هي الفاجرة والمتقية؛ وإثبات للتفريق بين الحسن والقبيح والأمر والنهي ~~بقوله {فجورها وتقواها} . وقوله بعد ذلك {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من ~~دساها} إثبات لفعل العبد والوعد والوعيد بفلاح من زكى نفسه وخيبة من دساها. ~~وهذا صريح في الرد على القدرية المجوسية وعلى الجبرية للشرع أو لفعل العبد ~~وهم المكذبون بالحق. # PageV16P243 # وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله {ونفس وما سواها} ~~والتسوية: التعديل. فبين أنه عادل في تسوية النفس التي ألهمها فجورها ~~وتقواها. وذكر بعد ذلك عقوبة من كذب رسله وطغى وأنه لا يخاف عاقبة انتقامه ~~ممن خالف رسله ليبين أن من كذب بهذا أو بهذا فإن الله ينتقم منه ولا يخاف ~~عاقبة انتقامه كما انتقم من إبليس وجنوده وأن تظلمه من ربه وتسفيهه له إنما ~~يهلك به نفسه ولن يضر الله شيئا. " فإن العباد لن يبلغوا ضر الله فيضروه ~~ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى ~~قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم ~~كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئا ". ولهذا لما ms5027 سأل ~~عمران بن حصين أبا الأسود الدؤلي عن ذلك ليحزر عقله " هل يكون ذلك ظلما؟ " ~~فذكر أن ذلك ليس منه ظلما وخاف من قوله {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا} وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم واستشهاده بهذه الآية. وقد تبين ~~أن القدرية الخائضين بالباطل إما أن يكونوا مكذبين لما # PageV16P244 # أخبر به الرب من خلقه أو أمره وإما أن يكونوا مظلمين له في حكمه. وهو ~~سبحانه الصادق العدل كما قال تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم} . فإن الكلام إما إنشاء وإما إخبار. فالإخبار ~~صدق لا كذب؛ والإنشاء أمر التكوين وأمر التشريع عدل لا ظلم. والقدرية ~~المجوسية كذبوا بما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدين والإبليسية جعلوه ~~ظالما في مجموعهما أو في كل منهما. وقد ظهر بذلك أن المفترقين المختلفين من ~~الأمة إنما ذلك بتركهم بعض الحق الذي بعث الله به نبيه وأخذهم باطلا يخالفه ~~واشتراكهم في باطل يخالف ما جاء به الرسول. وهو من جنس مخالفة الكفار ~~للمؤمنين كما قال تعالى {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} إلى قوله {ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} . فإذا اشتركوا في باطل خالفوا به ~~المؤمنين المتبعين للرسل نسوا حظا مما ذكروا به فألقى بينهم العداوة ~~والبغضاء واختلفوا فيما بينهم في حق آخر جاء به الرسول فآمن هؤلاء ببعضه ~~وكفروا ببعضه والآخرون يؤمنون بما كفر به هؤلاء ويكفرون بما يؤمن به هؤلاء. ~~وهنا كلا الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة. وهذا شأن عامة # PageV16P245 # الافتراق والاختلاف في هذه الأمة وغيرها. وهذا من ذلك. فإنهم اشتركوا في ~~أن كون الرب خالقا لفعل العبد ينافي كون فعله منقسما إلى حسن وقبيح. وهذه ~~المقدمة اشتركوا فيها جدلا من غير أن تكون حقا في نفسها أو عليها حجة ~~مستقيمة. وهي إحدى المقدمتين التي يعتمدها الرازي في مسألة التحسين ~~والتقبيح. فإنه اعتقد في " محصوله " وغيره على أن العبد مجبور على فعله ~~والمجبور لا يكون فعله قبيحا فلا يكون شيء ms5028 من أفعال العباد قبيحا. وهذه ~~الحجة بنفي ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل الذين قالوا {لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ~~ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر. لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر ~~على نفي الأحكام إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه. ولهذا ~~لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين وإن كان فيهم جزء من باطل ~~المشركين. لكن يوجد في المتكلمين والمتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى # PageV16P246 # يكفروا حينئذ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب إما قولا ~~وإما حالا وعملا. وأكثر ما يقع ذلك في الأفعال التي توافق أهواءهم يطلبون ~~بذلك إسقاط اللوم والعقاب عنهم ولا يزيدهم ذلك إلا ذما وعقابا كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار. فإن هذا القول لا يطرد العمل به لأحد إذ لا غنى لبني آدم ~~بعضهم من بعض من إرادة شيء والأمر به وبغض شيء والنهي عنه. فمن طلب أن يسوى ~~بين المحبوب والمكروه والمرضي والمسخوط والعدل والظلم والعلم والجهل ~~والضلال والهدى والرشد والغي فإنه لا يستمر على ذلك أبدا. بل إذا حصل له ما ~~يكرهه ويؤذيه فر إلى دفع ذلك وعقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي في ذلك. ~~فهم من أظلم الخلق في تفريقهم بين القبيح من الظلم والفواحش منهم ومن غيرهم ~~وممن يهوونه ومن لا يهوونه واحتجاجهم بالقدر لأنفسهم دون خصومهم. وتجد ~~أحدهم عند فعل ما يحمد عليه يغلب على قلبه حال أهل القدر فيجعل نفسه هو ~~المحدث لذلك دون الله وينسى نعمة الله عليه # PageV16P247 # في إلهامه إياه تقواه. وهذا من أظلم الخلق كما قال أبو الفرج ابن الجوزي: ~~أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. وأهل ~~العدل ضد ذلك. إذا فعلوا حسنة شكروا الله عليها لعلمهم بأن الله هو الذي ~~حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وأنه هو الذي كره إليهم الكفر والفسوق ~~والعصيان؛ {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ms5029 فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} . ~~فاتبعوا أباهم حيث أذنب: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب ~~الرحيم} وقال {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} . ويقول أحدهم " أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي " كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {: سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله ~~إلا أنت. خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما ~~صنعت. أبوء لك بنعمتك علي؛ وأبوء بذنبي. فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت} . وكما في الحديث الصحيح أيضا {إن الله تعالى يقول: يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم ترد # PageV16P248 # عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه} . ~~ويقولون بموجب قوله تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} . # قال ابن القيم - رحمه الله -: # ذكر سبحانه في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخ ~~الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية: # هذا والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. فإنه لم يكن في الأمم ~~المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم (*) إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ~~ومدين وقوم لوط وغيرهم. ولهذا لما ذكرهم وعادا قال {فأما عاد فاستكبروا في ~~الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون} {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى} وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما يذكر عن ~~أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان ~~والفساد في الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما. فكان في قوم لوط مع ~~الشرك إتيان الفواحش التي PageV16P249 # لم يسبقوا إليها؛ وفي عاد مع الشرك التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا ~~وشدة البطش وقولهم {من أشد منا قوة} وفي أصحاب مدين مع الشرك ms5030 الظلم في ~~الأموال؛ وفي قوم فرعون الفساد في الأرض والعلو. # وكان ### | عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم. # فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء؛ وعذب قوم لوط ~~بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم. فجمع لهم بين الهلاك والرجم ~~بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها ~~والخسف بهم إلى أسفل سافلين. وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك ~~الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان. وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا ~~في الحال. فإذا كان هذا عذابه لهؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي ~~جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر ~~عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا. ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا وما ~~يعاقب به من يسعى في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن ~~واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا ~~يتقون. # PageV16P250 ### | سورة العلق # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # في بيان أن الرسول صلى صلى الله عليه وسلم أول ما أنزل عليه بيان أصول ~~الدين وهي الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع وتوحيده وصدق رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى المعاد إمكانا ووقوعا. وقد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل ~~غير مرة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأدلة العقلية والسمعية التي ~~يهتدي بها الناس إلى دينهم وما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وأن ~~الذين ابتدعوا أصولا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم لا أصول دينه. وهي ~~باطلة عقلا وسمعا كما قد بسط في غير موضع. وبين أن كثيرا من المنتسبين إلى ~~العلم والدين قاصرون أو مقصرون في معرفة ما جاء به من # PageV16P251 # الدلائل السمعية والعقلية. فطائفة قد ابتدعت أصولا تخالف ما جاء به من ~~هذا وهذا. وطائفة رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه وصاروا ينتسبون إلى السنة ~~لسلامتهم من بدعة أولئك. ولكن هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها ولا ~~قاموا بما جاء به ms5031 من الدلائل السمعية والعقلية. بل الذي يخبر به من ~~السمعيات مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من ~~غير تصور لما أخبر به. بل قد يقولون مع هذا إنه نفسه لم يكن يعلم معنى ما ~~أخبر به لأن ذلك عندهم هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. وأما ~~الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ما يخبر ~~به كالأدلة الدالة على التوحيد والصفات. ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا مجملا ~~ولا يعرف أدلته. بل قد يظن أن ما يستدل به كالاستدلال بخلق الإنسان على ~~حدوث جواهره هو دليل الرسول. وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز ~~أن يعلم بالعقل كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق وقبح الشرك والظلم # PageV16P252 # والكذب. والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك. وينكر على من لم ~~يستدل بها. ويبين أنه بالعقل يعرف المعاد وحسن عبادته وحده وحسن شكره وقبح ~~الشرك وكفر نعمه كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع. وكثير من الناس يكون ~~هذا في فطرته وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين على ~~طريقة النفاة الجبرية أتباع جهم. وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون ~~يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم البدعي. وقد ذكر أبو عبد ~~الله ابن الجد الأعلى أنه سمع أبا الفرج ابن الجوزي ينشد في مجلس وعظه ~~البيتين المعروفين: # هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم # أليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم؟ # فقد صرح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم. ~~وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق ولو لم يكن وعيد ولا # PageV16P253 # رسالة أخبرت بجزاء. وهو يبين ثبوت الوجوب والاستحقاق وإن قدر أنه لا ~~عذاب. وهذا فيه نزاع قد ذكرناه في غير هذا الموضع وبينا أن هذا هو الصحيح. ~~ونتيجة فعل المنهي انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التي كان فيها وإن ~~كان لا يعاقب بالضرر. ms5032 ويبين أن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة. فتارك ~~الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما ~~يكون جزاءه. وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها أن يسلبها. فالشكر قيد ~~النعم وهو موجب للمزيد. والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص ~~النعمة ولا يزيد. مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب ~~فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار. قال تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} {ثم رددناه أسفل سافلين} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون} وهذا مبسوط في مواضع. # والمقصود هنا أن بيان هذه الأصول وقع في أول ما أنزل من القرآن. فإن أول ~~ما أنزل من القرآن {اقرأ باسم ربك} عند جماهير # PageV16P254 # العلماء. وقد قيل {يا أيها المدثر} روي ذلك عن جابر. والأول أصح. فإن ما ~~في حديث عائشة الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل {اقرأ باسم ربك} نزلت ~~عليه وهو في غار حراء وأن " المدثر " نزلت بعد. وهذا هو الذي ينبغي. فإن ~~قوله {اقرأ} أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة وبذلك صار نبيا. وقوله {قم ~~فأنذر} أمر بالإنذار وبذلك صار رسولا منذرا. ففي الصحيحين من حديث الزهري ~~عن عروة عن {عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ~~ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات ~~العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ~~حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا ~~بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. # PageV16P255 # فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ~~فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ~~ثم أرسلني فقال: {اقرأ ms5033 باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك ~~الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . فرجع بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: " زملوني. ~~زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت ~~على نفسي. فقالت له خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ~~وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به ~~خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد # PageV16P256 # العزى ابن عم خديجة. وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبري ~~فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي. ~~فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ~~ماذا ترى؟ . فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ~~ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا ~~إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم؟ . قال: نعم ~~لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا ~~مؤزرا.} ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. قال ابن شهاب الزهري سمعت أبا ~~سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحدث # PageV16P257 # عن فترة الوحي: {فبينما أنا أمشي سمعت صوتا فرفعت بصري قبل السماء فإذا ~~الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئت حتى هويت إلى ~~الأرض. فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني. فأنزل الله تعالى {يا أيها ~~المدثر} {قم فأنذر} إلى قوله {والرجز فاهجر} } . فهذا يبين أن " المدثر " ~~نزلت بعد تلك الفترة وأن ذلك كان بعد أن عاين الملك الذي جاءه بحراء أولا. ~~فكان قد رأى الملك مرتين. وهذا يفسر حديث جابر الذي روي من طريق آخر كما ~~أخرجاه ms5034 من حديث {يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ~~ما نزل من القرآن. قال: {يا أيها المدثر} . قلت: يقولون {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} . فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما ~~قلت فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~جاورت بحراء؛ فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ~~ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر ~~شيئا. فرفعت رأسي فرأيت شيئا. فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا ~~فدثروني وصبوا علي ماء باردا. # PageV16P258 # قال: فنزلت {يا أيها المدثر} {قم فأنذر} {وربك فكبر} } . فهذا الحديث ~~يوافق المتقدم وإن " المدثر " نزلت بعد أن هبط من الجبل وهو يمشي وبعد أن ~~ناداه الملك حينئذ. وقد بين في الرواية الأخرى أن هذا الملك هو الذي جاءه ~~بحراء وقد بينت عائشة أن {اقرأ} نزلت حينئذ في غار حراء. لكن كأنه لم يكن ~~علم أن {اقرأ} نزلت حينئذ بل علم أنه رأى الملك قبل ذلك وقد يراه ولا يسمع ~~منه. لكن في حديث عائشة زيادة علم وهو أمره بقراءة {اقرأ} . وفي حديث ~~الزهري أنه سمى هذا " فترة الوحي " وكذلك في حديث عائشة " فترة الوحي ". ~~فقد يكون الزهري روى حديث جابر بالمعنى وسمى ما بين الرؤيتين " فترة الوحي ~~" كما بينته عائشة؛ وإلا فإن كان جابر سماه " فترة الوحي " فكيف يقول إن ~~الوحي لم يكن نزل؟ . وبكل حال فالزهري عنده حديث عروة عن عائشة؛ وحديث أبي ~~سلمة عن جابر؛ وهو أوسع علما وأحفظ من يحيى بن أبي كثير لو اختلفا. لكن ~~يحيى ذكر أنه سأل أبا سلمة عن الأولى فأخبر جابر بعلمه ولم يكن علم ما نزل ~~قبل ذلك وعائشة أثبتت وبينت. # PageV16P259 # والآيات آيات " اقرأ " و " المدثر " تبين ذلك والحديثان متصادقان مع ~~القرآن ومع دلالة العقل على أن هذا الترتيب هو المناسب. وإذا كان أول ما ms5035 ~~أنزل {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} ~~{الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} ففي الآية الأولى إثبات الخالق ~~تعالى وكذلك في الثانية. وفيها وفي الثانية الدلالة على إمكان النبوة وعلى ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. أما الأولى فإنه قال {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} ثم قال {خلق الإنسان من علق} . فذكر الخلق مطلقا ثم خص خلق الإنسان ~~أنه خلقه من علق. وهذا أمر معلوم لجميع الناس كلهم يعلمون أن الإنسان يحدث ~~في بطن أمه وأنه يكون من علق. وهؤلاء بنو آدم. وقوله الإنسان هو اسم جنس ~~يتناول جميع الناس ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين. فإن المقصود بهذه ~~الآية بيان الدليل على الخالق تعالى والاستدلال إنما يكون بمقدمات # PageV16P260 # يعلمها المستدل. والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم وهم كلهم يعلمون أن ~~الناس يخلقون من العلق. فأما خلق آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء ~~أو بدلائل أخر. ولهذا ينكره طائفة من الكفار الدهرية وغيرهم الذين لا يقرون ~~بالنبوات. وهذا بخلاف ذكر خلقه في غير هذه السورة. فإن ذاك ذكره لما يثبت ~~النبوة وهذه السورة أول ما نزل وبها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم ~~بالخبر بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة ~~لمن لم ير العلق. وذكر سبحانه خلق الإنسان من العلق وهو جمع " علقة " وهي ~~القطعة الصغيرة من الدم لأن ما قبل ذلك كان نطفة والنطفة قد تسقط في غير ~~الرحم كما يحتلم الإنسان وقد تسقط في الرحم ثم يرميها الرحم قبل أن تصير ~~علقة. فقد صار مبدأ لخلق الإنسان وعلم أنها صارت علقة ليخلق منها الإنسان. ~~وقد قال في سورة القيامة {ألم يك نطفة من مني يمنى} {ثم كان علقة فخلق ~~فسوى} {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} {أليس ذلك بقادر # PageV16P261 # على أن يحيي الموتى} فهنا ذكر هذا على إمكان النشأة الثانية التي تكون من ~~التراب. ولهذا قال في موضع آخر {يا أيها الناس إن كنتم ms5036 في ريب من البعث ~~فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} ففي القيامة استدل بخلقه من نطفة فإنه ~~معلوم لجميع الخلق وفي الحج ذكر خلقه من تراب فإنه قد علم بالأدلة القطعية. ~~وذكر أول الخلق أدل على إمكان الإعادة. وأما هنا فالمقصود ذكر ما يدل على ~~الخالق تعالى ابتداء فذكر أنه خلق الإنسان من علق وهو من العلقة الدم يصير ~~مضغة وهو قطعة لحم كاللحم الذي يمضغ بالفم ثم تخلق فتصور كما قال تعالى {ثم ~~من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} فإن الرحم قد يقذفها غير مخلقة. فبين ~~للناس مبدأ خلقهم ويرون ذلك بأعينهم. وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق ~~يشترك فيه جميع الناس. فإن الناس هم المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان ~~والآية. فالإنسان هو الدليل وهو المستدل كما قال تعالى {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون} وقال {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ~~. وهذا كما قال في آية أخرى {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} . # PageV16P262 # وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من ~~بني جنسه. فيستدل به على المبدأ والمعاد كما قال تعالى: {ويقول الإنسان ~~أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا} وقال تعالى {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} ~~{قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} . وكذلك قال زكريا لما ~~تعجب من حصول ولد على الكبر فقال {أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا} {قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا} ولم يقل " إنه أهون عليه " كما قال في المبدأ والمعاد {وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} . وقال سبحانه {خلق الإنسان من علق} بعد أن ~~قال {الذي خلق} . فأطلق الخلق الذي يتناول كل مخلوق ثم عين خلق الإنسان ~~فكان كل ما يعلم حدوثه ms5037 داخلا في قوله {الذي خلق} . وذكر بعد الخلق التعليم ~~الذي هو التعليم بالقلم وتعليم الإنسان ما لم يعلم. فخص هذا التعليم الذي ~~يستدل به على إمكان النبوة. ولم يقل هنا " هدى " فيذكر الهدى العام ~~المتناول للإنسان # PageV16P263 # وسائر الحيوان كما قال في موضع آخر {سبح اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} ~~{والذي قدر فهدى} وكما قال موسى {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} لأن ~~هذا التعليم الخاص يستلزم الهدى العام ولا ينعكس. وهذا أقرب إلى إثبات ~~النبوة فإن النبوة نوع من التعليم. وليس جعل الإنسان نبيا بأعظم من جعله ~~العلقة إنسانا حيا عالما ناطقا سميعا بصيرا متكلما قد علم أنواع المعارف؛ ~~كما أنه ليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته. والقادر على المبدأ كيف لا ~~يقدر على المعاد؟ والقادر على هذا التعليم كيف لا يقدر على ذاك التعليم وهو ~~بكل شيء عليم ولا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء؟ وقال سبحانه أولا {علم ~~بالقلم} فأطلق التعليم والمعلم فلم يخص نوعا من المعلمين. فيتناول تعليم ~~الملائكة وغيرهم من الإنس والجن كما تناول الخلق لهم كلهم. وذكر التعليم ~~بالقلم لأنه يقتضي تعليم الخط والخط يطابق اللفظ وهو البيان والكلام. ثم ~~اللفظ يدل على المعاني المعقولة التي في القلب فيدخل فيه كل علم في القلوب. ~~وكل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة في الخارج عن الذهن ثم # PageV16P264 # يتصوره الذهن والقلب ثم يعبر عنه اللسان ثم يخطه القلم. فله وجود عيني ~~وذهني ولفظي ورسمي وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان. لكن الأول هو ~~هو وأما الثلاث فإنها مثال مطابق له. فالأول هو المخلوق والثلاثة معلمة. ~~فذكر الخلق والتعليم ليتناول المراتب الأربع فقال {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~{خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ~~ما لم يعلم} وقد تنازع الناس في الماهيات هل هي مجعولة أم لا؟ وهل ماهية كل ~~شيء زائدة على وجوده؟ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين الصواب في ذلك ~~وأنه ms5038 ليس إلا ما يتصور في الذهن ويوجد في الخارج. فإن أريد الماهية ما ~~يتصور في الذهن. وبالوجود ما في الخارج أو بالعكس فالماهية غير الوجود إذا ~~كان ما في الأعيان مغايرا لما في الأذهان. وإن أريد بالماهية ما في الذهن ~~أو الخارج أو كلاهما وكذلك بالوجود فالذي في الخارج من الوجود هو الماهية ~~الموجودة في الخارج وكذلك ما في الذهن من هذا هو هذا ليس في الخارج شيئان. # PageV16P265 # وهو سبحانه علم ما في الأذهان وخلق ما في الأعيان وكلاهما مجعول له. لكن ~~الذي في الخارج جعله جعلا خلقيا. والذي في الذهن جعله جعلا تعليميا. فهو ~~الذي {خلق} {خلق الإنسان من علق} وهو {الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} . وقوله {علم بالقلم} يدخل فيه تعليم الملائكة ~~الكاتبين ويدخل فيه تعليم كتب الكتب المنزلة. فعلم بالقلم أن يكتب كلامه ~~الذي أنزله كالتوراة والقرآن بل هو كتب التوراة لموسى. وكون محمد كان نبيا ~~أميا هو من تمام كون ما أتى به معجزا خارقا للعادة ومن تمام بيان أن تعليمه ~~أعظم من كل تعليم كما قال تعالى {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون} فغيره يعلم ما كتبه غيره وهو علم الناس ما ~~يكتبونه وعلمه الله ذلك بما أوحاه إليه. وهذا الكلام الذي أنزل عليه هو آية ~~وبرهان على نبوته فإنه لا يقدر عليه الإنس والجن. {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين} وفي الآية الأخرى {فأتوا بعشر سور # PageV16P266 # مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} {فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون} # فصل: # وقد بسطنا في غير هذا الموضع طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة وأن كل ~~طريق تتضمن ما يخالف السنة ms5039 فإنها باطلة في العقل كما هي مخالفة للشرع. ~~والطريق المشهورة عند المتكلمين هو الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ~~الأجسام. وقد بينا الكلام على هذه في غير موضع وأنها مخالفة للشرع والعقل. ~~وكثير من الناس يعلم أنها بدعة في الشرع لكن لا يعلم فسادها في العقل. ~~وبعضهم يظن أنها صحيحة في العقل والشرع وأنها طريقة إبراهيم الخليل عليه ~~السلام. وقد بين فساد هذا في غير موضع. والمقصود هنا أن طائفة من النظار ~~مثبتة الصفات أرادوا # PageV16P267 # سلوك سبيل السنة ولم يكن عندهم إلا هذه الطريق. فاستدلوا بخلق الإنسان ~~لكن لم يجعلوا خلقه دليلا كما في الآية؛ بل جعلوه مستدلا عليه. وظنوا أنه ~~يعرف بالبديهة والحس حدوث أعراض النطفة. وأما جواهرها فاعتقدوا أن الأجسام ~~كلها مركبة من الجواهر المنفردة وأن خلق الإنسان وغيره إنما هو إحداث أعراض ~~في تلك الجواهر بجمعها وتفريقها ليس هو إحداث عين. فصاروا يريدون أن ~~يستدلوا على أن الإنسان مخلوق. ثم إذا ثبت أنه مخلوق قالوا: إن له خالقا. ~~واستدلوا على أنه مخلوق بدليل الأعراض وأن النطفة والعلقة والمضغة لا تنفك ~~من أعراض حادثة. إذ كان عندهم جواهر تجمع تارة وتفرق أخرى فلا تخلو عن ~~اجتماع وافتراق وهما حادثان. فلم يخل الإنسان عن الحوادث وما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها. وهذه هي الطريقة التي سلكها ~~الأشعري في " اللمع في الرد على أهل البدع " وشرحه أصحابه شروحا كثيرة. ~~وكذلك في " رسالته إلى أهل الثغر ". وذكر قوله تعالى {أفرأيتم ما تمنون} ~~{أأنتم تخلقونه أم # PageV16P268 # نحن الخالقون} فاستدل على أن الإنسان مخلوق بأنه مركب من الجواهر التي لا ~~تخلو من اجتماع وافتراق فلم تخل من الحوادث فهي حادثة. وهذه الطريقة هي ~~مقتضية من كون الأجسام كلها كذلك. وتلك هي الطريقة المشهورة التي يسلكها ~~الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من المتأخرين المنتسبين إلى المذاهب الأربعة ~~وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كما ذكرها القاضي وابن ~~عقيل وغيرهما. وذكرها أبو المعالي الجويني وصاحب " التتمة " وغيرهما. ~~وذكرها أبو ms5040 الوليد الباجي وأبو بكر بن العربي وغيرهما. وذكرها أبو منصور ~~الماتريدي والصابوني. وغيرهما. لكن هؤلاء الذين استدلوا بخلق الإنسان فرضوا ~~ذلك في الإنسان ظنا أن هذه طريقة القرآن. وطولوا في ذلك ودققوا حتى استدلوا ~~على كون عين الإنسان وجواهره مخلوقة لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة العقل ~~إنما هو حدوث أعراض لا حدوث جواهر. وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب ~~والمطر والزرع والثمر والإنسان والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضا وهي جمع ~~الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها. # PageV16P269 # وزعموا أن أحدا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل ~~وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما استدلوا. فقالوا: هذه أعراض حادثة في جواهر ~~وتلك الجواهر لم تخل من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض. ثم قالوا: ~~وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وهذا بنوه على أن الأجسام مركبة من ~~الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة وقالوا: إن الأجسام لا يستحيل بعضها ~~إلى بعض. وجمهور العقلاء من السلف وأنواع العلماء وأكثر النظار يخالفون ~~هؤلاء فيما يثبتون من الجوهر الفرد ويثبتون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض ~~ويقولون بأن الرب لا يزال يحدث الأعيان كما دل على ذلك القرآن. ولهذا كانت ~~هذه الطريق باطلة عقلا وشرعا وهي مكابرة للعقل. فإن كون الإنسان مخلوقا ~~محدثا كائنا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس. وكل أحد يعلم ~~أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن وأن عينه حدثت كما قال تعالى {وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا} وقال تعالى {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا} # PageV16P270 # ليس هذا مما يستدل عليه فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحيحا. ~~فكيف إذا كان باطلا. وقولهم: إن الحادث أعراض فقط وإنه مركب من الجواهر ~~الفردة قولان باطلان لا يعلم صحتهما. بل يعلم بطلانهما. ويعلم حدوث جوهر ~~الإنسان وغيره من المادة التي خلق منها وهي العلق كما قال {خلق الإنسان من ~~علق} . وكونه مركبا من جواهر فردة ليس ms5041 صحيحا. ولو كان صحيحا لم يكن معلوما ~~إلا بأدلة دقيقة لا تكون هي أصل الدين الذي هو مقدمات أولية. فإن تلك ~~المقدمات يجب أن تكون بينة أولية معلومة بالبديهة. فطريقهم تضمن جحد ~~المعلوم وهو حدوث الأعيان الحادثة وهذا معلوم للخلق؛ وإثبات ما ليس بمعلوم ~~بل هو باطل؛ وأن الأحداث لها إنما هو جمع وتفريق للجواهر وأنه إحداث أعراض ~~فقط. ولهذا كان استدلالهم بطريقة الجواهر والأعراض على هذا الوجه مما أنكره ~~عليهم أئمة الدين وبينوا أنهم مبتدعون في ذلك بل # PageV16P271 # بينوا ضلالهم شرعا وعقلا كما بسط كلام السلف والأئمة عليهم في غير هذا ~~الموضع إذ هو كثير. فالقرآن استدل بما هو معلوم للخلق من أنه {خلق الإنسان ~~من علق} . وهؤلاء جاءوا إلى هذا المعلوم فزعموا أنه غير معلوم بل هو مشكوك ~~فيه. ثم زعموا أنهم يذكرون الدليل الذي به يصير معلوما. فذكروا دليلا باطلا ~~لا يدل على حدوثه بل يظن أنه دليل وهو شبهة ولها لوازم فاسدة. فأنكروا ~~المعلوم بالعقل ثم الشرع وادعوا طريقا معلومة بالعقل وهي باطلة في العقل ~~والشرع. فضاهوا الذين قال الله فيهم {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير} . وكذلك في إثبات النبوات وإمكانها وفي إثبات المعاد وإمكانه عدلوا ~~عن الطريق الهادية التي توجب العلم اليقيني التي هدى الله بها عباده إلى ~~طريق تورث الشك والشبهة والحيرة. ولهذا قيل: غاية المتكلمين المبتدعين الشك ~~وغاية الصوفية المبتدعين الشطح. ثم لها لوازم باطلة مخالفة للعقل والشرع ~~فألزموا لوازمها التي أوجبت لهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات. ~~وتكلموا # PageV16P272 # في دلائل النبوة والمعاد ودلائل الربوبية بأمور وزعموا أنها أدلة وهي عند ~~التحقيق ليست بأدلة. ولهذا يطعن بعضهم في أدلة بعض. وإذا استدلوا بدليل ~~صحيح فهو مطابق لما جاء به الرسول إن تنوعت العبارات. ولهذا قد يستدل بعضهم ~~بدليل إما صحيح وإما غير صحيح فيطعن فيه آخر ويزعم أنه يذكر ما هو خير منه ~~ويكون الذي يذكره دون ما ذكره ذاك. وهذا يصيبهم كثيرا في الحدود يطعن هؤلاء ms5042 ~~في حد هؤلاء ويذكرون حدا مثله أو دونه. وتكون الحدود كلها من جنس واحد وهي ~~صحيحة إذا أريد بها التمييز بين المحدود وغيره. وأما من قال: إن الحدود ~~تفيد تصوير ماهية المحدود كما يقوله أهل المنطق فهؤلاء غالطون ضالون كما قد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع. وإنما الحد معرف للمحدود ودليل عليه بمنزلة ~~الاسم لكنه يفصل ما دل عليه الاسم بالإجمال. فهو نوع من الأدلة كما قد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا التنبيه على الفرق بين الطريق ~~المفيد للعلم واليقين كالتي بينها القرآن وبين ما ليس كذلك من طرق أهل ~~البدع الباطلة شرعا وعقلا. # PageV16P273 # فصل: # وهؤلاء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث ~~الأجسام اضطربوا كثيرا كما قد بسط في مواضع. ولا بد لكل منهم مع مخالفته ~~للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف أيضا صريح العقل ويكابر: فيكون ممن لا ~~يسمع ولا يعقل. فإن القول له لوازم فإذا كان باطلا فقد يستلزم أمورا باطلة ~~ظاهرة البطلان. وصاحبه يريد إثبات تلك اللوازم فيظهر مخالفته للحس والعقل. ~~كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة وقالوا إن الحركات في نفسها لا تنقسم إلى ~~سريع وبطيء إذ كانت الحركة عندهم منقسمة كانقسام المتحرك وكذلك الزمان ~~وأجزاء الزمان. والحركة والمتحرك عندهم واحد لا ينقسم فإذا كان المتحركان ~~سواء وحركة أحدهما أسرع قالوا: إنما ذاك لتخلل السكنات. وادعوا أن الرحا ~~والدولاب وكل مستدير إذا تحرك فإن زمان حركة المحيط والطوق الصغير واحد مع ~~كثرة أجزاء المحيط فيجب أن تكون حركتها أكثر فيكون زمنها أكثر وليس هو ~~بأكثر؛ # PageV16P274 # فادعوا أنها تنفك ثم تتصل. وهذه مكابرة من جنس " طفرة النظام ". وكذلك ~~الذين قالوا بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس وما يعلمه العقلاء ~~بضرورة عقولهم. فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا اللون. ~~وكذلك لون السماء والجبال والخشب والورق وغير ذلك. ومما ألجأهم إلى هذا ~~ظنهم أنهما لو كانا باقيين لم يمكن إعدامهما. فإنهم حاروا في ms5043 إفناء الله ~~الأشياء إذا أراد أن يفنيها كما حاروا في إحداثها. وحيرتهم في الإفناء ~~أظهر. هذا يقول: يخلق فناء لا في محل فيكون ضدا لها فتفنى بضدها. وهذا ~~يقول: يقطع عنها الأعراض مطلقا أو البقاء الذي لا تبقى إلا به فيكون فناؤها ~~لفوات شرطها. ومن أسباب ذلك ظنهم أو ظن من ظن منهم أن الحوادث لا تحتاج إلى ~~الله إلا حال إحداثها لا حال بقائها وقد قالوا إنه قادر على إفنائها. ~~فتكلفوا هذه الأقوال الباطلة. وهؤلاء لا يحتجون على بقاء الرب بافتقار ~~العالم إليه بل بأنه قديم وما وجب قدمه امتنع عدمه. وإلا فالباقي حال بقائه ~~لا يحتاج إلى الرب عندهم. # PageV16P275 # وهؤلاء شر من الذين سألوا موسى: هل ينام ربك؟ فضرب الله لهم المثل ~~بالقارورتين لما أرق موسى ليالي ثم أمره بإمساك القارورتين فلما أمسكهما ~~غلبه النوم فتكسرتا. فبين الله له لو أخذته سنة أو نوم لتدكدك العالم. وعلى ~~رأي هؤلاء لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقي. لكن منهم من يقول: هو محتاج ~~إلى إحداث الأعراض متوالية لأن العرض عنده لا يبقى زمانين. فمن هذا الوجه ~~يقول: إذ لو أخذته سنة أو نوم لم تحدث الأعراض التي تبقى بها الأجسام لا ~~لأن الأجسام في نفسها مفتقرة إليه في حال بقائها عنده. وكذلك يقولون: إن ~~الإرادة لا تتعلق بالقديم ولا بالباقي. وكذلك القدرة عندهم لا تتعلق ~~بالباقي ولا العجز يصح أن يكون عجزا عن الباقي والقديم عندهم. لأن العجز ~~عندهم إنما يكون عجزا عما تصح القدرة عليه. وهؤلاء يقولون: علة الافتقار ~~إلى الخالق مجرد الحدوث. وآخرون من المتفلسفة يقولون: هو مجرد الإمكان ~~ويدعون أن القديم الأزلي الذي لم يزل ولا يزال هو مفتقر إلى الصانع. فهذا ~~يدعي أن الباقي المحدث لا يفتقر وهذا يدعي أن الباقي القديم يفتقر. وكلا ~~القولين # PageV16P276 # فاسد كما قد بسط في مواضع. والحق أن كل ما سوى الله حادث وهو مفتقر إليه ~~دائما. وهو يبقيه ويعدمه كما ينشئه ويحدثه كما يحدث الحوادث من التراب ~~وغيره ms5044 ثم يفنيها ويحيلها إلى التراب وغيره. وهؤلاء ادعى كثير منهم أن كل ما ~~سوى الله يعدم ثم يعاد. وبعضهم قال: هذا ممكن لكنه موقوف على الخبر والخبر ~~لم يتعرض لذلك بنفي ولا إثبات. وهذا هو المعاد عندهم. وهذا لم يأت به كتاب ~~ولا سنة ولا دل عليه عقل. بل الكتاب والسنة يبين أن الله يحيل العالم من ~~حال إلى حال كما يشق السماء ويجعل الجبال كالعهن ويكور الشمس إلى غير ذلك ~~مما أخبر الله في كتابه لم يخبر أن جميع الأشياء تعدم ثم تعاد. ثم منهم من ~~يقول: إنها تعدم بعد ذلك لامتناع وجود حوادث لا آخر لها كما تقوله الجهمية. ~~وهذا مما أنكره عليهم السلف والأئمة كما قد ذكر في غير هذا الموضع. وهؤلاء ~~إنما قالوا هذا طردا لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث وقالوا: ما وجب أن ~~يكون له ابتداء وجب أن يكون له انتهاء كما قد بسط هذا وبين فساد هذا الأصل. # PageV16P277 # فصل: # وهو سبحانه تارة يذكر خلق الإنسان مجملا وتارة يذكره مفصلا كقوله {ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين} {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} {ثم خلقنا ~~النطفة علقة} {فخلقنا العلقة مضغة} {فخلقنا المضغة عظاما} {فكسونا العظام ~~لحما} {ثم أنشأناه خلقا آخر} {فتبارك الله أحسن الخالقين} . ثم ذكر ~~المعادين الأصغر والأكبر فقال {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} {ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون} . ومن الناس من يقول: لم دخلت لام التوكيد في الموت وهو ~~مشاهد ولم تدخل في البعث وهو غيب فيحتاج إلى التوكيد؟ وذلك والله أعلم أن ~~المقصود بذكر الموت والبعث هو الإخبار بالجزاء والمعاد وأول ذلك هو الموت. ~~فنبه على الإيمان بالمعاد والاستعداد لما بعد الموت. وهو إنما قال " تبعثون ~~" فقط ولم يقل " تجازون " لكن قد علم أن البعث للجزاء. وأيضا ففيه تنبيه ~~على قهر الإنسان وإذلاله يقول: بعد هذا # PageV16P278 # كله إنك تموت فترد إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات كما ~~قال {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} {ثم رددناه أسفل سافلين} {إلا ms5045 الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} . وهذا الرد هو بالموت. فإنه ~~يصير في أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات كما قال {كلا إن كتاب ~~الفجار لفي سجين} وقال {إن كتاب الأبرار لفي عليين} . وفي قوله {أسفل ~~سافلين} قولان. قيل: الهرم. وقيل: العذاب بعد الموت وهذا هو الذي دلت عليه ~~الآية قطعا. فإنه جعله في أسفل سافلين إلا المؤمنين. والناس نوعان: فالكافر ~~بعد الموت يعذب في أسفل سافلين والمؤمن في عليين. وأما القول الأول ففيه ~~نظر. فإنه ليس كل من سوى المؤمنين يهرم فيرد إلى أسفل سافلين. بل كثير من ~~الكفار يموت قبل الهرم وكثير من المؤمنين يهرم وإن كان حال المؤمن في الهرم ~~أحسن حالا من الكافر فكذلك في الشباب حال المؤمن أحسن من حال الكافر فجعل ~~الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه بالكفار ضعيف. ولهذا قال بعضهم ~~إن الاستثناء منقطع على هذا القول وهو أيضا # PageV16P279 # ضعيف. فإن المنقطع لا يكون في الموجب ولو جاز هذا لجاز لكل أحد أن يدعي ~~في أي استثناء شاء أنه منقطع. وأيضا فالمنقطع لا يكون الثاني منه بعض الأول ~~والمؤمنون بعض نوع الإنسان. وقد فسر ذلك بعضهم على القول الأول بأن المؤمن ~~يكتب له ما كان يعمله إذا عجز. قال إبراهيم النخعي: إذا بلغ المؤمن من ~~الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله له ما كان يعمل وهو قوله {فلهم أجر غير ~~ممنون} . وقال ابن قتيبة: المعنى {إلا الذين آمنوا} في وقت القوة والقدرة ~~فإنهم في حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات. فإن الله يعلم لو لم ~~يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك. فيقال: وهذا ~~أيضا ثابت في حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض أو سفر كما في الصحيحين عن أبي ~~موسى عن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ~~من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم} . وفسره بعضهم بما روي عن ابن ms5046 عباس ~~أنه قال: من قرأ القرآن فإنه لا يرد إلى أرذل العمر. فيقال: هذا مخصوص ~~بقارئ القرآن والآية استثنت الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء قرؤوا القرآن ~~أو لم # PageV16P280 # يقرؤوه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {مثل المؤمن ~~الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها} . وأيضا فيقال: هرم ~~الحيوان ليس مخصوصا بالإنسان بل غيره من الحيوان إذا كبر هرم. وأيضا فالشيخ ~~وإن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب. ولو قدر أنه ينقص بعض قواه فليس هذا ~~ردا إلى أسفل سافلين. فإنه سبحانه إنما يصف الهرم بالضعف كقوله {ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة} وقوله {ومن نعمره ننكسه في الخلق} فهو يعيده إلى حال ~~الضعف. ومعلوم أن الطفل ليس هو في أسفل سافلين فالشيخ كذلك وأولى. وإنما في ~~أسفل سافلين من يكون في سجين لا في عليين كما قال تعالى {إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار} . ومما يبين ذلك قوله {فما يكذبك بعد بالدين} . ~~فإنه يقتضي ارتباط هذا بما قبله لذكره بحرف الفاء. ولو كان المذكور إنما هو ~~رده إلى الهرم دون ما بعد الموت لم يكن هناك تعرض للدين والجزاء بخلاف # PageV16P281 # ما إذا كان المذكور أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن ~~المصلح. فإن هذا يتضمن الخبر بأن الله يدين العباد بعد الموت فيكرم ~~المؤمنين ويهين الكافرين. وأيضا فإنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة ~~بالتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين. وهي المواضع التي جاء منها ~~محمد والمسيح وموسى وأرسل الله بها هؤلاء الرسل مبشرين ومنذرين. وهذا ~~الإقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل أحد بل على الأمور الغائبة ~~التي تؤكد بالأقسام. فإن إقسام الله هو على أنباء الغيب. وفي نفس المقسم به ~~وهو إرسال هؤلاء الرسل تحقيق للمقسم عليه وهو الثواب والعقاب بعد الموت لأن ~~الرسل أخبروا به. وهو يتضمن أيضا الجزاء في ms5047 الدنيا كإهلاك من أهلكهم من ~~الكفار. فإنه ردهم إلى أسفل سافلين بهلاكهم في الدنيا. وهو تنبيه على زوال ~~النعم إذا حصلت المعاصي كمن رد في الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه. # PageV16P282 # وقوله {فما يكذبك بعد بالدين} أي بالجزاء يتناول جزاءه على الأعمال في ~~الدنيا والبرزخ والآخرة. إذ كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين الذين ~~أرسلوا بالآيات البينات الدالة على أمر الله ونهيه ووعده ووعيده مبشرين ~~لأهل الإيمان منذرين لأهل الكفر. وقد أقسم بذلك على أن الإنسان بعد أن جعل ~~في أحسن تقويم إن آمن وعمل صالحا كان له أجر غير ممنون وإلا كان في أسفل ~~سافلين. فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم. ~~والإقسام بمواضع محنهم تعظيم لهم. فإن موضع الإنسان إذا عظم لأجله كان هو ~~أحق بالتعظيم. ولهذا يقال في المكاتبات " إلى المجلس والمقر ونحو ذلك ~~السامي والعالي " ويذكر بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه. فلما قال {فما ~~يكذبك بعد بالدين} دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع التكذيب بالدين. ~~وفي قوله {يكذبك} قولان. قيل: هو خطاب للإنسان كما قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ~~ولم يذكر البغوي غيره. قال عكرمة يقول: فما يكذبك بعد بهذه الأشياء التي ~~فعلت بك. وعن مقاتل: # PageV16P283 # فما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء وزعم أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة. ~~والثاني أنه خطاب للرسول وهذا أظهر. فإن الإنسان إنما ذكر مخبرا عنه لم ~~يخاطب. والرسول هو الذي أنزل عليه القرآن والخطاب في هذه السور له كقوله ~~{ما ودعك ربك وما قلى} وقوله {ألم نشرح لك صدرك} وقوله {اقرأ باسم ربك} . ~~والإنسان إذا خوطب قيل له {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} {يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} . وأيضا فبتقدير أن يكون خطابا للإنسان يجب ~~أن يكون خطابا للجنس كقوله {يا أيها الإنسان إنك كادح} وعلى قول هؤلاء إنما ~~هو خطاب للكافر خاصة المكذب بالدين. وأيضا فإن قوله {يكذبك بعد بالدين} أي ~~يجعلك كاذبا هذا هو المعروف من ms5048 لغة العرب. فإن استعمال " كذب غيره أي نسبه ~~إلى الكذب وجعله كاذبا " مشهور والقرآن مملوء من هذا. وحيث ذكر الله تكذيب ~~المكذبين للرسل أو التكذيب بالحق ونحو ذلك فهذا مراده. # PageV16P284 # لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال {يكذبك بعد بالدين} . فذكر ~~المكذب بالدين فذكر المكذب والمكذب به جميعا. وهذا قليل جاء نظيره في قوله ~~{فقد كذبوكم بما تقولون} فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما إما المكذب ~~كقوله {كذبت قوم نوح المرسلين} وإما المكذب به كقوله {بل كذبوا بالساعة} . ~~وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل. ومن هنا اشتبهت هذه الآية على ~~من جعل الخطاب فيها للإنسان وفسر معنى قوله {فما يكذبك} فما يجعلك مكذبا. ~~وعبارة آخرين: فما يجعلك كذابا. قال ابن عطية: وقال جمهور من المفسرين: ~~المخاطب الإنسان الكافر أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين تجعل لله أندادا ~~وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل؟ . (قلت وكلا القولين غير معروف في لغة ~~العرب أن يقول " كذبك أي جعلك مكذبا " بل " كذبك: جعلك كذابا ". وإذا قيل " ~~جعلك كذابا " أي كاذبا فيما يخبر به كما جعل الكفار الرسل كاذبين فيما ~~أخبروا به فكذبوهم وهذا يقول: # PageV16P285 # جعلك كاذبا بالدين فجعل كذبه أنه أشرك وأنه أنكر المعاد وهذا ضد الذي ~~ينكر. ذاك جعله مكذبا بالدين وهذا جعله كاذبا بالدين. والأول فاسد من جهة ~~العربية والثاني فاسد من جهة المعنى. فإن الدين هو الجزاء الذي كذب به ~~الكافر. والكافر كذب به لم يكذب هو به. وأيضا فلا يعرف في المخبر أن يقال " ~~كذبت به " بل يقال " كذبته ". وأيضا فالمعروف في " كذبه " أي نسبه إلى ~~الكذب لا أنه جعل الكذب فيه. فهذا كله تكلف لا يعرف في اللغة بل المعروف ~~خلافه. وهو لم يقل " فما يكذبك " ولا قال " فما كذبك ". ولهذا كان علماء ~~العربية على القول الأول. قال ابن عطية: واختلف في المخاطب بقوله {فما ~~يكذبك} فقال قتادة والفراء والأخفش: هو محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله ~~له: " فما الذي يكذبك فيما ms5049 تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه ~~العبرة التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت "؟ . قال: ويحتمل أن يكون الدين ~~على هذا التأويل جميع شرعه ودينه. # PageV16P286 # قلت: وعلى أن المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم في المعنى قولان أحدهما ~~قول قتادة قال: {فما يكذبك بعد بالدين} أي استيقن فقد جاءك البيان من الله. ~~وهكذا رواه عنه ابن أبي حاتم بإسناد ثابت. وكذلك ذكره المهدوي: {فما يكذبك ~~بعد بالدين} أي استيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين. فالخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: معناه عن قتادة. قال: وقيل المعنى: فما ~~يكذبك أيها الشاك يعني الكفار في قدرة الله؟ أي شيء يحملك على ذلك بعد ما ~~تبين لك من قدرته؟ قال وقال الفراء: فمن يكذبك بالثواب والعقاب؟ وهو اختيار ~~الطبري. (قلت: هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن ~~يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كما روى الناس ومنهم ابن أبي حاتم: ~~عن الثوري: عن منصور قال قلت لمجاهد: {فما يكذبك بعد بالدين} عنى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال: معاذ الله عنى به الإنسان. وقد أحسن مجاهد في ~~تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال له {فما يكذبك} أي استيقن ولا ~~تكذب. فإنه لو قيل له " لا تكذب " # PageV16P287 # لكان هذا من جنس أمره بالإيمان والتقوى ونهيه عما نهى الله عنه. وأما إذا ~~قيل {فما يكذبك بعد بالدين} فهو لم يكذب بالدين بل هو الذي أخبر بالدين ~~وصدق به فهو {الذي جاء بالصدق وصدق به} فكيف يقال له. {ما يكذبك بعد ~~بالدين} ؟ فهذا القول فاسد لفظا ومعنى. واللفظ الذي رأيته منقولا بالإسناد ~~عن قتادة ليس صريحا فيه بل يحتمل أن يكون أراد به خطاب الإنسان. فإنه قال ~~{فما يكذبك بعد بالدين} قال: " استيقن فقد جاءك البيان ". وكل إنسان مخاطب ~~بهذا. فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى صحيح. لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى ms5050 هذا فهذا المعنى باطل. فلا يقال للرسول " ~~فأي شيء يجعلك مكذبا بالدين؟ " وإن ارتأت به النفس لأن هذا فيه دلائل تدل ~~على فساده. ولهذا استعاذ منه مجاهد. والصواب ما قاله الفراء والأخفش ~~وغيرهما. وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره من العلماء ~~كما تقدم. وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء فقال: إنه خطاب # PageV16P288 # للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب ~~بعد ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا قاله الفراء. قال: وأما " ~~الدين " فهو الجزاء. (قلت: وكذلك قال غير واحد كما روى ابن أبي حاتم عن ~~النضر بن عربي: {فما يكذبك بعد بالدين} أي بالحساب. ومن تفسير العوفي عن ~~ابن عباس: أي بحكم الله. قلت: قال " بحكم الله " لقوله {أليس الله بأحكم ~~الحاكمين} . وهو سبحانه يحكم بين المصدق بالدين والمكذب به. وعلى هذا قوله ~~(فما وصف للأشخاص. ولم يقل " فمن " لأن " ما " يراد به الصفات دون الأعيان ~~وهو المقصود كقوله {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقوله {لا أعبد ما ~~تعبدون} وقوله {ونفس وما سواها} . كأنه قيل: فما المكذب بالدين بعد هذا؟ أي ~~من هذه صفته ونعته هو جاهل ظالم لنفسه والله يحكم بين عباده فيما يختلفون ~~فيه من هذا النبإ العظيم. وقوله (بعد قد قيل إنه " بعد ما ذكر من دلائل ~~الدين " # PageV16P289 # وقد يقال: لم يذكر إلا الإخبار به. وأن الناس نوعان: في أسفل سافلين ونوع ~~لهم أجر غير ممنون؟ فقد ذكر البشارة والنذارة والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين. ~~فمن كذبك بعد هذا فحكمه إلى الله أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك ~~تبليغه. وقوله {فما يكذبك} ليس نفيا للتكذيب فقد وقع. بل قد يقال إنه تعجب ~~منه كما قال {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} وقد ~~يقال إن هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه كما يقال " من فلان؟ " و ~~" من يقول هذا إلا جاهل؟ ". لكنه ذكره بصيغة " ما " فإنها تدل ms5051 على صفته وهي ~~المقصودة إذ لا غرض في عينه. كأنه قيل " فأي صنف وأي جاهل يكذبك بعد ~~بالدين؟ فإنه من الذين يردون إلى أسفل سافلين " وقوله {أليس الله بأحكم ~~الحاكمين} يدل على أنه الحاكم بين المكذب بالدين والمؤمن به. والأمر في ذلك ~~له سبحانه وتعالى. # PageV16P290 # والقرآن لا تنقضي عجائبه. والله سبحانه بين مراده بيانا أحكمه لكن ~~الاشتباه يقع على من لم يرسخ في علم الدلائل الدالة. فإن هذه السورة وغيرها ~~فيها عجائب لا تنقضي. منها أن قوله {فما يكذبك بعد بالدين} ذكر فيه الرسول ~~المكذب والدين المكذب به جميعا. فإن السورة تضمنت الأمرين. تضمنت الإقسام ~~بأماكن الرسل المبينة لعظمتهم وما أتوا به من الآيات الدالة على صدقهم ~~الموجبة للإيمان. وهم قد أخبروا بالمعاد المذكور في هذه السورة. وقد أقسم ~~الله عليه كما يقسم عليه في غير موضع وكما أمر نبيه أن يقسم عليه في مثل ~~قوله {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} وقوله {وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} . فلما تضمنت هذا وهذا ذكر ~~نوعي التكذيب فقال {فما يكذبك بعد بالدين} والله سبحانه أعلم. وأيضا فإنه ~~لا ذنب له في ذلك والقرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء على ذنوبه. ولهذا ~~قال {إلا الذين آمنوا وعملوا # PageV16P291 # الصالحات} كما قال {إن الإنسان لفي خسر} {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} لكن هنا ذكر الخسر فقط فوصف ~~المستثنين بأنهم تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر مع الإيمان والصلاح. وهناك ~~ذكر أسفل سافلين وهو العذاب والمؤمن المصلح لا يعذب وإن كان قد ضيع أمورا ~~خسرها لو حفظها لكان رابحا غير خاسر. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا ~~أنه سبحانه يذكر خلق الإنسان مجملا ومفصلا. وتارة يذكر إحياءه كقوله تعالى ~~{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون} وهو كقول الخليل عليه السلام {ربي الذي يحيي ويميت} فإن خلق الحياة ~~ولوازمها وملزوماتها أعظم وأدل على القدرة والنعمة والحكمة. ms5052 # PageV16P292 # فصل: # قوله {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . ~~سمى ووصف نفسه بالكرم وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على ~~المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال في موضع آخر {الذي خلق ~~فسوى} {والذي قدر فهدى} وكما قال موسى عليه السلام {ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى} وكما قال الخليل عليه السلام {الذي خلقني فهو يهدين} فالخلق ~~يتضمن الابتداء والكرم تضمن الانتهاء كما قال في أم القرآن {رب العالمين} ~~ثم قال {الرحمن الرحيم} ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد. لا يراد به ~~مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه فإن الإحسان إلى الغير تمام ~~المحاسن. والكرم كثرة الخير ويسرته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا تسموا العنب الكرم فإنما الكرم قلب المؤمن} . # PageV16P293 # وهم سموا العنب " الكرم " لأنه أنفع الفواكه يؤكل رطبا ويابسا ويعصر ~~فيتخذ منه أنواع. وهو أعم وجودا من النخل يوجد في عامة البلاد والنخل لا ~~يكون إلا في البلاد الحارة. ولهذا قال في رزق الإنسان {فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه} {أنا صببنا الماء صبا} {ثم شققنا الأرض شقا} {فأنبتنا فيها حبا} ~~{وعنبا وقضبا} {وزيتونا ونخلا} {وحدائق غلبا} {وفاكهة وأبا} {متاعا لكم ~~ولأنعامكم} فقدم العنب. وقال في صفة الجنة {إن للمتقين مفازا} {حدائق ~~وأعنابا} ومع هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالكرم وقال: ~~{الكرم قلب المؤمن} . فإنه ليس في الدنيا أكثر ولا أعظم خيرا من قلب ~~المؤمن. والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم. قال تعالى {أولم يروا إلى الأرض ~~كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} . قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن. وقال ~~الزجاج: الزوج النوع والكريم المحمود. وقال غيرهما {من كل زوج} صنف وضرب ~~{كريم} حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام. يقال: " نخلة كريمة " إذا ~~طاب حملها و " ناقة كريمة " إذا كثر لبنها. # PageV16P294 # وعن الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار ~~فهو لئيم. والقرآن قد دل على أن ms5053 الناس فيهم كريم على الله يكرمه وفيهم من ~~يهينه. قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال تعالى {ومن يهن الله ~~فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ~~بن جبل: {وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله ~~حجاب} . وكرائم الأموال: التي تكرم على أصحابها لحاجتهم إليها وانتفاعهم ~~بها من الأنعام وغيرها. وهو سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف ~~لها. فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف ما لو قال " وربك أكرم ". فإنه لا يدل ~~على الحصر وقوله {الأكرم} يدل على الحصر. ولم يقل " الأكرم من كذا " بل ~~أطلق الاسم ليبين أنه الأكرم مطلقا غير مقيد. فدل على أنه متصف بغاية الكرم ~~الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه. قال ابن عطية: ثم قال له تعالى {اقرأ وربك ~~الأكرم} على # PageV16P295 # جهة التأنيس كأنه يقول: امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب بل هو ~~الأكرم الذي لا يلحقه نقص فهو ينصرك ويظهرك. قلت وقد قال بعض السلف: " لا ~~يهدين أحدكم لله ما يستحيي أن يهديه لكريمه فإن الله أكرم الكرماء ". أي هو ~~أحق من كل شيء بالإكرام إذ كان أكرم من كل شيء. وهو سبحانه ذو الجلال ~~والإكرام. فهو المستحق لأن يجل ولأن يكرم. والإجلال يتضمن التعظيم والإكرام ~~يتضمن الحمد والمحبة. وهذا كما قيل في صفة المؤمن: إنه رزق حلاوة ومهابة. ~~وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم {من رآه بديهة ~~هابه ومن خالطه معرفة أحبه} وهذا لأنه سبحانه له الملك وله الحمد. وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن أهل السنة يصفونه بالقدرة ~~الإلهية والحكمة والرحمة. وهم الذين يعبدونه ويحمدونه وأنه يجب أن يكون هو ~~المستحق لأن يعبد دون ما سواه والعبادة تتضمن غاية الذل وغاية الحب. # PageV16P296 # وأن المنكرين لكونه يحب من الجهمية ومن وافقهم حقيقة قولهم أنه لا يستحق ~~أن يعبد كما أن قولهم إنه يفعل ms5054 بلا حكمة ولا رحمة يقتضي أنه لا يحمد. فهم ~~إنما يصفونه بالقدرة والقهر. وهذا إنما يقتضي الإجلال فقط لا يقتضي الإكرام ~~والمحبة والحمد. وهو سبحانه الأكرم. قال تعالى {إن بطش ربك لشديد} {إنه هو ~~يبدئ ويعيد} ثم قال {وهو الغفور الودود} {ذو العرش المجيد} {فعال لما يريد} ~~وقال شعيب {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} وفي أول ما نزل ~~وصف نفسه بأنه الذي خلق وبأنه الأكرم. والجهمية ليس عندهم إلا كونه خالقا ~~مع تقصيرهم في إثبات كونه خالقا لا يصفونه بالكرم ولا الرحمة ولا الحكمة. ~~وإن أطلقوا ألفاظها فلا يعنون بها معناها بل يطلقونها لأجل مجيئها في ~~القرآن ثم يلحدون في أسمائه ويحرفون الكلم عن مواضعه. فتارة يقولون: الحكمة ~~هي القدرة وتارة يقولون: هي المشيئة وتارة يقولون: هي العلم. وأن الحكمة ~~وإن تضمنت ذلك واستلزمته فهي أمر زائد # PageV16P297 # على ذلك. فليس كل من كان قادرا أو مريدا كان حكيما؛ ولا كل من كان له علم ~~يكون حكيما حتى يكون عاملا بعلمه. قال ابن قتيبة وغيره: الحكمة هي العلم ~~والعمل به وهي أيضا: القول الصواب. فتتناول القول السديد والعمل المستقيم ~~الصالح. والرب تعالى أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. والإحكام الذي في ~~مخلوقاته دليل على علمه. وهم مع سائر الطوائف يستدلون بالإحكام على العلم ~~وإنما يدل إذا كان الفاعل حكيما يفعل لحكمة. وهم يقولون إنه لا يفعل لحكمة ~~وإنما يفعل بمشيئة تخص أحد المتماثلين بلا سبب يوجب التخصيص. وهذا مناقض ~~للحكمة بل هذا سفه. وهو قد نزه نفسه عنه في قوله {لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون} وقد أخبر أنه إنما خلق السموات والأرض وما ~~بينهما بالحق وأنه # PageV16P298 # لم يخلقهما باطلا وأن ذلك ظن الذين كفروا. وقال {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا} وقال {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى. وهذا ~~استفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب. ms5055 والجهمية المجبرة تجوز ذلك عليه ~~ولا تنزهه عن فعل وإن كان من منكرات الأفعال. ولا تنعته بلوازم كرمه ورحمته ~~وحكمته وعدله فيعلم أنه يفعل ما هو اللائق بذلك ولا يفعل ما يضاد ذلك. بل ~~تجوز كل مقدور أن يكون وأن لا يكون وإنما يجزم بأحدهما لأجل خبر سمعي أو ~~عادة مطردة مع تناقضهم في الاستدلال بالخبر أخبار الرسل وعادات الرب. كما ~~بسط هذا في مواضع مثل الكلام على معجزات الأنبياء وعلى إرسال الرسل والأمر ~~والنهي وعلى المعاد ونحو ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه الصادرة عن مشيئته. ~~فإنها صادرة عن حكمته وعن رحمته ومشيئته مستلزمة لهذا وهذا لا يشاء إلا ~~مشيئة متضمنة للحكمة وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لله أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها} . # PageV16P299 # فهم في الحقيقة لا يقرون بأنه الأكرم. والإرادة التي يثبتونها لم يدل ~~عليها سمع ولا عقل. فإنه لا تعرف إرادة ترجح مرادا على مراد بلا سبب يقتضي ~~الترجيح. ومن قال من الجهمية والمعتزلة " إن القادر يرجح أحد مقدوريه على ~~الآخر بلا مرجح " فهو مكابر. وتمثيلهم ذلك بالجائع إذا أخذ أحد الرغيفين ~~والهارب إذا سلك أحد الطريقين حجة عليهم. فإن ذلك لا يقع إلا مع رجحان ~~أحدهما إما لكونه أيسر في القدرة وإما لأنه الذي خطر بباله وتصوره أو ظن ~~أنه أنفع. فلا بد من رجحان أحدهما بنوع ما إما من جهة القدرة وإما من جهة ~~التصور والشعور. وحينئذ يرجح إرادته والآخر لم يرده. فكيف يقال إن إرادته ~~رجحت أحدهما بلا مرجح؟ أو أنه رجح إرادة هذا على إرادة ذاك بلا مرجح؟ وهذا ~~ممتنع يعرف امتناعه من تصوره حق التصور. ولكن لما تكلموا في مبدأ الخلق ~~بكلام ابتدعوه خالفوا به الشرع والعقل احتاجوا إلى هذه المكابرة كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع. وبذلك تسلط عليهم الفلاسفة من جهة أخرى. فلا للإسلام ~~نصروا ولا للفلاسفة كسروا. # PageV16P300 # ومعلوم بصريح العقل أن القادر إذا لم ms5056 يكن مريدا للفعل ولا فاعلا ثم صار ~~مريدا فاعلا فلا بد من حدوث أمر اقتضى ذلك. والكلام هنا في مقامين. أحدهما ~~في جنس الفعل والقول هل صار فاعلا متكلما بمشيئته بعد أن لم يكن أو ما زال ~~فاعلا متكلما بمشيئته. وهذا مبسوط في مسائل الكلام والأفعال في مسألة ~~القرآن وحدوث العالم. والثاني إرادة الشيء المعين وفعله كقوله تعالى {إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقوله {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما} وقوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} وقوله {وإذا أراد الله بقوم سوءا ~~فلا مرد له} وقوله {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله} وقوله {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر ~~هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} . وهو سبحانه إذا ~~أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال. قيل: الإرادة قديمة أزلية واحدة وإنما ~~يتجدد تعلقها بالمراد # PageV16P301 # ونسبتها إلى الجميع واحدة ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص. فهذا ~~قول ابن كلاب والأشعري. ومن تابعهما. وكثير من العقلاء يقول: إن هذا فساده ~~معلوم بالاضطرار حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا. وما علم ~~أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام. وبطلانه من جهات: من جهة جعل ~~إرادة هذا غير إرادة ذاك ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها. ومن جهة أنه ~~لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص. بل تجددت نسبة ~~عدمية ليست وجودا وهذا ليس بشيء فلم يتجدد شيء. فصارت الحوادث تحدث وتتخصص ~~بلا سبب حادث ولا مخصص. والقول الثاني: قول من يقول بإرادة واحدة قديمة مثل ~~هؤلاء لكن يقول: تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة ~~القديمة كما تقوله الكرامية وغيرهم. وهؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات ~~الأفعال. ولكن يلزمهم ما لزم أولئك من حيث ms5057 أثبتوا حوادث بلا سبب حادث ~~وتخصيصات بلا مخصص وجعلوا تلك الإرادة واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة # PageV16P302 # وجعلوها أيضا تخصص لذاتها ولم يجعلوا عند وجود الإرادات الحادثة شيئا حدث ~~حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث. والقول الثالث قول الجهمية والمعتزلة الذين ~~ينفون قيام الإرادة به. ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس ~~الأمر والفعل أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين. وكل هذه ~~الأقوال قد علم أيضا فسادها. والقول الرابع: أنه لم يزل مريدا بإرادات ~~متعاقبة. فنوع الإرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته. ~~وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها. فهو إذا قدرها علم ما ~~سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله في تلك الحال فإذا ~~جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد. وهل يجوز وصفه بالعزم فيه ~~قولان. أحدهما المنع كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى؛ والثاني الجواز ~~وهو أصح. فقد قرأ جماعة من السلف {فإذا عزمت فتوكل على الله} بالضم. وفي ~~الحديث # PageV16P303 # الصحيح من حديث أم سلمة: {ثم عزم الله لي} . وكذلك في خطبة مسلم: {فعزم ~~لي} . وسواء سمي " عزما " أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها ~~في وقتها وأراد أن يفعلها في وقتها. فإذا جاء الوقت فلا بد من إرادة الفعل ~~المعين ونفس الفعل ولا بد من علمه بما يفعله. ثم الكلام في علمه بما يفعله ~~هل هو العلم المتقدم بما سيفعله وعلمه بأن قد فعله هل هو الأول فيه قولان ~~معروفان. والعقل والقرآن يدل على أنه قدر زائد كما قال {لنعلم} في بضعة عشر ~~موضعا وقال ابن عباس: إلا لنرى. وحينئذ فإرادة المعين تترجح لعلمه بما في ~~المعين من المعنى المرجح لإرادته. فالإرادة تتبع العلم. وكون ذلك المعين ~~متصفا بتلك الصفات المرجحة إنما هو في العلم والتصور ليس في الخارج شيء. ~~ومن هنا غلط من قال " المعدوم شيء " حيث أثبتوا ذلك المراد في الخارج. ومن ~~لم يثبته شيئا في العلم ms5058 أو كان ليس عنده إلا إرادة # PageV16P304 # واحدة وعلم واحد ليس للمعلومات والمرادات صورة علمية عند هؤلاء. فهؤلاء ~~نفوا كونه شيئا في العلم والإرادة وأولئك أثبتوا كونه شيئا في الخارج. وتلك ~~الصورة العلمية الإرادية حدثت بعد أن لم تكن. وهي حادثة بمشيئته وقدرته كما ~~يحدث الحوادث المنفصلة بمشيئته وقدرته. فيقدر ما يفعله ثم يفعله. فتخصيصها ~~بصفة دون صفة وقدر دون قدر هو للأمور المقتضية لذلك في نفسه. فلا يريد إلا ~~ما تقتضي نفسه إرادته بمعنى يقتضي ذلك ولا يرجح مرادا على مراد إلا لذلك. ~~ولا يجوز أن يرجح شيئا لمجرد كونه قادرا. فإنه كان قادرا قبل إرادته وهو ~~قادر على غيره. فتخصيص هذا بالإرادة لا يكون بالقدرة المشتركة بينه وبين ~~غيره ولا يجوز أيضا أن تكون الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا مخصص. بل إنما ~~يريد المريد أحد الشيئين دون الآخر لمعنى في المريد والمراد لا بد أن يكون ~~المريد إلى ذلك أميل وأن يكون في المراد ما أوجب رجحان ذلك الميل. # PageV16P305 # والقرآن والسنة تثبت القدر وتقدير الأمور قبل أن يخلقها وأن ذلك في كتاب ~~وهذا أصل عظيم يثبت العلم والإرادة لكل ما سيكون ويزيل إشكالات كثيرة ضل ~~بسببها طوائف في هذا المكان في مسائل العلم والإرادة. فالإيمان بالقدر من ~~أصول الإيمان كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل قال: ~~{الإيمان أن تؤمن بالله. وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت. وتؤمن ~~بالقدر خيره وشره} وقد تبرأ ابن عمر وغيره من الصحابة من المكذبين بالقدر. ~~ومع هذا فطائفة من أهل الكلام وغيرهم لا تثبت القدر إلا علما أزليا وإرادة ~~أزلية فقط. وإذا أثبتوا الكتابة قالوا إنها كتابة لبعض ذاك. وأما من يقول ~~إنه قدرها حينئذ كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} فقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا ~~الموضع. # PageV16P306 # وهو كقوله ms5059 {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب} وقوله {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقوله {ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} وقوله {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم الغالبون} وقوله {لولا كتاب ~~من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} . والكتاب في نفسه لا يكون أزليا. ~~وفي حديث رواه حماد بن سلمة عن الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبي قلابة ~~عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي سنة أنزل منه ~~آيتين ختم بهما سورة البقرة} رواه الترمذي وقال غريب. وهو سبحانه أنزل ~~القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. وكثير ~~من الكتب المصنفة في أصول الدين والكلام يوجد فيها الأقوال المبتدعة دون ~~القول الذي جاء به الكتاب والسنة. فالشهرستاني مع تصنيفه في الملل والنحل ~~يذكر في مسألة الكلام # PageV16P307 # والإرادة وغيرهما أقوالا ليس فيها القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وإن ~~كان بعضها أقرب. # وقبله أبو الحسن كتابه في اختلاف المصلين من أجمع الكتب وقد استقصى فيه ~~أقاويل أهل البدع. ولما ذكر قول أهل السنة والحديث ذكره مجملا غير مفصل. ~~وتصرف في بعضه فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم من غير أن يكون ذلك منقولا عن ~~أحد منهم. # وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب. فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية ~~وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية وكذلك مذهب الأشعري في الصفات. ~~وأما في القدر والإيمان فقوله قول جهم. وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث ~~وقال " وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب " فهو أقرب ما ذكره. وبعضه ~~ذكره عنهم على وجهه وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات ~~والقدر إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول. وهو يحب الانتصار لأهل السنة ~~والحديث ms5060 وموافقتهم فأراد أن # PageV16P308 # يجمع بين ما رآه من رأي أولئك وبين ما نقله عن هؤلاء. ولهذا يقول فيه ~~طائفة إنه خرج من التصريح إلى التمويه. كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية ~~الإناث وأولئك الجهمية الذكور. وأتباعه الذين عرفوا رأيه في تلك الأصول ~~ووافقوه أظهروا من مخالفة أهل السنة والحديث ما هو لازم لقولهم ولم يهابوا ~~أهل السنة والحديث ويعظموا ويعتقدوا صحة مذاهبهم كما كان هو يرى ذلك. ~~والطائفتان أهل السنة والجهمية يقولون إنه تناقض لكن السني يحمد موافقته ~~لأهل الحديث ويذم موافقته للجهمية والجهمي يذم موافقته لأهل الحديث ويحمد ~~موافقته للجهمية. ولهذا كان متأخرو أصحابه كأبي المعالي ونحوه أظهر تجهما ~~وتعطيلا من متقدميهم. وهي مواضع دقيقة يغفر الله لمن أخطأ فيها بعد ~~اجتهاده. لكن الصواب ما أخبر به الرسول فلا يكون الحق في خلاف ذلك قط والله ~~أعلم. # ومن أعظم الأصول التي دل عليها القرآن في مواضع كثيرة جدا وكذلك الأحاديث ~~وسائر كتب الله وكلام السلف وعليها تدل # PageV16P309 # المعقولات الصريحة هو إثبات الصفات الاختيارية مثل أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته كلاما يقوم بذاته وكذلك يقوم بذاته فعله الذي يفعله بمشيئته. فإثبات ~~هذا الأصل يمنع ضلال الطوائف الذين كذبوا به والقرآن والحديث مملوء وكلام ~~السلف والأئمة مملوء من إثباته. فالحق المحض ما أخبر به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فلا يكون الحق في خلاف ذلك. لكن الهدى التام يحصل بمعرفة ذلك ~~وتصوره. فإن الاختلاف تارة ينشأ من سوء الفهم ونقص العلم وتارة من سوء ~~القصد. والناس يختلفون في العلم والإرادة في تعدد ذلك وإيجاده. ومعلوم أن ~~ما يقوم بالنفس من إرادة الأمور لا يمكن أن يقال فيه. العلم بهذا هو العلم ~~بهذا ولا إرادة هذا هو إرادة هذا. فإن هذا مكابرة وعناد. وليس تمييز العلم ~~عن العلم والإرادة عن الإرادة تمييزا مع انفصال أحدهما عن الآخر. بل نفس ~~الصفات المتنوعة كالعلم # PageV16P310 # والقدرة والإرادة إذا قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض بل محل هذا ~~هو محل هذا كالطعم واللون والرائحة القائمة بالأترجة ms5061 الواحدة وأمثالها من ~~الفاكهة وغيرها. فإذا قيل " هي علوم وإرادات " لم ينفصل هذا عن هذا بفصل ~~حسي بل هو نوع واحد قائم بالنفس. وإذا علم هذا بعد علمه بذلك فقد زاد هذا ~~النوع وكثر وإن شئت قلت: عظم. فلا يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية. ~~بل يقال " علم كثير وعلم عظيم " بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته وشرف ~~معلومه. ونحو ذلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: {أتدري ~~أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . ~~فقال: ليهنك العلم أبا المنذر} وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: ليس الخير أن ~~يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك. وانضمام العلم إلى ~~العلم والإرادة إلى الإرادة والقدرة إلى القدرة هو شبيه بانضمام الأجسام ~~المتصلة كالماء إذا زيد فيه ماء فإنه يكثر قدره. لكن هو كم متصل لا منفصل ~~بخلاف الدراهم. # PageV16P311 # فإذا قيل " تعددت العلوم والإرادات " فهو إخبار عن كثرة قدرها وأنها أكثر ~~وأعظم مما كانت لا أن هناك معدودات منفصلة كما قد يفهم بعض الناس. ولهذا ~~كان العلم اسم جنس. فلا يكاد يجمع في القرآن بل يقال {فمن حاجك فيه من بعد ~~ما جاءك من العلم} فيذكر الجنس. وكذلك الماء ليس في القرآن ذكر مياه بل ~~إنما يذكر جنس الماء: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ونحو ذلك. والعلم يشبه ~~بالماء كقوله صلى الله عليه وسلم {إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ~~كمثل غيث أصاب أرضا. . . الحديث} . وقد قال: {أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها} إلى قوله {كذلك يضرب الله الأمثال} . وما خلقه الرب تعالى ~~فإنه يراه ويسمع أصوات عباده. والمعدوم لا يرى باتفاق العقلاء. والسالمية ~~كأبي طالب المكي وغيره لم يقولوا: إنه يرى قائما بنفسه وإنما قالوا: يراه ~~الرب في نفسه وإن كان هو معدوما في ذات الشيء المعدوم. فهم يجعلون الرؤية ~~لما يقوم بنفس العالم من صورته العلمية # PageV16P312 # ما هو عدم محض. وهم ms5062 وإن كانوا غلطوا في بعض ما قالوه فلم يقولوا: إن ~~العدم المحض الذي ليس بشيء يرى فإن هذا لا يقوله عاقل. وفي الحقيقة إذا رئي ~~شيء فإنما رئي مثاله العلمي لا عينه. وأبو الشيخ الأصبهاني لما ذكرت هذه ~~المسألة أمر بالإمساك عنها. فقبل أن يوجد لم يكن يرى وبعد أن يعدم لا يرى ~~وإنما يرى حال وجوده. وهذا هو الكمال في الرؤية. وكذلك سمع أصوات العباد هو ~~عند وجودها لا بعد فنائها. ولا قبل حدوثها. قال تعالى {وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقال {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون} . # فصل: # الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين. فإنه كما ~~أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية فإنه أرسله بالإحسان إلى ~~الناس والرحمة لهم بلا عوض وبالصبر على أذاهم # PageV16P313 # واحتماله. فبعثه بالعلم والكرم والحلم عليم هاد كريم محسن حليم صفوح. قال ~~تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وقال تعالى {كتاب أنزلناه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} . وقال ~~تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ونظائره كثيرة. وقال {قل ما ~~أسألكم عليه من أجر} . وقال {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على ~~الله} . وقال {قل لا أسألكم عليه أجرا} . فهو يعلم ويهدي ويصلح القلوب ~~ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض. وهذا نعت الرسل كلهم كل يقول ~~{ما أسألكم عليه من أجر} . ولهذا قال صاحب يس {يا قوم اتبعوا المرسلين} ~~{اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} . وهذه سبيل من اتبعه كما قال {قل ~~هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} . # PageV16P314 # وأما المخالفون لهم فقد قال عن المنتسبين إليهم مع بدعة {إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ms5063 ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} . ~~فهؤلاء أخذوا أموالهم ومنعوهم سبيل الله ضد الرسول فكيف بمن هو شر من هؤلاء ~~من علماء المشركين والسحرة والكهان؟ فهم أوكل لأموالهم بالباطل وأصد عن ~~سبيل الله من الأحبار والرهبان. وهو سبحانه قال {إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان} فليس كلهم كذلك؛ بل قال في موضع آخر {ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون} . وقد قال في وصف الرسول {وما هو على الغيب بضنين} . # وفيها قراءتان، فمن قرأ (بظنين) أي ما هو بمتهم على الغيب بل هو صادق ~~أمين فيما يخبر به. ومن قرأ (بضنين أي ما هو ببخيل لا يبذله إلا بعوض ~~كالذين يطلبون العوض على ما يعلمونه. فوصفه بأنه يقول الحق فلا يكذب ولا ~~يكتم. وقد وصف أهل الكتاب بأنهم يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا وأنهم ~~يشترون به ثمنا قليلا. # PageV16P315 # ومع هذا وهذا قد أمده بالصبر على أذاهم. وجعله كذلك يعطيهم ما هم محتاجون ~~إليه غاية الحاجة بلا عوض وهم يكرهونه ويؤذونه عليه. وهذا أعظم من الذي ~~يبذل الدواء النافع للمرضى ويسقيهم إياه بلا عوض وهم يؤذونه كما يصنع الأب ~~الشفيق. وهو أبو المؤمنين. وكذلك نعت أمته بقوله {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل حتى ~~تدخلوهم الجنة. فيجاهدون يبذلون أنفسهم وأموالهم لمنفعة الخلق وصلاحهم وهم ~~يكرهون ذلك لجهلهم كما قال أحمد في خطبته: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان ~~فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على ~~الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل ~~لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح ~~أثر الناس عليهم " إلى آخر كلامه. فهذا هذا والحمد لله حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه. وهو سبحانه يجزي الناس بأعمالهم والله في عون العبد ما كان ~~العبد في ms5064 عون أخيه # PageV16P316 # فهو ينعم على الرسول بإنعامه جزاء على إحسانهم والجميع منه. فهو الرحمن ~~الرحيم الجواد الكريم الحنان المنان له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ~~وله الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره ~~سفسافها. وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند ~~حلول الشهوات. وقد قيل أيضا: وقد يحب الشجاعة ولو على قتل الحيات ويحب ~~السماحة ولو بكف من تمرات. والقرآن أخبر أنه يحب المحسنين ويحب الصابرين. ~~وهذا هو الكرم والشجاعة. # فصل: # وقوله {الأكرم} يقتضي اتصافه بالكرم في نفسه وأنه الأكرم وأنه محسن إلى ~~عباده فهو مستحق للحمد لمحاسنه وإحسانه. وقوله {ذو الجلال والإكرام} . فيه ~~ثلاثة أقوال. قيل: أهل أن يجل وأن يكرم. كما يقال إنه {أهل التقوى} أي ~~المستحق لأن # PageV16P317 # يتقى. وقيل: أهل أن يجل في نفسه وأن يكرم أهل ولايته وطاعته. وقيل: أهل ~~أن يجل في نفسه وأهل أن يكرم. ذكر الخطابي الاحتمالات الثلاثة ونقل ابن ~~الجوزي كلامه فقال: قال أبو سليمان الخطابي: الجلال مصدر الجليل يقال: جليل ~~بين الجلالة والجلال والإكرام مصدر أكرم يكرم إكراما. والمعنى أنه يكرم أهل ~~ولايته وطاعته وأن الله يستحق أن يجل ويكرم ولا يجحد ولا يكفر به قال: ~~ويحتمل أن يكون المعنى: يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم. (قلت: وهذا الذي ~~ذكره البغوي فقال: {ذو الجلال} العظمة والكبرياء والإكرام يكرم أنبياءه ~~وأولياءه بلطفه مع جلاله وعظمته. قال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون أحد ~~الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله بمعنى الصفة له والآخر مضافا إلى العبد ~~بمعنى الفعل كقوله تعالى {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} فانصرف أحد الأمرين ~~إلى الله وهو المغفرة والآخر إلى العباد وهي التقوى. قلت: القول الأول هو ~~أقربها إلى المراد مع أن الجلال هنا # PageV16P318 # ليس مصدر جل جلالا بل هو اسم مصدر أجل إجلالا. كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي ~~فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط} ms5065 . فجعل إكرام هؤلاء من جلال ~~الله أي من إجلال الله كما قال {والله أنبتكم من الأرض نباتا} . وكما يقال: ~~كلمه كلاما وأعطاه عطاء والكلام والعطاء اسم مصدر التكليم والإعطاء. ~~والجلال قرن بالإكرام وهو مصدر المتعدي فكذلك الإكرام. ومن كلام السلف: " ~~أجلوا الله أن تقولوا كذا ". وفي حديث موسى: يا رب إني أكون على الحال التي ~~أجلك أن أذكرك عليها. قال: " اذكرني على كل حال ". وإذا كان مستحقا للإجلال ~~والإكرام لزم أن يكون متصفا في نفسه بما يوجب ذلك كما إذا قال: الإله هو ~~المستحق لأن يؤله أي يعبد كان هو في نفسه مستحقا لما يوجب ذلك. وإذا قيل ~~{هو أهل التقوى} كان هو في نفسه متصفا بما يوجب أن يكون هو المتقى. ومنه ~~{قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع بعد # PageV16P319 # ما يقول ربنا ولك الحمد: ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما ~~شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد. اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . أي هو ~~مستحق لأن يثنى عليه وتمجد نفسه. والعباد لا يحصون ثناء عليه وهو كما أثنى ~~على نفسه كذلك هو أهل أن يجل وأن يكرم. وهو سبحانه يجل نفسه ويكرم نفسه. ~~والعباد لا يحصون إجلاله وإكرامه. والإجلال من جنس التعظيم والإكرام من جنس ~~الحب والحمد وهذا كقوله له الملك وله الحمد. فله الإجلال والملك وله ~~الإكرام والحمد. والصلاة مبناها على التسبيح في الركوع والسجود والتحميد ~~والتوحيد في القيام والقعود والتكبير في الانتقالات كما قال جابر {كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت ~~الصلاة على ذلك} رواه أبو داود. وفي الركوع يقول " سبحان ربي العظيم ". ~~وقال النبي # PageV16P320 # صلى الله عليه وسلم: {إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. أما ~~الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب ~~لكم} ms5066 . وإذا رفع رأسه حمد فقال {سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد} . ~~فيحمده في هذا القيام كما يحمده في القيام الأول إذا قرأ أم القرآن. ~~فالتحميد والتوحيد مقدم على مجرد التعظيم. ولهذا اشتملت الفاتحة على هذا ~~أولها تحميد وأوسطها تمجيد. ثم في الركوع تعظيم الرب. وفي القيام يحمده ~~ويثني عليه ويمجده. فدل على أن التعظيم المجرد تابع لكونه محمودا وكونه ~~معبودا. فإنه يحب أن يحمد ويعبد ولا بد مع ذلك من التعظيم فإن التعظيم لازم ~~لذلك. وأما التعظيم فقد يتجرد على الحمد والعبادة على أصل الجهمية. فليس ~~ذلك بمأمور به ولا يصير العبد به لا مؤمنا ولا عابدا ولا مطيعا. وأبو عبد ~~الله ابن الخطيب الرازي يجعل الجلال للصفات السلبية والإكرام للصفات ~~الثبوتية فيسمي هذه " صفات الجلال " وهذه " صفات الإكرام " وهذا اصطلاح له ~~وليس المراد هذا في قوله # PageV16P321 # {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وقوله: {تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام} وهو في مصحف أهل الشام تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام وهي ~~قراءة ابن عامر فالاسم نفسه يذوى بالجلال والإكرام. وفي سائر المصاحف وفي ~~قراءة الجمهور {ذي الجلال} فيكون المسمى نفسه. وفي الأولى {ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام} . فالمذوى وجهه سبحانه وذلك يستلزم أنه هو ذو الجلال ~~والإكرام. فإنه إذا كان وجهه ذا الجلال والإكرام كان هذا تنبيها كما أن ~~اسمه إذا كان ذا الجلال والإكرام كان تنبيها على المسمى. وهذا يبين أن ~~المراد أنه يستحق أن يجل ويكرم. فإن الاسم نفسه يسبح ويذكر ويراد بذلك ~~المسمى والاسم نفسه لا يفعل شيئا لا إكراما ولا غيره. ولهذا ليس في القرآن ~~إضافة شيء من الأفعال والنعم إلى الاسم. ولكن يقال: {سبح اسم ربك الأعلى} ~~{تبارك اسم ربك} ونحو ذلك. فإن اسم الله مبارك تنال معه البركة والعبد يسبح ~~اسم ربه الأعلى فيقول " سبحان ربي الأعلى " {ولما نزل قوله {سبح اسم # PageV16P322 # ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم؛ فقالوا سبحان ربي الأعلى} . فكذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ms5067 " سبحان اسم ربي الأعلى ". لكن قوله ~~" سبحان ربي الأعلى " هو تسبيح لاسمه يراد به تسبيح المسمى لا يراد به ~~تسبيح مجرد الاسم كقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى} . فالداعي يقول " يا الله " " يا رحمن " ومراده المسمى. ~~وقوله {أيا ما} أي الاسمين تدعو ودعاء الاسم هو دعاء مسماه. # وهذا هو الذي أراده من قال من أهل السنة: إن الاسم هو المسمى. أرادوا به ~~أن الاسم إذا دعي وذكر يراد به المسمى. فإذا قال المصلي " الله أكبر " فقد ~~ذكر اسم ربه ومراده المسمى. لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة ~~في الخارج. فإن فساد هذا لا يخفى على من تصوره ولو كان كذلك كان من قال " ~~نارا " احترق لسانه. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود أن الجلال والإكرام ~~مثل الملك والحمد كالمحبة والتعظيم. وهذا يكون في الصفات الثبوتية ~~والسلبية. فإن كل سلب فهو متضمن # PageV16P323 # للثبوت. وأما السلب المحض فلا مدح فيه. وهذا مما يظهر به فساد قول من جعل ~~أحدهما للسلب والآخر للإثبات لا سيما إذا كان من الجهمية الذين ينكرون ~~محبته ولا يثبتون له صفات توجب المحبة والحمد. بل إنما يثبتون ما يوجب ~~القهر كالقدرة. فهؤلاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض وألحدوا في أسمائه وآياته ~~بقدر ما كذبوا به من الحق كما بسط هذا في غير هذا الموضع. # فصل: # قوله تعالى في أول ما أنزل {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وقوله {اقرأ وربك ~~الأكرم} . ذكر في الموضعين بالإضافة التي توجب التعريف وأنه معروف عند ~~المخاطبين إذ الرب تعالى معروف عند العبد بدون الاستدلال بكونه خلق. وأن ~~المخلوق مع أنه دليل وأنه يدل على الخالق لكن هو معروف في الفطرة قبل هذا ~~الاستدلال؛ ومعرفته فطرية مغروزة في الفطرة؛ ضرورية بديهية أولية. وقوله ~~{اقرأ} وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم أولا، فهو # PageV16P324 # خطاب لكل أحد سواء كان قوله {اقرأ وربك الأكرم} هو خطاب للإنسان مطلقا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أول من سمع ms5068 هذا الخطاب أو من النوع أو هو خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خصوصا كما قد قيل في نظائر ذلك. مثل قوله {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قيل خطاب له وقيل خطاب ~~للجنس؛ وأمثال ذلك. فإنه وإن قيل إنه خطاب له فقد تقرر أن ما خوطب به من ~~أمر ونهي فالأمة مخاطبة به ما لم يقم دليل التخصيص. وبهذا يبين أن قوله ~~تعالى {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ~~يتناول غيره حتى قال كثير من المفسرين: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به غيره. أي هم الذين أريد منهم أن يسألوا لما عندهم من الشك ~~وهو لم يرد منه السؤال إذ لم يكن عنده شك. ولا شك أن هذا لا يمنع أن يكون ~~هو مخاطبا ومرادا بالخطاب بل هذا صريح اللفظ فلا يجوز أن يقال إن الخطاب لم ~~يتناوله. ولأن ليس في الخطاب أنه أمر بالسؤال مطلقا بل أمر به إن كان عنده ~~شك وهذا لا يوجب أن يكون عنده شك. ولا أنه أمر به # PageV16P325 # مطلقا بل أمر به إن كان هذا موجودا والحكم المعلق بشرط عدم عند عدمه. ~~وكذلك كثير من المفسرين يقول في قوله {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} ~~وفي قوله {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ونحو ذلك: إن الخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره. أي غيره قد يكون ممتريا ومطيعا لأولئك ~~فنهي وهو لا يكون ممتريا ولا مطيعا لهم. ولكن بتقدير أن يكون الأمر كذلك ~~فهو أيضا مخاطب بهذا وهو منهي عن هذا. فالله سبحانه قد نهاه عما حرمه من ~~الشرك والقول عليه بلا علم والظلم والفواحش. وبنهي الله له عن ذلك وطاعته ~~لله في هذا استحق عظيم الثواب ولولا النهي والطاعة لما استحق ذلك. ولا يجب ~~أن يكون المأمور المنهي ممن يشك في طاعته ويجوز عليه أن يعصي الرب أو يعصيه ~~مطلقا ولا يطيعه. بل ms5069 الله أمر الملائكة مع علمه أنهم يطيعونه ويأمر ~~الأنبياء مع علمه أنهم يطيعونه وكذلك المؤمنون كل ما أطاعوه فيه قد أمرهم ~~به مع علمه أنهم يطيعونه. # PageV16P326 # ولا يقال: لا يحتاج إلى الأمر بل بالأمر صار مطيعا مستحقا لعظيم الثواب. ~~ولكن النهي يقتضي قدرته على المنهي عنه وأنه لو شاء لفعله ليثاب على ذلك ~~إذا تركه. وقد يقتضي قيام السبب الداعي إلى فعله فينهى عنه فإنه بالنهي ~~وإعانة الله له على الامتثال يمتنع مما نهي عنه إذا قام السبب الداعي له ~~إليه. وكذلك قد قيل في قوله {سل بني إسرائيل} إنه أمر للرسول والمراد به هو ~~والمؤمنون؛ وقيل هو أمر لكل مكلف. فقوله في هذه السورة {اقرأ} كقوله في ~~آخرها {واسجد واقترب} وقوله {فأما اليتيم فلا تقهر} {وأما السائل فلا تنهر} ~~{وأما بنعمة ربك فحدث} هذا متناول لجميع الأمة. وقوله {يا أيها المزمل} {قم ~~الليل إلا قليلا} فإنه كان خطابا للمؤمنين كلهم. وكذلك قوله {يا أيها ~~المدثر} {قم فأنذر} لما أمر بتبليغ ما أنزل إليه من الإنذار. وهذا فرض على ~~الكفاية. فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه وينذروا كما أنذر. قال ~~تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم # PageV16P327 # يحذرون} والجن لما سمعوا القرآن {ولوا إلى قومهم منذرين} وإذا كان كذلك ~~فكل إنسان في قلبه معرفة بربه. فإذا قيل له {اقرأ باسم ربك} عرف ربه الذي ~~هو مأمور أن يقرأ باسمه كما يعرف أنه مخلوق والمخلوق يستلزم الخالق ويدل ~~عليه. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الإقرار والاعتراف بالخالق ~~فطري ضروري في نفوس الناس وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى ~~يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة. وهذا قول جمهور الناس وعليه حذاق النظار ~~أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة وتارة بالنظر كما اعترف بذلك غير واحد من ~~أئمة المتكلمين. وهذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب بل أول ما ms5070 ~~أوجب الله على نبيه صلى الله عليه وسلم {اقرأ باسم ربك} لم يقل " انظر ~~واستدل حتى تعرف الخالق " وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة. فكان المبلغون ~~مخاطبين بهذه الآية قبل كل شيء ولم يؤمروا فيها بالنظر والاستدلال. وقد ذهب ~~كثير من أهل الكلام إلى أن اعتراف النفس بالخالق وإثباتها له لا يحصل إلا ~~بالنظر. # PageV16P328 # ثم كثير منهم جعلوا ذلك نظرا مخصوصا وهو النظر في الأعراض وأنها لازمة ~~للأجسام فيمتنع وجود الأجسام بدونها. قالوا: وما لا يخلو عن الحوادث أو ما ~~لا يسبق الحوادث فهو حادث. ثم منهم من اعتقد أن هذه المقدمة بينة بنفسها بل ~~ضرورية ولم يميز بين الحادث المعين والمحدود وبين الجنس المتصل شيئا بعد ~~شيء إما لظنه أن هذا ممتنع أو لعدم خطوره بقلبه. لكن وإن قيل هو ممتنع فليس ~~العلم بذلك بديهيا. وإنما العلم البديهي أن الحادث الذي له مبدأ محدود ~~كالحادث. والحوادث المقدرة من حين محدود فتلك ما لا يسبقها فهو حادث. وما ~~لا يخلو منها لم يسبقها فهو حادث. فإنه إذا لم يسبقها كان معها أو متأخرا ~~عنها. وعلى التقديرين فهو حادث. وأما إذا قدر حوادث دائمة شيئا بعد شيء ~~فهذا إما أن يقال هو ممكن وإما أن يقال هو ممتنع. لكن العلم بامتناعه يحتاج ~~إلى دليل ولم تعلم طائفة معروفة من العقلاء قالوا: إن العلم بامتناع هذا ~~بديهي ضروري ولا يفتقر إلى دليل. # PageV16P329 # بل كثير من الناس لا يتصور هذا تصورا تاما. بل متى تصور الحادث قدر في ~~ذهنه مبدأ ثم يتقدم في ذهنه شيء قبل ذلك ثم شيء قبل ذلك لكن إلى غايات ~~محدودة بحسب تقدير ذهنه؛ كما يقدر الذهن عددا بعد عدد. ولكن كل ما يقدره ~~الذهن فهو منته. ومن الناس من إذا قيل له " الأزل " أو " كان هذا موجودا في ~~الأزل " تصور ذلك. وهذا غلط بل " الأزل " ما ليس له أول كما أن " الأبد " ~~ليس له آخر وكل ما يومئ إليه الذهن من غاية ف " الأزل " وراءها وهذا لبسطه ms5071 ~~موضع آخر. والمقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا: معرفة الرب لا تحصل إلا ~~بالنظر ثم قالوا: لا تحصل إلا بهذا النظر هم من أهل الكلام الجهمية القدرية ~~ومن تبعهم. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم ~~على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة ~~عليه. إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب ~~هذا على الأمة ولا أمرهم به بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل ~~هذه المعرفة. ثم هذا النظر هذا الدليل للناس فيه ثلاثة أقوال. # PageV16P330 # قيل: إنه واجب وإن المعرفة موقوفة عليه كما يقوله هؤلاء. وقيل: بل يمكن ~~حصول المعرفة بدونه لكنه طريق آخر إلى المعرفة. وهذا يقوله كثير من هؤلاء ~~ممن يقول بصحة هذه الطريقة لكن لا يوجبها كالخطابي والقاضي أبي يعلى وأبي ~~جعفر السمناني قاضي الموصل شيخ أبي الوليد الباجي وكان يقول: إيجاب النظر ~~بقية بقيت على الشيخ أبي الحسن الأشعري من الاعتزال. وهؤلاء الذين لا ~~يوجبون هذا النظر. ومنهم من لا يوجب النظر مطلقا كالسمناني وابن حزم ~~وغيرهما. ومنهم من يوجبه في الجملة كالخطابي وأبي الفرج المقدسي. والقاضي ~~أبو يعلى يقول بهذا تارة وبهذا تارة بل ويقول تارة بإيجاب النظر المعين كما ~~يقوله أبو المعالي وغيره. ثم من الموجبين للنظر من يقول: هو أول الواجبات ~~ومنهم من يقول: بل المعرفة الواجبة به وهو نزاع لفظي. كما أن بعضهم قال: ~~أول الواجبات القصد إلى النظر كعبارة أبي المعالي. ومن هؤلاء من قال: بل ~~الشك المتقدم كما قاله أبو هاشم. وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في ~~موضع آخر. # PageV16P331 # وبين أنها كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة بل وباطلة ~~في العقل أيضا. وهذه الآية مما يستدل به على ذلك. فإن أول ما أوجب الله على ~~رسوله وعلى المؤمنين هو ما أمر به في قوله {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . ~~والذين قالوا: المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ms5072 قالوا: لو حصلت بغيره لسقط ~~التكليف بها كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر وغيره. فيقال لهم: وليس فيما قص ~~الله علينا من أخبار الرسل أن منهم أحدا أوجبها بل هي حاصلة عند الأمم ~~جميعهم. # ولكن أكثر الرسل افتتحوا دعوتهم بالأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه كما ~~أخبر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب. وقومهم كانوا مقرين بالخالق لكن كانوا ~~مشركين يعبدون غيره كما كانت العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ومن الكفار من أظهر جحود الخالق كفرعون حيث قال {يا أيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع ~~إلى إله موسى وإني لأظنه من # PageV16P332 # الكاذبين} وقال {أنا ربكم الأعلى} وقال لموسى {لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين} وقال {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} ~~{أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} . ومع هذا فموسى ~~أمره الله أن يقول ما ذكره الله في القرآن قال {وإذ نادى ربك موسى أن ائت ~~القوم الظالمين} {قوم فرعون ألا يتقون} {قال رب إني أخاف أن يكذبون} {ويضيق ~~صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون} {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} ~~{قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين} {أن أرسل معنا بني إسرائيل} {قال ألم نربك فينا وليدا} {ولبثت ~~فينا من عمرك سنين} {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} {قال فعلتها ~~إذا وأنا من الضالين} {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من ~~المرسلين} . قال فرعون إنكارا وجحدا {وما رب العالمين} قال موسى {رب ~~السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} {قال لمن حوله ألا تستمعون} ~~{قال ربكم ورب آبائكم الأولين} {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ~~{قال رب المشرق والمغرب وما بينهما} الآيات. # PageV16P333 # وقد ظن بعض الناس أن سؤال فرعون {وما رب العالمين} هو سؤال عن ماهية الرب ~~كالذي يسأل عن حدود الأشياء ms5073 فيقول " ما الإنسان؟ ما الملك؟ ما الجني؟ " ~~ونحو ذلك. قالوا: ولما لم يكن للمسئول عنه ماهية عدل موسى عن الجواب إلى ~~بيان ما يعرف به وهو قوله {رب السماوات والأرض} وهذا قول قاله بعض ~~المتأخرين وهو باطل. فإن فرعون إنما استفهم استفهام إنكار وجحد لم يسأل عن ~~ماهية رب أقر بثبوته بل كان منكرا له جاحدا. ولهذا قال في تمام الكلام {لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} وقال {وإني لأظنه كاذبا} . ~~فاستفهامه كان إنكارا وجحدا يقول: ليس للعالمين رب يرسلك فمن هو هذا؟ ~~إنكارا له. فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين وأن آياته ظاهرة بينة ~~لا يمكن معها جحده. وأنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم كما قال ~~موسى في موضع آخر لفرعون {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر} وقال الله تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين} # PageV16P334 # ولم يقل فرعون " ومن رب العالمين " فإن " من " سؤال عن عينه يسأل بها من ~~عرف جنس المسئول عنه أنه من أهل العلم وقد شك في عينه كما يقال لرسول عرف ~~أنه جاء من عند إنسان " من أرسلك؟ ". وأما " ما؟ " فهي سؤال عن الوصف. ~~يقول: أي شيء هو هذا؟ وما هو هذا الذي سميته " رب العالمين "؟ قال ذلك ~~منكرا له جاحدا. فلما سأل جحدا أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر وأظهر من ~~أن يشك فيه ويرتاب. فقال {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} . ~~ولم يقل " موقنين بكذا وكذا " بل أطلق فأي يقين كان لكم بشيء من الأشياء ~~فأول اليقين اليقين بهذا الرب كما قالت الرسل لقومهم {أفي الله شك} . وإن ~~قلتم: لا يقين لنا بشيء من الأشياء بل سلبنا كل علم فهذه دعوى السفسطة ~~العامة ومدعيها كاذب ظاهر الكذب. فإن العلوم من لوازم كل إنسان فكل إنسان ~~عاقل لا بد له من علم. ولهذا # PageV16P335 # قيل في حد " العقل ": إنه علوم ضرورية وهي التي لا يخلو منها عاقل. فلما ~~قال ms5074 فرعون {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} وهذا من افتراء المكذبين على ~~الرسول لما خرجوا عن عاداتهم التي هي محمودة عندهم نسبوهم إلى الجنون. ولما ~~كانوا مظهرين للجحد بالخالق أو للاسترابة والشك فيه هذه حال عامتهم ودينهم ~~وهذا عندهم دين حسن وإنما إلههم الذي يطيعونه فرعون قال {إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون} . فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع وأنتم ~~أحق بهذا الوصف فقال {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} . فإن ~~العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق. فلما ~~ذكر أولا أن من أيقن بشيء فهو موقن به واليقين بشيء هو من لوازم العقل بين ~~ثانيا أن الإقرار به من لوازم العقل. ولكن المحمود هو العلم النافع الذي ~~يعمل به صاحبه فإن لم يعمل به صاحبه قيل: إنه ليس له عقل. ويقال أيضا لمن ~~لم يتبع ما أيقن به: # PageV16P336 # إنه ليس له يقين. فإن اليقين أيضا يراد به العلم المستقر في القلب ويراد ~~به العمل بهذا العلم. فلا يطلق " الموقن " إلا على من استقر في قلبه العلم ~~والعمل. وقوم فرعون لم يكن عندهم اتباع لما عرفوه فلم يكن لهم عقل ولا ~~يقين. وكلام موسى يقتضي الأمرين: إن كان لك يقين فقد عرفته وإن كان لك عقل ~~فقد عرفته. وإن ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك فكذلك قومك فهذا إقرار ~~منكم بسلبكم خاصية الإنسان. ومن يكون هكذا لا يصلح له ما أنتم عليه من دعوى ~~الإلهية. مع أن هذا باطل منكم فإنكم موقنون به كما قال تعالى {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} . ولكم عقل تعرفونه به ولكن هواكم يصدكم عن ~~اتباع موجب العقل وهو إرادة العلو في الأرض والفساد. فأنتم لا عقل لكم بهذا ~~الاعتبار كما قال أصحاب النار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير} . وقال تعالى عن الكفار {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم ~~إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} . قال تعالى عن ms5075 فرعون وقومه {فاستخف قومه ~~فأطاعوه إنهم كانوا قوما # PageV16P337 # فاسقين} والخفيف هو السفيه الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه وبسط هذا له ~~موضع آخر. والمقصود هنا أنه ليس في الرسل من قال أول ما دعا قومه: إنكم ~~مأمورون بطلب معرفة الخالق فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه. فلم يكلفوا أولا ~~بنفس المعرفة ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة إذ كانت قلوبهم تعرفه وتقر ~~به وكل مولود يولد على الفطرة لكن عرض للفطرة ما غيرها والإنسان إذا ذكر ~~ذكر ما في فطرته. ولهذا قال الله في خطابه لموسى {فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر} ما في فطرته من العلم الذي به يعرف ربه ويعرف إنعامه عليه وإحسانه ~~إليه وافتقاره إليه فذلك يدعوه إلى الإيمان {أو يخشى} ما ينذره به من ~~العذاب فذلك أيضا يدعوه إلى الإيمان. كما قال تعالى {ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة} . فالحكمة تعريف الحق فيقبلها من قبل الحق بلا ~~منازعة. ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب والترهيب. فالعلم بالحق يدعو صاحبه ~~إلى اتباعه. فإن الحق محبوب في الفطرة. وهو أحب إليها. وأجل فيها وألذ ~~عندها من الباطل الذي لا حقيقة له فإن الفطرة لا تحب ذاك. # PageV16P338 # فإن لم يدعه الحق والعلم به خوف عاقبة الجحود والعصيان وما في ذلك من ~~العذاب فالنفس تخاف العذاب بالضرورة. فكل حي يهرب مما يؤذيه بخلاف النافع. ~~فمن الناس من يتبع هواه فيتبع الأدنى دون الأعلى. كما أن منهم من يكذب بما ~~خوف به أو يتغافل عنه حتى يفعل ما يهواه. فإنه إذا صدق به واستحضره لم يبعث ~~نفسه إلى هواها بل لا بد من نوع من الغفلة والجهل حتى يتبعه. ولهذا كان كل ~~عاص لله جاهلا كما قد بسط هذا في مواضع. إذ المقصود هنا التنبيه على أن ~~قوله {اقرأ باسم ربك} فيه تنبيه على أن الرب معروف عند المخاطبين وأن ~~الفطرة مقرة به. وعلى ذلك دل قوله {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} الآية كما قد بسط ms5076 الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع. وكذلك قول الرسل {أفي الله شك} هو نفي أي ليس في الله شك. وهو ~~استفهام تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك ~~فهذا استفهام تقرير. # PageV16P339 # فإن حرف الاستفهام إذا دخل على حرف النفي كان تقريرا كقوله: {ألم نشرح لك ~~صدرك} {ألم نجعل له عينين} {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} ومثله كثير. ~~بخلاف استفهام فرعون فإنه استفهام إنكار لا تقرير إذ ليس هناك إلا أداة ~~الاستفهام فقط ودل سياق الكلام على أنه إنكار. # فإن قيل: إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك ~~كثير من النظار نظار المسلمين وغيرهم وهم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة ~~العقلية على المطالب الإلهية؟ فيقال أولا: أول من عرف في الإسلام بإنكار ~~هذه المعرفة هم أهل الكلام الذي اتفق السلف على ذمه من الجهمية والقدرية. ~~وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم. ولكن انتشر كثير من أصولهم في ~~المتأخرين الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية. ~~فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء المسلمين وليس كذلك ~~إنما صدر أولا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين. # الثاني: أن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ~~ما لا يعلم أنه قائم بنفسه فإن قيام الصفة بالنفس غير # PageV16P340 # شعور صاحبها بأنها قامت به. فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم ~~الإنسان به. وهذا كصفات بدنه فإن منها ما لا يراه كوجهه وقفاه. ومنها ما ~~يراه إذا تعمد النظر إليه كبطنه وفخذه وعضديه. وقد يكون بهما آثار من خيلان ~~وغير خيلان وغير ذلك من الأحوال وهو لم يره ولم يعرفه لكن لو تعمد رؤيته ~~لرآه. ومن الناس من لا يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى ~~أو غير ذلك. كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها وبعضها لا يعرفه. لكن لو تعمد ~~تأمل حال نفسه لعرفه. ومنها ms5077 ما لا يعرفه ولو تأمل لفساد بصيرته وما عرض ~~لها. والذي يبين ذلك أن الأفعال الاختيارية لا تتصور إلا بإرادة تقوم بنفس ~~الإنسان. وكل من فعل فعلا اختياريا وهو يعرفه فلا بد أن يريده كالذي يأكل ~~ويشرب ويلبس وهو يعرف أنه يفعل ذلك فلا بد أن يريده. فالفعل الاختياري ~~يمتنع أن يكون بغير إرادة. وإذا تصور الفعل الذي يفعله وقد فعله لزم أن ~~يكون مريدا له وقد تصوره. وإذا كان مريدا له وقد تصوره امتنع أن لا يريد ما ~~تصوره وفعله. # PageV16P341 # فالإنسان إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظهر فمن الممتنع أن يصلي الظهر ~~وهو يعلم هذا لم ينسه ولا يريد صلاة الظهر. وكذلك الصيام إذا تصور أن غدا ~~من رمضان وهو مريد لصوم رمضان امتنع أن لا ينوي صومه. وكذلك إذا أهل بالحج ~~وهو يعلم أنه مهل به امتنع أن لا يكون مريدا للحج. وكذلك الوضوء إذا علم ~~أنه يتوضأ للصلاة وهو يتوضأ امتنع أن لا يكون مريدا للوضوء. ومثل هذا كثير ~~نجد خلقا كثيرا من العلماء دع العامية يستدعون النية بألفاظ يقولونها ~~ويتكلفون ألفاظا ويشكون في وجودها مرة بعد مرة ويخرجون إلى ضرب من الوسوسة ~~التي يشبه أصحابها المجانين. والنية هي الإرادة. وهي القصد وهي موجودة في ~~نفوسهم لوجودها في نفس كل من يصلي في ذلك المسجد والجامع ومن توضأ في تلك ~~المطهرة. أولئك يعلمون هذا من نفوسهم ولم يحصل لهم وسواس وهؤلاء ظنوا أن ~~النية لم تكن في قلوبهم يطلبون حصولها من قلوبهم. # PageV16P342 # وهم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب وإنما الفرض وجود الإرادة في القلب. ~~وهي موجودة ومع هذا يعتقدون أنها ليست موجودة. وإذا قيل لأحدهم " النية ~~حاصلة في قلبك " لم يقبل لما قام به من الاعتقاد الفاسد المناقض لفطرته. ~~وكذلك حب الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن لا يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا ~~كان مؤمنا. وتظهر علامات حبه لله ولرسوله إذا أخذ أحد يسب الرسول ويطعن ~~عليه أو يسب الله ويذكره بما لا ms5078 يليق به. فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما يغضب ~~لو سب أبوه وأمه. ومع هذا فكثير من أهل الكلام والرأي أنكروا محبة الله ~~وقالوا: يمتنع أن يكون محبا أو محبوبا وجعلوا هذا من أصول الدين وقالوا: ~~خلافا للحلولية كأنه لم يقل بأن الله يحب إلا الحلولية. ومعلوم أن هذا دين ~~الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وأهل الإيمان أجمعين. وقد دل على ~~ذلك الكتاب والسنة كما قد بسطناه في مواضع. فهذه المحبة لله ورسوله موجودة ~~في قلوب أكثر المنكرين لها بل في قلب كل مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له. # PageV16P343 # وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلاء. فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم ~~الذين قالوا: معرفته لا تحصل إلا بالنظر فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من ~~معرفته ومحبته. ثم قد يكون ذلك الإنكار سببا إلى امتناع معرفة ذلك في ~~نفوسهم وقد يزول عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة والمحبة فإن الفطرة قد ~~تفسد فقد تزول وقد تكون موجودة ولا ترى {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور} . وقد قال تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} . ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء} . ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها} . والفطرة تستلزم معرفة الله ومحبته وتخصيصه بأنه أحب ~~الأشياء # PageV16P344 # إلى العبد وهو التوحيد. وهذا معنى قول " لا إله إلا الله " كما جاء ~~مفسرا: {كل مولود يولد على هذه الملة} وروي {على ملة الإسلام} . وفي صحيح ~~مسلم عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: ~~{إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما ms5079 لم أنزل به سلطانا} . فأخبر أنه خلقهم حنفاء وذلك ~~يتضمن معرفة الرب ومحبته وتوحيده. فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية وهي معنى ~~قول " لا إله إلا الله ". فإن في هذه الكلمة الطيبة التي هي {كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء} فيها إثبات معرفته والإقرار به. وفيها إثبات ~~محبته فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوها؛ وهذا أعظم ما يكون ~~من المحبة. وفيها أنه لا إله إلا هو. ففيها المعرفة والمحبة والتوحيد. وكل ~~مولود يولد على الفطرة وهي الحنيفية التي خلقهم عليها. ولكن أبواه يفسدان ~~ذلك فيهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه. # PageV16P345 # كذلك يجهمانه فيجعلانه منكرا لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته وتوحيده. ~~ثم المعرفة يطلبها بالدليل والمحبة ينكرها بالكلية. والتوحيد المتضمن ~~للمحبة ينكره من لا يعرفه وإنما ثبت توحيد الخلق والمشركون كانوا يقرون ~~بهذا التوحيد وهذا الشرك. فهما يشركانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. وقد ~~بسط الكلام على هذا الحديث وأقوال الناس فيه في غير هذا الموضع. وأيضا مما ~~يبين أن الإنسان قد يخفى عليه كثير من أحوال نفسه فلا يشعر بها أن كثيرا من ~~الناس يكون في نفسه حب الرياسة كامن لا يشعر به بل إنه مخلص في عبادته وقد ~~خفيت عليه عيوبه. وكلام الناس في هذا كثير مشهور. ولهذا سميت هذه " الشهوة ~~الخفية ". قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء ~~والشهوة الخفية. قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب ~~الرياسة. فهي خفية تخفى على الناس وكثيرا ما تخفى على صاحبها. بل كذلك حب ~~المال والصورة فإن الإنسان قد يحب ذلك ولا يدري. بل نفسه ساكنة ما دام ذلك ~~موجودا فإذا فقده ظهر من # PageV16P346 # جزع نفسه وتلفها ما دل على المحبة المتقدمة. والحب مستلزم للشعور فهذا ~~شعور من النفس بأمور وجب لها. والإنسان قد يخفى ذلك عليه من نفسه لا سيما ~~والشيطان يغطي على الإنسان أمورا. وذنوبه أيضا تبقى رينا على قلبه قال ~~تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} {كلا ms5080 إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون} . وفي الترمذي وغيره عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أذنب العبد نكتت في قلبه ~~نكتة سوداء. فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو ~~قلبه. فذلك الران الذي قال الله {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} } ~~. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومنه قوله تعالى {وقالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} . وقال {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} . فالمتقون إذا أصابهم هذا الطيف الذي ~~يطيف بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ذلك فيزول الطيف ويبصرون الحق الذي كان ~~معلوما ولكن الطيف يمنعهم عن رؤيته. قال تعالى {وإخوانهم يمدونهم في الغي ~~ثم لا يقصرون} . فإخوان # PageV16P347 # الشياطين تمدهم الشياطين في غيهم " {ثم لا يقصرون} لا تقصر الشياطين عن ~~المدد والإمداد ولا الإنس عن الغي. فلا يبصرون مع ذلك الغي ما هو معلوم لهم ~~مستقر في فطرهم لكنهم ينسونه. ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما ~~هو معلوم لها وتقويته وإمداده ونفي المغير للفطرة. فالرسل بعثوا بتقرير ~~الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها. والكمال يحصل بالفطرة المكملة ~~بالشرعة المنزلة. # فصل: # وهذا النسيان نسيان الإنسان لنفسه ولما في نفسه حصل بنسيانه لربه ولما ~~أنزله. قال تعالى {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون} . وقال تعالى في حق المنافقين {نسوا الله فنسيهم} . وقال {كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} . وقوله {ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم} يقتضي أن نسيان الله كان سببا لنسيانهم أنفسهم وإنهم ~~لما نسوا الله عاقبهم بأن أنساهم أنفسهم. # PageV16P348 # ونسيانهم أنفسهم يتضمن إعراضهم وغفلتهم وعدم معرفتهم بما كانوا عارفين به ~~قبل ذلك من حال أنفسهم كما أنه يقتضي تركهم لمصالح أنفسهم. فهو يقتضي أنهم ~~لا يذكرون أنفسهم ذكرا ينفعها ويصلحها وأنهم لو ذكروا الله لذكروا أنفسهم. ~~وهذا عكس ما يقال " من عرف نفسه عرف ms5081 ربه ". وبعض الناس يروي هذا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في ~~شيء من كتب الحديث ولا يعرف له إسناد. ولكن يروى في بعض الكتب المتقدمة إن ~~صح " يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك ". وهذا الكلام سواء كان معناه صحيحا أو ~~فاسدا لا يمكن الاحتجاج بلفظه فإنه لم يثبت عن قائل معصوم. لكن إن فسر ~~بمعنى صحيح عرف صحة ذلك المعنى سواء دل عليه هذا اللفظ أو لم يدل. وإنما ~~القول الثابت ما في القرآن وهو قوله {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم} . فهو يدل على أن نسيان الرب موجب لنسيان النفس. وحينئذ فمن ذكر ~~الله ولم ينسه يكون ذاكرا لنفسه فإنه لو # PageV16P349 # كان ناسيا لها سواء ذكر الله أو نسيه لم يكن نسيانها مسببا عن نسيان ~~الرب. فلما دلت الآية على أن نسيان الإنسان نفسه مسبب عن نسيانه لربه دل ~~على أن الذاكر لربه لا يحصل له هذا النسيان لنفسه. والذكر يتضمن ذكر ما قد ~~علمه. فمن ذكر ما يعلمه من ربه ذكر ما يعلمه من نفسه. وهو قد ولد على ~~الفطرة التي تقتضي أنه يعرف ربه ويحبه ويوحده. فإذا لم ينس ربه الذي عرفه ~~بل ذكره على الوجه الذي يقتضي محبته ومعرفته وتوحيده ذكر نفسه فأبصر ما كان ~~فيها قبل من معرفة الله ومحبته وتوحيده. وأهل البدع الجهمية ونحوهم لما ~~أعرضوا عن ذكر الله الذكر المشروع الذي كان في الفطرة وجاءت به الشرعة الذي ~~يتضمن معرفته ومحبته وتوحيده نسوا الله من هذا الوجه. فأنساهم أنفسهم من ~~هذا الوجه فنسوا ما كان في أنفسهم من العلم الفطري والمحبة الفطرية ~~والتوحيد الفطري. وقد قال طائفة من المفسرين: {نسوا الله} أي تركوا أمر ~~الله {فأنساهم أنفسهم} أي حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا لها خيرا هذا لفظ ~~طائفة منهم البغوي. ولفظ آخرين منهم ابن الجوزي: حين لم يعملوا بطاعته. ~~وكلاهما قال: {نسوا الله} أي تركوا أمر الله. # PageV16P350 # ومثل هذا التفسير ms5082 يقع كثيرا في كلام من يأتي بمجمل من القول يبين معنى ~~دلت عليه الآية ولا يفسرها بما يستحقه من التفسير. فإن قولهم " تركوا أمر ~~الله ". هو تركهم للعمل بطاعته فصار الأول هو الثاني. والله سبحانه قال ~~{ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} . فهنا شيئان: نسيانهم لله ~~ثم نسيانهم لأنفسهم الذي عوقبوا به. فإن قيل: هذا الثاني هو الأول لكنه ~~تفصيل مجمل كقوله {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} ~~وهذا هو هذا؛ قيل: هو لم يقل " نسوا الله فنسوا حظ أنفسهم " حتى يقال: هذا ~~هو هذا بل قال {نسوا الله فأنساهم أنفسهم} فثم إنساء منه لهم أنفسهم ولو ~~كان هذا هو الأول لكان قد ذكر ما يعذرهم به لا ما يعاقبهم به. فلو كان ~~الثاني هو الأول لكان: {نسوا الله} أي تركوا العمل بطاعته فهو الذي أنساهم ~~ذلك. ومعلوم فساد هذا الكلام لفظا ومعنى. ولو قيل: {نسوا الله} أي نسوا ~~أمره {فأنساهم} العمل بطاعته أي تذكرها لكان أقرب ويكون النسيان الأول على ~~بابه. فإن من نسي نفس أمر الله لم يطعه. # PageV16P351 # ولكن هم فسروا نسيان الله بترك أمره. وأمره الذي هو كلامه ليس مقدورا لهم ~~حتى يتركوه إنما يتركون العمل به فالأمر بمعنى المأمور به. إلا أن يقال: ~~مرادهم بترك أمره هو ترك الإيمان به. فلما تركوا الإيمان أعقبهم بترك ~~العمل. وهذا أيضا ضعيف فإن الإيمان الذي تركوه إن كان هو ترك التصديق فقط ~~فكفى بهذا كفرا وذنبا. فلا تجعل العقوبة ترك العمل به بل هذا أشد. وإن كان ~~المراد بترك الإيمان ترك الإيمان تصديقا وعملا فهذا هو ترك الطاعة كما ~~تقدم. وهؤلاء أتوا من حيث أرادوا أن يفسروا نسيان العبد بما قيل في نسيان ~~الرب وذاك قد فسر بالترك. ففسروا هذا بالترك. وهذا ليس بجيد فإن النسيان ~~المناقض للذكر جائز على العبد بلا ريب. والإنسان يعرض عما أمر به حتى ينساه ~~فلا يذكره. فلا يحتاج أن يجعل نسيانه تركا مع استحضار وعلم. وأما الرب ~~تعالى ms5083 فلا يجوز عليه ما يناقض صفات كماله سبحانه وتعالى. وفي تفسير نسيانه ~~الكفار بمجرد الترك نظر. ثم هذا قيل في قوله تعالى {كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها} # PageV16P352 # أي تركت العمل بها. وهنا قال {نسوا الله} ولا يقال في حق الله " تركوه ". # فصل: # قوله {الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} بيان لتعريفه بما قد عرف من الخلق ~~عموما وخلق الإنسان خصوصا وإن هذا مما تعرف به الفطرة كما تقدم. ثم إذا عرف ~~أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق لا يكون إلا قادرا. بل كل فعل ~~يفعله فاعل لا يكون إلا بقوة وقدرة حتى أفعال الجمادات. كهبوط الحجر والماء ~~وحركة النار هو بقوة فيها. وكذلك حركة النبات هي بقوة فيه. وكذلك فعل كل حي ~~من الدواب وغيرها هو بقوة فيها. وكذلك الإنسان وغيره. والخلق أعظم الأفعال ~~فإنه لا يقدر عليه إلا الله. فالقدرة عليه أعظم من كل قدرة وليس لها نظير ~~من قدر المخلوقين. وأيضا فالتعليم بالقلم يستلزم القدرة. فكل من الخلق ~~والتعليم يستلزم القدرة. # PageV16P353 # وكذلك كل منهما يستلزم العلم. فإن المعلم لغيره يجب أن يكون هو عالما بما ~~علمه إياه وإلا فمن الممتنع أن يعلم غيره ما لا يعلمه هو. فمن علم كل شيء ~~الإنسان وغيره ما لم يعلم أولى أن يكون عالما بما علمه. والخلق أيضا يستلزم ~~العلم كما قال تعالى {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} . وذلك من جهة أن ~~الخلق يستلزم الإرادة. فإن فعل الشيء على صفة مخصوصة ومقدار مخصوص دون ما ~~هو خلاف ذلك لا يكون إلا بإرادة تخصص هذا عن ذاك. والإرادة تستلزم العلم. ~~فلا يريد المريد إلا ما شعر به وتصور في نفسه والإرادة بدون الشعور ممتنعة. ~~وأيضا فنفس الخلق خلق الإنسان هو فعل لهذا الإنسان الذي هو من عجائب ~~المخلوقات. وفيه من الإحكام والإتقان ما قد بهر العقول. والفعل المحكم ~~المتقن لا يكون إلا من عالم بما فعل. وهذا معلوم بالضرورة. فالخلق يدل على ~~العلم من هذا الوجه ومن هذا الوجه. وقد قال ms5084 في سورة الملك {وهو اللطيف ~~الخبير} . وهو بيان ما في المخلوقات من لطف الحكمة التي تتضمن إيصال الأمور ~~إلى غاياتها بألطف الوجوه كما قال يوسف عليه السلام {إن ربي لطيف لما # PageV16P354 # يشاء} . وهذا يستلزم العلم بالغاية المقصودة والعلم بالطريق الموصل. ~~وكذلك الخبرة. وبسط هذا يطول إذ المقصود هنا التنبيه على ما في الآيات التي ~~هي أول ما أنزل. ثم إذا ثبت أنه قادر عالم فذلك يستلزم كونه حيا. وكذلك ~~الإرادة تستلزم الحياة. والحي إذا لم يكن سميعا بصيرا متكلما كان متصفا بضد ~~ذلك من العمى والصمم والخرس وهذا ممتنع في حق الرب تعالى. فيجب أن يتصف ~~بكونه سميعا بصيرا متكلما. والإرادة إما أن تكون لغاية حكيمة أو لا. فإن لم ~~تكن لغاية حكيمة كانت سفها وهو منزه عن ذلك فيجب أن يكون حكيما. وهو إما أن ~~يقصد نفع الخلق والإحسان إليهم أو يقصد مجرد ضررهم وتعذيبهم أو لا يقصد ~~واحدا منهما بل يريد ما يريد سواء كان كذا وكذا. والثاني شرير ظالم يتنزه ~~الرب عنه والثالث سفيه عابث. فتعين أنه تعالى رحيم كما أنه حكيم كما قد بسط ~~في مواضع. # PageV16P355 # فصل: # إثبات صفات الكمال له طرق. أحدها ما نبهنا عليه من أن الفعل مستلزم ~~للقدرة ولغيرها. فمن النظار من يثبت أولا القدرة ومنهم من يثبت أولا العلم ~~ومنهم من يثبت أولا الإرادة. وهذه طرق كثير من أهل الكلام. وهذه يستدل ~~عليها بجنس الفعل وهي طريقة من لا يميز بين مفعول ومفعول كجهم بن صفوان ومن ~~اتبعه. وهؤلاء لا يثبتون حكمة ولا رحمة إذ كان جنس الفعل لا يستلزم ذلك. ~~لكن هم أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم. وكذلك تثبت بالفعل النافع ~~الرحمة وبالغايات المحمودة الحكمة. ولكن هم متناقضون في الاستدلال بالإحكام ~~والإتقان على العلم إذ كان ذلك إنما يدل إذا كان فاعلا لغاية يقصدها. وهم ~~يقولون إنه يفعل لا لحكمة ثم يستدلون بالإحكام على العلم وهو تناقض. كما ~~تناقضوا في المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبي إما # PageV16P356 # للعلم الضروري بذلك؛ ms5085 وإما لكونه لو لم تدل لزم العجز. وهي إنما تدل إذا ~~كان الفاعل يقصد إظهارها ليدل بها على صدق الأنبياء. فإذا قالوا إنه لا ~~يفعل شيئا لشيء تناقضوا. # وأما الطريق الأخرى في إثبات الصفات وهي: الاستدلال بالأثر على المؤثر ~~وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال. والثالثة طريقة قياس الأولى وهي ~~الترجيح والتفضيل وهو أن الكمال إذا ثبت للمحدث الممكن المخلوق فهو للواجب ~~القديم الخالق أولى. والقرآن يستدل بهذه وهذه وهذه. فالاستدلال بالأثر على ~~المؤثر أكمل كقوله تعالى {وقالوا من أشد منا قوة} قال الله تعالى {أولم ~~يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة.} وهكذا كل ما في المخلوقات من ~~قوة وشدة تدل على أن الله أقوى وأشد وما فيها من علم يدل على أن الله أعلم ~~وما فيها من علم وحياة يدل على أن الله أولى بالعلم والحياة. # PageV16P357 # وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء حتى الفلاسفة يقولون: كل كمال في ~~المعلول فهو من العلة. وأما الاستدلال بطريق الأولى فكقوله {ولله المثل ~~الأعلى} ومثل قوله: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} وأمثال ذلك ~~مما يدل على أن كل كمال لا نقص فيه يثبت للمحدث المخلوق الممكن فهو للقديم ~~الواجب الخالق أولى من جهة أنه أحق بالكمال لأنه أفضل. وذاك من جهة أنه هو ~~جعله كاملا وأعطاه تلك الصفات. # واسمه " العلي " يفسر بهذين المعنيين يفسر بأنه أعلى من غيره قدرا فهو ~~أحق بصفات الكمال؛ ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر والغلبة فيعود إلى أنه ~~القادر عليهم وهم المقدورون. وهذا يتضمن كونه خالقا لهم وربا لهم. وكلاهما ~~يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء فلا شيء فوقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء. وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء} # PageV16P358 # فلا يكون شيء قبله ولا بعده ولا فوقه ولا دونه كما أخبر ms5086 النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأثنى به على ربه. وإلا فلو قدر أنه تحت بعض المخلوقات كان ذلك ~~نقصا وكان ذلك أعلى منه. وإن قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه كان ذلك ~~تعطيلا له فهو منزه عن هذا. وهذا هو العلي الأعلى مع أن لفظ " العلي " و " ~~العلو " لم يستعمل في القرآن عند الإطلاق إلا في هذا وهو مستلزم لذينك لم ~~يستعمل في مجرد القدرة ولا في مجرد الفضيلة. ولفظ " العلو " يتضمن ~~الاستعلاء وغير ذلك من الأفعال إذا عدي بحرف الاستعلاء دل على العلو كقوله ~~{ثم استوى على العرش} فهو يدل على علوه على العرش. والسلف فسروا " الاستواء ~~" بما يتضمن الارتفاع فوق العرش كما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية ~~في قوله {ثم استوى} قال: ارتفع. وكذلك رواه ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم ~~رواه من حديث آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر عن أبي الربيع عن أبي العالية: ~~{ثم استوى} قال: ارتفع. # PageV16P359 # وقال البخاري: وقال مجاهد في قوله {ثم استوى على العرش} علا على العرش. ~~ولكن يقال: " علا على كذا " و " علا عن كذا " وهذا الثاني جاء في القرآن في ~~مواضع لكن بلفظ " تعالى " كقوله {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} ~~{عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود ~~هنا أن كل واحد من ذكر أنه خلق وأنه الأكرم الذي علم بالقلم يدل على هاتين ~~الطريقتين من إثبات الصفات كما دلنا على الطريقة الأولى طريقة الاستدلال ~~بالفعل. فإن قوله {الأكرم} يقتضي أنه أفضل من غيره في الكرم والكرم اسم ~~جامع لجميع المحاسن. فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد والمحامد هي صفات الكمال ~~فيقتضي أنه أحق بالإحسان إلى الخلق والرحمة وأحق بالحكمة وأحق بالقدرة ~~والعلم والحياة وغير ذلك. وكذلك قوله {خلق} . فإن الخالق قديم أزلي مستغن ~~بنفسه واجب الوجود بنفسه قيوم. ومعلوم أنه أحق بصفات الكمال من المخلوق ~~المحدث الممكن. فهذا من جهة قياس الأولى. ومن جهة الأثر فإن الخالق لغيره # PageV16P360 # الذي جعله حيا عالما ms5087 قادرا سميعا بصيرا هو أولى بأن يكون حيا عالما قديرا ~~سميعا بصيرا. و {الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . ~~فجعله عليما والعليم لا يكون إلا حيا. وكرمه أيضا أن يكون قديرا سميعا ~~بصيرا. والأكرم الذي جعل غيره عليما هو أولى أن يكون عليما. وكذلك في سائر ~~صفات الكمال والمحامد. فهذا استدلال بالمخلوق الخاص والأول استدلال بجنس ~~الخلق. ولهذا دل هذا على ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف وكذلك طريقة ~~التفضيل والأولى وأن يكون الرب أولى بالكمال من المخلوق. وهذه الطرق ~~لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى فإنهم أثبتوا أن ~~الله قائم بنفسه حتى يتكلم بهذه الطريق لكن سموه " جوهرا " وضلوا في جعل ~~الصفات ثلاثة وهي الأقانيم. فقالوا: وجدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر وغير ~~جوهر والجوهر أعلى النوعين فقلنا: هو جوهر. ثم وجدنا الجوهر ينقسم إلى حي ~~وغير حي ووجدنا الحي أكمل فقلنا: هو حي. ووجدنا الحي ينقسم إلى ناطق وغير ~~ناطق فقلنا: هو ناطق. # PageV16P361 # وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال: إن الأشياء تنقسم إلى قادر وغير ~~قادر والقادر أكمل. وقد بسط ما في كلامهم من صواب وخطأ في الكتاب الذي ~~سميناه " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ". والمقصود هنا التنبيه على ~~دلالة هذه الآية وهذه الآيات التي هي أول ما نزل على أصول الدين. # وقوله {علم الإنسان ما لم يعلم} يدل على قدرته على تعليم الإنسان ما قد ~~علمه مع كون جنس الإنسان فيه أنواع من النقص. فإذا كان قادرا على ذلك ~~التعليم فقدرته على تعليم الأنبياء ما علمهم أولى وأحرى. وذلك يدخل في قوله ~~{علم الإنسان ما لم يعلم} فإن الأنبياء من الناس. فقد دلت هذه الآيات على ~~جميع الأصول العقلية فإن إمكان النبوات هو آخر ما يعلم بالعقل. وأما وجود ~~الأنبياء وآياتهم فيعلم بالسمع المتواتر مع أن قوله {علم الإنسان ما لم ~~يعلم} يدخل فيه إثبات تعليمه للأنبياء ما علمهم فهي تدل على الإمكان ~~والوقوع. # PageV16P362 # وقد ذكرنا في مواضع أن تنزيهه ms5088 يرجع إلى أصلين. تنزيهه عن النقص المناقض ~~لكماله. فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل على تنزهه عن النقص المناقض ~~لكماله. وهذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل بخلاف ما قال طائفة ~~من المتكلمين إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع. وقد بينا في غير هذا الموضع أن ~~الطرق العقلية التي سلكوها من الاستدلال بالإعراض على حدوث الأجسام لا تدل ~~على إثباته ولا على إثبات شيء من صفات الكمال ولا على تنزهه عن شيء من ~~النقائص. فليس عند القوم ما يحيلون به عنه شيئا من النقائص. وهم معترفون ~~بأن الأفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلاف الصفات. لكن طريقهم في الصفات ~~فاسد متناقض كما قد بسط في غير هذا الموضع. الثاني: أنه ليس كمثله شيء في ~~صفات الكمال. والقرآن مملوء بإثبات هذين الأصلين بإثبات صفات الكمال على ~~وجه التفصيل وتنزيهه عن التمثيل سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # PageV16P363 # فصل: # وقوله {باسم ربك الذي خلق} وقوله {علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} ~~يدل على إثبات أفعاله وأقواله. فالخلق فعله والتعليم يتناول تعليم ما أنزله ~~كما قال {الرحمن} {علم القرآن} {خلق الإنسان} {علمه البيان} وقوله {بالقلم} ~~يتناول تعليم كلامه الذي يكتب بالقلم. ونزوله في أول السورة التي أنزل فيها ~~كلامه وعلم نبيه كلامه الذي يكتب بالقلم دليل على شمول الآية لذلك فإن سبب ~~اللفظ المطلق والعام لا بد أن يكون مندرجا فيه. وإذا دل على أنه خلق وتكلم. ~~وقد قال {خلق الإنسان} . ومعلوم بالعقل وبالخطاب أن الإنسان المخلوق غير ~~خلق الرب له وكذلك خلقه لغيره. والذين نازعوا في ذلك إنما نازعوا لشبهة ~~عرضت لهم كما قد ذكر بعد هذا وفي مواضع. وإلا فهم لا يتنازعون أن " خلق " ~~فعل له مصدر يقال: خلق يخلق خلقا. والإنسان مفعول المصدر " المخلوق " ليس ~~هو المصدر. # PageV16P364 # ولكن قد يطلق لفظ المصدر على المفعول كما يقال " درهم ضرب الأمير ". ومنه ~~قوله {هذا خلق الله} والمراد هناك: هذا مخلوق الله. وليس الكلام في لفظ " ~~خلق ms5089 " المراد به " المخلوق " بل في لفظ " الخلق " المراد به " الفعل " الذي ~~يسمى المصدر كما يقال: خلق يخلق خلقا وكقوله {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة} وقوله {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} وقوله {ما أشهدتهم ~~خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} وإذا كان الخلق فعله فهو بمشيئته إذ ~~يمتنع أن يكون فعله بغير مشيئة. وما كان بالمشيئة امتنع قدم عينه بل يجوز ~~قدم نوعه. وإذا كان الخلق للحادث لا بد له من مؤثر تام أوجب حدوثه لزم أنه ~~لم يزل متصفا بما يقوم به من الأمور الاختيارية لكن إن يثبت أنه كان قبل ~~هذا المخلوق مخلوق آخر ثبت أنه متصف بخلق بعد خلق. وكذلك الكلام هو متكلم ~~بمشيئته. ويمتنع أن لا يكون متكلما ثم يصير متكلما لوجهين: أحدهما: أنه سلب ~~لكماله والكلام صفة كمال. والثاني: أنه يمتنع حدوث ذلك. فإن من لا يكون ~~متكلما يمتنع # PageV16P365 # أن يجعل نفسه متكلما ومن لا يكون عالما يمتنع أن يجعل نفسه عالما ومن لا ~~يكون حيا يمتنع أن يجعل نفسه حيا. فهذه الصفات من لوازم ذاته. وكذلك من لا ~~يكون خالقا يمتنع أن يجعل نفسه خالقا. فإنه إذا لم يكن قادرا على أن يخلق ~~فجعله نفسه خالقة أعظم؛ فيكون هذا ممتنعا بطريق الأولى فإن جعل نفسه خالقة ~~يستلزم وجود المخلوق. ولهذا لما كان قادرا على جعل الإنسان فاعلا كان هو ~~الخالق لما يفعله الإنسان. فلو جعل نفسه خالقة كان هو الخالق لما جعلها ~~تخلقه. فإذا فرض أنه يمتنع أن يكون خالقا في الأزل امتنع أن يجعل نفسه ~~خالقة بوجه من الوجوه. ويلزم من القول بامتناع الفعل عليه في الأزل امتناعه ~~دائما. وقد دلت الآية على أنه خلق. فعلم أنه ما زال قادرا على الخلق ما زال ~~يمكنه أن يخلق وما زال الخلق ممكنا مقدورا. وهذا يبطل أصل الجهمية. بل وإذا ~~كان قادرا عليه فالموجب له ليس شيئا بائنا من خارج بل هو من نفسه. فيمتنع ~~أن يجعل نفسه مريدة بعد أن ms5090 لم تكن فيلزم أنه ما زال مريدا قادرا. وإذا حصلت ~~القدرة والإرادة وجب وجود المقدور. # PageV16P366 # وأهل الكلام الذين ينازعون في هذا يقولون لم يزل قادرا على ما سيكون. ~~فيقال لهم: القدرة لا تكون إلا مع إمكان المقدور إذا كانت القدرة دائمة؛ ~~فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور دائما؟ وهم يقولون: لا بل الإمكان إمكان ~~الفعل حادث. وهذا يناقض إثبات القدرة وإن قالوا: بل الإمكان حاصل تبين أنه ~~لم يزل الفعل ممكنا فثبت إمكان وجود ما لا يتناهى من مقدور الرب. وحينئذ؛ ~~فإذا كان لم يزل قادرا والفعل ممكنا وهذا الممكن قد وجد فما لا يزال ~~فالموجب لوجود جنس المقدور كالإرادة مثلا إما أن يكون وجودها في الأزل ~~ممتنعا فيلزم امتناع الفعل وقد بينا أنه ممكن. وأيضا إذا كان وجودها ممتنعا ~~لم يزل ممتنعا لأنه لا شيء هناك يجعلها ممكنة فضلا عن أن تكون موجودة. ~~ومعلوم أن وجودها بعد أن لم تكن لا بد له من موجب. وإذا كان وجودها في ~~الأزل ممكنا فوجود هذا الممكن لا يتوقف على غير ذاته وذاته كافية في حصوله. ~~فيلزم أنه لم يزل مريدا. وهكذا في جميع صفات الكمال متى ثبت إمكانها في ~~الأزل لزم # PageV16P367 # وجودها في الأزل. فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة إذ ليس في الأزل شيء سوى ~~نفسه يوجب وجودها. فإذا كانت ممكنة والمقتضي التام لها نفسه لزم وجوبها في ~~الأزل. وهذا مما يدل على أنه لم يزل حيا عليما قديرا مريدا متكلما فاعلا إذ ~~لا مقتضي لهذه الأشياء إلا ذاته وذاته وحدها كافية في ذلك. فيلزم قدم النوع ~~وأنه لم يزل متكلما إذا شاء لكن أفراد النوع تحصل شيئا بعد شيء بحسب ~~الإمكان والحكمة. ولهذا قد بين في مواضع أنه ليس في نفس الأمر ممكن يستوي ~~طرفا وجوده وعدمه بل إما أن يحصل المقتضي لوجوده فيجب أو لا يحصل فيمتنع. ~~فما اتصف به الرب فاتصافه به واجب وما لم يتصف به فاتصافه به ممتنع. وما ~~شاء كان ووجب وجوده وما لم ms5091 يشأ لم يكن وامتنع وجوده. فالممكن مع مرجحه ~~التام واجب وبدونه ممتنع. ففي قوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق ~~الإنسان من علق} وفي قوله {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} دلالة على ~~ثبوت صفات الكمال له وأنه لم يزل متصفا بها. وأقوال السلف في ذلك كثيرة. ~~وبهذا فسروا قوله {وكان الله # PageV16P368 # عزيزا حكيما} ونحوه كما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس ورواه ابن أبي ~~حاتم من عدة طرق لما قيل له: قوله {وكان الله} كأنه كان شيء ثم مضى؟ فقال ~~ابن عباس: هو سمى نفسه بذلك ولم يزل كذلك. هذا لفظ ابن أبي حاتم من طريق ~~أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. فقال ابن ~~عباس: كذلك كان ولم يزل. ومن رواية عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: أتاه رجل فقال: سمعت الله يقول {وكان الله} ~~كأنه شيء كان؟ فقال ابن عباس: أما قوله {كان} فإنه لم يزل ولا يزال و {هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} . ومن رواية عبد الرحمن بن ~~مغرا عن مجمع بن يحيى عن عمه عن ابن عباس. قال قال يهودي: إنكم تزعمون أن ~~الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم؟ فقال ابن عباس: إنه كان في نفسه. ~~عزيزا حكيما. وهذه أقوال ابن عباس تبين أنه لم يزل متصفا بخبر " كان " ولا # PageV16P369 # يزال كذلك وأن ذلك حصل له من نفسه. فلم يزل متصفا في نفسه إذا كان من ~~لوازم نفسه ولهذا لا يزال لأنه من نفسه. وقال أحمد بن حنبل: لم يزل الله ~~عالما متكلما غفورا. وقال أيضا: لم يزل الله متكلما إذا شاء. # فصل: # وكما أنه أول آية نزلت من القرآن تدل على ذلك فأعظم آية في القرآن تدل ~~على ذلك لكن مبسوطا دلالة أتم من هذا. وهي آية الكرسي كما ثبت في الصحيح ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن ms5092 كعب: يا أبا المنذر أتدري أي آية ~~في كتاب الله معك أعظم؟ فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فقال: ~~ليهنك العلم أبا المنذر} . وهنا افتتحها بقوله {الله} وهو أعظم من قوله ~~{وربك} ولهذا افتتح به أعظم سورة في القرآن فقال {الحمد لله رب العالمين} . # PageV16P370 # وقال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إذا كان المشركون قد اتخذوا إلها ~~غيره وإن قالوا بأنه الخالق. ففي قوله {خلق} لم يذكر نفي خالق آخر إذ كان ~~ذلك معلوما. فلم يثبت أحد من الناس خالقا آخر مطلقا خلق كل شيء وخلق ~~الإنسان وغيره بخلاف الإلهية. قال تعالى {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين} وقال تعالى {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ~~إن هذا لشيء يراد} وقال تعالى {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا ~~أشهد قل إنما هو إله واحد} وقال تعالى {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} . فابتغوا معه آلهة أخرى ولم يثبتوا معه خالقا ~~آخر. فقال في أعظم الآيات {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . ذكره في ~~ثلاثة مواضع من القرآن كل موضع فيه أحد أصول الدين الثلاثة وهي التوحيد ~~والرسل والآخرة. هذه التي بعث بها جميع المرسلين وأخبر عن المشركين أنهم ~~يكفرون بها في مثل قوله {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} . # PageV16P371 # فقال هنا {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قرنها بأنه لا إله إلا هو. ~~وزاد في آل عمران {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل} {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} وهذا إيمان بالكتب والرسل. ~~وقال في طه: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} {وعنت الوجوه للحي ~~القيوم وقد خاب من حمل ظلما} . # فصل: # ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه منه الصفات ms5093 الفعلية ~~كقوله في هذه السورة {الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} و " الخلق " مذكور في ~~مواضع كثيرة وكذلك غيره من الأفعال. وهو نوعان. فعل متعد إلى مفعول به مثل ~~" خلق " فإنه يقتضي مخلوقا وكذلك " رزق " كقوله {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # PageV16P372 # هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} . وكذلك الهدى والإضلال والتعليم ~~والبعث والإرسال والتكليم. وكذلك ما أخبر به من قوله {فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين} {فسواهن سبع سماوات} وقوله {والسماء بنيناها بأيد} وقوله {الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم} وقوله في الآية الأخرى {الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء ~~وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات} وهذا في القرآن كثير جدا. والأفعال ~~اللازمة كقوله {ثم استوى إلى السماء} {ثم استوى على العرش} {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} وقوله {وجاء ربك والملك صفا صفا} . فأما ~~النوع الأول فالمسلمون متفقون على إضافته إلى الله وأنه هو الذي يخلق ويرزق ~~ليس ذلك صفة لشيء من مخلوقاته. لكن هل قام به فعل هو الخلق أو الفعل هو ~~المفعول والخلق هو المخلوق؟ وهذا فيه قولان لمن يثبت اتصافه بالصفات. فأما # PageV16P373 # من ينفي الصفات من الجهمية والمعتزلة فهم ينفون قيام الفعل به بطريق ~~الأولى. لكن منهم من يجعل الخلق غير المخلوق ويجعل الخلق إما معنى قام ~~بالمخلوق أو المعاني المتسلسلة كما يقوله معمر بن عباد؛ أو يجعل الخلق ~~قائما لا في محل كقول بعضهم: إنه قول " كن " لا في محل وقول البصريين: إنه ~~إرادة لا في محل. وهذا فرار منهم عن قيام الحوادث به مع أن منهم من يلتزم ~~ذلك كما التزمه أبو الحسين وغيره. والجمهور المثبتون للصفات هم في الأفعال ~~على قولين. منهم من يقول: لا يقوم به فعل وإنما الفعل هو المفعول وهذا قول ~~طائفة منهم الأشعري ms5094 ومن وافقه من أصحابه وغير أصحابه كابن عقيل وغيره وهو ~~أول قولي القاضي أبي يعلى. وهؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية ومعنوية وفعلية. ~~وهذا تقسيم لا حقيقة له. فإن الأفعال عندهم لا تقوم به فلا يتصف بها. لكن ~~يخبر عنه بها. وهذا التقسيم يناسب قول من قال: الصفات هي الأخبار التي # PageV16P374 # يخبر بها عنه لا معاني تقوم به كما تقول ذلك الجهمية والمعتزلة. فهؤلاء ~~إذا قالوا: الصفات تنقسم إلى ذاتية وفعلية أرادوا بذلك ما يخبر به عنه من ~~الكلام تارة يكون خبرا عن ذاته وتارة عن المخلوقات ليس عندهم صفات تقوم به. ~~فمن فسر الصفات بهذا أمكنه أن يجعلها ثلاثة أقسام ذاتية ومعنوية وفعلية. ~~وأما من كان مراده بالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح على أصلهم ولكن ~~أخذوا التقسيم عن أولئك وهم مخالفون لهم في المراد بالصفات. وهذا التقسيم ~~موجود في كلام أبي الحسن ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والباجي ~~وغيرهم. والقول الثاني: أنه تقوم به الأفعال. وهذا قول السلف وجمهور مثبتة ~~الصفات. ذكر البخاري في كتاب " خلق أفعال العباد " أن هذا إجماع العلماء ~~خالق وخلق ومخلوق. وذكره البغوي قول أهل السنة وذكره أبو نصر محمد بن إسحاق ~~الكلاباذي في كتاب " التعرف بمذاهب التصوف " أنه قول الصوفية. وهو قول ~~الحنفية مشهور عندهم يسمونه # PageV16P375 # " التكوين " وهو قول الكرامية والهشامية ونحوهما وهو قول القدماء من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد. وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى. ثم إذا قيل: ~~الخلق غير المخلوق وإنه قائم بالرب فهل هو خلق قديم لازم لذات الرب مع حدوث ~~المخلوقات كما يقوله أصحاب أبي حنيفة وغيرهم؟ أو هو خلق حادث بذاته حدث لما ~~حدث جنس المخلوقات؟ أم خلق بعد خلق؟ على ثلاثة أقوال. وهذا أو هذا هو الذي ~~عليه أئمة السنة والحديث وجمهورهم. وهو قول طوائف من أهل الكلام من ~~الكرامية والهشامية وغيرهم. فمن قال " إنه يتكلم بمشيئته واختياره كلاما ~~يقوم بذاته يمكنه أن يقول: إنه يفعل باختياره ومشيئته فعلا يقوم بذاته ". ~~والذين يقولون بقيام ms5095 الأمور الاختيارية بذاته منهم من يصحح دليل الأعراض ~~والاستدلال به على حدوث الأجسام كالكرامية ومتأخري الحنفية والمالكية ~~والحنبلية والشافعية. ومنهم من لا يصححه كأئمة السلف وأئمة السنة والحديث. ~~وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم # PageV16P376 # وهذه المسألة يعبر عنها ب " مسألة التأثير " هل هو أمر وجودي أم لا؟ وهل ~~التأثير زائد على المؤثر والأثر أم لا؟ وكلام الرازي في ذلك مختلف كما قد ~~بسط الكلام على ذلك في مواضع. وعمدة الذين قالوا: إن الخلق هو المخلوق ~~والتأثير هو وجود الأثر لم يثبتوا زائدا أن قالوا: لو كان الخلق والتأثير ~~زائدا على ذات المخلوق والأثر لكان إما أن يقوم بمحل أو لا والثاني باطل ~~فإن المعاني لا تقوم بأنفسها. وهذا رد على طائفة من المعتزلة قالوا: يقوم ~~بنفسه. قالوا: وإذا قام بمحل فإما أن يقوم بالخالق أو بغيره والثاني باطل ~~لأنه لو قام بغيره لكان ذلك الغير هو الخالق لا هو. وهذا رد على طائفة ~~ثانية يقولون: إنه يقوم بالمخلوق. وإذا قام بالخالق فإما أن يكون قديما أو ~~محدثا ولو كان قديما للزم قدم المخلوق فإن الخلق والمخلوق متلازمان. فوجود ~~خلق بلا مخلوق ممتنع وكذلك وجود تأثير بلا أثر. وإن كان محدثا فهو باطل ~~لوجهين. أحدهما أنه يلزم قيام الحوادث به. والثاني أن ذلك الخلق الحادث ~~يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ومعمر بن عباد التزم التسلسل وجعل للخلق ~~خلقا وللخلق خلقا # PageV16P377 # لكن لا في ذات الله وجعل ذلك في وقت واحد. فهذه عمدة هؤلاء. وكل طائفة ~~تخالفهم منعت مقدمة من مقدمات دليلهم. فمن جوز أن يقوم بنفسه أو بالمخلوق ~~منع تينك المقدمتين. وأما الجمهور فكل أجاب بحسب قوله. منهم من قال: بل ~~الخلق والتكوين قديم كما أن الإرادة عندكم قديمة. ومع القول بقدمها لم يلزم ~~تقدم المراد كذلك الخلق والتكوين قديم ولا يلزم تقدم المخلوق. وهذا لازم ~~للكلابية من الأشعرية وغيرهم لا جواب لهم عنه. لكن لا يلزم من نفي قدم ~~إرادة معينة بل نفي قدم الإرادة كما يقوله الجهمية والمعتزلة. أو ms5096 يقول بقدم ~~نوع الإرادة كما يقوله أئمة أهل الحديث ومن وافقهم من الفلاسفة والمتكلمين ~~وغيرهم. لكن صاحب هذا القول يقال له: التكوين القديم إما أن يكون بمشيئته ~~وإما أن لا يكون بمشيئته. فإن كان بغير مشيئته لزم أن يكون قد خلق الخلق ~~بلا مشيئته. وإن كان بمشيئته لزم أن يكون القديم مرادا وهذا باطل. ولو صح ~~لأمكن كون العالم قديما مع كونه مخلوقا # PageV16P378 # بخلق قديم بإرادة قديمة. ومعلوم أن هذا باطل. ولهذا كان كل من قال " ~~القرآن قديم " يقولون: تكلم بغير مشيئته وقدرته. فالمفعول المراد لا يكون ~~إلا حادثا وكذلك الفعل المراد لا يكون إلا حادثا. وأيضا فهؤلاء المنازعون ~~لهم يقولون: الإرادة مستلزمة للمراد والخلق مستلزم للمخلوق. وما ذكر حجة ~~على هؤلاء وهؤلاء. فإن الإرادة والخلق من الأمور الإضافية وثبوت إرادة بلا ~~مراد وخلق بلا مخلوق ممتنع. لكن المنازع يقول: توجد الإرادة والخلق ويتأخر ~~المراد المخلوق فيقال لهؤلاء تقولون: توجد الإرادة أو الخلق مع الإرادة ولا ~~يوجد لا المراد ولا المخلوق. ثم بعد ذلك بما لا يتناهى من تقدير الأوقات ~~يوجد المراد المخلوق من غير سبب. وهذا معلوم البطلان في بداية العقول. فإن ~~الإرادة أو الخلق كان موجودا مع القدرة. فإن كان هذا مؤثرا تاما استلزم ~~وجود الأثر ولزم وجود الأثر عند وجود المؤثر التام. فإن الأثر " ممكن " ~~والممكن يجب وجوده عند وجود المرجح # PageV16P379 # التام إذ لو لم يكن كذلك كان جائزا بعد وجود المرجح يقبل الوجود والعدم ~~وحينئذ فيفتقر إلى مرجح. وهذا يستلزم التسلسل. ولا ينقطع التسلسل إلا إذا ~~وجد المرجح التام الموجب. # وهنا تنازع الناس فقالت طائفة مثل محمد بن الهيصم الكرامي ومحمود ~~الخوارزمي يكون الممكن أولى بالوقوع لكن لا ينتهي إلى حد الوجوب. وقال أكثر ~~المعتزلة والأشعرية: بل لا يصير أولى ولكن القادر أو القادر المريد يرجح ~~أحد المتماثلين بلا مرجح. وآخرون عرفوا أن هذا لازم فاعترفوا بأنه عند وجود ~~المرجح التام يجب وجود الأثر وعند الداعي التام مع القدرة يجب وجود الفعل ~~كما اعترف بذلك أبو ms5097 الحسين البصري والرازي والطوسي وغيرهم. وكثير من قدماء ~~المتكلمين يقولون بالإرادة الموجبة وأن الإرادة تستلزم وجود المراد. ~~والمتفلسفة أوردوا هذا على المتكلمين لكن بأن الأثر يقارن وجود التأثير ~~فيكون معه بالزمن. وكثير من الناس لا يعرف إلا هذا القول وذاك القول # PageV16P380 # كالرازي وغيره فيبقون حيارى في هذا الأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول ~~العلم والدين والكلام. وقد بسطنا الكلام على هذا في غير موضع وبينا أن قولا ~~ثالثا هو الصواب الذي عليه أئمة العلم. وهو أن التأثير التام يستلزم وجود ~~الأثر عقبه لا معه في الزمان ولا متراخيا عنه. فمن قال بالتراخي من أهل ~~الكلام فقد غلط ومن قال بالاقتران كالمتفلسفة فهم أعظم غلطا. ويلزم قولهم ~~من المحالات ما قد بيناه في مواضع. وأما هذا القول فعليه يدل السمع والعقل. ~~قال الله تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . والعقلاء ~~يقولون " قطعته فانقطع وكسرته فانكسر " و " طلق المرأة فطلقت وأعتق العبد ~~فعتق ". فالعتق والطلاق يقعان عقب الإعتاق والتطليق لا يتراخى الأثر ولا ~~يقارن. وكذلك الانكسار والانقطاع مع القطع والكسر. وهذا مما يبين أنه إذا ~~وجد الخلق لزم وجود المخلوق عقبه كما يقال: كون الله الشيء فتكون. فتكونه ~~عقب تكوين الله لا مع التكوين ولا متراخيا. # PageV16P381 # وكذلك الإرادة التامة مع القدرة تستلزم وجود المراد المقدور. فهو يريد أن ~~يخلق فيوجد الخلق بإرادته وقدرته. ثم الخلق يستلزم وجود المخلوق وإن كان ~~ذلك الخلق حادثا بسبب آخر يكون هذا عقبه. فإنما في ذلك وجود الأثر عقب ~~المؤثر التام والتسلسل في الآثار. وكلاهما حق والله أعلم. وأما المخلوق فلا ~~يكون إلا بائنا عنه لا يقوم به مخلوق. بل نفس الإرادة مع القدرة تقتضي وجود ~~الخلق كما تقتضي وجود الكلام. ولا يفتقر الخلق إلى خلق آخر بل يفتقر إلى ما ~~به يحصل وهو الإرادة المتقدمة. وإذا خلق شيئا أراد خلق شيء آخر وما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن. ومن قال: إن الخلق حادث كالهشامية والكرامية قال: نحن ~~نقول ms5098 بقيام الحوادث. ولا دليل على بطلان ذلك. بل العقل والنقل والكتاب ~~والسنة وإجماع السلف يدل على تحقيق ذلك كما قد بسط في موضعه. # PageV16P382 # ولا يمكن القول بأن الله يدبر هذا العالم إلا بذلك كما اعترف بذلك أقرب ~~الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب " المعتبر " وغيره. وأما قولهم: يلزم ~~أن للخلق خلقا آخر فقد أجابهم من يلتزم ذلك كالكرامية وغيرهم بأنكم تقولون: ~~إن المخلوقات المنفصلة تحدث بلا حدوث سبب أصلا. وحينئذ فالقول بحدوث الخلق ~~الذي تحصل به المخلوقات بلا حدوث سبب أقرب إلى العقل والنقل. وهذا جواب ~~لازم على هذا التقدير تقدير قيام الأمور الاختيارية. والكرامية يسمون ما ~~قام به " حادثا " ولا يسمونه " محدثا " كالكلام الذي يتكلم به القرآن أو ~~غيره يقولون: هو حادث ويمنعون أن يقال: هو محدث لأن " الحادث " يحدث بقدرته ~~ومشيئته ك " الفعل ". وأما " المحدث " فيفتقر إلى إحداث فيلزم أن يقوم ~~بذاته إحداث غير المحدث وذلك الإحداث يفتقر إلى إحداث فيلزم التسلسل. وأما ~~غير الكرامية من أئمة الحديث والسنة والكلام فيسمون ذلك " محدثا " كما قال ~~{ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} # PageV16P383 # وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. {إن الله ~~يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} . والذي أحدثه ~~هو النهي عن تكلمهم في الصلاة. وقولهم " إن المحدث يفتقر إلى إحداث وهلم ~~جرا " هذا يستلزم التسلسل في الآثار مثل كونه متكلما بكلام بعد كلام وكلمات ~~الله لا نهاية لها وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء. وهذا قول أئمة السنة ~~وهو الحق الذي يدل عليه النقل والعقل. وكذلك أفعاله فإن الفعل والكلام صفة ~~كمال. فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق. قال ~~تعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} . وحينئذ فهو ما زال متصفا ~~بصفات الكمال منعوتا بنعوت الإكرام والجلال. وبهذا تزول أنواع الإشكال ~~ويعلم أن ما أخبرت به الرسل عن الله من أصدق الأقوال وأن دلائل العقول لا ms5099 ~~تدل إلا على ما يوافق أخبار الرسول. ولكن نشأ الغلط من جهل كثير من الناس ~~بما أخبر به الرسول # PageV16P384 # وسلوكهم أدلة برأيهم ظنوها عقلية وهي جهلية. فغلطوا في الدلائل السمعية ~~والعقلية فاختلفوا {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} . وقد بسط ~~الكلام على هذا في مواضع في مسألة الكلام والأفعال وذكر ما تيسر من كلام ~~السلف والأئمة في هذا الأصل والمقصود هنا التنبيه على مآخذ الأقوال. وهذا ~~الموضع مما بينه أئمة السنة كالإمام أحمد وغيره. فتكلم في " الرد على ~~الجهمية " على قوله {إنا جعلناه قرآنا عربيا} . وبين أن " الجعل " من الله ~~قد يكون " خلقا " كقوله {وجعل الظلمات والنور} وقد يكون " فعلا ليس بخلق " ~~وقوله {إنا جعلناه قرآنا عربيا} من هذا الباب. وذلك أن الخلق ونحوه من ~~الأفعال التي ليست خلقا مثل تكلمه بالقرآن وغيره وتكلمه لموسى وغيره ومثل ~~النزول والإتيان والمجيء ونحو ذلك فهذه إنما تكون بقدرته ومشيئته وبأفعال ~~أخر تقوم بذاته ليست خلقا. وبهذا يجيب البخاري وغيره من أئمة السنة ~~للكرامية إذا قالوا: " المحدث لا بد له من إحداث؟ " فيقول: " نعم وذلك ~~الإحداث # PageV16P385 # فعل ليس بخلق " و " التسلسل " نلتزمه. فإن التسلسل الممتنع هو وجود ~~المتسلسلات في آن واحد؛ كوجود خالق للخالق وخالق للخالق أو للخلق خلق ~~وللخلق خلق في آن واحد. وهذا ممتنع من وجوه. منها وجود ما لا يتناهى في آن ~~واحد وهذا ممتنع مطلقا. ومنها أن كل ما ذكر يكون " محدثا " لا " ممكنا " ~~وليس فيها موجود بنفسه ينقطع به التسلسل وإذا كان أولى بالامتناع. بخلاف ما ~~إذا قيل " كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل " جائز عند أكثر ~~العقلاء أئمة السنة وأئمة الفلاسفة وغيرهم. فإذا قيل " هذا الكلام المحدث ~~أحدثه في نفسه " كان هذا معقولا. وهو مثل قولنا " تكلم به ". وهو معنى قوله ~~{إنا جعلناه قرآنا عربيا} أي تكلمنا به عربيا وأنزلناه عربيا. وكذلك فسره ~~السلف كإسحاق بن راهويه وذكره عن مجاهد قال: {جعلناه قرآنا عربيا} قلناه ~~عربيا ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ms5100 عن إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا عن ~~مجاهد وغيره من التابعين {إنا جعلناه قرآنا عربيا} إنا قلناه ووصفناه. ~~وذكره # PageV16P386 # عن أحمد بن حنبل عن الأشجعي عن سفيان الثوري في قوله {جعلناه قرآنا ~~عربيا} بيناه قرآنا عربيا. والإنسان يفرق بين تكلمه وتحركه في نفسه وبين ~~تحريكه لغيره. وقد احتج سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أنه غير مخلوق ~~بأن الله خلق الأشياء ب " كن ". فلو كانت " كن " مخلوقة لزم أن يكون خلق ~~مخلوقا بمخلوق فيلزم التسلسل الباطل. وذلك أنه إذا لم يخلق إلا ب " كن " ~~فلو كانت " كن " مخلوقة لزم أن لا يخلق شيئا. وهو الدور الممتنع. فإنه لا ~~يخلق شيئا حتى يقول " كن " ولا يقول " كن " حتى يخلقها فلا يخلق شيئا. وهذا ~~تسلسل في أصل التأثير والفعل مثل أن يقال: لا يفعل حتى يفعل فيلزم أن لا ~~يفعل؛ ولا يخلق حتى يخلق فيلزم أن لا يخلق. وأما إذا قيل: قال " كن " وقبل ~~" كن " " كن " وقبل " كن " " كن " فهذا ليس بممتنع. فإن هذا تسلسل في آحاد ~~التأثير لا في جنسه. كما أنه في المستقبل يقول " كن " بعد " كن " ويخلق ~~شيئا بعد شيء إلى غير نهاية. فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه وخلقه فعله ~~القائم به وذلك إنما يكون بقدرته ومشيئته. # PageV16P387 # وإذا قيل: هذا الفعل القائم به يفتقر إلى فعل آخر يكون هو المؤثر في ~~وجوده غير القدرة والإرادة فإنه لو كان مجرد ذلك كافيا كفى في وجود المخلوق ~~فلما كان لا بد له من خلق فهذا الخلق أمر حادث بعد أن لم يكن وهو فعل قائم ~~به. فالمؤثر التام فيه يكون مستلزما له مستعقبا له كالمؤثر التام في وجود ~~الكلام الحادث بذاته. والمتكلم من الناس إذا تكلم فوجود الكلام لفظه ومعناه ~~مسبوق بفعل آخر. فلا بد من حركة تستعقب وجود الحروف التي هي الكلام. فتلك ~~الحركة هي التي تجعل الكلام عربيا أو عجميا وهو فعل يقوم بالفاعل. وذلك ~~الجعل الحادث حدث بمؤثر تام قبله أيضا. وذات الرب هي المقتضية لذلك كله. ms5101 ~~فهي تقتضي الثاني بشرط انقضاء الأول لا معه. واقتضاؤها للثاني فعل يقوم بها ~~بعد الأول. وهي مقتضية لهذا التأثير وهذا التأثير. ثم هذا التأثير وكل ~~تأثير هو مسبب عما قبله وشرط لما بعده. وليس في ذلك شيء مخلوق وإن كانت " ~~حادثة ". وإن قال قائل: أنا أسمي هذا " خلقا " كان نزاعه لفظيا وقيل له: ~~الذين قالوا " القرآن مخلوق " لم يكن مرادهم هذا ولا رد السلف والأئمة هذا. ~~إنما ردوا قول من جعله مخلوقا بائنا عن الله كما قال # PageV16P388 # الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس بائنا عنه. وقالوا: القرآن كلام الله ~~غير مخلوق منه بدأ. قال أحمد: منه بدأ هو المتكلم به لم يبدأ من مخلوق كما ~~قال من قال: إنه مخلوق. قال تعالى {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق} . ولهذا لا يقول أحد إنه خلق نزوله واستواءه ومجيئه. وكذلك ~~تكليمه لموسى ونداؤه له ناداه وكلمه بمشيئته وقدرته. والتكليم فعل قام ~~بذاته وليس هو الخلق كما أن الإنسان إذا تكلم فقد فعل كلاما وأحدث كلاما ~~ولكن في نفسه لا مباينا له. ولهذا كان الكلام صفة فعل وهو صفة ذات أيضا على ~~مذهب السلف والأئمة. ومن قال إنه مخلوق يقول: إنه صفة فعل ويجعل الفعل ~~بائنا عنه والكلام بائنا عنه. ومن قال صفة ذات يقول: إنه يتكلم بلا مشيئته ~~وقدرته. ومذهب السلف أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم به. فهو صفة # PageV16P389 # ذات وصفة فعل. ولكن الفعل هنا ليس هو الخلق بل كما قال الإمام أحمد: ~~الجعل جعلان جعل هو خلق وجعل ليس بخلق. وهذا كله يستلزم قيام الأفعال بذاته ~~وأنها تنقسم إلى قسمين أفعال متعدية كالخلق وأفعال لازمة كالتكلم والنزول. ~~والسلف يثبتون النوعين هذا وغيره. وأما جعل القرآن عربيا وإن كان متعديا في ~~صناعة العربية بمعنى أنه نصب مفعولا ففي " الكلام " الفعل الذي هو " التكلم ~~" متصلا بالمفعول الذي هو " الكلام " كلاهما قائم بالمتكلم. ولهذا قد يراد ~~بالمفعول المصدر. إذا قلت " قال قولا حسنا " فقد يراد ب " القول " المصدر ~~فقط ms5102 وقد يراد به " الكلام " فقط فيكون المفعول وقد يراد به المجموع فيكون ~~مفعولا به ومصدرا. وكذلك " القرآن " هو في الأصل " قرأ قرآنا " وهو الفعل ~~والحركة ثم سمي الكلام المقروء " قرآنا ". قال تعالى في الأول {إن علينا ~~جمعه وقرآنه} {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} وقال في الثاني {إن هذا القرآن} . # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن التلاوة والقراءة في # PageV16P390 # الأصل مصدر " تلا تلاوة وقرأ قراءة كالقرآن " لكن يسمى به الكلام كما ~~يسمى بالقرآن. وحينئذ فتكون القراءة هي المقروء والتلاوة هي المتلو. وقد ~~يراد بالتلاوة والقراءة المصدر الذي هو الفعل فلا تكون القراءة والتلاوة هي ~~المقروء المتلو بل تكون مستلزمة له. وقد يراد بالتلاوة والقراءة مجموع ~~الأمرين فلا تكون هي المتلو لأن فيها الفعل ولا تكون مباينة مغايرة للمتلو ~~لأن المتلو جزؤها. هذا إذا أريد بالقراءة والمقروء شيء واحد معين مثل قراءة ~~الرب ومقروئه أو قراءة العبد ومقروئه. وأما إذا أريد بالقراءة قراءة العبد ~~وهي حركته وبالمقروء صفة الرب فلا ريب أن حركة العبد ليست صفة الرب. ولكن ~~هذا تكلف. بل قراءة العبد مقروءه كمقروئه. وقراءته للقرآن إذا عنى بها نفس ~~القرآن فهي مقروءه. وإن عنى بها حركته فليست مقروءه. وإن عنى بها الأمران ~~فلا يطلق أحدهما. ولهذا كان من المنتسبين إلى السنة من يقول: القراءة هي ~~المقروء ومنهم من يقول: القراءة غير المقروء ومنهم من لا يطلق واحدا # PageV16P391 # منهما ولكل قول وجه من الصواب عند التصور التام والإنصاف. وليس فيها قول ~~يحيط بالصواب بل كل قول فيه صواب من وجه وقد يكون خطأ من وجه آخر. والبخاري ~~إنما يثبت خلق أفعال العباد حركاتهم وأصواتهم. وهذه القراءة هي فعل العبد ~~يؤمر به وينهى عنه. وأما الكلام نفسه فهو كلام الله. ولم يقل البخاري إن ~~لفظ العبد مخلوق ولا غير مخلوق كما نهى أحمد عن هذا وهذا. والذي قال ~~البخاري إنه مخلوق من أفعال العباد وصفاتهم لم يقل أحمد ولا غيره من السلف ~~إنه غير مخلوق وإن سكتوا عنه لظهور أمره ms5103 ولكونهم كانوا يقصدون الرد على ~~الجهمية. والذي قال أحمد إنه غير مخلوق هو كلام الله لا صفة العباد لم يقل ~~البخاري إنه مخلوق. ولكن أحمد كان مقصوده الرد على من يجعل كلام الله ~~مخلوقا إذا بلغ عن الله والبخاري كان مقصوده الرد على من يقول: أفعال ~~العباد وأصواتهم غير مخلوقة. وكلا القصدين صحيح لا منافاة بينهما. وقد بين ~~ذلك ابن قتيبة في # PageV16P392 # مسألة اللفظ ولكن المنحرفون إلى أحد الطرفين ينكرون على الآخر والله ~~سبحانه أعلم. # فصل: # وأما الأفعال اللازمة كالاستواء والمجيء فالناس متنازعون في نفس إثباتها. ~~لأن هذه ليس فيها مفعول موجود يعلمونه حتى يستدلوا بثبوت المخلوق على الخلق ~~وإنما عرفت بالخبر. فالأصل فيها الخبر لا العقل. ولهذا كان الذين ينفون ~~الصفات الخبرية ينفونها ممن يقول " الخلق غير المخلوق ". وممن يقول " الخلق ~~هو المخلوق " ومن يثبت الصفات الخبرية من الطائفتين يثبتها. # والذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولان: # منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدي بجعلها أمورا حادثة في غيرها. وهذا ~~قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن ~~عقيل في كثير من أقواله. فالأشعري يقول: الاستواء فعل فعله في العرش فصار ~~به # PageV16P393 # مستويا على العرش. وكذلك يقول في الإتيان والنزول. ويقول: هذه الأفعال ~~ليست من خصائص الأجسام بل توصف بها الأجسام والأعراض فيقال " جاءت الحمى ~~وجاء البرد وجاء الحر " ونحو ذلك. وهذا أيضا قول القاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهما. وحملوا ما روي عن السلف كالأوزاعي وغيره أنهم قالوا في ~~النزول: يفعل الله فوق العرش بذاته كما حكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي ~~أبي بكر وكما حكوه عن الأشعري وغيره كما ذكر في غير موضع من كتبه. ولكن ~~عندهم هذا من الصفات الخبرية. وهذا قول البيهقي وطائفة وهو أول قولي القاضي ~~أبي يعلى. وكل من قال إن الرب لا تقوم به الصفات الاختيارية فإنه ينفي أن ~~يقوم به فعل شاءه سواء كان لازما أو متعديا. لكن من أثبت من هؤلاء فعلا ~~قديما كمن ms5104 يقول بالتكوين وبهذا فإنه يقول: ذلك القديم قام به بغير مشيئته ~~كما يقولون في إرادته القديمة. والقول الثاني أنها كما دلت عليه أفعال تقوم ~~بذاته بمشيئته # PageV16P394 # واختياره كما قالوا مثل ذلك في الأفعال المتعدية. وهذا قول أئمة السنة ~~والحديث والفقه والتصوف. وكثير من أصناف أهل الكلام كما تقدم. وعلى هذا ~~ينبني نزاعهم في تفسير قوله {ثم استوى إلى السماء} وقوله {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقوله: {ثم استوى على العرش} ونحو ذلك فمن ~~نفى هذه الأفعال يتأول إتيانه بإتيان أمره أو بأسه والاستواء على العرش ~~بجعله القدرة والاستيلاء أو بجعله علو القدر. فإن الاستواء للناس فيه قولان ~~هل هو من صفات الفعل أو الذات على قولين. والقائلون بأنه صفة ذات يتأولونه ~~بأنه قدر على العرش. وهو ما زال قادرا وما زال عالي القدر؛ فلهذا ظهر ضعف ~~هذا القول من وجوه. منها قوله {ثم استوى على العرش} فأخبر أنه استوى بحرف " ~~ثم ". # PageV16P395 # ومنها أنه عطف فعلا على فعل فقال: خلق ثم استوى. ومنها أن ما ذكروه لا ~~فرق فيه بين العرش وغيره. وإذا قيل إن العرش أعظم المخلوقات فهذا لا ينفي ~~ثبوت ذلك لغيره كما في قوله {رب العرش العظيم} . لما ذكر ربوبيته للعرش ~~لعظمته والربوبية عامة جاز أن يقال " رب السموات والأرض وما بينهما ورب ~~العرش العظيم " ويقال {رب العالمين} {رب موسى وهارون} والاستواء مختص ~~بالعرش باتفاق المسلمين مع أنه مستول مقتدر على كل شيء من السماء والأرض ~~وما بينهما. فلو كان استواؤه على العرش هو قدرته عليه جاز أن يقال: على ~~السماء والأرض وما بينهما. وهذا مما احتج به طوائف منهم الأشعري. قال: في ~~إجماع المسلمين على أن الاستواء مختص بالعرش دليل على فساد هذا القول. ~~وأيضا فإنه ما زال مقتدرا عليه من حين خلقه. ومنها كون لفظ " الاستواء " في ~~لغة العرب يقال على القدرة أو علو القدر ممنوع عندهم. والاستعمال الموجود ~~في الكتاب والسنة وكلام العرب يمنع هذا كما قد بسط في موضعه. ms5105 وتكلم على ~~البيت الذي يحتجون به: # PageV16P396 # ثم استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وأنه لو كان صحيحا لم يكن فيه حجة. فإنهم لم يقولوا: استوى عمر على ~~العراق لما فتحها ولا استوى عثمان على خراسان ولا استوى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على اليمن. وإنما قيل هذا البيت إن صح في بشر بن مروان لما دخل ~~العراق واستوى على كرسي ملكها. فقيل هذا كما يقال: جلس على سرير الملك أو ~~تحت الملك ويقال: قعد على الملك والمراد هذا. وأيضا فالآيات الكثيرة ~~والأحاديث الكثيرة وإجماع السلف يدل على أن الله فوق العرش كما قد بسط في ~~مواضع. وأما الذين قالوا: الاستواء صفة فعل فهؤلاء لهم قولان هنا على ما ~~تقدم هل هو فعل بائن عنه لأن الفعل بمعنى المفعول أم فعل قائم به يحصل ~~بمشيئته وقدرته. الأول قول ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره. وهو قول ~~القاضي وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم. # PageV16P397 # والثاني قول أئمة أهل الحديث والسنة وكثير من طوائف الكلام كما تقدم. ~~ولهذا صار للناس فيما ذكر الله في القرآن من الاستواء والمجيء ونحو ذلك ستة ~~أقوال. طائفة يقولون: تجري على ظاهرها ويجعلون إتيانه من جنس إتيان المخلوق ~~ونزوله من جنس نزولهم. وهؤلاء المشبهة الممثلة ومن هؤلاء من يقول: إذا نزل ~~خلا منه العرش فلم يبق فوق العرش. وطائفة يقولون: بل النصوص على ظاهرها ~~اللائق به كما في سائر ما وصف به في نفسه وهو {ليس كمثله شيء} لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله. ويقولون: نزل نزولا يليق بجلاله وكذلك يأتي ~~إتيانا يليق بجلاله. وهو عندهم ينزل ويأتي ولم يزل عاليا وهو فوق العرش كما ~~قال حماد بن زيد: هو فوق العرش يقرب من خلقه كيف شاء. وقال إسحاق بن ~~راهويه: ينزل ولا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى ~~مسدد. وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته هو قول علماء أهل الحديث وهو الذي ~~حكاه أبو عمر بن ms5106 عبد البر عنهم وهو قول عامة القدماء من أصحاب أحمد وقد صرح ~~به ابن حامد وغيره. # PageV16P398 # والأول نفي قيام الأمور الاختيارية هو قول التميمي موافقة منه لابن كلاب ~~وهو قول القاضي أبي يعلى وأتباعه. وطائفتان يقولان: بل لا ينزل ولا يأتي ~~كما تقدم ثم منهم من يتأول ذلك ومنهم من يفوض معناه. وطائفتان واقفتان منهم ~~من يقول: ما ندري ما أراد الله بهذا ومنهم من لا يزيد على تلاوة القرآن. ~~وعامة المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف يبطلون تأويل من تأول ذلك بما ينفي ~~أن يكون هو المستوي الآتي لكن كثير منهم يرد التأويل الباطل ويقول: ما أعرف ~~مراد الله بهذا. ومنهم من يقول: هذا مما نهي عن تفسيره أو مما يكتم تفسيره. ~~ومنهم من يقرره كما جاءت به الأحاديث الصحيحة والآثار الكثيرة عن السلف من ~~الصحابة والتابعين. قال أبو محمد البغوي الحسين بن مسعود الفراء الملقب ب ~~محيي السنة في تفسيره: {ثم استوى إلى السماء} قال ابن عباس وأكثر مفسري ~~السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال الفراء وابن كيسان # PageV16P399 # وجماعة من النحويين: أي أقبل على خلق السماء. وقيل: قصد. وهذا هو الذي ~~ذكره ابن الجوزي في تفسيره. قال: {ثم استوى إلى السماء} أي عمد إلى خلقها. ~~وكذلك هو يرجح قول من يفسر الإتيان بإتيان أمره وقول من يتأول الاستواء. ~~وقد ذكر ذلك في كتب أخرى ووافق بعض أقوال ابن عقيل. قال: ابن عقيل له في ~~هذا الباب أقوال مختلفة وتصانيف يختلف فيها رأيه واجتهاده. وقال البغوي في ~~تفسير قوله {ثم استوى على العرش} : قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو ~~عبيدة: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء. وأما أهل السنة فيقولون: ~~الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم ~~فيه إلى الله. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله {الرحمن على العرش استوى} كيف ~~استوى؟ فأطرق مالك رأسه مليا وعلاه الرحضاء ثم قال. الاستواء غير مجهول ~~والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما ms5107 أراك إلا ضالا. ثم ~~أمر به فأخرج. # PageV16P400 # قال: روي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد ~~الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات ~~المتشابهة: أمروها كما جاءت بلا كيف. وقال في قوله {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام} الأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن ~~الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث. ~~على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة. قال الكلبي: هذا من المكتوم الذي لا ~~يفسر. (قلت: وقد حكي عنه أنه قال في تفسير قوله {ثم استوى} استقر. ففسر ذاك ~~وجعل هذا من المكتوم الذي لا يفسر. لأن ذاك فيه وصفه بأنه فوق العرش وهذا ~~فيه إتيانه في ظلل من الغمام. قال البغوي: وكان مكحول والزهري والأوزاعي ~~ومالك وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق ~~يقولون فيه وفي أمثاله: أمروها كما جاءت بلا كيف. قال سفيان بن عيينة: كل ~~ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه؛ ليس لأحد أن ~~يفسره إلا الله ورسوله. # PageV16P401 # وهذه الآية أغمض من آية الاستواء. ولهذا كان أبو الفرج يميل إلى تأويل ~~هذا وينكر قول من تأول الاستواء بالاستيلاء. قال في تفسيره قال الخليل بن ~~أحمد: " العرش " السرير وكل سرير للملك يسمى " عرشا " وقلما يجمع العرش إلا ~~في الاضطرار. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ~~قال: يسمى " عرشا " لارتفاعه. قلت: والاشتقاق يشهد لهذا كقوله {وما كانوا ~~يعرشون} وقوله {معروشات وغير معروشات} . وقول سعد: وهذا كافر بالعرش. ومقعد ~~الملك يكون أعلى من غيره. فهذا بالنسبة إلى غيره عال عليه وبالنسبة إلى ما ~~فوقه هو دونه. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن} ~~. فدل على أن العرش أعلى المخلوقات كما بسط في مواضع ms5108 أخر. قال أبو الفرج: ~~واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام. قال أمية بن أبي ~~الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # PageV16P402 # بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا لا يناله بصر العي ... ن ترى دونه الملائك صورا # قلت: يريد أنه ذكره من العرب من لم يكن مسلما أخذه عن أهل الكتاب. فإن ~~أمية ونحوه إنما أخذ هذا عن أهل الكتاب وإلا فالمشركون لم يكونوا يعرفون ~~هذا. قال أبو الفرج ابن الجوزي وقال كعب: إن السموات في العرش كقنديل معلق ~~بين السماء والأرض. قال: وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة ~~الآية. وقد شذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك وهو عدول عن الحقيقة إلى ~~التجوز مع مخالفة الأثر. ألم يسمعوا قوله {وكان عرشه على الماء} أفتراه كان ~~الملك على الماء؟ . قال وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى ويستدل بقول ~~الشاعر: # حتى استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وقال الشاعر أيضا: # PageV16P403 # قد قلما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور # قال: وهو منكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي: إن العرب لا تعلم استوى ~~بمعنى استولى ومن قال ذلك فقد أعظم. قال: وإنما يقال " استولى فلان على كذا ~~" إذا كان بعيدا عنه غير متمكن ثم تمكن منه والله سبحانه وتعالى لم يزل ~~مستوليا على الأشياء. والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي. ~~ولو صحا لم يكن حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ ~~بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. قلت: فقد تأول قوله {ثم استوى إلى ~~السماء} . وأنكر تأويل {ثم استوى على العرش} . وهو في لفظ " الإتيان " قد ~~ذكر القولين فقال: قوله {أن يأتيهم الله في ظلل} كان جماعة من السلف يمسكون ~~عن مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به قدرته ~~وأمره. قال: وقد بينه في قوله {أو يأتي أمر ربك} . قلت: هذا الذي ms5109 ذكره ~~القاضي وغيره أن حنبلا نقله عن # PageV16P404 # أحمد في كتاب " المحنة " أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما ~~احتجوا عليه بقوله " تجيء البقرة وآل عمران " قالوا: والمجيء لا يكون إلا ~~لمخلوق. فعارضهم أحمد بقوله {وجاء ربك} {أو يأتي ربك} وقال: المراد بقوله " ~~تجيء البقرة وآل عمران ": ثوابهما كما في قوله {وجاء ربك} أمره وقدرته. وقد ~~اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل. فإنه لا ريب أنه خلاف النصوص المتواترة ~~عن أحمد في منعه من تأويل هذا وتأويل النزول والاستواء ونحو ذلك من ~~الأفعال. ولهم ثلاثة أقوال. قيل: إن هذا غلط من حنبل انفرد به دون الذين ~~ذكروا عنه المناظرة مثل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم. فإنهم لم يذكروا ~~هذا وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه. قال أبو إسحاق ~~ابن شاقلا: هذا غلط من حنبل لا شك فيه. وكذلك نقل عن مالك رواية أنه تأول " ~~ينزل إلى السماء الدنيا " أنه ينزل أمره. لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو ~~كذاب باتفاقهم. وقد رويت من وجه آخر لكن الإسناد مجهول. والقول الثاني: قال ~~طائفة من أصحاب أحمد: هذا قاله إلزاما للخصم # PageV16P405 # على مذهبه لأنهم في يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله " تأتي البقرة وآل ~~عمران " أجابهم بأن معناه: يأتي ثواب البقرة وآل عمران كقوله {أن يأتيهم ~~الله} أي أمره وقدرته على تأويلهم لا أنه يقول بذلك. فإن مذهبه ترك ~~التأويل. والقول الثالث: أنهم جعلوا هذا رواية عن أحمد وقد يختلف كلام ~~الأئمة في مسائل مثل هذه لكن الصحيح المشهور عنه رد التأويل. وقد ذكر ~~الروايتين ابن الزاغوني وغيره وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة ~~المعمول عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا. ورواية التأويل فسر ذلك بالعمد ~~والقصد لم يفسره بالأمر والقدرة كما فسروا {ثم استوى إلى السماء} . فعلى ~~هذا في تأويل ذلك إذا قيل به وجهان. وابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى ~~ونحوهما وإن كانوا يقولون بإمرار المجيء والإتيان على ظاهره فقولهم في ذلك ~~من جنس قول ابن كلاب ms5110 والأشعري. فإنه أيضا يمنع تأويل النزول والإتيان ~~والمجيء ويجعله من الصفات الخبرية ويقول: إن هذه الأفعال لا تستلزم الأجسام ~~بل يوصف بها غير الأجسام. وكلام ابن الزاغوني في هذا # PageV16P406 # النوع وفي استواء الرب على العرش هو موافق لقول أبي الحسن نفسه. هذا ~~قولهم في الصفات الخبرية الواردة في هذه الأفعال. # وأما علو الرب نفسه فوق العالم فعند ابن كلاب أنه معلوم بالعقل كقول أكثر ~~المثبتة كما ذكر ذلك الخطابي وابن عبد البر وغيرهما. وهو قول ابن الزاغوني ~~وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وكان القاضي أولا يقول بقول الأشعري: إنه من ~~الصفات الخبرية. وهذا قول القاضي أبي بكر والبيهقي ونحوهما. # وأما أبو المعالي الجويني وأتباعه فهؤلاء خالفوا الأشعري وقدماء أصحابه ~~في الصفات الخبرية فلم يثبتوها. لكن منهم من نفاها فتأول الاستواء ~~بالاستيلاء وهذا أول قولي أبي المعالي؛ ومنهم من توقف في إثباتها ونفيها ~~كالرازي والآمدي. وآخر قولي أبي المعالي المنع من تأويل الصفات الخبرية ~~وذكر أن هذا إجماع السلف وأن التأويل لو كان مسوغا أو محتوما لكان اهتمامهم ~~به أعظم من اهتمامهم بغيره. فاستدل بإجماعهم على أنه لا يجوز التأويل وجعل ~~الوقف التام على # PageV16P407 # قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} . ذكر ذلك في " النظامية في الأركان ~~الإسلامية ". وهذه طريقة عامة المنتسبين إلى السنة يرون التأويل مخالفا ~~لطريقة السلف. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وذكر لفظ " ~~التأويل " وما فيه من الإجمال والكلام على قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} ~~وأن كلا القولين حق. فمن قال: لا يعلم تأويله إلا الله فأراد به ما يؤول ~~إليه الكلام من الحقائق التي لا يعلمها إلا الله. ومن قال: إن الراسخين في ~~العلم يعلمون التأويل فالمراد به تفسير القرآن الذي بينه الرسول والصحابة. ~~وإنما الخلاف في لفظ " التأويل " على المعنى المرجوح وأنه حمل اللفظ على ~~الاحتمال المرجوح دون الراجح دليل يقترن به. فهذا اصطلاح متأخر وهو التأويل ~~الذي أنكره السلف والأئمة تأويلات أهل البدع. وكذلك يقول أحمد في " رده على ~~الجهمية ms5111 ": الذين تأولوا القرآن على غير تأويله. وقد تكلم أحمد على متشابه ~~القرآن وفسره كله. # PageV16P408 # ومنه تفسير متفق عليه عند السلف ومنه تفسير مختلف فيه. وقد ذكر الجد أبو ~~عبد الله في تفسيره من جنس ما ذكره البغوي لا من جنس ما ذكره ابن الجوزي ~~فقال: أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف كمكحول ~~والزهري. والأوزاعي وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد ومالك بن أنس ~~والشافعي وأحمد وأتباعهم أنه يمر كما جاء. وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء في ~~القرآن أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها. وهي طريقة السلامة ومنهج ~~أهل السنة والجماعة يؤمنون بظاهرها ويكلون علمها إلى الله ويعتقدون أن الله ~~منزه عن سمات الحدث. على ذلك مضت الأئمة خلفا بعد سلف كما قال تعالى {وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} . وقال ابن ~~السائب في قوله {أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} : هذا من المكتوم الذي ~~لا يفسر وذكر ما يشبه كلام الخطابي في هذا. فإن قيل " كيف يقع الإيمان بما ~~لا يحيط من يدعي الإيمان به علما بحقيقته؟ " فالجواب: كما يصح الإيمان ~~بالله # PageV16P409 # وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والنار والجنة. ومعلوم أنا لا نحيط ~~علما بكل شيء من ذلك على جهة التفصيل وإنما كلفنا الإيمان بذلك في الجملة. ~~ألا ترى أنا لا نعرف عدة من الأنبياء وكثيرا من الملائكة ولا نحيط بصفاتهم ~~ثم لا يقدح ذلك في إيماننا بهم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة ~~الجنة: {يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر} . (قلت: لا ريب أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به ~~الرسول وتصديقه فيما أخبر به وإن كان الشخص لم يفقه بالعربية ما قال ولا ~~فهم من الكلام شيئا فضلا عن العرب. فلا يشترط في الإيمان المجمل العلم ~~بمعنى كل ما أخبر به؛ هذا لا ريب فيه. فكل من اشتبه عليه آية ms5112 من القرآن ولم ~~يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها وأن يكل علمها إلى الله فيقول " الله ~~أعلم ". وهذا متفق عليه بين السلف والخلف. فما زال كثير من الصحابة يمر ~~بآية ولفظ لا يفهمه فيؤمن به وإن لم يفهم معناه. لكن هل يكون في القرآن ما ~~لا يفهمه أحد من الناس. بل ولا الرسول عند من يجعل التأويل هو " معنى الآية ~~" ويقول: إنه لا # PageV16P410 # يعلمه إلا الله؟ فيلزم أن يكون في القرآن كلام لا يفهمه لا الرسول ولا ~~أحد من الأمة بل ولا جبريل. هذا هو الذي يلزم على قول من يجعل معاني هذه ~~الآيات لا يفهمه أحد من الناس. وليس هذا بمنزلة ما ذكر في الملائكة ~~والنبيين. والجنة. فإنا قد فهمنا الكلام الذي خوطبنا به وأنه يدل على أن ~~هناك نعيما لا نعلمه. وهذا خطاب مفهوم وفيه إخبارنا أن من المخلوقات ما لا ~~نعلمه. وهذا حق كقوله {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وقوله لما سألوه عن الروح ~~{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} . فهذا فيه إخبارنا بأن لله مخلوقات لا ~~نعلمها أو نعلم جنسهم ولا نعلم قدرهم أو نعلم بعض صفاتهم دون بعض. وكل هذا ~~حق لكن ليس فيه أن الخطاب المنزل الذي أمرنا بتدبره لا يفقه ولا يفهم معناه ~~لا الرسول ولا المؤمنون. فهذا هو المنكر الذي أنكره العلماء. فإن الله قال ~~{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وقال {أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها} وقال {أفلم يدبروا القول} وقال {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} . وفرق ~~بين ما لم يخبر به أو أخبرنا ببعض صفاته دون بعض فما # PageV16P411 # لم يخبر به لا يضرنا أن لا نعلمه وبين ما أخبرنا به وهو الكلام العربي ~~الذي جعل هدى وشفاء للناس. وقال الحسن: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن ~~يعلم فيما أنزلت وما عنى بها. فكيف يكون في مثل هذا الكلام ما لا يفهمه أحد ms5113 ~~قط؟ . وفرق بين أن يقال " الرب هو الذي يأتي إتيانا يليق بجلاله " أو يقال ~~" ما ندري هل هو الذي يأتي أو أمره ". فكثير من لا يجزم بأحدهما بل يقول: ~~اسكت فالسكوت أسلم. ولا ريب أنه من لم يعلم فالسكوت له أسلم كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت} ~~. لكن هو يقول: إن الرسول وجميع الأمة كانوا كذلك لا يدرون هل المراد به ~~هذا أو هذا ولا الرسول كان يعرف ذلك. فقائل هذا مبطل متكلم بما لا علم له ~~به. وكان يسعه أن يسكت عن هذا لا يجزم بأن الرسول والأئمة كلهم جهال يجب ~~عليهم السكوت كما يجب عليه. ثم إن هذا خلاف الواقع. فأحاديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكلام السلف في معنى هذه الآية ونظائرها كثير مشهور. لكن قال علي ~~رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون. أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله؟ ". وقال ابن مسعود: " ما من # PageV16P412 # رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ". وإذا قال: ~~بل كان من السلف من يجزم بأن المراد هو إتيانه نفسه فهذا جزم بأنهم عرفوا ~~معناها وبطلان القول الآخر لم يكونوا ساكتين حيارى. ولا ريب أن مقدوره ~~ومأموره مما يأتي أيضا ولكن هو يأتي كما أخبر عن نفسه إتيانا يليق بجلاله. ~~فإذا قيل: لا نعلم كيفية الاستواء كان هذا صحيحا. وإذا كان الخطاب والكلام ~~مما لا يفهم أحد معناه لا الرسول ولا جبريل ولا المؤمنون لم يكن مما يتدبر ~~ويعقل. بل مثل هذا عبث والله منزه عن العبث. ثم هذا يلزمهم في الأحاديث مثل ~~قوله: {ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء} . أفكان الرسول يقول هذا الحديث ~~ونحوه وهو لا يفقه ما يقول ولا يفهم له معنى؟ سبحان الله هذا بهتان عظيم ~~وقدح في الرسول وتسليط للملحدين. إذا قيل إن نفس الكلام الذي جاء به قد كان ~~لا يفهم معناه قالوا: فغيره من العلوم العقلية أولى أن ms5114 لا يفهم معناه. ~~والكلام إنما هو في صفات الرب فإذا قيل إن ما أنزل عليه من # PageV16P413 # صفات الرب لم يكن هو ولا غيره يفهمه وهو كلام أمي عربي ينزل عليه قيل: ~~فالمعاني المعقولة في الأمور الإلهية أولى أن لا يكون يفهمها. وحينئذ فهذا ~~الباب لم يكن موجودا في رسالته ولا يؤخذ من جهته لا من جهة السمع ولا من ~~جهة العقل. قالت الملاحدة: فيؤخذ من طريق غيره. فإذا قال لهم هؤلاء: هذا ~~غير ممكن لأحد منعوا ذلك وقالوا: إنما في القرآن أن ذلك الخطاب لا يعلم ~~معناه إلا الله. لكن من أين لكم أن الأمور الإلهية لا تعلم بالأدلة العقلية ~~التي يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب والخبر؟ والملاحدة يقولون: إن الرسل ~~خاطبت بالتخييل وأهل الكلام يقولون: بالتأويل وهؤلاء الظاهرية يقولون: ~~بالتجهيل. وقد بسط الكلام على خطأ الطوائف الثلاث وبين أن الرسول قد أتى ~~بغاية العلم والبيان الذي لا يمكن أحدا من البشر أن يأتي بأكمل مما جاء به ~~صلى الله عليه وسلم تسليما. فأكمل ما جاء به القرآن والناس متفاوتون في فهم ~~القرآن تفاوتا عظيما. وقول ابن السائب: إن هذا من المكتوم الذي لا يفسر ~~يقتضي أن له تفسيرا يعلمه العلماء ويكتمونه. # PageV16P414 # وهذا على وجهين. إما أن يريد أنه يكتم شيء مما بينه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عن جميع الناس فهذا من الكتمان المجرد الذي ذم الله عليه. وهذه حال ~~أهل الكتاب. وعاب الذين يكتمون ما بينه للناس من البينات والهدى من بعد ما ~~بينه للناس في الكتاب. وقال {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} . وهذه ~~حال أهل الكتاب في كتمان ما في كتابهم من الألفاظ يتأولها بعضهم ويجعلها ~~بعضهم متشابها. وهي دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. فإن ~~ألفاظ التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء وهي بضع وعشرون كتابا عند أهل ~~الكتاب لا يمكنهم جحد ألفاظها لكن يحرفونها بالتأويل الباطل ويكتمون ~~معانيها الصحيحة عن عامتهم كما قال تعالى {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ms5115 ~~إلا أماني} . فمن جعل أهل القرآن كذلك وأمرهم أن يكونوا فيه أميين لا ~~يعلمون الكتاب إلا تلاوة فقد أمرهم بنظير ما ذم الله عليه أهل الكتاب. ~~وصبيغ بن عسيل التميمي إنما ضربه عمر لأنه قصد باتباع المتشابه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله. وهؤلاء الذين عابهم الله في كتابه لأنهم # PageV16P415 # جمعوا شيئين سوء القصد والجهل. فهم لا يفهمون معناه ويريدون أن يضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة والشك. وفي الصحيح عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ~~فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم} . فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ~~ليوقع الفتنة وهي الشك والريب في القلوب كما روي أنه {خرج على القوم وهم ~~يتجادلون في القدر هؤلاء يقولون: ألم يقل الله كذا؟ وهؤلاء يقولون: ألم يقل ~~الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان ثم قال: أبهذا أمرتم أن تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه} . فكل من اتبع المتشابه ~~على هذا الوجه فهو مذموم. وهو حال من يريد أن يشكك الناس فيما علموه لكونه ~~وإياهم لم يفهموا ما توهموا أنه يعارضه. هذا أصل الفتنة أن يترك المعلوم ~~لغير معلوم كالسفسطة التي تورث شبها يقدح بها فيما علم وتيقن. فهذه حال من ~~يفسد قلوب الناس وعقولهم بإفساد ما فيها من العلم والعمل أصل الهدى فإذا ~~شككهم فيما علموه بقوا حيارى. # والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى بالآيات البينات الدالة على # PageV16P416 # صدقه والقرآن فيه الآيات المحكمات اللاتي هي أم الكتاب قد علم معناها ~~وعلم أنها حق وبذلك يهتدي الخلق وينتفعون. فمن اتبع المتشابه ابتغى الفتنة ~~وابتغى تأويله والأول قصدهم فيه فاسد والثاني ليسوا من أهله بل يتكلمون في ~~تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا من الراسخين في العلم. وإنما الراسخ ~~في العلم الذي رسخ في العلم بمعنى المحكم وصار ثابتا فيه لا يشك ولا يرتاب ~~فيه بما يعارضه من المتشابه بل هو مؤمن به قد يعلمون تأويل ms5116 المتشابه. وأما ~~من لم يرسخ في ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد ~~بالمتشابه ما يناقض المحكم فلا يعلم معنى المتشابه إذ لم يرسخ في العلم ~~بالمحكم. وهو يبتغي الفتنة في هذا وهذا. فهذا يعاقب عقوبة تردعه كما فعل ~~عمر بصبيغ. وأما من قصده الهدى والحق فليس من هؤلاء. وقد كان عمر يسأل ~~ويسأل عن معاني الآيات الدقيقة وقد سأل أصحابه عن قوله {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} فذكروا ظاهر لفظها. ولما فسرها ابن عباس بأنها إعلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقرب وفاته قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم. # PageV16P417 # وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها. فإنه لما أمر بالاستغفار عند ظهور ~~الدين والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة ~~علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر وفوق كل ذي علم عليم. والاستدلال ~~على الشيء بملزوماته. والشيء قد يكون له لازم وللازمه لازم وهلم جرا. فمن ~~الناس من يكون أفطن بمعرفة اللوازم من غيره يستدل بالملزوم على اللازم. ومن ~~الناس من لا يتصور اللازم ولو تصوره لم يعرف الملزوم بل يقول: يجوز أن يلزم ~~ويجوز أن لا يلزم؛ ويحتمل ويحتمل. وتردد الاحتمال هو من عدم العلم وإلا ~~فالواقع هو أحد أمرين. فحيث كان احتمال بلا ترجيح كان لعدم العلم بالواقع ~~وخفاء دليله وغيره قد يعلم ذلك ويعلم دليله. ومن ظن أن ما لا يعلمه هو لا ~~يعلمه غيره كان من جهله. فلا ينفي عن الناس إلا ما علم انتفاؤه عنهم وفوق ~~كل ذي علم عليم أعلم منه حتى ينتهي الأمر إلى الله تعالى. وهذا قد بسط في ~~مواضع. ثم إنهم يقولون: المأثور عن السلف هو السكوت عن الخوض في # PageV16P418 # تأويل ذلك والمصير إلى الإيمان بظاهره والوقوف عن تفسيره لأنا قد نهينا ~~أن نقول في كتاب الله برأينا ولم ينبهنا الله ورسوله على حقيقة معنى ذلك. ~~فيقال: أما كون الرجل يسكت عما لا يعلم فهذا مما يؤمر به كل أحد. لكن هذا ms5117 ~~الكلام يقتضي أنهم لم يعلموا معنى الآية وتفسيرها وتأويلها. وإذا كان لم ~~يتبين لهم فمضمونه عدم علمهم بذلك وهو كلام شاك لا يعلم ما أريد بالآية. ثم ~~إذا ذكر لهم بعض التأويلات كتأويل من يفسره بإتيان أمره وقدرته أبطلوا ذلك ~~بأن هذا يسقط فائدة التخصيص. وهذا نفي للتأويل وإبطال له. فإذا قالوا مع ~~ذلك: {وما يعلم تأويله إلا الله} أثبتوا تأويلا لا يعلمه إلا الله وهم ~~ينفون جنس التأويل. ونقول ما الحامل على هذا التأويل البعيد؟ وقد أمكن ~~بدونه أن نثبت إتيانا ومجيئا لا يعقل كما يليق به كما أثبتنا ذاتا لها ~~حقيقة لا تعقل وصفات من سمع وبصر وغير ذلك لا تعقل. ولأنه إذا جاز تأويل ~~هذا وأن نقدر مضمرا محذوفا من قدرة أو عذاب ونحو ذلك فما منعكم من تأويل ~~قوله " ترون ربكم " كذلك؟ . # PageV16P419 # وهذا كلام في إبطال التأويل وحمل للفظ على ما دل عليه ظاهره على ما يليق ~~بجلال الله. فإذا قيل مع هذا: إن له تأويلا لا يعلمه إلا الله وأريد ~~بالتأويل هذا الجنس كان تناقضا. كيف ينفي جنس التأويل ويثبت له تأويلا لا ~~يعلمه إلا الله. فعلم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لا يناقض حمله على ~~ما دل عليه اللفظ بل هو أمر آخر يحقق هذا ويوافقه لا يناقضه ويخالفه كما ~~قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول. وإذا كان كذلك أمكن أن من العلماء ~~من يعلم من معنى الآية ما يوافق القرآن لم يعلمه غيره ويكون ذلك من ~~تفسيرها. وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم كمن يعلم أن المراد ~~بالآية مجيء الله قطعا لا شك في ذلك لكثرة ما دل عنده على ذلك. ويعلم مع ~~ذلك أنه العلي الأعلى يأتي إتيانا تكون المخلوقات محيطة به وهو تحتها. فإن ~~هذا مناقض لكونه العلي الأعلى. والجد الأعلى أبو عبد الله رحمه الله قد جرى ~~في تفسيره على ما ذكر من الطريقة. وهذه عادته وعادات غيره. # PageV16P420 # وذكر كلام ابن الزاغوني فقال قال الشيخ علي ms5118 بن عبيد الله الزاغوني: وقد ~~اختلف كلام إمامنا أحمد في هذا المجيء هل يحمل على ظاهره وهل يدخل التأويل؟ ~~على روايتين. إحداهما أنه يحمل على ظاهره من مجيء ذاته. فعلى هذا يقول: لا ~~يدخل التأويل إلا أنه لا يجب أن يحمل مجيئه بذاته إلا على ما يليق به. وقد ~~ثبت أنه لا يحمل إثبات مجيء هو زوال وانتقال يوجب فراغ مكان وشغل آخر من ~~جهة أن هذا يعرف بالجنس في حق المحدث الذي يقصر عن استيعاب المواضع ~~والمواطن لأنها أكبر منه وأعظم يفتقر مجيئه إليها إلى الانتقال عما قرب إلى ~~ما بعد. وذلك ممتنع في حق الباري تعالى لأنه لا شيء أعظم منه ولا يحتاج في ~~مجيئه إلى انتقال وزوال لأن داعي ذلك وموجبه لا يوجد في حقه. فأثبتنا ~~المجيء صفة له ومنعنا ما يتوهم في حقه ما يلزم في حق المخلوقين لاختلافهما ~~في الحاجة إلى ذلك. ومثله قوله {وجاء ربك والملك صفا صفا} . ومثله الحديث ~~المشهور الذي رواه عامة الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ينزل ~~الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث # PageV16P421 # الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني ~~فأغفر له} . فنحن نثبت وصفه بالنزول إلى سماء الدنيا بالحديث ولا نتأول ما ~~ذكروه ولا نلحقه بنزول الآدميين الذي هو زوال وانتقال من علو إلى أسفل بل ~~نسلم للنقل كما ورد وندفع التشبيه لعدم موجبه. ونمنع من التأويل لارتفاع ~~نسبته. قال: وهذه الرواية هي المشهورة والمعمول عليها عند عامة المشايخ من ~~أصحابنا. (قلت: أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ~~ونزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل. فإن الصفات ~~والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة. فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ~~ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها. ونسبة ~~صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته. ولا ريب أنه العلي الأعلى ~~العظيم فهو أعلى من كل ms5119 شيء وأعظم من كل شيء. فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث ~~تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع. وأما لفظ " ~~الزوال " و " الانتقال " فهذا اللفظ مجمل ولهذا كان # PageV16P422 # أهل الحديث والسنة فيه على أقوال. فعثمان بن سعيد الدارمي وغيره أنكروا ~~على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك وذكروا أثرا أنه لا يزول وفسروا الزوال ~~بالحركة. فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحا لم يكن حجة لهم ~~لأنه في تفسير قوله {الحي القيوم} ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما ~~يستحقه كما قال ابن إسحاق. لا يزول عن مكانته. قلت: والكلبي بنفسه الذي روى ~~هذا الحديث هو يقول: {استوى على العرش} استقر ويقول: {ثم استوى إلى السماء} ~~صعد إلى السماء. وأما " الانتقال " فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة ~~وانتقال. وآخرون من أهل السنة كالتميمي من أصحاب أحمد أنكروا هذا وقالوا: ~~بل ينزل بلا حركة وانتقال. وطائفة ثالثة كابن بطة وغيره يقفون في هذا. وقد ~~ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى في كتاب " اختلاف الروايتين والوجهين ~~ونفي اللفظ بمجمله ". والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما # PageV16P423 # أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. ~~وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء؛ وينفي المثل والسمي والكفؤ والند. ~~وبهذا يحتج البخاري وغيره على نفي المثل. يقال: ينزل نزولا ليس كمثله شيء ~~نزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين نزولا يختص به كما أنه في ذلك وفي سائر ~~ما وصف به نفسه ليس كمثله شيء في ذلك. وهو منزه أن يكون نزوله كنزول ~~المخلوقين وحركتهم وانتقالهم وزوالهم مطلقا لا نزول الآدميين ولا غيرهم. ~~فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل زال وصفه بالعلو وتبدل إلى وصفه بالسفول ~~وصار غيره أعلى منه. والرب تعالى لا يكون شيء أعلى منه قط بل هو العلي ~~الأعلى ولا يزال هو العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده ويدنو منهم وينزل ~~إلى حيث شاء ويأتي كما شاء. وهو في ms5120 ذلك العلي الأعلى الكبير المتعالي علي ~~في دنوه قريب في علوه. فهذا وإن لم يتصف به غيره فلعجز المخلوق أن يجمع بين ~~هذا وهذا. كما يعجز أن يكون هو الأول والآخر والظاهر والباطن. # PageV16P424 # ولهذا قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله؟ قال: " بالجمع بين النقيضين ". ~~وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق الخلق كما اجتمع له أنه خالق كل شيء من ~~أفعال العباد وغيرها من الأعيان والأفعال مع ما فيها من الخبث وأنه عدل ~~حكيم رحيم. وأنه يمكن من مكنه من عباده من المعاصي مع قدرته على منعهم وهو ~~في ذلك حكيم عادل. فإنه أعلم الأعلمين وأحكم الحاكمين وخير الفاتحين؛ يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم. فأن لا يحيطوا علما بما هو أعظم في ذلك أولى ~~وأحرى. وقد سألوا عن الروح فقيل لهم {الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا} . وفي الصحيحين {أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور في البحر: ما ~~نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر} . فالذي ~~ينفى عنه وينزه عنه إما أن يكون مناقضا لما علم من صفاته الكاملة فهذا ينفى ~~عنه جنسه كما قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~وقال {وتوكل على الحي الذي لا يموت} . فجنس السنة والنوم والموت ممتنع عليه ~~لا يجوز أن يقال في شيء من هذا " إنه يجوز عليه كما يليق بشأنه " لأن هذا ~~الجنس يوجب نقصا في كماله. # PageV16P425 # وكذلك لا يجوز أن يقال: هو يكون في السفل لا في العلو وهو سفول يليق ~~بجلاله. فإنه سبحانه العلي الأعلى لا يكون قط إلا عاليا والسفول نقص هو ~~منزه عنه. وقوله " وأنت الباطن فليس دونك شيء " لا يقتضي السفول إلا عند ~~جاهل لا يعلم حقيقة العلو والسفول فيظن أن السموات وما فيها قد تكون تحت ~~الأرض إما بالليل وإما بالنهار. وهذا غلط كمن يظن أن ما في السماء من ~~المشرق يكون تحت ما فيها ms5121 مما في المغرب. فهذا أيضا غلط. بل السماء لا تكون ~~قط إلا عالية على الأرض وإن كان الفلك مستديرا محيطا بالأرض فهو العالي على ~~الأرض علوا حقيقيا من كل جهة. وهذا مبسوط في مواضع. والنوع الثاني: أنه ~~منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته فالألفاظ التي جاء بها ~~الكتاب والسنة في الإثبات تثبت والتي جاءت بالنفي تنفي. والألفاظ المجملة ~~كلفظ " الحركة " و " النزول " و " الانتقال " يجب أن يقال فيها: إنه منزه ~~عن مماثلة المخلوقين من كل وجه لا يماثل المخلوق لا في نزول ولا في حركة ~~ولا انتقال ولا زوال ولا غير ذلك. وأما إثبات هذا الجنس كلفظ " النزول " أو ~~نفيه # PageV16P426 # مطلقا كلفظ " النوم " و " الموت " فقد يسلك كلاهما طائفة تنتسب إلى ~~السنة. والمثبتة يقولون: نثبت حركة أو حركة وانتقالا أو حركة وزوالا تليق ~~به كالنزول والإتيان اللائق به. والنفاة يقولون: بل هذا الجنس يجب نفيه. ثم ~~منهم من ينفي جنس ذلك في حقه بكل اعتبار ولا يجوز عليه أن يقوم به شيء من ~~الأحوال المتجددة. وهذه طريقة الكلابية ومن اتبعهم ممن ينتسب إلى السنة ~~والحديث. ومنهم من لا ينفي في ذلك ما دل عليه النص ولا ينفي هذا الجنس ~~مطلقا بما ذكروه من أنه لا تقوم به الحوادث لما قد علم بالآيات والسنة ~~والعقل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب عبده المؤمن إذا اتبع رسوله إلى ~~غير ذلك من المعاني التي دل عليها الكتاب والسنة. بل ينفي ما ناقض صفات ~~كماله وينفي مماثلة مخلوق له. فهذان هما اللذان يجب نفيهما والله أعلم. # وكذلك إذا قال القائل: الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث أو # PageV16P427 # علامات الحدث أو كل ما أوجب نقصا وحدوثا فالرب منزه عنه فهذا كلام حق ~~معلوم متفق عليه. لكن الشأن فيما تقول النافية. إنه من سمات الحدث وآخرون ~~ينازعونهم. لا سيما والكتاب والسنة تناقض قولهم قالت الجهمية: إن قيام ~~الصفات به. أو قيام الصفات الاختيارية هو من سمات الحدث. وهذا باطل عند ~~السلف ms5122 وأئمة السنة بل وجمهور العقلاء بل ما ذكروه يقتضي حدوث كل شيء. فإنه ~~ما من موجود إلا وله صفات تقوم به وتقوم به أحوال تحصل بالمشيئة والقدرة. ~~فإن كان هذا مستلزما للحدوث لزم حدوث كل شيء وأن لا يكون في العالم شيء ~~قديم. وهذا قد بسط في مواضع أيضا. وسمات الحدث التي تستلزم الحدوث مثل ~~افتقار إلى الغير. فكل ما افتقر إلى غيره فإنه محدث كائن بعد أن لم يكن. ~~والرب منزه عن الحاجة إلى ما سواه بكل وجه. ومن ظن أنه محتاج إلى العرش أو ~~حملة العرش فهو جاهل ضال. بل هو الغني بنفسه وكل ما سواه فقير إليه من كل ~~وجه. وهو الصمد الغني عن كل شيء وكل ما سواه يصمد إليه محتاجا إليه {يسأله ~~من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} # PageV16P428 # ومن سمات الحدث النقائص كالجهل والعمى والصمم والبكم فإن كل ما كان كذلك ~~لم يكن إلا محدثا لأن القديم الأزلي منزه عن ذلك لأن القديم الأزلي متصف ~~بنقيض هذه الصفات وصفات الكمال لازمة له. واللازم يمتنع زواله إلا بزوال ~~الملزوم. والذات قديمة أزلية واجبة بنفسها غنية عما سواها يستحيل عليها ~~العدم والفناء بوجه من الوجوه. فيستحيل عدم لوازمها فيستحيل اتصافها بنقيض ~~تلك اللوازم. فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث فهي من سمات الحدث المستلزمة ~~لحدوث ما اتصف بها. وهذا يدخل في قول القائل " كل ما استلزم حدوثا أو نقصا ~~فالرب منزه عنه ". والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به ~~والحدوث مستلزم للنقص اللازم للمخلوق. فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره ~~كائن بعد أن لم يكن لا يعلم إلا ما علم ولا يقدر إلا ما أقدر وهو محاط به ~~مقدور عليه. فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث حيث كان حدوث ~~كانت. والحدوث أيضا ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص. فقولنا " ما ~~استلزم نقصا أو حدوثا فالرب منزه عنه " حق. # PageV16P429 # والحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان. والرب منزه عن كل منهما من ms5123 ~~جهتين من جهة امتناعه في نفسه ومن جهة أنه مستلزم للآخر وهو ممتنع في نفسه. ~~فكل منهما دليل ومدلول عليه باعتبارين على أن الرب منزه عنه وعن مدلوله ~~الذي هو لازمه. والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم الحدوث والنقص ~~اللازم للمخلوق. وقولي " اللازم " ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن النقائص ما ~~يتصف بها بعض المخلوقين دون بعض. فتلك ليست لازمة لكل مخلوق. والرب منزه ~~عنها أيضا لكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما يختص به بعض ~~المخلوقين أولى وأحرى. فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص فالخالق أولى ~~بتنزيهه عنه. وهذه طريقة " الأولى " كما دل عليها القرآن في غير موضع. وقد ~~ذكرنا في جواب " المسائل التدمرية " الملقب ب " تحقيق الإثبات للأسماء ~~والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع " أنه ### | لا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به # فيقال: كل ما ورد به الخبر أثبتناه وما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه ~~وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر. # PageV16P430 # بل هذا غلط لوجهين: أحدهما: أن عدم الخبر هو عدم دليل معين والدليل لا ~~ينعكس فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر. ولله ~~أسماء سمى بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده. فكما لا يجوز الإثبات ~~إلا بدليل لا يجوز النفي إلا بدليل. ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ~~ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم. الثاني: أن أشياء لم يرد الخبر ~~بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم ~~انتفاؤها. فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه ~~السمع والعقل. وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه. ~~فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم. ونفي الشيء من الصفات وغيرها كنفي ~~دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر. وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازما ~~له. ms5124 فإذا عدم اللازم عدم الملزوم. وأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد لا ~~العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه ولا ينعكس. # PageV16P431 # فالأقسام ثلاثة. ما علم ثبوته أثبت وما علم انتفاؤه نفي وما لم يعلم نفيه ~~ولا إثباته سكت عنه. هذا هو الواجب. والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ~~ثبوته. ومن لم يثبت ما أثبته إلا بالألفاظ الشرعية التي أثبتها وإذا تكلم ~~بغيرها استفسر واستفصل فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ ~~الشرعي فقد اعتصم بالشرع لفظا ومعنى. وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقى. # لكن ### | ينبغي أن تعرف الأدلة الشرعية إسنادا ومتنا. # فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه فينبغي أن يعرف وجوه دلالته. والسنة ينبغي ~~معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب. فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة وعظم ~~السنة والشرع وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة جمعوا أحاديث ~~وردت في الصفات منها ما هو كذب معلوم أنه كذب ومنها ما هو إلى الكذب أقرب ~~ومنها ما هو إلى الصحة أقرب ومنها متردد. وجعلوا تلك الأحاديث عقائد وصنفوا ~~مصنفات. ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث. وبإزاء هؤلاء ~~المكذبين بجنس الحديث ومن يقول عن أخبار # PageV16P432 # الصحيحين وغيرها: هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم. وأبلغ من هؤلاء من يقول: ~~دلالة القرآن لفظية سمعية والدلالة السمعية اللفظية لا تفيد اليقين. ~~ويجعلون العمدة على ما يدعونه من العقليات وهي باطلة فاسدة منها ما يعلم ~~بطلانه وكذبه. وهؤلاء أيضا قد يكفرون من خالف ذلك كما فعل أولئك. وكلا ~~الطريقين باطل ولو لم يكفر مخالفه. فإذا كفر مخالفه صار من أهل البدع الذين ~~يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها كما فعلت الخوارج وغيرهم. وقد بسط في ~~غير هذا الموضع أن الأدلة التي توجب العلم لا تناقض قط. ولا يناقض الدليل ~~العقلي الذي يفيد العلم للدليل السمعي الذي يفيد العلم قط كما قد بينا ذلك ~~في كتاب " درء تعارض العقل والنقل ". وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي ~~أبو يعلى في ms5125 كتاب " إبطال التأويل " مثل ما ذكر في حديث المعراج حديثا ~~طويلا عن أبي عبيدة {أن محمدا رأى ربه} . وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه ~~بعينه يكفرون من خالفهم لما # PageV16P433 # ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة كما فعل أبو الحسن علي بن شكر فإنه ~~سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة وقد يكون مخطئا فيه. إما ~~لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده. وما أصاب ~~فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه. فليس كل مخطئ كافرا لا سيما في ~~المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة كما قد بسط هذا في مواضع. وكذلك ~~أبو علي الأهوازي له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين. وكذلك ما ~~يجمعه عبد الرحمن بن منده مع أنه من أكثر الناس حديثا لكن يروي شيئا كثيرا ~~من الأحاديث الضعيفة ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابا وكل ~~أحاديثه ضعيفة كأحاديث أكل الطين وغيرها. وهو يروي عن أبي علي الأهوازي. ~~وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي فبنى على ذلك عقائد ~~باطلة وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه ~~يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت الخوارج. ومن ~~ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروي عن # PageV16P434 # عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الواحد المقدسي في " مختاره ". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه كما فعل ~~ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. ~~وفيه قال: {إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض وإنه يجلس عليه فما يفضل ~~منه قدر أربعة أصابع أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع وإنه ليئط به ~~أطيط الرحل الجديد براكبه} . ولفظ " الأطيط " قد جاء في حديث جبير بن مطعم ~~الذي رواه أبو داود في السنن. وابن عساكر عمل فيه ms5126 جزءا وجعل عمدة الطعن في ~~ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد وأبي داود وغيرهما وليس فيه ~~إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ " الأطيط " قد جاء في غيره. وحديث ابن ~~خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرا وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثير ممن ~~رواه رووه بقوله {إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع} فجعل العرش يفضل منه ~~أربع أصابع. واعتقد القاضي وابن # PageV16P435 # الزاغوني ونحوهما صحة هذا اللفظ فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر ~~لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: هو موضع جلوس محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره ولفظه: ~~{وإنه ليجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع} بالنفي. فلو لم يكن في ~~الحديث إلا اختلاف الروايتين هذه تنفي ما أثبتت هذه. ولا يمكن مع ذلك الجزم ~~بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الإثبات وأنه يفضل من العرش أربع ~~أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من ~~الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر. وهذا باطل مخالف ~~للكتاب والسنة وللعقل. ويقتضي أيضا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش ~~المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو ~~أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن ~~طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. ~~فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. # PageV16P436 # كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما حديث الأطيط ~~لما قال الأعرابي: {إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله تعالى فسبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك ~~أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته ~~هكذا وقال بيده مثل القبة ms5127 وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه} . فبين ~~عظمة العرش وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله وأنه يئط ~~به أطيط الرحل الجديد براكبه. فهذا فيه تعظيم العرش وفيه أن الرب أعظم من ~~ذلك. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أتعجبون من غيرة ~~سعد؟ لأنا أغير منه والله أغير مني} . وقال: {لا أحد أغير من الله. من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على ~~أن الصواب في روايته النفي وأنه ذكر عظمة العرش وأنه مع هذه العظمة فالرب ~~مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في ~~المساحة من أعضاء الإنسان كما يقدر في الميزان قدره فيقال: ما في السماء ~~قدر كف سحابا. فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع وأصغر ما عندهم # PageV16P437 # الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به فقالوا: ما في السماء قدر ~~كف سحابا كما يقولون في النفي العام {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} و {ما ~~يملكون من قطمير} ونحو ذلك. فبين الرسول أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا ~~القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربع أصابع. وهذا معنى صحيح ~~موافق للغة العرب وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة موافق لطريقة بيان ~~الرسول له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال " ما يفضل إلا ~~مقدار أربع أصابع " فما فهموا هذا المعنى فظنوا أنه استثنى فاستثنوا ~~فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون ~~العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية وتلك الأصابع أصابع من الناس والمفهوم ~~من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟ والعرش ~~صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله {لا ~~تدركه الأبصار} لمعناه شواهد تدل على هذا. فينبغي أن نعتبر الحديث فنطابق ~~بين الكتاب والسنة. فهذا هذا ms5128 والله أعلم. # PageV16P438 # قال حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روق عن ~~عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: {لو أن الجن والإنس ~~والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله ~~أبدا} . وهذا له شواهد مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى {والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} قال ابن عباس: ما السموات ~~السبع والأرضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. ~~ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا فإن له حملة وله حول. قال تعالى {الذين يحملون ~~العرش ومن حوله} . وهذا قد بسط في موضع آخر في " مسألة الإحاطة " وغيرها ~~والله أعلم. # فصل: # فالرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصول الموصلة إلى الحق # PageV16P439 # أحسن بيان وبين الآيات الدالة على الخالق سبحانه وأسمائه الحسنى وصفاته ~~العليا ووحدانيته على أحسن وجه كما قد بسط في مواضع. وأما أهل البدع من أهل ~~الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق بل أصلوا أصولا تناقض الحق. فلم ~~يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولا تناقض الحق ورأوا ~~أنها تناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقدموها على ما جاء به ~~الرسول. ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل وتارة يقولون: جاء بالتأويل ~~وتارة يقولون: جاء بالتجهيل. فالفلاسفة ومن وافقهم أحيانا يقولون: خاطب ~~الجمهور بالتخييل لم يقصد إخبارهم بالأمر على ما هو عليه بل أخبرهم بخلاف ~~ما الأمر عليه ليتخيلوا ما ينفعهم. وهذا قول من يعرف بأنه كان يعرف الحق ~~كابن سينا وأمثاله ويقولون: الذي فعله من التخييل غاية ما يمكن. ومنهم من ~~يقول: لم يعرف الحق بل تخيل وخيل كما يقوله الفارابي وأمثاله. ويجعلون ~~الفيلسوف أفضل من النبي ويجعلون النبوة من جنس المنامات. # PageV16P440 # وأما أكثر المتكلمين فيقولون: بل لم يقصد أن يخبر إلا بالحق لكن بعبارات ms5129 ~~لا تدل وحدها عليه بل تحتاج إلى التأويل ليبعث الهمم على معرفته بالنظر ~~والعقل ويبعثها على تأويل كلامه ليعظم أجرها. والملاحدة يسلكون مسلك ~~التأويل ويفتحون باب القرمطة. وهؤلاء يجوزون التأويل مع الخاصة. وأما أهل ~~التخييل فيقولون: الخاصة قد عرفوا أن مراده التخييل للعامة فالتأويل ممتنع. ~~والفريقان يسلكون مسلك إلجام العوام عن التأويل لكن أولئك يقولون: لها ~~تأويل يفهمه الخاصة. وهي طريقة الغزالي في " الإلجام ". استقبح أن يقال: ~~كذبوا للمصلحة. وهو أيضا لا يرى تأويل الأعمال كالقرامطة بل تأويل الخبر عن ~~الملائكة وعن اليوم الآخر. وكذلك طائفة من الفلاسفة ترى التأويل في ذلك. ~~وهذا مخالف لطريقة أهل التخييل. وقد ذكر الغزالي هذا عنهم في " الإحياء " ~~لما ذكر إسرافهم في التأويل وذكره في مواضع كما حكى كلامه في " السبعينية " ~~وغيرها. # PageV16P441 # والقسم الثالث الذين يقولون: هذا لا يعلم معناه إلا الله أو له تأويل ~~يخالف ظاهره لا يعلمه إلا الله. فهؤلاء يجعلون الرسول وغيره غير عالمين بما ~~أنزل الله. فلا يسوغون التأويل لأن العلم بالمراد عندهم ممتنع. ولا ~~يستجيزون القول بطريقة التخييل لما فيها من التصريح بكذب الرسول. بل ~~يقولون: خوطبوا بما لا يفهمونه ليثابوا على تلاوته والإيمان بألفاظه وإن لم ~~يفهموا معناه. يجعلون ذلك تعبدا محضا على رأي المجبرة الذين يجوزون التعبد ~~بما لا نفع فيه للعامل بل يؤجر عليه. والكلام على هؤلاء وفساد قولهم مذكور ~~في مواضع. والمقصود هنا أن الذي دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول يناقض ما ~~أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أو ظاهر ما أخبر به الرسول. وقد بسط ~~الكلام على رد هذا في مواضع وبين أن العقل لا يناقض السمع وأن ما ناقضه فهو ~~فاسد. وبين بعد هذا أن العقل موافق لما جاء به الرسول شاهد له ومصدق له. لا ~~يقال: إنه غير معارض فقط بل هو موافق مصدق فأولئك كانوا يقولون: هو مكذب ~~مناقض. بين أولا أنه لا يكذب ولا يناقض ثم بين ثانيا أنه مصدق موافق. # PageV16P442 # وأما هؤلاء فيبين أن كلامهم الذي يعارضون ms5130 به الرسول باطل لا تعارض فيه. ~~ولا يكفي كونه باطلا لا يعارض بل هو أيضا مخالف لصريح العقل. فهم كانوا ~~يدعون أن العقل يناقض النقل. فيبين أربع مقامات: أن العقل لا يناقضه. ثم ~~يبين أن العقل يوافقه. ويبين أن عقلياتهم التي عارضوا بها النقل باطلة. ~~ويبين أيضا أن العقل الصريح يخالفهم. ثم لا يكفي أن العقل يبطل ما عارضوا ~~به الرسول بل يبين أن ما جعلوه دليلا على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه. ~~فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع وإن كانوا يظنون أنهم يثبتون بها الصانع. ~~والمقصود هنا أن كلامهم الذي زعموا أنهم أثبتوا به الصانع إنما يدل على نفي ~~الصانع وتعطيله. فلا يكفي فيه أنه باطل لم يدل على الحق؛ بل دل على الباطل ~~الذي يعلمون هم وسائر العقلاء أنه باطل. ولهذا كان يقال في أصولهم " ترتيب ~~الأصول في تكذيب الرسول " ويقال أيضا هي " ترتيب الأصول في مخالفة الرسول ~~والمعقول ". جعلوها أصولا للعلم بالخالق وهي أصول تناقض العلم به. فلا يتم ~~العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها. وفرق بين الأصل والدليل المستلزم ~~للعلم بالرب وبين المناقض المعارض للعلم بالرب. # PageV16P443 # فالمتفلسفة يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود. وهم لم يثبتوه بل كلامهم ~~يقتضي أنه ممتنع الوجود. والجهمية والمعتزلة ونحوهم يقولون إنهم أثبتوا ~~القديم المحدث للحوادث وهم لم يثبتوه بل كلامهم يقتضي أنه ما ثم قديم أصلا. ~~وكذلك الأشعرية والكرامية وغيرهم ممن يقول إنه أثبت العلم بالخالق فهم لم ~~يثبتوه لكن كلامهم يقتضي أنه ما ثم خالق. وهذه الأسماء الثلاثة هي التي ~~يظهرها هؤلاء واجب الوجود والقديم والصانع أو الخالق ونحو ذلك. ثم إنه من ~~المعلوم بضرورة العقل أنه لا بد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلي ~~محدث للحوادث. فإذا كان هذا معلوما بالفطرة والضرورة والبراهين اليقينية ~~وكانت أصولهم التي عارضوا بها الرسول تناقض هذا دل على فسادها جملة ~~وتفصيلا. وقد ذكرنا في مواضع أن الإقرار بالصانع فطري ضروري مع كثرة دلائله ~~وبراهينه. ونقول هنا: لا ريب أنا نشهد ms5131 الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع ~~والشجر والشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان # PageV16P444 # وحدوث الليل والنهار وغير ذلك. ومعلوم بضرورة العقل أن المحدث لا بد له ~~من محدث وأنه يمتنع تسلسل المحدثات بأن يكون للمحدث محدث وللمحدث محدث إلى ~~غير غاية. وهذا يسمى تسلسل المؤثرات والعلل والفاعلية وهو ممتنع باتفاق ~~العقلاء كما قد بسط في مواضع وذكر ما أورد عليه من الإشكالات. حتى ذكر كلام ~~الآمدي والأبهري مع كلام الرازي وغيرهم. مع أن هذا بديهي ضروري في العقول ~~وتلك الخواطر من وسوسة الشيطان. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد ~~إذا خطر له ذلك أن يستعيذ بالله منه وينتهي عنه. فقال: {يأتي الشيطان أحدكم ~~فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فيقول: الله. فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا ~~وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته} . ومعلوم أن المحدث الواحد لا يحدث ~~إلا بمحدث. فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت كان احتياجها إلى المحدث أولى. وكلها ~~محدثات فكلها محتاجة إلى محدث. وذلك لا يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره ~~بل هو قديم أزلي بنفسه سبحانه وتعالى. وإذا قيل: إن الموجود إما قديم وإما ~~محدث والمحدث لا بد له من قديم فيلزم وجود القديم على التقديرين كان برهانا ~~صحيحا. # PageV16P445 # وكذلك إذا قيل: إما ممكن وإما واجب وبين الممكن بأنه المحدث كان من هذا ~~الجنس. وأما إذا فسر الممكن بما يتناول القديم كما فعل ابن سينا وأتباعه ~~كالرازي كان هذا باطلا. فإنه على هذا التقدير لا يمكن إثبات الممكن المفتقر ~~إلى الواجب ابتداء والدليل لا يتم إلا بإثبات هذا ابتداء. وإنما يمكن ذلك ~~في أن المحدث لا بد له من محدث. فإن هذا تشهد أفراده وتعلم بالعقل كلياته. ~~وأما إثبات قديم أزلي ممكن فهذا مما اتفق العقلاء على امتناعه. وابن سينا ~~وأتباعه وافقوا على امتناعه كما ذكروه في المنطق تبعا لسلفهم؛ لكن تناقضوا ~~أولا. فسلفهم وهم يقولون: الممكن العامي والخاصي الذي يمكن وجوده وعدمه لا ~~يكون إلا حادثا لا يكون ضروريا وكل ما كان قديما ms5132 أزليا فهو ضروري عندهم. ~~وكذلك إذا قيل: الموجود إما أن يكون مخلوقا وإما أن لا يكون مخلوقا ~~والمخلوق لا بد له من موجود غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق ~~على التقديرين. وكذلك إذا قيل: الموجود إما غني عن غيره وإما فقير إلى غيره ~~والفقير المحتاج إلى غيره لا تزول حاجته وفقره إلا بغنى عن غيره # PageV16P446 # فيلزم وجود الغنى عن غيره على التقديرين. وكذلك إذا قيل: الحي إما حي ~~بنفسه وإما حي حياته من غيره وما كانت حياته من غيره فذلك الغير أولى ~~بالحياة فيكون حيا بنفسه فثبت وجود الحي بنفسه على التقديرين. وكذلك إذا ~~قيل: العالم إما عالم بنفسه وإما عالم علمه غيره ومن علم غيره فهو أولى أن ~~يكون عالما وإذا لم يتعلم من غيره كان عالما بنفسه فثبت وجود العالم بنفسه ~~على التقديرين الحاصرين فإنه لا يمكن سوى هذين التقديرين والقسمين. فإذا ~~كان لا يمكن إلا أحدهما وعلى كل تقدير العالم بنفسه موجود والحي بنفسه ~~موجود والغني بنفسه موجود والقديم الواجب بنفسه موجود لزم وجوده في نفس ~~الأمر وامتناع عدمه في نفس الأمر. وهو المطلوب. وكذلك إذا قيل: القادر إما ~~قادر بنفسه وإما قادر قدره غيره ومن أقدر غيره فهو أولى أن يكون قادرا. ~~وإذا لم تكن قدرته من غيره كانت قدرته من لوازم نفسه فثبت وجود القادر ~~بنفسه الذي قدرته من لوازم نفسه وعلمه من لوازم نفسه وحياته من لوازم نفسه ~~على كل تقدير. # PageV16P447 # وكذلك الحكيم إما أن يكون حكيما بنفسه وإما أن تكون حكمته من غيره. ومن ~~جعل غيره حكيما فهو أولى أن يكون حكيما فيلزم وجود الحكيم بنفسه على ~~التقديرين. وكذلك إذا قيل: الرحيم إما أن تكون رحمته من نفسه وإما أن يكون ~~غيره جعله رحيما. ومن جعل غيره رحيما فهو أولى أن يكون رحيما وتكون رحمته ~~من لوازم نفسه فثبت وجود الرحيم بنفسه الذي رحمته من لوازم نفسه على ~~التقديرين. وكذلك إذا قيل: الكريم المحسن إما أن يكون كرمه وإحسانه من نفسه ms5133 ~~وإما أن يكون من غيره. ومن جعل غيره كريما محسنا فهو أولى أن يكون كريما ~~محسنا وذلك من لوازم نفسه. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه رأى امرأة من السبي إذا رأت ~~طفلا أرضعته رحمة له فقال: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا ~~رسول الله فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها} . فبين أن الله أرحم ~~بعباده من أرحم الوالدات بولدها. فإنه من جعلها رحيمة أرحم منها. وهذا مما ~~يدل عليه قوله {وربك الأكرم} وقولنا " الله أكبر " # PageV16P448 # فإنه سبحانه أرحم الراحمين. وخير الغافرين وخير الفاتحين وخير الناصرين ~~وأحسن الخالقين وهو نعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير. وهذا يقتضي حمدا ~~مطلقا على ذلك وأنه كافي من توكل عليه وأنه يتولى عبده توليا حسنا وينصره ~~نصرا عزيزا. وذلك يقتضي أنه أفضل وأكمل من كل ما سواه كما يدل على ذلك ~~قولنا " الله أكبر ". وكذلك إذا قيل: المتكلم السميع البصير إما أن يكون ~~متكلما سميعا بصيرا بنفسه وإما أن يكون غيره جعله سميعا بصيرا متكلما. ومن ~~جعل غيره متكلما سميعا بصيرا فهو أولى أن يكون متكلما سميعا بصيرا وإلا كان ~~المفعول أكمل من الفاعل فإن هذه صفات كمال. وكذلك يقال: العادل إما أن يكون ~~عادلا بنفسه والصادق إما أن يكون صادقا بنفسه وإما أن يكون غيره جعله صادقا ~~عادلا. ومن جعل غيره صادقا عادلا فهو أولى أن يكون صادقا عادلا. فهذه كلها ~~طرق صحيحة بينة. فإن قيل: يعارض هذا بأن يقال: من جعل غيره ظالما أو كاذبا ~~فهو أيضا ظالم كاذب وأهل السنة يقولون إنه جعل غيره كذلك # PageV16P449 # وليس هو كذلك سبحانه قيل: هذا باطل من وجهين. أحدهما: أنه ليس كل من جعل ~~غيره على صفة أي صفة كانت كان متصفا بها بل من جعل غيره على صفة من صفات ~~الكمال فهو أولى باتصافه بصفة الكمال من مفعوله. وأما صفات النقص فلا يلزم ~~إذا جعل الجاعل غيره ناقصا أن يكون هو ناقصا. فالقادر يقدر أن يعجز غيره ms5134 ~~ولا يكون عاجزا. والحي يمكنه أن يقتل غيره ويميته ولا يكون ميتا. والعالم ~~يمكنه أن يجهل غيره ولا يكون جاهلا. والسميع والبصير والناطق يمكنه أن يعمي ~~غيره ويصمه ويخرسه ولا يكون هو كذلك. فلا يلزم حينئذ أن من جعل غيره ظالما ~~وكاذبا أن يكون كاذبا وظالما لأن هذه صفة نقص. فإن قيل: الكاذب والظالم قد ~~يلزم غيره بالصدق والعدل أحيانا قيل: هو لم يجعله صادقا وعالما وإنما أمره ~~بذلك وهو فعل ذلك بنفسه. ولم نقل: كل من أمر غيره بشيء كان متصفا بما أمر ~~به غيره. الثاني: أن الظلم أمر نسبي إضافي فمن أمر غيره أن يقتل شخصا # PageV16P450 # فقتله هذا القاتل من غير جرم يعلمه كان ظالما وإن كان ذلك الآمر إنما ~~أمره به لكونه قد قتل أباه والمأمور لم يفعله لذلك. فلو فعله بطريق النيابة ~~لم يكن ظالما. فإن كان له معه غرض فقتله ظلما ولكن الآمر كان مستحقا لقتله. ~~وكذلك من أمر غيره بما هو كذب من المأمور كأمر يوسف للمؤذن أن يقول {أيتها ~~العير إنكم لسارقون} يوسف عليه السلام قصد. إنكم لسارقون يوسف من أبيه وهو ~~صادق في هذا. والمأمور قصد: إنكم لسارقون الصواع وهو يظن أنهم سرقوه فلم ~~يكن متعمدا للكذب وإن كان خبره كذبا. والرب تعالى لا تقاس أفعاله بأفعال ~~عباده. فهو يخلق جميع ما يخلقه لحكمة ومصلحة وإن كان بعض ما خلقه فيه قبح ~~كما يخلق الأعيان الخبيثة كالنجاسات وكالشياطين لحكمة راجحة. وبسط هذا له ~~موضع آخر. والمقصود هنا أن دلائل إثبات الرب كثيرة جدا. وهؤلاء الذين ~~يزعمون أن المعقول يعارض خبر الرسول الذين يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود ~~أو القديم أو الصانع هم لم يثبتوه بل حججهم تقتضي نفيه وتعطيله فهم نافون ~~له. لا مثبتون له. وحججهم باطلة # PageV16P451 # في العقل لا صحيحة في العقل. والمعرفة بالله ليست موقوفة على أصولهم. بل ~~تمام المعرفة موقوف على العلم بفساد أصولهم وإن سموها " أصول العلم والدين ~~" فهي " أصول الجهل وأصول دين الشيطان لا دين الرحمن ". وحقيقة ms5135 كلامهم " ~~ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول " كما قال أصحاب النار {لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . فمن خالف الرسول فقد خالف السمع ~~والعقل خالف الأدلة السمعية والعقلية. أما القائلون بواجب الوجود فقد بينا ~~في غير موضع أنهم لم يقيموا دليلا على واجب الوجود. وأن الرازي لما تبع ابن ~~سينا لم يكن في كتبه إثبات واجب الوجود. فإنهم جعلوا وجوده موقوفا على ~~إثبات " الممكن " الذي يدخل فيه القديم. فما بقي يمكن إثبات واجب الوجود ~~على طريقهم إلا بإثبات ممكن قديم وهذا ممتنع في بديهة العقل واتفاق ~~العقلاء. فكان طريقهم موقوفا على مقدمة باطلة في صريح العقل. وقد اتفق ~~العقلاء على بطلانها فبطل دليلهم. ولهذا كان كلامهم في " الممكن " مضطربا ~~غاية الاضطراب. ولكن أمكنهم أن يستدلوا على أن المحدث لا بد له من قديم وهو # PageV16P452 # واجب الوجود. ولكن قد أثبتوا قديما ليس بواجب الوجود. فصار ما أثبتوه من ~~القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين إذ أثبتوا قديما ينقسم إلى واجب وإلى ~~غير واجب. وأيضا فالواجب الذي أثبتوه قالوا: إنه يمتنع اتصافه بصفة ثبوتية. ~~وهذا ممتنع الوجوب لا ممكن الوجوب فضلا عن أن يكون واجب الوجود كما قد بسط ~~هذا في مواضع وبين أن الواجب الذي يدعونه يقولون إنه لا يكون لا صفة ولا ~~موصوفا ألبتة. وهذا إنما يتخيل في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان. والواجب ~~إذا فسر بمبدع الممكنات فهو حق وهو اسم للذات المتصفة بصفاتها. وإذا فسر ~~بالموجود بنفسه الذي لا فاعل له فالذات واجبة والصفات واجبة. وإذا فسر بما ~~لا فاعل له ولا محدث فالذات واجبة والصفات ليست واجبة. وإذا فسر بما ليس ~~صفة ولا موصوفا فهذا باطل لا حقيقة له. بل هو ممتنع الوجود لا ممكن الوجود ~~ولا واجب الوجود. وكلما أمعنوا في تجريده عن الصفات كانوا أشد إيغالا في ~~التعطيل كما قد بسط في مواضع. وأما الذين قالوا إنهم أثبتوا القديم من ~~الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية الذين ms5136 استدلوا ~~بحدوث الأعراض # PageV16P453 # ولزومها للأجسام وامتناع حوادث لا أول لها على حدوث الأجسام فهؤلاء لم ~~يثبتوا الصانع لما عرف من فساد هذا الدليل حيث ادعوا امتناع كون الرب ~~متكلما بمشيئته أو فعالا لما يشاء. بل حقيقة قولهم امتناع كونه لم يزل ~~قادرا. وأدلتهم على هذا الامتناع قد ذكرت مستوفاة في غير هذا الموضع وذكر ~~كلامهم هم في بيان بطلانها. وأما كونهم عطلوا الخالق فلأن حقيقة قولهم أن ~~من لم يزل متكلما بمشيئته فهو محدث فيلزم أن يكون الرب محدثا لا قديما. بل ~~حقيقة أصلهم أن ما قامت به الصفات والأفعال فهو محدث وكل موجود فلا بد له ~~من ذلك فيلزم أن يكون كل موجود محدثا. ولهذا صرح أئمة هذا الطريق الجهمية ~~والمعتزلة بنفي صفات الرب وبنفي قيام الأفعال وسائر الأمور الاختيارية ~~بذاته إذ هذا موجب دليلهم. وهذه الصفات لازمة له ونفي اللازم يقتضي نفي ~~الملزوم. فكان حقيقة قولهم نفي الرب وتعطيله. وهم يسمون الصفات أعراضا ~~والأفعال ونحوها حوادث. فقالوا الرب ينزه عن أن تقوم به الأعراض والحوادث. ~~فإن ذلك مستلزم أن يكون جسما. قالوا: وقد أقمنا الدليل على حدوث كل جسم. ~~فإن # PageV16P454 # الجسم لا ينفك من الأعراض المحدثة ولا يسبقها وما لم ينفك عن الحوادث ولم ~~يسبقها فهو حادث. وقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على مذهب السلف وأن ~~الرب لم يزل متكلما إذا شاء فيلزم على قولهم أنه لم يسبق الحوادث ولم ينفك ~~عنها. ويجب على قولهم كونه حادثا. فالأصل الذي أثبتوا به القديم هو نفسه ~~يقتضي أنه ليس بقديم وأنه ليس في الوجود قديم. كما أن أولئك أصلهم يقتضي ~~أنه ليس بواجب بذاته وأنه ليس في الوجود واجب بذاته. والطريق التي قالوا ~~بها يثبت الصانع مناقضة لإثبات الصانع. وإذا قالوا: لا يمكن العلم بالصانع ~~إلا بها كان الحق أن يقال: بل لا يمكن تمام العلم بالصانع إلا مع العلم ~~بفسادها. ولهذا كان كل من أقر بصحتها قد كذب بعض ما أخبر به الرسول مما هو ~~من لوازم الرب ونفي ms5137 اللازم يقتضي نفي الملزوم. والذين زعموا أنهم يحتجون به ~~على حدوث الأجسام من جنس ما زعم أولئك أنهم يحتجون به على إمكان الأجسام. ~~وكل منهما باطل. # PageV16P455 # ومقتضاه حدوث كل موجود وإمكان كل موجود وأنه ليس في الوجود قديم ولا واجب ~~بنفسه. فأصولهم تناقض مطلوبهم. وهي طريقة مضلة لا هادية. لكن كما قال الله ~~تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} {وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} . # وأما الذين يقولون: نثبت الصانع والخالق ويقولون: إنا نسلك غير هذه ~~الطريق كالاستدلال بحدوث الصفات على الرب. فإن هذه تدل عليه من غير احتياج ~~إلى ما التزمه أولئك. والرازي قد ذكر هذه الطريق. وأما الأشعري نفسه فلم ~~يستدل بها. بل " في اللمع " و " رسالته " إلى الثغر استدل بالحوادث على ~~حدوث ما قامت به كما ذكره في النطفة بناء على امتناع حوادث لا أول لها. ثم ~~جعل حدوث تلك الجواهر التي ذكر أنه دل على حدوثها هو الدليل على ثبوت ~~الصانع. وهذه الطريق باطلة كما قد بين. وأما تلك فهي صحيحة لكن أفسدوها من ~~جهة كونهم جعلوا # PageV16P456 # الحوادث المشهود لهم حدوثها هي الأعراض فقط كما قد بينا هذا في مواضع. ثم ~~يقال: هؤلاء يثبتون خالقا لا خلق له. وهذا ممتنع في بداية العقول؟ فلم ~~يثبتوا خالقا. والكرامية وإن كانوا يقولون: الخلق غير المخلوق فهم يقولون ~~بحدوث الخلق بلا سبب يوجب حدوثه. وهذا أيضا ممتنع. فما أثبتوا خالقا. وأيضا ~~فهؤلاء وهؤلاء يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره هو إرادة ~~قديمة أزلية. فالكرامية يقولون: هي المخصص لما قام به وما خلقه. وهؤلاء ~~عندهم لم يقم به شيء يكون مرادا بل يقولون: هي المخصص لما حدث. والطائفتان ~~ومن وافقهم يقولون: تلك الإرادة قديمة أزلية لم تزل على نعت واحد ثم وجدت ~~الحوادث بلا سبب أصلا. ويقولون: من شأنها أن تخصص مثلا على مثل ومن شأنها ~~أن تتقدم على المراد تقدما لا أول له. فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة ~~يعلم بصريح ms5138 العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث فإذا ~~أثبتت فلا خلق ولا حدوث. # PageV16P457 # وكذلك القدرة التي أثبتوها وصفوها بما يمتنع أن يكون قدرة. وهي شرط في ~~الخلق. فإذا نفوا شرط الخلق انتفى الخلق فلم يبق خالقا. فالذي وصفوا به ~~الخالق يناقض كونه خالقا ليس بلازم لكونه خالقا. وهم جعلوه لازما لا ~~مناقضا. أما الإرادة فذكروا لها ثلاثة لوازم والثلاثة تناقض الإرادة. قالوا ~~إنها تكون ولا مراد لها بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول حالها. ~~وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل. فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل فالمتقدم كان ~~عزما على الفعل وقصدا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل في الحال. ~~بل إذا فعل فلا بد من إرادة الفعل في الحال. ولهذا يقال: الماضي عزم ~~والمقارن قصد. فوجود الفعل بمجرد عزم من غير أن يتجدد قصد من الفاعل ممتنع. ~~فكان حصول المخلوقات بهذه الإرادة ممتنعا لو قدر إمكان حدوث الحوادث بلا ~~سبب فكيف وذاك أيضا ممتنع في نفسه؟ فصار الامتناع من جهة الإرادة ومن جهة ~~تعينت بما هو ممتنع في نفسه. الثاني قولهم إن الإرادة ترجح مثلا على مثل: ~~فهذا مكابرة بل لا تكون الإرادة إلا لما ترجح وجوده على عدمه عند الفاعل. ~~إما لعلمه بأنه أفضل أو لكون محبته له أقوى. وهو إنما يترجح في العلم لكون # PageV16P458 # عاقبته أفضل. فلا يفعل أحد شيئا بإرادته إلا لكونه يحب المراد أو يحب ما ~~يئول إليه المراد بحيث يكون وجود ذلك المراد أحب إليه من عدمه لا يكون ~~وجوده وعدمه عنده سواء. الثالث أن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع ~~القدرة: فهذا أيضا باطل. بل متى حصلت القدرة التامة والإرادة الجازمة وجب ~~وجود المقدور وحيث لا يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة. ~~والرب تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو يخبر في غير موضع أنه لو ~~شاء لفعل أمورا لم يفعلها كما قال {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ms5139 {ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة} {ولو شاء الله ما اقتتلوا} . فبين أنه لو شاء ~~ذلك لكان قادرا عليه. لكنه لا يفعله لأنه لم يشأه إذ كان عدم مشيئته أرجح ~~في الحكمة مع كونه قادرا عليه لو شاءه. وقد بسط الكلام على ما يذكرونه في ~~القدرة والإرادة هم وغيرهم في غير هذا الموضع. وأن من هؤلاء من يقول: إنما ~~يقدر على الأمور المباينة له دون الأفعال القائمة بنفسه كما يقول ذلك ~~المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم. ومنهم من يقول: بل يقدر ~~على ما يقوم به من الأفعال وعلى ما هو باين عنه كما يحكى عن الكرامية. # PageV16P459 # والصواب الذي دل عليه القرآن والعقل أنه يقدر على هذا وهذا قال تعالى ~~{بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقال {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ~~وقال {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وقال {وإنا ~~على ذهاب به لقادرون} وهذا كثير في القرآن أكثر من النوع الآخر. فإن ما ~~قاله الكرامية والهشامية أقرب إلى العقل والنقل مما قالت الجهمية ومن ~~وافقهم وإن كان فيما حكوه عنهم خطأ من جهة نفيهم القدرة على الأمور ~~المباينة. والله تعالى قد أخبر أنه على كل شيء قدير. وفي الصحيحين عن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي مسعود لما رآه يضرب غلامه: لله ~~أقدر عليك منك على هذا} . وفي القرآن {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} ~~{أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون} . وبسط هذا له مواضع أخر. ~~فجميع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو لازم في نفس الأمر. وكل ما ~~أثبته من صفات الرب فهو لازم. وإذا قدر عدمه لزم عدم الملزوم. فنفي ما أخبر ~~به الرسول مستلزم للتعطيل. لكن من ذلك ما يظهر بالعقل مع تفاوت الناس في ~~العقل ومنه # PageV16P460 # ما يكفي فيه مجرد خبر الرسول. فإن ما أخبر به الرسول فهو حق. وكل ما أثبت ~~للرب فهو لازم الثبوت وما انتفى عنه فهو ms5140 لازم الانتفاء فإذا قدر عدم اللازم ~~لزم عدم الملزوم. لكن هذا كله لازم المذهب وهو يدل على بطلانه. ولازم ~~المذهب لا يجب أن يكون مذهبا بل أكثر الناس يقولون أقوالا ولا يلتزمون ~~لوازمها. فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدا ~~للتعطيل. بل يكون معتقدا للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم. وأيضا فإذا كانت ~~أصولهم التي بنوا عليها إثبات الصانع باطلة لم يلزم أن يكونوا هم غير مقرين ~~بالصانع وإن كان هذا لازما من قولهم. إذا قالوا: إنه لا يعرف إلا بهذه ~~الطريق وقد ظهر فساده لزم أن لا يعرف. لكن هذا اللزوم يدل على فساد هذا ~~النفي ولا يلزم أن لا يكونوا هم مقرين بالصانع لما قد بيناه في غير موضع أن ~~الإقرار بالصانع ومعرفته ومحبته وتوحيده فطري يكون ثابتا في قلب الإنسان ~~وهو يظن أنه ليس في قلبه. ولهذا كان عامة هؤلاء مقرين بالصانع معترفين به ~~قبل أن يسلكوا هذه الطريق النظرية سواء كانت صحيحة أو باطلة. وهذا # PageV16P461 # أمر يعرفونه من أنفسهم. فعلم أنه لا يلزم من عدم سلوك هذه الطريق عدم ~~المعرفة. وقد اعترف كثير منهم بذلك كما قد بيناه في مواضع. ومنهم من يقول: ~~إن الطريق النظرية التي يسلكها زادته بصيرة وعلما. كما يقوله ابن حزم ~~وغيره. وهو سلك طريقة الأعراض. وكثير من الناس يقول: إن هذه الطريق لم ~~تفدهم إلا شكا وريبا وفطرة هؤلاء أصح فإنها طرق فاسدة. ومنهم من يقول: لم ~~يحصل لي بها شيء لا علم ولا شك. وذلك أنها لم تحصل له علما ولا سلمها فلم ~~يتبين له صحتها ولا فسادها. ومن الناس من لا يفهم مرادهم بها. وأكثر ~~أتباعهم لا يفهمونها بل يتبعونهم تقليدا وإحسانا للظن بهم. # فصل: # ومما ينبغي أن يعرف أنا لا نقول إن الشيء لا يعرف إلا بإثبات جميع ~~لوازمه. هذا لا يقوله عاقل بل قد تعرف عامة الأشياء وكثير # PageV16P462 # من لوازمها لا تعرف وقد يعلم المسلمون أن الرب على كل شيء قدير وأنه يفعل ms5141 ~~ما يشاء وهم لا يعرفون كثيرا من لوازم القدرة والمشيئة. لكن أهل الاستقامة ~~كما لا يعرفون اللوازم فلا ينفونها فإن نفيها خطأ. وأما عدم العلم بها كلها ~~فهذا لازم لجميع الناس فسبحان من أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا. وما ~~سواه {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وهو سبحانه {يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ولكن المقصود بيان أن المخالفين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ولو في كلمة لا بد أن يكون في قولهم من الخطأ ~~بحسب ذلك. وأن الأدلة العقلية والسمعية المنقولة عن سائر الأنبياء توافق ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتناقض ما يقوله أهل البدع المخالفون ~~للكتاب والسنة. وإذا قالوا: إن العقل يخالف النقل أخطئوا في خمسة أصول: ~~أحدها: أن العقل الصريح لا يناقضه. الثاني: أنه يوافقه الثالث: أن ما ~~يدعونه من العقل المعارض ليس بصحيح. الرابع: أن ما ذكروه من المعقول ~~المعارض هو المعارض للمعقول الصريح. الخامس: أن ما أثبتوا به الأصول كمعرفة ~~الباري وصفاته لا يثبتها بل يناقض إثباتها. # PageV16P463 # فصل: # وذلك أن ما جاء به الرسول هو من علم الله. فما أخبر به عن الله فالله ~~أخبر به وهو سبحانه يخبر بعلمه يمتنع أن يخبر بنقيض علمه وما أمر به فهو من ~~حكم الله والله عليم حكيم. قال تعالى {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} وقال تعالى {أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين} {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون} وقوله {أنزله بعلمه} . قال الزجاج: أنزله وفيه علمه. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: أنزله من علمه. وهكذا ذكر غيرهما. وهذا المعنى ~~مأثور عن السلف كما روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو ~~عبد الرحمن القرآن. وكان إذا أقرأ أحدنا القرآن قال: قد أخذت ms5142 علم الله فليس ~~أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا} . وكذلك قالوا في قوله تعالى {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} ~~قالوا: أنزله وفيه علمه. # PageV16P464 # قلت: الباء قد يكون للمصاحبة كما تقول: جاء بأسياده وأولاده. فقد أنزله ~~متضمنا لعلمه مستصحبا لعلمه. فما فيه من الخبر هو خبر بعلم الله. وما فيه ~~من الأمر فهو أمر بعلم الله بخلاف الكلام المنزل من عند غير الله. فإن ذلك ~~قد يكون كذبا وظلما كقرآن مسيلمة وقد يكون صدقا لكن إنما فيه علم المخلوق ~~الذي قاله فقط لم يدل على علم الله تعالى إلا من جهة اللزوم. وهو أن الحق ~~يعلمه الله. وأما القرآن فهو متضمن لعلم الله ابتداء: فإنما أنزل بعلمه لا ~~بعلم غيره ولا هو كلام بلا علم. وإذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضي أنه حق ~~من الله ويقتضي أن الرسول رسول من الله الذي بين فيه علمه. قال الزجاج: " ~~الشاهد " المبين لما شهد به والله يبين ذلك ويعلم مع ذلك أنه حق. (قلت: ~~قوله {لكن الله يشهد} شهادته هو بيانه وإظهاره دلالته وإخباره. فالآيات ~~البينات التي بين بها صدق الرسول تدل عليه ومنها القرآن هو شهادة بالقول. ~~وهو في نفسه آية ومعجزة تدل على الصدق كما تدل سائر الآيات والآيات كلها ~~شهادة من الله كشهادة بالقول وقد تكون أبلغ. ولهذا ذكر هذا في سورة هود لما ~~تحداهم بالإتيان بالمثل فقال # PageV16P465 # {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين} {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون} . فإن عجز. أولئك عن المعارضة دل على عجز غيرهم بطريق ~~الأولى وتبين أن جميع الخلق عاجزون عن معارضته وأنه آية بينة تدل على ~~الرسالة وعلى التوحيد. وكذلك قوله {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} . بعد ~~قوله {إنا أوحينا إليك} إلى قوله {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~وقد ذكروا أن ms5143 من الكفار من قال: لا نشهد لمحمد بالرسالة فقال تعالى {لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك} وأحسن من هذا أنه لما قال {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} نفى حجة الخلق على الخالق فقال: لكن حجة الله على ~~الخلق قائمة بشهادته بالرسالة فإنه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه فما ~~للخلق على الله حجة بل له الحجة البالغة. وهو الذي هدى عباده بما أنزله. ~~وعلى ما تقدم فقوله {أنزله بعلمه} أي فيه علمه بما كان وسيكون وما أخبر به ~~وهو أيضا مما يدل على أنه حق. فإنه إذا أخبر بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله ~~دل على أن الله أخبره به # PageV16P466 # كقوله {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} {إلا من ارتضى من رسول} الآية ~~وقد قيل: أنزله وهو عالم به وبك. قال ابن جرير الطبري في آية النساء: أنزله ~~إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه. وذكر الزجاج في آية هود قولين أحدهما: ~~أنزله وهو عالم بإنزاله وعالم أنه حق من عنده. والثاني: أنه أنزله بما أخبر ~~فيه من الغيوب ودل على ما سيكون وما سلف. (قلت: هذا الوجه هو الذي تقدم. ~~وأما الأول فهو من جنس قول ابن جرير. فإنه عالم به وبمن أنزل إليه وعالم ~~بأنه حق وأن الذي أنزل عليه أهل لما اصطفاه الله له ويكون هذا كقوله {ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين} وقول من قال {إنما أوتيته على علم} أي على ~~علم من الله باستحقاقي. (قلت وهذا الوجه يدخل في معنى الأول فإنه إذا نزل ~~الكلام بعلم الرب تضمن أن كل ما فيه فهو من علمه وفيه الإخبار بحاله وحال ~~الرسول. وهذا الوجه هو الصواب. وعليه الأكثرون ومنهم من لم يذكر غيره. # PageV16P467 # والأول وإن كان معناه صحيحا فهو جزء من هذا الوجه. وأما كون الثاني هو ~~المراد بالآية فغلط لأن كون الرب سبحانه يعلم الشيء لا يدل على أنه محمود ~~ولا مذموم. وهو سبحانه بكل شيء عليم. فلا يقول أحد إنه أنزله ms5144 وهو لا يعلمه. ~~لكن قد يظن أنه أنزل بغير علمه أي وليس فيه علمه وأنه من تنزيل الشيطان كما ~~قال تعالى {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} ~~والشياطين هو يرسلهم وينزلهم لكن الكلام الذي يأتون به ليس منزلا منه؛ ولا ~~هو منزل بعلم الله بل منزل بما تقوله الشياطين من كذب وغيره. ولهذا هو ~~سبحانه إذا ذكر نزول القرآن قيده بأن نزوله منه كقوله {تنزيل الكتاب من ~~الله} {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} {قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق} وهذا مما استدل به الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق خلقه في محل غيره فإنه كان يكون منزلا ~~من ذلك المحل لا من الله. وقال إنه نزل بعلم الله وإنه من علم الله وعلم ~~الله غير مخلوق. # PageV16P468 # وقال أحمد: كلام الله من الله ليس شيئا منه. ولهذا قال السلف: القرآن ~~كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فقالوا: منه بدأ لم يبدأ من ~~غيره كما تقوله الجهمية. يقولون: بدأ من المحل الذي خلق فيه. وهذا مبسوط في ~~مواضع. والمقصود أنه إذا كان فيه علمه فهو حق والكلام الذي يعارضه به خلاف ~~علم الله فهو باطل كالشرك الذي قال الله تعالى فيه {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما ~~لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} # فصل: # وهذا الذي ذكرته من أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة كما ~~بينته من أن الكتاب بين الأدلة العقلية التي بها تعرف المطالب الإلهية وبين ~~ما يدل على صدق الرسول في كل ما يقوله هو يظهر الحق بأدلته السمعية ~~والعقلية. وبين أن لفظ " العقل والسمع " قد صار لفظا مجملا. فكل من # PageV16P469 # وضع شيئا برأيه سماه " عقليات " والآخر يبين خطأه فيما قاله ويدعي العقل ~~أيضا ويذكر أشياء أخر تكون أيضا ms5145 خطأ كما قد بسط في مواضع. وهو نظير من يحتج ~~في السمع بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو نصوص ثابتة لكن لا تدل على مطلوبه. ~~وكثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن والأحاديث من جهة الخبر المجرد. ~~ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر. فلهذا يضطرون إلى ~~أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا كما يفعل أبو المعالي وأبو حامد والرازي ~~وغيرهم. وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية كما يذكر ~~ذلك الأشعري وغيره وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة. ثم هؤلاء قد ~~يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن ولا تكون هي إياها كما فعل الأشعري في " ~~اللمع " وغيره حيث احتج بخلق الإنسان وذكر قوله {أفرأيتم ما تمنون} {أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون} . لكن هو يظن أن النطفة فيها جواهر باقية وأن ~~نقلها في # PageV16P470 # الأعراض يدل على حدوثها. فاستدل على حدوث جواهر النطفة. وليست هذه طريقة ~~القرآن ولا جمهور العقلاء. بل يعرفون أن النطفة حادثة بعد أن لم تكن ~~مستحيلة عن دم الإنسان؛ وهي مستحيلة إلى المضغة وأن الله يخلق هذا الجوهر ~~الثاني من المادة الأولى بالاستحالة ويعدم المادة الأولى لا تبقى جواهرها ~~بأعيانها دائما كما تقدم. فالنظار في القرآن ثلاث درجات. منهم من يعرض عن ~~دلائله العقلية ومنهم من يقر بها لكن يغلط في فهمها ومنهم من يعرفها على ~~وجهها كما أنهم ثلاث طبقات في دلالته الخبرية. منهم من يقول لم يدل على ~~الصفات الخبرية ومنهم من يستدل به على غير ما دل عليه ومنهم من يستدل به ~~على ما دل عليه. والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية. أخذوا من هؤلاء ~~كلاما صحيحا ومن هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة. فمن الناس من ~~مال إليه من الجهة السلفية ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية ~~كأبي المعالي وأتباعه. ومنهم من سلك مسلكهم كأئمة أصحابهم كما قد بسط في ~~مواضع. # إذ المقصود هنا أن جعل القرآن إماما يؤتم به في أصول الدين # PageV16P471 # وفروعه هو دين ms5146 الإسلام. وهو طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين. فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض القرآن بمعقول أو رأي ~~يقدمه على القرآن. ولكن إذا عرض للإنسان إشكال سأل حتى يتبين له الصواب. ~~ولهذا صنف الإمام أحمد كتابا في " الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه ~~من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ". ولهذا كان الأئمة الأربعة ~~وغيرهم يرجعون في التوحيد والصفات إلى القرآن والرسول لا إلى رأي أحد ولا ~~معقوله ولا قياسه. قال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق ~~عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يوصف ~~الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث. وقال ~~الشافعي في خطبة " الرسالة ": الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه " وفوق ما ~~يصفه به خلقه. وقال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب # PageV16P472 # والسؤال عنه بدعة. وكان يكره ما أحدث من الكلام. وروي عنه وعن أبي يوسف: ~~من طلب الدين بالكلام تزندق. وقال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا ~~بالجريد والنعال ويطاف بهم في الأسواق ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب ~~والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ~~أظنه ولأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى ~~بالكلام. وقد بسط تفسير كلامه وكلام غيره في مواضع وبين أن مرادهم بالكلام ~~هو كلام الجهمية الذي نفوا به الصفات وزعموا أنهم يثبتون به حدوث العالم ~~وهي طريقة الأعراض. وقال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة وما ارتدى أحد ~~بالكلام فأفلح. وكلام عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون مبسوط في هذا. وذكر ~~أصحاب أبي حنيفة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ~~الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه. وقال أبو حنيفة: أتانا من ~~خراسان ضيفان كلاهما ضالان الجهمية والمشبهة. # PageV16P473 # وعن أبي عصمة قال: سألت ms5147 أبا حنيفة: من أهل الجماعة؟ قال. من فضل أبا بكر ~~وعمر وأحب عليا وعثمان ولم يحرم نبيذ الجر ولم يكفر أحدا بذنب ورأى المسح ~~على الخفين وآمن بالقدر خيره وشره من الله ولم ينطق في الله بشيء. وروى ~~خالد بن صبيح عن أبي حنيفة قال: الجماعة سبعة أشياء: أن يفضل أبا بكر وعمر ~~وأن يحب عثمان وعليا وأن يصلي على من. مات من أهل القبلة بذنب وأن لا ينطق ~~في الله شيئا. قلت: قوله في هاتين الروايتين " لا ينطق في الله شيئا " قد ~~بينه في رواية أبي يوسف وهو " أن لا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه ~~بما وصف به نفسه ". فهذا ذم من الأئمة لكل من يتكلم في صفات الرب بغير ما ~~أخبر به الرسول. فكيف بالذين يجعلون الكتاب والسنة لا يفيد علما ويقدمون ~~رأيهم على ذلك مع فساده من وجوه كثيرة وروى هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي ~~يوسف وهو قول محمد قالوا: السنة التي عليها أمر الناس أن لا يكفر أحد من ~~أهل القبلة بذنب ويخرج من الإسلام ولا يشك في الدين يقول الرجل: لا أدري ~~أمؤمن أنا أو كافر ولا يقول بالقدر ولا يخرج # PageV16P474 # على المسلمين بالسيف ويقدم من يقدم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويفضل من فضل. وذكروا عن أبي يوسف أنه قال: مذهب أهل الجماعة عندنا وما ~~أدركنا عليه جماعة أهل الفقه ممن لم يأخذ من البدع والأهواء أن لا يشتم ~~أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولا يذكر فيهم عيبا ولا يذكر ~~ما شجر بينهم فيحرف القلوب عنهم وأن لا يشك بأنهم مؤمنون وأن لا يكفر أحدا ~~من أهل القبلة ممن يقر بالإسلام ويؤمن بالقرآن ولا يخرجه من الإيمان بمعصية ~~إن كانت فيه؛ ولا يقول بقول أهل القدر ولا يخاصم في الدين فإنها من أعظم ~~البدع. فهذا قول أهل السنة والجماعة. ولا ينبغي لأحد أن يقول في هذا كيف ~~ولم؟ ولا ينبغي أن يخبر السائل ms5148 عن هذا إلا بالنهي له عن المسألة وترك ~~المجالسة والمشي معه إن عاد. ولا ينبغي لأحد من أهل السنة والجماعة أن ~~يخالط أحدا من أهل الأهواء حتى يصاحبه ويكون خاصته مخافة أن يستزله أو ~~يستزل غيره بصحبة هذا. قال: والخصومة في الدين بدعة وما ينقض أهل الأهواء ~~بعضهم على بعض بدعة محدثة. لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأتباعهم فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر. وقال # PageV16P475 # الله تعالى {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} ولم يأمره بالجدال. ~~ولو شاء لأنزل حججا وقال له: قل كذا وكذا. وقال أبو يوسف: دعوا قول أصحاب ~~الخصومات وأهل البدع في الأهواء من المرجئة والرافضة والزيدية والمشبهة ~~والشيعة والخوارج والقدرية والمعتزلة والجهمية. قالوا: وروي عن محمد قال: ~~أبو بكر وعمر أفضل من علي. قلت ما ذكر أبو يوسف في أمر الجدال هو يشبه كلام ~~كثير من أئمة السنة يشبه كلام الإمام أحمد وغيره. وفيه بسط وتفصيل ليس هذا ~~موضعه. ولهذا كان بشر بن الوليد صاحب أبي يوسف يحب أحمد ويميل إليه. فإن ~~أبا يوسف كان أميل إلى الحديث من غيره والله أعلم وأحكم. # PageV16P476 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # السور القصار في أواخر المصحف متناسبة. فسورة (اقرأ هي أول ما نزل من ~~القرآن؛ ولهذا افتتحت بالأمر بالقراءة وختمت بالأمر بالسجود ووسطت بالصلاة ~~التي أفضل أقوالها وأولها بعد التحريم هو القراءة وأفضل أفعالها وآخرها قبل ~~التحليل هو السجود؛ ولهذا لما أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر لأجل ~~التبليغ فقيل له: {قم فأنذر} فبالأولى صار نبيا وبالثانية صار رسولا؛ ولهذا ~~خوطب بالمتدثر وهو المتدفئ من برد الرعب والفزع الحاصل بعظمة ما دهمه لما ~~رجع إلى خديجة ترجف بوادره وقال دثروني دثروني فكأنه نهي عن الاستدفاء وأمر ~~بالقيام للإنذار كما خوطب في (المزمل) وهو المتلفف للنوم لما أمر بالقيام ~~إلى الصلاة فلما أمر في هذه السورة بالقراءة ذكر في التي تليها نزول القرآن ~~ليلة القدر وذكر فيها تنزل الملائكة ms5149 والروح وفي (المعارج) عروج الملائكة ~~والروح وفي (النبأ) قيام الملائكة والروح. فذكر الصعود والنزول والقيام ثم # PageV16P477 # في التي تليها تلاوته على المنذرين حيث قال: {يتلو صحفا مطهرة} {فيها كتب ~~قيمة} . فهذه السور الثلاث منتظمة للقرآن أمرا به وذكرا لنزوله ولتلاوة ~~الرسول له على المنذرين ثم سورة (الزلزلة) و (العاديات) و (القارعة) و ~~(التكاثر) متضمنة لذكر اليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب وكل واحد من ~~القرآن واليوم الآخر قيل هو النبأ العظيم. ثم سورة (العصر) و (الهمزة) و ~~(الفيل) و (لإيلاف) و (أرأيت) و (الكوثر) و (الكافرون) و (النصر) و (تبت) ~~متضمنة لذكر الأعمال حسنها وسيئها وإن كان لكل سورة خاصة. وأما سورة ~~(الإخلاص و (المعوذتان ففي الإخلاص الثناء على الله وفي المعوذتين دعاء ~~العبد ربه ليعيذه والثناء مقرون بالدعاء كما قرن بينهما في أم القرآن ~~المقسومة بين الرب والعبد: نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد والمناسبة في ~~ذلك ظاهرة؛ فإن أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو ~~القرآن ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم ~~والعذاب: وهو الجزاء ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال: خيرها ليفعل ~~وشرها ليترك. # PageV16P478 # ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر الله ودعاؤه كما بنيت عليه أم ~~القرآن فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق والمنطق قسمان: خبر وإنشاء ~~وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرا عن الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص ~~وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبا من الله كالنصف ~~الثاني من الفاتحة والمعوذتين. # PageV16P479 ### | سورة البينة # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في قوله تعالى. {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة} . فإن هذه السورة سورة جليلة القدر وقد ورد فيها فضائل. وقد ~~ثبت في الصحيح أن الله أمر نبيه أن يقرأها على أبي بن كعب. ففي الصحيحين عن ~~أنس بن مالك عن {رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي: إن الله أمرني أن ~~أقرأ عليك ms5150 القرآن. قال: آلله سماني لك؟ قال: الله سماك لي قال: فجعل أبي ~~يبكي} . وفي رواية أخرى: {إن الله أمرني أن أقرأ عليك. {لم يكن الذين ~~كفروا} . قال: سماني لك؟ قال: نعم. فبكى} . وفي رواية للبخاري: {وذكرت عند ~~رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه.} قال قتادة: أنبئت # PageV16P480 # أنه قرأ عليه {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} . وتخصيص هذه السورة ~~بقراءتها على أبي يقتضي اختصاصها وامتيازها بما اقتضى ذلك. وقوله: {أن أقرأ ~~عليك} أي قراءة تبليغ وإسماع وتلقين ليس هي قراءة تلقين في تصحيح كما يقرأ ~~المتعلم على المعلم. فإن هذا قد ظنه بعضهم وجعلوا هذا من باب التواضع. وجعل ~~أبو حامد هذا مما يستدل به على تواضع المتعلم وليس هذا بشيء. فإن هذه ~~القراءة كان يقرؤها على جبريل يعرض عليه القرآن كل عام فإنه هو الذي نزل ~~عليه القرآن. وأما الناس فمنه تعلموه فكيف يصحح قراءته على أحد منهم أو ~~يقرأ كما يقرأ المتعلم؟ ولكن قراءته على أبي بن كعب كما كان يقرأ القرآن ~~على الإنس والجن. فقد قرأ على الجن القرآن. وكان إذا خرج إلى الناس يدعوهم ~~إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن. ويقرؤه على الناس في الصلاة وغير الصلاة. ~~قال تعالى: {فما لهم لا يؤمنون} {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} وقال ~~تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا # PageV16P481 # سجدا وبكيا} وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته} . وذكر مثل هذا في غير موضع. فهو يتلو على ~~المؤمنين آيات الله. وأبي بن كعب أمر بتخصيصه بالتلاوة عليه لفضيلة أبي ~~واختصاصه بعلم القرآن كما ثبت في الصحاح عن عمر أنه قال: أبي أقرؤنا وعلي ~~أقضانا. وفي الصحيح أنه {قال لابن مسعود: اقرأ علي القرآن. قال: أقرأ عليك ~~وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري} . فقراءة ابن مسعود عليه في ~~هذا الموضع لإسماعه إياه لا لأجل التصحيح والتلقين. وفي معنى قوله تعالى لم ~~يكن هؤلاء وهؤلاء منفكين ثلاثة أقوال ذكرها ms5151 غير واحد من المفسرين. هل ~~المراد لم يكونوا منفكين عن الكفر. أو هل لم يكونوا مكذبين بمحمد حتى بعث ~~فلم يكونوا منفكين عن محمد والتصديق بنبوته حتى بعث. أو المراد أنهم لم ~~يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول؟ # PageV16P482 # وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي. قال: {لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب} يعني اليهود والنصارى والمشركين وهم عبدة الأوثان {منفكين} أي ~~منفصلين وزائلين. يقال: فككت الشيء فانفك أي انفصل. والمعنى: لم يكونوا ~~زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة. لفظه لفظ المستقبل ومعناه ~~الماضي. والبينة الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم بين لهم ضلالهم ~~وجهلهم. وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم به. ولفظ ~~البغوي نحو هذا. قال: لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم وقال: أهل اللغة: " ~~منفكين " منفصلين زائلين يقال: فككت الشيء فانفك أي انفصل. {حتى تأتيهم ~~البينة} لفظه مستقبل ومعناه الماضي أي حتى أتتهم البينة الحجة الواضحة يعني ~~محمدا أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. ~~فأنقذهم الله به من الجهل والضلالة. ولم يذكر غير هذا. قال أبو الفرج: وذهب ~~بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى ~~بعث فافترقوا. وقال بعضهم: لم يكونوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم ~~البينة. # PageV16P483 # قال: والوجه هو الأول. وذكر الثلاثة أبو محمد بن عطية لكن الثالث وجهه ~~وقواه ولم يحكه عن غيره. فقال: قوله: {منفكين} أي منفصلين متفرقين. تقول: ~~انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه. قال: و " ما انفك " التي هي من أخوات " ~~كان " لا مدخل لها في هذه الآية فبين في هذه أن يكون هذه الصفة منفكة. قال: ~~واختلف الناس عن ماذا؟ فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا منفكين عن الكفر ~~والضلال حتى جاءتهم البينة وأوقع المستقبل موقع الماضي في {تأتيهم} لأن بأس ~~الشريعة وعظمها لم يجئ بعد. وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكين عن معرفة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتوكد لأمره ms5152 حتى جاءتهم البينة فتفرقوا عند ~~ذلك قال: وذهب بعض النحويين إلى أن هذا المنفي المتقدم مع " منفكين " ~~بجعلهم تلك هي مع " كان " ويروى التقدير في خبرها " عارفين أمر محمد " أو ~~نحو هذا. قال: وفي معنى الآية قول ثالث بارع المعنى. وذلك أن يكون المراد: ~~لم يكونوا هؤلاء منفكين من أمر الله وقدرته ونظره لهم حتى # PageV16P484 # يبعث إليهم رسولا منذرا تقوم عليهم به الحجة وتتم على من آمن النعمة ~~فكأنه قال: ما كانوا [ل] (1) يتركوا سدى. قال: ولهذا المعنى نظائر في كتاب ~~الله. وقد ذكر الثعلبي ثلاثة أقوال. لكن الثالث حكاه عمن جعل مقصوده ~~إهلاكهم بإقامة الحجة وجعل " منفكين " بمعنى هالكين. فقال: لم يكونوا ~~منفكين منتهين عن كفرهم وشركهم. وقال أهل اللغة: زائلين. تقول العرب: ما ~~انفك فلان يفعل كذا أي ما زال. وأصل الفك: الفتح ومنه فك الكتاب وفك ~~الخلخال. {حتى تأتيهم البينة} الحجة الواضحة وهو محمد أتاهم بالقرآن فبين ~~ضلالتهم وجهالتهم. ودعاهم إلى الإيمان. قال وقال ابن كيسان: معناه لم يكن ~~هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد في كتابهم حتى بعث فلما بعث تفرقوا فيه. ~~وقال: قال العلماء في أول السورة إلى قوله: {فيها كتب قيمة} حكمها فيمن آمن ~~من أهل الكتاب والمشركين. {وما تفرق} حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد ~~قيام الحجة عليهم. PageV16P485 # قال وقال بعض أئمة اللغة: قوله {منفكين} أي هالكين. من قولهم: انفك صلا ~~المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل ولا يلتئم فتهلك. ومعنى الآية: لم يكونوا ~~هالكين مكذبين إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب. وقد ~~ذكر البغوي هذا والأول. قال والأول أصح. (قلت: القول الثاني الذي حكاه عن ~~ابن كيسان هو قول الفراء. وقد قدمه المهدوي على الأول فقال: {منفكين} من " ~~انفك الشيء من الشيء " إذا فارقه. والمعنى لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم ~~الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره وصفته. وكفرهم بعد البينات. قال: ~~ولا يحتاج {منفكين} على هذا التأويل إلى خبر. ويدل على ذلك قوله {وما تفرق ~~الذين ms5153 أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} . قال وقال مجاهد: المعنى ~~لم يكونوا منتهين عما هم عليه. وعن مجاهد أيضا: لم يكونوا ليؤمنوا حتى ~~تأتيهم البينة. قال وقال الفراء: لم يكونوا تاركين ذكر ما عندهم من ذكر ~~النبي حتى ظهر. فلما ظهر تفرقوا واختلفوا. # PageV16P486 # قلت: هذا المعنى هو الذي قدمه. لكن الفراء وابن كيسان جعل الانفكاك ~~مفارقتهم وتركهم لذكره وخبره والبشارة به. أي لم يكونوا مفارقين تاركين لما ~~علموه من خبره حتى ظهر. فانفكوا حينئذ. وذاك يقول: لم يكونوا منفكين أي ~~متفرقين إلا إذا جاء الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره. وهو معنى ما ~~حكاه أبو الفرج: لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا. ~~فالانفكاك انفكاك بعضهم عن بعض أو انفكاكهم عما كان عندهم من علمه وخبره. ~~وهذا القول ضعيف لم يرد بهذه الآية قطعا. فإن الله لم يذكر أهل الكتاب بل ~~ذكر الكفار من المشركين وأهل الكتاب. ومعلوم أن المشركين لم يكونوا يعرفونه ~~ويذكرونه ويجدونه في كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب. ولا كانوا قبل ~~مبعثه على دين واحد متفقين عليه. فلما جاء تفرقوا. فيمتنع أن يقال: لم يكن ~~المشركون تاركين لمعرفة محمد وذكره والإيمان به. ولم يكونوا مختلفين في ذلك ~~ولا متفرقين فيه حتى بعث. فهذا معنى باطل في المشركين. ولا يستقيم هذا أيضا ~~في أهل الكتاب. فإن الله إنما ذكر الكفار منهم فقال: {لم يكن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب # PageV16P487 # والمشركين} . ومعلوم أن الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون به ويذكرونه قبل ~~أن يبعث لم يكونوا كلهم كفارا. بل كان الإيمان أغلب عليهم. يبين هذا أنه ~~إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة فإنه يعمهم ~~فيقول: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} . وأنه ~~لا يقول: كان الكفار من أهل الكتاب متفقين على الحق حتى جاءتهم البينة. ~~وأيضا فاستعمال لفظ " الانفكاك " في هذا غير معروف لا يعرف في اللغة له ~~شاهد. فتسمية الافتراق والاختلاف ms5154 " انفكاكا " غير معروف. وأيضا فهو لم يذكر ~~ل {منفكين} خبرا كما يقال: ما انفكوا يذكرون محمدا وما زالوا يؤمنون به ~~ونحو ذلك. وهذه التي هي من أخوات " كان " لا يقال فيها " ما كنت منفكا " بل ~~يقال " ما انفككت أفعل كذا " فهو يلي حرف " ما ". وأيضا فليس في اللفظ ما ~~يدل على أن الانفكاك عن أمر محمد خاصة. وأيضا فهذا المعنى مذكور في قوله: ~~{وما تفرق الذين أوتوا # PageV16P488 # الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} . فلو أريد بهذه لكان تكريرا محضا. ~~والقول الأول: أشهر عند المفسرين. ومنهم من يذكر غيره كالبغوي وغيره فإنه ~~معروف عن مجاهد والربيع بن أنس كما في التفسير المعروف عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد: {منفكين} قال: منافقين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق وقال ~~الربيع بن أنس: لم يزالوا مقيمين على الشك والريبة حتى جاءتهم البينة ~~والرسل. وهذا القول يتضمن مدحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة ولهذا احتاج ~~من قاله إلى أن يقول: هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة الله ~~عليهم. وجعلوا قوله: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} فيمن لم يؤمن منهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا أيضا ضعيف. فإن أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا ~~قبل إرسال محمد إليهم كما أخبر الله بذلك في غير موضع فقال تعالى: {ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين} {وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من # PageV16P489 # بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون} . وقال: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون} . وقال تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه} ثم قال {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ms5155 . فأخبر أن الله هدى المؤمنين لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه. فكان الاختلاف قبل وجود أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} . وقال تعالى {ولقد بوأنا بني ~~إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك ~~يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ثم قال تعالى: {فإن كنت في ~~شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين} . وقال تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك فزين لهم # PageV16P490 # الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} {وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} فقد أخبر ~~تعالى أنه أرسل إلى أمم من قبل محمد وأن الشيطان زين لهم أعمالهم وهو حين ~~يبعث محمد وليهم وأنه أنزل إليهم الكتاب ليبين لهم الذي اختلفوا فيه. وقال ~~تعالى: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} ~~{وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} وقال لأمة محمد: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} . فهذا بين أنهم ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات قبل محمد وقد نهى الله أمته أن ~~يكونوا مثلهم. وقد قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ~~وقال عن اليهود: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} وقال: ~~{وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} . وقد جاءت الأحاديث ~~في السنن والمسند من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تفرقت ~~اليهود على إحدى وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة} . ~~وإن كان بعض الناس كابن حزم يضعف هذه الأحاديث فأكثر أهل العلم قبلوها ~~وصدقوها. # PageV16P491 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ms5156 أنه قال: {ذروني ما تركتكم ~~فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . وفي الصحيحين ~~عنه أنه قال: {نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من ~~قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له. ~~الناس لنا فيه تبع غدا لليهود وبعد غد للنصارى} . وهذا معلوم بالتواتر أن ~~أهل الكتاب اختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. بل اليهود ~~افترقوا قبل مجيء المسيح ثم لما جاء المسيح اختلفوا فيه. ثم اختلف النصارى ~~اختلافا آخر. فكيف يقال إن قوله {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة} هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم؟ . وأيضا فالذين كفروا بمحمد ~~كفار وهم المذكورون في قوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة} . # PageV16P492 # البينة} . وهم تفرقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد وكفر من ~~كفر منهم قبل إرسال محمد. وكان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنا بالأنبياء كما ~~قال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} {وقطعناهم في الأرض ~~أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} وقال تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب ~~أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} {يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من ~~الصالحين} وقال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم ~~من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما ~~يعملون} . وفي صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا ~~من أهل الكتاب. وإن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم. فقلت: أي رب إذا ~~يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة. فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا ~~لا يغسله الماء تقرأه نائما ms5157 ويقظانا. فابعث جندا نبعث مثليهم وقاتل بمن ~~أطاعك من عصاك} والحديث أطول من هذا. # PageV16P493 # والمقصود هنا الكلام على الآية فنقول: القول الثالث وهو أصح الأقوال لفظا ~~ومعنى. أما من جهة اللفظ ودلالته وبيانه فإن هذا اللفظ هو مستعمل فيما يلزم ~~به الإنسان يعني اختياره ويقهر عليه إذا تخلص منه. يقال: انفك منه كالأسير ~~والرقيق المقهور بالرق والأسر. يقال: فككت الأسير فانفك وفككت الرقبة. قال ~~تعالى {وما أدراك ما العقبة} {فك رقبة} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: {عودوا المريض وأطعموا الجائع: وفكوا ~~العاني} . وفي الصحيح أيضا أن عليا لما سئل عما في الصحيفة فقال: فيها ~~العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. ففكه: فصله عمن يقهره ويستولي ~~عليه بغير اختياره والتفريق بينهما. ويقال: فلان ما يفك فلانا حتى يوقعه في ~~كذا وكذا والمتولي لا يفك هذا حتى يفعل كذا يقال لمن لزم غيره واستولى عليه ~~إما بقدرة وقهر وإما بتحسين وتزيين وأسباب حتى يصير بها مطيعا له. # PageV16P494 # ويقال للمستولى عليه: هو ما ينفك من هذا كما لا ينفك الأسير والرقيق من ~~المستولى عليه. فقوله {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} ~~أي لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم كما أن ~~المنفك لا حجر عليه. وهو لم يقل " مفكوكين " بل قال {منفكين} . وهذا أحسن ~~فإنه نفي لفعلهم. ولو قال " مفكوكين " كان التقدير: لم يكونوا مسيبين مخلين ~~فهو نفي لفعل غيرهم. والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ~~ولا ترسل إليهم رسل بل يفعلون ما شاءوا مما تهواه الأنفس. والمعنى أن الله ~~ما يخليهم ولا يتركهم. فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولا. وهذا كقوله ~~{أيحسب الإنسان أن يترك سدى} لا يؤمر ولا ينهى. أي أيظن أن هذا يكون؟ هذا ~~ما لا يكون ألبتة؛ بل لا بد أن يؤمر وينهى. وقريب من ذلك قوله تعالى {إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} {وإنه في أم الكتاب لدينا ms5158 لعلي حكيم} ~~{أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} . وهذا استفهام إنكار أي ~~لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ونعرض عن إرسال الرسل. ومن كره إرسالهم؟ # PageV16P495 # فإن الأول تكذيب بوجودهم والثاني يتضمن بغضهم وكراهة ما جاءوا به. قال ~~تعالى {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} وقال عن مؤمن آل فرعون ~~{ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} وأما من ~~كذب بهم بعد الإرسال فكفره ظاهر. ولكن من ظن أن الله لا يرسل إليه رسولا ~~وأنه يترك سدى مهملا لا يؤمر ولا ينهى فهذا أيضا مما ذمه الله إذا كان لا ~~بد من إرسال الرسل وإنزال الكتب كما أنه أيضا لا بد من الجزاء على الأعمال ~~بالثواب والعقاب وقيام القيامة. ولهذا ينكر سبحانه على من ظن أن ذلك لا ~~يكون فقال تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار} {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} وقال تعالى: {وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} {إن ربك ~~هو الخلاق العليم} وقال {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون} # PageV16P496 # وقال عن أولي الألباب: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار} ونحوه في القرآن مما يبين أن الأمر والنهي والثواب والعقاب والمعاد ~~مما لا بد منه. وينكر على من ظن أو حسب أن ذلك لا يكون. وهو يقتضي وجوب ~~وقوع ذلك وأنه يمتنع أن لا يقع. وهذا متفق عليه بين أهل الملل المصدقين ~~للرسل من المسلمين وغيرهم من جهة تصديق الخبر فإن الله أخبر بذلك وخبره ms5159 ~~صدق. فلا بد من وقوع مخبره وهو واجب بحكم وعده وخبره. فإنه إذا علم أن ذلك ~~سيكون وأخبر أنه سيكون فلا بد أن يكون. فيمتنع أن يكون شيء على خلاف ما ~~علمه وأخبر به وكتبه وقدره. وأيضا فإنه قد شاء ذلك وما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن ولا بد أن يقع كل ما شاءه. لكن هل يقال: إن المشيئة موجبة فيه نزاع. ~~وكذلك يقال: إن ذلك وجب لإيجابه له على نفسه أو لاقتضاء حكمته ذلك فيه أيضا ~~نزاع. وما أقسم ليفعلنه فلا بد أن يقع. والقسم متضمن معنى الخبر # PageV16P497 # ومعنى الحض والطلب. لكن في ثبوت الثاني في حق الله نزاع بين الناس كقوله: ~~{لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقوله {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} والذين قالوا إن حكمته أو حكمه أو ~~مشيئته توجب ذلك يقولون: إن ذلك قد يعرف بالعقل. فيقولون: أنه قد يعرف ~~بالعقل أنه لا بد من إرسال الرسل. وأن ذلك واجب في حكمه وحكمته. وهذا قول ~~كثير من الطوائف أو أكثرهم. ومنهم من يقول: لا يعلم شيء من ذلك إلا بالخبر ~~وهذا قول الجهمية والأشعرية. وذاك قول المعتزلة والكرامية والحنفية أو ~~أكثرهم. وأما أصحاب مالك والشافعي وأحمد فمنهم من يقول بهذا ولكن جمهور ~~الفقهاء مع السلف يثبتون الحكمة والتعليل. وإنما ينفي ذلك منهم من وافق ~~الجهمية المجبرة. كالأشعري ومن وافقه. وكذلك جمهورهم يثبتون للأفعال صفات ~~بها كانت حسنة أو سيئة قبيحة. لا يجعلون حسنها وقبحها ترجيحا لأحد الأمرين ~~بلا مرجح بل لمحض المشيئة كما تقوله الجهمية ومن وافقهم. # PageV16P498 # هذا قول الأئمة والجمهور كما أن الأئمة والجمهور على إثبات القدر ~~والإيمان به وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. لا ~~يقولون بقول من أنكر القدر من المعتزلة ونحوهم ولا بقول من أنكر حكمة الرب ~~من الجهمية المجبرة ونحوهم. فلا يقولون بقول القدرية النفاة للقدر ولا بقول ~~القدرية المجبرة الذين يستلزم ms5160 قولهم إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~والجزاء بالثواب والعقاب لا سيما من أفصح منهم بذلك أو قال: إن من شهد ~~القدر سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد. فآمنوا بما جاءت به الرسل في ~~الجملة وأوجبوا ما أوجبه الله وحرموا ما حرمه الله وآمنوا بالجنة والنار ~~واجتهدوا في متابعة الرسل. لكن أخطئوا حيث نفوا القدر وظنوا أن إثباته ~~يناقض الأمر والنهي والوعد والوعيد وأنه لا يتم إيمانهم بأن الله عادل صادق ~~حتى يكذبوا بالقدر وبإخراج أهل الكبائر من النار ظنا منهم أن الله أخبر بأن ~~كل من كان له ذنب يستحق به العذاب لا يخرجه من النار ولا يرحمه أبدا. فلم ~~يجوزوا أن يعذب بذنبه ثم يرحم بل عندهم من كان له ذنب يستحق به العذاب لم ~~يرحم أبدا. وهم وإن كانوا لم يتعمدوا تكذيب الرسل فقولهم هذا يتضمن # PageV16P499 # مخالفة الأخبار المتواترة عند أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في خروج أهل الذنوب من النار وشفاعة الشفعاء فيهم. ويتضمن أنهم آيسوا ~~الخلق من رحمة الله مع تكذيبهم بعموم خلق الله ومشيئته وقدرته حيث زعموا أن ~~من الحوادث ما لا يقدر عليه ولا يشاؤه ولا يخلقه. وتشبهوا بالمجوس من هذا ~~الوجه حتى قيل: القدرية مجوس هذه الأمة. وقابلهم أولئك فتوقفوا في خبر الله ~~مطلقا حتى أنكروا صنفي العموم فلم يعلموا بخبره ما أخبر به من الوعد ~~والوعيد. فلا يجزمون بالنجاة للصنف الذين يعلم الله أنهم آمنوا وعملوا ~~الصالحات وكانوا من أعظم الناس طاعة لله إذا كان لأحدهم سيئة واحدة صغيرة. ~~ولا بالعذاب للصنف الذين يعلم الله أنهم أفجر أهل القبلة وشرها؛ بل يجوزون ~~مع علم الله بهذا وبهذا أن يعذب أهل الحسنات الكبيرة على سيئة صغيرة عذابا ~~ما يعذبه أحدا من أهل القبلة وأن يدخل فجار أهل القبلة الجنة مع السابقين ~~الأولين. وبسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء له مقام آخر. # PageV16P500 # والمقصود هنا أن هذه السورة دلت على ما تدل عليه مواضع أخر من القرآن من ~~أن الله يرسل الرسل ms5161 إلى الناس تأمرهم وتنهاهم يرسلهم مبشرين ومنذرين كما ~~قال تعالى {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} ينذرون الذين أساءوا ~~عقوبات أعمالهم ويبشرون الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالنعيم المقيم و {أن ~~لهم أجرا حسنا} {ماكثين فيه أبدا} فقوله {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} بيان منه أن الكفار لم يكن الله ~~ليدعهم ويتركهم على ما هم عليه من الكفر. بل لا يفكهم حتى يرسل إليهم ~~الرسول بشيرا ونذيرا {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى} ومما يبين ذلك أن " حتى " حرف غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها ~~كما في قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} وقوله ~~{حتى يطهرن} وقوله: {حتى تنكح زوجا غيره} ونظائر ذلك. فلو أريد أنهم لم ~~يكونوا منتهين ويؤمنون حتى يتبين لهم الحق لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء ~~البينة قد انتهوا وآمنوا. فإن اللفظ عام فيهم. # PageV16P501 # وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متفقين على تصديق الرسول حتى بعث لزم أن ~~يكونوا كلهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم وأنهم كلهم بعد إرساله تفرقوا ~~واختلفوا. وكلاهما باطل. فكثير منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ولم ~~يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعثه ومن أمور أخر. ولما بعث فقد آمن به خلق ~~كثير منهم ولم يتفرقوا كلهم عن الإيمان به. وحينئذ فالآية لم تتضمن مدحهم ~~مطلقا كما ظن من ظن أن معناها أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبين لهم ~~الحق. ولا تتضمن ذمهم مطلقا كما ظن من ظن أنهم لما جاءهم الرسول تفرقوا ~~واختلفوا بعد ما كانوا متفقين على التصديق؛ بل تضمنت مدح من آمن منهم ~~بالرسول. وذم من لم يؤمن والإخبار أنه لا بد من إرسال الرسول إليهم فيؤمن ~~به بعضهم ويكفر بعض. قال تعالى {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم ~~الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ~~ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ms5162 بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد} . # PageV16P502 # ثم إن الذين آمنوا بالرسل لا بد أن يمتحنهم ليميز به بين الصادق والكاذب ~~كما قال تعالى {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} {ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ثم قال: ~~{أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} . فالناس إذا أرسل ~~إليهم أحد رجلين. إما رجل آمن بهم في الظاهر فلا بد أن يمتحن حتى يتبين ~~الصادق من الكاذب. وإما رجل عمل السيئات ولم يؤمن فلا يفوت الله بل هو آخذه ~~سبحانه وتعالى. ولهذا انقسم الناس في الرسل إلى ثلاثة أقسام مؤمن باطن ~~وظاهر وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإيمان مبطن للكفر. ومن حين هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حصل هذا الانقسام وأنزل الله تعالى ~~في أول البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة ~~آية في صفة المنافقين. وأما حين كان بمكة وكان المؤمنون مستضعفين فلم يكن ~~أحد يحتاج # PageV16P503 # إلى النفاق بل كان من المؤمنين من يكتم إيمانه من كثير من الناس. ومنهم ~~من يتكلم بالكفر مكرها مع طمأنينة قلبه بالإيمان. وهذا مؤمن باطنا وظاهرا. ~~فإنه وإن أظهر الكفر لبعض الناس لما أكره عليه أو كتم عنه إيمانه فهو يتكلم ~~بالإيمان في خلوته ومع من يأمنه ويعمل بما يمكنه وما عجز عنه فقد سقط عنه. ~~ولهذا قال العلماء منهم أحمد بن حنبل: لم يكن يمكنهم نفاق إنما كان النفاق ~~بالمدينة. ولكن كان بمكة من في قلبه مرض كما قال في السورة المكية {ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا} . وهو سبحانه قد ذكر أن المظهرين للإيمان ما كان ~~ليدعهم حتى يميز الخبيث من الطيب ويمتحنهم كما قال تعالى {ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم ms5163 عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} وقال {أم حسبتم أن ~~تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} وقال تعالى {أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ~~حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} ~~وأمثال ذلك. # PageV16P504 # فكذلك الذين كفروا لم يكن ليتركهم حتى يبعث إليهم الرسول بالآيات ~~البينات. فهذا معنى قوله {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة} . وهم إذا جاءتهم البينة منهم من يؤمن ومنهم من ~~يكفر. وإذا قيل: إن الآية تتضمن بعد ذلك المعنى الآخر وهو أنهم لم يكونوا ~~ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البينة إذ لا طريق لهم إلى معرفة ~~الحق إلا برسول يأتي من الله أيضا؛ أولم يكونوا منتهين متعظين وإن عرفوا ~~الحق حتى يأتيهم من الله من يذكرهم؛ فهذا المعنى لا يناقض ذاك. بخلاف قول ~~من قال: لم يكن المشركون وأهل الكتاب تاركين لمعرفة محمد ولذكره ولم يكونوا ~~متفرقين فيه بل متفقين على الإيمان به حتى جاءتهم البينة فتركوا الإيمان به ~~وتفرقوا. فإن هذا غير مراد قطعا. ومما يبين ذلك قوله {حتى تأتيهم البينة} ~~ولم يقل " حتى أتتهم " وأولئك لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع ~~موضع الماضي وأن المراد: ما انفكوا عما كانوا عليه إما من كفر وإما من ~~إيمان حتى أتتهم البينة. فلما قيل {حتى تأتيهم البينة} أشكل عليهم. وقال # PageV16P505 # بعضهم: لما تأتهم كلها. وأما على المعنى الصحيح فالموضع موضع المضارع ~~كقوله تعالى {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب} . فإن المراد: ما كانوا مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة. وهو ~~سبحانه قال {لم يكن الذين كفروا} . و " لم " وإن كانت تقلب المضارع ماضيا ~~فذاك إذا تجرد فقيل " لم يأت " و " لم يذهب " فمعناه " ما أتى " و " ما ذهب ~~". وأما إذا ms5164 قيل " لم يكن يفعل هذا " و {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا} فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقا. وإذا قيل " لم يكن فلان آتيا حتى ~~يذهب إليه فلان " بخلاف ما إذا قلت " لم يكن فلان قد أتى حتى ذهب إليه فلان ~~". ولو قيل " ما كان فلان فاعلا لهذا حتى يكون كذا " كان نحو ذاك بخلاف ما ~~إذا قيل " ما كان فلان قد فعل حتى أتى فلان ". فنفى المضارع الذي خبره اسم ~~فاعل وهو الدائم. والمراد: لم يكونوا في الحال والاستقبال متروكين حتى ~~تأتيهم البينة. ولو قيل هنا " حتى أتتهم البينة " لم يكن موضعه. # PageV16P506 # وكذلك لو أراد الانتهاء عن الكفر والإيمان لقيل " حتى تأتيهم البينة " أي ~~لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم نبي يعرفهم أو لم يكونوا متعظين عاملين ~~حتى يأتي من يعظهم ويذكرهم. فليس هذا موضع الماضي بخلاف ما لو قيل: " ما ~~زالوا كافرين حتى أتاهم ". فالآية تتضمن الإخبار عن وجوب إثبات البينة ~~وامتناع الانفكاك بدونها. لم يقصد بها مجرد الخبر عن عدم الانفكاك ثم ثبوته ~~في الماضي. وهو كما لو قيل " لم يكونوا ينفكوا حتى تأتيهم البينة " لكن هنا ~~ذكر اسم الفاعلين فقيل " منفكين ". وهو سبحانه لما ذكر أنه لا بد من إرسال ~~الرسل إلى الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب لتقوم عليهم الحجة بذلك ذكر ~~بعد هذا أن أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسل ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وقامت عليهم الحجة. فبينات الله وحجته قامت على هؤلاء وهؤلاء. وهو ~~لم يعذب واحدا من الحزبين إلا بعد أن جاءتهم البينة وقامت عليهم الحجة كما ~~في قصة موسى ومن أرسل إليه. فإن الله لم يدع فرعون وقومه حتى أرسل إليهم ~~موسى ولم يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة. ثم لما آمن بنو إسرائيل بالكتب ~~والرسل لم يتفرقوا ويختلفوا إلا من # PageV16P507 # بعد ما جاءتهم البينة. فلم يكونوا معذورين في ذلك. ولهذا نهيت أمة محمد ~~عن التشبه بهم فقيل {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} ms5165 . والناس الذين بعث إليهم محمد هم كذلك. فمن كان كافرا لم يكن ~~منفكا حتى تأتيه البينة ومن آمن بمحمد من الأمم ثم تفرقوا واختلفوا فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة. وما أمر الجميع {إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . ~~والآية تضمنت مدح الرب وذكر حكمته وعدله وحجته في أنه لا يدعهم حتى يرسل ~~إليهم رسولا كما قال لأهل الكتاب {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} الآية. ~~لم تتضمن مدحهم على بقائهم على الكفر حتى يأتي الرسول. فإن هذا غايته أن لا ~~يعاقبوا عليه حتى يأتي الرسول لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول. فإن هذا ~~لا يقوله عاقل ولم يقله أحد لا سيما وأهل الكتاب قد قامت عليهم الحجة ~~بأنبياء قبله. # PageV16P508 # ونظير هذا في اللفظ قوله {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس} . ليس المراد: ما كنتم بالغيه في الماضي بل هذه حالهم دائما. ~~فقوله " لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم " يقتضي أن هذه حالهم دائما. ~~وتضمنت السورة ذكر أصناف الخلق وما أمر الله به جميع العباد وأن ذلك أمر لا ~~بد منه لا بد من إرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان السعداء أهل الجنة ~~والأشقياء أهل النار. فقوله {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة} {رسول من الله يتلو صحفا مطهرة} جملة فيه بيان ~~إرسال الرسول إلى الجميع. وقوله {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة} فيه إقامة الحجة على أهل الشرائع وذم تفرقهم واختلافهم ~~وأن ذلك بعد أن جاءتهم البينة. وهاتان الجملتان نظيرهما قوله {كان الناس ~~أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه} ثم قال {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد # PageV16P509 # ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ms5166 آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه} . ومثل ذلك قوله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه ~~من ينيب} ثم قال {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم لفي شك منه مريب} وقوله {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب} في سورة " هود " وسورة ~~" عسق ". ثم ذكر ما أمر به الجميع بقوله {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . ثم ~~ذكر عاقبة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين وعاقبة الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. # PageV16P510 # فصل: # وقوله {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} . قال ~~طائفة من المفسرين: هو تفرقهم في محمد بعد أن كانوا مجتمعين على الإيمان ~~به. ثم من هؤلاء من جعل تفرقهم إيمان بعضهم وكفر بعض. قال البغوي: ثم ذكر ~~من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة} أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل. قال المفسرون: لم يزل أهل ~~الكتاب مجتمعين في تصديق محمد حتى بعثه الله. فلما بعث تفرقوا في أمره ~~واختلفوا. فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم. # وهكذا ذكر طائفة في قوله {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من ~~الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} قال أبو الفرج قال ابن عباس: ما ~~اختلفوا في أمر محمد لم يزالوا به مصدقين حتى جاءهم العلم يعني القرآن. ~~وروي عنه: حتى جاءهم العلم يعني محمدا. فعلى هذا يكون العلم هنا عبارة عن ~~المعلوم. وبيان هذا أنه لما جاءهم # PageV16P511 # اختلفوا في تصديقه فكفر به أكثرهم بغيا ms5167 وحسدا بعد أن كانوا مجتمعين على ~~تصديقه بغيا وحسدا. ومنهم من جعل المتفرقين كلهم كفارا. قال ابن عطية: ثم ~~ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم ~~يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد أن رأوا الآيات الواضحة وكانوا من قبل ~~متفقين على نبوته وصفته. فلما جاء من العرب حسدوه. وكذلك قال الثعلبي: ما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب في أمر محمد فكذبوه إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~البيان في كتبهم أنه نبي مرسل قال العلماء: من أول هذه السورة إلى قوله ~~{فيها كتب قيمة} حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين {وما تفرق} حكمه ~~فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليه. وكذلك قال أبو الفرج. ~~قال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} يعني من لم يؤمن. {إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة} وفيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه محمد والمعنى لم يزالوا ~~مجتمعين على الإيمان به حتى بعث قاله الأكثرون؛ # PageV16P512 # والثاني: القرآن قاله أبو العالية. والثالث: ما في كتبهم من بيان نبوته ~~ذكره الماوردي. (قلت: هذا هو الذي قطع به أكثر المفسرين ولم يذكر الثعلبي ~~والبغوي وغيرهما سواه. وأبو العالية إنما قال: الكتاب لم يقل: القرآن. هكذا ~~رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن الربيع بن أنس: {إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة} قال: قال أبو العالية: الكتاب. ومراد أبي العالية جنس ~~الكتاب. فيتناول الكتاب الأول كما قال {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} ~~في موضعين من القرآن وقال تعالى {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ثم قال {وما اختلف ~~فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} . وهذا التفسير معروف عن أبي العالية ~~ورواه عن أبي بن كعب. ورواه ابن أبي حاتم وغيره عن الربيع عن أبي العالية ~~عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها {كان الناس أمة ms5168 واحدة فبعث الله # PageV16P513 # النبيين مبشرين ومنذرين} . وأن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب عند ~~الاختلاف {وأنزل معهم الكتاب بالحق} قال أنزل الكتاب عند الاختلاف. {وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه} يعني بني إسرائيل. أوتوا الكتاب والعلم {من بعد ~~ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} يقول بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها ~~وزينتها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض وضرب ~~بعضهم رقاب بعض {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} ~~يقول: فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل ~~الاختلاف أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة. وأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا ~~الاختلاف. فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة كانوا شهداء على قوم نوح ~~وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون أن رسلهم قد بلغتهم وأنهم كذبوا ~~رسلهم. # قلت: الاختلاف في كتاب الله نوعان. أحدهما يذم فيه المختلفين كلهم كقوله ~~{وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وقوله {ولا يزالون مختلفين} ~~{إلا من رحم ربك} والثاني يمدح المؤمنين ويذم الكافرين كقوله {ولو شاء الله ~~ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر ولو شاء # PageV16P514 # الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقوله {هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} إلى قوله: {إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} وقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد} . وإذا كان كذلك فالذي ذمه من تفرق أهل الكتاب واختلافهم ~~ذم فيه الجميع ونهى عن التشبه بهم فقال {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جاءهم البينات} وقال: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم} . وذلك بأن تؤمن طائفة ببعض حق وتكفر بما عند ms5169 ~~الأخرى من الحق وتزيد في الحق باطلا كما اختلف اليهود والنصارى في المسيح ~~وغير ذلك. وحينئذ نقول: من قال إن أهل الكتاب ما تفرقوا في محمد إلا من بعد ~~ما بعث إرادة إيمان بعضهم وكفر بعضهم كما قاله طائفة فالمذموم هنا من كفر ~~لا من آمن. فلا يذم كل المختلفين ولكن يذم من كان يعرف أنه رسول فلما جاء ~~كفر به حسدا أو بغيا كما قال تعالى {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل # PageV16P515 # يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} . وإن أريد بالتفرق فيه أنهم كلهم كفروا به وتفرقت أقوالهم فيه ~~فليس الأمر كذلك. وقد بين القرآن في غير موضع أنهم تفرقوا واختلفوا قبل ~~إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. فاختلاف هؤلاء وتفرقهم في محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو من جملة ما تفرقوا واختلفوا فيه. والله أعلم. # PageV16P516 ### | سورة التكاثر # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # " سورة التكاثر " قيل فيها: {حتى زرتم المقابر} تنبيها على أن الزائر لا ~~بد أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث. ثم قال: {كلا سوف تعلمون} {ثم ~~كلا سوف تعلمون} فهذا خبر عن علمهم في المستقبل ولهذا روي عن علي أنه في ~~عذاب القبر ثم قال. {كلا لو تعلمون علم اليقين} فهذا إشارة إلى علمهم في ~~الحال والخبر محذوف: أي لكان الأمر فوق الوصف ولعلمتم أمرا عظيما ولألهاكم ~~عما ألهاكم فإن الالتهاء بالتكاثر إنما وقع من الغفلة وعدم اليقين. كما ~~قال: {كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} ومثل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا} وحذف جواب لو كثير في ~~القرآن تعظيما له وتفخيما فإنه أعظم # PageV16P517 # من أن يوصف أو يتصور بسماع لفظ إذ المخبر ليس كالمعاين ولهذا أتبع ذلك ~~بالقسم على الرؤية التي هي عين اليقين التي هي فوق الخبر الذي هو علم ~~اليقين فقال: {لترون الجحيم} {ثم لترونها عين اليقين} وهذا الكلام جواب ms5170 قسم ~~محذوف مستقبل مع كون جواب لو محذوفا كما تقدم في أحد القولين. وفي الآخر هو ~~متعلق بلو لكن يقال جواب لو إنما يكون ماضيا فيقال: لرأيتم الجحيم. كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لو تكونون على الحال التي تكونون عندي لصافحتكم ~~الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم} ولو كان ماضيا فليس مما يؤكد بل يقال: لو ~~يجيء لأجيء. وجواب هذا أنه جواب قسم محذوف سد مسد جواب لو. كقوله: {وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون} وله نظائر في القرآن وكلام العرب فإن الكلام إذا ~~اشتمل على قسم وشرط وكل منهما يقتضي جوابه أجيب الأول منهما وهو هنا القسم ~~وهو المقصود. وعلى هذا القول يكون المعنى: والله لو تعلمون علم اليقين ~~لترون الجحيم بقلوبكم والأول هو المشهور ومن المفسرين من لم يذكر سواه وهو ~~الذي أثروه عن متقدميهم ويدل على صحته وأنه الحق أن قوله: {ثم لترونها} {ثم ~~لتسألن} معطوف على ما قبله فيكون داخلا في حيزه فلو كان الأول معلقا بالشرط ~~لكان المعطوف عليه # PageV16P518 # كذلك وهو باطل؛ لأن رؤيتها عين اليقين والمسألة عن النعيم ليس معلقا بأن ~~يعلموها في الدنيا علم اليقين. وأيضا فتفسير الرؤية المطلقة برؤية القلب ~~ليس هو المعروف من كلام العرب. وأيضا فيكون الشرط هو الجواب فإن المعنى ~~حينئذ لو علمتم علم اليقين لرأيتم بقلوبكم وذلك هو العلم فالمعنى لو علمتم ~~لعلمتم وهذا لا يفيد ولو أريد بمشاهدة القلب قدر زائد على مجرد العلم فهذا ~~معلوم أن من علم الشيء أمكنه أن يجعل مشاهدا له بقلبه. وأيضا فهذا المعنى ~~لو كان مفيدا لم يكن مما يستحق القسم عليه فإنه ليس بطائل. وأيضا فقوله: ~~{لو تعلمون علم اليقين} لم يذكر المعلوم حتى يستلزم العلم به العلم بالجحيم ~~فإن أريد معلوم خاص فلا دليل في الشرط عليه حتى يصح الارتباط. وإن أريد ~~المعلوم العام وهو ما بعد الموت فذاك يستلزم العلم بالجحيم وغيرها وهذا فيه ~~نظر. فقد يسأل ويقال قوله: {سوف تعلمون} {ثم كلا سوف تعلمون} لم يذكر # PageV16P519 # فيه المعلوم بل ms5171 أطلق ومعلوم أن كل أحد سوف يعلم شيئا لم يكن علمه وجوابه: ~~أن سياق الكلام يقتضي الوعيد والتهديد حيث افتتحه بقوله: {ألهاكم التكاثر} ~~. وأيضا فمثل هذا الكلام قد صار في العرف يستعمل في الوعيد غالبا أو في ~~الوعد. وإذا كان العلم مقيدا بالسياق اللفظي وبالوضع العرفي. فقوله: {لو ~~تعلمون} هو ذاك العلم أخبر بوقوعه مستقبلا ثم علق بوقوعه حاضرا وقيد المعلق ~~به بعلم اليقين فإنهم قد يعلمون ما بعد الموت لكن ليس علما هو يقين. # PageV16P520 ### | سورة الهمزة # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل # قوله: {ويل لكل همزة لمزة} هو الطعان العياب كما قال: ( {هماز مشاء ~~بنميم} وقال: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} وقال: {الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين} والهمز: أشد؛ لأن الهمز الدفع بشدة ومنه الهمزة من الحروف وهي ~~نقرة في الحلق ومنه: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه} ~~وقال: " همزه الموتة " وهي الصرع فالهمز مثل الطعن لفظا ومعنى. واللمز ~~كالذم والعيب وإنما ذم من يكثر الهمز. [واللمز فإن الهمزة واللمزة هو الذي ~~يفعل ذلك كثيرا و (الهمزة) و (اللمزة) # PageV16P521 # الذي يفعل ذلك به. كما في نظائره مثل الضحكة والضحكة واللعبة واللعبة] ~~(*) وقوله: {الذي جمع مالا وعدده} وصفه بالطعن في الناس والعيب لهم وبجمع ~~المال وتعديده وهذا نظير قوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} {الذين ~~يبخلون} في " الحديد " ونظيرها في المعنى في " النساء " فإن الهمزة اللمزة ~~يشبه المختال الفخور والجماع المحصي نظير البخيل. وكذلك نظيرهما: قوله ~~{هماز مشاء بنميم} {مناع للخير معتد أثيم} {عتل بعد ذلك زنيم} وصفه بالكبر ~~والبخل وكذلك قوله: {وأما من بخل واستغنى} فهذه خمس مواضع وذلك ناشئ عن حب ~~الشرف والمال فإن محبة الشرف تحمل على انتقاص غيره بالهمز واللمز والفخر ~~والخيلاء ومحبة المال تحمل على البخل وضد ذلك من أعطى فلم يبخل واتقى فلم ~~يهمز ولم يلمز وأيضا فإن المعطي نفع الناس والمتقي لم يضرهم فنفع ولم ms5172 يضر ~~وأما المختال الفخور البخيل فإنه ببخله منعهم الخير وبفخره سامهم الضر ~~فضرهم ولم ينفعهم وكذلك " الهمزة الذي جمع مالا " ونظيره قارون الذي جمع ~~مالا وكان من قوم موسى فبغى عليهم. ومن تدبر القرآن وجد بعضه يفسر بعضا ~~فإنه كما قال ابن عباس في رواية الوالبي: مشتمل على الأقسام والأمثال وهو ~~تفسير: متشابها مثاني. PageV16P522 # ولهذا جاء كتاب الله جامعا. كما قال صلى الله عليه وسلم " {أعطيت جوامع ~~الكلم} " وقال تعالى: {كتابا متشابها مثاني} فالتشابه يكون في الأمثال ~~والمثاني في الأقسام فإن التثنية في مطلق التعديد. كما قد قيل في قوله: ~~{ارجع البصر كرتين} وكما في قول حذيفة " كنا نقول بين السجدتين: رب اغفر لي ~~رب اغفر لي " وكما يقال: فعلت هذا مرة بعد مرة فتثنية اللفظ يراد به ~~التعديد؛ لأن العدد ما زاد على الواحد وهو أول التثنية وكذلك ثنيت الثوب ~~أعم من أن يكون مرتين فقط أو مطلق العدد فهو جميعه متشابه يصدق بعضه بعضا ~~ليس مختلفا بل كل خبر وأمر منه يشابه الخبر لاتحاد مقصود الأمرين ولاتحاد ~~الحقيقة التي إليها مرجع الموجودات. فلما كانت الحقائق المقصودة والموجودة ~~ترجع إلى أصل واحد وهو الله سبحانه. كان الكلام الحق فيها خبرا وأمرا ~~متشابها ليس بمنزلة المختلف المتناقض. كما يوجد في كلام أكثر البشر ~~والمصنفون الكبار منهم يقولون شيئا ثم ينقضونه وهو جميعه مثاني؛ لأنه ~~استوفيت فيه الأقسام المختلفة فإن الله يقول: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} ~~فذكر الزوجين مثاني والإخبار عن الحقائق بما هي عليه بحيث يحكم على الشيء ~~بحكم نظيره وهو حكم على المعنى الواحد المشترك خبرا أو طلبا خطاب متشابه ~~فهو متشابه مثاني. # PageV16P523 # وهذا في المعاني مثل الوجوه والنظائر في الألفاظ فإن كل شيئين من الأعيان ~~والأعراض وغير ذلك إما أن يكون أحدهما مثل الآخر أو لا يكون مثله فهي ~~الأمثال وجمعها هو التأليف وإذا جاءت بلفظ واحد كانت نظائر وإن لم يكن مثله ~~فهو خلافه سواء كان ضدا أو لم يكن وقد يقال: إما أن يجمعهما جنس ms5173 أو لا فإن ~~لم يجمعهما جنس فأحدهما بعيد عن الآخر ولا مناسبة بينهما وإن جمعهما جنس ~~فهي الأقسام وجمعها هو التصنيف ودلالة اللفظ الواحد على المعاني المختلفة ~~تسمى الوجوه. والكلام الجامع هو الذي يستوفي الأقسام المختلفة والنظائر ~~المتماثلة جمعا بين المتماثلين وفرقا بين المختلفين. بحيث يبقى محيطا وإلا ~~فذكر أحد القسمين أو المثلين لا يفيد التمام ولا يكون الكلم محيطا ولا ~~الكلم جوامع وهو فعل غالب الناس في كلامهم. والحقائق في نفسها: منها ~~المختلف ومنها المؤتلف والمختلفان بينهما اتفاق من وجه وافتراق من وجه فإذا ~~أحاط الكلام بالأقسام المختلفة والأمثال المؤتلفة كان جامعا وباعتبار هذه ~~المعاني كانت ضروب القياس العقلي المنطقي ثلاثة: الحمليات والشرطيات ~~المتصلة والشرطيات المنفصلة. فالأول للحقائق المتماثلة الداخلة في القضية ~~الجامعة. والثاني للمختلفات التي ليست متضادة بل تتلازم تارة ولا تتلازم ~~أخرى. # PageV16P524 # والثالث للحقائق المتضادة المتنافية إما وجودا أو عدما وهي النقيضان وإما ~~وجودا فقط وهو أعم من النقيضين وإما عدما فقط وهو أخص من النقيضين. ~~فالحمليات للمثلين والأمثال والشرطيات المنفصلة للمتضادين والمتضادات ويسمى ~~التقسيم والسبر والترديد والبياني والمتصلة للخلافين غير المتضادين ويسمى ~~التلازم. # PageV16P525 ### | سورة الكوثر # وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ~~- رحمه الله -: # " سورة الكوثر " ما أجلها من سورة وأغزر فوائدها على اختصارها وحقيقة ~~معناها تعلم من آخرها فإنه سبحانه وتعالى بتر شانئ رسوله من كل خير فيبتر ~~ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود ~~فيها صالحا لمعاده ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته ومحبته ~~والإيمان برسله ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة ويبتره من الأنصار فلا ~~يجد له ناصرا ولا عونا. ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق ~~لها طعما ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها. وهذا جزاء ~~من شنأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورده لأجل هواه أو متبوعه ~~أو شيخه أو أميره أو كبيره. كمن شنأ آيات ms5174 الصفات وأحاديث الصفات وتأولها ~~على غير مراد الله # PageV16P526 # ورسوله منها أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته أو تمنى أن لا ~~تكون آيات الصفات أنزلت ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ومن أقوى علامات شناءته لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها ~~أهل السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك وحاد ونفر عن ذلك لما في ~~قلبه من البغض لها والنفرة عنها فأي شانئ للرسول أعظم من هذا وكذلك أهل ~~السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والقصائد والدفوف والشبابات إذا سمعوا ~~القرآن يتلى ويقرأ في مجالسهم استطالوا ذلك واستثقلوه فأي شنآن أعظم من هذا ~~وقس على هذا سائر الطوائف في هذا الباب. وكذا من آثر كلام الناس وعلومهم ~~على القرآن والسنة فلولا أنه شانئ لما جاء به الرسول ما فعل ذلك حتى إن ~~بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه ويشتغل بقول فلان وفلان ولكن أعظم من شنأه ~~ورده: من كفر به وجحده وجعله أساطير الأولين وسحرا يؤثر فهذا أعظم وأطم ~~انبتارا وكل من شنأه له نصيب من الانبتار على قدر شناءته له فهؤلاء لما ~~شنئوه وعادوه جازاهم الله بأن جعل الخير كله معاديا لهم فبترهم منه وخص ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بضد ذلك وهو أنه أعطاه الكوثر وهو من الخير الكثير ~~الذي آتاه الله في الدنيا # PageV16P527 # والآخرة فمما أعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد وقرة العين والنفس ~~وشرح الصدر ونعم قلبه بذكره وحبه بحيث لا يشبه نعيمه نعيم في الدنيا ألبتة ~~وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود وجعله أول من يفتح له ولأمته باب ~~الجنة وأعطاه في الآخرة لواء الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة إلى غير ~~ذلك وجعل المؤمنين كلهم أولاده وهو أب لهم وهذا ضد حال الأبتر الذي يشنؤه ~~ويشنأ ما جاء به. وقوله {إن شانئك} أي مبغضك والأبتر المقطوع النسل الذي لا ~~يولد له خير ولا عمل صالح فلا يتولد عنه خير ولا عمل صالح. قيل ms5175 لأبي بكر بن ~~عياش: إن بالمسجد قوما يجلسون ويجلس إليهم فقال: من جلس للناس جلس الناس ~~إليه. ولكن أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ ~~لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من ~~قوله: {ورفعنا لك ذكرك} وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فكان لهم نصيب من قوله: {إن شانئك هو الأبتر} فالحذر الحذر أيها الرجل ~~من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو ترده لأجل هواك ~~أو انتصارا لمذهبك أو # PageV16P528 # لشيخك أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا فإن الله لم يوجب على أحد ~~طاعة أحد إلا طاعة رسوله والأخذ بما جاء به بحيث لو خالف العبد جميع الخلق ~~واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع ~~تبعا للرسول وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع. فاعلم ذلك واسمع ~~وأطع واتبع ولا تبتدع. تكن أبتر مردودا عليك عملك بل لا خير في عمل أبتر من ~~الاتباع ولا خير في عامله والله أعلم. # وقوله تعالى {إنا أعطيناك الكوثر} تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة عن ~~معط كبير غني واسع. وأنه تعالى وملائكته وجنده معه: صدر الآية (بإن) الدالة ~~على التأكيد وتحقيق الخبر وجاء الفعل بلفظ الماضي الدال على التحقيق وأنه ~~أمر ثابت واقع ولا يدفعه ما فيه من الإيذان بأن إعطاء الكوثر سابق في القدر ~~الأول حين قدرت مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة وحذف موصوف ~~الكوثر ليكون أبلغ في العموم؛ لما فيه من عدم التعيين وأتى بالصفة أي أنه ~~سبحانه وتعالى قال: {إنا أعطيناك الكوثر} فوصفه بالكوثر والكوثر المعروف ~~إنما هو نهر في الجنة كما قد وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة وقال ابن ~~عباس الكوثر إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه وإذا كان أقل ~~أهل # PageV16P529 # الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر مرات ms5176 فما الظن بما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما أعده الله له فيها فالكوثر علامة وأمارة على تعدد ما أعده ~~الله له من الخيرات واتصالها وزيادتها وسمو المنزلة وارتفاعها وأن ذلك ~~النهر وهو الكوثر أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء وأعذبها وأحلاها وأعلاها. ~~وذلك أنه أتى فيه بلام التعريف الدالة على كمال المسمى وتمامه. كقوله: زيد ~~العالم زيد الشجاع أي لا أعلم منه ولا أشجع منه وكذلك قوله: {إنا أعطيناك ~~الكوثر} . دل على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرا وإن نال منه بعض أمته ~~شيئا كان ذلك الذي ناله ببركة اتباعه. والاقتداء به مع أن له صلى الله عليه ~~وسلم مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المتبع له شيء ففيه الإشارة إلى أن ~~الله تعالى يعطيه في الجنة بقدر أجور أمته كلهم من غير أن ينتقص من أجورهم ~~فإنه هو السبب في هدايتهم ونجاتهم فينبغي بل يجب على العبد اتباعه ~~والاقتداء به وأن يمتثل ما أمره به ويكثر من العمل الصالح صوما وصلاة وصدقة ~~وطهارة ليكون له مثل أجره فإنه إذا فعل المحظورات فات الرسول مثل أجر ما ~~فرط فيه من الخير فإن فعل المحظور مع ترك المأمور قوي وزره وصعبت نجاته ~~لارتكابه المحظور وتركه المأمور وإن فعل المأمور وارتكب المحظور دخل فيمن ~~يشفع # PageV16P530 # فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه ناله مثل أجر ما فعله من المأمور ~~وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم وهو أعلم بحالهم: أي بأحوال عباده فإن ~~شفاعته لأهل الكبائر من أمته والمحسن إنما أحسن بتوفيق الله له والمسيء لا ~~حجة له ولا عذر. والمقصود أن الكوثر نهر في الجنة وهو من الخير الكثير الذي ~~أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وهذا غير ما يعطيه ~~الله من الأجر الذي هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة فكل من قرأ أو علم أو ~~عمل صالحا أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو ms5177 ~~توكل أو نال مقاما من المقامات القلبية من خشية وخوف ومعرفة وغير ذلك فله ~~مثل أجره من غير أن ينقص من أجر ذلك العامل. والله أعلم. وقوله: {فصل لربك ~~وانحر} أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين وهما الصلاة ~~والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين ~~وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته وأمره وفضله وخلفه عكس حال أهل الكبر ~~والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه ~~إياها والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر وتركا لإعانة الفقراء وإعطائهم ~~وسوء الظن منهم بربهم ولهذا جمع الله بينهما. في قوله تعالى {قل # PageV16P531 # إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} والنسك هي الذبيحة ابتغاء ~~وجهه. والمقصود: أن الصلاة والنسك هما أجل ما يتقرب به إلى الله فإنه أتى ~~فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك وهو الصلاة والنحر سبب للقيام ~~بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر والخير الكثير فشكر المنعم عليه وعبادته ~~أعظمها هاتان العبادتان بل الصلاة نهاية العبادات وغاية الغايات. كأنه ~~يقول: {إنا أعطيناك الكوثر} الخير الكثير وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا ~~بهاتين العبادتين شكرا لإنعامنا عليك وهما السبب لإنعامنا عليك بذلك فقم ~~لنا بهما فإن الصلاة والنحر محفوفان بإنعام قبلهما وإنعام بعدهما وأجل ~~العبادات المالية النحر وأجل العبادات البدنية الصلاة وما يجتمع للعبد في ~~الصلاة لا يجتمع له في غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية ~~وأصحاب الهمم العالية وما يجتمع له في نحره من إيثار الله وحسن الظن به ~~وقوة اليقين والوثوق بما في يد الله أمر عجيب إذا قارن ذلك الإيمان ~~والإخلاص وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان كثير الصلاة ~~لربه كثير النحر حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة وكان ينحر في ~~الأعياد وغيرها. وفي قوله: {إنا أعطيناك الكوثر} {فصل لربك وانحر} إشارة ~~إلى # PageV16P532 # أنك لا تتأسف على شيء من الدنيا كما ذكر ذلك في آخر ms5178 " طه " " والحجر " ~~وغيرهما وفيها الإشارة إلى ترك الالتفات إلى الناس وما ينالك منهم بل صل ~~لربك وانحر. وفيها التعريض بحال الأبتر الشانئ الذي صلاته ونسكه لغير الله. ~~وفي قوله: {إن شانئك هو الأبتر} أنواع من التأكيد: أحدها تصدير الجملة بإن. ~~الثاني: الإتيان بضمير الفصل الدال على قوة الإسناد والاختصاص. الثالث: ~~مجيء الخبر على أفعل التفضيل. دون اسم المفعول. الرابع: تعريفه باللام ~~الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه. وأنه أحق به من غيره ونظير هذا في ~~التأكيد قوله: {لا تخف إنك أنت الأعلى} . ومن فوائدها اللطيفة الالتفات في ~~قوله: {فصل لربك وانحر} الدالة على أن ربك مستحق لذلك وأنت جدير بأن تعبده ~~وتنحر له. والله أعلم. # PageV16P533 ### | سورة الكافرون # قال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # في سورة قل يا أيها الكافرون للناس في وجه تكرير البراءة من الجانبين طرق ~~حيث قال: {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ثم قال: {ولا أنا ~~عابد ما عبدتم} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} منها قولان مشهوران ذكرهما كثير ~~من المفسرين هل كرر الكلام للتوكيد أو لنفي الحال والاستقبال؟ . قال أبو ~~الفرج: في تكرار الكلام قولان. أحدهما أنه لتأكيد الأمر وحسم أطماعهم فيه ~~قاله الفراء. وقد أفعمنا هذا في سورة الرحمن قال ابن قتيبة: التكرير في ~~سورة الرحمن للتوكيد. قال: وهذه مذاهب العرب أن التكرير للتوكيد والإفهام ~~كما أن مذاهبهم الاختصار للتخفيف # PageV16P534 # والإيجاز. لأن افتنان المتعلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاده في ~~المقام على فن واحد. يقول القائل: والله لا أفعله ثم والله لا أفعله إذا ~~أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله كما يقول: والله أفعله؟ بإضمار " لا ~~" إذا أراد الاختصار. ويقول للمرسل. المستعجل: اعجل اعجل والرامي: ارم ارم؛ ~~قال الشاعر: # كم نعمة كانت لكم وكم وكم؟ # وقال الآخر: # هل سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا؟ # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة ~~واحدة فغيروا منها حرفا. قال ابن قتيبة: فلما عدد الله في هذه السورة ms5179 ~~إنعامه وذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين ~~لتفهيمهم النعم وتقريرهم بها كقولك للرجل: ألم أنزلك منزلا وكنت طريدا؟ ~~أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وكنت صرورا؟ أفتنكر هذا؟ . قلت قال ابن قتيبة: ~~تكرار الكلام في {قل يا أيها الكافرون} . # PageV16P535 # لتكرار الوقت. وذلك أنهم قالوا: إن سرك أن ندخل في دينك عاما فادخل في ~~ديننا عاما. فنزلت هذه السورة. قلت: هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ وإن ~~كان كلام العرب وغير العرب فإن جميع الأمم يؤكدون إما في الطلب وإما في ~~الخبر بتكرار الكلام. ومنه {قول النبي صلى الله عليه وسلم والله لأغزون ~~قريشا ثم والله لأغزون قريشا ثم والله لأغزون قريشا. ثم قال: إن شاء الله. ~~ثم لم يغزهم} ". وروي عنه {أنه في غزوة تبوك كان يقود به حذيفة ويسوق به ~~عمار فخرج بضعة عشر رجلا حتى صعدوا العقبة ركبانا متلثمين وكانوا قد أرادوا ~~الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحذيفة: قد قد ولعمار: سق سق} . ~~فهذا أكثر لكن ليس في القرآن من هذا شيء. فإن القرآن له شأن اختص به لا ~~يشبهه كلام البشر لا كلام نبي ولا غيره وإن كان نزل بلغة العرب. فلا يقدر ~~مخلوق أن يأتي بسورة ولا ببعض سورة مثله. فليس في القرآن تكرار للفظ بعينه ~~عقب الأول قط. وإنما في # PageV16P536 # سورة الرحمن خطابه بذلك بعد كل آية لم يذكر متواليا. وهذا النمط أرفع من ~~الأول. وكذلك قصص القرآن ليس فيها تكرار كما ظنه بعضهم. و {قل يا أيها ~~الكافرون} ليس فيها لفظ تكرار إلا قوله {ولا أنتم عابدون ما أعبد} وهو مع ~~الفصل بينهما بجملة. وقد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن ~~إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تك فقيرا فأغنيتك؟ ~~أفتنكر هذا؟ ألم تك عريانا فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا فعرفتك؟ ونحو ~~ذلك. وهذا أقرب من التكرار المتوالي كما في اليمين المكررة. وكذلك ما يقوله ~~بعضهم إنه قد يعطف الشيء ms5180 لمجرد تغاير اللفظ كقوله: فألفى قولها كذبا ومينا ~~فليس في القرآن من هذا شيء. ولا يذكر فيه لفظا زائدا إلا لمعنى زائد وإن ~~كان في ضمن ذلك التوكيد وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله {فبما رحمة من ~~الله لنت لهم} وقوله {عما قليل ليصبحن نادمين} وقوله {قليلا ما تذكرون} ~~فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه. فزيادة اللفظ لزيادة المعنى وقوة ~~اللفظ لقوة المعنى. والضم أقوى # PageV16P537 # من الكسر والكسر أقوى من الفتح. ولهذا يقطع على الضم لما هو أقوى مثل " ~~الكره " و " الكره ". فالكره هو الشيء المكروه كقوله {كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم} والكره المصدر كقوله {طوعا أو كرها} . والشيء الذي في نفسه مكروه ~~أقوى من نفس كراهة الكاره. وكذلك " الذبح " و " الذبح " فالذبح: المذبوح ~~كقوله {وفديناه بذبح عظيم} والذبح: الفعل. والذبح. مذبوح وهو جسد يذبح فهو ~~أكمل من نفس الفعل. قال أبو الفرج: والقول الثاني أن المعنى: {لا أعبد ما ~~تعبدون} في حالي هذه {ولا أنتم} في حالكم هذه {عابدون ما أعبد} {ولا أنا ~~عابد ما عبدتم} في ما استقبل وكذلك {أنتم} فنفى عنهم في الحال والاستقبال. ~~وهذا في قوم بأعيانهم أعلمه الله أنهم لا يؤمنون كما ذكرناه عن مقاتل. فلا ~~يكون حينئذ تكرار. قال: وهذا قول ثعلب والزجاج. قلت: قد ذكر القولين جماعة ~~لكن منهم من جعل القول الأول قول أكثر أهل المعاني. فقالوا واللفظ للبغوي: ~~معنى الآية: لا أعبد ما تعبدون في الحال ولا أنا عابد ما عبدتم في ~~الاستقبال # PageV16P538 # ولا أنتم عابدون ما أعبد في الاستقبال. وهذا خطاب لمن سبق في علم الله ~~أنهم لا يؤمنون. قال وقال أكثر أهل المعاني: نزل بلسان العرب على مجاري ~~خطابهم. ومن مذاهبهم التكرار إرادة للتوكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم ~~الاختصار للتخفيف والإيجاز. قلت: ومن المفسرين من لم يذكر غير الثاني منهم ~~المهدوي وابن عطية. قال ابن عطية: لما كان قوله: {لا أعبد} محتملا أن يراد ~~به الآن ويبقى المستأنف منتظرا ما يكون فيه من عبادته ms5181 جاء البيان بقوله ~~{ولا أنا عابد ما عبدتم} أي أبدا ما حييت. ثم جاء قوله: {ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد} الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا كالذين كشف الغيب عنهم كما ~~قيل لنوح {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} أما إن هذا فخطاب لمعينين ~~وقوم نوح قد عموا بذلك. قال: فهذا معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع ~~الفصاحة. وليس هو بتكرار فقط بل فيه ما ذكرته مع الإبلاغ والتوكيد وزيادة ~~الأمر بيانا وتبريا منهم. قلت: هذا القول أجود من الذي قبله من جهة بيانهم ~~لمعنى # PageV16P539 # زائد على التكرير. لكن فيه نقص من جهة أخرى. وهو جعلهم هذا خطابا لمعينين ~~فنقصوا معنى السورة من هذا الوجه، وهذا غلط. # فإن قوله: {قل يا أيها الكافرون} خطاب لكل كافر وكان يقرأ بها في المدينة ~~بعد موت أولئك المعينين ويأمر بها ويقول هي براءة من الشرك. فلو كانت خطابا ~~لأولئك المعينين أو لمن علم منهم أنه يموت كافرا لم يخاطب بها من لم يعلم ~~ذلك منه. وأيضا فأولئك المعينون إن صح أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم ~~أنهم يموتون على الكفر. والقول بأنه إنما خاطب بها معينين قول لم يقله من ~~يعتمد عليه. ولكن قد قال مقاتل بن سليمان: إنها نزلت في أبي جهل ~~والمستهزئين ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد. ونقل مقاتل وحده مما لا ~~يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث كنقل الكلبي. ولهذا كان المصنفون في التفسير ~~من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما شيئا كمحمد بن جرير وعبد الرحمن بن ~~أبي حاتم وأبي بكر بن المنذر فضلا عن مثل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. ~~وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقا كما رواه عبد بن حميد # PageV16P540 # عن وهب بن منبه قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم إن سرك أن ندخل ~~في دينك عاما وتدخل في ديننا عاما فنزلت {قل يا أيها الكافرون} حتى ختمها. ~~وعن ابن عباس قالت قريش: يا ms5182 محمد لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت ~~السورة. وعن قتادة قال: أمره الله أن ينادي الكفار فناداهم بقوله {يا أيها} ~~. وروى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه. قال كفار قريش فذكره. وقال عكرمة: ~~برأه الله بهذه السورة من عبدة جميع الأوثان ودين جميع الكفار وقال قتادة: ~~أمر الله نبيه أن يتبرأ من المشركين فتبرأ منهم. وروى قتادة عن زرارة بن ~~أوفى: كانت تسمى " المقشقشة ". يقال: قشقش فلان إذا برئ من مرضه فهي تبرئ. ~~صاحبها من الشرك. وبهذا نعتها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف ~~في المسند والترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن {فروة بن نوفل عن أبيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: مجيء ما جاء بك؟ قال: جئت يا رسول ~~الله لتعلمني شيئا أقوله عند منامي. قال: إذا أخذت مضجعك فاقرأ {قل يا أيها ~~الكافرون} ثم نم على # PageV16P541 # خاتمتها فإنها براءة من الشرك} ". رواه غير واحد عن أبي إسحاق وكان تارة ~~يسنده وتارة يرسله رواه عنه زهير وإسرائيل مسندا؛ ورواه عنه شعبة ولم يذكر ~~عن أبيه وقال " عن أبي إسحاق عن رجل عن فروة بن نوفل " ولم يقل " عن أبيه ~~". قال الترمذي: وحديث زهير أشبه وأصح من حديث شعبة. قال: وقد روي هذا ~~الحديث من غير هذا الوجه فرواه عبد الرحمن بن نوفل عن أبيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن نوفل هو أخو فروة بن نوفل. قلت: وقد رواه عن ~~أبي إسحاق إسماعيل بن أبي خالد قال: {جاء رجل من أشجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني كلاما أقوله عند منامي. قال: إنك لنا ~~ظئر اقرأ {قل يا أيها الكافرون} عند منامك فإنها براءة من الشرك} ". فقد ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من المسلمين أن يقرأها وأخبره أنها ~~براءة من الشرك. فلو كان الخطاب لمن يموت على الشرك كانت براءة من دين ~~أولئك فقط لم تكن براءة من الشرك الذي ms5183 يسلم صاحبه فيما بعد. ومعلوم أن ~~المقصود منها أن تكون براءة من كل شرك اعتقادي وعملي. # PageV16P542 # وقوله: {لكم دينكم ولي دين} خطاب لكل كافر وإن أسلم فيما بعد. فدينه قبل ~~الإسلام له كان والمؤمنون بريئون منه وإن غفره الله له بالتوبة منه كما قال ~~لنبيه {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} فإنه بريء من معاصي أصحابه وإن ~~تابوا منها. وهذا كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ~~مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} . وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا محمد بن ~~موسى الجرشي ثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى ثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ~~{ابن عباس أن قريشا دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا ~~فيكون أغنى رجل فيهم ويزوجوه ما أراد من النساء ويطئوا عقبه أي يسودوه ~~فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء. فإن لم ~~تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة وهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ . ~~قالوا: تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة. قال حتى أنظر ما ~~يأتيني من ربي. فجاءه الوحي من الله من اللوح المحفوظ {قل يا أيها ~~الكافرون} إلى آخرها وأنزل الله عليه {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين} {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} } . # PageV16P543 # وقوله {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} خطاب لكل من عبد غير الله ~~وإن كان قد قدر له أن يتوب فيما بعد. وكذلك كل مؤمن يخاطب بهذا من عبد غير ~~الله. وقوله في هذا الحديث " {حتى أنظر ما يأتيني من ربي} " قد يقول هذا من ~~يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع ~~من ذلك فيؤخر الجواب حتى يستأمره وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه ~~لا سبيل إليه. وقد تخطب إلى ms5184 الرجل ابنته فيقول: حتى أشاور أمها وهو يريد أن ~~لا يزوجها بذلك ويعلم أن أمها لا تشير له. وكذلك قد يقول النائب: حتى أشاور ~~السلطان. فليس في مثل هذا الجواب تردد ولا تجويز منه أن الله يبيح له ذلك ~~وقد كان جماعة من قريش من الذين يأمرونه وأصحابه أن يعبدوا غير الله ~~ويقاتلونهم ويعادونهم عداوة عظيمة على ذلك ثم تابوا وأسلموا وقرءوا هذه ~~السورة. ومن النقلة من يعين ناسا غير الذين عينهم غيره. منهم من يذكر أبا ~~جهل وطائفة ومنهم من يذكر عتبة بن ربيعة وطائفة ومنهم من # PageV16P544 # يذكر الوليد بن مغيرة وطائفة. ومنهم من يقول: طلبوا أن يعبدوا الله معه ~~عاما ويعبد آلهتهم معهم عاما. ومنهم من يقول: طلبوا أن يستلم آلهتهم. ومنهم ~~من يقول: طلبوا الاشتراك كما روى ابن أبي حاتم وغيره عن ابن إسحاق قال: ~~حدثني سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال {لقي الوليد بن المغيرة والعاص ~~بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله. ~~فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه. ~~وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك ~~منه. فأنزل الله السورة} . وهذا منقول عن عبيد بن عمير وفيه أن القائل له ~~عتبة وأمية. فهذه الروايات متطابقة على معنى واحد وهو أنهم طلبوا منه أن ~~يدخل في شيء من دينهم ويدخلوا في شيء من دينه ثم إن كانت كلها صحيحة فقد ~~طلب منه تارة هذا وتارة هذا وقوم هذا وقوم هذا. وعلى كل تقدير فالخطاب ~~للمشركين كلهم من مضى ومن يأتي إلى يوم القيامة. # PageV16P545 # وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه. وهذه ملة إبراهيم الخليل وهو ~~مبعوث بملته. قال الله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما ~~تعبدون} {إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} {وجعلها كلمة باقية في ms5185 عقبه} . وقال ~~الخليل أيضا: {يا قوم إني بريء مما تشركون} {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . وقال {قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده} . وقال لنبيه: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون} . فقد أمره الله أن يتبرأ من عمل كل من كذبه ~~وتبريه هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب. وقد ذكر المهدوي هذا القول وذكر ~~معه قولين آخرين. فقال: الألف واللام ترجع إلى معهود وإن كانت للجنس حيث ~~كانت صفة لأن لامها مخاطبة لمن سبق في علم الله أن يموت كافرا. فهي من ~~الخصوص الذي جاء بلفظ العموم. وتكرير ما كرر فيها ليس بتكرير في المعنى ولا ~~في اللفظ سوى # PageV16P546 # موضع واحد منها. فإنه تكرير في اللفظ دون المعنى. بل معنى {لا أعبد ما ~~تعبدون} في الحال {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الحال {ولا أنا عابد ما ~~عبدتم} في الاستقبال {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الاستقبال. قال: فقد ~~اختلف اللفظ والمعنى في قوله {لا أعبد} وما بعده {ولا أنا} . وتكرر {ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد} في اللفظ دون المعنى. قال: وقيل إن معنى الأول: ولا ~~أنتم عابدون ما عبدت ومعنى الثاني: ولا أنتم عابدون ما أعبد. فعدل عن لفظ " ~~عبدت " للإشعار بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل قد يقع ~~أحدهما موقع الآخر. وأكثر ما يأتي ذلك في إخبار الله تعالى. ويجوز أن تكون ~~" ما " والفعل مصدرا وقيل إن معنى الآيات وتقديرها: قل يا أيها الكافرون لا ~~أعبد الأصنام. الذي تعبدون ولا أنتم عابدون الذي أعبده لإشراككم به ~~واتخاذكم معه الأصنام. فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون لأنكم تعبدونه ~~مشركين به. فأنا لا أعبد ما عبدتم أي مثل عبادتكم. فهو في الثاني مصدر. ~~وكذلك {ولا أنتم ms5186 عابدون ما أعبد} هو في الثاني مصدر أيضا معناه ولا أنتم ~~عابدون مثل عبادتي التي هي توحيد. # PageV16P547 # قلت: القول الثالث هو في معنى الثاني لكن جعل قوله: {ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد} معنيين: أحدهما بمعنى " ما عبدت " والآخر بمعنى " ما أعبد " ليطابق ~~قوله لهم {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنا عابد ما عبدتم} . فلما تبرأ من أن ~~يعبد في الحال والاستقبال ما يعبدونه في الماضي والحال كذلك برأهم من عبادة ~~ما يعبد في الحال والاستقبال. لكن العبارة عنهم وقعت بلفظ الماضي. قال ~~هؤلاء: وإنما لم يقل في حقه: " ما عبدت " للإشعار بأن ما أعبده في الماضي ~~هو الذي أعبده في المستقبل. قلت: أصحاب هذا القول أرادوا المطابقة كما ~~تقدم. لكن إذا أريد بقوله: {ما عبدتم} ما أريد بقوله: {ما أعبد} في أحد ~~الموضعين الماضي كان التقدير على ما ذكروه: لا أنا عابد في المستقبل ما ~~عبدتم في الماضي. فيكون قد نفى عن نفسه في المستقبل عبادة ما عبدوه في ~~الماضي دون ما يعبدونه في المستقبل. وكذلك إذا قيل: {ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد} أي في الماضي فسواء أريد بما يعبدون الحال أو الاستقبال إنما نفى ~~عبادة ما عبدوه في الماضي. وهذا أنقص لمعنى الآية. وكيف يتبرأ في المستقبل ~~من عبادة ما عبدوه في الماضي فقط؟ وكذلك هم؟ # PageV16P548 # وإن قيل: في المستقبل قد يعبدون الله بالانتقال عن الكفر فهو في الحال ~~والاستقبال لا يعبد ما عبدوه قيل: فعلى هذا لا يقال لهؤلاء ولا أنتم عابدون ~~في المستقبل ما عبدت في الماضي بل قد يعبدون في المستقبل إذا انتقلوا ربه ~~الذي عبده فيما مضى. وإن قيل: قول هؤلاء هو القول الثاني لا أعبد في الحال ~~ما تعبدون في الحال ولا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل قيل: ولفظ ~~الآية {ولا أنا عابد ما عبدتم} ليس لفظها " ولا أنا عابد ما تعبدون ". ~~فقوله: {ما عبدتم} إن أريد به الماضي الذي أراده هؤلاء فسد المعنى وإن أريد ~~به المستقبل بطل ما ذكروه من ms5187 أن المضارع بمعنى الماضي في قوله: {ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد} فإن الماضي هنا بمعنى المضارع. فإذا كان المضارع مطابقا له ~~بقي مضارعا لم ينقل إلى الماضي فيكون عكس المقصود. والقول الرابع الذي ذكره ~~قول من جعل " ما " مصدرية في الجملة الثانية دون الأخرى. وهذا أيضا ليس في ~~الكلام ما يدل على الفرق بينهما. وإذا جعلت في الجمل كلها مصدرية كان أقرب ~~إلى الصواب مع أن هذا المعنى الذي تدل عليه " ما " المصدرية حاصل بقوله " ~~ما ". فإنه لم يقل " ولا أنتم عابدون من أعبد " بل قال {ما أعبد} . # PageV16P549 # ولفظ " ما " يدل على الصفة بخلاف " من ". فإنه يدل على العين كقوله: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} أي الطيب {والسماء وما بناها} أي وبانيها. ~~ونظيره قوله: {إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك} ~~ولم يقل " من تعبدون من بعدي ". وهذا نظير قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ~~سواء. فالمعنى: لا أعبد معبودكم ولا أنتم عابدون معبودي. فقوله: {ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد} يتناول شركهم فإنه ليس بعبادة لله فإن الله لا يقبل من ~~العمل إلا ما كان خالصا لوجهه. فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن ~~دعوه وصلوا له. وأيضا فما عبدوا ما يعبده وهو الموصوف بأنه معبود له على ~~جهة الاختصاص. بل هذا يتناول عبادته وحده ويتناول الرب الذي أخبر به بما له ~~من الأسماء والصفات. فمن كذب به في بعض ما أخبر به عنه فما عبد ما يعبده من ~~كل وجه. وأيضا فالشرائع قد تتنوع في العبادات فيكون المعبود واحدا وإن لم ~~تكن العبادة مثل العبادة. وهؤلاء لا يتبرأ منهم. فكل من عبد الله. # PageV16P550 # مخلصا له الدين فهو مسلم في كل وقت ولكن عبادته لا تكون إلا بما شرعه. ~~فلو قال: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي فقد يظن أنه تدخل فيه البراءة ~~من كل عبادة تخالف صورتها صورة عبادته. وإنما البراءة من المعبود وعبادته. # فصل: # إذا تبين هذا فنقول: القرآن تنزيل من ms5188 حكيم حميد وهو كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت. ولو أن رجلا من بني آدم له علم أو حكمة أو خطبة أو قصيدة أو مصنف ~~فهذب ألفاظ ذلك وأتى فيه بمثل هذا التغاير لعلم أنه قصد في ذلك حكمة وأنه ~~لم يخالف بين الألفاظ مع اتحاد المعنى سدى. فكيف بكلام رب العالمين وأحكم ~~الحاكمين لا سيما وقد قال فيه {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} . فنقول: الفعل ~~المضارع هو في اللغة يتناول الزمن الدائم سوى الماضي فيعم الحاضر والمستقبل ~~كما قال سيبويه: وبنوه لما مضى من # PageV16P551 # الزمان ولما هو دائم لم ينقطع ولما لم يأت بمعنى الماضي والمضارع وفعل ~~الأمر. فجعل المضارع لما هو من الزمان دائما لم ينقطع وقد يتناول الحاضر ~~والمستقبل. فقوله {لا أعبد} يتناول نفي عبادته لمعبودهم في الزمان الحاضر ~~والزمان المستقبل وقوله {ما تعبدون} يتناول ما يعبدونه في الحاضر والمستقبل ~~كلاهما مضارع. وقال في الجملة الثانية عن نفسه {ولا أنا عابد ما عبدتم} . ~~فلم يقل " لا أعبد " بل قال {ولا أنا عابد} . ولم يقل " ما تعبدون " بل قال ~~{ما عبدتم} . فاللفظ في فعله وفعلهم مغاير للفظ في الجملة الأولى. والنفي ~~بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى. فإنه قال {ولا أنا عابد ما ~~عبدتم} بصيغة الماضي. فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي لأن المشركين ~~يعبدون آلهة شتى. وليس معبودهم في كل وقت هو المعبود في الوقت الآخر كما أن ~~كل طائفة لها معبود سوى معبود الطائفة الأخرى. فقوله {لا أعبد ما تعبدون} ~~براءة من كل ما عبدوه في الأزمنة # PageV16P552 # الماضية كما تبرأ أولا مما عبدوه في الحال والاستقبال. فتضمنت الجملتان ~~البراءة من كل ما يعبده المشركون والكافرون في كل زمان ماض وحاضر ومستقبل. ~~وقوله أولا: {لا أعبد ما تعبدون} لا يتناول هذا كله. وقوله {ولا أنا عابد} ~~اسم فاعل قد عمل عمل الفعل ليس مضافا فهو يتناول الحال والاستقبال أيضا. ~~لكنه جملة اسمية ms5189 والنفي بما بعد الفعل فيه زيادة معنى كما تقول: ما أفعل ~~هذا وما أنا بفاعله. وقولك " ما هو بفاعل هذا أبدا " أبلغ من قولك " ما ~~يفعله أبدا ". فإنه نفى عن الذات صدور هذا الفعل عنها بخلاف قولك " ما يفعل ~~هذا " فإنه لا ينفي إمكانه وجوازه منه. ولا يدل على أنه لا يصلح له ولا ~~ينبغي له؛ بخلاف قوله " ما هو فاعلا وما هو بفاعل " كما في قوله {فما الذين ~~فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} وقوله {ما أنا بمصرخكم وما أنتم ~~بمصرخي} وقوله {وما الله بغافل عما تعملون} {وما أنت بهادي العمي} {وما أنت ~~بمسمع من في القبور} {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} . ولا يقال: ~~الجملة الاسمية ترك الثبوت ونفي ذلك لا يقتضي نفي # PageV16P553 # العارض. فإن هذه الجملة في معنى الفعلية نفي لكونها عملت عمل الفعل. ~~لكنها دلت على اتصاف الذات بهذا فنفت عن الذات أن يعرض لها هذا الفعل ~~تنزيها للذات ونفيا لقبولها لذلك. فالأول نفي الفعل في الماضي والمستقبل ~~والثاني نفي قبوله في الماضي مع الحاضر والمستقبل. فقوله {ولا أنا عابد ما ~~عبدتم} أي نفسي لا تقبل ولا يصلح لها أن تعبد ما عبدتموه قط ولو كنتم ~~عبدتموه في الماضي فقط. فأي معبود عبدتموه في وقت فأنا لا أقبل أن أعبده في ~~وقت من الأوقات. ففي هذا من عموم عبادتهم في الماضي والمستقبل ومن قوة ~~براءته وامتناعه وعدم قبوله لهذه العبادة في جميع الأزمان ما ليس في الجملة ~~الأولى. تلك تضمنت نفي الفعل في الزمان غير الماضي وهذه تضمنت نفي إمكانه ~~وقبوله لما كان معبودا لهم ولو في بعض الزمان الماضي فقط. والتقدير: ما ~~عبدتموه ولو في بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكنني ولا يسوغ لي أن أعبده ~~أبدا. ولكن لم ينف إلا ما يكون منه في الحاضر والمستقبل لأن المقصود براءته ~~هو في الحال والاستقبال. وهذه السورة يؤمر بها كل مسلم وإن كان قد أشرك ~~بالله قبل قراءتها. # PageV16P554 # فهو يتبرأ في الحاضر ms5190 والمستقبل مما يعبده المشركون في أي زمان كان وينفي ~~جواز عبادته لمعبودهم ويبين أن مثل هذا لا يكون ولا يصلح ولا يسوغ. فهو ~~ينفي جوازه شرعا ووقوعا. فإن مثل هذا الكلام لا يقال إلا فيما يستقبح من ~~الأفعال كمن دعي إلى ظلم أو فاحشة فقال: " أنا أفعل هذا؟ ما أنا بفاعل هذا ~~أبدا ". فهو أبلغ من قوله " لا أفعله أبدا ". وهذا كقوله {وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض} . فهو يتضمن نفي الفعل بغضا فيه وكراهة ~~له بخلاف قوله " لا أفعل ". فقد يتركه الإنسان وهو يحبه لغرض آخر. فإذا قال ~~" ما أنا عابد ما عبدتم " دل على البغض والكراهة والمقت لمعبودهم ولعبادتهم ~~إياه. وهذه هي البراءة. ولهذا تستعمل في ضد الولاية فيقال: تول فلانا وتبرأ ~~من فلان. كما قال تعالى {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله} الآية. وأما قوله عن الكفار: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} فهو خطاب ~~لجنس الكفار وإن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داموا كفارا. فإذا أسلموا ~~لم يتناولهم ذلك. فإنهم حينئذ مؤمنون لا كافرون. # PageV16P555 # وإن كانوا منافقين فهم كافرون في الباطن فيتناولهم الخطاب. وهذا كما ~~يقال: قل يا أيها المحاربون والمخاصمون والمقاتلون والمعادون. فهو خطاب لهم ~~ما داموا متصفين بهذه الصفة. وما دام الكافر كافرا فإنه لا يعبد الله وإنما ~~يعبد الشيطان؛ سواء كان متظاهرا أو غير متظاهر به كاليهود. فإن اليهود لا ~~يعبدون الله وإنما يعبدون الشيطان لأن عبادة الله إنما تكون بما شرع وأمر. ~~وهم وإن زعموا أنهم يعبدونه فتلك الأعمال المبدلة والمنهي عنها هو يكرهها ~~ويبغضها وينهى عنها فليست عبادة. فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما ~~دام كافرا. والفعل المضارع يتناول ما هو دائم لا ينقطع. فهو ما دام كافرا ~~لا يعبد معبود محمد صلى الله عليه وسلم لا في الحاضر ولا في المستقبل. ولم ~~يقل عنهم " ولا تعبدون ما أعبد " بل ذكر الجملة الاسمية ليبين أن نفس ~~نفوسكم الخبيثة الكافرة ms5191 بريئة من عبادة إله محمد لا يمكن أن تعبده ما دامت ~~كافرة. إذ لا تكون عابدته إلا بأن تعبده # PageV16P556 # وحده بما أمر به على لسان محمد. ومن كان كافرا بمحمد لا يكون عمله عبادة ~~لله قط. وتبرئتهم من عبادة الله جاءت بلفظ واحد بجملة اسمية تقتضي براءة ~~ذواتهم من عبادة الله لم تقتصر على نفي الفعل. ولم يحتج أن يقول فيهم " ولا ~~أنتم عابدون ما عبدت " كما قال في نفسه {ولا أنا عابد ما عبدتم} لوجهين. ~~أحدهما: أن كل مؤمن فهو مأمور بقراءة هذه السورة ومنهم من كان معبوده غير ~~الله. فلو قال " ولا أنتم عابدون ما عبدت " لقالوا: بل نحن نعبد ما كنت ~~تعبد لما كنت مشركا بخلاف ما إذا قال " ولا أنتم عابدون ما أعبده في هذا ~~الوقت ". ولم يقل " ما أنا عابد له " إذ نفسه قد لا تكون عابدة له مطلقا. ~~وقد يجوز أن يعبد الواحد من الناس غير الله في المستقبل فلا يكون من لم ~~يعبد ما يعبده في المستقبل مذموما بخلاف المؤمن الذي يخاطب بهذه السورة ~~غيره فإنه حين يقولها ما يعبد إلا الله. فهو يقول للكفار " ولا أنتم عابدون ~~ما أعبده الآن ". وذكر النفي عن الكفار في الجملتين لتقارب كل جملة جملة. ~~فلما قال {لا أعبد ما تعبدون} فنفى الفعل قال {ولا أنتم عابدون ما أعبد} . # PageV16P557 # ثم لما زاد النفي بنفي جواز ذلك وبراءة النفس منه ذكر ما يدل على كراهته ~~له وقبحه ونفى أن يعبد شيئا مما عبدوه ولو في بعض الزمان قال {ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد} بل أنتم بريئون من عبادة ما أعبده. فليس لبراءتي وكمال ~~براءتي وبعدي من معبودكم وكمال قربي إلى الله في عبادتي له وحده لا شريك له ~~يكون لكم نصيب من هذه العبادة. بل أنتم أيضا في هذه الحال لا تعبدون ما ~~أعبد لا في الحال الأولى ولا في الثانية. ولو اقتصر في تبريهم من عبادة ~~الله على الجملة الأولى لم يكن فيها تبرئة لهم في هذه ms5192 الحال الثانية. ~~فبرأهم من معبوده حين البراءة الأولى الخاصة وحين البراءة الثانية العامة ~~القاطعة. وهم لم يختلف حالهم في الحالين بل هم فيهما لا يعبدون ما يعبد. ~~فلم يكن في تغيير العبارة فائدة وإنما غيرت العبارة في حقه وحق المؤمنين ~~لتغيير المعنيين. والإنسان يقوى يقينه وإخلاصه وتوحيده وبراءته من الشرك ~~وأهله وبغضه لما يعبدون ولعبادتهم فرفع درجته في ذلك. وهو في ذلك يقول ~~للكفار: " لا تعبدون ما أعبد " في هذه الحال سواء كانوا هم قد زاد كفرهم ~~وبغضهم له أو لم يزد. # PageV16P558 # فالمقصود بالسورة أن المؤمن يتبرأ منهم ويخبرهم أنهم برآء منه. وتبريه ~~منهم إنشاء ينشئه كما ينشئ المتكلم بالشهادتين. وهذا يزيد وينقص. ويقوى ~~ويضعف. وأما هم فهو يخبر ببراءتهم منه في هذه الحال لا ينشئ شيئا لم يكن ~~فيهم. فخطاب المؤمن عن حالهم خبر عن حالهم والخبر مطابق للمخبر عنه فلم ~~يتغير لفظ خبره عنهم إذا كانوا في كل وقت من أوقات عبادته لله لا يعبدون ما ~~يعبد. فهذا اللفظ الخبري مطابق لحالهم في جميع الأوقات زادوا أو نقصوا. ولا ~~يجوز للمؤمن أن ينشئ زيادة في كفرهم فإن ذلك محرم. بل هو مأمور بدعائهم إلى ~~الإيمان. وليس له أن ينقصهم في خبره عما هم متصفون به. فلم يكن في الإخبار ~~عن حالهم زيادة فيما هم عليه ولا نقص. فلم يغير لفظ الخبر في الحالين بلفظ ~~واحد. وأما المؤمن نفسه فهو مأمور بأن ينشئ قوة الإخلاص لله وحده وعبادته ~~وحده والبراءة من كل معبود سواه وعبادته وبراءته منه ومن عابديه. وقوله: ~~{لا أعبد ما تعبدون} وإن كان لفظها خبرا ففيها معنى الإنشاء كسائر ألفاظ ~~الإنشاءات كقوله " أشهد أن لا إله إلا الله " وقوله {إنني براء مما تعبدون} ~~{إلا الذي فطرني} وقوله {إني بريء مما تشركون} فكل هذه الأقوال فيها معنى ~~الإنشاء لها ينشئه المؤمن في # PageV16P559 # نفسه من زيادة البراءة من الشرك وهي المقشقشة التي تقشقش من الشرك كما ~~يقشقش المريض من المرض. فإن الشرك والكفر أعظم أمراض القلوب. فأمر المؤمن ms5193 ~~بقول يوجب في قلبه من البراءة من الشرك ما لم يكن في قلبه قبل ذلك. وكلما ~~قاله ازداد براءة من الشرك وقلبه شفاء من المرض وإن كان الكفرة المخاطبون ~~لا يزدادون بالإخبار عنهم إلا كفرا. فالجمل الخبرية تطابق المخبر عنه ~~والإنشاء يوجب إحداث ما لم يكن. فقيل {قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ما ~~تعبدون} أي أنا ممتنع من هذا تارك له ثم قال {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي ~~أنا بريء من هذا متنزه عنه؛ مزك لنفسي منه فإن الشرك أعظم ما تنجس به النفس ~~وأعظم تزكية النفس وتطهيرها تزكيتها منه وتطهيرها منه. فما أنا عابد قط ما ~~عبدتم في وقت من الأوقات. وأنتم مع ذلك ما أنتم عابدون ما أعبد بل أنتم ~~بريئون مما أعبد. وأنا بريء مما تعبدون مأمور بالبراءة منه وطالب زيادة ~~البراءة منه ومجتهد في ذلك. وأنا أخبر عنكم بأنكم بريئون مما أعبد إما ~~لكونكم تأمرون بذلك وإما لكونكم تعبدونه فلا أخبر به فإنه كذب. وإما لكونكم ~~تجتهدون في البراءة وتبالغون فيها فبها تختلف فيه أحوالكم. # PageV16P560 # وأنا لا يسوغ لي أن أذكر ما يزيل براءتكم ولا أكذب عليكم فإنكم تنقصون ~~منها إذا تبرأت بل التبري منها داع وباعث لمن له عقل أن ينظر في سبب هذه ~~البراءة لا سيما في حق الرسول الذي خوطب أولا. بقوله {قل} . فلينظر العاقل ~~في سبب براءتي من الشرك وما أنتم عليه واختياري به عداوتكم والصبر على ~~أذاكم واحتمالي هذه المكاره العظيمة. بعد ما كنتم تعظموني غاية التعظيم ~~وتصفوني بالأمانة وتسموني " الأمين " وتفضلوني على غيري ونسبي فيكم أفضل ~~نسب وتعرفون ما جعل الله في من العقل والمعرفة ومكارم الأخلاق وحسن المقاصد ~~وطلب العدل والإحسان وأني لا أختار لأحد منكم سوءا ولا أريد أن أصيب أحدا ~~بشر. فاختياري للبراءة مما تعبدون وإظهاري لسبهم وشتمهم. أهو سدى ليس له ~~موجب أوجبه؟ فانظروا في ذلك. ففي السورة دعاء وبعث للكفار إلى طلب الحق ~~ومعرفته مع ما فيها من كمال البراءة منهم. ومعانيها كثيرة ms5194 شريفة يطول ~~وصفها. # وقوله: {قل يا أيها الكافرون} يتناول كل كافر. فهو لا يعبد ما يعبده أحد ~~من الكفار ولا مشركي العرب ولا غيرهم من المشركين # PageV16P561 # والكفار أهل الكتاب لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم من أصناف الكفار. ~~وذلك أنه قال {لا أعبد ما تعبدون} . فذكر لفظ " ما " ولم يقل " من تعبدون ~~". و " ما " تدل على الصفة كما تقدم وما ذكره المهدوي وغيره من أنه قال: ~~{ما أعبد} ولم يقل " من أعبد " يقابل به {ولا أنا عابد ما عبدتم} الذي يراد ~~به الأصنام فضعيف جدا يغير اللغة ويخص عموم القرآن وهو عموم مقصود ويزيل ~~المعنى الذي به تعلقت هذه البراءة. فإن " ما " في اللغة إما لما لا يعلم، ~~ولصفات ما يعلم كما في قوله {فانكحوا ما طاب} {وما سواها} {وما خلق الذكر ~~والأنثى} وفي التسبيح المأثور أنه يقال عند سماع الرعد: " سبحان ما سبحت له ~~" ومثله كثير. فقوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} جار على أصل اللغة. وأيضا ~~فقوله: {لا أعبد ما تعبدون} خطاب للكفار مطلقا فهو لا يعبد الملائكة ولا ~~غير ذلك مما عبد من دون الله وإن كان ما عبد أهل العلم والعقل فعبر عن ~~ذواتهم ب " من " فتخصيص البراءة من الشرك بشرك مشركي العرب غلط عظيم وإنما ~~هي براءة من كل شرك. وكون الرب يتصف بما تتصف به الأصنام من عدم العلم ما ~~لا # PageV16P562 # يجوز عليه ولا تصح المقابلة في مثل ذلك. بل المقصود ذكر الصفات والإخبار ~~بمعبود الرسول والمؤمنين ليتبرأ من معبودهم ويبرئهم من معبوده. وإذا قال ~~اليهود: نحن نقصد عبادة الله. كانوا كاذبين سواء عرفوا أنهم كاذبون أو لم ~~يعرفوا كما يقول النصارى: إنا نعبد الله وحده وما نحن بمشركين وهم كاذبون. ~~لأنهم لو أرادوا عبادته لعبدوه بما أمر به وهو الشرع لا بالمنسوخ المبدل. ~~وأيضا فالرب الذي يزعمون أنهم يقصدون عبادته هو عندهم رب لم ينزل الإنجيل ~~ولا القرآن ولا أرسل المسيح ولا محمدا. بل هو عند بعضهم فقير وعند بعضهم ~~بخيل وعند بعضهم ms5195 عاجز وعند بعضهم لا يقدر أن يغير ما شرعه. وعند جميعهم أنه ~~أيد الكاذبين المفترين عليه الذين يزعمون أنهم رسله وليسوا رسله بل هم ~~كاذبون سحرة. قد أيدهم ونصرهم: ونصر أتباعهم على أوليائه المؤمنين لأنهم ~~عند أنفسهم أولياؤه دون الناس. فالرب الذي يعبدونه هو دائما ينصر أعداءه. ~~فهم يعبدون هذا الرب والرسول والمؤمنون لا يعبدون هذا المعبود الذي تعبده ~~اليهود. فهو منزه عما وصفت به اليهود معبودها # PageV16P563 # من جهة كونه معبودا لهم منزه عن هذه الإضافة. فليس هو معبودا لليهود ~~وإنما في جبلاتهم صفات ليست هي صفاته زينها لهم الشيطان. فهم يقصدون عبادة ~~المتصف بتلك الصفات وإنما هو الشيطان. فالرسول والمؤمنون لا يعبدون شيئا ~~تعبده اليهود وإن كانوا يعبدون من يعبدونه. وهذا مما يظهر به فائدة ما ~~ذكرنا. وعلى هذا فقوله: {لكم دينكم ولي دين} خطاب لجميع الكفار كما دلت ~~عليه الآية. وبهذا يظهر خطأ من قال إنه خطاب للمشركين والنصارى دون اليهود ~~كما في قول ابن زيد: {لكم دينكم ولي دين} قال للمشركين والنصارى واليهود لا ~~يعبدون إلا الله ولا يشركون إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء بما جاءوا به من ~~عند الله ويكفرون " برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وقتلوا ~~طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا. قال: إلا العصابة التي تقول حيث خرج بخت نصر ~~وقيل: من سموا عزيرا " ابن الله " ولم يعبدوه. ولم يفعلوا كما فعلت النصارى ~~قالت: المسيح ابن الله وعبدته. فهذا الذي ذكره من أن اليهود لا تشرك كما ~~أشركت العرب والنصارى صحيح لكنهم مع هذا لا يعبدون الله. بل يستكبرون عن ~~عبادته ويعبدون الشيطان لا يعبدون الله. ومن قال إن اليهود # PageV16P564 # تعبد الله فقد غلط غلطا قبيحا. فكل من عبد الله كان سعيدا من أهل الجنة ~~وكان من عباد الله الصالحين. قال تعالى {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} وفي ~~الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل ms5196 حين بعثه إلى ~~اليمن: إنك تأتي قوما هم أهل كتاب فأول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله} وفي رواية: {فادعهم إلى عبادة الله فإذا عرفوا ~~الله فأعلمهم. . .} " فلا يعبد إلا الله بعد أن أرسل محمدا وعرفت رسالته ~~وبلغت. ولهذا اتفق العلماء على أن أعمالهم حابطة. ولو عبدوا الله لم تحبط ~~أعمالهم. فإن الله لا يظلم أحدا. وقبل إرسال محمد إنما كان يعبد الله من ~~عبده بما أمر به. فأما من ترك عبادته بما أمر به واتبع هواه فهو لا يعبد ~~الله إنما يعبد الشيطان ويعبد الطاغوت. وقد أخبر الله عن اليهود بأنهم ~~عبدوا الطاغوت وأنه لعنهم وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت. وهو اسم جنس يدخل فيه الشيطان والوثن والكهان # PageV16P565 # والدرهم والدينار وغير ذلك. وقال تعالى. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} وقال {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ~~كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان} الآية وهم أشد عداوة للمؤمنين من النصارى وكفرهم ~~أغلظ وهم مغضوب عليهم. ولهذا قيل: إنهم تحت النصارى في النار. واليهود إن ~~لم يعبدوا المسيح فقد افتروا عليه وعلى أمه بما هو أعظم من كفر النصارى. ~~ولهذا جعل الله النصارى فوقهم إلى يوم القيامة. فالنصارى مشركون يعبدون ~~الله ويشركون به. وأما اليهود فلا يعبدون الله بل هم معطلون لعبادته ~~مستكبرون عنها كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا ففريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون. بل هم متبعون أهواءهم عابدون للشيطان. فالنبي والمؤمنون لا ~~يعبدون ما تعبده اليهود. وهم وإن وصفوا الله ببعض ما يستحقه فهم يصفونه بما ~~هو منزه عنه. وليس في قلوبهم عبادة له وحده. فإن ذلك لا يكون إلا لمن عبده ~~بما أمره به. والسورة لم يقل فيها: " يا أيها المشركون " حتى يقال فيها ~~إنها # PageV16P566 # إنما تناولت من أشرك. بل قال {يا أيها الكافرون} فتناولت كل كافر سواء ~~كان ممن ms5197 يظهر الشرك أو كان فيه تعطيل لما يستحقه الله واستكبار عن عبادته. ~~والتعطيل شر من الشرك وكل معطل فلا بد أن يكون مشركا. والنصارى مع شركهم ~~لهم عبادات كثيرة واليهود من أقل الأمم عبادة وأبعدهم عن العبادة لله وحده. ~~لكن قد يعرفون ما لا تعرفه النصارى لكن بلا عبادة وعمل بالعلم. فهم مغصوب ~~عليهم وأولئك ضالون. وكلاهما قد برأ الله منهم رسوله والمؤمنين. وفي هذه ~~الأمة من يعرف ما لا تعرفه اليهود والنصارى بلا عمل بالعلم. ففيهم شبه كما ~~قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن فسد من ~~عبادنا كان فيه شبه من النصارى. بل قد قال أبو هريرة: ما أقرب الليلة من ~~البارحة أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل. بل في الحديث الصحيح: {لتتبعن سنن ~~من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: ~~اليهود والنصارى. قال: فمن؟ وفي رواية: فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا ~~أولئك} ؟ ". وقال: " {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت # PageV16P567 # النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا واحدة} ". وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فيه حال ~~الفرقة الناجية الذين هم على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. ومما يوضح ما تقدم أن قوله {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد} معناه المعبود. ولكن هو لفظ مطلق يتناول الواحد والكثير والمذكر ~~والمؤنث. فهو يتناول كل معبود لهم. والمعبود هو الإله فكأنه قال: لا أعبد ~~إلهكم ولا تعبدون إلهي كما ذكر الله في قصة يعقوب. قال تعالى {أم كنتم ~~شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} واسم الإله ~~والمعبود يتضمن إضافة إلى العابد. وقال: {إله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق} هو الذي يعبده هؤلاء صلوات الله وسلامه عليهم ويؤلهونه. وإنما ~~يعبده ms5198 من كان على ملتهم كما قال يوسف {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ~~وهم بالآخرة هم كافرون} {واتبعت ملة آبائي إبراهيم # PageV16P568 # وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا ~~وعلى الناس} إلى قوله {ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . فتبين ~~أن ملة آبائه هي عبادة الله. وهي ملة إبراهيم. وقد قال تعالى {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} إلى قوله {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} . ~~وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملة إبراهيم وإذا لم يكونوا على ~~ملته لم يكونوا يعبدون إله إبراهيم. فإن من عبد إله إبراهيم كان على ملته ~~قال تعالى {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين} إلى قوله {وهو السميع العليم} فقوله: {قل بل ملة إبراهيم} ~~يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملة إبراهيم. وهذا بعد مبعث محمد ~~مما لا ريب فيه فإنه هو الذي بعث بملة إبراهيم. والطائفتان كانتا خارجتين ~~عنها بما وقع منهم من التبديل. قال تعالى {إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} وقال {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ~~دينا قيما ملة إبراهيم} الآية. وقال {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا} . وقوله {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} ، يبين # PageV16P569 # أن كل من رغب عنها فقد سفه نفسه. وفيه من جهة الإعراب والمعنى قولان. ~~أحدهما وهو قول الفراء وغيره من نحاة الكوفة واختيار ابن قتيبة وغيره وهو ~~معنى قول أكثر السلف أن النفس هي التي سفهت. فإن " سفه " فعل لازم لا يتعدى ~~لكن المعنى: إلا من كان سفيها فجعل الفعل له ونصب النفس على التمييز لا ~~النكرة كقوله {واشتعل الرأس شيبا} . وأما الكوفيون فعرفوا هذا وهذا. قال ~~الفراء: نصب النفس على التشبيه بالتفسير كما يقال: ضقت بالأمر ذرعا معناه: ~~ضاق ذرعي به. ومثله {واشتعل الرأس شيبا} أي اشتعل الشيب في الرأس. ms5199 قال: ~~ومنه قوله: ألم فلان رأسه ووجع بطنه ورشد أمره. وكان الأصل: سفهت نفس زيد ~~ورشد أمره فلما حول الفعل إلى زيد انتصب ما بعده على التمييز. فهذه شواهد ~~عرفها الفراء من كلام العرب. ومثله قوله: غبن فلان رأيه وبطر عيشه. ومثل ~~هذا قوله {بطرت معيشتها} أي بطرت نفس المعيشة. وهذا معنى قول يمان بن رباب: ~~حمق رأيه ونفسه وهو معنى قول ابن السائب: ضل من قبل نفسه وقول # PageV16P570 # أبي روق: عجز رأيه عن نفسه. والبصريون لم يعرفوا ذلك. فمنهم من قال: جهل ~~نفسه كما قاله ابن كيسان والزجاج. قال: لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه ~~لأنه لم يعلم خالقها. وهذا الذي قالوه ضعيف. فإنه إن قيل إن المعنى صحيح ~~فهو إنما قال (سفه و " سفه " فعل لازم ليس بمتعد و " جهل " فعل متعد. وليس ~~في كلام العرب " سفهت كذا " ألبتة بمعنى: جهلته. بل قالوا: سفه بالضم سفاهة ~~أي صار سفيها وسفه بالكسر أي حصل منه سفه كما قالوا في " فقه وفقه ". ونقل ~~بعضهم: سفهت الشرب إذا أكثرت منه. وهو يوافق ما حكاه الفراء أي صار شربه ~~سفيها فسفه شربه لما جاوز الحد. وقال الأخفش ويونس: نصب بإسقاط الخافض أي ~~سفه في نفسه. وقولهم " بإسقاط الخافض " ليس هو أصلا فيعتبر به ولكن قد تنزع ~~حروف الجر في مواضع مسموعة فيتعدى الفعل بنفسه. وإن كان مقيسا في بعض ~~الصور. ف " سفه " ليس من هذا لا يقال: سفهت أمر الله ولا دين الإسلام ~~بمعنى: جهلته أي سفهت فيه. وإنما يوصف بالسفه وينصب على التمييز ما خص به. # PageV16P571 # مثل نفسه أو شربه ونحو ذلك. والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو ~~سفيه. قال أبو العالية: رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا ~~اليهودية والنصرانية وليست من الله وتركوا دين إبراهيم. وكذلك قال قتادة: ~~بدلوا دين الأنبياء واتبعوا المنسوخ. فأما موسى والمسيح ومن اتبعهما فهم ~~على ملة إبراهيم متبعون له وهو إمامهم. وهذا معنى قوله {إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين ms5200 اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} . فهو يتناول الذين اتبعوه ~~قبل مبعث محمد وبعد مبعثه. وقيل إنه عام قال الحسن البصري: كل مؤمن ولي ~~إبراهيم ممن مضى وممن بقي. وقال الربيع بن أنس: هم المؤمنون الذين صدقوا ~~نبي الله واتبعوه وكان محمد والذين معه من المؤمنين أولى الناس بإبراهيم. ~~وهذا وغيره مما يبين أن اليهود والنصارى لا يعبدون الله وليسوا على ملة ~~إبراهيم. فإن قيل: فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قول الخليل {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} . ~~فقد استثناه مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله. وكذلك قوله {إنني ~~براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني} واستثناه # PageV16P572 # أيضا. وفي المسند وغيره حديث {حصين الخزاعي لما قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم يا حصين كم تعبد اليوم؟ قال: سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في ~~السماء. قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء} . قيل: هذا ~~قول المشركين كما تقول اليهود والنصارى: نحن نعبد الله. فهم يظنون أن ~~عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا. وأما قول الخليل ففيه قولان. ~~قال طائفة: إنه استثناء منقطع. وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يعبدون الله ~~مع آلهتهم. وعلى هذا فهذا لفظ مقيد. فإنه قال {ما تعبدون} . فسماه عبادة ~~إذا عرف المراد لكن ليست هي العبادة التي هي عند الله عبادة. فإنه كما قال ~~تعالى: " {أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه ~~بريء وهو كله للذي أشرك} ". وهذا كقوله تعالى {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون} . سماه إيمانا مع التقييد وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها ~~آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق. وقد قال {يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} {فبشرهم بعذاب أليم} . فهذا مع التقييد. ومع الإطلاق فالإيمان هو ~~الإيمان بالله والبشارة بالخير. # PageV16P573 # وقوله {ولا أنتم عابدون ما أعبد} نفي العبادة مطلقا ليس هو نفي لما قد ~~يسمى عبادة مع التقييد. والمشرك إذا كان ms5201 يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه ~~يعبد الله وغيره أو يعبده مشركا به. لا يقال: إنه يعبد مطلقا. والمعطل الذي ~~لا يعبد شيئا شر منه. والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة وعبادة المشرك ~~ليست مقبولة. ومما يوضح هذا قوله: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} ~~الآية. قالوا فيها {نعبد إلهك وإله آبائك} ثم قالوا: {إلها واحدا} . فهذا ~~بدل من الأول في أظهر الوجهين. فإن النكرة تبدل من المعرفة كما في قوله ~~{لنسفعن بالناصية} {ناصية كاذبة خاطئة} فذكرت معرفة وموصوفة. كذلك قالوا ~~{نعبد إلهك} فعرفوه ثم قالوا {إلها واحدا} فوصفوه. والبدل في حكم تكرير ~~العامل أحيانا كما في قوله {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم} فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون. فجمعوا بين الخبرين بأمرين بأنهم يعبدون إلهه وأنهم إنما يعبدون ~~إلها واحدا. فمن عبد إلهين لم يكن عابدا لإلهه وإله آبائه. وإنما يعبد إلهه ~~من عبد إلها واحدا. ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدا له لكانت ~~عبادته نوعين عبادة إشراك وعبادة إخلاص. وإذا كان كذلك لم يكن # PageV16P574 # قوله {إلها واحدا} بدلا. لأن هذا كل من كل ليس هو بدل بعض من كل. فعلم أن ~~إلهه وإله آبائه لا يكون إلا إلها واحدا. والوجه الثاني: قوله {إلها واحدا} ~~نصب على الحال لكنها حال لازمة فإنه لا يكون إلا إلها واحدا كقوله {وهو ~~الحق مصدقا} وهو لا يكون إلا مصدقا. ومنه {ملة إبراهيم حنيفا} {ويقتلون ~~النبيين بغير حق} . فمن عبد معه غيره فما عبده إلها واحدا ومن أشرك به فما ~~عبده. وهو لا يكون إلا إلها واحدا. فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم ~~تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده. # فإن قيل: المشرك يجعل معه آلهة أخرى فهو يعبد في حال ليس هو فيها الواحد ~~قيل: هذا غلط منشؤه أن لفظ " الإله " يراد به المستحق للإلهية ويراد به ما ~~اتخذه الناس إلها وإن لم يكن إلها في نفس ms5202 الأمر بل هي أسماء سموها هم ~~وآباؤهم. فتلك ليست في نفسها آلهة وإنما هي آلهة في أنفس العابدين. ~~فإلهيتها أمر قدره المشركون وجعلوه في أنفسهم من غير أن يكون مطابقا للخارج ~~كالذي يجعل من ليس بعالم عالما ومن ليس بحي حيا ومن ليس بصادق ولا عدل ~~صادقا وعدلا فيقال: هذا عندك صادق وعادل وعالم وتلك اعتقادات غير مطابقة ~~وأقوال كاذبة غير لائقة. # PageV16P575 # ولهذا يجعل سبحانه ذلك من باب الافتراء والكذب كما قال أصحاب الكهف ~~{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا} . وقال الخليل {إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا} . وقال {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} أي أي شيء يتبع الذين يشركون؟ وإنما يتبعون ~~الظن والخرص وهو الحزر. هذا صواب وأن ما استفهامية. وقد قيل إنها نافية ~~وبعضهم لم يذكر غيره كأبي الفرج. وهو ضعيف كما قد بين ذلك في غير هذا ~~الموضع. وقال هود {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون} . ~~وإذا كانت إلهية ما سوى الله أمرا مختلقا يوجد في الذهن واللسان لا وجود له ~~في الأعيان. وهو من باب الكذب والاعتقاد الباطل الذي ليس بمطابق. وما عند ~~عابديها من الحب والخوف والرجاء لها تابع لذلك الاعتقاد الباطل. كمن اعتقد ~~في شخص أنه صادق فصدقه فيما يقول وبنى على إخباره أعمالا كثيرة. فلما تبين ~~كذبه ظهر فساد تلك الأعمال كأتباع مسيلمة والأسود وغيرهما من أصحاب الزوايا ~~والترهات وما يشرعونه لأتباعهم مما لم يأذن به الله بخلاف الصادق والصدق. # PageV16P576 # ولهذا كانت كلمة التوحيد {كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} . ~~وقال في كلمة الشرك {كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} . ~~فليس لها أساس ثابت ولا فرع ثابت إذ كانت باطلة كأقوال الكاذبين وأعمالهم. ~~بل هي أعظم الكذب والافتراء مع الحب لها. والشرك أعظم الظلم. {قال ابن ~~مسعود قلت: ms5203 يا رسول الله أي الذنب أعظم. قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك} ". ~~فنفس تألههم لها وعبادتهم إياها وتعظيمها وحبها ودعائها واعتقادها آلهة ~~والخبر عنها بأنها آلهة موجود كما كان اعتقاد الكذابين موجودا. وأما نفس ~~اتصافها بالإلهية فمفقود كاتصاف مسيلمة بالنبوة. # فهنا حالان حال للعابد وحال للمعبود. فأما العابدون فكلهم في قلوبهم ~~عبادة وتأله لمن عبدوه. وأما المعبودون فالرحمن له الإلهية وما سواه لا ~~إلهية له بل هو ميت لا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا. {قل لو كان معه آلهة كما ~~يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} وهو في أصح القولين {سبيلا} ~~بالتقرب بعبادته وذكره. ولهذا قال بعدها {تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شيء # PageV16P577 # إلا يسبح بحمده} فأخبر عن الخلائق كلها أنها تسبح بحمده. وقد بسط هذا في ~~موضع آخر. فقوله {نعبد إلهك} {إلها واحدا} إذا قيل إنه منصوب على الحال ~~فإما أن يكون حالا من الفاعل العابد أو من المفعول المعبود. فالأول: نعبده ~~في حال كوننا مخلصين لا نعبد إلا إياه. والثاني نعبده في الحال اللازمة له ~~وهو أنه إله واحد فنعبده مخلصين معترفين له بأنه الإله وحده دون ما سواه. ~~فإن كان التقدير هذا الثاني امتنع أن يكون المشرك عابدا له فإنه لا يعبده ~~في هذه الحال وهو سبحانه ليست له حال أخرى نعبده فيها. وإن كان التقدير ~~الأول فقد يمكن أن نعبده في حال أخرى نتخذ معه آلهة أخرى في أنفسنا. لكن ~~قوله {إلها واحدا} دليل على أنها حال من المعبود بخلاف ما إذا قيل: نعبده ~~مخلصين له الدين فإن هذه حال من الفاعل. ولهذا يأتي هذا في القرآن كثيرا ~~كقوله {فاعبد الله مخلصا له الدين} وقوله {قل الله أعبد مخلصا له ديني} . ~~فهذا حال من الفاعل # PageV16P578 # فإنه يكون تارة مخلصا وتارة مشركا. وأما الرب تعالى فإنه لا يكون إلا ~~إلها واحدا. والحال وإن كانت صفة للمفعول فهي أيضا حال للفاعل. فإنهم ~~قالوا: نعبده في هذه الحال. فلزم أن عبادتهم له ليست ms5204 في غير هذا الحال. ~~وبين أن قوله {نعبد إلهك وإله آبائك} . . . {إلها واحدا} هي حال متعلقة ~~بالفاعل والمفعول جميعا بالعابد والمعبود. فإن العامل فيها المتعلق بها ~~العبادة وهي فعل العابد والذي يقال له المفعول في العربية هو المعبود. كما ~~قيل في الجملة {ونحن له مسلمون} . قيل: هي واو العطف وقيل واو الحال أي ~~نعبده في هذه الحال. قالوا: وهي حال من فاعل " نعبد " أو مفعوله لرجوع ~~الهاء إليه في " له " وهذا الترديد غلط إذ هي حال منهما جميعا. فإنهم إذا ~~عبدوه وهم مسلمون فهم مسلمون حال كونهم عابدين وحال كونه معبودا إذ كونهم ~~عابدين وكونه معبودا ليس مختصا بمقارنة أحدهما دون الآخر. فالظرف والحال ~~هنا كلمة وليست مفردا ولهذا اشتبه عليهم. فإن المفرد لا يمكن أن يكون في ~~اللفظ صفة لهذا وهذا. فإذا قلت: ضربت زيدا قاعدا فالقعود حال للفاعل أو ~~المفعول. وإذا قلت: ضربته والناس # PageV16P579 # قعود فليس هذه الحال من أحدهما دون الآخر بل هي مقارنة للضرب المتعلق بها ~~كأنه قال: ضربته في زمان قعود الناس. فهو ظرف للفعل المتعلق بالفاعل ~~والمفعول بخلاف ما إذا قلت: ضربته في حال قعودي أو قعوده فهذا يختلف. ~~والآية فيها {إلها واحدا} . فهذه حال من المعبود بلا ريب. فلزم أنهم إنما ~~عبدوه في حال كونه إلها واحدا وهذه لازمة له. وإذا قيل المراد: في حال كونه ~~معبودا واحدا لا نتخذ معه معبودا آخر فهذه حال ليست لازمة لكنه صفة ~~للعابدين لا له. قيل: هذا ليس فيه مدح له ولا وصف له بأنه يستحق الإلهية. ~~لكن فيها وصفهم فقط. وأيضا فقوله {إلها واحدا} كقوله {وإلهكم إله واحد} فهو ~~في نفسه إله واحد وإن جعل معه المشركون آلهة بالافتراء والحب. فيجب أن يكون ~~المراد ما دل عليه هذا الاسم. ولو أرادوا ذلك المعنى لقالوا: نعبده مخلصين ~~له الدين. وهذا المعنى قد ذكروه في الجملة الثانية وهي قولهم {ونحن له ~~مسلمون} لا سيما إذا جعلت حالا أي نعبده إلها واحدا في حال إسلامنا له. # PageV16P580 # وإسلامهم له ms5205 يتضمن إخلاص الدين له وخضوعهم واستسلامهم لأحكامه بخلاف غير ~~المسلمين. ولهذا قال آمرا للمؤمنين أن يقولوا {آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} . ثم قال ~~{صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} {قل أتحاجوننا في الله ~~وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} . وفي هذه ~~الآيات معان جليلة ليس هذا موضع استيفائها. # فصل: # وهذا النزاع في قوله: {قل يا أيها الكافرون} هل هو خطاب لجنس الكفار كما ~~قاله الأكثرون أو لمن علم أنه يموت كافرا كما قاله بعضهم يتعلق بمسمى " ~~الكافر " ومسمى " المؤمن ". # PageV16P581 # فطائفة تقول: هذا إنما يتناول من وافى القيامة بالإيمان. فاسم المؤمن ~~عندهم إنما هو لمن مات مؤمنا. فأما من آمن ثم ارتد فذاك ليس عندهم بإيمان. ~~وهذا اختيار الأشعري وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. وهكذا يقال: الكافر من ~~مات كافرا. وهؤلاء يقولون: إن حب الله وبغضه ورضاه وسخطه وولايته وعداوته ~~إنما يتعلق بالموافاة فقط. فالله يحب من علم أنه يموت مؤمنا. ويرضى عنه ~~ويواليه بحب قديم وموالاة قديمة. ويقولون: إن عمر حال كفره كان وليا لله. ~~وهذا القول معروف عن ابن كلاب ومن تبعه كالأشعري وغيره. وأكثر الطوائف ~~يخالفونه في هذا فيقولون: بل قد يكون الرجل عدوا لله ثم يصير وليا لله ~~ويكون الله يبغضه ثم يحبه. وهذا مذهب الفقهاء والعامة. وهو قول المعتزلة ~~والكرامية والحنفية قاطبة وقدماء المالكية والشافعية والحنبلية. وعلى هذا ~~يدل القرآن كقوله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} {وإن ~~تشكروا يرضه لكم} . وقوله {إن الذين آمنوا # PageV16P582 # ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} فوصفهم بكفر بعد إيمان وإيمان بعد كفر. ~~وأخبر عن الذين كفروا أنهم كفار وأنهم إن انتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وقال ~~{فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقال {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم} . وفي الصحيحين في ms5206 حديث الشفاعة: تقول الأنبياء: " ~~{إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله} ". وفي دعاء ~~الحجاج عند الملتزم عن ابن عباس وغيره: " فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا ~~وإلا فمن الآن فارض عني ". وبعضهم حذف " فارض عني فظن بعض الفقهاء أنه " ~~فمن الآن " أنه من " المن ". وهو تصحيف. وإنما هو من حروف الجر كما في تمام ~~الكلام وإلا فمن الآن فارض عني. فبين أنه يزداد رضا وأنه يرضى في وقت ~~محدود. وشواهد هذا كثيرة. وهو مبسوط في مواضع. # فصل: # ونظير القول في {قل يا أيها الكافرون} القولان في قوله {إن الذين كفروا ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإن للناس في هذه الآية ~~قولين. # PageV16P583 # أحدهما: أنها خاصة بمن يموت كافرا. وهذا منقول عن مقاتل كما قال في قوله ~~{قل يا أيها الكافرون} . وكذلك نقل عن الضحاك. قالا: نزلت في مشركي العرب ~~كأبي جهل وأبي طالب وأبي لهب ممن لم يسلم. وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل ~~وخمسة من أهل بيته. وطائفة من المفسرين لم يذكروا غير هذا القول كالثعلبي ~~والبغوي وابن الجوزي. قال البغوي: هذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة ~~الشقاوة في سابق علم الله. وقال ابن الجوزي قال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~وهذه الآية وردت بلفظ العموم والمراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكفار حين ~~إنذارهم لا يؤمنون وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم. ولو كانت على ~~ظاهرها في العموم لكان خبر الله بخلاف مخبره فلذلك وجب نقلها إلى الخصوص. ~~والقول الثاني: أن الآية على مقتضاها والمراد بها أن الإنذار وعدمه سواء ~~بالنسبة إلى الكافر ما دام كافرا لا ينفعه الإنذار ولا يؤثر فيه كما قيل ~~مثل ذلك في الآيات أنها غير موجبة للإيمان. وقد جمع بينهما في قوله {وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} . # PageV16P584 # فالآيات أفقية وأرضية وقرآنية وهي أدلة العلم. والإنذار يقتضي الخوف. ~~فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به فهذا تنفعه الحكمة. والإنذار لمن ms5207 يعرف ~~الحق وله هوى يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه وهو خوف ~~العذاب. وهذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة. وآخر لا يقبل الحق فيحتاج ~~إلى الجدل فيجادل بالتي هي أحسن. وقد قال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله} وقال {إنما أنت منذر من يخشاها} {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب} . فالمراد أن الكافر ما دام كافرا لا يقبل الحق سواء أنذر ~~أم لم ينذر ولا يؤمن ما دام كذلك. لأن على قلبه وسمعه وبصره موانع تصد عن ~~الفهم والقبول. وهكذا حال من غلب عليه هواه. وهو سبحانه لم يقل " إنهم لا ~~يؤمنون ". وقيل ذلك لمن سبقت عليه الشقوة أو حقت عليه الكلمة كقوله {إن ~~الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم} فبين أن هؤلاء لا يؤمنون إلا حين لا ينفعهم إيمانهم وقت # PageV16P585 # رؤية العذاب الأليم كإيمان فرعون المذكور قبلها. وموسى قد دعا عليه فقال ~~{ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم} {قال قد أجيبت دعوتكما} . وأما إذا أطلق سبحانه الكفار فهو مثل ~~قوله {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} الآية. فبين أنهم قد يؤمنوا إذا شاء. ~~وآية البقرة مطلقة عامة. فإنه ذكر في أول السورة أربع آيات في صفة ~~المؤمنين. وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين. فبين حال ~~الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التي على قلبه وسمعه ~~وبصره. وليس قال: إن الله لا يهدي أحدا من هؤلاء فيسمع ويقبل. ولكن هو حين ~~يكون كافرا لا تتناوله الآية. وهذا كما يقال في الكافر الحربي: لا يجوز أن ~~تعقد له الذمة ولا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربيا. فالكفار ما ~~داموا كفارا هم بهذه المثابة. لهم موانع تمنعهم من الإيمان كما أن ~~للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك وإن أنذروا. ms5208 وهذا كقوله {ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون} فهذا مثل كل كافر ما دام كافرا. # PageV16P586 # وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم فإنهم لا يسمعون لذلك المعنى المشتق منه وهو الكفر. فما داموا هذه ~~حالهم فهم كذلك ولكن تغير الحال ممكن كما قال {إلا أن يشاء الله} وكما هو ~~الواقع. # ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى ~~ولو كان أكمل الناس وأن الداعي وإن كان صالحا ناصحا مخلصا فقد لا يستجيب ~~المدعو لا لنقص في الدعاء لكن لفساد في المدعو. وهذا لأن حصول المطلوب ~~متوقف على فعل الفاعل وقبول القابل كالسيف القاطع يؤثر بشرط قبول المحل فيه ~~لا يقطع الحجارة والحديد ونحو ذلك. والنفخ يؤثر إذا كان هناك قابل لا يؤثر ~~في الرماد. والدعاء والتعليم والإرشاد. وكل ما كان من هذا الجنس له فاعل ~~وهو المتكلم بالعلم والهدى والنذارة وله قابل وهو المستمع. فإذا كان ~~المستمع قابلا حصل الإنذار التام والتعليم التام والهدى التام. وإن لم يكن ~~قابلا قيل: علمته فلم يتعلم وهديته فلم يهتد وخاطبته فلم يصغ ونحو ذلك. # PageV16P587 # فقوله في القرآن {هدى للمتقين} هو من هذا. إنما يهتدي من يقبل الاهتداء ~~وهم المتقون لا كل أحد. وليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم بل قد ~~يكونوا كفارا. لكن إنما يهتدي به من كان متقيا. فمن اتقى الله اهتدى ~~بالقرآن. والعلم والإنذار إنما يكون بما أمر به القرآن. وهكذا قوله {لينذر ~~من كان حيا} الإنذار التام فإن الحي يقبله. ولهذا قال {ويحق القول على ~~الكافرين} فهم لم يقبلوا الإنذار. ومثله قوله {إنما أنت منذر من يخشاها} . ~~وعكسه قوله {وما يضل به إلا الفاسقين} أي كل من ضل به فهو فاسق. فهو ذم لمن ~~يضل به فإنه فاسق. ليس أنه كان فاسقا قبل ذلك. ولهذا تأولها سعد بن أبي ~~وقاص في الخوارج وسماهم " فاسقين ms5209 " لأنهم ضلوا بالقرآن. فمن ضل بالقرآن فهو ~~فاسق. فقوله {إن الذين كفروا} من هذا الباب. والتقدير: من ختم على قلبه ~~وجعل على سمعه وبصره غشاوة فسواء عليك أنذرته أم لم تنذره هو لا يؤمن أي ما ~~دام كذلك. # PageV16P588 # ولكن هذا قد يزول وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم {إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا} وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك " المتوكل " لست بفظ ~~ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق. ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر. ~~ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فأفتح به أعينا عميا وآذانا صما ~~وقلوبا غلفا. وقد قال {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} {لقد حق ~~القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} فدل على أن بعضهم يؤمنون. ثم قال {إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا} إلى قوله {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب} فهذا هو الإنذار التام وهو الإنذار الذي يقبله المنذر وينتفع به. ~~وقوله {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} هو أصل الإنذار كما يقال في ~~البليد والمشغول الذهن بأمور الدنيا والشهوات: سواء عليك أعلمته أم لم ~~تعلمه لا يتعلم ولا يقبل الهدى ويقال في الذكي الفارغ: إنما يتعلم مثل هذا. ~~ثم المشغول قد يتفرغ. وقد يصلح ذهن بعد فساده ويفسد بعد صلاحه لفساد قلبه ~~وصلاحه. وعلى هذا القول أكثر تفسير السلف كما ذكره ابن إسحاق وقد رواه ابن ~~أبي حاتم وغيره. قال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي # PageV16P589 # محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {إن الذين كفروا} أي بما ~~أنزل إليك وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك {سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون} أي إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ ~~عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك. فكيف ~~يسمعون منك إنذارا وتحذيرا؟ فقد تبين أنهم لا يسمعون الإنذار لكفرهم بما ~~عندهم وما جاءهم من الحق. ومعلوم أن منهم خلقا تابوا بعد ذلك وآمنوا. ms5210 وروي ~~عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: آيتان في قادة الأحزاب {إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} . قال: هم الذين ذكرهم ~~الله في هذه الآية {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم ~~دار البوار} . (قلت: جعلهم قادة الأحزاب لكونهم أضلوا الأتباع فأحلوهم دار ~~البوار. والأحزاب يوم الخندق قد أسلم عامة قادتها وحسن إسلامهم مثل عكرمة ~~بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأبي سفيان. وهؤلاء أسلم منهم من ~~أسلم عام الفتح وهم الطلقاء. ومنهم من أسلم قبل ذلك. والحزب الآخر غطفان ~~وقد أسلموا أيضا. # PageV16P590 # والآية لا بد أن تتناول كفار أهل الكتاب كما قال ابن إسحاق فإن السورة ~~مدنية وإن تناولت مع ذلك المشركين. فهي تعم كل كافر. ومقاتل والضحاك يخصها ~~ببعض مشركي العرب. وابن السائب يقول: هي إنما نزلت في اليهود منهم حيي بن ~~أخطب. وكذلك ما ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس أنها في اليهود. وأبو العالية ~~يقول: إنها نزلت في قادة الأحزاب. والآية تعم هؤلاء كلهم وغيرهم كما أن ~~آيات المؤمنين والمنافقين كان سبب نزولها المؤمنين والمنافقين الموجودين ~~وقت النزول وهي تعمهم وغيرهم من المؤمنين والمنافقين إلى قيام الساعة. ~~والمقصود أن قوله {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} كقوله ~~{فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} {وما أنت ~~بهادي العمي عن ضلالتهم} وقوله {أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون} ~~{ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} . وكل هذا فيه ~~بيان أن مجرد دعائك وتبليغك وحرصك على هداهم ليس موجب ذلك وإنما يحصل ذلك ~~إذا شاء الله هداهم فشرح صدورهم للإسلام كما قال تعالى {إن تحرص على هداهم ~~فإن الله # PageV16P591 # لا يهدي من يضل} ففيه تعزية لرسوله صلى الله عليه وسلم وبينت الآية له أن ~~تبليغك وإن لم يهتدوا به ففيه مصالح عظيمة غير ذلك. وفيه بيان أن الهدى هدى ~~الله. ف {من يهد الله ms5211 فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} وقد قال ~~له {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . ففيه تقرير التوحيد ~~وتقرير مقصود الرسالة. وهو سبحانه أخبر عمن لا يؤمن فقال {إن الذين حقت ~~عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} {ولو جاءتهم كل آية} . وقال {لتنذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم فهم غافلون} " ثم قال {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} . ~~فخص في هذه الآية وفي تلك {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك} . وهم الذين حق ~~عليهم القول أي حق عليهم ما قاله الله سبحانه وكتبه وقدره. فجعل الموجب هو ~~التقدير السابق وهو قوله. والقول وإن كان قد يكون خبرا مجردا بما سيكون وقد ~~يكون قولا يتضمن أشياء كاليمين المتضمنة للحض والمنع. فقد ذكر في مواضع ~~تقدم اليمين كقوله {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني} ونحو ~~ذلك. # PageV16P592 # فهو خبر عما قاله أو قاله وكتبه. وهو التقدير الذي يتضمن أنه قدر ما ~~يفعله وعلمه وكتبه كما تظاهرت النصوص بأن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. والقدر تضمن علمه بما سيكون ومشيئته ~~لوجود ما قدره وعلم أن سيخلقه. والقول قد يكون خبرا وقد يكون فيه معنى ~~الطلب الحض والمنع بالقسم وإما لكتابته على نفسه كقوله {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} وقوله {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وقوله " {يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} ". # وأما قوله {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} فهذا مختص بالكفار. وهو ~~الوعيد المتضمن الجزاء على الأعمال كما قال تعالى لإبليس {لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين} . # وقوله {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} أي إن عذابهم له ~~أجل مسمى إما يوم القيامة وإما في الدنيا كيوم بدر وإما عقب الموت وقد ذكر ~~في الآية الأقوال الثلاثة. فلولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لكان ~~العذاب لزاما أي لازما لهم. فإن المقتضي له قائم ms5212 تام وهو كفرهم. # PageV16P593 # وأما إذا أطلق القول على الكفار من غير تقييد فإنه لا يريد من لا يؤمن ~~منهم. فإن اللفظ لا يدل على ذلك ألبتة. وأيضا فإن هذا لا فائدة فيه إذ كان ~~أولئك غير معروفين وإنما هم طائفة قد حق عليهم القول وهم لا يتميزون من ~~غيرهم. بل هو مأمور بإنذار الجميع وفيهم من يؤمن ومن لا يؤمن. فذكر اللفظ ~~العام؛ وإرادة أولئك دون غيرهم ليس فيه بيان للمراد الخاص. وذكر المعنى ~~الذي أوجب أنهم لا يؤمنون قط ولا فيه تعليق الحكم بالمعنى العام. وكلام ~~الله تعالى يصان عن مثل ذلك. وما ذكر من الموانع هي موجودة في كل من لم ~~يقبل الإنذار سواء كان كافرا أو منافقا أو فاسقا أو غير ذلك لسبب يوجب ذلك ~~فيمتنع قبول الإنذار بسبب الموانع. ولكن هذه الموانع قد تزول فإنها ليست ~~لازمة لكل كافر. وإذا كان المانع ما سبق من القول الذي حق عليهم فقد لا ~~يزول أبدا كما قال {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} {ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم} . وقد يذكر هذا وهذا. # PageV16P594 # وأما إذا اقتصر على ذكر الموانع التي فيهم ولم يذكر ما سبق من القول فهذه ~~الموانع يرجى زوالها ويمكن ما لم يذكر معها ما يقتضي امتناع تغير حالهم ~~وحصول الهدى. # فصل: # {قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} . جاء الخطاب فيها ب " ما " ~~ولم يجئ ب " من " فقيل: {لا أعبد ما تعبدون} لم يقل " لا أعبد من تعبدون " ~~لأن " من " لمن يعلم والأصنام لا تعلم. # وهذا القول ضعيف جدا، فإن معبود المشركين يدخل فيه من يعلم كالملائكة ~~والأنبياء والجن والإنس ومن لم يعلم. وعند الاجتماع تغلب صيغة أولي العلم ~~كما في قوله {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع} . فإذا أخبر عنهم بحال من يعلم عبر عنهم بعبادته كما في ~~قوله {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ms5213 إن ~~كنتم صادقين} {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} الآية فعبر عنهم ~~بضمير الجمع المذكر وهو لأولي العلم. # PageV16P595 # وأما ما لا يعلم فجمعه مؤنث كما تقول: الأموال جمعتها والحجارة قذفتها. ف ~~" ما " هي لما لا يعلم ولصفات من يعلم. ولهذا تكون للجنس العام لأن شمول ~~الجنس لما تحته هو باعتبار صفاته كما قال {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~أي الذي طاب والطيب من النساء. فلما قصد الإخبار عن الموصوف بالطيب وقصد ~~هذه الصفة دون مجرد العين عبر ب " ما ". ولو عبر ب " من " كان المقصود مجرد ~~العين والصفة للتعريف حتى لو فقدت لكانت غير مقصودة كما إذا قلت: جاءني من ~~يعرف ومن كان أمس في المسجد ومن فعل كذا ونحو ذلك. فالمقصود الإخبار عن ~~عينه والصلة للتعريف وإن كانت تلك الصفة قد ذهبت. ومنه قوله {والسماء وما ~~بناها} {والأرض وما طحاها} {ونفس وما سواها} على القول الصحيح إنها اسم ~~موصول والمعنى: وبانيها وطاحيها ومسويها ولما قال {قد أفلح من زكاها} {وقد ~~خاب من دساها} أخبر ب " من " لأن المقصود الإخبار عن فلاح عينه وإن كان ~~فعله للتزكية والتدسية قد ذهب في الدنيا. فالقسم هناك بالموصوف بحيث إنه ~~إنما أقسم بهذا الموصوف والصفة # PageV16P596 # لازمة. فإنه لا توجد مبنية إلا ببانيها ولا مطحية إلا بطاحيها ولا مسواة ~~إلا بمسويها. وأما المرء المزكي نفسه والمدسيها فقد انقضى عمله في الدنيا ~~وفلاحه وخيبته في الآخرة ليسا مستلزمين لذلك العمل. ونحو هذا قوله {وما خلق ~~الذكر والأنثى} . ولهذا يستفهم بها عن صفات من يعلم في قوله {وما رب ~~العالمين} كما يستفهم على وجه بها في قوله {ماذا تعبدون} . وأما قوله {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} فالاستفهام عن عين الخالق ~~للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد. فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة ~~الخالق وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه ~~وحده العبادة. وأما فرعون فكان منكرا للموصوف المسمى فاستفهم بصيغة " ما " ~~لأنه لم يكن مقرا به طالبا ms5214 لتعيينه. ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام ~~بقول موسى {رب السماوات والأرض} وبقوله {ربكم ورب آبائكم الأولين} فأجاب ~~أيضا بالصفة. وهناك قال {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} فكان الجواب ~~بالاسم المميز للمسمى عن غيره. وكذلك قوله {قل لمن الأرض ومن فيها} إلى ~~تمام الآيات. # PageV16P597 # فقوله {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} يقتضي تنزيهه عن كل ~~موصوف بأنه معبودهم. لأن كل ما عبده الكافر وجبت البراءة منه لأن كل من كان ~~كافرا لا يكون معبوده الإله الذي يعبده المؤمن. إذ لو كان هو معبوده لكان ~~مؤمنا لا كافرا. وذلك يتضمن أمورا. أحدها: أن ذلك يستلزم براءته من أعيان ~~من يعبدونهم من دون الله. الثاني: أنهم إذا عبدوا الله وغيره فمعبودهم ~~المجموع وهو لا يعبد المجموع لا يعبد إلا الله وحده. فيعبده على وجه إخلاص ~~الدين له لا على وجه الشرك بينه وبين غيره. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين ~~قول الخليل {إنني براء مما تعبدون} {إلا الذي فطرني} وقوله {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} بأن ~~يقال: هنا نفي عبادة المجموع وذلك لا ينفي عبادة الواحد الذي هو الله. ~~والخليل تبرأ من المجموع وذلك يقتضي البراءة من كل واحد فاستثنى. أو يقال: ~~الخليل تبرأ من جميع المعبودين من الجميع فوجب أن يستثنى رب العالمين. ~~ولهذا لما وقع مستثنى في أول الكلام في قوله # PageV16P598 # {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء ~~منكم ومما تعبدون من دون الله} لم يحتج إلى استثناء آخر. وأما هذه السورة ~~فإن فيها التبري من عبادة ما يعبدون لا من نفس ما يعبدون. وهو بريء منهم ~~ومن عبادتهم ومما يعبدون. فإن ذلك كله باطل كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول الله: " {أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك ~~فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك} ". فعبادة المشرك كلها باطلة لا ~~يقال: ms5215 نصيب الله منها حق والباقي باطل بخلاف معبودهم. فإن الله إله حق وما ~~سواه آلهة باطلة. فلما تبرأ الخليل من المعبودين احتاج إلى استثناء رب ~~العالمين. ولما كان في هذه تبرؤه من أن يعبد ما يعبدون فكان المنفي هو ~~العبادة تبرأ من عبادة المجموع الذين يعبدهم الكافرون. الثالث: إن كان ~~النفي عن الموصوف بأنه معبودهم لا عن عينه فهو لا يعبد شيئا من حيث هو ~~معبودهم. لأنه من حيث هو معبودهم هم مشركون به فوجبت البراءة من عبادته على ~~ذلك الوجه. ولو قال " من تعبدون " لكان يقال: إلا رب العالمين لأن النفي ~~واقع على # PageV16P599 # عين المعبود. وليس إذا لم يعبد ما يعبدون متبرئا منه ومعاديا له حتى ~~يحتاج إلى الاستثناء. بل هو تارك لعبادة ما يعبدون. وهذا يتبين بالوجه ~~الرابع: وهو قوله {ولا أنتم عابدون ما أعبد} نفى عنهم عبادة معبوده. فهم ~~إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده. وكذلك هو إذا عبده ~~مخلصا له الدين لم يكن عابدا معبودهم. الوجه الخامس: أنهم لو عينوا الله ~~بما ليس هو الله وقصدوا عبادة الله معتقدين أن هذا هو الله كالذين عبدوا ~~العجل والذين عبدوا المسيح والذين يعبدون الدجال والذين يعبدون ما يعبدون ~~من دنياهم وهواهم ومن عبد من هذه الأمة فهم عند نفوسهم إنما يعبدون الله ~~لكن هذا المعبود الذي لهم ليس هو الله. فإذا قال {لا أعبد ما تعبدون} كان ~~متبرئا من هؤلاء المعبودين وإن كان مقصود العابدين هو الله. الوجه السادس: ~~أنهم إذا وصفوا الله بما هو بريء منه كالصاحبة والولد والشريك وأنه فقير أو ~~بخيل أو غير ذلك وعبدوه كذلك. فهو بريء من المعبود الذي لهؤلاء. فإن هذا ~~ليس هو الله # PageV16P600 # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {ألا ترون كيف يصرف الله عني سب ~~قريش؟ يسبون مذمما وأنا محمد} ". فهم وإن قصدوا عينه لكن لما وصفوه بأنه ~~مذمم كان سبهم واقعا على من هو مذمم وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وذاك ليس ~~هو الله. ms5216 فالمؤمنون برآء مما يعبد هؤلاء. الوجه السابع: أن كل من لم يؤمن ~~بما وصف به الرسول ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول من تلك ~~الجهة. وقس على هذا فلتتأمل هذه المعاني وتلخص وتهذب والله تعالى أعلم. # PageV16P601 ### | سورة تبت # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # " سورة تبت " نزلت في هذا وامرأته وهما من أشرف بطنين في قريش وهو عم علي ~~وهي عمة معاوية واللذان تداولا الخلافة في الأمة هذان البطنان: بنو أمية ~~وبنو هاشم وأما أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعد عنه صلى الله عليه وسلم ~~واتفق في عهدهما ما لم يتفق بعدهما. وليس في القرآن ذم من كفر به صلى الله ~~عليه وسلم باسمه إلا هذا وامرأته ففيه أن الأنساب لا عبرة بها بل صاحب ~~الشرف يكون ذمه على تخلفه عن الواجب أعظم. كما قال تعالى: {يا نساء النبي ~~من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب} الآية. قال النحاس: {تبت يدا ~~أبي لهب} دعاء عليه بالخسر وفي قراءة عبد الله: وقد تب وقوله: {وما كسب} أي ~~ولده. فإن قوله: # PageV16P602 # {وما كسب} يتناوله كما في الحديث ولده من كسبه. واستدل بها على جواز ~~الأكل من مال الولد. ثم أخبر أنه: {سيصلى نارا} أخبر بزوال الخير وحصول ~~الشر و " الصلي " الدخول والاحتراق جميعا. وقوله: {حمالة الحطب} إن كان ~~مثلا للنميمة؛ لأنها تضرم الشر فيكون حطب القلوب وقد يقال: ذنبها أعظم وحمل ~~النميمة لا يوصف بالحبل في الجيد وإن كان وصفا لحالها في الآخرة كما وصف ~~بعلها وهو يصلى وهي تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر. فيكون من حشر ~~الأزواج وفيه عبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما. ~~ويكون القرآن قد عمم الأقسام الممكنة في الزوجين وهي أربعة إما كإبراهيم ~~وامرأته وإما هذا وامرأته وإما فرعون وامرأته وإما نوح وامرأته ولوط ~~ويستقيم أن يفسر حمل الحطب بالنميمة بحمل الوقود في الآخرة كقوله: " {من ~~كان له لسانان} إلخ. والله أعلم. PageV16P603 # الجزء السابع عشر # كتاب ms5217 التفسير # الجزء الرابع # تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ~~بعده. ### | سورة الإخلاص # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله - تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية - ~~رضي الله عنه -: # عما ورد في سورة {قل هو الله أحد} أنها تعدل ثلث القرآن وكذلك ورد في ~~سورة (الزلزلة) و {قل يا أيها الكافرون} و (الفاتحة) هل ما ورد في هذه ~~المعادلة ثابت في المجموع أم في البعض؟ ومن روى ذلك؟ وما ثبت من ذلك؟ وما ~~معنى هذه المعادلة وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل؟ وهل هذه المفاضلة ~~- بتقدير # PageV17P005 # ثبوتها - متعدية إلى الأسماء والصفات أم لا؟ والصفات القديمة والأسماء ~~القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع أنها قديمة؟ ومن القائل بذلك وفي أي ~~كتبه قال ذلك ووجه الترجيح في ذلك بما يمكن من دليل عقلي ونقلي؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، أما الذي أخرجه أصحاب الصحيح - كالبخاري ومسلم - فأخرجوا فضل ~~{قل هو الله أحد} وروي عن الدارقطني أنه قال: لم يصح في فضل سورة أكثر مما ~~صح في فضلها. وكذلك أخرجوا فضل فاتحة الكتاب قال صلى الله عليه وسلم فيها ~~{إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها} لم يذكر فيها ~~أنها تعدل جزءا من القرآن كما {قال في {قل هو الله أحد} إنها تعدل ثلث ~~القرآن} ففي صحيح البخاري عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن ~~في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال الله ~~الواحد الصمد ثلث القرآن} . وفي صحيح مسلم عن معدان بن أبي طلحة عن أبي ~~الدرداء عن {النبي صلى الله عليه وسلم قال أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث ~~القرآن؟ # PageV17P006 # قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن} . ~~وروى مسلم أيضا عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله ms5218 عليه وسلم قال: {إن الله ~~جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل {قل هو الله أحد} جزءا من أجزاء القرآن} . وفي ~~صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن {أبي سعيد أن رجلا ~~سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد} يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن} . وأخرج عن أبي سعيد قال: ~~أخبرني أخي قتادة بن النعمان {أن رجلا قام في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ من السحر {قل هو الله أحد} لا يزيد عليها. . الحديث} بنحوه. وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احشدوا ~~فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن قال: فحشد من حشد ثم خرج نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم فقرأ {قل هو الله أحد} ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرا ~~جاءه من السماء فذاك الذي أدخله. ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن} وفي لفظ له ~~{قال: خرج علينا رسول الله # PageV17P007 # صلى الله عليه وسلم فقال أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} حتى ختمها.} وأما حديث " الزلزلة " و {قل يا أيها الكافرون} ~~فروى الترمذي عن أنس بن مالك قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن. ومن قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ~~ربع القرآن} . وعن ابن عباس قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا ~~زلزلت} تعدل نصف القرآن و {قل يا أيها الكافرون} تعدل ربع القرآن} رواهما ~~الترمذي وقال عن كل منهما: غريب. وأما حديث (الفاتحة فروى البخاري في صحيحه ~~{عن أبي سعيد ابن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم ms5219 أجبه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي. قال ألم يقل ~~الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} ثم قال لأعلمنك سورة هي أعظم سورة ~~في القرآن قال {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم} . ~~وفي السنن والمسانيد من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب ألا أعلمك سورة ما أنزل ~~في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها - قال - ~~فإني أرجو # PageV17P008 # ألا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها وقال فيه كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت ~~عليه أم القرآن فقال والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أعطيته} . ورواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي سعيد مولى ~~عامر بن كريز مرسلا. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: {قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط {قل أعوذ برب ~~الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} } . وفي لفظ: {قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنزل علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتان} فقد أخبر في هذا الحديث ~~الصحيح أنه لم ير مثل المعوذتين كما أخبر أنه لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثل الفاتحة وهذا مما يبين فضل بعض ~~القرآن على بعض. # فصل: # وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة مع الاشتراك في كون الجميع كلام الله ~~فهذا السؤال يتضمن شيئين: أحدهما: أن كلام الله هل بعضه أفضل من بعض أم لا؟ ~~والثاني: ما معنى كون ( {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن؟ وما سبب ذلك؟ # PageV17P009 # فنقول: # أما الأول فهو " مسألة كبيرة " والناس متنازعون فيها نزاعا منتشرا فطوائف ~~يقولون: بعض كلام الله أفضل من بعض كما نطقت به النصوص النبوية: حيث أخبر ~~عن (الفاتحة أنه ms5220 لم ينزل في الكتب الثلاثة مثلها. وأخبر عن سورة (الإخلاص) ~~أنها تعدل ثلث القرآن وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف. وجعل ~~(آية الكرسي أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا وكما ثبت ذلك ~~في صحيح مسلم أن {النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب يا أبا المنذر ~~أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا ~~أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟ قال: فقلت: {الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم} قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر} . ورواه ~~ابن أبي شيبة في مسنده بإسناد مسلم وزاد فيه {والذي نفسي بيده إن لهذه ~~الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش} . وروي أنها {سيدة آي ~~القرآن.} وقال في المعوذتين: {لم ير مثلهن قط} وقد قال تعالى {ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها. ~~وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى ~~فدل ذلك على أن # PageV17P010 # الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى. وأيضا فالتوراة والإنجيل والقرآن ~~جميعها كلام الله مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة. قال ~~تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه} . وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقال تعالى: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله} فأخبر أنه أحسن الحديث فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث ~~المنزلة من عند الله وغير المنزلة. وقال تعالى {ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم} . وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله ~~فإنه يدل على أن القرآن العظيم له اختصاص بهذا الوصف ms5221 على ما ليس كذلك. وقد ~~سمى الله القرآن كله مجيدا وكريما وعزيزا. وقد تحدى الخلق بأن يأتوا بمثله ~~أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة منه فقال: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين} . وقال {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} . وقال: {فأتوا بسورة من ~~مثله} وخصه بأنه لا يقرأ في الصلاة إلا هو فليس لأحد أن يقرأ غيره مع ~~قراءته ولا بدون قراءته ولا يصلي بلا قرآن، فلا يقوم غيره # PageV17P011 # مقامه مع القدرة عليه. وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل وجه ~~باتفاق المسلمين سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها أو قيل بأنها واجبة ~~يأثم تاركها ولا إعادة عليه أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد إن قراءة غيرها ~~مساو لقراءتها من كل وجه. وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر كما ثبت ~~ذلك عن الصحابة - مثل سعد وسلمان وابن عمر - وجماهير السلف والخلف الفقهاء ~~الأربعة وغيرهم. ومضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي ~~كتبه لعمرو بن حزم الذي لا ريب في أنه كتبه له ودل على ذلك كتاب الله. ~~وكذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء الفقهاء الأربعة وغيرهم كما ~~دلت على ذلك السنة. وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه ~~أفضل في نفسه وإن كان ذلك ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح وهذا خلاف ما ~~علم من سنة الرب تعالى في شرعه بل وفي خلقه وخلاف ما تدل عليه الدلائل ~~العقلية مع الشرعية. وأيضا فقد قال تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم} وقال تعالى: {فبشر عبادي} {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وقال ~~تعالى: {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} . فدل على # PageV17P012 # أن فيما أنزل حسن وأحسن سواء كان الأحسن هو والناسخ الذي يجب الأخذ به ~~دون المنسوخ إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتي بخير منها أو مثلها أو كان غير ~~ذلك. والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو ms5222 ~~الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم وكلام القائلين بذلك ~~كثير منتشر في كتب كثيرة مثل ما سيأتي ذكره عن أبي العباس ابن سريج في ~~تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل القرآن على ثلاثة أقسام: ثلث منه أحكام ~~وثلث منه وعد ووعيد وثلث منه الأسماء والصفات. وهذه السورة جمعت الأسماء ~~والصفات. ومثل ما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد في مسألة تعيين الفاتحة في ~~الصلاة قال أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي في كتابه " الاصطلام ~~" وأما قولهم: إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة قلت: ~~سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا ~~قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب وعندكم على السنة. قال: وقد ~~قال أصحابنا إن قراءة الفاتحة لما وجبت في الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة لأن ~~القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه السورة ~~أشرف السور لأنها السبع المثاني ولأنها تصلح عوضا عن جميع السور ولا # PageV17P013 # تصلح جميع السور عوضا عنها ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل سورة ما على ~~قدرها من الآيات وذلك من الثناء والتحميد للرب والاستعانة والاستعاذة ~~والدعاء من العبد. فإذا صارت هذه السورة أشرف السور وكانت الصلاة أشرف ~~الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات. هذا لفظه فقد نقل عن أصحاب ~~الشافعي أن هذه السورة أشرف السور كما أن الصلاة أشرف الحالات وبينوا من ~~شرفها على غيرها ما ذكروه. وكذلك ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أحمد كالقاضي ~~أبي يعلى بن القاضي أبي خازم بن القاضي أبي يعلى بن الفراء قال في تعليقه - ~~ومن خطه نقلت - قال في مسألة كون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة: أما الطريق ~~المعتمد في المسألة فهو أنا نقول: الصلاة أشرف العبادات وجبت فيها القراءة ~~فوجب أن يتعين لها أشرف السور والفاتحة أشرف السور فوجب أن تتعين. قال: ~~واعلم أنا نحتاج في تمهيد هذه الطريقة إلى شيئين: أحدهما: أن الصلاة أشرف ~~العبادات والثاني: أن الحمد أشرف السور. واستدل ms5223 على ذلك بما ذكره قال: وأما ~~الدليل على أن فاتحة الكتاب أشرف فالنص والمعنى والحكم: أما النص فما تقدم ~~من أنها عوض من غيرها. وعن أبي سعيد # PageV17P014 # الخدري عن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: فاتحة الكتاب شفاء من السم} . ~~وقال الحسن البصري: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب من السماء أودع علومها ~~أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة ~~الفرقان ثم أودع علوم القرآن المفصل ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب. فمن ~~علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ ~~التوراة والإنجيل والزبور والقرآن. وأما المعنى فهو أن الله قابلها بجميع ~~القرآن فقال: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} . وهذه حقيقة ~~لا يدانيها غيرها فيها قلت: هذا على قول من جعلها هي السبع المثاني وجعل ~~القرآن العظيم جميع القرآن. قال: ولأنها تسمى " أم القرآن " وأم الشيء أصله ~~ومادته ولهذا سمى الله مكة " أم القرى " لشرفها عليهن. ولأنها السبع ~~المثاني ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة من الثناء والتحميد للرب ~~تعالى والاستعانة به والاستعاذة والدعاء من العبد على ما {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي} الحديث ~~المشهور. قال: ولأنه لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ~~الزبور ولا في شيء من الكتب يدل عليه أنها تيسر قراءتها على كل أحد ما لا ~~يتيسر غيرها من القرآن. # PageV17P015 # وتضرب بها الأمثال ولهذا يقال: فلان يحفظ الشيء مثل الفاتحة وإذا كانت ~~بهذه المثابة فغيرها لا يساويها في هذا فاختصت بالشرف ولأنها السبع المثاني ~~قال أهل التفسير: معنى ذلك أنها تثنى قراءتها في كل ركعة. قال بعضهم: ثني ~~نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم قلت: وفيه أقوال أخر. قال: وأما الحكم ~~فلأنه تستحب قراءتها في كل ركعة ويكره الإخلال بها ولولا أنها أشرف لما ~~اختصت بهذا المعنى يدل عليه أن عند المنازعين - يعني أصحاب أبي حنيفة - أن ~~من أخل ms5224 بقراءتها وجب عليه سجود السهو. فنقول: لا يخلو إما أن تكون ركنا أو ~~ليست بركن فإن كانت ركنا وجب أن لا تجبر بالسجود وإن لم تكن ركنا وجب أن لا ~~يجب عليه سجود. قلت: يعني بذلك أن السجود لا يجب إلا بترك واجب في حال ~~العمد فإذا سها عنه وجب له السجود وما كان واجبا فإذا تعمد تركه وجب أن ~~تبطل صلاته لأنه لم يفعل ما أمر به بخلاف من سها عن بعض الواجبات فإن هذا ~~يمكن أن يجبر ما تركه بسجود السهو. ومذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة أن سجود ~~السهو واجب لأن من الواجبات عندهم ما إذا تركه سهوا لم تبطل الصلاة. كما لا ~~تبطل بالزيادة سهوا باتفاق العلماء ولو زاد عمدا لبطلت الصلاة. لكن مالكا ~~وأحمد في المشهور عنهما يقولان: # PageV17P016 # ما كان واجبا إذا تركه عمدا بطلت صلاته وإذا تركه سهوا فمنه ما يبطل ~~الصلاة ومنه ما ينجبر بسجود السهو فترك الركوع والسجود والقراءة يبطل ~~الصلاة مطلقا وترك التشهد الأول عندهما يبطل الصلاة عمده ويجب السجود ~~لسهوه. وأما أبو حنيفة فيقول: الواجب الذي ليس بفرض - كالفاتحة - إذا تركه ~~كان مسيئا ولا يبطل الصلاة. والشافعي لا يفرق في الصلاة بين الركن والواجب. ~~ولكن فرق بينهما في الحج هو وسائر الأئمة. والمقصود هنا ذكر بعض من قال إن ~~الفاتحة أشرف من غيرها. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما {قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأبي. هل تعلم سورة ما أنزل الله لا في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها؟} فمعناه مثلها في جمعها لمعاني ~~الخير لأن فيها الثناء على الله عز وجل بما هو أهله وما يستحقه من الحمد ~~الذي هو له حقيقة لا لغيره لأن كل نعمة وخير منه لا من سواه فهو الخالق ~~الرازق لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو محمود على ذلك وإن حمد غيره ~~فإليه يعود الحمد. وفيها التعظيم له وأنه الرب للعالم أجمع ومالك الدنيا ~~والآخرة ms5225 وهو المعبود والمستعان. وفيها تعليم الدعاء والهدى ومجانبة طريق من ~~ضل وغوى. والدعاء لباب العبادة فهي أجمع سورة للخير ليس في الكتب مثلها على ~~هذه # PageV17P017 # الوجوه. قال: وقد قيل إن معنى ذلك أنها تجزئ الصلاة بها دون غيرها ولا ~~يجزئ غيرها عنها. وليس هذا بتأويل مجتمع عليه. قلت: يعني بذلك أن في هذا ~~نزاعا بين العلماء وهو كون الصلاة لا تجزئ إلا بها وهذا يدل على أن الوصف ~~الأول متفق عليه بين العلماء وهو أنها أفضل السور. # ومن هذا الباب ما في الكتاب والسنة من تفضيل القرآن على غيره من كلام ~~الله التوراة والإنجيل وسائر الكتب وأن السلف كلهم كانوا مقرين بذلك ليس ~~فيهم من يقول الجميع كلام الله فلا يفضل القرآن على غيره قال الله تعالى: ~~{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} فأخبر أنه أحسن الحديث وقال ~~تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين} . # " وأحسن القصص " قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به. قيل: المعنى نحن نقص ~~عليك أحسن الاقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم ونبين لك أحسن البيان. قال ~~الزجاج: نحن نبين لك أحسن البيان. والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها. ~~قال وقوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} أي بوحينا إليك هذا القرآن ومن ~~قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن وعلى هذا القول فهو كقوله: نقرأ # PageV17P018 # عليك أحسن القراءة ونتلوا عليك أحسن التلاوة والثاني أن المعنى نقص عليك ~~أحسن ما يقص أي أحسن الأخبار المقصوصات كما قال في السورة الأخرى: {الله ~~نزل أحسن الحديث} وقال: {ومن أصدق من الله قيلا} . ويدل على ذلك قوله في ~~قصة موسى: {فلما جاءه وقص عليه القصص} وقوله: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب} المراد خبرهم ونبؤهم وحديثهم ليس المراد مجرد المصدر. والقولان ~~متلازمان في المعنى كما سنبينه ولهذا يجوز أن يكون هذا المنصوب قد جمع معنى ~~المصدر ومعنى المفعول به لأن فيه كلا المعنيين بخلاف المواضع التي يباين ms5226 ~~فيها الفعل المفعول به فإنه إذا انتصب بهذا المعنى امتنع المعنى الآخر. ومن ~~رجح الأول من النحاة - كالزجاج وغيره - قالوا: القصص مصدر يقال قص أثره ~~يقصه قصصا ومنه قوله تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصا} . وكذلك اقتص أثره ~~وتقصص وقد اقتصصت الحديث: رويته على وجهه وقد اقتص عليه الخبر قصصا. وليس ~~القصص بالفتح جمع قصة كما يظنه بعض العامة. فإن ذلك يقال في قصص بالكسر ~~واحده قصة والقصة هي الأمر والحديث الذي يقص فعلة بمعنى مفعول وجمعه قصص ~~بالكسر. وقوله: {نحن نقص عليك أحسن القصص} بالفتح لم يقل أحسن القصص بالكسر ~~ولكن # PageV17P019 # بعض الناس ظنوا أن المراد أحسن القصص بالكسر وأن تلك القصة قصة يوسف وذكر ~~هذا طائفة من المفسرين. ثم ذكروا: لم سميت أحسن القصص؟ فقيل: لأنه ليس في ~~القرآن قصة تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة. وقيل: ~~لامتداد الأوقات بين مبتداها ومنتهاها. وقيل لحسن محاورة يوسف وإخوته وصبره ~~على أذاهم وإغضائه عن ذكر ما تعاطوه عند اللقاء وكرمه في العفو. وقيل لأن ~~فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام ~~والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ~~ومكرهن وحيلهن وفيها أيضا ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا ~~والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش فصارت أحسن القصص لما فيها من المعاني ~~والفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل فيها ذكر الحبيب والمحبوب. وقيل " ~~أحسن " بمعنى أعجب. والذين يجعلون قصة يوسف أحسن القصص منهم من يعلم أن " ~~القصص " بالفتح هو النبأ والخبر ويقولون هي أحسن الأخبار والأنباء وكثير ~~منهم يظن أن المراد أحسن القصص بالكسر وهؤلاء جهال بالعربية وكلا القولين ~~خطأ وليس المراد بقوله: # (أحسن القصص) قصة يوسف وحدها بل هي مما قصه الله ومما يدخل في أحسن القصص # PageV17P020 # ولهذا قال تعالى في آخر السورة: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون} {حتى إذا استيئس الرسل ms5227 ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين} {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} فبين أن العبرة ~~في قصص المرسلين وأمر بالنظر في عاقبة من كذبهم وعاقبتهم بالنصر. ومن ~~المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة يوسف ~~بكثير كثير ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن ثناها الله ~~أكثر من غيرها وبسطها وطولها أكثر من غيرها؛ بل قصص سائر الأنبياء - كنوح ~~وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين - أعظم من قصة يوسف ولهذا ثنى الله ~~تلك القصص في القرآن ولم يثن قصة يوسف وذلك لأن الذين عادوا يوسف لم يعادوه ~~على الدين بل عادوه عداوة دنيوية وحسدوه على محبة أبيه له وظلموه فصبر ~~واتقى الله وابتلي صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة فصبر ~~واتقى الله في هذا وفي هذا وابتلي أيضا بالملك فابتلي بالسراء والضراء فصبر ~~واتقى الله في هذا وهذا فكانت قصته من أحسن القصص وهي # PageV17P021 # أحسن من القصص التي لم تقص في القرآن فإن الناس قد يظلمون ويحسدون ويدعون ~~إلى الفاحشة ويبتلون بالملك لكن ليس من لم يذكر في القرآن ممن اتقى الله ~~وصبر مثل يوسف ولا فيهم من كانت عاقبته أحسن العواقب في الدنيا والآخرة مثل ~~يوسف. وهذا كما أن قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين كل منهما هي في جنسها ~~أحسن من غيرها. فقصة ذي القرنين أحسن قصص الملوك وقصة أهل الكهف أحسن قصص ~~أولياء الله الذين كانوا في زمن الفترة. فقوله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص} يتناول كل ما قصه في كتابه فهو أحسن مما لم يقصه ليس المراد أن قصة ~~يوسف أحسن ما قص في القرآن. وأين ما جرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم ~~وغيرهم من الرسل وأين ما عودي أولئك مما عودي فيه يوسف وأين فضل ms5228 أولئك عند ~~الله وعلو درجتهم من يوسف - صلوات الله عليهم أجمعين؟ وأين نصر أولئك من ~~نصر يوسف؟ فإن يوسف كما قال الله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} وأذل الله ~~الذين ظلموه ثم تابوا فكان فيها من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر ~~واتقى الله كانت له العاقبة وأن الظالم الحاسد # PageV17P022 # قد يتوب الله عليه ويعفو عنه وأن المظلوم ينبغي له العفو عن ظالمه إذا ~~قدر عليه. وبهذا {اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لما قام على ~~باب الكعبة وقد أذل الله له الذين عادوه وحاربوه من الطلقاء - فقال: ماذا ~~أنتم قائلون؟ فقالوا: نقول أخ كريم وابن عم كريم. فقال: إني قائل لكم كما ~~قال يوسف لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} ~~} . وكذلك {عائشة لما ظلمت وافتري عليها وقيل لها: إن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت في كلامها: أقول كما قال أبو يوسف {فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون} } . ففي قصة يوسف أنواع من العبرة ~~للمظلوم والمحسود والمبتلى بدواعي الفواحش والذنوب وغير ذلك. لكن أين قصة ~~نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوهم ممن كانت قصته أنه دعا الخلق إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به؟ فإن هؤلاء أوذوا ~~اختيارا منهم لعبادة الله فعودوا وأوذوا في محبة الله وعبادته باختيارهم ~~فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا وهذا بخلاف من ~~أوذي بغير اختياره كما أخذ يوسف من أبيه بغير اختياره ولهذا كانت محنة يوسف ~~بالنسوة وامرأة العزيز واختياره السجن على معصية الله # PageV17P023 # أعظم من إيمانه ودرجته عند الله وأجره من صبره على ظلم إخوته له؛ ولهذا ~~يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك ولهذا قال تعالى فيه: {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر ~~على المصائب فالأول أعظم وهو صبر المتقين ms5229 أولياء الله. قال سهل بن عبد الله ~~التستري: أفعال البر يفعلها البر والفاجر ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق ~~ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا نبيا. وأما من يظلم بغير اختياره ويصبر ~~فهذا كثير ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. وكذلك إذا مكن المظلوم ~~وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له فعفوه عنه من المحاسن والفضائل لكن هذا ~~يفعله خلق كثير من أهل الدين وعقلاء الدنيا فإن حلم الملوك والولاة أجمع ~~لأمرهم وطاعة الناس لهم وتأليفهم لقلوب الناس وكان معاوية من أحلم الناس ~~وكان المأمون حليما حتى كان يقول: لو علم الناس محبتي في العفو تقربوا إلي ~~بالذنوب ولهذا لما قدر على من نازعه في الملك - وهو عمه إبراهيم بن المهدي ~~- عفا عنه. وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله لا رجاء لمخلوق ولا ~~خوفا منه مع كثرة الدواعي إلى فعل الفاحشة واختياره الحبس الطويل على ذلك ~~كما قال يوسف: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} فهذا لا يوجد نظيره إلا ~~في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه # PageV17P024 # المتقين كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنب أصلا بل الهم ~~الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه توبة ~~واستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم وداود ونوح وغيرهم وإن لم يذكر عن ~~أولئك الأنبياء فاحشة ولله الحمد وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات ~~بالنسبة إلى غيرهم ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما ابتلي به من دواعي ~~الفاحشة وتقواه وصبره في ذلك. وإنما يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {سبعة يظلهم الله تحت ظل ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل معلق قلبه ~~بالمسجد إذا خرج ms5230 حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ~~عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق ~~يمينه} وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم ~~إخوته فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ما أمروا به من دعوتهم ~~إلى عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن # PageV17P025 # المنكر؟ فهذا الصبر هو من جنس الجهاد في سبيل الله إذ كان الجهاد مقصودا ~~به أن تكون كلمة الله هي العليا وأن الدين كله لله فالجهاد والصبر فيه أفضل ~~الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {رأس الأمر الإسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد ~~والترمذي وصححه وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل - وهو أحب الأعمال إلى الله ~~- فالصبر على تلك المعصية صبر المهاجر الذي هجر ما نهي عنه وصبر المجاهد ~~الذي جاهد نفسه في الله وجاهد عدو الله الظاهر والباطن والمهاجر الصابر على ~~ترك الذنب إنما جاهد نفسه وشيطانه ثم يجاهد عدو الله الظاهر لتكون كلمة ~~الله هي العليا ويكون الدين كله لله وصبر المظلوم صبر المصاب. لكن المصاب ~~بمصيبة سماوية تصبر نفسه ما لا تصبر نفس من ظلمه الناس فإن ذاك يستشعر أن ~~الله هو الذي فعل به هذا فتيأس نفسه من الدفع والمعاقبة وأخذ الثأر بخلاف ~~المظلوم الذي ظلمه الناس فإن نفسه تستشعر أن ظالمه يمكن دفعه وعقوبته وأخذ ~~ثأره منه فالصبر على هذه المصيبة أفضل وأعظم كصبر يوسف صلوات الله عليه ~~وسلامه وهذا يكون لأن صاحبه يعلم أن الله قدر ذلك فيصبر على ذلك كالمصائب ~~السماوية ويكون أيضا لينال ثواب الكاظمين الغيظ والعافين عن # PageV17P026 # الناس والله يحب المحسنين وليسلم قلبه من الغل للناس وكلا النوعين يشترك ~~في أن صاحبه يستشعر أن ذلك بذنوبه وهو مما يكفر الله به سيئاته ويستغفر ~~ويتوب وأيضا ms5231 فيرى أن ذلك الصبر واجب عليه وأن الجزع مما يعاقب عليه. وإن ~~ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله ~~الأعظم. وإن رأى ذلك نعمة لما فيه من صلاح قلبه ودينه وقربه إلى الله ~~وتكفير سيئاته وصونه عن ذنوب تدعوه إليها شياطين الإنس والجن شكر الله على ~~هذه النعم. فالمصائب السماوية والآدمية تشترك في هذه الأمور ومعرفة الناس ~~بهذه الأمور وعلمهم بها هو من فضل الله يمن به على من يشاء من عباده؛ ولهذا ~~كانت أحوال الناس في المصائب وغيرها متباينة تباينا عظيما. ثم إذا شهد ~~العبد القدر وأن هذا أمر قدره الله وقضاه وهو الخالق له فهو مع الصبر يسلم ~~للرب القادر المالك الذي يفعل ما يشاء وهذا حال الصابر وقد يسلم تسليمه ~~للرب المحسن المدبر له بحسن اختياره الذي {لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان ~~خيرا له: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له} كما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~تسليم راض لعلمه بحسن اختيار الله له وهذا يورث الشكر. وقد يسلم تسليمه ~~للرب المحسن إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة. وإن لم # PageV17P027 # ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر. وقد يسلم تسليمه لله الذي ~~لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته وهو محمود على كل ما يفعله فإنه عليم ~~حكيم رحيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على كل ~~ما خلقه. فهذا تسليم عبد عابد حامد وهذا من الحامدين الذين هم أول من يدعى ~~إلى الجنة ومن بينهم صاحب لواء الحمد وآدم فمن دونه تحت لوائه. وهذا يكون ~~القضاء خيرا له ونعمة من الله عليه. لكن يكون حمده لله ورضاه بقضائه من حيث ~~عرف الله وأحبه وعبده لاستحقاقه الألوهية وحده لا شريك له فيكون صبره ورضاه ~~وحمده من عبادته الصادرة عن هذه المعرفة والشهادة وهذا يشهد بقلبه أنه لا ~~إله إلا الله ms5232 والإله عنده هو المستحق للعبادة بخلاف من لم يشهد إلا مجرد ~~ربوبيته ومشيئته وقدرته أو مجرد إحسانه ونعمته فإنهما مشهدان ناقصان قاصران ~~وإنما يقتصر عليهما من نقص علمه بالله وبدينه الذي بعث به رسله وأنزل به ~~كتبه كأهل البدع من الجهمية والقدرية الجبرية والقدرية المعتزلة فإن الأول ~~مشهد أولئك والثاني مشهد هؤلاء وشهود ربوبيته وقدرته ومشيئته مع شهود رحمته ~~وإحسانه وفضله مع شهود إلهيته ومحبته ورضاه وحمده والثناء عليه ومجده هو ~~مشهد أهل العلم والإيمان من أهل السنة والجماعة التابعين بإحسان # PageV17P028 # للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وهذه الأمور لبسطها موضع آخر. ~~والمقصود هنا أن هذا يكون للمؤمن في عموم المصائب وما يكون بأفعال المؤمنين ~~فله فيه كظم الغيظ والعفو عن الناس. ويوسف الصديق صلوات الله عليه كان له ~~هذا وأعلى من ذلك الصبر عن الفاحشة مع قوة الداعي إليها فهذا الصبر أعظم من ~~ذلك الصبر بل وأعظم من الصبر على الطاعة. ولهذا قال سبحانه في وصف المتقين ~~الذين أعد لهم الجنة: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون} {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} فوصفهم بالكرم والحلم وبالإنفاق ~~وكظم الغيظ والعفو عن الناس. ثم لما جاءت الشهوات المحرمات وصفهم بالتوبة ~~منها فقال {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن # PageV17P029 # يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا} فوصفهم بالتوبة منها وترك ~~الإصرار عليها لا بترك ذلك بالكلية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~الحديث الصحيح {كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فالعينان ~~تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واللسان يزني وزناه المنطق ~~واليد تزني وزناها البطش والرجل ms5233 تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} . وفي الحديث {كل بني آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون} . فلا بد للإنسان من مقدمات الكبيرة وكثير منهم يقع في الكبيرة ~~فيؤمر بالتوبة ويؤمرون أن لا يصروا على صغيرة فإنه لا صغيرة مع إصرار ولا ~~كبيرة مع استغفار. ويوسف صلى الله عليه وسلم صبر على الذنب مطلقا ولم يوجد ~~منه إلا هم تركه لله كتب له به حسنة. وقد ذكر طائفة من المفسرين أنه وجد ~~منه بعض المقدمات مثل حل السراويل والجلوس مجلس الخاتن ونحو ذلك لكن ليس ~~هذا منقولا نقلا يصدق به فإن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومثل هذه الإسرائيليات إذا لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف ~~صدقها ولهذا لا يجوز تصديقها ولا تكذيبها إلا بدليل والله تعالى يقول في ~~القرآن: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} فدل القرآن على أنه صرف عنه السوء # PageV17P030 # والفحشاء مطلقا ولو كان قد فعل صغيرة لتاب منها. والقرآن ليس فيه ذكر ~~توبته. ومن وقع منه بعض أنواع السوء والفحشاء لم يكن ذلك قد صرف عنه بل ~~يكون قد وقع وتاب الله عليه منه والقرآن يدل على خلاف هذا. وقد شهدت النسوة ~~له أنهن ما علمن عليه من سوء ولو كان قد بدت منه هذه المقدمات لكانت المرأة ~~قد رأت ذلك وهي من النسوة اللاتي شهدن وقلن ما علمنا عليه من سوء وقالت مع ~~ذلك: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} وقالت: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين} . وقوله (سوء نكرة في سياق النفي فدل ذلك على أن المرأة لم تر ~~منه سوءا فإن الهم في القلب لم تطلع عليه ولو اطلعت عليه فإنه إذا تركه لله ~~كان حسنة ولو تركه مطلقا لم يكن حسنة ولا سيئة فإنه لا إثم فيه إلا مع ~~القول أو العمل. وأما قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله ~~عليهم فتلك أعظم والواقع فيها من الجانبين فما فعلته الأنبياء من ms5234 الدعوة ~~إلى توحيد الله وعبادته ودينه وإظهار آياته وأمره ونهيه ووعده ووعيده ~~ومجاهدة المكذبين لهم والصبر على أذاهم هو أعظم عند الله ولهذا كانوا أفضل ~~من يوسف صلوات الله عليهم أجمعين وما صبروا عليه وعنه أعظم من الذي صبر ~~يوسف عليه وعنه وعبادتهم لله # PageV17P031 # وطاعتهم وتقواهم وصبرهم بما فعلوه أعظم من طاعة يوسف وعبادته وتقواه ~~أولئك أولوا العزم الذين خصهم الله بالذكر في قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} وقال تعالى: {شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وهم يوم القيامة الذين تطلب منهم ~~الأمم الشفاعة وبهم أمر خاتم الرسل أن يقتدى في الصبر فقيل له: {فاصبر كما ~~صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} فقصصهم أحسن من قصة يوسف؛ ولهذا ~~ثناها الله في القرآن لا سيما قصة موسى. قال الإمام أحمد بن حنبل: أحسن ~~أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى. # والمقصود هنا أن قوله: {أحسن القصص} قد قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به ~~والقولان متلازمان. لكن الصحيح أن القصص مفعول به وإن كان أصله مصدرا فقد ~~غلب استعماله في المقصوص كما في لفظ الخبر والنبأ والاستعمال يدل على ذلك ~~كما تقدم ذكره وقد اعترف بذلك أهل اللغة قال الجوهري: وقد قص عليه الخبر ~~قصصا والاسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه فقوله ~~أحسن القصص كقوله: نخبرك أحسن الخبر وننبئك أحسن النبأ # PageV17P032 # ونحدثك أحسن الحديث. ولفظ " الكلام " يراد به مصدر كلمه تكليما ويراد به ~~نفس القول فإن القول فيه فعل من القائل هو مسمى المصدر والقول ينشأ عن ذلك ~~الفعل ولهذا تارة يجعل القول نوعا من الفعل لأنه حاصل بعمل وتارة يجعل ~~قسيما له يقال: القول والعمل وكذلك قد يقال في لفظ " القصص " و " البيان " ~~و " الحديث " و " الخبر " ونحو ذلك. فإذا أريد بالقصص ونحوه المصدر الذي ~~مسماه الفعل فهو ms5235 مستلزم للقول والقول تابع وإذا أريد به نفس الكلام والقول ~~فهو مستلزم للفعل تابع للفعل. فالمصادر الجارية على سنن الأفعال يراد بها ~~الفعل كقولك كلمته تكليما وأخبرته إخبارا وأما ما لم يجر على سنن الفعل - ~~مثل الكلام والخبر ونحو ذلك - فإن هذا إذا أطلق أريد به القول وكذلك قد ~~يقال في لفظ القصص فإن مصدره القياسي قصا مثل عده عدا ومده مدا وكذلك قصه ~~قصا وأما قصص فليس هو قياس مصدر المضعف ولم يذكروا على كونه مصدرا إلا قوله ~~{فارتدا على آثارهما قصصا} وهذا لا يدل على أنه مصدر. بل قد يكون اسم مصدر ~~أقيم مقامه كقوله: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} وإن جعل مصدر قص الأثر لم ~~يلزم أن يكون مصدر قص الحديث؛ لأن الحديث خبر ونبأ فكان لفظ قصص كلفظ خبر ~~ونبأ وكلام. # PageV17P033 # وأسماء المصادر في باب الكلام تتضمن القول نفسه وتدل على فعل القائل ~~بطريق التضمن واللزوم فإنك إذا قلت: الكلام والخبر والحديث والنبأ والقصص ~~لم يكن مثل قولك: التكليم والإنباء والإخبار والتحديث ولهذا يقال إنه منصوب ~~على المفعول به واسم المصدر ينتصب على المصدر كما في قوله {والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا} فإذا قال: كلمته كلاما حسنا وحدثته حديثا طيبا وأخبرته أخبارا ~~سارة وقصصت عليه قصصا صادقة ونحو ذلك كان هذا منصوبا على المفعول به لم يكن ~~هذا كقولك كلمته تكليما وأنبأته إنباء. فتبين أن قوله {أحسن القصص} منصوب ~~على المفعول وكل ما قصه الله فهو أحسن القصص ولكن هذا إذا كان يتضمن معنى ~~المصدر ومعنى المفعول به جاز أن ينتصب على المعنيين جميعا فإنهما متلازمان ~~تقول: قلت قولا حسنا وقد أسمعته قولا ولم يسمع الفعل الذي هو مسمى المصدر ~~وإنما سمع الصوت وتقول قال يقول قولا فتجعله مصدرا والصوت نفسه ليس هو مسمى ~~المصدر إنما مسمى المصدر الفعل المستلزم للصوت ولكن هما متلازمان. # ولهذا تنازع أهل السنة والحديث في التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو ~~أم لا؟ وقد تفطن ابن قتيبة وغيره لما يناسب هذا ms5236 المعنى وتكلم عليه وسبب ~~الاشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام والتلاوة قد يراد بها ~~هذا وقد يراد بها نفس حركة التالي # PageV17P034 # وفعله وقد يراد بها الأمران جميعا فمن قال: التلاوة هي المتلو أراد ~~بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ومن قال غيره أراد بالتلاوة ~~حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي ~~المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين كما نهى الإمام أحمد ~~وغيره عن أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن اللفظ يراد به ~~الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله ويراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد ~~وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير مخلوق وأطلق ناس آخرون أن ~~لفظي به مخلوق قال ابن قتيبة: لم يتنازع أهل الحديث في شيء من أقوالهم إلا ~~في مسألة اللفظ وهذا كان تنازع أهل الحديث والسنة الذين كانوا في زمن أحمد ~~بن حنبل وأصحابه الذين أدركوه. ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا: التلاوة غير ~~المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس كلام الله العربي الذي هو القرآن وأرادوا ~~بالمتلو معنى واحدا قائما بذات الله. وقال آخرون: التلاوة هي المتلو ~~وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة من القرآن جعلوا ما سمع من الأصوات ~~هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ولم يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم وبين ~~سماعه من المبلغ له عنه فزاد كل من هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله ~~أحد من أهل السنة والعلم فلم يكن من أهل # PageV17P035 # السنة من يقول: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله ولا يجعل المتلو مجرد ~~معنى ولا كان فيهم من يقول: إن أصوات العباد - وغيرها من خصائصهم - غير ~~مخلوق بل هم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي نزله ~~روح القدس من الله بالحق وهو كلام الله الذي تكلم به. ولكن تنازعوا في ~~تلاوة العباد له: هل هي القرآن نفسه أم هي الفعل الذي يقرأ ms5237 به القرآن؟ . ~~والتحقيق أن لفظ " التلاوة " يراد به هذا وهذا ولفظ " القرآن " يراد به ~~المصدر ويراد به الكلام قال الله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن علينا بيانه} وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: إن ~~علينا أن نجمعه في قلبك وتقرأه بلسانك. وقال أهل العربية: يقال قرأت الكتاب ~~قراءة وقرآنا ومنه قول حسان: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # وقد قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وقال ~~تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا} وقال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} وهم إنما ~~يستمعون الكلام نفسه ولا يستمعون # PageV17P036 # مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع فقوله {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص} من هذا الباب من باب نقرأ عليك أحسن القصص ونتلو عليك أحسن القصص ~~كما قال تعالى: {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} وقال: {فإذا قرأناه} ~~قال ابن عباس أي قراءة جبريل {فاتبع قرآنه} فاستمع له حتى يقضي قراءته. ~~والمشهور في قوله {وإذا قرأت القرآن} أنه منصوب على المفعول به فكذلك أحسن ~~القصص لكن في كلاهما معنى المصدر أيضا كما تقدم ففيه معنى المفعول به ومعنى ~~المصدر جميعا وقد يغلب هذا كما في قوله {إن علينا جمعه وقرآنه} فالمراد هنا ~~نفس مسمى المصدر وقد يغلب هذا تارة كما في قوله: {فاستمعوا له وأنصتوا} ~~وقوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله} وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وغالب ما يذكر لفظ " ~~القرآن " إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم بالكلام الذي هو مسمى ~~المصدر. ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما غالبا ~~فيطلق الاسم عليهما ويغلب هذا تارة وهذا تارة وقد يقع على أحدهما مفردا ~~كلفظ " النهر " و " القرية " و " الميزاب " ونحو ذلك مما فيه حال ومحل ~~فالاسم يتناول مجرى الماء والماء الجاري ms5238 وكذلك لفظ # PageV17P037 # القرية يتناول المساكن والسكان ثم تقول: حفر النهر فالمراد به المجرى ~~وتقول جرى النهر فالمراد به الماء وتقول جرى الميزاب تعني الماء ونصب ~~الميزاب تعني الخشب. وقال تعالى {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع} ~~والمراد السكان في المكان وقال تعالى {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ~~بياتا أو هم قائلون} وقال تعالى {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها} وقال تعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} وقال تعالى ~~{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} وقال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن ~~حولها} وقال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على ~~عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} والخاوي على عروشه المكان لا السكان وقال ~~تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} لما كان المقصود ~~بالقرية هم السكان كان إرادتهم أكثر في كتاب الله وكذلك لفظ النهر لما كان ~~المقصود هو الماء كان إرادته أكثر كقوله: {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} ~~وقوله: {وفجرنا خلالهما نهرا} فهذا كثير أكثر من قولهم حفرنا النهر. وكذلك ~~إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم. وكذلك لفظ ~~الكلام والقول والقصص وسائر أنواع # PageV17P038 # الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم وهذه الأمور ~~لبسطها موضع آخر. # والمقصود هنا أن قوله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} المراد الكلام ~~الذي هو أحسن القصص وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف؛ ولهذا ~~قال: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} ولم يقل بما أوحينا إليك هذه السورة ~~والآثار المأثورة في ذلك عن السلف تدل كلها على ذلك وعلى أنهم كانوا ~~يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب وهو المراد. والمراد من هذا حاصل على ~~كل تقدير فسواء كان أحسن القصص مصدرا أو مفعولا أو جامعا للأمرين فهو يدل ~~على أن القرآن وما في القرآن من ms5239 القصص أحسن من غيره فإنا قد ذكرنا أنهما ~~متلازمان فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن. فتبين أن قوله تعالى {أحسن ~~القصص} كقوله: {الله نزل أحسن الحديث} والآثار السلفية تدل على ذلك. والسلف ~~كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث وأحسن القصص كما أنه المهيمن على ما ~~بين يديه من كتب السماء فكيف يقال: إن كلام الله كله لا فضل لبعضه على بعض ~~روى ابن أبي حاتم عن المسعودي {عن القاسم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص} ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فنزلت: {الله نزل أحسن ~~الحديث} # PageV17P039 # ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: {ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} } . وقد روى أبو عبيد في ~~" فضائل القرآن " عن بعض التابعين فقال حدثنا حجاج عن المسعودي عن {عون بن ~~عبد الله بن عتبة قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: ~~يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} قال: ثم نعته ~~فقال: {كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} إلى آخر الآية قال: ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: ~~يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله: ~~{الر تلك آيات الكتاب المبين} - إلى قوله - {نحن نقص عليك أحسن القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} قال: فإن أرادوا ~~الحديث دلهم على أحسن الحديث وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص.} ورواه ~~ابن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا عن مصعب بن سعد {عن سعد قال: نزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم القرآن فتلاه عليهم زمانا. فقالوا: يا رسول الله ~~لو قصصت علينا. فأنزل الله تعالى: {الر} {تلك آيات الكتاب المبين} {نحن نقص ~~عليك أحسن القصص} # PageV17P040 # فتلاه عليهم زمانا} ms5240 . ولما كان القرآن أحسن الكلام نهوا عن اتباع ما سواه ~~قال تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} . وروى النسائي ~~وغيره {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد عمر بن الخطاب شيئا من ~~التوراة فقال: لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم.} وفي رواية ~~{ما وسعه إلا اتباعي.} وفي لفظ: {فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~عرض عليه عمر ذلك فقال له بعض الأنصار: يا ابن الخطاب ألا ترى إلى وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~نبيا.} ولهذا كان الصحابة ينهون عن اتباع كتب غير القرآن. وعمر انتفع بهذا ~~حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وجد فيها كتب كثيرة من كتب الروم فكتبوا فيها ~~إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال: حسبنا كتاب الله. وروى ابن أبي حاتم حدثنا ~~أبي حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن ~~خليفة بن قيس عن خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر بن الخطاب إذ أتي برجل من ~~عبد القيس مسكنه بالسوس. فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. ~~قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه فقال له: ما ذنبي؟ قال # PageV17P041 # فقرأ عليه {الر} {تلك آيات الكتاب المبين} {نحن نقص عليك أحسن القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} فقرأها عليه ثلاث ~~مرات وضربه ثلاث ضربات ثم قال له عمر: أنت الذي انتسخت كتاب دانيال؟ قال: ~~نعم. قال: اذهب فامحه بالحميم والصوف الأبيض ولا تقرأه ولا تقرئه أحدا من ~~الناس. فقرأ عليه عمر هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص فلا يحتاج ~~معه إلى غيره. وهذا يدل على أن القصص عام لا يختص بسورة يوسف ويدل على أنهم ~~كانوا يعلمون أن القرآن أفضل من كتاب دانيال ونحوه من كتب الأنبياء. وكذلك ~~مثل هذه القصة مأثورة عن ابن مسعود لما أتي بما ms5241 كتب من الكتب محاه وذكر ~~فضيلة القرآن كما فعل عمر رضي الله عنهما. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة {نحن ~~نقص عليك أحسن القصص} قال: من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم ~~{بما أوحينا إليك هذا القرآن} . وهذا يدل على أن أحسن القصص يعم هذا كله؛ ~~بل لفظ " القصص " يتناول ما قصه الأنبياء من آيات الله غير أخبار الأمم ~~كقوله تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} وقال في موضع آخر: {يتلون عليكم آيات ربكم} ~~وقد قال تعالى: {وأنزلنا إليك # PageV17P042 # الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} . وروى ابن أبي ~~حاتم بالإسناد المعروف عن ابن عباس قال: مؤتمنا عليه. قال: وروي عن عكرمة ~~والحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني أنه الأمين. وروي من تفسير الوالبي ~~عن ابن عباس قال: المهيمن الأمين قال: على كل كتاب قبله وكذلك عن الحسن ~~قال: مصدقا بهذه الكتب وأمينا عليها. ومن تفسير الوالبي أيضا عن ابن عباس ~~ومهيمنا عليه قال: شهيدا وكذلك قال السدي عن ابن عباس وقال في قوله: " ~~ومهيمنا عليه " على كل كتاب قبله. قال: وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطية ~~وعطاء الخراساني ومحمد بن كعب وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~نحو ذلك. وابن أبي حاتم قد ذكر في أول كتابه في التفسير أنه طلب منه إخراج ~~تفسير القرآن مختصرا بأصح الأسانيد وأنه تحرى إخراجه بأصح الأخبار إسنادا ~~وأشبعها متنا وذكر إسناده عن كل من نقل عنه شيئا. فالسلف كلهم متفقون على ~~أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ومعلوم أن ~~المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة. ومن أسماء الله " المهيمن " ويسمى ~~الحاكم على الناس القائم بأمورهم " المهيمن ". قال المبرد والجوهري ~~وغيرهما: المهيمن في اللغة المؤتمن. وقال الخليل: الرقيب الحافظ وقال ~~الخطابي: المهيمن # PageV17P043 # الشهيد. قال وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له ~~وأنشد: ألا إن خير الناس بعد ms5242 نبيهم مهيمنه التاليه في العرف والنكر يريد ~~القائم على الناس بالرعاية لهم. وفي مهيمن قولان: قيل أصله مؤيمن والهاء ~~مبدلة من الهمزة وقيل بل الهاء أصلية. وهكذا القرآن فإنه قرر ما في الكتب ~~المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر وزاد ذلك بيانا وتفصيلا. وبين ~~الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر ~~الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم. وجادل المكذبين بالكتب والرسل ~~بأنواع الحجج والبراهين وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين ~~لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة وبين ~~أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع ~~والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب ~~من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها وشاهد بكذب ما حرف منها وهو حاكم بإقرار ما ~~أقره الله ونسخ ما نسخه فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات. # PageV17P044 # وكذلك معنى " الشهادة " و " الحكم " يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ~~ومحكم وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور ~~بهذه المثابة بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرا نسخه الله بالإنجيل؛ ~~بخلاف القرآن. ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ففيه ~~دعوة الرسول وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته وفيه ما جاء به الرسول ~~وهو نفسه برهان على ما جاء به. وفيه أيضا من ضرب الأمثال وبيان الآيات على ~~تفضيل ما جاء به الرسول ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم ~~إلا بعض ما في القرآن. ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين ~~والعلوم الإلهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ~~ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين ~~من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن. ~~ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها ms5243 وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر؛ فضلا عن أن ~~تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره سواء كان من علم المحدثين والملهمين أو ~~من علم أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء. ~~ولهذا قال النبي # PageV17P045 # صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن ~~يكن في أمتي أحد فعمر} . فعلق ذلك تعليقا في أمته مع جزمه به فيمن تقدم لأن ~~الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدثين كما كانوا محتاجين إلى نبي بعد نبي ~~وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأغناهم الله برسولهم وكتابهم عن كل ما ~~سواه حتى أن المحدث منهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما يؤخذ منه ما ~~وافق الكتاب والسنة وإذا حدث شيئا في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه ~~على الكتاب والسنة. وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة. وهذا باب ~~واسع في فضائل القرآن على ما سواه. والمقصود أن نبين أن مثل هذا هو من ~~العلم المستقر في نفوس الأمة السابقين والتابعين ولم يعرف قط أحد من السلف ~~رد مثل هذا ولا قال: لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات ~~الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية الذين اختلفوا في ~~الكتاب وجعلوه عضين. # وممن ذكر " تفضيل بعض القرآن على بعض في نفسه " أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما كالشيخ أبي حامد الإسفرائيني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق ~~الشيرازي وغيرهم ومثل القاضي أبي يعلى والحلواني الكبير وابنه عبد الرحمن ~~وابن عقيل. قال أبو الوفاء ابن عقيل في # PageV17P046 # " كتاب الواضح في أصول الفقه " في احتجاجه على أن القرآن لا ينسخ بالسنة ~~قال: فمن ذلك قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~وليست السنة مثل القرآن ولا خيرا منه فبطل النسخ بها لأنه يؤدي إلى المحال ~~وهو كون خبره بخلاف مخبره وذلك محال على الله فما أدى إليه فهو محال. قال: ms5244 ~~فإن قيل: أصل استدلالكم مبني على أن المراد بالخير الفضل وليس المراد به ~~ذلك وإنما المراد نأت بخير منها لكم وذلك يرجع إلى أحد أمرين في حقنا: إما ~~سهولة في التكليف فهو خير عاجل أو أكثر ثوابا لكونه أثقل وأشق ويكون نفعا ~~في الآجل والعاقبة وكلاهما قد يتحقق بطريق السنة. ويحتمل: نأت بخير منها لا ~~ناسخا لها بل يكون تكليفا مبتدأ هو خير لكم وإن لم يكن طريقه القرآن الناسخ ~~ولا السنة الناسخة. قالوا: يوضح هذه التأويلات أن القرآن نفسه ليس بعضه ~~خيرا من بعض فلا بد أن يصرفوا اللفظ عن ظاهره من خير يعود إلى التكليف لا ~~إلى الطريق. وقال في الجواب: قولهم: الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ~~ثواب لا يصح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: " لكم ". فلما حذف ذلك دل على ما ~~يقتضيه الإطلاق وهو كون الناسخ خيرا من جهة نفسه وذاته ومن جهة الانتفاع به ~~في العاجل والآجل على أن ظاهره يقتضي # PageV17P047 # بآيات خير منها فإن ذلك يعود إلى الجنس كما إذا قال القائل: ما آخذ منك ~~دينارا إلا أعطيك خيرا منه لا يعقل بالإطلاق إلا دينارا خيرا منه فيتخير من ~~الجنس أولا ثم النفع فإما أن يرجع ذلك إلى ثوب أو عرض غير الدينار فلا وفي ~~آخر الآية ما يشهد بأنه أراد به القرآن لأنه قال: {ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير} ووصفه لنفسه بالقدرة يدل على أن الذي يأتي به هو أمر يرجع إليه ~~دون غيره وكذلك قوله {أو مثلها} يشهد لما ذكرناه لأن المماثلة يقتضي ~~إطلاقها من كل وجه لا سيما وقد أنثها تأنيث الآية فكأنه قال: نأت بآية خير ~~منها أو بآية مثلها. " قلت ": وأيضا فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه ~~أخف عملا أو أشق وأكثر ثوابا لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به ~~مبتدأ وناسخا فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق ~~فيكون ثوابه أكثر فإذا كانت ms5245 هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ~~ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله فإن المنسوخ أيضا يكون خيرا ومثلا ~~بهذا الاعتبار فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل ~~فيكون خيرا وإن فسروه بكونه أعظم أجرا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك والله ~~قد أخبر أنه لا بد أن يأتي بخير مما ينسخه أو مثله فلا يأتي بما هو دونه. # PageV17P048 # وأيضا فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيرا من شيء بل إن كان خيرا من جهة ~~السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر. قال ابن عقيل: وأما قولهم إن القرآن ~~في نفسه لا يتخاير ولا يتفاضل فعلم أنه لم يرد به الخير الذي هو الأفضلية ~~فليس كذلك فإن توحيد الله الذي في " سورة الإخلاص " وما ضمنها من نفي ~~التجزؤ والانقسام أفضل من " تبت " المتضمنة ذم أبي لهب وذم زوجته إن شئت في ~~كون المدح أفضل من القدح وإن شئت في الإعجاز فإن تلاوة غيرها من الآيات ~~التي تظهر منها الفصاحة والبيان أفضل وليس من حيث كان المتكلم واحدا لا ~~يكون التفاضل لمعنى يعود إلى الكلام ثانيا كما أن المرسل واحد لذي النون ~~وإبراهيم وإبراهيم أفضل من ذي النون. قال: وأما قولهم: {نأت بخير منها} لا ~~يكون ناسخا بل مبتدأ فلا يصح لأنه خرج مخرج الجزاء مجزوما وهذا يعطي ~~البدلية والمقابلة مثل قولهم: إن تكرمني أكرمك وإن أطعتني أطعتك يقتضي أن ~~يكون الجزاء مقابلة وبدلا لا فعلا مبتدأ. قلت: المقصد هنا ذكر ما نصره - من ~~كون القرآن في نفسه بعضه خيرا من بعض - ليس المقصود الكلام في مسألة النسخ ~~وكذلك غير هؤلاء صرحوا بأن بعض القرآن قد يكون خيرا من بعض وممن ذكر ذلك ~~أبو حامد الغزالي في كتابه " جواهر القرآن " قال: # PageV17P049 # لعلك تقول قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض آيات القرآن على ~~بعض والكل كلام الله فكيف يفارق بعضها بعضا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ ~~فاعلم أن نور البصيرة إن ms5246 كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية ~~المداينات وبين سورة الإخلاص وسورة تبت وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك ~~الخوارة المستغرقة في التقليد فقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فهو ~~الذي أنزل عليه القرآن وقال: {قلب القرآن يس} وقد دلت الأخبار على شرف بعضه ~~على بعض فقال: {فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن} وقال: {آية الكرسي سيدة آي ~~القرآن} وقال: {قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن} والأخبار الواردة في فضائل ~~قوارع القرآن وتخصص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا ~~تحصى فاطلبه من كتب الحديث إن أردت. وننبهك الآن على معنى هذه الأخبار ~~الأربعة في تفضيل هذه السور. قلت: وسنذكر إن شاء الله ما ذكره في تفضيل ( ~~{قل هو الله أحد} . وممن ذكر كلام الناس في ذلك وحكى هذا القول عمن حكاه من ~~السلف القاضي عياض في " شرح مسلم " قال في {قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي: أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟ وذكر آية الكرسي} فيه حجة لتفضيل ~~بعض القرآن على بعض # PageV17P050 # وتفضيل القرآن على سائر كتب الله عند من اختاره: منهم إسحاق بن راهويه ~~وغيره من العلماء والمتكلمين. قال: وذلك راجع إلى عظم أجر قارئي ذلك وجزيل ~~ثوابه على بعضه أكثر من سائره. قال: وهذا مما اختلف أهل العلم فيه فأبى ذلك ~~الأشعري وابن الباقلاني وجماعة من الفقهاء وأهل العلم لأن مقتضى الأفضل نقص ~~المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض. قالوا: وما ورد من ذلك بقوله: " أفضل " و ~~" أعظم " لبعض الآي والسور فمعناه عظيم وفاضل. قال: وقيل: كانت آية الكرسي ~~أعظم لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية ~~والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة قالوا هي أصول الأسماء ~~والصفات. قلت: المقصود ما ذكره من كلام العلماء وأما قول القائل إن هذه ~~السبعة هي أصول الأسماء. فهذه السبعة عند كثير من المتكلمين هي المعروفة ~~بالعقل وما سواها قالوا إنما يعلم بالسمع وهذا أمر يرجع إلى طريق علمنا لا ~~إلى أمر حقيقي ms5247 ثابت لها في نفس الأمر فكيف والجمهور على أن ما سواها قد ~~يعلم بالعقل أيضا كالمحبة والرضا والأمر والنهي ومذهب ابن كلاب وأكثر قدماء ~~الصفاتية أن العلو من الصفات العقلية وهو مذهب أبي العباس القلانسي والحارث ~~المحاسبي ومذهب طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه وهو آخر قولي القاضي # PageV17P051 # أبي يعلى وأبي الحسن بن الزاغوني وغيره ومذهب ابن كرام وأصحابه وهو قول ~~عامة أئمة الحديث والفقه والتصوف. وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول ~~المفضلين إن المراد كثرة الثواب فهذا لا ينازع فيه الأشعري وابن الباقلاني ~~فإن الثواب مخلوق من مخلوقات الله تعالى فلا ينازع أحد في أن بعضه أفضل من ~~بعض وإنما النزاع في نفس كلام الله الذي هو كلامه فحكايته النزاع يناقض ما ~~فسر به قول المثبتة. وقد بين مأخذ الممتنعين عن التفضيل: منهم من نفي ~~التفاضل في الصفات مطلقا بناء على أن القديم لا يتفاضل والقرآن من الصفات. ~~ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على أصله فلا يعقل فيه معنيان فضلا أن يعقل ~~فيه فاضل ومفضول وهذا أصل أبي الحسن ومن وافقه كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى. وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في أن كلام الله يكون بعضه أفضل من بعض ~~ليس فيهم أحد من القائلين بأن كلام الله مخلوق - كما يقول ذلك من يقوله من ~~أهل البدع كالجهمية والمعتزلة - بل كل هؤلاء يقولون: إن كلام الله غير ~~مخلوق ولو تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا فإن هذا قول جماهير المسلمين من ~~السلف والخلف أهل السنة وأهل البدعة أما السلف - كالصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان - فلم يعرف لهم في هذا الأصل تنازع بل الآثار متواترة عنهم به. # PageV17P052 # واشتهر القول بإنكار تفاضله بعد المائتين لما أظهرت الجهمية القول بأن ~~القرآن مخلوق. واتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك ورده عليهم. ~~وظنت طائفة كثيرة - مثل أبي محمد بن كلاب ومن وافقه - أن هذا القول لا يمكن ~~رده إلا إذا قيل إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ولا كلم موسى حين ms5248 أتاه ~~ولا قال للملائكة اسجدوا لآدم بعد أن خلقه ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ~~ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل ولا يتكلم ~~بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها إلى غير ذلك مما ظنوا انتفاءه عن ~~الله. وقالوا إنما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأن القرآن وغيره من الكلام ~~لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بكل كلام له كقوله: يا آدم يا ~~نوح. وصاروا طائفتين: طائفة تقول إنه معنى واحد قائم بذاته وطائفة تقول إنه ~~حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وإن كانت مترتبة في ذاتها ~~ترتبا ذاتيا لا ترتبا وجوديا كما قد بين مقالات الناس في كلام الله في غير ~~هذا الموضع. والأولون عندهم كلام الله شيء واحد لا بعض له فضلا عن أن يقال ~~بعضه أفضل من بعض. والآخرون يقولون: هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل. ~~وربما نقل عن بعض السلف في قوله تعالى: {نأت بخير منها} # PageV17P053 # أنه قال: خيرا لكم منها أو أنفع لكم. فيظن الظان أن ذلك القائل موافق ~~لهؤلاء. وليس كذلك بل مقصوده بيان وجه كونه خيرا وهو أن يكون أنفع للعباد ~~فإن ما كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان في نفسه أفضل كما بين في موضعه. ~~وصار من سلك مسلك الكلابية من متأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم ~~يظنون أن القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنما يمكن على قول المعتزلة ~~ونحوهم الذين يقولون إنه مخلوق فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على ~~بعض فضل مخلوق على مخلوق وتفضيل بعض المخلوقات على بعض لا ينكره أحد. فإذا ~~ظن أولئك أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا ~~فروا من ذلك وأنكروا القول به لأجل ما ظنوه من التلازم وليس الأمر كما ظنوه ~~بل سلف الأمة وجمهورها يقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق وكذلك سائر ~~كلام الله غير مخلوق. ms5249 ويقولون مع ذلك: إن كلام الله بعضه أفضل من بعض كما ~~نطق بذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك ~~عنهم. وحدثنا أبي عن جدنا أبي البركات وصاحبه أبي عبد الله بن عبد الوهاب ~~أنهما نظرا فيما ذكره بعض المفسرين من الأقوال في قوله: {نأت بخير منها أو ~~مثلها} وأظنه كان نظرهم في تفسير أبي عبد # PageV17P054 # الله محمد بن تيمية فلما رأيا تلك الأقوال قالا: هذا إنما يجيء على قول ~~المعتزلة. وزار مرة أبو عبد الله بن عبد الوهاب هذا شيخنا أبي زكريا بن ~~الصيرفي وكان مريضا فدعا أبو زكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه " ~~أسألك - بقدرتك التي قدرت بها أن تقول للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين - أن تفعل بنا كذا وكذا " فلما خرج الناس من عنده قال ~~له: ما هذا الدعاء الذي دعوت به؟ هذا إنما يجيء على قول المعتزلة الذين ~~يقولون القرآن مخلوق فأما أهل السنة فلا يقال عندهم قدر أن يتكلم أو يقول ~~فإن كلامه قديم لازم لذاته لا يتعلق بمشيئته وقدرته. وكان أبو عبد الله بن ~~عبد الوهاب رحمه الله قد تلقى هذا عن البحوث التي يذكرها أبو الحسن بن ~~الزاغوني وأمثاله وقبله أبو الوفاء ابن عقيل وأمثاله وقبلهما القاضي أبو ~~يعلى ونحوه فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي - كأبي الوليد ~~الباجي وأبي المعالي الجويني - وطائفة من أصحاب أبي حنيفة يوافقون ابن كلاب ~~على قوله: إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وعلى قوله: إن القرآن لازم لذات ~~الله بل يظنون أن هذا قول السلف - قول أحمد بن حنبل ومالك والشافعي وسائر ~~السلف - الذين يقولون: القرآن غير مخلوق حتى إن من سلك مسلك السالمية من ~~هؤلاء - كالقاضي وابن عقيل وابن # PageV17P055 # الزاغوني - يصرحون بأن مذهب أحمد أن القرآن قديم وأنه حروف وأصوات وأحمد ~~بن حنبل وغيره من الأئمة الأربعة لم يقولوا هذا قط ولا ناظروا عليه ولكنهم ~~وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة لم يعرفوا أقوالهم في بعض ms5250 المسائل. ولكن ~~الذين ظنوا أن قول ابن كلاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أن القرآن غير مخلوق ~~هم الذين صاروا يقولون: إن كلام الله بعضه أفضل إنما يجيء على قول أهل ~~البدع الجهمية والمعتزلة كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمة كما ~~سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشافعي ولم يعلموا أن السلف لم يقل أحد ~~منهم بهذا بل أنكروا على ابن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر ~~الكلابية على هذا الأصل حتى هجر الحارث المحاسبي لأنه كان صاحب ابن كلاب ~~وكان قد وافقه على هذا الأصل ثم روي عنه أنه رجع عن ذلك وكان أحمد يحذر عن ~~الكلابية. وكان قد وقع بين أبي بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة وبين بعض ~~أصحابه مشاجرة على هذا الأصل لأنهم كانوا يقولون بقول ابن كلاب وقد ذكر ~~قصتهم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في (تاريخ نيسابور) وبسط الكلام على ~~هذا الأصل له موضع آخر وإنما نبهنا على المآخذ التي تعرف بها حقائق ~~الأقوال. # PageV17P056 # فصل: # وفي الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية ~~والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة ~~المشهورة. وأيضا فإن القرآن وإن كان كله كلام الله وكذلك التوراة والإنجيل ~~والأحاديث الإلهية التي يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى كقوله: {يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} الحديث ~~وكقوله: {من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي} وأمثال ذلك هي وإن اشتركت في ~~كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم به ونسبة ~~إلى المتكلم فيه. فهو يتفاضل باعتبار النسبتين وباعتبار نفسه أيضا مثل ~~الكلام الخبري له نسبتان: نسبة إلى المتكلم المخبر ونسبة إلى المخبر عنه ~~المتكلم فيه. ف {قل هو الله أحد} و {تبت يدا أبي لهب} كلاهما كلام الله ~~وهما مشتركان من هذه الجهة لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه. ~~فهذه كلام الله وخبره الذي يخبر به عن ms5251 نفسه وصفته التي يصف بها نفسه # PageV17P057 # وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه. وهذه كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه ~~ويخبر به عنه ويصف به حاله وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى ~~المقصود بالكلامين. ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه لكن كلامه ~~الذي يذكر به ربه أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات والجميع كلامه ~~فاشتراك الكلامين بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلهما بالنسبة إلى ~~المتكلم فيه سواء كانت النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه. ~~فكلام الأنبياء ثم العلماء والخطباء والشعراء بعضه أفضل من بعض وإن كان ~~المتكلم واحدا وكذلك كلام الملائكة والجن وسواء أريد بالكلام المعاني فقط ~~أو الألفاظ فقط أو كلاهما أو كل منهما فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني ~~من المتكلم الواحد فدل ذلك على أن مجرد اتفاق الكلامين في أن المتكلم بهما ~~واحد لا يوجب تماثلهما من سائر الجهات. فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه ~~سواء كان خبرا أو إنشاء أمر معلوم بالفطرة والشرعة فليس الخبر المتضمن ~~للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون ~~وإبليس وإن كان هذا كلاما عظيما معظما تكلم الله به وكذلك ليس الأمر ~~بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت # PageV17P058 # به الشرائع كلها وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن ~~الشرك وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها وما يحصل معه ~~فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن ~~القران في التمر ولو كان الأمران واجبين فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله ~~كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها ~~إذا أرضعت. # ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا: إن ~~إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر وتحريمه أشد من تحريم الآخر ~~فهذا أعظم إيجابا وهذا أعظم تحريما ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك ~~كابن عقيل ms5252 وغيره فقالوا: التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم لكن في متعلق ~~ذلك وهو كثرة الثواب والعقاب. والجمهور يقولون: بل التفاضل في الأمرين ~~والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب وكون أحد الفعلين ثوابه ~~أعظم وعقابه أعظم: دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد وكون أحد الأمرين ~~والنهيين مخصوصا بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل ولو تساويا من ~~كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح فإن التسوية ~~والتفضيل متضادان. وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل في الإيجاب والتحريم ~~وإطلاق # PageV17P059 # ذلك هو قول جماهير المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة. وهو قول القاضي ~~أبي يعلى وأبي الخطاب والقاضي يعقوب البرزبيني وعبد الرحمن الحلواني وأبي ~~الحسن بن الزاغوني وغيرهم لكن من هؤلاء من يفسر التفاضل بتفاضل الثواب ~~والعقاب ونحو ذلك مما لا ينازع فيه النفاة. والتحقيق أن نفس المحبة والرضا ~~والبغض والإرادة والكرامة والطلب والاقتضاء ونحو ذلك من المعاني تتفاضل ~~وتتفاضل الألفاظ الدالة عليها. ونفس حب العباد لربهم يتفاضل كما قال تعالى: ~~{والذين آمنوا أشد حبا لله} . ونفس حب الله لهم يتفاضل أيضا فإن الخليلين ~~إبراهيم ومحمدا أحب إليه ممن سواهما وبعض الأعمال أحب إلى الله من بعض ~~والقول بأن هذا الفعل أحب إلي من هذا مشهور ومستفيض في الآثار النبوية ~~وكلام خير البرية كقول بعض الصحابة: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله ~~لفعلناه فأنزل الله سورة الصف وهو مشهور ثابت رواه الترمذي وغيره. وكون هذا ~~أحب إلى الله من هذا هو داخل في تفضيل بعض الأعمال وبعض الأشخاص على بعض. ~~وبعض الأمكنة والأزمنة على بعض وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم لمكة: ~~والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله. ولولا أن قومي أخرجوني ~~منك لما خرجت} قال الترمذي: حديث حسن صحيح رواه من # PageV17P060 # حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء. وكذلك تفضيل حبه وبغضه على حب غيره ~~وبغضه كما في الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أحد أحب ms5253 ~~إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه. ولا أحد أحب إليه العذر من الله ~~من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين} . وقال {لا أحد أغير من الله} وهذا ~~في الصحيحين. وقال تعالى: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} الآية. ومن ~~المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات: فبعضها أفضل من بعض وبعض المنهيات شر ~~من بعض وحينئذ فطلب الأفضل يكون في نفسه أكمل من طلب المفضول والطالب إذا ~~كان حكيما يكون طلبه لهذا أوكد. ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن ~~كلا من الخبر والأمر يلحقهما التفاضل من جهة المخبر عنه والمأمور به فإذا ~~كان المخبر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل وإذا كان المأمور به أفضل كان ~~الأمر به أفضل. ولهذا كان الخبر بما فيه نجاة النفوس من العذاب وحصول ~~السعادة الأبدية أفضل من الخبر بما فيه نيل منزلة أو حصول دراهم والرؤيا ~~التي تتضمن أفضل الخبرين أعظم من الرؤيا التي تتضمن أدناهما وهذا أمر مستقر ~~في فطر العقلاء قاطبة. وإذا قدر أميران أمر أحدهما بعدل عام عمر به البلاد ~~ودفع به الفساد كان هذا الأمر أعظم من أمر أمير # PageV17P061 # يعدل بين خصمين في ميراث بعض الأموات. وأيضا فالخبر يتضمن العلم بالمخبر ~~به والأمر يتضمن طلبا وإرادة للمأمور به وإن لم يكن ذلك إرادة فعل الأمر ~~والله تعالى أمر العباد بما أمرهم به ولكن أعان أهل الطاعة فصار مريدا لأن ~~يخلق أفعالهم ولم يعن أهل المعصية فلم يرد أن يخلق أفعالهم. فهذه الإرادة ~~الخلقية القدرية لا تستلزم الأمر وأما الإرادة بمعنى أنه يحب فعل ما أمر به ~~ويرضاه إذا فعل ويريد من المأمور أن يفعله من حيث هو مأمور فهذه لا بد منها ~~في الأمر. ولهذا أثبت الله هذه الإرادة في الأمر دون الأولى. ولكن في الناس ~~من غلط فنفى الإرادة مطلقا وكلا الفريقين لم يميز بين الإرادة الخلقية ~~والإرادة الأمرية. والقرآن فرق بين الإرادتين فقال في الأولى: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ms5254 أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ~~وقال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} وقال: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقال: ~~{ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ولهذا قال ~~المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقال في الثانية: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم} # PageV17P062 # وقال: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم} {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما} {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} . وهذا ~~مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا: أنه لا بد في الأمر من طلب واستدعاء ~~واقتضاء سواء قيل: إن هناك إرادة شرعية وأنه لا إرادة للرب متعلقة بأفعال ~~العباد سواها كما تقوله المعتزلة ونحوهم من القدرية أو قيل: لا إرادة للرب ~~إلا الإرادة الخلقية القدرية التي يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن وأن إرادته عين نفس محبته ورضاه وأن إرادته ومحبته ورضاه متعلقة بكل ما ~~يوجد من إيمان وكفر ولا تتعلق بما لا يوجد سواء كان إيمانا أو كفرا وأنه ~~ليس للعبد قدرة لها أثر في وجود مقدوره وليس في المخلوقات قوى وأسباب يخلق ~~بها ولا لله حكمة يخلق ويأمر لأجلها كما يقول هذا وما يشبهه جهم بن صفوان ~~رأس الجبرية هو ومن وافقه على ذلك أو بعضه من طوائف أهل الكلام وبعض متأخري ~~الفقهاء وغيرهم المثبتين للقدر على هذه الطريقة لا على طريقة السلف والأئمة ~~كأبي الحسن وغيره؛ فإن هؤلاء ناقضوا القدرية المعتزلة مناقضة ألجأتهم إلى ~~إنكار حقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن كان من يقول ببعض ذلك يتناقض ~~وقد يثبت أحدهم من ذلك ms5255 ما لا حقيقة له في المعنى. # PageV17P063 # وأما السلف وأئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فيثبتون الخلق والأمر والإرادة ~~الخلقية القدرية الشاملة لكل حادث والإرادة الأمرية الشرعية المتناولة لكل ~~ما يحبه الله ويرضاه لعباده وهو ما أمرت به الرسل وهو ما ينفع العباد ~~ويصلحهم ويكون له العاقبة الحميدة النافعة في المعاد الدافعة للفساد. فهذه ~~الإرادة الأمرية الشرعية متعلقة بإلهيته المتضمنة لربوبيته كما أن تلك ~~الإرادة الخلقية القدرية متعلقة بربوبيته. ولهذا كان من نظر إلى هذه فقط ~~وراعى هذه الخلقية الكونية القدرية دون تلك يكون له بداية بلا نهاية فيكون ~~من الأخسرين أعمالا يحصل لهم بعض مطالبهم في الدنيا لاستعانتهم بالله إذ ~~شهدوا ربوبيته ولا خلاق لهم في الآخرة إذ لم يعبدوا الله مخلصين له الدين. ~~وقد وقع في هذا طوائف من أهل التصوف والكلام. ومن نظر إلى الحقيقة الشرعية ~~الأمرية دون تلك فإنه قد يكون له عاقبة حميدة وقد يراعى الأمر؛ لكنه يكون ~~عاجزا مخذولا حيث لم يشهد ربوبية الله وفقره إليه ليكون متوكلا عليه بريا ~~من الحول والقوة إلا به. فهذا قد يقصد أن يعبده ولا يقصد حقيقة الاستعانة ~~به وهي حال القدرية من المعتزلة ونحوهم الذين يقرون أن الله ليس خالقا ~~أفعال العباد ولا مريدا للكائنات ولهذا قال أبو سليمان الداراني: إنما يعجب ~~بفعله القدري لأنه لا يرى أنه هو الخالق لفعله. فأما أهل السنة الذين # PageV17P064 # يقرون أن الله خالق أفعالهم وأن لله المنة عليهم في ذلك فكيف يعجبون بها؟ ~~أو كما قال. والأول قد يقصد أن يستعينه ويسأله ويتوكل عليه ويبرأ من الحول ~~والقوة إلا به ولكن لا يقصد أن يعبده بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه على ~~ألسن رسله ولا يشهد أن الله يحب أن يعبد ويطاع وأنه يفرح بتوبة التائبين ~~ويحب المتقين ويغضب على الكفار والمنافقين بل ينسلخ من الدين أو بعضه لا ~~سيما في نهاية أمره. وهذه الحال إن طردها صاحبها كان شرا من حال المعتزلة ~~القدرية بل إن طردها طردا حقيقيا أخرجته من الدين ms5256 خروج الشعرة من العجين ~~وهي حال المشركين. وأما من هداه الله فإنه يحقق قوله {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} ويعلم أن كل عمل لا يراد به وجه الله ولا يوافق أمره فهو مردود على ~~صاحبه وكل قاصد لم يعنه الله فهو مصدود من مآربه فإنه يشهد أن لا إله إلا ~~الله فيعبد الله مخلصا له الدين مستعينا بالله على ذلك مؤمنا بخلقه وأمره: ~~بقدره وشرعه فيستعين الله على طاعته ويشكره عليها ويعلم أنها منة من الله ~~عليه ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويعلم أن ما أصابه من سيئة فمن ~~نفسه مع علمه بأن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن لله الحجة البالغة على خلقه ~~وأن له في خلقه وأمره حكمة بالغة ورحمة سابغة. وهذه الأمور أصول عظيمة ~~لبسطها موضع آخر. # PageV17P065 # والمقصود هنا أن الخبر الصادق يتضمن جنس العلم والاعتقاد والأمر يتضمن ~~جنس الطلب باتفاق العقلاء. ثم هل مدلول الخبر جنس من المعاني غير جنس العلم ~~ومدلول الأمر جنس من المعاني غير جنس الإرادة كما يقول ذلك طائفة من النظار ~~مثل ابن كلاب ومن وافقه؟ أو المدلول من جنس العلم والإرادة؟ كما يقوله ~~جمهور نظار أهل السنة الذين يثبتون الصفات والقدر. فيقولون: إن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ويقولون: إن الله خالق أفعال العباد. والمعتزلة وغيرهم ممن ~~يخالف أهل السنة في هذين الأصلين فإن هؤلاء يخالفون ابن كلاب ومن وافقه في ~~ذينك الأصلين. ولهذا يقال: إنه لم يوافقه أحد من الطوائف على ما أحدثه من ~~القول في الكلام والصفات وإن كان قوله خيرا من قول المعتزلة والجهمية ~~المحضة. وأما جمهور المسلمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف ~~النظار فلا يقولون بقول المعتزلة ولا الكلابية كما ذكر ذلك فقهاء الطوائف ~~من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم في أصول الفقه فضلا عن ~~غيرها من الكتب. والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن كلا من أنواع الخبر ~~والأمر لها معان: سواء سمي طلبا أو إرادة أو علما أو حكما أو كلاما ms5257 ~~نفسانيا. وهذه المعاني تتفاضل في نفسها فليس علمنا بالله وأسمائه # PageV17P066 # كعلمنا بحال أبي لهب. وليس الطلب القائم بنا إذا أمرنا بالإيمان بالله ~~ورسوله كالطلب القائم بنا إذا أمرنا برفع اليدين في الصلاة والأكل باليمين ~~وإخراج الدرهم من الزكاة. فعلم بذلك أن معاني الكلام قد تتفاضل في نفسها ~~كما قد تتماثل وتبين بذلك أن ما تضمنه الأمر والنهي من المعاني التي تدل ~~عليها صيغة الأمر - سواء سميت طلبا أو اقتضاء أو استدعاء أو إرادة أو محبة ~~أو رضا أو غير ذلك - فإنها متفاضلة بحسب تفاضل المأمور به وما تضمنه الخبر ~~من أنواع العلوم والاعتقادات والأحكام النفسانية فهي متفاضلة في نفسها بحسب ~~تفاضل المخبر عنه. فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه وإن كان ~~المتكلم به واحدا. وهو أيضا متفاضل من جهة المتكلم به وإن كان المتكلم فيه ~~واحدا كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} ومعلوم أن تكليمه من وراء حجاب ~~أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول ولهذا كان من فضائل موسى عليه السلام ~~أن الله كلمه تكليما وقال: {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} وقال: ~~{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} والذي ~~يجد الناس من أنفسهم أن الشخص الواحد تتفاضل أحواله # PageV17P067 # في أنواع الكلام بل وفي الكلام الواحد يتفاضل ما يقوم بقلبه من المعاني ~~وما يقوم بلسانه من الألفاظ بحيث قد يكون إذا كان طالبا هو أشد رغبة ومحبة ~~وطلبا لأحد الأمرين منه للآخر ويكون صوته به أقوى ولفظه به أفصح وحاله في ~~الطلب أقوى وأشد تأثيرا؛ ولهذا يكون للكلمة الواحدة من الموعظة بل للآية ~~الواحدة إذا سمعت من اثنين من ظهور التفاضل ما لا يخفى على عاقل والأمر في ~~ذلك أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى تمثيل. وكذلك في الخبر قد يقوم بقلبه من ~~المعرفة والعلم وتصور المعلوم وشهود القلب إياه باللسان من حسن التعبير ms5258 عنه ~~لفظا وصوتا ما لا يقاربه ما يقوم بالقلب واللسان إذا أخبر عن غيره. فهذا ~~نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام الله على بعض موافقا لما دل ~~عليه الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة. والطائفة الثانية تقول: إن كلام ~~الله لا يفضل بعضه على بعض ثم لهؤلاء في تأويل النصوص الواردة في التفضيل ~~قولان: أحدهما أنه إنما يقع التفاضل في متعلقه مثل كون بعضه أنفع للناس من ~~بعض لكون الثواب عليه أكثر أو العمل به أخف مع التماثل في الأجر وتأولوا ~~قوله: {نأت بخير منها} أي نأت بخير منها لكم لا أنها في نفسها خير من تلك. ~~وهذا قول طائفة من المفسرين كمحمد بن جرير الطبري قال. نأت بحكم خير لكم من ~~حكم الآية المنسوخة: إما في العاجل لخفته # PageV17P068 # عليكم وإما في الآخرة لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله. قال: والمراد ما ننسخ ~~من حكم آية كقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي حبه قال: ودل على ~~أن ذلك كذلك قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} وغير جائز أن يكون من القرآن ~~شيء خيرا من شيء. لأن جميعه كلام الله ولا يجوز في صفات الله تعالى أن ~~يقال: بعضها أفضل من بعض أو بعضها خير من بعض. وطرد ذلك في أسماء الله فمنع ~~أن يكون بعض أسمائه أعظم أو أفضل أو أكبر من بعض. وقال: معنى الاسم الأعظم: ~~العظيم وكلها سواء في العظمة وإنما يتفاضل حال الناس حين الدعاء فيكون ~~الأعظم بحسب حال الدعاء لا أنه في نفسه أعظم. وهذا القول الذي قاله في ~~أسماء الله نظير القول الثاني في تفضيل بعض كلام الله على بعض فإن القول ~~الثاني لمن منع تفضيله أن المراد يكون هذا أفضل أو خيرا كونه فاضلا في ~~نفسه؛ لا أنه أفضل من غيره. وهذا القول يحكى عن أبي الحسن الأشعري ومن ~~وافقه قالوا: إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل وقالوا: مقتضى الأفضل تقصير ~~المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض وهذا يقولونه في الكلام ms5259 لأنه واحد بالعين ~~عندهم يمتنع فيه تماثل أو تفاضل وأما في الصفات بعضها على بعض فلامتناع ~~التغاير ولا يقولون هذا في القرآن العربي فإن القرآن العربي عندهم مخلوق ~~وليس هو كلام الله على قول الجمهور منهم قالوا: لأن الكلام # PageV17P069 # يمتنع قيامه بغير المتكلم كسائر الصفات والقرآن العربي يمتنع عندهم قيامه ~~بذات الله تعالى ولو جوزوا أن يكون كلام الله قائما بغيره لبطل أصلهم الذي ~~اتفقوا عليه هم وسائر أهل السنة وردوا به على المعتزلة في قولهم إن القرآن ~~مخلوق وهؤلاء يسلمون أن القرآن العربي بعضه أفضل من بعض لأنه مخلوق عندهم ~~ولكن ليس هو كلام الله عند جماهيرهم. وبعض متأخريهم يقول: إن لفظ " كلام ~~الله " يقع بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الكلام العربي المخلوق ~~الدال عليه. وأما كلام الله الذي ليس بمخلوق عندهم فهو ذلك المعنى وهو الذي ~~يمتنع تفاضله عندهم. وأصل هؤلاء أن كلام الله هو المعاني بل هو المعنى ~~الواحد فقط وأن معاني كتاب الله هي شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض. فمعنى آية ~~الكرسي وآية الدين والفاتحة وقل هو الله أحد وتبت ومعنى التوراة والإنجيل ~~وكل حديث إلهي وكل ما يكلم به الرب عباده يوم القيامة وكل ما يكلم به ~~الملائكة والأنبياء: إنما هي معنى واحد بالعين لا بالنوع. ولا يتعدد ولا ~~يتبعض وأن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل كلام غيره: جبريل أو محمد أو ~~مخلوق من مخلوقاته عبر به عن ذلك الواحد وذلك الواحد هو الأمر بكل ما أمر ~~به والنهي عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ما أخبر به وأن الأمر والنهي ~~والخبر ليست أنواعا للكلام وأقساما له فإن الواحد بالعين لا يقبل # PageV17P070 # التنويع والتقسيم؛ بخلاف الواحد بالنوع فإنه يقبل التنويع والتقسيم وإنما ~~هي صفات لذلك الواحد بالعين وهي صفات إضافية له فإذا تعلق بما يطلب من ~~أفعال العباد كان أمرا وإذا تعلق بما ينهى عنه كان نهيا وإذا تعلق بما يخبر ~~عنه كان خبرا. وجمهور العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم ms5260 بالاضطرار فإنا نعلم ~~أن معاني {قل هو الله أحد} ليست هي معاني {تبت يدا أبي لهب} ولا معاني آية ~~الدين معاني آية الكرسي ولا معاني الخبر عن صفات الله هي معاني الخبر عن ~~مخلوقات الله وأن تعلق ذلك المعنى بالحقائق المخبر عنها والأفعال التي تعلق ~~بها الأمر والنهي إن كان أمرا وجوديا فلا بد له من محل فإن قام بذات الله ~~فقد تعددت معاني الكلام القائمة بذاته وإن قام بذات غيره كان صفة لذلك ~~الغير لا لله وإن قام لا بمحل كان ممتنعا؛ فإن المعاني لا تقوم بأنفسها؛ ~~وإن كان تعلق ذلك المعنى بالحقائق أمرا عدميا لم يكن هناك ما يميز بين ~~الخبر والأمر والنهي بل لا يميز بين خبر الله عن نفسه وعن قوم نوح وعاد إذ ~~كان المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه عن بعض. والحقائق ~~المخبر عنها والمأمور بها والمنهي عنها لا تكون بأنفسها مخبرا بها ومأمورا ~~بها ومنهيا عنها بل الخبر عنها والأمر بها والنهي عنها هو غير ذواتها فإذا ~~لم يكن هنا أمر موجود غير ذلك المعنى الذي لا امتياز فيه ولا تعدد وغير ~~المخلوقات التي لا تميز بين الأمر والنهي والخبر: لم # PageV17P071 # يكن هنا ما يميز بين النهي والخبر ولا ما يجعل معاني آية الوضوء غير ~~معاني آية الدين فإن الحروف المخلوقة الدالة على ذلك المعنى إن لم تدل إلا ~~عليه فلا تعدد فيه ولا تنويع وإن دلت على التعلقات التي هي عدمية فالعدم ~~ليس بشيء حتى يكون أمرا ونهيا وخبرا وليس عند هؤلاء إلا ذلك المعنى وتعلقه ~~بالحقائق المخبر عنها والمأمور بها ونفس القرآن العربي المخلوق عندهم هو ~~الدال على ذلك المعنى فالمدلول إن كان هو ذلك المعنى فلا يتميز فيه أمر عن ~~خبر ولا أمر بصلاة عن أمر بزكاة ولا نهي عن الكفر عن إخبار بتوحيد. وإن ~~كانت التعلقات عدمية فالمعدوم ليس بشيء ولا يكون العدم أمرا ونهيا وخبرا ~~ولا يكون مدلول التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كتب الله ms5261 أمورا عدمية لا ~~وجود لها ولا تكون الأمور العدمية هي التي بها وجبت الصلاة وحرم الظلم ولا ~~يكون المعنى الواحد بتلك الأمور العدمية إلا صفات إضافية وهي من معنى ~~السلبية فإنها إن لم تكن سلب أمر موجود فهي تعلق ليس بموجود. فحقيقة الأمر ~~- على قول هؤلاء - أنه ليس لله كلام لا معان ولا حروف إلا بمعنى واحد لا ~~حقيقة له موجودة ولا معلومة. ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض ~~كان المفضول ناقصا عن الفاضل وصفات الله كاملة لا نقص فيها والقرآن # PageV17P072 # من صفاته. قال هؤلاء: صفات الله كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى غاية ~~التمام لا يلحق شيئا منها نقص بحال. ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات ~~الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق فإنه إذا قيل إنه مخلوق ~~أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض. ~~قالوا: وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته. ولأجل ~~هذا الاعتقاد صار من يعتقده يذكر إجماع أهل السنة على امتناع التفضيل في ~~القرآن كما قال أبو عبد الله بن الدراج في مصنف صنفه في هذه المسألة قال: " ~~أجمع أهل السنة على أن ما ورد في الشرع مما ظاهره المفاضلة بين آي القرآن ~~وسوره ليس المراد به تفضيل ذوات بعضها على بعض؛ إذ هو كله كلام الله وصفة ~~من صفاته بل هو كله لله فاضل كسائر صفاته الواجب لها نعت الكمال ". وهذا ~~النقل للإجماع هو بحسب ما ظنه لازما لأهل السنة فلما علم أنهم يقولون: ~~القرآن كلام الله ليس بمخلوق وظن هو أن المفاضلة إنما تقع في المخلوقات لا ~~في الصفات قال ما قال. وإلا فلا ينقل عن أحد من السلف والأئمة أنه أنكر فضل ~~كلام الله بعضه # PageV17P073 # على بعض: ms5262 لا في نفسه ولا في لوازمه ومتعلقاته؛ فضلا عن أن يكون هذا ~~إجماعا. وليس هو لازما لابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وأتباعه؛ فإن هؤلاء ~~يجوزون وقوع المفاضلة في القرآن العربي وهو مخلوق عندهم وهذا المخلوق يسمى ~~" كتاب الله " والمعنى القديم يسمى " كلام الله " ولفظ " القرآن " يراد به ~~عندهم ذلك المعنى القديم والقرآن العربي المخلوق. وحينئذ فهم يتأولون ما ~~ورد من تفضيل بعض القرآن على بعض على القرآن المخلوق عندهم. وإنما القول ~~المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم ~~أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله بل كفروا ~~من قال ذلك والكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدها وغير أسانيدها كثيرة: ~~مثل: (كتاب الرد على الجهمية) للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم و ~~(الرد على الجهمية) لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري و (الرد على ~~الجهمية) للحكم بن معبد الخزاعي و (كتاب السنة) لعبد الله بن أحمد بن حنبل ~~و (السنة) لحنبل ابن عم الإمام أحمد و (السنة) لأبي داود السجستاني و ~~(السنة) للأثرم و (السنة) لأبي بكر الخلال و (السنة والرد على أهل الأهواء) ~~لخشيش بن أصرم # PageV17P074 # و (الرد على الجهمية) لعثمان بن سعيد الدارمي. و (نقض عثمان بن سعيد على ~~الجهمي الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد) و (كتاب التوحيد) ~~لابن خزيمة و (السنة للطبراني) ولأبي الشيخ الأصبهاني و (شرح أصول السنة) ~~لأبي القاسم اللالكائي و (الإبانة) لأبي عبد الله بن بطة وكتب أبي عبد الله ~~بن منده و (السنة) لأبي ذر الهروي و (الأسماء والصفات) للبيهقي و (الأصول) ~~لأبي عمر الطلمنكي و (الفاروق) لأبي إسماعيل الأنصاري و (الحجة) لأبي ~~القاسم التيمي. إلى غير ذلك من المصنفات التي يطول تعدادها: التي يذكر ~~مصنفوها العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم ~~الكثيرة المتواترة التي تعرف منها أقوالهم مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل ~~السنة - التي جرت في زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها الإمام أحمد وقام ms5263 ~~بإظهار السنة والصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام والسنة وأطفأ ~~نار تلك الفتنة - ظهر في ديار الإسلام وانتشر بين الخاص والعام أن مذهب أهل ~~السنة والحديث المتبعين للسلف من الصحابة والتابعين: أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق وأن الذين أحدثوا في الإسلام القول بأن القرآن مخلوق هم الجعد بن ~~درهم والجهم بن صفوان ومن اتبعه من المعتزلة وغيرهم من أصناف الجهمية لم ~~يقل هذا القول أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان. فهذا القول هو ~~القول المعروف عن أهل السنة والجماعة وهو القول بأن القرآن # PageV17P075 # كلام الله وهو غير مخلوق. أما كونه لا يفضل بعضه على بعض فهذا القول لم ~~ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن ~~حنبل وأمثاله ولا عن أحد قبلهم ولو قدر أنه نقل عن عدد من أئمة السنة لم ~~يجز أن يجعل ذلك إجماعا منهم فكيف إذا لم ينقل عن أحد منهم وإنما هذا نقل ~~لما يظنه الناقل لازما لمذهبهم. فلما كان مذهب أهل السنة أن القرآن من صفات ~~الله لا من مخلوقات الله وظن هذا الناقل أن التفاضل يمتنع في صفات الخالق ~~نقل امتناع التفاضل عنهم بناء على هذا التلازم. ولكن يقال له: أما المقدمة ~~الأولى فمنقولة عنهم بلا ريب. وأما المقدمة الثانية وهي أن صفات الرب لا ~~تتفاضل فهل يمكنك أن تنقل عن أحد من السلف قولا بذلك فضلا عن أن تنقل ~~إجماعهم على ذلك ما علمت أحدا يمكنه أن يثبت عن أحد من السلف أنه قال ما ~~يدل على هذا المعنى لا بهذا اللفظ ولا بغيره فضلا عن أن يكون هذا إجماعا. ~~ولكن إن كان قال قائل ذلك ولم يبلغنا قوله فالله أعلم. لكن الذي أقطع به ~~ويقطع به كل من له خبرة بكلام السلف أن القول بهذا لم يكن مشهورا بين السلف ~~ولا قاله واحد واشتهر قوله عند الباقين فسكتوا عنه ولا هو معروف في الكتب ~~التي نقل # PageV17P076 # فيها ألفاظهم بأعيانها بل المنقول ms5264 الثابت عنهم - أو عن كثير منهم - يدل ~~على أنهم كانوا يرون تفاضل صفات الله تعالى وهكذا من قال من أصحاب مالك أو ~~الشافعي أو أحمد عن أهل السنة: أن القرآن لا يفضل بعضه على بعض فإنما ~~مستندهم أن أهل السنة متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن كلامه ~~من صفاته القائمة بنفسه ليس من مخلوقاته وهذا أيضا صحيح عن أهل السنة. ثم ~~ظنوا أن التفاضل إنما يقع في المخلوق لا في الصفات وهذا الظن لم ينقلوه عن ~~أحد من أئمة الإسلام كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ~~ولا من قبل هؤلاء ولهذا شنع هؤلاء على من ظن فضل بعضه على بعض كما دلت عليه ~~النصوص والآثار لظنهم أن ذلك مستلزم لخلاف مذهب أهل السنة كما قال أبو عبد ~~الله بن المرابط في الكلام على حديث البخاري في رده لتأويل من تأول هذا ~~الحديث على أن هذه السورة إذا عدلت بثلث القرآن أنها تفضل الربع منه وخمسه ~~وما دون الثلث فهو التفاضل في كتاب الله تعالى وهو صفة من صفات الله جل ~~جلاله وقال: فهذا لولا عذر الجهالة لحكم على قائله بالكفر إذ لا يصح ~~التفاضل إلا في المخلوقات؛ إذ صفاته كلها فاضلة في غاية الفضيلة ونهاية ~~العلو والكرامة فمن تنقص شيئا منها عن سائرها فقد ألحد فيها ألا تسمعه منع ~~ذلك بقوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} . # PageV17P077 # قال: وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن صفة من صفات الله لا من صفة خلقه. ~~قال: وإنما أوقعهم في تأويل ذلك قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} ولا ~~يخلو معنى ذلك من أحد وجهين: إما أن تكون الناسخة خيرا من المنسوخة في ~~ذاتها وإما أن تكون خيرا منها لمن تعبد بها إذ محال أن يتفاضل القرآن في ~~ذاته على ما ذهب إليه أهل السنة والاستقامة؛ إذ كل من عند الله؛ لأن القرآن ~~العزيز صفة الله وأسماء الله وصفاته كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى ~~غاية التمام لا يلحق ms5265 شيئا منها نقص بحال. فلما استحال أن تكون آية خيرا من ~~آية في ذاتها علمنا أن المراد بخير منها إنما هو للمتعبدين بها لم ينقل ~~عباده من تخفيف إلى تثقيل ولكنه نقلهم بالنسخ من تحريم إلى تحليل ومن إيجاب ~~إلى تخيير ومن تطهير إلى تطهير والشاهد لنا قوله: {يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا} . فيقال: أما قول القائل: " لولا عذر الجهالة لحكم على ~~مثبت المفاضلة بالكفر " فهم يقابلونه بمثل ذلك وحجتهم أقوى. وذلك لأن الكفر ~~حكم شرعي وإنما يثبت بالأدلة الشرعية ومن أنكر شيئا لم يدل عليه الشرع بل ~~علم بمجرد العقل لم يكن كافرا وإنما الكافر من أنكر ما جاء به الرسول ~~ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة نص يمنع تفضيل بعض كلام الله على بعض بل ~~ولا يمنع تفاضل صفاته # PageV17P078 # تعالى بل ولا نقل هذا النفي عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا ~~عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق في الأمة بحيث جعلوا أعلاما للسنة ~~وأئمة للأمة. # وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض؛ بل تفضيل بعض صفاته على بعض: فدلالة ~~الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك فلو قدر أن ~~الحق في نفس الأمر أنها لا تتفاضل لم يكن نفي تفاضلها معلوما إلا بالعقل لا ~~بدليل شرعي وإذا قدر أنها تتفاضل فالدال على ذلك هو الأدلة الشرعية مع ~~العقلية فإذا قدر أن الحق في نفس الأمر هو التفضيل لكان كفر جاحد ذلك أولى ~~من كفر من يثبت التفضيل إذا لم يكن حقا في نفس الأمر لأن ذلك جحد موجب ~~الأدلة الشرعية بغير دليل شرعي؛ بل لما رآه بعقله وأخطأ فيه؛ إذ نحن نتكلم ~~في هذا التقدير. ومعلوم أن من خالف ما جاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله ~~فهو أولى بالكفر ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل عن الله وإنما خالف ما علم ~~بالعقل إن كان ذلك حقا. ونظير هذا قول بعض نفاة الصفات لما تأمل حال أصحابه ~~وحال مثبتيها ms5266 قال: لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا فإن هؤلاء إن ~~كانوا مصيبين فقد نالوا الدرجات العلى والرضوان الأكبر وإن كانوا مخطئين ~~فإنهم يقولون: نحن يا رب صدقنا ما دل عليه كتابك # PageV17P079 # وسنة رسولك إذ لم تبين لنا بالكتاب والسنة نفي الصفات كما دل كلامك على ~~إثباتها فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك وكلام رسولك فإن كان الحق في خلاف ~~ذلك فلم يبين الرسول ما يخالف ذلك ولم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول ~~بل إن قدر أنه حق فلا يعلمه إلا الأفراد فكيف وعامة المنتهين في خلاف ذلك ~~إلى الغاية يقرون بالحيرة والارتياب. قال النافي: وإن كنا نحن مصيبين فإنه ~~يقال لنا: أنتم قلتم شيئا لم آمركم بقوله وطلبتم علما لم آمركم بطلبه. ~~فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة وأنتم لم تمتثلوا أمري. قال: وإن كنا مخطئين ~~فقد خسرنا خسرانا مبينا. وهذا حال من أثبت المفاضلة في كلام الله وصفاته ~~ومن نفاها فإن المثبت معتصم بالكتاب والسنة والآثار ومعه من المعقولات ~~الصريحة التي تبين صحة قوله وفساد قول منازعه ما لا يتوجه إليها طعن صحيح. ~~وأما النافي فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا قول أحد من سلف الأمة وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل ~~عليه ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه وأن خطأه معلوم بصريح ~~المعقول كما هو معلوم بصحيح المنقول. واحتجاج المحتج على نفي التفاضل ~~بقوله: {جعلوا القرآن عضين} في غاية الفساد؛ فإن الآية لا تدل على هذا بوجه ~~من الوجوه # PageV17P080 # سواء أريد بها من آمن ببعضه وكفر ببعضه أو أريد بها من عضهه فقال: هو سحر ~~وشعر ونحو ذلك؛ بل من نفى فضل {قل هو الله أحد} على {تبت يدا أبي لهب} فهو ~~أولى بأن يكون ممن جعله عضين؛ إن دلت الآية على هذه المسألة. وذلك أن من ~~آمن بما وصف الله به كلامه فأقر بأنه جميعه كلام الله وأقر ms5267 به كله فلم يكفر ~~بحرف منه وعلم أن كلام الله أفضل من كل كلام وأن خير الكلام كلام الله وأنه ~~لا أحسن من الله حديثا ولا أصدق منه قيلا وأقر بما أخبر الله به ورسوله من ~~فضل بعض كلامه كفضل (فاتحة الكتاب و (آية الكرسي و ( {قل هو الله أحد} ونحو ~~ذلك بل وتفضيل (يس و (تبارك والآيتين من آخر سورة البقرة بل وتفضيل (البقرة ~~و (آل عمران وغير ذلك من السور والآيات التي نطقت النصوص بفضلها وأقر بأنه ~~كلام الله ليس منه شيء كلاما لغيره لا معانيه ولا حروفه فهو أبعد عن جعله ~~عضين ممن لم يؤمن بما فضل الله به بعضه على بعض؛ بل آمن بفضله من جهة ~~المتكلم ولم يؤمن بفضله من جهة المتكلم فيه؛ فإن هذا في الحقيقة آمن به من ~~وجه دون وجه. وكذلك من قال: إنه معنى واحد وأن القرآن العربي لم يتكلم الله ~~به؛ بل هو مخلوق خلقه الله في الهواء أو أحدثه جبريل أو محمد فهذا # PageV17P081 # أولى بأن يكون داخلا فيمن عضه القرآن ورماه بالإفك وجعل القرآن العربي ~~كلام مخلوق: إما بشر وإما ملك وإما غيرهما فمن جعل القرآن كله كلام الله ~~ليس بمخلوق ولا هو من إحداث مخلوق لا جبريل ولا محمد ولا شيء منه بل جبريل ~~رسول ملك ومحمد رسول بشر والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فاصطفى ~~لكلامه الرسول الملكي فنزل به على الرسول البشري الذي اصطفاه وقد أضافه إلى ~~كل من الرسولين لأنه بلغه وأداه؛ لا لأنه أنشأه وابتداه قال تعالى: {إنه ~~لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم أمين} فهذا نعت جبريل ~~الذي قال فيه: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} وقال: ~~{نزل به الروح الأمين} {على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان عربي مبين} ~~وقال: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ~~بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ربك ms5268 بالحق} وقال في الآية ~~الأخرى: {إنه لقول رسول كريم} {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون} {تنزيل من رب العالمين} {ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل} {لأخذنا منه باليمين} {ثم لقطعنا منه الوتين} {فما منكم من أحد ~~عنه حاجزين} فهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وأضاف القول إلى كل منهما ~~باسم الرسول فقال {لقول رسول} # PageV17P082 # لأن الرسول يدل على المرسل فدل على أنه قول رسول بلغه عن مرسل. لم يقل: ~~إنه لقول ملك ولا بشر بل كفر من جعله قول بشر بقوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا} ~~{وجعلت له مالا ممدودا} {وبنين شهودا} {ومهدت له تمهيدا} {ثم يطمع أن أزيد} ~~{كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} {سأرهقه صعودا} {إنه فكر وقدر} {فقتل كيف قدر} ~~{ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر واستكبر} {فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} فمن قال إنه قول بشر أو قول مخلوق ~~غير البشر فقد كفر ومن جعله قول رسول من البشر فقد صدق؛ لأن الرسول ليس له ~~فيه إلا التبليغ والأداء كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك} وفي سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه ~~لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي} . والذي اتفق عليه ~~السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال غير واحد منهم: منه بدأ وإليه ~~يعود. قال أحمد بن حنبل وغيره: " منه بدأ " أي هو المتكلم به لم يبتد من ~~غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق قالوا: خلقه في غيره فهو ~~مبتدأ من ذلك المحل المخلوق ويلزمهم أن يكون كلاما لذلك المحل المخلوق لا ~~لله # PageV17P083 # تعالى؛ لا سيما والجهمية كلهم يقولون بأن الله خالق أفعال العباد وهم ~~غلاة في الجبر ولكن المعتزلة توافقهم على نفي الصفات ms5269 والقول بخلق القرآن ~~وتخالفهم في القدر والأسماء والأحكام فإذا كان الله خالق كل ما سواه لزمهم ~~أن يكون كل كلام كلامه لأنه هو الذي خلقه ولذلك قال ابن عربي الطائي - وكان ~~من غلاة هؤلاء الجهمية يقول بوحدة الوجود - قال: وكل كلام في الوجود كلامه ~~سواء علينا نثره ونظامه ولهذا قال سليمان بن داود الهاشمي - نظير أحمد بن ~~حنبل الذي قال الشافعي: ما رأيت أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن ~~داود الهاشمي - قال: من قال: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} مخلوق فهو ~~كافر. وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في ~~النار إذ قال: {أنا ربكم الأعلى} وزعموا أن هذا مخلوق؟ . ومعنى ذلك كون قول ~~فرعون: {أنا ربكم الأعلى} كلاما قائما بذات فرعون فإن كان قوله {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا} كلاما خلقه في الشجرة كانت الشجرة هي القائلة لذلك ~~كما كان فرعون هو القائل لذلك وحينئذ فيكون جعل الشجرة إلها أعظم كفرا من ~~جعل فرعون إلها. # PageV17P084 # والجهمية والمعتزلة لم يقم عندهم بذات الله لا طلب ولا إرادة ولا محبة ~~ولا رضا ولا غضب ولا غير ذلك مما يجعل مدلول الأصوات المخلوقة. ولا قام ~~بذاته عندهم إيجاب وإلزام ولا تحريم وحظر فلم يكن للكلام المخلوق في غيره ~~معنى قائم بذاته يدل عليه ذلك المخلوق حتى يفرق بين ما خلقه في الجماد وما ~~خلقه في الحيوان. وكان مقصود السلف رضوان الله عليهم أن الله هو المتكلم ~~بالقرآن وسائر كلامه. وأنه منه نزل لم ينزل من غيره كما قال تعالى: {والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وقال تعالى: {قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق} لم يقل أحد من السلف: إن القرآن قديم وإنما قالوا هو ~~كلام الله غير مخلوق وقالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ~~وكما شاء ولا قال أحد منهم: إن الله في الأزل نادى موسى ولا قال: إن الله ~~لم يزل ms5270 ولا يزال يقول يا آدم يا نوح يا موسى يا إبليس ونحو ذلك مما أخبر ~~أنه قال. ولكن طائفة ممن اتبع السلف اعتقدوا أنه إذا كان غير مخلوق فلا بد ~~أن يكون قديما إذ ليس عندهم إلا هذا وهذا وهؤلاء ينكرون أن يكون الله يتكلم ~~بمشيئته وقدرته أو يغضب على الكفار إذا عصوه أو يرضى عن المؤمنين إذا ~~أطاعوه أو يفرح بتوبة التائبين إذا تابوا أو يكون نادى موسى حين أتى الشجرة ~~ونحو ذلك مما دل عليه # PageV17P085 # الكتاب والسنة كقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ~~فأحبط أعمالهم} وقوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقوله: {فلما ~~أتاها نودي يا موسى} وقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم} وقال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون} . وقد أخبر أن كلماته لا نفاد لها بقوله: {لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله ~~مددا} وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} . وأتباع السلف يقولون: ~~إن كلام الله قديم أي لم يزل متكلما إذا شاء لا يقولون: إن نفس الكلمة ~~المعينة قديمة كندائه لموسى ونحو ذلك. لكن هؤلاء اعتقدوا أن القرآن وسائر ~~كلام الله قديم العين وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته. ثم اختلفوا: فمنهم ~~من قال القديم هو معنى واحد هو جميع معاني التوراة والإنجيل والقرآن وأن ~~التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا والقرآن إذا عبر عنه بالعبرية ~~صار توراة: قالوا: والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل إما أن يكون خلقه في ~~بعض الأجسام وإما أن يكون أحدثه جبريل أو محمد فيكون كلاما لذلك الرسول ~~ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب الذي هو # PageV17P086 # جميع معاني الكلام. ومنهم من قال: بل القرآن القديم هو حروف أو حروف ~~وأصوات وهي قديمة ms5271 أزلية قائمة بذات الرب أزلا وأبدا وهي متعاقبة في ذاتها ~~وماهيتها لا في وجودها؛ فإن القديم لا يكون بعضه متقدما على بعض ففرقوا بين ~~ذات الكلام وبين وجوده وجعلوا التعاقب في ذاته لا في وجوده كما يفرق بين ~~وجود الأشياء بأعيانها وماهياتها من يقول بذلك من المعتزلة والمتفلسفة وكلا ~~الطائفتين تقول: إنه إذا كلم موسى أو الملائكة أو العباد يوم القيامة فإنه ~~لا يكلمه بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته حين يكلمه ولكن يخلق له إدراكا ~~يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا وأبدا. وعندهم لم يزل ولا ~~يزال يقول: {يا آدم اسكن أنت وزوجك} و: {يا نوح اهبط بسلام منا وبركات ~~عليك} و {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ونحو ذلك وقد بسط الكلام ~~على هذه الأقوال وغيرها في مواضع. والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ~~ينقل واحدا منهما عن أحد من السلف: أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم. وأول من ~~أحدث هذا الأصل هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وعرف أن الحروف ~~متعاقبة فيمتنع أن تكون قديمة الأعيان فإن المتأخر # PageV17P087 # قد سبقه غيره والقديم لا يسبقه غيره والصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف ~~يكون قديما فقال بأن القديم هو المعنى ثم جعل المعنى واحدا لا يتعدد ولا ~~يتبعض لامتناع اختصاصه بعدد معين وامتناع معان لا نهاية لها في آن واحد ~~وجعل القرآن العربي ليس هو كلام الله. فلما شاع قوله وعرف جمهور المسلمين ~~فساده شرعا وعقلا قالت طائفة أخرى - ممن وافقته على مذهب السلف - إن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق وعلى الأصل الذي أحدثه من القول بقدم القرآن -: إن ~~القرآن قديم وهو مع ذلك الحروف المتعاقبة والأصوات المؤلفة. فصار قول هؤلاء ~~مركبا من قول المعتزلة وقول الكلابية فإذا ناظروا المعتزلة على أن القرآن ~~كلام الله ms5272 غير مخلوق ناظروهم بطريقة ابن كلاب وإذا ناظرهم الكلابية على أن ~~القرآن العربي كلام الله وأن القرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله ناظروهم ~~بحجج المعتزلة. وليس شيء من هذه الأقوال قول أحد من السلف كما بسط في غير ~~هذا الموضع ولا قال شيئا من هذه الأقوال لا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم ~~الذين أدركوهم وإنما قاله - ممن ينتسب إليهم - بعض المتأخرين الذين تلقوها ~~عمن قالها من أهل الكلام ولم يكن لهم خبرة لا بأقوال السلف التي دل عليها ~~الكتاب والسنة والعقل الصريح # PageV17P088 # ولا بحقائق أقوال أهل الكلام الذي ذمه السلف ولم قالوا هذا وما الذي ~~ألجأهم إلى هذا؟ وقد شاع عند العامة والخاصة أن القرآن ليس بمخلوق والقول ~~بأنه مخلوق قول مبتدع مذموم عند السلف والأئمة فصار من يطالع كتب الكلام ~~التي لا يجد فيها إلا قول المعتزلة وقول من رد عليهم وانتسب إلى السنة يظن ~~أنه ليس في المسألة إلا هذا القول وهذا وذاك قد عرف أنه قول مذموم عند ~~السلف فيظن القول الآخر قول السلف كما يقع مثل ذلك في كثير من المسائل في ~~غير هذه: لا يعرف الرجل في المسألة إلا قولين أو ثلاثة فيظن الصواب واحدا ~~منها ويكون فيها قول لم يبلغه وهو الصواب دون تلك. وهذا باب واسع في كثير ~~من المسائل. والله يهدينا وسائر إخواننا المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه من ~~القول والعمل ومن اجتهد بقصد طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده لم يكلفه الله ~~ما يعجز عنه بل يثيبه الله على ما فعله من طاعته ويغفر ما أخطأ فيه فعجز عن ~~معرفته. # فصل: # والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله - بل وتفضيل بعض صفاته - على بعض ~~متعددة. وقول القائل " صفات الله كلها فاضلة # PageV17P089 # في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص " كلام صحيح لكن توهمه أنه إذا كان ~~بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه فإن النصوص تدل على أن ~~بعض أسمائه أفضل من بعض ولهذا يقال دعا الله باسمه الأعظم. وتدل على أن ms5273 بعض ~~صفاته أفضل من بعض وبعض أفعاله أفضل من بعض ففي الآثار ذكر اسمه العظيم ~~واسمه الأعظم واسمه الكبير والأكبر كما في السنن ورواه أحمد وابن حبان في ~~صحيحه {عن ابن بريدة عن أبيه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد فإذا رجل يصلي يدعو: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله ~~إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا ~~سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب} . {وعن أنس قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في ~~في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع ~~السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ~~وإذا سئل به أعطى} . وقد ثبت في الصحيح # PageV17P090 # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن الله كتب في كتاب ~~فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي} وفي رواية {سبقت رحمتي ~~غضبي} فوصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه ~~من جهة سبقها وغلبتها وقد ثبت في صحيح مسلم {عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وأعوذ بك منك} . وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك في وتره لكن هذا ~~فيه نظر. وقد ثبت في الصحيح والسنن والمساند من غير وجه الاستعاذة بكلماته ~~التامات كقوله {أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن ~~همزات الشياطين وأن يحضرون} . وفي صحيح مسلم عن خولة أنه قال صلى الله عليه ~~وسلم {من نزل ms5274 منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة لم يضره شيء حتى يرتحل ~~منه} . وفي الصحيح أنه قال لعثمان بن أبي العاص: {قل: أعوذ بعزة الله ~~وقدرته من شر ما أجد وأحاذر} . ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه ~~فقد استعاذ برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته. وأما استعاذته به منه فلا ~~بد أن يكون باعتبار جهتين: يستعيذ به باعتبار تلك الجهة ومنه باعتبار تلك ~~الجهة ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ # PageV17P091 # منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه والمستعاذ به مدعو مستجار به ~~ملتجأ إليه والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبا منها لكن باعتبار جهتين ~~تصح كما في الحديث الذي في الصحيحين عن البراء بن عازب {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم علم رجلا أن يقول عند النوم اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي ~~إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لا منجا ولا ملجأ ~~منك إلا إليك. آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت} فبين أنه لا ينجي ~~منه إلا هو ولا يلتجأ منه إلا إليه. وأعمل الفعل الثاني لما تنازع الفعلان ~~في العمل. ومعلوم أن جهة كونه منجيا غير جهة كونه منجيا منه وكذلك جهة كونه ~~ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته أو أفعاله ~~القائمة به أو صفاته أو بذاته باعتبارين. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {المقسطون عند الله على منابر من نور ~~عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا} . ~~وقد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث ويذكر فيها أن كلتاهما يمين مع تفضيل ~~اليمين. قال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص ~~فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل # PageV17P092 # بحيث تفعل بمياسرها كل ما يذم - كما يباشر بيده اليسرى النجاسات والأقذار ~~- بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا ~~عيب ms5275 بوجه من الوجوه كما في صفات المخلوقين مع أن اليمين أفضلهما كما في ~~حديث آدم قال {اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة} فإنه لا نقص في ~~صفاته ولا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل وإما عدل. وفي الصحيحين عن ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ~~سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما ~~في يمينه. والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض} فبين صلى الله عليه وسلم أن ~~الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى. ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين ~~فالفضل أعلى من العدل وهو سبحانه كل رحمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ورحمته ~~أفضل من نقمته. ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ولم ~~يكونوا عن يده الأخرى. وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم كما فضل في القرآن ~~أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة وإن كانوا إنما ~~عذبهم بعدله. وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين هم أهل ~~السعادة وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة. # PageV17P093 # ومما يبين هذا أن الشر لم يرد في أسمائه وإنما ورد في مفعولاته ولم يضف ~~إليه إلا على سبيل العموم وأضافه إلى السبب المخلوق أو بحذف فاعله وذلك ~~كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} و {من شر ما خلق} وكأسمائه المقترنة مثل ~~المعطي المانع الضار النافع المعز المذل الخافض الرافع وكقوله: {وإذا مرضت ~~فهو يشفين} وكقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} وكقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ~~ربهم رشدا} . وقد ثبت في صحيح مسلم عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول في دعاء الاستفتاح والخير بيديك والشر ليس إليك} وسواء أريد به: أنه ~~لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر إما عدم وإما من لوازم ~~العدم وكلاهما ليس إلى الله فهذا ms5276 يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير ~~وأسماؤه تدل على صفاته وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر وإنما وقع الشر في ~~المخلوقات قال تعالى {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} {وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم} وقال تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور ~~رحيم} وقال تعالى: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} فجعل المغفرة ~~والرحمة من معاني أسمائه الحسنى التي يسمي بها نفسه فتكون المغفرة # PageV17P094 # والرحمة من صفاته وأما العقاب الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق له وذلك هو ~~الأليم فلم يقل: وإني أنا المعذب ولا في أسمائه الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم اسم المنتقم وإنما جاء المنتقم في القرآن مقيدا كقوله {إنا من ~~المجرمين منتقمون} وجاء معناه مضافا إلى الله في قوله: {إن الله عزيز ذو ~~انتقام} وهذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات مطلقة ليس فيها ~~عموم على سبيل الجمع. وذلك أن الله سبحانه حكيم رحيم وقد أخبر أنه لم يخلق ~~المخلوقات إلا بحكمته كما قال في قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} وقال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} {الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا} وقال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} {لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} وقال في السورة الأخرى: {ما ~~خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون} وهذا يبين أن معنى قوله في سائر ~~الآيات: (بالحق هو لهذا المعنى الذي يتضمن حكمته كما قال: {وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون} وقوله: {وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا # PageV17P095 # بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} {إن ربك هو الخلاق العليم} . ~~وبعض الناس يظن أن قوله {هو الخلاق} إشارة إلى أنه خالق أفعال العباد فلا ~~ينبغي التشديد في الإنكار عليهم بل يصفح ms5277 عنهم الصفح الجميل لأجل القدر وهذا ~~من أعظم الجهل فإنه سبحانه قد عاقب المخالفين له ولرسله. وغضب عليهم وأمر ~~بمعاقبتهم وأعد لهم من العذاب ما ينافي قول هؤلاء المعطلين لأمره ونهيه ~~ووعده ووعيده. وقوله {فاصفح الصفح الجميل} تعلق بما قبله وهو قوله {وإن ~~الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} فإن لهم موعدا يجزون فيه كما قال تعالى ~~في نظائر ذلك: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} {فذكر إنما أنت مذكر} ~~{لست عليهم بمسيطر} {إلا من تولى وكفر} {فيعذبه الله العذاب الأكبر} {إن ~~إلينا إيابهم} {ثم إن علينا حسابهم} وقوله: {فتول عنهم حتى حين} وقوله ~~{فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} ولم يعذر الله أحدا قط بالقدر ولو عذر ~~به لكان أنبياؤه وأولياؤه أحق بذلك وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على ~~المصيبة التي أصابت الذرية فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ وما ~~أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله ويعلم أنها مقدرة عليه كما ~~قال # PageV17P096 # تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال ~~علقمة - وقد روي عن ابن مسعود -: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند ~~الله فيرضى ويسلم: فالعبد مأمور بالتقوى والصبر فالتقوى فعل ما أمر به ومن ~~الصبر الصبر على ما أصابه وهذا هو صاحب العاقبة المحمودة كما قال يوسف عليه ~~السلام {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وقال تعالى: {وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا} وقال: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} . ولا بد لكل عبد من أن يقع منه ما يحتاج ~~معه إلى التوبة والاستغفار ويبتلى بما يحتاج معه إلى الصبر فلهذا يؤمر ~~بالصبر والاستغفار كما قيل لأفضل الخلق: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع ~~على مناظرة آدم وموسى؛ فإن كثيرا من ms5278 الناس حملوها على محامل مخالفة للكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة ومنهم من كذب بالحديث لعدم فهمه له والحديث حق يوجب أن ~~الإنسان إذا جرت عليه مصيبة بفعل غيره مثل أبيه أو غير أبيه لا سيما إذا ~~كان أبوه قد تاب منها فلم يبق عليه من جهة الله تبعة كما جرى لآدم صلوات ~~الله عليه قال تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} # PageV17P097 # وقال: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} وكان آدم وموسى أعلم بالله من ~~أن يحتج أحدهما لذنبه بالقدر ويوافقه الآخر ولو كان كذلك لم يحتج آدم إلى ~~توبة ولا أهبط من الجنة وموسى هو القائل: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وهو ~~القائل: {رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} وهو ~~القائل: {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} وهو القائل ~~لقومه: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم} فلو ~~كان المذنب يعذر بالقدر لم يحتج إلى هذا بل كان الاحتجاج بالقدر لما حصل من ~~موسى ملام على ما قدر عليه من المصيبة التي كتبها الله وقدرها. ومن الإيمان ~~بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب والجاهل الظالم يحتج ~~بالقدر على ذنوبه وسيئاته ولا يعذر بالقدر من أساء إليه ولا يذكر القدر عند ~~ما ييسره الله له من الخير فعكس القضية بل كان الواجب عليه إذا عمل حسنة أن ~~يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها وتفضل بها فلا يجب بها ولا يضيفها إلى ~~نفسه كأنه الخالق لها وإذا عمل سيئة استغفر وتاب منها وإذا أصابته مصيبة ~~سماوية أو بفعل العباد يعلم أنها كانت مقدرة مقضية عليه # PageV17P098 # وهذا مبسوط في موضعه. والمراد هنا أنه سبحانه بين أنه إنما خلق المخلوقات ~~لحكمته وهذا معنى قوله: {بالحق} وقد ذم من ظن أنه خلق ذلك باطلا وعبثا ~~فقال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ms5279 لا ترجعون} وقال: {أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى} وقال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب} {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار} فلا بد من جزاء العباد على أعمالهم فلهذا قيل: {فاصفح الصفح الجميل} ~~. ولله سبحانه في كل ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها وهو سبحانه أحسن كل شيء ~~خلقه وأتقن كل ما صنع فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات فقد وجد لأجل ~~تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية فهو من الله حسن جميل وهو سبحانه ~~محمود عليه وله الحمد على كل حال وإن كان شرا بالنسبة إلى بعض الأشخاص. ~~وهذا موضوع عظيم قد بسط في غير هذا الموضع فإن الناس - في باب خلق الرب ~~وأمره ولم فعل ذلك - على طرفين ووسط: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا ~~تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحا من الأفعال وظلما؛ فأنكروا عموم قدرته ~~ومشيئته ولم يجعلوه خالقا # PageV17P099 # لكل شيء ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بل قالوا: يشاء ما لا يكون ~~ويكون ما لا يشاء ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم - بالقياس ~~على أنفسهم - وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا ~~فيه الخالق بالمخلوق فضلوا وأضلوا. وقابلهم الجهمية الغلاة في الجبر ~~فأنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا: لم يخلق لحكمة ولم يأمر بحكمة وليس في ~~القرآن " لام كي " لا في خلقه ولا في أمره. وزعموا أن قوله {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا} و {خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله: {ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى} وقوله {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} وقوله: ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} - وأمثال ذلك - إنما اللام فيه ~~لام العاقبة كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} وقول القائل: ~~" لدوا للموت وابنوا للخراب ms5280 ". ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ممن ~~يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى أو ~~ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم ~~والخراب عن ديارهم فأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو مريد لكل # PageV17P100 # ما خلق: فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة. ~~وأنكر هؤلاء محبة الله ورضاه لبعض الموجودات دون بعض. وقالوا المحبة والرضا ~~هو من معنى الإرادة والله مريد لكل ما خلقه فهو راض بذلك محب له. وزعموا أن ~~ما في القرآن من نفي حبه ورضاه بالكفر والمعاصي كقوله: {والله لا يحب ~~الفساد} {ولا يرضى لعباده الكفر} محمول على عباده الذين لم يقع ذلك منهم أو ~~أنه لم يرده دينا يثيبهم عليه. وزعموا أن الله لا يحب ولا يرضى ما أمر به ~~من العبادات إلا إذا وقع فيريده كما يريد حينئذ ما وقع من الكفر والمعاصي ~~إلى غير ذلك من أقوالهم المبسوطة في غير هذا الموضع. وكثير من المتأخرين ~~يظن أن هذا قول أهل السنة وهذا مما لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها بل ~~جميع مثبتة القدر المتقدمين كانوا يفرقون بين المحبة والرضا وبين الإرادة ~~ولكن أبو الحسن الأشعري اتبع جهما في ذلك. قال أبو المعالي الجويني: ومما ~~اختلف أهل الحق في إطلاقه وعدم إطلاقه المحبة والرضا فصار المتقدمون إلى ~~أنه سبحانه لا يحب الكفر ولا يرضاه وكذلك كل معصية. وقال شيخنا أبو الحسن: ~~المحبة هي الإرادة نفسها وكذلك الرضا والاصطفاء وهو سبحانه يريد الكفر # PageV17P101 # ويرضاه كفرا قبيحا معاقبا عليه. وهو كما قال أبو المعالي فإن المتقدمين ~~من جميع أهل السنة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أنه سبحانه لا يرضى ما ~~نهى عنه ولا يحبه وعلى ذلك قدماء أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد كأبي بكر عبد العزيز وغيره من قدمائهم ولكن من ~~المتأخرين من سوى بين ms5281 الجميع كما قاله أبو الحسن وهو في الأصل قول لجهم فهو ~~الذي قال في القدر بالجبر وبما يخالف أهل السنة وأنكر رحمه الله تعالى وكان ~~يخرج إلى الجذمى فيقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟ فنفى أن يكون الله أرحم ~~الراحمين وقد قال الصادق المصدوق {لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها} . ~~وهذه مسائل عظيمة ليس هذا موضع بسطها. وإنما المقصود هنا التنبيه على الجمل ~~فإن كثيرا من الناس يقرأ كتبا مصنفة في أصول الدين وأصول الفقه بل في تفسير ~~القرآن والحديث ولا يجد فيها القول الموافق للكتاب والسنة الذي عليه سلف ~~الأمة وأئمتها وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول بل يجد أقوالا كل ~~منها فيه نوع من الفساد والتناقض فيحار ما الذي يؤمن به في هذا الباب وما ~~الذي جاء به الرسول وما هو الحق والصدق إذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصل ~~به ذلك وإنما الهدى فيما جاء به الرسول الذي قال الله فيه: {وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور} . # PageV17P102 # فصل: # وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل ~~من بعض وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقي الكلام في كون {قل هو الله أحد} ) ~~تعدل ثلث القرآن ما وجه ذلك؟ وهل ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن وإذا قدر أن ~~الأمر كذلك فما وجه قراءة سائر القرآن؟ فيقال: أما الأول فقد قيل فيه وجوه ~~أحسنها - والله أعلم - الجواب المنقول عن الإمام أبي العباس ابن سريج فعن ~~أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن سريج عن معنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم { {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن} فقال: معناه أنزل القرآن ~~على ثلاثة أقسام: ثلث منها الأحكام وثلث منها وعد ووعيد وثلث منها الأسماء ~~والصفات. وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي ~~في هذا الحديث ثلاثة أوجه: بدأ بهذا الوجه فروى قول ms5282 ابن سريج هذا بإسناده ~~عن زاهد عن الصابوني والبيهقي عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا ~~الوليد # PageV17P103 # حسان بن محمد الفقيه يقول: سألت أبا العباس ابن سريج قلت: ما معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم { {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن} ؟ قال: إن ~~القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: فثلث أحكام وثلث وعد ووعيد وثلث أسماء وصفات. ~~وقد جمع في ( {قل هو الله أحد} ) أحد الأثلاث وهو الصفات فقيل إنها تعدل ~~ثلث القرآن. الوجه الثاني - من الوجوه الثلاثة التي ذكرها أبو الفرج ابن ~~الجوزي - أن معرفة الله هي معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله ~~فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته إذ لا يوجد شيء إلا وجد من شيء ما خلا ~~الله. فإنه ليس له كفء ولا له مثل. قال أبو الفرج: ذكره بعض فقهاء السلف. ~~قال: والوجه الثالث أن المعنى: من عمل ما تضمنته من الإقرار بالتوحيد ~~والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته ذكره ابن ~~عقيل. قال ابن عقيل: ولا يجوز أن يكون المعنى: من قرأها فله أجر ثلث القرآن ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات} ~~. قلت: كلا الوجهين ضعيف. أما الأول فيدل على ضعفه وجوه: الأول أن نقول ~~القرآن ليس # PageV17P104 # كله هو المعرفة المذكورة بل فيه أمر بالأعمال الواجبة ونهي عن المحرمات ~~والمطلوب من العباد المعرفة الواجبة والعمل الواجب والأمة كلها متفقة على ~~وجوب الأعمال التي فرضها الله لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات وإن كان ~~طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا في أن الله ~~فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام وحرم الفواحش: {ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} وإذا كان كذلك وقدر أن سورة من السور تضمنت ~~ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن. الثاني ms5283 أن يقال: قول القائل معرفة ذاته ~~ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة ~~شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية فهذا ممتنع ولو قدر إمكان ذلك أو ~~فرض العبد في نفسه ذاتا مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذاك ~~معرفته بالله ألبتة ولا هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبي أو ثبوتي؛ ~~ولهذا لم يقل أحد من العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون: يسلب عنه ~~كل أمر ثبوتي وعدمي فلا يقال موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ليس بعالم ولا ~~قادر ولا ليس بقادر ولا نحو ذلك وهؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة ~~العقل فإنهم # PageV17P105 # متناقضون أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعهما ممتنع فيمتنع ~~أن يكون شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما. وأما تناقضهم لا بد أن ~~يذكروا ما ذكروا أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور التي يتميز بها ليخبر ~~عنه بهذا السلب وأي شيء قالوه فلا بد أن يتضمن نفيا أو إثباتا بل لا بد أن ~~يتضمن إثباتا وقد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع. ولهذا كان كثير من ~~الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد؛ بل يقولون كما قال أبو يعقوب السجستاني ~~وغيره من الملاحدة: نحن لا ننفي النقيضين بل نسكت عن إضافة واحد منهما ~~إليه؛ فلا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل. ~~فيقال لهم: إعراض قلوبكم عن العلم به وكف ألسنتكم عن ذكره لا يوجب أن يكون ~~هو في نفسه مجردا عن النقيضين؛ بل يفيد هذا كفركم بالله وكراهتكم لمعرفته ~~وذكره وعبادته وهذا حقيقة مذهبكم. ومن قال من الملاحدة المنتسبين إلى ~~التصوف والتحقيق كابن سبعين والصدر القونوي وغيرهما: إنه وجود مطلق بشرط ~~الإطلاق عن كل وصف ثبوتي وسلبي فهو من جنس هؤلاء. لكن هؤلاء يقولون هو وجود ~~مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم. ثم يقولون هو مطلق والمطلق بشرط الإطلاق ~~عن كل قيد سلبي وثبوتي إنما يكون # PageV17P106 # في ms5284 الأذهان لا في الأعيان. وهؤلاء يقولون: الوجود الكلي المقسوم إلى واجب ~~وممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي ويسمونه " الحكمة العليا " و ~~" الفلسفة الأولى " إنما يكون كليا في الأذهان لا في الأعيان فليس في ~~الخارج قط وجود هو بعينه واجب وهو بعينه ممكن ولا وجود هو نفسه يتصف به ~~الواجب وهو نفسه يتصف به الممكن؛ بل صفة الواجب تختص به وصفة الممكن تختص ~~به ووجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره ووجود الممكن يخصه لا يشركه فيه ~~غيره. ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع ~~أن يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات ~~وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات؛ بل هو سبحانه أحد صمد {لم يلد ~~ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فاسمه (الأحد دل على نفي المشاركة ~~والمماثلة واسمه (الصمد دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال كما بسط الكلام ~~على ذلك في الشرح الكبير المصنف في تفسير هذه السورة. وصفات التنزيه كلها؛ ~~بل وصفات الإثبات: يجمعها هذان المعنيان. وقد بسط الكلام في التوحيد وأنه ~~نوعان: علمي قولي وعملي قصدي. فقل يا أيها الكافرون اشتملت على التوحيد ~~العملي نصا وهي دالة على العلمي # PageV17P107 # لزوما. و {قل هو الله أحد} اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصا وهي ~~دالة على التوحيد العملي لزوما. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~بهما في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك وقد ثبت أنه كان يقرأ أيضا في ~~ركعتي الفجر بآية الإيمان التي في البقرة {قولوا آمنا بالله} في الركعة ~~الأولى وآية الإسلام التي في آل عمران: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . والمقصود هنا ~~أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران في هذه السورة: أحدهما نفي ~~النقائص عنه ms5285 وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال فمن ثبت له الكمال التام ~~انتفى النقصان المضاد له والكمال من مدلول اسمه الصمد. والثاني أنه ليس ~~كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة وهذا من مدلول اسمه الأحد. فهذان الاسمان ~~العظيمان - الأحد الصمد - يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب وتنزيهه في صفات ~~الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها. واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع # PageV17P108 # صفات الكمال فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص ~~فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله وتضمنت أيضا كل ما يجب إثباته من ~~وجهين: من اسمه الصمد ومن جهة أن ما نفي عنه من الأصول والفروع والنظراء ~~مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضا. فإن كل ما يمدح به الرب من النفي فلا بد أن ~~يتضمن ثبوتا بل وكذلك كل ما يمدح به شيء من الموجودات من النفي فلا بد أن ~~يتضمن ثبوتا وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض والعدم المحض ليس بشيء؛ فضلا ~~عن أن يكون صفة كمال. وهذا كما يذكره سبحانه في آية الكرسي مثل قوله: {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} فنفي أخذ السنة والنوم له ~~مستلزم لكمال حياته وقيوميته فإن النوم ينافي القيومية والنوم أخو الموت ~~ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون. ثم قال: {له ما في السماوات وما في الأرض ~~من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ~~ملكه؛ إذ كل من شفع إليه شافع بلا إذنه فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك ~~الشافع فقد أثرت شفاعته فيه فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن وكان ذلك الشافع ~~شريكا للمشفوع إليه في ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة؛ إذ كانت بدون إذنه لا ~~سيما والمخلوق إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو ~~لرهبة: إما من # PageV17P109 # الشافع أو من غيره وإلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه تامة مع القدرة لم ~~يحتج إلى شفاعة والله تعالى منزه عن ذلك كله ms5286 كما قال في الحديث الإلهي: {يا ~~عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني} . ولهذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه فكان إذا أتاه طالب ~~حاجة يقول: {اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء} أخرجاه في ~~الصحيحين؛ وكان مقصوده أنهم يؤجرون على الشفاعة وهو إنما يفعل ما أمره الله ~~به. وكذلك قوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء} بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه كما قالت ~~الملائكة: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} فكان في هذا النفي إثبات أن عباده لا ~~يعلمون إلا ما علمهم إياه فأثبت أنه الذي علمهم لا ينالون العلم إلا منه. ~~فإنه: {الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} و {علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم ~~يعلم} . ثم قال: {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما} أي لا يكرثه ~~ولا يثقله. وهذا النفي تضمن كمال قدرته فإنه مع حفظه للسموات والأرض لا ~~يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف. وهذا كقوله تعالى: {ولقد خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} فنزه نفسه عن مس ~~اللغوب. قال أهل اللغة: # PageV17P110 # اللغوب الإعياء والتعب. وكذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} الإدراك عند ~~السلف والأكثرين هو الإحاطة. وقال طائفة هو الرؤية وهو ضعيف؛ لأن نفي ~~الرؤية عنه لا مدح فيه فإن العدم لا يرى. وكل وصف يشترك فيه الوجود والعدم ~~لا يستلزم أمرا ثبوتيا فلا يكون فيه مدح إذ هو عدم محض بخلاف ما إذا قيل لا ~~يحاط به فإنه يدل على عظمة الرب جل جلاله. وإن العباد مع رؤيتهم له لا ~~يحيطون به رؤية كما أنهم مع معرفته لا يحيطون به علما وكما أنهم مع مدحه ~~والثناء عليه لا يحيطون ثناء عليه؛ بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة. ولهذا ~~قال أفضل الخلق وأعلمهم: {لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك} ms5287 وهذه ~~الأمور مبسوطة في موضع آخر. والمقصود هنا الكلام على معنى كون {قل هو الله ~~أحد} تعدل ثلث القرآن وبيان أن الصواب القول الأول. الوجه الثالث الذي يدل ~~على فساد القول الثاني أن يقال: قول القائل " معرفة أفعاله " إن أراد بذلك ~~معرفة آياته الدالة عليه فهذه من تمام معرفته ويبقى معرفة وعده ووعيده وقصص ~~الأمم المؤمنة والكافرة لم يذكره وهو القسم الثاني من أقسام معاني القرآن ~~كما لم يذكر أمره ونهيه. وإن جعل هذه من مفعولاته فمعلوم أن معرفة الوعد ~~والوعيد والقصص المطلوب فيها الإيمان باليوم الآخر وجزاء الأعمال # PageV17P111 # كما أن المطلوب بالأمر والنهي طاعته فإنه لا بد من الإيمان بالله واليوم ~~الآخر ومن العمل الصالح لكل أمة كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . الوجه الرابع أن يقال: ما ذكره من ~~نفي المثل عنه ومن نفي الولادة مذكور في غير هذه السورة فلم يختص بهذا ~~المعنى. الوجه الخامس أن يقال: هب أنها تضمنت التنزيه كما ذكره الله فمعرفة ~~الله ليست بمعرفة صفات السلب بل الأصل فيها صفات الإثبات والسلب تابع ~~ومقصوده تكميل الإثبات كما أشرنا إليه من أن كل تنزيه مدح به الرب ففيه ~~إثبات ولهذا كان قول " سبحان الله " متضمنا تنزيه الرب وتعظيمه ففيها تنزيه ~~من العيوب والنقائص وفيها تعظيمه سبحانه وتعالى كما قد بسط الكلام على ذلك ~~في مواضع. وأما القول الثالث وهو المراد به أن من عمل بما تضمنته كان كمن ~~قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته فهذا أيضا ضعيف وما نفاه من المعادلة ~~فهو مبني على قول من اعتبر في مقدار الأجر كثرة الحروف وهو قول باطل كما قد ~~بين في موضعه وذلك أن العمل بها إن أراد # PageV17P112 # به العمل الواجب من التصديق بمضمونها وتوحيد الله فهذا أجره أعظم من أجر ~~من قرأ القرآن جملة ولم يعمل بذلك فإنه إن خلا عن الإيمان بمضمون ms5288 القرآن ~~فهو منافق وإن خلا عما يجب عليه من العمل فهو فاسق. ومعلوم أن هذا لو قرأ ~~القرآن عشر مرات لم يكن أجره مثل أجر المؤمن المتقي. وأيضا فإن هذا الأجر ~~على الإيمان بمضمونها سواء قرأها أو لم يقرأها والأجر المذكور في الحديث هو ~~لمن قرأها فلا بد أن يكون قد قرأها مع الإيمان بما تضمنته. وأيضا فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم جعل قراءتها تعدل ثلث القرآن وقرأها على أصحابه وأخبرهم ~~أنه قرأ عليهم ثلث القرآن: فكانت قراءته لها تعدل قراءته هو للثلث. وكذلك ~~الرجل الذي جعل يرددها. وكذلك إخباره لهم بأنها تعدل ثلث القرآن وإنما يراد ~~به ثلثه إذا قرءوه هم لم يرد به الثلث إذا قرأها منافق لا يؤمن بمعنى {قل ~~هو الله أحد} . ثم إن كون المراد بذلك من قرأ الثلث بلا إيمان بها معنى ليس ~~في اللفظ ما يدل عليه وإنما يدل اللفظ على نقيضه. وهذا التأويل وأمثاله هو ~~من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذم الله عليه من فعل ذلك من أهل الكتاب وهو ~~نوع من الإلحاد في كلام الله ورسوله. وقد ذكر أبو حامد الغزالي وجها آخر ~~غير هذه الثلاثة فقال في كتابه: " جواهر القرآن ودرره " أما قوله: { {قل هو ~~الله أحد} # PageV17P113 # تعدل ثلث القرآن} ما أراك تفهم وجه ذلك فتارة تقول: ذكر هذا الترغيب في ~~التلاوة وليس المعنى به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك. وتارة تقول: هذا ~~بعيد عن الفهم والتأويل فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية فهذا القدر ~~كيف يكون ثلثها؟ وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه ~~فتظن أنها تعظم وتكثر بطول الألفاظ وتقصر بقصرها. وذلك كظن من يؤثر الدراهم ~~الكثيرة على الجوهرة الواحدة نظرا إلى كثرتها. فاعلم أن سورة الإخلاص تعدل ~~ثلث القرآن قطعا وترجع إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في مهمات القرآن ~~وهي: معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم. فهذه المعارف ~~الثلاثة هي المهمة والباقي توابع. وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث ms5289 ~~وهي معرفة الله وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع وهو المراد بنفي ~~الأصل والفرع والكفء. والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في ~~الوجود للحوائج سواه. نعم ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم. فلذلك ~~تعدل ثلث القرآن. أي ثلث الأصول من القرآن كما قال: {الحج عرفة} أي هو ~~الأصل والباقي تبع. # قلت آيات القرآن نوعان: علمية وعملية وفي الآيات ما يجمع الأمرين. وأبو ~~حامد جمع العلميات المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله دون ما يتعلق # PageV17P114 # باليوم الآخر والقصص وسماها " جواهر القرآن " وجمع العمليات وسماها " درر ~~القرآن ". وجعل الشطر الأول من " الفاتحة " من الجواهر والثاني من الدرر ~~والآيات التي تجمع المعنيين يذكرها في أغلب النوعين عليها. ومجموع ما ذكره ~~من القسمين ربع آيات القرآن نحو ألف وخمسمائة آية. وجعل معاني القرآن ستة ~~أصناف: ثلاثة أصول وثلاثة توابع. فذكر أن القرآن هو البحر المحيط ومنه ~~يتشعب علم الأولين والآخرين. وقال: سر القرآن ولبابه الأصفى ومقصده الأقصى ~~دعوة العباد إلى الجبار الأعلى رب الآخرة والأولى وخالق السموات العلى ~~والأرضين السفلى. فالثلاثة المهمة: تعريف المدعو إليه وتعريف الصراط ~~المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إليه وتعريف الحال عند الوصول إليه. ~~وأما الثلاثة المعنية فأحدها: أحوال المجيبين للدعوة ولطائف صنع الله فيهم ~~وسره ومقصوده التشويق والترغيب. وتعريف أحوال الناكبين والناكلين عن ~~الإجابة وكيفية قمع الله لهم وتنكيله بهم وسره ومقصوده الاعتبار والترهيب. ~~وثانيها: حكاية أقوال الجاحدين. وكشف فضائحهم وجهلهم بالمجادلة والمحاجة ~~على الحق. ومقصوده وسره في جنبة الباطل الإفصاح والتحذير والتنفير وفي جنبة ~~الحق الإيضاح والتثبيت والتقرير. وثالثها: تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية ~~أخذ الزاد والراحلة والأهبة للاستعداد. قلت: ما ذكره من أن أصول الإيمان ~~ثلاثة فهو حق كما ذكره # PageV17P115 # ولا بد من الثلاثة في كل ملة ودين كما قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . ونحو ذلك في سورة ~~المائدة. فذكر هذه الأصول ms5290 الثلاثة: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل ~~الصالح. وأما الثلاثة الأخر التابعة فهي داخلة في هذه الثلاثة. فإن ما في ~~القرآن من ذكر أحوال السعداء والأشقياء في الآخرة فهو من تفضيل الإيمان ~~باليوم الآخر. وما فيه من عمارة الطريق فهو من العمل الصالح. وما فيه من ~~المجادلة والمحاجة فذاك من تمام الإخبار بالثلاثة فإنه إذا أخبر بالثلاثة ~~ذكر الآيات والأدلة المثبتة لذلك وذكر شبه الجاحدين وبين فسادها. وقد ذكر ~~أبو حامد ذلك فقال: القسم الجائي لمحاجة الكفار ومجادلتهم وإيضاح مخازيهم ~~بالبرهان الواضح وكشف أباطيلهم وتخاييلهم. وأباطيلهم ثلاثة أنواع: # الأول: ذكر الله بما لا يليق به من أن الملائكة بناته وأن له ولدا شريكا ~~وأنه ثالث ثلاثة. الثاني ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن ~~وشاعر وإنكار نبوته. وثالثها إنكار اليوم الآخر وجحد البعث والنشور والجنة ~~والنار وإنكار عاقبة الطاعة والمعصية. وأما ما فيه من الأخبار بأحوال ~~المؤمنين والكفار في الدنيا - وهو الذي أراده أبو حامد بذكر أحوال ~~المستجيبين والناكبين - فهذا من # PageV17P116 # تمام الأدلة والآيات. فإن هذا أمر شوهد في الدنيا ورئيت آثاره وتواترت ~~أخباره ليس هو مما بعد الموت الذي هو غيب عن العباد. ولهذا يذكر سبحانه هذا ~~في معرض الاحتجاج والاستدلال مع ما في ذلك من الموعظة كقوله: {لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب} {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في ~~سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} . وقوله: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} وقوله: {قل سيروا في ~~الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} وقوله: {فكأين من قرية أهلكناها ~~وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} {أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون ms5291 لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} وقوله: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها ~~أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات} الآيات. # PageV17P117 # وقوله تعالى لما ذكر قصة قوم لوط: {فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل} {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} {وإنها لبسبيل مقيم} والمتوسم: ~~المستدل بالسمة والسيما وهي العلامة قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} . فمعرفة المنافقين في لحن القول ~~ثابتة مقسم عليها لكن هذا يكون إذا تكلموا وأما معرفتهم بالسيما فموقوف على ~~مشيئة الله؛ فإن ذلك أخفى. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ~~ثم قرأ قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} } قال مجاهد وابن قتيبة ~~للمتفرسين قال ابن قتيبة: يقال توسمت في فلان الخير أي تبينته وقال الزجاج: ~~المتوسمون في اللغة النظار المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء ~~يقال توسمت في فلان كذا أي عرفت وقوله " المثبتون في نظرهم " أي في نظر ~~أعينهم حتى يعرفوا السيما بخلاف الذين قيل فيهم: {وكأين من آية في السماوات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} . وقال الضحاك: الناظرون وقال ابن ~~زيد: المنتقدون وقال قتادة: المعتبرون. وكل هذا صحيح فإن المتوسم يجمع هذا ~~كله. ثم قال تعالى: {وإنها لبسبيل مقيم} ثم ذكر قصة أصحاب الأيكة. ثم قال: ~~{وإنهما لبإمام مبين} أي بطريق متبين للناس واضح. # PageV17P118 # وكذلك في موضع آخر لما قال: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} {فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم} وقال في سفينة نوح: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر} فأخبر أنه أبقى ~~آيات وهي العلامات والدلالات فدل ذلك على أن ما يخصه من أخبار المؤمنين ~~وحسن عاقبتهم في الدنيا وأخبار الكفار وسوء عاقبتهم ms5292 في الدنيا هو من باب ~~الآيات والدلالات التي يستدل بها ويعتبر بها علما ووعظا فيفيد معرفة صحة ما ~~أخبرت به الرسل ويفيد الترغيب والترهيب ويدل ذلك على أن الله يرضى عن أهل ~~طاعته ويكرمهم ويغضب على أهل معصيته ويعاقبهم كما يستدل بمخلوقاته العامة ~~على قدرته فإن الفعل يستلزم قدرة الفاعل ويستدل بإحكام الأفعال على علمه؛ ~~لأن الفعل المحكم يستلزم علم الفاعل وبالتخصيص على مشيئته؛ لأن التخصيص ~~مستلزم لإرادته فكذلك يستدل بالتخصيص بما هو أحمد عاقبة على حكمته؛ لأن ~~تخصيص الفعل بما هو محمود في العاقبة مستلزم للحكمة ويستدل بتخصيص الأنبياء ~~وأتباعهم بالنصر وحسن العاقبة وتخصيص مكذبيهم بالخزي وسوء العاقبة على أنه ~~يأمر ويحب ويرضى ما جاءت به الأنبياء ويكره ويسخط ما كان عليه مكذبوهم؛ لأن ~~تخصيص أحد النوعين بالإكرام والنجاة والذكر الحسن والدعاء وتخصيص الآخر ~~بالعذاب والهلاك وقبح الذكر واللعنة: يستلزم محبة ما فعله المصنف الأول ~~وبغض ما فعله الصنف الثاني. # PageV17P119 # وأما الإرادة التي يقال فيها إنها تخص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب فتلك ~~هل يوصف الله بها؟ فيه نزاع. فإن قيل: إنه لا يوصف بها فلا كلام وإن قيل: ~~إنه يوصف بها فمعلوم أن تخصيص الأنبياء عليهم السلام بهذا وتخصيص أعدائهم ~~بهذا لم يصدر عن تخصيص بلا مخصص؛ بل يعلم أنه قصد تخصيص هؤلاء بالإكرام ~~وهؤلاء بالعقاب وأن إيمان هؤلاء سبب تخصيصهم بهذا وكفر هؤلاء سبب تخصيصهم ~~بهذا. ولبسط هذه الأمور موضع آخر. لكن المقصود هنا أن هذه الثلاثة داخلة في ~~الثلاثة الأول. ولكن أبو حامد يجعل الحجاج صنعة الكلام ويجعل عمارة الطريق ~~علم الفقه ويجعل أخبار الأنبياء علم القصص ويقول: إن الكلام والجدل ليس فيه ~~بيان حق بدليل؛ بل إنما فيه دفع البدع ببيان تناقضها؛ ويجعل أهله من جنس ~~خفراء الحجيج ويجعل علم الفقه ليس غايته إلا مصلحة الدنيا وهذا مما نازعه ~~فيه أكثر الناس وتكلموا فيه بكلام ليس هذا موضعه كما تكلموا على ما ذكره في ~~هذا الكتاب (جواهر القرآن) وغيره من كتبه من معاني الفلسفة ms5293 وجعل ذلك هو ~~باطن القرآن وكلام علماء المسلمين على رد هذا أكثر من كلامهم على رد ذلك؛ ~~فإن هذا فيه مما يناقض مقصود الرسول أمور عظيمة كما تكلموا على ما ذكره في ~~النبوة بما يشبه كلام الفلاسفة فيها. # PageV17P120 # والمقصود أن هذا الذي ذكره في {قل هو الله أحد} أحسن من قول كثير من ~~الناس فيها وهو أقرب إلى القول الذي ذكرناه عن ابن سريج ونصرناه؛ لكن ذلك ~~القول هو الصواب بلا ريب فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الله جزأ ~~القرآن ثلاثة أجزاء. فجعل {قل هو الله أحد} جزءا من أجزاء القرآن وهذا ~~يقتضي أن مجموع القرآن ثلاثة أجزاء ليس هو ستة: ثلاثة أصول وثلاثة فروع. ~~وكذلك أخبر أن {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن لم يقل ثلث المهم منه ولا ~~ثلث أكثره ولا أصوله فوجب أن يكون القرآن كله ثلاثة أصناف وعلى ما ذكره أبو ~~حامد هو ستة: ثلاثة مهمة وثلاثة توابع والسورة أحد الثلاثة المهمة وهذا ~~خلاف الحديث. وأيضا فإن تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام تقسيم بالدليل فإن ~~القرآن كلام والكلام إما إخبار وإما إنشاء والإخبار إما عن الخالق وإما عن ~~المخلوق فهذا تقسيم بين. وأما جعل علم الفقه خارجا عن الصراط المستقيم ~~والعمل الصالح وجعل علم الأدلة والحجج خارجا عن الإيمان والمعرفة بالله ~~واليوم الآخر فهذا مردود عند جماهير السلف والخلف. وأبو حامد إنما ذكر هذا ~~لأنه يقول إنما يعرف معاني ذلك بطريق التصفية فقط لا بطريق الخبر النبوي ~~ولا بطريق النظر الاستدلالي # PageV17P121 # فلا يعرف ذلك بالسمع ولا بالعقل. وهذا مما أنكره عليه الناس وصنفوا كتبا ~~في رد ذلك كما فعل جماعات من العلماء. ولكن عذر أبي حامد أنه لم يجد فيما ~~علمه من طريق الفلاسفة وأهل الكلام ما يبين الحق في ذلك ولم يعلم طرقا ~~عقلية غير ذلك فنفى أن يعلم بطريق النظر فيه. وأما الطرق الخبرية النبوية ~~فلم يكن له خبرة بما صح من ألفاظ الرسول وبطريق دلالة ألفاظه على مقاصده ~~وظن ms5294 - بما شارك به بعض أهل الكلام والفلسفة - أن الرسول لم يبين مراده ~~بألفاظه فتركب من هذا وهذا سد باب الطريق العقلي والسمعي وظن أن المطلوب ~~يحصل لا بطريق التصفية والعمل فسلك ذلك فلم يحصل له المقصود أيضا فرجع في ~~آخر عمره إلى قراءة البخاري ومسلم. # وقد ذكر القاضي عياض أقوالا في كون {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن ~~وكذلك المازري قبله قال: قال الإمام يعني أبا عبد الله المازري - قيل معنى ~~ذلك: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص وأحكام؛ وأوصاف الله جلت قدرته. و {قل ~~هو الله أحد} تشتمل على ذكر الصفات فكانت ثلثا من هذه الجهة قال: وربما ~~أسعد هذا التأويل ظاهر الحديث الذي ذكر أن الله جزأ القرآن. قلت: هذا هو ~~قول ابن سريج - وهو الذي نصرناه - ذكره المازري في كلام ابن بطال كما ~~سيأتي. قال: وقيل معنى ثلث القرآن لشخص # PageV17P122 # بعينه قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن بطال أيضا قال: وقيل ~~معناه إن الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ~~ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة القرآن من دون تضعيف أجر قال: وفي بعض ~~روايات هذا الحديث {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حشد الناس وقال: سأقرأ ~~عليكم ثلث القرآن فقرأ {قل هو الله أحد} } . قال المازري: وهذه الرواية ~~تقدح في تأويل من جعل ذلك لشخص بعينه. قال القاضي عياض: قال بعضهم قال الله ~~تعالى {الر} {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} ثم بين التفصيل ~~فقال {ألا تعبدوا إلا الله} فهذا فصل الألوهية ثم قال {إنني لكم منه نذير ~~وبشير} وهذا فصل النبوة ثم قال: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} فهذا ~~فصل التكليف وما وراءه من الوعد والوعيد وعامة أجزاء القرآن مما فيه من ~~القصص فمن فصل النبوة لأنها من أدلتها وفهمها أيضا وهذا يدل على أن {قل هو ~~الله أحد} جمعت الفصل الأول. قلت: مضمون هذا القول أن معاني القرآن ثلاثة ~~أصناف: الإلهيات ms5295 والنبوات والشرائع. وأن هذه السورة منها الإلهيات وجعل ~~صاحب هذا القول الوعد والوعيد والقصص من قسم # PageV17P123 # النبوة؛ لأن ذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أو مما يدل على ~~نبوته. وهذا القول ضعيف أيضا فإنه يقال: والأمر والنهي أيضا مما جاء به ~~النبي كما جاء بالوعد والوعيد. ويقال أيضا: القصص تدل على الأمر والنهي كما ~~تدل على النبوة فإنها تدل على إكرامه لمن أطاعه وعقوبته لمن عصاه وهذا ~~تقرير للأمر والنهي كما تقدم. وأيضا فإن مقصود النبوة هو الإخبار بما أمر ~~الله به وبما أخبر به وما دل على إثبات النبوة من القصص يدل على إثبات ما ~~جاء به النبي وما دل على إثبات ما جاء به النبي يدل على الأمر والنهي الذي ~~جاء به النبي فهما متلازمان. ثم الإلهيات أيضا هي مما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فبين الدلائل العقلية على ما يمكن أن يعرف بالعقل وأخبر عن ~~الغيب المطلق الذي تعجز العقول عن معرفته. فلا معنى لجعل القصص داخلة في ~~النبوة دون الإلهيات فإنه إن عني أن القصص تدل على نبوته فهي تدل من جهة ~~إخباره بها كإخباره بغيرها من الغيب وفيما أخبر به من الإلهيات والأمور ~~المستقبلات ما هو كالقصص في ذلك وأبلغ. وإن عني أن تعذيب المكذبين يدل على ~~النبوة فهي تدل على جنس النبوة وعلى # PageV17P124 # نبوة من عذب قومه؛ لا تدل على نبوة المتأخر إلا أن يكون ما أخبر به من ~~جنس ما أخبر به الأول. وهذه الأمور كلها موجودة في الإلهيات وزيادة فإنه قد ~~أخبر فيها بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله قد ذكر الله ذلك في غير موضع ~~كقوله: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} وقد أخبر الله عن الأنبياء الذين قص أخبارهم كنوح ms5296 وهود وصالح ~~وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين أن كلا منهم يقول لقومه: {يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره} بل يفتتح دعوته بذلك وذكر تعالى عن الأنبياء ~~وأممهم من نوح إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين كما قد بسط في غير موضع. ~~وأيضا فالإلهيات التي تعلم منها قدرة الرب وإرادته وحكمته وأفعاله: منها ~~يعلم النبي من المتنبئ ومنها يعلم صدق النبي فهي أدل على صدق النبي من مجرد ~~القصص وما في القصص من الدلالة على صدقه إنما يدل مع الإلهيات وإلا فلو ~~تجرد لم يدل على شيء فالنبوة مرتبطة بالإلهيات أعظم من ارتباطها بغيرها ~~والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله # PageV17P125 # وحده وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلا والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملا. ~~وأما الإلهيات فهي الأصل ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما ~~سواه فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل ~~الصالح. والأصول الكلية التي يشترك فيها الأنبياء يذكرها الله في السور ~~المكية مثل الأنعام والأعراف وذوات ( {الر} ) و ( {طسم} ) و ( {حم} ) وأكثر ~~المفصل ونحو ذلك. والمدنيات تتضمن خطاب من آمن بجنس الرسل من أهل الكتاب من ~~المؤمنين بالشرائع التي بعث بها خاتم الرسل. وأما قول من قال: إن هذا في ~~شخص بعينه ففي غاية الفساد لفظا ومعنى. ثم أن الله إنما يخص الشيء المعين ~~بحكم يخصه لمعنى يختص به كما {قال لأبي بردة بن نيار - وكان قد ذبح في ~~العيد قبل الصلاة - قبل أن يشرع لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبح ~~يكون بعد الصلاة فلما قال النبي: صلى الله عليه وسلم أول ما نبدأ به في ~~يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح فمن ذبح قبل الصلاة فليعد فإنما هي شاة لحم ~~قدمها لأهله ذكر له أبو بردة أنه ذبح قبل الصلاة ولم يكن يعرف أن ذلك لا ~~يجوز وذكر له أن عنده عناقا خيرا من جذعة فقال: تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد ~~بعدك} فخصه بهذا الحكم لأنه ms5297 كان معذورا في ذبحه قبل الصلاة؛ إذ فعل ذلك قبل ~~شرع الحكم فلم # PageV17P126 # يكن ذلك الذبح منهيا عنه بعد مع أنه لم يكن عنده إلا هذا السن وأما أمره ~~لامرأة أبي حذيفة بن عتبة أن ترضع سالما مولاه خمس رضعات ليصير لها محرما ~~فهذا مما تنازع فيه السلف: هل هو مختص أو مشترك؟ وإذا قيل هذا لمن يحتاج ~~إلى ذلك - كما احتاجت هي إليه - كان في ذلك جمع بين الأدلة. وبالجملة ~~فالشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين إلا لاختصاص أحدهما بما يوجب الاختصاص ~~ولا يسوي بين مختلفين غير متساويين بل قد أنكر سبحانه على من نسبه إلى ذلك ~~وقبح من يحكم بذلك فقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} {ما لكم ~~كيف تحكمون} وقال تعالى: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} ~~وقال تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} . وإنما يكون الاعتبار إذا سوى بين المتماثلين وأما إذا قيل: ليس ~~الواقع كذلك فلا اعتبار. وقد تنازع الناس في هذا الأصل وهو أنه هل يخص ~~بالأمر # PageV17P127 # والنهي ما يخصه لا لسبب ولا لحكمة قط بل مجرد تخصيص أحد المتماثلين على ~~الآخر؟ فقال بذلك جهم بن صفوان ومن وافقه من الجبرية ووافقهم كثير من ~~المتكلمين المثبتين للقدر. وأما السلف وأئمة الفقه والحديث والتصوف وأكثر ~~طوائف الكلام المثبتين للقدر كالكرامية وغيرهم ونفته كالمعتزلة وغيرهم فلا ~~يقولون بهذا الأصل بل يقولون: هو سبحانه يخص ما يخص من خلقه وأمره لأسباب ~~ولحكمة له في التخصيص كما بسط الكلام على هذا الأصل في مواضع. # وكذلك قول من قال: يضعف لقارئها مقدار ما يعطاه قارئ ثلث القرآن بلا ~~تضعيف: قول لا يدل عليه الحديث ولا في العقل ما يدل عليه وليس فيه مناسبة ~~ولا حكمة فإن النص أخبر أن ms5298 قراءتها تعدل ثلث القرآن وأن من قرأها فكأنما ~~قرأ ثلث القرآن فإن كان في هذا تضعيف ففي هذا تضعيف. وإن لم يكن في هذا ~~تضعيف لم يكن في الآخر فتخصيص أحدهما بالتضعيف تحكم. ثم جعل التضعيف بقدر ~~ثلث القرآن إنما هو لما اختصت به السورة من الفضل وحينئذ ففضلها هو سبب هذا ~~التقدير من غير حاجة إلى نقص ثواب سائر القرآن وأيضا فهذا تحكم محض لا دليل ~~عليه ولا سبب يقتضيه ولا حكمة فيه. والناس كثيرا ما يغلطون من جهة نقص ~~علمهم وإيمانهم بكلام الله ورسوله وقدر ذلك وما اشتمل عليه # PageV17P128 # ذلك من العلم الذي يفوق علم الأولين والآخرين. ومن علم أن الرسول أعلم ~~الخلق بالحق وأفصح الخلق في البيان وأنصح الخلق للخلق علم أنه قد اجتمع في ~~حقه كمال العلم بالحق وكمال القدرة على بيانه وكمال الإرادة له ومع كمال ~~العلم والقدرة والإرادة يجب وجود المطلوب على أكمل وجه فيعلم أن كلامه أبلغ ~~ما يكون وأتم ما يكون وأعظم ما يكون بيانا لما بينه في الدين من أمور ~~الإلهية وغير ذلك فمن وقر هذا في قلبه لم يقدر على تحريف النصوص بمثل هذه ~~التأويلات التي إذا تدبرت وجد من أرادها بذلك القول من أبعد الناس عما يجب ~~اتصاف الرسول به وعلم أن من سلك هذا المسلك فإنما هو لنقص ما أوتيه من ~~العلم والإيمان وقد قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات} . فنسأل الله أن يجعلنا وإخواننا ممن رفع درجاته من أهل العلم ~~والإيمان. وإذ قد تبين ضعف هذه الأقوال - غير القول الأول الذي نصرناه وهو ~~قول ابن سريج وغيره كالمهلب والأصيلي وغيرهما - فنقول: قد علم أن تفاضل ~~القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلم فإنه سبحانه واحد ~~ولكن باعتبار معانيه التي يتكلم بها وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه. ~~والذي قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فضل من السور سورة الفاتحة ~~وقال: {إنه لم ينزل في # PageV17P129 # التوراة ولا في الإنجيل ms5299 ولا في القرآن مثلها} والأحكام الشرعية تدل على ~~ذلك وقد بسط الكلام على معانيها في غير هذا الموضع. وفضل من الآيات آية ~~الكرسي. وقال في الحديث الصحيح {لأبي بن كعب أتدري أي آية في كتاب الله معك ~~أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فضرب بيده في صدره وقال ليهنك ~~العلم أبا المنذر} وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي ~~وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة. # وسنبين إن شاء الله أنه إذا كانت {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن لم ~~يلزم من ذلك أنها أفضل من الفاتحة ولا أنها يكتفي بتلاوتها ثلاث مرات عن ~~تلاوة القرآن بل قد كره السلف أن تقرأ إذا قرئ القرآن كله إلا مرة واحدة ~~كما كتبت في المصحف فإن القرآن يقرأ كما كتب في المصحف لا يزاد على ذلك ولا ~~ينقص منه والتكبير المأثور عن ابن كثير ليس هو مسندا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يسنده أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا البزي وخالف ~~بذلك سائر من نقله فإنهم إنما نقلوه اختيارا ممن هو دون النبي صلى الله ~~عليه وسلم وانفرد هو برفعه وضعفه نقله أهل العلم بالحديث والرجال من علماء ~~القراءة وعلماء الحديث كما ذكر ذلك غير # PageV17P130 # واحد من العلماء. فالمقصود أن من السنة في القرآن أن يقرأ كما في المصاحف ~~ولكن إذا قرئت {قل هو الله أحد} مفردة تقرأ ثلاث مرات وأكثر من ذلك ومن ~~قرأها فله من الأجر ما يعدل ثلث أجر القرآن لكن عدل الشيء - بالفتح - يكون ~~من غير جنسه كما سنذكره إن شاء الله. والثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال ~~أجناس مختلفة: من مطعوم ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك وإذا ملك الرجل ~~من أحد أجناس المال ما يعدل ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغني عن ~~سائر أجناس المال بل إذا كان عنده مال وهو طعام فهو محتاج ms5300 إلى لباس ومسكن ~~وغير ذلك وكذلك إن كان من جنس غير النقد فهو محتاج إلى غيره وإن لم يكن معه ~~إلا النقد فهو محتاج إلى جميع الأنواع التي يحتاج إلى أنواعها ومنافعها. ~~والفاتحة فيها من المنافع ثناء ودعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم {قل ~~هو الله أحد} مقامه في ذلك وإن كان أجرها عظيما فذلك الأجر العظيم إنما ~~ينتفع به صاحبه مع أجر فاتحة الكتاب ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة ~~لم تصح صلاته ولو قدر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة لم تصح صلاته لأن ~~معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لا بد للعباد منها وقد بسط الكلام ~~عليها في غير هذا الموضع وبين أن ما في الفاتحة من الثناء # PageV17P131 # والدعاء وهو قول: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} هو أفضل دعاء دعا به العبد ربه وهو أوجب دعاء ~~دعا به العبد ربه وأنفع دعاء دعا به العبد ربه فإنه يجمع مصالح الدين ~~والدنيا والآخرة والعبد دائما محتاج إليه لا يقوم غيره مقامه فلو حصل له ~~أجر تسعة أعشار القرآن - دع ثلثه - ولم يحصل له مقصود هذا الدعاء لم يقم ~~مقامه ولم يسد مسده. وهذا كما لو قدر أن الرجل تصدق بصدقات عظيمة وجاهد ~~جهادا عظيما يكون أفضل من قراءة القرآن مرات وهو لم يصل ذلك اليوم الصلوات ~~الخمس لم يقم ثواب هذه الأعمال مقام هذه كما لو كان عند الرجل من الذهب ~~والفضة والرقيق والحيوان والعقار أموال عظيمة وليس عنده ما يتغدى به ويتعشى ~~من الطعام فإنه يكون جائعا متألما فاسد الحال ولا يقوم مقام الطعام الذي ~~يحتاج إليه تلك الأموال العظيمة ولهذا قال الشيخ أبو مدين رحمه الله: أشرف ~~العلوم علم التوحيد وأنفع العلم أحكام العبيد. فليس الأفضل الأشرف هو الذي ~~ينفع في وقت بل الأنفع في كل وقت ما يحتاج إليه العبد في ذلك الوقت وهو فعل ~~ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه ولهذا ms5301 يقال: المفضول في مكانه وزمانه ~~أفضل من الفاضل إذ دل الشرع على أن الصلاة أفضل من القراءة والقراءة أفضل ~~من الذكر والذكر أفضل من # PageV17P132 # الدعاء فهذا أمر مطلق. وقد تحرم الصلاة في أوقات فتكون القراءة أفضل منها ~~في ذلك الوقت. والتسبيح في الركوع والسجود هو المأمور به والقراءة منهي ~~عنها. ونظائر هذا كثيرة. فهكذا يعلم الأمر في فضل {قل هو الله أحد} وغيرها ~~فقراءة الفاتحة في أول الصلاة أفضل من قراءتها بل هو الواجب والاحتزاء بها ~~وحدها لا يمكن بل تبطل معه الصلاة. ولهذا وجب التقرب بالفرائض قبل النوافل ~~والتقرب بالنوافل إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض لا كما ظنه بعض ~~الاتحادية كصاحب " الفتوحات المكية " ونحوه من أن قرب الفرائض يكون بعد قرب ~~النوافل والنوافل تجعل الحق غطاءه وتلك تجعل الحق عينه. فهذا بناء على أصله ~~الفاسد من الاتحاد كما بين. وبين أن الحديث يناقض مذهبه من وجوه كما رواه ~~البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {يقول الله: من ~~عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. ~~فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي. ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه # PageV17P133 # وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت ~~وأكره مساءته ولا بد له منه} . وقد بين في هذا الحديث أن المتقرب ليس هو ~~المتقرب إليه؛ بل هو غيره. وأنه ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض وأنه ~~لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل حتى يصير محبوبا لله فيسمع به ويبصر به ~~ويبطش به ويمشي به. ثم قال {ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه} ~~ففرق بين السائل والمسئول والمستعيذ والمستعاذ به وجعل العبد سائلا لربه ~~مستعيذا به. وهذا حديث شريف جامع لمقاصد عظيمة ليس ms5302 هذا موضعها بل المقصود ~~هنا الكلام على {قل هو الله أحد} . وقد بينا أن أحسن الوجوه أن معاني ~~القرآن ثلاثة أنواع: توحيد وقصص وأحكام. وهذه السورة صفة الرحمن فيها ~~التوحيد وحده وذلك لأن القرآن كلام الله. والكلام نوعان: إما إنشاء وإما ~~إخبار والإخبار إما خبر عن الخالق وإما خبر عن المخلوق. فالإنشاء هو ~~الأحكام كالأمر والنهي. والخبر عن المخلوق هو القصص. والخبر عن الخالق هو ~~ذكر أسمائه وصفاته. وليس في القرآن سورة هي وصف الرحمن محضا إلا هذه ~~السورة. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعث رجلا على سرية # PageV17P134 # فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلوه: لأي شيء يصنع ذلك فسألوه ~~فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه} . وقال البخاري في (باب الجمع بين السورتين ~~في ركعة: وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس: {كان رجل من الأنصار يؤمهم في ~~مسجد قباء فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم بها في الصلاة مما يقرأ به افتتح ~~ب {قل هو الله أحد} حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها فكان يصنع ذلك ~~في كل ركعة فكلمه أصحابه وقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها ~~تجزيك حتى تقرأ بأخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال: ما ~~أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم ذلك تركتكم. وكانوا ~~يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما ~~يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة. قال: إني أحبها. قال حبك إياها ~~أدخلك الجنة} . وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنها تعدل ثلث القرآن} حق ~~كما أخبر به ms5303 فإنه صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ~~لم يخرج من بين شفتيه إلا حق. # PageV17P135 # والذين أشكل عليهم هذا القول لهم مأخذان: # أحدهما منع تفاضل كلام الله بعضه على بعض وقد تبين ضعفه. الثاني اعتقادهم ~~أن الأجر يتبع كثرة الحروف فما كثرت حروفه من الكلام يكون أجره أعظم. ~~قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر ~~حسنات. أما إني لا أقول {الم} حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف} . قال ~~الترمذي حديث صحيح. قالوا ومعلوم أن ثلث القرآن حروفه أكثر بكثير فتكون ~~حسناته أكثر. فيقال لهم: هذا حق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ~~الحسنات فيها كبار وصغار والنبي صلى الله عليه وسلم مقصوده أن الله يعطي ~~العبد بكل حسنة عشر أمثالها كما قال تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} فإذا قرأ حرفا كان ذلك حسنة فيعطيه بقدر تلك الحسنة عشر مرات لكن ~~لم يقل: إن الحسنات في الحروف متماثلة. كما أن من تصدق بدينار يعطى بتلك ~~الحسنة عشر أمثالها. والواحد من بعد السابقين الأولين لو أنفق مثل أحد ذهبا ~~ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو إذا أنفق مدا كان له بهذه الحسنة عشر أمثالها. ولكن # PageV17P136 # لا تكون تلك الحسنة بقدر حسنة من أنفق مدا من الصحابة السابقين. ونظائر ~~هذا كثيرة. فكذلك حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعاني وغير ذلك فحروف ~~الفاتحة له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات حروف من {تبت يدا أبي لهب} ~~وإذا كان الشيء يعدل غيره فعدل الشيء - بالفتح - هو مساويه وإن كان من غير ~~جنسه. كما قال تعالى: {أو عدل ذلك صياما} والصيام ليس من جنس الطعام ~~والجزاء ولكنه يعادله في القدر. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {لا يقبل ~~الله منه صرفا ولا عدلا} وقوله تعالى: {ولا يقبل منها عدل} أي فدية والفدية ~~ما يعدل بالمفدى ms5304 وإن كان من غير جنسه: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي ~~يجعلون له عدلا أي ندا في الإلهية وإن كانوا يعلمون أنه ليس من جنس الرب ~~سبحانه. ولو كان لرجل أموال من أصناف متنوعة ولآخر ذهب بقدر ذلك لكان مال ~~هذا يعدل مال هذا وإن لم يكن من جنسه؛ ولهذا قد يكون عند الرجل من الذهب ~~وغيره من الأموال ما يعدل شيئا عظيما وإذا احتاج إلى دواء أو مركب أو مسكن ~~أو نحو ذلك ولم يكن قادرا على اشترائه لم تنفعه تلك الأموال العظيمة. ~~فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص. وإن كان التوحيد ~~أعظم من ذلك. وإذا احتاج الإنسان إلى معرفة ما أمر به وما نهى عنه من ~~الأفعال أو # PageV17P137 # احتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد لم يسد غيره ~~مسده فلا يسد التوحيد مسد هذا ولا تسد القصص مسد الأمر والنهي ولا الأمر ~~والنهي مسد القصص. بل كل ما أنزل الله ينتفع به الناس ويحتاجون إليه. فإذا ~~قرأ الإنسان {قل هو الله أحد} حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث القرآن؛ لكن لا ~~يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن بل قد يحتاج إلى جنس ~~الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص فلا تسد ( {قل هو الله أحد} مسد ذلك ~~ولا تقوم مقامه فلهذا لو لم يقرأ ( {قل هو الله أحد} فإنه وإن حصل له أجر ~~عظيم لكن جنس الأجر الذي يحصل بقراءة غيرها لا يحصل له بقراءتها بل يبقى ~~فقيرا محتاجا إلى ما يتم به إيمانه من معرفة الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~ولو قام بالواجب عليه. فالمعارف التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل ~~بمجرد قراءة هذه السورة فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات ~~من هذه الجهة لتنوع الثواب وإن كان قارئ ( {قل هو الله أحد} ثلاثا يحصل له ~~ثواب بقدر ذلك الثواب لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها ~~العبد كمن معه ثلاثة ms5305 آلاف دينار وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ~~ثلاثة آلاف دينار؛ فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره وذاك محتاج إلى ~~ما مع هذا وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا. وكذلك لو كان معه # PageV17P138 # طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس ومساكن ~~وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام. # ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد ~~يختلف باختلاف حال الرجل فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر والصلاة ~~بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك. # وفي الأثر: {إن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما ~~بين السماء والأرض} . وكان بعض الشيوخ يرقى ب {قل هو الله أحد} وكان لها ~~بركة عظيمة فيرقى بها غيره فلا يحصل ذلك فيقول: ليس {قل هو الله أحد} من كل ~~أحد تنفع كل أحد. وإذا عرف ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة ~~غيره ويكون قراءة بعض السور من بعض الناس أفضل من قراءة غيره ل: {قل هو ~~الله أحد} وغيرها. والإنسان الواحد يختلف أيضا حاله. فقد يفعل العمل ~~المفضول على وجه كامل فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضلة وقد غفر الله ~~لبغي لسقيها الكلب كما ثبت ذلك في الصحيحين وهذا لما حصل لها في ذلك العمل ~~من الأعمال القلبية وغيرها. وقد ينفق الرجل أضعاف ذلك فلا يغفر له لعدم ~~الأسباب المزكية للعمل فإن الله إنما يتقبل من المتقين وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV17P139 # في الحديث الصحيح: {لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه} يقوله عن أصحابه السابقين الأولين رضي الله عنهم فإذا قيل: إن {قل ~~هو الله أحد} يعدل ثوابها ثواب ثلث القرآن فلا بد من اعتبار التماثل في ~~سائر الصفات وإلا فإذا اعتبر قراءة غيرها مع التدبر والخشوع بقراءتها مع ~~الغفلة والجهل لم يكن الأمر كذلك؛ بل ms5306 قد يكون قول العبد: " سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " مع حضور القلب واتصافه بمعانيها ~~أفضل من قراءة هذه السورة مع الجهل والغفلة والناس متفاضلون في فهم هذه ~~السورة وما اشتملت عليه كما أنهم متفاضلون في فهم سائر القرآن. # فصل: # وأصل هذه المسألة أن يعلم أن التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين فصاعدا ~~إذ الواحد من كل وجه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء فالتفاضل في صفاته تعالى ~~إنما يعقل إذا أثبت له صفات متعددة كالعلم والقدرة والإرادة والمحبة والبغض ~~والرضا والغضب. وكإثبات أسماء له متعددة تدل على معان متعددة وأثبت له ~~كلمات متعددة # PageV17P140 # تقوم بذاته حتى يقال: هل بعضها أفضل من بعض أم لا؟ وكل قول سوى قول السلف ~~والأئمة في هذا الباب فهو خطأ متناقض وأي شيء قاله في جواب هذه المسألة كان ~~خطأ لا يمكنه أن يجيب فيه بجواب صحيح. فمن قال: إنه ليس له صفة ثبوتية بل ~~ليس له صفة إلا سلبية أو إضافية - كما يقول ذلك الجهمية المحضة من ~~المتفلسفة والمتكلمة أتباع جهم بن صفوان - فهذا إذا قيل له أيهما أفضل: ~~نسبته التي هي الخلق إلى السموات والأرض أم إلى بعوضة؟ أم أيما أفضل: نفي ~~الجهل بكل شيء عنه والعجز عن كل شيء أم نفي الجهل بالكليات؟ لم يمكنه أن ~~يجيب بجواب صحيح على أصله الفاسد. فإنه إن قال: خلق السموات مماثل خلق ~~البعوضة كان هذا مكابرة للعقل والشرع قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وإن قال: بل ذلك أعظم وأكبر ~~كما في القرآن قيل له ليس عندك أمران وجوديان يفضل أحدهما الآخر إذ الخلق ~~على قولك لا يزيد على المخلوق فلم يبق إلا العدم المحض فكيف يعقل في ~~المعدومين من كل وجه أن يكون أحدهما أفضل من صاحبه إذا لم يكن هناك وجود ~~يحصل فيه التفاضل؟ وكذلك إذا قيل: نفي الجهل والعجز عن بعض الأشياء مثل نفي ~~ذلك عن بعض الأشياء ms5307 كان هذا مكابرة وإن قال: بل نفي الجهل العام أكمل من ~~نفي الجهل الخاص قيل له: إذا لم # PageV17P141 # يلزم من نفي الجهل ثبوت علم بشيء من الأشياء بل كان النفيان عدمين محضين ~~فكيف يعقل التفاضل في الشيء الواحد من كل وجه؟ فإنه لا يعقل في العدم المحض ~~والنفي الصرف فإن ذلك ليس بشيء أصلا ولا حقيقة له في الوجود ولا فيه كمال ~~ولا مدح وإنما يكون التفاضل بصفات الكمال والكمال لا بد أن يكون وجودا ~~قائما بنفسه أو صفة موجودة قائمة بغيرها. فأما العدم المحض فلا كمال فيه ~~أصلا. ولهذا إنما يصف الله نفسه بصفات التنزيه لا السلبية العدمية لتضمنها ~~أمورا وجودية تكون كما لا يتمدح سبحانه بها كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} فنفي ~~ذلك يتضمن كمال الحياة والقيومية وكذلك قوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} يتضمن كمال الملك والربوبية وانفراده بذلك ونفس انفراده بالملك ~~والهداية والتعليم وسائر صفات الكمال هو من صفات الكمال ولهذا كانت السورة ~~فيها الاسمان الأحد الصمد وكل منهما يدل على الكمال. فقوله (أحد) يدل على ~~نفي النظير وقوله (الصمد) بالتعريف يدل على اختصاصه بالصمدية. ولهذا جاء ~~التعريف في اسمه الصمد دون الأحد لأن أحدا لا يوصف به في الإثبات غيره ~~بخلاف الصمد فإن العرب تسمي السيد صمدا. قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة ~~تسمى صمدا والآدمي أجوف فقوله # PageV17P142 # " الصمد " بيان لاختصاصه بكمال الصمدية. وقد ذكرنا تفسير الصمد واشتماله ~~على جميع صفات الكمال كما رواه العلماء من تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس ~~وقد ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم في قوله: (الصمد) يقول: ~~السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد ~~كمل في عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته والعليم الذي قد كمل في علمه ~~والحليم الذي قد كمل في حلمه وهو الذي قد كمل في ms5308 أنواع الشرف والسؤدد وهو ~~سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحانه الواحد ~~القهار. وكذلك قد ثبت من حديث الأعمش عن أبي وائل وقد ذكره البخاري في ~~صحيحه ورواه كثير من أهل العلم في كتبهم قال: الصمد السيد الذي انتهى ~~سؤدده. وقد قال غير واحد من السلف كابن مسعود وابن عباس وغيرهما: الصمد ~~الذي لا جوف له. وكلا القولين حق موافق للغة كما قد بسط في موضعه. أما كون ~~الصمد هو السيد فهذا مشهور وأما الآخر فهو أيضا معروف في اللغة. وقد ذكر ~~الجوهري وغيره أن الصمد لغة في الصمت وليس هذا من إبدال الدال بالتاء كما ~~ظنه بعضهم بل لفظ صمد يصمد صمدا يدل على ذلك. والمقصود هنا أن صفات الكمال ~~إنما هي في الأمور الموجودة # PageV17P143 # والصفات السلبية إنما تكون كمالا إذا تضمنت أمورا وجودية؛ ولهذا كان ~~تسبيح الرب يتضمن تنزيهه وتعظيمه جميعا فقول العبد: " سبحان الله " يتضمن ~~تنزيه الله وبراءته من السوء وهذا المعنى يتضمن عظمته في نفسه ليس هو عدما ~~محضا لا يتضمن وجودا فإن هذا لا مدح فيه ولا تعظيم. وكذلك سائر ما تنزه ~~الرب عنه من الشركاء والأولاد وغير ذلك كقوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} - إلى قوله - ~~{إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} ~~{تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} . وقوله تعالى: {سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون} {وسلام على المرسلين} وغير ذلك. فنفي العيوب والنقائص ~~يستلزم ثبوت الكمال ونفي الشركاء يقتضي الوحدانية وهو من تمام الكمال فإن ~~ما له نظير قد انقسمت صفات الكمال وأفعال الكمال فيه وفي نظيره فحصل له بعض ~~صفات الكمال لا كلها. فالمنفرد بجميع صفات الكمال أكمل ممن له شريك يقاسمه ~~إياها. ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبا لله من المشركين الذين ~~يحبون غيره الذين ms5309 اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه. قال # PageV17P144 # تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} وهذا مبسوط في غير هذا الموضع قد بين فيه أن هذا من ~~الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى. وفي الصحيحين {عن ابن مسعود قال: ~~قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت ثم أي؟ ~~قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت ثم أي؟ قال أن تزاني بحليلة جارك} ~~. وأنزل الله تعالى تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} الآية. فمن جعل لله ندا ~~يحبه كحب الله فهو ممن دعا مع الله إلها آخر وهذا من الشرك الأكبر. ~~والمقصود هنا أن الشيء إذا انقسم ووقعت فيه الشركة نقص ما يحصل لكل واحد ~~فإذا كان جميعه لواحد كان أكمل فلهذا كان حب المؤمنين الموحدين المخلصين ~~لله أكمل. وكذلك سائر ما نهوا عنه من كبائر الإثم والفواحش يوجب كمال ~~الأمور الوجودية في عبادتهم وطاعتهم ومعرفتهم ومحبتهم وذلك من زكاهم كما أن ~~الزرع كلما نقي عنه الدغل كان أزكى له وأكمل لصفات الكمال الوجودية فيه قال ~~تعالى: {وويل للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} وأصل الزكاة التوحيد # PageV17P145 # والإخلاص كما فسرها بذلك أكابر السلف. وقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} . وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: أن من نفى ~~عن الله النقائص؛ كالموت والجهل والعجز والصمم والعمى والبكم ولم يثبت له ~~صفات وجودية؛ كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام؛ بل زعم أن ~~صفاته ليست إلا عدمية محضة وأنه لا يوصف بأمر وجودي فهذا لم يثبت له صفة ~~كمال أصلا فضلا عن أن يقال أي الصفتين أفضل؟ فإن التفضيل بين الشيئين فرع ~~كون كل منهما له كمال ما ثم ينظر أيهما أكمل فأما إذا ms5310 قدر أن كلا منهما عدم ~~محض فلا كمال ولا فضيلة هناك أصلا. وكذلك من أثبت له الأسماء دون الصفات ~~فقال إنه حي عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم - ولكن هذه الأسماء لا تتضمن ~~اتصافه بحياة ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا عزة ولا حكمة - فإذا ~~قيل له: أي الاسمين أفضل؟ لم يجب بجواب صحيح فإنه إن قال: العليم أعظم من ~~السميع لعموم تعلقه مثلا أو قال: العزيز أكمل من القدير لأنه مستلزم للقدرة ~~من غير عكس قيل إذا لم يكن للأسماء عندك # PageV17P146 # معان موجودة تقوم به لم يكن هناك لا علم ولا سمع ولا بصر ولا عزة ولا ~~قدرة ليس إلا ذات مجردة عن صفات ومخلوقات والذات المجردة ليس فيها ما يمكن ~~أن يقع فيه تفاضل ولا تماثل. والمخلوقات لم يكن السؤال عن تفضيل بعضها على ~~بعض فإن ذلك مما يعلمه كل واحد ولا يشتبه على عاقل. وكذلك من جعل بعض صفاته ~~بعضا أو جعل الصفة هي الموصوف مثل من قال: العلم هو القدرة والعلم والقدرة ~~هما العالم القادر كما يقول ذلك من يقوله من جهمية الفلاسفة ونحوهم. أو ~~قال: كلامه كله هو معنى واحد قائم بذاته هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل ~~مخبر به إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن ~~عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وإن معنى آية الكرسي وآية الدين واحد وإن ~~الأمر والنهي صفات نسبية للكلام ليست أنواعا؛ بل ذات الكلام الذي هو أمر هو ~~ذات الكلام الذي هو نهي وإنما تنوعت الإضافة. فهذا الكلام الذي تقوله ~~الكلابية وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن مجرد تصوره كاف في العلم بفساده ~~فلا يمكن على هذا القول الجواب بتفضيل كلام الله بعضه على بعض ولا مماثلة ~~بعضه لبعض؛ لأن الكلام على قولهم شيء واحد بالعين # PageV17P147 # لا يتعدد ولا يتبعض فكيف يمكن أن يقال: هل بعضه أفضل من بعض أم بعضه مثل ~~بعض ولا بعض له عندهم؟ . وإن قالوا: ms5311 التماثل والتفاضل يقع في العبارة ~~الدالة عليه قيل: تلك ليست كلاما لله على أصله ولا عند أئمتهم؛ بل هي مخلوق ~~من مخلوقاته والتفاضل في المخلوقات لا إشكال فيه. ومن قال من أتباعهم: إنها ~~تسمى كلام الله حقيقة. وإن اسم الكلام يقع عليها وعلى معنى ذلك المعنى ~~القائم بالنفس بالاشتراك اللفظي فإنه لم يعقل حقيقة قولهم بل قوله هذا يفسد ~~أصلهم. لأن أصل قولهم: أن الكلام لا يقوم إلا بالمتكلم لا يقوم بغيره إذ لو ~~جاز قيام الكلام بغير المتكلم لجاز أن يكون كلام الله مخلوقا قائما بغيره ~~مع كونه كلام الله. # وهذا أصل الجهمية المحضة والمعتزلة الذي خالفهم فيه الكلابية وسائر ~~المثبتة وقالوا: إن المتكلم لا يكون متكلما حتى يقوم به الكلام وكذلك في ~~سائر الصفات قالوا: لا يكون العالم عالما حتى يقوم به العلم ولا يكون ~~المريد مريدا حتى تقوم به الإرادة فلو جوزوا أن يكون لله ما هو كلام له وهو ~~مخلوق منفصل عنه بطل هذا الأصل. # وأصل النفاة المعطلة من الجهمية والمعتزلة: أنهم يصفون الله بما لم يقم ~~به بل بما قام بغيره أو بما لم يوجد ويقولون: هذه إضافات لا صفات فيقولون: ~~هو رحيم ويرحم والرحمة لا تقوم به بل هي # PageV17P148 # مخلوقة وهي نعمته. ويقولون: هو يرضى ويغضب والرضا والغضب لا يقوم به؛ بل ~~هو مخلوق وهو ثوابه وعقابه ويقولون: هو متكلم ويتكلم والكلام لا يقوم به بل ~~هو مخلوق قائم بغيره. وقد يقولون: هو مريد ويريد ثم قد يقولون ليست الإرادة ~~شيئا موجودا وقد يقولون: إنها هي المخلوقات والأمر المخلوق. وقد يقولون ~~أحدث إرادة لا في محل. وهذا الأصل الباطل الذي أصله نفاة الصفات الجهمية ~~المحضة من المعتزلة وغيرهم هو الذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات: من ~~السلف والأئمة وأهل الفقه والحديث والتصوف والتفسير وأصناف نظار المثبتة: ~~كالكلابية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم وكالهشامية والكرامية وغيرهما من ~~طوائف النظار المثبتة للصفات وعلى هذا أئمة المسلمين المشهورون بالإمامة ~~وأئمة الفقهاء من أتباعهم من أصحاب مالك والشافعي ms5312 وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. ~~فقول من قال: إن الكلام يقع حقيقة على العبارة وهي مع ذلك مخلوقة يناقض ~~الأصل الفارق بين المثبتة والمعطلة إلا أن يسمى متعلق الصفة باسم الصفة كما ~~يسمى المأمور به أمرا والمرحوم به رحمة والمخلوق خلقا والقدر قدرة والمعلوم ~~علما؛ لكن يقال له: هذا كله ليس هو الحقيقة عند الإطلاق. # PageV17P149 # وأيضا فهذه الأمور أعيان قائمة بأنفسها فإذا أضيفت إلى الله علم أنها ~~إضافة ملك لا إضافة وصف؛ بخلاف العبارة فإنها لا تقوم بنفسها كما لا يقوم ~~المعنى بنفسه وهذا هو الأصل الفارق بين إضافة الصفات وإضافة المخلوقات فإن ~~المعطلة النفاة من الصابئة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية ومن ~~اتبعهم: كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما في بعض مصنفاتهما - وإن كانا في ~~موضع آخر يقولان بخلاف ذلك - يقولون: ليس في النصوص إلا إضافة هذه الأمور ~~إلى الله وهذه الأمور تسمى نصوص الإضافات لا نصوص الصفات. ويقولون: نصوص ~~الإضافات وأحاديث الإضافات لا آيات الصفات وأحاديث الصفات. والإضافة تكون ~~إضافة مخلوق لاختصاصه ببعض الوجوه كإضافة البيت والناقة والروح في قوله: ~~{وطهر بيتي} وقوله: {ناقة الله} وقوله: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا} . وقالت الحلولية من النصارى وغلاة الشيعة والصوفية ومن اتبعهم ~~ممن يقول بقدم الروح - أرواح العباد - وينتسب إلى أئمة المسلمين كالشافعي ~~وأحمد وغيرهما مثل طائفة من أهل جيلان وغيرهم - بل إضافة الروح إلى الله ~~كإضافة الكلام والقدرة والكلام والقدرة صفاته فكذلك الروح. وقالوا في قوله: ~~{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} دليل على أن روح العبد صفة لله قديمة. ~~وقالت النصارى: # PageV17P150 # عيسى كلمة الله وكلام الله غير مخلوق فعيسى غير مخلوق. وقالت الصابئة ~~والجهمية: عيسى كلمة الله وهو مخلوق والقرآن كلام الله فهو أيضا مخلوق. ~~وهذه المواضع اشتبهت على كثير من الناس وقد تكلم فيها الأئمة كأحمد بن حنبل ~~وغيره وتكلموا في إضافة الكلام والروح ومناظرة الجهمية والنصارى. وقد سئلت ~~عن ذلك من جهة الحلولية تارة ومن جهة المعطلة تارة والسائلون تارة من أهل ~~القبلة وتارة من غير ms5313 أهلها وقد بسط جواب ذلك في غير موضع لكن المقصود هنا ~~أن الفارق بين المضافين: أن المضاف إن كان شيئا قائما بنفسه أو حالا في ذلك ~~القائم بنفسه فهذا لا يكون صفة لله؛ لأن الصفة قائمة بالموصوف. فالأعيان ~~التي خلقها الله قائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات لله ~~فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة لكن أضيفت لنوع من الاختصاص ~~المقتضى للإضافة لا لكونها صفة والروح الذي هو جبريل من هذا الباب كما أن ~~الكعبة والناقة من هذا الباب ومال الله من هذا الباب وروح بني آدم من هذا ~~وذلك كقوله {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} {فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي} {وطهر بيتي} {ناقة الله وسقياها} {ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول} . # PageV17P151 # وأما إن كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه؛ بل لا يكون إلا صفة كالعلم ~~والقدرة والكلام والرضا والغضب فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون ~~قائمة به سبحانه فإذا قيل: {أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك} فعلمه صفة ~~قائمة به وقدرته صفة قائمة به وكذلك إذا قيل: {أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك} فرضاه وسخطه قائم به وكذلك عفوه وعقوبته. وأما أثر ~~ذلك وهو ما يحصل للعبد من النعمة واندفاع النقمة فذاك مخلوق منفصل عنه ليس ~~صفة له وقد يسمى هذا باسم ذاك كما في الحديث الصحيح {يقول الله للجنة: أنت ~~رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي} فالرحمة هنا عين قائمة بنفسها لا يمكن أن ~~تكون صفة لغيرها. فهذا هو الفارق بين ما يضاف إضافة وصف وإضافة ملك. وإذا ~~قيل " المسيح كلمة الله " فمعناه أنه مخلوق بالكلمة إذ المسيح نفسه ليس ~~كلاما. وهذا بخلاف القرآن فإنه نفسه كلام والكلام لا يقوم بنفسه إلا ~~بالمتكلم فإضافته إلى المتكلم إضافة صفة إلى موصوفها وإن كان يتكلم بقدرته ~~ومشيئته وإن سمى فعلا بهذا الاعتبار فهو صفة باعتبار قيامه بالمتكلم. وإذا ~~كان كذلك فمن قال: إن الكلام معنى واحد قائم بذات المتكلم ms5314 لم يمكنه أن يجيب ~~عن هذه المسألة بجواب صحيح. فإذا قيل # PageV17P152 # له: كلام الله هل بعضه أفضل من بعض؟ امتنع الجواب على أصله بنعم أو لا ~~لامتناع تبعضه عنده ولكون العبارة ليست كلاما؛ لله لكن إذا أريد بالكلام ~~العبارة أو قيل له: هل بعض القرآن أفضل من بعض - وأريد بالقرآن الكلام ~~العربي الذي نزل به جبريل فهو عنده مخلوق لم يتكلم الله به بل هو عنده ~~إنشاء جبريل أو غيره؛ أو قيل: هل بعض كتب الله أفضل من بعض - وكتاب الله ~~عنده هو القرآن العربي المخلوق عنده - فهذا السؤال يتوجه على قوله في ~~الظاهر وأما في نفس الأمر فكلاهما ممتنع على قوله لأن العبارة تدل على ~~المعاني فإن المعاني القائمة في النفس تدل عليها العبارات وقد علم أن ~~العبارات تدل على معان متنوعة وعلى أصله ليس المعنى إلا واحدا فيمتنع ~~بالضرورة العقلية أن يكون القرآن العربي كله والتوراة والإنجيل وسائر ما ~~يضاف إلى الله من العبارات إنما يدل على معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ~~وحينئذ فتبعض العبارات الدالة على المعاني بدون تبعض تلك المعاني ممتنع. ~~ولهذا قيل لهم: موسى عليه السلام لما سمع كلام الله أسمعه كله أم سمع بعضه؟ ~~إن قلتم: " كله " فقد علم كل ما أخبر الله به وما أمر به وقد ثبت في الصحيح ~~أن الخضر قال له {ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور ~~من هذا البحر} وقد # PageV17P153 # قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} . وإن قلتم " سمع بعضه " فقد تبعض وعندكم ~~لا يتبعض. وأيضا فقد فرق الله بين تكليمه لموسى عليه الصلاة والسلام وبين ~~إيحائه إلى غيره من النبيين وفرق بين الإيحاء وبين التكليم من وراء حجاب ~~فلو كان المعنى واحدا لكان الجميع إيحاء ولم يكن هناك تكليم يتميز على ذلك. ~~ولا يمتنع أن يكون الرب تعالى مناديا لأحد إذ المعنى القائم بالنفس لا يكون ~~نداء ms5315 وقد أخبر الله تعالى بندائه في القرآن في عدة مواضع. وعلى هذا فمن قال ~~من هؤلاء: إن كلام الله لا يفضل بعضه بعضا فحقيقة قوله أن هذه المسألة ~~ممتنعة فليس هناك أمران حتى يقال إن أحدهما يكون مثل الآخر أو أفضل منه. ~~والتماثل والتفاضل إنما يعقل بين اثنين فصاعدا. وهكذا عند هؤلاء في إرادته ~~وعلمه وسمعه وبصره فكل من جعل الصفة واحدة بالعين امتنع - على قوله - أن ~~يقال: هل بعضها أفضل من بعض أم لا؟ إذ لا بعض لها عنده. وكذلك من وافق ~~هؤلاء على وحدة هذه الصفات بالعين وقال: إن كلام الله حروف قديمة الأعيان ~~أو حروف وأصوات قديمة الأعيان سواء قال مع ذلك إنها أعيان الأصوات المسموعة ~~من القراء أو قال إنها بعض الأصوات المسموعة من القراء. وإن كان فساد ذلك ~~معلوما بالاضطرار، # PageV17P154 # وقال أن هذه الأصوات غير تلك. فمن قال بأن الكلام حروف أو حروف وأصوات ~~مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وهي مع ذلك شيء واحد فقوله معلوم الفساد عند ~~جمهور العقلاء كما أن من جعلها قولا واحدا فقوله معلوم الفساد عند جمهور ~~العقلاء على كل تقدير فيمتنع مع القول بوحدة شيء أن يقال: هل بعضه أفضل من ~~بعض أم لا؟ وأما من أثبت ما يتعدد من المعاني والحروف أو أحدهما فهذا يعقل ~~على قوله: السؤال عن التماثل والتفاضل. ثم حينئذ يقع السؤال: هل يتفاضل ~~كلام الله وصفاته وأسماؤه أم لا يقع التفاضل إلا في المخلوق؟ . وعلى هذا ~~فما ذكره ابن بطال في شرح البخاري لما تكلم على هذا الحديث حيث قال: قال ~~المهلب - وحكاه عن الأصيلي - ومذهب الأشعري وأبي بكر بن الطيب وابن أبي زيد ~~والداودي وأبي الحسن القابسي وجماعة علماء السنة أن القرآن لا يفضل بعضه ~~بعضا إذ كله كلام الله تعالى وصفته وهو غير مخلوق ولا يجوز التفاضل إلا في ~~المخلوقات هو نقل لأقوال هؤلاء بحسب ما ظنه لازما لهم حيث اعتقد أن التفاضل ~~لا يكون إلا في المخلوق والقرآن عند هؤلاء ليس بمخلوق. ms5316 لكن قدمنا أن السلف ~~الذين قالوا إنه غير مخلوق لم ينقل عن أحد منهم أنه قال ليس بعضه أفضل من ~~بعض بل المنقول عنهم # PageV17P155 # خلاف ذلك. وأما نقل هذا القول عن الأشعري وموافقيه فغلط عليهم؛ إذ كلام ~~الله عندهم ليس له كل ولا بعض ولا يجوز أن يقال: هل يفضل بعضه بعضا أو لا ~~يفضل فامتناع التفاضل فيه عنده كامتناع التماثل ولا يجوز أن يقال إنه ~~متماثل ولا متفاضل إذ ذلك لا يكون إلا بين شيئين. ولكن هذا السؤال يتصور ~~عنده في الصفات المتعددة كالعلم والقدرة فيقال: أيها أفضل؟ فإن كان قال: إن ~~صفات الرب لا تتفاضل؛ لأن مقتضى الأفضل نقص المفضول عنه فإنما يستقيم هذا ~~الجواب في هذه الصفات المتعددة لا في نفس الكلام مع أن هذا النقل عن ~~الأشعري في نفي تفاضل الصفات غير محرر فإن الأشعري لم يقل: إن الصفات لا ~~تتفاضل بل هذا خطأ عليه ولكن هو يقول: إن الكلام لا يدخله التفاضل كما لا ~~يدخله التماثل لأنه واحد عنده لا لما ذكر. وأما الصفات المتعددة فإنه قد ~~صرح بأنها ليست متماثلة ومذهبه أن الذات ليست مثل الصفات ولا كل صفة مثل ~~الأخرى فهو لا يثبت تماثل المعاني القديمة عنده فكيف يقال - على أصله - ما ~~يوجب تماثلها وإذا امتنع من إطلاق التفاضل فهو كامتناعه من إطلاق لفظ ~~التماثل وكامتناعه من إطلاق لفظ التغاير. وفي الجملة فمن نقل عنه أنه نفى ~~التفاضل وأثبت التماثل فقد أخطأ # PageV17P156 # لكن قد لا يطلق لفظ التفاضل كما لا يطلق لفظ التماثل لا لأن الصفات ~~متماثلة عنده؛ بل هو ينفي التماثل لعدم التعدد ولعدم إطلاق التغاير كما ~~يقال: هل يقال الصفات مختلفة أم لا؟ وهل هي متغايرة أم لا؟ وهل يقال في كل ~~صفة إنها الذات أو غيرها أو لا يجمع بين نفيهما وإنما يفرد كل نفي منهما أو ~~لا يطلق شيء من ذلك؟ فهذه الأمور لا اختصاص لها بهذه المسألة مسألة ~~التفضيل. # ولا ريب أن التماثل أو التفاضل لا يعقل إلا ms5317 مع التعدد وتعدد أسماء الله ~~وصفاته وكلماته هو القول الذي عليه جمهور المسلمين وهو الذي كان عليه سلف ~~الأمة وأئمتها وهو الموافق لفطرة الله التي فطر عليها عباده فلهذا كان ~~الناس يتخاطبون بموجب الفطرة والشرعة وإن كانت لبعضهم أقوال أخر تنافي ~~الفطرة والشرعة وتستلزم بطلان ما يقوله بمقتضى الفطرة والشرعة فإن القرآن ~~والسنة قد دلا على تعدد كلمات الله في غير موضع وقد قال تعالى: {قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله ~~مددا} وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} وقد ذكرنا في غير هذا الموضع قول السلف ~~وأنهم كانوا يثبتون لله كلمات لا نهاية لها؛ وبينا النزاع في تعدد العلوم ~~والإرادات وأن # PageV17P157 # كثيرا من أهل الكلام يقول ما عليه جمهور الناس من تعدد ذلك وأن الذين ~~قالوا يريد جميع المرادات بإرادة واحدة إنما أخذوه عن ابن كلاب وجمهور ~~العقلاء قالوا: هذا معلوم الفساد بالضرورة حتى إن من فضلاء النظار من ينكر ~~أن يذهب إلى هذا عاقل من الناس لأنه رآه ظاهر الفساد في العقل ولم يعلم أنه ~~قاله طائفة من النظار. وكذلك من جعل نفس إرادته هي رحمته وهي غضبه يكون ~~قوله صلى الله عليه وسلم {أعوذ برضاك من سخطك} معناه يكون مستعيذا عنده ~~بنفس الإرادة من نفس الإرادة وهذا ممتنع فإنه ليس عنده للإرادة صفة ثبوتية ~~يستعاذ بها من أحد الوجهين باعتبار ذلك الوجه منها باعتبار الوجه الآخر. بل ~~الإرادة عنده لها مجرد تعلق بالمخلوقات والتعلق أمر عدمي. وهذا بخلاف ~~الاستعاذة به منه لأن له سبحانه صفات متنوعة فيستعاذ به باعتبار ومنه ~~باعتبار. ومن قال: إنه ذات لا صفة لها أو موجود مطلق لا يتصف بصفة ثبوتية ~~فهذا يمتنع تحققه في الخارج وإنما يمكن تقدير هذا في الذهن كما تقدر ~~الممتنعات فضلا عن أن يكون ربا خالقا للمخلوقات كما قد بسط في موضعه. ~~وهؤلاء ألجأهم إلى ms5318 هذه الأمور مضايقات الجهمية والمعتزلة لهم في مسائل ~~الصفات فإنهم صاروا يقولون لهم: كلام الله هو الله أو غير الله؟ إن قلتم هو ~~غيره فما كان غير الله فهو مخلوق وإن قلتم هو # PageV17P158 # هو فهو مكابرة. وهذا أول ما احتجوا به على الإمام أحمد في المحنة فإن ~~المعتصم لما قال لهم: ناظروه قال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أبا عبد الله ~~ما تقول في القرآن - أو قال في كلام الله - يعني أهو الله أو غيره؟ فقال له ~~أحمد: ما تقول في علم الله أهو الله أو غيره؟ فعارضه أحمد بالعلم فسكت عبد ~~الرحمن. وهذا من حسن معرفة أبي عبد الله بالمناظرة رحمه الله. فإن المبتدع ~~الذي بنى مذهبه على أصل فاسد متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك ~~فيه؛ لما قام في نفسه من الشبهة فينبغي إذا كان المناظر مدعيا أن الحق معه ~~أن يبدأ بهدم ما عنده فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقدا ~~نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل امحه أولا ~~ثم اكتب فيه الحق. وهؤلاء كان قصدهم الاحتجاج لبدعتهم فذكر لهم الإمام أحمد ~~رحمه الله من المعارضة والنقض ما يبطلها. وقد تكلم الإمام أحمد في رده على ~~الجهمية في جواب هذا وبين أن لفظ " الغير " لم ينطق به الشرع لا نفيا ولا ~~إثباتا وحينئذ فلا يلزم أن يكون داخلا لفظ " الغير " في كلام الشارع ولا ~~غير داخل فلا يقوم دليل شرعي على أنه مخلوق. وأيضا فهو لفظ مجمل: يراد ~~بالغير ما هو منفصل عن الشيء ويراد بالغير ما ليس هو الشيء # PageV17P159 # فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله وعلم الله ونحو ذلك هو هو لأن هذا ~~باطل. ولا يطلق أنه غيره لئلا يفهم أنه بائن عنه منفصل عنه. وهذا الذي ذكره ~~الإمام أحمد عليه الحذاق من أئمة السنة فهؤلاء لا يطلقون أنه هو ولا يطلقون ~~أنه غيره ولا يقولون ليس هو هو ولا غيره. ms5319 فإن هذا أيضا إثبات قسم ثالث وهو ~~خطأ ففرق بين ترك إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال وبين نفي مسمى ~~اللفظين مطلقا وإثبات معنى ثالث خارج عن مسمى اللفظين. فجاء بعد هؤلاء " ~~أبو الحسن " وكان أحذق ممن بعده فقال: ننفي مفردا لا مجموعا فنقول مفردا: ~~ليست الصفة هي الموصوف ونقول مفردا: ليست غيره ولا يجمع بينهما فيقال: لا ~~هي هو ولا هي غيره لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق. ~~وجاء بعده أقوام فقالوا: بل ننفي مجموعا فنقول: لا هي هو ولا هي غيره. ثم ~~كثير من هؤلاء إذا بحثوا يقولون هذا المعنى أما أن يكون غيره فيتناقضون. ~~وسبب ذلك أن لفظ " الغير " مجمل: يراد بالغير: المباين المنفصل ويراد ~~بالغير: ما ليس هو عين الشيء. وقد يعبر عن الأول بأن الغيرين ما جاز وجود ~~أحدهما وعدمه أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود ويعبر ~~عن الثاني بأنه ما جاز العلم بأحدهما مع # PageV17P160 # عدم العلم بالآخر. وبين هذا وهذا فرق ظاهر فصفات الرب اللازمة له لا ~~تفارقه ألبتة فلا تكون غيرا بالمعنى الأول ويجوز أن تعلم بعض الصفات دون ~~بعض وتعلم الذات دون الصفة فتكون غيرا باعتبار الثاني ولهذا أطلق كثير من ~~مثبتة الصفات عليها أغيارا للذات. ومنهم من قال: نقول إنها غير الذات ولا ~~نقول إنها غير الله فإن لفظ الذات لا يتضمن الصفات بخلاف اسم الله فإنه ~~يتناول الصفات؛ ولهذا كان الصواب - على قول أهل السنة - أن لا يقال في ~~الصفات: إنها زائدة على مسمى اسم الله؛ بل من قال ذلك فقد غلط عليهم. وإذا ~~قيل: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ كان الجواب: إن الذات الموجودة في نفس ~~الأمر مستلزمة للصفات فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات؛ بل ولا يوجد ~~شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات بل لفظ " الذات " تأنيث " ذو " ولفظ " ~~ذو " مستلزم للإضافة. وهذا اللفظ مولد وأصله أن يقال: ذات علم ذات قدرة ذات ms5320 ~~سمع كما قال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ويقال: فلانة ذات مال ~~ذات جمال. ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم وقدرة وسمع وبصر - ردا على من ~~نفى صفاتها - عرفوا لفظ الذات وصار التعريف يقوم مقام الإضافة فحيث قيل لفظ ~~الذات فهو ذات كذا فالذات لا تكون إلا ذات علم وقدرة # PageV17P161 # ونحو ذلك من الصفات لفظا ومعنى. وإنما يريد محققوا أهل السنة بقولهم " ~~الصفات زائدة على الذات " أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات ~~فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها فأثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما ~~أثبته هؤلاء فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر لا زيادة على نفس الله جل ~~جلاله وتقدست أسماؤه. بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن ~~تفارقها فلا توجد الصفات بدون الذات ولا الذات بدون الصفات. وهذه الأمور ~~مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود أن الأشعري وغيره من الصفاتية - الذين ~~سلكوا مسلك ابن كلاب - إذا قال أحدهم في الصفات إنها متماثلة فإن هذا لا ~~يقوله عاقل إذ المثلان ما سد أحدهما مسد الآخر وقام مقامه والعلم ليس مثلا ~~للقدرة ولا القدرة مثلا للإرادة وأما الكلام فإنه عنده شيء واحد والواحد ~~يمتنع فيه تفاضل أو تماثل. وفي الجملة فالذين يمنعون أن يكون كلام الله ~~بعضه أفضل من بعض لهم مأخذان: " أحدهما " أن صفات الرب لا يكون بعضها أفضل ~~من بعض وقد يعبرون عن ذلك بأن القديم لا يتفاضل. # PageV17P162 # " والثاني " أنه واحد والواحد لا يتصور فيه تفاضل ولا تماثل. وهذا على ~~قول من يقول: إنه واحد بالعين وهؤلاء الذين يقولون إنه واحد بالعين منهم من ~~يجعله مع ذلك حروفا أو حروفا وأصواتا قديمة الأعيان ويقول: هو مع ذلك شيء ~~واحد كما يوجد في كلام طائفة من المتأخرين الذين أخذوا عن الكلابية أنه ليس ~~له إلا إرادة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة وكلام واحد وأن القرآن قديم. ~~وأخذوا عن المعتزلة وغيرهم أنه مجرد الحروف والأصوات والتزموا أن الحروف ~~والأصوات قديمة الأعيان ms5321 مع أنها مترتبة في نفسها ترتبا ذاتيا في الوجود ~~أزلية لم يزل بعضها مقارنا لبعض وفرقوا بين ذات الشيء وبين وجوده في الخارج ~~موافقة لمن يقول ذلك من المعتزلة وكثير من القائلين بقدمه وأنه حروف وأصوات ~~لا يقولون إنه شيء واحد بل يجعلونه متعددا مع قدم القرآن وقدم أعيان الحروف ~~والأصوات. والقول الآخر لمن يقول إنه واحد بالعين: أن القديم هو معنى واحد ~~لا يتعدد ولا يتبعض كما قد بين حقيقة قولهم. وهذا هو القول المنسوب إلى ابن ~~كلاب والأشعري. وهذا القول أول من عرف أنه قاله في الإسلام ابن كلاب لم ~~يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا التابعين ولا غيرهم من أئمة المسلمين مع ~~كثرة ما تكلم الصحابة والتابعون في كلام الله تعالى ومع أنه من أعظم وأهم ~~أمور الدين الذي تتوفر # PageV17P163 # الهمم على معرفته وذكره ومع تواتر نص الكتاب والسنة وآثار الصحابة على ~~خلاف هذا القول. وكل من هذه الأقوال مما يدل الكتاب والسنة وآثار السلف على ~~خلافه. وكل منها مما اتفق جمهور العقلاء الذين يتصورونه على أن فساده معلوم ~~بضرورة العقل ويجوز اتفاق طائفة من العقلاء على قول يعلم فساده بضرورة ~~العقل إذا كان عن تواطؤ كما يجوز اتفاقهم على الكذب تواطؤا وأما بدون ذلك ~~فلا يجوز. فالمذهب الذي تقلده بعض الناس عن بعض - كقول النصارى والرافضة ~~والجهمية والدهرية ونحو ذلك - يجوز أن يكون فيه ما يعلم فساده بضرورة العقل ~~وإن كان طائفة من العقلاء قالوه على هذا الوجه فأما أن يقولوه من غير تواطؤ ~~فهذا لا يقع وأكثر المتقلدين للأقوال الفاسدة لا يتصورونها تصورا تاما حتى ~~يكون تصورها التام موجبا للعلم بفسادها. ثم إذا اشتهر القول عند طائفة لم ~~يعلموا غيره عن أهل السنة ظنوا أنه قول أهل السنة. # ولما كان المشهور عند المسلمين أن أهل السنة لا يقولون القرآن مخلوق صار ~~كل من رأى طائفة تنكر قول من يقول القرآن مخلوق يظن أن كل ما قالته في هذا ~~الباب هو قول السلف وأئمة السنة - والذين ms5322 قالوا إن القرآن غير مخلوق بل ~~قائم بذات الله ووافقوا PageV17P164 # السلف والأئمة في هذا لما ظهرت محنة الجهمية - وثبت فيها الإمام أحمد ~~الذي أيد الله به السنة ونصر السنة - صار شعار أهل السنة أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة فكل من أنكر ذلك فهو من أهل البدعة ~~في اللسان العام - فكثر حينئذ من يوافق أهل السنة والحديث على ذلك وإن كان ~~لا يعرف حقيقة قولهم بل معه أصول من أصول أهل البدع الجهمية يريد أن يجمع ~~بينها وبين قول أهل السنة كما يريد المتفلسف أن يجمع بين أقوال المتفلسفة ~~المخالفين للرسل وبين ما جاءت به الرسل. فلهذا صار المنتسبون إلى السنة ~~الذين يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق له أقوال: # أحدها: قول من يقول: إنه قديم العين وإن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ~~ولا يتكلم بكلام بعد كلام ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول ذلك القديم هو ~~معنى واحد لازم لذات الله أبدا أو خمسة معان. # ومنهم من يقول: بل هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله أبدا. # الثالث (1) : قول من يقول: بل الرب في أزله لم يكن الكلام ممكنا له كما ~~لم يكن الفعل ممكنا له عندهم؛ لأن وجود الكلام والفعل لا يكون إلا بمشيئته ~~واختياره ووجود ما يكون بالمشيئة والاختيار محال عندهم دوامه. ثم المشهور ~~عن هؤلاء قول من يقول: # PageV17P165 # تكلم فيما لا يزال بحروف وأصوات تقوم بذاته كما يقوله طوائف متعددة منهم ~~الكرامية. وبعض الناس يذكر ما يقتضي أن الكلام الذي قام به شيئا بعد شيء ~~إنما هو علوم وإرادات وأبو عبد الله الرازي يميل إلى هذا في بعض كتبه. # والخامس (1) : قول من يقول: لم يزل متكلما كيف شاء. وهذا هو المعروف عن ~~السلف وأئمة السنة مثل عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وسائر أهل الحديث ~~والسنة. ثم هؤلاء منهم من يقول: لم يزل متكلما لا يسكت بل لا يزال متكلما ~~بمشيئته وقدرته. وهذا هو الذي جعله ابن حامد ms5323 المشهور من مذهب أحمد وأصحابه ~~مع أنه حكي أنه لا يختلف قول أحمد أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء. ~~والقول الثاني أنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء. وهذا القول حكاه أبو بكر ~~عبد العزيز عن طائفة من أصحاب أحمد وكذلك خرجه ابن حامد قولا في المذهب مع ~~ذكره أنه لم يختلف مذهبه في أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء وأنه لا ~~يجوز أن يكون لم يزل ساكتا ثم صار متكلما كما يقوله الكرامية. وهذه الأقوال ~~وتوابعها مبسوطة في موضع آخر والمقصود هنا أن الذين قالوا: " كلام الله غير ~~مخلوق " تنازعوا PageV17P166 # بعد ذلك على هذه الأقوال مع أن أكثر الذين قالوا بعض هذه الأقوال لا ~~يعلمون ما قال غيرهم؛ بل غاية ما عند أئمتهم المصنفين في هذا الباب معرفة ~~قولين أو ثلاثة أو أربعة من هذه الأقوال - كقول المعتزلة والكلابية ~~والسالمية والكرامية - ولا يعرفون أن في الإسلام من قال سوى ذلك ويصنف ~~أحدهم كتابا كبيرا في " مقالات الإسلاميين " وفي " الملل والنحل " ويذكر ~~عامة الأقوال المبتدعة في هذا الباب والقول المأثور عن السلف والأئمة لا ~~يعرفه ولا ينقله مع أن الكتاب والسنة مع المعقول الصريح لا يدل إلا عليه ~~وكل ما سواه أقوال متناقضة كما بسط في موضعه. والقصد هنا: أن من كان عنده ~~أن قول المعتزلة مثلا أو قول المعتزلة والكرامية أو قول هؤلاء وقول ~~الكلابية أو قول هؤلاء وقول السالمية - هو باطل من أقوال أهل البدع لم يبق ~~عنده قول أهل السنة إلا القول الآخر الذي هو أيضا من الأقوال المبتدعة ~~المخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول فيفرع على ذلك القول ما يضيفه إلى ~~السنة ثم إذا تدبر نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف وجدها تخالف ذلك القول ~~أصلا وفرعا كما وقع لمن أنكر فضل " فاتحة الكتاب " و " آية الكرسي " و ( ~~{قل هو الله أحد} على غيرها من القرآن فإن عمدتهم ما قدمته من الأصل ~~الفاسد. أما كون الكلام واحدا فلا يتصور فيه # PageV17P167 # تفاضل ولا تماثل ولا ms5324 تعدد. وأما كون صفات الرب لا تتفاضل - وربما قالوا: ~~القديم لا يتفاضل وهو من جنس قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم: القديم لا ~~يتعدد - فهذا لفظ مجمل: فإن القديم إذا أريد به رب العالمين: فرب العالمين ~~إله واحد لا شريك له وإذا أريد به صفاته. فمن قال إن صفات الرب لا تتعدد ~~فهو يقول: العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة؛ والسمع والبصر هو العلم. ~~وقد يقول بعضهم أيضا: العلم هو الكلام ويقول آخرون: العلم والقدرة هو ~~الإرادة ثم قد يقولون إن الصفة هي الموصوف: فالعلم هو العالم والقدرة هي ~~القادر. وهذه الأقوال صرح بها نفاة الصفات من الفلاسفة والجهمية ونحوهم كما ~~حكيت ألفاظهم في غير هذا الموضع. ومعلوم أن في هذه الأقوال من مخالفة ~~المعقول الصريح والمنقول الصحيح - بل مخالفة المعلوم بالاضطرار للعقلاء. ~~والمعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ودين الرسل - ما يبين أنها في غاية ~~الفساد شرعا وعقلا. ثم إن هؤلاء تأولوا نصوص الكتاب والسنة بتأويلات باطلة: ~~منهم من قال: المراد بكونه أعظم وأفضل وخيرا كونه عظيما في نفسه وامتنع ~~هؤلاء من إجراء التفضيل عليه وحكي هذا عن الأشعري وابن الباقلاني وجماعة ~~غيرهما. ومعلوم أن من تدبر ألفاظ الكتاب والسنة تبين له أنها لا تحتمل هذا ~~المعنى بل هو من نوع القرمطة. فإن الله # PageV17P168 # تعالى يقول: {نزل أحسن الحديث} {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ~~أتدري أي آية معك في كتاب الله أعظم} وقال: {لأعلمنك سورة لم ينزل في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها} إلى غير ذلك ~~مما تقدم ذكره. ومنهم من قال: بل المراد بقوله " خير منها " أي خير منها ~~لكم أي أكثر ثوابا أو أقل تعبا وقال: ما دل على أن بعضه أفضل من بعض فليس ~~هو تفضيلا لنفس الكلام بل لمتعلقه وهو أن تلاوة هذا والعمل به يحصل به من ~~الأجر أكثر مما يحصل بالآخر. فيقال لهؤلاء: ما ذكرتموه حجة عليكم مع ما فيه ~~من مخالفة النص. وذلك أن كون الثواب على ms5325 أحد القولين أو الفعلين أكثر منه ~~على الثاني إنما كان لأنه في نفسه أفضل ولهذا إنما تنطق النصوص بفضل القول ~~والعمل في نفسه كما قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة: أي العمل ~~أفضل؟ فيجيب بتفضيل عمل على عمل وذلك مستلزم لرجحان ثوابه. وأما رجحان ~~الثواب مع تماثل العملين فهذا مخالف للشرع والعقل. وكذلك الكلام ففي صحيح ~~مسلم عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله والحمد لله ولا إلا إلا الله ~~والله أكبر} # PageV17P169 # فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن مع كونها من القرآن ففضل نفس هذه ~~الأقوال بعد القرآن على سواها وكذلك في صحيح مسلم {أنه سئل: أي الكلام ~~أفضل؟ فقال ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده} . وفي الموطأ وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: ~~لا إلا إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} ~~فأخبر أن هذا الكلام أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله. وفي سنن ابن ماجه ~~عنه أنه قال: {أفضل الذكر: لا إله إلا الله. وأفضل الدعاء: الحمد لله} وقد ~~رواه ابن أبي الدنيا. وفي الصحيحين أنه قال {الإيمان بضع وستون - أو وسبعون ~~- شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله} . ومثل هذا كثير في النصوص يفضل العمل ~~على العمل والقول على القول. ويعلم من ذلك فضل ثواب أحدهما على الآخر. أما ~~تفضيل الثواب بدون تفضيل نفس القول والعمل فلم يرد به نقل ولا يقتضيه عقل ~~فإنه إذا كان القولان متماثلين من كل وجه أو العملان متماثلين من كل وجه ~~كان جعل ثواب أحدهما أعظم من ثواب الآخر ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر ~~بلا مرجح. وهذا أصل قول القدرية والجهمية الذين يقولون: إن القادر يرجح أحد ~~مقدوريه بلا مرجح وظنوا أنهم بهذا الأصل ينصرون الإسلام فلا للإسلام # PageV17P170 # نصروا ولا لعدوه كسروا بل تسلط عليهم ms5326 سلف الأمة وأئمتها بالتبديع ~~والتضليل والتكفير والتجهيل وتسلط عليهم خصومهم الدهرية وغيرهم بإلزامهم ~~مخالفة المعقول وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزيادة في مخالفة المشروع والمعقول ~~كما جرى للملحدين مع المبتدعين. وأيضا فقول القائل: إنه ليس بعض ذلك خيرا ~~من بعض بل بعضه أكثر ثوابا؛ رد لخبر الله الصريح فإن الله يقول: {نأت بخير ~~منها أو مثلها} فكيف يقال ليس بعضه خيرا من بعض؟ وإذا كان الجميع متماثلا ~~في نفسه امتنع أن يكون فيه شيء خيرا من شيء. وكون معنى الخير أكثر ثوابا مع ~~كونه متماثلا في نفسه أمر لا يدل عليه اللفظ حقيقة ولا مجازا؛ فلا يجوز ~~حمله عليه فإنه لا يعرف قط أن يقال هذا خير من هذا وأفضل من هذا مع تساوي ~~الذاتين بصفاتهما من كل وجه بل لا بد - مع إطلاق هذه العبارة - من التفاضل ~~ولو ببعض الصفات فأما إذا قدر أن مختارا جعل لأحدهما مع التماثل ما ليس ~~للآخر مع استوائهما بصفاتهما من كل وجه فهذا لا يعقل وجوده ولو عقل لم يقل ~~إن هذا خير من هذا أو أفضل لأمر لا يتصف به أحدهما ألبتة. وأيضا ففي الحديث ~~الصحيح أنه قال في الفاتحة: {لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ~~القرآن مثلها} فقد صرح الرسول # PageV17P171 # بأن الله لم ينزل لها مثلا فمن قال: إن كل ما نزل من كلام الله فهو مثل ~~لها من كل وجه فقد ناقض الرسول في خبره. وأيضا فقد تقدم قوله: {أحسن ~~الحديث} ومع تماثل كل حديث لله فليس القرآن أحسن من التوراة والإنجيل. ~~وكذلك تقدم ما خص الله به القرآن من الأحكام. فإن قيل: نحن نسلم لكم أن ~~الله خص بعض كلامه من الثواب والأحكام بما لا يشركه فيه غيره لكن هذا عندنا ~~بمحض مشيئته؛ لا لاختصاص ذلك الكلام بوصف امتاز به عن الآخر. قيل: أولا هذا ~~مخالف لصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة مع مخالفته لصريح ~~المعقول. ثم هذا مبني على أصل الجهمية والقدرية وهو أن القادر ms5327 المختار يرجح ~~أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح. وهؤلاء لما جوزوا هذا قالوا: إن الرب ~~يزل معطلا وما كان يمكن في الأزل أن يتكلم ولا أن يفعل. ثم صار الكلام ~~والفعل ممكنا من غير حدوث شيء اقتضى انتقالهما من الامتناع إلى الإمكان ~~وقالوا: إن القادر المرجح يرجح بلا مرجح. ثم قالت الجهمية: والعبد ليس ~~بقادر في الحقيقة فلا يرجح شيئا بل الله هو الفاعل لفعله وفعله هو نفس فعل ~~الرب. وقالت # PageV17P172 # القدرية: العبد قادر تام القدرة يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا سبب حادث ~~ولا حاجة إلى أن يحدث الله ما به يختص به فعل أحدهما؛ بل هو - مع أن نسبته ~~إلى الضدين الإيمان والكفر سواء - يرجح أحدهما بلا مرجح لا من الله ولا من ~~العبد ولا يفتقر إلى إعانة الله ولا إلى أن يجعله شائيا ولا يجعله يقيم ~~الصلاة ولا يجعله مسلما. ومعلوم بالعقول خلاف هذا والله تعالى يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد وما شاء كان وما لم يشاء لم يكن لكن المدح في هذا الكلام ~~معناه أنه مطلق المشيئة لا معوق لا إذا أراد شيئا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ~~ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له} . فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يفعل ~~إلا بمشيئته ليس له مكره حتى يقال له افعل إن شئت ولا يفعل إن لم يشأ. فهو ~~سبحانه إذا أراد شيئا كان قادرا عليه لا يمنعه منه مانع. لا يعني بذلك أنه ~~يفعل لمجرد مشيئة ليس معها حكمة بل يفعل عندهم ما وجود فعله وعدمه بالنسبة ~~إليه سواء من كل وجه. فإن هذا ليس بمدح بل المعقول من هذا أنه صفة ذم فمن ~~فعل لمجرد إرادته الفعل من غير حكمة لفعله ولا تضمن غاية مجردة كان أن لا ~~يفعل خيرا له. وقد ذم الله سبحانه في كتابه من نسبه إلى هذا فقال تعالى # PageV17P173 # {وما خلقنا السماء والأرض ms5328 وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار} وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون} {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} قال ~~المفسرون: العبث أن يعمل عملا لا لحكمة وهو جنس من اللعب. وقال: {وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما لاعبين} {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ~~إن كنا فاعلين} وقال: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} . قال المفسرون وأهل ~~اللغة: السدى المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى؛ كالذي يترك الإبل سدى مهملة ~~وقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون} وقال ~~تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية ~~فاصفح الصفح الجميل} {إن ربك هو الخلاق العليم} . # وقد بين سبحانه الفرق بين ما أمر به وما نهى عنه وبين من يحمده ويكرمه من ~~أوليائه ومن يذمه ويعاقبه من أعدائه وأنهم مختلفون لا يجوز التسوية بينهما. ~~وجعل خلاف ذلك من المنكر الذي لا مساغ له. فقال تعالى {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} {ما لكم كيف تحكمون} وقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: # PageV17P174 # {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} فبين أن هذا الحكم سيئ في نفسه ليس ~~الحكم به مساويا للحكم بالتفاضل. ثم قال: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} فأخبر أنه خلق الخلق ليجزي كل نفس ~~بما كسبت وأنه لا يظلم أحدا فينقص من حسناته شيئا بل كما قال: {ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} . وقد نزه نفسه في غير موضع من القرآن أن ~~يظلم أحدا من خلقه فلا يؤتيه أجره أو يحمل عليه ذنب غيره فقال تعالى: {ومن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} وقال تعالى: {لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} {ما يبدل القول ms5329 لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد} وقال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} {وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} وفي الحديث الصحيح الإلهي {يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} . وما ~~تزعمه القدرية من أن تفضيل بعض عباده على بعض بفضله وإحسانه من باب الظلم ~~جهل منهم وكذلك جزاؤهم بأعمالهم التي جرى # PageV17P175 # بها القدر ليس بظلم فإن الواحد من الناس إذا عاقبه غيره بسيئاته وانتصف ~~للمظلوم من الظالم لم يكن ذلك ظلما منه باتفاق العقلاء بل ذلك أمر محمود ~~منه ولا يقول أحد إن الظالم معذور لأجل القدر. فرب العالمين إذا أنصف بعض ~~عباده من بعض وأخذ للمظلومين حقهم من الظالمين كيف يكون ذلك ظلما منه لأجل ~~القدر وكذلك الواحد من العباد إذا وضع كل شيء موضعه فجعل الطيب مع الطيب في ~~المكان المناسب له وجعل الخبيث مع الخبيث في المكان المناسب له كان ذلك ~~عدلا منه وحكمة فرب العالمين إذا وضع كل شيء موضعه ولم يجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولم يجعل المتقين كالفجار ولا المسلمين ~~كالمجرمين. والجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب ولهذا لا يدخلها أحد إلا ~~بعد القصاص الذي ينظفهم من الخبث كما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن المؤمنين إذا عبروا الجسر - وهو الصراط المنصوب على ~~متن جهنم - فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض ~~مظالم كانت بينهم في الدنيا فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة} وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود: هنا أن ما يقوله القدرية من ~~الظلم والعدل الذي يقيسون به الرب على عباده من بدعهم التي ضلوا بها ~~وخالفوا بها الكتاب والسنة # PageV17P176 # وإجماع سلف الأمة وكذلك من قابلهم فنفى حكمة الرب الثابتة في خلقه وأمره ~~وما كتبه ms5330 على نفسه من الرحمة وما حرمه على نفسه من الظلم وما جعله ~~للمخلوقات والمشروعات من الأسباب التي شهد بها النص مع العقل والحس واتفق ~~عليها سلف الأمة وأئمة الدين كقوله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها} وقوله تعالى: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات} ونحو ذلك فإن هذه الأقاويل أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان إمام ~~غلاة المجبرة وكان ينكر رحمة الرب ويخرج إلى الجذمى فيقول: أرحم الراحمين ~~يفعل مثل هذا يريد بذلك أنه ما ثم إلا إرادة رجح بها أحد المتماثلين بلا ~~مرجح لا لحكمة ولا رحمة. ولهذا كان الذين وافقوه على قوله من المنتسبين إلى ~~مذهب أهل السنة والجماعة يتناقضون لأنهم إذا خاضوا في الشرع احتاجوا أن ~~يسلكوا مسالك أئمة الدين في إثبات محاسن الشريعة وما فيها من الأمر بمصالح ~~العباد وما ينفعهم من النهي عن مفاسدهم وما يضرهم وأن الرسول الذي بعث بها ~~بعث رحمة كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقد وصفه الله ~~تعالى بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم # PageV17P177 # عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} فأخبر أنه يأمر بما هو ~~معروف وينهى عما هو منكر ويحل ما هو طيب ويحرم ما هو خبيث. ولو كان المعروف ~~لا معنى له إلا المأمور به والمنكر لا معنى له إلا ما حرم لكان هذا كقول ~~القائل: يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم ويحل لهم ما أحل لهم ويحرم ~~عليهم ما حرم عليهم. وهذا كلام لا فائدة فيه فضلا عن أن يكون فيه تفضيل له ~~على غيره. ومعلوم أن كل من أمر بأمر يوصف بذلك وكل نبي بعث فهذه حاله. وقد ~~قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} فعلم أن ~~الطيب وصف للعين وأن الله قد يحرمها مع ذلك ms5331 عقوبة للعباد كما قال تعالى لما ~~ذكر ما حرمه على بني إسرائيل: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} وقال ~~تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} فلو كان معنى الطيب هو ~~ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه. فعلم أن الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان. ~~وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم ~~وما يحميه الطبيب منه ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب ولا كون ~~العرب تعودته؛ فإن مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها أو كرهته ~~لكونه ليس في بلادها # PageV17P178 # لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء ولا أن ~~يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه. كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم ~~والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى. وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ ~~قال: ما دب ودرج إلا أم حبين. فقال: ليهن أم حبين العافية. ونفس قريش كانوا ~~يأكلون خبائث حرمها الله وكانوا يعافون مطاعم لم يحرمها الله. وفي الصحيحين ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل فقيل: ~~أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه} . ~~فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجبا لتحريمه على ~~المؤمنين من سائر العرب والعجم. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه لم يحرم أحد منهم ما كرهته العرب ولم يبح كل ما أكلته العرب. وقوله ~~تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} إخبار عنه أنه سيفعل ذلك ~~فأحل النبي صلى الله عليه وسلم الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنها عادية باغية فإذا أكلها الناس - والغاذي ~~شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي ~~والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية ~~وزيادته توجب طغيان هذه القوى # PageV17P179 # وهو مجرى الشيطان ms5332 من البدن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم} . ولهذا كان شهر رمضان إذا دخل صفدت الشياطين ~~لأن الصوم جنة. فالطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق ~~والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد ~~العقول والأخلاق فأباح الله للمتقين الطيبات التي يستعينون بها على عبادة ~~ربهم التي خلقوا لها وحرم عليهم الخبائث التي تضرهم في المقصود الذي خلقوا ~~له وأمرهم مع أكلها بالشكر ونهاهم عن تحريمها فمن أكلها ولم يشكر ترك ما ~~أمر الله به واستحق العقوبة. ومن حرمها - كالرهبان - فقد تعدى حدود الله ~~فاستحق العقوبة قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ~~ويشرب الشربة فيحمده عليها} وفي حديث آخر: {الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر} وقال تعالى: {لتسألن يومئذ عن النعيم} أي عن شكره فإنه لا يبيح ~~شيئا ويعاقب من فعله ولكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه وعما حرمه عليه: ~~هل فرط بترك مأمور أو فعل محظور كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات # PageV17P180 # ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} فنهاهم عن تحريم ~~الطيبات. كما كان طائفة من الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله هذه ~~الآية. وفي الصحيحين {أن رجالا من الصحابة قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا ~~أفطر وقال آخر: أما أنا فأقوم لا أنام وقال آخر: أما أنا فلا أقرب النساء ~~وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال ~~رجال يقول أحدهم كذا وكذا. . لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء؛ ~~وآكل اللحم. فمن رغب عن سنتي فليس مني} ولبسط هذه الأمور موضع آخر. ~~والمقصود هنا: أن الله بين في كتابه وعلى لسان رسوله حكمته في ms5333 خلقه وأمره ~~كقوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} فعلل التحريم بأنها ~~فاحشة بدون النهي وأن ذلك علة للنهي عنها وقوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} فذكر ~~براءته من هذا على وجه المدح له بذلك وتنزيهه عن ذلك فدل على أن من الأمور ~~ما لا يجوز أن يضاف إلى الله الأمر به ليست الأشياء كلها مستوية في أنفسها ~~ولا عنده وأنه لا يخصص المأمور على المحظور لمجرد التحكم بل يخصص المأمور ~~بالأمر والمحظور بالحظر لما اقتضته حكمته. # PageV17P181 # وقد تدبرت عامة ما رأيته من كلام السلف - مع كثرة البحث عنه وكثرة ما ~~رأيته من ذلك - هل كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أو أحد منهم على ما ~~ذكرته من هذه الأقوال التي وجدتها في كتب أهل الكلام: من الجهمية والقدرية ~~ومن تلقى ذلك عنهم: مثل دعوى الجهمية أن الأمور المتماثلة يأمر الله بأحدها ~~وينهى عن الآخر لا لسبب ولا لحكمة أو أن الأقوال المتماثلة والأعمال ~~المتماثلة من كل وجه يجعل الله ثواب بعضها أكثر من الآخر بلا سبب ولا حكمة ~~ونحو ذلك مما يقولونه: كقولهم إن كلام الله كله متماثل وإن كان الأجر في ~~بعضه أعظم فما وجدت في كلام السلف ما يوافق ذلك بل يصرحون بالحكم والأسباب ~~وبيان ما في المأمور به من الصفات الحسنة المناسبة للأمر به وما في المنهي ~~عنه من الصفات السيئة المناسبة للنهي عنه ومن تفضيل بعض الأقوال والأعمال ~~في نفسها على بعض ولم أر عن أحد منهم قط أنه خالف النصوص الدالة على ذلك ~~ولا استشكل ذلك ولا تأوله على مفهومه مع أنه يوجد عنهم في كثير من الآيات ~~والأحاديث استشكال واشتباه وتفسيرها على أقوال مختلفة قد يكون بعضها خطأ. ~~والصواب هو القول الآخر وما وجدتهم في مثل قوله تعالى: {الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي {أي آية ~~في كتاب الله أعظم} وقوله في الفاتحة ms5334 {لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في القرآن مثلها} # PageV17P182 # ونحو ذلك إلا مقرين لذلك قائلين بموجبه. {والنبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~أبيا أي آية في كتاب الله أعظم؟} فأجابه أبي بأنها آية الكرسي فضرب بيده في ~~صدره وقال {ليهنك العلم أبا المنذر} . ولم يستشكل أبي ولا غيره السؤال عن ~~كون بعض القرآن أعظم من بعض بل شهد النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم لمن ~~عرف فضل بعضه على بعض وعرف أفضل الآيات وكذلك قوله تعالى: {ما ننسخ من آية ~~أو ننسها} . وما رأيتهم تنازعوا في تفسير ( {بخير منها} . فإن هذه الآية ~~فيها قراءتان مشهورتان: قراءة الأكثرين ( {أو ننسها} من أنساه ينسيه وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو (أو ننسأها بالهمز من نسأه ينسأه. فالأول من النسيان ~~والثاني من نسأ إذا أخر. قال أهل اللغة: نسأته نسئا إذا أخرته. وكذلك ~~أنسأته يقال نسأته البيع وأنسأته. قال الأصمعي: أنسأ الله في أجله ونسأ في ~~أجله بمعنى. ومن هذه المادة بيع النسيئة. ومن كلام العرب: من أراد النساء ~~ولا نساء فليبكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء. فأما ~~القراءة الأولى فمعناها ظاهر عند أكثر المفسرين قالوا: المراد به ما أنساه ~~الله من القرآن كما جاءت الآثار بذلك فإن ما يرفع # PageV17P183 # من القرآن إما أن يكون رفعا شرعيا بإزالته من القلوب وهو الإنساء فأخبر ~~تعالى أن ما ينسخه أو ينسيه فإنه يأتي بخير منه أو مثله بين ذلك فضله ~~ورحمته لعباده المؤمنين فإنه قال قبل ذلك: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} {ما يود الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} فنهاهم عن التشبه بأهل الكتاب في سوء أدبهم ~~على الرسول وعلى ما جاء به وأخبر أنهم لحسدهم ما يودون أن الله ينزل عليه ~~شيئا من الكتاب والحكمة ثم أخبر بنعمته على المؤمنين فإنه قد كان بعض ~~القرآن ms5335 ينسخ وبعضه ينسى - كما جاءت الآثار بذلك - وما أنساه سبحانه هو مما ~~نسخ حكمه وتلاوته بخلاف المنسوخ الذي يتلى وقد نسخ ما نسخ من حكمه أو نسخ ~~تلاوته ولم ينس وفي النسخ والإنساء نقص ما أنزله على عباده. فبين سبحانه ~~أنه لا نقص في ذلك بل كل ما نسخ أو ينسى فإن الله يأتي بخير منه أو مثله ~~فلا يزال المؤمنون في نعمة من الله لا تنقص بل تزيد فإنه إذا أتى بخير منها ~~زادت النعمة وإن أتى بمثلها كانت النعمة باقية وقال تعالى: {أو ننسها} ~~فأضاف الإنساء إليه فإن هذا الإنساء ليس مذموما بخلاف نسيان ما يجب حفظه ~~فإنه مذموم # PageV17P184 # فإن هذا إنساء لما رفعه الله وأما نسيان ما أمر بحفظه فمذموم قال تعالى: ~~{كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وهذا النسيان وإن كان متضمنا ~~لترك العمل بها مع حفظها فإذا نسيت الآيات بالكلية حتى لا يعرف ما فيها كان ~~ذلك أبلغ في ترك العمل بها فكان هذا مذموما. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الذي في السنن {من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم} ولهذا ~~كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يضيف الإنسان النسيان إلى نفسه فقال في ~~الحديث المتفق عليه {بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل هو أنسى. ~~استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها} ثم منهم ~~من جعل {ما ننسخ من آية} هو ما ترك تلاوته ورسمه ونسخ حكمه وما أنسى هو ما ~~رفع فلا يتلى. ومنهم من أدخل في الأول ما نسخت تلاوته وإن كان محفوظا. ~~فالأول قول مجاهد وأصحاب عبد الله بن مسعود وروى الناس بالأسانيد الثابتة ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: {ما ننسخ من آية} قال: نثبت خطها ونبدل ~~حكمها قال: وهو قول عبد الله بن مسعود {أو ننسها} أي نمحوها فإن ما نسي لم ~~يترك. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن عكرمة {عن ابن عباس ms5336 قال: كان مما ينزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل # PageV17P185 # وينساه بالنهار فأنزل الله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} } . وكذلك روي عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن كعب وقتادة وعكرمة. وكان ~~سعد بن أبي وقاص يقرؤها أو تنسها بالخطاب أي تنسها أنت يا محمد وتلا قوله: ~~سنقرئك فلا تنسى وقوله: {واذكر ربك إذا نسيت} وقد جاءت الآثار بأن أحدهم ~~{كان يحفظ قرآنا ثم ينساه ويذكرون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: إنه ~~رفع} مثل ما صح من حديث الزهري: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس ~~سعيد بن المسيب {أن رجلا كان معه سورة فقام يقرؤها من الليل فلم يقدر عليها ~~وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها فأصبحوا ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: ذهبت البارحة لأقرأ سورة ~~كذا وكذا فلم أقدر عليها وقال الآخر: ما جئت إلا لذلك وقال الآخر: ما جئت ~~إلا لذلك وقال الآخر: وأنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنها نسخت البارحة} وقوله: أو ننسؤها النسء بمعنى التأخير وفيه قولان ~~السلف: القول الأول يروى عن طائفة قال السدي: {ما ننسخ من آية} قال: نسخها ~~قبضها أو ننسأها فنتركها لا ننسخها {نأت بخير} من # PageV17P186 # الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه. وكذلك في تفسير الوالبي عن ابن عباس: ~~{ما ننسخ من آية أو ننسها} يقول ما نبدل من آية أو نتركها فلا نرفعها من ~~عندكم {نأت بخير منها أو مثلها} روي ذلك عن الربيع بن أنس. ومن الناس من ~~فسر بهذا المعنى القراءة الأولى فقالوا: معنى ننسها نتركها عندكم فإن ~~النسيان هو الترك. وقال الأزهري ننسها نأمر بتركها. يقال أنسيت الشيء ~~وأنشد: إني على عقبة أقضيها لست بناسيها ولا منسيها أي ولا آمر بتركها. ~~والقول الثالث نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها. والصواب القول الأوسط. ~~روى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن ms5337 عباس قال: خطبنا عمر رضي الله عنه فقال: ~~يقول الله {ما ننسخ من آية أو ننسها} أي نؤخرها. وبإسناده المعروف عن أبي ~~العالية {ما ننسخ من آية} فلا يعمل بها {أو ننسها} أي نرجئها عندنا وفي لفظ ~~عن أبي العالية: نؤخرها عندنا. وعن عطاء: نؤخرها. وقد ذكر قول ثالث عن ~~السلف وهو قول رابع أن المعنى: {ما ننسخ من آية} وهو ما أنزلناه إليكم ولا ~~نرفعه {أو ننسها} أي نؤخر تنزيله فلا ننزله. ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن ~~المسيب وعطاء أما # PageV17P187 # {ما ننسخ من آية} فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة {أو ننسأها} ~~أي نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزل. وهذا فيه نظر فإن ابن أبي حاتم روى ~~بالإسناد الثابت عن عطاء {ما ننسخ من آية} أما ما نسخ فهو ما ترك من القرآن ~~(بالكاف) وكأنه تصحف على من ظنه نزل من النزول فإن لفظ ترك فيه إبهام. ~~ولذلك قال ابن أبي حاتم: يعني ترك لم ينزل على محمد وليس مراد عطاء هذا ~~وإنما مراده أنه ترك مكتوبا متلوا ونسخ حكمه كما تقدم عن غيره وما أنسأه هو ~~ما أخره لم ينزله. وسعيد وعطاء من أعلم التابعين لا يخفى عليهما هذا. وقد ~~قرأ ابن عامر {ما ننسخ من آية} وزعم أبو حاتم أنه غلط وليس كما قال بل ~~فسرها بعضهم بهذا المعنى فقال ما ننسخ نجعلكم تنسخونها كما يقال أكتبته ~~هذا. وقيل: أنسخ جعله منسوخا كما يقال: قبره إذا أراد دفنه وأقبره أي جعل ~~له قبرا. وطرده إذا نفاه وأطرده إذا جعله طريدا. وهذا أشبه بقراءة الجمهور. ~~والصواب قول من فسر أو ننسؤها أي نؤخرها عندنا فلا ننزلها. والمعنى: أن ما ~~ننسخه من الآيات التي أنزلناها أو نؤخر نزوله من الآيات التي لم ننزلها بعد ~~{نأت بخير منها أو مثلها} فكما أنه يعوضهم من المرفوع يعوضهم من المنتظر ~~الذي لم ينزله بعد إلى أن ينزله # PageV17P188 # فإن الحكمة اقتضت تأخير نزوله فيعوضهم بمثله أو خير منه ms5338 في ذلك الوقت إلى ~~أن يجيء وقت نزوله فينزله أيضا مع ما تقدم ويكون ما عوضه مثله أو خيرا منه ~~قبل نزوله. وأما ما أنزله إليهم ولم ينسخه فهذا لا يحتاج إلى بدل ولو كان ~~كل ما لم ينسخه الله يأت بخير منه أو مثله لزم إنزال ما لا نهاية له. وكذلك ~~إن قدر أن المراد يؤخر نسخه إلى وقت ثم ينسخه فإنه ما دام عندهم لم يحتج ~~إلى بدل يكون مثله أو خيرا منه وإنما البدل لما ليس عندهم مما أنسوه أو أخر ~~نزوله فلم ينزله بعد ولهذا لم يجعل البدل لكل ما لم ينزله بل لما نسأه فأخر ~~نزوله إذ لو كان كل ما لم ينزل يكون له بدل لزم إنزال ما لا نهاية له بل ما ~~كان يعلم أنه سينزله وقد أخر نزوله يكونون فاقديه إلى حين ينزل كما يفقدون ~~ما نزل ثم نسخ فيجعل سبحانه لهذا بدلا ولهذا بدلا. وأما ما أنزله وأقره ~~عندهم وأخر نسخه إلى وقت فهذا لا يحتاج إلى بدل فإنه نفسه باق. ولو كان هذا ~~مرادا لكان كل قرآن قد نسخه يجب أن ينزل قبل نسخه ما هو مثله أو خير منه ثم ~~إذا نسخه يأتي بخير منه أو مثله فيكون لكل منسوخ بدلان: بدل قبل نسخه وبدل ~~بعد نسخه. والبدل الذي قبل نسخه لا ابتداء لنزوله فيجب أن ينزل من أول ~~الأمر فيلزم نزول ذلك كله في أول الوحي وهذا باطل # PageV17P189 # قطعا. فإن قيل: فهذا يلزم فيما أخره فلم ينزله فإن له بدلا ولا وقت لنزول ~~ذلك البدل قيل: ما أخر نزوله وهو يريد إنزاله معلوم والبدل الذي هو مثله أو ~~خير منه يؤتى به في كل وقت فإن القرآن ما زال ينزل وقد تضمن هذا أن كل ما ~~أخر نزوله فلا بد أن ينزل قبله ما هو مثله أو خير منه وهذا هو الواقع فإن ~~الذي تقدم من القرآن نزوله لم ينسخ كثير منه خير مما تأخر نزوله كالآيات ~~المكية ms5339 فإن فيها من بيان التوحيد والنبوة والمعاد وأصول الشرائع ما هو أفضل ~~من تفاصيل الشرائع كمسائل الربا والنكاح والطلاق وغير ذلك. فهذا الذي أخره ~~الله مثل آية الربا فإنها من أواخر ما نزل من القرآن وقد روي أنها آخر ما ~~نزل وكذلك آية الدين والعدة والحيض ونحو ذلك قد أنزل الله قبله ما هو خير ~~منه من الآيات التي فيها من الشرائع ما هو أهم من هذا وفيها من الأصول ما ~~هو أهم من هذا. ولهذا كانت سورة " الأنعام " أفضل من غيرها وكذلك سورة " يس ~~" ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم صلوات ~~الله عليهم. ولهذا كانت {قل هو الله أحد} مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن؛ ~~لأن فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها وفاتحة الكتاب نزلت ~~بمكة بلا ريب كما دل عليه قوله # PageV17P190 # تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {هي السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته} وسورة الحجر مكية بلا ريب وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم ~~فدل ذلك على أن ما كان الله ينسؤه فيؤخر نزوله من القرآن كان ينزل قبله ما ~~هو أفضل منه و {قل يا أيها الكافرون} مكية بلا ريب وهو قول الجمهور. وقد ~~قيل إنها مدنية وهو غلط ظاهر. وكذلك قول من قال: الفاتحة لم تنزل إلا ~~بالمدينة غلط بلا ريب. ولو لم تكن معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من ~~قال إنها مكية معه زيادة علم. # وسورة {قل هو الله أحد} أكثرهم على أنها مكية. وقد ذكر في أسباب نزولها ~~سؤال المشركين بمكة وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة ولا منافاة ~~فإن الله أنزلها بمكة أولا ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى. وهذا مما ~~ذكره طائفة من العلماء وقالوا: إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ~~ذلك. فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون ms5340 جميعه حقا. والمراد بذلك ~~أنه إذا حدث سبب يناسبها نزل جبريل فقرأها عليه ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك ~~السبب وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. # PageV17P191 # والواحد منا قد يسأل عن مسألة فيذكر له الآية أو الحديث ليبين له دلالة ~~النص على تلك المسألة وهو حافظ لذلك لكن يتلى عليه ذلك النص ليتبين وجه ~~دلالته على المطلوب. فقد تبين أن البدل لما أخر نزوله بخلاف ما كان عندهم ~~لم ينسخ فإن هذا لا بدل له ولو قدر أنه سينسخ فإنه ما دام محكما لم يكن ~~بدله خيرا منه. وكذلك البدل عن المنسوخ يكون خيرا منه. وأكثر السلف أطلقوا ~~لفظ " خير منها " كما في القرآن ولم يستشكل ذلك أحد منهم. وفي تفسير ~~الوالبي: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وعن قتادة {نأت بخير منها أو ~~مثلها} آية فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي. وهذان لم يستشكلا ~~كونها خيرا من الأولى بل بينا وجه الفضيلة كما تقدم من أن الكلام الأمري ~~يتفاضل بحسب المطلوب فإذا كان المطلوب أنفع للمأمور كان طلبه أفضل كما أن ~~رحمة الله التي سبقت غضبه هي أفضل من غضبه. فما قالاه تقرير للخيرية لا نفي ~~لها. فإن قيل: فآية الكرسي قد ثبت أنها أعظم آية في كتاب الله وإنما نزلت ~~في سورة البقرة - وهي مدنية بالاتفاق - فقد أخر نزولها ولم ينزل قبلها ما ~~هو خير منها ولا مثلها. قيل: عن هذا أجوبة: # PageV17P192 # أحدها: أن الله قال: {نأت بخير منها أو مثلها} ولم يقل بآية خير منها بل ~~يأتي بقرآن خير منها أو مثلها. وآية الكرسي وإن كانت أفضل الآيات فقد يكون ~~مجموع آيات أفضل منها. والبقرة وإن كانت مدنية بالاتفاق وقد قيل إنها أول ~~ما نزل بالمدينة فلا ريب أن هذا في بعض ما نزل وإلا فتحريم الربا إنما نزل ~~متأخرا. وقوله: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} من آخر ما نزل. وقوله: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق العلماء وقد ~~كانت سورة ms5341 الحشر قبل ذلك فإنها نزلت في بني النضير باتفاق الناس وقصة بني ~~النضير كانت متقدمة على الحديبية بل على الخندق باتفاق الناس وإنما تأخر عن ~~الخندق أمر بني قريظة فهم الذين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم عقب ~~الخندق وأما بنو النضير فكان أجلاهم قبل ذلك باتفاق العلماء. وكذلك سورة ~~الحديد مدنية عند الجمهور وقد قيل إنها مكية وهو ضعيف لأن فيها ذكر ~~المنافقين وذكر أهل الكتاب وهذا إنما نزل بالمدينة لكن يمكن أنها نزلت قبل ~~كثير من البقرة. ففي الجملة نزول أول الحديد وآخر الحشر قبل آية الكرسي ~~ممكن والأنعام ويس وغيرها نزل قبل آية الكرسي بالاتفاق. # PageV17P193 # الجواب الثاني: أنه تعالى إنما وعد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أتى بخير ~~منها أو مثلها لما أنزل هذه الآية قوله {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} فإن هذه الآية جملة شرطية تضمنت وعده أنه لا بد أن يأتي ~~بذلك وهو الصادق الميعاد. فما نسخه بعد هذه الآية أو أنسأ نزوله مما يريد ~~إنزاله يأت بخير منه أو مثله. وأما ما نسخه قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد ~~وعد حينئذ أنه يأتي بخير منه أو مثله. وبهذا أيضا يندفع الجواب عن الفاتحة ~~فإنه لا ريب أنه تأخر نزولها عن سورة {اقرأ باسم ربك} وهي أفضل منها. فعلم ~~أنه قد يتأخر إنزال الفاضل وأنه ليس كل ما تأخر نزوله نزل قبله مثله أو خير ~~منه. لكن إذا كان الموعود به بعد الوعد لم يرد هذا السؤال. يدل على ذلك ~~قوله {ما ننسخ} فإن هذا الفعل المضارع المجزوم إنما يتناول المستقبل وجوازم ~~الفعل " إن " وأخواتها ونواصبه تخلصه للاستقبال. وقد يجاب بجواب ثالث وهو ~~أن يقال: ما نزل في وقته كان خيرا لهم وإن كان غيره خيرا لهم في وقت آخر ~~وحينئذ فيكون فضل بعضه على بعض على وجهين: لازم كفضل آية الكرسي وفاتحة ~~الكتاب و {قل هو الله أحد} وفضل عارض بحيث تكون هذه أفضل في وقت ms5342 وهذه أفضل ~~في وقت آخر كما قد يقال في آية التخيير للمقيم بين الصوم والفطر مع الفدية ~~ومع آية إيجاب الصوم عزما. وهذا كما أن # PageV17P194 # الأفعال المأمور بها كل منها في وقته أفضل فالصلاة إلى القدس قبل النسخ ~~كانت أفضل وبعد النسخ الصلاة إلى الكعبة أفضل. وعلى ما ذكر فيتوجه الاحتجاج ~~بهذه الآية على أنه لا ينسخ القرآن إلا قرآن كما هو مذهب الشافعي وهو أشهر ~~الروايتين عن الإمام أحمد بل هي المنصوصة عنه صريحا أن لا ينسخ القرآن إلا ~~قرآن يجيء بعده وعليها عامة أصحابه وذلك لأن الله قد وعد أنه لا بد للمنسوخ ~~من بدل مماثل أو خير ووعد بأن ما أنساه المؤمنين فهو كذلك وأن ما أخره فلم ~~يأت وقت نزوله فهو كذلك وهذا كله يدل على أنه لا يزال عند المؤمن القرآن ~~الذي رفع أو آخر مثله أو خير منه ولو نسخ بالسنة فإن لم يأت قرآن مثله أو ~~خير منه فهو خلاف ما وعد الله. وإن قيل بل يأتي بعد نسخه بالسنة كان بين ~~نسخه وبين الإتيان بالبدل مدة خالية عن ذلك وهو خلاف مقصود الآية فإن ~~مقصودها أنه لا بد من المرفوع أو مثله أو خير منه. وأيضا فقوله {نأت} لم ~~يرد به بعد مدة فإن الذي نسأه وهو يريد إنزاله قد علم أنه ينزله بعد مدة ~~فلما أخبر أن ما أخره يأتي بمثله أو خير منه قبل نزوله علم أنه لا يؤخر ~~الأمر بلا بدل فلو جاز أن يبقى مدة بلا بدل لكان ما لم ينزل أحق بأن لا ~~يكون له بدل من المنسوخ فلما كان ذاك قد حصل له بدل قبل وقت نزوله لتكميل ~~الإنعام فلأن يكون البدل لما نسخ من # PageV17P195 # حين نسخ بعد أولى وأحرى ولأنه قد علم أن القرآن نزل شيئا بعد شيء فلو كان ~~ما ينزله بدلا عن المنسوخ يؤخره لم يعرف أنه بدل ولم يتميز البدل من غيره ~~ولم يكن لقوله {نأت بخير منها أو مثلها} فائدة إلا ms5343 كالفائدة المعلومة لو لم ~~ينسخ شيء. غاية ما يقال: أنه لو لم ينسخ شيء لجاز أن لا ينزل بعد ذلك شيء ~~وإذا نسخ شيء فلا بد من بدله ولو بعد حين. وهذا مما يعتقدونه فإنهم قد ~~اعتادوا نزول القرآن عند الحوادث والمسائل والحاجة فما كانوا يظنونه - إذا ~~نسخت آية - أن لا ينزل بعدها شيء فإنها لو لم تنسخ لم يظنوا ذلك فكيف يظنون ~~إذا نسخت؟ الثاني: أنه إذا كان قد ضمن لهم الإتيان بالبدل عن المنسوخ علم ~~أن مقصوده أنه لا ينقصهم شيء مما أنزله بل لا بد من مثل المرفوع أو خير منه ~~ولو بقوا مدة بلا بدل لنقصوا. وأيضا فإن هذا وعد معلق بشرط والوعد المعلق ~~بشرط يلزم عقبه فإنه من جنس المعاوضة وذلك مما يلزم فيه أداء العوض على ~~الفور إذا قبض المعوض كما إذا قال: ما ألقيت من متاعك في البحر فعلي بدله ~~وليس هذا وعدا مطلقا كقوله {لتدخلن المسجد الحرام} . ولهذا يفرق بين قوله: ~~والله لأعطينك مائة وبين قوله: والله لا آخذ منك شيئا إلا أعطيتك بدله فإن ~~هذا واجب على الفور. # PageV17P196 # ومما يدل على المسألة أن الصحابة والتابعين الذين أخذ عنهم علم الناسخ ~~والمنسوخ إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن لا يذكرون نسخه بلا قرآن بل بسنة ~~وهذه كتب الناسخ والمنسوخ المأخوذة عنهم إنما تتضمن هذا. وكذلك قول علي رضي ~~الله عنه للقاص: هل تعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن؟ فلو كان ناسخ القرآن ~~غير القرآن لوجب أن يذكر ذلك أيضا. وأيضا الذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن ~~من أهل الكلام والرأي إنما عمدتهم أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك وعدم ~~المانع الذي يعلم بالعقل لا يقتضي الجواز الشرعي فإن الشرع قد يعلم بخبره ~~ما لا علم للعقل به وقد يعلم من حكمة الشارع التي علمت بالشرع ما لا يعلم ~~بمجرد العقل. ولهذا كان الذين جوزوا ذلك عقلا مختلفين في وقوعه شرعا وإذا ~~كان كذلك فهذا الخبر الذي في الآية دليل على امتناعها شرعا. ms5344 وأيضا فإن ~~الناسخ مهيمن على المنسوخ قاض عليه مقدم عليه فينبغي أن يكون مثله أو خيرا ~~منه كما أخبر بذلك القرآن ولهذا لما كان القرآن مهيمنا على ما بين يديه من ~~الكتاب بتصديق ما فيه من حق وإقرار ما أقره ونسخ ما نسخه كان أفضل منه. فلو ~~كانت السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه. # PageV17P197 # وأيضا فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن. والوصية ~~للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث كما اتفق على ذلك السلف قال ~~تعالى: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} . والفرائض المقدرة من حدوده ولهذا ~~ذكر ذلك عقب ذكر الفرائض فمن أعطى صاحب الفرائض أكثر من فرضه فقد تعدى حدود ~~الله بأن نقص هذا حقه وزاد هذا على حقه فدل القرآن على تحريم ذلك وهو ~~الناسخ. # فصل: # والناس في هذا المقام - وهو مقام حكمة الأمر والنهي - على ثلاثة أصناف: ~~فالمعتزلة القدرية يقولون: إن ما أمر به ونهى عنه كان حسنا وقبيحا قبل ~~الأمر والنهي والأمر والنهي كاشف عن صفته التي كان عليها لا يكسبه حسنا ولا ~~قبحا ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه. ولهذا أنكروا ~~جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة كما في قصة الذبيح ونسخ الخمسين صلاة ~~التي أمر بها ليلة المعراج إلى خمس ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة # PageV17P198 # طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر لظنهم أنه لا بد من حكمة تكون في ~~المأمور به والمنهي عنه: فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به. وهذا قياس من ~~يقول إن النسخ تخصيص في الأزمان فإن التخصيص لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ ~~لكنهم تناقضوا والجهمية الجبرية يقولون: ليس للأمر حكمة تنشأ لا من نفس ~~الأمر ولا من نفس المأمور به ولا يخلق الله شيئا لحكمة ولكن ms5345 نفس المشيئة ~~أوجبت وقوع ما وقع وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص وليست الحسنات سببا ~~للثواب ولا السيئات سببا للعقاب ولا لواحد منهما صفة صار بها حسنة وسيئة بل ~~لا معنى للحسنة إلا مجرد تعلق الأمر بها ولا معنى للسيئة إلا مجرد تعلق ~~النهي بها فيجوز أن يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان ويجوز أن ينهي ~~عن كل أمر حتى عن التوحيد والصدق والعدل وهو لو فعل لكان كما لو أمر ~~بالتوحيد والصدق والعدل ونهى عن الشرك والكذب والظلم. هكذا يقول بعضهم ~~وبعضهم يقول: يجوز الأمر بكل ما لا ينافي معرفة الأمر. بخلاف ما ينافي ~~معرفته. وليس في الوجود عندهم سبب ولكن إذا اقترن أحد الشيئين بالآخر خلقا ~~أو شرعا صار علامة عليه فالأعمال مجرد علامات محضة لا أسباب مقتضية. ~~وقالوا: أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه إني أريد أن أعذبكم # PageV17P199 # وعدم إيمانكم علامة على العذاب. وكذلك أمره بالإيمان من علم أنه يؤمن ~~معناه إني أريد أن أثيبك والإيمان علامة. وهؤلاء منهم من ينفي القياس في ~~الشرع والتعليل للأحكام ومن أثبت القياس منهم لم يجعل العلل إلا مجرد ~~علامات. ثم إنه مع هذا قد علم أن الحكم في الأصل ثابت بالنص والإجماع وذلك ~~دليل عليه فأي حاجة إلى العلة؟ وكيف يتصور أن تكون العلة علامة على الحكم ~~في الأصل وإنما تطلب علته بعد أن يعلم ثبوت الجحيم وحينئذ فلا فائدة في ~~العلامة. وأما الفرع فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل وهؤلاء منهم من ~~ينكر العلل المناسبة ويقول: المناسبة ليست طريقا لمعرفة العلل وهم أكثر ~~أصحاب هذا القول. ومن قال بالمناسبة من متأخريهم يقول إنه قد اعتبر في ~~الشرع اعتبار المناسب فيستدل بمجرد الاقتران لا لأن الشارع حكم بما حكم به ~~لتحصيل المصلحة المطلوبة بالحكم ولا لدفع مفسدة أصلا فإن عندهم أنه ليس في ~~خلقه ولا أمره لام كي. فجهم - رأس الجبرية - وأتباعه في طرف والقدرية في ~~الطرف الآخر. وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام كالفقهاء ~~المشهورين وغيرهم ms5346 ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين في أصول ~~الدين وأصول الفقه فيقرون بالقدر ويقرون بالشرع ويقرون بالحكمة لله في خلقه ~~وأمره - لكن قد يعرف أحدهم الحكمة وقد لا يعرفها - # PageV17P200 # ويقرون بما جعله من الأسباب وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها ~~رحمة بعباده مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه: أفعال العباد وغير أفعال ~~العباد. وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأن كل ما وقع من خلقه وأمره ~~فعدل وحكمة سواء عرف العبد وجه ذلك أو لم يعرفه. والحكمة الناشئة من الأمر ~~ثلاثة أنواع: أحدها: أن تكون في نفس الفعل - وإن لم يؤمر به - كما في الصدق ~~والعدل ونحوهما من المصالح الحاصلة لمن فعل ذلك وإن لم يؤمر به والله يأمر ~~بالصلاح وينهى عن الفساد. والنوع الثاني: أن ما أمر به ونهى عنه صار متصفا ~~بحسن اكتسبه من الأمر وقبح اكتسبه من النهي كالخمر التي كانت لم تحرم ثم ~~حرمت فصارت خبيثة والصلاة إلى الصخرة التي كانت حسنة فلما نهى عنها صارت ~~قبيحة. فإن ما أمر به يحبه ويرضاه وما نهى عنه يبغضه ويسخطه. وهو إذا أحب ~~عبدا ووالاه أعطاه من الصفات الحسنة ما يمتاز بها على من أبغضه وعاداه. ~~وكذلك المكان والزمان الذي يحبه ويعظمه - كالكعبة وشهر رمضان - يخصه بصفات ~~يميزه بها على ما سواه بحيث يحصل في ذلك الزمان والمكان من رحمته # PageV17P201 # وإحسانه ونعمته ما لا يحصل في غيره. فإن قيل: الخمر قبل التحريم وبعده ~~سواء فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح بلا مرجح؟ . قيل: ليس كذلك بل إنما ~~حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي تحريمها. وليس معنى كون الشيء حسنا ~~وسيئا مثل كونه أسود وأبيض بل هو من جنس كونه نافعا وضارا وملائما ومنافرا ~~وصديقا وعدوا ونحو هذا من الصفات القائمة بالموصوف التي تتغير بتغير ~~الأحوال: فقد يكون الشيء نافعا في وقت ضارا في وقت والشيء الضار قد يترك ~~تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح كما لو حرمت الخمر في أول ms5347 الإسلام؛ فإن ~~النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة ولم يكن حصل عندهم من قوة الإيمان ما ~~يقبلون ذلك التحريم ولا كان إيمانهم ودينهم تاما حتى لم يبق فيه نقص إلا ما ~~يحصل بشرب الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة فلهذا وقع التدريج في ~~تحريمها. فأنزل الله أولا فيها: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ثم أنزل فيها - لما شربها طائفة ~~وصلوا فغلط الإمام في القراءة - آية النهي عن الصلاة سكارى: ثم أنزل الله ~~آية التحريم: # PageV17P202 # والنوع الثالث: أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر وليس في الفعل ألبتة ~~مصلحة لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي فإذا اعتقد الوجوب وعزم ~~على الفعل حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ كما جرى للخليل في قصة الذبح: ~~فإنه لم يكن الذبح مصلحة ولا كان هو مطلوب الرب في نفس الأمر بل كان مراد ~~الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد ولا يبقى في ~~قلبه التفات إلى غير الله فإنه كان يحب الولد محبة شديدة وكان قد سأل الله ~~أن يهبه إياه - وهو خليل الله - فأراد تعالى تكميل خلته لله بأن لا يبقى في ~~قلبه ما يزاحم به محبة ربه: {فلما أسلما وتله للجبين} {وناديناه أن يا ~~إبراهيم} {قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} {إن هذا لهو البلاء ~~المبين} ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري: حديث أبرص وأقرع وأعمى كان ~~المقصود ابتلاءهم لا نفس الفعل. وهذا الوجه والذي قبله مما خفي على ~~المعتزلة فلم يعرفوا وجه الحكمة الناشئة من الأمر ولا من المأمور لتعلق ~~الأمر به بل لم يعرفوا إلا الأول. والذين أنكروا الحكمة عندهم الجميع سواء ~~لا يعتبرون حكمة ولا تخصيص فعل بأمر ولا غير ذلك كما قد عرف من أصلهم. ثم ~~إن كثيرا من هؤلاء وهؤلاء يتكلمون في تفسير القرآن والحديث والفقه فيبنون ~~على تلك الأصول التي لهم ولا يعرف حقائق أقوالهم إلا # PageV17P203 # من عرف مأخذهم فقول ms5348 القائل: إن {قل هو الله أحد} وفاتحة الكتاب قد تكون ~~كل واحدة منهما في نفسها مماثلة لسائر السور وآية الكرسي مماثلة لسائر ~~الآيات وإنما خصت بكثرة ثواب قارئها أو لم تتعين الفاتحة في الصلاة ونحو ~~ذلك إلا لمحض المشيئة من غير أن يكون فيها صفة تقتضي التخصيص هو مبني على ~~أصول جهم في الخلق والأمر وإن كان وافقه عليه أبو الحسن وغيره. وكتب السنة ~~المعروفة التي فيها آثار السلف يذكر فيها هذا وهذا ويجعل هذا القول قول ~~الجبرية المتبعين لجهم في أقوال القدرية الجبرية المبتدعة والسلف كانوا ~~ينكرون قول الجبرية الجهمية كما ينكرون قول المعتزلة القدرية وهذا معروف عن ~~سفيان الثوري والأوزاعي والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~وقد ذكر ذلك غير واحد من أتباع الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية وسائر أهل السنة في كتبهم كما قد بسط في مواضعه وذكرت أقوال ~~السلف والأئمة في ذلك. وإنما نبهنا هنا على الأصل لأن كثيرا من الناس لا ~~يعرف ذلك ولا يظن قول أهل السنة في القدر إلا القول الذي هو عند أهل السنة ~~قول جهم وأتباعه المجبرة أو ما يشبه ذلك. كما أن منهم من يظن أن قول أهل ~~السنة في مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد هو أيضا القول المعروف عند ~~أهل السنة بقول جهم. وهذا يعرفه من يعرف # PageV17P204 # أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام المشهورين في هذه الأصول. وذلك ~~موجود في الكتب المصنفة التي فيها أقوال جمهور الأئمة التي يذكر فيها ~~أقوالهم في الفقه كثيرا والعلماء الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة على مذهب ~~السلف في ذلك وكثير من الكتب المصنفة التي يذكر فيها أقوال السلف على وجه ~~الاتباع من تصنيف أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~يذكرون ذلك فيها. وينبغي للعاقل أن يعرف أن مثل هذه المسائل العظيمة التي ~~هي من أعظم مسائل الدين لم يكن السلف جاهلين بها ولا معرضين عنها. بل من لم ~~يعرف ما قالوه فهو الجاهل بالحق فيها وبأقوال السلف ms5349 وبما دل عليه الكتاب ~~والسنة والصواب في جميع مسائل النزاع ما كان عليه السلف من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان وقولهم هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والعقل ~~الصريح. وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. والله سبحانه أعلم. # PageV17P205 # وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام ابن تيمية - رضي الله عنه - عن فتيا صورتها: # ما تقول السادة العلماء في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم في سورة ~~الإخلاص: " إنها تعدل ثلث القرآن " فكيف ذلك مع قلة حروفها وكثرة حروف ~~القرآن؟ بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطا شافيا وأفتونا مأجورين - إن شاء الله ~~تعالى - # فأجاب - رضي الله عنه - بما صورته: # الحمد لله؛ الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل {قل هو ~~الله أحد} وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها حتى قال طائفة من ~~الحفاظ كالدارقطني: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سورة من ~~القرآن أكثر مما صح عنه في فضل {قل هو الله أحد} وجاءت الأحاديث بالألفاظ ~~كقوله: { {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن} وقوله: {من قرأ {قل هو الله ~~أحد} # PageV17P206 # مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ومن ~~قرأها ثلاثا فكأنما قرأ القرآن كله} وقوله للناس: {احتشدوا حتى أقرأ عليكم ~~ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ عليهم: {قل هو الله أحد} قال: والذي نفسي بيده ~~إنها تعدل ثلث القرآن} . وأما توجيه ذلك: فقد قالت طائفة من أهل العلم: إن ~~القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي. و ~~{قل هو الله أحد} هي صفة الرحمن ونسبه وهي متضمنة ثلث القرآن؛ وذلك لأن ~~القرآن كلام الله تعالى والكلام إما إنشاء وإما إخبار فالإنشاء هو الأمر ~~والنهي وما يتبع ذلك كالإباحة ونحوها وهو الإحكام. والإخبار: إما إخبار عن ~~الخالق وإما إخبار عن المخلوق فالإخبار عن الخالق هو التوحيد وما يتضمنه من ~~أسماء الله وصفاته والإخبار عن المخلوق ms5350 هو القصص وهو الخبر عما كان وعما ~~يكون ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم ومن كذبهم والإخبار عن الجنة ~~والنار والثواب والعقاب. قالوا: فبهذا الاعتبار تكون {قل هو الله أحد} تعدل ~~ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن. بقي أن يقال: ~~فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها كان # PageV17P207 # للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن. فيقال في جواب ذلك: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {إنها تعدل ثلث القرآن} وعدل الشيء - بالفتح - يقال ~~على ما ليس من جنسه كما قال تعالى: {أو عدل ذلك صياما} فجعل الصيام عدل ~~كفارة وهما جنسان. ولا ريب أن الثواب أنواع مختلفة في الجنة فإن كل ما ~~ينتفع به العبد ويلتذ به من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم هو من الثواب ~~وأعلاه النظر إلى وجه الله تعالى وإذا كانت أحوال الدنيا لاختلاف منافعها ~~يحتاج إليها كلها وإن كان بعضها يعدل ما هو أكبر منه في الصورة كما أن ألف ~~دينار تعدل من الفضة والطعام والثياب وغير ذلك ما هو أكبر منها ثم من ملك ~~الذهب فقد ملك ما يعدل مقدار ألف دينار من ذلك وإن كان لا يستغني بذلك عن ~~سائر أنواع المال التي ينتفع بها؛ لأن المساواة وقعت في القدر لا في النوع ~~والصفة فكذلك ثواب: ( {قل هو الله أحد} وإن كان يعدل ثواب ثلث القرآن في ~~القدر فلا يجب أن يكون مثله في النوع والصفة وأما سائر القرآن ففيه من ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد ما يحتاج إليه العباد فلهذا كان الناس محتاجين ~~لسائر القرآن ومنتفعين به منفعة لا تغني عنها هذه السورة وإن كانت تعدل ثلث ~~القرآن. فهذه المسألة مبنية على أصل: وهو أن القرآن هل يتفاضل في # PageV17P208 # نفسه فيكون بعضه أفضل من بعض؟ وهذا فيه للمتأخرين قولان مشهوران منهم من ~~قال: لا يتفاضل في نفسه؛ لأنه كله كلام الله وكلام الله صفة له قالوا: وصفة ~~الله لا تتفاضل. لا سيما مع القول بأنه قديم فإن القديم ms5351 لا يتفاضل كذلك قال ~~هؤلاء في قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~قالوا فخير إنما يعود إلى غير الآية مثل نفع العباد وثوابهم. والقول ~~الثاني: أن بعض القرآن أفضل من بعض وهذا قول الأكثرين من الخلف والسلف؛ فإن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح في الفاتحة: أنه لم ينزل ~~في التوراة ولا في الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن مثلها} فنفى أن يكون لها ~~مثل فكيف يجوز أن يقال: إنه متماثل؟ وقد ثبت عنه في الصحيح {أنه قال لأبي ~~بن كعب: يا أبا المنذر؛ أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: {الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم} فضرب بيده في صدره وقال له ليهنك العلم أبا المنذر} ~~فقد بين أن هذه الآية أعظم آية في القرآن وهذا بين أن بعض الآيات أعظم من ~~بعض. وأيضا فإن القرآن كلام الله والكلام يشرف بالمتكلم به سواء كان خبرا ~~أو أمرا فالخبر يشرف بشرف المخبر وبشرف المخبر عنه والأمر يشرف بشرف الآمر ~~وبشرف المأمور به فالقرآن وإن كان # PageV17P209 # كله مشتركا فإن الله تكلم به لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه ومنه ما ~~أخبر به عن خلقه ومنه ما أمرهم به فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان ونهاهم فيه ~~عن الشرك ومنه ما أمرهم به بكتابة الدين ونهاهم فيه عن الربا. ومعلوم أن ما ~~أخبر به عن نفسه: ك {قل هو الله أحد} أعظم مما أخبر به عن خلقه: ك {تبت يدا ~~أبي لهب} وما أمر فيه بالإيمان. وما نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه ~~بكتابة الدين ونهى فيه عن الربا ولهذا كان كلام العبد مشتركا بالنسبة إلى ~~العبد وهو كلام لمتكلم واحد ثم إنه يتفاضل بحسب المتكلم فيه فكلام العبد ~~الذي يذكر به ربه ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر أفضل من كلامه ~~الذي يذكر فيه خلقه ويأمر فيه بمباح أو محظور وإنما غلط من قال بالأول؛ ~~لأنه ms5352 نظر إلى إحدى جهتي الكلام وهي جهة المتكلم به وأعرض عن الجهة الأخرى ~~وهي جهة المتكلم فيه وكلاهما للكلام به تعلق يحصل به التفاضل والتماثل. ~~قالوا: ومن أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلته من غير أن يكون ~~الكلام في نفسه أفضل كان بمنزلة من جعل عملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ~~ثواب الآخر مع أن العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية بل كدرهم ودرهم ~~تصدق بهما رجل واحد في وقت واحد ومكان # PageV17P210 # واحد على اثنين متساويين في الاستحقاق ونيته بهما واحدة ولم يتميز أحدهما ~~على الآخر بفضيلة فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر بل تفاضل الثواب ~~والعقاب دليل على تفاضل الأعمال في الخير والشر. وهذا الكلام متصل بالكلام ~~في اشتمال الأعمال على صفات بها كانت صالحة حسنة وبها كانت فاسدة قبيحة. ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ~~ذلك؛ قول لا دليل عليه بل هو مورد النزاع ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة ~~لا تفضل على صفته التي هي الغضب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي - وفي رواية - ~~تسبق غضبي} وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب ~~وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين: أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض ~~وأدخل في كل الموصوف بها فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة ~~أفضل من اتصافه بضد ذلك؛ لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك ولا يوصف إلا ~~بصفات الكمال وله الأسماء الحسنى يدعى بها فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى ~~وأسماؤه متضمنة لصفاته وبعض أسمائه أفضل من بعض # PageV17P211 # وأدخل في كمال الموصوف بها؛ ولهذا في الدعاء المأثور: {أسألك باسمك ~~العظيم الأعظم الكبير الأكبر} و {لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي ~~به أجاب وإذا سئل به أعطى} وأمثال ذلك فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور ~~البينات. والثاني: أن الصفة الواحدة ms5353 قد تتفاضل فالأمر بمأمور يكون أكمل من ~~الأمر بمأمور آخر والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم والرحمة لهم ~~أكمل من الرحمة لغيرهم وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض وكذلك ~~سائر هذا الباب وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس ~~شبهة من منع تعددها وذلك يرجع إلى نفي الصفات. كما يقوله الجهمية لما ادعوه ~~من التركيب وقد بينا فساد هذا مبسوطا في موضعه. # PageV17P212 # وسئل: # عمن يقرأ القرآن. هل يقرأ (سورة الإخلاص) مرة أو ثلاثا؟ وما السنة في ~~ذلك؟ . # فأجاب: # إذا قرأ القرآن كله ينبغي أن يقرأها كما في المصحف مرة واحدة هكذا قال ~~العلماء؛ لئلا يزاد على ما في المصحف. وأما إذا قرأها وحدها أو مع بعض ~~القرآن فإنه إذا قرأها ثلاث مرات عدلت القرآن. والله أعلم. # PageV17P213 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم تسليما. # فصل: # في تفسير {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له ~~كفوا أحد} # والاسم " الصمد " فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة؛ وليس كذلك؛ ~~بل كلها صواب. والمشهور منها قولان: أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له. ~~والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والأول هو قول # PageV17P214 # أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول طائفة ~~من السلف والخلف وجمهور اللغويين والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في ~~كتب التفسير المسندة وفي كتب السنة وغير ذلك وقد كتبنا من الآثار في ذلك ~~شيئا كثيرا بإسناده فيما تقدم. وتفسير " الصمد " بأنه الذي لا جوف له معروف ~~عن ابن مسعود ms5354 موقوفا ومرفوعا وعن ابن عباس والحسن البصري ومجاهد. وسعيد بن ~~جبير وعكرمة والضحاك والسدي وقتادة وبمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب قال: هو ~~الذي لا حشو له. وكذلك قال ابن مسعود: هو الذي ليست له أحشاء وكذلك قال ~~الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب. وعن محمد بن كعب القرظي وعكرمة: هو الذي ~~لا يخرج منه شيء. وعن ميسرة قال: هو المصمت. قال ابن قتيبة: كأن الدال في ~~هذا التفسير مبدلة من تاء والصمت من هذا. قلت: لا إبدال في هذا ولكن هذا من ~~جهة الاشتقاق الأكبر وسنبين إن شاء الله وجه القول من جهة الاشتقاق واللغة. ~~وفي الحديث المأثور في سبب نزول هذه الآية رواه الإمام أحمد في المسند ~~وغيره من حديث أبي سعد الصغاني: حدثنا أبو جعفر الرازي # PageV17P215 # عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: {أن المشركين قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله: {قل هو الله أحد} ~~{الله الصمد} إلى آخر السورة. قال: الصمد الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس ~~شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث} . ~~وأما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج فهو أيضا مروي عن ابن ~~عباس موقوفا ومرفوعا فهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس. قال: (الصمد) السيد ~~الذي كمل في سؤدده وهذا مشهور عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: هو السيد الذي ~~انتهى سؤدده. وعن أبي إسحاق الكوفي عن عكرمة الصمد الذي ليس فوقه أحد. ~~ويروى هذا عن علي وعن كعب الأحبار: الذي لا يكافئه من خلقه أحد وعن السدي ~~أيضا: هو المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب. وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه هو المستغني عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد وعن سعيد بن جبير ~~أيضا: الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وعن الربيع الذي لا تعتريه الآفات. ~~وعن مقاتل بن حيان الذي لا عيب فيه. وعن ابن ms5355 كيسان هو الذي لا يوصف بصفته ~~أحد. قال أبو بكر الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس ~~فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. # PageV17P216 # وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء أي قصد قصده ~~وقد أنشدوا في هذا بيتين مشهورين أحدهما: # ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقال الآخر: # علوته بحسامي ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقال بعض أهل اللغة: الصمد هو السيد المقصود في الحوائج تقول العرب صمدت ~~فلانا أصمده - بكسر الميم - وأصمده - بضم الميم - صمدا - بسكون الميم - إذا ~~قصدته والمصمود صمد كالقبض بمعنى المقبوض والنقض بمعنى المنقوض ويقال بيت ~~مصمود ومصمد إذا قصده الناس في حوائجهم قال طرفة: # وأن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد # وقال الجوهري: صمده يصمده صمدا إذا قصده والصمد بالتحريك السيد لأنه يصمد ~~إليه في الحوائج ويقال بيت مصمد بالتشديد أي مقصود. # PageV17P217 # وقال الخطابي: أصح الوجوه أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج لأن ~~الاشتقاق يشهد له فإن أصل الصمد القصد يقال: اصمد صمد فلان أي اقصد قصده ~~فالصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج وقال قتادة: الصمد ~~الباقي بعد خلقه وقال مجاهد ومعمر: هو الدائم وقد جعل الخطابي وأبو الفرج ~~ابن الجوزي: الأقوال فيه أربعة هذين واللذين تقدما. وسنبين إن شاء الله أن ~~بقاءه ودوامه من تمام الصمدية. وعن مرة الهمداني هو الذي لا يبلى ولا يفنى. ~~وعنه أيضا قال: هو الذي يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد ~~لقضائه. وقال ابن عطاء: هو المتعالي عن الكون والفساد. وعنه أيضا قال: ~~الصمد الذي لم يتبين عليه أثر فيما أظهر يريد قوله: {وما مسنا من لغوب} ~~وقال الحسين بن الفضل: هو الأزلي بلا ابتداء وقال محمد ابن علي الحكيم ~~الترمذي: هو الأول بلا عدد والباقي بلا أمد والقائم بلا عمد. وقال أيضا ~~الصمد الذي لا ms5356 تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تبلغه الأقطار وكل شيء ~~عنده بمقدار. وقيل: هو الذي جل عن شبه المصورين. وقيل هو بمعنى نفي التجزي ~~والتأليف عن ذاته وهذا قول كثير من أهل الكلام وقيل هو الذي أيست العقول من ~~الاطلاع على كيفيته. وكذلك قيل هو الذي لا تدرك حقيقة نعوته # PageV17P218 # وصفاته فلا يتسع له اللسان ولا يشير إليه البنان. وقيل هو الذي لم يعط ~~خلقه من معرفته إلا الاسم والصفة. وعن الجنيد قال: الذي لم يجعل لأعدائه ~~سبيلا إلى معرفته. ونحن نذكر ما حضرنا من ألفاظ السلف بأسانيدها. فروى ابن ~~أبي حاتم في تفسيره قال: " ثنا أبي ثنا محمد بن موسى بن نفيع الجرشي ثنا ~~عبد الله بن عيسى يعني أبا خلف الخزاز ثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن ~~عباس في قوله: (الصمد قال: الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة ~~أو بلاء. حدثنا أبو زرعة ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء السدوسي ثنا محمد بن ~~سواء ثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: الصمد الذي يصمد ~~العباد إليه في حوائجهم حدثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن الضحاك ثنا سويد بن ~~عبد العزيز ثنا سفيان بن حسين عن الحسن قال: الصمد الحي القيوم الذي لا ~~زوال له. حدثنا أبي ثنا نصر بن علي ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن ~~الحسن قال: الصمد الباقي بعد خلقه وهو قول قتادة حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا ~~ابن نمير عن الأعمش عن شقيق في قوله: (الصمد) قال السيد الذي قد انتهى ~~سؤدده. # PageV17P219 # حدثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس في قوله: (الصمد) قال: السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد ~~كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه ~~والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد ms5357 كمل ~~في أنواع الشرف والسؤدد هو الله سبحانه وتعالى هذه صفته لا تنبغي لأحد إلا ~~له ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار. حدثنا كثير بن ~~شهاب المذحجي القزويني ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا أبو جعفر الرازي عن ~~الربيع بن أنس في قوله: (الصمد) قال: الذي لم يلد ولم يولد. حدثنا أبو سعيد ~~الأشج ثنا ابن علية عن أبي رجاء عن عكرمة في قوله (الصمد) قال: الذي لم ~~يخرج منه شيء. حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو أحمد ثنا مندل بن علي عن أبي ~~روق عطية بن الحارث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن مسعود قال: ~~(الصمد) الذي ليس له أحشاء وروي عن سعيد بن المسيب مثله. حدثنا أبي ثنا ~~محمد بن عمر بن عبد الله الرومي ثنا عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش عن صالح ~~بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال لا أعلمه إلا قد رفعه قال: ~~(الصمد) الذي لا جوف # PageV17P220 # له. وروي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايات ~~والحسن وعكرمة وعطية وسعيد بن جبير ومجاهد في إحدى الروايات والضحاك مثل ~~ذلك. حدثنا أبي ثنا قبيصة ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: الصمد المصمت ~~الذي لا جوف له. حدثنا أبو عبد الله الطهراني ثنا حفص بن عمر العدني ثنا ~~الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله (الصمد) قال: (الصمد) الذي لا يطعم. حدثنا ~~أبي ثنا علي بن هاشم بن مرزوق ثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ~~أنه قال: (الصمد) الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. حدثنا أبي وأبو ~~زرعة قالا ثنا أحمد بن منيع ثنا محمد بن ميسر - يعني أبا سعد الصغاني - ثنا ~~أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: ~~(الصمد) قال: (الصمد) الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يلد إلا يموت ~~وليس شيء يموت ms5358 إلا يورث وإن الله لا يموت ولا يورث {ولم يكن له كفوا أحد} ~~قال: لم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شيء. حدثنا علي بن الحسين ثنا محمود ~~بن خداش ثنا أبو سعد الصغاني. ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي ~~العالية عن أبي بن كعب: " أن المشركين قالوا: انسب لنا ربك فأنزل الله # PageV17P221 # هذه السورة " حدثنا أبو زرعة ثنا العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع عن ~~سعيد عن قتادة {ولم يكن له كفوا أحد} قال: إن الله لا يكافئه من خلقه أحد. ~~حدثنا علي بن الحسين ثنا أبو عبد الله الجرشي ثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى ~~ثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: {إن اليهود جاءت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب فقالوا: ~~يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} ~~{لم يلد} فيخرج منه الولد {ولم يولد} فيخرج منه شيء} وقال ابن جرير الطبري ~~في تفسيره: حدثنا أحمد بن منيع المروزي. ومحمود بن خداش الطالقاني فذكر مثل ~~إسناد ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب {سؤال المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~انسب لنا ربك فأنزل الله: {قل هو الله أحد} } . حدثنا ابن حميد ثنا يحيى ~~ابن واضح ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة {أن المشركين قالوا: لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخبرنا عن صفة ربك ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله هذه ~~السورة} ورواه أيضا عن أبي العالية وعن جابر بن عبد الله حدثنا شريح ثنا ~~إسماعيل بن مجاهد عن الشعبي عن جابر فذكره قال: وقيل: هو من سؤال اليهود. ~~حدثنا ابن حميد ثنا سلمة ثنا ابن إسحاق عن محمد بن سعيد # PageV17P222 # قال: {أتى رهط من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ~~هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله ms5359 عليه وسلم حتى انتقع ~~لونه ثم ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه وقال اخفض عليك جناحك يا محمد ~~وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه قال: يقول الله: {قل هو الله أحد} إلى ~~آخرها فلما تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: صف لنا ربك كيف ~~خلقه كيف عضده؟ كيف ساعده؟ وكيف ذراعه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد ~~من غضبه الأول وساورهم فأتاه جبريل فقال له: مثل مقالته الأولى وأتاه بجواب ~~ما سألوه فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره} } . وروى الحكم بن معبد في ~~(كتاب الرد على الجهمية قال ثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ثنا سلمة بن ~~شبيب ثني يحيى بن عبد الله ثني ضرار عن أبان عن أنس قال: {أتت يهود خيبر ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من ~~نور الحجاب وآدم من حمأ مسنون وإبليس من لهب النار والسماء من دخان والأرض ~~من زبد الماء فأخبرنا عن ربك؟ قال: فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأتاه جبريل فقال يا محمد: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم ~~يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} ليس له عروق شعب إليها. الصمد ليس بأجوف ولا ~~يأكل # PageV17P223 # ولا يشرب {لم يلد ولم يولد} ليس له ولد ولا والد ينسب إليه {ولم يكن له ~~كفوا أحد} ليس شيء من خلقه يعدل مكانه يمسك السموات والأرض أن تزولا} ~~الحديث. وقال ابن جرير: ثنا عبد الرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن ~~سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس قال: (الصمد الذي ليس بأجوف حدثنا ابن ~~بشار ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد (الصمد المصمت الذي لا ~~جوف له حدثنا أبو كريب ثنا وكيع عن سفيان عن منصور مثله سواء. حدثنا الحارث ~~ثنا الحسن ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله حدثنا ابن بشار ثنا عبد ~~الرحمن ثنا الربيع بن مسلم ms5360 عن الحسن قال: (الصمد الذي لا جوف له وبهذا ~~الإسناد عن إبراهيم ابن ميسرة قال: أرسلني مجاهد إلى سعيد بن جبير أسأله عن ~~(الصمد فقال: الذي لا جوف له حدثنا ابن بشار ثنا يحيى ثنا إسماعيل ابن أبي ~~خالد عن الشعبي قال: (الصمد الذي لا يطعم الطعام ورواه يعقوب عن هشيم عن ~~إسماعيل عنه قال: لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. حدثنا ابن بشار وزيد بن ~~أخزم قالا: ثنا ابن داود عن المستقيم ابن عبد الملك عن سعيد بن المسيب قال: ~~(الصمد الذي لا حشو # PageV17P224 # له حدثنا الحسين ثنا أبو معاذ ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: (الصمد) ~~الذي لا جوف له وروى عن ابن بريدة فيه حديثا مرفوعا لكنه ضعيف قال: وقال ~~آخرون هو الذي لا يخرج منه شيء حدثنا يعقوب بن أبي علية عن أبي رجاء سمعت ~~عكرمة قال في قوله: (الصمد) لم يخرج منه شيء: لم يلد ولم يولد حدثنا ابن ~~بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي رجاء محمد بن يوسف عن عكرمة قال: ~~(الصمد) الذي لا يخرج منه شيء. وقال آخرون لم يلد ولم يولد وذكر حديث أبي ~~بن كعب الذي رواه ابن أبي حاتم والذي فيه: أنه سبحانه لا يموت ولا يورث ~~قال: وقال آخرون: هو السيد الذي انتهى في سؤدده قال: وثنا أبو السائب ثنا ~~أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: (الصمد) هو السيد الذي انتهى في سؤدده ~~حدثنا أبو كريب وابن بشار وابن عبد الأعلى قالوا: ثنا وكيع عن الأعمش عن ~~أبي وائل قال (الصمد السيد الذي انتهى في سؤدده حدثنا ابن حميد ثنا مهران ~~عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل مثله حدثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علي عن ~~ابن عباس في قوله: (الصمد) قال السيد الذي قد كمل في سؤدده وذكر مثل الحديث ~~الذي رواه ابن أبي حاتم كما تقدم. # PageV17P225 # قلت: الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال: إن (الصمد) الذي لا جوف له ~~وقول من ms5361 قال إنه السيد وهو على الأول أدل؛ فإن الأول أصل للثاني ولفظ ~~(الصمد) يقال على ما لا جوف له في اللغة. قال يحيى بن أبي كثير الملائكة ~~صمد والآدميون جوف وفي حديث آدم أن إبليس قال عنه أنه أجوف ليس بصمد وقال ~~الجوهري: المصمد لغة في المصمت وهو الذي لا جوف له قال والصماد عفاص ~~القارورة وقال: الصمد المكان المرتفع الغليظ قال أبو النجم: # يغادر الصمد كظهر الأجزل # وأصل هذه المادة الجمع والقوة ومنه يقال يصمد المال: أي يجمعه وكذلك " ~~السيد " أصله سيود اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ~~وأدغمت. كما قيل ميت وأصله ميوت. والمادة في السواد والسؤدد تدل على الجمع ~~واللون الأسود هو الجامع للبصر. # وقد قال الله تعالى: {وسيدا وحصورا} قال أكثر السلف (سيدا) حليما وكذلك ~~يروى عن الحسن. وسعيد بن جبير. وعكرمة وعطاء. وأبي الشعثاء والربيع بن أنس. ~~ومقاتل وقال: أبو روق عن الضحاك أنه الحسن الخلق. وروى سالم عن سعيد بن ~~جبير أنه التقي ولا يسود الرجل الناس حتى يكون في نفسه مجتمع الخلق ثابتا. # PageV17P226 # وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من ~~معاوية فقيل له: ولا أبو بكر ولا عمر قال: كان أبو بكر وعمر خيرا منه وما ~~رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية. قال أحمد بن حنبل: ~~يعني به الحليم أو قال: الكريم ولهذا قيل: إذا شئت يوما أن تسود قبيلة ~~فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم ولهذا فسر طائفة من السلف السيد بأنه سيد ~~قومه في الدين وقال ابن زيد: هو الشريف وقال الزجاج: الذي يفوق قومه في ~~الخير. وقال ابن الأنباري: السيد هنا الرئيس والإمام في الخير وعن ابن عباس ~~ومجاهد: هو الكريم على ربه وعن سعيد بن المسيب هو الفقيه العالم وقد تقدم ~~أنهم يقولون لعفاص القارورة: صماد قال الجوهري العفاص جلد يلبسه رأس ~~القارورة وأما الذي يدخل في فمه فهو الصمام وقد عفصت القارورة ms5362 شددت عليها ~~العفاص. (قلت: وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: ~~{ثم اعرف عفاصها ووكاءها} والمراد بالعفاص: ما يكون فيه الدراهم كالخرقة ~~التي تربط فيها الدراهم والوكاء: مثل الخيط الذي يربط به وهذا من جنس عفاص ~~القارورة. ولفظ العفص والسد والصمد # PageV17P227 # والجمع والسؤدد معانيها متشابهة فيها الجمع والقوة ويقال طعام عفص وفيه ~~عفوصة؛ أي تقبض ومنه العفص الذي يتخذ منه الحبر. وقد قال الجوهري: هو مولد ~~ليس من كلام أهل البادية وهذا لا يضر؛ لأنه لم يكن عندهم عفص يسمونه بهذا ~~الاسم لكن التسمية به جارية على أصول كلام العرب وكذلك تسميتهم لما يدخل في ~~فمها صمام فإن هذه المادة فيها معنى الجمع والسد. قال الجوهري: صمام ~~القارورة سدادها والحجر الأصم الصلب المصمت والرجل الأصم هو الذي لا يسمع ~~لانسداد سمعه والرجل الصمة الشجاع والصمة الذكر من الحيات وصميم الشيء ~~خالصه حيث لم يدخل إليه ما يفرقه ويضعفه يقال صميم الحر وصميم البرد وفلان ~~من صميم قومه والصمصام: الصارم القاطع الذي لا ينثني وصمم في السير وغيره ~~أي مضى ورجل صم أي غليظ. ومنه في الاشتقاق الأكبر الصوم فإن الصوم هو ~~الإمساك. قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم لأن ~~الإمساك فيه اجتماع والصائم لا يدخل جوفه شيء ويقال صام الفرس إذا قام في ~~غير اعتلاف. قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك ~~اللجما # PageV17P228 # وكذلك السد والسداد والسؤدد والسواد وكذلك لفظ الصمد فيه الجمع والجمع ~~فيه القوة فإن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض ولم يكن فيه خلل كان أقوى مما ~~إذا كان فيه خلو. ولهذا يقال للمكان الغليظ المرتفع: صمد لقوته وتماسكه ~~واجتماع أجزائه والرجل الصمد هو السيد المصمود؛ أي المقصود يقال قصدته ~~وقصدت له وقصدت إليه وكذلك هو مصمود ومصمود له وإليه والناس إنما يقصدون في ~~حوائجهم من يقوم بها. وإنما يقوم بها من يكون في نفسه مجتمعا قويا ثابتا ~~وهو السيد الكريم بخلاف ms5363 من يكون هلوعا جزوعا يتفرق ويقلق ويتمزق من كثرة ~~حوائجهم وثقلها فإن هذا ليس بسيد صمد يصمدون إليه في حوائجهم. فهم إنما ~~سموا السيد من الناس صمدا؛ لما فيه من المعنى الذي لأجله يقصده الناس في ~~حوائجهم فليس معنى السيد في لغتهم معنى إضافي فقط - كلفظ القرب والبعد - بل ~~هو معنى قائم بالسيد؛ لأجله يقصده الناس والسيد من السؤدد والسواد وهذا من ~~جنس السداد في الاشتقاق الأكبر فإن العرب تعاقب بين حرف العلة والحرف ~~المضاعف. كما يقولون: تقضى البازي وتقضض والساد هو الذي يسد غيره فلا يبقى ~~فيه خلو ومنه سداد القارورة وسداد الثغر بالكسر فيهما وهو ما يسد ذلك ومنه ~~السداد بالفتح: وهو الصواب ومنه القول السديد. قال # PageV17P229 # الله تعالى: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} قالوا قصدا حقا. وعن ابن ~~عباس صوابا. وعن قتادة ومقاتل عدلا. وعن السدي مستقيما وكل هذه الأقوال ~~صحيح فإن القول السديد هو المطابق الموافق فإن كان خبرا كان صدقا مطابقا ~~لمخبره لا يزيد ولا ينقص وإن كان أمرا كان أمرا بالعدل الذي لا يزيد ولا ~~ينقص؛ ولهذا يفسرون السداد بالقصد والقصد بالعدل. قال الجوهري: التسديد ~~التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد في القول والعمل ورجل مسدد إذا كان يعمل ~~بالسداد. والقصد. والمسدد المقوم وسدد رمحه وأمر سديد وأسد أي قاصد وقد ~~استد الشيء استقام. قال الشاعر: أعلمه الرماية كل يوم فلما استد ساعده ~~رماني وقال الأصمعي: اشتد بالشين المعجمة ليس بشيء وتعبيرهم عن السد بالقصد ~~يدلك على أن لفظ القصد فيه معنى الجمع والقوة والقصد العدل كما أنه السداد ~~والصواب وهو المطابق الموافق الذي لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الجامع المطابق ~~ومنه قوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} أي السبيل القصد وهو السبيل ~~العدل: أي إليه تنتهي السبيل العادلة كما قال تعالى: {إن علينا للهدى} أي ~~الهدى إلينا # PageV17P230 # هذا أصح الأقوال في الآيتين. وكذلك قوله تعالى: {قال هذا صراط علي ~~مستقيم} . ومنه في الاشتقاق الأوسط: الصدق فإن حروفه حروف القصد فمنه الصدق ~~في الحديث ms5364 لمطابقته مخبره كما قيل في السداد. والصدق بالفتح الصلب من ~~الرماح ويقال المستوي فهو معتدل صلب ليس فيه خلل ولا عوج والصندوق واحد ~~الصناديق فإنه يجمع ما يوضع فيه. ومما ينبغي أن يعرف في باب الاشتقاق أنه ~~إذا قيل هذا مشتق من هذا فله معنيان: أحدهما: أن بين القولين تناسبا في ~~اللفظ والمعنى سواء كان أهل اللغة تكلموا بهذا بعد هذا أو بهذا بعد هذا ~~وعلى هذا فكل من القولين مشتق من الآخر فإن المقصود أنه مناسب له لفظا ~~ومعنى كما يقال: هذا الماء من هذا الماء وهذا الكلام من هذا الكلام وعلى ~~هذا فإذا قيل: إن الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل كان كلا ~~القولين صحيحا وهذا هو الاشتقاق الذي يقوم عليه دليل التصريف. وأما المعنى ~~الثاني في الاشتقاق وهو أن يكون أحدهما أصلا للآخر # PageV17P231 # فهذا إذا عنى به أن أحدهما تكلم به قبل الآخر لم يقم على هذا دليل في ~~أكثر المواضع وإن عنى به أن أحدهما متقدم على الآخر في العقل لكون هذا ~~مفردا وهذا مركبا فالفعل مشتق من المصدر والاشتقاق الأصغر اتفاق القولين في ~~الحروف وترتيبها والأوسط اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب والأكبر ~~اتفاقهما في أعيان بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي كاتفاقهما في كونهما ~~من حروف الحلق إذا قيل حزر وعزر وأزر فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة وقد ~~اشتركت مع الراء والزاي والحاء في أن الثلاثة حروف حلقية وعلى هذا فإذا ~~قيل: الصمد بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار فهو صحيح فإن الدال ~~أخت التاء؛ فإن الصمت السكوت وهو إمساك. وإطباق للفم عن الكلام. قال أبو ~~عبيد: المصمت الذي لا جوف له وقد أصمته أنا وباب مصمت قد أبهم إغلاقه. ~~والمصمت من الخيل البهيم أي لا يخالط لونه لون آخر ومنه قول ابن عباس: إنما ~~حرم من الحرير المصمت فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر وليست ~~الدال منقلبة عن التاء بل الدال أقوى والمصمد أكمل في معناه من ms5365 المصمت ~~وكلما قوي الحرف كان معناه أقوى فإن لغة الرب في غاية الإحكام والتناسب ~~ولهذا كان الصمت إمساك عن الكلام مع # PageV17P232 # إمكانه والإنسان أجوف يخرج الكلام من فيه لكنه قد يصمت بخلاف الصمد فإنه ~~إنما استعمل فيما لا تفرق فيه كالصمد والسيد والصمد من الأرض وصماد ~~القارورة ونحو ذلك. فليس في هذه الألفاظ المتناسبة أكمل من ألفاظ الصمد فإن ~~فيه الصاد والميم والدال وكل من هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما ~~يناسبها من الحروف والمعاني المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل. ومما ~~يناسب هذه المعاني معنى " الصبر " فإن الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا قيل: ~~الصبر حبس النفس عن الجزع يقال صبر وصبرته أنا ومنه قوله تعالى: {واصبر ~~نفسك} وكذلك معنى السيد الصمد خلاف معنى الجزوع المنوع ومنه الصبرة من ~~الطعام فإنها مجتمعة مكومة والصبارة الحجارة وصبر الشيء غلظه وضده الجزع ~~وفيه معنى التقطع والتفرق يقال جزع له جزعة من المال أي قطع له قطعة ~~والجزيعة: القطعة من الغنم واجتزعت من الشجر عودا أي اقتطعته واكتسرته ~~وجزعت الوادي إذا قطعته عرضا والجزع منعطف الوادي ومنه الجزع وهو الخرز ~~اليماني الذي فيه بياض وسواد وكذلك جزع البسر تجزيعا إذا أرطب نصفه أو ~~ثلثاه وهو خلاف قولهم مصمت للون الواحد لما في ذلك من الاجتماع وفي هذا من ~~التفرق. وقد قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر # PageV17P233 # جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} قال الجوهري: الهلع أفحش الجزع وقال غيره: ~~هو في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم {شر ~~ما في المرء شح هالع وجبن خالع} وناقة هلوع إذا كانت سريعة السير خفيفة ~~وذئب هلع بلع والهلع من الحرص والبلع من الابتلاع ولهذا كان كلام السلف في ~~تفسيره يتضمن هذه المعاني فروي عن ابن عباس قال: هو الذي إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا. وروي عنه أنه قال: هو الحريص على ما لا يحل ~~له. وعن سعيد بن جبير: شحيحا. وعن عكرمة: ضجورا. ms5366 وعن جعفر: حريصا وعن الحسن ~~والضحاك: بخيلا وعن مجاهد: شرها وعن الضحاك أيضا: الهلوع الذي لا يشبع وعن ~~مقاتل: ضيق القلب وعن عطاء: عجولا وهذه المعاني كلها تنافي الثبات والقوة ~~والاجتماع والإمساك والصبر وقد قال تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ~~في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} وهذا وإن كان قد قيل إن المراد به أنها ~~تنصدع فيموتون فإنه كما قيل: في مثل ذلك قد انصدع قلبه وقد تفرق قلبي وقد ~~تشتت قلبي وقد تقسم قلبي ومنه يقال للخوف: قد فرق قلبه ويقال: بإزاء ذلك هو ~~ثابت القلب مجتمع القلب مجموع القلب. # PageV17P234 # فصل: # قال الله تعالى: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} فأدخل اللام في الصمد ولم ~~يدخلها في أحد؛ لأنه ليس في الموجودات ما يسمى أحدا في الإثبات مفردا غير ~~مضاف إلا الله تعالى؛ بخلاف النفي وما في معناه: كالشرط والاستفهام فإنه ~~يقال: هل عندك أحد؟ وإن جاءني أحد من جهتك أكرمته وإنما استعمل في العدد ~~المطلق يقال: أحد اثنان. ويقال: أحد عشر. وفي أول الأيام يقال: يوم الأحد. ~~فإن فيه - على أصح القولين - ابتدأ الله خلق السماوات والأرض. وما بينهما. ~~كما دل عليه القرآن والأحاديث الصحيحة فإن القرآن أخبر في غير موضع: أنه ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وقد ثبت في الحديث الصحيح ~~المتفق على صحته: أن آخر المخلوقات كان آدم خلق يوم الجمعة. وإذا كان آخر ~~الخلق كان يوم الجمعة دل على أن أوله كان يوم الأحد لأنها ستة. وأما الحديث ~~الذي رواه مسلم في قوله: {خلق الله التربة يوم السبت} فهو حديث معلول قدح ~~فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره # PageV17P235 # قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب وقد ذكر تعليله البيهقي أيضا ~~وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه كما أنكروا عليه إخراج أشياء يسيرة ~~وقد بسط هذا في مواضع أخر وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في ms5367 قوله تعالى: ~~{خلق الأرض في يومين} قال ابن عباس: خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين وبه ~~قال عبد الله بن سلام والضحاك ومجاهد وابن جريج والسدي والأكثرون. وقال ~~مقاتل في يوم الثلاثاء والأربعاء. قال: وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة {خلق ~~الله التربة يوم السبت} قال: وهذا الحديث مخالف لما تقدم وهو أصح فصحح هذا ~~لظنه صحة الحديث إذ رواه مسلم ولكن هذا له نظائر روى مسلم أحاديث قد عرف ~~أنها غلط مثل قول أبي سفيان لما أسلم: أريد أن أزوجك أم حبيبة ولا خلاف بين ~~الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان ولكن هذا قليل جدا ومثل ما روى في ~~بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع والصواب أنه لم ~~يصلها إلا مرة واحدة بركوعين ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا وكذلك الشافعي ~~وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وغيرهما والبخاري سلم من مثل هذا؛ ~~فإنه إذا وقع في بعض # PageV17P236 # الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التي تبين غلط الغالط فإنه كان أعرف ~~بالحديث وعلله وأفقه في معانيه من مسلم ونحوه وذكر ابن الجوزي في موضع آخر ~~أن هذا قول ابن إسحاق قال: وقال ابن الأنباري: وهذا إجماع أهل العلم. وذكر ~~قولا ثالثا في ابتداء الخلق: أنه يوم الاثنين. وقاله ابن إسحاق وهذا تناقض. ~~وذكر أن هذا قول أهل الإنجيل والابتداء بيوم الأحد قول أهل التوراة وهذا ~~النقل غلط على أهل الإنجيل. كما غلط من جعل الأول إجماع أهل العلم من ~~المسلمين. وكأن هؤلاء ظنوا أن كل أمة تجعل اجتماعها في اليوم السابع من ~~الأيام السبعة التي خلق الله فيها العالم وهذا غلط؛ فإن المسلمين إنما ~~اجتماعهم في آخر يوم خلق الله فيه العالم وهو يوم الجمعة كما ثبت ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة. والمقصود هنا: أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان ~~إلا الله وحده. وإنما يستعمل في غير الله في النفي قال أهل اللغة يقول: لا ~~أحد في الدار ولا تقل فيها أحد. ms5368 ولهذا لم يجئ في القرآن إلا في غير الموجب ~~كقوله تعالى: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} وكقوله: {لستن كأحد من النساء} ~~وقوله: {وإن أحد من # PageV17P237 # المشركين استجارك فأجره} وفي الإضافة كقوله: {فابعثوا أحدكم} {جعلنا ~~لأحدهما جنتين} . وأما اسم (الصمد) فقد استعمله أهل اللغة في حق المخلوقين. ~~كما تقدم. فلم يقل الله صمد بل قال: {الله الصمد} فبين أنه المستحق؛ لأن ~~يكون هو الصمد دون ما سواه فإنه المستوجب لغايته على الكمال والمخلوق وإن ~~كان صمدا من بعض الوجوه؛ فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه؛ فإنه يقبل التفرق ~~والتجزئة وهو أيضا محتاج إلى غيره فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه ~~فليس أحد. يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى ~~وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق ويتقسم وينفصل بعضه من بعض ~~والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك بل حقيقة الصمدية ~~وكمالها له وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه؛ كما لا ~~يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء بوجه ~~من الوجوه كما قال في آخر السورة: {ولم يكن له كفوا أحد} استعملها هنا في ~~النفي أي ليس شيء من الأشياء كفوا له في شيء من الأشياء لأنه أحد. {وقال ~~رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أنت سيدنا فقال: # PageV17P238 # السيد الله} ودل قوله. (الأحد، الصمد) على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد؛ فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء فلا يدخل فيه شيء فلا ~~يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال: {أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم} وفي قراءة الأعمش وغيره ولا يطعم بالفتح. وقال ~~تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما أريد ~~أن يطعمون} {إن الله هو الرزاق} ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ~~ولا يشربون فالخالق ms5369 لهم جل جلاله أحق بكل غنى وكمال جعله لبعض مخلوقاته ~~فلهذا فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب والصمد المصمد الذي ~~لا جوف له فلا يخرج منه عين من الأعيان فلا يلد. ولذلك قال من قال من ~~السلف: هو الذي لا يخرج منه شيء ليس مرادهم أنه لا يتكلم وإن كان يقال في ~~الكلام إنه خرج منه كما قال في الحديث: {ما تقرب العباد إلى الله بشيء أفضل ~~مما خرج منه} يعني القرآن وقال أبو بكر الصديق لما سمع قرآن مسيلمة: إن هذا ~~لم يخرج من إل. فخروج الكلام من المتكلم هو بمعنى أنه يتكلم به فيسمع منه ~~ويبلغ إلى غيره ليس بمخلوق في غيره كما يقول الجهمية: ليس بمعنى أن شيئا من ~~الأشياء القائمة به يفارقه وينتقل عنه إلى غيره # PageV17P239 # فإن هذا ممتنع في صفات المخلوقين. أن تفارق الصفة محلها وتنتقل إلى غير ~~محلها فكيف بصفات الخالق جل جلاله. وقد قال تعالى في كلام المخلوقين: {كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وتلك الكلمة هي قائمة بالمتكلم ~~وسمعت منه ليس خروجها من فيه أن ما قام بذاته من الكلام فارق ذاته وانتقل ~~إلى غيره فخروج كل شيء بحسبه ومن شأن العلم والكلام إذا استفيد من العالم ~~والمتكلم أن لا ينقص من محله ولهذا شبه بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء ~~وهو باق على حاله لم ينقص فقول من قال من السلف: الصمد هو الذي لم يخرج منه ~~شيء كلام صحيح بمعنى أنه لا يفارقه شيء منه. ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن ~~يولد وذلك أن الولادة والتولد وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من ~~أصلين وما كان من المتولد عينا قائمة بنفسها فلا بد لها من مادة تخرج منها ~~وما كان عرضا قائما بغيره فلا بد له من محل يقوم به فالأول نفاه بقوله: ~~(أحد فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون لا صاحبة ~~والتولد ms5370 إنما يكون بين شيئين قال تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} فنفى سبحانه الولد بامتناع لازمه عليه فإن ~~انتفاء اللازم يدل # PageV17P240 # على انتفاء الملزوم وبأنه خالق كل شيء كل ما سواه مخلوق له ليس فيه شيء ~~مولود له. والثاني: نفاه بكونه سبحانه الصمد وهذا المتولد من أصلين يكون ~~بجزأين ينفصلان من الأصلين كتولد الحيوان من أبيه وأمه بالمني الذي ينفصل ~~من أبيه وأمه فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر وإلى أن يخرج منهما شيء وكل ~~ذلك ممتنع في حق الله تعالى فإنه أحد فليس له كفؤ يكون صاحبة ونظيرا وهو ~~صمد لا يخرج منه شيء فكل واحد من كونه أحدا ومن كونه صمدا يمنع أن يكون ~~والدا ويمنع أن يكون مولودا بطريق الأولى والأحرى. وكما أن التوالد في ~~الحيوان لا يكون إلا من أصلين - سواء كان الأصلان من جنس الولد وهو الحيوان ~~المتوالد أو من غير جنسه وهو المتولد - فكذلك في غير الحيوان كالنار ~~المتولدة من الزندين سواء كانا خشبتين أو كانا حجرا وحديدا: أو غير ذلك قال ~~الله تعالى: {فالموريات قدحا} وقال تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون} ~~{أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} {نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} ~~وقال تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} {قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} {الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} # PageV17P241 # قال غير واحد من المفسرين هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ والأخرى ~~العفار. فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان ~~يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار. - وهو أنثى - فتخرج ~~منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ ~~والعفار. وقال بعض الناس في كل شجرة نار إلا العناب {فإذا أنتم منه توقدون} ~~فذلك زنادهم. وقد قال أهل اللغة الجوهري وغيره: الزند العود الذي يقدح به ~~النار وهو ms5371 الأعلى. والزندة السفلى فيها ثقب وهي الأنثى فإذا اجتمعا قيل ~~زندان. وقال أهل الخبرة بهذا: إنهم يسحقون الثقب الذي في الأنثى بالأعلى ~~كما يفعل ذكر الحيوان في أنثاه فبذلك السحق والحك يخرج منهما أجزاء ناعمة ~~تنقدح منها النار فتتولد النار من مادة الذكر والأنثى كما يتولد الولد من ~~مادة الرجل والمرأة وسحق الأنثى بالذكر وقدحها به يقتضي حرارة كلا منهما ~~ويتحلل من كل منهما مادة تنقدح منها النار كما أن إيلاج ذكر الحيوان في ~~أنثاه بقدح وحك فرجها بفرجه فتقوى حرارة كل منهما ويتحلل من كل منهما مادة ~~تمتزج بالأخرى ويتولد منهما الولد ويقال: علقت النار في المحل الذي يقدح ~~عليه الذي هو # PageV17P242 # كالرحم للولد وهو الحراق والصوفان ونحو ذلك مما يكون أسرع قبولا للنار من ~~غيره كما علقت المرأة من الرجل وقد لا تعلق النار كما قد لا تعلق المرأة ~~وقد لا تنقدح نار كما لا ينزل مني والنار ليست من جنس الزنادين بل تولد ~~النار منهما كتولد حيوان من الماء والطين فإن الحيوان نوعان متوالد ~~كالإنسان وبهيمة الأنعام وغير ذلك كما يخلق من أبوين ومتولد كالذي يتولد من ~~الفاكهة والخل وكالقمل الذي يتولد من وسخ جلد الإنسان وكالفأر والبراغيث ~~وغير ذلك مما يخلق من الماء والتراب. # وقد تنازع الناس فيما يخلقه الله من الحيوان والنبات والمعدن والمطر ~~والنار التي تورى بالزناد وغير ذلك هل تحدث أعيان هذه الأجسام فيقلب هذا ~~الجنس إلى جنس آخر. كما يقلب المني علقة ثم مضغة أو لا تحدث إلا أعراض وأما ~~الأعيان التي هي الجواهر فهي باقية بغير صفاتها بما يحدثه فيها من الأكوان ~~الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون؟ على قولين: فالقائلون بأن ~~الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل التجزي كما يقوله كثير من ~~أهل الكلام. وإما من جواهر لا نهاية لها كما يحكى عن النظام. # PageV17P243 # فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر يقولون: إن الله لا يحدث شيئا ~~قائما بنفسه وإنما يحدث الأعراض التي هي الاجتماع والافتراق والحركة ~~والسكون وغير ذلك ms5372 من الأعراض. ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة قال: إن ~~الله أحدثها ابتداء ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها لا يحدث ~~الله بعد ذلك جواهر وهذا قول أكثر المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم ومن ~~أكابر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين ويذكر إجماع المسلمين عليه وهو ~~قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة؛ بل جمهور الأمة حتى من ~~طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد وتركب الأجسام من الجواهر وابن كلاب ~~إمام أتباعه هو ممن ينكر الجوهر الفرد وقد ذكر ذلك أبو بكر بن فورك في ~~مصنفه الذي صنفه في مقالات ابن كلاب وما بينه وبين الأشعري من الخلاف وهكذا ~~نفى الجوهر الفرد قول الهشامية والضرارية وكثير من الكرامية والنجارية ~~أيضا. وهؤلاء القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة: المشهور ~~عنهم؛ بأن الجواهر متماثلة؛ بل ويقولون أو أكثرهم: أن الأجسام متماثلة؛ ~~لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة وإنما اختلفت باختلاف الأعراض وتلك صفات ~~عارضة لها ليست لازمة فلا تنفي التماثل فإن حد المثلين أن يجوز على أحدهما ~~ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه. وهم ~~يقولون: إن الجواهر متماثلة فيجوز # PageV17P244 # على كل واحد ما جاز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع ~~عليه. وكذلك الأجسام المؤلفة من الجواهر؛ ولهذا إذا أثبتوا حكما لجسم ~~قالوا: هذا ثابت لجميع الأجسام بناء على التماثل وأكثر العقلاء ينكرون هذا ~~وحذاقهم قد أبطلوا الحجج التي احتجوا بها على التماثل كما ذكر ذلك الرازي ~~والآمدي وغيرهما. وقد بسط الكلام على هذا في مواضع. والأشعري في " كتاب ~~الإبانة " جعل القول بتماثل الأجسام من أقوال المعتزلة التي أنكرها. وهؤلاء ~~يقولون: إن الله يخص أحد الجسمين المتماثلين بأعراض دون الآخر بمجرد ~~المشيئة على أصل الجهمية أو لمعنى آخر كما تقوله القدرية ويقولون يمتنع ~~انقلاب الأجناس فلا ينقلب الجسم عرضا ولا جنس من الأعراض إلى جنس آخر فلو ~~قالوا: إن الأجسام مخلوقة وأن ms5373 المخلوق ينقلب من جنس إلى جنس آخر لزم انقلاب ~~الأجناس. فهؤلاء يقولون: أن التولد الحاصل في الرحم والثمر الحاصل في الشجر ~~والنار الحاصلة من الزناد هي جواهر كانت في المادة التي خلق ذلك منها وهي ~~باقية؛ لكن غيرت صفتها بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون. # PageV17P245 # ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أدلة " إثبات الصانع " ذكر أربعة طرق: ~~إمكان الذوات وحدوثها وإمكان الصفات وحدوثها والطرق الثلاثة الأول ضعيفة؛ ~~بل باطلة؛ فإن الذوات التي ادعوا حدوثها أو إمكانها أو إمكان صفاتها ذكروها ~~بألفاظ مجملة لا يتميز فيها الخالق عن المخلوق ولم يقيموا على ما ادعوه ~~دليلا صحيحا. وأما " الطريق الرابع " وهو الحدوث لما يعلم حدوثه فهو طريق ~~صحيح وهو طريق القرآن لكن قصروا فيه غاية التقصير؛ فإنهم على أصلهم لم ~~يشهدوا حدوث شيء من الذوات بل حدوث الصفات وطريقة القرآن تبين أن كل ما سوى ~~الله مخلوق وأنه آية لله وقد بسط الكلام على ما في القرآن من البراهين ~~والآيات التي لم يصل إليها هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة وإن كل ما عندهم من ~~حق فهو جزء مما دل عليه القرآن في غير موضع. والمقصود هنا أن هؤلاء لما كان ~~هذا أصلهم في ابتداء الخلق وهو القول بإثبات الجوهر الفرد - كان أصلهم في ~~المعاد مبنيا عليه فصاروا على قولين: منهم من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد. ~~ومنهم من قال: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله ~~حيوان وذلك # PageV17P246 # الحيوان أكله إنسان آخر فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا. ~~وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائما فما الذي يعاد أهو الذي كان وقت الموت؟ ~~فإن قيل: بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة وهو خلاف ما جاءت به النصوص وإن ~~كان غير ذلك فليس بعض الأبدان بأولى من بعض. فادعى بعضهم أن في الإنسان ~~أجزاء أصلية لا تتحلل ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني ~~والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ليس فيه شيء باق فصار ms5374 ما ~~ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان وأوجب أن ~~صار طائفة من النظار إلى أن الله يخلق بدنا آخر تعود الروح إليه. والمقصود ~~تنعيم الروح وتعذيبها سواء كان هذا في البدن أو في غيره وهذا أيضا مخالف ~~للنصوص الصريحة بإعادة هذا البدن وهذا المذكور في كتب الرازي فليس في كتبه ~~وكتب أمثاله في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي يوافق المنقول ~~والمعقول الذي بعث الله به الرسول وكان عليه سلف الأمة وأئمتها بل يذكر ~~بحوث المتفلسفة الملاحدة وبحوث المتكلمين المبتدعة الذين بنوا على أصول ~~الجهمية والقدرية في مسائل الخلق والبعث والمبدإ والمعاد وكلا الطريقين ~~فاسد. إذ بنوه على مقدمات فاسدة والقول الذي عليه # PageV17P247 # السلف وجمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال إنما يذكره عن ~~الفلاسفة والأطباء؛ وهذا القول - وهو القول في خلق الله للأجسام التي يشاهد ~~حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم - هو الذي عليه السلف والفقهاء ~~قاطبة والجمهور. ولهذا يقول الفقهاء في النجاسة هل تطهر بالاستحالة أم لا؟ ~~كما تستحيل العذرة رمادا والخنزير وغيره ملحا ونحو ذلك والمني الذي في ~~الرحم يقلبه الله علقة ثم مضغة وكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التي يخرجها ~~من الشجرة من الرطوبة مع الهواء والماء الذي نزل عليها وغير ذلك من المواد ~~التي يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته وكذلك الحبة يفلقها وتنقلب المواد التي ~~يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك وهكذا خلقه لما يخلقه سبحانه وتعالى. كما ~~خلق آدم من الطين فقلب حقيقة الطين فجعلها عظما ولحما وغير ذلك من أجزاء ~~البدن وكذلك المضغة يقلبها عظاما وغير عظام. قال الله تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين} {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} {ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} {ثم ~~إنكم يوم القيامة تبعثون} . وكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارا ~~كما ms5375 قال تعالى: # PageV17P248 # {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} . فنفس تلك الأجزاء التي خرجت من ~~الشجر الأخضر جعلها الله نارا من غير أن يكون كان في الشجر الأخضر نار أصلا ~~كما لم يكن في الشجرة ثمرة أصلا ولا كان في بطن المرأة جنين أصلا؛ بل خلق ~~هذا الموجود من مادة غيره بقلبه تلك المادة إلى هذا وبما ضمه إلى هذا من ~~مواد أخر وكذلك الإعادة يعيده بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل ابن آدم يبلى إلا عجب ~~الذنب. منه خلق ابن آدم ومنه يركب} . وهو إذا أعاد الإنسان في النشأة ~~الثانية لم تكن تلك النشأة مماثلة لهذه فإن هذه كائنة فاسدة وتلك كائنة لا ~~فاسدة بل باقية دائمة وليس لأهل الجنة فضلات فاسدة تخرج منهم كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أهل الجنة لا يبولون ولا ~~يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون وإنما هو رشح كرشح المسك} وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يحشر الناس حفاة عراة غرلا ثم قرأ {كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} } فهم يعودون غلفا لا ~~مختونين. وقال الحسن البصري ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا ~~شيئا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء وقال قتادة بدأهم # PageV17P249 # من التراب وإلى التراب يعودون. كما قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} وقال: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون} . وهو قد شبه سبحانه إعادة الناس في النشأة الأخرى بإحياء الأرض ~~بعد موتها في غير موضع. كقوله: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} وقال: {والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي} إلى قوله: {وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} وقال تعالى: {يا ~~أيها الناس إن كنتم في ريب ms5376 من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى ~~أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي ~~الموتى وأنه على كل شيء قدير} وقال تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} . # PageV17P250 # وهو سبحانه مع إخباره أنه يعيد الخلق وأنه يحيي العظام وهي رميم وأنه ~~يخرج الناس من الأرض تارة أخرى هو يخبر أن المعاد هو المبدأ. كقوله تعالى: ~~{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} ويخبر أن الثاني مثل الأول كقوله تعالى: ~~{وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} {أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب ~~فيه} وقال تعالى: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} ~~{قل كونوا حجارة أو حديدا} {أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ~~قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا} {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} وقال ~~تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم} وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} وقال: ~~{أفرأيتم ما تمنون} {أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} {نحن قدرنا بينكم ~~الموت وما نحن بمسبوقين} {على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} ~~{ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} . والمراد بقدرته على خلق مثلهم ~~هو قدرته على إعادتهم كما أخبر # PageV17P251 # بذلك. في قوله: {أولم يروا ms5377 أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} فإن القوم ما كانوا ينازعون في أن الله ~~يخلق في هذه الدار ناسا أمثالهم فإن هذا هو الواقع المشاهد يخلق قرنا بعد ~~قرن يخلق الولد من الوالدين وهذه هي النشأة الأولى وقد علموها وبها احتج ~~عليهم على قدرته على النشأة الآخرة كما قال: {ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون} وقال: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم} {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} وقال: {يا أيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} . ولهذا قال: {على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون} قال الحسن بن الفضل البجلي: الذي عندي في هذه ~~الآية {وننشئكم في ما لا تعلمون} {ولقد علمتم النشأة الأولى} أي أخلقكم ~~للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى ~~كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك ومعلوم أن النشأة الأولى كان ~~الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة ثم ينفخ فيه الروح وتلك النطفة من مني ~~الرجل والمرأة وهو يغذيه بدم الطمث الذي يربي الله به الجنين في ظلمات ~~ثلاث: ظلمة المشيمة وظلمة # PageV17P252 # الرحم وظلمة البطن والنشأة الثانية لا يكونون في بطن امرأة ولا يغذون بدم ~~ولا يكون أحدهم نطفة رجل وامرأة ثم يصير علقة بل ينشئون نشأة أخرى وتكون ~~المادة من التراب كما قال: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى} وقال تعالى: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} وقال {والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا} {ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} وفي الحديث: {إن ~~الأرض تمطر مطرا كمني الرجال ينبتون في القبور كما ينبت النبات} كما قال ~~تعالى: {كذلك الخروج} {كذلك النشور} {كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} . ~~فعلم أن النشأتين نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه ms5378 ~~ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر ولهذا جعل المعاد هو المبدأ وجعل مثله أيضا. ~~فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق ~~فهو مثله. وهكذا كل ما أعيد. فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ والمعاد سواء في ~~ذلك إعادة الأجسام والأعراض كإعادة الصلاة وغيرها فإن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر برجل يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة} ويقال للرجل: أعد ~~كلامك وفلان قد أعاد كلام فلان بعينه ويعيد الدرس. فالكلام هو الكلام وإن ~~كان صوت الثاني غير صوت الأول وحركته ولا # PageV17P253 # يطلق القول عليه أنه مثله بل قد قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا. وإن كان يسمى مثلا مقيدا حتى يقال ~~لمن حكى كلام غيره هكذا قال فلان أي مثل هذا قال ويقال فعل هذا عودا على ~~بدء إذا فعله مرة ثانية بعد أولى ومنه البئر البدي والبئر العادي فالبدي ~~التي ابتدئت والعادي التي أعيدت وليست بنسبة إلى عاد. كما قيل. ويقال ~~استعدته الشيء فأعاده إذا سألته أن يفعله مرة ثانية ومنه سميت العادة يقال: ~~عاده واعتاده وتعوده أي صار عادة له: وعود كلبه الصيد فتعوده وهو من ~~المعاودة والمعاودة الرجوع إلى الأمر الأول ويقال الشجاع معاود؛ لأنه لا ~~يمل المراس. وعاودته الحمى وعاوده بالمسألة أي سأله مرة بعد مرة وتعاود ~~القوم في الحرب وغيرها إذا عاد كل فريق إلى صاحبه والعواد بالضم ما أعيد من ~~الطعام بعد ما أكل منه مرة أخرى وعواد بمعنى عد مثل نزال بمعنى انزل. ففي ~~جميع هذه المواضع يستعمل لفظ الإعادة باعتبار الحقيقة فإن الحقيقة الموجودة ~~في المرة الثانية هي الأولى وإن تعدد الشخص ولهذا يقال: هو مثله ويقال هذا ~~هو هذا وكلاهما صحيح وأعني بالحقيقة الأمر الذي يختص بذلك الشخص ليس المراد ~~القدر المشترك بين # PageV17P254 # الفاعلين فإن من فعل مثل فعل غيره لا يقال أعاده وإنما يقال ms5379 حاكاه وشابهه ~~بخلاف ما إذا أعاد فعلا ثانيا مثل ما فعل أولا فإنه يقال أعاد فعله وكذلك ~~يقال لمن أعاد كلام غيره قد أعاده ولا يقال لمن أنشأ مثله قد أعاده ويقال ~~قرئ على هذا وأعاد على هذا وهذا يقرأ أي يدرس وهذا يعيد ولو كان كلاما آخر ~~مما يماثله لم يقل فيه يعيد وكذلك من كسر خاتما أو غيره من المصوغ يقال ~~أعده كما كان ويقال لمن هدم دارا أعدها كما كانت بخلاف من أنشأ أخرى مثلها ~~فإن هذا لا يسمى معيدا والمعاد يقال فيه هذا هو الأول بعينه ويقال هذا مثل ~~الأول من كل وجه ونحو ذلك من العبارات الدالة على أنه هو هو من وجه وهو ~~مثله من وجه. وبهذا تزول الشبهات الواردة على هذا الموضع كقول من قال: ~~الإعادة لا تكون إلا مع إعادة ذلك الزمان ونحو ذلك مما يمنع إعادته في صريح ~~العقل وإنما يعاد بالإتيان بمثله وإن قال بعض المتكلمين إنه لا مغايرة أصلا ~~بوجه من الوجوه. والإعادة التي أخبر الله بها هي الإعادة المعقولة في هذا ~~الخطاب وهي الإعادة التي فهمها المشركون والمسلمون عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهي التي يدل عليها لفظ الإعادة والمعاد هو الأول بعينه وإن كان ~~بين لوازم الإعادة ولوازم البدأة فرق فذلك الفرق لا يمنع # PageV17P255 # أن يكون قد - أعيد الأول ليس الجسد الثاني مباينا للأول من كل وجه كما ~~زعم بعضهم ولا أن النشأة الثانية كالأولى من كل وجه كما ظن بعضهم وكما أنه ~~سبحانه خلق الإنسان ولم يكن شيئا كذلك يعيده بعد أن لم يكن شيئا وعلى هذا ~~فالإنسان الذي صار ترابا ونبت من ذلك التراب نبات آخر أكله إنسان آخر وهلم ~~جرا والإنسان الذي أكله إنسان أو حيوان وأكل ذلك الحيوان إنسانا آخر ففي ~~هذا كله قد عدم هذا الإنسان وهذا الإنسان وصار كل منهما ترابا " كما كان ~~قبل أن يخلق ثم يعاد هذا ويعاد هذا من التراب وإنما يبقى عجب الذنب منه خلق ms5380 ~~ومنه يركب. وأما سائره فعدم " فيعاد من المادة التي استحال إليها فإذا ~~استحال في القبر الواحد ألف ميت وصاروا كلهم ترابا فإنهم يعادون ويقومون من ~~ذلك القبر وينشئهم الله تعالى بعد أن كانوا عدما محضا كما أنشأهم أولا بعد ~~أن كانوا عدما محضا وإذا صار ألف إنسان ترابا في قبر أنشأ هؤلاء من ذلك ~~القبر من غير أن يحتاج أن يخلقهم كما خلقهم في النشأة الأولى التي خلقهم ~~منها من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وجعل نشأتهم بما يستحيل إلى أبدانهم من ~~الطعام والشراب كما يستحيل إلى بدن أحدهم ما يأكله من نبات وحيوان وكذلك لو ~~أكل إنسانا أو أكل حيوانا قد أكل إنسانا: فالنشأة # PageV17P256 # الثانية لا يخلقهم فيها بمثل هذه الاستحالة بل يعيد الأجساد من غير أن ~~ينقلهم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ومن غير أن يغذوها بدم الطمث ومن غير أن ~~يغذوها بلبن الأم وبسائر ما يأكله من الطعام والشراب فمن ظن أن الإعادة ~~تحتاج إلى إعادة الأغذية التي استحالت إلى أبدانهم فقد غلط. وحينئذ فإذا ~~أكل إنسان إنسانا فإنما صار غذاء له كسائر الأغذية وهو لا يحتاج إلى إعادة ~~الأغذية ومعلوم أن الغذاء ينزل إلى المعدة طعاما وشرابا ثم يصير كلوسا ~~كالثردة ثم كيموسا كالحريرة ثم ينطبخ دما فيقسمه الله تعالى في البدن كله ~~ويأخذ كل جزء من البدن نصيبه فيستحيل الدم إلى شبيه ذلك الجزء العظم عظما ~~واللحم لحما والعرق عرقا وهذا في الرزق كاستحالتهم في مبدأ الخلق نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة. وكما أنه سبحانه لا يحتاج في الإعادة إلى أن يحيل أحدهم نطفة ~~ثم علقة ثم مضغة فكذلك أغذيتهم لا يحتاج أن يجعلها خبزا وفاكهة ولحما ثم ~~يجعلها كلوسا وكيموسا ثم دما ثم عظما ولحما وعروقا بل يعيد هذا البدن على ~~صفة أخرى لنشأة ثانية ليست مثل هذه النشأة كما قال: {وننشئكم في ما لا ~~تعلمون} ولا يحتاج مع ذلك إلى شيء من هذه الاستحالات التي كانت في النشأة ~~الأولى. # PageV17P257 # وبهذا ms5381 يظهر الجواب عن قوله البدن دائما في التحلل فإن تحلل البدن ليس ~~بأعجب من انقلاب النطفة علقة والعلقة مضغة وحقيقة كل منهما خلاف حقيقة ~~الأخرى. وأما البدن المتحلل فالأجزاء الثانية تشابه الأولى وتماثلها وإذا ~~كان في الإعادة لا يحتاج إلى انقلابه من حقيقة إلى حقيقة فكيف بانقلابه ~~بسبب التحلل ومعلوم أن من رأى شخصا وهو شاب ثم رآه وهو شيخ علم أن هذا هو ~~ذاك مع هذه الاستحالة وكذلك سائر الحيوان والنبات كمن غاب عن شجرة مدة ثم ~~جاء فوجدها علم أن هذه هي الأولى مع أن التحلل والاستحالة ثابت في سائر ~~الحيوان والنبات. كما هو في بدن الإنسان ولا يحتاج عاقل في اعتقاده أن هذه ~~الشجرة هي الأولى وأن هذه الفرس هي التي كانت عنده من سنين ولا أن هذا ~~الإنسان هو الذي رآه من عشرين سنة إلى أن يقدر بقاء أجزاء أصلية لم تتحلل ~~ولا يخطر هذا ببال أحد ولا يقتصر العقلاء في قولهم هذا هو ذاك على تلك ~~الأجزاء التي لا تعرف ولا تتميز عن غيرها. بل إنما يشيرون إلى جملة الشجرة ~~والفرس والإنسان مع أنه قد يكون كان صغيرا فكبر. ولا يقال إنما كان هو ذاك ~~باعتبار أن النفس الناطقة واحدة كما زعمه من ادعى أن البدن الثاني ليس هو ~~ذاك الأول ولكن المقصود جزاء النفس بنعيم أو عذاب # PageV17P258 # ففي أي بدن كانت حصل المقصود فإن هذا أيضا باطل مخالف للكتاب والسنة ~~وإجماع السلف مخالف للمعقول من الإعادة. فإنا قد ذكرنا أن العقلاء كلهم ~~يقولون: هذا الفرس هو ذاك وهذه الشجرة هي تلك التي كانت من سنين مع علم ~~العقلاء أن النبات ليس له نفس ناطقة تفارقه وتقوم بذاتها وكذلك يقولون: مثل ~~هذا في الحيوان وفي الإنسان مع أنه لم يخطر بقلوبهم أن المشار إليه بهذا ~~وذاك نفس مفارقة. بل قد لا يخطر هذا بقلوبهم فدل على أن العقلاء كانوا ~~يعلمون أن هذا البدن هو ذاك مع وجود الاستحالة وعلم بذلك أن ما ذكر من ~~الاستحالة ms5382 لا ينافي أن يكون البدن الذي يعاد في النشأة الثانية هو هذا ~~البدن ولهذا يشهد البدن المعاد بما عمل في الدنيا. كما قال تعالى: {اليوم ~~نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} وقال ~~تعالى: {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون} {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء} ومعلوم أن الإنسان لو قال قولا أو فعل فعلا أو رأى غيره يفعل أو سمعه ~~يقول ثم بعد ثلاثين سنة شهد على نفسه بما قال أو فعل وهو الإقرار الذي ~~يؤاخذ بموجبه أو شهد على غيره بما قبضه # PageV17P259 # من الأموال وأقر به من الحقوق لكانت الشهادة على عين ذلك المشهود عليه ~~مقبولة مع استحالة بدنه في هذه المدة الطويلة ولا يقول عاقل من العقلاء: إن ~~هذه الشهادة على مثله أو على غيره. ولو قدر أن المعين حيوان أو نبات وشهد ~~أن هذا الحيوان قبضه هذا من هذا وأن هذا الشجر سلمه هذا إلى هذا: كان كلاما ~~معقولا مع الاستحالة وإذا كانت الاستحالة غير مؤثرة. فقول القائل يعيده على ~~صفة ما كان وقت موته أو سمنه أو هزاله أو غير ذلك جهل منه فإن صفة تلك ~~النشأة الثانية ليست مماثلة لصفة هذه النشأة حتى يقال: إن الصفات هي ~~المغيرة؛ إذ ليس هناك استحالة؟ ولا استفراغ ولا امتلاء ولا سمن ولا هزال ~~ولا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة أبيهم آدم: طول ~~أحدهم ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما وروي أن عرضه سبعة أذرع وهم ~~لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون. وليست تلك النشأة من أخلاط ~~متضادة حتى يستلزم مفارقة بعضها بعضا كما في هذه النشأة ولا طعامهم مستحيلا ~~ولا شرابهم مستحيلا من التراب والماء والهواء كما هي أطعماتهم في هذه ~~النشأة ولهذا أبقى الله طعام الذي مر على قرية وشرابه مائة عام لم يتغير ~~ودلنا سبحانه بهذا على قدرته فإذا كان في دار الكون ms5383 والفساد يبقى الطعام ~~الذي # PageV17P260 # هو رطب وعنب أو نحو ذلك والشراب الذي هو ماء أو ما فيه ماء مائة عام لم ~~يتغير فقدرته سبحانه وتعالى على أن يجعل الطعام والشراب في النشأة الأخرى ~~لا يتغير بطريق الأولى والأحرى وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # فصل: # والمقصود هنا: أن التولد لا بد له من أصلين وإن ظن ظان أن نفس الهواء ~~الذي بين الزنادين يستحيل نارا بسخونته من غير مادة تخرج منهما تنقلب نارا ~~فقد غلط وذلك لأنه لا تخرج نار إن لم يخرج منهما مادة بالحك ولا تخرج النار ~~بمجرد الحك. # وأيضا فإنهم يقدحون على شيء أسفل من الزنادين كالصوفان والحراق فتنزل ~~النار عليه وإنما ينزل الثقيل فلولا أن هناك جزءا ثقيلا من الزناد الحديد ~~والحجر لما نزلت النار ولو كان الهواء وحده انقلب نارا لم ينزل لأن الهواء ~~طبعه الصعود لا الهبوط لكن بعد أن تنقلب المادة الخارجة نارا قد ينقلب ~~الهواء القريب منها نارا: إما دخانا وإما لهيبا. # PageV17P261 # والمقصود أن المتولدات خلقت من أصلين كما خلق آدم من التراب والماء وإلا ~~فالتراب المحض الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء لا حيوان ولا نبات. ~~والنبات جميعه إنما يتولد من أصلين أيضا والمسيح خلق من مريم ونفخة جبريل. ~~كما قال تعالى: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} . ~~وقال: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا} وقال {فأرسلنا إليها روحنا ~~فتمثل لها بشرا سويا} {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} {قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} . وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في جيب ~~درعها. والجيب هو الطوق الذي في العنق ليس هو ما يسميه بعض العامة جيبا وهو ~~ما يكون في مقدم الثوب لوضع الدراهم ونحوها وموسى لما أمره الله أن يدخل ~~يده في جيبه: هو ذلك الجيب المعروف في اللغة وذكر أبو الفرج وغيره قولين: ~~هل كانت النفخة في جيب الدرع؟ أو في الفرج. فإن من قال بالأول ms5384 قال في فرج ~~درعها وإن من قال هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور لأنه إنما ~~نفخ في درعها لا في فرجها وهذا ليس بشيء بل هو عدول عن صريح القرآن. وهذا ~~النقل إن كان ثابتا لم يناقض القرآن. وإن لم يكن ثابتا لم يلتفت إليه فإن ~~من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع فمراده أنه صلى الله عليه وسلم لم # PageV17P262 # يكشف بدنها وكذلك جبريل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة ~~متجردة لم ينظر إليها متجردة فنفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها. ~~والمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله به في آيتين وإلا فالنفخ في ~~الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن مع أنه لا تأثير له في ~~حصول الولد ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا نقله أحد عن عالم معروف ~~من السلف. والمقصود هنا أن المسيح خلق من أصلين: من نفخ جبريل ومن أمه مريم ~~وهذا النفخ ليس هو النفخ الذي يكون بعد مضي أربعة أشهر والجنين مضغة؛ فإن ~~ذلك نفخ في بدن قد خلق وجبريل حين نفخ لم يكن المسيح خلق بعد ولا كانت مريم ~~حملت وإنما حملت به بعد النفخ بدليل قوله: {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا} {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} فلما نفخ فيها جبريل حملت به ~~ولهذا قيل في المسيح روح منه باعتبار هذا النفخ. وقد بين الله سبحانه أن ~~الرسول الذي هو روحه وهو جبريل هو الروح الذي خاطبها وقال إنما أنا رسول ~~ربك لأهب لك غلاما زكيا فقوله {فنفخنا فيها} أو {فيه من روحنا} أي من هذا ~~الروح الذي هو جبريل وعيسى روح من هذا الروح فهو روح من الله بهذا # PageV17P263 # الاعتبار ومن لابتداء الغاية. والمقصود هنا: أنه قد يكون الشيء من أصلين ~~بانقلاب المادة التي بينهما إذا التقيا كان بينهما مادة فتنقلب وذلك لقوة ~~حك أحدهما بالآخر فلا بد من نقص أجزائها وهذا ms5385 مثل تولد النار بين الزنادين ~~إذا قدح الحجر بالحديد أو الشجر بالشجر كالمرخ والعفار فإنه بقوة الحركة ~~الحاصلة من قدح أحدهما بالآخر يستحيل بعض أجزائهما ويسخن الهواء الذي ~~بينهما فيصير نارا والزندان كلما قدح أحدهما بالآخر نقصت أجزاؤهما بقوة ~~الحك فهذه النار استحالت عن الهواء وتلك الأجزاء بسبب قدح أحد الزندين ~~بالآخر. وكذلك النور الذي يحصل بسبب انعكاس الشعاع على ما يقابل المضيء ~~كالشمس والنار فإن لفظ النور والضوء يقال تارة على الجسم القائم بنفسه: ~~كالنار التي في رأس المصباح وهذه لا تحصل إلا بمادة تنقلب نارا كالحطب ~~والدهن ويستحيل الهواء أيضا نارا ولا ينقلب الهواء أيضا نارا إلا بنقص ~~المادة التي اشتعلت أو نقص الزندين وتارة يراد بلفظ النور والضوء والشعاع: ~~الشعاع الذي يكون على الأرض والحيطان من الشمس أو من النار فهذا عرض ليس ~~بجسم قائم بنفسه لا بد له من محل يقوم به يكون قابلا له فلا بد في الشعاع ~~من جسم مضيء ولا بد من شيء يقابله حتى ينعكس عليه الشعاع. # PageV17P264 # وكذلك النار الحاصلة في ذبالة المصباح إذا وضعت في النار أو وضع فيها حطب ~~فإن النار تحيل أولا المادة التي هي الدهن أو الحطب فيسخن الهواء المحيط ~~بها فينقلب نارا وإنما ينقلب بعد نقص المادة وكذلك الريح التي تحرك النار ~~مثل ما تهب الريح فتشتعل النار في الحطب ومثل ما ينفخ في الكير وغيره تبقى ~~الريح المنفوخة تضرم النار لما في محل النار كالخشب والفحم من الاستعداد ~~لانقلابه نارا وما في حركة الريح القوية من تحريك النار إلى المحل القابل ~~له وقد ينقلب أيضا الهواء القريب من النار؛ فإن اللهب هو الهواء انقلب نارا ~~مثل ما في ذبالة المصباح ولهذا إذا طفئت صار دخانا وهو هواء مختلط بنار ~~كالبخار وهو هواء مختلط بماء والغبار هواء مختلط بتراب. # وقد يسمى البخار دخانا ومنه قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} ~~قال المفسرون: بخار الماء كما جاءت الآثار: {إن الله خلق السموات من بخار ~~الماء} وهو ms5386 الدخان. فإن الدخان الهواء المختلط بشيء حار ثم قد لا يكون فيه ~~ماء وهو الدخان الصرف وقد يكون فيه ماء فهو دخان وهو بخار كبخار القدر. وقد ~~يسمى الدخان بخارا. فيقال لمن استجمر بالطيب تبخر وإن كان لا رطوبة هنا بل ~~دخان الطيب سمي بخارا. قال الجوهري: بخار الماء ما يرتفع منه كالدخان ~~والبخور بالفتح ما يتبخر به؛ لكن إنما يصير الهواء نارا # PageV17P265 # بعد أن تذهب المادة التي انقلبت نارا. كالحطب والدهن فلم تتولد النار إلا ~~من مادة كما لم يتولد الحيوان إلا من مادة. # فصل: # والمقصود أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة فلا بد أن ~~يكون من أصلين ومن انفصال جزء من الأصل. وإذا قيل في الشبع والري: إنه ~~متولد أو في زهوق الروح ونحو ذلك من الأعراض أنه متولد فلا بد في جميع ما ~~يستعمل فيه هذا اللفظ من أصلين لكن العرض يحتاج إلى محل لا يحتاج إلى مادة ~~تنقلب عرضا: بخلاف الأجسام فإنها إنما تخلق من مواد تنقلب أجساما كما تنقلب ~~إلى نوع آخر كانقلاب المني علقة. ثم مضغة وغير ذلك من خلق الحيوان والنبات. ~~وأما ما كان من أصل واحد: كخلق حواء من الضلع القصرى لآدم وهو وإن كان ~~مخلوقا من مادة أخذت من آدم فلا يسمى هذا تولدا؛ ولهذا لا يقال: إن آدم ولد ~~حواء ولا يقال إنه أبو حواء بل خلق الله حواء من آدم كما خلق آدم من الطين. # PageV17P266 # وأما المسيح فيقال: إنه ولدته مريم ويقال: المسيح ابن مريم فكان المسيح ~~جزءا من مريم وخلق بعد نفخ الروح في فرج مريم كما قال تعالى: {ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت ~~من القانتين} وفي الأخرى: {فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية ~~للعالمين} وأما حواء فخلقها الله من مادة أخذت من آدم كما خلق آدم من ~~المادة الأرضية وهي الماء والتراب والريح الذي أيبسته حتى صار صلصالا فلهذا ~~لا يقال إن ms5387 آدم ولد حواء ولا آدم ولده التراب ويقال في المسيح: ولدته مريم ~~فإنه كان من أصلين من مريم ومن النفخ الذي نفخ فيها جبريل. قال الله تعالى ~~{فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا} {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} {قالت أنى يكون لي ~~غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} {قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله ~~آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} إلى ~~آخر القصة. فهي إنما حملت به بعد النفخ لم تحمل به مدة بلا نفخ ثم نفخت فيه ~~روح الحياة كسائر الآدميين ففرق بين النفخ للحمل وبين النفخ لروح الحياة. # PageV17P267 # فتبين أن ما يقال إنه متولد من غيره من الأعيان القائمة بنفسها فلا يكون ~~إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد ولا يكون إلا من أصلين والرب تعالى صمد ~~فيمتنع أن يخرج منه شيء وهو سبحانه لم يكن له صاحبة فيمتنع أن يكون له ولد. ~~وأما ما يستعمل من تولد الأعراض. كما يقال: تولد الشعاع وتولد العلم عن ~~الفكر وتولد الشبع عن الأكل وتولدت الحرارة عن الحركة ونحو ذلك فهذا ليس من ~~تولد الأعيان؛ مع أن هذا لا بد له من محل ولا بد له من أصلين. ولهذا كان ~~قول النصارى إن المسيح ابن الله - تعالى الله عن ذلك - مستلزما لأن يقولوا: ~~إن مريم صاحبة الله فيجعلون له زوجة وصاحبة كما جعلوا له ولدا وبأي معنى ~~فسروا كونه ابنه فإنه يفسر الزوجة بذلك المعنى والأدلة الموجبة تنزيهه عن ~~الصاحبة توجب تنزيهه عن الولد فإذا كانوا يصفونه بما هو أبعد عن اتصافه به ~~كان اتصافه بما هو أقل بعدا لازما لهم وقد بسط هذا في الرد على النصارى. # فصل: # وهذا مما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله: {لم يلد ولم يولد} ~~وبقوله: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد الله وإنهم # PageV17P268 # لكاذبون} وقوله: {وجعلوا لله شركاء الجن ms5388 وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} يعم جميع الأنواع التي ~~تذكر في هذا الباب عن بعض الأمم كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعم أيضا ~~جميع أنواع الاتخاذات الاصطفائية كما قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى ~~نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير} ~~. قال السدي: قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد ~~فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي ~~مناد أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل. وقد قال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله} وقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل} وقال: {تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده ليكون للعالمين نذيرا} {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وقال: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} # PageV17P269 # {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقال: {وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} {وله ما في السماوات والأرض وله ~~الدين واصبا} إلى قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا} إلى قوله: {ويجعلون ~~لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} وقال: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا} {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ~~إنكم لتقولون قولا عظيما} {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم ~~إلا نفورا} {قل لو كان معه آلهة كما يقولون ms5389 إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا} وقال: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} {أم خلقنا الملائكة ~~إناثا وهم شاهدون} {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد الله وإنهم لكاذبون} ~~{أصطفى البنات على البنين} {ما لكم كيف تحكمون} {أفلا تذكرون} {أم لكم ~~سلطان مبين} {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ~~ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} {سبحان الله عما يصفون} {إلا عباد الله ~~المخلصين} {فإنكم وما تعبدون} {ما أنتم عليه بفاتنين} {إلا من هو صالي ~~الجحيم} وقال: {أفرأيتم اللات والعزى} {ومناة الثالثة الأخرى} {ألكم الذكر ~~وله الأنثى} {تلك إذا قسمة ضيزى} {إن هي إلا أسماء # PageV17P270 # سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} إلى قوله: {إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} وقال تعالى: {وجعلوا له من عباده ~~جزءا} . قال بعض المفسرين: {جزءا} أي نصيبا وبعضا وقال بعضهم: جعلوا لله ~~نصيبا من الولد وعن قتادة ومقاتل عدلا. وكلا القولين صحيح فإنهم يجعلون له ~~ولدا والولد يشبه أباه ولهذا قال: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا} أي البنات. كما فال في الآية الأخرى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} ~~فقد جعلوها للرحمن مثلا وجعلوا له من عباده جزءا فإن الولد جزء من الوالد ~~كما تقدم قال صلى الله عليه وسلم {إنما فاطمة بضعة مني} وقوله: {وجعلوا لله ~~شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} قال الكلبي نزلت في ~~الزنادقة قالوا: إن الله وإبليس شريكان فالله خالق النور والناس والدواب ~~والأنعام. وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب. وأما قوله: ~~{وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} فقيل هو قولهم: الملائكة بنات الله وسمى ~~الملائكة جنا لاجتنانهم عن الأبصار. وهو قول مجاهد وقتادة وقيل قالوا لحي ~~من الملائكة يقال لهم الجن # PageV17P271 # ومنهم إبليس وهم بنات الله وقال الكلبي قالوا - لعنهم الله - بل تزوج من ~~الجن فخرج بينهما الملائكة. وقوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} قال ms5390 ~~بعض المفسرين كالثعلبي وهم كفار العرب قالوا الملائكة والأصنام بنات الله ~~واليهود قالوا عزير ابن الله والنصارى قالوا المسيح ابن الله. # فصل: # وأما الذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله وما نقل عنهم ~~من أنه صاهر الجن فولدت له الملائكة فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة ~~وبامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد وقوله: {ولم تكن له صاحبة} . وهذا كما ~~تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي ~~تسمى الجواهر وتولد الأعراض والصفات بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال ~~جزء من الوالد فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد وقد علموا ~~كلهم أن لا صاحبة له لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الإنس فلم يقل أحد ~~منهم أن له صاحبة فلهذا احتج بذلك عليهم وما حكي عن بعض كفار العرب أنه ~~صاهر الجن فهذا فيه نظر وذلك # PageV17P272 # إن كان قد قيل: فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة وكذلك ما قالته ~~النصارى: من أن المسيح ابن الله وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ابن ~~الله فإنه قد نفاه سبحانه بهذا وبهذا. فإن قيل: أما عوام النصارى فلا تنضبط ~~أقوالهم وأما الموجود في كلام علمائهم وكتبهم فإنهم يقولون: أن أقنوم ~~الكلمة ويسمونها الابن تدرع المسيح أي اتخذه درعا كما يتدرع الإنسان قميصه ~~فاللاهوت تدرع الناسوت ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد قيل ~~قصدهم أن الرب موجود حي عليم فالموجود هو الأب والعلم هو الابن والحياة هو ~~روح القدس هذا قول كثير منهم ومنهم من يقول بل موجود عالم قادر ويقول العلم ~~هو الكلمة وهو المتدرع والقدرة هي روح القدس؛ فهم مشتركون في أن المتدرع هو ~~أقنوم الكلمة وهي الابن. ثم اختلفوا في التدرع واختلفوا هل هما جوهر أو ~~جوهران؟ وهل لهما مشيئة أو مشيئتان ولهم في الحلول والاتحاد كلام مضطرب ليس ~~هذا موضع بسطه. فإن مقالة النصارى فيها من الاختلاف بينهم ما ms5391 يتعذر ضبطه ~~فإن قولهم ليس مأخوذا عن كتاب منزل ولا نبي مرسل ولا هو موافق لعقول ~~العقلاء فقالت اليعقوبية صار جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا ~~كالماء في اللبن. وقالت # PageV17P273 # النسطورية: بل هما جوهران وطبيعتان ومشيئتان؛ لكن حل اللاهوت في الناسوت ~~حلول الماء في الظرف. وقالت الملكية: بل هما جوهر واحد له مشيئتان وطبيعتان ~~أو فعلان كالنار في الحديد. وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى: {لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} هم اليعقوبية وفي قوله: {وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله} هم الملكية وقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة} هم النسطورية وليس بشيء بل الفرق الثلاث تقول المقالات التي ~~حكاها الله عز وجل عن النصارى فكلهم يقولون: إنه الله ويقولون: إنه ابن ~~الله وكذلك في أمانتهم التي هم متفقون عليها يقولون إله حق من إله حق وأما ~~قوله: " ثالث ثلاثة " فإنه قال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ~~ما ليس لي بحق} . قال أبو الفرج ابن الجوزي في قوله: {لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله ثالث ثلاثة} قال المفسرون: معنى الآية أن النصارى قالوا بأن ~~الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم كل واحد منهم إله وذكر عن الزجاج: ~~الغلو مجاوزة القدر في الظلم وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم هو الله وقول ~~بعضهم هو ابن الله وقول بعضهم هو # PageV17P274 # ثالث ثلاثة. فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم هو ابن الله بما ذكروه من ~~أن الكلمة هي الابن والفرق الثلاث متفقة على ذلك وفساد قولهم معلوم بصريح ~~العقل من وجوه: # أحدها: أنه ليس في شيء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله ابنا لا كلامه ~~ولا غيره فتسميتهم صفة الله ابنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه وما نقلوه ~~عن المسيح من قوله عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس لم يرد بالابن ~~صفة الله التي هي كلمته ms5392 ولا بروح القدس حياته فإنه لا يوجد في كلام ~~الأنبياء إرادة هذا المعنى كما قد بسط هذا في الرد على النصارى. الوجه ~~الثاني: أن هذه الكلمة التي هي الابن أهي صفة الله قائمة به أم هي جوهر ~~قائم بنفسه؟ فإن كانت صفته بطل مذهبهم من وجوه. أحدها: أن الصفة لا تكون ~~إلها يخلق ويرزق ويحيي ويميت والمسيح عندهم إله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ~~فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله فهو أولى أن لا يكون إلها. الثاني: أن الصفة ~~لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه وإن قالوا: نزل عليه كلام الله أو قالوا: ~~إنه الكلمة أو غير ذلك فهذا قدر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء. # PageV17P275 # الثالث: أن الصفة لا تتحد وتتدرع شيئا إلا مع الموصوف فيكون الأب نفسه هو ~~المسيح والنصارى متفقون على أنه ليس هو الأب فإن قولهم متناقض: ينقض بعضه ~~بعضا يجعلونه إلها يخلق ويرزق ولا يجعلونه الأب الذي هو الإله ويقولون: إله ~~واحد وقد شبهه بعض متكلميهم كيحيى بن عدي بالرجل الموصوف بأنه طبيب وحاسب ~~وكاتب وله بكل صفة حكم فيقال: هذا حق لكن قولهم ليس نظير هذا فإذا قلتم أن ~~الرب موجود حي عالم وله بكل صفة حكم فمعلوم أن المتحد إن كان هو الذات ~~المتصفة فالصفات كلها تابعة لها فإنه إذا تدرع زيد الطبيب الحاسب الكاتب ~~درعا كانت الصفات كلها قائمة به وإن كان المتدرع صفة دون صفة عاد المحذور. ~~وإن قالوا: المتدرع الذات بصفة دون صفة لزم افتراق الصفتين وهذا ممتنع؛ فإن ~~الصفات القائمة بموصوف واحد وهي لازمة له لا تفترق وصفات المخلوقين قد يمكن ~~عدم بعضها مع بقاء الباقي بخلاف صفات الرب تبارك وتعالى. الرابع: إن المسيح ~~نفسه ليس هو كلمات الله ولا شيئا من صفاته بل هو مخلوق بكلمة الله وسمي ~~كلمة لأنه خلق بكن من غير الحبل المعتاد كما قال تعالى: {إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وقال تعالى: {ذلك عيسى # PageV17P276 # ابن مريم ms5393 قول الحق الذي فيه يمترون} {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ولو قدر أنه نفسه كلام الله كالتوراة ~~والإنجيل وسائر كلام الله لم يكن كلام الله ولا شيء من صفاته خالقا ولا ربا ~~ولا إلها. فالنصارى إذا قالوا: إن المسيح هو الخالق كانوا ضالين من جهة جعل ~~الصفة خالقة ومن جهة جعله هو نفس الصفة وإنما هو مخلوق بالكلمة ثم قولهم ~~بالتثليث وأن الصفات ثلاث باطل وقولهم أيضا: بالحلول والاتحاد باطل. فقولهم ~~يظهر بطلانه من هذه الوجوه وغيرها. فلو قالوا: إن الرب له صفات قائمة به ~~ولم يذكروا اتحادا ولا حلولا كان هذا قول جماهير المسلمين المثبتين للصفات. ~~وإن قالوا: إن الصفات أعيان قائمة بنفسها فهذا مكابرة فهم يجمعون بين ~~المتناقضين. وأيضا فجعلهم عدد الصفات ثلاثة باطل فإن صفات الرب أكثر من ذلك ~~فهو سبحانه موجود حي عليم قدير. والأقانيم عندهم التي جعلوها الصفات ليست ~~إلا ثلاثة؛ ولهذا تارة يفسرونها بالوجود والحياة والعلم وتارة يفسرونها ~~بالوجود والقدرة والعلم واضطرابهم كثير. فإن قولهم في نفسه باطل ولا يضبطه ~~عقل عاقل ولهذا يقال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا # PageV17P277 # وأيضا فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها. كما قال سبحانه وتعالى: {قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا} وهذا قول جماهير الناس من المسلمين وغير المسلمين وهذا مذهب ~~سلف الأمة الذين يقولون لم يزل سبحانه متكلما بمشيئته. وقول من قال: إنه لم ~~يزل قادرا على الكلام لكن تكلم بمشيئته كلاما قائما بذاته حادثا وقول من ~~قال كلامه مخلوق في غيره. وأما من قال: كلامه شيء واحد قديم العين فهؤلاء ~~منهم من يقول: إنه أمور لا نهاية لها مع ذلك. ومنهم من يقول: بل هو معنى ~~واحد ولكن العبارات عنه متعددة وهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون ذلك المعنى ~~قائما بغير الله وإنما يقوم بغيره عندهم العبارات المخلوقة ويمتنع أن ms5394 يكون ~~المسيح شيئا من تلك العبارات فإذا امتنع أن يكون المسيح غير كلام الله على ~~قول هؤلاء فعلى قول الجمهور أشد امتناعا؛ لأن كلمات الله كثيرة والمسيح ليس ~~هو جميعها بل ولا مخلوقا بجميعها وإنما خلق بكلمة منها وليس هو عين تلك ~~الكلمة فإن الكلمة صفة من الصفات والمسيح عين قائم بنفسه. ثم يقال لهم: ~~تسميتكم العلم والكلمة ولدا وابنا تسمية باطلة باتفاق العلماء والعقلاء ولم ~~ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء قالوا: لأن الذات # PageV17P278 # يتولد عنها العلم والكلام كما يتولد ذلك عن نفس الرجل العالم منها فيتولد ~~من ذاته العلم والحكمة والكلام فلهذا سميت الكلمة ابنا قيل هذا باطل من ~~وجوه. أحدها: أن صفاتنا حادثة تحدث بسبب تعلمنا ونظرنا وفكرنا واستدلالنا ~~وأما كلمة الرب وعلمه فهو قديم لازم لذاته فيمتنع أن يوصف بالتولد إلا أن ~~يدعي المدعي أن كل صفة لازمة لموصوفها متولدة عنه وهي ابن له ومعلوم أن هذا ~~من أبطل الأمور في العقول واللغات فإن حياة الإنسان ونطقه وغير ذلك من ~~صفاته اللازمة له لا يقال إنها متولدة عنه وإنها ابن له وأيضا فيلزم أن ~~يكون حياة الرب أيضا ابنه ومتولدة وكذلك قدرته وإلا فما الفرق بين تولد ~~العلم وتولد الحياة والقدرة وغير ذلك من الصفات. وثانيها أن هذا إن كان من ~~باب تولد الجواهر والأعيان القائمة بنفسها فلا بد له من أصلين ولا بد أن ~~يخرج من الأصل جزء وأما علمنا وقولنا فليس عينا قائما بنفسه وإن كان صفة ~~قائمة بموصوف وعرضا قائما في محل كعلمنا وكلامنا فذاك أيضا لا يتولد إلا عن ~~أصلين ولا بد له من محل يتولد فيه. والواحد منا لا يحدث له العلم والكلام ~~إلا بمقدمات تتقدم على ذلك وتكون أصولا للفروع ويحصل العلم والكلام في محل ~~لم يكن حاصلا فيه قبل ذلك. # PageV17P279 # فإن قلتم إن علم الرب كذلك لزم أن يصير عالما بالأشياء بعد أن لم يكن ~~عالما بها وأن تصير ذاته متكلمة بعد أن لم يكن متكلما وهذا مع أنه ms5395 كفر عند ~~جماهير الأمم من المسلمين والنصارى وغيرهم فهو باطل في صريح العقل فإن ~~الذات التي لا تكون عالمة يمتنع أن تجعل نفسها عالمة بلا أحد يعلمها والله ~~تعالى يمتنع عليه أن يكون متعلما من خلقه وكذلك الذات التي تكون عاجزة عن ~~الكلام يمتنع أن تصير قادرة عليه بلا أحد يجعلها قادرة والواحد منها لا ~~يولد جميع علومه بل ثم علوم خلقت فيه لا يستطيع دفعها فإذا نظر فيها حصلت ~~له علوم أخرى. فلا يقول أحد من بني آدم: إن الإنسان يولد علومه كلها ولا ~~يقول أحد: إنه يجعل نفسه متكلمة بعد أن لم تكن متكلمة بل الذي يقدره على ~~النطق هو الذي أنطق كل شيء. فإن قالوا: إن الرب يولد بعض علمه وبعض كلامه ~~دون بعض: بطل تسمية العلم - الذي هو الكلمة مطلقا - الابن وصار لفظ الابن ~~إنما يسمى به بعض علمه أو بعض كلامه وهم يدعون أن المسيح هو الكلمة وهو ~~أقنوم العلم مطلقا وذلك ليس متولدا عنه كله ولا يسمى كله ابنا باتفاق ~~العقلاء. وثالثها أن يقال: تسمية علم العالم وكلامه ولدا له لا يعرف في شيء ~~من اللغات المشهورة وهو باطل بالعقل فإن علمه وكلامه كقدرته وعلمه فإن # PageV17P280 # جاز هذا جاز تسمية صفات الإنسان كلها الحادثة متولدات عنه له وتسميتها ~~أبناءه ومن قال من أهل الكلام القدرية. إن العلم الحاصل بالنظر متولد عنه ~~فهو كقوله إن الشبع والري متولد عن الأكل والشرب لا يقول إن العلم ابنه ~~وولده كما لا يقول إن الشبع والري ابنه ولا ولده لأن هذا من باب تولد ~~الأعراض والمعاني القائمة بالإنسان وتلك لا يقال إنها أولاده وأبناؤه. ومن ~~استعار فقال بنيات فكره فهو كما يقال بنيات الطريق ويقال ابن السبيل ويقال ~~لطير الماء ابن ماء وهذه تسمية مقيدة قد عرف أنها ليس المراد بها ما هو ~~المعقول من الأب والابن والوالد والولد وأيضا فكلام الأنبياء ليس في شيء ~~منه تسمية شيء من صفات الله ابنا فمن حمل شيئا من كلام الأنبياء ms5396 على ذلك ~~فقد كذب عليهم وهذا مما يقر به علماء النصارى وما وجد عندهم من لفظ الابن ~~في حق المسيح وإسرائيل وغيرهما فهو اسم للمخلوق لا لشيء من صفات الخالق ~~والمراد به أنه مكرم معظم. ورابعها: أن يقال فإذا قدر أن الأمر كذلك فالذي ~~حصل للمسيح إن كان هو ما علمه الله إياه من علمه وكلامه فهذا موجود لسائر ~~النبيين فلا معنى لتخصيصه بكونه ابن الله وإن كان هو أن العلم والكلام إله ~~اتحد به فيكون العلم والكلام جوهرا قائما بنفسه فإن كان هو الأب فيكون ~~المسيح هو الأب وإن كان العلم والكلام جوهرا آخر فيكون إلهان قائمان # PageV17P281 # بأنفسهما فتبين فساد ما قالوه بكل وجه. # وخامسها: أن يقال: من المعلوم عند الخاصة والعامة أن المعنى الذي خص به ~~المسيح إنما هو أن خلق من غير أب فلما لم يكن له أب من البشر جعل النصارى ~~الرب أباه وبهذا ناظر نصارى نجران النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن لم ~~يكن هو ابن الله فقل لنا من أبوه؟ فعلم أن النصارى إنما ادعوا فيه البنوة ~~الحقيقية وأن ما ذكر من كلام علمائهم هو تأويل منهم للمذهب ليزيلوا به ~~الشناعة التي لا يبلغها عاقل وإلا فليس في جعله ابن الله وجه يختص به معقول ~~فعلم أن النصارى جعلوه ابن الله وأن الله أحبل مريم والله هو أبوه وذلك لا ~~يكون إلا بإنزال جزء منه فيها وهو سبحانه الصمد ويلزمهم أن تكون مريم صاحبة ~~وزوجة له ولهذا يتألهونها كما أخبر الله عنهم. وأي معنى ذكروه في بنوة عيسى ~~غير هذا لم يكن فيه فرق بين عيسى وبين غيره ولا صار فيه معنى البنوة بل ~~قالوا: كما قال بعض مشركي العرب إنه صاهر الجن فولدت له الملائكة وإذا ~~قالوا: اتخذه ابنا على سبيل الاصطفاء فهذا هو المعنى الفعلي وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى إبطاله. وقوله تعالى: {وروح منه} ليس فيه أن بعض الله صار في ~~عيسى بل من لابتداء الغاية كما قال: {وسخر لكم ms5397 ما في السماوات # PageV17P282 # وما في الأرض جميعا منه} وقال: {وما بكم من نعمة فمن الله} وما أضيف إلى ~~الله أو قيل هو منه فعلى وجهين إن كان عينا قائمة بنفسها فهو مملوك له ومن ~~لابتداء الغاية كما قال تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا} وقال في المسيح: ~~{وروح منه} وما كان صفة لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صفة له كما يقال ~~كلام الله وعلم الله وكما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ~~وقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وألفاظ ~~المصادر يعبر بها عن المفعول فيسمى المأمور به أمرا والمقدور قدرة والمرحوم ~~به رحمة والمخلوق بالكلمة كلمة فإذا قيل في المسيح: إنه كلمة الله فالمراد ~~به أنه خلق بكلمة قوله كن ولم يخلق على الوجه المعتاد من البشر وإلا فعيسى ~~بشر قائم بنفسه ليس هو كلاما صفة للمتكلم يقوم به وكذلك إذا قيل عن ~~المخلوق: إنه أمر الله. فالمراد أن الله كونه بأمره كقوله: {أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه} وقوله: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل} فالرب تعالى أحد صمد لا يجوز أن يتبعض ويتجزأ فيصير بعضه في ~~غيره سواء سمي ذلك روحا أو غيره فبطل ما يتوهمه النصارى من كونه ابنا له ~~وتبين أنه عبد من عباد الله. وقد قيل: منشأ ضلال القوم أنه كان في لغة من ~~قبلنا يعبر عن # PageV17P283 # الرب بالأب وبالابن عن العبد المربى الذي يربه الله ويربيه فقال المسيح: ~~عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس فأمرهم أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا ~~بعبده ورسوله المسيح ويؤمنوا بروح القدس جبريل. فكانت هذه الأسماء لله ~~ولرسوله الملكي ورسوله البشري. قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس} وقد أخبر تعالى: في غير آية أنه أيد المسيح بروح القدس وهو ~~جبريل عند جمهور المفسرين كقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من ~~بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} فعند جمهور ~~المفسرين أن روح ms5398 القدس هو جبريل؛ بل هذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك ~~والسدي وغيرهم ودليل هذا قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} {قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين} وروى الضحاك عن ابن عباس ~~أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه ~~الإنجيل. وقال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال ~~تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وقال تعالى: {ينزل # PageV17P284 # الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} فما ينزله الله في قلوب ~~أنبيائه مما تحيا به قلوبهم من الإيمان الخالص يسميه روحا وهو ما يؤيد الله ~~به المؤمنين من عباده فكيف بالمرسلين منهم والمسيح عليه السلام من أولي ~~العزم فهو أحق بهذا من جمهور الرسل والأنبياء وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس} وقد ذكر الزجاج في تأييده بروح القدس ثلاثة ~~أوجه: أحدها: أنه أيده به لإظهار أمره ودينه. الثاني: لدفع بني إسرائيل عنه ~~إذ أرادوا قتله. الثالث: أنه أيده به في جميع أحواله. ومما يبين ذلك أن لفظ ~~الابن في لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله تعالى قال في التوراة ~~لإسرائيل: أنت ابني بكري والمسيح كان يقول أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع ~~ويسمي غيره ابنا له فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك ولكن النصارى يقولون: ~~هو ابنه بالطبع وغيره ابنه بالوضع فيفرقون فرقا لا دليل عليه ثم قولهم هو ~~ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلا وسمعا ما يبين بطلانه. # PageV17P285 # فصل: # وأما ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته ~~وأنه صدر عنه عقل ثم عقل ثم عقل إلى تمام عشرة ms5399 عقول وتسعة أنفس. وقد يجعلون ~~العقل بمنزلة الذكر والنفس بمنزلة الأنثى فهؤلاء قولهم أفسد من قول مشركي ~~العرب وأهل الكتاب عقلا وشرعا ودلالة القرآن على فساده أبلغ وذلك من وجوه. ~~أحدها: أن هؤلاء يقولون: بقدم الأفلاك وقدم هذه الروحانيات التي يثبتونها ~~ويسمونها المجردات والمفارقات والجواهر العقلية وأن ذلك لم يزل قديما أزليا ~~وما كان قديما أزليا امتنع أن يكون مفعولا بوجه من الوجوه ولا يكون مفعولا ~~إلا ما كان حادثا وهذه قضية بديهية عند جماهير العقلاء وعليها الأولون ~~والآخرون من الفلاسفة وسائر الأمم ولهذا كان جماهير الأمم يقولون كل ممكن ~~أن يوجد وأن لا يوجد فلا يكون إلا حادثا وإنما ادعى وجود ممكن قديم معلول ~~طائفة من المتأخرين: كابن سينا ومن وافقه: زعموا أن الفلك # PageV17P286 # قديم معلول لعلة قديمة. وأما الفلاسفة القدماء فمن كان منهم يقول بحدوث ~~الفلك وهم جمهورهم ومن كان قبل أرسطو فهؤلاء موافقون لأهل الملل ومن قال ~~بقدم الفلك كأرسطو وشيعته فإنما يثبتون له علة غائية يتشبه الفلك بها لا ~~يثبتون له علة فاعلة وما يثبتونه من العقول والنفوس فهو من جنس الفلك كل ~~ذلك قديم واجب بنفسه وإن كان له علة غائية وهؤلاء أكفر من هؤلاء المتأخرين ~~لكن الغرض أن يعرفوا أن قول هؤلاء ليس قول أولئك. الثاني: أن هؤلاء يقولون: ~~إن الرب واحد والواحد لا يصدر عنه إلا واحد ويعنون بكونه واحدا أنه ليس له ~~صفة ثبوتية أصلا ولا يعقل فيه معان متعددة؛ لأن ذلك عندهم تركيب ولهذا ~~يقولون: لا يكون فاعلا وقابلا لأن جهة الفعل غير جهة القبول وذلك يستلزم ~~تعدد الصفة المستلزم للتركيب ومع هذا يقولون: إنه عاقل ومعقول وعقل وعاشق ~~ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة إلى غير ذلك من المعاني المتعددة ويقولون: إن ~~كل واحدة من هذه الصفات هي الصفة الأخرى والصفة هي الموصوف والعلم هو ~~القدرة وهو الإرادة والعلم هو العالم وهو القادر. ومن المتأخرين منهم من ~~قال: العلم هو المعلوم فإذا تصور العاقل أقوالهم حق التصور تبين له أن هذا ms5400 ~~الواحد الذي أثبتوه لا يتصور # PageV17P287 # وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان وقد بسط الكلام عليه وبين فساد ما ~~يقولونه في التوحيد والصفات وبين فساد شبه التركيب من وجوه كثيرة في مواضع ~~غير هذا وإذا كان كذلك فالأصل الذي بنوا عليه قولهم: " إن الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد " أصل فاسد. الثالث: أن يقال قولهم بصدور الأشياء مع ما فيها ~~من الكثرة والحدوث عن واحد بسيط في غاية الفساد. الرابع: أنه لا يعلم في ~~العالم واحد بسيط صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان فهذه الدعوى الكلية لا ~~يعلم ثبوتها في شيء أصلا. الخامس: أنهم يقولون صدر عنه واحد وعن ذلك الواحد ~~عقل ونفس وفلك فيقال: إن كان الصادر عنه واحدا من كل وجه فلا يصدر عن هذا ~~الواحد إلا واحد أيضا فيلزم أن يكون كل ما في العالم إنما هو واحد عن واحد ~~وهو مكابرة وإن كان في الصادر الأول كثرة ما بوجه من الوجوه فقد صدر عن ~~الأول ما فيه كثرة ليس واحدا من كل وجه فقد صدر عن الواحد ما ليس بواحد. ~~ولهذا اضطرب متأخروهم فأبو البركات صاحب " المعتبر " أبطل هذا القول ورده ~~غاية الرد وابن رشد الحفيد زعم أن الفلك بما فيه صادر عن الأول. والطوسي ~~وزير الملاحدة يقرب من هذا؛ فجعل الأول # PageV17P288 # شرطا في الثاني والثاني شرطا في الثالث وهم مشتركون في الضلال وهو إثبات ~~جواهر قائمة بنفسها أزلية مع الرب لم تزل ولا تزال معه لم تكن مسبوقة بعدم ~~وجعل الفلك أيضا أزليا وهذا وحده فيه من مخالفة صريح المعقول والكفر بما ~~جاءت به الرسل ما فيه كفاية فكيف إذا ضم إليه غير ذلك من أقاويلهم المخالفة ~~للعقل والنقل الوجه السادس: أن الصوادر المعلومة في العالم إنما تصدر عن ~~اثنين وأما واحد وحده فلا يصدر عنه شيء كما تقدم التنبيه عليه في المتولدات ~~من الأعيان والأعراض. وكل ما يذكرونه من صدور الحرارة عن الحار والبرودة عن ~~البارد والشعاع عن الشمس وغير ذلك: فإنما هو ms5401 صدور أعراض ومع هذا فلا بد لها ~~من أصلين. وأما صدور الأعيان عن غيرها فهذا لا يعلم إلا بالولادة المعروفة ~~وتلك لا تكون إلا بانفصال جزء من الأصل وهذا الصدور والتولد والمعلولية ~~التي يدعونها في العقول والنفوس والأفلاك يقولون إنها جواهر قائمة بأنفسها ~~صدرت عن جوهر واحد بسيط فهذا من أبطل قول قيل في الصدور والتولد لأن فيه ~~صدور جواهر عن جوهر واحد وهذا لا يعقل وفيه صدوره عنه من غير جزء منفصل من ~~الأصل وهذا لا يعقل وهم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث بعض الأعراض ~~كالشعاع عن الشمس وحركة الخاتم عن حركة اليد وهذا تمثيل # PageV17P289 # باطل لأن تلك ليست علة فاعلة وإنما هي شرط فقط والصادر هناك لم يكن عن ~~أصل واحد بل عن أصلين والصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه. فتبين أن ما ذكره ~~هؤلاء من التولد العقلي الذي يدعونه من أبعد الأمور عن التولد والصدور وهو ~~أبعد من قول النصارى ومشركي العرب وهم جعلوا مفعولاته بمنزلة صفة أزلية ~~لازمة لذاته وقد ذكرنا أن هذا مما يمتنع أن يقال فيه أنه متولد عنه وحينئذ ~~فهم في دعواهم إلهية العقول والنفوس والكواكب أكفر من هؤلاء وهؤلاء ومن جعل ~~من المنتسبين إلى الملل منهم هؤلاء هم الملكية فقوله في جعل الملائكة ~~متولدين عن الله شر من قول العرب وعوام النصارى فإن أولئك أثبتوا ولادة ~~حسية وكونه صمدا يبطلها؛ لكن ما أثبتوه معقول وهؤلاء ادعوا تولدا عقليا ~~باطلا من كل وجه أبطل مما ادعته النصارى من تولد الكلمة عن الذات فكان نفي ~~ما ادعوه أولى من نفي ما ادعاه أولئك لأن المحال الذي يعلم امتناعه في ~~الخارج لا يمكن تصوره موجودا في الخارج فإنه يمتنع وجوده في الخارج بل هو ~~يفرض في الذهن وجوده في الخارج وذلك إنما يمكن إذا كان له نظير من بعض ~~الوجوه فيقدر له في الوجود الخارجي ما يشبهه كما إذا قدر مع الله إلها آخر ~~وقدر أن له ولدا فإنه يشبه من له ولد ms5402 من العباد ومن له شريك من # PageV17P290 # العباد ثم يبين امتناع ذلك عليه فكلما كان المحال أبعد عن مشابهة الموجود ~~كان أعظم استحالة. والولادة التي ادعتها النصارى ثم هؤلاء الفلاسفة: أبعد ~~عن مشابهة الولادة المعلومة من الولادة التي ادعاها بعض مشركي العرب وعوام ~~النصارى واليهود فكانت هذه الولادة العقلية أشد استحالة من تلك الولادة ~~الحسية إذ الولادة الحسية تعقل في الأعيان القائمة بنفسها وأما الولادة ~~العقلية فلا تعقل في الأعيان أصلا وأيضا فأولئك أثبتوا ولادة من أصلين وهذا ~~هو الولادة المعقولة وهؤلاء أثبتوا ولادة من أصل واحد وأولئك أثبتوا ولادة ~~بانفصال جزء وهذا معقول. وهؤلاء أثبتوا ولادة بدون ذلك وهو لا يعقل وأولئك ~~أثبتوا ولادة قاسوها على ولادة الأعيان للأعيان وهؤلاء أثبتوا ولادة قاسوها ~~على تولد الأعراض عن الأعيان فعلم أن قول أولئك أقرب إلى المعقول وهو باطل ~~كما بين الله فساده وأنكره فقول هؤلاء أولى بالبطلان وهذا كما أن الله إذا ~~كفر من أثبت مخلوقا يتخذ شفيعا معبودا من دون الله فمن أثبت قديما دون الله ~~يعبد ويتخذ شفيعا كان أولى بالكفر. ومن أنكر المعاد مع قوله بحدوث هذا ~~العالم فقد كفره الله فمن أنكره مع قوله بقدم العالم فهو أعظم كفرا عند ~~الله تعالى. وهذا كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى أمته عن مشابهة # PageV17P291 # فارس المجوس والروم النصارى فنهيه عن مشابهة الروم اليونان المشركين ~~والهند المشركين أعظم وأعظم وإذا كان ما دخل في بعض المسلمين من مشابهة ~~اليهود والنصارى وفارس والروم مذموما عند الله ورسوله فما دخل من مشابهة ~~اليونان والهند والترك المشركين وغيرهم من الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام ~~من أهل الكتاب ومن فارس والروم أولى أن يكون مذموما عند الله تعالى وأن ~~يكون ذمه أعظم من ذاك. فهؤلاء الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام الذين ابتلي ~~بهم أواخر المسلمين شر من الأمم الذين ابتلي بهم أوائل المسلمين؛ وذلك لأن ~~الإسلام كان أهله أكمل وأعظم علما ودينا فإذا ابتلي بمن هو أرجح من هؤلاء ms5403 ~~غلبهم المسلمون لفضل علمهم ودينهم وأما هؤلاء المتأخرون فالمسلمون وإن ~~كانوا أنقص من سلفهم فإنه يظهر رجحانهم على هؤلاء لعظم بعدهم عن الإسلام ~~ولكن لما كثرت البدع من متأخري المسلمين استطال عليهم من استطال من هؤلاء ~~ولبسوا عليهم دينهم وصارت شبه الفلاسفة أعظم عند هؤلاء من غيرهم كما صار ~~قتال الترك الكفار أعظم من قتال من كان قبلهم عند أهل الزمان لأنهم إنما ~~ابتلوا بسيوف هؤلاء وألسنة هؤلاء وكان فيهم من نقص الإيمان ما أورث ضعفا في ~~العلم والجهاد وكما كان كثير من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهذا هذا. # PageV17P292 # ومما يبين هذا أن مشركي العرب واليهود والنصارى يقولون إن الله خلق ~~السموات والأرض بمشيئته وقدرته: بل يقولون: إنه خلق ذلك في ستة أيام وهؤلاء ~~المتفلسفة عندهم لم يحدثها بعد أن لم تكن فضلا عن أن يكون ذلك في ستة أيام ~~ثم يلبسون على المسلمين فيقولون العالم محدث يعنون بحدوثه أنه معلول علة ~~قديمة فهو بمنزلة قولهم متولد عن الله تعالى لكن هو أمر لا حقيقة له ولا ~~يعقل. وأيضا فمشركو العرب وأهل الكتاب يقرون بالملائكة وإن كان كثير منهم ~~يجعلون الملائكة والشياطين نوعا واحدا فمن خرج منهم عن طاعة الله أسقطه ~~وصار شيطانا وينكرون أن يكون إبليس كان أبا الجن وأن يكون الجن ينكحون ~~ويولدون ويأكلون ويشربون فهؤلاء النصارى الذين ينكرون هذا مع كفرهم هم خير ~~من هؤلاء المتفلسفة فإن هؤلاء لا حقيقة للملائكة عندهم إلا ما يثبتونه من ~~العقول والنفوس أو من أعراض تقوم بالأجسام كالقوى الصالحة وكذلك الجن جمهور ~~أولئك يثبتونها فإن العرب كانت تثبت الجن وكذلك أكثر أهل الكتاب وهؤلاء لا ~~يثبتونها ويجعلون الشياطين القوى الفاسدة وأيضا فمشركو العرب مع أهل الكتاب ~~يدعون الله ويقولون إنه يسمع دعاءهم ويجيبهم. وهؤلاء عندهم لا يعلم شيئا من ~~جزئيات العالم ولا يسمع دعاء أحد # PageV17P293 # ولا يجيب أحدا ولا يحدث في العالم شيئا ولا سبب للحدوث عندهم إلا حركات ~~الفلك والدعاء عندهم يؤثر لأنه تصرف النفس الناطقة ms5404 في هيولى العالم وقد ثبت ~~في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {يقول الله عز وجل: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم ~~وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد ~~الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن ~~يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته} وهذا وإن كان ~~متناولا قطعا لكفار العرب الذين قالوا هذا وهذا كما قال تعالى: {ويقول ~~الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} إلى قوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} ~~{لقد جئتم شيئا إدا} {تكاد السماوات يتفطرن منه} فذكر الله هذا وهذا فتناول ~~النصوص لهؤلاء بطريق الأولى فإن هؤلاء ينكرون الإعادة والابتداء أيضا فلا ~~يقولون: إن الله ابتدأ خلق السموات والأرض ولا كان للبشر ابتداء أولهم آدم ~~وأما شتمهم إياه بقولهم اتخذ ولدا فهؤلاء عندهم الفلك كله لازم له معلول له ~~أعظم من لزوم الولد والده والوالد له اختيار وقدرة في حدوث الولد منه ~~وهؤلاء عندهم ليس لله مشيئة وقدرة في لزوم الفلك له بل ولا يمكنه أن يدفع ~~لزومه عنه فالتولد الذي يثبتونه أبلغ من التولد الموجود في الخلق ولا ~~يقولون: إنه اتخذ ولدا بقدرته فإنه لا يقدر # PageV17P294 # عندهم على تغيير شيء من العالم بل ذلك لازم له لزوما: حقيقته أنه لم يفعل ~~شيئا؛ بل ولا هو موجود وإن سموه علة ومعلولا فعند التحقيق لا يرجعون إلى ~~شيء محصل فإن في قولهم من التناقض والفساد أعظم مما في قول النصارى. وقد ~~ذكر طائفة من أهل الكلام أن قولهم بالعلة والمعلول من جنس قول غيرهم ~~بالوالد والولد وأرادوا بذلك أن يجعلوهم من جنسهم في الذم وهذا تقصير عظيم ~~بل أولئك خير من هؤلاء وهؤلاء إذا حققت ما يقوله من هو أقربهم إلى الإسلام ~~كابن رشد الحفيد وجدت غايته أن يكون الرب شرطا في وجود العالم لا فاعلا له ms5405 ~~وكذلك من سلك مسلكهم من المدعين للتحقيق من ملاحدة الصوفية كابن عربي وابن ~~سبعين حقيقة قولهم أن هذا العالم موجود واجب أزلي ليس له صانع غير نفسه وهم ~~يقولون: الوجود واحد وحقيقة قولهم أنه ليس في الوجود خالق خلق موجودا آخر ~~وكلامهم في المعاد والنبوات والتوحيد شر من كلام اليهود والنصارى وعباد ~~الأصنام فإن هؤلاء يجوزون عبادة كل صنم في العالم لا يخصون بعض الأصنام ~~بالعبادة. # PageV17P295 # فصل: # وقد احتج ب (سورة الإخلاص) من أهل الكلام المحدث من يقول: الرب تعالى جسم ~~كبعض الذين وافقوا هشام بن الحكم ومحمد بن كرام وغيرهما ومن ينفي ذلك ويقول ~~ليس بجسم ممن وافق جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف ونحوهما فأولئك قالوا: ~~هو صمد والصمد لا جوف له وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة. فإنها لا جوف ~~لها كما في الجبال والصخور وما يصنع من عواميد الحجارة وكما قيل: إن ~~الملائكة صمد؛ ولهذا قيل إنه لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء ولا يأكل ~~ولا يشرب ونحو ذلك ونفي هذا لا يعقل إلا عمن هو جسم وقالوا: أصل الصمد ~~الاجتماع ومنه تصميد المال وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع وأما النفاة ~~فقالوا: الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق والانقسام وكل جسم في العالم يجوز ~~عليه التفرق والانقسام. وقالوا أيضا: الأحد الذي لا يقبل التجزؤ والانقسام ~~وكل جسم في العالم يجوز عليه التفرق والتجزىء والانقسام. وقالوا: # PageV17P296 # إذا قلتم هو جسم كان مركبا مؤلفا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة ~~وما كان مركبا مؤلفا من غيره كان مفتقرا إليه وهو سبحانه صمد والصمد الغني ~~عما سواه فالمركب لا يكون صمدا. فيقال: أما القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من ~~أجزاء وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا فإن هذا ~~ينافي كونه صمدا كما تقدم وسواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم ~~اجتمعت أو قيل: إنها لم تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض كما في ~~بدن الإنسان وغيره من الأجسام فإن ms5406 الإنسان وإن كان لم يزل مجتمع الأعضاء: ~~لكن يمكن أن يفرق بين بعضه من بعض والله سبحانه منزه عن ذلك؛ ولهذا قدمنا ~~أن كمال الصمدية له فإن هذا إنما يجوز على ما يجوز أن يفنى بعضه أو يعدم ~~وما قبل العدم والفناء لم يكن واجب الوجود بذاته ولا قديما أزليا؛ فإن ما ~~وجب قدمه امتنع عدمه وكذلك صفاته التي لم يزل موصوفا بها وهي من لوازم ذاته ~~فيمتنع أن يعدم اللازم إلا مع عدم الملزوم. ولهذا قال من قال من السلف. ~~الصمد هو الدائم وهو الباقي بعد فناء خلقه فإن هذا من لوازم الصمدية إذ لو ~~قبل العدم لم تكن صمديته لازمة له؛ بل جاز عدم صمديته فلا يبقى صمدا ولا # PageV17P297 # تنتفي عنه الصمدية إلا بجواز العدم عليه وذلك محال. فلا يكون مستوجبا ~~للصمدية إلا إذا كانت لازمة له وذلك ينافي عدمه وهو مستوجب للصمدية لم يصر ~~صمدا بعد أن لم يكن تعالى وتقدس فإن ذلك يقتضي أنه كان متفرقا فجمع وأنه ~~مفعول محدث مصنوع وهذه صفة مخلوقاته. وأما الخالق القديم الذي يمتنع عليه ~~أن يكون معدوما أو مفعولا أو محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه فلا يجوز عليه ~~شيء من ذلك فعلم أنه لم يزل صمدا ولا يزال صمدا فلا يجوز أن يقال: كان ~~متفرقا فاجتمع ولا أنه يجوز أن يتفرق بل ولا أن يخرج منه شيء ولا يدخل فيه ~~شيء. وهذا مما هو متفق عليه بين طوائف المسلمين سنيهم وبدعيهم وإن كان أحد ~~من الجهال أو من لا يعرف قد يقول خلاف ذلك فمثل هؤلاء لا تنضبط خيالاتهم ~~الفاسدة كما أنه ليس في طوائف المسلمين من يقول إنه مولود ووالد وإن كان ~~هذا قد قاله بعض الكفار وقد قال المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام من التولد ~~والتعليل ما هو شر من قول أولئك وأما إثبات الصفات له وأنه يرى في الآخرة ~~وأنه يتكلم بالقرآن وغيره وكلامه غير مخلوق: فهذا مذهب الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة المسلمين وأهل السنة والجماعة ms5407 من جميع الطوائف. والخلاف ~~في ذلك مشهور مع الجهمية والمعتزلة # PageV17P298 # وكثير من الفلاسفة والباطنية. وهؤلاء يقولون إن إثبات الصفات يوجب أن ~~يكون جسما وليس بجسم فلا تثبت له الصفات. قالوا: لأن المعقول من الصفات ~~أعراض قائمة بجسم لا تعقل صفته إلا كذلك. قالوا: والرؤية لا تعقل إلا مع ~~المعاينة فالمعاينة لا تكون إلا إذا كان المرئي بجهة ولا يكون بجهة إلا ما ~~كان جسما. قالوا: ولأنه لو قام به كلام أو غيره للزم أن يكون جسما فلا يكون ~~الكلام المضاف إليه إلا مخلوقا منفصلا عنه. وهذه المعاني مما ناظروا بها ~~الإمام أحمد في " المحنة " وكان ممن احتج على أن القرآن مخلوق بنفي التجسيم ~~أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث تلميذ حسين النجار وهو من أكابر المتكلمين فإن ~~ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد من أمكنه من متكلمي البصرة وبغداد ~~وغيرهم ممن يقول: إن القرآن مخلوق وهذا القول لم يكن مختصا بالمعتزلة كما ~~يظنه بعض الناس؛ فإن كثيرا من أولئك المتكلمين أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة ~~وبشر المريسي لم يكن من المعتزلة بل فيهم نجارية ومنهم برغوث. وفيهم ~~ضرارية. وحفص الفرد الذي ناظر الشافعي كان من الضرارية أتباع ضرار بن عمرو. ~~وفيهم مرجئة ومنهم بشر المريسي. ومنهم جهمية محضة ومنهم معتزلة وابن أبي # PageV17P299 # دؤاد لم يكن معتزليا؛ بل كان جهميا ينفي الصفات والمعتزلة تنفي الصفات ~~فنفاة الصفات الجهمية أعم من المعتزلة فلما احتج عليه برغوث بأنه لو كان ~~يتكلم ويقوم به الكلام لكان جسما وهذا منفي عنه وأحمد وأمثاله من السلف ~~كانوا يعلمون أن هذه الألفاظ التي ابتدعها المتكلمون كلفظ الجسم وغيره ~~ينفيها قوم ليتوصلوا بنفيها إلى نفي ما أثبته الله تعالى ورسوله ويثبتها ~~قوم ليتوصلوا بإثباتها إلى إثبات ما نفاه الله ورسوله. فالأولى طريقة ~~الجهمية: من المعتزلة وغيرهم: ينفون الجسم حتى يتوهم المسلمون أن قصدهم ~~التنزيه ومقصودهم بذلك أن الله لا يرى في الآخرة وأنه لم يتكلم بالقرآن ولا ~~غيره بل خلق كلاما في غيره وأنه ليس له ms5408 علم يقوم به ولا قدرة ولا حياة ولا ~~غير ذلك من الصفات قال الإمام أحمد في خطبته في " الرد على الجهمية ~~والزنادقة ": الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل ~~العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله ~~الموتى ويبصرون بنوره أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم ضال تائه ~~قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب ~~الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية ~~البدعة وأطلقوا عنان الفتنة # PageV17P300 # فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجتمعون على مخالفة الكتاب يقولون ~~على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ~~ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين. ~~والثانية طريقة هشام وأتباعه يحكى عنهم: أنهم أثبتوا ما قد نزه الله نفسه ~~عنه من اتصافه بالنقائص ومماثلته للمخلوقات فأجابهم الإمام أحمد بطريقة ~~الأنبياء وأتباعهم وهو الاعتصام بحبل الله الذي قال الله فيه. {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم} وقال تعالى: {المص} {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين} {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى # PageV17P301 # وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقال ~~تعالى: ms5409 {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} {يا أيها الذين آمنوا ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} . وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ~~{فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا} {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم ~~وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت # PageV17P302 # ويسلموا تسليما} وقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} وقوله ~~تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون} وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} . فهذه النصوص وغيرها تبين أن الله ms5410 أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق ~~من الباطل وبيان ما اختلف فيه الناس وأن الواجب على الناس اتباع ما أنزل ~~إليهم من ربهم ورد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة وأن من لم يتبع ذلك ~~كان منافقا وأن من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذلك حشر أعمى ضالا شقيا معذبا وأن الذين فرقوا دينهم قد برئ الله ~~ورسوله منهم. فاتبع الإمام أحمد طريقة سلفه من أئمة السنة والجماعة ~~المعتصمين # PageV17P303 # بالكتاب والسنة المتبعين ما أنزل الله إليهم من ربهم وذلك أن ننظر فما ~~وجدنا الرب قد أثبته لنفسه في كتابه أثبتناه وما وجدناه قد نفاه عن نفسه ~~نفيناه وكل لفظ وجد في الكتاب والسنة بالإثبات أثبت ذلك اللفظ وكل لفظ وجد ~~منفيا نفي ذلك اللفظ وأما الألفاظ التي لا توجد في الكتاب والسنة بل ولا في ~~كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين لا إثباتها ولا ~~نفيها. وقد تنازع فيها الناس فهذه الألفاظ لا تثبت ولا تنفى إلا بعد ~~الاستفسار عن معانيها فإن وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه أثبتت وإن ~~وجدت مما نفاه الرب عن نفسه نفيت وإن وجدنا اللفظ أثبت به حق وباطل أو نفي ~~به حق وباطل أو كان مجملا يراد به حق وباطل وصاحبه أراد به بعضها لكنه عند ~~الإطلاق يوهم الناس أو يفهمهم ما أراد وغير ما أراد فهذه الألفاظ لا يطلق ~~إثباتها ولا نفيها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ ~~التي تدخل في هذا المعنى فقل من تكلم بها نفيا أو إثباتا إلا وأدخل فيها ~~باطلا وإن أراد بها حقا. والسلف والأئمة كرهوا هذا الكلام المحدث؛ لاشتماله ~~على باطل وكذب وقول على الله بلا علم وكذلك ذكر أحمد في رده على الجهمية ~~أنهم يفترون على الله فيما ينفونه عنه ويقولون عليه بغير علم وكل # PageV17P304 # ذلك مما حرمه الله ورسوله ولم يكره السلف هذه لمجرد كونها اصطلاحية ولا ~~كرهوا الاستدلال بدليل صحيح جاء به ms5411 الرسول بل كرهوا الأقوال الباطلة ~~المخالفة للكتاب والسنة ولا يخالف الكتاب والسنة إلا ما هو باطل لا يصح ~~بعقل ولا سمع. ولهذا لما سئل أبو العباس ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد ~~المسلمين وقال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما ~~بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك ولم يرد بذلك أنه أنكر هذين ~~اللفظين فإنهما لم يكونا قد أحدثا في زمنه وإنما أراد إنكار ما يعني بهما ~~من المعاني الباطلة فإن أول من أحدثهما الجهمية والمعتزلة وقصدهم بذلك ~~إنكار صفات الله تعالى أو أن يرى أو أن يكون له كلام يتصف به وأنكرت ~~الجهمية أسماءه أيضا. وأول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم فضحى به ~~خالد بن عبد الله القسري بواسط. وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه. ~~وكلام السلف والأئمة في ذم هذا الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV17P305 # والمقصود هنا: أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره كانوا إذا ذكرت لهم أهل ~~البدع الألفاظ المجملة: كلفظ الجسم والجوهر والحيز ونحوها لم يوافقوهم لا ~~على إطلاق الإثبات " ولا على إطلاق النفي وأهل البدع بالعكس ابتدعوا ألفاظا ~~ومعاني إما في النفي وإما في الإثبات وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي ~~يجب اعتقاده والبناء عليه ثم نظروا في الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه ~~على قولهم تأولوه وإلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ~~ندري ما أريد بها. فجعلوا بدعهم أصلا محكما وما جاء به الرسول فرعا له ~~ومشكلا: إذا لم يوافقه. وهذا أصل الجهمية والقدرية وأمثالهم وأصل الملاحدة ~~من الفلاسفة الباطنية جميع كتبهم توجد على هذا الطريق ومعرفة الفرق بين هذا ~~وهذا من أعظم ما يعلم به الفرق بين الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله ~~وبين السبل المخالفة له وكذلك ms5412 الحكم في المسائل العلمية الفقهية ومسائل ~~أعمال القلوب وحقائقها وغير ذلك كل هذه الأمور قد دخل فيها ألفاظ ومعان ~~محدثة وألفاظ ومعان مشتركة. فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب ~~والحكمة أصلا في جميع هذه الأمور ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك ويبين ~~ما في الألفاظ المجملة من المعاني الموافقة للكتاب والسنة فتقبل وما فيها ~~من المعاني # PageV17P306 # المخالفة للكتاب والسنة فترد. ولهذا كل طائفة أنكر عليها ما ابتدعت احتجت ~~بما ابتدعته الأخرى كما يوجد في ألفاظ أهل الرأي والكلام والتصوف وإنما ~~يجوز أن يقال في بعض الآيات إنه مشكل ومتشابه إذا ظن أنه يخالف غيره من ~~الآيات المحكمة البينة فإذا جاءت نصوص بينة محكمة بأمر وجاء نص آخر يظن أن ~~ظاهره يخالف ذلك يقال في هذا إنه يرد المتشابه إلى المحكم أما إذا نطق ~~الكتاب أو السنة بمعنى واحد لم يجز أن يجعل ما يضاد ذلك المعنى هو الأصل ~~ويجعل ما في القرآن والسنة مشكلا متشابها فلا يقبل ما دل عليه. نعم قد يشكل ~~على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم ~~عن معانيها ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي ~~القرآن بيان معناه فإن القرآن جعله الله شفاء لما في الصدور وبيانا للناس ~~فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك؛ لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة ~~والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. إما أن لا ~~يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في ~~جاهلية بسبب عدم نور النبوة ومن ههنا يقع الشرك وتفريق الدين شيعا كالفتن ~~التي تحدث السيف فالفتن القولية والعملية # PageV17P307 # هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس: إذا قل ~~العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء. ولهذا شبهت الفتن بقطع ~~الليل المظلم ولهذا قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة ms5413 ~~بقايا من أهل العلم. فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما ~~قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} فأهل ~~الهدى والفلاح: هم المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ~~ومكان. وأهل العذاب والضلال: هم المكذبون للأنبياء يبقى أهل الجاهلية الذين ~~لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء. فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر لكن الله ~~يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون} فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولا. وقد رويت ~~آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم ~~القيامة في عرصات القيامة. # PageV17P308 # وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين؛ فإن الآخرة لا تكليف فيها وليس ~~كما قال إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار وإلا فهم ~~في قبورهم ممتحنون ومفتونون يقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ~~وكذلك في عرصات القيامة يقال: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع من كان ~~يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت ~~وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي رأوه ~~فيها أول مرة ويقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى ~~يأتينا ربنا. وفي رواية فيسألهم ويثبتهم وذلك امتحان لهم هل يتبعون غير ~~الرب الذي عرفوا أنه الله الذي تجلى لهم أول مرة فيثبتهم الله تعالى عند ~~هذه المحنة كما يثبتهم في فتنة القبر فإذا لم يتبعوه لكونه أتى في غير ~~الصورة التي يعرفون أتاهم حينئذ في الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق فإذا ~~رأوه خروا له سجدا إلا من كان منافقا فإنه يريد السجود فلا يستطيعه يبقى ~~ظهره مثل الطبق وهذا المعنى ms5414 مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة ~~أحاديث ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وقد أخرجاهما في الصحيحين ومن ~~حديث جابر وقد رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأبي موسى وهو معروف من رواية ~~أحمد وغيره فدل # PageV17P309 # ذلك على أن المحنة إنما تنقطع إذا دخلوا دار الجزاء وأما قبل دار الجزاء ~~امتحان وابتلاء. فإذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت ~~البدع والفجور ووقع الشر بينهم. كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال. " {سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة سألته أن لا ~~يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ~~فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها} " والبأس مشتق ~~من البؤس. قال الله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه لما نزل قوله تعالى: {قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ ~~بوجهك. {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال هاتان أهون} . فدل على ~~أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول في هذه ~~الحال وهم فيها في جاهلية. ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج # PageV17P310 # أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية وقد روى مالك بإسناده ~~الثابت عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية ~~تعني قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فإن ~~المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى فلما لم ~~يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية. وهكذا مسائل النزاع التي تنازع فيها الأمة في ~~الأصول والفروع إذا لم ترد إلى الله ms5415 والرسول لم يتبين فيها الحق بل يصير ~~فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا ولم ~~يبغ بعضهم على بعض كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض ~~مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضا ولا يعتدي عليه وإن لم يرحموا وقع بينهم ~~الاختلاف المذموم فبغى بعضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه " وإما ~~بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله. وهذه حال أهل البدع والظلم كالخوارج وأمثالهم ~~يظلمون الأمة ويعتدون عليهم إذا نازعوهم في بعض مسائل الدين وكذلك سائر أهل ~~الأهواء فإنهم يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها كما تفعل الرافضة ~~والمعتزلة والجهمية وغيرهم والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من ~~هؤلاء؛ ابتدعوا بدعة وكفروا من خالفهم فيها # PageV17P311 # واستحلوا منع حقه وعقوبته. فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إما عادلون وإما ظالمون فالعادل فيهم الذي يعمل ~~بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره والظالم الذي يعتدي على غيره ~~وهؤلاء ظالمون مع علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر ~~بعضهم بعضا كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن ~~معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول ~~وقالوا هذه غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه ~~بقول ولا فعل مثل أن يدعي أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها ويذم من ~~يخالفه مع أنه معذور. وكان الذين امتحنوا أحمد وغيره من هؤلاء الجاهلين ~~فابتدعوا كلاما متشابها نفوا به الحق فأجابهم أحمد لما ناظروه في المحنة ~~وذكروا الجسم ونحو ذلك وأجابهم بأني أقول كما قال الله تعالى: {قل هو الله ~~أحد} {الله الصمد} وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث ليس على أحد أن يتكلم به ~~ألبتة والمعنى الذي يراد به مجمل ولم تبينوا مرادكم حتى نوافقكم على ms5416 المعنى ~~الصحيح فقال ما أدري ما تقولون؟ # PageV17P312 # لكن أقول: {الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا ~~أحد} . يقول: ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم فأنا لا أوافقكم على إثبات لفظ ~~ونفيه إذ لم يرد الكتاب والسنة بإثباته ولا نفيه إن لم ندر معناه الذي عناه ~~المتكلم فإن عنى في النفي والإثبات ما يوافق الكتاب والسنة وافقناه وإن عنى ~~ما يخالف الكتاب والسنة في النفي والإثبات لم نوافقه. ولفظ " الجسم " و " ~~الجوهر " ونحوهما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد - من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسائر أئمة المسلمين - التكلم ~~بها في حق الله تعالى لا بنفي ولا إثبات ولهذا قال أحمد في رسالته إلى ~~المتوكل: لا أحب الكلام في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو التابعين لهم بإحسان ~~وأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود. وذكر أيضا فيما حكاه عن الجهمية ~~أنهم يقولون: ليس فيه كذا ولا كذا ولا كذا وهو كما قال فإن لفظ الجسم له في ~~اللغة التي نزل بها القرآن معنى كما قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم # PageV17P313 # وإن يقولوا تسمع لقولهم} وقال تعالى: {وزاده بسطة في العلم والجسم} قال ~~ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب وكان يفوق الناس بمنكبيه ~~وعنقه ورأسه و " البسطة " السعة قال ابن قتيبة: هو من قولك بسطت الشيء إذا ~~كان مجموعا ففتحته ووسعته قال بعضهم: والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة إذ ~~العادة أن من كان أعظم جسما كان أكثر قوة. فهذا لفظ الجسم في لغة العرب ~~التي نزل بها القرآن. قال الجوهري: قال أبو زيد الأنصاري: الجسم الجسد ~~وكذلك الجسمان والجثمان " وقال الأصمعي: الجسم والجسد والجثمان الشخص وقال ~~جماعة جسم الإنسان يقال له الجثمان وقد جسم الشيء أي عظم فهو جسيم وجسام ~~والجسام بالكسر جمع جسيم. قال أبو عبيدة تجسمت فلانا ms5417 من بين القوم أي ~~اخترته كأنك قصدت جسمه. كما تقول: تأتيته أي قصدت أتيه وشخصه وأنشد أبو ~~عبيدة. تجسمته من بينهن بمرهف وتجسمت الأرض إذا أخذت نحوها تريدها وتجسم من ~~الجسم وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر: أي ركبت أجسمه وجسيمه أي معظمه قال: ~~وكذلك تجسمت الرمل والجبل أي ركبت أعظمه والأجسم الأضخم قال عامر بن ~~الطفيل: # PageV17P314 # لقد علم الحي من عامر بأن لنا الذروة الأجسما فهذا الجسم في لغة العرب ~~وعلى هذا فلا يقال للهواء جسم ولا للنفس الخارج من الإنسان جسم ولا لروحه ~~المنفوخة فيه جسم ومعلوم أن الله سبحانه لا يماثل شيئا من ذلك لا بدن ~~الإنسان ولا غيره فلا يوصف الله تعالى بشيء من خصائص المخلوقين ولا يطلق ~~عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين فلا يجوز أن يقال: هو جسم ولا ~~جسد. # وأما أهل الكلام فالجسم عندهم أعم من هذا وهم مختلفون في معناه اختلافا ~~كثيرا عقليا واختلافا لفظيا اصطلاحيا فهم يقولون كل ما يشار إليه إشارة ~~حسية فهو جسم ثم اختلفوا بعد هذا فقال كثير منهم: كل ما كان كذلك فهو مركب ~~من الجواهر الفردة ثم منهم من قال: الجسم أقل ما يكون جوهرا بشرط أن ينضم ~~إلى غيره وقيل بل الجوهران والجواهر فصاعدا وقيل بل أربعة فصاعدا وقيل بل ~~ستة وقيل بل ثمانية وقيل بل ستة عشر وقيل بل اثنان وثلاثون وهذا قول من ~~يقول إن الأجسام كلها مركبة من الجواهر التي لا تنقسم. وقال آخرون من أهل ~~الفلسفة كل الأجسام مركبة من الهيولى # PageV17P315 # والصورة لا من الجواهر الفردة. وقال كثير من أهل الكلام وغير أهل الكلام ~~ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا ولا من هذا وهذا قول الهشامية ~~والكلابية والضرارية وغيرهم من الطوائف الكبار لا يقولون بالجوهر الفرد ولا ~~بالمادة والصورة وآخرون يدعون إجماع المسلمين على إثبات الجوهر الفرد كما ~~قال أبو المعالي وغيره: اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهى في تجزئها ~~وانقسامها حتى تصير أفرادا ومع هذا ms5418 فقد شك هو فيه وكذلك شك فيه أبو الحسين ~~البصري. وأبو عبد الله الرازي. ومعلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة ~~المسلمين لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة العلم ~~المشهورين بين المسلمين وأول من قال ذلك في الإسلام طائفة من الجهمية ~~والمعتزلة وهذا من الكلام الذي ذمه السلف وعابوه ولكن حاكي هذا الإجماع لما ~~لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام ولم يجد إلا من يقول بذلك اعتقد ~~هذا إجماع المسلمين والقول بالجوهر الفرد باطل والقول بالهيولى والصورة ~~باطل وقد بسط الكلام على هذه المقالات في مواضع أخر. # PageV17P316 # وقال آخرون: الجسم هو القائم بنفسه وكل قائم بنفسه جسم وكل جسم فهو قائم ~~بنفسه وهو مشار إليه. # واختلفوا في الأجسام هل هي متماثلة أم لا؟ على قولين مشهورين. وإذا عرف ~~ذلك فمن قال: إنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قوله باطل وكذلك إن ~~أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل أن الله ليس كمثله ~~شيء في شيء من صفاته فمن أثبت لله مثلا في شيء من صفاته فهو مبطل ومن قال ~~إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل ومن قال إنه ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى في ~~الآخرة ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ولا يقوم به العلم والقدرة ~~وغيرهما من الصفات ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا عرج بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح ~~إليه فهذا قوله باطل. وكذلك كل من نفى ما أثبته الله ورسوله وقال إن هذا ~~تجسيم فنفيه باطل وتسمية ذلك تجسيما تلبيس منه فإنه إن أراد أن هذا في ~~اللغة يسمى جسما فقد أبطل وإن أراد أن هذا يقتضي أن يكون جسما مركبا من ~~الجواهر الفردة أو من المادة والصورة أو أن هذا يقتضي أن يكون جسما ~~والأجسام متماثلة قيل له أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة ~~وفي أنها مركبة ms5419 فلا يقولون: إن الهواء مثل الماء # PageV17P317 # ولا أبدان الحيوان مثل الحديد والجبال فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى ~~يكون مماثلا لخلقه إذا أثبتوا له ما أثبت له الكتاب والسنة والله تعالى قد ~~نفى المماثلات في بعض المخلوقات وكلاهما جسم كقوله: {وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} مع أن كلاهما بشر. فكيف يجوز أن يقال: ~~إذا كان لرب السموات علم وقدرة أنه يكون مماثلا لخلقه والله تعالى ليس ~~كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ونكتة الأمر أن الجسم في ~~اعتقاد هذا النافي يستلزم مماثلة سائر الأجسام ويستلزم أن يكون مركبا من ~~الجواهر الفردة أو من المادة والصورة وأكثر العقلاء يخالفونه في هذا ~~التلازم وهذا التلازم منتف باتفاق الفريقين وهو المطلوب. فإذا اتفقوا على ~~انتفاء النقص المنفي عن الله شرعا وعقلا بقي بحثهم في الجسم الاصطلاحي هل ~~هو مستلزم لهذا المحذور؟ وهو بحث عقلي كبحث الناس في الأعراض هل تبقى أو لا ~~تبقى؟ وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين بل لم ينطق كتاب ولا سنة ~~ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا فليس ~~لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلق به ~~دين المسلمين ولو كان قد نطق باللغة العربية فكيف إذا # PageV17P318 # أحدث للفظ معنى آخر والمعنى الذي يقصده إذا كان حقا عبر عنه بالعبارة ~~التي لا لبس فيها فإذا كان معتقده أن الأجسام متماثلة وأن الله ليس كمثله ~~شيء وهو سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له فهذه عبارات القرآن تؤدي ~~هذا المعنى بلا تلبيس ولا نزاع وإن كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة وأن ~~كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله ورسوله ~~من علمه وقدرته وسائر صفاته. كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} ~~وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقوله عليه السلام ms5420 في حديث ~~الاستخارة: " {اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك} " وقوله في الحديث ~~الآخر: " {اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق} " ويقول كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " {إنكم ترون ربكم يوم القيامة عيانا كما ترون الشمس ~~والقمر لا تضامون في رؤيته} " فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي ~~كالمرئي. فهذه عبارات الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس ولا ~~نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة ثم بعد هذا من ~~كان قد تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم ~~الحق حق لكن ذلك المعنى لا بد أن يدل # PageV17P319 # الشرع عليه فيبينه بالألفاظ الشرعية وإن قدر أن الشرع لم يدل عليه لم يكن ~~مما يجب على الناس اعتقاده وحينئذ فليس لأحد أن يدعو الناس إليه وإن قدر ~~أنه في نفسه حق. # ومسألة تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر الفردة قد اضطرب فيها جماهير ~~أهل الكلام. وكثير منهم يقول بهذا تارة وبهذا تارة. وأكثر ذلك لأجل الألفاظ ~~المجملة والمعاني المتشابهة وقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. لكن ~~المقصود هنا: أنه لو قدر أن الإنسان تبين له أن الأجسام ليست متماثلة ولا ~~مركبة لا من هذا ولا من هذا لم يكن له أن يبتدع في دين الإسلام قوله: إن ~~الله جسم ويناظر على المعنى الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة بل يكفيه ~~إثبات ذلك المعنى بالعبارات الشرعية ولو قدر أنه تبين له أن الأجسام ~~متماثلة وأن الجسم مركب لم يكن له أن يبتدع النفي بهذا الاسم ويناظر على ~~معناه الذي اعتقده بعقله؛ بل ذلك المعنى المعلوم بالشرع والعقل يمكن إظهاره ~~بعبارة لا إجمال فيها ولا تلبيس والذين يقولون: إن الجسم مركب من الجواهر ~~يدعي كثير منهم أنه كذلك في لغة العرب؛ لأن العرب يقولون هذا أجسم من هذا ~~يريدون به أنه أكثر أجزاء منه. ويقولون: هذا جسيم أي كثير الأجزاء. # PageV17P320 # قال: والتفضيل بصيغة أفعل إنما يكون لما يدل عليه الاسم فإذا ms5421 قيل: هذا ~~أعلم وأحلم كان ذلك دالا على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم والحلم فلما ~~قالوا: أجسم لما كان أكثر أجزاء دل على أن لفظ الجسم عندهم المراد به ~~المركب فمن قال جسم وليس بمركب فقد خرج عن لغة العرب. قالوا: وهذه تخليطة ~~في اللفظ وإن كنا لا نكفره إذا لم يثبت خصائص الجسم من التركيب والتأليف ~~وقد نازعهم بعضهم في قولهم هذا أجسم من هذا وقالوا: ليس هذا اللفظ من لغة ~~العرب كما يحكى عن أبي زيد فيقال له: لا ريب أن العرب تقول هذا جسيم أي ~~عظيم الجثة. وهذا أجسم من هذا أي أعظم جثة لكن كون العرب تعتقد أن ذلك ~~لكثرة الأجزاء التي هي الجواهر الفردة إنما يكون إذا كان أهل اللغة قاطبة ~~يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر الفردة والجوهر الفرد هو شيء قد بلغ من ~~الصغر والحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره. ومعلوم أن أكثر العقلاء ~~من بني آدم لا يتصور الجوهر الفرد والذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه ~~والذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة فيمتنع أن يكون اللفظ ~~الشائع في اللغة التي ينطق بها خواصها وعوامها أرادوا به هذا. وقد علم ~~بالاضطرار أن أحدا من الصحابة والتابعين لهم # PageV17P321 # بإحسان لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد ولا بما يدل على ثبوته عنده بل ولا ~~العرب قبلهم ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة ولا أتباع الرسل فكيف يدعى ~~عليهم أنهم لم يقولوا لفظ جسم إلا لما كان مركبا مؤلفا ولو قلت لمن شئت من ~~العرب الشمس والقمر والسماء مركب عندك من أجزاء صغار كل منها لا يقبل ~~التجزي أو الجبال أو الهواء أو الحيوان أو النبات لم يتصور هذا المعنى إلا ~~بعد كلفة ثم إذا تصوره قد يكذبه بفطرته ويقول: كيف يمكن أن يكون شيء لا ~~يتميز منه جانب عن جانب وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون ~~الجوهر الفرد فالفقهاء قاطبة تنكره وكذلك أهل الحديث والتصوف. ولهذا كان ~~الفقهاء متفقين على استحالة ms5422 بعض الأجسام إلى بعض كاستحالة العذرة رمادا ~~والخنزير ملحا. ثم تكلموا في هذه الاستحالة هل تطهر أم لا تطهر؟ والقائلون ~~بالجوهر الفرد لا تستحيل الذوات عندهم بل تلك الجواهر التي كانت في الأول ~~هي بعينها في الثاني وإنما اختلف التركيب ولهذا يتكلم بلفظ التركيب في ~~الماء ونحوه من الفقهاء المتأخرين من كان قد أخذ هذا التركيب عن المتكلمين ~~ويقول: إن الماء يفارق غيره في التركيب فقط. وكذلك القائلون بالجوهر الفرد ~~عندهم إنا لم نشاهد قط إحداث الله تعالى لشيء من الجواهر والأعيان القائمة ~~بنفسها. وأن جميع ما يخلقه من الحيوان والنبات والمعدن والثمار والمطر # PageV17P322 # والسحاب وغير ذلك إنما هو جمع الجواهر وتفريقها وتغيير صفاتها من حال إلى ~~حال لا أنه يبدع شيئا من الجواهر والأجسام القائمة بأنفسها وهذا القول أكثر ~~العقلاء ينكره ويقول: هو مخالف للحس والعقل والشرع فضلا عن أن يكون الجسم ~~في لغة العرب مستلزما لهذا المعنى. ثم الجسم قد يراد به الغلظ نفسه وهو عرض ~~قائم بغيره وقد يراد به الشيء الغليظ وهو القائم بنفسه. فنقول: هذا الثوب ~~له جسم: أي غلظ وقوله: {وزاده بسطة في العلم والجسم} قد يحتج به على هذا ~~فإنه قرن الجسم بالعلم الذي هو مصدر. فنقول المعنى زاده بسطة في قدره فجعل ~~قدر بدنه أكبر من بدن غيره فيكون الجسم هو القدر نفسه لا نفس المقدر. وكذلك ~~قوله تعالى: {تعجبك أجسامهم} أي صورهم القائمة بأبدانهم كما تقول: أعجبني ~~حسنه وجماله ولونه وبهاؤه فقد يراد صفة الأبدان وقد يراد نفس الأبدان وهم ~~إذا قالوا: هذا أجسم من هذا أرادوا أنه أغلظ وأعظم منه أما كونهم يريدون ~~بذلك أن ذلك العظم والغلظ كان لزيادة الأجزاء فهذا مما يعلم قطعا أنه لم ~~يخطر ببال أهل اللغة إلا من أخذ ذلك عمن اعتقده من أهل الكلام المحدث الذي ~~أحدث في الإسلام بعد انقراض عصر الصحابة وأكثر التابعين فإن هذا لم # PageV17P323 # يعرف في الإسلام من تكلم به أو بمعناه إلا في أواخر الدولة الأموية لما ~~ظهر جهم ms5423 بن صفوان والجعد بن درهم ثم ظهر في المعتزلة. فقد تبين أن من قال: ~~الجسم هو المؤلف المركب واعتقد أن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة فقد ~~ادعى معنى عقليا ينازعه فيه أكثر العقلاء من بني آدم ولم ينقل عن أحد من ~~السلف أنه وافقه عليه وأنه جعل لفظ الجسم في اصطلاحه يدل على معنى لا يدل ~~عليه اللفظ في اللغة فقد غير معنى اللفظ في اللغة وادعى معنى عقليا فيه ~~نزاع طويل وليس معه من الشرع ما يوافق ما ادعاه من معنى اللفظ ولا ما ادعاه ~~من المعنى العقلي فاللغة لا تدل على ما قال والشرع لا يدل على ما قال ~~والعقل لم يدل على مسميات الألفاظ وإنما يدل على المعنى المجرد وذلك فيه ~~نزاع طويل ونحن نعلم بالاضطرار أن ذلك المعنى الذي وجب نفيه عن الله لا ~~يحتاج نفيه إلى ما أحدثه هذا من دلالة اللفظ ولا ما ادعاه من المعنى العقلي ~~بل الذين جعلوا هذا عمدتهم في تنزيه الرب على نفي مسمى الجسم لا يمكنهم أن ~~ينزهوه عن شيء من النقائص ألبتة فإنهم إذا قالوا: هذا من صفات الأجسام فكل ~~ما أثبتوه هو أيضا من صفات الأجسام مثل كونه حيا عليما قديرا بل كونه ~~موجودا قائما بنفسه فإنهم لا يعرفون هذا في الشاهد # PageV17P324 # إلا جسما فإذا قال المنازع: أنا أقول فيما نفيتموه نظير قولهم فيما ~~أثبتموه انقطعوا. ثم هؤلاء لهم في استحقاق الرب لصفات الكمال عندهم هل علم ~~بالإجماع فقط أو علم بالعقل أيضا؟ فيه قولان. فمن قال إن ذلك لم يعلم ~~بالعقل كأبي المعالي والرازي وغيرهما لم يبق معهم دليل عقلي ينزهون به الرب ~~عن كثير من النقائص هذا إذا لم ينف إلا ما يجب نفيه عن الله مثل نفيه ~~للنقائص فإنه يجب تنزيه الرب عنها وينفي عنه مماثلة المخلوقات فإنه كما يجب ~~تنزيه الرب عن كل نقص وعيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في ~~شيء من صفات الكمال الثابتة له وهذان النوعان يجمعان ms5424 التنزيه الواجب لله و ~~{قل هو الله أحد} دلت على النوعين. فقوله: أحد مع قوله: {ولم يكن له كفوا ~~أحد} ينفي المماثلة والمشاركة وقوله الصمد يتضمن جميع صفات الكمال فالنقائص ~~جنسها منفي عن الله تعالى وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب ~~تنزيه الرب عنها بخلاف ما يوصف به الرب. ويوصف العبد بما يليق به: مثل ~~العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك فإن هذه ليست نقائص بل ما ثبت لله من هذه ~~المعاني فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات فضلا عن أن ~~يماثله فيه بل ما خلقه الله في # PageV17P325 # الجنة من المآكل والمشارب والملابس لا يماثل ما خلقه في الدنيا وإن اتفقا ~~في الاسم وكلاهما مخلوق. قال: ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الدنيا مما ~~في الجنة إلا الأسماء فقد أخبر الله أن في الجنة لبنا وخمرا وعسلا وماء ~~وحريرا وذهبا وفضة وتلك الحقائق ليست مثل هذه وكلاهما مخلوق. فالخالق تعالى ~~أبعد عن مماثلة المخلوقات من المخلوق إلى المخلوق. وقد سمى الله نفسه عليما ~~حليما رءوفا رحيما سميعا بصيرا عزيزا ملكا جبارا متكبرا. مؤمنا عظيما كريما ~~غنيا شكورا. كبيرا حفيظا شهيدا حقا وكيلا وليا وسمى أيضا بعض مخلوقاته بهذه ~~الأسماء فسمى الإنسان سميعا بصيرا وسمى نبيه رءوفا رحيما وسمى بعض عباده ~~ملكا وبعضهم شكورا وبعضهم عظيما وبعضهم حليما وعليما وسائر ما ذكر من ~~الأسماء مع العلم بأنه ليس المسمى بهذه الأسماء من المخلوقين مماثلا للخالق ~~جل جلاله في شيء من الأشياء. # وكذلك النزاع في لفظ التحيز والجهة ونحو ذلك فمن الناس من يقول: هو متحيز ~~وهو في جهة ومنهم من يقول: ليس بمتحيز وليس في جهة ومنهم من يقول: هو في ~~جهة وليس بمتحيز ولفظ المتحيز يتناول الجسم والجوهر الفرد ولفظ الجوهر قد ~~يراد به # PageV17P326 # المتحيز وقد يراد به الجوهر الفرد. ومن الفلاسفة من يدعي إثبات جواهر ~~قائمة بأنفسها غير متحيزة. ومتأخرو أهل الكلام كالشهرستاني والرازي والآمدي ~~ونحوهم يقولون: ليس في العقل ms5425 ما يحيل ذلك ولهذا كان من سلك سبيل هؤلاء - ~~وهو إنما يثبت حدوث العالم بحدوث الأجسام - يقول بتقدير وجود جواهر عقلية ~~فليس في هذا الدليل ما يدل على حدوثها ولهذا صار طائفة ممن خلط الكلام ~~بالفلسفة إلى قدم الجواهر العقلية وحدوث الأجسام وأن السبب الموجب لحدوثها ~~هو حدوث تصور من تصورات النفس وبعض أعيان المصنفين كان يقول بهذا. وكذلك ~~الأرموي صاحب " اللباب " الذي أجاب عن شبهة الفلاسفة على دوام الفاعلية ~~المتضمنة أنه لا بد للحدوث من سبب فأجاب بالجواب الباهر الذي أخذه من كلام ~~الرازي في " المطالب العالية " فإنه أجاب به وهو في " المطالب العالية " ~~يخلط كلام الفلاسفة بكلام المتكلمين وهو في مسألة الحدوث والقدم حائر وهذا ~~الجواب من أفسد الأجوبة. فإنه يقال. ما الموجب لحدوث تلك التصورات دائما ثم ~~إن النفس عندهم لا بد أن تكون متصلة بالجسم فيمتنع وجود نفس بدون جسم. # PageV17P327 # وأيضا فالذي علم بالاضطرار من دين الرسل أن كل ما سوى الله مخلوق محدث ~~كائن بعد أن لم يكن. وأيضا فما تثبته الفلاسفة من الجواهر العقلية إنما ~~يوجد في الذهن لا في الخارج وأما أكثر المتكلمين فقالوا انتفاء هذه معلوم ~~بضرورة العقل وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن ما تدعي ~~الفلاسفة إثباته من الجواهر العقلية التي هي العقل والنفس والمادة والصورة ~~فلا حقيقة لها في الخارج وإنما هي أمور معقولة في الذهن يجردها العقل من ~~الأمور المعينة كما يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف: كالحيوانية ~~الكلية والإنسانية الكلية والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في ~~الأعيان. ومن هؤلاء من يظن أنها تكون في الخارج كليات وأن في الخارج ماهيات ~~كلية مقارنة للأعيان غير الموجودات المعينة وكذلك منهم من يثبت كليات مجردة ~~عن الأعيان يسمونها " المثل الأفلاطونية " ومنهم من يثبت دهرا مجردا عن ~~المتحرك والحركة ويثبت خلاء مجردا ليس هو متحيزا ولا قائما بمتحيز. ويثبت ~~هيولى مجردة عن جميع الصور والهيولى في لغتهم بمعنى المحل. يقال الفضة ~~هيولى الخاتم والدرهم والخشب ms5426 هيولى الكرسي. أي هذا المحل الذي تصنع فيه هذه ~~الصورة وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض ويدعون أن للجسم هيولى محل # PageV17P328 # الصورة الجسمية غير نفس الجسم القائم بنفسه وهذا غلط. وإنما هذا يقدر في ~~النفس كما يقدر امتداد مجرد عن كل ممتد وعدد مجرد عن كل معدود ومقدار مجرد ~~عن كل مقدر وهذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا وجود لها في الأعيان. وقد ~~اعترف بذلك من عادته نصر الفلاسفة من أهل النظر. كما قد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع. # فالجواهر العقلية التي يثبتها هؤلاء الفلاسفة يعلم بصريح العقل بعد ~~التصور التام انتفاؤها في الخارج. وأما الملائكة الذين أخبر الله عنهم فهذه ~~لا يعرفها هؤلاء الفلاسفة أتباع أرسطو ولا يذكرونها بنفي ولا إثبات كما لا ~~يعرفون النبوات ولا يتكلمون عليها بنفي ولا إثبات إنما تكلم في ذلك ~~متأخروهم كابن سينا وأمثاله الذين أرادوا أن يجمعوا بين النبوات وبين ~~الفلسفة فلبسوا ودلسوا. وكذلك العلة الأولى " التي يثبتونها لهذا العالم ~~إنما أثبتوا علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها وتحريكها للفلك من جنس تحريك ~~الإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي إذا كان يحب أن يتشبه بإمامه ويقتدي ~~بإمامه ولفظ " الإله " في لغتهم يراد به المتبوع الإمام الذي يتشبه به ~~فالفلك عندهم يتحرك للتشبه بالإله ولهذا جعلوا " الفلسفة العليا " و " ~~الحكمة الأولى " إنما هي التشبه بالإله على قدر الطاقة وكلام أرسطو في علم ~~ما بعد الطبيعة في " مقالة اللام " التي هي منتهى فلسفته # PageV17P329 # وفي غيرها كله يدور على هذا وتارة يشبه تحريكه للفلك بتحريك المعشوق ~~للعاشق لكن التحريك هنا قد يكون لمحبة العاشق ذات المعشوق أو لغرض يناله ~~منه وحركة الفلك عندهم ليست كذلك بل يتحرك ليتشبه بالعلة الأولى فهو يحبها ~~أي يحب التشبه بها لا يحب أن يعبدها ولا يحب شيئا يحصل منها ويشبه ذلك ~~أرسطو بحركة النواميس لأتباعها أي أتباع الناموس قائمون بما في الناموس ~~ويقتدون به والناموس عندهم هي السياسة الكلية للمدائن التي وضعها لهم ذوو ~~الرأي والعقل لمصلحة دنياهم؛ لئلا ms5427 يتظالموا ولا تفسد دنياهم. ومن عرف ~~النبوات منهم يظن أن شرائع الأنبياء من جنس نواميسهم وأن المقصود بها مصلحة ~~الدنيا؛ بوضع قانون عدلي؛ ولهذا أوجب ابن سينا وأمثاله النبوة وجعلوا ~~النبوة لا بد منها لأجل وضع هذا الناموس ولما كانت الحكمة العملية عندهم هي ~~الخلقية والمنزلية والمدنية: جعلوا ما جاءت به الرسل من العبادات والشرائع ~~والأحكام هي من جنس الحكمة الخلقية والمنزلية والمدنية. فإن القوم لا ~~يعرفون الله بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير. وأرسطو ~~المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية. لكن لهم معرفة جيدة ~~بالأمور الطبيعية وهذا بحر علمهم وله تفرغوا # PageV17P330 # وفيه ضيعوا زمانهم وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا وأما ~~ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد. فلا يعرفون ذلك ألبتة ولم يتكلموا ~~فيه لا بنفي ولا إثبات وإنما تكلم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل. وأما ~~قدماء اليونان فكانوا مشركين من أعظم الناس شركا وسحرا يعبدون الكواكب ~~والأصنام ولهذا عظمت عنايتهم بعلم الهيئة والكواكب لأجل عبادتها. وكانوا ~~يبنون لها الهياكل وكان آخر ملوكهم بطليموس صاحب " المجسطي " ولما دخلت ~~الروم في النصرانية فجاء دين المسيح صلوات الله عليه وسلامه أبطل ما كانوا ~~عليه من الشرك. ولهذا بدل من بدل دين المسيح فوضع دينا مركبا من دين ~~الموحدين ودين المشركين فإن أولئك كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب ~~ويصلون لها ويسجدون فجاء قسطنطين ملك النصارى ومن اتبعه فابتدعوا الصلاة ~~إلى المشرق وجعلوا السجود إلى الشمس بدلا عن السجود لها وكان أولئك يعبدون ~~الأصنام المجسدة التي لها ظل فجاءت النصارى وصورت تماثيل القداديس في ~~الكنائس وجعلوا الصور المرقومة في الحيطان والسقوف بدل الصور المجسدة ~~القائمة بأنفسها التي لها ظل. # PageV17P331 # وأرسطو كان وزير الإسكندر بن فيلبس المقدوني - نسبة إلى مقدونية - وهي ~~جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين وهي اليوم خراب أو ~~غمرها الماء وهو الذي يؤرخ له النصارى واليهود التاريخ الرومي وكان قبل ~~المسيح بنحو ثلاثمائة سنة فيظن من يعظم هؤلاء الفلاسفة أنه كان ms5428 وزيرا لذي ~~القرنين المذكور في القرآن ليعظم بذلك قدره وهذا جهل؛ فإن ذا القرنين كان ~~قبل هذا بمدة طويلة جدا وذو القرنين بنى سد يأجوج ومأجوج وهذا المقدوني ذهب ~~إلى بلاد فارس ولم يصل إلى بلاد الصين؛ فضلا عن السد. والملائكة التي أخبر ~~الله ورسوله بها لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ليسوا عشرة ولا تسعة وهم ~~عباد الله أحياء ناطقون ينزلون إلى الأرض ويصعدون إلى السماء. ولا يفعلون ~~إلا بإذن ربهم. كما أخبر الله عنهم بقوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى: {وكم ~~من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى} وأمثال هذه النصوص. وهؤلاء يدعون أن العقول قديمة أزلية وأن العقل ~~الفعال هو # PageV17P332 # رب كل ما تحت هذا الفلك والعقل الأول هو رب السموات والأرض وما بينهما ~~والملاحدة الذين دخلوا معهم من أتباع بني عبيد: كأصحاب رسائل إخوان الصفا ~~وغيرهم وكملاحدة المتصوفة: مثل ابن عربي وابن سبعين وغيرهما يحتجون لمثل ~~ذلك بالحديث الموضوع: " {أول ما خلق الله العقل} ". وفي كلام أبي حامد ~~الغزالي في " الكتب المضنون بها على غير أهلها " وغير ذلك من معاني هؤلاء ~~قطعة كبيرة ويعبر عن مذاهبهم بلفظ الملك والملكوت والجبروت ومراده بذلك ~~الجسم والنفس والعقل. فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ويودعونها معاني ~~هؤلاء وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين فإذا سمعوها قبلوها ثم إذا عرفوا ~~المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام وأن هذه ~~معاني هؤلاء الملاحدة ليست هي المعاني التي عناها محمد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وإخوانه المرسلون: مثل موسى وعيسى - صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين. ولهذا ضل كثير من المتأخرين بسبب هذا الالتباس وعدم المعرفة ~~بحقيقة ما جاء به الرسول وما يقوله هؤلاء حتى يضل بهم خلق من أهل العلم ~~والعبادة والتصوف ومن ms5429 ليس له غرض في مخالفة محمد صلى الله عليه وسلم بل يحب ~~اتباعه مطلقا ولو عرف أن هذا مخالف لما جاء به لم يقبله لكن لعدم كمال علمه ~~بمعاني ما أخبر # PageV17P333 # به الرسول ومقاصد هؤلاء يقبل هذا. لا سيما إذا كان المتكلم به ممن له ~~نصيب وافر في العلم والكلام والتصوف والزهد والفقه والعبادة. ورأى الطالب ~~أن هذا مرتبته فوق مرتبة الفقهاء الذين إنما يعرفون الشرع الظاهر وفوق ~~مرتبة المحدث الذي غايته أن ينقل ألفاظا لا يعلم معانيها وكذلك المقرئ ~~والمفسر ورأى من يعظمه من أهل الكلام إما موافق لهم وإما خائف منهم ورأى ~~بحوث المتكلمين معهم في مواضع كثيرة لم يأتوا بتحقيق يبين فساد قولهم بل ~~تارة يوافقونهم على أصول لهم تكون فاسدة وتارة يخالفونهم في أمر قالته ~~الفلاسفة ويكون حقا مثل من يرى كثيرا من المتكلمين يخالفهم في أمور طبيعية ~~ورياضية ظانا أنه ينصر الشرع ويكون الشرع موافقا لما علم بالعقل. مثل ~~استدارة الأفلاك فإنه لم يعلم بين السلف خلاف في أنها مستديرة والآثار بذلك ~~معروفة والكتاب والسنة قد دلا على ذلك وكذلك استحالة الأجسام بعضها إلى بعض ~~هو مما اتفق عليه الفقهاء كما قال هؤلاء. إلى أمور أخر. لكن كثيرا من ~~المتكلمين أو أكثرهم لا خبرة لهم بما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان؛ بل ينصر مقالات يظنها دين المسلمين بل إجماع ~~المسلمين ولا يكون قد قالها أحد من # PageV17P334 # السلف؛ بل الثابت عن السلف مخالف لها " فلما وقع بين المتكلمين تقصير ~~وجهل كثير بحقائق العلوم الشرعية وهم في العقليات تارة يوافقون الفلاسفة ~~على باطلهم وتارة يخالفونهم في حقهم صارت المناظرات بينهم دولا. وإن كان ~~المتكلمون أصح مطلقا في العقليات الإلهية والكلية كما أنهم أقرب إلى ~~الشرعيات من الفلاسفة؛ فإن الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية ~~كلام قاصر جدا وفيه تخليط كثير وإنما يتكلمون جيدا في الأمور الحسية ~~الطبيعية وفي كلياتها فكلامهم فيها في الغالب جيد. وأما الغيب الذي تخبر به ~~الأنبياء والكليات العقلية التي ms5430 تعم الموجودات كلها وتقسيم الموجودات كلها ~~قسمة صحيحة فلا يعرفونها ألبتة: فإن هذا لا يكون إلا ممن أحاط بأنواع ~~الموجودات وهم لا يعرفون إلا الحسيات وبعض لوازمها وهذا معرفة بقليل من ~~الموجودات جدا فإن ما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدرا. وصفة مما ~~يشهدونه بكثير. ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا ~~إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون أن لا ~~موجود إلا ما علموه هم والفلاسفة: يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء ~~على ما عرفوه وإن كان هذا لا دليل عليه وليس لهم بهذا # PageV17P335 # النفي علم؛ فإن عدم العلم ليس علما بالعدم لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب ~~للجن؛ لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن وإلا فليس في علم الطب ~~ما ينفي وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعا من العلم وامتاز به على العامة ~~الذين لا يعرفونه فيبقى بجهله نافيا لما لم يعلمه وبنو آدم ضلالهم فيما ~~جحدوه ونفوه بغير علم أكثر من ظلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به. قال تعالى: ~~{بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} وهذا لأن الغالب على ~~الآدميين صحة الحس والعقل فإذا أثبتوا شيئا وصدقوا به كان حقا. ولهذا كان ~~التواتر مقبولا من جميع أجناس بني آدم؛ لأنهم يخبرون عما شاهدوه وسمعوه ~~وهذا أمر لا يشترك الخلق العظيم في الغلط فيه ولا في تعمد الكذب فيه فإذا ~~علم أنهم لم يتواطئوا عليه ولم يأخذه بعضهم عن بعض كما تؤخذ المذاهب ~~والآراء التي يتلقاها المتأخر عن المتقدم وقد علم أن هذا مما لا يغلط فيه ~~عادة علم قطعا صدقهم فإن المخبر إما أن يتعمد الكذب وإما أن يغلط وكلاهما ~~مأمون في المتواترات بخلاف ما نفوه وكذبوا به فإن غالبهم أو كثيرا منهم ~~ينفون ما لا يعلمون ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه. فصار هؤلاء الذين ظنوا ~~الموجودات ما عرفه هؤلاء المتفلسفة إذا سمعوا ما أخبرت به الأنبياء من ~~العرش والكرسي قالوا: العرش هو. # PageV17P336 # الفلك التاسع والكرسي ms5431 هو الثامن وقد تكلمنا على ذلك في " مسألة الإحاطة " ~~وبينا جهل من قال هذا عقلا وشرعا وإذا سمعهم يذكرون الملائكة ظن أنهم ~~العقول والنفوس التي يثبتها المتفلسفة والقوى التي في الأجسام وكذلك الجن ~~والشياطين يظن أنها أعراض قائمة بالنفوس حيث كان هذا مبلغه من العلم وكذلك ~~يظن ما ذكره ابن سينا وأمثاله من أن الغرائب في هذا العالم سببها قوة فلكية ~~أو طبيعية أو نفسانية ويجعل معجزات الأنبياء من باب القوى النفسانية وهي من ~~جنس السحر لكن الساحر قصده الشر والنبي قصده الخير وهذا كله من الجهل ~~بالأمور الكلية المحيطة بالموجودات وأنواعها ومن الجهل بما جاء به الرسول ~~فلا يعرفون من العلوم الكلية ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة ~~المتقدمون وزيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام أو عن أهل الملة. فلهذا صار ~~كلام المتأخرين كابن سينا وأمثاله في الإلهيات والكليات أجود من كلام سلفه ~~ولهذا قربت فلسفة اليونان إلى أهل الإلحاد المبتدعة من أهل الملل لما فيها ~~من شوب الملة ولهذا دخل فيها بنو عبيد الملاحدة فأخذوا عن هؤلاء الفلاسفة ~~الصابئة المشركين العقل والنفس وعن المجوس النور والظلمة وسموه هم السابق ~~والتالي وكذلك الملاحدة المنتسبون إلى التصوف والتأله: كابن سبعين وأمثاله ~~سلكوا # PageV17P337 # مسلكا جمعوا فيه بزعمهم بين الشرع والفلسفة وهم ملاحدة ليسوا من الثنتين ~~والسبعين فرقة وقد بسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع. وإنما ~~ذكروا هنا لأن أهل الكلام المحدث صاروا - لعدم علمهم بما علمه السلف وأئمة ~~السنة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ولما وقعوا فيه من الكلاميات الباطلة ~~- يدخل بسببهم هؤلاء الفلاسفة في الإسلام أمورا باطلة ويحصل بهم من الضلال ~~والغي ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. ولما أحدثت الجهمية محنتهم ودعوا الناس ~~إليها وضرب أحمد بن حنبل في سنة عشرين ومائتين كان ### | مبدأ حدوث القرامطة الملاحدة الباطنية # من ذلك الزمان فصارت البدع باب الإلحاد كما أن المعاصي بريد الكفر ولبسط ~~هذا موضع آخر. والمقصود هنا: الكلام على لفظ التحيز والجهة وهؤلاء ~~المتكلمون المتفلسفة صار ms5432 بينهم نزاع في الملائكة. هل هي متحيزة أم لا؟ فمن ~~مال إلى الفلسفة ورأى أن الملائكة هي العقول والنفوس التي يثبتها الفلاسفة ~~وأن تلك ليست متحيزة قال: إن الملائكة ليست متحيزة لا سيما وطائفة من ~~الفلاسفة لم تجعل عددها عشرة عقول وتسعة نفوس كما # PageV17P338 # هو المشهور عن المشائين بل قال: لا دليل على نفي الزيادة ورأى النبوات قد ~~أخبرت بكثرة الملائكة فأراد أن يثبت كثرتهم بطريقة فلسفية كما فعل ذلك أبو ~~البركات صاحب " المعتبر " والرازي في " المطالب العالية " وغيرهما. وأما ~~المتكلمون فإنهم يقولون: إن كل ممكن أو كل محدث أو كل مخلوق: فهو إما متحيز ~~وإما قائم بمتحيز وكثير منهم يقول: كل موجود إما متحيز وإما قائم بمتحيز ~~ويقولون: لا يعقل موجود إلا كذلك كما قاله طوائف من أهل الكلام والنظر ثم ~~المتفلسفة كابن سينا وأتباعه والشهرستاني والرازي وغيرهم لما أرادوا إثبات ~~موجود ليس كذلك كان أكبر عمدتهم إثبات الكليات كالإنسانية المشتركة ~~والحيوانية المشتركة وإذا كانت هذه لا تكون كليات إلا في الذهن فلم ينازعهم ~~الناس في ذلك وإنما نازعوهم في إثبات موجود خارج الذهن قائم بنفسه لا يمكن ~~الإحساس به بحال بل لا يكون معقولا. وقالوا لهم: المعقول ما كان في العقل ~~وأما ما كان موجودا قائما بنفسه فلا بد أن يمكن الإحساس به وإن لم نحس نحن ~~به في الدنيا كما لا نحس بالجن والملائكة وغير ذلك فلا بد أن يحس به غيرنا ~~كالملائكة والجن وأن يحس به بعد الموت أو في الدار الآخرة أو # PageV17P339 # يحس به بعض الناس دون بعض في الدنيا كالأنبياء الذين رأوا الملائكة ~~وسمعوا كلامهم. وهذه الطريقة - وهو أن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته - هي التي ~~سلكها أئمة النظار: كابن كلاب وغيره وسلكها ابن الزاغوني وغيره. وأما من ~~قال: إن كل موجود يجوز رؤيته أو يجوز أن يحس بسائر الحواس الخمس كما يقوله ~~الأشعري وموافقوه كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهما فهذه الطريقة ~~مردودة عند جماهير العقلاء بل يقولون فسادها معلوم بالضرورة بعد التصور ms5433 ~~التام كما بسط في موضعه. # وكذلك نزاعهم في روح الإنسان التي تفارقه بالموت على قول الجمهور الذين ~~يقولون: هي عين قائمة بنفسها ليست عرضا من أعراض البدن كالحياة وغيرها ولا ~~جزءا من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه فإن كثيرا من المتكلمين زعموا أنها ~~عرض قائم بالبدن أو جزء من أجزاء البدن لكن هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~السلف والخلف ولقول جماهير العقلاء من جميع الأمم ومخالف للأدلة العقلية. ~~وهذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام. قال القاضي أبو بكر: ~~أكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض # PageV17P340 # وبهذا نقول إذا لم يعن بالروح النفس فإنه قال: الروح الكائن في الجسد ~~ضربان: أحدهما: الحياة القائمة به والآخر النفس والنفس ريح ينبث به والمراد ~~بالنفس ما يخرج بنفس التنفس من أجزاء الهواء المتحلل من المسام وهذا قول ~~الإسفرائيني وغيره وقال ابن فورك: هو ما يجري في تجاويف الأعضاء وأبو ~~المعالي خالف هؤلاء وأحسن في مخالفتهم فقال: إن الروح أجسام لطيفة مشابكة ~~للأجسام المحسوسة أجرى الله العادة بحياة الأجساد ما استمرت مشابكتها لها ~~فإذا فارقتها تعقب الموت الحياة في استمرار العادة. ومذهب الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة: أن الروح عين قائمة ~~بنفسها تفارق البدن وتنعم وتعذب ليست هي البدن ولا جزءا من أجزائه كالنفس ~~المذكور. ولما كان الإمام أحمد ممن نص على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة ~~لم يختلف أصحابه في ذلك؛ لكن طائفة منهم كالقاضي أبي يعلى زعموا أنها جسم ~~وأنها الهواء المتردد في مخاريق البدن؛ موافقة لأحد المعنيين اللذين ذكرهما ~~ابن الباقلاني. وهذه الأقوال لما كانت من أضعف الأقوال تسلط بها عليهم خلق ~~كثير. # PageV17P341 # والمقصود هنا أن الذين قالوا: إنها عين قائمة بنفسها غير البدن وأجزائه ~~وأعراضه تنازعوا: هل هي جسم متحيز؟ على قولين كتنازعهم في الملائكة. ~~فالمتكلمون منهم يقولون: جسم والمتفلسفة يقولون: جوهر عقلي ليس بجسم وقد ~~أشرنا فيما تقدم إلى أن ما تسميه المتفلسفة جواهر عقلية لا توجد إلا في ms5434 ~~الذهن وأصل تسميتهم المجردات والمفارقات هو مأخوذ من نفس الإنسان فإنها لما ~~كانت تفارق بدنه بالموت وتتجرد عنه سموها مفارقة مجردة ثم أثبتوا ما أثبتوه ~~من العقول والنفوس وسموها مفارقات ومجردات بناء على ذلك وهم يريدون ~~بالمفارق للمادة ما لا يكون جسما ولا قائما بجسم لكن النفس متعلقة بالجسم ~~تعلق التدبير والعقل ولا تعلق له بالأجسام أصلا ولا ريب أن جماهير العقلاء ~~على إثبات الفرق بين البدن والروح التي تفارق والجمهور يسمون ذلك روحا وهذا ~~جسما لكن لفظ الجسم في اللغة ليس هو الجسم في اصطلاح المتكلمين بل الجسم هو ~~الجسد كما تقدم وهو الجسم الغليظ أو غلظه والروح ليست مثل البدن في الغلظ ~~والكثافة ولذلك لا تسمى جسما فمن جعل الملائكة والأرواح ونحو ذلك ليست ~~أجساما بالمعنى اللغوي فقد أصاب في ذلك ورب العالمين أولى أن لا يكون جسما ~~فإنه من المشهور في اللغة الفرق بين الأرواح والأجسام. # PageV17P342 # وأما أهل الاصطلاح من المتكلمين والمتفلسفة فيجعلون مسمى الجسم أعم من ~~ذلك وهو ما أمكنت الإشارة الحسية إليه وما قيل إنه هنا وهناك وما قبل ~~الأبعاد الثلاثة ونحو ذلك. وكذلك المتحيز في اصطلاح هؤلاء هو الجسم ويدخل ~~فيه الجوهر الفرد عند من أثبته وقد تقدم معنى الجسم في اللغة وأما المتحيز ~~فقد قال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد باء بغضب من الله} . وقال الجوهري: الحوز الجمع وكل من ضم إلى نفسه ~~شيئا فقد حازه حوزا وحيازة واحتازه أيضا والحوز والحيز السوق اللين وقد حاز ~~الإبل يحوزها ويحيزها وحوز الإبل ساقها إلى الماء وقال الأصمعي: إذا كانت ~~الإبل بعيدة المرعى عن الماء فأول ليلة توجهها إلى الماء ليلة الحوز وتحوزت ~~الحية وتحيزت تلوت. يقال ما لك تتحوز تحوز الحية وتتحيز تحيز الحية قال ~~سيبويه هو تفعل من حزت الشيء قال القطامي: تحيز مني خشية أن أضيفها كما ~~انحازت الأفعى مخافة ضارب يقول تتنحى عني هذه العجوز وتتأخر خشية أن أنزل ~~عليها ضيفا. # PageV17P343 # والحيز ما ms5435 انضم إلى الدار من مرافقها وكل ناحية حيز وأصله من الواو ~~والحيز تخفيف الحيز مثل هين وهين ولين ولين والجمع أحياز والحوزة الناحية ~~وانحاز عنه انعدل وانحاز القوم تركوا مركزهم إلى آخر يقال للأولياء انحازوا ~~عن العدو وحاصوا والأعداء انهزموا وولوا مدبرين وتحاوز الفريقان في الحرب ~~انحاز كل فريق عن الآخر. فهذا المذكور عن أهل اللغة في هذا اللفظ ومادته ~~يقتضي أن التحيز والانحياز والتحوز ونحو ذلك يتضمن عدولا من محل إلى محل ~~وهذا أخص من كونه يحوزه أمر موجود فهم يراعون في معنى الحوز ذهابه من جهة ~~إلى جهة؛ ولهذا يقولون: حزت المال وحزت الإبل وذلك يتضمن نقله من جهة إلى ~~جهة فالشيء المستقر في موضعه كالجبل والشمس والقمر لا يسمونه متحيزا وأعم ~~من هذا أن يراد بالمتحيز ما يحيط به حيز موجود فيسمى كل ما أحاط به غيره ~~أنه متحيز وعلى هذا فما بين السماء والأرض متحيز؛ بل ما في العالم متحيز ~~إلا سطح العالم الذي لا يحيط به شيء فإن ذلك ليس بمتحيز وكذلك العالم جملة ~~ليس بمتحيز بهذا الاعتبار فإنه ليس في عالم آخر أحاط به والمتكلمون يريدون ~~بالمتحيز ما هو أعم من هذا والحيز عندهم أعم من المكان فالعالم كله في حيز ~~وليس هو في مكان # PageV17P344 # والمتحيز عندهم لا يعتبر فيه أنه يحوزه غيره ولا يكون له حيز وجودي بل ~~كلما أشير إليه وامتاز منه شيء عن شيء فهو متحيز عندهم. ثم هم مختلفون بعد ~~هذا في المتحيز: هل هو مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة؟ أو ~~هو غير مركب لا من هذا ولا من هذا؟ كما تقدم نزاعهم في الجسم. فالجسم عندهم ~~متحيز ولا يخرج عنه شيء إلا الجوهر الفرد عند من أثبته وهؤلاء يعتقد كثير ~~منهم أو أكثرهم أن كل متحيز فهو مركب أي يقبل الانقسام إلى جزء لا يتجزأ بل ~~يظن بعضهم أن هذا إجماع المسلمين وأكثرهم يقولون المتحيزات متماثلة في الحد ~~والحقيقة ومن كان معنى المتحيز عنده هذا فعليه ms5436 أن ينزه الله تعالى أن يكون ~~متحيزا بهذا الاعتبار وإذا قال: الملائكة متحيزون بهذا الاعتبار أو الروح ~~متحيزة بهذا الاعتبار نازعه في ذلك جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم؛ بل ~~لا يعرف أحد من سلف الأمة وأئمتها يقول: إن الملائكة متحيزة بهذا الاعتبار ~~ولا قالوا لفظا يدل على هذا المعنى وكذلك روح بني آدم التي تفارقه بالموت ~~لم يقل أحد من السلف إنها متحيزة بهذا الاعتبار ولا قال فيها لفظا يدل على ~~هذا المعنى فإذا كان إثبات هذا التحيز للملائكة والروح بدعة في الشرع ~~وباطلا في العقل فلأن يكون ذلك بدعة وباطلا في رب # PageV17P345 # العالمين بطريق الأولى والأحرى. ومن هنا يتبين أن عامة ما يقوله ~~المتفلسفة وهؤلاء المتكلمة في نفوس بني آدم وفي الملائكة باطل فكيف بما ~~يقولونه في رب العالمين ولهذا توجد الكتب المصنفة التي يذكر فيها مقالات ~~هؤلاء وهؤلاء في هذه المسائل الكبار في رب العالمين وفي ملائكته وفي أرواح ~~بني آدم وفي المعاد وفي النبوات ليس فيها قول يطابق العقل والشرع ولا ~~يعرفون ما قاله السلف والأئمة في هذا الباب ولا ما دل عليه الكتاب والسنة. ~~فلهذا يغلب على فضلائهم الحيرة فإنهم إذا أنهوا النظر لم يصلوا إلى علم. ~~لأن ما نظروا فيه من كلام الطائفتين مشتمل على باطل من الجانبين ولهذا قال ~~أبو عبد الله الرازي في آخر عمره: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة ~~القرآن اقرأ في الإثبات: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~{الرحمن على العرش استوى} واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به ~~علما} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. وأما من اعتقد أن المتحيز هو ما ~~باين غيره فانحاز عنه وليس # PageV17P346 # من شرطه أن يكون مركبا من الأجزاء المنفردة ولا أنه يقبل التفريق ~~والتقسيم. فإذا قال: إن الرب متحيز بهذا المعنى أي أنه بائن عن مخلوقاته ~~فقد أراد معنى صحيحا لكن إطلاق هذه العبارة بدعة وفيها تلبيس فإن ms5437 هذا الذي ~~أراده ليس معنى المتحيز في اللغة وهو اصطلاح له ولطائفته وفي المعنى ~~المصطلح نزاع بين العقلاء فصار يحتمل معنى فاسدا يجب تنزيه الرب عنه وليس ~~للإنسان أن يطلق لفظا يدل عند غيره على معنى فاسد ويفهم ذلك الغير ذلك ~~المعنى الفاسد من غير بيان مراده؛ بل هؤلاء المتكلمون الذين أرادوا ~~بالمتحيز ما كان مؤلفا من أجزاء لا تقبل القسمة وهو ما كان قابلا للقسمة ~~إذا قالوا إن كل ممكن أو كل محدث أو كل مخلوق فهو: إما متحيز وإما قائم ~~بمتحيز كان جماهير العقلاء يخالفونهم في هذا التقسيم ولم يكن أحد من أئمة ~~المسلمين لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ولا سائر ~~أئمة المسلمين موافقا لهم على هذا التقسيم فكيف إذا قال من قال منهم: كل ~~موجود فهو إما متحيز وإما قائم بمتحيز وأراد بالمتحيز ما أراده هؤلاء فإن ~~قوله حينئذ يكون أبعد عن الشرع والعقل من قول أولئك ولهذا طالبهم متأخروهم ~~بالدليل على هذا الحصر. وليس خطأ هؤلاء من جهة ما أثبته المتفلسفة من ~~الجواهر العقلية فإن تلك قد علم بطلانها بصريح العقل أيضا. # PageV17P347 # وما يقوله هؤلاء المتفلسفة في النفس الناطقة من أنها لا يشار إليها ولا ~~توصف بحركة ولا سكون ولا صعود ولا نزول وليست داخل العالم ولا خارجه هو ~~أيضا كلام أبطل من كلام أولئك المتكلمين عند جماهير العقلاء ولا سيما من ~~يقول منهم - كابن سينا وأمثاله - إنها لا تعرف شيئا من الأمور الجزئية ~~وإنما تعرف الأمور الكلية؛ فإن هذا مكابرة ظاهرة فإنها تعرف بدنها وتعرف كل ~~ما تراه بالبدن وتشمه وتسمعه وتذوقه وتقصده وتأمر به وتحبه وتكرهه إلى غير ~~ذلك مما تتصرف فيه بعلمها وعملها فكيف يقال إنها لا تعرف الأمور المعينة ~~وإنما تعرف أمورا كلية وكذلك قولهم إن تعلقها بالبدن ليس إلا مجرد تعلق ~~التدبير والتصريف كتدبير الملك لمملكته من أفسد الكلام فإن الملك يدبر أمر ~~مملكته فيأمر وينهي ولكن لا يصرفهم هو بمشيئته وقدرته إن لم يتحركوا ms5438 هم ~~بإرادتهم وقدرتهم والملك لا يلتذ بلذة أحدهم ولا يتألم بتألمه وليس كذلك ~~الروح والبدن بل قد جعل الله بينهما من الاتحاد والائتلاف ما لا يعرف له ~~نظير يقاس به ولكن دخول الروح فيه ليس هو مماثلا لدخول شيء من الأجسام ~~المشهودة فليس دخولها فيه كدخول الماء ونحوه من المائعات في الأوعية فإن ~~هذه إنما تلاقي السطح الداخل من الأوعية لا بطونها ولا ظهورها وإنما يلاقي # PageV17P348 # الأوعية منها أطرافها دون أوساطها وليس كذلك الروح والبدن بل الروح ~~متعلقة بجميع أجزاء البدن باطنه وظاهره وكذلك دخولها فيها ليس كدخول الطعام ~~والشراب في بدن الآكل فإن ذلك له مجار معروفة وهو مستحيل. - إلى غير ذلك من ~~صفاته - ولا جريانها في البدن كجريان الدم فإن الدم يكون في بعض البدن دون ~~بعض. ففي الجملة كل ما يذكر من النظائر لا يكون كل شيء منه متعلقا بالآخر؛ ~~بخلاف الروح والبدن لكن هي مع هذا في البدن قد ولجت فيه وتخرج منه وقت ~~الموت وتسل منه شيئا فشيئا فتخرج من البدن شيئا فشيئا لا تفارقه كما يفارق ~~الملك مدينته التي يدبرها والناس لما لم يشهدوا لها نظيرا عسر عليهم ~~التعبير عن حقيقتها وهذا تنبيه لهم على أن رب العالمين لم يعرفوا حقيقته ~~ولا تصوروا كيفيته سبحانه وتعالى وأن ما يضاف إليه من صفاته هو على ما يليق ~~به جل جلاله. فإن الروح التي هي بعض عبيده توصف بأنها تعرج إذا نام الإنسان ~~وتسجد تحت العرش وهي مع هذا في بدن صاحبها لم تفارقه بالكلية والإنسان في ~~نومه يحس بتصرفات روحه تصرفات تؤثر في بدنه فهذا الصعود الذي توصف به الروح ~~لا يماثل صعود المشهودات فإنها إذا صعدت إلى مكان فارقت الأول بالكلية ~~وحركتها # PageV17P349 # إلى العلو حركة انتقال من مكان إلى مكان وحركة الروح بعروجها وسجودها ليس ~~كذلك. فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج " وأنه كلم موسى في الوادي ~~الأيمن ms5439 في البقعة المباركة من الشجرة وأنه استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين: لم يلزم من ذلك أن تكون ~~هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة حتى يقال ذلك ~~يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر. فإن نزول الروح وصعودها لا يستلزم ذلك فكيف ~~برب العالمين وكذلك الملائكة لهم صعود ونزول من هذا الجنس. فلا يجوز نفي ما ~~أثبته الله ورسوله من الأسماء والصفات ولا يجوز تمثيل ذلك بصفات المخلوقات ~~لا سيما ما لا نشاهده من المخلوقات فإن ما ثبت لما لا نشاهده من المخلوقات ~~من الأسماء والصفات ليس مماثلا لما نشاهده منها فكيف برب العالمين الذي هو ~~أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق وكل مخلوق فهو أشبه ~~بالمخلوق الذي لا يماثله من الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # PageV17P350 # وهذا الذي نبهنا عليه مما يظهر به أن ما يذكره صاحب " المحصل " وأمثاله ~~من تقسيم الموجودات على رأي المتفلسفة والمتكلمة كله تقسيم غير حاصر وكل من ~~الفريقين مقصر عن سلفه. أما المتكلمون فلم يسلكوا من التقسيم المسلك الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وكذلك هؤلاء المتفلسفة أتباع ~~أرسطو لم يسلكوا مسلك الفلاسفة الأساطين المتقدمين فإن أولئك كانوا يقولون ~~بحدوث هذا العالم وكانوا يقولون: إن فوق هذا العالم عالما آخر يصفونه ببعض ~~ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم به الجنة وكانوا يثبتون معاد الأبدان كما ~~يوجد هذا في كلام سقراط وتاليس وغيرهما من أساطين الفلاسفة وقد ذكروا أن ~~أول من قال منهم بقدم العالم أرسطو. # فصل: # وهذه الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ " المركب " و " المؤلف " و ~~" المنقسم " ونحو ذلك قد صار كل من أراد نفي شيء مما أثبته الله لنفسه من ~~الأسماء والصفات عبر بها عن مقصوده فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد ~~تنزيه الرب الذي ورد به القرآن وهو إثبات أحديته وصمديته ويكون قد أدخل في ~~تلك الألفاظ ما ms5440 رآه هو منفيا # PageV17P351 # وعبر عنه بتلك العبارة وضعا له واصطلاحا اصطلح عليه هو ومن وافقه على ذلك ~~المذهب وليس ذلك من لغة العرب التي نزل بها القرآن ولا من لغة أحد من الأمم ~~ثم يجعل ذلك المعنى هو مسمى الأحد والصمد والواحد ونحو ذلك من الأسماء ~~الموجودة في الكتاب والسنة ويجعل ما نفاه من المعاني التي أثبتها الله ~~ورسوله من تمام التوحيد. واسم " التوحيد " اسم معظم جاءت به الرسل " ونزلت ~~به الكتب فإذا جعل تلك المعاني التي نفاها من التوحيد ظن من لم يعرف مخالفة ~~مراده لمراد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به ~~الرسل ويسمي طائفته الموحدين كما يفعل ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ~~على نفي شيء من الصفات ويسمون ذلك توحيدا. وطائفتهم الموحدين ويسمون علمهم ~~علم التوحيد كما تسمي المعتزلة ومن وافقهم نفي القدر عدلا ويسمون أنفسهم ~~العدلية وأهل العدل ومثل هذه البدع كثير جدا يعبر بألفاظ الكتاب والسنة عن ~~معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ ولا يكون أصحاب تلك ~~الأقوال تلقوها ابتداء عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بل عن شبه ~~حصلت لهم وأئمة لهم وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم ~~وعمدة لهم ليظهر بذلك أنهم متابعون للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالفون ~~له وكثير منهم لا يعرفون # PageV17P352 # أن ما ذكروه مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم بل يظن أن هذا المعنى الذي ~~أراده هو المعنى الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلهذا يحتاج ~~المسلمون إلى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~بألفاظ الكتاب والسنة بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل وما قاله الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ فإن ~~الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ وكانت معرفة ~~الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه وقد بلغوا تلك المعاني إلى ~~التابعين أعظم مما بلغوا حروفه فإن المعاني العامة ms5441 التي يحتاج إليها عموم ~~المسلمين مثل معنى التوحيد ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام ونحو ذلك ~~كان جميع الصحابة يعرفون ما أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من معرفته ~~ولا يحفظ القرآن كله إلا القليل منهم وإن كان كل شيء من القرآن يحفظه منهم ~~أهل التواتر والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن ~~إلهكم واحد ومن ذكر أنه لا إله إلا الله ونحو ذلك. فلا بد أن يكون الصحابة ~~يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إليه الخلق وهو أول # PageV17P353 # ما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه ~~أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد ~~الهجرة قال: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله} وفي الصحيحين {أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من ~~أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات ~~في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم ~~صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك ~~وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب} . فقال ~~لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب كانوا ~~يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا الذي أمر به معاذا موافق ~~لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم} وفي الآية الأخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فإخوانكم في الدين} . وهذا مطابق لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ms5442 الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة} . وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم # PageV17P354 # أنه قال: {الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا ~~الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} . # فالمقصود أن معرفة ما جاء به الرسول وما أراده بألفاظ القرآن والحديث هو ~~أصل العلم والإيمان والسعادة والنجاة ثم معرفة ما قال الناس في هذا الباب ~~لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعاني المخالفة لها. والألفاظ نوعان: نوع ~~يوجد في كلام الله ورسوله ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله. فيعرف معنى ~~الأول ويجعل ذلك المعنى هو الأصل ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويرد إلى ~~الأول. هذا طريق أهل الهدى والسنة وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس يجعلون ~~الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا ~~لهم فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم ويقولون: نحن نفسر القرآن ~~بالعقل واللغة يعنون أنهم يعتقدون معنى بعقلهم ورأيهم ثم يتأولون القرآن ~~عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه ~~ولهذا قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. وقال: ~~يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس وهذه الطريق يشترك ~~فيها جميع أهل البدع الكبار والصغار # PageV17P355 # فهي طريق الجهمية والمعتزلة ومن دخل في التأويل من الفلاسفة والباطنية ~~الملاحدة. # وأما حذاق الفلاسفة فيقولون: إن المراد بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إنما هو أن يخيل إلى الجمهور ما ينتفعون به في مصالح دنياهم وإن لم يكن ذلك ~~مطابقا للحق. قالوا: وليس مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم بيان الحق ~~وتعريفه بل مقصوده أن يخيل إليهم ما يعتقدونه. ويجعلون خاصة النبوة قوة ~~التخييل. فهم يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين ولم يفهم؛ بل ~~ولم يقصد ذلك. وهم متنازعون هل كان يعلم الأمور على ما هي عليه؟ على قولين: ~~منهم من قال: كان يعلمها؛ لكن ما كان يمكنه بيانها. وهؤلاء قد يجعلون ~~الرسول أفضل من الفيلسوف ومنهم من يقول: بل ms5443 ما كان يعرفها أو ما كان حاذقا ~~في معرفتها وإنما كان يعرف الأمور العملية وهؤلاء يجعلون الفيلسوف أكمل من ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن الأمور العملية أكمل من العلمية فهؤلاء ~~يجعلون خبر الله وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فيه التخييل وأولئك ~~يقولون لم يقصد به التخييل ولكن قصد معنى يعرف بالتأويل وكثير من أهل ~~الكلام الجهمية يوافق أولئك على أنه ما كان يمكنه أن يبوح بالحق في باب ~~التوحيد فخاطب الجمهور بما يخيل لهم كما يقولون: إنه لو قال: # PageV17P356 # إن ربكم ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ولا هو فوق العالم ولا ~~كذا ولا كذا لنفرت قلوبهم عنه وقالوا هذا لا يعرف قالوا فخاطبهم بالتجسيم ~~حتى يثبت لهم ربا يعبدونه وإن كان يعرف أن التجسيم باطل وهذا يقوله طوائف ~~من أعيان الفقهاء المتأخرين المشهورين الذين ظنوا أن مذهب النفاة هو الصحيح ~~واحتاجوا أن يعتذروا عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الإثبات كما ~~يوجد في كلام غير واحد. وتارة يقولون. إنما عدل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عن بيان الحق ليجتهدوا في معرفة الحق من غير تعريفه ويجتهدوا في تأويل ~~ألفاظه فتعظم أجورهم على ذلك وهو اجتهادهم في عقلياتهم وتأويلاتهم. ولا ~~يقولون إنه قصد به إفهام العامة الباطل كما يقول أولئك المتفلسفة. وهذا قول ~~أكثر المتكلمين النفاة من الجهمية والمعتزلة ومن سلك مسلكهم حتى ابن عقيل ~~وأمثاله. وأبو حامد وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوجد في كلامهم المعنى ~~الأول. وأبو حامد إنما ذم التأويل في آخر عمره وصنف " إلجام العوام عن علم ~~الكلام " محافظة على هذا الأصل لأنه رأى مصلحة الجمهور لا تقوم إلا بإبقاء ~~الظواهر على ما هي عليه وإن كان هو يرى ما ذكره في كتبه " المضنون بها " أن ~~النفي هو الثابت في نفس الأمر. # PageV17P357 # فلم يجعلوا مقصوده بالخطاب البيان والهدى كما وصف الله به كتابه ونبيه ~~حيث قال: {هدى للمتقين} وقال: {هذا بيان للناس} وقال: {إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون} ms5444 وقال: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} وقال: {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} وأمثال ذلك. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي ~~إلا هالك} وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله} وقال: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وقال: ~~{فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون} . وثم طائفة ثالثة كثرت في المتأخرين المنتسبين إلى السنة ~~يقولون: ما يتضمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معاني ما أنزل ~~عليه من القرآن كآيات الصفات؛ بل لازم قولهم أيضا أنه كان يتكلم بأحاديث ~~الصفات ولا يعرف معانيها وهؤلاء مساكين لما رأوا المشهور عن جمهور السلف من ~~الصحابة # PageV17P358 # والتابعين لهم بإحسان أن الوقف التام عند قوله. {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} وافقوا السلف وأحسنوا في هذه الموافقة؛ لكن ظنوا أن المراد بالتأويل ~~هو معنى اللفظ وتفسيره أو هو التأويل الاصطلاحي الذي يجري في كلام كثير من ~~متأخري أهل الفقه والأصول وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال ~~المرجوح لدليل يقترن به فهم قد سمعوا كلام هؤلاء وهؤلاء فصار لفظ التأويل ~~عندهم هذا معناه. ولما سمعوا قول الله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} ~~ظنوا أن لفظ التأويل في القرآن معناه هو معنى لفظ التأويل في كلام هؤلاء ~~فلزم من ذلك أنه لا يعلم أحد معنى هذه النصوص إلا الله لا جبريل ولا محمد ~~ولا غيرهما؛ بل كل من الرسولين على قولهم يتلو أشرف ما في القرآن من ~~الأخبار عن الله بأسمائه وصفاته وهو لا يعرف معنى ذلك أصلا ثم كثير منهم ~~يذمون ويبطلون تأويلات ms5445 أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرها وهذا جيد؛ ~~لكن قد يقولون تجري على ظواهرها وما يعلم تأويلها إلا الله فإن عنوا ~~بظواهرها ما يظهر منها من المعاني كان هذا مناقضا لقولهم إن لها تأويلا ~~يخالف ظاهرها لا يعلمه إلا الله وإن عنوا بظواهرها مجرد الألفاظ: كان معنى ~~كلامهم أنه يتكلم بهذه الألفاظ ولها باطن يخالف ما ظهر منها وهو التأويل ~~وذلك لا يعلمه إلا الله. وفيهم من يريد بإجرائها على ظواهرها هذا المعنى ~~وفيهم من # PageV17P359 # يريد الأول وعامتهم يريدون بالتأويل المعنى الثالث وقد يريدون به الثاني ~~فإنه أحيانا قد يفسر النص بما يوافق ظاهره وتبين من هذا أنه ليس من التأويل ~~الثالث فيأبون ذلك ويكرهون تدبر النصوص والنظر في معانيها أعني النصوص التي ~~يقولون إنه لم يعلم تأويلها إلا الله. ثم هم في هذه النصوص بحسب عقائدهم ~~فإن كانوا من القدرية قالوا: النصوص المثبتة لكون العبد فاعلا محكمة ~~والنصوص المثبتة لكون الله تعالى خالق أفعال العباد أو مريدا لكل ما وقع ~~نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله إذا كانوا ممن لا يتأولها فإن عامة ~~الطوائف منهم من يتأول ما يخالف قوله ومنهم من لا يتأوله وإن كانوا من ~~الصفاتية المثبتين للصفات التي زعموا أنهم يعلمونها بالعقل دون الصفات ~~الخبرية مثل كثير من متأخري الكلابية كأبي المعالي في آخر عمره وابن عقيل ~~في كثير من كلامه قالوا عن النصوص المتضمنة للصفات التي لا تعلم عندهم ~~بالعقل هذه نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله وكثير منهم يكون له ~~قولان وحالان: تارة يتأول ويوجب التأويل أو يجوزه وتارة يحرمه كما يوجد ~~لأبي المعالي ولابن عقيل ولأمثالهما من اختلاف الأقوال. # ومن أثبت العلو بالعقل وجعله من الصفات العقلية: كأبي محمد بن كلاب وأبي ~~الحسن بن الزاغوني ومن وافقه وكالقاضي أبي # PageV17P360 # يعلى في آخر قوليه وأبي محمد: أثبتوا العلو وجعلوا الاستواء من الصفات ~~الخبرية التي يقولون لا يعلم معناها إلا الله " وإن كانوا ممن يرى أن ~~الفوقية والعلو أيضا من الصفات الخبرية كقول ms5446 القاضي أبي بكر وأكثر الأشعرية ~~وقول القاضي أبي يعلى في أول قوليه وابن عقيل في كثير من كلامه وأبي بكر ~~البيهقي وأبي المعالي وغيرهم ومن سلك مسلك أولئك. وهذه الأمور مبسوطة في ~~موضعها. (والمقصود هنا أن كل طائفة تعتقد من الآراء ما يناقض ما دل عليه ~~القرآن يجعلون تلك النصوص من المتشابه ثم إن كانوا ممن يرى الوقف عند قوله: ~~{وما يعلم تأويله إلا الله} قالوا لا يعلم معناها إلا الله فيلزم أن لا ~~يكون محمد وجبريل ولا أحد علم معاني تلك الآيات والأخبار وإن رأوا أن الوقف ~~على قوله: {والراسخون في العلم} جعلوا الراسخين يعلمون ما يسمونه هم تأويلا ~~ويقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما لم يبين الحق بخطابه ليجتهد ~~الناس في معرفة الحق من غير جهته بعقولهم وأذهانهم ويجتهدون في تخريج ~~ألفاظه على اللغات العربية فيجتهدون في معرفة غرائب اللغات التي يتمكنون ~~بها من التأويل وهذا إن قالوا إنه قصد بالقرآن والحديث معنى حقا في نفس ~~الأمر وإن قالوا بقول الفلاسفة والباطنية الذين لا يرون التأويل. قالوا: لم ~~يقصد بهذه الألفاظ إلا ما يفهمه العامة # PageV17P361 # والجمهور وهو باطل في نفس الأمر لكن أراد أن يخيل لهم ما ينتفعون به " ~~ولم يمكنه أن يعرفهم الحق فإنهم كانوا ينفرون عنه ولا يقبلونه وأما من قال ~~من الباطنية الملاحدة وفلاسفتهم بالتأويل فإنه يتأول كل شيء مما أخبرت به ~~الرسل من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ثم يؤولون العبارات كما هو معروف ~~من تأويلات القرامطة الباطنية. وأبو حامد في " الإحياء " ذكر قول هؤلاء ~~المتأولين من الفلاسفة وقال إنهم أسرفوا في التأويل وأسرفت الحنابلة في ~~الجمود وذكر عن أحمد بن حنبل كلاما لم يقله أحمد فإنه لم يكن يعرف ما قاله ~~أحمد ولا ما قاله غيره. من السلف في هذا الباب ولا ما جاء به القرآن ~~والحديث وقد سمع مضافا إلى الحنابلة ما يقوله طائفة منهم ومن غيرهم من ~~المالكية والشافعية وغيرهم في الحرف والصوت. وبعض الصفات: مثل قولهم: إن ~~الأصوات ms5447 المسموعة من القراء قديمة أزلية وإن الحروف المتعاقبة قديمة ~~الأعيان وإنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو منه العرش حتى يبقى بعض المخلوقات ~~فوقه وبعضها تحته إلى غير ذلك من المنكرات. فإنه ما من طائفة إلا وفي بعضهم ~~من يقول أقوالا ظاهرها الفساد وهي التي يحفظها من ينفر عنهم ويشنع بها ~~عليهم وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها كما في هذه المسائل المنكرة التي ~~يقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي فإن جماهير هذه الطوائف # PageV17P362 # ينكرها وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها. وكلامهم في إنكارها وردها كثير ~~جدا لكن يوجد في أهل الحديث مطلقا من الحنبلية وغيرهم من الغلط في الإثبات ~~أكثر مما يوجد في أهل الكلام ويوجد في أهل الكلام من الغلط في النفي أكثر ~~مما يوجد في أهل الحديث؛ لأن الحديث إنما جاء بإثبات الصفات ليس فيه شيء من ~~النفي الذي انفرد به أهل الكلام والكلام المأخوذ عن الجهمية والمعتزلة مبني ~~على النفي المناقض لصرائح القرآن والحديث؛ بل والعقل الصريح أيضا؛ لكنهم ~~يدعون أن العقل دل على النفي وقد ناقضهم طوائف من أهل الكلام وزادوا في ~~الإثبات كالهشامية والكرامية وغيرهم لكن النفي في جنس الكلام المبتدع الذي ~~ذمه السلف أكثر. # والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم ~~القسمين يتمسكون بما يجدونه في كلام الأئمة في المتشابه مثل قول أحمد في ~~رواية حنبل ولا كيف ولا معنى ظنوا أن مراده. أنا لا نعرف معناها. وكلام ~~أحمد صريح بخلاف هذا في غير موضع وقد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية ~~ونحوهم الذين يتأولون القرآن على غير تأويله وصنف كتابه في " الرد على ~~الزنادقة والجهمية " فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ~~فأنكر عليهم تأويل القرآن # PageV17P363 # على غير مراد الله ورسوله وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا ~~والمكيفون يثبتون كيفية. يقولون: إنهم علموا كيفية ما أخبر به من صفات ~~الرب. فنفى أحمد قول هؤلاء وقول هؤلاء: قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا ~~الكيفية وقول المحرفة الذين يحرفون ms5448 الكلم عن مواضعه ويقولون معناه كذا ~~وكذا. وقد كتبت كلام أحمد بألفاظه - كما ذكره الخلال في كتاب السنة وكما ~~ذكره من نقل كلام أحمد بإسناده في الكتب المصنفة في ذلك - في غير هذا ~~الموضع. وبين أن لفظ التأويل في الآية إنما أريد به التأويل في لغة القرآن ~~كقوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل} . وعن ابن عباس في قوله: {هل ينظرون إلا تأويله} تصديق ما ~~وعد في القرآن وعن قتادة تأويله ثوابه وعن مجاهد جزاؤه وعن السدي عاقبته ~~وعن ابن زيد حقيقته. قال بعضهم تأويله ما يئول إليه أمرهم من العذاب وورود ~~النار. وقوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} ، # PageV17P364 # قال بعضهم تصديق ما وعدوا به من الوعيد والتأويل ما يئول إليه الأمر وعن ~~الضحاك يعني عاقبة ما وعد الله في القرآن أنه كائن من الوعيد والتأويل ما ~~يئول إليه الأمر. وقال الثعلبي: تفسيره. وليس بشيء. وقال الزجاج: لم يكن ~~معهم علم تأويله. وقال يوسف الصديق عليه السلام {يا أبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل} فجعل نفس سجود أبويه له تأويل رؤياه. وقال قبل هذا: {لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} أي قبل أن يأتيكما التأويل. ~~والمعنى لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام لما قال أحدهما: {إني أراني ~~أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا} . {إلا نبأتكما ~~بتأويله} في اليقظة {قبل أن يأتيكما} الطعام هذا قول أكثر المفسرين وهو ~~الصواب. وقال بعضهم لا يأتيكما طعام ترزقانه تطعمانه. وتأكلانه إلا نبأتكما ~~بتأويله بتفسيره وألوانه أي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم؟ فقالوا: هذا ~~فعل العرافين والكهنة فقال ما أنا بكاهن وإنما ذلك العلم مما يعلمني ربي. ~~وهذا القول ليس بشيء فإنه قال: {إلا نبأتكما بتأويله} وقد قال أحدهما: {إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ms5449 أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ~~نبئنا بتأويله} فطلبا منه تأويل ما رأياه وأخبرهما بتأويل ذاك ولم يكن ~~تأويل الطعام في # PageV17P365 # اليقظة ولا في القرآن أنه أخبرهما بما يرزقانه في اليقظة فكيف يقول قولا ~~عاما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} وهذا الإخبار العام لا يقدر عليه إلا الله ~~والأنبياء يخبرون ببعض ذلك لا يخبرون بكل هذا. وأيضا فصفة الطعام وقدره ليس ~~تأويلا له. وأيضا فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا قال يعقوب عليه ~~السلام {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} وقال يوسف عليه السلام ~~{رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} وقال: {هذا تأويل رؤياي ~~من قبل} ولما رأى الملك الرؤيا قال له الذي ادكر بعد أمة: {أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلوني} والملك قال: {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون} {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} . فهذا ~~لفظ التأويل في مواضع متعددة كلها بمعنى واحد. وقال تعالى: {فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} قال مجاهد وقتادة: جزاء وثوابا وقال السدي وابن زيد وابن ~~قتيبة والزجاج: عاقبة. وعن ابن زيد أيضا: تصديقا. كقوله: {هذا تأويل رؤياي ~~من قبل} وكل هذه الأقوال صحيحة والمعنى واحد وهذا تفسير # PageV17P366 # السلف أجمعين ومنه قوله: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} فلما ذكر ~~له ما ذكر قال: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} . وهذا تأويل فعله ليس هو ~~تأويل قوله والمراد به عاقبة هذه الأفعال بما يئول إليه ما فعلته: من مصلحة ~~أهل السفينة ومصلحة أبوي الغلام ومصلحة أهل الجدار. وأما قول بعضهم: ردكم ~~إلى الله والرسول أحسن من تأويلكم فهذا قد ذكره الزجاج عن بعضهم وهذا من ~~جنس ما ذكر في تلك الآية في لفظ التأويل وهو تفسير له بالاصطلاح الحادث لا ~~بلغة القرآن فأما قدماء المفسرين فلفظ التأويل والتفسير عندهم سواء كما ~~يقول ابن جرير: القول في تأويل هذه الآية. ms5450 أي في تفسيرها. ولما كان هذا ~~معنى التأويل عند مجاهد وهو إمام التفسير جعل الوقف على قوله: {والراسخون ~~في العلم} فإن الراسخين في العلم يعلمون تفسيره وهذا القول اختيار ابن ~~قتيبة وغيره من أهل السنة. وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق وقد ~~بسط الكلام على ذلك في كتابه في " المشكل " وغيره. # وأما متأخرو المفسرين كالثعلبي فيفرقون بين التفسير والتأويل. قال: فمعنى ~~التفسير هو التنوير وكشف المغلق من المراد بلفظه # PageV17P367 # والتأويل: صرف الآية إلى معنى تحتمله يوافق ما قبلها وما بعدها وتكلم في ~~الفرق بينهما بكلام ليس هذا موضعه إلا أن التأويل الذي ذكره. هو المعنى ~~الثالث المتأخر وأبو الفرج بن الجوزي يقول: اختلف العلماء هل التفسير ~~والتأويل بمعنى واحد؟ أم يختلفان؟ فذهب قوم يميلون إلى العربية: إلى أنهما ~~بمعنى وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين. وذهب قوم يميلون إلى الفقه: إلى ~~اختلافهما فقالوا: التفسير إخراج الشيء عن مقام الخفاء إلى مقام التجلي ~~والتأويل: نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ~~ترك ظاهر اللفظ فهو مأخوذ من قولك آل الشيء إلى كذا. أي صار إليه فهؤلاء لا ~~يذكرون للتأويل إلا المعنى الأول والثاني وأما التأويل في لغة القرآن فلا ~~يذكرونه وقد عرف أن التأويل في القرآن هو الموجود الذي يئول إليه الكلام ~~وإن كان ذلك موافقا المعنى الذي يظهر من اللفظ بل لا يعرف في القرآن لفظ ~~التأويل مخالفا لما يدل عليه اللفظ خلاف اصطلاح المتأخرين. والكلام نوعان: ~~إنشاء وإخبار. فالإنشاء الأمر والنهي والإباحة وتأويل الأمر والنهي نفس فعل ~~المأمور ونفس ترك المحظور. كما في الصحيح {عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك # PageV17P368 # اللهم اغفر لي يتأول القرآن} فكان هذا الكلام تأويل قوله: {فسبح بحمد ربك ~~واستغفره} . قال ابن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي. وقال أبو عبيد لما ~~ذكر اختلاف الفقهاء وأهل اللغة في {نهي النبي صلى الله عليه وسلم ms5451 عن اشتمال ~~الصماء} قال: والفقهاء أعلم بالتأويل. يقول: هم أعلم بتأويل ما أمر الله ~~به؛ وما نهى عنه فيعرفون أعيان الأفعال الموجودة التي أمر بها وأعيان ~~الأفعال المحظورة التي نهى عنها. وتفسير كلامه ليس هو نفس ما يوجد في ~~الخارج؛ بل هو بيانه وشرحه وكشف معناه. فالتفسير من جنس الكلام: يفسر ~~الكلام بكلام يوضحه. وأما التأويل فهو فعل المأمور به وترك المنهي عنه ليس ~~هو من جنس الكلام. والنوع الثاني: الخبر كإخبار الرب عن نفسه تعالى بأسمائه ~~وصفاته وإخباره عما ذكره لعباده من الوعد والوعيد وهذا هو التأويل المذكور ~~في قوله: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} {هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق} وهذا كقولهم: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن ~~وصدق المرسلون} ومثله قوله: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} وقوله: ~~{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} {قل إنما العلم عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين} # PageV17P369 # {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} ~~ونظائره متعددة في القرآن. وكذلك قوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} {بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} فإن ما وعدوا به في القرآن لما يأتهم بعد ~~وسوف يأتيهم. فالتفسير هو الإحاطة بعلمه والتأويل هو نفس ما وعدوا به إذا ~~أتاهم فهم كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله؛ وقد يحيط ~~الناس بعلمه ولما يأتهم تأويله فالرسول صلى الله عليه وسلم يحيط بعلم ما ~~أنزل الله عليه وإن كان تأويله لم يأت بعد وفي الحديث {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل قوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} ~~الآية: قال: إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد} قال تعالى: {وكذب به قومك وهو ~~الحق قل لست عليكم بوكيل} {لكل نبإ ms5452 مستقر} قال بعضهم: موضع قرار وحقيقة ~~ومنتهى ينتهي إليه فيبين حقه من باطله وصدقه من كذبه. وقال مقاتل: لكل خبر ~~يخبر به الله وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير. وقال ابن السائب: ~~لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه وما كان منه في الآخرة ~~فسوف # PageV17P370 # يبدو لكم وسوف تعلمون. وقال الحسن: لكل عمل جزاء؛ فمن عمل عملا من الخير ~~جوزي به في الجنة ومن عمل عمل سوء جوزي به في النار وسوف تعلمون. ومعنى قول ~~الحسن: أن الأعمال قد وقع عليها الوعد والوعيد فالوعد والوعيد عليها هو ~~النبأ الذي له المستقر فبين المعنى ولم يرد أن نفس الجزاء هو نفس النبأ. ~~وعن السدي قال: {لكل نبإ مستقر} أي ميعاد وعدتكموه فسيأتيكم حتى تعرفونه ~~وعن عطاء: {لكل نبإ مستقر} تؤخر عقوبته ليعمل ذنبه " فإذا عمل ذنبه عاقبه ~~أي لا يعاقب بالوعيد حتى يفعل الذنب الذي توعده عليه. ومنه قول كثير من ~~السلف في آيات: هذه ذهب تأويلها وهذه لم يأت تأويلها مثل ما روى أبو الأشهب ~~عن الحسن والربيع عن أبي العالية أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: {يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية. فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها ~~قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم ثم قال: إن القرآن نزل ~~حيث نزل فمنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه آي وقع تأويلهن على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن في آخر ~~الزمان ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار. ~~فما # PageV17P371 # دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض ~~فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس ~~بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. فابن مسعود رضي الله عنه - ~~قد ذكر في هذا ms5453 الكلام تأويل الأمر وتأويل الخبر فهذه الآية {عليكم أنفسكم} ~~من باب الأمر وما ذكر من الحساب والقيامة من باب الخبر وقد تبين أن تأويل ~~الخبر هو وجود المخبر به وتأويل الأمر هو فعل المأمور به فالآية التي مضى ~~تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر: يقع الشيء فيذكره الله كما ذكر ما ~~ذكره من قول المشركين للرسول وتكذيبهم له وهي وإن مضى تأويلها فهي عبرة ~~ومعناها ثابت في نظيرها ومن هذا قول ابن مسعود: خمس قد مضين ومنه قوله ~~تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} . وإذا تبين ذلك؛ فالمتشابه من الأمر ~~لا بد من معرفة تأويله؛ لأنه لا بد من فعل المأمور وترك المحظور وذلك لا ~~يمكن إلا بعد العلم؛ لكن ليس في القرآن ما يقتضي أن في الأمر متشابها فإن ~~قوله: {وأخر متشابهات} قد يراد به من الخبر فالمتشابه من الخبر مثل ما أخبر ~~به في الجنة من اللحم واللبن والعسل والماء والحرير والذهب فإن بين # PageV17P372 # هذا وبين ما في الدنيا تشابه في اللفظ والمعنى ومع هذا فحقيقة ذلك مخالفة ~~لحقيقة هذا وتلك الحقيقة لا نعلمها نحن في الدنيا وقد قال الله تعالى: {فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وفي الحديث ~~الصحيح {يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر} فهذا الذي وعد الله به عباده المؤمنين لا تعلمه ~~نفس هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وكذلك وقت الساعة لا يعلمه إلا ~~الله وأشراطها وكذلك كيفيات ما يكون فيها من الحساب والصراط والميزان ~~والحوض والثواب والعقاب لا يعلم كيفيته إلا الله فإنه لم يخلق بعد حتى ~~تعلمه الملائكة ولا له نظير مطابق من كل وجه حتى يعلم به فهو من تأويل ~~المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. وكذلك ما أخبر به الرب عن نفسه مثل ~~استوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه وغير ذلك فإن كيفيات ذلك لا يعلمها ~~إلا الله كما ms5454 قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس. وسائر أهل العلم: ~~تلقوا هذا الكلام عنهما بالقبول لما قيل: {الرحمن على العرش استوى} كيف ~~استوى؟ فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة. هذا لفظ مالك. فأخبر أن الاستواء معلوم وهذا تفسير اللفظ وأخبر أن ~~الكيف مجهول وهذا هو الكيفية التي استأثر الله بعلمها. # PageV17P373 # وكذلك سائر السلف كابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما يبينون أن العباد ~~لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه فالكيف هو التأويل الذي لا يعلمه ~~إلا الله. وأما نفس المعنى الذي بينه الله فيعلمه الناس كل على قدر فهمه ~~فإنهم يفهمون معنى السمع ومعنى البصر " وأن مفهوم هذا ليس هو مفهوم هذا ~~ويعرفون الفرق بينهما وبين العليم والقدير وإن كانوا لا يعرفون كيفية سمعه ~~وبصره بل الروح التي فيهم يعرفونها من حيث الجملة ولا يعرفون كيفيتها كذلك ~~يعلمون معنى الاستواء على العرش. وأنه يتضمن علو الرب على عرشه وارتفاعه ~~عليه كما فسره بذلك السلف قبلهم وهذا معنى معروف من اللفظ لا يحتمل في ~~اللغة غيره كما قد بسط في موضعه ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم. ومن قال: ~~الاستواء له معان متعددة فقد أجمل كلامه فإنهم يقولون: استوى فقط. ولا ~~يصلونه بحرف وهذا له معنى. ويقولون: استوى على كذا وله معنى واستوى إلى كذا ~~وله معنى واستوى مع كذا وله معنى فتتنوع معانيه بحسب صلاته. وأما استوى على ~~كذا فليس في القرآن ولغة العرب المعروفة إلا بمعنى واحد. قال تعالى: {فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه} وقال {واستوت على الجودي} وقال: {لتستووا على ~~ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} وقال: {فإذا استويت أنت # PageV17P374 # ومن معك على الفلك} وقد {أتي النبي صلى الله عليه وسلم بدابة ليركبها ~~فلما وضع رجله في الغرز قال: بسم الله فلما استوى على ظهرها قال: الحمد ~~لله} {وقال ابن عمر: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج لما استوى على ~~بعيره} وهذا المعنى يتضمن شيئين: علوه ms5455 على ما استوى عليه واعتداله أيضا. ~~فلا يسمون المائل على الشيء مستويا عليه ومنه حديث الخليل بن أحمد لما قال: ~~استووا. وقوله: ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق هو من هذا ~~الباب؛ فإن المراد به بشر بن مروان واستواؤه عليها أي على كرسي ملكها لم ~~يرد بذلك مجرد الاستيلاء؛ بل استواء منه عليها؛ إذ لو كان كذلك لكان عبد ~~الملك الذي هو الخليفة قد استوى أيضا على العراق وعلى سائر مملكة الإسلام ~~ولكان عمر بن الخطاب قد استوى على العراق وخراسان والشام ومصر وسائر ما ~~فتحه ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استوى على اليمن وغيرها مما ~~فتحه. ومعلوم أنه لم يوجد في كلامهم استعمال الاستواء في شيء من هذا وإنما ~~قيل فيمن استوى بنفسه على بلد؛ فإنه مستو على سرير ملكه كما يقال جلس فلان ~~على السرير وقعد على التخت. ومنه قوله. {ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا} وقوله: {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} . # PageV17P375 # وقول الزمخشري وغيره: استوى على كذا بمعنى ملك " دعوى مجردة. فليس لها ~~شاهد في كلام العرب ولو قدر ذلك لكان هذا المعنى باطلا في استواء الله على ~~العرش؛ لأنه أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~وقد أخبر أن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة وحينئذ فهو من حين خلق العرش مالك له مستول عليه فكيف يكون ~~الاستواء عليه مؤخرا عن خلق السموات والأرض. وأيضا فهو مالك لكل شيء مستول ~~عليه فلا يخص العرش بالاستواء وليس هذا كتخصيصه بالربوبية في قوله {رب ~~العرش العظيم} فإنه قد يخص لعظمته ولكن يجوز ذلك في سائر المخلوقات فيقال: ~~رب العرش ورب كل شيء وأما الاستواء فمختص بالعرش فلا يقال استوى على العرش ~~وعلى كل شيء ولا استعمل ذلك أحد من المسلمين في كل شيء ولا يوجد في كتاب ~~ولا سنة كما استعمل لفظ ms5456 الربوبية في العرش خاصة وفي كل شيء عامة وكذلك لفظ ~~الخلق ونحوه من الألفاظ التي تخص وتعم. كقوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} {خلق الإنسان من علق} فالاستواء من الألفاظ المختصة بالعرش لا تضاف ~~إلى غيره لا خصوصا ولا عموما وهذا مبسوط في موضع آخر. وإنما الغرض بيان ~~صواب كلام السلف في قولهم: الاستواء معلوم # PageV17P376 # بخلاف من جعل هذا اللفظ له بضعة عشر معنى. كما ذكر ذلك ابن عربي ~~المعافري. يبين هذا أن سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران ومناظرتهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر المسيح كما ذكر ذلك أهل التفسير وأهل ~~السيرة وهو من المشهور بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودعاهم إلى المباهلة المذكورة في سورة آل عمران فأقروا ~~بالجزية ولم يباهلوه وصدر آل عمران نزل بسبب ما جرى؛ ولهذا عامتها في أمر ~~المسيح وذكروا أنهم احتجوا بما في القرآن من لفظ (أنا) و (نحن) ونحو ذلك ~~على أن الآلهة ثلاثة فاتبعوا المتشابه وتركوا المحكم الذي في القرآن من أن ~~الإله واحد {ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فإنهم قصدوا بذلك الفتنة وهي ~~فتنة القلوب بالكفر وابتغاء تأويل لفظ (إنا) و (نحن) وما يعلم تأويل هذه ~~الأسماء إلا الله لأن هذه الأسماء إنما تقال للواحد الذي له أعوان إما أن ~~يكونوا شركاء له وإما أن يكونوا مماليك له. ولهذا صارت متشابهة فإن الذي ~~معه شركاء يقول: فعلنا نحن كذا وإنا نفعل نحن كذا وهذا ممتنع في حق الله ~~تعالى والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه - كالملك - يقول: فعلنا كذا. أي أنا # PageV17P377 # فعلت بأهل ملكي وملكي وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له وهو سبحانه يدبر ~~أمر العالم بنفسه وملائكته التي هي رسله في خلقه وأمره وهو سبحانه أحق من ~~قال: إنا ونحن بهذا الاعتبار فإن ما سواه ليس له ملك تام ولا أمر مطاع طاعة ~~تامة فهو المستحق أن يقول: (إنا و (نحن والملوك لهم شبه بهذا فصار ms5457 فيه أيضا ~~من المتشابه معنى آخر ولكن الذي ينسب لله من هذا الاختصاص لا يماثله فيه ~~شيء وتأويل ذلك معرفة ملائكته وصفاتهم وأقدارهم وكيف يدبر بهم أمر السماء ~~والأرض وقد قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} فهذا التأويل لهذا ~~المتشابه لا يعلمه إلا هو وإن علمنا تفسيره ومعناه؛ لكن لم نعلم تأويله ~~الواقع في الخارج؛ بخلاف قوله: {الله الذي خلق} فإنها آية محكمة ليس فيها ~~تشابه فإن هذا الاسم مختص بالله ليس مثل (إنا و (نحن التي تقال لمن له ~~شركاء ولمن له أعوان يحتاج إليهم والله تعالى منزه عن هذا وهذا. كما قال: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} وقال: {وقل الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا} فالمعنى الذي يراد به هذا في حق المخلوقين لا يجوز أن يكون نظيره ~~ثابتا لله؛ فلهذا صار متشابها. # PageV17P378 # وكذلك قوله: {ثم استوى على العرش} فإنه قد قال: {واستوت على الجودي} ~~وقال: {فاستوى على سوقه} وقال: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} وقال: ~~{لتستووا على ظهوره} فهذا الاستواء كله يتضمن حاجة المستوي إلى المستوى ~~عليه وأنه لو عدم من تحته لخر والله تعالى غني عن العرش وعن كل شيء بل هو ~~سبحانه بقدرته يحمل العرش وحملة العرش وقد روي: أنهم إنما أطاقوا حمل العرش ~~لما أمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. فصار لفظ الاستواء متشابها ~~يلزمه في حق المخلوقين معاني ينزه. الله عنها. فنحن نعلم معناه وأنه العلو ~~والاعتدال؛ لكن لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب التي يكون بها مستويا ~~من غير افتقار منه إلى العرش بل مع حاجة العرش وكل شيء محتاج إليه من كل ~~وجه وأنا لم نعهد في الموجودات ما يستوي على غيره مع غناه عنه وحاجة ذلك ~~المستوى ms5458 عليه إلى المستوي فصار متشابها من هذا الوجه فإن بين اللفظين ~~والمعنيين قدرا مشتركا وبينهما قدرا فارقا هو مراد في كل منهما ونحن لا ~~نعرف الفارق الذي امتاز الرب به فصرنا نعرفه من وجه ونجهله من وجه وذلك هو ~~تأويله والأول هو تفسيره. وكذلك ما أخبر الله به في الجنة من المطاعم ~~والمشارب والملابس: كاللبن والعسل والخمر والماء فإنا لا نعرف لبنا إلا ~~مخلوقا من ماشية # PageV17P379 # يخرج من بين فرث ودم وإذا بقي أياما يتغير طعمه ولا نعرف عسلا إلا من نحل ~~تصنعه في بيوت الشمع المسدسة فليس هو عسلا مصفى ولا نعرف حريرا إلا من دود ~~القز وهو يبلى وقد علمنا أن ما وعد الله به عباده ليس مماثلا لهذه لا في ~~المادة ولا في الصورة والحقيقة بل له حقيقة تخالف حقيقة هذه وذلك هو من ~~التأويل الذي لا نعلمه نحن قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا ~~الأسماء. لكن يقال: فالملائكة قد تعلم هذا. فيقال: هي لا تعلم ما لم يخلق ~~بعد ولا تعلم كل ما في الجنة وأيضا فمن النعم ما لا تعرفه الملائكة ~~والتأويل يتناول هذا كله. وإذا قدرنا أنها تعرف ما لا نعرفه فذاك لا يكون ~~من المتشابه عندها ويكون من المتشابه عندنا فإن المتشابه قد يراد به ما هو ~~صفة لازمة للآية وقد يراد به ما هو من الأمور النسبية فقد يكون. متشابها ~~عند هذا ما لا يكون متشابها عند هذا. # وكلام الإمام أحمد وغيره من السلف يحتمل أن يراد به هذا فإن أحمد ذكر في ~~رده على الجهمية: أنها احتجت بثلاث آيات من المتشابه: قوله تعالى: {وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض} وقوله: {ليس كمثله شيء} وقوله: {لا تدركه ~~الأبصار} وقد فسر أحمد قوله: # PageV17P380 # {وهو الله في السماوات وفي الأرض} . فإذا كانت هذه الآيات مما علمنا ~~معناها لم تكن متشابهة عندنا وهي متشابهة عند من احتج بها وكان عليه أن ~~يردها هو إلى ما يعرفه من المحكم وكذلك قال أحمد ms5459 في ترجمة كتابه الذي صنفه ~~في الحبس وهو الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن ~~وتأولته على غير تأويله ثم فسر أحمد تلك الآيات آية آية فبين أنها ليست ~~متشابهة عنده بل قد عرف معناها. وعلى هذا فالراسخون في العلم يعلمون تأويل ~~هذا المتشابه الذي هو تفسيره وأما التأويل الذي هو الحقيقة الموجودة في ~~الخارج فتلك لا يعلمها إلا الله ولكن قد يقال هذا المتشابه الإضافي ليس هو ~~المتشابه المذكور في القرآن فإن ذلك قد أخبر الله أنه لا يعلم تأويله إلا ~~الله وإنما هذا كما يشكل على كثير من الناس آيات لا يفهمون معناها وغيرهم ~~من الناس يعرف معناها وعلى هذا فقد يجاب بجوابين: أحدهما: أن يكون في الآية ~~قراءتان قراءة من يقف على قوله إلا الله وقراءة من يقف عند قوله {والراسخون ~~في العلم} وكلتا القراءتين حق ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر ~~الله بعلم تأويله ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون ~~تفسيره وهو تأويله ومثل هذا يقع في القرآن كقوله: {وإن كان مكرهم # PageV17P381 # لتزول منه الجبال} و (لتزول) فيه قراءتان مشهورتان بالنفي والإثبات وكل ~~قراءة لها معنى صحيح. وكذلك القراءة المشهورة: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة} وقرأ طائفة من السلف: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وكلا ~~القراءتين حق فإن الذي يتعدى حدود الله هو الظالم وتارك الإنكار عليه قد ~~يجعل غير ظالم لكونه لم يشاركه وقد يجعل ظالما باعتبار ما ترك من الإنكار ~~الواجب وعلى هذا قوله: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} فأنجى الله الناهين. وأما ~~أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا: {لم تعظون قوما} فالأكثرون على أنهم ~~نجوا لأنهم كانوا كارهين فأنكروا بحسب قدرتهم. وأما من ترك الإنكار مطلقا ~~فهو ظالم يعذب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الناس إذا رأوا المنكر ~~فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} وهذا الحديث موافق للآية. ms5460 ~~والمقصود هنا أنه يصح النفي والإثبات باعتبارين كما أن قوله: {لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة} أي لا تختص بالمعتدين بل تتناول من رأى المنكر فلم ~~يغيره ومن قرأ لتصيبن الذين ظلموا منكم # PageV17P382 # خاصة أدخل في ذلك من ترك الإنكار مع قدرته عليه وقد يراد بذلك أنهم ~~يعذبون في الدنيا ويبعثون على نياتهم كالجيش الذين يغزون البيت فيخسف بهم ~~كلهم ويحشر المكره على نيته. والجواب الثاني: القطع بأن المتشابه المذكور ~~في القرآن هو تشابهها في نفسها اللازم لها وذاك الذي لا يعلم تأويله إلا ~~الله وأما الإضافي الموجود في كلام من أراد به التشابه الإضافي فمرادهم ~~أنهم تكلموا فيما اشتبه معناه وأشكل معناه على بعض الناس وأن الجهمية ~~استدلوا بما اشتبه عليهم وأشكل وإن لم يكن هو من المتشابه الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله وكثيرا ما يشتبه على الرجل ما لا يشتبه على غيره. ويحتمل ~~كلام الإمام أحمد أنه لم يرد إلا المتشابه في نفسه الذي يلزمه التشابه لم ~~يرد بشيء منه التشابه الإضافي وقال تأولته على غير تأويله أي غير تأويله ~~الذي هو تأويله في نفس الأمر وإن كان ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله وأهل ~~العلم يعلمون أن المراد به ذلك التأويل فلا يبقى مشكلا عندهم محتملا لغيره ~~ولهذا كان المتشابه في الخبريات إما عن الله وإما عن الآخرة وتأويل هذا كله ~~لا يعلمه إلا الله بل المحكم من القرآن قد يقال له تأويل كما للمتشابه ~~تأويل. كما قال: {هل ينظرون إلا تأويله} ومع هذا فذلك التأويل لا يعلم وقته ~~وكيفيته إلا الله وقد يقال: بل التأويل للمتشابه لأنه في الوعد # PageV17P383 # والوعيد وكله متشابه وأيضا فلا يلزم في كل آية ظنها بعض الناس متشابها أن ~~تكون من المتشابه. فقول أحمد احتجوا بثلاث آيات من المتشابه وقوله ما شكت ~~فيه من متشابه القرآن قد يقال إن هؤلاء أو إن أحمد جعل بعض ذلك من المتشابه ~~وليس منه فإن قول الله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ms5461 ~~متشابهات} لم يرد به هنا الإحكام العام والتشابه العام الذي يشترك فيه جميع ~~آيات القرآن وهو المذكور في قوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} وفي قوله: ~~{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم} فوصفه هنا كله بأنه متشابه أي متفق غير مختلف يصدق بعضه بعضا وهو عكس ~~المتضاد المختلف المذكور في قوله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} وقوله: {إنكم لفي قول مختلف} {يؤفك عنه من أفك} فإن هذا ~~التشابه يعم القرآن كما أن إحكام آياته تعمه كله وهنا قد قال: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} فجعل بعضه محكما وبعضه متشابها فصار ~~التشابه له معنيان وله معنى ثالث وهو الإضافي يقال قد اشتبه علينا هذا كقول ~~بني إسرائيل: {إن البقر تشابه علينا} وإن كان في نفسه متميزا منفصلا بعضه ~~عن بعض. وهذا من باب اشتباه الحق # PageV17P384 # بالباطل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: {الحلال بين والحرام بين. ~~وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس} فدل ذلك على أن من الناس ~~من يعرفها فليست مشتبهة على جميع الناس بل على بعضهم بخلاف ما لا يعلم ~~تأويله إلا الله فإن الناس كلهم مشتركون في عدم العلم بتأويله ومن هذا ما ~~{يروى عن المسيح - عليه السلام - أنه قال: الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده ~~فاتبعوه وأمر تبين غيه فاجتنبوه وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه} . فهذا ~~المشتبه على بعض الناس يمكن الآخرين أن يعرفوا الحق فيه ويبينوا الفرق بين ~~المشتبهين وهذا هو الذي أراده من جعل الراسخين يعلمون التأويل فإنه جعل ~~المشتبهات في القرآن من هذا الباب الذي يشتبه على بعض الناس دون بعض ويكون ~~بينهما من الفروق المانعة للتشابه ما يعرفه بعض الناس وهذا المعنى صحيح في ~~نفسه لا ينكر ولا ريب أن الراسخين في العلم يعلمون ما اشتبه على غيرهم وقد ~~يكون هذا قراءة في الآية كما تقدم من أنه يكون فيها قراءتان؛ لكن لفظ ~~التأويل ms5462 على هذا يراد به التفسير ووجه ذلك أنهم يعلمون تأويله من حيث ~~الجملة كما يعلمون تأويل المحكم فيعرفون الحساب والميزان والصراط والثواب ~~والعقاب وغير ذلك مما أخبر الله به ورسوله معرفة مجملة فيكونون عالمين ~~بالتأويل وهو ما يقع في الخارج على هذا الوجه # PageV17P385 # ولا يعلمونه مفصلا إذ هم لا يعرفون كيفيته وحقيقته إذ ذلك ليس مثل الذي ~~علموه في الدنيا وشاهدوه وعلى هذا يصح أن يقال علموا تأويله وهو معرفة ~~تفسيره ويصح أن يقال لم يعلموا تأويله وكلا القراءتين حق. # وعلى قراءة النفي هل يقال أيضا: إن المحكم له تأويل لا يعلمون تفصيله؟ ~~فإن قوله: وما يعلم تأويل ما تشابه منه إلا الله لا يدل على أن غيره يعلم ~~تأويل المحكم بل قد يقال: إن من المحكم أيضا ما لا يعلم تأويله إلا الله ~~وإنما خص المتشابه بالذكر لأن أولئك طلبوا علم تأويله أو يقال بل المحكم ~~يعلمون تأويله لكن لا يعلمون وقت تأويله ومكانه وصفته. وقد قال كثير من ~~السلف: إن المحكم ما يعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به كما يجيء في ~~كثير من الآثار ونعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه وكما جاء عن ابن مسعود وغيره ~~في قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} قال يحللون حلاله ~~ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه. وكلام السلف في ذلك يدل ~~على أن التشابه أمر إضافي فقد يشتبه على هذا ما لا يشتبه على هذا فعلى كل ~~أحد أن يعمل بما استبان له ويكل ما اشتبه عليه إلى الله. كقول أبي بن كعب - ~~رضي الله عنه - في الحديث الذي رواه # PageV17P386 # الثوري عن مغيرة - وليس بشيء - عن أبي العالية قال: قيل لأبي بن كعب ~~أوصني فقال: اتخذ كتاب الله إماما ارض به قاضيا وحاكما هو الذي استخلف فيكم ~~رسوله شفيع مطاع وشاهد لا يتهم فيه خبر ما قبلكم وخبر ما بينكم وذكر ما ~~قبلكم وذكر ما فيكم. وقال سفيان عن رجل سماه. عن ابن أبزى عن أبي قال: فما ~~استبان ms5463 لك فاعمل به وما شبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه. فمنهم من قال: ~~المتشابه هو المنسوخ ومنهم من جعله الخبريات مطلقا فعن قتادة والربيع ~~والضحاك والسدي: المحكم الناسخ الذي يعمل به: والمتشابه المنسوخ يؤمن به ~~ولا يعمل به وكذلك في تفسير العوفي عن ابن عباس. وأما تفسير الوالبي عن ابن ~~عباس فقال: محكمات: القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ~~ويعمل به. والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ~~ولا يعمل به. أما القول الأول فهو - والله أعلم - مأخوذ من قوله: {فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} فقابل بين المنسوخ وبين المحكم ~~وهو سبحانه إنما أراد نسخ ما ألقاه الشيطان؛ لم يرد نسخ ما أنزله لكن هم ~~جعلوا جنس المنسوخ متشابها لأنه يشبه غيره في التلاوة والنظم # PageV17P387 # وأنه كلام الله وقرآن ومعجز وغير ذلك من المعاني مع أن معناه قد نسخ. ومن ~~جعل المتشابه كل ما لا يعمل به من المنسوخ والأقسام والأمثال فلأن ذلك ~~متشابه ولم يؤمر الناس بتفصيله بل يكفيهم الإيمان المجمل به بخلاف المعمول ~~به فإنه لا بد فيه من العلم المفصل. وهذا بيان لما يلزم كل الأمة فإنهم ~~يلزمهم معرفة ما يعمل به تفصيلا ليعملوا به. وما أخبروا به فليس عليهم ~~معرفته؛ بل عليهم الإيمان به وإن كان العلم به حسنا أو فرضا على الكفاية ~~فليس فرضا على الأعيان؛ بخلاف ما يعمل به. ففرض على كل إنسان معرفة ما ~~يلزمه من العمل مفصلا وليس عليه معرفة العلميات مفصلا. وقد روي عن مجاهد ~~وعكرمة: المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه يصدق بعضه ~~بعضا. فعلى هذا القول يكون المتشابه هو المذكور في قوله: {كتابا متشابها ~~مثاني} . والحلال مخالف للحرام وهذا على قول مجاهد: إن العلماء يعلمون ~~تأويله؛ لكن تفسير المتشابه بهذا مع أن كل القرآن متشابه وهنا خص البعض به ~~فيستدل به على ضعف هذا القول. وكذلك قوله: {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة} لو أريد ms5464 بالمتشابه # PageV17P388 # تصديق بعضه بعضا لكان اتباع ذلك غير محذور وليس في كونه يصدق بعضه بعضا ~~ما يمنع ابتغاء تأويله وقد يحتج لهذا القول بقوله متشابهات فجعلها أنفسها ~~متشابهات وهذا يقتضي أن بعضها يشبه بعضا ليست متشابهة لغيرها. ويجاب عن هذا ~~بأن اللفظ إذا ذكر في موضعين بمعنيين صار من المتشابه كقوله: (إنا) و (نحن) ~~المذكور في سبب نزول الآية وقد ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن ~~الزبير لما ذكر قصة أهل نجران ونزول الآية قال: المحكم ما لا يحتمل من ~~التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل في التأويل أوجها ومعنى هذا أن ~~ذلك اللفظ المحكم لا يكون تأويله في الخارج إلا شيئا واحدا وأما المتشابه ~~فيكون له تأويلات متعددة لكن لم يرد الله إلا واحدا منها وسياق الآية يدل ~~على المراد وحينئذ فالراسخون في العلم يعلمون المراد من هذا كما يعلمون ~~المراد من المحكم؛ لكن نفس التأويل الذي هو الحقيقة ووقت الحوادث ونحو ذلك ~~لا يعلمونه لا من هذا ولا من هذا. وقد قيل: إن نصارى نجران احتجوا بقوله: ~~{بكلمة من الله} وروح منه ولفظ كلمة الله: يراد به الكلام ويراد به المخلوق ~~بالكلام وروح منه: يراد به ابتداء الغاية ويراد به التبعيض فعلى هذا إذا ~~قيل تأويله لا يعلمه إلا الله المراد به الحقيقة أي لا يعلمون كيف خلق # PageV17P389 # عيسى بالكلمة ولا كيف أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها من ~~روحه وفي صحيح البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا ~~رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم} . ~~والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له ولا يجوز أن ~~يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك ~~من يقوله من المتأخرين وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ سواء كان مع هذا ~~تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما ولا ~~يعلمون ms5465 الآخر وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى ~~المتشابه من القرآن وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون كان هذا ~~الإثبات خيرا من من ذلك النفي فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة ~~وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره وهذا مما يجب ~~القطع به وليس معناه قاطعا على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير ~~المتشابه فإن السلف قد قال كثير منهم إنهم يعلمون تأويله منهم مجاهد - مع ~~جلالة قدره - والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير ونقلوا ذلك عن ابن ~~عباس وأنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. # PageV17P390 # وقول أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله وقوله عن الجهمية إنها تأولت ثلاث ~~آيات من المتشابه ثم تكلم على معناها؛ دليل على أن المتشابه عنده تعرف ~~العلماء معناه وأن المذموم تأويله على غير تأويله فأما تفسيره المطابق ~~لمعناه فهذا محمود ليس بمذموم وهذا يقتضي أن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل الصحيح للمتشابه عنده وهو التفسير في لغة السلف. ولهذا لم يقل أحمد ~~ولا غيره من السلف إن في القرآن آيات لا يعرف الرسول ولا غيره معناها بل ~~يتلون لفظا لا يعرفون معناه وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة منهم ابن ~~قتيبة وأبو سليمان الدمشقي وغيرهما. وابن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد ~~وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة وله في ذلك مصنفات متعددة. قال ~~فيه صاحب " كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث ": وهو أحد أعلام الأئمة ~~والعلماء والفضلاء أجودهم تصنيفا وأحسنهم ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف ~~وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق وكان معاصرا لإبراهيم الحربي ومحمد بن نصر ~~المروزي وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة ~~يتهم بالزندقة ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه قلت: # PageV17P391 # ويقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ ~~خطيب ms5466 المعتزلة. وقد نقل عن ابن عباس أيضا القول الآخر ونقل ذلك عن غيره من ~~الصحابة وطائفة من التابعين ولم يذكر هؤلاء على قولهم نصا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصارت مسألة نزاع فترد إلى الله وإلى الرسول وأولئك احتجوا ~~بأنه قرن ابتغاء الفتنة بابتغاء تأويله وبأن النبي صلى الله عليه وسلم ذم ~~مبتغي المتشابه وقال: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم} . ~~ولهذا ضرب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صبيغ بن عسل لما سأله عن ~~المتشابه ولأنه قال: {والراسخون في العلم يقولون} ولو كانت الواو واو عطف ~~مفرد على مفرد لا واو الاستئناف التي تعطف جملة على جملة لقال: ويقولون. ~~فأجاب الآخرون عن هذا بأن الله قال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا} ثم قال: {والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون} الآية ثم قال: ~~{والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان} قالوا فهذا عطف مفرد على مفرد والفعل حال من المعطوف فقط وهو ~~نظير قوله: {والراسخون في # PageV17P392 # العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} قالوا ولأنه لو كان المراد مجرد ~~الوصف بالإيمان لم يخص الراسخين بل قال: والمؤمنون يقولون آمنا به فإن كل ~~مؤمن يجب عليه أن يؤمن به فلما خص الراسخين في العلم بالذكر علم أنهم ~~امتازوا بعلم تأويله فعلموه لأنهم عالمون وآمنوا به لأنهم يؤمنون " وكان ~~إيمانهم به مع العلم أكمل في الوصف وقد قال عقيب ذلك: {وما يذكر إلا أولو ~~الألباب} وهذا يدل على أن هنا تذكرا يختص به أولو الألباب فإن كان ما ثم ~~إلا الإيمان بألفاظ فلا يذكر لما يدلهم على ما أريد بالمتشابه. ونظير هذا ~~قوله في الآية الأخرى: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك} فلما وصفهم بالرسوخ في العلم وأنهم يؤمنون قرن ~~بهم المؤمنين فلو أريد هنا مجرد الإيمان لقال والراسخون في العلم ms5467 والمؤمنون ~~يقولون آمنا به كما قال في تلك الآية لما كان مراده مجرد الإخبار بالإيمان ~~جمع بين الطائفتين. قالوا: وأما الذم فإنما وقع على من يتبع المتشابه ~~لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهو حال أهل القصد الفاسد الذين يريدون ~~القدح في القرآن فلا يطلبون إلا المتشابه لإفساد القلوب وهي فتنتها به ~~ويطلبون تأويله وليس طلبهم لتأويله لأجل العلم والاهتداء بل هذا # PageV17P393 # لأجل الفتنة وكذلك صبيغ بن عسل ضربه عمر؛ لأن قصده بالسؤال عن المتشابه ~~كان لابتغاء الفتنة وهذا كمن يورد أسئلة وإشكالات على كلام الغير ويقول ~~ماذا أريد بكذا وغرضه التشكيك والطعن فيه ليس غرضه معرفة الحق وهؤلاء هم ~~الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما ~~تشابه منه} ولهذا يتبعون أي يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم مثل ~~المتبع للشيء الذي يتحراه ويقصده وهذا فعل من قصده الفتنة. وأما من سأل عن ~~معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه. وهو عالم بالمحكم متبع له ~~مؤمن بالمتشابه لا يقصد فتنة فهذا لم يذمه الله وهكذا كان الصحابة يقولون ~~رضي الله عنهم مثل الأثر المعروف الذي رواه. إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ~~وقد ذكره الطلمنكي - حدثنا يزيد بن عبد ربه ثنا بقية ثنا عتبة بن أبي حكيم ~~ثني عمارة بن راشد الكناني عن زياد عن معاذ بن جبل قال: يقرأ القرآن رجلان ~~فرجل له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس يلتمس أن يجد فيه أمرا يخرج به على ~~الناس أولئك شرار أمتهم أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى ورجل يقرؤه ليس ~~فيه هوى ولا نية يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به؟ وما اشتبه عليه ~~وكله إلى الله ليتفقهن فيه فقها ما فقهه قوم قط حتى لو أن أحدهم مكث عشرين ~~سنة فليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه أو يفهمه إياها من ~~قبل نفسه. # PageV17P394 # قال بقية أشهدني ابن عيينة حديث عتبة هذا. فهذا معاذ يذم من اتبع ~~المتشابه لقصد الفتنة وأما ms5468 من قصده. الفقه فقد أخبر أن الله لا بد أن يفقهه ~~بفهمه المتشابه فقها ما فقهه قوم قط قالوا: والدليل على ذلك أن الصحابة ~~كانوا إذا عرض لأحدهم شبهة في آية أو حديث سأل عن ذلك كما سأله عمر فقال: ~~ألم يكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ وسأله أيضا عمر: ما بالنا نقصر ~~الصلاة وقد آمنا؟ ولما نزل قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق عليهم ~~وقالوا: أينا لم يظلم نفسه حتى بين لهم ولما نزل قوله: {وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} شق عليهم حتى بين لهم الحكمة في ذلك ولما ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت عائشة: ألم يقل ~~الله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ؟ قال: إنما ذلك العرض} . قالوا: والدليل ~~على ما قلناه إجماع السلف فإنهم فسروا جميع القرآن وقال مجاهد عرضت المصحف ~~على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها وتلقوا ذلك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين ~~كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم ~~كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى # PageV17P395 # يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ~~جميعا وكلام أهل التفسير من الصحابة والتابعين شامل لجميع القرآن إلا ما قد ~~يشكل على بعضهم فيقف فيه لا لأن أحدا من الناس لا يعلمه لكن لأنه هو لم ~~يعلمه. وأيضا فإن الله قد أمر بتدبر القرآن مطلقا ولم يستثن منه شيئا لا ~~يتدبر ولا قال: لا تدبروا المتشابه والتدبر بدون الفهم ممتنع ولو كان من ~~القرآن ما لا يتدبر لم يعرف فإن الله لم يميز المتشابه بحد ظاهر حتى يجتنب ~~تدبره. وهذا أيضا مما يحتجون به ويقولون المتشابه أمر نسبي إضافي فقد يشتبه ~~على هذا ما لا يشتبه على غيره قالوا؛ ولأن الله أخبر أن القرآن بيان وهدى ~~وشفاء ms5469 ونور ولم يستثن منه شيئا عن هذا الوصف وهذا ممتنع بدون فهم المعنى ~~قالوا: ولأن من العظيم أن يقال: إن الله أنزل على نبيه كلاما لم يكن يفهم ~~معناه لا هو ولا جبريل بل وعلى قول هؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحدث بأحاديث الصفات والقدر والمعاد ونحو ذلك مما هو نظير متشابه القرآن ~~عندهم ولم يكن يعرف معنى ما يقوله وهذا لا يظن بأقل الناس. # PageV17P396 # وأيضا فالكلام إنما المقصود به الإفهام فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثا ~~وباطلا والله تعالى قد نزه نفسه عن فعل الباطل والعبث فكيف يقول الباطل ~~والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم وهذا من أقوى حجج ~~الملحدين. وأيضا فما في القرآن آية إلا وقد تكلم الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان في معناها وبينوا ذلك وإذا قيل فقد يختلفون في بعض ذلك قيل كما قد ~~يختلفون في آيات الأمر والنهي وآيات الأمر والنهي مما اتفق المسلمون على أن ~~الراسخين في العلم يعلمون معناها وهذا أيضا مما يدل على أن الراسخين في ~~العلم يعلمون تفسير المتشابه فإن المتشابه قد يكون في آيات الأمر والنهي ~~كما يكون في آيات الخبر وتلك مما اتفق العلماء على معرفة الراسخين لمعناها ~~فكذلك الأخرى فإنه على قول النفاة لم يعلم معنى المتشابه إلا الله لا ملك ~~ولا رسول ولا عالم وهذا خلاف إجماع المسلمين في متشابه الأمر والنهي. وأيضا ~~فلفظ التأويل يكون للمحكم كما يكون للمتشابه كما دل القرآن والسنة وأقوال ~~الصحابة على ذلك وهم يعلمون معنى المحكم فكذلك معنى المتشابه وأي فضيلة في ~~المتشابه حتى ينفرد الله بعلم معناه والمحكم أفضل منه وقد بين معناه لعباده ~~فأي فضيلة في المتشابه حتى يستأثر الله بعلم معناه وما استأثر الله بعلمه ~~كوقت الساعة لم ينزل به # PageV17P397 # خطابا ولم يذكر في القرآن آية تدل على وقت الساعة ونحن نعلم أن الله ~~استأثر بأشياء لم يطلع عباده عليها وإنما النزاع في كلام أنزله وأخبر أنه ~~هدى وبيان وشفاء وأمر بتدبره ms5470 ثم يقال إن منه ما لا يعرف معناه إلا الله ولم ~~يبين الله ولا رسوله ذلك القدر الذي لا يعرف أحد معناه ولهذا صار كل من ~~أعرض عن آيات لا يؤمن بمعناها يجعلها من المتشابه بمجرد دعواه ثم سبب نزول ~~الآية قصة أهل نجران وقد احتجوا بقوله (إنا) و (نحن) وبقوله: (كلمة) منه و ~~(روح) منه وهذا قد اتفق المسلمون على معرفة معناه فكيف يقال: إن المتشابه ~~لا يعرف معناه لا الملائكة ولا الأنبياء ولا أحد من السلف وهو من كلام الله ~~الذي أنزله إلينا وأمرنا أن نتدبره ونعقله وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء ونور ~~وليس المراد من الكلام إلا معانيه ولولا المعنى لم يجز التكلم بلفظ لا معنى ~~له. وقد قال الحسن: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت ~~وماذا عني بها. ومن قال: إن سبب نزول الآية سؤال اليهود عن حروف المعجم في ~~(الم) بحساب الجمل فهذا نقل باطل. أما أولا: فلأنه من رواية الكلبي. # PageV17P398 # وأما ثانيا: فهذا قد قيل إنهم قالوه في أول مقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة وسورة آل عمران إنما نزل صدرها متأخرا لما قدم وفد نجران ~~بالنقل المستفيض المتواتر وفيها فرض الحج وإنما فرض سنة تسع أو عشر لم يفرض ~~في أول الهجرة باتفاق المسلمين. وأما ثالثا: فلأن حروف المعجم ودلالة الحرف ~~على بقاء هذه الأمة ليس هو من تأويل القرآن الذي استأثر الله بعلمه بل إما ~~أن يقال إنه ليس مما أراده الله بكلامه فلا يقال إنه انفرد بعلمه بل دعوى ~~دلالة الحروف على ذلك باطل وإما أن يقال بل يدل عليه فقد علم بعض الناس ما ~~يدل عليه. وحينئذ فقد علم الناس ذلك أما دعوى دلالة القرآن على ذلك وأن ~~أحدا لا يعلمه فهذا هو الباطل. وأيضا فإذا كانت الأمور العلمية التي أخبر ~~الله بها في القرآن لا يعرفها الرسول كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه ~~وكان حجة لما يقولونه من أنه كان ms5471 لا يعرف الأمور العلمية أو أنه كان يعرفها ~~ولم يبينها بل هذا القول يقتضي أنه لم يكن يعلمها فإن ما لا يعلمه إلا الله ~~لا يعلمه النبي ولا غيره. وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان ~~قول من يقول: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره. # PageV17P399 # نعم قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء فضلا عن ~~غيرهم وليس ذلك في آية معينة بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا وذلك تارة ~~يكون لغرابة اللفظ وتارة لاشتباه المعنى بغيره وتارة لشبهة في نفس الإنسان ~~تمنعه من معرفة الحق وتارة لعدم التدبر التام وتارة لغير ذلك من الأسباب ~~فيجب القطع بأن قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به} . أن الصواب قول من يجعله معطوفا ويجعل الواو لعطف مفرد على مفرد ~~أو يكون كلا القولين حقا وهي قراءتان والتأويل المنفي غير التأويل المثبت ~~وإن كان الصواب هو قول من يجعلها واو استئناف فيكون التأويل المنفي علمه عن ~~غير الله هو الكيفيات التي لا يعلمها غيره وهذا فيه نظر وابن عباس جاء عنه ~~أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله وجاء عنه أن الراسخين لا ~~يعلمون تأويله. وجاء عنه أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه ~~العرب من كلامها " وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير ~~لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب. وهذا القول يجمع القولين ويبين ~~أن العلماء يعلمون من تفسيره ما لا يعلمه غيرهم وأن فيه ما لا يعلمه إلا ~~الله فأما من جعل الصواب قول من جعل الوقف عند قوله إلا الله وجعل التأويل ~~بمعنى التفسير فهذا خطأ قطعا. # PageV17P400 # وأما التأويل بالمعنى الثالث وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى ~~الاحتمال المرجوح فهذا الاصطلاح لم يكن بعد عرف في عهد الصحابة بل ولا ~~التابعين بل ولا الأئمة الأربعة ولا كان التكلم بهذا الاصطلاح معروفا في ~~القرون الثلاثة بل ولا علمت أحدا منهم ms5472 خص لفظ التأويل بهذا ولكن لما صار ~~تخصيص لفظ التأويل بهذا شائعا في عرف كثير من المتأخرين فظنوا أن التأويل ~~في الآية هذا معناه صاروا يعتقدون أن لمتشابه القرآن معاني تخالف ما يفهم ~~منه وفرقوا دينهم بعد ذلك وصاروا شيعا والمتشابه المذكور الذي كان سبب نزول ~~الآية لا يدل ظاهره على معنى فاسد وإنما الخطأ في فهم السامع. نعم قد يقال: ~~إن مجرد هذا الخطاب لا يبين كمال المطلوب ولكن فرق بين عدم دلالته على ~~المطلوب وبين دلالته على نقيض المطلوب. فهذا الثاني هو المنفي؛ بل وليس في ~~القرآن ما يدل على الباطل ألبتة كما قد بسط في موضعه. ولكن كثير من الناس ~~يزعم أن لظاهر الآية معنى إما معنى يعتقده وإما معنى باطلا فيحتاج إلى ~~تأويله ويكون ما قاله باطلا لا تدل الآية على معتقده ولا على المعنى الباطل ~~وهذا كثير جدا وهؤلاء هم الذين يجعلون القرآن كثيرا ما يحتاج إلى التأويل ~~المحدث وهو صرف اللفظ عن مدلوله إلى خلاف مدلوله. # PageV17P401 # ومما يحتج به من قال الراسخون في العلم يعلمون التأويل: ما ثبت في صحيح ~~البخاري وغيره - {عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وقال: ~~اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} فقد دعا له بعلم التأويل مطلقا وابن ~~عباس فسر القرآن كله قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره ~~أقفه عند كل آية وأسأله عنها وكان يقول: أنا من الراسخين في العلم الذين ~~يعلمون تأويله. وأيضا فالنقول متواترة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه تكلم ~~في جميع معاني القرآن من الأمر والخبر فله من الكلام في الأسماء والصفات ~~والوعد والوعيد والقصص ومن الكلام في الأمر والنهي والأحكام ما يبين أنه ~~كان يتكلم في جميع معاني القرآن. وأيضا قد قال ابن مسعود ما من آية في كتاب ~~الله إلا وأنا أعلم في ماذا أنزلت. وأيضا فإنهم متفقون على أن آيات الأحكام ~~يعلم تأويلها وهي نحو خمسمائة آية وسائر القرآن خبر عن ms5473 الله وأسمائه وصفاته ~~أو عن اليوم الآخر والجنة والنار أو عن القصص وعاقبة أهل الإيمان وعاقبة ~~أهل الكفر فإن كان هذا هو المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله # PageV17P402 # فجمهور القرآن لا يعرف أحد معناه لا الرسول ولا أحد من الأمة ومعلوم أن ~~هذا مكابرة ظاهرة. وأيضا فمعلوم أن العلم بتأويل الرؤيا أصعب من العلم ~~بتأويل الكلام الذي يخبر به فإن دلالة الرؤيا على تأويلها دلالة خفية غامضة ~~لا يهتدي لها جمهور الناس؛ بخلاف دلالة لفظ الكلام على معناه فإذا كان الله ~~قد علم عباده تأويل الأحاديث التي يرونها في المنام فلأن يعلمهم تأويل ~~الكلام العربي المبين الذي ينزله على أنبيائه بطريق الأولى والأحرى قال ~~يعقوب ليوسف: {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} وقال يوسف: {رب ~~قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} وقال: {لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} . وأيضا فقد ذم الله الكفار ~~بقوله {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين} {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} ~~وقال: {ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون} {حتى إذا ~~جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون} وهذا ذم ~~لمن كذب بما لم يحط بعلمه. # PageV17P403 # فما قاله الناس من الأقوال المختلفة في تفسير القرآن وتأويله ليس لأحد أن ~~يصدق بقول دون قول بلا علم ولا يكذب بشيء منها إلا أن يحيط بعلمه وهذا لا ~~يمكن إلا إذا عرف الحق الذي أريد بالآية فيعلم أن ما سواه باطل فيكذب ~~بالباطل الذي أحاط بعلمه وأما إذا لم يعرف معناها ولم يحط بشيء منها علما. ~~فلا يجوز له التكذيب بشيء منها مع أن الأقوال المتناقضة بعضها باطل قطعا ~~ويكون حينئذ المكذب بالقرآن كالمكذب بالأقوال المتناقضة والمكذب بالحق ~~كالمكذب بالباطل وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم. وأيضا فإنه إن بني على ~~ما يعتقده من أنه لا يعلم معاني ms5474 الآيات الخبرية إلا الله لزمه أن يكذب كل ~~من احتج بآية من القرآن خبرية على شيء من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر ~~ومن تكلم في تفسير ذلك وكذلك يلزم مثل ذلك في أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإن قال: المتشابه هو بعض الخبريات لزمه أن يبين فصلا يتبين به ما ~~يجوز أن يعلم معناه من آيات القرآن وما لا يجوز أن يعلم معناه بحيث لا يجوز ~~أن يعلم معناه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من الصحابة ولا غيرهم. ~~ومعلوم أنه لا يمكن أحدا ذكر حد فاصل بين ما يجوز أن يعلم معناه بعض الناس ~~وبين ما لا يجوز أن يعلم معناه أحد. ولو ذكر ما ذكر انتقض عليه فعلم أن ~~المتشابه ليس هو # PageV17P404 # الذي لا يمكن أحدا معرفة معناه وهذا دليل مستقل في المسألة. وأيضا فقوله: ~~{لم يحيطوا بعلمه} {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما} ذم لهم على عدم ~~الإحاطة مع التكذيب ولو كان الناس كلهم مشتركين في عدم الإحاطة بعلم ~~المتشابه لم يكن في ذمهم بهذا الوصف فائدة ولكان الذم على مجرد التكذيب فإن ~~هذا بمنزلة أن يقال أكذبتم بما لم تحيطوا به علما ولا يحيط به علما إلا ~~الله؟ ومن كذب بما لا يعلمه إلا الله كان أقرب إلى العذر من أن يكذب بما ~~يعلمه الناس فلو لم يحط بها علما الراسخون كان ترك هذا الوصف أقوى في ذمهم ~~من ذكره. ويتبين هذا بوجه آخر هو دليل في المسألة: وهو أن الله ذم الزائغين ~~بالجهل وسوء القصد فإنهم يقصدون المتشابه يبتغون تأويله ولا يعلم تأويله ~~إلا الراسخون في العلم وليسوا منهم وهم يقصدون الفتنة لا يقصدون العلم ~~والحق وهذا كقوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون} فإن المعنى بقوله (لأسمعهم فهم القرآن) . يقول لو علم ~~الله فيهم حسن قصد وقبولا للحق لأفهمهم القرآن لكن لو أفهمهم لتولوا عن ~~الإيمان وقبول الحق لسوء قصدهم فهم جاهلون ظالمون كذلك الذين ms5475 في قلوبهم زيغ ~~هم # PageV17P405 # مذمومون بسوء القصد مع طلب علم ما ليسوا من أهله وليس إذا عيب هؤلاء على ~~العلم ومنعوه يعاب من حسن قصده وجعله الله من الراسخين في العلم. فإن قيل: ~~فأكثر السلف على أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل وكذلك أكثر أهل ~~اللغة يروي هذا عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعروة وقتادة وعمر بن ~~عبد العزيز والفراء وأبي عبيد وثعلب وابن الأنباري قال ابن الأنباري في ~~قراءة عبد الله: إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم وفي قراءة أبي ~~وابن عباس: ويقول الراسخون في العلم قال: وقد أنزل الله في كتابه أشياء ~~استأثر بعلمها كقوله تعالى: {قل إنما علمها عند الله} وقوله: {وقرونا بين ~~ذلك كثيرا} فأنزل المحكم ليؤمن به المؤمن فيسعد ويكفر به الكافر فيشقى قال ~~ابن الأنباري: والذي روى القول الآخر عن مجاهد هو ابن أبي نجيح ولا تصح ~~روايته التفسير عن مجاهد. فيقال قول القائل: إن أكثر السلف على هذا قول بلا ~~علم فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قال إن الراسخين في العلم لا ~~يعلمون تأويل المتشابه وعن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت " كان رسوخهم ~~في العلم أن آمنوا بمحكمه وبمتشابهه ولا يعلمونه " # PageV17P406 # فقد روى البخاري عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها ~~الحديث المرفوع في هذا وليس فيه هذه الزيادة ولم يذكر أنه سمعها من القاسم ~~بل الثابت عن الصحابة أن المتشابه يعلمه الراسخون كما تقدم حديث معاذ بن ~~جبل في ذلك وكذلك نحوه عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وغيرهم وما ذكر ~~من قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ليس لها إسناد يعرف حتى يحتج بها والمعروف ~~عن ابن مسعود أنه كان يقول: ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم في ماذا ~~أنزلت وماذا عني بها. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم ms5476 كانوا إذا ~~تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا ما ~~فيها من العلم والعمل وهذا أمر مشهور رواه الناس عن عامة أهل الحديث ~~والتفسير وله إسناد معروف بخلاف ما ذكر من قراءتهما وكذلك ابن عباس قد عرف ~~عنه أنه كان يقول: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه دعا له بعلم تأويل الكتاب فكيف لا يعلم التأويل مع ~~أن قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله لا تناقض هذا القول فإن نفس ~~التأويل لا يأتي به إلا الله كما قال تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم ~~يأتي تأويله} وقال: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} . # PageV17P407 # وقد اشتهر عن عامة السلف أن الوعد والوعيد من المتشابه وتأويل ذلك هو ~~مجيء الموعود به وذلك عند الله لا يأتي به إلا هو وليس في القرآن: إن علم ~~تأويله إلا عند الله كما قال في الساعة: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل ~~إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا ~~تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} وكذلك لما قال فرعون لموسى: ~~{فما بال القرون الأولى} {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} ~~. فلو كانت قراءة ابن مسعود تقتضي نفي العلم عن الراسخين لكانت: إن علم ~~تأويله إلا عند الله لم يقرأ إن تأويله إلا عند الله فإن هذا حق بلا نزاع ~~وأما القراءة الأخرى المروية عن أبي وابن عباس فقد نقل عن ابن عباس ما ~~يناقضه وأخص أصحابه بالتفسير مجاهد وعلى تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة ~~كالثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري. قال الثوري إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به. والشافعي في كتبه ms5477 أكثر الذي ينقله عن ابن عيينة عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد وكذلك البخاري في صحيحه يعتمد على هذا # PageV17P408 # التفسير وقول القائل لا تصح رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد جوابه: أن تفسير ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير بل ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في ~~التفسير أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد إلا أن يكون نظيره في الصحة ثم ~~معه ما يصدقه وهو قوله: عرضت المصحف على ابن عباس أقفه عند كل آية وأسأله ~~عنها. وأيضا فأبي بن كعب رضي الله عنه قد عرف عنه أنه كان يفسر ما تشابه من ~~القرآن كما فسر قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} وفسر قوله: {الله نور السماوات ~~والأرض} وقوله: {وإذ أخذ ربك} وغير ذلك ونقل ذلك معروف عنه بالإسناد أثبت ~~من نقل هذه القراءة التي لا يعرف لها إسناد وقد كان يسأل عن المتشابه من ~~معنى القرآن فيجيب عنه كما سأله عمر وسئل عن ليلة القدر. وأما قوله: إن ~~الله أنزل المجمل ليؤمن به المؤمن. فيقال هذا حق لكن هل في الكتاب والسنة ~~أو قول أحد من السلف إن الأنبياء والملائكة والصحابة لا يفهمون ذلك الكلام ~~المجمل؟ أم العلماء متفقون على أن المجمل في القرآن يفهم معناه ويعرف ما ~~فيه من الإجمال كما مثل به من وقت الساعة فقد علم المسلمون كلهم معنى ~~الكلام الذي أخبر الله به عن الساعة وأنها آتية لا محالة وأن الله انفرد ~~بعلم وقتها فلم يطلع على ذلك أحدا ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV17P409 # لما سأله السائل عن الساعة وهو في الظاهر: أعرابي لا يعرف قال له: متى ~~الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل} ولم يقل: إن الكلام الذي ~~نزل في ذكرها لا يفهمه أحد بل هذا خلاف إجماع المسلمين بل والعقلاء؛ فإن ~~إخبار الله عن الساعة وأشراطها كلام بين واضح يفهم معناه وكذلك قوله: ~~{وقرونا بين ذلك كثيرا} قد علم المراد بهذا الخطاب وأن الله خلق قرونا ~~كثيرة لا ms5478 يعلم عددهم إلا الله كما قال: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} فأي شيء ~~في هذا مما يدل على أن ما أخبر الله به من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ~~لا يفهم معناه أحد لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا الصحابة ولا غيرهم. ~~وأما ما ذكر عن عروة فعروة قد عرف من طريقه أنه كان لا يفسر عامة آي القرآن ~~إلا آيات قليلة رواها عن عائشة ومعلوم أنه إذا لم يعرف عروة التفسير لم ~~يلزم أنه لا يعرفه غيره من الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة؛ كابن مسعود ~~وأبي بن كعب وابن عباس وغيرهم. وأما اللغويون الذين يقولون إن الراسخين لا ~~يعلمون معنى المتشابه فهم متناقضون في ذلك فإن هؤلاء كلهم يتكلمون في تفسير ~~كل شيء في القرآن ويتوسعون في القول في ذلك حتى ما منهم أحد إلا وقد قال في ~~ذلك أقوالا لم يسبق إليها وهي خطأ. وابن الأنباري الذي # PageV17P410 # بالغ في نصر ذلك القول هو من أكثر الناس كلاما في معاني الآي المتشابهات ~~يذكر فيها من الأقوال ما لم ينقل عن أحد من السلف ويحتج لما يقوله في ~~القرآن بالشاذ من اللغة وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة وليس هو أعلم ~~بمعاني القرآن والحديث وأتبع للسنة من ابن قتيبة ولا أفقه في ذلك. وإن كان ~~ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة؛ لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ ~~اللغة. وقد نقم هو وغيره على ابن قتيبة كونه رد على أبي عبيد أشياء من ~~تفسيره غريب الحديث وابن قتيبة قد اعتذر عن ذلك وسلك في ذلك مسلك أمثاله من ~~أهل العلم وهو وأمثاله يصيبون تارة ويخطئون أخرى فإن كان المتشابه لا يعلم ~~معناه إلا الله فهم كلهم يجترئون على الله يتكلمون في شيء لا سبيل إلى ~~معرفته وإن كان ما بينوه من معاني المتشابه قد أصابوا فيه - ولو في كلمة ~~واحدة - ظهر خطؤهم في قولهم: إن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله ولا يعلمه ~~أحد من المخلوقين فليختر من ms5479 ينصر قولهم هذا أو هذا. ومعلوم أنهم أصابوا في ~~شيء كثير مما يفسرون به المتشابه وأخطئوا في بعض ذلك فيكون تفسيرهم هذه ~~الآية مما أخطئوا فيه العلم اليقيني فإنهم أصابوا في كثير من تفسير ~~المتشابه وكذلك ما نقل عن قتادة من أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل ~~المتشابه فكتابه # PageV17P411 # في التفسير من أشهر الكتب ونقله ثابت عنه من رواية معمر عنه ورواية سعيد ~~بن أبي عروبة عنه ولهذا كان المصنفون في التفسير عامتهم يذكرون قوله لصحة ~~النقل عنه ومع هذا يفسر القرآن كله محكمه ومتشابهه. والذي اقتضى شهرة القول ~~عن أهل السنة بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ظهور التأويلات الباطلة ~~من أهل البدع كالجهمية والقدرية من المعتزلة وغيرهم فصار أولئك يتكلمون في ~~تأويل القرآن برأيهم الفاسد وهذا أصل معروف لأهل البدع أنهم يفسرون القرآن ~~برأيهم العقلي وتأويلهم اللغوي فتفاسير المعتزلة مملوءة بتأويل النصوص ~~المثبتة للصفات والقدر على غير ما أراده الله ورسوله فإنكار السلف والأئمة ~~هو لهذه التأويلات الفاسدة كما قال الإمام أحمد في ما كتبه في الرد على ~~الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ~~فهذا الذي أنكره السلف والأئمة من التأويل. فجاء بعدهم قوم انتسبوا إلى ~~السنة بغير خبرة تامة بها وبما يخالفها ظنوا أن المتشابه لا يعلم معناه إلا ~~الله فظنوا أن معنى التأويل هو معناه في اصطلاح المتأخرين: وهو صرف اللفظ ~~عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح فصاروا في موضع يقولون وينصرون إن المتشابه ~~لا يعلم # PageV17P412 # معناه إلا الله ثم يتناقضون في ذلك من وجوه. أحدها: أنهم يقولون النصوص ~~تجري على ظواهرها ولا يزيدون على المعنى الظاهر منها ولهذا يبطلون كل تأويل ~~يخالف الظاهر ويقرون المعنى الظاهر ويقولون مع هذا إن له تأويلا لا يعلمه ~~إلا الله والتأويل عندهم ما يناقض الظاهر فكيف يكون له تأويل يخالف الظاهر ~~وقد قرر معناه الظاهر وهذا مما أنكره عليهم مناظروهم حتى أنكر ذلك ابن عقيل ~~على شيخه القاضي أبي يعلى. ومنها أنا ms5480 وجدنا هؤلاء كلهم لا يحتج عليهم بنص ~~يخالف قولهم لا في مسألة أصلية ولا فرعية إلا تأولوا ذلك النص بتأويلات ~~متكلفة مستخرجة من جنس تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات الجهمية ~~والقدرية للنصوص التي تخالفهم فأين هذا من قولهم: لا يعلم معاني النصوص ~~المتشابهة إلا الله تعالى واعتبر هذا بما تجده في كتبهم من مناظرتهم ~~للمعتزلة في مسائل الصفات والقرآن والقدر إذا احتجت المعتزلة على قولهم ~~بالآيات التي تناقض قول هؤلاء مثل أن يحتجوا بقوله: {والله لا يحب الفساد} ~~{ولا يرضى لعباده الكفر} {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {لا تدركه ~~الأبصار} {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} {وإذ قال ربك ~~للملائكة} ونحو ذلك كيف تجدهم يتأولون هذه النصوص بتأويلات غالبها فاسد # PageV17P413 # وإن كان في بعضها حق فإن كان ما تأولوه حقا دل على أن الراسخين في العلم ~~يعلمون تأويل المتشابه فظهر تناقضهم وإن كان باطلا فذلك أبعد لهم. وهذا ~~أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الصابر في المحنة الذي قد صار للمسلمين معيارا ~~يفرقون به بين أهل السنة والبدعة لما صنف كتابه في " الرد على الزنادقة ~~والجهمية " فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله تكلم على ~~معاني المتشابه الذي اتبعه الزائغون ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله آية آية ~~وبين معناها وفسرها ليبين فساد تأويل الزائغين واحتج على أن الله يرى وأن ~~القرآن غير مخلوق وأن الله فوق العرش؛ بالحجج العقلية والسمعية ورد ما احتج ~~به النفاة من الحجج العقلية والسمعية وبين معاني الآيات التي سماها هو ~~متشابهة وفسرها آية آية وكذلك لما ناظروه واحتجوا عليه بالنصوص جعل يفسرها ~~آية آية وحديثا حديثا ويبين فساد ما تأولها عليه الزائغون ويبين هو معناها ~~ولم يقل أحمد إن هذه الآيات والأحاديث لا يفهم معناها إلا الله ولا قال أحد ~~له ذلك بل الطوائف كلها مجتمعة على إمكان معرفة معناها لكن يتنازعون في ~~المراد كما يتنازعون في آيات الأمر والنهي وكذلك كان أحمد يفسر المتشابه من ms5481 ~~الآيات والأحاديث التي يحتج بها الزائغون من الخوارج # PageV17P414 # وغيرهم كقوله: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الشارب الخمر حين يشرب وهو مؤمن} وأمثال ذلك. ويبطل ~~قول المرجئة والجهمية وقول الخوارج والمعتزلة وكل هذه الطوائف تحتج بنصوص ~~المتشابه على قولها ولم يقل أحد لا من أهل السنة ولا من هؤلاء لما يستدل به ~~هو أو يستدل به عليه منازعه: هذه آيات وأحاديث لا يعلم معناها أحد من البشر ~~فأمسكوا عن الاستدلال بها. وكان الإمام أحمد ينكر طريقة أهل البدع الذين ~~يفسرون القرآن برأيهم وتأويلهم من غير استدلال بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين الذين بلغهم الصحابة معاني القرآن كما ~~بلغوهم ألفاظه ونقلوا هذا كما نقلوا هذا لكن أهل البدع يتأولون النصوص ~~بتأويلات تخالف مراد الله ورسوله ويدعون أن هذا هو التأويل الذي يعلمه ~~الراسخون وهم مبطلون في ذلك لا سيما تأويلات القرامطة والباطنية الملاحدة ~~وكذلك أهل الكلام المحدث من الجهمية والقدرية وغيرهم. ولكن هؤلاء يعترفون ~~بأنهم لا يعلمون التأويل وإنما غايتهم أن يقولوا: ظاهر هذه الآية غير مراد ~~ولكن يحتمل أن يراد كذا وأن يراد كذا ولو تأولها الواحد منهم بتأويل معين ~~فهو لا يعلم أنه # PageV17P415 # مراد الله ورسوله بل يجوز أن يكون مراد الله ورسوله عندهم غير ذلك ~~كالتأويلات التي يذكرونها في نصوص الكتاب كما يذكرونه في قوله: {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} وينزل ربنا و {الرحمن على العرش استوى} {وكلم الله موسى ~~تكليما} {وغضب الله عليهم} و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} وأمثال ذلك من النصوص فإن غاية ما عندهم يحتمل أن يراد به كذا ويجوز ~~كذا ونحو ذلك وليس هذا علما بالتأويل وكذلك كل من ذكر في نص أقوالا ~~واحتمالات ولم يعرف المراد فإنه لم يعرف تفسير ذلك وتأويله وإنما يعرف ذلك ~~من عرف المراد. # ومن زعم من الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم فمضمون مدلولاته لا ~~يعلم ms5482 أحد تفسير المحكم ولا تفسير المتشابه ولا تأويل ذلك. وهذا إقرار منه ~~على نفسه بأنه ليس من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل المتشابه فضلا ~~عن تأويل المحكم فإذا انضم إلى ذلك أن يكون كلامهم في العقليات فيه من ~~السفسطة والتلبيس ما لا يكون معه دليل على الحق لم يكن عند هؤلاء لا معرفة ~~بالسمعيات ولا بالعقليات وقد أخبر الله عن أهل النار أنهم قالوا: {لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ومدح الذين إذا ذكروا بآياته لم ~~يخروا عليها صما وعميانا والذين يفقهون ويعقلون وذم الذين # PageV17P416 # لا يفقهون ولا يعقلون في غير موضع من كتابه وأهل البدع المخالفون للكتاب ~~والسنة يدعون العلم والعرفان والتحقيق وهم من أجهل الناس بالسمعيات ~~والعقليات وهم يجعلون ألفاظا لهم مجملة متشابهة تتضمن حقا وباطلا يجعلونها ~~هي الأصول المحكمة ويجعلون ما عارضها من نصوص الكتاب والسنة من المتشابه ~~الذي لا يعلم معناه عندهم إلا الله وما يتأولونه بالاحتمالات لا يفيد ~~فيجعلون البراهين شبهات والشبهات براهين كما قد بسط ذلك في موضع آخر. وقد ~~نقل القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد أنه قال: المحكم ما استقل بنفسه ولم ~~يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان وكذلك قال الإمام أحمد في رواية ~~والشافعي قال: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما ~~احتمل من التأويل وجوها وكذلك قال الإمام أحمد وكذلك قال ابن الأنباري: ~~المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه الذي تعتوره ~~التأويلات فيقال حينئذ فجميع الأمة سلفها وخلفها يتكلمون في معاني القرآن ~~التي تحتمل التأويلات. وهؤلاء الذين ينصرون أن الراسخين في العلم لا يعلمون ~~معنى المتشابه هم من أكثر الناس كلاما فيه. # PageV17P417 # والأئمة كالشافعي وأحمد ومن قبلهم كلهم يتكلمون فيما يحتمل معاني ويرجحون ~~بعضها على بعض بالأدلة في جميع مسائل العلم الأصولية والفروعية لا يعرف عن ~~عالم من علماء المسلمين أنه قال عن نص احتج به محتج في مسألة: أن هذا لا ~~يعرف أحد معناه ms5483 فلا يحتج به ولو قال أحد ذلك لقيل له مثل ذلك وإذا ادعى في ~~مسائل النزاع المشهورة بين الأئمة أن نصه محكم يعلم معناه وأن النص الآخر ~~متشابه لا يعلم أحد معناه قوبل بمثل هذه الدعوى. وهذا بخلاف قولنا: إن من ~~النصوص ما معناه جلي واضح ظاهر لا يحتمل إلا وجها واحدا لا يقع فيه اشتباه ~~ومنها ما فيه خفاء واشتباه يعرف معناه الراسخون في العلم فإن هذا تفسير ~~صحيح وحينئذ فالخلاف في المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه فمن قال إنه ~~يعرف معناه يبين حجته على ذلك. وأيضا فما ذكره السلف والخلف في المتشابه ~~يدل على أنه كله يعرف معناه. فمن قال: إن المتشابه هو المنسوخ فمعنى ~~المنسوخ معروف وهذا القول مأثور عن ابن مسعود. وابن عباس وقتادة. والسدي ~~وغيرهم. وابن مسعود وابن عباس وقتادة هم الذين نقل عنهم أن الراسخين في ~~العلم لا يعلمون تأويله ومعلوم قطعا باتفاق المسلمين أن الراسخين يعلمون ~~معنى المنسوخ؛ وأنه منسوخ فكان هذا النقل عنهم يناقض ذلك النقل ويدل على ~~أنه كذب إن كان هذا صدقا وإلا تعارض النقلان # PageV17P418 # عنهم والمنقول عنهم أن الراسخين يعلمون معنى المتشابه. والقول الثاني ~~مأثور عن جابر بن عبد الله أنه قال: المحكم ما علم العلماء تأويله ~~والمتشابه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة ومعلوم أن وقت ~~قيام الساعة مما اتفق المسلمون على أنه لا يعلمه إلا الله فإذا أريد بلفظ ~~التأويل هذا كان المراد به لا يعلم وقت تأويله إلا الله وهذا حق ولا يدل ~~ذلك على أنه لا يعرف معنى الخطاب بذلك وكذلك إن أريد بالتأويل حقائق ما ~~يوجد وقيل لا يعلم كيفية ذلك إلا الله فهذا قد قدمناه وذكر أنه على قول ~~هؤلاء من وقف عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} هو الذي يجب أن يراد ~~بالتأويل. وأما أن يراد بالتأويل التفسير ومعرفة المعنى ويوقف على قوله إلا ~~الله فهذا خطأ قطعا مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين. ومن قال ذلك ms5484 من ~~المتأخرين فإنه متناقض يقول ذلك ويقول ما يناقضه. وهذا القول يناقض الإيمان ~~بالله ورسوله من وجوه كثيرة ويوجب القدح في الرسالة ولا ريب أن الذي قالوه ~~لم يتدبروا لوازمه وحقيقته بل أطلقوه وكان أكبر قصدهم دفع تأويلات أهل ~~البدع للمتشابه. وهذا الذي قصدوه حق وكل مسلم يوافقهم عليه؛ لكن لا ندفع ~~باطلا بباطل آخر ولا نرد بدعة ببدعة ولا يرد تفسير # PageV17P419 # أهل الباطل للقرآن بأن يقال: الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا ~~لا يعرفون تفسير ما تشابه من القرآن ففي هذا من الطعن في الرسول وسلف الأمة ~~ما قد يكون أعظم من خطأ طائفة في تفسير بعض الآيات والعاقل لا يبني قصرا ~~ويهدم مصرا. والقول الثالث: أن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور ~~يروى هذا عن ابن عباس وعلى هذا القول فالحروف المقطعة ليست كلاما تاما من ~~الجمل الاسمية والفعلية وإنما هي أسماء موقوفة ولهذا لم تعرب فإن الإعراب ~~إنما يكون بعد العقد والتركيب وإنما نطق بها موقوفة كما يقال: اب ت ث ولهذا ~~تكتب بصورة الحرف لا بصورة الاسم الذي ينطق به فإنها في النطق أسماء ولهذا ~~لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاي من زيد قالوا: زا قال: نطقتم بالاسم ~~وإنما النطق بالحرف زه فهي في اللفظ أسماء وفي الخط حروف مقطعة (الم) لا ~~تكتب ألف لام ميم كما يكتب قول النبي صلى الله عليه وسلم {من قرأ القرآن ~~فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول - الم - حرف ولكن ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف} . والحرف في لغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~يتناول الذي يسميه النحاة اسما وفعلا وحرفا ولهذا قال سيبويه في تقسيم ~~الكلام: # PageV17P420 # اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. فإنه لما كان معروفا من اللغة ~~أن الاسم حرف والفعل حرف خص هذا القسم الثالث الذي يطلق النحاة عليه الحرف ~~أنه جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل وهذه حروف المعاني التي يتألف منها الكلام. ~~وأما حروف الهجاء ms5485 فتلك إنما تكتب على صورة الحرف المجرد وينطق بها غير ~~معربة ولا يقال فيها معرب ولا مبني؛ لأن ذلك إنما يقال في المؤلف فإذا كان ~~على هذا القول كل ما سوى هذه محكم حصل المقصود فإنه ليس المقصود إلا معرفة ~~كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يقال: هذه الحروف قد تكلم في ~~معناها أكثر الناس فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه وإن لم يكن ~~معروفا وهي المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى. وهذا المطلوب. وأيضا فإن ~~الله تعالى قال: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} وهذه الحروف ~~ليست آيات عند جمهور العلماء وإنما يعدها آيات الكوفيون. وسبب نزول هذه ~~الآية الصحيح: يدل على أن غيرها أيضا متشابه ولكن هذا القول يوافق ما نقل ~~عن اليهود من طلب علم المدد من حروف الهجاء. # PageV17P421 # والرابع: أن المتشابه ما اشتبهت معانيه قال مجاهد وهذا يوافق قول أكثر ~~العلماء وكلهم يتكلم في تفسير هذا المتشابه ويبين معناه. والخامس: أن ~~المتشابه ما تكررت ألفاظه قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال المحكم ما ~~ذكر الله تعالى في كتابه من قصص الأنبياء ففصله وبينه والمتشابه هو ما ~~اختلفت ألفاظه في قصصهم عند التكرير كما قال في موضع من قصة نوح: {احمل ~~فيها} وقال في موضع آخر: {فاسلك فيها} وقال في عصا موسى: {فإذا هي حية ~~تسعى} وفي موضع آخر. {فإذا هي ثعبان مبين} وصاحب هذا القول جعل المتشابه ~~اختلاف اللفظ مع اتفاق المعنى كما يشتبه على حافظ القرآن هذا اللفظ بذاك ~~اللفظ وقد صنف بعضهم في هذا المتشابه لأن القصة الواحدة يتشابه معناها في ~~الموضعين فاشتبه على القارئ أحد اللفظين بالآخر وهذا التشابه لا ينفي معرفة ~~المعاني بلا ريب ولا يقال في مثل هذا أن الراسخين يختصون بعلم تأويله فهذا ~~القول إن كان صحيحا كان حجة لنا وإن كان ضعيفا لم يضرنا. والسادس: أنه ما ~~احتاج إلى بيان كما نقل عن أحمد. والسابع: أنه ما احتمل وجوها كما ms5486 نقل عن ~~الشافعي وأحمد وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: إنك لا تفقه ~~كل # PageV17P422 # الفقه حتى ترى للقرآن وجوها وقد صنف الناس " كتب الوجوه والنظائر " ~~فالنظائر اللفظ الذي اتفق معناه في الموضعين وأكثر. والوجوه: الذي اختلف ~~معناه كما يقال الأسماء المتواطئة والمشتركة وإن كان بينهما فرق ولبسطه ~~موضع آخر. وقد قيل: هي نظائر في اللفظ ومعانيها مختلفة فتكون كالمشتركة ~~وليس كذلك؛ بل الصواب أن المراد بالوجوه والنظائر هو الأول: وقد تكلم ~~المسلمون سلفهم وخلفهم في معاني الوجوه وفيما يحتاج إلى بيان وما يحتمل ~~وجوها فعلم يقينا أن المسلمين متفقون على أن جميع القرآن مما يمكن العلماء ~~معرفة معانيه وعلم أن من قال إن من القرآن ما لا يفهم أحد معناه ولا يعرف ~~معناه إلا الله فإنه مخالف لإجماع الأمة مع مخالفته للكتاب والسنة. ~~والثامن: أن المتشابه هو القصص والأمثال وهذا أيضا يعرف معناه. والتاسع: ~~أنه ما يؤمن به ولا يعمل به وهذا أيضا مما يعرف معناه. والعاشر: قول بعض ~~المتأخرين إن المتشابه آيات الصفات وأحاديث الصفات وهذا أيضا مما يعلم ~~معناه فإن أكثر آيات الصفات اتفق # PageV17P423 # المسلمون على أنه يعرف معناها والبعض الذي تنازع الناس في معناه إنما ذم ~~السلف منه تأويلات الجهمية ونفوا علم الناس بكيفيته: كقول مالك: الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال سائر ~~أئمة السنة. وحينئذ ففرق بين المعنى المعلوم وبين الكيف المجهول فإن سمي ~~الكيف تأويلا ساغ أن يقال: هذا التأويل لا يعلمه إلا الله كما قدمناه أولا. ~~وأما إذا جعل معرفة المعنى وتفسيره تأويلا كما يجعل معرفة سائر آيات القرآن ~~تأويلا وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل والصحابة والتابعين ما ~~كانوا يعرفون معنى قوله: {الرحمن على العرش استوى} ولا يعرفون معنى قوله: ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ولا معنى قوله: {غضب الله عليهم} بل هذا ~~عندهم بمنزلة الكلام العجمي الذي لا يفهمه العربي. وكذلك إذا قيل كان عندهم ~~قوله تعالى: {وما ms5487 قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه} وقوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ~~وقوله: {وكان الله سميعا بصيرا} وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقوله: ~~{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} وقوله: {وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين} وقوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} ~~وقوله: # PageV17P424 # {إنا جعلناه قرآنا عربيا} وقوله: {فأجره حتى يسمع كلام الله} وقوله: ~~{فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} وقوله: {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} ~~وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك} وقوله {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وقوله {إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون} إلى أمثال هذه الآيات. فمن قال عن جبريل ومحمد صلوات ~~الله وسلامه عليهما وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ~~والجماعة: أنهم كانوا لا يعرفون شيئا من معاني هذه الآيات بل استأثر الله ~~بعلم معناها كما استأثر بعلم وقت الساعة وإنما كانوا يقرءون ألفاظا لا ~~يفهمون لها معنى كما يقرأ الإنسان كلاما لا يفهم منه شيئا فقد كذب على ~~القوم والنقول المتواترة عنهم تدل على نقيض هذا وأنهم كانوا يفهمون هذا كما ~~يفهمون غيره من القرآن وإن كان كنه الرب عز وجل لا يحيط به العباد ولا ~~يحصون ثناء عليه فذاك لا يمنع أن يعلموا من أسمائه وصفاته ما علمهم سبحانه ~~وتعالى كما أنهم إذا علموا أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير لم يلزم ~~أن يعرفوا كيفية علمه وقدرته. وإذا عرفوا أنه حق موجود لم يلزم أن يعرفوا ~~كيفية ذاته. # PageV17P425 # وهذا مما يستدل به على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإن الناس ~~متفقون على أنهم يعرفون تأويل المحكم ومعلوم أنهم لا يعرفون كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه في الآيات المحكمات فدل ذلك على أن عدم العلم بالكيفية لا ms5488 ~~ينفي العلم بالتأويل الذي هو تفسير الكلام وبيان معناه؛ بل يعلمون تأويل ~~المحكم والمتشابه ولا يعرفون كيفية الرب لا في هذا ولا في هذا. فإن قيل: ~~هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير وبين ~~التأويل الذي في كتاب الله تعالى قيل لا يقدح في ذلك فإن معرفة تفسير اللفظ ~~ومعناه وتصور ذلك في القلب غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج المرادة ~~بذلك الكلام فإن الشيء له وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في ~~اللسان ووجود في البنان. فالكلام لفظ له معنى في القلب ويكتب ذلك اللفظ ~~بالخط فإذا عرف الكلام وتصور معناه في القلب وعبر عنه باللسان فهذا غير ~~الحقيقة الموجودة في الخارج وليس كل من عرف الأول عرف عين الثاني. مثال ~~ذلك: أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وخبره ونعته وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره وتأويل ذلك هو نفس محمد ~~المبعوث فالمعرفة بعينه معرفة تأويل # PageV17P426 # ذلك الكلام وكذلك الإنسان قد يعرف الحج والمشاعر كالبيت والمسجد ومنى ~~وعرفة ومزدلفة ويفهم معنى ذلك ولا يعرف أعيان الأمكنة حتى يشاهدها فيعرف أن ~~الكعبة المشاهدة المذكورة في قوله: {ولله على الناس حج البيت} وكذلك أرض ~~عرفات هي المذكورة في قوله: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله} وكذلك ~~المشعر الحرام هي المزدلفة التي بين مأزمي عرفة ووادي محسر يعرف أنها ~~المذكورة في قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} . وكذلك الرؤيا قد ~~يراها الرجل ويذكر له العابر تأويلها فيفهمه ويتصوره: مثل أن يقول: هذا يدل ~~على أنه كان كذا ويكون كذا وكذا ثم إذا كان ذلك فهو تأويل الرؤيا ليس ~~تأويلها نفس علمه وتصوره وكلامه ولهذا قال يوسف الصديق: {هذا تأويل رؤياي ~~من قبل} وقال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما} فقد أنبأهما بالتأويل قبل أن يأتي التأويل والإنباء ليس هو ~~التأويل فالنبي صلى الله عليه وسلم عالم بالتأويل وإن كان التأويل لم يقع ~~بعد وإن كان ms5489 لا يعرف متى يقع فنحن نعلم تأويل ما ذكر الله في القرآن من ~~الوعد والوعيد وإن كنا لا نعرف متى يقع هذا التأويل المذكور في قوله سبحانه ~~وتعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} الآية. وقال تعالى: {لكل ~~نبإ مستقر} # PageV17P427 # فنحن نعلم مستقر نبإ الله وهو الحقيقة التي أخبر الله بها. ولا نعلم متى ~~يكون وقد لا نعلم كيفيتها وقدرها وسواء في هذا تأويل المحكم والمتشابه. كما ~~قال الله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد فقد عرف تأويلها وهو وقوع الاختلاف والفتن ~~وإن لم يعرف متى يقع وقد لا يعرف صفته ولا حقيقته فإذا وقع عرف العارف أن ~~هذا هو التأويل الذي دلت عليه الآية وغيره قد لا يعرف ذلك أو ينساه بعد ما ~~كان عرفه فلا يعرف أن هذا تأويل القرآن فإنه لما نزل قوله تعالى: {واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية ~~زمانا وما أرانا من أهلها وإذا نحن المعنيون بها: {واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة} . وأيضا فإن الله قد ذم في كتابه من يسمع القرآن ~~ولا يفقه معناه وذم من لم يتدبره ومدح من يسمعه ويفقهه فقال تعالى: {ومنهم ~~من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك} الآية فأخبر أنهم كانوا يقولون لأهل ~~العلم: ماذا قال الرسول في هذا الوقت المتقدم فدل على أن أهل العلم من ~~الصحابة كانوا يعرفون من معاني كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا ~~يعرفه غيرهم وهؤلاء هم الراسخون في العلم # PageV17P428 # الذين يعلمون معاني القرآن محكمه ومتشابهه وهذا كقوله تعالى: {وتلك ~~الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} فدل على أن العالمين ~~يعقلونها وإن كان غيرهم لا يعقلها. والأمثال: هي المتشابه عند كثير من ~~السلف وهي إلى المتشابه أقرب من غيرها ms5490 لما بين الممثل والممثل به من ~~التشابه وعقل معناها هو معرفة تأويلها الذي يعرفه الراسخون في العلم دون ~~غيرهم ويشبه هذا قوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} فلولا أنهم عرفوا معنى ما أنزل ~~كيف عرفوا أنه حق أو باطل وهل يحكم على كلام لم يتصور معناه أنه حق أو باطل ~~وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وقال: {أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وقال ~~تعالى: {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} وقال تعالى: ~~{فبشر عبادي} {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وقال: {والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} وقال: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون} وقال: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} وقال: ~~{كتاب # PageV17P429 # فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} {بشيرا ونذيرا} إلى قوله: {ومن ~~بيننا وبينك حجاب} . فإذا كان كثير من القرآن أو أكثره مما لا يفهم أحد ~~معناه لم يكن المتدبر المعقول إلا بعضه وهذا خلاف ما دل عليه القرآن لا ~~سيما عامة ما كان المشركون ينكرونه كالآيات الخبرية والإخبار عن اليوم ~~الآخر أو الجنة والنار وعن نفي الشركاء والأولاد عن الله وتسميته بالرحمن ~~فكان عامة إنكارهم لما يخبرهم به من صفات الله نفيا وإثباتا وما يخبرهم به ~~عن اليوم الآخر وقد ذم الله من لا يعقل ذلك ولا يفقهه ولا يتدبره. فعلم أن ~~الله يأمر بعقل ذلك وتدبره وقد قال تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون} {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو ~~كانوا لا يبصرون} وقال: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا} الآية. وقال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا} الآية. وقد استدل بعضهم ms5491 بأن الله لم ينف عن غيره ~~علم شيء # PageV17P430 # إلا كان منفردا به كقوله: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله} وقوله: {لا يجليها لوقتها إلا هو} وقوله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ~~. فيقال ليس الأمر كذلك بل هذا بحسب العلم المنفي فإن كان مما استأثر الله ~~به قيل فيه ذلك وإن كان مما علمه بعض عباده ذكر ذلك كقوله {ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء} وقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} إلى ~~قوله: {رصدا} وقوله: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} ~~وقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط} ~~وقوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} إلى قوله: {شهيدا} ~~وقوله: {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} وقال للملائكة: {إني أعلم ~~ما لا تعلمون} وقالت الملائكة: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} وفي كثير من ~~كلام الصحابة الله ورسوله أعلم وفي الحديث المشهور: {أسألك بكل اسم هو لك ~~سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك} . وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} وأول النزاع النزاع في معاني القرآن فإن لم يكن الرسول عالما ~~بمعانيه # PageV17P431 # امتنع الرد إليه وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين ~~أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عن مجمله وأنها تفسر مجمل ~~القرآن من الأمر والخبر. وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين} إلى قوله: {فيما اختلفوا فيه} . ومن أعظم الاختلاف ~~الاختلاف في المسائل العلمية الخبرية المتعلقة بالإيمان بالله واليوم الآخر ~~فلا بد أن يكون الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه من ذلك ويمتنع أن ~~يكون حاكما إن لم يكن معرفة معناه ممكنا وقد نصب الله عليه دليلا وإلا ~~فالحاكم الذي يبين ما في نفسه لا يحكم بشيء وكذلك إذا قيل هو ms5492 الحاكم ~~بالكتاب فإن حكمه فصل يفصل به بين الحق والباطل وهذا إنما يكون بالبيان وقد ~~قال تعالى في القرآن: {إنه لقول فصل} أي فاصل يفصل بين الحق والباطل فكيف ~~يكون فصلا إذا لم يكن إلى معرفة معناه سبيل. وأيضا فإن الله قال: {ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} فذم هؤلاء الذين لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني كما ذم الذين يحرفون معناه ويكذبون فقال تعالى: ~~{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد # PageV17P432 # عقلوه وهم يعلمون} إلى قوله: {أفلا تعقلون} فهذا أحد الصنفين ثم قال ~~تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} أي تلاوة {وإن هم إلا ~~يظنون} ثم ذم الذين يفترون كتبا يقولون هي من عند الله وما هي من عند الله ~~فقال: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} إلى قوله: {يكسبون} . # وهذه الأصناف الثلاثة تستوعب أهل الضلال والبدع، فإن أهل البدع الذين ~~ذمهم الله ورسوله نوعان: # أحدهما: عالم بالحق يتعمد خلافه. # والثاني: جاهل متبع لغيره. # فالأولون: يبتدعون ما يخالف كتاب الله ويقولون هو من عند الله إما أحاديث ~~مفتريات وإما تفسير وتأويل للنصوص باطل ويعضدون ذلك بما يدعونه من الرأي ~~والعقل وقصدهم بذلك الرياسة والمأكل فهؤلاء يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا ~~به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم من الباطل وويل لهم مما يكسبون من ~~المال على ذلك وهؤلاء إذا عورضوا بنصوص الكتب الإلهية وقيل لهم هذه تخالفكم ~~حرفوا الكلم عن مواضعه بالتأويلات الفاسدة قال الله تعالى: {أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون} . # PageV17P433 # وأما النوع الثاني: الجهال. فهؤلاء الأميون الذين لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون. فعن ابن عباس وقتادة في قوله: {ومنهم أميون} أي ~~غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه ~~وقوله: {إلا أماني} أي تلاوة فهم لا يعلمون فقه الكتاب إنما يقتصرون على ms5493 ما ~~يسمعونه يتلى عليهم قاله الكسائي والزجاج وكذلك قال ابن السائب لا يحسنون ~~قراءة الكتاب ولا كتابته إلا أماني إلا ما يحدثهم به علماؤهم. وقال أبو روق ~~وأبو عبيدة أي تلاوة وقراءة عن ظهر القلب ولا يقرءونها في الكتب ففي هذا ~~القول جعل الأماني التي هي التلاوة تلاوة الأميين أنفسهم وفي ذلك جعله ما ~~يسمعونه من تلاوة علمائهم وكلا القولين حق والآية تعمهما فإنه سبحانه ~~وتعالى قال: {لا يعلمون الكتاب} لم يقل لا يقرءون ولا يسمعون ثم قال: {إلا ~~أماني} وهذا استثناء منقطع. لكن يعلمون أماني إما بقراءتهم لها وإما ~~بسماعهم قراءة غيرهم وإن جعل الاستثناء متصلا كان التقدير لا يعلمون الكتاب ~~إلا علم أماني لا علم تلاوة فقط بلا فهم والأماني جمع أمنية وهي التلاوة ~~ومنه قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم} قال الشاعر: # PageV17P434 # تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر # والأميون نسبة إلى الأمة قال بعضهم إلى الأمة وما عليه العامة فمعنى ~~الأمي العامي الذي لا تمييز له وقد قال الزجاج هو على خلق الأمة التي لم ~~تتعلم فهو على جبلته وقال غيره هو نسبة إلى الأمة؛ لأن الكتابة كانت في ~~الرجال دون النساء ولأنه على ما ولدته أمه. والصواب: أنه نسبة إلى الأمة ~~كما يقال عامي نسبة إلى العامة التي لم تتميز عن العامة بما تمتاز به ~~الخاصة وكذلك هذا لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به الخاصة من الكتابة ~~والقراءة ويقال الأمي لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابا ثم يقال لمن ليس لهم كتاب ~~منزل من الله يقرءونه وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل؛ وبهذا المعنى كان ~~العرب كلهم أميين فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله قال الله تعالى: ~~{وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا} وقال: ~~{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} ms5494 وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ ~~المكتوب وكلهم أميون. فلما نزل القرآن عليهم لم يبقوا أميين باعتبار أنهم ~~لا يقرءون كتابا من حفظهم بل هم يقرءون القرآن من حفظهم وأناجيلهم في ~~صدورهم لكن بقوا أميين باعتبار أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم بل قرآنهم ~~محفوظ في قلوبهم # PageV17P435 # كما في الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {خلقت عبادي يوم خلقتهم حنفاء - وقال فيه - إني مبتليك ومبتل بك ~~وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا} . فأمتنا ليست مثل ~~أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم بل لو عدمت المصاحف كلها كان ~~القرآن محفوظا في قلوب الأمة وبهذا الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول ~~القرآن وحفظه. كما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا} ~~. فلم يقل إنا لا نقرأ كتابا ولا نحفظ بل قال: لا نكتب ولا نحسب فديننا لا ~~يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم ~~وفطرهم بكتاب وحساب ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم ولهذا يوجد ~~أكثر أهل السنة يحفظون القرآن والحديث أكثر من أهل البدع وأهل البدع فيهم ~~شبه بأهل الكتاب من بعض الوجوه. وقوله: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي} ~~هو أمي بهذا الاعتبار. لأنه لا يكتب ولا يقرأ ما في الكتب لا باعتبار أنه ~~لا يقرأ من حفظه بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ والأمي في اصطلاح الفقهاء ~~خلاف القارئ؛ وليس هو خلاف الكاتب بالمعنى الأول ويعنون # PageV17P436 # به في الغالب من لا يحسن الفاتحة فقوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني} أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة لا يفهمون معناها وهذا ~~يتناول من لا يحسن الكتابة ولا القراءة من قبل وإنما يسمع أماني علما كما ~~قال ابن السائب ويتناول من يقرؤه عن ظهر قلبه ولا يقرؤه ms5495 من الكتاب كما قال ~~أبو روق. وأبو عبيدة. وقد يقال: إن قوله: {لا يعلمون الكتاب} أي الخط أي لا ~~يحسنون الخط وإنما يحسنون التلاوة ويتناول أيضا من يحسن الخط والتلاوة ولا ~~يفهم ما يقرأه ويكتبه كما قال ابن عباس وقتادة غير عارفين معاني الكتاب ~~يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه والكتاب هنا المراد به ~~الكتاب المنزل وهو التوراة؛ ليس المراد به الخط فإنه قال: {وإن هم إلا ~~يظنون} فهذا يدل على أنه نفى عنهم العلم بمعاني الكتاب وإلا فكون الرجل لا ~~يكتب بيده لا يستلزم أن يكون لا علم عنده بل يظن ظنا؛ بل كثير ممن يكتب ~~بيده لا يفهم ما يكتب وكثير ممن لا يكتب يكون عالما بمعاني ما يكتبه غيره. ~~وأيضا فإن الله ذكر هذا في سياق الذم لهم وليس في كون الرجل لا يخط ذم إذا ~~قام بالواجب وإنما الذم على كونه لا يعقل # PageV17P437 # الكتاب الذي أنزل إليه سواء كتبه وقرأه أو لم يكتبه ولم يقرأه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {هذا أوان يرفع العلم. فقال له زياد بن لبيد: كيف ~~يرفع العلم وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا فقال له: إن ~~كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة أوليست التوراة والإنجيل عند اليهود ~~والنصارى فماذا تغني عنهم} وهو حديث معروف رواه الترمذي وغيره. ولأنه قال ~~تعالى قبل هذا: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون} فأولئك عقلوه ثم حرفوه وهم مذمومون سواء كانوا يحفظونه ~~بقلوبهم ويكتبونه ويقرءونه حفظا وكتابة أو لم يكونوا كذلك فكان من المناسب ~~أن يذكر الذين لا يعقلونه وهم الذين لا يعلمونه إلا أماني فإن القرآن أنزله ~~الله كتابا متشابها مثاني ويذكر فيه الأقسام والأمثال فيستوعب الأقسام ~~فيكون مثاني ويذكر الأمثال فيكون متشابها وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرءون ~~فهم أميون من أهل الكتاب كما نقول نحن لمن كان كذلك هو أمي وساذج وعامي وإن ~~كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب إذا ms5496 كان لا يعرف معناه. وإذا كان الله قد ذم ~~هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة دون فهم معانيه كما ذم الذين ~~يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون دل على أن كلا النوعين ~~مذموم: الجاهل الذي # PageV17P438 # لا يفهم معاني النصوص والكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه وهذا حال أهل ~~البدع فإنهم أحد رجلين: إما رجل يحرف الكلم عن مواضعه ويتكلم برأيه ويؤوله ~~بما يضيفه إلى الله فهؤلاء يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله ~~ويجعلون تلك المقالات التي ابتدعوها هي مقالة الحق وهي التي جاء بها الرسول ~~والتي كان عليها السلف ونحو ذلك ثم يحرفون النصوص التي تعارضها. فهؤلاء إذا ~~تعمدوا ذلك وعلموا أن الذي يفعلونه مخالف للرسول فهم من جنس هؤلاء اليهود ~~وهذا يوجد في كثير من الملاحدة ويوجد في بعض الأشياء في غيرهم. وأما الذين ~~قصدهم اتباع الرسول باطنا وظاهرا وغلطوا فيما كتبوه وتأولوه فهؤلاء ليسوا ~~من جنسهم؛ لكن قد وقع بسبب غلطهم ما هو من جنس ذلك الباطل كما قيل: إذا زل ~~العالم زل بزلته عالم وهذا حال المتأولين من هذه الأمة. وإما رجل مقلد أمي ~~لا يعرف من الكتاب إلا ما يسمعه منهم أو ما يتلوه هو ولا يعرف إلا أماني ~~وقد ذمه الله على ذلك فعلم أن الله ذم الذين لا يعرفون معاني القرآن ولا ~~يتدبرونه ولا يعقلونه كما صرح القرآن بذمهم في غير موضع فيمتنع مع هذا أن ~~يقال: إن أكثر القرآن أو كثيرا منه لا يعلمه أحد من الخلق إلا أماني لا ~~جبريل ولا محمد ولا الصحابة ولا أحد # PageV17P439 # من المسلمين فإن هذا تشبيه لهم بهؤلاء فيما ذمهم الله به. فإن قيل: أفلا ~~يجب على كل مسلم معرفة معنى كل آية؟ قيل: نعم لكن معرفة معاني الجميع فرض ~~على الكفاية وعلى كل مسلم معرفة ما لا بد منه وهؤلاء ذمهم الله لأنهم لا ~~يعلمون معاني الكتاب إلا تلاوة وليس عندهم إلا الظن وهذا يشبه قوله: {وإنهم ~~لفي شك ms5497 منه مريب} . فإن قيل: فقد قال بعض المفسرين: {إلا أماني} إلا ما ~~يقولونه بأفواههم كذبا وباطلا وروي هذا عن بعض السلف واختاره الفراء. وقال: ~~الأماني الأكاذيب المفتعلة قال بعض العرب لابن دأب - وهو يحدث - أهذا شيء ~~رويته أم تمنيته أي افتعلته فأراد بالأماني الأشياء التي كتبها علماؤهم من ~~قبل أنفسهم ثم أضافوها إلى الله من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقال ~~بعضهم: الأماني يتمنون على الله الباطل والكذب كقولهم: {لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة} وقولهم: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} وقولهم: ~~{نحن أبناء الله وأحباؤه} وهذا أيضا يروى عن بعض السلف. قيل: كلا القولين ~~ضعيف والصواب الأول؛ لأنه سبحانه قال: # PageV17P440 # {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} وهذا الاستثناء إما أن يكون ~~متصلا أو منقطعا فإن كان متصلا لم يجز استثناء الكذب ولا أماني القلب من ~~الكتاب وإن كان منقطعا فالاستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور ~~وشبيها له من بعض الوجوه فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ؛ ليس من جنس ~~المذكور؛ ولهذا لا يصلح المنقطع حيث يصلح الاستثناء المفرغ وذلك كقوله: {لا ~~يذوقون فيها الموت} ثم قال: {إلا الموتة الأولى} فهذا منقطع؛ لأنه يحسن أن ~~يقال: (لا يذوقون إلا الموتة الأولى وكذلك قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لأنه يحسن أن يقال: لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة وقوله: {ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن وما قتلوه يقينا} يصلح أن يقال وما لهم إلا اتباع الظن فهنا لما ~~قال: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} يحسن أن يقال لا يعلمونه إلا أماني ~~فإنهم يعلمونه تلاوة يقرءونها ويسمعونها ولا يحسن أن يقال لا يعلمون إلا ما ~~تتمناه قلوبهم أو لا يعلمون إلا الكذب فإنهم قد كانوا يعلمون ما هو صدق ~~أيضا فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبا بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب ~~فإنه لا يعلم إلا ms5498 تلاوة. وأيضا فهذه الأماني الباطلة التي تمنوها بقلوبهم ~~وقالوها بألسنتهم. # PageV17P441 # كقوله تعالى: {تلك أمانيهم} قد اشتركوا فيها كلهم فلا يخص بالذم الأميون ~~منهم وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه ولا لنفي العلم بالكتاب مدخل في ~~الذم بهذه؛ بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ذم من لا يعلم أنها ~~باطل؛ ولهذا لما ذم الله بها عمم ولم يخص فقال تعالى: {وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم} الآية. وأيضا فإنه قال: {وإن ~~هم إلا يظنون} فدل على أنه ذمهم على نفي العلم وعلى أنه ليس معهم إلا الظن ~~وهذا حال الجاهل بمعاني الكتاب لا حال من يعلم أنه يكذب فظهر أن هذا الصنف ~~ليس هم الذين يقولون بأفواههم الكذب والباطل ولو أريد ذلك لقيل لا يقولون ~~إلا أماني لم يقل لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل ذلك الصنف هم الذين يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ويلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويكتبون الكتاب بأيديهم ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فهم يحرفون معاني الكتاب وهم يحرفون لفظه لمن لم ~~يعرفه ويكذبون في لفظهم وخطهم. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر # PageV17P442 # ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال فمن؟} وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لتأخذن أمتي مآخذ الأمم قبلها ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال ومن الناس ~~إلا أولئك} . فهذا دليل على أن ما ذم الله به أهل الكتاب في هذه الآية يكون ~~في هذه الأمة من يشبههم فيه وهذا حق قد شوهد قال تعالى: {سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد} فمن تدبر ما أخبر الله به ورسوله رأى أنه ms5499 قد وقع من ذلك أمور كثيرة؛ ~~بل أكثر الأمور ودله ذلك على وقوع الباقي. # فصل: # فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون ~~لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم فقد بينه الله ~~ورسوله بيانا شافيا فكيف بأصول التوحيد والإيمان ثم إذا عرف ما بينه الرسول ~~نظر في أقوال # PageV17P443 # الناس وما أرادوه بها فعرضت على الكتاب والسنة. والعقل الصريح دائما ~~موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالفه قط فإن الميزان مع الكتاب والله ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان؛ لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء ~~به فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه لا بما يعلمون بعقولهم ~~بطلانه فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا تخبر ~~بمحالات العقول فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم وأما سبيل الضلال والبدعة ~~والجهل فعكس ذلك: أن يبتدع بدعة برأي رجال وتأويلاتهم ثم يجعل ما جاء به ~~الرسول تبعا لها ويحرف ألفاظه ويتأول على وفق ما أصلوه. وهؤلاء تجدهم في ~~نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ولا يتلقون الهدى منه ولكن ما ~~وافقهم منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة وما خالفهم تأولوه كالذين يحرفون ~~الكلم عن مواضعه أو فوضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وهؤلاء قد لا ~~يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزا وإما تفريطا فإنه يحتاج إلى مقدمتين: أن ~~الرسول قال كذا وأنه أراد به كذا أما الأولى فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء ~~بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع من يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل ~~البدع جهال بها وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ ولا ~~يعرفون من كثرة # PageV17P444 # طرقها وصفات رجالها والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم ~~بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعا يقينا بعامة المتون الصحيحة التي في ~~الصحيحين ms5500 كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وأما المقدمة الثانية: فإنهم قد ~~لا يعرفون معاني القرآن والحديث ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين بمراد المتكلم وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. ~~وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على ~~المذهب فيتأول تأويلاتهم فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها والتي تخالفهم ~~يتأولونها وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نص أصلا وهذا في ~~البدع الكبار مثل الرافضة والجهمية فإن الذي وضع الرفض كان زنديقا ابتدأ ~~تعمد الكذب الصريح الذي يعلم أنه كذب كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين ~~يفترون على الله الكذب وهم يعلمون ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما افتراه ~~أولئك وهم في شك منه كما قال تعالى: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي ~~شك منه مريب} وكذلك الجهمية ليس معهم على نفي الصفات وعلو الله على العرش ~~ونحو ذلك نص أصلا لا آية ولا حديث ولا أثر عن الصحابة، # PageV17P445 # بل الذي ابتدأ ذلك لم يكن قصده اتباع الأنبياء بل وضع ذلك كما وضعت عبادة ~~الأوثان وغير ذلك من أديان الكفار مع علمهم بأن ذلك مخالف للرسل كما ذكر عن ~~مبدلة اليهود ثم فشا ذلك فيمن لم يعرفوا أصل ذلك. وهذا بخلاف بدعة الخوارج؛ ~~فإن أصلها ما فهموه من القرآن فغلطوا في فهمه ومقصودهم اتباع القرآن باطنا ~~وظاهرا ليسوا زنادقة. وكذلك القدرية أصل مقصودهم تعظيم الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد الذي جاءت به الرسل ويتبعون من القرآن ما دل على ذلك. فعمرو بن ~~عبيد وأمثاله لم يكن أصل مقصودهم معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم كالذي ~~ابتدع الرفض. وكذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم ~~مؤمنين ليسوا كفارا قابلوا الخوارج والمعتزلة فصاروا في طرف آخر. وكذلك ~~التشيع المتوسط - الذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره ونحو ذلك لم يكن ~~هذا من إحداث الزنادقة بخلاف دعوى النص فيه والعصمة فإن الذي ابتدع ذلك كان ~~منافقا ms5501 زنديقا # PageV17P446 # ولهذا قال: عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما: أصول البدع ~~أربعة: الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة. قالوا: والجهمية ليسوا من ~~الثنتين وسبعين فرقة. وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد في ذلك ~~قولين هذا أحدهما. وهذا أرادوا به التجهم المحض الذي كان عليه جهم نفسه ~~ومتبعوه عليه وهو نفي الأسماء مع نفي الصفات بحيث لا يسمى الله بشيء من ~~أسمائه الحسنى ولا يسميه شيئا ولا موجودا ولا غير ذلك وإنما نقل عنه أنه ~~كان يسميه قادرا - لأن جميع الأسماء يسمى بها الخلق فزعم أنه يلزم منها ~~التشبيه بخلاف القادر - فإنه كان رأس الجبرية وعنده ليس للعبد قدرة ولا فعل ~~ولا يسمى غير الله قادرا؛ فلهذا نقل عنه أنه سمى الله قادرا. وشر منه نفاة ~~الأسماء والصفات وهم الملاحدة من الفلاسفة والقرامطة ولهذا كان هؤلاء عند ~~الأئمة قاطبة ملاحدة منافقين بل فيهم من الكفر الباطن ما هو أعظم من كفر ~~اليهود والنصارى وهؤلاء لا ريب أنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة وإذا ~~أظهروا الإسلام فغايتهم أن يكونوا منافقين كالمنافقين الذين كانوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك كانوا أقرب إلى الإسلام من هؤلاء ~~فإنهم كانوا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة وهؤلاء قد # PageV17P447 # يقولون برفعها فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة؛ لكن قد يقال: إن أولئك ~~كانوا قد قامت عليهم الحجة بالرسالة أكثر من هؤلاء. وأما من يقول ببعض ~~التجهم كالمعتزلة ونحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام باطنا وظاهرا فهؤلاء ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بلا ريب. وكذلك من هو خير منهم كالكلابية ~~والكرامية. وكذلك الشيعة المفضلين لعلي ومن كان منهم يقول بالنص والعصمة مع ~~اعتقاده نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا وظنه أن ما هو عليه هو ~~دين الإسلام فهؤلاء أهل ضلال وجهل ليسوا خارجين عن أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بل هم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. وعامة هؤلاء ممن يتبع ما ~~تشابه من القرآن ابتغاء ms5502 الفتنة وابتغاء تأويله كما أن من المنافقين والكفار ~~من يفعل ذلك ولهذا قال طائفة من المفسرين: كالربيع بن أنس: هم النصارى ~~كنصارى نجران وقالت طائفة كالكلبي: هم اليهود: وقالت طائفة كابن جريج: هم ~~المنافقون. وقالت طائفة كالحسن هم الخوارج. وقالت طائفة كقتادة: هم الخوارج ~~والشيعة. وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: {فأما الذين # PageV17P448 # في قلوبهم زيغ} يقول إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم. ~~والسبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ رأس الرافضة. # فصل: # والمعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند قد دل عليه قوله سبحانه ~~{أحد} وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله: {هل تعلم له سميا} وأمثال ذلك ~~فالمعاني الصحيحة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل يدل على ذلك. # وقول القائل: الأحد أو الصمد أو غير ذلك هو الذي لا ينقسم ولا يتفرق أو ~~ليس بمركب ونحو ذلك. هذه العبارات إذا عني بها أنه لا يقبل التفرق ~~والانقسام فهذا حق وأما إن عني به أنه لا يشار إليه بحال أو من جنس ما ~~يعنون بالجوهر الفرد أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء فهذا عند أكثر ~~العقلاء يمتنع وجوده وإنما يقدر في الذهن تقديرا وقد علمنا أن العرب حيث ~~أطلقت لفظ " الواحد " و " الأحد " نفيا وإثباتا لم ترد هذا المعنى. فقوله ~~تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} لم يرد به هذا المعنى الذي ~~فسروا به الواحد والأحد وكذلك قوله: {وإن كانت واحدة # PageV17P449 # فلها النصف} وكذلك قوله: {ولم يكن له كفوا أحد} فإن المعنى لم يكن له أحد ~~من الآحاد كفوا له فإن كان الأحد عبارة عما لا يتميز منه شيء عن شيء ولا ~~يشار إلى شيء منه دون شيء فليس في الموجودات ما هو أحد إلا ما يدعونه من ~~الجوهر الفرد ومن رب العالمين وحينئذ لا يكون قد نفى عن شيء من الموجودات ~~أن يكون كفوا للرب؛ لأنه لم يدخل في مسمى أحد. وقد بسطنا الكلام على هذا ~~بسطا كثيرا في المباحث العقلية والسمعية التي ms5503 يذكرها نفاة الصفات من ~~الجهمية وأتباعهم في كتابنا المسمى (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم ~~الكلامية) . ولهذا لما احتجت الجهمية على السلف - كالإمام أحمد وغيره - على ~~نفي الصفات باسم الواحد قال أحمد: قالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا ~~قد كان الله ولا شيء قلنا نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله ~~لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا وضربنا لهم في ذلك مثلا: ~~فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار ~~واسمها شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله - وله المثل الأعلى - ~~بجميع صفاته إله واحد لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له ~~حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى # PageV17P450 # خلق له علما ولكن نقول لم يزل عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف. ومما ~~يبين هذا أن سبب نزول هذه السورة الذي ذكره المفسرون يدل على ذلك فإنهم ~~ذكروا أسبابا. أحدها: ما تقدم عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة. والثاني: {أن عامر بن ~~الطفيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إلام تدعونا إليه يا محمد؟ قال: إلى ~~الله قال: فصفه لي أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد؟ فنزلت هذه السورة} ~~وروي ذلك عن ابن عباس من طريق أبي ظبيان وأبي صالح عنه. والثالث: أن بعض ~~اليهود قال ذلك قالوا: من أي جنس هو. وممن ورث الدنيا. ولمن يورثها؟ فنزلت ~~هذه السورة قاله قتادة والضحاك قال الضحاك وقتادة ومقاتل: {جاء ناس من ~~أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد: صف لنا ربك؛ ~~لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء هو؟ ومن ~~أي جنس هو: أمن ذهب؟ أم من نحاس هو؟ أم من صفر؟ أم من حديد؟ أم ms5504 من فضة؟ وهل ~~يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدنيا؟ ولمن يورثها؟ فأنزل الله هذه السورة} وهي ~~نسبة الله خاصة. # PageV17P451 # والرابع: ما روي عن الضحاك {عن ابن عباس أن وفد نجران قدموا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بسبعة أساقفة من بني الحارث بن كعب: منهم السيد والعاقب ~~فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك من أي شيء هو؟ قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن ربي ليس من شيء وهو بائن من الأشياء فأنزل الله تعالى: ~~{قل هو الله أحد} } فهؤلاء سألوا هل هو من جنس من أجناس المخلوقات؟ وهل هو ~~من مادة فبين الله تعالى أنه أحد ليس من جنس شيء من المخلوقات وأنه صمد ليس ~~من مادة بل هو صمد لم يلد ولم يولد وإذا نفى عنه أن يكون مولودا من مادة ~~الوالد؛ فلأن ينفي عنه أن يكون من سائر المواد أولى وأحرى فإن المولود من ~~نظير مادته أكمل من مادة ما خلق من مادة أخرى كما خلق آدم من الطين فالمادة ~~التي خلق منها أولاده أفضل من المادة التي خلق منها هو ولهذا كان خلقه ~~أعجب. فإذا نزه الرب عن المادة العليا فهو عن المادة السفلى أعظم تنزيها ~~وهذا كما أنه إذا كان منزها عن أن يكون أحد كفوا له فلأن يكون منزها عن أن ~~يكون أحد أفضل منه أولى وأحرى. وهذا مما يبين أن هذه السورة اشتملت على ~~جميع أنواع التنزيه والتحميد على النفي والإثبات ولهذا كانت تعدل ثلث ~~القرآن. فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص. والأحدية تثبت الانفراد ~~بذلك، # PageV17P452 # وكذلك إذا نزه نفسه عن أن يلد فيخرج منه مادة الولد التي هي أشرف المواد ~~فلأن ينزه نفسه عن أن يخرج منه مادة غير الولد بطريق الأولى والأحرى وإذا ~~نزه نفسه عن أن يخرج منه مواد للمخلوقات فلأن ينزه عن أن يخرج منه فضلات لا ~~تصلح أن تكون مادة بطريق الأولى والأحرى والإنسان يخرج منه مادة الولد ~~ويخرج منه مادة غير الولد كما يخلق من عرقه ms5505 ورطوبته القمل والدود وغير ذلك. ~~ويخرج منه المخاط والبصاق وغير ذلك. وقد نزه الله أهل الجنة عن أن يخرج ~~منهم شيء من ذلك وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يبولون ولا ~~يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون وأنه يخرج منهم مثل رشح المسك وأنهم ~~يجامعون بذكر لا يخفى وشهوة لا تنقطع ولا مني ولا منية وإذا اشتهى أحدهم ~~الولد كان حمله ووضعه في زمن يسير. فقد تضمن تنزيه نفسه عن أن يكون له ولد ~~وأن يخرج منه شيء من الأشياء كما يخرج من غيره من المخلوقات وهذا أيضا من ~~تمام معنى الصمد كما سبق في تفسيره أنه الذي لا يخرج منه شيء وكذلك تنزيه ~~نفسه عن أن يولد - فلا يكون من مثله - تنزيه له أن يكون من سائر المواد ~~بطريق الأولى والأحرى. وقد تقدم في حديث أبي بن كعب أنه ليس شيء يولد إلا ~~سيموت # PageV17P453 # وليس شيء يموت إلا يورث والله تعالى لا يموت ولا يورث وهذا رد لقول ~~اليهود: ممن ورث الدنيا ولمن يورثها؟ وكذلك ما نقل من {سؤال النصارى: صف ~~لنا ربك: من أي شيء هو؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ربي ليس من شيء ~~وهو بائن من الأشياء} وكذلك سؤال المشركين واليهود: أمن فضة هو؟ أم من ذهب ~~هو؟ أم من حديد؟ وذلك لأن هؤلاء عهدوا الآلهة التي يعبدونها من دون الله ~~يكون لها مواد صارت منها فعباد الأوثان تكون أصنامهم من ذهب وفضة وحديد ~~وغير ذلك. # وعباد البشر سواء كان البشر لم يأمروهم بعبادتهم أو أمروهم بعبادتهم ~~كالذين يعبدون المسيح وعزير وكقوم فرعون الذين قال لهم {أنا ربكم الأعلى} و ~~{ما علمت لكم من إله غيري} وقال لموسى: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين} وكالذي آتاه الله نصيبا من الملك الذي حاج إبراهيم في ربه إذ ~~قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت وكالدجال الذي يدعي ~~الإلهية وما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال ms5506 وكالذين ~~قالوا: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} . ~~وقد قال غير واحد من السلف: إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا فيهم فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم بعد ذلك # PageV17P454 # عبدوهم وذلك أول ما عبدت الأصنام وأن هذه الأصنام صارت إلى العرب وقد ذكر ~~ذلك البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي في قوم نوح في ~~العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل وأما ~~يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبإ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما ~~نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا ~~أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها ~~أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم ~~عبدت. ونوح عليه السلام أقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى ~~التوحيد وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما ثبت ذلك في الصحيح ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وكلا المرسلين بعث إلى مشركين يعبدون هذه ~~الأصنام التي صورت على صور الصالحين من البشر والمقصود بعبادتها عبادة ~~أولئك الصالحين. وكذلك المشركون من أهل الكتاب ومن مبتدعة هذه الأمة ~~وضلالها هذا غاية شركهم فإن النصارى يصورون في الكنائس صور من يعظمونه من ~~الإنس غير عيسى وأمه: مثل مار جرجس وغيره من القداديس ويعبدون تلك الصور ~~ويسألونها ويدعونها ويقربون # PageV17P455 # لها القرابين وينذرون لها النذور ويقولون هذه تذكرنا بأولئك الصالحين. ~~والشياطين تضلهم كما كانت تضل المشركين: تارة بأن يتمثل الشيطان في صورة ~~ذلك الشخص الذي يدعى ويعبد فيظن داعيه أنه قد أتى أو يظن أن الله صور ملكا ~~على صورته فإن النصراني مثلا يدعو في الأسر وغيره مار جرجس أو غيره فيراه ~~قد أتاه في الهواء وكذلك أخر غيره وقد سألوا بعض بطارقتهم عن هذا كيف يوجد ~~في هذه الأماكن فقال: هذه ملائكة يخلقهم الله ms5507 على صورته تغيث من يدعوه ~~وإنما تلك شياطين أضلت المشركين. وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك ~~المنتسبين إلى هذه الأمة فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت ~~أو يستغيث به عند قبره ويسأله وقد ينذر له نذرا ونحو ذلك ويرى ذلك الشخص قد ~~أتاه في الهواء ودفع عنه بعض ما يكره أو كلمه ببعض ما سأله عنه ونحو ذلك ~~فيظنه الشيخ نفسه أتى إن كان حيا حتى أني أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى ~~الشيخ نفسه الذي استغاثوا به وقد رأوه أتاهم في الهواء فيذكرون ذلك له. ~~هؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ فتارة يكون الشيخ ~~نفسه لم يكن يعلم بتلك القضية فإن كان يحب الرياسة سكت وأوهم أنه نفسه ~~أتاهم وأغاثهم وإن كان فيه صدق مع جهل وضلال قال: هذا ملك صوره الله على # PageV17P456 # صورتي. وجعل هذا من كرامات الصالحين وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين ~~ويتخذهم أربابا وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث ~~المستغيث بهم. ولهذا أعرف غير واحد من الشيوخ الأكابر الذين فيهم صدق وزهد ~~وعبادة لما ظنوا هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصي مريديه يقول: إذا ~~كانت لأحدكم حاجة فليستغث بي وليستنجدني وليستوصني ويقول: أنا أفعل بعد ~~موتي ما كنت أفعل في حياتي وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصورت على صورته ~~لتضله وتضل أتباعه فتحسن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله والاستغاثة بغير ~~الله وأنها قد تلقي في قلبه أنا نفعل بعد موتك بأصحابك ما كنا نفعل بهم في ~~حياتك فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي في قلبه فيأمر أصحابه بذلك وأعرف من ~~هؤلاء من كان له شياطين تخدمه في حياته بأنواع الخدم مثل خطاب أصحابه ~~المستغيثين به وإعانتهم وغير ذلك فلما مات صاروا يأتون أحدهم في صورة الشيخ ~~ويشعرونه أنه لم يمت ويرسلون إلى أصحابه رسائل بخطاب وقد كان يجتمع بي بعض ~~أتباع هذا الشيخ وكان فيه زهد وعبادة وكان يحبني ويحب هذا ms5508 الشيخ ويظن أن ~~هذا من الكرامات وأن الشيخ لم يمت وذكر لي الكلام الذي أرسله إليه بعد موته ~~فقرأه فإذا هو كلام الشياطين # PageV17P457 # بعينه وقد ذكر لي غير واحد ممن أعرفهم أنهم استغاثوا بي فرأوني في الهواء ~~وقد أتيتهم وخلصتهم من تلك الشدائد مثل من أحاط به النصارى الأرمن ليأخذوه ~~وآخر قد أحاط به العدو ومعه كتب ملطفات من مناصحين لو اطلعوا على ما معه ~~لقتلوه ونحو ذلك فذكرت لهم أني ما دريت بما جرى أصلا وحلفت لهم على ذلك حتى ~~لا يظنوا أني كتمت ذلك كما تكتم الكرامات وأنا قد علمت أن الذي فعلوه ليس ~~بمشروع بل هو شرك وبدعة ثم تبين لي فيما بعد وبينت لهم أن هذه شياطين تتصور ~~على صورة المستغاث به. وحكى لي غير واحد من أصحاب الشيوخ أنه جرى لمن ~~استغاث بهم مثل ذلك وحكى خلق كثير أنهم استغاثوا بأحياء وأموات فرأوا مثل ~~ذلك واستفاض هذا حتى عرف أن هذا من الشياطين والشياطين تغوي الإنسان بحسب ~~الإمكان فإن كان ممن لا يعرف دين الإسلام أوقعته في الشرك الظاهر والكفر ~~المحض فأمرته أن لا يذكر الله وأن يسجد للشيطان ويذبح له وأمرته أن يأكل ~~الميتة والدم ويفعل الفواحش وهذا يجري كثيرا في بلاد الكفر المحض وبلاد ~~فيها كفر وإسلام ضعيف ويجري في بعض مدائن الإسلام في المواضع التي يضعف ~~إيمان أصحابها حتى قد جرى ذلك في مصر والشام على أنواع يطول وصفها وهو في ~~أرض الشرق قبل ظهور # PageV17P458 # الإسلام في التتار كثير جدا وكلما ظهر فيهم الإسلام وعرفوا حقيقته قلت ~~آثار الشياطين فيهم وإن كان مسلما يختار الفواحش والظلم أعانته على الظلم ~~والفواحش وهذا كثير جدا أكثر من الذي قبله في البلاد التي في أهلها إسلام ~~وجاهلية وبر وفجور وإن كان الشيخ فيه إسلام وديانة ولكن عنده قلة معرفة ~~بحقيقة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وقد عرف من حيث الجملة أن ~~لأولياء الله كرامات وهو لا يعرف كمال الولاية وأنها الإيمان ms5509 والتقوى ~~واتباع الرسل باطنا وظاهرا أو يعرف ذلك مجملا ولا يعرف من حقائق الإيمان ~~الباطن وشرائع الإسلام الظاهرة ما يفرق به بين الأحوال الرحمانية وبين ~~النفسانية والشيطانية كما أن الرؤيا ثلاثة أقسام. رؤيا من الله ورؤيا مما ~~يحدث المرء به نفسه في اليقظة فيراه في المنام ورؤيا من الشيطان. فكذلك ~~الأحوال. فإذا كان عنده قلة معرفة بحقيقة دين محمد صلى الله عليه وسلم ~~أمرته الشياطين بأمر لا ينكره فتارة يحملون أحدهم في الهواء ويقفون به ~~بعرفات ثم يعيدونه إلى بلده وهو لابس ثيابه لم يحرم حين حاذى المواقيت ولا ~~كشف رأسه ولا تجرد عما يتجرد عنه المحرم ولا يدعونه بعد الوقوف يطوف طواف ~~الإفاضة ويرمي الجمار ويكمل حجه بل يظن أن مجرد الوقوف - كما فعل - # PageV17P459 # عبادة وهذا من قلة علمه بدين الإسلام ولو علم دين الإسلام لعلم أن هذا ~~الذي فعله ليس عبادة لله وأنه من استحل هذا فهو مرتد يجب قتله بل اتفق ~~المسلمون على أنه يجب الإحرام عند الميقات ولا يجوز للإنسان المحرم اللبس ~~في الإحرام إلا من عذر وأنه لا يكتفي بالوقوف بل لا بد من طواف الإفاضة ~~باتفاق المسلمين بل وعليه أن يفيض إلى المشعر الحرام ويرمي جمرة العقبة ~~وهذا مما تنوزع فيه هل هو ركن أو واجب يجبره دم؟ وعليه أيضا رمي الجمار ~~أيام منى باتفاق المسلمين وقد تحمل أحدهم الجن فتزوره بيت المقدس وغيره ~~وتطير به في الهواء وتمشي به في الماء وقد تريه أنه قد ذهب به إلى مدينة ~~الأولياء وربما أرته أنه يأكل من ثمار الجنة ويشرب من أنهارها. وهذا كله ~~وأمثاله مما أعرفه قد وقع لمن أعرفه؛ لكن هذا باب طويل ليس هذا موضع بسطه. ~~وإنما المقصود أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين وعبادة ~~تماثيلهم وهم المقصودون. ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب إما الشمس ~~وإما القمر وإما غيرهما وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب وشرك قوم إبراهيم ~~- والله أعلم - كان من هذا أو كان بعضه من ms5510 هذا ومن الشرك ما كان أصله عبادة ~~الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم وإلا فنفس الأصنام # PageV17P460 # الجمادية لم تعبد لذاتها بل لأسباب اقتضت ذلك وشرك العرب كان أعظمه الأول ~~وكان فيه من الجميع. فإن عمرو بن لحي هو أول من غير دين إبراهيم - عليه ~~السلام - وكان قد أتى الشام ورآهم بالبلقاء لهم أصنام يستجلبون بها المنافع ~~ويدفعون بها المضار فصنع مثل ذلك في مكة لما كانت خزاعة ولاة البيت قبل ~~قريش وكان هو سيد خزاعة وفي الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار - أي أمعاءه - ~~وهو أول من غير دين إبراهيم وسيب السوائب وبحر البحيرة} . وكذلك - والله ~~أعلم - شرك قوم نوح وإن كان مبدؤه من عبادة الصالحين فالشيطان يجر الناس من ~~هذا إلى غيره لكن هذا أقرب إلى الناس؛ لأنهم يعرفون الرجل الصالح وبركته ~~ودعاءه فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك منه فتارة يسألونه وتارة يسألون الله ~~به وتارة يصلون ويدعون عند قبره ظانين أن الصلاة والدعاء عند قبره أفضل منه ~~في المساجد والبيوت. ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا الباب كما سد باب الشرك بالكواكب ففي صحيح مسلم {عنه أنه قال قبل أن ~~يموت بخمس: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وفي # PageV17P461 # الصحيحين {عنه أنه صلى الله عليه وسلم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر من ~~حسنها وتصاوير فيها فقال: إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على ~~قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك هم شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة} وفي الصحيحين عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم في مرض موته: {لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت ~~عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا} وفي مسند أحمد وصحيح ~~أبي حاتم {عنه أنه قال صلى الله عليه ms5511 وسلم إن من شرار الناس من تدركهم ~~الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} وفي سنن أبي داود وغيره {عنه ~~أنه قال صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني} . وفي موطإ مالك {عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ~~وفي صحيح مسلم {عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته} فأمره بمحو ~~التمثالين: الصورة الممثلة على صورة الميت والتمثال الشاخص المشرف فوق ~~قبره. فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا. # PageV17P462 # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان في سفر فرأى قوما ~~ينتابون مكانا للصلاة فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا أنهم اتخذوا آثار ~~أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فليصل وإلا فليمض وبلغه أن قوما يذهبون ~~إلى الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها فأمر بقطعها ~~وأرسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال وعنده مصحف فيه ~~أخبار ما سيكون قد ذكر فيه أخبار المسلمين وأنهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر ~~فمطروا فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا ويدفنه بالليل ~~في واحد منها لئلا يعرفه الناس؛ لئلا يفتنوا به. فاتخاذ القبور مساجد مما ~~حرمه الله ورسوله وإن لم يبن عليها مسجدا كان بناء المساجد عليها أعظم. ~~كذلك قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور ويجب هدم كل مسجد بني على ~~قبر وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر ~~صورته فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته ولهذا كان مسجد النبي صلى الله ms5512 ~~عليه وسلم أولا مقبرة للمشركين وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل ~~فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدا. # PageV17P463 # ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرما ولم يكن شيء من ~~ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر ~~وكان الخليل عليه السلام في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخل ~~إليها ولا تشد الصحابة الرحال لا إليه ولا إلى غيره من المقابر؛ لأن في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . فكان يأتي من يأتي منهم إلى المسجد الأقصى ~~يصلون فيه ثم يرجعون لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها وكانت مغارة الخليل ~~مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة ففتحوا الباب ~~وجعلوا ذلك المكان كنيسة ثم لما فتح المسلمون البلاد اتخذه بعض الناس مسجدا ~~وأهل العلم ينكرون ذلك والذي يرويه بعضهم {في حديث الإسراء أنه قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم هذه طيبة انزل فصل فنزل فصلى هذا مكان أبيك انزل فصل} . ~~كذب موضوع لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة إلا في المسجد ~~الأقصى خاصة كما ثبت ذلك في الصحيح ولا نزل إلا فيه. ولهذا لما قدم الشام ~~من الصحابة من لا يحصي عددهم إلا الله # PageV17P464 # وقدمها عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وبعد فتح الشام لما صالح ~~النصارى على الجزية وشرط عليهم الشروط المعروفة وقدمها مرة ثالثة حتى وصل ~~إلى سرغ ومعه أكابر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فلم يذهب أحد ~~منهم إلى مغارة الخليل ولا غيرها من آثار الأنبياء التي بالشام لا ببيت ~~المقدس ولا بدمشق ولا غير ذلك مثل الآثار الثلاثة التي بجبل قاسيون في ~~غربيه الربوة المضافة إلى عيسى عليه السلام وفي شرقيه المقام المضاف إلى ~~الخليل عليه السلام وفي وسطه وأعلاه ms5513 مغارة الدم المضافة إلى هابيل لما قتله ~~قابيل فهذه البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها ~~ولا يرجون منها بركة فإنها محل الشرك. ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرا وقد ~~رآهم غير واحد على صورة الإنس ويقولون لهم رجال الغيب يظنون أنهم رجال من ~~الإنس غائبين عن الأبصار وإنما هم جن والجن يسمون رجالا. كما قال الله ~~تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} والإنس ~~سموا إنسا لأنهم يؤنسون أي يرون. كما قال تعالى: {إني آنست نارا} أي رأيتها ~~والجن سموا جنا لاجتنانهم يجتنون عن الأبصار أي يستترون. كما قال تعالى: ~~{فلما جن عليه الليل} أي استولى عليه فغطاه وستره وليس أحد من الإنس يستتر ~~دائما عن # PageV17P465 # أبصار الإنس وإنما يقع هذا لبعض الإنس في بعض الأحوال: تارة على وجه ~~الكرامة له وتارة يكون من باب السحر وعمل الشياطين ولبسط الكلام على الفرق ~~بين هذا وبين هذا موضع آخر. والمقصود هاهنا: أن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح مسجدا ولا جعلوه مشهدا ومزارا ~~ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل مكان نزل فيه أو صلى فيه أو فعل فيه شيئا ~~من ذلك لم يكونوا يقصدون بناء مسجد لأجل آثار الأنبياء والصالحين ولم يكن ~~جمهورهم يقصدون الصلاة في مكان لم يقصد الرسول الصلاة فيه بل نزل فيه أو ~~صلى فيه اتفاقا بل كان أئمتهم كعمر بن الخطاب وغيره ينهى عن قصد الصلاة في ~~مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفاقا لا قصدا وإنما نقل عن ~~ابن عمر خاصة أنه كان يتحرى أن يسير حيث سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وينزل حيث نزل ويصلي حيث صلى وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تلك ~~البقعة لذلك الفعل بل حصل اتفاقا وكان ابن عمر رضي الله عنهما رجلا صالحا ~~شديد الاتباع فرأى هذا من الاتباع. وأما أبوه وسائر الصحابة من الخلفاء ~~الراشدين عثمان ms5514 وعلي وسائر العشرة وغيرهم مثل ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي ~~بن كعب فلم يكونوا يفعلون ما فعل ابن عمر وقول الجمهور أصح. # PageV17P466 # وذلك أن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل. ~~فإذا قصد الصلاة والعبادة في مكان معين كان قصد الصلاة والعبادة في ذلك ~~المكان متابعة له وأما إذا لم يقصد تلك البقعة فإن قصدها يكون مخالفة لا ~~متابعة له. مثال الأول لما قصد الوقوف والذكر والدعاء بعرفة ومزدلفة وبين ~~الجمرتين كان قصد تلك البقاع متابعة له وكذلك لما طاف وصلى خلف المقام ~~ركعتين كان فعل ذلك متابعة له وكذلك لما صعد على الصفا والمروة للذكر ~~والدعاء كان قصد ذلك متابعة له وقد كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند ~~الأسطوانة قال لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها ~~فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة وكذلك ~~{لما أراد عتبان بن مالك أن يبني مسجدا لما عمي فأرسل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له إني أحب أن تأتيني تصلي في منزلي فاتخذه مصلى وفي ~~رواية فقال تعال فحط لي مسجدا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء من ~~أصحابه وفي رواية فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ~~حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس ~~حتى دخل البيت فقال أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى ناحية من البيت ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم} . ~~الحديث. # PageV17P467 # فإنه قصد أن يبني مسجدا وأحب أن يكون أول من يصلي فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه فالمقصود كان بناء المسجد ~~وأراد أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في المكان الذي يبنيه فكانت الصلاة ~~مقصودة لأجل المسجد لم يكن بناء المسجد مقصودا لأجل كونه صلى فيه ms5515 اتفاقا ~~وهذا المكان مكان قصد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه ليكون مسجدا ~~فصار قصد الصلاة فيه متابعة له بخلاف ما اتفق أنه صلى فيه بغير قصد وكذلك ~~قصد يوم الاثنين والخميس بالصوم متابعة لأنه قصد صوم هذين اليومين وقال في ~~الحديث الصحيح {إنه تفتح أبواب الجنة في كل خميس واثنين فيغفر لكل عبد لا ~~يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى ~~يصطلحا} . وكذلك قصد إتيان مسجد قباء متابعة له فإنه قد ثبت عنه في ~~الصحيحين أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا. وذلك أن الله أنزل عليه: ~~{لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} وكان مسجده هو الأحق ~~بهذا الوصف وقد ثبت {في الصحيح أنه سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: ~~هو مسجدي هذا} يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء ومسجد قباء أيضا ~~أسس على التقوى وبسببه نزلت الآية؛ ولهذا قال: {فيه رجال يحبون # PageV17P468 # أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وكان أهل قباء مع الوضوء والغسل يستنجون ~~بالماء. تعلموا ذلك من جيرانهم اليهود ولم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يظن ظان أن ذاك هو الذي أسس على التقوى دون ~~مسجده فذكر أن مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: {لمسجد أسس ~~على التقوى} يتناول مسجده ومسجد قباء ويتناول كل مسجد أسس على التقوى بخلاف ~~مساجد الضرار. ولهذا كان السلف يكرهون الصلاة فيما يشبه ذلك ويرون العتيق ~~أفضل من الجديد؛ لأن العتيق أبعد عن أن يكون بني ضرارا من الجديد الذي يخاف ~~ذلك فيه وعتق المسجد مما يحمد به؛ ولهذا قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} ~~وقال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} فإن قدمه يقتضي كثرة العبادة فيه ~~أيضا وذلك يقتضي زيادة فضله ولهذا لم يستحب علماء السلف من أهل المدينة ~~وغيرها قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد ms5516 مسجد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا مسجد قباء؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقصد مسجدا بعينه يذهب إليه إلا هو. وقد كان بالمدينة مساجد كثيرة ~~لكل قبيلة من الأنصار مسجد لكن ليس في قصده دون أمثاله فضيلة بخلاف مسجد ~~قباء فإنه أول مسجد بني بالمدينة # PageV17P469 # على الإطلاق وقد قصده الرسول صلى الله عليه وسلم بالذهاب إليه وصح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد ~~إلا الصلاة فيه كان كعمرة} . ومع هذا فلا يسافر إليه لكن إذا كان الإنسان ~~بالمدينة أتاه ولا يقصد إنشاء السفر إليه بل يقصد إنشاء السفر إلى المساجد ~~الثلاثة لقوله صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: ~~المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} ولهذا لو نذر السفر إلى مسجد ~~قباء لم يوف بنذره عند الأئمة الأربعة وغيرهم بخلاف المسجد الحرام فإنه يجب ~~الوفاء بالنذر إليه باتفاقهم وكذلك مسجد المدينة وبيت المقدس في أصح ~~قوليهم. وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر وهو قول أبي ~~حنيفة ليس عليه ذلك؛ لكنه جائز ومستحب لأن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ~~ما كان واجبا بالشرع والأكثرون يقولون يجب بالنذر كل ما كان طاعة لله كما ~~ثبت في صحيح البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . ويستحب أيضا ~~زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد؛ للدعاء لهم والاستغفار؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقصد ذلك مع أن # PageV17P470 # هذا مشروع لجميع موتى المسلمين كما يستحب السلام عليهم والدعاء لهم ~~والاستغفار. وزيارة القبور بهذا القصد مستحبة وسواء في ذلك قبور الأنبياء ~~والصالحين وغيرهم وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك ~~يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف. # وأما زيارة قبور الأنبياء والصالحين ms5517 لأجل طلب الحاجات منهم أو دعائهم ~~والإقسام بهم على الله أو ظن أن الدعاء أو الصلاة عند قبورهم أفضل منه في ~~المساجد والبيوت فهذا ضلال وشرك وبدعة باتفاق أئمة المسلمين ولم يكن أحد من ~~الصحابة يفعل ذلك ولا كانوا إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم يقفون ~~يدعون لأنفسهم ولهذا كره ذلك مالك وغيره من العلماء وقالوا إنه من البدع ~~التي لم يفعلها السلف واتفق العلماء الأربعة وغيرهم من السلف على أنه إذا ~~أراد أن يدعو يستقبل القبلة ولا يستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأما ~~إذا سلم عليه فأكثرهم قالوا: يستقبل القبر قاله مالك والشافعي وأحمد وقال ~~أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة أيضا ويكون القبر عن يساره وقيل: بل يستدبر ~~القبلة. ومما يبين هذا الأصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر هو ~~وأبو بكر ذهبا إلى الغار الذي بجبل ثور ولم يكن على طريقهما # PageV17P471 # بالمدينة فإنه من ناحية اليمن والمدينة من ناحية الشام ولكن اختبآ فيه ~~ثلاثا لينقطع خبرهما عن المشركين فلا يعرفون أين ذهبا فإن المشركين كانوا ~~طالبين لهما وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته لمن يأتي به وكانوا يقصدون ~~منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى أصحابه بالمدينة وأن لا يخرج من ~~مكة بل لما عجزوا عن قتله أرادوا حبسه بمكة فلو سلك الطريق ابتداء لأدركوه ~~فأقام بالغار ثلاثا لأجل ذلك فلو أراد المسافر من مكة إلى المدينة أن يذهب ~~إلى الغار ثم يرجع لم يكن ذلك مستحبا بل مكروها والنبي صلى الله عليه وسلم ~~في الهجرة سلك طريق الساحل وهي طويلة وفيها دورة وأما في عمره وحجته فكان ~~يسلك الوسط وهو أقرب إلى مكة فسلك في الهجرة طريق الساحل؛ لأنها كانت أبعد ~~عن قصد المشركين فإن الطريق الوسطى كانت أقرب إلى المدينة فيظنون أنه سلكها ~~كما كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. وهو صلى الله عليه وآله وسلم لما قسم ~~غنائم حنين بالجعرانة اعتمر منها ولما صده المشركون ms5518 عن مكة حل بالحديبية ~~وكان قد أنشأ الإحرام بالعمرة من ميقات المدينة ذي الحليفة ولما اعتمر من ~~العام القابل عمرة القضية اعتمر من ذي الحليفة ولم يدخل الكعبة في عمره ولا ~~حجته وإنما دخلها عام الفتح وكان بها صور مصورة فلم يدخلها حتى # PageV17P472 # محيت تلك الصور وصلى بها ركعتين وصلى يوم الفتح ثماني ركعات وقت الضحى ~~كما روت ذلك أم هانئ ولم يكن يقصد الصلاة وقت الضحى إلا لسبب مثل أن يقدم ~~من سفر فيدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ومثل أن يشغله نوم أو مرض عن قيام ~~الليل فيصلي بالنهار ثنتي عشرة ركعة وكان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة فصلى ~~ثنتي عشرة ركعة شفعا لفوات وقت الوتر فإنه صلى الله عليه وسلم قال: {المغرب ~~وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل} وقال: {اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ~~وترا} وقال: {صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة} . والمأثور ~~عن السلف أنهم إذا ناموا عن الوتر كانوا يوترون قبل صلاة الفجر ولا يؤخرونه ~~إلى ما بعد الصلاة وفي الصحيحين {عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها وإن كان ليدع ~~العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم} وقد ثبت عنه ~~{في الصحيح أنه أوصى بركعتي الضحى لأبي هريرة ولأبي الدرداء} وفيها أحاديث ~~لكن صلاته ثماني ركعات يوم الفتح جعلها بعض العلماء صلاة الضحى. وقال ~~آخرون: لم يصلها إلا يوم الفتح فعلم أنه صلاها لأجل # PageV17P473 # الفتح وكانوا يستحبون عند فتح مدينة أن يصلي الإمام ثماني ركعات شكرا لله ~~ويسمونها صلاة الفتح قالوا: لأن الاتباع يعتبر فيه القصد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يقصد الصلاة لأجل الوقت ولو قصد ذلك لصلى كل يوم أو غالب ~~الأيام كما كان يصلي ركعتي الفجر كل يوم وكذلك كان يصلي بعد الظهر ركعتين ~~وقبلها ركعتين أو أربعا ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر ~~وهو صلى الله عليه ms5519 وسلم لما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في غزوة خيبر ~~فصلوا بعد طلوع الشمس ركعتين ثم ركعتين لم يقل أحد إن هذه الصلاة في هذا ~~الوقت سنة دائما؛ لأنهم إنما صلوها قضاء لكونهم ناموا عن الصلاة ولما فاتته ~~العصر في بعض أيام الخندق فصلاها بعدما غربت الشمس وروي أن الظهر فاتته ~~أيضا فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب لم يقل أحد إنه يستحب أن يصلى بين ~~العشاءين إحدى عشرة ركعة لأن ذلك كان قضاء بل ولا نقل عنه أحد أنه خص ما ~~بين العشاءين بصلاة. وقوله تعالى: {ناشئة الليل} عند أكثر العلماء هو إذا ~~قام الرجل بعد نوم ليس هو أول الليل وهذا هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم هكذا كان يصلي والأحاديث بذلك متواترة عنه كان يقوم بعد ~~النوم لم يكن يقوم بين العشاءين. # PageV17P474 # وكذلك أكله ما كان يجد من الطعام ولبسه الذي يوجد بمدينته طيبة مخلوقا ~~فيها ومجلوبا إليها من اليمن وغيرها لأنه هو الذي يسره الله له فأكله التمر ~~وخبزه الشعير وفاكهته الرطب والبطيخ الأخضر والقثاء ولبس ثياب اليمن لأن ~~ذلك هو كان أيسر في بلده من الطعام والثياب لا لخصوص ذلك فمن كان ببلد آخر ~~وقوتهم البر والذرة وفاكهتهم العنب والرمان ونحو ذلك وثيابهم مما ينسج بغير ~~اليمن القز لم يكن إذا قصد أن يتكلف من القوت والفاكهة واللباس ما ليس في ~~بلده - بل يتعسر عليهم - متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان ذلك الذي ~~يتكلفه تمرا أو رطبا أو خبزا شعيرا. فعلم أنه لا بد في المتابعة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم من اعتبار القصد والنية: {فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى} فعلم أن الذي عليه جمهور الصحابة وأكابرهم هو الصحيح ومع هذا ~~فابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يقصد أن يصلي إلا في مكان صلى فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد الصلاة في موضع نزوله ومقامه ولا كان أحد ~~من الصحابة يذهب إلى ms5520 الغار المذكور في القرآن للزيارة والصلاة فيه - وإن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أقاما به ثلاثا يصلون فيه الصلوات ~~الخمس - ولا كانوا أيضا يذهبون إلى حراء وهو المكان الذي كان يتعبد فيه قبل ~~النبوة # PageV17P475 # وفيه نزل عليه الوحي أولا وكان هذا مكان يتعبدون فيه قبل الإسلام فإن ~~حراء أعلى جبل كان هناك فلما جاء الإسلام ذهب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى مكة مرات بعد أن أقام بها قبل الهجرة بضع عشرة سنة ومع هذا فلم ~~يكن هو ولا أصحابه يذهبون إلى حراء. ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~استلم الركنين اليمانيين ولم يستلم الشاميين؛ لأنهما لم يبنيا على قواعد ~~إبراهيم فإن أكثر الحجر من البيت والحجر الأسود استلمه وقبله واليماني ~~استلمه ولم يقبله وصلى بمقام إبراهيم ولم يستلمه ولم يقبله فدل ذلك على أن ~~التمسح بحيطان الكعبة غير الركنين اليمانيين وتقبيل شيء منها غير الحجر ~~الأسود ليس بسنة ودل على أن استلام مقام إبراهيم وتقبيله ليس بسنة وإذا كان ~~هذا نفس الكعبة ونفس مقام إبراهيم بها فمعلوم أن جميع المساجد حرمتها دون ~~الكعبة وأن مقام إبراهيم بالشام وغيرها وسائر مقامات الأنبياء دون المقام ~~الذي قال الله فيه: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} فعلم أن سائر المقامات ~~لا تقصد للصلاة فيها كما لا يحج إلى سائر المشاهد ولا يتمسح بها ولا يقبل ~~شيء من مقامات الأنبياء ولا المساجد ولا الصخرة ولا غيرها ولا يقبل ما على ~~وجه الأرض إلا الحجر الأسود. # PageV17P476 # وأيضا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد ~~الحرام ولم يأت للعبادات إلا المشاعر: منى ومزدلفة وعرفة فلهذا كان أئمة ~~العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجدا بمكة للصلاة غير المسجد الحرام ولا ~~تقصد بقعة للزيارة غير المشاعر التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإذا كان هذا في آثارهم فكيف بالمقابر التي لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من اتخذها مساجد وأخبر أنهم شرار الخلق عند ms5521 الله يوم القيامة. ودين ~~الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط ولهذا مشاعر الحج ~~غير المسجد الحرام تقصد للنسك لا للصلاة فلا صلاة بعرفة وإنما صلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر يوم عرفة بعرنة خطب بها ثم صلى ثم ~~بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها وكذلك يذكر الله ويدعى بعرفات وبمزدلفة ~~على قزح وبالصفا والمروة وبين الجمرات وعند الرمي ولا تقصد هذه البقاع ~~للصلاة. وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا للذكر ~~ولا للدعاء بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة إلا حيث نهي ويذكر الله ~~ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد ~~نهي عن ذلك كما نهي عن الصلاة في المقبرة إلا ما يفعله الرجل عند السلام ~~على الميت من # PageV17P477 # الدعاء له وللمسلمين كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة فإن زيارة ~~قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا ~~ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا. ومما يشبه هذا أن الأنصار بايعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بالوادي الذي وراء جمرة العقبة؛ لأنه ~~مكان منخفض قريب من منى يستر من فيه فإن السبعين الأنصار كانوا قد حجوا مع ~~قومهم المشركين وما زال الناس يحجون إلى مكة قبل الإسلام وبعده فجاءوا مع ~~قومهم إلى منى؛ لأجل الحج ثم ذهبوا بالليل إلى ذلك المكان لقربه وستره لا ~~لفضيلة فيه ولم يقصدوه لفضيلة تخصه بعينه. ولهذا لما حج النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو وأصحابه لم يذهبوا إليه ولا زاروه وقد بنى هناك مسجدا وهو ~~محدث وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث ومنى نفسها لم ~~يكن بها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مسجد مبني ولكن قال {منى مناخ ~~لمن سبق} فنزل بها المسلمون وكان يصلي بالمسلمين بمنى وغير منى وكذلك ~~خلفاؤه من بعده واجتماع الحجاج بمنى ms5522 أكثر من اجتماعهم بغيرها فإنهم يقيمون ~~بها أربعا وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون بالناس بمنى ~~وغير منى وكانوا يقصرون # PageV17P478 # الصلاة بمنى وعرفة ومزدلفة ويجمعون بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب ~~والعشاء بمزدلفة ويصلي بصلاتهم جميع الحجاج من أهل مكة وغير أهل مكة وكلهم ~~يقصرون الصلاة بالمشاعر وكلهم يجمعون بعرفة ومزدلفة. وقد تنازع العلماء في ~~أهل مكة ونحوهم هل يقصرون أو يجمعون فقيل: لا يقصرون ولا يجمعون كما يقول ~~ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وقيل يجمعون ولا يقصرون كما يقول ذلك ~~أبو حنيفة وأحمد ومن وافقه من أصحابه وأصحاب الشافعي وقيل: يجمعون ويقصرون ~~كما قال ذلك مالك وابن عيينة وإسحاق بن راهويه وبعض أصحاب أحمد وغيرهم وهذا ~~هو الصواب بلا ريب فإنه الذي فعله أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلا ريب ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم قط ولا أبو بكر ولا عمر بمنى ولا ~~عرفة ولا مزدلفة يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ولكن ثبت أن عمر قال ~~ذلك في جوف مكة وكذلك في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في ~~جوف مكة في غزوة الفتح وهذا من أقوى الأدلة على أن القصر مشروع لكل مسافر ~~ولو كان سفره بريدا فإن عرفة من مكة بريد: أربع فراسخ ولم يصل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا خلفاؤه بمكة صلاة عيد؛ بل ولا صلى في أسفاره قط صلاة # PageV17P479 # العيد ولا صلى بهم في أسفاره صلاة جمعة يخطب ثم يصلي ركعتين بل كان يصلي ~~يوم الجمعة في السفر ركعتين كما يصلي في سائر الأيام. وكذلك لما صلى بهم ~~الظهر والعصر بعرفة صلى ركعتين كصلاته في سائر الأيام ولم ينقل أحد أنه جهر ~~بالقراءة يوم الجمعة في السفر لا بعرفة ولا بغيرها ولا أنه خطب بغير عرفة ~~يوم الجمعة في السفر فعلم أن الصواب ما عليه سلف الأمة وجماهيرها من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من أن المسافر لا ms5523 يصلي جمعة ولا غيرها وجمهورهم أيضا على ~~أنه لا يصلي عيدا وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وهذا هو ~~الصواب أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يكونوا يصلون العيد ~~إلا في المقام لا في السفر ولم يكن يصلي صلاة العيد إلا في مكان واحد مع ~~الإمام يخرج بهم إلى الصحراء فيصلي هناك فيصلي المسلمون كلهم خلفه صلاة ~~العيد كما يصلون الجمعة ولم يكن أحد من المسلمين يصلي صلاة عيد في مسجد ~~قبيلته ولا بيته كما لم يكونوا يصلون جمعة في مساجد القبائل ولا كان أحد ~~منهم بمكة يوم النحر يصلي صلاة عيد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه بل عيدهم بمنى بعد إفاضتهم من المشعر الحرام ورمي جمرة العقبة لهم ~~كصلاة العيد لسائر أهل الأمصار يرمون ثم ينحرون وسائر أهل # PageV17P480 # الأمصار يصلون ثم ينحرون والنبي صلى الله عليه وسلم لما أفاض من منى نزل ~~بالمحصب فاختلف أصحابه هل التحصيب سنة لاختلافهم في قصده هل قصد النزول به ~~أو نزل به لأنه كان أسمح لخروجه. وهذا مما يبين أن المقاصد كانت معتبرة ~~عندهم في المتابعة. ولما اعتمر عمرة القضية وكانت مكة مع المشركين لم تفتح ~~بعد وكان المشركون قد قالوا: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب وقعد ~~المشركون خلف قعيقعان وهو جبل المروة ينظرون إليهم فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط من الطواف ليرى المشركون جلدهم ~~وقوتهم وروي أنه دعا لمن فعل ذلك ولم يرملوا بين الركنين؛ لأن المشركين لم ~~يكونوا يرونهم من ذلك الجانب فكان المقصود بالرمل إذ ذاك من جنس المقصود ~~بالجهاد. فظن بعض المتقدمين أنه ليس من النسك لأنه فعل لقصد وزال؛ لكن ثبت ~~{في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما حجوا رملوا من الحجر ~~الأسود إلى الحجر الأسود فكملوا الرمل بين الركنين} وهذا قدر زائد على ما ~~فعلوه في عمرة القضية وفعل ذلك في حجة الوداع مع الأمن العام فإنه ms5524 لم يحج ~~معه إلا مؤمن فدل ذلك على أن الرمل صار من سنة الحج فإنه فعل أولا لمقصود ~~الجهاد ثم شرع نسكا كما روي في سعي هاجر وفي رمي الجمار وفي ذبح الكبش: # PageV17P481 # أنه فعل أولا لمقصود ثم شرعه الله نسكا وعبادة لكن هذا يكون إذا شرع الله ~~ذلك وأمر به وليس لأحد أن يشرع ما لم يشرعه الله كما لو قال قائل: أنا ~~أستحب الطواف بالصخرة سبعا كما يطاف بالكعبة أو أستحب أن أتخذ من مقام موسى ~~وعيسى مصلى كما أمر الله أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى ونحو ذلك لم يكن له ~~ذلك لأن الله تعالى يختص ما يختصه من الأعيان والأفعال بأحكام تخصه يمتنع ~~معها قياس غيره عليه إما لمعنى يختص به لا يوجد بغيره على قول أكثر أهل ~~العلم وإما لمحض تخصيص المشيئة على قول بعضهم كما خص الكعبة بأن يحج إليها ~~ويطاف بها وكما خص عرفات بالوقوف بها وكما خص منى برمي الجمار بها وكما خص ~~الأشهر الحرم بتحريمها وكما خص شهر رمضان بصيامه وقيامه إلى أمثال ذلك. ~~وإبراهيم ومحمد كل منهما خليل الله فإنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا} وقد ثبت في الصحيح: {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير ~~البرية قال: ذاك إبراهيم} . فإبراهيم أفضل الخلق بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقوله: " ذاك إبراهيم " تواضع منه فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيح أنه قال: {أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي ~~يوم القيامة ولا فخر} إلى غير # PageV17P482 # ذلك من النصوص المبينة أنه أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وإبراهيم هو ~~الإمام الذي قال الله فيه: {إني جاعلك للناس إماما} وهو الأمة أي القدوة ~~الذي قال الله فيه: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} وهو الذي بوأه ~~الله مكان البيت وأمره أن يؤذن في ms5525 الناس بالحج إليه وقد حرم الله الحرم على ~~لسانه وإسماعيل نبأه معه وهو الذبيح الذي بذل نفسه لله وصبر على المحنة كما ~~بينا ذلك بالدلائل الكثيرة في غير هذا الموضع وأمه هاجر هي التي أطاعت الله ~~ورسوله إبراهيم في مقامها مع ابنها في ذلك الوادي الذي لم يكن به أنيس كما ~~قال الخليل: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} . ~~وكان لإبراهيم ولآل إبراهيم من محبة الله وعبادته والإيمان به وطاعته ما لم ~~يكن لغيرهم فخصهم الله بأن جعل لبيته الذي بنوه له خصائص لا توجد لغيره ~~وجعل ما جعله من أفعالهم قدوة للناس وعبادة يتبعونهم فيها ولا ريب أن الله ~~شرع لإبراهيم السعي ورمي الجمار والوقوف بعرفات بعد ما كان من أمر هاجر ~~وإسماعيل وقصة الذبح وغير ذلك ما كان كما شرع لمحمد الرمل في الطواف حيث ~~أمره أن ينادي في الناس بحج البيت والحج مبناه على الذل والخضوع لله ولهذا ~~خص باسم النسك و " النسك " في اللغة العبادة. # PageV17P483 # قال الجوهري: النسك العبادة والناسك العابد وقد نسك وتنسك أي تعبد ونسك ~~بالضم أي صار ناسكا ثم خص الحج باسم النسك لأنه أدخل في العبادة والذل لله ~~من غيره ولهذا كان فيه من الأفعال ما لا يقصد فيه إلا مجرد الذل لله ~~والعبادة له كالسعي ورمي الجمار. قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما جعل ~~رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله} رواه الترمذي وخص ~~بذلك الذبح الفداء أيضا دون مطلق الذبح؛ لأن إراقة الدم لله أبلغ في الخضوع ~~والعبادة له ولهذا كان من كان قبلنا لا يأكلون القربان؛ بل تأتي نار من ~~السماء فتأكله ولهذا قال تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن ~~لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} . وكذلك كانوا إذا غنموا غنيمة ~~جمعوها ثم جاءت النار فأكلتها ليكون قتالهم محضا لله لا للمغنم ويكون ms5526 ذبحهم ~~عبادة محضة لله لا لأجل أكلهم وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وسع الله عليهم ~~لكمال يقينهم وإخلاصهم وأنهم يقاتلون لله ولو أكلوا المغنم ويذبحون لله ولو ~~أكلوا القربان ولهذا كان عباد الشياطين والأصنام يذبحون لها الذبائح أيضا ~~فالذبح للمعبود غاية الذل والخضوع له. ولهذا لم يجز الذبح لغير الله ولا أن ~~يسمى غير الله على الذبائح # PageV17P484 # وحرم سبحانه ما ذبح على النصب وهو ما ذبح لغير الله وما سمي عليه غير اسم ~~الله وإن قصد به اللحم لا القربان ولعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~ذبح لغير الله ونهى عن ذبائح الجن وكانوا يذبحون للجن بل حرم الله ما لم ~~يذكر اسم الله عليه مطلقا كما دل على ذلك الكتاب والسنة في غير موضع. وقد ~~قال تعالى: {فصل لربك وانحر} أي انحر لربك كما قال الخليل: {إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وقد قال هو وإسماعيل إذ يرفعان القواعد من ~~البيت: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا} فالمناسك هنا مشاعر الحج كلها. كما قال ~~تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} وقال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وقال: {لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} كما قال تعالى: {ومن يعظم شعائر ~~الله فإنها من تقوى القلوب} . فالمقصود تقوى القلوب لله وهو عبادتها له ~~وحده دون ما سواه. بغاية العبودية له والعبودية فيها غاية المحبة وغاية ~~الذل والإخلاص وهذه ملة إبراهيم الخليل. وهذا كله مما يبين أن عبادة القلوب ~~هي الأصل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} # PageV17P485 # والنية والقصد هما عمل القلب فلا بد في المتابعة للرسول صلى الله عليه ~~وسلم من اعتبار النية والقصد. ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه ms5527 وسلم ~~لما احتجم وأمر بالحجامة. وقال في الحديث الصحيح: {شفاء أمتي في شرطة محجم ~~أو شربة عسل أو كية بنار وما أحب أن أكتوي} كان معلوما أن المقصود بالحجامة ~~إخراج الدم الزائد الذي يضر البدن فهذا هو المقصود وخص الحجامة لأن البلاد ~~الحارة يخرج الدم فيها إلى سطح البدن فيخرج بالحجامة فلهذا كانت الحجامة في ~~الحجاز ونحوه من البلاد الحارة يحصل بها مقصود استفراغ الدم وأما البلاد ~~الباردة فالدم يغور فيها إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد وهذا ~~أمر معروف بالحس والتجربة فإنه في زمان البرد تسخن الأجواف وتبرد الظواهر ~~لأن شبيه الشيء منجذب إليه فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان ~~والأرض فيهرب الحر الذي فيها من البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن ~~الأرض. وأجواف الحيوان ويأوي الحيوان إلى الأكنان الدافئة. ولقوة الحرارة ~~في باطن الإنسان يأكل في الشتاء وفي البلاد الباردة أكثر مما يأكل في الصيف ~~وفي البلاد الحارة؛ لأن الحرارة تطبخ الطعام وتصرفه ويكون الماء النابع في ~~الشتاء سخنا لسخونة جوف الأرض والدم سخن فيكون في جوف العروق لا في سطح ~~الجلد فلو احتجم لم ينفعه ذلك بل قد يضره وفي الصيف # PageV17P486 # والبلاد الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن باردة فلا ينهضم الطعام فيها ~~كما ينهضم في الشتاء ويكون الماء النابع باردا لبرودة باطن الأرض وتظهر ~~الحيوانات إلى البراري لسخونة الهواء فهؤلاء قد لا ينفعهم الفصاد بل قد ~~يضرهم والحجامة أنفع لهم. وقوله: " شفاء أمتي " إشارة إلى من كان حينئذ من ~~أمته وهم كانوا بالحجاز كما قال ما بين المشرق والمغرب قبلة؛ لأن هذا كان ~~قبلة أمته حينئذ؛ لأنهم كانوا بالمدينة وما حولها وهذا كما أنه في آخر ~~الأمر بعد أن فرض الحج سنة تسع أو سنة عشر وقت ثلاث مواقيت للمدينة ولنجد ~~وللشام ولما فتح اليمن وقت لهم يلملم ثم وقت ذات عرق لأهل العراق وهذا كما ~~أنه فرض صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل صغير وكبير ذكرا ~~وأنثى ms5528 من المسلمين وكان هذا هو الفرض على أهل المدينة؛ لأن الشعير والتمر ~~كان قوتهم ولهذا كان جماهير العلماء على أنه من اقتات الأرز والذرة ونحو ~~ذلك يخرج من قوته وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهل يجزيه أن يخرج التمر ~~والشعير إذا لم يكن يقتاته. فيه قولان للعلماء. وكان الصحابة يرمون بالقوس ~~العربية الطويلة التي تشبه قوس الندف وفتح الله لهم بها البلاد وقد رويت ~~آثار في كراهة الرمي بالقوس الفارسية عن بعض السلف لكونها كانت شعار الكفار ~~فأما بعد # PageV17P487 # أن اعتادها المسلمون وكثرت فيهم وهي في أنفسها أنفع في الجهاد من تلك ~~القوس. فلا تكره في أظهر قولي العلماء أو قول أكثرهم؛ لأن الله تعالى قال: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} . والقوة في هذا أبلغ بلا ~~ريب والصحابة لم تكن هذه عندهم فعدلوا عنها إلى تلك؛ بل لم يكن لهم غيرها ~~فينظر في قصدهم بالرمي أكان لحاجة إليها إذ ليس لهم غيرها؟ أم كان لمعنى ~~فيها؟ ومن كره الرمي بها كرهه لمعنى لازم كما يكره الكفر وما يستلزم الكفر ~~أم كرهها لكونها كانت من شعائر الكفار فكره التشبه بهم؟ . وهذا كما أن ~~الكفار من اليهود والنصارى إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر وأزرق نهي عن ~~لباسه لما فيه من التشبه بهم وإن كان لو خلا عن ذلك لم يكره وفي بلاد لا ~~يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهي عن لبسها والذين اعتادوا ذلك من ~~المسلمين لا مفسدة عندهم في لبسها. # ولهذا كره أحمد وغيره لباس السواد لما كان في لباسه تشبه بمن يظلم أو ~~يعين على الظلم وكره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم فأما إذا لم يكن فيه ~~مفسدة لم ينه عنه. وكره من كره من الصحابة والتابعين بيع الأرض الخراجية ~~لأن # PageV17P488 # المسلم المشتري لها إذا أدى الخراج عنها أشبه أهل الذمة في التزام الجزية ~~فإن الخراج جزية الأرض وإن لم يؤدها ظلم المسلمين بإسقاط حقهم من الأرض لم ~~يكرهوا بيعها لكونها وقفا فإن ms5529 الوقف إنما منع من بيعه لأن ذلك يبطل الوقف ~~ولهذا لا يباع ولا يوهب ولا يورث والأرض الخراجية تنتقل إلى الوارث باتفاق ~~العلماء وتجوز هبتها والمتهب المشتري يقوم فيها مقام البائع فيؤدي ما كان ~~عليه من الخراج وليس في بيعها مضرة لمستحقي الخراج كما في بيع الوقف. وقد ~~غلط كثير من الفقهاء فظنوا أنهم كرهوا بيعها لكونها وقفا واشتبه عليهم ~~الأمر لأنهم رأوا الآثار مروية في كراهة بيعها وقد عرفوا أن عمر جعلها فيئا ~~لم يقسمها قط وذلك في معنى الوقف فظنوا أن بيعها مكروه لهذا المعنى ولم ~~يتأملوا حق التأمل فيرون أن هذا البيع ليس هو من جنس البيع المنهي عنه في ~~الوقف فإن هذه يصرف مغلها إلى مستحقها قبل البيع وبعده وعلى حد واحد ليست ~~كالدار التي إذا بيعت تعطل نفعها عن أهل الوقف وصارت للمشتري. وأعجب من ذلك ~~أن طائفة من هؤلاء قالوا: مكة إنما كره بيع رباعها لكونها فتحت عنوة ولم ~~تقسم أيضا وهم قد قالوا مع جميع الناس إن الأرض العنوة التي جعلت أرضها ~~فيئا يجوز بيع مساكنها والخراج إنما جعل على المزارع لا على المساكن فلو ~~كانت # PageV17P489 # مكة قد جعلت أرضها للمسلمين وجعل عليها خراج لم يمتنع بيع مساكنها لذلك ~~فكيف ومكة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم بيد أهلها على ما كانت عليه ~~مساكنها ومزارعها ولم يقسمها ولم يضرب عليها خراجا؛ ولهذا قال من قال: إنها ~~فتحت صلحا ولا ريب أنها فتحت عنوة كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة ~~لكن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق أهلها جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله ولم ~~يسب لهم ذرية ولا غنم لهم مالا ولهذا سموا الطلقاء. وأحمد وغيره من السلف ~~إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين. كما قال ~~تعالى: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي} وهذه ~~هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار فإن الله أوجب حجها على جميع ~~الناس وشرع اعتمارها دائما فجعلها مشتركة ms5530 بين جميع عباده. كما قال: {سواء ~~العاكف فيه والبادي} ولهذا كانت منى وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو ~~أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد ومكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به ~~والإنسان أحق بمسكنه ما دام محتاجا إليه وما استغنى عنه من المنافع فعليه ~~بذله بلا عوض لغيره من الحجيج وغيرهم. ولهذا كانت الأقوال في إجارة دورها ~~وبيع رباعها ثلاثة. قيل: لا يجوز لا هذا ولا هذا. وقيل: يجوز الأمران. # PageV17P490 # والصحيح أنه يجوز بيع رباعها ولا يجوز إجارتها وعلى هذا تدل الآثار ~~المنقولة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم ~~فإن الصحابة كانوا يتبايعون دورها والدور تورث وتوهب وإذا كانت تورث وتوهب ~~جاز أن تباع بخلاف الوقف فإنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب. وكذلك أم الولد ~~من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث وأما إجارتها فقد كانت تدعى ~~السوائب - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~من احتاج سكن ومن استغنى أسكن؛ لأن المسلمين كلهم محتاجون إلى المنافع ~~فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التي يحتاج إليها المسلمون فمن سبق ~~إلى شيء منها فهو أحق به وما استغنى عنه أخذه غيره بلا عوض وكذلك المباحات ~~التي يشترك فيها الناس ويكون المشتري لها استفاد بذلك أنه أحق من غيره ما ~~دام محتاجا وإذا باعها الإنسان قطع اختصاصه بها وتوريثه إياها وغير ذلك من ~~تصرفاته ولهذا له أن لا يبذله إلا بعوض والنبي صلى الله عليه وسلم من على ~~أهل مكة فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة وأعطاهم مع ذلك ذراريهم ~~وأموالهم كما من على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو ~~المال فاختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة # PageV17P491 # فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم ~~وقريش لم تحاربه كما حاربته هوازن وهو إنما من على من لم يقاتله منهم كما ~~قال: ms5531 {من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو ~~آمن} . فلما كف جمهورهم عن قتاله وعرف أنهم مسلمون أطلقهم ولم يغنم أموالهم ~~ولا حريمهم ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من ~~قريش بخلاف ثقيف فإنهم سموا العتقاء فإنه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق ~~والقسمة وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار ~~والمنقول ما هو أصلح فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر فقسمها بين ~~المسلمين وسبى بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم ~~يسترقهم ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة. # وقد تنازع العلماء في الأرض إذا فتحت عنوة هل يجب قسمها كخيبر لأنها مغنم ~~أو تصير فيئا كما دلت عليه سورة الحشر وليست الأرض من المغنم أو يخير ~~الإمام فيما بين هذا وهذا على ثلاثة أقوال وأكثر العلماء على التخيير وهو ~~الصحيح وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وغيرهما. # PageV17P492 # ولو فتح الإمام بلدا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن ~~عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل ~~مكة فإنهم أسلموا كلهم بلا خلاف بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم منهم أحد ~~فأولئك قسم أرضهم لأنهم كانوا كفارا مصرين على الكفر وهؤلاء تركها لهم ~~لأنهم كلهم صاروا مسلمين والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن ~~يكون الدين كله لله وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم ~~ليتألفهم على الإسلام فكيف لا يتألفهم بإبقاء ديارهم وأموالهم. وهم لما ~~حضروا معه حنينا أعطاهم من غنائم حنين ما تألفهم به حتى عتب بعض الأنصار ~~كما في الصحيحين عن أنس بن مالك: {أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين ~~أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل. فقالوا: يغفر الله لرسول الله ~~يعطي قريشا ms5532 ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم - قال أنس: فحدث ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم من قولهم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار ~~فجمعهم في قبة من أدم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول ~~الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة # PageV17P493 # أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر ~~من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أعطي رجالا حديثي عهد ~~بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول ~~الله فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا: بلى يا رسول الله قد ~~رضينا قال: فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ~~فإني على الحوض قالوا: سنصبر} - وفي رواية {لو سلك الناس واديا أو شعبا ~~وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم الناس دثار ~~والأنصار شعار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار وحدثهم حتى بكوا رضي الله ~~تعالى عنهم} . فهذا كله بذل وعطاء لأجل إسلام الناس وهو المقصود بالجهاد. ~~ومن قال: إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقا فقوله في غاية ~~الضعف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر وليس معه حجة واحدة ~~توجب ذلك فإن قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر تدل على جواز ما فعل ~~لا تدل على وجوبه إذ الفعل لا يدل بنفسه على الوجوب وهو لم يقسم مكة ولا شك ~~أنها فتحت عنوة وهذا يعلمه ضرورة من تدبر الأحاديث وكذلك المنقول: من قال: ~~إنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة فقوله # PageV17P494 # ضعيف بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفضل ~~في كثير من المغازي. والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من غنائم خيبر فيما أعطاهم قولان: أحدهما أنه من الخمس والثاني ~~أنه من أصل الغنيمة وهذا ms5533 أظهر. فإن الذي أعطاهم إياه هو شيء كثير لا يحتمله ~~الخمس ومن قال العطاء كان من خمس الخمس فلم يدر كيف وقع الأمر ولم يقل هذا ~~أحد من المتقدمين هذا مع قوله: {ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ~~والخمس مردود عليكم} وهذا لأن المؤلفة قلوبهم كانوا من العسكر ففضلهم في ~~العطاء للمصلحة كما كان يفضلهم فيما يقسمه من الفيء للمصلحة. وهذا دليل على ~~أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده كما يقسم الفيء باجتهاده إذا كان ~~إمام عدل قسمها بعلم وعدل ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة الميراث بين ~~الورثة وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية ولهذا قال في الصدقات: {إن الله ~~لم يرض فيها بقسمة نبي ولا غيره ولكن جعلها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك ~~الأصناف أعطيتك} فعلم أن ما أفاء الله من الكفار بخلاف ذلك وقد قسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر ولم يقسم ~~لأحد غاب عنها غيرهم وقسم من غنائم بدر لطلحة والزبير ولعثمان # PageV17P495 # وكان قد أقام بالمدينة وهؤلاء الذين كانوا يريدون القتال وكانوا مشغولين ~~ببعض مصالح المسلمين الذين هم فيها في جهاد. وأيضا أهل السفينة وطلحة ~~والزبير وعثمان لم يكونوا كغيرهم والقتال لم يكن لأجل الغنيمة فليست ~~الغنيمة كمباح اشترك فيه ناس مثل الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد فإن ذلك ~~الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة بل من قاتل فيها لأجل المال لم ~~يكن مجاهدا في سبيل الله ولهذا لم تبح الغنائم لمن قبلنا وأبيحت لنا معونة ~~على مصلحة الدين. فالغنائم أبيحت لمصلحة الدين وأهله فمن كان قد نفع ~~المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وإن لم يحضر ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ويرد ~~متسريهم على قاعدهم} . فإن المتسري إنما تسرى بقوة القاعد فالمعاونون ~~للمجاهدين من المجاهدين ولبسط هذه الأمور موضع آخر. والمقصود هنا: ذكر ~~متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده ms5534 فإذا ~~قصد مكانا للعبادة فيه كان قصده لتلك # PageV17P496 # العبادة سنة وأما إذا صلى فيه اتفاقا من غير قصد لم يكن قصده للعبادة سنة ~~ولهذا لم يكن جمهور الصحابة يقصدون مشابهته في ذلك وابن عمر رضي الله عنهما ~~مع أنه كان يحب مشابهته في ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع ~~الذي صلى فيه لا في كل موضع نزل به ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان ~~شيئا يسيرا كما فعله ابن عمر ونهى عنه رضي الله عنه إذا كثر لأنه يفضي إلى ~~المفسدة وهي اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهي التي تسمى المشاهد وما أحدث في ~~الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في ~~الإسلام من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها ~~الشيطان لبني آدم؛ ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد وإخلاص الدين لله ~~ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيما لمواضع الشرك فالعارفون بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله وأهل الجهل بذلك ~~أقرب إلى الشرك والبدع. ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم؛ ~~لأنهم أجهل من غيرهم وأكثر شركا وبدعا ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم ~~ويخربون المساجد أكثر من غيرهم فالمساجد لا يصلون فيها # PageV17P497 # جمعة ولا جماعة ولا يصلون فيها إن صلوا إلا أفرادا وأما المشاهد ~~فيعظمونها أكثر من المساجد حتى قد يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله ~~الحرام ويسمونها الحج الأكبر وصنف ابن المفيد منهم كتابا سماه " مناسك حج ~~المشاهد " وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ما لا يوجد في سائر الطوائف وإن ~~كان في غيرهم أيضا نوع من الشرك والكذب والبدع؛ لكن هو فيهم أكثر وكلما كان ~~الرجل أتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم توحيدا لله وإخلاصا له في ~~الدين وإذا بعد عن متابعته نقص من ms5535 دينه بحسب ذلك فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه ~~من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول. والله إنما ~~أمر في كتابه وسنة رسوله بالعبادة في المساجد والعبادة فيها هي عمارتها. ~~قال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} ولم يقل مشاهد ~~الله. وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين} ولم يقل عند كل مشهد فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص ~~الدين لله بل فيهم نوع من الشرك وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم ~~خالدون} {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر # PageV17P498 # وأقام الصلاة} الآيات. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان. ثم قرأ هذه الآية} فإن ~~المراد بعمارتها عمارتها بالعبادة فيها كالصلاة والاعتكاف يقال مدينة عامرة ~~إذا كانت مسكونة ومدينة خراب إذا لم يكن فيها ساكن ومنه قوله تعالى: ~~{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} . وأما نفس بناء المساجد فيجوز أن ~~يبنيها البر والفاجر والمسلم والكافر وذلك يسمى بناء كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة} فبين الله ~~تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم ~~بالكفر وبين أنما يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله الذين لا ~~يخشون إلا الله ولا يرجون سواه ولا يستعينون إلا به ولا يدعون إلا إياه ~~وعمار المشاهد يخافون غير الله ويرجون غيره ويدعون غيره وهو سبحانه لم يقل ~~إنما يعمر مشاهد الله فإن المشاهد ليست بيوت الله إنما هي بيوت الشرك ولهذا ~~ليس في القرآن آية فيها ms5536 مدح المشاهد ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم في # PageV17P499 # ذلك حديث وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدا على قبر أهل ~~الكهف وهؤلاء من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد ~~وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة كما قال: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} وقال: {أولئك إذا مات فيهم الرجل ~~الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند ~~الله يوم القيامة} ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها كذب فإن الشرك ~~مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرا. قال تعالى: {واجتنبوا قول الزور} {حنفاء ~~لله غير مشركين به} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله قالها ثلاثا} . وذلك كالمشهد الذي بني بالقاهرة على رأس ~~الحسين وهو كذب باتفاق أهل العلم ورأس الحسين لم يحمل إلى هناك أصلا وأصله ~~من عسقلان. وقد قيل أنه كان رأس راهب ورأس الحسين لم يكن بعسقلان وإنما ~~أحدث هذا في أواخر دولة الملاحدة بني عبيد. وكذلك مشهد علي - رضي الله عنه ~~- إنما أحدث في دولة بني # PageV17P500 # بويه وقال محمد بن عبد الله مطين الحافظ وغيره: إنما هو قبر المغيرة ابن ~~شعبة رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه إنما دفن بقصر الإمارة بالكوفة ودفن ~~معاوية بقصر الإمارة بدمشق ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر خوفا ~~عليهم إذا دفنوا في المقابر البارزة أن ينبشهم الخوارج المارقون فإن ~~الخوارج كانوا تعاهدوا على قتل الثلاثة فقتل ابن ملجم عليا وجرح صاحبه ~~معاوية وعمرا كان استخلف رجلا اسمه خارجة فقتله الخارجي. وقال: أردت عمرا ~~وأراد الله خارجة. فسارت مثلا. فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة ~~الملاحدة دولة بني عبيد. وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل ~~البدع من ms5537 المعتزلة والرافضة أمور كثيرة ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع ~~الإسلام تضعضعا كثيرا ودخلت النصارى إلى الشام فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ~~ليس لهم غرض في الإيمان بالله ورسوله ولا في الجهاد في سبيل الله بل في ~~الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال ~~فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر الشام ثم قيض الله من ملوك السنة مثل: ~~نور الدين وصلاح الدين وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام وجاهدوا الكفار ~~والمنافقين. # PageV17P501 # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لأن ~~المشركين يسجدون للشمس حينئذ والشيطان يقارنها وإن كان المسلم المصلي لا ~~يقصد السجود لها لكن سد الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين في بعض الأمور التي ~~يختصون بها فيفضي إلى ما هو شرك؛ ولهذا نهى عن تحري الصلاة في هذين الوقتين ~~هذا لفظ ابن عمر الذي في الصحيحين. فقصد الصلاة فيها منهي عنه. وأما إذا ~~حدث سبب تشرع الصلاة لأجله: مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة ~~وركعتي الطواف وإعادة الصلاة مع إمام الحي ونحو ذلك فهذه فيها نزاع مشهور ~~بين العلماء والأظهر جواز ذلك واستحبابه فإنه خير لا شر فيه وهو يفوت إذا ~~ترك وإنما نهي عن قصد الصلاة وتحريها في ذلك الوقت لما فيه من مشابهة ~~الكفار بقصد السجود ذلك الوقت فما لا سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت وإن ~~لم يقصد الوقت بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت ~~بحال ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة عموما فقال: ~~{الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} رواه أهل السنن وقد روي مسندا ~~ومرسلا وقد صحح الحفاظ أنه مسند فإن الحمام مأوى الشياطين والمقابر نهى ~~عنها # PageV17P502 # لما فيه من التشبه بالمتخذين القبور مساجد وإن كان المصلي قد لا يقصد ~~الصلاة لأجل فضيلة تلك البقعة بل اتفق له ذلك. لكن فيه تشبه بمن يقصد ذلك ~~فنهى عنه كما ينهى عن الصلاة المطلقة وقت الطلوع والغروب ms5538 وإن لم يقصد فضيلة ~~ذلك الوقت لما فيه من التشبه بمن يقصد فضيلة ذلك الوقت وهم المشركون فنهيه ~~عن الصلاة في هذا الزمان كنهيه عن الصلاة في ذلك المكان فلما كان الشرك ~~الذي أضل أكثر بني آدم أصله وأعظمه من عبادة البشر والتماثيل المصورة على ~~صورهم فإن المشركين قد اعتادوا آلهة يلدون ويولدون ويرثون ويورثون ويكونون ~~من شيء من الأشياء فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن إلهه الذي يعبده: من ~~أي شيء هو؟ أمن كذا أم من كذا؟ وممن ورث الدنيا؟ ولمن يورثها؟ فقال تعالى: ~~{قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} . ~~وفي حديث أبي بن كعب لأنه ليس أحد يولد إلا يموت ولا أحد يرث إلا يورث ~~يقول: كل من عبد من دون الله قد ولد مثل المسيح والعزير وغيرهما من ~~الصالحين وتماثيلهم ومثل الفراعنة المدعين الإلهية فهذا مولود يموت وهو وإن ~~كان ورث من غيره ما هو فيه فإذا مات ورثه غيره. والله سبحانه حي لا يموت ~~ولا يورث سبحانه وتعالى. والله أعلم وصلى الله على محمد. # PageV17P503 ### | سورة الفلق # وقال شيخ الإسلام ناصر السنة قامع البدعة تقي الدين أحمد ابن تيمية نفعنا ~~المولى بعلومه - وهو مما كتبه في القلعة -: ### | فصل: في {قل أعوذ برب الفلق} . # قال تعالى: {فالق الحب والنوى} وقال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل ~~سكنا} والفلق: فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض فكل ما فلقه الرب فهو ~~فلق قال الحسن: الفلق كل ما انفلق عن شيء: كالصبح والحب والنوى. قال ~~الزجاج: وإذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن انفلاق # PageV17P504 # كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر. وقد قال كثير من المفسرين: الفلق الصبح ~~فإنه يقال هذا أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. وقال بعضهم: الفلق الخلق كله ~~وأما من قال: إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو أنه اسم من أسماء جهنم ~~فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الاسم عليه ولا بنقل عن النبي صلى الله ms5539 ~~عليه وسلم ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمة بخلاف ما إذا قال رب الخلق أو رب ~~كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهره على العباد بالنهار فإن في تخصيص هذا ~~بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به وإذا قيل: الفلق يعم ويخص فبعمومه ~~للخلق أستعيذ من شر ما خلق وبخصوصه للنور النهاري أستعيذ من شر غاسق إذا ~~وقب. فإن الغاسق قد فسر بالليل كقولة: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل} وهذا قول أكثر المفسرين وأهل اللغة. قالوا: ومعنى {وقب} دخل في كل ~~شيء. قال الزجاج: الغاسق البارد وقيل الليل غاسق لأنه أبرد من النهار وقد ~~روى الترمذي والنسائي {عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر ~~فقال: يا عائشة تعوذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب} وروى # PageV17P505 # من حديث أبي هريرة مرفوعا {أن الغاسق النجم} وقال ابن زيد هو الثريا ~~وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها وهذا المرفوع ~~قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل فجعلوه قولا آخر ثم فسروا وقوبه ~~بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق القمر إذا كسف واسود. ومعنى وقب دخل ~~في الكسوف وهذا ضعيف فإن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض ~~بقول غيره وهو لا يقول إلا الحق وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند ~~كسوفه بل مع ظهوره وقد قال الله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا ~~آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} فالقمر آية الليل. وكذلك النجوم إنما ~~تطلع فترى بالليل فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ~~ودليله وعلامته والدليل مستلزم للمدلول فإذا كان شر القمر موجودا فشر الليل ~~موجود وللقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه ~~أقوى ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: " هو مسجدي هذا " مع أن ~~الآية تتناول مسجد قباء قطعا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: " هؤلاء أهل بيتي ~~" مع أن القرآن يتناول نساءه فالتخصيص لكون ms5540 المخصوص أولى بالوصف فالقمر أحق ~~ما يكون بالليل بالاستعاذة والليل مظلم تنتشر فيه شياطين # PageV17P506 # الإنس والجن ما لا تنتشر بالنهار ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري ~~بالنهار من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسحر والسرقة والخيانة والفواحش ~~وغير ذلك فالشر دائما مقرون بالظلمة ولهذا إنما جعله الله لسكون الآدميين ~~وراحتهم لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر ما لا يمكنها فعله ~~بالنهار ويتوسلون بالقمر وبدعوته والقمر وعبادته وأبو معشر البلخي له " ~~مصحف القمر " يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه. فذكر ~~سبحانه الاستعاذة من شر الخلق عموما ثم خص الأمر بالاستعاذة من شر الغاسق ~~إذا وقب وهو الزمان الذي يعم شره ثم خص بالذكر السحر والحسد. فالسحر يكون ~~من الأنفس الخبيثة لكن بالاستعانة بالأشياء كالنفث في العقد. والحسد يكون ~~من الأنفس الخبيثة أيضا إما بالعين وإما بالظلم باللسان واليد وخص من السحر ~~النفاثات في العقد وهن النساء. والحاسد الرجال في العادة ويكون من الرجال ~~ومن النساء. والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء: هو شر ~~منفصل عن الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس. وفي سورة الناس ذكر ~~{الوسواس الخناس} فإنه مبدأ الأفعال # PageV17P507 # المذمومة من الكفر والفسوق والعصيان ففيها الاستعاذة من شر ما يدخل ~~الإنسان من الأفعال التي تضره من الكفر والفسوق والعصيان وقد تضمن ذلك ~~الاستعاذة من شر نفسه. وسورة الفلق فيها الاستعاذة من شر المخلوقات عموما ~~وخصوصا ولهذا قيل فيها برب الفلق وقيل في هذه برب الناس فإن فالق الإصباح ~~بالنور يزيل بما في نوره من الخير ما في الظلمة من الشر وفالق الحب والنوى ~~بعد انعقادهما يزيل ما في عقد النفاثات فإن فلق الحب والنوى أعظم من حل عقد ~~النفاثات وكذلك الحسد هو من ضيق الإنسان وشحه لا ينشرح صدره لإنعام الله ~~عليه فرب الفلق يزيل ما يحصل بضيق الحاسد وشحه وهو سبحانه لا يفلق شيئا إلا ~~بخير فهو فالق الإصباح بالنور الهادي والسراج الوهاج الذي به صلاح العباد ~~وفالق الحب ms5541 والنوى بأنواع الفواكه والأقوات التي هي رزق الناس ودوابهم ~~والإنسان محتاج إلى جلب المنفعة من الهدى والرزق وهذا حاصل بالفلق والرب ~~الذي فلق للناس ما تحصل به منافعهم يستعاذ به مما يضر الناس فيطلب منه تمام ~~نعمته بصرف المؤذيات عن عبده الذي ابتدأ بإنعامه عليه وفلق الشيء عن الشيء ~~هو دليل على تمام القدرة وإخراج الشيء من ضده كما يخرج الحي من الميت ~~والميت من الحي وهذا من نوع الفلق فهو سبحانه قادر على دفع الضد المؤذي ~~بالضد النافع. # PageV17P508 ### | سورة الناس # وقال - رحمه الله -: ### | فصل: # في {قل أعوذ برب الناس} # إلى آخرها. قوله: {من شر الوسواس الخناس} {الذي يوسوس في صدور الناس} {من ~~الجنة والناس} فيها أقوال ولم يذكر ابن الجوزي إلا قولين ولم يذكر الثالث ~~وهو الصحيح وهو أن قوله من الجنة والناس لبيان الوسواس أي الذي يوسوس من ~~الجنة ومن الناس في صدور الناس فإن الله تعالى قد أخبر أنه جعل لكل نبي ~~عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وإيحاؤهم هو ~~وسوستهم و ### | ليس من شرط الموسوس أن يكون مستترا عن البصر؛ بل قد يشاهد # قال تعالى: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ~~وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين} {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} وهذا كلام من يعرف قائله ليس ~~شيئا يلقى في القلب لا يدري ممن هو وإبليس قد أمر بالسجود لآدم فأبى ~~واستكبر فلم يكن ممن لا يعرفه آدم وهو ونسله يرون بني آدم من حيث لا يرونهم ~~وأما آدم فقد رآه. # PageV17P509 # وقد يرى الشياطين والجن كثير من الإنس لكن لهم من الاجتنان والاستتار ما ~~ليس للإنس وقد قال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم} وفي التفسير والسيرة: أن الشيطان جاءهم في صورة بعض الناس وكذلك ~~قوله: {كمثل ms5542 الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني ~~أخاف الله رب العالمين} . وفي حديث أبي ذر {عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن قلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم شر ~~من شياطين الجن} . وأيضا فالنفس لها وسوسة كما قال تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} فهذا توسوس به نفسه لنفسه كما يقال حديث ~~النفس قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به} أخرجاه في الصحيحين. فالذي يوسوس في ~~صدور الناس نفوسهم وشياطين الجن وشياطين الإنس. والوسواس الخناس يتناول ~~وسوسة الجنة ووسوسة الإنس وإلا # PageV17P510 # أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجن فقط مع أن وسوسة نفسه وشياطين الإنس هي ~~مما تضره وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن. وأما قول الفراء: أن المراد من ~~شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس: الطائفتين من الجن والإنس وأنه سمى ~~الجن ناسا كما سماهم رجالا وسماهم نفرا فهذا ضعيف فإن لفظ الناس أشهر وأظهر ~~وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن والإنس وقد ذكر الله تعالى لفظ ~~الناس في غير موضع. وأيضا فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان ~~وليس وسوسة الجن معروفة عند الناس وإنما يعرف هذا بخبر ولا خبر هنا ثم قد ~~قال: {من الجنة والناس} فكيف يكون لفظ الناس عاما للجنة والناس وكيف يكون ~~قسيم الشيء قسما منه فهو يجعل الناس قسيم الجن ويجعل الجن نوعا من الناس ~~وهذا كما يقول: أكرم العرب من العجم والعرب فهل يقول هذا أحد وإذا سماهم ~~الله تعالى رجالا لم يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسا وإن قدر أنه يقال ~~جاء ناس من الجن فذاك مع التقييد كما يقال إنسان من طين وماء دافق ولا يلزم ~~من هذا أن يدخلوا في لفظ الناس وقد قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس # PageV17P511 # واحدة ms5543 وخلق منها زوجها} فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء مع أنه سبحانه ~~يخاطب الجن والإنس. والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين لكن لفظ ~~الناس لم يتناول الجن ولكن يقول يا معشر الجن والإنس. # وكذلك قول الزجاج: أن المعنى {من شر الوسواس} الذي هو الجنة ومن شر الناس ~~فيه ضعف وإن كان أرجح من الأول؛ لأن شر الجن أعظم من شر الإنس فكيف يطلق ~~الاستعاذة من جميع الناس ولا يستعيذ إلا من بعض الجن. وأيضا فالوسواس ~~الخناس إن لم يكن إلا من الجنة فلا حاجة إلى قوله {من الجنة} ومن {الناس} ~~فلماذا يخص الاستعاذة من وسواس الجنة دون وسواس الناس. وأيضا فإنه إذا تقدم ~~المعطوف اسما كان عطفه على القريب أولى كما أن عود الضمير إلى الأقرب أولى ~~إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد فعطف الناس هنا على الجنة ~~المقرون به أولى من عطفه على الوسواس. # PageV17P512 # ويكفي أن المسلمين كلهم يقرءون هذه السورة من زمن نبيهم ولم ينقل هذان ~~القولان إلا عن بعض النحاة والأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ليس فيها شيء من هذا بل إنما فيها القول الذي نصرناه كما في تفسير ~~معمر عن قتادة {من الجنة والناس} قال: إن في الجن شياطين وإن في الإنس ~~شياطين فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن؛ فبين قتادة أن المعنى الاستعاذة ~~من شياطين الإنس والجن. وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ~~{الوسواس الخناس} قال: الخناس الذي يوسوس مرة ويخنس مرة من الجن والإنس ~~فبين ابن زيد أن الوسواس الخناس من الصنفين وكان يقال: شياطين الإنس أشد ~~على الناس من شياطين الجن: شيطان الجن يوسوس ولا تراه وهذا يعاينك معاينة. ~~وعن ابن جريج: {من الجنة والناس} قال: إنما وسواسان فوسواس من الجنة فهو ~~{الخناس} ووسواس من نفس الإنسان فهو قوله: {والناس} وهذا القول الثالث وإن ~~كان يشبه قول الزجاج فهذا أحسن منه فإنه جعل من الناس الوسواس الذي من نفس ~~الإنسان ms5544 فمعناه أحسن ذكر الثلاثة ابن أبي حاتم في تفسيره. # PageV17P513 # وأيضا فإنه ذكر في الآية {برب الناس} {ملك الناس} {إله الناس} فإن كان ~~المقصود أن يستعيذ الناس بربهم وملكهم وإلههم من شر ما يوسوس في صدورهم ~~فإنه هو الذي يطلب منه الخير الذي ينفعهم ويطلب منه دفع الشر الذي يضرهم ~~والوسواس أصل كل شر يضرهم؛ لأنه مبدأ للكفر والفسوق والعصيان وعقوبات الرب ~~إنما يكون على ذنوبهم وإذا لم يكن لأحدهم ذنب فكل ما يصيبه نعمة في حقه ~~وإذا ابتلي بما يؤلمه فإن الله يرفع درجته ويأجره إذا قدر عدم الذنوب مطلقا ~~لكن هذا ليس بواقع منهم فإن كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون وقد ~~قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} . ~~فغاية المؤمنين الأنبياء فمن دونهم هي التوبة. قال الله تعالى: {فتلقى آدم ~~من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} وقال: نوح {رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وقال ~~إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} وقال موسى: {أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين} ودعاء نبينا بمثل ذلك كثير معروف. # PageV17P514 # فكان الوسواس مبدأ كل شر فإن كانوا قد استعاذوا بربهم وملكهم وإلههم من ~~شره فقد دخل في ذلك وسواس الجن والإنس وسائر شر الإنس إنما يقع بذنوبهم فهو ~~جزاء على أعمالهم كالشر الذي يقع من الجن بغير الوسواس وكما يحصل من ~~العقوبات السماوية وهم لم يستعيذوا هنا من شر المخلوقات مطلقا كما استعاذوا ~~في سورة الفلق بل من الشر الذي يكون مبدؤه في نفوسهم وإن كان ذكر رب الناس ~~ملك الناس إله الناس يستعيذون به ليعيذهم وليعيذ منهم وهذا أعم المعنيين ~~فذلك يحصل بإعاذته من شر الوسواس الموسوس في صدور الناس فإنه هو الذي يوسوس ~~بظلم الناس بعضهم بعضا وبإغواء ms5545 بعضهم بعضا وبإعانة بعضهم بعضا على الإثم ~~والعدوان. فما حصل لإنسي شر من إنسي إلا كان مبدؤه من الوسواس الخناس وإلا ~~فما يحصل من أذى بعضهم لبعض إذا لم يكن من الوسواس بل كان من الوحي الذي ~~بعث الله به ملائكته كان عدلا كإقامة الحدود وجهاد الكفار والاقتصاص من ~~الظالمين فهذه الأمور فيها ضرر وأذى للظالمين من الإنس لكن هي بوحي الله لا ~~من الوسواس وهي نعمة من الله في حق عباده حتى في حق المعاقب فإنه إذا عوقب ~~كان ذلك كفارة له إن كان مؤمنا وإلا كان تخفيفا لعذابه في الآخرة بالنسبة ~~إلى عذاب من لم يعاقب في الدنيا. # PageV17P515 # ولهذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة في حق العالمين باعتبار ما ~~حصل من الخير العام به وما حصل للمؤمنين به من سعادة الدنيا والآخرة ~~وباعتبار أنه في نفسه رحمة فمن قبلها وإلا كان هو الظالم لنفسه وباعتبار ~~أنه قمع الكفار والمنافقين فنقص شرهم وعجزوا عما كانوا يفعلونه بدونه وقتل ~~من قتل منهم فكان تعجيل موتهم خيرا من طول عمرهم في الكفر لهم وللناس فكان ~~محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بكل اعتبار فلا يستعاذ منه ومن ~~أمثاله من الأنبياء وأتباعهم المؤمنين وهم من الناس وإن كانوا يفعلون ~~بأعدائهم ما هو أذى وعقوبة وألم لهم فلم تبق الاستعاذة من الناس إلا مما ~~يأتي به الوسواس إليهم فيستعاذ برب الناس ملك الناس إله الناس على هذا ~~التقدير من شر الوسواس الذي يوسوس للمستعيذ ومن شر الوسواس الذي يوسوس ~~لسائر الناس حتى لا يحصل منهم شر للمستعيذ فإذا لم يكن للناس شر إلا من ~~الوسواس كانت الاستعاذة من شر الذي يوسوس لهم تحصيلا للمقصود وكان حسما ~~للمادة وأقرب إلى العدل وكان مخرجا لأنبياء الله وأوليائه أن يستعاذ من ~~شرهم وأن يقرنوا بالوسواس الخناس ويكون ذلك تفضيلا للجن على الإنس وهذا لا ~~يقوله عاقل. فإن قيل: فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس فلا حاجة # PageV17P516 # إلى ذكر الاستعاذة من وسواس ms5546 الناس فإنه تابع لوسواس الجن. قيل: بل ~~الوسوسة نوعان: نوع من الجن ونوع من نفوس الإنس. كما قال: {ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} فالشر من الجهتين جميعا والإنس لهم شياطين ~~كما للجن شياطين والوسوسة من جنس الوشوشة بالشين المعجمة يقال فلان يوشوش ~~فلانا وقد وشوشه إذا حدثه سرا في أذنه وكذلك الوسوسة ومنه وسوسة الحلي لكن ~~هو بالسين المهملة أخص. ورب الناس: الذي يربيهم بقدرته ومشيئته - وتدبيره ~~وهو رب العالمين كلهم فهو الخالق للجميع ولأعمالهم. {ملك الناس} الذي ~~يأمرهم وينهاهم فإن الملك يتصرف بالكلام والجماد لا ملك له فإنه لا يعقل ~~الخطاب لكن له مالك وإنما يكون الملك لمن يفهم عنه والحيوان يفهم بعضه عن ~~بعض كما قال: {علمنا منطق الطير} {قالت نملة يا أيها النمل} . فلهذا كان له ~~ملك من جنسه ومن غير جنسه كما كان سليمان ملكهم. والإله: هو المعبود الذي ~~هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها كما قد بسط الكلام على ذلك. وقد قيل: ~~إنما خص الناس بالذكر؛ لأنهم مستعيذون أو لأنهم # PageV17P517 # المستعاذ من شرهم ذكرهما أبو الفرج وليس لهما وجه فإن وسواس الجن أعظم ~~ولم يذكره بل ذكر الناس لأنهم المستعيذون فيستعيذون بربهم الذي يصونهم ~~وبملكهم الذي أمرهم ونهاهم وبإلههم الذي يعبدونه من شر الذي يحول بينهم ~~وبين عبادته ويستعيذون أيضا من شر الوسواس الذي يحصل في نفوس الناس منهم ~~ومن الجنة فإنه أصل الشر الذي يصدر منهم والذي يرد عليهم. # فصل: # وبهذا يتبين بعض هذه الاستعاذة والتي قبلها كما جاءت بذلك الأحاديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستعذ المستعيذون بمثلهما فإن الوسواس أصل ~~كل كفر وفسوق وعصيان فهو أصل الشر كله فمتى وقي الإنسان شره وقى عذاب جهنم ~~وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال فإن جميع هذه إنما ~~تحصل بطريق الوسواس ووقي عذاب الله في الدنيا والآخرة فإنه إنما يعذب على ~~الذنوب وأصلها من الوسواس ثم إن دخل في الآية وسواس غيره بحيث يكون قوله ~~{من شر الوسواس} ms5547 استعاذة من الوسواس الذي يعرض له والذي يعرض للناس بسببه ~~فقد وقى ظلمهم وإن كان # PageV17P518 # إنما يريد وسواسه فهم إنما يسلطون عليه بذنوبه وهي من وسواسه قال تعالى: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} ~~وقال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال: {ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . والوسواس من جنس الحديث والكلام؛ ولهذا ~~قال المفسرون في قوله {ما توسوس به نفسه} قالوا: ما تحدث به نفسه وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به ~~أو تعمل به} . وهو نوعان: خبر وإنشاء. فالخبر: إما عن ماض وإما عن مستقبل. ~~فالماضي يذكره به والمستقبل يحدثه بأن يفعل هو أمورا أو أن أمورا ستكون ~~بقدر الله أو فعل غيره فهذه الأماني والمواعيد الكاذبة والإنشاء أمر ونهي ~~وإباحة. والشيطان تارة يحدث وسواس الشر وتارة ينسى الخير وكان ذلك بما ~~يشغله به من حديث النفس. قال تعالى في النسيان: # PageV17P519 # {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} وقال فتى ~~موسى: {فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان} وقال تعالى: {فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه} . وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي ~~التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين ~~المرء ونفسه فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يذكر حتى يظل الرجل لم يدر كم ~~صلى} فالشيطان ذكره بأمور ماضية حدث بها نفسه مما كانت في نفسه من أفعاله ~~ومن غير أفعاله فبتلك الأمور نسي المصلي كم صلى ولم يدر كم صلى فإن النسيان ~~أزال ما في النفس من الذكر وشغلها بأمر آخر حتى نسي الأول. وأما إخباره بما ~~يكون في المستقبل من المواعيد والأماني فكقوله: {وقال الشيطان لما قضي ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ms5548 ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} وفي هذه الآية أمره ~~ووعده وقال تعالى: {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا ~~مبينا} {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} {أولئك مأواهم جهنم # PageV17P520 # ولا يجدون عنها محيصا} وقال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} ففي هذه أيضا أمره ~~ووعده. وقال موسى لما قتل القبطي: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} . ~~وقد قال غير واحد من الصحابة: كأبي بكر وابن مسعود فيما يقولونه باجتهادهم: ~~إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. فجعلوا ما يلقى في ~~النفس من الاعتقادات التي ليست مطابقة من الشيطان وإن لم يكن صاحبها آثما ~~لأنه استفرغ وسعه كما لا يأثم بالوسواس الذي يكون في الصلاة من الشيطان ولا ~~بما يحدث به نفسه وقد قال المؤمنون: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ~~وقد قال الله: قد فعلت. والنسيان للحق من الشيطان والخطأ من الشيطان. قال ~~تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها} ولما نام ~~هو وأصحابه عن الصلاة في غزوة خيبر قال: لأصحابه: {ارتحلوا فإن هذا مكان ~~حضرنا فيه شيطان} وقال: {إن الشيطان أتى بلالا فجعل يهدئه كما يهدئ الصبي ~~حتى نام} # PageV17P521 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وكل بلالا أن يوقظهم عند الفجر والنوم ~~الذي يشغل عما أمر به والنعاس من الشيطان وإن كان معفوا عنه؛ ولهذا قيل: ~~النعاس في مجلس الذكر من الشيطان وكذلك الاحتلام في المنام من الشيطان ~~والنائم لا قلم عليه. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان ورؤيا ما يحدث به ms5549 المرء ~~نفسه في اليقظة فيراه في النوم} وقد قيل: إن هذا من كلام ابن سيرين لكن ~~تقسيم الرؤيا إلى نوعين: نوع من الله ونوع من الشيطان صحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بلا ريب. فهذان النوعان: من وسواس النفس ومن وسواس الشيطان ~~وكلاهما معفو عنه فإن النائم قد رفع القلم عنه ووسواس الشيطان يغشى القلب ~~كطيف الخيال فينسيه ما كان معه من الإيمان حتى يعمى عن الحق فيقع في الباطل ~~فإذا كان من المتقين كان كما قال الله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فإن الشيطان مسهم بطيف منه يغشى القلب وقد ~~يكون لطيفا وقد يكون كثيفا إلا أنه غشاوة على القلب تمنعه إبصار الحق. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن ~~تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك # PageV17P522 # الران الذي قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} } . ~~لكن طيف الشيطان غير رين الذنوب هذا جزاء على الذنب والغين ألطف من ذلك كما ~~في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: {إنه ليغان على قلبي وإني ~~لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة} فالشيطان يلقي في النفس الشر والملك يلقي ~~الخير وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما منكم من ~~أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن. قالوا: وإياك يا ~~رسول الله قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم وفي رواية فلا يأمرني ~~إلا بخير} أي استسلم وانقاد. وكان ابن عيينة يرويه فأسلم بالضم ويقول: إن ~~الشيطان لا يسلم لكن قوله في الرواية الأخرى: فلا يأمرني إلا بخير دل على ~~أنه لم يبق يأمره بالشر وهذا إسلامه وإن كان ذلك كناية عن خضوعه وذلته لا ~~عن إيمانه بالله كما يقهر الرجل عدوه الظاهر ويأسره وقد عرف العدو المقهور ~~أن ذلك القاهر يعرف ما ms5550 يشير به عليه من الشر. فلا يقبله بل يعاقبه على ذلك ~~فيحتاج لانقهاره معه إلى أنه لا يشير عليه إلا بخير لذلته وعجزه لا لصلاحه ~~ودينه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {إلا أن الله أعانني عليه فلا يأمرني ~~إلا بخير} وقال ابن مسعود: إن للملك لمة وإن للشيطان لمة فلمة الملك إيعاد ~~بالخير # PageV17P523 # وتصديق بالحق. ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وقد قال تعالى: ~~{إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي يخوفكم أولياؤه بما يقذف في قلوبكم من ~~الوسوسة المرعبة كشيطان الإنس الذي يخوف من العدو فيرجف ويخذل. وعكس هذا ~~قوله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب} وقال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وقال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا} والتثبت جعل الإنسان ثابتا لأمر تابا وذلك بإلقاء ~~ما يثبته من التصديق بالحق والوعد بالخير كما قال ابن مسعود: لمة الملك وعد ~~بالخير وتصديق بالحق فمتى علم القلب أن ما أخبر به الرسول حق صدقه وإذا علم ~~أن الله قد وعده بالتصديق وثق بوعد الله فثبت فهذا يثبت بالكلام كما يثبت ~~الإنسان الإنسان في أمر قد اضطرب فيه بأن يخبره بصدقه ويخبره. بما يبين له ~~أنه منصور فيثبت وقد يكون التثبت بالفعل بأن يمسك القلب حتى يثبت كما يمسك ~~الإنسان الإنسان حتى يثبت. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم {من سأل ~~القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله ~~عليه ملكا يسدده} فهذا الملك يجعله سديد القول بما يلقي # PageV17P524 # في قلبه من التصديق بالحق والوعد بالخير. وقد قال تعالى: {هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} فدل ذلك على أن هذه الصلاة ~~سبب لخروجهم من الظلمات إلى النور وقد ذكر إخراجه للمؤمنين من الظلمات إلى ~~النور في غير آية. كقوله: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ms5551 إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} وقال: ~~{هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال: ~~{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم} وفي ~~الحديث {أن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير} وذلك أن هذا ~~بتعليمه الخير يخرج الناس من الظلمات إلى النور والجزاء من جنس العمل ولهذا ~~كان الرسول أحق الناس بكمال هذه الصلاة كما قال تعالى: {إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي} . والصلاة هي الدعاء إما بخير يتضمن الدعاء وإما بصيغة ~~الدعاء فالملائكة يدعون للمؤمنين كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له ~~اللهم ارحمه ما لم يحدث} فبين أن صلاتهم قولهم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه. ~~وفي الأثر {إن الرب يصلي فيقول: سبقت - أو غلبت - رحمتي غضبي} # PageV17P525 # وهذا كلامه سبحانه هو خبر وإنشاء يتضمن أن الرحمة تسبق الغضب وتغلبه وهو ~~سبحانه لا يدعو غيره أن يفعل كما يدعوه الملائكة وغيرهم من الخلق بل طلبه ~~بأمره وقوله وقسمه كقوله: لأفعلن كذا. وقوله: كن فيكون؛ وقوله: لأفعلن كذا ~~قسم منه كقوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك} وقوله: {ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} وقوله: {كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} وهذا وعد مؤكد بالقسم بخلاف قوله: {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} فإن هذا وعد وخبر ليس فيه قسم ~~لكنه مؤكد باللام التي يمكن أن تكون جواب قسم وقوله: {وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذونها} وقوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} ونحو ذلك وعد ~~مجرد. وقد قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ms5552 يشاء} فأخبر أنه يوحي إلى البشر تارة ~~وحيا منه وتارة يرسل رسولا فيوحي إلى الرسول بإذنه ما يشاء. # PageV17P526 # والملائكة رسل الله. ولفظ الملك يتضمن معنى الرسالة فإن أصل الكلمة ملأك ~~على وزن مفعل لكن لكثرة الاستعمال خففت. بأن ألقيت حركة الهمزة على الساكن ~~قبلها وحذفت الهمزة وملاك مأخوذ من المألك والملأك بتقديم الهمزة على اللام ~~واللام على الهمزة وهو الرسالة وكذلك الألوكة بتقديم الهمزة على اللام قال ~~الشاعر: # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري # وهذا بتقديم الهمزة. لكن الملك هو بتقديم اللام على الهمزة وهذا أجود فإن ~~نظيره في الاشتقاق الأكبر لاك يلوك إذا لاك الكلام واللجام والهمز أقوى من ~~الواو ويليه في الاشتقاق الأوسط: أكل يأكل فإن الآكل يلوك مما يدخله في ~~جوفه من الغذاء والكلام والعلم ما يدخل في الباطن ويغذي به صاحبه قال عبد ~~الله بن مسعود: إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله القرآن. ~~والآدب المضيف والمأدبة الضيافة وهو ما يجعل من الطعام للضيف. فبين أن الله ~~ضيف عباده بالكلام الذي أنزله إليهم فهو غذاء قلوبهم وقوتها وهو أشد ~~انتفاعا به واحتياجا إليه من الجسد بغذائه. وقال علي رضي الله عنه ~~الربانيون هم الذين يغذون الناس بالحكمة # PageV17P527 # ويربونهم عليها وقد قال صلى الله عليه وسلم {إني أبيت عند ربي يطعمني ~~ويسقيني} وقد أخبر الله تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور والناس إلى ~~الغذاء أحوج منهم إلى الشفاء في القلوب والأبدان وفي الصحيحين عنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ~~فكانت منها طائفة أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة ~~أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله ~~به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي ~~أرسلت به} . فأخبر ms5553 أن ما بعث به للقلوب كالماء للأرض تارة تشربه فتنبت ~~وتارة تحفظه وتارة لا هذا ولا هذا والأرض تشرب الماء وتغتذى به حتى يحصل ~~الخير وقد أخبر الله تعالى أنه روح تحيا به القلوب فقال: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} . وإذا كان ما ~~يوحيه إلى عباده تارة يكون بوساطة ملك وتارة بغير وساطة فهذا للمؤمنين كلهم ~~مطلقا لا يختص به الأنبياء. قال # PageV17P528 # تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} وإذا كان قد ~~قال: {وأوحى ربك إلى النحل} الآية. فذكر أنه يوحي إليهم فإلى الإنسان أولى ~~وقال تعالى: {وأوحى في كل سماء أمرها} وقد قال تعالى: {ونفس وما سواها} ~~{فألهمها فجورها وتقواها} فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس والفجور ~~يكون بواسطة الشيطان وهو إلهام وسواس والتقوى بواسطة ملك وهو إلهام وحي هذا ~~أمر بالفجور وهذا أمر بالتقوى والأمر لا بد أن يقترن به خبر. # وقد صار في العرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة. وهذه الآية ~~مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي وبين الوسوسة. فالمأمور به إن كان ~~تقوى الله فهو من إلهام الوحي وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان. ~~فيكون الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة ~~فإن كان مما ألقي في النفس مما دل الكتاب والسنة على أنه تقوى لله فهو من ~~الإلهام المحمود وإن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم وهذا ~~الفرق مطرد لا ينتقض وقد ذكر أبو حازم في الفرق بين وسوسة النفس والشيطان ~~فقال: ما كرهته # PageV17P529 # نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه وما أحبته نفسك لنفسك فهو من ~~نفسك فانهها عنه. # وقد تكلم النظار في العلم الحاصل في القلب عقب النظر والاستدلال فذكروا ~~فيه ms5554 ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو حامد - في مستصفاه - وغيره قول الجهمية ~~وقول القدرية وقول الفلاسفة. وكثير من أهل الكلام لا يذكر إلا القولين: قول ~~الجهمية وقول القدرية. وذلك أنهم يذكرون في كتبهم ما يعرفونه من أقوال من ~~يعرفونه تكلم في هذا وهم لا يعرفون إلا هؤلاء والمسألة هي من فروع القدر ~~فإن الحاصل في نفس حادث فيها فالقول فيه كالأقوال في أمثاله. ومذهب جهم ومن ~~وافقه كأبي الحسن الأشعري وكثير من المتأخرين المثبتة هو مذهب أهل السنة ~~والجماعة؛ أن الله خالق كل شيء وأن الله خالق أفعال العباد لكنه لا يثبت ~~سببا ولا قدرة مؤثرة ولا حكمة لفعل الرب فأنكر الطبائع والقوى التي في ~~الأعيان وأنكر الأسباب والحكم فلهذا لم يجعل لشيء سببا. بل يقول هذا حاصل ~~بخلق الله وقدرته ولم يذكروا له سببا وهم صادقون في # PageV17P530 # إضافته إلى قدره وأنه خالقه خلافا للقدرية لكن من تمام المعرفة إثبات ~~الأسباب ومعرفتها. وأما القدرية من المعتزلة وغيرهم: فبنوه على أصلهم وهو ~~أن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره كالشبع والري وزهوق ~~الروح ونحو ذلك فقالوا: هذا العلم متولد عن نظر العبد أو تذكر النظر. ~~والمتفلسفة بنوه على أصلهم: في أن ما يحدث من الصور هو من فيض العقل الفعال ~~عند استعداد المواد القابلة فقالوا: يحصل في نفوس البشر من فيض العقل ~~الفعال عند استعداد النفس باستحضار المقدمتين وهذا القول خطأ والذي قبله ~~أقرب منه والأول أقرب وليس في شيء منها تحقيق الأمر في ذلك. وحقيقته أن ~~الله وكل بالإنس ملائكة وشياطين يلقون في قلوبهم الخير والشر فالعلم الصادق ~~من الخير والعقائد الباطلة من الشر كما قال ابن مسعود: لمة الملك تصديق ~~بالحق ولمة الشيطان تكذيب بالحق وكما {قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~القاضي: أنزل الله عليه ملكا يسدده} وكما أخبر الله أن الملائكة توحي إلى ~~البشر ما توحيه وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك كما لا يشعر بالشيطان ~~الموسوس # PageV17P531 # لكن ms5555 الله أخبر أنه يكلم البشر وحيا ويكلمه بملك يوحي بإذنه ما يشاء ~~والثالث التكليم من وراء حجاب وقد قال بعض المفسرين: المراد بالوحي هنا ~~الوحي في المنام ولم يذكر أبو الفرج غيره وليس الأمر كذلك. فإن المنام تارة ~~يكون من الله وتارة يكون من النفس وتارة يكون من الشيطان وهكذا ما يلقى في ~~اليقظة. والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام. ولهذا كانت رؤيا الأنبياء ~~وحيا كما قال ذلك ابن عباس وعبيد بن عمير وقرأ قوله: {إني أرى في المنام ~~أني أذبحك} وليس كل من رأى رؤيا كانت وحيا فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه ~~شيء يكون وحيا والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه كالمصلي ~~الذي يناجي ربه فإذا جاز أن يوحى إليه في حال النوم فلماذا لا يوحى إليه في ~~حال اليقظة كما أوحى إلى أم موسى والحواريين وإلى النحل لكن ليس لأحد أن ~~يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل ~~يدل على ذلك فإن الوسواس غالب على الناس. والله أعلم. # PageV17P532 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: في (سورة الفلق والناس) # في (الفلق) أقوال ترجع إلى تعميم وتخصيص فإنه فسر بالخلق عموما وفسر بكل ~~ما يفلق منه كالفجر والحب والنوى وهو غالب الخلق وفسر بالفجر. وأما تفسيره ~~بالنار أو بجب أو شجرة فيها فهذا مرجعه إلى التوقيف. (والغاسق) قد روي في ~~الحديث المرفوع عن عائشة في الترمذي والنسائي {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نظر إلى القمر وقال لها: يا عائشة تعوذي بالله من هذا فهذا الغاسق إذا وقب} ~~قال ابن قتيبة (الغاسق) : القمر إذا كسفت فاسود ومعنى وقب دخل في الكسوف. ~~والمشهور عند أهل التفسير واللغة أن (الغاسق) الليل، (وقب) : دخل # PageV17P533 # في كل شيء فأظلم و " الغسق " الظلمة وقال الزجاج. (الغاسق البارد فقيل ~~لليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار أو يقال الغسق السيلان والإحاطة وغسق الليل ~~سيلانه وإحاطته بالأرض وإذا فسر بالقمر فقد يقال ms5556 وقوبه أي دخوله وهو دخوله ~~في الكسوف ولا منافاة بين تفسيره بالليل وبالقمر فإن القمر آية الليل فهنا ~~ثلاث مراتب: الليل مطلقا ثم القمر مطلقا ثم القمر حال كسوفه. وهذا مناسب ~~لما ذكر في المستعاذ به فإن عموم الفلق للخلق بإزاء من شر ما خلق وخصوصه ~~بالفجر الذي هو ظهور النور بإزاء الغاسق إذا وقب الذي هو دخول الظلام. وقال ~~ابن زيد: الغاسق: الثريا إذا سقطت وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها ~~وقد تقع عند طلوعها ويشبه - والله أعلم - أن يكون من الحكمة في ذلك: أن ~~النور هو جنس الخير والظلمة جنس الشر وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما ~~لا يقع في النهار والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إنهما آيتان يخوف الله بهما عباده} والتخويف إنما ~~يكون بانعقاد سبب الخوف ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنته فعلم أن ~~الكسوف مظنة حدوث عذاب بأهل الأرض؛ # PageV17P534 # ولهذا شرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفع ~~العذاب وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة وظهور الكواكب ~~وغير ذلك. وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ~~ذلك. ولهذا كان الطالبون للمنفعة والمضرة من الكواكب إنما يأخذون الأحداث ~~بحسب سير القمر فإذا كان في شرفه كالسرطان كان الوقت عندهم سعيدا وإذا كان ~~في العقرب وهو هبوطه كان نحسا فهذا في علمهم وكذلك في عملهم من السحر ~~وغيره: القمر أقرب المؤثرات حتى صنفوا " مصحف القمر " لعبادته وتسبيحه فوقع ~~ترتيب المستعاذ منه في هذه السورة على كمال الترتيب انتقالا من الأعم ~~الأعلى الأبعد إلى الأخص الأقرب الأسفل فجعلت أربعة أقسام. الأول: من شر ~~المخلوقات عموما وقول الحسن: إنه إبليس وذريته وقول بعضهم إنه جهنم: ذكر ~~للشر الذي هو لنا شر محض من الأرواح والأجسام. والثاني: شر الغاسق إذا وقب ~~فدخل فيه ما يؤثر من العلويات في السفليات من الليل وما فيه من الكواكب ~~كالثريا وسلطانه ms5557 الذي هو القمر ودخل في ذلك سحر التمرسحات (1) الذي هو أعلى ~~السحر وأرفعه. PageV17P535 # الثالث: شر النفاثات في العقد وهن السواحر اللواتي يتصورن بأفعال في ~~أجسام. والرابع: الحاسد وهي النفوس المضرة سفها فانتظم بذلك جميع أسباب ~~الشرور ثم خص في " سورة الناس " الشر الصادر من الجن والإنس وهم الأرواح ~~المضرة. # فصل: # وتظهر المناسبة بين السورتين من وجه آخر وهو أن المستعاذ منه هو الشر كما ~~أن المطلوب هو الخير: إما من فعل العبد وإما من غير فعله ومبدأ فعله للشر ~~هو الوسواس الذي يكون تارة من الجن وتارة من الإنس وحسم الشر بحسم أصله ~~ومادته أجود من دفعه بعد وقوعه فإذا أعيذ العبد من شر الوسواس الذي يوسوس ~~في الصدور فقد أعيذ من شر الكفر والفسوق والعصيان فهذا في فعل نفسه وتعم ~~الآية أيضا فعل غيره لسوء معه فكانت هذه السورة للشر الصادر من العبد وأما ~~الشر الصادر من غيره فسورة (الفلق) فإن فيها الاستعاذة من شر المخلوقات ~~عموما وخصوصا. والله أعلم. PageV17P536 # الجزء الثامن عشر # كتاب الحديث # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # سؤال ورد على الشيخ رحمه الله. # قال السائل: # الحمد لله رب العالمين. # يا متقنا علم الحديث ومن روى ... سنن النبي المصطفى المختار # أصبحت في الإسلام طودا راسخا ... يهدي به وعددت في الأحبار # هذي مسائل أشكلت فتصدقوا ... ببيانها يا ناقلي الأخبار # فالمستعان على الأمور بأهلها ... إن أشكلت قد جاء في الآثار # [ولكم كأجر العاملين بسنته ... حين سئلتمو يا أولي الأبصار] (*) ~~PageV18P005 # الأولى: ما حد الحديث النبوي؟ أهو ما قاله في عمره أو بعد البعثة أو ~~تشريعا؟ . الثانية: ما حد الحديث الواحد؟ وهل هو كالسورة أو كالآية أو ~~كالجملة؟ . الثالثة: إذا صح الحديث هل يلزم أن يكون صدقا أم لا؟ . الرابعة: ~~تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف تسمية صحيحة أو متداخلة؟ . الخامسة: ما ~~الحديث المكرر المعاد بغير لفظه ومعناه من غير زيادة ولا نقص؟ وهل هو ~~كالقصص المكررة في القرآن العظيم؟ . السادسة: كم ms5558 في صحيح البخاري حديث ~~بالمكرر؟ وكم دونه؟ وكم في مسلم حديث به ودونه؟ وعلى كم حديث اتفقا؟ وبكم ~~انفرد كل واحد منهما عن الآخر؟ . # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله -: # الحمد لله رب العالمين، الحديث النبوي هو عند الإطلاق ينصرف # PageV18P006 # إلى ما حدث به عنه بعد النبوة: من قوله وفعله وإقراره؛ فإن سنته ثبتت من ~~هذه الوجوه الثلاثة. فما قاله إن كان خبرا وجب تصديقه به وإن كان تشريعا ~~إيجابا أو تحريما أو إباحة وجب اتباعه فيه؛ فإن الآيات الدالة على نبوة ~~الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون ~~خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ ~~الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه. ولهذا كان كل ~~رسول نبيا وليس كل نبي رسولا وإن كان قد يوصف بالإرسال المقيد في مثل قوله: ~~{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} وقد اتفق ~~المسلمون على أنه لا يستقر فيما بلغه باطل سواء قيل: إنه لم يجر على لسانه ~~من هذا الإلقاء ما ينسخه الله أو قيل: إنه جرى ما ينسخه الله فعلى ~~التقديرين قد نسخ الله ما ألقاه الشيطان وأحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~ولهذا كان كل ما يقوله فهو حق. وقد روي أن {عبد الله بن عمرو كان يكتب ما ~~سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بعض الناس إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتكلم في الغضب فلا تكتب كلما تسمع فسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV18P007 # عن ذلك فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حق - يعني ~~شفتيه الكريمتين -} . وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: لم يكن أحد من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظ مني إلا عبد الله بن عمرو؛ ms5559 فإنه كان ~~يكتب بيده ويعي بقلبه وكنت أعي بقلبي ولا أكتب بيدي وكان عند آل عبد الله ~~بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا طعن بعض ~~الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده وقالوا: هي نسخة. - وشعيب ~~هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص - وقالوا عن جده الأدنى ~~محمد: فهو مرسل؛ فإنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وإن عنى جده الأعلى ~~فهو منقطع؛ فإن شعيبا لم يدركه. وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجون ~~بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس ~~وسفيان بن عيينة ونحوهما ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ~~وغيرهم قالوا: الجد هو عبد الله؛ فإنه يجيء مسمى ومحمد أدركه قالوا: وإذا ~~كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هذا أوكد لها وأدل ~~على صحتها؛ ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب # PageV18P008 # من الأحاديث الفقهية التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام. ~~والمقصود: أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أطلق دخل فيه ذكر ما قاله ~~بعد النبوة وذكر ما فعله؛ فإن أفعاله التي أقر عليها حجة لا سيما إذا أمرنا ~~أن نتبعها كقوله: {صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله: لتأخذوا عني مناسككم} ~~وكذلك ما أحله الله له فهو حلال للأمة ما لم يقم دليل التخصيص؛ ولهذا قال: ~~{فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} ولما أحل له الموهوبة قال: {وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} . ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل أنه ~~يفعله ليبين للسائل أنه مباح وكان إذا قيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر قال: {إني أخشاكم لله وأعلمكم ms5560 بحدوده} ومما يدخل في مسمى ~~حديثه: ما كان يقرهم عليه مثل: إقراره على المضاربة التي كانوا يعتادونها ~~وإقراره لعائشة على اللعب بالبنات وإقراره في الأعياد على مثل غناء ~~الجاريتين ومثل لعب الحبشة بالحراب في المسجد ونحو ذلك وإقراره لهم على أكل ~~الضب على مائدته وإن # PageV18P009 # كان قد صح عنه أنه ليس بحرام. إلى أمثال ذلك فهذا كله يدخل في مسمى ~~الحديث وهو المقصود بعلم الحديث؛ فإنه إنما يطلب ما يستدل به على الدين ~~وذلك إنما يكون بقوله أو فعله أو إقراره. وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل ~~النبوة وبعض سيرته قبل النبوة مثل: تحنثه بغار حراء ومثل: حسن سيرته؛ لأن ~~الحال يستفاد منه ما كان عليه قبل النبوة: من كرائم الأخلاق ومحاسن الأفعال ~~كقول خديجة له: كلا والله لا يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل ~~وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق ومثل المعرفة فإنه كان ~~أميا لا يكتب ولا يقرأ وأنه لم يجمع متعلم مثله وإن كان معروفا بالصدق ~~والأمانة وأمثال ذلك مما يستدل به على أحواله التي تنفع في المعرفة بنبوته ~~وصدقه فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرا؛ ولهذا يذكر مثل ذلك من ~~كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه وغير ذلك بما يعلم أحواله وهذا أيضا ~~قد يدخل في مسمى الحديث. والكتب التي فيها أخباره منها كتب التفسير ومنها ~~كتب السيرة والمغازي ومنها كتب الحديث. وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة ~~أخص وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة؛ فإن تلك لا تذكر لتؤخذ وتشرع فعله ~~قبل النبوة بل قد أجمع المسلمون على أن الذي # PageV18P010 # فرض على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان ~~عندهم من ترك الجمعة والجماعة وتخلى في الغيران والجبال حيث لا جمعة ولا ~~جماعة وزعم أنه يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه كان متحنثا في غار ~~حراء قبل النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها ms5561 ~~رسوله واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئا؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في ~~غار حراء أو نحو ذلك وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة وأتاها بعد ~~الهجرة في عمرة القضية وفي غزوة الفتح وفي عمرة الجعرانة ولم يقصد غار حراء ~~وكذلك أصحابه من بعده لم يكن أحد منهم يأتي غار حراء ولا يتخلون عن الجمعة ~~والجماعة في الأماكن المنقطعة ولا عمل أحد منهم خلوة أربعينية كما يفعله ~~بعض المتأخرين بل كانوا يعبدون الله بالعبادات الشرعية التي شرعها لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي فرض الله عليهم الإيمان به واتباعه؛ مثل ~~الصلوات الخمس وغيرهما من الصلوات ومثل الصيام والاعتكاف في المساجد ومثل ~~أنواع الأذكار والأدعية والقراءة ومثل الجهاد. # وقول السائل: ما قاله في عمره أو بعد النبوة أو تشريعا فكل ما قاله بعد ~~النبوة وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع لكن التشريع # PageV18P011 # يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في ~~الطب. فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون ~~شرعا لاستحبابه؛ فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أو مستحب أو ~~واجب؟ . والتحقيق: أن منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح؛ ~~ومنه ما هو مستحب وقد يكون منه ما هو واجب وهو: ما يعلم أنه يحصل به بقاء ~~النفس لا بغيره كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة ~~الأربعة وجمهور العلماء وقد قال مسروق. من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل ~~حتى مات دخل النار فقد يحصل أحيانا للإنسان إذا استحر المرض ما إن لم ~~يتعالج معه مات والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف وكاستخراج ~~الدم أحيانا. والمقصود: أن جميع أقواله يستفاد منها شرع وهو {صلى الله عليه ~~وسلم لما رآهم يلقحون النخل قال لهم: ما أرى هذا - يعني شيئا - ثم ms5562 قال لهم: ~~إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فلن أكذب على ~~الله} وقال: {أنتم أعلم بأمور دنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي} وهو لم ~~ينههم عن التلقيح لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم كما غلط من غلط في ظنه أن ~~(الخيط الأبيض) و (الخيط الأسود) هو الحبل الأبيض والأسود. # PageV18P012 # فصل: # وأما الحديث الواحد فيراد به ما رواه الصاحب من الكلام المتصل بعضه ببعض ~~ولو كان جملا كثيرة مثل حديث توبة كعب بن مالك وحديث بدء الوحي وحديث الإفك ~~ونحو ذلك من الأحاديث الطوال؛ فإن الواحد منها يسمى حديثا وما رواه الصاحب ~~أيضا من جملة واحدة أو جملتين أو أكثر من ذلك متصلا بعضه ببعض فإنه يسمى ~~حديثا كقوله: {لا صلاة إلا بأم القرآن} {الجار أحق بسقبه} {لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ} وقوله: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى} إلى آخره فإنه يسمى حديثا. وكذلك قوله: {لا تقاطعوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا} وقوله في البحر: ~~{هو الطهور ماؤه الحل ميتته} وقد أكمل من أجناس مختلفة لكن في الأمر العام ~~تكون مشتركة في معنى عام كقوله: {لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يبيع على ~~بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا # PageV18P013 # تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها} ~~فإن هذا يتضمن النهي عن مزاحمة المسلم في البيع والنكاح وفي البيع لا يستام ~~على سومه ولا يبيع على بيعه وإذا نهاه عن السوم فنهيه المشتري على شرائه ~~عليه حرام بطريق الأولى ونهاه أن يخطب على خطبته. وهذا نهي عن إخراج امرأته ~~من ملكه بطريق الأولى ونهي المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد هي بالزوج ~~فهذه وإن تعلقت بالبيع والنكاح فقد اشتركت في معنى عام. وكذلك قوله: {ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ ~~زان وملك كذاب وعائل ms5563 مستكبر} فهؤلاء الثلاثة اشتركوا في هذا الوعيد ~~واشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم؛ فإن داعية الزنا في الشيخ ~~ضعيفة وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة؛ لاستغنائه عنه وكذلك داعية الكبر ~~في الفقير فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعي دل على أن في نفوسهم من ~~الشر الذي يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم. وقل أن يشتمل الحديث ~~الواحد على جمل إلا لتناسب بينهما وإن كان قد يخفى التناسب في بعضها على ~~بعض الناس فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمى حديثا واحدا. # PageV18P014 # وأما إذا روى الصاحب كلاما فرغ منه ثم روى كلاما آخر وفصل بينهما: بأن ~~قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأن طال الفصل بينهما فهذان ~~حديثان وهذا بمنزلة ما يتصل بالكلام في الإنسان والإقرارات والشهادات كما ~~يتصل بعقد النكاح والبيع والإقرار والوقف فإذا اتصل به الاتصال المعتاد كان ~~شيئا واحدا يرتبط بعضه ببعض وانقضى كلامه ثم بعد طول الفصل أنشأ كلاما آخر ~~بغير حكم الأول كان كلاما ثانيا فالحديث الواحد ليس كالجملة الواحدة؛ إذ قد ~~يكون جملا ولا كالسورة الواحدة فإن السورة قد يكون بعضها نزل قبل بعض أو ~~بعد بعض ويكون أجنبيا منه بل يشبه الآية الواحدة أو الآيات المتصل بعضها ~~ببعض كما أنزل في أول البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة ~~الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين؛ وكما في قوله: {إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} فإن ~~هذا يتصل بعضه ببعض وهو نزل بسبب قصة بني أبيرق إلى تمام الكلام. وقد ### | يسمى الحديث واحدا وإن اشتمل على قصص متعددة # إذا حدث به الصحابي متصلا بعضه ببعض فيكون واحدا باعتبار اتصاله في كلام ~~الصحابي مثل حديث جابر الطويل الذي يقول فيه: " كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " وذكر فيه ما يتعلق بمعجزاته وما # PageV18P015 # يتعلق بالصلاة وبغير ذلك فهذا يسمى حديثا بهذا الاعتبار وقد يكون الحديث ~~طويلا وأخذ ms5564 يفرقه بعض الرواة فجعله أحاديث كما فعل البخاري في كتاب أبي بكر ~~في الصدقة وهذا يجوز إذا لم يكن في ذلك تغيير المعنى. # فصل: # وأما قول السائل: إذا صح الحديث هل يكون صدقا؟ . # فجوابه: أن الصحيح أنواع وكونه صدقا يعني به شيئان. فمن الصحيح ما تواتر ~~لفظه كقوله: {من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار} . ومنه ما تواتر ~~معناه: كأحاديث الشفاعة وأحاديث الرؤية. وأحاديث الحوض وأحاديث نبع الماء ~~من بين أصابعه وغير ذلك. فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق؛ لأنه متواتر إما ~~لفظا وإما معنى ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به كما ~~عملوا بحديث الغرة في الجنين وكما عملوا بأحاديث الشفعة وأحاديث سجود السهو ~~ونحو ذلك. فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق؛ لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقا ~~وعملا بموجبه والأمة لا تجتمع على ضلالة؛ فلو كان في نفس الأمر كذبا لكانت ~~الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل # PageV18P016 # به وهذا لا يجوز عليها. ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم ~~بالحديث كجمهور أحاديث البخاري ومسلم؛ فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون ~~بصحة جمهور أحاديث الكتابين وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث فإجماع ~~أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل ~~حلال أو حرام أو واجب وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم؛ ~~فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ. ومما قد يسمى صحيحا ما يصححه ~~بعض علماء الحديث وآخرون يخالفونهم في تصحيحه فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح ~~مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم إما مثله ~~أو دونه أو فوقه فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل مثل: حديث ابن وعلة عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {أيما إهاب دبغ فقد طهر} فإن هذا ~~انفرد به مسلم عن البخاري وقد ضعفه الإمام أحمد وغيره وقد رواه مسلم ومثل ~~ما روى مسلم أن {النبي صلى ms5565 الله عليه وسلم صلى الكسوف ثلاث ركوعات وأربع ~~ركوعات} انفرد بذلك عن البخاري فإن هذا ضعفه حذاق أهل العلم وقالوا: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه ~~إبراهيم وفي نفس هذه الأحاديث التي فيها الصلاة بثلاث ركوعات # PageV18P017 # وأربع ركوعات أنه إنما صلى ذلك يوم مات إبراهيم ومعلوم أن إبراهيم لم يمت ~~مرتين ولا كان له إبراهيمان وقد تواتر عنه أنه صلى الكسوف يومئذ ركوعين في ~~كل ركعة كما روى ذلك عنه عائشة وابن عباس وابن عمرو وغيرهم؛ فلهذا لم يرو ~~البخاري إلا هذه الأحاديث وهذا حذف من مسلم؛ ولهذا ضعف الشافعي وغيره ~~أحاديث الثلاثة والأربعة ولم يستحبوا ذلك وهذا أصح الروايتين عن أحمد وروي ~~عنه أنه كان يجوز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث. ومثله حديث مسلم: ~~{إن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم ~~الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها ~~الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة} فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من ~~مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما وذكر البخاري أن هذا من كلام ~~كعب الأحبار وطائفة اعتبرت صحته مثل أبي بكر ابن الأنباري وأبي الفرج ابن ~~الجوزي وغيرهما والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ~~ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وثبت أن ~~آخر الخلق كان يوم الجمعة فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد وهكذا هو عند ~~أهل الكتاب وعلى ذلك تدل أسماء الأيام وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث ~~وآثار أخر؛ # PageV18P018 # ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام ~~السبعة وهو خلاف ما أخبر به القرآن مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا ~~الحديث من غير هذه الجهة وأن رواية فلان غلط فيه لأمور يذكرونها وهذا الذي ~~يسمى معرفة علل الحديث بكون الحديث إسناده في ms5566 الظاهر جيدا ولكن عرف من طريق ~~آخر: أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف أو أسنده وهو مرسل أو دخل عليه حديث في ~~حديث وهذا فن شريف وكان يحيى بن سعيد الأنصاري ثم صاحبه علي بن المديني ثم ~~البخاري من أعلم الناس به وكذلك الإمام أحمد وأبو حاتم وكذلك النسائي ~~والدارقطني وغيرهم. وفيه مصنفات معروفة. وفي البخاري نفسه ثلاثة أحاديث ~~نازعه بعض الناس في صحتها مثل: حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال عن الحسن: {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من ~~المسلمين} فقد نازعه طائفة منهم أبو الوليد الباجي وزعموا أن الحسن لم ~~يسمعه من أبي بكرة لكن الصواب مع البخاري وأن الحسن سمعه من أبي بكرة كما ~~قد بين ذاك في غير هذا الموضع وقد ثبت ذلك في غير هذا الموضع. والبخاري ~~أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على # PageV18P019 # حديث إلا يكون صحيحا لا ريب فيه قد اتفق أهل العلم على صحته ثم ينفرد ~~مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري ويقول بعض أهل الحديث. إنها ضعيفة ثم قد ~~يكون الصواب مع من ضعفها: كمثل صلاة الكسوف بثلاث ركعات وأربع وقد يكون ~~الصواب مع مسلم وهذا أكثر مثل قوله في حديث أبي موسى: {إنما جعل الإمام ~~ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا} فإن هذه الزيادة صححها مسلم ~~وقبله أحمد بن حنبل وغيره وضعفها البخاري وهذه الزيادة مطابقة للقرآن فلو ~~لم يرد بها حديث صحيح لوجب العمل بالقرآن فإن في قوله: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} أجمع الناس على أنها نزلت في الصلاة وأن ~~القراءة في الصلاة مرادة من هذا النص. ولهذا كان أعدل الأقوال في القراءة ~~خلف الإمام أن المأموم إذا سمع قراءة الإمام يستمع لها وينصت لا يقرأ ~~بالفاتحة ولا غيرها وإذا لم يسمع قراءته بها يقرأ الفاتحة وما زاد وهذا قول ~~جمهور السلف والخلف وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وجمهور ms5567 أصحابه وهو ~~أحد قولي الشافعي واختاره طائفة من محققي أصحابه وهو قول محمد بن الحسن ~~وغيره من أصحاب أبي حنيفة. وأما قول طائفة من أهل العلم كأبي حنيفة وأبي ~~يوسف: أنه # PageV18P020 # لا يقرأ خلف الإمام لا بالفاتحة ولا غيرها لا في السر ولا في الجهر؛ فهذا ~~يقابله قول من أوجب قراءة الفاتحة ولو كان يسمع قراءة الإمام كالقول الآخر ~~للشافعي وهو الجديد وهو قول البخاري وابن حزم وغيرهما. وفيها قول ثالث: أنه ~~يستحب القراءة بالفاتحة إذا سمع قراءة الإمام وهذا مروي عن الليث والأوزاعي ~~وهو اختيار جدي أبي البركات. ولكن أظهر الأقوال قول الجمهور؛ لأن الكتاب ~~والسنة يدلان على وجوب الإنصات على المأموم إذا سمع قراءة الإمام وقد ~~تنازعوا فيما إذا قرأ المأموم وهو يسمع قراءة الإمام: هل تبطل صلاته؟ على ~~قولين وقد ذكرهما أبو عبد الله بن حامد على وجهين في مذهب أحمد. وقد أجمعوا ~~على أنه فيما زاد على الفاتحة كونه مستمعا لقراءة إمامه خير من أن يقرأ معه ~~فعلم أن المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ مع الإمام وعلى هذا فاستماعه ~~لقراءة إمامه بالفاتحة يحصل له به مقصود القراءة وزيادة تغني عن القراءة ~~معه التي نهي عنها وهذا خلاف إذا لم يسمع فإن كونه تاليا لكتاب الله يثاب ~~بكل حرف عشر حسنات خيرا من كونه ساكتا بلا فائدة؛ بل يكون عرضة للوسواس ~~وحديث النفس الذي لا ثواب فيه فقراءة يثاب عليها خيرا من حديث نفس لا ثواب ~~عليه. وبسط هذا له موضع آخر. # PageV18P021 # والمقصود هنا: التمثيل بالحديث الذي يروى في الصحيح وينازع فيه بعض ~~العلماء وأنه قد يكون الراجح تارة وتارة المرجوح ومثل هذا من موارد ~~الاجتهاد في تصحيح الحديث كموارد الاجتهاد في في الأحكام وأما ما اتفق ~~العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء في الأحكام وهذا لا يكون ~~إلا صدقا وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب وعامة هذه المتون تكون مروية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه رواها هذا ms5568 الصاحب وهذا الصاحب من غير ~~أن يتواطآ ومثل هذا يوجب العلم القطعي؛ فإن المحدث إذا روى حديثا طويلا ~~سمعه ورواه آخر ذكر أنه سمعه وقد علم أنهما لم يتواطآ على وضعه علم أنه ~~صدق؛ لأنه لو لم يكن صدقا لكان كذبا إما عمدا وإما خطأ؛ فإن المحدث إذا حدث ~~بخلاف الصدق: إما أن يكون متعمدا للكذب؛ وإما أن يكون مخطئا غالطا. فإذا ~~قدر أنه لم يتعمد الكذب ولم يغلط لم يكن حديثه إلا صدقا والقصة الطويلة ~~يمتنع في العادة أن يتفق الاثنان على وضعها من غير مواطأة منهما وهذا يوجد ~~كثيرا في الحديث يرويه أبو هريرة وأبو سعيد أو أبو هريرة وعائشة أو أبو ~~هريرة وابن عمر أو ابن عباس وقد علم أن أحدهما لم يأخذه من الآخر مثل حديث ~~التجلي يوم القيامة الطويل: حدث به أبو هريرة وأبو سعيد ساكت لا ينكر منه ~~حرفا بل وافق أبا هريرة عليه جميعه إلا على لفظ واحد في آخره. # PageV18P022 # وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم حدث به في مجلس وسمعه كل واحد منهما ~~في مجلس فقال هذا ما سمعه منه في مجلس وهذا ما سمعه منه في الآخر وجميعه في ~~حديث الزيادة والله أعلم. # فصل: # وأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه ~~القسمة أبو عيسى الترمذي ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله وقد بين أبو عيسى ~~مراده بذلك. فذكر: أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم ~~يكن شاذا وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ناقليه وضبطهم. وقال: الضعيف الذي ~~عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ؛ فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون ~~كاذبا أو سيئ الحفظ فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعمد كذبه ~~واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعا وقد يكون بعيدا ولما كان ~~تجويز اتفاقهما في ذلك ممكنا نزل من درجة الصحيح. وقد أنكر بعض الناس على ~~الترمذي هذه القسمة ms5569 وقالوا: إنه يقول: حسن غريب. والغريب الذي انفرد به ~~الواحد والحديث قد # PageV18P023 # يكون صحيحا غريبا كحديث {إنما الأعمال بالنيات} وحديث {نهى عن بيع الولاء ~~وهبته} وحديث {دخل مكة وعلى رأسه المغفر} فإن هذه صحيحة متلقاة بالقبول ~~والأول: لا يعرف ثابتا عن غير عمر والثاني: لا يعرف عن غير ابنه عبد الله ~~والثالث: لا يعرف إلا من حديث الزهري عن أنس ولكن هؤلاء الذين طعنوا على ~~الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله؛ فإن أهل الحديث قد يقولون: هذا ~~الحديث غريب أي: من هذا الوجه وقد يصرحون بذلك فيقولون: غريب من هذا الوجه ~~فيكون الحديث عندهم صحيحا معروفا من طريق واحد فإذا روي من طريق آخر كان ~~غريبا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحا معروفا فالترمذي إذا قال: حسن غريب ~~قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق؛ ولكن المتن له شواهد صار بها من جملة ~~الحسن. وبعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره فيه كما قد ينازعونه في بعض ما ~~يضعفه ويحسنه فقد يضعف حديثا ويصححه البخاري؛ {كحديث ابن مسعود لما قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابغني أحجارا أستنفض بهن قال: فأتيته بحجرين ~~وروثة قال: فأخذ الحجرين وترك الروثة وقال: إنها رجس} فإن هذا قد اختلف فيه ~~على أبي إسحاق السبيعي فجعل الترمذي هذا الاختلاف # PageV18P024 # علة ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه وأما ~~البخاري فصححه من طريق أخرى؛ لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة ~~يرويه عن هذا تارة وعن هذا تارة كما كان الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد ~~بن المسيب وتارة عن أبي سلمة وتارة يجمعهما فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن ~~هذا وتارة عن هذا يظن بعض الناس أن ذلك غلط وكلاهما صحيح. وهذا باب يطول ~~وصفه. وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ~~لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف والضعيف عندهم نوعان: ضعيف ضعفا لا يمتنع ~~العمل به ms5570 وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي. وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو ~~الواهي وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعا بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث ~~وقد لا يكون قاطعا بصاحبه وهذا موجود في كلام الإمام أحمد وغيره؛ ولهذا ~~يقولون: هذا فيه لين، فيه ضعف، وهذا عندهم موجود في الحديث. # PageV18P025 # ومن العلماء المحدثين أهل الإتقان: مثل شعبة ومالك والثوري ويحيى بن سعيد ~~القطان وعبد الرحمن بن مهدي هم في غاية الإتقان والحفظ؛ بخلاف من هو دون ~~هؤلاء وقد يكون الرجل عندهم ضعيفا لكثرة الغلط في حديثه ويكون حديثه إذا ~~الغالب عليه الصحة لأجل الاعتبار به والاعتضاد به؛ فإن تعدد الطرق وكثرتها ~~يقوي بعضها بعضا حتى قد يحصل العلم بها ولو كان الناقلون فجارا فساقا فكيف ~~إذا كانوا علماء عدولا ولكن كثر في حديثهم الغلط. ومثل هذا عبد الله بن ~~لهيعة فإنه من أكابر علماء المسلمين وكان قاضيا بمصر كثير الحديث لكن ~~احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على ~~حديثه الصحة قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به: مثل ابن لهيعة. ~~وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئا وهذه طريقة ~~أحمد بن حنبل وغيره لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب؛ لكن يروي ~~عمن عرف منه الغلط للاعتبار به والاعتضاد. ومن العلماء من كان يسمع حديث من ~~يكذب ويقول: إنه # PageV18P026 # يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن ~~الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرا ~~بشخص إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه وما كذب فيه بقرائن لا يمكن ~~ضبطها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق أو تقترن به القرائن ~~تدل على أنه كذب (1) . PageV18P027 # وقال الشيخ - رحمه الله -: ### | فصل: # في أنواع الرواية وأسماء الأنواع # مثل: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت وقرأت والمشافهة والمناولة والمكاتبة ~~والإجازة والوجادة ms5571 ونحو ذلك فنقول: الكلام في شيئين: أحدهما: مما تصح ~~الرواية به ويثبت به الاتصال. والثاني: في التعبير عن ذلك وذلك أنواع: ~~أحدها أن يسمع من لفظ المحدث سواء رآه أو لم يره كما سمع الصحابة القرآن من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث أيضا وكما كان يقرؤه عليهم وقرأ على ~~أبي (سورة لم يكن) فإن هذا لم يفرق الناس بينهما كما فرق بعض الفقهاء في ~~الشهادة ثم ذلك # PageV18P028 # القائل تارة يقصد التحديث لذلك الشخص وحده أو لأقوام معينين هو أحدهم؛ ~~وتارة يقصد التحديث المطلق لكل من سمعه منه فيكون هو أحد السامعين؛ وتارة ~~يقصد تحديث غيره فيسمع هو؛ ففي جميع هذه المواضع إذا قال؛ سمعت فلانا يقول ~~فقد أصاب وإن قال: حدثنا أو حدثني - وكان المحدث قد قصد التحديث له معينا ~~أو مطلقا - فقد أصاب كما يقول الشاهد فيما أشهد عليه من الحكم والإقرار ~~والشهادات: أشهدني وأشهدنا وإن كان قد قصد تحديث غيره فسمع هو فهو كما لو ~~استرعى الشهادة غيره فسمعها فإنه تصح الشهادة لكن لفظ أشهدني وحدثنا فيه ~~نظر بل لو قال: حدث وأنا أسمع كان حسنا وإن لم يكن يحدث أحدا وإنما سمعه ~~يتكلم بالحديث فهو يشبه الشهادة من غير استرعاء ويشبه الشهادة على الإقرار ~~من غير إشهاد والشهادة على الحكم بخلاف الشهادة على الإثبات كالسمع ونحوه ~~فإنها تصح بدون التحميل بالاتفاق. وأما الشهادة على الإخبارات كالشهادات ~~والإقرارات ففيها نزاع ليس هذا موضعه وباب الرواية أوسع لكن ليس من قصد ~~تحديث غيره بمنزلة من تكلم لنفسه. فإن الرجل يتكلم مع نفسه بأشياء ويسترسل ~~في الحديث فإذا عرف أن الغير يتحمل ذلك تحفظ؛ ولهذا كانوا لا يروون أحاديث ~~المذاكرة بذاك. # PageV18P029 # وكان الإمام أحمد يذاكر بأشياء من حفظه فإذا طلب المستمع الرواية أخرج ~~كتابه فحدث من الكتاب. فهنا ثلاث مراتب: أن يقصد استرعاءه الحديث وتحميله ~~ليرويه عنه وأن يقصد محادثته به لا ليرويه عنه وأن لا يقصد إلا التكلم به ~~مع نفسه. # (والنوع الثاني) أن يقرأ على المحدث ms5572 فيقر به كما يقرأ المتعلم القرآن على ~~المعلم ويسميه الحجازيون العرض؛ لأن المتحمل يعرض الحديث على المحمل كعرض ~~القراءة وعرض ما يشهد به من الإقرار والحكم والعقود والشهادة على المشهود ~~عليه: من الحاكم والشاهد والمقر والعاقد وعرض ضمام بن ثعلبة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما جاء به رسوله فيقول نعم وهذا عند مالك وأحمد وجمهور ~~السلف كاللفظ. ولهذا قلنا: إذا قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم وللزوج ~~أقبلت؟ فقال: نعم انعقد النكاح وكان ذلك صريحا؛ فإن نعم تقوم مقام التكلم ~~بالجملة المستفهم عنها؛ فإنه إذا قيل لهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ والله ~~أمركم بذلك؟ وأحدثك فلان بكذا؟ وأزوجت فلانا بكذا؟ فقال: نعم فهو بمنزلة ~~قوله: وجدت ما وعدني ربي والله أمرني بكذا وكذا وحدثني فلان بكذا وكذا ~~وزوجت فلانا كذا لكن هذا جواب الاستفهام وذاك خبر مبتدإ ونعم كلمة مختصرة ~~تغني عن التفصيل. # PageV18P030 # وقد يقول العارض: حدثك بلا استفهام بل إخبار فيقول: نعم ثم من أهل ~~المدينة وغيرهم من يرجح هذا العرض لما فيه من كون المتحمل ضبط الحديث وأن ~~المحمل يرد عليه ويصححه له ويذكر هذا عن مالك وغيره. ومنهم من يرجح السماع ~~وهو يشبه قول أبي حنيفة والشافعي. ومنهم من يجيز فيه أخبرنا وحدثنا كقول ~~الحجازيين. ومنهم من لا يقول فيه إلا أخبرنا كقول جماعات وعن أحمد روايتان. ~~ثم منهم من قال: لا فرق في اللغة وإنما فرق من فرق اصطلاحا؛ ولهذا يقال في ~~الشهادة المعروضة من الحكم والإقرار والعقود أشهدني بكذا وقد يقال: الخبر ~~في الأصل عن الأمور الباطنة ومنه الخبرة بالأشياء وهو العلم ببواطنها وفلان ~~من أهل الخبرة بكذا والخبير بالأمور المطلع على بواطنها ومنه الخبير. وهو ~~الفلاح الذي يجعل باطن الأرض ظاهرا والأرض الخبار اللينة التي تتقلب ~~والمخابرة من ذلك. فقول المبلغ: نعم لم يدل بمجرد ظاهر لفظه على الكلام ~~المعروف وإنما دل بباطن معناه وهو أن لفظها يدل على موافقة السائل والمخبر ~~فإذا قال: أحدثك؟ وأنكحت؟ فقال: نعم فهو موافق ms5573 لقوله حدثني وأنكحت وهذه ~~الدلالة حصلت من مجموع لفظ نعم وسؤال السائل كما أن أسماء الإشارة ~~والمضمرات إنما تعين المشار إليه والظاهر # PageV18P031 # بلفظها ولما اقترن بذلك من الدلالة على المشار إليه والظاهر المفسر ~~للمضمر. وأحسن من ذلك أن قوله: حدثني أن فلانا قال وأخبرني أن فلانا قال في ~~العرض أحسن من أن يقول: أخبرنا فلان قال: أخبرنا وحدثنا فلان قال: حدثنا ~~كما أن هذا هو الذي يقال في الشهادة فيقول: أشهد أن فلان بن فلان أقر وأنه ~~حكم وأنه وقف كما فرق طائفة من الحفاظ بين الإجازة وغيرها فيقولون فيها: ~~أنا فلان أن فلانا حدثهم؛ بخلاف السماع. وقد اعتقد طائفة أنه لا فرق بينهما ~~بل ربما رجحوا " أن "؛ لأنهم زعموا فيها توكيدا وليس كما توهموا؛ فإن " أن ~~" المفتوحة وما في خبرها بمنزلة المصدر فإذا قال: حدثني أنه قال فهو في ~~التقدير حدثني بقوله؛ ولهذا اتفق النحاة على أن " إن " المكسورة تكون في ~~موضع الجمل والمفتوحة في موضع المفردات فقوله: {فنادته الملائكة وهو قائم ~~يصلي في المحراب أن الله يبشرك} - على قراءة الفتح - في تقدير قوله: فنادته ~~ببشارته وهو ذكر لمعنى ما نادته به وليس فيه ذكر اللفظ. ومن قرأ (إن الله) ~~فقد حكى لفظه وكذلك الفرق بين قوله أول ما أقول: أحمد الله وأول ما أقول: ~~إني أحمد الله. # PageV18P032 # وإذا كان مع الفتح هو مصدر فقولك: حدثني بقوله وبخبره لم تذكر فيه لفظ ~~القول والخبر وإنما عبرت عن جملة لفظه؛ فإنه قول وخبر فهو مثل قولك: سمعت ~~كلام فلان وخطبة فلان لم تحك لفظها. وأما إذا قلت: قال: كذا فهو إخبار عن ~~عين قوله؛ ولهذا لا ينبغي أن يوجب اللفظ في هذا أحد بخلاف الأول فإنه إنما ~~يسوغ على مذهب من يجوز الرواية بالمعنى فإذا سمعت لفظه وقلت: حدثني فلان ~~قال: حدثني فلان بكذا وكذا فقد أتيت باللفظ؛ فإنك سمعته يقول: حدثني فلان ~~بكذا وإذا عرضت عليه فقلت: حدثك فلان بكذا؟ فقال: نعم وقلت: حدثني أن فلانا ~~حدثه بكذا فأنت ms5574 صادق على المذهبين؛ لأنك ذكرت أنه حدثك بتحديث فلان إياه ~~بكذا والتحديث لفظ مجمل ينتظم لذلك كما أن قوله: نعم لفظ مجمل ينتظم لذلك ~~فقوله: نعم تحديث لك بأنه حدثه. وأما إذا قلت: حدثني قال: حدثني فأنت لم ~~تسمعه يقول: حدثني وإنما سمعته يقول: نعم وهي معناها لكن هذا من المعاني ~~المتداولة وهذا العرض إذا كان المحمل يدري ما يقرؤه عليه العارض كما يدري ~~المقرئ فأما إذا كان لا يدري فالسماع أجود بلا ريب كما اتفق عليه ~~المتأخرون؛ لغلبة الفعل على القارئ للحديث دون المقروء عليه والتفصيل في ~~العرض بين أن يقصد المحمل الإخبار أو لا يقصد كما تقدم في التحديث والسماع. # PageV18P033 # (النوع الثالث) " المناولة والمكاتبة ": وكلاهما إنما أعطاه كتابا لا ~~خطابا لكن المناولة مباشرة والمكاتبة بواسطة. فالمناولة أرجح إذا اتفقا من ~~غير هذه الجهة مثل أن يناوله أحاديث معينة يعرفها المناول أو يكتب إليه بها ~~والمناولة عرض العرض فإن قوله لما معه (1) . # فأما إذا كتب إليه بأحاديث معينة وناوله كتابا مجملا ترجحت المكاتبة. ثم ~~المكاتبة يكفي فيها العلم بأنه خطه ولم ينازع في هذا من نازع في كتاب ~~القاضي إلى القاضي والشهادة بالكتابة؛ فإنه هناك اختلف الفقهاء هل يفتقر ~~إلى الشهادة على الكتاب؟ وإذا افتقر فهل يفتقر إلى الشهادة على نفس ما في ~~الكتاب؟ أو تكفي الشهادة على الكتاب؟ ومن اشترط الشهادة جعل الاعتماد على ~~الشهود الشاهدين على الحاكم الكاتب حتى يعمل بالكتاب غير الحاكم المكتوب ~~إليه. ثم " المكاتبة " هي مع قصد الإخبار بما في الكتاب ثم إن كان للمكتوب ~~إليه فقد صح قوله كتب إلي أو أراني كتابه وإن كتب إلى غيره فقرأ هو الكتاب ~~فهو بمنزلة أن يحدث غيره فيسمع PageV18P034 # الخطاب ولو لم يكاتب أحدا بل كتب بخطه فقراءة الخط كسماع اللفظ وهو الذي ~~يسمونه " وجادة ". وقد تقدم أن المحدث لم يحدث بهذا ولم يرده وإن كان قد ~~قاله وكتبه؛ فليس كل ما يقوله المرء ويكتبه يرى أن يحدث به ويخبر به غيره ~~أو أنه يؤخذ عنه. ms5575 # (الرابع) الإجازة: فإذا كانت لشيء معين قد عرفه المجيز فهي كالمناولة ~~وهي: عرض العرض؛ فإن العارض تكلم بالمعروض مفصلا فقال الشيخ: نعم والمستجيز ~~قال: أجزت لي أن أحدث بما في هذا الكتاب فقال المجيز: نعم؛ فالفرق بينهما ~~من جهة كونه في العرض سمع الحديث كله وهنا سمع لفظا يدل عليه وقد علم مضمون ~~اللفظ برؤية ما في الكتاب ونحو ذلك وهذه الإجازة تحديث وإخبار وما روي عن ~~بعض السلف المدنيين وغيرهم من أنهم كانوا يقولون: الإجازة كالسماع وأنهم ~~قالوا: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا فإنما أرادوا - والله أعلم - هذه ~~الإجازة مثل من جاء إلى مالك فقال: هذا الموطأ أجزه لي فأجازه له. فأما ~~المطلقة في المجاز فهي شبه المطلقة في المجاز له؛ فإنه إذا قال: أجزت لك ما ~~صح عندك من أحاديثي صارت الرواية بذلك موقوفة على أن يعلم أن ذلك من حديثه ~~فإن علم ذلك من جهته استغنى عن الإجازة وإن عرف ذلك من جهة غيره فذلك الغير ~~هو الذي حدثه به عنه # PageV18P035 # والإجازة لم تعرفه الحديث وتفيده علمه كما عرفه ذلك السماع منه والعرض ~~عليه؛ ولهذا لا يوجد مثل هذه في الشهادات. وأما نظير المكاتبة والمناولة ~~فقد اختلف الفقهاء في جوازها في الشهادات لكن قد ذكرت في غير هذا الموضع أن ~~الرواية لها مقصودان: العلم والسلسلة فأما العلم فلا يحصل بالإجازة وأما ~~السلسلة فتحصل بها كما أن الرجل إذا قرأ القرآن اليوم على شيخ فهو في العلم ~~بمنزلة من قرأه من خمسمائة سنة وأما في السلسلة فقراءته على المقرئ القريب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلى في السلسلة وكذلك الأحاديث التي قد ~~تواترت عن مالك والثوري وابن علية كتواتر الموطأ عن مالك وسنن أبي داود عنه ~~وصحيح البخاري عنه لا فرق في العلم والمعرفة بين أن يكون بين البخاري وبين ~~الإنسان واحد أو اثنان؛ لأن الكتاب متواتر عنه فأما السلسلة فالعلو أشرف من ~~النزول ففائدة الإجازة المطلقة من جنس فائدة الإسناد العالي بالنسبة إلى ~~النازل إذا لم ms5576 يفد زيادة في العلم. وهل هذا المقصود دين مستحب؟ هذا يتلقى ~~من الأدلة الشرعية وقد قال أحمد: طلب الإسناد العالي سنة عمن مضى كان أصحاب ~~عبد الله يرحلون من الكوفة إلى المدينة ليشافهوا الصحابة فنقول: كلما قرب ~~الإسناد كان أيسر مئونة وأقل كلفة وأسهل في الرواية وإذا كان الحديث قد ~~علمت صحته وأن # PageV18P036 # فلانا رواه وأن ما يروى عنه لاتصال الرواية فالقرب فيها خير من البعد ~~فهذا فائدة الإجازة. ومناط الأمر أن يفرق بين الإسناد المفيد للصحة ~~والرواية المحصلة للعلم وبين الإسناد المفيد للرواية والرواية المفيدة ~~للإسناد. والله أعلم. # PageV18P037 # وسئل: # عن معنى قولهم: حديث حسن أو مرسل أو غريب وجمع الترمذي بين الغريب ~~والصحيح في حديث واحد؟ وهل في الحديث متواتر لفظا ومعنى؟ وهل جمهور الحديث ~~الصحيح تفيد اليقين أو الظن؟ وما هو شرط البخاري ومسلم؛ فإنهم فرقوا بين ~~شرط البخاري ومسلم فقالوا: على شرط البخاري ومسلم؟ # فأجاب: أما المرسل من الحديث: أن يرويه من دون الصحابة ولا يذكر عمن أخذه ~~من الصحابة ويحتمل أنه أخذه من غيرهم. ثم من الناس من لا يسمي مرسلا إلا ما ~~أرسله التابعي ومنهم من يعد ما أرسله غير التابعي مرسلا. وكذلك ما يسقط من ~~إسناده رجل فمنهم من يخصه باسم المنقطع ومنهم من يدرجه في اسم المرسل كما ~~أن فيهم من يسمي كل مرسل منقطعا وهذا كله سائغ في اللغة. # PageV18P038 # وأما الغريب: فهو الذي لا يعرف إلا من طريق واحد ثم قد يكون صحيحا كحديث: ~~{إنما الأعمال بالنيات} {ونهيه عن بيع الولاء وهبته} وحديث {أنه دخل مكة ~~وعلى رأسه المغفر} فهذه صحاح في البخاري ومسلم وهي غريبة عند أهل الحديث ~~فالأول إنما ثبت عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ~~علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب والثاني إنما يعرف من حديث عبد الله ~~بن دينار عن ابن عمر والثالث إنما يعرف من رواية مالك عن الزهري عن أنس ~~ولكن أكثر الغرائب ضعيفة. # وأما الحسن في اصطلاح الترمذي ms5577 فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو ~~متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها ~~الترمذي في الحسن لكن من الناس من يقول: قد سمي حسنا ما ليس كذلك مثل حديث ~~يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا وقد أجيب ~~عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلا عن تابعي واحد لكن روي عنه من وجهين ~~فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب. وكذلك الصحيح الحسن ~~الغريب قد يكون لأنه روي بإسناد صحيح غريب ثم روي عن الراوي الأصلي بطريق ~~صحيح وطريق آخر # PageV18P039 # فيصير بذلك حسنا مع أنه صحيح غريب؛ لأن الحسن ما تعددت طرقه وليس فيها ~~متهم فإن كان صحيحا من الطريقين فهذا صحيح محض وإن كان أحد الطريقين لم ~~تعلم صحته فهذا حسن وقد يكون غريب الإسناد فلا يعرف بذلك الإسناد إلا من ~~ذلك الوجه وهو حسن المتن؛ لأن المتن روي من وجهين؛ ولهذا يقول: وفي الباب ~~عن فلان وفلان فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن وإن كان إسناده غريبا. ~~وإذا قال مع ذلك: إنه صحيح؛ فيكون قد ثبت من طريق صحيح وروي من طريق حسن ~~فاجتمع فيه الصحة والحسن وقد يكون غريبا من ذلك الوجه لا يعرف بذلك الإسناد ~~إلا من ذلك الوجه. وإن كان هو صحيحا من ذلك الوجه فقد يكون صحيحا غريبا ~~وهذا لا شبهة فيه وإنما الشبهة في اجتماع الحسن والغريب. وقد تقدم أنه قد ~~يكون غريبا حسنا ثم صار حسنا وقد يكون حسنا غريبا كما ذكر من المعنيين. ~~وأما المتواتر فالصواب الذي عليه الجمهور: أن المتواتر ليس له عدد محصور بل ~~إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواترا وكذلك الذي عليه ~~الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به. فرب عدد قليل أفاد خبرهم ~~العلم بما يوجب صدقهم وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم؛ ولهذا كان الصحيح أن ~~خبر الواحد قد يفيد ms5578 العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم. # PageV18P040 # وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث وإن ~~لم يعرف غيرهم أنه متواتر؛ ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء ~~الحديث علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله تارة لتواتره عندهم ~~وتارة لتلقي الأمة له بالقبول. وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند ~~جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وهو قول أكثر أصحاب ~~الأشعري كالإسفراييني وابن فورك؛ فإنه وإن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن؛ ~~لكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق كان بمنزلة ~~إجماع أهل العلم بالفقه على حكم مستندين في ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر ~~واحد فإن ذلك الحكم يصير قطعيا عند الجمهور وإن كان بدون الإجماع ليس ~~بقطعي؛ لأن الإجماع معصوم فأهل العلم بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل ~~حرام ولا تحريم حلال كذلك أهل العلم بالحديث لا يجمعون على التصديق بكذب ~~ولا التكذيب بصدق. وتارة يكون علم أحدهم لقرائن تحتف بالأخبار توجب لهم ~~العلم ومن علم ما علموه حصل له من العلم ما حصل لهم. # PageV18P041 # فصل: # وأما " شرط البخاري ومسلم " فلهذا رجال يروى عنهم يختص بهم ولهذا رجال ~~يروى عنهم يختص بهم وهما مشتركان في رجال آخرين وهؤلاء الذين اتفقا عليهم ~~عليهم مدار الحديث المتفق عليه. وقد يروي أحدهم عن رجل في المتابعات ~~والشواهد دون الأصل وقد يروي عنه ما عرفه من طريق غيره ولا يروي ما انفرد ~~به وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه فيظن من لا خبرة له أن كل ~~ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة علل ~~الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني ~~وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب الصحيح والدارقطني وغيرهم. وهذه علوم يعرفها ~~أصحابها والله أعلم. # PageV18P042 # وسئل: # ما معنى قول بعض العلماء: هذا حديث ضعيف أو ليس بصحيح؟ وإذا كان ms5579 في ~~المسألة روايتان أو وجهان فهل يباح للإنسان أن يقلد أحدهما؟ أم كيف ~~الاعتماد في ذلك؟ . # فأجاب: # العالم قد يقول: ليس بصحيح أي: هذا القول ضعيف في الدليل وإن كان قد قال ~~به بعض العلماء والحديث الضعيف مثل الذي رواه من ليس بثقة: إما لسوء حفظه ~~وإما لعدم عدالته وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان ~~أحد القولين وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين. # PageV18P043 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # الخبر إما أن يعلم صدقه أو كذبه أولا: # الأول: ما علم صدقه وهو في غالب الأمر بانضمام القرائن إليه: إما رواية ~~من لا يقتضي العقل تعمدهم وتواطؤهم على الكذب أو احتفاف قرائن به وهو على ~~ضربين: أحدهما: ضروري ليس للنفس في حصوله كسب و. . . (1) ومنه ما تلقته ~~الأمة بالقبول وأجمعوا على العمل به أو استندوا إليه في العمل لأنه لو كان ~~باطلا [لم يعملوا به لامتناع] (2) اجتماعهم على الخطأ وهو. . . (3) ولا ~~يضره كونه بنفسه لا يفيد العلم كالحكم المجمع عليه المستند إلى قياس ~~واجتهاد ورأي و. . . (4) المختلف هو في نفسه ظني فكيف ينقلب قطعيا ولم يعلم ~~أن الظن والقطع من عوارض اعتقاد الناظر بحسب ما يظهر له من الأدلة والخبر ~~في نفسه لم يكتسب صفة. الثاني: ما يعلم كذبه أو بتكذيب العقل الصريح أو ~~الكتاب أو PageV18P044 # السنة أو الإجماع أو غير ذلك عند أقسام تلك التأويلات وهو كثير أو بقرائن ~~والقرائن في البابين لا تحصل محققة إلا لذي دراية بهذا الشأن وإلا فغيرهم ~~جهلة به. الثالث: المحتمل وينقسم إلى مستفيض وغيره وله درجات فالخبر الذي ~~رواه الصديق والفاروق لا يساوي ما رواه غيرهما من أصاغر الصحابة وقليل ~~الصحبة. # فصل: # الخطأ في الخبر يقع من الراوي إما عمدا أو سهوا؛ ولهذا اشترط في الراوي ~~العدالة لنأمن من تعمد الكذب والحفظ والتيقظ لنأمن من السهو. والسهولة ~~أسباب: أحدها: الاشتغال عن هذا الشأن بغيره فلا ينضبط له ككثير من أهل ~~الزهد والعبادة. وثانيها: الخلو عن ms5580 معرفة هذا الشأن. # PageV18P045 # وثالثها: التحديث من الحفظ؛ فليس كل أحد يضبط ذلك. ورابعها: أن يدخل في ~~حديثه ما ليس منه ويزور عليه. وخامسها: أن يركن إلى الطلبة فيحدث بما يظن ~~أنه من حديثه. وسادسها: الإرسال وربما كان الراوي له غير مرضي. وسابعها: ~~التحديث من كتاب؛ لإمكان اختلافه. فلهذه الأسباب وغيرها اشترط أن يكون ~~الراوي حافظا ضابطا معه من الشرائط ما يؤمن معه كذبه من حيث لا يشعر وربما ~~كان لا يسهو ثم وقع له السهو في الآخر من حديثه فسبحان من لا يزل ولا يسهو ~~وذلك يعرفه أرباب هذا الشأن برواية النظراء والأقران وربما كان مغفلا ~~واقترن بحديثه ما يصححه كقرائن تبين أنه حفظ ما حدث به وإنه لم يخلط في ~~الجميع. وتعمد الكذب له أسباب: أحدها: الزندقة والإلحاد في دين الله {ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} . وثانيها: نصرة المذاهب والأهواء ~~وهو كثير في الأصول والفروع والوسائط. # PageV18P046 # وثالثها: الترغيب والترهيب لمن يظن جواز ذلك. ورابعها: الأغراض الدنيوية ~~لجمع الحطام. وخامسها: حب الرياسة بالحديث الغريب. # فصل: # الراوي إما أن تقبل روايته مطلقا أو مقيدا فأما المقبول إطلاقا فلا بد أن ~~يكون مأمون الكذب بالمظنة وشرط ذلك العدالة وخلوه عن الأغراض والعقائد ~~الفاسدة التي يظن معها جواز الوضع وأن يكون مأمون السهو بالحفظ والضبط ~~والإتقان وأما المقيد فيختلف باختلاف القرائن ولكل حديث ذوق ويختص بنظر ليس ~~للآخر. # فصل: # كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان فرب زيادة ~~لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك ومن مارس هذا الفن لم يكد يخفى عليه مواقع ~~ذلك ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق. # PageV18P047 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما عدة الأحاديث المتواترة التي في الصحيحين فلفظ المتواتر: يراد به ~~معان؛ إذ المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمي ~~متواترا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون: ~~إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد ms5581 مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا ~~قول ضعيف. والصحيح ما عليه الأكثرون: أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة ~~وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم ~~بمجموع ذلك وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة. وأيضا فالخبر الذي تلقاه ~~الأئمة بالقبول تصديقا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف ~~والسلف وهذا في معنى المتواتر؛ لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ~~ويقسمون الخبر إلى متواتر # PageV18P048 # ومشهور وخبر واحد وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة متقنة تلقاها ~~أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحتها وإجماعهم معصوم من ~~الخطأ كما أن إجماع الفقهاء على الأحكام معصوم من الخطأ ولو أجمع الفقهاء ~~على حكم كان إجماعهم حجة وإن كان مستند أحدهم خبر واحد أو قياسا أو عموما ~~فكذلك أهل العلم بالحديث إذا أجمعوا على صحة خبر أفاد العلم وإن كان الواحد ~~منهم يجوز عليه الخطأ؛ لكن إجماعهم معصوم عن الخطأ. ثم هذه الأحاديث التي ~~أجمعوا على صحتها قد تتواتر وتستفيض عند بعضهم دون بعض وقد يحصل العلم ~~بصدقها لبعضهم لعلمه بصفات المخبرين وما اقترن بالخبر منه القرائن التي ~~تفيد العلم كمن سمع خبرا من الصديق أو الفاروق يرويه بين المهاجرين ~~والأنصار وقد كانوا شهدوا منه ما شهد وهم مصدقون له في ذلك وهم مقرون له ~~على ذلك وقوله: {إنما الأعمال بالنيات} هو مما تلقاه أهل العلم بالقبول ~~والتصديق وليس هو في أصله متواترا؛ بل هو من غرائب الصحيح لكن لما تلقوه ~~بالقبول والتصديق صار مقطوعا بصحته. وفي السنن أحاديث تلقوها بالقبول ~~والتصديق كقوله صلى الله عليه وسلم {لا وصية لوارث} فإن هذا مما تلقته ~~الأمة بالقبول والعمل بموجبه وهو في السنن ليس في الصحيح. # PageV18P049 # وأما عدد ما يحصل به التواتر فمن الناس من جعل له عددا محصورا ثم يفرق ~~هؤلاء فقيل: أكثر من أربعة وقيل: اثنا عشر وقيل: أربعون وقيل: سبعون وقيل: ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر وقيل: غير ذلك. وكل هذه الأقوال باطلة لتكافئها في ms5582 ~~الدعوى. والصحيح الذي عليه الجمهور: أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم ~~الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقيب الأكل ~~والري عند الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين؛ بل قد يكون الشبع ~~لكثرة الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله؛ وقد ~~يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب؛ أو حزن ونحو ذلك. كذلك العلم الحاصل عقيب ~~الخبر تارة يكون لكثرة المخبرين وإذا كثروا فقد يفيد خبرهم العلم وإن كانوا ~~كفارا. وتارة يكون لدينهم وضبطهم. فرب رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم ~~ما لا يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم وتارة قد يحصل العلم بكون ~~كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأنهما لم يتواطآ وأنه ~~يمتنع في العادة الاتفاق في مثل ذلك مثل من يروي حديثا طويلا فيه فصول ~~ويرويه آخر لم يلقه. وتارة يحصل العلم بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء ~~والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به # PageV18P050 # ما ليس لمن له مثل ذلك. وتارة يحصل العلم بالخبر لكونه روي بحضرة جماعة ~~كثيرة شاركوا المخبر في العلم ولم يكذبه أحد منهم؛ فإن الجماعة الكثيرة قد ~~يمتنع تواطؤهم على الكتمان كما يمتنع تواطؤهم على الكذب. وإذا عرف أن العلم ~~بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد علم أن من قيد العلم بعدد معين ~~وسوى بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطا عظيما؛ ولهذا كان التواتر ينقسم ~~إلى: عام؛ وخاص فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم ~~يتواتر عند العامة كسجود السهو ووجوب الشفعة وحمل العاقلة العقل ورجم ~~الزاني المحصن؛ وأحاديث الرؤية وعذاب القبر؛ والحوض والشفاعة؛ وأمثال ذلك. ~~وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون ~~قوم فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه كما يجب ذلك ~~في نظائره ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع ms5583 الذين ~~أجمعوا على صحته كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع ~~عليها من أهل العلم؛ فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة وإنما يكون ~~إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم؛ إذ غير العالم لا يكون له قول وإنما ~~القول للعالم فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله فمن لا يعرف ~~طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع ~~أهل العلم. # PageV18P051 # وقال أيضا: (*) # في الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من أهل الحديث ~~وذموهم بقلة الفهم وأنهم لا يفهمون معاني الحديث ولا يميزون بين صحيحه من ~~ضعيفه ويفتخرون عليهم بحذقهم ودقة علومهم فيها فقال - رحمه الله تعالى -: # لا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع ~~والأصول وآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا ~~يفهمون معناه وقد رأيت من هذا عجائب؛ لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك ~~كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم ~~أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى ~~غيرهم وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف هؤلاء من القول ~~بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث ~~خير من الرأي وقد أمر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة ~~PageV18P052 # من أبي الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم ~~يكن في وقته أكثر تبحرا في الفنون الكلامية والفلسفية منه وكان من أحسنهم ~~إسلاما وأمثلهم اعتقادا ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة - سواء كانت حقا أو ~~باطلا؛ إيمانا أو كفرا - لا تدرك إلا بذكاء وفطنة؛ فلذلك يستجهلون من لم ~~يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم؛ إذا كان منه قصور في ~~الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا ms5584 من الذين ~~آمنوا يضحكون} {وإذا مروا بهم يتغامزون} الآيات. فإذا تقلدوا عن طواغيتهم ~~أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم ~~منها ما يستفيد به الإيمان الواجب فيكون كافرا زنديقا؛ منافقا جاهلا؛ ضالا ~~مضلا ظلوما كفورا ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقي الملة من الذين قال ~~الله فيهم: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} وقد يحصل لبعضهم إيمان ~~ونفاق ويكون مرتدا: إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه إما ردة نفاق وإما ردة ~~كفر وهذا كثير غالب؛ لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية ~~والكفر والنفاق فهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق ~~والضلال ما لا يتسع لذكره المقال. # PageV18P053 # وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه ~~الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي ~~يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين بل اليهود والنصارى ~~والمشركون يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل ~~أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله: من ~~الملائكة والنبيين وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل معاداة اليهود ~~والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم ~~تجد كثيرا من رءوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وإن كانوا قد ~~يتوبون من ذلك ويعودون كرءوس القبائل مثل: الأقرع وعيينة ونحوهم ممن ارتد ~~عن الإسلام ثم دخل فيه ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم ~~يكن كذلك فكثير من رءوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة ~~وتارة يعود إليها ولكن مع مرض في قلبه ونفاق وقد يكون له حال ثالثة يغلب ~~الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك ~~مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفا في أول " مختلف الحديث " وقد حكى ~~أهل المقالات بعضهم عن ms5585 بعض من ذلك طرفا كما يذكره # PageV18P054 # أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو عبد الله ~~الشهرستاني وغيرهم. وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة ~~عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ~~ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون ~~عاد إلى الإسلام وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي ~~في النجاة من عذاب الله فضلا أن يكون موصلا لنعيم الآخرة قال الله تعالى: ~~{فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب} الآيتين وقال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم ~~من العلم} إلى آخر السورة فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف وأن هؤلاء ~~المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ~~ينفعهم ذلك وكذلك أخبر عن فرعون. وهو كافر بالتوحيد والرسالة: أنه لما ~~أدركه الغرق: {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به} الآية. وقال تعالى: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} الآيتين. وهذا في القرآن في مواضع يبين ~~أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من ~~المخلوقات سواه وأن # PageV18P055 # أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة ويبين أن الذين ~~لم يؤمنوا بالرسل مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك ~~الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة؛ ولهذا يجمع بينهما في مثل قوله: ~~{ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون} . وأخبر في غير موضع أن الرسالة عمت جميع بني آدم؛ فهذه الأصول ~~الثلاثة: توحيد الله والإيمان برسله وباليوم الآخر أمور متلازمة؛ ولهذا قال ~~- سبحانه -: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} إلى قوله: ~~{وليقترفوا ما هم مقترفون} فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء وهم شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف وهو: المزين ms5586 المحسن يغرون به ~~والغرور: التلبيس والتمويه وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به ~~الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين ثم قال: {ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة ~~متلازمان فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم فخالف الرسل كما هو ~~موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة وغيرها؛ ولهذا قال تعالى: ~~{ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} إلى قوله: {هل ينظرون إلا تأويله يوم # PageV18P056 # يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} فأخبر أن ~~الذين تركوا الكتاب وهو الرسالة يقولون إذا جاء تأويله - وهو ما أخبر به - ~~جاءت رسل ربنا بالحق. وهذا كما قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا} . . الآيتين أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ما ذكر فقد تبين ~~أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له ~~والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح؛ وهذه الأمور ليست في حكمتهم ~~ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة المخلوقات بل ~~كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ومن ~~لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ~~ترجيحا ما فقد يرجح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعا. فتدبر هذا ~~فإنه نافع جدا. وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة ~~الأنفس المفارقة: أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك وهم إذا ادعوا ~~التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل والتوحيد الذي جاءت به ~~الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له؛ ~~وهذا شيء لا يعرفونه. # PageV18P057 # والتوحيد الذي يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر ~~والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك؛ فلو كانوا موحدين بالقول والكلام ~~وهو: أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم ms5587 التوحيد دون العمل وذلك لا ~~يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد أن يعبدوا الله وحده ويتخذوه إلها دون ما ~~سواه وهذا معنى قول: " لا إله إلا الله " فكيف وهم في القول والكلام معطلون ~~جاحدون لا موحدون ولا مخلصون فإذا كان ما تحصل به السعادة والنجاة من ~~الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات ~~كما قال تعالى: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} ~~وقد جعل الله لكل شيء قدرا. والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد ~~وأخلاق فهذا القول لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة ~~وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن والإرادة فالذي يؤتى فضائل علمية ~~وإرادية بدون هذه الأصول بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول ~~وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة وكل من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعه ~~ذلك شيئا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤمن برسله واليوم الآخر. ولما ~~كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل، # PageV18P058 # وقد يتابعونهم ذكر الله ذلك في غير موضع فذكر فرعون؛ والذي حاج إبراهيم ~~لما آتاه الله الملك؛ والملأ من قوم نوح وعاد وغيرهم وذكر قول علمائهم ~~كقوله: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} وقال: {ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} إلى قوله: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق} إلى قوله: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله} الآية. والسلطان: هو الوحي المنزل من عند الله. وقد ذكر في هذه ~~السورة: " حم غافر " من حال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء ومجادلتهم ما ~~فيه عبرة مثل قوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} ومثل قوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله أنى يصرفون} إلى قوله: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون} . وكذلك في سورة ms5588 الأنعام والأعراف وعامة السور المكية ~~وطائفة من السور المدنية؛ فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب المقاييس ~~والأمثال لهم وذكر قصصهم وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم؛ ولهذا قال - سبحانه ~~-: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} . . ~~الآية. فأخبر بما مكنوا فيه من أصناف # PageV18P059 # الإدراكات والحركات وأخبر أن ذلك لم يغن عنهم شيئا حيث جحدوا بآيات الله ~~والرسالة؛ ولهذا حدثني ابن الشيخ الفقيه الخضري (*) عن والده شيخ الحنفية ~~في زمنه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: {كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الأرض} الآية والقوة تعم قوة الإدراك النظرية وقوة الحركة ~~العملية وقال في الآية الأخرى: {كانوا أكثر منهم وأشد قوة} فأخبر بفضلهم في ~~الكم والكيف وأنهم أشد في أنفسهم وفي آثارهم في الأرض. وقد قال - سبحانه - ~~عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين للرسل: {يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} إلى قوله: ~~{والعنهم لعنا كبيرا} وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} ومثل ~~هذا في القرآن كثير يذكر فيه قول أعداء الرسل وأفعالهم وما أوتوه من قوى ~~الإدراكات والحركات التي لم تنفعهم لما خالفوا الرسل. وقد ذكر الله سبحانه ~~ما في المنتسبين إلى أتباع الرسل من العلماء والعباد والملوك من النفاق ~~والضلال في مثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل} الآية و (يصدون) يستعمل لازما؛ يقال: صد ~~صدودا PageV18P060 # أعرض كقوله: {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ويقال: صد غيره يصده ~~والوصفان يجتمعان فيهم. ومثل قوله تعالى {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} الآية وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح ~~لها ومثل المنافق الذي ms5589 يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر ومثل ~~المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها} فبين أن في ~~الذين يقرءون القرآن مؤمنين ومنافقين وإذا كان سعادة الأولين والآخرين هي ~~اتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثار المرسلين ~~وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في ~~كل زمان ومكان وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة وهم أهل السنة والحديث من ~~هذه الأمة والرسل عليهم البلاغ المبين وقد بلغوا البلاغ المبين. وخاتم ~~الرسل صلى الله عليه وسلم أنزل إليه [الله] (1) كتابا مصدقا لما بين يديه ~~من الكتاب ومهيمنا عليه فهو الأمين على جميع الكتب وقد PageV18P061 # بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله وكان أنصح الخلق لعباد الله وكان بالمؤمنين ~~رءوفا رحيما بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله ~~حتى أتاه اليقين فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا له ~~وموافقة علما وعملا والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV18P062 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في أحاديث يحتج بها بعض الفقهاء على أشياء وهي باطلة: # منها: قولهم: إنه {نهى عن بيع وشرط} فإن هذا حديث باطل ليس في شيء من كتب ~~المسلمين وإنما يروى في حكاية منقطعة. ومنها: قولهم: {نهى عن قفيز الطحان} ~~وهذا أيضا باطل. ومنها: حديث محلل السباق إذا أدخل فرسا بين فرسين فإن هذا ~~معروف عن سعيد بن المسيب من قوله: هكذا رواه الثقات من أصحاب الزهري عن ~~الزهري عن سعيد وغلط سفيان بن حسين فرواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ~~مرفوعا وأهل العلم بالحديث يعرفون أن هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد ذكر ذلك أبو داود السجستاني وغيره من أهل العلم. # PageV18P063 # وهم متفقون على أن سفيان بن حسين هذا يغلط فيما يرويه عن الزهري وأنه لا ~~يحتج بما ينفرد به ومحلل السباق لا أصل له في الشريعة ولم يأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمته بمحلل السباق وقد روى ms5590 عن أبي عبيدة بن الجراح وغيره: ~~أنهم كانوا يتسابقون بجعل ولا يدخلون بينهم محللا والذين قالوا: هذا من ~~الفقهاء ظنوا أنه يكون قمارا ثم منهم من قال بالمحلل يخرج عن شبه القمار ~~وليس الأمر كما قالوه بل بالمحلل من. . . (1) المخاطرة وفي المحلل ظلم لأنه ~~إذا سبق أخذ؛ وإذا سبق لم يعط وغيره إذا سبق أعطي فدخول المحلل ظلم لا تأتي ~~به الشريعة. والكلام على هذا مبسوط في مواضع أخر والله أعلم. PageV18P064 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قول أحمد بن حنبل: إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد؛ وإذا جاء ~~الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد؛ وكذلك ما عليه العلماء من العمل ~~بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي ~~لا يحتج به؛ فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي ومن أخبر عن ~~الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم ~~يأذن به الله كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم؛ ولهذا يختلف العلماء في ~~الاستحباب كما يختلفون في غيره بل هو أصل الدين المشروع. وإنما مرادهم ~~بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص ~~أو إجماع كتلاوة القرآن؛ والتسبيح والدعاء؛ والصدقة والعتق؛ والإحسان إلى ~~الناس؛ وكراهة الكذب والخيانة؛ ونحو ذلك فإذا روي حديث في فضل بعض الأعمال # PageV18P065 # المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها: فمقادير الثواب والعقاب ~~وأنواعه إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به بمعنى: ~~أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب كرجل يعلم أن التجارة تربح ~~لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره؛ ومثال ~~ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات؛ والمنامات وكلمات السلف والعلماء؛ ~~ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي؛ لا استحباب ~~ولا غيره ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب؛ والترجية والتخويف. فما ~~علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإن ذلك ms5591 ينفع ولا يضر وسواء كان في نفس الأمر ~~حقا أو باطلا فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه؛ فإن الكذب لا ~~يفيد شيئا وإذا ثبت أنه صحيح أثبتت به الأحكام وإذا احتمل الأمرين روي ~~لإمكان صدقه ولعدم المضرة في كذبه وأحمد إنما قال: إذا جاء الترغيب ~~والترهيب تساهلنا في الأسانيد. ومعناه: أنا نروي في ذلك بالأسانيد وإن لم ~~يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم. في ذلك قول من قال: يعمل بها في ~~فضائل الأعمال إنما العمل بها العمل بما فيها من # PageV18P066 # الأعمال الصالحة مثل التلاوة والذكر والاجتناب لما كره فيها من الأعمال ~~السيئة. ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ~~البخاري عن عبد الله بن عمرو: {بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ~~ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار} مع قوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم} ~~فإنه رخص في الحديث عنهم ومع هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم فلو لم يكن في ~~التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخص فيه وأمر به ولو جاز تصديقهم بمجرد ~~الإخبار لما نهى عن تصديقهم؛ فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع. فإذا ~~تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا مثل صلاة في وقت معين بقراءة ~~معينة أو على صفة معينة لم يجز ذلك؛ لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت ~~بدليل شرعي بخلاف ما لو روي فيه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله كان له ~~كذا وكذا فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين ~~كما جاء في الحديث المعروف: {ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء بين ~~الشجر اليابس} . # PageV18P067 # فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته وفي مثله جاء ~~الحديث الذي رواه الترمذي: {من بلغه عن الله شيء فيه فضل فعمل به رجاء ذلك ~~الفضل أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك ms5592 كذلك} . فالحاصل: أن هذا الباب يروى ~~ويعمل به في الترغيب والترهيب لا في الاستحباب ثم اعتقاد موجبه وهو مقادير ~~الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي. # PageV18P068 # وسئل: # عن قوم اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد؛ ومنهم من يقول: لم يثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد بالتواتر؛ إذ التواتر نقل الجم الغفير ~~عن الجم الغفير؟ # فأجاب: # أما من أنكر تواتر حديث واحد فيقال له: التواتر نوعان: تواتر عن العامة؛ ~~وتواتر عن الخاصة وهم أهل علم الحديث. وهو أيضا قسمان: ما تواتر لفظه؛ وما ~~تواتر معناه. فأحاديث الشفاعة والصراط والميزان والرؤية وفضائل الصحابة ~~ونحو ذلك متواتر عند أهل العلم وهي متواترة المعنى وإن لم يتواتر لفظ بعينه ~~وكذلك معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الخارجة عن القرآن متواترة أيضا ~~وكذلك سجود السهو متواتر أيضا عند العلماء وكذلك القضاء بالشفعة ونحو ذلك. ~~وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم؛ لكونهم # PageV18P069 # سمعوا ما لم يسمع غيرهم وعلموا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ما لم ~~يعلم غيرهم والتواتر لا يشترط له عدد معين؛ بل من العلماء من ادعى أن له ~~عددا يحصل له به العلم من كل ما أخبر به كل مخبر ونفوا ذلك عن الأربعة ~~وتوقفوا فيما زاد عليها وهذا غلط فالعلم يحصل تارة بالكثرة؛ وتارة بصفات ~~المخبرين؛ وتارة بقرائن تقترن بأخبارهم وبأمور أخر. وأيضا فالخبر الذي رواه ~~الواحد من الصحابة والاثنان: إذا تلقته الأمة بالقبول والتصديق أفاد العلم ~~عند جماهير العلماء ومن الناس من يسمي هذا: المستفيض. والعلم هنا حصل ~~بإجماع العلماء على صحته؛ فإن الإجماع لا يكون على خطإ؛ ولهذا كان أكثر ~~متون الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية ~~والشافعية والحنبلية والأشعرية وإنما خالف في ذلك فريق من أهل الكلام كما ~~قد بسط في موضعه. # PageV18P070 # وسئل شيخ الإسلام: # عن رجل سمع كتب الحديث والتفسير وإذا قرئ عليه " كتاب الحلية " لم يسمعه ~~فقيل له: لم لا تسمع أخبار السلف؟ فقال: لا أسمع من ms5593 كتاب أبي نعيم شيئا. ~~فقيل: هو إمام ثقة شيخ المحدثين في وقته فلم لا تسمع ولا تثق بنقله؟ فقيل ~~له: بيننا وبينك عالم الزمان وشيخ الإسلام ابن تيمية في حال أبي نعيم؟ ~~فقال: أنا أسمع ما يقول شيخ الإسلام وأرجع إليه. فأرسل هذا السؤال من دمشق # فأجاب فيه الشيخ: # الحمد لله رب العالمين، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني صاحب كتاب " ~~حلية الأولياء " " وتاريخ أصبهان " " والمستخرج على البخاري ومسلم " و " ~~كتاب الطب " " وعمل اليوم والليلة " و " فضائل الصحابة " و " دلائل النبوة ~~" و " صفة الجنة " و " محجة الواثقين " وغير ذلك من المصنفات: من أكبر حفاظ ~~الحديث ومن أكثرهم تصنيفات وممن انتفع الناس بتصانيفه وهو أجل من أن يقال ~~له: ثقة؛ فإن درجته فوق ذلك وكتابه " كتاب الحلية " من أجود # PageV18P071 # الكتب المصنفة في أخبار الزهاد والمنقول فيه أصح من المنقول في رسالة ~~القشيري ومصنفات أبي عبد الرحمن السلمي شيخه ومناقب الأبرار لابن خميس وغير ~~ذلك؛ فإن أبا نعيم أعلم بالحديث وأكثر حديثا وأثبت رواية ونقلا من هؤلاء ~~ولكن كتاب الزهد للإمام أحمد والزهد لابن المبارك وأمثالهما أصح نقلا من ~~الحلية. وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل ~~باطلة وفي الحلية من ذلك قطع ولكن الذي في غيرها من هذه الكتب أكثر مما ~~فيها؛ فإن في مصنفات أبي عبد الرحمن السلمي؛ ورسالة القشيري؛ ومناقب ~~الأبرار؛ ونحو ذلك من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة: ما لا ~~يوجد مثله في مصنفات أبي نعيم ولكن " صفوة الصفوة " لأبي الفرج ابن الجوزي ~~نقلها من جنس نقل الحلية والغالب على الكتابين الصحة ومع هذا ففيهما أحاديث ~~وحكايات باطلة وأما الزهد للإمام أحمد ونحوه فليس فيه من الأحاديث ~~والحكايات الموضوعة مثل ما في هذه؛ فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف ~~بالوضع بل قد يقع فيها ما هو ضعيف بسوء حفظ ناقله وكذلك الأحاديث المرفوعة ~~ليس فيها ما يعرف أنه موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في مسنده لكن فيه ms5594 ما ~~يعرف أنه غلط غلط فيه رواته ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم ~~كتاب من الغلط إلا القرآن. # PageV18P072 # وأجل ما يوجد في الصحة " كتاب البخاري " وما فيه متن يعرف أنه غلط على ~~الصاحب لكن في بعض ألفاظ الحديث ما هو غلط وقد بين البخاري في نفس صحيحه ما ~~بين غلط ذلك الراوي كما بين اختلاف الرواة في ثمن بعير جابر وفيه عن بعض ~~الصحابة ما يقال: إنه غلط كما فيه عن ابن عباس: {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم} والمشهور عند أكثر الناس أنه تزوجها ~~حلالا. وفيه عن أسامة: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في البيت} . ~~وفيه عن بلال: أنه صلى فيه وهذا أصح عند العلماء. وأما مسلم ففيه ألفاظ عرف ~~أنها غلط كما فيه: {خلق الله التربة يوم السبت} وقد بين البخاري أن هذا غلط ~~وأن هذا من كلام كعب وفيه أن {النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف بثلاث ~~ركعات في كل ركعة} والصواب: أنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة وفيه أن أبا ~~سفيان سأله التزوج بأم حبيبة وهذا غلط. وهذا من أجل فنون العلم بالحديث ~~يسمى: علم " علل الحديث " وأما كتاب حلية الأولياء فمن أجود مصنفات ~~المتأخرين في أخبار الزهاد وفيه من الحكايات ما لم يكن به حاجة إليه ~~والأحاديث المروية في أوائلها أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة. # PageV18P073 # وسئل: # عمن نسخ بيده صحيح البخاري ومسلم والقرآن وهو ناو كتابة الحديث وغيره ~~وإذا نسخ لنفسه أو للبيع هل يؤجر؟ إلخ. # فأجاب: وأما كتب الحديث المعروفة: مثل البخاري ومسلم. فليس تحت أديم ~~السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما: مثل الجمع ~~بين الصحيحين للحميدي ولعبد الحق الإشبيلي وبعد ذلك كتب السنن: كسنن أبي ~~داود؛ والنسائي؛ وجامع الترمذي؛ والمساند: كمسند الشافعي؛ ومسند الإمام ~~أحمد. وموطأ مالك فيه الأحاديث والآثار وغير ذلك وهو من أجل الكتب حتى قال ~~الشافعي: ليس تحت أديم السماء بعد كتاب ms5595 الله أصح من موطأ مالك يعني بذلك ما ~~صنف على طريقته؛ فإن المتقدمين كانوا يجمعون في الباب بين المأثور عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ولم تكن وضعت كتب الرأي التي تسمى " ~~كتب # PageV18P074 # الفقه " وبعد هذا جمع الحديث المسند في جمع الصحيح للبخاري ومسلم والكتب ~~التي تحب ويؤجر الإنسان على كتابتها سواء كتبها لنفسه أو كتبها ليبيعها كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: ~~صانعه؛ والرامي به؛ والممد به} فالكتابة كذلك؛ لينتفع به أو لينفع به غيره. ~~كلاهما يثاب عليه. # PageV18P075 # بسم الله الرحمن الرحيم # رب أعن أخبرنا الزين أبو محمد عبد الرحمن بن العماد أبي بكر ابن زريق ~~الحنبلي في كتابه إلي غير مرة أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد ~~ابن عبد الحميد المقدسي سماعا في يوم السبت 24 صفر سنة 797 (ح) وكتب إلي ~~الأشياخ الثلاثة: أبو إسحاق الحرملي وأبو محمد البقري وأبو العباس الرسلاني ~~قالوا: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي إذنا ~~مطلقا قالا: أخبرنا الشيخ الإمام العالم العلامة البارع الأوحد القدوة ~~الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية قال الذهبي: ~~بقراءتي عليه في جمادى الآخرة سنة 721. قال: الحمد لله نحمده ونستعينه ~~ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من # PageV18P076 # شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا ~~هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. ### | الحديث الأول: # أخبرنا الإمام زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة ابن أحمد ~~المقدسي قراءة عليه وأنا أسمع سنة 667 أخبرنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد ~~الوهاب بن سعد بن كليب قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد ~~بن بيان الرزاز قراءة ms5596 عليه أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن ~~إبراهيم بن مخلد البزاز أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار ~~حدثنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي حدثني أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق ~~السبيعي عن البراء ابن عازب قال: {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فأحرمنا بالحج. # PageV18P077 # قال: فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة قال: فقال الناس: يا رسول ~~الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ . قال: فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انظروا الذي آمركم به فافعلوا قال: فردوا عليه القول فغضب ثم ~~انطلق حتى دخل على عائشة رضي الله عنها غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من ~~أغضبك أغضبه الله قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر ولا أتبع} . رواه ~~النسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر ابن عياش مولده في صفر سنة 575. وتوفي ~~يوم الاثنين ثامن رجب سنة 668. ### | الحديث الثاني: # أخبرنا الشيخ المسند كمال الدين أبو نصر عبد العزيز بن عبد المنعم ابن ~~الخضر بن شبل بن عبد الحارثي قراءة عليه وأنا أسمع في يوم الجمعة سادس ~~شعبان سنة 669 بجامع دمشق أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن الحافظ أبي ~~القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر # PageV18P078 # قراءة عليه في ربيع الآخر سنة 596 أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود ابن ~~علي القدسي الصائغ وأبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي؛ قراءة عليهما ~~قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زهير المالكي حدثنا أبو الحسن علي ~~بن محمد بن شجاع الربعي المالكي أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن عبيد ~~الله القطان حدثنا خيثمة حدثنا العباس بن الوليد حدثنا عقبة بن علقمة حدثنا ~~سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا ~~هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن ms5597 الإيمان - إذا وقعت الفتن - بالشام} . ~~مولده سنة 589. وتوفي في شعبان سنة 672. ### | الحديث الثالث: # أخبرنا الإمام تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر ~~التنوخي قراءة عليه وأنا أسمع في سنة 669 أخبرنا أبو طاهر بركات بن إبراهيم ~~الخشوعي قراءة عليه أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن # PageV18P079 # الخضر السلمي أخبرنا أبو الحسين طاهر بن أحمد بن علي بن محمود المحمودي ~~العاني أخبرنا أبو الفضل منصور بن نصر بن عبد الرحيم بن بنت الكاغدي حدثنا ~~أبو عمرو الحسن بن علي بن الحسن العطار حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر ~~بن بكير بن الحارث القيسي حدثنا وكيع ابن الجراح بن مليح الرواسي عن الأعمش ~~عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال ~~لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح: من ~~يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته} فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} . قال: ~~الوسط العدل ". مولده سنة 589. توفي في صفر سنة 672. ### | الحديث الرابع: # أخبرنا الفقيه سيف الدين أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن نجم ابن عبد ~~الوهاب الحنبلي قراءة عليه وأنا # PageV18P080 # أسمع في يوم الجمعة عاشر شوال سنة 669 وأبو عبد الله محمد بن عبد المنعم ~~بن القواس والمؤمل بن محمد البالسي وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر العامري ~~في التاريخ وأبو العباس أحمد بن شيبان وأبو بكر بن محمد الهروي وأبو زكريا ~~يحيى ابن أبي منصور بن الصيرفي وأبو الفرج عبد الرحمن بن سليمان البغدادي ~~والشمس بن الزين والكمال عبد الرحيم وابن العسقلاني وزينب بنت مكي وست ~~العرب. قال الأول وابن شيبان وزينب: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد ابن طبرزذ. ~~وقال الباقون وابن شيبان: أخبرنا زيد بن الحسن الكندي زاد ابن الصيرفي ~~فقال: وأبو محمد عبد العزيز بن معالي بن غنيمة بن منينا قراءة عليه قالوا: ~~أخبرنا القاضي ms5598 أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي أخبرنا أبو محمد عبد الله ~~بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم ~~الكجي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني حميد عن {أنس: أن الربيع بنت ~~النضر عمته لطمت جارية فكسرت سنها # PageV18P081 # فعرضوا عليهم الأرش فأبوا فطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله انكسر سن ~~الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها - قال: - يا أنس كتاب الله القصاص ~~فعفا القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم ~~على الله لأبره.} . أخرجه البخاري عن الأنصاري. مولده سنة 592. وتوفي في ~~شوال سنة 672. ### | الحديث الخامس: # أخبرنا الحاج المسند أبو محمد أبو بكر ابن محمد بن أبي بكر بن عبد الواسع ~~الهروي في رابع ربيع الأول سنة 668 والمذكورون بسندهم إلى الأنصاري قال ~~حدثني حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {انصر أخاك ظالما ~~أو مظلوما قال: قلت: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره. ظالما؟ قال: ~~تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه} . أخرجه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة عن ~~هشيم. وأخرجه # PageV18P082 # الترمذي عن محمد بن حاتم عن الأنصاري - كما أخرجناه - وقال: حسن صحيح. ~~وأخبرنا به الشيخ شمس الدين بن أبي عمر قراءة عليه أخبرنا أبو اليمن الكندي ~~(فذكره. مولده سنة 594. وتوفي في رجب سنة 673. ### | الحديث السادس: # أخبرنا الشيخ المسند زين الدين أبو العباس المؤمل بن محمد بن علي ابن ~~محمد بن علي بن منصور بن المؤمل البالسي قراءة عليه وأنا أسمع سنة 669 ~~والمذكورون بسندهم إلى الأنصاري قال: حدثني سليمان التيمي عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار.} . رواه البخاري ومسلم بمعناه من رواية عبد العزيز ms5599 بن صهيب عن ~~أنس. مولده سنة 602 وقيل ثلاث. وتوفي في رجب سنة 677. # PageV18P083 ### | الحديث السابع: # أخبرنا الشيخ العدل رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر محمد بن ~~محمد بن سليمان العامري قراءة عليه وأنا أسمع سنة 669 والمذكورون بسندهم ~~إلى الأنصاري حدثني التيمي حدثنا أنس بن مالك قال: {عطس عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلان فشمت - أو فشمت - أحدهما ولم يشمت الآخر - أو فشمته ولم ~~يشمت الآخر - فقيل: يا رسول الله عطس عندك رجلان فشمت أحدهما ولم تشمت ~~الآخر - أو فشمته ولم تشمت الآخر - فقال: إن هذا حمد الله فشمته وأن هذا لم ~~يحمد الله فلم أشمته.} . رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري. ~~ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حفص بن غياث. كلاهما عن التيمي. ~~توفي في ذي الحجة سنة 682. # PageV18P084 ### | الحديث الثامن: # أخبرنا الإمام العالم الزاهد كمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن ~~أبي الفتح بن رافع بن علي الحراني ابن الصيرفي قراءة عليه في شوال سنة 668 ~~أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن بركة ابن الديبقي قراءة عليه وأنا أسمع ~~أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن الحسن القزاز قراءة ~~عليه في حادي عشرين جمادى الأولى سنة 534 أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن ~~محمد بن عمر ابن المسلم المعدل إملاء من لفظه باستملاء شيخنا أبي بكر ~~الخطيب في صفر سنة 463 أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد ~~الزهري أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الفريابي حدثنا ~~قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ~~عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {آية المنافق ~~ثلاثة: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} . # PageV18P085 ### | الحديث التاسع: # أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام العالم البارع جمال الدين أبو الفرج عبد ~~الرحمن بن ms5600 سليمان بن سعيد بن سليمان البغدادي قراءة عليه وأنا أسمع سنة 668 ~~أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زبد الكندي قراءة عليه أخبرنا أبو عبد ~~الله الحسين بن علي بن أحمد بن المقري أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن النقور أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص سنة ~~390 حدثنا يحيى حدثنا يونس حدثنا أبو الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء عن ~~محمد بن عمير عن أبي هريرة قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيعتين وعن لبستين: أن يلبس الرجل الثوب الواحد ويشتمل به ويطرح أحد جانبيه ~~على منكبه ويحتبي في الثوب الواحد. وأن يقول: انبذ إلي ثوبك وأنبذ إليك ~~ثوبي من غير أن يقلبا} . مولده سنة 585 بحران. وتوفي في شعبان سنة 670 ~~بدمشق. # PageV18P086 ### | الحديث العاشر: # أخبرنا شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن ~~غدير بن القواس الطائي قراءة عليه وأنا أسمع سنة 675 وأبو الحسن ابن ~~البخاري قالا: أخبرنا أبو العباس الخضر بن كامل ابن سالم السروجي قراءة ~~عليه أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد المقري. وقال الفخر ~~البخاري: أخبرنا أبو اليمن الكندي أيضا أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ~~بن عمر السمرقندي قالا: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد ~~الله بن النقور أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله ~~بن هارون ابن أخي ميميي الدقاق حدثنا عبد الله حدثنا داود حدثنا الوليد بن ~~مسلم عن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن علي بن الحسين عن سعيد بن ~~مرجانة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أعتق رقبة أعتق ~~الله عز وجل بكل عضو منها عضوا منه # PageV18P087 # من النار حتى فرجه بفرجه} رواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن داود بن ~~رشيد ورواه مسلم عن داود نفسه. ورواه الترمذي ms5601 عن قتيبة عن الليث عن ابن ~~الهاد عن عمر بن علي بن الحسين عن سعيد بن مرجانة. ولد سنة 602 وتوفي في ~~ربيع الآخر سنة 682. ### | الحديث الحادي عشر: # أخبرنا المشايخ الصلحاء المسندون أبو عبد الله محمد بن بدر بن محمد بن ~~يعيش الجزري وأبو العباس أحمد بن شيبان وأبو الفضل إسماعيل بن أبي عبد الله ~~بن العسقلاني وزينب بنت أحمد بن كامل قراءة عليهم وأنا أسمع في شعبان سنة ~~675 بقاسيون قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادي قراءة ~~عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف ~~وأبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز وأبو الفتح عبد الله ~~بن محمد بن محمد البيضاوي؛ قراءة عليهم وأنا أسمع قالوا: أخبرنا أبو جعفر ~~محمد بن أحمد بن محمد بن المسلم المعدل أخبرنا أبو طاهر محمد بن # PageV18P088 # عبد الرحمن بن العباس المخلص أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ابن عبد ~~العزيز البغوي حدثني عبد الله بن مطيع حدثنا إسماعيل ابن جعفر. قال البغوي: ~~وحدثني صالح بن مالك حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال البغوي: وحدثني جدي ~~حدثنا يزيد بن هارون. كلهم عن حميد. عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لشاب ~~من قريش فظننت أني أنا هو فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب} . واللفظ ~~لابن مطيع. توفي في شعبان سنة 675. ### | الحديث الثاني عشر: # أخبرنا الفقيه الإمام العالم العامل زين الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد ~~بن أبي الفرج بن أبي طاهر بن محمد بن نصر عرف بابن السديد # PageV18P089 # الأنصاري الحنفي قراءة عليه في رجب سنة 675 أخبرنا أبو اليمن زيد ابن ~~الحسن بن زيد الكندي قراءة عليه وأخبرتنا زينب بنت مكي قالت: أخبرنا أبو ~~حفص ابن طبرزذ. قالا: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن ~~الأنصاري أخبرنا أبو الحسن ms5602 علي بن إبراهيم بن عيسى الباقلاني حدثنا أبو بكر ~~أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي حدثنا محمد بن موسى القرشي حدثنا ~~عون بن عمارة حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار} . توفي في جمادى ~~الأولى سنة 677 وله ثلاث وسبعون سنة ### | الحديث الثالث عشر: # أخبرنا الشيخ الإمام المقرئ الرئيس الفاضل كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم ~~بن أحمد بن إسماعيل بن فارس التميمي السعدي قراءة عليه وأنا أسمع في رمضان ~~سنة 674 أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد # PageV18P090 # الكندي أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري أخبرنا أبو ~~الحسين محمد بن أحمد بن حسنون النرسي سنة 455 أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد ~~الرحمن المخلص حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي حدثنا شريح بن ~~يونس ومحمد بن يزيد الآدمي وابن البزار وهارون بن عبد الله قالوا: حدثنا ~~معن عن معاوية بن صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عقبة بن عامر ~~الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {المسر بالقرآن كالمسر ~~بالصدقة والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة} . أخبرناه عاليا بدرجة ويوافقه ~~أحمد بن عبد الدائم أخبرنا ابن كليب أخبرنا ابن بيان حدثنا ابن مخلد أخبرنا ~~الصفار حدثنا ابن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير (فذكره. مولده سنة ~~596. وتوفي في صفر سنة 676. ### | الحديث الرابع عشر: # أخبرنا الإمام المسند زين الدين أبو العباس أحمد بن أبي الخير سلامة بن ~~إبراهيم بن سلامة بن الحداد الدمشقي بقراءتي عليه وأنا # PageV18P091 # أسمع في ربيع الأول سنة 675 قلت له: أخبرك أبو سعيد خليل ابن أبي الرجاء ~~بن أبي الفتح الراراني إجازة وقرئ على والدي وأنا أسمع بحران سنة 666 أخبرك ~~يوسف بن خليل أخبرنا الراراني أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن ~~الحداد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ أخبرنا ~~أبو ms5603 بكر أحمد بن يوسف بن خلاد حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا عبد الله بن ~~بكر حدثنا حميد عن أنس قال: {رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبلا ممدودا ~~بين ساريتين من سواري المسجد. قال: ما هذا الحبل؟ قالوا: يا رسول الله ~~فلانة تصلي ما عقلت؛ فإذا غلبت أخذت به قال: فلتصل ما عقلت؛ فإذا غلبت ~~فلتنم} . مولده في ربيع الأول سنة 609 وتوفي في يوم عاشوراء سنة 678 ### | الحديث الخامس عشر: # أخبرنا العدل المسند أمين الدين أبو محمد القاسم بن أبي بكر ابن قاسم بن ~~غنيمة الإربلي وأبو بكر ابن عمر بن يونس المزي الحنفي # PageV18P092 # وأبو عبد الله محمد بن محمد بن سليمان العامري؛ قراءة عليهم وأنا أسمع ~~سنة 677. قال الأول: أخبرنا أبو الحسن المؤيد عن محمد بن الفضل بن أحمد ~~الفراوي. وقال الآخران: أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن الحرستاني قراءة ~~عليه أخبرنا الفراوي إجازة أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر ابن محمد بن عبد ~~الغافر الفارسي أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى ابن عمرويه الجلودي أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج القشيري حدثنا ~~خلف بن هشام وأبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد. قال خلف: ~~حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن زياد حدثنا أبو هريرة قال: قال محمد صلى الله ~~عليه وسلم صلى الله عليه وسلم {أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول ~~الله رأسه رأس حمار} ولد الإربلي في سنة 595 أو قبلها بإربل وتوفي في جمادى ~~الأولى سنة 680 وولد المزي سنة 593 وتوفي في شعبان سنة 680. # PageV18P093 ### | الحديث السادس عشر: # أخبرنا الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله بن ~~محمد بن عطاء بن حسن الحنفي قراءة عليه وأنا أسمع في سنة 667 وأبو العباس ~~ابن علان وأبو العباس ابن شيبان قالوا: أخبرنا أبو علي حنبل بن عبد الله بن ~~الفرج الرصافي قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد ms5604 بن عبد ~~الواحد بن الحصين الشيباني أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن المذهب ~~التميمي أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي حدثنا أبو ~~عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ~~رضي الله عنه حدثني أبي أحمد بن محمد حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار ~~سمعت عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من اقتنى كلبا - إلا كلب ~~ماشية أو كلب قنص - نقص من أجره كل يوم قيراطان} . # PageV18P094 # مولده سنة 595. وتوفي في جمادى الأولى سنة 673. ### | الحديث السابع عشر: # أخبرنا الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد قاضي القضاة شمس الدين أبو ~~محمد عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي ~~قراءة عليه وأنا أسمع في شعبان سنة 667 بقاسيون وابن شيبان وابن العسقلاني ~~وابن الحموي قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ أخبرنا أبو القاسم ~~هبة الله بن محمد بن عبد الواحد ابن الحصين أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد ~~بن إبراهيم بن غيلان البزاز أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم ~~الشافعي حدثنا محمد بن سلمة الواسطي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان ~~التيمي عن أبي عثمان النهدي عن {أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان القوم يصعدون عقبة أو ثنية فإذا صعد ~~الرجل قال: لا إله إلا الله والله أكبر - قال: أحسبه قال بأعلى صوته - ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يعرضها في الجبل فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم يا أبا موسى # PageV18P095 # إنكم لا تنادون أصم ولا غائبا. ثم قال: يا عبد الله بن قيس - أو يا أبا ~~موسى - ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة. قال قلت: بلى يا رسول الله قال: ~~قل: لا حول ولا قوة إلا بالله} مولده سنة 597. وتوفي في سنة 682. ### | الحديث الثامن عشر: # أخبرنا المسند الأصيل ms5605 العدل مجد الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن ~~عثمان بن المظفر بن هبة الله بن عساكر الدمشقي قراءة عليه وأنا أسمع في ~~شعبان سنة 667 أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن علي ابن الحسن بن هبة الله ~~بن عساكر قراءة عليه أخبرنا أبو الدر ياقوت ابن عبد الله الرومي التاجر ~~مولى ابن البخاري قراءة عليه. وأخبرتنا زينب بنت مكي وإسماعيل بن العسقلاني ~~قالا: أخبرنا ابن طبرزذ أخبرنا القاضي أبو بكر الأنصاري وأبو بكر أحمد بن ~~الأشقر الدلال وأبو غالب محمد بن أحمد بن قريش وأبو بكر أحمد بن دحروج. ~~قالوا جميعهم: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن # PageV18P096 # هزار مرد الصريفيني قراءة عليه حدثنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن ~~العباس المخلص إملاء في شعبان سنة 393 حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ~~بن البغوي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا مبارك ابن فضالة حدثنا الحسن عن أنس ~~قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جانب خشبة ~~مسندا ظهره إليها. فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا له عتبتان فلما قام ~~على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: ~~وأنا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله فما زالت تحن حتى نزل إليها ~~فاحتضنها فسكتت وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله ~~الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله عز وجل فأنتم أحق أن ~~تشتاقوا إلى لقائه} . مولده سنة 587. وتوفي في ذي القعدة سنة 699. ### | الحديث التاسع عشر: # أخبرنا الشيخ الإمام الصدر الرئيس شمس الدين أبو الغنائم المسلم ابن محمد ~~بن المسلم بن علان القيسي قراءة عليه وأنا أسمع في سنة # PageV18P097 # 680، وأبو الحسن بن البخاري قالا: أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد ~~الكندي قراءة عليه أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد ~~الأنصاري حدثنا أبو محمد الحسن بن علي بن ms5606 محمد بن الحسن الجوهري إملاء ~~أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي حدثنا بشر بن موسى ~~حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {قال الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته ~~وأكله وشربه من أجلي والصوم جنة وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر وفرحة حين ~~يلقى الله عز وجل ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك} . ولد سنة ~~594. وتوفي في سادس ذي الحجة سنة 680. ### | الحديث العشرون: # أخبرنا الرئيس عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الصعر بن السيد بن ~~الصانع الأنصاري قراءة عليه وأنا أسمع في سنة 676 # PageV18P098 # وأبو العز يوسف بن يعقوب بن المجاور والمسلم بن علان قالوا: أخبرنا أبو ~~اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي قراءة عليه أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن ~~بن محمد بن زريق القزاز الشيباني قراءة عليه أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن ~~علي بن ثابت الخطيب البغدادي أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد ~~الله بن مهدي حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي حدثنا ~~أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~رضي الله عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من ~~أعلاها وخرج من أسفلها} . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ~~عن أبي موسى. توفي في رمضان سنة 679. # الحديث الحادي والعشرون: # أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي بن ~~الحسين الدرجي القرشي قراءة عليه وأنا أسمع في رجب سنة 680 # PageV18P099 # أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح الصيدلاني إجازة ~~أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد ~~الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن ~~فارس قال سمعت ms5607 سفيان بن عيينة يقول: حدثنا عاصم عن {زر قال: أتيت صفوان بن ~~عسال المرادي فقال لي: ما جاء بك؟ قلت: جئت ابتغاء العلم. قال: فإن ~~الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. قلت: حك في نفسي - أو صدري ~~- المسح على الخفين بعد الغائط والبول فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك شيئا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا - أو مسافرين - أن لا ~~ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة؛ ولكن من غائط أو بول أو ~~نوم. قلت: هل سمعته يذكر الهدى؟ قال: نعم بينا نحن معه في مسير إذ ناداه ~~أعرابي بصوت له جهوري فقال: يا محمد فأجابه على نحو من كلامه: هاؤم قال: ~~أرأيت رجلا يحب قوما ولم يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب. ثم لم يزل يحدثنا ~~أن من قبل المغرب بابا يفتح الله عز وجل للتوبة مسيرة عرضه أربعون سنة ولا ~~يغلق حتى تطلع الشمس من قبله وذلك قول الله: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها} } . . الآية. ولد سنة 599. وتوفي في صفر سنة 671. # PageV18P100 ### | الحديث الثاني والعشرون: # أخبرنا نجيب الدين أبو المرهف المقداد بن أبي القاسم هبة الله ابن ~~المقداد بن علي القيسي قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن ~~محمود بن المبارك بن الأخضر قراءة عليه أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ~~الأنصاري أخبرنا أبو إسحاق البرمكي أخبرنا أبو محمد بن ماسي حدثنا أبو مسلم ~~الكجي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني سليمان التيمي عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة ~~أيام - أو قال ثلاث ليال} -. ### | الحديث الثالث والعشرون: # أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبي بكر الغسولي بقراءتي ~~عليه في سنة 682 أخبرنا أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب قراءة ~~عليه أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف # PageV18P101 # الأرموي قراءة عليه أخبرنا ms5608 أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن ~~المأمون أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني حدثنا عبد ~~الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا صالح بن حاتم بن وردان حدثنا ~~المعتمر بن سليمان حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن {عامر بن سعد عن ~~أبيه قال: قلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن. ~~قال: أو مسلم} . توفي في جمادى الآخرة سنة 684 وقد قارب الثمانين. ### | الحديث الرابع والعشرون: # أخبرنا الشيخ فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن ~~عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن البخاري المقدسي قراءة عليه وأنا أسمع ~~سنة 681 والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر سنة 667 أخبرنا أبو ~~المحاسن محمد بن كامل بن أحمد التنوخي قراءة عليه أخبرنا أبو محمد طاهر بن ~~سهل بن بشر الإسفراييني أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن ~~إبراهيم الحنائي # PageV18P102 # حدثنا أبو الحسن عبد الوهاب بن الوليد بن موسى بن راشد بن خالد بن يزيد ~~بن عبد الله الكلابي من لفظه أخبرنا أبو بكر محمد بن خريم بن مروان العقيلي ~~قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو الوليد هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة ~~السلمي حدثنا مالك بن أنس حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن ~~مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الحسنة من الرجل ~~الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة} . رواه البخاري عن القعنبي عن ~~مالك. ولد في سلخ سنة 595. وتوفي في ربيع الآخر سنة 690. ### | الحديث الخامس والعشرون: # أخبرنا أبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب بن حيدرة الشيباني قراءة عليه ~~وأنا أسمع سنة 684 أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادي قراءة ~~عليه أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء قراءة ~~عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو محمد الحسن بن ms5609 علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله ~~الجوهري قراءة عليه # PageV18P103 # في رمضان سنة 452 أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ~~قراءة عليه وأنا حاضر أسمع حدثنا أبو علي بشر بن موسى بن صالح الأسدي حدثنا ~~أبو نعيم حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: قال {عبد الله رضي الله عنه ~~كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله دون ~~عباد الله السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وعلى فلان. فالتفت ~~إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الله هو السلام فإذا صلى أحدكم ~~فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله} . أخرجه البخاري وأخرجه مسلم عن ابن المثنى عن ~~غندر عن شعبة عن منصور كلاهما عن شقيق. مولده سنة 599. وتوفي في صفر سنة ~~685. # PageV18P104 ### | الحديث السادس والعشرون: # أخبرنا أبو يحيى إسماعيل بن أبي عبد الله بن حماد بن عبد الكريم ~~العسقلاني بقراءتي عليه في سنة 681 وأبو العباس بن شيبان والجمال أحمد بن ~~أبي بكر الحموي وأبو الحسن بن البخاري وعلي بن محمود بن شهاب قالوا: أخبرنا ~~أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادي قراءة عليه أخبرنا هبة الله بن محمد ~~بن الحصين الشيباني أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان ~~البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي أخبرنا أبو ~~الحسن علي بن الحسن بن عبدويه الجرار حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا ~~حميد عن أنس قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق ومعه أناس من ~~أصحابه فعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله لي إليك حاجة فقال: يا أم فلان؛ ~~اجلسي في أدنى نواحي السكك حتى أجلس إليك ففعلت؛ فجلس إليها حتى قصت ~~حاجتها} . رواه أحمد عن عبد الله بن بكر. # PageV18P105 # سمع ابن العسقلاني في ms5610 الرابعة سنة 599. وتوفي في رمضان سنة 682 ومولد ابن ~~شهاب في سنة 595 وتوفي في رمضان سنة 680. ### | الحديث السابع والعشرون: # أخبرنا الشيخ الجليل الصالح كمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الملك ~~بن يوسف بن قدامة المقدسي قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة 680 وأبو العباس ~~بن شيبان أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادي قراءة عليه أخبرنا ~~القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البزار وأبو المواهب أحمد بن ~~محمد بن عبد الملك بن ملوك الوراق قالا: أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن ~~عبد الله الطبري أخبرنا محمد بن أحمد بن الغطريف حدثنا أبو خليفة حدثنا ~~مسلم بن إبراهيم عن هشام وشعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {العائد في هبته كالعائد في قيئه} ~~متفق عليه. ولد في حدود سنة 598. وتوفي في جمادى الأولى سنة 680. # PageV18P106 ### | الحديث الثامن والعشرون: # أخبرنا الشيخ الثقة زين الدين أبو بكر محمد بن أبي طاهر إسماعيل بن عبد ~~الله بن عبد المحسن الأنماطي قراءة عليه وأنا أسمع في رجب سنة 668 وأبو ~~حامد ابن الصابوني والرشيد محمد بن محمد العامري قالوا أخبرنا أبو القاسم ~~عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل بن ~~بشر الإسفراييني أخبرنا أبو الحسين محمد بن بكر بن عثمان الأزدي أخبرنا أبو ~~الحسن أحمد بن عبد الله بن زريق بانتقاء خلف الحافظ حدثنا أبو محمد عبد ~~الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين المهدي قراءة عليه حدثنا أبو ~~عمرو الحارث بن مسكين حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه. أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر. ~~فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل} . وكان ابن عمر يقتل كل حية فرآه أبو ~~لبابة - أو زيد بن الخطاب - وهو يطارد حية فقال له: قد نهي عن دواب البيوت. # PageV18P107 # أخبرنا به هبة ms5611 الله بن محمد الحارثي والشيخ شمس الدين بن أبي عمر وأحمد ~~بن شيبان قالوا: أخبرنا ابن ملاعب أخبرنا الأرموي أخبرنا أبو القاسم بن ~~البسري أخبرنا أبو أحمد الفرضي حدثنا أبو بكر المطيري أخبرنا بشر بن مطر ~~حدثنا سفيان فذكره. ولد سنة 609 وتوفي في ذي الحجة سنة 684 بالقاهرة. ### | الحديث التاسع والعشرون: # أخبرنا الإمام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الملك بن ~~عثمان بن عبد الله بن سعد المقدسي سنة 681 وأبو العباس بن شيبان وإسماعيل ~~بن العسقلاني قال الأولان: أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي ~~وقال الآخران: أخبرنا أبو حفص ابن طبرزذ. قالا: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد ~~بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري أخبرنا أبو القاسم عمر بن الحسين بن ~~إبراهيم بن محمد الخفاف قراءة عليه وأنا أسمع سنة 447 أخبرنا أبو الفضل عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قراءة عليه في سنة 373 حدثنا محمد # PageV18P108 # بن هارون حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب حدثنا سعيد بن راشد عن عطاء عن ~~ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقيم إلا من أذن} . مولده ~~سنة 606. وتوفي في ذي القعدة سنة 689. ### | الحديث الثلاثون: # أخبرنا الأصيل المسند نجم الدين أبو العز يوسف بن يعقوب بن محمد بن علي ~~المجاور الشيباني قراءة عليه وأنا أسمع في المحرم سنة 680 والمسلم بن علان ~~قالا: أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي قراءة عليه أخبرنا أبو ~~منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق القزاز الشيباني أخبرنا الحافظ أبو بكر ~~أحمد بن علي بن ثابت الخطيب أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن ~~المؤدب حدثني علي بن الحسن بن المثنى العنبري بأستراباد حدثنا أبو بكر محمد ~~بن جعفر بن سعيد الجوهري البغدادي بأرجان حدثنا الحسن بن عرفة. قال الخطيب. ~~وأخبرنا أبو عمر بن مهدي وجماعة قالوا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ~~حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن # PageV18P109 # عياش ms5612 حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن} . ~~لفظ حديث الجوهري رواه الترمذي عن ابن عرفة وابن حجر. ورواه ابن ماجه عن ~~هشام بن عمار. كلهم عن إسماعيل. وأخبرنا عاليا أحمد بن عبد الدائم قراءة ~~عليه أخبرنا أبو الفرج بن كليب أخبرنا أبو القاسم بن بيان أخبرنا أبو الحسن ~~بن مخلد أخبرنا الصفار (فذكره) . مولده في سنة 601. وتوفي في ذي القعدة سنة ~~690 ### | الحديث الحادي والثلاثون: # أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو حامد محمد بن علي بن محمود بن ~~أحمد بن علي بن الصابوني قراءة عليه وأنا أسمع في رمضان سنة 668 أخبرنا أبو ~~القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل # PageV18P110 # الحرستاني قراءة عليه أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلم بن ~~محمد بن علي بن الفتح السلمي سنة 526 أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن ~~عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين ~~أخبرنا أبو القاسم علي بن يعقوب بن إبراهيم بن أبي الصعب حدثنا أبو زرعة ~~عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان البصري حدثنا عبد الرحمن بن ~~إبراهيم حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: سألت الزهري عن التي ~~استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عروة عن عائشة: {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى بابنة الجون فدنا منها قالت: أعوذ ~~بالله منك قال: الحقي بأهلك تطليقة} . قال أبو زرعة: لم يروه من الأئمة في ~~الحديث غير الأوزاعي. مولده سنة 604. وتوفي في ذي القعدة سنة 680. ### | الحديث الثاني والثلاثون: # أخبرنا الجمال أحمد بن أبي بكر بن سليمان الواعظ بن الحموي بقراءتي عليه ~~وأنا أسمع في رجب سنة 680 وقراءة عليه في سنة 681 أيضا # PageV18P111 # أخبرنا أبو محمد عبد الجليل بن أبي غالب بن أبي المعالي بن مندويه قراءة ms5613 ~~عليه وأنا أسمع في سنة 610 أخبرنا أبو المحاسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~النقور البزار قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن ~~حبابة حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في سنة 315 ~~حدثنا أبو عثمان طالوت بن عباد الصيرفي من كتابه حدثنا فضال بن جبير سمعت ~~أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {اكفلوا ~~لي بست أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا ~~وعد فلا يخلف. غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم} . ولد في حدود ~~سنة ستمائة وتوفي في ذي الحجة سنة 687. ### | الحديث الثالث والثلاثون: # أخبرنا الشيخ الأمين الصدوق شمس الدين أبو غالب المظفر بن عبد الصمد بن ~~خليل الأنصاري قراءة عليه وأنا أسمع في جمادى الآخرة سنة 684 وأبو محمد عبد ~~الرحمن بن أحمد بن عباس الفاقوسي وأبو عبد الله محمد بن محمد بن سليمان ~~العامري أخبرنا القاضي أبو القاسم # PageV18P112 # عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل ابن الحرستاني أخبرنا أبو محمد طاهر بن ~~سهل بن بشر بن أحمد الإسفراييني أخبرنا أبو الحسين محمد بن مكي بن عثمان بن ~~عبد الله الأزدي المصري حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن العباس الأخميمي ~~بانتقاء عبد الغني بن سعيد حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة حدثنا ~~يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب حدثني طلحة بن أبي سعيد أن سعيدا ~~المقبري حدثه عن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من ~~احتبس فرسا في سبيل الله عز وجل إيمانا بالله وتصديق موعود الله كان شبعه ~~وريه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة} . توفي في جمادى الأولى سنة ~~688 وعمره اثنان وثمانون سنة. وتوفي الفاقوسي في شعبان سنة 682 وله خمس ~~وسبعون سنة. ### | الحديث الرابع والثلاثون: # أخبرنا الشيخ الإمام محيي الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن ms5614 محمد ~~بن أبي عصرون التميمي بقراءتي عليه وأنا أسمع سنة 682 # PageV18P113 # وأبو حامد الصابوني. قالا: أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي ~~الفضل الحرستاني أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل الإسفراييني أخبرنا أبو ~~الحسين محمد بن مكي الأزدي أخبرنا القاضي أبو الحسين علي بن محمد بن إسحاق ~~بن يزيد الحلبي سنة 390 حدثنا أبو القاسم عبد الصمد # بن سعيد القاضي حدثنا عبد الرحمن بن جابر الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح ~~الوحاظي حدثنا العلاء بن سليمان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه ~~من الناس ولكن يقبض العلماء. فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا ~~فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلو} وأخبرناه عاليا أبو الحسن بن البخاري ~~أخبرنا ابن طبرزذ أخبرنا القاضي أبو بكر أخبرنا علي بن إبراهيم الباقلاني ~~حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق إملاء حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان ~~الواسطي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مالك بن أنس وحفص بن ميسرة عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو (فذكره) . # PageV18P114 # أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام. مولده سنة 599. وتوفي في ثالث ذي ~~القعدة سنة 682. ### | الحديث الخامس والثلاثون: # أخبرنا أقضى القضاة نفيس الدين أبو القاسم هبة الله بن محمد بن علي بن ~~جرير الحارثي الشافعي قراءة عليه وأنا أسمع في سنة 679 والشيخ شمس الدين ~~عبد الرحمن بن أبي عمر وأحمد بن شيبان. قالوا: أخبرنا أبو البركات داود بن ~~أحمد بن ملاعب البغدادي قراءة عليه أخبرنا الإمام أبو الفضل محمد بن عمر بن ~~يوسف الأرموي قراءة عليه وأنا أسمع سنة 546 أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~بن محمد بن البسري سنة 465 أخبرنا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن ~~أبي مسلم الفرضي حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد المطيري سنة 333 ~~أخبرنا أبو أحمد بشر بن مطر الواسطي بسر من ms5615 رأى حدثنا سفيان بن عيينة عن ~~الزهري عن سالم عن أبيه: # PageV18P115 # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله ~~القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه ~~آناء الليل وآناء النهار في حقه} . توفي في صفر سنة 680 وله ثلاث وسبعون ~~سنة. ### | الحديث السادس والثلاثون: # أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الكمال عبد ~~الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن وشمس الدين عبد الرحمن بن ~~الزين أحمد بن عبد الملك المقدسيان؛ قراءة عليهما وأنا أسمع في سنة 681. ~~قالا: أخبرنا الشريف أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمرون البكري ~~قراءة عليه أخبرنا أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد بن أبي القاسم عبد ~~الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا جدي أخبرنا أبو الحسين الخفاف أخبرنا أبو ~~العباس السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV18P116 # {إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله} . ولد في سنة 607. ~~وتوفي في جمادى الأولى سنة 688. ### | الحديث السابع والثلاثون: # أخبرتنا الشيخة الصالحة أم الخير ست العرب بنت يحيى بن قايماز بن عبد ~~الله التاجية الكندية قراءة عليها وأنا أسمع في رمضان سنة 681 وأبو العباس ~~بن شيبان وابن العسقلاني وأبو الحسن بن البخاري. قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر ~~بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن ~~أحمد بن عبد الله بن البناء قراءة عليه وأنا أسمع سنة 524 أخبرنا أبو محمد ~~الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الجوهري قراءة عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي حدثنا محمد بن يونس بن موسى حدثنا أبو عاصم ~~النبيل عن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم عن عائشة: {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يغتسل من جنابة فيأخذ # PageV18P117 # حفنة لشق رأسه ms5616 الأيمن ثم يأخذ حفنة لشق رأسه الأيسر} . أخرجه البخاري ~~ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الزمن عن أبي عاصم. ولدت في سنة 599. ~~وتوفيت سنة 684. ### | الحديث الثامن والثلاثون: # أخبرتنا الشيخة الجليلة الأصيلة أم العرب فاطمة بنت أبي القاسم علي بن ~~أبي محمد القاسم بن أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن ~~الحسين بن عساكر قراءة عليها وأنا أسمع في رمضان سنة 681 وأبو العباس بن ~~شيبان وست العرب بنت يحيى بن قايماز. قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن ~~طبرزذ قراءة عليه ونحن نسمع أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد ~~الواحد بن أحمد بن الحصين الشيباني قراءة عليه أخبرنا أبو طالب محمد بن ~~محمد بن إبراهيم بن غيلان قراءة عليه أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ~~يحيى المزكي النيسابوري قراءة عليه في سنة 354 أخبرنا أبو القاسم محمد بن # PageV18P118 # إسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن {أنس قال: ~~مطرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر عن رأسه حتى أصابه المطر فقلت ~~له: لم صنعت هذا يا رسول الله؟ قال: إنه حديث عهد بربه عز وجل} ولدت سنة ~~598. وتوفيت في شعبان سنة 683. ### | الحديث التاسع والثلاثون: # أخبرتنا الصالحة العابدة المجتهدة أم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل ~~الحراني وأحمد بن شيبان وإسماعيل بن العسقلاني وفاطمة بنت علي بن عساكر؛ ~~قراءة عليهم. قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ البغدادي أخبرنا ~~أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن البناء أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن ~~محمد الجوهري أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي قراءة ~~عليه حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن # PageV18P119 # مسلم البصري حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت سمعت {البراء ~~قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms5617 له مرضع في الجنة} . رواه البخاري عن سلمان بن حرب. ولدت في ~~سنة 598. وتوفيت في شوال سنة 688. ### | الحديث الأربعون: # أخبرتنا الشيخة الصالحة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن كامل المقدسية ~~قراءة عليها وأنا أسمع سنة 684 وأبو عبد الله بن بدر وأبو العباس بن شيبان ~~وابن العسقلاني. قالوا أخبرنا ابن طبرزذ أخبرنا ابن البيضاوي والقزاز وابن ~~يوسف قالوا أخبرنا ابن المسلمة أخبرنا المخلص أخبرنا أبو القاسم عبد الله ~~بن محمد حدثنا الحسن بن إسرائيل النهرتيرى حدثنا عيسى بن يونس عن أسامة بن ~~زيد عن سليمان بن يسار عن أم # PageV18P120 # سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصبح جنبا من غير احتلام ثم يتم صومه} . ولدت سنة 601 وتوفيت في شوال ~~سنة 687. # PageV18P121 # سئل شيخ الإسلام: # عما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال: {ما وسعني لا ~~سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن} # فأجاب: الحمد لله، هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف (*) ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: وسع قلبه محبتي ومعرفتي. وما يروى: ~~{القلب بيت الرب} هذا من جنس الأول فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ~~ومعرفته ومحبته. وما يروونه {كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا ~~فعرفتهم بي فبي عرفوني} هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أعرف ~~له إسنادا صحيحا ولا ضعيفا. وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزتي ~~PageV18P122 # وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك فبك آخذ وبك أعطي} هذا الحديث باطل موضوع ~~باتفاق أهل العلم بالحديث. وما يروونه {حب الدنيا رأس كل خطيئة} هذا معروف ~~عن جندب بن عبد الله البجلي وأما عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس له ~~إسناد معروف. وما يروونه: {الدنيا خطوة رجل مؤمن} هذا لا يعرف عن النبي صلى ~~الله عليه ms5618 وسلم ولا غيره من سلف الأمة ولا أئمتها. وما يروونه {من بورك له ~~في شيء فليلزمه ومن ألزم نفسه شيئا لزمه} الأول يؤثر عن بعض السلف والثاني ~~باطل فإن من ألزم نفسه شيئا قد يلزمه وقد لا يلزمه بحسب ما يأمر به الله ~~ورسوله. وما يرووه عن النبي صلى الله عليه وسلم {اتخذوا مع الفقراء أيادي ~~فإن لهم في غد دولة وأي دولة} {الفقر فخري وبه افتخر} كلاهما كذب لا يعرف ~~في شيء من كتب المسلمين المعروفة. وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنا مدينة العلم وعلي بابها} هذا الحديث ضعيف بل موضوع عند أهل العلم ~~بالحديث # PageV18P123 # ولكن قد رواه الترمذي وغيره ورفع هذا وهو كذب. وما يرووه: {أنه يقعد ~~الفقراء يوم القيامة ويقول: وعزتي وجلالي ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علي ~~ولكن أردت أن أرفع قدركم في هذا اليوم انطلقوا إلى الموقف فمن أحسن إليكم ~~بكسرة أو سقاكم شربة ماء أو كساكم خرقة انطلقوا به إلى الجنة} قال الشيخ: ~~الثاني كذب لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وهو باطل خلاف الكتاب والسنة ~~والإجماع. وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم {لما قدم إلى المدينة ~~خرجن بنات النجار بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى ~~آخر الشعر فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم هزوا غرابيلكم بارك الله ~~فيكم} حديث النسوة وضرب الدف في الأفراح صحيح؛ فقد كان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: {هزوا غرابيلكم} هذا لا يعرف عنه. # وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اللهم إنك أخرجتني من ~~أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك} هذا # PageV18P124 # حديث باطل كذب وقد رواه الترمذي وغيره بل إنه {قال لمكة: إنك أحب بلاد ~~الله إلي} وقال {إنك لأحب البلاد إلى الله} . وما يروونه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من زارني وزار أبي إبراهيم في عام دخل الجنة} هذا كذب موضوع ولم ~~يروه أحد ms5619 من أهل العلم بالحديث. وما يروونه عن علي رضي الله عنه أن أعرابيا ~~صلى ونقر صلاته فقال علي: لا تنقر صلاتك فقال الأعرابي يا علي لو نقرها ~~أبوك ما دخل النار. هذا كذب. وما يروونه عن عمر: أنه قتل أباه هذا كذب؛ فإن ~~أباه مات قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وما يروونه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {كنت نبيا وآدم بين الماء والطين} . {وكنت وآدم لا ماء ولا طين} ~~هذا اللفظ كذب باطل. وما يروونه: {العازب فراشه من نار مسكين رجل بلا امرأة ~~ومسكينة امرأة بلا رجل} هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV18P125 # ولم يثبت عن {إبراهيم الخليل عليه السلام لما بنى البيت صلى في كل ركن ~~ألف ركعة؛ فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم ما هذا سد جوعة أو ستر عورة} ~~هذا كذب ظاهر ليس هو في شيء من كتب المسلمين. وما يروونه: {لا تكرهوا ~~الفتنة؛ فإن فيها حصاد المنافقين} هذا ليس معروفا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وما يروونه: {من علم أخاه آية من كتاب الله ملك رقه} هذا كذب ليس في ~~شيء من كتب أهل العلم. وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم {اطلعت على ~~ذنوب أمتي فلم أجد أعظم ذنبا ممن تعلم آية ثم نسيها} . إذا صح هذا الحديث ~~فهذا عني بالنسيان التلاوة. ولفظ الحديث أنه قال: {يوجد من سيئات أمتي ~~الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام عنها حتى ينساها} والنسيان الذي هو ~~بمعنى الإعراض عن القرآن وترك الإيمان والعمل به وأما إهمال درسه حتى ينسى ~~فهو من الذنوب. # وما يروونه: {أن آية من القرآن خير من محمد وآل محمد القرآن كلام الله ~~منزل غير مخلوق فلا يشبه بغيره} اللفظ المذكور غير مأثور. # PageV18P126 # وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم {من علم علما نافعا وأخفاه عن ~~المسلمين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار} هذا معناه معروف في السنن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم {من ms5620 سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم ~~القيامة بلجام من نار} وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم {إذا وصلتم ~~إلى ما شجر بين أصحابي فأمسكوا وإذا وصلتم إلى القضاء والقدر فأمسكوا} هذا ~~مأثور بأسانيد منقطعة. وما يروونه عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لسلمان الفارسي - وهو يأكل العنب - دو دو يعني: عنبتين عنبتين} هذا ليس من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو باطل. وما يروونه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من زنى بامرأة فجاءت منه ببنت فللزاني أن يتزوج بابنته من ~~الزنا} هذا يقوله من ليس من أصحاب الشافعي وبعضهم ينقله عن الشافعي ومن ~~أصحاب الشافعي من أنكر ذلك عنه وقال: إنه لم يصرح بتحليل ذلك ولكن صرح بحل ~~ذلك من الرضاعة إذا رضع من لبن المرأة الحامل من الزنا. وعامة العلماء ~~كأحمد وأبي حنيفة وغيرهما متفقون على تحريم ذلك وهذا أظهر القولين في مذهب ~~مالك. # PageV18P127 # وما يروونه: {أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله} نعم ثبت ذلك أنه قال: ~~{أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله} لكنه في حديث الرقية وكان الجعل على ~~عافية مريض القوم لا على التلاوة. وهل يحرم اتخاذ أبراج الحمام إذا طارت من ~~الأبراج تحط على زراعات الناس وتأكل الحب. فهل يحرم اتخاذ أبراج الحمام في ~~القرى والبلدان لهذا السبب؟ نعم إذا كان يضر بالناس منع منه. وما يروونه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من ظلم ذميا كان الله خصمه يوم القيامة أو كنت ~~خصمه يوم القيامة} هذا ضعيف لكن المعروف عنه أنه قال: {من قتل معاهدا بغير ~~حق لم يرح رائحة الجنة} . وما يروونه عنه: {من أسرج سراجا في مسجد لم تزل ~~الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في المسجد ضوء ذلك السراج} هذا لا ~~أعرف له إسنادا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV18P128 # وسئل شيخ الإسلام: # عن {قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: وما ترددت عن شيء ~~أنا فاعله ms5621 ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته} " ما ~~معنى تردد الله؟ # فأجاب: هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث ~~روي في صفة الأولياء وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف ~~بالتردد وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب. وربما ~~قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس ~~أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه ~~فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس؛ وأجهلهم وأسوئهم ~~أدبا بل يجب تأديبه وتعزيره ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV18P129 # عن الظنون الباطلة؛ والاعتقادات الفاسدة ولكن المتردد منا وإن كان تردده ~~في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه ~~بمنزلة ما يوصف به الواحد منا فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم ~~بالعواقب وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من ~~المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من ~~وجه ويكره من وجه كما قيل: الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على ~~البغضاء محبوب وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه بل جميع ما يريده العبد ~~من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب وفي الصحيح {حفت ~~النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره} وقال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم} الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث ~~فإنه قال: {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} . فإن العبد الذي ~~هذا حاله صار محبوبا للحق محبا له يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو # PageV18P130 # يحبها ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه ~~من محبوب الحق؛ فأحبه الحق ms5622 لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة ~~بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه والرب يكره أن يسوء عبده ~~ومحبوبه فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله سبحانه ~~وتعالى قد قضى بالموت فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه فالرب مريد لموته ~~لما سبق به قضاؤه وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده؛ وهي المساءة التي تحصل له ~~بالموت فصار الموت مرادا للحق من وجه مكروها له من وجه وهذا حقيقة التردد ~~وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه وإن كان لا بد من ~~ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت؛ لكن مع وجود كراهة مساءة عبده ~~وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي ~~يبغضه ويريد مساءته. ثم قال بعد كلام سبق ذكره: ومن هذا الباب ما يقع في ~~الوجود من الكفر والفسوق والعصيان؛ فإن الله تعالى يبغض ذلك ويسخطه ويكرهه ~~وينهى عنه وهو سبحانه قد قدره وقضاه وشاءه بإرادته الكونية وإن لم يرده ~~بإرادة دينية هذا هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس: من أنه سبحانه هل ~~يأمر بما لا يريده. # PageV18P131 # فالمشهور عند متكلمة أهل الإثبات ومن وافقهم من الفقهاء أنه يأمر بما لا ~~يريده وقالت القدرية والمعتزلة وغيرهم: إنه لا يأمر إلا بما يريده. ~~والتحقيق: أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة دينية شرعية وإرادة كونية ~~قدرية: فالأول كقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~وقوله تعالى {ولكن يريد ليطهركم} وقوله تعالى {يريد الله ليبين لكم ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم} إلى قوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} فإن الإرادة هنا ~~بمعنى المحبة والرضى وهي الإرادة الدينية. وإليه الإشارة بقوله: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} . وأما الإرادة الكونية القدرية فمثل قوله تعالى ~~{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء} ومثل قول المسلمين: ما شاء الله ms5623 كان وما لم يشأ ~~لم يكن. فجميع الكائنات داخلة في هذه الإرادة والمشيئة لا يخرج عنها خير ~~ولا شر ولا عرف ولا نكر وهذه الإرادة والمشيئة تتناول ما لا يتناوله الأمر ~~الشرعي وأما الإرادة الدينية فهي مطابقة للأمر الشرعي لا يختلفان وهذا ~~التقسيم الوارد في اسم الإرادة يرد مثله في اسم الأمر والكلمات؛ والحكم # PageV18P132 # والقضاء والكتاب والبعث والإرسال ونحوه؛ فإن هذا كله ينقسم إلى كوني قدري ~~وإلى ديني شرعي. والكلمات الكونية هي: التي لا يخرج عنها بر ولا فاجر وهي ~~التي استعان بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر} قال الله تعالى: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} . وأما الدينية فهي: الكتب المنزلة التي قال ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله} وقال تعالى: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} . وكذلك الأمر الديني ~~كقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} والكونية: ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا} . والبعث الديني كقوله تعالى: {هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم} والبعث الكوني: {بعثنا عليكم عبادا لنا} والإرسال ~~الديني كقوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} . والكوني: {ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} . # PageV18P133 # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. فما يقع في الوجود من المنكرات هي مرادة ~~لله إرادة كونية داخلة في كلماته التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وهو سبحانه ~~مع ذلك لم يردها إرادة دينية ولا هي موافقة لكلماته الدينية ولا يرضى ~~لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء فصارت له من وجه مكروهة. ولكن هذه ليست ~~بمنزلة قبض المؤمن فإن ذلك يكرهه؛ والكراهة مساءة المؤمن وهو يريده لما سبق ~~في قضائه له بالموت فلا بد منه وإرادته لعبده المؤمن خير له ورحمة به؛ فإنه ~~قد ثبت في الصحيح: {أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن ~~أصابته سراء شكر ms5624 فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له} . وأما ~~المنكرات فإنه يبغضها ويكرهها؛ فليس لها عاقبة محمودة من هذه الجهة إلا أن ~~يتوبوا منها فيرحموا بالتوبة وإن كانت التوبة لا بد أن تكون مسبوقة بمعصية؛ ~~ولهذا يجاب عن قضاء المعاصي على المؤمن بجوابين: أحدهما: أن هذا الحديث لم ~~يتناولها وإنما تناول المصائب. والثاني: أنه إذا تاب منها كان ما تعقبه ~~التوبة خيرا فإن التوبة حسنة وهي من أحب الحسنات إلى الله والله يفرح بتوبة ~~عبده إذا تاب إليه أشد ما يمكن أن يكون من الفرح وأما المعاصي التي لا ~~يتابا منها فهي شر. على صاحبها والله سبحانه قدر كل شيء وقضاه؛ لما له في ~~ذلك من # PageV18P134 # الحكمة كما قال: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} وقال تعالى: {الذي أحسن كل ~~شيء خلقه} فما من مخلوق إلا ولله فيه حكمة. ولكن هذا بحر واسع قد بسطناه في ~~مواضع والمقصود هنا: التنبيه على أن الشيء. المعين يكون محبوبا من وجه ~~مكروها من وجه وأن هذا حقيقة التردد وكما أن هذا في الأفعال فهو في ~~الأشخاص. والله أعلم. # PageV18P135 # سئل شيخ الإسلام: # عن معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: " {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ~~عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ~~فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي: ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ~~ذلك من ملكي شيئا يا عبادي ms5625 لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد ~~واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ~~ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم # PageV18P136 # إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه} . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما قوله تعالى " {يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي} " ففيه مسألتان كبيرتان كل منهما ذات شعب ~~وفروع: (إحداهما: في الظلم الذي حرمه الله على نفسه ونفاه عن نفسه بقوله: ~~{وما ظلمناهم} وقوله: {ولا يظلم ربك أحدا} وقوله: {وما ربك بظلام للعبيد} ~~وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} وقوله: {قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} . ونفى إرادته بقوله: ~~{وما الله يريد ظلما للعالمين} وقوله: {وما الله يريد ظلما للعباد} . ونفى ~~خوف العباد له بقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما} فإن الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين ~~متباعدين ووسط بينهما وخيار الأمور أوساطها وذلك بسبب البحث في القدر ~~ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم ولهذا ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن التنازع فيه. # PageV18P137 # فذهب المكذبون بالقدر القائلون: بأن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يرد ~~أن يكون إلا ما أمر بأن يكون. وغلاتهم المكذبون بتقدم علم الله وكتابه بما ~~سيكون من أفعال العباد من المعتزلة وغيرهم إلى أن الظلم منه هو نظير الظلم ~~من الآدميين بعضهم لبعض وشبهوه ومثلوه في الأفعال بأفعال العباد حتى كانوا ~~هم ممثلة الأفعال وضربوا لله الأمثال ولم يجعلوا له المثل الأعلى بل أوجبوا ~~عليه وحرموا ما رأوا أنه يجب على العباد ويحرم بقياسه على العباد وإثبات ~~الحكم في الأصل بالرأي وقالوا عن هذا: إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما ~~يقدر عليه ms5626 من وجوه الإعانة كان ظالما له والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالا ~~كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا وقالوا من هذا: إذا أمر اثنين بأمر ~~واحد وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من ~~الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان جعلوا تركه لها ظلما. وكذلك ظنوا أن ~~التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب ~~استحقاق ذلك ومن لم يقم وإن كان ذلك الاستحقاق خلقه لحكمة أخرى عامة أو ~~خاصة. وهذا الموضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام فعارض هؤلاء آخرون من أهل ~~الكلام المثبتين للقدر فقالوا: ليس للظلم منه حقيقة # PageV18P138 # يمكن وجودها بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها فلا يجوز أن يكون مقدورا ~~ولا أن يقال: إنه هو تارك له باختياره ومشيئته وإنما هو من باب الجمع بين ~~الضدين وجعل الجسم الواحد في مكانين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما وإلا ~~فمهما قدر في الذهن وكان وجوده ممكنا والله قادر عليه فليس بظلم منه؛ سواء ~~فعله أو لم يفعله. وتلقى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من ~~الفقهاء وأهل الحديث من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ومن شراح الحديث ~~ونحوهم وفسروا هذا الحديث بما ينبني على هذا القول وربما تعلقوا بظاهر من ~~أقوال مأثورة كما روينا عن إياس بن معاوية أنه قال: ما ناظرت بعقلي كله ~~أحدا إلا القدرية قلت لهم: ما الظلم؟ قالوا: أن تأخذ ما ليس لك أو أن تتصرف ~~فيما ليس لك. قلت: فلله كل شيء. وليس هذا من إياس إلا ليبين أن التصرفات ~~الواقعة هي في ملكه فلا يكون ظلما بموجب حدهم وهذا مما لا نزاع بين أهل ~~الإثبات فيه؛ فإنهم متفقون مع أهل الإيمان بالقدر على أن كل ما فعله الله ~~فهو عدل. وفي حديث الكرب الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {ما أصاب عبدا قط هم ms5627 ولا حزن فقال: ~~اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك # PageV18P139 # ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في ~~كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه ~~وغمه وأبدله مكانه فرحا. قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي ~~لمن سمعهن أن يتعلمهن} " فقد بين أن كل قضائه في عبده عدل؛ ولهذا يقال: كل ~~نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل. ويقال: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك ~~- أو بعدلك - والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت ~~لي. وهذه المناظرة من إياس كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لغيلان حين قال ~~له غيلان: نشدتك الله أترى الله يحب أن يعصى؟ فقال: نشدتك الله أترى الله ~~يعصى قسرا؟ يعني: قهرا. فكأنما ألقمه حجرا؛ فإن قوله: يحب أن يعصى لفظ فيه ~~إجمال وقد لا يتأتى في المناظرة تفسير المجملات خوفا من لدد الخصم فيؤتى ~~بالواضحات فقال: أفتراه يعصى قسرا؟ فإن هذا إلزام له بالعجز الذي هو لازم ~~للقدرية ولمن هو شر منهم من الدهرية الفلاسفة وغيرهم. وكذلك إياس رأى أن ~~هذا الجواب المطابق لحدهم خاصم لهم ولم يدخل معهم في التفصيل الذي يطول. # PageV18P140 # وبالجملة فقوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما} قال أهل التفسير من السلف: لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه سيئات غيره ~~ولا يهضم فينقص من حسناته ولا يجوز أن يكون هذا الظلم هو شيء ممتنع غير ~~مقدور عليه فيكون التقدير لا يخاف ما هو ممتنع لذاته خارج عن الممكنات ~~والمقدورات؛ فإن مثل هذا إذا لم يكن وجوده ممكنا حتى يقولوا: أنه غير مقدور ~~ولو أراده كخلق المثل له فكيف يعقل وجوده؟ فضلا أن يتصور خوفه حتى ينفي ~~خوفه ثم أي فائدة في نفي خوف هذا؟ وقد ms5628 علم من سياق الكلام أن المقصود بيان ~~أن هذا العامل المحسن لا يجزى على إحسانه بالظلم والهضم. فعلم أن الظلم ~~والهضم المنفي يتعلق بالجزاء كما ذكره أهل التفسير وأن الله لا يجزيه إلا ~~بعمله؛ ولهذا كان الصواب الذي دلت عليه النصوص: أن الله لا يعذب في الآخرة ~~إلا من أذنب؛ كما قال: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} فلو دخلها ~~أحد من غير أتباعه لم تمتلئ منهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين في حديث تحاج ~~الجنة والنار من حديث أبي هريرة وأنس: " {إن النار لا تمتلئ ممن كان ألقي ~~فيها حتى ينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعد قولها: {هل من مزيد} وأما ~~الجنة فيبقى فيها فضل عمن يدخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها خلقا آخر} ~~". # PageV18P141 # ولهذا كان الصواب الذي عليه الأئمة فيمن لم يكلف في الدنيا من أطفال ~~المشركين ونحوهم ما صح به الحديث وهو: أن الله أعلم بما كانوا عاملين فلا ~~نحكم لكل منهم بالجنة ولا لكل منهم بالنار بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من ~~العلم إذا كلفوا يوم القيامة في العرصات كما جاءت بذلك الآثار. وكذلك قوله ~~تعالى {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} يدل ~~الكلام على أنه لا يظلم محسنا فينقصه من إحسانه أو يجعله لغيره ولا يظلم ~~مسيئا فيجعل عليه سيئات غيره بل لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وهذا كقوله: ~~{أم لم ينبأ بما في صحف موسى} {وإبراهيم الذي وفى} {ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى} {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فأخبر أنه ليس على أحد من وزر غيره شيء ~~وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وكلا القولين حق على ظاهره وإن ظن بعض الناس أن ~~تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافي الأول فليس كذلك؛ إذ ذلك النائح يعذب ~~بنوحه لا يحمل الميت وزره ولكن الميت يناله ألم من فعل هذا كما يتألم ~~الإنسان من أمور خارجة عن كسبه وإن لم يكن جزاء الكسب. والعذاب أعم ms5629 من ~~العقاب كما قال صلى الله عليه وسلم " {السفر قطعة من العذاب} ". # PageV18P142 # وكذلك ظن قوم أن انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي ينافي قوله: ~~{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فليس الأمر كذلك؛ فإن انتفاع الميت بالعبادات ~~البدنية من الحي بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية ومن ادعى أن ~~الآية تخالف أحدهما دون الآخر فقوله ظاهر الفساد بل ذلك بالنسبة إلى الآية ~~كانتفاعه بالدعاء والاستغفار والشفاعة وقد بينا في غير هذا الموضع نحوا من ~~ثلاثين دليلا شرعيا يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره؛ إذ الآية إنما نفت ~~استحقاق السعي وملكه؛ وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن ~~يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه فهذا نوع وهذا نوع وكذلك ليس كل ~~ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة؛ فإن هذا كذب في الأمور ~~الدينية والدنيوية. وهذه النصوص النافية للظلم تثبت العدل في الجزاء؛ وأنه ~~لا يبخس عامل عمله وكذلك قوله فيمن عاقبهم: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ~~فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء} وقوله {وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين} بين أن عقاب المجرمين عدلا لذنوبهم لا لأنا ~~ظلمناهم فعاقبناهم بغير ذنب. والحديث الذي في السنن: " {لو عذب الله أهل ~~سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا ~~من أعمالهم} " يبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك؛ لا لكونه بغير ~~ذنب وهذا يبين أن من # PageV18P143 # الظلم المنفي عقوبة من لم يذنب. وكذلك قوله تعالى {وقال الذي آمن يا قوم ~~إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} يبين أن هذا العقاب لم يكن ظلما؛ ~~لاستحقاقهم ذلك وإن الله لا يريد الظلم؛ والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه ~~لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا ~~كان الممدوح قادرا عليها فعلم أن الله قادر على ms5630 ما نزه نفسه عنه من الظلم ~~وأنه لا يفعله وبذلك يصح قوله: " {إني حرمت الظلم على نفسي} " وأن التحريم ~~هو المنع وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته فلا يصلح أن يقال: حرمت ~~على نفسي أو منعت نفسي من خلق مثلي؛ أو جعل المخلوقات خالقة؛ ونحو ذلك من ~~المحالات. وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما يكون معناه: إني أخبرت عن نفسي ~~بأن ما لا يكون مقدورا لا يكون مني. وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس ~~مراد الرب؛ وأنه يجب تنزيه الله ورسوله عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا ~~يليق الخطاب بمثله إذ هو مع كونه شبه التكرير وإيضاح الواضح: ليس فيه مدح ~~ولا ثناء ولا ما يستفيده المستمع فعلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور ~~عليه لكنه لا يفعله؛ لأنه حرمه على نفسه؛ وهو سبحانه منزه عن فعله مقدس ~~عنه. # PageV18P144 # يبين ذلك أن ما قاله الناس في حدود الظلم يتناول هذا دون ذلك كقول بعضهم: ~~الظلم وضع الشيء في غير موضعه كقولهم: من أشبه أباه فما ظلم. أي: فما وضع ~~الشبه غير موضعه ومعلوم أن الله سبحانه حكم عدل لا يضع الأشياء إلا مواضعها ~~ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعا لذاته؛ بل هو ممكن لكنه لا يفعله لأنه لا ~~يريده؛ بل يكرهه ويبغضه؛ إذ قد حرمه على نفسه. وكذلك من قال: الظلم إضرار ~~غير مستحق؛ فإن الله لا يعاقب أحدا بغير حق. وكذلك من قال: هو نقص الحق؛ ~~وذكر أن أصله النقص كقوله: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} . ~~وأما من قال: هو التصرف في ملك الغير فهذا ليس بمطرد ولا منعكس فقد يتصرف ~~الإنسان في ملك غيره بحق ولا يكون ظالما وقد يتصرف في ملكه بغير حق فيكون ~~ظالما وظلم العبد نفسه كثير في القرآن. وكذلك من قال: فعل المأمور خلاف ما ~~أمر به ونحو ذلك إن سلم صحة مثل هذا الكلام فالله سبحانه قد كتب على نفسه ~~الرحمة وحرم على ms5631 نفسه الظلم فهو لا يفعل خلاف ما كتب ولا يفعل ما حرم. وليس ~~هذا الجواب موضع بسط هذه الأمور التي نبهنا عليها فيه # PageV18P145 # وإنما نشير إلى النكت وبهذا يتبين القول المتوسط وهو: أن الظلم الذي حرمه ~~الله على نفسه مثل: أن يترك حسنات المحسن فلا يجزيه بها؛ ويعاقب البريء على ~~ما لم يفعل من السيئات؛ ويعاقب هذا بذنب غيره؛ أو يحكم بين الناس بغير ~~القسط؛ ونحو ذلك من الأفعال التي ينزه الرب عنها لقسطه وعدله وهو قادر ~~عليها وإنما استحق الحمد والثناء لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه. وكما ~~أن الله منزه عن صفات النقص والعيب فهو أيضا منزه عن أفعال النقص والعيب. ~~وعلى قول الفريق الثاني ما ثم فعل يجب تنزيه الله عنه أصلا والكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة وأئمتها يدل على خلاف ذلك ولكن متكلمي أهل الإثبات لما ~~ناظروا متكلمة النفي ألزموهم لوازم لم ينفصلوا عنها إلا بمقابلة الباطل ~~بالباطل وهذا مما عابه الأئمة وذموه كما عاب الأوزاعي والزبيدي والثوري ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم مقابلة القدرية بالغلو في الإثبات وأمروا بالاعتصام ~~بالكتاب والسنة وكما عابوا أيضا على من قابل الجهمية نفاة الصفات بالغلو في ~~الإثبات حتى دخل في تمثيل الخالق بالمخلوق. وقد بسطنا الكلام في هذا وهذا ~~وذكرنا كلام السلف والأئمة في هذا في غير هذا الموضع. ولو قال قائل: هذا ~~مبني على " مسألة تحسين العقل وتقبيحه " فمن قال: العقل يعلم به حسن ~~الأفعال وقبحها فإنه ينزه الرب عن بعض # PageV18P146 # الأفعال ومن قال: لا يعلم ذلك إلا بالسمع فإنه يجوز جميع الأفعال عليه ~~لعدم النهي في حقه قيل له: ليس بناء هذه على تلك بلازم وبتقدير لزومها ففي ~~تلك تفصيل وتحقيق قد بسطناه في موضعه وذلك أنا فرضنا أنا نعلم بالعقل حسن ~~بعض الأفعال وقبحها؛ لكن العقل لا يقول: إن الخالق كالمخلوق؛ حتى يكون ما ~~جعله حسنا لهذا أو قبيحا له جعله حسنا للآخر أو قبيحا له؛ كما يفعل مثل ذلك ~~القدرية؛ لما بين الرب والعبد من ms5632 الفروق الكثيرة. وإن فرضنا أن حسن الأفعال ~~وقبحها لا يعلم إلا بالشرع فالشرع قد دل على أن الله قد نزه نفسه عن أفعال ~~وأحكام - فلا يجوز أن يفعلها - تارة بخبره مثنيا على نفسه بأنه لا يفعلها؛ ~~وتارة بخبره أنه حرمها على نفسه. وهذا يبين المسألة الثانية. فنقول: الناس ~~لهم في أفعال الله باعتبار ما يصلح منه ويجوز وما لا يجوز منه ثلاثة أقوال: ~~طرفان ووسط. فالطرف الواحد: طرف القدرية وهم الذين حجروا عليه أن يفعل إلا ~~ما ظنوا بعقلهم أنه الجائز له حتى وضعوا له شريعة التعديل والتجويز فأوجبوا ~~عليه بعقلهم أمورا كثيرة وحرموا عليه بعقلهم أمورا كثيرة؛ لا بمعنى: أن ~~العقل آمر له وناه؛ فإن هذا لا يقوله عاقل بل بمعنى: أن تلك الأفعال مما # PageV18P147 # علم بالعقل وجوبها وتحريمها ولكن أدخلوا في ذلك [من] (1) المنكرات ما ~~بنوه على بدعتهم في التكذيب بالقدر وتوابع ذلك. والطرف الثاني: طرف الغلاة ~~في الرد عليهم وهم الذين قالوا: لا ينزه الرب عن فعل من الأفعال ولا نعلم ~~وجه امتناع الفعل منه إلا من جهة خبره أنه لا يفعله المطابق لعلمه بأنه لا ~~يفعله. وهؤلاء منعوا حقيقة ما أخبر به من أنه كتب على نفسه الرحمة وحرم على ~~نفسه الظلم قال الله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام ~~عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه ~~كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي} " ولم يعلم هؤلاء أن ~~الخبر المجرد المطابق للعلم لا يبين وجه فعله وتركه؛ إذ العلم يطابق ~~المعلوم؛ فعلمه بأنه يفعل هذا وأنه لا يفعل هذا ليس فيه تعرض لأنه كتب هذا ~~على نفسه وحرم هذا على نفسه كما لو أخبر عن كائن من كان أنه يفعل كذا ولا ~~يفعل كذا لم يكن في هذا بيان لكونه محمودا ممدوحا على فعل هذا وترك هذا؛ ~~ولا في ms5633 ذلك ما يبين قيام المقتضي لهذا والمانع من هذا؛ فإن الخبر المحض ~~كاشف عن المخبر عنه؛ ليس فيه بيان ما يدعو إلى الفعل ولا إلى الترك بخلاف ~~قوله: {كتب PageV18P148 # على نفسه الرحمة} {وحرم على نفسه الظلم} فإن التحريم مانع من الفعل ~~وكتابته على نفسه داعية إلى الفعل؛ وهذا بين واضح؛ إذ ليس المراد بذلك مجرد ~~كتابته أنه يفعل وهو كتابة التقدير كما قد ثبت في الصحيح: " {أنه قدر ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على ~~الماء} "؛ فإنه قال: {كتب على نفسه الرحمة} ولو أريد كتابة التقدير لكان قد ~~كتب على نفسه الغضب كما كتب على نفسه الرحمة؛ إذ كان المراد مجرد الخبر عما ~~سيكون ولكان قد حرم على نفسه كل ما لم يفعله من الإحسان كما حرم الظلم. ~~وكما أن الفرق ثابت في حقنا بين قوله [تعالى] (1) : {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} وبين قوله: {وكل شيء فعلوه في الزبر} وقوله: {ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} وقوله [صلى الله عليه ~~وسلم] (2) : " {فيبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه ~~وأجله وعمله وشقي أو سعيد} ". فهكذا الفرق أيضا ثابت في حق الله. ونظير ما ~~ذكره من كتابته على نفسه كما تقدم قوله تعالى {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين} وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " {يا معاذ ~~أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله PageV18P149 # ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت؟ الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه ألا ~~يعذبهم} " ومنه قوله في غير حديث: " كان حقا على الله أن يفعل به كذا ". ~~فهذا الحق الذي عليه هو أحقه على نفسه بقوله. ونظير تحريمه على نفسه ~~وإيجابه على نفسه ما أخبر به من قسمه ليفعلن وكلمته السابقة كقوله: {ولولا ~~كلمة سبقت من ربك} وقوله: {لأملأن جهنم} {لنهلكن ms5634 الظالمين} ؟ {فالذين ~~هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} {فلنسألن الذين أرسل إليهم} ~~ونحو ذلك من صيغ القسم المتضمنة معنى الإيجاب والمعنى بخلاف القسم المتضمن ~~للخبر المحض. ولهذا قال الفقهاء: اليمين إما أن توجب حقا؛ أو منعا؛ أو ~~تصديقا؛ أو تكذيبا. وإذا كان معقولا في الإنسان أنه يكون آمرا مأمورا ~~كقوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} وقوله: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس ~~عن الهوى} مع أن العبد له آمر وناه فوقه والرب الذي ليس فوقه أحد لأن يتصور ~~أن يكون هو الآمر الكاتب على نفسه الرحمة والناهي المحرم على نفسه الظلم ~~أولى # PageV18P150 # وأحرى وكتابته على نفسه ذلك تستلزم إرادته لذلك ومحبته له ورضاه بذلك ~~وتحريمه الظلم على نفسه يستلزم بغضه لذلك وكراهته له وإرادته ومحبته للفعل ~~توجب وقوعه منه وبغضه له وكراهته لأن يفعله يمنع وقوعه منه. فأما ما يحبه ~~ويبغضه من أفعال عباده فذلك نوع آخر ففرق بين فعله هو وبين ما هو مفعول ~~مخلوق له وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو ~~الإنسان هو ظلم كما أن أفعال الإنسان هي بالنسبة إليه تكون سرقة وزنا وصلاة ~~وصوما والله تعالى خالقها بمشيئته وليست بالنسبة إليه كذلك إذ هذه الأحكام ~~هي للفاعل الذي قام به هذا الفعل كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت ~~به لا للخالق الذي خلقها وجعلها صفات والله تعالى خلق كل صانع وصنعته كما ~~جاء ذلك في الحديث وهو خالق كل موصوف وصفته. ثم صفات المخلوقات ليست صفات ~~له: كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذلك به. وكذلك حركات المخلوقات ~~ليست حركات له ولا أفعالا له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات هو خلقها. ~~وبهذا الفرق تزول شبه كثيرة والأمر الذي كتبه على نفسه يستحق عليه الحمد ~~والثناء وهو مقدس عن ترك هذا الذي لو ترك لكان تركه نقصا وكذلك الأمر الذي ~~حرمه على نفسه يستحق الحمد والثناء على ms5635 تركه وهو مقدس عن فعله الذي لو كان ~~لأوجب نقصا. # PageV18P151 # وهذا كله بين ولله الحمد عند الذين أوتوا العلم والإيمان وهو أيضا مستقر ~~في قلوب عموم المؤمنين ولكن القدرية شبهوا على الناس بشبههم فقابلهم من ~~قابلهم بنوع من الباطل كالكلام الذي كان السلف والأئمة يذمونه وذلك أن ~~المعتزلة قالوا: قد حصل الاتفاق على أن الله ليس بظالم كما دل عليه الكتاب ~~والسنة والظالم من فعل الظلم كما أن العادل من فعل العدل هذا هو المعروف ~~عند الناس من مسمى هذا الاسم سمعا وعقلا قالوا: ولو كان الله خالقا لأفعال ~~العباد التي هي الظلم لكان ظالما. فعارضهم هؤلاء بأن قالوا: ليس الظالم من ~~فعل الظلم بل الظالم من قام به الظلم. وقال بعضهم: الظالم من اكتسب الظلم ~~وكان منهيا عنه. وقال بعضهم: الظالم من فعل محرما عليه أو ما نهي عنه. ~~ومنهم من قال: من فعل الظلم لنفسه. وهؤلاء يعنون: أن يكون الناهي له ~~والمحرم عليه غيره الذي يجب عليه طاعته؛ ولهذا كان تصور الظلم منه ممتنعا ~~عندهم لذاته؛ كامتناع أن يكون فوقه آمر له وناه. ويمتنع عند الطائفتين أن ~~يعود إلى الرب من أفعاله حكم لنفسه. وهؤلاء لم يمكنهم أن ينازعوا أولئك في ~~أن العادل من فعل العدل بل سلموا ذلك لهم وإن نازعهم بعض الناس منازعة ~~عنادية. # PageV18P152 # والذي يكشف تلبيس المعتزلة أن يقال لهم: الظالم والعادل الذي يعرفه الناس ~~وإن كان فاعلا للظلم والعدل فذلك يأثم به أيضا ولا يعرف الناس من يسمى ~~ظالما ولم يقم به الفعل الذي به صار ظالما بل لا يعرفون ظالما إلا من قام ~~به الفعل الذي فعله وبه صار ظالما؛ وإن كان فعله متعلقا بغيره وله مفعول ~~منفصل عنه. لكن لا يعرفون الظالم إلا بأن يكون قد قام به ذلك فكونكم أخذتم ~~في حد الظالم أنه من فعل الظلم وعنيتم بذلك من فعله في غيره. فهذا تلبيس ~~وإفساد للشرع والعقل واللغة كما فعلتم في مسمى المتكلم حيث قلتم: هو من فعل ~~الكلام ولو ms5636 في غيره. وجعلتم من أحدث كلاما منفصلا عنه قائما بغيره متكلما ~~وإن لم يقم به هو كلام أصلا. وهذا من أعظم البهتان والقرمطة والسفسطة. ~~ولهذا ألزمهم السلف أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات وكذلك أيضا ما ~~خلقه في الحيوانات ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق وإنما قالت الجلود: ~~{أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} ولم تقل نطق الله بذلك ولهذا قال من قال من ~~السلف كسليمان بن داود الهاشمي وغيره ما معناه: أنه على هذا يكون الكلام ~~الذي خلق في فرعون حتى قال: {أنا ربكم الأعلى} كالكلام الذي خلق في الشجرة ~~حتى قالت: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} فإما أن يكون فرعون محقا أو # PageV18P153 # تكون الشجرة كفرعون. وإلى هذا المعنى بنحو الاتحادية من الجهمية وينشدون: ~~وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهذا يستوعب أنواع الكفر ~~ولهذا كان من الأمر البين للخاصة والعامة أن من قال: المتكلم لا يقوم به ~~كلام أصلا. فإن حقيقة قوله أنه ليس بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا ولهذا ~~كان أولوهم يقولون: ليس بمتكلم. ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز وذلك لما ~~استقر في الفطر أن المتكلم لا بد أن يقوم به كلام وإن كان مع ذلك فاعلا له ~~كما يقوم بالإنسان كلامه وهو كاسب له. أما أن يجعل مجرد إحداث الكلام في ~~غيره كلاما له: فهذا هو الباطل. وهكذا القول في الظلم فهب أن الظالم من فعل ~~الظلم فليس هو من فعله في غيره ولم يقم به فعل أصلا بل لا بد أن يكون قد ~~قام به فعل وإن كان متعديا إلى غيره فهذا جواب. ثم يقال لهم: الظلم فيه ~~نسبة وإضافة فهو ظلم من الظالم بمعنى: أنه عدوان وبغي منه وهو ظلم للمظلوم ~~بمعنى أنه بغي واعتداء عليه. وأما من لم يكن متعدى عليه به ولا هو منه ~~عدوان على غيره فهو في حقه ليس بظلم لا منه ولا له. # PageV18P154 # والله سبحانه إذا خلق أفعال العباد فذلك ms5637 من جنس خلقه لصفاتهم فهم ~~الموصوفون بذلك فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود وبعضها أبيض أو طويلا ~~أو قصيرا أو متحركا أو ساكنا أو عالما أو جاهلا أو قادرا أو عاجزا أو حيا ~~أو ميتا أو مؤمنا أو كافرا أو سعيدا أو شقيا أو ظالما أو مظلوما: كان ذلك ~~المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض والأسود والطويل والقصير والحي والميت ~~والظالم والمظلوم ونحو ذلك. والله سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك وإنما إحداثه ~~للفعل الذي هو ظلم من شخص وظلم لآخر بمنزلة إحداثه الأكل والشرب الذي هو ~~أكل من شخص وأكل لآخر وليس هو بذلك آكلا ولا مأكولا. ونظائر هذا كثيرة. وإن ~~كان في خلق أفعال العباد لازمها ومتعديها حكم بالغة كما له حكمة بالغة في ~~خلق صفاتهم وسائر المخلوقات؛ لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك. وقد ظهر بهذين ~~الوجهين تدليس القدرية. وأما تلك الحدود التي عورضوا بها فهي دعاو ومخالفة ~~أيضا للمعلوم من الشرع واللغة والعقل أو مشتملة على نوع من الإجمال فإن قول ~~القائل: الظالم من قام به الظلم يقتضي أنه لا بد أن يقوم به لكن يقال له: ~~وإن لم يكن فاعلا له آمرا له لا بد أن يكون فاعلا له # PageV18P155 # مع ذلك فإن أراد الأول كان اقتصاره على تفسير الظالم بمن قام به الظلم ~~كاقتصار أولئك على تفسير الظالم في فعل الظلم والذي يعرفه الناس عامهم ~~وخاصهم أن الظالم فاعل للظلم وظلمه فعل قائم به وكل من الفريقين جحد بعض ~~الحق. وأما قولهم: من فعل محرما عليه أو منهيا عنه ونحو ذلك فالإطلاق صحيح. ~~لكن يقال: قد دل الكتاب والسنة على أن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وكان ~~حقا عليه نصر المؤمنين وكان حقا عليه أن يجزي المطيعين وأنه حرم الظلم على ~~نفسه فهو سبحانه الذي حرم بنفسه على نفسه الظلم كما أنه هو الذي كتب بنفسه ~~على نفسه الرحمة لا يمكن أن يكون غيره محرما عليه أو موجبا عليه فضلا عن أن ~~يعلم ذلك ms5638 بعقل أو غيره وإذا كان كذلك فهذا الظلم الذي حرمه على نفسه هو ظلم ~~بلا ريب وهو أمر ممكن مقدور عليه وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته ~~واختياره لأنه عادل ليس بظالم كما يترك عقوبة الأنبياء والمؤمنين وكما يترك ~~أن يحمل البريء ذنوب المعتدين. # فصل: # قوله: " {وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} " ينبغي أن يعرف أن هذا الحديث ~~شريف القدر عظيم المنزلة ولهذا كان الإمام أحمد # PageV18P156 # يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا ~~على ركبتيه. وراويه أبو ذر الذي ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق ~~لهجة منه وهو من الأحاديث الإلهية التي رواها الرسول صلى الله عليه وسلم عن ~~ربه وأخبر أنها من كلام الله تعالى وإن لم تكن قرآنا وقد جمع في هذا الباب ~~زاهر الشحامي وعبد الغني المقدسي وأبو عبد الله المقدسي وغيرهم. وهذا ~~الحديث قد تضمن من قواعد الدين العظيمة في العلوم والأعمال والأصول ~~والفروع؛ فإن تلك الجملة الأولى وهي قوله: " {حرمت الظلم على نفسي} " يتضمن ~~جل مسائل الصفات والقدر إذا أعطيت حقها من التفسير وإنما ذكرنا فيها ما لا ~~بد من التنبيه عليه من أوائل النكت الجامعة. وأما هذه الجملة الثانية وهي ~~قوله: " {وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} " فإنها تجمع الدين كله؛ فإن ما ~~نهى الله عنه راجع إلى الظلم وكل ما أمر به راجع إلى العدل. ولهذا قال ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب} فأخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام ~~الناس بالقسط. وذكر أنه أنزل الحديد الذي به ينصر هذا الحق # PageV18P157 # فالكتاب يهدي والسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا. ولهذا كان قوام الناس ~~بأهل الكتاب وأهل الحديد كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح ~~الناس: الأمراء والعلماء. وقالوا في قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} أقوالا تجمع العلماء والأمراء ms5639 ولهذا نص الإمام ~~أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية؟ إذ كل منهما تجب طاعته فيما ~~يقوم به من طاعة الله وكان نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ~~كعلي ومعاذ وأبي موسى وعتاب بن أسيد وعثمان بن أبي العاص وأمثالهم يجمعون ~~الصنفين. وكذلك خلفاؤه من بعده كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونوابهم. ولهذا ~~كانت السنة أن الذي يصلي بالناس صاحب الكتاب والذي يقوم بالجهاد صاحب ~~الحديد. إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك فإذا تفرق صار كل من قام بأمر الحرب من ~~جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ذلك ~~وكذلك من قام بجمع الأموال وقسمها يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله ~~في ذلك وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ أخباره وأوامره وبيانها يجب أن يصدق ~~ويطاع فيما أخبر به من الصدق في ذلك وفيما يأمر به من طاعة الله في ذلك. # PageV18P158 # والمقصود هنا: أن المقصود بذلك كله هو أن يقوم الناس بالقسط؛ ولهذا لما ~~كان المشركون يحرمون أشياء ما أنزل الله بها من سلطان ويأمرون بأشياء ما ~~أنزل الله بها من سلطان أنزل الله في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما يذمهم ~~على ذلك وذكر ما أمر به هو وما حرمه هو فقال: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . وهذه الآية تجمع ~~أنواع المحرمات كما قد بيناه في غير هذا الموضع وتلك الآية تجمع أنواع ~~الواجبات كما بيناه أيضا وقوله: {أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد وادعوه مخلصين له الدين} أمر مع القسط بالتوحيد الذي هو عبادة الله ~~وحده لا شريك له وهذا أصل الدين وضده هو الذنب الذي لا يغفر قال تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك ms5640 به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهو الدين الذي أمر ~~الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الأمم قال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: ~~{واسأل من # PageV18P159 # أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: ~~{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . وقال تعالى: {يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} . ولهذا ترجم البخاري في صحيحه " باب ما جاء ~~في أن دين الأنبياء واحد " وذكر الحديث الصحيح في ذلك وهو الإسلام العام ~~الذي اتفق عليه جميع النبيين. قال نوح عليه السلام {وأمرت أن أكون من ~~المسلمين} وقال تعالى في قصة إبراهيم: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} وقال تعالى: {قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون} . وقال في قصة بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين} وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} . # PageV18P160 # وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين هو أعظم العدل وضده وهو الشرك أعظم الظلم ~~كما أخرجا في الصحيحين عن {عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ~~{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد ~~الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} } "؟ وفي الصحيحين عن {ابن مسعود قال: قلت: ~~يا رسول الله ms5641 أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ ~~قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة ~~جارك فأنزل الله تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} الآية} . وقد جاء عن غير واحد من ~~السلف. وروي مرفوعا {الظلم ثلاثة دواوين: فديوان لا يغفر الله منه شيئا ~~وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يعبأ الله به شيئا. فأما الديوان ~~الذي لا يغفر الله منه شيئا فهو الشرك؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وأما ~~الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فهو ظلم العباد بعضهم بعضا؛ فإن الله ~~لا بد أن ينصف المظلوم من الظالم. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا ~~فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين # PageV18P161 # ربه} أي: مغفرة هذا الضرب ممكنة بدون رضى الخلق؛ فإن شاء عذب هذا الظالم ~~لنفسه وإن شاء غفر له. وقد بسطنا الكلام في هذه الأبواب الشريفة والأصول ~~الجامعة في القواعد وبينا أنواع الظلم وبينا كيف كان الشرك أعظم أنواع ~~الظلم ومسمى الشرك جليله ودقيقه؟ فقد جاء في الحديث: " {الشرك في هذه الأمة ~~أخفى من دبيب النمل} ". وروي أن هذه الآية نزلت في أهل الرياء {فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وكان شداد بن ~~أوس يقول: يا بقايا العرب يا بقايا العرب إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة ~~الخفية. قال أبو داود السجستاني صاحب السنن المشهورة: الخفية حب الرياسة. ~~وذلك أن حب الرياسة هو أصل البغي والظلم كما أن الرياء هو من جنس الشرك أو ~~مبدأ الشرك. والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح؛ ولهذا قال ~~تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} إلى أن ختم السورة بقوله: ~~{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ms5642 علوا في الأرض ولا فسادا} وقال: ~~{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا} وقال: # PageV18P162 # {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} وقالت ~~الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} . فأصل الصلاح: التوحيد ~~والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: {وإذا قيل لهم ~~لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون} وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد ~~منه؛ ولهذا يقول الفقهاء: العقد الصحيح مما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. ~~والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود والصحيح المقابل للفاسد ~~في اصطلاحهم هو الصالح. وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح أو يصلح كما ~~كثر في كلام المتأخرين يصح ولا يصح والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته ~~وبدنه تبع لقلبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ~~{ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإذا فسدت فسد لها ~~سائر الجسد ألا وهي القلب} " وصلاح القلب: في أن يحصل له وبه المقصود الذي ~~خلق له من # PageV18P163 # معرفة الله ومحبته وتعظيمه وفساده في ضد ذلك. فلا صلاح للقلوب بدون ذلك ~~قط. والقلب له قوتان: العلم؛ والقصد كما أن للبدن الحس؛ والحركة الإرادية ~~فكما أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فسدت. فإذا ~~خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل مولود وهي أن يكون مقرا ~~لربه مريدا له فيكون هو منتهى قصده وإرادته. وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة: ~~كمال الحب بكمال الذل فمتى لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى كان ~~فاسدا؛ إما بأن يكون معرضا عن الله وعن ذكره غافلا عن ذلك مع تكذيب أو بدون ~~تكذيب أو بأن يكون له ذكر ms5643 وشعور ولكن قصده وإرادته غيره لكون الذكر ضعيفا ~~لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته. وإلا فمتى قوي علم القلب ~~وذكره أوجب قصده وعلمه قال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا} {ذلك مبلغهم من العلم} فأمر نبيه بأن يعرض عمن كان معرضا عن ~~ذكر الله ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا. وهذه حال من فسد قلبه؛ ~~ولم يذكر ربه؛ ولم ينب إليه فيريد وجهه ويخلص له الدين. ثم قال: {ذلك ~~مبلغهم من العلم} فأخبر أنهم # PageV18P164 # لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا؛ فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم. وأما ~~المؤمن فأكبر همه هو الله وإليه انتهى علمه وذكره. وهذا الآن باب واسع عظيم ~~قد تكلمنا عليه في مواضعه. وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل ~~فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة ~~بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن ~~فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو ~~القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان ~~في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق ~~مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على ~~غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه ~~عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله ~~المؤمنين بذلك. والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال ~~تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ولهذا كان تخصيصه # PageV18P165 # بالذكر في مثل قوله: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين} لا يمنع أن ms5644 يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل ~~الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان كما في قوله: ~~{وملائكته ورسله وجبريل وميكال} و {من النبيين ميثاقهم ومنك} هذا إذا قيل: ~~إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلا في الأول ~~فيكون مذكورا مرتين أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن ~~كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك ~~مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود: أن كل خير فهو داخل في ~~القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل ~~شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا ~~سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل ~~عليه أيضا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنآن} أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم - وهم الكفار - على عدم ~~العدل؛ {قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} وقال تعالى: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل # PageV18P166 # ما عوقبتم به} وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} . وقد دل على هذا ~~قوله في الحديث: " {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ~~فلا تظالموا} " فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا وأمر العالم ~~في الشريعة مبني على هذا وهو العدل في الدماء والأموال؛ والأبضاع والأنساب؛ ~~والأعراض. ولهذا جاءت السنة بالقصاص في ذلك ومقابلة العادي بمثل فعله. لكن ~~المماثلة قد يكون علمها أو عملها متعذرا أو متعسرا؛ ولهذا يكون الواجب ما ~~يكون أقرب إليها بحسب الإمكان ويقال: هذا أمثل؛ وهذا أشبه. وهذه الطريقة ~~المثلى لما كان أمثل بما هو العدل والحق في نفس الأمر؛ إذ ذاك معجوز عنه ~~ولهذا قال تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ms5645 لا نكلف نفسا إلا وسعها} ~~فذكر أنه لم يكلف نفسا إلا وسعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط؛ ~~لأن الكيل لا بد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ولو بحبة أو حبات وكذلك ~~التفاضل في الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن الاحتراز منه فقال تعالى: ~~{لا نكلف نفسا إلا وسعها} . ولهذا كان القصاص مشروعا إذا أمكن استيفاؤه من ~~غير جنف كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عظم. وفي الأعضاء التي تنتهي ~~إلى مفصل فإذا كان الجنف واقعا في الاستيفاء عدل إلى بدله وهو # PageV18P167 # الدية؛ لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتص منه وهذه حجة من رأى ~~من الفقهاء أنه لا قود إلا بالسيف في العنق قال: لأن القتل بغير السيف وفي ~~غير العنق لا نعلم فيه المماثلة بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط ونحو ~~ذلك أشد إيلاما؛ لكن الذين قالوا: يفعل به مثل ما فعل قولهم أقرب إلى ~~العدل؛ فإنه مع تحري التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فعل ما يقدر عليه ~~من العدل وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته. وأما إذا قطع يديه ورجليه ~~ثم وسطه فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف؛ أو رض رأسه بين حجرين فضرب بالسيف ~~فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والمماثلة. وكنا قد فعلنا ما تيقنا انتفاء ~~المماثلة فيه وأنه يتعذر معه وجودها بخلاف الأول فإن المماثلة قد تقع؛ إذ ~~التفاوت فيه غير متيقن. وكذلك القصاص في الضربة واللطمة ونحو ذلك عدل عنه ~~طائفة من الفقهاء إلى التعزير؛ لعدم إمكان المماثلة فيه. والذي عليه ~~الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة وهو منصوص أحمد: ما جاءت به سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ثبوت القصاص به؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل ~~والمماثلة. فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فعله ونقرب # PageV18P168 # القدر من القدر كان هذا أمثل من أن نأتي بجنس من العقوبة تخالف عقوبته ~~جنسا وقدرا وصفة. وهذا النظر أيضا في ضمان الحيوان والعقار ونحو ذلك بمثله ~~تقريبا أو ms5646 بالقيمة كما نص أحمد على ذلك في مواضع ضمان الحيوان وغيره. ونص ~~عليه الشافعي فيمن خرب حائط غيره: أنه يبنيه كما كان. وبهذا قضى سليمان ~~عليه السلام في حكومة الحرث التي حكم فيها هو وأبوه؛ كما قد بين ذلك في ~~موضعه. فجميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها تحري العدل بحسب الإمكان ~~وهو مقصود العلماء لكن أفهمهم من قال بما هو أشبه بالعدل في نفس الأمر وإن ~~كان كل منهم قد أوتي علما وحكما؛ لأنه هو الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به ~~الرسل وضده الظلم كما قال سبحانه: " {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} ". ولما كان العدل لا بد أن يتقدمه علم - ~~إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل؟ والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه ~~فصار عالما عادلا - صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم الجائر ~~والجاهل الظالم؛ فهذان من أهل النار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV18P169 # " {القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به ~~فهو في الجنة؛ ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار؛ ورجل علم الحق وقضى ~~بخلافه فهو في النار} " فهذان القسمان كما قال: " {من قال في القرآن برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار} ". ~~وكل من حكم بين اثنين فهو قاض سواء كان صاحب حرب أو متولي ديوان أو منتصبا ~~للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى الذي يحكم بين الصبيان في ~~الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام. ولما كان الحكام مأمورين ~~بالعدل والعلم وكان المفروض إنما هو بما يبلغه جهد الرجل قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله ~~أجر} ". # فصل: # فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل وحرمه من الظلم على نفسه وعلى ~~عباده: ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم وفقرهم إليه وأنهم لا ~~يقدرون ms5647 على جلب منفعة لأنفسهم ولا دفع مضرة إلا أن يكون هو الميسر لذلك. ~~وأمر العباد أن يسألوه ذلك وأخبر # PageV18P170 # أنهم لا يقدرون على نفعه ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء؛ ويدفع ~~عنهم من البلاء. وجلب المنفعة ودفع المضرة إما أن يكون في الدين أو في ~~الدنيا؛ فصارت أربعة أقسام: الهداية: والمغفرة؛ وهما: جلب المنفعة ودفع ~~المضرة في الدين والطعام؛ والكسوة وهما: جلب المنفعة ودفع المضرة في ~~الدنيا. وإن شئت قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن ~~وهو الأصل في الأعمال الإرادية. والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن: الطعام ~~لجلب منفعته واللباس لدفع مضرته. وفتح الأمر بالهداية فإنها وإن كانت ~~الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين فكل أعمال الناس تابعة لهدى الله إياهم ~~كما قال سبحانه: {سبح اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} ~~وقال موسى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} وقال تعالى: {وهديناه ~~النجدين} وقال: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} . ولهذا قيل: ~~الهدى أربعة أقسام: أحدها: الهداية إلى مصالح الدنيا؛ فهذا مشترك بين ~~الحيوان الناطق والأعجم؛ وبين المؤمن والكافر. # PageV18P171 # والثاني الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ما ينفعهم وأمرهم بذلك وهو نصب ~~الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب فهذا أيضا يشترك فيه جميع المكلفين سواء ~~آمنوا أو كفروا كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} وقال تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} وقال تعالى: {وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم} فهذا مع قوله: {إنك لا تهدي من أحببت} يبين أن الهدى الذي ~~أثبته هو البيان والدعاء؛ والأمر والنهي؛ والتعليم وما يتبع ذلك ليس هو ~~الهدى الذي نفاه وهو القسم الثالث الذي لا يقدر عليه إلا الله. والقسم ~~الثالث: الهدى الذي هو جعل الهدى في القلوب. وهو الذي يسميه بعضهم بالإلهام ~~والإرشاد وبعضهم يقول: هو خلق القدرة على الإيمان؛ كالتوفيق عندهم ونحو ذلك ~~وهو بناء على أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فمن قال ذلك من أهل ~~الإثبات جعل التوفيق ms5648 والهدى ونحو ذلك خلق القدرة على الطاعة. وأما من قال: ~~إنهما استطاعتان: إحداهما: قبل الفعل وهي الاستطاعة المشروطة في التكليف ~~كما قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} # PageV18P172 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: " {صل قائما فإن لم تستطع ~~فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} " وهذه الاستطاعة يقترن بها الفعل تارة ~~والترك أخرى وهي الاستطاعة التي لم تعرف القدرية غيرها كما أن أولئك ~~المخالفين لهم من أهل الإثبات لم يعرفوا إلا المقارنة. وأما الذي عليه ~~المحققون من أئمة الفقه والحديث والكلام وغيرهم فإثبات النوعين جميعا كما ~~قد بسطناه في غير هذا الموضع؛ فإن الأدلة الشرعية والعقلية تثبت النوعين ~~جميعا. والثانية: المقارنة للفعل؛ وهي الموجبة له وهي المنفية عمن لم يفعل ~~في مثل قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} وفي قوله: {لا ~~يستطيعون سمعا} وهذا الهدى الذي يكثر ذكره في القرآن في مثل قوله: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وفي قوله: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} وأمثال ذلك. وهذا هو الذي تنكر القدرية أن يكون ~~الله هو الفاعل له ويزعمون أن العبد هو الذي يهدي نفسه. وهذا الحديث ~~وأمثاله حجة عليهم؛ حيث قال: " {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم} فأمر العباد بأن يسألوه الهداية كما أمرهم بذلك في أم # PageV18P173 # الكتاب في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} وعند القدرية أن الله لا يقدر ~~من الهدى إلا على ما فعله من: إرسال الرسل ونصب الأدلة وإزاحة العلة ولا ~~مزية عندهم للمؤمن على الكافر في هداية الله تعالى ولا نعمة له على المؤمن ~~أعظم من نعمته على الكافر في باب الهدى. وقد بين الاختصاص في هذه بعد عموم ~~الدعوة في قوله: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} فقد جمع الحديث: تنزيهه عن الظلم الذي يجوزه عليه ms5649 بعض المثبتة ~~وبيان أنه هو الذي يهدي عباده ردا على القدرية. فأخبر هناك بعدله الذي ~~يذكره بعض المثبتة وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذي تنكره القدرية وإن كان كل ~~منهما قصده تعظيما لا يعرف ما اشتمل عليه قوله. والقسم الرابع: الهدى في ~~الآخرة كما قال تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها ~~حرير} {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} وقال: {إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم} فقوله: {يهديهم ربهم بإيمانهم} كقوله: # PageV18P174 # {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء} على أحد القولين في الآية. وهذا الهدى ثواب الاهتداء في ~~الدنيا كما أن ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا؛ وكما أن قصد الشر في الدنيا ~~جزاؤه الهدى إلى طريق النار كما قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ~~وما كانوا يعبدون} {من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} . وقال: {ومن كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} وقال: {فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} وقال: {ومن يهد الله فهو المهتدي ~~ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما} الآية فأخبر أن الضالين في الدنيا يحشرون يوم القيامة عميا ~~وبكما وصما فإن الجزاء أبدا من جنس العمل كما قال صلى الله عليه وسلم " ~~{الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء} " وقال: ~~" {من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ومن يسر ~~على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في ~~الدنيا # PageV18P175 # والآخرة والله في ms5650 عون العبد ما كان العبد في عون أخيه} ". وقال: " {من ~~سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار} ". وقد قال ~~تعالى: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} وقال: {إن تبدوا ~~خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} وأمثال هذا كثير ~~في الكتاب والسنة. ولهذا أيضا يجزي الرجل في الدنيا على ما فعله من خير ~~الهدى بما يفتح عليه من هدى آخر ولهذا قيل: من عمل بما علم ورثه الله علم ~~ما لم يعلم. وقد قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا} إلى قوله: {مستقيما} وقال: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} ~~{يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} . وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم} . وقال: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} فسروه بالنصر والنجاة ~~كقوله: {يوم الفرقان} . وقد قيل: نور يفرق به بين الحق والباطل. ومثله ~~قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} وعد المتقين ~~بالمخارج من الضيق وبرزق المنافع. ومن هذا الباب قوله: {والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم # PageV18P176 # تقواهم} وقوله: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} . ومنه قوله: {إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا} {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صراطا مستقيما} {وينصرك الله نصرا عزيزا} . وبإزاء ذلك أن ~~الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدمة كما قال الله: {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم} {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} وقال: {فبما ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} . وقال: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم} إلى قوله: {لا يؤمنون} إلى قوله: {يعمهون} . وهذا باب واسع. ولهذا ~~قال من قال من السلف: أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وأن من عقوبة السيئة ~~السيئة بعدها. وقد شاع في لسان العامة أن قوله: {واتقوا الله ويعلمكم الله} ~~من الباب ms5651 الأول؛ حيث يستدلون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله وأكثر ~~الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط ~~الجزاء بالشرط فلم يقل؛ واتقوا الله ويعلمكم ولا قال فيعلمكم. وإنما أتى ~~بواو العطف وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني وقد يقال العطف قد ~~يتضمن معنى الاقتران والتلازم كما يقال: زرني وأزورك؛ وسلم علينا ونسلم # PageV18P177 # عليك ونحو ذلك مما يقتضي اقتران الفعلين والتعاوض من الطرفين كما لو قال ~~لسيده: أعتقني ولك علي ألف؛ أو قالت المرأة لزوجها طلقني ولك ألف؛ أو ~~اخلعني ولك ألف؛ فإن ذلك بمنزلة قولها بألف أو علي ألف. وكذلك أيضا لو قال: ~~أنت حر وعليك ألف أو أنت طالق وعليك ألف؛ فإنه كقوله: علي ألف أو بألف عند ~~جمهور الفقهاء. والفرق بينهما قول شاذ ويقول أحد المتعاوضين للآخر: أعطيك ~~هذا وآخذ هذا ونحو ذلك من العبارات فيقول الآخر: نعم وإن لم يكن أحدهما هو ~~السبب للآخر دون العكس. فقوله: {واتقوا الله ويعلمكم الله} قد يكون من هذا ~~الباب فكل من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه فمتى ~~علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك ومتى اتقاه زاده من العلم ~~وهلم جرا. # فصل: # وأما قوله: " {يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم وكلكم ~~عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم} " فيقتضي أصلين عظيمين: # PageV18P178 # أحدهما ### | : وجوب التوكل # على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام ودفع المضرة كاللباس وأنه ~~لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة. وإنما القدرة التي تحصل ~~لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك؛ ولهذا قال: {وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف} وقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما وارزقوهم فيها واكسوهم} فالمأمور به هو المقدور للعباد وكذلك قوله: ~~{أو إطعام في يوم ذي مسغبة} {يتيما ذا مقربة} {أو مسكينا ذا متربة} وقوله: ~~{وأطعموا القانع والمعتر} وقوله: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} وقال: ~~{وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ms5652 الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه} فذم من يترك المأمور به اكتفاء بما يجري به القدر. ومن ~~هنا يعرف أن السبب المأمور به أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في ~~وجود السبب؛ بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب؛ إذ ليس في ~~المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب؛ ولهذا لا يجب أن تقترن ~~الحوادث بما قد يجعل سببا إلا بمشيئة الله تعالى؛ فإنه ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن. فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله ~~عليه من التوكل؛ وأخل بواجب التوحيد ولهذا يخذل أمثال هؤلاء # PageV18P179 # إذا اعتمدوا على الأسباب. فمن رجا نصرا أو رزقا من غير الله خذله الله ~~كما قال علي رضي الله عنه لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه. وقد ~~قال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده وهو العزيز الحكيم} وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده} وقال: {قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} . # وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركا لما أمر به من الأسباب فهو أيضا ~~جاهل ظالم؛ عاص لله بترك ما أمره؛ فإن فعل المأمور به عبادة لله. وقد قال ~~تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} وقال: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقال: {قل هو ~~ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} وقال شعيب عليه السلام {عليه ~~توكلت وإليه أنيب} وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ~~ربي عليه توكلت وإليه أنيب} . وقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ms5653 ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة # PageV18P180 # والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} ~~فليس من فعل شيئا أمر به وترك ما أمر به من التوكل بأعظم ذنبا ممن فعل ~~توكلا أمر به وترك فعل ما أمر به من السبب؛ إذ كلاهما مخل ببعض ما وجب عليه ~~وهما مع اشتراكهما في جنس الذنب فقد يكون هذا ألوم وقد يكون الآخر مع أن ~~التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب. وقد روى أبو داود في سننه {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين. فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم ~~الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك ~~بالكيس فإن غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل} ". وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {المؤمن القوي ~~خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن ~~بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: ~~قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان} " ففي قوله صلى الله عليه ~~وسلم " {احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز} " أمر بالتسبب المأمور ~~به وهو الحرص على المنافع. وأمر مع # PageV18P181 # ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين ~~ونهى عن العجز الذي هو ضد الكيس. كما قال في الحديث الآخر: " {إن الله يلوم ~~على العجز ولكن عليك بالكيس} " وكما في الحديث الشامي: " {الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله} " ~~فالعاجز في الحديث مقابل الكيس ومن قال: العاجز هو مقابل البر فقد حرف ~~الحديث ولم يفهم معناه. ومنه الحديث: " {كل شيء بقدر حتى العجز والكيس} ". ~~ومن ذلك ما روى ms5654 البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا ~~يتزودون يقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا سألوا الناس؛ فقال الله تعالى: ~~{وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} فمن فعل ما أمر به من التزود فاستعان به ~~على طاعة الله وأحسن منه إلى من يكون محتاجا كان مطيعا لله في هذين الأمرين ~~بخلاف من ترك ذلك ملتفتا إلى أزواد الحجيج كلا على الناس؛ وإن كان مع هذا ~~قلبه غير ملتفت إلى معين فهو ملتفت إلى الجملة لكن إن كان المتزود غير قائم ~~بما يجب عليه من التوكل على الله ومواساة المحتاج فقد يكون في تركه لما أمر ~~به من جنس هذا التارك للتزود المأمور به. # PageV18P182 # وفي هذه النصوص بيان غلط طوائف: طائفة تضعف أمر السبب المأمور به فتعده ~~نقصا أو قدحا في التوحيد والتوكل وإن تركه من كمال التوكل والتوحيد وهم في ~~ذلك ملبوس عليهم وقد يقترن بالغلط اتباع الهوى في إخلاد النفس إلى البطالة ~~ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لما أمروا به من الأسباب يتعلقون بأسباب ~~دون ذلك؛ فإما أن يعلقوا قلوبهم بالخلق رغبة ورهبة وإما أن يتركوا لأجل ما ~~تبتلوا له من الغلو في التوكل واجبات أو مستحبات أنفع لهم من ذلك كمن يصرف ~~همته في توكله إلى شفاء مرضه بلا دواء أو نيل رزقه بلا سعي فقد يحصل ذلك ~~لكن كان مباشرة الدواء الخفيف والسعي اليسير وصرف تلك الهمة والتوجه في عمل ~~صالح: أنفع له بل قد يكون أوجب عليه من تبتله لهذا الأمر اليسير الذي قدره ~~درهم أو نحوه. وفوق هؤلاء من يجعل التوكل والدعاء أيضا نقصا وانقطاعا عن ~~الخاصة ظنا أن ملاحظة ما فرغ منه في القدر هو حال الخاصة. وقد قال في هذا ~~الحديث: " {كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم} " وقال: " ~~{فاستكسوني أكسكم} " وفي الطبراني أو غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال: " {ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ~~ييسره لم يتيسر} ". وهذا قد ms5655 يلزمه أن يجعل أيضا استهداء الله وعمله بطاعته ~~من ذلك # PageV18P183 # وقولهم يوجب دفع المأمور به مطلقا؛ بل دفع المخلوق والمأمور وإنما غلطوا ~~من حيث ظنوا أن سبق التقدير يمنع أن يكون بالسبب المأمور به كمن يتزندق ~~فيترك الأعمال الواجبة بناء على أن القدر قد سبقه بأهل السعادة وأهل ~~الشقاوة ولم يعلم أن القدر سبق بالأمور على ما هي عليه فمن قدره الله من ~~أهل السعادة كان مما قدره الله تيسيره لعمل أهل السعادة ومن قدره من أهل ~~الشقاء كان مما قدره أن ييسره لعمل أهل الشقاء كما قد أجاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا السؤال في حديث علي بن أبي طالب وعمران بن حصين وسراقة بن ~~جعشم وغيرهم. ومنه حديث الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن الزهري ~~عن {أبي خزامة عن أبيه. قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر ~~الله شيئا؟ فقال: هي من قدر الله} ". وطائفة تظن أن التوكل إنما هو من ~~مقامات الخاصة المتقربين إلى الله بالنوافل وكذلك قولهم في أعمال القلوب ~~وتوابعها كالحب والرجاء والخوف والشكر ونحو ذلك. وهذا ضلال مبين بل جميع ~~هذه الأمور فروض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان ومن تركها بالكلية # PageV18P184 # فهو: إما كافر وإما منافق لكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة ~~فمنهم ظالم لنفسه؛ ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ونصوص الكتاب والسنة ~~طافحة بذلك وليس هؤلاء المعرضون عن هذه الأمور علما وعملا بأقل لوما من ~~التاركين لما أمروا به من أعمال ظاهرة مع تلبسهم ببعض هذه الأعمال بل ~~استحقاق الذم والعقاب يتوجه إلى من ترك المأمور من الأمور الباطنة والظاهرة ~~وإن كانت الأمور الباطنة مبتدأ الأمور الظاهرة وأصولها والأمور الظاهرة ~~كمالها وفروعها التي لا تتم إلا بها. # فصل: # وأما قوله: " {يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ~~جميعا} " وفي رواية: " {وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر ms5656 لكم} " ~~فالمغفرة العامة لجميع الذنوب نوعان: # أحدهما: المغفرة لمن تاب كما في قوله تعالى {قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} إلى قوله: {ثم لا تنصرون} فهذا السياق ~~مع سبب نزول الآية يبين أن المعنى لا ييأس مذنب من مغفرة الله ولو كانت ~~ذنوبه ما كانت فإن الله # PageV18P185 # سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب. وقد دخل في هذا العموم ~~الشرك وغيره من الذنوب فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه قال تعالى: ~~{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} إلى قوله: {فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال في الآية الأخرى: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} وقال: {لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة} إلى قوله {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~والله غفور رحيم} وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه - كما دل ~~عليه القرآن والحديث - هو الصواب عند جماهير أهل العلم وإن كان من الناس من ~~يستثني بعض الذنوب كقول بعضهم: أن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا ~~للحديث الإسرائيلي الذي فيه: " {فكيف من أضللت} ". وهذا غلط؛ فإن الله قد ~~بين في كتابه وسنة رسوله أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة ~~البدع. وقد قال تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم ~~عذبوا أولياءه وفتنوهم ثم هو يدعوهم إلى التوبة. # PageV18P186 # وكذلك توبة القاتل ونحوه وحديث أبي سعيد المتفق عليه في الذي قتل تسعة ~~وتسعين نفسا يدل على قبول توبته وليس في الكتاب والسنة ما ينافي ذلك ولا ~~نصوص الوعيد - فيه وفي غيره من الكبائر - بمنافية لنصوص قبول التوبة فليست ~~آية الفرقان بمنسوخة بآية النساء؛ إذ لا منافاة بينهما فإنه قد علم يقينا ~~أن كل ذنب فيه وعيد فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة؛ إذ نصوص التوبة ~~مبينة لتلك النصوص كالوعيد في الشرك وأكل الربا وأكل ms5657 مال اليتيم والسحر ~~وغير ذلك من الذنوب. ومن قال من العلماء: توبته غير مقبولة. فحقيقة قوله ~~التي تلائم أصول الشريعة أن يراد بذلك أن التوبة المجردة تسقط حق الله من ~~العقاب. وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة وهذا حق. ولا فرق في ذلك ~~بين القاتل وسائر الظالمين. فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم لكن ~~من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته. وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من ~~العوض في الآخرة فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا استوفى ~~المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا. ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوض المظلوم من ~~عنده فلا راد لفضله كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ولهذا في ~~حديث القصاص الذي ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن # PageV18P187 # أنيس شهرا حتى شافهه به وقد رواه الإمام أحمد وغيره واستشهد به البخاري ~~في صحيحه؛ وهو من جنس حديث الترمذي صحاحه أو حسانه؛ قال فيه: " {إذا كان ~~يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد؛ يسمعهم الداعي وينفذهم ~~البصر. ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا ~~الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لأحد من أهل النار ~~قبله مظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولا لأحد من أهل ~~الجنة حتى أقصه منه} ". فبين في الحديث العدل والقصاص بين أهل الجنة وأهل ~~النار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد: " {أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط ~~وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا ~~أذن لهم في دخول الجنة} " وقد قال سبحانه لما قال: {ولا يغتب بعضكم بعضا} - ~~والاغتياب من ظلم الأعراض - قال: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} . فقد نبههم على التوبة من ~~الاغتياب وهو من الظلم. وفي الحديث الصحيح: " {من كان ms5658 عنده لأخيه مظلمة في ~~دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم # PageV18P188 # ولا دينار إلا الحسنات والسيئات. فإن كان له حسنات وإلا أخذ من سيئات ~~صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار} " أو كما قال. وهذا فيما علمه المظلوم ~~من العوض فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل: من شرط توبته ~~إعلامه وقيل: لا يشترط ذلك وهذا قول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد. لكن ~~قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح ~~يهدي إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن ~~تستغفر لمن اغتبته. وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة ~~مثل قول أكثرهم: لا تقبل توبة الزنديق وهو المنافق وقولهم: إذا تاب المحارب ~~قبل القدرة عليه تسقط عنه حدود الله وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر ~~الجرائم كما هو أحد قولي الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد وقولهم في هؤلاء: ~~إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم. فهذا إنما يريدون به رفع ~~العقوبة المشروعة عنهم أي: لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة بل يعاقب: ~~إما لأن توبته غير معلومة الصحة بل يظن به الكذب فيها وأما لأن رفع العقوبة ~~بذلك يفضي إلى انتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم ولا يريدون بذلك ~~أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة فإن الله لا يقبل توبته في الباطن؛ إذ # PageV18P189 # ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر ~~الآخرة كما قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} {وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار} الآية. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقالوا لي: كل من عصى الله ms5659 فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت ~~فقد تاب من قريب. وأما من تاب عند معاينة الموت فهذا كفرعون الذي قال: أنا ~~الله {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين} قال الله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} ~~وهذا استفهام إنكار بين به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور ~~بها؛ فإن استفهام الإنكار: إما بمعنى النفي إذا قابل الإخبار وإما بمعنى ~~الذم والنهي إذا قابل الإنشاء وهذا من هذا. ومثله قوله تعالى {فلما جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} ~~{فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} {فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما # PageV18P190 # رأوا بأسنا} الآية. بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع وأن هذه سنة ~~الله التي قد خلت في عباده؛ كفرعون وغيره وفي الحديث: " {أن الله يقبل توبة ~~العبد ما لم يغرغر} " وروي: " {ما لم يعاين} ". وقد ثبت في الصحيحين {أنه ~~صلى الله عليه وسلم عرض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه} وقد {عاد ~~يهوديا كان يخدمه فعرض عليه الإسلام فأسلم فقال: الحمد لله الذي أنقذه بي ~~من النار ثم قال لأصحابه: آووا أخاكم} ". ومما يبين أن ### | المغفرة العامة # في الزمر هي للتائبين أنه قال في سورة النساء: {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فقيد المغفرة بما دون الشرك وعلقها على ~~المشيئة وهناك أطلق وعمم فدل هذا التقييد والتعليق على أن هذا في حق غير ~~التائب؛ ولهذا استدل أهل السنة بهذه الآية على جواز المغفرة لأهل الكبائر ~~في الجملة خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم من الخوارج والمعتزلة وإن كان ~~المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة حتى توقفوا في لحوق الوعيد ~~بأحد من أهل القبلة كما يذكر عن غلاتهم أنهم نفوه مطلقا ودين الله وسط بين ~~الغالي فيه والجافي عنه ونصوص ms5660 الكتاب والسنة مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها ~~متطابقة على أن من أهل الكبائر # PageV18P191 # من يعذب وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. النوع ~~الثاني: من المغفرة العامة التي دل عليها قوله: {يا عبادي إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا} المغفرة بمعنى تخفيف العذاب؛ أو ~~بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى وهذا عام مطلقا؛ ولهذا شفع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أبي طالب مع موته على الشرك فنقل من غمرة من نار حتى جعل في ضحضاح ~~من نار في قدميه نعلان من نار يغلي منهما دماغه. قال: " {ولولا أنا لكان في ~~الدرك الأسفل من النار} " وعلى هذا المعنى دل قوله سبحانه: {ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~ما ترك عليها من دابة} {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} . # فصل: # وأما قوله عز وجل: " {يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني} " فإنه هو بين بذلك أنه ليس هو فيما يحسن به إليهم من إجابة ~~الدعوات وغفران الزلات بالمستعيض # PageV18P192 # بذلك منهم جلب منفعة أو دفع مضرة كما هي عادة المخلوق الذي يعطي غيره ~~نفعا ليكافئه عليه بنفع أو يدفع عنه ضررا ليتقي بذلك ضرره فقال: " {إنكم لن ~~تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني} " فلست إذا أخصكم بهداية ~~المستهدي وكفاية المستكفي المستطعم والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني ولا ~~أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني؛ فإنكم لن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك بل ما يقدرون ~~عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره فكيف بما لا يقدرون ~~عليه؟ فكيف بالغني الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحق من غيره نفعا أو ضرا؟ ~~وهذا الكلام كما بين أن ما يفعله بهم من جلب المنافع ودفع المضار فإنهم لن ~~يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك فكذلك يتضمن أن ما ms5661 يأمرهم به من الطاعات وما ~~ينهاهم عنه من السيئات فإنه لا يتضمن استجلاب نفعهم كأمر السيد لعبده؛ أو ~~الوالد لولده؛ والأمير لرعيته؛ ونحو ذلك. ولا دفع مضرتهم: كنهي هؤلاء أو ~~غيرهم لبعض الناس عن مضرتهم. فإن المخلوقين يبلغ بعضهم نفع بعض ومضرة بعض ~~وكانوا في أمرهم ونهيهم قد يكونون كذلك والخالق سبحانه مقدس عن ذلك فبين ~~تنزيهه عن لحوق نفعهم وضرهم في إحسانه إليهم بما يكون من # PageV18P193 # أفعاله بهم وأوامره لهم قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به ~~لحاجته إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به عليهم ولكن أمرهم بما فيه ~~صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم. # فصل: # ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا فذكر أن برهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ~~ومعصيتهم لا يزيد في ملكه ولا ينقص وأن إعطاءه إياهم غاية ما يسألونه نسبته ~~إلى ما عنده أدنى نسبة وهذا بخلاف الملوك وغيرهم ممن يزداد ملكه بطاعة ~~الرعية وينقص ملكه بالمعصية. وإذا أعطى الناس ما يسألونه أنفد ما عنده ولم ~~يغنهم وهم في ذلك يبلغون مضرته ومنفعته وهو يفعل ما يفعله من إحسان وعفو ~~وأمر ونهي لرجاء المنفعة وخوف المضرة. فقال: " {يا عبادي؛ لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما ~~نقص ذلك من ملكي شيئا} " إذ ملكه هو قدرته على التصرف. فلا تزداد بطاعتهم ~~ولا تنقص بمعصيتهم كما تزداد قدرة الملوك بكثرة المطيعين لهم وتنقص بقلة ~~المطيعين لهم؛ فإن ملكه متعلق # PageV18P194 # بنفسه وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وهو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع ~~الملك ممن يشاء. والملك قد يراد به القدرة على التصرف والتدبير ويراد به ~~نفس التدبير والتصرف ويراد به المملوك نفسه الذي هو محل التدبير ويراد به ~~ذلك كله. وبكل حال فليس بر الأبرار وفجور الفجار موجبا لزيادة شيء من ذلك ~~ولا نقصه؛ بل هو بمشيئته ms5662 وقدرته يخلق ما يشاء فلو شاء أن يخلق مع فجور ~~الفجار ما شاء لم يمنعه من ذلك مانع كما يمنع الملوك فجور رعاياهم التي ~~تعارض أوامرهم عما يختارونه من ذلك. ولو شاء أن لا يخلق مع بر الأبرار شيئا ~~مما خلقه لم يكن برهم محوجا له إلى ذلك ولا معينا له كما يحتاج الملوك ~~ويستعينون بكثرة الرعايا المطيعين. # فصل: # ثم ذكر حالهم في النوعين سؤال بره وطاعة أمره. اللذين ذكرهما في الحديث ~~حيث ذكر الاستهداء والاستطعام والاستكساء وذكر الغفران والبر والفجور فقال: ~~" {لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل ~~إنسان منهم مسألته # PageV18P195 # ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر} " والخياط ~~والمخيط: ما يخاط به إذ الفعال والمفعل والمفعال من صيغ الآلات التي يفعل ~~بها كالمسعر والمخلاب والمنشار. فبين أن جميع الخلائق إذا سألوا وهم في ~~مكان واحد وزمان واحد فأعطي كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ذلك مما عنده ~~إلا كما ينقص الخياط " وهي الإبرة " إذا غمس في البحر. وقوله: " {لم ينقص ~~مما عندي} " فيه قولان: أحدهما: أنه يدل على أن عنده أمورا موجودة يعطيهم ~~منها ما سألوه إياه وعلى هذا فيقال: لفظ النقص على حاله لأن الإعطاء من ~~الكثير وإن كان قليلا فلا بد أن ينقصه شيئا ما. ومن رواه: " {لم ينقص من ~~ملكي} " يحمل على ما عنده كما في هذا اللفظ؛ فإن قوله: " مما عندي " فيه ~~تخصيص ليس هو في قوله: " من ملكي ". وقد يقال: المعطى: إما أن يكون أعيانا ~~قائمة بنفسها؛ أو صفات قائمة بغيرها. فأما الأعيان فقد تنقل من محل إلى محل ~~فيظهر النقص في المحل الأول. وأما الصفات فلا تنقل من محلها وإن وجد نظيرها ~~في محل آخر كما يوجد نظير علم المعلم في قلب المتعلم من غير زوال علم ~~المعلم وكما يتكلم المتكلم بكلام المتكلم قبله من غير انتقال كلام المتكلم ~~الأول إلى # PageV18P196 # الثاني. وعلى هذا فالصفات لا تنقص مما عنده شيئا وهي ms5663 من المسئول كالهدى. ~~وقد يجاب عن هذا بأنه من الممكن في بعض الصفات ألا يثبت مثلها في المحل ~~الثاني حتى تزول عن الأول: كاللون الذي ينقص وكالروائح التي تعبق بمكان ~~وتزول؛ كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على حمى المدينة أن تنقل إلى ~~مهيعة وهي الجحفة وهل مثل هذا الانتقال بانتقال عين العرض الأول أو بوجود ~~مثله من غير انتقال عينه؟ فيه للناس قولان: إذ منهم من يجوز انتقال الأعراض ~~بل من يجوز أن تجعل الأعراض أعيانا؛ كما هو قول ضرار والنجار وأصحابهما ~~كبرغوث وحفص الفرد؛ لكن إن قيل: هو بوجود مثله من غير انتقال عينه فذلك ~~يكون مع استحالة العرض الأول وفنائه فيعدم عن ذلك المحل ويوجد مثله في ~~المحل الثاني. والقول الثاني: أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى ~~والخضر الذي في الصحيحين من حديث ابن عباس؛ عن أبي بن كعب؛ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه: " {أن الخضر قال لموسى لما وقع عصفور على قارب ~~السفينة فنقر في البحر فقال: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ~~كما نقص هذا العصفور من هذا البحر} " ومن المعلوم أن نفس علم الله القائم ~~بنفسه لا يزول منه # PageV18P197 # شيء بتعلم العباد وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ~~ما علق بمنقار العصفور إلى البحر. ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله: ~~{العلماء ورثة الأنبياء} ومنه قوله: {وورث سليمان داود} ومنه توريث الكتاب ~~أيضا كقوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ومثل هذه العبارة ~~من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن كان العلم الأول ثابتا. كما قال سعيد بن ~~المسيب لقتادة وقد أقام عنده أسبوعا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه ~~وقال: نزفتني يا أعمى وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه ~~شيء. ومعلوم أن قتادة لو تعلم جميع علم سعيد لم يزل علمه من قلبه كما يزول ~~الماء من القليب لكن قد يقال: ms5664 التعليم إنما يكون بالكلام والكلام يحتاج إلى ~~حركة وغيرها مما يكون بالمحل ويزول عنه؛ ولهذا يوصف بأنه يخرج من المتكلم؛ ~~كما قال تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} . ويقال: ~~قد أخرج العالم هذا الحديث ولم يخرج هذا فإذا كان تعليم العلم بالكلام ~~المستلزم زوال بعض ما يقوم بالمحل وهذا نزيف وخروج: كان كلام سعيد بن ~~المسيب على حقيقته. ومضمونه: أنه في تلك السبع الليالي من كثرة ما أجابه ~~وكلمه فارقه أمور قامت به من حركات وأصوات؛ # PageV18P198 # بل ومن صفات قائمة بالنفس كان ذلك نزيفا ومما يقوي هذا المعنى أن الإنسان ~~وإن كان علمه في نفسه فليس هو أمرا لازما للنفس لزوم الألوان للمتلونات بل ~~قد يذهل الإنسان عنه ويغفل وقد ينساه ثم يذكره فهو شيء يحضر تارة ويغيب ~~أخرى. وإذا تكلم به الإنسان وعلمه فقد تكل النفس وتعي حتى لا يقوى على ~~استحضاره إلا بعد مدة فتكون في تلك الحال خالية عن كمال تحققه واستحضاره ~~الذي يكون به العالم عالما بالفعل وإن لم يكن نفس ما زال هو بعينه القائم ~~في نفس السائل والمستمع ومن قال هذا يقول: كون التعليم يرسخ العلم من وجه ~~لا ينافي ما ذكرناه وإذا كان مثل هذا النقص والنزيف معقولا في علم العباد ~~كان استعمال لفظ النقص في علم الله بناء على اللغة المعتادة في مثل ذلك وإن ~~كان هو سبحانه منزها عن اتصافه بضد العلم بوجه من الوجوه أو عن زوال علمه ~~عنه لكن في قيام أفعال به وحركات نزاع بين الناس من المسلمين وغيرهم. ~~وتحقيق الأمر: أن المراد ما أخذ علمي وعلمك من علم الله وما نال علمي وعلمك ~~من علم الله وما أحاط علمي وعلمك من علم الله كما قال: {ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء} إلا كما نقص أو أخذ أو نال هذا العصفور من هذا البحر أي: ~~نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا وإن كان المشبه به جسما ينتقل من محل ~~إلى ms5665 محل ويزول # PageV18P199 # عن المحل الأول وليس المشبه كذلك؛ فإن هذا الفرق هو فرق ظاهر يعلمه ~~المستمع من غير التباس كما قال صلى الله عليه وسلم " {إنكم سترون ربكم كما ~~ترون الشمس والقمر} " فشبه الرؤية بالرؤية وهي وإن كانت متعلقة بالمرئي في ~~الرؤية المشبهة والرؤية المشبه بها؛ لكن قد علم المستمعون أن المرئي ليس ~~مثل المرئي فكذلك هنا شبه النقص بالنقص؛ وإن كان كل من الناقص والمنقوص ~~والمنقوص منه المشبه به ليس مثل الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبه به. ~~ولهذا كل أحد يعلم أن المعلم لا يزول علمه بالتعليم بل يشبهونه بضوء السراج ~~الذي يحدث: يقتبس منه كل أحد ويأخذون ما شاءوا من الشهب وهو باق بحاله وهذا ~~تمثيل مطابق؛ فإن المستوقد من السراج يحدث الله في فتيلته أو وقوده نارا من ~~جنس تلك النار وإن كان قد يقال: إنها تستحيل عن ذلك الهواء مع أن النار ~~الأولى باقية كذلك المتعلم يجعل في قلبه مثل علم المعلم مع بقاء علم المعلم ~~ولهذا قال علي رضي الله عنه العلم يزكو على العمل أو قال: على التعليم؛ ~~والمال ينقصه النفقة. وعلى هذا فيقال في حديث أبي ذر: إن قوله " مما عندي ~~"؛ وقوله: " من ملكي " هو من هذا الباب وحينئذ فله وجهان: # أحدهما: أن يكون ما أعطاهم خارجا عن مسمى ملكه ومسمى ما # PageV18P200 # عنده كما أن علم الله لا يدخل فيه نفس علم موسى والخضر. # والثاني أن يقال: بل لفظ الملك وما عنده يتناول كل شيء وما أعطاهم فهو ~~جزء من ملكه ومما عنده ولكن نسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة. ومما ~~يحقق هذا القول الثاني: أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن ~~غنم؛ عن أبي ذر مرفوعا فيه: " {لو أن أولكم وآخركم؛ وإنسكم وجنكم؛ ورطبكم ~~ويابسكم؛ سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني؛ ما نقص ~~ذلك مما عندي كمغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر وذلك إني جواد ماجد واجد ~~عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء ms5666 إذا أردته أن أقول له: كن؛ فيكون} " ~~فذكره سبحانه: أن عطاءه كلام وعذابه كلام يدل على أنه هو أراد بقوله: " من ~~ملكي " و " مما عندي " أي: من مقدوري فيكون هذا في القدرة كحديث الخضر في ~~العلم والله أعلم. ويؤيد ذلك أن في اللفظ الآخر الذي في نسخة أبي مسهر: {لم ~~ينقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر} " وهذا قد يقال فيه: إنه ~~استثناء منقطع أي: لم ينقص من ملكي شيئا لكن يكون حاله حال هذه النسبة وقد ~~يقال: بل هو تام والمعنى على ما سبق. # PageV18P201 # فصل # ثم ختمه بتحقيق ما بينه فيه من عدله وإحسانه فقال: " {يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه} " فبين أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم ~~الصالحة إحسانا يستحق به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها؛ والإرشاد إليها ~~والإعانة عليها ثم إحصائها ثم توفية جزائها. فكل ذلك فضل منه وإحسان؛ إذ كل ~~نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة وكان ~~حقا عليه نصر المؤمنين - كما تقدم بيانه - فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس ~~بعضهم على بعض الذي يكون عدلا لا فضلا؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس ~~أحسن إلى البعض فاستحق المعاوضة وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن ~~إليه؛ ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما ~~وهو قد بين في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه ~~فينفعوه فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق بل هو الذي أحق ~~الحق على نفسه بكلماته فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه # PageV18P202 # وكتابته على نفسه فهو في كتابة الرحمة على نفسه وإحقاقه نصر عباده ~~المؤمنين ونحو ذلك محسن إحسانا مع إحسان. فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي ~~يتبين بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب فمن بين موجب ~~على ربه ms5667 بالمنع أن يكون محسنا متفضلا؛ ومن بين مسو بين عدله وإحسانه وما ~~تنزه عنه من الظلم والعدوان. وجاعل الجميع نوعا واحدا. وكل ذلك حيد عن سنن ~~الصراط المستقيم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وكما بين أنه محسن في ~~الحسنات؛ متم إحسانه بإحصائها والجزاء عليها؛ بين أنه عادل في الجزاء على ~~السيئات فقال: " {ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} كما تقدم بيانه في ~~مثل قوله: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} . وعلى هذا الأصل استقرت ~~الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها كما في الحديث الصحيح ~~الذي رواه البخاري؛ عن شداد بن أوس؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي؛ لا إله إلا أنت. خلقتني ~~وأنا عبدك؛ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شر ما صنعت؛ أبوء لك ~~بنعمتك علي؛ وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} " ففي ~~قوله: " {أبوء لك بنعمتك علي} " اعتراف بنعمته عليه في الحسنات وغيرها. ~~وقوله: " {وأبوء بذنبي} " # PageV18P203 # اعتراف منه بأنه مذنب ظالم لنفسه وبهذا يصير العبد شكورا لربه مستغفرا ~~لذنبه فيستوجب مزيد الخير وغفران الشر من الشكور الغفور الذي يشكر اليسير ~~من العمل ويغفر الكثير من الزلل. وهنا انقسم الناس ثلاثة أقسام في إضافة ~~الحسنات والسيئات التي هي الطاعات والمعاصي إلى ربهم وإلى نفوسهم فشرهم ~~الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر واعتذر بأن القدر سبق بذلك وأنه لا خروج ~~له على القدر فركب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه ~~ونسي نعمة الله عليه في تيسيره لليسرى. وهذا ليس مذهب طائفة من بني آدم ~~ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا حفظوا حدود الأمر والنهي ولا ~~شهدوا حقيقة القضاء والقدر كما قال فيهم الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: أنت ~~عند الطاعة قدري؛ وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. وخير ~~الأقسام وهو القسم المشروع وهو الحق الذي جاءت به الشريعة: ms5668 أنه إذا أحسن ~~شكر نعمة الله عليه وحمده؛ إذ أنعم عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا؛ ~~فإنه فقير محتاج في ذاته وصفاته وجميع حركاته وسكناته إلى ربه ولا حول ولا ~~قوة إلا به فلو لم يهده لم يهتد كما قال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق} وإذا # PageV18P204 # أساء اعترف بذنبه واستغفر ربه وتاب منه وكان كأبيه آدم الذي قال: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ولم يكن كإبليس ~~الذي قال: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} {إلا ~~عبادك منهم المخلصين} . ولم يحتج بالقدر على ترك مأمور ولا فعل محظور؛ مع ~~إيمانه بالقدر خيره وشره وإن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك. ~~وهؤلاء هم الذين أطاعوا الله في قوله في هذا الحديث الصحيح: {فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه} " ولكن بسط ذلك وتحقيق ~~نسبة الذنب إلى النفس مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه أسرار ليس ~~هذا موضعها ومع هذا فقوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا} {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} ليس المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي كما ~~يظنه كثير من الناس حتى يحرف بعضهم القرآن ويقرأ (فمن نفسك؟ ومعلوم أن معنى ~~هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة وحتى يضمر بعضهم القول على وجه ~~الإنكار له وهو قول # PageV18P205 # الله الحق فيجعل قول الله الصدق الذي يحمد ويرضى قولا للكفار يكذب به ~~ويذم ويسخط بالإضمار الباطل الذي يدعيه من غير أن يكون في السياق ما يدل ~~عليه. ثم إن من جهل ms5669 هؤلاء ظنهم أن في هذه الآية حجة للقدرية واحتجاج بعض ~~القدرية بها وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصي سواء من ~~جهة القدر. فمن قال: إن العبد هو الموجد لفعله دون الله؛ أو هو الخالق ~~لفعله؛ وأن الله لم يخلق أفعال العباد فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية. ~~ومن أثبت خلق الأفعال وأثبت الجبر أو نفاه؛ أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقا؛ ~~وفصل المعنى أو لم يفصله: فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية. فتبين أن ~~إدخال هذه الآية في القدر في غاية الجهالة وذلك أن الحسنات والسيئات في ~~الآية المراد بها المسار والمضار دون الطاعات والمعاصي كما في قوله تعالى ~~{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} وهو الشر والخير في قوله: ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} . وكذلك قوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقوله تعالى {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني} وقوله تعالى {وما أرسلنا في # PageV18P206 # قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون} {ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم ~~بغتة وهم لا يشعرون} وقال تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} . فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه ~~كحال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير ~~قالوا: لنا هذه أو قالوا: هذه من عند الله وإن أصابهم عذاب وشر تطيروا ~~بالنبي والمؤمنين وقالوا: هذه بذنوبهم وإنما هي بذنوب أنفسهم لا بذنوب ~~المؤمنين وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون ~~المؤمنين على الجهاد فإذا أصابهم نصر ونحوه قالوا: هذا من عند الله وإن ~~أصابتهم محنة قالوا: هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} إلى قوله: {وإن منكم لمن ~~ليبطئن} إلى قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فلما ms5670 كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} إلى قوله: {أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة} أي هؤلاء المذمومين ~~{يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} أي بسبب أمرك ~~ونهيك # PageV18P207 # قال الله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} {ما أصابك من ~~حسنة} أي: من نعمة {فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي: فبذنبك. كما ~~قال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال: {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم} . وأما القسم الثالث في هذا الباب: فهم قوم لبسوا الحق ~~بالباطل وهم بين أهل الإيمان أهل الخير وبين شرار الناس وهم الخائضون في ~~القدر بالباطل فقوم يرون أنهم هم الذين يهدون أنفسهم ويضلونها ويوجبون لها ~~فعل الطاعة وفعل المعصية بغير إعانة منه وتوفيق للطاعة ولا خذلان منه في ~~المعصية. وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلا ولا قدرة ولا أمرا. ثم من هؤلاء من ~~ينحل عن الأمر والنهي فيكون أكفر الخلق وهم في احتجاجهم بالقدر متناقضون؛ ~~إذ لا بد من فعل يحبونه وفعل يبغضونه ولا بد لهم ولكل أحد من دفع الضرر ~~الحاصل بأفعال المعتدين فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية لم يمكنهم أن ~~يذموا أحدا ولا يدفعوا ظالما ولا يقابلوا مسيئا وإن يبيحوا للناس من أنفسهم ~~كل ما يشتهيه مشته ونحو ذلك من الأمور التي لا يعيش # PageV18P208 # عليها بنو آدم؛ إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهي أعظم من اضطرارهم إلى ~~الأكل واللباس. وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا. وإنما نبهنا على ما في ~~الحديث من الكلمات الجامعة والقواعد النافعة بنكت مختصرة تنبه الفاضل على ~~ما في الحقائق من الجوامع والفوارق؛ التي تفصل بين الحق والباطل في هذه ~~المضايق. بحسب ما احتملته أوراق السائل والله ينفعنا وسائر إخواننا ~~المؤمنين بما علمناه، ويعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا علما ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله ولا ملجأ منه ms5671 إلا إليه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وأستغفر ~~الله العظيم لي ولجميع إخواننا المؤمنين. والحمد لله رب العالمين. وصلى ~~الله على محمد وآله وسلم تسليما. # PageV18P209 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # فصل: # في صحيح البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " {يا بني تميم اقبلوا البشرى قالوا: قد بشرتنا فأعطنا ~~فأقبل على أهل اليمن فقال: يا أهل # PageV18P210 # اليمن اقبلوا البشرى؛ إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا: قد قبلنا يا رسول ~~الله. قالوا: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: كان ~~الله ولم يكن شيء قبله وفي لفظ معه وفي لفظ غيره وكان عرشه على الماء وكتب ~~في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض} " وفي لفظ: " {ثم خلق السموات ~~والأرض} " ثم جاءني رجل فقال: أدرك ناقتك فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها ~~فوالله لوددت إني تركتها ولم أقم. قوله: {كتب في الذكر} يعني: اللوح ~~المحفوظ كما قال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} أي: من بعد اللوح ~~المحفوظ يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا كما يسمى ما يكتب فيه كتابا كقوله عز ~~وجل: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} . والناس في هذا الحديث على قولين: ~~منهم من قال: إن مقصود الحديث إخباره بأن الله كان موجودا وحده ثم إنه ~~ابتدأ إحداث جميع الحوادث وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها وأعيانها ~~مسبوقة بالعدم وإن جنس الزمان حادث لا في زمان وجنس الحركات والمتحركات ~~حادث وإن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتدأ ~~الفعل؛ ولا كان الفعل ممكنا. ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: ms5672 وكذلك صار ~~متكلما بعد # PageV18P211 # أن لم يكن يتكلم بشيء بل ولا كان الكلام ممكنا له. ومنهم من يقول: الكلام ~~أمر يوصف به بأنه يقدر عليه لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بل هو أمر لازم ~~لذاته بدون قدرته ومشيئته. ثم هؤلاء منهم من يقول: هو المعنى دون اللفظ ~~المقروء عبر عنه بكل من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومنهم من يقول: ~~بل هو حروف وأصوات لازمة لذاته لم تزل ولا تزال وكل ألفاظ الكتب التي ~~أنزلها وغير ذلك. والقول الثاني في معنى الحديث: إنه ليس مراد الرسول هذا؛ ~~بل إن الحديث يناقض هذا ولكن مراده. إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي ~~خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن العظيم بذلك في ~~غير موضع فقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء} وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو؛ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} " فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير ~~خلق هذا العالم المخلوق في ستة أيام وكان حينئذ عرشه على الماء. كما أخبر ~~بذلك القرآن والحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه؛ عن عمران رضي ~~الله عنه. # PageV18P212 # ومن هذا: الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {أول ما خلق الله القلم فقال له: ~~اكتب قال: وما أكتب. قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة} " فهذا القلم خلقه ~~لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان ~~مخلوقا قبل خلق السموات والأرض وهو أول ما خلق من هذا العالم وخلقه بعد ~~العرش كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف كما ذكرت أقوال السلف في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: بيان ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. والدليل على هذا ~~القول الثاني وجوه: ms5673 # أحدها: أن قول أهل اليمن: " {جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر} " إما أن ~~يكون الأمر المشار إليه هذا العالم أو جنس المخلوقات فإن كان المراد هو ~~الأول كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أجابهم؛ لأنه أخبرهم عن أول خلقه ~~هذا العالم وإن كان المراد الثاني لم يكن قد أجابهم؛ لأنه لم يذكر أول ~~الخلق مطلقا؛ بل قال: " {كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب ~~في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض} " فلم يذكر إلا خلق السموات والأرض # PageV18P213 # لم يذكر خلق العرش مع أن العرش مخلوق أيضا فإنه يقول: " وهو رب العرش ~~العظيم " وهو خالق كل شيء: العرش وغيره ورب كل شيء: العرش وغيره. وفي حديث ~~أبي رزين قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخلق العرش. وأما في حديث عمران ~~فلم يخبر بخلقه؛ بل أخبر بخلق السموات والأرض فعلم أنه أخبر بأول خلق هذا ~~العالم لا بأول الخلق مطلقا. وإذا كان إنما أجابهم بهذا علم أنهم إنما ~~سألوه عن هذا لم يسألوه عن أول الخلق مطلقا فإنه لا يجوز أن يكون أجابهم ~~عما لم يسألوه عنه ولم يجبهم عما سألوا عنه بل هو صلى الله عليه وسلم منزه ~~عن ذلك مع أن لفظه إنما يدل على هذا؛ لا يدل على ذكره أول الخلق وإخباره ~~بخلق السموات والأرض بعد أن كان عرشه على الماء يقصد به الإخبار عن ترتيب ~~بعض المخلوقات على بعض فإنهم لم يسألوه عن مجرد الترتيب وإنما سألوه عن أول ~~هذا الأمر فعلم أنهم سألوه عن مبدأ خلق هذا العالم فأخبرهم بذلك كما نطق في ~~أولها في أول الأمر " {خلق الله السموات والأرض} ". وبعضهم يشرحها في البدء ~~أو في الابتداء خلق الله السموات والأرض. والمقصود أن فيها الإخبار بابتداء ~~خلق السموات والأرض وأنه كان الماء غامرا للأرض وكانت الريح تهب على الماء ~~فأخبر أنه # PageV18P214 # حينئذ كان هذا ماء وهواء وترابا وأخبر في القرآن العظيم أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه ms5674 على الماء وفي الآية الأخرى: {ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} ~~وقد جاءت الآثار عن السلف بأن السماء خلقت من بخار الماء وهو الدخان. ~~والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم عما سألوه عنه ولم يذكر ~~إلا ابتداء خلق السموات والأرض فدل على أن قولهم: " {جئنا لنسألك عن أول ~~هذا الأمر} " كان مرادهم خلق هذا العالم. والله أعلم. # الوجه الثاني: أن قولهم: " هذا الأمر " إشارة إلى حاضر موجود والأمر يراد ~~به المصدر ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره وهذا ~~مرادهم فإن الذي هو قوله: كن ليس مشهودا مشارا إليه بل المشهود المشار إليه ~~هذا المأمور به قال تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} وقال تعالى: {أتى ~~أمر الله} ونظائره متعددة. ولو سألوه عن أول الخلق مطلقا لم يشيروا إليه ~~بهذا؛ فإن ذاك لم يشهدوه. فلا يشيرون إليه بهذا بل لم يعلموه أيضا؛ فإن ذاك ~~لا يعلم إلا بخبر الأنبياء والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم بذلك ولو ~~كان قد أخبرهم به لما سألوه عنه فعلم أن سؤالهم كان # PageV18P215 # عن أول هذا العالم المشهود. # الوجه الثالث: أنه قال: " {كان الله ولم يكن شيء قبله} " وقد روي: " معه ~~" وروي: " غيره " والألفاظ الثلاثة في البخاري والمجلس كان واحدا وسؤالهم ~~وجوابه كان في ذلك المجلس وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى ~~المجلس؛ بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس وهو المخبر بلفظ ~~الرسول فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى. وحينئذ ~~فالذي ثبت عنه لفظ " القبل "؛ فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: " {أنت الأول فليس قبلك ~~شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس ~~دونك شيء} " وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى {هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن} . وإذا ثبت في ms5675 هذا الحديث لفظ القبل فقد ثبت أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قاله، واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما أبدا وكان أكثر أهل ~~الحديث إنما يروونه بلفظ القبل: " {كان الله ولا شيء قبله} " مثل الحميدي ~~والبغوي وابن الأثير وغيرهم. وإذا كان إنما قال: " {كان الله ولم يكن شيء ~~قبله} " لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق. # PageV18P216 # الوجه الرابع: أنه قال فيه: " {كان الله ولم يكن شيء قبله أو معه أو غيره ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء} " فأخبر عن هذه الثلاثة بلفظ ~~الواو لم يذكر في شيء منها ثم وإنما جاء ثم في قوله؛ " خلق السموات والأرض ~~". وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم وبعضهم ذكرها بالواو. فأما ~~الجمل الثلاث المتقدمة فالرواة متفقون على أنه ذكرها بلفظ الواو ومعلوم أن ~~لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور فلا يفيد الإخبار ~~بتقديم بعض ذلك على بعض وإن قدر أن الترتيب مقصود إما من ترتيب الذكر لكونه ~~قدم بعض ذلك على بعض وإما من الواو عند من يقول به فإنما فيه تقديم كونه ~~على كون العرش على الماء وتقديم كون العرش على الماء على كتابته في الذكر ~~كل شيء وتقديم كتابته في الذكر كل شيء على تقديم خلق السموات والأرض وليس ~~في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقا بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء وإن ~~كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر به في مواضع أخر لكن في جواب أهل اليمن إنما ~~كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات والأرض وما بينهما وهي ~~المخلوقات التي خلقت في ستة أيام لا بابتداء ما خلقه الله قبل ذلك. الوجه ~~الخامس أنه ذكر تلك الأشياء بما يدل على كونها ووجودها # PageV18P217 # ولم يتعرض لابتداء خلقها وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها وسواء ~~كان قوله: " وخلق السموات والأرض " أو " ثم خلق السموات والأرض " فعلى ~~التقديرين أخبر بخلق ذلك وكل مخلوق محدث كائن بعد إن لم ms5676 يكن وإن كان قد خلق ~~من مادة كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {خلق الله الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق ~~آدم مما وصف لكم} ". فإن كان لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم " ثم خلق " فقد ~~دل على أن خلق السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره من كون عرشه على الماء ومن ~~كتابته في الذكر وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~فيه من تمام البيان وحصول المقصود بلفظة الترتيب وإن كان لفظه الواو فقد دل ~~سياق الكلام على أن مقصوده إنه خلق السموات والأرض بعد ذلك؛ وكما دل على ~~ذلك سائر النصوص؛ فإنه قد علم إنه لم يكن مقصوده. الإخبار بخلق العرش ولا ~~الماء؛ فضلا عن أن يقصد إن خلق ذلك كان مقارنا لخلق السموات والأرض وإذا لم ~~يكن في اللفظ ما يدل على خلق ذلك إلا مقارنة خلقه لخلق السموات والأرض - ~~وقد أخبر عن خلق السموات مع كون ذلك - علم أن مقصوده أنه خلق السموات ~~والأرض حين كان # PageV18P218 # العرش على الماء كما أخبر بذلك في القرآن وحينئذ يجب أن يكون العرش كان ~~على الماء قبل خلق السموات والأرض كما أخبر بذلك في الحديث الصحيح حيث قال: ~~" {قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء} " فأخبر أن هذا التقدير السابق لخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة حين كان عرشه على الماء. (الوجه السادس إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إما أن يكون قد قال: " {كان ولم يكن قبله شيء} "؛ وإما أن يكون ~~قد قال: " ولا شيء معه "؛ " أو غيره ". فإن كان إنما قال اللفظ الأول لم ~~يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع الحوادث. وإن كان قد قال الثاني أو ~~الثالث فقوله: " {ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر} ": ~~إما أن يكون مراده أنه حين كان لا شيء ms5677 معه كان عرشه على الماء؛ أو كان بعد ~~ذلك كان عرشه على الماء. فإن أراد الأول كان معناه لم يكن معه شيء " من هذا ~~الأمر المسئول عنه وهو هذا العالم ويكون المراد أنه كان الله قبل هذا ~~العالم المشهود وكان عرشه على الماء. وأما القسم الثالث؛ وهو أن يكون ~~المراد به كان لا شيء معه وبعد ذلك كان عرشه على الماء وكتب في الذكر ثم ~~خلق السموات # PageV18P219 # والأرض فليس في هذا إخبار بأول ما خلقه الله مطلقا بل ولا فيه إخباره ~~بخلق العرش والماء بل إنما فيه إخباره بخلق السموات والأرض ولا صرح فيه بأن ~~كون عرشه على الماء كان بعد ذلك بل ذكره بحرف الواو والواو للجمع المطلق ~~والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. وإذا كان لم يبين الحديث أول ~~المخلوقات ولا ذكر متى كان خلق العرش الذي أخبر أنه كان على الماء مقرونا ~~بقوله: {كان الله ولا شيء معه} " دل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء وبابتداء المخلوقات بعد ذلك؛ ~~إذا لم يكن لفظه دالا على ذلك وإنما قصد الإخبار بابتداء خلق السموات ~~والأرض. (الوجه السابع أن يقال: لا يجوز أن يجزم بالمعنى الذي أراده الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إلا بدليل يدل على مراده فلو قدر أن لفظه يحتمل هذا ~~المعنى وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل فيكون إذا كان الراجح ~~هو أحدهما فمن جزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد ذلك المعنى الآخر ~~فهو مخطئ. (الوجه الثامن: أن يقال: هذا المطلوب لو كان حقا لكان أجل من أن ~~يحتج عليه بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد ولكان ذكر هذا في القرآن ~~والسنة من أهم الأمور؛ لحاجة الناس إلى معرفة # PageV18P220 # ذلك؛ لما وقع فيه من الاشتباه والنزاع واختلاف الناس. فلما لم يكن في ~~السنة ما يدل على هذا المطلوب؛ لم يجز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث ~~بسياقه وإنما سمعوا أن النبي ms5678 صلى الله عليه وسلم قال: " {كان الله ولا شيء ~~معه} " فظنوه لفظا ثابتا مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وظنوا معناه الإخبار بتقدمه تعالى على كل شيء وبنوا على هذين ~~الظنين نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس عندهم بواحدة من ~~المقدمتين علم بل ولا ظن يستند إلى أمارة. وهب أنهم لم يجزموا بأن مراده ~~المعنى الآخر فليس عندهم ما يوجب الجزم بهذا المعنى وجاء بينهم الشك وهم ~~ينسبون إلى الرسول ما لا علم عندهم بأنه قاله وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون} . وهذا كله لا يجوز. (الوجه العاشر أنه قد زاد فيه ~~بعض الناس: " وهو الآن على ما عليه كان " وهذه الزيادة إنما زادها بعض ~~الناس من عنده وليست في شيء من الروايات. ثم إن منهم من يتأولها على أنه ~~ليس معه الآن موجود بل وجوده عين وجود المخلوقات كما يقوله أهل # PageV18P221 # وحدة الوجود الذين يقولون: عين وجود الخالق هو عين وجود المخلوق. كما ~~يقوله ابن عربي؛ وابن سبعين؛ والقونوي؛ والتلمساني؛ وابن الفارض؛ ونحوهم. ~~وهذا القول مما يعلم بالاضطرار شرعا وعقلا أنه باطل. (الوجه الحادي عشر أن ~~كثيرا من الناس يجعلون هذا عمدتهم من جهة السمع: أن الحوادث لها ابتداء وأن ~~جنس الحوادث مسبوق بالعدم إذ لم يجدوا في الكتاب والسنة ما ينطق به؛ مع ~~أنهم يحكون هذا عن المسلمين واليهود والنصارى كما يوجد مثل هذا في كتب أكثر ~~أهل الكلام المبتدع في الإسلام الذي ذمه السلف؛ وخالفوا به الشرع والعقل. ~~وبعضهم يحكيه إجماعا للمسلمين وليس معهم بذلك نقل لا عن أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان ولا عن الكتاب والسنة فضلا عن أن يكون هو قول جميع ~~المسلمين. وبعضهم يظن أن من خالف ذلك فقد ms5679 قال بقدم العالم ووافق الفلاسفة ~~الدهرية؛ لأنه نظر في كثير من كتب الكلام فلم يجد فيها إلا قولين: قول ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته سواء قيل: هو موجود ~~بنفسه؛ أو معلول لغيره. وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام: الجهمية؛ ~~والمعتزلة؛ والكرامية؛ الذين يقولون: إن # PageV18P222 # الرب لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ثم أحدث الكلام والفعل بلا سبب ~~أصلا. وطائفة أخرى كالكلابية ومن وافقهم يقولون: بل الكلام قديم العين إما ~~معنى واحد وإما أحرف وأصوات قديمة أزلية قديمة الأعيان ويقول هؤلاء: إن ~~الرب لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم حدث ما يحدث بقدرته ~~ومشيئته إما قائما بذاته أو منفصلا عنه عند من يجوز ذلك وإما منفصلا عنه ~~عند من لم يجوز قيام ذلك بذاته. ومعلوم أن هذا القول أشبه بما أخبرت به ~~الرسل من أن الله خالق كل شيء وأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام فمن ~~ظن أنه ليس للناس إلا هذان القولان وكان مؤمنا بأن الرسل لا يقولون إلا حقا ~~يظن أن هذا قول الرسل ومن اتبعهم. ثم إذا طولب بنقل هذا القول عن الرسل لم ~~يمكنه ذلك ولم يمكن لأحد أن يأتي بآية ولا حديث يدل على ذلك لا نصا ولا ~~ظاهرا بل ولا يمكنه أن ينقل ذلك عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتابعين لهم بإحسان. وقد جعلوا ذلك معنى حدوث العالم الذي هو أول مسائل ~~أصول # PageV18P223 # الدين عندهم. فيبقى أصل الدين الذي هو دين الرسل عندهم ليس عندهم ما ~~يعلمون به أن الرسول قاله ولا في العقل ما يدل عليه؛ بل العقل والسمع يدل ~~على خلافه. ومن كان أصل دينه الذي هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن ~~الرسول جاء به كان من أضل الناس في دينه.الوجه الثاني عشر أنهم لما اعتقدوا ~~أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحج العقلية المعروفة لهم ~~وعمدتهم التي هي أعظم الحجج مبناها ms5680 على امتناع حوادث لا أول لها وبها ~~أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة وسموا ذلك إثباتا لحدوث الأجسام فلزمهم على ذلك ~~نفي صفات الرب عز وجل وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به بل كلامه ~~مخلوق منفصل عنه وكذلك رضاه وغضبه والتزموا على ذلك أن الله لا يرى في ~~الآخرة وأنه ليس فوق العرش إلى غير ذلك من اللوازم التي نفوا بها ما أثبته ~~الله ورسوله وكان حقيقة قولهم تكذيبا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتسلط أهل العقول على تلك الحجج التي لهم فبينوا فسادها. وكان ذلك مما سلط ~~للدهرية القائلين بقدم العالم لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم ونسوا فساده. ~~ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه باطل ~~قالوا: إن الرسول لم يبين # PageV18P224 # الحقائق سواء علمها أو لم يعلمها وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم وما ~~ينتفعون به. فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات ~~وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ~~ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين وقولهم. وقد رأوا أن ~~قول أولئك باطل فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية ~~على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلا وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم ~~يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. # الوجه الثالث عشر: أن الغلط في معنى هذا الحديث هو من عدم المعرفة بنصوص ~~الكتاب والسنة بل والمعقول الصريح؛ فإنه أوقع كثيرا من النظار وأتباعهم في ~~الحيرة والضلال فإنهم لم يعرفوا إلا قولين: قول الدهرية القائلين بالقدم ~~وقول الجهمية القائلين بأنه لم يزل معطلا عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ~~ومشيئته ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه فبقوا حائرين مرتابين ~~جاهلين وهذه حال من لا يحصى منهم ومنهم من صرح بذلك عن نفسه كما صرح به ~~الرازي وغيره. ومن أعظم أسباب ذلك أنهم نظروا في حقيقة قول ms5681 الفلاسفة فوجدوا ~~أنه لم يزل المفعول المعين مقارنا للفاعل أزلا وأبدا وصريح # PageV18P225 # العقل يقتضي بأنه لا بد أن يتقدم الفاعل على فعله وأن تقدير مفعول الفاعل ~~مع تقدير أنه لم يزل مقارنا له لم يتقدم الفاعل عليه؛ بل هو معه أزلا ~~وأبدا: أمر يناقض صريح العقل. وقد استقر في الفطر أن كون الشيء المفعول ~~مخلوقا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن. ولهذا كان ما أخبر الله به في كتابه ~~من أنه خلق السموات والأرض مما يفهم جميع الخلائق أنهما حدثتا بعد أن لم ~~تكونا وأما تقدير كونهما لم يزالا معه مع كونهما مخلوقين له فهذا تنكره ~~الفطر ولم يقله إلا شرذمة قليلة من الدهرية كابن سينا وأمثاله. وأما جمهور ~~الفلاسفة الدهرية كأرسطو وأتباعه فلا يقولون: إن الأفلاك معلولة لعلة فاعلة ~~كما يقوله هؤلاء؛ بل قولهم وإن كان أشد فسادا من قول متأخريهم فلم يخالفوا ~~صريح المعقول في هذا المقام الذي خالفه هؤلاء. وإن كانوا خالفوه من جهات ~~أخرى ونظروا في حقيقة قول أهل الكلام الجهمية والقدرية ومن اتبعهم فوجدوا ~~أن الفاعل صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير حدوث شيء أوجب كونه فاعلا ~~ورأوا صريح العقل يقتضي بأنه إذا صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فلا بد من ~~حدوث شيء وأنه يمتنع في العقل أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعا بلا حدوث ~~وأنه لا سبب يوجب حصول وقت حدث وقت الحدوث؛ وأن حدوث جنس الوقت ممتنع ~~فصاروا # PageV18P226 # يظنون إذا جمعوا بين هؤلاء أنه يلزم الجمع بين النقيضين وهو أن يكون ~~الفاعل قبل الفعل وأنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن فيكون الفعل معه ~~فيكون الفعل مقارنا غير مقارن بأن كان بعد أن لم يكن حادثا مسبوقا بالعدم ~~فامتنع على هذا التقدير أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم ووجب على التقدير ~~الأول أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم ووجدوا عقولهم تقصر عما يوجب هذا ~~الإثبات وما يوجب هذا النفي والجمع بين النقيضين ممتنع فأوقعهم ms5682 ذلك في ~~الحيرة والشك. ومن أسباب ذلك أنهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل فلم يعرفوا ~~ما دل عليه الكتاب والسنة ولم يميزوا في المعقولات بين المشتبهات وذلك أن ~~العقل يفرق بين كون المتكلم متكلما بشيء بعد شيء دائما وكون الفاعل يفعل ~~شيئا بعد شيء دائما وبين آحاد الفعل والكلام فيقول: كل واحد من أفعاله لا ~~بد أن يكون مسبوقا بالفاعل وأن يكون مسبوقا بالعدم ويمتنع كون الفعل المعين ~~مع الفاعل أزلا وأبدا وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلا بعد فعل فهذا من ~~كمال الفاعل فإذا كان الفاعل حيا وقيل: إن الحياة مستلزمة الفعل والحركة ~~كما قال ذلك أئمة أهل الحديث كالبخاري والدارمي وغيرهما وأنه لم يزل متكلما ~~إذا شاء وبما شاء ونحو ذلك كما قاله ابن المبارك وأحمد وغيرهما # PageV18P227 # من أئمة أهل الحديث والسنة: كان كونه متكلما أو فاعلا من لوازم حياته ~~وحياته لازمة له فلم يزل متكلما فعالا؛ مع العلم بأن الحي يتكلم ويفعل ~~بمشيئته وقدرته وأن ذلك يوجب وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل فالفاعل ~~يتقدم على كل فعل من أفعاله وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق ولا نقول: ~~إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق له قدرة والذي ليس له قدرة هو ~~عاجز ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا لا شبه له ولا كيف. فليس مع ~~الله شيء من مفعولاته قديم معه. لا بل هو خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له ~~وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وإن قدر إنه لم يزل خالقا فعالا. وإذا ~~قيل: إن الخلق صفة كمال؛ لقوله تعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق} أمكن أن تكون ~~خالقيته دائمة وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم وليس مع الله شيء قديم؟ وهذا ~~أبلغ في الكمال من أن يكون معطلا غير قادر على الفعل ثم يصير قادرا والفعل ~~ممكنا له بلا سبب. وأما جعل المفعول المعين مقارنا له أزلا وأبدا فهذا في ~~الحقيقة ms5683 تعطيل لخلقه وفعله فإن كون الفاعل مقارنا لمفعوله أزلا وأبدا مخالف ~~لصريح المعقول. # PageV18P228 # فهؤلاء الفلاسفة الدهرية وإن ادعوا أنهم يثبتون دوام الفاعلية فهم في ~~الحقيقة معطلون للفاعلية وهي الصفة التي هي أظهر صفات الرب تعالى ولهذا وقع ~~الإخبار بها في أول ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فإن أوله: {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم ~~بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . فأطلق الخلق. ثم خص الإنسان وأطلق ~~التعليم ثم خص التعليم بالقلم والخلق يتضمن فعله والتعليم يتضمن قوله فإنه ~~يعلم بتكليمه وتكليمه بالإيحاء؛ وبالتكلم من وراء حجاب وبإرسال رسول يوحي ~~بإذنه ما يشاء قال تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم} وقال تعالى: {فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم} وقال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} وقال تعالى: {الرحمن} {علم القرآن} {خلق ~~الإنسان} {علمه البيان} {الشمس والقمر بحسبان} . وهؤلاء الفلاسفة يتضمن ~~قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق ولم يعلم فإن ما يثبتونه من الخلق والتعليم ~~إنما يتضمن التعطيل فإنه على قولهم لم يزل الفلك مقارنا له أزلا وأبدا ~~فامتنع حينئذ أن يكون مفعولا له فإن الفاعل لا بد أن يتقدم على فعله وعندهم ~~أنه لا يعلم شيئا من جزئيات العلم والتعليم فرع العلم فمن لم يعلم الجزئيات ~~يمتنع # PageV18P229 # أن يعلمها غيره وكل موجود فهو جزئي لا كلي كذا الكليات إنما وجودها في ~~الأذهان لا في الأعيان فإذ لم يعلم شيئا من الجزئيات لم يعلم شيئا من ~~الموجودات فامتنع أن يعلم غيره شيئا من العلم بالموجودات المعينة. ومن قال ~~منهم: لا يعلم لا كليا ولا جزئيا فقوله أقبح. ومن قال: يعلم الكليات ~~الثابتة دون المتغيرة فهو عندهم لا يعلم شيئا من الحوادث ولا يعلمها لأحد ~~من خلقه كما يقتضي قولهم أنه لم يخلقها فعلى قولهم لا خلق ولا علم وهذا ~~حقيقة قول مقدمهم أرسطو فإنه لم يثبت أن الرب مبدع للعالم ms5684 ولا جعله علة ~~فاعلة بل الذي أثبته أنه علة غائية يتحرك الفلك لتشبهه به كتحريك المعشوق ~~للعاشق وصرح بأنه لا يعلم الأشياء فعنده لا خلق ولا علم. وأول ما أنزل الله ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {اقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان ~~من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} . # الوجه الرابع عشر: أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى ~~عبادته وحده لا شريك له وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته وهي ~~المخلوقات المشهودة الموجودة: من السموات والأرض وما بينهما فأخبر في ~~الكتاب الذي لم يأت من عنده كتاب # PageV18P230 # أهدى منه بأنه خلق أصول هذه المخلوقات الموجودة المشهودة في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش. وشرع لأهل الإيمان أن يجتمعوا كل أسبوع يوما يعبدون الله ~~فيه ويحتفلون بذلك ويكون ذلك آية على الأسبوع الأول الذي خلق الله فيه ~~السموات والأرض. ولما لم يعرف الأسبوع إلا بخبر الأنبياء فقد جاء في لغتهم ~~عليهم السلام أسماء أيام الأسبوع فإن التسمية تتبع النصوص فالاسم يعبر عما ~~تصوره فلما كان تصور اليوم والشهر والحول معروفا بالعقل تصورت ذلك الاسم ~~وعبرت عن ذلك وأما الأسبوع فلما لم يكن في مجرد العقل ما يوجب معرفته فإنما ~~عرف بالسمع صارت معرفته عند أهل السمع المتلقين عن الأنبياء دون غيرهم ~~وحينئذ فأخبروا الناس بخلق هذا العالم الموجود المشهود وابتداء خلقه وأنه ~~خلقه في ستة أيام وإما ما خلقه قبل ذلك شيئا بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه ~~بعد قيام القيامة ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما. وهذا مما لا سبيل ~~للعباد إلى معرفته تفصيلا. ولهذا قال {عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل ~~الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم} " رواه البخاري. فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرهم ببدء الخلق إلى دخول أهل الجنة والنار منازلهما. # PageV18P231 # وقوله: " بدأ الخلق " مثل قوله في الحديث ms5685 الآخر: " {قدر الله مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة} " فإن الخلائق هنا ~~المراد بها الخلائق المعروفة المخلوقة بعد خلق العرش وكونه على الماء. ~~ولهذا كان التقدير للمخلوقات هو التقدير لخلق هذا العالم كما في حديث ~~القلم: {إن الله لما خلقه قال: اكتب قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن ~~إلى يوم القيامة} . وكذلك في الحديث الصحيح: " {إن الله قدر مقادير الخلائق ~~قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء} " وقوله ~~في الحديث الآخر الصحيح: " {كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض} " يراد به أنه كتب كل ما أراد ~~خلقه من ذلك؛ فإن لفظ كل شيء يعم في كل موضع بحسب ما سيقت له كما في قوله: ~~{بكل شيء عليم} و {على كل شيء قدير} وقوله: {الله خالق كل شيء} و {تدمر كل ~~شيء} {وأوتيت من كل شيء} و {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين} وأخبرت الرسل بتقدم أسمائه وصفاته كما في قوله: {وكان الله عزيزا ~~حكيما} . {سميعا بصيرا} . {غفورا رحيما} وأمثال ذلك. قال ابن عباس: " كان ~~ولا يزال ". ولم يقيد كونه بوقت دون وقت # PageV18P232 # ويمتنع أن يحدث له غيره صفة بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره سبحانه ~~فهو المستحق لغاية الكمال وذاته هي المستوجبة لذلك. فلا يتوقف شيء من كماله ~~ولوازم كماله على غيره بل نفسه المقدسة وهو المحمود على ذلك أزلا وأبدا وهو ~~الذي يحمد نفسه ويثني عليها بما يستحقه. وأما غيره فلا يحصي ثناء عليه بل ~~هو نفسه كما أثنى على نفسه كما قال سيد ولد آدم في الحديث الصحيح: {اللهم ~~إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء ~~عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك} . وإذا قيل: لم يكن متكلما ثم تكلم أو قيل: ~~كان الكلام ممتنعا ثم صار ممكنا له كان هذا مع وصفه له ms5686 بالنقص في الأزل ~~وأنه تجدد له الكمال ومع تشبيهه له بالمخلوق الذي ينتقل من النقص إلى ~~الكمال: ممتنعا؛ من جهة أن الممتنع لا يصير ممكنا بلا سبب والعدم المحض لا ~~شيء فيه فامتنع أن يكون الممتنع فيه يصير ممكنا بلا سبب حادث. وكذلك إذا ~~قيل: كلامه كله معنى واحد لازم لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة كان هذا في ~~الحقيقة تعطيلا للكلام وجمعا بين المتناقضين إذ هو إثبات لموجود لا حقيقة ~~له بل يمتنع أن يكون موجودا مع أنه لا مدح فيه ولا كمال. # PageV18P233 # وكذلك إذا قيل: كلامه كله قديم العين وهو حروف وأصوات قديمة لازمة لذاته ~~ليس له فيه قدرة ولا مشيئة. كان هذا مع ما يظهر من تناقضه وفساده في ~~المعقول لا كمال فيه إذ لا يتكلم بمشيئته ولا قدرته ولا إذا شاءه. أما قول ~~من يقول: ليس كلامه إلا ما يخلقه في غيره. فهذا تعطيل للكلام من كل وجه ~~وحقيقته أنه لا يتكلم كما قال ذلك قدماء الجهمية وهو سلب للصفات؛ إذ فيه من ~~التناقض والفساد حيث أثبتوا الكلام المعروف ونفوا لوازمه - ما يظهر به أنه ~~من أفسد أقوال العالمين بأنهم أثبتوا أنه يأمر وينهي؛ ويخبر ويبشر؛ وينذر ~~وينادي؛ من غير أن يقوم به شيء من ذلك كما قالوا: إنه يريد ويحب ويبغض؛ ~~ويغضب من غير أن يقوم به شيء من ذلك وفي هذا من مخالفة صريح المعقول وصحيح ~~المنقول ما هو مذكور في غير هذا الموضع. وأما القائلون بقدم هذا العالم فهم ~~أبعد عن المعقول والمنقول من جميع الطوائف؛ ولهذا أنكروا الكلام القائم ~~بذاته والذي يخلقه في غيره ولم يكن كلامه عندهم إلا ما يحدث في النفوس من ~~المعقولات والمتخيلات وهذا معنى تكليمه لموسى عليه السلام عندهم فعاد ~~التكليم إلى مجرد علم المكلم. ثم إذا قالوا مع ذلك: إنه لا يعلم الجزئيات ~~فلا علم ولا إعلام وهذا غاية التعطيل والنقص وهم ليس لهم دليل قط # PageV18P234 # على قدم شيء من العالم بل حججهم إنما تدل على ms5687 قدم نوع الفعل؛ وأنه لم يزل ~~الفاعل فاعلا أو لم يزل لفعله مدة؛ أو أنه لم يزل للمادة مادة وليس في شيء ~~من أدلتهم ما يدل على قدم الفلك ولا قدم شيء من حركاته؛ ولا قدم الزمان ~~الذي هو مقدار حركة الفلك. والرسل أخبرت بخلق الأفلاك وخلق الزمان الذي هو ~~مقدار حركتها مع إخبارها بأنها خلقت من مادة قبل ذلك وفي زمان قبل هذا ~~الزمان؛ فإنه سبحانه أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وسواء قيل: ~~أن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المقدرة بطلوع الشمس وغروبها؛ أو قيل: ~~إنها أكبر منها كما قال بعضهم: إن كل يوم قدره ألف سنة فلا ريب أن تلك ~~الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض غير هذه الأيام وغير الزمان الذي هو ~~مقدار حركة هذه الأفلاك. وتلك الأيام مقدرة بحركة أجسام موجودة قبل خلق ~~السموات والأرض. وقد أخبر سبحانه أنه {استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} فخلقت من الدخان وقد جاءت ~~الآثار عن السلف إنها خلقت من بخار الماء؛ وهو الماء الذي كان العرش عليه ~~المذكور في قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء} فقد أخبر أنه خلق السموات والأرض في مدة ومن مادة ولم يذكر القرآن ~~خلق شيء # PageV18P235 # من لا شيء بل ذكر أنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئا كما قال: {وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا} مع إخباره أنه خلقه من نطفة. وقوله: {أم خلقوا ~~من غير شيء أم هم الخالقون} فيها قولان. فالأكثرون على أن المراد أم خلقوا ~~من غير خالق بل من العدم المحض؟ كما قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه} وكما قال تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه} وقال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} . وقيل: أم خلقوا من غير ~~مادة؟ وهذا ضعيف لقوله بعد ذلك: {أم هم الخالقون} فدل ذلك على أن ms5688 التقسيم ~~أم خلقوا من غير خالق أم هم الخالقون؟ ولو كان المراد من غير مادة لقال: أم ~~خلقوا من غير شيء أم من ماء مهين؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم لا مادتهم. ~~ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق فلو ظنوا ذلك لم ~~يقدح في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم ولأنهم لم يظنوا ذلك ولا يوسوس ~~الشيطان لابن آدم بذلك بل كلهم يعرفون # PageV18P236 # أنهم خلقوا من آبائهم وأمهاتهم ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا ~~يمنع كفرهم. والاستفهام استفهام إنكار مقصوده تقريرهم إنهم لم يخلقوا من ~~غير شيء فإذا أقروا بأن خالقا خلقهم نفعهم ذلك وأما إذا أقروا بأنهم خلقوا ~~من مادة لم يغن ذلك عنهم من الله شيئا. # الوجه الخامس عشر: أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما ~~يشاء هو وصف الكمال الذي يليق به؛ وما سوى ذلك نقص يجب نفيه عنه فإن كونه ~~لم يكن قادرا ثم صار قادرا على الكلام أو الفعل مع أنه وصف له؛ فإنه يقتضي ~~أنه كان ناقصا عن صفة القدرة التي هي من لوازم ذاته والتي هي من أظهر صفات ~~الكمال فهو ممتنع في العقل بالبرهان اليقيني فإنه إذا لم يكن قادرا ثم صار ~~قادرا فلا بد من أمر جعله قادرا بعد أن لم يكن فإذا لم يكن هناك إلا العدم ~~المحض امتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن وكذلك يمتنع أن يصير عالما بعد أن ~~لم يكن قبل هذا بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم ولا قادر ثم جعله غيره ~~عالما قادرا وكذلك إذا قالوا: كان غير متكلم ثم صار متكلما. وهذا مما أورده ~~الإمام أحمد على الجهمية؛ إذ جعلوه كان غير متكلم ثم صار متكلما. قالوا: ~~كالإنسان قال: فقد جمعتم بين تشبيه وكفر. وقد حكيت ألفاظه في غير هذا ~~الموضع. # PageV18P237 # وإذا قال القائل: كان في الأزل قادرا على أن يخلق فيما لا يزال كان هذا ~~كلاما متناقضا لأنه في الأزل ms5689 عندهم لم يكن يمكنه أن يفعل ومن لم يمكنه ~~الفعل في الأزل امتنع أن يكون قادرا في الأزل؛ فإن الجمع بين كونه قادرا ~~وبين كون المقدور ممتنعا جمع بين الضدين فإنه في حال امتناع الفعل لم يكن ~~قادرا. وأيضا يكون الفعل ينتقل من كونه ممتنعا إلى كونه ممكنا بغير سبب ~~موجب يحدد ذلك وعدم ممتنع. وأيضا فما من حال يقدرها العقل إلا والفعل فيها ~~ممكن وهو قادر وإذا قدر قبل ذلك شيئا شاءه الله فالأمر كذلك فلم يزل قادرا ~~والفعل ممكنا؛ وليس لقدرته وتمكنه من الفعل أول فلم يزل قادرا يمكنه أن ~~يفعل فلم يكن الفعل ممتنعا عليه قط. وأيضا فإنهم يزعمون أنه يمتنع في الأزل ~~والأزل ليس شيئا محدودا يقف عنده العقل بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير ~~الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية محدودة حتى لو فرض وجود مدائن أضعاف ~~مدائن الأرض في كل مدينة من الخردل ما يملؤها؛ وقدر إنه كلما مضت ألف ألف ~~سنة فنيت خردلة فنى الخردل كله والأزل لم ينته ولو قدر أضعاف ذلك أضعافا لا ~~ينتهي. فما من وقت يقدر إلا والأزل قبل ذلك. # PageV18P238 # وما من وقت صدر فيه الفعل إلا وقد كان قبل ذلك ممكنا. وإذا كان ممكنا فما ~~الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى؟ . وأيضا ~~فالأزل معناه: عدم الأولية ليس الأزل شيئا محدودا فقولنا: لم يزل قادرا ~~بمنزلة قولنا: هو قادر دائما وكونه قادرا وصف دائم لا ابتداء له فكذلك إذا ~~قيل: لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل يفعل ما شاء يقتضي دوام كونه متكلما ~~وفاعلا بمشيئته وقدرته وإذا ظن الظان أن هذا يقتضي قدم شيء معه كان من فساد ~~تصوره فإنه إذا كان خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم فليس معه ~~شيء قديم بقدمه. وإذا قيل: لم يزل يخلق كان معناه لم يزل يخلق مخلوقا بعد ~~مخلوق كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقا بعد مخلوق ننفي ما ms5690 ننفيه من ~~الحوادث والحركات شيئا بعد شيء. وليس في ذلك إلا وصفه بدوام الفعل لا بأن ~~معه مفعولا من المفعولات بعينه. وإن قدر أن نوعها لم يزل معه فهذه المعية ~~لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون} والخلق لا يزالون معه وليس في كونهم لا يزالون معه في ~~المستقبل ما ينافي كماله وبين الأزل في المستقبل مع أنه في الماضي حدث بعد ~~أن لم يكن إذ كان كل مخلوق فله ابتداء ولا نجزم أن يكون له انتهاء. # PageV18P239 # وهذا فرق في أعيان المخلوقات وهو فرق صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس ~~النوع بالعين كما اشتبه ذلك على كثير من الناس في الكلام فلم يفرقوا بين ~~كون كلامه قديما بمعنى إنه لم يزل متكلما إذا شاء وبين كون الكلام المعين ~~قديما. وكذلك لم يفرقوا بين كون الفعل المعين قديما وبين كون نوع الفعل ~~المعين قديما كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم وكذلك كل ما سواه وهذا الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة والآثار وهو الذي تدل عليه المعقولات الصريحة ~~الخالصة من الشبه كما قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا ~~مطابقة العقل الصريح للنقل الصحيح. وإن غلط أهل الفلسفة والكلام أو غيرهم ~~فيهما أو في أحدهما وإلا فالقول الصدق المعلوم بعقل أو سمع يصدق بعضه بعضا ~~لا يكذب بعضه بعضا قال تعالى. {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} ~~بعد قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} وإنما ~~مدح من جاء بالصدق وصدق بالحق الذي جاءه. وهذه حال من لم يقبل إلا الصدق ~~ولم يرد ما يجيئه به غيره من الصدق بل قبله ولم يعارض بينهما ولم يدفع ~~أحدهما بالآخر # PageV18P240 # [بخلاف] (1) حال من كذب على الله ونسب إليه بالسمع أو العقل ما لا يصح ~~نسبته إليه أو كذب بالحق لما جاءه فكذب من جاء بحق معلوم من سمع أو عقل ~~وقال تعالى عن ms5691 أهل النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ~~فأخبر أنه لو حصل لهم سمع أو عقل ما دخلوا النار وقال تعالى: {أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} أي: أن القرآن حق فأخبر أنه ~~سيري عباده الآيات المشهودة المخلوقة حتى يتبين أن الآيات المتلوة المسموعة ~~حق. ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم في الحركة والحدوث ومسمى ~~ذلك. فطائفة - كأرسطو وأتباعه - قالت: لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان ~~والحوادث حادثا؛ وأن يكون مبدأ كل حركة وحادث صار فاعلا لذلك بعد أن لم يكن ~~وأن يكون الزمان حادثا بعد أن لم يكن حادثا مع أن قبل وبعد لا يكون إلا في ~~زمان وهذه القضايا كلها إنما تصدق كلية لا تصدق معينة ثم ظنوا أن الحركة ~~المعينة وهي حركة الفلك هي PageV18P241 # القديمة الأزلية وزمانها قديم فضلوا ضلالا مبينا مخالفا لصحيح المنقول ~~المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم مع مخالفته لصريح المعقول الذي ~~عليه جمهور العقلاء من الأولين والآخرين. وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون ~~جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن لم يكن شيء من ذلك أو أنه يجب أن ~~يكون فاعل الجميع لم يزل معطلا ثم حدثت الحوادث بلا سبب أصلا وانتقل الفعل ~~من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب وصار قادرا بعد أن لم يكن بلا سبب وكان ~~الشيء بعد ما لم يكن في غير زمان وأمثال ذلك مما يخالف صريح العقل. وهم ~~يظنون مع ذلك أن هذا قول أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وليس هذا ~~القول منقولا عن موسى؛ ولا عيسى؛ ولا محمد صلوات الله عليهم وسلامه؛ ولا عن ~~أحد من أصحابهم إنما هو مما أحدثه بعض أهل البدع وانتشر عند الجهال بحقيقة ~~أقوال الرسل وأصحابهم فظنوا أن هذا قول الرسل صلى ms5692 الله عليهم وسلم وصار ~~نسبة هذا القول إلى الرسل وأتباعهم يوجب القدح فيهم: إما بعدم المعرفة ~~بالحق في هذه المطالب العالية وإما بعدم بيان الحق. وكل منهما يوجب عند ~~هؤلاء أن يعزلوا الكتاب والسنة وآثار السلف عن الاهتداء. # PageV18P242 # وإنما ضلوا لعدم علمهم بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان. فإن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. # PageV18P243 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المستوجب لصفات المدح والكمال المستحق للحمد على كل حال لا ~~يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه بأكمل الثناء وأحسن المقال فهو ~~المنعم على العباد بالخلق وبإرسال الرسل إليهم وبهداية المؤمنين منهم لصالح ~~الأعمال. وهو المتفضل عليهم بالعفو عنهم وبالثواب الدائم بلا انقطاع ولا ~~زوال. له الحمد في الأولى والآخرة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه متصلا بلا ~~انفصال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عالم الغيب والشهادة ~~الكبير المتعال. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هدى به من الضلال وأمر ~~المؤمنين بالمعروف ونهاهم عن المنكر؛ وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ~~ووضع عنهم الآصار والأغلال فصلى الله عليه وعلى آله خير # PageV18P244 # آل وعلى أصحابه الذين كانوا نصرة للدين حتى ظهر الحق وانطمست أعلام ~~الضلال. # أما بعد: فإن الله تعالى خلق الخلق لما شاء من حكمته وأسبغ عليهم ما لا ~~يحصونه من نعمته وكرم بني آدم بأصناف كرامته وخص عباده المؤمنين باصطفائه ~~وهدايته وجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس من بريته. ~~وبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعلمون صدقه وأمانته وجميل سيرته يتلو عليهم ~~آياته ليخرجهم من ظلمة الكفر وحيرته ويهديهم إلى صراط مستقيم ويدعوهم إلى ~~عبادته. وأنزل عليهم أفضل كتاب أنزله إلى خليقته وجعله آية باقية إلى قيام ~~ساعته معجزة باهرة مبدية عن حجته وبينة ظاهرة موضحة لدعوته يهدي به الله من ms5693 ~~اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويدلهم على ~~طريق جنته فالسعيد من اعتصم بكتاب الله واتبع الرسول في سنته وشريعته. ~~والمهتدي بمناره المقتفي لآثاره هو أفضل الخلق في دنياه وآخرته والمحيي ~~لشيء من سنته له أجرها وأجر من عمل بها من غير نقصان في أجر طاعته فإن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة؛ بل يضاعف الحسنات بفضله ورحمته. # PageV18P245 # وإحياء سنته يشمل أنواعا من البر لسعة فضل الله وكرامته فيكون بالتبليغ ~~لها والبيان لأجل ظهور الحق ونصرته ويكون بالإعانة عليها بإنفاق المال ~~والجهاد إعانة على دين الله وعلو كلمته فالجهاد بالمال مقرون بالجهاد ~~بالنفس قد ذكره الله تعالى قبله وفي غير موضع لعظم منزلته وثمرته وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير ~~فقد غزا} " وقال: " {من فطر صائما فله مثل أجره} " ومثوبته؛ لا سيما ما ~~يبقى نفعه بعد موت الإنسان ومصيره إلى تربته كما قال في الحديث: " {إذا مات ~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث} " فهذه الثلاث هي من أعماله الباقية بعد ~~ميتته بخلاف ما ينفعه بعد موته من أعمال غيره من الدعاء والصدقة والعتق؛ ~~فإن ذلك ليس من سعيه بل من سعي غيره وشفاعته وكما يلحق بالمؤمن من يدخله ~~الله الجنة من ذريته. وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد لله في نيته فإنه ~~سبحانه إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الخلق لعبادته وهي دعوة الرسل ~~لكافة بريته كما ذكر ذلك في كتابه على ألسنة رسله بأوضح دلالته؛ ولهذا كان ~~السلف يستحبون أن يفتتحوا مجالسهم وكتبهم وغير ذلك بحديث: " {إنما الأعمال ~~بالنيات} " في أول الأمر وبدايته. فنجري في ذلك على منهاجهم إذ كانوا أفضل ~~جيش الإسلام ومقدمته فنقول # PageV18P246 # مستعينين بالله على سلوك سبيل أهل ولايته وأحبته: # " عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ عن محمد بن إبراهيم التيمي؛ عن علقمة بن ~~وقاص الليثي؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ms5694 " {إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه} ". هذا حديث صحيح متفق ~~على صحته؛ تلقته الأمة بالقبول والتصديق مع أنه من غرائب الصحيح؛ فإنه وإن ~~كان قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة كما جمعها ابن منده ~~وغيره من الحفاظ فأهل الحديث متفقون على أنه لا يصح منها إلا من طريق عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه هذه المذكورة ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص ~~الليثي؛ ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم؛ ولا عن محمد إلا يحيى بن سعيد ~~الأنصاري قاضي المدينة. ورواه عن يحيى بن سعيد أئمة الإسلام يقال: إنه رواه ~~عنه نحو من مائتي عالم مثل مالك؛ والثوري؛ وابن عيينة وحماد وحماد؛ وعبد ~~الوهاب الثقفي؛ وأبي خالد الأحمر؛ وزائدة؛ ويحيى بن سعيد # PageV18P247 # القطان؛ ويزيد بن هارون؛ وغير هؤلاء خلق من أهل مكة والمدينة والكوفة ~~والبصرة والشام وغيرها من شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق وطبقتهم ويحيى بن معين ~~وعلي بن المديني وأبي عبيد. ولهذا الحديث نظائر من غرائب الصحاح مثل حديث ~~ابن عمر؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم {: أنه نهى عن بيع الولاء وهبته} ~~أخرجاه؛ تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر. ومثل حديث أنس: " {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فقيل: إن ابن خطل متعلق ~~بأستار الكعبة فقال: اقتلوه} أخرجاه تفرد به الزهري عن أنس وقيل: تفرد به ~~مالك عن الزهري فالحديث الغريب: ما تفرد به واحد وقد يكون غريب المتن أو ~~غريب الإسناد ومثل أن يكون متنه صحيحا من طريق معروفة وروي من طريق أخرى ~~غريبة. ومن الغرائب ما هو صحيح وغالبها غير صحيح كما قال أحمد: اتقوا هذه ~~الغرائب فإن عامتها عن الكذابين؛ ولهذا يقول الترمذي في بعض الأحاديث: إنه ~~غريب من هذا الوجه. والترمذي أول من قسم الأحاديث ms5695 إلى صحيح وحسن وغريب # PageV18P248 # وضعيف ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى ~~صحيح وضعيف كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف والضعيف عندهم نوعان: ~~ضعيف لا يحتج به وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي والثاني ضعيف يحتج به وهو ~~الحسن في اصطلاح الترمذي كما أن ضعف المرض في اصطلاح الفقهاء نوعان: نوع ~~يجعل تبرعات صاحبه من الثلث كما إذا صار صاحب فراش ونوع يكون تبرعات صاحبه ~~من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه ولهذا يوجد في كلام أحمد ~~وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف؛ كحديث عمرو بن شعيب وإبراهيم ~~الهجري وغيرهما؛ فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفا هو أرفع من كثير من الحسن؛ ~~بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحا والترمذي قد فسر مراده بالحسن أنه: ما ~~تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم؛ ولم يكن شاذا. # فصل: # والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين بل هو أصل كل ~~عمل ولهذا قالوا: مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها كقول أحمد ~~حديث: " {إنما الأعمال بالنيات} " و " {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} ~~" " {والحلال بين والحرام # PageV18P249 # بين} " ووجه هذا الحديث أن الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه. ~~فحديث الحلال بين فيه بيان ما نهى عنه. والذي أمر الله به نوعان: أحدهما ~~العمل الظاهر وهو ما كان واجبا أو مستحبا والثاني العمل الباطن وهو إخلاص ~~الدين لله. فقوله: " {من عمل عملا} " إلخ ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر ~~الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب. وقوله: {إنما الأعمال بالنيات} إلخ يبين ~~العمل الباطن وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص في الدين لله؛ كما ~~قال الفضيل في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه قال: ~~فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب ms5696 أن يكون ~~على السنة وعلى هذا دل قوله تعالى {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله ~~أمر إيجاب أو أمر استحباب وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحدا؛ وهو إخلاص ~~الدين لله. وكذلك قوله تعالى {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه} الآية. وقوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه # PageV18P250 # لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} وقوله: {ومن يسلم وجهه إلى الله ~~وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص ~~العمل لله والإحسان هو إحسان العمل لله وهو فعل ما أمر به فيه كما قال ~~تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} فإن الإساءة في العمل الصالح تتضمن ~~الاستهانة بالأمر به والاستهانة بنفس العمل والاستهانة بما وعده الله من ~~الثواب فإذا أخلص العبد دينه لله وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # فصل: # لفظ " النية " في كلام العرب من جنس لفظ القصد والإرادة ونحو ذلك تقول ~~العرب: نواك الله بخير أي: أرادك بخير ويقولون: نوى منويه وهو المكان الذي ~~ينويه يسمونه نوى كما يقولون: قبض بمعنى مقبوض والنية يعبر بها عن نوع من ~~إرادة ويعبر بها عن نفس المراد كقول العرب: هذه نيتي يعني: هذه البقعة هي ~~التي نويت إتيانها ويقولون: نيته قريبة أو بعيدة أي: البقعة التي # PageV18P251 # نوى قصدها لكن من الناس من يقول: إنها أخص من الإرادة؛ فإن إرادة الإنسان ~~تتعلق بعمله وعمل غيره والنية لا تكون إلا لعمله فإنك تقول: أردت من فلان ~~كذا ولا تقول نويت من فلان كذا. # فصل: # وقد تنازع الناس في قوله صلى الله عليه وسلم " {إنما الأعمال بالنيات} ": ~~هل فيه إضمار أو تخصيص؟ أو هو على ظاهره وعمومه؟ فذهب طائفة من المتأخرين ~~إلى الأول قالوا: لأن المراد بالنيات الأعمال الشرعية التي تجب ms5697 أو تستحب ~~والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات فإن قضاء الحقوق الواجبة من ~~الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك ~~نية شرعية. بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه كما لو تسلم المستحق عين ماله ~~أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب فأوقعته في يد صاحبه ونحو ذلك. ثم ~~قال بعض هؤلاء: تقديره إنما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو إنما ~~تقبل بالنيات وقال بعضهم: تقديره إنما الأعمال الشرعية # PageV18P252 # أو إنما صحتها أو إنما أجزاؤها ونحو ذلك. وقال الجمهور: بل الحديث على ~~ظاهره وعمومه فإنه لم يرد بالنيات فيه الأعمال الصالحة وحدها بل أراد النية ~~المحمودة والمذمومة والعمل المحمود والمذموم ولهذا قال في تمامه: " {فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله} " إلخ فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ~~ورسوله فقط والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلا ~~بعد إجمال فقال: " {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} " ثم فصل ~~ذلك بقوله: " {فمن كانت هجرته} " إلخ. وقد روي أن سبب هذا الحديث: أن رجلا ~~كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل امرأة كان يحبها تدعى أم قيس فكانت ~~هجرته لأجلها فكان يسمى مهاجر أم قيس فلهذا ذكر فيه " {أو امرأة يتزوجها - ~~وفي رواية - ينكحها} " فخص المرأة بالذكر لاقتضاء سبب الحديث لذلك. والله ~~أعلم. والسبب الذي خرج عليه اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه باتفاق الناس ~~والهجرة في الظاهر هي: سفر من مكان إلى مكان والسفر جنس تحته أنواع مختلفة ~~تختلف باختلاف نية صاحبه فقد يكون سفرا واجبا كحج أو جهاد متعين وقد يكون ~~محرما كسفر العادي لقطع # PageV18P253 # الطريق والباغي على جماعة المسلمين والعبد الآبق. والمرأة الناشز. ولهذا ~~تكلم الفقهاء في الفرق بين العاصي بسفره والعاصي في سفره فقالوا: إذا سافر ~~سفرا مباحا كالحج والعمرة والجهاد جاز له فيه القصر والفطر باتفاق الأئمة ~~الأربعة وإن عصى في ذلك السفر. وأما إذا كان عاصيا بسفره كقطع الطريق وغير ~~ذلك ms5698 فهل يجوز له الترخص برخص السفر كالفطر والقصر؟ فيه نزاع: فمذهب مالك ~~والشافعي وأحمد: أنه لا يجوز له القصر والفطر ومذهب أبي حنيفة يجوز له ذلك ~~وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر هذا السفر وهذا السفر علم أن ~~مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقا لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة ~~والصيام ومقصوده ذكر جنس النية وحينئذ يتبين أن قوله: " {إنما الأعمال ~~بالنيات} " مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم كما قال: " {بعثت بجوامع ~~الكلم} " وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها فإن كل عمل يعمله ~~عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه فإن قصد بعمله مقصودا حسنا كان له ذلك ~~المقصود الحسن وإن قصد به مقصودا سيئا كان له ما نواه. # PageV18P254 # فصل: # ولفظ النية يراد بها النوع من المصدر ويراد بها المنوي واستعمالها في هذا ~~لعله أغلب في كلام العرب فيكون المراد إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل ~~أي: بحسب منويه ولهذا قال في تمامه {فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله} فذكر ما ينويه العامل ويريده بعمله وهو الغاية المطلوبة ~~له. فإن كل متحرك بالإرادة لا بد له من مراد. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~{أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها حرب ومرة وأصدقها حارث ~~وهمام} فإن كل آدمي حارث وهمام والحارث هو العامل الكاسب والهمام الذي يهم ~~ويريد. قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} فقوله حرث الدنيا أي كسبها ~~وعملها ولهذا وضع الحريري مقاماته على لسان الحارث بن همام لصدق هذا الوصف ~~على كل أحد. # PageV18P255 # فصل: # ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين: فتارة يريدون بها تمييز عمل ~~من عمل وعبادة من عبادة وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود ومعمول له ~~عن معمول له. فالأول كلامهم في النية: هل هي شرط في طهارة ms5699 الأحداث؟ وهل ~~تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام؟ وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل ~~تجزيه عن الواجب؟ أو أنه لا بد في الصلاة من نية التعيين؟ ونحو ذلك والثاني ~~كالتمييز بين إخلاص العمل لله وبين أهل الرياء والسمعة كما سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله؟ ~~فقال: {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} وهذا الحديث ~~يدخل فيه سائر الأعمال وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله والدار ~~الآخرة وبين من يريد الدنيا: مالا وجاها ومدحا وثناء وتعظيما وغير ذلك ~~والحديث دل على هذه النية بالقصد وإن كان قد يقال: أن عمومه يتناول # PageV18P256 # النوعين فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله وبين من يريد دنيا أو امرأة ~~ففرق بين معمول له ومعمول له ولم يفرق بين عمل وعمل. وقد ذكر الله تعالى ~~الإخلاص في كتابه في غير موضع كقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} وقوله: {فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله الدين ~~الخالص} وقوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} وغير ذلك من الآيات. وإخلاص ~~الدين هو أصل دين الإسلام ولذلك ذم الرياء في مثل قوله: {فويل للمصلين} ~~{الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} وقوله: {وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وقال تعالى: ~~{كالذي ينفق ماله رئاء الناس} الآية وقوله تعالى {والذين ينفقون أموالهم ~~رئاء الناس} الآية. # فصل: # وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج ~~لا تصح إلا بنية وتنازعوا في الطهارة مثل من يكون عليه جنابة فينساها ~~ويغتسل للنظافة فقال مالك والشافعي وأحمد: النية # PageV18P257 # شرط لطهارة الأحداث كلها وقال أبو حنيفة: لا تشترط في الطهارة بالماء ~~بخلاف التيمم وقال زفر لا تشترط لا في هذا ولا في هذا وقال بعض المتأخرين ~~من أصحاب الشافعي وأحمد: تشترط لإزالة النجاسة وهذا القول شاذ فإن إزالة ~~النجاسة لا ms5700 يشترط فيها عمل العبد بل تزول بالمطر النازل والنهر الجاري ونحو ~~ذلك فكيف تشترط لها النية وأيضا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب ~~الأعمال ولهذا لو لم يخطر بقلبه في الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا ~~كان مجتنبا لها ولهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد ~~قوليه: لو صلى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يعد؛ لأنه من باب ~~التروك وقد ذكر الله عن المؤمنين قولهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله تعالى قال قد فعلت} فمن ~~فعل ما نهي عنه ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه بخلاف من ترك ما أمر به كمن ~~ترك الصلاة فلا بد من قضائها. ولهذا فرق أكثر العلماء في الصلاة والصيام ~~والإحرام بين من فعل المحظور ناسيا وبين من ترك الواجب ناسيا كمن تكلم في ~~الصلاة ناسيا ومن أكل في الصيام ناسيا ومن تطيب أو لبس ناسيا في الإحرام ~~والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على # PageV18P258 # أبي حنيفة وأبو حنيفة يسلم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب ~~فيها وإنما النزاع في صحة الصلاة بها فقوله صلى الله عليه وسلم " إنما ~~الأعمال بالنيات " لا يدل على محل النزاع إلا إذا ضمت إليه مقدمة أخرى وهو ~~أن الطهارة لا تكون إلا عبادة والعبادة لا تصح إلا بنية وهذه المقدمة إذا ~~سلمت لم تحتج إلى الاستدلال بهذا فإن الناس متفقون على أن ما لا يكون إلا ~~عبادة لا يصح إلا بنية بخلاف ما يقع عبادة وغير عبادة كأداء الأمانات وقضاء ~~الديون. وحينئذ فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع غير عبادة؟ والجمهور ~~يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه كقوله: {إذا توضأ العبد المسلم خرجت ~~خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء} وأمثال ذلك فيقولون: ففيه الثواب ~~لعموم النصوص والثواب لا يكون إلا مع النية فالوضوء لا يكون إلا بنية. وأبو ~~حنيفة يقول: ms5701 الطهارة شرط من شرائط الصلاة فلا تشترط لها النية كاللباس ~~وإزالة النجاسة وأولئك يقولون: اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة ~~ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة وقد وردت النصوص ~~بالثواب على جنس الوضوء. وأبو حنيفة يقول: النصوص وردت بالثواب على الوضوء ~~المعتاد # PageV18P259 # وعامة المسلمين إنما يتوضئون بالنية والوضوء الخالي عن النية نادر لا يقع ~~إلا لمثل من أراد تعليم غيره ونحو ذلك والجمهور يقولون: هذا الوضوء الذي ~~اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة وما سوى هذا لا يدخل ~~في نصوص الشارع كقوله صلى الله عليه وسلم {لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ} فإن المخاطبين لا يعرفون الوضوء المأمور به إلا الوضوء الذي أثنى ~~عليه وحث عليه وغير هذا لا يعرفونه فلا يقصد إدخاله في عموم كلامه ولا ~~يتناوله النص. # فصل: # وأما النية التي هي إخلاص الدين لله فقد تكلم الناس في حدها وحد الإخلاص ~~كقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من ~~أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من ~~عمله وأمثال ذلك من كلامهم الحسن. لكن كلامهم يتضمن الإخلاص في سائر ~~الأعمال وهذا لا يقع من سائر الناس بل لا يقع من أكثرهم بل غالب المسلمين ~~يخلصون لله في كثير من أعمالهم كإخلاصهم في الأعمال المشتركة بينهم # PageV18P260 # مثل صوم شهر رمضان فغالب المسلمين يصومونه لله وكذلك من داوم على الصلوات ~~فإنه لا يصلي إلا لله عز وجل بخلاف من لم يحافظ عليها فإنما يصلي حياء أو ~~رياء أو لعلة دنيوية؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: ~~{إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله تعالى يقول: ~~{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله} الآية} . ومن لم يصل إلا بوضوء واغتسال فإنه لا يفعل ذلك ~~إلا لله ولهذا قال صلى ms5702 الله عليه وسلم فيما رواه أحمد. وابن ماجه من حديث ~~ثوبان عنه أنه قال: {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا ~~يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فإن الوضوء سر بين العبد وبين الله عز وجل} وقد ~~ينتقض وضوءه ولا يدري به أحد فإذا حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه ~~ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنا والإخلاص في النفع المتعدي أقل منه في ~~العبادات البدنية ولهذا قال في الحديث المتفق على صحته: {سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله} الحديث. # PageV18P261 # فصل: # والنية محلها القلب باتفاق العلماء؛ فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه ~~أجزأته النية باتفاقهم وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجها من كلام الشافعي غلط ~~فيه على الشافعي؛ فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن ~~الصلاة في أولها كلام فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية وإنما أراد ~~التكبير والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة كمن ~~قدم بين يديه طعاما ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه وكذلك ~~الركوب وغيره؛ بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا ما لا ~~يطيقون؛ فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا أو غير مشروع فعلمه سابق ~~إلى قلبه وذلك هو النية وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم ~~فلا بد أن ينويه إذا علمه ضرورة وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد ~~مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد أو من يريد أن يعلم غيره ~~الوضوء ولم يرد أنه يتوضأ لنفسه أو من لا يعلم أن غدا من رمضان فيصبح غير ~~ناو للصوم. # PageV18P262 # وأما المسلم الذي يعلم أن غدا من رمضان وهو يريد صوم رمضان فهذا لا بد أن ~~ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به وأكثر ما يقع عدم التبييت والتعيين في ~~رمضان عند الاشتباه مثل من لا يعلم أن غدا من رمضان أم لا ms5703 فينوي صوما رمضان ~~مطلقا أو يقصد تطوعا ثم يتبين أنه من رمضان ولو تكلم بلسانه بشيء وفي قلبه ~~خلافه كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به ولو اعتقد بقاء الوقت فنوى ~~الصلاة أداء ثم تبين خروج الوقت أو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له ~~بقاؤه أجزأته صلاته بالاتفاق. ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في ~~غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال؛ ولهذا قال بعض العلماء: ~~الوسوسة إنما تحصل لعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل. وقد تنازع الناس: ~~هل يستحب التلفظ بالنية؟ فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: ~~يستحب ليكون أبلغ؛ وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد: لا يستحب ليكون بل ~~التلفظ بها بدعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لم ينقل ~~عن واحد منهم أنه تكلم بلفظ النية لا في صلاة ولا طهارة ولا صيام قالوا: ~~لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان والنية ~~تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد # PageV18P263 # تحصيلها بلسانه وتحصيل الحاصل محال فلذلك يقع كثير من الناس في أنواع من ~~الوسواس. واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية لا لإمام ولا لمأموم ~~ولا لمنفرد ولا يستحب تكريرها وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرا: هل ~~يكره أو يستحب؟ . # فصل: # لفظة " إنما " للحصر عند جماهير العلماء وهذا مما يعرف بالاضطرار من لغة ~~العرب كما تعرف معاني حروف النفي والاستفهام والشرط وغير ذلك لكن تنازع ~~الناس: هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم؟ على قولين والجمهور ~~على أنه بطريق المنطوق والقول الآخر قول بعض مثبتي المفهوم كالقاضي أبي ~~يعلى في أحد قوليه وبعض الغلاة من نفاته وهؤلاء زعموا أنها تفيد الحصر ~~واحتجوا بمثل قوله: {إنما المؤمنون} . وقد احتج طائفة من الأصوليين على ~~أنها للحصر بأن حرف " إن " للإثبات وحرف " ما " للنفي فإذا اجتمعا حصل ~~النفي والإثبات جميعا # PageV18P264 # وهذا خطأ عند العلماء بالعربية؛ فإن " ما ms5704 " هنا هي ما الكافة ليست ما ~~النافية وهذه الكافة تدخل على أن وأخواتها فتكفها عن العمل وذلك لأن الحروف ~~العاملة أصلها أن تكون للاختصاص؛ فإذا اختصت بالاسم أو بالفعل ولم تكن ~~كالجزء منه عملت فيه فأن وأخواتها اختصت بالاسم فعملت فيه وتسمى الحروف ~~المشبهة للأفعال؛ لأنها عملت نصبا ورفعا وكثرت حروفها وحروف الجر اختصت ~~بالاسم فعملت فيه وحروف الشرط اختصت بالفعل فعملت فيه بخلاف أدوات ~~الاستفهام فإنها تدخل على الجملتين ولم تعمل وكذلك ما المصدرية. ولهذا ~~القياس في ما النافية أن لا تعمل أيضا على لغة تميم ولكن تعمل على اللغة ~~الحجازية التي نزل بها القرآن. في مثل قوله تعالى {ما هن أمهاتهم} و {ما ~~هذا بشرا} استحسانا لمشابهتها " ليس " هنا لما دخلت ما الكافة على إن أزالت ~~اختصاصها فصارت تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية فبطل عملها كقوله: ~~{إنما أنت منذر} وقوله: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} . وقد تكون ما التي ~~بعد أن اسما لا حرفا كقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر} بالرفع أي: أن الذي ~~صنعوه كيد ساحر خلاف قوله: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} فإن القراءة ~~بالنصب لا تستقيم إذا كانت ما بمعنى الذي وفي كل المعنيين الحصر موجود لكن ~~إذا # PageV18P265 # كانت ما بمعنى الذي فالحصر جاء من جهة أن المعارف هي من صيغ العموم فإن ~~الأسماء إما معارف وإما نكرات والمعارف من صيغ العموم والنكرة في غير ~~الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم فقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر} تقديره: ~~أن الذي صنعوه كيد ساحر. وأما الحصر في " إنما " فهو من جنس الحصر بالنفي ~~والاستثناء كقوله تعالى: {ما أنت إلا بشر مثلنا} {وما محمد إلا رسول} . ~~والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور في الثاني وقد يعبر عنه بالعكس والمعنى ~~واحد وهو أن الثاني أثبته الأول ولم يثبت له غيره مما يتوهم أنه ثابت له ~~وليس المراد إنك تنفي عن الأول كل ما سوى الثاني فقوله: {إنما أنت منذر} ~~أي: إنك لست ربا لهم؛ ولا محاسبا؛ ولا مجازيا؛ ms5705 ولا وكيلا عليهم؛ كما قال: ~~{لست عليهم بمسيطر} وكما قال: {فإنما عليك البلاغ} {ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} ليس هو إلها ولا أمه إلهة بل غايته ~~أن يكون رسولا كما غاية محمد أن يكون رسولا وغاية مريم أن تكون صديقة. وهذا ~~مما استدل به على بطلان قول بعض المتأخرين: أنها نبية وقد حكى الإجماع على ~~عدم نبوة أحد من النساء القاضي أبو بكر # PageV18P266 # ابن الطيب والقاضي أبو يعلى والأستاذ أبو المعالي الجويني وغيرهم. وكذلك ~~قوله تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي: ليس مخلدا في ~~الدنيا لا يموت ولا يقتل بل يجوز عليه ما جاز على إخوانه المرسلين من الموت ~~أو القتل {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} نزلت يوم أحد لما قيل أن ~~محمدا قد قتل وتلاها الصديق يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من ~~كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ~~وتلا هذه الآية فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنها ~~فكان لا يوجد أحد إلا يتلوها. # فصل: # وأما قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية ~~فهذه الآية أثبت فيها الإيمان لهؤلاء ونفاه عن غيرهم كما نفاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عمن نفاه عنه في الأحاديث مثل قوله: {لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن فإياكم وإياكم} وكذلك قوله: {لا إيمان لمن لا أمانة له ولا ~~دين لمن لا عهد له} ومن هذا # PageV18P267 # الباب قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا} الآية. وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع} الآية. وهذه المواضع قد تنازع الناس في نفيها ~~والذي عليه جماهير السلف وأهل الحديث وغيرهم: أن نفي الإيمان لانتفاء بعض ~~الواجبات ms5706 فيه والشارع دائما لا ينفي المسمى الشرعي إلا لانتفاء واجب فيه ~~وإذا قيل: المراد بذلك نفي الكمال فالكمال نوعان واجب ومستحب فالمستحب كقول ~~بعض الفقهاء: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ أي: كامل المستحبات وليس هذا ~~الكمال هو المنفي في لفظ الشارع بل المنفي هو الكمال الواجب وإلا فالشارع ~~لم ينف الإيمان ولا الصلاة ولا الصيام ولا الطهارة ولا نحو ذلك من المسميات ~~الشرعية لانتفاء بعض مستحباتها؛ إذ لو كان كذلك لانتفى الإيمان عن جماهير ~~المؤمنين بل إنما نفاه لانتفاء الواجبات كقوله عليه الصلاة والسلام {لا ~~صيام لمن لم يبيت النية} و {لا صلاة إلا بأم القرآن} . وقد رويت عنه ألفاظ ~~تنازع الناس في ثبوتها عنه مثل قوله: {لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل} {ولا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه} {لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في المسجد} من ثبتت عنده هذه الألفاظ فعليه أن يقول ~~بموجبها # PageV18P268 # فيوجب ما تضمنته من: التبييت؛ وذكر اسم الله؛ وإجابة المؤذن؛ ونحو ذلك. ~~ثم إذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة: هل يقال: بطلت كلها فلا ثواب له ~~عليها؟ أم يقال: يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه؟ وهل عليه إعادة ذلك؟ ~~هذا يكون بحسب الأدلة الشرعية فمن الواجبات في العبادة ما لا تبطل العبادة ~~بتركه ولا إعادة على تاركه بل يجبر المتروك؛ كالواجبات في الحج التي ليست ~~أركانا مثل رمي الجمار وأن يحرم من غير الميقات ونحو ذلك. وكذلك الصلاة عند ~~الجمهور كمالك؛ وأحمد وغيرهم فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه عندهم كما ~~يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة. وكما يقول مالك وأحمد في التشهد ~~الأول؛ لكن مالك وأحمد يقولان: ما تركه من هذا سهوا فعليه أن يسجد للسهو ~~وأما إذا تركه عمدا فتبطل صلاته كما تبطل الصلاة بترك التشهد الأول عمدا في ~~المشهور من مذهبيهما لكن أصحاب مالك يسمون هذا سنة مؤكدة ومعناه معنى ~~الواجب عندهم. وأما أبو حنيفة فيقول: من ترك الواجب الذي ليس بفرض ms5707 عمدا ~~أساء ولا إعادة عليه والجمهور يقولون: لا نعهد في العبادة واجبا فيما يتركه ~~الإنسان إلى غير بدل ولا إعادة عليه فلا بد من وجوب البدل للإعادة. ولكن مع ~~هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك # PageV18P269 # واجبا في الحج ليس بركن ولم يجبره بالدم الذي عليه لم يبطل حجه ولا تجب ~~إعادته فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث: أن من ترك واجبا من واجبات ~~الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر إيمانه إما بالتوبة؛ ~~وإما بالحسنات المكفرة. فالكبائر يتوب منها والصغائر تكفرها الصلاة والصيام ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه ~~جملة. وأصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه كما في قوله عليه ~~الصلاة والسلام {يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} ولهذا ~~مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. ~~وأما الذين أنكروا تبعضه وتفاضله كأنهم قالوا: متى ذهب بعضه ذهب سائره ثم ~~انقسموا قسمين: فقالت الخوارج والمعتزلة: فعل الواجبات وترك المحرمات من ~~الإيمان فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلا ~~بحال. ثم قالت الخوارج: هو كافر وقالت المعتزلة: ليس بكافر ولا مؤمن. بل هو ~~فاسق ننزله منزلة بين المنزلتين فخالفوا الخوارج في الاسم ووافقوهم في ~~الحكم وقالوا: إنه مخلد في النار لا يخرج منها # PageV18P270 # بشفاعة ولا غيرها. والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في ~~النار من أهل التوحيد أحد ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال ~~الإيمان؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان ~~وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال ~~وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في ~~كتابه. ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق ~~القلب وقول اللسان وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كأبي ~~حنيفة وغيره وقال ms5708 جهم والصالحي ومن وافقهما من أهل الكلام كأبي الحسن ~~وغيره: إنه مجرد تصديق القلب. # وفصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجردا؛ وقد يذكر ~~مقرونا بالعمل أو بالإسلام. فإذا ذكر مجردا تناول الأعمال كما في الصحيحين: ~~{الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} وفيهما أنه قال لوفد عبد القيس: {آمركم ~~بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم} وإذا ~~ذكر مع الإسلام - كما في حديث {جبريل أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن # PageV18P271 # الإيمان والإسلام والإحسان - فرق بينهما فقال: الإيمان أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله} إلى آخره. . وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{الإسلام علانية والإيمان في القلب} فلما ذكرهما جميعا ذكر أن الإيمان في ~~القلب والإسلام ما يظهر من الأعمال. وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال ~~الظاهرة لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق ~~بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضي ذلك ضرورة؛ فإنه ما أسر أحد سريرة إلا ~~أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه فإذا ثبت التصديق في القلب لم ~~يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها ~~أثر في الظاهر. ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء ~~اللازم يقتضي انتفاء الملزوم كقوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} وقوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} الآية ونحوها فالظاهر والباطن متلازمان ~~لا يكون الظاهر مستقيما إلا مع استقامة الباطن وإذا استقام الباطن فلا بد ~~أن يستقيم الظاهر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {ألا إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي ~~القلب} # PageV18P272 # وقال عمر لمن ms5709 رآه يعبث في صلاته: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه وفي ~~الحديث: {لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه ولا يستقيم لسانه حتى ~~يستقيم قلبه} . ولهذا كان الظاهر لازما للباطن من وجه وملزوما له من وجه ~~وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوما لا من جهة كونه لازما؛ فإن الدليل ملزوم ~~المدلول يلزم من وجود الدليل وجود المدلول ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما ~~يدل عليه والدليل يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس. وتنازعوا في ~~العلة هل يجب طردها بحيث تبطل بالتخصيص والانتقاض؟ والصواب أن لفظ العلة ~~يعبر به عن العلة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم فهذه يجب طردها ويعبر ~~به عن المقتضي للحكم الذي يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط وانتفاء الموانع ~~فهذه إذا تخلف الحكم عنها لغير ذلك بطلت. وكذلك تنازعوا في انعكاسها وهو ~~أنه هل يلزم من عدم الحكم عدمها؟ فقيل: لا يجب انعكاسها؛ لجواز تعليل الحكم ~~بعلتين. وقيل: يجب الانعكاس؛ لأن الحكم متى ثبت مع عدمها لم تكن مؤثرة فيه ~~بل كان غنيا عنها وعدم التأثير مبطل للعلة. وكثير من الناس يقول # PageV18P273 # بأن عدم التأثير يبطل العلة ويقول بأن العكس ليس بشرط فيها وآخرون ~~يقولون: هذا تناقض. والتحقيق في هذا: أن العلة إذا عدمت عدم الحكم المتعلق ~~بها بعينه كمن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخرى فإذا وجد ذلك الحكم بدون ~~علة أخرى علم أنها عديمة التأثير وبطلت وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة ~~أخرى كان نوع ذلك الحكم معللا بعلتين وهذا جائز كما إذا قيل في المرأة ~~المرتدة: كفرت بعد إسلامها فتقتل قياسا على الرجل لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: رجل ~~كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه؛ أو قتل نفسا فقتل بها} . فإذا قيل له: ~~لا تأثير لقولك: كفر بعد إسلامه فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر وحينئذ فالمرأة ~~لا تقتل بمجرد الكفر؛ فيقول: هذه ms5710 علة ثابتة بالنص وبقوله: {من بدل دينه ~~فاقتلوه} وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته ولهذا لا أقتل ~~من كان عاجزا عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه. وأما الكفر بعد الإسلام فعلة ~~أخرى مبيحة للدم؛ ولهذا قتل بالردة من كان عاجزا عن القتال كالشيخ الكبير. ~~وهذا قول مالك وأحمد وإن كان ممن يرى أن مجرد الكفر # PageV18P274 # يبيح القتال كالشافعي؛ قال: الكفر وحده علة؛ والكفر بعد الإسلام علة ~~أخرى. وليس هذا موضع بسط هذه الأمور وإنما ننبه عليها. والمقصود: أن لفظ ~~الإيمان تختلف دلالته بالإطلاق والاقتران فإذا ذكر مع العمل أريد به أصل ~~الإيمان المقتضي للعمل وإذا ذكر وحده دخل فيه لوازم ذلك الأصل. وكذلك إذا ~~ذكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءا منه وكان كل مسلم مؤمنا فإذا ذكر لفظ ~~الإسلام مع الإيمان تميز أحدهما عن الآخر كما في حديث جبريل وكما في قوله ~~تعالى {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} ولهذا نظائر كلفظ ~~المعروف والمنكر والعدل والإحسان وغير ذلك ففي قوله: {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر} يدخل في لفظ المعروف كل مأمور به وفي لفظ المنكر كل ~~منهي عنه وفي قوله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} جعل الفحشاء ~~غير المنكر وقوله: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} جعل الفحشاء والبغي ~~غير المنكر. وإذا قيل: هذا من باب عطف الخاص على العام والعام على الخاص # PageV18P275 # فللناس هنا قولان: منهم من يقول: الخاص دخل في العام وخص بالذكر فقد ذكر ~~مرتين. ومنهم من يقول: تخصيصه بالذكر يقتضي أنه لم يدخل في العام وقد يعطف ~~الخاص على العام كما في قوله: {وملائكته ورسله وجبريل} وقوله: {وإذ أخذنا ~~من النبيين ميثاقهم ومنك} الآية وقد يعطف العام على الخاص كما في قوله ~~تعالى {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئووها} . وأصل الشبهة في ~~الإيمان أن القائلين: أنه لا يتبعض قالوا: إن الحقيقة المركبة من أمور متى ~~ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة كالعشرة المركبة من آحاد فلو قلنا: إنه ~~يتبعض لزم زوال بعض الحقيقة ms5711 مع بقاء بعضها فيقال لهم.: إذا زال بعض أجزاء ~~المركب تزول الهيئة الاجتماعية الحاصلة بالتركيب لكن لا يلزم أن يزول سائر ~~الأجزاء والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة الباطنة ~~والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل وهذه الهيئة الاجتماعية تزول بزوال بعض ~~الأجزاء وهذه هي المنفية في الكتاب والسنة في مثل قوله: {لا يزني الزاني} ~~إلخ وعلى ذلك جاء قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا} الآيات ولكن لا يلزم أن تزول سائر الأجزاء؛ ولا أن سائر ~~الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه. كما أن واجبات الحج من ~~الحج الواجب الكامل وإذا زالت زال # PageV18P276 # هذا الكمال ولم يزل سائر الحج. وكذلك الإنسان الكامل يدخل في مسماه ~~أعضاؤه كلها ثم لو قطعت يداه ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان وإن كان قد زال ~~منه بعض ما يدخل في الاسم الكامل. وكذلك لفظ الشجرة والباب والبيت والحائط ~~وغير ذلك يتناول المسمى في حال كمال أجزائه بعد ذهاب بعض أجزائه. وبهذا ~~تزول الشبهة التي أوردها الرازي ومن اتبعه كالأصبهاني وغيره على الشافعي؛ ~~فإن مذهبه في ذلك مذهب جمهور أهل الحديث والسلف وقد اعترض هؤلاء بهذه ~~الشبهة الفاسدة على السلف. والإيمان يتفاضل من جهة الشارع فليس ما أمر الله ~~به كل عبد هو ما أمر الله به غيره ولا الإيمان الذي يجب على كل عبد يجب على ~~غيره بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان مستحقا للثواب ~~إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله وإن كان لم يقع منه التصديق المفضل بما ~~لم ينزل من القرآن ولم يصم رمضان ولم يحج البيت كما أن من آمن في زمننا هذا ~~إيمانا تاما ومات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملا للإيمان الذي وجب ~~عليه كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك. # PageV18P277 # وأما بعد نزول ما نزل من القرآن وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله من الواجبات ~~وتمكن من فعل ذلك فإنه لا يكون مستحقا للثواب بمجرد ما ms5712 كان يستحق به الثواب ~~قبل ذلك فلذلك يقول هؤلاء: لم يكن هذا مؤمنا بما كان به مؤمنا قبل ذلك وهذا ~~لأن الإيمان الذي شرع لهذا أعظم من الإيمان الذي شرع لهذا وكذلك المستطيع ~~الحج يجب عليه ما لا يجب على العاجز عنه وصاحب المال يجب عليه من الزكاة ما ~~لا يجب على الفقير ونظائره متعددة. وأما تفاصيله من جهة العبد فتارة يقوم ~~هذا من الإقرار والعمل بأعظم مما يقوم به هذا. وكل أحد يعلم أن ما في القلب ~~من الأمور يتفاضل حتى إن الإنسان يجد نفسه أحيانا أعظم حبا لله ورسوله ~~وخشية لله ورجاء لرحمته وتوكلا عليه؛ وإخلاصا منه في بعض الأوقات. وكذلك ~~المعرفة والتصديق تتفاضل في أصح القولين وهذا أصح الروايتين عن أحمد وقد ~~قال غير واحد من الصحابة كعمر بن حبيب الخطمي وغيره: الإيمان يزيد وينقص ~~فإذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا ~~فذلك نقصانه. ولهذا سن الاستثناء في الإيمان فإن كثيرا من السلف من الصحابة ~~والتابعين وغيرهم استثنوا في الإيمان وآخرون أنكروا الاستثناء فيه # PageV18P278 # وقالوا: هذا شك. والذين استثنوا فيه منهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه بل ~~جوز تركه باعتبار حالتين وهذا أصح الأقوال وهذان القولان في مذهب أحمد ~~وغيره فمن استثنى لعدم علمه بأنه غير قائم بالواجبات كما أمر الله ورسوله ~~فقد أحسن وكذلك من استثنى لعدم علمه بالعاقبة وكذلك من استثنى تعليقا للأمر ~~بمشيئة الله تعالى لا شكا ومن جزم بما هو في نفسه في هذه الحال كمن يعلم من ~~نفسه أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فجزم بما هو متيقن ~~حصوله في نفسه فهو محسن في ذلك. وكثير من منازعات الناس في مسائل الإيمان ~~ومسائل الأسماء والأحكام هي منازعات لفظية فإذا فصل الخطاب زال الارتياب. ~~والله سبحانه أعلم بالصواب. # فصل: # قوله صلى الله عليه وسلم {فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله} ليس هو تحصيل للحاصل لكنه إخبار بأن من نوى ms5713 بعمله شيئا فقد ~~حصل له ما نواه أي: من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده ومن كان قصده ~~الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلا ذلك فهذا تفصيل لقوله: {إنما الأعمال ~~بالنيات} # PageV18P279 # ولما أخبر أن لكل امرئ ما نوى ذكر أن لهذا ما نواه ولهذا ما نواه. ~~والهجرة مشتقة من الهجر وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{المهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله} كما ~~قال: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على ~~دمائهم وأموالهم} وهذا بيان منه لكمال مسمى هذا الاسم كما قال: {ليس ~~المسكين بهذا الطواف} إلخ وقد يشبه هذا قوله: {ما تعدون المفلس فيكم؟ ~~قالوا: من ليس له درهم ولا دينار. قال: ليس هذا المفلس ولكن المفلس من يأتي ~~يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا؛ وشتم هذا؛ وأخذ مال ~~هذا؛ فيعطي هذا من حسناته؛ وهذا من حسناته؛ فإذا لم يبق له حسنة أخذ من ~~سيئاتهم فطرحت عليه؛ ثم طرح في النار} . وقال: {ما تعدون الرقوب فيكم؟ ~~قالوا: من لا يولد له. قال: الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا} ومثله قوله: ~~{ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} . لكن في هذه ~~الأحاديث مقصود وبيان ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما يظنونه. فإن ~~الإفلاس حاجة وذلك مكروه فبين أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم القيامة وكذلك ~~عدم الولد تكرهه النفوس لعدم الولد النافع فبين أن الانتفاع بالولد حقيقة ~~إنما يكون في الآخرة لمن # PageV18P280 # قدم أولاده بين يديه وكذلك الشدة والقوة محبوبة فبين أن قوة النفوس أحق ~~بالمدح من قوة البدن وهو أن يملك نفسه عند الغضب كما قيل لبعض سادات العرب: ~~ما بال عبيدك أصبر منكم عند الحرب وعلى الأعمال؟ قال: هم أصبر أجسادا ونحن ~~أصبر نفوسا. وأما قوله: في اسم المسلمين فهو من جنس قوله: في المسلم ~~والمؤمن والمهاجر والمجاهد وهذا ms5714 مطابق لما تقدم من أن الشارع لا ينفي مسمى ~~اسم شرعي إلا لانتفاء كماله الواجب؛ فإن هجر ما نهى الله عنه واجب؛ وسلامة ~~المسلمين من عدوان الإنسان بلسانه ويده واجب والمؤمن على دمائهم وأموالهم ~~لا يكون من أمنه الناس إلا إذا كان أمينا والأمانة واجبة والمسكين الذي لا ~~يسأل ولا يعرف هو أحق بالإعطاء ممن أظهر حاجته وسؤاله وعطاؤه واجب وتخصيص ~~السائل بالعطاء دون هذا لا يجوز بل تخصيص الذي لا يسأل أولى وأوجب وأحب. ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم {لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية؛ وإذا ~~استنفرتم فانفروا} وقال {لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو} وكلاهما حق. ~~فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه وهي الهجرة إلى المدينة من مكة ~~وغيرها من أرض العرب فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار ~~كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ~~واجبة لمن قدر عليها فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في ~~الإسلام # PageV18P281 # صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام فقال: {لا هجرة بعد الفتح} وكون الأرض ~~دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها؛ بل هي صفة عارضة ~~بحسب سكانها فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك ~~الوقت وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض سكانها ~~الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم ~~فهي دارهم. وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو ~~كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه؛ وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا ~~جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك وكذلك الرجل الصالح يصير ~~فاسقا والكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك كل بحسب انتقال ~~الأحوال من حال إلى حال وقد قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة} الآية نزلت في مكة لما كانت ms5715 دار كفر وهي ما زالت في نفسها خير أرض ~~الله وأحب أرض الله إليه وإنما أراد سكانها. فقد روى الترمذي مرفوعا: {أنه ~~قال لمكة وهو واقف بالحزورة: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى ~~الله ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت} وفي رواية: {خير أرض الله وأحب ~~أرض الله إلي} فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله وكان مقامه بالمدينة ~~ومقام # PageV18P282 # من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم؛ ولهذا كان ~~الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة كما ثبت في الصحيح: {رباط يوم ~~وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى ~~عليه عمله وأجري رزقه من الجنة وأمن الفتان} وفي السنن عن عثمان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما ~~سواه من المنازل} وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من ~~أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود؛ ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان ~~أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله وهذا يختلف باختلاف الأحوال ولا تتعين أرض ~~يكون مقام الإنسان فيها أفضل وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى ~~والطاعة والخشوع والخضوع والحضور وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى ~~الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: أن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس العبد ~~عمله. {وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء} وكان ~~سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا. وقد قال الله تعالى ~~لموسى عليه السلام {سأريكم دار الفاسقين} وهي الدار التي كان بها أولئك ~~العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهي الدار التي دل عليها القرآن من ~~الأرض المقدسة # PageV18P283 # وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل فأحوال البلاد كأحوال العباد ~~فيكون الرجل تارة مسلما وتارة كافرا وتارة مؤمنا؛ وتارة منافقا وتارة برا ~~تقيا وتارة ms5716 فاسقا وتارة فاجرا شقيا. وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة ~~الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله ~~من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة وهذا أمر باق إلى يوم القيامة والله ~~تعالى قال: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} . قالت ~~طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة وهكذا ~~قوله تعالى {للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم} يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في ~~معصية ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو وجاهد المنافقين بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك وصبر على ما أصابه من قول أو فعل. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV18P284 # وقال: # فصل: # الأذكار الثلاثة التي اشتملت عليها خطبة ابن مسعود وغيره وهي الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره: هي التي يروى عن الشيخ عبد القادر ثم أبي الحسن الشاذلي ~~أنها جوامع الكلام النافع. وهي: الحمد لله وأستغفر الله ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله وذلك أن العبد بين أمرين أمر يفعله الله به فهي نعم الله التي ~~تنزل عليه فتحتاج إلى الشكر. وأمر يفعله هو: إما خير وإما شر فالخير يفتقر ~~إلى معونة الله له فيحتاج إلى الاستعانة والشر يفتقر إلى الاستغفار ليمحو ~~أثره. وجاء في حديث ضماد الأزدي: {الحمد لله نحمده ونستعينه} فقط وهذا ~~موافق لفاتحة الكتاب حيث قسمت نصفين: نصفا للرب ونصفا للعبد فنصف الرب ~~مفتتح بالحمد لله ونصف العبد مفتتح بالاستعانة به فقال نحمده ونستعينه وقد ~~يقرن بين الحمد والاستغفار كما في الأثر الذي رواه أحمد في الزهد " أن رجلا ~~كان على عهد # PageV18P285 # الحسن فقيل له: تلقينا هذه الخطبة عن الوالد عن والده كما يقولها كثير من ~~الناس: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا " فأما نحمده ونستعينه ففي حديث ضماد {ونستعينه ~~ونستغفره} في حديث ابن مسعود. وأما نستهديه ففي فاتحة الكتاب لأن نصفها ms5717 ~~للرب وهو الحمد ونصفها للعبد وهو الاستعانة والاستهداء وليس فيها الاستغفار ~~لأنه لا يكون إلا مع الذنب والسورة أصل الإيمان والفاتحة باب السعادة ~~المانعة من الذنوب. كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~{وعن ابن عباس أن ضمادا قدم مكة وكان من أزدشنوءة. وكان يرقي من هذه الريح ~~فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون فقال لو أني رأيت هذا الرجل ~~لعل الله يشفيه على يدي قال فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن ~~الله يشفي على يدي من شاء الله فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد ~~قال: فقال أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث مرات قال: فقال: # PageV18P286 # لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت بمثل كلماتك ~~هؤلاء ولقد بلغت ناعوس البحر قال: فقال هات يدك أبايعك على الإسلام قال: ~~فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قومك فقال وعلى قومي} رواه ~~مسلم في صحيحه. ولهذا استحبت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموما وخصوصا: ~~من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك. وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح ~~بهذه الخطبة الشرعية النبوية وكان الذي عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم ~~وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجلس التفسير أو الفقه في الجوامع والمدارس ~~وغيرها بخطبة أخرى. مثل: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم ~~المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله عنا وعنكم وعن مشايخنا وعن جميع ~~المسلمين أو وعن السادة الحاضرين وجميع المسلمين؛ كما رأيت قوما يخطبون ~~للنكاح بغير الخطبة المشروعة وكل قوم لهم نوع غير نوع الآخرين فإن حديث ابن ~~مسعود لم يخص النكاح وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضا ~~والنكاح من جملة ms5718 ذلك فإن مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع ~~العبادات والعادات هو كمال الصراط المستقيم وما سوى ذلك إن لم يكن # PageV18P287 # منهيا عنه فإنه منقوص مرجوح إذ خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. ~~والتحقيق أن قوله: {الحمد لله نستعينه ونستغفره} هي الجوامع " كما في ~~الحديث النبوي حديث ابن مسعود ذكر ذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي ~~جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه كما في سورتي " أبي " فإن الاستهداء يدخل في ~~الاستعانة وتكرير نحمده قد استغني به بقوله " الحمد لله " فإذا فصلت جاز ~~كما في دعاء القنوت: {اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل ~~عليك ونثني عليك الخير كله ونشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك} . فهذه ~~إحدى سورتي أبي. وهي مفتتحة بالاستعانة التي هي نصف العبد مع ما بعدها من ~~فاتحة الكتاب وفي السورة الثانية: {اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك ~~نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق} . فهذا ~~مفتتح بالعبادة التي هي نصف الرب مع ما قبلها من الفاتحة ففي سورتي القنوت ~~مناسبة لفاتحة الكتاب وفيهما جميعا مناسبة لخطبة الحاجة وذلك جميعه من ~~فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه. # وأما قوله: {ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} فإن المستعاذ ~~منه نوعان: فنوع موجود يستعاذ من ضرره الذي لم # PageV18P288 # يوجد بعد ونوع مفقود يستعاذ من وجوده؛ فإن نفس وجوده ضرر مثال الأول: " ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ومثل الثاني: {رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين} {وأعوذ بك رب أن يحضرون} و {اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو ~~أزل أو أزل} . وأما قوله: {قل أعوذ برب الفلق} {من شر ما خلق} {ومن شر غاسق ~~إذا وقب} {ومن شر النفاثات في العقد} {ومن شر حاسد إذا حسد} فيشترك فيه ~~النوعان فإنه يستعاذ من الشر الموجود أن لا يضر ويستعاذ من الشر الضار ~~المفقود أن لا يوجد فقوله في الحديث: {ونعوذ بالله من شرور أنفسنا} يحتمل ~~القسمين: يحتمل نعوذ بالله أن ms5719 يكون منها شر ونعوذ بالله أن يصيبنا شرها ~~وهذا أشبه والله أعلم. # وقوله: " ومن سيئات أعمالنا " السيئات هي عقوبات الأعمال كقوله: {سيئات ~~ما مكروا} فإن الحسنات والسيئات يراد بها النعم والنقم كثيرا كما يراد بها ~~الطاعات والمعاصي وإن حملت على السيئات التي هي المعاصي فيكون قد استعاذ أن ~~يعمل السيئات أو أن تضره وعلى الأول وهو أشبه فقد استعاذ من عقوبة أعماله ~~أن تصيبه وهذا أشبه. # PageV18P289 # فيكون الحديث قد اشتمل على الاستعاذة من الضرر الفاعلي والضرر الغائي فإن ~~سبب الضرر هو شر النفس وغايته عقوبة الذنب وعلى هذا فيكون قد استعاذ من ~~الضرر المفقود الذي انعقد سببه أن لا يكون فإن النفس مقتضية للشر والأعمال ~~مقتضية للعقوبة فاستعاذ أن يكون شر نفسه أو أن تكون عقوبة عمله وقد يقال: ~~بل الشر هو الصفة القائمة بالنفس الموجبة للذنوب وتلك موجودة كوجود الشيطان ~~فاستعاذ منها أن تضره أو تصيبه كما يقال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ~~وإن حمل على الشرور الواقعة وهي الذنوب من النفس فهذا قسم ثالث. # PageV18P290 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. {بدأ الإسلام غريبا ~~وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء} . لا يقتضي هذا أنه إذا صار غريبا ~~يجوز تركه - والعياذ بالله بل الأمر كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال تعالى: {إن الدين عند ~~الله الإسلام} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} وقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} . # PageV18P291 # وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. وبينا أن الأنبياء كلهم كان دينهم ~~الإسلام من نوح إلى المسيح. ولهذا لما بدأ ms5720 الإسلام غريبا لم يكن غيره من ~~الدين مقبولا بل قد ثبت في الحديث الصحيح - حديث عياض بن حمار - عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم - عربهم ~~وعجمهم - إلا بقايا من أهل الكتاب} الحديث. ولا يقتضي هذا أنه إذا صار ~~غريبا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد الناس كما قال في تمام الحديث ~~{فطوبى للغرباء} . و " طوبى " من الطيب قال تعالى {طوبى لهم وحسن مآب} فإنه ~~يكون من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبا. وهم أسعد الناس. ~~أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم السلام. وأما في ~~الدنيا فقد قال تعالى {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي ~~أن الله حسبك وحسب متبعك. وقال تعالى {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصالحين} وقال تعالى {أليس # PageV18P292 # الله بكاف عبده} وقال {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} . فالمسلم المتبع للرسول: الله تعالى ~~حسبه وكافيه وهو وليه حيث كان ومتى كان. ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون ~~بالإسلام في بلاد الكفر لهم السعادة كلما كانوا أتم تمسكا بالإسلام فإن دخل ~~عليهم شر كان بذنوبهم؛ حتى إن المشركين وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم ~~بالإسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من الأعمال التي يستعملون بها المنتسبين إلى ~~ظاهر الإسلام من غير عمل بحقيقته لم يكرم. وكذلك كان المسلمون في أول ~~الإسلام وفي كل وقت. فإنه لا بد أن يحصل للناس في الدنيا شر ولله على عباده ~~نعم لكن الشر الذي يصيب المسلم أقل والنعم التي تصل إليه أكثر. فكان ~~المسلمون في أول الإسلام وإن ابتلوا بأذى الكفار والخروج من الديار فالذي ~~حصل للكفار من الهلاك كان أعظم بكثير والذي كان يحصل للكفار من عز أو مال ~~كان يحصل للمسلمين أكثر منه حتى من الأجانب. # PageV18P293 # فرسول الله صلى الله عليه وسلم - مع ما كان المشركون يسعون في أذاه ms5721 بكل ~~طريق - كان الله يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره من حيث كان أعز قريش ما منهم ~~إلا من كان يحصل له من يؤذيه ويهينه من لا يمكنه دفعه إذ لكل كبير كبير ~~يناظره ويناويه ويعاديه. وهذه حال من لم يتبع الإسلام - يخاف بعضهم بعضا ~~ويرجو بعضهم بعضا. وأتباعه الذين هاجروا إلى الحبشة أكرمهم ملك الحبشة ~~وأعزهم غاية الإكرام والعز والذين هاجروا إلى المدينة فكانوا أكرم وأعز. ~~والذي كان يحصل لهم من أذى الدنيا كانوا يعوضون عنه عاجلا من الإيمان ~~وحلاوته ولذته ما يحتملون به ذلك الأذى. وكان أعداؤهم يحصل لهم من الأذى ~~والشر أضعاف ذلك من غير عوض لا آجلا ولا عاجلا إذ كانوا معاقبين بذنوبهم. ~~وكان المؤمنون ممتحنين ليخلص إيمانهم وتكفر سيئاتهم. وذلك أن المؤمن يعمل ~~لله فإن أوذي احتسب أذاه على الله وإن بذل سعيا أو مالا بذله لله فاحتسب ~~أجره على الله. # PageV18P294 # والإيمان له حلاوة في القلب ولذة لا يعدلها شيء ألبتة. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن ~~يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} أخرجاه في ~~الصحيحين. وفي صحيح مسلم: {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا} . وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم ~~يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره. فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم ~~أو يكون في ضيق من مكرهم. وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من ~~أحوال الإسلام جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا؛ بل هو ~~مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام وأن يؤمن بالله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون وأن العاقبة للتقوى. وأن ما يصيبه فهو بذنوبه ~~فليصبر إن وعد الله حق وليستغفر لذنبه وليسبح ms5722 بحمد ربه بالعشي والإبكار. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم {ثم يعود غريبا كما بدأ} يحتمل شيئين: # PageV18P295 # أحدهما أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبا بينهم ثم يظهر كما كان في أول ~~الأمر غريبا ثم ظهر. ولهذا قال {سيعود غريبا كما بدأ} . وهو لما بدأ كان ~~غريبا لا يعرف ثم ظهر وعرف فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف. فيقل من ~~يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولا. ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا ~~يبقى مسلما إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب ~~الساعة. وحينئذ يبعث الله ريحا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة. ~~وأما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ~~على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة} . وهذا الحديث ~~في الصحيحين ومثله من عدة أوجه. فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ~~ممتنعة من أمته على الحق أعزاء لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل. فأما ~~بقاء الإسلام غريبا ذليلا في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم {ثم يعود غريبا كما بدأ} أعظم # PageV18P296 # ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه وقد قال تعالى {من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} . فهؤلاء يقيمونه إذا ~~ارتد عنه أولئك. وكذلك بدأ غريبا ولم يزل يقوى حتى انتشر. فهكذا يتغرب في ~~كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عز وجل كما كان عمر بن ~~عبد العزيز لما ولي قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان ~~منهم من لا يعرف تحريم الخمر. فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبا. وفي ~~السنن: {إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها} . ~~والتجديد إنما يكون بعد الدروس وذاك هو ms5723 غربة الإسلام. وهذا الحديث يفيد ~~المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام ولا يضيق صدره بذلك ولا ~~يكون في شك من دين الإسلام كما كان الأمر حين بدأ. قال تعالى {فإن كنت في ~~شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} إلى غير ذلك من ~~الآيات # PageV18P297 # والبراهين الدالة على صحة الإسلام. وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من الأدلة ~~والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه في أول الأمر. وقد قال له {أفغير الله ~~أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ~~لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} وقال تعالى {أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} . وقد تكون ~~الغربة في بعض شرائعه وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة ~~يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبا بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد ~~الواحد. ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله. فإن ~~إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه # PageV18P298 # ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} . وإذا قدر أن في الناس من حصل له سوء ~~في الدنيا والآخرة بخلاف ما وعد الله به رسوله وأتباعه فهذا من ذنوبه ونقص ~~إسلامه كالهزيمة التي أصابتهم يوم أحد. وإلا فقد قال تعالى {إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} . وفيما قصه الله تعالى من قصص الأنبياء وأتباعهم ونصرهم ونجاتهم ~~وهلاك أعدائهم عبرة والله أعلم. فإن ms5724 قيل: قوله تبارك وتعالى {من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هو خطاب لذلك القرن كقوله ~~تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم} . ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أهل ~~اليمن الذين دخلوا في الإسلام لما ارتد من ارتد من العرب: ويدل على ذلك أنه ~~في آخر الأمر لا يبقى مؤمن. قيل: قوله تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا} ~~خطاب لكل من # PageV18P299 # بلغه القرآن من المؤمنين كسائر أنواع هذا الخطاب كقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} وأمثالها. وكذلك قوله تعالى {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم} . وكلاهما وقع ويقع كما أخبر الله عز وجل. فإنه ما ارتد ~~عن الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه وهم الطائفة ~~المنصورة إلى قيام الساعة. يبين ذلك أنه ذكر هذا في سياق ### | النهي عن موالاة الكفار # فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين} - إلى قوله - {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} . فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود ~~والنصارى هم المخاطبون بآية الردة. ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة. ~~وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم ~~بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئا. # PageV18P300 # بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون ~~في سبيل الله لا يخافون لومة لائم كما قال في أول الأمر {فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} . فهؤلاء الذين لم يدخلوا في ~~الإسلام وأولئك الذين خرجوا منه بعد ms5725 الدخول فيه - لا يضرون الإسلام شيئا. ~~بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة. وأهل ~~اليمن هم ممن جاء الله بهم لما ارتد من ارتد إذ ذاك. وليست الآية مختصة بهم ~~ولا في الحديث ما يوجب تخصيصهم. بل قد أخبر الله أنه يأتي بغير أهل اليمن ~~كأبناء فارس لا يختص الوعد بهم. بل قد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} {إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء ~~قدير} وهذا أيضا خطاب لكل قرن وقد أخبر فيه أنه من نكل عن الجهاد المأمور ~~به عذبه واستبدل به من يقوم بالجهاد. وهذا هو الواقع. وكذلك قوله في الآية ~~الأخرى: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه والله # PageV18P301 # الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ~~. فقد أخبر تعالى أنه من يتول عن الجهاد بنفسه أو عن الإنفاق في سبيل الله ~~استبدل به. فهذه حال الجبان البخيل يستبدل الله به من ينصر الإسلام وينفق ~~فيه. فكيف تكون حال أصل الإسلام من ارتد عنه؟ أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم. وهذا موجود في أهل العلم والعبادة والقتال والمال؛ مع الطوائف ~~الأربعة مؤمنون مجاهدون منصورون إلى قيام الساعة كما منهم من يرتد أو من ~~ينكل عن الجهاد والإنفاق. وكذلك قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} . فهذا الوعد مناسب لكل من اتصف بهذا ~~الوصف. فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد. وقد اتصف بعدهم به قوم ~~بحسب إيمانهم وعملهم الصالح. فمن كان أكمل إيمانا وعمل صالحا كان استخلافه ~~المذكور أتم. فإن كان فيه نقص ms5726 وخلل كان في تمكينه خلل ونقص. وذلك أن هذا ~~جزاء هذا العمل فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء. # PageV18P302 # لكن ما بقي قرن مثل القرن الأول فلا جرم ما بقي قرن يتمكن تمكن القرن ~~الأول. قال صلى الله عليه وسلم {خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم} . ولكن قد يكون هذا لبعض أهل القرن كما يحصل هذا ~~لبعض المسلمين في بعض الجهات كما هو معروف في كل زمان. وأما ### | قوله صلى الله عليه وسلم {إن الله يبعث ريحا تقبض روح كل مؤمن} # فذاك ليس فيه ردة بل فيه موت المؤمنين. وهو لم يقل " إذا مات كل مؤمن أن ~~يستبدل الله موضعه آخر وإنما وعد بهذا إذا ارتد بعضهم عن دينه. وهو مما ~~يستدل به على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا ترتد جميعها بل لا بد أن ~~يبقي الله من المؤمنين من هو ظاهر إلى قيام الساعة. فإذا مات كل مؤمن فقد ~~جاءت الساعة. وهذا كما في حديث العلم {إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} . والحديث مشهور ~~في الصحاح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV18P303 # فإن قيل: ففي حديث ابن مسعود وغيره أنه قال {يسري على القرآن فلا يبقى في ~~المصاحف منه آية ولا في الصدور منه آية} وهذا يناقض هذا. قيل: ليس كذلك. ~~فإن قبض العلم ليس قبض القرآن بدليل الحديث الآخر {هذا أوان يقبض العلم. ~~فقال بعض الأنصار: وكيف يقبض وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟ ~~فقال: ثكلتك أمك إن كنت لأحسبك لمن أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة ~~والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ فماذا يغني عنهم؟} . فتبين أن مجرد بقاء حفظ ~~الكتاب لا يوجب هذا العلم لا سيما أن القرآن يقرؤه المنافق والمؤمن ويقرؤه ~~الأمي الذي لا يعلم الكتاب إلا أماني. وقد قال الحسن ms5727 البصري: " العلم ~~علمان: علم في القلب وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع وعلم ~~اللسان حجة الله على عباده ". فإذا قبض الله العلماء بقي من يقرأ القرآن ~~بلا علم فيسري عليه من المصاحف والصدور. فإن قيل: ففي حديث حذيفة الذي في ~~الصحيحين أنه حدثهم عن قبض الأمانة وأن {الرجل ينام النومة فتقبض الأمانة ~~من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت. ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل # PageV18P304 # أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتبرا وليس فيه شيء} . ~~قيل: وقبض الأمانة والإيمان ليس هو قبض العلم. فإن الإنسان قد يؤتى إيمانا ~~مع نقص علمه. فمثل هذا الإيمان قد يرفع من صدره كإيمان بني إسرائيل لما ~~رأوا العجل. وأما من أوتي العلم مع الإيمان فهذا لا يرفع من صدره. ومثل هذا ~~لا يرتد عن الإسلام قط بخلاف مجرد القرآن أو مجرد الإيمان فإن هذا قد ~~يرتفع. فهذا هو الواقع. لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم ~~وإيمان أو من عنده إيمان بلا علم وقرآن. فأما من أوتي القرآن والإيمان فحصل ~~فيه العلم فهذا لا يرفع من صدره. والله أعلم. # PageV18P305 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما قوله صلى الله عليه وسلم {مثل أمتي كمثل الغيث لا يدري أوله خير أو ~~آخره} فهذا قد رواه أحمد في المسند وقد ضعفه بعض الناس وبعضهم لم يضعفه لكن ~~قال معناه: أنه يكون في آخر الأمة من يقارب أولهم في الفضل وإن لم يكن منهم ~~حتى يشتبه على الناظر أيهما أفضل وإن كان الله يعلم أن الأول أفضل كما يقال ~~في الثوب المتشابه الطرفين: هذا الثوب لا يدري أي طرفيه خير مع العلم بأن ~~أحد طرفيه خير من الآخر وذلك لأنه قال: لا يدري أوله خير أو آخره ومن ~~المعلوم أن الله يعلم أيهما خير إذا كان الأمر كذلك وإنما ينفي العلم عن ~~المخلوق لا عن الخالق؛ لأن المقصود التشابه والتقارب وما كان كذلك اشتبه ~~على المخلوق أيهما خير. ms5728 # PageV18P306 # وسئل: # عن حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {سبعة لا تموت ~~ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش} ~~فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ . # فأجاب: هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~هو من كلام بعض العلماء. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة ~~والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار ~~والعرش وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام ~~المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل ~~يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها. كما في ذلك من ~~الدلالة على بقاء الجنة وأهلها وبقاء غير ذلك مما لا تتسع هذه الورقة ~~لذكره. وقد استدل طوائف من أهل الكلام والمتفلسفة على امتناع فناء جميع ~~المخلوقات بأدلة عقلية. والله أعلم. # PageV18P307 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # قال صلى الله عليه وسلم {أعطيت جوامع الكلم - وروي - وخواتمه - وروي ~~وفواتحه وخواتمه} وقال في حديث: {أعطي نبيكم جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه} ~~. وهذا حديث شريف جامع وذلك أن الكلم نوعان: إنشائية فيها الطلب والإرادة ~~والعمل. وإخبارية فيها الاعتقاد والعلم وكل واحد من العلم والإرادة الذي هو ~~الخبر والطلب فيه فروع كثيرة وله أصول محيطة. وهي نوعان: كلية جامعة عامة ~~وأولية علية فالعلوم الكلية والأولية والإرادات والتدابير والأوامر الكلية ~~والأولية هي جماع أمر الوجود كله. والخبر المطلوب كله الحق الموجود والحق ~~المقصود؛ ولهذا كان القياس العقلي والشرعي وغيرهما نوعين: قياس شمول وقياس ~~تعليل. فإن قياس التمثيل مندرج في أحدهما؛ لأن القدر المشترك بين المثلين ~~إن كان هو محل الحكم فهو قياس شمول # PageV18P308 # وإن كان مناط الحكم فهو قياس تعليل. وذلك أن العلوم والإرادات وما يظهر ~~ذلك من الكلمة الخبرية والطلبية إذا كانت عامة جامعة كلية فقد دخل فيها كل ~~مطلوب فلم يبق مما يطلب علمه شيء وكل مقصود من الخبر فلم يبق فيها مما يطلب ms5729 ~~قصده شيء ثم ذلك علم وإرادة لنفسها وذاتها سواء كانت مفردة أو مركبة. ثم لا ~~بد أن يتعلق بها علتان: إحداهما السبب وهي العلة الفاعلة والثاني الحكمة: ~~وهي العلة الغائية. فذلك هو العلم والإرادة للأمور الأولية. فإن السبب ~~والفاعل أدل في الوجود العيني. والحكمة والغاية أدل في الوجود العلمي ~~الإرادي؛ ولهذا كانت العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية. وكانت هي في ~~الحقيقة علة العلل لتقدمها علما وقصدا وأنها قد تستغني عن المعلول والمعلول ~~لا يستغني عنها وأن الفاعل لا يكون فاعلا إلا بها وأنها هي كمال الوجود ~~وتمامه؛ ولهذا قدمت في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . فإذا كانت الحكم ~~المظهرة للعلم والطلب فيها الفواتح وفيها الخواتم جمعت نوعي العلتين ~~الأوليين. وإذا كانت جامعة كانت علة عامة. # PageV18P309 # وقال الشيخ - رحمه الله -: # قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد من حديث ابن مسعود: {اللهم إني عبدك ~~ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته ~~في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه ~~وغمه وأبدله به فرحا} . الربيع: هو المطر المنبت للربيع ومنه قوله في دعاء ~~الاستسقاء: {اللهم اسقنا غيثا مغيثا ربيعا مربعا} وهو المطر الوسمي الذي ~~يسم الأرض بالنبات ومنه قوله: {القرآن ربيع للمؤمن} . فسأل الله أن يجعله ~~ماء يحي به قلبه كما يحي الأرض بالربيع. ونورا لصدره. والحياة والنور جماع ~~الكمال كما قال: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} ~~وفي خطبة أحمد بن حنبل: يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل ~~العمى؛ لأنه # PageV18P310 # بالحياة يخرج عن الموت وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل فيصير حيا عالما ناطقا ~~وهو كمال الصفات في المخلوق. وكذلك قد قيل في الخالق حتى النصارى فسروا ~~الأب والابن وروح القدس بالموجود الحي العالم. والغزالي رد صفات الله إلى ~~الحي العالم وهو موافق ms5730 في المعنى لقول الفلاسفة: عاقل ومعقول وعقل؛ لأن ~~العلم يتبع الكلام الخبري ويستلزم الإرادة والكلام الطلبي؛ لأن كل حي عالم ~~فله إرادة وكلام ويستلزم السمع والبصر لكن هذا ليس بجيد لأنه يقال: فالحي ~~نفسه مستلزم لجميع الصفات وهو أصلها؛ ولهذا كان أعظم آية في القرآن: {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم} . وهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا وهو ~~شاعر مريد فاستلزم جميع الصفات فلو اكتفى في الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي ~~وهذا ينفع في الدلالة والوجود لكن لا يصح أن يجعل معنى العالم هو معنى ~~المريد فإن الملزوم ليس هو عين اللازم وإلا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع ~~الصفات. فإن قيل: فلم جمع في المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط ~~دون الاقتصار على الحياة أو الازدياد من القدرة وغيرها؟ قيل: لأن الأحياء ~~الآدميين فيهم من يهتدي إلى الحق وفيهم من لا يهتدي. فالهداية كمال الحياة ~~وأما القدرة فشرط في # PageV18P311 # التكليف لا في السعادة فلا يضر فقدها ونور الصدر يمنع أن يريد سواه. ثم ~~قوله: {ربيع قلبي ونور صدري} لأنه والله أعلم: الحيا لا يتعدى محله؛ بل إذا ~~نزل الربيع بأرض أحياها. أما النور فإنه ينتشر ضوءه عن محله. فلما كان ~~الصدر حاويا للقلب جعل الربيع في القلب والنور في الصدر لانتشاره كما فسرته ~~المشكاة؛ في قوله: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} وهو ~~القلب. # PageV18P312 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # وأما قوله صلى الله عليه وسلم {المرء مع من أحب} فهو من أصح الأحاديث ~~وقال أنس فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن يحشرني الله معهم وإن ~~لم أعمل مثل أعمالهم وكذلك (*) {أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في ~~الله} لكن هذا بحيث أن يحب المرء ما يحبه الله ومن يحبه الله فيحب أنبياء ~~الله كلهم؛ لأن الله يحبهم ويحب كل من علم أنه مات على الإيمان والتقوى فإن ~~هؤلاء أولياء ms5731 الله والله يحبهم كالذين يشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة وغيرهم من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان. فمن شهد له النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة وأما من لم يشهد له بالجنة فقد قال طائفة ~~من أهل العلم: لا نشهد له بالجنة PageV18P313 # ولا نشهد أن الله يحبه. وقال طائفة: بل من استفاض من بين الناس إيمانه ~~وتقواه واتفق المسلمون على الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري ~~وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والفضيل بن عياض وأبي ~~سليمان الداراني ومعروف الكرخي وعبد الله بن المبارك - رضي الله تعالى عنهم ~~- وغيرهم شهدنا له بالجنة؛ لأن في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا ~~عليها شرا. فقال: وجبت وجبت. قالوا: يا رسول الله؛ ما قولك وجبت وجبت؟ . ~~قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة ~~أثنيتم عليها شرا فقلت: وجبت لها النار: قيل بم يا رسول الله قال: بالثناء ~~الحسن والثناء السيئ} . وإذا علم هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة في هذه ~~الأزمان قد يكون فيهم من الجهل والضلال والمعاصي والذنوب ما يمنع شهادة ~~الناس لهم بذلك؛ بل قد يكون فيهم المنافق والفاسق كما أن فيهم من هو من ~~أولياء الله المتقين وعباد الله الصالحين وحزب الله المفلحين كما أن غير ~~المشايخ فيهم هؤلاء - وهؤلاء في الجنة - كالتجار والفلاحين وغيرهم من ~~الأصناف. # PageV18P314 # وإذا كان كذلك فمن طلب أن يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالا بل عليه ~~أن يأخذ فيطلب بما يعلم أن يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده. كما قال ~~الله تعالى: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} ~~وقال الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} . وعلى هذا فمن أحب شيخا مخالفا للشريعة ms5732 كان معه ~~فإذا أدخل الشيخ النار كان معه ومعلوم أن الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة ~~أهل الضلال والجهالة فمن كان معهم كان مصيره مصير أهل الضلالة والجهالة ~~وأما من كان من أولياء الله المتقين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ~~فمحبة هؤلاء من أوثق عرى الإيمان وأعظم حسنات المتقين ولو أحب الرجل لما ~~ظهر له من الخير الذي يحبه الله ورسوله أثابه الله تعالى على محبة ما يحبه ~~الله ورسوله وإن لم يعلم حقيقة باطنه فإن الأصل هو حب الله وحب ما يحبه ~~الله فمن أحب الله وأحب ما يحبه الله كان من أولياء الله. لكن كثيرا من ~~الناس يدعي المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} . قال بعض السلف: ادعى قوم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم # PageV18P315 # يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي ~~فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس يتفاضلون في هذا تفاضلا عظيما فمن كان ~~أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند الله وأما من أحب شخصا لهواه مثل أن ~~يحبه لدنيا يصيبها منه أو لحاجة يقوم له بها أو لمال يتأكله به أو بعصبية ~~فيه ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله بل هذه محبة لهوى النفس وهذه ~~المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان. وما أكثر من يدعي ~~حب مشايخ لله ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله فإن المحبوب ~~لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير وكيف يحب شخصا لله من لا يكون ~~محبا لله؟ وكيف يكون محبا لله من يكون معرضا عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وسبيل الله؟ وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا وغيرهم فيتخذهم أندادا ~~يحبهم كحب الله والفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله ظاهر فأهل الشرك ~~يتخذون أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأهل الإيمان ~~يحبون وذلك أن أهل ms5733 الإيمان أصل حبهم هو حب الله ومن أحب الله أحب من يحبه ~~الله ومن أحبه الله أحب الله فمحبوب المحبوب محبوب لله يحب الله فمن أحب ~~الله أحبه الله فيحب من أحب الله. # PageV18P316 # وأما أهل الشرك فيتخذون أندادا وشفعاء يدعونهم من دون الله قال الله ~~تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون} وقال الله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون} وقال ~~الله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} وقال الله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . ~~والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إنا معشر الأنبياء ديننا واحد} . فالدين ~~واحد وإن تفرقت الشرعة والمنهاج قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال الله تعالى: {واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال الله ~~تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا # PageV18P317 # أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ومن حين بعث الله محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذي بعثه به فإن دعوته ~~عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} وقال صلى ~~الله عليه وسلم {لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم ms5734 لا يؤمن بي ~~إلا دخل النار} . وقال الله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} . فعلى ~~الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعبدون إلا الله ويعبدونه ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بغيرها قال الله تعالى: {ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم # PageV18P318 # أولياء بعض والله ولي المتقين} ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن ~~تناصحوا من ولاه الله أمركم} وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل ~~لله فاصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب ~~وتخشاه ولا يكون لها إله سواه و " الإله " ما تألهه القلوب بالمحبة ~~والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك. والله سبحانه وتعالى ~~أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته ~~وبرجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما سواه بالعمل له وعن ~~الاستعانة بما سواه بالاستعانة به. ولهذا كان وسط الفاتحة {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح يقول الله ~~تعالى: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال. أثنى ~~علي عبدي ms5735 وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي وإذا قال: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل وإذا ~~قال: {اهدنا الصراط المستقيم} # PageV18P319 # {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هؤلاء ~~لعبدي ولعبدي ما سأل} فوسط السورة: {إياك نعبد وإياك نستعين} فالدين أن لا ~~يعبد إلا الله ولا يستعان إلا إياه. والملائكة والأنبياء وغيرهم عباد الله. ~~كما قال الله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} {فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} ~~فالحب لغير الله كحب النصارى للمسيح وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلي وحب ~~الغلاة لشيوخهم وأئمتهم مثل من يوالي شيخا أو إماما وينفر عن نظيره وهما ~~متقاربان أو متساويان في الرتبة فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض ~~الرسل وكفروا ببعض وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم ~~وحال أهل العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد: الذين يوالون الشيوخ والأئمة ~~دون البعض. وإنما المؤمن من يوالي جميع أهل الإيمان. قال الله تعالى: {إنما ~~المؤمنون إخوة} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد ~~بعضه بعضا - وشبك بين أصابعه -} وقال: {مثل # PageV18P320 # المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر} وقال عليه السلام {لا تقاطعوا؛ ولا تدابروا وكونوا ~~عباد الله إخوانا} . ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر - رضي ~~الله عنه - كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم مخلصا لله وأبو طالب عمه كان ~~يحبه وينصره لهواه لا لله فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه: {وسيجنبها ~~الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} . وأما أبو طالب فلم يتقبل منه - فأبو بكر لم ms5736 ~~يطلب أجره وجزاءه من الخلق: لا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره؛ بل ~~آمن به وأحبه وكلأه وأعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله وطالبا الأجر ~~من الله ورسوله: يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده قال الله تعالى: ~~{فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} . والله هو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ~~ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو - سبحانه - مسبب الأسباب ورب كل شيء ومليكه ~~والأسباب التي يفعلها العباد منها ما أمر الله به وأباحه فهذا يسلك ومنها ~~ما نهى عنه نهيا خالصا أو كان من البدع التي لم يأذن الله بها فهذا لا ~~يسلك. قال الله تعالى. {قل ادعوا الذين زعمتم # PageV18P321 # من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما ~~من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . بين ~~سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم فبين أن ~~المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ثم بين أنه لا شركة ~~لهم ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير؛ لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق ~~كما يقول بعضهم إذا كانت لك حاجة: استوح الشيخ فلانا فإنك تجده أو توجه إلى ~~ضريحه خطوات وناد: يا شيخ تقضى حاجتك وهذا غلط لا يحل فعله وإن كان من ~~هؤلاء الداعين لغير الله من يرى صورة المدعو أحيانا فذلك شيطان يمثل له كما ~~وقع مثل هذا لعدد كثير ونظير هذا قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدي وغيره: ~~كل رزق لا يجيء على يد الشيخ لا أريده. والعجب من ذي عقل سليم يستوحي من هو ~~ميت ويستغيث به - ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت - فيقول أحدهم: إذا كانت ~~لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ وهذا كلام ~~أهل الشرك والضلال فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته ولا يقدر على قضائها وحده ~~ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل # PageV18P322 # له بسبب ذلك والله ms5737 أعلم بكل شيء يعلم السر وأخفى وهو على كل شيء قدير ~~فالأسباب منه وإليه. وما من سبب من الأسباب إلا دائر موقوف على أسباب أخرى ~~وله معارضات فالنار لا تحرق إلا إذا كان المحل قابلا فلا تحرق السمندل وإذا ~~شاء الله منع أثرها كما فعل بإبراهيم عليه السلام وأما مشيئة الرب فلا ~~تحتاج إلى غيره ولا مانع لها بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهو ~~سبحانه أرحم من الوالدة بولدها يحسن إليهم ويرحمهم ويكشف ضرهم مع غناه عنهم ~~وافتقارهم إليه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فنفى الرب هذا كله فلم ~~يبق إلا الشفاعة فقال. {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال: {من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فهو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبلها ~~فالجميع منه وحده. وكلما كان الرجل أعظم إخلاصا لله كانت شفاعة الرسول أقرب ~~إليه {قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال ~~لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله} . وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع ~~لهم من دون الله تعالى ويتعلقون بفلان فهؤلاء من جنس المشركين الذين اتخذوا ~~شفعاء من # PageV18P323 # دون الله تعالى قال الله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا} وقال الله تعالى: ~~{ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} وقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا} قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير ~~والملائكة فبين الله تعالى أن هؤلاء الأنبياء والملائكة عباده كما أن هؤلاء ~~عباده هؤلاء يتقربون إلى الله وهؤلاء يرجون رحمة الله وهؤلاء يخافون عذاب ~~الله فالمشركون اتخذوا مع الله أندادا يحبونهم كحب الله؛ واتخذوا شفعاء ~~يشفعون لهم عند الله ففيهم ms5738 محبة لهم وإشراك بهم وفيهم من جنس ما في النصارى ~~من حب المسيح وإشراك به. والمؤمنون أشد حبا لله فلا يعبدون إلا الله وحده ~~ولا يجعلون معه شيئا يحبونه كحبه لا أنبياءه ولا غيرهم بل أحبوا ما أحبه ~~بمحبتهم لله وأخلصوا دينهم لله وعلموا أن أحدا لا يشفع لهم إلا بإذن الله ~~فأحبوا عبد الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لحب الله وعلموا أنه عبد ~~الله المبلغ عن الله فأطاعوه فيما أمر وصدقوه فيما أخبر ولم يرجوا إلا الله ~~ولم يخافوا إلا الله ولم يسألوا إلا الله وشفاعته لمن # PageV18P324 # يشفع له هو بإذن الله ولا ينفع رجاؤنا للشفيع ولا مخافتنا له وإنما ينفع ~~توحيدنا وإخلاصنا لله وتوكلنا عليه فهو الذي يأذن للشفيع. فعلى المسلم أن ~~يفرق بين محبة النصارى والمشركين ودينهم ويتبع أهل التوحيد والإيمان ويخرج ~~عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع ~~في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} . وقال الله ~~تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} وهذا باب واسع ودين الإسلام مبني ~~على هذا الأصل والقرآن يدور عليه. # PageV18P325 # وسئل - رحمه الله -: # عن " المسكنة " وعن قوله صلى الله عليه وسلم {اللهم أحيني مسكينا وأمتني ~~مسكينا واحشرني في زمرة المساكين} # فأجاب: # الحمد لله، هذا الحديث قد رواه الترمذي وقد ذكره أبو الفرج في الموضوعات ~~وسواء ms5739 صح لفظه أو لم يصح: فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله؛ ليس ~~المراد بالمسكنة عدم المال بل قد يكون الرجل فقيرا من المال وهو جبار كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب وفقير مختال ~~وشيخ زان} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أنا عبد آكل كما يأكل ~~العبد وأجلس كما يجلس العبد} فالمسكنة خلق في النفس وهو التواضع والخشوع ~~واللين ضد الكبر. كما قال عيسى عليه السلام {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا ~~شقيا} ومنه قول الشاعر: # PageV18P326 # مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر # أي أذلاء فالحب يعطي الذل وعبادة الله تجمع كمال الحب له وكمال الذل له ~~فمن كان محبا شيئا ولم يكن ذليلا له لم يكن عابدا ومن كان ذليلا له وهو ~~مبغض لم يكن عابدا والحب درجات: أعلاه التتيم وهو التعبد وتيم الله عبد ~~الله وقد قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما} الآيات. وشواهد هذا الأصل كثيرة. # PageV18P327 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين العفة والغنى في عدة أحاديث منها قوله ~~في حديث أبي سعيد المخرج في الصحيحين: {من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه ~~الله} ومنها قوله في حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم: {أهل الجنة ثلاثة: ذو ~~سلطان مقسط ورجل غني عفيف متصدق} ومنها قوله في حديث الخيل الذي في الصحيح: ~~{ورجل ارتبطها تغنيا وتعففا. ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها فهي له ~~ستر} ومنها ما روي عنه: {من طلب المال استغناء عن الناس واستعفافا عن ~~المسألة لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر} . ومنها قوله في حديث عمر ~~وغيره: {ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه} فالسائل بلسانه ~~وهو ضد المتعفف والمشرف بقلبه وهو ضد الغنى. قال في حق الفقراء: {يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف} ms5740 # PageV18P328 # أي عن السؤال للناس. وقال: {ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى ~~النفس} فغنى النفس الذي لا يستشرف إلى المخلوق فإن الحر عبد ما طمع والعبد ~~حر ما قنع. وقد قيل: أطعت مطامعي فاستعبدتني. فكره أن يتبع نفسه ما استشرفت ~~له لئلا يبقى في القلب فقر وطمع إلى المخلوق؛ فإنه خلاف التوكل المأمور به ~~وخلاف غنى النفس. # PageV18P329 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # جاء في حديث {إن أكبر الكبائر الكفر والكبر} وهذا صحيح فإن هذين الذنبين ~~أساس كل ذنب في الإنس والجن فإن إبليس هو الذي فعل ذلك أولا وهو أصل ذلك. ~~قال الله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} وقال: {إلا ~~إبليس استكبر وكان من الكافرين} وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا ~~يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر} فجعل الكبر يضاد الإيمان. وكذلك ~~الشرك في مثل قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} وقال ابن مسعود: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {من مات وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة} قال: ~~وأنا أقول: من مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار. # PageV18P330 # ثم من الناس من يجمع بينهما ومنهم من ينفرد له أحدهما والمؤمن الصالح ~~عافاه الله منهما فإن الإنسان إما أن يخضع لله وحده أو يخضع لغيره مع خضوعه ~~له أو لا يخضع لا لله ولا لغيره فالأول هو المؤمن والثاني هو المشرك ~~والثالث هو المتكبر الكافر وقد لا يكون كافرا في بعض المواضع والنصارى ~~آفتهم الشرك واليهود آفتهم الكبر كما قال تعالى عن النصارى: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال عن اليهود: ~~{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} ولهذا عوقبت اليهود ~~بضرب الذلة والمسكنة عليهم والنصارى بالضلال والبدع والجهالة. # PageV18P331 # وقال شيخ ms5741 الإسلام: # فصل: # ومما يتعلق بالثلاث المهلكات والمنجيات التي ذكر أنه عند المهلكات عليك ~~بخويصة نفسك. أنه قال: {شح مطاع وهوى متبع} فجعل هذا مطاعا وهذا متبعا وهذا ~~- والله أعلم - لأن الهوى هوى النفس وهو محبتها للشيء وشهوتها له سواء أريد ~~به المصدر أو المفعول. فصاحب الهوى يأمره هواه ويدعوه فيتبعه كما تتبع ~~حركات الجوارح إرادة القلب ولهذا قال الله تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا} وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ~~وهذا يعم الهوى في الدين كالنصارى وأهل البدع في المقال والقدر. كما كان ~~السلف يسمونهم أهل الأهواء: من الرافضة والخوارج وهذا الهوى موجود في كثير ~~من الفقراء والفقهاء إلا من عصمه الله. # PageV18P332 # وقد اختلف أصحابنا هل يدخل الفقهاء المختلفون في اسم أهل الأهواء. على ~~وجهين أدخلهم في التقسيم القاضي أبو يعلى وكذلك قبله الشيخ أبو حامد ~~الإسفراييني فيما أظن وأنكره ابن عقيل. وأما " الشح المطاع " فقد ذكرنا أن ~~مفسدته عائدة إلى منع الخير وهذا في الأصل ليس هو محبوبا وإنما يحمل عليه ~~الحرص على المشحوح به فإنه من باب النفرة والبغض فهو يأمر صاحبه فيطيعه ~~وليس كل مطاع متبعا وإن كان كل متبع مطاعا فإن الإنسان يطيع الطبيب والأمير ~~وغيرهما في أمور خاصة وليس متبعا لهم أما التابع لغيره فهو مطيع وزيادة ~~فإنه يذهب معه حيثما ذهب. وفرق ثان أن المتبع الذي يطلب في نفسه فغاية ~~المتبع إدراكه ونيله وهذا شأن الهوى. وأما المطاع فغاية لغيره وهذا شأن ~~الشح. وتحقيق معنى الشح أنه شدة المنع التي تقوم في النفس. كما يقال شحيح ~~بدينه وضنين بدينه فهو خلق في النفس والبخل من فروعه. كما في الصحيحين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إياكم والشح فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم ~~بالقطيعة فقطعوا} وكذلك في حديث عبد الرحمن بن عوف أنه كان يقول في طوافه: ~~رب قني # PageV18P333 # شح نفسي. فقيل ms5742 له: ما أكثر ما تستعيذ من ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت ~~الظلم والبخل والقطيعة أو كما قال؛ ولهذا بين الكتاب والسنة أن الشح والحسد ~~من جنس واحد في قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فأخبر عنهم ~~بأنهم يبذلون ما عندهم من الخير مع الحاجة وأنهم لا يكرهون ما أنعم به على ~~إخوانهم وضد الأول البخل وضد الثاني الحسد. ولهذا كان البخل والحسد من نوع ~~واحد فإن الحاسد يكره عطاء غيره والباخل لا يحب عطاء نفسه ثم قال: {ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فإن الشح أصل للبخل وأصل للحسد وهو ضيق النفس ~~وعدم إرادتها وكراهتها للخير على الغير فيتولد عن ذلك امتناعه من النفع وهو ~~البخل وإضرار المنعم عليه وهو الظلم وإذا كان في الأقارب كان قطيعة. ولهذا ~~في حديث أبي هريرة الذي رواه. . . (1) النسائي من حديث محمد بن عجلان عن ~~سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: {لا يجتمع في النار PageV18P334 # مسلم قتل كافرا ثم سدد وقارب ولا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله ~~وفيح جهنم ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد} ورواه النسائي أيضا من ~~حديث جرير عن سهيل عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج (*) عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يجتمع غبار في سبيل الله ~~ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا} . . ~~. (1) فانظر كيف ذكر الشح في الروايات المشهورة وفي الأخرى والحسد واللفظ ~~الأول أجمع وكيف قرن في الحديث السماحة والشجاعة كما قال في الحديث الآخر: ~~{شر ما في المرء: شح هالع وجبن خالع} فمدح الشجاعة في سبيل الله وذم الشح. ~~ونظير هذا قوله: {إن من الخيلاء ما يحبها الله وهو اختيال الرجل بنفسه عند ~~الحرب ms5743 وعند الصدقة} وقصد من الحديث قوله: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون} فحصر المفلحين فيمن يوق شح نفسه والشحيح الذي لا يحب فعل الخير ~~والذي يضر نفسه ويكره النعمة على غيره. PageV18P335 # وسئل: # عن أحاديث: هل هي صحيحة؟ وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح؟ وهي ~~قوله ### | : {أول ما خلق الله العقل # قال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: أدبر فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما ~~خلقت خلقا أكرم علي منك: بك آخذ وبك أعطي؛ وبك أثيب وبك أعاقب} . وقوله: ~~{أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم} وهل هذا اللفظ هو لفظ حديث؟ أو فيه ~~تحريف؟ أو زيادة أو نقص؟ وقوله: {إن الله من علي فيما من علي: أن أعطيتك ~~فاتحة الكتاب وهي من كنوز عرشي قسمتها بيني وبينك نصفين} وقوله: {الناس ~~شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار} . # فأجاب: # أما الحديث الأول فهو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث ليس هو في شيء من ~~كتب الإسلام المعتمدة وإنما يرويه مثل داود ابن المحبر وأمثاله من المصنفين ~~في العقل ويذكره أصحاب " رسائل إخوان الصفا " ونحوهم من المتفلسفة وقد ذكره ~~أبو حامد في بعض # PageV18P336 # كتبه وابن عربي وابن سبعين وأمثال هؤلاء وهو عند أهل العلم بالحديث كذب ~~على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك أبو حاتم الرازي وأبو الفرج ابن ~~الجوزي وغيرهما من المصنفين في علم الحديث. ومع هذا فلفظ الحديث: {أول ما ~~خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر قال ما خلقت خلقا ~~أكرم علي منك فبك آخذ. وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب} وفي لفظ {لما خلق ~~الله العقل قال له: كذلك} ومعنى هذا اللفظ أنه قال للعقل في أول أوقات ~~خلقه؛ ليس فيه أن العقل أول المخلوقات لكن المتفلسفة القائلون بقدم العالم ~~أتباع أرسطو هم ومن سلك سبيلهم من باطنية الشيعة والمتصوفة والمتكلمة رووه ~~أول ما خلق الله العقل بالضم ليكون ذلك حجة لمذهبهم في أن أول المبدعات هو ~~العقل الأول وهذا اللفظ ms5744 لم يروه به أحد من أهل الحديث بل اللفظ المروي مع ~~ضعفه يدل على نقيض هذا المعنى فإنه قال: {ما خلقت خلقا أكرم علي منك} فدل ~~على أنه قد خلق قبله غيره والذي يسميه الفلاسفة العقل الأول ليس قبله مخلوق ~~عندهم. وأيضا فإنه قال: {بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب} فجعل به ~~هذه الأعراض الأربعة وعند أولئك المتفلسفة الباطنية: # PageV18P337 # أن جميع العالم صدر عن العقل الأول وهو رب السموات والأرض وما بينهما ~~عندهم وإن كان مربوبا للواجب بنفسه وهو عندهم متولد عن الله لازم لذاته ~~وليس هذا قول أحد من أهل الملل لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى إلا من ~~ألحد منهم ولا هو قول المجوس ولا جمهور الصابئين ولا أكثر المشركين ولا ~~جمهور الفلاسفة بل هو قول طائفة منهم. وأيضا فإن العقل في لغة المسلمين عرض ~~من الأعراض قائم بغيره وهو غريزة أو علم أو عمل بالعلم؛ ليس العقل في لغتهم ~~جوهرا قائما بنفسه فيمتنع أن يكون أول المخلوقات عرضا قائما بغيره فإن ~~العرض لا يقوم إلا بمحل فيمتنع وجوده قبل وجود شيء من الأعيان وأما أولئك ~~المتفلسفة: ففي اصطلاحهم أنه جوهر قائم بنفسه وليس هذا المعنى هو معنى ~~العقل في لغة المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب المسلمين بلغة العرب ~~لا بلغة اليونان فعلم أن المعنى الذي أراده المتفلسفة لم يقصده الرسول لو ~~كان تكلم بهذا اللفظ فكيف إذا لم يتكلم به. # وأما الحديث الثاني وهو قوله: {أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم} فهذا ~~لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يعتمد عليهم في الرواية وليس هو في ~~شيء من كتبهم وخطاب الله ورسوله للناس # PageV18P338 # عام يتناول جميع المكلفين كقوله: {يا أيها الناس} {يا أيها الذين آمنوا} ~~{يا عبادي} {يا بني إسرائيل} وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب ~~الناس على منبره بكلام واحد يسمعه كل أحد؛ لكن الناس يتفاضلون في فهم ~~الكلام بحسب ما يخص الله به كل واحد منهم من قوة ms5745 الفهم وحسن العقيدة. ولهذا ~~كان أبو بكر الصديق أعلمهم بمراده كما في الصحيحين عن أبي سعيد: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة ~~فاختار ذلك العبد ما عند الله قال: فبكى أبو بكر وقال: نفديك بأنفسنا ~~وأموالنا فجعل الناس يعجبون منه ويقولون: عجبا لهذا الشيخ؛ بكى أن ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال: فكان رسول ~~صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به} فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ولكن أبو بكر عرف عينه. وما يرويه بعض ~~الناس عن عمر أنه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان ~~وكنت كالزنجي بينهما} فهذا كذب مختلق وكذلك ما يروى أنه أجاب أبا بكر بجواب ~~وأجاب عائشة بجواب فهذا كذب باتفاق أهل العلم. # PageV18P339 # سئل: # عن هذه الأحاديث: {من طاف بهذا البيت أسبوعا إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~قد سلف} وقوله صلى الله عليه وسلم {من وقف بعرفات وظن أن الله لا يغفر له ~~لا غفر الله له} وأيضا: {لو مر بعرفات راعي غنم - ولم يعلم أنه يوم عرفة - ~~غفر له} وقوله عليه السلام {من حج ولم يزرني فقد جفاني ومن زارني فقد وجبت ~~له شفاعتي} هل هذه الأحاديث في الصحيح أم لا؟ وما معنى قوله عز وجل: {مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا} ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس في هذه الأحاديث حديث - لا في الصحيح ولا في ~~السنن وفيها ما معناه مخالف للكتاب والسنة فإنه لو وقف الرجل بعرفات خائفا ~~من الله أن لا يغفر له ذنوبه؛ لكونها كبائر لم يقل: إن الله لا يغفر له فإن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فما دون الشرك إن شاء ~~الله غفره لصاحبه وإن شاء لم يغفره لكن إذا تاب العبد من الذنب غفره الله ~~له شركا كان أو غير ms5746 شرك. كما قال تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا على # PageV18P340 # أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} فهذا في حق ~~التائب. وأيضا فالواقف بعرفات لا يسقط عنه ما وجب عليه من صلاة وزكاة ~~بإجماع المسلمين بل هم متفقون على أن الصلاة أوكد من الحج بما لا نسبة ~~بينهما. فإن الحج يجب مرة في العمر على المستطيع والنبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وأما الصلاة فإنها فرض على كل عاقل بالغ - ~~إلا الحائض والنفساء - سواء كان صحيحا أو مريضا آمنا أو خائفا غنيا أو ~~فقيرا رجلا أو امرأة في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة سبعة عشر فريضة ~~والسنن الرواتب عشر ركعات أو اثنتا عشرة ركعة وقيام الليل أحد عشر ركعة أو ~~ثلاث عشرة ركعة وكذلك حقوق العباد من الذنوب والمظالم وغيرها لا تسقط بالحج ~~باتفاق الأئمة. والحديث الذي يروى في سقوط المظالم وغيرها بذلك في حديث ~~عباس بن مرداس حديث ضعيف. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر} فهذه الأمور التي هي أعظم من الحج ولكن الكبائر ~~تكفرها التوبة منها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. # PageV18P341 # وكذلك قوله: {من حج ولم يزرني فقد جفاني} كذب فإن جفاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم حرام وزيارة قبره ليست واجبة باتفاق المسلمين ولم يثبت عنه حديث ~~في زيارة قبره بل هذه الأحاديث التي تروى - من زارني وزار أبي في عام واحد ~~ضمنت له على الله الجنة - وأمثال ذلك كذب باتفاق العلماء. وقد روى ~~الدارقطني وغيره في زيارة قبره أحاديث وهي ضعيفة. وقد كره الإمام مالك - ~~وهو من أعلم الناس بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسنة التي عليها ~~أهل مدينته من الصحابة والتابعين وتابعيهم - كره أن يقال: زرت قبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ ثابتا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms5747 معروفا عند علماء المدينة لم يكره مالك ذلك. وأما إذا قال سلمت ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يكره بالاتفاق كما في السنن ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام} وكان ابن عمر يقول: السلام عليك يا رسول الله؛ السلام ~~عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت. وفي سنن أبي داود عنه أنه قال: ~~{أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي ~~قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال: إن الله حرم على # PageV18P342 # الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} . # وأما قوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} فهذا من باب البيت. كما قال تعالى: ~~{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} وقال تعالى: ~~{فليعبدوا رب هذا البيت} {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وقال تعالى: ~~{أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء} فكانوا في الجاهلية يقتل ~~بعضهم بعضا خارج الحرم فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجه ~~وكان هذا من الآيات التي جعلها الله فيه كما قال: {فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا} والإسلام زاد حرمته. فمذهب أكثر الفقهاء أن من ~~أصاب حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه كما ~~قال ابن عمر وابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما؛ لما ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن مكة حرمها الله ولم يحرمها ~~الناس فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها ~~شجرا وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ~~ثم قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس} . # PageV18P343 # ومن ظن أن من دخل الحرم كان آمنا من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من ~~الصلاة وغيرها ومع ارتكاب المحارم فقد خالف إجماع ms5748 المسلمين فقد دخل البيت ~~من الكفار والمنافقين والفاسقين من هو من أهل النار بإجماع المسلمين. والله ~~أعلم. # PageV18P344 # سئل - رحمه الله -: # عن هذا الحديث: {من علمك آية من كتاب الله فكأنما ملك رقك إن شاء باعك ~~وإن شاء أعتقك} فهل هذا في الكتب الستة أو هو كذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فأجاب: # ليس هذا في شيء من كتب المسلمين؛ لا في الستة ولا في غيرها؛ بل مخالف ~~لإجماع المسلمين؛ فإن من علم غيره لا يصير به مالكا إن شاء باعه وإن شاء ~~أعتقه ومن اعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. والحر المسلم لا يسترق ~~وسيد معلم الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم الكتاب والحكمة وهو ~~أولى بهم من أنفسهم ومع هذا فهم أحرار لم يسترقهم ولم يستعبدهم بل كان حكمه ~~في أمته الأحرار خلاف حكمه فيما ملكته يمينه ولو كان المؤمنات ملكا له لجاز ~~أن يطأ كل مؤمنة بلا عقد نكاح ولكان لمن علم امرأة آية من القرآن أن يطأها ~~بلا نكاح وهذا لا يقوله مسلم. # PageV18P345 ### | سئل: # عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم {من انتهر صاحب بدعة # ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا وأمنه يوم الفزع الأكبر} ؟ . # فأجاب: # أما قوله: {من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا} وقوله: {من ~~وقر صاحب بدعة أعان على هدم الإسلام} ونحو ذلك فهذا الكلام معروف عن الفضيل ~~بن عياض. والبدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من ~~الاعتقادات والعبادات. كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين ~~يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة ~~وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة ~~والله أعلم. # PageV18P346 # سئل: # عمن سمع رجلا يقول: لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من هذا. فقال له رجل ~~آخر سمعه: هذه الكلمة قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها وهي كلمة تؤدي ~~قائلها إلى الكفر فقال رجل آخر: قال النبي صلى الله عليه ms5749 وسلم في قصة موسى ~~مع الخضر: {يرحم الله موسى وددنا لو كان صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما} ~~واستدل الآخر بقوله صلى الله عليه وسلم {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف} - إلى أن قال: - {فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان} فهل هذا ~~ناسخ لهذا أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، جميع ما قاله الله ورسوله حق و " لو " تستعمل على وجهين: ~~(أحدهما على وجه الحزن على الماضي والجزع من المقدور فهذا هو الذي نهى عنه ~~كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا # PageV18P347 # كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} وهذا هو الذي نهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني ~~فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان} أي: تفتح عليك الحزن والجزع وذلك بضر ولا ينفع بل اعلم أن ما ~~أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك كما قال تعالى: {ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قالوا: هو الرجل تصيبه ~~المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. (والوجه الثاني أن يقال: " لو ~~" لبيان علم نافع كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ولبيان ~~محبة الخير وإرادته كقوله: " لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل ما يعمل " ~~ونحوه جائز. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {وددت لو أن موسى صبر ليقص الله ~~علينا من خبرهما} هو من هذا الباب كقوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} فإن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم أحب أن يقص الله خبرهما فذكرهما لبيان محبته للصبر ~~المترتب عليه فعرفه ما يكون لما في ذلك من المنفعة ولم يكن في ذلك جزع ولا ~~حزن ولا ترك لما # PageV18P348 # يحب من الصبر على المقدور. وقوله: {وددت لو أن موسى صبر} ms5750 قال النحاة: ~~تقدير وددت أن موسى صبر. وكذلك قوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} تقديره ودوا ~~أن تدهن وقال بعضهم: بل هي " لو " شرطية وجوابها محذوف والمعنى على ~~التقديرين: معلوم وهو محبة ذلك الفعل وإرادته ومحبة الخير وإرادته محمود ~~والحزن والجزع وترك الصبر مذموم والله أعلم. # PageV18P349 # و ### | سئل: # عن قصة إبليس # وإخباره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد مع جماعة من أصحابه ~~وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم له عن أمور كثيرة والناس ينظرون إلى صورته ~~عيانا ويسمعون كلامه جهرا فهل ذلك حديث صحيح أم كذب مختلق؟ وهل جاء ذلك في ~~شيء من الصحاح والمسانيد والسنن أم لا؟ وهل يحل لأحد أن يروي ذلك؟ وماذا ~~يجب على من يروي ذلك ويحدثه للناس ويزعم أنه صحيح شرعي؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل هذا حديث مكذوب مختلق ليس هو في شيء من كتب المسلمين ~~المعتمدة لا الصحاح ولا السنن ولا المسانيد. ومن علم أنه كذب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحل له أن يرويه عنه ومن قال: إنه صحيح فإنه يعلم بحاله ~~فإن أصر عوقب على ذلك ولكن فيه كلام كثير قد جمع من أحاديث نبوية فالذي ~~كذبه واختلقه جمعه من أحاديث بعضها كذب وبعضها صدق فلهذا يوجد فيه كلمات ~~متعددة صحيحة؛ وإن كان أصل الحديث وهو مجيء إبليس عيانا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بحضرة أصحابه وسؤاله له كذبا مختلقا لم ينقله أحد من علماء ~~المسلمين والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV18P350 # وقال - رحمه الله تعالى -: # إن كتاب " تنقلات الأنوار " المنسوب إلى " أحمد بن عبد الله البكري " من ~~أعظم الكتب كذبا وافتراء على الله ورسوله وعلى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد افترى فيه من الأمور من جنس ما افتراه المفترون في سيرة ~~دلهمة والبطال وسيرة عنترة وحكايات الرشيد ووزيره جعفر البرمكي؛ وحكايات ~~العيارين: مثل الزئبق المصري. وأحمد الدنق؛ ونحو ذلك. لكن هؤلاء يفترون ~~الكذب على من ليس من الأنبياء؛ وصاحب الكتاب الذي سماه " تنقلات الأنوار " ~~يفتري الكذب ms5751 على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ويكذب عليه كذبا ~~لا يعرف أن أحدا كذب مثله في كتاب وإن كان في بعض ما يذكره صدق قليل جدا ~~فهو من جنس ما في سيرة عنترة والبطال فإن عنترة كان شاعرا فارسا من فرسان ~~الجاهلية وله شعر معروف وقصيدته إحدى السبع المعلقات لكن افتروا عليه من ~~الكذب ما لا يحصيه إلا الله وكل من جاء زاد ما فيها من الأكاذيب. # PageV18P351 # وكذلك أبو محمد البطال كان من أمراء المسلمين المعروفين وكان المسلمون قد ~~غزوا القسطنطينية غزوتين: الأولى في خلافة معاوية أمر فيها ابنه يزيد وغزا ~~معه أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في داره لما قدم ~~مهاجرا إلى المدينة ومات أبو أيوب في تلك الغزوة ودفن إلى جانب القسطنطينية ~~وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له} . والغزوة الثانية في خلافة عبد الملك ~~بن مروان أمر ابنه مسلمة أو خلف الوليد ابنه وأرسل معه جيشا عظيما وحاصروها ~~وأقاموا عليها مدة سنين ثم صالحوهم على أن يدخلوها وبنوا فيها مسجدا وذلك ~~المسجد باق إلى اليوم فجاء الكذابون فزادوا في سيرة البطال وعبد الوهاب من ~~الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله وذكر دلهمة والقاضي عقبه وأشياء لا حقيقة ~~لها. والبكري صاحب " تنقلات الأنوار " سلك مسلك هؤلاء المفترين الكذابين ~~لكن كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه أفضل الخلق بعد ~~النبيين أكثر وفيه من أنواع الأكاذيب المفتريات وغرائب الموضوعات: ما يجل ~~عن الوصف مثل حديث السبع حصون # PageV18P352 # وهضام بن جحاف ومثل حديث الدهر ورأس الغول وكلندجة وغير ذلك من كتبه وغير ~~ذلك من ذكر أماكن لا وجود لها وغزوات لا حقيقة لها وأسماء ومسميات لا ~~يعرفها أحد من أهل العلم ورواية أحاديث تخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع ~~المسلمين وتخالف ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها من الأقوال ~~والأفعال المضافة ms5752 إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما برأه الله منه ~~وهي من جنس أحاديث الزنادقة النصيرية وأشباههم الذين يختلقون ما فيه غلو في ~~علي وغيره وفيه من القدح في دين الإسلام والإفساد له ما يوجب إباحة دم من ~~يقول ذلك وإن كان جاهلا استتيب فإن تاب وإلا قتل. وأقل ما يفعل بمن يروي ~~مثل هذا أن يعاقب عقوبة تردعه عن مثل ذلك وكذلك يستحق العقوبة من يكريها ~~لمن يقرؤها ويصدق ما فيها ومن ينسخها أيضا كذلك. ويجب على أهل العلم إظهار ~~ما يعلمون من كذب هذه وأمثالها فكما يجب بيان كذب ما نقل عنه في الأحاديث ~~كأحاديث البخاري: يجب بيان كذب ما كذب عليه من الأحاديث الموضوعة التي يعلم ~~أنها كذب كما بين أهل العلم من حال من كان يكذب عليه من الرواة # PageV18P353 # وبيان ما نقل عنه من الكذب الذي يعلمون أنه كذب وكثير من الموضوعات إنما ~~يعلم أنها موضوعة خواص أهل العلم بالأحاديث وأما مثل ما في " تنقلات ~~الأنوار " من الأحاديث فهو مما يعلمه من له أدنى علم بأحوال الرسول ومغازيه ~~أنه كذب. وعلى ولاة الأمور عقوبة من يروي هذه أو يعين على ذلك بنوع من ~~أنواع الإعانة ولولي الأمر أن يحرقها فقد حرق عثمان رضي الله عنه كتبا هذه ~~أولى بالتحريق منها والله أعلم. # PageV18P354 # ما تقوله السادة العلماء - رضي الله عنهم - أجمعين: # في أناس قصاصين؟ ينقلون مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء - ~~عليهم السلام - تحت القلعة وفي الجوامع والأسواق ويقولون: إن النبي أتى ~~إليه ملك يقال له: حبيب فقال له: إن كنت رسول الله فإنا نريد أن القمر ليلة ~~تسع وعشرين يعود وينزل من طوقك ويطلع من أكمامك فأراهم ذلك فآمنوا به ~~جميعهم وقال: كانوا الرب. ويقولون: إنه أتى إليه ملك يقال له: بشير بن غنام ~~عمل عليه حيلة وأخذ منه تسع أنفس علقهم على النخل فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليا فخلصهم وكان من جملتهم خالد. وأتى إليه ملك وهو في مكة يقال ms5753 له: ~~الملك الدحاق وكانت له بنت اسمها حمانة فكسر النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ~~بنته لبلال فقتله وهو في الصلاة فحط النبي صلى الله عليه وسلم بردته فأحياه ~~الله له. # PageV18P355 # وأنه بعث المقداد إلى ملك يقال له: الملك الخطار فالتقى في طريقه ملكة ~~يقال لها: روضة فتزوج بها وراح إلى الملك الذي أرسل إليه فاقتتل هو وإياه ~~فأسره وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل في غزاة تبوك بولص بن عبد ~~الصليب وأنه قاتل في الأحزاب وكانوا ألوفا وانكسرت الأحزاب قدام علي سبع ~~عشرة فرقة وخلف كل واحدة رجل يضرب بالسيف ويقول: أنا علي - وليه - ضرب عمرو ~~بن العامري فقطع فخذه فأخذ عمرو فخذه وضرب بها في المسلمين فقلع شجرة وقتل ~~بها جماعة منهم والملائكة ضجت عند ذلك وقالوا: لا سيف إلا ذو الفقار ولا ~~فتى إلا علي. وأن عليا قاتل الجن في البئر ورماه بالمنجنيق إلى حصن الغراب ~~وجاءت رميته ناقصة فمشى في الهواء وأنه ضرب مرحبا اليهودي وكان على رأسه ~~جرن رخام فقسم له وللفرس نصفين وأنه عبر العسكر على زنده إلى خيبر وهد ~~الحصن وأن ذو الفقار أنزل إليه من السماء فإن الله سماه من السماء وقال: ~~علي أسبق من العجل وأنه بعث مع كل نبي سرا وبعث مع النبي جهرا وأنه كان عصا ~~موسى وسفينة نوح وخاتم سليمان وأنه شرب من سرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما مات فوزن علم الأولين والآخرين. وأن ملك الموت جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في زي أعرابي # PageV18P356 # فقال له النبي: قابض أم زائر؟ فقال له: ما زرت أحدا من قبلك حتى أزورك ~~فأعطاه تفاحة فشمها فخرجت روحه فيها وأن فاطمة بكت عليه حتى أقلقت أهل ~~المدينة حتى أخرجوها إلى بيوت الأحزان وينقلون قصص الأنبياء من جنس هذا ~~السؤال ويفسرونها بآيات لم تسمع من أهل العلم وكل واحدة من هذه تحزبوا فيها ~~ليلة. وكان بعض العلماء قد منعهم من هذا النقل وأنهم لا ينقلون إلا من ms5754 كتب ~~عليها سماعات المشايخ أهل العلم فاعتمدوا على كتب فيها من جنس ما ذكر من ~~تصنيف رجل يقال له: البكري فما يجب عليهم في مثل هذه الأمور؟ لأنهم ينقلون ~~ما يخالف ما ثبت عن الرسل عليهم السلام وينقلون في بعض الأشياء ما هو تنقيص ~~بهم وهل يثاب من أمر بمنعهم. وينقلون أيضا: أن الله قبض من نور وجهه قبضة ~~ونظر إليها فعرقت ودلقت فخلق الله من كل قطرة نبيا وكانت القبضة النبي وبقي ~~كوكب دري وكان نورا منقولا من أصلاب الرجال إلى بطون النساء. # فأجاب شيخ الإسلام قدوة الإيمان تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام ابن تيمية الحراني فقال: # PageV18P357 # الحمد لله رب العالمين، هذه الأحاديث من الأحاديث المفتراة باتفاق أهل ~~العلم وإنما تؤخذ مثل هذه الأحاديث من مثل " تنقلات الأنوار " للبكري ~~وأمثاله ممن روى الأكاذيب الكثيرة. أما الأول فإن القمر لم يدخل في طوق ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ثيابه ولا باشر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولكن انشق فرقتين: فرقة دون الجبل وفرقة فوق الجبل. وكذلك حبيب أبي مالك لا ~~وجود له والحديث المذكور عن بشير بن غنام أيضا كذب وهذا الاسم غير معروف. ~~وخالد بن الوليد لم يؤسر أصلا بل أسلم بعد الحديبية وما زال منصورا في ~~حروبه. وكذلك ما ذكر عن المسمى بالملك الدحاق كذب وهذا الاسم لا وجود له ~~فيمن حاربه النبي صلى الله عليه وسلم عاش ولكن الذين عاشوا بعد الموت في ~~هذه الأمة كان بينهم طائفة في زمن الصحابة والتابعين وأما من أحيا الله له ~~دابته بعد الموت من المؤمنين فهؤلاء بعضهم كان من المسلمين على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومنهم من كان بعد موته صلى الله عليه وسلم. # PageV18P358 # وكذلك ما ذكر عن الملك المسمى بالخطار هو من الأكاذيب ولا وجود له. وأما ~~غزاة تبوك فلم يكن بها قتال؛ بل قدم النبي صلى الله عليه وسلم بالشام رومهم ~~وعربهم وغيرهم ولم يجتمع المسلمون في غزاة مع ms5755 النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكثر مما اجتمع معه عام تبوك وهي آخر المغازي وأقام بتبوك عشرين يوما فلم ~~تقدم عليه النصارى. وكذلك الأحزاب لم يكن فيها اقتتال بين الجيشين بل كان ~~الأحزاب محاصرين للمسلمين خارج الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة وكان ~~المسلمون داخل الخندق وكان فيها مناوشة قليلة بين بعض المسلمين وبعض الكفار ~~بمنزلة المبارزة أو ما يشبهها وقتل علي - رضي الله عنه - عمرو بن عبد ود ~~العامري ولم تنكسر الأحزاب بقتال ولا قتل منهم ولا من المسلمين عدد له قدر ~~بل أرسل الله عليهم الريح - ريح الصبا - وأرسل الملائكة كما قال تعالى في ~~قصة الأحزاب: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} الآيات وما ذكر من كيفية قتل عمرو في ~~عبد ود العامري فهو كذب وكذلك ضرب عمرو بن عبد ود الشجرة بفخذه وقلعها كذب ~~ولم يكن هناك شجر وإنما النخيل كان بعيدا من العسكر. وكذلك ما ذكر من ~~مناداة المنادي بقوله: " لا سيف إلا ذو # PageV18P359 # الفقار ولا فتى إلا علي " كذب مفترى. وكذلك من نقل أن ذلك كان يوم بدر أو ~~غيره وذو الفقار لم يكن سيفا لعلي ولكن كان سيفا لأبي جهل غنمه المسلمون ~~منه يوم بدر وكان سيفا من السيوف المعدنية ولم ينزل من السماء سيف ولم يكن ~~سيف يطول لا هو ولا غيره. وكذلك ما ذكره من قتال الجن وأن عليا أو غيره من ~~الإنس قاتلهم في بئر ذات العلم أو غيره من الإنس فهذا كله كذب والجن لم تكن ~~لتقاتل الصحابة أصلا ولكن الجن الكفار كانوا يقاتلون الجن المؤمنين وأما ~~علي وأمثاله من الصحابة فهم أجل قدرا من أن يثبت الجن لقتالهم. وقد ثبت في ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب: ما رآك الشيطان ~~سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك} . وما ذكر من رمي علي في المنجنيق ومحاصرة ~~المسمى بحصن الغراب: كله كذب مفترى ولم يرم ms5756 المسلمون قط أحدا في منجنيق إلى ~~الكفار لا عليا ولا غيره بل ولم ينصب المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم منجنيقا إلا على الطائف لما حاصرها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة ~~حنين وهزيمة هوازن حاصر الطائف ونصب المنجنيق وأقام عليها شهرا ولم تفتح ~~حتى أسلم أهل الطائف بعد ذلك طوعا ولما كان # PageV18P360 # المسلمون يقاتلون مسيلمة الكذاب وأصحابه ألجئوهم إلى حديقتهم فحمل الناس ~~البراء بن مالك حتى ألقوه إليهم داخل السور ففتح لهم الباب. وأما قصة مرحب ~~فقد روي في الصحيح: أن عليا رضي الله عنه قتل مرحبا وروي في الصحيح أن محمد ~~بن مسلمة قتل مرحبا وقال بعضهم: بل إحدى الروايتين غلط. وأما كون البيضة ~~التي على رأسه كانت جرن رخام فكذب وكذلك كون الضربة قسمت الفارس وفرسه ~~ونزلت إلى الأرض؛ فهذا كله كذب؛ ولم ينقل مثل هذا أهل العلم بالمغازي ~~والسير وإنما ينقله الجهال والكذابون. وأظهر من ذلك عبور العسكر على ساعد ~~علي ومرور البغلة ودعاء علي عليها بقطع النسل؛ فإن هذا وأمثاله إنما يرويه ~~من هو من أجهل الناس بأحوال الصحابة ومن هو من أجهل الناس بأحوال الوجود؛ ~~فإن البغلة ما زالت عقيما؛ وعسكر خيبر لم يكن فيه بغلة أصلا ولم يكن مع ~~المسلمين بغلة ولا في المدينة بغلة ولا حولها من أرض العرب بغلة إلا البغلة ~~التي أهداها المقوقس صاحب مصر للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أهداها له بعد ~~خيبر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية رجع منصرفا # PageV18P361 # ففتح الله عليهم خيبر ثم رجع وأرسل إلى الملوك رسله فأرسل إلى كسرى وقيصر ~~والمقوقس وملوك العرب بالشام واليمن واليمامة والمشرق ولكن المعروف عند أهل ~~العلم أن عليا قلع باب خيبر. وما ذكر من نزول ذو الفقار من السماء كذب وقد ~~تقدم أنه كان سيفا من سيوف أبي جهل غنمه المسلمون يوم بدر منه فأما علي فقد ~~سماه أبوه بهذا الاسم قبل أن يبعث الله محمدا بالنبوة وقبل أن يثبت لأحد ms5757 ~~حكم الإسلام: لا من الرجال ولا من الصبيان. وأما قول القائل: إنه كان عصى ~~موسى وسفينة نوح وخاتم سليمان فهذا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول وهو بكلام ~~المجانين أشبه منه بكلام العقلاء وهذا لا يقصد أحد مدح علي به إلا لفرط في ~~الجهل فإن عليا هو ومن دونه من الصحابة أشرف قدرا عند الله من هذه الجمادات ~~وإن كانت العصا آية لموسى فليس كل ما كان معجزة لنبي أفضل من المؤمنين بل ~~المؤمنون أفضل من الطير الذي كان المسيح يصوره من الطين فينفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله وأفضل من الجراد والقمل والضفادع والدم الذي كان آية لموسى ~~وأفضل من العصا والحية وأفضل من ناقة صالح. فمن ظن أنه بهذا الكذب والجهل ~~يمدح عليا كان جهله من المدح والثناء من جنس جهله بأن هذه الجمادات لم تكن ~~آدميين قط. # PageV18P362 # وأما قول القائل: أنه شرب من سرة النبي صلى الله عليه وسلم فدرى علم ~~الأولين والآخرين فهو أيضا من الأكاذيب فإن العلم الذي تعلم علي من النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان حاصلا قبل موته وما رزقه الله من الفهم والسماع ~~وزيادة العلم بعد موته فلم يكن سببه شرب ماء السرة ولا شرب أحد على نبي ولا ~~غير نبي فحصل له بذلك علم أصلا ولا كان أحد من الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ~~ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم يعلم علم الأولين والآخرين. وقد ثبت للصحابة ~~رضي الله عنهم من الفضائل الثابتة في الصحاح ما أغنى الله بها عن أكاذيب ~~المفترين مثل قوله الذي صح عنه من غير وجه: {لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} وقوله: {لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا ~~خوخة أبي بكر} وقوله: {إن آمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر} ~~وقوله: {أيها الناس إني أتيت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم فقلتم: كذبت ~~وقال أبو بكر: صدقت فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي ms5758 صاحبي؟ ~~فهل أنتم تاركوا لي صاحبي} وقوله في مرضه الذي توفي فيه: {مروا أبا بكر ~~فليصل بالناس} مرة بعد مرة ومثل {قوله لعائشة: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب ~~كتابا لأبي بكر لا يختلف الناس من بعدي ثم قال: يأبى الله # PageV18P363 # والمؤمنون إلا أبا بكر} وأمثال ذلك. ومثل قوله: {إنه كان في الأمم قبلكم ~~محدثون؛ فإن يكن في أمتي أحد فعمر} {وقوله لعمر: ما رآك الشيطان سالكا فجا ~~إلا سلك فجا غير فجك} وقوله: {رأيت كأني أتيت بإناء من لبن فشربت ثم ناولت ~~فضلي عمر قالوا: فما أولته؟ قال: العلم} وقوله: {رأيت كأن الناس يعرضون علي ~~وعليهم قمص منها ما بلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه ~~قميص يجره قالوا: فما أولته؟ قال: الدين} وقوله: {رأيت كأني على قليب أنتزع ~~منها فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر ~~له ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا يفري فريه حتى صدر ~~الناس بعطن} . وأمثال ذلك مثل {قوله عن عثمان: ألا أستحي ممن تستحيي منه ~~ملائكة السماء} وقوله: {من يشتري بئر رومة وله الجنة فاشتراها عثمان} ~~{وقوله في عثمان لما جهز جيش العسرة: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم} {وقوله ~~يوم بيعة الرضوان لما بايع المسلمين تحت الشجرة: هذه يدي عن يمين عثمان} ~~وكان قد بعثه رسولا إلى أهل مكة وقال ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر؛ ثم عثمان. وأمثال ذلك. # PageV18P364 # ومثل قوله عام خيبر: {لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله يفتح الله على يديه} وكان علي غائبا بالمدينة لأنه كان أرمد فلحق ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قدم علي فأعطاه الراية حتى فتح الله ~~على يديه {ولما خرج في غزوة تبوك بجميع الناس ولم يأذن في التخلف إلا لأهل ~~العذر واستخلف عليا على المدينة فطعن فيه بعض المنافقين فلحقه علي وهو يبكي ms5759 ~~وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي وأدار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين ~~فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا} {ولما أراد أن ~~يباهل أهل نجران أخذ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وخرج ليباهل بهم} {ولما ~~تنازع علي وجعفر وزيد في حضانة ابنة حمزة قضى بها لخالتها وكانت تحت جعفر ~~وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي وقال لعلي: أنت مني وأنا منك وقال لزيد: أنت ~~أخونا ومولانا} . وكذلك قال: {إن الأشعريين إذا أرملوا في السفر أو قلت ~~نفقة عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد ثم قسموه بالسوية هم ~~مني وأنا منهم} . وقال: {إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن ~~الجراح} . # PageV18P365 # وقال: {إن لكل نبي حواريين وحواريي الزبير} . فهذه الأحاديث وأمثالها في ~~الصحاح فيها غنية عن الكذب. وكذلك ما ذكر من إتيان ملك الموت في صورة ~~أعرابي وإعطاؤه إياه تفاحة فشمها هو أيضا من الكذب. بل الحديث الطويل الذي ~~روي في قصة موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه طرق الباب فخرج إليه واحد ~~بعد واحد وأنهم لما عرفوا أنه ملك الموت خضعوا له؛ هو أيضا من الكذب باتفاق ~~أهل المعرفة بالحديث. مع أنه قد رواه الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس ~~عن أبيه من حديث وهب ابن منبه عن ابن عباس وعبد المنعم هذا معروف ~~بالأكاذيب. وكذلك ما ذكر من بكاء فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~أقلقت أهل المدينة وأخرجوها إلى بيوت الأحزان هذا أيضا من الأكاذيب ~~المفتراة وما يروي مثل هذا إلا جاهل أو من قصده أن يسب فاطمة والصحابة رضي ~~الله عنهم ينقل مثل هذا الفعل الذي نزه الله فاطمة والصحابة عنه. وكذلك ما ~~ذكر من " أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت فخلق من كل ~~قطرة نبيا وأن القبضة كانت # PageV18P366 # هي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بقي ms5760 كوكب دري " فهذا أيضا كذب باتفاق ~~أهل المعرفة. بحديثه. وكذلك ما يشبه هذا مثل أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي ~~في كتابه " الفردوس " ويذكرها ابن حمويه في حقائقه مثل كتاب " المحبوب " ~~ونحو ذلك مثل ما يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كوكبا أو أن ~~العالم كله خلق منه أو أنه كان موجودا قبل أن يخلق أبواه أو أنه كان يحفظ ~~القرآن قبل أن يأتيه به جبريل؛ وأمثال هذه الأمور فكل ذلك كذب مفترى باتفاق ~~أهل العلم بسيرته. والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل خلق كل واحد من أبويه ونفخ الله فيه الروح ولا كان كلما يعلم الله لرسله ~~وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل بل تارة يكلمهم الله وحيا يوحيه ~~إليهم وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران وتارة يبعث ملكا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء. . ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره كما كان ~~أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة. وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد ~~فهذا يقوله ونحوه أهل # PageV18P367 # الإلحاد من أهل الوحدة والاتحاد: كابن عربي صاحب " الفتوحات المكية " و " ~~الفصوص " وأمثالهما؛ فإنه لما ذكر مذهبه الذي مضمونه أن الوجود واحد وأن ~~الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وإن تعددت الأعيان الثابتة في العدم. قال: ~~وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء ~~والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة ~~الولي الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه إذا رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ~~فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته ينقطعان وأما الولاية فلا ~~تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرونه إلا من مشكاة خاتم ~~الأولياء. وساق الكلام إلى أن ذكر أن خاتم الأنبياء موضع لبنة فضة وأن خاتم ~~الأولياء موضع لبنتين: لبنة ذهب ولبنة فضة فهو موضع اللبنة الفضية وهو ~~ظاهره وما يتبعه من الأحكام لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه ~~هكذا ms5761 وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن؛ فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ ~~منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل. فهذا الكلام ونحوه فيه كثير من الضلال ~~مثل دعواه أن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة الله من خاتم الأنبياء؛ ~~فإن هذا كذب. # PageV18P368 # ومن قال: إن إبراهيم الخليل وموسى وعيسى وغيرهم إنما استفادوا معرفة الله ~~من النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب بل الله أوحى إليهم وعلمهم والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن موجودا حين خلقوا والمتقدم لا يستفيد من المتأخر. ~~{وقوله صلى الله عليه وسلم كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد} وفي لفظ {كتبت ~~نبيا} كقوله صلى الله عليه وسلم {إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم ~~لمنجدل في طينته} فإن الله خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كتب وأظهر ما ~~سيكون من ذريته فكتب نبوة محمد وأظهرها كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون ~~علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات ~~فيقال: اكتب رزقه وأجله؛ وعمله؛ وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح} فقد أخبر ~~صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمه وقبل نفخ الروح ~~فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟ فهكذا كتب خبر سيد ولد آدم وآدم ~~منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح فيه. وأما قول بعضهم: {كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين} فهذا نقل باطل نقلا وعقلا؛ فإن آدم ليس بين الماء والطين؛ بل ~~الطين ماء وتراب؛ ولكن كان بين الروح والجسد. فهذا ونحوه فيه # PageV18P369 # علم الله بالأشياء قبل كونها وكتابته إياها وإخباره بها وذلك غير وجود ~~أعيانها؛ لأنها لا توجد أعيانها حتى تخلق ومن لم يفرق بين ثبوت الشيء في ~~العلم والكلام والكتاب وبين حقيقته في الخارج وكذلك بين الوجود العلمي ~~والعيني: عظم جهله وضلاله. وأهل العلم قد أعظموا النكبة على ms5762 من يقول: ~~المعدوم شيء ثابت في الخارج وإن كان لهؤلاء شبهة عقلية لكونهم ظنوا أن ~~تميزه في العلم والإرادة يقتضي تمييزه في الخارج فإنهم أخطئوا في ذلك ~~والتحقيق الفرق بين الثبوت العلمي والعيني وأما وجود الأشياء قبل خلقها ~~فهذا أعظم في الجهل والضلال. وأما دعواه أن الأولياء كلهم حتى الأنبياء ~~يستفيدون من خاتم الأولياء فهذا مخالف للعقل والشرع؛ فإن الأنبياء أفضل من ~~الأولياء وخيار الأولياء أتبعهم للأنبياء كما كان أبو بكر أفضل من طلعت ~~عليه الشمس بعد النبيين والمرسلين. وكذلك دعواه أن خاتم الأولياء يأخذ ~~العلم الظاهر من حيث يأخذه النبي؛ ويأخذ العلم الباطن من المعدن الذي يأخذ ~~منه الملك ما يوحيه إلى النبي؛ فهذا من أعظم الكفر والضلال وهو مبني على ~~قول المتفلسفة الذين يجعلون النبوة فيضا يفيض على عقل النبي ويقولون: إن ~~الملك # PageV18P370 # هو ما يتمثل في نفس النبي من الأشكال النورانية فيقولون: إن النبي يأخذ ~~عن تلك الصور الخيالية وهي الملك عندهم فمن أخذ المعاني العقلية عن العقل ~~المجرد كان أعظم وأكمل ممن يأخذ عن الأمثلة الخيالية فهؤلاء اعتقدوا أقوال ~~هؤلاء الفلاسفة الملحدين وسلكوا مسلك الرياضة فأخذوا يتكلمون بتلك الأمور ~~الإلحادية الفلسفية ويخرجونها في قالب المكاشفات والمخاطبات. وما ذكروه من ~~خاتم الأولياء لا حقيقة له وإن كان قد ذكره الحكيم الترمذي في كتاب " خاتم ~~الأولياء " فقد غلط في ذلك الكتاب غلطا معروفا عند أهل المعرفة والعلم ~~والإيمان. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. فهذه الأحاديث وأمثالها ~~مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل؛ ~~بل متخيلة في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان ~~لكونها كذبا كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين} . وعلى ولاة الأمور أن ~~يمنعوا من التحدث بها في كل مكان ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة ~~البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي صلى ms5763 الله عليه وسلم وأصحابه ~~وأهل بيته؛ وغيرهم من أهل العلم والدين والله أعلم. # PageV18P371 # وقال - رحمه الله -: # في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {على كل مسلم ~~صدقة قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال: أرأيت ~~إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ ~~قال: يأمر بالمعروف أو الخير قال: أرأيت؟ إن لم يفعل قال: يمسك عن الشر ~~فإنها صدقة} . وفي الصحيحين {عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: ~~أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قال: قلت: فإن لم أفعل قال: تعين صانعا أو ~~تصنع لأخرق قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف ~~شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك} . ففي هذا الحديث أنه أوجب الصدقة ~~على كل مسلم وجعلها خمس مراتب على البدل: الأولى الصدقة بماله فإن لم يجد ~~اكتسب المال # PageV18P372 # فنفع وتصدق. وفيه دليل وجوب الكسب؛ فإن لم يستطع فيعين المحتاج ببدنه فإن ~~لم يستطع فبلسانه فإن لم يفعل فيكف عن الشر. فالأوليان تقع بمال إما بموجود ~~أو بمكسوب والأخريان تقع ببدن إما بيد وإما بلسان. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل ~~تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر ~~بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى} ~~ففي هذا الحديث أنه جعل الصدقة الكلمات الأربع. والأمر والنهي وركعتا الضحى ~~كافيتان. وفيه عنه {أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما ~~نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ~~ما تصدقون؟ إن بكل ms5764 تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة ~~صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا ~~رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: # PageV18P373 # أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان ~~له أجر} . قلت: يشبه - والله أعلم - أن يكون قوله: صدقة أي: تقوم مقام ~~الصدقة التي للأغنياء فيكون الحديث الثاني مفسرا للأول بخلاف حديث أبي موسى ~~فإنه موجب للصدقة أو تكون صدقة نفسه على نفسه كما في حديث أبي ذر المتقدم ~~تكف شرك عن الناس. # PageV18P374 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن أحاديث يرويها القصاص وغيرهم بالطرق وغيرها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ . # فأجاب عنها: # منها ما يروون أنه قال ### | : {أدبني ربي فأحسن تأديبي} . # فأجاب: # الحمد لله، المعنى صحيح لكن لا يعرف له إسناد ثابت. # ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو كان المؤمن في ذروة جبل ~~قيض الله له من يؤذيه أو شيطانا يؤذيه} . # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا معروفا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو كانت الدنيا دما عبيطا ~~كان قوت المؤمن منها حلالا} . فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف عنه ~~بإسناد ولكن المؤمن لا بد أن يتيح الله له من الرزق ما يغنيه ويمتنع في ~~الشرع أن يحرم على المؤمن ما لا بد منه: فإن الله # PageV18P375 # لم يوجب على المؤمنين ما لا يستطيعونه ولا حرم عليهم ما يضطرون إليه من ~~غير معصية منهم. قاله وكتبه أحمد ابن تيمية. # ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم عن الله: {ما وسعني سمائي ولا أرضي ~~ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن} . فأجاب: # الحمد لله، هذا مذكور في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعنى " وسعني قلبه " الإيمان بي ومحبتي ومعرفتي ولا من ~~قال: إن ذات الله تحل ms5765 في قلوب الناس فهذا من النصارى خصوا ذلك بالمسيح ~~وحده. # ومما يروونه عنه أيضا: {القلب بيت الرب} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا كلام من جنس الأول فإن القلب بيت الإيمان بالله ومعرفته ~~ومحبته وليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروونه عنه أيضا: {كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا ~~فعرفتهم بي فعرفوني} . فأجاب: ليس هذا من كلام الله للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف. # ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم {أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم مع أبي بكر كنت كالزنجي بينهما} ~~الذي لا يفهم. # PageV18P376 # فأجاب: # الحمد لله، هذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث ولم يروه إلا ~~جاهل أو ملحد. # ومما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ### | : {أنا مدينة العلم وعلي بابها} . # فأجاب: هذا حديث ضعيف بل موضوع عند أهل المعرفة بالحديث لكن قد رواه ~~الترمذي وغيره ومع هذا فهو كذب. # ومما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله يعتذر للفقراء يوم ~~القيامة ويقول وعزتي وجلالي ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علي لكن أردت أن ~~أرفع قدركم في هذا اليوم انطلقوا إلى الموقف فمن أحسن إليكم بكسرة أو سقاكم ~~شربة من الماء أو كساكم خرقة انطلقوا به إلى الجنة} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا الشأن كذب لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وهو باطل ~~مخالف للكتاب والسنة بالإجماع. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {أنه لما قدم المدينة في الهجرة خرجت ~~بنات النجار بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع إلى ~~آخر الشعر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هزوا كرابيلكم بارك الله فيكم} ~~. فأجاب: أما ضرب النسوة الدف في الزواج فقد كان معروفا على عهد # PageV18P377 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قوله: {هزوا كرابيلكم بارك الله فيكم} ~~فهذا لا يعرف عنه صلى ms5766 الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه أنه قال: {لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان ~~أبي بكر على ذلك} . فأجاب: الحمد لله. هذا جاء معناه في حديث معروف في ~~السنن أن أبا بكر رضي الله عنه وزن هذه الأمة فرجح. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اللهم إنك أخرجتني من أحب ~~البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا باطل بل ثبت في الترمذي وغيره أنه قال لمكة: {والله إنك ~~لأحب بلاد الله إلى الله وقال إنك لأحب البلاد إلي} فأخبر أنها أحب البلاد ~~إلى الله وإليه. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم ### | {من زارني وزار أبي إبراهيم # في عام واحد دخل الجنة} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا حديث كذب موضوع ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {فقراؤكم} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا اللفظ ليس مأثورا لكن معناه صحيح وأن الفقراء موضع ~~الإحسان إليهم فبهم تحصل الحسنات. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {البركة مع أكابركم} . # PageV18P378 # فأجاب: # الحمد لله، قد ثبت في الصحيح من حديث جبير أنه قال: {كبر كبر} أي: يتكلم ~~الأكبر وثبت من حديث الإمامة أنه قال: {فإن استووا - أي في القراءة والسنة ~~والهجرة - فليؤمهم. أكبرهم سنا} . # ومما يروون أيضا: {الشيخ في قومه كالنبي في أمته} . # فأجاب: الحمد لله ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يقوله ~~بعض الناس. # ومما يروون أيضا: {لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا مأثور عن بعض السلف وهو كلام صحيح. # ومما رووا عن علي رضي الله عنه أن أعرابيا صلى ونقر صلاته فقال له علي: ~~لا تنقر صلاتك فقال له الأعرابي: لو نقرها أبوك ما دخل النار. # PageV18P379 # فأجاب: # الحمد لله، هذا كذب ورووه عن عمر وهو كذب. # ومما يروون عن عمر رضي الله عنه أنه قتل أباه. # فأجاب: هذا كذب؛ فإن أبا عمر رضي الله عنه مات في الجاهلية قبل ms5767 أن يبعث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم ### | {كنت نبيا وآدم بين الماء والطين # وكنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين} . فأجاب: الحمد لله. هذا اللفظ كذب باطل ~~ولكن اللفظ المأثور الذي رواه الترمذي وغيره أنه {قيل: يا رسول الله متى ~~كنت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد} وفي السنن عن العرباض بن سارية أنه ~~قال: {إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته} . # ومما يروون أيضا: {العازب فراشه من النار ومسكين رجل بلا امرأة ومسكينة ~~امرأة بلا رجل} . فأجاب: الحمد لله. هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم أجده مرويا ولم يثبت. # ومما يروون {أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت صلى في كل ركن ألف ~~ركعة فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم أفضل من هذا سد جوعة أو ستر عورة} ~~. فأجاب: الحمد لله. هذا كذب ظاهر ليس هو في شيء من كتب المسلمين. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ذكر إبراهيم وذكرت أنا ~~فصلوا عليه ثم صلوا علي وإذا ذكرت أنا والأنبياء غيره فصلوا علي ثم صلوا ~~عليهم} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا لا يعرف من كتب أهل العلم ولا عن أحد من العلماء ~~المعروفين بالحديث. # PageV18P380 # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {من أكل مع مغفور له غفر له} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا ليس له إسناد عن أهل العلم ولا هو في شيء من كتب المسلمين ~~وإنما يروونه عن سالم وليس معناه صحيحا على الإطلاق فقد يأكل مع المسلمين ~~الكفار والمنافقون. # ومما يروون أيضا: {من أشبع جوعة أو ستر عورة ضمنت له الجنة} . فأجاب: ~~الحمد لله. هذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون ### | : {لا تكرهوا الفتن؛ # فإن فيها حصاد المنافقين} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا ليس معروفا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون: {سب أصحابي ذنب لا يغفر} . # فأجاب رحمه الله: هذا كذب على النبي صلى ms5768 الله عليه وسلم وقد قال تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} # ومما يروون: {من علم أخاه آية من كتاب الله فقد ملك رقه} . فأجاب: الحمد ~~لله. هذا كذب ليس في شيء من كتب أهل العلم. # ومما يروون عنه: {آية من القرآن خير من محمد وآله} . # PageV18P381 # فأجاب: # الحمد لله، القرآن كلام الله منزل غير مخلوق فلا يشبه بالمخلوقين واللفظ ~~المذكور غير مأثور. # ومما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنا من العرب وليس العرب مني} ~~. # فأجاب: # الحمد لله، هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه أيضا: {اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة ~~المساكين} . # فأجاب: # هذا يروى لكنه ضعيف لا يثبت ومعناه أحيني خاشعا متواضعا لكن اللفظ لم ~~يثبت. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ### | : {إذا سمعتم عني حديثا # فاعرضوه على الكتاب والسنة فإن وافق فارووه وإن لم يوافق فلا} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا مروي ولكنه ضعيف عن غير واحد من الأئمة كالشافعي وغيره. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا علي اتخذ لك نعلين من ~~حديد وأفنهما في طلب العلم ولو بالصين} . # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا ولا هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV18P382 # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى لاقوني ~~بنياتكم ولا تلاقوني بأعمالكم} . فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا اللفظ معروفا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم {من قدم إبريقا لمتوضئ فكأنما ~~قدم جوادا مسرجا ملجوما يقاتل عليه في سبيل الله} . # فأجاب: # هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف في شيء من كتب ~~المسلمين المعروفة. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {يأتي على أمتي زمان ما يسلم بدينه ~~إلا من يفر من شاهق إلى شاهق} . فأجاب: # الحمد لله، هذا اللفظ ليس معروفا عن النبي صلى الله عليه ms5769 وسلم. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ### | : {حسنات الأبرار سيئات المقربين} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا كلام بعض الناس وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ستروا من أصحابي هدنة: ~~القاتل والمقتول في الجنة} . # PageV18P383 # فأجاب: # الحمد لله، هذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه: {إذا وصلتم إلى ما شجر بين أصحابي فأمسكوا وإذا وصلتم ~~إلى القضاء والقدر فأمسكوا} . فأجاب: الحمد لله. هذا مأثور بإسناد منقطع ~~وما له إسناد ثابت. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {إذا كثرت الفتن فعليكم بأطراف اليمن} ~~. فأجاب: الحمد لله. هذا اللفظ لا يعرف. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من بات في حراسة كلب بات في ~~غضب الرب} . فأجاب: الحمد لله. هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم {أنه أمر النساء بالغنج لأزواجهن عند ~~الجماع} . فأجاب: ليس هذا عنه صلى الله عليه وسلم. # ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كسر قلبا فعليه جبره} . # فأجاب: # الحمد لله، هذا أدب من الآداب وهذا اللفظ ليس معروفا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكثير من الكلام يكون صحيحا # PageV18P384 # لكن يمكن أن يقال من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقدح إذ هذا اللفظ ~~ليس بمطلق في كسر قلوب الكفار والمنافقين إذ به إقامة الملة. والله أعلم ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وعلى ~~آله وأصحابه وأزواجه والتابعين. PageV18P385 # الجزء التاسع عشر # كتاب أصول الفقه # الجزء الأول: الاتباع # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # الكتاب والسنة والإجماع وبإزائه لقوم آخرين المنامات والإسرائيليات ~~والحكايات وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله وذلك ~~في حقنا ويعرف بالكتاب ms5770 والسنة والإجماع وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله؛ ~~أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه الحق والباطل فلهذا ~~كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع فإن هذا حق لا باطل ~~فيه واجب الاتباع لا يجوز تركه بحال عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت ~~عليه هذه الأصول وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه وهي مبنية على ~~أصلين: # PageV19P005 # أحدهما: أن هذا جاء به الرسول. والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه. ~~وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق وقد دخل في بعض ذلك طوائف من ~~المتكلمة والمتفلسفة والمتأمرة والمتصوفة إما بناء على نوع تقصير بالرسالة ~~وإما بناء على نوع تفضل عليها وإما على عين إعراض عنها وإما على أنها لا ~~تقبل إلا في شيء يتغير كالفروع مثلا دون الأصول العقلية أو السياسية أو غير ~~ذلك من الأمور القادحة في الإيمان بالرسالة. أما الأولى فهي مقدمة علمية ~~مبناها على العلم بالإسناد والعلم بالمتن؛ وذلك لأهل العلم بالكتاب والسنة ~~والإجماع لفظا ومعنى وإسنادا ومتنا وأما ما سوى ذلك فإما أن يكون مأثورا عن ~~الأنبياء أو لا. أما الأول: فيدخل فيه الإسرائيليات مما بأيدي المسلمين ~~وأيدي أهل الكتاب وذلك قد لبس حقه بباطله قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل ~~فتصدقوه وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه} ولكن يسمع ويروى إذا علمنا موافقته ~~لما علمناه؛ لأنه مؤنس مؤكد # PageV19P006 # وقد علم أنه حق وأما إثبات حكم بمجرده فلا يجوز اتفاقا وشرع من قبلنا ~~إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم؛ دون ما رووه لنا وهذا يغلط فيه كثير ~~من المتعبدة والقصاص وبعض أهل التفسير وبعض أهل الكلام. وأما الثاني فما ~~يروى عن الأوائل من المتفلسفة ونحوهم وما يلقى في قلوب المسلمين يقظة ~~ومناما وما دلت عليه الأقيسة الأصلية أو الفرعية وما قاله الأكابر من هذه ~~الملة علمائها وأمرائها فهذا التقليد والقياس والإلهام ms5771 فيه الحق والباطل لا ~~يرد كله ولا يقبل كله وأضعفه ما كان منقولا عمن ليس قوله حجة بإسناد ضعيف ~~مثل المأثور عن الأوائل بخلاف المأثور عن بعض أمتنا مما صح نقله فإن هذا ~~نقله صحيح؛ ولكن القائل قد يخطئ وقد يصيب ومن التقليد تقليد أفعال بعض ~~الناس وهو الحكايات. ثم هذه الأمور لا ترد ردا مطلقا لما فيها من حق موافق ~~ولا تقبل قبولا مطلقا لما فيها من الباطل بل يقبل منها ما وافق الحق ويرد ~~منها ما كان باطلا. والأقيسة العقلية الأصلية والفرعية الشرعية هي من هذا ~~الباب فليست العقليات كلها صحيحة ولا كلها فاسدة بل فيها حق وباطل # PageV19P007 # بل ما في الكتاب والسنة والإجماع فإنه حق ليس فيه باطل بحال فما علم من ~~العقليات أنه حق فهو حق لكن كثير من أهلها يجعلون الظن يقينا بشبهة وشهوة ~~وهم: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ويدلك ~~على ذلك كثرة نزاعهم مع ذكائهم في مسائل ودلائل يجعلها أحدهم قطعية الصحة ~~ويجعلها الآخر قطعية الفساد بل الشخص الواحد يقطع بصحتها تارة وبفسادها ~~أخرى وليس في المنزل من عند الله شيء أكثر ما في الباب أنه {إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم} فغاية ذلك غلط في اللسان يتداركه الله فلا يدوم. وجميع ما تلقته ~~الأمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم حق لا باطل فيه؛ وهدى لا ضلال فيه؛ ~~ونور لا ظلمة فيه. وشفاء ونجاة. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله. # PageV19P008 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # يجب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى جميع الثقلين: الإنس والجن وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته ~~وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله ويحرموا ما حرم الله ورسوله وأن يوجبوا ما ~~أوجبه الله ورسوله ويحبوا ما أحبه الله ورسوله ويكرهوا ms5772 ما كرهه الله ورسوله ~~وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس والجن ~~فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين ~~بعث إليهم الرسول. وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة وغيرهم - رضي # PageV19P009 # الله عنهم أجمعين - لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في ~~أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم وجمهور طوائف الكفار على ~~إثبات الجن أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار ~~المسلمين وإن وجد فيهم من ينكر ذلك وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك كما ~~يوجد في طوائف المسلمين الغالطون والمعتزلة من ينكر ذلك وإن كان جمهور ~~الطائفة وأئمتها مقرين بذلك. وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء ~~تواترا معلوما بالاضطرار ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون ~~بالإرادة بل مأمورون منهيون ليسوا صفات وأعراضا قائمة بالإنسان أو غيره كما ~~يزعمه بعض الملاحدة فلما كان أمر الجن متواترا عن الأنبياء تواترا ظاهرا ~~تعرفه العامة والخاصة لم يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل أن ~~تنكرهم كما لم يمكن لطائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل إنكار ~~الملائكة ولا إنكار معاد الأبدان ولا إنكار عبادة الله وحده لا شريك له ولا ~~إنكار أن يرسل الله رسولا من الإنس إلى خلقه ونحو ذلك مما تواترت به ~~الأخبار عن الأنبياء تواترا تعرفه العامة والخاصة كما تواتر عند العامة ~~والخاصة مجيء موسى إلى فرعون وغرق فرعون ومجيء المسيح إلى اليهود وعداوتهم ~~له وظهور محمد # PageV19P010 # صلى الله عليه وسلم بمكة وهجرته إلى المدينة ومجيئه بالقرآن والشرائع ~~الظاهرة وجنس الآيات الخارقة التي ظهرت على يديه كتكثير الطعام والشراب ~~والإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة التي لا يعلمها بشر إلا بإعلام الله ~~وغير ذلك. ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بسؤال أهل الكتاب عما ~~تواتر عندهم كقوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ms5773 فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون} فإن من الكفار من أنكر أن يكون لله رسول بشر ~~فأخبر الله أن الذين أرسلهم قبل محمد كانوا بشرا وأمر بسؤال أهل الكتاب عن ~~ذلك لمن لا يعلم. وكذلك سؤالهم عن التوحيد وغيره مما جاءت به الأنبياء وكفر ~~به الكافرون قال تعالى: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب} وقال تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} وقال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} . وكذلك شهادة أهل الكتاب ~~بتصديق ما أخبر به من أنباء الغيب التي لا يعلمها إلا نبي أو من أخبره نبي ~~وقد علموا أن محمدا لم يتعلم # PageV19P011 # من أهل الكتاب شيئا. وهذا غير شهادة أهل الكتاب له نفسه بما يجدونه من ~~نعته في كتبهم كقوله تعالى: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} ~~وقوله تعالى {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} وأمثال ~~ذلك. وهذا بخلاف ما تواتر عند الخاصة من أهل العلم كأحاديث الرؤية وعذاب ~~القبر وفتنته وأحاديث الشفاعة والصراط والحوض فهذا قد ينكره بعض من لم ~~يعرفه من أهل الجهل والضلال؛ ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي ~~بكر وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ولم ينكروا وجود الجن إذ لم يكن ظهور ~~هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر ~~الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الجني يدخل في بدن ~~المصروع كما قال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس} وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوما ~~يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي. فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم ~~على لسانه. وهذا مبسوط في موضعه. # PageV19P012 # والمقصود هنا أن جميع طوائف المسلمين يقرون بوجود الجن وكذلك جمهور ~~الكفار ms5774 كعامة أهل الكتاب وكذلك عامة مشركي العرب وغيرهم من أولاد الهذيل ~~والهند وغيرهم من أولاد حام وكذلك جمهور الكنعانيين واليونانيين وغيرهم من ~~أولاد يافث. فجماهير الطوائف تقر بوجود الجن بل يقرون بما يستجلبون به ~~معاونة الجن من العزائم والطلاسم سواء أكان ذلك سائغا عند أهل الإيمان أو ~~كان شركا فإن المشركين يقرءون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة ~~للجن وتعظيم لهم وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا ~~تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى ~~التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. وفي ~~صحيح مسلم عن {عوف بن مالك الأشجعي. قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا ~~رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن ~~فيه شرك} . وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن ~~الرقى قال: فعرضوها عليه فقال: ما أرى بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه ~~فلينفعه} # PageV19P013 # وقد كان للعرب ولسائر الأمم من ذلك أمور يطول وصفها وأخبار العرب في ذلك ~~متواترة عند من يعرف أخبارهم من علماء المسلمين وكذلك عند غيرهم ولكن ~~المسلمين أخبر بجاهلية العرب منهم بجاهلية سائر الأمم إذ كان خير القرون ~~كانوا عربا وكانوا قد عاينوا وسمعوا ما كانوا عليه في الجاهلية وكان ذلك من ~~أسباب نزول القرآن فذكروا في كتب التفسير والحديث والسير والمغازي والفقه ~~فتواترت أيام جاهلية العرب في المسلمين وإلا فسائر الأمم المشركين هم من ~~جنس العرب المشركين في هذا وبعضهم كان أشد كفرا وضلالا من مشركي العرب ~~وبعضهم أخف. والآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم فيها ~~خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن. إذ كانت رسالته عامة ms5775 للثقلين وإن كان من ~~أسباب نزول الآيات ما كان موجودا في العرب فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب ~~المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين وإنما تنازعوا: هل يختص بنوع السبب ~~المسئول عنه؟ وأما بعين السبب فلم يقل أحد من المسلمين: أن آيات الطلاق أو ~~الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين ~~الذي كان سبب نزول الآية. وهذا الذي يسميه بعض الناس تنقيح المناط وهو أن ~~يكون # PageV19P014 # الرسول صلى الله عليه وسلم حكم في معين وقد علم أن الحكم لا يختص به ~~فيريد أن ينقح مناط الحكم ليعلم النوع الذي حكم فيه كما أنه لما {أمر ~~الأعرابي الذي واقع امرأته في رمضان بالكفارة} وقد علم أن الحكم لا يختص به ~~وعلم أن كونه أعرابيا أو عربيا أو الموطوءة زوجته لا أثر له فلو وطئ المسلم ~~العجمي سريته كان الحكم كذلك. ولكن هل المؤثر في الكفارة كونه مجامعا في ~~رمضان أو كونه مفطرا؟ فالأول مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه والثاني ~~مذهب مالك وأبي حنيفة وهو رواية منصوصة عن أحمد في الحجامة فغيرها أولى ثم ~~مالك يجعل المؤثر جنس المفطر وأبو حنيفة يجعلها المفطر كتنوع جنسه فلا ~~يوجبه في ابتلاع الحصاة والنواة. وتنازعوا هل يشترط أن يكون أفسد صوما ~~صحيحا؟ وأحمد لا يشترط ذلك؛ بل كل إمساك وجب في شهر رمضان أوجب فيه الكفارة ~~كما يوجب الأربعة مثل ذلك في الإحرام الفاسد فالصيام الفاسد عنده كالإحرام ~~الفاسد كلاهما يجب إتمامه والمضي فيه والشافعي وغيره لا يوجبونها إلا في ~~صوم صحيح والنزاع فيمن أكل ثم جامع أو لم ينو الصوم ثم جامع ومن جامع وكفر ~~ثم جامع. ومثل قوله لمن أحرم بالعمرة في جبة متضمخا بالخلوق: {انزع # PageV19P015 # عنك الجبة واغسل عنك أثر الصفرة} هل أمره بالغسل لكون المحرم لا يستديم ~~الطيب كما يقوله مالك؟ أو لكونه نهى أن يتزعفر الرجل فلا يمنع من استدامة ~~الطيب كقول الثلاثة؟ وعلى الأول فهل هذا الحديث منسوخ بتطييب عائشة له في ~~حجة ms5776 الوداع؟ ومثل {قوله لما سئل عن فأرة وقعت في سمن: ألقوها وما حولها ~~وكلوا سمنكم} هل المؤثر عدم التغير بالنجاسة أو بكونه جامدا أو كونها فأرة ~~وقعت في سمن فلا يتعدى إلى سائر المائعات؟ ومثل هذا كثير وهذا لا بد منه في ~~الشرائع ولا يسمى قياسا عند كثير من العلماء كأبي حنيفة ونفاة القياس؛ ~~لاتفاق الناس على العمل به كما اتفقوا على تحقيق المناط وهو: أن يعلق ~~الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان ~~كأمره باستقبال الكعبة وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من ~~الشهداء وكتحريمه الخمر والميسر؛ وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة وكتفريقه ~~بين الفدية والطلاق؛ وغير ذلك. فيبقى النظر في بعض الأنواع: هل هي خمر ~~ويمين وميسر وفدية أو طلاق؟ وفي بعض الأعيان: هل هي من هذا النوع؟ وهل هذا ~~المصلي مستقبل القبلة؟ وهذا الشخص عدل مرضي؟ ونحو ذلك؛ فإن هذا النوع من ~~الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع ~~دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم وآخرتهم. # PageV19P016 # وحقيقة ذلك يرجع إلى تمثيل الشيء بنظيره وإدراج الجزئي تحت الكلي وذاك ~~يسمى قياس التمثيل؛ وهذا يسمى قياس الشمول وهما متلازمان فإن القدر المشترك ~~بين الأفراد في قياس الشمول الذي يسميه المنطقيون الحد الأوسط هو القدر ~~المشترك في قياس التمثيل الذي يسميه الأصوليون الجامع؛ والمناط؛ والعلة؛ ~~والأمارة؛ والداعي والباعث؛ والمقتضي؛ والموجب؛ والمشترك؛ وغير ذلك من ~~العبارات. # وأما تخريج المناط وهو: القياس المحض وهو: أن ينص على حكم في أمور قد يظن ~~أنه يختص الحكم بها فيستدل على أن غيرها مثلها إما لانتفاء الفارق؛ أو ~~للاشتراك في الوصف الذي قام الدليل على أن الشارع علق الحكم به في الأصل؛ ~~فهذا هو القياس الذي تقر به جماهير العلماء وينكره نفاة القياس. وإنما يكثر ~~الغلط فيه لعدم العلم بالجامع المشترك الذي علق الشارع الحكم به وهو الذي ~~يسمى سؤال المطالبة وهو: مطالبة المعترض للمستدل بأن الوصف المشترك بين ~~الأصل والفرع هو علة الحكم؛ ms5777 أو دليل العلة. فأكثر غلط القائسين من ظنهم علة ~~في الأصل ما ليس بعلة ولهذا كثرت شناعاتهم على أهل القياس الفاسد. فأما إذا ~~قام دليل على إلغاء الفارق وأنه ليس بين الأصل والفرع فرق يفرق الشارع ~~لأجله بين الصورتين؛ أو قام # PageV19P017 # الدليل على أن المعنى الفلاني هو الذي لأجله حكم الشارع بهذا الحكم في ~~الأصل وهو موجود في صورة أخرى؛ فهذا القياس لا ينازع فيه إلا من لم يعرف ~~هاتين المقدمتين. وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا: أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة للثقلين: الإنس ~~والجن على اختلاف أجناسهم فلا يظن أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلا بل ~~إنما علق الأحكام باسم مسلم وكافر؛ ومؤمن ومنافق؛ وبر وفاجر؛ ومحسن وظالم؛ ~~وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث وليس في القرآن ولا الحديث ~~تخصيص العرب بحكم من أحكام الشريعة ولكن بعض العلماء ظن ذلك في بعض الأحكام ~~وخالفه الجمهور كما ظن طائفة منهم أبو يوسف أنه خص العرب بأن لا يسترقوا ~~وجمهور المسلمين على أنهم يسترقون كما صحت بذلك الأحاديث الصحيحة حيث استرق ~~بني المصطلق وفيهم جويرية بنت الحارث ثم أعتقها وتزوجها وأعتق بسببها من ~~استرق من قومها. وقال في حديث هوازن: {اختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي؛ ~~وإما المال} وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {من قال: لا إله إلا الله وحده # PageV19P018 # لا شريك له؛ له الملك وله الحمد؛ وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن ~~أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل} . وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أنه ~~{كانت سبية من سبي هوازن عند عائشة فقال: أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل} ~~وعامة من استرقه الرسول صلى الله عليه وسلم من النساء والصبيان كانوا عربا ~~وذكر هذا يطول. ولكن عمر بن الخطاب لما رأى كثرة السبي من العجم واستغناء ~~الناس عن استرقاق العرب رأى أن يعتقوا العرب من باب مشورة الإمام وأمره ~~بالمصلحة؛ لا من ms5778 باب الحكم الشرعي الذي يلزم الخلق كلهم فأخذ من أخذ بما ~~ظنه من قول عمر وكذلك ظن من ظن أن الجزية لا تؤخذ من مشركي العرب مع كونها ~~تؤخذ من سائر المشركين. وجمهور العلماء على أنه لا يفرق بين العرب وغيرهم. ~~ثم منهم من يجوز أخذها من كل مشرك ومنهم من لا يأخذها إلا من أهل الكتاب ~~والمجوس؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ الجزية من مشركي العرب ~~وأخذها من المجوس وأهل الكتاب. فمن قال: تؤخذ من كل كافر. قال: إن آية ~~الجزية لما نزلت # PageV19P019 # أسلم مشركو العرب فإنها نزلت عام تبوك ولم يبق عربي مشرك محاربا ولم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليغزو النصارى عام تبوك بجميع المسلمين - إلا من ~~عذر الله - ويدع الحجاز وفيه من يحاربه ويبعث أبا بكر عام تسع فنادى في ~~الموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ونبذ العهود ~~المطلقة وأبقى المؤقتة ما دام أهلها موفين بالعهد كما أمر الله بذلك في أول ~~سورة التوبة وأنظر الذين نبذ إليهم أربعة أشهر وأمر عند انسلاخها بغزو ~~المشركين كافة قالوا: فدان المشركون كلهم كافة بالإسلام ولم يرض بذل أداء ~~الجزية لأنه لم يكن لمشركي العرب من الدين بعد ظهور دين الإسلام ما يصبرون ~~لأجله على أداء الجزية عن يد وهم صاغرون؛ إذ كان عامة العرب قد أسلموا فلم ~~يبق لمشركي العرب عز يعتزون به فدانوا بالإسلام حيث أظهره الله في العرب ~~بالحجة والبيان والسيف والسنان. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة؛ ويؤتوا الزكاة} مراده قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم لم ~~يرد قتال المعاهدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل نزول " براءة " يعاهد من عاهده من الكفار # PageV19P020 # من غير أن يعطي الجزية عن يد فلما أنزل الله براءة وأمره بنبذ العهود ~~المطلقة لم يكن له ms5779 أن يعاهدهم كما كان يعاهدهم بل كان عليه أن يجاهد الجميع ~~كما قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم إن الله غفور رحيم} . وكان دين أهل الكتاب خيرا من دين المشركين ومع ~~هذا فأمروا بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإذا كان أهل الكتاب ~~لا تجوز معاهدتهم كما كان ذلك قبل نزول براءة فالمشركون أولى بذلك أن لا ~~تجوز معاهدتهم بدون ذلك. قالوا: فكان في تخصيص أهل الكتاب بالذكر تنبيها ~~بطريق الأولى على ترك معاهدة المشركين بدون الصغار والجزية؛ كما كان ~~يعاهدهم في مثل هدنة الحديبية وغير ذلك من المعاهدات. قالوا: وقد ثبت في ~~الصحيح من حديث بريدة قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر ~~أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ~~ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ~~ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم ~~إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم # PageV19P021 # وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى ~~التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما ~~للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم ~~يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا ~~يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا ~~فاسألهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن ~~بالله عليهم وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة ~~نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ~~فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ms5780 ~~وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم ~~الله ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا} . ~~قالوا: ففي الحديث أمره لمن أرسله أن يدعو الكفار إلى الإسلام ثم إلى ~~الهجرة إلى الأمصار وإلا فإلى أداء الجزية وإن لم يهاجروا كانوا كأعراب ~~المسلمين والأعراب عامتهم كانوا مشركين فدل على أنه دعا إلى أداء الجزية من ~~حاصره من المشركين وأهل الكتاب. والحصون كانت باليمن كثيرة بعد نزول آية ~~الجزية وأهل اليمن كان # PageV19P022 # فيهم مشركون وأهل كتاب وأمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عد له ~~معافريا ولم يميز بين المشركين وأهل الكتاب فدل ذلك على أن المشركين من ~~العرب آمنوا كما آمن من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن من أهل الكتاب أدى ~~الجزية. وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا ~~مجوسا وأسلمت عبد القيس وغيرهم من أهل البحرين طوعا ولم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضرب الجزية على أحد من اليهود بالمدينة ولا بخيبر؛ بل حاربهم قبل ~~نزول آية الجزية وأقر اليهود بخيبر فلاحين بلا جزية إلى أن أجلاهم عمر؛ ~~لأنهم كانوا مهادنين له وكانوا فلاحين في الأرض فأقرهم لحاجة المسلمين ~~إليهم ثم أمر بإجلائهم قبل موته وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب فقيل: هذا الحكم مخصوص بجزيرة العرب وقيل: بل هو عام في جميع أهل ~~الذمة إذا استغنى المسلمون عنهم أجلوهم من ديار الإسلام؛ وهذا قول ابن جرير ~~وغيره. ومن قال: إن الجزية لا تؤخذ من مشرك قال: إن آية الجزية نزلت ~~والمشركون موجودون فلم يأخذها منهم. والمقصود أنه لم يخص العرب بحكم وإن ~~قيل: إنه خص جزيرة العرب التي هي حول المسجد الحرام كما خص المسجد الحرام ~~بقوله: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} . # PageV19P023 # وكذلك من قال من العلماء: إنه حرم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب ~~وأحل لهم ما تستطيبه. فجمهور العلماء ms5781 على خلاف هذا القول كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد وقدماء أصحابه ولكن الخرقي وطائفة منهم وافقوا الشافعي على هذا القول ~~وأما أحمد نفسه فعامة نصوصه موافقة لقول جمهور العلماء وما كان عليه ~~الصحابة والتابعون أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا ~~باستخباثهم؛ بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله؛ كالدم والميتة؛ والمنخنقة ~~والموقوذة؛ والمتردية والنطيحة؛ وأكيلة السبع؛ وما أهل به لغير الله وكانوا ~~- بل خيارهم - يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكرهه وقال: {لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه} وقال مع هذا: ~~" إنه ليس بمحرم " وأكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: " لا آكله ولا أحرمه ~~". وقال جمهور العلماء: الطيبات التي أحلها الله ما كان نافعا لآكله في ~~دينه والخبيث ما كان ضارا له في دينه. وأصل الدين العدل الذي بعث الله ~~الرسل بإقامته فما أورث الأكل بغيا وظلما حرمه كما حرم كل ذي ناب من ~~السباع. لأنها باغية عادية والغاذي شبيه بالمغتذي فإذا تولد اللحم منها صار ~~في الإنسان خلق البغي والعدوان. # PageV19P024 # وكذلك الدم يجمع قوى النفس من الشهوة والغضب فإذا اغتذى منه زادت شهوته ~~وغضبه على المعتدل ولهذا لم يحرم منه إلا المسفوح بخلاف القليل فإنه لا ~~يضر. ولحم الخنزير يورث عامة الأخلاق الخبيثة؛ إذ كان أعظم الحيوان في أكل ~~كل شيء لا يعاف شيئا والله لم يحرم على أمة محمد شيئا من الطيبات وإنما حرم ~~ذلك على أهل الكتاب كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم} وقال تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط ~~بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} . وأما المسلمون فلم يحرم عليهم إلا ~~الخبائث كالدم المسفوح فأما غير المسفوح كالذي يكون في العروق فلم يحرمه بل ~~ذكرت عائشة أنهم كانوا يضعون اللحم في القدر فيرون آثار الدم في القدر؛ ~~ولهذا عفا جمهور الفقهاء عن الدم اليسير ms5782 في البدن والثياب إذا كان غير ~~مسفوح وإذا عفي عنه في الأكل ففي اللباس والحمل أولى أن يعفى عنه. وكذلك ~~ريق الكلب يعفى عنه عند جمهور العلماء في الصيد كما هو # PageV19P025 # مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر القولين في مذهبه وهو أحد الوجهين في ~~مذهب الشافعي وإن وجب غسل الإناء من ولوغه عند جمهورهم. إذ كان الريق في ~~الولوغ كثيرا ساريا في المائع لا يشق الاحتراز منه بخلاف ما يصيب الصيد ~~فإنه قليل ناشف في جامد يشق الاحتراز منه. وكذلك التقديم في إمامة الصلاة ~~بالنسب لا يقول به أكثر العلماء وليس فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل الذي ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يؤم القوم أقرؤهم ~~لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة ~~سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا} فقدمه صلى الله ~~عليه وسلم بالفضيلة العلمية ثم بالفضيلة العملية وقدم العالم بالقرآن على ~~العالم بالسنة ثم الأسبق إلى الدين باختياره ثم الأسبق إلى الدين بسنه ولم ~~يذكر النسب. وبهذا أخذ أحمد وغيره فرتب الأئمة كما رتبهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يذكر النسب وكذلك أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة لم يرجحوا ~~بالنسب ولكن رجح به الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد؛ كالخرقي وابن حامد ~~والقاضي وغيرهم واحتجوا بقول سلمان # PageV19P026 # الفارسي: إن لكم علينا معشر العرب ألا نؤمكم في صلاتكم ولا ننكح نساءكم. ~~والأولون يقولون: إنما قال سلمان هذا تقديما منه للعرب على الفرس كما يقول ~~الرجل لمن هو أشرف منه: حقك علي كذا وليس قول سلمان حكما شرعيا يلزم جميع ~~الخلق اتباعه كما يجب عليهم اتباع أحكام الله ورسوله ولكن من تأسى من الفرس ~~بسلمان فله به أسوة حسنة؛ فإن سلمان سابق الفرس. وكذلك اعتبار النسب في أهل ~~الكتاب ليس هو قول أحد من الصحابة ولا يقول به جمهور العلماء كمالك وأبي ~~حنيفة وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه ولكن طائفة منهم ms5783 ذكرت عنه روايتان ~~واختار بعضهم اعتبار النسب موافقة للشافعي والشافعي أخذ ذلك عن عطاء وبسط ~~هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علق الأحكام بالصفات ~~المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغض فأمر بما يحبه الله ودعا إليه بحسب ~~الإمكان ونهى عما يبغضه الله وحسم مادته بحسب الإمكان لم يخص العرب بنوع من ~~أنواع الأحكام الشرعية؛ إذ كانت دعوته لجميع البرية؛ لكن نزل القرآن ~~بلسانهم بل نزل بلسان قريش كما ثبت # PageV19P027 # عن عمر بن الخطاب أنه قال لابن مسعود: أقرئ الناس بلغة قريش فإن القرآن ~~نزل بلسانهم وكما قال عثمان للذين يكتبون المصحف من قريش والأنصار: إذا ~~اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة هذا الحي من قريش فإن القرآن نزل بلسانهم وهذا ~~لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولا ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم وأمره الله ~~بتبليغ قومه أولا ثم بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه كما أمر بجهاد الأقرب ~~فالأقرب. وما ذكره كثير من العلماء من أن غير العرب ليسوا أكفاء للعرب في ~~النكاح فهذه مسألة نزاع بين العلماء فمنهم من لا يرى الكفاءة إلا في الدين ~~ومن رآها في النسب أيضا فإنه يحتج بقول عمر: لأمنعن ذوات الأحساب إلا من ~~الأكفاء؛ لأن النكاح مقصوده حسن الألفة فإذا كانت المرأة أعلى منصبا اشتغلت ~~عن الرجل فلا يتم به المقصود. وهذه حجة من جعل ذلك حقا لله. حتى أبطل ~~النكاح إذا زوجت المرأة بمن لا يكافئها في الدين أو المنصب ومن جعلها حقا ~~لآدمي قال: إن في ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها والأمر إليهم في ذلك. ~~ثم هؤلاء لا يخصون الكفاءة بالنسب بل يقولون: هي من الصفات التي تتفاضل بها ~~النفوس كالصناعة واليسار والحرية وغير ذلك وهذه مسائل اجتهادية ترد إلى ~~الله والرسول؛ فإن جاء عن الله ورسوله # PageV19P028 # ما يوافق أحد القولين فما جاء عن الله لا يختلف وإلا فلا يكون قول أحد ~~حجة على الله ورسوله. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صحيح صريح في ms5784 ~~هذه الأمور بل قد قال صلى الله عليه وسلم {إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية ~~وفخرها بالآباء الناس رجلان: مؤمن تقي؛ وفاجر شقي} وفي صحيح مسلم عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن:. ~~الفخر بالأحساب؛ والطعن في الأنساب؛ والنياحة؛ والاستسقاء بالنجوم} وقد ثبت ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: {إن الله اصطفى كنانة من بني ~~إسماعيل. واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني ~~هاشم فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا} . و ### | جمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم # كما أن جنس قريش خير من غيرهم وجنس بني هاشم خير من غيرهم. وقد ثبت في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ~~خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا} . لكن تفضيل الجملة على ~~الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد فإن في غير العرب خلقا ~~كثيرا خيرا من أكثر العرب # PageV19P029 # وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش وفي غير بني ~~هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {إن خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم} وفي القرون المتأخرة من هو خير من كثير من القرن الثاني ~~والثالث ومع هذا فلم يخص النبي صلى الله عليه وسلم القرن الثاني والثالث ~~بحكم شرعي كذلك لم يخص العرب بحكم شرعي بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر ~~أمته ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم وكذلك السابقون ~~الأولون لم يخصهم بحكم ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما اختصوا به من العمل ~~وذلك لا يتعلق بالنسب. والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس ~~والجن فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية ولكن خص قريشا بأن ~~الإمامة فيهم وخص ms5785 بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم وذلك لأن جنس قريش لما ~~كانوا أفضل وجب أن يكون الإمامة في أفضل الأجناس مع الإمكان وليست الإمامة ~~أمرا شاملا لكل أحد منهم وإنما يتولاها واحد من الناس. وأما تحريم الصدقة ~~فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلا لتطهيرهم ودفعا للتهمة عنه كما لم يورث ~~فلا يأخذ ورثته درهما ولا دينارا؛ # PageV19P030 # بل لا يكون له ولمن يمونه من مال الله إلا نفقتهم وسائر مال الله يصرف ~~فيما يحبه الله ورسوله وذوو قرباه يعطون بمعروف من مال الخمس والفيء الذي ~~يعطى منه في سائر مصالح المسلمين لا يختص بأصناف معينة كالصدقات ثم ما جعل ~~لذوي القربى قد قيل: إنه سقط بموته كما يقوله أبو حنيفة وقيل: هو لقربى من ~~يلي الأمر بعده كما روي عنه: {ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلي ~~الأمر بعده} وهذا قول أبي ثور وغيره. وقيل: إن هذا كان مأخذ عثمان في إعطاء ~~بني أمية وقيل: هو لذوي قربى الرسول صلى الله عليه وسلم دائما. ثم من هؤلاء ~~من يقول: هو مقدر بالشرع وهو خمس الخمس كما يقوله الشافعي وأحمد في المشهور ~~عنه. وقيل: بل الخمس والفيء يصرف في مصالح المسلمين باجتهاد الإمام ولا ~~يقسم على أجزاء مقدرة متساوية وهذا قول مالك وغيره. وعن أحمد أنه جعل خمس ~~الزكاة فيئا وعلى هذا القول يدل الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين وبسط ~~هذه الأمور له موضع آخر. والمقصود هنا: أن بعض آيات القرآن وإن كان سببه ~~أمورا كانت في العرب فحكم الآيات عام يتناول ما تقتضيه الآيات لفظا # PageV19P031 # ومعنى في أي نوع كان ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن. ~~وجماهير الأمم يقر بالجن ولهم معهم وقائع يطول وصفها ولم ينكر الجن إلا ~~شرذمة قليلة من جهال المتفلسفة والأطباء ونحوهم وأما أكابر القوم فالمأثور ~~عنهم: إما الإقرار بها. وإما أن لا يحكى عنهم في ذلك قول. ومن المعروف عن ~~بقراط أنه قال في بعض المياه: إنه ينفع من الصرع لست أعني ms5786 الذي يعالجه ~~أصحاب الهياكل وإنما أعني الصرع الذي يعالجه الأطباء. وأنه قال: طبنا مع طب ~~أهل الهياكل كطب العجائز مع طبنا. وليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدل ~~على النفي وإنما معه عدم العلم؛ إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك ~~كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه وليس في ~~هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا من جهة الجن وإن كان قد علم من غير طبه ~~أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية وكذلك للجن ~~تأثير في ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إن ~~الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم} وفي الدم الذي هو البخار الذي تسميه ~~الأطباء الروح الحيواني المنبعث من القلب الساري في البدن الذي به حياة ~~البدن كما # PageV19P032 # قد بسط هذا في موضع آخر. والمراد هنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أرسل ~~إلى الثقلين الإنس والجن وقد أخبر الله في القرآن أن الجن استمعوا القرآن ~~وأنهم آمنوا به كما قال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا} إلى قوله: {أولئك في ضلال مبين} ثم أمره ~~أن يخبر الناس بذلك فقال تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا} إلخ فأمره أن يقول ذلك ليعلم الإنس بأحوال الجن وأنه ~~مبعوث إلى الإنس والجن؛ لما في ذلك من هدي الإنس والجن ما يجب عليهم من ~~الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وما يجب من طاعة رسله ومن تحريم الشرك ~~بالجن وغيرهم كما قال في السورة: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا} . كان الرجل من الإنس ينزل بالوادي - والأودية مظان ~~الجن؛ فإنهم يكونون بالأودية أكثر مما يكونون بأعالي الأرض - فكان الإنسي ~~يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فلما رأت الجن أن الإنس تستعيذ بها ~~زاد طغيانهم وغيرهم وبهذا يجيبون المعزم والراقي بأسمائهم ms5787 وأسماء ملوكهم ~~فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه # PageV19P033 # فيحصل لهم بذلك من الرئاسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن يعطوهم بعض ~~سؤلهم لا سيما وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم وأعظم قدرا فإذا خضعت الإنس ~~لهم واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لأصاغرهم ليقضي له حاجته. ~~ثم الشياطين منهم من يختار الكفر والشرك ومعاصي الرب. وإبليس وجنوده من ~~الشياطين يشتهون الشر ويلتذون به ويطلبونه ويحرصون عليه بمقتضى خبث أنفسهم ~~وإن كان موجبا لعذابهم وعذاب من يغوونه كما قال إبليس: {فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين} {إلا عبادك منهم المخلصين} وقال تعالى: {قال أرأيتك هذا الذي كرمت ~~علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} وقال تعالى: ~~{ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} . والإنسان إذا ~~فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره ويلتذ به؛ بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ~~ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان هو نفسه خبيث فإذا تقرب صاحب العزائم ~~والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر ~~والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضه كمن يعطي غيره مالا # PageV19P034 # ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو ينال معه فاحشة. ولهذا كثير ~~من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة - وقد يقلبون حروف كلام الله ~~عز وجل إما حروف الفاتحة وإما حروف {قل هو الله أحد} وأما غيرهما - إما دم ~~وإما غيره وإما بغير نجاسة. أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان أو ~~يتكلمون بذلك. فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض ~~أغراضهم إما تغوير ماء من المياه وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة ~~وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس كما تسرقه الشياطين من أموال ~~الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه وتأتي به وإما غير ذلك. وأعرف في كل ~~نوع من هذه الأنواع من الأمور المعينة ومن وقعت له ممن أعرفه ما يطول ~~حكايته؛ فإنهم كثيرون جدا. والمقصود ms5788 أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى ~~الثقلين واستمع الجن لقراءته وولوا إلى قومهم منذرين كما أخبر الله عز وجل ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين. ثم أكثر المسلمين من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم يقولون: أنهم جاءوه بعد هذا وإنه قرأ عليهم القرآن وبايعوه وسألوه ~~الزاد لهم ولدوابهم فقال لهم: {لكم كل عظم # PageV19P035 # ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لحما ولكم كل بعرة علف لدوابكم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن} ~~وهذا ثابت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن مسعود. وقد ثبت في صحيح البخاري ~~وغيره من حديث أبي هريرة {نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم ~~والروث} في أحاديث متعددة وفي صحيح مسلم وغيره {عن سلمان قال: قيل له: قد ~~علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال: فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة ~~بغائط أو بول وأن نستنجي باليمين وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن ~~نستنجي برجيع أو عظم} . وفي صحيح مسلم وغيره أيضا عن جابر قال: {نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن نتمسح بعظم أو ببعر} وكذلك النهي عن ذلك في ~~حديث خزيمة بن ثابت وغيره. وقد بين علة ذلك في حديث ابن مسعود ففي صحيح ~~مسلم وغيره عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أتاني داعي ~~الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار ~~نيرانهم وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع # PageV19P036 # في أيديكم لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم} . في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة ~~{أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو ~~يتبعه بها قال: من هذا؟ قلت: أبو هريرة قال: ابغني أحجارا أستنفض بها ولا ~~تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى ~~جنبه ثم ms5789 انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من ~~طعام الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد فدعوت ~~الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما} . ولما نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بما يفسد طعام الجن وطعام دوابهم ~~كان هذا تنبيها على النهي عما يفسد طعام الإنس وطعام دوابهم بطريق الأولى ~~لكن كراهة هذا والنفور عنه ظاهر في فطر الناس بخلاف العظم والروثة فإنه لا ~~يعرف نجاسة طعام الجن؛ فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة المتعددة بالنهي عنه. ~~وقد ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة أنه خاطب الجن وخاطبوه وقرأ عليهم القرآن ~~وأنهم سألوه الزاد. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه كان يقول: إن ~~النبي # PageV19P037 # صلى الله عليه وسلم لم ير الجن ولا خاطبهم ولكن أخبره أنهم سمعوا القرآن ~~وابن عباس قد علم ما دل عليه القرآن من ذلك ولم يعلم ما علمه ابن مسعود ~~وأبو هريرة وغيرهما من إتيان الجن إليه ومخاطبته إياهم وأنه أخبره بذلك في ~~القرآن وأمره أن يخبر به وكان ذلك في أول الأمر لما حرست السماء وحيل بينهم ~~وبين خبر السماء وملئت حرسا شديدا وكان في ذلك من دلائل النبوة ما فيه عبرة ~~كما قد بسط في موضع آخر وبعد هذا أتوه وقرأ عليهم القرآن وروي أنه قرأ ~~عليهم سورة الرحمن وصار كلما قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قالوا: ولا ~~بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. وقد ذكر الله في القرآن من خطاب ~~الثقلين ما يبين هذا الأصل كقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا} وقد أخبر الله عن الجن أنهم قالوا: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ~~ذلك كنا طرائق قددا} أي: مذاهب شتى: مسلمون وكفار؛ وأهل سنة وأهل بدعة ~~وقالوا: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} ~~{وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} والقاسط: الجائر ms5790 يقال: قسط إذا جار ~~وأقسط إذا عدل. وكافرهم معذب في الآخرة باتفاق العلماء. وأما مؤمنهم فجمهور # PageV19P038 # العلماء على أنه في الجنة وقد روي: " أنهم يكونون في ربض الجنة تراهم ~~الإنس من حيث لا يرونهم ". وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبي ~~يوسف ومحمد. وقيل: إن ثوابهم النجاة من النار وهو مأثور عن أبي حنيفة. وقد ~~احتج الجمهور بقوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} قالوا: فدل ذلك على ~~تأتي الطمث منهم لأن طمث الحور العين إنما يكون في الجنة. # فصل: # وإذا كان الجن أحياء عقلاء مأمورين منهيين لهم ثواب وعقاب وقد أرسل إليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب على المسلم أن يستعمل فيهم ما يستعمله في ~~الإنس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله كما شرع الله ~~ورسوله وكما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعاملهم إذا اعتدوا بما يعامل ~~به المعتدون فيدفع صولهم بما يدفع صول الإنس. # وصرعهم للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق كما يتفق للإنس مع الإنس وقد ~~يتناكح الإنس والجن ويولد بينهما ولد وهذا كثير معروف وقد ذكر العلماء ذلك ~~وتكلموا عليه وكره أكثر # PageV19P039 # العلماء مناكحة الجن. وقد يكون وهو كثير أو الأكثر عن بغض ومجازاة مثل أن ~~يؤذيهم بعض الإنس أو يظنوا أنهم يتعمدوا أذاهم إما ببول على بعضهم وإما بصب ~~ماء حار وإما بقتل بعضهم وإن كان الإنسي لا يعرف ذلك - وفي الجن جهل وظلم - ~~فيعاقبونه بأكثر مما يستحقه وقد يكون عن عبث منهم وشر بمثل سفهاء الإنس. ~~وحينئذ فما كان من الباب الأول فهو من الفواحش التي حرمها الله تعالى كما ~~حرم ذلك على الإنس وإن كان برضا الآخر فكيف إذا كان مع كراهته فإنه فاحشة ~~وظلم؟ فيخاطب الجن بذلك ويعرفون أن هذا فاحشة محرمة أو فاحشة وعدوان لتقوم ~~الحجة عليهم بذلك ويعلموا أنه يحكم فيهم بحكم الله ورسوله الذي أرسله إلى ~~جميع الثقلين الإنس والجن. وما كان من القسم الثاني فإن كان الإنسي لم يعلم ~~فيخاطبون بأن ms5791 هذا لم يعلم ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة وإن كان قد ~~فعل ذلك في داره وملكه عرفوا بأن الدار ملكه فله أن يتصرف فيها بما يجوز ~~وأنتم ليس لكم أن تمكثوا في ملك الإنس بغير إذنهم بل لكم ما ليس من مساكن ~~الإنس كالخراب والفلوات؛ ولهذا يوجدون كثيرا في الخراب # PageV19P040 # والفلوات ويوجدون في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل ~~والقمامين والمقابر. والشيوخ الذين تقترن بهم الشياطين وتكون أحوالهم ~~شيطانية لا رحمانية يأوون كثيرا إلى هذه الأماكن التي هي مأوى الشياطين. ~~وقد جاءت الآثار بالنهي عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين والفقهاء منهم ~~من علل النهي بكونها مظنة النجاسات. ومنهم من قال: إنه تعبد لا يعقل معناه. ~~والصحيح أن العلة في الحمام وأعطان الإبل ونحو ذلك أنها مأوى الشياطين وفي ~~المقبرة أن ذلك ذريعة إلى الشرك مع أن المقابر تكون أيضا مأوى للشياطين. ~~والمقصود أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعي ~~ولهم أحيانا مكاشفات ولهم تأثيرات يأوون كثيرا إلى مواضع الشياطين التي نهى ~~عن الصلاة فيها؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم بها وتخاطبهم الشياطين ببعض ~~الأمور كما تخاطب الكهان وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابدي الأصنام ~~وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة وكما تعين عباد الأصنام وعباد ~~الشمس والقمر والكواكب إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها من ~~تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك. فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها ~~روحانية الكواكب وقد تقضي بعض حوائجهم إما قتل بعض أعدائهم أو # PageV19P041 # إمراضه وإما جلب بعض من يهوونه وإما إحضار بعض المال ولكن الضرر الذي ~~يحصل لهم بذلك أعظم من النفع بل قد يكون أضعاف أضعاف النفع. والذين ~~يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم الجن بها ~~فإنه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتب ~~سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه وقالوا: كان سليمان يستخدم الجن بهذه فطعن ~~طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا. ms5792 وآخرون قالوا: لولا أن هذا حق جائز ~~لما فعله سليمان؛ فضل الفريقان هؤلاء بقدحهم في سليمان وهؤلاء باتباعهم ~~السحر فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى {ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} إلى ~~قوله تعالى {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون} بين سبحانه أن هذا لا يضر ولا ينفع؛ إذ كان النفع هو الخير الخالص ~~أو الراجح والضرر هو الشر الخالص أو الراجح وشر هذا إما خالص وإما راجح. ~~والمقصود أن الجن إذا اعتدوا على الإنس أخبروا بحكم الله ورسوله وأقيمت ~~عليهم الحجة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر كما يفعل # PageV19P042 # بالإنس؛ لأن الله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى: {يا ~~معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا} ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل حيات البيوت حتى ~~تؤذن ثلاثا كما في صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا فمن رأى شيئا من ~~هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان} وفي صحيح ~~مسلم أيضا {عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري ~~في بيته قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في ~~عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن اجلس ~~فجلست فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم ~~فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنصاف النهار ويرجع إلى أهله فاستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة فأخذ الرجل سلاحه ms5793 ثم رجع ~~فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة ~~فقالت: # PageV19P043 # اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية ~~عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في ~~الدار فاضطربت عليه فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال: ~~فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك وقلنا: ادع الله ~~يحييه لنا قال: استغفروا لصاحبكم ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا ~~رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو ~~شيطان} وفي لفظ آخر لمسلم أيضا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن ~~لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليه ثلاثا فإن ذهب وإلا ~~فاقتلوه فإنه كافر} وقال لهم: {اذهبوا فادفنوا صاحبكم} . وذلك أن قتل الجن ~~بغير حق لا يجوز كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق والظلم محرم في كل حال، فلا ~~يحل لأحد أن يظلم أحدا ولو كان كافرا بل قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} . # والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب ~~وغيرها وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفي صور الطير ~~وفي صور بني آدم كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما ~~أرادوا الخروج إلى بدر قال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان # PageV19P044 # أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} إلى قوله: {والله ~~شديد العقاب} . وكما روي أنه تصور في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار ~~الندوة هل يقتلوا الرسول أو يحبسونه أو يخرجونه؟ كما قال تبارك وتعالى: ~~{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين} فإذا كان حيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثا فإن ~~ذهبت وإلا قتلت فإنها إن كانت حية قتلت وإن كانت جنية فقد أصرت ms5794 على العدوان ~~بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه ~~بما يدفع ضرره ولو كان قتلا وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز. وأهل ~~العزائم والأقسام يقسمون على بعضهم ليعينهم على بعض تارة يبرون قسمه وكثيرا ~~لا يفعلون ذلك بأن يكون ذلك الجني معظما عندهم وليس للمعزم وعزيمته من ~~الحرمة ما يقتضي إعانتهم على ذلك إذ كان المعزم قد يكون بمنزلة الذي يحلف ~~غيره ويقسم عليه بمن يعظمه وهذا تختلف أحواله فمن أقسم على الناس ليؤذوا من ~~هو عظيم عندهم لم يلتفتوا إليه وقد يكون ذاك منيعا فأحوالهم شبيهة بأحوال # PageV19P045 # الإنس لكن الإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد؛ والجن أجهل وأكذب وأظلم ~~وأغدر. والمقصود أن أرباب العزائم مع كون عزائمهم تشتمل على شرك وكفر لا ~~تجوز العزيمة والقسم به فهم كثيرا ما يعجزون عن دفع الجني وكثيرا ما تسخر ~~منهم الجن إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه فيخيلوا إليهم ~~أنهم قتلوه أو حبسوه ويكون ذلك تخييلا وكذبا هذا إذا كان الذي يرى ما ~~يخيلونه صادقا في الرؤية فإن عامة ما يعرفونه لمن يريدون تعريفه إما ~~بالمكاشفة والمخاطبة إن كان من جنس عباد المشركين وأهل الكتاب ومبتدعة ~~المسلمين الذين تضلهم الجن والشياطين وأما ما يظهرونه لأهل العزائم ~~والأقسام أنهم يمثلون ما يريدون تعريفه فإذا رأى المثال أخبر عن ذلك وقد ~~يعرف أنه مثال وقد يوهمونه أنه نفس المرئي وإذا أرادوا سماع كلام من يناديه ~~من مكان بعيد مثل من يستغيث ببعض العباد الضالين من المشركين وأهل الكتاب ~~وأهل الجهل من عباد المسلمين إذا استغاث به بعض محبيه فقال: يا سيدي فلان ~~فإن الجني يخاطبه بمثل صوت ذلك الإنسي فإذا رد الشيخ عليه الخطاب أجاب ذلك ~~الإنسي بمثل ذلك الصوت وهذا وقع لعدد كثير أعرف منهم طائفة. # PageV19P046 # فصل: # وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة المدعو المنادى المستغاث به إذا كان ميتا. ~~وكذلك قد يكون حيا ولا يشعر بالذي ناداه؛ بل يتصور الشيطان بصورته فيظن ms5795 ~~المشرك الضال المستغيث بذلك الشخص أن الشخص نفسه أجابه وإنما هو الشيطان ~~وهذا يقع للكفار المستغيثين بمن يحسنون به الظن من الأموات والأحياء ~~كالنصارى المستغيثين بجرجس وغيره من قداديسهم ويقع لأهل الشرك والضلال من ~~المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى والغائبين يتصور لهم الشيطان ~~في صورة ذلك المستغاث به وهو لا يشعر. وأعرف عددا كثيرا وقع لهم في عدة ~~أشخاص يقول لي كل من الأشخاص: أني لم أعرف أن هذا استغاث بي والمستغيث قد ~~رأى ذلك الذي هو على صورة هذا وما اعتقد أنه إلا هذا. وذكر لي غير واحد ~~أنهم استغاثوا بي كل يذكر قصة غير قصة صاحبه فأخبرت كلا منهم أني لم أجب ~~أحدا منهم ولا علمت باستغاثته فقيل: # PageV19P047 # هذا يكون ملكا فقلت: الملك لا يغيث المشرك إنما هو شيطان أراد أن يضله. ~~وكذلك يتصور بصورته ويقف بعرفات فيظن من يحسن به الظن أنه وقف بعرفات وكثير ~~منهم حمله الشيطان إلى عرفات أو غيرها من الحرم فيتجاوز الميقات بلا إحرام ~~ولا تلبية ولا يطوف بالبيت ولا بالصفا والمروة وفيهم من لا يعبر مكة وفيهم ~~من يقف بعرفات ويرجع ولا يرمي الجمار إلى أمثال ذلك من الأمور التي يضلهم ~~بها الشيطان حيث فعلوا ما هو منهي عنه في الشرع إما محرم وإما مكروه ليس ~~بواجب ولا مستحب وقد زين لهم الشيطان أن هذا من كرامات الصالحين وهو من ~~تلبيس الشيطان فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب وكل من عبد عبادة ~~ليست واجبة ولا مستحبة وظنها واجبة أو مستحبة فإنما زين ذلك له الشيطان وإن ~~قدر أنه عفا عنه لحسن قصده واجتهاده لكن ليس هذا مما يكرم الله به أولياءه ~~المتقين إذ ليس في فعل المحرمات والمكروهات إكرام بل الإكرام حفظه من ذلك ~~ومنعه منه؛ فإن ذلك ينقصه لا يزيده وإن لم يعاقب عليه بالعذاب فلا بد أن ~~يخفضه عما كان ويخفض أتباعه الذين يمدحون هذه الحال ويعظمون صاحبها فإن مدح ~~المحرمات والمكروهات وتعظيم صاحبها هو ms5796 من الضلال عن سبيل الله وكلما ازداد ~~العبد في # PageV19P048 # البدع اجتهادا ازداد من الله بعدا لأنها تخرجه عن سبيل الله؛ سبيل الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى بعض سبيل ~~المغضوب عليهم والضالين. # فصل: # إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول: يجوز بل يستحب وقد يجب أن يذب عن ~~المظلوم وأن ينصر؛ فإن نصر المظلوم مأمور به بحسب الإمكان وفي الصحيحين ~~حديث البراء بن عازب قال: {أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا ~~عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم أو ~~المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو ~~تختم الذهب؛ وعن شرب بالفضة؛ وعن المياثر وعن القسي ولبس الحرير؛ والإستبرق ~~والديباج} . وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ~~ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه} وأيضا ففيه تفريج كربة هذا ~~المظلوم. وفي صحيح مسلم عن أبي # PageV19P049 # هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من نفس عن مؤمن كربة من كرب ~~الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله ~~عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله ~~في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه} . وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقى قال: من استطاع منكم أن ~~ينفع أخاه فليفعل} لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله مثل الأدعية ~~والأذكار الشرعية ومثل أمر الجني ونهيه كما يؤمر الإنسي وينهى ويجوز من ذلك ~~ما يجوز مثله في حق الإنسي مثل أن يحتاج إلى انتهار الجني وتهديده ولعنه ~~وسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: {قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثا ms5797 ~~وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد ~~سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال: ~~إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ~~ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت ~~أخذه ووالله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل ~~المدينة} ففي هذا الحديث الاستعاذة منه # PageV19P050 # ولعنته بلعنة الله ولم يستأخر بذلك فمد يده إليه. وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع ~~الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى ~~تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول أخي سليمان {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي} فرده الله خاسئا} فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره ~~وقوله: " ذعته " أي: خنقته فبين أن مد اليد كان لخنقه وهذا دفع لعدوانه ~~بالفعل وهو الخنق وبه اندفع عدوانه فرده الله خاسئا. وأما الزيادة وهو ربطه ~~إلى السارية فهو من باب التصرف الملكي الذي تركه لسليمان فإن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم كان يتصرف في الجن كتصرفه في الإنس تصرف عبد رسول يأمرهم ~~بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع إليه وهو التصرف الملكي؛ فإنه كان ~~عبدا رسولا وسليمان نبي ملك والعبد الرسول أفضل من النبي الملك كما أن ~~السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب اليمين وقد روى النسائي على ~~شرط البخاري {عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فأتاه الشيطان ~~فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وجدت برد لسانه ~~على يدي ولولا # PageV19P051 # دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس} . ورواه أحمد وأبو داود من حديث ~~أبي سعيد وفيه: {فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي ~~هاتين: الإبهام والتي تليها} وهذا فعله في الصلاة وهذا ms5798 مما احتج به العلماء ~~على جواز مثل هذا في الصلاة وهو كدفع المار وقتل الأسودين والصلاة حال ~~المسايفة. وقد تنازع العلماء في شيطان الجن إذا مر بين يدي المصلي هل يقطع؟ ~~على قولين هما قولان في مذهب أحمد كما ذكرهما ابن حامد وغيره: أحدهما: يقطع ~~لهذا الحديث؛ ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع للصلاة: {الكلب ~~الأسود شيطان} فعلل بأنه شيطان. وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك صورة القط ~~الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة. ومما ~~يتقرب به إلى الجن الذبائح فإن من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذي ~~حرمه الله ورسوله وروي أنه نهى عن ذبائح الجن وإذا برئ المصاب بالدعاء. ~~والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهارهم # PageV19P052 # وسبهم ولعنهم ونحو ذلك من الكلام حصل المقصود وإن كان ذلك يتضمن مرض ~~طائفة من الجن أو موتهم فهم الظالمون لأنفسهم إذا كان الراقي الداعي ~~المعالج لم يتعد عليهم كما يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم فيأمرون بقتل ~~من لا يجوز قتله وقد يحبسون من لا يحتاج إلى حبسه؛ ولهذا قد تقاتلهم الجن ~~على ذلك ففيهم من تقتله الجن أو تمرضه وفيهم من يفعل ذلك بأهله وأولاده أو ~~دوابه. وأما من سلك في دفع عداوتهم مسلك العدل الذي أمر الله به ورسوله ~~فإنه لم يظلمهم بل هو مطيع لله ورسوله في نصر المظلوم وإغاثة الملهوف ~~والتنفيس عن المكروب بالطريق الشرعي التي ليس فيها شرك بالخلق ولا ظلم ~~للمخلوق ومثل هذا لا تؤذيه الجن إما لمعرفتهم بأنه عادل؛ وإما لعجزهم عنه. ~~وإن كان الجن من العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه فينبغي لمثل هذا أن يحترز ~~بقراءة العوذ مثل آية الكرسي والمعوذات والصلاة والدعاء ونحو ذلك مما يقوي ~~الإيمان ويجنب الذنوب التي بها يسلطون عليه فإنه مجاهد في سبيل الله وهذا ~~من أعظم الجهاد فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه وإن كان الأمر فوق ms5799 قدرته ~~فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق. ومن أعظم ~~ما ينتصر به عليهم آية الكرسي فقد ثبت في صحيح # PageV19P053 # البخاري حديث {أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ ~~زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال: ~~فخليت عنه فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل ~~أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت ~~سبيله قال: أما أنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته ~~فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما ~~فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال: أما ~~إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: ~~لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا ~~تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هن؟ قال: إذا ~~أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى ~~تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى # PageV19P054 # تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل ~~أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ~~فخليت سبيله قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ~~من أولها حتى تختم الآية: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وقال لي: لن ~~يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا ms5800 أحرص شيء على ~~الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من ~~تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا. قال: ذاك شيطان} . ومع هذا فقد ~~جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين ~~وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته فإن لها تأثيرا عظيما في دفع ~~الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين مثل أهل الظلم ~~والغضب وأهل الشهوة والطرب وأرباب السماع المكاء والتصدية إذا قرئت عليهم ~~بصدق دفعت الشياطين وبطلت الأمور التي يخيلها الشيطان ويبطل ما عند إخوان ~~الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطاني إذ كانت الشياطين يوحون إلى ~~أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله # PageV19P055 # المتقين وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم ~~والضالين. والصائل المعتدي يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو ~~شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد} فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال ~~المظلوم ولو بقتل الصائل العادي فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته فإن ~~الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه وقد يفعل معه فاحشة إنسي بإنسي وإن لم ~~يندفع إلا بالقتل جاز قتله. وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام ~~أمثاله من المظلومين وهذا فرض على الكفاية مع القدرة ففي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه} فإن ~~كان عاجزا عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب وإن ~~كان قادرا وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو أوجب منه وجب عليه. وأما قول ~~السائل: هل هذا مشروع؟ فهذا من أفضل الأعمال وهو من أعمال الأنبياء ~~والصالحين؛ فإنه ما زال الأنبياء والصالحون # PageV19P056 # يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله به ورسوله كما كان المسيح يفعل ms5801 ~~ذلك وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقد روى أحمد في مسنده ~~وأبو داود في سننه من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال: حدثتني {أم أبان ~~بنت الوازع بن زارع في عامر العبدي؛ عن أبيها أن جدها الزارع انطلق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معه بابن له مجنون - أو ابن أخت له - ~~قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن معي ابنا لي ~~- أو ابن أخت لي - مجنون أتيتك به تدعو الله له. قال: ائتني به قال: ~~فانطلقت به إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ~~ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ادنه مني اجعل ظهره مما يليني قال: بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل ~~يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه ويقول: اخرج عدو الله اخرج عدو الله فأقبل ~~ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه} . وقال أحمد في المسند: ثنا عبد ~~الله بن نمير؛ عن عثمان بن حكيم أنا عبد الرحمن بن عبد العزيز؛ {عن يعلى بن ~~مرة قال: لقد رأيت من # PageV19P057 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي ~~لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي ~~لها فقالت: يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يؤخذ في ~~اليوم ما أدري كم مرة قال: ناولينيه فرفعته إليه فجعله بينه وبين واسطة ~~الرحل ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا وقال: بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو ~~الله ثم ناولها إياه فقال: ألقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل ~~قال: فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ms5802 ذلك المكان معها شياه ثلاث فقال: ما فعل ~~صبيك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة فاجترر هذه ~~الغنم قال: انزل خذ منها واحدة ورد البقية} . وذكر الحديث بتمامه. ثنا وكيع ~~قال: ثنا الأعمش؛ عن المنهال بن عمرو؛ عن يعلى بن مرة؛ عن أبيه قال وكيع: ~~مرة يعني الثقفي؛ ولم يقل: مرة عن أبيه: {أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم معها صبي لها به لمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرج عدو ~~الله أنا رسول الله قال: فبرأ قال: فأهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من ~~سمن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ الأقط والسمن وخذ أحد ~~الكبشين ورد عليها الآخر} . # PageV19P058 # ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر؛ عن عطاء بن السائب؛ عن عبد الله بن حفص {عن ~~يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذكر الحديث وفيه قال: ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به ~~جنة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال: اخرج إني محمد رسول الله ~~قال: ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن ~~فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن فسألها عن الصبي فقالت: ~~والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك} . ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون ~~مثله لم يقع عند الأنبياء؛ لكون الشياطين لم تكن تقدر [أن] (1) تفعل ذلك ~~عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا فقد أمرنا الله ورسوله من نصر المظلوم ~~والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك. وقد ثبت في الصحيحين حديث ~~الذين رقوا بالفاتحة وقال النبي صلى الله عليه وسلم {وما أدراك أنها رقية} ~~{وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية} وقد {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للشيطان الذي أراد قطع صلاته: أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ~~التامة ثلاث مرات} وهذا كدفع ظالمي الإنس من الكفار والفجار؛ فإن ms5803 النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقسي ~~الفارسية ونحوها مما يحتاج إليه في قتال فقد PageV19P059 # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم وأخبر أن أمته ستقاتلهم ~~ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية ولو قوتلوا بالقسي ~~العربية التي تشبه قوس القطن لم تغن شيئا؛ بل استطالوا على المسلمين بقوة ~~رميهم فلا بد من قتالهم بما يقهرهم. وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب: ~~إن العدو إذا رأيناهم قد لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال: وأنتم ~~فالبسوا كما لبسوا. وقد {أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في عمرة ~~القضية بالرمل والاضطباع} ليري المشركين قوتهم وإن لم يكن هذا مشروعا قبل ~~هذا ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا بدون ذلك. ولهذا قد يحتاج في إبراء ~~المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب فيضرب ضربا كثيرا جدا والضرب إنما يقع على ~~الجني ولا يحس به المصروع حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك ~~ولا يؤثر في بدنه ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو ~~أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسي لقتله وإنما هو على الجني ~~والجني يصيح ويصرخ ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا ~~وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. # PageV19P060 # وأما الاستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع لا سيما ~~إن كان فيه شرك؛ فإن ذلك محرم. وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك وقد ~~يقرءون مع ذلك شيئا من القرآن ويظهرونه ويكتمون ما يقولونه من الشرك وفي ~~الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله. والمسلمون وإن ~~تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير فلا يتنازعون في أن ~~الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرم في كل حال وليس هذا ~~كالتكلم به عند الإكراه. فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ~~والتكلم به ms5804 إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه ~~بالإيمان لم يؤثر. والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده ~~وأيضا فإن المكره مضطر إلى التكلم به ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به ~~لوجهين: أحدهما: أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر ~~بل يزيده شرا. والثاني: أن في الحق ما يغني عن الباطل. # PageV19P061 # والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس. وقوم ~~يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون بل ~~يكفرون بالمعبود. والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود وتؤمن بالإله الواحد ~~المعبود وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه فتدفع شياطين الإنس والجن. ~~وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما ~~يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام كما ثبت في صحيح مسلم وغيره {عن ~~معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في ~~الجاهلية كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان} وفي صحيح مسلم أيضا عن ~~عبيد الله؛ عن نافع؛ عن صفية؛ عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة ~~أربعين يوما} . وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره ~~وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد فقال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب ~~قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشا على الماء قال: فإني قد خبأت لك خبيئا قال: ~~الدخ الدخ قال: اخسأ فلن # PageV19P062 # تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان} . وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ~~ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما ~~عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا ~~كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: {إن جاءكم فاسق ms5805 بنبإ فتبينوا} وقد ثبت في ~~صحيح البخاري عن أبي هريرة: {أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة ويفسرونها ~~بالعربية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ~~وقولوا: {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون} } فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه. وقد ~~روي عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين ~~من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة. وفي خبر آخر أن عمر ~~أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم وشاع الخبر ~~فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن ~~وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام. # PageV19P063 # فصل: # ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئا من كتاب الله وذكره بالمداد ~~المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره قال عبد الله بن أحمد: قرأت ~~على أبي ثنا يعلى بن عبيد؛ ثنا سفيان؛ عن محمد بن أبي ليلى عن الحكم؛ عن ~~سعيد بن جبير؛ عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب: بسم ~~الله لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله ~~رب العالمين {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} {كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون} . قال أبي: ثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه وقال: يكتب في إناء ~~نظيف فيسقى قال أبي: وزاد فيه وكيع فتسقى وينضح ما دون سرتها قال عبد الله: ~~رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف. وقال أبو عمرو محمد بن أحمد بن ~~حمدان الحيري: أنا الحسن بن سفيان النسوي؛ حدثني عبد الله بن أحمد بن ~~شبوية؛ ثنا علي بن # PageV19P064 # الحسن بن شقيق؛ ثنا عبد ms5806 الله بن المبارك؛ عن سفيان؛ عن ابن أبي ليلى؛ عن ~~الحكم؛ عن سعيد بن جبير؛ عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولادها ~~فليكتب: بسم الله لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم ~~الكريم؛ سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم؛ والحمد لله رب العالمين {كأنهم ~~يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} . قال علي: ~~يكتب في كاغدة فيعلق على عضد المرأة قال علي: وقد جربناه فلم نر شيئا أعجب ~~منه فإذا وضعت تحله سريعا ثم تجعله في خرقة أو تحرقه. # آخر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه. # PageV19P065 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في الاكتفاء بالرسالة والاستغناء بالنبي صلى الله عليه وسلم عن اتباع ما ~~سواه اتباعا عاما وأقام الله الحجة على خلقه برسله فقال تعالى: {إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله: {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} . فدلت هذه الآية على أنه لا حجة لهم بعد الرسل بحال ~~وأنه قد يكون لهم حجة قبل الرسل. ف " الأول " يبطل قول من أحوج الخلق إلى ~~غير الرسل حاجة عامة كالأئمة. و " الثاني " يبطل قول من أقام الحجة عليهم ~~قبل الرسل من المتفلسفة والمتكلمة. # PageV19P066 # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فأمر بطاعة أولي ~~الأمر من العلماء والأمراء إذا لم يتنازعوا وهو يقتضي أن اتفاقهم حجة ~~وأمرهم بالرد عند التنازع إلى الله والرسول فأبطل الرد إلى إمام مقلد أو ~~قياس عقلي فاضل. وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ~~فبين أنه بالكتاب يحكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه. وقال تعالى: {وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ms5807 وقال تعالى: {كتاب أنزل إليك فلا يكن ~~في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ~~ولا تتبعوا من دونه أولياء} ففرض اتباع ما أنزله من الكتاب والحكمة وحظر ~~اتباع أحد من دونه. وقال تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم} فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل. وقال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} الآيات. وقال تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} ~~الآيات. وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها} الآيتين. فدلت هذه # PageV19P067 # الآيات على أن من أتاه الرسول فخالفه فقد وجب عليه العذاب وإن لم يأته ~~إمام ولا قياس. وأنه لا يعذب أحد حتى يأتيه الرسول وإن أتاه إمام أو قياس. ~~وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ~~ورسوله} الآية. وقد ذكر سبحانه هذا المعنى في غير موضع فبين أن طاعة الله ~~ورسوله موجبة للسعادة وأن معصية الله موجبة للشقاوة وهذا يبين أن مع طاعة ~~الله ورسوله لا يحتاج إلى طاعة إمام أو قياس ومع معصية الله ورسوله لا ينفع ~~طاعة إمام أو قياس. ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسنة وهو أصل الإسلام ~~" شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله " وهو متفق عليه بين ~~الذين أوتوا العلم والإيمان قولا واعتقادا؛ وإن خالفه بعضهم عملا وحالا. ~~فليس عالم من المسلمين يشك في أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله وأن ما ~~سواه إنما تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله. # PageV19P068 # وفي الحقيقة فالواجب في الأصل إنما هو طاعة الله؛ لكن لا سبيل إلى العلم ~~بمأموره وبخبره كله إلا من جهة الرسل والمبلغ عنه إما مبلغ أمره وكلماته ~~فتجب طاعته وتصديقه في جميع ما أمر وأخبر ms5808 وإما ما سوى ذلك فإنما يطاع في ~~حال دون حال كالأمراء الذين تجب طاعتهم في محل ولايتهم ما لم يأمروا بمعصية ~~الله والعلماء الذين تجب طاعتهم على المستفتي والمأمور فيما أوجبوه عليه ~~مبلغين عن الله أو مجتهدين اجتهادا تجب طاعتهم فيه على المقلد ويدخل في ذلك ~~مشايخ الدين ورؤساء الدنيا حيث أمر بطاعتهم كاتباع أئمة الصلاة فيها واتباع ~~أئمة الحج فيه واتباع أمراء الغزو فيه واتباع الحكام في أحكامهم واتباع ~~المشايخ المهتدين في هديهم ونحو ذلك. # والمقصود بهذا الأصل أن من نصب إماما فأوجب طاعته مطلقا اعتقادا أو حالا ~~فقد ضل في ذلك كأئمة الضلال الرافضة الإمامية حيث جعلوا في كل وقت إماما ~~معصوما تجب طاعته فإنه لا معصوم بعد الرسول ولا تجب طاعة أحد بعده في كل ~~شيء والذين عينوهم من أهل البيت منهم من كان خليفة راشدا تجب طاعته كطاعة ~~الخلفاء قبله وهو علي. ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم ~~من أئمة العلم والدين كعلي بن الحسين. وأبي جعفر الباقر؛ وجعفر ابن محمد ~~الصادق. ومنهم دون ذلك. # PageV19P069 # وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا ~~استثناء وأفرده عن نظرائه كالشيخ عدي؛ والشيخ أحمد؛ والشيخ عبد القادر؛ ~~والشيخ حيوة؛ ونحوهم. وكذلك من دعا إلى اتباع إمام من أئمة العلم في كل ما ~~قاله وأمر به ونهى عنه مطلقا كالأئمة الأربعة. وكذلك من أمر بطاعة الملوك ~~والأمراء والقضاة والولاة في كل ما يأمرون وينهون عنه من غير تخصيص ولا ~~استثناء لكن هؤلاء لا يدعون العصمة لمتبوعيهم إلا غالية أتباع المشايخ ~~كالشيخ عدي وسعد المديني بن حمويه ونحوهما؛ فإنهم يدعون فيهم نحوا مما ~~تدعيه الغالية في أئمة بني هاشم من العصمة ثم من الترجيح على النبوة ثم من ~~دعوى الإلهية. وأما كثير من أتباع أئمة العلم ومشايخ الدين فحالهم وهواهم ~~يضاهي حال من يوجب اتباع متبوعه لكنه لا يقول ذلك بلسانه ولا يعتقده علما ~~فحاله يخالف اعتقاده بمنزلة العصاة أهل ms5809 الشهوات وهؤلاء أصلح ممن يرى وجوب ~~ذلك ويعتقده. وكذلك أتباع الملوك والرؤساء هم كما أخبر الله عنهم بقوله: ~~{إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} فهم مطيعون حالا وعملا ~~وانقيادا وأكثرهم من غير عقيدة دينية وفيهم # PageV19P070 # من يقرن بذلك عقيدة دينية. ولكن طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء ~~به والقدرة على العمل به فإذا ضعف العلم والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك ~~الأمر فكان وقت دعوة ونبوة في غيره فتدبر هذا الأصل فإنه نافع جدا والله ~~أعلم. وكذا من نصب القياس أو العقل أو الذوق مطلقا من أهل الفلسفة والكلام ~~والتصوف أو قدمه بين يدي الرسول من أهل الكلام والرأي والفلسفة والتصوف؛ ~~فإنه بمنزلة من نصب شخصا. فالاتباع المطلق دائر مع الرسول وجودا وعدما. # فصل: # أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار: بدعة الحرورية ~~المارقة؛ فإن أولهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم في وجهه: اعدل يا محمد ~~فإنك لم تعدل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم وقتالهم وقاتلهم أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. والأحاديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مستفيضة بوصفهم وذمهم # PageV19P071 # والأمر بقتالهم قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم. فإن في قتلهم أجرا عند الله ~~لمن قتلهم يوم القيامة} . ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين ~~وأئمتهم: أحدهما: خروجهم عن السنة وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة أو ما ليس ~~بحسنة حسنة وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حيث {قال ~~له ذو الخويصرة التميمي: اعدل فإنك لم تعدل حتى قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل} . فقوله: فإنك ~~لم ms5810 تعدل جعل منه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم سفها وترك عدل وقوله: " ~~اعدل " أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح وهذا الوصف تشترك ~~فيه البدع المخالفة للسنة فقائلها لا بد أن يثبت ما نفته السنة وينفي ما ~~أثبتته السنة ويحسن ما قبحته السنة أو يقبح ما حسنت السنة وإلا لم يكن بدعة ~~وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل؛ لكن أهل البدع ~~يخالفون السنة الظاهرة المعلومة. # PageV19P072 # والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ~~ومتابعته وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف ~~- بزعمهم - ظاهر القرآن. وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة ~~على هذا؛ فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه كما يحكى ~~عن عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة: إما ~~برد النقل؛ وإما بتأويل المنقول. فيطعنون تارة في الإسناد وتارة في المتن. ~~وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول بل ولا ~~بحقيقة القرآن. الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب ~~والسيئات. ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأن ~~دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول جمهور الرافضة؛ ~~وجمهور المعتزلة؛ والجهمية؛ وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ~~ومتكلميهم. فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإجماع السلف أنها بدعة وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرا. # PageV19P073 # فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين وما يتولد عنهما من بعض ~~المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم. وهذان الأصلان هما خلاف ~~السنة والجماعة فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن ~~السنة ومن كفر المسلمين بما رآه ذنبا سواء كان دينا أو لم يكن دينا وعاملهم ~~معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة. وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من ms5811 هذين ~~الأصلين. أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو القياس الفاسد: إما حديث بلغه ~~عن الرسول لا يكون صحيحا أو أثر عن غير الرسول قلده فيه ولم يكن ذلك القائل ~~مصيبا أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صحيح أو ضعيف أو أثر مقبول أو مردود ولم يكن التأويل صحيحا وإما ~~قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صوابا وهو خطأ. فالقياس والرأي والذوق هو عامة ~~خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من المتفقهة. وتأويل النصوص الصحيحة أو ~~الضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة. # PageV19P074 # وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سني فهو مذهب الخوارج. والتكفير باعتقاد سني ~~مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم. وأما التكفير باعتقاد بدعي فقد ~~بينته في غير هذا الموضع ودون التكفير قد يقع من البغض والذم والعقوبة - ~~وهو العدوان - أو من ترك المحبة والدعاء والإحسان وهو التفريط ببعض هذه ~~التأويلات ما لا يسوغ وجماع ذلك ظلم في حق الله تعالى أو في حق المخلوق كما ~~بينته في غير هذا الموضع. ولهذا قال أحمد بن حنبل لبعض أصحابه: أكثر ما ~~يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. # PageV19P075 # وقال شيخ الإسلام إمام الأئمة والمسلمين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~ابن عبد السلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. ### | " أصل جامع " # في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج ~~إليه الناس من دينهم # وأن النجاة والسعادة في اتباعه والشقاء في مخالفته وما دل عليه من اتباع ~~السنة والجماعة، قال الله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم ms5812 مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري ~~فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال # PageV19P076 # رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى} قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا ~~يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية. وفي السورة الأخرى: ~~{فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال تعالى: {المص} {كتاب أنزل إليك فلا ~~يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} {اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال تعالى: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} {أو تقولوا لو أنا أنزل ~~علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ~~ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما ~~كانوا يصدفون} . وقال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} # PageV19P077 # وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير} وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} ~~وقال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد} إلى قوله: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله وعند الذين ms5813 آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} إلى ~~قوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ~~إلى قوله: {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} {هدى وذكرى ~~لأولي الألباب} {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار} {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} وفي قوله: ~~{يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} بيان أنه لا يجوز أن يعارض كتاب ~~الله بغير كتاب الله لا بفعل أحد ولا أمره لا دولة ولا سياسة فإنه حال ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير # PageV19P078 # سلطان أتاهم. ولكن يجوز أن يكون في آيات الله ناسخ ومنسوخ فيعارض منسوخه ~~بناسخه كما قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~وكما قال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ونظائره ~~متعددة. وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} وقال تعالى: {الر} {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} وقال تعالى: {هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال تعالى: {قد جاءكم من ~~الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين} {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم ms5814 ~~بالله فقد هدي إلى صراط # PageV19P079 # مستقيم} {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا} فأمر بالاعتصام بحبل الله وهو كتابه ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن هذا القرآن حبل ممدود طرفه بيد الله ~~وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ما تمسكتم به.} وفي الحديث الآخر: ~~{وهو حبل الله المتين} . ثم قال تعالى: {ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} الآيات. وقال ~~تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} وقال ~~تعالى: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون} وقال تعالى: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} ~~وقال: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} وقال: {إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ~~لا يقصرون} {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} وقال تعالى: {وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين # PageV19P080 # ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ~~{وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} وقال ~~تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {فالذين آمنوا به ~~وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} وقال تعالى: ~~{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي ms5815 به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط ~~الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} وقال ~~تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} وقال تعالى: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} وقال تعالى: {والذين ~~يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} وقال تعالى: ~~{واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} . # PageV19P081 # فصل: # قد أمرنا الله تعالى باتباع ما أنزل إلينا من ربنا وباتباع ما يأتي منه ~~من الهدى وقد أنزل علينا الكتاب والحكمة كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} والحكمة من الهدى قال ~~تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} والأمر باتباع الكتاب والقرآن يوجب الأمر ~~باتباع الحكمة التي بعث بها الرسول وباتباعه وطاعته مطلقا. وقال تعالى: ~~{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} وقال تعالى: {ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} وقال ~~تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} وقال تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} وقال تعالى: {هو الذي بعث ~~في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم # PageV19P082 # ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} {وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} . وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين ~~موضعا كقوله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين} وقوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} وقوله: {قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين} إلى قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأطيعوا ms5816 الرسول لعلكم ترحمون} إلى قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} إلى ~~قوله: {أو يصيبهم عذاب أليم} وقوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقوله تعالى ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقوله ~~تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقوله تعالى {ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك # PageV19P083 # مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا} وقوله تعالى {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها} وقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} ~~وقوله تعالى {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقوله تعالى {ويوم يعض الظالم ~~على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا} فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في ~~الكتاب كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب ~~منصوصا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب. فعلينا أن نتبع الكتاب وعلينا ~~أن نتبع الرسول واتباع أحدهما هو اتباع الآخر؛ فإن الرسول بلغ الكتاب ~~والكتاب أمر بطاعة الرسول. ولا يختلف الكتاب والرسول ألبتة كما لا يخالف ~~الكتاب بعضه بعضا قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} . # PageV19P084 # والأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه ms5817 وسلم في وجوب اتباع الكتاب وفي ~~وجوب اتباع سنته صلى الله عليه وسلم كقوله: {لا ألفين أحدكم متكئا على ~~أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم ~~هذا القرآن فما وجدنا فيه من حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا ~~وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم} هذا الحديث في ~~السنن والمسانيد مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة جهات من حديث ~~أبي ثعلبة وأبي رافع وأبي هريرة وغيرهم. وفي صحيح مسلم عنه من حديث جابر ~~أنه قال في خطبة الوداع: {وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: ~~كتاب الله تعالى} وفي الصحيح عن {عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له: هل أوصى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا قيل: فكيف كتبه على الناس الوصية؟ ~~قال: أوصى بكتاب الله} . وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن ~~كما فسرت أعداد الصلوات وقدر القراءة فيها والجهر والمخافتة وكما فسرت ~~فرائض الزكاة ونصبها وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت والسعي ورمي ~~الجمار ونحو ذلك. وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب # PageV19P085 # اتباعها وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه ~~كالسنة المفسرة لنصاب السرقة والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا ~~مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر طوائف المسلمين إلا ~~من نازع في ذلك من الخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم. فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قاتلهم ~~يوم القيامة} . وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة في وصفهم وذمهم والأمر ~~بقتالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في ~~الخوارج من عشرة أوجه وقد روى مسلم ms5818 في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه كأنها هي ~~التي أشار إليها أحمد بن حنبل فإن مسلما أخذ عن أحمد. وقد روى البخاري ~~حديثهم من عدة أوجه وهؤلاء أولهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد ~~اعدل فإنك لم تعدل. فمن جوز عليه أن يظلمه فلا يعدل كمن يوجب طاعته فيما ~~ظلم فيه؛ لكنهم يوجبون اتباع ما بلغه عن الله وهذا من جهلهم وتناقضهم ولهذا ~~قال النبي # PageV19P086 # صلى الله عليه وسلم {ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل وقال: لقد خبت وخسرت إن ~~لم أعدل} أي: إن اتبعت من هو غير عادل فأنت خائب خاسر. وقال: {أيأمنني من ~~في السماء ولا تأمنوني} يقول: إذا كان الله قد ائتمنني على تبليغ كلامه ~~أفلا تأمنوني على أن أؤدي الأمانة إلى الله؟ قال تعالى: {وما كان لنبي أن ~~يغل} . وفي الجملة فالقرآن يوجب طاعته في حكمه وفي قسمه ويذم من يعدل عنه ~~في هذا أو هذا كما قال تعالى في حكمه: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال ~~تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} {أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول # PageV19P087 # لوجدوا الله توابا رحيما} وقال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} {وإن يكن لهم الحق ms5819 يأتوا ~~إليه مذعنين} {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله بل أولئك هم الظالمون} {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} {ومن يطع ~~الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} . وقال في قسمه للصدقات ~~والفيء قال في الصدقات: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وقال ~~في الفيء {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب} {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم} الآيات الثلاث. ~~فالطاعن في شيء من حكمه أو قسمه - كالخوارج - طاعن في # PageV19P088 # كتاب الله مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارق لجماعة ~~المسلمين وكان شيطان الخوارج مقموعا لما كان المسلمون مجتمعين في عهد ~~الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان فلما افترقت الأمة في خلافة علي رضي ~~الله عنه وجد شيطان الخوارج موضع الخروج فخرجوا وكفروا عليا ومعاوية ومن ~~والاهما فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي بن أبي طالب كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تمرق مارقة على حين فرقة من الناس ~~تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} . # ولهذا لما ناظرهم من ناظرهم كابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما بينوا ~~لهم بطلان قولهم بالكتاب والميزان كما بين لهم ابن عباس حيث أنكروا على علي ~~بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل ونهيه عن اتباع مدبرهم والإجهاز على جريحهم ~~وغنيمة أموالهم وذراريهم وكانت حجة الخوارج أنه ليس في كتاب الله إلا مؤمن ~~أو كافر فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم وإن كانوا كفارا أبيحت دماؤهم ~~وأموالهم وذراريهم فأجابهم ابن عباس بأن ms5820 القرآن يدل على أن عائشة أم ~~المؤمنين وبين أن أمهات المؤمنين حرام فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله ~~ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله. وموضع غلطهم ظنهم أن من كان مؤمنا ~~لم يبح قتاله بحال وهذا مما ضل به من ضل من الشيعة حيث ظنوا أن من قاتل ~~عليا كافر؛ # PageV19P089 # فإن هذا خلاف القرآن قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فأخبر سبحانه أنهم مؤمنون مقتتلون ~~وأمر إن بغت إحداهما على الأخرى أن تقاتل التي تبغي فإنه لم يكن أمر بقتال ~~أحدهما ابتداء ثم أمر إذا فاءت إحداهما بالإصلاح بينهما بالعدل وقال: {إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فدل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود ~~الاقتتال والبغي وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به. وكذلك عمر بن ~~عبد العزيز لما ناظرهم وأقروا بوجوب الرجوع إلى ما نقله الصحابة عن الرسول ~~من فرائض الصلاة بين لهم عمر أنه كذلك يجب الرجوع إلى ما نقلوه عنه صلى ~~الله عليه وسلم من فريضة الرجم ونصاب الزكاة وأن الفرق بينهما فرق بين ~~المتماثلين فرجعوا إلى ذلك. وكذلك ابن عباس ناظرهم لما أنكروا تحكيم الرجال ~~بأن الله قال في الزوجين: إذا خيف شقاق بينهما أن يبعث حكما من أهله وحكما ~~من أهلها وقال: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} وأمر أيضا أن يحكم في ~~الصيد بجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم فمن أنكر التحكيم ~~مطلقا فقد خالف كتاب الله تعالى وذكر ابن عباس أن # PageV19P090 # التحكيم في أمر أميرين لأجل دماء الأمة أولى من التحكيم في أمر الزوجين؛ ~~والتحكيم لأجل دم الصيد. وهذا استدلال من ابن عباس بالاعتبار وقياس الأولى ~~وهو من الميزان فاستدل عليهم بالكتاب والميزان قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله ms5821 وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} . أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منا وأمر إن ~~تنازعنا في شيء أن نرده إلى الله والرسول فدل هذا على أن كل ما تنازع ~~المؤمنون فيه من شيء فعليهم أن يردوه إلى الله والرسول والمعلق بالشرط يعدم ~~عند عدم الشرط فدل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتا ~~وكذلك إنما يكون لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدى وطاعة لله ورسوله فلا ~~يحتاجوا حينئذ أن يأمروا بما هم فاعلون من طاعة الله والرسول. ودل ذلك على ~~أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا فإنهم لا يجتمعون على ضلالة ولو كانوا قد ~~يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولى بوجوب الرد إلى الله والرسول منهم إذا ~~تنازعوا فقد يكون أحد الفريقين مطيعا لله والرسول. فإذا كانوا مأمورين في ~~هذا الحال بالرد إلى الله والرسول ليرجع إلى ذلك فريق منهم - خرج عن ذلك - ~~فلأن يؤمروا بذلك # PageV19P091 # إذا قدر خروجهم كلهم عنه بطريق الأولى والأحرى أيضا فقد قال لهم ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها} . فلما نهاهم عن التفرق مطلقا دل ذلك على أنهم لا يجتمعون ~~على باطل؛ إذ لو اجتمعوا على باطل لوجب اتباع الحق المتضمن لتفرقهم وبين ~~أنه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا كما قال: {هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين} {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} فإذا كانت قلوبهم متألفة غير مختلفة على أمر ~~من الأمور كان ذلك من تمام نعمة الله عليهم؛ ومما من به عليهم فلم يكن ذلك ~~اجتماعا على باطل؛ لأن الله تعالى أعلم بجميع الأمور. انتهى والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV19P092 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ms5822 بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني - رضي الله عنه ونور ضريحه -: # الحمد لله رب العالمين. # قاعدة نافعة # في وجوب الاعتصام بالرسالة، وبيان أن السعادة والهدى في متابعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأن الضلال والشقاء في مخالفته وأن كل خير في الوجود، ~~إما عام وإما خاص فمنشؤه من جهة الرسول وأن كل شر في العالم مختص بالعبد ~~فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به وأن سعادة العباد في معاشهم ~~ومعادهم باتباع الرسالة. والرسالة ضرورية للعباد لا بد لهم منها وحاجتهم ~~إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأي صلاح ~~للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت ~~عليه شمس الرسالة وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من ~~حياتها وروحها فهو في ظلمة؛ وهو من الأموات قال الله # PageV19P093 # تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها} فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل ~~فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورا يمشي به في الناس. ~~وأما الكافر فميت القلب في الظلمات. وسمى الله تعالى رسالته روحا والروح ~~إذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} فذكر هنا الأصلين وهما: الروح والنور فالروح الحياة والنور النور. ~~وكذلك يضرب الله الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونورا لها بالماء ~~الذي ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور وهذا كما في ~~قوله تعالى {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} ms5823 . فشبه العلم بالماء المنزل من السماء؛ لأن ~~به حياة القلوب كما أن # PageV19P094 # بالماء حياة الأبدان وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم كما أن ~~الأودية محل الماء فقلب يسع علما كثيرا وواد يسع ماء كثيرا وقلب يسع علما ~~قليلا وواد يسع ماء قليلا وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد بسبب ~~مخالطة الماء وأنه يذهب جفاء أي: يرمى به ويخفى والذي ينفع الناس يمكث في ~~الأرض ويستقر وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات فإذا ترابى فيها الحق ~~ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ثم تذهب جفاء ويستقر فيها الإيمان والقرآن ~~الذي ينفع صاحبه والناس وقال: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل} فهذا المثل الآخر وهو الناري ~~فالأول للحياة والثاني للضياء. ونظير هذين المثالين: المثالان المذكوران في ~~سورة البقرة في قوله تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} إلى قوله: {أو ~~كصيب من السماء} إلى آخر الآية. وأما الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي ~~وإن كانت حياته حياة بهيمية فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها ~~سبب الإيمان وبها يحصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ فإن الله ~~سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم ~~وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم وبعثوا جميعا بالدعوة إلى الله وتعريف ~~الطريق الموصل إليه وبيان حالهم بعد الوصول إليه. # PageV19P095 # فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام الله في ~~أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها على عباده والأمثال التي ضربها لهم. ~~والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه ~~الله وما يكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر؛ والجنة والنار؛ ~~والثواب والعقاب. وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر والسعادة ~~والفلاح موقوفة عليها ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا ~~يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من ~~حيث الجملة كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن ms5824 يداويه ولا يهتدي ~~إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه. وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير ~~من حاجة المريض إلى الطب؛ فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان وأما ~~إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه ~~أبدا أو شقي # PageV19P096 # شقاوة لا سعادة معها أبدا فلا فلاح إلا باتباع الرسول فإن الله خص ~~بالفلاح أتباعه المؤمنين وأنصاره كما قال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} أي: لا مفلح إلا هم ~~كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر وأولئك هم المفلحون} فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى ~~رسوله وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة وبالهدى والفلاح فعلم بذلك أن ~~الهدى والفلاح دائر حول ربع الرسالة وجودا وعدما. وهذا مما اتفقت عليه ~~الكتب المنزلة من السماء وبعث به جميع الرسل ولهذا قص الله علينا أخبار ~~الأمم المكذبة للرسل وما صارت إليه عاقبتهم وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن ~~بعدهم وموعظة. وكذلك مسخ من مسخ قردة وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم وكذلك من ~~خسف به؛ وأرسل عليه الحجارة من السماء وأغرقه في اليم؛ وأرسل عليه الصيحة ~~وأخذه بأنواع العقوبات وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل وإعراضهم عما جاءوا ~~به واتخاذهم أولياء من دونه. وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما ~~جاؤوا به # PageV19P097 # واتبع غير سبيلهم؛ ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لنعتبر بها ~~ونتعظ؛ لئلا نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم كما قال تعالى: {إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} {ولقد تركنا منها آية ~~بينة لقوم يعقلون} وقال تعالى: {ثم دمرنا الآخرين} {وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين} {وبالليل أفلا تعقلون} أي: تمرون عليهم نهارا بالصباح وبالليل ثم ~~قال: {أفلا تعقلون} وقال تعالى في مدائن قوم لوط: {وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل} {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} {وإنها لبسبيل ms5825 مقيم} يعني: مدائنهم ~~بطريق مقيم يراها المار بها. وقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} . وهذا كثير في الكتاب العزيز: يخبر الله ~~سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل ونجاة أتباع المرسلين؛ ولهذا يذكر سبحانه ~~في سورة الشعراء قصة موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب ويذكر لكل ~~نبي إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ولأتباعهم ثم يختم القصة بقوله: {إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} فختم القصة ~~باسمين من أسمائه تقتضيها تلك الصفة {وهو العزيز الرحيم} فانتقم من أعدائه ~~بعزته وأنجى رسله وأتباعهم برحمته. # PageV19P098 # فصل: # والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده فكما أنه لا صلاح له في ~~آخرته إلا باتباع الرسالة فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع ~~الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ~~ينفعه؛ وحركة يدفع بها ما يضره. والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما ~~يضره والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذي من دخله كان ~~آمنا. وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس؛ فإن ذلك يحصل ~~للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميز به بين الشعير والتراب بل التمييز ~~بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده كنفع الإيمان والتوحيد؛ ~~والعدل والبر والتصدق والإحسان؛ والأمانة والعفة؛ والشجاعة والحلم؛ والصبر ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى ~~المماليك والجار؛ وأداء الحقوق؛ وإخلاص العمل لله والتوكل عليه؛ والاستعانة ~~به والرضا بمواقع القدر به؛ والتسليم لحكمه والانقياد لأمره؛ وموالاة ~~أوليائه ومعاداة أعدائه؛ # PageV19P099 # وخشيته في الغيب والشهادة؛ والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه؛ ~~واحتساب الثواب عنده؛ وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به؛ وطاعته في ~~كل ما أمروا به؛ مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته؛ وفي ضد ذلك ~~شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته. ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل ~~النافع والضار في المعاش والمعاد فمن أعظم نعم الله ms5826 على عباده وأشرف منة ~~عليهم: أن أرسل إليهم رسله؛ وأنزل عليهم كتبه؛ وبين لهم الصراط المستقيم. ~~ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالا منها فمن قبل رسالة ~~الله واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية ~~وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم. وفي الصحيح من حديث أبي ~~موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مثل ما بعثني الله به ~~من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت ~~الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس ~~فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله ~~به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} ~~متفق على صحته. # PageV19P100 # فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آيات الله ~~ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين وقال أهل ~~الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد ~~جاءت رسل ربنا بالحق} . والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت ~~عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار ~~الرسل موجودة فيهم فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرب الله ~~العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة. وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول ~~كحاجتهم إلى الشمس والقمر؛ والرياح والمطر ولا كحاجة الإنسان إلى حياته؛ ~~ولا كحاجة العين إلى ضوئها والجسم إلى الطعام والشراب؛ بل أعظم من ذلك؛ ~~وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في ~~أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده. وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ~~ربه: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يا أيها الناس إنما ms5827 أنا ~~رحمة مهداة} وقال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقال صلوات ~~الله وسلامه عليه {إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا ~~بقايا من أهل الكتاب} وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل # PageV19P101 # فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه رحمة ~~للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين وافترض على العباد طاعته ~~ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه وسد إليه جميع الطرق فلم يفتح ~~لأحد إلا من طريقه وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع ~~الأنبياء والمرسلين وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين. أرسله ~~الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا فختم به الرسالة؛ وهدى به من الضلالة؛ وعلم به من الجهالة ~~وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فأشرقت برسالته الأرض بعد ~~ظلماتها؛ وتألفت بها القلوب بعد شتاتها فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها ~~المحجة البيضاء وشرح له صدره؛ ووضع عنه وزره؛ ورفع ذكره؛ وجعل الذلة ~~والصغار على من خالف أمره أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب حين ~~حرف الكلم وبدلت الشرائع واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم وحكموا على الله ~~وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم فهدى الله به الخلائق وأوضح به ~~الطريق وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور؛ وأبصر به من العمى؛ وأرشد به ~~من الغي وجعله قسيم الجنة والنار وفرق ما بين الأبرار والفجار؛ وجعل الهدى ~~والفلاح في اتباعه وموافقته # PageV19P102 # والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته. وامتحن به الخلائق في قبورهم فهم في ~~القبور عنه مسئولون وبه ممتحنون {يؤتى العبد في قبره فيقال: ما كنت تقول في ~~هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله جاءنا ~~بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فيقال له: صدقت على هذا حييت وعليه مت ~~وعليه تبعث إن شاء الله نم نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ثم يفسح ~~له في قبره وينور له ms5828 فيه ويفتح له باب إلى الجنة فيزداد غبطة وسرورا. وأما ~~الكافر والمنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له: قد ~~كنا نعلم ذلك وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يضرب ~~بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان} . وقد أمر الله ~~بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن وقرن ~~طاعته بطاعته وقرن بين مخالفته ومخالفته كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر ~~الله إلا ذكر معه قال ابن عباس # PageV19P103 # - رضي الله عنه - في قوله تعالى {ورفعنا لك ذكرك} قال: لا أذكر إلا ذكرت ~~معي. وهذا كالتشهد والخطب والأذان أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~رسول الله فلا يصح الإسلام إلا بذكره والشهادة له بالرسالة. وكذلك لا يصح ~~الأذان إلا بذكره والشهادة له ولا تصح الصلاة إلا بذكره والشهادة له ولا ~~تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له. وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب ~~والكفر لمن خالفه قال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ~~أي فتنة هي؟ إنما هي الكفر. وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصغار لمن خالف ~~أمره كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر؛ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ~~وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم ~~فهو منهم} . # PageV19P104 # وكما أن من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقي الهالك فكذلك من أعرض عنه وعما ~~جاء به واطمأن إلى غيره ورضي به بدلا منه هو هالك أيضا. فالشقاء والضلال في ~~الإعراض عنه وفي تكذيبه والهدى والفلاح في الإقبال على ما جاء به وتقديمه ~~على كل ما سواه فالأقسام ثلاثة المؤمن ms5829 به وهو: المتبع له المحب له المقدم ~~له على غيره. والمعادي له والمنابذ له والمعرض عما جاء به فالأول هو السعيد ~~والآخران هما الهالكان. فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له ~~المؤمنين به وأن يحيينا على سنته ويتوفانا عليها لا يفرق بيننا وبينها إنه ~~سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين. # PageV19P105 # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها وتوحد الدين الملي دون الشرعي وما ~~في ذلك من إقرار ونسخ وجريان ذلك في أهل الشريعة الواحدة بنوع من الاعتبار ~~قال الله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما} فهذا نص في أنه إمام الناس كلهم وقال: {إن إبراهيم كان أمة} . وهو: ~~القدوة الذي يؤتم به وهو معلم الخير وقال: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {أم كنتم شهداء إذ حضر ~~يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك # PageV19P106 # إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} {تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} . فقد بين أنه لا يرغب ~~عن ملة إبراهيم إلا من هو سفيه وأنه أمر بالإسلام فقال: {أسلمت لرب ~~العالمين} وأن هذه وصية إلى بنيه ووصية إسرائيل إلى بنيه وقد اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. ثم قال: {وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} فأمر باتباع ~~ملة إبراهيم ونهى عن التهود والتنصر وأمر بالإيمان الجامع كما أنزل على ~~النبيين وما أوتوه والإسلام له وأن نصبغ بصبغة الله وأن نكون له ms5830 عابدين ورد ~~على من زعم أن إبراهيم وبنيه وإسرائيل وبنيه كانوا هودا أو نصارى وقد قال ~~قبل هذا: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله ~~هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم} الآية والمعنى: ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ~~ملتهم ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. وقد يستدل بهذا على أن لكل طائفة ملة ~~لقوله تعالى # PageV19P107 # {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} ~~وقال تعالى في آخر السورة: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إلى آخر ~~السورة كما قال في أولها: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون} ففتحها بالإيمان الجامع وختمها بالإيمان الجامع ووسطها ~~بالإيمان الجامع. ونبينا صلى الله عليه وسلم أعطي فواتح الكلم وخواتمه ~~وجوامعه وقال تعالى في آل عمران بعد أن قص أمر المسيح ويحيى: {قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون} وهي {التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم لما ~~دعاهم إلى الإسلام وقال: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} {ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} ~~{إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين} إلى قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق # PageV19P108 # النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} إلى قوله: {وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها} } فأنكر على من يبغي غير دين الله. كما قال في أول ~~السورة: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم} {إن الدين عند ms5831 الله الإسلام وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} فأخبر أن الدين عند ~~الله الإسلام وأن الذين اختلفوا من أهل الكتاب وصاروا على ملل شتى ما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم وفيه بيان أن الدين واحد لا اختلاف فيه. ~~وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين} هذا بعد أن ذكر الأنبياء فقال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} . وذكر في النحل دعوة المرسلين جميعهم واتفاقهم على عبادة الله وحده ~~لا شريك له فقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} الآية. وقال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين} {شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} {وآتيناه في الدنيا ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} # PageV19P109 # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} وقال: ~~{ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} إلى قوله: {مشهد يوم عظيم} . ~~وقال في سورة الأنبياء: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون} وقال بعد أن قص قصصهم: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاعبدون} وقال في آخرها {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل ~~أنتم مسلمون} وقال في سورة المؤمنين: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون} {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} . وقال في آخر ~~سورة الحج التي ذكر فيها الملل الست وذكر ما جعل لهم من المناسك والمعابد ~~وذكر ملة إبراهيم خصوصا: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} وقال: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ms5832 أوحينا إليك} الآية وقال: {لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب} إلى قوله: {وذلك دين القيمة} # PageV19P110 # وهذا في القرآن مذكور في مواضع كثيرة. وكذلك في الأحاديث الصحيحة مثل ما ~~ترجم عليه البخاري فقال: " باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد " وذكر ~~الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنا ~~معاشر الأنبياء إخوة لعلات} ومثل صفته في التوراة: {لن أقبضه حتى أقيم به ~~الملة العوجاء فافتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا} ولهذا وحد ~~الصراط والسبيل في مثل قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ومثل قوله تعالى {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} ومثل قوله: {الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور} وقوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله} {وجاهدوا في سبيل الله} وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله} . والإسلام دين جميع المرسلين قال نوح عليه السلام {فإن ~~توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} ~~وقال الله عن إبراهيم وبنيه ما تقدم وقال الله عن السحرة: {ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وتوفنا مسلمين} وعن فرعون: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين} # PageV19P111 # وقال الحواريون: {آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} وفي السورة الأخرى: ~~{واشهد بأننا مسلمون} وقال يوسف الصديق: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ~~وقال موسى: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} وقالت ~~بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقال في ~~التوراة: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} ~~. # قال شيخ الإسلام: وقد قررت في غير هذا الموضع الإسلام العام والخاص ~~والإيمان العام والخاص كقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وأما تنوع الشرائع وتعددها فقال تعالى ms5833 لما ذكر ~~القبلة بعد الملة بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله ~~بغافل عما يعملون} إلى قوله: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} فأخبر ~~أن لكل أمة وجهة ولم يقل جعلنا لكل أمة وجهة بل قد يكون هم ابتدعوها كما ~~ابتدعت النصارى وجهة المشرق بخلاف ما ذكره في الشرع والمناهج؛ فإنه قال: ~~{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله: # PageV19P112 # {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} وهذه الآيات نزلت بسبب الحكم في ~~الحدود والقصاص والديات أخبر أن التوراة {يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا} وهذا عام في النبيين جميعهم ~~والربانيين والأحبار. ثم لما ذكر الإنجيل قال: {وليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه} فأمر هؤلاء بالحكم لأن الإنجيل بعض ما في التوراة وأقر ~~الأكثر والحكم بما أنزل الله فيه حكم بما في التوراة أيضا ثم قال: {فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} فأمره أن يحكم بما أنزل الله على من قبله لكل جعلنا من ~~الرسولين والكتابين شرعة ومنهاجا أي سنة وسبيلا فالشرعة الشريعة وهي السنة ~~والمنهاج الطريق والسبيل وكان هذا بيان وجه تركه لما جعل لغيره من السنة ~~والمنهاج إلى ما جعل له ثم أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه فالأول ~~نهى له أن يأخذ بمنهاج غيره وشرعته والثاني وإن كان حكما غير الحكم الذي ~~أنزل نهى له أن يترك شيئا مما أنزل فيها عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمن لم يتبعه لم يحكم بما ~~أنزل الله وإن لم يكن من أهل الكتاب الذين أمروا أن يحكموا بما فيها مما ~~يخالف حكمه. # PageV19P113 # وقال تعالى في الحج: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} و {لكل أمة جعلنا منسكا ms5834 هم ناسكوه فلا ينازعنك في ~~الأمر} وذكر في أثناء السورة: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا} فبين أنه هو جعل المناسك وذكر مواضع العبادات كما ذكر في ~~البقرة الوجهة التي يتوجهون إليها وقال في سورة الجاثية بعد أن ذكر بني ~~إسرائيل: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون} الآية وقال في النسخ ووجوب اتباعهم للرسول: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} إلى قوله: {وأنا معكم من الشاهدين} . ~~وقال: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} الآية والتي بعدها وقد تقدم ما ~~في البقرة وآل عمران من أمرهم بالإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك في سورة النساء وهو كثير في القرآن. # فصل: # قال الله تعالى لنا: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # PageV19P114 # واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} إلى قوله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات} إلى قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} فأمرنا بملازمة ~~الإسلام إلى الممات كما أمر الأنبياء جميعهم بالإسلام وأن نعتصم بحبله ~~جميعا ولا نتفرق ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وذكر أنه تبيض وجوه وتسود وجوه قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة ~~والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وذكر أنه يقال لهم: {أكفرتم بعد ~~إيمانكم} وهذا عائد إلى قوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} فأمر بملازمة ~~الإسلام وبين أن المسودة وجوههم أهل التفرق والاختلاف يقال لهم: أكفرتم بعد ~~إيمانكم؟ وهذا دليل على كفرهم وارتدادهم وقد تأولها الصحابة في الخوارج. ~~وهذا نظير قوله للرسل: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقد قال في ~~البقرة: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} الآية وقال أيضا: {إن ~~الذين فرقوا ms5835 دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال تعالى: {فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما # PageV19P115 # لديهم فرحون} وقال تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من ~~المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} وقال ~~تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} الآية {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة} الآية. ونظيرها في الجاثية. وقال الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} وقال تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم} # فصل: # إذا كان الله تعالى قد أمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر منا ~~وأمرنا عند التنازع في شيء أن نرده إلى الله وإلى الرسول وأمرنا بالاجتماع ~~والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف وأمرنا # PageV19P116 # أن نستغفر لمن سبقنا بالإيمان وسمانا المسلمين وأمرنا أن ندوم عليه إلى ~~الممات. فهذه النصوص وما كان في معناها توجب علينا الاجتماع في الدين ~~كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين وولاة الأمور فينا هم خلفاء الرسول قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إن بني إسرائيل كانت تسوسهم ~~الأنبياء كلما هلك نبي قام نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ويكثرون ~~قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أوفوا بيعة الأول فالأول وأدوا لهم ~~الذي لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم} وقال أيضا: {العلماء ورثة ~~الأنبياء} وروي عنه أنه قال: {وددت أني قد رأيت خلفائي قالوا: ومن خلفاؤك؟ ~~قال: الذين يحيون سنتي يعلمونها الناس} فهؤلاء هم ولاة الأمر بعده وهم ~~الأمراء والعلماء وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الأئمة كالإمام أحمد ~~وغيره وهو ظاهر قد قررناه في غير هذا الموضع. فالأصول الثابتة بالكتاب ms5836 ~~والسنة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها ~~ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام المحض وهم أهل السنة والجماعة. وما تنوعوا ~~فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء قال ~~الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال تعالى: {قد # PageV19P117 # جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} ~~وقال: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} والتنوع قد يكون في ~~الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى. فالأول مثل ما يجب على قوم الجهاد وعلى ~~قوم الزكاة وعلى قوم تعليم العلم وهذا يقع في فروض الأعيان وفي فروض ~~الكفايات. ففروض الأعيان مثل ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة والجمعة في ~~مكانه مع أهل بقعته ويجب عليه زكاة نوع ماله بصرفه إلى مستحقه لجيران ماله ~~ويجب عليه استقبال الكعبة من ناحيته والحج إلى بيت الله من طريقه ويجب عليه ~~بر والديه وصلته ذوي رحمه والإحسان إلى جيرانه وأصحابه ومماليكه ورعيته ~~ونحو ذلك من الأمور التي تتنوع فيها أعيان الوجوب وإن اشتركت الأمة في جنس ~~الوجوب وتارة تتنوع بالقدرة والعجز كتنوع صلاة المقيم والمسافر؛ والصحيح ~~والمريض والآمن والخائف. وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان ولها تنوع ~~يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره فقد تتعين في وقت ومكان وعلى ~~شخص أو طائفة وفي وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى كما يقع ~~مثل ذلك في الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك. # PageV19P118 # وأما في الاستحباب فهو أبلغ؛ فإن كل تنوع يقع في الوجوب فإنه يقع مثله في ~~المستحب ويزداد المستحب بأن كل شخص إنما يستحب له من الأعمال التي يتقرب ~~بها إلى الله تعالى التي يقول الله فيها: {وما يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه} ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به والأفضل له من الأعمال ~~ما كان أنفع له وهذا يتنوع تنوعا عظيما فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ~~ليس هو ms5837 الأفضل مطلقا؛ إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل ولا يصبرون عليه إذا ~~قدروا عليه وقد لا ينتفعون به بل قد يتضررون إذا طلبوه مثل من لا يمكنه فهم ~~العلم الدقيق إذا طلب ذلك فإنه قد يفسد عقله ودينه أو من لا يمكنه الصبر ~~على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى أو لا يقدر على دفع فتنة ~~الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه عز وجل {إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته ~~لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك} ~~{وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما سأله الإمارة: يا أبا ذر إني ~~أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال ~~يتيم} . وروي عنه أنه {قال للعباس عمه: نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها} ~~ولهذا إذا قلنا: هذا العمل أفضل فهذا قول مطلق. # PageV19P119 # ثم المفضول يكون أفضل في مكانه ويكون أفضل لمن لا يصلح له الأفضل مثال ~~ذلك أن قراءة القرآن أفضل من الذكر بالنص والإجماع والاعتبار. أما النص ~~فقوله صلى الله عليه وسلم {أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم {فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه} وقوله عن الله: {من ~~شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} وقوله: ~~{ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه} {وقول الأعرابي له إني لا ~~أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني في صلاتي فقال: قل: سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.} وأما الإجماع على ذلك فقد ~~حكاه طائفة ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة. وأما الاعتبار فإن الصلاة تجب ~~فيها القراءة؛ فإن عجز عنها انتقل إلى الذكر ولا يجزيه الذكر مع القدرة ms5838 على ~~القراءة والمبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل. # PageV19P120 # وأيضا فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى كما تشترط للصلاة الطهارتان ~~والذكر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى فعلم أن أعلى أنواع ذكر الله هو ~~الصلاة ثم القراءة ثم الذكر المطلق ثم الذكر في الركوع والسجود أفضل بالنص ~~والإجماع من قراءة القرآن وكذلك كثير من العباد قد ينتفع بالذكر في ~~الابتداء ما لا ينتفع بالقراءة؛ إذ الذكر يعطيه إيمانا والقرآن يعطيه ~~العلم؛ وقد لا يفهمه؛ ويكون إلى الإيمان أحوج منه لكونه قي الابتداء ~~والقرآن مع الفهم لأهل الإيمان أفضل بالاتفاق. فهذا وأمثاله يشبه تنوع ~~شرائع الأنبياء؛ فإنهم متفقون على أن الله أمر كلا منهم بالدين الجامع وأن ~~نعبده بتلك الشرعة والمنهاج كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر ~~كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به إما إيجابا وإما استحبابا وإن ~~تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم ولا أخطأ ~~أحد منهم؛ بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضا. # PageV19P121 # فصل: # وأما ما يشبه ذلك من وجه دون وجه؛ فهو: ما تنازعوا فيه مما أقروا عليه ~~وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك كاجتهاد ~~الصحابة في قطع اللينة وتركها: واجتهادهم في صلاة العصر لما بعثهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني ~~قريظة فصلى قوم في الطريق في الوقت وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت ~~الصلاة. وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم ~~فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين {وقال صلى الله عليه ~~وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} . # وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها؛ على إقرار كل فريق للفريق الآخر ~~على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء ~~والسياسة وغير ذلك وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم ms5839 التشريك وفي ~~العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال: تلك على ~~ما قضينا وهذه على ما نقضي # PageV19P122 # وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل ~~الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم. وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع ~~الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه ~~قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ ~~قطعا ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف والآخر ~~مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه وهل يقال له: مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع. ~~ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم في نفس الأمر. ومذهب أهل السنة ~~والجماعة أنه ### | لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ # فهذا النوع يشبه النوع الأول من وجه دون وجه أما وجه المخالفة فلأن ~~الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الإقرار على الخطأ بخلاف الواحد من ~~العلماء والأمراء؛ فإنه ليس معصوما من ذلك ولهذا يسوغ بل يجب أن نبين الحق ~~الذي يجب اتباعه وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء وأما ~~الأنبياء فلا يبين أحدهما ما يظهر به خطأ الآخر وأما المشابهة فلأن كلا ~~مأمور باتباع ما بان له من الحق بالدليل الشرعي كأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم باتباع ما أوحي إليه # PageV19P123 # وليس لأحدهما أن يوجب على الآخر طاعته كما ليس ذلك لأحد النبيين مع الآخر ~~وقد يظهر له من الدليل ما كان خافيا عليه فيكون انتقاله بالاجتهاد عن ~~الاجتهاد ويشبه النسخ في حق النبي؛ لكن هذا رفع للاعتقاد وذاك رفع للحكم ~~حقيقة وعلى الأتباع اتباع من ولي أمرهم من الأمراء والعلماء فيما ساغ له ~~اتباعه وأمر فيه باتباع اجتهاده كما على الأمة اتباع أي نبي بعث إليهم وإن ~~خالف شرعه شرع الأول لكن تنوع الشرع لهؤلاء وانتقاله لم يكن لتنوع نفس ~~الأمر النازل على الرسول ولكن تنوع أحوالهم وهو: إدراك هذا لما بلغه ms5840 من ~~الوحي سمعا وعقلا وعجز الآخر عن إدراك ذلك البلاغ إما سمعا لعدم تمكنه من ~~سماع ذلك النص وإما عقلا لعدم فهمه لما فهمه الأول من النص وإذا كان عاجزا ~~سقط عنه الإثم فيما عجز عنه وقد يتبين لأحدهما عجز الآخر وخطؤه ويعذره في ~~ذلك وقد لا يتبين له عجزه؛ وقد لا يتبين لكل منهما أيهما الذي أدرك الحق ~~وأصابه؟ ولهذا امتنع من امتنع من تسمية مثل هذا خطأ قال: لأن التكليف مشروط ~~بالقدرة فما عجز عنه من العلم لم يكن حكم الله في حقه فلا يقال: أخطأه. ~~وأما الجمهور فيقولون: أخطأه كما دلت عليه السنة والإجماع لكن خطؤه معذور ~~فيه وهو معنى قوله: عجز عن إدراكه وعلمه لكن # PageV19P124 # هذا لا يمنع أن يكون ذاك هو مراد الله ومأموره؛ فإن عجز الإنسان عن فهم ~~كلام العالم لا يمنع أن يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى وأن يكون الذي فهمه ~~هو المصيب الذي له الأجران. ولهذا تنازع أصحابنا فيمن لم يصب الحكم الباطن: ~~هل يقال: إنه مصيب في الظاهر؛ لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده ~~واقتصاره؟ أو لا يطلق عليه اسم الإصابة بحال وإن كان له أجر على اجتهاده ~~وقصده الحق؟ على قولين هما روايتان عن أحمد وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ~~ولكن قصد الحق وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به؟ التحقيق: أنه اجتهد الاجتهاد ~~المقدور عليه فهو مصيب من هذا الوجه من جهة المأمور المقدور وإن لم يكن ~~مصيبا من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق. يوضح ذلك أن السلطان ~~نوعان: سلطان الحجة والعلم وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطانا حتى روي عن ~~ابن عباس أن كل سلطان في القرآن فهو الحجة. والثاني سلطان القدرة. والعمل ~~الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين فإذا ضعف سلطان الحجة كان الأمر بقدره وإذا ~~ضعف سلطان القدرة كان الأمر بحسبه والأمر مشروط بالقدرة على السلطانين ~~فالإثم ينتفي عن الأمر بالعجز عن كل منهما. وسلطان الله في العلم هو ~~الرسالة وهو حجة الله على ms5841 خلقه كما قال تعالى: # PageV19P125 # {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال تعالى: {إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} وقال: {أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} ونظائره متعددة. فالمذاهب والطرائق ~~والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء إذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون ~~الأهواء ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذي هو عبادة الله وحده لا ~~شريك له واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنة بحسب الإمكان بعد ~~الاجتهاد التام: هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء وهم ~~مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له وهو الدين الأصلي ~~الجامع كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له ويثابون على ~~طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لا من شرعة رسوله ومنهاجه كما يثاب كل نبي ~~على طاعة الله في شرعه ومنهاجه. ويتنوع شرعهم ومناهجهم مثل أن يبلغ أحدهم ~~الأحاديث بألفاظ غير الألفاظ التي بلغت الآخر وتفسر له بعض آيات القرآن ~~بتفسير يخالف لفظه لفظ التفسير الآخر ويتصرف في الجمع بين النصوص واستخراج ~~الأحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع # PageV19P126 # الذي سلكه غيره وكذلك في عباداته وتوجهاته وقد يتمسك هذا بآية أو حديث ~~وهذا بحديث أو آية أخرى. وكذلك في العلم. من العلماء من يسلك بالاتباع ~~طريقة ذلك العالم فتكون هي شرعهم حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته فيرجح ~~الراجح منهما فتتنوع في حقهم الأقوال والأفعال السالفة لهم من هذا الوجه ~~وهم مأمورون بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه كما أمرت الرسل بذلك ~~ومأمورون بأن لا يفرقوا بين الأمة بل هي أمة واحدة كما أمرت الرسل بذلك ~~وهؤلاء آكد؛ فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد. وأما القدر ~~الذي تنازعوا فيه فلا يقال: إن الله أمر كلا منهم باطنا وظاهرا بالتمسك بها ~~هو عليه كما أمر بذلك الأنبياء وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام فإنما ~~يقال: إن الله أمر كلا ms5842 منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه فإن أصابه وإلا ~~فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقد قال المؤمنون: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا} وقال الله: قد فعلت وقال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ~~به} فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى ومن أراد أن ~~يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من ~~الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى # PageV19P127 # من الله ومن فعل ما أمر به بحسب حاله: من اجتهاد يقدر عليه أو تقليد إذا ~~لم يقدر على الاجتهاد؛ وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد. إذ الأمر ~~مشروط بالقدرة {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فعلى المسلم في كل موطن أن ~~يسلم وجهه لله وهو محسن ويدوم على هذا الإسلام فإسلام وجهه إخلاصه لله ~~وإحسان فعله الحسن. فتدبر هذا فإنه أصل جامع نافع عظيم. # PageV19P128 # وقال شيخ الإسلام: # هذه " قاعدة عظيمة جامعة متشعبة " وللناس في تفاصيلها اضطراب عظيم حتى إن ~~منهم من صار في طرفي نقيض في كل نوعي الأحكام العلمية والأحكام العينية ~~النظرية وذلك أن كل واحد من العلوم والاعتقادات والأحكام والكلمات بل ~~والمحبة والإرادات: إما أن يكون تابعا لمتعلقه مطابقا له؛ وإما أن يكون ~~متبوعه تابعا له مطابقا له. ولهذا انقسم الحق والحقائق والكلمات إلى موجود؛ ~~ومقصود. إلى كوني؛ وديني. إلى قدري وشرعي. كما قد بينته في غير هذا الموضع ~~وقد تنازع النظار في العلم: هل هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه؟ بل هو ~~انفعالي كما يقوله كثير من أهل الكلام؟ أو المعلوم تابع له والعلم مؤثر فيه ~~وهو فعلي كما يقوله كثير من أهل الفلسفة؟ . والصواب أن العلم نوعان: أحدهما ~~تابع والثاني متبوع. والوصفان يجتمعان في العلم غالبا أو دائما فعلمنا بما ~~لا يفتقر إلى علمنا كعلمنا بوجود السموات والأرض وكذلك علمنا بالله وأسمائه ~~وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والنبيين وغير ذلك: # PageV19P129 # علم تابع انفعالي. وعلمنا بما يقف على علمنا مثل ما نريده من ms5843 أفعالنا علم ~~فعلي متبوع وهو سبب لوجود المعلوم. وكذلك علم الله بنفسه المقدسة تابع غير ~~مؤثر فيها وأما علمه بمخلوقاته فهو متبوع وبه خلق الله الخلق كما قال ~~تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} فإن الإرادة مستلزمة للعلم في ~~كل مريد كما أن هذه الصفات مستلزمة للحياة فلا إرادة إلا بعلم ولا إرادة ~~وعلم إلا بحياة وقد يجوز أن يقال: كله علم فهو تابع للمعلوم مطابق سواء كان ~~سببا في وجود المعلوم أو لم يكن فيكون إطلاق المتكلمين أحسن وأصوب من إطلاق ~~المتفلسفة: أن كل علم فهو فعلي متبوع. وما أظن العقلاء من الفريقين إلا ~~يقصدون معنى صحيحا وهو أن يشيروا إلى ما تصوروه فينظر هؤلاء في أن العلم ~~تابع لمعلومه مطابق له ويشير هؤلاء إلى ما في حسن العلم في الجملة من أنه ~~قد يؤثر في المعلوم وغيره ويكون سببا له وأن وجود الكائنات كان بعلم الله ~~وعلم الإنسان بما هو حق أو باطل؛ وهدى أو ضلال ورشاد أو غي؛ وصدق أو كذب؛ ~~وصلاح أو فساد من اعتقاداته وإراداته وأقواله وأعماله ونحو ذلك يجتمع فيه ~~الوصفان بل غالب العلم أو كله يجتمع فيه الأمران. ولهذا كان الإيمان قولا ~~وعملا قول القلب وعمله وقول الجسد # PageV19P130 # وعمله فإنه من عرف الله أحبه فعلمه بالله تابع للمعلوم ومتبوع لحبه لله ~~ومن عرف الشيطان أبغضه فمعرفته به تابعة للمعلوم ومتبوعة لبغضه وكذلك عامة ~~العلم لا بد أن يتبعه أثر ما في العالم من حب أو غيره حتى علم الرب سبحانه ~~بنفسه المقدسة يتبعه صفات وكلمات وأفعال متعلقة بنفسه المقدسة فما من علم ~~إلا ويتبعه حال ما وعمل ما فيكون متبوعا مؤثرا فاعلا بهذا الاعتبار وما من ~~علم إلا وهو مطابق لمعلومه موافق له سواء كان المعلوم مستغنيا عنه أو كان ~~وجود المعلوم بوجوده فيكون تابعا منفعلا مطابقا بهذا الاعتبار لكن كل علم ~~وإن كان له تأثير فلا يجب أن يكون تأثيره في معلومه فإن من آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم ms5844 الآخر فأحب الله وملائكته وأنبياءه والجنة ~~وأبغض النار لم يكن علمه بذلك مؤثرا في المعلوم وإنما أثر في محبة المعلوم ~~وإرادته أو في بغضه وكراهته لذلك. وإن كان كل علم فإنه مطابق للمعلوم لكن ~~قد يكون ثبوت المعلوم في ذهن العالم وتصوره قبل وجوده في الخارج كتصور ~~الإنسان لأقواله وأعماله وقد يكون وجوده في الخارج قبل تصور الإنسان له ~~وعلمه أو بدون تصور الإنسان له فلهذا التفريق حصل التقسيم الذي قدمناه من ~~أنه ينقسم إلى مؤثر في المعلوم وغير مؤثر فيه وإلى تابع للمعلوم وغير تابع ~~له وإن كان كل علم فإن له أثرا في نفس العالم وإن كان # PageV19P131 # كل علم فإنه تابع تبع المطابقة والموافقة وإن لم يكن بعضه تابعا تبع ~~التأخر والتأثر والافتقار والتعلل. فهذه مقدمة جامعة نافعة جدا في أمور ~~كثيرة. إذا تبين هذا في جنس العلم ظهر ذلك في الاعتقاد والرأي والظن ونحو ~~ذلك الذي قد يكون علما وقد لا يكون علما بل يكون اعتقادا صحيحا أو غير صحيح ~~أو ظنا صحيحا أو غير صحيح أو غير ذلك من أنواع الشعور والإحساس والإدراك ~~فإن هذا الجنس هو الأصل في الحركات والأفعال الروحانية والجسمانية ما كان ~~من جنس الحب والبغض وغير ذلك وما كان من جنس القيام والقعود وغير ذلك فإن ~~جميع ذلك تابع للشعور مفتقر إليه مسبوق به والعلم أصل العمل مطلقا وإن كان ~~قد يكون فرعا لعلوم غير العمل كما تقدم. فالاعتقاد تارة يكون فرعا للمعتقد ~~تابعا له كاعتقاد الأمور الخارجة عن كسب العبد كاعتقاد المؤمنين والكفار في ~~الله تعالى وفي اليوم الآخر. وقد يكون أصلا للمعتقد متبوعا له؛ كاعتقاد ~~المعتقد وظنه أن هذا العمل يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة إما في الدنيا ~~وإما في الآخرة مثل اعتقاده أن أكل هذا الطعام يشبعه وأن تناول هذا السم ~~يقتله وأن هذه الرمية تصيب هذا الغرض وهذه الضربة تقطع هذا العنق وهذا ~~البيع والتجارة يورثه ربحا أو خسارة وأن # PageV19P132 # صلاته وزكاته وحجه وبره وصدقه ونحو ms5845 ذلك من الأعمال الصالحة يورثه السعادة ~~في الدنيا والآخرة وأن كفره وفسوقه وعصيانه يورثه الشقاوة في الدنيا ~~والآخرة. وهذا باب واسع تدخل فيه الديانات والسياسات وسائر الأعمال الدينية ~~والدنيوية ويشترك فيه الدين الصحيح والفاسد؛ لكن هذا الاعتقاد العملي لا بد ~~أن يتعلق أيضا بأمور غير العمل فإن اعتقاده أن هذا العمل ينفعه في الدنيا ~~والآخرة أو يضره يتعلق أيضا بصفات ثابتة الأعيان لا يتعلق باعتقاده كما أن ~~الاعتقاد النظري وإن كان معتقده غير العمل فإنه يتبعه عمل كما تقدم أن كلا ~~من الاعتقادين تابع متبوع. والأحكام أيضا من جنس الاعتقادات فإنه أيضا ~~ينقسم قسمين: أحكام عينية تابعة للمحكوم فيه؛ كالحكم بما يستحقه الله تعالى ~~من الحمد والثناء وما يتقدس عنه من الفقر والشركاء. وأحكام عملية يتبعها ~~المحكوم فيه؛ كالحكم بأن هذا العمل حسن أو قبيح؛ صالح أو فاسد خير أو شر ~~نافع أو ضار واجب أو محرم مأمور به أو منهي عنه رشاد أو غي عدل أو ظلم. ~~وكذلك الكلمات فإنها تنقسم إلى خبرية وإنشائية فالكلمات الخبرية # PageV19P133 # تطابق المخبر عنه وتتبعه وهي موافقة للعلم التابع والاعتقاد التابع ~~والحكم التابع. والكلمات الإنشائية مثل الأمر والنهي والإباحة تستتبع ~~المتكلم فيه المأمور به والمنهي عنه والمباح وتكون سببا في وجوده أو عدمه ~~كالعلم المتبوع والاعتقاد المتبوع وهو الحكم العملي. إذا عرف هذان النوعان ~~فمن الناس من يسمي العلم والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع: علم ~~الأصول وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر ونحو ذلك من الأسماء ~~المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات. ويسمي النوع الآخر: علم ~~الفروع؛ وفروع الدين؛ وعلم الفقه والشريعة ونحو ذلك من الأسماء. وهذا ~~اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين. ومن الناس من يجعل أصول ~~الدين اسما لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير؛ سواء كان علميا ~~أو عمليا سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ~~ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية ~~الخبرية من فروعه ms5846 ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك وهذا ~~اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل ~~الكلام. # PageV19P134 # فصل: # إذا تبين هذا؛ فمن الناس من صار في طرفي نقيض فحكي عن بعض السوفسطائية ~~أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات ولم يجعل للأشياء حقائق ~~ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى بل جعل الحق في كل شيء ~~ما اعتقده المعتقد وجعل الحقائق تابعة للعقائد وهذا القول على إطلاقه ~~وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل وإنما هو من جنس ما يحكى أن السوفسطائية ~~أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة وأن لهم مقدما يقال له: ~~سوفسطا كما يذكره فريق من أهل الكلام. وزعم آخرون أن هذا القول لا يعرف أن ~~عاقلا قاله ولا طائفة تسمى بهذا الاسم وإنما هي كلمة معربة من اللغة ~~اليونانية ومعناها: الحكمة المموهة يعنون الكلام الباطل الذي قد يشبه الحق ~~كما قد يتخيله الإنسان لفساد عقله أو مزاجه أو اشتباه الأمر عليه وجعلوا # PageV19P135 # هذا نوعا من الكلام والرأي يعرض للنفوس لا أنه صنف من الآدميين. وبكل حال ~~فمعلوم أن التخيلات الفاسدة كثيرا ما تعرض لبني آدم بل هي كثيرة عليهم وهم ~~يجحدون الحق إما عنادا وإما خطأ في أمور كثيرة وفي أحوال كثيرة وإن كان ~~الجاحد قد يقر بحق آخر أو يقر بذلك الحق في وقت آخر فالجهل والعناد الذي هو ~~السفسطة هو فيهم خاص مقيد لا أنه عام مطلق قد يبتلى به بعضهم مطلقا وإن لم ~~يستمر به الأمر وقد يبتلى به في شيء بعينه على سبيل الدوام وأما ابتلاء ~~الشخص المعين به فقد يكون إما مع فساد العقل المسقط للتكليف وهو الجنون ~~وإما مع صحة العقل المشروط في التكليف فما أعلم شخصا جاهلا بكل شيء معاندا ~~لكل شيء حتى يكون سوفسطائيا. ومما يبين أن هذا لم يقع عند المتكلمة أيضا أن ~~كثيرا من متكلمة أهل الحديث والسنة وغيرهم يقولون: إن العقل المشروط في ~~التكليف نوع من العلوم الضرورية ms5847 كالعلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات ~~وامتناع الممتنعات. واستدلوا على ذلك بأن العاقل لا يخلو من علم شيء من ذلك ~~وهذا قول القاضي أبي بكر وابن الباقلاني وأبي الطيب الطبري والقاضي أبي ~~يعلى؛ وابن عقيل وغيرهم فمن كان هذا # PageV19P136 # قوله لم يصح أن يحكى عن عاقل أنه أنكر العلوم جميعها إلا على سبيل العناد ~~ومعلوم أن العناد لا يكون إلا لغرض وليس لأحد غرض أن يعاند في كل شيء ~~ويجحده على سبيل الدوام. ومن الناس بإزاء هؤلاء من قد يتوهم أنه لا تأثير ~~للعقائد في المعتقدات ولا تختلف الأحكام باختلاف العقائد بل يتخيل أنه إذا ~~اعتقد وجوب فعل أو تحريمه كان من خرج عن اعتقاده مبطلا مرتكبا للمحرم أو ~~تاركا للواجب وأنه يستحق من الذم والعقاب ما يستحقه جنس من ترك الواجب أو ~~فعل المحرم وإذا عورض بأنه متأول أو مجتهد لم يلتفت إلى هذا وقال هو ضال ~~مخطئ مستحق للعقاب وهذا أيضا على إطلاقه وعمومه لا يعتقده صحيح العقل ~~والدين ما أعلم قائلا به على الإطلاق والعموم كالطرف الأول وإنما أعلم ~~أقواما وطوائف يبتلون ببعض ذلك ولوازمه في بعض الأشياء فإن من غالب من يقول ~~بعصمة الأنبياء والأئمة الاثني عشر عن الخطأ في الأقوال والأعمال من قديري ~~أنه لو أخطأ الإمام في فعل لكان ذلك عيبا وذما وبين هذين الطرفين ~~المتباعدين أطراف أيضا نشأ عنها اختلاف الناس في تصويب المجتهدين وتخطئتهم ~~في الأصول والفروع كما سننبه عليه إن شاء الله. # PageV19P137 # فصل: # والمتحقق أن الأحكام والأقوال والاعتقادات كما تقدم نوعان: عيني وعملي ~~تابع للمعتقد؛ ومتبوع للمعتقد فرع للمعتقد؛ وأصل له فأما الأولى وهو العيني ~~التابع للمعتقد المتفرع عليه فهذا لا تؤثر فيه الاعتقادات ولا يختلف ~~باختلافها فإن حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء اعتقدها الناس أو لم ~~يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها أو اختلفت وإذ اختلف الناس فيها على ~~قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا بمعنى أن قوله مطابق للمعتقد موافق ~~له لا يقول ذلك عاقل كما تقدم. ومن حكى ms5848 عن أحد من علماء المسلمين - سواء ~~كان عبيد الله بن الحسن العنبري؛ أو غيره - أنه قال: كل مجتهد في الأصول ~~مصيب؛ بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان؛ فقد حكي عنه الباطل ~~بحسب توهمه؛ وإذا رد هذا القول وأبطله فقد أحسن في رده وإبطاله وإن كان هذا ~~القول المردود لا قائل به. ولكن المنازعات والمخالفات في هذا الجنس تشتمل ~~على أقسام وذلك أن التنازع إما أن يكون في اللفظ فقط أو في المعنى فقط أو ~~في كل منهما؛ أو في مجموعهما. # PageV19P138 # فإن كان في المعنى مع اللفظ أو بدونه؛ فلا يخلو إما أن يتناقض المعنيان ~~أو يمكن الجمع بينهما فإن كان النزاع في المعنيين المتناقضين فأحد القولين ~~صواب والآخر خطأ وأما بقية الأقسام فيمكن فيها أن يكون القولان صوابا ويمكن ~~أن يكون الجميع خطأ ويمكن أن يكون كل منهما أو أحدهما صوابا من وجه خطأ من ~~وجه وحيث كان القولان خطأ وقد لا يكون وإذا لم يكن كفرا فقد يكون فسوقا وقد ~~لا يكون. فمن قال: إن المتنازعين كل منهما صواب بمعنى الإصابة في بعض ~~الأقسام المتقدمة أو بمعنى أنه لا يعاقب على ذلك فهذا ممكن وأما تصويب ~~المتناقضين فمحال. فإنه كثيرا ما يكون النزاع في المعنى نزاع تنوع لا نزاع ~~تضاد وتناقض فيثبت أحدهما شيئا وينفي الآخر شيئا آخر ثم قد لا يشتركان في ~~لفظ ما نفاه أحدهما وأثبته الآخر وقد يشتركان في اللفظ فيكون التناقض ~~والاختلاف في اللفظ وأما المعنى فلا يختلفان فيه ولا يتناقضان. ثم قد ~~يكونان متفقين عليه يقوله كل منهما وقد يكون أحدهما قاله أو يقوله والآخر ~~لا يتعرض له بإثبات ولا نفي وقد يكون النزاع اللفظي مع اتحاد المعنى لا ~~تنوعه وكثير من تنازع الأمة في دينهم هو من هذا الباب في الأصول والفروع ~~والقرآن والحديث وغير ذلك. مثال التنوع الذي ليس فيه نزاع لفظي أن يقول ~~أحدهما: الصراط # PageV19P139 # المستقيم هو الإسلام. ويقول الآخر: هو السنة والجماعة. ويقول الآخر: هو ~~القرآن. ويقول الآخر: هو طريق ms5849 العبودية. فإن هذا تنوع في الأسماء والصفات ~~التي يبين بها الصراط المستقيم بمنزلة أسماء الله وأسماء رسوله وكتابه وليس ~~بينها تضاد لا في اللفظ ولا في المعنى. وكذلك إذا قال بعضهم في السابق ~~والمقتصد والظالم أقوالا يذكر فيها كل قوم نوعا من المسلمين ويكون الاسم ~~متناولا للجميع من غير منافاة. ومثال التنوع الذي فيه نزاع لفظي لأجل ~~اشتراك اللفظ - كما قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء - ~~تنازع قوم في أن محمدا رأى ربه في الدنيا أو في الآخرة؟ فقال قوم: رآه في ~~الدنيا لأنه رآه قبل الموت وقال آخرون: بل في الآخرة لأنه رآه وهو فوق ~~السموات ولم يره وهو في الأرض. والتحقيق أن لفظ الآخرة يراد به الحياة ~~الدنيا والحياة الآخرة ويراد به الدار الدنيا والدار الآخرة؛ ومحمد رأى ربه ~~في الحياة الدنيا في الدار الآخرة. وكذلك كثير ممن يتنازعون في أن الله في ~~السماء أو ليس في السماء فالمثبتة تطلق القول بأن الله في السماء كما جاءت ~~به النصوص ودلت عليه بمعنى أنه فوق السموات على عرشه بائن من خلقه وآخرون ~~ينفون # PageV19P140 # القول بأن الله في السماء ومقصودهم أن السماء لا تحويه ولا تحصره ولا ~~تحمله ولا تقله ولا ريب أن هذا المعنى صحيح أيضا فإن الله لا تحصره ~~مخلوقاته بل وسع كرسيه السموات والأرض؛ والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض ~~فلاة وكذلك ليس هو مفتقرا إلى غيره محتاجا إليه بل هو الغني عن خلقه الحي ~~القيوم الصمد فليس بين المعنيين تضاد ولكن هؤلاء أخطئوا في نفي اللفظ الذي ~~جاء به الكتاب والسنة وفي توهم أن إطلاقه دال على معنى فاسد. وقد يعذر ~~بعضهم إذا رأى من أطلق هذا اللفظ وأراد به أن السماء تقله أو تظله وإذا ~~أخطأ من عنى هذا المعنى فقد أصاب وأما الأول فقد أصاب في اللفظ لإطلاقه ما ~~جاء به النص وفي المعنى الذي تقدم لأنه المعنى الحق الذي دل عليه النص لكن ~~قد يخطئ بعضهم في تكفير من يطلق اللفظ ms5850 الثاني إذا كان مقصوده المعنى الصحيح ~~فإن من عنى المعنى الصحيح لم يكفر بإطلاق لفظ وإن كان مسيئا أو فاعلا أمرا ~~محرما وأما من فسر قوله: إنه ليس في السماء بمعنى أنه ليس فوق العرش وإنما ~~فوق السموات عدم محض فهؤلاء هم الجهمية الضلال المخالفون لإجماع الأنبياء ~~ولفطرة العقلاء. # PageV19P141 # فصل: # ونحن نذكر من ذلك أصولا: أحدها: تأثير الاعتقادات في رفع العذاب والحدود ~~فنقول: إن الأحكام الشرعية التي نصبت عليها أدلة قطعية معلومة مثل الكتاب ~~والسنة المتواترة والإجماع الظاهر؛ كوجوب الصلاة والزكاة والحج والصيام ~~وتحريم الزنا والخمر والربا: إذا بلغت هذه الأدلة للمكلف بلاغا يمكنه من ~~اتباعها فخالفها تفريطا في جنب الله وتعديا لحدود الله: فلا ريب أنه مخطئ ~~آثم وأن هذا الفعل سبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة فإن الله أقام حجته ~~على خلقه بالرسل الذين بعثهم إليهم مبشرين ومنذرين {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} قال تعالى عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله ~~من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم # PageV19P142 # لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} . وأما إذا ~~كان في الفعل والحادثة والمسألة العملية نص لا يتمكن المكلف من معرفته ~~ومعرفة دلالته؛ مثل أن يكون الحديث النبوي الوارد فيها عند شخص لم يعلم به ~~المجتهد ولم يشعر بما يدله عليه؛ أو تكون دلالته خفية لا يقدر المجتهد على ~~فهمها؛ أو لم يكن فيها نص بحال فهذا مورد نزاع؛ فذهب فريق من أهل الكلام ~~مثل أبي علي وأبي هاشم والقاضي أبي بكر والغزالي إلى قول مبتدع يشبه في ~~المجتهدات قول الزنادقة الإباحية في المنصوصات وهو أنه ليس لهذه الحادثة ~~حكم عند الله في نفس الأمر وإنما حكمه في حق كل مكلف ms5851 يتبع اجتهاده واعتقاده ~~فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه ومن اعتقد تحريمه فهو حرام عليه وبنوا ~~ذلك على مقدمتين: إحداهما: أن الحكم إنما يكون بالخطاب فما لا خطاب فيه لا ~~حكم لله فيه فإذا لم يكن للعقل فيه حكم إما لعدم الحكم العقلي مطلقا أو في ~~هذه الصورة علم أنه لا حكم فيه يكون من أصابه مصيبا ومن أخطأه مخطئا. ~~الثاني: أنه قد علم أن من اعتقد وجوب شيء فعليه فعله ومن # PageV19P143 # اعتقد تحريمه فعليه اجتنابه فالحكم فيه يتبع الاعتقاد. قالوا: والأحكام ~~الشرعية تختلف باختلاف أحوال المكلفين في اجتهاداتهم وغير اجتهاداتهم بدليل ~~اتفاق الفقهاء وأهل السنة على أن الاجتهاد والاعتقاد يؤثر في رفع الإثم ~~والعقاب كما جاءت به النصوص وأن الوجوب والتحريم يختلف بالإقامة والسفر ~~والطهارة والحيض والعجز والقدرة وغير ذلك فيجوز أن تختلف الأحكام باختلاف ~~الاعتقادات ويكون الحكم في حق المجتهد عند عدم النص ما اعتقده. هذا ملخص ~~قولهم. وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى إنكار ~~هذا القول وأنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف بل هو مخالف للعقل الصريح ~~حتى قال أبو إسحاق الإسفراييني وغيره هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة ~~يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه. فمن قال: إن ~~الإيجاب والتحريم يتبع الاعتقادات فقد سفسط في الأحكام العملية وإن لم يكن ~~مسفسطا في الأحكام العينية وقد قدمنا أنه لم تجر العادة بأن عاقلا يسفسط في ~~كل شيء لا خطأ ولا عمدا لا ضلالا ولا عنادا لا جهلا ولا تجاهلا وأما كون ~~آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه ~~الأحكام ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء # PageV19P144 # أن يحرم وتستوي الاعتقادات والأفعال وهذا كفر وزندقة. وجماع الكلام على ~~هؤلاء في مقامين: أحدهما: امتناع هذا القول في نفسه واستحالته وذلك معلوم ~~بالعقل. والثاني: أنه لو كان جائزا في العقل لكن لم يرد به الشرع بل هو ~~مخالف له وتعرف مخالفته للنص والإجماع. أما الأول فمن وجوه: أحدها: أنه قد ms5852 ~~تقدم أن كل علم واعتقاد وحكم لا بد له من معلوم معتقد محكوم به يكون ~~الاعتقاد مطابقا له موافقا سواء كان للاعتقاد تأثير في وجوده أو لم يكن فإن ~~الاعتقادات العملية المؤثرة في المعتقد مثل: اعتقاد أن أكل هذا الخبز يشبع ~~واعتقاد أن أكل هذا السم يقتل؛ وإن كان هذا الاعتقاد يؤثر في وجود الأكل ~~مثلا فلا بد له من معتقد ثابت بدونه وهو كون أكل ذلك الخبز موصوفا بتلك ~~الصفة والأكل فإن كان معدوما قبل وجوده فإن محله وهو الخبز والأكل موجودان ~~فإن لم يكن الخبز متصفا بالإشباع إذا أكل والأكل متصفا بأنه يشبع إذا أكله ~~لم يكن الاعتقاد صحيحا بل # PageV19P145 # فاسدا كما لو اعتقد في شيء أنه رغيف فأكله فإذا هو جص أو جبصين فإن ~~اعتقاده وإن أقدم به على الأكل فإنه لا يشبعه لفساد الاعتقاد وهكذا من ~~اعتقد في شيء أنه ينفعه أو يضره فإن الاعتقاد يدعوه إلى الفعل أو الترك ~~ويبعثه على ذلك فإن كان مطابقا حصلت المنفعة واندفعت المضرة إذا انتفت ~~الموانع وإلا فمجرد الانتفاع بالفعل أو الضرر به لا يوجب حصول المنفعة ~~والمضرة وإنما هذا قول بعض جهال الكفار: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ~~فيجعلون الانتفاع بالشيء تبعا لظن المنفعة فيه. وقد اعتقد المشركون ~~الانتفاع بالأصنام التي قال الله فيها: {يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه} فإذا ~~اعتقد المعتقد أن هذا الفعل مأمور به أمر استحباب يثيب الله عليه ثواب ~~الفعل المستحب أو أمر إيجاب يعاقب من تركه عقوبة العاصي؛ أو اعتقد أن الله ~~نهى عنه كذلك فهو معتقد إما صفة في ربه فقط من الأمر والنهي وهي صفة إضافية ~~للفعل كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم وإما صفة في ~~الفعل فقط من الحسن والقبح والأمر والنهي كاشفة لذلك؛ كما يقوله طائفة من ~~المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم؛ وإما ثبوت الصفتين جميعا للأمر ~~والمأمور به؛ كما عليه جمهور الفقهاء. وهو إنما يعتقد وجود تلك الصفة التي ~~هي الحكم الشرعي لاعتقاده ms5853 أنها ثابتة في # PageV19P146 # نفسها موجودة بدون اعتقاده لا أنه يطلب باعتقاده أن يثبت للأمر والفعل ~~صفة لم تكن له قبل ذلك؛ إذ ليس لأحد من المجتهدين غرض في أن يثبت للأفعال ~~أحكاما باعتقاده ولا أن يشرع دينا لم يأذن به الله. وإنما مطلوبه أن يعتقد ~~حكم الله ودينه ولا له مقصود أن يجيء إلى الأفعال المتساوية في ذواتها وفي ~~أمر الله فيعتقد في أحدها الوجوب على نفسه وفي الآخر التحريم من غير سبب ~~تختص به الأفعال. فهذا موضع ينبغي تدبره. فإن المؤمن الطالب لحكم الله إذا ~~علم أن تلك الأفعال عند الله سواء لم يميز بعضها عن بعض بأمر ولا نهي وهي ~~في أنفسها سواء لم يميز بعضها عن بعض بحسن ولا سوء ولا مصلحة ولا مفسدة فإن ~~هذا الاعتقاد منه موجب لاستوائها وتماثلها فاعتقاده بعد هذا أن هذا واجب ~~يذم تاركه وهذا حرام يعاقب فاعله تناقض في العقل وسفسطة وكفر في الدين ~~وزندقة. أما الأول فلأن اعتقاد التساوي والتماثل ينافي اعتقاد الرجحان ~~والتفضيل فضلا عن وجوب هذا وتحريم هذا فكيف يجمع العاقل بين الاعتقادين ~~المتناقضين؟ إلا أن يكون أخرق كافرا فيقول: أنا أوجب هذا وأحرم هذا بلا أمر ~~من الله ولا مرجح لأحدهما من جهة العقل فإذا فعل هذا كان شارعا من الدين ~~لما لم يأذن به الله وهو مع هذا دين معلوم الفساد بالعقل حيث جعل الأفعال ~~المستوية # PageV19P147 # بعضها واجب وبعضها محرم بلا سبب يوجب التخصيص إلا محض التحكم الذي لا ~~يفعله حيوان أصلا لا عاقل ولا مجنون إذ لو فرض اختصاص أحد الفعلين لشهوة أو ~~لذة أمكن أن يقال: تلك جهة توجب الترجيح وهي جهة حسن عند من يقول بالتحسين ~~العقلي فيجب لذلك والغرض انتفاء ذلك جميعه وإذا انتفى ذلك كله علم أن ~~اعتقاد حسن الفعل وقبحه ووجوبه وتحريمه يتبع أمرا ثابتا في نفسه يكون ~~مطابقا له أو غير مطابق. وإذا كان كذلك فالاعتقاد المطابق صواب والاعتقاد ~~المخالف ليس بصواب لا أن الحكم يتبع الاعتقاد من كل ms5854 وجه. الثاني: أن الطالب ~~المستدل بالدليل ليستبين له الأحكام هو يطلب العلم بمدلول الدليل؛ فإن لم ~~يكن للدليل مدلول وإنما مدلول الدليل يحصل عقب التأمل لم يكن مطلوبه العلم ~~بالمدلول وإنما مطلوبه وجود المدلول وليس هذا شأن الأدلة التي تبين ~~المدلولات وإنما هو شأن الأسباب والعلل توجد المسببات وفرق كثير بين الدليل ~~المقتضي للعلم القائم بالقلب وبين العلم المقتضي للوجود القائم في الخارج ~~فإن مقتضى الأول الاعتقاد الذهني ومقتضى الثاني الوجود الخارجي وأحد ~~النوعين مباين للآخر. # PageV19P148 # فصل: # وأما الأحكام والاعتقادات والأقوال العملية التي يتبعها المحكوم فهي ~~الأمر والنهي والتحسين والتقبيح واعتقاد الوجوب والتحريم ويسميها كثير من ~~المتفقهة والمتكلمة الأحكام الشرعية وتسمى الفروع والفقه ونحو ذلك. وهذه ~~تكون في جميع الملل والأديان وتكون في الأمور الدنيوية من السياسات ~~والصناعات والمعاملات وغير ذلك وهي التي قصدنا الكلام عليها في هذه القاعدة ~~حيث قلنا: إن الاعتقادات قد تؤثر في الأحكام الشرعية فهذه أيضا الناس فيها ~~طرفان ووسط: # الطرف الأول: طرف الزنادقة الإباحية الكافرة بالشرائع والوعيد والعقاب في ~~الدار الآخرة الذين يرون أن هذه الأحكام تتبع الاعتقاد مطلقا والاعتقاد هو ~~المؤثر فيها فلا يكون الشيء واجبا إلا عند من اعتقد تحريمه (*) ويرون أن ~~الوعيد الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم بما اعتقدوه من الأمر والنهي ~~والإيجاب والتحريم وما اعتقدوه من أنهم إذا فعلوا المحرمات وتركوا الواجبات ~~عذبوا وعوقبوا فيبقى في PageV19P149 # نفوسهم خوف وتألم وتوهم للعذاب وتخيل له فيزعمون أن هذا الألم الناشئ عن ~~هذا الاعتقاد والتخيل هو عقابهم وعذابهم وذاك ناشئ عما اعتقدوه كمن اعتقد ~~أن هنا أسدا أو لصا أو قاطع طريق من غير أن يكون له وجود فيتألم ويتضرر ~~بخوفه من هذا المحذور الذي اعتقده. فاجتمع اعتقاد غير مطابق ومعتقد يؤلم ~~وجوده فتألمت النفس بهذا الاعتقاد والتخيل. وقد يقول حذاق هؤلاء من ~~الإسماعيلية والقرامطة وقوم يتصوفون أو يتكلمون وهم غالية المرجئة: إن ~~الوعيد الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت ~~عنه من غير أن يكون له حقيقة ms5855 بمنزلة ما يخوف العقلاء الصبيان والبله بما لا ~~حقيقة له لتأديبهم وبمنزلة مخادعة المحارب لعدوه إذا أوهمه أمرا يخافه ~~لينزجر عنه أو ليتمكن هو من عدوه وغير ذلك. وهؤلاء هم الكفار برسل الله ~~وكتبه واليوم الآخر المنكرون لأمره ونهيه ووعده ووعيده وما ضربه الله في ~~القرآن من الأمثال وقصه من أخبار الأمم المكذبة للرسل فهو متناول لهؤلاء ~~ويكفي ما عاقب الله به أهل الكفر والفسوق والعصيان في الدنيا من أنواع ~~المثلات؛ فإنه أمر محسوس مشاهد لا يمكن دفعه وما من أحد إلا قد سمع من ذلك ~~أنواعا أو رأى بعضه. وأهل الأرض متفقون على أن الصادق البار العادل ليس ~~حاله كحال # PageV19P150 # الكاذب الفاجر الظالم بل يرون من ثواب الحسنات وعقوبة السيئات ما فيه ~~عبرة ومزدجر كما كانوا عليه في الجاهلية قبل الرسل فلما جاءت الرسالة بوعيد ~~الآخرة بين ذلك ما كان الناس عنه غافلين. # الطرف الثاني ### | : طرف الغالية المتشددين # الذين لا يرون للاعتقاد أثرا في الأفعال بل يقول غاليتهم كقوم من متكلمة ~~المعتزلة: إن لله حكما في كل فعل من أخطأه كان آثما معاقبا فيرون المسلم ~~العالم المجتهد متى خفي عليه دليل شرعي وقد اجتهد واستفرغ وسعه في طلب حكم ~~الله أنه آثم معاقب على خطئه فهذا قولهم في الاجتهاد والاعتقاد ثم إذا ترك ~~واجبا أو فعل محرما قالوا بنفوذ الوعيد فيه فيوجبون تخليد فساق أهل الملة ~~في النار وهذا قول جمهور المعتزلة والخوارج ولكن الخوارج يكفرون بالذنب ~~الكبير أو الصغير عند بعضهم. وأما المعتزلة فيقولون: هو في منزلة بين ~~منزلتين لا مؤمن ولا كافر. # وأما ### | الأمة الوسط # فعلى أن الاعتقاد قد يؤثر في الأحكام وقد لا يؤثر بحسب الأدلة والأسباب ~~كما أن ذلك هو الواقع في الأمور الطبيعية فالأغذية والأدوية قد يختلف حكمها ~~بحسب اعتقاد الطبيب والمتداوي وقد لا يختلف وقد يعتقد الإنسان في الشيء صفة ~~نافعة أو ضارة فينتفع به أو يتضرر وإن لم يكن كذلك وقد يعتقد ذلك # PageV19P151 # فلا يؤثر فلو اعتقد في الخبز واللحم أنه غير ms5856 مشبع لم يؤثر ذلك بل هو مشبع ~~ولو اعتقد ضد ذلك. ### | فصل: # مذاهب الأئمة تؤخذ من أقوالهم. # وأما أفعالهم فقد اختلف أصحابنا في فعل الإمام أحمد: هل يؤخذ منه مذهبه؟ ~~على وجهين: أحدهما: لا. لجواز الذنب عليه؛ أو أن يعمل بخلاف معتقده أو يكون ~~عمله سهوا أو عادة أو تقليدا؛ أو لسبب ما غير الاعتقاد الذي يفتى به فإن ~~عمل المرء بعلمه في كل حادثة وألا يعمل إلا بعلم يفتى به في كل حادثة يفتقر ~~إلى أن يكون له في ذلك رأي وأن يذكره وأن يكون مريدا له من غير صارف؛ إذ ~~الفعل مع القدرة يقف على الداعي والداعي هو الشعور وميل القلب. والثاني: بل ~~يؤخذ منه مذهبه؛ لما عرف من تقوى أبي عبد الله وورعه وزهده فإنه كان من ~~أبعد الناس عن تعمد الذنب وإن لم ندع فيه العصمة لكن الظاهر والغالب أن ~~عمله موافق لعلمه فيكون الظاهر فيما عمله أنه مذهبه. وهكذا القول فيمن يغلب ~~عليه التقوى # PageV19P152 # والورع وبعضهم أشد من بعض فكل ما كان الرجل أتقى لله وأخشى له كان ذلك ~~أقوى فيه. وأبو عبد الله من أتقى الأمة وأعظمهم زهدا وورعا بل هو في ذلك ~~سابق ومقدم كما تشهد به سيرته وسيرة غيره المعروفة عند الخاص والعام. وكذلك ~~أصحاب الشافعي لما رأوا نصه أنه لا يجوز بيع الباقلاء الخضراء ثم إنه ~~اشتراها في مرضه فاختلف أصحابه: هل يخرج له في ذلك مذهب؟ على وجهين وقد ~~ذكروا مثل هذا في إقامة جمعتين في مكان واحد لما دخل بغداد فإذا قلنا: هو ~~مذهب الإمام أحمد فهل يقال فيما فعله: إنه كان أفضل عنده من غيره؟ هذا أضعف ~~من الأول فإن فعله يدل على جوازه فيما ليس من تعبداته وإذا كان متعبدا به ~~دل على أنه مستحب عنده أو واجب. أما كونه أفضل من غيره عنده فيفتقر إلى ~~دليل منفصل وكثيرا ما يعدل الرجل عن الأفضل إلى الفاضل لما في الأفضل من ~~الموانع وما يفتقر إليه من الشروط؛ أو ms5857 لعدم الباعث وإذا كان فعله جائزا أو ~~مستحبا أو أفضل فإنه لا عموم له في جميع الصور بل لا يتعدى حكمه إلا إلى ما ~~هو مثله فإن هذا شأن جميع الأفعال لا عموم لها حتى فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا عموم له. ثم يقال: فعل الأئمة وتركهم ينقسم كما تنقسم أفعال النبي # PageV19P153 # صلى الله عليه وسلم تارة يفعله على وجه العبادة والتدين فيدل على ~~استحبابه عنده وأما رجحانه ففيه نظر. وأما على غير وجه التعبد ففي دلالته ~~الوجهان فعلى هذا ما يذكر عن الأئمة من أنواع التعبدات والتزهدات والتورعات ~~يقف على مقدمات: إحداها: هل يعتقد حسنها بحيث يقوله ويفتي به؛ أو فعله بلا ~~اعتقاد لذلك بل تأسيا بغيره أو ناسيا؟ على الوجهين كالوجهين في المباح. ~~والثانية: هل فيه إرادة لها توافق اعتقاده؟ فكثيرا ما يكون طبع الرجل يخالف ~~اعتقاده. والثالثة: هل يرى ذلك أفضل من غيره؛ أو يفعل المفضول لأغراض أخرى ~~مباحة؟ والأول أرجح. والرابعة: أن ذلك الرجحان هل هو مطلق؛ أو في بعض ~~الأحوال؟ والله أعلم. # PageV19P154 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام العالم تقي الدين أوحد المجتهدين أحمد ابن تيمية - قدس ~~الله روحه ونور ضريحه -: # الحمد لله نحمده ونستعينه؛ ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم تسليما. # فصل: # في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين أصوله وفروعه؛ باطنه ~~وظاهره علمه وعمله فإن هذا الأصل هو أصل # PageV19P155 # أصول العلم والإيمان وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى بالحق ~~علما وعملا ومن كان أبعد عن الحق علما وعملا: كالقرامطة والمتفلسفة الذين ~~يظنون: أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية والكلية وإنما يعرف ~~ذلك بزعمهم من يعرفه من المتفلسفة ويقولون: خاصة النبوة هي التخييل ويجعلون ~~النبوة أفضل من غيرها ms5858 عند الجمهور لا عند أهل المعرفة كما يقول هذا ونحوه ~~الفارابي وأمثاله مثل مبشر ابن فاتك وأمثاله من الإسماعيلية. وآخرون ~~يعترفون بأن الرسول علم الحقائق لكن يقولون: لم يبينها بل خاطب الجمهور ~~بالتخييل فيجعلون التخييل في خطابه لا في علمه كما يقول ذلك ابن سينا ~~وأمثاله. وآخرون يعترفون بأن الرسل علموا الحق وبينوه لكن يقولون: لا يمكن ~~معرفته من كلامهم بل يعرف بطريق آخر: إما المعقول عند طائفة؛ وإما المكاشفة ~~عند طائفة؛ إما قياس فلسفي؛ وإما خيال صوفي. ثم بعد ذلك ينظر في كلام ~~الرسول فما وافق ذلك قبل وما خالفه؛ إما أن يفوض؛ وإما أن يؤول. وهذه طريقة ~~كثير من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة؛ وهي طريقة خيار الباطنية والفلاسفة ~~الذين يعظمون الرسول وينزهونه عن الجهل والكذب لكن يدخلون في التأويل. # PageV19P156 # وأبو حامد الغزالي لما ذكر في كتابه طرق الناس في التأويل؛ وأن الفلاسفة ~~زادوا فيه حتى انحلوا؛ وإن الحق بين جمود الحنابلة وبين انحلال الفلاسفة؛ ~~وأن ذلك لا يعرف من جهة السمع بل تعرف الحق بنور يقذف في قلبك؛ ثم ينظر في ~~السمع: فما وافق ذلك قبلته وإلا فلا. وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار ~~الفلاسفة وهم الذين يعظمون الرسول عن أن يكذب للمصلحة ولكن هؤلاء وقعوا في ~~نظير ما فروا منه نسبوه إلى التلبيس والتعمية وإضلال الخلق بل إلى أن يظهر ~~الباطل ويكتم الحق. وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل ~~هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك ~~التخييل وقال: إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس ~~الأمر ليس كذلك. فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة. وهذا طريق ابن رشد ~~الحفيد وأمثاله من الباطنية فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم ~~إلى التلبيس والإضلال والذين أقروا بأنهم بينوا الحق قالوا: إنهم كذبوا ~~للمصلحة. # وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا # PageV19P157 # الحق وأنهم بينوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق فهم الصادقون ms5859 ~~المصدوقون علموا الحق وبينوه فمن قال: إنهم كذبوا للمصلحة فهو من إخوان ~~المكذبين للرسل لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم ~~يمكنه أن يقول: كذبوا لطلب العلو والفساد بل قال: كذبوا لمصلحة الخلق. كما ~~يحكى عن ابن التومرت وأمثاله. ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر ~~إلا من جهة حسن القصد فإن النبي يقصد الخير والساحر يقصد الشر وإلا فلكل ~~منهما خوارق هي عندهم قوى نفسانية وكلاهما عندهم يكذب؛ لكن الساحر يكذب ~~للعلو والفساد والنبي عندهم يكذب للمصلحة؛ إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم ~~إلا بنوع من الكذب. والذين علموا أن النبوة تناقض الكذب على الله وأن النبي ~~لا يكون إلا صادقا من هؤلاء قالوا: إنهم لم يبينوا الحق ولو أنهم قالوا: ~~سكتوا عن بيانه لكان أقل إلحادا لكن قالوا: إنهم أخبروا بما يظهر منه للناس ~~الباطل ولم يبينوا لهم الحق فعندهم أنهم جمعوا بين شيئين: بين كتمان حق لم ~~يبينوه؛ وبين إظهار ما يدل على الباطل وإن كانوا لم يقصدوا الباطل فجعلوا ~~كلامهم من جنس المعاريض التي يعني بها المتكلم معنى صحيحا لكن لا يفهم ~~المستمع منها إلا الباطل. وإذا قالوا: قصدوا التعريض كان أقل إلحادا ممن ~~قال: إنهم قصدوا الكذب. # PageV19P158 # والتعريض نوع من الكذب؛ إذ كان كذبا في الأفهام؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله} وهي ~~معاريض كقوله عن سارة: إنها أختي؛ إذ كان ليس هناك مؤمن إلا هو وهي. وهؤلاء ~~يقولون: إن كلام إبراهيم وعامة الأنبياء مما أخبروا به عن الغيب كذب من ~~المعاريض. وأما جمهور المتكلمين فلا يقولون بهذا بل يقولون: قصدوا البيان ~~دون التعريض. لكن مع هذا يقول الجهمية ونحوهم: إن بيان الحق ليس في خطابهم ~~بل إنما في خطابهم ما يدل على الباطل. والمتكلمون من الجهمية والمعتزلة ~~والأشعرية ونحوهم ممن سلك في إثبات الصانع طريق الأعراض يقولون: إن الصحابة ~~لم يبينوا أصول الدين بل ولا الرسول: ms5860 إما لشغلهم بالجهاد؛ أو لغير ذلك. وقد ~~بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا أن أصول الدين الحق الذي ~~أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وهي الأدلة والبراهين والآيات الدالة ~~على ذلك: قد بينها الرسول أحسن بيان وأنه دل الناس وهداهم إلى الأدلة ~~العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية وبها يعلمون ~~إثبات ربوبية الله ووحدانيته # PageV19P159 # وصفاته وصدق رسوله والمعاد وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة ~~العقلية بل وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية وإن كان لا يحتاج إليها؛ فإن ~~كثيرا من الأمور تعرف بالخبر الصادق ومع هذا فالرسول بين الأدلة العقلية ~~الدالة عليها؛ فجمع بين الطريقين: السمعي؛ والعقلي. وبينا أن دلالة الكتاب ~~والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر؛ كما تظنه طائفة من الغالطين من ~~أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم بل الكتاب والسنة دلا الخلق ~~وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين وهؤلاء الغالطون ~~الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية صاروا ~~إذا صنفوا في أصول الدين أحزابا: حزب: يقدمون في كتبهم الكلام في النظر ~~والدليل والعلم وأن النظر يوجب العلم وأنه واجب ويتكلمون في جنس النظر وجنس ~~الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل ثم إذا صاروا إلى ما هو ~~الأصل والدليل للذين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام وهو دليل ~~مبتدع في الشرع وباطل في العقل. والحزب الثاني: عرفوا أن هذا الكلام مبتدع ~~وهو مستلزم مخالفة الكتاب والسنة وعنه ينشأ القول بأن القرآن مخلوق وأن # PageV19P160 # الله لا يرى في الآخرة وليس فوق العرش ونحو ذلك من بدع الجهمية فصنفوا ~~كتبا قدموا فيها ما يدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة من القرآن ~~والحديث وكلام السلف وذكروا أشياء صحيحة لكنهم قد يخلطون الآثار صحيحها ~~بضعيفها وقد يستدلون بما لا يدل على المطلوب. وأيضا فهم إنما يستدلون ~~بالقرآن من جهة إخباره لا من جهة دلالته فلا يذكرون ما فيه من الأدلة على ~~إثبات الربوبية والوحدانية والنبوة والمعاد؛ وأنه قد ms5861 بين الأدلة العقلية ~~الدالة على ذلك؛ ولهذا سموا كتبهم أصول السنة والشريعة ونحو ذلك وجعلوا ~~الإيمان بالرسول قد استقر فلا يحتاج أن يبين الأدلة الدالة عليه فذمهم ~~أولئك ونسبوهم إلى الجهل؛ إذ لم يذكروا الأصول الدالة على صدق الرسول؛ ~~وهؤلاء ينسبون أولئك إلى البدعة بل إلى الكفر لكونهم أصلوا أصولا تخالف ما ~~قاله الرسول. والطائفتان يلحقهما الملام؛ لكونهما أعرضتا عن الأصول التي ~~بينها الله بكتابه فإنها أصول الدين وأدلته وآياته فلما أعرض عنها ~~الطائفتان وقع بينهما العداوة؛ كما قال الله تعالى: {فنسوا حظا مما ذكروا ~~به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} . # PageV19P161 # وحزب ثالث: قد عرف تفريط هؤلاء وتعدي أولئك وبدعتهم فذمهم وذم طالب العلم ~~الذكي الذي اشتاقت نفسه إلى معرفة الأدلة والخروج عن التقليد إذا سلك ~~طريقهم وقال: إن طريقهم ضارة وأن السلف لم يسلكوها ونحو ذلك مما يقتضي ذمها ~~وهو كلام صحيح لكنه إنما يدل على أمر مجمل لا تتبين دلالته على المطلوب بل ~~قد يعتقد طريق المتكلمين مع قوله: إنه بدعة ولا يفتح أبواب الأدلة التي ~~ذكرها الله في القرآن التي تبين أن ما جاء به الرسول حق ويخرج الذكي ~~بمعرفتها عن التقليد وعن الضلال والبدعة والجهل. فهؤلاء أضل بفرقهم؛ لأنهم ~~لم يتدبروا القرآن وأعرضوا عن آيات الله التي بينها بكتابه كما يعرض من ~~يعرض عن آيات الله المخلوقة قال الله تعالى: {وكأين من آية في السماوات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} وقال تعالى: {وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون} وقال تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون} {أولئك مأواهم النار بما ~~كانوا يكسبون} وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولو الألباب} وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} ~~وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون} {بالبينات والزبر} الآية وقال # PageV19P162 # تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ms5862 قبلك} وقال تعالى: {وإن يكذبوك فقد ~~كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} ومثل ~~هذا كثير لبسطه مواضع أخر. والمقصود أن هؤلاء الغالطين الذين أعرضوا ما في ~~القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية لا يذكرون النظر والدليل ~~والعلم الذي جاء به الرسول والقرآن مملوء من ذلك والمتكلمون يعترفون بأن في ~~القرآن من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين ما فيه لكنهم يسلكون طرقا ~~أخر كطريق الأعراض. ومنهم من يظن أن هذه طريق إبراهيم الخليل وهو غالط. # والمتفلسفة يقولون: القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية ~~التي تقنع الجمهور ويقولون: إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية ويدعون أنهم ~~هم أهل البرهان اليقيني. وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين ~~والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات ولكن ~~للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل ~~الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير ~~الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى؛ ولا سمين فينتقى. ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # PageV19P163 # والقرآن جاء بالبينات والهدى؛ بالآيات البينات وهي الدلائل اليقينيات وقد ~~قال الله تعالى لرسوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن} والمتفلسفة يفسرون ذلك بطرقهم المنطقية في البرهان والخطابة ~~والجدل وهو ضلال من وجوه قد بسطت في غير هذا الموضع بل الحكمة هي معرفة ~~الحق والعمل به فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق ~~علما وعملا فتقبله وتعمل به. وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن ~~اتباعه فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق ~~والترهيب من الباطل. والوعظ أمر ونهي بترغيب وترهيب كما قال تعالى: {ولو ~~أنهم فعلوا ما يوعظون به} وقال تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} ~~فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي ~~أحسن. والقرآن مشتمل على هذا وهذا ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات ms5863 ~~البينة البرهانية التي لا يمكن أحد أن يجحدها؛ لتقرير المخاطب بالحق ~~ولاعترافه بإنكار الباطل كما في مثل قوله: {أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون} وقوله: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} وقوله: ~~{أوليس الذي خلق # PageV19P164 # السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وقوله: {أيحسب الإنسان أن يترك ~~سدى} {ألم يك نطفة من مني يمنى} {ثم كان علقة فخلق فسوى} {فجعل منه الزوجين ~~الذكر والأنثى} {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقوله: {أفرأيتم ما ~~تمنون} {أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} وقوله: {وقالوا لولا يأتينا بآية ~~من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} وقوله: {أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم} وقوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل} وقوله: {ألم نجعل له عينين} {ولسانا وشفتين} {وهديناه النجدين} ~~إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام التقرير المتضمن إقرارهم واعترافهم ~~بالمقدمات البرهانية التي تدل على المطلوب فهو من أحسن جدل بالبرهان؛ فإن ~~الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم المقدمات وإن لم تكن بينة معروفة فإذا ~~كانت بينة معروفة كانت برهانية. والقرآن لا يحتج في مجادلته بمقدمة لمجرد ~~تسليم الخصم بها كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم بل بالقضايا ~~والمقدمات التي تسلمها الناس وهي برهانية وإن كان بعضهم يسلمها وبعضهم ~~ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها كقوله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ~~ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي # PageV19P165 # جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ~~ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} فإن الخطاب لما كان مع من يقر بنبوة موسى من ~~أهل الكتاب ومع من ينكرها من المشركين ذكر ذلك بقوله: {قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى} وقد بين البراهين الدالة على صدق موسى في غير موضع. وعلى ~~قراءة من قرأ يبدونها كابن كثير وأبي عمرو جعلوا الخطاب مع المشركين وجعلوا ~~قوله: {وعلمتم ما لم ms5864 تعلموا} احتجاجا على المشركين بما جاء به محمد؛ فالحجة ~~على أولئك نبوة موسى وعلى هؤلاء نبوة محمد ولكل منهما من البراهين ما قد ~~بين بعضه في غير موضع. وعلى قراءة الأكثرين بالتاء هو خطاب لأهل الكتاب ~~وقوله: {وعلمتم ما لم تعلموا} بيان لما جاءت به الأنبياء مما أنكروه فعلمهم ~~الأنبياء ما لم يقبلوه ولم يعلموه فاستدل بما عرفوه من أخبار الأنبياء وما ~~لم يعرفوه. وقد قص سبحانه قصة موسى وأظهر براهين موسى وآياته التي هي من ~~أظهر البراهين والأدلة حتى اعترف بها السحرة الذين جمعهم فرعون وناهيك بذلك ~~فلما أظهر الله حق موسى؛ وأتى بالآيات التي علم بالاضطرار أنها من الله؛ ~~وابتلعت عصاه الحبال والعصي التي أتى # PageV19P166 # بها السحرة بعد أن جاءوا بسحر عظيم وسحروا أعين الناس واسترهبوا الناس ثم ~~لما ظهر الحق وانقلبوا صاغرين قالوا: {آمنا برب العالمين} {رب موسى وهارون} ~~فقال لهم فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد ~~عذابا وأبقى} {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} من الدلائل البينات ~~اليقينية القطعية وعلى الذي فطرنا؛ وهو خالقنا وربنا الذي لا بد لنا منه لن ~~نؤثرك على هذه الدلائل اليقينية وعلى خالق البرية {فاقض ما أنت قاض إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا} {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا ~~عليه من السحر والله خير وأبقى} . وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من ~~القرآن يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعا غير النوع الآخر ~~كما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم يدل على معنى لم يدل ~~عليه الاسم الآخر وليس في هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات مثل: أسماء النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا قيل: محمد وأحمد؛ والحاشر والعاقب؛ والمقفى؛ ونبي ~~الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة في كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم ~~الآخر وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة. # PageV19P167 # وكذلك ms5865 القرآن إذا قيل فيه؛ قرآن؛ وفرقان وبيان؛ وهدى وبصائر وشفاء ونور ~~ورحمة وروح فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر. وكذلك أسماء الرب ~~تعالى إذا قيل: الملك؛ القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز؛ الجبار ~~المتكبر الخالق البارئ؛ المصور فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي في ~~الاسم الآخر فالذات واحدة والصفات متعددة فهذا في الأسماء المفردة. وكذلك ~~في الجمل التامة يعبر عن القصة بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر عنها بجمل ~~أخرى تدل على معان أخر وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ~~ففي كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل الأخر. # و ### | ليس في القرآن تكرار # أصلا وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع إمكان الاكتفاء ~~بالواحدة وكان الحكمة فيه: أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا وكان يبعث إلى ~~القبائل # PageV19P168 # المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم يكن الآيات والقصص مثناة متكررة لوقعت ~~قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم فأراد الله أن يشهر ~~هذه القصص في أطراف الأرض وأن يلقيها إلى كل سمع. فهذا كلام من لم يقدر ~~القرآن قدره. وأبو الفرج اقتصر على هذا الجواب في قوله: (مثاني لما قيل: لم ~~ثنيت؟ وبسط هذا له موضع آخر فإن التثنية هي التنويع والتجنيس وهي استيفاء ~~الأقسام ولهذا يقول من يقول من السلف: الأقسام والأمثال. والمقصود هنا ~~التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التي تستحق هذا الاسم وعلى ~~البراهين والآيات والأدلة اليقينية؛ بخلاف ما أحدثه المبتدعون والملحدون ~~كما قال الرازي مع خبرته بطرق هؤلاء: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما وجدتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة ~~القرآن: اقرأ في الإثبات {إليه يصعد الكلم الطيب} {الرحمن على العرش استوى} ~~. واقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} {ولا يحيطون به علما} قال: ومن جرب مثل ~~تجربتي عرف مثل معرفتي. ms5866 والخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين: ~~في العلم النافع؛ والعمل الصالح. وقد بعث الله محمدا بأفضل ذلك وهو الهدى # PageV19P169 # ودين الحق كما قال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا} ؟ وقد قال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} فذكر النوعين قال الوالبي عن ابن عباس ~~يقول: أولوا القوة في العبادة قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير ~~وعطاء الخراساني والحسن والضحاك والسدي وقتادة وأبي سنان ومبشر بن عبيد نحو ~~ذلك. و (الأبصار) قال: الأبصار الفقه في الدين. وقال مجاهد: (الأبصار) ~~الصواب في الحكم وعن سعيد بن جبير قال: البصيرة بدين الله وكتابه. وعن عطاء ~~الخراساني: {أولي الأيدي والأبصار} قال: أولوا القوة في العبادة والبصر ~~والعلم بأمر الله وعن مجاهد وروي عن قتادة قال: أعطوا قوة في العبادة وبصرا ~~في الدين. وجميع حكماء الأمم يفضلون هذين النوعين مثل حكماء اليونان والهند ~~والعرب قال ابن قتيبة: الحكمة عند العرب العلم والعمل فالعمل الصالح هو ~~عبادة الله وحده لا شريك له وهو الدين دين الإسلام والعلم والهدى هو تصديق ~~الرسول فيما أخبر به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك ~~فالعلم النافع هو الإيمان والعمل الصالح هو الإسلام العلم النافع من علم ~~الله والعمل الصالح هو العمل بأمر الله هذا تصديق الرسول فيما أخبر وهذا # PageV19P170 # طاعته فيما أمر. وضد الأول أن يقول على الله ما لا يعلم وضد الثاني أن ~~يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا والأول أشرف فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم ~~مؤمنا {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وجميع الطوائف ~~تفضل هذين النوعين لكن الذي جاء به الرسول هو أفضل ما فيهما كما قال: {إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~ركعتي الفجر تارة (سورة الإخلاص و (قل يا أيها الكافرون ففي (قل يا أيها ~~الكافرون عبادة الله وحده وهو دين الإسلام وفي ms5867 (قل هو الله أحد صفة الرحمن ~~وأن يقال فيه ويخبر عنه بما يستحقه وهو الإيمان هذا هو التوحيد القولي وذلك ~~هو التوحيد العملي. وكان تارة يقرأ فيهما في الأولى بقوله في البقرة: ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون} وفي الثانية: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم} إلى قوله {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . # PageV19P171 # قال أبو العالية في قوله {لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون} قال: خلتان ~~يسأل عنهما كل أحد: ماذا كنت تعبد؟ وماذا أجبت المرسلين؟ فالأولى تحقيق ~~شهادة أن لا إله إلا الله والثانية تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله. ~~والصوفية بنو أمرهم على الإرادة ولا بد منها لكن بشرط أن تكون إرادة عبادة ~~الله وحده بما أمر. والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر المقتضي للعلم ولا بد ~~منه لكن بشرط أن يكون علما بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم والنظر ~~في الأدلة التي دل بها الرسول وهي آيات الله ولا بد من هذا وهذا. ومن طلب ~~علما بلا إرادة أو إرادة بلا علم فهو ضال ومن طلب هذا وهذا بدون اتباع ~~الرسول فيهما فهو ضال بل كما قال من قال من السلف: الدين والإيمان قول وعمل ~~واتباع السنة. وأهل الفقه في الأعمال الظاهرة يتكلمون في العبادات الظاهرة ~~وأهل التصوف والزهد يتكلمون في قصد الإنسان وإرادته وأهل النظر والكلام ~~وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق ~~الذي هو أصل الإرادة ويقولون: العبادة لا بد فيها من القصد والقصد لا يصح ~~إلا بعد العلم بالمقصود المعبود وهذا صحيح # PageV19P172 # فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به فالضالون من المشركين والنصارى ~~وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله وإنما القصد ~~والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده وهو إنما يعبد بما شرع لا ms5868 ~~بالبدع. وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام: على أن يعبد الله وحده وأن ~~يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع وأما العلم والمعرفة والتصوف فمدارها على أن ~~يعرف ما أخبر به الرسول ويعرف أن ما أخبر به حق إما لعلمنا بأنه لا يقول ~~إلا حقا وهذا تصديق عام وإما لعلمنا بأن ذلك الخبر حق بما أظهر الله من ~~آيات صدقه فإنه أنزل الكتاب والميزان وأرى الناس آياته في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق. # فصل: # وأما " العمليات " وما يسميه ناس: الفروع والشرع والفقه فهذا قد بينه ~~الرسول أحسن بيان فما شيء مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا ~~بين ذلك وقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} وقال تعالى: {ما كان حديثا ~~يفترى ولكن تصديق # PageV19P173 # الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} وقال تعالى: ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} وقال ~~تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} وقال تعالى: {تالله لقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم ~~عذاب أليم} {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون} فقد بين سبحانه أنه ما أنزل عليه الكتاب إلا ليبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه كما بين أنه أنزل جنس الكتاب مع النبيين ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه. وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} وقال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} فقد بين للمسلمين جميع ما يتقونه كما ~~قال: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} وقال تعالى: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة ~~الرسول بعد موته وقوله: {فإن تنازعتم} ms5869 شرط والفعل نكرة في سياق الشرط فأي ~~شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول ولو لم يكن بيان الله # PageV19P174 # والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه. والرسول أنزل الله عليه ~~الكتاب والحكمة كما ذكر ذلك في غير موضع وقد علم أمته الكتاب والحكمة كما ~~قال: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} وكان يذكر في بيته الكتاب والحكمة وأمر ~~أزواج نبيه بذكر ذلك فقال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة} فآيات الله هي القرآن إذ كان نفس القرآن يدل على أنه منزل من الله ~~فهو علامة ودلالة على منزله و (الحكمة قال غير واحد من السلف: هي السنة. ~~وقال أيضا طائفة كمالك وغيره: هي معرفة الدين والعمل به. وقيل غير ذلك وكل ~~ذلك حق فهي تتضمن التمييز بين المأمور والمحظور؛ والحق والباطل؛ وتعليم ~~الحق دون الباطل وهذه السنة التي فرق بها بين الحق والباطل وبين الأعمال ~~الحسنة من القبيحة؛ والخير من الشر وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك} . وعن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نحو هذا وهذا كثير في الحديث والآثار ~~يذكرونه في الكتب التي تذكر فيها هذه الآثار كما يذكر مثل ذلك غير واحد ~~فيما يصفونه في السنة مثل ابن بطة واللالكائي والطلمنكي وقبلهم المصنفون في ~~السنة كأصحاب # PageV19P175 # أحمد مثل عبد الله والأثرم وحرب الكرماني وغيرهم ومثل الخلال وغيره. ~~والمقصود هنا تحقيق ذلك وأن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين. # وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق لا تجتمع الأمة على ضلالة وكذلك القياس ~~الصحيح حق؛ فإن الله بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب والميزان ~~يتضمن العدل وما يعرف به العدل وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ~~ذلك والله ورسوله يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين. وهذا هو القياس ~~الصحيح وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل وبين القياس الصحيح وهي الأمثال ~~المضروبة ما بينه من الحق لكن القياس الصحيح ms5870 يطابق النص فإن الميزان يطابق ~~الكتاب والله أمر نبيه أن يحكم بما أنزل وأمره أن يحكم بالعدل فهو أنزل ~~الكتاب وإنما أنزل الكتاب بالعدل قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} وأما إجماع الأمة فهو حق لا تجتمع ~~الأمة - ولله الحمد - على ضلالة كما وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة فقال ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون # PageV19P176 # بالله} وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر كما وصف ~~نبيهم بذلك في قوله: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر} وبذلك وصف المؤمنين في قوله: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} فلو قالت ~~الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك ولم تنه عن ~~المنكر فيه وقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا} والوسط العدل الخيار وقد جعلهم الله شهداء على ~~الناس وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. وقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وجبت ثم مر ~~عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت قالوا: يا رسول الله ما قولك ~~وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت: وجبت لها الجنة وهذه ~~الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت: وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض} ~~. فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل فإذا شهدوا أن الله أمر ~~بشيء فقد أمر به وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه ولو كانوا ~~يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله # PageV19P177 # في الأرض بل زكاهم الله في شهادتهم كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه ~~أنهم لا يقولون عليه إلا الحق وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا بحق وقال ~~تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} والأمة منيبة إلى الله فيجب اتباع ms5871 سبيلها ~~وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة ~~فدل على أن متابعهم عامل بما يرضى الله والله لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل ~~وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . وكان عمر بن عبد العزيز ~~يقول كلمات كان مالك يأثرها عنه كثيرا قال: سن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة ~~الله ومعونة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها فمن ~~خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله تعالى ما تولى وأصلاه جهنم وساءت ~~مصيرا. والشافعي رضي الله عنه لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه ~~الآية على الإجماع كما كان هو وغيره ومالك ذكر عن عمر ابن عبد العزيز ~~والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين مستحق # PageV19P178 # للوعيد كما أن مشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى مستحق للوعيد ومعلوم ~~أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ذلك لكان ~~لا فائدة في ذكره. وهنا للناس ثلاثة أقوال: قيل: اتباع غير سبيل المؤمنين ~~هو بمجرد مخالفة الرسول المذكورة في الآية. وقيل: بل مخالفة الرسول مستقلة ~~بالذم فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم وقيل: بل اتباع غير سبيل ~~المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية لكن هذا لا يقتضي مفارقة الأول بل ~~قد يكون مستلزما له فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاق ~~للرسول وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين وهذا كما في طاعة الله ~~والرسول فإن طاعة الله واجبة وطاعة الرسول واجبة وكل واحد من معصية الله ~~ومعصية الرسول موجب للذم وهما متلازمان فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. ~~وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من ms5872 أطاعني فقد أطاع ~~الله؛ ومن أطاع أميري فقد أطاعني؛ ومن عصاني فقد عصى الله؛ ومن عصى أميري ~~فقد عصاني} وقال: {إنما الطاعة في المعروف} يعني: إذا أمر أميري بالمعروف ~~فطاعته من طاعتي وكل من عصى الله فقد عصى الرسول؛ فإن الرسول يأمر بما أمر ~~الله # PageV19P179 # به بل من أطاع رسولا واحدا فقد أطاع جميع الرسل ومن آمن بواحد منهم فقد ~~آمن بالجميع ومن عصى واحدا منهم فقد عصى الجميع ومن كذب واحدا منهم فقد كذب ~~الجميع؛ لأن كل رسول يصدق الآخر ويقول: إنه رسول صادق ويأمر بطاعته فمن كذب ~~رسولا فقد كذب الذي صدقه ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته. ولهذا كان دين ~~الأنبياء واحدا كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد} . وقال تعالى: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال تعالى: {يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون} {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون} وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} . و ### | دين الأنبياء كلهم الإسلام # كما أخبر الله بذلك في غير موضع. # PageV19P180 # وهو: الاستسلام لله وحده. وذلك إنما يكون بطاعته فيما أمر به في ذلك ~~الوقت فطاعة كل نبي هي من دين الإسلام إذ ذاك واستقبال بيت المقدس كان من ~~دين الإسلام قبل النسخ ثم لما أمر باستقبال الكعبة صار استقبالها من دين ~~الإسلام ولم يبق استقبال الصخرة من دين الإسلام؛ ولهذا خرج اليهود والنصارى ~~عن دين الإسلام؛ فإنهم تركوا طاعة الله ms5873 وتصديق رسوله واعتاضوا عن ذلك بمبدل ~~أو منسوخ. وهكذا كل مبتدع دينا خالف به سنة الرسول لا يتبع إلا دينا مبدلا ~~أو منسوخا فكل من خالف ما جاء به الرسول: إما أن يكون ذلك قد كان مشروعا ~~لنبي ثم نسخ على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وإما أن لا يكون شرع قط؛ ~~فهذا كالأديان التي شرعها الشياطين على ألسنة أوليائهم قال تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال:. {وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} وقال: {وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ~~ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} . ولهذا كان الصحابة إذا قال أحدهم برأيه ~~شيئا يقول: إن كان صوابا فمن الله؛ وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ~~ورسوله بريئان # PageV19P181 # منه كما قال ذلك ابن مسعود وروي عن أبي بكر وعمر. فالأقسام ثلاثة؛ فإنه: ~~إما أن يكون هذا القول موافقا لقول الرسول أو لا يكون؛ وإما أن يكون موافقا ~~لشرع غيره؛ وإما أن لا يكون فهذا الثالث المبدل كأديان المشركين والمجوس ~~وما كان شرعا لغيره وهو لا يوافق شرعه فقد نسخ كالسبت وتحريم كل ذي ظفر ~~وشحم الثرب والكليتين؛ فإن اتخاذ السبت عيدا وتحريم هذه الطيبات قد كان ~~شرعا لموسى ثم نسخ؛ بل قد قال المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فقد ~~نسخ الله على لسان المسيح بعض ما كان حراما في شرع موسى. وأما محمد فقال ~~الله فيه: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} والشرك كله من المبدل لم يشرع الله الشرك ~~قط كما قال: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من ms5874 قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} . وكذلك ما كان يحرمه أهل الجاهلية مما ذكره الله في ~~القرآن، # PageV19P182 # كالسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك هو من الدين المبدل؛ ولهذا لما ذكر ~~الله ذلك عنهم في سورة المائدة بين أن من حرم ذلك فقد كذب على الله وذكر ~~تعالى ما حرمه على لسان محمد وعلى لسان موسى في الأنعام فقال: {قل لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ~~ربك غفور رحيم} {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} وكذلك قال بعد هذا: {وعلى الذين هادوا حرمنا ~~ما قصصنا عليك من قبل} . فبين أن ما حرمه المشركون لم يحرمه على لسان موسى ~~ولا لسان محمد وهذان هما اللذان جاءا بكتاب فيه الحلال والحرام كما قال ~~تعالى: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} وقال تعالى: {ومن ~~قبله كتاب موسى إماما ورحمة} وقال تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى} إلى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} وقالت الجن ~~لما سمعت القرآن: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} وقال ورقة بن نوفل: # PageV19P183 # إن هذا والذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة. وكذلك قال النجاشي. ~~فالقرآن والتوراة هما كتابان جاءا من عند الله لم يأت من عنده كتاب أهدى ~~منهما كل منهما أصل مستقل والذي فيهما دين واحد وكل منهما يتضمن إثبات صفات ~~الله تعالى والأمر بعبادته وحده لا شريك له ففيه التوحيد قولا وعملا كما في ~~سورتي الإخلاص: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} . وأما الزبور ~~فإن ms5875 داود لم يأت بغير شريعة التوراة وإنما في الزبور ثناء على الله ودعاء ~~وأمر ونهي بدينه وطاعته وعبادته مطلقا. وأما المسيح فإنه قال: {ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم} فأحل لهم بعض المحرمات وهو في الأكثر متبع لشريعة ~~التوراة. ولهذا لم يكن بد لمن اتبع المسيح من أن يقرأ التوراة ويتبع ما ~~فيها؛ إذ كان الإنجيل تبعا لها. # وأما القرآن فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر بل اشتمل على ~~جميع ما في الكتب من المحاسن؛ وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب؛ فلهذا ~~كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب # PageV19P184 # ومهيمنا عليه يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ ما نسخه الله ~~فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما فيها ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها ~~والقليل الذي نسخ فيها؛ فإن المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المحكم المقرر. ~~والأنبياء كلهم دينهم واحد وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم وطاعة بعضهم ~~تستلزم طاعة سائرهم وكذلك التكذيب والمعصية: لا يجوز أن يكذب نبي نبيا بل ~~إن عرفه صدقه وإلا فهو يصدق بكل ما أنزل الله مطلقا وهو يأمر بطاعة من أمر ~~الله بطاعته. ولهذا كان من صدق محمدا فقد صدق كل نبي؛ ومن أطاعه فقد أطاع ~~كل نبي ومن كذبه فقد كذب كل نبي؛ ومن عصاه فقد عصى كل نبي قال تعالى: {إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا} ~~وقال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله ~~بغافل عما تعملون} . ومن كذب هؤلاء تكذيبا بجنس الرسالة فقد صرح بأنه يكذب ~~الجميع؛ ولهذا يقول تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} ولم # PageV19P185 # يرسل إليهم قبل نوح أحدا وقال تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم} . وكذلك من كان من الملاحدة والمتفلسفة طاعنا في ms5876 جنس الرسل كما ~~قدمنا بأن يزعم أنهم لم يعلموا الحق أو لم يبينوه فهو مكذب لجميع الرسل ~~كالذين قال فيهم: {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} ~~{إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} {في الحميم ثم في النار يسجرون} ~~وقال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون} {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين} {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي ~~قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} وقال تعالى عن الوليد: {إنه فكر ~~وقدر} {فقتل كيف قدر} {ثم قتل كيف قدر} {ثم نظر} {ثم عبس وبسر} {ثم أدبر ~~واستكبر} {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} {إن هذا إلا قول البشر} . وأهل الكتاب ~~منهم من يؤمن بجنس الرسالة لكن يكذب بعض الرسل كالمسيح ومحمد فهؤلاء لما ~~آمنوا ببعض وكفروا ببعض كانوا كافرين حقا وكثير من الفلاسفة والباطنية ~~وكثير من أهل الكلام والتصوف لا يكذب الرسل تكذيبا صريحا ولا يؤمن بحقيقة ~~النبوة والرسالة بل يقر بفضلهم في الجملة مع كونه يقول: إن غيرهم أعلم # PageV19P186 # منهم؛ أو أنهم لم يبينوا الحق أو لبسوه؛ أو إن النبوة هي فيض يفيض على ~~النفوس من العقل الفعال من جنس ما يراه النائم ولا يقر بملائكة مفضلين ولا ~~بالجن ونحو ذلك فهؤلاء يقرون ببعض صفات الأنبياء دون بعض؛ وبما أوتوه دون ~~بعض ولا يقرون بجميع ما أوتيه الأنبياء وهؤلاء قد يكون أحدهم شرا من اليهود ~~والنصارى الذين أقروا بجميع صفات النبوة لكن كذبوا ببعض الأنبياء؛ فإن الذي ~~أقر به هؤلاء مما جاءت به الأنبياء أعظم وأكثر؛ إذ كان هؤلاء يقرون بأن ~~الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ويقرون بقيام القيامة ويقرون بأنه تجب ~~عبادته وحده لا شريك له ويقرون بالشرائع المتفق عليها. وأولئك يكذبون بهذا ~~وإنما يقرون ببعض شرع محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان اليهود والنصارى ~~أقل كفرا من الملاحدة الباطنية والمتفلسفة ونحوهم لكن ms5877 من كان من اليهود ~~والنصارى قد دخل مع هؤلاء فقد جمع نوعي الكفر؛ إذ لم يؤمن بجميع صفاتهم ولا ~~بجميع أعيانهم وهؤلاء موجودون في دول الكفار كثيرا كما يوجد أيضا في ~~المنتسبين إلى الإسلام من هؤلاء وهؤلاء إذ كانوا في دولة المسلمين. وأهل ~~الكتاب كانوا منافقين فيهم من النفاق بحسب ما فيهم # PageV19P187 # من الكفر والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص كما أن الإيمان يتبعض ~~ويزيد وينقص قال الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} وقال: {وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ~~وماتوا وهم كافرون} وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا} وقال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} وقال: {في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا} وقال: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا} . وكثير من المصنفين في الكلام لا يردون على أهل الكتاب إلا ~~ما يقولون: إنه يعلم بالعقل مثل تثليث النصارى ومثل تكذيب محمد ولا ~~يناظرونهم في غير هذا من أصول الدين وهذا تقصير منهم ومخالفة لطريقة ~~القرآن؛ فإن الله يبين في القرآن ما خالفوا به الأنبياء ويذمهم على ذلك ~~والقرآن مملوء من ذلك؛ إذ كان الكفر والإيمان يتعلق بالرسالة والنبوة فإذا ~~تبين ما خالفوا فيه الأنبياء ظهر كفرهم. # PageV19P188 # وأولئك المتكلمون لما أصلوا لهم دينا بما أحدثوه من الكلام كالاستدلال ~~بالأعراض على حدوث الأجسام ظنوا أن هذا هو أصول الدين ولو كان ما قالوه حقا ~~لكان ذلك جزءا من الدين فكيف إذا كان باطلا؟ وقد ذكرت في الرد على النصارى ~~من مخالفتهم للأنبياء كلهم مع مخالفتهم لصريح العقل ما يظهر به من كفرهم ما ~~يظهر؛ ولهذا قيل فيه " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " وخطابهم في ~~مقامين: أحدهما: تبديلهم لدين المسيح. والثاني: تكذيبهم لمحمد صلى الله ms5878 ~~عليه وسلم واليهود خطابهم في تكذيب من بعد موسى إلى المسيح ثم في تكذيب ~~محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في قوله: {ولقد ~~آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون} {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون} ثم قال: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} إلى أن ذكر أنهم أعرضوا # PageV19P189 # عن كتاب الله مطلقا واتبعوا السحر. فقال: {ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} إلى قوله: {ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا يعلمون} {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون} . والنصارى نذمهم على الغلو والشرك الذي ابتدعوه وعلى تكذيب الرسول ~~والرهبانية التي ابتدعوها ولا نحمدهم عليها إذ كانوا قد ابتدعوها وكل بدعة ~~ضلالة لكن إذا كان صاحبها قاصدا للحق فقد يعفى عنه فيبقى عمله ضائعا لا ~~فائدة فيه وهذا هو الضلال الذي يعذر صاحبه فلا يعاقب ولا يثاب؛ ولهذا قال: ~~{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فإن المغضوب عليه يعاقب بنفس الغضب والضال ~~فاته المقصود وهو الرحمة والثواب ولكن قد لا يعاقب كما عوقب ذلك بل يكون ~~ملعونا مطرودا ولهذا جاء في حديث زيد بن عمرو بن نفيل: أن اليهود قالوا له: ~~لن تدخل في ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله. وقال له النصارى: حتى تأخذ ~~نصيبك من لعنة الله. وقال الضحاك وطائفة: إن جهنم طبقات فالعليا لعصاة هذه ~~الأمة والتي تليها للنصارى والتي تليها لليهود. فجعلوا اليهود تحت النصارى # PageV19P190 # والقرآن قد شهد ms5879 بأن المشركين واليهود يوجدون أشد عداوة للذين آمنوا من ~~الذين قالوا: إنا نصارى وشدة العداوة زيادة في الكفر فاليهود أقوى كفرا من ~~النصارى وإن كان النصارى أجهل وأضل لكن أولئك يعاقبون على عملهم إذ كانوا ~~عرفوا الحق وتركوه عنادا فكانوا مغضوبا عليهم وهؤلاء بالضلال حرموا أجر ~~المهتدين ولعنوا وطردوا عما يستحقه المهتدون ثم إذا قامت عليهم الحجة فلم ~~يؤمنوا استحقوا العقاب إذ كان اسم الضلال عاما. وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح {في خطبة يوم الجمعة: خير الكلام كلام ~~الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة} ولم يقل: وكل ضلالة في النار بل يضل عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد ~~في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب وقد يفعل بعض ما أمر به فيكون له أجر على ~~اجتهاده وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له. وكثير من مجتهدي السلف ~~والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة إما لأحاديث ضعيفة ~~ظنوها صحيحة وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها وإما لرأي رأوه وفي ~~المسألة نصوص لم تبلغهم. # PageV19P191 # وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا} وفي الصحيح أن الله قال: " قد فعلت " وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الإجماع - ~~إجماع الأمة - حق؛ فإنها لا تجتمع على ضلالة وكذلك القياس الصحيح حق يوافق ~~الكتاب والسنة. والآية المشهورة التي يحتج بها على الإجماع قوله: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى} ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع؛ فإن الذم فيها لمن ~~جمع الأمرين وهذا لا نزاع فيه؛ أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها ~~كانوا مؤمنين وهي متابعة الرسول وهذا لا نزاع فيه؛ أو أن سبيل المؤمنين هو ~~الاستدلال بالكتاب والسنة وهذا ms5880 لا نزاع فيه؛ فهذا ونحوه قول من يقول: لا ~~تدل على محل النزاع. وآخرون يقولون: بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا ~~وتكلفوا لذلك ما تكلفوه كما قد عرف من كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك ~~بأجوبة شافية. # PageV19P192 # والقول الثالث الوسط: أنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم ~~اتباع غير سبيلهم ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى وهو ~~يدل على ذم كل من هذا وهذا كما تقدم لكن لا ينفي تلازمهما كما ذكر في طاعة ~~الله والرسول. وحينئذ نقول: الذم إما أن يكون لاحقا لمشاقة الرسول فقط؛ أو ~~باتباع غير سبيلهم فقط؛ أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما بل بهما إذا ~~اجتمعا؛ أو يلحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر؛ أو بكل منهما لكونه ~~مستلزما للآخر. والأولان باطلان؛ لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط كان ذكر ~~الآخر ضائعا لا فائدة فيه وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا؛ فإن ~~مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه؛ ولحوق الذم بكل منهما ~~وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية؛ فإن الوعيد فيها إنما هو على ~~المجموع. بقي القسم الآخر وهو أن كلا من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم ~~للآخر كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام ~~فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل ~~النار ومثله قوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ~~ضل ضلالا بعيدا} فإن الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره فمن كفر ~~بالله كفر # PageV19P193 # بالجميع ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله إذ كذب ~~رسله وكتبه وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرا. وكذلك ~~قوله: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} ~~ذمهم على الوصفين وكل منهما مقتض للذم وهما متلازمان؛ ولهذا نهى عنهما ~~جميعا في قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا ms5881 الحق وأنتم تعلمون} فإنه ~~من لبس الحق بالباطل فغطاه به فغلط به لزم أن يكتم الحق الذي تبين أنه ~~باطل؛ إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق. فهكذا مشاقة الرسول واتباع ~~غير سبيل المؤمنين ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر ومن اتبع غير ~~سبيلهم فقد شاقه أيضا؛ فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد فدل على أنه وصف ~~مؤثر في الذم فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا والآية توجب ذم ~~ذلك. وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول. قلنا: لأنهما متلازمان وذلك ~~لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول فالمخالف لهم ~~مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله ولكن هذا يقتضي أن كل ما ~~أجمع عليه قد بينه الرسول؛ وهذا هو الصواب. # PageV19P194 # فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك ~~على بعض الناس ويعلم الإجماع. فيستدل به كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف ~~دلالة النص وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن وكذلك ~~الإجماع دليل آخر كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع وكل من ~~هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها؛ فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه ~~الكتاب والسنة وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ فالكتاب والسنة كلاهما ~~مأخوذ عنه ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص. وقد كان بعض ~~الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة وليس كذلك بل المضاربة كانت ~~مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش؛ فإن الأغلب كان عليهم التجارة وكان ~~أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر ~~بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة والعير التي كان فيها أبو سفيان ~~كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ms5882 ذلك ~~والسنة: قوله وفعله وإقراره. فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة. # PageV19P195 # والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ ويعتمد عليه ~~الفقهاء لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه واتجرا فيه وربحا وطلب عمر أن ~~يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون سائر الجيش فقال له أحدهما: ~~لو خسر المال كان علينا فكيف يكون لك الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض ~~الصحابة: اجعله مضاربا فجعله مضاربة وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت ~~معروفة بينهم والعهد بالرسول قريب لم يحدث بعده فعلم أنها كانت معروفة ~~بينهم على عهد الرسول كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة ~~والجزارة. وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم ~~يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص لكن كان النص عند ~~غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن ~~الرسول مع قولهم بصحة القياس. ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص ~~فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها ~~منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد يحتج ~~بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع وكما يكون في المسألة نص خاص ~~وقد استدل فيها بعضهم بعموم كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وقال ابن مسعود: # PageV19P196 # سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى أي: بعد البقرة؛ وقوله: {أجلهن أن ~~يضعن حملهن} يقتضي انحصار الأجل في ذلك فلو أوجب عليها أن تعد بأبعد ~~الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها وعلي وابن عباس وغيرهما أدخلوها في عموم ~~الآيتين وجاء النص الخاص في قصة سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ابن مسعود. ~~وكذلك لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها: هل لها مهر المثل؟ أفتى ابن ~~مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل ثم رووا حديث بروع بنت واشق بما يوافق ~~ذلك وقد خالفه علي وزيد وغيرهما فقالوا: لا مهر لها. فثبت أن بعض المجتهدين ms5883 ~~قد يفتي بعموم أو قياس ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه فيوافقه ولا يعلم ~~مسألة واحدة اتفقوا على إنه لا نص فيها؛ بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم ~~يحتج فيه بالنصوص أولئك احتجوا بنص كالمتوفى عنها الحامل وهؤلاء احتجوا ~~بشمول الآيتين لها والآخرين قالوا: إنما يدخل في آية الحمل فقط وأن آية ~~الشهور في غير الحامل كما أن آية القروء في غير الحامل. وكذلك لما تنازعوا ~~في الحرام احتج من جعله يمينا بقوله: {لم تحرم # PageV19P197 # ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} . وكذلك لما تنازعوا في المبتوتة: هل لها نفقة أو سكنى؟ احتج ~~هؤلاء بحديث فاطمة وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية وأولئك قالوا: بل هي ~~لهما. ودلالات النصوص قد تكون خفية فخص الله بفهمهن بعض الناس كما قال علي: ~~إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه ~~كتيمم الجنب فإنه بين في القرآن في آيتين ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود ~~بذلك قال: الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول إلا أنه قال: لو أرخصنا لهم في ~~هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن يتيمم وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت ~~قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله: {لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا} وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟ وقد احتج طائفة على وجوب ~~العمرة بقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} واحتج بهذه الآية من منع الفسخ ~~وآخرون يقولون: إنما أمر # PageV19P198 # بالإتمام فقط وكذلك أمر الشارع أن يتم وكذلك في الفسخ قالوا: من فسخ ~~العمرة إلى غير حج فلم يتمها أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما ~~تم مما شرع فيه؛ فإنه شرع في حج مجرد فأتى بعمرة في الحج ولو لم يكن هذا ~~إتماما لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عام حجة الوداع. ~~وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح ms5884 وفي قوله: {أو لامستم النساء} ونحو ذلك ~~مما ليس هذا موضع استقصائه. وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها ~~بنص جلي ولا خفي فهذا ما لا أعرفه. والجد لما قال أكثرهم: إنه أب استدلوا ~~على ذلك بالقرآن بقوله: {كما أخرج أبويكم من الجنة} وقال ابن عباس: لو كانت ~~الجن تظن أن الإنس تسمي أبا الأب جدا لما قالت: {وأنه تعالى جد ربنا} يقول: ~~إنما هو أب لكن أب أبعد من أب. وقد روي عن علي وزيد أنهما احتجا بقياس فمن ~~ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقد غلط ومن ادعى أن من ~~المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط بل # PageV19P199 # كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها ومن ~~رأى دلالة الميزان ذكرها والدلائل الصحيحة لا تتناقض لكن قد يخفى وجه ~~اتفاقها أو ضعف أحدها على بعض العلماء. وللصحابة فهم في القرآن يخفى على ~~أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها ~~أكثر المتأخرين فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من ~~أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر ~~المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم ما اعتقدوا من إجماع أو قياس. ~~ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله؛ ~~فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك وهذا كقولهم: إن أكثر ~~الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها؛ فإنما هذا قول من ~~لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام وقد قال الإمام أحمد - ~~رضي الله عنه - إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها ~~فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها ~~بالكتاب والسنة وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة والإجماع لم يكن ~~يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه؛ إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم لكن ms5885 ~~لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح؛ اقض بما في كتاب # PageV19P200 # الله فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله فإن لم تجد فبما به قضى الصالحون ~~قبلك. وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس. وعمر قدم الكتاب ثم السنة وكذلك ~~ابن مسعود قال مثل ما قال وعمر قدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع. وكذلك ابن ~~عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر؛ لقوله: ~~{اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر} وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن ~~مسعود وابن عباس وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهذا هو الصواب. ولكن ~~طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولا في الإجماع فإن وجده ~~لم يلتفت إلى غيره وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه وقال ~~بعضهم؛ الإجماع نسخه والصواب طريقة السلف. وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص ~~فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ فإما أن يكون النص ~~المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة ~~إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك ~~ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا فمن ذا الذي # PageV19P201 # يحيط بأقوال المجتهدين؟ بخلاف النصوص فإن معرفتها ممكنة متيسرة. وهم إنما ~~كانوا يقضون بالكتاب أولا لأن السنة لا تنسخ الكتاب فلا يكون في القرآن شيء ~~منسوخ بالسنة بل إن كان فيه منسوخ كان في القرآن ناسخه فلا يقدم غير القرآن ~~عليه ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنة ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا ~~والسنة نسخته لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره؛ ولا تعارض السنة بإجماع وأكثر ~~ألفاظ الآثار فإن لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة مع أنه فيها ~~وكذلك في القرآن فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة وإذا ~~كان في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما ms5886 في القرآن وكذلك الإجماع ~~الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة. تم بحمد الله وعونه وصلواته على خير بريته ~~محمد وآله وسلم. # PageV19P202 # وقال - رحمه الله - بعد كلام له: # ونحن نذكر " قاعدة جامعة " في هذا الباب لسائر الأمة فنقول: # لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ~~ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ (*) وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل ~~وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم. فنقول: إن الناس قد تكلموا في تصويب ~~المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم وعدم تأثيمهم في مسائل الفروع والأصول ونحن ~~نذكر أصولا جامعة نافعة: # الأصل الأول: أنه هل يمكن كل واحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة ~~فيها نزاع؟ وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق؛ بل قال: ~~ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر؛ ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل ~~PageV19P203 # يستحق أن يعاقب أم لا؟ هذا أصل هذه المسألة. وللناس في هذا الأصل ثلاثة ~~أقوال كل قول عليه طائفة من النظار: الأول: قول من يقول: إن الله قد نصب ~~على الحق في كل مسألة دليلا يعرف به يتمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه أن ~~يعرف الحق وكل من لم يعرف الحق في مسألة أصولية أو فروعية فإنما هو لتفريطه ~~فيما يجب عليه لا لعجزه. وهذا القول هو المشهور عن القدرية والمعتزلة وهو ~~قول طائفة من أهل الكلام غير هؤلاء ثم قال هؤلاء: أما المسائل العلمية ~~فعليها أدلة قطعية تعرف بها فكل من لم يعرفها فإنه لم يستفرغ وسعه في طلب ~~الحق فيأثم. وأما المسائل العملية الشرعية فلهم مذهبان: أحدهما أنها ~~كالعلمية وأنه على كل مسألة دليل قطعي من خالفه فهو آثم وهؤلاء الذين ~~يقولون: المصيب واحد في كل مسألة أصلية وفرعية وكل من سوى المصيب فهو آثم؛ ~~لأنه مخطئ والخطأ والإثم عندهم متلازمان وهذا قول بشر المريسي وكثير من ~~المعتزلة البغداديين. الثاني: أن المسائل العملية إن كان عليها دليل قطعي ~~فإن من خالفه # PageV19P204 # آثم مخطئ ms5887 كالعلمية وإن لم يكن عليها دليل قطعي فليس لله فيها حكم في ~~الباطن وحكم الله في حق كل مجتهد ما أداه اجتهاده إليه. وهؤلاء وافقوا ~~الأولين في أن الخطأ والإثم متلازمان وإن كل مخطئ آثم؛ لكن خالفوهم في ~~المسائل الاجتهادية فقالوا: ليس فيها قاطع والظن ليس عليه دليل عند هؤلاء ~~وإنما هو من جنس ميل النفوس إلى شيء دون شيء فجعلوا الاعتقادات الظنية من ~~جنس الإرادات وادعوا أنه ليس في نفس الأمر حكم مطلوب بالاجتهاد والإثم في ~~نفس الأمر أمارة أرجح من أمارة وهذا القول قول أبي الهذيل العلاف ومن اتبعه ~~كالجبائي وابنه وهو أحد قولي الأشعري وأشهرهما وهو اختيار القاضي الباقلاني ~~وأبي حامد الغزالي وأبي بكر ابن العربي؛ ومن اتبعهم. وقد بسطنا القول في ~~ذلك بسطا كثيرا في غير هذا الموضع. والمخالفون لهم كأبي إسحاق الإسفراييني ~~وغيره من الأشعرية وغيرهم يقولون: هذا القول أوله سفسطة وآخره زندقة وهذا ~~قول من يقول: إن كل مجتهد في المسائل الاجتهادية العملية فهو مصيب باطنا ~~وظاهرا؛ إذ لا يتصور عندهم أن يكون مجتهدا مخطئا إلا بمعنى أنه خفي عليه ~~بعض الأمور وذلك الذي خفي عليه ليس هو حكم الله لا # PageV19P205 # في حقه ولا في حق أمثاله وأما من كان مخطئا وهو المخطئ في المسائل ~~القطعية فهو آثم عندهم. والقول الثاني في أصل المسألة: أن المجتهد المستدل ~~قد يمكنه أن يعرف الحق وقد يعجز عن ذلك لكن إذا عجز عن ذلك فقد يعاقبه الله ~~تعالى وقد لا يعاقبه؛ فإن له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء بلا سبب أصلا؛ ~~بل لمحض المشيئة. وهذا قول الجهمية والأشعرية؛ وكثير من الفقهاء؛ وأتباع ~~الأئمة الأربعة وغيرهم. ثم قال هؤلاء: قد علم بالسمع أن كل كافر فهو في ~~النار فنحن نعلم أن كل كافر فإن الله سيعذبه سواء كان قد اجتهد وعجز عن ~~معرفة دين الإسلام أو لم يجتهد وأما المسلمون المختلفون: فإن كان اختلافهم ~~في الفروعيات فأكثرهم يقول: لا عذاب فيها وبعضهم يقول: لأن الشارع عفا ms5888 عن ~~الخطأ فيها وعلم ذلك بإجماع السلف على أنه إثم على المخطئ فيها وبعضهم ~~يقول: لأن الخطأ في الظنيات ممتنع كما تقدم ذكره عن بعض الجهمية والأشعرية. ~~وأما القطعيات فأكثرهم يؤثم المخطئ فيها ويقول: إن السمع قد دل على ذلك. ~~ومنهم من لا يؤثمه. والقول المحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري هذا ~~معناه: أنه كان لا يؤثم المخطئ من المجتهدين من # PageV19P206 # هذه الأمة لا في الأصول ولا في الفروع وأنكر جمهور الطائفتين من أهل ~~الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول وأما غير هؤلاء فيقول: هذا قول ~~السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي؛ والثوري وداود بن علي؛ وغيرهم لا ~~يؤثمون مجتهدا مخطئا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية كما ذكر ذلك عنهم ~~ابن حزم وغيره؛ ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل ~~الأهواء إلا الخطابية ويصححون الصلاة خلفهم. والكافر لا تقبل شهادته على ~~المسلمين ولا يصلى خلفه وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة الدين: أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من ~~المجتهدين المخطئين لا في مسألة عملية ولا علمية قالوا: والفرق بين مسائل ~~الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة ~~والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول ~~الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره. قالوا: والفرق بين ذلك في ~~مسائل الأصول والفروع كما أنها محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ~~ولا إجماع بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة فهي باطلة عقلا؛ فإن المفرقين ~~بين ما جعلوه مسائل # PageV19P207 # أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين بل ذكروا ~~ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة. فمنهم من قال: مسائل الأصول هي العلمية ~~الاعتقادية التي يطلب فيها العلم والاعتقاد فقط؛ ومسائل الفروع هي العملية ~~التي يطلب فيها العمل. قالوا: وهذا فرق باطل؛ فإن المسائل العملية فيها ما ~~يكفر جاحده مثل: وجوب الصلوات الخمس والزكاة ms5889 وصوم شهر رمضان؛ وتحريم الزنا ~~والربا والظلم والفواحش. وفي المسائل العلمية ما لا يأثم المتنازعون فيه ~~كتنازع الصحابة: هل رأى محمد ربه؟ وكتنازعهم في بعض النصوص: هل قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وما أراد بمعناه؟ وكتنازعهم في بعض الكلمات: هل ~~هي من القرآن أم لا؟ وكتنازعهم في بعض معاني القرآن والسنة: هل أراد الله ~~ورسوله كذا وكذا؟ وكتنازع الناس في دقيق الكلام كمسألة الجوهر الفرد وتماثل ~~الأجسام؛ وبقاء الأعراض ونحو ذلك فليس في هذا تكفير ولا تفسيق. قالوا: ~~والمسائل العملية فيها عمل وعلم فإذا كان الخطأ مغفورا فيها فالتي فيها علم ~~بلا عمل أولى أن يكون الخطأ فيها مغفورا. # PageV19P208 # ومنهم من قال: المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي؛ والفرعية ما ~~ليس عليها دليل قطعي. قال أولئك: وهذا الفرق خطأ أيضا؛ فإن كثيرا من ~~المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما ~~هو قطعي بالإجماع كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها ~~الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب ~~الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنها حلال لهم؛ ولم تكفرهم الصحابة حتى ~~بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا. وقد كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ ~~ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي. وكذلك ~~أسامة بن زيد قد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا وكذلك الذين وجدوا رجلا ~~في غنم له فقال: إني مسلم فقتلوه وأخذوا ماله كان خطؤهم قطعيا. وكذلك خالد ~~بن الوليد قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا. وكذلك الذين تيمموا ~~إلى الآباط وعمار الذي تمعك في التراب للجنابة كما تمعك الدابة بل والذين ~~أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا. وفي زماننا لو ~~أسلم قوم في بعض الأطراف ولم # PageV19P209 # يعلموا بوجوب الحج أو لم يعلموا تحريم الخمر ms5890 لم يحدوا على ذلك وكذلك لو ~~نشئوا بمكان جهل. وقد زنت على عهد عمر امرأة فلما أقرت به قال عثمان: إنها ~~لتستهل به استهلال من لا يعلم أنه حرام. فلما تبين للصحابة أنها تعرف ~~التحريم لم يحدوها واستحلال الزنا خطأ قطعا. والرجل إذا حلف على شيء يعتقده ~~كما حلف عليه فتبين بخلافه فهو مخطئ قطعا ولا إثم عليه باتفاق وكذلك لا ~~كفارة عليه عند الأكثرين. ومن اعتقد بقاء الفجر فأكل فهو مخطئ قطعا إذا ~~تبين له الأكل بعد الفجر؛ ولا إثم عليه وفي القضاء نزاع وكذلك من اعتقد ~~غروب الشمس فتبين بخلافه. ومثل هذا كثير. وقول الله تعالى في القرآن: {ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله تعالى: " قد فعلت " ولم يفرق بين ~~الخطأ القطعي في مسألة قطعية أو ظنية. والظني ما لا يجزم بأنه خطأ إلا إذا ~~كان أخطأ قطعا قالوا: فمن قال: إن المخطئ في مسألة قطعية أو ظنية يأثم فقد ~~خالف الكتاب والسنة والإجماع القديم. # PageV19P210 # قالوا: وأيضا فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال ~~المعتقدين ليس هو وصفا للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها ~~بالضرورة؛ أو بالنقل المعلوم صدقه عنده وغيره لا يعرف ذلك لا قطعا ولا ظنا. ~~وقد يكون الإنسان ذكيا قوي الذهن سريع الإدراك فيعرف من الحق ويقطع به ما ~~لا يتصوره غيره ولا يعرفه لا علما ولا ظنا. فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل ~~إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الاستدلال والناس يختلفون في هذا ~~وهذا فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه حتى ~~يقال: كل من خالفه قد خالف القطعي بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد ~~وهذا مما يختلف فيه الناس فعلم أن هذا الفرق لا يطرد ولا ينعكس. ومنهم من ~~فرق بفرق ثالث وقال: المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل فكل مسألة علمية ~~استقل العقل بدركها فهي من مسائل الأصول التي يكفر أو يفسق مخالفها. ~~والمسائل الفروعية هي ms5891 المعلومة بالشرع قالوا: فالأول كمسائل الصفات والقدر؛ ~~والثاني كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار. # PageV19P211 # فيقال لهم: ما ذكرتموه بالضد أولى فإن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك ~~من الأحكام التي يستقل بها العقل. إلى أن قال: وحينئذ فإن كان الخطأ في ~~المسائل العقلية التي يقال: إنها أصول الدين كفرا فهؤلاء السالكون هذه ~~الطرق الباطلة في العقل المبتدعة في الشرع هم الكفار لا من خالفهم وإن لم ~~يكن الخطأ فيها كفرا فلا يكفر من خالفهم فيها فثبت أنه ليس كافرا في حكم ~~الله ورسوله على التقديرين ولكن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا ~~يجعلونها واجبة في الدين بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه ويكفرون من ~~خالفهم فيها ويستحلون دمه كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة ~~وغيرهم. وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فأخطأ وإن كان ~~مخالفا لهم مستحلا لدمائهم كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان ~~وعلي ومن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم. وكلام هؤلاء ~~المتكلمين في هذه المسائل بالتصويب والتخطئة والتأثيم ونفيه والتكفير ~~ونفيه؛ لكونهم بنوا على القولين المتقدمين في قول القدرية الذين يجعلون كل ~~مستدل قادرا على معرفة الحق # PageV19P212 # فيعذب كل من لم يعرفه؛ وقول الجهمية الجبرية الذين يقولون: لا قدرة للعبد ~~على شيء أصلا بل الله يعذب بمحض المشيئة فيعذب من لم يعمل ذنبا قط وينعم من ~~كفر وفسق وقد وافقهم على ذلك كثير من المتأخرين. وهؤلاء يقولون: يجوز أن ~~يعذب الأطفال والمجانين وإن لم يفعلوا ذنبا قط ثم منهم من يجزم بعذاب أطفال ~~الكفار في الآخرة ومنهم من يجوزه ويقول: لا أدري ما يقع؟ وهؤلاء يجوزون أن ~~يغفر لأفسق أهل القبلة بلا سبب أصلا ويعذب الرجل الصالح على السيئة الصغيرة ~~وإن كانت له حسنات أمثال الجبال بلا سبب أصلا بل بمحض المشيئة. وأصل ~~الطائفتين أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح إلى ~~آخر ما نقل - رحمه الله - ثم قال: وبهذا يظهر القول الثالث في هذا الأصل ms5892 ~~وهو: أنه ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق ولا يستحق الوعيد إلا ~~من ترك مأمورا أو فعل محظورا وهذا هو قول الفقهاء والأئمة وهو القول ~~المعروف عن سلف الأمة وقول جمهور المسلمين وهذا القول يجمع الصواب من ~~القولين. # PageV19P213 # فالصواب من القول الأول قول الجهمية الذي وافقوا فيه السلف والجمهور وهو ~~أنه ليس كل من طلب واجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق فيه بل استطاعة الناس ~~في ذلك متفاوتة. # والقدرية يقولون: إن الله تعالى سوى بين المكلفين في القدرة ولم يخص ~~المؤمنين بما فضلهم به على الكفار حتى آمنوا ولا خص المطيعين بما فضلهم به ~~على العصاة حتى أطاعوا. وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التي ~~خالفوا بها الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح كما بسط في موضعه. ~~ولهذا قالوا: إن كل مستدل فمعه قدرة تامة يتوصل بها إلى معرفة الحق ومعلوم ~~أن الناس إذا اشتبهت عليهم القبلة في السفر فكلهم مأمورون بالاجتهاد ~~والاستدلال على جهة القبلة ثم بعضهم يتمكن من معرفة جهتها وبعضهم يعجز عن ~~ذلك فيغلط فيظن في بعض الجهات أنها جهتها ولا يكون مصيبا في ذلك. لكن هو ~~مطيع لله ولا إثم عليه في صلاته إليها؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها فعجزهم عن العلم بها كعجزه عن التوجه إليها كالمقيد والخائف؛ ~~والمحبوس والمريض الذي لا يمكنه التوجه إليها. ولهذا كان الصواب في الأصل ~~الثاني قول من يقول: إن الله لا يعذب في الآخرة إلا من عصاه بترك # PageV19P214 # المأمور أو فعل المحظور. والمعتزلة في هذا وافقوا الجماعة بخلاف الجهمية ~~ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم؛ فإنهم قالوا: بل يعذب من لا ذنب له أو نحو ~~ذلك. ثم هؤلاء يحتجون على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهو حجة عليهم أيضا في نفي العذاب ~~مطلقا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك ~~يقولون: يعذب من لم يبعث إليه رسولا لأنه فعل القبائح العقلية. ms5893 وهؤلاء ~~يقولون: بل يعذب من لم يفعل قبيحا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسنة ~~والعقل أيضا قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى عن أهل ~~النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} فقد ~~أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم ~~نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم ~~نذير فمن لم يأته نذير لم يدخل النار. وقال: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم وأهلها غافلون} أي: هذا بهذا السبب فعلم أنه لا يعذب من كان غافلا ما ~~لم يأته # PageV19P215 # نذير ودل أيضا على أن ذلك ظلم تنزه سبحانه عنه. وأيضا فإن الله تعالى قد ~~أخبر في غير موضع أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها كقوله: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} وقوله تعالى {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها} وقوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها} وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها} وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقد ~~دعاه المؤمنون بقولهم: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فقال: " قد فعلت ". فدلت هذه ~~النصوص على أنه لا يكلف نفسا ما تعجز عنه خلافا للجهمية المجبرة ودلت على ~~أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافا للقدرية والمعتزلة. وهذا فصل الخطاب في ~~هذا الباب. فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك: إذا ~~اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه وهو ~~مطيع لله مستحق # PageV19P216 # للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه الله ألبتة خلافا للجهمية المجبرة ~~وهو مصيب؛ بمعنى: أنه مطيع لله لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه ~~خلافا للقدرية والمعتزلة في قولهم: ms5894 كل من استفرغ وسعه علم الحق فإن هذا ~~باطل كما تقدم بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب. وكذلك الكفار: من بلغه ~~دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن به ~~وآمن بما أنزل عليه؛ واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ولم تمكنه ~~الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعا من ~~الهجرة وممنوعا من إظهار دينه وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام: فهذا ~~مؤمن من أهل الجنة. كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت امرأة ~~فرعون بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر؛ فإنهم كانوا كفارا ~~ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام؛ فإنه دعاهم إلى ~~التوحيد والإيمان فلم يجيبوه قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {ولقد جاءكم يوسف ~~من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث ~~الله من بعده رسولا} . وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه ~~في # PageV19P217 # الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم؛ ولهذا {لما مات لم يكن هناك ~~أحد يصلي عليه فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة خرج بالمسلمين ~~إلى المصلى فصفهم صفوفا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: إن أخا لكم ~~صالحا من أهل الحبشة مات} وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل ~~فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت بل قد روي أنه لم يصل ~~الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤد الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان ~~يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعا أنه لم ~~يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه ~~إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه وحذره أن يفتنوه ~~عن بعض ما أنزل الله إليه. وهذا مثل ms5895 الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم وفي ~~الديات بالعدل؛ والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع النفس بالنفس والعين ~~بالعين وغير ذلك. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا ~~يقرونه على ذلك وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل ~~وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من ~~يمنعه ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها # PageV19P218 # وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل وقيل: إنه سم ~~على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع ~~الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم ~~الحكم بها. ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب قال الله تعالى: {وإن من ~~أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب} وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي ويروى هذا ~~عن جابر وابن عباس وأنس. ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه؛ كما قال الحسن ~~وقتادة. وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد ~~بها واحد. وعن عطاء قال: نزلت في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة ~~وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم ~~يذكر هؤلاء من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مثل: عبد الله بن ~~سلام وغيره ممن كان يهوديا وسلمان الفارسي وغيره ممن كان نصرانيا إلا هؤلاء ~~صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم # PageV19P219 # وما أنزل إليهم} ولا يقول أحد: إن اليهود والنصارى بعد إسلامهم وهجرتهم ~~ودخولهم في جملة المسلمين المهاجرين المجاهدين يقال: إنهم من أهل الكتاب أي ~~من جملتهم وقد آمنوا بالرسول كما قال تعالى في المقتول خطأ: {عدو لكم وهو ms5896 ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} فهو ~~من العدو ولكن هو كان قد آمن وما أمكنه الهجرة وإظهار الإيمان والتزام ~~شرائعه فسماه مؤمنا لأنه فعل من الإيمان ما يقدر عليه. وهذا كما أنه قد كان ~~بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم وهم عاجزون عن الهجرة قال تعالى: ~~{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين ~~في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا} {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا} {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} ~~فعذر سبحانه المستضعف العاجز عن الهجرة. وقال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون ~~في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا ~~أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من ~~لدنك نصيرا} فأولئك كانوا عاجزين عن إقامة دينهم فقد سقط عنهم ما عجزوا ~~عنه؟ فإذا # PageV19P220 # كان هذا فيمن كان مشركا وآمن: فما الظن بمن كان من أهل الكتاب وآمن؟ ~~وقوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} قيل: هو الذي يكون عليه لباس أهل ~~الحرب مثل أن يكون في صفهم فيعذر القاتل لأنه مأمور بقتاله فتسقط عنه الدية ~~وتجب الكفارة وهو قول الشافعي وأحمد في أحد القولين وقيل: بل هو من أسلم ~~ولم يهاجر. كما يقوله أبو حنيفة لكن هذا قد أوجب فيه الكفارة. وقيل إذا كان ~~من أهل الحرب لم يكن له وارث فلا يعطى أهل الحرب ديته بل تجب الكفارة فقط. ~~وسواء عرف أنه مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر وهذا ظاهر الآية. وقد قال بعض ~~المفسرين: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه كما نقل عن ابن ~~جريج ومقاتل وابن زيد يعني: قوله: {وإن من أهل الكتاب} وبعضهم قال: إنها في ~~مؤمني أهل الكتاب. فهو كالقول الأول وإن أراد العموم فهو كالثاني. وهذا ms5897 قول ~~مجاهد ورواه أبو صالح عن ابن عباس. وقول من أدخل فيها ابن سلام وأمثاله ~~ضعيف؛ فإن هؤلاء من المؤمنين ظاهرا وباطنا من كل وجه لا يجوز أن يقال فيهم: ~~{وإن # PageV19P221 # من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ~~لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب} . أما أولا: فإن ابن سلام أسلم في أول ما قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة وقال: فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وسورة آل ~~عمران إنما نزل ذكر أهل الكتاب فيها لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر. ~~وثانيا: أن ابن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين وهو من ~~أفضلهم وكذلك سلمان الفارسي فلا يقال فيه: إنه من أهل الكتاب. وهؤلاء لهم ~~أجور مثل أجور سائر المؤمنين بل يؤتون أجرهم مرتين وهم ملتزمون جميع شرائع ~~الإسلام فأجرهم أعظم من أن يقال فيه: {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} . وأيضا ~~فإن أمر هؤلاء كان ظاهرا معروفا ولم يكن أحد يشك فيهم فأي فائدة في الإخبار ~~بهم؟ وما هذا إلا كما يقال: الإسلام دخل فيه من كان مشركا أو كان كتابيا ~~وهذا معلوم لكل أحد بأنه دين لم يعرف قبل محمد صلى الله عليه وسلم فكل من ~~دخل فيه كان قبل ذلك إما مشركا وإما من أهل الكتاب إما كتابيا وإما # PageV19P222 # أميا. فأي فائدة في الإخبار بهذا؟ بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا ~~متظاهرين بكثير مما عليه النصارى؛ فإن أمرهم قد يشتبه. ولهذا ذكروا في سبب ~~نزول هذه الآية: إنه لما مات النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال قائل: تصلي على هذا العلج النصراني وهو في أرضه؟ فنزلت هذه الآية هذا ~~منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة ~~على النجاشي وهذا بخلاف ابن سلام وسلمان الفارسي؛ فإنه إذا صلى على واحد من ~~هؤلاء لم ينكر ذلك ms5898 أحد. وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام فيهم منافق لا ~~يصلى عليه كما نزل في حق ابن أبي وأمثاله. وإن من هو في أرض الكفر يكون ~~مؤمنا يصلى عليه كالنجاشي. ويشبه هذه الآية أنه لما ذكر تعالى أهل الكتاب ~~فقال: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} ~~{لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} {ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء ~~بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} # PageV19P223 # {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون} {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهذه الآية قيل: إنها نزلت في عبد ~~الله بن سلام وأصحابه. وقيل: إن قوله {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} . ~~هو عبد الله بن سلام وأصحابه. وهذا والله أعلم من نمط الذي قبله؛ فإن هؤلاء ~~ما بقوا من أهل الكتاب وإنما المقصود من هو منهم في الظاهر وهو مؤمن؛ لكن ~~لا يقدر على ما يقدر عليه المؤمنون المهاجرون المجاهدون كمؤمن آل فرعون هو ~~من آل فرعون وهو مؤمن؛ ولهذا قال تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} فهو من ~~آل فرعون وهو مؤمن. وكذلك هؤلاء منهم المؤمنون. ولهذا قال: {وأكثرهم ~~الفاسقون} وقد قال قبل هذا {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} ثم قال: {لن يضروكم إلا أذى} وهذا عائد إليهم ~~جميعهم لا إلى أكثرهم. ولهذا قال: {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون} وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولا يمكنه ~~الهجرة وهو مكره على القتال ويبعث # PageV19P224 # يوم القيامة على نيته كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {يغزو جيش هذا ms5899 البيت فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل: يا ~~رسول الله وفيهم المكره قال: يبعثون على نياتهم} وهذا في ظاهر الأمر وإن ~~قتل وحكم عليه بما يحكم على الكفار فالله يبعثه على نيته كما أن المنافقين ~~منا يحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام ويبعثون على نياتهم. والجزاء يوم ~~القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر؛ ولهذا روي {أن العباس قال: ~~يا رسول الله كنت مكرها. قال: أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله} ~~. وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز ~~عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان ~~وكذلك ما لم يعلم حكمه فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل ~~لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر ~~وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد. وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء ~~الزكاة وغير ذلك. ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد باتفاق المسلمين ~~وإنما # PageV19P225 # اختلفوا في قضاء الصلوات. وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو ميسر ثم ~~تبين له تحريم ذلك بعد القبض: هل يفسخ العقد أم لا؟ كما لا نفسخه لو فعل ~~ذلك قبل الإسلام. وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادتهم ثم لما بلغته ~~شرائع الإسلام رأى أنه قد أخل ببعض شروطه كما لو تزوج في عدة وقد انقضت. ~~فهل يكون هذا فاسدا أو يقر عليه؟ كما لو عقده قبل الإسلام ثم أسلم. وأصل ~~هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلمها أم لا تلزم أحدا إلا بعد العلم؟ ~~أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟ هذا فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه ~~في مذهب أحمد ذكر القاضي أبو يعلى الوجهين المطلقين في كتاب له وذكر هو ~~وغيره الوجه المفرق في أصول الفقه وهو: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى ~~يبلغه الناسخ. وأخرج ms5900 أبو الخطاب وجها في ثبوته. ومن هذا الباب من ترك ~~الطهارة الواجبة ولم يكن علم بوجوبها أو صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه ~~بالنهي: هل يعيد الصلاة؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد. والصواب في هذا ~~الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم وأنه لا يقضي ما لم ~~يعلم وجوبه فقد ثبت في الصحيح أن # PageV19P226 # من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر في رمضان حتى تبين له الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء ومنهم من كان ~~يمكث جنبا مدة لا يصلي ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم كأبي ذر وعمر بن ~~الخطاب وعمار لما أجنب ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم ~~بالقضاء ولا شك أن خلقا من المسلمين بمكة والبوادي صاروا يصلون إلى بيت ~~المقدس حتى بلغهم النسخ ولم يؤمروا بالإعادة. ومثل هذا كثير. وهذا يطابق ~~الأصل الذي عليه السلف والجمهور: أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها فالوجوب ~~مشروط بالقدرة والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور أو فعل محظور بعد قيام ~~الحجة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV19P227 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # قول الناس: العلوم الشرعية والعقلية قد يكون بينهما عموم وخصوص وقد يكون ~~أحدهما قسيم الآخر. ويكون الصواب في مواضع أن يقال: السمعية والعقلية؛ وذلك ~~أن قولنا: العلوم الشرعية قد يراد به ما أمر به الشارع وقد يراد به ما أخبر ~~به الشارع وقد يراد به ما شرع أن يعلم وقد يراد به ما علمه الشارع. فالأول: ~~هو العلم المشروع - كما يقال: العمل المشروع - وهو الواجب أو المستحب وربما ~~دخل فيه المباح بالشرع. والثاني: هو العلم المستفاد من الشارع وهو ما علمه ~~الرسول لأمته بما بعث به من الإيمان والقرآن والكتاب والحكمة وهو ما دل ~~عليه الكتاب والسنة أو الإجماع أو توابع ذلك. فالأول: إضافة له بحسب حكمه ~~في الشرع والثاني: إضافة إلى # PageV19P228 # طريقه ودليله فقولنا في الأول: علم ms5901 شرعي كما يقال: عمل شرعي والثاني: كما ~~يقال: علم عقلي وسمعي الأول نظر فيه من جهة المدح والذم والثواب والعقاب ~~والأمر والنهي وهو خطاب التكليف. والثاني نظر فيه من جهة طريقه ودليله ~~وصحته وفساده ومطابقته ومخالفته وهو من جهة خطاب الإخبار. ثم كل من القسمين ~~على قسمين: فإنه إذا عرف أن الشرعي: إما أن يكون ما أخبر به؛ وإما أن يكون ~~ما أمر به. فما أخبر به: إما أن يبين له دليلا عقليا أو لا يذكر. وما أمر ~~به: إما أن يكون مقصودا للشارع؛ أو لازما لمقصود الشارع وهو ما لا يتم ~~مقصوده الواجب أو المستحب إلا به. فهذه أربعة أقسام. وإن شئت أن تقسم ~~المأمور به إلى ما يعرف بالعقل فقط وإلى ما يعرف بالشرع أيضا فيكون شرعيا ~~خبرا وأمرا؛ فإن ما علم بالشرع لا يخلو: إما أن يراد به إخبار الشارع أو ~~دلالة الشارع فإذا عني به ما دل عليه الشارع مثل دلالته على آيات الربوبية ~~ودلالة الرسالة ونحو ذلك؛ فإنه يجتمع في هذا أن يكون شرعيا عقليا. فإن ~~الشارع لما نبه العقول على الآيات والبراهين والعبر اهتدت العقول فعلمت ما ~~هداها إليه الشارع. # PageV19P229 # واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار؛ مثل الإقرار بوجود الخالق ~~وبوحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وعظمته والإقرار بالثواب وبرسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وغير ذلك مما يعلم بالعقل: قد دل الشارع على أدلته العقلية. ~~وهذه الأصول التي يسميها أهل الكلام العقليات وهي ما تعلم بالعقل فإنها ~~تعلم بالشرع لا أعني بمجرد إخباره فإن ذلك لا يفيد العلم إلا بعد العلم ~~بصدق المخبر فالعلم بها من هذا الوجه موقوف على ما يعلم بالعقل من الإقرار ~~بالربوبية وبالرسالة وإنما أعني بدلالته وهدايته كما أن ما يتعلمه ~~المتعلمون ببيان المعلمين وتصنيف المصنفين إنما هو لما بينوه للعقول من ~~الأدلة. فهذا موضع يجب التفطن له؛ فإن كثيرا من الغالطين من متكلم ومحدث ~~ومتفقه وعامي وغيرهم: يظن أن العلم المستفاد من الشرع إنما هو لمجرد إخباره ~~تصديقا له ms5902 فقط؛ وليس كذلك؛ بل يستفاد منه بالدلالة والتنبيه والإرشاد جميع ~~ما يمكن ذلك فيه من علم الدين. والقسم الثاني من الشرعي: ما يعلم بإخبار ~~الشارع. فهذا لا يخلو: إما أن يمكن علمه بالعقل أيضا؛ أو لا يمكن؛ فإن لم ~~يمكن فلهذا يعلم بمجرد إخبار الشارع وإن أمكن علمه بالعقل فهل يوجد مثل ~~هذا؟ وهو أن يكون أمر أخبر الشارع به وعلمه ممكن بالعقل أيضا ولم يدل ~~الشارع على دليل له عقلي فهذا ممكن ولا نقص إذا وقع مثل # PageV19P230 # هذا في الشريعة؛ فإنه إذا عرف صدق المبلغ جاز أن يعلم بخبره كل ما يحتاج ~~إليه ولا ريب أن كثيرا من الناس لا ينالون علم ذلك إلا من جهة خبر الشارع ~~وقد أحسنوا في ذلك حيث آمنوا به؛ لكن هل ذلك واقع مطلقا؟ . وقد ذهب خلائق ~~من المتفلسفة والمتكلمة والمتفقهة والمتصوفة والعامة وغير ذلك إلى وقوع ذلك ~~وهو أن فيما أخبر به الشارع أمورا قد تعلم بالعقل أيضا وإن كان الشارع لم ~~يذكر دلالته العقلية. وهذا فيه نظر؛ فإن من تأمل وجوه دلالة الكتاب والسنة ~~وما فيها من جلي وخفي وظاهر وباطن قد يقول: إن الشارع نبه في كل ما يمكن ~~علمه بالعقل على دلالة عقلية كما قد حصل الاتفاق على أن ذلك واقع في مسائل ~~أصول الدين الكبار وفي هذا نظر. فصارت العلوم بهذا الاعتبار: إما أن تعلم ~~بالشرع فقط وهو ما يعلم بمجرد إخبار الشرع مما لا يهتدي العقل إليه بحال ~~لكن هذه العلوم قد تعلم بخبر آخر غير خبر شارعنا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وإما أن تعلم بالعقل فقط؛ كمرويات الطب والحساب والصناعات. وإما أن تعلم ~~بهما فإما أن يكون الشارع قد هدى إلى دلالتها كما أخبر بها أم لا فإن كان ~~الأول فهي عقليات الشرعيات؛ أو عقلي # PageV19P231 # الشارع. أو ما شرع عقله. أو العقل المشروع. وإما أن يكون قد أخبر بها فقط ~~فهذه عقلية من غير الشارع. فيجب التفطن. لكن العقلي قد يعقل من الشارع وهو ~~عامة ms5903 أصول الدين وقد يعقل من غيره ولم يعقل منه فهذا في وجوده نظر. وبهذا ~~التحرير يتبين لك أن عامة المتفلسفة وجمهور المتكلمة جاهلة بمقدار العلوم ~~الشرعية ودلالة الشارع عليها ويوهمهم علو العقلية عليها فإن جهلهم ابتنى ~~على مقدمتين جاهليتين: إحداهما: أن الشرعية ما أخبر الشارع بها. والثانية: ~~أن ما يستفاد بخبره فرع للعقليات التي هي الأصول فلزم من ذلك تشريف العقلية ~~على الشرعية. وكلا المقدمتين باطلة؛ فإن الشرعيات: ما أخبر الشارع بها وما ~~دل الشارع عليها. وما دل الشارع عليه ينتظم جميع ما يحتاج إلى علمه بالعقل ~~وجميع الأدلة والبراهين وأصول الدين ومسائل العقائد بل قد تدبرت عامة ما ~~يذكره المتفلسفة والمتكلمة والدلائل العقلية فوجدت دلائل الكتاب والسنة ~~تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر وتأتي بأشياء # PageV19P232 # لم يهتدوا لها وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها ~~واضطرابها وقد بينت تفصيل هذه الجملة في مواضع. وأما إذا أريد بالشرعية ما ~~شرع علمه. فهذا يدخل فيه كل علم مستحب أو واجب وقد يدخل فيه المباح وأصول ~~الدين على هذا من العلوم الشرعية أيضا وما علم بالعقل وحده فهو من الشرعية ~~أيضا؛ إذا كان علمه مأمورا به في الشرع. وعلى هذا فتكون الشرعية قسمين: ~~عقلية وسمعية. وتجعل السمعية هنا بدل الشرعية في الطريقة الأولى وقد تبين ~~بهذا أن كل علم عقلي أمر الشرع به أو دل الشرع عليه فهو شرعي أيضا إما ~~باعتبار الأمر أو الدلالة أو باعتبارهما جميعا. ويتبين بهذا التحرير أن ما ~~خرج من العلوم العقلية عن مسمى الشرعية وهو ما لم يأمر به الشارع ولم يدل ~~عليه فهو يجري مجرى الصناعات كالفلاحة والبناية والنساجة وهذا لا يكون إلا ~~في العلوم المفضولة المرجوحة ويتبين أن مسمى الشرعية أشرف وأوسع وأن بين ~~العقلية والشرعية عموما وخصوصا ليس أحدهما قسيم الآخر وإنما السمعي قسيم ~~العقلي وأنه يجتمع في العلم أن يكون عقليا وهو شرعي بالاعتبارات الثلاثة: ~~إخباره به؛ أمره به؛ دلالة عليه. فتدبر أن النسبة # PageV19P233 # إلى الشرع بهذه الوجوه الثلاثة. ثم ما ms5904 أمر به الشارع من العلم: إما أن ~~يكون أمره به يعود [إلى ما يقصده الشارع حقيقة] (1) أو لزوما من جهة ما لا ~~يتأتى المشروع إلا به. # وكذلك الحكم الشرعي يريد به المعتزلة ما أخبر به الشارع فقط. ويريد به ~~الأشعرية ما أثبته الشارع. وقد وافق كل فريق قوم من أصحابنا وغيرهم والصواب ~~أن الحكم الشرعي يكون تارة ما أخبر به؛ ويكون تارة ما أثبته وتارة يجتمع ~~الأمران. والله أعلم. PageV19P234 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: جامع نافع # الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة: منها ما يعرف حده ~~ومسماه بالشرع فقد بينه الله ورسوله: كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج؛ ~~والإيمان والإسلام؛ والكفر والنفاق. ومنه ما يعرف حده باللغة؛ كالشمس ~~والقمر؛ والسماء والأرض؛ والبر والبحر ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس ~~وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم؛ كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار؛ ~~ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد؛ ولا لها حد واحد يشترك فيه ~~جميع أهل اللغة بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس. فما كان من النوع ~~الأول فقد بينه الله ورسوله وما كان من الثاني والثالث فالصحابة والتابعون ~~المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به؛ لمعرفتهم بمسماه المحدود في ~~اللغة أو المطلق في عرف الناس # PageV19P235 # وعادتهم من غير حد شرعي ولا لغوي وبهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة. ~~والاسم إذا بين النبي صلى الله عليه وسلم حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله ~~عن اللغة أو زاد فيه بل المقصود أنه عرف مراده بتعريفه هو صلى الله عليه ~~وسلم كيفما كان الأمر؛ فإن هذا هو المقصود وهذا كاسم الخمر؛ فإنه قد بين أن ~~كل مسكر خمر فعرف المراد بالقرآن وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر ~~على كل مسكر أو تخص به عصير العنب. لا يحتاج إلى ذلك؛ إذ المطلوب معرفة ما ~~أراد الله ورسوله بهذا الاسم وهذا قد عرف ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبأن الخمر في لغة المخاطبين بالقرآن كانت تتناول ms5905 نبيذ التمر وغيره ولم يكن ~~عندهم بالمدينة خمر غيرها وإذا كان الأمر كذلك فما أطلقه الله من الأسماء ~~وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده ~~إلا بدلالة من الله ورسوله. فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة ولم ~~يقسمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: طهور وغير طهور فهذا التقسيم ~~مخالف للكتاب والسنة وإنما قال الله: {فلم تجدوا ماء} وقد بسطنا هذا في غير ~~هذا الموضع وبينا أن كل ما وقع عليه اسم الماء فهو طاهر طهور سواء كان ~~مستعملا في طهر واجب أو مستحب # PageV19P236 # أو غير مستحب؛ وسواء وقعت فيه نجاسة أو لم تقع إذا عرف أنها قد استحالت ~~فيه واستهلكت وأما إن ظهر أثرها فيه فإنه يحرم استعماله لأنه استعمال ~~للمحرم. # فصل: # ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاما متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر ~~لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك ~~واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر فمن قدر في ذلك حدا فقد خالف ~~الكتاب والسنة والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد. ~~ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح: أنه لا حد لا لأقله ولا ~~لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض. وإن قدر أنه أقل من يوم ~~استمر بها على ذلك فهو حيض. وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك ~~فهو حيض. وأما إذا استمر الدم بها دائما فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد ~~علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهرا وتارة تكون حائضا ولطهرها ~~أحكام ولحيضها أحكام. # PageV19P237 # والعادة الغالبة أنها تحيض ربع الزمان ستة أو سبعة وإلى ذلك رد النبي صلى ~~الله عليه وسلم المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز والطهر بين الحيضتين ~~لا حد لأكثره باتفاقهم. إذ من النسوة من لا تحيض بحال وهذه إذا تباعد ما ~~بين أقرائها فهل تعتد ms5906 بثلث حيض أو تكون كالمرتابة تحيض سنة؟ فيه قولان ~~للفقهاء. وكذلك أقله على الصحيح لا حد له بل قد تحيض المرأة في الشهر ثلاث ~~حيض وإن قدر أنها حاضت ثلاث حيض في أقل من ذلك أمكن لكن إذا ادعت انقضاء ~~عدتها فيما يخالف العادة المعروفة فلا بد أن يشهد لها بطانة من أهلها كما ~~روي عن علي رضي الله عنه فيمن ادعت ثلاث حيض في شهر. والأصل في كل ما يخرج ~~من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي ~~الجبلي وهو دم ترخيه الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر؛ وذلك كالمرض؛ والأصل ~~الصحة لا المرض. فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو حيض تترك لأجله ~~الصلاة. ومن قال: إنها تغتسل عقيب يوم وليلة فهو قول مخالف للمعلوم من ~~السنة وإجماع السلف؛ فإنا نعلم أن النساء كن يحضن على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكل امرأة تكون في أول أمرها مبتدأة قد ابتدأها الحيض ومع هذا ~~فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV19P238 # واحدة منهن بالاغتسال عقب يوم وليلة. ولو كان ذلك منقولا لكان ذلك حدا ~~لأقل الحيض والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحد أقل الحيض باتفاق أهل الحديث. ~~والمروي في ذلك ثلاث. وهي أحاديث مكذوبة عليه باتفاق أهل العلم بحديثه وهذا ~~قول جماهير العلماء وهو أحد القولين في مذهب أحمد. وكذلك المرأة المنتقلة ~~إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال فذلك حيض. حتى يعلم أنه استحاضة ~~باستمرار الدم؛ فإنها كالمبتدأة. والمستحاضة ترد إلى عادتها ثم إلى تمييزها ~~ثم إلى غالب عادات النساء كما جاء في كل واحدة من هؤلاء سنة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد أخذ الإمام أحمد بالسنن الثلاث. ومن العلماء من أخذ ~~بحديثين؛ ومنهم من لم يأخذ إلا بحديث بحسب ما بلغه وما أدى إليه اجتهاده ~~رضي الله عنهم أجمعين. . والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها فهو ~~دم حيض بناء على الأصل. والنفاس ms5907 لا حد لأقله ولا لأكثره فلو قدر أن امرأة ~~رأت # PageV19P239 # الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس؛ لكن إن اتصل فهو ~~دم فساد؛ وحينئذ فالحد أربعون؛ فإنه منتهى الغالب جاءت به الآثار. ولا حد ~~لسن تحيض فيه المرأة بل لو قدر أنها بعد ستين أو سبعين زاد الدم المعروف من ~~الرحم لكان حيضا. واليأس المذكور في قوله: {واللائي يئسن من المحيض} ليس هو ~~بلوغ سن، [ف] (1) لو كان بلوغ سن لبينه الله ورسوله وإنما هو أن تيأس ~~المرأة نفسها من أن تحيض فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست من ~~المحيض ولو كانت بنت أربعين ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين أنها لم تكن آيسة ~~وإن عاودها بعد الأشهر الثلاثة فهو كما لو عاود غيرها من الآيسات ~~والمستريبات. ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب أن جعله سنا وقوله ~~مضطرب إن لم يحد اليأس لا بسن ولا بانقطاع طمع المرأة في المحيض وبنفس ~~الإنسان لا يعرف وإذا لم يكن للنفاس قدر فسواء ولدت المرأة توأمين أو أكثر ~~ما زالت ترى الدم فهي نفساء وما تراه من حين تشرع في الطلق فهو نفاس وحكم ~~دم النفاس حكم دم الحيض. ومن لم يأخذ بهذا بل قدر أقل الحيض بيوم أو يوم ~~وليلة أو ثلاثة أيام فليس معه في ذلك ما يعتمد عليه فإن النقل في ذلك عن ~~PageV19P240 # النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه باطل عند أهل العلم بالحديث. والواقع ~~لا ضابط له فمن لم يعلم حيضا إلا ثلاثا قال غيره قد علم يوما وليلة ومن لم ~~يعلم إلا يوما وليلة، قد علم غيره يوما ونحن لا يمكننا أن ننفي ما لا نعلم ~~وإذا جعلنا حد الشرع ما علمناه فقلنا: لا حيض دون ثلاث أو يوم وليلة أو ~~يوم؛ لأنا لم نعلم إلا ذلك كان هذا وضع شرع من جهتنا بعد العلم؛ فإن عدم ~~العلم ليس علما بالعدم؛ ولو كان هذا حدا شرعيا في نفس الأمر ms5908 لكان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أولى بمعرفته وبيانه منا كما حد للأمة ما حده الله لهم ~~من أوقات الصلوات والحج والصيام ومن أماكن الحج؛ ومن نصب الزكاة وفرائضها؛ ~~وعدد الصلوات وركوعها وسجودها. فلو كان للحيض وغيره مما لم يقدره النبي صلى ~~الله عليه وسلم حد عند الله ورسوله لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم فلما ~~لم يحده دل على أنه رد ذلك إلى ما يعرفه النساء ويسمى في اللغة حيضا؛ ولهذا ~~كان كثير من السلف إذا سئلوا عن الحيض قالوا: سلوا النساء فإنهن أعلم بذلك ~~يعني: هن يعلمن ما يقع من الحيض وما لا يقع. والحكم الشرعي تعلق بالاسم ~~الدال على الواقع فما وقع من دم فهو حيض إذا لم يعلم أنه دم عرق أو جرح؛ ~~فإن الدم الخارج إما أن ترخيه الرحم؛ أو ينفجر من عرق من العروق؛ أو من جلد ~~المرأة أو # PageV19P241 # لحمها فيخرج منه. وذلك يخرج من عروق صغار؛ لكن دم الجرح الصغير لا يسيل ~~سيلا مستمرا كدم العرق الكبير. ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمستحاضة: إن هذا دم عرق وليست بالحيضة} وإنما يسيل الجرح إذا انفجر عرق ~~كما ذكرنا فصد الإنسان؛ فإن الدم في العروق الصغار والكبار. # فصل: # والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بالمسح على الخفين فقال {صفوان بن ~~عسال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو مسافرين: أن لا ~~ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم} ولم ~~يقيد ذلك بكون الخف يثبت بنفسه أو لا يثبت بنفسه. وسليما من الخرق والفتق ~~أو غير سليم فما كان يسمى خفا ولبسه الناس ومشوا فيه مسحوا عليه المسح الذي ~~أذن الله فيه ورسوله وكلما كان بمعناه مسح عليه فليس لكونه يسمى خفا معنى ~~مؤثر بل الحكم يتعلق بما يلبس ويمشى فيه ولهذا جاء في الحديث المسح على ~~الجوربين. # PageV19P242 # فصل: # والله ورسوله علق القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ولا فرق بين ms5909 ~~طويل وقصير ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله ولا له في اللغة ~~مسافة محدودة فكلما يسميه أهل اللغة سفرا فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما ~~دل عليه الكتاب والسنة وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~عرفات وهي من مكة بريد فعلم أن التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة ليس حدا ~~شرعيا عاما. وما نقل في ذلك عن الصحابة قد يكون خاصا: كان في بعض الأمور لا ~~يكون السفر إلا كذلك ولهذا اختلفت الرواية عن كل منهم كابن عمر وابن عباس ~~وغيرهما فعلم أنهم لم يجعلوا للمسافر. ولا الزمان حدا شرعيا عاما كمواقيت ~~الصوم والصلاة بل حدوه لبعض الناس بحسب ما رأوه سفرا لمثله في تلك الحال ~~وكما يحد إلحاد الغني والفقير في بعض الصور بحسب ما يراه. لا لأن الشرع جعل ~~للغني والفقير مقدارا من المال يستوي فيه الناس كلهم بل قد يستغني الرجل ~~بالقليل وغيره لا يغنيه أضعافه: لكثرة عياله وحاجاته وبالعكس. وبعض الناس ~~قد يقطع المسافة العظيمة ولا يكون مسافرا كالبريد # PageV19P243 # إذا ذهب من البلد لتبليغ رسالة أو أخذ حاجة ثم كر راجعا من غير نزول. فإن ~~هذا لا يسمى مسافرا بخلاف ما إذا تزود زاد المسافر وبات هناك فإنه يسمى ~~مسافرا وتلك المسافة يقطعها غيره فيكون مسافرا يحتاج أن يتزود لها ويبيت ~~بتلك القرية ولا يرجع إلا بعد يوم أو يومين؛ فهذا يسميه الناس مسافرا وذلك ~~الذي ذهب إليها طردا وكر راجعا على عقبه لا يسمونه مسافرا والمسافة واحدة. ~~فالسفر حال من أحوال السير لا يحد بمسافة ولا زمان وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يذهب إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ولم يكن مسافرا وكان الناس ~~يأتون الجمعة من العوالي والعقيق ثم يدركهم الليل في أهلهم ولا يكونون ~~مسافرين وأهل مكة لما خرجوا إلى منى وعرفة كانوا مسافرين يتزودون لذلك ~~ويبيتون خارج البلد ويتأهبون أهبة السفر بخلاف من خرج لصلاة الجمعة أو ~~غيرها من الحاجات ثم رجع من يومه ms5910 ولو قطع بريدا؛ فقد لا يسمى مسافرا. وما ~~زال الناس يخرجون من مساكنهم إلى البساتين التي حول مدينتهم؛ ويعمل الواحد ~~في بستانه أشغالا من غرس وسقي وغير ذلك كما كانت الأنصار تعمل في حيطانهم ~~ولا يسمون مسافرين. ولو أقام أحدهم طول النهار ولو بات في بستانه وأقام فيه ~~أياما؛ ولو كان البستان أبعد من بريد؛ فإن البستان من توابع البلد عندهم ~~والخروج # PageV19P244 # إليه كالخروج إلى بعض نواحي البلد؛ والبلد الكبير الذي يكون أكثر من بريد ~~متى سار من أحد طرفيه إلى الآخر لم يكن مسافرا؛ فالناس يفرقون بين المتنقل ~~في المساكن وما يتبعها وبين المسافر الراحل عن ذلك كله. كما كان أهل مدينة ~~النبي صلى الله عليه وسلم يذهبون إلى حوائطهم ولا يكونون مسافرين والمدينة ~~لم يكن لها سور بل كانت قبائل قبائل ودورا دورا وبين جانبيها مسافة كبيرة ~~فلم يكن الراحل من قبيلة إلى قبيلة مسافرا؛ ولو كان كل قبيلة حولهم حيطانهم ~~ومزارعهم فإن اسم المدينة كان يتناول هذا كله. ولهذا قال تعالى: {وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} فجعل الناس ~~قسمين: أهل بادية هم الأعراب؛ وأهل المدينة فكان الساكنون كلهم في المدر ~~أهل المدينة وهذا يتناول قباء وغيرها ويدل على أن اسم المدينة كان يتناول ~~ذلك كله فإنه لم يكن لها سور كما هي اليوم. والأبواب تفتح وتغلق وإنما كان ~~لها أنقاب وتلك الأنقاب وإن كانت داخل قباء وغيرها لكن لفظ المدينة قد يعم ~~حاضر البلد وهذا معروف في جميع المدائن يقول القائل: ذهبت إلى دمشق أو مصر ~~أو بغداد أو غير ذلك وسكنت فيها وأقمت فيها مدة ونحو ذلك؛ وهو إنما كان ~~ساكنا خارج السور فاسم المدينة يعم تلك المساكن كلها؛ وإن كان الداخل # PageV19P245 # المسور أخص بالاسم من الخارج. وكذلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان لها داخل وخارج تفصل بينهما الأنقاب واسم المدينة يتناول ذلك كله في ~~كتاب الله تعالى ولهذا كان هؤلاء كلهم يصلون الجمعة والعيدين خلف النبي ms5911 صلى ~~الله عليه وسلم وخلفائه لم تكن تقام جمعة ولا عيدان لا بقباء ولا غيرها كما ~~كانوا يصلون الصلوات الخمس في كل قبيلة من القبائل. ومن هذا الباب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن بالمدينة لرجالا} هو يعم جميع المساكن. وكذلك ~~لفظ القرى الشامل للمدائن كقوله: {وكم من قرية أهلكناها} وقوله: {لتنذر أم ~~القرى ومن حولها} وقوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ~~يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وقوله: {ذلك من ~~أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} فإن هذا يتناول المساكن الداخلية ~~والخارجية وإن فصل بينها سور ونحوه؛ فإن البعث والإهلاك وغير ذلك لم يخص ~~بعضهم دون بعض وعامة المدائن لها داخل وخارج. # PageV19P246 # ولفظ الكعبة هو في الأصل اسم لنفس البنية ثم في القرآن قد استعمل فيما ~~حولها كقوله: {هديا بالغ الكعبة} . وكذلك لفظ المسجد الحرام يعبر به عن ~~المسجد وعما حوله من الحرم وكذلك لفظ بدر هو اسم للبئر ويسمى به ما حولها. ~~وكذلك أحد اسم للجبل ويتناول ما حوله فيقال: كانت الوقعة بأحد؛ وإنما كانت ~~تحت الجبل وكذلك يقال لمكان العقبة ولمكان القصر والعقيبة تصغير العقبة ~~والقصير تصغير قصر ويكون قد كان هناك قصر صغير أو عقبة صغيرة ثم صار الاسم ~~شاملا لما حول ذلك مع كبره فهذا كثير غالب في أسماء البقاع. والمقصود أن ~~المتردد في المساكن لا يسمى مسافرا وإذا كان الناس يعتادون المبيت في ~~بساتينهم ولهم فيها مساكن كان خروجهم إليها كخروجهم إلى بعض نواحي مساكنهم ~~فلا يكون المسافر مسافرا حتى يسفر فيكشف ويظهر للبرية الخارجة عن المساكن ~~التي لا يسير السائر فيها بل يظهر فيها وينكشف في العادة. والمقصود أن ~~السفر يرجع فيه إلى مسماه لغة وعرفا. # PageV19P247 # فصل: # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة؛ وليس ~~فيما دون خمس أواق صدقة؛ وليس فيما دون خمس ذود صدقة} وقال: {لا شيء في ~~الرقة حتى تبلغ مائتي درهم} وقال ms5912 في السارق: {يقطع إذا سرق ما يبلغ ثمن ~~المجن} وقال: {تقطع اليد في ربع دينار} والأوقية في لغته أربعون درهما ولم ~~يذكر للدرهم ولا للدينار حدا ولا ضرب هو درهما ولا كانت الدراهم تضرب في ~~أرضه بل تجلب مضروبة من ضرب الكفار. وفيها كبار وصغار وكانوا يتعاملون بها ~~تارة عددا وتارة وزنا كما قال: {زن وأرجح فإن خير الناس أحسنهم قضاء} وكان ~~هناك وزان يزن بالأجر ومعلوم أنهم إذا وزنوها فلا بد لهم من صنجة يعرفون ~~بها مقدار الدراهم لكن هذا لم يحده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدره وقد ~~ذكروا أن الدراهم كانت ثلاثة أصناف: ثمانية دوانق وستة وأربعة فلعل البائع ~~قد يسمي أحد تلك الأصناف فيعطيه المشتري من وزنها ثم هو مع هذا أطلق لفظ ~~الدينار والدرهم ولم يحده فدل على أنه يتناول هذا كله وإن من ملك من # PageV19P248 # الدراهم الصغار خمس أواق مائتي درهم فعليه الزكاة وكذلك من الوسطى وكذلك ~~من الكبرى. وعلى هذا فالناس في مقادير الدراهم والدنانير على عاداتهم فما ~~اصطلحوا عليه وجعلوه درهما فهو درهم؛ وما جعلوه دينارا فهو دينار وخطاب ~~الشارع يتناول ما اعتادوه سواء كان صغيرا أو كبيرا فإذا كانت الدراهم ~~المعتادة بينهم كبارا لا يعرفون غيرها لم تجب عليه الزكاة حتى يملك منها ~~مائتي درهم وإن كانت صغارا لا يعرفون غيرها وجبت عليه إذا ملك منها مائتي ~~درهم وإن كانت مختلطة فملك من المجموع ذلك وجبت عليه وسواء كانت بضرب واحد ~~أو ضروب مختلفة وسواء كانت خالصة أو مغشوشة ما دام يسمى درهما مطلقا. وهذا ~~قول غير واحد من أهل العلم. فأما إذا لم يسم إلا مقيدا مثل: أن يكون أكثره ~~نحاسا فيقال له: درهم أسود لا يدخل في مطلق الدرهم فهذا فيه نظر. وعلى هذا ~~فالصحيح قول من أوجب الزكاة في مائتي درهم مغشوشة كما هو قول أبي حنيفة ~~وأحد القولين في مذهب أحمد وإذا سرق السارق ثلاثة دراهم من الكبار أو ~~الصغار أو المختلطة قطعت يده. وأما الوسق ms5913 فكان معروفا عندهم أنه ستون صاعا ~~والصاع # PageV19P249 # معروف عندهم: وهو صاع واحد غير مختلف المقدار وهم صنعوه لم يجلب إليهم. ~~فلما علق الشارع الوجوب بمقدار خمسة أوسق كان هذا تعليقا بمقدار محدود ~~يتساوى فيه الناس بخلاف الأواقي الخمسة فإنه لم يكن مقدارا محدودا يتساوى ~~فيه الناس بل حده في عادة بعضهم أكثر من حده في عادة بعضهم كلفظ المسجد ~~والبيت والدار والمدينة والقرية هو مما تختلف فيه عادات الناس في كبرها ~~وصغرها ولفظ الشارع يتناولها كلها. ولو قال قائل: إن الصاع والمد يرجع فيه ~~إلى عادات الناس؛ واحتج بأن صاع عمر كان أكبر وبه كان يأخذ الخراج وهو ~~ثمانية أرطال كما يقوله أهل العراق لكان هذا يمكن فيما يكون لأهل البلد فيه ~~مكيالان: كبير وصغير. وتكون صدقة الفطر مقدرة بالكبير والوسق ستون مكيالا ~~من الكبير؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر نصاب الموسقات ومقدار صدقة ~~الفطر بصاع ولم يقدر بالمد شيئا من النصب والواجبات لكن لم أعلم بهذا قائلا ~~ولا يمكن أن يقال: إلا ما قاله السلف قبلنا لأنهم علموا مراد الرسول قطعا ~~فإن كان من الصحابة أو التابعين من جعل الصاع غير مقدر بالشرع صارت مسألة ~~اجتهاد. وأما الدرهم والدينار فقد عرفت تنازع الناس فيه واضطراب # PageV19P250 # أكثرهم؛ حيث لم يعتمدوا على دليل شرعي بل جعلوا مقدار ما أراده الرسول هو ~~مقدار الدراهم التي ضربها عبد الملك؛ لكونه جمع الدراهم الكبار والصغار ~~والمتوسطة وجعل معدلها ستة دوانيق فيقال لهم: هب أن الأمر كذلك؛ لكن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لما خاطب أصحابه وأمته بلفظ الدرهم والدينار وعندهم ~~أوزان مختلفة المقادير كما ذكرتم لم يحد لهم الدرهم بالقدر الوسط كما فعل ~~عبد الملك بل أطلق لفظ الدرهم والدينار كما أطلق لفظ القميص والسراويل؛ ~~والإزار والرداء والدار والقرية والمدينة والبيت وغير ذلك من مصنوعات ~~الآدميين فلو كان للمسمى عنده حد لحده مع علمه باختلاف المقادير فاصطلاح ~~الناس على مقدار درهم ودينار أمر عادي. ولفظ الذراع أقرب إلى الأمور ~~الخلقية منه؛ فإن ms5914 الذراع هو في الأصل ذراع الإنسان والإنسان مخلوق فلا يفضل ~~ذراع على ذراع إلا بقدر مخلوق لا اختيار فيه للناس بخلاف ما يفعله الناس ~~باختيارهم من درهم ومدينة ودار؛ فإن هذا لا حد له؛ بل الثياب تتبع مقاديرهم ~~والدور والمدن بحسب حاجتهم وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا ~~شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود ~~به؛ بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد ~~لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل # PageV19P251 # بها ولهذا كانت أثمانا؛ بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها ~~نفسها؛ فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية والوسيلة المحضة التي ~~لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت. ~~وأيضا فالتقدير إنما كان لخمسة أوسق وهي خمسة أحمال فلو لم يعتبر في ذلك ~~حدا مستويا لوجب أن تعتبر خمسة أحمال من أحمال كل قوم. وأيضا فسائر الناس ~~لا يسمون كلهم صاعا فلا يتناوله لفظ الشارع كما يتناول الدرهم والدينار ~~اللهم إلا أن يقال: إن الصاع اسم لكل ما يكال به؛ بدليل قوله: {صواع الملك} ~~فيكون كلفظ الدرهم. # فصل: # وكذلك لفظ الإطعام لعشرة مساكين لم يقدره الشرع بل كما قال الله: {من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم} وكل بلد يطعمون من أوسط ما يأكلون كفاية غيره كما ~~قد بسطناه في غير هذا الموضع. # PageV19P252 # وكذلك لفظ " الجزية " و " الدية " فإنها فعلة من جزى يجزي إذا قضى وأدى ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم {تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك} وهي في ~~الأصل جزى جزية كما يقال: وعد عدة ووزن زنة. وكذلك لفظ " الدية " هو من ودى ~~يدي دية كما يقال: وعد يعد عدة والمفعول يسمى باسم المصدر كثيرا فيسمى ~~المؤدى دية والمجزي المقضي جزية كما يسمى الموعود وعدا في قوله: {ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} {قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير ~~مبين} {فلما رأوه زلفة} وإنما رأوا ما ms5915 وعدوه من العذاب وكما يسمى مثل ذلك ~~الإتاوة لأنه تؤتى أي: تعطى. وكذلك لفظ الضريبة لما يضرب على الناس. فهذه ~~الألفاظ كلها ليس لها حد في اللغة ولكن يرجع إلى عادات الناس فإن كان الشرع ~~قد حد لبعض حدا كان اتباعه واجبا. ولهذا اختلف الفقهاء في الجزية: هل هي ~~مقدرة بالشرع أو يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة؟ . وكذلك الخراج والصحيح أنها ~~ليست مقدرة بالشرع. {وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أن يأخذ من كل ~~حالم دينارا أو عدله معافريا} قضية في عين لم يجعل ذلك شرعا عاما لكل من ~~تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة؛ بدليل أنه صالح لأهل البحرين على # PageV19P253 # حالم ولم يقدره هذا التقدير وكان ذلك جزية وكذلك صالح أهل نجران على ~~أموال غير ذلك ولا مقدرة بذلك فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر ~~مصلحة وما يرضى به المعاهدون فيصير ذلك عليهم حقا يجزونه أي: يقصدونه ~~ويؤدونه. وأما الدية ففي العمد يرجع فيها إلى رضى الخصمين وأما في الخطأ ~~فوجبت عينا بالشرع فلا يمكن الرجوع فيها إلى تراضيهم بل قد يقال: هي مقدرة ~~بالشرع تقديرا عاما للأمة كتقدير الصلاة والزكاة وقد تختلف باختلاف أقوال ~~الناس في جنسها وقدرها وهذا أقرب القولين وعليه تدل الآثار وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما جعلها مائة لأقوام كانت أموالهم الإبل؛ ولهذا جعلها ~~على أهل الذهب ذهبا؛ وعلى أهل الفضة فضة؛ وعلى أهل الشاء شاء؛ وعلى أهل ~~الثياب ثيابا؛ وبذلك مضت سيرة عمر بن الخطاب وغيره. # فصل: # وقال الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ~~ما ملكت يمينك} وقد دل القرآن على أن ما حرم وطؤه بالنكاح # PageV19P254 # حرم بملك اليمين فلا يحل التسري بذوات محارمه ولا وطء السرية في الإحرام ~~والصيام والحيض وغير ذلك مما يحرم وطء الزوجة فيه بطريق الأولى. وأما ### | الاستبراء # فلم تأت به السنة مطلقا في كل ms5916 مملوكة بل قد {نهى صلى الله عليه وسلم أن ~~يسقي الرجل ماءه زرع غيره} {وقال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا ~~غير ذات حمل حتى تستبرأ} وهذا كان في رقيق سبي ولم يقل مثل ذلك فيما ملك ~~بإرث أو شراء أو غيره. فالواجب أنه إن كانت توطأ المملوكة لا يحل وطؤها حتى ~~تستبرأ؛ لئلا يسقي الرجل ماءه زرع غيره. وأما إذا علم أنها لم يكن سيدها ~~يطؤها: إما لكونها بكرا؛ أو لكون السيد امرأة أو صغيرا؛ أو قال وهو صادق: ~~إني لم أكن أطؤها لم يكن لتحريم هذه حتى تستبرأ وجه لا من نص ولا من قياس. # فصل: # النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة وهم: الذين ينصرون ~~الرجل ويعينونه وكانت العاقلة على عهده هم عصبته. فلما كان في زمن عمر ~~جعلها على أهل الديوان؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء # PageV19P255 # فيقال: أصل ذلك أن العاقلة هم محدودون بالشرع أو هم من ينصره ويعينه من ~~غير تعيين. فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب؛ فإنهم العاقلة على عهده. ~~ومن قال بالثاني جعل العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك ~~الزمان والمكان. فلما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما ينصره ~~ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة؛ إذ لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ديوان ولا عطاء فلما وضع عمر الديوان كان معلوما أن جند كل مدينة ينصر ~~بعضه بعضا ويعين بعضه بعضا وإن لم يكونوا أقارب فكانوا هم العاقلة. وهذا ~~أصح القولين. وأنها تختلف باختلاف الأحوال: وإلا فرجل قد سكن بالمغرب وهناك ~~من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى ولعل أخباره قد ~~انقطعت عنهم؟ والميراث يمكن حفظه للغائب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{قضى في المرأة القاتلة أن عقلها على عصبتها؛ وأن ميراثها لزوجها وبنيها} ~~فالوارث غير العاقلة. وكذلك تأجيلها ثلاث سنين؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يؤجلها بل قضى بها حالة ms5917 وعمر أجلها ثلاث سنين. فكثير من الفقهاء ~~يقولون لا تكون إلا مؤجلة. كما قضى به عمر ويجعل ذلك بعضهم إجماعا وبعضهم ~~قال: لا تكون إلا حالة. والصحيح أن تعجيلها وتأجيلها بحسب الحال والمصلحة ~~فإن كانوا مياسير ولا ضرر عليهم في التعجيل أخذت # PageV19P256 # حالة وإن كان في ذلك مشقة جعلت مؤجلة. وهذا هو المنصوص عن أحمد: أن ~~التأجيل ليس بواجب كما ذكر كثير من أصحابه أنه واجب موافقة لمن ذكر ذلك من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم؛ فإن هذا القول في غاية الضعف وهو ~~يشبه قول من يجعل الأمة يجوز لها نسخ شريعة نبيها؛ كما يقوله بعض الناس من ~~أن الإجماع ينسخ؛ وهذا من أنكر الأقوال عند أحمد. فلا تترك سنة ثابتة إلا ~~بسنة ثابتة ويمتنع انعقاد الإجماع على خلاف سنة إلا ومع الإجماع سنة معلومة ~~نعلم أنها ناسخة للأولى. # فصل: # وقد قال الله تعالى في آية الخمس: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين} ومثل ذلك في آية الفيء. وقال في آية الصدقات: {للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها} الآية فأطلق الله ذكر الأصناف؛ وليس في اللفظ ~~ما يدل على التسوية بل على خلافها فمن أوجب باللفظ التسوية فقد قال ما ~~يخالف الكتاب والسنة ألا ترى أن الله لما قال: {ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين # PageV19P257 # وابن السبيل} وقال تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} وقال ~~تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} ~~وقال تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} وقال تعالى: ~~{فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} وأمثال ذلك لم تكن التسوية في شيء من ~~هذه المواضع واجبة؟ بل ولا مستحبة في أكثر هذه المواضع سواء كان الإعطاء ~~واجبا أو مستحبا بل بحسب المصلحة. ونحن إذا قلنا في الهدي والأضحية: يستحب ~~أن يأكل ثلثا ويتصدق بثلث؛ فإنما ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل؛ ~~وإلا فلو قدر كثرة الفقراء لاستحببنا ms5918 الصدقة بأكثر من الثلث وكذلك إذا قدر ~~كثرة من يهدي إليه على الفقراء؛ وكذلك الأكل. فحيث كان الأخذ بالحاجة أو ~~المنفعة كان الاعتبار بالحاجة والمنفعة بحسب ما يقع بخلاف المواريث فإنها ~~قسمت بالأنساب التي لا يختلف فيها أهلها فإن اسم الابن يتناول الكبير ~~والصغير والقوي والضعيف ولم يكن الأخذ لا لحاجته ولا لمنفعته؛ بل لمجرد ~~نسبه؛ فلهذا سوى فيها بين الجنس الواحد. وأما هذه المواضع فالأخذ فيها ~~بالحاجة والمنفعة؛ فلا يجوز أن تكون التسوية بين الأصناف واجبة ولا مستحبة؛ ~~بل العطاء بحسب الحاجة والمنفعة كما كان أصل الاستحقاق معلقا بذلك والواو ~~تقتضي # PageV19P258 # التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم المذكور والمذكور أنه لا ~~يستحق الصدقة إلا هؤلاء فيشتركون في أنها حلال لهم وليس إذا اشتركوا في ~~الحكم المذكور وهو مطلق الحل يشتركون في التسوية فإن اللفظ لا يدل على هذا ~~بحال. ومثله يقال في كلام الواقف والموصي وكان بعض الواقفين قد وقف على ~~المدرس والمعيد والقيم والفقهاء والمتفقهة؛ وجرى الكلام في ذلك فقلنا: يعطي ~~بحسب المصلحة فطلب المدرس الخمس بناء على هذا الظن؛ فقيل له: فأعطي القيم ~~أيضا الخمس لأنه نظير المدرس فظهر بطلان حجته. آخره والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV19P259 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد ذم الله تعالى في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من ~~دين آبائه وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله وهو: أن يتبع غير الرسول ~~فيما خالف فيه الرسول وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد؛ فإنه لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في ~~كل وقت وكل مكان؛ في سره وعلانيته وفي جميع أحواله. وهذا من الإيمان قال ~~الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال: {إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} وقال: {وما كان ~~لمؤمن ولا ms5919 مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ~~وقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة # PageV19P260 # أو يصيبهم عذاب أليم} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} . وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعا ~~من القرآن وطاعته طاعة الله: وهي: عبادة الله وحده لا شريك له وذلك هو دين ~~الله وهو الإسلام وكل من أمر الله بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج؛ فلأن ~~طاعته طاعة لله. وإلا فإذا أمر بخلاف طاعة الله فإنه لا طاعة له وقد يأمر ~~الوالد والزوج بمباح فيطاع وكذلك الأمير إذا أمر عالما يعلم أنه معصية لله ~~والعالم إذا أفتى المستفتي بما لم يعلم المستفتي أنه مخالف لأمر الله فلا ~~يكون المطيع لهؤلاء عاصيا وأما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك ~~معصية لله؛ ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد ~~غيره إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به الرسول؛ فهنا لا ~~يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع ولكن هل يجوز مع قدرته على ~~الاستدلال أنه يقلد؟ هذا فيه قولان: فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لا يجوز. ~~وحكي عن محمد بن الحسن جوازه والمسألة معروفة وحكى بعض الناس ذلك عن أحمد # PageV19P261 # ولم يعرف هذا الناقل قول أحمد كما هو مذكور في غير هذا الموضع. وتقليد ~~العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور وفي صفة من يجوز له التقليد ~~تفصيل ونزاع ليس هذا موضعه. # والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع: أن يعارض قول الله ~~ورسوله بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك. قال الله تعالى: {ويوم ~~يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا} {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} وقال ~~تعالى: {يوم تقلب ms5920 وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} إلى قوله: {والعنهم لعنا كبيرا} . وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} إلى قوله: {ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون} فذكر براءة المتبوعين من أتباعهم في خلاف طاعة الله ذكر هذا بعد ~~قوله: {وإلهكم إله واحد} فالإله الواحد هو المعبود والمطاع فمن أطاع # PageV19P262 # متبوعا في خلاف ذلك فله نصيب من هذا الذم قال تعالى: {ووصينا الإنسان ~~بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} إلى قوله: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلي} . ثم خاطب الناس بأكل ما في الأرض حلالا طيبا وأن لا يتبعوا خطوات ~~الشيطان في خلاف ذلك؛ فإنه إنما يأمر بالسوء والفحشاء وأن يقولوا على الله ~~ما لا يعلمون فيقولوا: هذا حرام وهذا حلال أو غير ذلك مما يقولونه على الله ~~في الأمور الخبرية والعملية بلا علم كما قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} . ثم إن هؤلاء الذين يقولون على الله ~~بغير علم إذا قيل لهم: {اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا} فليس عندهم علم؛ بل عندهم اتباع سلفهم وهو الذي اعتادوه وتربوا ~~عليه. ثم خاطب المؤمنين خصوصا فقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} {إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} فأمرهم بأكل الطيبات مما رزقهم لأنهم ~~هم المقصودون بالرزق ولم يشترط الحل هنا # PageV19P263 # لأنه إنما حرم ما ذكر فما سواه حلال لهم والناس إنما أمرهم بأكل ما في ~~الأرض حلالا طيبا وهو إنما أحل للمؤمنين والكفار لم يحل لهم شيئا فالحل ~~مشروط بالإيمان ومن لم يستعن برزقه على عبادته لم يحل له شيئا وإن كان أيضا ~~لم يحرمه ms5921 فلا يقال: إن الله أحله لهم ولا حرمه وإنما حرم على الذين هادوا ~~ما ذكره في سورة الأنعام. ولهذا أنكر في سورة الأنعام وغيرها على من حرم ما ~~لم يحرمه كقوله: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين} ثم قال: {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر} ثم قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات. ~~وقال في سورة النحل: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} الآية ~~وأخبر أنه حرم ذلك ببغيهم فقال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم} وقال: {ذلك جزيناهم ببغيهم} . وهذا كله يدل على أصح قولي العلماء ~~وهو: أن هذا التحريم باق عليهم بعد مبعث محمد لا يزول إلا بمتابعته؛ لأنه ~~تحريم عقوبة على ظلمهم وبغيهم؛ وهذا لم يزل بل زاد وتغلظ فكانوا أحق ~~بالعقوبة. وأيضا فإن الله تعالى أخبر بهذا التحريم بعد مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم ليبين أنه لم يحرم إلا هذا وهذا؛ فلو كان ذلك التحريم قد زال لم ~~يستثنه. # PageV19P264 # وأيضا فإن التحريم لا يزول إلا بتحليل منه وهو إنما أحل أكل الطيبات ~~للمؤمنين بقوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} ~~الآية وقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد} ~~وقوله: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} إلى قوله: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} وهذا خطاب للمؤمنين ولهذا قال: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ثم قال: {وطعامكم حل لهم} فلو كان ما أحل لنا ~~حلا لهم لم يحتج إلى هذا وقوله: {وطعامكم حل لهم} لا يدخل فيه ما حرم عليهم ~~كما أن قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} لا يدخل فيه ما حرم علينا ~~مما يستحلونه هم كصيد الحرم وما أهل به لغير الله. وهل يدخل في طعامهم الذي ~~أحل لنا ما حرم عليهم ولم يحرم علينا. مثل ما إذا ذكوا الإبل؟ ؟ هذا فيه ~~نزاع معروف فالمشهور من مذهب مالك - وهو أحد ms5922 القولين في مذهب أحمد - ~~تحريمه. ومذهب أبي حنيفة والشافعي والقول الآخر في مذهب أحمد: حله. وهل ~~العلة أنهم لم يقصدوا ذكاته؛ أو العلة أنه ليس من طعامهم؟ فيه نزاع. # PageV19P265 # وإذا ذبحوا للمسلم: فهل هو كما إذا ذبحوا لأنفسهم؟ فيه نزاع. وفي جواز ~~ذبحهم النسك إذا كانوا ممن يحل ذبحهم قولان هما روايتان عن أحمد فالمنع ~~مذهب مالك والجواز مذهب أبي حنيفة والشافعي فإذا كان الذابح يهوديا صار في ~~الذبح علتان وليس هذا موضع هذه المسائل. ثم إنه سبحانه لما ذكر حال من يقول ~~على الله بلا علم بل تقليدا لسلفه ذكر حال من يكتم ما أنزل الله من البينات ~~والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب فقال: {إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ~~ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} فهذا حال من كتم ~~علم الرسول وذاك حال من عدل عنها إلى خلافها والعادل عنها إلى خلافها يدخل ~~فيه من قلد أحدا من الأولين والآخرين فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول سواء ~~كان صاحبا أو تابعا أو أحد الفقهاء المشهورين الأربعة أو غيرهم. وأما من ظن ~~أن الذين قلدهم موافقون للرسول فيها قالوه فإن كان قد سلك في ذلك طريقا ~~علميا فهو مجتهد له حكم أمثاله وإن كان متكلما بلا علم فهو من المذمومين. # PageV19P266 # ومن ادعى إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص يكون موافقا لما يدعيه؛ ~~واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم؛ وأن الإجماع ينسخ النص كما ~~تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي فهذا من جنس هؤلاء. وأما إن كان يعتقد أن ~~الإجماع يدل على نص لم يبلغنا يكون ناسخا للأول. فهذا وإن كان لم يقل قولا ~~سديدا فهو مجتهد في ذلك يبين له فساد ما قاله كمن عارض حديثا صحيحا بحديث ~~ضعيف اعتقد صحته فإن قوله وإن لم يكن حقا لكن يبين له ضعفه وذلك بأن يبين ~~له عدم الإجماع ms5923 المخالف للنص أو يبين له أنه لم تجتمع الأمة على مخالفة نص ~~إلا ومعها نص معلوم يعلمون أنه الناسخ للأول فدعوى تعارض النص والإجماع ~~باطلة ويبين له أن مثل هذا لا يجوز؛ فإن النصوص معلومة محفوظة والأمة ~~مأمورة بتتبعها واتباعها وأما ثبوت الإجماع على خلافها بغير نص فهذا لا ~~يمكن العلم بأن كل واحد من علماء المسلمين خالف ذلك النص. والإجماع نوعان: ~~قطعي. فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص. وأما الظني فهو ~~الإجماع الإقراري والاستقرائي: بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك ~~خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره فهذا الإجماع وإن جاز ~~الاحتجاج به # PageV19P267 # فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان ~~بصحتها؛ فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع ~~قطعي. وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية والظني لا يدفع به ~~النص المعلوم لكن يحتج به ويقدم على ما هو دونه بالظن ويقدم عليه الظن الذي ~~هو أقوى منه فمتى كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه بثبوت الإجماع قدم دلالة ~~النص ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا والمصيب في نفس الأمر واحد. وإن ~~كان قد نقل له في المسألة فروع ولم يتعين صحته فهذا يوجب له أن لا يظن ~~الإجماع إن لم يظن بطلان ذلك النقل وإلا فمتى جوز أن يكون ناقل النزاع ~~صادقا وجوز أن يكون كاذبا يبقى شاكا في ثبوت الإجماع ومع الشك لا يكون معه ~~علم ولا ظن بالإجماع ولا تدفع الأدلة الشرعية بهذا المشتبه مع أن هذا لا ~~يكون فلا يكون قط إجماع يجب اتباعه مع معارضته لنص آخر لا مخالف له ولا ~~يكون قط نص يجب اتباعه وليس في الأمة قائل به بل قد يخفى القائل به على ~~كثير من الناس. قال الترمذي: كل حديث في كتابي قد عمل به بعض أهل العلم إلا ~~حديثين: حديث الجمع؛ وقتل الشارب. ms5924 ومع هذا فكلا الحديثين قد عمل به طائفة ~~وحديث الجمع قد عمل به أحمد وغيره. # PageV19P268 # ولكن من ثبت عنده نص ولم يعلم قائلا به وهو لا يدري: أجمع على نقيضه أم ~~لا؟ فهو بمنزلة من رأى دليلا عارضه آخر وهو بعد لم يعلم رجحان أحدهما فهذا ~~يقف إلى أن يتبين له رجحان هذا أو هذا فلا يقول قولا بلا علم ولا يتبع نصا. ~~. . (1) مع ظن نسخه وعدم نسخه عنده سواء لما عارضه عنده من نص آخر أو ظن ~~إجماع ولا عاما ظن تخصيصه وعدم تخصيصه عنده سواء فلا بد أن يكون الدليل ~~سالما عن المعارض المقاوم فيغلب على ظنه نفي المعارض المقاوم وإلا وقف. ~~وأيضا فمن ظن أن مثل هذا الإجماع يحتج به في خلاف النص إن لم يترجح عنده ~~ثبوت الإجماع أو يكون معه نص آخر ينسخ الأول وما يظنه من الإجماع معه. ~~وأكثر مسائل أهل المدينة التي يحتجون فيها بالعمل يكون معهم فيها نص فالنص ~~الذي معه العمل مقدم على الآخر وهذا هو الصحيح في مذهب أحمد وغيره كتقديم ~~حديث عثمان: {لا ينكح المحرم} على حديث ابن عباس وأمثال ذلك. # وأما رد النص بمجرد العمل فهذا باطل عند جماهير العلماء وقد تنازع الناس ~~في مخالف الإجماع: هل يكفر؟ على قولين. PageV19P269 # والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن ~~هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به. وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة ~~لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره. وحينئذ فالإجماع ~~مع النص دليلان كالكتاب والسنة. # وتنازعوا في الإجماع: هل هو حجة قطعية أو ظنية؟ والتحقيق أن قطعيه قطعي ~~وظنيه ظني والله أعلم. وقد ذكر نظير هذه الآية في سورة المائدة وذكر في ~~سورة الزخرف قوله: {أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} وهذا يتناول ~~من بين له أن القول الآخر هو أهدى من القول الذي نشأ عليه فعليه أن يتبعه ~~كما قال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ms5925 ربكم} وقال: {فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها} وقال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} والواجب ~~في الاعتقاد أن يتبع أحسن القولين ليس لأحد أن يعتقد قولا وهو يعتقد أن ~~القول المخالف له أحسن منه وما خير فيه بين فعلين وأحدهما أفضل فهو أفضل ~~وإن جاز له فعل المفضول فعليه أن يعتقد أن ذلك أفضل ويكون ذاك أحب إليه من ~~هذا؛ وهذا اتباع للأحسن. # PageV19P270 # وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع: إما نقلا سمي قائله؛ وإما نقلا ~~بخلاف مطلقا ولم يسم قائله فليس لقائل أن يقول نقلا لخلاف لم يثبت؛ فإنه ~~مقابل بأن يقال ولا يثبت نقل الإجماع بل ناقل الإجماع ناف للخلاف وهذا مثبت ~~له والمثبت مقدم على النافي. وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط ~~فيما أثبته من الخلاف: إما لضعف الإسناد؛ أو لعدم الدلالة قيل له: ونافي ~~النزاع غلطه أجوز؛ فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه؛ أو بلغته وظن ~~ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره؛ أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة فكل ما ~~يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف. ~~وهذا يشترك فيه عامة الخلاف؛ فإن عدم العلم ليس علما بالعدم لا سيما في ~~أقوال علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا يحصيها إلا رب العالمين؛ ~~ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء: من ادعى الإجماع فقد كذب؛ هذه دعوى ~~المريسي والأصم؛ ولكن يقول: لا أعلم نزاعا والذين كانوا يذكرون الإجماع ~~كالشافعي وأبي ثور وغيرهما يفسرون مرادهم: بأنا لا نعلم نزاعا ويقولون هذا ~~هو الإجماع الذي ندعيه. فتبين أن مثل هذا الإجماع الذي قوبل بنقل نزاع ولم ~~يثبت واحد # PageV19P271 # منهما لا يجوز أن يحتج به ومن لم يترجح عنده نقل مثبت النزاع على نافيه ~~ولا نافيه على مثبته فليس له أيضا أن يقدمه على النص ولا يقدم النص عليه بل ~~يقف لعدم رجحان أحدهما عنده؛ فإن ترجح عنده المثبت غلب على ظنه أن النص لم ~~يعارضه ms5926 إجماع يعمل به وينظر في ذلك إلى مثبت الإجماع والنزاع فمن عرف منه ~~كثرة ما يدعيه من الإجماع والأمر بخلافه ليس بمنزلة من لم يعلم منه إثبات ~~إجماع علم انتفاؤه وكذلك من علم منه في نقل النزاع أنه لا يغلط إلا نادرا ~~ليس بمنزلة من علم منه كثرة الغلط. وإذا تضافر على نقل النزاع اثنان لم ~~يأخذ أحدهما عن صاحبه فهذا يثبت به النزاع بخلاف دعوى الإجماع؛ فإنه لو ~~تضافر عليه عدد لم يستفد بذلك إلا عدم علمهم بالنزاع وهذا لمن أثبت النزاع ~~في جمع الثلاث ومن نفى النزاع مع أن عامة من أثبت النزاع يذكر نقلا صحيحا ~~لا يمكن دفعه وليس مع النافي ما يبطله. وكثير من الفقهاء المتأخرين أو ~~أكثرهم يقولون: إنهم عاجزون عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول ~~فيجعلون نصوص أئمتهم بمنزلة نص الرسول ويقلدونهم. ولا ريب أن كثيرا من ~~الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو ~~بمعرفتها ومن سالكي طريق الإرادة والعبادة والفقر والتصوف من يجعل شيخه # PageV19P272 # كذلك بل قد يجعله كالمعصوم ولا يتلقى سلوكه إلا عنه ولا يتلقى عن الرسول ~~سلوكه مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي الفروع المتنازع فيها؛ فإن ~~السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات ~~والأخلاق وهذا كله مبين في الكتاب والسنة؛ فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا ~~بد للمؤمن منه. # ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن ~~الرسول لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة ولم يحصل بين الصحابة نزاع في ~~ذلك كما تنازعوا في بعض مسائل الفقه التي خفيت معرفتها على أكثر الصحابة ~~وكانوا يتكلمون في الفتيا والأحكام؛ طائفة منهم يستفتون في ذلك. # وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى الله من واجب ومستحب فكلهم يأخذه عن ~~الكتاب والسنة؛ فإن القرآن والحديث مملوء من هذا؛ وإن تكلم أحدهم في ذلك ~~بكلام لم يسنده هو يكون هو أو معناه مسندا عن الله ورسوله ms5927 وقد ينطق أحدهم ~~بالكلمة من الحكمة فتجدها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كما قيل ~~في تفسير قوله: {نور على نور} ولكن كثير من أهل العبادة والزهادة أعرض عن ~~طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله فاحتاج لذلك إلى تقليد ~~شيخ. # PageV19P273 # وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص ~~الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين فمسائل السلوك من جنس ~~مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة وإنما اختلف أهل الكلام لما ~~أعرضوا عن الكتاب والسنة فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف وهكذا طريق ~~العبادة عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق ~~المشروع فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف. # وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع ولكن ~~هذا إنما يقع النزاع في الدقيق منه وأما الجليل فلا يتنازعون فيه. والصحابة ~~أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله ~~التي يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين؛ ولهذا كان عامة ~~المشايخ إذا احتاجوا في مسائل الشرع مثل مسائل النكاح والفرائض والطهارة ~~وسجود السهو ونحو ذلك قلدوا الفقهاء؛ لصعوبة أخذ ذلك عليهم من النصوص. وأما ~~مسائل التوكل والإخلاص والزهد ونحو ذلك فهم يجتهدون فيها فمن كان منهم ~~متبعا للرسول أصاب ومن خالفه أخطأ. ولا ريب أن البدع كثرت في باب العبادة ~~والإرادة أعظم مما كثرت في باب الاعتقاد والقول؛ لأن الإرادة يشترك الناس ~~فيها أكثر مما # PageV19P274 # يشتركون في القول؛ فإن القول لا يكون إلا بعقل والنطق من خصائص الإنسان. ~~وأما جنس الإرادة فهو مما يتصف به كل الحيوان فما من حيوان إلا وله إرادة ~~وهؤلاء اشتركوا في إرادة التأله؛ لكن افترقوا في المعبود وفي عبادته؛ ولهذا ~~وصف الله في القرآن رهبانية النصارى بأنهم ابتدعوها وذم المشركين في القرآن ~~على ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات وذلك أكثر مما ابتدعوه من ~~الاعتقادات؛ فإن الاعتقادات كانوا فيها ms5928 جهالا في الغالب فكانت بدعهم فيها ~~أقل؛ ولهذا كلما قرب الناس من الرسول كانت بدعهم أخف فكانت في الأقوال ولم ~~يكن في التابعين وتابعيهم من تعبد بالرقص والسماع كما كان فيهم خوارج ~~ومعتزلة وشيعة وكان فيهم من يكذب بالقدر ولم يكن فيهم من يحتج بالقدر. # فالبدع الكثيرة التي حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد والفقراء ~~والصوفية لم يكن عامتها في زمن التابعين وتابعيهم بخلاف أقوال أهل البدع ~~القولية فإنها ظهرت في عصر الصحابة والتابعين فعلم أن الشبهة فيها أقوى ~~وأهلها أعقل وأما بدع هؤلاء فأهلها أجهل وهم أبعد عن متابعة الرسول. ولهذا ~~يوجد في هؤلاء من يدعي الإلهية والحلول والاتحاد ومن يدعي أنه أفضل من ~~الرسول وأنه مستغن عن الرسول وأن # PageV19P275 # لهم إلى الله طريقا غير طريق الرسول وهذا ليس من جنس بدع المسلمين بل من ~~جنس بدع الملاحدة من المتفلسفة ونحوهم وأولئك قد عرف الناس أنهم ليسوا ~~مسلمين وهؤلاء يدعون أنهم أولياء الله مع هذه الأقوال التي لا يقولها إلا ~~من هو أكفر من اليهود والنصارى. وكثير منهم أو أكثرهم لا يعرف أن ذلك ~~مخالفة للرسول بل عند طائفة منهم أن أهل الصفة قاتلوا الرسول وأقرهم على ~~ذلك وعند آخرين أن الرسول أمر أن يذهب ليسلم عليهم ويطلب الدعاء منهم وأنهم ~~لم يأذنوا له وقالوا: اذهب إلى من أرسلت إليهم وأنه رجع إلى ربه فأمره أن ~~يتواضع ويقول: خويدمكم جاء ليسلم عليكم فجبروا قلبه وأذنوا له بالدخول. فمع ~~اعتقادهم هذا الكفر العظيم الذي لا يعتقده يهودي ولا نصراني يقر بأنه رسول ~~الله إلى الأميين يقولون: إن الرسول أقرهم على ذلك واعترف به واعترف أنهم ~~خواص الله وأن الله يخاطبهم بدون الرسول لم يحوجهم إليه كبعض خواص الملك مع ~~وزرائه ويحتجون بقصة الخضر مع موسى وهي حجة عليهم لا لهم من وجوه كثيرة قد ~~بسطت في موضع آخر. والضلال والجهل في جنس العباد والمبتدعة أكثر منه في جنس ~~أهل الأقوال لكن فيهم من الزهد والعبادة والأخلاق ما لا يوجد في ms5929 # PageV19P276 # أولئك وفي أولئك من الكبر والبخل والقسوة ما ليس فيهم فهؤلاء فيهم شبه من ~~النصارى وهؤلاء فيهم شبه من اليهود والله تعالى أمرنا أن نقول: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~ولهذا آل الأمر بكثير من أكابر مشايخهم إلى أنهم شهدوا توحيد الربوبية ~~والإيمان بالقدر وذلك شامل لجميع الكائنات فعدوا الفناء في هذا بزوال الفرق ~~بين الحسنات والسيئات غاية المقامات وليس بعده إلا ما سموه توحيدا وهو من ~~جنس الحلول والاتحاد الذي تقوله النصارى ولكنهم يهابون الإفصاح عن ذلك ~~ويجعلونه من الأسرار المكتومة. ومنه من يقول: إن الحلاج هذا كان مشهده ~~وإنما قتل لأنه باح بالسر الذي ما ينبغي البوح به. وإذا انضم إلى ذلك أن ~~يكون أحدهم قد أخذ عمن يتكلم في إثبات القدر من أهل الكلام أو غيرهم؛ ويجعل ~~الجميع صادرا عن إرادة واحدة وليس هنا حب ولا بغض ولا رضا ولا سخط ولا فرح؛ ~~ولكن المرادات متنوعة فما كان ثوابا سمي تعلق الإرادة به رضا وما كان عقابا ~~سمي سخطا فحينئذ مع هذا المشهد لا يبقى عنده تمييز ويسمون هذا: الجمع ~~والاصطلام. وكان الجنيد - قدس الله روحه - لما وصل أصحابه كالثوري # PageV19P277 # وأمثاله إلى هذا المقام أمرهم بالفرق الثاني وهو: أن يفرقوا بين المأمور ~~والمحظور؛ ومحبوب الله ومرضيه؛ ومسخوطه ومكروهه؛ وهو مشهد الإلهية الذي ~~جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو حقيقة قول: لا إله إلا الله. فمنهم من ~~أنكر على الجنيد ومنهم من توقف ومنهم من وافق والصواب ما قاله الجنيد من ~~ذكر هذه الكلمة في الفرق بين المأمور والمحظور والكلمة الأخرى في الفرق بين ~~الرب والعبد وهو قوله: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فهذا رد على ~~الاتحادية والحلولية منهم وتلك رد على من يقف عند الحقيقة الكونية منهم وما ~~أكثر من ابتلي بهذين منهم. ثم من الناس من يقوم بهذا الفرق لكن لنفسه وهواه ~~لا عبادة وطاعة لله فهذا مثل من يجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~لهواه كالمقاتل شجاعة ms5930 وحمية ورياء وذاك بمنزلة من لا يأمر بمعروف ولا ينهى ~~عن منكر ولا يجاهد هذا شبيه بالراهب وذاك شبيه بمن لم يطلب إلا الدنيا ذاك ~~مبتدع وهذا فاجر. وقد كثر في المتزهدة والمتفقرة البدع وفي المعرضين عن ذلك ~~طلب الدنيا وطلاب الدنيا لا يعارضون تاركها إلا لأغراضهم وإن كانوا مبتدعة ~~وأولئك لا يعارضون أبناء الدنيا إلا لأغراضهم فتبقى المنازعات للدنيا # PageV19P278 # لا لتكون كلمة الله هي العليا ولا ليكون الدين لله بخلاف طريقة السلف رضي ~~الله عنهم أجمعين وكلاهما خارج عن الصراط المستقيم. نسأل الله أن يهدينا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا آخره والحمد لله رب العالمين. # PageV19P279 # وسئل - رحمه الله -: # عمن يقول: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة: هل قوله صواب؟ وهل أراد ~~النص الذي لا يحتمل التأويل أو الألفاظ الواردة المحتملة؟ ومن نفى القياس ~~وأبطله من الظاهرية: هل قوله صواب؟ وما حجته على ذلك؟ وما معنى قولهم: ~~النص؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا القول قاله طائفة من أهل الكلام والرأي كأبي ~~المعالي وغيره وهو خطأ؛ بل الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص ~~وافية بجمهور أحكام أفعال العباد. ومنهم من يقول: إنها وافية بجميع ذلك؛ ~~وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال ~~الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد وذلك أن الله بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بجوامع الكلم فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية ~~وقاعدة عامة تتناول أنواعا كثيرة وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى فبهذا ~~الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد. # PageV19P280 # مثال ذلك أن الله حرم الخمر فظن بعض الناس أن لفظ الخمر لا يتناول إلا ~~عصير العنب خاصة ثم من هؤلاء من لم يحرم إلا ذلك أو حرم معه بعض الأنبذة ~~المسكرة كما يقول ذلك من يقوله من فقهاء الكوفة فإن أبا حنيفة يحرم عصير ~~العنب المشتد الزبد وهذا الخمر عنده ويحرم المطبوخ منه ms5931 ما لم يذهب ثلثاه ~~فإذا ذهب ثلثاه لم يحرمه. ويحرم النيء من نبيذ التمر فإن طبخ أدنى طبخ حل ~~عنده. وهذه المسكرات الثلاثة ليست خمرا عنده مع أنها حرام وما سوى ذلك من ~~الأنبذة فإنما يحرم منه ما يسكر. وأما محمد بن الحسن فوافق الجمهور في ~~تحريم كل مسكر قليله وكثيره وبه أفتى المحققون من أصحاب أبي حنيفة وهو ~~اختيار أبي الليث السمرقندي. ومن العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس: إما ~~في الاسم وإما في الحكم؛ وهذه الطريقة التي سلكها طائفة من الفقهاء من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد يظنون أن تحريم كل مسكر إنما كان بالقياس في ~~الأسماء أو القياس في الحكم. والصواب الذي عليه الأئمة الكبار: أن الخمر ~~المذكورة في القرآن تناولت كل مسكر فصار تحريم كل مسكر بالنص العام # PageV19P281 # والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده وإن كان القياس دليلا آخر يوافق النص ~~وثبتت أيضا نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم كل مسكر ففي ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر خمر وكل مسكر ~~حرام} وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {كل شراب أسكر فهو حرام} وفي الصحيحين عن أبي موسى {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل فقيل له: عندنا شراب من العسل يقال له: البتع ~~وشراب من الذرة يقال له: المزر؟ قال: وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال: كل ~~مسكر حرام} إلى أحاديث أخر يطول وصفها. وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة ~~والأطعمة كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص وكان هذا النص متناولا لشرب الأنواع ~~المسكرة من أي مادة كانت؟ من الحبوب أو الثمار أو من لبن الخيل أو من غير ~~ذلك. ومن ظن أن النص إنما يتناول خمر العنب قال: إنه لم يبين حكم هذه ~~المسكرات التي هي في الأرض أكثر من خمر العنب بل كان ذلك ثابتا بالقياس ~~وهؤلاء غلطوا في فهم النص. ومما يبين ذلك أنه قد ms5932 ثبت بالأحاديث الكثيرة ~~المستفيضة أن الخمر لما حرمت لم يكن بالمدينة # PageV19P282 # من خمر العنب شيء؛ فإن المدينة لم يكن فيها شجر العنب وإنما كان عندهم ~~النخل فكان خمرهم من التمر ولما حرمت الخمر أراقوا تلك الأشربة التي كانت ~~من التمر وعلموا أن ذلك الشراب هو خمر محرم فعلم أن لفظ الخمر لم يكن عندهم ~~مخصوصا بعصير العنب وسواء كان ذلك في لغتهم فتناول [غيره] (1) ؛ أو كانوا ~~عرفوا التعميم ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه المبين عن الله مراده ~~فإن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم ~~من معناه في اللغة وتارة فيما هو أخص. # وكذلك لفظ الميسر هو عند أكثر العلماء يتناول اللعب بالنرد والشطرنج ~~ويتناول بيوع الغرر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيها معنى ~~القمار الذي هو ميسر إذ القمار معناه أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة ~~هل يحصل له عوضه أو لا يحصل؟ كالذي يشتري العبد الآبق والبعير الشارد وحبل ~~الحبلة ونحو ذلك مما قد يحصل له وقد لا يحصل له وعلى هذا فلفظ الميسر في ~~كتاب الله تعالى يتناول هذا كله وما ثبت في صحيح مسلم {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر} يتناول كل ما فيه مخاطرة كبيع الثمار قبل ~~بدو صلاحها وبيع الأجنة في البطون وغير ذلك. # ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهي عنه من ربا PageV19P283 # النسأ وربا الفضل؛ والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك فالنص متناول لهذا ~~كله؛ لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به ~~على ذلك وهذا الذي يسمى: تحقيق المناط. وكذلك قوله تعالى {يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} وقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} ونحو ذلك يعم بلفظه كل مطلقة ويدل على أن كل طلاق فهو رجعي ولهذا قال ~~أكثر العلماء بذلك وقالوا: لا يجوز للرجل أن يطلق المرأة ثلاثا ويدل أيضا ~~على ms5933 أن الطلاق لا يقع إلا رجعيا وأن ما كان بائنا فليس من الطلقات الثلاث ~~فلا يكون الخلع من الطلقات الثلاث كقول ابن عباس والشافعي في قول؛ وأحمد في ~~المشهور عنه لكن بينهم نزاع: هل ذلك مشروط بأن يخلو الخلع عن لفظ الطلاق ~~ونيته أو بالخلو عن لفظه فقط؛ أو لا يشترط شيء من ذلك؟ على ثلاثة أقوال. ~~وكذلك قوله تعالى {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} و {ذلك كفارة أيمانكم} هو ~~متناول لكل يمين من أيمان المسلمين فمن العلماء من قال: كل يمين من أيمان ~~المسلمين ففيها كفارة كما دل عليه الكتاب والسنة. ومنهم من قال: لا يتناول ~~النص إلا الحلف باسم الله وغير ذلك لا تنعقد ولا شيء فيها. ومنهم من قال: ~~بل # PageV19P284 # هي أيمان يلزم الحالف بها ما التزمه ولا تدخل في النص ولا ريب أن النص ~~يدل على القول الأول فمن قال: إن النص لم يبين حكم جميع أيمان المسلمين كان ~~هذا رأيا منه لم يكن هذا مدلول النص. وكذلك الكلام في عامة مسائل النزاع ~~بين المسلمين إذا طلب ما يفصل النزاع من نصوص الكتاب والسنة وجد ذلك وتبين ~~أن النصوص شاملة لعامة أحكام الأفعال. وكان الإمام أحمد يقول: إنه ما من ~~مسألة يسأل عنها إلا وقد تكلم الصحابة فيها أو في نظيرها والصحابة كانوا ~~يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم وكانوا يجتهدون رأيهم ~~ويتكلمون بالرأي ويحتجون بالقياس الصحيح أيضا. # والقياس الصحيح نوعان: # أحدهما: أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع ~~كما ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه سئل عن فأرة وقعت في ~~سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم} وقد أجمع المسلمون على أن هذا ~~الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن؛ فلهذا قال جماهير العلماء: إنه أي ~~نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت وكالهر الذي يقع ~~في السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن. ms5934 ومن قال من # PageV19P285 # أهل الظاهر: إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة لكن لما استفتي عنها ~~أفتى فيها والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو نوع فأجاب المفتي عن ذلك ~~خصه لكونه سئل عنه؛ لا لاختصاصه بالحكم. ومثل هذا أنه {سئل عن رجل أحرم ~~بالعمرة وعليه جبة مضمخة بخلوق فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الخلوق ~~واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك} فأجابه عن الجبة ولو كان عليه قميص أو ~~نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع. # والنوع الثاني من القياس: # أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره فإذا ~~قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع ~~سوي بينهما وكان هذا قياسا صحيحا. فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان يستعملونهم اوهما من باب فهم مراد الشارع؛ فإن الاستدلال بكلام ~~الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ وإذا ~~عرفنا مراده: فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك لا لمعنى يخص # PageV19P286 # الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك وإن علمنا أنه قصد تخصيص ~~الحكم بمورد النص منعنا القياس كما أنا علمنا أن الحج خص به الكعبة وأن ~~الصيام الفرض خص به شهر رمضان وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة وأن المفروض ~~من الصلوات خص به الخمس ونحو ذلك فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره. ~~وإذا عين الشارع مكانا أو زمانا للعبادة كتعيين الكعبة وشهر رمضان؛ أو عين ~~بعض الأقوال والأفعال كتعيين القراءة في الصلاة والركوع والسجود بل وتعيين ~~التكبير وأم القرآن فإلحاق غير المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا ~~تعيين الأشهر الحرم وقالوا: المقصود أربعة أشهر من السنة فقال تعالى: {إنما ~~النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} . وقياس الحلال ms5935 بالنص على ~~الحرام بالنص من جنس قياس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} وكذلك قياس المشركين الذين قاسوا الميتة بالمذكى وقالوا: ~~أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ قال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} فهذه الأقيسة الفاسدة. ~~وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد وكل من ألحق # PageV19P287 # منصوصا بمنصوص يخالف حكمه فقياسه فاسد وكل من سوى بين شيئين أو فرق بين ~~شيئين بغير الأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد لكن من القياس ~~ما يعلم صحته ومنه ما يعلم فساده ومنه ما لم يتبين أمره. فمن أبطل القياس ~~مطلقا فقوله باطل ومن استدل بالقياس المخالف للشرع فقوله باطل ومن استدل ~~بقياس لم يقم الدليل على صحته فقد استدل بما لا يعلم صحته بمنزلة من استدل ~~برواية رجل مجهول لا يعلم عدالته. فالحجج الأثرية والنظرية تنقسم إلى: ما ~~يعلم صحته وإلى ما يعلم فساده وإلى ما هو موقوف حتى يقوم الدليل على ~~أحدهما. ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة سواء كان اللفظ دلالته ~~قطعية أو ظاهرة وهذا هو المراد من قول من قال: النصوص تتناول أحكام أفعال ~~المكلفين. ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض كقوله {تلك عشرة ~~كاملة} و {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} فالكتاب هو النص والميزان ~~هو العدل. والقياس الصحيح من باب العدل؛ فإنه تسوية بين المتماثلين وتفريق ~~بين المختلفين ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص فكل قياس خالف دلالة ~~النص فهو قياس فاسد ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا كما لا يوجد معقول صريح ~~يخالف المنقول الصحيح. # PageV19P288 # ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام ~~بالنصوص وبالأقيسة. فثبت أن كل واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ~~ذكرناه من الأمثلة؛ فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر كما يدل النص على ~~ذلك؛ فإن الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء وتصدنا عن ms5936 ذكر ~~الله وعن الصلاة كما دل القرآن على هذا المعنى وهذا المعنى موجود في جميع ~~الأشربة المسكرة لا فرق في ذلك بين شراب وشراب فالفرق بين الأنواع المشتركة ~~من هذا الجنس تفريق بين المتماثلين وخروج عن موجب القياس الصحيح كما هو ~~خروج عن موجب النصوص وهم معترفون بأن قولهم خلاف القياس لكن يقولون: معنا ~~آثار توافقه اتبعناها ويقولون: إن اسم الخمر لم يتناول كل مسكر. وغلطوا في ~~فهم النص - وإن كانوا مجتهدين مثابين على اجتهادهم - ومعرفة عموم الأسماء ~~الموجودة في النص وخصوصها من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله وقد قال ~~تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله} . والكلام في ترجيح نفاة القياس ومثبتيه يطول استقصاؤه لا تحتمل هذه ~~الورقة بسطه أكثر من هذا والله أعلم. # PageV19P289 # وقال: # فصل: # العبادات المأمور بها؛ كالإيمان الجامع وكشعبه مثل الصلاة والوضوء ~~والاغتسال؛ والحج والصيام؛ والجهاد والقراءة والذكر؛ وغير ذلك لها ثلاثة ~~أحوال وربما لم يشرع لها إلا حالان؛ لأن العبد إما أن يقتصر على الواجب ~~فقط؛ وإما أن يأتي بالمستحب فيها وإما أن ينقص عن الواجب فيها. فالأول حال ~~المقتصدين فيها وإن كان سابقا في غيرها. والثاني حال السابق فيها. والثالث ~~حال الظالم فيها. والعبادة الكاملة تارة تكون ما أدي فيها الواجب وتارة ما ~~أتى فيها بالمستحب. وبإزاء الكاملة الناقصة قد يعني بالنقص نقص بعض ~~واجباتها وقد يعني به ترك بعض مستحباتها. فأما تفسير الكامل بما كمل ~~بالمستحبات فهو غالب استعمال الفقهاء في الطهارة والصلاة وغير ذلك؛ فإنهم ~~يقولون: الوضوء ينقسم: إلى كامل ومجزئ. والغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ. ~~ويريدون بالمجزئ الاقتصار # PageV19P290 # على الواجب وبالكامل ما أتي فيه بالمستحب في العدد والقدر والصفة؛ وغير ~~ذلك. ولذلك استعملوا ما جاء في حديث ابن مسعود مرفوعا: {إذا قال في ركوعه: ~~سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه. وإذا قال في سجوده: سبحان ~~ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه} فقالوا: أدنى الكمال ثلاث ~~تسبيحات يعنون: ms5937 أدنى الكمال المسنون. وقالوا: أقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ~~ثلاث فجعلوا للكمال أدنى وأعلى؛ وكلاهما في الكمال المسنون لا المفروض. ثم ~~يختلفون في حرف النفي الداخل على المسميات الشرعية كقوله: {لا قراءة إلا ~~بأم الكتاب} {ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل} {ولا صلاة لمن لا وضوء ~~له} {ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه} فأكثرهم يقولون: هو لنفي الفعل ~~فلا يجزئ مع هذا النفي. ومنهم من يقول: هو لنفي الكمال. يريدون نفي الكمال ~~المسنون. وأما تفسيره بما كمل بالواجب فهو في عرف الشارع لكن الموجود فيه ~~كثيرا لفظ التمام كقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} والمراد بالإتمام ~~الواجب الإتمام بالواجبات وكذلك قوله: {ثم أتموا الصيام # PageV19P291 # إلى الليل} وقوله. {لا تتم صلاة عيد حتى يضع الطهور مواضعه} الحديث. ~~وقوله: {فما انتقصت من هذا فقد انتقصت من صلاتك} ويمكن أن يقال في إتمام ~~الحج والصيام ونحو ذلك: هو أمر مطلق بالإتمام واجبه ومستحبه فما كان واجبا ~~فالأمر به إيجاب وما كان مستحبا فالأمر به استحباب وجاء لفظ التمام في ~~قوله: {فقد تم ركوعه وذلك أدناه} وقوله: {أقيموا صفوفكم فإن إقامة الصف من ~~تمام الصلاة} وروي {من إقامة الصلاة} . والنقص بإزاء التمام والكمال كقوله: ~~{من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج} فالجمهور يقولون: هو نقص ~~الواجبات؛ لأن الخداج هو الناقص في أعضائه وأركانه. وآخرون يقولون: هو ~~الناقص عن كماله المستحب. فإن النقص يستعمل في نقص الاستحباب كثيرا كما ~~تقدم في تقسيم الفقهاء الطهارة إلى كامل ومجزئ ليس بكامل وما ليس بكامل فهو ~~ناقص. وقوله: {فقد تم ركوعه وسجوده وذلك أدناه} وما لم يتم فهو ناقص وإن ~~كان مجزئا. # ثم النقص عن الواجب نوعان: نوع يبطل العبادة كنقص أركان الطهارة والصلاة ~~والحج. ونقص لا يبطلها كنقص واجبات الحج التي ليست بأركان؛ ونقص واجبات ~~الصلاة إذا تركها سهوا على المشهور عند أحمد ونقص الواجبات التي يسميه أبو ~~حنيفة فيها مسيئا ولا تبطل # PageV19P292 # صلاته كقراءة الفاتحة ونحوها. وبهذا تزول الشبهة في ms5938 " مسائل الأسماء ~~والأحكام " وهي مسألة الإيمان وخلاف المرجئة والخوارج؛ فإن الإيمان وإن كان ~~اسما لدين الله الذي أكمله بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} . وهو اسم لطاعة ~~الله وللبر وللعمل الصالح وهو جميع ما أمر الله به فهذا هو الإيمان الكامل ~~التام؛ وكماله نوعان: كمال المقربين وهو الكمال بالمستحب وكمال المقتصدين ~~وهو الكمال بالواجب فقط. وإذا قلنا في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن} و ~~{لا إيمان لمن لا أمانة له} وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} الآية وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} وقوله: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب} الآية إلى قوله: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} إذا قال القائل في مثل هذا: ليس بمؤمن كامل الإيمان؛ أو نفى عنه ~~كمال الإيمان لا أصله؛ فالمراد به كمال الإيمان الواجب ليس بكمال الإيمان ~~المستحب كمن ترك رمي الجمار أو ارتكب محظورات الإحرام غير الوطء ليس هذا ~~مثل قولنا: غسل كامل ووضوء كامل وأن المجزئ منه ليس # PageV19P293 # بكامل ذاك نفي الكمال المستحب. وكذا المؤمن المطلق هو المؤدي للإيمان ~~الواجب ولا يلزم من كون إيمانه ناقصا عن الواجب أن يكون باطلا حابطا كما في ~~الحج ولا أن يكون معه الإيمان الكامل كما تقوله المرجئة ولا أن يقال: ولو ~~أدى الواجب لم يكن إيمانه كاملا فإن الكمال المنفي هنا الكمال المستحب. ~~فهذا فرقان يزيل الشبهة في هذا المقام ويقرر النصوص كما جاءت وكذلك قوله: ~~{من غشنا فليس منا} ونحو ذلك لا يجوز أن يقال فيه: ليس من خيارنا كما تقوله ~~المرجئة ولا أن يقال: صار من غير المسلمين فيكون كافرا كما تقوله الخوارج ~~بل الصواب أن هذا الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب ~~الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب ولهم الموالاة المطلقة والمحبة المطلقة ~~وإن كان لبعضهم درجات في ذلك ms5939 بما فعله من المستحب فإذا غشهم لم يكن منهم ~~حقيقة؛ لنقص إيمانه الواجب الذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب ولا يجب ~~أن يكون من غيرهم مطلقا بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض ~~الثواب ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب كما يقول من استأجر قوما ~~ليعملوا عملا؛ فعمل بعضهم بعض الوقت فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس ~~منا فلا يستحق # PageV19P294 # الأجر الكامل، وإن استحق بعضه. وقد بسطت القول في هذه المسألة في غير هذا ~~الموضع وبينت ارتباطها بقاعدة كبيرة في أن الشخص الواحد أو العمل الواحد ~~يكون مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه وأن هذا هو مذهب أهل السنة ~~والجماعة؛ خلافا للخوارج والمعتزلة؛ وقد وافقهم طائفة من أهل الإثبات: ~~متكلميهم وفقهائهم؛ من أصحابنا وغيرهم؛ في مسألة العمل الواحد في أصول ~~الفقه فقالوا: لا يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه. وإن كانوا مخالفين لهم ~~في مسألة الشخص الواحد في أصول الدين ولا ريب أن إحدى الروايتين عن أحمد أن ~~هذا العمل لا يجزئ وهي مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وفي الرواية الأخرى ~~يجزئ كقول أكثر الفقهاء لكن من أصحابنا من جعلها عقلية ورأى أنه لا يمتنع ~~ذلك عقلا وهو قول أكثر المعتزلة وكثير من الأشعرية كابن الباقلاني وابن ~~الخطيب. # فالكلام في مقامين: في الإمكان العقلي؛ وفي الإجزاء الشرعي. والناس فيها ~~على أربعة أقوال: منهم من يقول: يمتنع عقلا ويبطل شرعا. وهو قول طائفة من # PageV19P295 # متكلمي أصحابنا وفقهائهم. ومنهم من يقول: يجوز عقلا لكن المانع سمعي. ~~وهذا قد يقوله أيضا من لا يرى الإجزاء من أصحابنا ومن وافقهم وهو أشبه عندي ~~بقول أحمد؛ فإن أصوله تقتضي أنه يجوز ورود التعبد بذلك كله وهذا هو الذي ~~يشبه أصول أهل السنة وأئمة الفقه. ومنهم من يجوزه عقلا وسمعا كأكثر ~~الفقهاء. ومنهم من يمنعه عقلا لكن يقول: ورد سمعا وهذا قول ابن الباقلاني ~~وأبي الحسن وابن الخطيب زعموا أن العقل يمنع كون الفعل الواحد مأمورا به ms5940 ~~منهيا عنه ولكن لما دل السمع: إما الإجماع أو غيره على عدم وجوب القضاء ~~قالوا: حصل الإجزاء عنده لا به. وهذا القول عندي أفسد الأقوال. والصواب: أن ~~ذلك ممكن في العقل فأما الوقوع السمعي فيرجع فيه إلى دليله وذلك أن كون ~~الفعل الواحد محبوبا مكروها؛ مرضيا مسخوطا مأمورا به منهيا عنه؛ مقتضيا ~~للحمد والثواب والذم والعقاب ليس هو من الصفات اللازمة كالأسود والأبيض؛ ~~والمتحرك والساكن والحي والميت؛ وإن كان في هذه الصفات كلام أيضا. وإنما هو ~~من # PageV19P296 # الصفات التي فيها إضافة متعدية إلى الغير مثل كون الفعل نافعا وضارا ~~ومحبوبا ومكروها والنافع هو الجالب للذة. والضار هو الجالب للألم وكذلك ~~المحبوب هو الذي فيه فرح ولذة للمحب مثلا؛ والمكروه هو الذي فيه ألم ~~للكاره؛ ولهذا كان الحسن والقبح العقلي معناه المنفعة والمضرة والأمر ~~والنهي يعودان إلى المطلوب والمكروه؛ فهذه صفة في الفعل متعلقة بالفاعل أو ~~غيره وهذه صفة في الفعل متعلقة بالآمر الناهي. # ولهذا قلت غير مرة: إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة ومن الآمر تارة ومن ~~مجموعهما تارة. والمعتزلة ومن وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين ~~يمنعون النسخ قبل التمكن من الفعل لا يثبتون إلا الأول والأشعرية ومن ~~وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين لا يثبتون للفعل صفة إلا إضافة ~~لتعلق الخطاب به لا يثبتون إلا الثاني. والصواب إثبات الأمرين. وقدر زائد ~~يحصل للفعل من جنس تعلق الخطاب غير تعلق الخطاب ويحصل للفعل بعد الحكم ~~فالخطاب مظهر تارة ومؤثر تارة وجامع بين الأمرين تارة. وبسط هذا له موضع ~~آخر. وإذا كان كذلك فنحن نعقل ونجد أن الفعل الواحد من الشخص أو من غيره ~~يجلب له منفعة ومضرة معا والرجل يكون له عدوان # PageV19P297 # يقتل أحدهما صاحبه فيسر من حيث عدم عدو ويساء من حيث غلب عدو. ويكون له ~~صديقان يعزل أحدهما صاحبه فيساء من حيث انعزال الصديق؛ ويسر من حيث تولي ~~صديق. وأكثر أمور الدنيا من هذا؛ فإن المصلحة المحضة نادرة فأكثر الحوادث ~~فيها ما يسوء ويسر فيشتمل الفعل ms5941 على ما ينفع ويحب ويراد ويطلب. وعلى ما يضر ~~ويبغض ويكره ويدفع. وكذلك الآمر يأمر بتحصيل النافع وينهى عن تحصيل الضار ~~فيأمر بالصلاة المشتملة على المنفعة وينهى عن الغصب المشتمل على المضرة. ~~فإذا قالوا: الممتنع أن يأمره بفعل واحد من وجه واحد فيقول: صل هنا ولا تصل ~~هنا؛ فإن هذا جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين ممتنع؛ لأنه جمع بين ~~النفي والإثبات فقد يقال لهم: الجمع بين النقيضين ممتنع في الخبر فإذا قلت: ~~صلى زيد هنا لم يصل هنا امتنع ذلك؛ لأن الصلاة هنا إما أن تكون وإما أن لا ~~تكون وكونها هو عينها وما يتبعه من الصفات اللازمة التي ليس فيها نسبة ~~وإضافة وتعلق فأما الجمع بينهما في الإرادة والكراهة والطلب والدفع والمحبة ~~والبغضة والمنفعة والمضرة فهذا لا يمتنع؛ فإن وجود الشيء قد يكون مرادا ~~ويكون عدمه مرادا أيضا. إذا كان في كل منهما منفعة للمريد ويكون أيضا وجوده ~~أو عدمه مرادا مكروها بحيث يلتذ العبد ويتألم بوجوده وبعدمه كما قيل: # PageV19P298 # الشيب كره وكره أن نفارقه ... فاعجب لشيء على البغضاء محبوب # فهو يكره الشيب ويبغضه لما فيه من زوال الشباب النافع ووجود المشيب الضار ~~وهو يحبه أيضا ويكره عدمه لما فيه من وجود الحياة وفي عدمه من الفناء. # وهذه حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جميع الأمور لكن التحقيق أن الفعل ~~المعين كالصلاة في الدار المعينة لا يؤمر بعينها وينهى عن عينها؛ لأنه ~~تكليف ما لا يطاق فإنه تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه ~~وإنما يؤمر بها من حيث هي مطلقة وينهى عن الكون في البقعة فيكون مورد الأمر ~~غير مورد النهي ولكن تلازما في المعين والعبد هو الذي جمع بين المأمور به ~~والمنهي عنه لا أن الشارع أمره بالجمع بينهما فأمره بصلاة مطلقة ونهاه عن ~~كون مطلق. وأما المعين فالشارع لا يأمر به ولا ينهى عنه كما في سائر ~~المعينات وهذا أصل مطرد في جميع ما أمر الله به من المطلقات بل في كل ms5942 أمر؛ ~~فإنه إذا أمر بعتق رقبة مطلقة كقوله: {فتحرير رقبة} أو بإطعام ستين مسكينا؛ ~~أو صيام شهرين متتابعين أو بصلاة في مكان أو غير ذلك فإن العبد لا يمكنه ~~الامتثال إلا بإعتاق رقبة معينة وإطعام طعام معين لمساكين معينين وصيام ~~أيام معينة وصلاة # PageV19P299 # معينة في مكان معين فالمعين في جميع المأمورات المطلقة ليس مأمورا بعينه ~~وإنما المأمور به مطلق والمطلق يحصل بالمعين. فالمعين فيه شيئان: خصوص عينه ~~والحقيقة المطلقة فالحقيقة المطلقة هي الواجبة وأما خصوص العين فليس واجبا ~~ولا مأمورا به وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق ~~إلى مكة ولا قصد للآمر في خصوص التعيين. وهذا الكلام مذكور في مسألة الواجب ~~على التخيير والواجب المطلق والواجب المعين. والفرق بينها: أن الواجب ~~المخير قد أمر فيه بأحد أشياء محصورة والمطلق لم يؤمر فيه بأحد أشياء ~~محصورة؛ وإنما أمر بالمطلق. ولهذا اختلف في الواجب المخير فيه: هل الواجب ~~هو القدر المشترك كالواجب المطلق؟ أو الواجب هو المشترك والمميز أيضا على ~~التخيير؟ فيه وجهان والمشترك هو كونه أحدها فعلى هذا ما تميز به أحدها عن ~~الآخر لا يثاب عليه ثواب الواجب بخلاف ما إذا قيل المتميز واجب أيضا على ~~البدل وأما المطلق فلم يتعرض فيه للأعيان المتميزة بقصد لكنه من ضرورة ~~الواقع فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به وهو وإن قيل: هو واجب فهو واجب ~~في الفعل وهو مخير فيه فاختياره لإحدى العينين لا يجعله واجبا عينا فتبين ~~بذلك أن تعيين عين الفعل وعين المكان ليس مأمورا به فإذا نهي # PageV19P300 # عن الكون فيه لم يكن هذا المنهي عنه قد أمر به؛ إذ المأمور به مطلق وهذا ~~المعين ليس من لوازم المأمور به وإنما يحصل به الامتثال كما يحصل بغيره. ~~فإن قيل: إن لم يكن مأمورا به فلا بد أن يباح الامتثال به والجمع بين النهي ~~والإباحة جمع بين النقيضين قيل: ولا يجب أن يباح الامتثال به بل يكفي أن لا ~~ينهى عن الامتثال به فما به ms5943 يؤدي الواجب لا يفتقر إلى إيجاب ولا إلى إباحة ~~بل يكفي أن لا يكون منهيا عن الامتثال به فإذا نهاه عن الامتثال به امتنع ~~أن يكون المأمور به داخلا فيه من غير معصية. فهنا أربعة أقسام: أن يكون ما ~~به يمتثل واجبا كإيجاب صيام شهر رمضان بالإمساك فيه عن الواجب. وأن يكون ~~مباحا كخصال الكفارة؛ فإنه قد أبيح له نوع كل منها وكما لو قال: أطعم زيدا ~~أو عمرا. وأن لا يكون منهيا عنه كالصيام المطلق والعتق المطلق فالمعين ليس ~~منهيا عنه ولا مباحا بخطاب بعينه إذ لا يحتاج إلى ذلك. والرابع أن يكون ~~منهيا عنه كالنهي عن الأضاحي المعيبة وإعتاق # PageV19P301 # الكافر؛ فإذا صلى في مكان مباح كان ممتثلا لإتيانه بالواجب بمعين ليس ~~منهيا عنه وإذا صلى في المغصوب فقد يقال: إنما نهي عن جنس الكون فيه لا عن ~~خصوص الصلاة فيه فقد أدى الواجب بما لم ينه عن الامتثال به لكن نهي عن جنس ~~فعله فبه اجتمع في الفعل المعين ما أمر به من الصلاة المطلقة وما نهي عنه ~~من الكون المطلق فهو مطيع عاص. ولا نقول: إن الفعل المعين مأمور به منهي ~~عنه لكن اجتمع فيه المأمور به والمنهي عنه كما لو صلى ملابسا لمعصية من حمل ~~مغصوب. وقد يقال: بل هو منهي عن الامتثال به كما هو منهي عن الامتثال ~~بالصلاة في المكان النجس والثوب النجس؛ لأن المكان شرط في الصلاة والنهي عن ~~الجنس نهي عن أنواعه فيكون منهيا عن بعض هذه الصلاة بخلاف المنهي عنه إذا ~~كان منفصلا عن أبعاضها كالثوب المحمول فالحمل ليس من الصلاة. فهذا محل نظر ~~الفقهاء وهو محل للاجتهاد. لا أن عين هذه الأكوان هي مأمور بها ومنهي عنها ~~فإن هذا باطل قطعا بل عينها وإن كانت منهيا عنها فهي مشتملة على المأمور به ~~وليس ما اشتمل على المأمور به المطلق يكون مأمورا به. ثم يقال: ولو نهي عن ~~الامتثال على وجه معين مثل أن يقال: # PageV19P302 # صل ولا تصل في هذه البقعة ms5944 وخط هذا الثوب ولا تخطه في هذا البيت فإذا صلى ~~فيه وخاط فيه فلا ريب أنه لم يأت بالمأمور به كما أمر لكن هل يقال: أتى ~~ببعض المأمور به أو بأصله دون وصفه؟ وهو مطلق الصلاة والخياطة دون وصفه أو ~~مع منهي عنه بحيث يثاب على ذلك الفعل وإن لم يسقط الواجب أو عوقب على ~~المعصية؟ قد تقدم القول في ذلك وبينت أن الأمر كذلك وهي تشبه مسألة صوم يوم ~~العيد ونحوه مما يقول أبو حنيفة فيه بعدم الفساد. وأن الإجزاء والإثابة ~~يجتمعان ويفترقان فالإجزاء براءة الذمة من عهدة الأمر وهو السلامة من ذم ~~الرب أو عقابه. والثواب الجزاء على الطاعة. وليس الثواب من مقتضيات مجرد ~~الامتثال بخلاف الإجزاء؛ فإن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان ~~في الشرع؛ إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب والعاصي معاقب. وقد يفترقان ~~فيكون الفعل مجزئا لا ثواب فيه إذا قارنه من المعصية ما يقابل الثواب كما ~~قيل: {رب صائم حظه من صيامه العطش ورب قائم حظه من قيامه السهر} فإن قول ~~الزور والعمل به في الصيام أوجب إثما يقابل ثواب الصوم وقد اشتمل الصوم على ~~الامتثال المأمور به والعمل المنهي عنه فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان ~~للمعصية. وقد يكون مثابا عليه غير مجزئ إذا فعله ناقصا عن الشرائط والأركان ~~فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملا. # PageV19P303 # وهذا تحرير جيد أن فعل المأمور به يوجب البراءة فإن قارنه معصية بقدره ~~تخل بالمقصود قابل الثواب وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة ~~فإما أن يعاد؛ وإما أن يجبر؛ وإما أن يأثم. فتدبر هذا الأصل فإن المأمور به ~~مثل المحبوب المطلوب إذا لم يحصل تاما لم يكن المأمور بريئا من العهدة ~~فنقصه إما أن يجبر بجنسه أو ببدل أو بإعادة الفعل كاملا إذا كان مرتبطا ~~وإما أن يبقى في العهدة كركوب المنهي عنه. فالأول: مثل من أخرج الزكاة ~~ناقصا؛ فإنه يخرج التمام. والثاني: مثل من ترك واجبات الحج؛ فإنه ms5945 يجبر ~~بالدم؛ ومن ترك واجبات الصلاة المجبورة بالسجود. والثالث: مثل من ضحى ~~بمعيبة أو أعتق معيبا أو صلى بلا طهارة. والرابع: مثل من فوت الجمعة ~~والجهاد المتعين. وإذا حصل مقارنا لمحظور يضاد بعض أجزائه لم يكن قد حصل ~~كالوطء في الإحرام فإنه يفسده وإن لم يضاد بعض الأجزاء يكون # PageV19P304 # قد اجتمع المأمور والمحظور كفعل محظورات الإحرام فيه أو فعل قول الزور ~~والعمل به في الصيام فهذه ثلاثة أقسام في المحظور كالمأمور؛ إذ المأمور به ~~إذا تركه يستدرك تارة بالجبران والتكميل؛ وتارة بالإعادة؛ وتارة لا يستدرك ~~بحال. والمحظور كالمأمور إما أن يوجب فساده فيكون فيه الإعادة؛ أو لا ~~يستدرك. وإما أن يوجب نقصه مع الإجزاء فيجبر أو لا يجبر وإما أن يوجب إثما ~~فيه يقابل ثوابه. فالأول كإفساد الحج والثاني كإفساد الجمعة والثالث كالحج ~~مع محظوراته والرابع كالصلاة مع مرور المصلي أمامه والخامس كالصوم مع قول ~~الزور والعمل به. فهذه المسائل مسألة الفعل الواحد والفاعل الواحد والعين ~~الواحدة هل يجتمع فيه أن يكون محمودا مذموما؛ مرضيا مسخوطا؛ محبوبا مبغضا؛ ~~مثابا معاقبا؛ متلذذا متألما؛ يشبه بعضها بعضا؟ والاجتماع ممكن من وجهين ~~لكن من وجه واحد متعذر وقد قال تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . # PageV19P305 # فصل: # قد كتبت فيما قبل هذا مسمى العلم الشرعي وأنه ينقسم إلى: # ما أخبر به الشارع أو عرف بخبره وإلى ما أمر به الشارع. والذي أخبر به ~~ينقسم: إلى ما دل على علمه بالعقل؛ وإلى ما ليس كذلك. والذي أمر به: إما أن ~~يكون مستفادا بالعقل؛ أو مستفادا بالشرع وإما أن يكون مقصودا للشارع. أو ~~لازما للمقصود. وكذلك اسم الشريعة والشرع والشرعة فإنه ينتظم كل ما شرعه ~~الله من العقائد والأعمال وقد صنف الشيخ أبو بكر الآجري " كتاب الشريعة " ~~وصنف الشيخ أبو عبد الله ابن بطة " كتاب الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية " ~~وغير ذلك. وإنما مقصود هؤلاء الأئمة في السنة باسم الشريعة: العقائد التي ~~يعتقدها أهل السنة من الإيمان ms5946 مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل وأن الله ~~موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن ~~الله خالق # PageV19P306 # كل شيء وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير. وأنهم ~~لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر ونحو ذلك ~~من عقود أهل السنة فسموا أصول اعتقادهم شريعتهم وفرقوا بين شريعتهم وشريعة ~~غيرهم. وهذه العقائد التي يسميها هؤلاء الشريعة هي التي يسمي غيرهم عامتها ~~" العقليات " و " علم الكلام " أو يسميها الجميع " أصول الدين " ويسميها ~~بعضهم " الفقه الأكبر " وهذا نظير تسمية سائر المصنفين في هذا الباب " كتاب ~~السنة " كالسنة لعبد الله بن أحمد والخلال والطبراني والسنة للجعفي وللأثرم ~~ولخلق كثير صنفوا في هذه الأبواب وسموا ذلك كتب السنة ليميزوا بين عقيدة ~~أهل السنة وعقيدة أهل البدعة. فالسنة كالشريعة هي: ما سنه الرسول وما شرعه ~~فقد يراد به ما سنه وشرعه من العقائد وقد يراد به ما سنه وشرعه من العمل ~~وقد يراد به كلاهما. فلفظ السنة يقع على معان كلفظ الشرعة؛ ولهذا قال ابن ~~عباس وغيره في قوله: {شرعة ومنهاجا} سنة وسبيلا. ففسروا الشرعة بالسنة ~~والمنهاج بالسبيل. واسم " السنة " و " الشرعة " قد يكون في العقائد ~~والأقوال؛ وقد يكون في المقاصد والأفعال. فالأولى في طريقة العلم والكلام # PageV19P307 # والثانية في طريقة الحال والسماع وقد تكون في طريقة العبادات الظاهرة ~~والسياسات السلطانية. فالمتكلمة جعلوا بإزاء الشرعيات العقليات أو ~~الكلاميات والمتصوفة جعلوا بإزائها الذوقيات والحقائق والمتفلسفة جعلوا ~~بإزاء الشريعة الفلسفة والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة. وأما الفقهاء ~~والعامة فيخرجون عما هو عندهم الشريعة إلى بعض هذه الأمور أو يجعلون ~~بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي. والتحقيق: أن الشريعة التي بعث الله ~~بها محمدا صلى الله عليه وسلم جامعة لمصالح الدنيا والآخرة وهذه الأشياء ما ~~خالف الشريعة منها فهو باطل وما وافقها منها فهو حق؛ لكن قد يغير أيضا لفظ ~~الشريعة عند أكثر الناس فالملوك والعامة عندهم أن الشرع والشريعة اسم لحكم ms5947 ~~الحاكم ومعلوم أن القضاء فرع من فروع الشريعة وإلا فالشريعة جامعة لكل ~~ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله. ~~وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات ~~والأحكام والولايات والعطيات. ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة ~~أنحاء: شرع منزل وهو: ما شرعه الله ورسوله. وشرع متأول وهو: ما ساغ فيه ~~الاجتهاد. وشرع مبدل وهو: ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون ~~بظاهر من الشرع؛ أو البدع؛ أو الضلال الذي يضيفه # PageV19P308 # الضالون إلى الشرع. والله سبحانه وتعالى أعلم. وبما ذكرته في مسمى ~~الشريعة والحكم الشرعي والعلم الشرعي يتبين أنه ليس للإنسان أن يخرج عن ~~الشريعة في شيء من أموره بل كل ما يصلح له فهو في الشرع من أصوله وفروعه ~~وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملته وغير ذلك والحمد لله رب العالمين. وسبب ~~ذلك أن الشريعة هي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا وقد قال الله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وقد ~~أوجب طاعته وطاعة رسوله في آي كثير من القرآن وحرم معصيته ومعصية رسوله ~~ووعد برضوانه ومغفرته ورحمته وجنته على طاعته وطاعة رسوله وأوعد بضد ذلك ~~على معصيته ومعصية رسوله فعلى كل أحد من عالم أو أمير أو عابد أو معامل أن ~~يطيع الله ورسوله فيما هو قائم به من علم أو حكم أو أمر أو نهي أو عمل أو ~~عبادة أو غير ذلك. وحقيقة الشريعة: اتباع الرسل والدخول تحت طاعتهم كما أن ~~الخروج عنها خروج عن طاعة الرسل وطاعة الرسل هي دين الله الذي أمر بالقتال ~~عليه فقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين # PageV19P309 # كله لله} فإنه قد قال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} والطاعة له دين له. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من أطاعني فقد أطاع الله. ومن أطاع أميري ~~فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصا الله ومن عصى أميري فقد عصاني} والأمراء ~~والعلماء لهم مواضع تجب طاعتهم ms5948 فيها وعليهم هم أيضا أن يطيعوا الله والرسول ~~فيما يأمرون. فعلى كل من الرعاة والرعية والرءوس والمرءوسين أن يطيع كل ~~منهم الله ورسوله في حاله ويلتزم شريعة الله التي شرعها له. وهذه جملة ~~تفصيلها يطول غلط فيها صنفان من الناس. صنف سوغوا لنفوسهم الخروج عن شريعة ~~الله ورسوله وطاعة الله ورسوله؛ لظنهم قصور الشريعة عن تمام مصالحهم جهلا ~~منهم؛ أو جهلا وهوى؛ أو هوى محضا. وصنف قصروا في معرفة قدر الشريعة فضيقوها ~~حتى توهموا هم والناس أنه لا يمكن العمل بها وأصل ذلك الجهل بمسمى الشريعة ~~ومعرفة قدرها وسعتها والله أعلم. ومن العلماء والعامة من يرى أن اسم ~~الشريعة والشرع لا يقال إلا للأعمال التي يسمى علمها علم الفقه ويفرقون بين ~~العقائد والشرائع أو الحقائق والشرائع فهذا الاصطلاح مخالف لذلك. وأما قوله ~~{ثم جعلناك على # PageV19P310 # شريعة من الأمر} فإما أن يحمل. . . (1) . # وكذلك الأحكام الشرعية قد يراد بها ما أخبر بها الشارع بناء على أن ~~الأحكام صفات للفعل؛ وأن الشارع بينها وكشفها. ومنها ما يعلم بالعقل ضرورة ~~أو نظرا؛ ومنها ما يعلم بهما ويسمى الجميع أحكاما شرعية أو تخص الأحكام ~~الشرعية بما لم يستفد إلا من الشارع وهذا اصطلاح المعتزلة وغيرهم من ~~المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم. وقد يراد بها ما أثبتها الشارع وأتى ~~بها ولم تكن ثابتة بدونه بناء على أن الفعل حكم له في نفسها وإنما الحكم ما ~~أتى به الشارع وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم. ثم قد ~~يقال: الحكم هو خطاب الشارع وهو الإيجاب والتحريم منه؛ وقد يقال: هو مقتضى ~~الخطاب وموجبه وهو الوجوب والحرمة مثلا. وقد يقال: المتعلق الذي بين الخطاب ~~والفعل. والصحيح أن اسم الحكم الشرعي ينطبق على هذه الثلاثة وقد يقال: بل ~~الحكم الشرعي يقال: على ما أخبر به وعلى ما جاء به من الخطاب ومقتضاه وهذا ~~كما قلناه في العلم الشرعي فتدبر هذه الأصول الثلاثة: العلم الشرعي والحكم ~~الشرعي والشريعة والله أعلم. PageV19P311 # الجزء العشرون # كتاب أصول الفقه # الجزء الثاني: التمذهب # بسم ms5949 الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده؛ والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: # الحمد لله نحمده ونستعينه؛ ونستغفره ونؤمن به؛ ونتوكل عليه؛ ونثني عليه ~~الخير بما هو أهله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله ~~فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له: ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا؛ وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا؛ فهدى به من الضلالة؛ وعلم به من الجهالة وبصر به من ~~العمى؛ وأرشد به من الغي: وفتح به آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # وبعد: فإن الله سبحانه دلنا على نفسه الكريمة بما أخبرنا به في # PageV20P005 # كتابه العزيز؛ وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبذلك أنزل الكتب وأرسل ~~الرسل. فقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} إلى قوله: {ينيب} . ~~وقال: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنا ~~معاشر الأنبياء ديننا واحد؟ . والشرائع مختلفة} فجميع الرسل متفقون في ~~الدين الجامع في الأصول الاعتقادية والعلمية كالإيمان بالله ورسله واليوم ~~الآخر والعملية كالأعمال العامة المذكورة في سورة الأنعام والأعراف وبني ~~إسرائيل وهو: قوله تعالى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا} الآيات الثلاث وقوله {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} ~~الآية وقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} الآية وقوله: ~~{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى آخر الوصايا وقوله: {قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة} الآية. فالدعوة والعبادة اسم ms5950 جامع لغاية الحب لله ~~وغاية الذل له فمن ذل له من غير حب لم يكن عابدا بل يكون هو المحبوب ~~المطلق؛ فلا يحب # PageV20P006 # شيئا إلا له ومن أشرك غيره في هذا وهذا لم يجعل له حقيقة الحب فهو مشرك؛ ~~وإشراكه يوجب نقص الحقيقة. كقوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله} الآية. والحب يوجب الذل والطاعة والإسلام: أن ~~يستسلم لله لا لغيره فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم له فهو ~~متكبر وكلاهما ضد الإسلام. والقلب لا يصلح إلا بعبادة الله وحده وتحقيق هذا ~~تحقيق الدعوة النبوية. ومن المحبة الدعوة إلى الله؛ وهي الدعوة إلى الإيمان ~~به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم بما أمروا به ~~فالدعوة إليه من الدعوة إلى الله تعالى وما أبغضه الله ورسوله فمن الدعوة ~~إلى الله النهي عنه ومن الدعوة إلى الله أن يفعل العبد ما أحبه الله ورسوله ~~ويترك ما أبغضه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بما أخبر ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته ومن سائر المخلوقات ~~كالعرش والكرسي؛ والملائكة والأنبياء وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما. # PageV20P007 # والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أمته ~~وقد وصفهم الله بذلك؛ كقوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} إلى ~~قوله: {المفلحون} فهذه في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حقهم قوله: {كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس} الآية وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} الآية. وهذا الواجب واجب على مجموع ~~الأمة: وهو فرض كفاية يسقط عن البعض بالبعض كقوله: {ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير} الآية فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة ~~وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله فإذا تقرر هذا فالواجب على كل ~~مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله: وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل ~~عليه في كتابه فلا ms5951 يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص إلا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يقول إلا لكتاب الله عز وجل. ومن نصب شخصا كائنا من ~~كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو {من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا} الآية وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل: ~~اتباع: الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي ~~من وافقهم # PageV20P008 # ويعادي من خالفهم فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه ~~والعمل به فهذا زاجر. وكمائن القلوب تظهر عند المحن. وليس لأحد أن يدعو إلى ~~مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر ~~الله به ورسوله؛ أو أخبر الله به ورسوله؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله. وينبغي ~~للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن؛ فإنه نور وهدى؛ ثم يجعل إمام ~~الأئمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كلام الأئمة. ولا يخلو أمر الداعي ~~من أمرين: الأول: أن يكون مجتهدا أو مقلدا فالمجتهد ينظر في تصانيف ~~المتقدمين من القرون الثلاثة؛ ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه. الثاني: المقلد ~~يقلد السلف؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها. فإذا تبين هذا فنقول كما ~~أمرنا ربنا: {قولوا آمنا بالله} إلى قوله: {مسلمون} ونأمر بما أمرنا به. ~~وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} الآية فمبنى أحكام هذا الدين على ~~ثلاثة أقسام: الكتاب؛ والسنة؛ والإجماع. # PageV20P009 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن معنى إجماع العلماء؛ وهل يسوغ للمجتهد خلافهم؟ وما معناه؟ وهل قول ~~الصحابي حجة؟ . # فأجاب: # الحمد لله ### | ، معنى الإجماع: # أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام. وإذا ثبت إجماع الأمة على ~~حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإن الأمة لا تجتمع على ~~ضلالة ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك ~~بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب ms5952 والسنة. # وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم؛ فليس حجة لازمة ولا ~~إجماعا باتفاق المسلمين بل قد ثبت عنهم - رضي الله عنهم - أنهم نهوا الناس ~~عن تقليدهم؛ وأمروا إذا رأوا قولا في الكتاب والسنة أقوى من قولهم: أن ~~يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم. ولهذا كان الأكابر من ~~أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا # PageV20P010 # ظهر لهم دلالة الكتاب أو السنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك مثل ~~مسافة القصر؛ فإن تحديدها بثلاثة أيام أو ستة عشر فرسخا لما كان قولا ضعيفا ~~كان طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ترى قصر الصلاة في السفر الذي ~~هو دون ذلك كالسفر من مكة إلى عرفة؛ فإنه قد ثبت أن أهل مكة قصروا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمنى وعرفة. وكذلك طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة ~~وأحمد قالوا: إن جمع الطلاق الثلاث محرم وبدعة؛ لأن الكتاب والسنة عندهم ~~إنما يدلان على ذلك وخالفوا أئمتهم. وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي ~~حنيفة رأوا غسل الدهن النجس؛ وهو خلاف قول الأئمة الأربعة. وطائفة من أصحاب ~~أبي حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق وهو خلاف الأئمة الأربعة بل ذكر ابن ~~عبد البر أن الإجماع منعقد على خلافه. وطائفة من أصحاب مالك وغيرهم قالوا: ~~من حلف بالطلاق فإنه يكفر يمينه؛ وكذلك من حلف بالعتاق وكذلك قال طائفة من ~~أصحاب # PageV20P011 # أبي حنيفة والشافعي؛ قالوا: إن من قال: الطلاق يلزمني لا يقع به طلاق ومن ~~حلف بذلك لا يقع به طلاق وهذا منقول عن أبي حنيفة نفسه. وطائفة من العلماء ~~قالوا: إن الحالف بالطلاق لا يقع به طلاق ولا تلزمه كفارة وقد ثبت عن ~~الصحابة وأكابر التابعين في الحلف بالعتق أنه لا يلزمه؛ بل تجزئه كفارة ~~يمين وأقوال الأئمة الأربعة بخلافه فالحلف بالطلاق بطريق الأولى ولهذا كان ~~من هو من أئمة التابعين يقول: الحلف بالطلاق لا يقع به الطلاق ويجعله يمينا ~~فيه الكفارة. وهذا بخلاف إيقاع الطلاق فإنه إذا وقع على الوجه الشرعي وقع ~~باتفاق ms5953 الأمة ولم تكن فيه كفارة باتفاق الأمة بل لا كفارة في الإيقاع مطلقا ~~وإنما الكفارة خاصة في الحلف. فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب ~~اتباعه كقول من فرق بين النذر والعتق والطلاق وبين اليمين بذلك؛ فإن هذا هو ~~الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس؛ فإن الله ذكر حكم ~~الطلاق في قوله تعالى {إذا طلقتم النساء} وذكر حكم اليمين في قوله: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} وثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من حلف # PageV20P012 # على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه} . فمن ~~جعل اليمين بها لها حكم والنذر والإعتاق والتطليق له حكم آخر كان قوله ~~موافقا للكتاب والسنة. ومن جعل هذا وهذا سواء فقد خالف الكتاب والسنة. ومن ~~ظن في هذا إجماعا كان ظنه بحسب علمه حيث لم يعلم فيه نزاعا وكيف تجتمع ~~الأمة على قول ضعيف مرجوح ليس عليه حجة صحيحة بل الكتاب والسنة والآثار عن ~~الصحابة والقياس الصحيح يخالفه. والصيغ ثلاثة: صيغة إيقاع كقوله: أنت طالق: ~~فهذه ليست يمينا باتفاق الناس. وصيغة قسم كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا ~~فهذه صيغة يمين باتفاق الناس. وصيغة تعليق كقوله: إن زنيت فأنت طالق فهذا ~~إن قصد به الإيقاع عند وجود الصفة. بأن يكون يريد إذا زنت إيقاع الطلاق # PageV20P013 # ولا يقيم مع زانية؛ فهذا إيقاع وليس بيمين وإن قصد منعها وزجرها ولا يريد ~~طلاقها إذا زنت فهذا يمين باتفاق الناس. # فصل: # وأما أقوال الصحابة؛ فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير ~~العلماء وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. ولم يكن قول ~~بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء وإن قال بعضهم قولا ولم يقل ~~بعضهم بخلافه ولم ينتشر؛ فهذا فيه نزاع وجمهور العلماء يحتجون به كأبي ~~حنيفة. ومالك؛ وأحمد في المشهور عنه؛ والشافعي في أحد قوليه وفي كتبه ms5954 ~~الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع ولكن من الناس من يقول: هذا هو ~~القول القديم. # PageV20P014 # و ### | سئل: # عن الاجتهاد؛ والاستدلال: والتقليد؛ والاتباع؟ # فأجاب: أما التقليد الباطل المذموم فهو: قبول قول الغير بلا حجة قال الله ~~تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} في البقرة وفي المائدة ~~وفي لقمان {أولو كان الشيطان يدعوهم} وفي الزخرف: {قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم} وفي الصافات: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} {فهم على ~~آثارهم يهرعون} وقال: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا} الآيات. وقال: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب} وقال: {فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} وفي الآية الأخرى: {من عذاب ~~الله من شيء} وقال: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة # PageV20P015 # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} . فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه ~~الله هو اتباع الهوى إما للعادة والنسب كاتباع الآباء وإما للرئاسة كاتباع ~~الأكابر والسادة والمتكبرين فهذا مثل تقليد الرجل لأبيه أو سيده أو ذي ~~سلطانه وهذا يكون لمن لم يستقل بنفسه وهو الصغير: فإن دينه دين أمه فإن ~~فقدت فدين ملكه وأبيه: فإن فقد كاللقيط فدين المتولي عليه وهو أهل البلد ~~الذي هو فيه فأما إذا بلغ وأعرب لسانه فإما شاكرا وإما كفورا. وقد بين الله ~~أن الواجب الإعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما أنزل الله على رسله؛ فإنهم ~~حجة الله التي أعذر بها إلى خلقه. والكلام في التقليد في شيئين: في كونه ~~حقا؛ أو باطلا من جهة الدلالة. وفي كونه مشروعا؛ أو غير مشروع من جهة ~~الحكم. أما الأول فإن التقليد المذكور لا يفيد علما؟ فإن المقلد يجوز أن ~~يكون مقلده مصيبا: ويجوز أن يكون مخطئا وهو لا يعلم أمصيب هو أم مخطئ؟ ms5955 فلا ~~تحصل له ثقة ولا طمأنينة فإن علم أن مقلده مصيب # PageV20P016 # كتقليد الرسول أو أهل الإجماع فقد قلده بحجة وهو العلم بأنه عالم وليس هو ~~التقليد المذكور وهذا التقليد واجب؛ للعلم بأن الرسول معصوم؛ وأهل الإجماع ~~معصومون. وأما تقليد العالم حيث يجوز فهو بمنزلة اتباع الأدلة المتغلبة على ~~الظن. كخبر الواحد والقياس؛ لأن المقلد يغلب على ظنه إصابة العالم المجتهد ~~كما يغلب على ظنه صدق المخبر لكن بين اتباع الراوي والرأي فرق يذكر إن شاء ~~الله في موضع آخر. فإن اتباع الراوي واجب لأنه انفرد بعلم ما أخبر به: ~~بخلاف الرأي فإنه يمكن أن يعلم من حيث علم ولأن غلط الرواية بعيد؛ فإن ~~ضبطها سهل؛ ولهذا نقل عن النساء والعامة بخلاف غلط الرأي فإنه كثير؛ لدقة ~~طرقه وكثرتها وهذا هو العرف لمن يجوز قبول الخبر مع إمكان مراجعة المخبر ~~عنه ولا يجوز قبول المعنى مع إمكان معرفة الدليل. وأما العرف الأول فمتفق ~~عليه بين أهل العلم؛ ولهذا يوجبون اتباع الخبر ولا يوجب أحد تقليد العالم ~~على من أمكنه الاستدلال وإنما يختلفون في جوازه؛ لأنه يمكنه أن يعلم من حيث ~~علم فهذه جملة. # PageV20P017 # وأما تفصيلها فنقول: الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض منهم من ~~يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة: أصولها وفروعها على كل أحد. ومنهم ~~من يحرم الاستدلال في الدقيق على كل أحد وهذا في الأصول والفروع وخيار ~~الأمور أوساطها. # PageV20P018 # و ### | سئل: # هل كل مجتهد مصيب؟ أو المصيب واحد # والباقي مخطئون؟ . # فأجاب: قد بسط الكلام في هذه المسألة في غير موضع وذكر نزاع الناس فيها ~~وذكر أن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم؛ وقد يراد به عدم العلم. فإن أريد ~~الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب؛ فإنه مطيع لله ليس بآثم ولا ~~مذموم. وإن أريد الثاني فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره؛ ويكون ~~ذلك علما بحقيقة الأمر لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه؛ لكن سقط عنه ~~وجوب اتباعه لعجزه عنه وله أجر على ms5956 اجتهاده ولكن الواصل إلى الصواب له ~~أجران كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: {إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر} . # PageV20P019 # ولفظ " الخطأ " يستعمل في العمد وفي غير العمد قال تعالى: {ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا} والأكثرون ~~يقرءون (خطئا على وزن ردءا وعلما. وقرأ ابن عامر (خطأ) على وزن عملا كلفظ ~~الخطأ في قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} . وقرأ ابن كثير ~~(خطاء على وزن هجاء. وقرأ ابن رزين (خطاء) على وزن شرابا. وقرأ الحسن ~~وقتادة (خطأ) على وزن قتلا. وقرأ الزهري (خطا) بلا همز على وزن عدى. قال ~~الأخفش: خطا يخطأ بمعنى: أذنب وليس معنى أخطأ؛ لأن أخطأ في ما لم يصنعه ~~عمدا يقول فيما أتيته عمدا خطيت؛ وفيما لم يتعمده: أخطأت. وكذلك قال أبو ~~بكر ابن الأنباري الخطأ: الإثم يقال: قد خطا يخطأ إذا أثم وأخطأ يخطئ إذا ~~فارق الصواب. وكذلك قال ابن الأنباري في قوله: {تالله لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين} فإن المفسرين كابن عباس وغيره: قالوا لمذنبين آثمين في ~~أمرك وهو كما قالوا فإنهم قالوا: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين} وكذلك قال العزيز لامرأته: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} ~~قال ابن الأنباري: ولهذا اختير خاطئين على مخطئين وإن كان أخطأ على ألسن ~~الناس أكثر من خطا يخطي؛ لأن معنى خطا يخطي فهو خاطئ: آثم ومعنى أخطأ يخطئ: ~~ترك الصواب # PageV20P020 # ولم يأثم. قال عبادك يخطئون وأنت رب تكفل المنايا والحتوم وقال الفراء: ~~الخطأ: الإثم الخطا والخطا والخطاء ممدود. ثلاث اللغات. قلت: يقال في ~~العمد: خطأ كما يقال في غير العمد على قراءة ابن عامر فيقال لغير المتعمد: ~~أخطأت كما يقال له: خطيت ولفظ الخطيئة من هذا. ومنه قوله تعالى {مما ~~خطيئاتهم أغرقوا} وقول السحرة: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا ~~أول المؤمنين} . ومنه قوله في الحديث الصحيح الإلهي: ms5957 {يا عبادي إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم} وفي الصحيحين ~~عن أبي موسى؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: {اللهم ~~اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي ~~هزلي وجدي؛ وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي} . وفي الصحيحين {عن أبي هريرة؛ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا ~~تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني ~~من خطاياي بالماء والثلج والبرد} . # PageV20P021 # والذين قالوا: كل مجتهد مصيب والمجتهد لا يكون على خطأ وكرهوا أن يقال ~~للمجتهد: إنه أخطأ هم وكثير من العامة يكره أن يقال عن إمام كبير: إنه أخطأ ~~وقوله أخطأ لأن هذا اللفظ يستعمل في الذنب كقراءة ابن عامر: إنه كان خطئا ~~كبيرا ولأنه يقال في العامد: أخطأ يخطئ كما قال: {يا عبادي إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم} فصار لفظ ~~الخطأ وأخطأ قد يتناول النوعين كما يخص غير العامل وأما لفظ الخطيئة فلا ~~يستعمل إلا في الإثم. والمشهور أن لفظ الخطأ يفارق العمد كما قال تعالى: ~~{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} الآية ثم قال بعد ذلك: {ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} . وقد بين الفقهاء أن الخطأ ينقسم إلى خطأ في ~~الفعل؛ وإلى خطأ في القصد. فالأول: أن يقصد الرمي إلى ما يجوز رميه من صيد ~~وهدف فيخطئ بها وهذا فيه الكفارة والدية. والثاني: أن يخطئ في قصده لعدم ~~العلم؛ كما أخطأ هناك لضعف # PageV20P022 # القوة وهو أن يرمي من يعتقده مباح الدم ويكون معصوم الدم كمن قتل رجلا في ~~صفوف الكفار ثم تبين أنه كان مسلما والخطأ في العلم هو من هذا النوع؛ ولهذا ~~قيل في أحد القولين: إنه لا دية فيه لأنه مأمور به بخلاف الأول. وأيضا فقد ~~قال ms5958 تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} ففرق ~~بين النوعين وقال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في ~~الصحيح أن الله تعالى قال: " قد فعلت ". فلفظ الخطأ وأخطأ عند الإطلاق ~~يتناول غير العامد وإذا ذكر مع النسيان أو ذكر في مقابلة العامد كان نصا ~~فيه وقد يراد به مع القرينة العمد أو العمد والخطأ جميعا كما في قراءة ابن ~~عامر؛ وفي الحديث الإلهي - إن كان لفظه كما يرويه عامة المحدثين - " تخطئون ~~" بالضم. وأما اسم الخاطئ فلم يجئ في القرآن إلا للإثم بمعنى الخطيئة ~~كقوله: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} وقوله: {لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين} وقوله: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} ~~وقوله: {لا يأكله إلا الخاطئون} . # PageV20P023 # وإذا تبين هذا فكل مجتهد مصيب غير خاطئ وغير مخطئ أيضا إذا أريد بالخطأ ~~الإثم على قراءة ابن عامر ولا يكون من مجتهد خطأ وهذا هو الذي أراده من ~~قال: كل مجتهد مصيب وقالوا: الخطأ والإثم متلازمان فعندهم لفظ الخطأ كلفظ ~~الخطيئة على قراءة ابن عامر وهم يسلمون أنه يخفى عليه بعض العلم الذي عجز ~~عنه لكن لا يسمونه خطأ؛ لأنه لم يؤمر به وقد يسمونه خطأ إضافيا بمعنى: أنه ~~أخطأ شيئا لو علمه لكان عليه أن يتبعه وكان هو حكم الله في حقه؛ ولكن ~~الصحابة والأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ ~~على غير العمد؛ وإن لم يكن إثما كما نطق بذلك القرآن والسنة في غير موضع ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} . وقال غير واحد من الصحابة ~~كابن مسعود: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن ~~الشيطان؛ والله ورسوله بريئان منه. وقال علي في قصة التي أرسل إليها عمر ~~فأسقطت - لما قال له عثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما أنت مؤدب ولا شيء ~~عليك ms5959 - إن كانا اجتهدا فقد أخطآ وإن لم يكونا اجتهدا فقد غشاك. # PageV20P024 # وأحمد يفرق في هذا الباب فإذا كان في المسألة حديث صحيح لا معارض له كان ~~من أخذ بحديث ضعيف أو قول بعض الصحابة مخطئا وإذا كان فيها حديثان صحيحان ~~نظر في الراجح فأخذ به؛ ولا يقول لمن أخذ بالآخر إنه مخطئ وإذا لم يكن فيها ~~نص اجتهد فيها برأيه قال: ولا أدري أصبت الحق أم أخطأته؟ ففرق بين أن يكون ~~فيها نص يجب العمل به وبين أن لا يكون كذلك وإذا عمل الرجل بنص وفيها نص ~~آخر خفي عليه لم يسمه مخطئا؛ لأنه فعل ما وجب عليه؛ لكن هذا التفصيل في ~~تعيين الخطأ فإن من الناس من يقول: لا أقطع بخطأ منازعي في مسائل الاجتهاد. ~~ومنهم من يقول: أقطع بخطئه. وأحمد فصل وهو الصواب. وهو إذا قطع بخطئه بمعنى ~~عدم العلم لم يقطع بإثمه هذا لا يكون إلا في من علم أنه لم يجتهد. وحقيقة ~~الأمر أنه إذا كان فيها نص خفي على بعض المجتهدين وتعذر عليه علمه ولو علم ~~به لوجب عليه اتباعه؛ لكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر وهو منسوخ أو ~~مخصوص: فقد فعل ما وجب عليه بحسب قدرته كالذين صلوا إلى بيت المقدس بعد أن ~~نسخت وقبل أن يعلموا بالنسخ وهذا لأن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلفين ~~إلا بعد تمكنهم من معرفته في أصح الأقوال وقيل: يثبت معنى وجوب القضاء لا # PageV20P025 # بمعنى الإثم وقيل يثبت في الخطاب المبتدأ دون الناسخ والأقوال الثلاثة في ~~مذهب أحمد وغيره. وإذا كان كذلك فما لم يسمعه المجتهد من النصوص الناسخة أو ~~المخصوصة فلم تمكنه معرفته فحكمه ساقط عنه وهو مطيع لله في عمله بالنص ~~المنسوخ والعام ولا إثم عليه فيه. وهنا تنازع الناس على ثلاثة أقوال: قيل: ~~عليه اتباع الحكم الباطن؛ وأنه إذا أخطأ كان مخطئا عند الله وفي الحكم تارك ~~لما أمر به مع قولهم: إنه لا إثم عليه وهذا تناقض فإن من ترك ما أمر ms5960 به فهو ~~آثم؛ فكيف يكون تاركا لمأمور به وهو غير آثم وقيل: بل لم يؤمر قط بالحكم ~~الباطن ولا هو حكم في حقه ولا أخطأ حكم الله ولا لله في الباطن حكم في حقه ~~غير ما حكم به؛ ولا يقال له: أخطأ؛ فإن الخطأ عندهم ملازم للإثم وهم يسلمون ~~أنه لو علمه لوجب عليه العمل به ولكان حكما في حقه فكان النزاع لفظيا وقد ~~خالفوا في منع اللفظ في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأيضا فقولهم: ليس في ~~الباطن حكم خطأ؛ بل حكم الله في الباطن # PageV20P026 # هو ما جاء به النص الناسخ والخاص ولكن لا يجب عليه أن يعمل به حتى يتمكن ~~من معرفته فسقط عنه لعجزه. وقيل: كان حكم الله في حقه هو الأمر الباطن ولكن ~~لما اجتهد فغلب على ظنه أن هذا هو حكم الله انتقل حكم الله في حقه؛ فصار ~~مأمورا بهذا. والصحيح: ما قاله أحمد وغيره: أن عليه أن يجتهد فالواجب عليه ~~الاجتهاد؛ ولا يجب عليه إصابته في الباطن إذا لم يكن قادرا عليه وإنما عليه ~~أن يجتهد؛ فإن ترك الاجتهاد أثم وإذا اجتهد ولم يكن في قدرته أن يعلم ~~الباطن لم يكن مأمورا به مع العجز ولكن هو مأمور به وهو حكم الله في حقه ~~بشرط أن يتمكن منه. ومن قال: إنه حكم الله في الباطن بهذا الاعتبار فقد صدق ~~وإذا اجتهد فبين الله له الحق في الباطن فله أجران كما قال تعالى: ~~{ففهمناها سليمان} ولا نقول: إن حكم الله انتقل في حقه فكان مأمورا قبل ~~الاجتهاد بالحق للباطن ثم صار مأمورا بعد الاجتهاد لما ظنه بل ما زال ~~مأمورا بأن يجتهد ويتقي الله ما استطاع وهو إنما أمر بالحق لكن بشرط أن ~~يقدر عليه. فإذا عجز عنه لم يؤمر به وهو مأمور بالاجتهاد فإذا كان اجتهاده ~~اقتضى قولا آخر فعليه أن يعمل # PageV20P027 # به؛ لا لأنه أمر بذلك القول بل لأن الله أمره أن يعمل بما يقتضيه اجتهاده ~~وبما يمكنه معرفته وهو لم يقدر إلا على ms5961 ذلك القول فهو مأمور به من جهة أنه ~~مقدوره لا من جهة عينه كالمجتهدين في القبلة إذا صلوا إلى أربع جهات ~~فالمصيب للقبلة واحد والجميع فعلوا ما أمروا به لا إثم عليهم وتعيين القبلة ~~سقط عن العاجزين عن معرفتها وصار الواجب على كل أحد أن يفعل ما يقدر عليه ~~من الاجتهاد وهو ما يعتقد أنه الكعبة بعد اجتهاده فهو مأمور بعين الصواب ~~لكن بشرط القدرة على معرفته ومأمور بما يعتقد أنه الصواب وأنه الذي يقدر ~~عليه وإذا رآه لم يتعين من جهة الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - بل من ~~جهة قدرته لكن إذا كان متبعا لنص ولم يبلغه ناسخه فهو مأمور باتباعه إلى أن ~~يعلم الناسخ فإن المنسوخ كان حكم الله في حقه باطنا وظاهرا وذلك لا يقبل ~~إلا بعد بلوغ الناسخ له. وأما اللفظ العام إذا كان مخصوصا فقد يقال: صورة ~~التخصيص لم يردها الشارع لكن هو اعتقد أنه أرادها لكونه لم يعلم التخصيص. ~~وهكذا يقال فيما نسخ من النصوص قبل أن يجب العمل به على المجتهد كالنصوص ~~التي نسخت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم بعض الناس بنسخها؛ ~~وقد بلغه المنسوخ بها لا يقال: إن المنسوخ # PageV20P028 # ثبت حكمه في حقه باطنا وظاهرا كما قيل في أهل القبلة الذين وجب عليهم ~~استقبالها باطنا وظاهرا قبل النسخ ولكن يقال: من لم يبلغه النص الناسخ ~~وبلغه النص الآخر فعليه اتباعه والعمل به وعلى هذا فتختلف الأحكام في حق ~~المجتهدين بحسب القدرة على معرفة الدليل فمن كان غير متمكن من معرفة الدليل ~~الراجح كالناسخ والمخصص؛ فهذا حكم الله من جهة العمل بما قدر عليه من ~~الأدلة وإن كان في نفس الأمر دليل معارض راجح لم يتمكن من معرفته فليس عليه ~~اتباعه إلا إذا قدر على ذلك. # وعلى هذا فالآية إذا احتملت معنيين وكان ظهور أحدهما غير معلوم لبعض ~~الناس بل لم يعلم إلا ما لا يظهر للآخر؛ كان الواجب عليه العمل بما دله على ~~ذلك المعنى؛ وإن كان غيره ms5962 عليه العمل بما دله على المعنى الآخر؛ وكل منهما ~~فعل ما وجب عليه لكن حكم الله في نفس الأمر واحد بشرط القدرة. وإذا قيل فما ~~فعله ذاك أمره الله به أيضا قيل: لم يأمر به عينيا بل أمره أن يتقي الله ما ~~استطاع؛ ويعمل بما ظهر له ولم يظهر له إلا هذا؛ فهو مأمور به من جهة جنس ~~المقدور والمعلوم والظاهر بالنسبة إلى المجتهد؛ ليس مأمورا به من جهة عينه ~~نفسه فمن قال: لم يؤمر به فقد أصاب. ومن قال: هو مأمور به من جهة أنه هو ~~الذي قدر عليه وعلمه وظهر له ودل عليه الدليل فقد أصاب # PageV20P029 # كما لو شهد شاهدان عند الحاكم وقد غلطا في الشهادة فهو مأمور أن يحكم ~~بشهادة ما شهدا به مطلقا لم يؤمر بغير ما شهدا به في هذه القضية. ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه؛ ~~فإنما أقطع له قطعة من النار} فهو إذا ظهرت له حجة أحدهما فلم يذكر الآخر ~~حجته فقد عمل بما ظهر له ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهو مطيع لله في حقه ~~من جهة قدرته وعلمه لا من جهة كون ذلك المعين أمر الله به؛ فإن الله لا ~~يأمر بالباطل والظلم والخطأ ولكن لا يكلف نفسا إلا وسعها وهذا يتناول ~~الأحكام النبوية والخبرية. # و ### | المجتهد المخطئ له أجر؛ # لأن قصده الحق وطلبه بحسب وسعه وهو لا يحكم إلا بدليل كحكم الحاكم بإقرار ~~الخصم بما عليه ويكون قد سقط بعد ذلك بإبراء أو قضاء ولم يقم به حجة وحكمه ~~بالبراءة مع اليمين ويكون قد اشتغلت الذمة باقتراض أو ابتياع أو غير ذلك ~~لكن لم يقم به حجة وحكم لرب اليد مع اليمين ويكون قد انتقل الملك عنه أو ~~يده يد غاصب؛ لكن لم يقم به حجة. # PageV20P030 # وكذلك الأدلة العامة؛ يحكم المجتهد بعمومه وما يخصه ms5963 ولم يبلغه؛ أو بنص ~~وقد نسخ ولم يبلغه؛ أو يقول بقياس ظهر وفيه التسوية؛ وتكون تلك الصورة ~~امتازت بفرق مؤثر؛ وتعذرت عليه معرفته؛ فإن تأثير الفرق قد يكون بنص لم ~~يبلغه وقد يكون وصفا خفيا. ففي الجملة الأجر هو على اتباعه الحق بحسب ~~اجتهاده؛ ولو كان في الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قدر على معرفته؛ ~~لكن لم يقدر فهذا كالمجتهدين في جهات الكعبة وكذلك كل من عبد عبادة نهي ~~عنها ولم يعلم بالنهي - لكن هي من جنس المأمور به - مثل من صلى في أوقات ~~النهي وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي أو تمسك بدليل خاص مرجوح ~~مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاهما ومثل صلاة رويت فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة كألفية نصف شعبان وأول ~~رجب وصلاة التسبيح كما جوزها ابن المبارك وغير ذلك؛ فإنها إذا دخلت في عموم ~~استحباب الصلاة ولم يبلغه ما يوجب النهي أثيب على ذلك وإن كان فيها نهي من ~~وجه لم يعلم بكونها بدعة تتخذ شعارا ويجتمع عليها كل عام فهو مثل أن يحدث ~~صلاة سادسة؛ ولهذا لو أراد أن يصلي مثل هذه الصلاة بلا حديث لم يكن له ذلك ~~لكن لما روي الحديث اعتقد أنه صحيح فغلط في ذلك فهذا يغفر له # PageV20P031 # خطؤه ويثاب على جنس المشروع. وكذلك من صام يوم العيد ولم يعلم بالنهي. ~~بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك فإن هذا لا ثواب فيه وإن كان الله لا ~~يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} لكنه وإن كان لا يعذب فإن هذا لا يثاب بل هذا كما قال تعالى: ~~{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} قال ابن المبارك: هي ~~الأعمال التي عملت لغير الله. وقال مجاهد: هي الأعمال التي لم تقبل. وقال ~~تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح} الآية فهؤلاء ~~أعمالهم باطلة لا ثواب فيها. ms5964 وإذا نهاهم الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا ~~فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسول وأما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور ~~بها فكل عبادة غير مأمور بها فلا بد أن ينهى عنها. ثم إن علم أنها منهي ~~عنها وفعلها استحق العقاب فإن لم يعلم لم يستحق العقاب وإن اعتقد أنها ~~مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها وإن كانت من جنس الشرك ~~فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه ~~مأمور به. وهذا لا يكون مجتهدا؛ لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلا شرعيا ~~وهذه لا يكون عليها دليل شرعي لكن قد يفعلها باجتهاد مثله: وهو تقليده لمن ~~فعل ذلك من الشيوخ والعلماء والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع؛ أو ~~لحديث كذب سمعوه. فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون وأما ~~الثواب فإنه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح من أهل جنسهم وأما الثواب بالتقرب ~~إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال. # PageV20P032 # فصل: # والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد ~~بسط في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما ~~يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ~~ثبوته أو اعتقد أن الله لا يرى؛ لقوله: {لا تدركه الأبصار} ولقوله: {وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} كما احتجت عائشة بهاتين ~~الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يدلان ~~بطريق العموم. # PageV20P033 # وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى وفسروا قوله: {وجوه يومئذ ~~ناضرة} {إلى ربها ناظرة} بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي ~~صالح. أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي؛ لاعتقاده أن قوله: {ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى} يدل على ذلك؛ وأن ذلك يقدم على رواية الراوي لأن السمع ~~يغلط كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف. ms5965 أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب ~~الحي؛ لاعتقاده أن قوله: {فإنك لا تسمع الموتى} يدل على ذلك. أو اعتقد أن ~~الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح؛ لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل ~~السبب والله منزه عن الجهل. أو اعتقد أن عليا أفضل الصحابة؛ لاعتقاده صحة ~~حديث الطير؛ وأن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم ائتني بأحب الخلق ~~إليك؛ يأكل معي من هذا الطائر} . أو اعتقد أن من جس للعدو وأعلمهم بغزو ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV20P034 # فهو منافق: كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. ~~أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق؛ كما اعتقد ذلك أسيد بن ~~حضير في سعد بن عبادة وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين. أو اعتقد أن بعض ~~الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن؛ لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل ~~الثابت كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن كإنكار ~~بعضهم: {وقضى ربك} وقال: إنما هي ووصى ربك. وإنكار بعضهم قوله: {وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين} وقال: إنما هو ميثاق بني إسرائيل وكذلك هي في قراءة ~~عبد الله. وإنكار بعضهم {أفلم ييأس الذين آمنوا} إنما هي أولم يتبين الذين ~~آمنوا. وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ~~ما قرأها. وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها حتى ~~جمعهم عثمان على المصحف الإمام. وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله ~~يريد المعاصي؛ لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به. وأنكر ~~طائفة # PageV20P035 # من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي؛ لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون ~~إلا بمعنى المشيئة لخلقها وقد علموا أن الله خالق كل شيء؛ وأنه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى ~~لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر. وكالذي قال لأهله: إذا ms5966 أنا ~~مت فأحرقوني: ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا ~~يعذبه أحدا من العالمين. وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله: {أيحسب أن ~~لن يقدر عليه أحد} وفي قول الحواريين: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء} وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا ~~يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه؛ وكثير من الناس لا يعلم ذلك؛ ~~إما لأنه لم تبلغه الأحاديث وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط. # PageV20P036 # فصل: # وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام وجمع بينهما ~~في أسماء وأحكام وذلك حجة على الطائفتين: على من قال: إن الأفعال ليس فيها ~~حسن وقبيح. ومن قال: إنهم يستحقون العذاب على القولين. أما الأول فإنه ~~سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين؛ لقوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} وقوله: {وإذ ~~نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} {قوم فرعون ألا يتقون} وقوله: {إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه ~~وهذه أسماء ذم الأفعال؛ والذم إنما. يكون في الأفعال السيئة القبيحة فدل ~~ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم لا يستحقون ~~العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم؛ لقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} . وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من # PageV20P037 # إله غيره إن أنتم إلا مفترون} فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه؛ ~~لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك ~~بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن ~~هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال: جاهلية وجاهلا قبل ~~مجيء الرسول وأما التعذيب فلا. والتولي عن الطاعة كقوله: {فلا صدق ولا صلى} ~~{ولكن كذب وتولى} فهذا لا يكون إلا بعد الرسول مثل قوله عن فرعون. {فكذب ms5967 ~~وعصى} كان هذا بعد مجيء الرسول إليه كما قال تعالى. {فأراه الآية الكبرى} ~~{فكذب وعصى} وقال: {فعصى فرعون الرسول} (1) . PageV20P038 # وسئل أيضا - رضي الله عنه -: # هل البخاري؛ ومسلم؛ وأبو داود؛ والترمذي؛ والنسائي؛ وابن ماجه؛ وأبو داود ~~الطيالسى؛ والدارمي والبزار؛ والدارقطني؛ والبيهقي؛ وابن خزيمة؛ وأبو يعلى ~~الموصلي هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة؛ أم كانوا مقلدين؟ ~~وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة؟ وهل إذا وجد في موطأ مالك: ~~عن يحيى بن سعيد؛ عن إبراهيم بن محمد بن الحارث التيمي؛ عن عائشة. ووجد في ~~البخاري: حدثني معاذ بن فضالة؛ قال: حدثنا هشام عن يحيى هو ابن أبي كثير؛ ~~عن أبي سلمة؛ عن أبي هريرة. فهل يقال أن هذا أصح من الذي في الموطأ؟ وهل ~~إذا كان الحديث في البخاري بسند وفي الموطأ بسند فهل يقال: إن الذي في ~~البخاري أصح؟ وإذا روينا عن رجال البخاري حديثا ولم يروه البخاري في صحيحه ~~فهل يقال. هو مثل الذي في الصحيح؟ # PageV20P039 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما البخاري؛ وأبو داود فإمامان في الفقه من أهل ~~الاجتهاد. وأما مسلم؛ والترمذي؛ والنسائي؛ وابن ماجه؛ وابن خزيمة؛ وأبو ~~يعلى؛ والبزار؛ ونحوهم؛ فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه ~~من العلماء ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق [بل هم يميلون إلى قول ~~أئمة الحديث] (*) كالشافعي؛ وأحمد؛ وإسحاق وأبي عبيد؛ وأمثالهم. ومنهم من ~~له اختصاص ببعض الأئمة كاختصاص أبي داود ونحوه بأحمد بن حنبل وهم إلى مذاهب ~~أهل الحجاز - كمالك وأمثاله - أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق - كأبي حنيفة ~~والثوري -. وأما أبو داود الطيالسى فأقدم من هؤلاء كلهم من طبقة يحيى بن ~~سعيد القطان؛ ويزيد بن هارون الواسطي؛ وعبد الله بن داود. ووكيع بن الجراح؛ ~~وعبد الله بن إدريس؛ ومعاذ بن معاذ؛ وحفص بن غياث؛ وعبد الرحمن بن مهدي؛ ~~وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام أحمد. وهؤلاء كلهم يعظمون السنة والحديث ~~ومنهم من يميل إلى مذهب PageV20P040 # العراقيين كأبي حنيفة والثوري ونحوهما ms5968 كوكيع؛ ويحيى بن سعيد ومنهم من ~~يميل إلى مذهب المدنيين: مالك ونحوه كعبد الرحمن بن مهدي. وأما البيهقي ~~فكان على مذهب الشافعي؛ منتصرا له في عامة أقواله. والدارقطني هو أيضا يميل ~~إلى مذهب الشافعي وأئمة السند والحديث لكن ليس هو في تقليد الشافعي ~~كالبيهقي مع أن البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل واجتهاد الدارقطني ~~أقوى منه؛ فإنه كان أعلم وأفقه منه. # PageV20P041 # وقال شيخ الإسلام: # القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي. # قال: فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا ~~الكلام أرضى لله ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي (*) والذين أنكروا كون ~~الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطؤوا فإذا اجتهد العبد في طاعة الله ~~وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة فإلهام مثل هذا دليل ~~في حقه وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر ~~والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف؛ ~~وأصول الفقه. وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا ~~منهم ما يقولون؛ فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة. وحديث مكحول المرفوع {ما أخلص ~~عبد العبادة لله تعالى أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه؛ وأنطق ~~بها لسانه وفي رواية إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه} . وقال أبو ~~سليمان الداراني: إن القلوب إذا اجتمعت PageV20P042 # على التقوى جالت في الملكوت؛ ورجعت إلى أصحابها بطرف الفوائد؛ من غير أن ~~يؤدي إليها عالم علما. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {: الصلاة نور؛ ~~والصدقة برهان؛ والصبر ضياء} ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق ~~الأشياء من فحوى كلام أصحابها؟ ولا سيما الأحاديث النبوية؛ فإنه يعرف ذلك ~~معرفة تامة؛ لأنه قاصد العمل بها؛ فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الامتثال ~~ومحبة الله ورسوله حتى أن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحا ~~لا تصريحا. # والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو ms5969 من أعاديها # إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا # وفي الحديث الصحيح: {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها} " ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ~~ونفس فعالة؟ وإذا كان # PageV20P043 # الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان؛ فكيف حال من الله سمعه وبصره ~~وهو في قلبه. وقد قال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب وقد قدمنا أن الكذب ~~ريبة والصدق طمأنينة فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ويطمئن إليه القلب. ~~وأيضا فإن الله فطر عباده على الحق؛ فإذا لم تستحل الفطرة: شاهدت الأشياء ~~على ما هي عليه؛ فأنكرت منكرها وعرفت معروفها. قال عمر: الحق أبلج لا يخفى ~~على فطن. فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن. تجلت ~~لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا وانتفت عنها ظلمات الجهالات ~~فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها. وفي السنن والمسند وغيره عن النواس ~~بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ضرب الله مثلا صراطا مستقيما؛ ~~وعلى جنبتي الصراط سوران؛ وفي السورين أبواب مفتحة؛ وعلى الأبواب ستور ~~مرخاة؛ وداع يدعو على رأس الصراط. وداع يدعو من فوق الصراط؛ والصراط ~~المستقيم هو الإسلام؛ والستور المرخاة حدود الله؛ والأبواب المفتحة محارم ~~الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي: يا عبد ~~الله لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه. والداعي على رأس # PageV20P044 # الصراط كتاب الله؛ والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن} فقد بين ~~في هذا الحديث العظيم - الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا إن ساعده ~~التوفيق؛ واستغنى به عن علوم كثيرة - أن في قلب كل مؤمن واعظا والوعظ هو ~~الأمر والنهي؛ والترغيب والترهيب. وإذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له ~~الأمور وانكشفت؛ بخلاف القلب الخراب المظلم؛ قال حذيفة بن اليمان: إن في ~~قلب المؤمن سراجا ms5970 يزهر. وفي الحديث الصحيح: " {إن الدجال مكتوب بين عينيه ~~كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ} فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا ~~يتبين لغيره؛ ولا سيما في الفتن وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ~~ورسوله؛ فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله يجري على يديه أمورا هائلة ~~ومخاريق مزلزلة حتى إن من رآه افتتن به فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد ~~كذبها وبطلانها. وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له؛ وعرف ~~حقائقها من بواطلها وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف وذلك مثل السراج القوي ~~والسراج الضعيف في البيت المظلم؛ ولهذا قال بعض السلف في قوله: {نور على ~~نور} قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر ~~فإذا سمع فيها بالأثر كان نورا # PageV20P045 # على نور. فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن؛ فالإلهام القلبي ~~تارة يكون من جنس القول والعلم؛ والظن أن هذا القول كذب. وأن هذا العمل ~~باطل؛ وهذا أرجح من هذا؛ أو هذا أصوب. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر} . ~~والمحدث: هو الملهم المخاطب في سره. وما قال عمر لشيء: إني لأظنه كذا وكذا ~~إلا كان كما ظن وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه. وأيضا فإذا ~~كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا وظنا؛ ~~فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى؛ فإنه إلى كشفها أحوج فالمؤمن ~~تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فإن كل أحد ~~لا يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف ~~كذبه من فحوى كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان ولكن هو ~~في نفسه قد أخذ حذره منه وربما لوح أو صرح به خوفا من الله وشفقة على خلق ~~الله ليحذروا من روايته أو العمل به. # PageV20P046 # وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في ms5971 قلبه أن هذا الطعام حرام؛ وأن ~~هذا الرجل كافر؛ أو فاسق؛ أو ديوث؛ أو لوطي؛ أو خمار؛ أو مغن؛ أو كاذب؛ من ~~غير دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه. وكذلك بالعكس يلقي في قلبه محبة ~~لشخص وأنه من أولياء الله؛ وأن هذا الرجل صالح؛ وهذا الطعام حلال وهذا ~~القول صدق؛ فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله المؤمنين ~~المتقين. وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب وأن الخضر علم هذه الأحوال ~~المعينة بما أطلعه الله عليه. وهذا باب واسع يطول بسطه قد نبهنا فيه على ~~نكت شريفة تطلعك على ما وراءها. # PageV20P047 # وقال: # فصل: # جامع في تعارض الحسنات؛ أو السيئات؛ أو هما جميعا. إذا اجتمعا ولم يمكن ~~التفريق بينهما؛ بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا. وقد كتبت ~~ما يشبه هذا في " قاعدة الإمارة والخلافة " وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر ~~الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال ~~أدناهما فنقول: قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب ~~مستحبا وزيادة. ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة والدين هو طاعته وطاعة رسوله ~~وهو الدين والتقوى؛ والبر والعمل الصالح؛ والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه ~~الأسماء فروق. وكذلك حمد أفعالا هي الحسنات ووعد عليها وذم أفعالا هي ~~السيئات وأوعد عليها وقيد # PageV20P048 # الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة فقال تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت} وقال تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله ~~نفسا إلا ما آتاها} وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى المحاسبة على ~~ما في النفوس وهو من جنس أعمال القلوب وسبب الثانية الإعطاء الواجب. وقال: ~~{فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} وقال: {يريد الله أن يخفف عنكم} وقال: {ما يريد ms5972 الله ليجعل ~~عليكم من حرج} وقال: {ما وجعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم} الآية وقال: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} وقال: ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقال: {ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله} . وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا ~~أنواعا. وقال في المنهيات: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم # PageV20P049 # إليه} وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} {فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن الله غفور رحيم} {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} {وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به} {ولو شاء الله لأعنتكم} وقال تعالى: {يسألونك ~~عن الشهر الحرام} الآية. وقال في المتعارض: {يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} وقال: {كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقال: {فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقال: {والفتنة أكبر من القتل} ~~وقال: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طائفة منهم معك} إلى قوله: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم} وقال: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا} إلى ~~قوله: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي} . # ونقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة: كان في تركها مضار ~~والسيئات فيها مضار وفي المكروه بعض # PageV20P050 # حسنات. فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما ~~بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما ~~باحتمال أدناهما. وإما بين حسنة وسيئة ms5973 لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل ~~الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح ~~من منفعة الحسنة ومضرة السيئة. فالأول كالواجب والمستحب؛ وكفرض العين وفرض ~~الكفاية؛ مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع. والثاني كتقديم ~~نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين؛ وتقديم نفقة الوالدين عليه كما ~~في الحديث الصحيح: {أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها قلت: ثم أي؟ ~~قال: ثم بر الوالدين قلت. ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله} وتقديم ~~الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب ~~وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان وتقديم ~~الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب وإلا فقد يترجح الذكر بالفهم ~~والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع. والثالث كتقديم ~~المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها # PageV20P051 # بدار الحرب كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} وكتقديم قتل النفس على الكفر كما ~~قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة عن ~~الإيمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم ~~الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات ~~المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر؛ لدفع ما هو ~~أعظم ضررا منها؛ وهي جرائمها؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا ~~الفساد الصغير. وكذلك في " باب الجهاد " وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء ~~والصبيان وغيرهم حراما فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل: الرمي بالمنجنيق ~~والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم ~~بالمنجنيق وفي أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنة أيضا ~~بقتل من لا يجوز قصد قتله. وكذلك " مسألة التترس " التي ذكرها الفقهاء؛ فإن ~~الجهاد هو دفع فتنة الكفر فيحصل فيها من ms5974 المضرة ما هو دونها؛ ولهذا اتفق ~~الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل ~~أولئك المتترس بهم جاز ذلك؛ وإن لم يخف الضرر لكن # PageV20P052 # لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان. ومن يسوغ ذلك يقول: ~~قتلهم لأجل مصلحة الجلاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ومثل ذلك ~~إقامة الحد على المباذل؛ وقتال البغاة وغير ذلك ومن ذلك إباحة نكاح الأمة ~~خشية العنت. وهذا باب واسع أيضا. وأما الرابع: فمثل أكل الميتة عند ~~المخمصة؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة ~~وعكسه الدواء الخبيث؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام ~~غيره مقامه؛ ولأن البرء لا يتيقن به وكذلك شرب الخمر للدواء. فتبين أن ~~السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما ~~هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت ~~مفوتة لما هو أحسن منها؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. ~~هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية. وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا؛ ~~وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا؛ كسقوط الصيام لأجل السفر؛ وسقوط محظورات ~~الإحرام # PageV20P053 # وأركان الصلاة لأجل المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج ~~الذي قد تختلف فيه الشرائع؛ بخلاف الباب الأول؛ فإن جنسه مما لا يمكن ~~اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه بل ذلك ثابت في العقل كما يقال: ~~ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين ~~وشر الشرين وينشد: إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا ~~وهذا ثابت في سائر الأمور؛ فإن الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع ~~المرض؛ والفساد أداة تزيدهما معا؛ فإنه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافا ~~للمرض وعند ضعف القوة فعله لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابهما ~~جميعا؛ فإن ذهاب القوة مستلزم للهلاك ولهذا استقر في عقول ms5975 الناس أنه عند ~~الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم ~~لكن عدمه أشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان كما ~~قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان. ثم ~~السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من # PageV20P054 # الحقوق مع التمكن لكن أقول هنا؛ إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض ~~فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك إذا كان لا يمكنه أداء واجباته ~~وترك محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدا وقدرة: جازت له الولاية ~~وربما وجبت وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها ~~من جهاد العدو وقسم الفيء وإقامة الحدود وأمن السبيل: كان فعلها واجبا فإذا ~~كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من ~~لا ينبغي؛ ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب ~~إلا به فيكون واجبا أو مستحبا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو ~~المستحب بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام ~~الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع أكثره باحتمال ~~أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ~~ما هو أشد منها جيدا. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ~~ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ ~~منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسنا ولو ~~توسط إعانة للظالم كان مسيئا. # PageV20P055 # وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل أما النية فبقصده. ~~السلطان والمال وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ~~ولا لقصد الأنفع والأصلح. ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة ~~فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب. أو أحب ms5976 فيقدم حينئذ خير الخيرين ~~وجوبا تارة واستحبابا أخرى. ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن ~~الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارا ~~كما قال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم ~~به} الآية وقال تعالى عنه: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} الآية ~~ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها ~~على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ولا تكون تلك جارية على سنة ~~الأنبياء وعدلهم ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين ~~الله فإن القوم لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ونال ~~بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك ~~وهذا كله داخل في قوله: # PageV20P056 # {فاتقوا الله ما استطعتم} . فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم ~~أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد ~~تارك واجب في الحقيقة. وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا ~~بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمي ذلك ~~ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر. ويقال في مثل هذا ترك ~~الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة؛ أو لدفع ما هو أحرم ~~وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق ~~قضاء. هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك} . وهذا باب التعارض ~~باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة ~~وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد النقص ازدادت هذه ~~المسائل ووجود ذلك ms5977 من أسباب الفتنة بين الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات ~~بالسيئات وقع # PageV20P057 # الاشتباه والتلازم فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن ~~تضمن سيئات عظيمة وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ~~ترك حسنات عظيمة والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو ~~لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم العمل ~~بالحسنات وترك السيئات؛ لكون الأهواء قارنت الآراء ولهذا جاء في الحديث: ~~{إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول ~~الشهوات} . فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل وقد يكون الواجب في ~~بعضها - كما بينته فيما تقدم -: العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء؛ لا ~~التحليل والإسقاط. مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلا لمعصية أكبر منها فيترك ~~الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم ~~فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررا من ذنبه ومثل أن يكون في نهيه عن ~~بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي ~~خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ~~ذلك المنكر. فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن # PageV20P058 # الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن ~~الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب ~~الإمكان فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما ~~لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ~~ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول ~~الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في ~~البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما ~~أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تسليما إلى بيانها. يبين حقيقة ms5978 الحال في هذا أن الله يقول: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط ~~التمكن من العلم بما أنزل الله والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم ~~كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض ~~الدين أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله ~~كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلا وهذه أوقات ~~الفترات فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان ~~بيانه لما جاء به الرسول # PageV20P059 # شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول ~~لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا ~~أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ ~~إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن ~~يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم ~~والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم ~~فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن ~~واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر ~~والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه ~~إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات ~~لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا ~~الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع. ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء ~~وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله ~~في # PageV20P060 # الوجوب أو التحريم فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل ~~والله أعلم. ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علما وعملا أن ms5979 ما قاله ~~العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد فإذا لم ير العالم الآخر ~~والأمير الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به أو لا يأمر إلا بما يراه ~~مصلحة ولا ينهى عنه إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده ولا أن يوجب ~~عليه اتباعه فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى ~~عنها بل هي بين الإباحة والعفو. وهذا باب واسع جدا فتدبره. # PageV20P061 # وقال: # فصل: # قد كتبت في كراس قبل هذا: أن الحسنات والعبادات ثلاثة أقسام: عقلية: وهو ~~ما يشترك فيه العقلاء؛ مؤمنهم وكافرهم. وملي: وهو ما يختص به أهل الملل ~~كعبادة الله وحده لا شريك له. وشرعي: وهو ما اختص به شرع الإسلام مثلا وأن ~~الثلاثة واجبة؛ فالشرعي باعتبار الثلاثة المشروعة وباعتبار يختص بالقدر ~~المميز. وهكذا العلوم والأقوال عقلي وملي وشرعي؛ فالعقل المحض مثل ما ينظر ~~فيه الفلاسفة من عموم المنطق والطبيعي والإلهي؛ ولهذا كان فيهم المشرك ~~والمؤمن والملي مثل ما ينظر فيه المتكلم من إثبات الصانع وإثبات النبوات ~~والشرائع. فإن المتكلمين متفقون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ولكنهم في رسائلهم ومسائلهم لا يلتزمون حكم الكتاب # PageV20P062 # والسنة ففيهم السني والبدعي ويجتمعون هم والفلاسفة في النظر في الأمور ~~الكلية من العلم والدليل والنظر والوجود والعدم والمعلومات لكنهم أخص ~~بالنظر في العلم الإلهي من الفلاسفة وأبسط علما ولسانا فيه؛ وإن شركهم ~~الفلاسفة في بعضه كما أن الفلاسفة أخص بالنظر في الأمور الطبيعية؛ وإن ~~شركهم المتكلمون في بعضه. والشرعي ما ينظر فيه أهل الكتاب والسنة. ثم هم ~~إما قائمون بظاهر أسرع فقط كعموم أهل الحديث والمؤمنين الذين في العلم ~~بمنزلة العباد الظاهرين في العبادة. وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم ~~في العلوم كالعارفين من الصوفية الشرعية. فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة ~~وهم أفضل الخلق وأكملهم وأقومهم طريقة والله أعلم. ويدخل في العبادات ~~السماع فإنه ثلاثة أقسام: سماع عقلي وملي. وشرعي. فالأول ما فيه تحريك محبة ~~أو ms5980 مخافة أو حزن أو رجاء مطلقا. والثاني ما في غيرهم كمحبة الله ومخافته ~~ورجائه وخشيته والتوكل عليه ونحو ذلك. # PageV20P063 # والثالث السماع الشرعي وهو سماع القرآن كما أن الصلاة أيضا ثلاثة أقسام. ~~وهذه الأقسام الثلاثة أصولها صحيحة دل عليها قوله: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} الآية. ~~فالذين آمنوا هم أهل شريعة القرآن؟ وهو الدين الشرعي بما فيه من الملي ~~والعقلي. والذين هادوا والنصارى أهل دين ملي بشريعة التوراة والإنجيل بما ~~فيه من ملي وعقلي والصابئون أهل الدين العقلي بما فيه من ملي أو ملي ~~وشرعيات (1) . PageV20P064 # وقال: # فصل: # " قاعدة جامعة " كل واحد من الدين الجامع بين الواجبات وسائر العبادات ~~ومن التحريمات كما قال تعالى: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق} وكما قال تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} وكما أخبر عما ذمه ~~من حال المشركين في دينهم وتحريمهم حيث قال: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا} إلى آخر الكلام فإنه ذكر فيه ما كانوا عليه من العبادات ~~الباطلة من أنواع الشرك ومن الإباحة الباطلة في قتل الأولاد ومن التحريمات ~~الباطلة من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام ونحو ذلك. فذم المشركين في ~~عباداتهم وتحريماتهم وإباحتهم. وذم النصارى فيما تركوه من دين الحق ~~والتحريم كما ذمهم على الدين الباطل في قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} وأصناف ذلك. # PageV20P065 # فكل واحد من العبادات وسائر المأمور به من الواجبات والمستحبات. ومن ~~المكروهات المنهي عنها نهي حظر أو نهي تنزيه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقلي ~~وملي وشرعي. والمراد بالعقلي ما اتفق عليه أهل العقل من بني آدم سواء كان ~~لهم صلة كتاب أو لم يكن. والمراد بالملي: ما اتفق عليه أهل الملل والكتب ~~المنزلة ومن اتبعهم والمراد بالشرعي ما اختص به أهل الشريعة القرآنية وهم ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأخص ms5981 من ذلك ما اختص به أهل مذهب أو أهل طريقة ~~من الفقهاء والصوفية ونحو ذلك. لكن هذا التخصيص والامتياز لا توجبه شريعة ~~الرسول مطلقا وإنما قد توجبه ما قد توجب بتخصيص بعض العلماء والعباد ~~والأمراء في استفتاء أو طاعة كما يجب على أهل كل غزاة طاعة أميرهم وأهل كل ~~قرية استفتاء عالمهم الذي لا يجدون غيره ونحو ذلك وما من أهل شريعة غير ~~المسلمين إلا وفي شرعهم هذه الأقسام الثلاثة فإن مأموراتهم ومنهياتهم تنقسم ~~إلى ما يتفق عليه العقلاء وما يتفق عليه الأنبياء. وأما السياسات الملكية ~~التي لا تتمسك بملة وكتاب: فلا بد فيها من القسم الأول والثالث فإن القدر ~~المشترك بين الآدميين لا بد من الأمر به في كل سياسة وإمامة. وكذلك لا بد ~~لكل ملك من خصيصة يتميز بها ولو لم تكن إلا # PageV20P066 # رعاية من يواليه ودفع من يعاديه فلا بد لهم من الأمر بما يحفظ الولي ~~ويدفع العدو كما في مملكة جنكيزخان ملك الترك ونحوه من الملوك. ثم قد يكون ~~لهم ملة صحيحة توحيدية وقد يكون لهم ملة كفرية وقد لا يكون لهم ملة بحال. ~~ثم قد يكون دينهم مما يوجبونه وقد يكون مما يستحبونه. ووجه القسمة أن جميع ~~بني آدم العقلاء لا بد لهم من أمور يؤمرون بها وأمور ينهون عنها فإن ~~مصلحتهم لا تتم بدون ذلك ولا يمكن أن يعيشوا في الدنيا بل ولا يعيش الواحد ~~منهم لو انفرد بدون أمور يفعلونها تجلب لهم المنفعة وأمور ينفونها تدفع ~~عنهم المضرة؛ بل سائر الحيوان لا بد فيه من قوتي الاجتلاب والاجتناب ~~ومبدؤهما الشهوة والنفرة والحب والبغض فالقسم المطلوب هو المأمور به والقسم ~~المرهوب هو المنهي عنه. فإما أن تكون تلك الأمور متفقا عليها بين العقلاء - ~~بحيث لا يلتفت إلى الشواذ منهم الذين خرجوا عند الجمهور عن العقل - وإما أن ~~لا تكون كذلك وما ليس كذلك فإما أن يكون متفقا عليه بين الأنبياء ~~والمرسلين. وإما أن يختص به أهل شريعة الإسلام. # PageV20P067 # فالقسم الأول: الطاعات العقلية - وليس الغرض ms5982 بتسميتها عقلية إثبات كون ~~العقل يحسن ويقبح على الوجه المتنازع فيه؛ بل الغرض ما اتفق عليه المسلمون ~~وغيرهم من التحسين والتقبيح العقلي الذي هو جلب المنافع ودفع المضار وإنما ~~الغرض اتفاق العقلاء على مدحها - مثل الصدق والعدل وأداء الأمانة والإحسان ~~إلى الناس بالمال والمنافع ومثل العلم والعبادة المطلقة والورع المطلق ~~والزهد المطلق مثل جنس التأله والعبادة والتسبيح والخشوع والنسك المطبق ~~بحيث لا يمنع القدر المشترك أن يكون لأي معبود كان وبأي عبادة كانت فإن هذا ~~الجنس متفق عليه بين الآدميين ما منهم إلا من يمدح جنس التأله مع كون بعضه ~~فيه ما يكون صالحا حقا وبعضه فيه ما يكون فاسدا باطلا. وكذلك الورع المشترك ~~مثل الكف عن قتل النفس مطلقا وعن الزنا مطلقا وعن ظلم الخلق. وكذلك الزهد ~~المشترك مثل الإمساك عن فضول الطعام واللباس وهذا القسم إنما عبر أهل العقل ~~باعتقاد حسنه ووجوبه؛ لأن مصلحة دنياهم لا تتم إلا به وكذلك مصلحة دينهم ~~سواء كان دينا صالحا أو فاسدا. ثم هذه الطاعات والعبادات العقلية قسمان: # PageV20P068 # أحدهما: ما هو نوع واحد لا يختلف أصلا كالعلم والصدق وهما تابعان للحق ~~الموجود ومنها ما هو جنس تختلف أنواعه كالعدل وأداء الأمانة والصلاة ~~والصيام والنسك والزهد والورع ونحو ذلك فإنه قد يكون العدل في ملة وسياسة ~~خلاف العدل عند آخرين كقسمة المواريث مثلا وهذه الأمور تابعة للحق المقصود. ~~لكن قد يقال: الناس وإن اتفقوا على أن العلم يجب أن يكون مطابقا للمعلوم ~~وأن الخبر مطابق للمخبر؛ لكن هم مختلفون في المطابقة اختلافا كثيرا جدا فإن ~~منهم من يعد مطابقا علما وصدقا ما يعده الآخر مخالفا: جهلا وكذبا؛ لا سيما ~~في الأمور الإلهية فكذلك العدل هم متفقون على أنه يجب فيه التسوية بين ~~المتماثلين؛ لكن يختلفون في الاستواء والموافقة والتماثل فكل واحد من العلم ~~والصدق والعدل لا بد فيه من موافقة ومماثلة واعتبار ومقايسة. لكن يختلفون ~~في ذلك فيقال: هذا صحيح؛ لكن الموافقة العلمية والصدقية هي بحسب وجود الشيء ~~في نفسه وهو الحق الموجود ms5983 فلا يقف على أمر وإرادة وأما الموافقة العدلية ~~فبحسب ما يجب قصده وفعله وهذا يقف على القصد والأمر الذي قد يتنوع بحسب ~~الأحوال. ولهذا لم تختلف الشرائع في جنس العلم والصدق كما اختلفت في جنس ~~العدل وأما جنس العبادات كالصلاة والصيام والنسك والورع عن # PageV20P069 # السيئات وما يتبع ذلك من زهد ونحو ذلك فهذا مختلف اختلافا كثيرا؛ وإن كان ~~يجمع جنس الصلاة التأله بالقلب والتعبد للمعبود ويجمع جنس الصوم الإمساك عن ~~الشهوات من الطعام والشراب والنكاح على اختلاف أنواع ذلك وكذلك أنواع النسك ~~بحسب الأمكنة التي تقصد وما يفعل فيها وفي طريقها؛ لكن تجتمع هذه الأنواع ~~في جنس العبادة وهو تأله القلب بالمحبة والتعظيم وجنس الزهادة وهو الإعراض ~~عن الشهوات البدنية وزينة الحياة الدنيا وهما جنس نوعي الصلاة والصيام. ~~القسم الثاني: الطاعات الملية من العبادات وسائر المأمور به والتحريمات مثل ~~عبادة الله وحده لا شريك له بالإخلاص والتوكل والدعاء والخوف والرجاء وما ~~يقترن بذلك من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. ~~وتحريم الشرك به وعبادة ما سواه وتحريم الإيمان بالجبت وهو السحر والطاغوت ~~وهو الأوثان ونحو ذلك. وهذا القسم: هو الذي حضت عليه الرسل ووكدت أمره وهو ~~أكبر المقاصد بالدعوة فإن القسم الأول: يظهر أمره ومنفعته بظاهر العقل ~~وكأنه في الأعمال مثل العلوم البديهية. # PageV20P070 # والقسم الثالث: تكملة وتتميم لهذا القسم الثاني. فإن الأول كالمقدمات ~~والثالث كالمعقبات وأما الثاني: فهو المقصود بخلق الناس كما قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وذلك لأن التعبد المطلق والتأله المطلق ~~يدخل فيه الإشراك بجميع أنواعه كما عليه المشركون من سائر الأمم وكان ~~التأله المطلق هو دين الصابئة ودين التتار ونحوهم مثل الترك فإنهم كانوا ~~يعبدون الله وحده تارة ويبنون له هيكلا يسمونه هيكل العلة الأولى ويعبدون ~~ما سواه تارة من الكواكب السبعة والثوابت وغيرها بخلاف المشركة المحضة ~~فإنهم لا يعبدون الله وحده قط فلا يعبدونه إلا بالإشراك بغيره من شركائهم ~~وشفعائهم. والصابئون: منهم من يعبده مخلصا له الدين ومنهم من يشرك به ms5984 ~~والحنفاء كلهم يخلص له الدين؛ فلهذا صار الصابئون فيهم من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ويعمل صالحا؛ بخلاف المشركين والمجوس ولهذا كان رأس دين ~~الإسلام الذي بعث به خاتم المرسلين كلمتين: شهادة أن لا إله إلا الله تثبت ~~التأله الحق الخالص وتنفي ما سواه من تأله المشركين أو تأله مطلق قد يدخل ~~فيه تأله المشركين فأخرجت هذه الكلمة كل تأله ينافي الملي من التأله المختص ~~بالكفار أو المطلق المشترك. # PageV20P071 # والكلمة الثانية: شهادة أن محمدا رسول الله وهي توجب التأله الشرعي ~~النبوي وتنفي ما كان من العقلي والملي والشرعي خارجا عنه. القسم الثالث: ~~الطاعات الشرعية التي تختص بشريعة القرآن مثل خصائص الصلوات الخمس وخصائص ~~صوم شهر رمضان وحج البيت العتيق. وفرائض الزكوات وأحكام المعاملات ~~والمناكحات ومقادير العقوبات. ونحو ذلك من العبادات الشرعية وسائر ما يؤمر ~~به من الشرعية وسائر ما ينهى عنه. # فصل: # إذا تبين ذلك فغالب الفقهاء إنما يتكلمون به في الطاعات الشرعية مع ~~العقلية وغالب الصوفية إنما يتبعون الطاعات الملية مع العقلية وغالب ~~المتفلسفة يقفون على الطاعات العقلية. ولهذا كثر في المتفقهة من ينحرف عن ~~طاعات القلب وعباداته: من الإخلاص لله والتوكل عليه والمحبة له. والخشية له ~~ونحو ذلك. # PageV20P072 # وكثر في المتفقرة والمتصوفة من ينحرف عن الطاعات الشرعية فلا يبالون إذا ~~حصل لهم توحيد القلب وتألهه أن يكون ما أوجبه الله من الصلوات وشرعه من ~~أنواع القراءة والذكر والدعوات أن يتناولوا ما حرم الله من المطاعم وأن ~~يتعبدوا بالعبادات البدعية من الرهبانية ونحوها ويعتاضوا بسماع المكاء ~~والتصدية عن سماع القرآن وأن يقفوا مع الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر ~~والنهي؛ فإن كل ما خلقه الله فهو دال على وحدانيته وقائم بكلماته التامات ~~التي لا يجاوزها بر ولا فاجر وصادر عن مشيئته النافذة ومدبر بقدرته ~~الكاملة. فقد يحصل للإنسان تأله ملي فقط ولا بد فيه من العقلي والملي وهو ~~ما جاءت به الرسل بحيث ينيب إلى الله ويحبه ويتوكل عليه ويعرض عن الدنيا؛ ~~لكن لا يقف عند المشروع من الأفعال الظاهرة فعلا ms5985 وتركا وقد يحصل العكس بحيث ~~يقف عند المشروع من الأفعال الظاهرة من غير أن يحصل لقلبه إنابة وتوكل ~~ومحبة وقد يحصل التمسك بالواجبات العقلية. من الصدق والعدل وأداء الأمانة ~~ونحو ذلك من غير محافظة على الواجبات الملية والشرعية. وهؤلاء الأقسام ~~الثلاثة إذا كانوا مؤمنين مسلمين؛ فقد شابوا الإسلام إما بيهودية وإما ~~بنصرانية وإما بصابئية؛ إذا كان ما انحرفوا إليه مبدلا منسوخا وإن كان أصله ~~مشروعا فموسوية أو عيسوية. # PageV20P073 # وقال: # فصل: # الصدق أساس الحسنات وجماعها والكذب أساس السيئات ونظامها ويظهر ذلك من ~~وجوه: أحدها: أن الإنسان هو حي ناطق فالوصف المقوم له الفاصل له عن غيره من ~~الدواب هو المنطق والمنطق قسمان: خبر وإنشاء والخبر صحته بالصدق وفساده ~~بالكذب فالكاذب أسوأ حالا من البهيمة العجماء والكلام الخبري هو المميز ~~للإنسان وهو أصل الكلام الإنشائي فإنه مظهر العلم والإنشاء مظهر العمل ~~والعلم متقدم على العمل وموجب له فالكاذب لم يكفه أنه سلب حقيقة الإنسان ~~حتى قلبها إلى ضدها ولهذا قيل: لا مروءة لكذوب ولا راحة لحسود ولا إخاء ~~لملوك ولا سؤدد لبخيل فإن المروءة مصدر المرء كما أن الإنسانية مصدر ~~الإنسان. الثاني: أن الصفة المميزة بين النبي والمتنبئ هو الصدق والكذب # PageV20P074 # فإن محمدا رسول الله الصادق الأمين ومسيلمة الكذاب قال الله تعالى: {فمن ~~أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين. ~~والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} . الثالث: أن الصفة الفارقة ~~بين المؤمن والمنافق هو الصدق فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب وعلى كل ~~خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه كان منافقا إذا حدث كذب وإذا ~~وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} . الرابع: أن الصدق هو أصل البر والكذب أصل ~~الفجور كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عليكم ~~بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال ms5986 الرجل ~~يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي ~~إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا} . الخامس: أن الصادق تنزل عليه الملائكة والكاذب ~~تنزل عليه الشياطين كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل ~~على كل أفاك أثيم} {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} . # PageV20P075 # السادس: أن الفارق بين الصديقين والشهداء والصالحين وبين المتشبه بهم من ~~المرائين والمسمعين والمبلسين هو الصدق والكذب. # السابع: أنه مقرون بالإخلاص الذي هو أصل الدين في الكتاب. . . (1) وكلام ~~العلماء والمشايخ قال الله تعالى {واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله غير ~~مشركين به} ولهذا {قال صلى الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ~~مرتين وقرأ هذه الآية وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق ~~الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال ~~يكررها حتى قلنا ليته سكت} . # الثامن: أنه ركن الشهادة الخاصة عند الحكام التي هي قوام الحكم والقضاء ~~والشهادة العامة في جميع الأمور والشهادة خاصة هذه الأمة التي ميزت بها في ~~قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} وركن الإقرار الذي ~~هو شهادة المرء على نفسه وركن الأحاديث والأخبار التي بها يقوم الإسلام؛ بل ~~هي ركن النبوة والرسالة التي هي واسطة بين الله وبين خلقه وركن الفتيا التي ~~PageV20P076 # هي إخبار المفتي بحكم الله. وركن المعاملات التي تتضمن أخبار كل واحد من ~~المتعاملين للآخر بما في سلعته وركن الرؤيا التي قيل فيها: أصدقهم رؤيا ~~أصدقهم كلاما والتي يؤتمن فيها الرجل على ما رأى. التاسع: أن الصدق والكذب ~~هو المميز بين المؤمن والمنافق كما جاء في الأثر: أساس النفاق الذي بني ~~عليه الكذب. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} وفي حديث ~~آخر: {على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب} ووصف الله المنافقين في ~~القرآن بالكذب ms5987 في مواضع متعددة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة وأن ~~المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل من النار. العاشر: أن المشايخ ~~العارفين اتفقوا على أن أساس الطريق إلى الله هو الصدق والإخلاص كما جمع ~~الله بينهما في قوله: {واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله غير مشركين به} ~~ونصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة دال على ذلك في مواضع كقوله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} وقوله تعالى {فمن أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى # PageV20P077 # للكافرين} {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} وقال تعالى لما ~~بين الفرق بين النبي والكاهن والساحر: {وإنه لتنزيل رب العالمين} {نزل به ~~الروح الأمين} {على قلبك لتكون من المنذرين} {بلسان عربي مبين} {وإنه لفي ~~زبر الأولين} إلى قوله: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل ~~أفاك أثيم} {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا} . # PageV20P078 # وقال: # فصل: # قد كتبت في غير موضع أن الحسنات كلها عدل والسيئات كلها ظلم وأن الله ~~إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليقوم الناس بالقسط. وقد ذكرت أن القسط ~~والظلم نوعان: نوع في حق الله تعالى كالتوحيد فإنه رأس العدل والشرك رأس ~~الظلم ونوع في حق العباد؛ إما مع حق الله كقتل النفس أو مفردا كالدين الذي ~~ثبت برضا صاحبه. # ثم إن ### | الظلم في حق العباد نوعان: # نوع يحصل بغير رضا صاحبه كقتل نفسه وأخذ ماله وانتهاك عرضه ونوع يكون ~~برضا صاحبه وهو ظلم كمعاملة الربا والميسر فإن ذلك حرام لما فيه من أكل مال ~~غيره بالباطل وأكل المال بالباطل ظلم؛ ولو رضي به صاحبه لم يبح ولم يخرج عن ~~أن يكون ظلما فليس كل ما ms5988 طابت به نفس صاحبه يخرج عن الظلم وليس كل ما كرهه ~~باذله يكون ظلما بل القسمة رباعية: # PageV20P079 # أحدها: ما نهى عنه الشارع وكرهه المظلوم. الثاني: ما نهى عنه الشارع وإن ~~لم يكرهه المظلوم كالزنا والميسر. والثالث: ما كرهه صاحبه ولكن الشارع رخص ~~فيه فهذا ليس بظلم. والرابع: ما لم يكرهه صاحبه ولا الشارع؛ وإنما نهى ~~الشارع عن ما يرضى به صاحبه إذا كان ظلما؛ لأن الإنسان جاهل بمصلحته فقد ~~يرضى ما لا يعرف أن عليه فيه ضررا ويكون عليه فيه ضرر غير مستحق؛ ولهذا إذا ~~انكشف له حقيقة الحال لم يرض؛ ولهذا قال طاوس ما اجتمع رجلان على غير ذات ~~الله إلا تفرقا عن تقال فالزاني بامرأة أو غلام إن كان استكرهها فهذا ظلم ~~وفاحشة وإن كانت طاوعته فهذا فاحشة وفيه ظلم أيضا للآخر؛ لأنه بموافقته ~~أعان الآخر على مضرة نفسه لا سيما إن كان أحدهما هو الذي دعا الآخر إلى ~~الفاحشة فإنه قد سعى في ظلمه وإضراره بل لو أمره بالمعصية التي لا حظ له ~~فيها لكان ظالما له؛ ولهذا يحمل من أوزار الذي يضله بغير علم فكيف إذا سعى ~~في أن ينال غرضه منه مع إضراره. # PageV20P080 # ولهذا يكون دعاء الغلام إلى الفجور به أعظم ظلما من دعاء المرأة لأن ~~المرأة لها هوى فيكون من باب المعاوضة كل منهما نال غرضه الذي هو من جنس ~~غرض الآخر فيسقط هذا بهذا ويبقى حق الله عليهما؛ فلهذا: ليس في الزنا المحض ~~ظلم الغير إلا أن يفسد فراشا أو نسبا أو نحو ذلك. وأما المتلوط فإن الغلام ~~لا غرض له فيه إلا برغبة أو برهبة والرغبة والمال من جنس الحاجات المباحة ~~فإذا طلب منه الفجور قد يبذله له فهذا إذا رضي الآن به من جنس ظلم المؤتي ~~لحاجته إلى المال؛ لكن هذا الظلم في نفسه وحرمته فهو أشد وكذلك استئجاره ~~على الأفعال المحرمة كالكهانة والسحر وغير ذلك كلها ظلم له؛ وإن كانت برضاه ~~وإن كان الآخر قد ظلم الآخر أيضا بما أفسد ms5989 عليه من دينه حيث وافقه على ~~الذنب؛ لكن أحد نوعي الظلم من غير جنس الآخر وهذا باب ينبغي التفطن له ~~فأكثر الذنوب مشتملة على ظلم الغير وجميعها مشتملة على ظلم النفس. # PageV20P081 # وقال: ### | فصل: في العدل القولي والصدق. . . # (1) # ذكرت في مواضع شيئا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة ومصالح ~~الدنيا والآخرة وذكرت أيضا في مواضع أن عامة السيئات يدخل في الظلم وأن ~~الحسنات غالبها عدل وأن القسط هو المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب والقسط ~~والعدل هو التسوية بين الشيئين فإن كان بين متماثلين؛ كان هو العدل الواجب ~~المحمود وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله: {ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون} كما قالوا: {إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ نسويكم برب العالمين} فهذا ~~العدل والتسوية والتمثيل والإشراك هو الظلم العظيم. وإذا عرف أن مادة العدل ~~والتسوية والتمثيل والقياس. والاعتبار والتشريك والتشبيه والتنظير من جنس ~~واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي ويؤخذ من ذلك ~~تعبير الرؤيا فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا ~~PageV20P082 # وتأويلها. ويؤخذ من ذلك ما في الأسماء واللغات من الاستعارة والتشبيه إما ~~في وضع اللفظ بحيث يصير حقيقة في الاستعمال وإما في الاستعمال فقط مع ~~القرينة إذا كانت الحقيقة أحرى فإن مسميات الأسماء المتشابهة متشابهة. ~~ويؤخذ من ذلك ضرب الأمثال للتصور تارة وللتصديق أخرى. وهي نافعة جدا وذلك ~~أن إدراك النفس لعين الحقائق قليل وما لم يدركه فإنما يعرفه بالقياس على ما ~~عرفته فإذا كان هذا في المعرفة ففي التعريف ومخاطبة الناس أولى وأحرى. ثم ~~التماثل والتعادل؛ يكون بين الوجودين الخارجين وبين الوجودين العلميين ~~الذهنيين وبين الوجود الخارجي والذهني. فالأول يقال: هذا مثل هذا والثاني ~~يقال فيه؛ مثل هذا كمثل هذا والثالث يقال فيه: هذا كمثل هذا. فالمثل إما أن ~~يذكر مرة أو مرتين أو ثلاث مرات إذا كان التمثيل بالحقيقة الخارجية كما في ~~قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} فهذا باب المثل وأما باب العدل فقد ~~قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ms5990 ولو كان ذا قربى} وقال تعالى: {كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله} الآية وقال: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} وقال: ~~{شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} فهذا العدل والقسط في هذه المواضع هو الصدق # PageV20P083 # المبين وضده الكذب والكتمان. وذلك أن العدل هو الذي يخبر بالأمر على ما ~~هو عليه لا يزيد فيكون كاذبا ولا ينقص فيكون كاتما والخبر مطابق للمخبر كما ~~تطابق الصورة العلمية والذهنية للحقيقة الخارجية ويطابق اللفظ للعلم ويطابق ~~الرسم للفظ. فإذا كان العلم يعدل المعلوم لا يزيد ولا ينقص والقول يعدل ~~العلم لا يزيد ولا ينقص والرسم يعدل القول: كان ذلك عدلا والقائم به قائم ~~بالقسط وشاهد بالقسط وصاحبه ذو عدل. ومن زاد فهو كاذب ومن نقص فهو كاتم ثم ~~قد يكون عمدا وقد يكون خطأ فتدبر هذا فإنه عظيم نافع جدا. # PageV20P084 # وقال الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس ~~الله روحه ونور ضريحه -: # قاعدة # في أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه وأن جنس ترك ~~المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه وأن مثوبة بني آدم على أداء ~~الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات وأن عقوبتهم على ترك الواجبات ~~أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات. وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذه القاعدة ~~فيما تقدم لما ذكرت أن العلم والقصد يتعلق بالموجود بطريق الأصل ويتعلق ~~بالمعدوم بطريق التبع. وبيان هذه القاعدة من وجوه. # PageV20P085 # أحدها: أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله؛ وأعظم السيئات الكفر ~~والإيمان أمر وجودي فلا يكون الرجل مؤمنا ظاهرا حتى يظهر أصل الإيمان وهو: ~~شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ولا يكون مؤمنا باطنا ~~حتى يقر بقلبه بذلك؛ فينتفي عنه الشك ظاهرا وباطنا؛ مع وجود العمل الصالح ~~وإلا كان كمن قال الله فيه: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وكمن قال تعالى ms5991 فيه: {ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وكمن قال فيه: {إذا جاءك ~~المنافقون} الآية. والكفر: عدم الإيمان؛ باتفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه ~~وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة ~~والجماعة الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا بالباطن والظاهر؛ وقول من يجعله ~~نفس اعتقاد القلب كقول الجهمية وأكثر الأشعرية أو إقرار اللسان كقول ~~الكرامية؛ أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية فإن هؤلاء مع أهل ~~الحديث وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية؛ وعامة الصوفية؛ ~~وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة؛ وغير متكلمي السنة من المعتزلة ~~والخوارج؛ # PageV20P086 # وغيرهم: متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة فهو كافر ~~سواء كان مكذبا؛ أو مرتابا؛ أو معرضا؛ أو مستكبرا؛ أو مترددا؛ أو غير ذلك. ~~وإذا كان أصل الإيمان الذي هو أعظم القرب والحسنات والطاعات فهو مأمور به ~~والكفر الذي هو أعظم الذنوب والسيئات والمعاصي ترك هذا المأمور به سواء ~~اقترن به فعل منهي عنه من التكذيب أو لم يقترن به شيء بل كان تركا للإيمان ~~فقط: علم أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه. # واعلم أن ### | الكفر بعضه أغلظ من بعض # فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب فإنه جمع بين ترك الإيمان ~~المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله ~~والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب ومن ~~كفر وقتل وزنى وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما. كما أن الإيمان بعضه أفضل من ~~بعض والمؤمنون فيه متفاضلون تفاضلا عظيما وهم عند الله درجات كما أن أولئك ~~دركات فالمقتصدون في الإيمان أفضل من ظالمي أنفسهم والسابقون بالخيرات أفضل ~~من # PageV20P087 # المقتصدين {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} الآيات {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند ms5992 الله} ~~. وإنما ذكرنا أن أصل الإيمان مأمور به وأصل الكفر نقيضه وهو ترك هذا ~~الإيمان المأمور به وهذا الوجه قاطع بين. # الوجه الثاني: أن ### | أول ذنب عصي الله به # كان من أبي الجن وأبي الإنس أبوي الثقلين المأمورين وكان ذنب أبي الجن ~~أكبر وأسبق وهو ترك المأمور به وهو السجود إباء واستكبارا وذنب أبي الإنس ~~كان ذنبا صغيرا {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} وهو إنما فعل المنهي ~~عنه وهو الأكل من الشجرة؛ وإن كان كثير من الناس المتكلمين في العلم يزعم ~~أن هذا ليس بذنب؛ وأن آدم تأول حيث نهي عن الجنس بقوله: {ولا تقربا هذه ~~الشجرة} فظن أنه الشخص فأخطأ؛ أو نسي والمخطئ والناسي ليسا مذنبين. وهذا ~~القول يقوله طوائف من أهل البدع والكلام والشيعة وكثير من المعتزلة وبعض ~~الأشعرية وغيرهم ممن يوجب عصمة الأنبياء من الصغائر وهؤلاء فروا من شيء ~~ووقعوا فيما هو أعظم منه في # PageV20P088 # تحريف كلام الله عن مواضعه. وأما السلف قاطبة من القرون الثلاثة الذين هم ~~خير قرون الأمة؛ وأهل الحديث والتفسير؛ وأهل كتب قصص الأنبياء والمبتدأ ~~وجمهور الفقهاء والصوفية؛ وكثير من أهل الكلام كجمهور الأشعرية وغيرهم ~~وعموم المؤمنين؛ فعلى ما دل عليه الكتاب والسنة مثل قوله تعالى {وعصى آدم ~~ربه فغوى} وقوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} بعد أن قال لهما: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين} وقوله تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم} مع أنه عوقب بإخراجه من الجنة. وهذه نصوص لا ترد إلا ~~بنوع من تحريف الكلام عن مواضعه؛ والمخطئ والناسي إذا كانا مكلفين في تلك ~~الشريعة فلا فرق وإن لم يكونا مكلفين امتنعت العقوبة ووصف العصيان والإخبار ~~بظلم النفس وطلب المغفرة والرحمة وقوله تعالى {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} وإنما ابتلى الله الأنبياء بالذنوب ~~رفعا لدرجاتهم بالتوبة وتبليغا لهم إلى محبته وفرحه بهم فإن ms5993 الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين ويفرح بتوبة التائب أشد فرح فالمقصود كمال الغاية ~~لا نقص البداية؛ فإن العبد يكون له الدرجة لا ينالها إلا بما قدره الله له ~~من العمل أو البلاء. # PageV20P089 # وليس المقصود هنا هذه المسألة وإنما الغرض أن ينظر تفاوت ما بين الذنبين ~~اللذين أحدهما ترك المأمور به فإنه كبير وكفر ولم يتب منه والآخر صغير تيب ~~منه. # الوجه الثالث: أنه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب ~~والسنة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام ~~بعمل إذا كان فعلا منهيا عنه؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ ما لم يتضمن ~~ترك الإيمان وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل: الإيمان بالله ~~وملائكته؛ وكتبه ورسله؛ والبعث بعد الموت؛ فإنه يكفر به وكذلك يكفر بعدم ~~اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وعدم تحريم الحرمات الظاهرة ~~المتواترة. فإن قلت فالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهي عنه. قلت: ~~لكن المأمور به إذا تركه العبد: فإما أن يكون مؤمنا بوجوبه؛ أو لا يكون فإن ~~كان مؤمنا بوجوبه تاركا لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو ~~الإيمان به وترك بعضه وهو العمل # PageV20P090 # به. وكذلك المحرم إذا فعله؛ فإما أن يكون مؤمنا بتحريمه أو لا يكون فإن ~~كان مؤمنا بتحريمه فاعلا له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصار له حسنة ~~وسيئة والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور ~~المتواترة وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به؛ ~~فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل ~~يعذر به. وأما كون ترك الإيمان بهذه الشرائع كفرا؛ وفعل المحرم المجرد ليس ~~كفرا: فهذا مقرر في موضعه وقد دل على ذلك كتاب الله في قوله: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} إذ الإقرار بها مراد ~~بالاتفاق؛ وفي ترك الفعل نزاع. وكذلك قوله: {ولله ms5994 على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} فإن عدم الإيمان ~~بوجوبه وتركه كفر والإيمان بوجوبه وفعله يجب أن يكون مرادا من هذا النص كما ~~قال من قال من السلف: هو من لا يرى حجه برا ولا تركه إثما وأما الترك ~~المجرد ففيه نزاع. وأيضا {حديث أبي بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله} فإن # PageV20P091 # تخميس المال دل على أنه كان كافرا لا فاسقا وكفره بأنه لم يحرم ما حرم ~~الله ورسوله. وكذلك الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما لما شرب الخمر [قدامة بن ~~مضعون] (*) وكان بدريا؛ وتأول أنها تباح للمؤمنين المصلحين وأنه منهم ~~بقوله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات} الآية فاتفق الصحابة على أنه إن أصر قتل وإن تاب ~~جلد فتاب فجلد. وأما الذنوب ففي القرآن قطع السارق وجلد الزاني؛ ولم يحكم ~~بكفرهم وكذلك فيه اقتتال الطائفتين مع بغي إحداهما على الأخرى؛ والشهادة ~~لهما بالإيمان والأخوة وكذلك فيه قاتل النفس الذي يجب عليه القصاص جعله ~~أخا؛ وقد قال الله فيه {فمن عفي له من أخيه شيء} فسماه أخا وهو قاتل. وقد ~~ثبت في الصحيحين {حديث أبي ذر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~جبريل: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؛ وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر ~~على رغم أنف أبي ذر} " وثبت في الصحاح حديث أبي سعيد وغيره في الشفاعة في ~~أهل الكبائر وقوله: {أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان؛ ~~مثقال حبة من PageV20P092 # إيمان مثقال ذرة من إيمان} فهذه النصوص كما دلت على أن ذا الكبيرة لا ~~يكفر مع الإيمان وأنه يخرج من النار بالشفاعة خلافا للمبتدعة من الخوارج في ~~الأولى ولهم وللمعتزلة في الثانية نزاع: فقد دلت على أن الإيمان الذي خرجوا ~~به من النار هو حسنة ms5995 مأمور بها وأنه لا يقاومها شيء من الذنوب وهذا هو. # الوجه الرابع: وهو: أن الحسنات التي هي فعل المأمور به تذهب بعقوبة ~~الذنوب والسيئات التي هي فعل المنهي عنه فإن فاعل المنهي يذهب إثمه بالتوبة ~~وهي حسنة مأمور بها وبالأعمال الصالحة المقاومة وهي حسنات مأمور بها وبدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعاء المؤمنين وشفاعتهم وبالأعمال ~~الصالحة التي تهدي إليه وكل ذلك من الحسنات المأمور بها. فما من سيئة هي ~~فعل منهي عنه إلا لها حسنة تذهبها هي فعل مأمور به حتى الكفر سواء كان ~~وجوديا أو عدميا فإن حسنة الإيمان تذهبه كما قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {الإسلام يجب ~~ما كان قبله وفي رواية يهدم ما كان قبله} " رواه مسلم. وأما الحسنات فلا ~~تذهب ثوابها السيئات مطلقا فإن حسنة الإيمان # PageV20P093 # لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر؛ لأن الكفر ينافي الإيمان فلا يصير الكافر ~~مؤمنا فلو زال الإيمان زال ثوابه لا لوجود سيئة ولهذا كان كل سيئة لا تذهب ~~بعمل لا يزول ثوابه وهذا متفق عليه بين المسلمين حتى المبتدعة من الخوارج ~~والمعتزلة فإن الخوارج يرون الكبيرة موجبة للكفر المنافي للإيمان والمعتزلة ~~يرونها مخرجة له من الإيمان وإن لم يدخل بها في الكفر وأهل السنة والجماعة ~~يرون أصل إيمانه باقيا فقد اتفقت الطوائف على أنه مع وجود إيمانه لا يزول ~~ثوابه بشيء من السيئات والكفر وإن كانوا متفقين على أن مع وجوده لا يزول ~~عقابه بشيء من الحسنات فذلك لأن الكفر يكفي فيه عدم الإيمان ولا يجب أن ~~يكون أمرا موجودا كما تقدم فعقوبة الكفر هي ترك الإيمان وإن انضم إليها ~~عقوبات على ما فعله من الكفر الوجودي أيضا. وكذلك قد روي في بعض ثواب ~~الطاعات المأمور بها ما يدفع ويرفع عقوبة المعاصي المنهي عنها فإذا كان جنس ~~ثواب الحسنات المأمور بها يدفع عقوبة كل معصية وليس جنس عقوبات السيئات ~~المنهي عنها يدفع ثواب كل حسنة: ms5996 ثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك ~~السيئات المنهي عنها. وفي هذا المعنى ما ورد في فضل لا إله إلا الله وأنها ~~تطفئ نار السيئات؛ مثل حديث البطاقة وغيره. # PageV20P094 # الوجه الخامس: أن تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر مثل ترك ~~الصوم لمرض أو لسفر ومثل النوم عن الصلاة أو نسيانها ومثل من ترك شيئا من ~~نسكه الواجب فعليه دم أو عليه فعل ما ترك إن أمكن وأما فاعل المنهي عنه إذا ~~كان نائما أو ناسيا أو مخطئا فهو معفو عنه ليس عليه جبران إلا إذا اقترن به ~~إتلاف كقتل النفس والمال. والكفارة فيه هل وجبت جبرا أو زجرا أو محوا؟ فيه ~~نزاع بين الفقهاء. فحاصله أن تارك المأمور به وإن عذر في الترك لخطأ أو ~~نسيان فلا بد له من الإتيان بالمثل أو بالجبران من غير الجنس بخلاف فاعل ~~المنهي عنه فإنه تكفي فيه التوبة إلا في مواضع لمعنى آخر فعلم أن اقتضاء ~~الشارع لفعل المأمور به أعظم من اقتضائه لترك المنهي عنه. # الوجه السادس: أن مباني الإسلام الخمس المأمور بها وإن كان ضرر تركها لا ~~يتعدى صاحبها فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء ويكفر أيضا # PageV20P095 # عند كثير منهم أو أكثر السلف وأما فعل المنهي عنه الذي لا يتعدى ضرره ~~صاحبه فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان ~~لفوات الإيمان وكونه مرتدا أو زنديقا. وذلك أن من الأئمة من يقتله ويكفره ~~بترك كل واحدة من الخمس لأن الإسلام بني عليها وهو قول طائفة من السلف ~~ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه. ومنهم من لا يقتله ولا يكفره إلا بترك ~~الصلاة والزكاة وهي رواية أخرى عن أحمد كما دل عليه ظاهر القرآن في براءة ~~وحديث ابن عمر وغيره ولأنهما منتظمان لحق الحق وحق الخلق كانتظام الشهادتين ~~للربوبية والرسالة ولا بدل لهما من غير جنسهما بخلاف الصيام والحج. ومنهم ~~من يقتله بهما ويكفره بالصلاة وبالزكاة إذا قاتل الإمام عليها كرواية ms5997 عن ~~أحمد. ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة كرواية عن أحمد. ومنهم من ~~يقتله بهما ولا يكفره كرواية عن أحمد. ومنهم من # PageV20P096 # لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره كالمشهور من مذهب الشافعي لإمكان ~~الاستيفاء منه. وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من ~~الصحابة والتابعين. ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم ~~يفعلها وأما من لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم وليس الأمر كما يفهم من ~~إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جحد وجوبها كفر وإن لم ~~يجحد وجوبها فهو مورد النزاع بل هنا ثلاثة أقسام: أحدها: إن جحد وجوبها فهو ~~كافر بالاتفاق. والثاني: أن لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من التزام فعلها ~~كبرا أو حسدا أو بغضا لله ورسوله فيقول: اعلم أن الله أوجبها على المسلمين ~~والرسول صادق في تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو ~~حسدا للرسول أو عصبية لدينه أو بغضا لما جاء به الرسول فهذا أيضا كافر ~~بالاتفاق فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للإيجاب فإن ~~الله تعالى باشره بالخطاب وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين. وكذلك أبو ~~طالب كان # PageV20P097 # مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفا من عار ~~الانقياد واستكبارا عن أن تعلو أسته رأسه فهذا ينبغي أن يتفطن له ومن أطلق ~~من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا ~~للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للامتناع عن الإقرار والالتزام كما قال تعالى: ~~{فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقال تعالى: {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وإلا فمتى ~~لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق. والثالث: أن يكون مقرا ملتزما؛ لكن ~~تركها كسلا وتهاونا؛ أو اشتغالا بأغراض له عنها فهذا مورد النزاع كمن عليه ~~دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه لكنه يمطل بخلا أو تهاونا. وهنا قسم رابع ~~وهو: أن يتركها ولا يقر بوجوبها؛ ولا يجحد وجوبها؛ ms5998 لكنه مقر بالإسلام من ~~حيث الجملة فهل هذا من موارد النزاع؛ أو من موارد الإجماع؟ ولعل كلام كثير ~~من السلف متناول لهذا وهو المعرض عنها لا مقرا ولا منكرا. وإنما هو متكلم ~~بالإسلام فهذا فيه نظر فإن قلنا. يكفر بالاتفاق؛ فيكون اعتقاد وجوب هذه ~~الواجبات على التعيين من الإيمان لا يكفي فيها الاعتقاد العام؛ كما في # PageV20P098 # الخبريات من أحوال الجنة والنار والفرق بينهما أن الأفعال المأمور بها ~~المطلوب فيها الفعل لا يكفي فيها الاعتقاد العام بل لا بد من اعتقاد خاص؛ ~~بخلاف الأمور الخبرية؛ فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب ~~وأمر المعاد يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل ولهذا اكتفوا في هذه ~~العقائد بالجمل وكرهوا فيها التفصيل المفضي إلى القتال والفتنة بخلاف ~~الشرائع المأمور بها؛ فإنه لا يكتفي فيها بالجمل؛ بل لا بد من تفصيلها علما ~~وعملا. وأما القاتل والزاني والمحارب فهؤلاء إنما يقتلون لعدوانهم على ~~الخلق لما في ذلك من الفساد المتعدي ومن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه حد ~~الله ولا يكفر أحد منهم. وأيضا فالمرتد يقتل لكفره بعد إيمانه: وإن لم يكن ~~محاربا. فثبت أن الكفر والقتل لترك المأمور به أعظم منه لفعل المنهي عنه. ~~وهذا الوجه قوي على مذهب الثلاثة: مالك؛ والشافعي؛ وأحمد وجمهور السلف ~~ودلائله من الكتاب والسنة متنوعة وأما على مذهب أبي حنيفة فقد يعارض بما قد ~~يقال: إنه لا يوجب قتل # PageV20P099 # أحد على ترك واجب أصلا حتى الإيمان؛ فإنه لا يقتل إلا المحارب لوجود ~~الحراب منه وهو فعل المنهي عنه ويسوي بين الكفر الأصلي والطارئ فلا يقتل ~~المرتد لعدم الحراب منه ولا يقتل من ترك الصلاة أو الزكاة إلا إذا كان في ~~طائفة ممتنعة فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل البغاة وأما المنهي عنه ~~فيقتل القاتل والزاني المحصن والمحارب إذا قتل فيكون الجواب من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن الاعتبار عند النزاع بالرد إلى الله وإلى الرسول والكتاب والسنة ~~دال على ما ذكرناه من أن المرتد يقتل بالاتفاق وإن لم ms5999 يكن من أهل القتال ~~إذا كان أعمى أو زمنا أو راهبا والأسير يجوز قتله بعد أسره وإن كان حرابه ~~قد انقضى. الثاني: أن ما وجب فيه القتل إنما وجب على سبيل القصاص الذي ~~يعتبر فيه المماثلة؛ فإن النفس بالنفس؛ كما تجب المقاصة في الأموال؛ فجزاء ~~سيئة سيئة مثلها في النفوس والأموال والأعراض والأبشار؛ لكن إن لم يضر إلا ~~المقتول كان قتله صائرا إلى أولياء المقتول؛ لأن الحق لهم كحق المظلوم في ~~المال وإن قتله لأخذ المال كان قتله واجبا؛ لأجل المصلحة العامة التي هي حد ~~الله كما يجب قطع يد السارق لأجل حفظ الأموال؛ ورد المال المسروق حق لصاحبه ~~إن شاء أخذه وإن شاء تركه فخرجت هذه الصور عن # PageV20P100 # النقض لم يبق ما يوجب القتل عنده بلا مماثلة إلا الزنا وهو من نوع ~~العدوان أيضا ووقوع القتل به نادر؛ لخفائه وصعوبة الحجة عليه. الثالث: أن ~~العقوبة في الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره؛ فإن الدنيا ليست دار الجزاء ~~وإنما دار الجزاء هي الآخرة ولكن شرع من العقوبات في الدنيا ما يمنع الفساد ~~والعدوان كما قال تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا} وقالت الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} ~~. فهذان السببان اللذان ذكرتهما الملائكة هما اللذان كتب الله على بني ~~إسرائيل القتل بهما؛ ولهذا يقر كفار أهل الذمة بالجزية مع أن ذنبهم في ترك ~~الإيمان أعظم باتفاق المسلمين من ذنب من نقتله من زان وقاتل. فأبو حنيفة ~~رأى أن الكفر مطلقا إنما يقاتل صاحبه لمحاربته فمن لا حراب فيه لا يقاتل ~~ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين. وقد وافقه ~~على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه ومع هذا يجوز القتل تعزيرا وسياسة في ~~مواضع. # PageV20P101 # وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم إلا أن النساء والصبيان ~~تركوا لكونهم مالا للمسلمين فيقتل المرتد لوجود الكفر وامتناع سببها عنده ~~من الكفر بلا منفعة. وأما أحمد فالمبيح عنده ms6000 أنواع أما الكافر الأصلي ~~فالمبيح عنده هو وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه أما الأول فالمحاربة بيد ~~أو لسان فلا يقتل من لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان؛ والرهبان ~~والعميان؛ والزمنى ونحوهم كما هو مذهب الجمهور. وأما المرتد فالمبيح عنده ~~هو الكفر بعد الإيمان وهو نوع خاص من الكفر؛ فإنه لو لم يقتل ذلك لكان ~~الداخل في الدين يخرج منه فقتله حفظ لأهل الدين وللدين فإن ذلك يمنع من ~~النقص ويمنعهم من الخروج عنه بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنه إن كان كتابيا أو ~~مشبها له فقد وجد إحدى غايتي القتال في حقه وإن كان وثنيا: فإن أخذت منه ~~الجزية فهو كذلك وإن لم تؤخذ منه ففي جواز استرقاقه نزاع فمتى جاز استرقاقه ~~كان ذلك كأخذ الجزية منه ومتى لم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي ~~كافرا لا منفعة في حياته لنفسه - لأنه يزداد إثما - ولا للمؤمنين؛ فيكون ~~قتله خيرا من إبقائه. وأما تارك الصلاة والزكاة: فإذا قتل كان عنده من قسم ~~المرتدين لأنه بالإسلام ملتزم لهذه الأفعال فإذا لم يفعلها فقد ترك ما ~~التزمه # PageV20P102 # أو لأنها عنده من الغاية التي يمتد القتال إليها كالشهادتين فإنه لو تكلم ~~بإحداهما وترك الأخرى لقتل لكن قد يفرق بينهما وأما إذا لم. . . (1) ويفرق ~~في المرتد بين الردة المجردة فيقتل إلا أن يتوب وبين الردة المغلظة فيقتل ~~بلا استتابة. فهذه مآخذ فقهية نبهنا بها على بعض أسباب القتل وقد تبين أنهم ~~لا يتنازعون أن ترك المأمور به في الآخرة أعظم وأما في الدنيا فقد ذكرنا ما ~~تقدم. # الوجه السابع: إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج ونهى عن قتال أئمة الظلم ~~{وقال في الذي يشرب الخمر: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله} " {وقال في ذي ~~الخويصرة: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون ~~من الدين - وفي رواية من الإسلام - كما يمرق السهم من الرمية يحقر ms6001 أحدكم ~~صلاته مع PageV20P103 # صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن ~~في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} ". وقد قررت هذه القاعدة ~~بالدلائل الكثيرة مما تقدم من القواعد ثم إن أهل المعاصي ذنوبهم فعل بعض ما ~~نهوا عنه: من سرقة أو زنا أو شرب خمر أو أكل مال بالباطل. وأهل البدع ~~ذنوبهم ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين فإن الخوارج أصل ~~بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عندهم وهذا ~~ترك واجب. وكذلك الرافضة لا يرون عدالة الصحابة ومحبتهم والاستغفار لهم ~~وهذا ترك واجب. وكذلك القدرية لا يؤمنون بعلم الله تعالى القديم ومشيئته ~~الشاملة وقدرته الكاملة وهذا ترك واجب. وكذلك الجبرية لا تثبت قدرة العبد ~~ومشيئته وقد يدفعون الأمر بالقدر وهذا ترك واجب. وكذلك مقتصدة المرجئة مع ~~أن بدعتهم من بدع الفقهاء ليس فيها كفر بلا خلاف عند أحد من الأئمة ومن ~~أدخلهم من أصحابنا في البدع التي حكى فيها التكفير ونصره فقد غلط في ذلك ~~وإنما كان لأنهم لا يرون إدخال الأعمال أو الأقوال في الإيمان وهذا ترك ~~واجب وأما غالية المرجئة الذين يكفرون بالعقاب ويزعمون أن النصوص خوفت بما ~~لا حقيقة له فهذا القول عظيم وهو ترك واجب # PageV20P104 # وكذلك الوعيدية لا يرون اعتقاد خروج أهل الكبائر من النار ولا قبول ~~الشفاعة فيهم وهذا ترك واجب فإن قيل: قد يضمون إلى ذلك اعتقادا محرما: من ~~تكفير وتفسيق وتخليد. قيل: هم في ذلك مع أهل السنة بمنزلة الكفار مع ~~المؤمنين فنفس ترك الإيمان بما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ضلالة وإن ~~لم يكن معه اعتقاد وجودي فإذا انضم إليه اجتمع الأمران ولو كان معهم أصل من ~~السنة لما وقعوا في البدعة. # الوجه الثامن: أن ضلال بني آدم وخطأهم في أصول دينهم وفروعه إذا تأملته ~~تجد أكثره من عدم التصديق بالحق؛ لا من التصديق بالباطل. فما من مسألة ~~تنازع الناس فيها في الغالب إلا وتجد ما أثبته الفريقان صحيحا ms6002 وإنما تجد ~~الضلال وقع من جهة النفي والتكذيب. مثال ذلك أن الكفار لم يضلوا من جهة ما ~~أثبتوه من وجود الحق وإنما أتوا من جهة ما نفوه من كتابه وسنة رسوله وغير ~~ذلك وحينئذ وقعوا في الشرك وكل أمة مشركة أصل شركها عدم كتاب منزل من ~~السماء وكل أمة مخلصة أصل إخلاصها كتاب منزل من السماء فإن بني آدم # PageV20P105 # محتاجون إلى شرع يكمل فطرهم فافتتح الله الجنس بنبوة آدم كما قال تعالى: ~~{وعلم آدم الأسماء كلها} وهلم جرا. فمن خرج عن النبوات وقع في الشرك وغيره ~~وهذا عام في كل كافر غير كتابي فإنه مشرك وشركه لعدم إيمانه بالرسل الذين ~~قال الله فيهم: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} . ولم يكن الشرك أصلا في الآدميين بل كان آدم ومن كان على دينه من ~~بنيه على التوحيد لله لاتباعهم النبوة قال تعالى: {وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا} قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام فبتركهم اتباع شريعة الأنبياء وقعوا في الشرك لا بوقوعهم في الشرك ~~خرجوا عن شريعة الإسلام فإن آدم أمرهم بما أمره الله به حيث قال له: {فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال في الآية الأخرى: ~~{فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} . # PageV20P106 # فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب ~~عليهم اتباع هداه المنزل وهو الوحي الوارد على أنبيائه وتضمن أن من أعرض ~~عنه وإن لم يكذب به فإنه يكون يوم القيامة في العذاب المهين وإن معيشته ~~تكون ضنكا في هذه الحياة وفي البرزخ والآخرة وهي المضنوكة النكدة المحشوة ~~بأنواع الهموم والغموم والأحزان كما ms6003 أن الحياة الطيبة هي لمن آمن وعمل ~~صالحا. فمن تمسك به فإنه لا يشرك بربه فإن الرسل جميعهم أمروا بالتوحيد ~~وأمروا به قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون} فبين أنه لا بد أن يوحي بالتوحيد إلى كل رسول وقال ~~تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} فبين أنه لم يشرع الشرك قط فهذان النصان قد دلا على أنه أمر ~~بالتوحيد لكل رسول ولم يأمر بالإشراك قط وقد أمر آدم وبنيه من حين أهبط ~~باتباع هداه الذي يوحيه إلى الأنبياء فثبت أن علة الشرك كان من ترك اتباع ~~الأنبياء والمرسلين فيما أمروا به من التوحيد والدين لا أن الشرك كان علة ~~للكفر بالرسل فإن الإشراك والكفر بالرسل متلازمان في الواقع فهذا في الكفار ~~بالنبوات المشركين. وأما أهل الكتاب فإن اليهود لم يؤتوا من جهة ما أقروا ~~به # PageV20P107 # من نبوة موسى والإيمان بالتوراة بل هم في ذلك مهتدون وهو رأس هداهم وإنما ~~أتوا من جهة ما لم يقروا به من رسالة المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى فيهم: {فباءوا بغضب على غضب} غضب بكفرهم بالمسيح وغضب بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا من باب ترك المأمور به. وكذلك النصارى لم ~~يؤتوا من جهة ما أقروا به من الإيمان بأنبياء بني إسرائيل والمسيح وإنما ~~أتوا من جهة كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما ما وقعوا فيه من التثليث ~~والاتحاد الذي كفروا فيه بالتوحيد والرسالة فهو من جهة عدم اتباعهم لنصوص ~~التوراة والإنجيل المحكمة التي تأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وتبين ~~عبودية المسيح وأنه عبد لله كما أخبر الله عنه بقوله: {ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} فلما تركوا اتباع هذه ~~النصوص إيمانا وعملا وعندهم رغبة ms6004 في العبادة والتأله ابتدعوا الرهبانية ~~وغلوا في المسيح هوى من عند أنفسهم وتمسكوا بمتشابه من الكلمات لظن ظنوه ~~فيها وهوى اتبعوه خرج بهم عن الحق فهم {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ولهذا كان سيماهم الضلال كما قال تعالى: # PageV20P108 # {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل} . والضال ضد المهتدي وهو العادل عن طريق الحق بلا علم وعدم العلم ~~المأمور به والهدى بالمأمور ترك واجب فأصل كفرهم ترك الواجب وحينئذ تفرقوا ~~في التثليث والاتحاد ووقعت بينهم العداوة والبغضاء وصاروا ملكية؛ ويعقوبية؛ ~~ونسطورية؛ وغيرهم وهذا المعنى قد بينه القرآن مع أن هذا يصلح أن يكون دليلا ~~مستقلا؛ لما فيه من بيان أن ترك الواجب سبب لفعل المحرم قال تعالى: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فهذا نص في أنهم تركوا بعض ما أمروا به ~~فكان تركه سببا لوقوع العداوة والبغضاء المحرمين وكان هذا دليلا على أن ترك ~~الواجب يكون سببا لفعل المحرم كالعداوة والبغضاء والسبب أقوى من المسبب. ~~وكذلك قال في اليهود: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} فنقض الميثاق ترك ما أمروا ~~به؛ فإن الميثاق يتضمن واجبات وهي قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة وآمنتم برسلي # PageV20P109 # وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} {فبما ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} الآيات. فقد أخبر تعالى أنه ~~بترك ما أوجبه عليهم من الميثاق وإن كان واجبا بالأمر حصلت لهم هذه ~~العقوبات التي منها فعل هذه المحرمات من قسوة القلوب؛ وتحريف الكلم عن ~~مواضعه؛ وأنهم نسوا حظا مما ذكروا به. وأخبر في أثناء السورة أنه ألقى ~~بينهم ms6005 العداوة والبغضاء في قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} الآية وقد قال المفسرون ~~من السلف مثل قتادة وغيره في فرق النصارى ما أشرنا إليه. # وهكذا إذا تأملت أهل الضلال والخطأ من هذه الأمة تجد الأصل ترك الحسنات ~~لا فعل السيئات وأنهم فيما يثبتونه أصل أمرهم صحيح وإنما أتوا من جهة ما ~~نفوه والإثبات فعل حسنة والنفي ترك سيئة فعلم أن ترك الحسنات أضر من فعل ~~السيئات وهو أصله. مثال ذلك: أن الوعيدية من الخوارج وغيرهم فيما يعظمونه # PageV20P110 # من أمر المعاصي والنهي عنها واتباع القرآن وتعظيمه أحسنوا لكن إنما أتوا ~~من جهة عدم اتباعهم للسنة وإيمانهم بما دلت عليه من الرحمة للمؤمن وإن كان ~~ذا كبيرة. وكذلك المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب والرحمة لهم ~~أحسنوا لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان ~~وعقوبات أهل الكبائر. فالأولون بالغوا في النهي عن المنكر؛ وقصروا في الأمر ~~بالمعروف. وهؤلاء قصروا في النهي عن المنكر وفي الأمر بكثير من المعروف. ~~وكذلك القدرية هم في تعظيم المعاصي وذم فاعلها وتنزيه الله تعالى عن الظلم ~~وفعل القبيح محسنون وإنما أساءوا في نفيهم مشيئة الله الشاملة وقدرته ~~الكاملة وعلمه القديم أيضا. وكذلك الجهمية؛ فإن أصل ضلالهم إنما هو التعطيل ~~وجحد ما جاءت به الرسل عن الله عز وجل من أسمائه وصفاته. والأمر فيهم ظاهر ~~جدا. ولهذا قلنا غير مرة أن الرسل جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل ~~والكفار من المتفلسفة الصابئين والمشركين # PageV20P111 # جاءوا بالنفي المفصل والإثبات المجمل والإثبات فعل حسنات مأمور بها ~~إيجابا واستحبابا والنفي ترك سيئات أو حسنات مأمور بها فعلم أن ضلالهم من ~~باب ترك الواجب وترك الإثبات. وبالجملة فالأمور نوعان: إخبار؛ وإنشاء. ~~فالإخبار ينقسم إلى إثبات ونفي: إيجاب وسلب كما يقال في تقسيم القضايا إلى ~~إيجاب وسلب. والإنشاء فيه الأمر والنهي. فأصل الهدى ودين الحق هو: إثبات ~~الحق الموجود؛ وفعل الحق المقصود؛ وترك المحرم؛ ونفي الباطل تبع. ms6006 وأصل ~~الضلال ودين الباطل: التكذيب بالحق الموجود وترك الحق المقصود ثم فعل ~~المحرم وإثبات الباطل تبع لذلك. فتدبر هذا فإنه أمر عظيم تنفتح لك به أبواب ~~من الهدى. # الوجه التاسع: أن الكلمات الجوامع التي في القرآن تتضمن امتثال المأمور ~~به والوعيد على المعصية بتركه: مثل قوله تعالى لنبيه {فاستقم كما أمرت ومن ~~تاب # PageV20P112 # معك ولا تطغوا} وقال: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} ~~وقال: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين} وقال {قل ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} ~~وقال: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} وقال: ~~{واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} وقال: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} إلى أمثال هذه ~~النصوص التي يوصي فيها باتباع ما أمر ويبين أن الاستقامة في ذلك وأنه لم ~~يأمر إلا بذلك وأنه إن ترك ذلك كان عليه العذاب ونحو ذلك مما يبين أن اتباع ~~الأمر أصل عام وأن اجتناب المنهي عنه فرع خاص. # الوجه العاش: أن عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي ~~عنه إنما هو الشرك والتحريم وكذلك حكي عنهم في قوله: {سيقول الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من # PageV20P113 # شيء} وذلك في النحل وفي الزخرف {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} وقال: ~~{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال: {قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون} وقال: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} وقال: ~~{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} . وأما من ترك ~~المأمور به ms6007 فقد ذمهم الله كما ذمهم على ترك الإيمان به وبأسمائه وآياته ~~وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وترك الصلاة والزكاة ~~والجهاد وغير ذلك من الأعمال. والشرك قد تقدم أن أصله ترك المأمور به من ~~عبادة الله واتباع رسله. وتحريم الحلال فيه ترك ما أمروا به من الاستعانة ~~به على عبادته. ولما كان أصل المنهي عنه الذي فعلوه الشرك والتحريم روي في ~~الحديث: " {بعثت بالحنيفية السمحة} " فالحنيفية ضد الشرك. والسماحة ضد ~~الحجر والتضييق وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يرويه عن ربه: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} ". # PageV20P114 # وظهر أثر هذين الذنبين في المنحرفة من العلماء والعباد والملوك والعامة ~~بتحريم ما أحله الله تعالى والتدين بنوع شرك لم يشرعه الله تعالى والأول ~~يكثر في المتفقهة والمتورعة والثاني يكثر في المتصوفة والمتفقرة. فتبين ~~بذلك أن ما ذمه الله تعالى وعاقب عليه من ترك الواجبات أكثر مما ذمه الله ~~وعاقب عليه من فعل المحرمات. # الوجه الحادي عشر: أن ### | الله تعالى خلق الخلق لعبادته # كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وذلك هو أصل ما أمرهم ~~به على ألسن الرسل كما قال نوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب: {اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره} . وقال: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} إلى ~~قوله: {إلها واحدا ونحن له مسلمون} وقال لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني} وقال المسيح: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم} . والإسلام: هو الاستسلام لله وحده وهو أصل عبادته وحده وذلك ~~يجمع معرفته ومحبته والخضوع له وهذا المعنى الذي # PageV20P115 # خلق الله له الخلق هو: أمر وجودي من باب المأمور به ثم الأمر بعد ذلك بما ~~هو كمال ما خلق له. وأما المنهي عنه: فإما مانع من أصل ما خلق له وإما من ms6008 ~~كمال ما خلق له نهوا عن الإشراك لأنه مانع من الأصل وهو ظلم في الربوبية ~~كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} ومنعوا عن ظلم بعضهم بعضا في النفوس ~~والأموال والأبضاع والأعراض لأنه مانع من كمال ما خلق له. فظهر أن فعل ~~المأمور به أصل وهو المقصود وأن ترك المنهي عنه فرع وهو التابع. وقال ~~تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} لأن الشرك ~~منع الأصل فلم يك في النفس استعداد للفلاح في الآخرة بخلاف ما دونه فإن مع ~~المغفور له أصل الإيمان الذي هو سبب السعادة. # الوجه الثاني عشر أن مقصود النهي ترك المنهي عنه والمقصود منه عدم المنهي ~~عنه والعدم لا خير فيه إلا إذا تضمن حفظ موجود وإلا فلا خير في لا شيء وهذا ~~معلوم بالعقل والحس لكن من الأشياء ما يكون وجوده مضرا بغيره فيطلب عدمه ~~لصلاح الغير كما يطلب عدم القتل لبقاء النفس # PageV20P116 # وعدم الزنا لصلاح النسل وعدم الردة لصلاح الإيمان فكل ما نهي عنه إنما ~~طلب عدمه لصلاح أمر موجود. وأما المأمور به فهو أمر موجود والموجود يكون ~~خيرا ونافعا ومطلوبا لنفسه بل لا بد في كل موجود من منفعة ما أو خير ما فلا ~~يكون الموجود شرا محضا فإن الموجود خلقه الله تعالى والله لم يخلق شيئا إلا ~~لحكمة وتلك الحكمة وجه خير بخلاف المعدوم فإنه لا شيء؛ ولهذا قال سبحانه: ~~{الذي أحسن كل شيء خلقه} وقال: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} فالموجود: إما ~~خير محض أو فيه خير والمعدوم: إما أنه لا خير فيه بحال أو خيره حفظ الموجود ~~وسلامته. والمأمور به قد طلب وجوده والمنهي عنه قد طلب عدمه فعلم أن ~~المطلوب بالأمر أكمل وأشرف من المطلوب بالنهي وأنه هو الأصل المقصود المراد ~~لذاته وأنه هو الذي يكون عدمه شرا محضا. # الوجه الثالث عشر أن المأمور به هو الأمور التي يصلح بها العبد ويكمل ~~والمنهي عنه هو ما يفسد به وينقص؛ فإن المأمور ms6009 به من العلم والإيمان؛ ~~وإرادة # PageV20P117 # وجه الله تعالى وحده؛ ومحبته والإنابة إليه؛ ورحمة الخلق والإحسان إليهم؛ ~~والشجاعة التي هي القوة والقدرة والصبر الذي يعود إلى القوة والإمساك ~~والحبس إلى غير ذلك كل هذه من الصفات والأخلاق والأعمال التي يصلح بها ~~العبد ويكمل ولا يكون صلاح الشيء وكماله إلا في أمور وجودية قائمة به لكن ~~قد يحتاج إلى عدم ما ينافيها فيحتاج إلى العدم بالعرض فعلم أن المأمور به ~~أصل والمنهي عنه تبع فرع. # الوجه الرابع عشر: أن الناس اتفقوا على أن المطلوب بالأمر وجود المأمور ~~به وإن لزم من ذلك عدم ضده ويقول الفقهاء: الأمر بالشيء نهي عن ضده فإن ذلك ~~متنازع فيه. والتحقيق أنه منهي عنه بطريق اللازم وقد يقصده الآمر وقد لا ~~يقصده وأما المطلوب بالنهي فقد قيل: إنه نفس عدم المنهي عنه. وقيل: ليس ~~كذلك؛ لأن العدم ليس مقدورا ولا مقصودا بل المطلوب فعل ضد المنهي عنه وهو ~~الامتناع وهو أمر وجودي. والتحقيق: أن مقصود الناهي قد يكون نفس عدم المنهي ~~عنه؛ وقد يكون فعل ضده؛ وذلك العدم عدم خاص مقيد يمكن أن يكون # PageV20P118 # مقدورا بفعل ضده فيكون فعل الضد طريقا إلى مطلوب الناهي وإن لم يكن نفس ~~المقصود وذلك أن الناهي إنما نهى عن الشيء لما فيه من الفساد فالمقصود عدمه ~~كما ينهى عن قتل النفس وشرب الخمر وإنما نهى لابتلاء المكلف وامتحانه كما ~~نهى قوم طالوت عن الشرب إلا بملء الكف فالمقصود هنا طاعتهم وانقيادهم وهو ~~أمر وجودي وإذا كان وجوديا فهو الطاعة التي هي من جنس فعل المأمور به فصار ~~المنهي عنه إنما هو تابع للمأمور به؛ فإن مقصوده إما عدم ما يضر المأمور به ~~أو جزء من أجزاء المأمور به وإذا كان إما حاويا للمأمور به؛ أو فرعا منه: ~~ثبت أن المأمور به أكمل وأشرف وهو المقصود الأول. # الوجه الخامس عشر أن الأمر أصل والنهي فرع؛ فإن النهي نوع من الأمر؛ إذ ~~الأمر هو الطلب والاستدعاء والاقتضاء وهذا يدخل فيه طلب الفعل وطلب ms6010 الترك ~~لكن خص النهي باسم خاص كما جرت عادة العرب أن الجنس إذا كان له نوعان ~~أحدهما يتميز بصفة كمال أو نقص أفردوه باسم وأبقوا الاسم العام على النوع ~~الآخر كما يقال: مسلم؛ ومنافق. ويقال نبي ورسول. # PageV20P119 # ولهذا تنازع الفقهاء: لو قال لها: إذا خالفت أمري فأنت طالق فعصت نهيه هل ~~يحنث؟ على ثلاثة أوجه لأصحابنا وغيرهم: أحدها: يحنث لأن ذلك مخالفة لأمره ~~في العرف ولأن النهي نوع من الأمر. والثاني: لا يحنث لعدم الدخول فيه في ~~اللغة كما زعموا. والثالث: يفرق بين العالم بحقيقة الأمر والنهي وغير ~~العالم. والأول هو الصواب. فكل من عصى النهي فقد عصى الأمر لأن الأمر ~~استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والناهي مستدع من النهي فعلا: إما ~~بطريق القصد أو بطريق اللزوم فإن كان نوعا منه فالأمر أعم والأعم أفضل وإن ~~لم يكن نوعا منه فهو أشرف القسمين؛ ولهذا اتفق العلماء على تقديمه على ~~النهي وبذلك جاء الكتاب والسنة قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر} وقال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي} . # PageV20P120 # الوجه السادس عشر: أن الله لم يأمر بأمر إلا وقد خلق سببه ومقتضيه في ~~جبلة العبد وجعله محتاجا إليه وفيه صلاحه وكماله؛ فإنه أمر بالإيمان به وكل ~~مولود يولد على الفطرة فالقلوب فيها أقوى الأسباب لمعرفة باريها والإقرار ~~به وأمر بالعلم والصدق والعدل؛ وصلة الأرحام وأداء الأمانة وغير ذلك من ~~الأمور التي في القلوب معرفتها ومحبتها؛ ولهذا سميت معروفا ونهى عن الكفر ~~الذي هو أصل الجهل والظلم وعن الكذب والظلم والبخل والجبن وغير ذلك من ~~الأمور التي تنكرها القلوب وإن ما يفعل الآدمي الشر المنهي عنه لجهله به أو ~~لحاجته إليه بمعنى أنه يشتهيه ويلتذ بوجوده أو يستضر بعدمه والجهل عدم ~~العلم فما كان من المنهي عنه سببه الجهل فلعدم فعل المأمور به من العلم وما ~~كان سببه الحاجة من شهوة أو نفرة فلعدم المأمور به الذي يقتضي حاجته مثل أن ~~يزني لعدم استعفافه ms6011 بالنكاح المباح أو يأكل الطعام الحرام لعدم استعفافه ~~بما أمر به من المباح وإلا فإذا فعل المأمور به الذي يغنيه عن الحرام لم ~~يقع فيه. فثبت أن المأمور به خلق الله في العبد سببه ومقتضيه وأن المنهي # PageV20P121 # عنه إنما يقع لعدم الفعل المأمور به المانع عنه فثبت بذلك أن المأمور به ~~في خلقته ما يقتضيه وما يحتاج إليه وبه صلاحه بمنزلة الأكل للجسد بل هو من ~~جهة المأمور به وبمنزلة النكاح للنوع؛ وهو من المأمور به. والمنهي عنه ليس ~~فيه سببه إلا لعدم المأمور به فكان وجوده لعدم المأمور به فكان عدم المأمور ~~به أضر عليه من وجود المنهي عنه؛ لتضرره به من وجهين وفي تركه أشد استحقاقا ~~للذم والعقاب؛ لوجود مقتضيه فيه المعين له عليه. والمنهي عنه ليس فيه ~~مقتضيه في الأصل إلا مع عدم المأمور به وأما عدمه فلا يقتضيه إلا بفعل ~~المأمور به فهذا هذا. # الوجه السابع عشر: أن ### | فعل الحسنات يوجب ترك السيئات # وليس مجرد ترك السيئات يوجب فعل الحسنات؛ لأن ترك السيئات مع مقتضيها لا ~~يكون إلا بحسنة وفعل الحسنات عند عدم مقتضيها لا يقف على ترك السيئة وذلك ~~يؤجر لأنه ترك السيئات مع مقتضيها وذلك لأن الله خلق ابن آدم هماما حارثا ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {أصدق الأسماء حارث وهمام} " والحارث: # PageV20P122 # العامل الكاسب والهمام: الكثير الهم. وهذا معنى قولهم: متحرك بالإرادة ~~والهم والإرادة لا تكون إلا بشعور وإحساس فهو حساس متحرك بالإرادة دائما. ~~ولهذا جاء في الحديث: " {للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا} " و ~~" {مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة} " و " {ما من قلب من قلوب العباد ~~إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن} " وإذا كان كذلك فعدم إحساسه وحركته ممتنع ~~فإن لم يكن إحساسه وحركته من الحسنات المأمور بها أو المباحات وإلا كان من ~~السيئات المنهي عنها فصار فعل الحسنات يتضمن الأمرين فهو أشرف وأفضل. وذلك ~~لأن من فعل ما أمر به من الإيمان والعمل الصالح: قد يمتنع ms6012 بذلك عما نهي عنه ~~من أحد وجهين: إما من جهة اجتماعهما فإن الإيمان ضد الكفر؛ والعمل الصالح ~~ضد السيئ فلا يكون مصدقا مكذبا محبا مبغضا. وإما من جهة اقتضاء الحسنة ترك ~~السيئة؛ كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وهذا محسوس؛ ~~فإن الإنسان إذا قرأ القرآن وتدبره كان ذلك من أقوى الأسباب المانعة له من ~~المعاصي أو بعضها وكذلك الصوم جنة وكذلك نفس الإيمان بتحريم المحرمات ~~وبعذاب الله عليها بصد القلب عن إرادتها. # PageV20P123 # فالحسنات إما ضد السيئات؛ وإما مانعة منها فهي إما ضد وإما صد. وإنما ~~تكون السيئات عند ضعف الحسنات المانعة منها كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؛ ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن؛ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} " فإن كمال الإيمان وحقيقته ~~يمنع ذلك فلا يقع إلا عند نوع ضعف في الإيمان يزيل كماله. وأما ترك ~~السيئات: فإما أن يراد به مجرد عدمها فالعدم المحض لا ينافي شيئا ولا ~~يقتضيه بل الخالي القلب متعرض للسيئات أكثر من تعرضه للحسنات. وإما أن يراد ~~به الامتناع من فعلها؛ فهذا الامتناع لا يكون إلا مع اعتقاد قبحها وقصد ~~تركها وهذا الاعتقاد والاقتصاد حسنتان مأمور بهما وهما من أعظم الحسنات. ~~فثبت بذلك أن وجود الحسنات يمنع السيئات وأن عدم السيئات لا يوجب الحسنات ~~فصار في وجود الحسنات الأمران بخلاف مجرد عدم السيئات فليس فيه إلا أمر ~~واحد وهذا هو المقصود. # PageV20P124 # الوجه الثامن عشر: أن ### | فعل الحسنات موجب للحسنات # أيضا؛ فإن الإيمان يقتضي الأعمال الصالحة والعمل الصالح يدعو إلى نظيره ~~وغير نظيره؛ كما قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها. وأما عدم السيئة فلا ~~يقتضي عدم سيئة إلا إذا كان امتناعا فيكون من باب الحسنات كما تقدم وما ~~اقتضى فرعا أفضل مما لا يقتضي فرعا له وهذا من نمط الذي قبله. # الوجه التاسع عشر: ترجيح الوجود على العدم إذا علم أنه حسنة وأما المختلط ~~والمشتبه عليه فقد يكون الإمساك خيرا ms6013 له ليبقى مع الفطرة فهذا حال المهتدي ~~والضال وحال. . . (1) فإذا قام المقتضي للكفر والفسوق والعصيان في قلبه من ~~الشبهات والشهوات لم يزل هذا الحس والحركة إلا بما يزيله أو يشتغل عنه من ~~إيمان وصلاح كالعلم الذي يزيل الشبهة؛ والقصد الذي يمنع الشهوة وهذا أمر ~~يجده المرء في نفسه وهو في كل شيء؛ فإن ما وجد مقتضيه فلا يزول إلا بوجود ~~منافيه. فإن قيل: فقد يزول ذلك بمباح. . . (2) . PageV20P125 # الوجه العشرون: أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب في العلوم والأعمال ~~بالكلم الطيب والعمل الصالح بالهدى ودين الحق وذلك بالأمور الموجودة في ~~العقائد والأعمال فأمرهم في الاعتقادات بالاعتقادات المفصلة في أسماء الله ~~وصفاته: وسائر ما يحتاج إليه من الوعد والوعيد وفي الأعمال بالعبادات ~~المتنوعة من أصناف العبادات الباطنة والظاهرة. وأما في النفي فجاءت بالنفي ~~المجمل والنهي عما يضر المأمور به فالكتب الإلهية وشرائع الرسل ممتلئة من ~~الإثبات فيما يعلم ويعمل. وأما المعطلة من المتفلسفة ونحوهم: فيغلب عليهم ~~النفي والنهي؛ فإنهم في عقائدهم الغالب عليهم السلب: ليس بكذا ليس بكذا ليس ~~بكذا. . وفي الأفعال الغالب عليهم الذم والترك: من الزهد الفاسد والورع ~~الفاسد: لا يفعل لا يفعل لا يفعل. . من غير أن يأتوا بأعمال صالحة يعملها ~~الرجل تنفعه وتمنع ما يضره من الأعمال الفاسدة؛ ولهذا كان غالب من سلك ~~طرائقهم بطالا متعطلا معطلا في عقائده وأعماله. # PageV20P126 # واتباع الرسل في العلم والهدى والصلاح والخير في عقائدهم وأعمالهم وهذا ~~بين في أن الذي جاءت به الرسل يغلب عليه الأمر والإثبات وطريق الكافرين من ~~المعطلة ونحوهم يغلب عليه النهي والنفي وهذا من أوضح الأدلة على ترجيح ~~الأمر والإثبات على النهي والنفي. # الوجه الحادي والعشرون: أن النفي والنهي لا يستقل بنفسه بل لا بد أن ~~يسبقه ثبوت وأمر بخلاف الأمر والإثبات فإنه يستقل بنفسه وهذا لأن الإنسان ~~لا يمكنه أن يتصور المعدوم ابتداء ولا يقصد المعدوم ابتداء وقد قررت هذا ~~فيما تقدم وبينت أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور المعدوم إلا بتوسط تصور ~~الموجود فإذا لم يمكنه ms6014 تصوره لم يمكنه قصده بطريق الأولى؛ فإن القصد ~~والإرادة مسبوق بالشعور والتصور والأمر في القصد والإرادة أوكد منه في ~~الشعور والعلم فإن الإنسان يتصور الموجود والمعدوم ويخبر عنهما وأما إرادة ~~المعدوم فلا يتصور من كل وجه وإنما إرادة عدم الشيء هي بغضه وكراهته فإن ~~الإنسان إما أن يريد وجود الشيء أو عدمه أو لا يريد وجوده ولا عدمه فالأول ~~هو أصل الإرادة والمحبة. وأما الثاني وهو إرادة عدمه فهو بغضه وكراهته وذلك ~~مسبوق بتصور المبغض المكروه فصار البغض والكراهة للشيء المقتضي لتركه الذي ~~هو مقصود الناهي وهو المطلوب من المنهي فرعا من جهتين: # PageV20P127 # من جهة أن تصوره فرع على تصور المحبوب المراد المأمور به وأن قصد عدمه ~~الذي هو بغضه وكراهته فرع على إرادة وجود المأمور به الذي هو حبه وإرادته ~~وذلك لأن الإنسان إذا علم عدم شيء وأخبر عن عدمه مثل قولنا: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وقولنا: لا نبي بعد محمد وقولنا: ليس المسيح بإله ولا رب وقولنا: ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه إلى أمثال ذلك حتى ينتهي التمثيل إلى قول القائل: ~~ليس الجبل ياقوتا ولا البحر زئبقا ونحو ذلك فإن هذه الجمل الخبرية النافية ~~التي هي قضايا سلبية لولا تصور النفي والمنفي عنه لما أمكنه الإخبار بالنفي ~~والحكم فلا بد أن يتصور النفي والمنفي عنه مثل تصور الجبل والياقوت. ~~والمنفي هو عدم محض ونفس الإنسان التي هي الشاعرة العالمة المدركة بقواها ~~وآلاتها لم تجد العدم ولم تفقهه ولم تصادفه ولم تحسه بشيء من حواسها ~~الباطنة ولا الظاهرة ولا شعرت إلا بموجود لكن لما شعرت بموجود أخذ العقل ~~والخيال يقدر في النفس أمورا تابعة لتلك الأمور الموجودة إما أمور مركبة ~~وإما مشابهة لها فإنه أدرك الياقوت وأدرك الجبل ثم ركب في خياله جبل ياقوت ~~وعرف جنس النبوة وعرف الزمان المتأخر عن مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~قدر نبيا في هذا الزمان المتأخر وعرف الإله والألوهية الثابتة لله رب # PageV20P128 # العالمين ثم قدر وجودها بغيره من الموجودات. ms6015 ثم المؤمن ينفي هذا المقدر ~~من ألوهية غير الله تعالى ونبوة أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم والكافر ~~قد يعتقد ثبوت هذا القدر فيرى ثبوت الألوهية للشمس؛ أو القمر؛ أو الكواكب ~~أو الملائكة أو النبيين أو بعضهم؛ أو الصالحين أو بعضهم؛ أو غيرهم من البشر ~~أو الأوثان المصنوعة مثلا لبعض هذه الآلهة المتخذة من دون الله سبحانه ~~فالمقصود أن الإنسان لم يمكنه تصور عدم شيء ولا الإخبار به إلا بعد أن ~~يتصور وجودا قاس به عليه؛ وقدر به شيئا آخر؛ ثم نفى ذلك المقيس المقدر به؛ ~~ثم أثبته والفرع المقيس المقدر تبع للأصل المقيس عليه المقدر به فلا يتصور ~~العدم إلا بطريق القياس والتمثيل والتفريع لا بطريق الاستقلال والحقيقة ~~والتأصيل وإن كان بعض الموجودات لا يمكن الناس أو بعضهم أن يتصوره في ~~الدنيا إلا بطريق القياس أو التمثيل لكن من الموجودات ما يدركه الإنسان ~~حقيقة وتأويلا؛ ومنها ما يدركه قياسا أو تمثيلا؛ كمدركات المنام. وأما ~~المعدوم فلا يدركه إلا قياسا أو تمثيلا؛ إذ ليس له حقيقة ينالها الحي ~~المدرك وتباشرها الذوات الشاعرة؛ إذ حقيقة كل شيء في الخارج عين ماهيته. ~~وأما ما يقدر في العقل من الماهيات والحقائق فقد يكون له حقيقة في الوجود ~~الخارجي العيني الكوني؛ وقد لا يكون # PageV20P129 # وهكذا الأمر في القصد والحب والإرادة من جهتين: من جهة أن المقصود ~~المحبوب أو المكروه المبغض لا يتصور حبه ولا بغضه إلا بعد نوع من الشعور به ~~والشعور في الموجود أصل؛ وفي المعدوم فرع فالحب والبغض الذي يتبعه أولى ~~بذلك. ومن جهة أن الإنسان إنما يحب ما يلائمه ويناسبه وله به لذة ونعيم ~~ونفسه لا تلائم العدم المحض والنفي الصرف؛ ولا تناسبه؛ ولا له في العدم ~~المحض لذة ولا سرور ولا نعمة ولا نعيم ولا خير أصلا؛ ولا فائدة قطعا؛ بل ~~محبة العدم المحض كعدم المحبة واللذة بالعدم المحض كعدم اللذة وما ليس شيء ~~أصلا كيف يكون فيه منفعة أو لذة أو خير؟ ولكن نفسه تحب ما لها فيه ms6016 منفعة ~~ولذة مثل محبة اللبن عند ولادته؛ ولغير ذلك من الأغذية ثم لما يلتذ به من ~~منكوح ونحوه ثم ما يلتذ به من شرف ورياسة ونحو ذلك ثم ما يلتذ به من العقل ~~والعلم والإيمان ويحب ما يدفع عنه المضرة من اللباس والمساكن والخير الذي ~~يقيه عدوه من الحر والبرد والآدميين المؤذين؛ والدواب المؤذية وغير ذلك ~~فيحب وجود ما ينفعه وعدم ما يضره. والنافع له إنما هو أمر موجود كما تقدم ~~وأما الضار له فتارة # PageV20P130 # يراد به عدم النافع فإن أكثر ما يضره عدم النافع. وعدم النافع إنما يقصد ~~بوجود النافع. وتارة يضره أمر موجود فذلك الذي يضره لم يبغض منه إلا مضرته ~~له ومضرته له إزالة نعيمه أو تحصيل عذابه. فإن قيل: ما ذكرته معارض؛ فإن ~~القرآن من أوله إلى آخره يأمر بالتقوى ويحض عليها حتى لم يذكر في القرآن ~~شيء أكثر منها وهي وصية الله إلى الأولين والآخرين وهي شعار الأولياء وأول ~~دعوة الأنبياء وأهل أصحاب العاقبة؛ وأهل المقعد الصدق إلى غير ذلك من ~~صفاتها. والتقوى هي ترك المنهي عنه وقد قال سهل بن عبد الله: أعمال البر ~~يعملها البر والفاجر ولن يصبر عن الآثام إلا صديق. # وفي تعظيم الورع وأهله والزهد وذويه ما يضيق هذا الموضع عن ذكره. وإنما ~~ذلك عائد إلى ترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات وهي بقسم المنهي عنه ~~أشبه منها بقسم المأمور به والناس يذكرون من فضائل أهل هذا الورع ومناقبهم ~~ما لا يذكرون عن غيرهم. # PageV20P131 # فنقول: هذا السؤال مؤلف من شيئين: جهل بحقيقة التقوى والورع والزهد؛ وجهل ~~بجهة حمد ذلك. فنقول أولا: ومن الذي قال: إن التقوى مجرد ترك السيئات؟ بل ~~التقوى - كما فسرهما الأولون والآخرون -: فعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه ~~كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة: اتقوها بالتقوى قالوا: وما التقوى؟ ~~قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية ~~الله على نور من الله تخاف عذاب الله. وقد قال الله ms6017 تعالى في أكبر سورة في ~~القرآن: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} إلى آخرها فوصف المتقين بفعل المأمور ~~به: من الإيمان والعمل الصالح من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال: {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} . وقال: {ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل # PageV20P132 # والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون} وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمر ~~الدين وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت وفي ~~الترمذي عن فاطمة بنت قيس {عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن في المال ~~حقا سوى الزكاة وقرأ هذه الآية} " وقد دلت على أمور: أحدها: أنه أخبر أن ~~الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون وعامة هذه الأمور فعل مأمور به. والثاني: ~~أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر وأهلها هم الصادقون يعني في قوله: (آمنا ~~وعامتها أمور وجودية هي أفعال مأمور بها فعلم أن المأمور به أدخل في البر ~~والتقوى والإيمان من عدم المنهي عنه. وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة ~~كما قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} وقال: {أم ~~نجعل المتقين كالفجار} {إن المتقين في جنات ونهر} وقال: {أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون} وهذه الخصال المذكورة في الآية قد دلت على ~~وجوبها؛ لأنه # PageV20P133 # أخبر أن أهلها هم الذين صدقوا في قولهم: وهم المتقون والصدق واجب ~~والإيمان واجب إيجاب حقوق سوى الزكاة وقوله: {فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا} وقوله لبني إسرائيل: {لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة ms6018 وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا} . وقوله: ~~{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى ~~والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم} وقوله: {وآت ذا ~~القربى حقه والمسكين وابن السبيل} في " سبحان " " والروم " فإتيان ذي ~~القربى حقه صلة الرحم والمسكين إطعام الجائع وابن السبيل قرى الضيف وفي ~~الرقاب فكاك العاني واليتيم نوع من إطعام الفقير. وفي البخاري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني} " وفي الحديث ~~الذي أفتى به أحمد: " {لو صدق السائل ما أفلح من رده} ". وأيضا فالرسول مثل ~~نوح وهود وصالح وشعيب فاتحة دعواهم في هود: {اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره} وفي الشعراء: # PageV20P134 # {ألا تتقون} {فاتقوا الله وأطيعون} وقال تعالى: {ولكن البر من اتقى} وقال ~~تعالى: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} وقال تعالى: ~~{فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} وقال: {فما استقاموا ~~لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} . فقد بين أن الوفاء بالعهود من ~~التقوى التي يحبها الله والوفاء بالعهود هو جملة المأمور به فإن الواجب إما ~~بالشرع أو بالشرط وكل ذلك فعل مأمور به. وذلك وفاء بعهد الله وعهد العبيد؛ ~~وذلك أن التقوى إما تقوى الله: وإما تقوى عذابه كما قال: {فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة} {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} فالتقوى ~~اتقاء المحذور بفعل المأمور به وبترك المنهي عنه وهو بالأول أكثر وإنما سمي ~~ذلك تقوى لأن ترك المأمور به وفعل المنهي عنه سبب الأمن من ذم الله وسخط ~~الله وعذاب الله فالباعث عليه خوف الإثم بخلاف ما فيه منفعة وليس في تركه ~~مضرة فإن هذا هو المستحب الذي له أن يفعله وله أن لا يفعله فذكر ذلك باسم ~~التقوى ليبين وجوب ذلك وأن صاحبه متعرض للعذاب بترك التقوى. ونقول ثانيا: ~~إنه حيث عبر بالتقوى عن ترك المنهي أن قيل ذلك كما ms6019 في قوله: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى} قال بعض السلف: البر ما أمرت به؛ والتقوى ما نهيت عنه. فلا ~~يكون ذلك إلا مقرونا # PageV20P135 # بفعل المأمور به كما ذكر معها البر وكما في قول نوح: {أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون} وذلك لأن هذه التقوى مستلزمة لفعل المأمور به. ونقول ~~ثالثا: إن أكثر بني آدم قد يفعل بعض المأمور به ولا يترك المنهي عنه إلا ~~الصديقون كما قال سهل؛ لأن المأمور به له مقتضى في النفس وأما ترك المنهي ~~عنه إلى خلاف الهوى ومجاهدة النفس فهو أصعب وأشق فقل أهله ولا يمكن أحدا أن ~~يفعله إلا مع فعل المأمور به لا تتصور تقوى وهي فعل ترك [و] قط؛ فإن من ترك ~~الشرك واتباع الهوى المضل واتباع الشهوات المحرمات فلا بد أن يفعل من ~~المأمور به أمورا كثيرة تصده عن ذلك فتقواهم تحفظ لهم حسناتهم التي أمروا ~~بها وتمنعهم من السيئات التي تضرهم بخلاف من فعل ما أمر به وما نهي عنه ~~مثلا؛ فإن وجود المنهي عنه يفسد عليه من المأمور به ما يفسد فلا يسلم له؛ ~~ولهذا كانت العاقبة للتقوى كما قال تعالى: {والعاقبة للتقوى} {والعاقبة ~~للمتقين} {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} . وذلك لأن المتقين ~~بمنزلة من أكل الطعام النافع واتقى الأطعمة المؤذية فصح جسمه وكانت عاقبته ~~سليمة. وغير المتقي بمنزلة من خلط من الأطعمة؛ فإنه وإن اغتذى بها لكن تلك ~~التخاليط قد تورثه PageV20P136 # أمراضا إما مؤذية؛ وإما مهلكة. ومع هذا فلا يقول عاقل إن حاجته وانتفاعه ~~بترك المضر من الأغذية أكثر من حاجته وانتفاعه بالأغذية النافعة بل حاجته ~~وانتفاعه بالأغذية التي تناولها أعظم من انتفاعه بما تركه منها بحيث لو لم ~~يتناول غذاء قط لهلك قطعا وأما إذا تناول النافع والضار فقد يرجى له ~~السلامة؛ وقد يخاف عليه العطب وإذا تناول النافع دون الضار حصلت له الصحة ~~والسلامة. فالأول نظير من ترك المأمور به والثاني نظير من فعل المأمور به ~~والمنهي عنه وهو المخلط الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. ms6020 والثالث نظير ~~المتقي الذي فعل ما أمر به واجتنب ما نهي عنه فعظم أمر التقوى لتضمنها ~~السلامة مع الكرامة لا لأجل السلامة فقط؛ فإنه ليس في الآخرة دار إلا الجنة ~~أو النار فمن سلم من النار دخل الجنة ومن لم ينعم عذب فليس في الآدميين من ~~يسلم من العذاب والنعيم جميعا. فتدبر هذا فكل خصلة قد أمر الله بها أو أثنى ~~عليها ففيها فعل المأمور به ولا بد: تضمنا أو استلزاما وحمدها لنيل الخير ~~عن الشر والثواب عن العقاب. # وكذلك الورع المشروع والزهد المشروع من نوع التقوى الشرعية ولكن قد غلط ~~بعض الناس في ذلك فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فهو: اتقاء من يخاف # PageV20P137 # أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء ~~الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه ~~الحرام وإن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن يكون سببا للنقص والعذاب. ~~وأما الورع الواجب فهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب وهو فعل الواجب ~~وترك المحرم والفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه؟ وما اشتبه ~~تحريمه أمن المحرم أم ليس منه؛ فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع ~~وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع. وقولي عند عدم المعارض الراجح ~~فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في ~~الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك ~~الجمعة والجماعة والحج والغزو وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه ~~إلا بفعل سيئة أعظم إثما من تركه مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من ~~فساد ظلمه. والأصل في الورع المشتبه قول النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ~~فمن ترك ms6021 الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في # PageV20P138 # الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه} " وهذا في الصحيحين. وفي ~~السنن قوله: " {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} " وقوله: " {البر ما اطمأنت ~~إليه النفس وسكن إليه القلب} " وقوله في صحيح مسلم في رواية: " {البر حسن ~~الخلق والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس} " {وإنه رأى على فراشه تمرة ~~فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها} ". # وأما في الواجبات. . . (1) ، لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات: ~~أحدها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك ~~الحرام لا في أداء الواجب وهذا يبتلى به كثير من المتدينة المتورعة ترى ~~أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة؛ لكونه من مال ظالم أو ~~معاملة فاسدة ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي ~~الفجور في الدنيا ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد ~~تعينت عليه من صلة رحم؛ وحق جار ومسكين؛ وصاحب ويتيم وابن سبيل؛ وحق مسلم ~~وذي سلطان؛ وذي علم. وعن أمر بمعروف PageV20P139 # ونهي عن منكر؛ وعن الجهاد في سبيل الله؛ إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق ~~في دينهم ودنياهم مما وجب عليه أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى ~~بل من جهة التكليف ونحو ذلك. وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار؛ ~~فإن ورع الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس تورعوا عن الظلم ~~وعن ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة في زعمهم حتى تركوا الواجبات الكبار ~~من الجمعة والجماعة؛ والحج والجهاد؛ ونصيحة المسلمين والرحمة لهم وأهل هذا ~~الورع ممن أنكر عليهم الأئمة كالأئمة الأربعة وصار حالهم يذكر في اعتقاد ~~أهل السنة والجماعة. الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب ~~والمشتبه وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم ~~بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن ms6022 ~~أشياء لعادة ونحوها فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده ويكون بعضهم ~~في أوهام وظنون كاذبة فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد فيكون ~~صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} وهذه ~~حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين ~~وضعف عقل وعلم وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة # PageV20P140 # أو مشتبهة أو كلها وآل الأمر ببعضهم إلى إحلالها لذي سلطان؛ لأنه مستحق ~~لها وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة. وقد ~~أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وذم المتنطعين في الورع. وقد ~~روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: {قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا} . وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب. ~~بل ورع اليهود والنصارى والكفار عن واجبات دين الإسلام من هذا الباب وكذلك ~~ما ذمه الله تعالى في القرآن من ورعهم عما حرموه ولم يحرمه الله تعالى ~~كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصحيح لما ترخص في أشياء فبلغه أن ~~أقواما تنزهوا عنها فقال: " {ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها ~~والله إني لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأخشاهم وفي رواية: أخشاهم وأعلمهم ~~بحدوده له} " وكذلك حديث صاحب القبلة. ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم ~~كثير بالكتاب والسنة والفقه # PageV20P141 # في الدين وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه كما فعله الكفار ~~وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم. الثالثة: جهة المعارض الراجح. هذا ~~أصعب من الذي قبله؛ فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه ~~المتورع؛ ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح؛ وبالعكس فهذا هذا. وقد تبين ~~أن من جعل الورع الترك فقط؛ وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة ~~بلا بصيرة من دينهم وأعرض عما فوتوه بورعهم من الحسنات ms6023 الراجحة فإن الذي ~~فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة ~~والسعادة أقرب. وهذه القاعدة منفعتها لهذا الضرب وأمثاله كثيرة؛ فإنه ينتفع ~~بها أهل الورع الناقص أو الفاسد وكذلك أهل الزهد الناقص أو الفاسد فإن ~~الزهد المشروع الذي به أمر الله ورسوله هو عدم الرغبة فيما لا ينفع من فضول ~~المباح فترك فضول المباح الذي لا ينفع في الدين زهد وليس بورع ولا ريب أن ~~الحرص والرغبة في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر ~~كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال ~~والشرف لدينه} " قال الترمذي حديث حسن صحيح. فذم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحرص # PageV20P142 # على المال والشرف وهو الرياسة والسلطان وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو ~~فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ~~ذم لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل الصالح فكان ترك هذا الحرص ~~لصالح العمل وهذان هما المذكوران في قوله تعالى {ما أغنى عني ماليه} {هلك ~~عني سلطانيه} وهما اللذان: ذكرهما الله في سورة القصص حيث افتتحها بأمر ~~فرعون وذكر علوه في الأرض وهو الرياسة والشرف والسلطان ثم ذكر في آخرها ~~قارون وما أوتيه من الأموال وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا ثم قال: ~~{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} كحال ~~فرعون وقارون؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها في مواضعها المأمور بها ~~وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد. وكذلك الإنسان إذا اختار السلطان ~~لنفسه بغير العدل والحق لا يحصل إلا بفساد وظلم وأما نفس وجود السلطان ~~والمال الذي يبتغى به وجه الله والقيام بالحق والدار الآخرة ويستعان به على ~~طاعة الله ولا يفتر القلب عن محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms6024 وأبو بكر وعمر ولا يصده عن ذكر الله فهذا من أكبر ~~نعم الله تعالى على عبده إذا كان كذلك. ولكن قل أن # PageV20P143 # تجد ذا سلطان أو مال إلا وهو مبطئ مثبط عن طاعة الله ومحبته متبع هواه ~~فيما آتاه الله وفيه نكول حال الحرب والقتال في سبيل الله والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فبهذه الخصال يكتسب المهانة والذم دنيا وأخرى. وقد قال ~~تعالى لنبيه وأصحابه: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} فأخبر أنهم هم ~~الأعلون وهم مع ذلك لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا وقال تعالى: {فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قياما} فالشرف والمال لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا بل ~~يحمد منه ما أعان على طاعة الله وقد يكون ذلك واجبا وهو ما لا بد منه في ~~فعل الواجبات. وقد يكون مستحبا. وإنما يحمد إذا كان بهذه النية. ويذم ما ~~استعين به على معصية الله أو صد عن الواجبات فهذا محرم. وينتقص منه ما شغل ~~عن المستحبات وأوقع في المكروهات. والله أعلم كما جاء في الحديث " {من طلب ~~هذا المال استغناء عن الناس واستعفافا عن المسألة: وعودا على جاره الضعيف ~~والأرملة والمسكين: لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر ومن طلبه ~~مرائيا مفاخرا # PageV20P144 # مكاثرا لقي الله وهو عليه غضبان} " وقال: " {التاجر الأمين الصدوق مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} " وقال: " {نعم المال الصالح للرجل ~~الصالح} ". واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمور ~~به من الإخلاص أما في الورع بفعل المأمور به فظاهر؛ فإن الله تعالى لا يقبل ~~من العمل إلا ما أريد به وجهه وأما بترك المنهي عنه الذي يسميه بعض الناس ~~ورعا فإنه إذا ترك السيئات لغير وجه الله لم يثب عليها؛ وإن لم يعاقب ~~عليها. وإن تركها لوجه الله أثيب عليها ولا يكون ذلك إلا بما يقوم بقلبه من ms6025 ~~رجاء رحمة الله أو خشية عذابه. ورجاء رحمته وخشية عذابه من الأمور الوجودية ~~المأمور بها فتبين أن الورع لا يكون عملا صالحا إلا بفعل المأمور به من ~~الرجاء والخشية وإلا فمجرد الترك العدمي لا ثواب فيه. وأما الزهد الذي هو ~~ضد الرغبة فإنما يحمد حمدا مطلقا وتذم الرغبة لترك العمل للآخرة قال تعالى: ~~{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون} {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} وقال: {من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب} وقال: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء # PageV20P145 # لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} فمن لم يرد الدار ~~الآخرة قولا وعملا وإيثارا ومحبة ورغبة وإنابة فلا خلاق له في الآخرة ولا ~~فائدة له في الدار الدنيا بل هو كافر ملعون؛ مشتت معذب لكن قد ينتفع بزهده ~~في الدنيا بنوع من الراحة العاجلة وهو زهد غير مشروع وقد يستضر بما يفوته ~~من لذات الدنيا وإن كان غير زاهد فلا راحة له في هذا. فمن زهد لطلب راحة ~~الدنيا أو رغب لطلب لذاتها لم يكن واحد منهما في عمل صالح ولا هو محمود في ~~الشرع على ذلك ولكن قد يترجح هذا تارة وهذا تارة في مصلحة الدنيا كما تترجح ~~صناعة على صناعة وتجارة على تجارة وذلك أن لذات الدنيا لا تنال غالبا إلا ~~بنوع من التعب فقد تترجح تارة لذة الترك على تعب الطلب وقد يترجح تعب الطلب ~~على لذة الترك فلا حمد على ترك الدنيا لغير عمل الآخرة كما لا حمد لطلبها ~~لغير عمل الآخرة. فثبت أن مجرد الزهد في الدنيا لا حمد فيه كما لا حمد على ~~الرغبة فيها وإنما الحمد على إرادة الله والدار الآخرة والذم على إرادة ~~الدنيا المانعة من إرادة ذلك كما تقدم وكما في قوله تعالى {إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ms6026 أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} {وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} ولهذا ~~جرت عادة أهل المعرفة بتسمية هذا: الطالب المريد؛ # PageV20P146 # فإن أول الخير إرادة الله ورسوله والدار الآخرة ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {إنما الأعمال بالنيات} " فثبت أن الزهد الواجب هو ترك ما ينفع ~~عن الواجب من إرادة الله والدار الآخرة والزهد المستحب هو ما يشغل عن ~~المستحب من أعمال المقربين والصديقين. فظهر بذلك أن المطلوب بالزهد فعل ~~المأمور به من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لولا كون الدنيا تشغل عن عبادة الله ~~والدار الآخرة لم يشرع الزهد فيها بل كان يكون فعله وتركه سواء أو يرجح هذا ~~أو يرجح هذا ترجحا دنيويا. الثاني: أنه إذا قدر أن شخصين أحدهما يريد ~~الآخرة ويريد الدنيا والآخر زاهد في الدنيا وفي الآخرة لكان الأول منهما ~~مؤمنا محمودا والثاني كافرا ملعونا مع أن الثاني زاهد في الدنيا والأول ~~طالب لها لكن امتاز الأول بفعل مأمور مع ارتكاب محظور والثاني لم يكن معه ~~ذلك المأمور به. فثبت أن فعل المأمور به من إرادة الآخرة ينفع والزهد بدون ~~فعل هذا المأمور لا ينفع. الثالث: المحمود في الكتاب والسنة إنما هو إرادة ~~الدار الآخرة والمذموم إنما هو من ترك إرادة الدار الآخرة واشتغل بإرادة ~~الدنيا # PageV20P147 # عنها فأما مجرد مدح ترك الدنيا فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا تنظر ~~إلى كثرة ذم الناس الدنيا ذما غير ديني فإن أكثر العامة إنما يذمونها لعدم ~~حصول أغراضهم منها فإنها لم تصف لأحد قط ولو نال منها ما عساه أن ينال وما ~~امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة فالعقلاء يذمون الجهال الذين يركنون إليها ~~ويظنون بقاء الرياسة والمال وتناول الشهوات فيها وهم مع هذا يحتاجون إلى ما ~~لا بد لهم منه منها وأكثرهم طالب لما يذمه منها وهؤلاء حقيقة ذمهم لها ذم ~~دنيوي لما فيها من الضرر الدنيوي كما يذم العقلاء التجارة والصناعة التي لا ~~ربح فيها بل فيها تعب ms6027 وكما تذم معاشرة من يضرك ولا ينفعك في التزويج بسيئة ~~الخلق ونحو ذلك من الأمور التي لا تعود مضرتها ومنفعتها إلا إلى الدنيا ~~أيضا. ولا ريب أن ما فيه ضرر في الدنيا مذموم إذا لم يكن نافعا في الآخرة ~~كإضاعة المال والعبادات الشاقة التي لم يأمر الله بها ولا رسوله وما فيه ~~منفعة في الدنيا مذموم إذا كان ضارا في الآخرة كنيل اللذات وإدراك الشهوات ~~المحرمة وكذلك اللذات والشهوات المباحات إذا حصل للعبد بها وهنا وتأخيرا في ~~أمر الآخرة وطلبها وما كان مضرا في الدنيا والآخرة فهو شر وشدة وما كان ~~نافعا في الآخرة فهو محمود وإن كان ضارا في الدنيا كإذهاب النفوس والأموال # PageV20P148 # في الجهاد في سبيل الله وكذلك ما لم يكن ضارا في الدنيا مثل كثير من ~~العبادات وما كان نافعا في الدنيا والآخرة فهو محمود أيضا فالأقسام سبعة: ~~فما كان نافعا في الآخرة فهو محمود سواء ضر في الدنيا أو نفع أو لم ينفع ~~ولم يضر. وما كان ضارا في الآخرة فهو مذموم وإن كان نافعا في الدنيا أو ~~ضارا أو لا نافعا ولا ضارا. وبقي ثلاثة أقسام: ما كان نافعا في الدنيا غير ~~ضار في الآخرة وضارا في الدنيا غير نافع في الآخرة والنافع محمود والضار ~~مذموم. والقسم الثالث فيه قولان: قيل: لا حمد فيه ولا ذم. وقيل: بل هو ~~مذموم فأكثر ذم الناس للدنيا ليس من جهة شغلها لهم عن الآخرة وإنما هو من ~~جهة ما يلحقهم من الضرر فيها وهي مذمومة من ذلك الوجه. وأعلى وجوه الذم هو ~~ما شغل عن الآخرة ولكن الإنسان قد يعدد المصائب وينسى النعم فقد يذم أمورا ~~كثيرة لمضرة تلحقه ويكون فيها منافع كثيرة لا يذكرها وهذا الذم من نوع ~~الهلع والجزع كما # PageV20P149 # قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير ~~منوعا} {إلا المصلين} وإنما الذم المحقق هو ما يشغل عن مصلحة الآخرة من ~~الواجب والنقص هو ما يشغل عن مصلحتها المستحبة ويذم ما ms6028 ترجحت مضرته على ~~منفعته فيها فهذه ثلاثة أمور هي فصل الخطاب فقد تبين أن المحمود فيها وجودي ~~أو عدمي. وقد يقع الغلط في الزهد من وجوه كما وقع في الورع: أحدها: أن قوما ~~زهدوا فيما ينفعهم بلا مضرة فوقعوا به في ترك واجبات أو مستحبات كمن ترك ~~النساء واللحم ونحو ذلك وقد {قال صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر؛ ~~وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} ". والثاني: أن زهد ~~هذا أوقعه في فعل محظورات كمن ترك تناول ما أبيح له من المال والمنفعة ~~واحتاج إلى ذلك فأخذه من حرام أو سأل الناس المسألة المحرمة أو استشرف ~~إليهم والاستشراف مكروه. والثالث: من زهد زهد الكسل والبطالة والراحة لا ~~لطلب الدار الآخرة بالعمل الصالح والعلم النافع؛ فإن العبد إذا كان زاهدا ~~بطالا فسد أعظم فساد فهؤلاء لا يعمرون الدنيا ولا الآخرة كما قال # PageV20P150 # عبد الله بن مسعود: إني لأكره أن أرى الرجل بطالا ليس في أمر الدنيا ولا ~~في أمر الآخرة. وهؤلاء من أهل النار وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه؛ عن عياض بن حمار؛ {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: أهل الجنة خمسة فذكر منهم: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم ~~تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا} ". فمن ترك بزهده حسنات مأمور بها كان ما ~~تركه خيرا من زهده أو فعل سيئات منهيا عنها. أو دخل في الكسل والبطالات فهو ~~من {بالأخسرين أعمالا} {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} . ومن زهد فيما يشغله عن الواجبات أو يوقعه في المحرمات فهو ~~من المقتصدين أصحاب اليمين. ومن زهد فيما يشغله عن المستحبات والدرجات فهو ~~من المقدمين السابقين. فهذه جملة مختصرة في الزهد وقد تبين المطلوب الأول ~~إنما هو فعل المأمور به؛ لأنه يعين عليه وهذا هو المقصود هنا والله أعلم. # PageV20P151 # واحذر أن تغتر بزهد الكافرين والمبتدعين؛ فإن الفاسق المؤمن الذي يريد ~~الآخرة ويريد ms6029 الدنيا خير من زهاد أهل البدع وزهاد الكفار إما لفساد عقدهم ~~وإما لفساد قصدهم وإما لفسادهما جميعا. # الوجه الثاني والعشرون: أن الحسنات سبب للتحليل دينا وكونا والسيئات سبب ~~للتحريم دينا وكونا؛ فإن ### | التحريم قد يكون حمية؛ وقد يكون عقوبة والإحلال قد يكون سعة؛ وقد يكون عقوبة وفتنة # قال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم} فأباح بهيمة الأنعام في حال كونهم غير محلي الصيد وهو اعتقاد ~~تحريم ذلك واجتنابه. وقال: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} إلى ~~قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} وقد ثبت أنها نزلت عشية ~~عرفة في حجة الوداع فأكمل الله الدين بإيجابه لما أوجبه من الواجبات التي ~~آخرها الحج وتحريمه للمحرمات المذكورة في هذه الآية هذا من جهة شرعه ومن ~~جهة الفعل الذي هو تقويته وإعانته ونصره يئس الذين كفروا من ديننا وحج ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة الإسلام فلما أكملوا الدين قال عقب ذلك: # PageV20P152 # {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} ~~إلى قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات} فكان إحلاله الطيبات يوم أكمل الدين ~~فأكمله تحريما وتحليلا لما أكملوه امتثالا. وقال: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} الآية وهي بينة في الإصلاح والتقوى والإحسان موجبة لرفع ~~الحرج وإن المؤمن العامل الصالحات المحسن لا حرج عليه ولا جناح فيما طعم ~~فإن فيه عونا له وقوة على الإيمان والعمل الصالح والإحسان: ومن سواهم على ~~الحرج والجناح؛ لأن النعم إنما خلقها الله ليستعان بها على الطاعة والآية ~~مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن وقال تعالى عن إبراهيم: {وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} وقال: {قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة} وقال: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض} . وقال. {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ms6030 ~~سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما ~~أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} . # PageV20P153 # وأما الطرف الآخر فقال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم ~~أموال الناس بالباطل} وقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} إلى قوله: ~~{ذلك جزيناهم ببغيهم} وقال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر إذ يعدون في السبت} إلى آخر الآيات. وأما كون الإحلال والإعطاء فتنة ~~فقوله: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} {لنفتنهم فيه} ~~{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} {فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} الآيات {إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين} {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم} إلى قوله: {كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} . ~~ويختلف التحليل والتحريم باعتبار النية كما قال تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك إن أرادوا إصلاحا} وقال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} # PageV20P154 # وقد كتبت في قاعدة " العهود والعقود " - القاعدة في العهود الدينية في ~~القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية؛ وفي كتاب ~~النذر أيضا - أن ما وجب بالشرع إن نذره العبد أو عاهد الله عليه أو بايع ~~عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي ~~له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين ~~بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهد والميثاق وما يستحقه ~~عاصي الله ورسوله. هذا هو التحقيق. ومن قال من أصحاب أحمد: إنه إذا نذر ~~واجبا فهو بعد النذر كما كان قبل النذر بخلاف نذر المستحب فليس كما قال بل ~~النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب أولى ms6031 وليس هذا من باب ~~تحصيل الحاصل بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع حكم غير حكم الآخر مثل الجدة ~~إذا كانت أم أم أم وأم أب أب فإن فيها شيئين كل منهما تستحق به السدس. # وكذلك من قال من أصحاب أحمد: إن الشروط التي هي من مقتضى العقد لا يصح ~~اشتراطها أو قد تفسده حتى قال بعض أصحاب الشافعي: إذا قال: زوجتك على ما ~~أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسدا؛ لأنه شرط ~~فيه الطلاق. فهذا # PageV20P155 # كلام فاسد جدا؛ فإن العقود إنما وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على ~~أنفسهما ومطلق العقد له معنى مفهوم فإذا أطلق كانا قد أوجبا ما هو المفهوم ~~منه؛ فإن موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء ~~وإنما أوجب الوفاء بالعقود كما أوجب الوفاء بالنذر فإذا كان له موجب معلوم ~~بلفظ مطلق أو يعرف المتعاقدان إيجابه بلفظ خاص: كان هذا من باب عطف الخاص ~~على العام فيكون قد أوجبه مرتين أو جعل له إيجابا خاصا يستغنى به عن ~~الإيجاب العام. وفي القرآن من هذا نظائر مثل قوله: {من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} وقوله: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} ومثل قوله: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقوله: {قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين} وقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي} وقوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} فإن ~~الله أعلن عهده الذي أمرهم به من بعد ما أخذ عليهم الميثاق بالوفاء به ~~فاجتمع فيه الوجهان: العهدي؛ والميثاقي. # PageV20P156 # وفي القرآن من العهود والمواثيق على ما وجب بأمر الله شيء كثير فمن ذلك ~~قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} الآية وقوله: {وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} إلى آخر ~~الكلام وقوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ms6032 ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا} وقوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} الآية إلى قوله: {بلى من ~~أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} فإن قوله: {بلى من أوفى ~~بعهده} بعد ذكره للإيمان يقتضي أنه الوفاء بموجب العقود في المعاملات ~~ونحوها كما قال في آية البيع: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} فأداء الأمانة هو الوفاء بموجب العقود في المعاملات من القبض ~~والتسليم؛ فإن ذلك واجب بعقده فقط ثم قال بعده: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم} فعهد الله ما عهده إليهم وأيمانهم ما عقدوه من الأيمان. وسبب ~~نزولها قصة الأشعث بن قيس التي في الصحيحين في محاكمته مع اليهودي حين قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم ~~لقي الله وهو عليه غضبان} وأنزل الله هذه الآية فإن ذلك المال كان يجب ~~تسليمه إلى مستحقه # PageV20P157 # بموجب عهده فإذا حلف بعد هذا على استحقاقه دون مستحقه فقد صار عاصيا من ~~وجهين نظير قوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} وضدهم الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق وقوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا} الآية قال ابن عباس: ما بعث ~~الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ~~وأمر أن يأخذ الميثاق على أمته: إن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. ~~ومعلوم أن محمدا إذا بعثه الله برسالة عامة وجب الإيمان به ونصرته على كل ~~من بلغته دعوته وإن لم يكن قد أخذ عليه ميثاق بذلك وقد أخذ عليهم الميثاق ~~بما هو واجب بأمر الله بلا ميثاق وقوله تعالى {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} ~~إلى قوله: ms6033 {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا ~~لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} {فبما نقضهم ميثاقهم ~~وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف} الآيات فهذا ~~ميثاق أخذه الله. . . (1) . PageV20P158 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه؟ وهل يكون نهيا عن ~~ضده؟ مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده. ~~(*) # ومنشأ النزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد؛ ~~ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ~~ترك لوازمه وفعل ضده. وهذه المسألة هي الملقبة: بأن ما لا يتم الواجب إلا ~~به فهو واجب. # وقد غلط فيها بعض الناس فقسموا ذلك: إلى ما لا يقدر المكلف عليه؛ كالصحة ~~في الأعضاء والعدد في الجمعة؛ ونحو ذلك مما لا يكون قادرا على تحصيله. وإلى ~~ما يقدر عليه كقطع المسافة في الحج وغسل جزء من الرأس في الوضوء وإمساك جزء ~~من الليل في الصيام ونحو ذلك. فقالوا: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان ~~مقدورا للمكلف فهو واجب. PageV20P159 # وهذا التقسيم خطأ؛ فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب فلا يتم ~~الواجب إلا بها وما لا يتم الواجب إلا به يجب على العبد فعله باتفاق ~~المسلمين سواء كان مقدورا عليه أو لا كالاستطاعة في الحج واكتساب نصاب ~~الزكاة؛ فإن العبد إذا كان مستطيعا للحج وجب عليه الحج وإذا كان مالكا ~~لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك فلا يجب عليه تحصيل ~~استطاعة الحج ولا ملك النصاب؛ ولهذا من يقول: إن الاستطاعة في الحج ملك ~~المال - كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد - فلا يوجبون عليه الاكتساب ~~ولم يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة إما بذل الحج وإما بذل المال ~~له من ولده. وفيه نزاع معروف في مذهب الشافعي وأحمد ولكن المشهور من مذهب ~~أحمد عدم الوجوب وإنما ms6034 أوجبه طائفة من أصحابه؛ لكون الأب له على أصله أن ~~يتملك مال ولده فيكون قبوله كتملك المباحات. والمشهور من مذهب الشافعي ~~الوجوب ببذل الابن بالفعل. والمقصود هنا: الفرق بين ما لا يتم الواجب إلا ~~به وما لا يتم الوجوب إلا به وأن الكلام في القسم الثاني إنما هو فيما لا ~~يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله ~~باتفاق المسلمين لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة؛ أو ترك # PageV20P160 # الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع؛ فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار ومع ~~هذا فلا يقال: إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار. والواجب: ما يكون ~~تركه سببا للذم والعقاب فلو كان هذا الذي لزمه فعله بطريق التبع مقصودا ~~بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم فيكون من ترك الحج من أهل الهند ~~والأندلس أعظم عقابا ممن تركه من أهل مكة والطائف ومن ترك الجمعة من أقصى ~~المدينة أعظم عقابا ممن تركها من جيران المسجد الجامع فلما كان من المعلوم ~~أن ثواب البعيد أعظم وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب: نشأت من ههنا ~~الشبهة: هل هو واجب أو ليس بواجب؟ والتحقيق: أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي ~~لا بطريق قصد الأمر؛ بل الأمر بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالما ~~بأنه لا بد من وجودها؛ وإن كان ممن تجوز عليه الغفلة فقد لا تخطر بقلبه ~~اللوازم. ومن فهم هذا انحلت عنه شبه الكعبي: هل في الشريعة مباح أم لا؟ فإن ~~الكعبي زعم أنه لا مباح في الشريعة. . . إلخ، فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو ~~يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ~~ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف: # PageV20P161 # ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه. ثم إن قوله الذي يعارض ~~به النصوص لا بد أن يلبس فيه حقا بباطل بحسب ما يقول من الألفاظ المجملة ~~المتشابهة؛ ولهذا قال الإمام أحمد في ms6035 أول ما كتبه في " الرد على الزنادقة ~~والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله " مما كتبه ~~في حبسه - وقد ذكره الخلال في " كتاب السنة " والقاضي أبو يعلى؛ وأبو الفضل ~~التميمي؛ وأبو الوفاء ابن عقيل؛ وغير واحد من أصحاب أحمد ولم ينفه أحد منهم ~~عنه والحمد لله. والمقصود قوله: - يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون ~~جهال الناس بما يشبهون عليهم. فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم ~~والتزامهم به أمكن أن يقال لهم: لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما ~~دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق ~~إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه ولا له دعوة الناس إلى ذلك ولو ~~قدر أن ذلك المعنى حق؛ وهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم على ولاة ~~الأمور وأدخلوه في بدعهم. كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى ~~أدخلوه في بدعهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك فكان من أحسن مناظرتهم أن ~~يقال: ائتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم ~~يدل عليه الكتاب والسنة. # PageV20P162 # وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء وإذا ردوا ~~إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل. ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو ~~اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا به مع العلم بأن الرسول لم يذكره وما ~~خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى ~~بدعة قال الشافعي - رحمه الله -: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابا وسنة ~~وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه بدعة ضلالة. ~~وبدعة لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر: نعمت البدعة هذه ~~هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل ويروى عن مالك ~~رحمه الله أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفا وإذا قلت الآثار ms6036 كثرت الأهواء. ~~ولهذا تجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل أهواء لا يعرفون ~~معناها ولا دليلها بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولة ~~نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة ومن غير أن يكونوا هم ~~يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها. وسبب هذا إطلاق أقوال ليست ~~منصوصة وجعلها مذاهب يدعى # PageV20P163 # إليها ويوالي ويعادي عليها وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول في خطبته: {إن أصدق الكلام كلام الله إلخ. .} فدين المسلمين ~~مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي ~~أصول معصومة وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول. وليس لأحد أن ~~ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما ~~اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما ~~يفرقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون. ~~والخوارج إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه وجعلوا من خالف ذلك ~~كافرا؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل في القرآن ~~وجعل من خالفها كافرا كان قوله شرا من قول الخوارج. ويجب أن يعلم أن الأمور ~~المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابا قاطعا لا ~~شبهة فيه؛ بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل الكلام فكل من لم يناظر أهل ~~الإلحاد والبدع # PageV20P164 # مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم ~~والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم ~~واليقين. وقد أوجب الله على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه ومن ~~الإيمان به تصديقه في كل ما أخبر به ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء ~~به وألحد في أسماء الله وآياته. ومن المعلوم أنه لا ms6037 بد في كل مسألة دائرة ~~بين النفي والإثبات من حق ثابت في نفس الأمر؛ أو تفصيل لكن من لم يكن عارفا ~~بآثار السلف وحقائق أقوالهم وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة؛ وحقيقة ~~المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول بمبلغ علمه؛ ~~ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # ولا ريب أن ### | الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة # وإن كان ذلك في المسائل العلمية ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا ~~كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل؛ مع كونه لم يطلب ~~العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان ~~مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على ~~اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله: # PageV20P165 # {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} . وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من ~~اتقى الله تعالى؛ كما نطق به القرآن وإنما توقفوا في شخص معين؛ لعدم العلم ~~بدخوله في المتقين. وحال سائر أهل الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر ~~القرآن على ما يخالف السنة إذا خفي الأمر عليهم مع أنه لم يوجد في ظاهر ~~القرآن ما يخالف السنة كمن قال: من الخوارج: لا يصلي في السفر إلا أربعا. ~~ومن قال إن الأربع أفضل. ومن قال: لا نحكم بشاهد ويمين. وما دل عليه ظاهر ~~القرآن حق وأنه ليس بعام مخصوص فإنه ليس هناك عموم لفظي وإنما هو مطلق ~~كقوله: {فاقتلوا المشركين} فإنه عام في الأعيان مطلق في الأحوال وقوله: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} عام في الأولاد مطلق في الأحوال. ولفظ الظاهر ~~يراد به ما يظهر للإنسان وقد يراد به ما يدل عليه اللفظ. فالأول يكون بحسب ~~مفهوم الناس وفي القرآن مما يخالف الفهم الفاسد شيء كثير. # PageV20P166 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # في تعليل الحكم الواحد بعلتين، # وما يشبه ذلك من وجود مقدر واحد بين قادرين ووجود الفعل الواحد من فاعلين ~~فنقول: النزاع وإن كان مشهورا في ذلك فأكثر ms6038 الفقهاء من أصحابنا وغيرهم يجوز ~~تعليل الحكم بعلتين وكثير من الفقهاء والمتكلمين يمنع ذلك. # فالنزاع في ذلك يعود إلى نزاع تنوعي؛ ونزاع في العبارة؛ وليس بنزاع تناقض ~~ونظير ذلك النزاع في تخصيص العلة؛ فإن هذا فيه خلاف مشهور بين الطوائف كلها ~~من أصحابنا وغيرهم حتى يذكر ذلك روايتان عن أحمد. # وأصل ذلك أن مسمى العلة قد يعني به العلة الموجبة وهي: التامة التي يمتنع ~~تخلف الحكم عنها فهذه لا يتصور تخصيصها ومتى انتقضت فسدت ويدخل فيها ما ~~يسمى جزء العلة؛ وشرط الحكم؛ # PageV20P167 # وعدم المانع فسائر ما يتوقف الحكم عليه يدخل فيها. وقد يعني بالعلة: ما ~~كان مقتضيا للحكم يعني: أن فيه معنى يقتضي الحكم ويطلبه وإن لم يكن موجبا ~~فيمتنع تخلف الحكم عنه فهذه قد يقف حكمها على ثبوت شروط وانتفاء موانع فإذا ~~تخصصت فكان تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود مانع لم يقدح فيها وعلى هذا ~~فينجبر النقص بالفرق. وإن كان التخلف عنها لا لفوات شرط ولا وجود مانع كان ~~ذلك دليلا على أنها ليست بعلة؛ إذ هي بهذا التقدير علة تامة إذا قدر أنها ~~جميعها بشروطها وعدم موانعها موجودة حكما والعلة التامة يمتنع تخلف الحكم ~~عنها فتخلفه يدل على أنها ليست علة تامة والمقصود من التنظير: أن سؤال ~~النقض الوارد على العلة مبني على تخصيص العلة وهو ثبوت الوصف بدون الحكم. ~~وسؤال عدم التأثير عكسه وهو ثبوت الحكم بدون الوصف وهو ينافي عكس العلة كما ~~أن الأول ينافي طردها. والعكس مبني على تعليل الحكم بعلتين. وجمهور الفقهاء ~~من أصحابنا وغيرهم وإن كانوا لا يشترطون الانعكاس في العلل الشرعية ويجوزون ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين؛ فهم مع ذلك يقولون: العلة تفسد بعدم التأثير؛ ~~لأن ثبوت الحكم بدون هذا الوصف يبين أن هذا الوصف ليس علة؛ إذا لم يخلف هذا # PageV20P168 # الوصف وصفا آخر يكون علة له فهم يوردون هذا السؤال في الموضع الذي ليست ~~العلة فيه إلا علة واحدة إما لقيام الدليل على ذلك؛ وإما لتسليم المستدل ~~لذلك. والمقصود هنا ms6039 أن نبين أن ### | النزاع في تعليل الحكم بعلتين # يرجع إلى نزاع تنوع ونزاع في العبارة لا إلى نزاع تناقض معنوي؛ وذلك أن ~~الحكم الواحد بالجنس والنوع لا خلاف في جواز تعليله بعلتين يعني أن بعض ~~أنواعه أو أفراده يثبت بعلة؛ وبعض أنواعه أو أفراده يثبت بعلة أخرى كالإرث ~~الذي يثبت بالرحم وبالنكاح وبالولاء والملك الذي يثبت بالبيع والهبة والإرث ~~وحل الدم الذي يثبت بالردة والقتل والزنا ونواقض الوضوء وموجبات الغسل وغير ~~ذلك. وأما التنازع بينهم في الحكم المعين الواحد بالشخص؛ مثل من لمس النساء ~~ومس ذكره وبال: هل يقال: انتقاض وضوئه ثبت بعلل متعددة؟ فيكون الحكم الواحد ~~معللا بعلتين. ومثل من قتل وارتد وزنى؛ ومثل الربيبة إذا كانت محرمة ~~بالرضاع كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم في درة بنت أم سلمة لما قالت له ~~أم حبيبة: إنا نتحدث أنك ناكح درة بنت أم سلمة فقال: بنت أبي سلمة؟ فقالت: ~~نعم فقال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي؛ لأنها بنت أخي من ~~الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة أبي لهب} وكما قال أحمد # PageV20P169 # في بعض ما يذكره: هذا كلحم خنزير ميت حرام من وجهين. وأمثال ذلك. فنقول: ~~لا نزاع بين الطائفتين في أمثال هذه الأمور أن كل واحدة من العلتين مستقلة ~~بالحكم في حال الانفراد وأنه يجوز أن يقال: إنه اجتمع لهذا الحكم علتان كل ~~واحدة منهما مستقلة به إذا انفردت فهذا أيضا مما لا نزاع فيه وهو معنى ~~قولهم: يجوز تعليله بعلتين على البدل بلا نزاع. ولا يتنازع العقلاء أن ~~العلتين إذا اجتمعتا لم يجز أن يقال: إن الحكم الواحد ثبت بكل منهما حال ~~الاجتماع على سبيل الاستقلال؛ فإن استقلال العلة بالحكم هو ثبوته بها دون ~~غيرها. فإذا قيل: ثبت بهذه دون غيرها؛ وثبت بهذه دون غيرها: كان ذلك جمعا ~~بين النقيضين وكان التقدير: ثبت بهذه ولم يثبت بها؛ وثبت بهذه ولم يثبت بها ~~فكان ذلك جمعا بين إثبات التعليل بكل منهما وبين نفي التعليل ms6040 عن كل منهما ~~وهذا معنى ما يقال: إن تعليله بكل منهما على سبيل الاستقلال ينفي ثبوته ~~بواحدة منهما وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلا. وهنا يتقابل النفاة ~~والمثبتة؛ والنزاع لفظي؛ فتقول النفاة: إثبات الحكم بهذه العلة على سبيل ~~الاستقلال ينافي إثباته بالأخرى على سبيل الاستقلال. وتقول المثبتة: نحن لا ~~نعني بالاستقلال: الاستقلال في حال # PageV20P170 # الاجتماع وإنما نعني: أن الحكم ثبت بكل منهما؛ وهي مستقلة به إذا انفردت. ~~فهؤلاء لم ينازعوا الأولين في أنهما حال الاجتماع لم تستقل واحدة منهما به ~~وأولئك لم ينازعوا هؤلاء في أن كل واحدة من العلتين مستقلة حال انفرادها. ~~فهذا هو الكلام في العلتين المجتمعتين. وأما الحكم الثابت حين اجتماعهما ~~فقد يكون مختلفا كحل القتل الثابت بالردة وبالزنا وبالقصاص؛ فإن هذه ~~الأحكام مختلفة غير متماثلة لا يسد كل واحد منها مسد الآخر وقد تكون ~~الأحكام متماثلة كانتقاض الوضوء فالذين يمنعون تعليل الحكم بعلتين يقولون: ~~الثابت بالعلل أحكام متعددة لا حكم واحد لا سيما عند من سلم لهم على أحد ~~قولي الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه إذا نوى التوضؤ أو ~~الاغتسال من حدث بعض الأسباب لم يرتفع الحدث الآخر. والخلاف معروف في ~~اجتماع ذلك في الحدث الأصغر والأكبر وهو ينزع إلى اجتماع الأمثال في المحل ~~الواحد؛ وأن الأمثال هل هي متضادة أم لا؟ وفيه نزاع معروف. ومن يقول بتعليل ~~الحكم الواحد بعلتين لا ينازع في أنه إذا اجتمع # PageV20P171 # علتان كان الحكم أقوى وأوكد مما إذا انفردت إحداهما؛ ولهذا إذا جاء تعليل ~~الحكم الواحد بعلتين في كلام الشارع أو الأئمة كان ذلك مذكورا لبيان توكيد ~~ثبوت الحكم وقوته كقول أحمد في بعض ما يغلظ تحريمه: هذا كلحم خنزير ميت ~~فإنه ذكر ذلك لتغليظ التحريم وتقويته وهذا أيضا يرجع إلى أن الإيجاب ~~والتحريم والإباحة هل يتفاوت في نفسه؟ فيكون إيجاب أعظم من إيجاب؛ وتحريم ~~أعظم من تحريم؟ وهذا فيه أيضا نزاع والمشهور عند أكثر الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم: تجويز تفاوت ذلك ومنع منه طائفة منهم ابن ms6041 عقيل وغيرهم. وكذلك ~~النزاع في أنه هل يكون عقل أكمل من عقل؟ وهو يشبه النزاع في أن التصديق ~~والمعرفة التي في القلب هل تتفاوت؟ وقد ذكر في ذلك روايتان عن أحمد والذي ~~عليه أئمة السنة المخالفون للمرجئة: أن جميع ذلك يتفاوت ويتفاضل وكذلك سائر ~~صفات الحي من الحب والبغض؛ والإرادة والكراهة؛ والسمع والبصر؛ والشم والذوق ~~واللمس والشبع والري والقدرة والعجز وغير ذلك فالنزاع في هذا كالنزاع في ~~جواز اجتماع المثلين مثل سوادين وحلاوتين فإنه لا نزاع أنه قد يكون أحد ~~السوادين أقوى وإحدى الحلاوتين أقوى لكن هل يقال: إنه اجتمع في المحل ~~سوادان وحلاوتان؟ أو هو سواد واحد قوي؟ وهذا أيضا نزاع لفظي. # PageV20P172 # فقول من يقول: إنه اجتمع في المحل حكمان كإيجابين وتحريمين وإباحتين وهو ~~شبيه بقول من يقول: اجتمع سوادان وقول من يقول: هو حكم واحد مؤكد كقول من ~~يقول: سواد واحد قوي وكلا القولين مقصودهما واحد فإن التوكيد لا ينافي تعدد ~~الأمثال إذ التوكيد قد يكون بتكرير الأمثال {كقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا} وقول القائل: ~~ثم ثم. وجاء زيد جاء زيد وأمثال ذلك فالقول بثبوت أحكام والقول بثبوت حكم ~~قوي مؤكد هما سواء في المعنى. ومن المعلوم أنه سواء قال القائل: ثبت أحكام ~~متعددة أو حكم قوي مؤكد فذلك المجموع لم يحصل إلا بمجموع العلتين لم تستقل ~~به إحداهما ولا تستقل به إحداهما لا في حال الاجتماع ولا في حال الانفراد ~~فكل منهما جزء من العلة التي لهذا المجموع لا علة له كما أنه من المعلوم أن ~~كل واحدة من العلتين مستقلة بأصل الحكم الواحد حال انفرادها ولكن لفظ ~~الواحد فيه إجمال كما أن في لفظ الاستقلال إجمالا فكما أن من أثبت استقلال ~~العلة حال الانفراد لا يعارض من نفى استقلالها حال الاجتماع فكذلك من قال: ~~يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين إذا أراد به أن كلا منهما تستقل به حال ~~الانفراد فهذا لا نزاع فيه. # PageV20P173 # ومن قال: إن ms6042 المجموع الواحد الحاصل بمجموعهما لا يحصل بأحدهما فهذا لا ~~نزاع فيه. ومن جعل هذا المجموع أحكاما متعددة لم يعارض قول من جعله واحدا ~~إذا عنى به وحدة النوع في المحل الواحد فيكون المقصود أن الحكم الواحد ~~بالنوع تارة يكون شخصان منه في محلين فهذا ظاهر. وتارة يجتمع منه شخصان في ~~محل واحد فهما نوعان باعتبار أنفسهما وهما شخص واحد باعتبار محلهما. فمن ~~قال: إن الحكم الحاصل بالعلتين حكم واحد فإن أراد به نوعا واحدا في عين ~~واحدة فقد صدق ومن أراد به شخصين من نوع في عين واحدة فقد صدق. # فصل: # وقد تبين بذلك أن العلتين لا تكونان مستقلتين بحكم واحد حال الاجتماع ~~وهذا معلوم بالضرورة البديهية بعد التصور؛ فإن الاستقلال ينافي الاشتراك؛ ~~إذ المستقل لا شريك له فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلا به. ~~وأن الحكم الثابت بعلتين - سواء قيل: هو أحكام؛ أو حكم واحد مؤكد - لا ~~تستقل به إحداهما بل كل منهما جزء من علته؛ لا علة له. # PageV20P174 # وهكذا يقال في اجتماع الأدلة على المدلول الواحد: أنها توجب علما مؤكدا؛ ~~أو علوما متماثلة. ومن هنا يحصل بها من الإيضاح والقوة ما لا يحصل بالواحد ~~وهذا داخل في القاعدة الكلية وهو: أن المؤثر الواحد - سواء كان فاعلا ~~بإرادة واختيار أو بطبع؛ أو كان داعيا إلى الفعل وباعثا عليه - متى كان له ~~شريك في فعله وتأثيره كان معاونا ومظاهرا له ومنعه أن يكون مستقلا بالحكم ~~منفردا به ولزم من ذلك حاجة كل منهما إلى الآخر وعدم استغنائه بنفسه في ~~فعله وأن الاشتراك موجب للافتقار مزيل للغنى؛ فإن المشتركين في الفعل ~~متعاونان عليه وأحدهما لا يجوز - إذا لم يتغير بالاشتراك والانفراد - أن ~~يفعل وحده ما فعله هو والآخر فإنه إذا فعل شيئا حال الانفراد - وقدر أنه لم ~~يتغير؛ وأنه اجتمع بنظيره - امتنع أن يكون مفعولهما حال الاشتراك هو مثل ~~مفعول كل منهما حال الانفراد؛ فإن المفعول إذا لم يكن له وجود إلا من ~~الفاعل؛ والفاعل حال انفراده له مفعول؛ ms6043 فإذا اجتمعا كان مفعولهما جميعا ~~أكثر أو أكبر من مفعول أحدهما وإلا كان الزائد كالناقص بخلاف ما إذا تغير ~~الفاعل كالإنسان الذي يرفع هو وآخر خشبة أو يصنع طعاما ثم هو وحده مثل ذلك؛ ~~فإن ذلك لا بد أن يكون بتغيير منه في إرادته وحركته وآلاته ونحو ذلك وإلا ~~فإذا استوى حالاه امتنع تساوي المفعولين حال الانفراد والاشتراك. # PageV20P175 # وفي الجملة فكل من المشتركين في مفعول فأحدهما مفتقر إلى الآخر في وجود ~~ذلك المفعول؛ محتاج إليه فيه وإلا لم يكونا مشتركين؛ لأن كلا منهما إما أن ~~يكون مستقلا بالفعل منفردا به؛ أو لا يكون فإن كان مستقلا به منفردا به ~~امتنع أن يكون له فيه شريك أو معاون وإن لم يكن مستقلا منفردا به لم يكن ~~المفعول به وحده بل به وبالآخر ولم يكن هو وحده كافيا في وجود ذلك المفعول ~~بل كان محتاجا إلى الآخر في وجود ذلك المفعول مفتقرا إليه فيه. وهذا يقتضي ~~أنه ليس رب ذلك المفعول ولا مالكه ولا خالقه بل هو شريك فيه. ويقتضي أنه لم ~~يكن غنيا عن الشريك في ذلك المفعول بل كان مفتقرا إليه فيه محتاجا إليه ~~فيه. وذلك يقتضي عجزه وعدم قدرته عليه حال الانفراد أيضا كما نبهنا عليه من ~~أن الإنسان لا ينفرد بما شاركه فيه غيره وإن لم يتغير تغيرا يوجب تمام ~~قدرته على ما شاركه فيه الغير وذلك أن الفاعل إذا كان حال الانفراد قادرا ~~تام القدرة؛ والتقدير أنه مريد للمفعول إرادة جازمة؛ إذ لو لم يرده إرادة ~~جازمة لما وجد حال الانفراد ولا حال الاجتماع والاشتراك: إذ الإرادة التي ~~ليست بجازمة لا يوجد مرادها الذي يفعله # PageV20P176 # المريد بحال والإرادة الجازمة بلا قدرة لا يوجد مرادها والإرادة الجازمة ~~مع القدرة التامة تستلزم وجود المراد فلو كان أحد المشتركين تام القدرة تام ~~الإرادة لوجب وجود المفعول به وحده ووجوده به وحده يمنع وجوده بالآخر فيلزم ~~اجتماع النقيضين وهو: وجود المفعول به وحده: وعدم وجود المفعول به وحده وأن ~~يكون فاعلا ms6044 غير فاعل وذلك ظاهر البطلان. وهذا التمانع ليس هو أن كل واحد من ~~الفاعلين يمنع الآخر كما يقال إذا أراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه؛ أو ~~إماتة شخص والآخر إحياءه وإنما هو تمانع ذاتي وهو: أنه تمانع اشتراك شريكين ~~تامي القدرة والإرادة في مفعول هما عليه تاما القدرة والإرادة فإن من كان ~~على الشيء تام القدرة وهو له تام الإرادة وجب وجود المفعول به وحده وإذا ~~كان الآخر كذلك وجب وجود المفعول به. وهذان يتتابعان ويتمانعان إذ الإثبات ~~يمنع النفي والنفي يمنع الإثبات تمانعا وتناقضا ذاتيا. فتبين أن الاشتراك ~~موجب لنقص الشريك في نفس القدرة وإذا قدر اثنان مريدان لأمر من الأمور فلا ~~بد من أمرين: إما أن يكون المفعول الذي يفعله هذا ليس هو المفعول الذي ~~يفعله الآخر ولكن كل منهما مستقل ببعض المفعول. # PageV20P177 # وإما أن يكون المفعول الذي اشتركا فيه لا يقدر أحدهما على أن يفعله إذا ~~انفرد إلا أن يتجدد له قدرة أكمل من القدرة التي كانت موجودة حال الاشتراك ~~فإذا كان المفعول واحدا قد اختلط بعضه ببعض على وجه لا يمكن انفراد فاعل ~~ببعضه وفاعل آخر ببعضه: امتنع فيه اشتراك الامتياز كاشتراك بني آدم في ~~مفعولاتهم التي يفعل هذا بعضها وهذا بعضها وامتنع فيه اشتراك الاختلاط إلا ~~مع عجز أحدهما ونقص قدرته وأنه ليس على شيء قدير وهذا الذي ذكرناه بقولنا: ~~إن الاشتراك موجب لنقص القدرة. # فصل: # ثم يقال: هذا أيضا يقتضي أن كلا منهما ليس واجبا بنفسه غنيا قويا بل ~~مفتقرا إلى غيره في ذاته وصفاته كما كان مفتقرا إليه في مفعولاته (*) وذلك ~~أنه إذا كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر في مفعولاته عاجزا عن الانفراد بها ~~- إذ الاشتراك مستلزم لذلك كما تقدم - فإما أن يكون قابلا للقدرة على ~~الاستقلال بحيث يمكن ذلك فيه أو لا يمكن. والثاني ممتنع لأنه إذا امتنع أن ~~يكون الشيء مقدورا ممكنا لواحد PageV20P178 # امتنع أن يكون مقدورا ممكنا لاثنين فإن حال الشيء في كونه مقدورا ممكنا ~~لا يختلف بتعدد القادر ms6045 عليه وتوحده فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لواحد ~~امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لاثنين وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدورا عليه ~~لاثنين هو ممكن جاز أن يكون أيضا لواحد. وهذا بين إذا كان الإمكان ~~والامتناع لمعنى في الممكن المفعول المقدور عليه إذ صفات ذاته لا تختلف في ~~الحال وكذلك إذا كان لمعنى في القادر فإن القدرة القائمة باثنين لا يمتنع ~~أن تقوم بواحد؛ بل إمكان ذلك معلوم ببديهة العقل فإن من المعلوم ببديهة ~~العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها: كل ما كان محلها متحدا مجتمعا ~~كان أكمل لها في أن يكون متعددا متفرقا ولهذا كان الاجتماع والاشتراك في ~~المخلوقات يوجب لها من القوة والقدرة ما لا يحصل لها إذا تفرقت وانفردت وإن ~~كانت أحوالها باقية بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الأجسام المفترقة قد قام ~~بكل منها قدرة فإذا قدر اتحادها واجتماعها كانت تلك القدرة أقوى وأكمل؛ ~~لأنه حصل لها من الاتحاد والاجتماع بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق ~~والتعداد. وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين إذا قدر أن ذينك الاثنين ~~كانا شيئا واحدا تكون القدرة أكمل فكيف لا تكون مساوية للقدرة # PageV20P179 # القائمة بمحلين؟ وإذا كان من المعلوم أن المحلين المتباينين اللذين قام ~~بهما قدرتان إذا قدر أنهما محل واحد وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة ~~بذلك بل تزيد علم أن المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين إذا قدر ~~أنهما بعينهما قادر واحد قد قام به ما قام بهما لم ينقص بذلك بل يزيد فعلم ~~أنه يمكن أن يكون كل منهما قابلا للقدرة على الاستقلال فإن ذلك ممكن فيه. ~~فتبين أنه ليس يمكن في المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما ~~قادرا عليه بل من الممكن أن يكونا شيئا واحدا قادرا عليه فتبين أن كلا ~~منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه وأن يكون بصفة أخرى وإذا كان يمكن في ~~كل منهما أن تتغير ذاته وصفاته ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده ms6046 ~~ويغيرها إذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه فأن يكون عاجزا ~~عن تكميل نفسه وتغييرها أولى وإذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل وهو لا ~~يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه؛ بل يكون فيه إمكان وافتقار إلى ~~غيره. والتقدير: أنه واجب الوجود بنفسه غير واجب الوجود بنفسه فيكون واجبا ~~ممكنا وهذا تناقض إذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية في حقيقة ~~ذاته وصفاته لا يكون في شيء من ذاته وأفعاله وصفاته مفتقرا إلى غيره؛ إذ ~~ذلك كله داخل في مسمى ذاته بل ويجب أن لا يكون مفتقرا إلى غيره في شيء من ~~أفعاله ومفعولاته فإن أفعاله القائمة به داخلة في # PageV20P180 # مسمى نفسه وافتقاره إلى غيره في بعض المفعولات يوجب افتقاره في فعله ~~وصفته القائمة به إذ مفعوله صدر عن ذلك فلو كانت ذاته كافية غنية لم تفتقر ~~إلى غيره في فعلها فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه دليل عدم غناه وعلى ~~حاجته إلى الغير وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه. # ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين والغنى عن الغير من ~~خصائص رب العالمين: كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين وكان التنزه ~~عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين فليس في المخلوقات ما هو ~~مستقل بشيء من المفعولات وليس فيها ما هو وحده علة تامة وليس فيها ما هو ~~مستغنيا عن الشريك في شيء من المفعولات بل لا يكون في العالم شيء موجود عن ~~بعض الأسباب إلا يشاركه سبب آخر له فيكون - وإن سمي علة - علة مقتضية سببية ~~لا علة تامة ويكون كل منهما شرطا للآخر. كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله ~~مانع يمنعه في الفعل فكل ما في المخلوق مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو ~~فاعلا أو مؤثرا - فله شريك هو له كالشرط وله معارض هو له مانع وضد وقد قال ~~سبحانه: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} والزوج يراد به: النظير المماثل ms6047 والضد ~~المخالف. # PageV20P181 # وهذا كثير فما من مخلوق إلا له شريك وند والرب سبحانه وحده هو الذي لا ~~شريك له ولا ند ولا مثل له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا لا يستحق ~~غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك لأن ذلك يقتضي الاستقلال ~~والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا وإن تنازع بعض ~~الناس في كون العلة يكون ذات أوصاف وادعى أن العلة لا تكون إلا ذات وصف ~~واحد فإن أكثر الناس خالفوا في ذلك وقالوا: يجوز أن تكون ذات أوصاف بل قيل: ~~لا يكون في المخلوق علة ذات وصف واحد إذ ليس في المخلوق ما يكون وحده علة ~~ولا يكون في المخلوق علة إلا ما كان مركبا من أمرين فصاعدا فليس في ~~المخلوقات واحد يصدر عنه شيء فضلا عن أن يقال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ~~بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعدا. وأما الواحد الذي يفعل ~~وحده فليس إلا الله فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له فالمشاركة واجبة ~~للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال والكمال مستلزم لها. والاشتراك ~~مستلزم للنقصان والنقصان مستلزم له. والوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير ~~والقيام بنفسه ووجوبه بنفسه وهذه الأمور من الغنى والوجوب بالنفس # PageV20P182 # والقيام بالنفس مستلزمة للوحدانية والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير ~~والإمكان بالنفس وعدم القيام بالنفس وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام ~~بالنفس مستلزم للاشتراك. فهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها ~~وهي من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات وفقرها وأنها مربوبة فهي من أدلة ~~إثبات الصانع لأن ما فيها من الافتراق والتعداد والاشتراك يوجب افتقارها ~~وإمكانها والممكن المفتقر لا بد له من واجب غني بنفسه وإلا لم يوجد ولو فرض ~~تسلسل الممكنات المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة والممكن قد علم بالاضطرار أنه ~~مفتقر في وجوده إلى غيره فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فإنه يعلم أنه فقير ~~أيضا في وجوده إلى غيره فلا بد من غني بنفسه واجب الوجود بنفسه وإلا ms6048 لم ~~يوجد ما هو فقير ممكن بحال. وهذه المعاني تدل على توحيد الربوبية؛ وعلى ~~توحيد الإلهية؛ وهو: التوحيد الواجب الكامل الذي جاء به القرآن؛ لوجوه قد ~~ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع. مثل: أن المتحركات لا بد لها من ~~حركة إرادية ولا بد للإرادة من مراد لنفسه وذلك هو الإله. والمخلوق يمتنع ~~أن يكون مرادا لنفسه كما يمتنع أن يكون فاعلا بنفسه فإذا امتنع أن يكون ~~فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما. # PageV20P183 # وقال شيخ الإسلام # فصل: # المنحرفون من أتباع الأئمة في الأصول والفروع؛ كبعض الخراسانيين من أهل ~~جيلان وغيرهم المنتسبين إلى أحمد وغير أحمد: انحرافهم أنواع: أحدها: قول لم ~~يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم كما يقوله بعضهم من قدم ~~روح بني آدم ونور الشمس والقمر والنيران وقال بعض متأخريهم بقدم كلام ~~الآدميين وخرس الناس إذا رفع القرآن وتكفير أهل الرأي ولعن أبي فلان وقدم ~~مداد المصحف. الثاني: قول قاله بعض علماء أصحابه وغلط فيه كقدم صوت العبد ~~ورواية أحاديث ضعيفة يحتج فيها بالسنة في الصفات والقدر؛ والقرآن والفضائل؛ ~~ونحو ذلك. # PageV20P184 # الثالث: قول قاله الإمام فزيد عليه قدرا أو نوعا كتكفيره نوعا من أهل ~~البدع كالجهمية فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية أو ~~ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والإرجاء فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن أو ~~رده لشهادة الداعية وروايته وغير الداعية في بعض البدع الغليظة فيعتقد رد ~~خبرهم مطلقا مع نصوصه الصرائح بخلافه وكخروج من خرج في بعض الصفات إلى ~~زيادة من التشبيه. الرابع: أن يفهم من كلامه ما لم يرده أو ينقل عنه ما لم ~~يقله. الخامس: أن يجعل كلامه عاما أو مطلقا وليس كذلك ثم قد يكون في اللفظ ~~إطلاق أو عموم فيكون لهم فيه بعض العذر وقد لا يكون كإطلاقه تكفير الجهمية ~~الخلقية مع أنه مشروط بشروط انتفت فيمن ترحم عليه من الذين امتحنوه وهم ~~رءوس الجهمية. السادس: أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول ~~المرجوح. السابع: ms6049 أن لا يكون قد قال أو نقل عنه ما يزيل شبهتهم مع كون لفظه ~~محتملا لها. # PageV20P185 # الثامن: أن يكون قوله مشتملا على خطأ. فالوجوه الستة تبين من مذهبه نفسه ~~أنهم خالفوه وهو الحق والسابع خالفوا الحق وإن لم يعرف مذهبه نفيا وإثباتا ~~والثامن خالفوا الحق وإن وافقوا مذهبه. فالقسمة ثلاثية؛ لأنهم إذا خالفوا ~~الحق فإما أن يكونوا قد خالفوه أيضا أو وافقوه أو لم يوافقوه ولم يخالفوه ~~لانتفاء قوله في ذلك وكذلك إذا وافقوا الحق فإما أن يوافقوه هو أو يخالفوه؛ ~~أو ينتفي الأمران. وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه ~~كثيرة؛ لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفي البدع أكثر من غيره بكثير ~~فالمبتدعة المنتسبون إلى غيره إذا كانوا جهمية أو قدرية أو شيعة أو مرجئة؛ ~~لم يكن ذلك مذهبا للإمام إلا في الإرجاء؛ فإنه قول أبي فلان وأما بعض ~~التجهم فاختلف النقل عنه ولذلك اختلف أصحابه المنتسبون إليه ما بين سنية ~~وجهمية؛ ذكور وإناث؛ مشبهة ومجسمة؛ لأن أصوله لا تنفي البدع وإن لم تثبتها. ~~وفي الحنبلية أيضا مبتدعة؛ وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر وبدعتهم غالبا في ~~زيادة الإثبات في حق الله وفي زيادة الإنكار على مخالفهم بالتكفير وغيره؛ ~~لأن أحمد كان مثبتا لما جاءت به السنة؛ منكرا على من خالفها مصيبا في غالب ~~الأمور مختلفا عنه في البعض ومخالفا في البعض. # PageV20P186 # وأما بدعة غيرهم فقد تكون أشد من بدعة مبتدعهم في زيادة الإثبات ~~والإنكار؛ وقد تكون في النفي وهو الأغلب كالجهمية؛ والقدرية؛ والمرجئة؛ ~~والرافضة. وأما زيادة الإنكار من غيرهم على المخالف من تكفير وتفسيق فكثير. ~~والقسم الثالث من البدع: الخلو عن السنة نفيا وإثباتا وترك الأمر بها ~~والنهي عن مخالفتها وهو كثير في المتفقهة والمتصوفة. # PageV20P187 # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام؛ فإن اللفظ لا بد له ~~من معنى ومن قال: العموم من عوارض الألفاظ دون المعاني فما أراد - والله ~~أعلم - إلا المعاني الخارجة عن الذهن ms6050 كالعطاء والمطر على أن قوله مرجوح ~~فإذا حكم بحكم عام لمسمى من أمر أو نهي؛ أو خبر سلب أو إيجاب فهذا لا بد أن ~~يستشعر ذلك المعنى العام والحكم عليه ولا يجب أن يتصور الأفراد من جهة تميز ~~بعضها عن بعض بل قد لا يتصور ذلك إذا كانت مما لا ينحصر للبشر وإنما ~~يتصورها ويحكم عليها من جهة المعنى العام المشترك بينها سواء كانت صيغة ~~العموم اسم جمع؛ أو اسم واحد فإنه لا بد أن يعم الاسم تلك المسميات لفظا ~~ومعنى فهو يحكم عليها باعتبار القدر المشترك العام بينها وقد يستحضر أحيانا ~~بعض آحاد ذلك العام بخصوصه أو بعض الأنواع بخصوصه وقد يستحضر الجميع إن كان ~~مما يحصر وقد لا يستحضر ذلك بل يكون عالما بالأفراد على وجه كلي جملة # PageV20P188 # لا تفصيلا ثم إن ذلك الحكم يتخلف عن بعض تلك الآحاد لمعارض. مثل أن يقول: ~~أعط لكل فقير درهما فإذا قيل له: فإن كان كافرا أو عدوا فقد ينهى عن ~~الإعطاء. فهذا الذي أراد دخوله في العموم إما أن يريد دخوله بخصوصه؛ أو ~~لمجرد شمول المعنى له من غير استشعار خصوصه؛ بحيث لم يقم به ما يمنع الدخول ~~مع قيام المقتضي للدخول. وأما الأول فقد أراد دخوله بعينه فهذا نظير ما ورد ~~عليه اللفظ العام من السبب وهذا إحدى فوائد عطف الخاص على العام وهو: ثبوت ~~المعنى المشترك فيه من غير معارض وإن كان من فوائده أن يتبين دخوله بعموم ~~المعنى المشترك: وبخصوص المعنى المميز وإن لم يكن الحكم ثابتا للمشترك. ~~وأما الذي لم يرد دخوله في العموم: فإما أن يكون حين التكلم بالعموم قد ~~استشعر قيام المعارض فيه فذاك يمنعه عن أن يكون أراد دخوله في حكم المعنى ~~العام مع قيام المقتضي فيه؛ وهو المعنى العام وإما أن يكون قد استشعر ذلك ~~قبل التكلم بالعام وذهل وقت التكلم بالعموم عن دخوله وخروجه. فالأول ~~كالمخصص المقارن وهذا كالمخصص السابق وإما أن يستشعر ذلك المعنى بعد تكلمه ~~بالعام مع # PageV20P189 # علمه بأنه ms6051 لا يريد بالعموم ما قام فيه ذلك المعارض فهنا قد يقال: قد دخل ~~في اللفظ العام من غير تخصيص واستشعار المانع من إرادته فيما بعد يكون ~~نسخا؛ لأن المقتضي للدخول في الإرادة هو ثبوت ذلك المعنى فيه وهو حاصل. ~~وهذا المعنى إنما يصلح أن يكون مانعا من الإرادة إذا استشعر حين الخطاب؛ ~~ولم يكن مستشعرا. ومن قال هذا فقد يقول في استشعار المانع السابق: لا يؤثر ~~إلا إذا قارن بل إذا غفل وقت التعميم عن إخراج شيء دخل في الإرادة العامة ~~كما دخل في استشعار المعنى العام؛ إذ التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام ~~وهذا الفرد قد أريد باللفظ العام؛ لأنه لا يشترط إرادته بخصوصه وإنما يراد ~~إرادة القدر المشترك؛ وذاك حاصل. وقد يقال: بل هذا لم يرده بالاسم العام؛ ~~لأنه إنما أراد بالاسم العام ما لم يقم فيه معارض وكل من الأمرين وإن كان ~~لم يتصور المعارض مفصلا ذلك المعنى فمراده أن ذلك المعنى مقتض لإرادته لا ~~موجب لثبوت الحكم فيه بمجرد ذلك المعنى من غير التفات إلى المعارض وإذا كان ~~مراده أن ذلك المعنى مقتض: فإذا عارض ما هو عنده مانع لم يكن قد أراده ~~فمدار الأمر على أن ثبوت المعنى العام يقتضي ثبوت الإرادة في مراده إلا أن ~~يزول عن بعضها أو ثبوت المقتضي لإرادة الأفراد والمقتضي يقتضي ثبوت الأفراد ~~إذا لم يعارضه معارض. # PageV20P190 # وعلى هذا فلو لم يستشعر المعارض المانع؛ لكن إذا استشعره لعلم أنه لا ~~يريده: هل يقال: لم يتناوله حكمه وإرادته من جهة المعنى وإن تناوله لفظه ~~ومعنى لفظه العام؟ قد يقال ذلك؛ فإنه أراد المعنى الكلي المشترك باعتبار ~~معناه العام ولم يرد من الأفراد ما فيه معنى معارض لذلك المعنى العام راجحا ~~عليه عنده ثم لا يكلف استشعار الموانع مطلقا في الأنواع والأشخاص لكثرتها ~~ولو استشعر بعضها لم يحسن التعرض؛ لنفي كل مانع مانع منها؛ فإن الكلام فيه ~~هجنة ولكنة؛ وطول، وعي فقد يتعسر أو يتعذر علم الموانع؛ أو بيانها؛ أو هما ms6052 ~~جميعا. فهنا ما قام بالأفراد من الخصائص المعارضة مانع من إرادة المتكلم ~~وإن كان لفظه ومعناه العام يشمل ذلك باعتبار القدر المشترك. وعلى هذا فإذا ~~كان ذلك المانع يحتمل أنه يكون عنده مانعا؛ ويحتمل ألا يكون فهل نحكم ~~بدخوله لقيام المقتضي وانتفاء المخصص بالأصل؛ أو نقف فيه لأن المقتضي قائم ~~والمعارض محتمل؟ فيه نظر. فإن لصاحب القول الثاني أن يقول: هذا المانع يمنع ~~أن يكون المقتضي مقتضيا مع قيام هذا المانع. وللأول أن يقول: بل اقتضاؤه ~~ثابت والمانع مشكوك فيه والأظهر التوقف في إرادة المتكلم حينئذ. # PageV20P191 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # " قاعدة " الحسنات تعلل بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من جلب المصلحة ~~والمنفعة. والثانية: ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة. وكذلك السيئات تعلل ~~بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من المفسدة والمضرة. والثانية: ما تتضمنه من ~~الصد عن المنفعة والمصلحة. مثال ذلك قوله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر} فبين الوجهين جميعا فقوله: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار فإن النفس إذا ~~قام بها ذكر الله ودعاؤه - لا سيما على وجه الخصوص - أكسبها ذلك صبغة صالحة ~~تنهاها عن الفحشاء والمنكر كما يحسه الإنسان من نفسه؛ ولهذا قال تعالى: ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة} فإن القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة العين ~~ما يغنيه عن # PageV20P192 # اللذات المكروهة ويحصل له من الخشية والتعظيم لله والمهابة. وكل واحد من ~~رجائه وخشيته ومحبته ناه ينهاه. وقوله: {ولذكر الله أكبر} بيان لما فيها من ~~المنفعة والمصلحة أي ذكر الله الذي فيها أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء ~~والمنكر فإن هذا هو المقصود لنفسه كما قال: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله} والأول تابع فهذه المنفعة والمصلحة أعظم من دفع تلك ~~المفسدة؛ ولهذا كان المؤمن الفاسق يئول أمره إلى الرحمة والمنافق المتعبد ~~أمره صائر إلى الشقاء فإن الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها. ~~ومن ظن أن المعنى ولذكر الله أكبر من الصلاة فقد أخطأ؛ فإن ms6053 الصلاة أفضل من ~~الذكر المجرد بالنص والإجماع. والصلاة ذكر الله لكنها ذكر على أكمل الوجوه ~~فكيف يفضل ذكر الله المطلق على أفضل أنواعه؟ ومثال ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم {عليكم بقيام الليل فإنه قربة إلى ربكم؛ ودأب الصالحين قبلكم ومنهاة ~~عن الإثم؛ ومكفرة للسيئات ومطردة لداعي الحسد} فبين ما فيه من المصلحة ~~بالقرب إلى الله وموافقة الصالحين ومن دفع المفسدة بالنهي عن المستقبل من ~~السيئات؛ والتكفير للماضي منها وهو نظير الآية. # PageV20P193 # وكذلك قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} فهذا دفع المؤذي ثم قال: {ذلك ذكرى للذاكرين} فهذا مصلحة وفضائل ~~الأعمال وثوابها وفوائدها ومنافعها كثير في الكتاب والسنة من هذا النمط ~~كقوله في الجهاد: {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~إلى قوله: {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} فبين ما فيه من دفع مفسدة ~~الذنوب ومن حصول مصلحة الرحمة بالجنة فهذا في الآخرة وفي الدنيا النصر ~~والفتح وهما أيضا دفع المضرة وحصول المنفعة ونظائره كثيرة. وأما من السيئات ~~فكقوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} فبين فيه العلتين: إحداهما: حصول ~~مفسدة العداوة الظاهرة والبغضاء الباطنة والثانية: المنع من المصلحة التي ~~هي رأس السعادة وهي ذكر الله والصلاة فيصد عن المأمور به إيجابا أو ~~استحبابا. وبهذا المعنى عللوا أيضا كراهة أنواع الميسر من الشطرنج ونحوه # PageV20P194 # فإنه يورث هذه المفسدة ويصد عن المأمور به وكذلك الغناء فإنه يورث القلب ~~نفاقا ويدعو إلى الزنى ويصد القلب عن ما أمر به من العلم النافع والعمل ~~الصالح فيدعو إلى السيئات وينهى عن الحسنات مع أنه لا فائدة فيه والمستثنى ~~منه عارضه ما أزال مفسدته كنظائره. وكذلك البدع الاعتقادية والعملية؛ تتضمن ~~ترك الحق المشروع الذي يصد عنه من الكلم الطيب والعمل الصالح إما بالشغل ~~عنه وإما بالمناقضة وتتضمن أيضا حصول ما فيها من مفسدة الباطل اعتقادا ~~وعملا. وهذا باب واسع إذا تؤمل انفتح به كثير ms6054 من معاني الدين. # PageV20P195 # وقال: # فصل: # " قاعدة شرعية ": شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي ~~أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد؛ فإن العام والمطلق لا يدل على ما ~~يختص بعض أفراده ويقيد بعضها فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد ~~مشروعا؛ ولا مأمورا به فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كره ~~وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه. مثال ~~ذلك: أن الله شرع دعاءه وذكره شرعا مطلقا عاما. فقال: {اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا} وقال: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ونحو ذلك من النصوص فالاجتماع ~~للدعاء والذكر في مكان معين؛ أو زمان معين؛ أو الاجتماع لذلك: تقييد للذكر ~~والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده لكن تتناوله؛ ~~لما فيه من القدر المشترك فإن دلت أدلة الشرع على استحباب ذلك كالذكر # PageV20P196 # والدعاء يوم عرفة بعرفة؛ أو الذكر والدعاء المشروعين في الصلوات الخمس؛ ~~والأعياد والجمع وطرفي النهار؛ وعند الطعام والمنام واللباس؛ ودخول المسجد ~~والخروج منه؛ والأذان والتلبية وعلى الصفا والمروة ونحو ذلك صار ذلك الوصف ~~الخاص مستحبا مشروعا استحبابا زائدا على الاستحباب العام المطلق. وفي مثل ~~هذا يعطف الخاص على العام؛ فإنه مشروع بالعموم والخصوص كصوم يوم الاثنين ~~والخميس بالنسبة إلى عموم الصوم وإن دلت أدلة الشرع على كراهة ذلك كان ~~مكروها مثل اتخاذ ما ليس بمسنون سنة دائمة؛ فإن المداومة في الجماعات على ~~غير السنن المشروعة بدعة كالأذان في العيدين والقنوت في الصلوات الخمس ~~والدعاء المجتمع عليه أدبار الصلوات الخمس أو البردين منها والتعريف ~~المداوم عليه في الأمصار والمداومة على الاجتماع لصلاة تطوع؛ أو قراءة أو ~~ذكر كل ليلة؛ ونحو ذلك؛ فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة كما ~~دل عليه الكتاب والسنة والآثار والقياس. وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي ~~بقي على وصف الإطلاق كفعلها أحيانا على غير وجه المداومة مثل التعريف ~~أحيانا كما فعلت الصحابة والاجتماع أحيانا لمن يقرأ لهم أو على ذكر أو ~~دعاء؛ # PageV20P197 # والجهر ببعض ms6055 الأذكار في الصلاة كما جهر عمر بالاستفتاح وابن عباس بقراءة ~~الفاتحة. وكذلك الجهر بالبسملة أحيانا. وبعض هذا القسم ملحق بالأول فيكون ~~الخصوص مأمورا به كالقنوت في النوازل وبعضها ينفى مطلقا ففعل الطاعة ~~المأمور بها مطلقا حسن وإيجاب ما ليس فيه سنة مكروه. وهذه القاعدة إذا جمعت ~~نظائرها نفعت وتميز بها ما هو البدع من العبادات التي يشرع جنسها من الصلاة ~~والذكر والقراءة وأنها قد تميز بوصف اختصاص تبقى مكروهة لأجله أو محرمة ~~كصوم يومي العيدين والصلاة في أوقات النهي كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون ~~واجبة لأجله أو مستحبة كالصلوات الخمس والسنن الرواتب. ولهذا قد يقع من ~~خلقه العبادة المطلقة والترغيب فيها في أن شرع من الدين ما لم يأذن به الله ~~كما قد يقع من خلقه العلم المجرد في النهي عن بعض المستحب أو ترك الترغيب. ~~ولهذا لما عاب الله على المشركين أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~وأنهم حرموا ما لم يحرمه الله. وهذا كثير في المتصوفة من يصل ببدع الأمر ~~لشرع الدين وفي المتفقهة من يصل ببدع التحريم إلى الكفر. # PageV20P198 # وقال: # فصل: # " الإيجاب والتحريم " قد يكون نعمة؛ وقد يكون عقوبة؛ وقد يكون محنة. ~~فالأول كإيجاب الإيمان والمعروف؛ وتحريم الكفر والمنكر وهو الذي أثبته ~~القائلون بالحسن والقبح العقليين والعقوبة كقوله: {فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} وقوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} إلى قوله: {ذلك جزيناهم ببغيهم} وقوله: ~~{ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} فسماها آصارا وأغلالا والآصار ~~في الإيجاب والأغلال في التحريم. وقوله: {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا} ويشهد له قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} فإن هذا النفي العام ينفي كل ما ~~يسمى حرجا، # PageV20P199 # والحرج: الضيق فما أوجب الله ما يضيق؛ ولا حرم ما يضيق وضده السعة والحرج ~~مثل الغل وهو: الذي لا يمكنه الخروج منه ms6056 مع حاجته إلى الخروج وأما المحنة ~~فمثل قوله: {إن الله مبتليكم بنهر} الآية. ثم ذلك قد يكون بإنزال الخطاب ~~وهذا لا يكون إلا في زمن الأنبياء وقد انقطع. وقد يكون بإظهار الخطاب لمن ~~لم يكن سمعه؛ ثم سمعه وقد يكون باعتقاد نزول الخطاب أو معناه وإن كان ~~اعتقادا مخطئا لأن الحكم الظاهر تابع لاعتقاد المكلف. فالتكليف الشرعي إما ~~أن يكون باطنا وظاهرا؛ مثل الذي تيقن أنه منزل من عند الله. وإما أن يكون ~~ظاهرا؛ مثل الذي يعتقد أن حكم الله هو الإيجاب أو التحريم؛ إما اجتهادا ~~وإما تقليدا وإما جهلا مركبا بأن نصب سبب يدل على ذلك ظاهرا دون ما يعارضه ~~تكليف ظاهر؛ إذ المجتهد المخطئ مصيب في الظاهر لما أمر به؛ وهو مطيع في ذلك ~~هذا من جهة الشرع وقد يكون من جهة الكون بأن يخلق سبحانه ما يقتضي وجود ~~التحريم الثابت بالخطاب والوجوب الثابت بالخطاب كقوله: {واسألهم عن القرية ~~التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ~~ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} فأخبر أنه # PageV20P200 # بلاهم بفسقهم حيث أتى بالحيتان يوم التحريم ومنعها يوم الإباحة. كما يؤتى ~~المحرم المبتلى بالصيد يوم إحرامه. ولا يؤتى به يوم حله؛ أو يؤتى بمن ~~يعامله ربا ولا يؤتى بمن يعامله بيعا. ومن ذلك مجيء الإباحة والإسقاط نعمة ~~وهذا كثير كقوله: {الآن خفف الله عنكم} وقد تقدم نظائرها. # PageV20P201 # وقال - رحمه الله -: # أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم ~~من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء حتى يوجبوه في ~~المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمة قالوا: لأن العلم بها واجب ولا يحصل ~~العلم إلا بالنظر الخاص. وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك؛ فإن ما وجب علمه ~~إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه ~~الدقائق فكيف يكلف العلم بها؟ وأيضا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص بل بطرق ~~أخر: ms6057 من اضطرار وكشف وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك. # وبإزاء هؤلاء قوم من المحدثة والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق ~~العلم والاستدلال والكلام فيه حتى ذوي المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله ~~ويوجبون التقليد في هذه المسائل أو الإعراض عن تفصيلها. # PageV20P202 # وهذا ليس بجيد أيضا؛ فإن العلم النافع مستحب وإنما يكره إذا كان كلاما ~~بغير علم أو حيث يضر فإذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به وإن كان ~~نافعا فهو مستحب فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحا ولا إطلاق القول بالتحريم ~~صحيحا. وكذلك المسائل الفروعية: من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر ~~والاجتهاد فيها على كل أحد حتى على العامة وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان طلب ~~علمها واجبا على الأعيان فإنما يجب مع القدرة والقدرة على معرفتها من ~~الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة. وبإزائهم من أتباع المذاهب ~~من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة: علمائهم؛ وعوامهم. ومن هؤلاء ~~من يوجب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقا ثم هل يجب على كل واحد ~~اتباع شخص معين من الأئمة يقلده في عزائمه ورخصه؟ على وجهين. وهذان الوجهان ~~ذكرهما أصحاب أحمد والشافعي لكن هل يجب على العامي ذلك؟ والذي عليه جماهير ~~الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة؛ والتقليد # PageV20P203 # جائز في الجملة لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ولا ~~يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد وأن الاجتهاد جائز للقادر على ~~الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد. فأما القادر على الاجتهاد فهل ~~يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد: إما ~~لتكافؤ الأدلة وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد وإما لعدم ظهور دليل له؛ فإنه ~~حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد كما لو عجز ~~عن الطهارة بالماء. وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له ~~الاجتهاد فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام فالعبرة بالقدرة والعجز ~~وقد يكون الرجل ms6058 قادرا في بعض عاجزا في بعض لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون ~~إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد ~~فيها والله سبحانه أعلم. # PageV20P204 # وقال شيخ الإسلام # فصل: # وأما حلف كل واحد: أن أفضل المذاهب مذهب فلان: فهذا إن كان كل منهم يعتقد ~~أن الأمر كما حلف عليه ففيها قولان: أظهرهما: لا يحنث واحد منهم. والثاني: ~~يحنثون إلا واحدا منهم؛ فإن حنثه مشكوك فيه؛ يجوز أن يكون صادقا ويجوز ~~كونهم سواء فيحنثون كلهم وإذا حنثوا إلا واحدا منهم وقد وقع الشك في عينه ~~فهي كما لو قال أحد الزوجين: إن كان غرابا فزوجته طالق وقال الآخر: إن لم ~~يكن غرابا فزوجته طالق وهذه فيها قولان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: لا يقع ~~بواحد منهما طلاق وهو مذهب الشافعي وغيره لكن يكف كل منهما عن وطء زوجته ~~قيل: حتما وقيل: ردعا. والقول الثاني: أنه يقع بأحدهما كما لو كان الحالف ~~واحدا وأوقعه # PageV20P205 # بإحدى زوجتيه وعلى هذا فهل تخرج المطلقة بالقرعة؛ أو يوقف الأمر؟ على ~~قولين أيضا في مذهب أحمد والوقف قول الشافعي. والصحيح أن من حلف على شيء ~~يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا طلاق عليه وأما مالك فإنه يحنث ~~الجميع ولو تبين صدق الحالف؛ بناء على أصله فيمن حلف على ما لا يعلم صحته ~~كما لو حلف أنه يدخل الجنة والنزاع فيها كالنزاع في أصل تلك المسألة. ~~وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشك ومالك يوقعه لعدم علم الحالف ~~بما حلف عليه فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره مثل أن ~~يحلف أن مذهب فلان أفضل وهو غير عالم بذلك. # PageV20P206 # وسئل: # عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد: فهل ينكر عليه أم يهجر؟ وكذلك ~~من يعمل بأحد القولين؟ # فأجاب: # الحمد لله، مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ~~ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه وإذا كان في المسألة قولان: ~~فإن كان ms6059 الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء ~~الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين والله أعلم. # PageV20P207 # وسئل - رضي الله عنه -: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في رجل سئل ~~إيش مذهبك؟ فقال: محمدي أتبع كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقيل لا: ينبغي لكل مؤمن أن يتبع مذهبا ومن لا مذهب له فهو شيطان فقال: إيش ~~كان مذهب أبي بكر الصديق والخلفاء بعده - رضي الله عنهم -؟ فقيل له: لا ~~ينبغي لك إلا أن تتبع مذهبا من هذه المذاهب فأيهما المصيب؟ أفتونا مأجورين # فأجاب: # الحمد لله، إنما يجب على الناس طاعة الله والرسول وهؤلاء أولوا الأمر ~~الذين أمر الله بطاعتهم في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} إنما تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله لا استقلالا ثم قال: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا} . وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه ~~يفتيه بشرع الله # PageV20P208 # ورسوله من أي مذهب كان ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من ~~العلماء في كل ما يقول ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين ~~غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به بل كل أحد من الناس ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. واتباع شخص لمذهب ~~شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له ليس هو ~~مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق بل كل أحد عليه ~~أن يتقي الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله (1) فيفعل المأمور ~~ويترك المحظور. والله أعلم. PageV20P209 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل تفقه في مذهب من المذاهب الأربعة وتبصر فيه واشتغل بعده بالحديث ~~فرأى أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا ms6060 معارضا وذلك المذهب ~~مخالف لها: فهل يجوز له العمل بذلك المذهب؟ أو يجب عليه الرجوع إلى العمل ~~بالأحاديث ويخالف مذهبه؟ # فأجاب: # الحمد لله، قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض ~~على الخلق طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يوجب على هذه الأمة ~~طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: أطيعوني ما أطعت الله ~~فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في ~~كل ما يأمر به وينهى # PageV20P210 # عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل ~~أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما ~~يقولونه وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي وهذا أحسن ما ~~رأيت؛ فمن جاء برأي خير منه قبلناه ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف ~~بمالك فسأله عن مسألة الصاع؛ وصدقة الخضراوات؛ ومسألة الأجناس؛ فأخبره مالك ~~بما تدل عليه السنة في ذلك فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى ~~صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت. ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب ~~وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة أو كلاما هذا معناه. والشافعي كان ~~يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعة على ~~الطريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن ~~أراد معرفة مذهبه قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. ~~والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي # PageV20P211 # ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد ~~دينه الرجال وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. وقد ~~ثبت في الصحيح ms6061 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين} ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا ~~فيكون التفقه في الدين فرضا. والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية ~~بأدلتها السمعية. فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين لكن من الناس من ~~قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن ~~معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه ويلزمه ما يقدر عليه. وأما القادر على ~~الاستدلال؛ فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقا وقيل: يجوز مطلقا وقيل: يجوز عند ~~الحاجة؛ كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال. ~~والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام بل قد يكون الرجل ~~مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة وكل أحد فاجتهاده بحسب ~~وسعه فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصا لم ~~يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: # PageV20P212 # إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه؛ ~~ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره واشتغال على مذهب ~~إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه ~~وحينئذ فتكون موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام وتبقى النصوص سالمة في حقه عن ~~المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح. وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: ~~إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده قائما في هذه المسألة؛ لضعف آلة الاجتهاد في ~~حقه. أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس ~~معه ما يدفع به النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص وإن لم يفعل كان متبعا ~~للظن وما تهوى الأنفس وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من يقول: قد ~~يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له: قد ~~قال الله تعالى: {فاتقوا ms6062 الله ما استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} والذي تستطيعه من العلم والفقه في ~~هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ثم إن ~~تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد ~~المستقل إذا تغير اجتهاده وانتقال الإنسان من قول إلى # PageV20P213 # قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة ~~معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة ~~واتباع هوى فهذا مذموم. وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه - لا ~~سيما إذا كان قد رواه أيضا - فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص فقد ~~بينا فيما كتبناه في " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " نحو عشرين عذرا ~~للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار ~~وأما نحن فمعذورون في تركها لهذا القول. فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم ~~يصح؛ أو أن راويه مجهول ونحو ذلك؛ ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه: فقد ~~زال عذر ذلك في حق هذا ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه؛ أو ~~القياس؛ أو عمل لبعض الأمصار؛ وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه؛ ~~وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر؛ ومقدم على القياس والعمل: لم يكن ~~عذر ذلك الرجل عذرا في حقه؛ فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها ~~أمر لا ينضبط طرفاه لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل ~~به المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية وغيرها الذين يقال: إنهم لا ~~يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح وقد بلغ من بعده أن ~~المهاجرين # PageV20P214 # والأنصار لم يتركوه بل عمل به طائفة منهم؛ أو من سمعه منهم؛ ونحو ذلك مما ~~يقدح في هذا المعارض للنص. وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم ~~الإمام الفلاني؟ كانت ms6063 هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في ~~هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة ولست أعلم من هذا ولا هذا ولكن نسبة ~~هؤلاء إلى الأئمة كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ~~ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد ~~النزاع؛ وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وإن كان ~~بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر: فكذلك موارد النزاع بين الأئمة وقد ترك ~~الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول من هو دونهما ~~كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة وتركوا قول عمر في دية ~~الأصابع وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " هذه وهذه سواء ". وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة ~~فقال له: قال أبو بكر وعمر فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من ~~السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر؟ . # PageV20P215 # وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر فتبين لهم أن ~~عمر لم يرد ما يقولونه فألحوا عليه فقال لهم: أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحق أن يتبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو ~~فوق ابن عمر وابن عباس. ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ~~ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته وهذا ~~تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد ~~لله وحده. # PageV20P216 # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ . # فأجاب: # وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب أم ليس ms6064 بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] ~~(*) مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه ~~كانت إضافته إليه كذبا عليه بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال ~~غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر ~~فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يعلم أنها ~~تلزمه ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره ~~من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء ~~من أسمائه أو صفاته حقيقة وكل من لم يثبت بين الاسمين قدرا مشتركا لزم أن ~~لا يكون شيء من الإيمان بالله ومعرفته والإقرار به إيمانا؛ فإنه ما من شيء ~~يثبته القلب إلا ويقال فيه نظير ما يقال في الآخر ولازم قول هؤلاء يستلزم ~~قول غلاة الملاحدة المعطلين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى. PageV20P217 # لكن نعلم أن كثيرا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم ~~أن الحقيقة ليست إلا محض حقائق المخلوقين وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة ~~والمجاز وقولهم افتراء على اللغة والشرع وإلا فقد يكون المعنى الذي يقصد به ~~نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له: أحسنت في ~~نفي هذا المعنى الفاسد ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به ~~نفسه فصار هذا بمنزلة من قال: إن الله ليس بسميع حقيقة؛ ولا بصير حقيقة؛ ~~ولا متكلم حقيقة؛ لأن الحقيقة في ذلك هو ما يعهده من سمع المخلوقين وبصرهم ~~وكلامهم والله تعالى منزه عن ذلك. فيقال له: أصبت في تنزيه الله عن مماثلته ~~خلقه؛ لكن أخطأت في ظنك أنه إذا كان الله سميعا حقيقة بصيرا حقيقة متكلما ~~حقيقة كان هذا متضمنا لمماثلته خلقه. فكذلك لو قال القائل: إذا قلنا: إنه ~~مستو على عرشه حقيقة لزم التجسيم والله منزه عنه فيقال له: هذا المعنى الذي ~~سميته تجسيما ونفيته هو لازم لك إذا قلت: ms6065 إن له علما حقيقة؛ وقدرة حقيقة ~~وسمعا حقيقة: وبصرا حقيقة؛ وكلاما حقيقة؛ وكذلك سائر ما أثبته من الصفات؛ ~~فإن هذه الصفات هي في حقنا أعراض قائمة بجسم فإذا كنت تثبتها لله تعالى مع ~~تنزيهك له عن مماثلة المخلوقات وما يدخل في ذلك من التجسيم: فكذلك القول في ~~الاستواء؛ ولا فرق. # PageV20P218 # فإن قلت: أهل اللغة إنما وضعوا هذه الألفاظ لما يختص به المخلوق فلا يكون ~~حقيقة في غير ذلك. قلت: ولكن هذا خطأ بإجماع الأمم: مسلمهم وكافرهم وبإجماع ~~أهل اللغات فضلا عن أهل الشرائع والديانات وهذا نظير قول من يقول: إن لفظ ~~الوجه إنما يستعمل حقيقة في وجه الإنسان دون وجه الحيوان والملك والجني أو ~~لفظ العلم إنما استعمل حقيقة في علم الإنسان دون علم الملك والجني ونحو ذلك ~~بل قد بينا أن أسماء الصفات عند أهل اللغة بحسب ما تضاف إليه؛ فالقدر ~~المشترك أن نسبة كل صفة إلى موصوفها كنسبة تلك الصفة إلى موصوفها فالقدر ~~المشترك هو النسبة فنسبة علم الملك والجني ووجوههما إليه كنسبة علم الإنسان ~~ووجهه إليه وهكذا في سائر الصفات والله أعلم. # PageV20P219 # وسئل شيخ الإسلام: # أن يشرح ما ذكره نجم الدين بن حمدان: من التزم مذهبا أنكر عليه مخالفته ~~بغير دليل ولا تقليد أو عذر آخر؟ . # فأجاب: # هذا يراد به شيئان: أحدهما: أن من التزم مذهبا معينا ثم فعل خلافه من غير ~~تقليد لعالم آخر أفتاه؛ ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ومن غير عذر شرعي ~~يبيح له ما فعله؛ فإنه يكون متبعا لهواه وعاملا بغير اجتهاد ولا تقليد ~~فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي فهذا منكر. وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ ~~نجم الدين وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا ~~أو حراما ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبا لشفعة ~~الجوار فيعتقدها أنها حق له ثم إذا طلبت منه شفعة الجوار اعتقدها أنها ليست ~~ثابتة أو مثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن ms6066 الإخوة تقاسم الجد فإذا صار ~~جدا مع أخ اعتقد أن الجد لا يقاسم الإخوة أو إذا كان له عدو يفعل بعض ~~الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه ولعب الشطرنج # PageV20P220 # وحضور السماع أن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد ~~ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر فمثل هذا ممكن في اعتقاده حل الشيء ~~وحرمته ووجوبه وسقوطه بحسب هواه هو مذموم بخروجه خارج عن العدالة وقد نص ~~أحمد وغيره على أن هذا لا يجوز. وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على ~~قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها وإما بأن يرى أحد رجلين ~~أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول ~~لمثل هذا فهذا يجوز بل يجب وقد نص الإمام أحمد على ذلك. وما ذكره ابن ~~حمدان: المراد به القسم الأول؛ ولهذا قال: من التزم مذهبا أنكر عليه ~~مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر شرعي فدل على أنه إذا خالفه لدليل فتبين ~~له بالقول الراجح أو تقليد يسوغ له أن يقلد في خلافه؛ أو عذر شرعي أباح ~~المحظور الذي يباح بمثل ذلك العذر لم ينكر عليه. وهنا مسألة ثانية قد يظن ~~أنه أرادها ولم يردها لكنا نتكلم على تقدير إرادتها وهو أن من التزم مذهبا ~~لم يكن له أن ينتقل عنه # PageV20P221 # قاله بعض أصحاب أحمد وكذلك غير هذا ما يذكره ابن حمدان أو غيره؛ يكون مما ~~قاله بعض أصحابه وإن لم يكن منصوصا عنه وكذلك ما يوجد في كتب أصحاب الشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة كثير منه يكون مما ذكره بعض أصحابهم وليس منصوصا عنهم؛ بل ~~قد يكون المنصوص عنهم خلاف ذلك. # وأصل هذه المسألة أن العامي هل عليه أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ بعزائمه ~~ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد وهما وجهان لأصحاب الشافعي والجمهور من هؤلاء ~~وهؤلاء لا يوجبون ذلك والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج ~~عنه ما دام ملتزما له ms6067 أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه. # ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني مثل: أن ~~يلتزم مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك: فهذا مما لا يحمد ~~عليه بل يذم عليه في نفس الأمر؛ ولو كان ما انتقل إليه خيرا مما انتقل عنه ~~وهو بمنزلة من لا يسلم إلا لغرض دنيوي أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة ~~يتزوجها أو دنيا يصيبها وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجل هاجر ~~لامرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له: مهاجر أم قيس فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر في الحديث الصحيح: {إنما الأعمال # PageV20P222 # بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته ~~إلى ما هاجر إليه} . وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني مثل ~~أن يتبين رجحان قول على قول فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ~~ورسوله: فهو مثاب على ذلك؛ بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله ~~في أمر ألا يعدل عنه ولا يتبع أحدا في مخالفة الله ورسوله فإن الله فرض ~~طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال وقال تعالى: {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} . وقد صنف الإمام أحمد كتابا في ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين فطاعة ~~الله ورسوله وتحليل ما حلله الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله وإيجاب ~~ما أوجبه الله ورسوله: واجب على جميع الثقلين: ms6068 الإنس والجن واجب على # PageV20P223 # كل أحد في كل حال: سرا وعلانية لكن لما كان من الأحكام ما لا يعرفه كثير ~~من الناس رجع الناس في ذلك إلى من يعلمهم ذلك؛ لأنه أعلم بما قاله الرسول ~~وأعلم بمراده فأئمة المسلمين الذين اتبعوهم وسائل وطرق وأدلة بين الناس ~~وبين الرسول يبلغونهم ما قاله ويفهمونهم مراده بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ~~وقد يخص الله هذا العالم من العلم والفهم ما ليس عند الآخر وقد يكون عند ~~ذلك في مسألة أخرى من العلم ما ليس عند هذا. وقد قال تعالى: {وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} فهذان نبيان كريمان حكما في قضية واحدة؛ فخص ~~الله أحدهما بالفهم؛ وأثنى على كل منهما. والعلماء ورثة الأنبياء واجتهاد ~~العلماء في الأحكام كاجتهاد المستدلين على جهة الكعبة؛ فإذا صلى أربعة أنفس ~~كل واحد منهم بطائفة إلى أربع جهات لاعتقادهم أن القبلة هناك: فإن صلاة ~~الأربعة صحيحة والذي صلى إلى جهة الكعبة واحد وهو المصيب الذي له أجران كما ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب ~~فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر} . وأكثر الناس إنما التزموا المذاهب بل ~~الأديان بحكم ما تبين لهم # PageV20P224 # فإن الإنسان ينشأ على دين أبيه أو سيده أو أهل بلده كما يتبع. الطفل في ~~الدين أبويه وسابيه وأهل بلده ثم إذا بلغ الرجل فعليه أن يقصد طاعة الله ~~ورسوله حيث كانت ولا يكون ممن إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فكل من عدل عن اتباع الكتاب والسنة وطاعة الله ~~والرسول إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية المستحقين للوعيد. ~~وكذلك من تبين له في مسألة من المسائل الحق الذي بعث الله به رسوله ثم عدل ~~عنه إلى عادته فهو من أهل الذم والعقاب. وأما من كان عاجزا عن معرفة حكم ~~الله ورسوله وقد اتبع فيها ms6069 من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول ~~غيره أرجح من قوله فهو محمود يثاب لا يذم على ذلك ولا يعاقب وإن كان قادرا ~~على الاستدلال ومعرفة ما هو الراجح؛ وتوقى بعض المسائل فعدل عن ذلك إلى ~~التقليد فهو قد اختلف في مذهب أحمد المنصوص عنه. والذي عليه أصحابه أن هذا ~~آثم أيضا وهو مذهب الشافعي وأصحابه وحكي عن محمد بن الحسن وغيره أنه يجوز ~~له التقليد مطلقا وقيل: يجوز تقليد الأعلم. وحكى بعضهم هذا عن أحمد كما ~~ذكره أبو إسحاق في اللمع وهو غلط على أحمد؛ فإن أحمد إنما يقول: هذا في ~~أصحابه فقط # PageV20P225 # على اختلاف عنه في ذلك وأما مثل مالك والشافعي وسفيان؛ ومثل إسحاق بن ~~راهويه وأبي عبيد فقد نص في غير موضع على أنه لا يجوز للعالم القادر على ~~الاستدلال أن يقلدهم وقال: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا ~~الثوري. وكان يحب الشافعي ويثني عليه ويحب إسحاق ويثني عليه ويثني على مالك ~~والثوري وغيرهما من الأئمة ويأمر العامي أن يستفتي إسحاق وأبا عبيد وأبا ~~ثور وأبا مصعب. وينهى العلماء من أصحابه كأبي داود وعثمان بن سعيد وإبراهيم ~~الحربي؛ وأبي بكر الأثرم وأبي زرعة؛ وأبي حاتم السجستاني ومسلم وغيرهم: أن ~~يقلدوا أحدا من العلماء. ويقول: عليكم بالأصل بالكتاب والسنة. # PageV20P226 # وسئل - رحمه الله -: # أن يشرح ما ذكره نجم الدين بن حمدان في آخر " كتاب الرعاية " وهو قوله: ~~من التزم مذهبا أنكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر آخر ويبين لنا ~~ما أشكل علينا من كون بعض المسائل يذكر فيها في " الكافي " و " المحرر " و ~~" المقنع " و " الرعاية " و " الخلاصة " و " الهداية " روايتان أو وجهان؛ ~~ولم يذكر الأصح والأرجح فلا ندري بأيهما نأخذ؟ وإن سألونا عنه أشكل علينا؟ ~~. # الجواب # فأجاب: # الحمد لله، أما هذه الكتب التي يذكر فيها روايتان أو وجهان ولا يذكر فيها ~~الصحيح: فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل كتاب " التعليق " ~~للقاضي أبي يعلى و " الانتصار " لأبي ms6070 الخطاب و " عمد الأدلة " لابن عقيل. ~~وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني وأبي الحسن ابن الزاغوني وغير ذلك من الكتب ~~الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف ويذكر فيها الراجح. وقد اختصرت رءوس ~~مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة # PageV20P227 # مثل " رءوس المسائل " للقاضي أبي الحسين وقد نقل عن الشيخ أبي البركات ~~صاحب " المحرر " أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: أنه ما رجحه ~~أبو الخطاب في رءوس مسائله. ومما يعرف منه ذلك كتاب " المغني " للشيخ أبي ~~محمد وكتاب " شرح الهداية " لجدنا أبي البركات وقد شرح " الهداية " غير ~~واحد كأبي حليم النهرواني وأبي عبد الله بن تيمية صاحب " التفسير " الخطيب ~~عم أبي البركات وأبي المعالي ابن المنجا وأبي البقاء النحوي لكن لم يكمل ~~ذلك. وقد اختلف الأصحاب فيما يصححونه فمنهم من يصحح رواية ويصحح آخر رواية ~~فمن عرف ذلك نقله ومن ترجح عنده قول واحد على قول آخر اتبع القول الراجح ~~ومن كان مقصوده نقل مذهب أحمد نقل ما ذكروه من اختلاف الروايات والوجوه ~~والطرق كما ينقل أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومالك مذاهب الأئمة؛ فإنه في كل ~~مذهب من اختلاف الأقوال عن الأئمة واختلاف أصحابهم في معرفة مذهبهم ومعرفة ~~الراجح شرعا: ما هو معروف. ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في ~~مذهبه في عامة المسائل وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في # PageV20P228 # الشرع؛ وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره ولا يوجد ~~له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى وأكثر مفاريده ~~التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحا كقوله بجواز فسخ الإفراد ~~والقران إلى التمتع وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ~~كالوصية في السفر وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب وقوله بجواز شهادة ~~العبد وقوله بأن السنة للمتيمم أن يمسح الكوعين بضربة واحدة. وقوله في ~~المستحاضة بأنها تارة ترجع إلى العادة وتارة ترجع ms6071 إلى التمييز؛ وتارة ترجع ~~إلى غالب عادات النساء؛ فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثلاث ~~سنن؛ عمل بالثلاثة أحمد دون غيره. وقوله بجواز المساقاة والمزارعة على ~~الأرض البيضاء والتي فيها شجر وسواء كان البذر منهما أو من أحدهما وجواز ما ~~يشبه ذلك وإن كان من باب المشاركة ليس من باب الإجارة ولا هو على خلاف ~~القياس ونظير هذا كثير. وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها عن ~~أبي حنيفة والشافعي مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه # PageV20P229 # وهي التي صنف لها الهراسي ردا عليها وانتصر لها جماعة كابن عقيل والقاضي ~~أبي يعلى الصغير وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي محمد بن المثنى: فهذه غالبها ~~يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر وما يترجح فيها القول الآخر يكون ~~مما اختلف فيه قول أحمد وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة ونحو ~~ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش ونحو ذلك وكاعتبار المقاصد والنيات في ~~العقود والرجوع في الأيمان إلى سبب اليمين وما هيجها مع نية الحالف؛ ~~وكإقامة الحدود على أهل الجنايات كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~الراشدون يقيمونها كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ~~ذلك وكاعتبار العرف في الشروط وجعل الشرط العرفي كالشرط اللفظي والاكتفاء ~~في العقود المطلقة بما يعرفه الناس وأن ما عده الناس بيعا فهو بيع وما عدوه ~~إجارة فهو إجارة وما عدوه هبة فهو هبة وما عدوه وقفا فهو وقف لا يعتبر في ~~ذلك لفظ معين ومثل هذا كثير. # PageV20P230 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله الحبر الكامل العلامة الأوحد ~~الحافظ الزاهد؛ العابد الورع؛ الرباني المقذوف في قلبه النور الإلهي ~~والعلوم الرفيعة والفنون البديعة الآخذ بأزمة الشريعة الناكص عن الآراء ~~المزلة والأهواء المضلة المقتفي لآثار السلف علما وعملا مفتي الفرق مجتهد ~~العصر أوحد الدهر تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ~~بن تيمية - أدام الله بركته ورفع في الدنيا والآخرة محله ms6072 ودرجته -: # الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه ~~وسمائه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه وسلم تسليما. # وبعد: فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق ~~به القرآن خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين # PageV20P231 # جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر وقد أجمع ~~المسلمون على هدايتهم ودرايتهم إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~فعلماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في ~~أمته والمحيون لما مات من سنته بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب ~~وبه نطقوا. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما ~~يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل؛ ~~فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول وعلى أن كل أحد من الناس ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا وجد لواحد ~~منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ~~ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. ~~والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ~~ذلك الحكم منسوخ. # PageV20P232 # وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة. السبب الأول: ألا يكون ~~الحديث قد بلغه. ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه وإذا لم ~~يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر؛ أو بموجب ~~قياس؛ أو موجب استصحاب: فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى. وهذا ~~السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث؛ ~~فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأمة. وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث؛ أو يفتي؛ ms6073 أو يقضي؛ أو يفعل الشيء ~~فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهي ~~علم ذلك إلى من يشاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ثم في ~~مجلس آخر قد يحدث أو يفتي أو يقضي أو يفعل شيئا ويشهده بعض من كان غائبا عن ~~ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء ~~وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم ~~بكثرة العلم أو جودته. وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV20P233 # فهذا لا يمكن ادعاؤه قط واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم ~~الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله خصوصا الصديق رضي ~~الله عنه الذي لم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا بل كان يكون معه في غالب ~~الأوقات حتى إنه يسمر عنده بالليل في أمور المسلمين. وكذلك عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - فإنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: دخلت أنا وأبو بكر ~~وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ثم مع ذلك {لما سئل أبو بكر - رضي الله عنه - ~~عن ميراث الجدة قال: ما لك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من شيء ولكن اسأل الناس فسألهم فقام المغيرة بن ~~شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس} وقد ~~بلغ هذه السنة عمران بن حصين أيضا وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من ~~الخلفاء ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التي قد اتفقت الأمة على العمل بها. ~~وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها ~~أبو موسى واستشهد بالأنصار وعمر أعلم ممن حدثه بهذه السنة. ولم يكن عمر ~~أيضا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى # PageV20P234 # أن الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان - وهو أمير لرسول ms6074 الله ~~صلى الله عليه وسلم على بعض البوادي - يخبره {أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها} فترك رأيه لذلك وقال: لو لم ~~نسمع بهذا لقضينا بخلافه. ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد ~~الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب} . ولما قدم سرغ وبلغه أن الطاعون بالشام استشار ~~المهاجرين الأولين الذين معه ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح فأشار كل عليه بما ~~رأى ولم يخبره أحد بسنة حتى قدم عبد الرحمن بن عوف {فأخبره بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الطاعون وأنه قال إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه} . وتذاكر هو وابن عباس أمر ~~الذي يشك في صلاته فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى {قال عبد الرحمن بن ~~عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن} . ~~وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول: من يحدثنا عن # PageV20P235 # الريح؟ قال أبو هريرة: فبلغني وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى ~~أدركته فحدثته بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح. فهذه ~~مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله ومواضع أخر لم يبلغه ما ~~فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك مثل ما قضى في دية الأصابع ~~أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبي موسى وابن عباس - وهما دونه ~~بكثير في العلم - علم بأن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه وهذه سواء ~~يعني: الإبهام والخنصر} فبلغت هذه السنة لمعاوية رضي الله عنه في إمارته ~~فقضى بها ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ذلك ولم يكن عيبا في عمر - رضي ~~الله عنه - حيث لم يبلغه الحديث. وكذلك كان ينهي المحرم عن التطيب قبل ~~الإحرام؛ وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة ms6075 العقبة هو وابنه عبد الله رضي ~~الله عنهما وغيرهما من أهل الفضل ولم يبلغهم {حديث عائشة رضي الله عنها ~~طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف} ~~. وكان يأمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير # PageV20P236 # توقيت واتبعه على ذلك طائفة من السلف ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت ~~عند بعض من ليس مثلهم في العلم وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وجوه متعددة صحيحة. وكذلك عثمان رضي الله عنه لم يكن عنده علم بأن المتوفى ~~عنها زوجها تعتد في بيت الموت حتى حدثته {الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد ~~الخدري بقضيتها لما توفي زوجها وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ~~امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله} فأخذ به عثمان. وأهدي له مرة صيد كان ~~قد صيد لأجله فهم بأكله حتى أخبره علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رد لحما أهدي له. وكذلك علي رضي الله عنه قال؛ كنت إذا سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وإذا ~~حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر وذكر ~~حديث صلاة التوبة المشهور. وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها ~~إذا كانت حاملا تعتد # PageV20P237 # بأبعد الأجلين ولم يكن قد بلغتهم {سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدتها وضع حملها} ~~. وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر ~~لها ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق. ~~وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عددا كثيرا جدا. وأما المنقول منه عن غيرهم فلا يمكن الإحاطة به؛ فإنه ألوف ~~فهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها فمن ms6076 بعدهم أنقص؛ فخفاء ~~بعض السنة عليه أولى فلا يحتاج إلى بيان. فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ ~~كل واحد من الأئمة أو إماما معينا فهو مخطئ خطأ فاحشا قبيحا. ولا يقولن ~~قائل: الأحاديث قد دونت وجمعت؛ فخفاؤها والحال هذه بعيد. لأن هذه الدواوين ~~المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ومع هذا فلا يجوز ~~أن يدعي انحصار حديث # PageV20P238 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين معينة ثم لو فرض انحصار حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم ولا يكاد ~~ذلك يحصل لأحد. بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما ~~فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ ~~لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول؛ أو بإسناد ~~منقطع؛ أو لا يبلغنا بالكلية فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في ~~الدواوين وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية. ولا يقولن قائل: من لم يعرف ~~الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا. لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فيما يتعلق بالأحكام: فليس في الأمة مجتهد ~~وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل ~~من التفصيل ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه. # السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه ~~أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيئ الحفظ. ~~وإما لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا؛ أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك ~~الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول ~~عنده الثقة أو يكون قد # PageV20P239 # رواه غير أولئك المجروحين عنده؛ أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة وقد ~~ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ؛ أو لتلك الرواية من الشواهد ~~والمتابعات ms6077 ما يبين صحتها. وهذا أيضا كثير جدا. وهو في التابعين وتابعيهم ~~إلى الأئمة المشهورين من بعدهم أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول ~~فإن الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت لكن كانت تبلغ كثيرا من العلماء من ~~طرق ضعيفة وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا ~~الوجه مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه ولهذا وجد في كلام غير واحد ~~من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول: قولي في هذه المسألة ~~كذا وقد روي فيها حديث بكذا؛ فإن كان صحيحا فهو قولي. # السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر ~~عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معهما عند من يقول: كل ~~مجتهد مصيب؛ ولذلك أسباب: منها: أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ~~ضعيفا؛ ويعتقده الآخر ثقة. ومعرفة الرجال علم واسع؛ ثم قد يكون المصيب من # PageV20P240 # يعتقد ضعفه؛ لاطلاعه على سبب جارح وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ~~ذلك السبب غير جارح؛ إما لأن جنسه غير جارح؛ أو لأنه كان له فيه عذر يمنع ~~الجرح. وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع ~~والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم. ومنها: ألا يعتقد أن ~~المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه وغيره يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب ذلك ~~معروفة. ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب مثل أن ~~يختلط أو تحترق كتبه فما حدث به في حال الاستقامة صحيح وما حدث به في حال ~~الاضطراب ضعيف فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين؟ وقد علم غيره أنه مما ~~حدث به في حال الاستقامة. ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم ~~يذكره فيما بعد أو أنكر أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث. ~~ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به. والمسألة معروفة. ومنها: أن كثيرا ~~من الحجازيين يرون ms6078 ألا يحتج بحديث عراقي أو شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز ~~حتى قال قائلهم: نزلوا أحاديث # PageV20P241 # أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقيل لآخر: ~~سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ قال: إن لم يكن له ~~أصل بالحجاز فلا وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم ~~منها شيء وأن أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها. وبعض ~~العراقيين يرى ألا يحتج بحديث الشاميين وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف ~~بهذا فمتى كان الإسناد جيدا كان الحديث حجة سواء كان الحديث حجازيا أو ~~عراقيا أو شاميا أو غير ذلك. وقد صنف أبو داود السجستاني كتابا في مفاريد ~~أهل الأمصار من السنن يبين ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التي ~~لا توجد مسندة عند غيرهم مثل المدينة؛ ومكة؛ والطائف؛ ودمشق وحمص والكوفة ~~والبصرة وغيرها. إلى أسباب أخر غير هذه. # السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها ~~غيره مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب # PageV20P242 # والسنة واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول واشتراط ~~بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو ~~معروف في مواضعه. # السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه وهذا يرد في ~~الكتاب والسنة مثل الحديث المشهور {عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الرجل ~~يجنب في السفر فلا يجد الماء؟ فقال: لا يصل حتى يجد الماء فقال له عمار: يا ~~أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأجنبنا فأما أنا فتمرغت ~~كما تمرغ الدابة وأما أنت فلم تصل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إنما يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه؟} فقال له ~~عمر: اتق الله يا عمار فقال: إن شئت لم أحدث به. فقال: بل نوليك من ذلك ما ~~توليت. فهذه سنة شهدها ms6079 عمر ثم نسيها حتى أفتى بخلافها وذكره عمار فلم يذكر ~~وهو لم يكذب عمارا بل أمره أن يحدث به. وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال: ~~لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددته. ~~فقالت امرأة: يا أمير المؤمنين لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ ثم قرأت: # PageV20P243 # {وآتيتم إحداهن قنطارا} فرجع عمر إلى قولها وقد كان حافظا للآية ولكن ~~نسيها. وكذلك ما روي أن عليا ذكر الزبير يوم الجمل شيئا عهده إليهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكره حتى انصرف عن القتال. وهذا كثير في السلف ~~والخلف. # السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث تارة لكون اللفظ الذي في الحديث ~~غريبا عنده مثل لفظ المزابنة والمحاقلة والمخابرة والملامسة والمنابذة ~~والغرر؛ إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها ~~وكالحديث المرفوع: {لا طلاق ولا عتاق في إغلاق} فإنهم قد فسروا الإغلاق ~~بالإكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير. وتارة لكون معناه في لغته وعرفه ~~غير معناه في لغة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحمله على ما يفهمه في لغته ~~بناء على أن الأصل بقاء اللغة كما سمع بعضهم آثارا في الرخصة في النبيذ ~~فظنوه بعض أنواع المسكر؛ لأنه لغتهم وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن ~~يشتد؛ فإنه جاء مفسرا في أحاديث كثيرة صحيحة. وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب ~~والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة بناء على أنه كذلك في # PageV20P244 # اللغة وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل ~~شراب مسكر. وتارة لكون اللفظ مشتركا أو مجملا؛ أو مترددا بين حقيقة ومجاز؛ ~~فيحمله على الأقرب عنده وإن كان المراد هو الآخر كما حمل جماعة من الصحابة ~~في أول الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل وكما حمل آخرون قوله: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} على اليد إلى الإبط. وتارة لكون الدلالة من النص ~~خفية؛ فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدا يتفاوت الناس في إدراكها وفهم ~~وجوه ms6080 الكلام بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه ثم قد يعرفها الرجل من حيث ~~العموم ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلا في ذلك العام ثم قد يتفطن له تارة ~~ثم ينساه بعد ذلك. وهذا باب واسع جدا لا يحيط به إلا الله وقد يغلط الرجل ~~فيفهم من الكلام ما لا تحتمله اللغة العربية التي بعث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بها. # السبب السابع: اعتقاده أن لا دلالة في الحديث. والفرق بين هذا وبين الذي ~~قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة والثاني عرف # PageV20P245 # جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بأن يكون له من الأصول ما ~~يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابا أو خطأ مثل أن يعتقد أن ~~العام المخصوص ليس بحجة وأن المفهوم ليس بحجة وأن العموم الوارد على سبب ~~مقصور على سببه أو أن الأمر المجرد لا يقتضي الوجوب؛ أو لا يقتضي الفور أو ~~أن المعرف باللام لا عموم له أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا ~~جميع أحكامها أو أن المقتضي لا عموم له؛ فلا يدعي العموم في المضمرات ~~والمعاني إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل ~~الخلاف منه في هذا القسم وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات ~~المختلف فيها وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات: هل هي من ذلك الجنس أم لا؟ ~~مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل بأن يكون مشتركا لا دلالة تعين أحد ~~معنييه أو غير ذلك. # السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست ~~مرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي ~~الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات. وهو باب واسع ~~أيضا؛ فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم. # PageV20P246 # السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه؛ أو نسخه؛ أو ~~تأويله إن كان قابلا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل ms6081 آية أو ~~حديث آخر أو مثل إجماع وهذا نوعان: أحدهما: أن يعتقد أن هذا المعارض راجح ~~في الجملة فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها. وتارة يعين أحدها ~~بأن يعتقد أنه منسوخ؛ أو أنه مؤول. ثم قد يغلط في النسخ فيعتقد المتأخر ~~متقدما وقد يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما لا يحتمله لفظه أو هناك ~~ما يدفعه وإذا عارضه من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك المعارض دالا وقد لا ~~يكون الحديث المعارض في قوة الأول إسنادا أو متنا وتجيء هنا الأسباب ~~المتقدمة وغيرها في الحديث الأول والإجماع المدعي في الغالب إنما هو عدم ~~العلم بالمخالف. وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء ~~متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف مع أن ظاهر الأدلة عندهم يقتضي خلاف ذلك ~~لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا؛ مع علمه بأن الناس قد ~~قالوا خلافه حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: إن كان في المسألة إجماع فهو ~~أحق ما يتبع وإلا فالقول عندي كذا وكذا # PageV20P247 # وذلك مثل من يقول: لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد. وقبولها محفوظ عن علي ~~وأنس وشريح وغيرهم ويقول: أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث وتوريثه محفوظ ~~عن علي وابن مسعود وفيه حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول آخر: ~~لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وإيجابها ~~محفوظ عن أبي جعفر الباقر؛ وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم قول أهل ~~العلم الذين أدركهم في بلاده وأقوال جماعات غيرهم كما تجد كثيرا من ~~المتقدمين لا يعلم إلا قول المدنيين والكوفيين وكثير من المتأخرين لا يعلم ~~إلا قول اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين وما خرج عن ذلك فإنه عنده ~~يخالف الإجماع؛ لأنه لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه فهذا لا ~~يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا؛ لخوفه أن يكون هذا خلافا للإجماع أو ~~لاعتقاده أنه ms6082 مخالف للإجماع والإجماع أعظم الحجج. وهذا عذر كثير من الناس ~~في كثير مما يتركونه وبعضهم معذور فيه حقيقة؛ وبعضهم معذور فيه وليس في ~~الحقيقة بمعذور وكذلك كثير من الأسباب قبله وبعده. # السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله # PageV20P248 # مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارض؛ أو لا يكون في الحقيقة معارضا راجحا؛ ~~كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن واعتقادهم أن ظاهر ~~القرآن من العموم ونحوه مقدم على نص الحديث ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرا ~~لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة. ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين ~~وإن كان غيرهم يعلم أن ليس في ظاهر القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ولو ~~كان فيه ذلك فالسنة هي المفسرة للقرآن عندهم. وللشافعي في هذه القاعدة كلام ~~معروف ولأحمد فيها رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر ~~القرآن عن تفسير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أورد فيها من ~~الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره. ومن ذلك دفع الخبر الذي فيه تخصيص ~~لعموم الكتاب أو تقييد لمطلقه أو فيه زيادة عليه واعتقاد من يقول ذلك أن ~~الزيادة على النص كتقييد المطلق نسخ وأن تخصيص العام نسخ وكمعارضة طائفة من ~~المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة بناء على أنهم مجمعون على مخالفة ~~الخبر وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر كمخالفة أحاديث خيار المجلس بناء ~~على هذا الأصل وإن كان أكثر الناس قد يثبتون # PageV20P249 # أن المدنيين قد اختلفوا في تلك المسألة وأنهم لو أجمعوا وخالفهم غيرهم ~~لكانت الحجة في الخبر. وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي ~~بناء على أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر. إلى غير ذلك من أنواع ~~المعارضات سواء كان المعارض مصيبا أو مخطئا. فهذه الأسباب العشرة ظاهرة وفي ~~كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع ~~نحن عليها؛ فإن مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن على جميع ما في ms6083 بواطن ~~العلماء والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا ~~تبلغ وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه سواء كانت الحجة ~~صوابا في نفس الأمر أم لا لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن ~~قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم؛ إلى قول آخر قاله عالم ~~يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم؛ إذ تطرق الخطأ إلى ~~آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية فإن الأدلة الشرعية حجة ~~الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم. # PageV20P250 # والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي العالم ~~ليس كذلك ولو كان العمل بهذا التجويز جائزا لما بقي في أيدينا شيء من ~~الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورا في ~~تركه له ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك وقد قال سبحانه: {تلك أمة قد خلت ~~لها ما كسبت} الآية وقال سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} ، وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقول ~~أحد من الناس كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة فأجابه ~~فيها بحديث فقال له: قال أبو بكر وعمر فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم ~~حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو ~~بكر وعمر؟ وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب؛ فإذا جاء حديث صحيح فيه ~~تحليل أو تحريم أو حكم؛ فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له من العلماء الذين ~~وصفنا أسباب تركهم يعاقب؛ لكونه حلل الحرام أو حرم الحلال؛ أو حكم بغير ما ~~أنزل الله. وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل: من لعنة أو غضب أو عذاب ~~ونحو ذلك؛ فلا يجوز أن يقال: إن ذلك العالم الذي أباح # PageV20P251 # هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد. وهذا ms6084 مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافا ~~إلا شيئا يحكى عن بعض معتزلة بغداد مثل المريسي وأضرابه: أنهم زعموا أن ~~المخطئ من المجتهدين يعاقب على خطئه وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم ~~مشروط بعلمه بالتحريم؛ أو بتمكنه من العلم بالتحريم؛ فإن من نشأ ببادية أو ~~كان حديث عهد بالإسلام وفعل شيئا من المحرمات غير عالم بتحريمها لم يأثم ~~ولم يحد وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي. فمن لم يبلغه الحديث ~~المحرم واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورا؛ ولهذا كان ~~هذا مأجورا محمودا لأجل اجتهاده قال الله سبحانه: {وداود وسليمان} إلى قوله ~~{وعلما} فاختص سليمان بالفهم؛ وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وفي الصحيحين عن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر} فتبين أن المجتهد مع ~~خطئه له أجر؛ وذلك لأجل اجتهاده وخطؤه مغفور له؛ لأن درك الصواب في جميع ~~أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . وفي ~~الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه عام الخندق: لا ~~يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم صلاة # PageV20P252 # العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة وقال بعضهم: لم ~~يرد منا هذا؛ فصلوا في الطريق. فلم يعب واحدة من الطائفتين} فالأولون ~~تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم والآخرون كان معهم ~~من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم فإن المقصود المبادرة إلى ~~القوم. وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافا مشهورا: هل يخص العموم ~~بالقياس؟ ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب. وكذلك {بلال رضي الله ~~عنه لما باع الصاعين بالصاع أمره النبي صلى الله عليه وسلم برده} ولم يرتب ~~على ذلك حكم آكل الربا من التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه ms6085 بالتحريم. ~~وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى {حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} معناه الحبال البيض والسود فكان أحدهم ~~يجعل عقالين أبيض وأسود ويأكل حتى يتبين أحدهما من الآخر {فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعدي: إن وسادك إذا لعريض إنما هو بياض النهار وسواد الليل} ~~فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ولم يرتب على هذا الفعل ذم من أفطر في ~~رمضان وإن كان من أعظم الكبائر بخلاف {الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب ~~الغسل فاغتسل فمات؛ فإنه قال: قتلوه # PageV20P253 # قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال} فإن هؤلاء ~~أخطئوا بغير اجتهاد؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم. وكذلك {لم يوجب على أسامة ~~بن زيد قودا ولا دية ولا كفارة لما قتل الذي قال: لا إله إلا الله في غزوة ~~الحرقات} فإنه كان معتقدا جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح مع ~~أن قتله حرام. وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل البغي ~~من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود ولا دية ولا كفارة؛ وإن كان ~~قتلهم وقتالهم محرما. وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن ~~يذكر في كل خطاب؛ لاستقرار العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل ~~مشروط بإخلاص العمل لله؛ وبعدم حبوط العمل بالردة ثم إن هذا الشرط لا يذكر ~~في كل حديث فيه وعد. ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد فإن الحكم يتخلف عنه ~~لمانع وموانع لحوق الوعيد متعددة: منها التوبة ومنها الاستغفار ومنها ~~الحسنات الماحية للسيئات ومنها بلاء الدنيا ومصائبها ومنها شفاعة # PageV20P254 # شفيع مطاع ومنها رحمة أرحم الراحمين. فإذا عدمت هذه الأسباب كلها ولن ~~تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد على الله شراد البعير على أهله فهنالك ~~يلحق الوعيد به؛ وذلك أن حقيقة الوعيد بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب ~~فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه أما أن ms6086 كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ~~ذلك المسبب به فهذا باطل قطعا؛ لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط وزوال جميع ~~الموانع. وإيضاح هذا أن من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما ~~أن يكون تركا جائزا باتفاق المسلمين كالترك في حق من لم يبلغه؛ ولا قصر في ~~الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم كما ذكرناه عن الخلفاء الراشدين وغيرهم ~~فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء. وإما أن يكون تركا ~~غير جائز فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله تعالى لكن قد يخاف على ~~بعض العلماء أن يكون الرجل قاصرا في درك تلك المسألة: فيقول مع عدم أسباب ~~القول وإن كان له فيها نظر واجتهاد أو يقصر في الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ ~~النظر نهايته مع كونه متمسكا بحجة أو يغلب عليه عادة أو غرض يمنعه من ~~استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده وإن كان لم يقل إلا # PageV20P255 # بالاجتهاد والاستدلال فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد قد لا ~~ينضبط للمجتهد. ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا خشية ألا يكون الاجتهاد ~~المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة فهذه ذنوب؛ لكن لحوق عقوبة الذنب ~~بصاحبه إنما تنال لمن لم يتب وقد يمحوها الاستغفار والإحسان والبلاء ~~والشفاعة والرحمة ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى ويصرعه حتى ينصر ما يعلم ~~أنه باطل أو من يجزم بصواب قول أو خطئه من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول ~~نفيا وإثباتا؛ فإن هذين في النار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {القضاة ~~ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق ~~فقضى به وأما اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل ورجل علم الحق وقضى ~~بخلافه} والمفتون كذلك. لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضا له موانع كما ~~بيناه فلو فرض وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند الأمة ~~- مع أن ms6087 هذا بعيد أو غير واقع - لم يعدم أحدهم أحد هذه الأسباب؛ ولو وقع لم ~~يقدح في إمامتهم على الإطلاق فإنا لا نعتقد في القوم العصمة بل تجوز عليهم ~~الذنوب ونرجو لهم مع ذلك أعلى الدرجات؛ لما اختصهم الله به من الأعمال ~~الصالحة والأحوال السنية # PageV20P256 # وإنهم لم يكونوا مصرين على ذنب وليسوا بأعلى درجة من الصحابة رضي الله ~~عنهم والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا والدماء التي ~~كانت بينهم وغير ذلك. ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور ~~لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لا نعلم لها معارضا يدفعها وأن ~~نعتقد وجوب العمل على الأمة ووجوب تبليغها. وهذا مما لا يختلف العلماء فيه. ~~ثم هي منقسمة إلى: ما دلالته قطعية؛ بأن يكون قطعي السند والمتن وهو ما ~~تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وتيقنا أنه أراد به تلك ~~الصورة. وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية. فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه ~~علما وعملا؛ وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة وإنما قد يختلفون ~~في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس ~~بقطعي؟ مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو ~~الذي اتفقت على العمل به فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم ~~وذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لا يفيده. وكذلك الخبر المروي من عدة جهات ~~يصدق بعضها بعضا من أناس # PageV20P257 # مخصوصين قد تفيد العلم اليقيني لمن كان عالما بتلك الجهات؛ وبحال أولئك ~~المخبرين؛ وبقرائن وضمائم تحتف بالخبر وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل ~~لمن لم يشركه في ذلك. ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون في ~~معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار؛ وإن كان غيرهم من العلماء قد لا ~~يظن صدقها فضلا عن العلم بصدقها ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم يفيده ~~من كثرة المخبرين تارة ومن صفات المخبرين أخرى ومن نفس الإخبار به ms6088 أخرى ومن ~~نفس إدراك المخبر له أخرى ومن الأمر المخبر به أخرى فرب عدد قليل أفاد ~~خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم ~~وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ~~وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين. وذهب طوائف من ~~المتكلمين وبعض الفقهاء إلى أن كل عدد أفاد العلم خبرهم بقضية أفاد خبر مثل ~~ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا باطل قطعا لكن ليس هذا موضع بيان ذلك. ~~فأما تأثير القرائن الخارجة عن المخبرين في العلم بالخبر فلم نذكره؛ لأن ~~تلك القرائن قد تفيد العلم لو تجردت عن الخبر وإذا كانت # PageV20P258 # بنفسها قد تفيد العلم لم تجعل تابعة للخبر على الإطلاق كما لم يجعل الخبر ~~تابعا لها بل كل منهما طريق إلى العلم تارة وإلى الظن أخرى وإن اتفق اجتماع ~~ما يوجب العلم به منهما أو اجتماع موجب العلم من أحدهما وموجب الظن من ~~الآخر وكل من كان بالأخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس ~~مثله وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث: هل ~~هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟ ~~وهذا أيضا باب واسع فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها ~~غيرهم إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى أو لعلمهم بأن المعنى ~~الآخر يمنع حمل الحديث عليه أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع. وأما ~~القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق ~~العلماء المعتبرين فإن كان قد تضمن حكما علميا مثل الوعيد ونحوه فقد ~~اختلفوا فيه: فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن ~~وعيدا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ولا يعمل به في الوعيد ~~إلا أن يكون قطعيا وكذلك لو كان المتن قطعيا لكن الدلالة ms6089 ظاهرة وعلى هذا ~~حملوا قول عائشة رضي الله عنها أبلغي # PageV20P259 # زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب ~~قالوا: فعائشة ذكرت الوعيد لأنها كانت عالمة به ونحن نعمل بخبرها في ~~التحريم وإن كنا لا نقول بهذا الوعيد لأن الحديث إنما ثبت عندنا بخبر واحد. ~~وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية؛ فلا تثبت إلا بما يفيد العلم ~~وأيضا فإن الفعل إذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد. فعلى قول ~~هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد إلا ~~أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن ~~بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فإنها تضمنت عملا ~~وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا ~~لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين. وذهب الأكثرون من الفقهاء ~~وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد؛ ~~فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون ~~بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها ~~للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن الوعيد من ~~جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة # PageV20P260 # وبالأدلة القطعية أخرى؛ فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد بل ~~المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو المطلوب ~~في الأحكام العملية. ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد ~~فاعله بالعقوبة المجملة واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من ~~حيث إن كلا منهما إخبار عن الله فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل ~~فكذلك الإخبار عنه بالثاني بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد؛ كان ~~صحيحا. # ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في ~~أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل ms6090 النفوس على الترك فإن كان ~~ذلك الوعيد حقا كان الإنسان قد نجا وإن لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل ~~أخف من ذلك الوعيد لم يضر الإنسان إذا ترك ذلك الفعل خطؤه في اعتقاده زيادة ~~العقوبة لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضا وكذلك إن لم يعتقد في تلك ~~الزيادة نفيا ولا إثباتا فقد يخطئ فهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه ~~فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة أو يقوم به سبب استحقاق ذلك. فإذا ~~الخطأ في الاعتقاد على التقديرين تقدير اعتقاد الوعيد وتقدير عدمه سواء ~~والنجاة من العذاب على تقدير اعتقاد # PageV20P261 # الوعيد أقرب فيكون هذا التقدير أولى. وبهذا الدليل رجح عامة العلماء ~~الدليل الحاظر على الدليل المبيح وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في ~~كثير من الأحكام بناء على هذا وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه ~~بين العقلاء في الجملة فإذا كان خوفه من الخطإ بنفي اعتقاد الوعيد مقابلا ~~لخوفه من الخطإ في عدم هذا الاعتقاد: بقي الدليل الموجب لاعتقاده والنجاة ~~الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن المعارض. وليس لقائل أن يقول عدم ~~الدليل القطعي على الوعيد دليل على عدمه كعدم الخبر المتواتر على القراءات ~~الزائدة على ما في المصحف؛ لأن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول عليه ومن ~~قطع بنفي شيء من الأمور العلمية لعدم الدليل القاطع على وجودها كما هو ~~طريقة طائفة من المتكلمين فهو مخطئ خطأ بينا لكن إذا علمنا أن وجود الشيء ~~مستلزم لوجود الدليل وعلمنا عدم الدليل قطعنا بعدم الشيء المستلزم لأن عدم ~~اللازم دليل على عدم الملزوم وقد علمنا أن الدواعي متوفرة على نقل كتاب ~~الله ودينه فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج إلى نقله حجة عامة فلما ~~لم ينقل نقلا عاما صلاة سادسة ولا سورة أخرى علمنا يقينا عدم ذلك. # PageV20P262 # وباب الوعيد ليس من هذا الباب؛ فإنه لا يجب في كل وعيد على فعل أن ينقل ~~نقلا متواترا كما لا يجب ذلك في حكم ذلك الفعل ms6091 فثبت أن الأحاديث المتضمنة ~~للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها: باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك ~~الوعيد لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط؛ وله موانع. وهذه القاعدة تظهر ~~بأمثلة منها أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله آكل ~~الربا وموكله وشاهديه وكاتبه} وصح عنه من غير وجه أنه {قال لمن باع صاعين ~~بصاع يدا بيد: أوه عين الربا} كما قال: {البر بالبر ربا إلا هاء وهاء} ~~الحديث وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسأ في الحديث. ثم إن ~~الذين بلغهم {قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الربا في النسيئة} ~~فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدا بيد؛ مثل ابن عباس رضي الله عنه وأصحابه: ~~أبي الشعثاء؛ وعطاء؛ وطاوس؛ وسعيد بن جبير وعكرمة؛ وغيرهم من أعيان المكيين ~~الذين هم من صفوة الأمة علما وعملا: لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدا منهم ~~بعينه أو من قلده بحيث يجوز تقليده: تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فعلوا ~~ذلك متأولين تأويلا سائغا في الجملة. # PageV20P263 # وكذلك ما نقل عن طائفة من فضلاء المدنيين من إتيان المحاش مع ما رواه أبو ~~داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أتى امرأة في دبرها فهو ~~كافر بما أنزل على محمد} أفيستحل مسلم أن يقول إن فلانا وفلانا كانا كافرين ~~بما أنزل على محمد وكذلك {قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن في الخمر ~~عشرة: عاصر الخمر ومعتصرها وشاربها} . وثبت عنه من وجوه أنه قال: {كل شراب ~~أسكر فهو خمر} وقال: {كل مسكر خمر} . وخطب عمر رضي الله عنه على منبره صلى ~~الله عليه وسلم فقال بين المهاجرين والأنصار: الخمر ما خامر العقل. وأنزل ~~الله تحريم الخمر وكان سبب نزولها ما كانوا يشربونه في المدينة ولم يكن لهم ~~شراب إلا الفضيخ لم يكن لهم من خمر الأعناب شيء. وقد كان رجال من أفاضل ~~الأمة علما وعملا من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب ms6092 وأن ما سوى ~~العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يسكر ويشربون ما يعتقدون حله. ~~فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد لما كان لهم من العذر الذي ~~تأولوا به أو لموانع أخر فلا يجوز أن يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس من ~~الخمر الملعون شاربها فإن سبب القول العام لا بد أن يكون داخلا فيه ولم يكن ~~بالمدينة خمر من العنب ثم {إن النبي # PageV20P264 # صلى الله عليه وسلم قد لعن البائع للخمر} وقد باع بعض الصحابة خمرا حتى ~~بلغ عمر فقال: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: {لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها} ولم يكن ~~يعلم أن بيعها محرم ولم يمنع عمر رضي الله عنه علمه بعدم علمه أن يبين جزاء ~~هذا الذنب؛ ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به. وقد لعن العاصر ~~والمعتصر؛ وكثير من الفقهاء يجوزون للرجل أن يعصر لغيره عنبا وإن علم أن من ~~نيته أن يتخذه خمرا فهذا نص في لعن العاصر مع العلم بأن المعذور تخلف الحكم ~~عنه لمانع. وكذلك لعن الواصلة والموصولة في عدة أحاديث صحاح ثم من الفقهاء ~~من يكرهه فقط. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الذي يشرب في آنية الفضة ~~إنما يجرجر في بطنه نار جهنم} ومن الفقهاء من يكرهه كراهة تنزيه. وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار} يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين # PageV20P265 # بغير حق ثم إنا نعلم أن أهل الجمل وصفين ليسوا في النار؛ لأن لهما عذرا ~~وتأويلا في القتال وحسنات منعت المقتضي أن يعمل عمله. وقال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل فيقول الله ~~له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ورجل بايع إماما لا ~~يبايعه ms6093 إلا لدنيا إن أعطاه رضي وإن لم يعطه سخط ورجل حلف على سلعة بعد ~~العصر كاذبا: لقد أعطي بها أكثر مما أعطي} فهذا وعيد عظيم لمن منع فضل مائه ~~مع أن طائفة من العلماء يجوزون للرجل أن يمنع فضل مائه. فلا يمنعنا هذا ~~الخلاف أن نعتقد تحريم هذا محتجين بالحديث ولا يمنعنا مجيء الحديث أن نعتقد ~~أن المتأول معذور في ذلك لا يلحقه هذا الوعيد. وقال صلى الله عليه وسلم ~~{لعن الله المحلل والمحلل له} . وهو حديث صحيح قد روي عنه من غير وجه وعن ~~أصحابه مع أن طائفة من العلماء صححوا نكاح المحلل مطلقا. ومنهم من صححه إذا ~~لم يشترط في العقد ولهم في ذلك أعذار معروفة؛ فإن قياس الأصول عند الأول أن ~~النكاح لا يبطل بالشروط؛ كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين وقياس الأصول عند ~~الثاني أن العقود المجردة عن شرط مقترن لا تغير # PageV20P266 # أحكام العقود؛ ولم يبلغ هذا الحديث من قال هذا القول. هذا هو الظاهر؛ فإن ~~كتبهم المتقدمة لم تتضمنه ولو بلغهم لذكروه آخذين به أو مجيبين عنه؛ أو ~~بلغهم وتأولوه؛ أو اعتقدوا نسخه؛ أو كان عندهم ما يعارضه فنحن نعلم أن مثل ~~هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد لو أنه فعل التحليل معتقدا حله على هذا الوجه ~~ولا يمنعنا ذلك أن نعلم أن التحليل سبب لهذا الوعيد وإن تخلف في حق بعض ~~الأشخاص لفوات شرط أو وجود مانع. وكذلك استلحاق معاوية رضي الله عنه زياد ~~بن أبيه المولود على فراش الحارث بن كلدة؛ لكون أبي سفيان كان يقول: إنه من ~~نطفته مع أنه صلى الله عليه وسلم قد قال: {من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلم ~~أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام} وقال: {من ادعي إلى غير أبيه أو تولى غير ~~مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا} حديث صحيح. وقضى أن الولد للفراش وهو من الأحكام المجمع عليها فنحن ~~نعلم أن من انتسب إلى غير الأب الذي هو ms6094 صاحب الفراش فهو داخل في كلام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يجوز أن يعين أحد دون الصحابة فضلا عن ~~الصحابة فيقال: إن هذا الوعيد لاحق به لإمكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش واعتقدوا # PageV20P267 # أن الولد لمن أحبل أمه واعتقدوا أن أبا سفيان هو المحبل لسمية أم زياد ~~فإن هذا الحكم قد يخفى على كثير من الناس لا سيما قبل انتشار السنة مع أن ~~العادة في الجاهلية كانت هكذا؛ أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضي ~~للوعيد أن يعمل عمله: من حسنات تمحو السيئات وغير ذلك. # وهذا باب واسع؛ فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو سنة إذا كان ~~بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم فاستحلوها أو عارض تلك الأدلة عندهم أدلة ~~أخرى رأوا رجحانها عليها مجتهدين في ذلك الترجيح بحسب عقلهم وعلمهم؛ فإن ~~التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق وغير ذلك لكن لها شروط ~~وموانع فقد يكون التحريم ثابتا وهذه الأحكام منتفية لفوات شرطها أو وجود ~~مانع؛ أو يكون التحريم منتفيا في حق ذلك الشخص مع ثبوته في حق غيره. وإنما ~~رددنا الكلام لأن للناس في هذه المسألة قولين: # أحدهما - وهو قول عامة السلف والفقهاء -: أن حكم الله واحد وأن من خالفه ~~باجتهاد سائغ مخطئ معذور مأجور فعلى هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول ~~بعينه حراما لكن لا يترتب أثر التحريم عليه لعفو الله عنه فإنه لا يكلف ~~نفسا إلا وسعها. # PageV20P268 # والثاني: في حقه ليس بحرام لعدم بلوغ دليل التحريم له؛ وإن كان حراما في ~~حق غيره فتكون نفس حركة ذلك الشخص ليست حراما. والخلاف متقارب وهو شبيه ~~بالاختلاف في العبارة. فهذا هو الذي يمكن أن يقال في أحاديث الوعيد إذا ~~صادفت محل خلاف إذ العلماء مجمعون على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوعد ~~عليه سواء كان محل وفاق أو خلاف بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في ~~موارد الخلاف لكن اختلفوا في الاستدلال ms6095 بها على الوعيد إذا لم تكن قطعية ~~على ما ذكرناه. فإن قيل: فهلا قلتم إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف؛ ~~وإنما تتناول محل الوفاق وكل فعل لعن فاعله أو توعد بغضب أو عقاب حمل على ~~فعل اتفق على تحريمه لئلا يدخل بعض المجتهدين في الوعيد إذا فعل ما اعتقد ~~تحليله بل المعتقد أبلغ من الفاعل؛ إذ هو الآمر له بالفعل فيكون قد ألحق به ~~وعيد اللعن أو الغضب بطريق الاستلزام؟ ؟ قلنا: الجواب من وجوه: (أحدها: أن ~~جنس التحريم إما أن يكون ثابتا في محل خلاف # PageV20P269 # أو لا يكون فإن لم يكن ثابتا في محل خلاف قط لزم أن لا يكون حراما إلا ما ~~أجمع على تحريمه فكل ما اختلف في تحريمه يكون حلالا وهذا مخالف لإجماع ~~الأمة وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. وإن كان ثابتا ولو في ~~صورة فالمستحل لذلك الفعل المحرم من المجتهدين إما أن يلحقه ذم من حلل ~~الحرام أو فعله وعقوبته أو لا؟ فإن قيل: إنه يلحقه؛ أو قيل: إنه لا يلحقه: ~~فكذلك التحريم الثابت في حديث الوعيد اتفاقا والوعيد الثابت في محل الخلاف ~~على ما ذكرناه من التفصيل بل الوعيد إنما جاء على الفاعل وعقوبة محلل ~~الحرام في الأصل أعظم من عقوبة فاعله من غير اعتقاد، فإذا جاز أن يكون ~~التحريم ثابتا في صورة الخلاف ولا يلحق المحلل المجتهد عقوبة ذلك الإحلال ~~للحرام؛ لكونه معذورا فيه؛ فلأن لا يلحق الفاعل وعيد ذلك الفعل أولى وأحرى. ~~وكما لم يلزم دخول المجتهد تحت حكم هذا التحريم من الذم والعقاب وغير ذلك: ~~لم يلزم دخوله تحت حكمه من الوعيد؛ إذ ليس الوعيد إلا نوعا من الذم والعقاب ~~فإن جاز دخوله تحت هذا الجنس فما كان الجواب عن بعض أنواعه كان جوابا عن ~~البعض الآخر ولا يغني الفرق بقلة الذم وكثرته؛ أو شدة العقوبة وخفتها؛ فإن ~~المحذور في قليل الذم # PageV20P270 # والعقاب في هذا المقام كالمحذور في كثيره فإن المجتهد لا يلحقه قليل ذلك ~~ولا كثيره بل يلحقه ms6096 ضد ذلك من الأجر والثواب. # الثاني: أن كون حكم الفعل مجمعا عليه أو مختلفا فيه أمور خارجة عن الفعل ~~وصفاته وإنما هي أمور إضافية بحسب ما عرض لبعض العلماء من عدم العلم. ~~واللفظ العام إن أريد به الخاص فلا بد من نصب دليل يدل على التخصيص إما ~~مقترن بالخطاب عند من لا يجوز تأخير البيان وإما موسع في تأخيره إلى حين ~~الحاجة عند الجمهور. ولا شك أن المخاطبين بهذا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا محتاجين إلى معرفة حكم الخطاب فلو كان المراد باللفظ العام ~~في لعنة آكل الربا والمحلل ونحوهما المجمع على تحريمه - وذلك لا يعلم إلا ~~بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم الأمة في جميع أفراد ذلك العام - ~~لكان قد أخر بيان كلامه إلى أن تكلم جميع الأمة في جميع أفراده وهذا لا ~~يجوز. (الثالث: أن هذا الكلام إنما خوطبت الأمة به لتعرف الحرام فتجتنبه ~~ويستندون في إجماعهم إليه؛ ويحتجون في نزاعهم به فلو كانت الصورة المرادة ~~هي ما أجمعوا عليه فقط لكان العلم بالمراد موقوفا على الإجماع فلا يصح ~~الاحتجاج به قبل الإجماع فلا يكون مستندا للإجماع لأن مستند الإجماع يجب أن ~~يكون متقدما عليه فيمتنع تأخره # PageV20P271 # عنه فإنه يفضي إلى الدور الباطل فإن أهل الإجماع حينئذ لا يمكنهم ~~الاستدلال بالحديث على صورة حتى يعلموا أنها مرادة ولا يعلمون أنها مرادة ~~حتى يجتمعوا فصار الاستدلال موقوفا على الإجماع قبله والإجماع موقوفا على ~~الاستدلال قبله إذا كان الحديث هو مستندهم فيكون الشيء موقوفا على نفسه ~~فيمتنع وجوده ولا يكون حجة في محل الخلاف لأنه لم يرد وهذا تعطيل للحديث عن ~~الدلالة على الحكم في محل الوفاق والخلاف وذلك مستلزم أن لا يكون شيء من ~~النصوص التي فيها تغليظ للفعل أفادنا تحريم ذلك الفعل وهذا باطل قطعا. ~~الرابع أن هذا يستلزم أن لا يحتج بشيء من هذه الأحاديث إلا بعد العلم بأن ~~الأمة أجمعت على تلك الصورة فإذا الصدر الأول لا يجوز أن يحتجوا ms6097 بها؛ بل ~~ولا يجوز أن يحتج بها من يسمعها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجب ~~على الرجل إذا سمع مثل هذا الحديث ووجد كثيرا من العلماء قد عملوا به ولم ~~يعلم له معارض: أن لا يعمل به حتى يبحث عنه هل في أقطار الأرض من يخالفه؟ ~~كما لا يجوز له أن يحتج في مسألة بالإجماع إلا بعد البحث التام وإذا يبطل ~~الاحتجاج بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد خلاف واحد من المجتهدين ~~فيكون قول الواحد مبطلا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته محققة ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان ذلك الواحد قد أخطأ صار خطؤه # PageV20P272 # مبطلا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كله باطل بالضرورة؛ فإنه ~~إن قيل: لا يحتج به إلا بعد العلم بالإجماع: صارت دلالة النصوص موقوفة على ~~الإجماع وهو خلاف الإجماع وحينئذ فلا يبقى للنصوص دلالة؛ فإن المعتبر إنما ~~هو الإجماع والنص عديم التأثير. فإن قيل: يحتج به إذ لا يعلم وجود الخلاف ~~فيكون قول واحد من الأمة مبطلا لدلالة النص وهذا أيضا خلاف الإجماع وبطلانه ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. (الخامس: أنه إما أن يشترط في شمول الخطاب ~~اعتقاد جميع الأمة للتحريم أو يكتفى باعتقاد العلماء. فإن كان الأول لم يجز ~~أن يستدل على التحريم بأحاديث الوعيد حتى يعلم أن جميع الأمة - حتى ~~الناشئين بالبوادي البعيدة والداخلين في الإسلام من المدة القريبة - قد ~~اعتقدوا أن هذا محرم وهذا لا يقوله مسلم بل ولا عاقل؛ فإن العلم بهذا الشرط ~~متعذر. وإن قيل: يكتفى باعتقاد جميع العلماء قيل له: إنما اشترطت إجماع ~~العلماء حذرا من أن يشمل الوعيد لبعض المجتهدين وإن كان مخطئا وهذا بعينه ~~موجود فيمن لم يسمع دليل التحريم من العامة فإن # PageV20P273 # محذور شمول اللعنة لهذا كمحذور شمول اللعنة لهذا ولا ينجي من هذا الإلزام ~~أن يقال: ذلك من أكابر الأمة وفضلاء الصديقين وهذا من أطراف الأمة فإن ~~افتراقهما من هذا الوجه لا يمنع ms6098 اشتراكهما في هذا الحكم؛ فإن الله سبحانه ~~كما غفر للمجتهد إذا أخطأ غفر للجاهل إذا أخطأ ولم يمكنه التعلم بل المفسدة ~~التي تحصل بفعل واحد من العامة محرما لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة ~~تحريمه؛ أقل بكثير من المفسدة التي تنشأ من إحلال بعض الأئمة لما قد حرمه ~~الشارع وهو لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه. ولهذا قيل: احذروا زلة ~~العالم فإنه إذا زل زل بزلته عالم. قال ابن عباس رضي الله عنهما ويل للعالم ~~من الأتباع. فإن كان هذا معفوا عنه مع عظم المفسدة الناشئة من فعله: فلأن ~~يعفى عن الآخر مع خفة مفسدة فعله أولى. نعم يفترقان من وجه آخر؛ وهو أن هذا ~~اجتهد فقال باجتهاد وله من نشر العلم وإحياء السنة ما تنغمر فيه هذه ~~المفسدة وقد فرق الله بينهما من هذا الوجه فأثاب المجتهد على اجتهاده وأثاب ~~العالم على علمه ثوابا لم يشركه فيه ذلك الجاهل فهما مشتركان في العفو ~~مفترقان في الثواب ووقوع العقوبة على غير المستحق ممتنع جليلا كان أو حقيرا ~~فلا بد من إخراج هذا الممتنع من الحديث بطريق يشمل القسمين. # PageV20P274 # السادس أن من أحاديث الوعيد ما هو نص في صورة الخلاف مثل لعنة المحلل له ~~فإن من العلماء من يقول: إن هذا لا يأثم بحال فإنه لم يكن ركنا في العقد ~~الأول بحال حتى يقال: لعن لاعتقاده وجوب الوفاء بالتحليل. فمن اعتقد أن ~~نكاح الأول صحيح وإن بطل الشرط فإنها تحل للثاني: جرد الثاني عن الإثم بل ~~وكذلك المحلل فإنه إما أن يكون ملعونا على التحليل أو على اعتقاده وجوب ~~الوفاء بالشرط المقرون بالعقد فقط أو على مجموعهما؛ فإن كان الأول أو ~~الثالث حصل الغرض وإن كان الثاني فهذا الاعتقاد هو الموجب للعنة سواء حصل ~~هناك تحليل أو لم يحصل وحينئذ فيكون المذكور في الحديث ليس هو سبب اللعنة؛ ~~وسبب اللعنة لم يتعرض له وهذا باطل. ثم هذا المعتقد وجوب الوفاء إن كان ~~جاهلا فلا لعنة عليه. وإن كان عالما بأنه ms6099 لا يجب فمحال أن يعتقد الوجوب إلا ~~أن يكون مراغما للرسول صلى الله عليه وسلم فيكون كافرا فيعود معنى الحديث ~~إلى لعنة الكفار والكفر لا اختصاص له بإنكار هذا الحكم الجزئي دون غيره فإن ~~هذا بمنزلة من يقول: لعن الله من كذب الرسول في حكمه بأن شرط الطلاق في ~~النكاح باطل. ثم هذا كلام عام عموما لفظيا ومعنويا وهو عموم مبتدأ ومثل هذا ~~العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة؛ إذ الكلام يعود لكنة # PageV20P275 # وعيا كتأويل من يتأول قوله: {أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها} على ~~المكاتبة. وبيان ندوره: أن المسلم الجاهل لا يدخل في الحديث والمسلم العالم ~~بأن هذا الشرط لا يجب الوفاء به لا يشترطه معتقدا وجوب الوفاء به إلا أن ~~يكون كافرا والكافر لا ينكح نكاح المسلمين إلا أن يكون منافقا وصدور هذا ~~النكاح على مثل هذا الوجه من أندر النادر ولو قيل إن مثل هذه الصورة لا ~~تكاد تخطر ببال المتكلم لكان القائل صادقا. وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة في ~~غير هذا الموضع على أن هذا الحديث قصد به المحلل القاصد وإن لم يشترط وكذلك ~~الوعيد الخاص من اللعنة والنار وغير ذلك قد جاء منصوصا في مواضع مع وجود ~~الخلاف فيها مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} قال ~~الترمذي حديث حسن وزيارة النساء رخص فيها بعضهم وكرهها بعضهم ولم يحرمها. ~~وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {لعن الله ~~الذين يأتون النساء في محاشهن} وحديث أنس رضي الله عنه {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون} . # PageV20P276 # وقد تقدم حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم وفيهم من منع فضل مائه وقد لعن بائع الخمر وقد باعها بعض ~~المتقدمين. وقد صح عنه من غير وجه أنه قال: {من جر إزاره خيلاء لم ms6100 ينظر ~~الله إليه يوم القيامة} وقال: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب} مع أن طائفة من الفقهاء يقولون: إن الجر والإسبال للخيلاء مكروه ~~غير محرم. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {لعن الله الواصلة والمستوصلة} ~~وهو من أصح الأحاديث. وفي وصل الشعر خلاف معروف. وكذلك قوله: {إن الذي يشرب ~~في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم} . ومن العلماء من لم يحرم ذلك. ~~(السابع: أن الموجب للعموم قائم؛ والمعارض المذكور لا يصلح أن يكون معارضا؛ ~~لأن غايته أن يقال: حمله على صور الوفاق والخلاف يستلزم دخول بعض من لا ~~يستحق اللعن فيه فيقال: إذا كان التخصيص على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف ~~الأصل فيستثنى من هذا العموم # PageV20P277 # من كان معذورا بجهل أو اجتهاد أو تقليد. مع أن الحكم شامل لغير المعذورين ~~كما هو شامل لصور الوفاق فإن هذا التخصيص أقل؛ فيكون أولى. # الثامن: أنا إذا حملنا اللفظ على هذا كان قد تضمن ذكر سبب اللعن ويبقى ~~المستثنى قد تخلف الحكم عنه لمانع ولا شك أن من وعد وأوعد ليس عليه أن ~~يستثنى من تخلف الوعد أو الوعيد في حقه لمعارض فيكون الكلام جاريا على ~~منهاج الصواب. أما إذا جعلنا اللعن على فعل المجمع على تحريمه أو سبب اللعن ~~هو اعتقاد المخالف للإجماع: كان سبب اللعن غير مذكور في الحديث مع أن ذلك ~~العموم لا بد فيه من التخصيص أيضا فإذا كان لا بد من التخصيص على التقديرين ~~فالتزامه على الأول أولى لموافقة وجه الكلام وخلوه عن الإضمار. # التاسع: أن الموجب لهذا إنما هو نفي تناول اللعنة للمعذور وقد قدمنا فيما ~~مضى أن أحاديث الوعيد إنما المقصود بها بيان أن ذلك الفعل سبب لتلك اللعنة ~~فيكون التقدير هذا الفعل سبب اللعن فلو قيل: هذا لم يلزم منه تحقق الحكم في ~~حق كل شخص؛ لكن يلزم منه قيام السبب إذا لم يتبعه الحكم ولا محذور فيه وقد ms6101 ~~قررنا فيما مضى أن # PageV20P278 # الذم لا يلحق المجتهد حتى إنا نقول: إن محلل الحرام أعظم إثما من فاعله ~~ومع هذا فالمعذور معذور. # فإن قيل: فمن المعاقب فإن فاعل هذا الحرام إما مجتهد أو مقلد له وكلاهما ~~خارج عن العقوبة؟ . قلنا: الجواب من وجوه: # أحدها: أن المقصود بيان أن هذا الفعل مقتض للعقوبة سواء وجد من يفعله أو ~~لم يوجد فإذا فرض أنه لا فاعل إلا وقد انتفى فيه شرط العقوبة؛ أو قد قام به ~~ما يمنعها: لم يقدح هذا في كونه محرما بل نعلم أنه محرم ليجتنبه من يتبين ~~له التحريم ويكون من رحمة الله بمن فعله قيام عذر له وهذا كما أن الصغائر ~~محرمة وإن كانت تقع مكفرة باجتناب الكبائر وهذا شأن جميع المحرمات المختلف ~~فيها فإن تبين أنها حرام - وإن كان قد يعذر من يفعلها مجتهدا أو مقلدا - ~~فإن ذلك لا يمنعنا أن نعتقد تحريمها. الثاني: أن بيان الحكم سبب لزوال ~~الشبهة المانعة من لحوق العقاب؛ فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود ~~بقاءه بل المطلوب زواله بحسب الإمكان ولولا هذا لما وجب بيان العلم ولكان ~~ترك # PageV20P279 # الناس على جهلهم خيرا لهم ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرا من ~~بيانها. الثالث: أن بيان الحكم والوعيد سبب لثبات المجتنب على اجتنابه ~~ولولا ذلك لانتشر العمل بها. الرابع: أن هذا العذر لا يكون عذرا إلا مع ~~العجز عن إزالته وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن ~~معذورا. الخامس: أنه قد يكون في الناس من يفعله غير مجتهد اجتهادا يبيحه؛ ~~ولا مقلدا تقليدا يبيحه فهذا الضرب قد قام فيه سبب الوعيد من غير هذا ~~المانع الخاص فيتعرض للوعيد ويلحقه؛ إلا أن يقوم فيه مانع آخر من توبة أو ~~حسنات ماحية أو غير ذلك ثم هذا مضطرب؛ قد يحسب الإنسان أن اجتهاده أو ~~تقليده مبيح له أن يفعل ويكون مصيبا في ذلك تارة ومخطئا أخرى لكن متى تحرى ~~الحق ولم يصده عنه اتباع الهوى فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ms6102 (العاشر: أنه ~~إن كان إبقاء هذه الأحاديث على مقتضياتها مستلزما لدخول بعض المجتهدين تحت ~~الوعيد؛ وإذا كان لازما على التقديرين بقي الحديث سالما عن المعارض فيجب ~~العمل به. # PageV20P280 # بيان ذلك: أن كثيرا من الأئمة صرحوا بأن فاعل الصورة المختلف فيها ملعون ~~منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فإنه سئل عمن تزوجها ليحلها ولم تعلم ~~بذلك المرأة ولا زوجها فقال: هذا سفاح وليس بنكاح {لعن الله المحلل والمحلل ~~له} . وهذا محفوظ عنه من غير وجه؛ وعن غيره؛ منهم الإمام أحمد بن حنبل؛ ~~فإنه قال: إذا أراد الإحلال فهو محلل وهو ملعون وهذا منقول عن جماعات من ~~الأئمة في صور كثيرة من صور الخلاف في الخمر والربا وغيرهما. فإن كانت ~~اللعنة الشرعية وغيرها من الوعيد الذي جاء لم يتناول إلا محل الوفاق: فيكون ~~هؤلاء قد لعنوا من لا يجوز لعنه؛ فيستحقون من الوعيد الذي جاء في غير حديث ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم {لعن المسلم كقتله} وقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه {سباب المسلم فسوق؛ وقتاله كفر} متفق ~~عليهما. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: {إن الطعانين واللعانين لا يكونون يوم القيامة شفعاء ولا شهداء} ~~. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {لا ~~ينبغي لصديق أن يكون لعانا} رواهما مسلم وعن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ليس المؤمن بالطعان ولا ~~باللعان ولا الفاحش ولا البذيء} رواه الترمذي # PageV20P281 # وقال: حديث حسن وفي أثر آخر: {ما من رجل يلعن شيئا ليس له بأهل إلا حارت ~~اللعنة عليه} . فهذا الوعيد الذي قد جاء في اللعن - حتى قيل: إن من لعن من ~~ليس بأهل كان هو الملعون وإن هذا اللعن فسوق؛ وأنه مخرج عن الصديقية ~~والشفاعة والشهادة - يتناول من لعن من ليس بأهل فإذا لم يكن فاعل المختلف ~~فيه داخلا في ms6103 النص لم يكن أهلا فيكون لاعنه مستوجبا لهذا الوعيد فيكون ~~أولئك المجتهدون الذين رأوا دخول محل الخلاف في الحديث مستوجبين لهذا ~~الوعيد فإذا كان المحذور ثابتا على تقدير إخراج محل الخلاف وتقدير بقائه ~~علم أنه ليس بمحذور ولا مانع من الاستدلال بالحديث وإن كان المحذور ليس ~~ثابتا على واحد من التقديرين فلا يلزم محذور ألبتة؛ وذلك أنه إذا ثبت ~~التلازم؛ وعلم أن دخولهم على تقدير الوجود مستلزم لدخولهم على تقدير العدم: ~~فالثابت أحد الأمرين: إما وجود الملزوم واللازم وهو دخولهم جميعا أو عدم ~~اللازم والملزوم وهو عدم دخولهم جميعا؛ لأنه إذا وجد الملزوم وجد اللازم؛ ~~وإذا عدم اللازم عدم الملزوم. وهذا القدر كاف في إبطال السؤال؛ لكن الذي ~~نعتقده أن الواقع عدم دخولهم على التقديرين على ما تقرر وذلك أن الدخول تحت ~~الوعيد مشروط بعدم العذر في الفعل وأما المعذور عذرا شرعيا فلا # PageV20P282 # يتناوله الوعيد بحال والمجتهد معذور بل مأجور فينتفي شرط الدخول في حقه ~~فلا يكون داخلا سواء اعتقد بقاء الحديث على ظاهره أو أن في ذلك خلافا يعذر ~~فيه وهذا إلزام مفحم لا محيد عنه إلا إلى وجه واحد وهو أن يقول السائل: أنا ~~أسلم أن من العلماء المجتهدين من يعتقد دخول مورد الخلاف في نصوص الوعيد ~~ويوعد على مورد الخلاف بناء على هذا الاعتقاد فيلعن مثلا من فعل ذلك الفعل ~~لكن هو مخطئ في هذا الاعتقاد خطأ يعذر فيه ويؤجر فلا يدخل في وعيد من لعن ~~بغير حق؛ لأن ذلك الوعيد هو عندي محمول على لعن محرم بالاتفاق فمن لعن لعنا ~~محرما بالاتفاق تعرض للوعيد المذكور على اللعن وإذا كان اللعن من موارد ~~الاختلاف لم يدخل في أحاديث الوعيد كما أن الفعل المختلف في حله ولعن فاعله ~~لا يدخل في أحاديث الوعيد فكما أخرجت محل الخلاف من الوعيد الأول أخرج محل ~~الخلاف من الوعيد الثاني. وأعتقد أن أحاديث الوعيد في كلا الطرفين لم تشمل ~~محل الخلاف لا في جواز الفعل ولا في جواز لعنة فاعله سواء اعتقد ms6104 جواز الفعل ~~أو عدم جوازه فإني على التقديرين لا أجوز لعنة فاعله ولا أجوز لعنة من لعن ~~فاعله ولا أعتقد الفاعل ولا اللاعن داخلا في حديث وعيد ولا أغلظ على اللاعن ~~إغلاظ من يراه متعرضا للوعيد بل # PageV20P283 # لعنه لمن فعل المختلف فيه عندي من جملة مسائل الاجتهاد وأنا أعتقد خطأه ~~في ذلك كما قد أعتقد خطأ المبيح فإن المقالات في محل الخلاف ثلاثة: أحدها: ~~القول بالجواز. والثاني: القول بالتحريم ولحوق الوعيد. والثالث: القول ~~بالتحريم الخالي من هذا الوعيد الشديد. وأنا قد أختار هذا القول الثالث: ~~لقيام الدليل على تحريم الفعل وعلى تحريم لعنة فاعل المختلف فيه مع اعتقادي ~~أن الحديث الوارد في توعد الفاعل وتوعد اللاعن لم يشمل هاتين الصورتين. ~~فيقال للسائل: إن جوزت أن تكون لعنة هذا الفاعل من مسائل الاجتهاد جاز أن ~~يستدل عليها بالظاهر المنصوص؛ فإنه حينئذ لا أمان من إرادة محل الخلاف من ~~حديث الوعيد والمقتضي لإرادته قائم فيجب العمل به؛ وإن لم تجوز أن يكون من ~~مسائل الاجتهاد كان لعنه محرما تحريما قطعيا. ولا ريب أن من لعن مجتهدا ~~لعنا محرما تحريما قطعيا كان داخلا في الوعيد الوارد للاعن وإن كان متأولا ~~كمن لعن بعض السلف الصالح فثبت أن الدور لازم سواء قطعت بتحريم لعنة فاعل ~~المختلف فيه أو سوغت الاختلاف فيه وذلك الاعتقاد الذي ذكرته لا يدفع ~~الاستدلال بنصوص الوعيد على التقديرين وهذا بين. # PageV20P284 # ويقال له أيضا: ليس مقصودنا بهذا الوجه تحقيق تناول الوعيد لمحل الخلاف ~~وإنما المقصود تحقيق الاستدلال بحديث الوعيد على محل الخلاف والحديث أفاد ~~حكمين: التحريم والوعيد وما ذكرته إنما يتعرض لنفي دلالته على الوعيد فقط ~~والمقصود هنا إنما هو بيان دلالته على التحريم فإذا التزمت أن الأحاديث ~~المتوعدة للاعن لا تتناول لعنا مختلفا فيه: لم يبق في اللعن المختلف فيه ~~دليل على تحريمه وما نحن فيه من اللعن المختلف فيه كما تقدم فإذا لم يكن ~~حراما كان جائزا.، أو يقال: فإذا لم يقم دليل على تحريمه لم يجز اعتقاد ~~تحريمه ms6105 والمقتضي لجوازه قائم وهي الأحاديث اللاعنة لمن فعل هذا وقد اختلف ~~العلماء في جواز لعنته ولا دليل على تحريم لعنته على هذا التقدير فيجب ~~العمل بالدليل المقتضي لجواز لعنته السالم عن المعارض. وهذا يبطل السؤال: ~~فقد دار الأمر على السائل من جهة أخرى وإنما جاء هذا الدور الآخر لأن عامة ~~النصوص المحرمة للعن متضمنة للوعيد فإن لم يجز الاستدلال بنصوص الوعيد على ~~محل الخلاف لم يجز الاستدلال بها على لعن مختلف فيه كما تقدم. ولو قال: أنا ~~أستدل على تحريم هذه اللعنة بالإجماع. قيل له: الإجماع منعقد على تحريم ~~لعنة معين من أهل الفضل # PageV20P285 # أما لعنة الموصوف فقد عرفت الخلاف فيه وقد تقدم أن لعنة الموصوف لا ~~تستلزم إصابة كل واحد من أفراده إلا إذا وجدت الشروط وارتفعت الموانع وليس ~~الأمر كذلك. ويقال له أيضا: كل ما تقدم من الأدلة الدالة على منع حمل هذه ~~الأحاديث على محل الوفاق ترد هنا وهي تبطل هذا السؤال هنا كما أبطلت أصل ~~السؤال وليس هذا من باب جعل الدليل مقدمة من مقدمات دليل آخر حتى يقال: هذا ~~مع التطويل إنما هو دليل واحد إذ المقصود منه أن نبين أن المحذور الذي ظنوه ~~هو لازم على التقديرين فلا يكون محذورا فيكون دليل واحد قد دل على إرادة ~~محل الخلاف من النصوص؛ وعلى أنه لا محذور في ذلك وليس بمستنكر أن يكون ~~الدليل على مطلوب مقدمة في دليل مطلوب آخر وإن كان المطلوبان متلازمين. ~~(الحادي عشر: أن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته ~~من التحريم فإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها في الوعيد خاصة فأما في ~~التحريم فليس فيه خلاف معتد محتسب وما زال العلماء من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء بعدهم رضي الله عنهم أجمعين في خطابهم وكتابهم يحتجون بها في ~~موارد الخلاف وغيره بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء ~~التحريم على ما تعرفه # PageV20P286 # القلوب وقد تقدم أيضا التنبيه على رجحان قول من يعمل بها في الحكم ~~واعتقاد ms6106 الوعيد وأنه قول الجمهور؛ وعلى هذا فلا يقبل سؤال يخالف الجماعة. # الثاني عشر: أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدا والقول بموجبها ~~واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص فيقال: هذا ~~ملعون ومغضوب عليه أو مستحق للنار لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات؛ ~~فإن من سوى الأنبياء تجوز عليهم الصغائر والكبائر مع إمكان أن يكون ذلك ~~الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا؛ لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة أو ~~استغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو لمحض مشيئته ورحمته. ~~فإذا قلنا بموجب قوله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} وقوله تعالى {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما} {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ~~ذلك على الله يسيرا} إلى غير ذلك من آيات الوعيد. أو قلنا بموجب قوله # PageV20P287 # صلى الله عليه وسلم {لعن الله من شرب الخمر أو عق والديه أو من غير منار ~~الأرض} أو {لعن الله السارق} أو {لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه ~~وكاتبه} أو {لعن الله لاوي الصدقة والمعتدي فيها} أو {من أحدث في المدينة ~~حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} أو {من جر ~~إزاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة} أو {لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر} و {من غشنا فليس منا} أو {من ادعي إلى غير أبيه أو ~~تولى غير مواليه فالجنة عليه حرام} أو {من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها ~~مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان} أو {من استحل مال امرئ مسلم بيمين ~~كاذبة فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة} أو {لا يدخل الجنة قاطع} ~~إلى ms6107 غير ذلك من أحاديث الوعيد. لم يجز أن نعين شخصا ممن فعل بعض هذه ~~الأفعال ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد؛ لإمكان التوبة وغيرها من ~~مسقطات العقوبة ولم يجز أن نقول: هذا يستلزم لعن المسلمين؛ ولعن أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أو لعن الصديقين أو الصالحين؛ لأنه يقال: الصديق ~~والصالح متى صدرت منه بعض هذه الأفعال فلا بد من مانع يمنع لحوق الوعيد به ~~مع قيام سببه ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد أو تقليد أو نحو ~~ذلك غايته أن يكون نوعا من أنواع الصديقين الذين امتنع لحوق الوعيد بهم ~~لمانع كما امتنع لحوق الوعيد به لتوبة # PageV20P288 # أو حسنات ماحية أو غير ذلك. # واعلم أن هذه السبيل هي التي يجب سلوكها؛ فإن ما سواها طريقان خبيثان: ~~أحدهما: القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه ودعوى أن هذا عمل ~~بموجب النصوص، وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم ~~وفساده معلوم بالاضطرار وأدلته معلومة في غير هذا الموضع. الثاني: ترك ~~القول والعمل بموجب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنا أن القول ~~بموجبها مستلزم للطعن فيما خالفها. وهذا الترك يجر إلى الضلال واللحوق بأهل ~~الكتابين {الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يعبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام ~~فاتبعوهم وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم} ويفضي إلى طاعة المخلوق في معصية ~~الخالق ويفضي إلى قبح العاقبة وسوء التأويل المفهوم من فحوى قوله تعالى ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ~~. # PageV20P289 # ثم إن العلماء يختلفون كثيرا؛ فإن كان كل خبر فيه تغليظ خالفه مخالف ترك ~~القول بما فيه من التغليظ أو ترك العمل به مطلقا لزم من هذا من المحذور ما ~~هو أعظم من أن يوصف: من الكفر والمروق من الدين وإن لم يكن المحذور من هذا ~~أعظم ms6108 من الذي قبله لم يكن دونه فلا بد أن نؤمن بالكتاب ونتبع ما أنزل إلينا ~~من ربنا جميعه ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وتلين قلوبنا لاتباع بعض ~~السنة وتنفر عن قبول بعضها بحسب العادات والأهواء فإن هذا خروج عن الصراط ~~المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه ~~من القول والعمل في خير وعافية لنا ولجميع المسلمين. والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين ~~وأصحابه المنتخبين وأزواجه أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~الدين وسلم تسليما كثيرا. # PageV20P290 # وسئل: # عن الشيخ عبد القادر أنه أفضل المشايخ والإمام أحمد أنه أفضل الأئمة فهل ~~هذا صحيح أم لا؟ # فأجاب: # أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض؛ مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على ~~مذهبه؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره؛ كمن يرجح الشيخ عبد القادر أو ~~الشيخ أبا مدين؛ أو أحمد أو غيرهم: فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه ~~بالظن وما تهوى الأنفس؛ فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ ولا ~~يقصدون اتباع الحق المطلق بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن ~~يظنه وإن لم يكن معه برهان على ذلك وقد يفضي ذلك إلى تحاجهم وقتالهم ~~وتفرقهم وهذا مما حرم الله ورسوله كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم # PageV20P291 # أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} {ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون} {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس: تبيض وجوه ~~أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والفرقة. فما دخل في هذا الباب ~~مما نهى ms6109 الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف والتكلم بغير علم: ~~فإنه يجب النهي عنه فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله وأما من ~~ترجح عنده فضل إمام على إمام أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده كما تنازع ~~المسلمون: أيهما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه؟ أو إفراد الإقامة أو ~~تثنيتها؟ وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها؟ والقنوت في الفجر أو تركه؟ ~~والجهر بالتسمية؛ أو المخافتة بها؛ أو ترك قراءتها؟ ونحو ذلك: فهذه مسائل ~~الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده من ~~كان فيها أصاب الحق فله أجران ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر وخطؤه مغفور ~~له فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك ومن ~~ترجح عنده تقليد أحمد # PageV20P292 # لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي ونحو ذلك. ولا أحد في الإسلام ~~يجيب المسلمين كلهم بجواب عام: أن فلانا أفضل من فلان فيقبل منه هذا ~~الجواب؛ لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها فلا تقبل جواب من يجيب ~~بما يخالفها فيه كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتي بخلاف ~~ذلك لكن إن كان الرجل مقلدا فليكن مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق فإن ~~كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} لكن عليه أن لا يتبع هواه ~~ولا يتكلم بغير علم قال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم} وقال تعالى {يجادلونك في الحق بعدما تبين} وما ~~من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره ولا يعرف هذا التفاضل ~~إلا من خاض في تفاصيل العلم والله أعلم. # PageV20P293 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في ~~الإمامة والديانة؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار ms6110 وأهل الثقة ~~والخبرة من سائر الأعصار؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، مذهب أهل المدينة النبوية - دار السنة ودار الهجرة ودار ~~النصرة إذ فيها سن الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم سنن الإسلام ~~وشرائعه وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله وبها كان الأنصار الذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم - مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغربا؛ في الأصول والفروع. ~~وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون الثلاثة المفضلة؛ التي # PageV20P294 # قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من وجوه: {خير ~~القرون القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم} فذكر ابن ~~حبان بعد قرنه قرنين بلا نزاع وفي بعض الأحاديث الشك في القرن الثالث بعد ~~قرنه وقد روي في بعضها بالجزم بإثبات القرن الثالث بعد قرنه فتكون أربعة. ~~وقد جزم بذلك ابن حبان البستي ونحوه من علماء أهل الحديث في طبقات هذه ~~الأمة فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح. أما أحاديث الثلاثة ففي الصحيحين ~~عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: {خير ~~أمتي القرن الذين يلونني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق ~~شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته} . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: {سأل رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: ~~القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الثاني؛ ثم الثالث} . وأما الشك في الرابع؛ ففي ~~الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: {إن ~~خيركم قرني؛ ثم الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أقال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا: ثم # PageV20P295 # يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون؛ ويخونون ولا يؤتمنون؛ وينذرون ولا ~~يوفون ويظهر فيهم السمن. وفي لفظ: خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم ~~الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم الحديث وقال فيه: ويحلفون ولا يستحلفون} ms6111 . ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~{خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم - والله أعلم: أذكر ~~الثالث أم لا؟ - ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا} . ~~وقوله في هذه الأحاديث: " يشهدون قبل أن يستشهدوا " قد فهم منه طائفة من ~~العلماء أن المراد به أداء الشهادة بالحق قبل أن يطلبها المشهود له وحملوا ~~ذلك على ما إذا كان عالما؛ جمعا بين هذا وبين قوله: {ألا أنبئكم بخير ~~الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها} وحملوا الثاني على أن يأتي بها ~~المشهود له فيعرفه بها. والصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل ~~كما جاء في بعض ألفاظ الحديث ثم يفشو فيهم الكذب حتى يشهد الرجل ولا ~~يستشهد؛ ولهذا قرن ذلك بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر وهذه الخصال الثلاثة ~~هي آية المنافق كما ثبت في الحديث المتفق عليه عنه # PageV20P296 # صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا ~~وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وفي لفظ لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم} فذمهم ~~صلى الله تعالى عليه وسلم على ما يفشو فيهم من خصال النفاق وبين أنهم ~~يسارعون إلى الكذب حتى يشهد الرجل بالكذب قبل أن يطلب منه ذلك؛ فإنه شر ممن ~~لا يكذب حتى يسأل أن يكذب. وأما ما فيه ذكر القرن الرابع فمثل ما في ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: {يأتي ~~على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس ~~فيقال لهم: هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ~~فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى ~~أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو ~~فئام ms6112 من الناس فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم ولفظ البخاري: ثم يأتي على الناس زمان ~~يغزو فئام من الناس} ولذلك: قال صلى الله تعالى عليه وسلم في الثانية ~~والثالثة وقال فيها كلها: صحب ولم يقل رأى. # PageV20P297 # ولمسلم من رواية أخرى: {يأتي على الناس زمان يبعث فيهم البعث فيقولون: ~~انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ~~فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيكم من رأى ~~أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يبعث ~~البعث الثالث فيقولون: انظروا هل ترون فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون ~~فيكم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ~~فيوجد الرجل فيفتح لهم به} . وحديث أبي سعيد هذا يدل على شيئين: على أن ~~صاحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو من رآه مؤمنا به وإن قلت صحبته؛ ~~كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره. وقال مالك: من صحب رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا به فهو من أصحابه ~~له من الصحبة بقدر ذلك. وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع يقال: صحبه ~~شهرا؛ وساعة. وقد بين في هذا الحديث أن حكم الصحبة يتعلق بمن رآه مؤمنا به؛ ~~فإنه لا بد من هذا. وفي الطريق الثاني لمسلم ذكر أربعة قرون ومن أثبت هذه # PageV20P298 # الزيادة قال: هذه من ثقة. وترك ذكرها في بقية الأحاديث لا ينفي وجودها ~~كما أنه لما شك في حديث أبي هريرة أذكر الثالث؟ لم يقدح في سائر الأحاديث ~~الصحيحة التي ثبت فيها القرن الثالث. ومن أنكرها قال في حديث ابن مسعود ~~الصحيح: أخبر أنه بعد القرون الثلاثة يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم ms6113 يمينه؛ ~~ويمينه شهادته فيكون ما بعد الثلاثة ذكر بذم. وقد يقال: لا منافاة بين ~~الخبرين؛ فإنه قد يظهر الكذب في القرن الرابع. ومع هذا فيكون فيه من يفتح ~~به لاتصال الرؤية. # وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان مذهب ~~أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن؛ فإنهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في ~~العلم بالسنة النبوية واتباعها حتى أنهم لا يفتقرون إلى نوع من سياسة ~~الملوك وأن افتقار العلماء ومقاصد العباد أكثر من افتقار أهل المدينة؛ حيث ~~كانوا أغنى من غيرهم عن ذلك كله بما كان عندهم من الآثار النبوية التي ~~يفتقر إلى العلم بها واتباعها كل أحد. ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين ~~إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة لا في تلك ~~الأعصار ولا فيما # PageV20P299 # بعدها لا إجماع أهل مكة؛ ولا الشام؛ ولا العراق؛ ولا غير ذلك من أمصار ~~المسلمين. ومن حكى عن أبي حنيفة أو أحد من أصحابه أن إجماع أهل الكوفة حجة ~~يجب اتباعها على كل مسلم فقد غلط على أبي حنيفة وأصحابه في ذلك. وأما ~~المدينة فقد تكلم الناس في إجماع أهلها واشتهر عن مالك وأصحابه أن إجماع ~~أهلها حجة وإن كان بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك. والكلام إنما هو في ~~إجماعهم في تلك الأعصار المفضلة وأما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماع ~~أهلها ليس بحجة إذ كان حينئذ في غيرها من العلماء ما لم يكن فيها لا سيما ~~من حين ظهر فيها الرفض فإن أهلها كانوا متمسكين بمذهبهم القديم منتسبين إلى ~~مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك فإنهم قدم إليهم ~~من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير منهم لا سيما ~~المنتسبون منهم إلى العترة النبوية وقدم عليهم بكتب أهل البدع المخالفة ~~للكتاب والسنة وبذل لهم أموالا كثيرة ms6114 فكثرت البدعة فيها من حينئذ. فأما ~~الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة ~~ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر الأمصار فإن ~~الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله صلى الله # PageV20P300 # تعالى عليه وسلم. وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان والعراقان ~~والشام؛ منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور ~~الإسلام. وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. فالكوفة خرج ~~منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها. والبصرة خرج منها القدر ~~والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها. والشام كان بها النصب ~~والقدر. # وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان وهو شر البدع. وكان ظهور البدع ~~بحسب البعد عن الدار النبوية فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة ~~الحرورية وتقدم بعقوبتها الشيعة من الأصناف الثلاثة الغالية حيث حرقهم علي ~~بالنار والمفضلة حيث تقدم بجلدهم ثمانين والسبائية حيث توعدهم وطلب أن ~~يعاقب ابن سبأ بالقتل أو بغيره فهرب منه. ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت ~~القدرية في آخر عصر ابن عمر # PageV20P301 # وابن عباس؛ وجابر؛ وأمثالهم من الصحابة. وحدثت المرجئة قريبا من ذلك. ~~وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز ~~وقد روي أنه أنذر بهم وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك ~~وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن درهم قبل ذلك ضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن ~~درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى ~~الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا ثم نزل فذبحه. وقد روي أن ذلك بلغ ~~الحسن البصري وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك. وأما المدينة النبوية فكانت ~~سليمة من ظهور هذه البدع وإن كان بها من هو مضمر لذلك فكان عندهم مهانا ~~مذموما؛ إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم ولكن ms6115 كانوا مذمومين مقهورين ~~بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة والاعتزال وبدع النساك بالبصرة والنصب ~~بالشام؛ فإنه كان ظاهرا. وقد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم أن # PageV20P302 # الدجال لا يدخلها} وفي الحكاية المعروفة أن عمرو بن عبيد وهو رأس ~~المعتزلة مر بمن كان يناجي سفيان الثوري ولم يعلم أنه سفيان فقال عمرو لذلك ~~الرجل: من هذا؟ فقال: هذا سفيان الثوري أو قال: من أهل الكوفة قال: لو علمت ~~بذلك لدعوته إلى رأيي ولكن ظننته من هؤلاء المدنيين الذين يجيئونك من فوق ~~ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك وهم أهل القرن ~~الرابع؛ حيث أخذ ذلك القرن عن مالك وأهل طبقته كالثوري؛ والأوزاعي؛ والليث ~~بن سعد؛ وحماد بن زيد؛ وحماد بن سلمة؛ وسفيان بن عيينة؛ وأمثالهم. وهؤلاء ~~أخذوا عن طوائف من التابعين وأولئك أخذوا عمن أدركوا من الصحابة. # والكلام في إجماع أهل المدينة في تلك الأعصار. # والتحقيق في " مسألة إجماع أهل المدينة " أن منه ما هو متفق عليه بين ~~المسلمين؛ ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين؛ ومنه ما لا يقول به إلا ~~بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب. " الأولى " ما يجري مجرى ~~النقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. # PageV20P303 # مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد؛ وكترك صدقة الخضراوات والأحباس فهذا مما ~~هو حجة باتفاق العلماء. أما الشافعي وأحمد وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا ~~نزاع كما هو حجة عند مالك. وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو يوسف - ~~رحمه الله وهو أجل أصحاب أبي حنيفة وأول من لقب قاضي القضاة - لما اجتمع ~~بمالك وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر رجع أبو ~~يوسف إلى قوله وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت. فقد نقل ~~أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره ~~لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة ~~كثير من ms6116 الحديث فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه. وكان رجوع أبي ~~يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد وتركا ~~قول شيخهما؛ لعلمهما بأن شيخهما كان يقول: إن هذه الأحاديث أيضا حجة إن صحت ~~لكن لم تبلغه. ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون ~~مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظن وإما ~~بهوى فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في # PageV20P304 # السفر مخالفة للقياس وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس؛ ~~لاعتقاده صحتهما وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما. وقد بينا هذا في رسالة " ~~رفع الملام عن الأئمة الأعلام " وبينا أن أحدا من أئمة الإسلام لا يخالف ~~حديثا صحيحا بغير عذر بل لهم نحو من عشرين عذرا مثل أن يكون أحدهم لم يبلغه ~~الحديث؛ أو بلغه من وجه لم يثق به أو لم يعتقد دلالته على الحكم؛ أو اعتقد ~~أن ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه كالناسخ؛ أو ما يدل على الناسخ ~~وأمثال ذلك. والأعذار يكون العالم في بعضها مصيبا فيكون له أجران ويكون في ~~بعضها مخطئا بعد اجتهاده فيثاب على اجتهاده وخطؤه مغفور له؛: لقوله تعالى ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب ~~هذا الدعاء وقال: قد فعلت} ولأن العلماء ورثة الأنبياء. وقد ذكر الله عن ~~داود وسليمان أنهما حكما في قضية وأنه فهمها أحدهما؛ ولم يعب الآخر؛ بل ~~أثنى على كل واحد منهما بأنه آتاه حكما وعلما فقال: {وداود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . # PageV20P305 # وهذه الحكومة تتضمن مسألتين تنازع فيهما العلماء: مسألة نفش الدواب في ~~الحرث بالليل وهو مضمون عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد. وأبو ~~حنيفة لم يجعله مضمونا. والثاني ضمان بالمثل والقيمة وفي ذلك نزاع في مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما. والمأثور عن أكثر السلف في نحو ذلك يقتضي ms6117 الضمان ~~بالمثل إذا أمكن كما قضى به سليمان وكثير من الفقهاء لا يضمنون ذلك إلا ~~بالقيمة كالمعروف من مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والمقصود هنا: أن عمل ~~أهل المدينة الذي يجري مجرى النقل حجة باتفاق المسلمين كما قال مالك لأبي ~~يوسف - لما سأله عن الصاع والمد وأمر أهل المدينة بإحضار صيعانهم وذكروا له ~~أن إسنادها عن أسلافهم - أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟ قال: لا والله ما ~~يكذبون فأنا حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل ~~العراق. فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع ~~كما رجعت. وسأله عن صدقة الخضراوات فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ ~~منها صدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر رضي ~~الله عنهما يعني: وهي تنبت فيها الخضراوات. وسأله عن الإحباس فقال: هذا حبس ~~فلان وهذا حبس فلان يذكر لبيان الصحابة فقال أبو يوسف في كل منهما: # PageV20P306 # قد رجعت يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وأبو يوسف ~~ومحمد وافقا بقية الفقهاء في أنه ليس في الخضراوات صدقة كمذهب مالك ~~والشافعي وأحمد وفي أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كمذهب هؤلاء وأن الوقف ~~عنده لازم كمذهب هؤلاء. وإنما قال مالك: أرطالكم يا أهل العراق؛ لأنه لما ~~انقرضت الدولة الأموية وجاءت دولة ولد العباس قريبا؛ فقام أخوه أبو جعفر ~~الملقب بالمنصور فبنى بغداد فجعلها دار ملكه وكان أبو جعفر يعلم أن أهل ~~الحجاز حينئذ كانوا أعنى بدين الإسلام من أهل العراق ويروى أنه قال ذلك ~~لمالك أو غيره من علماء المدينة قال: نظرت في هذا الأمر فوجدت أهل العراق ~~أهل كذب وتدليس؛ - أو نحو ذلك - ووجدت أهل الشام إنما هم أهل غزو وجهاد ~~ووجدت هذا الأمر فيكم. ويقال: إنه قال لمالك: أنت أعلم أهل الحجاز؛ أو كما ~~قال. فطلب أبو جعفر علماء الحجاز أن يذهبوا إلى العراق وينشروا العلم فيه ~~فقدم عليهم هشام ms6118 بن عروة؛ ومحمد بن إسحاق؛ ويحيى بن # PageV20P307 # سعيد الأنصاري؛ وربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي؛ ~~وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون وغير هؤلاء. وكان أبو يوسف يختلف في ~~مجالس هؤلاء ويتعلم منهم الحديث وأكثر عمن قدم من الحجاز؛ ولهذا يقال في ~~أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف أعلمهم بالحديث؛ وزفر أطردهم للقياس والحسن بن ~~زياد اللؤلؤي أكثرهم تفريعا ومحمد أعلمهم بالعربية والحساب؛ وربما قيل ~~أكثرهم تفريعا فلما صارت العراق دار الملك واحتاج الناس إلى تعريف أهلها ~~بالسنة والشريعة غير المكيال الشرعي برطل أهل العراق وكان رطلهم بالحنطة ~~الثقيلة والعدس إذ ذاك تسعين مثقالا: مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة ~~أسباع الدرهم. فهذا هو المرتبة الأولى لإجماع أهل المدينة وهو حجة باتفاق ~~المسلمين. # " المرتبة الثانية " العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا ~~حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: ~~إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق. وكذا ~~ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها وقال أحمد: ~~كل بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوة. ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر ~~وعثمان كانت بالمدينة وكذلك بيعة علي كانت بالمدينة ثم خرج منها وبعد ذلك ~~لم يعقد بالمدينة بيعة. # PageV20P308 # وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا ~~بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة} . وفي ~~السنن من حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {خلافة النبوة ~~ثلاثون سنة ثم يصير ملكا عضوضا} . فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول ~~الخلفاء الراشدين حجة وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء ~~الراشدين مخالف لسنة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. و " المرتبة الثالثة ~~" إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح وأحدهما ms6119 ~~يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع. فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل ~~المدينة. ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة. ولأصحاب أحمد ~~وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل - أنه لا يرجح والثاني ~~- وهو قول أبي الخطاب وغيره - أنه يرجح به قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد. ~~ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو الغاية. وكان يفتي ~~على مذهب أهل # PageV20P309 # المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرا كثيرا وكان يدل المستفتي على ~~مذاهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة ويدل المستفتي على إسحاق وأبي عبيد ~~وأبي ثور ونحوهم من فقهاء أهل الحديث ويدله على حلقة المدنيين حلقة أبي ~~مصعب الزهري ونحوه. وأبو مصعب هو آخر من مات من رواة الموطأ عن مالك مات ~~بعد أحمد بسنة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وكان أحمد يكره أن يرد على أهل ~~المدينة كما يرد على أهل الرأي ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب ~~جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة. # وأما " المرتبة الرابعة " فهي العمل المتأخر بالمدينة فهذا هل هو حجة ~~شرعية يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية. هذا ~~مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. وهو قول المحققين من أصحاب مالك كما ~~ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتابه " أصول الفقه " وغيره ذكر أن هذا ليس ~~إجماعا ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك وربما جعله حجة بعض أهل المغرب ~~من أصحابه وليس معه للأئمة نص ولا دليل بل هم أهل تقليد. قلت: ولم أر في ~~كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عليه ~~عندهم فهو يحكي مذهبهم وتارة # PageV20P310 # يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم وتارة ~~لا يذكر. ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة ~~اتباعها وإن خالفت النصوص لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك حد الإمكان كما يجب ms6120 ~~عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التي لا تعارض فيها وبالإجماع. ~~وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس على موطئه فامتنع من ذلك وقال ~~إن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وإنما جمعت ~~علم أهل بلدي أو كما قال. وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب ~~جمهور الأئمة علم بذلك أن قولهم: أصح أقوال أهل الأمصار رواية ورأيا وأنه ~~تارة يكون حجة قاطعة وتارة حجة قوية وتارة مرجحا للدليل إذ ليست هذه ~~الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. # ومعلوم أن من كان بالمدينة من الصحابة هم خيار الصحابة إذ لم يخرج منها ~~أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه فإنه لما فتح الشام والعراق ~~وغيرهما أرسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الأمصار من يعلمهم الكتاب ~~والسنة فذهب إلى العراق عبد الله # PageV20P311 # بن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعمران بن حصين وسلمان الفارسي ~~وغيرهم. وذهب إلى الشام معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وبلال ~~بن رباح وأمثالهم. وبقي عنده مثل عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومثل أبي ~~بن كعب ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وغيرهم. وكان ابن مسعود - وهو أعلم من ~~كان بالعراق من الصحابة إذ ذاك - يفتي بالفتيا ثم يأتي المدينة فيسأل علماء ~~أهل المدينة فيردونه عن قوله فيرجع إليهم كما جرى في مسألة أمهات النساء ~~لما ظن ابن مسعود أن الشرط فيها وفي الربيبة وأنه إذا طلق امرأته قبل ~~الدخول حلت أمها كما تحل ابنتها فلما جاء إلى المدينة وسأل عن ذلك أخبره ~~علماء الصحابة أن الشرط في الربيبة دون الأمهات. فرجع إلى قولهم وأمر الرجل ~~بفراق امرأته بعد ما حملت. وكان أهل المدينة فيما يعملون: إما أن يكون سنة ~~عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن ~~الخطاب ويقال: إن مالكا أخذ جل الموطأ عن ربيعة وربيعة عن سعيد بن المسيب؛ ms6121 ~~وسعيد بن المسيب عن عمر؛ وعمر محدث. وفي الترمذي عن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: {لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر} وفي الصحيحين عنه ~~صلى الله تعالى عليه وسلم أنه # PageV20P312 # قال: {كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} وفي السنن عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: {اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر ~~وعمر} . وكان عمر يشاور أكابر الصحابة: كعثمان وعلي وطلحة والزبير؛ وسعد ~~وعبد الرحمن؛ وهم أهل الشورى؛ ولهذا قال الشعبي انظروا ما قضى به عمر؛ فإنه ~~كان يشاور. ومعلوم أن ما كان يقضي أو يفتي به عمر ويشاور فيه هؤلاء أرجح ~~مما يقضي أو يفتي به ابن مسعود أو نحوه؛ رضي الله عنهم أجمعين. وكان عمر في ~~مسائل الدين والأصول والفروع إنما يتبع ما قضى به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان يشاور عليا وغيره من أهل الشورى كما شاوره في المطلقة المعتدة ~~الرجعية في المرض إذا مات زوجها: هل ترث؟ وأمثال ذلك. فلما قتل عثمان وحصلت ~~الفتنة والفرقة وانتقل علي إلى العراق هو وطلحة والزبير لم يكن بالمدينة من ~~هو مثل هؤلاء ولكن كان بها من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب؛ ~~ومحمد بن مسلمة؛ وأمثالهم من هو أجل ممن مع علي من الصحابة. ف ### | أعلم من كان بالكوفة # من الصحابة علي وابن مسعود وعلي كان # PageV20P313 # بالمدينة إذ كان بها عمر وعثمان وابن مسعود وهو نائب عمر وعثمان ومعلوم ~~أن عليا مع هؤلاء أعظم علما وفضلا من جميع من معه من أهل العراق ولهذا كان ~~الشافعي يناظر بعض أهل العراق في الفقه محتجا على المناظر بقول علي وابن ~~مسعود فصنف الشافعي " كتاب اختلاف علي وعبد الله " يبين فيه ما تركه ~~المناظر وغيره من أهل العلم من قولهما. وجاء بعده محمد بن نصر المروزي فصنف ~~في ذلك أكثر مما صنف الشافعي قال: إنكم وسائر المسلمين تتركون قوليهما لما ~~هو راجح من قوليهما وكذلك غيركم يترك ms6122 ذلك لما هو راجح منه. ومما يوضح الأمر ~~في ذلك: أن سائر أمصار المسلمين غير الكوفة كانوا منقادين لعلم أهل المدينة ~~لا يعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر مثل الأوزاعي ومن قبله ~~وبعده من الشاميين ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من المصريين وأن ~~تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بين. وكذلك علماء ~~أهل البصرة كأيوب وحماد بن زيد؛ وعبد الرحمن بن مهدي؛ وأمثالهم. ولهذا ظهر ~~مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار فإن أهل مصر صاروا نصرة لقول أهل المدينة ~~وهم أجلاء أصحاب مالك المصريين كابن وهب؛ وابن القاسم؛ وأشهب: وعبد الله بن ~~الحكم. والشاميون # PageV20P314 # مثل الوليد بن مسلم؛ ومروان بن محمد؛ وأمثالهم؛ لهم روايات معروفة عن ~~مالك. وأما أهل العراق كعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن زيد؛ ومثل إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي وأمثالهم؛ كانوا على مذهب مالك؛ وكانوا قضاة القضاة وإسماعيل ~~ونحوه كانوا من أجل علماء الإسلام. وأما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدعون ~~مكافأة أهل المدينة وأما قبل الفتنة والفرقة فقد كانوا متبعين لأهل المدينة ~~ومنقادين لهم لا يعرف قبل مقتل عثمان أن أحدا من أهل الكوفة أو غيرها يدعي ~~أن أهل مدينته أعلم من أهل المدينة فلما قتل عثمان وتفرقت الأمة وصاروا ~~شيعا ظهر من أهل الكوفة من يساوي بعلماء أهل الكوفة علماء أهل المدينة. ~~ووجه الشبهة في ذلك أنه ضعف أمر المدينة لخروج خلافة النبوة منها وقوي أمر ~~أهل العراق لحصول علي فيها لكن ما فيه الكلام من مسائل الفروع والأصول قد ~~استقر في خلافة عمر. ومعلوم أن قول أهل الكوفة مع سائر الأمصار قبل الفرقة ~~أولى من قولهم وحديثهم بعد الفرقة قال عبيدة السلماني قاضي علي - رضي الله ~~عنه - رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة. # PageV20P315 # ومعلوم أنه كان بالكوفة من الفتنة والتفرق ما دل عليه النص والإجماع لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {الفتنة من هاهنا؛ الفتنة من هاهنا؛ الفتنة من ~~هاهنا؛ من حيث ms6123 يطلع قرن الشيطان} وهذا الحديث قد ثبت عنه في الصحيح من غير ~~وجه. ومما يوضح الأمر في ذلك أن العلم: إما رواية وإما رأي وأهل المدينة ~~أصح أهل المدن رواية ورأيا. وأما حديثهم فأصح الأحاديث وقد اتفق أهل العلم ~~بأحاديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة ثم أحاديث أهل البصرة وأما ~~أحاديث أهل الشام فهي دون ذلك؛ فإنه لم يكن لهم من الإسناد المتصل وضبط ~~الألفاظ ما لهؤلاء ولم يكن فيهم - يعني أهل المدينة؛ ومكة والبصرة؛ والشام ~~- من يعرف بالكذب لكن منهم من يضبط ومنهم من لا يضبط. وأما أهل الكوفة فلم ~~يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون ~~منهم معروفون بالكذب لا سيما الشيعة فإنهم أكثر الطوائف كذبا باتفاق أهل ~~العلم؛ ولأجل هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون ~~بعامة أحاديث أهل العراق؛ لأنهم قد علموا أن فيهم كذابين ولم يكونوا يميزون ~~بين الصادق والكاذب فأما إذا علموا صدق الحديث فإنهم يحتجون به كما روى ~~مالك عن أيوب السختياني وهو عراقي فقيل # PageV20P316 # له في ذلك فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه أو نحو هذا. وهذا ~~القول هو القول القديم للشافعي حتى روي أنه قيل له: إذا روى سفيان عن منصور ~~عن علقمة عن عبد الله حديثا لا يحتج به فقال: إن لم يكن له أصل بالحجاز ~~وإلا فلا ثم إن الشافعي رجع عن ذلك وقال لأحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث ~~منا فإذا صح الحديث فأخبرني به حتى أذهب إليه شاميا كان أو بصريا أو كوفيا ~~ولم يقل مكيا أو مدنيا لأنه كان يحتج بهذا قبل. وأما علماء أهل الحديث ~~كشعبة ويحيى بن سعيد وأصحاب الصحيح والسنن فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ ~~وغيرهم فيعلمون من بالكوفة والبصرة من الثقات الذين لا ريب فيهم وأن فيهم ~~من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله ~~بن ms6124 مسعود كعلقمة؛ والأسود؛ وعبيدة السلماني؛ والحارث التيمي وشريح القاضي ~~ثم مثل إبراهيم النخعي؛ والحكم بن عتيبة وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم ~~فلهذا صار علماء أهل الإسلام متفقين على الاحتجاج بما صححه أهل العلم ~~بالحديث من أي مصر كان وصنف أبو داود السجستاني مفاريد أهل الأمصار يذكر ~~فيه ما انفرد أهل كل مصر من المسلمين من أهل العلم بالسنة. # PageV20P317 # وأما الفقه والرأي فقد علم أن أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع بدعة في ~~أصول الدين ولما حدث الكلام في الرأي في أوائل الدولة العباسية وفرع لهم ~~ربيعة بن هرمز فروعا كما فرع عثمان البتي وأمثاله بالبصرة وأبو حنيفة ~~وأمثاله بالكوفة وصار في الناس من يقبل ذلك وفيهم من يرد وصار الرادون لذلك ~~مثل هشام بن عروة وأبي الزناد والزهري وابن عيينة وأمثالهم؛ فإن ردوا ما ~~ردوا من الرأي المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق أشد ردا فلم يكن ~~أهل المدينة أكثر من أهل العراق فيما لا يحمد وهم فوقهم فيما يحمدونه وبهذا ~~يظهر الرجحان. وأما ما قال هشام بن عروة: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا ~~حتى فشا فيهم المولدون: أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا ~~وأضلوا. قال ابن عيينة: فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي إنما هو من ~~المولدين أبناء سبايا الأمم وذكر بعض من كان بالمدينة وبالبصرة وبالكوفة ~~والذين بالمدينة أحمد عند هذا ممن بالعراق من أهل المدينة. ولما قال مالك - ~~رضي الله عنه - عن إحدى الدولتين إنهم كانوا أتبع للسنن من الدولة الأخرى ~~قال ذلك لأجل ما ظهر بمقاربتها من الحدثان لأن أولئك أولى بالخلافة نسبا ~~وقرنا. # PageV20P318 # وقد كان المنصور والمهدي والرشيد - وهم سادات خلفاء بني العباس - يرجحون ~~علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق كما كان خلفاء بني أمية يرجحون ~~أهل الحجاز على علماء أهل الشام ولما كان فيهم من لم يسلك هذا السبيل بل ~~عدل إلى الآراء المشرقية كثرت الأحداث فيهم وضعفت الخلافة. ثم إن بغداد ~~إنما صار فيها من العلم والإيمان ms6125 ما صار وترجحت على غيرها بعد موت مالك ~~وأمثاله من علماء أهل الحجاز؛ وسكنها من أفشى السنة بها وأظهر حقائق ~~الإسلام مثل أحمد بن حنبل وأبي عبيد وأمثالهما من فقهاء أهل الحديث ومن ذلك ~~الزمان ظهرت بها السنة في الأصول والفروع وكثر ذلك فيها وانتشر منها إلى ~~الأمصار وانتشر أيضا من ذلك الوقت في المشرق والمغرب فصار في المشرق مثل ~~إسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأصحابه وأصحاب عبد الله بن المبارك وصار إلى ~~المغرب من علم أهل المدينة ما نقل إليهم من علماء الحديث فصار في بغداد ~~وخراسان والمغرب من العلم ما لا يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة. أما ~~أحوال الحجاز فلم يكن بعد عصر مالك وأصحابه من علماء الحجاز من يفضل على ~~علماء المشرق والعراق والمغرب. # PageV20P319 # وهذا باب يطول تتبعه ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم ~~لطال الكلام. إذا تبين ذلك؛ فلا ريب عند أحد أن مالكا - رضي الله عنه - ~~أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا؛ فإنه لم يكن في عصره ولا بعده ~~أقوم بذلك منه كان له من المكانة عند أهل الإسلام - الخاص منهم والعام - ما ~~لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام وقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب أخبار ~~الرواة عن مالك فبلغوا ألفا وسبعمائة أو نحوها وهؤلاء الذين اتصل إلى ~~الخطيب حديثهم بعد قريب من ثلاثمائة سنة فكيف بمن انقطعت أخبارهم أو لم ~~يتصل إليه خبرهم فإن الخطيب توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة وعصره وعصر ~~ابن عبد البر والبيهقي والقاضي أبي يعلى وأمثال هؤلاء واحد ومالك توفي سنة ~~تسع وسبعين ومائة وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة وتوفي الشافعي سنة أربع ~~ومائتين وتوفي أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين ولهذا قال الشافعي - ~~رحمه الله - ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ ~~مالك. وهو كما قال الشافعي رضي الله عنه. وهذا لا يعارض ما عليه أئمة ~~الإسلام من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من صحيح ms6126 البخاري ومسلم مع أن ~~الأئمة على أن البخاري # PageV20P320 # أصح من مسلم ومن رجح مسلما فإنه رجحه بجمعه ألفاظ أحاديث في مكان واحد؛ ~~فإن ذلك أيسر على من يريد جمع ألفاظ الحديث وأما من زعم أن الأحاديث التي ~~انفرد بها مسلم أو الرجال الذين انفرد بهم أصح من الأحاديث التي انفرد بها ~~البخاري ومن الرجال الذين انفرد بهم؛ فهذا غلط لا يشك فيه عالم كما لا يشك ~~أحد أن البخاري أعلم من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ وأنه أفقه منه؛ إذ ~~البخاري وأبو داود أفقه أهل الصحيح والسنن المشهورة وإن كان قد يتفق لبعض ~~ما انفرد به مسلم أن يرجع على بعض ما انفرد به البخاري فهذا قليل والغالب ~~بخلاف ذلك فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من ~~كتاب البخاري ومسلم. وإنما كان هذان الكتابان كذلك لأنه جرد فيهما الحديث ~~الصحيح المسند ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ولا ~~سائر الحديث من الحسن والمرسل وشبه ذلك ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث ~~الصحيح المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أصح الكتب؛ لأنه أصح ~~منقولا عن المعصوم من الكتب المصنفة. وأما الموطأ ونحوه فإنه صنف على طريقة ~~العلماء المصنفين إذ ذاك فإن الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يكتبون القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن يكتبوا عنه ~~غير # PageV20P321 # القرآن وقال: {من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه} ثم نسخ ذلك عند جمهور ~~العلماء؛ حيث {أذن في الكتابة لعبد الله بن عمرو وقال: اكتبوا لأبي شاه} ~~وكتب لعمرو بن حزم كتابا قالوا: وكان النهي أولا خوفا من اشتباه القرآن ~~بغيره ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما يكتبون وكتبوا أيضا غيره. ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة ~~إلى زمن تابع التابعين فصنف العلم فأول من صنف ابن جريج شيئا في التفسير ~~وشيئا في ms6127 الأموات. وصنف سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة ومعمر وأمثال ~~هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. ~~وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم والأصول والفروع بعد القرآن فصنف مالك ~~الموطأ على هذه الطريقة. وصنف بعد عبد الله بن المبارك؛ وعبد الله بن وهب؛ ~~ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير ~~هؤلاء فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها ~~الشافعي - رحمه الله - فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صوابا من موطأ مالك ~~فإن حديثه أصح من حديث نظرائه وكذلك الإمام أحمد لما سئل عن حديث مالك ~~ورأيه # PageV20P322 # وحديث غيره ورأيهم؟ رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم. وهذا ~~يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من ~~عالم المدينة} فقد روي عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم ~~قالوا: هو مالك. والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان: أحدهما: الطعن في الحديث ~~فزعم بعضهم أن فيه انقطاعا. والثاني: أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ~~ونحوه. فيقال: ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر متقرر لمن كان موجودا ~~وبالتواتر لمن كان غائبا؛ فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه ~~الناس أكباد الإبل أكثر من مالك. وهذا يقرر بوجهين: أحدهما: بطلب تقديمه ~~على مثل الثوري والأوزاعي والليث وأبي حنيفة وهذا فيه نزاع ولا حاجة إليه ~~في هذا المقام. والثاني: أن يقال: إن مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم فإنه # PageV20P323 # توفي سنة تسع وسبعين ومائة وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك. فمعلوم أنه بعد ~~موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر وهذا لا ينازع فيه ~~أحد من المسلمين ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك لا قبله ~~ولا بعده رحل إليه من ms6128 المشرق والمغرب ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم ~~من العلماء والزهاد والملوك والعامة وانتشر موطؤه في الأرض حتى لا يعرف في ~~ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشارا من الموطأ وأخذ الموطأ عنه أهل ~~الحجاز والشام والعراق ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن ~~وأمثالهما وكان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلئ ~~داره وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة ~~أصح وأثبت. # و ### | أجل من أخذ عنه الشافعي العلم # اثنان مالك وابن عيينة. ومعلوم عند كل أحد أن مالكا أجل من ابن عيينة حتى ~~إنه كان يقول: # إني ومالكا كما قال القائل: # وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس # ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع ~~كونه كان رجلا صالحا زاهدا آمرا بالمعروف # PageV20P324 # ناهيا عن المنكر لم يعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه ولا رحلوا ~~إليه فيه. وكان إذا أراد أمرا يستشير مالكا ويستفتيه كما نقل أنه استشاره ~~لما كتب إليه من العراق أن يتولى الخلافة فقال: حتى أشاور مالكا فلما ~~استشاره أشار عليه أن لا يدخل في ذلك وأخبره أن هذا لا يتركه ولد العباس ~~حتى تراق فيه دماء كثيرة وذكر له ما ذكره عمر بن عبد العزيز - لما قيل له: ~~ول القاسم بن محمد - أن بني أمية لا يدعون هذا الأمر حتى تراق فيه دماء ~~كثيرة. وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم؛ لم يعلم أن ~~الناس أخذوا عن العمري الزاهد منها ما يذكر فكيف يقرن هذا بمالك في العلم ~~ورحلة الناس إليه؟ . ثم هذه كتب الصحيح التي أجل ما فيها كتاب البخاري أول ~~ما يستفتح الباب بحديث مالك وإن كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على ~~حديثه غيره ونحن نعلم أن الناس ضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلم يجدوا ~~عالما أعلم من مالك في ms6129 وقته. والناس كلهم مع مالك وأهل المدينة: إما موافق؛ ~~وإما منازع فالموافق لهم عضد ونصير والمنازع لهم معظم لهم مبجل لهم # PageV20P325 # عارف بمقدارهم. وما تجد من يستخف بأقوالهم ومذاهبهم إلا من ليس معدودا من ~~أئمة العلم وذلك لعلمهم أن مالكا هو القائم بمذهب أهل المدينة وهو أظهر عند ~~الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار؛ فإن موطأه ~~مشحون: إما بحديث أهل المدينة؛ وإما بما اجتمع عليه أهل المدينة: إما ~~قديما؛ وإما حديثا. وإما مسألة تنازع فيها أهل المدينة وغيرهم فيختار فيها ~~قولا ويقول: هذا أحسن ما سمعت. فأما بآثار معروفة عند علماء المدينة ولو ~~قدر أنه كان في الأزمان المتقدمة من هو أتبع لمذهب أهل المدينة من مالك فقد ~~انقطع ذلك. ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على مالك مخالفته أولا ~~لأحاديثهم في بعض المسائل كما يذكر عن عبد العزيز الدراوردي أنه قال له في ~~مسألة تقدير المهر بنصاب السرقة: تعرقت يا أبا عبد الله أي: صرت فيها إلى ~~قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السرقة لكن النصاب عند أبي ~~حنيفة وأصحابه عشرة دراهم. وأما مالك والشافعي وأحمد فالنصاب عندهم ثلاثة ~~دراهم؛ أو ربع دينار كما جاءت بذلك الأحاديث الصحاح. فيقال: أولا: إن مثل ~~هذه الحكاية تدل على ضعف أقاويل أهل العراق عند أهل المدينة؛ وإنهم كانوا ~~يكرهون للرجل أن يوافقهم # PageV20P326 # وهذا مشهور عندهم يعيبون الرجل بذلك كما قال ابن عمر لما استفتاه عن دم ~~البعوض وكما قال ابن المسيب لربيعة لما سأله عن عقل أصابع المرأة. وأما ~~ثانيا: فمثل هذا في قول مالك قليل جدا وما من عالم إلا وله ما يرد عليه وما ~~أحسن ما قال ابن خويز منداد في مسألة بيع كتب الرأي والإجارة عليها: لا فرق ~~عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم؛ لكنه أقل خطأ من غيره. وأما ~~الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين وإنما تركه طائفة من ~~أصحابه كمسألة رفع اليدين عند ms6130 الركوع والرفع منه. وأهل المدينة رووا عن ~~مالك الرفع موافقا للحديث الصحيح الذي رواه؛ لكن ابن القاسم ونحوه من ~~البصريين هم الذين قالوا بالرواية الأولى ومعلوم أن مدونة ابن القاسم أصلها ~~مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق ثم سأل عنها أسد ابن القاسم. ~~فأجابه بالنقل عن مالك وتارة بالقياس على قوله ثم أصلها في رواية سحنون ~~فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق وإن لم ~~يكن ذلك من أصول أهل المدينة. ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس ~~وكان يحيى بن يحيى # PageV20P327 # عامل الأندلس والولاة يستشيرونه فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا ~~بروايته عن مالك ثم رواية غيره فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من ~~عمل بها وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسنة حتى صاروا ~~يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك وما زال يحدث به إلى أن مات ~~لرواية ابن القاسم وإن كان طائفة من أئمة المالكية أنكروا ذلك فمثل هذا إن ~~كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك ويمكن المتبع لمذهبه أن ~~يتبع السنة في عامة الأمور؛ إذ قل من سنة إلا وله قول يوافقها بخلاف كثير ~~من مذهب أهل الكوفة؛ فإنهم كثيرا ما يخالفون السنة وإن لم يتعمدوا ذلك. # ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد ### | أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد # وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما حتى إن الشافعي لما ناظر محمد بن ~~الحسن حين رجح محمد لصاحبه على صاحب الشافعي فقال له الشافعي: بالإنصاف أو ~~بالمكابرة؟ قال له: بالإنصاف فقال: ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم ~~صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم فقال صاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم فقال: صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم # PageV20P328 # صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم فقال: ما بقي بيننا وبينكم إلا القياس؛ ونحن ms6131 ~~نقول بالقياس ولكن من كان بالأصول أعلم كان قياسه أصح. وقالوا للإمام أحمد: ~~من أعلم بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مالك أم سفيان؟ فقال: بل ~~مالك. فقيل له: أيما أعلم بآثار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ~~أم سفيان؟ فقال: بل مالك. فقيل له: أيما أزهد مالك أم سفيان؟ فقال: هذه ~~لكم. ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم أهل العراق ذلك الوقت بالفقه والحديث؛ ~~فإن أبا حنيفة؛ والثوري؛ ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ والحسن بن صالح ~~بن حي؛ وشريك بن عبد الله النخعي القاضي: كانوا متقاربين في العصر وهم أئمة ~~فقهاء الكوفة في ذلك العصر وكان أبو يوسف يتفقه أولا على محمد بن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى القاضي ثم إنه اجتمع بأبي حنيفة فرأى أنه أفقه منه ~~فلزمه وصنف كتاب " اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى " وأخذه عنه محمد بن ~~الحسن ونقله الشافعي عن محمد بن الحسن وذكر فيه اختياره وهو المسمى بكتاب " ~~اختلاف العراقيين ". # PageV20P329 # ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم هذه الطبقة في الحديث مع تقدمه في الفقه ~~والزهد والذين أنكروا من أهل العراق وغيرهم ما أنكروا من الرأي المحدث ~~بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري بل سفيان عندهم أمام العراق فتفضيل ~~أحمد لمذهب مالك على مذهب سفيان تفضيل له على مذهب أهل العراق وقد قال ~~الإمام أحمد في علمه وعلم مالك بالكتاب والسنة والآثار ما تقدم مع أن أحمد ~~يقدم سفيان الثوري على هذه الطبقة كلها وهو يعظم سفيان غاية التعظيم ولكنه ~~كان يعلم أن مذهب أهل المدينة وعلمائها أقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب أهل ~~الكوفة وعلمائها. وأحمد كان معتدلا عالما بالأمور يعطي كل ذي حق حقه؛ ولهذا ~~كان يحب الشافعي ويثني عليه ويدعو له ويذب عنه عند من يطعن في الشافعي؛ أو ~~من ينسبه إلى بدعة ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها ومعرفته بأصول الفقه ~~كالناسخ والمنسوخ؛ والمجمل والمفسر ويثبت خبر الواحد ومناظرته عن مذهب أهل ~~الحديث من خالفه بالرأي ms6132 وغيره. وكان الشافعي يقول: سموني ببغداد ناصر ~~الحديث. ومناقب الشافعي واجتهاده في اتباع الكتاب والسنة؛ واجتهاده في الرد ~~على من يخالف ذلك كثير جدا وهو كان على مذهب أهل الحجاز وكان قد تفقه على ~~طريقة المكيين أصحاب ابن جريج # PageV20P330 # كمسلم بن خالد الزنجي؛ وسعيد بن سالم القداح ثم رحل إلى مالك وأخذ عنه ~~الموطأ وكمل أصول أهل المدينة وهم أجل علما وفقها وقدرا من أهل مكة من عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد مالك ثم اتفقت له محنة ذهب فيها إلى ~~العراق فاجتمع بمحمد بن الحسن وكتب كتبه وناظره وعرف أصول أبي حنيفة ~~وأصحابه وأخذ من الحديث ما أخذه على أهل العراق ثم ذهب إلى الحجاز. ثم قدم ~~إلى العراق مرة ثانية وفيها صنف كتابه القديم المعروف ب " الحجة " واجتمع ~~به أحمد بن حنبل في هذه القدمة بالعراق واجتمع به بمكة وجمع بينه وبين ~~إسحاق بن راهويه وتناظرا بحضور أحمد رضي الله عنهم أجمعين. ولم يجتمع بأبي ~~يوسف ولا بالأوزاعي وغيرهما فمن ذكر ذلك في الرحلة المضافة إليه فهو كاذب؛ ~~فإن تلك الرحلة فيها من الأكاذيب عليه وعلى مالك وأبي يوسف ومحمد وغيرهم من ~~أهل العلم ما لا يخفى على عالم وهي من جنس كذب القصاص ولم يكن أبو يوسف ~~ومحمد سعيا في أذى الشافعي قط ولا كان حال مالك معه ما ذكر في تلك الرحلة ~~الكاذبة. ثم رجع الشافعي إلى مصر وصنف كتابه الجديد وهو في خطابه وكتابه ~~ينسب إلى مذهب أهل الحجاز فيقول: قال: بعض أصحابنا وهو يعني: أهل المدينة؛ ~~أو بعض علماء أهل المدينة كمالك ويقول في # PageV20P331 # أثناء كلامه: وخالفنا بعض المشرقيين وكان الشافعي عند أصحاب مالك واحدا ~~منهم ينسب إلى أصحابهم واختار سكنى مصر إذ ذاك لأنهم كانوا على مذهب أهل ~~المدينة ومن يشبههم من أهل مصر كالليث بن سعد وأمثاله وكان أهل الغرب بعضهم ~~على مذهب هؤلاء وبعضهم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام ومذهب أهل الشام ومصر ~~والمدينة متقارب لكن أهل المدينة أجل ms6133 عند الجميع. ثم إن الشافعي - رضي الله ~~عنه - لما كان مجتهدا في العلم ورأى من الأحاديث الصحيحة وغيرها من الأدلة ~~ما يجب عليه اتباعه وإن خالف قول أصحاب المدنيين؛ قام بما رآه واجبا عليه ~~وصنف الإملاء على مسائل ابن القاسم وأظهر خلاف مالك فيما خالفه فيه وقد ~~أحسن الشافعي فيما فعل وقام بما يجب عليه وإن كان قد كره ذلك من كرهه وآذوه ~~وجرت محنة مصرية معروفة والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم ~~والأموات. وأبو يوسف ومحمد هما صاحبا أبي حنيفة وهما مختصان به كاختصاص ~~الشافعي بمالك ولعل خلافهما له يقارب خلاف الشافعي لمالك وكل ذلك اتباعا ~~للدليل وقياما بالواجب. والشافعي - رضي الله عنه - قرر أصول أصحابه والكتاب # PageV20P332 # والسنة وكان كثير الاتباع لما صح عنده من الحديث ولهذا كان عبد الله بن ~~الحكم يقول لابنه محمد: يا بني الزم هذا الرجل فإنه صاحب حجج فما بينك وبين ~~أن تقول: قال ابن القاسم فيضحك منك إلا أن تخرج من مصر. قال محمد: فلما صرت ~~إلى العراق جلست إلى حلقة فيها ابن أبي داود فقلت: قال ابن القاسم فقال: ~~ومن ابن القاسم؟ فقلت: رجل مفت يقول من مصر إلى أقصى الغرب وأظنه قال: قلت: ~~رحم الله أبي. وكان مقصود أبيه: اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع فالتقليد ~~إنما يقبل حيث يعظم المقلد بخلاف الحجة فإنها تقبل في كل مكان؛ فإن الله ~~أوجب على كل مجتهد أن يقول بموجب ما عنده من العلم والله يخص هذا من العلم ~~والفهم ما لا يخص به هذا وقد يكون هذا هو المخصوص بمزيد العلم والفهم في ~~نوع من العلم أو باب منه أو مسألة وهذا هو مخصوص بذلك في نوع آخر. # لكن جملة مذاهب أهل المدينة النبوية راجحة في الجملة على مذاهب أهل ~~المغرب والمشرق وذلك يظهر بقواعد جامعة: منها: قاعدة الحلال والحرام ~~المتعلقة بالنجاسات في المياه فإنه من المعلوم أن الله قال في كتابه: ~~{ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها # PageV20P333 # للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ms6134 هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} فالله تعالى أحل لنا الطيبات وحرم ~~علينا الخبائث والخبائث نوعان: ما خبثه لعينه لمعنى قام به كالدم والميتة ~~ولحم الخنزير. وما خبثه لكسبه كالمأخوذ ظلما؛ أو بعقد محرم كالربا والميسر. ~~فأما الأول فكل ما حرم ملابسته كالنجاسات حرم أكله وليس كل ما حرم أكله ~~حرمت ملابسته كالسموم والله قد حرم علينا أشياء من المطاعم والمشارب وحرم ~~أشياء من الملابس. ومعلوم أن مذهب أهل المدينة في الأشربة أشد من مذهب ~~الكوفيين؛ فإن أهل المدينة وسائر الأمصار وفقهاء الحديث يحرمون كل مسكر وإن ~~كل مسكر خمر وحرام وإن ما أسكر كثيره فقليله حرام ولم يتنازع في ذلك أهل ~~المدينة لا أولهم ولا آخرهم سواء كان من الثمار أو الحبوب؛ أو العسل أو لبن ~~الخيل أو غير ذلك. والكوفيون لا خمر عندهم إلا ما اشتد من عصير العنب فإن ~~طبخ قبل الاشتداد حتى ذهب ثلثاه حل ونبيذ التمر والزبيب محرم إذا كان مسكرا ~~نيئا فإن طبخ أدنى طبخ حل وإن أسكر وسائر الأنبذة # PageV20P334 # تحل وإن أسكرت لكن يحرمون المسكر منها. وأما الأطعمة فأهل الكوفة أشد ~~فيها من أهل المدينة؛ فإنهم مع تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير؛ وتحريم اللحم حتى يحرمون الضب والضبع والخيل تحرم عندهم في أحد ~~القولين ومالك يحرم تحريما جازما ما جاء في القرآن فذوات الأنياب إما أن ~~يحرمها تحريما دون ذلك وإما أن يكرهها في المشهور وروي عنه كراهة ذوات ~~المخالب والطير لا يحرم منها شيئا ولا يكرهه وإن كان التحريم على مراتب ~~والخيل يكرهها ورويت الإباحة والتحريم أيضا. ومن تدبر الأحاديث الصحيحة في ~~هذا الباب علم أن أهل المدينة أتبع للسنة فإن باب الأشربة قد ثبت فيه عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الأحاديث ما يعلم من علمها ms6135 أنها من أبلغ ~~المتواترات بل قد صح عنه في النهي عن الخليطين والأوعية ما لا يخفى على ~~عالم بالسنة وأما الأطعمة فإنه وإن قيل: إن مالكا خالف أحاديث صحيحة في ~~التحريم ففي ذلك خلاف. والأحاديث الصحيحة التي خالفها من حرم الضب وغيره ~~تقاوم ذلك أو تربو عليه ثم إن هذه الأحاديث قليلة جدا بالنسبة إلى أحاديث ~~الأشربة. # PageV20P335 # وأيضا فمالك معه في ذلك آثار عن السلف كابن عباس؛ وعائشة؛ وعبد الله بن ~~عمر وغيرهم مع ما تأوله من ظاهر القرآن ومبيح الأشربة ليس معه لا نص ولا ~~قياس بل قوله مخالف للنص والقياس. وأيضا فتحريم جنس الخمر أشد من تحريم ~~اللحوم الخبيثة فإنها يجب اجتنابها مطلقا ويجب على من شربها الحد ولا يجوز ~~اقتناؤها. وأيضا فمالك جوز إتلاف عينها اتباعا لما جاء من السنة في ذلك ~~ومنع من تخليلها وهذا كله فيه من اتباع السنة ما ليس في قول من خالفه من ~~أهل الكوفة فلما كان تحريم الشارع للأشربة المسكرة أشد من تحريمه للأطعمة: ~~كان القول الذي يتضمن موافقة الشارع أصح. ومما يوضح هذا أن طائفة من أهل ~~المدينة استحلت الغناء حتى صار يحكى ذلك عن أهل المدينة وقد قال عيسى بن ~~إسحاق الطباع: سئل مالك عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء؟ فقال: ~~إنما يفعله عندنا الفساق. ومعلوم أن هذا أخف مما استحله من استحل الأشربة ~~فإنه ليس في تحريم الغناء من النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم ما في تحريم الأشربة المسكرة فعلم أن أهل المدينة أتبع للسنة. # PageV20P336 # ثم إن من أعظم المسائل مسألة اختلاط الحلال بالحرام لعينه كاختلاط ~~النجاسات بالماء وسائر المائعات فأهل الكوفة يحرمون كل ماء أو مائع وقعت ~~فيه نجاسة قليلا كان أو كثيرا ثم يقدرون ما لا تصل إليه النجاسة بما لا تصل ~~إليه الحركة ويقدرونه بعشرة أذرع في عشرة أذرع. ثم منهم من يقول: إن البئر ~~إذا وقعت فيها النجاسة لم تطهر؛ بل تطم. والفقهاء منهم من يقول: تنزح إما ms6136 ~~دلاء مقدرة منها؛ وإما جميعها على ما قد عرف لأجل قولهم ينجس الماء والمائع ~~بوقوع النجاسة فيه. وأهل المدينة بعكس ذلك فلا ينجس الماء عندهم إلا إذا ~~تغير لكن لهم في قليل الماء هل يتنجس بقليل النجاسة؟ قولان. ومذهب أحمد ~~قريب من ذلك وكذلك الشافعي لكن هذان يقدران القليل بما دون القلتين دون ~~مالك. وعن مالك في الأطعمة خلاف؛ وكذلك في مذهب أحمد نزاع في سائر ~~المائعات. ومعلوم أن هذا أشبه بالكتاب والسنة؛ فإن اسم الماء باق والاسم ~~الذي به أبيح قبل الوقوع باق وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بئر بضاعة وغيره على أنه لا يتنجس ولم يعارض ذلك الأحاديث ليس بصريح في محل ~~النزاع فيه وهو حديث النهي عن البول في الماء الدائم؛ فإنه قد يخص البول ~~بالحكم. # PageV20P337 # وخص بعضهم أن يبال فيه دون أن يجري إليه البول. وقد يخص ذلك بالماء ~~القليل. وقد يقال: النهي عن البول لا يستلزم التنجيس؛ بل قد ينهى عنه لأن ~~ذلك يفضي إلى التنجيس إذا كثر. يقرر ذلك أنه لا تنازع بين المسلمين أن ~~النهي عن البول في الماء الدائم لا يعم جميع المياه بل ماء البحر مستثنى ~~بالنص والإجماع وكذلك المصانع الكبار التي لا يمكن نزحها ولا يتحرك أحد ~~طرفيها بتحرك الطرف الآخر لا ينجسه البول بالاتفاق. والحديث الصحيح الصريح ~~لا يعارضه حديث في هذا الإجمال والاحتمال. وكذلك تنجس الماء المستعمل ~~ونحوه: مذهب أهل المدينة ومن وافقهم في طهارته ثابت بالأحاديث الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كحديث صب وضوئه على جابر وقوله: {المؤمن لا ينجس} ~~وأمثال ذلك. وكذلك بول الصبي الذي لم يطعم مذهب بعض أهل المدينة ومن وافقهم ~~لهم فيه أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعارضها شيء. # PageV20P338 # وكذلك ### | مذهب مالك وأهل المدينة في أعيان النجاسات الظاهرة في العبادات # أشبه شيء بالأحاديث الصحيحة وسيرة الصحابة ثم إنهم لا يقولون بنجاسة ~~البول والروث مما يؤكل لحمه وعلى ذلك بضع عشرة حجة ms6137 من النص والإجماع القديم ~~والاعتبار ذكرناها في غير هذا الموضع وليس مع المنجس إلا لفظ يظن عمومه ~~وليس بعام أو قياس يظن مساواة الفرع فيه للأصل وليس كذلك. ولما كانت ~~النجاسات من الخبائث المحرمة لأعيانها ومذهبهم في ذلك أخذ من مذهب الكوفيين ~~كما في الأطعمة: كان ما ينجسونه أولئك أعظم وإذا قيل له: خالف حديث الولوغ ~~ونحوه في النجاسات فهو كما يقال: إنه خالف حديث سباع الطير ونحوه ولا ريب ~~أن هذا أقل مخالفة للنصوص ممن ينجس روث ما يؤكل لحمه وبوله أو بعض ذلك أو ~~يكره سؤر الهرة. وقد ذهب بعض الناس إلى أن جميع الأرواث والأبوال طاهرة إلا ~~بول الإنسي وعذرته وليس هذا القول بأبعد في الحجة من قول من ينجس الذي يذهب ~~إليه أهل المدينة من أهل الكوفة ومن وافقهم. ومن تدبر مذهب أهل المدينة ~~وكان عالما بسنة رسول الله # PageV20P339 # صلى الله عليه وسلم تبين له قطعا أن مذهب أهل المدينة المنتظم للتيسير في ~~هذا الباب أشبه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المذهب المنتظم ~~للتعسير وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما بال الأعرابي في ~~المسجد وأمرهم بالصب على بوله قال: {إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين} ~~. وهذا مذهب أهل المدينة وأهل الحديث ومن خالفهم يقول: إنه يغسل ولا يجزئ ~~الصب وروى في ذلك حديثا مرسلا لا يصح. # فصل: # وأما النوع الثاني من المحرمات وهو المحرم لكسبه؛ كالمأخوذ ظلما بأنواع ~~الغصب من السرقة والخيانة والقهر؛ وكالمأخوذ بالربا والميسر؛ وكالمأخوذ ~~عوضا عن عين أو نفع محرم؛ كثمن الخمر والدم؛ والخنزير والأصنام ومهر البغي ~~وحلوان الكاهن؛ وأمثال ذلك: فمذهب أهل المدينة في ذلك من أعدل المذاهب فإن ~~تحريم الظلم وما يستلزم الظلم أشد من تحريم النوع الأول؛ فإن الله حرم ~~الخبائث من المطاعم إذ هي تغذي تغذية خبيثة توجب للإنسان الظلم كما إذا ~~اغتذى من الخنزير والدم والسباع؛ فإن المغذي شبيه بالمغتذى به فيصير في ~~نفسه من البغي والعدوان بحسب ما اغتذى منه. ms6138 # PageV20P340 # وإباحتها للمضطر لأن مصلحة بقاء النفس مقدم على دفع هذه المفسدة مع أن ~~ذلك عارض لا يؤثر فيه مع الحاجة الشديدة أثرا يضر. وأما الظلم فمحرم قليله ~~وكثيره وحرمه تعالى على نفسه وجعله محرما على عباده. وحرم الربا لأنه متضمن ~~للظلم فإنه أخذ فضل بلا مقابل له وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو ~~القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج وأما المقامر فقد يحصل له ~~فضل وقد لا يحصل له وقد يقمر هذا هذا وقد يكون بالعكس. # {وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر؛ وعن بيع الملامسة ~~والمنابذة وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وبيع حبل الحبلة} ونحو ذلك مما فيه ~~نوع مقامرة وأرخص في ذلك فيما تدعو الحاجة إليه ويدخل تبعا لغيره كما أرخص ~~في ابتياعها بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح وإن كان بعض أجزائها لم ~~يخلق وكما أرخص في ابتياع النخل المؤبر مع جديده إذا اشترطه المبتاع وهو لم ~~يبد صلاحه وهذا جائز بإجماع المسلمين وكذلك سائر الشجر الذي فيه ثمر ظاهر ~~وجعل للبائع ثمرة النخل المؤبر إذا لم يشترطها المشتري فتكون الشجرة ~~للمشتري والبائع ينتفع بها بإبقاء ثمره عليها إلى حين الجذاذ. # PageV20P341 # وقد ثبت في الصحيح أنه أمر بوضع الجوائح وقال: {إن بعت من أخيك ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه بغير حق؟} . ومذهب مالك وأهل المدينة في هذا الباب أشبه بالسنة والعدل ~~من مذهب من خالفهم من أهل الكوفة وغيرهم وذلك أن مخالفهم جعل البيع إذا وقع ~~على موجود جاز سواء كان قد بدا صلاحه أو لم يكن قد بدا صلاحه وجعل موجب كل ~~عقد قبض المبيع عقبه ولم يجز تأخير القبض فقال: إنه إذا اشترى الثمر باديا ~~صلاحه أو غير باد صلاحه جاز وموجب العقد القطع في الحال لا يسوغ له تأخير ~~الثمر إلى تكمل صلاحه ولا يجوز له أن يشترطه. وجعلوا ذلك القبض قبضا ناقلا ms6139 ~~للضمان إلى المشتري دون البائع وطردوا ذلك فقالوا: إذا باع عينا مؤجرة لم ~~يصح لتأخير التسليم وقالوا: إذا استثنى منفعة المبيع: كظهر البعير وسكنى ~~الدار لم يجز وذلك كله فرع على ذلك القياس. وأهل المدينة وأهل الحديث ~~خالفوهم في ذلك كله واتبعوا النصوص الصحيحة وهو موافقة القياس الصحيح ~~العادل فإن قول القائل: العقد موجب القبض عقبه؛ يقال له: موجب العقد إما أن ~~يتلقى من الشارع؛ أو من قصد العاقد والشارع ليس في كلامه ما يقتضي أن هذا # PageV20P342 # يوجب موجب العقد مطلقا وأما المتعاقدان فهما تحت ما تراضيا به ويعقدان ~~العقد عليه فتارة يعقدان على أن يتقابضا عقبه وتارة على أن يتأخر القبض كما ~~في الثمر؛ فإن العقد المطلق يقتضي الحلول؛ ولهما تأجيله إذا كان لهما في ~~التأجيل مصلحة فكذلك الأعيان؛ فإذا كانت العين المبيعة فيها منفعة للبائع ~~أو غيره كالشجر الذي ثمره ظاهر وكالعين المؤجرة وكالعين التي استثنى البائع ~~نفعها مدة لم يكن موجب هذا العقد أن يقتضي المشتري ما ليس له؛ وما لم يملكه ~~إذا كان له أن يبيع بعض العين دون بعض كان له أن يبيعها دون منفعتها. ثم ~~سواء قيل: إن المشتري يقبض العين أو قيل: لا يقبضها بحال: لا يضر ذلك؛ فإن ~~القبض في البيع ليس هو من تمام العقد كما هو في الرهن بل الملك يحصل قبل ~~القبض للمشتري تابعا ويكون نماء المبيع له بلا نزاع وإن كان في يد البائع ~~ولكن أثر القبض إما في الضمان وإما في جواز التصرف. وقد ثبت {عن ابن عمر ~~أنه قال: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري} . ~~ولهذا ذهب إلى ذلك أهل المدينة وأهل الحديث؛ فإن تعليق الضمان بالتمكين من ~~القبض أحسن من تعليقه بنفس القبض وبهذا جاءت السنة ففي الثمار التي أصابتها ~~جائحة لم يتمكن المشتري من الجذاذ # PageV20P343 # وكان معذورا فإذا تلفت كانت من ضمان البائع؛ ولهذا التي تلفت بعد تفريطه ~~في القبض كانت من ضمانه والعبد والدابة التي تمكن من ms6140 قبضها تكون من ضمانه ~~على حديث علي وابن عمر. ومن جعل التصرف تابعا للضمان فقد غلط؛ فإنهم متفقون ~~على أن منافع الإجارة إذا تلفت قبل تمكن المستأجر من استيفائها كانت من ~~ضمان المؤجر ومع هذا للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة وإنما تنازعوا في ~~إيجارها بأكثر من الأجرة لئلا يكون ذلك ربحا فيما لا يضمن والصحيح جواز ذلك ~~لأنها مضمونة على المستأجر فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ~~ضمانه ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم يكن من ضمانه. وهذا هو ~~الأصل أيضا؛ فقد ثبت في الصحيح {عن ابن عمر أنه قال كنا نبتاع الطعام جزافا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا} ~~. وابن عمر هو القائل: {مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ~~ضمان المشتري} . فتبين أن مثل هذا الطعام مضمون على المشتري ولا يبيعه حتى ~~ينقله وغلة الثمار والمنافع له أن يتصرف فيها ولو تلفت قبل التمكن من قبضها ~~كانت من ضمان المؤجر والبائع والمنافع لا يمكن التصرف فيها إلا بعد # PageV20P344 # استيفائها وكذلك الثمار لا تباع على الأشجار بعد الجذاذ بخلاف الطعام ~~المنقول. والسنة في هذا الباب فرقت بين القادر على القبض وغير القادر في ~~الضمان والتصرف فأهل المدينة أتبع للسنة في هذا الحكم كله وقولهم أعدل من ~~قول من يخالف السنة. ونظائر هذا كثير مثل بيع الأعيان الغائبة: من الفقهاء ~~من جوز بيعها مطلقا وإن لم توصف ومنهم من منع بيعها مع الوصف؛ ومالك جوز ~~بيعها مع الصفة دون غيرها وهذا أعدل. والعقود من الناس من أوجب فيها ~~الألفاظ وتعاقب الإيجاب والقبول ونحو ذلك وأهل المدينة جعلوا المرجع في ~~العقود إلى عرف الناس وعادتهم فما عده الناس بيعا فهو بيع وما عدوه إجارة ~~فهو إجارة وما عدوه هبة فهو هبة وهذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل فإن ~~الأسماء منها ما له حد في اللغة كالشمس والقمر. ومنها ما له حد في الشرع ~~كالصلاة والحج. ms6141 ومنها ما ليس له حد لا في اللغة ولا في الشرع بل يرجع إلى ~~العرف كالقبض. ومعلوم أن اسم البيع والإجارة والهبة في هذا الباب لم يحدها ~~الشارع ولا لها حد في اللغة؛ بل يتنوع ذلك # PageV20P345 # بحسب عادات الناس وعرفهم فما عدوه بيعا فهو بيع وما عدوه هبة فهو هبة وما ~~عدوه إجارة فهو إجارة. ومن هذا الباب أن مالكا يجوز بيع المغيب في الأرض ~~كالجزر واللفت وبيع المقاثي جملة كما يجوز هو والجمهور بيع الباقلاء ونحوه ~~في قشره. ولا ريب أن هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم وإلى هذا التاريخ ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا وما يظن أن هذا ~~نوع غرر فمثله جائز في غيره من البيوع لأنه يسير والحاجة داعية إليه وكل ~~واحد من هذين يبيح ذلك فكيف إذا اجتمعا؟ وكذلك ما يجوز مالك من منفعة الشجر ~~تبعا للأرض مثل أن يكري أرضا أو دارا فيها شجرة أو شجرتان هو أشبه بالأصول ~~من قول من منع ذلك. وقد يجوز ذلك طائفة من أصحاب أحمد بن حنبل مطلقا وجوزوا ~~ضمان الحديقة التي فيها أرض وشجر كما فعل عمر بن الخطاب لما قبل الحديقة من ~~أسيد بن الحضير ثلثا وقضى بما تسلفه دينا كان عليه وقد بسطت الكلام على هذه ~~المسألة في غير هذا الموضع. # وهذا يتبين بذكر الربا؛ فإن تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم ~~محقق والله سبحانه وتعالى لما جعل خلقه نوعين غنيا وفقيرا # PageV20P346 # أوجب على الأغنياء الزكاة حقا للفقراء ومنع الأغنياء عن الربا الذي يضر ~~الفقراء وقال تعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وقال تعالى: {وما ~~آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} فالظالمون يمنعون الزكاة ويأكلون ~~الربا وأما القمار فكل من المتقامرين قد يقمر الآخر وقد يكون المقمور هو ~~الغني أو يكونان متساويين في الغنى والفقر فهو أكل مال بالباطل فحرمه الله ms6142 ~~لكن ليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم ~~من ظلم غير المحتاج. ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحيل على ~~استحلاله وسدوا الذريعة المفضية إليه فأين هذا ممن يسوغ الاحتيال على أخذه؟ ~~بل يدل الناس على ذلك. وهذا يظهر بذكر مثلا ربا الفضل وربا النسأ. # أما ربا الفضل فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة واتفق جمهور الصحابة ~~والتابعين والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب والفضة والحنطة والشعير ~~والتمر والزبيب بجنسه إلا مثلا بمثل؛ إذ الزيادة على المثل أكل مال بالباطل ~~وظلم فإذا أراد المدين أن يبيع مائة دينار مكسور # PageV20P347 # وزنه مائة وعشرون دينارا؛ يسوغ له مبيح الحيل أن يضيف إلى ذلك رغيف خبز ~~أو منديل يوضع فيه مائة دينار؛ ونحو ذلك مما يسهل على كل مرب فعله: لم يكن ~~لتحريم الربا فائدة ولا فيه حكمة ولا يشاء مرب أن يبيع نوعا من هذا بأكثر ~~منه من جنسه إلا أمكنه أن يضم إلى القليل ما لا قدر له من هذه الأمور. ~~وكذلك إذا سوغ لهما أن يتواطآ على أن يبيعه إياه بعرض لا قصد للمشتري فيه ~~ثم يبتاعه منه بالثمن الكثير أمكن طالب الربا أن يفعل ذلك. # ومعلوم أن من هو دون الرسول إذا حرم شيئا لما فيه من الفساد وأذن أن يفعل ~~بطريق لا فائدة فيه لكان هذا عيبا وسفها؛ فإن الفساد باق ولكن زادهم غشا ~~وإن كان فيه كلفة فقد كلفهم ما لا فائدة فيه فكيف يظن هذا بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم؟ بل معلوم أن الملوك لو نهوا عما نهى عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم واحتال المنهي على ما نهي عنه بمثل هذه الطريق لعدوه لاعبا مستهزئا ~~بأوامرهم وقد عذب الله أهل الجنة الذين احتالوا على ألا يتصدقوا وعذب الله ~~القرية التي كانت حاضرة البحر لما استحلوا المحرم بالحيلة بأن مسخهم قردة ~~وخنازير وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تركبوا ما ارتكبت ~~اليهود فتستحلوا ما حرم ms6143 الله بأدنى الحيل} . # PageV20P348 # وقد بسطنا الكلام على " قاعدة إبطال الحيل وسد الذرائع " في كتاب كبير ~~مفرد وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين ~~من المهاجرين والأنصار. وكذلك ربا النسأ فإن أهل ثقيف الذين نزل فيهم ~~القرآن أن الرجل كان يأتي إلى الغريم عند حلول الأجل فيقول: أتقضي أم تربي؟ ~~فإن لم يقضه وإلا زاده المدين في الماء وزاده الطالب في الأجل فيضاعف المال ~~في المدة لأجل التأخير. وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه باتفاق سلف الأمة ~~وفيه نزل القرآن والظلم والضرر فيه ظاهر. والله سبحانه وتعالى أحل البيع ~~وأحل التجارة وحرم الربا فالمبتاع يبتاع ما يستنفع به كطعام ولباس ومسكن ~~ومركب وغير ذلك والتاجر يشتري ما يريد أن يبيعه ليربح فيه وأما آخذ الربا ~~فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا ~~فائدة حصلت له لم يبع ولم يتجر والمربي آكل مال بالباطل بظلمه ولم ينفع ~~الناس لا بتجارة ولا غيرها؛ بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا ~~للناس. فإذا كان هذا مقصودهما فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم مثل ~~أن تواطآ على أن يبيعه ثم يبتاعه فهذه بيعتان في بيعة وفي # PageV20P349 # السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من باع بيعتين في بيعة فله ~~أوكسهما أو الربا} مثل أن يدخل بينهما محللا يبتاع منه أحدهما ما لا غرض له ~~فيه ليبيعه آكل الربا لموكله في الربا ثم الموكل يرده إلى المحلل بما نقص ~~من الثمن. وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله ~~وشاهده وكاتبه} {ولعن المحلل والمحلل له} . ومثل أن يضما إلى الربا نوع قرض ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ~~ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك.} ثم {إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن المزابنة والمحاقلة} وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص وكما ms6144 نهى عن بيع ~~الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى؛ لأن الجهل بالتساوي فيما ~~يشترط فيه التساوي كالعلم بالتفاضل والخرص لا يعرف مقدار المكال إنما هو ~~حزر وحدس وهذا متفق عليه بين الأئمة. ثم إنه قد ثبت عنه أنه أرخص في ~~العرايا يبتاعها أهلها بخرصها تمرا فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه وأقام ~~الخرص عند الحاجة مقام الكيل وهذا من تمام محاسن الشريعة كما أنه في العلم ~~بالزكاة وفي المقاسمة أقام الخرص مقام الكيل فكان يخرص الثمار على أهلها ~~يحصي الزكاة وكان عبد الله بن رواحة يقاسم أهل خيبر خرصا بأمر النبي # PageV20P350 # صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه إذا أمكن التقدير بالكيل فعل فإذا لم يمكن ~~كان الخرص قائما مقامه للحاجة كسائر الأبدال في المعلوم والعلامة؛ فإن ~~القياس يقوم مقام النص عند عدمه والتقويم يقوم مقام المثل وعدم الثمن ~~المسمى عند تعذر المثل والثمن المسمى. ومن هذا الباب القافة التي هي ~~استدلال بالشبه على النسب إذا تعذر الاستدلال بالقرائن؛ إذ الولد يشبه ~~والده في الخرص والقافة والتقويم أبدال في العلم كالقياس مع النص وكذلك ~~العدل في العمل؛ فإن الشريعة مبناها على العدل كما قال تعالى: {لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} . # والله قد شرع القصاص في النفوس والأموال والأعراض بحسب الإمكان فقال ~~تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} الآية وقال تعالى: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس} الآية وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} الآية وقال ~~تعالى: {فمن اعتدى عليكم} الآية وقال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} الآية فإذا قتل الرجل من يكافئه عمدا عدوانا كان عليه القود ثم ~~يجوز أن يفعل به مثل ما فعل؛ كما يقوله أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين بحسب الإمكان؛ إذا لم يكن تحريمه بحق الله # PageV20P351 # كما إذا رضخ رأسه كما {رضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي الذي ~~رضخ رأس الجارية} كان ذلك أتم في ms6145 العدل بمن قتله بالسيف في عنقه وإذا تعذر ~~القصاص عدل إلى الدية وكانت الدية بدلا لتعذر المثل. وإذا أتلف له مالا؛ ~~كما لو تلفت تحت يده العارية: فعليه مثله إن كان له مثل وإن تعذر المثل ~~كانت القيمة - وهي الدراهم والدنانير - بدلا عند تعذر المثل ولهذا كان من ~~أوجب المثل في كل شيء بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة أقرب إلى العدل ممن ~~أوجب القيمة من غير المثل وفي هذا كانت قصة داود وسليمان. وقد بسطنا الكلام ~~على هذه الأبواب كلها في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا: التنبيه. ~~وحينئذ فتجويز العرايا أن تباع بخرصها لأجل الحاجة عند تعذر بيعها بالكيل ~~موافق لأصول الشريعة مع ثبوت السنة الصحيحة فيه وهو مذهب أهل المدينة وأهل ~~الحديث ومالك جوز الخرص في نظير ذلك للحاجة وهذا عين الفقه الصحيح. ومذهب ~~أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد في جزاء الصيد: أنه يضمن بالمثل في ~~الصورة كما مضت بذلك السنة وأقضية الصحابة فإن في السنن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى في الضبع بكبش # PageV20P352 # وقضت الصحابة في النعامة ببدنة وفي الظبي بشاة وأمثال ذلك. ومن خالفهم من ~~أهل الكوفة إنما يوجب القيمة في جزاء الصيد وأنه يشتري بالقيمة الأنعام ~~والقيمة مختلفة باختلاف الأوقات. # فصل: # ولما كان المحرم نوعين: نوع لعينه ونوع لكسبه؛ فالكسب الذي هو معاملة ~~الناس نوعان: معاوضة؛ ومشاركة. فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. ~~وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات. ومذهب مالك في ~~المشاركات من أصح المذاهب وأعدلها؛ فإنه يجوز شركة العنان والأبدان وغيرهما ~~ويجوز المضاربة والمزارعة والمساقاة. والشافعي لا يجوز من الشركة إلا ما ~~كان تبعا لشركة الملك؛ فإن الشركة نوعان: شركة في الأملاك؛ وشركة في ~~العقود. فأما شركة الأملاك كاشتراك الورثة في الميراث فهذا لا يحتاج إلى ~~عقد ولكن إذا # PageV20P353 # اشترك اثنان في عقد فمذهب الشافعي أن الشركة لا تحصل بعقد ولا تحصل ~~القسمة بعقد. وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد فيجوز شركة ~~العنان مع اختلاف المالين وعدم ms6146 الاختلاط وإذا تحاسب الشريكان عنده من غير ~~إفراز كان ذلك قسمة حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح. ~~والشافعي لا يجوز شركة الأبدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين ولا ~~أن يشترط لأحدهما ربحا زائدا على نصيب الآخر من ماله إذ لا تأثير عنده ~~للعقد وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعا لأجل الحاجة لا لوفق ~~القياس. وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة؛ لأنه رأى ذلك من ~~باب المؤاجرة والمؤاجرة لا بد فيها من العلم بالأجرة. ومالك في هذا الباب ~~أوسع منهما حيث جوز المساقاة على جميع الثمار مع تجويز الأنواع من ~~المشاركات التي هي شركة العنان والأبدان لكنه لم يجوز المزارعة على الأرض ~~البيضاء موافقة للكوفيين. وأما قدماء أهل المدينة هم وغيرهم من الصحابة ~~والتابعين فكانوا # PageV20P354 # يجوزون هذا كله وهو قول الليث؛ وابن أبي ليلى وأبي يوسف؛ ومحمد؛ وفقهاء ~~الحديث كأحمد بن حنبل وغيره. والشبهة التي منعت أولئك المعاملة: أنهم ظنوا ~~أن هذه المعاملة إجارة والإجارة لا بد فيها من العلم بقدر الأجرة ثم ~~استثنوا من ذلك المضاربة لأجل الحاجة؛ إذ الدراهم لا تؤجر. والصواب أن هذه ~~المعاملات من نفس المشاركات لا من جنس المعاوضات؛ فإن المستأجر يقصد ~~استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ونحوهم وأما في ~~هذا الباب فليس العمل هو المقصود بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا يبذل نفع ماله ~~ليشتركا فيما رزق الله من ربح فإما يغنمان جميعا أو يغرمان جميعا وعلى هذا ~~{عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر أن يعمروها من أموالهم بشطر ما ~~يخرج منها من ثمر وزرع} . والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من كراء ~~المزارعة في حديث رافع بن خديج وغيره متفق عليه كما ذكره الليث وغيره؛ فإنه ~~{نهى أن يكرى بما تنبت الماذيانات والجداول وشيء من التبن} فربما غل هذا ~~ولم يغل هذا فنهى أن يعين المالك زرع بقعة بعينها كما نهى في المضاربة أن ~~يعين العامل مقدارا ms6147 من الربح وربح ثوب بعينه # PageV20P355 # لأن ذلك يبطل العدل في المشاركة. وأصل أهل المدينة في هذا الباب أصح من ~~أصل غيرهم الذي يوجب أجرة المثل والأول هو الصواب؛ فإن العقد لم يكن على ~~عمل ولهذا لم يشترط العلم بالعمل وقد تكون أجرة المثل أكثر من المال وربحه: ~~فإنما يستحق في الفاسد نظير ما يستحق من الصحيح فإذا كان الواجب في البيع ~~والإجارة الصحيحة ثمنا وأجرة وجب في الفاسد قسط من الربح كان الواجب في ~~الفاسد قسطا من الربح وكذلك في المساقاة والمزارعة وغيرهما. وما يضعف في ~~هذا الباب من قول متأخري أهل المدينة فقول الكوفيين فيه أضعف ويشبه أن يكون ~~هذا كله من الرأي المحدث الذي علم به من عابه من السلف وأما ما مضت به ~~السنة والعمل فهو العدل. ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة ~~والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة؛ فإن المؤاجرة مخاطرة والمستأجر قد ~~ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فإنهما يشتركان في الغنم ~~والغرم فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة. # PageV20P356 # فصل: # وأما العبادات فإن أصل الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ~~ما شرعه الله؛ فإن الله سبحانه في سورة الأنعام والأعراف عاب على المشركين ~~أنهم حرموا ما لم يحرمه الله وأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما ~~قال ابن عباس: إذا أردت أن تعرف جهل العرب فاقرأ من قوله: {وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام} الآية؛ وذلك أن الله ذم المشركين على ما ابتدعوه من ~~تحريم الحرث والأنعام وما ابتدعوه من الشرك وذمهم على احتجاجهم على بدعهم ~~بالقدر قال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} الآية. وفي ~~الصحيح عن عياض بن حمار {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله ~~تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} وذكر في سورة الأعراف ms6148 ما حرموه ~~وما شرعوه وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش} الآية وقال: # PageV20P357 # {قل أمر ربي بالقسط} الآية فبين لهم ما أمرهم به وما حرمه هو وقال ذما ~~لهم: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين} الآية. وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع. والمقصود أنه ليس لأحد أن يحرم إلا ما جاءت الشريعة بتحريمه وإلا ~~فالأصل عدم التحريم. سواء في ذلك الأعيان والأفعال وليس له أن يشرع دينا ~~واجبا أو مستحبا ما لم يقم دليل شرعي على وجوبه واستحبابه. إذا عرف هذا ~~فأهل المدينة أعظم الناس اعتصاما بهذا الأصل؛ فإنهم أشد أهل المدائن ~~الإسلامية كراهية للبدع وقد نبهنا على ما حرمه غيرهم من الأعيان والمعاملات ~~وهم لا يحرمونه. وأما الدين فهم أشد أهل المدائن اتباعا للعبادات الشرعية ~~وأبعدهم عن العبادات البدعية. ونظائر هذا كثيرة منها أن طائفة من الكوفيين ~~وغيرهم استحبوا للمتوضئ والمغتسل والمصلي ونحوهم أن يتلفظوا بالنية في هذه ~~العبادات وقالوا: إن التلفظ بها أقوى من مجرد قصدها بالقصد وإن كان التلفظ ~~بها لم يوجبه أحد من الأئمة. وأهل المدينة لم يستحبوا شيئا من # PageV20P358 # ذلك وهذا هو الصواب. ولأصحاب أحمد وجهان؛ وذلك أن هذه بدعة لم يفعلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بل كان يفتتح الصلاة بالتكبير ولا ~~يقول قبل التكبير شيئا من هذه الألفاظ كذلك في تعليمه للصحابة إنما علمهم ~~الافتتاح بالتكبير فهذه بدعة في الشرع وهي أيضا غلط في القصد فإن القصد إلى ~~الفعل أمر ضروري في النفس فالتلفظ به من باب العبث كتلفظ الآكل بنية الأكل؛ ~~والشارب بنية الشرب؛ والناكح بنية النكاح؛ والمسافر بنية السفر؛ وأمثال ~~ذلك. # ومن ذلك " صفات العبادات " فإن مالكا وأهل المدينة لا يجوزون تغيير صفة ~~العبادة المشروعة فلا يفتتح الصلاة بغير التكبير المشروع؛ وهو قول: الله ~~أكبر كما أن هذا التكبير هو المشروع في الأذان والأعياد ولا يجوزون أن يقرأ ~~القرآن بغير العربية ولا يجوزون أن يعدل عن المقصود المنصوص في الزكاة إلى ~~ما يختار المالك من الأموال بالقيمة. ms6149 وهم في مواقيت الصلاة أتبع للسنة من ~~أهل الكوفة حيث يستحبون تقديم الفجر والعصر ويجعلون وقت العصر إذا صار ظل ~~كل شيء مثله وهو آخر وقت الظهر ويجعلون وقت صلاة العشاء وصلاة المغرب ~~مشتركا للمعذور كالحائض إذا طهرت والمجنون إذا أفاق # PageV20P359 # ويجوزون الجمع للمسافر الذي جد به السير؛ والمريض؛ وفي المطر. وهم في ~~صلاة السفر معتدلون؛ فإن من الفقهاء من يجعل الإتمام أفضل من القصر أو يجعل ~~القصر أفضل لكن لا يكره الإتمام بل يرى أنه الأظهر وأنه لا يقصر إلا أن ~~ينوي القصر. ومنهم من يجعل الإتمام غير جائز وهم يرون أن السنة هي القصر ~~وإذا ربع كره له ذلك ويجعلون القصر سنة راتبة والجمع رخصة عارضة. ولا ريب ~~أن هذا القول أشبه الأقوال بالسنة. وكذلك في " السنن الراتبة " يجعلون ~~الوتر ركعة واحدة وإن كان قبلها شفع. وهذا أصح من قول الكوفيين الذين ~~يقولون: لا وتر إلا كالمغرب. مع أن تجويز كليهما أصح؛ لكن الفصل أفضل من ~~الوصل. فقولهم أرجح من قول الكوفيين مطلقا ولا يرون للجمعة قبلها سنة راتبة ~~خلافا لمن خالفهم من الكوفيين. ومالك لا يوقت مع الفرائض شيئا وبعض ~~العراقيين وقت أشياء بأحاديث ضعيفة فقول مالك أقرب إلى السنة. وأهل المدينة ~~يرون الجمع والقصر للحاج بعرفة ومزدلفة والقصر # PageV20P360 # بمنى سواء كان من أهل مكة أو غيرهم. ولا ريب أن هذا هو الذي مضت به سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ريب وهذا القول أحد الأقوال في مذهب ~~الشافعي وأحمد. ومن قال: إنه لا يجوز القصر إلا لمن كان منهم على مسافة ~~القصر فقوله مخالف للسنة وأضعف منه قول من يقول: لا يجوز الجمع إلا لمن كان ~~على مسافة القصر؛ وقد علم أن للجمع أسبابا غير السفر الطويل؛ ولهذا كان قول ~~من يقول: إنه يجوز الجمع في السفر القصير كما يجوز في الطويل أقوى من قول ~~من لا يجوزه إلا في الطويل لا في القصير. وظن من قال هذه الأقوال من أهل ~~العراق وغيرهم أن ms6150 {النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ثم قال: يا أهل مكة ~~أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} وهذا باطل عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق ~~أهل الحديث وإنما الذي في السنن أنه قال ذلك لما صلى في مكة في غزوة الفتح ~~وكذلك قد نقلوا هذا عن عمر. ويروى أن الرشيد لما حج أمر أبا يوسف أن يصلي ~~بالناس فلما سلم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر فقال له بعض ~~المكيين: أتقول لنا هذا ومن عندنا خرجت السنة؟ وقال: هذا من فقهك تكلم وأنت ~~في الصلاة. # PageV20P361 # وهذا المكي وافق أبا يوسف على ظنه أنهم لا يقصرون لكن من قلة فقهه تكلم ~~وتكلم الناسي والجاهل بتحريم الكلام لا يبطل صلاته عند مالك والشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين ويبطلها عند أبي حنيفة. ولو كان المكي عالما بالسنة ~~لقال: ليست هذه السنة بل قد صلى صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبو بكر ~~وعمر وكذلك صلوا بعرفة ومزدلفة ركعتين ولم يأمروا من خلفهم من المكيين ~~بإتمام الصلاة فيها كما هو مذهب أهل المدينة. # ومن ذلك " صلاة الكسوف " فإنه قد تواترت السنن فيها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه صلاها بركوعين في كل ركعة واتبع أهل المدينة هذه السنة ~~وخفيت على أهل الكوفة حيث منعوا ذلك. وكذلك " صلاة الاستسقاء " فإنه قد ثبت ~~في الحديث الصحيح {عن النبي أنه صلى صلاة الاستسقاء} وأهل المدينة يرون أن ~~يصلي للاستسقاء وخفيت هذه السنة على من أنكر صلاة الاستسقاء من أهل العراق. # ومن ذلك تكبيرات العيد الزوائد؛ فإن غالب السنن والآثار توافق مذهب أهل ~~المدينة في الأولى سبع بتكبيرات الافتتاح والإحرام وفي الثانية خمس. # PageV20P362 # ومن ذلك أن الصلاة هل تدرك بركعة أو بأقل من ركعة؟ فمذهب مالك أنها إنما ~~تدرك بركعة. وهذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {من ~~أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة} وقال: {من أدرك ركعة من الفجر قبل أن ~~تطلع الشمس فقد أدرك ومن ms6151 أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك} ~~فمالك يقول في الجمعة والجماعة: إنما تدرك بركعة وكذلك إدراك الصلاة في آخر ~~الوقت وكذلك إدراك الوقت كالحائض إذا طهرت والمجنون إذا أفاق قبل خروج ~~الوقت. وأبو حنيفة يعلق الإدراك في الجميع بمقدار التكبيرة حتى في الجمعة ~~يقول: إذا أدرك منها مقدار تكبيرة فقد أدركها. والشافعي وأحمد يوافقان ~~مالكا في الجمعة ويختلف قولهما في غيرها والأكثرون من أصحابهما يوافقون أبا ~~حنيفة في الباقي. ومعلوم أن قول من وافق مالكا في الجميع أصح نصا وقياسا. ~~وقد احتج بعضهم على مالك بقوله في الحديث الصحيح: {من أدرك سجدة من الصلاة} ~~وليس في هذا حجة؛ لأن المراد بالسجدة الركعة كما {قال ابن عمر: حفظت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها} ونظائرها ~~متعددة. # PageV20P363 # ومن ذلك أن مذهب أهل المدينة أن الإمام إذا صلى ناسيا لجنابته وحدثه ثم ~~علم أعاد هو ولم يعد المأموم وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين كعمر ~~وعثمان. وعند أبي حنيفة يعيد الجميع وقد ذكر ذلك رواية عن أحمد والمنصوص ~~المشهور عنه كقول مالك وهو مذهب الشافعي وغيره ومما يؤيد ذلك أن هذه القصة ~~جرت لأبي يوسف؛ فإن الخليفة استخلفه في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه ~~كان محدثا فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال: ربما ضاق ~~علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين مع أن صلاة الجمعة فيها خلاف ~~كثير؛ لكون الإمامة شرطا فيها. وطرد مالك هذا الأصل أيضا في سائر خطأ ~~الإمام فإذا صلى الإمام باجتهاده فترك ما يعتقد المأموم وجوبه مثل: أن يكون ~~الإمام لا يرى وجوب قراءة البسملة أو لا يرى الوضوء من الدم أو من القهقهة؛ ~~أو من مس النساء والمأموم يرى وجوب ذلك: فمذهب مالك صحة صلاة المأموم. وهذا ~~أحد القولين عن أحمد والشافعي والقول الآخر لا يصح كقول أبي حنيفة. ومذهب ~~أهل المدينة هو الذي لا ريب في # PageV20P364 # صحته؛ فقد ثبت في صحيح البخاري ms6152 {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} وهذا صريح في ~~المسألة ولأن الإمام صلى باجتهاده فلا يحكم ببطلان صلاته ألا ترى أنه ينفذ ~~حكمه إذا حكم باجتهاده؟ فالائتمام به أولى. والمنازع بنى ذلك على أن ~~المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام وهذا غلط؛ فإن الإمام صلى باجتهاده أو ~~تقليده وأنه إن كان مصيبا فله أجران وإن كان مخطئا فله أجر واحد وخطؤه ~~مغفور له فكيف يقال: إنه يعتقد بطلان صلاته ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف ~~الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض مع وجود مثل ذلك فما زال الشافعي ~~وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرءون البسملة سرا ولا جهرا. ومن ~~المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكا فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه ~~أبو يوسف ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض ~~الوضوء ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف: أتصلي خلفه ~~فقال: سبحان الله أمير المؤمنين فإن ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من ~~شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة. ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا # PageV20P365 # فأفتى بوجوب الوضوء؛ فقال له السائل: فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه؟ ~~فقال: سبحان الله ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس ومالك يرى أن ~~كلام الناسي والجاهل في الصلاة لا يبطلها على حديث ذي اليدين؛ وحديث معاوية ~~بن الحكم لما شمت العاطس؛ وحديث الأعرابي الذي قال في الصلاة: اللهم ارحمني ~~ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ~~والرواية الأخرى كقول أبي حنيفة قالوا: حديث ذي اليدين كان قبل تحريم ~~الكلام وليس كذلك بل حديث ذي اليدين كان بعد خيبر؛ إذ قد شهده أبو هريرة ~~وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر وتحريم الكلام كان قبل رجوع ابن مسعود من ~~الحبشة وابن مسعود شهد بدرا. ومذهب أهل المدينة في الدعاء في الصلاة ~~والتنبيه بالقرآن والتسبيح ms6153 وغير ذلك فيه من التوسع ما يوافق السنة بخلاف ~~الكوفيين: فإنهم ضيقوا في هذا الباب تضييقا كثيرا وجعلوا ذلك كله من الكلام ~~المنهي عنه. # PageV20P366 # ومن ذلك في الطهارة أن مالكا رأى الوضوء من مس الذكر ولمس النساء لشهوة ~~دون القهقهة في الصلاة ولمس النساء لغير شهوة ودون الخارج النادر من ~~السبيلين والخارج النجس من غيرهما. وأبو حنيفة رآها من القهقهة والخارج ~~النجس من السبيلين مطلقا ولا يراها من مس الذكر. ومعلوم أن أحاديث نقض ~~الوضوء من مس الذكر أثبت وأعرف من أحاديث القهقهة؛ فإنه لم يرو أحد منها في ~~السنن شيئا وهي مراسيل ضعيفة عند أهل الحديث؛ ولهذا لم يذهب إلى وجوب ~~الوضوء من القهقهة أحد من علماء الحديث؛ لعلمهم بأنه لم يثبت فيها شيء. ~~والوضوء من مس الذكر فيه طريقان: منهم من يجعله تعبدا لا يعقل معناه فلا ~~يكون بعيدا عن الأصول كالوضوء من القهقهة في الصلاة. ومنهم من لا يجعله ~~تعبدا؛ فهو حينئذ أظهر وأقوى. وأما لمس النساء ففيه ثلاثة أقوال مشهورة: ~~قول أبي حنيفة: لا وضوء منه بحال وقول مالك وأهل المدينة - وهو المشهور عن # PageV20P367 # أحمد -: أنه إن كان بشهوة نقض الوضوء وإلا فلا وقول الشافعي يتوضأ منه ~~بكل حال. ولا ريب أن قول أبي حنيفة وقول مالك هما القولان المشهوران في ~~السلف وأما إيجاب الوضوء من لمس النساء بغير شهوة فقول شاذ ليس له أصل في ~~الكتاب ولا في السنة ولا في أثر عن أحد من سلف الأمة ولا هو موافق لأصل ~~الشريعة؛ فإن اللمس العاري عن شهوة لا يؤثر لا في الإحرام ولا في الاعتكاف ~~كما يؤثر فيهما اللمس مع الشهوة ولا يكره لصائم ولا يوجب مصاهرة ولا يؤثر ~~في شيء من العبادات وغيرها من الأحكام فمن جعله مفسدا للطهارة فقد خالف ~~الأصول وقوله تعالى {أو لامستم النساء} إن أريد به الجماع فقط كما قاله عمر ~~وغيره فمعلوم أن قوله أو لامستم في الوضوء كقوله في الاعتكاف: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} والمباشرة بغير ms6154 شهوة لا تؤثر هناك؛ ~~فكذلك هنا. وكذلك قوله: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} . هذا مع أنا نعلم ~~أنه ما زال الرجال يمسون النساء بغير شهوة فلو كان الوضوء من ذلك واجبا ~~لأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ولكان ذلك مما ينقل ويؤثر. # PageV20P368 # وهذا كما أنه احتج من احتج على مالك في مسألة المني أن الناس لا يزالون ~~يحتلمون في المنام فتصيب الجنابة أبدانهم وثيابهم فلو كان الغسل واجبا لكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به مع أنه لم يأمر أحدا من المسلمين بغسل ما ~~أصابه من مني لا في بدنه ولا في ثيابه وقد أمر الحائض أن تغسل دم الحيض من ~~ثوبها ومعلوم أن إصابة الجنابة ثياب الناس أكثر من إصابة دم الحيض ثياب ~~النساء فكيف يبين هذا للحائض ويترك بيان ذلك الحكم العام؟ مع أن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وما ثبت عنه في الصحيح من أن عائشة كانت تغسل ~~المني من ثوبه لا يدل على الوجوب وثبت عنها أيضا في الصحيح أنها كانت تفركه ~~فكيف وقد ثبت هذا أيضا أن الغسل يكون لقذارته كما قال سعد بن أبي وقاص وابن ~~عباس: أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق. فإن كانت هذه ~~الحجة مستقيمة فمثلها يقال في الوضوء من لمس النساء لغير شهوة ولمسهن لشهوة ~~في التوضي منه اجتهاد وتنازع قديم وأما لمسهن بغير شهوة فكما ترى. وكذلك ~~الاغتسال من الجنابة؛ فمذهب مالك وأحد القولين من مذهب أحمد بل هو المأثور ~~عنه: اتباع السنة فيه؛ فإن من نقل غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كعائشة وميمونة لم ينقل أنه غسل بدنه # PageV20P369 # كله ثلاثا بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه ~~وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه. والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه ~~قياسا على الوضوء والسنة قد فرقت بينهما. وقد ثبت أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ms6155 وهو أربعة أمداد} ومعلوم أنه لو كان ~~السنة في الغسل التثليث لم يكفه ذلك فإن سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء ~~أكثر من أربع مرات. # ومن ذلك التيمم؛ منهم من يقول: لا يجب أن يتيمم لكل صلاة؛ كقول أبي ~~حنيفة. ومنهم من يقول: بل يتيمم لكل صلاة كقول الشافعي ومذهب مالك يتيمم ~~لوقت كل صلاة. وهذا أعدل الأقوال وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة ~~والمأثورة في المستحاضة ولهذا كان ذلك هو المشهور فيهما عند فقهاء الحديث. # ومن ذلك أهل المدينة يوجبون الزكاة في مال الخليطين؛ كمال المالك الواحد ~~ويجعلون في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة في كل أربعين بنت لبون؛ وفي كل ~~خمسين حقة وهذا موافق لكتاب النبي # PageV20P370 # صلى الله عليه وسلم في الصدقة الذي أخرجه البخاري من حديث أبي بكر الصديق ~~وعامة كتب النبي صلى الله عليه وسلم كالتي كانت عند آل عمر بن الخطاب وآل ~~علي بن أبي طالب وغيرها توافق هذا. ومن خالفهم من الكوفيين يستأنف الفريضة ~~بعد ذلك ولا يحصل للخلطة تأثير ومعهم آثار الاستئناف؛ لكن لا تقاوم هذا وإن ~~كان ثابتا فهو منسوخ كما نسخ ما روي في البقر أنها تزكى بالغنم. ومذهب أهل ~~المدينة أن لا وقص إلا في الماشية ففي النقدين ما زاد فبحسبه كما روي ذلك ~~في الآثار وأبو حنيفة يجعل الوقص تابعا للنصاب ففي النقدين عنده لا زكاة في ~~الوقص كما في الماشية. وأما المعشرات فعنده لا وقص فيها ولا نصاب بل يجب ~~العشر في كل قليل وكثير في الخضراوات لكن صاحباه وافقا أهل المدينة؛ لما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. ~~وليس فيما دون خمس ذود صدقة} وبما ثبت عنه من ترك أخذ الصدقة من الخضراوات ~~مع ما روي عنه: {ليس في الخضراوات صدقة} . ومذهب أهل المدينة أن الركاز ~~الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم {وفي الركاز الخمس} لا يدخل المعدن بل ~~المعدن تجب فيه الزكاة # PageV20P371 # كما أخذت من معادن ms6156 بلال بن الحارث كما ذكر ذلك مالك في موطئه فإن الموطأ ~~لمن تدبره وتدبر تراجمه وما فيه من الآثار وترتيبه علم قول من خالفها من ~~أهل العراق فقصد بذلك الترتيب والآثار بيان السنة والرد على من خالفها ومن ~~كان بمذهب أهل المدينة والعراق أعلم كان أعلم بمقدار الموطأ؛ ولهذا كان ~~يقول: كتاب جمعته في كذا وكذا سنة تأخذونه في كذا وكذا يوما كيف تفقهون ما ~~فيه؟ أو كلاما يشبه هذا. ومن خالف ذلك من أهل العراق يجعلون الركاز اسما ~~يتناول المعادن ودفن الجاهلية. # وكذلك أمور المناسك فإن أهل المدينة لا يرون للقارن أن يطوف إلا طوافا ~~واحدا ولا يسعى إلا سعيا واحدا. ومعلوم أن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلها توافق هذا القول. ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف ~~أولا ثم يسعى للعمرة ثم يطوف ثانيا ويسعى للحج فمتمسك بآثار منقولة عن علي ~~وابن مسعود وهذا إن صح لا يعارض السنة الصحيحة. فإن قيل: فأبو حنيفة يرى ~~القران أفضل؛ ومالك يرى الإفراد # PageV20P372 # أفضل وعلماء الحديث لا يرتابون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا ~~كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. قيل: هذه المسائل كثر نزاع الناس فيها ~~واضطرب عليهم ما نقل فيها وما من طائفة إلا وقد قالت فيها قولا مرجوحا ~~والتحقيق الثابت بالأحاديث الصحيحة: أن {النبي صلى الله عليه وسلم لما حج ~~بأصحابه أمرهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي فلما لم يحلل توقفوا فقال: لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد جمع بين العمرة والحج. فالذي تدل عليه السنة أن من لم ~~يسق الهدي فالتمتع أفضل له وإن من ساق الهدي فالقران أفضل له هذا إذا جمع ~~بينهما في سفرة واحدة. وأما إذا سافر للحج سفرة وللعمرة سفرة فالإفراد أفضل ~~له. وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة اتفقوا ms6157 على أن الإفراد أفضل إذا ~~سافر لكل منهما سفرة والقران الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~بطواف واحد وبسعي واحد لم يقرن بطوافين وسعيين كما يظنه من يظنه من أصحاب ~~أبي حنيفة كما أنه لم يفرد الحج كما يظنه من ظنه من أصحاب الشافعي ومالك ~~ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد من أصحابه إلا عائشة لأجل عمرتها التي ~~حاضت فيها مع أنه قد # PageV20P373 # صح أنه اعتمر أربع عمر: إحداهن في حجة الوداع ولم يحل النبي صلى الله ~~عليه وسلم من إحرامه كما ظنه بعض أصحاب أحمد. ومذهبهم أن المحصر لا قضاء ~~عليه. وهذا أصح من قول الكوفيين فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدوا ~~عن العمرة عام الحديبية ثم من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطائفة ممن معه لم يعتمروا وجميع أهل الحديبية كانوا أكثر من ألف وأربعمائة ~~وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ومنهم من مات قبل عمرة القضية. ومذهبهم أنه لا ~~يستحب لأحد بل يكره أن يحرم قبل الميقات المكاني والكوفيون يستحبون الإحرام ~~قبله. وقول أهل المدينة الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة ~~خلفائه الراشدين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجة ~~الوداع: عمرة الحديبية وعمرة القضية وكلاهما أحرم فيهما من ذي الحليفة ~~واعتمر عام حنين من الجعرانة ثم حجة الوداع وأحرم فيها من ذي الحليفة ولم ~~يحرم من المدينة قط ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليداوم على ترك ~~الأفضل وخلفاؤه # PageV20P374 # كعمر وعثمان نهوا عن الإحرام قبل الميقات. وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل ~~الميقات؟ فقال: أخاف عليه من الفتنة فقال: قال تعالى: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} فقال السائل: وأي فتنة في ذلك؟ وإنما هي ~~زيادة امتثال في طاعة الله تعالى قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت ~~بفعل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو كما قال. وكان يقول: لن ms6158 ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ~~ما جاء به جبريل إلى محمد بجدل هذا؟ ومذهب أهل المدينة إن وطئ بعد التعريف ~~قبل التحلل فسد حجه ومن وطئ بعد التحلل الأول فعليه عمرة وهذا هو المأثور ~~عن الصحابة دون قول من قال: إن الوطء بعد التعريف لا يفسد وقول من قال: إن ~~الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب إحراما ثانيا. واتبع مالك في ذلك قول ابن ~~عباس وذكره في موطئه؛ لكن لم يسم من نقله فيه عن ابن عباس؛ إذ الراوي له ~~عكرمة لما بلغه فيه عن ابن عمر وسعد وإن كان الذي أتمه توثيق عكرمة ولهذا ~~روى له البخاري. فإن قيل: قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير في اشتراطها # PageV20P375 # التحلل إذا حبسها حابس {وحديث عائشة في تطييب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل إحرامه وقبل طوافه بالبيت} {وحديث ابن عباس في أنه ما زال يلبي ~~حتى رمى جمرة العقبة} وغير ذلك؟ قيل: إذا قيس هذا بما خالفه غيره من ~~الكوفيين ونحوه كان ذلك أكثر مع أنه في مثل هذه المسائل اتبع فيها آثارا عن ~~عمر بن الخطاب وابن عمر وغيرهما وإن كان الصواب عند تنازع الصحابة الرد إلى ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن من لم تبلغه بعض السنة فاتبع عمر ~~وابن عمر ونحوهما كان أرجح مما خفي عنه أكثر مما خفي عن أهل المدينة ~~النبوية ولم يكن له سلف مثل سلف أهل المدينة. # ومن ذلك حرم المدينة النبوية؛ فإن الأحاديث قد تواترت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه بإثبات حرمها بل صح عنه أيضا أنه جعل جزاء من عضد بها ~~شجرا أن سلبه لواجده ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد أنها ~~حرام أيضا وإن كان لهم في جزاء الصيد نزاع ومن خالف في ذلك من الكوفيين لم ~~تبلغه هذه السنن؛ ولكن بعض أتباعهم أخذ يعارض ذلك بمثل حديث أبي عمير؛ ~~وحديث الوحش؛ ms6159 وهذه لو كانت تقاوم ذلك في الصحة لم يجز أن تعارض بها لكن تلك ~~متواترات وحديث أبي عمير محمول على أن # PageV20P376 # الصيد صيد خارج المدينة ثم أدخل إليها كذلك حديث الوحش إن صح. وإن قدر ~~أنهما متعارضان فكان مثل تحريم المدينة لأن أحاديث الحرم رواها أبو هريرة ~~ونحوه ممن صحبته متأخرة؛ وأما دخول النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طلحة ~~فكان من أوائل الهجرة أو أنه إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ~~ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين ~~الحكم إلا مرة واحدة وإذا قدم المبقي تغير الحكم مرتين. فلو قيل: إن حديث ~~أبي عمير بعد أحاديث تحريم المدينة لكان قد حرمه ثم أحله وإذا قدر أنه كان ~~قبل ذلك لم يلزم إلا كونه قد حرمه بعد التحليل وهذا لا ريب فيه والله أعلم. # فصل: # وأما المناكح فلا ريب أن مذهب أهل المدينة في بطلان نكاح المحلل ونكاح ~~الشغار أتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق؛ فإنه قد ثبت {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له} ، # PageV20P377 # وثبت عن أصحابه كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس: أنهم ~~نهوا عن التحليل لم يعرف عن أحد منهم الرخصة في ذلك وهذا موافق لأصول أهل ~~المدينة. فإن من أصولهم أن القصود في العقود معتبرة كما يجعلون الشرط ~~المتقدم كالشرط المقارن ويجعلون الشرط العرفي كالشرط اللفظي. ولأجل هذه ~~الأصول أبطلوا نكاح المحلل وخلع اليمين الذي يفعل حيلة لفعل المحلوف عليه ~~وأبطلوا الحيل التي يستحل بها الربا وأمثال ذلك. ومن نازعهم في ذلك من ~~الكوفيين. ومن وافقهم ألغى النيات في هذه الأعمال وجعل القصد الحسن كالقصد ~~السيئ وسوغ إظهار أعمال لا حقيقة لها ولا قصد بل هي نوع من النفاق والمكر ~~كما قال أيوب السختياني يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر ~~على وجهه لكان أهون عليهم. والبخاري قد أورد في صحيحه كتابا في الرد على ms6160 ~~أهل الحيل وما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون على من فعل ذلك كما بسطناه في ~~الكتاب المفرد. ونكاح الشغار قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير # PageV20P378 # وجه النهي عنه ولكن من صححه من الكوفيين رأى أنه لا محذور فيه إلا عدم ~~إعلام المهر والنكاح يصح بدون تسمية المهر ولهذا كان المبطلون له لهم ~~مأخذان: أحدهما: أن مأخذه جعل بضع كل واحدة مهر الأخرى فيلزم التشريك في ~~البضع كما يقول ذلك الشافعي وكثير من أصحاب أحمد. وهؤلاء منهم طائفة ~~يبطلونه إلا أن يسمى مهرا؛ لأنه مع تسميته انتفى التشريك في البضع. ومنهم ~~من لا يبطله إلا بقول: وبضع كل واحدة مهر للأخرى؛ لكونه إذا لم يقل ذلك لم ~~يتعين جعل البضع مهرا. ومنهم من يبطله مطلقا كما جاء عنه بذلك حديث مصرح به ~~في السنن وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره. والمأخذ الثاني: أن ~~بطلانه لاشتراط عدم المهر وفرق بين السكوت عن تسمية المهر وبين اشتراط ~~المهر؛ فإن هذا النكاح من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فلو سمى ~~المهر بما يعلمان تحريمه كخمر وخنزير بطل النكاح كما يقول ذلك من يقوله من ~~أصحاب مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو أشبه بظاهر القرآن وأشبه ~~بقياس الأصول. # وكذلك نكاح الحامل أو المعتدة من الزنا باطل في مذهب مالك # PageV20P379 # وهو أشبه بالآثار والقياس لئلا يختلط الماء الحلال بالحرام. وقد خالفه ~~أبو حنيفة فجوز العقد دون الوطء والشافعي جوزهما. وأحمد وافقه وزاد عليه؛ ~~فلم يجوز نكاح الزانية حتى تتوب لدلالة القرآن والأحاديث على تحريم نكاح ~~الزانية. وأما من ادعى أن ذلك منسوخ وأن المراد به الوطء ففساد قوله ظاهر ~~من وجوه متعددة. وكذلك مسألة تداخل العدتين من رجلين كالتي تزوجت في عدتها؛ ~~أو التي وطئت بشبهة؛ فإن مذهب مالك أن العدتين لا يتداخلان؛ بل تعتد لكل ~~واحد منهما. وهذا هو المأثور عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد. وأبو حنيفة قال بتداخلهما. وكذلك ms6161 مسألة إصابة الزوج الثاني: هل تهدم ~~ما دون الثلاث؟ وهو الذي يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ثم تتزوج من يصيبها ثم ~~تعود إلى الأول؛ فإنها تعود على ما بقي عند مالك وهو قول الأكابر من ~~الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه ~~وإنما قال لا تعود على ما بقي ابن عمر وابن عباس وهو قول أبي حنيفة. # PageV20P380 # وكذلك في الإيلاء مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وغيرهم أنه عند انقضاء ~~أربعة أشهر يوقف إما أن يفي وإما أن يطلق. وهذا هو المأثور عن بضعة عشر من ~~الصحابة وقد دل عليه القرآن والأصول من غير وجه وقول الكوفيين أن عزم ~~الطلاق انقضاء العدة فإذا انقضت ولم يف طلقت وغاية ما يروى ذلك عن ابن ~~مسعود إن صح عنه. # ومسألة الرجعة بالفعل كما إذا طلقها: فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة ~~أقوال. أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة. والثاني: لا يكون كقول الشافعي. ~~والثالث: يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك وهو أعدل الأقوال ~~الثلاثة في مذهب أحمد. # فصل: # وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة من ~~وجوه: أحدها: أنهم يوجبون القود في القتل بالمثقل كما جاءت بذلك السنة وكما ~~تدل عليه الأصول بل بالغ مالك حتى أنكر الخطأ شبه # PageV20P381 # العمد وخالفه غيره في ذلك لهجر الشبه لكنه في الحقيقة نوع من الخطأ امتاز ~~بمزيد حكم فليس هو قسما من الخطأ المذكور في القرآن. ومن ذلك مسألة قتل ~~المسلم بالكافر والذمي والحر بالعبد للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقتل به ~~بكل حال؛ كقول أبي حنيفة وأصحابه. والثاني: لا يقتل به بحال كقول الشافعي ~~وأحمد في أحد القولين. والثالث: لا يقتل به إلا في المحاربة؛ فإن القتل ~~فيها حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة بل يقتل فيه الحر وإن كان ~~المقتول عبدا والمسلم وإن كان المقتول ذميا. وهذا قول أهل المدينة والقول ~~الآخر لأحمد وهو أعدل الأقوال وفيه جمع بين الآثار المنقولة في ms6162 هذا الباب ~~أيضا. ومذهب مالك في المحاربين وغيرهم إجراء الحكم على الردء والمباشر كما ~~اتفق الناس على مثل ذلك في الجهاد. ومن نازعه في هذا سلم أن المشتركين في ~~القتل يجب عليهم القود فإنه متفق عليه من مذهب الأئمة كما قال عمر لو تمالأ ~~أهل صنعاء لقتلتهم به فإن كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع وإن كان بعضهم غير ~~مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا: كالمكره وشاهد الزور إذا رجع ~~والحاكم الجائر إذا رجع: فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء ~~كما قال علي رضي الله عنه في الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق # PageV20P382 # فقطع يده ثم رجعا وقالا: أخطأنا قال: " لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت ~~أيديكما " فدل على قطع الأيدي باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور. ~~والكوفيون يخالفون في هذين وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل رقبة المحاربين ~~بينهم ومعلوم أن قول من جعل المتعاونين على الإثم والعدوان مشتركين في ~~العقوبة أشبه بالكتاب والسنة لفظا ومعنى ممن لم يوجب العقوبة إلا على نفس ~~المباشر. # ومن ذلك أهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال: الرجم في كتاب الله حق على كل من زنى من ~~الرجال والنساء إذا أحصن وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. كذلك ~~يحدون في الخمر بما إذا وجد سكرانا أو تقيأ؛ أو وجدت منه الرائحة ولم يكن ~~هناك شبهة وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ~~كعمر وعثمان وعلي. وأبو حنيفة والشافعي لا يرون الحد إلا بإقرار أو بينة ~~على الفعل وزعموا أن ذلك شبهة وعن أحمد روايتان. ومعلوم أن الأول أشبه لسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV20P383 # وسنة خلفائه الراشدين وهو حفظ لحدود الله تعالى التي أمر الله بحفظها ~~والشبهة في هذا كالشبهة في البينة والإقرار الذي يحتمل الكذب والخطأ. # ومن ذلك أن أهل المدينة يرون " العقوبات المالية " مشروعة حيث مضت ms6163 بها ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين كما أن العقوبات ~~البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من ~~أهل الكوفة ومن اتبعهم وادعوا أنها منسوخة ومن أين يأتون على نسخها بحجة؟ ~~وهذا يفعلونه كثيرا إذا رأوا حديثا صحيحا يخالف قولهم وأما علماء أهل ~~المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما ~~جاءت بالعقوبات البدنية: مثل كسر دنان الخمر وشق ظروفها وتحريق حانوت ~~الخمار كما صنع موسى بالعجل وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام وكما ~~أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين وكما أمرهم ~~عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها وكما ضعف ~~القود على من سرق من غير الحرز وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم ~~الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدا. وكذلك مذهبهم في " ~~العقود والديات " من أصح المذاهب فمن # PageV20P384 # ذلك دية الذمي فمن الناس من قال: ديته كدية المسلم؛ كقول أبي حنيفة. ~~ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم؛ لأنه أقل ما قيل؛ كما قاله الشافعي. ~~والقول الثالث: أن ديته نصف دية المسلم وهذا مذهب مالك وهو أصح الأقوال؛ ~~لأن هذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن: أبو ~~داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية ~~كما يقول الشافعي أو تحمل المقدرات كدية الموضحة والأصابع فما فوقها كما ~~يقوله أبو حنيفة أو تحمل ما زاد على الثلث وهو مذهب مالك وهذا الثالث هو ~~المأثور وهو مذهب أحمد وفي الثلث قولان في مذهب مالك وأحمد. ويذكر أنه ~~تناظر مدني وكوفي فقال المدني للكوفي: قد بورك لكم في الربع كما تقول: يمسح ~~ربع الرأس ويعفى عن النجاسة المخففة عن ربع المحل وكما تقولونه في غير ذلك. ~~فقال له الكوفي: وأنتم بورك لكم في الثلث كما تقولون: إذا نذر صدقة ماله ~~أجزأه الثلث؛ ms6164 وكما تقولون: العاقلة تحمل ما فوق الثلث وعقل المرأة كعقل ~~الرجل إلى الثلث فإذا زادت كانت على النصف وأمثال ذلك. وهذا صحيح؛ ولكن ~~يقال للكوفي: ليس في الربع أصل لا # PageV20P385 # في كتاب الله ولا سنة رسوله وإنما قالوا: الإنسان له أربع جوانب ويقال: ~~رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه وهي أربعة فيقام الربع مقام الجميع. وأما ~~الثلث فله أصل في غير موضع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد ~~ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق المسلمين أن المريض له أن يوصي بثلث ماله لا ~~أكثر كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص لما عاده في حجة ~~الوداع وكما ثبت في الصحيح في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته فجزأهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وكما روي أنه ~~قال لأبي لبابة " يجزيك الثلث " وكما في غير ذلك فأين هذا من هذا؟ وما في ~~هذا الحديث يقول به أهل المدينة والقرعة فيها آية من كتاب الله وستة أحاديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم منها هذا الحديث. ومنها قوله: {لو يعلم الناس ~~ما في النداء والصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه} . ومنها: {إذا ~~أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه} ومنها أن الأنصار ~~كانوا يستهمون على المهاجرين لما هاجروا إليهم ومنها في المتداعيين اللذين ~~أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين حبا أم كرها ومنها ~~في {اللذين # PageV20P386 # اختصما في مواريث درست فقال لهما: توخيا الحق واستهما وليحلل كل منكما ~~صاحبه} . والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد وغيرهما ~~ومن خالفهم من الكوفيين لا يقول بها بل نقل عن بعضهم أنه قال: القرعة قمار ~~وجعلوها من الميسر والفرق بين القرعة التي سنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين الميسر الذي حرمه ظاهر بين؛ فإن القرعة إنما تكون مع استواء ~~الحقوق وعدم إمكان تعيين واحد وعلى نوعين: أحدهما: أن ms6165 لا يكون المستحق ~~معينا كالمشتركين إذا عدم المقسوم فيعين لكل واحد بالقرعة وكالعبيد الذين ~~جزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء وكالنساء اللاتي يريد السفر ~~بواحدة منهن فهذا لا نزاع بين القائلين بالقرعة أنه يقرع فيه. والثاني: ما ~~يكون المعين مستحقا في الباطن كقصة يونس والمتداعيين وكالقرعة فيما إذا ~~أعتق واحدا بعينه ثم أنسيه وفيما إذا طلق امرأة من نسائه ثم أنسيها أو مات: ~~أو نحو ذلك. فهذه القرعة فيها نزاع وأحمد يجوز ذلك دون الشافعي. # PageV20P387 # فصل: # ومذهبهم في الأحكام أنهم يرجحون جانب أقوى المتداعيين ويجعلون اليمين في ~~جانبه فيقضون بالشاهد ويمين الطالب في الحقوق وفي القسامة يبدءون بتحليف ~~المدعين فإن حلفوا خمسين يمينا استحقوا الدم. والكوفيون يرون أنه لا يحلف ~~إلا المدعى عليه فلا يحلفون المدعي لا في قسامة ولا في غيرها ولا يقضون ~~بشاهد ويمين ولا يرون اليمين على المدعي. ومعلوم أن سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصحيحة توافق مذهب المدنيين؛ فإن حديث القسامة صحيح ثابت فيه ~~وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون ~~دم صاحبكم} وكان الشافعي ونحوه من أهل العراق إذا ناظروا علماء أهل المدينة ~~كأبي الزناد وغيره في القسامة؛ واحتج عليهما أهل المدينة بالسنة التي لا ~~مندوحة لأحد عن قبولها ويقولون لهم: إن السنة ووجوه الحق لتأتي على خلاف ~~الرأي: فلا يجد المسلمون بدا من قبولها. في كلام طويل مروي بإسناد. # PageV20P388 # وكذلك ### | " مسألة الحكم بشاهد ويمين " # فيها أحاديث في الصحيح والسنن كحديث ابن عباس الذي رواه مسلم وكحديث أبي ~~هريرة وغيره مما رواه أبو داود لما قال بعض العلماء: نرى أن من حكم بشاهد ~~ويمين نقض حكمه انتصر لهذه السنة العلماء كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وأبي عبيد وغيرهم. فمالك بحث فيها في موطئه بحثا لا يعد له نظير في الموطأ ~~والشافعي في " الأم " بحث فيها نحو عشر أوراق وكذلك أبو عبيد في كتاب ~~القضاء. وليس مع الكوفيين إلا ما يروونه من قوله: {البينة على من ادعى ~~واليمين ms6166 على من أنكر} . وهذا اللفظ ليس في السنن وإن كان قد رواه بعض ~~المصنفين في الأحاديث ولكن في الصحيح حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن ~~اليمين على المدعى عليه} وهذا اللفظ إما أن يقال: لا عموم فيه؛ بل اللام ~~لتعريف المعهود وهو المدعى عليه إذ ليس مع المدعي إلا مجرد الدعوى كما قال: ~~لو يعطى الناس بدعواهم ومن يحلف المدعي لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل إنما ~~يحلفه إذا قامت حجة يرجح بها جانبه كالشاهد في الحقوق والإرث في القسامة إن ~~قيل: هو عام فالخاص يقضي على العام. واحتجاجهم بما في القرآن من ذكر ~~الشاهدين والرجل والمرأتين # PageV20P389 # ضعيف جدا؛ فإن هذا إنما هو مذكور في تحمل الشهادة دون الحكم بها؛ ولو كان ~~في الحكم فالحكم بالشهادة المجردة لم يفتقر إلى ذلك ومن حلف مع الشاهد لم ~~يحكم بشهادة غير الشهادة المذكورة في القرآن. ثم الأئمة متفقون على أنه ~~يحكم بلا شهادة أصلا بل بالنكول أو الرد وأنه يحكم بشهادة النساء منفردات ~~في مواضع فكيف يحكم مع أن هذا ليس بمخالف للقرآن؟ فكيف باليمين مع الشاهد؟ ~~ثم مالك يوجب القود في القسامة ويقيم الحد على المرأة إذا التعن الرجل ولم ~~تلتعن المرأة والشافعي يقيم الحد ولا يقتل من القسامة وأبو حنيفة يخالف في ~~المسألتين وأحمد يوافق على القود بالقسامة دون حد المرأة بل يحبسها إذا لم ~~تلتعن ويخليها. وظاهر الكتاب والسنة يوافق قول مالك. # ومن ذلك أهل المدينة يرون ### | قتل اللوطي # الفاعل والمفعول به؛ محصنين كانا أو غير محصنين وهذا هو الذي دلت عليه ~~السنة واتفاق الصحابة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. ومن قال لا ~~قتل عليه من الكوفيين فلا سنة معه ولا أثر عن الصحابة وقد قال ربيعة للكوفي ~~الذي ناظره أيجعل ما لا يحل بحال كما يباح بحال # PageV20P390 # دون حال؟ وذكر الزهري أن السنة مضت بذلك. # ومن ذلك أن الدعوى في التهم ms6167 كالسرقة والقتل يراعون فيها حال المتهم: هل ~~هو من أهل التهم أم ليس من أهل ذلك؟ ويرون عقوبة من ظهرت التهمة في حقه وقد ~~ذكر ذلك من صنف في الأحكام السلطانية من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا في ~~عقوبة مثل هذا هل يعاقبه الوالي والقاضي أم يعاقبه الوالي؟ قولان. وكما يجب ~~أن يعرف أن أمر الله تعالى ورسوله متناول لكل من حكم بين الناس سواء كان ~~واليا أو قاضيا أو غير ذلك فمن فرق بين هذا وهذا بما يتعلق بأمر الله ~~ورسوله فقد غلط وأما من فرق بينهما بما يتعلق بالولاية لكون هذا ولي على ~~مثل ذلك دون هذا فهذا متوجه. وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع ~~الكوفيين وفي تصانيفهم إذا احتج عليهم محتج بمن قتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو أمر بقتله؛ كقتله اليهودي الذي رض رأس الجارية وكإهداره لدم السابة ~~التي سبته وكانت معاهدة وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك. قالوا: هذا يعمله ~~سياسة فيقال. لهم: هذه السياسة: إن قلتم هي مشروعة لنا فهي حق؛ وهي سياسة ~~شرعية وإن قلتم: ليست مشروعة لنا فهذه مخالفة للسنة. ثم قول القائل بعد هذا ~~سياسة: إما أن يريد أن الناس # PageV20P391 # يساسون بشريعة الإسلام أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام. فإن قيل ~~بالأول فذلك من الدين وإن قيل بالثاني فهو الخطأ. ولكن منشأ هذا الخطأ أن ~~مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسياسة خلفائه الراشدين. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: {إن بني إسرائيل ~~كانت تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام نبي. وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ~~يكثرون؛ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم؛ ~~فإن الله سائلهم عما استرعاهم} فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا ~~إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما ~~معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية ~~المظالم وجعلوا ولاية حرب ms6168 غير ولاية شرع وتعاظم الأمر في كثير من أمصار ~~المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو ~~إلى السياسة سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك أن ~~الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ~~ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح ~~المحرمات؟ والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير ~~اعتصام # PageV20P392 # بالكتاب والسنة وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل وكثير منهم يحكمون ~~بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك. وكذلك كانت الأمصار التي ظهر ~~فيها مذهب أهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل ~~صاحب الحرب متبعا لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب ~~أهل العراق ومن اتبعهم حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم ~~وقد قال الله تعالى في كتابه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم} ~~الآية فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر {وكفى بربك هاديا ونصيرا} . # ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب. فإذا ظهر العلم بالكتاب ~~والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما وأهل المدينة أولى ~~الأمصار بمثل ذلك. أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك وأما ~~بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم. وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير ~~وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه: كان دين من هو كذلك بحسب ذلك. ~~وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل المدينة أصح ~~من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما. # PageV20P393 # ومن ذلك أن ### | القتال في الفتنة الكبرى. # كان الصحابة فيها ثلاث فرق: فرقة قاتلت من هذه الناحية وفرقة قاتلت من ~~هذه الناحية وفرقة قعدت والفقهاء اليوم على قولين: منهم من يرى القتال من ~~ناحية علي - مثل أكثر المصنفين - لقتال البغاة. ومنهم من يرى الإمساك. وهو ~~المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث والأحاديث الثابتة ms6169 الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الفتنة توافق قول هؤلاء ولهذا كان ~~المصنفون لعقائد أهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في الفتنة ~~والإمساك عما شجر بين الصحابة. # ثم إن أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم. ~~ويفرقون بين هذا وبين القتال في الفتنة وهو مذهب فقهاء الحديث. وهذا هو ~~الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين فإنه قد ~~ثبت عنه الحديث في الخوارج من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري ~~بعضها. وقال فيه: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة} وقد ثبت اتفاق الصحابة على # PageV20P394 # قتالهم وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر فيهم ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمنة لقتالهم وفرح بقتلهم وسجد لله ~~شكرا لما رأى أباهم مقتولا وهو ذو الثدية بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين؛ ~~فإن عليا لم يفرح بذلك بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر ولم يذكر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده. فأهل ~~المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة ~~وعلى ذلك أئمة أهل الحديث بخلاف من سوى بين قتال هؤلاء وهؤلاء بل سوى بين ~~قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما ~~فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرق ~~الله بينهما. وأهل المدينة والسنة فرقوا بين ما فرق الله بينه واتبعوا النص ~~الصحيح والقياس المستقيم العادل؛ فإن القياس الصحيح من العدل وهو: التسوية ~~بين المتماثلين والتفريق بين المتخالفين وأهل المدينة أحق الناس باتباع ~~النص الصحيح والقياس العادل. وهذا باب يطول استقصاؤه؛ وقد ذكرنا من ms6170 ذلك ما ~~شاء الله # PageV20P395 # من القواعد الكبار في القواعد الفقهية وغير ذلك؛ وإنما هذا جواب فتيا ~~نبهنا فيه تنبيها على جمل يعرف بها بعض فضائل أهل المدينة النبوية؛ فإن ~~معرفة هذا من الدين لا سيما إذا جهل الناس مقدار علمهم ودينهم فبيان هذا ~~يشبه بيان علم الصحابة ودينهم إذا جهل ذلك من جهله فكما أن بيان السنة ~~وفضائل الصحابة وتقديمهم الصديق والفاروق من أعظم أمور الدين عند ظهور بدع ~~الرافضة ونحوهم فكذلك بيان السنة؛ ومذاهب أهل المدينة؛ وترجيح ذلك على ~~غيرها من مذاهب أهل الأمصار؛ أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الجهال المتبعين ~~للظن وما تهوى الأنفس. والله أعلم. والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا ~~المؤمنين لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV20P396 # وقال: # فصل: # وأما " نسخ القرآن بالسنة " فهذا لا يجوزه الشافعي؛ ولا أحمد في المشهور ~~عنه؛ ويجوزه في الرواية الأخرى. وهو قول أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقد احتجوا ~~على ذلك بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخها قوله: {إن الله أعطى كل ذي حق ~~حقه فلا وصية لوارث} وهذا غلط فإن ذلك إنما نسخه آية المواريث كما اتفق على ~~ذلك السلف؛ فإنه لما قال بعد ذكر الفرائض: {تلك حدود الله ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} ~~{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ~~فلما ذكر أن الفرائض المقدرة حدوده ونهى عن تعديها: كان في ذلك بيان أنه لا ~~يجوز أن يزاد أحد على ما فرض الله له وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث} وإلا فهذا الحديث وحده ~~إنما رواه أبو داود ونحوه من أهل السنن ليس # PageV20P397 # في الصحيحين ولو كان من أخبار الآحاد لم يجز أن يجعل مجرد خبر غير معلوم ~~الصحة ناسخا للقرآن. وبالجملة فلم يثبت أن شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا ms6171 ~~قرآن وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ~~أو يجعل الله لهن سبيلا} وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {خذوا عني؛ خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم} . وهذه الحجة ضعيفة لوجهين: ~~أحدهما: أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه؛ فإن الله مد الحكم إلى غاية ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية لكن الغاية هنا مجهولة فصار هذا ~~يقال: إنه نسخ بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب كقوله: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} فإن هذا لا يسمى نسخا بلا ريب. الوجه الثاني: أن جلد الزاني ~~ثابت بنص القرآن وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى ثم نسخ لفظه وبقي ~~حكمه وهو # PageV20P398 # قوله: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة. وبهذا يحصل الجواب ~~عما يدعى من نسخ قوله: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} الآية؛ فإن هذا ~~إن قدر أنه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده؛ ثم نسخ لفظه وبقي حكمه منقولا ~~بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع؛ فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون ~~العمل بالسنة المتواترة المحكمة وإن تضمنت نسخا لبعض آي القرآن لكن يقولون: ~~إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة ويحتجون بقوله تعالى: {ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله ~~لم ينسخه إلا بقرآن. # PageV20P399 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -: # فصل: # قال أبو الحسن الآمدي في أحكامه: " المسألة الثانية ": اختلف الأصوليون ~~في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية؛ فنفاه الأستاذ أبو إسحاق ومن تابعه؛ ~~- يعني أبا إسحاق الإسفراييني - وأثبته الباقون وهو الحق. قلت الكلام في ~~شيئين: أحدهما: في تحرير هذا النقل؛ والثاني في النظر في أدلة القولين. أما ~~الأول فيقال: إن أراد بالباقين من ms6172 الأصوليين كل من تكلم في # PageV20P400 # أصول الفقه من السلف والخلف فليس الأمر كذلك؛ فإن الكلام في أصول الفقه ~~وتقسيمها إلى: الكتاب؛ والسنة؛ والإجماع؛ واجتهاد الرأي؛ والكلام في وجه ~~دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام: أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان؛ ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهم كانوا ~~أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم وقد كتب عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - إلى شريح: اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس - ~~وفي لفظ - فبما قضى به الصالحون؛ فإن لم تجد فإن شئت أن تجتهد رأيك. وكذلك ~~قال ابن مسعود وابن عباس وحديث معاذ من أشهر الأحاديث عند الأصوليين. وإن ~~كان مقصوده بالأصولي من يعرف " أصول الفقه " وهي أدلة الأحكام الشرعية على ~~طريق الإجمال؛ بحيث يميز بين الدليل الشرعي وبين غيره؛ ويعرف مراتب الأدلة؛ ~~فيقدم الراجح منها - وهذا هو موضوع أصول الفقه؛ فإن موضوعه معرفة الدليل ~~الشرعي ومرتبته - فكل مجتهد في الإسلام فهو أصولي؛ إذ معرفة الدليل الشرعي ~~ومرتبته بعض ما يعرفه المجتهد ولا يكفي في كونه مجتهدا أن يعرف جنس الأدلة ~~بل لا بد أن يعرف أعيان الأدلة ومن عرف أعيانها وميز بين أعيان # PageV20P401 # الأدلة الشرعية وبين غيرها كان بجنسها أعرف كمن يعرف أن يميز بين أشخاص ~~الإنسان وغيرها فالتمييز بين نوعها لازم لذلك؛ إذ يمتنع تمييز الأشخاص بدون ~~تمييز الأنواع. وأيضا فالأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب ~~المجتهدين كمالك؛ والشافعي؛ والأوزاعي؛ وأبي حنيفة؛ وأحمد بن حنبل وداود ~~ومذهب أتباعهم بل هؤلاء ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة أصول الفقه؛ إذ كانوا ~~يعرفونها بأعيانها ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام بخلاف الذين ~~يجردون الكلام في أصول مقدرة بعضها وجد وبعضها لا يوجد من غير معرفة ~~أعيانها فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فهو قليل المنفعة أو عديمها؛ إذ ~~كان تكلما في أدلة مقدرة ms6173 في الأذهان لا تحقق لها في الأعيان كمن يتكلم في ~~الفقه فيما يقدره من أفعال العباد وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه ~~فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات فهو كلام باطل وإذا كان اسم ~~الأصوليين يتناول المجتهدين المشهورين المتبوعين كالأئمة الأربعة؛ والثوري؛ ~~والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وغيرهم وإن كان مقصود الأصوليين ~~من جرد الكلام في أصول الفقه عن الأدلة المعينة كما فعله الشافعي وأحمد بن ~~حنبل ومن بعدهما وكما فعله عيسى بن أبان ونحوه وكما فعله المصنفون في أصول # PageV20P402 # الفقه من الفقهاء والمتكلمين: فمعلوم أن أول من عرف أنه جرد الكلام في ~~أصول الفقه هو الشافعي وهو لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز بل لا يعرف في ~~كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الأدلة الشرعية أنه سمى شيئا منه ~~مجازا ولا ذكر في شيء من كتبه ذلك؛ لا في الرسالة ولا في غيرها. # وحينئذ فمن اعتقد أن المجتهدين المشهورين وغيرهم من أئمة الإسلام وعلماء ~~السلف قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كما فعله طائفة من المتأخرين: كان ذلك ~~من جهله وقلة معرفته بكلام أئمة الدين وسلف المسلمين كما قد يظن طائفة أخرى ~~أن هذا مما أخذ من الكلام العربي توقيفا وأنهم قالوا: هذا حقيقة وهذا مجاز ~~كما ظن ذلك طائفة من المتكلمين في أصول الفقه وكان هذا من جهلهم بكلام ~~العرب كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى وكما يظن بعضهم أن ما يوجد ~~في كلام بعض المتأخرين كالرازي والآمدي وابن الحاجب: هو مذهب الأئمة ~~المشهورين وأتباعهم ولا يعرف ما ذكره أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ~~وغيرهم من أصول الفقه الموافق لطريق أئمتهم فهذا أيضا من جهله وقلة علمه. ~~وإن قال الناقل عن كثير من الأصوليين: مرادي بذلك أكثر المصنفين في أصول ~~الفقه من أهل الكلام والرأي كالمعتزلة والأشعرية وأصحاب # PageV20P403 # الأئمة الأربعة فإن أكثر هؤلاء قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز. قيل له: لا ~~ريب أن هذا التقسيم موجود في كتب المعتزلة ومن أخذ ms6174 عنهم وشابههم وأكثر ~~هؤلاء ذكروا هذا التقسيم وأما من لم يكن كذلك فليس الأمر في حقه كذلك. ثم ~~يقال: ليس في هؤلاء إمام من أئمة المسلمين الذين اشتغلوا بتلقي الأحكام من ~~أدلة الشرع ولهذا لا يذكر أحد من هؤلاء في الكتب التي يحكي فيها أقوال ~~المجتهدين ممن صنف كتابا وذكر فيه اختلاف المجتهدين المشتغلين بتلقي ~~الأحكام عن الأدلة الشرعية وهم أكمل الناس معرفة بأصول الفقه وأحق الناس ~~بالمعنى الممدوح من اسم الأصولي فليس من هؤلاء من قسم الكلام إلى الحقيقة ~~والمجاز. وإن أراد من عرف بهذا التقسيم من المتأخرين المعتزلة وغيرهم من ~~أهل الكلام ومن سلك طريقتهم من ذلك من الفقهاء. قيل له: لا ريب أن أكثر ~~هؤلاء قسموا هذا التقسيم لكن ليس فيهم إمام في فن من فنون الإسلام لا ~~التفسير ولا الحديث ولا الفقه ولا اللغة ولا النحو بل أئمة النحاة أهل ~~اللغة كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء وأمثالهم وأبي عمرو بن العلاء وأبي # PageV20P404 # زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عمرو الشيباني وغيرهم: لم يقسموا تقسيم ~~هؤلاء. # فصل: # وأما " المقام الثاني " ففي أدلة القولين. # قال الآمدي: حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على ~~الإنسان الشجاع؛ والحمار على الإنسان البليد وقولهم ظهر الطريق ومتنها ~~وفلان على جناح السفر؛ وشابت لمة الليل؛ وقامت الحرب على ساق؛ وكبد السماء ~~وغير ذلك. وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد. وعند ذلك فإما ~~أن يقال: هذه الأسماء حقيقة في هذه الصورة أو مجازية؛ لاستحالة خلو هذه ~~الأسماء اللغوية عنها ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه لا جائز أن يقال: ~~بكونها حقيقة فيها؛ لأنها حقيقة فيما سواه بالاتفاق فإن لفظ الأسد حقيقة في ~~السبع؛ والحمار في البهيمة والظهر والمتن والساق والكبد في الأعضاء ~~المخصوصة بالحيوان؛ واللمة في الشعر إذا جاوز الأذن. وعند ذلك فلو كانت هذه ~~الأسماء حقيقة فيما ذكر من الصور # PageV20P405 # لكان اللفظ مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه ~~الألفاظ البعض دون البعض ms6175 ضرورة التساوي في الأدلة الحقيقية ولا شك أن ~~السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع ومن إطلاق لفظ الحمار ~~إنما هو البهيمة وكذلك في باقي الصور كيف وأن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في ~~أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا؟ فإن قيل: لو كان ~~في لغة العرب لفظ مجازي فإما أن يقيد معناه بقرينة: أو لا يقيد بقرينة. فإن ~~كان الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى فكان مع القرينة حقيقة ~~في ذلك المعنى وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة؛ إذ لا معنى للحقيقة إلا ما ~~يكون مستعملا بالإفادة من غير قرينة. وأيضا فإنه ما من صورة من الصور إلا ~~ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازي فيها ~~مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم. ~~قلنا: الجواب عن الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة ولا ~~معنى للمجاز سوى هذا النوع في ذلك اللفظي. كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات ~~الألفاظ دون القرائن المعنوية؛ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع. # PageV20P406 # وجواب ثان: أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد يكون ~~لاختصاصه بالخفة على اللسان: أو لمساعدته على وزن الكلام نظما ونثرا؛ أو ~~للمطابقة والمجانسة والسجع؛ وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير؛ إلى ~~غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام. هذا كلام أبي الحسن الآمدي في ~~كتابه الكبير؛ وهو أجل كتب المتأخرين الناصرين لهذا الفرق. والجواب عن هذه ~~الحجة من وجوه: # أحدها: أن يقال ما ذكرته من الاستعمال غير ممنوع لكن قولك إن هذه الأسماء ~~إما أن تكون حقيقية أو مجازية: إنما يصح إذا ثبت انقسام الكلام إلى الحقيقة ~~والمجاز وإلا فمن ينازعك - ويقول لك: لم تذكر حدا فاصلا معقولا بين الحقيقة ~~والمجاز يتميز به هذا عن هذا؛ وأنا أطالبك بذكر هذا الفرق بين النوعين. أو ~~يقول: ليس في نفس الأمر بينهما فرق ثابت. أو يقول: أنا ms6176 لا أثبت انقسام ~~الكلام إلى حقيقة ومجاز إما لمانع عقلي أو شرعي أو غير ذلك. أو يقول: لم ~~يثبت عندي انقسام الكلام إلى هذا وهذا؛ وجواز ذلك في اللغة والشرع والعقل ~~ونحو ذلك من الأقوال: ليس لك أن تحتج عليه بقولك: إما أن تكون حقيقية أو ~~مجازية؛ إذ دخول هذه الألفاظ في أحد النوعين فرع ثبوت # PageV20P407 # التقسيم فلو أثبت التقسيم بهذا كان دورا؛ فإنه لا يمكن أن يقال: إن هذه ~~من أحد القسمين دون الآخر إلا إذا أثبت أن هناك قسمين لا ثالث لهما وأنه لا ~~يتناول شيء من أحدهما شيئا من الآخر؟ وهذا محل النزاع؛ فكيف تجعل محل ~~النزاع مقدمة في إثبات نفسه وتصادر على المطلوب؟ فإن ذلك أثبت الشيء بنفسه ~~فلم تذكر دليلا وهذا أثبت الأصل بفرعه الذي لا يثبت إلا به فهذا التطويل ~~أثبت غاية المصادرة على المطلوب. الوجه الثاني: أن يقال: من الناس القائلين ~~بالحقيقة والمجاز من جعل بعض الكلام حقيقة ومجازا فوصف اللفظ الواحد بأنه ~~حقيقة ومجاز: كألفاظ العموم المخصوصة؛ فإن كثيرا من الناس قال: هي حقيقة ~~باعتبار دلالتها على ما بقي وهي مجاز باعتبار سلب دلالتها على ما أخرج. ~~وعند هؤلاء: الكلام إما حقيقة؛ وإما مجاز وإما حقيقة ومجاز. الوجه الثالث: ~~أنك أنت وطائفة كالرازي ومن اتبعه كابن الحاجب يقولون: إن الألفاظ قبل ~~استعمالها وبعد وضعها ليست حقيقة ولا مجازا أو المجاز هو اللفظ المستعمل في ~~غير ما وضع له وحينئذ فهذه الألفاظ كقولهم: ظهر الطريق؛ وجناح السفر؛ ~~ونحوها: إن لم يثبتوا أنها وضعت لمعنى ثم استعملت في غيره لم يثبت أنها ~~مجاز وهذا مما لا سبيل # PageV20P408 # لأحد إليه؛ فإنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب أنها وضعت هذه الألفاظ ~~لغير هذه المعاني المستعملة فيها. فإن قالوا: قد قالوا: جناح الطائر وظهر ~~الإنسان وتكلموا بلفظ الظهر والجناح وأرادوا به ظهر الإنسان وجناح الطائر. ~~قيل لهم: هذا لا يقتضي أنهم وضعوا جناح السفر وظهر الطريق بل هذا استعمل ~~مضافا إلى غير ما أضيف إليه ms6177 ذاك؛ إن كان ذلك مضافا. وإن لم يكن ذلك مضافا ~~فالمضاف ليس هو مثل المعرف الذي ليس بمضاف؛ فاللفظ المعرف والمضاف إلى شيء ~~ليس هو مثل اللفظ المضاف إلى شيء آخر فإذا قال: الجناح والظهر؛ وقيل: جناح ~~الطائر وظهر الإنسان: فليس هذا وهذا مثل لفظ جناح السفر وظهر الطريق؛ وجناح ~~الذل. كذلك إذا قيل: رأس الطريق وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله كان ذلك مختصا ~~بالطريق؛ وإن لم يكن ذلك مماثلا كرأس الإنسان وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله ~~وكذلك أسفل الجبل وأعلاه هو مما يختص به وكذلك سائر الأسماء المضافة يتميز ~~معناه بالإضافة ومعلوم أن اللفظ المركب تركيب مزج أو إسناد أو إضافة ليس هو ~~من لغتهم كاللفظ المجرد عن ذلك لا في الإعراب ولا في المعنى. بل يفرقون # PageV20P409 # بينهما في النداء والنفي فيقولون: يا زيد ويا عمرو بالضم كقوله: يا آدم ~~ويا نوح ويقولون في المضاف وما أشبهه: يا عبد الله يا غلام زيد كقوله: يا ~~بني آدم يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب ويا أهل يثرب ويا قومنا أجيبوا داعي ~~الله ونحو ذلك في المضاف المنصوب وكذلك في تركيب المزج فليس قولهم: خمسة ~~كقولهم: خمسة عشر بل بالتركيب يغير المعنى. وإذا كان كذلك فلو قال القائل: ~~الخمسة حقيقة في الخمسة؛ وخمسة عشر مجاز: كان جاهلا؛ لأن هذا اللفظ ليس هو ~~ذلك وإن كان لفظ الخمسة موجودا في الموضعين؛ لأنها ركبت تركيبا آخر وجنس ~~هذا التركيب موضوع كما أن جنس الإضافة موضوع. وكذلك قولهم: جناح السفر ~~والذل وظهر الطريق تركيب آخر أضيف فيه الاسم إلى غير ما أضيف إليه في ذلك ~~المكان فليس هذا كالمجرد مثل الخمسة؛ ولا كالمقرون بغيره كلفظ الخمسة ~~والعشرين وهذا المعنى يقال في الوجه الرابع: وهو أنه سواء ثبت وضع متقدم ~~على الاستعمال؛ أو كان المراد بالوضع هو ما عرف من الاستعمال: فعلى ~~التقديرين هذا اللفظ المضاف لم يوضع ولم يستعمل إلا في هذا المعنى ولا يفهم ~~منه غيره بل ولا يحتمل سواه ولا يحتاج في فهم المراد ms6178 به إلا قرينة معنوية ~~غير ما ذكر # PageV20P410 # في الإضافة بل دلالة الإضافة على معناه كدلالة سائر الألفاظ المضافة فكل ~~لفظ أضيف إلى لفظ دل على معنى يختص ذلك المضاف إليه فكما إذا قيل: يد زيد ~~ورأسه؛ وعلمه ودينه؛ وقوله وحكمه وخبره: دل على ما يختص به وإن لم يكن دين ~~زيد مثل دين عمرو؛ بل دين هذا الكفر ودين هذا الإسلام ولا حكمه مثل حكمه؛ ~~بل هذا الحكم بالجور وهذا الحكم بالعدل ولا خبره مثل خبره؛ بل خبر هذا صدق ~~وخبر هذا كذب وكذلك إذا قيل: لون هذا ولون هذا كان لون كل منهما يختص به ~~وإن كان هذا أسود وهذا أبيض. فقد يكون اللفظ المضاف واحدا مع اختلاف ~~الحقائق في الموضعين؛ كالسواد والبياض وإنما يميز اللون أحدهما عن الآخر ~~بإضافته إلى ما يميزه. فإن قيل: لفظ الكون والدين والخبر ونحو ذلك عند ~~الإطلاق يعم هذه الأنواع؛ فكانت عامة؛ وتسمى متواطئة؛ بخلاف لفظ الرأس ~~والظهر والجناح فإنها عند الإطلاق إنما تنصرف إلى أعضاء الحيوان. قيل: فهب ~~أن الأمر كذلك: أليست بالإضافة اختصت؟ فكانت عامة مطلقة ثم تخصصت بالإضافة ~~أو التعريف فهي من باب اللفظ العام إذا خص بإضافة أو تعريف. وتخصيصه بذلك ~~كتخصيصه بالصفة والاستثناء؛ والبدل والغاية كما يقال: اللون الأحمر والخبر ~~الصادق # PageV20P411 # أو قيل: ألف إلا خمسين فقد تغيرت دلالتها بالإطلاق والتقييد. ثم إنه في ~~كلا الموضعين لم يستعمل اللفظ المعين في غير ما استعمل فيه أولا فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قال: {رأس الأمر الإسلام؛ وعموده الصلاة: وذروة ~~سنامه الجهاد في سبيل الله} وقال: {وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا ~~حصائد ألسنتهم} قد أضاف الرأس إلى الأمر: وهذا اللفظ لم يستعمل في رأس ~~الحيوان. وكذلك إذا قالوا: رأس المال؛ والشريكان يقتسمان ما يفضل بعد رأس ~~المال والمضارب يستحق نصيبه من الربح بعد رأس المال فلفظ رأس المال لم ~~يستعمل في رأس الحيوان. وكذلك لفظ رأس العين سواء كان جنسا أو علما ~~بالغلبة. وأيضا فقولهم: ms6179 تلك عند الإطلاق ينصرف إلى أعضاء الحيوان عنه ~~جوابان: أحدهما: أن اللفظ لا يستعمل قط مطلقا لا يكون إلا مقيدا؛ فإنه إنما ~~تقيد بعد العقد والتركيب إما في جملة اسمية أو فعلية من متكلم معروف قد ~~عرفت عاداته بخطابه؛ وهذه قيود يتبين المراد بها. # PageV20P412 # الثاني: أن تجريده عن القيود الخاصة قيد؛ ولهذا يقال: للأمر صيغة موضوعة ~~له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرا وللعموم صيغة موضوعة له في اللغة ~~تدل بمجردها على كونه عاما فنفس التكلم باللفظ مجردا قيد: ولهذا يشترط في ~~دلالته الإمساك عن قيود خاصة فالإمساك عن القيود الخاصة قيد كما أن الاسم ~~الذي يتكلم به لقصد الإسناد إليه مع تجريده عن العوامل اللفظية فيه هو ~~المبتدأ الذي يرفع وسر ذلك تجريده عن العوامل اللفظية فهذا التجريد قيد في ~~رفعه كما أن تقييده بلفظ مثل: " كان " و " إن " و " ظننت ": يوجب له حكما ~~آخر. ولهذا كان المتكلم بالكلام له حالان: تارة يسكت ويقطع الكلام ويكون ~~مراده معنى. وتارة يصل ذلك الكلام بكلام آخر بغير المعنى الذي كان يدل عليه ~~اللفظ الأول إذا جرد فيكون اللفظ الأول له حالان: حال يقرنه المتكلم ~~بالسكوت والإمساك وترك الصلة. وحال يقرنه بزيادة لفظ آخر. ومن عادة المتكلم ~~أنه إذا أمسك أراد معنى آخر؛ وإذا وصل أراد معنى آخر وفي كلا الحالين قد ~~تبين مراده وقرن لفظه بما يبين مراده. ومعلوم أن اللفظ دلالة على المعنى: ~~والدلالات تارة تكون وجودية وتارة تكون عدمية؛ سواء في ذلك الأدلة التي تدل ~~بنفسها التي قد # PageV20P413 # تسمى الأدلة العقلية؛ والأدلة التي تدل بقصد الدال وإرادته؛ وهي التي ~~تسمى الأدلة السمعية أو الوضعية أو الإرادية. وهي في كلا القسمين كثيرا ما ~~كان مستلزما لغيره؛ فإن وجوده يدل على وجود اللازم له وعدم اللازم لا يدل ~~على عدمه كما يدل عدم ذات من الذوات على عدم الصفات القائمة بها وعدم كل ~~شرط معنوي على عدم مشروطه كما يدل عدم الحياة على عدم العلم وعدم الفساد ~~على عدم إلهية ms6180 سوى الله وأمثال ذلك. وأما الثاني الذي يدل بالقصد ~~والاختيار. فكما أن حروف الهجاء إذا كتبوها يعلمون بعضها بنقطة وبعضها بعدم ~~نقطة؛ كالجيم والحاء والخاء فتلك علامتها نقطة من أسفل والخاء علامتها نقطة ~~من فوق والحاء علامتها عدم النقطة. وكذلك الراء والزاي؛ والسين والشين؛ ~~والصاد؛ والضاد؛ والطاء؛ والظاء. وكذلك يقال في حروف المعاني: علامتها عدم ~~علامات الأسماء والأفعال فكذلك الألفاظ إذا قال له: علي ألف درهم وسكت: كان ~~ذلك دليلا على أنه أراد ألفا وازنة فإذا قال: ألف زائفة أو ناقصة؛ وإلا ~~خمسين: كان وصله لذلك بالصفة والاستثناء دليلا ناقض الدليل الأول. وهنا ألف ~~متصلة بلفظ: وهناك ألف منقطعة عن الصلة والانقطاع فيها غير الدلالة فليست ~~الدلالة هي نفس اللفظ بل اللفظ مع # PageV20P414 # الاقتصار عليه وعدم زيادة عليه. وسواء قيل: إن ترك الزيادة من المتكلم ~~أمر وجودي أو قيل: إنه عدمي فإن أكثر الناس يقولون: الترك أمر وجودي يقوم ~~بذات التارك وذهب أبو هاشم وطائفة إلى أنه عدمي ويسمون الذمية؛ لأنهم ~~يقولون: العبد يذم على ما لم يفعله. وعلى التقديرين فهو يقصد الدلالة ~~باللفظ وحده لا باللفظ مع المعنى وكونه وحده قيد في الدلالة وهذا القيد ~~منتف إذا كان معه لفظ آخر. ثم العادة في اللفظ أن الزيادة في الألفاظ ~~المقيدة نقص من اللفظ المفرد ولهذا يقال: الزيادة في الحد نقص في المحدود ~~وكلما زادت قيود اللفظ العام نقص معناه؛ فإذا قال: الإنسان؛ والحيوان: كان ~~معنى هذا أعم من معنى الإنسان العربي؛ والحيوان الناطق. الوجه الخامس: لا ~~جائز أن يقال بكونها حقيقة فيها؛ لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق؛ فإن لفظ ~~الأسد حقيقة في السبع؛ والحمار في البهيمة؛ والظهر والمتن والساق والكلكل ~~في الأعضاء المخصوصة بالحيوان ولو كانت حقيقة فيما ذكر كان اللفظ مشتركا ~~ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند الإطلاق هذا البعض دون بعض ضرورة ~~التساوي في الدلالة الحقيقية. # PageV20P415 # يقال له: قولك: لو كان حقيقة فيما ذكر كان اللفظ مشتركا ما تعني ~~بالمشترك؟ إن عنيت ### | الاشتراك # الخاص - وهو: ms6181 أن يكون اللفظ دالا على معنيين من غير أن يدل على معنى ~~مشترك بينهما ألبتة - فمن الناس من ينازع في وجود معنى هذا في اللغة ~~الواحدة التي تستند إلى وضع واحد؛ ويقول: إنما يقع هذا في موضعين كما يسمي ~~هذا ابنه باسم ويسمي آخر ابنه بذلك الاسم. وهم لا يقولون: إن تسمية الكوكب ~~سهيلا والمشتري وقلب الأسد والنسر ونحو ذلك هو باعتبار وضع ثان سماها من ~~سماها من العرب وغيرها بأسماء منقولة كالأعلام المنقولة كما يسمي الرجل ~~ابنه كلبا وأسدا ونمرا وبحرا ونحو ذلك. ولا ريب أن الاشتراك بهذا المعنى ~~مما لا ينازع فيه عاقل لكن معلوم أن هذا وضع ثان وهذا لا يغيره دلالة ~~الأعلام الموضوعة على مسمياتها والعلامة المميزة في المجاز وإن كان المسمى ~~بالاسم قد يقصد به اتصاف المسمى: إما التفاؤل بمعناها؛ وإما دفع العين عنه؛ ~~وإما تسميته باسم محبوب له من أب أو أستاذ؛ أو مميز؛ أو يكون فيه معنى ~~محمود كعبد الله وعبد الرحمن ومحمد وأحمد لكن بكل حال هذا وضع ثان لهذا ~~واللفظ بهذا الاعتبار يصير به مشتركا ولهذا احتيج في الأعلام إلى التمييز ~~باسم الأب أو الجد مع الأب إذا لم يحصل التمييز باسمه واسم أبيه وإن حصل ~~التمييز بذلك اكتفى به كما فعل النبي # PageV20P416 # صلى الله عليه وسلم في كتابة الصلح بينه وبين قريش حيث كتب: {هذا ما قاضى ~~عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو} بعد أن امتنع المشركون أن يكتبوا ~~محمدا رسول الله وهو صلى الله عليه وسلم متميز بصفة الرسالة والنبوة عند ~~الله فلما غير تمييزه بوصفه الذي يوجب تصديقه والإيمان به وافقهم على ~~التمييز باسم أبيه. والمقصود أن من الناس من يقول: ما من لفظ على معنيين في ~~اللغة الواحدة إلا وبينهما قدر مشترك بل ويلتزم ذلك في الحروف فيجعل بينها ~~وبين المعاني مناسبة تكون باعثة للمتكلم على تخصيص ذلك المعنى بذلك اللفظ. ~~ولم يقل أحد من العقلاء: إن اللفظ يدل على المعنى بنفسه من غير قصد ms6182 أحد وإن ~~تلك الدلالة صفة لازمة للفظ حتى يقول القائل: لو كان اللفظ يناسب المعنى لم ~~يختلف باختلاف الأمم فإن الأمور الاختيارية من الألفاظ والأعمال العادية ~~يوجد فيها مناسبات وتكون داعية للفاعل المختار وإن كانت تختلف بحسب الأمكنة ~~والأزمنة والأحوال. والأمور الطبيعية التي ليست باختيار حيوان تختلف أيضا ~~فالحر والبرد والسواد والبياض ونحو ذلك من الأمور الطبيعية تختلف باختلاف ~~طبائع البلاد والأمور الاختيارية من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن ~~والمركب والمنكح وغير ذلك تختلف باختلاف عادات الناس # PageV20P417 # مع أنها أمور اختيارية ولها مناسبات فتناسب أهل مكان وزمان من ذلك ما لا ~~تناسب أهل زمان آخر كما يختار الناس من ذلك في الشتاء والبلاد الباردة ما ~~لا يختارونه في الصيف والبلاد الحارة مع وجود المناسبة الداعية لهم؛ إذ ~~كانوا يختارون في الحر من المأكل الخفيف والفاكهة ما يخف هضمه لبرد بواطنهم ~~وضعف القوى الهاضمة وفي الشتاء والبلاد الباردة. يختارون من المآكل الغليظة ~~ما يخالف ذلك لقوة الحرارة الهاضمة في بواطنهم أو كان زمن الشتاء تسخن فيه ~~الأجواف وتبرد الظواهر من الجماد والحيوان والشجر وغير ذلك؛ لكون الهواء ~~يبرد في الشتاء وشبيه الشيء منجذب إليه فينجذب إليه البرد فتسخن الأجواف ~~وفي الحر يسخن الهواء فتنجذب إليه الحرارة فتبرد الأجواف فتكون الينابيع في ~~الصيف باردة لبرد جوف الأرض وفي الشتاء تسخن لسخونة جوف الأرض. # والمقصود هنا: أن بشرا من الناس ليس عباد بن سليمان وحده؛ بل كثير من ~~الناس بل أكثر المحققين من علماء العربية والبيان يثبتون المناسبة بين ~~الألفاظ والمعاني ويقسمون الاشتقاق إلى ثلاثة أنواع: # الاشتقاق الأصغر: وهو اتفاق اللفظين في الحروف والترتيب: مثل علم وعالم ~~وعليم. # والثاني الاشتقاق الأوسط: وهو اتفاقهما في الحروف دون الترتيب # PageV20P418 # مثل سمي ووسم؛ وقول الكوفيين إن الاسم مشتق من السمة صحيح إذا أريد به ~~هذا الاشتقاق وإذا أريد به الاتفاق في الحروف وترتيبها فالصحيح مذهب ~~البصريين أنه مشتق من السمو: فإنه يقال في الفعل سماه ولا يقال: وسمه ويقال ~~في التصغير: سمي ولا يقال: وسيم. ويقال في ms6183 جمعه: أسماء ولا يقال أوسام. ~~وأما الاشتقاق الثالث: فاتفاقهما في بعض الحروف دون بعض لكن أخص من ذلك أن ~~يتفقا في جنس الباقي مثل أن يكون حروف حلق كما يقال: حزر؛ وعزر؛ وأزر ~~فالمادة تقتضي القوة والحاء والعين والهمزة جنسها واحد ولكن باعتبار كونها ~~من حروف الحلق. ومنه المعاقبة بين الحروف المعتل والمضعف كما يقال: تقضى ~~البازي؛ وتقضض. ومنه يقال: السرية مشتق من السر وهو النكاح. ومنه قول أبي ~~جعفر الباقر: العامة مشتقة من العمى. ومنه قولهم: الضمان مشتق من ضم إحدى ~~الذمتين إلى الأخرى. وإذا قيل: هذا اللفظ مشتق من هذا فهذا يراد به شيئان: ~~أحدهما: أن يكون بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى من غير اعتبار # PageV20P419 # كون أحدهما أصلا والآخر فرعا فيكون الاشتقاق من جنس آخر بين اللفظين. ~~ويراد بالاشتقاق أن يكون أحدهما مقدما على الآخر أصلا له كما يكون الأب ~~أصلا لولده. وعلى الأول فإذا قيل: الفعل مشتق من المصدر؛ أو المصدر مشتق من ~~الفعل: فكلا القولين: قول البصريين؛ والكوفيين صحيح. وأما على الثاني فإذا ~~أريد الترتيب العقلي فقول البصريين أصح فإن المصدر إنما يدل على الحدث فقط؛ ~~والفعل يدل على الحدث والزمان وإن أريد الترتيب الوجودي - وهو تقدم وجود ~~أحدهما على الآخر - فهذا لا ينضبط فقد يكونون تكلموا بالفعل قبل المصدر؛ ~~وقد يكونون تكلموا بالمصدر قبل الفعل وقد تكلموا بأفعال لا مصادر لها مثل ~~بد وبمصادر لا أفعال لها مثل " ويح " و " ويل " وقد يغلب عليهم استعمال فعل ~~ومصدر فعل آخر كما في الحب؛ فإن فعله المشهور هو الرباعي يقال: أحب يحب ~~ومصدره المشهور هو الحب دون الإحباب وفى اسم الفاعل قالوا: محب ولم يقولوا: ~~حاب وفي المفعول قالوا: محبوب ولم يقولوا: محب إلا في الفاعل وكان القياس ~~أن يقال: أحبه إحبابا كما يقال: أعلمه إعلاما. # PageV20P420 # وهذا أيضا له أسباب يعرفها النحاة وأهل التصريف: إما كثرة الاستعمال: ~~وإما نقل بعض الألفاظ؛ وإما غير ذلك كما يعرف ذلك أهل النحو والتصريف؛ إذ ~~كانت أقوى الحركات هي الضمة؛ وأخفها ms6184 الفتحة؛ والكسرة متوسطة بينهما؛ فجاءت ~~اللغة على ذلك من الألفاظ المعربة والمبنية فما كان من المعربات عمدة في ~~الكلام لا بد له منه: كان له المرفوع؛ كالمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول ~~القائم مقامه وما كان فضلة كان له النصب؛ كالمفعول والحال والتمييز. وما ~~كان متوسطا بينهما لكونه يضاف إليه العمدة تارة والفضلة تارة: كان له الجر ~~وهو المضاف إليه. وكذلك في المبنيات؛ مثل ما يقولون في أين وكيف: بنيت على ~~الفتح طلبا للتخفيف لأجل الياء. وكذلك في حركات الألفاظ المبنية الأقوى له ~~الضم وما دونه له الفتح؛ فيقولون: كره الشيء والكراهية يقولون فيها: كرها ~~بالفتح كما قال تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} وقال: ~~{ائتيا طوعا أو كرها} . وكذلك الكسر مع الفتح فيقولون في الشيء المذبوح ~~والمنهوب: ذبح ونهب بالكسر كما قال تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} وكما في ~~الحديث {أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل} وفي المثل السائر: " ~~أسمع جعجعة ولا أرى طحنا " بالكسر؛ أي: ولا أرى # PageV20P421 # طحينا ومن قال بالفتح أراد الفعل كما أن الذبح والنهب هو الفعل ومن الناس ~~من يغلط هذا القائل. وهذه الأمور وأمثالها هي معروفة من لغة العرب لمن ~~عرفها معروفة بالاستقراء والتجربة تارة وبالقياس أخرى كما تفعل الأطباء في ~~طبائع الأجسام وكما يعرف ذلك في الأمور العادية التي تعرف بالتجربة المركبة ~~من الحس والعقل ثم قد قيل: تعرف ما لم تجرب بالقياس. ومعلوم أن هذه الأمور ~~لها أسباب ومناسبات عند جماهير العقلاء من المسلمين. وغيرهم ومن أنكر ذلك ~~من النظار فذلك لا يتكلم معه في خصوص مناسبات هذا فإنه ليس عنده في ~~المخلوقات قوة يحصل بها الفعل ولا سبب يخص أحد المتشابهين؛ بل من أصله أن ~~محض مشيئة الخالق تخصص مثلا عن مثل بلا سبب ولا لحكمة فهذا يقول: كون اللفظ ~~دالا على المعنى إن كان بقول الله فهذا لمجرد الاقتران العادي؛ وتخصيص الرب ~~عنده ليس لسبب ولا لحكمة بل نفس الإرادة تخصص مثلا عن مثل بلا حكمة ولا ms6185 ~~سبب. وإن كان باختيار العبد فقد يكون السبب خطور ذلك اللفظ في قلب الواضع ~~دون غيره. وبسط هذه الأمور له موضع آخر والمقصود هنا أن الحجة التي # PageV20P422 # احتج بها على إثبات المجاز وهي قوله: إن هذه الألفاظ إن كانت حقيقة لزم ~~أن تكون مشتركة: هي مبنية على مقدمتين: إحداهما: أنه يلزم الاشتراك. ~~والثانية: أنه باطل. وهذه الحجة ضعيفة؛ فإنه قد تمنع المقدمة الأولى؛ وقد ~~تمنع المقدمة الثانية؛ وقد تمنع المقدمتان جميعا؛ وذلك أن قوله: يلزم ~~الاشتراك: إنما يصح إذا سلم له أن في اللغة الواحدة باعتبار اصطلاح واحد ~~ألفاظا تدل على معان متباينة من غير قدر مشترك وهذا فيه نزاع مشهور وبتقدير ~~التسليم فالقائلون بالاشتراك متفقون على أنه في اللغة ألفاظ بينها قدر ~~مشترك وبينها قدر مميز وهذا يكون مع تماثل الألفاظ تارة؛ ومع اختلافها ~~أخرى؛ وذلك أنه كما أن اللفظ قد يتحد ويتعدد معناه فقد يتعدد ويتحد معناه ~~كالألفاظ المترادفة. وإن كان من الناس من ينكر الترادف المحض فالمقصود أنه ~~قد يكون اللفظان متفقين في الدلالة على معنى ويمتاز أحدهما بزيادة كما إذا ~~قيل في السيف: إنه سيف وصارم ومهند فلفظ السيف يدل عليه مجردا ولفظ الصارم ~~في الأصل يدل على صفة الصرم عليه والمهند يدل على النسبة إلى الهند وإن كان ~~يعرف الاستعمال من نقل الوصفية إلى الاسمية فصار هذا اللفظ يطلق على # PageV20P423 # ذاته مع قطع النظر عن هذه الإضافة لكن مع مراعاة هذه الإضافة: منهم من ~~يقول: هذه الأسماء ليست مترادفة لاختصاص بعضها بمزيد معنى. ومن الناس من ~~جعلها مترادفة باعتبار اتحادها في الدلالة على الذات وأولئك يقولون: هي من ~~المتباينة كلفظ الرجل والأسد فقال لهم هؤلاء: ليست كالمتباينة. والإنصاف: ~~أنها متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات فهي قسم آخر ~~قد يسمى المتكافئة. وأسماء الله الحسنى وأسماء رسوله وكتابه من هذا النوع. ~~فإنك إذا قلت: إن الله عزيز؛ حكيم؛ غفور؛ رحيم؛ عليم؛ قدير: فكلها دالة على ~~الموصوف بهذه الصفات سبحانه وتعالى كل اسم ms6186 يدل على صفة تخصه فهذا يدل على ~~العزة؛ وهذا يدل على الحكمة وهذا يدل على المغفرة؛ وهذا يدل على الرحمة؛ ~~وهذا يدل على العلم؛ وهذا يدل على القدرة. وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن لي خمسة أسماء: أنا محمد؛ وأنا أحمد؛ وأنا الماحي الذي يمحو الله ~~به الكفر؛ وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي؛ وأنا العاقب الذي ليس ~~بعدي نبي} . # PageV20P424 # والأسماء التي أنكرها الله على المشركين بتسميتهم أوثانهم بها من هذا ~~الباب حيث قال: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان} فإنهم سموها آلهة فأثبتوا لها صفة الإلهية التي توجب استحقاقها ~~أن تعبد وهذا المعنى لا يجوز إثباته إلا بسلطان - وهو الحجة - وكون الشيء ~~معبودا تارة يراد به أن الله أمر بعبادته فهذا لا يثبت إلا بكتاب منزل ~~وتارة يراد به أنه متصف بالربوبية والخلق المقتضي لاستحقاق العبودية؛ فهذا ~~يعرف بالعقل ثبوته وانتفاؤه. ولهذا قال تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من ~~قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} وقال في سورة فاطر: {قل أرأيتم ~~شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا ~~إلا غرورا} فطالبهم بحجة عقلية عيانية وبحجة سمعية شرعية فقال: {أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} ثم قال: {أم آتيناهم كتابا فهم على ~~بينة منه} كما قال هناك: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات} ثم قال: {ائتوني بكتاب # PageV20P425 # من قبل هذا أو أثارة من علم.} فالكتاب المنزل؛ والأثارة ما يؤثر عن ~~الأنبياء بالرواية والإسناد. وقد يقيد في الكتب؛ فلهذا فسر بالرواية وفسر ~~بالخط. وهذا مطالبة بالدليل الشرعي على أن الله شرع أن يعبد غيره فيجعل ~~شفيعا أو يتقرب بعبادته إلى الله وبيان أنه ms6187 لا عبادة أصلا إلا بأمر من ~~الله؛ فلهذا قال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه} كما قال في موضع آخر: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} ~~{من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} {وإذا مس الناس ~~ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} {أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} . والسلطان الذي يتكلم بذلك: الكتاب ~~المنزل كما قال: {أم لكم سلطان مبين} {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} وقال: ~~{إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ~~هم ببالغيه} . # PageV20P426 # والمقصود هنا: أنه إذا كان من الأسماء المختلفة الألفاظ ما يكون معناه ~~واحدا كالجلوس والقعود - وهي المترادفة - ومنها ما تتباين معانيها كلفظ ~~السماء والأرض ومنها ما يتفق من وجه ويختلف من وجه كلفظ الصارم والمهند ~~وهذا قسم ثالث؛ فإنه ليس معنى هذا مباينا لمعنى ذاك كمباينة السماء للأرض ~~ولا هو مماثلا لها كمماثلة لفظ الجلوس للقعود: فكذلك الأسماء المتفقة اللفظ ~~قد يكون معناها متفقا وهي المتواطئة وقد يكون معناها متباينا وهي المشتركة ~~اشتراكا لفظيا كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل وقد يكون معناها ~~متفقا من وجه مختلفا من وجه فهذا قسم ثالث ليس هو كالمشترك اشتراكا لفظيا ~~ولا هو كالمتفقة المتواطئة فيكون بينها اتفاق هو اشتراك معنوي من وجه ~~وافتراق هو اختلاف معنوي من وجه ولكن هذا لا يكون إلا إذا خص كل لفظ بما ~~يدل على المعنى المختص. وهذه الألفاظ كثيرة في الكلام المؤلف؛ أو هي أكثر ~~الألفاظ الموجودة في الكلام المؤلف الذي تكلم به كل متكلم؛ فإن الألفاظ ~~التي يقال: إنها متواطئة كأسماء الأجناس؛ مثل لفظ الرسول ms6188 والوالي والقاضي؛ ~~والرجل؛ والمرأة والإمام والبيت؛ ونحو ذلك: قد يراد بها المعنى العام وقد ~~يراد بها ما هو أخص منه مما يقترن بها تعريف الإضافة أو اللام كما في قوله: ~~{إنا أرسلنا إليكم رسولا # PageV20P427 # شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى فرعون الرسول} وقال في ~~موضع آخر: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فلفظ الرسول في ~~الموضعين لفظ واحد مقرون باللام لكن ينصرف في كل موضع إلى المعروف عند ~~المخاطب في ذلك الموضع فلما قال هنا: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى ~~فرعون الرسول} كان اللام لتعريف رسول فرعون وهو موسى بن عمران عليه السلام. ~~ولما قال لأمة محمد: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} كان ~~اللام لتعريف الرسول المعروف عند المخاطبين بالقرآن المأمورين بأمره ~~المنتهين بنهيه وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن مثل هذا لا ~~يجوز أن يقال: هو مجاز في أحدهما باتفاق الناس. ولا يجوز أن يقال: هو مشترك ~~اشتراكا لفظيا محضا كلفظ المشتري للمبتاع والكوكب وسهيل للكوكب والرجل. ولا ~~يجوز أن يقال: هو متواطئ دل في الموضعين على القدر المشترك فقط؛ فإنه قد ~~علم أنه في أحد الموضعين هو محمد وفي الآخر موسى مع أن لفظ الرسول واحد. ~~ولكن هذا اللفظ تكلم به في سياق كلام من مدلول لام التعريف وهكذا جميع ~~أسماء المعارف؛ فإن الأسماء نوعان: معرفة؛ ونكرة. # PageV20P428 # والمعارف مثل: المضمرات؛ وأسماء الإشارة مثل: أنا وأنت؛ وهو ومثل: هذا؛ ~~وذاك. والأسماء الموصولة مثل: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} . ~~وأسماء المعرفة باللام كالرسول. والأسماء الأعلام مثل: إبراهيم وإسماعيل: ~~وإسحاق ويعقوب؛ ويوسف ومثل شهر رمضان. والمضاف إلى المعرفة مثل قوله: {وطهر ~~بيتي} وقوله: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ومثل: {ناقة الله ~~وسقياها} ومثل قوله: {أحل لكم ليلة الصيام} . ومثل المنادى المعين مثل قول ~~يوسف: {يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا} وقول ابنة صاحب مدين: {يا أبت ~~استأجره} فإن لفظ الأب هناك أريد به يعقوب وهنا أريد به صاحب مدين ms6189 الذي ~~تزوج موسى ابنته وليس هو شعيبا كما يظنه بعض الغالطين بل علماء المسلمين من ~~أهل السلف وأهل الكتاب يعرفون أنه ليس شعيبا كما قد بسط في موضع آخر. ~~والمقصود هنا: أن هذه الأسماء المعارف - وهي أصناف - كل # PageV20P429 # نوع منها لفظه واحد كلفظ أنا وأنت؛ ولفظ هذا وذاك ومع هذا ففي كل موضع ~~يدل على المتكلم المعين والمخاطب والغائب المعين ولا يجوز أن يقال: هي ~~مشتركة كلفظ سهيل ولا متواطئة كلفظ الإنسان بل بينها قدر مشترك وقدر مميز ~~فباعتبار المشترك تشبه المتواطئة وباعتبار المميز تشبه المشتركة اشتراكا ~~لفظيا وهي لا تستعمل قط إلا مع ما يقترن بها مما تعين المضمر والمشار إليه ~~ونحو ذلك فصارت دلالتها مؤلفة من لفظها ومن قرينة تقترن بها تعين المعروف ~~وهذه حقيقة باتفاق الناس لا يقول عاقل: إن هذه مجاز مع أنها لا تدل قط إلا ~~مع قرينة تبين تعيين المعروف المراد. فإذا قيل: لفظ أنا؛ قيل: يدل على ~~المتكلم مطلقا ولكن لم ينطق به أحد قط مطلقا؛ إذ ليس في الوجود متكلم مطلق ~~كلي مشترك بل كل متكلم هو معين متميز عن غيره فإذا طلب معرفة مدلولها ~~ومعناها قيل: من هو المتكلم بها؟ ومن هو المخاطب بأنت وإياك ونحو ذلك؟ فإن ~~كان المتكلم بها هو الله كقوله تعالى لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا} ونحو ذلك: كان هذا اللفظ في هذا الموضع اسما لله تعالى لا يحتمل غيره ~~ولا يمكن مخلوق أن يقول: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري} # PageV20P430 # وقد ذكر سبحانه أن الذي حاج إبراهيم في ربه قال: {أنا أحيي وأميت} وذكر ~~عن صاحب يوسف أنه قال: {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني} وأخبر عن عفريت من ~~الجن أنه قال: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} وعن الذي عنده علم من ~~الكتاب أنه قال: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} فلفظ أنا في كل موضع ~~معين ليس هو مدلوله في الموضع الآخر وإن كان ms6190 لفظ أنا في الموضعين واحدا. ~~ولم يقل أحد من العقلاء: إن هذا اللفظ مشترك ولا مجاز مع أنه لا يدل إلا ~~بقرينة تبين المراد. # فصل: # إذا تبين هذا فيقال له: هذه الأسماء التي ذكرتها مثل لفظ الظهر؛ والمتن ~~والساق؛ والكبد لا يجوز أن تستعمل في اللغة إلا مقرونة بما يبين المضاف ~~إليه وبذلك يتبين المراد. فقولك: ظهر الطريق ومتنها: ليس هو كقولك: ظهر ~~الإنسان ومتنه بل ولا كقولك: ظهر الفرس ومتنه ولا كقولك: ظهر الجبل. # PageV20P431 # وكذلك كبد السماء ليس مثل كبد القوس ولا هذان مثل لفظ كبد الإنسان. # وكذلك لفظ السيف في {قول النبي صلى الله عليه وسلم إن خالدا سيف سله الله ~~على المشركين} ليس مثل لفظ السيف في قوله: {من جاءكم وأمركم على رجل واحد ~~يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان} فكل من لفظ السيف ~~هاهنا وهاهنا مقرون بما يبين معناه. نعم قد يقال: التشابه بين معنى الرسول ~~والرسول أتم من التشابه بين معنى الكبد والكبد والسيف والسيف. فيقال: هذا ~~القدر الفارق دل عليه اللفظ المختص؛ كما في قوله: {وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت} وفي قوله: {وطهر بيتي للطائفين} وقوله: {لا تدخلوا بيوت النبي} ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم {من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في ~~الجنة} ومعلوم أن بيت العنكبوت ليس مماثلا في الحقيقة لبيته ولا لبيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا لبيت في الجنة؛ مع أن لفظ البيت حقيقة في الجميع ~~بلا نزاع إذ كان المخصص هو الإضافة في بيت العنكبوت وبيت النبي دل على سكنى ~~صاحب البيت فيه وبيت الله لا يدل على أن الله ساكن فيه لكن إضافة كل شيء ~~بحسبه بل بيته هو الذي جعله لذكره وعبادته ودعائه فهو كمعرفته بالقلوب ~~وذكره باللسان وكل موجود فله وجود عيني؛ وعلمي؛ ولفظي؛ ورسمي. واسم الله ~~يراد به كل من هذه الأربعة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام الله. # PageV20P432 # فإذا قال: {إنني أنا الله لا إله ms6191 إلا أنا} فهو الله نفسه وإذا قال: {لا ~~يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به؛ ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها؛ ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي ~~يبصر؛ وبي يبطش؛ وبي يمشي} وقوله: {عبدي مرضت فلم تعدني فيقول: ربي كيف ~~أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتني عنده} فالذي في قلوب المؤمنين هو الإيمان بالله ومعرفته ومحبته وقد ~~يعبر عنه بالمثل الأعلى؛ والمثال العلمي ويقال: أنت في قلبي كما قيل: # مثالك في عيني؛ وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي؛ فأين تغيب؟ # ويقال: ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره # وما ينقل {عن داود عليه السلام أنه قال: أنت تحل قلوب الصالحين} فمعلوم ~~أن هذا كله لم يرد به أن نفس المذكور المعلوم المحبوب؛ المعبر عنه بالمثال ~~العلمي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV20P433 # يقول الله تعالى: {أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه} فقوله: " بي " ~~أراد أنها تتحرك باسمه لم تتحرك بذاته ولا ما في القلب هنا ذاته. وفي ~~الصحيح عن أنس {أن نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان ثلاثة أسطر: الله ~~سطر؛ ورسول سطر؛ ومحمد سطر} فمعلوم أن مراده بلفظ الله هو النقش المنقوش في ~~الخاتم المطابق للفظ الدال على المعنى المعروف بالقلب المطابق للموجود في ~~نفس الأمر. فهذه الأسماء العائدة إلى الله تعالى في كل موضع اقترن بها ما ~~بين المراد ولم يكن في شيء من ذلك التباس فكذلك لفظ بيته. وقلنا: المساجد ~~بيوت الله فيها ما بني للقلوب والألسنة من معرفته والإيمان به وذكره ودعائه ~~والأنوار التي يجعلها في قلوب المؤمنين كما في قوله تعالى: {الله نور ~~السماوات والأرض} ثم قال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} ~~إلى قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} فبين أن هذا النور في هذه القلوب وفي ~~هذه البيوت كما جاء في الأثر: " إن المساجد تضيء لأهل السموات ms6192 كما تضيء ~~الكواكب لأهل الأرض ". وإذا كان كذلك؛ فقول القائل: لو كانت هذه الأسماء ~~حقيقة # PageV20P434 # فيما ذكر لكان اللفظ مشتركا يقال له: ما تعني باللفظ المشترك؟ تعني به ما ~~هو الاشتراك اللفظي وهو مذكور في كتابك؟ حيث قلت في تقسيم الألفاظ: الاسم ~~إما أن يكون واحدا؛ أو متعددا. فإن كان واحدا فمفهومه ينقسم على وجوه. ~~القسمة الأولى: إنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه: أو لا يصح. ~~فإن كان الأول فهو طلبي. وذكر تمامه بكلام بعضه حق؛ وبعضه باطل اتبع فيه ~~المنطقيين. ثم قال: أما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو ~~الجزئي وذكر أنه العلم خاصة؛ وقسمه تقسيم النحاة. ثم قال: وأما إن كان ~~الاسم واحدا والمسمى مختلفا: فإما أن يكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع ~~الأول؛ أو هو مستعار في بعضها. فإن كان الأول فهو المشترك وسواء كانت ~~المسميات متباينة كالجون للسواد والبياض أو غير متباينة كما إذا أطلقنا اسم ~~الأسود على شخص بطريق العلمية وبطريق الاشتقاق من السواد وإن كان الثاني ~~فهو مجاز. فإن أردت هذا فالمشترك هو الاسم الواحد الذي يختلف مسماه ويكون ~~موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الأول وتقسيم هذا أن يكون المسمى واحدا ويكون ~~كليا وجزئيا كما ذكرته. وحينئذ فيقال لك: لا نسلم أن هذه الأسماء إذا كانت ~~حقيقة فيما ذكر من الصور كان اللفظ مشتركا وذلك لأن هذا التقسيم إنما # PageV20P435 # يصح في واحد يكون معناه إما واحدا وإما متعددا ونحن لا نسلم أن مورد ~~النزاع داخل فيما ذكرته فإنما يصح هذا إذا كان اللفظ واحدا في الموضعين؛ ~~وليس الأمر كذلك فإن اللفظ المذكور في محل النزاع هو لفظ ظهر الطريق ومتنها ~~وجناح السفر ونحو ذلك وهذا اللفظ ليس له إلا معنى واحد؛ ليس معناه متعددا ~~مختلفا: بل حيث وجد هذا اللفظ كان معناه واحدا كسائر الأسماء. فإن قلت: لكن ~~لفظ الظهر والمتن والجناح يوجد له معنى غير هذا. قيل: لفظ ظهر الطريق ~~وجناحها ليس هو لفظ ظهر الإنسان ms6193 وجناح الطائر ولا أجنحة الملائكة ولفظ ~~الظهر والطريق معرف باللام الدالة على معروف يدل اللفظ عليه وهو ظهر ~~الإنسان مثلا؛ ليس هو مثل لفظ ظهر الطريق بل هذا اللفظ مغاير لهذا اللفظ. ~~فلا يجوز أن يقال: اللفظ في موضع واحد بل أبلغ من هذا أن لفظ الظهر يستعمل ~~في جميع الحيوان حقيقة بالاتفاق ومع هذا فكثير من الناس قد لا يسبق إلى ~~ذهنهم إلا ظهر الإنسان لا يخطر بقلبه ظهر الكلب؛ ولا ظهر الثعلب والذئب ~~وبنات عرس وظهر النملة والقملة؛ وذلك لأن ظهر الإنسان هو الذي يتصورونه ~~ويعبرون عنه كثيرا في عامة كلامهم معرفا باللام؛ ينصرف إلى الظهر المعروف. # PageV20P436 # ولهذا كانت الأيمان عند الفقهاء تنصرف إلى ما يعرفه المخاطب بلغته وإن ~~كان اللفظ يستعمل في غيره حقيقة أيضا كما إذا حلف لا يأكل الرءوس فإما أن ~~يراد به رءوس الأنعام: أو رءوس الغنم؛ أو الرأس الذي يؤكل في العادة وكذلك ~~لفظ البيض؛ يراد به البيض الذي يعرفونه. فأما رأس النمل والبراغيث ونحو ذلك ~~فلا يدخل في اللفظ ولا يدخل بيض السمك في اليمين؛ وإن كان ذلك حقيقة إذا ~~قيل: بيض النمل وبيض السمك بالإضافة وكذلك إذا قال: بعتك بعشرة دراهم أو ~~دنانير: انصرف الإطلاق إلى ما يعرفونه من مسمى هذا اللفظ في مثل ذلك العقد ~~في ذلك المكان حتى إنه في المكان الواحد يكون لفظ الدينار يراد به في ثمن ~~بعض السلع الذهب الخالص؛ وفي سلعة أخرى ذهب مغشوش؛ وفي سلعة أخرى مقدار من ~~الدراهم فيحمل العقد المطلق على ما يعرفه المتبايعان باتفاق الفقهاء وإن ~~كان اللفظ إنما يستعمل في غيره بما يبين معناه فكيف إذا كان نفس اللفظ ~~متغايرا كلفظ ظهر الإنسان؛ وظهر الطريق؛ ورأس الإنسان ورأس الدرب؛ ورأس ~~المال؛ أو رأس العين؛ أو قيد أحدهما بالتعريف كلفظ الظهر؛ وقيد الآخر ~~بالإضافة؛ وكان اللام يوجب إرادة المعروف عند المخاطب؛ والإضافة توجب ~~الاختصاص بالمضاف إليه. فالمعرف باللام ليس هو المعرف بالإضافة لا لفظا ولا ~~معنى. # PageV20P437 # وقد يكون التعريف باللام في ms6194 الموضعين ومع هذا يختلف المعنى كما في لفظ ~~الرسول؛ لأن جزء الدلالة معرفة المخاطب وهو حقيقة في الموضعين: فكيف يكون ~~تعريف الإضافة مع تعريف اللام؟ فقد تبين أنه ليس اللفظ الدال على ظهر ~~الإنسان هو اللفظ الدال على ظهر الطريق وحينئذ فلا يلزم من اختلاف معنى ~~اللفظين أن يكون مشتركا لأن الاشتراك لا يكون في لفظ واحد اختلف معناه؛ ~~وليس الأمر كذلك. # فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يكون في اللغة لفظ مشترك اشتراكا لفظيا؛ فإن ~~اللفظ المشترك لا يستعمل إلا مقرونا بما يبين أحد المعنيين قيل: إما أن ~~يكون هذا لازما؛ وإما أن لا يكون. فإن لم يكن لازما بطل السؤال؛ وإن كان ~~لازما التزمنا قول من ينفي الاشتراك إذا كان الأمر كذلك كما يلتزم قول من ~~ينفي المجاز. # فإن قيل: كيف تمنعون ثبوت الاشتراك وقد قام الدليل على وجوده؟ قيل: لا ~~نسلم أنه قام دليل على وجوده على الوجه الذي ادعوه وصاحب الكتاب أبي الحسن ~~الآمدي يعترف بضعف أدلة مثبتيه وقد ذكر لنفسه دليلا هو أضعف مما ذكره غيره؛ ~~فإنه قال: في مسائله # PageV20P438 # " المسألة الأولى ": اختلف الناس في اللفظ المشترك: هل له وجود في اللغة؟ ~~فأثبته قوم ونفاه آخرون. قال: والمختار جواز وقوعه أما الخطابي العقلي فلا ~~يمتنع من واضع واحد وأن يتفق وضع قبيلة للاسم على معناه ووضع أخرى له بإزاء ~~معنى آخر من غير شعور كل واحدة بما وضعت الأخرى ثم يشتهر الوضعان لخفاء ~~سببه قال: وهو الأشبه. قال وأما بيان الوقوع أنه لو لم تكن الألفاظ ~~المشتركة واقعة في اللغة مع أن المسببات غير متناهية؛ والأسماء متناهية ~~ضرورة تركيبها من الحروف المتناهية لخلت أكثر المسميات عن ألفاظ الأسماء ~~الدالة عليها مع الحاجة إليها. وهو ممتنع قال: وهو غير سديد من حيث إن ~~الأسماء إن كانت مركبة من الحروف المتناهية فلا يلزم أن يكون متناهية إلا ~~أن يكون ما يحصل من تضاعف التركيبات متناهية فلا نسلم أن المسميات المتضادة ~~والمختلفة - وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة ms6195 إليها -: غير متناهية وإن ~~كانت غير متناهية غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من ~~المسميات مقصودا بالوضع وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك وإن سلمنا أنه ~~غير ممتنع؛ ولكن لا يلزم من ذلك الوضع. ولهذا يأتي كثير من المعاني لم تضع ~~العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها بطريق الاشتراك ولا التفضيل كأنواع الروائح ~~وكثير من الصفات. # PageV20P439 # قال: وقال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم " القرء " على الحيض ~~والطهر؛ وهما ضدان؛ فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة. قال: ولقائل أن ~~يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع بل غاية الموضوع اتحاد ~~الاسم وتعدد المسمى ولعله أطلق عليها باعتبار معنى واحد مشترك بينهما لا ~~باعتبار اختلاف حقيقتهما أو أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الأخرى وإن خفي ~~علينا موضع الحقيقة والمجاز. وهذا هو الأولى إما بالنظر إلى الاحتمال الأول ~~فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك وإما بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلأن ~~التجوز أولى من الاشتراك كما يأتي في موضعه. قال: والأقرب من ذلك اتفاق ~~إجماع الكل على إطلاق اسم الوجود على القديم والحادث حقيقة ولو كان مجازا ~~في أحدهما لصح نفيه إذ هي أمارة المجاز؛ وهو ممتنع وعند ذلك فإما أن يكون ~~اسم الوجود دالا على ذات الرب؛ أو على حقيقة زائدة على ذاته. فإن كان الأول ~~فلا يخفى أن ذات الرب مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة؛ وإلا ~~لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب؛ ضرورة التساوي في ~~مفهوم الذات؛ وهو محال. وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب - ~~تعالى - # PageV20P440 # فإما أن يكون المفهوم منها هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث؛ وإما ~~خلافه. فالأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الوجود واجبا لذاته؛ ضرورة ~~أن وجود الباري واجب لذاته؛ أو أن يكون وجود الرب ممكنا؛ ضرورة إمكان وجود ~~ما سوى الله؛ وهو محال. وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك؛ وهو المطلوب. ~~فهذا في ms6196 دليله وهو في غاية الضعف؛ فإنه مبني على مقدمتين: على أن اسم ~~الوجود حقيقة في الواجب والممكن؛ وأن ذلك يستلزم الاشتراك. والمقدمة ~~الثانية باطلة قطعا. والأولى فيها نزاع؛ خلاف ما ادعاه من الإجماع. فمن ~~الناس من قال: إن كل اسم تسمى به المخلوق لا يسمى به الخالق إلا مجازا حتى ~~لفظ الشيء وهو قول جهم ومن وافقه من الباطنية وهؤلاء لا يسمونه موجودا ولا ~~شيئا؛ ولا غير ذلك من الأسماء. ومن الناس من عكس وقال: بل كلما يسمى به ~~الرب فهو حقيقة؛ ومجاز في غيره. وهو قول أبي العباس الناشي من المعتزلة. # PageV20P441 # والجمهور قالوا: إنه حقيقة فيهما؛ لكن أكثرهم قالوا: إنه متواطئ التواطؤ ~~العام؛ أو مشككا إن جعل المشكك نوعا آخر؛ وهو غير التواطؤ الخاص الذي ~~تتماثل معانيه في موارد ألفاظه. وإنما جعله مشتركا شرذمة من المتأخرين لا ~~يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار مشهورين. ومن حكى ذلك عن الأشعري ~~كما حكاه الرازي فقد غلط؛ فإن مذهب الرجل وعامة أصحابه: أن الوجود اسم عام ~~ينقسم إلى: قديم؛ وحادث ولكن مذهبه أن وجود كل شيء عين ماهيته وهذا مذهب ~~جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم فظن الظان أن هذا يستلزم أن يكون اللفظ ~~مشتركا كما احتج به الآمدي وذلك غلط كما قد بسطناه في موضعه وهو يتبين ~~بالكلام على حجته. وقوله: إما أن يكون اسم الوجود دالا على الذات؛ أو على ~~صفة زائدة على الذات. يقال له: أتريد به لفظ الوجود العام المنقسم إلى واجب ~~وممكن؛ أم لفظ الوجود الخاص؟ كما يقال: وجود الواجب ووجود الممكن؛ فإنه من ~~المعلوم أن الأسماء التي يسمى بها الرب وغيره - بل كل # PageV20P442 # مسميين - تارة تعتبر مطلقة عامة تتناول النوعين؛ وتارة تعتبر مقيدة بهذا ~~المسمى. ولفظ الحي والعليم؛ والقدير؛ والسميع؛ والبصير والموجود؛ والشيء؛ ~~والذات: إذا كان عاما يتناول الواجب وإذا قيل: {وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت} {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} {وهو العليم الحكيم} ونحو ذلك مما ~~يختص بالرب: لم يتناول ذلك ms6197 المخلوق كما إذا قيل: {يخرج الحي من الميت} لم ~~يدخل الخالق في اسم هذا الحي. وكذلك إذا قيل: العلم والقدرة؛ والكلام؛ ~~والاستواء؛ والنزول ونحو ذلك: تارة يذكر مطلقا عاما: وتارة يقال: علم الله ~~وقدرته؛ وكلامه؛ ونزوله؛ واستواؤه: فهذا يختص بالخالق؛ لا يشركه فيه ~~المخلوق. كما إذا قيل: علم المخلوق وقدرته: وكلامه؛ ونزوله؛ واستواؤه فهذا ~~يختص بالمخلوق ولا يشركه فيه الخالق. فالإضافة أو التعريف خصص وميز وقطع ~~الاشتراك بين الخالق والمخلوق. وكذلك إذا قيل لفظ الوجود مطلقا وقيل: وجود ~~الواجب ووجود الممكن فهذه ثلاثة معان. فإذا قيل: وجود العبد وذاته وماهيته ~~وحقيقته كان ذلك مختصا به دالا على ذاته المختصة به المتصفة بصفاته. # PageV20P443 # وكذلك إذا قيل: وجود الرب ونفسه؛ وذاته؛ وماهيته وحقيقته: كان دالا على ~~ما يختص بالرب: وهو نفسه المتصفة بصفاته. فقوله: اسم الوجود إما أن يكون ~~دالا على ذات الرب؛ أو صفة زائدة. يقال له: إن أردت لفظ الوجود المطلق ~~العام الذي يتناول الواجب والممكن؛ فهذا لا يدل على ما يختص بالواجب ولا ~~على ما يختص بالممكن؛ بل يدل على المشترك الكلي والمشترك الكلي إنما يكون ~~مشتركا كليا في الذهن واللفظ وإلا فليس في الخارج شيء هو نفسه كلي مع كونه ~~في الخارج. وهذا كما إذا قيل: الذات والنفس: بحيث يعم الواجب والممكن فإنما ~~يدل على المعنى العام الكلي لا على ما يختص بواحد منهما كما إذا قيل: ~~الوجود ينقسم إلى: واجب؛ وممكن. والذات تنقسم إلى: واجب: وممكن. ونحو ذلك. ~~وأما إن أريد بالوجود ما يعمهما جميعا كما إذا قيل: الوجود كله واجبه ~~وممكنه؛ أو الوجود الواجب والممكن فهنا يدل على ما يختص بكل منهما كما إذا ~~قيل: وجود الواجب ووجود الممكن. ففي الجملة اللفظ: إما أن يدل على المشترك ~~فقط كالوجود المنقسم أو على المميز فقط كقول: وجود الواجب: وقول: وجود ~~الممكن # PageV20P444 # أو عليهما كقولك: الوجود كله واجبه وممكنه؛ والوجود الواجب والممكن. وعلى ~~كل تقدير فلا يلزم الاشتراك. وقوله: إذا كان دالا على ذات الرب فذاته ~~مخالفة لما ms6198 سواها من الموجودات يقال: لفظ الوجود المطلق المنقسم لا يدل على ~~ما يختص بالرب وأما لفظ الوجود الخاص لوجود الرب أو العام كقولنا: الوجود ~~الواجب والممكن ونحو ذلك: فهذا يدل على ما يختص بذات الرب وإن كان مخالفا ~~لذات غيره كما أن لفظ ذات الرب وذات العبد تدل على ما يختص بالرب وبالعبد: ~~وإن كان حقيقة هذا مخالفا لحقيقة هذا فكذلك لفظ الوجود يدل عليهما مع ~~اختلاف حقيقة الموجودين. فإن قيل: إذا كان حقيقة هذا الوجود يخالف حقيقة ~~هذا الوجود كان اللفظ مشتركا. قيل: هذا غلط منه نشأ غلط هذا وأمثاله: وذلك ~~أن جميع الحقائق المختلفة تتفق في أسماء عامة تتناول بطريق التواطؤ ~~والتشكيك كلفظ اللون؛ فإنه يتناول السواد والبياض والحمرة مع اختلاف حقائق ~~الألوان. وكذلك لفظ الصفة والعرض والمعنى يتناول العلم؛ والقدرة؛ والحياة ~~والطعم؛ واللون: والريح مع اختلاف حقائق الألوان. # PageV20P445 # وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان والبهيمة مع اختلاف حقائقهما فلفظ ~~الوجود أولى بذلك. وذلك أن هذه الحقائق المختلفة قد تشترك في معنى عام ~~يشملها؛ ويكون اللفظ دالا على ذلك المعنى كلفظ اللون ثم بالتخصيص يتناول ما ~~يختص بكل واحد كما يقال: لون الأسود ولون الأبيض وقيل: وجود الرب ووجود ~~العبد ولو تكلم بالاسم العام المتناول لأفراده كما إذا قيل: اللون أو ~~الألوان؛ أو الحيوان؛ والعرض؛ أو الوجود: يتناول جميع ما دخل في اللفظ وإن ~~كانت حقائق مختلفة؛ لشمول اللفظ لها كسائر الألفاظ العامة وإن كانت أفرادها ~~تختلف باعتبار آخر من جهة اللفظ العام. وأيضا فقوله: إن كان مدلول اسم ~~الوجود صفة فإن كان المفهوم واحدا في الواجب والممكن: لزم كون الواجب ممكنا ~~والممكن واجبا وإلا لزم الاشتراك. يقال له: أتعني مدلول الاسم الوجود ~~المطلق أو المقيد المضاف؟ كما إذا قيل: وجود الواجب؛ ووجود الممكن؟ فإن ~~عنيت الأول فالمفهوم واحد ولا يلزم تماثلهما في الموضعين؛ وإن كان ما في ~~الذهن من معنى الوجود مماثلا لا يلزم أن يكون ما في الخارج منه متماثلا # PageV20P446 # وإنما يلزم أن يطابق الاثنين ويعمهما فقط ms6199 كسائر الألفاظ المتواطئة ~~المشككة إذا قيل: السواد شارك سواد القار والحبر مع عدم تماثلهما وإذا قيل: ~~الأبيض والأحمر ونحو ذلك يتناول الكامل والناقص وكذلك اسم الحي يتناول حياة ~~الملائكة وحياة أهل الجنة وحياة الذباب والبعوض مع عدم تماثلهما فكيف يكون ~~وجود الرب أو علمه أو قدرته مماثلا لوجود المخلوق وعلمه وقدرته؟ إذ يشملها ~~اسم الوجود المطلق أو العلم المطلق أو القدرة المطلقة. وإن قال: بل أعني به ~~الوجود المقيد مثل قولنا: وجود الواجب ووجود الممكن. قيل: هنا المفهوم ~~يختلف؛ لاختصاص كل منهما بلفظ قيد به الوجود وهو الإضافة فهذه الإضافة ~~المقيدة تمنع التماثل ولا يلزم من ذلك الاشتراك اللفظي فإن الاختلاف هنا ~~يحصل في نفس لفظ الوجود بل الإضافة الزائدة على اللفظ والإضافة أو التعريف ~~كقولنا: وجود الرب أو الوجود الواجب ووجود المخلوق؛ أو الوجود الممكن ونحو ~~ذلك. فهذا الذي احتج به على الاشتراك فيما يسمى به الرب والعبد يلزم منه ~~الاشتراك في سائر الأسماء العامة وهي من جنس الحجة التي # PageV20P447 # احتج بها على المجاز حيث قال: إن كان اللفظ حقيقة في الموضعين لزم ~~الاشتراك؛ وهو غلط؛ فإن الذي دل على خصوص هذا المعنى ليس هو الذي دل على ~~خصوص ذاك بل الزائد على اللفظ. فإذا قيل: وجود الرب ووجود العبد فهو من جنس ~~ظهر الإنسان وظهر الفرس كما تقول ظهر الإنسان وظهر الطريق يعني جميع هذه ~~المواضع الدال على ما يخالف به هذا هو مما يختص بكل موضع لا مجرد اللفظ ~~المشترك بل المشترك يدل على المشترك. والمختص يدل على المختص وهذا يقتضي أن ~~بين الظهرين جهة اتفاق وافتراق وكذلك بين الوجودين جهة اتفاق وافتراق وهو ~~الذي يعني به الاشتراك والامتياز لكن بعض الناس يظن أن المشترك بينهما ~~موجود في الخارج مشتركا بينهما؛ وذلك غلط بل كل واحد مختص بالخارج ولكن ~~الذهن يأخذ منهما قدرا مشتركا كليا ويقال: هما مشتركان في الوجود ~~والحيوانية والإنسانية كما قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون} وقال: {فإنهم يومئذ ms6200 في العذاب مشتركون} فالعذاب الذي يصيب ~~الآخر هو نظيره وهو من جنسه اشتراكا في جنس العذاب ليس في الخارج شيء بعينه ~~يشتركان فيه ولكن اشتركا في العذاب الخاص. بمعنى: أن كل واحد له منه نصيب ~~كالمشتركين في العقار ونحو ذلك. # PageV20P448 # الجواب السادس: أن يقال: منع " المقدمة الثانية " قوله: لو كان مشتركا ~~لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون البعض ضرورة التساوي في ~~الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الأسد إنما هو ~~السبع ومن إطلاق لفظ الحمار إنما هو البهيمة وكذلك ما في الضرورة. فيقال: ~~إطلاق لفظ الأسد والحمار المعرف بالألف واللام ينصرف إلى ما يعرفه المتكلم ~~أو المخاطب وإذا كان المعرف هو البهيمة انصرف إليها وهذا هو المعروف عند ~~أكثر الناس في أكثر الأوقات ولا يلزم من ذلك إذا كان معرفا يوجب انصرافه ~~إلى البليد والشجاع ولا يكون حقيقة أيضا كقول أبي بكر: لاها الله إذا لا ~~يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه. وكما أشير إلى ~~شخص وقيل: هذا الأسد أو إلى بليد وقيل: هذا الحمار. فالتعريف هنا عينه وقطع ~~إرادة غيره كما أن لفظ الرءوس والبيض والبيوت وغير ذلك ينصرف عند الإطلاق ~~إلى الرءوس والبيض الذي يؤكل في العادة؛ والبيوت إلى مساكن الناس ثم إذا ~~قيل بيت العنكبوت وبيض النمل ورءوس الجراد كان أيضا حقيقة باتفاق الناس. ~~الجواب السابع: أن يقال: أنت جعلت دليل الحقيقة أن يسبق إلى الفهم عند ~~إطلاق اللفظ فاعتبرت في المستمع السابق إلى فهمه؛ # PageV20P449 # وفي المتكلم إطلاق لفظه وهذا لا ضابط له فإنه إنما يسبق إلى فهم المستمع ~~في كل موضع ما دل عليه دليل في ذلك الموضع فإذا قال: ظهر الطريق ومتنها لم ~~يسبق إلى فهمه ظهر الحيوان ألبتة بل ممتنع عنده إرادته. الجواب الثامن: ~~قولك: من إطلاق جميع اللفظ: كلام مجمل؛ فإن أردت كون اللفظ مطلقا عن القيود ~~فهذا لا يوجد قط؛ فإن النظر إنما هو في الأسماء الموجودة ms6201 في كلام كل متكلم: ~~كلام الله وملائكته وأنبيائه والجن وسائر بني آدم والأمم لا يوجد إلا ~~مقرونا بغيره إما في ضمن جملة اسمية أو فعلية ولا يوجد إلا من متكلم ولا ~~يستدل به إلا إذا عرفت عادة ذلك المتكلم في مثل ذلك اللفظ فهنا لفظ مقيد ~~مقرون بغيره من الألفاظ ومتكلم قد عرفت عادته ومستمع قد عرف عادة المتكلم ~~بذلك اللفظ فهذه القيود لا بد منها في كلام يفهم معناه فلا يكون اللفظ ~~مطلقا عنه. فإن أراد أنه مطلق عن قيد دون قيد لم يكن ما ذكره دالا على ذلك. ~~فعلم أن قوله: يرجع إلى ما يفهم من إطلاق اللفظ. الجواب التاسع: أن يقال ~~له: اذكر أي قيد شئت وفرق بين مقيد ومقيد؛ فلا يذكر شيئا إلا انتقض وأبين ~~لك من الحدود التي تذكرها فارقة بين الحقيقة والمجاز أن ما جعلته حقيقة ~~تجعله مجازا وما # PageV20P450 # جعلته مجازا تجعله حقيقة وأن المتكلم الفارق بين هذا وهذا بالإطلاق ~~والتقييد تكلم بكلام من لا يتصور ما يقول فضلا عن أن يمكنه التعبير عنه؛ ~~فإن التعبير فرع التصور فمن لم يتصور ما يقول لم يقل شيئا إلا كان خطأ. # فصل: # وأما حجته الثانية، فقوله: كيف وأن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها ~~وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا فيقال: هذا مما يعلم ~~بطلانه قطعا فلم ينقل أحد قط عن أهل الوضع أنهم قالوا: هذا حقيقة وهذا ~~مجاز. وهذا معلوم بالاضطرار أن هذا لم يقع من أهل الوضع ولا نقله عنهم أحد ~~ممن نقل لغتهم بل ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين فسروا القرآن وبينوا ~~معانيه وما يدل في كل موضع فليس منهم أحد قال: هذا اللفظ حقيقة؛ وهذا مجاز ~~ولا ما يشبه ذلك لا ابن مسعود وأصحابه ولا ابن عباس وأصحابه ولا زيد بن ~~ثابت وأصحابه ولا من بعدهم ولا مجاهد ولا سعيد بن جبير ولا عكرمة ولا ~~الضحاك ولا طاوس ولا السدي ولا قتادة ولا غير هؤلاء ولا ms6202 أحد من أئمة الفقه ~~كالأئمة # PageV20P451 # الأربعة وغيرهم ولا الثوري ولا الأوزاعي ولا الليث بن سعد ولا غيره. ~~وإنما وجد في كلام أحمد بن حنبل لكن بمعنى آخر كما أنه وجد في كلام أبي ~~عبيدة معمر بن المثنى بمعنى آخر. ولم يوجد أيضا تقسيم الكلام إلى حقيقة ~~ومجاز في كلام أئمة النحو واللغة كأبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني ~~وأبي زيد؛ والأصمعي؛ والخليل؛ وسيبويه؛ والكسائي والفراء؛ ولا يعلمه أحد من ~~هؤلاء عن العرب. وهذا يعلمه بالاضطرار من طلب علم ذلك كما يعلم بالاضطرار ~~عند العرب أنها لم تتكلم باصطلاح النحاة التي قسمت بعض الألفاظ: فاعلا ~~واللفظ الآخر مفعولا؛ ولفظا ثالثا مصدرا؛ وقسمت بعض الألفاظ: معربا؛ وبعضها ~~مبنيا. لكن يعلم أن هذا اصطلاح النحاة لكنه اصطلاح مستقيم المعنى بخلاف من ~~اصطلح على لفظ الحقيقة والمجاز؛ فإنه اصطلاح حادث وليس بمستقيم في هذا ~~المعنى: إذ ليس بين هذا وهذا فرق في نفس الأمر حتى يخص هذا بلفظ وهذا بلفظ ~~بل أي معنى خصوا به اسم الحقيقة وجد فيما سموه مجازا وأي معنى خصوا به اسم ~~المجاز يوجد فيما سموه حقيقة ولا يمكنهم أن يأتوا بما يميز بين النوعين. ~~وليسوا مطالبين بما يقال: إن حد الحقيقي مركب من الجنس # PageV20P452 # والفصل؛ فإن هذا لو كان حقا لم يطالبوا به فكيف إذا كان باطلا؟ بل ~~المطلوب التمييز بين المسميين وهو معنى الحد اللفظي كما يميز بين مسمى ~~الاسم المعرب والمبني والفاعل والمفعول؛ ويميز بين مسميات سائر الأسماء ~~فيطالبون بما يميزون بين ما سموه حقيقة وما سموه مجازا وهذا منتف في نفس ~~الأمر إذ ليس في نفس الأمر نوعان ينفصل أحدهما عن الآخر حتى يسمى هذا حقيقة ~~وهذا مجازا. وهذا بحث عقلي غير البحث اللفظي؛ فإنهم يعترفون بأن النزاع في ~~المسألة لفظي. قد ظنوا أن هذه التسمية والفرق منقول عن العرب وغلطوا في ذلك ~~كما يغلط من يظن أن هذه التسمية والفرق يوجد في كلام الصحابة والتابعين ~~وأئمة العلم وأن هذا ذكره الشافعي أو غيره من ms6203 العلماء أو تكلم به واحد من ~~هؤلاء؛ فإن هذا غلط يشبه أن الواحد تربى على اصطلاح اصطلحه طائفة فيظن أن ~~المتقدمين من أهل العلم كان هذا اصطلاحهم. ومن ظن أن العرب قسمت هذا ~~التقسيم أو أن هذا أخذ عنها توقيف كما يوجد في كلام طائفة من المصنفين في ~~أصول الفقه فغلطه أظهر وقد وجد في كلام طائفة كأبي الحسين البصري والقاضي ~~أبي الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم. # PageV20P453 # وأعجب من هذا دعوى تواتر هذا عن أهل الوضع وعن أهل الأعصار لم يزل يتناقل ~~في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا وهذا التواتر ~~الذي ادعاه لا يمكنه ولا غيره أن يأتي بخبر واحد فضلا عن هذا التواتر الذي ~~ادعاه. # فصل: # وأما حجة النفاة التي ذكرها فإنه قال: فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ ~~مجازي فإما أن يقيد معناه بقرينة؛ أو لا يقيد بقرينة فإن كان الأول فهو مع ~~القرينة لا يحتمل غير ذلك فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى. وإن كان ~~الثاني فهو أيضا حقيقة؛ إذ لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من ~~غير قرينة. ثم قال: قلنا: جواب الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا ~~بقرينة ولا معنى للمجاز إلا هذا والنزاع في ذلك لفظي كيف وأن المجاز ~~والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية؟ فلا تكون الحقيقة صفة ~~للمجموع. فيقال: هو قد سلم أن النزاع لفظي فيقال: إذا كان النزاع لفظيا ~~وهذا التفريق اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب؛ ولا أمة من الأمم؛ ولا ~~الصحابة والتابعون؛ ولا السلف: كان المتكلم بالألفاظ الموجودة التي تكلموا ~~بها ونزل بها القرآن أولى من المتكلم باصطلاح # PageV20P454 # حادث لو لم يكن فيه مفسدة وإذا كان فيه مفاسد كان ينبغي تركه لو كان ~~الفرق معقولا فكيف إذا كان الفرق غير معقول وفيه مفاسد شرعية وهو إحداث في ~~اللغة كان باطلا عقلا وشرعا ولغة. أما العقل فإنه لا يتميز فيه هذا عن هذا ~~وأما الشرع فإن ms6204 فيه مفاسد يوجب الشرع إزالتها وأما اللغة فلأن تغيير ~~الأوضاع اللغوية غير مصلحة راجحة بل مع وجود المفسدة. فإن قيل: وما ~~المفاسد؟ قيل: من المفاسد أن لفظ المجاز المقابل للحقيقة سواء جعل من عوارض ~~الألفاظ أو من عوارض الاستعمال يفهم ويوهم نقص درجة المجاز عن درجة الحقيقة ~~لا سيما ومن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فإذا قال القائل: إن الله تعالى ~~ليس برحيم ولا برحمن؛ لا حقيقة بل مجاز؛ إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير ~~من أسمائه وصفاته؛ وقال: " لا إله إلا الله " مجاز لا حقيقة كما ذكر هذا ~~الآمدي من أن العموم المخصوص مجاز وقال من جهة منازعه: فإن قيل: لو قال: " ~~لا إله " تامة مطلقة يكون كفرا ولو اقترن به الاستثناء. وهو قوله: " إلا ~~الله " كان إيمانا وكذلك لو قال لزوجته: أنت طالق كانت مطلقة بتنجيز الطلاق ~~ولو اقترن به الشرط وهو قوله: إن دخلت الدار: كان # PageV20P455 # تعليقا مع أن الاستثناء والشرط له معنى. ولولا الدلالة والوضع لما كان ~~كذلك. قلنا: لا نسلم التغيير في الوضع بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه من ~~جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة فقد تكلم في " لا إله إلا الله " إذا كانت من ~~مورد النزاع فإنه يزعم أن كل عام خص ولو بالاستثناء كان مجازا؛ فيكون " لا ~~إله إلا الله " عنده مجازا. ومعلوم أن هذا الكلام من أعظم المنكرات في ~~الشرع وقائله إلى أن يستتاب - فإن تاب وإلا قتل - أقرب منه إلى أن يجعل من ~~علماء المسلمين ثم هذا القائل مفتر على اللغة والشرع والعقل؛ فإن العرب لم ~~تتكلم بلفظ " لا إله " مجردا ولا كانوا نافين للصانع حتى يقولوا: " لا إله ~~" بل كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى قل لا أشهد} ولهذا قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب} . والقرآن كله يثبت توحيد الإلهية ويعيب عليهم الشرك وقد تواتر عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه أول ما دعا الخلق إلى شهادة ms6205 أن لا إله إلا الله ~~وقال {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله} والمشركون لم يكونوا ينازعونه في # PageV20P456 # الإثبات بل في النفي فكان الرسول والمشركون متفقين على إثبات إلهية الله ~~كان الرسول ينفي إلهية ما سوى الله وهم يثبتون فلم يتكلم أحد لا من ~~المسلمين ولا من المشركين: بهذه الكلمة إلا لإثبات إلهية الله ولنفي إلهية ~~ما سواه والمشركون كانوا يثبتون إلهية ما سواه مع إلهيته أما الآلهة مطلقا ~~بهذا المعنى فلم يكونوا مما يعتقدونه حتى يعبروا عنه فكيف يقال: هذا المعنى ~~هو الذي وضعوا له هذا اللفظ في أصل لغتهم؟ . # وأما قول القائل: لا نسلم تغيير الدلالة بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه ~~من جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة. فيقال له: وهذه مغلطة؛ فإنه في حال القيد ~~لم يكن مطلقا وهو لا يقتضي النفي العام إذا كان مطلقا غير مقيد فأما مع ~~القيد فقوله: " لا إله إلا الله " اللفظ مطلقا فكيف يقال: إنه صرف عما كان ~~يقتضيه لو كان مطلقا؟ فلو كان مطلقا لكان يقتضي النفي العام فبالتقييد زال ~~الإطلاق المقتضي لذلك وهذا معنى تغيير الدلالة؛ فإنه لو كان له دلالة عند ~~الإطلاق بطلت وصارت له دلالة أخرى عند التقييد والاستثناء فخرج من اللفظ ما ~~لولاه لدخل في اللفظ عند الجمهور القائلين بالعموم وعند أهل الوقف فخرج من ~~اللفظ ما لولاه لصلح أن يدخل فعلى القولين لا يخرج من اللفظ ما دخل بل ما ~~لولا الاستثناء لكان الاستثناء # PageV20P457 # يمنع ذلك الاقتضاء فلم يبق اللفظ مع الاستثناء مقتضيا لنفي المستثني ~~ألبتة كما أنه لم يبق مقتضيا بقوله صرفه عن مقتضاه من جهة إطلاقه ليس ~~بسديد؛ فإنه لو كان مقتضيا مطلقا لم يكن هناك استثناء ولا يصرف شيء وإذا لم ~~يكن مطلقا بل مقيدا بالاستثناء فليس هناك إطلاق يكون له اقتضاء ولا هناك ~~لفظ يقتضي نفي المستثنى ولا هناك مستثنى منفي. وأيضا من مفاسد هذا جعل عامة ~~القرآن مجازا كما صنف بعضهم مجازات ms6206 القراءات وكما يكثرون من تسمية آيات ~~القرآن مجازا وذلك يفهم ويوهم المعاني الفاسدة هذا إذا كان ما ذكروه من ~~المعاني صحيحا فكيف وأكثر هؤلاء يجعلون ما ليس بمجاز مجازا؟ وينفون ما ~~أثبته الله من المعاني الثابتة ويلحدون في أسماء الله وآياته كما وجد ذلك ~~للمتوسعين في المجاز من الملاحدة أهل البدع. وأما ### | قوله: كيف والمجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية؟ . # فيقال: أولا ليس الأمر كذلك عندكم بل كثيرا ما تجعلون الحقيقة والمجاز ~~اسما للمعنى فتقولون: حقيقة هذا اللفظ كذا ومجازه كذا؛ وتقولون حقيقة هذا ~~اللفظ فتجعلونه من عوارض الألفاظ تارة ومن # PageV20P458 # عوارض المعنى أخرى وقد تجعلونه من عوارض الاستعمال فيقال: استعمال هذا ~~اللفظ في هذا المعنى حقيقة وفي هذا مجاز. ثم يقال: لا ضابط لهؤلاء؛ فإن من ~~يجعل استعمال اللفظ في بعض معناه حقيقة. ومنهم من يجعله مجازا. ومنهم من ~~يجعله حقيقة ومجازا جميعا كما قد ذكر ذلك في مسألة العموم والأمر إذا أريد ~~به الندب: هو مما يبين تناقض هذا الأصل. ثم يقال: هب أن هذا من عوارض ~~الألفاظ: فإنما هو من عوارض اللفظ المستعمل الذي أريد به معناه فقولك: هو ~~من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع: باطل ~~من وجوه: أحدها: أن اللفظ لم يدل قط إلا بقرائن معنوية وهو كون المتكلم ~~عاقلا له عادة باستعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى؛ وهو يتكلم بعادته ~~والمستمع يعلم ذلك وهذه كلها قرائن معنوية تعلم بالعقل ولا يدل اللفظ إلا ~~معها. فدعوى المدعي أن اللفظ يدل مع تجرده عن جميع القرائن العقلية: غلط. ~~الثاني: أن يقال: أنت لم تفرق بين القرائن المعنوية واللفظية: فإن # PageV20P459 # العامل المخصوص بالاستثناء والشرط والصفة والبدل إنما اقترن به قرائن ~~لفظية؛ وقد جعلته مجازا وأيضا فقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن خالدا سيف ~~سله الله على المشركين} وقول أبي بكر رضي الله عنه لا يعمد إلى أسد من أسد ~~الله يقاتل عن الله ورسوله. وأمثال ذلك وما مثلت به من ms6207 قوله: ظهر الطريق؛ ~~ومتنه هي قرائن لفظية بها عرف المعنى وهو عندك مجاز. الثالث: أن نقول: اذكر ~~لنا ضابطا من القرائن التي بها يكون حقيقة والقرائن التي يكون بها مجازا ~~فإن هذا ممتنع لا سبيل لك إليه؛ لبطلان الفرق في نفس الأمر. الرابع: أن ~~يقال: هب أنه مفتقر إلى قرينة معنوية فلو قيل لك: الحقيقة اسم لنفس اللفظ ~~لكان يشترط أن يقترن به ما يبين معناه سواء كانت القرينة لفظية أو معنوية ~~ولفظ الحقيقة في الموضعين اسم اللفظ لما اقترن به لم يكن ما يدفع ذلك. ~~الخامس: أنه لو قيل لك: أنا أجعل لك لفظ الحقيقة اسما للفظ ولما اقترن ~~مطلقا لم يكن لك جواب عن هذا إلا أن يقول: أنا أجعله اسما للفظ والقرينة ~~اللفظية دون المعنوية وهذا المعنى لو كان صحيحا لم يكن معك إلا مجرد تحكم ~~قابلت به تحكما وليس تحكمك أولى # PageV20P460 # فكيف تجعل ذلك حجة معنوية على بطلان قول خصمك؟ وتحقيق ذلك " بالوجه ~~السادس ": وهو أن يقال: قولك: كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون ~~القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع؟ ليس فيه إلا مجرد حكاية ~~اللفظ الذي ابتدعته فإذا قال لك المنازع: بل الحقيقة اسم لمجموع الدال من ~~اللفظ والقرينة المعنوية كان قد قابل اصطلاحك باصطلاحه الذي هو أحسن من ~~اصطلاحك حيث سمى جميع البيان الذي علمه الله عباده حقيقة وأنت جعلت كثيرا ~~منه أو أكثره مجازا. فإن قلت: فهذا النزاع لفظي قيل لك: فهذا جوابك الأول؛ ~~وهو قولك: النزاع في ذلك لفظي. قوله: لي بعد هذا جواب آخر؛ وهو قولك: كيف ~~وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية؟ فلا تكون ~~الحقيقة صفة للمجموع يقتضي أنك ذكرت جوابا ثانيا غير الأول وليس فيه إلا ~~إعادة معنى ذلك الاصطلاح هو أنا اصطلحنا على أن يسمى بالحقيقة اللفظ دون ~~القرائن المعنوية فتبين أنه ليس معك إلا اعترافك بأن النزاع لفظي فلو كان ~~الاصطلاح مستقيما: لم يكن نفاة المجاز الذين سموا جميع الكلام حقيقة ms6208 إذا ~~كان قد بين به المراد: بأنقص # PageV20P461 # حالا ممن سمى ما هو من خيار الكلام وأحسنه وأتمه بيانا: مجازا وجعله فرعا ~~في اللغة لا أصلا؛ ووضعا حادثا غير به الوضع المتقدم؛ وجعله تابعا لغيره لا ~~متبوعا. # فصل: # وقد ذكر نفاة المجاز حجة ضعيفة وهي قولهم: وأيضا ما من صورة من الصور إلا ~~ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازي فيها ~~مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم. ~~وقد أجاب عن هذا بقوله: وجواب الثاني: أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي ~~دون الحقيقة قد يكون لاختصاصه بالخفة على اللسان؛ أو لمساغته في وزن الكلام ~~لفظا ونثرا والمطابقة؛ والمجانسة؛ والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي ~~للتحقيق إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة من الكلام. فيقال: هذه الحجة ~~ضعيفة والمحتج بها يلزمه أن يسلم لها انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز لكنه ~~يوجب استعمال الحقيقة دون المجاز وهذا يناقض قوله: ليس في اللغة مجاز؛ بل ~~المواضع التي سموها # PageV20P462 # مجازا إذا ثبت استعمالها في اللغة فهي كلها حقيقة على هذا القول والتعبير ~~لبعض الحقائق يكون أحسن وأبلغ من بعض ومراتب البيان والبلاغة متفاوتة وكل ~~ذلك مما يدل عليه اللفظ بطريقة الحقيقة واللفظ لا يدل إلا مع قرينة ومن ظن ~~أن الحقيقة في مثل قوله: {واسأل القرية} هو سؤال الجدران؛ فهو جاهل. وهذا ~~البحث يشبه بحث هؤلاء كلهم ينكرون استعمال اللفظ في حال في معنى وفي حال ~~أخرى في معنى آخر كما يستعمل لفظ القرية تارة في السكان وتارة في المساكن ~~ويدعون أنه لا يعني به إلا المساكن؛ وهذا غلط وافقوا فيه أولئك لكن أولئك ~~يقولون: هنا محذوف تقديره: واسأل أهل القرية. وأولئك يقولون: بل المراد ~~واسأل الجدران. والصواب أن المراد بالقرية نفس الناس المشتركين الساكنين في ~~ذلك المكان فلفظ القرية هنا أريد به هؤلاء كما في قوله تعالى {وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} كذلك قوله ms6209 ~~تعالى {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} وقوله: {وكأين من قرية عتت ~~عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا} ونظائره ~~متعددة. # PageV20P463 ### | فصل: # وتمام هذا بالكلام على ما ذكره من المجاز في القرآن # فإنه قال: يعتذر عن قوله: {تجري من تحتها الأنهار} والأنهار غير جارية. ~~فيقال: النهر كالقرية والميزاب ونحو ذلك يراد به الحال ويراد به المحل فإذا ~~قيل: حفر النهر؛ أريد به المحل وإذا قيل: جرى النهر؛ أريد به الحال. وعن ~~قوله: {واشتعل الرأس شيبا} وهو غير مشتعل كاشتعال النار فهذا مسلم؛ لكن ~~يقال: لفظ الاشتعال لم يستعمل في هذا المعنى إنما استعمل في البياض الذي ~~سرى من السواد سريان الشعلة من النار وهذا تشبيه واستعارة لكن قوله: ~~{واشتعل الرأس} استعمل فيه لفظ الاشتعال مقيدا بالرأس لم يحتمل اللفظ في ~~اشتعال الحطب وهذا اللفظ - وهو قوله: {واشتعل الرأس شيبا} - لم يستعمل قط ~~في غير موضعه بل لم يستعمل إلا في هذا المعنى وإن كان هذا الوضع يغير بعد ~~وضع اشتعلت النار فلا يضر وإن قصد به تشبيه ذلك المعنى بهذا المعنى فلا يضر ~~بل هذا شأن الأسماء العامة لا بد أن # PageV20P464 # يكون بين المعنيين قدر مشترك تشتبه فيه تلك الأفراد. وأما تسميته استعارة ~~فمعلوم أنهم لم يستعيروا ذلك اللفظ بعينه بل ركبوا لفظ اشتعل مع الرأس ~~تركيبا لم يتكلموا به ولا أرادوا به غير هذا المعنى قط. ولهذا لا يجوز أن ~~يقال في مثل هذا: لم يشتعل الرأس شيبا بل يقال: ليس اشتعال الرأس مثل ~~اشتعال الحطب وإن أشبهه من بعض الوجوه. قال: وعن قوله: {واخفض لهما جناح ~~الذل} والذل لا جناح له؟ فيقال له: لا ريب أن الذل ليس له جناح مثل جناح ~~الطائر كما أنه ليس للطائر جناح مثل أجنحة الملائكة ولا جناح الذل مثل جناح ~~السفر لكن جناح الإنسان جانبه كما أن جناح الطير جانبه والولد مأمور بأن ~~يخفض جانبه لأبويه؛ ويكون ذلك على وجه الذل لهما لا على وجه الخفض الذي ms6210 لا ~~ذل معه وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم {واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين} ولم يقل: جناح الذل فالرسول أمر بخفض جناحه وهو جانبه والولد أمر ~~بخفض جناحه ذلا فلا بد مع خفض جناحه أن يذل لأبويه بخلاف الرسول فإنه لم ~~يؤمر بالذل فاقتران ألفاظ القرآن تدل على اقتران معانيه وإعطاء كل معنى ~~حقه. # PageV20P465 # ثم إنه سبحانه كمل ذلك بقوله: {من الرحمة} فهو جناح ذل من الرحمة لا جناح ~~ذل من العجز والضعف: إذ الأول محمود والثاني مذموم. قال: وقوله: {أشهر ~~معلومات} والأشهر ليست هي الحج؟ فيقال: معلوم أن أوقات الحج أشهر معلومات ~~ليس المراد أن نفس الأفعال هي الزمان ولا يفهم هذا أحد من اللفظ ولكن قد ~~يقال: في الكلام محذوف تقديره: وقت الحج أشهر معلومات ومن عادة العرب ~~الحسنة في خطابها أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلا عليه ~~اختصارا كما أنهم يوردون الكلام بزيادة تكون مبالغة في تحقيق المعنى. ~~فالأول كقوله: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} فمعلوم أن المراد فضرب فانفلق ~~لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك في اللفظ إذ كان قوله: قلنا: (أن اضرب) ؛ فانفلق: ~~دليلا على أنه ضرب فانفلق. وكذلك قوله: {من آمن} تقديره بر من آمن أو صاحب ~~من آمن. وكذلك قوله: {الحج أشهر} أي: أوقات الحج أشهر فالمعنى متفق عليه ~~لكن الكلام في تسمية هذا مجازا وقول القائل: نفس الحج ليس بأشهر؛ إنما ~~يتوجه لو كان هذا مدلول الكلام؛ وليس كذلك بل مدلوله عند من تكلم به أو ~~سمعه: أن أوقات الحج أشهر معلومات. # PageV20P466 # قال: وقوله: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد} والصلوات لا تنهدم؟ فيقال: ~~قد قيل: إن الصلوات اسم لمعابد اليهود يسمونها صلوات باسم ما يفعل فيها ~~كنظائره؛ وهو إنما استعمل لفظ الصلوات في المكان مقرونا بقوله: {لهدمت} ~~والهدم إنما يكون للمكان فاستعمله مع هذا اللفظ في المكان. # قال: وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ؟ فنقول: لفظ الغائط في القرآن ~~يستعمل في معناه اللغوي وهو: المكان المطمئن من ms6211 الأرض؛ وكانوا ينتابون ~~الأماكن المنخفضة لذلك وهو الغائط كما يسمى خلاء لقصد قاضي الحاجة الموضع ~~الخالي ويسمى مرحاضا لأجل الرحض بالماء ونحو ذلك والمجيء من الغائط اسم ~~لقضاء الحاجة؛ لأن الإنسان في العادة إنما يجيء من الغائط إذا قضى حاجته ~~فصار اللفظ حقيقة عرفية يفهم منها عند الإطلاق التغوط فقد يسمون ما يخرج من ~~الإنسان غائطا تسمية للحال باسم محله كما في قوله: جرى الميزاب. ومنه قول ~~عائشة: مرن أزواجكم يغسلن عنهن أثر الغائط. وليس في قوله: {أو جاء أحد منكم ~~من الغائط} استعمال اللفظ في غير معناه؛ بل المجيء من الغائط يتضمن التغوط ~~فكنى عن ذلك المعنى باللفظ الدال على العمل # PageV20P467 # الظاهر المستلزم الأمر المستور وكلاهما مراد. وهذا كثير في الكلام يذكر ~~الملزوم ليفهم منه لازمه المدلول. وكلاهما دل عليه اللفظ لكن أحدهما وسيلة ~~إلى الآخر كقول إحدى النسوة في حديث أم زرع: {زوجي عظيم الرماد طويل النجاد ~~قريب البيت من الناد} . فإن عظم الرماد يستلزم كثرة الطبخ المستلزم في ~~عادتهم لكثرة الضيف؛ المستلزم للكرم. وطول النجاد يستلزم طول القامة وقرب ~~البيت من الناد يستلزم قصده بحجة الناد إلى بيته والناد اسم للحال والمحل ~~أيضا. ومنه قوله: {فليدع ناديه} وقوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} فهنا هو ~~المحل وفي تلك هو الحال وهم القوم الذين ينتدون ومنه " دار الندوة ". وأصله ~~من مناداة بعضهم لبعض بخلاف النجاء فإنهم الذين يتناجون قال الشعبي: إذا ~~كثرت الحلقة فهي إما نداء وإما نجاء قال تعالى: {وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن وقربناه نجيا} فناداه. وناجاه. # وقال: قوله: {الله نور السماوات والأرض} ؟ فيقال: قد ثبت في الصحيح أن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: اللهم لك الحمد أنت قيم ~~السموات والأرض # PageV20P468 # ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن} فليس مفهوم اللفظ ~~أنه شعاع الشمس والنار؛ فإن هذا ليس هو نور السموات والأرض كما ظن بعض ~~الغالطين أن هذا مدلول اللفظ والنور يراد به المستنير المنير لغيره بهديه ~~فيدخل في هذا ms6212 أنت الهادي لأهل السموات والأرض وقد قال ابن مسعود: إن ربكم ~~ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإذا كان كونه رب السموات ~~والأرض وقيمها لا يناقض أن يكون قد جعل بعض عباده يرب بعضا من بعض الوجوه ~~ويفهمه؛ فكذلك كونه {الله نور السماوات والأرض} منيرها لا يناقض أن يجعل ~~بعض مخلوقاته منيرا لبعض. واسم النور إذا تضمن صفته وفعله كان ذلك داخلا في ~~مسمى النور؛ فإنه لما جعل القمر نورا كان متصفا بالنور وكان منيرا على غيره ~~وهو مخلوق من مخلوقاته والخالق أولى بصفة الكمال الذي لا نقص فيه من كل ما ~~سواه. # قال: وقوله: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} قال: والقصاص ليس ~~بعدوان؟ فيقال: العدوان مجاوزة الحد لكن إن كان بطريق الظلم كان محرما وإن ~~كان بطريق القصاص كان عدلا مباحا فلفظ العدوان في # PageV20P469 # مثل هذا هو تعدي الحد الفاصل لكن لما اعتدى صاحبه جاز الاعتداء عليه ~~والاعتداء الأول ظلم والثاني مباح ولفظ عدل مباح. ولفظ الاعتداء هنا مقيد ~~بما يبين أنه اعتداء على وجه القصاص بخلاف العدوان ابتداء فإنه ظلم فإذا لم ~~يقيد بالجزاء فهم منه الابتداء: إذ الأصل عدم ما يقابله. # قال: وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وقوله: {الله يستهزئ بهم} {ويمكرون ~~ويمكر الله} ؟ فيقال: السيئة اسم لما سبق صاحبها فإن فعلت به على وجه العدل ~~والقصاص كان مستحقا لما فعل معه من السيئة وليس المراد أنها تسبق الفاعل ~~حتى ينهى عنها بل تسبق المجازى بها ولفظ السيئة والحسنة يراد به الطاعة ~~والمعصية؛ ويراد به النعمة والمصيبة كقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} وقوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها} ؟ وقوله: {وجزاء سيئة} لم يرد به كل من عمل ذنبا وإنما المراد ~~جزاء من أساء إلى غيره بظلم فهي من سيئات المصاب فجزاؤها أن يصاب المسيء ~~بسيئة مثلها كأنه قيل: جزاء من أساء إليك أن تسيء إليه مثل ما أساء إليك ~~وهذه ms6213 سيئة حقيقة. # PageV20P470 # أما الاستهزاء والمكر بأن يظهر الإنسان الخير والمراد شر فهذا إذا كان ~~على وجه جحد الحق وظلم الخلق فهو ذنب محرم وأما إذا كان جزاء على من فعل ~~ذلك بمثل فعله كان عدلا حسنا قال الله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} {الله ~~يستهزئ بهم} فإن الجزاء من جنس العمل. وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا ~~مكرا} كما قال: {إنهم يكيدون كيدا} {وأكيد كيدا} وقال: {كذلك كدنا ليوسف} . ~~وكذلك جزاء المعتدي بمثل فعله؛ فإن الجزاء من جنس العمل وهذا من العدل ~~الحسن وهو مكر وكيد إذا كان يظهر له خلاف ما يبطن. # قال: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} فهذا اللفظ أصله أن المحاربين ~~يوقدون نارا يجتمع إليها أعوانهم وينصرون وليهم على عدوهم فلا تتم محاربتهم ~~إلا بها فإذا طفئت لم يجتمع أمرهم ثم صار هذا كما تستعمل الأمثال في كل ~~محارب بطل كيده كما يقال: يداك أوكتا وفوك نفخ ومعناه أنت الجاني على نفسك. ~~وكما يقال: الصيف ضيعت اللبن معناه: فرطت وقت الإمكان. وهذه الألفاظ كان ~~لها معنى خاص نقلت بعرف الاستعمال إلى معنى # PageV20P471 # أعم من ذلك وصار يفهم منها ذلك عند الإطلاق لغلبة الاستعمال ولا يفهم ~~منها خصوص معناها الأول كسائر الألفاظ التي نقلها أهل العرف إلى أعم من ~~معناها مثل لفظ الرقبة والرأس في قوله: {فتحرير رقبة} وقد يقال: إن هذا من ~~باب دلالة اللزوم فإن تحرير العنق يستلزم تحرير سائر البدن؛ ولهذا تنازع ~~الفقهاء إذا قال: يدك حر إن دخلت الدار؛ فقطعت يده ثم دخل الدار: هل يعتق؟ ~~على وجهين بناء على أنه من باب السراية أو من باب العبادة. والصحيح أنه من ~~باب العبادة ومعناه: أنت حر إن فعلت كذا والحقيقة الحرفية والشرعية معلومة ~~في اللغة. قال: إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات؟ وقالوا: ما يذكر من هذا ~~الباب إما أن يكون النزاع في معناه أو المعنى متفق عليه والنزاع في تسميته ms6214 ~~مجازا وعلى التقديرين فلا حجة لك فيه؛ كقوله: {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي وغيض الماء} قيل: أراد بالسماء المطر أي: يا مطر انقطع وليس كذلك بل ~~الإقلاع الإمساك أي: يا سماء امسكي عن الإمطار. وكثيرا ما يأتي المدعي إلى ~~ألفاظ لها معان معروفة فيدعي استعمالها # PageV20P472 # في غير تلك المعاني بلا حجة ويقول: هذا مجاز فهذا لا يقبل ومن قسم الكلام ~~إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة وهذا يراد به ~~شيئان: يراد به أنه إذا عرف معنى اللفظ وقيل: هذا الاستعمال مجاز قيل: بل ~~الأصل الحقيقة. وإذا عرف أن للفظ مدلولان حقيقي ومجازي فالأصل أن يحمل على ~~معناه الحقيقي؛ فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه وتارة ~~باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه. # فإذا قيل في ### | قوله تعالى {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} # إن أصل الذوق بالفم. قيل: ذلك ذوق الطعام؛ فالذوق يكون للطعام ويكون لجنس ~~العذاب كما قال: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} وقوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} وقوله: {ذوقوا مس سقر} فقوله: ~~{ذوقوا مس سقر} صريح في ذوق مس العذاب لا يحتمل ذوق الطعام. ثم الجوع ~~والخوف إذا لبس البدن كان أعظم في الألم؛ بخلاف القليل منه فإذا قال: ~~{فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} فإنه لم يكن يدل على لبسه لصاحبه وإحاطته ~~به فهذه المعاني تدل عليها هذه الألفاظ دون ما إذا قيل جاعت وخافت؛ فإنه ~~يدل على جنس لا على عظم كيفيته وكميته فهذا من كمال البيان والجميع إنما ~~استعمل فيه اللفظ في معناه المعروف في اللغة؛ فإن قوله ذوق لباس الجوع ~~والخوف ليس # PageV20P473 # هو ذوق الطعام وذوق الجوع ليس هو ذوق لباس الجوع. ولهذا كان تحرير هذا ~~الباب هو من علم البيان الذي يعرف به الإنسان بعض قدر القرآن وليس في ~~القرآن لفظ إلا مقرون بما يبين به المراد. ومن غلط في فهم القرآن فمن قصوره ~~أو تقصيره؛ فإذا قال القائل: {يشرب بها} ms6215 أن الباء زائدة كان من قبله علمه؛ ~~فإن الشارب قد يشرب ولا يروى فإذا قيل: يشرب منها: لم يدل على الري وإذا ~~ضمن معنى الري فقيل: {يشرب بها} كان دليلا على الشرب الذي يحصل به الري ~~وهذا شرب خاص دل عليه لفظ الباء. كما دل لفظ الباء في قوله: فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم} على إلصاق الممسوح به بالعضو؛ ليس المراد مسح الوجه. فمن ~~قال: الباء زائدة جعل المعنى امسحوا وجوهكم وليس في مجرد مسح الوجه إلصاق ~~الممسوح من الماء والصعيد ومن قرأ: {وأرجلكم} فإنه عائد على الوجه والأيدي؛ ~~بدليل أنه قال: {إلى الكعبين} ولو كان عطفا على المحل لفسد المعنى وكان ~~يكون فامسحوا رءوسكم. وأيضا فكلهم قرءوا قوله في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} ولفظ الآيتين من جنس واحد فلو كان المعطوف على المجرور معطوفا ~~على المحل لقرءوا أيديكم بالنصب فلما لم يقرءوها كذلك علم أن قوله: # PageV20P474 # {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} عطف على الوجوه والأيدي. # قال ابن عقيل: # فصل: # في أسئلتهم وقد تكلفوا غاية التكليف وتعسفوا غاية التعسيف في بيان أنه ~~حقيقة. # فمن ذلك قولهم: إن القرية هي مجتمع الناس؛ مأخوذ من قريت الماء في الحوض؛ ~~وما قرأت الناقة في رحمها فالضيافة مقرئ ومقر لاجتماع الأضياف عندهم وسمي ~~القرآن والقراءة لذلك لكونه مجموع كلام فكذلك حقيقة الاجتماع إنما هو للناس ~~دون الجدران فما أراد إلا مجمع الناس وهو في نفسه حقيقة القرية يوضح ذلك ~~قوله تعالى {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} وقوله تعالى {وكأين من قرية ~~عتت عن أمر ربها ورسله} وهذا يرجع إلى المجتمع إلى الناس دون الجدران ~~والعير اسم للقافلة. قالوا: والأبنية والحمير إذا أراد الله نطقها أنطقها ~~وزمن النبوات وقت لخوارق العادات. ولو سألها لأجابته عن حاله معجزة له ~~وكرامة. # PageV20P475 # وقوله تعالى {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} إنما أشار بقوله: {قول الحق} ~~إلى اسمه ونسبته إلى أمه وذلك حقيقة قول الله. وقد قال صاحبكم أحمد: الله ~~هو الله يعني: الاسم هو المسمى. وقوله تعالى {وأشربوا في ms6216 قلوبهم العجل ~~بكفرهم} فإنه لما نسف بعد أن برد في البحر وشربوا من الماء كان ذلك حقيقة ~~ذلك العجل فلا شيء مما ذكرتم إلا وهو حقيقة. قال ابن عقيل: فيقال: للقرية ~~ما جمعت واجتمع فيها لا نفس المجتمع؛ فلهذا سمي القرء والأقراء لزمان الحيض ~~أو زمان الطهر والتصرية والمصراة والصراة اسم مجمع اللبن والماء؛ لا لنفس ~~اللبن والماء المجتمع والقاري. الجامع للقري والمقري الجامع للأضياف فأما ~~نفس الأضياف فلا والقافلة لا تسمى عيرا إن لم تكن ذات بهائم مخصوصة؛ فإن ~~المشاة والرجال لا تسمى عيرا فلو كان اسما لمجرد القافلة لكان يقع على ~~الرجال كما يقع على أرباب الدواب؛ فبطل ما قالوه. وقولهم: لو سأل لأجاب ~~الجدار: فمثل ذلك لا يقع بحسب الاختيار ولا يكون معتمدا على وقوعه إلا عند ~~التحدي به فإما أن يقع بالهاجس وعموم الأوقات فلا. # PageV20P476 # وقوله: {ذلك عيسى} يرجع إلى الاسم: فإنهم إذا حملوه على هذا كان مجازا؛ ~~لأن القول الذي هو الاسم ليس بمضاف إليه؛ ولذا نقول: {ما كان لله أن يتخذ ~~من ولد سبحانه} والاسم الذي هو القول ليس بابن مريم وإنما ابن مريم نفس ~~الجسم والروح الذي يقع عليهما الاسم الذي ظهرت على يديه الآيات الخارقة ~~التي جعلوه لأجل ظهورها إلها. وقولهم: المراد نفس ذات العجل لما نسفه: فإذا ~~نسف خرج عن أن يكون عجلا: بل العجل حقيقة الصورة المخصوصة التي خارت وإلا ~~برادة الذهب لا تصل إلا القلوب وغاية ما تصل إلى الأجواف: فإما أن يسبقها ~~الطبع فيحيلها إلى أن تصل إلى القلب فليس كذلك بل سحالة الذهب إذا حصلت في ~~المعدة رسبت بحيث لا ترتقي إلى غير محلها فضلا عن أن تصل إلى القلب؛ ولأن ~~قول العرب: أشربوا: لا يرجع إلى الشرب إنما يرجع إلى الأسباب وهو: الإيساغ ~~وذلك يرجع إلى الحب لا إلى الذوات التي هي الأجسام؛ ولهذا لا يقال: أشربوا ~~في قلوبهم الماء إذ هو مشروب فكيف يقال في العجل على أن إضافته نفسه إلى ~~القلب إضافة له إلى ms6217 محل الحب؟ وقد ورد في الخبر أنهم كانوا يقولون في ~~سحالته إذا تناولوها: هذا أحب إلينا من موسى ومن إله موسى؛ لما نالهم من ~~محبته في قلوبهم. # PageV20P477 # قلت: أما ما ذكروه من القرية؛ فالقرية والنهر ونحو ذلك اسم للحال والمحل ~~فهو اسم يتناول المساكن وسكانها ثم الحكم قد يعود إلى الساكن؛ وقد يعود إلى ~~المساكن؛ وقد يعود إليهما كاسم الإنسان؛ فإنه اسم للروح والجسد؛ وقد يعود ~~الحكم على أحدهما كذلك الكلام اسم للفظ والمعنى وقد يعود الحكم إلى أحدهما. ~~وأما الاشتقاق فهذا الموضع غلط فيه طائفة من العلماء لم يفرقوا بين قرأ ~~بالهمزة وقرى يقري بالياء؛ فإن الذي بمعنى الجمع هو قرى يقري بلا همزة ومنه ~~القرية والقراءة ونحو ذلك ومنه قريت الضيف أقريه أي: جمعته وضممته إليك ~~وقريت الماء في الحوض جمعته وتقريت المياه: تتبعتها وقروت البلاد وقريتها ~~واستقريتها إذا تتبعتها تخرج من بلد إلى بلد ومنه الاستقراء؛ وهو: تتبع ~~الشيء أجمعه وهذا غير قولك: استقرأته القرآن؛ فإن ذاك من المهموز فالقرية ~~هي المكان الذي يجتمع فيه الناس والحكم يعود إلى هذا تارة وإلى هذا أخرى. ~~وأما قرأ بالهمز فمعناه الإظهار والبيان والقرء والقراءة من هذا الباب ومنه ~~قولهم: ما قرأت الناقة سلا جزور قط؛ أي: ما أظهرته وأخرجته من رحمها ~~والقاري: هو الذي يظهر القرآن ويخرجه قال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} ~~ففرق بين الجمع والقرآن # PageV20P478 # والقرء: هو الدم لظهوره وخروجه وكذلك الوقت؛ فإن التوقيت إنما يكون ~~بالأمر الظاهر. ثم الطهر يدخل في اسم القرء تبعا كما يدخل الليل في اسم ~~اليوم {قال النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك} ~~والطهر الذي يتعقبه حيض هو قرء فالقرء اسم للجميع. وأما الطهر المجرد فلا ~~يسمى قرءا؛ ولهذا إذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد بذلك قرءا؛ لأن عليها أن ~~تعتد بثلاثة قروء وإذا طلقت في أثناء طهر كان القرء الحيضة مع ما تقدمها من ~~الطهر؛ ولهذا كان أكابر الصحابة على أن الأقراء الحيض كعمر وعثمان وعلي ms6218 ~~وأبي موسى وغيرهم؛ لأنها مأمورة بتربص ثلاثة قروء؛ فلو كان القرء هو الطهر ~~لكانت العدة قرأين وبعض الثالث فإن النزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة؛ ~~فإن أكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة وصغار الصحابة إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد حلت فقد ثبت بالنص ~~والإجماع أن السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع وقد مضى بعض الطهر والله ~~أمر أن يطلق لاستقبال العدة لا في أثناء العدة وقوله: {ثلاثة قروء} عدد ليس ~~هو كقوله: أشهر؛ فإن ذاك صيغة جمع لا عدد فلا بد من ثلاثة قروء كما أمر ~~الله لا يكفي بعض الثالث. # PageV20P479 # وأما قولك: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} ففيه قراءتان مشهورتان: الرفع ~~والنصب وعلى القراءتين قد قيل: إن المراد بقول الحق: عيسى؛ كما سمي كلمة ~~الله. وقيل: بل المراد هذا الذي ذكرناه قول الحق؛ فيكون خبر مبتدأ محذوف ~~وهذا له نظائر؛ كقوله: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} الآية {وقل الحق من ~~ربكم} أي: هذا الحق من ربكم وإن أريد به عيسى فتسميته قول الحق كتسميته ~~كلمة الله وعلى هذا فيكون خبرا وبدلا. وعلى كل قول فله نظائر فالقول في ~~تسميته مجازا كالقول في نظائره. والأظهر أن المراد به أن هذا القول الذي ~~ذكرناه عن عيسى ابن مريم قول الحق إلا أنه ابن عبد الله يدخل في هذا. ومن ~~قال: المراد بالحق الله؛ والمراد قول الله: فهو وإن كان معنى صحيحا فعادة ~~القرآن إذا أضيف القول إلى الله أن يقال: قول الله لا يقال: قول الحق إلا ~~إذا كان المراد القول الحق كما في قوله: {قوله الحق} وقوله: {والله يقول ~~الحق} وقوله: {فالحق والحق أقول} ثم مثل هذا إذا أضيف فيه الموصوف إلى ~~الصفة كقوله: {وحب الحصيد} وقولهم: صلاة الأولى ودار الآخرة هو عند كثير من # PageV20P480 # نحاة الكوفة وغيرهم إضافة الموصوف إلى صفته بلا حذف وعند كثير من نحاة ~~البصرة أن المضاف إليه محذوف تقديره: صلاة الساعة الأولى والأول أصح ليس ms6219 في ~~اللفظ ما يدل على المحذوف ولا يخطر بالبال وقد جاء في غير موضع كقوله: ~~{الدار الآخرة} وقال: {قوله الحق} . وبالجملة فنظائر هذا في القرآن وكلام ~~العرب كثير وليس في هذا حجة لمن سمى ذلك مجازا إلا كحجته في نظائره فيرجع ~~في ذلك إلى الأصل. ### | قال ابن عقيل: ومن أدلتنا قوله تعالى {بلسان عربي مبين} # وإذا ثبت أنه عربي فلغة العرب مشتملة على الاستعارة والمجاز وهي بعض طرق ~~البيان والفصاحة فلو أخل بذلك لما تمت أقسام الكلام وفصاحته على التمام ~~والكمال وإنما يبين تعجيز القوم إذا طال وجمع من استعارتهم وأمثالهم ~~وصفاتهم ولا نص بجواز الألفاظ إلا إذا طالت؛ ولهذا لا يحصل التحدي بمثل بيت ~~ولا بالآية والآيتين ولهذا جعل حكم القليل منه غير محترم احترام الطويل ~~فسوغ الشرع للجنب والحائض تلاوته كل ذلك لأنه لا إعجاز فيه فإذا أتى ~~بالمجاز والحقيقة وسائر ضروب الكلام وأقسامه ففاق كلامه الجامع المشتمل على ~~تلك الأقسام: كان الإعجاز؛ وظهر التعجيز لهم فهذا يوجب أن يكون في القرآن ~~مجاز. # PageV20P481 # قلت: ما ذكره من أن السورة القصيرة لا إعجاز فيها مما ينازعه أكثر ~~العلماء ويقولون: بل السورة معجزة بل ونازعه بعض الأصحاب في الآية والآيتين ~~قال أبو بكر ابن العماد - شيخ جدي أبي البركات -: قوله إنما جاز للجنب ~~قراءة اليسير من القرآن لأنه لا إعجاز فيه: ما أراه صحيحا؛ لأن الكل محترم ~~وإنما ساغ للجنب قراءة بعض الآية توسعة على المكلف ونظرا في تحصيل المثوبة ~~والحرج مع قيام الحرمة كما سوغ له الصلاة مع يسير الدم مع نجاسته. # قلت: وأما قوله: إن ### | القرآن نزل بلغة العرب: # فحق بل بلسان قريش كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~وقال عمر وعثمان: إن هذا القرآن نزل بلغة هذا الحي من قريش وحينئذ فمن قال: ~~إن الألفاظ التي فيه ليست مجازا ونظيرها من كلام العرب مجاز فقد تناقض لكن ~~الأصحاب الذين قالوا: ليس في القرآن مجاز لم يعرف عنهم أنهم اعترفوا بأن في ~~لغة العرب ms6220 مجازا؛ فلا يلزمهم التناقض. وأيضا فقول القائل: إن في لغة العرب ~~مجازا غير ما يوجد نظيره في القرآن؛ فإن كلام المخلوقين فيه من المبالغة ~~والمجازفة من المدح والهجو والمرائي وغير ذلك ما يصان عنه كلام الحكيم؛ ~~فضلا عن كلام الله: فإذا كان المسمي لا يسمي مجازا إلا ما كان كذلك لم ~~يلزمه أن يسمي # PageV20P482 # ما في القرآن مجازا وهذا لأن تسمية بعض الكلام مجازا إنما هو أمر اصطلاحي ~~ليس أمرا شرعيا ولا لغويا ولا عقليا. ولهذا كان بعضهم يسمي بالمجاز ما ~~استعمل فيما هو مباين لمسماه وما استعمل بعض مسماه لا يسميه مجازا فلا ~~يسمون استعمال العام في بعض معناه مجازا ولا الأمر إذا أريد به الندب مجازا ~~وهو اصطلاح أكثر الفقهاء. وقد لا يقولون: إن ذلك استعمال في غير ما وضع له ~~بناء على أن بعض الجملة لا يسمى غيرا عند الإطلاق فلا يقال: الواحد من ~~العشرة أنه غيرها ولا ليد الإنسان أنها غيره ولأن المجاز عندهم ما احتيج ~~إلى القرينة في إثبات المراد إلا في دفع ما لم يرد والقرينة في الأمر تخرج ~~بعض ما دل عليه اللفظ وتبقي الباقي مدلولا عليه اللفظ بخلاف القرينة في ~~الأسد فإنها تبين أن المراد لا يدخل في لفظ الأسد عند الإطلاق. وإذا كان ~~اصطلاح أكثر الفقهاء التفريق بين الحقيقة والمجاز وآخرون اصطلحوا على أنه ~~متى لم يرد باللفظ جميع معناه فهو مجاز عندهم ثم هؤلاء أكثرهم يفرقون بين ~~القرينة المنفصلة أو المستقلة؛ وبين ما تأصلت باللفظ؛ أو كانت من لفظه؛ أو ~~لم تستقل؛ فلم يجعلوا ذلك مجازا لئلا يلزم أن يكون عامة الكلام مجازا حتى ~~يكون قوله: لا إله إلا الله: مجازا مع العلم بأن المشركين لم يكونوا ~~ينازعون # PageV20P483 # في أن الله إله حق وإنما كانوا يجعلون معه آلهة أخرى فكان النزاع بين ~~الرسول وبينهم في نفي الإلهية عما سوى الله حقيقة إذ لم يستعمل في غير ما ~~وضع له وأن الموضوع الأصل هو النفي وهو نفي الإله مطلقا فهذا المعنى ms6221 لم ~~يعتقده أحد من العرب بل ولا لهم قصد في التعبير عنه ولا وضعوا له لفظا ~~بالقصد الأول إذ كان التعبير هو عما يتصور من المعاني وهذا المعنى لم ~~يتصوروه إلا نافين له يتصوروه مثبتين له ونفي النفي إثبات. فمن قال: إن هذا ~~اللفظ قصدوا به في لغتهم كان أن يبعث الرسول لنفي كل إله وأن هذا هو موضوع ~~اللفظ الذي قصدوه به أولا وقولهم: لا إله إلا الله: استعمال لذلك اللفظ في ~~غير المعنى الذي كان موضوع اللفظ عندهم: فكذبه ظاهر عليهم في حال الشرك ~~فكيف في حال الإيمان؟ . ولا ريب أن جميع التخصيصات المتصلة كالصفة؛ والشرط؛ ~~والغاية؛ والبدل؛ والاستثناء: هو بهذه المنزلة لكن أكثر الألفاظ قد ~~استعملوها تارة مجردة عن هذه التخصيصات وتارة مقرونة بها بخلاف قول: لا إله ~~إلا الله؛ فإنهم لم يعرفوا قط عنهم أنهم استعملوها مجردة عن الاستثناء إذ ~~كان هذا المعنى باطلا عندهم فمن جعل هذا حقيقة في لغتهم ظهر كذبه عليهم وإن ~~فرق بين استثناء واستثناء تناقض وخالف الإجماع؛ وذلك # PageV20P484 # لأنه بني على أصل فاسد متناقض والقول المتناقض إذا طرده صاحبه وألزم ~~صاحبه لوازمه ظهر من فساده وقبحه ما لم يكن ظاهرا قبل ذلك وإن لم يطرده ~~تناقض وظهر فساده فيلزم فساده على التقديرين. ولهذا لا يوجد للقائلين ~~بالمجاز قول ألبتة بل كل أقوالهم متناقضة وحدودهم والعلامات التي ذكروها ~~فاسدة؛ إذ كان أصل قولهم باطلا فابتدعوا في اللغة تقسيما وتعبيرا لا حقيقة ~~له في الخارج بل هو باطل فلا يمكن أن يتصور تصورا مطابقا ولا يعبر عنه ~~بعبارة سديدة؛ بخلاف المعنى المستقيم فإنه يعبر عنه بالقول السديد كما قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} والسديد: الساد ~~الصواب المطابق للحق من غير زيادة ولا نقصان وهو العدل والصدق بخلاف من ~~أراد أن يفرق بين المتماثلين ويجعلهما مختلفين؛ بل متضادين؛ فإن قوله ليس ~~بسديد. وهذا يبسط في موضعه. والمقصود هنا: أن الذين يقولون: ليس في القرآن ~~مجاز أرادوا بذلك أن ms6222 قوله: {واسأل القرية} اسأل الجدران؛ والعير البهائم ~~ونحو ذلك مما نقل عنهم فقد أخطئوا. وإن جعلوا اللفظ المستعمل في معنى في ~~غير القرآن مجازا وفيه ليس بمجاز فقد أخطئوا أيضا. وإن قصدوا أن في غير ~~القرآن من المبالغات والمجازفات والألفاظ التي لا يحتاج إليها ونحو ذلك مما ~~ينزه القرآن عنه فقد أصابوا في ذلك. وإذا قالوا: # PageV20P485 # نحن نسمي تلك الأمور مجازا بخلاف ما استعمل في القرآن ونحوه من كلام ~~العرب: فهذا اصطلاح هم فيه أقرب إلى الصواب ممن جعل أكثر كلام العرب مجازا ~~كما يحكى عن ابن جني أنه قال: قول القائل: خرج زيد: مجاز؛ لأن الفعل يدل ~~على المصدر والمصدر المعرف باللام يستوعب جميع أفراد الخروج فيقتضي ذلك أن ~~زيدا حصل منه جميع أنواع الخروج؛ هذا حقيقة اللفظ: فإن أريد فرد من أفراد ~~الخروج فهو مجاز. فهذا الكلام لا يقوله من يتصور ما يقول وابن جني له فضيلة ~~وذكاء؛ وغوص على المعاني الدقيقة في سر الصناعة والخصائص وإعراب القرآن ~~وغير ذلك؛ فهذا الكلام إن كان لم يقله فهو أشبه بفضيلته وإذا قاله فالفاضل ~~قد يقول ما لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس؛ وذلك أن الفعل إنما يدل على ~~مسمى المصدر وهو الحقيقة المطلقة من غير أن يكون مقيدا بقيد العموم بل ولا ~~بقيد آخر. فإذا قيل: خرج زيد؛ وقام بكر؛ ونحو ذلك: فالفعل دل على أنه وجد ~~منه مسمى خروج؛ ومسمى قيام؛ من غير أن يدل اللفظ على نوع ذلك الخروج ~~والقيام ولا على قدره بل هو صالح لذلك على سبيل البدل لا على سبيل الجمع ~~كقوله: {فتحرير رقبة} فإنه أوجب رقبة واحدة؛ لم يوجب كل رقبة؛ وهي تتناول ~~جميع # PageV20P486 # الرقاب على سبيل البدل فأي رقبة أعتقها أجزأته. كذلك إذا قيل خرج دل على ~~وجود خروج ثم قد يكون قليلا؛ وقد يكون كثيرا وقد يكون راكبا؛ وقد يكون ~~ماشيا؛ ومع هذا فلا يتناول على سبيل البدل إلا خروج يمكن من زيد. وإما أن ~~هذا اللفظ يقتضي عموم ms6223 كل ما يسمى خروج في الوجود لا على سبيل الجمع فهذا لا ~~يقوله القائل إلا إذا فسد تصوره وكان إلى الحيوان أقرب والظن بابن جني أنه ~~لا يقول هذا. ثم هذا المعنى موجود في سائر اللغات فهل يقول عاقل: إن أهل ~~اللغات جميعهم الذين يتكلمون بالجمل الفعلية التي لا بد منهما في كل أمة ~~إنما وضعوا تلك الجملة الفعلية على جميع أنواع ذلك الفعل الموجود في العالم ~~وأن استعمال ذلك في بعض الأفراد عدول باللفظ عما وضع له؟ ولكن هذا مما يدل ~~على فساد أصل القول بالمجاز إذا أفضى إلى أن يقال: في الوجود مثل هذا ~~الهذيان ويجعل ذلك مسألة نزاع توضع في أصول الفقه. فمن قال من نفاة المجاز ~~في القرآن: إنا لا نسمي ما كان في القرآن ونحوه من كلام العرب مجازا وإنما ~~نسمي مجازا ما خرج عن ميزان العدل مثل ما يوجد في كلام الشعراء من المبالغة ~~في المدح والهجو # PageV20P487 # والمراثي والحماسة: فمعلوم أنه إن كان الفرق بين الحقيقة والمجاز اصطلاحا ~~صحيحا فهذا الاصطلاح أولى بالقبول ممن يجعل أكثر الكلام مجازا بل وممن يجعل ~~التخصيص المتصل كله مجازا؛ فيجعل من المجاز قوله: {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا} وقوله: {فتيمموا صعيدا طيبا} وقوله: {فتحرير رقبة ~~مؤمنة} وقوله: {فصيام شهرين متتابعين} وقوله: {فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} وقوله: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} ~~" وقوله: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقوله: {قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون} وقوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} وقوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} وقوله: {ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد} وقوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} ~~وقوله: {فإن كان لكم ولد فلهن الثمن} وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ms6224 ~~وقوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} وقوله: {ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث} وقوله: {ومن يقتل مؤمنا # PageV20P488 # متعمدا} وقوله: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله} وقوله: {أن أعبد الله مخلصا له الدين} وقوله: {ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق} وقوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ~~وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وقوله: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا} وقوله: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} ~~وقوله: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} وقوله: {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} ~~وقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} وأمثال هذا مما لا يعد ~~إلا بكلفة. فمن جعل هذا كله مجازا وأن العرب تستعمل هذا كله وما أشبهه في ~~غير ما وضع اللفظ له أولا: فقوله معلوم الفساد بالضرورة ولزمه أن يكون أكثر ~~الكلام مجازا؛ إذ كان هذا يلزمه في كل لفظ مطلق قيد بقيد والكلام جملتان: ~~اسمية وفعلية والاسمية أصلها المبتدأ والخبر؛ فيلزم إذا وصف المبتدأ والخبر ~~أو استثني منه أو قيد بحال كان مجازا. ويلزمه إذا دخل عليه كان وأخواتها ~~وإن وأخواتها وظننت وأخواتها فغيرت معناه وإعرابه أن يصير مجازا: فإن دخول ~~القيد عليه تارة يكون في أول الكلام؛ وتارة في وسطه: وتارة في آخره # PageV20P489 # لا سيما باب ظننت؛ فإنهم يقولون: زيد منطلق وزيدا منطلقا ظننت؛ ولهذا عند ~~التقديم يجب الإعمال وفي التوسط يجوز الإلغاء؛ وفي التأخر يحسن مع جواز ~~الإعمال؛ فإنه إذا قدم المفعول ضعف العمل؛ ولهذا يقوونه بدخول حرف الجر؛ ~~كما يقوونه في اسم الفاعل لكونه أضعف من الفعل كقوله: {لربهم يرهبون} ~~وقوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} وقوله: {وإنهم لنا لغائظون} . ويلزمه في ~~الجملة الفعلية إذا قيدت بمصدر موصوف أو معدود أو نوع من المصدر أن يكون ~~مجازا كقوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} وقوله: {وينصرك الله نصرا عزيزا.} ms6225 ~~وكذلك ظرف المكان والزمان وكذلك سائر ما يقيد به الفعل من حروف الجر كقوله: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وقوله: {على هدى من ربهم} وقوله: {وأن الذين ~~آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} وقوله: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق} . # ومما ينبغي أن يعرف أن ابن عقيل مع مبالغته هنا في الرد على من يقول: ليس ~~في القرآن مجاز: فهو في موضع آخر ينصر أنه ليس في اللغة مجاز؛ لا في القرآن ~~ولا غيره وذكر ذلك في مناظرة جرت # PageV20P490 # له مع بعض أصحابه الحنبليين الذين قالوا بالمجاز فقال في فنونه: جرت ~~مسألة هل في اللغة مجاز؟ فاستدل حنبلي أن فيها مجازا بأنا وجدنا أن من ~~الأسماء ما يحصل نفيه وهو تسمية الرجل المقدام أسدا؛ والعالم والكريم ~~الواسع العطاء والجود بحرا. . . (1) فنقول فيه: ليس ببحر ولا بأسد ولا يحسن ~~أن نقول في السبع المخصوص والبحر ليس بأسد ولا بحر فعلم أن الذي حسن نفي ~~الاسم عنه أنه مستعار كما نقول في المستعير لمال غيره: ليس بمالك له ولا ~~يحسن أن نقول في المالك ليس بمالك له. قال: اعترض عليه معترض أصولي حنبلي ~~فقال: الذي عولت عليه لا أسلمه ولا تعويل على الصورة بل على المخصصة؛ فإن ~~قولنا: حيوان: يشمل السبع والإنسان فإذا قلنا: سبع وأسد: كان هذا لما فيه ~~من الإقدام والهواش والتفخم للصيال وذلك موجود في صورة الإنسان وصورة السبع ~~والاتفاق واقع في الحقيقة؛ كسواد الحبر وسواد القار جميعا لا يختلفان في ~~اسم السواد بالمعنى وهي الحقيقة التي هي هبة تجمع البصر اتساع الحدقة فكذلك ~~اتساع الجود والعلم واتساع الماء جميعا يجمعه الاتساع فيسمى كل واحد منهما ~~بحرا للمعنى الذي جمعهما وهو حقيقة الاتساع؛ ولأنه لا يجوز أن يدعي ~~الاستعارة لأحدهما إلا إذا ثبت سبق التسمية لأحدهما؛ ولا سيما على أصل من ~~يقول: إن الكلام PageV20P491 # قديم؛ والقديم لا يسبق بعضه بعضا؛ فإن السابق والمسبوق من صفات بعضه ~~الحادث من الزمان. قلت: فقد جعل هذا اللفظ متواطئا دالا على القدر ms6226 المشترك ~~كسائر الأسماء المتواطئة ولكنه يختص في كل موضع بقدر متميز لما امتاز به من ~~القرينة كما في ما مثله به من السواد وهذا بعينه. يرد عليه فيما احتج به ~~للمجاز. # قال: ومن أدلة المجاز ما زعم المستدلون له من أجود الاستدلال على النفاة ~~وهو قوله تعالى {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} ~~وقوله تعالى {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} والصلوات في لغة ~~العرب: إما الأدعية وإما الأفعال المخصوصة وكلاهما لا يوصف بالتهدم والجماد ~~لا يتصف بالإرادة. فإن قيل: كان من لغة العرب تسمية المصلى صلاة وقد ورد في ~~التفسير: {وأن المساجد لله} أعضاء السجود. والجدار وإن لم يكن له إرادة ~~لكنه لا يستحيل من الله فعل الإرادة فيه من غير إحداث أبنية مخصوصة. فيقال: ~~هذا دعوى عن الوضع: إذ لا يعلم أن الصلاة في الأصل # PageV20P492 # إلا الدعاء وزيد في الشرع أو نقل إلى الأفعال المخصوصة فأما الأبنية فلا ~~يعلم ذلك من نقل عن العرب وإن سميت صلوات فإنما هو استعارة؛ لأنها مواضع ~~الصلوات. ولو خلق الله في الجدار إرادة لم يكن بها مريدا كما لو خلق فيه ~~كلاما لم يكن به متكلما. وأما قوله: إن كلمة الله المراد بها عيسى نفسه: ~~فلا ريب أن المصدر يعبر به عن المفعول به في لغة العرب كقولهم: هذا درهم ~~ضرب الأمير. ومنه قوله: {هذا خلق الله} ومنه تسمية المأمور به أمرا ~~والمقدور قدرة والمرحوم به رحمة والمخلوق بالكلمة كلمة لكن هذا اللفظ إنما ~~يستعمل مع ما يقترن به مما يبين المراد كقوله: {يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين} فبين أن الكلمة هو المسيح. ومعلوم أن المسيح نفسه ليس هو الكلام ~~{قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} فبين لما تعجبت من الولد أنه سبحانه يخلق ~~ما يشاء؛ إذا ms6227 قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فدل ذلك على أن هذا الولد ~~مما يخلقه الله بقوله: {كن فيكون} ولهذا قال أحمد بن حنبل: عيسى مخلوق ~~بالكن؛ ليس هو نفس الكن # PageV20P493 # ولهذا قال في الآية الأخرى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون} فقد بين مراده أنه خلق بكن لا أنه نفس كن ونحوها من ~~الكلام. وكذلك قوله: {الحج أشهر معلومات} قد علم أنه لم يرد أن الأفعال ~~أزمنة وإنما أراد الخبر عن زمان الحج ولهذا قال بعدها. {فمن فرض فيهن الحج} ~~والحج المفروض فيهن ليس هو الأشهر؛ فعلم أن قوله: {أشهر} لم يرد به نفس ~~الفعل بل بين مراده بكلامه لما بين أن اللفظ لا يدل على أن الأفعال أزمنة. ~~وكذلك قوله: {ولكن البر من اتقى} لما قال: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى} دل الكلام على أن مراده ولكن البر هو التقوى فلا ~~يوجد مثل هذا الاستعمال إلا مع ما يبين المراد وحينئذ فهو مستعمل مع قيد ~~يبين المراد هنا؛ كما هو مستعمل في موضع آخر مع قيد يبين المراد هناك وبين ~~المعنيين اشتراك وبينهما امتياز بمنزلة ### | الأسماء المترادفة والمتباينة # كلفظ الصارم والمهند والسيف؛ فإنها تشترك في دلالتها على الذات فهي من ~~هذا الوجه كالمتواطئة ويمتاز كل منها بدلالته على معنى خاص فتشبه ~~المتباينة. وأسماء الله وأسماء رسوله وكتابه من هذا الباب. # PageV20P494 # وكذلك ما يعرف باللام لام العهد ينصرف في كل موضع إلى ما يعرفه المخاطب ~~إما بعرف متقدم؛ وإما باللفظ المتقدم؛ وإن كان غير هذا المراد ليس هو ذاك ~~لكن بينهما قدر مشترك وقدر فارق كقوله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى فرعون الرسول} وقال تعالى ~~{لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} ففي الموضعين لفظ الرسول ~~ولام التعريف لكن المعهود المعروف هناك هو رسول فرعون وهو موسى عليه السلام ~~والمعروف المعهود هنا عند المخاطبين بقوله: ms6228 {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم} ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم وكلاهما حقيقة والاسم متواطئ وهو معرف باللام ~~في الموضعين لكن العهد في أحد الموضعين غير العهد في الموضع الآخر وهذا أحد ~~الأسباب التي بها يدل اللفظ: فإن لام التعريف لا تدل إلا مع معرفة المخاطب ~~بالمعهود المعروف. وكذلك اسم الإشارة؛ كقوله: هذا وهؤلاء وأولئك: إنما يدل ~~في كل موضع على المشار إليه هناك فلا بد من دلالة حالية أو لفظية تبين أن ~~المشار إليه غير لفظ الإشارة فتلك الدلالة لا يحصل المقصود إلا بها وبلفظ ~~الإشارة كما أن لام التعريف لا يحصل المقصود إلا بها # PageV20P495 # وبالمعهود ومثل هذه الدلالة لا يقال: إنها مجاز وإلا لزم أن تكون دلالة ~~أسماء الإشارة بل والضمائر ولام العهد وغير ذلك مجازا وهذا لا يقوله عاقل ~~وإن قاله جاهل دل على أنه لم يعرف دلالة الألفاظ وظن أن الحقائق تدل بدون ~~هذه الأمور التي لا بد منها في دلالة اللفظ بل لا يدل شيء من الألفاظ إلا ~~مقرونا بغيره من الألفاظ وبحال المتكلم الذي يعرف عادته بمثل ذلك الكلام ~~وإلا فنفس استماع اللفظ بدون المعرفة للمتكلم وعادته لا يدل على شيء؛ إذا ~~كانت دلالتها دلالة قصدية إرادية تدل على مما أراد المتكلم أن يدل بها عليه ~~لا تدل بذاتها. فلا بد أن تعرف ما يجب أن يريده المتكلم بها؛ ولهذا لا يعلم ~~بالسمع؛ بل بالعقل مع السمع. ولهذا كانت دلالة الألفاظ على معانيها سمعية ~~عقلية تسمى الفقه؛ ولهذا يقال لمن عرفها: هو يفقه ولمن لم يعرفها: لا يفقه. ~~قال تعالى {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} وقال تعالى: {وجد من ~~دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا} وقال: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم} . # PageV20P496 # ولهذا كان المقصود من أصول الفقه: أن يفقه مراد الله ورسوله بالكتاب ~~والسنة. تم بحمد الله وتوفيقه لا إله إلا هو وصلى الله على نبيه وحبيبه ~~وأفضل خلقه محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم ms6229 الدين وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. # PageV20P497 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في أصول العلم والدين # قال الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} إلى قوله: {ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} وقال تعالى: ~~{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} . وفي التشهد: {التحيات لله والصلوات والطيبات السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين} ~~وهذه الأصول التي أمر بها عمر بن الخطاب لشريح حيث قال: اقض بما في كتاب ~~الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس ~~وفي رواية فبما قضى به الصالحون. وكذلك قال ابن مسعود: من سئل عن شيء فليفت ~~بما في كتاب # PageV20P498 # الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن فبما اجتمع عليه ~~الناس. وكذلك روي نحوه عن ابن عباس وغيره ولذلك قال العلماء: الكتاب والسنة ~~والإجماع وذلك أنه أوجب طاعتهم إذا لم يكن نزاع ولم يأمر بالرد إلى الله ~~والرسول إلا إذا كان نزاع. فدل من وجهين من جهة وجوب طاعتهم ومن جهة أن ~~الرد إلى الكتاب والسنة إنما وجب عند النزاع؛ فعلم أنه عند عدم النزاع لا ~~يجب وإن جاز لأن اتفاقهم دليل على موافقة الكتاب والسنة. وأمر بموالاتهم ~~والموالاة تقتضي الموافقة والمتابعة كما أن المعاداة تقتضي المخالفة ~~والمجانبة فمن وافقته مطلقا فقد واليته مطلقا ومن وافقته في غالب الأمور ~~فقد واليته في غالبها ومورد النزاع لم تواله فيه وإن لم تعاده. فأما الأمر ~~باتباع الكتاب والسنة فكثير جدا كقوله: " {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ~~{فاتبعوه واتقوا} {واتبعوا النور الذي أنزل معه} و {يتبعون الرسول النبي ~~الأمي} {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله} {فلا وربك لا يؤمنون} الآية {فردوه إلى الله والرسول} {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه} {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} # PageV20P499 # {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} {فليحذر ms6230 الذين يخالفون عن أمره} . وهذا كثير. ~~وأما السلف فآيات أحدها: ما تقدم مثل قوله: {وأولي الأمر} وقوله: {فإن ~~تنازعتم} وقوله: {والمؤمنين} وقوله {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ولو خرج ~~المؤمنون عن الحق والهدى لما كانت لهم العزة إذ ذاك من تلك الجهة؛ لأن ~~الباطل والضلال ليس من الإيمان الذي يستحق به العزة والعزة مشروطة بالإيمان ~~لقوله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . ومنها قوله: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} أمر بسؤاله الهداية إلى صراطهم؛ وقال: {فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم} الآية وفيها الدلالة. ومنها قوله: {واتبع سبيل من أناب إلي} والسلف ~~المؤمنون منيبون أي فيجب اتباع سبيلهم. ومنها قوله: {اتبعوا من لا يسألكم ~~أجرا وهم مهتدون} والسلف كذلك. ومنها قوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ومن ~~خرج عن إجماعهم # PageV20P500 # فقد اتبع غير سبيلهم. ومنها قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وقوله: {ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس} وقال قوم عيسى: {فاكتبنا مع الشاهدين} في آل ~~عمران والمائدة لأن لنا الشهادة ولهم العبادة بلا شهادة والأمة الوسط العدل ~~الخيار والشهداء على الناس لا بد أن يكونوا عالمين عادلين كالرسول؛ ولهذا ~~{قال في الجنازة وجبت وجبت وقال: أنتم شهداء الله في الأرض} وقال: {توشكوا ~~أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار بالثناء الحسن والثناء السيئ} فعلم أن ~~شهادتهم مقبولة فيما يشهدون عليه من الأشخاص والأفعال؛ ولو كانوا قد يشهدون ~~بما ليس بحق لم يكونوا شهداء مطلقا. ومنها قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} وفيها أدلة مثل قوله: ~~{خير أمة} ومثل قوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فلا بد أن يأمروا ~~بكل معروف وينهوا عن كل منكر والصواب في الأحكام معروف والخطأ منكر. # PageV20P501 # ومنها قوله: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ومنها قول الخليل {رب هب لي ~~حكما وألحقني بالصالحين} وقول يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ومنها ~~قوله: {والسابقون ms6231 الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه} والرضوان لا يكون مع اتفاقهم وإصرارهم على ذنب أو خطأ ~~فإن ذلك مقتضاه العفو. ومنها قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا} وقوله: {وسلام على عباده الذين اصطفى} فإنه يدل من وجهين من جهة أن ~~الاصطفاء يقتضي التصفية وذلك لا يكون مع الاتفاق والإصرار على الذنب ~~والخطأ. والثاني التسليم عليهم وذلك يقتضي سلامتهم من العيوب كما سلم على ~~المرسلين وعلى نوح وعلى المسيح. ومنها قوله {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} ومنها قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه} فإنه يدل على أنه هدى في كل شيء وقوله: {الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} فإنه يقتضي إخراجهم من كل ظلمة. # PageV20P502 # ومنها قوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} ~~وقوله: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} . ~~ومنها قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} . وما كان نحوها من ~~الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة. # PageV20P503 # وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس لما ثبت ~~بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان حكما مجمعا عليه فمن ذلك قولهم: ~~تطهير الماء إذا وقع فيه نجاسة خلاف القياس (*) بل وتطهير النجاسة على خلاف ~~القياس والتوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس والفطر بالحجامة على خلاف ~~القياس والسلم على خلاف القياس والإجارة والحوالة والكتابة والمضاربة ~~والمزارعة والمساقاة والقرض وصحة صوم المفطر ناسيا والمضي في الحج الفاسد ~~كل ذلك على خلاف القياس وغير ذلك من الأحكام: فهل هذا القول صواب أم لا؟ ~~وهل يعارض القياس الصحيح النص أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه ### | القياس الصحيح والقياس الفاسد. # فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين PageV20P504 # المتماثلين ms6232 والفرق بين المختلفين الأول قياس الطرد والثاني قياس العكس ~~وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله. فالقياس الصحيح مثل أن يكون العلة ~~التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع ~~حكمها ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط. وكذلك القياس بإلغاء ~~الفارق وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس لا ~~تأتي الشريعة بخلافه. وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به ~~نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته ~~لغيره لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط ~~القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا ~~للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح ~~الثابت في نفس الأمر. وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعا أنه ~~قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها ~~بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا ~~صحيحا لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد وإن كان من الناس من لا يعلم فساده. # PageV20P505 # ونحن نبين أمثلة ذلك مما ذكر في السؤال فالذين قالوا: المضاربة والمساقاة ~~والمزارعة على خلاف القياس: ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل ~~بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل في هذه ~~العقود غير معلوم والربح فيها غير معلوم قالوا: تخالف القياس وهذا من ~~غلطهم؛ فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي ~~يشترط فيها العلم بالعوضين والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وإن قيل إن ~~فيها شوب المعاوضة. # وكذلك ### | المقاسمة # جنس غير جنس المعاوضة الخاصة وإن كان فيها شوب معاوضة حتى ظن بعض الفقهاء ~~أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص. # وإيضاح هذا: أن ### | العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع: # أحدها: ms6233 أن يكون العمل مقصودا معلوما؛ مقدورا على تسليمه. فهذه الإجارة ~~اللازمة. # والثاني: أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة وهي: عقد ~~جائز ليس بلازم فإذا قال: من رد عبدي الآبق فله مائة فقد يقدر على رده وقد ~~لا يقدر وقد يرده من مكان قريب وقد # PageV20P506 # يرده من مكان بعيد؛ فلهذا لم تكن لازمة لكن هي جائزة فإن عمل هذا العمل ~~استحق الجعل وإلا فلا ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل جزءا شائعا؛ ~~ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم مثل أن يقول أمير الغزو: من دل على حصن فله ~~ثلث ما فيه " ويقول للسرية التي يسريها: لك خمس ما تغنمين أو ربعه. وقد ### | تنازع العلماء في سلب القاتل: # هل هو مستحق بالشرع؟ كقول الشافعي أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك؟ على ~~قولين هما روايتان عن أحمد فمن جعله مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب. ومن ~~هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز كما أخذ أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي فرقاه بعضهم حتى ~~برئ فأخذوا القطيع؛ فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة. ولو استأجر ~~طبيبا إجارة لازمة على الشفاء لم يجز؛ لأن الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه ~~الله وقد لا يشفيه فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة. ~~وأما النوع الثالث: فهو ما لا يقصد فيه العمل؛ بل المقصود المال وهو ~~المضاربة فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر ~~قصد في عمل العامل؛ ولهذا لو عمل # PageV20P507 # ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء وإن سمي هذا جعالة بجزء مما يحصل ~~بالعمل كان نزاعا لفظيا بل هذه مشاركة هذا بنفع بدنه وهذا بنفع ماله وما ~~قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة؛ ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما ~~بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة. وهذا هو الذي نهى ~~عنه ms6234 صلى الله عليه وسلم من المزارعة فإنهم كانوا يشرطون لرب المال زرع بقعة ~~بعينها وهو ما ينبت على الماذيانات وإقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك. ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إن الذي نهى عنه صلى ~~الله عليه وسلم هو أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا ~~يجوز؛ أو كان قال. فبين أن النهي عن ذلك موجب القياس فإن مثل هذا لو شرط في ~~المضاربة لم يجز؛ لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص ~~أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء ~~شائع فإنهما يشتركان في المغنم وفي المغرم فإن حصل ربح اشتركا في المغنم ~~وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا ~~ولهذا كانت الوضيعة على المال لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع العامل. # PageV20P508 # ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل لا أجرة المثل ~~فيعطى العامل ما جرت به العادة أن يعطاه مثله من الربح: إما نصفه وإما ثلثه ~~وإما ثلثاه. فإما أن يعطي شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطي في ~~الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله. وسبب الغلط ظنه أن هذا إجارة فأعطاه ~~في فاسدها عوض المثل كما يعطيه في المسمى الصحيح. ومما يبين غلط هذا القول ~~أن العامل قد يعمل عشر سنين فلو أعطي أجرة المثل لأعطي أضعاف رأس المال وهو ~~في الصحيحة لا يستحق إلا جزءا من الربح إن كان هناك ربح فكيف يستحق في ~~الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة؟ وكذلك الذين أبطلوا المزارعة ~~والمساقاة ظنوا أنها إجارة بعوض مجهول فأبطلوها وبعضهم صحح منها ما تدعو ~~إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه تمكن ~~إجارتها. وجوزوا من المزارعة ما يكون تبعا للمساقاة إما مطلقا؛ وإما إذا ~~كان البياض الثلث. وهذا كله بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة وإنما ms6235 ~~جوزت للحاجة. ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والقمار من ~~الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة؛ فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع ~~بالزرع النابت في الأرض فإذا وجب عليه الأجرة ومقصوده من # PageV20P509 # الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المتعاوضين على مقصوده ~~دون الآخر. وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا ~~في الحرمان فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر فهذا أقرب إلى العدل ~~وأبعد عن الظلم من الإجارة. والأصل في العقود جميعها هو العدل؛ فإنه بعثت ~~به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} والشارع نهى عن الربا لما فيه من ~~الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا وكلاهما ~~أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات: ~~كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع ~~المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك: هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر ~~فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يكريه الدار بما يكسبه المكتري في حانوته ~~من المال هو من الميسر فهذا لا يجوز. وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة ~~فليس فيها شيء من الميسر بل هو من أقوم العدل. وهذا مما يبين لك أن ~~المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل # PageV20P510 # أحق بالجواز من المزارعة التي يكون فيها من رب الأرض ولهذا كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يزارعون على هذا الوجه وكذلك عامل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من ~~أموالهم. والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة ~~فقالوا في المضاربة: المال من واحد والعمل من آخر وكذلك ينبغي أن يكون في ~~المزارعة وجعلوا البذر من رب المال كالأرض. وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة ~~ولأقوال الصحابة فهو من أفسد القياس؛ وذلك ms6236 أن المال في المضاربة يرجع إلى ~~صاحبه ويقتسمان الربح فهو نظير الأرض في المزارعة وأما البذر الذي لا يعود ~~نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من ~~إلحاقه بالأصل الباقي فالعاقد إذا أخرج البذر ذهب عمله وبذره ورب الأرض ذهب ~~نفع أرضه وبذر هذا كأرض هذا فمن جعل البذر كالمال كان ينبغي له أن يعيد مثل ~~البذر إلى صاحبه كما قال مثل ذلك في المضاربة فكيف ولو اشترط رب البذر نظير ~~عود بذره إليه لم يجوزوا ذلك. # PageV20P511 # وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وإنما الغرض التنبيه على جنس قول القائل: ~~هذا يخالف القياس. # فصل: # وأما " الحوالة " فمن قال: تخالف القياس قال: إنها بيع دين بدين وذلك لا ~~يجوز وهذا غلط من وجهين: أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا ~~إجماع. وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ والكالئ هو المؤخر الذي لم ~~يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض وهذا كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما ~~مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ. وأما بيع الدين بالدين ~~فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرناه وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط ~~بواجب. وهذا فيه نزاع. الوجه الثاني: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من ~~جنس البيع. فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا ~~أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل ~~ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV20P512 # الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح: {مطل الغني ظلم وإذا أتبع ~~أحدكم على مليء فليتبع} فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظالم ~~إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء وهذا كقوله تعالى: ~~{فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} أمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر ~~المدين أن يؤدي بإحسان. ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب ~~المعاوضة وقد ظن بعض ms6237 الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن ~~الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمته للمدين مثله يتقاص ما عليه بماله وهذا ~~تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا: بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ~~ولا حاجة أن نقدر في ذمة المستوفي دينا وأولئك قصدوا أن يكون وفاء الدين ~~بدين وهذا لا حاجة إليه بل الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس ~~المعين فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة وأي ~~معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق. # PageV20P513 # فصل: # ومن قال: القرض خلاف القياس قال: لأنه بيع ربوي بجنسه من غير قبض. وهذا ~~غلط فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية ولهذا {سماه النبي صلى الله ~~عليه وسلم منيحة فقال: أو منيحة ذهب أو منيحة ورق} وباب العارية أصله أن ~~يعطيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده إليه فتارة ينتفع بالمنافع ~~كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها وتارة يعيره ~~شجرة ليأكل ثمرها ثم يعيدها فإن اللبن والثمر يستخلف شيئا بعد شيء بمنزلة ~~المنافع ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع والمقرض يقرضه ما يقرضه ~~لينتفع به ثم يعيد له بمثله فإن إعادة المثل تقوم مقام إعادة العين ولهذا ~~نهي أن يشترط زيادة على المثل كما لو شرط في العارية أن يرد مع الأصل غيره. ~~وليس هذا من باب البيع فإن عاقلا لا يبيع درهما بمثله من كل وجه إلى أجل ~~ولا يباع الشيء بجنسه إلى أجل إلا مع اختلاف الصفة أو القدر كما يباع نقد ~~بنقد آخر وصحيح بمكسور ونحو ذلك # PageV20P514 # ولكن قد يكون في القرض منفعة للمقرض كما في مسألة السفتجة ولهذا كرهها من ~~كرهها والصحيح أنها لا تكره لأن المقترض ينتفع بها أيضا ففيها منفعة لهما ~~جميعا إذا أقرضه. # فصل: # وأما قول من يقول: إزالة النجاسة على خلاف القياس والنكاح على خلاف ~~القياس ونحو ذلك: فهو من أفسد الأقوال وشبهتهم أنهم يقولون: ms6238 الإنسان شريف ~~والنكاح فيه ابتذال المرأة وشرف الإنسان ينافي الابتذال. وهذا غلط فإن ~~النكاح من مصلحة شخص المرأة ونوع الإنسان والقدر الذي فيه من كون الذكر ~~يقوم على الأنثى هو من الحكمة التي بها تتم مصلحة جنس الحيوان فضلا عن نوع ~~الإنسان ومثل هذا الابتذال لا ينافي الإنسانية كما لا ينافيها أن يتغوط ~~الإنسان إذا احتاج إلى ذلك وأن يأكل ويشرب وإن كان الاستغناء عن ذلك أكمل ~~بل ما احتاج إليه الإنسان وحصلت له به مصلحته فإنه لا يجوز أن يمنع منه ~~والمرأة محتاجة إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها فكيف يقال: القياس يقتضي ~~منعها أن تتزوج؟ وكذلك إزالة النجاسة فإن شبهة من قال: إنها تخالف القياس ~~أن # PageV20P515 # الماء إذا لاقاها نجس الماء ثم إذا صب ماء آخر لاقى الأول. وهلم جرا ~~قالوا: فكان القياس أنها تنجس المياه المتلاحقة والنجس لا يزيل النجس. وهذا ~~غلط فإنه يقال لم قلتم القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى النجاسة نجس؟ فإن ~~قلتم: لأنه في بعض الصور كذلك. قيل: الحكم في الأصل ممنوع عند من يقول: ~~الماء لا ينجس إلا بالتغير ومن سلم الأصل قال ليس جعل الإزالة مخالفة ~~للقياس بأولى من جعل تنجس الماء مخالفا للقياس بأن يقال: القياس يقتضي أن ~~الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس فهذا ~~القياس أصح من ذلك لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع وأما تنجس الماء ~~بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مواقع النزاع حجة على مواقع الإجماع ~~والقياس أن يقاس موارد النزاع على مواقع الإجماع. ثم يقال: الذي يقتضيه ~~المعقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس؛ فإنه باق على أصل خلقه وهو ~~طيب داخل في قوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} وهذا هو ~~القياس في المائعات جميعها إذا وقعت فيها نجاسة فاستحالت حتى لم يظهر طعمها # PageV20P516 # ولا لونها ولا ريحها أن لا تنجس فقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي ~~نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه ms6239 الدليل أو القياس يقتضي أنه لا ~~ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين والأول قول أهل العراق والثاني قول أهل ~~الحجاز. وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا؛ ومنهم من يختار هذا وهم أهل ~~الحجاز وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول؛ فإن الله أباح ~~الطيبات وحرم الخبائث والطيب والخبث باعتبار صفات قائمة بالشيء فما دام على ~~حاله فهو طيب فلا وجه لتحريمه؛ ولهذا لو وقعت قطرة خمر في جب لم يجلد ~~شاربه. والذين يسلمون أن القياس نجاسة الماء بالملاقاة فرقوا بين ملاقاته ~~في الإزالة وبين غيرها بفروق. منهم من قال: الماء هاهنا وارد على النجاسة ~~وهناك وردت النجاسة عليه وهذا ضعيف؛ فإنه لو صب ماء في جب نجس ينجس عندهم. ~~ومنهم من قال: الماء إذا كان في مورد التطهير لإزالة الخبث أو الحدث لم ~~يثبت له حكم النجاسة ولا الاستعمال إلا إذا انفصل وأما قبل الانفصال فلا ~~يكون مستعملا ولا نجسا. وهذا حكاية مذهب ليس فيه حجة. # PageV20P517 # ومنهم من قال: الماء في حال الإزالة جار والماء الجاري لا ينجس إلا ~~بالتغير. وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وهو أنص الروايتين عن أحمد وهو القول ~~القديم للشافعي ولكن إزالة النجاسة تارة تكون بالجريان وتارة تكون بدونه ~~كما لو صب الماء على الثوب في الطست. فالصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ~~ينجس إلا بالتغير والنجاسة لا تزول به حتى يكون غير متغير وأما في حال ~~تغيره فهو نجس لكن تخفف به النجاسة وأما الإزالة فإنما تحصل بالماء الذي ~~ليس بمتغير. وهذا القياس في الماء هو القياس في المائعات كلها أنها لا تنجس ~~إذا استحالت النجاسة فيها ولم يبق لها فيها أثر؛ فإنها حينئذ من الطيبات لا ~~من الخبائث. وهذا القياس هو القياس في قليل الماء وكثيره؛ وقليل المائع ~~وكثيره فإن قام دليل شرعي على نجاسة شيء من ذلك فلا نقول: إنه خلاف القياس ~~بل نقول: دل ذلك على أن النجاسة ما استحالت. ولهذا كان أظهر الأقوال في ~~المياه مذهب أهل المدينة والبصرة: ms6240 أنه لا ينجس إلا بالتغير وهو إحدى ~~الروايات عن الإمام أحمد نصرها طائفة من أصحابه كالإمام أبي الوفاء بن ~~عقيل؛ وأبي محمد بن المني. # PageV20P518 # وكذلك الماء المستعمل في طهارة الحدث باق على طهوريته وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الماء لا ينجس} فلا يصير الماء جنبا ولا ~~يتعدى إليه حكم الجنابة ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن البول في الماء ~~الدائم أو عن الاغتسال فيه لا يدل على أنه يصير نجسا بذلك بل قد نهى عنه ~~لما يفضي إليه البول بعد البول من إفساده أو لما يؤدي إلى الوسواس كما {نهى ~~عن بول الرجل في مستحمه وقال: عامة الوسواس منه} ونهيه عن الاغتسال قد جاء ~~فيه أنه نهى - عن الاغتسال فيه بعد البول وهذا يشبه نهيه عن بول الإنسان في ~~مستحمه. وقد ثبت في الصحيح عنه {صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن فأرة وقعت ~~في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم} والتفريق المروي فيه: " إن كان ~~جامدا فألقوها وما حولها؛ وإن كان مائعا فلا تقربوه " غلط كما بينه البخاري ~~والترمذي وغيرهما وهو من غلط معمر فيه وابن عباس راويه أفتى فيما إذا ماتت ~~أن تلقى وما حولها ويؤكل فقيل لهما: إنها قد دارت فيه فقال: إنما ذاك لما ~~كانت حية؛ فلما ماتت استقرت. رواه أحمد في مسائل ابنه صالح. وكذلك الزهري ~~راوي الحديث أفتى في الجامد والمائع القليل والكثير؛ سمنا كان أو زيتا؛ أو ~~غير ذلك: بأن تلقى وما قرب منها ويؤكل الباقي؛ # PageV20P519 # واحتج بالحديث فكيف قد يكون روى فيه الفرق؟ وحديث القلتين إن صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك أيضا فإن قوله: {إذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل الخبث وفي اللفظ الآخر: لم ينجسه شيء} يدل على أن الموجب لنجاسته كون ~~الخبث فيه محمولا فمتى كان مستهلكا فيه لم يكن محمولا فمنطوق الحديث ~~وتعليله لم يدل على ذلك. وأما تخصيص القلتين بالذكر فإنهم سألوه عن الماء ~~يكون بأرض الفلاة؛ ms6241 وما ينوبه من السباع والدواب؛ وذلك الماء الكثير في ~~العادة فبين صلى الله عليه وسلم أن مثل ذلك لا يكون فيه خبث في العادة ~~بخلاف القليل فإنه قد يحمل الخبث وقد لا يحمله؛ فإن الكثيرة تعين على إحالة ~~الخبث إلى طبعه؛ والمفهوم لا يجب فيه العموم فليس إذا كان القلتان لا تحمل ~~الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقا على أن التخصيص وقع جوابا لأناس سألوه ~~عن مياه معينة؛ فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان ~~كثير ولا يلزم أن لا يكون الكثير إلا قلتين وإلا فلو كان هذا حدا فاصلا بين ~~الحلال والحرام لذكره ابتداء ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة كنصاب الذهب ~~والمعشرات ونحو ذلك والماء الذي تقع فيه النجاسة لا يعلم كيله إلا خرصا؛ ~~ولا يمكن كيله في العادة فكيف يفصل بين # PageV20P520 # الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الأوقات وقد ~~أطلق في غير حديث قوله: {الماء طهور لا ينجسه شيء} و {الماء لا يجنب} ولم ~~يقدره مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ومنطوق هذا الحديث يوافق ~~تلك ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب ~~التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم وهذا لا يعلم هنا. وحديث الأمر بإراقة ~~الإناء من ولوغ الكلب؛ لأن الآنية التي يلغ فيها الكلب في العادة صغيرة ~~ولعابه لزج يبقى في الماء ويتصل بالإناء فيراق الماء ويغسل الإناء من ريقه ~~الذي لم يستحل بعد بخلاف ما إذا ولغ في إناء كبير وقد نقل حرب عن أحمد في ~~كلب ولغ في جب كبير فيه زيت فأمره بأكله. وبسط هذه المسائل له موضع آخر ~~وإنما المقصود التنبيه على مخالفة القياس وموافقته. # فصل: # وقول القائل: إن تطهير الماء على خلاف القياس هو بناء على هذا الأصل ~~الفاسد وإلا فمن كان من أصله أن القياس أن الماء لا # PageV20P521 # ينجس إلا بالتغير فالقياس عنده تطهيره؛ فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال ~~بزوالها وإذا كانت ms6242 العلة التغير فإذا زال التغير زالت النجاسة كما أن العلة ~~لما كانت في الخمر الشدة المضطربة فإذا زالت طهرت. كيف والنجاسة في الماء ~~واردة عليه كنجاسة الأرض؟ ولكن قد يقال: هذا مبني على " مسألة الاستحالة " ~~وفيها نزاع مشهور ففي مذهب مالك وأحمد قولان ومذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر ~~أنها تطهر بالاستحالة ومذهب الشافعي لا تطهر بالاستحالة. وقول القائل: إنها ~~تطهر بالاستحالة أصح فإن النجاسة إذا صارت ملحا أو رمادا فقد تبدلت الحقيقة ~~وتبدل الاسم والصفة فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير لا ~~تتناول الملح والرماد والتراب لا لفظا ولا معنى والمعنى الذي لأجله كانت ~~تلك الأعيان خبيثة معدوم في هذه الأعيان فلا وجه للقول بأنها خبيثة نجسة. ~~والذين فرقوا بين ذلك وبين الخمر قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت ~~بالاستحالة فيقال لهم: وكذلك البول والدم والعذرة إنما نجست بالاستحالة ~~فينبغي أن تطهر بالاستحالة. # فصل: # وأما قول القائل: التوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس فهذا إنما قاله ~~لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه وصاحب الشرع قد # PageV20P522 # فرق بين لحم الغنم ولحم الإبل كما فرق بين معاطن هذه ومبارك هذه فأمر ~~بالصلاة في هذا ونهى عن الصلاة في هذا فدعوى المدعي أن القياس التسوية ~~بينهما من جنس قول الذين قالوا {إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} والفرق بينهما ثابت في نفس الأمر كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب ~~الغنم فقال: {الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أهل ~~الغنم} {وروي في الإبل: أنها جن خلقت من جن وروي: على ذروة كل بعير شيطان} ~~فالإبل فيها قوة شيطانية والغاذي شبيه بالمغتذى. ولهذا حرم كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير: لأنها دواب عادية بالاغتذاء بها تجعل في خلق ~~الإنسان من العدوان ما يضره في دينه فنهى الله عن ذلك لأن المقصود أن يقوم ~~الناس بالقسط والإبل إذا أكل منها تبقي فيه قوة شيطانية. وفي الحديث الذي ~~في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms6243 قال: {الغضب من الشيطان والشيطان ~~خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~غضب أحدكم فليتوضأ} فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في ذلك من إطفاء ~~القوة الشيطانية ما يزيل المفسدة بخلاف من لم يتوضأ منها فإن الفساد حاصل ~~معه ولهذا يقال: إن الأعراب بأكلهم لحوم الإبل مع عدم # PageV20P523 # الوضوء منها صار فيهم من الحقد ما صار. ولهذا {أمر بالوضوء مما مست ~~النار} وهو حديث صحيح وقد ثبت في أحاديث صحيحة أنه أكل مما مست النار ولم ~~يتوضأ فقيل: إن الأول منسوخ لكن لم يثبت أن ذلك متقدم على هذا بل رواه أبو ~~هريرة وإسلامه متأخر عن تاريخ بعض تلك الأحاديث كحديث السويق الذي كان ~~بخيبر فإنه كان قبل إسلام أبي هريرة وقيل: بل الأمر بالتوضؤ مما مست النار ~~استحباب كالأمر بالتوضؤ من الغضب وهذا أظهر القولين وهما وجهان في مذهب ~~أحمد. فإن النسخ لا يصار إليه إلا عند التنافي والتاريخ وكلاهما منتف بخلاف ~~حمل الأمر على الاستحباب فإن له نظائر كثيرة. وكذلك ### | التوضؤ من مس الذكر ومس النساء # هو من هذا الباب لما فيه من تحريك الشهوة؛ فالتوضؤ مما يحرك الشهوة ~~كالتوضؤ من الغضب وما مسته النار: هو من هذا الباب: فإن الغضب من الشيطان ~~والشيطان من النار وأما لحم الإبل فقد قيل: التوضؤ منه مستحب لكن تفريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين لحم الغنم - مع أن ذلك مسته النار ~~والوضوء منه مستحب - دليل على الاختصاص وما فوق الاستحباب إلا الإيجاب ولأن ~~الشيطنة في الإبل لازمة وفيما مسته النار عارضة ولهذا نهى عن الصلاة في ~~أعطانها للزوم الشيطان لها بخلاف الصلاة في مباركها في السفر فإنه جائز ~~لأنه عارض والحشوش # PageV20P524 # محتضرة فهي أولى بالنهي من أعطان الإبل. وكذلك الحمام بيت الشيطان وفي ~~الوضوء من اللحوم الخبيثة عن أحمد روايتان على أن الحكم مما عقل معناه ~~فيعدي أو ليس كذلك؟ والخبائث التي أبيحت للضرورة كلحوم السباع أبلغ في ~~الشيطنة من لحوم ms6244 الإبل فالوضوء منها أولى. وقد ### | تنازع العلماء في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين؛ # كالفصاد؛ والحجامة والجرح والقيء والوضوء من مس النساء لشهوة وغير شهوة ~~والتوضؤ من مس الذكر والتوضؤ من القهقهة فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس ~~الذكر كسعد وابن عمر كثير منهم لم يكن يتوضأ منه والوضوء منه هل هو واجب أو ~~مستحب؟ فيه عن مالك وأحمد روايتان وإيجابه قول الشافعي وعدم الإيجاب مذهب ~~أبي حنيفة. وكذلك مس النساء لشهوة إذا قيل باستحبابه فهذا يتوجه وأما وجوب ~~ذلك فلا يقوم الدليل إلا على خلافه ولا يقدر أحد قط أن ينقل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه بالوضوء من مس النساء ولا من النجاسات ~~الخارجة؛ لعموم البلوى بذلك وقوله تعالى {أو لامستم النساء} المراد به ~~الجماع كما فسره بذلك ابن عباس وغيره # PageV20P525 # لوجوه متعددة {وقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: إنما ذلك عرق وليس ~~بالحيضة} تعليل لعدم وجوب الغسل لا لوجوب الوضوء فإن وجوب الوضوء لا يختص ~~بدم العروق بل كانت قد ظنت أن ذلك الدم هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فبين ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فإن ~~ذلك يرشح من الرحم كالعرق وإنما هذا دم عرق انفجر في الرحم ودماء العروق لا ~~توجب الغسل وهذه مسائل مبسوطة في مواضع أخر. والمقصود هنا التنبيه على فساد ~~قول من يدعي التناقض في معاني الشريعة أو ألفاظها ويزعم أن الشارع يفرق بين ~~المتماثلين بل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بالهدى ودين الحق بالحكمة ~~والعدل والرحمة فلا يفرق بين شيئين في الحكم إلا لافتراق صفاتهما المناسبة ~~للفرق ولا يسوي بين شيئين إلا لتماثلهما في الصفات المناسبة للتسوية. ~~والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ولا خروج النجاسات من ~~غير السبيلين ولا القهقهة ولا غسل الميت فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح بل ~~الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لكن الاستحباب متوجه ms6245 ظاهر فيستحب أن ~~يتوضأ # PageV20P526 # من مس النساء لشهوة ويستحب أن يتوضأ من الحجامة والقيء ونحوهما كما في ~~السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ} والفعل إنما يدل على ~~الاستحباب ولم يثبت عنه أنه أمر بالوضوء من الحجامة ولا أمر أصحابه بالوضوء ~~إذا جرحوا مع كثرة الجراحات والصحابة نقل عنهم فعل الوضوء لا إيجابه. وكذلك ~~القهقهة في الصلاة ذنب ويشرع لكل من أذنب أن يتوضأ وفي استحباب الوضوء من ~~القهقهة وجهان في مذهب أحمد وغيره. وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة ~~ففيه أحاديث متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صحح بعضها غير واحد من ~~العلماء فقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر؛ وهو مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد والله أعلم. # فصل: # وأما الحجامة فإنما اعتقد أن الفطر منها مخالف للقياس من اعتقد أن الفطر ~~مما خرج لا مما دخل وهؤلاء أشكل عليهم القيء والاحتلام ودم الحيض والنفاس. # PageV20P527 # وأما من تدبر أصول الشرع ومقاصده فإنه رأى الشارع لما أمر بالصوم أمر فيه ~~بالاعتدال حتى كره الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور وجعل أعدل ~~الصيام وأفضله صيام داود وكان من العدل أن لا يخرج من الإنسان ما هو قيام ~~قوته فالقيء يخرج الغذاء والاستمناء يخرج المني والحيض يخرج الدم وبهذه ~~الأمور قوام البدن لكن فرق بين ما يمكن الاحتراز منه وما لا يمكن فالاحتلام ~~لا يمكن الاحتراز منه وكذلك من ذرعه القيء وكذا دم الاستحاضة فإنه ليس له ~~وقت معين بخلاف دم الحيض فإن له وقتا معينا فالمحتجم أخرج دمه وكذلك ~~المفتصد بخلاف من خرج دمه بغير اختياره كالمجروح فإن هذا لا يمكن الاحتراز ~~منه فكانت الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض وكان خروج دم الجرح من ~~جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء فقد تناسبت الشريعة وتشابهت ولم تخرج ~~عن القياس. والأظهر أنه لا يفطر بالكحل ولا بالتقطير في الإحليل ولا ~~بابتلاع ما لا يغذي كالحصاة ولكن يفطر بالسعوط لقوله: {وبالغ في الاستنشاق ~~إلا أن تكون صائما} . # PageV20P528 # فصل: ms6246 # وأما قولهم: السلم على خلاف القياس فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تبع ما ليس عندك} وأرخص في السلم " وهذا ~~لم يرو في الحديث وإنما هو من كلام بعض الفقهاء وذلك أنهم قالوا: السلم بيع ~~الإنسان ما ليس عنده فيكون مخالفا للقياس ونهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إما أن يراد به بيع عين معينة فيكون قد ~~باع مال الغير قبل أن يشتريه وفيه نظر. وإما أن يراد به بيع ما لا يقدر على ~~تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه؛ فيكون قد ضمن له شيئا لا يدري هل يحصل ~~أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه والمناسبة فيه ~~ظاهرة. فأما السلم المؤجل فإنه دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل فأي ~~فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وكون العوض الآخر مؤجلا في الذمة؟ ~~وقد قال تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} وقال ابن عباس: ~~أشهد أن السلف المضمون # PageV20P529 # في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية فإباحة هذا على وفق القياس لا ~~على خلافه. # فصل: # وأما الكتابة فقال من قال: هي خلاف القياس؛ لكونه بيع ماله بماله. وليس ~~كذلك بل باعه نفسه بمال في الذمة والسيد لا حق له في ذمة العبد وإنما حقه ~~في بدنه فإن السيد حقه مالية العبد في إنسانيته فهو من حيث يؤمر وينهى ~~إنسان مكلف فيلزمه الإيمان والصلاة والصيام لأنه إنسان والذمة العهد وإنما ~~يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه وحينئذ لا ملك للسيد عليه فالكتابة: بيعه ~~نفسه بمال في ذمته ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له وهو حادث على ~~ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة لكن لا يعتق فيها إلا بالإذن؛ لأن السيد لم ~~يرض بخروجه من ملكه إلا بأن يسلم له العوض فمتى لم يحصل له العوض وعجز ~~العبد عنه كان ms6247 له الرجوع في المبيع وهذا هو القياس في المعاوضات. ولهذا ~~يقول: إذا عجز المشتري عن الثمن لإفلاسه كان للبائع الرجوع في المبيع ~~فالعبد المكاتب مشتر لنفسه فعجزه عن أداء العوض كعجز المشتري وهذا القياس ~~في جميع المعاوضات إذا عجز # PageV20P530 # المعاوض عما عليه من العوض كان للآخر الرجوع في عوضه ويدخل في ذلك عجز ~~الرجل عن الصداق وعجز الزوج عن الوطء وطرده عجز الرجل عن العوض في الخلع ~~والصلح عن القصاص. # فصل: # وأما الإجارة فالذين قالوا: هي على خلاف القياس قالوا: إنها بيع معدوم ~~لأن المنافع معدومة حين العقد وبيع المعدوم لا يجوز. ثم إن القرآن جاء ~~بإجارة الظئر للرضاع في قوله تعالى {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فقال ~~كثير من الفقهاء: إن إجارة الظئر للرضاع على خلاف قياس الإجارة فإن الإجارة ~~عقد على منافع وإجارة الظئر عقد على اللبن واللبن من باب الأعيان لا من باب ~~المنافع ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه وقالوا: هذه ~~خلاف القياس والشيء إنما يكون خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع ~~بحكم وجاء في موضع يشابه ذلك بنقيضه فيقال: هذا خلاف لقياس ذلك النص. وليس ~~في القرآن ذكر الإجارة الباطلة حتى يقال: القياس يقتضي بطلان هذه الإجارة ~~بل فيه ذكر جواز هذه الإجارة وليس فيه ذكر فساد إجارة تشبهها بل ولا في ~~السنة بيان إجارة فاسدة تشبه هذه وإنما أصل قولهم # PageV20P531 # ظنهم أن الإجارة الشرعية إنما تكون على المنافع التي هي أعراض لا على ~~أعيان هي أجسام وسنبين إن شاء الله كشف هذه الشبهة. ولما اعتقد هؤلاء أن ~~إجارة الظئر على خلاف القياس صار بعضهم يحتال لإجرائها على القياس الذي ~~اعتقدوه فقالوا: المعقود عليه فيها هو إلقام الثدي أو وضعه في الحجر أو نحو ~~ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع ومعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة ~~إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقودا عليها ~~بل ولا قيمة لها أصلا وإنما هو ms6248 كفتح الباب لمن اكترى دارا أو حانوتا أو ~~كصعود الدابة لمن اكترى دابة ومقصود هذا هو السكنى ومقصود هذا هو الركوب ~~وإنما هذه الأعمال مقدمات ووسائل إلى المقصود بالعقد. ثم هؤلاء الذين جعلوا ~~إجارة الظئر على خلاف القياس طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي تنبع ~~في الأرض فقالوا: أدخلت ضمنا وتبعا في العقد حتى إن العقد إذا وقع على نفس ~~الماء كالذي يعقد على عين تنبع ليسقي بها بستانه أو ليسوقها إلى مكانه ~~ليشرب منها وينتفع بمائها قالوا: المعقود عليه الإجراء في الأرض أو نحو ذلك ~~مما يتكلفونه ويخرجوا الماء المقصود بالعقود عن أن يكون معقودا عليه. # PageV20P532 # ونحن ننبه على هذين الأصلين: على قول من جعل الإجارة على خلاف القياس ~~وعلى قول من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس. أما الأول فنقول: ~~قولهم: الإجارة بيع معدوم وبيع المعدوم على خلاف القياس: مقدمتان مجملتان ~~فيهما تلبيس؛ فإن قولهم: الإجارة بيع إن أرادوا أنها البيع الخاص الذي يعقد ~~على الأعيان فهو باطل وإن أرادوا البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين ~~وإما على منفعة فقولهم في المقدمة الثانية: أن بيع المعدوم لا يجور إنما ~~يسلم - إن سلم - في الأعيان لا في المنافع ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا ~~وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين. والتحقيق: ~~أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت فأي لفظ من الألفاظ عرف به ~~المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد وهذا عام في جميع العقود فإن الشارع لم ~~يجد في ألفاظ العقود حدا بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد العقود بما يدل عليها ~~من الألفاظ الفارسية والرومية وغيرهما من الألسن العجمية فهي تنعقد بما يدل ~~عليها من الألفاظ العربية ولهذا وقع الطلاق والعتاق بكل لفظ يدل عليه وكذلك ~~البيع وغيره. وطرد هذا النكاح فإن أصح قولي العلماء أنه ينعقد بكل لفظ # PageV20P533 # يدل عليه لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي ~~حنيفة ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد بل ms6249 نصوصه لم تدل إلا على هذا ~~الوجه وأما الوجه الآخر من أنه إنما ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج فهو قول ~~أبي عبد الله بن حامد وأتباعه كالقاضي أبي يعلى ومتبعيه. وأما قدماء أصحاب ~~أحمد وجمهورهم فلم يقولوا بهذا الوجه وقد نص أحمد في غير موضع على أنه إذا ~~قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها انعقد النكاح وليس هنا لفظ إنكاح ~~وتزويج ولهذا ذكر ابن عقيل وغيره: أن هذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ. ~~وأما ابن حامد فطرد قوله وقال: لا بد أن يقول مع ذلك: وتزوجتها والقاضي أبو ~~يعلى جعل هذا خارجا عن القياس فجوز النكاح هنا بدون لفظ الإنكاح والتزويج. ~~وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإن من أصله أن العقود تنعقد بما يدل ~~على مقصودها من قول أو فعل فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصله أن ~~الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار النية ولهذا قال بذلك ~~في الطلاق والقذف وغير ذلك. والذين قالوا إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ ~~الإنكاح والتزويج من أصحاب الشافعي قالوا: لأن ما سوى اللفظين كناية؛ ~~والكناية لا يثبت # PageV20P534 # حكمها إلا بالنية والنية باطن والنكاح مفتقر إلى شهادة والشهادة إنما تقع ~~على السمع فهذا أصل أصحاب الشافعي الذين خصوا عقد النكاح باللفظين. وابن ~~حامد وأتباعه وافقوهم لكن أصول أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإن هذه المقدمات ~~باطلة على أصله. أما قول القائل: ما سوى هذين كناية فإنما يستقيم أن لو ~~كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع كما يقوله الشافعي ومن وافقه ~~من أصحاب أحمد كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما: أن الصريح في الطلاق هو ~~الطلاق والفراق والسراح لمجيء القرآن بذلك. فأما جمهور العلماء كأبي حنيفة ~~ومالك وغيرهما؛ وجمهور أصحاب أحمد كأبي بكر وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهم؛ ~~فلا يوافقون على هذا الأصل بل منهم من يقول: الصريح هو لفظ الطلاق فقط كأبي ~~حنيفة وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعي ~~ومنهم من يقول: بل الصريح ms6250 أعم من هذه الألفاظ كما يذكر عن مالك وهو قول أبي ~~بكر وغيره من أصحاب أحمد والجمهور يقولون: كلا المقدمتين المذكورتين أن ~~صريح الطلاق تليه مقدمة باطلة. # أما قولهم: إن هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس # PageV20P535 # كذلك بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} فأمر بتسريحهن بعد ~~الطلاق قبل الدخول وهو طلاق بائن لا رجعة فيه وليس التسريح هنا تطليقا ~~باتفاق المسلمين وقال تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف} وفي الآية الأخرى {أو فارقوهن بمعروف} فلفظ الفراق والسراح ليس ~~المراد به هنا الطلاق فأما المطلقة الرجعية فهو مخير بين ارتجاعها وبين ~~تخلية سبيلها لا يحتاج إلى طلاق ثان. وأما المقدمة الثانية فلا يلزم من كون ~~اللفظ صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا في خطاب كل من يتكلم. وبسط هذا ~~له موضع آخر والمقصود هنا أن قول القائل: إن الإجارة نوع من البيع إن أراد ~~به البيع الخاص - وهو الذي يفهم من لفظ البيع عند الإطلاق - فليس كذلك فإن ~~ذاك إنما ينعقد على أعيان معينة أو مضمونة في الذمة وإن أراد به أنها نوع ~~من المعاوضة العامة التي تتناول العقد على الأعيان والمنافع: فهذا صحيح لكن ~~قوله؛ إن المعاوضة العامة لا تكون على معدوم دعوى مجردة بل دعوى كاذبة فإن ~~الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم. وإن قاس بيع المنافع # PageV20P536 # على بيع الأعيان فقال: كما أن بيع الأعيان لا يكون إلا على موجود فكذلك ~~بيع المنافع - وهذه حقيقة كلامه - فهذا القياس في غاية الفساد فإن من شرط ~~القياس أن يمكن إثبات حكم الأصل في الفرع وهو هنا متعذر؛ لأن المنافع لا ~~يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها فلا يتصور أن تباع المنافع في حال وجودها ~~كما تباع الأعيان في حال وجودها. والشارع أمر الإنسان أن يؤخر العقد على ms6251 ~~الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق فنهى عن بيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع ~~الثمر قبل بدو صلاحه؛ وعن بيع الحب حتى يشتد ونهى عن بيع المضامين ~~والملاقيح وعن المجر وهو الحمل؛ وهذا كله نهي عن بيع حيوان قبل أن يخلق؛ ~~وعن بيع حب وثمر قبل أن يخلق وأمر بتأخير بيعه إلى أن يخلق. وهذا التفصيل ~~وهو: منع بيعه في الحال وإجارته في حال يمتنع مثله في المنافع فإنه لا يمكن ~~أن تباع إلا هكذا فما بقي حكم الأصل مساويا لحكم الفرع إلا أن يقال: فأنا ~~أقيسه على بيع الأعيان المعدومة فيقال له: هنا شيئان: أحدهما: يمكن بيعه في ~~حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه إلا إذا وجد. والشيء الآخر: لا ~~يمكن بيعه إلا في حال عدمه فالشارع لما نهى عن بيع ذاك حال عدمه فلا بد إذا # PageV20P537 # قست عليه أن تكون العلة الموجبة للحكم في الأصل ثابتة في الفرع فلم قلت: ~~إن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما؟ ولم لا يجوز أن يكون بيعه في حال عدمه ~~مع إمكان تأخير بيعه إلى حال وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم ~~خاص وهو معدوم يمكن بيعه بعد وجوده وأنت إن لم تبين أن العلة في الأصل ~~القدر المشترك كان قياسك فاسدا وهذا سؤال المطالبة وهو كاف في وقف قياسك. ~~لكن نبين فساده فنقول: ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة؛ فإنك إذا ~~عللت المنع بمجرد العدم انتقضت علتك ببعض الأعيان والمنافع وإذا عللته بعدم ~~ما يمكن تأخير بيعه إلى حال وجوده؛ أو بعدم هو غرر اطردت العلة وأيضا ~~فالمناسبة تشهد لهذه العلة؛ فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان بيعه حال ~~العدم فيه مخاطرة وقمار وبها علل النبي صلى الله عليه وسلم المنع حيث قال: ~~{أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} بخلاف ما ليس ~~له إلا حال واحدة والغالب فيه السلامة؛ فإن هذا ليس مخاطرة فالحاجة داعية ~~إليه. ومن ms6252 أصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما فهو إنما ~~نهى عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما وفي # PageV20P538 # المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك فلا يمنعهم من الضرر ~~اليسير بوقوعهم في الضرر الكثير بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما ~~ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو مخاطرة فيها ضرر ~~أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد وكذلك لما حرم ~~عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم عند الضرورة؛ لأن ضرر ~~الموت أشد ونظائره كثيرة. فإن قيل: فهذا كله على خلاف القياس؟ قيل: قد ~~قدمنا أن الفرع اختص بوصف أوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل فرق صحيح على ~~خلاف القياس الفاسد. وإن أريد بذلك أن الأصل والفرع استويا في المقتضي ~~والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا. ففي الجملة: الشيء إذا شابه غيره في ~~وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا ~~لاستوائهما باعتبار الجامع لكن هذا هو القياس الصحيح طردا وعكسا وهو ~~التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين وأما التسوية بينهما في ~~الحكم مع افتراقهما فيما يوجب الحكم ويمنعه فهذا قياس فاسد. والشرع دائما ~~يبطل القياس الفاسد كقياس إبليس وقياس # PageV20P539 # المشركين الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} والذين قاسوا الميت على ~~المذكى وقالوا: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فجعلوا العلة في ~~الأصل كونه قتل آدمي وقياس الذين قاسوا المسيح على أصنامهم فقالوا: لما ~~كانت آلهتنا تدخل النار لأنها عبدت من دون الله فكذلك ينبغي أن يدخل المسيح ~~النار قال الله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} ~~{وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} وهذا كان ~~وجه مخاصمة ابن الزبعرى لما أنزل الله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون} {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} فإن ~~الخطاب للمشركين ms6253 لا لأهل الكتاب. والمشركون لم يعبدوا المسيح وإنما كانوا ~~يعبدون الأصنام والمراد بقوله: {وما تعبدون} الأصنام فالآية لم تتناول ~~المسيح لا لفظا ولا معنى. وقول من قال: إن الآية عامة تتناول المسيح ولكن ~~أخر بيان تخصيصها غلط منه ولو كان ذلك صحيحا لكانت حجة المشركين متوجهة؛ ~~فإن من خاطب بلفظ العام يتناول حقا وباطلا لم يبين مراده توجه الاعتراض ~~عليه وقد قال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا} أي: هم ضربوه مثلا كما قال: ~~{ما ضربوه لك إلا جدلا} أي: جعلوه مثلا لآلهتهم فقاسوا الآلهة عليه وأوردوه ~~مورد المعارضة # PageV20P540 # فقالوا: إذا دخلت آلهتنا النار لكونها معبودة فهذا المعنى موجود في ~~المسيح فيجب أن يدخل النار وهو لا يدخل النار فهي لا تدخل النار وهذا قياس ~~فاسد لظنهم أن العلة مجرد كونه معبودا وليس كذلك بل العلة أنه معبود ليس ~~مستحقا للثواب أو معبود لا ظلم في إدخاله النار. فالمسيح والعزير والملائكة ~~وغيرهم ممن عبد من دون الله وهو من عباد الله الصالحين وهو مستحق لكرامة ~~الله بوعد الله وعدله وحكمته فلا يعذب بذنب غيره فإنه لا تزر وازرة وزر ~~أخرى. والمقصود بإلقاء الأصنام في النار إهانة عابديها وأولياء الله لهم ~~الكرامة دون الإهانة فهذا الفارق بين فساد تعليق الحكم بذلك الجامع. ~~والأقيسة الفاسدة من هذا الجنس. فمن قال: إن الشريعة تأتي بخلاف مثل هذا ~~القياس فقد أصاب وهذا من كمال الشريعة واشتمالها على العدل والحكمة التي ~~بعث الله بها رسوله. ومن لم يخالف مثل هذه الأقيسة الفاسدة بل سوى بين ~~الشيئين باشتراكهما في أمر من الأمور لزمه أن يسوي بين كل موجودين ~~لاشتراكهما في مسمى الوجود فيسوي بين رب العالمين وبين بعض # PageV20P541 # المخلوقين فيكون من الذين هم بربهم يعدلون ويشركون فإن هذا من أعظم ~~القياس الفاسد وهؤلاء يقولون: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ نسويكم برب ~~العالمين} ولهذا قال طائفة من السلف: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ~~والقمر إلا بالمقاييس أي: بمثل هذه المقاييس التي يشتبه فيها ms6254 الشيء بما ~~يفارقه كأقيسة المشركين. ومن كان له معرفة بكلام الناس في العقليات رأى ~~عامة ضلال من ضل من الفلاسفة والمتكلمين بمثل هذه الأقيسة الفاسدة التي ~~يسوى فيها بين الشيئين لاشتراكهما في بعض الأمور مع أن بينهما من الفرق ما ~~يوجب أعظم المخالفة واعتبر هذا بكلامهم في وجود الرب ووجود المخلوقات؛ فإن ~~فيه من الاضطراب ما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وهذا الذي ذكرناه في ~~الإجارة بناء على تسليم قولهم: إن بيع الأعيان المعدومة لا يجوز. وهذه ~~المقدمة الثانية والكلام عليها من وجهين. أحدهما: أن نقول: لا نسلم صحة هذه ~~المقدمة فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ بل ولا عن أحد من الصحابة أن ### | بيع المعدوم # PageV20P542 # لا يجوز لا لفظ عام ولا معنى عام وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء ~~التي هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة وليست ~~العلة في المنع لا الوجود ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر} والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء ~~كان موجودا أو معدوما كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر ~~على تسليمه بل قد يحصل وقد لا يحصل هو غرر لا يجوز بيعه وإن كان موجودا فإن ~~موجب البيع تسليم المبيع والبائع عاجز عنه والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ~~ومقامرة فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع. وإن لم يمكنه أخذه كان ~~البائع قد قمر المشتري. وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهى عن بيعه لكونه غررا ~~لا لكونه معدوما كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان ~~فقد يحمل وقد لا يحمل وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه فهذا من ~~القمار وهو من الميسر الذي نهى الله عنه. ومثل هذا إذا أكراه دواب لا يقدر ~~على تسليمها؛ أو عقارا لا يمكنه تسليمه بل قد يحصل وقد لا يحصل فإنه إجارة ~~غرر. # PageV20P543 # الوجه الثاني ms6255 أن نقول: بل الشارع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فإنه ~~ثبت عنه من غير وجه {أنه نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه} {ونهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد} وهذا من أصح الحديث وهو في الصحيح عن غير واحد من الصحابة ~~قد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره فأحل أحدهما وحرم الآخر. ومعلوم أنه قبل ~~ظهور الصلاح لو اشتراه بشرط القطع كما يشتري الحصرم ليقطع حصرما جاز ~~بالاتفاق وإنما نهى عنه إذا بيع على أنه باق؛ فيدل ذلك على أنه جوزه بعد ~~ظهور الصلاح أن يبيعه على البقاء إلى كمال الصلاح وهذا مذهب جمهور العلماء ~~كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم. ومن جوز بيعه في الموضعين بشرط القطع؛ ونهى ~~عنه بشرط التبقية أو مطلقا: لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يفرق بين ~~ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما أذن فيه. وصاحب هذا القول يقول: ~~موجب العقد التسليم عقيبه فلا يجوز التأخير. فيقال له: لا نسلم أن هذا موجب ~~العقد: إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على ~~أنفسهما وكلاهما منتف فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحق التسليم عقب ~~العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه كما إذا ~~باع معينا بدين حال وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن # PageV20P544 # كما في السلم؛ وكذلك في الأعيان. وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير ~~التسليم كما كان لجابر حين باع بعيره من النبي صلى الله عليه وسلم واستثنى ~~ظهره إلى المدينة؛ ولهذا كان الصواب أنه يجوز لكل عاقد أن يستثني من منفعة ~~المعقود عليه ما له فيه غرض صحيح كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو ~~دوابه واستثنى ظهرها أو وهب ملكا واستثنى منفعته أو أعتق العبد واستثنى ~~خدمته مدة؛ أو ما دام السيد أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته ~~وأمثال ذلك. وهذا منصوص أحمد وغيره وبعض أصحاب أحمد قال: لا بد إذا استثنى ~~منفعة المبيع من أن ms6256 يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء ~~على هذا الأصل الفاسد وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد. وهو قول ~~ضعيف. وعلى هذا الأصل قال من قال: إنه لا تجوز الإجارة إلا لمدة تلي العقد ~~وهؤلاء نظروا إلى ما يفعله الناس أحيانا جعلوه لازما لهم في كل حال وهو من ~~القياس الفاسد. وعلى هذا بنوا إذا باع العين المؤجرة فمنهم من قال: البيع ~~باطل لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم. ومنهم من قال: هذا ~~مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط. ولو باع الأمة المزوجة صح باتفاقهم ~~وإن كانت منفعة # PageV20P545 # البضع للزوج وقد فرق من فرق بينهما بما قد بسط في موضعه. والمقصود هنا: ~~أن هذا كله تفريع على ذلك الأصل الضعيف وهو أن موجب العقد استحقاق التسليم ~~عقبه والشرع لم يدل على هذا الأصل؛ بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في ~~الدين تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان وتارة يكون موجب العقد ~~تأخير التسليم لمصلحة من المصالح. وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم جوز ~~بيع الثمر بعد بدو الصلاح مستحق الإبقاء إلى كمال الصلاح وعلى البائع السقي ~~والخدمة إلى كمال الصلاح ويدخل في هذا ما هو معدوم لم يخلق وهذا إذا قبض ~~كان بمنزلة قبض العين المؤجرة فقبضه يبيح له التصرف فيه في أظهر قولي ~~العلماء وهو أصح الروايتين عن أحمد وقبضه لا يوجب انتقال الضمان إليه بل ~~إذا تلف الثمر بعد بدو صلاحه كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة ~~مالك وغيره وهو مذهب أهل الحديث: أحمد رضي الله عنه وغيره وهو قول معلق ~~للشافعي وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن ~~بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم ~~يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل ~~قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما لم يجوز ms6257 # PageV20P546 # التصرف لم ينقل الضمان؛ بل قبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل ~~الضمان. # ومن هذا الباب ### | بيع المقاثي؛ # فإن من العلماء من لم يجوز بيعها إلا لقطة لقطة لأنه بيع معدوم وجعلوا ~~هذا من بيع الثمر قبل بدو صلاحه. ثم من هؤلاء من قال: إذا بيعت بعروقها كان ~~كبيع أصل الشجر مع الثمر وذلك يجوز قبل ظهور صلاحه؛ لقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق على صحته: {من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا ~~أن يشترطه المبتاع} فإذا اشترط الثمر دخل في البيع وهنا جاز بيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه تبعا للأصل؛ ولهذا تكون خدمته على المشتري ومعلوم أن المقصود من ~~الشجر هو الأصل والمقصود في المقاثي هو الثمر فلا يقاس أحدهما بالآخر. ومن ~~العلماء من جوز بيع المقاثي كما هو قول مالك وغيره وهو قول في مذهب أحمد. ~~وهذا أصح؛ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه إذ لا تتميز لقطة عن لقطة ~~وما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى عن بيعه كما تقدم والنبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمار التي يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها ~~فلم تدخل المقاثي في نهيه ولذلك كثير من العلماء أدخلوا ضمان البساتين في ~~نهيه فقالوا: إذا ضمن الحديقة لمن يعمل عليها حتى تثمر بشيء معلوم كان هذا ~~بيعا # PageV20P547 # للثمر قبل بدو صلاحه؛ فلا يجوز. ومن الناس من حكى الإجماع على منع هذا ~~وليس كما قال؛ بل قد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن ~~حضير ثلاث سنين ويستلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد؛ لأنه كان وصيه ~~وقد جوز ابن عقيل ضمانها مع الأراضي المؤجرة إذا لم يمكن إفراد أحدهما عن ~~الآخر وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث وقضية عمر بن الخطاب مما ~~يشتهر مثلها في العادة ولم ينقل أن أحدا من الصحابة أنكره فالصواب ما فعله ~~عمر بن الخطاب إذ الفرق بين البيع والضمان ms6258 هو الفرق بين البيع والإجارة ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد؟ ثم إذا استأجر ~~أرضا ليزرعها جاز هذا مع أن المستأجر مقصوده الحب لكن مقصوده ذلك بعمله هو ~~لا بعمل البائع وكذلك الذي يستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيها حتى تثمر هو ~~بمنزلة المستأجر ليس بمنزلة المشتري الذي يشتري ثمرا وعلى البائع مئونة ~~خدمتها وسقيها. فإن قيل: هذه أعيان والإجارة لا تكون على الأعيان. قيل: ~~الجواب من وجهين: أحدهما: أن الأعيان هنا حصلت بعمله هو من الأصل المستأجر # PageV20P548 # كما حصل الحب بعمله المؤجر في أرض وإذا قيل: الحب حصل من بذره والثمر حصل ~~من شجر المؤجر: كان هذا فرقا لا أثر له في الشرع ألا ترى أن المساقاة ~~كالمزارعة؟ والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الحاصلة من أصل المالك؛ والمزارع ~~يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك وإن كان البذر من المالك؛ وكذلك ~~إن كان البذر منه كما ثبت بالسنة وإجماع الصحابة فالبذر يتلف لا يعود إلى ~~صاحبه. وقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ~~ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم} فالأرض والنخل والماء ~~كان للنبي صلى الله عليه وسلم واستحقوا بعملهم جزءا من الثمر كما استحقوا ~~جزءا من الزرع؛ وإن كان البذر منهم والشجر من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلم أن هذا الفرق لا تأثير له في الشرع وإذا لم يؤثر في المساقاة ~~والمزارعة التي يكون النماء مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى؛ فإن ~~استئجار الأرض ليس فيه من النزاع ما في المزارعة فإذا كانت إجارتها أجوز من ~~المزارعة فإجارة الشجر أجوز من المساقاة. الوجه الثاني: أن نقول: هذا ~~كإجارة الظئر والبئر ونحو ذلك والكلام على هذا هو الكلام على الأصل الثاني ~~في الإجارة فنقول: قول القائل: إن إجارة الظئر على خلاف القياس إنما هو ~~لاعتقاده أن # PageV20P549 # الإجارة لا تكون إلا على منافع أعراض لا تستحق بها أعيان ms6259 وهذا القدر لم ~~يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس بل الذي دلت عليه الأصول أن ~~الأعيان التي تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر ~~والشجر؛ واللبن في الحيوان؛ ولهذا سوى بين هذا وهذا في الوقف؛ فإن الأصل ~~تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة فلا بد أن يكون الأصل باقيا وأن تكون الفائدة ~~تحدث مع بقاء الأصل فيجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى ويجوز أن تكون ~~ثمرة كوقف الشجر ويجوز أن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها. وكذلك " ~~باب التبرعات " فإن العارية والعرية والمنحة هي إعطاء العين لمن ينتفع بها ~~ثم يردها فالمنحة إعطاء الماشية لمن يشرب لبنها ثم يردها والعرية إعطاء ~~الشجرة لمن يأكل ثمرها ثم يردها والسكنى إعطاء الدار لمن يسكنها ثم يعيدها ~~فكذلك في الإجارة تارة تكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا كالسكنى ~~والركوب وتارة للعين التي تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونقع ~~البئر والعين فإن الماء واللبن لما كانا شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كان ~~كالمنفعة والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك وهو حدث والمقصود ~~بالعقد شيئا فشيئا سواء كان الحادث عينا أو منفعة إذ كونه # PageV20P550 # جسما أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في جهة الجواز مع اشتراكهما في ~~المقتضي للجواز بل هذا أحق بالجواز؛ فإن الأجسام أكمل من صفاتها؛ ولا يمكن ~~العقد عليها إلا كذلك. وطرد هذا أكثر في الظئر من الحيوان للإرضاع ثم الظئر ~~تارة تستأجر بأجرة مقدرة وتارة بطعامها وكسوتها وتارة يكون طعامها وكسوتها ~~من جملة الأجرة. وأما الماشية إذا عقد على لبنها بعوض فتارة يشتري لبنها مع ~~أن علفها وخدمتها على المالك وتارة على أن ذلك على المشتري فهذا الثاني ~~يشبه ضمان البساتين وهو بالإجارة أشبه لأن اللبن تسقيه الطفل فيذهب وينتفع ~~به فهو كاستئجار العين يستقي بمائها أرضه بخلاف من يقبض اللبن فإنه هنا قبض ~~العين المعقود عليها وتسمية هذا بيعا وهذا إجارة نزاع لفظي والاعتبار ~~بالمقاصد. ومن ms6260 الفقهاء من يجعل اختلاف العبارات مؤثرا في صحة العقد وفساده ~~حتى إن من هؤلاء من يصحح العقد بلفظ دون لفظ كما يقول بعضهم إن السلم الحال ~~لا يجوز وإذا كان بلفظ البيع جاز: ويقول بعضهم: إن المزارعة على أن يكون ~~البذر من العامل لا تجوز وإذا عقده بلفظ الإجارة جاز وهذا قول بعض أصحاب ~~أحمد وهذا ضعيف؛ فإن الاعتبار # PageV20P551 # في العقود بمقاصدها وإذا كان المعنى المقصود في الموضعين واحدا فتجويزه ~~بعبارة دون عبارة كتجويزه بلغة دون لغة نعم إذا كان أحد اللفظين يقتضي حكما ~~لا يقتضيه الآخر فهذا له حكم آخر؛ وليس هذا موضع بسط هذه المسائل. وإنما ~~المقصود التنبيه على ما يقال: إنه موافق للقياس أو مخالفه وإن الشارع إذا ~~سوى بين شيئين كما سوى بين الاستئجار على الرضاع والخدمة فالفارق بينهما ~~عدم التأثير وهو كون هذا عينا وهذا منفعة وإذا فرق بين شيئين فالجامع ~~بينهما ليس هو وحده مناط الحكم بل للفارق تأثير. # فصل: # ومن هذا الباب قول من يقول: حمل العقل على خلاف القياس. فيقال: لا ريب أن ~~من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه والناس متنازعون في العقل: هل تحمله العاقلة ~~ابتداء أو تحملا؟ كما تنازعوا في صدقة الفطر التي تجب على الغير؛ كصدقة ~~الفطر عن الزوجة والولد: هل تجب ابتداء أو تحملا؟ وفي ذلك نزاع معروف في ~~مذهب أحمد وغيره وعلى ذلك ينبني لو أخرجها الذي يخرج عنه بدون إذن # PageV20P552 # المخاطب بها فمن قال: هي واجبة على المخاطب تحملا قال: تجزئ. ومن قال: هي ~~واجبة عليه ابتداء قال: هي كأداء الزكاة عن الغير. ولذلك تنازعوا في العقل ~~إذا لم تكن عاقلة: هل تجب في ذمة القاتل أم لا؟ والعقل فارق غيره من الحقوق ~~في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم؛ وذلك أن دية المقتول مال كثير والعاقلة ~~إنما تحمل الخطأ لا تحمل العمد بلا نزاع وفي شبه العمد نزاع والأظهر أنها ~~لا تحمله والخطأ مما يعذر فيه الإنسان؛ فإيجاب الدية في ماله ضرر عظيم به ~~من غير ذنب ms6261 تعمده ولا بد من إيجاب بدل المقتول. فالشارع أوجب على من عليهم ~~موالاة القاتل ونصره أن يعينوه على ذلك فكان هذا كإيجاب النفقات التي تجب ~~للقريب؛ أو تجب للفقراء والمساكين وإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإن ~~هذا أسير بالدية التي تجب عليه وهي لم تجب باختيار مستحقها ولا باختياره ~~كالديون التي تجب بالقرض والبيع وليست أيضا قليلة في الغالب كإبدال ~~المتلفات فإن إتلاف مال كثير بقدر الدية خطأ نادر جدا بخلاف قتل النفس خطأ ~~فما سببه العمد في نفس أو مال فالمتلف ظالم مستحق فيه للعقوبة وما سببه ~~الخطأ في الأموال فقليل في العادة؛ بخلاف الدية. # PageV20P553 # ولهذا كان عند الأكثرين لا تحمل العاقلة إلا ماله قدر كثير فعند مالك ~~وأحمد لا تحمل ما دون الثلث وعند أبي حنيفة ما دون السن والموضحة فكان ~~إيجابها من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كبني السبيل ~~والفقراء والمساكين والأقارب المحتاجين. ومعلوم أن هذا من أصول الشرائع ~~التي بها قيام مصلحة العالم فإن الله لما قسم خلقه إلى غني وفقير ولا تتم ~~مصلحتهم إلا بسد خلة الفقراء وحرم الربا الذي يضر الفقراء؛ فكان الأمر ~~بالصدقة من جنس النهي عن الربا؛ ولهذا جمع الله بين هذا وهذا في مثل قوله ~~تعالى {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وفي مثل قوله تعالى {وما آتيتم من ~~ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون} . وقد ذكر الله في آخر البقرة أحكام الأموال وهي ~~ثلاثة أصناف: عدل؛ وفضل؛ وظلم؛ فالعدل: البيع؛ والظلم: الربا؛ والفضل: ~~الصدقة. فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم وذم المربين وبين عقابهم وأباح البيع ~~والتداين إلى أجل مسمى؛ فالعقل من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض الناس على ~~بعض كحق المسلم؛ وحق ذي الرحم وحق الجار؛ وحق المملوك والزوجة. # PageV20P554 # فصل: # والأحكام التي يقال: إنها على خلاف القياس نوعان: نوع مجمع عليه ونوع ~~متنازع فيه. فما لا نزاع في حكمه تبين أنه على وفق القياس ms6262 الصحيح وينبني ~~على هذا أن مثل هذا هل يقاس عليه أم لا؟ فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ~~ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه ويحكى هذا عن أصحاب أبي حنيفة. والجمهور ~~أنه يقاس عليه وهذا هو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وقالوا: ~~إنما ينظر إلى شروط القياس فما علمت علته ألحقنا به ما شاركه في العلة سواء ~~قيل: إنه على خلاف القياس أو لم يقل وكذلك ما علم انتفاء الفارق فيه بين ~~الأصل والفرع والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة وأما إذا لم يقم دليل على ~~أن الفرع كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس سواء قيل: إنه على وفق القياس أو ~~خلافه ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان في معناها. # PageV20P555 # وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح بل ما قيل: إنه على ~~خلاف القياس: فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى ~~مفارقته لها في الحكم وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه ~~كحكمه وإلا كان من الأمور المفارقة له. وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتي ~~حديث بخلاف أمر فيقول القائلون: هذا بخلاف القياس أو بخلاف قياس الأصول ~~وهذا له أمثلة من أشهرها المصراة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا ~~تصروا الإبل ولا الغنم فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن ~~رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر} وهو حديث صحيح فقال قائلون: هذا ~~يخالف قياس الأصول من وجوه: منها: أنه رد المبيع بلا عيب ولا خلف في صفة. ~~ومنها: أن الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه ~~وهنا قد ضمنه. ومنها: أن اللبن من ذوات الأمثال فهو مضمون بمثله. ومنها: أن ~~ما لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد وهنا ضمنه بالتمر. # PageV20P556 # ومنها: أن المال المضمون يضمن بقدره لا بقدر بدله بالشرع وهنا قدر ~~بالشرع. فقال المتبعون للحديث: بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للأصول ms6263 ولو ~~خالفها لكان هو أصلا كما أن غيره أصل فلا تضرب الأصول بعضها ببعض بل يجب ~~اتباعها كلها فإنها كلها من عند الله. أما قولهم: رد بلا عيب ولا فوات صفة ~~فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد في هذين الشيئين بل التدليس نوع ثبت به ~~الرد وهو من جنس الخلف في الصفة فإن البيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة ~~بالفعل فإذا ظهر أنه على صفة وكان على خلافها فهو تدليس وقد {أثبت النبي ~~صلى الله عليه وسلم الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا ~~السوق ويعلموا السعر} وليس كذلك واحد من الأمرين ولكن فيه نوع تدليس. وأما ~~قوله: {الخراج بالضمان} فأولا حديث المصراة أصح منه باتفاق أهل العلم مع ~~أنه لا منافاة بينهما فإن الخراج ما يحدث في ملك المشتري ولفظ الخراج اسم ~~للغلة: مثل كسب العبد وأما اللبن ونحوه فملحق بذلك وهنا كان اللبن موجودا ~~في الضرع فصار جزءا من المبيع ولم يجعل الصاع عوضا عما حدث بعد العقد بل ~~عوضا عن # PageV20P557 # اللبن الموجود في الضرع وقت العقد وأما تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع ~~فلأن اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره فلهذا ~~قدر الشارع البدل قطعا للنزاع وقدر بغير الجنس لأن التقدير بالجنس قد يكون ~~أكثر من الأول أو أقل فيفضي إلى الربا بخلاف غير الجنس فإنه كأنه ابتاع ~~لذلك اللبن الذي تعذرت معرفة قدره بالصاع من التمر والتمر كان طعام أهل ~~المدينة وهو مكيل مطعوم يقتات به كما أن اللبن مكيل مقتات وهو أيضا يقتات ~~به بلا صنعة بخلاف الحنطة والشعير فإنه لا يقتات به إلا بصنعة فهو أقرب ~~الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. ولهذا كان من موارد الاجتهاد أن ~~جميع الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر أو يكون ذلك لمن يقتات التمر فهذا من ~~موارد الاجتهاد كأمره في صدقة الفطر بصاع من شعير أو تمر. # ومن ذلك قول بعضهم: إن أمره للمصلي خلف الصف وحده بالإعادة على خلاف ms6264 ~~القياس فإن الإمام يقف وحده والمرأة تقف خلف الرجال وحدها كما جاءت به ~~السنة. وليس الأمر كذلك فإن الإمام يسن في حقه التقدم بالاتفاق والمؤتمون ~~يسن في حقهم الاصطفاف بالاتفاق فكيف يشبه هذا بهذا # PageV20P558 # وذلك لأن الإمام يؤتم به فإذا كان إمامهم رأوه وكان اقتداؤهم به أكمل. ~~وأما المرأة فإنها تقف وحدها إذا لم يكن هناك امرأة غيرها فالسنة في حقها ~~الاصطفاف؛ لكن قضية المرأة تدل على شيئين. تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف ~~من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى وحده للحاجة وهذا هو القياس؛ فإن ~~الواجبات تسقط للحاجة وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات فإذا تعذر ذلك سقط ~~للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة ~~على الجماعة. وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام ~~فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه وهو قول طوائف من أهل العلم وهو أحد ~~الوجهين في مذهب أحمد وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك ~~التقدم عليه. وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط غيرها ~~للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط. ومن الأصول الكلية أن ### | المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب # وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه # PageV20P559 # العبد ولم يحرم ما يضطر إليه العبد. # ومن ذلك قول بعضهم في الحديث الصحيح الذي فيه: {إن الرهن مركوب ومحلوب ~~وعلى الذي يركب ويحلب النفقة} إنه على خلاف القياس وليس كذلك؛ فإن الرهن ~~إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه ولمالكه فيه حق؛ وللمرتهن فيه حق وإذا ~~كان بيد المرتهن فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته باطلة وقد قدمنا أن اللبن ~~يجري مجرى المنفعة فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوض عنها نفقته كان في هذا ~~جمع بين المصلحتين وبين الحقين فإن نفقته واجبة على صاحبه والمرتهن إذا ~~أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق فله أن يرجع ببدله والمنفعة تصلح ms6265 أن ~~تكون بدلا فأخذها خير من أن تذهب على صاحبها وتذهب باطلا. وقد تنازع ~~الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كالدين فمذهب مالك وأحمد في ~~المشهور عنه له أن يرجع به عليه ومذهب أبي حنيفة والشافعي ليس له ذلك. وإذا ~~أنفق نفقة تجب عليه مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده؛ فبعض أصحاب أحمد ~~قال: لا يرجع؛ وفرقوا بين النفقة والدين والمحققون من أصحابه سووا بينهما ~~وقالوا: الجميع واجب ولو افتداه # PageV20P560 # من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليست دينا والقرآن يدل على هذا القول ~~فإن الله قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فأمر بإيتاء الأجر بمجرد ~~الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب وكذلك قال: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا ونفقة الحيوان واجبة على ~~ربه والمرتهن والمستأجر له فيه حق فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه ~~كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده فإذا قدر أن الراهن قال: لم آذن لك في ~~النفقة قال: هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون ~~والمستأجر. وإذا كان المنفق قد رضي بأن يعتاض بمنفعة الرهن التي لا يطالبه ~~بنظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه فهذا خير محض مع الراهن وكذلك لو قدر ~~أن المؤتمن على حيوان الغير كالمودع والشريك والوكيل أنفق من مال نفسه ~~واعتاض بمنفعة المال؛ لأن هذا إحسان إلى صاحبه إذا لم ينفق عليه صاحبه. ~~ومما يقال: إنه أبعد الأحاديث عن القياس: الحديث الذي في السنن عن الحسن؛ ~~عن قبيصة بن حريث؛ عن سلمة بن المحبق {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ~~في رجل وقع على جارية امرأته # PageV20P561 # إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له ~~وعليه لسيدتها مثلها وقد روي في لفظ آخر وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ~~ماله لسيدتها} وهذا الحديث تكلم بعضهم في إسناده ms6266 لكنه حديث حسن وهم يحتجون ~~بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله قوي عندهم تضعيفه. وهذا الحديث يستقيم ~~على القياس مع ثلاثة أصول هي صحيحة كل منها قول طائفة من الفقهاء: أحدها: ~~أن ### | من غير مال غيره بحيث يفوت مقصوده عليه فله أن يضمنه إياه بمثله # وهذا كما إذا تصرف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره. أحدها: إنه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ولا شيء ~~له في الزيادة كقول الشافعي. والثاني: يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه ~~كقول أبي حنيفة. والثالث: يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة ~~بالبدل وهذا أعدل الأقوال وأقواها؛ فإن فوت صفاته المعنوية مثل # PageV20P562 # أن ينسيه صناعته: أو يضعف قوته؛ أو يفسد عقله ودينه: فهذا أيضا يخير ~~المالك بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ولو قطع ذنب بغلة القاضي. ~~فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة؛ أو ~~يخير المالك وكذلك السلطان إذا قطع آذان فرسه وذنبها. الأصل الثاني: أن ~~جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة حتى الحيوان كما ~~أنه في القرض يجب فيه رد المثل وإذا اقترض حيوانا رد مثله كما {اقترض النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكرا ورد خيرا منه} وكذلك في المغرور يضمن ولده بمثلهم ~~كما قضت به الصحابة وكذلك إذا استثنى رأس المبيع ولم يذبحه فإن الصحابة ~~قضوا بشرائه أي: برأس مثله في القيمة وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. ~~وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب فإن الماشية كانت قد أتلفت ~~حرث القوم وهو بستانهم قالوا: وكان عينا والحرث اسم للشجر والزرع فقضى داود ~~بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة ولم يكن لهم مال إلا الغنم ~~فأعطاهم الغنم بالقيمة. وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على ~~الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها ~~عوضا # PageV20P563 # عن المنفعة التي فاتت من حين تلف الحرث إلى أن يعود وبذلك أفتى ms6267 الزهري ~~لعمر بن عبد العزيز فيمن كان أتلف له شجرا فقال: يغرسه حتى يعود كما كان ~~وقيل: ربيعة وأبو الزناد قالا: عليه القيمة فغلظ الزهري القول فيهما. وهذا ~~موجب الأدلة فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان قال تعالى: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} وقال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} وقال: {والحرمات ~~قصاص} فإذا أتلف نقدا أو حبوبا ونحو ذلك أمكن ضمانها بالمثل وإن كان المتلف ~~ثيابا أو آنية أو حيوانا فهنا مثله من كل وجه وقد يتعذر. فالأمر دائر بين ~~شيئين: إما أن يضمنه بالقيمة وهي دراهم مخالفة للمتلف في الجنس والصفة ~~لكنها تساويه في المالية وإما أن يضمنه بثياب من جنس ثياب المثل أو آنية من ~~جنس آنيته أو حيوان من جنس حيوانه مع مراعاة القيمة بحسب الإمكان ومع كون ~~قيمته بقدر قيمته فهنا المالية مساوية كما في النقد وامتاز هذا بالمشاركة ~~في الجنس والصفة فكان ذلك أمثل من هذا وما كان أمثل فهو أعدل فيجب الحكم به ~~إذا تعذر المثل من كل وجه. # ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة # PageV20P564 # والضربة وهو قول كثير من السلف وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن ~~سعيد الشالنجي التي شرحها الجوزجاني في كتابه المسمى بالمترجم فقال طائفة ~~من الفقهاء: المساواة متعذرة في ذلك فيرجع إلى التعزير؛ فيقال لهم: ما جاءت ~~به الآثار هو موجب القياس فإن التعزير عقاب غير مقدر الجنس ولا الصفة ولا ~~القدر والمرجع فيه إلى اجتهاد الوالي ومن المعلوم الأمر بضرب يقارب ضربه ~~وإن لم يعلم أنه مساو له: أقرب إلى العدل والمماثلة من عقوبة تخالفه في ~~الجنس والوصف غير مقدرة أصلا. # واعلم أن المماثل من كل وجه متعذر حتى في المكيلات فضلا عن غيرها؛ فإنه ~~إذا أتلف صاعا من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم أن أحد الصاعين فيه من الحب ~~ما هو مثل الآخر بل قد يزيد أحدهما ms6268 على الآخر ولهذا قال تعالى: {وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} فإن تحديد الكيل والوزن مما ~~قد يعجز عنه البشر ولهذا يقال: هذا أمثل من هذا إذا كان أقرب إلى المماثلة ~~منه؛ إذا لم تحصل المماثلة من كل وجه. # الأصل الثالث ### | : من مثل بعبده عتق عليه. # وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه كعمر بن الخطاب كما قد ذكر في غير هذا # PageV20P565 # الموضع. فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة ~~للقياس العادل فإذا طاوعته فقد أفسدها على سيدها؛ فإنها مع المطاوعة تبقى ~~زانية: وذلك ينقص قيمتها ولا يمكن سيدها من استخدامها كما كانت تمكن قبل ~~ذلك؛ لبغضه لها ولطمع الجارية في السيد؛ ولاستشراف السيد إليها لا سيما ~~ويعسر على سيدها فلا يطيعها كما كانت تطيعه وإذا تصرف بالمال بما ينقص ~~قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل فقضى لها بالمثل ومعلوم أنها لو رضيت أن ~~تبقى ملكا لها وتغرمه ما نقص من قيمتها لم يمتنع من ذلك وإنما المقضي به ما ~~أبيح لها ولكن موجب هذا أن الأمة إذا أفسدها رجل على أهلها حتى طاوعت على ~~الزنا فلأهلها أن يطالبوه ببدلها ووجب مثلها بناء على أن المثل يجب في كل ~~مضمون بحسب الإمكان وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة؛ فإن الإكراه ~~على الوطء مثلة فإن الوطء يجري مجرى الإتلاف. ولهذا قيل: إن من استكره عبده ~~على التلوط به عتق عليه ولهذا لا يخلو من عقر أو عقوبة لا تجري مجرى منفعة ~~الخدمة فهي لما صارت له بإفسادها على سيدها أوجب عليه مثلها كما في ~~المطاوعة وأعتقها عليه كونه مثل بها. وقد يقال إنه يلزم على هذا إذا استكره ~~عبده على الفاحشة عتق عليه ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت وضمنها # PageV20P566 # بمثلها إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها فإن كان بينهما فرق شرعي ~~وإلا فموجب القياس التسوية وأما قوله عز وجل {ولا تكرهوا ms6269 فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم} فهذا النهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء كما نقل ~~أن ابن أبي المنافق كان له من الإماء ما يكرههن على البغاء وليس هو ~~استكراها للأمة على أن يزني هو بها فإن هذا بمنزلة التمثيل بها وذاك إلزام ~~لها بأن تذهب فتزني بنفسها مع أنه قد يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن ~~مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ذلك. والكلام على هذا الحديث من أدق ~~الأمور فإن كان ثابتا فهذا الذي ظهر في توجيهه وتخرجه على الأصول الثابتة ~~وإن لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام عليه. وبالجملة فما عرفت حديثا ~~صحيحا إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة ~~الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصريح لا ~~يخالف المنقول الصحيح؛ بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ضعف أحدهما ~~لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء ~~فضلا عمن هو دونهم؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها # PageV20P567 # ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم فمنه الجلي ~~الذي يعرفه كثير من الناس ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم؛ فلهذا صار ~~قياس كثير من العلماء يرد مخالفا للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم كما ~~يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على ~~الأحكام. # فصل: # وأما قولهم: إن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس فليس الأمر كذلك ~~فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان ~~متطوعا بالدخول باتفاق الأئمة وهم متنازعون فيما سوى ذلك من التطوعات: هل ~~تلزم بالشروع؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي إلى حين يتحلل وأن لا يطأ في ~~الحج فإذا وطئ في الحج لم يمنع وطؤه ما وجب عليه من إتمام الحج. ونظير ms6270 هذا ~~الصيام في رمضان لما وجب عليه الإتمام بقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~فإذا أفطر لم يسقط عنه فطره ما وجب من الإتمام بل يجب عليه إتمام صوم رمضان ~~وإن أفسده وهذا لأن الصيام له حد محدود وهو غروب الشمس كما للحج وقت مخصوص # PageV20P568 # وهو يوم عرفة وما بعده ومكان مخصوص وهو عرفة ومزدلفة ومنى فلا يمكنه ~~إحلال الحج قبل وصوله إلى مكانه كما لا يمكنه إحلال الصيام اللهم إلا إذا ~~كان معذورا كالمحصر فهذا كالمعذور في الفطر وهذا بخلاف الصلاة إذا أفسدها ~~فإنه يبتديها؛ لأن الصلاة يمكنه فعلها في أثناء الوقت والحج لا يمكنه فعله ~~في أثناء الوقت. # فصل: # وأما الأكل ناسيا؛ فالذين قالوا: هو خلاف القياس قالوا: هو من باب ترك ~~المأمور ومن ترك المأمور ناسيا لم تبرأ ذمته كما لو ترك الصلاة ناسيا أو ~~ترك نية الصيام ناسيا لم تبطل عبادته إلا من فعل محظور ولكن من يقول: هو ~~على وفق القياس يقول: القياس أن من فعل محظورا ناسيا لم تبطل عبادته؛ لأن ~~من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه كما دل عليه {قوله تعالى: {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح أن الله قال: قد فعلت} وهذا ~~مما لا يتنازع فيه العلماء أن الناسي لا يأثم. لكن يتنازعون في بطلان ~~عبادته فيقول القائل إذا لم يأثم لم يكن قد فعل محرما ومن لم يفعل محرما لم ~~تبطل عبادته فإن العبادة إنما تبطل بترك واجب أو فعل محرم فإذا كان ما فعله ~~من باب فعل المحرم وهو ناس فيه لم تبطل عبادته. وصاحب هذا القول يقول: ~~القياس أن # PageV20P569 # لا تبطل الصلاة بالكلام في الصلاة ناسيا وكذلك يقول: القياس أن من فعل ~~شيئا من محظورات الإحرام ناسيا لا فدية عليه. وقيل: الصيد هو من باب ضمان ~~المتلفات كدية المقتول؛ بخلاف الطيب واللباس فإنه من باب الترفه وكذلك ~~الحلق والتقليم هو في الحقيقة من باب الترفه لا من باب متلف له قيمة فإنه ~~لا ms6271 قيمة لذلك؛ فلهذا كان أعدل الأقوال أن لا كفارة في شيء من ذلك إلا في ~~جزاء الصيد. وطرد هذا أن من فعل المحلوف عليه ناسيا لا يحنث؛ سواء حلف ~~بالطلاق أو العتاق أو غيرهما لأن من فعل المنهي عنه ناسيا لم يعص ولم يخالف ~~والحنث في الأيمان كالمعصية في الأمر والنهي. وكذلك من باشر النجاسة في ~~الصلاة ناسيا فلا إعادة عليه؛ لأنه من باب فعل المحظور؛ بخلاف ترك طهارة ~~الحدث فإنه من باب المأمور. فإن قيل: الترك في الصوم مأمور به؛ ولهذا يشترط ~~فيه النية؛ بخلاف الترك في هذه المواضع فإنه ليس مأمورا به؛ فإنه لا يشترط ~~فيه النية. قيل: لا ريب أن النية في الصوم واجبة ولولا ذلك لما أثيب؛ # PageV20P570 # لأن الثواب لا يكون إلا مع النية وتلك الأمور إذا قصد تركها لله أثيب على ~~ذلك أيضا وإن لم يخطر بقلبه قصد تركها لم يثب ولم يعاقب ولو كان ناويا ~~تركها لله وفعله ناسيا لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ~~وإن فعلها ناسيا كذلك الصوم فإنما يفعله الناسي لا يضاف إليه بل فعله الله ~~به من غير قصده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {من أكل أو شرب ناسيا ~~فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه} فأضاف إطعامه وإسقاءه إلى الله لأنه لم ~~يتعمد ذلك ولم يقصده وما يكون مضافا إلى الله لا ينهى عنه العبد فإنما ينهى ~~عن فعله والأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف ففعل الناسي كفعل ~~النائم والمجنون والصغير؛ ونحو ذلك. يبين ذلك أن الصائم إذا احتلم في منامه ~~لم يفطر؛ ولو استمنى باختياره أفطر ولو ذرعه القيء لم يفطر ولو استدعى ~~القيء أفطر. فلو كان ما يوجد بغير قصده بمنزلة ما يوجد بقصده لأفطر بهذا ~~وهذا. فإن قيل: فالمخطئ يفطر مثل من يأكل يظن بقاء الليل ثم تبين أنه طلع ~~الفجر؛ أو يأكل يظن غروب الشمس ثم تبين له أن الشمس لم تغرب. # PageV20P571 # قيل: هذا فيه نزاع بين ms6272 السلف والخلف والذين فرقوا بين الناسي والمخطئ ~~قالوا: هذا يمكن الاحتراز منه بخلاف النسيان وقاسوا ذلك على ما إذا أفطر ~~يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان ونقل عن بعض السلف أنه يقضي في مسألة الغروب ~~دون الطلوع؛ كما لو استمر الشك. والذين قالوا: لا يفطر في الجميع قالوا: ~~حجتنا أقوى ودلالة الكتاب والسنة على قولنا أظهر؛ فإن الله قال: {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فجمع بين النسيان والخطأ؛ ولأن من فعل ~~المحظورات الحج والصلاة مخطئا كمن فعلها ناسيا وقد ثبت في الصحيح أنهم ~~أفطروا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ولم يذكروا في ~~الحديث أنهم أمروا بالقضاء ولكن هشام بن عروة قال: لا بد من القضاء وأبوه ~~أعلم منه وكان يقول: لا قضاء عليهم. وثبت في الصحيحين أن طائفة من الصحابة ~~{كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأحدهم: إن وسادك لعريض إنما ذلك بياض النهار وسواد ~~الليل} ولم ينقل أنه أمرهم بقضاء وهؤلاء جهلوا الحكم فكانوا مخطئين. وثبت ~~عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال: لا نقضي فإنا لم نتجانف ~~لإثم. وروي عنه أنه قال: نقضي؛ ولكن # PageV20P572 # إسناد الأول أثبت وصح عنه أنه قال: الخطب يسير. فتأول ذلك من تأوله على ~~أنه أراد خفة أمر القضاء لكن اللفظ لا يدل على ذلك. وفي الجملة فهذا القول ~~أقوى أثرا ونظرا وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس وبه يظهر أن القياس في ~~الناسي أنه لا يفطر والأصل الذي دل عليه الكتاب والسنة أن من فعل محظورا ~~ناسيا لم يكن قد فعل منهيا عنه؛ فلا يبطل بذلك شيء من العبادات ولا فرق بين ~~الوطء وغيره سواء كان في إحرام أو صيام. # فصل: # وأما قول القائل: إنهم يقولون ذلك فيما يروى عن بعض الصحابة فهذا باب ~~واسع والذي يلتزمه إنما كان من أقوال الصحابة فقال بعضهم بقول وقال بعضهم ~~بخلافهم فقد يكون أحد القولين مخالفا ms6273 للقياس الصحيح بل وللنص الصريح. والذي ~~لا ريب فيه أنه حجة ما كان من سنة الخلفاء الراشدين الذي سنوه للمسلمين ولم ~~ينقل أن أحدا من الصحابة خالفهم فيه فهذا لا ريب أنه حجة بل إجماع. وقد دل ~~عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء # PageV20P573 # الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} . مثال ذلك حبس عمر وعثمان رضي الله ~~عنهما للأرضين المفتوحة وترك قسمتها على الغانمين. فمن قال: إن هذا لا يجوز ~~قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر وقال: إن الإمام إذا حبسها نقض ~~حكمه لأجل مخالفة السنة فهذا القول خطأ وجرأة على الخلفاء الراشدين؛ فإن ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر إنما يدل على جواز ما فعله لا يدل ~~على وجوبه فلو لم يكن معنا دليل يدل على عدم وجوب ذلك لكان فعل الخلفاء ~~الراشدين دليلا على عدم الوجوب؛ فكيف وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة كما استفاضت ~~به الأحاديث الصحيحة؛ بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير؟ فإنه قدم حين ~~نقضوا العهد ونزل بمر الظهران ولم يأت أحد منهم يصالحه ولا أرسل إليهم أحدا ~~يصالحهم بل خرج أبو سفيان يتجسس الأخبار فأخذه العباس وقدم به كالأسير ~~وغايته أن يكون العباس أمنه فصار مستأمنا ثم أسلم فصار من المسلمين فكيف ~~يتصور أن يعقد عقد صلح الكفار بعد إسلامه بغير إذن منهم؟ مما يبين ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علق الأمان بأسباب كقوله: {من دخل دار أبي سفيان ~~فهو آمن ومن دخل المسجد # PageV20P574 # فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن} فأمن من لم يقاتله فلو كانوا معاهدين لم ~~يحتاجوا إلى ذلك وأيضا فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم طلقاء؛ لأنه أطلقهم ~~بعد القدرة عليهم كما يطلق الأسير فصاروا بمنزلة من أطلقهم من الأسر كثمامة ~~بن أثال وغيره وأيضا فإنه أذن في قتل جماعة منهم من الرجال والنساء. وأيضا ~~فقد ثبت عنه ms6274 في الصحاح أنه قال في خطبته: {إن مكة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل ~~لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار} ودخل مكة وعلى رأسه المغفر لم ~~يدخلها بإحرام فلو كانوا قد صالحوه لم يكن قد أحل له شيء كما لو صالح مدينة ~~من مدائن الحل لم تكن قد أحلت فكيف يحل له البلد الحرام وأهله مسالمون له ~~صلح معه؟ وأيضا فقد قاتلوا خالدا وقتل طائفة منهم. وفي الجملة: من تدبر ~~الآثار المنقولة علم بالاضطرار أن مكة فتحت عنوة ومع هذا فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يقسم أرضها كما لم يسترق رجالها ففتح خيبر عنوة وقسمها وفتح ~~مكة عنوة ولم يقسمها فعلم جواز الأمرين. والأقوال في هذا الباب ثلاثة: إما ~~وجوب قسم العقار كقول الشافعي؛ وإما تحريم قسمه ووجوب تحبيسه كقول مالك؛ ~~وإما التخيير # PageV20P575 # بينهما كقول الأكثرين: الثوري وأبي حنيفة؛ وأبي عبيد. وهو ظاهر مذهب أحمد ~~وعنه كالقولين الأولين. ومن أشكل ما أشكل على الفقهاء من أحكام الخلفاء ~~الراشدين: امرأة المفقود؛ فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه لما أجل امرأته ~~أربع سنين وأمرها أن تتزوج بعد ذلك؛ ثم قدم المفقود خيره عمر بين امرأته ~~وبين مهرها وهذا مما اتبعه فيه الإمام أحمد وغيره. وأما طائفة من متأخري ~~أصحابه فقالوا: هذا يخالف القياس والقياس أنها باقية على نكاح الأول إلا أن ~~نقول: الفرقة تنفذ ظاهرا وباطنا فهي زوجة الثاني والأول قول الشافعي ~~والثاني قول مالك. وآخرون أسرفوا في إنكار هذا حتى قالوا: لو حكم حاكم بقول ~~عمر لنقض حكمه؛ لبعده عن القياس. وآخرون أخذوا ببعض قول عمر وتركوا بعضه ~~فقالوا: إذا تزوجت فهي زوجة الثاني وإذا دخل بها الثاني فهي زوجته ولا ترد ~~إلى الأول. ومن خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ولم يكن له من ~~الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر؛ فإن هذا مبني على # PageV20P576 # أصل وهو وقف العقود إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه: هل يقع تصرفه ~~مردودا أو موقوفا ms6275 على إجازته؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد: ~~أحدهما: الرد في الجملة على تفصيل عنه والرد مطلقا قول الشافعي. والثاني: ~~أنه موقوف؛ وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وهذا في النكاح والبيع والإجارة وغير ~~ذلك فظاهر مذهب أحمد أن المتصرف إذا كان معذورا لعدم تمكنه من الاستئذان ~~وحاجته إلى التصرف وقف على الإجازة بلا نزاع وإن أمكنه الاستئذان أو لم يكن ~~به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها ~~كالغصوب والعواري ونحوهما إذا تعذرت عليه معرفة أرباب الأموال ويئس منها؛ ~~فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق به عنهم فإن ظهروا بعد ذلك كانوا ~~مخيرين بين الإمضاء وبين التضمين وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة؛ فإن ~~الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين ~~إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها فهو تصرف موقوف؛ لكن تعذر الاستئذان ودعت ~~الحاجة إلى التصرف. وكذلك الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على إجازة ~~الورثة # PageV20P577 # عند الأكثرين وإنما يخيرون عند الموت ففي المفقود المنقطع خبره إن قيل: ~~إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره: بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى أن تصير ~~عجوزا وتموت ولم تعلم خبره والشريعة لم تأت بمثل هذا. فلما أجلت أربع سنين ~~ولم ينكشف خبره حكم بموته ظاهرا. وإن قيل: إنه يسوغ للإمام أن يفرق بينهما ~~للحاجة فإنما ذلك لاعتقاده موته وإلا فلو علم حياته لم يكن مفقودا كما ساغ ~~التصرف في الأموال التي تعذر معرفة أصحابها فإذا قدم الرجل تبين أنه كان ~~حيا كما إذا ظهر صاحب المال والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق فيبقى هذا ~~التفريق موقوفا على إجازته فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإذا أجازه صار ~~كالتفريق المأذون فيه. ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ~~ريب وحينئذ فيكون نكاح الأول صحيحا. وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق ~~باطلا من حين اختار امرأته لا ما قبل ذلك بل ms6276 المجهول كالمعدوم كما في ~~اللقطة فإنه إذا ظهر مالكها لم يبطل ما تقدم قبل ذلك وتكون باقية على نكاحه ~~من حين اختارها؛ فتكون زوجته فيكون القادم مخيرا بين إجازة ما فعله الإمام ~~ورده وإذا أجازه فقد أخرج البضع عن ملكه. # وخروج البضع من ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك # PageV20P578 # والشافعي وأحمد في أنص الروايتين عنه وهو مضمون بالمسمى كما يقوله مالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل والنزاع ~~بينهم فيما إذا شهد شهود أنه طلق امرأته ورجعوا عن الشهادة فقيل: لا شيء ~~عليهم: بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم وهو قول أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين؛ اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأصحابه ~~وقيل: عليهم مهر المثل وهو قول الشافعي وهو وجه في مذهب أحمد وقيل: عليهم ~~المسمى وهو مذهب مالك وهو أشهر في نصوص أحمد وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد ~~نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمى والكتاب والسنة دلا على هذا القول ففي ~~سورة الممتحنة في قول الله تعالى: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} ~~وقوله: {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} وهذا المسمى دون مهر ~~المثل وكذلك {أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوج المختلعة أن يأخذ ما ~~أعطاها} ولم يأمر بمهر المثل وهو إنما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل ~~وهو مبسوط في غير هذا الموضع فقصة عمر تنبني على هذا. والقول بوقف العقود ~~عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ثبت # PageV20P579 # ذلك عنهم في قضايا متعددة ولم يعلم أن أحدا أنكر ذلك مثل قصة ابن مسعود ~~في صدقته عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في ذمته لما ~~تعذرت عليه معرفته وكتصدق الغال بالمال المغلول لما تعذر قسمته بين الجيش؛ ~~وإقرار معاوية على ذلك. وغير ذلك من القضايا مع أن القول بوقف العقود مطلقا ~~هو الأظهر في الحجة وهو قول الجمهور وليس ذلك إضرارا أصلا بل صلاح بلا فساد ~~فإن الرجل قد ms6277 يرى أن يشتري لغيره أو يبيع له أو يستأجر له أو يوجب له ثم ~~يشاوره فإن رضي وإلا فلم يصبه ما يضره وكذلك في تزويج موليته ونحو ذلك. ~~وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه فمسألة المفقود هي مما يقف فيها تعريف ~~الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء ~~والقول برد المهر إليه لخروج امرأته من ملكه ولكن تنازعوا في المهر الذي ~~يرجع به: هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني؟ وفيه روايتان عن أحمد. ~~والصواب أنه إنما يرجع بمهره هو؛ فإنه الذي استحقه وأما المهر الذي أصدقها ~~الثاني فلا حق له فيه. وإذا ضمن الأول للثاني المهر فهل يرجع به عليها؟ فيه ~~روايتان: # PageV20P580 # إحداهما: يرجع لأنها التي أخذته والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه فلا ~~يضمن مهرين؛ بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الأول ونكاح الثاني فعليها ~~أن ترد المهر؛ لأن الفرقة جاءت منها. والثانية: لا يرجع؛ لأن المرأة تستحق ~~المهر بما استحل من فرجها والأول يستحق المهر لخروج البضع من ملكه فكان على ~~الثاني مهران. وهذا المأثور عن عمر في " مسألة المفقود " هو عند طائفة من ~~أئمة الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس حتى قال من أئمة الفقهاء فيه ما ~~قال وهو مع هذا أصح الأقوال وأجراها على القياس وكل قول قيل سواه فهو خطأ ~~فمن قال: إنها تعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها وقد فرق بينه ~~وبينها تفريقا سائغا في الشرع وأجاز هو ذلك التفريق فإنه وإن كان الإمام ~~تبين أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج فإذا أجاز ما فعله ~~الإمام زال المحذور. وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زوجها وتبين ~~الأمر بخلاف ما فعل فهو خطأ أيضا فإنه لم يفارق امرأته وإنما فرق بينهما ~~بسبب ظهر أنه لم يكن كذلك وهو يطلب امرأته فكيف يحال بينهما؟ وهو لو طلب ~~ماله أو بدله رد إليه فكيف لا ترد إليه ms6278 امرأته وأهله # PageV20P581 # أعز عليه من ماله؟ وإن قيل: تعلق حق الثاني بها قيل: حقه سابق على حق ~~الثاني وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجة له وما ~~الموجب لمراعاة حق الثاني دون حق الأول. فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب وإذا ظهر صواب الصحابة في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها ~~مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون الصواب معهم فيما وافقهم فيه هؤلاء ~~بطريق الأولى وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة ~~وأعلمها واعتبر هذا بمسائل الأيمان بالنذر والعتق والطلاق وغير ذلك ومسائل ~~تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن ~~الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياسا وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه يدل ~~القياس الجلي وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص. وكذلك في ~~مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد. وما شاء الله ~~من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة. # PageV20P582 # وإلى ساعتي هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان ~~القياس معه لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم وإنما يعرف ذلك من ~~كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده؛ وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن ~~التي تفوق التعداد؛ وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد؛ وما ~~فيها من الحكمة البالغة والرحمة السابغة؛ والعدل التام. والله أعلم بالصواب ~~وإليه المرجع والمآب. # وسئل - رحمه الله -: (*) # هل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة: كحماد بن أبي سليمان وابن المبارك وسفيان ~~الثوري والأوزاعي وقد قال عنهم رجل - أعني هؤلاء الأئمة المذكورين - هؤلاء ~~لا يلتفت إليهم. فصاحب هذا الكلام ما حكمه؟ . # فأجاب: وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الإسلام؛ فإن الثوري إمام ~~أهل العراق وهو عند أكثرهم أجل من أقرانه كابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن ~~حي وأبي حنيفة وغيره وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان. والأوزاعي إمام ~~أهل الشام وما ms6279 زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة بل أهل المغرب كانوا على ~~مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك وحماد بن أبي سليمان هو شيخ أبي حنيفة. ~~PageV20P583 # ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما. ~~ومذهبه باق إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي وأصحابه. ومذهبهم باق إلى اليوم ~~فلم يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول؛ بل القائلون به كثير في المشرق ~~والمغرب ليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص. فمالك ~~والليث بن سعد والأوزاعي والثوري: هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل منهم ~~كتقليد الآخر؛ لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا ولكن من منع من ~~تقليد أحد هؤلاء في زماننا فإنما يمنعه لأحد شيئين: # أحدهما: اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم وتقليد الميت فيه نزاع ~~مشهور. فمن منعه قال هؤلاء موتى ومن سوغه قال لا بد أن يكون في الأحياء من ~~يعرف قول الميت. # والثاني: أن يقول: الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول وينبني ذلك ~~على مسألة معروفة في أصول الفقه وهي أن الصحابة مثلا أو غيرهم من أهل ~~الأعصار إذا اختلفوا في مسألة على قولين ثم أجمع التابعون أو أهل العصر ~~الثاني على أحدهما فهل يكون هذا إجماعا يرفع ذلك الخلاف؟ وفي المسألة نزاع ~~مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء. فمن قال: إن مع إجماع أهل العصر ~~الثاني لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك ~~يركب من هذين # PageV20P584 # الاعتقادين المنع. ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق؛ لأن الأقوال لا ~~تموت بموت قائلها: فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذي وافق ~~اجتهاده وأما التقليد فينبني على مسألة تقليد الميت وفيها قولان مشهوران ~~أيضا في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وأما إذا كان القول الذي يقول به ~~هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم فلا ريب أن ~~قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به ويقابل بهؤلاء ms6280 من خالفه من أقرانهم: ~~فيقابل بالثوري والأوزاعي أبا حنيفة ومالكا؛ إذ الأمة متفقة على أنه إذا ~~اختلف مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو صواب ~~دون هذا إلا بحجة. والله أعلم. PageV20P585 # الجزء الحادي والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الأول: الطهارة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب المياه # وقال الشيخ الإمام العالم العامل القدوة رباني الأمة ومحيي السنة العلامة ~~شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن ~~تيمية الحراني قدس الله روحه؛ ونور ضريحه: # الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد خاتم ~~المرسلين وإمام المهتدين وعلى آله أجمعين. # فصل: # أما العبادات: فأعظمها الصلاة. والناس: إما أن يبتدئوا مسائلها بالطهور ~~لقوله صلى الله عليه وسلم {مفتاح الصلاة الطهور} كما رتبه أكثرهم وإما ~~بالمواقيت التي تجب بها الصلاة كما فعله مالك وغيره. # PageV21P005 # فأما الطهارة والنجاسة فنوعان: من الحلال والحرام - في اللباس ونحوه - ~~تابعان للحلال والحرام في الأطعمة والأشربة. ومذهب أهل الحديث في هذا الأصل ~~العظيم الجامع: وسط بين مذهب العراقيين والحجازيين فإن أهل المدينة - مالكا ~~وغيره - يحرمون من الأشربة كل مسكر كما صحت بذلك النصوص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه متعددة وليسوا في الأطعمة كذلك بل الغالب عليهم فيها عدم ~~التحريم فيبيحون الطيور مطلقا وإن كانت من ذات المخالب ويكرهون كل ذي ناب ~~من السباع وفي تحريمها عن مالك روايتان. وكذلك في الحشرات عنه: هل هي محرمة ~~أو مكروهة؟ روايتان. وكذلك البغال والحمير وروي عنه: أنها مكروهة أشد من ~~كراهة السباع وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير والخيل أيضا ~~يكرهها لكن دون كراهة السباع. وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل ~~المدينة ولسائر الناس ليست الخمر عندهم إلا من العنب ولا يحرمون القليل من ~~المسكر إلا أن يكون خمرا من العنب أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب ~~النيء أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه. وهم في # PageV21P006 # الأطعمة في ms6281 غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب وقيل: إن أبا حنيفة ~~يكره الضب والضباع ونحوها. فأخذ أهل الحديث في الأشربة بقول أهل المدينة ~~وسائر أهل الأمصار موافقة للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في التحريم وزادوا عليهم في متابعة السنة. وصنف الإمام أحمد كتابا ~~كبيرا في الأشربة ما علمت أحدا صنف أكبر منه وكتابا أصغر منه. وهو أول من ~~أظهر في العراق هذه السنة حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال: هل فيها من يحرم ~~النبيذ؟ فقالوا: لا إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة وأخذ فيه بعامة ~~السنة حتى إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث. وإن لم يظهر فيه شدة متابعة ~~للسنة المأثورة في ذلك. لأن الثلاث مظنة ظهور الشدة غالبا. والحكمة هنا: ~~مما تخفى فأقيمت المظنة مقام الحكمة حتى إنه كره الخليطين إما كراهة تنزيه ~~أو تحريم على اختلاف الروايتين عنه وحتى اختلف قوله في الانتباذ في ~~الأوعية: هل هو مباح؛ أو محرم؛ أو مكروه؟ لأن أحاديث النهي كثيرة جدا ~~وأحاديث النسخ قليلة. فاختلف اجتهاده: هل تنسخ تلك الأخبار المستفيضة بمثل ~~هذه الأخبار التي لا تخرج عن كونها أخبار آحاد ولم يخرج البخاري منها شيئا؟ # PageV21P007 # وأخذوا في الأطعمة بقول أهل الكوفة؛ لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ وتحريم لحوم الحمر؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على من تمسك في هذا الباب بعدم وجود نص ~~التحريم في القرآن حيث قال: {لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر ~~من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن فما وجدنا ~~فيه من حلال أحللناه؛ وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإني أوتيت الكتاب ~~ومثله معه وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى} ~~وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. # وعلموا أن ما حرمه رسول الله صلى الله ms6282 عليه وسلم إنما هو زيادة تحريم ليس ~~نسخا للقرآن؛ لأن القرآن إنما دل على أن الله لم يحرم إلا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وعدم التحريم ليس تحليلا وإنما هو بقاء للأمر على ما كان وهذا ~~قد ذكره الله في سورة الأنعام التي هي مكية باتفاق العلماء ليس كما ظنه ~~أصحاب مالك والشافعي أنها من آخر القرآن نزولا وإنما سورة المائدة هي ~~المتأخرة وقد قال الله فيها: {أحل لكم الطيبات} فعلم أن عدم التحريم ~~المذكور في سورة الأنعام ليس تحليلا وإنما هو عفو. فتحريم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رافع # PageV21P008 # للعفو ليس نسخا للقرآن. لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما ~~حرموه بل أحلوا الخيل لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحليلها يوم ~~خيبر وبأنهم ذبحوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا وأكلوا لحمه. ~~وأحلوا الضب لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: {لا أحرمه} ~~وبأنه أكل على مائدته وهو ينظر ولم ينكر على من أكله وغير ذلك مما جاءت فيه ~~الرخصة. فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة من الأطعمة كما زادوا على أهل المدينة ~~في الأشربة؛ لأن النصوص الدالة على تحريم الأشربة المسكرة أكثر من النصوص ~~الدالة على تحريم الأطعمة. ولأهل المدينة سلف من الصحابة والتابعين في ~~استحلال ما أحلوه أكثر من سلف أهل الكوفة في استحلال المسكر. والمفاسد ~~الناشئة من المسكر: أعظم من مفاسد خبائث الأطعمة؛ ولهذا سميت الخمر " أم ~~الخبائث " كما سماها عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بجلد شاربها وفعله هو وخلفاؤه وأجمع عليه العلماء دون المحرمات ~~من الأطعمة؛ فإنه لم يحد فيها أحد من أهل العلم إلا ما بلغنا عن الحسن ~~البصري بل قد أمر صلى الله عليه وسلم # PageV21P009 # بقتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة وإن كان الجمهور على أنه منسوخ. ~~ونهى النبي صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه - عن تخليل الخمر وأمر بشق ~~ظروفها وكسر دنانها ms6283 وإن كان قد اختلفت الرواية من أحمد: هل هذا باق أو ~~منسوخ؟ ولما كان الله سبحانه وتعالى إنما حرم الخبائث لما فيها من الفساد: ~~إما في العقول؛ أو الأخلاق؛ أو غيرها: ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات ~~من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة ولولا التأويل ~~لاستحقوا العقوبة. # ثم إن الإمام أحمد وغيره من علماء الحديث زادوا في متابعة السنة على ~~غيرهم؛ بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر بعض المباحات مثل: ~~لحوم الإبل فإنها حلال بالكتاب والسنة والإجماع ولكن فيها من القوة ~~الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إنها جن خلقت من ~~جن} " وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: {الغضب من الشيطان ~~وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ} ~~فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول ~~بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها كما صح ذلك عنه من ~~غير وجه من حديث جابر بن سمرة والبراء بن # PageV21P010 # عازب وأسيد بن الحضير وذي الغرة وغيرهم فقال مرة: {توضئوا من لحوم الإبل ~~ولا توضئوا من لحوم الغنم وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل} ~~فمن توضأ من لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين لأكلها من غير وضوء ~~كالأعراب: من الحقد وقسوة القلب؛ التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله المخرج عنه في الصحيحين: {إن الغلظة وقسوة القلوب في الفدادين أصحاب ~~الإبل وإن السكينة في أهل الغنم} . واختلف عن أحمد: هل يتوضأ من سائر ~~اللحوم المحرمة؟ على روايتين بناء على أن الحكم مختص بها أو أن المحرم أولى ~~بالتوضؤ منه من المباح الذي فيه نوع مضرة. وسائر المصنفين من أصحاب الشافعي ~~وغيره وافقوا أحمد على هذا الأصل وعلموا أن من اعتقد أن هذا منسوخ بترك ~~الوضوء مما مست النار فقد أبعد؛ لأنه فرق في الحديث بين اللحمين ms6284 ليتبين أن ~~العلة هي الفارقة بينهما لا الجامع. وكذلك قالوا بما اقتضاه الحديث: من أنه ~~يتوضأ منه نيئا ومطبوخا ولأن هذا الحديث كان بعد النسخ؛ ولهذا قال في لحم ~~الغنم: {وإن شئت فلا تتوضأ} ولأن النسخ لم يثبت إلا بالترك # PageV21P011 # من لحم غنم فلا عموم له. وهذا معنى قول جابر: {كان آخر الأمرين منه: ترك ~~الوضوء مما مست النار} فإنه رآه يتوضأ ثم رآه أكل لحم غنم ولم يتوضأ ولم ~~ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة عامة في ذلك ولو نقلها لكان فيه نسخ ~~للخاص بالعام الذي لم يثبت شموله لذلك الخاص عينا وهو أصل لا يقول به أكثر ~~المالكية والشافعية والحنبلية. هذا مع أن أحاديث الوضوء مما مست النار لم ~~يثبت أنها منسوخة بل قد قيل: إنها متأخرة ولكن أحد الوجهين في مذهب أحمد: ~~أن الوضوء منها مستحب؛ ليس بواجب. والوجه الآخر: لا يستحب. # فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها: كذلك جاءت بتجنب ~~الخبائث الروحانية والتطهر منها. حتى قال صلى الله عليه وسلم {إذا قام ~~أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه} ~~وقال: {إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده؟} فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان ~~على خيشومه فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة فلا يستبعد أن ~~يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل. # PageV21P012 # وكذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل؛ وقال: " إنها جن خلقت من جن " كما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام} وقد روي عنه: {أن الحمام بيت الشيطان} وثبت عنه: أنه لما ارتحل عن ~~المكان الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر قال: {إنه مكان حضرنا فيه الشيطان} . ~~فعلل صلى الله عليه وسلم الأماكن بالأرواح الخبيثة كما يعلل بالأجسام ~~الخبيثة وبهذا يقول أحمد وغيره من فقهاء الحديث ومذهبه الظاهر عنه: أن ما ms6285 ~~كان مأوى للشياطين - كالمعاطن والحمامات - حرمت الصلاة فيه. وما عرض ~~الشيطان فيه - كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة - كرهت فيه الصلاة. ~~والفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك: إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعا ~~تثبت به عندهم؛ أو سمعوها ولم يعرفوا العلة: فاستبعدوا ذلك عن القياس ~~فتأولوه. وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه ~~المسائل؛ وأنهم لم يكونوا يتوضئون من لحوم الإبل: فقد غلط عليهم وإنما توهم ~~ذلك لما نقل عنهم: " أنهم لم يكونوا يتوضئون مما مست النار " وإنما المراد: ~~أن أكل ما مس النار ليس هو سببا عندهم لوجوب # PageV21P013 # الوضوء والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحوم الإبل ~~ليس سببه مس النار كما يقال: كان فلان لا يتوضأ من مس الذكر. وإن كان يتوضأ ~~منه إذا خرج منه مذي. ومن تمام هذا: أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما وجاء من حديث ~~غيرهما: أنه {يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار} وفرق النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين الكلب الأسود والأحمر والأبيض: بأن {الأسود شيطان} وصح ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الشيطان تفلت علي البارحة ليقطع صلاتي ~~فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد} - الحديث فأخبر أن ~~الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته. فهذا أيضا يقتضي أن مرور الشيطان يقطع ~~الصلاة؛ فلذلك أخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود؛ واختلف قوله في المرأة ~~والحمار؛ لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة لما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي وهي في قبلته وحديث ابن عباس رضي الله عنهما لما اجتاز على أتانه ~~بين يدي بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى مع أن ~~المتوجه: أن الجميع يقطع وأنه يفرق بين المار واللابث كما فرق بينهما في ~~الرجل في كراهة مروره دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلي ولم يكن ~~متحدثا ms6286 # PageV21P014 # وأن مروره ينقص ثواب الصلاة دون اللبث. واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد ~~في الشيطان الجني إذا علم بمروره: هل يقطع الصلاة؟ والأوجه: أنه يقطعها ~~بتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبظاهر قوله: {يقطع صلاتي} لأن ~~الأحكام التي جاءت بها السنة في الأرواح الخبيثة من الجن وشياطين الدواب في ~~الطهارة والصلاة في أمكنتهم وممرهم ونحو ذلك: قوية في الدليل نصا وقياسا ~~ولذلك أخذ بها فقهاء الحديث ولكن مدرك علمها أثرا هو لأهل الحديث. ومدركه ~~قياسا: هو في باطن الشريعة وظاهرها دون التفقه في ظاهرها فقط. ولو لم يكن ~~في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة لكان وصمة على الأمة ترك ~~مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثرا ولا رأيا. ولقد كان أحمد - رحمه الله ~~- يعجب ممن يدع حديث {الوضوء من لحوم الإبل} مع صحته التي لا شك فيها وعدم ~~المعارض له ويتوضأ من مس الذكر مع تعارض الأحاديث فيه وأن أسانيدها ليست ~~كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل ولذلك أعرض عنها الشيخان: البخاري ومسلم. وإن ~~كان أحمد على المشهور عنه يرجح أحاديث الوضوء # PageV21P015 # من مس الذكر لكن غرضه: أن الوضوء من لحوم الإبل أقوى في الحجة من الوضوء ~~من مس الذكر. وقد ذكرت ما يبين أنه أظهر في القياس منه فإن تأثير المخالطة ~~أعظم من تأثير الملامسة ولهذا كان كل نجس محرم الأكل وليس كل محرم الأكل ~~نجسا. وكان أحمد يعجب أيضا ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ من الضحك في ~~الصلاة مع أنه أبعد عن القياس والأثر والأثر فيه مرسل قد ضعفه أكثر الناس ~~وقد صح عن الصحابة ما يخالفه. والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم ~~يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه أو ~~بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يقطع ~~الصلاة شيء} أو بما روي في ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه ~~المسألة. أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم ms6287 هذه الحجة خصوصا مذهب أحمد. فهذا أصل ~~في الخبائث الجسمانية والروحانية. # وأصل آخر وهو: أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في العفو # PageV21P016 # عن النجاسة فيعفون من المغلظة: عن قدر الدرهم البغلي ومن المخففة: عن ربع ~~المحل المتنجس. والشافعي بإزائهم في ذلك فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر ~~الاستنجاء؛ وونيم الذباب ونحوه ولا يعفو عن دم ولا عن غيره إلا عن دم ~~البراغيث ونحوه مع أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك فقوله في ~~النجاسات نوعا وقدرا أشد أقوال الأئمة الأربعة ومالك متوسط في نوع النجاسة ~~وفي قدرها؛ فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث والأبوال مما يؤكل لحمه ويعفو عن ~~يسير الدم وغيره. وأحمد كذلك؛ فإنه متوسط في النجاسات فلا ينجس الأرواث ~~والأبوال ويعفو عن اليسير من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها حتى إنه في ~~إحدى الروايتين عنه يعفو عن يسير روث البغل والحمار وبول الخفاش؛ وغير ذلك ~~مما يشق الاحتراز عنه بل يعفو في إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول ~~من كل حيوان طاهر كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في شرح المذهب وهو مع ذلك ~~يوجب اجتناب النجاسة في الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه لم يختلف قوله في ~~ذلك كما اختلف أصحاب مالك ولو صلى بها جاهلا أو ناسيا لم تجب عليه الإعادة ~~في أصح الروايتين؛ كقول مالك كما دل عليه حديث # PageV21P017 # النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في أثناء الصلاة لأجل الأذى الذي ~~فيهما ولم يستقبل الصلاة ولما صلى الفجر فوجد في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم ~~يعد الصلاة. والرواية الأخرى: تجب الإعادة كقول أبي حنيفة والشافعي. وأصل ~~آخر في إزالتها فمذهب أبي حنيفة: تزال بكل مزيل من المائعات والجامدات. ~~والشافعي لا يرى إزالتها إلا بالماء حتى ما يصيب أسفل الخف والحذاء والذيل: ~~لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء؛ وحتى نجاسة الأرض. ومذهب أحمد فيه متوسط؛ ~~فكل ما جاءت به السنة قال به: يجوز - في الصحيح عنه - مسحها بالتراب ونحوه ~~من النعل ونحوه كما ms6288 جاءت به السنة. كما يجوز مسحها من السبيلين؛ فإن ~~السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى سائر الثياب في ~~تكرر النجاسة على كل منها. واختلف أصحابه في أسفل الذيل: هل هو كأسفل الخف؟ ~~كما جاءت به السنة واستواؤها للأثر في ذلك. والقياس: إزالتها عن الأرض ~~بالشمس والريح. . . (1) يجب التوسط فيه. فإن التشديد في النجاسات جنسا ~~وقدرا هو دين اليهود والتساهل PageV21P018 # هو دين النصارى ودين الإسلام هو الوسط. فكل قول يكون فيه شيء من هذا ~~الباب يكون أقرب إلى دين الإسلام. وأصل آخر: وهو اختلاط الحلال بالحرام ~~كاختلاط المائع الطاهر بالنجس فقول الكوفيين فيه من الشدة ما لا خفاء به. ~~وسر قولهم: إلحاق الماء بسائر المائعات؛ وأن النجاسة إذا وقعت في مائع لم ~~يكن استعماله إلا باستعمال الخبث فيحرم الجميع مع أن تنجيس المائع غير ~~الماء الآثار فيه قليلة. وبإزائهم مالك وغيره من أهل المدينة؛ فإنهم - في ~~المشهور - لا ينجسون الماء إلا بالتغير ولا يمنعون من المستعمل ولا غيره ~~مبالغة في طهورية الماء مع فرقهم بينه وبين غيره من المائعات. ولأحمد قول ~~كمذهبهم لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله وكثيره كقول الشافعي. # PageV21P019 # واختلف قوله في المائعات غير الماء: هل يلحق بالماء؛ أو لا يلحق به كقول ~~مالك والشافعي؟ أو يفرق بين الماء وغير الماء كخل العنب؟ على ثلاث روايات. # وفي هذه الأقوال من التوسط - أثرا ونظرا - ما لا خفاء به مع أن قول أحمد ~~الموافق لقول مالك راجح في الدليل. # وأصل آخر: وهو أن للناس في أجزاء الميتة التي لا رطوبة فيها - كالشعر ~~والظفر والريش - مذاهب: هل هو طاهر؛ أو نجس؟ ثلاثة أقوال: أحدها: نجاستها ~~مطلقا. كقول الشافعي ورواية عن أحمد؛ بناء على أنها جزء من الميتة. ~~والثاني: طهارتها مطلقا كقول أبي حنيفة وقول في مذهب أحمد؛ بناء على أن ~~الموجب للنجاسة هو الرطوبات وهي إنما تكون فيما يجري فيه الدم؛ ولهذا حكم ~~بطهارة ما لا نفس له سائلة فما لا رطوبة فيه من الأجزاء بمنزلة ما لا ms6289 نفس ~~له سائلة. والثالث: نجاسة ما كان فيه حس كالعظم؛ إلحاقا له باللحم اليابس ~~وعدم نجاسة ما لم يكن فيه إلا النماء كالشعر؛ إلحاقا له بالنبات. # وأصل آخر: وهو طهارة الأحداث التي هي الوضوء والغسل. فإن مذهب فقهاء ~~الحديث. استعملوا فيها من السنن ما لا يوجد لغيرهم # PageV21P020 # ويكفي المسح على الخفين وغيرهما من اللباس والحوائل. فقد صنف الإمام أحمد ~~" كتاب المسح على الخفين " وذكر فيه من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في المسح على الخفين والجوربين وعلى العمامة بل على خمر النساء - ~~كما كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها تفعله. وعلى القلانس ~~- كما كان أبو موسى وأنس يفعلانه: ما إذا تأمله العالم علم فضل علم أهل ~~الحديث على غيرهم مع أن القياس يقتضي ذلك اقتضاء ظاهرا وإنما توقف عنه من ~~توقف من الفقهاء: لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر وجبنوا عن القياس ورعا. ~~ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كأحاديث المسح ~~على العمائم والجوربين والتوقيت في المسح. وإنما اختلف قوله فيما جاء عن ~~الصحابة كخمر النساء وكالقلانس الدنيات. ومعلوم أن في هذا الباب من الرخصة ~~التي تشبه أصول الشريعة وتوافق الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. واعلم أن كل من تأول في هذه الأخبار تأويلا - مثل كون المسح على ~~العمامة مع بعض الرأس هو المجزئ ونحو ذلك - لم يقف على مجموع الأخبار وإلا ~~فمن وقف على مجموعها أفادته علما يقينا بخلاف ذلك. # PageV21P021 # وأصل آخر في التيمم: فإن أصح حديث فيه: حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه ~~- المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه والكفين وليس في الباب حديث يعارضه من ~~جنسه وقد أخذ به فقهاء الحديث أحمد وغيره. وهذا أصح من قول من قال: يجب ~~ضربتان وإلى المرفقين؛ كقول أبي حنيفة والشافعي في الجديد أو ضربتان إلى ~~الكوعين. وأصل آخر: في الحيض والاستحاضة فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب ~~الطهارة. وفي الباب عن النبي صلى ms6290 الله عليه وسلم ثلاث سنن: سنة في ~~المعتادة: أنها ترجع إلى عادتها وسنة في المميزة: أنها تعمل بالتمييز وسنة ~~في المتحيرة التي ليست لها عادة ولا تميز: بأنها تتحيض غالب عادات النساء: ~~ستا أو سبعا وأن تجمع بين الصلاتين إن شاءت. فأما السنتان الأولتان ففي ~~الصحيح وأما الثالثة: فحديث حمنة بنت جحش رواه أهل السنن: وصححه الترمذي. ~~وكذلك قد روى أبو داود وغيره في سهلة بنت سهيل بعض معناه. وقد استعمل أحمد ~~هذه السنن الثلاث في المعتادة المميزة والمتحيرة. فإن اجتمعت العادة ~~والتمييز قدم العادة في أصح الروايتين كما جاء في أكثر الأحاديث. # PageV21P022 # فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن كانت ولا يعتبر التمييز ولا الغالب. بل ~~إن لم تكن عادة إن كانت مبتدئة حيضها حيضة الأكثر وإلا حيضة الأقل. ومالك ~~يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا الأغلب فإن لم يعتبر العادة ولا الأغلب ~~فلا يحيضها بل تصلي أبدا إلا في الشهر الأول فهل تحيض أكثر الحيض؛ أو ~~عادتها وتستظهر ثلاثة أيام؟ على روايتين. والشافعي يستعمل التمييز والعادة ~~دون الأغلب؛ فإن اجتمع قدم التمييز وإن عدم صلت أبدا. واستعمل من الاحتياط ~~في الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه مشقة عظيمة علما وعملا. فالسنن الثلاث ~~التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالات الفقهية: استعملها ~~فقهاء الحديث ووافقهم في كل منها طائفة من الفقهاء. # PageV21P023 # وسئل: # عن مسائل كثير وقوعها؛ ويحصل الابتلاء بها؛ ويحصل الضيق والحرج والعمل ~~بها على رأي إمام بعينه؟ : منها مسألة المياه اليسيرة ووقوع النجاسة فيها ~~من غير تغير وتغييرها بالطاهرات؟ . # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # الحمد لله رب العالمين. أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير ~~بالطاهرات: كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب والعجين وغير ذلك مما ~~قد يغير الماء مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي ووضع فيه ماء فتغير ~~به مع بقاء اسم الماء: فهذا فيه قولان معروفان للعلماء. أحدهما: أنه لا ~~يجوز التطهير به كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه ms6291 ~~التي اختارها الخرقي والقاضي وأكثر متأخري أصحابه؛ لأن هذا ليس بماء مطلق ~~فلا يدخل في قوله تعالى {فلم تجدوا ماء} . ثم إن أصحاب هذا القول استثنوا ~~من هذا أنواعا بعضها متفق عليه بينهم وبعضها مختلف فيه فما كان من التغير ~~حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه: فهو طهور # PageV21P024 # باتفاقهم. وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك: ففيه قولان معروفان في ~~مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وما كان تغيره يسيرا: فهل يعفى عنه أو لا يعفى ~~عنه أو يفرق بين الرائحة وغيرها؟ على ثلاثة أوجه إلى غير ذلك من المسائل. ~~والقول الثاني: أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق ~~الاحتراز عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه ~~أجزاء غيره كان طهورا كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه ~~وهي التي نص عليها في أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله سبحانه ~~وتعالى قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} وقوله: {فلم تجدوا ماء} نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء لا فرق ~~في ذلك بين نوع ونوع. فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء؟ . قيل: ~~تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير ~~الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه فإن الفرق بين هذا وهذا ~~إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى # PageV21P025 # استعمال هذا المتغير دون هذا فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا ~~فرق بين هذا وهذا؟ ولهذا لو وكله في شراء ماء أو حلف لا يشرب ماء أو غير ~~ذلك: لم يفرق بين هذا وهذا؛ بل إن دخل هذا دخل هذا وإن خرج هذا خرج هذا ~~فلما حصل الاتفاق على دخول المتغير تغيرا أصليا أو حادثا بما يشق صونه عنه: ~~علم ms6292 أن هذا النوع داخل في عموم الآية. وقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال في البحر: {هو الطهور ماؤه الحل ميتته} والبحر متغير ~~الطعم تغيرا شديدا لشدة ملوحته. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر ~~أن ماءه طهور - مع هذا التغير - كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون ~~طهورا وإن كان الملح وضع فيه قصدا؛ إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة ~~اللغة. وبهذا يظهر ضعف حجة المانعين؛ فإنه لو استقى ماء أو وكله في شراء ~~ماء لم يتناول ذلك ماء البحر ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان ~~مثله في الصفة. وأيضا فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم {أمر بغسل ~~المحرم بماء وسدر} {وأمر بغسل ابنته بماء وسدر} {وأمر الذي أسلم أن يغتسل ~~بماء وسدر} ومن المعلوم: أن السدر لا بد أن يغير الماء فلو كان التغير يفسد ~~الماء لم يأمر به. # PageV21P026 # وقول القائل: إن هذا تغير في محل الاستعمال فلا يؤثر: تفريق بوصف غير ~~مؤثر لا في اللغة ولا في الشرع؛ فإن المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا وهو على ~~البدن فيسمى ماء مطلقا وهو في الإناء. وإن لم يسم ماء مطلقا في أحدهما لم ~~يسم مطلقا في الموضع الآخر؛ فإنه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون في ~~التسمية بين محل ومحل. وأما الشرع: فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي فلا ~~يلتفت إليه. والقياس عليه إذا جمع أو فرق: أن يبين أن ما جعله مناط الحكم ~~جمعا أو فرقا مما دل عليه الشرع وإلا فمن علق الأحكام بأوصاف جمعا وفرقا ~~بغير دليل شرعي: كان واضعا لشرع من تلقاء نفسه شارعا في الدين ما لم يأذن ~~به الله. ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط ~~الحكم بطريق من الطرق الدالة على كون الوصف المشترك هو علة الحكم. وكذلك في ~~الوصف الذي فرق فيه بين الصورتين عليه أن ms6293 يبين تأثيره بطريق من الطرق ~~الشرعية. وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم {توضأ من قصعة فيها أثر ~~العجين} ومن المعلوم أنه: لا بد في العادة من تغير الماء بذلك لا سيما في # PageV21P027 # آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين. فإن قيل: ذلك التغير كان يسيرا؟ ~~قيل: وهذا أيضا دليل في المسألة؛ فإنه إن سوى بين التغير اليسير والكثير ~~مطلقا كان مخالفا للنص؛ وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينهما حد منضبط لا ~~بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف ومن فرق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم ~~لم يكن قوله صحيحا. وأيضا: فإن المانعين مضطربون اضطرابا يدل على فساد أصل ~~قولهم منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره ويقول: إن هذا التغير عن ~~مجاورة لا عن مخالطة. ومنهم من يقول: بل نحن نجد في الماء أثر ذلك. ومنهم ~~من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي. ومنهم من يسوي بينهما ومنهم من يسوي ~~بين الملحين: الجبلي والمائي. ومنهم من يفرق بينهما. وليس على شيء من هذه ~~الأقوال دليل يعتمد عليه لا من نص ولا قياس ولا إجماع؛ إذ لم يكن الأصل ~~الذي تفرعت عليه مأخوذا من جهة الشرع. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهذا بخلاف ما جاء من عند # PageV21P028 # الله فإنه محفوظ كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~فدل ذلك على ضعف هذا القول. وأيضا. فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي ~~والمعنوي؛ مدلول عليه بالظواهر والمعاني؛ فإن تناول اسم الماء لمواقع ~~الإجماع كتناوله لموارد النزاع في اللغة وصفات هذا كصفات هذا في الجنس فتجب ~~التسوية بين المتماثلين. وأيضا. فإنه على قول المانعين: يلزم مخالفة الأصل ~~وترك العمل بالدليل الشرعي لمعارض راجح؛ إذ كان يقتضي القياس عندهم: أنه لا ~~يجوز استعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث لكن استثني المتغير ~~بأصل الخلقة وبما يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ~~ترك له القياس وتعارض ms6294 الأدلة على خلاف الأصل. وعلى القول الأول: يكون رخصة ~~ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع؛ فيكون هذا أقوى. # PageV21P029 # فصل: # وأما الماء إذا تغير بالنجاسات: فإنه ينجس بالاتفاق. وأما ما لم يتغير ~~ففيه أقوال معروفة: أحدها: لا ينجس. وهو قول أهل المدينة ورواية المدنيين ~~عن مالك وكثير من أهل الحديث وإحدى الروايات عن أحمد اختارها طائفة من ~~أصحابه ونصرها ابن عقيل في المفردات؛ وابن البناء وغيرهما. والثاني: ينجس ~~قليل الماء بقليل النجاسة. وهي رواية البصريين عن مالك. والثالث: وهو مذهب ~~الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى - اختارها طائفة من أصحابه - الفرق بين ~~القلتين وغيرهما. فمالك لا يحد الكثير بالقلتين والشافعي وأحمد يحدان ~~الكثير بالقلتين. والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما فالأول ~~ينجس # PageV21P030 # منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه بخلاف الثاني؛ فإنه لا ينجس ~~القلتين فصاعدا. وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه. والخامس: ~~أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا؛ وهذا قول أبي ~~حنيفة وأصحابه لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه. ثم حدوا ما لا يصل إليه: بما ~~لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. ثم تنازعوا: هل يحد بحركة المتوضئ ~~أو المغتسل؟ وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع. ~~وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة: هل يمكن تطهيرها؟ فزعم المزني: ~~أنه لا يمكن. وقال أبو حنيفة وأصحابه. يمكن تطهيرها بالنزح ولهم في تقدير ~~الدلاء أقوال معروفة. والسادس: قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه ~~البائل دون ما ألقي فيه البول ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير. # PageV21P031 # وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أن اختلاط الخبيث وهو النجاسة بالماء: ~~هل يوجب تحريم الجميع أم يقال: بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم؟ ~~فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول؛ ثم من استثنى الكثير قال: هذا يشق ~~الاحتراز من وقوع النجاسة فيه فجعلوا ذلك موضع استحسان كما ذهب إلى ذلك ~~طائفة من ms6295 أصحاب الشافعي وأحمد. وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول ~~النجاسة وعدم وصولها وقدروه بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون ~~العمق. والصواب: هو القول الأول وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء ~~طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا وكذلك في المائعات كلها وذلك لأن الله تعالى ~~أباح الطيبات وحرم الخبائث والخبيث متميز عن الطيب بصفاته فإذا كانت صفات ~~الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث: وجب دخوله في الحلال دون الحرام. وأيضا ~~فقد ثبت من حديث أبي سعيد {أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أنتوضأ من ~~بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض # PageV21P032 # ولحوم الكلاب والنتن فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء} قال أحمد: حديث بئر ~~بضاعة صحيح. وهو في المسند أيضا عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: الماء طهور لا ينجسه شيء} وهذا اللفظ عام في القليل والكثير وهو عام ~~في جميع النجاسات. وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم ~~النجاسة باق ففي استعماله استعمالها بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن ~~الماء طهور وليس هناك نجاسة قائمة. ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء ~~واستحالت ثم شربها شارب لم يكن شاربا للخمر؛ ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم ~~يبق شيء من طعمها ولونها وريحها ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم ~~يبق له أثر وشرب طفل ذلك الماء: لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضا: فإن ~~هذا باق على أوصاف خلقته؛ فيدخل في عموم قوله تعالى {فلم تجدوا ماء} فإن ~~الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه. فإن ~~قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد {نهى عن البول # PageV21P033 # في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه} ؟ قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم ~~لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك بل قد ~~يكون نهيه سدا للذريعة؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه؛ ms6296 فإنه إذا بال هذا ثم ~~بال هذا تغير الماء بالبول فكان نهيه سدا للذريعة. أو يقال: إنه مكروه ~~بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه. وأيضا فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم ~~أنه يعم القليل والكثير فيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله فيما فوق القلتين؟ ~~إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص؛ وإن حرمته فقد نقضت دليلك. وكذلك يقال لمن ~~فرق بين ما يمكن نزحه وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع ~~المبنية بطريق مكة؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم ~~يفرق بين القليل والكثير وإلا نقضت قولك. وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: ~~إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية ~~البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص؛ وإلا نقضت قولك فإذا كان النص # PageV21P034 # بل والإجماع دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول؛ بل تقدير الماء ~~وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير: كان هذا الوصف المشترك بين القليل ~~والكثير مستقلا بالنهي فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة ولا يجوز أن يقال: إنه ~~صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن البول فيه لأن البول ينجسه؛ فإن هذا خلاف ~~النص والإجماع. وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول فقوله ظاهر ~~الفساد؛ فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول؛ إذ الإنسان قد ~~يحتاج إلى أن يبول وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. فإن قيل: ففي ~~حديث القلتين أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع ~~والدواب فقال: {إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث} وفي لفظ {لم ينجسه شيء} ؟ ~~قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع؛ وبين أنه من كلام ~~ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV21P035 # وسئل - رحمه الله -: # عن الماء الكثير إذا تغير لونه بمكثه؛ أو تغير لونه وطعمه لا الرائحة: ~~فهل يكون طهورا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما ما تغير بمكثه ms6297 ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء ~~وأما النهر الجاري: فإن علم أنه متغير بنجاسة فإنه يكون نجسا فإن خالطه ما ~~يغيره من طاهر ونجس وشك في التغير: هل هو بطاهر أو نجس؟ لم يحكم بنجاسته ~~بمجرد الشك. والأغلب أن هذه الأنهار الكبار لا تتغير بهذه القنى التي عليها ~~لكن إذا تبين تغيره بالنجاسة فهو نجس وإن كان متغيرا بغير نجس ففي طهوريته ~~القولان المشهوران. والله أعلم. # PageV21P036 # وسئل: # عن بئر كثير الماء وقع فيه كلب ومات وبقي فيه حتى انهرى جلده وشعره ولم ~~يغير من الماء وصفا قط لا طعم ولا لون ولا رائحة؟ # فأجاب: # الحمد لله، هو طاهر عند جماهير العلماء - كمالك والشافعي وأحمد - إذا بلغ ~~الماء قلتين؛ وهما نحو القربتين؛ فكيف إذا كان أكثر من ذلك؟ وشعر الكلب في ~~طهارته نزاع بين العلماء؛ فإنه طاهر في مذهب مالك؛ ونجس في مذهب الشافعي ~~وعن أحمد روايتان. فإذا لم يعلم أن في الدلو الصاعد شيئا من شعره لم يحكم ~~بنجاسته بلا ريب. وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: يا ~~رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ ~~وعذر الناس؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء} وبئر بضاعة واقعة معروفة في ~~شرقي المدينة؛ باقية إلى اليوم ومن قال: # PageV21P037 # إنها كانت جارية: فقد أخطأ؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة عين جارية بل الزرقاء وعيون حمزة حدثتا بعد موته. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة ثم مات فيها؛ وذهب ~~شعره وجلده ولحمه؛ وهو فوق القلتين؛ فكيف يصنع به؟ # فأجاب: # الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء مما ذكر أو غيره إن كان الماء لم يتغير ~~بالنجاسة فهو طاهر؛ فإن كانت عين النجاسة باقية نزحت منه وألقيت وسائر ~~الماء طاهر وشعر الكلب والخنزير إذا بقي في الماء لم يضره ذلك في أصح قولي ms6298 ~~العلماء: فإنه طاهر في أحد أقوالهم وهو إحدى الروايتين عند أحمد وهذا القول ~~أظهر في الدليل؛ فإن جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر سواء كان على ~~جلد ما يؤكل لحمه أو جلد ما لا يؤكل لحمه وسواء كان على حي أو ميت. هذا # PageV21P038 # أظهر الأقوال للعلماء؛ وهو إحدى الروايات عن أحمد. وأما إن كان الماء قد ~~تغير بالنجاسة فإنه ينزح منه حتى يطيب وإن لم يتغير الماء لم ينزح منه شيء؛ ~~فإنه {قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى ~~فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء} . وقد ~~بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع. والله أعلم. # وسئل: # عن بئر سقطت فيه دجاجة ثم ماتت: هل ينجس أم لا؟ # فأجاب: # إذا لم يتغير الماء لم ينجس. والله أعلم. # وسئل: # عن البئر تكون في وسط البلد فيتغير لونه بالزبل؛ فيصير أصفر؛ # PageV21P039 # وهو روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وربما صار فيه اللحمة: هل ينجس أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الزبل مما يؤكل لحمه فهو طاهر عند جمهور العلماء كمالك ~~وأحمد بن حنبل وقد دلت على ذلك الدلائل الشرعية الكثيرة كما قد بسط القول ~~في ذلك وذكر فيه بضعة عشر حجة. وأما ما تيقن أن تغيره بالنجاسة فإنه ينجس ~~وإن شك: هل الروث روث ما يؤكل لحمه أو روث ما لا يؤكل لحمه؟ ففيه قولان في ~~مذهب أحمد وغيره. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الماء الجاري إذا كان مزبلا: هل يجوز الوضوء به؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يتيقن أنه مزبل بزبل نجس جاز أن يكون طاهرا وجاز أن ~~يكون نجسا فجاز الوضوء به في إحدى الروايتين في مذهب أحمد وغيره. # PageV21P040 # وسئل - رحمه الله -: # عن القلتين: هل حديثه صحيح أم لا؟ ومن قال: إنه قلة الجبل؛ وفي سؤر الهرة ~~إذا أكلت نجاسة ثم شربت من ماء دون القلتين: هل يجوز الوضوء به أم لا؟ # فأجاب: # الحمد ms6299 لله، قد صح عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: إنك تتوضأ من ~~بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ والنتن؟ فقال: الماء ~~طهور لا ينجسه شيء} وبئر بضاعة باتفاق العلماء وأهل العلم بها هي بئر ليست ~~جارية وما يذكر عن الواقدي من أنها جارية: أمر باطل؛ فإن الواقدي لا يحتج ~~به باتفاق أهل العلم ولا ريب أنه لم يكن بالمدينة على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ماء جار وعين الزرقاء وعيون حمزة محدثة بعد النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وبئر بضاعة باقية إلى اليوم في شرقي المدينة وهي ~~معروفة. وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج ~~به وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه وصنف أبو عبد # PageV21P041 # الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر ~~وغيره. وأما لفظ القلة فإنه معروف عندهم أنه الجرة الكبيرة كالحب وكان صلى ~~الله عليه وسلم يمثل بهما كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهى: {وإذا ~~ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر} وهي قلال معروفة الصفة ~~والمقدار؛ فإن التمثيل لا يكون بمختلف متفاوت. وهذا مما يبطل كون المراد ~~قلة الجبل لأن قلال الجبال فيها الكبار والصغار وفيها المرتفع كثيرا وفيها ~~ما هو دون ذلك وليس في الوجود ماء يصل إلى قلال الجبل إلا ماء الطوفان فحمل ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم على مثل هذا يشبه الاستهزاء بكلامه. ومن ~~عادته صلى الله عليه وسلم أنه يقدر المقدرات بأوعيتها كما قال: {ليس فيما ~~دون خمسة أوسق صدقة} والوسق حمل الجمل وكما كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ~~وذلك من أوعية الماء وهكذا تقدير الماء بالقلال مناسب فإن القلة وعاء ~~الماء. وأما الهرة فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنها ليست ~~بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات} . # PageV21P042 # وتنازع العلماء فيما إذا أكلت فأرة ونحوها ثم ولغت في ماء قليل على أربعة ~~أقوال ms6300 في مذهب أحمد وغيره. قيل: إن الماء طاهر مطلقا. وقيل نجس مطلقا حتى ~~تعلم طهارة فمها. وقيل: إن غابت غيبة يمكن فيها ورودها على ما يطهر فمها ~~كان طاهرا وإلا فلا. وهذه الأوجه في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وقيل إن ~~طال الفصل كان طاهرا جعلا لريقها مطهرا لفمها لأجل الحاجة وهذا قول طائفة ~~من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وهو أقوى الأقوال والله أعلم. # وسئل: # عن رجل غمس يده في الماء قبل أن يغسلها من قيامه من نوم الليل: فهل هذا ~~الماء يكون طهورا؟ وما الحكمة في غسل اليد إذا باتت طاهرة؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، أما مصيره مستعملا لا يتوضأ به فهذا فيه نزاع مشهور وفيه ~~روايتان عن أحمد اختار كل واحدة طائفة من أصحابه فالمنع اختيار أبي بكر ~~والقاضي وأكثر أتباعه ويروى ذلك عن الحسن وغيره. والثانية لا يصير مستعملا ~~وهي اختيار الخرقي وأبي محمد وغيرهما وهو # PageV21P043 # قول أكثر الفقهاء. وأما الحكمة في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه ~~خوف نجاسة تكون على اليد؛ مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق؛ أو على ~~زبلة ونحو ذلك. والثاني: أنه تعبد ولا يعقل معناه. والثالث: أنه من مبيت ~~يده ملامسة للشيطان كما في الصحيحين عن أبي هريرة؛ عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء؛ فإن ~~الشيطان يبيت على خيشومه} فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان على خيشومه؛ ~~فعلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف. وقوله: {فإن أحدكم لا ~~يدري أين باتت يده؟} " يمكن أن يراد به ذلك؛ فتكون هذه العلة من العلل ~~المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار. والله أعلم. # PageV21P044 # وقال - رضي الله عنه -: # فصل: # وأما نهيه صلى الله عليه وسلم {أن يغمس القائم من نوم الليل يده في ~~الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا} فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق بل قد يكون ~~لأنه يؤثر في الماء أثرا وأنه قد يفضي إلى التأثير وليس ذلك بأعظم من النهي ms6301 ~~عن البول في الماء الدائم وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس. وأيضا ففي ~~الصحيحين عن أبي هريرة: {إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر بمنخريه من ~~الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه} فعلم أن ذلك الغسل ليس مسببا عن ~~النجاسة بل هو معلل بمبيت الشيطان على خيشومه. والحديث المعروف: {فإن أحدكم ~~لا يدري أين باتت يده} يمكن أن يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل ~~المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار. وأما نهيه عن الاغتسال فيه بعد البول ~~فهذا إن صح عن النبي # PageV21P045 # صلى الله تعالى عليه وسلم فهو كنهيه عن البول في المستحم وقوله: {فإن ~~عامة الوسواس منه} فإنه إذا بال في المستحم ثم اغتسل حصل له وسواس وربما ~~بقي شيء من أجزاء البول فعاد عليه رشاشه وكذلك إذا بال في الماء ثم اغتسل ~~فيه فقد يغتسل قبل الاستحالة مع بقاء أجزاء البول؛ فنهي عنه لذلك. ونهيه عن ~~الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل وهذا قد يكون ~~لما فيه من تقذير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملا؛ ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: {إن الماء لا يجنب} . # وسئل أيضا - رحمه الله -: # عن الماء إذا غمس الرجل يده فيه: هل يجوز استعماله أم لا؟ # فأجاب: # لا ينجس بذلك بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك؛ وأبي حنيفة؛ ~~والشافعي؛ وأحمد؛ وعنه رواية أخرى: أنه يصير مستعملا. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV21P046 # وسئل: # عن الرجل يغتسل إلى جانب الحوض أو الجرن في الحمام وغيره وهو ناقص؛ ثم ~~يرجع بعض الماء من على بدنه إلى الجرن: هل يصير ذلك الماء مستعملا أم لا؟ ~~وكذلك الجنب إذا وضع يده في الماء أو الجرن: هل يصير مستعملا أم لا؟ وعن ~~مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا؟ وعن الطاسة التي ~~تحط على أرض الحمام والماء المستعمل جار عليها؛ ثم يغترف بها من الجرن ~~الناقص من غير أن تغسل أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ms6302 ما يطير من بدن المغتسل أو المتوضئ من الرشاش في إناء الطهارة ~~لا يجعله مستعملا. وكذلك غمس الجنب يده في الإناء والجرن الناقص لا يصير ~~مستعملا. وأما مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا: إذا ~~كان كثيرا مقدار قلتين. # PageV21P047 # وأما الطاسة التي توضع على أرض الحمام فالماء المستعمل طاهر لا ينجس إلا ~~بملاقاة النجاسة؛ فالأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها؛ لا سيما ما ~~بين يدي الحياض الفائضة في الحمامات؛ فإن الماء يجري عليها كثيرا. والله ~~أعلم. # وسئل: # عن رجل تدركه الصلاة وهو في مدرسة؛ فيجد في المدارس بركا فيها ماء له مدة ~~كثيرة ومثل ماء الحمام الذي في الحوض: فهل يجوز من ذلك الوضوء والطهارة أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير وجه كحديث عائشة؛ وأم سلمة؛ وميمونة؛ وابن عمر - رضي الله عنهم -: ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد حتى يقول ~~لها: أبقي لي وتقول هي: أبق لي} . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ~~{قال: كان الرجال والنساء يغتسلون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~إناء واحد ولم # PageV21P048 # يكن بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء جار ولا حمام} . ~~فإذا كانوا يتوضئون جميعا ويغتسلون جميعا من إناء واحد بقدر الفرق وهو بضعة ~~عشر رطلا بالمصري أو أقل وليس لهم ينبوع ولا أنبوب فتوضؤهم واغتسالهم جميعا ~~من حوض الحمام أولى وأحرى فيجوز ذلك وإن كان الحوض ناقصا والأنبوب مسدودا؛ ~~فكيف إذا كان الأنبوب مفتوحا؟ وسواء فاض أو لم يفض. وكذلك برك المدارس ومن ~~منع غيره حتى ينفرد وحده بالاغتسال فهو مبتدع مخالف للسنة. # وسئل شيخ الإسلام: # عن هؤلاء الذين يعبرون إلى الحمام؛ فإذا أرادوا أن يغتسلوا من الجنابة ~~وقف واحد منهم على الطهور وحده؛ ولا يغتسل أحد معه حتى يفرغ واحدا بعد ~~واحد؛ فهل إذا اغتسل معه غيره لا يطهر؟ ms6303 وإن تطهر من بقية أحواض الحمام فهل ~~يجوز وإن كان الماء بائنا فيها؟ وهل الماء الذي يتقاطر من على بدن الجنب من ~~الجماع طاهر أو نجس؟ وهل ماء الحمام عند كونه مسخنا بالنجاسة نجس أم لا؟ ~~وهل الزنبور الذي # PageV21P049 # يكون في الحمام أيام الشتاء هو من دخان النجاسة يتنجس به الرجل إذا اغتسل ~~وجسده مبلول أم لا؟ والماء الذي يجري في أرض الحمام من اغتسال الناس طاهر ~~أم نجس؟ أفتونا ليزول الوسواس. # فأجاب: # الحمد لله، قد ثبت في الصحيحين عن {عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل ~~هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يغترفان جميعا} . وفي ~~رواية: إنها {كانت تقول: دع لي ويقول هو: دعي لي} من قلة الماء. وثبت أيضا ~~في الصحيح {أنه كان يغتسل هو وغير عائشة من أمهات المؤمنين من إناء واحد ~~مثل ميمونة بنت الحارث وأم سلمة} . وثبت عن {عائشة أنها قالت: كنت أغتسل ~~أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد قدر الفرق} . والفرق ~~بالرطل العراقي القديم ستة عشر رطلا؛ وبالرطل المصري أقل من خمسة عشر رطلا. ~~وثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل ~~بالصاع} . وثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه {قال: كان الرجال والنساء على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون من ماء واحد} . وهذه السنن الثابتة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا بمدينته على عهده دلت على ~~أمور. # PageV21P050 # أحدها هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل ~~منهما يغتسل بسؤر الآخر. وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم ~~أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضئوا واغتسلوا من ماء واحد جاز ~~كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة. وإنما تنازع العلماء فيما إذا ~~انفردت المرأة بالاغتسال أو خلت به: هل ينهى الرجل عن التطهر بسؤرها؟ على ~~ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: لا بأس بذلك مطلقا. والثاني: يكره ms6304 ~~مطلقا. والثالث: ينهى عنه إذا خلت به؛ دون ما انفردت به ولم تخل به. وقد ~~روي في ذلك أحاديث في السنن وليس هذا موضع هذه المسألة. فأما اغتسال الرجال ~~والنساء جميعا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه وإذا جاز اغتسال ~~الرجال والنساء جميعا فاغتسال الرجال دون النساء جميعا أو النساء دون ~~الرجال جميعا: أولى بالجواز وهذا مما لا نزاع فيه. فمن كره أن يغتسل معه ~~غيره؛ أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده: فقد خرج عن إجماع المسلمين؛ ~~وفارق جماعة المؤمنين. # PageV21P051 # يوضح ذلك أن الآنية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه والرجال ~~والنساء يغتسلون منها كانت آنية صغيرة ولم يكن لها مادة لا أنبوب ولا غيره ~~ولم يكن يفيض. فإذا كان تطهر الرجال والنساء جميعا من تلك الآنية جائزا ~~فكيف بهذه الحياض التي في الحمامات وغير الحمامات؛ التي يكون الحوض أكبر من ~~قلتين؟ فإن القلتين أكثر ما قيل فيهما على الصحيح: أنهما خمسمائة رطل ~~بالعراقي القديم فيكون هذا الرطل المصري أكثر من ذلك بعشرات من الأرطال؛ ~~فإن الرطل العراقي القديم مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم ~~وهذا الرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهما يزيد على ذلك بخمسة عشر درهما ~~وثلاثة أسباع درهم وذلك أكثر من أوقية وربع مصرية فالخمسمائة رطل بالعراقي ~~أربعة وستون ألف درهم؛ ومائتا درهم؛ وخمسة وثمانون درهما؛ وخمسة أسباع ~~درهم؛ وذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم: مائة وسبعة أرطال وسبع ~~رطل. وهذا الرطل المصري أربعمائة رطل وستة وأربعون رطلا وكسر أوقية ومساحة ~~القلتين ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا ومعلوم أن غالب هذه ~~الحياض التي في الحمامات المصرية وغير الحمامات أكثر من هذا المقدار بكثير؛ ~~فإن القلة نحو من هذه القرب الكائنة التي تستعمل بالشام ومصر فالقلتان ~~قربتان بهذه القرب وهذا كله تقريب بلا ريب فإن تحديد القلتين إنما هو ~~بالتقريب على أصوب القولين # PageV21P052 # ومعلوم أن هذه الحياض فيها أضعاف ذلك فإذا كان النبي صلى الله عليه ms6305 وسلم ~~يتطهر هو وأزواجه من تلك الآنية: فكيف بالتطهر من هذه الحياض؟ . # الأمر الثاني: أنه يجوز التطهر من هذه الحياض سواء كانت فائضة أو لم تكن ~~وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن؛ وسواء كان الماء بائنا فيها أو لم ~~يكن؛ فإنها طاهرة والأصل بقاء طهارتها وهي بكل حال أكثر ماء من تلك الآنية ~~الصغار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون منها؛ ولم تكن ~~فائضة ولا كان بها مادة من أنبوب ولا غيره. ومن انتظر الحوض حتى يفيض؛ ولم ~~يغتسل إلا وحده؛ واعتقد ذلك دينا: فهو مبتدع مخالف للشريعة؛ مستحق للتعزير ~~الذي يردعه وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدون الله ~~باعتقادات فاسدة وأعمال غير واجبة ولا مستحبة. الأمر الثالث: الاقتصاد في ~~صب الماء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل ~~بالصاع} والصاع أكثر ما قيل فيه: إنه ثمانية أرطال بالعراقي كما قال أبو ~~حنيفة؛ وأما أهل الحجاز وفقهاء الحديث - كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم # PageV21P053 # فعندهم أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي. وحكاية أبي يوسف مع مالك في ذلك ~~مشهورة لما سأله عن مقدار الصاع والمد؟ فأمر أهل المدينة أن يأتوه بصيعانهم ~~حتى اجتمع عنده منها شيء كثير فلما حضر أبو يوسف قال مالك لواحد منهم: من ~~أين لك هذا الصاع؟ قال: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي به صدقة الفطر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: حدثتني أمي عن أمها أنها كانت ~~تؤدي به يعني: صدقة حديقتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر ~~نحو ذلك. وقال الآخر نحو ذلك. فقال مالك لأبى يوسف: أترى هؤلاء يكذبون؟ ~~قال: لا والله ما يكذب هؤلاء قال مالك: فأنا حررت هذا برطلكم يا أهل العراق ~~فوجدته خمسة أرطال وثلثا فقال أبو يوسف لمالك: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد ~~الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. فهذا النقل المتواتر عن ms6306 أهل ~~المدينة بمقدار الصاع والمد. وقد ذهب طائفة من العلماء - كابن قتيبة ~~والقاضي أبي يعلى في تعليقه؛ وجدي أبي البركات - إلى أن صاع الطعام خمسة ~~أرطال وثلث؛ وصاع الماء ثمانية: واحتجوا بحجج: منها خبر {عائشة: أنها كانت ~~تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق} والفرق ستة عشر رطلا ~~بالعراقي والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء # PageV21P054 # واحد وهو أظهر وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا: أن مقدار طهور النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث ~~والوضوء ربع ذلك وهذا بالرطل المصري أقل من ذلك. وإذا كان كذلك فالذي يكثر ~~صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء أو أقل أو أكثر: مبتدع مخالف للسنة ومن تدين ~~به عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك كسائر المتدينين بالبدع المخالفة للسنة ~~وهذا كله بين في هذه الأحاديث. فإن قيل: إنما يفعل نحو هذا لأن الماء قد ~~يكون نجسا أو مستعملا؛ بأن تكون الآنية مثل الطاسة اللاصقة بالأرض قد تنجست ~~بما على الأرض من النجاسة؛ ثم غرف بها منه أو بأن الجنب غمس يده فيه فصار ~~الماء مستعملا أو قطر عليه من عرق سقف الحمام النجس. أو المحتمل للنجاسة أو ~~غمس بعض الداخلين أعضاءه فيه وهي نجسة فنجسته؛ فلاحتمال كونه نجسا أو ~~مستعملا احتطنا لديننا وعدلنا إلى الماء الطهور بيقين؛ لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} ولقوله: {من اتقى الشبهات استبرأ ~~لعرضه ودينه} . # PageV21P055 # قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الاحتياط بمجرد الشك في أمور ~~المياه ليس مستحبا ولا مشروعا بل ولا يستحب السؤال عن ذلك بل المشروع أن ~~يبنى الأمر على الاستصحاب فإن قام دليل على النجاسة نجسناه؛ وإلا فلا يستحب ~~أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة وأما إذا قامت أمارة ظاهرة فذاك ~~مقام آخر. والدليل القاطع: أنه ما زال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعون يتوضئون ويغتسلون ويشربون من المياه التي في الآنية والدلاء ms6307 ~~الصغار والحياض وغيرها مع وجود هذا الاحتمال بل كل احتمال لا يستند إلى ~~أمارة شرعية لم يلتفت إليه؛ وذلك أن المحرمات نوعان: محرم لوصفه؛ ومحرم ~~لكسبه. فالمحرم لكسبه كالظلم والربا والميسر؛ والمحرم لوصفه كالميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به. والأول أشد تحريما والتورع فيه مشهور؛ ~~ولهذا كان السلف يحترزون في الأطعمة والثياب من الشبهات الناشئة من المكاسب ~~الخبيثة. وأما الثاني: فإنما حرم لما فيه من وصف الخبث وقد أباح الله لنا ~~طعام أهل الكتاب مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية أو يسموا عليه غير ~~الله وإذا علمنا أنهم سموا عليه غير الله حرم ذلك # PageV21P056 # في أصح قولي العلماء وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يدرى أسموا عليه أم لا؟ فقال: سموا ~~أنتم وكلوا} # وأما الماء فهو في نفسه طهور ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه صار ~~استعماله استعمالا لذلك الخبيث فإنما نهي عن استعماله لما خالطه من الخبيث ~~لا لأنه في نفسه خبيث فإذا لم يكن هنا أمارة ظاهرة على مخالطة الخبيث له ~~كان هذا التقدير والاحتمال مع طيب الماء وعدم التغيير فيه: من باب الحرج ~~الذي نفاه الله عن شريعتنا ومن باب الآصار والأغلال المرفوعة عنا. وقد ثبت ~~أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا ~~الاحتمال ومر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصاحب له بميزاب فقال صاحبه: ~~يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أم نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبره. ~~فإن هذا ليس عليه. وقد نص على هذه المسألة الأئمة كأحمد وغيره نصوا على أنه ~~إذا سقط عليه ماء من ميزاب ونحوه ولا أمارة تدل على النجاسة لم يلزم السؤال ~~عنه بل يكره وإن سأل: فهل يلزم رد الجواب؟ على وجهين. وقد استحب بعض ~~الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره السؤال وهو ضعيف. # PageV21P057 # والوجه الثاني: أن يقول: هذه الاحتمالات هنا منتفية؛ أو في غاية ms6308 البعد ~~فلا يلتفت إليها والالتفات إليها حرج ليس من الدين ووسوسة يأتي بها ~~الشيطان؛ وذلك أن الطاسات وغيرها من الآنية التي يدخل بها الناس الحمامات: ~~طاهرة في الأصل واحتمال نجاستها أضعف من احتمال نجاسة الأوعية التي في ~~حوانيت الباعة فإذا كانت آنية الأدهان والألبان والخلول والعجين وغير ذلك ~~من المائعات والجامدات والرطبة: محكوما بطهارتها؛ غير ملتفت فيها إلى هذا ~~الوسواس: فكيف بطاسات الناس. وأما قول القائل: إنها تقع على الأرض: فنعم. ~~وما عند الحياض من الأرض طاهر لا شبهة فيه؛ فإن الأصل فيه الطهارة وما يقع ~~عليه من المياه والسدر والخطمي والأشنان والصابون وغير ذلك: طاهر وأبدان ~~الجنب من الرجال والنساء طاهرة. وقد ثبت في الصحيح من حديث {أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة؛ قال: ~~فانخنست منه؛ فاغتسلت ثم أتيته فقال: أين كنت؟ فقلت: إني كنت جنبا؛ فكرهت ~~أن أجالسك وأنا جنب فقال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس} . وهذا متفق عليه ~~بين الأئمة: أن بدن الجنب طاهر وعرقه طاهر والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر؛ ~~ولو سقط الجنب # PageV21P058 # في دهن أو مائع لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة بل وكذلك الحائض عرقها طاهر ~~وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر. وقد ثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أذن للحائض أن تصلي في ثوبها الذي تحيض فيه وأنها إذا رأت ~~فيه دما أزالته وصلت فيه} . فإذا كان كذلك: فمن أين ينجس ذلك البلاط؟ أكثر ~~ما يقال إنه قد يبول عليه بعض المغتسلين؛ أو يبقى عليه؛ أو يكون على بدن ~~بعض المغتسلين نجاسة يطأ بها الأرض ونحو ذلك. وجواب هذا من وجوه: أحدها: أن ~~هذا قليل نادر؛ وليس هذا المتيقن من كل بقعة. الثاني: أن غالب من تقع منه ~~نجاسة يصب عليها الماء الذي يزيلها. الثالث: أنه إذا أصاب ذلك البلاط شيء ~~من هذا: فإن الماء الذي يفيض من الحوض والذي يصبه الناس: يطهر تلك البقعة ~~وإن لم ms6309 يقصد تطهيرها؛ فإن القصد في إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من ~~الأئمة الأربعة ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا وجها ~~ضعيفا في ذلك؛ ليطردوا قياسهم في مناظرة أبي حنيفة في اشتراط النية في ~~طهارة الحدث. كما أن زفر نفى وجوب النية في # PageV21P059 # التيمم طردا لقياسه وكلا القولين مطرح. وقد نص الأئمة على أن ماء المطر ~~يطهر الأرض التي يصيبها وغالب الماء الذي يصب على الأرض ليس بمستعمل؛ فإن ~~أكثر الماء الذي يصبه الناس لا يكون عن جنابة ولا يكون متغيرا. الوجه ~~الثالث: أن يقال: هب أن الحوض وقعت فيه نجاسة محققة؛ أو انغمس فيه جنب: ~~فهذا ماء كثير. وقد ثبت عن أبي سعيد {أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ~~يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض؛ ولحوم ~~الكلب؛ والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء} . قال الإمام أحمد: حديث ~~بئر بضاعة صحيح. وفي السنن عن ابن عمر أن {النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: إذا بلغ الماء ~~قلتين لم ينجسه شيء} وفي لفظ {لم يحمل الخبث} . وبئر بضاعة بئر كسائر ~~الآبار وهي باقية إلى الآن بالمدينة من الناحية الشرقية ومن قال: إنها كانت ~~عينا جارية فقد غلط غلطا بينا؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة عين جارية أصلا ولم يكن بها إلا الآبار منها يتوضؤون ~~ويغتسلون # PageV21P060 # ويشربون مثل بئر أريس التي بقباء؛ أو البئر التي ببيرحاء حديقة أبي طلحة ~~والبئر التي اشتراها عثمان وحبسها على المسلمين وغير هذه الآبار وكان سقيهم ~~للنخل والزرع من الآبار بالنواضح والسواني ونحو ذلك أو بماء السماء وما ~~يأتي من السيول فأما عين جارية فلم تكن لهم. وهذه العيون التي تسمى عيون ~~حمزة إنما أحدثها معاوية في خلافته وأمر الناس بنقل الشهداء من موضعها ~~فصاروا ينبشونهم وهم رطاب لم ينتنوا حتى أصابت المسحاة رجل أحدهم فانبعثت ~~دما ms6310 وكذلك عين الزرقاء محدثة؛ لكن لا أدري متى حدثت؟ وهذا أمر لا ينازع فيه ~~أحد من العلماء العالمين بالمدينة وأحوالها وإنما ينازع في مثل هذا بعض ~~أتباع علماء العراق؛ الذين ليس لهم خبرة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومدينته وسيرته. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من تلك البئر ~~التي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن: فكيف يشرع لنا أن نتنزه عن أمر ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد ثبت عنه أنه أنكر على من يتنزه عما ~~يفعله وقال: {ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إني لأخشاكم ~~لله وأعلمكم بحدوده} . # PageV21P061 # ولو قال قائل: نتنزه عن هذا لأجل الخلاف فيه؛ فإن من أهل العراق من يقول ~~الماء إذا وقعت فيه نجاسة نجسته وإن كان كثيرا؛ إلا أن يكون مما لا تبلغه ~~النجاسة؛ ويقدرونه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر وهل العبرة ~~بحركة المتوضئ أو بحركة المغتسل؟ على قولين. وقدر بعضهم ذلك بعشرة أذرع في ~~عشرة أذرع. ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يبولن أحدكم في ~~الماء الدائم ثم يغتسل منه} ثم يقولون: إذا تنجست البئر فإنه ينزح منها ~~دلاء مقدرة في بعض النجاسات وفي بعضها تنزح البئر كلها. وذهب بعض متكلميهم ~~إلى أن البئر تطم فهذا الاختلاف يورث شبهة في الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ ~~قيل لهذا القائل: الاختلاف إنما يورث شبهة إذا لم تتبين سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فأما إذا تبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في شيء؛ ~~وقد كره أن نتنزه عما ترخص فيه؛ وقال لنا: {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما ~~يكره أن تؤتى معصيته} رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه: فإن تنزهنا عنه عصينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أحق أن نرضيه وليس لنا أن نغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبهة وقعت لبعض العلماء كما كان عام ~~الحديبية ولو فتحنا هذا الباب لكنا نكره لمن ms6311 أرسل هديا أن يستبيح # PageV21P062 # ما يستبيحه الحلال لخلاف ابن عباس. ولكنا نستحب للجنب إذا صام أن يغتسل ~~لخلاف أبي هريرة. ولكنا نكره تطيب المحرم قبل الطواف لخلاف عمر وابنه ~~ومالك. وكنا نكره له أن يلبي إلى أن يرمي الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك ~~وغيره. ومثل هذا واسع لا ينضبط. وأما من خالف في شيء من هذا من السلف ~~والأئمة رضي الله عنهم فهم مجتهدون قالوا بمبلغ علمهم واجتهادهم وهم إذا ~~أصابوا فلهم أجران وإذا أخطئوا فلهم أجر والخطأ محطوط عنهم فهم معذورون ~~لاجتهادهم؛ ولأن السنة البينة لم تبلغهم ومن انتهى إلى ما علم فقد أحسن. ~~فأما من تبلغه السنة من العلماء وغيرهم وتبين له حقيقة الحال: فلم يبق له ~~عذر في أن يتنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرغب عن سنته ~~لأجل اجتهاد غيره؛ فإنه قد ثبت عنه في الصحيحين {أنه بلغه أن أقواما يقول ~~أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر. ويقول الآخر: فأنا أقوم ولا أنام. ويقول ~~الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء. ويقول الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم ~~فقال: بل أصوم وأفطر وأنام؛ وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني} . # PageV21P063 # ومعلوم أن طائفة من المنتسبين إلى العلم والدين يرون أن المداومة على ~~قيام الليل وصيام النهار وترك النكاح وغيره من الطيبات: أفضل من هذا وهم في ~~هذا إذا كانوا مجتهدين معذورون. ومن علم السنة فرغب عنها لأجل اعتقاد: أن ~~ترك السنة إلى هذا أفضل؛ وأن هذا الهدي أفضل من هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم: لم يكن معذورا بل هو تحت الوعيد النبوي بقوله: {من رغب عن سنتي فليس ~~مني} . وفي الجملة (باب الاجتهاد والتأويل باب واسع يئول بصاحبه إلى أن ~~يعتقد الحرام حلالا كمن تأول في ربا الفضل والأنبذة المتنازع فيها وحشوش ~~النساء وإلى أن يعتقد الحلال حراما مثل بعض ما ذكرناه من صور النزاع مثل ~~الضب وغيره بل يعتقد وجوب قتل المعصوم أو بالعكس. فأصحاب الاجتهاد وإن ~~عذروا ms6312 وعرفت مراتبهم من العلم والدين: فلا يجوز ترك ما تبين من السنة ~~والهدي لأجل تأويلهم والله أعلم. وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: إنه قد يغمس ~~يده فيه أو ينغمس فيه الجنب. فإنه قد ثبت بالسنة أن هذا لا يؤثر فيه ~~النجاسة: فكيف تؤثر فيه الجنابة؟ وقد أجاب الجمهور عن {نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أن يبول الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل منه} بأجوبة. # PageV21P064 # أحدها: أن النهي عن الاغتسال وعن البول؛ لأن ذلك قد يفضي إلى الإكثار من ~~ذلك حتى يتغير الماء وإذا بال ثم اغتسل فقد يصيبه البول قبل استحالته. وهذا ~~جواب من يقول: الماء لا ينجس إلا بالتغير كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب ~~مالك؛ وأحمد في رواية اختارها أبو محمد البغدادي صاحب التعليقة. الثاني: أن ~~ذلك محمول على ما دون القلتين؛ توفيقا بين الأحاديث. وهذا جواب الشافعي ~~وطائفة من أصحاب أحمد. الثالث: أن النص إنما ورد في البول والبول أغلظ من ~~غيره؛ لأن أكثر عذاب القبر منه؛ وصيانة الماء منه ممكنة لأنه يكون باختيار ~~الإنسان فلما غلظ - وصيانة الماء عنه ممكنة - فرق بينه وبين ما يعسر صيانة ~~الماء عنه؛ وهو دونه. وهذا جواب أحمد في المشهور عنه؛ واختيار جمهور ~~أصحابه. الجواب الرابع: أنا نفرض أن الماء قليل؛ وأن المغتسلين غمسوا فيه ~~أيديهم: فهذا بعينه صورة النصوص التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه كان يغتسل هو والمرأة من أزواجه من إناء واحد. # وقد تنازع الفقهاء الذين يقولون بأن الماء المتطهر به يصير مستعملا إذا ~~غمس الجنب يده فيه: هل يصير مستعملا؟ على قولين مشهورين. # PageV21P065 # وهو نظير غمس المتوضئ يده بعد غسل وجهه عند من يوجب الترتيب كالشافعي ~~وأحمد. والصحيح عندهم: الفرق به بين أن ينوي الغسل أو لا ينويه؛ فإن نوى ~~مجرد الغسل صار مستعملا وإن نوى مجرد الاغتراف لم يصر مستعملا وإن أطلق لم ~~يصر مستعملا على الصحيح. وقد ثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه اغترف من ms6313 الإناء بعد غسل وجهه} كما ثبت عنه أنه اغترف منه في الجنابة ~~ولم يحرج على المسلمين في هذا الموضع بل قد علمنا يقينا أن أكثر توضؤ ~~المسلمين واغتسالهم على عهده كان من الآنية الصغار وأنهم كانوا يغمسون ~~أيديهم في الوضوء والغسل جميعا فمن جعل الماء مستعملا بذلك فقد ضيق ما وسعه ~~الله. فإن قيل: فنحن نحترز من ذلك لأجل قول من ينجس الماء المستعمل. قيل: ~~هذا أبعد عن السنة؛ فإن نجاسة الماء المستعمل نجاسة حسية كنجاسة الدم ونحوه ~~- وإن كان إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - فهو مخالف لقول سلف الأمة ~~وأئمتها؛ مخالف للنصوص الصحيحة والأدلة الجلية وليست هذه المسألة من موارد ~~الظنون بل هي قطعية بلا ريب فقد ثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه توضأ وصب وضوءه على جابر} وأنهم كانوا يقتتلون على وضوئه كما ~~يأخذون # PageV21P066 # نخامته وكما اقتسموا شعره عام حجة الوداع. فمن نجس الماء المستعمل كان ~~بمنزلة من نجس شعور الآدميين بل بمنزلة من نجس البصاق كما يروى عن سلمان. ~~وأيضا فبدن الجنب طاهر بالنص والإجماع والماء الطاهر إذا لاقى محلا طاهرا ~~لم ينجس بالإجماع. وأما احتجاجهم بتسمية ذلك طهارة؛ وأنها ضد النجاسة: ~~فضعيف من وجهين: أحدهما: أنه لا يسلم أن كل طهارة فضدها النجاسة؛ فإن ~~الطهارة تنقسم إلى: طهارة خبث وحدث طهارة عينية وحكمية. الثاني: أنا نسلم ~~ذلك ونقول: النجاسة أنواع كالطهارة فيراد بالطهارة الطهارة من الكفر ~~والفسوق كما يراد بالنجاسة ضد ذلك كقوله تعالى: {إنما المشركون نجس} وهذه ~~النجاسة لا تفسد الماء بدليل أن سؤر اليهودي والنصراني طاهر وآنيتهم التي ~~يصنعون فيها المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة وقد {أهدى اليهودي للنبي ~~صلى الله عليه وسلم شاة مشوية وأكل منها لقمة} مع علمه أنهم باشروها. {وقد ~~أجاب صلى الله عليه وسلم يهوديا إلى خبز شعير وإهالة سنخة} . # PageV21P067 # والثاني: يراد بالطهارة الطهارة من الحدث وضد هذه نجاسة الحدث كما قال ~~أحمد في بعض أجوبته لما سئل عن نحو ذلك: إنه أنجس الماء. فظن بعض ms6314 أصحابه ~~أنه أراد نجاسة الجنب؛ فذكر ذلك رواية عنه. وإنما أراد أحمد نجاسة الحدث ~~وأحمد رضي الله عنه لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط والسنة في ذلك أظهر من ~~أن تخفى على أقل أتباعه لكن نقل عنه أنه قال: اغسل بدنك منه. والصواب أن ~~هذا لا يدل على النجاسة؛ فإن غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب بالاتفاق ~~ولكن ذكروا عن أحمد رحمه الله في استحباب غسل البدن منه: روايتين. الرواية ~~التي تدل على الاستحباب لأجل الشبهة والصحيح أن ذلك لا يجب ولا يستحب؛ لأن ~~هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يغسلون ثيابهم بما يصيبهم من ~~الوضوء. الثالث: يراد بالطهارة الطهارة من الأعيان الخبيثة التي هي نجسة ~~والكلام في هذه النجاسة بالقول بأن الماء المستعمل صار بمنزلة الأعيان ~~الخبيثة؛ كالدم والماء المنجس ونحو ذلك: هو القول الذي دلت النصوص والإجماع ~~القديم والقياس الجلي على بطلانه. وعلى هذا فجميع هذه المياه التي في ~~الحياض؛ والبرك التي في الحمامات والطرقات وعلى أبواب المساجد وفي المدارس؛ ~~وغير ذلك: لا يكره التطهر بشيء منها وإن سقط فيها # PageV21P068 # الماء المستعمل وليس للإنسان أن يتنزه عن أمر ثبتت فيه سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالرخصة لأجل شبهة وقعت لبعض العلماء رضي الله عنهم أجمعين. ~~وقد تبين بما ذكرناه جواب السائل عن الماء الذي يقطر من بدن الجنب بجماع أو ~~غيره وتبين أن الماء طاهر وأن التنزه عنه أو عن ملامسته للشبهة التي في ذلك ~~بدعة مخالفة للسنة ولا نزاع بين المسلمين أن الجنب لو مس مغتسلا لم يقدح في ~~صحة غسله. # وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه ~~وأما كراهته ففيها نزاع لا كراهة فيه في مذهب الشافعي وأبي حنيفة؛ ومالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنهما وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنهما. ~~وهذه الكراهة لها مأخذان: أحدهما: احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء؛ ~~فيبقى مشكوكا في طهارته شكا مستندا إلى أمارة ظاهرة فعلى ms6315 هذا المأخذ متى ~~كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره؛ لأنه قد تيقن أن ~~الماء لم تصل إليه النجاسة. وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد كالشريف أبي ~~جعفر وابن عقيل وغيرهما. # PageV21P069 # والثاني: أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة؛ واستعمال النجاسة ~~مكروه عندهم؛ والحاصل بالمكروه مكروه. وهذه طريقة القاضي وغيره. فعلى هذا ~~إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة. فأما إذا كان غالب الوقود ~~طاهرا أو شك فيه لم تكن هذه المسألة. وأما دخان النجاسة: فهذا مبني على أصل ~~وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان ~~الطيبة - مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا ~~كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك - ففيه ~~للعلماء قولان: أحدهما: لا يطهر. كقول الشافعي. وهو أحد القولين في مذهب ~~مالك؛ وهو المشهور عن أصحاب أحمد؛ وإحدى الروايتين عنه؛ والرواية الأخرى: ~~أنه طاهر؛ وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين؛ وإحدى الروايتين عن ~~أحمد. ومذهب أهل الظاهر وغيرهم: أنها تطهر. وهذا هو الصواب المقطوع به؛ فإن ~~هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى؛ فليست محرمة ولا ~~في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل؛ فإنها من الطيبات. ~~وهي أيضا في معنى ما اتفق على حله # PageV21P070 # فالنص والقياس يقتضي تحليلها. # وأيضا فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا بفعل الله تعالى صارت ~~حلالا طيبا واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر والذين فرقوا ~~بينهما قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ~~ولحم الخنزير. وهذا الفرق ضعيف؛ فإن جميع النجاسات نجست أيضا بالاستحالة. ~~فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل ~~عن مادة طاهرة مخلوقة. وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من ~~وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب وهذه الأعيان ~~المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف ms6316 الخبث وإنما فيها وصف الطيب. فإذا عرف ~~هذا: فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر؛ لأنه ~~أجزاء هوائية ونارية ومائية؛ وليس فيه شيء من وصف الخبث. وعلى القول الآخر ~~فلا بد أن يعفى من ذلك عما يشق الاحتراز منه كما يعفى عما يشق الاحتراز منه ~~على أصح القولين. ومن حكم بنجاسة # PageV21P071 # ذلك ولم يعف عما يشق الاحتراز منه فقوله أضعف الأقوال. هذا إذا كان ~~الوقود نجسا. فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر باتفاق العلماء ~~وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل؛ فإنها طاهرة في ~~أصح قولي العلماء. والله أعلم. # وأما الماء الذي يجري على أرض الحمام مما يفيض وينزل من أبدان المغتسلين ~~غسل النظافة وغسل الجنابة وغير ذلك فإنه طاهر وإن كان فيه من الغسل كالسدر ~~والخطمي والأشنان ما فيه إلا إذا علم في بعضه بول أو قيء أو غير ذلك من ~~النجاسات: فذلك الماء الذي خالطته هذه النجاسات له حكمه. وأما ما قبله وما ~~بعده فلا يكون له حكمه بلا نزاع لا سيما وهذه المياه جارية بلا ريب بل ماء ~~الحمام الذي هو فيه إذا كان الحوض فائضا فإنه جار في أصح قولي العلماء وقد ~~نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء وهو بمنزلة ما يكون في الأنهار من حفرة ~~ونحوها؛ فإن هذا الماء وإن كان الجريان على وجهه فإنه يستخلف شيئا فشيئا؛ ~~ويذهب ويأتي ما بعده؛ لكن يبطئ ذهابه بخلاف الذي يجري جميعه. وقد تنازع ~~العلماء في الماء الجاري على قولين: # PageV21P072 # أحدهما: لا ينجس إلا بالتغير. وهذا مذهب أبي حنيفة مع تشديده في الماء ~~الدائم وهو أيضا مذهب مالك والقول القديم للشافعي وهو أنص الروايتين عن ~~أحمد واختيار محققي أصحابه. والقول الآخر للشافعي؛ وهي الرواية الأخرى عن ~~أحمد: أنه كالدائم فتعتبر الجرية. والصواب الأول؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرق بين الدائم والجاري في نهيه عن الاغتسال فيه والبول فيه وذلك يدل ~~على الفرق بينهما ولأن الجاري إذا لم تغيره النجاسة ms6317 فلا وجه لنجاسته. ~~وقوله: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} إنما دل على ما دونهما ~~بالمفهوم والمفهوم لا عموم له فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل ~~الخبث بل إذا فرق فيه بين دائم وجار أو إذا كان في بعض الأحيان يحمل الخبث ~~كان الحدث معمولا به. فإذا كان طاهرا بيقين وليس في نجاسته نص ولا قياس وجب ~~البقاء على طهارته مع بقاء صفاته وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلا ~~ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره: لم ينجسه على الصحيح فكيف بالماء ~~الذي جميعه يجري على أرض الحمام؟ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره لم ~~ينجس. # PageV21P073 # وهذا يتضح بمسألة أخرى؛ وهو: أن الأرض وإن كانت ترابا أو غير تراب إذا ~~وقعت عليها نجاسة من بول أو عذرة أو غيرهما: فإنه إذا صب الماء على الأرض ~~حتى زالت عين النجاسة: فالماء والأرض طاهران وإن لم ينفصل الماء في مذهب ~~جماهير العلماء فكيف بالبلاط؟ ولهذا قالوا: إن السطح إذا كانت عليه نجاسة ~~وأصابه ماء المطر حتى أزال عينها كان ما ينزل من الميازيب طاهرا؛ فكيف بأرض ~~الحمام؟ فإذا كان بها بول أو قيء فصب عليه ماء حتى ذهبت عينه: كان الماء ~~والأرض طاهرين وإن لم يجر الماء؛ فكيف إذا جرى وزال عن مكانه؟ والله أعلم. # وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع؛ وذكرنا بضعة عشر دليلا ~~شرعيا على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه فإذا كانت طاهرة فكيف بالمستحيل ~~منها أيضا؟ وطهارة هذه الأرواث بينة في السنة فلا يجعل الخلاف فيها شبهة ~~يستحب لأجله اتقاء ما خالطته؛ إذ قد ثبت بالسنة الصحيحة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه كانوا يلابسونها. وأما روث ما لا يؤكل لحمه كالبغال ~~والحمير: فهذه نجسة عند جمهور العلماء. وقد ذهب طائفة إلى طهارتها؛ وأنه لا ~~ينجس من الأرواث والأبوال إلا بول الآدمي وعذرته؛ لكن على القول المشهور ~~قول الجمهور إذا شك في الروثة: هل هي ms6318 من روث ما يؤكل لحمه أو # PageV21P074 # من روث ما لا يؤكل لحمه؟ ففيها قولان للعلماء هما وجهان في مذهب أحمد: ~~أحدهما: يحكم بنجاستها؛ لأن الأصل في الأرواث النجاسة. والثاني: وهو الأصح: ~~يحكم بطهارتها؛ لأن الأصل في الأعيان الطهارة. ودعوى أن الأصل في الأرواث ~~النجاسة ممنوع؛ فلم يدل على ذلك لا نص ولا إجماع ومن ادعى أصلا بلا نص ولا ~~إجماع فقد أبطل وإذا لم يكن معه إلا القياس فروث ما يؤكل لحمه طاهر؛ فكيف ~~يدعى أن الأصل نجاسة الأرواث؟ إذا عرف ذلك. فإن تيقن أن الوقود نجس فالدخان ~~من مسائل الاستحالة كما تقدم. وأما إذا تيقن طهارته فلا نزاع فيه. وإن شك: ~~هل فيه نجس؟ فالأصل الطهارة وإن تيقن أن فيه روثا وشك في نجاسته فالصحيح ~~الحكم بطهارته. وإن علم اشتماله على طاهر ونجس وقلنا بنجاسة المستحيل عنه: ~~كان له حكمه فيما يصيب بدن المغتسل يجوز أن يكون من الطاهر ويجوز أن يكون ~~من النجس فلا ينجس بالشك كما لو أصابه بعض رماد مثل هذا الوقود فإنا لا ~~نحكم بنجاسة البدن بذلك وإن تيقنا أن في الوقود نجسا؛ لإمكان أن يكون هذا ~~الرماد غير نجس والبدن طاهر بيقين فلا نحكم بنجاسته بالشك. وهذا إذا لم ~~يختلط الرماد النجس بالطاهر؛ أو البخار النجس بالطاهر. # PageV21P075 # فأما إذا اختلطا بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر: فما أصاب الإنسان يكون ~~منهما جميعا؛ ولكن الوقود في مقره لا يكون مختلطا بل رماد كل نجاسة يبقى في ~~حيزها. # فإن قيل: لو اشتبه الحلال بالحرام كاشتباه أخته بأجنبية أو الميتة ~~بالمذكاة اجتنبهما جميعا. ولو اشتبه الماء الطاهر بالنجس: فقيل: يتحرى ~~للطهارة إذا لم يكن النجس نجس الأصل بأن يكون بولا كما قاله الشافعي. وقيل: ~~لا يتحرى؛ بل يجتنبهما كما لو كان أحدهما بولا وهو المشهور من مذهب أحمد ~~وطائفة من أصحاب مالك. وقيل: يتحرى إذا كانت الآنية أكبر وهذا مذهب أبي ~~حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد. وفي تقدير الكبير نزاع معروف عندهم فهنا أيضا ~~اشتبهت الأعيان النجسة ms6319 بالطاهرة فاشتبه الحلال بالحرام. قيل: هذا صحيح ولكن ~~مسألتنا ليست من هذا الباب فإنه إذا اشتبه الحلال بالحرام اجتنبهما؛ لأنه ~~إذا استعملهما لزم استعمال الحرام قطعا وذلك لا يجوز فهو بمنزلة اختلاط ~~الحلال بالحرام على وجه لا يمكن تمييزه كالنجاسة إذا ظهرت في الماء وإن ~~استعمل أحدهما من غير دليل شرعي كان ترجيحا بلا مرجح؛ وهما مستويان في ~~الحكم فليس استعمال هذا بأولى من هذا؛ فيجتنبان جميعا. # PageV21P076 # وأما اشتباه الماء الطاهر بالنجس فإنما نشأ فيه النزاع لأن الطهارة ~~بالطهور واجبة؛ وبالنجس حرام فقد اشتبه واجب بحرام. والذين منعوا التحري ~~قالوا: استعمال النجس حرام. وأما استعمال الطهور فإنما يجب مع العلم ~~والقدرة؛ وذلك منتف هنا؛ ولهذا تنازعوا: هل يحتاج إلى أن يعدم الطهور بخلط ~~أو إراقة؟ على قولين مشهورين؛ أصحهما أنه لا يجب؛ لأن الجهل كالعجز. ~~والشافعي رحمه الله إنما جوز التحري إذا كان الأصل فيهما الطهارة؛ لأنه ~~حينئذ يكون قد استعمل ما أصله طاهر وقد شك في تنجسه فيبقى الأمر فيه على ~~استصحاب الحال. والذين نازعوه قالوا: ما صار نجسا بالتغير فهو بمنزلة نجس ~~الأصل؛ وقد زال الاستصحاب بيقين النجاسة كما لو حرمت إحدى امرأتيه برضاع أو ~~طلاق أو غيرهما؛ فإنه بمنزلة من تكون محرمة الأصل عنده ومسألة اشتباه ~~الحلال بالحرام ذات فروع متعددة. وأما إذا اشتبه الطاهر بالنجس وقلنا: ~~يتحرى؛ أو لا يتحرى: فإنه إذا وقع على بدن الإنسان أو ثوبه أو طعامه شيء من ~~أحدهما لا ينجسه؛ لأن الأصل الطهارة وما ورد عليه مشكوك في نجاسته ونحن ~~منعنا من استعمال أحدهما لأنه ترجيح بلا مرجح. فأما تنجس ما أصابه ذلك فلا ~~يثبت بالشك نعم لو أصابا ثوبين حكم بنجاسة أحدهما ولو أصابا بدنين فهل يحكم ~~بنجاسة أحدهما؟ # PageV21P077 # هذا مبني على ما إذا تيقن الرجلان أن أحدهما أحدث أو أن أحدهما طلق ~~امرأته وفيه قولان: أحدهما: أنه لا يجب على واحد منهما طهارة ولا طلاق كما ~~هو مذهب الشافعي وغيره وأحد القولين في مذهب أحمد؛ لأن الشك في رجلين ms6320 لا في ~~واحد؛ فكل واحد منهما له أن يستصحب حكم الأصل في نفسه. والثاني: أن ذلك ~~بمنزلة الشخص الواحد وهو القول الآخر في مذهب أحمد وهو أقوى؛ لأن حكم ~~الإيجاب أو التحريم يثبت قطعا في حق أحدهما فلا وجه لرفعه عنهما جميعا. وسر ~~ما ذكرناه أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس فاجتنابهما جميعا واجب لأنه يتضمن ~~لفعل المحرم واجتناب أحدهما لأن تحليله دون الآخر تحكم؛ ولهذا لما رخص من ~~رخص في بعض الصور عضده بالتحري؛ أو به واستصحابه الحلال. فأما ما كان حلالا ~~بيقين ولم يخالطه ما حكم بأنه نجس فكيف ينجس؟ ولهذا لو تيقن أن في المسجد ~~أو غيره بقعة نجسة ولم يعلم عينها؛ وصلى في مكان منه ولم يعلم أنه المتنجس: ~~صحت صلاته؛ لأنه كان طاهرا بيقين ولم يعلم أنه نجس. وكذلك لو أصابه شيء من ~~طين الشوارع لم يحكم بنجاسته وإن علم أن بعض طين الشوارع # PageV21P078 # نجس، ولا يفرق في هذا بين العدد المنحصر وغير المنحصر؛ وبين القلتين ~~والكثير؛ كما قيل مثل ذلك في اشتباه الأخت بالأجنبية؛ لأنه هناك اشتبه ~~الحلال بالحرام وهنا شك في طريان التحريم على الحلال. وإذا شك في النجاسة: ~~هل أصابت الثوب أو البدن؟ فمن العلماء من يأمر بنضحه؛ ويجعل حكم المشكوك ~~فيه النضح؛ كما يقوله مالك. ومنهم من لا يوجب ذلك. فإذا احتاط ونضح المشكوك ~~فيه كان حسنا كما روي في نضح أنس للحصير الذي اسود من طول ما لبس ونضح عمر ~~ثوبه؛ ونحو ذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن أناس في مفازة ومعهم قليل ماء فولغ الكلب فيه وهم في مفازة معطشة فما ~~الحكم فيه؟ # فأجاب: يجوز لهم حبسه لأجل شربه إذا عطشوا ولم يجدوا ماء طيبا؛ فإن ~~الخبائث جميعا تباح للمضطر فله أن يأكل عند الضرورة الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وله أن يشرب عند الضرورة ما يرويه كالمياه النجسة والأبوال التي ~~ترويه وإنما منعه أكثر الفقهاء عن شرب # PageV21P079 # الخمر؛ قالوا: لأنها تزيده عطشا. وأما التوضؤ بماء الولوغ فلا يجوز عند ~~جماهير العلماء ms6321 بل يعدل عنه إلى التيمم. ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما ~~يقيم به نفسه فمن اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى ~~مات: دخل النار ولو وجد غيره مضطرا إلى ما معه من الماء الطيب أو النجس ~~فعليه أن يسقيه إياه ويعدل إلى التيمم سواء كان عليه جنابة أو حدث صغير ومن ~~اغتسل وتوضأ وهناك مضطر من أهل الملة أو الذمة أو دوابهم المعصومة فلم ~~يسقه: كان آثما عاصيا والله أعلم. # PageV21P080 ### | باب الآنية ### | سئل عن أواني النحاس المطعمة بالفضة - # كالطاسات وغيرها - هل حكمها حكم آنية الذهب والفضة أم لا؟. # فأجاب: # الحمد لله، أما المضبب بالفضة من الآنية وما يجري مجراها من الآلات - ~~سواء سمي الواحد من ذلك إناء أو لم يسم - وما يجري مجرى المضبب كالمباخر ~~والمجامر والطشوت والشمعدانات وأمثال ذلك: فإن كانت الضبة يسيرة لحاجة مثل ~~تشعيب القدح وشعيرة السكين ونحو ذلك مما لا يباشر بالاستعمال: فلا بأس ~~بذلك. ومراد الفقهاء بالحاجة هنا: أن يحتاج إلى تلك الصورة كما يحتاج إلى ~~التشعيب والشعيرة سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غير ذلك وليس مرادهم ~~أن يحتاج إلى كونها من فضة بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة والضرورة تبيح ~~الذهب والفضة مفردا وتبعا حتى لو احتاج إلى شد أسنانه بالذهب؛ أو اتخذ أنفا ~~من ذهب ونحو ذلك: جاز - كما جاءت به السنة - مع أنه ذهب ومع أنه مفرد. ~~وكذلك لو لم يجد ما يشربه إلا في إناء ذهب أو فضة جاز له # PageV21P081 # شربه ولو لم يجد ثوبا يقيه البرد أو يقيه السلاح أو يستر به عورته إلا ~~ثوبا من حرير منسوج بذهب أو فضة جاز له لبسه؛ فإن الضرورة تبيح أكل الميتة ~~والدم ولحم الخنزير بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة مع أن تحريم المطاعم ~~أشد من تحريم الملابس؛ لأن تأثير الخبائث بالممازجة والمخالطة للبدن أعظم ~~من تأثيرها بالملابسة والمباشرة للظاهر ولهذا كانت النجاسات التي تحرم ~~ملابستها يحرم أكلها ويحرم من أكل السموم ms6322 ونحوها من المضرات ما ليس بنجس ~~ولا يحرم مباشرتها. # ثم ### | ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف # والفخر والخيلاء؛ فإن هذا يحرم القدر الذي يقتضي ذلك منه ويباح للحاجة؛ ~~كما أبيح للنساء لبس الذهب والحرير لحاجتهن إلى التزين؛ وحرم ذلك على الرجل ~~وأبيح للرجل من ذلك اليسير كالعلم؛ ونحو ذلك مما ثبت في السنة؛ ولهذا كان ~~الصحيح من القولين في مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول ~~كما {رخص النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وطلحة في لبس الحرير من حكة كانت ~~بهما} . ونهى عن التداوي بالخمر وقال: {إنها داء وليست بدواء} ونهى عن ~~الدواء الخبيث؛ ونهى عن قتل الضفدع لأجل التداوي بها وقال: {إن نقنقتها ~~تسبيح} وقال: {إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها} ولهذا استدل ~~بإذنه للعرنيين في التداوي بأبوال الإبل وألبانها على أن ذلك ليس من ~~الخبائث المحرمة النجسة؛ لنهيه عن التداوي بمثل # PageV21P082 # ذلك؛ ولكونه لم يأمر بغسل ما يصيب الأبدان والثياب والآنية من ذلك. وإذا ~~كان القائلون بطهارة أبوال الإبل تنازعوا في جواز شربها لغير الضرورة؛ وفيه ~~عن أحمد روايتان منصوصتان: فذاك لما فيها من القذارة الملحق لها بالمخاط ~~والبصاق والمني؛ ونحو ذلك من المستقذرات التي ليست بنجسة التي يشرع النظافة ~~منها كما يشرع نتف الإبط وحلق العانة؛ وتقليم الأظفار؛ وإحفاء الشارب. ~~ولهذا أيضا كان هذا الضرب محرما في باب الآنية والمنقولات على الرجال ~~والنساء فآنية الذهب والفضة حرام على الصنفين بخلاف التحلي بالذهب ولباس ~~الحرير فإنه مباح للنساء. وباب الخبائث بالعكس؛ فإنه يرخص في استعمال ذلك ~~فيما ينفصل عن بدن الإنسان ما لا يباح إذا كان متصلا به كما يباح إطفاء ~~الحريق بالخمر وإطعام الميتة للبزاة والصقور؛ وإلباس الدابة الثوب النجس؛ ~~وكذلك الاستصباح بالدهن النجس في أشهر قولي العلماء وهو أشهر الروايتين عن ~~أحمد وهذا لأن استعمال الخبائث فيها يجري مجرى الإتلاف ليس فيه ضرر وكذلك ~~في الأمور المنفصلة بخلاف استعمال الحرير والذهب فإن هذا غاية السرف ms6323 والفخر ~~والخيلاء. وبهذا يظهر غلط من رخص من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في إلباس ~~دابته الثوب الحرير؛ قياسا على إلباس الثوب النجس فإن هذا بمنزلة من يجوز ~~افتراش الحرير ووطأه قياسا على المصورات؛ أو # PageV21P083 # من يبيح تحلية دابته بالذهب والفضة قياسا على من يبيح إلباسها الثوب ~~النجس فقد ثبت بالنص تحريم افتراش الحرير كما ثبت تحريم لباسه. وبهذا يظهر ~~أن قول من حرم افتراشه على النساء - كما هو قول المراوزة من أصحاب الشافعي ~~- أقرب إلى القياس من قول من أباحه للرجال؛ كما قاله أبو حنيفة. وإن كان ~~الجمهور على أن الافتراش كاللباس يحرم على الرجال دون النساء؛ لأن الافتراش ~~لباس كما قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس. إذ لا يلزم من ~~إباحة التزين على البدن إباحة المنفصل؛ كما في آنية الذهب والفضة فإنهم ~~اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى. وإذا تبين ~~الفرق بين ما يسميه الفقهاء في هذا الباب حاجة وما يسمونه ضرورة: فيسير ~~الفضة التابع يباح عندهم للحاجة كما في حديث أنس: {إن قدح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما انكسر شعب بالفضة} سواء كان الشاعب له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو كان هو أنسا. وأما إن كان اليسير للزينة ففيه أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره: التحريم والإباحة والكراهة. قيل: والرابع: أنه يباح من ~~ذلك # PageV21P084 # ما لا يباشر بالاستعمال وهذا هو المنصوص عنه فينهى عن الضبة في موضع ~~الشرب دون غيره ولهذا كره حلقة الذهب في الإناء اتباعا لعبد الله بن عمر في ~~ذلك فإنه كره ذلك وهو أولى ما اتبع في ذلك. وأما ما يروى عنه مرفوعا: {من ~~شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك} فإسناده ضعيف ولهذا كان ~~المباح من الضبة إنما يباح لنا استعماله عند الحاجة فأما بدون ذلك؟ قيل: ~~يكره. وقيل: يحرم؛ ولذلك كره أحمد الحلقة في الإناء اتباعا لعبد الله بن ~~عمر. والكراهة منه: هل ms6324 تحمل على التنزيه أو التحريم؟ على قولين لأصحابه. ~~وهذا المنع هو مقتضى النص والقياس فإن تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل ~~جزء منه كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك وكذلك تحريم الأكل ~~والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك وكذلك النهي عن لبس ~~الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ~~ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح ولهذا وقع الفرق في كلام الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم وكلام سائر الناس بين باب النهي والتحريم وباب الأمر ~~والإيجاب فإذا نهى عن شيء نهى عن بعضه وإذا أمر بشيء كان أمرا بجميعه. # PageV21P085 # ولهذا كان النكاح حيث أمر به كان أمرا بمجموعه وهو العقد والوطء وكذلك ~~إذا أبيح كما في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} {حتى تنكح زوجا ~~غيره} {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} {يا معشر الشباب ~~من استطاع منكم الباءة فليتزوج} . وحيث حرم النكاح كان تحريما لأبعاضه حتى ~~يحرم العقد مفردا والوطء مفردا كما في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف} وكما في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية إلى آخرها ~~وكما في قوله: {لا ينكح المحرم ولا ينكح} ونحو ذلك. ولهذا فرق مالك وأحمد - ~~في المشهور عنه - بين من حلف ليفعلن شيئا ففعل بعضه: أنه لا يبر ومن حلف لا ~~يفعل شيئا ففعل بعضه: أنه يحنث. وإذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال ~~وآنية الذهب والفضة على الزوجين يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك: بقي اتخاذ ~~اليسير لحاجة أو مطلقا فالاتخاذ اليسير فيه تفصيل؛ ولهذا تنازع العلماء في ~~جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها فرخص فيه أبو حنيفة؛ والشافعي وأحمد في ~~قول؛ وإن كان المشهور عنهما تحريمه؛ إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم ~~اتخاذه كآلات الملاهي. # PageV21P086 # وأما إن كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضا قولان في مذهب الشافعي ~~وأحمد وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير؛ والترخيص في لبس خاتم الفضة أو ms6325 ~~تحلية السلاح من الفضة؛ وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفردا؛ لكن في اللباس ~~والتحلي وذلك يباح فيه ما لا يباح في باب الآنية كما تقدم التنبيه على ذلك؛ ~~ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد؛ حيث حكى قولا بإباحة يسير الذهب تبعا ~~في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس ~~والتحلي؛ كعلم الذهب ونحوه. وفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال: ~~أحدها: الرخصة مطلقا؛ لحديث معاوية {نهى عن الذهب إلا مقطعا} ولعل هذا ~~القول أقوى من غيره وهو قول أبي بكر. والثاني: الرخصة في السلاح فقط. ~~والثالث: في السيف خاصة وفيه وجه بتحريمه مطلقا؛ لحديث أسماء {لا يباح ~~الذهب ولا خريصة} والخريصة عين الجرادة لكن هذا قد يحمل على الذهب المفرد ~~دون التابع؛ ولا ريب أن هذا # PageV21P087 # محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي. ولهذا ~~فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفردا كالتكة فنهى عنه؛ وبين يسيره تبعا ~~كالعلم؛ إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط. فكما يفرق في الرخصة بين ~~اليسير والكثير: فيفرق بين التابع والمفرد ويحمل حديث معاوية " إلا مقطعا " ~~على التابع لغيره وإذا كانت الفضة قد رخص منها في باب اللباس والتحلي في ~~اليسير وإن كان مفردا: فالذين رخصوا في اليسير أو الكثير التابع في الآنية ~~ألحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعا للرجال في الفضة التي أبيح يسيرها ~~مفردا أولا؛ ولهذا أبيح - في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد ~~- حلية المنطقة من الفضة وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة؛ والجوشن؛ ~~والران؛ وحمائل السيف. وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه هذا الخلاف والذين ~~منعوا قالوا: الرخصة وقعت في باب اللباس دون باب الآنية؛ وباب اللباس أوسع ~~كما تقدم. وقد يقال: إن هذا أقوى؛ إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ~~ترى. # PageV21P088 # وأما المضبب بالذهب ms6326 فهذا داخل في النهي؛ سواء كان قليلا أو كثيرا والخلاف ~~المذكور في الفضة منتف هاهنا لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه. ~~وأما التوضؤ والاغتسال من آنية الذهب والفضة: فهذا فيه نزاع معروف في مذهب ~~أحمد لكنه مركب على إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه في الصلاة في الدار ~~المغصوبة؛ واللباس المحرم كالحرير والمغصوب والحج بالمال الحرام؛ وذبح ~~الشاة بالسكين المحرمة؛ ونحو ذلك مما فيه أداء واجب واستحلال محظور فأما ~~على الرواية الأخرى التي يصحح فيها الصلاة والحج ويبيح الذبح: فإنه يصحح ~~الطهارة من آنية الذهب والفضة. وأما على المنع فلأصحابه قولان: # أحدهما: الصحة. كما هو قول الخرقي وغيره.والثاني: البطلان. كما هو قول ~~أبي بكر؛ طردا لقياس الباب. والذين نصروا قول الخرقي أكثر أصحاب أحمد: ~~فرقوا بفرقين: أحدهما: أن المحرم هنا منفصل عن العبادة؛ فإن الإناء منفصل ~~عن المتطهر بخلاف لابس المحرم وآكله والجالس عليه؛ فإنه مباشر له قالوا: ~~فأشبه ما لو ذهب إلى الجمعة بدابة مغصوبة. وضعف آخرون هذا الفرق بأنه لا ~~فرق بين أن يغمس يده في الإناء المحرم وبين أن # PageV21P089 # يغترف منه وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الشارب من آنية الذهب ~~والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد ~~انفصل عن الإناء. والفرق الثاني - وهو أفقه -: قالوا: التحريم إذا كان في ~~ركن العبادة وشرطها أثر فيها كما إذا كان في الصلاة في اللباس أو البقعة. ~~وأما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر والإناء في الطهارة أجنبي عنها فلهذا ~~لم يؤثر فيها. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن جلود الحمر؛ وجلد ما لا يؤكل لحمه # والميتة: هل تطهر بالدباغ أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما طهارة جلود الميتة بالدباغ ففيها قولان ~~مشهوران للعلماء في الجملة: أحدهما: أنها تطهر بالدباغ. وهو قول أكثر ~~العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. # PageV21P090 # والثاني: لا تطهر. وهو المشهور في مذهب مالك ولهذا يجوز استعمال المدبوغ ~~في الماء ms6327 دون المائعات لأن الماء لا ينجس بذلك وهو أشهر الروايتين عن أحمد ~~أيضا اختارها أكثر أصحابه لكن الرواية الأولى هي آخر الروايتين عنه كما ~~نقله الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه أنه كان يذهب إلى حديث ابن عكيم ~~ثم ترك ذلك بآخرة. وحجة هذا القول شيئان أحدهما: أنهم قالوا: هي من الميتة ~~ولم يصح في الدباغ شيء ولهذا لم يرو البخاري ذكر الدباغ في حديث ميمونة من ~~قول النبي رضي الله عنهم أجمعين وطعن هؤلاء فيما رواه مسلم وغيره إذ كانوا ~~أئمة لهم في الحديث اجتهاد. وقالوا: روى ابن عيينة الدباغ عن الزهري ~~والزهري كان يجوز استعمال جلود الميتة بلا دباغ وذلك يبين أنه ليس في ~~روايته ذكر الدباغ وتكلموا في ابن وعلة. والثاني: أنهم قالوا: أحاديث ~~الدباغ منسوخة بحديث ابن عكيم وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كتب ~~إلى جهينة: {كنت رخصت في جلود الميتة فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب} . فكلا هاتين الحجتين مأثورة عن الإمام أحمد نفسه في ~~جوابه ومناظراته في الرواية الأولى المشهورة. # PageV21P091 # وقد احتج القائلون بالدباغ بما في الصحيحين عن عبد الله بن عباس: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: هلا استمتعتم بإهابها قالوا: ~~يا رسول الله إنها ميتة. قال: إنما حرم من الميتة أكلها} . وفي رواية ~~لمسلم: {ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به} . وعن {سودة بنت زمعة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها فما زلنا ننبذ ~~فيه حتى صار شنا} . وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {إذا دبغ الإهاب فقد طهر} . قلت: وفي رواية له عن {عبد الرحمن بن ~~وعلة: إنا نكون بالمغرب ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذبحوه ونحن لا ~~نأكل ذبائحهم ونؤتى بالسقاء يجعلون فيه الدلوك؟ فقال ابن عباس: قد سألنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: دباغه طهوره} . وعن عائشة رضي ~~الله عنها ms6328 {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا ~~دبغت} . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي. وفي رواية عن ~~عائشة قالت: {سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جلود الميتة؟ فقال: ~~دباغها طهورها} . رواه الإمام أحمد والنسائي. وعن سلمة بن المحبق رضي الله ~~عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببيت بفنائه قربة معلقة فاستقى ~~فقيل: إنها # PageV21P092 # ميتة فقال: ذكاة الأديم دباغه} . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. ~~وأما حديث بن عكيم فقد طعن بعض الناس فيه بكون حامله مجهولا ونحو ذلك مما ~~لا يسوغ رد الحديث به. قال {عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر أو شهرين: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ~~ولا عصب} . رواه الإمام أحمد. وقال: ما أصلح إسناده. وأبو داود وابن ماجه ~~والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن. وأجاب بعضهم عنه بأن الإهاب اسم للجلد ~~قبل الدباغ كما نقل ذلك النضر بن شميل وغيره من أهل اللغة. وأما بعد الدبغ ~~فإنما هو أديم فيكون النهي عن استعمالها قبل الدبغ. فقال المانعون: هذا ~~ضعيف فإن في بعض طرقه: {كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في أرض ~~جهينة إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا ~~من الميتة بإهاب ولا عصب} . رواه الطبراني في المعجم الأوسط من رواية فضالة ~~بن مفضل بن فضالة المصري. وقد ضعفه أبو حاتم الرازي لكن هو شديد في ~~التزكية. وإذا كان النهي بعد الرخصة فالرخصة إنما كانت في المدبوغ. وتحقيق ~~الجواب أن يقال: حديث ابن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ. وأما ~~الرخصة المتقدمة فقد قيل: إنها كانت للمدبوغ # PageV21P093 # وغيره ولهذا ذهب طائفة - منهم الزهري وغيره - إلى جواز استعمال جلود ~~الميتة قبل الدباغ تمسكا بقوله المطلق في حديث ميمونة وقوله: {إنما حرم من ~~الميتة أكلها} فإن هذا اللفظ يدل على التحريم ثم لم يتناول الجلد. وقد رواه ~~الإمام ms6329 أحمد في المسند عن {ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت يا ~~رسول الله صلى الله عليك وسلم ماتت فلانة. تعني: الشاة. فقال: فلولا أخذتم ~~مسكها فقالت: آخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما قال: {لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفعوا به فأرسلت ~~إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها} . فهذا الحديث ~~يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه ~~لا لكونه شرطا في الحل. وإذا كان كذلك فتكون الرخصة لجهينة في هذا والنسخ ~~عن هذا فإن الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين: الأنعام والنحل. ~~ثم في سورتين مدنيتين: البقرة والمائدة والمائدة من آخر القرآن نزولا كما ~~روي {المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها} وقد ذكر الله ~~فيها من التحريم ما لم يذكره في غيرها وحرم النبي # PageV21P094 # صلى الله عليه وسلم أشياء مثل: أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير. وإذا كان التحريم زاد بعد ذلك على ما في السورة المكية التي استندت ~~إليها الرخصة المطلقة: فيمكن أن يكون تحريم الانتفاع بالعصب والإهاب قبل ~~الدباغ ثبت بالنصوص المتأخرة وأما بعد الدباغ فلم يحرم ذلك قط بل بين أن ~~دباغه طهوره وذكاته وهذا يبين أنه لا يباح بدون الدباغ. وعلى هذا القول ~~فللناس فيما يطهره الدباغ أقوال: قيل: إنه يطهر كل شيء حتى الحمير. كما هو ~~قول أبي يوسف وداود. وقيل: يطهر كل شيء سوى الحمير. كما هو قول أبي حنيفة. ~~وقيل: يطهر كل شيء إلا الكلب والحمير. كما هو قول الشافعي وهو أحد القولين ~~في مذهب أحمد على القول بتطهير الدباغ والقول الآخر في مذهبه - وهو قول ~~طوائف من فقهاء الحديث - أنه إنما يطهر ما يباح بالذكاة فلا يطهر جلود ~~السباع. ومأخذ التردد: أن الدباغ ms6330 هل هو كالحياة فيطهر ما كان طاهرا. في ~~الحياة أو هو كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة؟ والثاني أرجح. # PageV21P095 # ودليل ذلك: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع كما روي عن ~~أسامة بن عمير الذهلي أن {النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع} . ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي. زاد الترمذي " أن تفرش ". وعن خالد بن معدان ~~قال: {وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال: أنشدك بالله هل تعلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم} ~~رواه أبو داود والنسائي. وهذا لفظه. وعن أبي ريحانة {نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ركوب النمور} . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وروى أبو ~~داود والنسائي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تصحب ~~الملائكة رفقة فيها جلد نمر} . رواه أبو داود. وفي هذا القول جمع بين ~~الأحاديث كلها. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # عن عظام الميتة وحافرها؛ وقرنها؛ وظفرها؛ وشعرها؛ وريشها؛ وإنفحتها: هل ~~ذلك كله نجس أم طاهر أم البعض منه طاهر والبعض نجس؟ # فأجاب: أما عظم الميتة وقرنها؛ وظفرها؛ وما هو من جنس # PageV21P096 # ذلك كالحافر ونحوه وشعرها وريشها؛ ووبرها: ففي هذين النوعين للعلماء ~~ثلاثة أقوال: أحدها: نجاسة الجميع. كقول الشافعي في المشهور عنه؛ وذلك ~~رواية عن أحمد. والثاني: أن العظام ونحوها نجسة والشعور ونحوها طاهرة. وهذا ~~هو المشهور من مذهب مالك وأحمد. والثالث: أن الجميع طاهر. كقول أبي حنيفة؛ ~~وهو قول في مذهب مالك وأحمد. وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأن الأصل فيها ~~الطهارة؛ ولا دليل على النجاسة. وأيضا فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست ~~من الخبائث فتدخل في آية التحليل؛ وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من ~~الخبائث لا لفظا ولا معنى؛ فإن الله تعالى حرم الميتة وهذه الأعيان لا تدخل ~~فيما حرمه الله لا لفظا ولا معنى: أما اللفظ فلأن قوله تعالى {حرمت عليكم ~~الميتة} لا يدخل فيها الشعور وما أشبهها؛ ms6331 وذلك لأن الميت ضد الحي والحياة ~~نوعان: # PageV21P097 # حياة الحيوان وحياة النبات فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية ~~وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله: {حرمت عليكم الميتة} إنما هو ~~بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية؛ فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ~~ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها} وقال: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} فموت الأرض ~~لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس ~~والحركة الإرادية. وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات؛ لا من ~~جنس حياة الحيوان؛ فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك ~~بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه. ~~وأيضا فلو كان الشعر جزءا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة فإن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يحبون أسنمة الإبل وأليات الغنم؟ ~~فقال ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت} . رواه أبو داود وغيره. وهذا ~~متفق عليه بين العلماء فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه ~~في حال الحياة ولا كان طاهرا حلالا. فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف ~~إذا جز من الحيوان كان طاهرا حلالا: علم أنه ليس مثل اللحم. # PageV21P098 # وأيضا فقد ثبت أن {النبي صلى الله عليه وسلم أعطى شعره لما حلق رأسه ~~للمسلمين} {وكان صلى الله عليه وسلم يستنجي ويستجمر} . فمن سوى بين الشعر ~~والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ بينا. وأما العظام ونحوها: فإذا قيل: إنها ~~داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم ~~اللفظ؛ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم ~~وعند جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا حيوانيا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ ~~فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء} . ومن نجس هذا قال ms6332 في أحد القولين: ~~إنه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث. وإذا كان كذلك: علم أن علة ~~نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم ~~سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. فالعظم ونحوه أولى بعدم ~~التنجيس من هذا؛ فإن العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركا بالإرادة إلا ~~على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس ~~لكونه ليس فيه دم سائل: فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل؟ # PageV21P099 # ومما يبين صحة قول الجمهور: أن الله سبحانه إنما حرم علينا الدم المسفوح ~~كما قال تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا} فإذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنه من جنس ~~الدم: علم أنه - سبحانه - فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره؛ ولهذا كان ~~المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بين ويأكلون ذلك على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك عائشة ولولا هذا ~~لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه ~~أو بسبب غير جارح محدد فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة {وحرم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما صيد بعرض المعراض وقال: إنه وقيذ} دون ما صيد ~~بحده والفرق بينهما إنما هو سفح الدم؛ فدل على أن سبب التنجيس هو احتقان ~~الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث ~~هنا من جهة أخرى فإن التحريم يكون تارة لوجود الدم وتارة لفساد التذكية ~~كذكاة المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل. وإذا كان كذلك فالعظم والقرن ~~والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور ~~السلف قال الزهري كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد # PageV21P100 # روي في العاج حديث معروف لكن فيه نظر ليس هذا موضعه؛ فإنا لا ms6333 نحتاج إلى ~~الاستدلال بذلك. وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن {النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في شاة ميمونة: هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به قالوا: إنها ميتة؟ قال: ~~إنما حرم أكلها} . وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب ~~الزهري عنه ولكن ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الإمام أحمد ~~في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون ~~الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث وحينئذ فهذا النص يقتضي ~~جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى لكن إذا قيل: إن الله حرم بعد ~~ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل: إنها لا تطهر بالدباغ: لم يلزم ~~تحريم العظام ونحوها لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في سائر أجزائها ~~والنبي صلى الله عليه وسلم جعل دباغه ذكاته؛ لأن الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل ~~على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة وما كان فيه ~~منها فإنه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى بالطهارة من ~~الجلد. والعلماء تنازعوا في الدباغ: هل يطهر؟ # PageV21P101 # فذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما: أنه لا يطهر. ومذهب أبي حنيفة ~~والشافعي والجمهور: أنه يطهر. وإلى هذا القول رجع أحمد كما ذكر ذلك عنه ~~الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه. وحديث ابن عكيم يدل على أن {النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهاهم أن ينتفعوا من الميتة بإهاب أو عصب} بعد أن كان ~~أذن لهم في ذلك لكن هذا قد يكون قبل الدباغ فيكون قد أرخص فإن حديث الزهري ~~الصحيح يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ فيكون قد أرخص لهم ~~في ذلك ثم لما نهى عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم عن ذلك ولهذا قال ~~طائفة من أهل اللغة: إن الإهاب اسم لما لم يدبغ ولهذا قرن معه العصب والعصب ~~لا يدبغ. # فصل: # وأما لبن الميتة وإنفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: أن ذلك ms6334 ~~طاهر. كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد. # PageV21P102 # والثاني: أنه نجس. كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا ~~النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإن ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف ~~والخلف وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنا - والجبن ~~يصنع بالإنفحة - كان فيه هذان القولان. والأظهر أن جبنهم حلال وأن إنفحة ~~الميتة ولبنها طاهر وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن ~~المجوس وكان هذا ظاهرا شائعا بينهم وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه ~~نظر فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فإن ~~المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. ويدل على ذلك أن سلمان ~~الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان يدعو الفرس إلى ~~الإسلام وقد ثبت عنه: أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: ~~الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو ~~مما عفى عنه. وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا أمر # PageV21P103 # بين وإنما كان السؤال عن جبن المجوس: فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي ~~بحلها وإذا كان روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع النزاع بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا فاللبن والإنفحة لم يموتا وإنما نجسهما من ~~نجسهما لكونهما في وعاء نجس فيكون مائعا في وعاء نجس فالتنجيس مبني على ~~مقدمتين على أن المائع لاقى وعاء نجسا وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسا. ~~فيقال أولا: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة وقد تقدم أن السنة دلت ~~على طهارته لا على نجاسته. ويقال ثانيا: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها ~~كما قال تعالى: {نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين} ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ms6335 ما في بطنه. والله ~~أعلم. # PageV21P104 ### | باب الاستنجاء # سئل رحمه الله عمن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {غربوا ولا ~~تشرقوا} ومنهم من قال: {شرقوا ولا تغربوا} ؟ . # فأجاب: الحديثان كذب ولكن في الصحيح عنه أنه قال: {لا تستقبلوا القبلة ~~بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا} . وفي السنن عنه أنه قال: {ما بين ~~المشرق والمغرب قبلة} وهذا خطاب منه لأهل المدينة ومن جرى مجراهم كأهل ~~الشام والجزيرة والعراق وأما مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب من مطلع الشمس ~~في الشتاء. والله أعلم. # PageV21P105 # وسئل عن: # الاستنجاء هل يحتاج إلى أن يقوم الرجل ويمشي ويتنحنح ويستجمر بالأحجار ~~وغيرها بعد كل قليل في ذهابه ومجيئه لظنه أنه خرج منه شيء: فهل فعل هذا ~~السلف رضي الله عنهم. أو هو بدعة أو هو مباح؟ . # فأجاب: # الحمد لله، التنحنح بعد البول والمشي والطفر إلى فوق والصعود في السلم ~~والتعلق في الحبل وتفتيش الذكر بإسالته وغير ذلك: كل ذلك بدعة ليس بواجب ~~ولا مستحب عند أئمة المسلمين بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح لم يشرع ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك سلت البول بدعة لم يشرع ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له والبول ~~يخرج بطبعه وإذا فرغ انقطع بطبعه وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قر وإن ~~حلبته در. # PageV21P106 # وكلما فتح الإنسان ذكره فقد يخرج منه ولو تركه لم يخرج منه. وقد يخيل ~~إليه أنه خرج منه وهو وسواس وقد يحس من يجده بردا لملاقاة رأس الذكر فيظن ~~أنه خرج منه شيء ولم يخرج. والبول يكون واقفا محبوسا في رأس الإحليل لا ~~يقطر فإذا عصر الذكر أو الفرج أو الثقب بحجر أو أصبع أو غير ذلك خرجت ~~الرطوبة فهذا أيضا بدعة وذلك البول الواقف لا يحتاج إلى إخراج باتفاق ~~العلماء لا بحجر ولا أصبع ولا غير ذلك بل كلما أخرجه جاء غيره فإنه يرشح ~~دائما. والاستجمار بالحجر كاف لا يحتاج إلى غسل الذكر بالماء ms6336 ويستحب لمن ~~استنجى أن ينضح على فرجه ماء فإذا أحس برطوبته قال: هذا من ذلك الماء. وأما ~~من به سلس البول - وهو أن يجري بغير اختياره لا ينقطع - فهذا يتخذ حفاظا ~~يمنعه فإن كان البول ينقطع مقدار ما يتطهر ويصلي وإلا صلى وإن جرى البول - ~~كالمستحاضة - تتوضأ لكل صلاة. والله أعلم. # PageV21P107 ### | باب السواك # سئل - رحمه الله -: # عن السواك، هل هو باليد اليسرى أولى منه باليد اليمنى أو بالعكس؟ وهل ~~يسوغ الإنكار على من يستاك باليسرى؟ وأيما أفضل؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى؛ نص عليه الإمام أحمد في ~~رواية ابن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدا من الأئمة خالف ~~في ذلك. وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى فهو كالاستنثار والامتخاط؛ ~~ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى وذلك باليسرى كما أن إزالة النجاسات ~~كالاستجمار ونحوه باليسرى وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. والأفعال ~~نوعان: أحدهما: مشترك بين العضوين. والثاني: مختص بأحدهما. وقد استقرت ~~قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها # PageV21P108 # اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة؛ كالوضوء ~~والغسل والابتداء بالشق الأيمن في السواك؛ ونتف الإبط؛ وكاللباس؛ والانتعال ~~والترجل ودخول المسجد والمنزل والخروج من الخلاء ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ~~ضد ذلك كدخول الخلاء وخلع النعل والخروج من المسجد والذي يختص بأحدهما: إن ~~كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة؛ ومناولة الكتب ~~وتناولها ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر ~~والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك. فإن قيل: السواك عبادة مقصودة تشرع عند ~~القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك وسخ وما كان عبادة مقصودة كان باليمين. ~~قيل: كل من المقدمتين ممنوع؛ فإن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم ~~وهذه العلة متفق عليها بين العلماء؛ ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له ~~كالنوم والإغماء وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة ولما ~~كان الفم في مظنة التغير شرع عند # PageV21P109 # القيام إلى الصلاة كما شرع غسل ms6337 اليد للمتوضئ قبل وضوئه؛ لأنها آلة لصب ~~الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها: هل يستحب غسلها؟ على ~~قولين مشهورين. ومن استحب ذلك - كالمعروف في مذهب الشافعي وأحمد - يستحب ~~على النادر بل الغالب وإزالة الشك باليقين. وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا ~~قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى الصلاة مع أن غسل اليد قبل ~~المضمضة المقصود بها النظافة فهذا توجيه المنع للمقدمة الأولى. وأما ~~الثانية: فإذا قدر أنه عبادة مقصودة فما الدليل على أن ذلك مستحب باليمنى؟ ~~وهذه مقدمة لا دليل عليها بل قد يقال: العبادات تفعل بما يناسبها ويقدم ~~فيها ما يناسبها. ثم قول القائل: إن ذلك عبادة مقصودة: إن أراد به أنه تعبد ~~محض لا تعقل علته: فليس هذا بصواب لاتفاق المسلمين على أن السواك معقول ليس ~~بمنزلة رمي الجمار. وإن أراد أنها مقصودة أنه لا بد فيها من النية كالطهارة ~~وأنها مشروعة مع تيقن النظافة ونحو ذلك: فهذا الوصف إذا سلم لم يكن في ذلك ~~ما يوجب كونها باليمنى إذ لا دليل على ذلك؛ فإن كونها منوية أو مشروعة مع ~~تيقن النظافة # PageV21P110 # لا ينافي أن يكون من باب الكرامة تختص بها اليمنى بل يمكن ذلك فيها مع ~~هذا الوصف ألا ترى أن الطواف بالبيت من أجل العبادات المقصودة؟ ويستحب ~~القرب فيه من البيت؛ ومع هذا فالجانب الأيسر فيه أقرب إلى البيت لكون ~~الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الإكرام في ذلك ~~للخارج جعل لليمين ولم ينقل إذا كانت مقصودة فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى ~~البيت؛ لأن إكرام اليمين في ذلك أن تكون هي الخارجة. وكذلك الاستنثار جعله ~~باليسرى إكرام لليمين وصيانة لها وكذلك السواك. ثم إذا قيل: هو في الأصل من ~~باب إزالة الأذى وإذا قيل: إنه مشروع فيه العدول عن اليمنى إلى اليسرى أعظم ~~في إكرام اليمين بدون ذلك: لم يمنع أن يكون إزالة الأذى فيه ثابتة مقصودة ~~كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه كالشافعي وأحمد فإنهم يوجبون الحجر الثالث ms6338 ~~مع حصول الإنقاء بما دونه. وكذلك التثليث والتسبيع في غسل النجاسات حيث وجب ~~وعند من يوجبه يأمر به وإن حصلت الإزالة بما دونه. وكذلك التثليث في الوضوء ~~مستحب وإن تنظف العضو بما دونه مع أنه لا شك أن إزالة النجاسة مقصودة في ~~الاستنجاء بالماء والحجر. # PageV21P111 # فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعا وإن شرع مع عدمه تحقيقا ~~لحصول المقصود؛ وذلك لا يمنع من أن يجعل باليسرى كما أن الحجر الثالث في ~~الاستجمار يكون باليسرى والمرة السابعة في ولوغ الكلب تكون باليسرى ونحو ~~ذلك مما كان المقصود به في الأصل إزالة الأذى وإن قيل: يشرع مع عدمه تكميلا ~~للمقصود به وإزالة للشك باليقين إلحاقا للنادر بالغالب؛ ولأن الحكمة في ذلك ~~قد تكون خفية فعلق الحكم فيها بالمظنة إذ زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان ~~من غير تيقن ويعسر اليقين في ذلك فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة فجعل ~~مشروعا للقيام إلى الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه؛ لأن العبادة حصول ~~التغير. فهذا إذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء وذلك لا يخرج جنس هذا ~~الفعل أن يكون من باب إزالة الأذى وإن كان عبادة مقصودة تشرع فيها النية ~~وحينئذ يكون باليسرى كالاستنثار والاستنجاء بالأحجار ومباشرة محل الولوغ ~~بالدلك ونحوه بخلاف صب الماء فإنه من باب الكرامة ولهذا كان المتوضئ يستنشق ~~باليمنى ويستنثر باليسرى والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى. وكذلك ~~المغتسل والمتوضئ من الماء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل يده ~~اليمنى في الإناء فيصب بها على اليسرى مع أن # PageV21P112 # مباشرة العورة في الغسل باليسرى وهكذا غاسل مورد النجاسة يصب باليمنى ~~وإذا احتاج إلى مباشرة المحل باشره باليسرى وشواهد الشريعة وأصولها على ذلك ~~متظاهرة. والله أعلم. # وسئل: # عن الختان: متى يكون؟ . # فأجاب: # أما الختان فمتى شاء اختتن لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختتن كما كانت ~~العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون. وأما الختان في السابع ففيه قولان هما ~~روايتان عن أحمد: قيل: لا يكره لأن ms6339 إبراهيم ختن إسحاق في السابع. وقيل: ~~يكره لأنه عمل اليهود فيكره التشبه بهم وهذا مذهب مالك. والله أعلم. # وسئل: # عن مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي وهو غير مختون وليس مطهرا هل يجوز ذلك؟ ومن ~~ترك الختان كيف حكمه؟ . # فأجاب: # إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن فإن # PageV21P113 # ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة وهو واجب عند الشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه وقد اختتن إبراهيم الخليل عليه السلام بعد ثمانين من عمره ~~ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات وإذا كان يضره في الصيف أخره إلى زمان ~~الخريف. والله أعلم. # وسئل عن المرأة: # هل تختتن أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم تختتن وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للخافضة - وهي الخاتنة -: {أشمي ولا تنهكي ~~فإنه أبهى للوجه وأحظى لها عند الزوج} يعني: لا تبالغي في القطع وذلك أن ~~المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة والمقصود من ~~ختان المرأة تعديل شهوتها فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة. ~~ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر ~~ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء ~~المسلمين وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل ~~فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال. والله أعلم. # PageV21P114 # وسئل: # إذا مات الصبي وهو غير مختون: هل يختن بعد موته؟ . # فأجاب: ولا يختن أحد بعد الموت. # وسئل: # كم مقدار أن يقعد الرجل حتى يحلق عانته؟ . # فأجاب: عن أنس رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لهم في ~~حلق العانة ونتف الإبط ونحو ذلك: ألا يترك أكثر من أربعين يوما} وهو في ~~الصحيح. والله أعلم؟ . # ما تقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين في أقوام يحلقون رءوسهم ~~على أيدي الأشياخ؛ وعند القبور التي # PageV21P115 # يعظمونها ويعدون ذلك قربة وعبادة: فهل هذا سنة أو بدعة؟ وهل حلق الرأس ~~مطلقا ms6340 سنة أو بدعة؟ أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب شيخ الإسلام: # الحمد لله رب العالمين، حلق الرأس على أربعة أنواع: أحدهما: حلقه في الحج ~~والعمرة فهذا مما أمر الله به ورسوله وهو مشروع ثابت بالكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة قال تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون} وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلق رأسه في ~~حجه وفي عمره وكذلك أصحابه منهم من حلق ومنهم من قصر. والحلق أفضل من ~~التقصير؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا ~~رسول الله والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله ~~والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: ~~والمقصرين} . وقد أمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي في حجة الوداع أن ~~يقصروا رءوسهم للعمرة إذا طافوا بالبيت؛ وبين الصفا والمروة؛ ثم يحلقوا إذا ~~قضوا الحج. فجمع لهم بين التقصير أولا وبين الحلق ثانيا. # PageV21P116 # والنوع الثاني: حلق الرأس للحاجة مثل أن يحلقه للتداوي فهذا أيضا جائز ~~بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن الله رخص للمحرم الذي لا يجوز له حلق رأسه أن ~~يحلقه إذا كان به أذى كما قال تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~وقد ثبت باتفاق المسلمين حديث {كعب بن عجرة لما مر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في عمرة الحديبية - والقمل ينهال من رأسه - فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال: ~~نعم فقال: احلق رأسك وانسك شاة؛ أو صم ثلاثة أيام؛ أو أطعم فرقا بين ستة ~~مساكين} وهذا الحديث متفق على صحته؛ متلقى بالقبول من جميع المسلمين. النوع ~~الثالث: حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد؛ من غير حج ولا عمرة مثل ما ~~يأمر بعض الناس التائب إذا تاب بحلق رأسه ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل ~~النسك والدين؛ أو من تمام الزهد والعبادة أو يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم ~~يحلقه أو ms6341 أدين أو أزهد أو أن يقصر من شعر التائب كما يفعل بعض المنتسبين ~~إلى المشيخة إذا توب أحدا: أن يقص بعض شعره ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة؛ ~~فيجعل صلاته على السجادة وقصه رءوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها أن ~~يكون قدوة يتوب # PageV21P117 # التائبين: فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله؛ وليست واجبة ولا مستحبة ~~عند أحد من أئمة الدين؛ ولا فعلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا ~~شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة لا من الصحابة ولا من التابعين ~~ولا تابعيهم ومن بعدهم مثل الفضيل بن عياض؛ وإبراهيم بن أدهم؛ وأبي سليمان ~~الداراني ومعروف الكرخي وأحمد بن أبي الحواري؛ والسري السقطي؛ والجنيد بن ~~محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثال هؤلاء لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد ~~إذا تاب ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه. وقد أسلم على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم جميع أهل الأرض ولم يكن يأمرهم بحلق رءوسهم إذا أسلموا ولا قص ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأس أحد. ولا كان يصلي على سجادة بل كان يصلي ~~إماما بجميع المسلمين يصلي على ما يصلون عليه ويقعد على ما يقعدون عليه لم ~~يكن متميزا عنهم بشيء يقعد عليه لا سجادة ولا غيره ولكن يسجد أحيانا على ~~الخميرة - وهي شيء يصنع من الخوص صغير - يسجد عليها أحيانا لأن المسجد لم ~~يكن مفروشا بل كانوا يصلون على الرمل والحصى وكان أكثر الأوقات يسجد على ~~الأرض حتى يبين الطين في جبهته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. ومن ~~اعتقد البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة: قربة وطاعة # PageV21P118 # وطريقا إلى الله وجعلها من تمام الدين ومما يؤمر به التائب والزاهد ~~والعابد فهو ضال خارج عن سبيل الرحمن متبع لخطوات الشياطين. والنوع الرابع: ~~أن يحلق رأسه في غير النسك لغير حاجة ولا على وجه التقرب والتدين: فهذا فيه ~~قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. أحدهما: أنه مكروه. وهو مذهب مالك ~~وغيره. والثاني: أنه مباح. وهو المعروف عند أصحاب ms6342 أبي حنيفة والشافعي؛ لأن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم رأى غلاما قد حلق بعض رأسه فقال: احلقوه كله أو ~~دعوه كله} {وأتي بأولاد صغار بعد ثلاث فحلق رءوسهم} . ولأنه نهى عن القزع ~~والقزع: حلق البعض: فدل على جواز حلق الجميع. والأولون يقولون: حلق الرأس ~~شعار أهل البدع فإن الخوارج كانوا يحلقون رءوسهم وبعض الخوارج يعدون حلق ~~الرأس من تمام التوبة والنسك. وقد ثبت في الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما كان يقسم جاءه رجل عام الفتح كث اللحية محلوق} . # PageV21P119 # وسئل: # عن رجل جندي يقلع بياض لحيته: فهل عليه في ذلك إثم أم لا؟ . # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. نتف الشيب مكروه للجندي وغيره فإن في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم {نهى عن نتف الشيب وقال: إنه نور ~~المسلم} . # وسئل: # عن الرجل إذا كان جنبا وقص ظفره أو شاربه أو مشط رأسه هل عليه شيء في ~~ذلك؟ فقد أشار بعضهم إلى هذا وقال: إذا قص الجنب شعره أو ظفره فإنه تعود ~~إليه أجزاؤه في الآخرة فيقوم يوم القيامة وعليه قسط من الجنابة بحسب ما نقص ~~من ذلك وعلى كل شعرة قسط من الجنابة: فهل ذلك كذلك أم لا؟ . # فأجاب: # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة # PageV21P120 # ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما {: أنه لما ذكر له الجنب قال: إن ~~المؤمن لا ينجس} . وفي صحيح الحاكم: {حيا ولا ميتا} . وما أعلم على كراهية ~~إزالة شعر الجنب وظفره دليلا شرعيا بل قد {قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للذي أسلم: ألق عنك شعر الكفر واختتن} فأمر الذي أسلم أن يغتسل ولم يأمره ~~بتأخير الاختتان. وإزالة الشعر عن الاغتسال فإطلاق كلامه يقتضي جواز ~~الأمرين. وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها مع أن الامتشاط يذهب ببعض ~~الشعر. والله أعلم. # PageV21P121 ### | باب الوضوء # سئل - رحمه الله -: # عن مسح الرأس في الوضوء: من العلماء من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ~~ربع الرأس ومنهم من قال: بعض شعره يجزئ: ms6343 فما ينبغي أن يكون الصحيح من ذلك؟ ~~بينوا لنا ذلك. # فأجاب: # الحمد لله، اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس كما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة والحسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذين نقلوا ~~وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه وما يذكره بعض ~~الفقهاء - كالقدوري في أول مختصره وغيره - أنه توضأ ومسح على ناصيته: إنما ~~هو بعض الحديث الذي في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته} . ولهذا ذهب طائفة من العلماء ~~إلى جواز مسح بعض الرأس وهو # PageV21P122 # مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب مالك وأحمد. وذهب آخرون إلى وجوب ~~مسح جميعه وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح فإن القرآن ~~ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس فإن قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم نظير قوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} لفظ المسح في الآيتين وحرف ~~الباء في الآيتين: فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل ~~عن الوضوء وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار: فكيف تدل على ذلك آية الوضوء ~~مع كون الوضوء هو الأصل والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار؟ هذا لا ~~يقوله من يعقل ما يقول. ومن ظن أن من قال بإجزاء البعض لأن الباء للتبعيض ~~أو دالة على القدر المشترك: فهو خطأ أخطأه على الأئمة وعلى اللغة وعلى ~~دلالة القرآن. والباء للإلصاق وهي لا تدخل إلا لفائدة: فإذا دخلت على فعل ~~يتعدى بنفسه أفادت قدرا زائدا كما في قوله: {عينا يشرب بها عباد الله} فإنه ~~لو قيل: يشرب منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروى فقيل: {يشرب بها} ~~فأفاد ذلك أنه شرب يحصل معه الري. وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى ~~بتعديته - كقوله: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} وقوله {ونصرناه من ~~القوم # PageV21P123 # الذين كذبوا بآياتنا} وقوله: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما ms6344 أنزل الله ~~إليك} وأمثال ذلك - كثير في القرآن وهو يغني عند البصريين من النحاة عما ~~يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف. وكذلك المسح في الوضوء ~~والتيمم لو قال: فامسحوا رءوسكم أو وجوهكم: لم تدل على ما يلتصق بالمسح ~~فإنك تقول: مسحت رأس فلان وإن لم يكن بيدك بلل. فإذا قيل: فامسحوا برءوسكم ~~وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق فأفاد أنكم تلصقون برءوسكم وبوجوهكم شيئا ~~بهذا المسح وهذا يفيد في آية التيمم أنه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه ~~واليد ولهذا قال: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} . وإنما مأخذ من جوز ~~البعض: الحديث. ثم تنازعوا: فمنهم من قال: يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد ~~وقول بعض الحنفية. ومنهم من قال: يجزئ الأكثر. كرواية عن أحمد وقول بعض ~~المالكية. ومنهم من قال: يجزئ الربع. ومنهم من قال: قدر ثلاث أصابع. وهما ~~قولان للحنفية. ومنهم من قال: ثلاث شعرات أو بعضها. ومنهم من قال: شعرة أو ~~بعضها. وهما قولان للشافعية. وأما الذين أوجبوا الاستيعاب - كمالك وأحمد في ~~المشهور من # PageV21P124 # مذهبهما - فحجتهم ظاهر القرآن. وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في ~~مسح التيمم: كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى ولا يقال: التيمم وجب ~~فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واستيعابه واجب؛ لأن البدل إنما يقوم ~~مقام المبدل في حكمه لا في وصفه؛ ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل ~~الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين وأيضا للسنة المستفيضة ~~من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد ~~وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ~~ذلك وإذا مسح عنده بناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب. ~~وأما مالك فلا جواب له عن الحديث إلا أن يحمله على أنه كان معذورا لا يمكنه ~~كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر. ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح ~~بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع وأجزأه بدون العذر عند ms6345 الثلاثة ~~ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة. # وتنازعوا في مسحه ثلاثا: هل يستحب؟ فمذهب الجمهور أنه لا يستحب كمالك ~~وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. # PageV21P125 # وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه: يستحب؛ لما في الصحيح أنه توضأ ثلاثا ~~ثلاثا وهذا عام. وفي سنن أبي داود: أنه مسح برأسه ثلاثا ولأنه عضو من أعضاء ~~الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء. والأول أصح فإن الأحاديث الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه كان يمسح رأسه مرة واحدة ولهذا قال أبو ~~داود السجستاني: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة. وبهذا ~~يبطل ما رواه من مسحه ثلاثا فإنه يبين أن الصحيح أنه مسح رأسه مرة وهذا ~~المفصل يقضي على المجمل وهو قوله: {توضأ ثلاثا ثلاثا} كما أنه لما قال: ~~{إذا سمعتم المؤذن فقولوا: مثل ما يقول} كان هذا مجملا وفسره حديث ابن عمر ~~{أنه يقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله} فإن الخاص المفسر يقضي ~~على العام المجمل. وأيضا فإن هذا مسح والمسح لا يسن فيه التكرار كمسح الخف ~~والمسح في التيمم ومسح الجبيرة وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل؛ ~~لأن المسح إذا كرر كان كالغسل. وما يفعله الناس من أنه يمسح بعض رأسه بل ~~بعض شعره ثلاث مرات: خطأ مخالف للسنة المجمع عليها من وجهين: من جهة مسحه ~~بعض رأسه فإنه خلاف السنة باتفاق الأئمة. ومن جهة تكراره فإنه خلاف السنة ~~على الصحيح ومن يستحب التكرار - كالشافعي وأحمد في قول - لا يقولون: # PageV21P126 # امسح البعض وكرره بل يقولون: امسح الجميع وكرر المسح. ولا خلاف بين ~~الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثا بل إذا قيل: إن ~~مسح البعض يجزئ وأخذ رجل بالرخصة كيف يكرر المسح. ثم المسلمون متنازعون في ~~جواز الاقتصار على البعض وفي استحباب تكرار المسح: فكيف يعدل إلى فعل لا ~~يجزئ عند أكثرهم ولا يستحب عند أكثرهم ويترك فعل يجزئ عند جميعهم وهو ms6346 ~~الأفضل عند أكثرهم؟ والله أعلم. # وسئل: # هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عنقه في الوضوء أو أحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم؟. # فأجاب: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عنقه في الوضوء ~~بل ولا روي عنه ذلك في حديث صحيح بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحب ذلك جمهور ~~العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم ومن استحبه فاعتمد فيه على ~~أثر يروى عن # PageV21P127 # أبي هريرة رضي الله عنه أو حديث يضعف نقله: {أنه مسح رأسه حتى بلغ ~~القذال} ومثل ذلك لا يصلح عمدة ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث ومن ترك مسح ~~العنق فوضوءه صحيح باتفاق العلماء. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # غسل القدمين في الوضوء منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا ~~منقول عمله بذلك وأمره به كقوله في الحديث الصحيح من وجوه متعددة؛ كحديث ~~أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة: {ويل للأعقاب من النار} وفي بعض ~~ألفاظه: {ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار} . فمن توضأ كما تتوضأ ~~المبتدعة - فلم يغسل باطن قدميه ولا عقبه بل مسح ظهرهما - فالويل لعقبه ~~وباطن قدميه من النار. وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على ~~الخفين ونقل عنه المسح على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون في قدميه ~~نعلان يشق نزعهما. وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعا فلم ينقله أحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو مخالف للكتاب والسنة. أما مخالفته للسنة ~~فظاهر # PageV21P128 # متواتر. وأما مخالفته للقرآن فلأن قوله تعالى {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ~~إلى الكعبين} فيه قراءتان مشهورتان: النصب والخفض. فمن قرأ بالنصب فإنه ~~معطوف على الوجه واليدين والمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وامسحوا برءوسكم. ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما ~~يظنه بعض الناس؛ لأوجه: أحدها: أن الذين قرءوا ذلك من السلف قالوا: عاد ~~الأمر إلى ms6347 الغسل. الثاني: أنه لو كان عطفا على الرءوس لكان المأمور به مسح ~~الأرجل لا المسح بها والله إنما أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا ~~مسح العضو؛ فقال تعالى: {وامسحوا برءوسكم} وقال: {فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ولم يقرأ القراء المعروفون في آية التيمم ~~وأيديكم بالنصب كما قرءوا في آية الوضوء فلو كان عطفا لكان الموضعان سواء؛ ~~وذلك أن قوله: {وامسحوا برءوسكم} وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} يقتضي ~~إلصاق الممسوح؛ لأن الباء للإلصاق وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى ~~أعضاء الطهارة. وإذا قيل: امسح رأسك ورجلك: لم يقتض إيصال الماء إلى العضو. ~~وهذا يبين أن الباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس وهذا خلاف ~~قوله: # PageV21P129 # معاوي إننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فإن الباء هنا مؤكدة فلو حذفت لم يختل المعنى والباء في آية الطهارة إذا ~~حذفت اختل المعنى فلم يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها بل على لفظ ~~المجرور بها أو ما قبله. الثالث: أنه لو كان عطفا على المحل لقرئ في آية ~~التيمم فامسحوا بوجوهكم وامسحوا أيديكم: فكان في الآية ما يبين فساد مذهب ~~الشارح بأنه قد دلت عليه فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه بالنصب؛ لأن اللفظين ~~سواء فلما اتفقوا على الجر في آية التيمم مع إمكان العطف على المحل لو كان ~~صوابا: علم أن العطف على اللفظ ولم يكن في آية التيمم منصوب معطوف على ~~اللفظ كما في آية الوضوء. الرابع: أنه قال: {وأرجلكم إلى الكعبين} ولم يقل: ~~إلى الكعاب فلو قدر أن العطف على المحل كالقول الآخر؛ وأن التقدير أن في كل ~~رجلين كعبين؛ وفي كل رجل كعب واحد: لقيل: إلى الكعب كما قيل: {إلى المرافق} ~~لما كان في كل يد مرفق وحينئذ فالكعبان هما العظمات الناتئان في جانبي ~~الساق؛ ليس هو معقد الشراك مجمع الساق والقدم كما يقوله من يرى المسح على ~~الرجلين فإذا كان الله تبارك وتعالى إنما أمر بطهارة الرجلين إلى الكعبين ~~الناتئين؛ # PageV21P130 # والماسح يمسح إلى مجمع ms6348 القدم والساق: علم أنه مخالف للقرآن. الوجه ~~الخامس: أن القراءتين كالآيتين والترتيب في الوضوء: إما واجب؛ وإما مستحب ~~مؤكد الاستحباب فإذا فصل ممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن النظير: دل ذلك ~~على الترتيب المشروع في الوضوء. الوجه السادس: أن السنة تفسر القرآن وتدل ~~عليه وتعبر عنه وهي قد جاءت بالغسل. الوجه السابع: أن التيمم جعل بدلا عن ~~الوضوء عند الحاجة؛ فحذف شطر أعضاء الوضوء وخفف الشطر الثاني؛ وذلك لأنه ~~حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا. وأما القراءة الأخرى - وهي قراءة من ~~قرأ وأرجلكم بالخفض - فهي لا تخالف السنة المتواترة؛ إذ القراءتان كالآيتين ~~والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه؛ ولكن تفسره وتبينه ~~لمن قصر فهمه عن فهم القرآن؛ فإن القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من ~~الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها. # PageV21P131 # والمسح اسم جنس يدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل لفظه على ~~جريانه لا بنفي ولا إثبات. قال أبو زيد الأنصاري وغيره: العرب تقول: تمسحت ~~للصلاة. فتسمي الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم ~~عاما تحته نوعان: خصوا أحد نوعيه باسم خاص. وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر ~~كما في لفظ الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه ~~فصاروا يطلقونه على غيره. وكذلك لفظ الحيوان؛ ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ~~ذي رحم؛ لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه. وكذلك لفظ المؤمن يتناول من ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ ومن آمن بالجبت والطاغوت: فصار لهذا النوع ~~اسم يخصه وهو الكافر وأبقي اسم الإيمان مختصا بالأول. وكذلك لفظ البشارة ~~ونظائر ذلك كثيرة. ثم إنه مع القرينة تارة ومع الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ ~~العام في معنيين: كما إذا أوصى لذوي رحمه؛ فإنه يتناول أقاربه من مثل ~~الرجال والنساء. فقوله تعالى في آية الوضوء: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم يقتضي ~~إيجاب مسمى المسح بينهما وكل واحد من المسح الخاص الخالي عن الإسالة؛ ~~والمسح الذي معه إسالة: يسمى مسحا؛ ms6349 فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ~~ولم يكن في لفظ الآية ما يمنع كون الرجل # PageV21P132 # يكون المسح بها هو المسح الذي معه إسالة ودل على ذلك قوله: {إلى الكعبين} ~~فأمر بمسحهما إلى الكعبين. وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل ~~فهما نوعان: للمسح العام الذي هو إيصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن ~~يكتفى بأحد اللفظين كقولهم: # علفتها تبنا وماء باردا # والماء سقي لا علف وقوله: # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد. ومنه قوله تعالى {يطوف عليهم ولدان مخلدون} {بأكواب ~~وأباريق وكأس} إلى قوله: وحور عين فكذلك اكتفى بذكر أحد اللفظين وإن كان ~~مراده الغسل ودل عليه قوله: {إلى الكعبين} والقراءة الأخرى مع السنة ~~المتواترة. ومن يقول: يمسحان بلا إسالة: يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين ~~فهو مخالف لكل واحدة من القراءتين كما أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه ~~لا ظاهر ولا باطن ولا سنة معروفة وإنما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه ~~وبالسنة المتواترة. وذكر المسح بالرجل مما يشعر بأن الرجل يمسح بها بخلاف ~~الوجه واليد فإنه لا يمسح بهما بحال ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين ~~على الرجلين # PageV21P133 # ما لم يجئ مثله في الوجه واليد ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح ~~بالرجلين. ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ~~ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل والرجل إذا كانت ظاهرة وجب ~~غسلها وإذا كانت في الخف كان حكمها كما بينته السنة. كما في آية الفرائض ~~فإن السنة بينت حال الوارث إذا كان عبدا أو كافرا أو قاتلا. ونظائره ~~متعددة. والله سبحانه أعلم. # PageV21P134 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # فصل: # الموالاة في الوضوء فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: الوجوب مطلقا كما يذكره أصحاب الإمام أحمد ظاهر مذهبه وهو القول ~~القديم للشافعي وهو قول في مذهب [مالك] (1) . # والثاني: عدم الوجوب مطلقا كما هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد والقول ~~الجديد للشافعي. # والثالث: ms6350 الوجوب إلا إذا تركها لعذر مثل عدم تمام الماء كما هو المشهور ~~في مذهب مالك وهو قول في مذهب [أحمد] (2) . # قلت: هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة PageV21P135 # وبأصول مذهب أحمد وغيره؛ وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط لا ~~تتناول العاجز عن الموالاة فالحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو ~~داود وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {أنه ~~رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة} . فهذه قضية عين والمأمور ~~بالإعادة مفرط لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل ~~غيرها وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة نظير الذين ~~كانوا يتوضئون وأعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته: {ويل للأعقاب من النار} . ~~وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عن عمر: {أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على ~~قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى} ~~. رواه مسلم. فالقدم كثيرا ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها حتى قد اعتقد ~~كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل بل فرضها مسح ظهرها عند طائفة من الشيعة ~~والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة الذين لم يوجبوا الموالاة ~~عمدتهم في الأمر حديث عن ابن عمر: {أنه توضأ [فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم ~~دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد فمسح على خفيه ثم صلى عليها] (1) . ~~PageV21P136 # موالاة لفقد تمام الماء} وأصول الشريعة تدل على ذلك قال تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم} . والذي لم يمكنه الموالاة - لقلة الماء أو انصبابه أو ~~اغتصابه منه بعد تحصيله أو لكون المنبع أو المكان الذي يأخذ منه هو وغيره - ~~كالأنبوب أو البئر لم يحصل له منه الماء إلا متفرقا تفرقا كثيرا ونحو ذلك ~~-: لم يمكنه أن يفعل ما أمر به إلا ms6351 هكذا بأن يغسل ما أمكنه بالماء الحاضر. ~~وإذا فعل ذلك ثم غسل الباقي بماء حصله فقد اتقى الله ما استطاع وفعل ما ~~استطاع مما أمر به. يبين ذلك أنه لو عجز عن غسل الأعضاء بالكلية لعدم الماء ~~لسقط عنه ولكان فرضه التيمم ولو قدر على غسل بعضها فعنه ثلاثة أقوال: قيل: ~~يتيمم فقط لئلا يجمع بين بدل ومبدل. وقيل: يستعمل ما قدر عليه ويتيمم ~~للباقي. وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره. وقيل: بل يستعمل ذلك في الغسل دون ~~الوضوء كما يذكر عن أبي بكر. وهو مبني على وجوب الموالاة في الوضوء دون ~~الغسل. # PageV21P137 # قال صاحب هذا القول: فينتفع باستعمال البعض في الغسل دون التيمم. وضعفوا ~~ذلك بأنه يفعل المقدور عليه فعلم بذلك أن هذا عندهم طهارة نافعة عند العجز ~~في الوضوء كما هي نافعة في الغسل وإذا كان كذلك لم يجب عليه عند القدرة على ~~الماء إعادة ما غسله من أعضاء الوضوء كما لا يجب عليه ما صلاه بالتيمم وكما ~~لا يجب عليه إعادة ما غسل في الغسل على المشهور عند أصحاب أحمد من الفرق ~~بين الوضوء والغسل كما سنذكره إن شاء الله وذلك لأنه قد فعل ما أمر به كما ~~أمر ومن كان ممتثلا الأمر أجزأ منه فلا إعادة عليه. يوضح هذا أنه في حال ~~العجز لم يكن مأمورا بغسل العضو الثاني وإنما يؤمر بتحصيل الطهور الذي ~~يتمكن به من غسله أو بتأخره إلى القدرة وهو قادر على غسل العضو الأول وهو ~~المستطاع من المأمور فعليه فعله كما لو قدر على غسل بعض الأعضاء أو بعض ~~العضو الواحد دون بعض فإن عليه غسله كالمقطوع يده من بعض الذراع. وطرد ذلك ~~ما ذكرناه لو كان ببعض أعضائه ما يمنع الوجوب من جرح أو مرض أو غير ذلك ~~فغسل الصحيح ثم قدر أن الألم زال وقد نشف ذلك العضو: فإنه إذا غسل الباقي ~~فقد فعل المقدور عليه. # PageV21P138 # وأيضا فالترتيب واجب في صوم الشهرين بنص القرآن والسنة والإجماع ثم اتفق ~~المسلمون على ms6352 أنه إذا قطع لعذر لا يمكن الاحتراز منه - كالحيض - فإنه لا ~~يقطع التتابع الواجب. ومذهب أحمد في هذا أوسع من مذهب غيره: فعنده إذا قطع ~~التتابع لعذر شرعي لا يمكن مع إمكان الاحتراز منه - مثل أن يتخلل الشهرين ~~صوم شهر رمضان أو يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام منى أو مرض أو نفاس ونحو ~~ذلك - فإنه لا يمنع التتابع الواجب ولو أفطر لعذر مبيح كالسفر فعلى وجهين. ~~فالوضوء أولى إذا ترك التتابع فيه لعذر شرعي وإن أمكن الاحتراز منه. وأيضا ~~فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة قالوا: إنه لو قرأ بعضها وسكت سكوتا ~~طويلا لغير عذر: كان عليه إعادة قراءتها. ولو كان السكوت لأجل استماع قراءة ~~الإمام أو لو فصل بذكر مشروع - كالتأمين ونحوه - لم تبطل الموالاة بل يتم ~~قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي. ~~ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال. وأيضا فالمنصوص ~~عن أحمد في العقود كذلك فإن الموالاة بين الإيجاب والقبول واجبة بحيث لو ~~تأخر القبول عن الإيجاب - حتى # PageV21P139 # خرجا من ذلك الكلام إلى غيره أو تفرقا بأبدانهما - فلا بد من إيجاب ثان ~~وقد نص أحمد على أنه إذا أوجب النكاح لغائب وذهب إليه الرسول فقبل في مجلس ~~البلاغ: أنه يصح العقد فظن طائفة من أصحابه أن ذلك قول منه ثان: بأنه يصح ~~تراخي القبول مطلقا وإن كانا في مجلس واحد بعد تفرقهما وطول الفصل وهي ~~الرواية التي ذكرت في مثل الهداية والمقنع والمحرر وغيرها: أنه يصح في ~~النكاح ولو بعد المجلس. وذلك خطأ كما نبه عليه الجد - فيما أظن - في كتابه ~~الكبير ولا فرق في ذلك بين النكاح والبيع والإجارة والفرق بين الصورتين ~~ظاهر ويذهب إلى الفرق: غيره من الفقهاء كأبي يوسف وغيره. وهذا التفريق من ~~أحسن الأقوال ويشبه أن يكون المنصوص عنه في الوضوء كذلك لكني لم أتأمل بعد ~~نصه في الوضوء. فإنه كثيرا ما يحكى عنه روايتان في مثل ذلك ويكون منصوصه ~~التفريق بين حال ms6353 وحال ويكون هو الصواب كمسألة إخراج القيم ومسألة قتل ~~الموصي. وأيضا فالموالاة في الطواف والسعي أوكد منه في الوضوء ومع هذا ~~فتفريق الطواف لمكتوبة تقام أو جنازة تحضر ثم يبني على الطواف ولا يستأنف: ~~فالوضوء أولى بذلك. وعلى هذا فلو توضأ بعد # PageV21P140 # الوضوء ثم عرض أمر واجب يمنعه عن الإتمام - كإنقاذ غريق أو أمر بمعروف ~~ونهي عن منكر فعله - ثم أتم وضوءه كالطواف وأولى وكذلك لو قدر أنه عرض له ~~مرض منعه من إتمام الوضوء. وأيضا فإن أصول الشريعة تفرق في جميع مواردها ~~بين القادر والعاجز؛ والمفرط؛ والمعتدي؛ ومن ليس بمفرط ولا معتد. والتفريق ~~بينهما أصل عظيم معتمد وهو الوسط الذي عليه الأمة الوسط وبه يظهر العدل بين ~~القولين المتباينين. # وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفيا وإثباتا ~~حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء؛ وما يتعصب له الطوائف من الأقوال؛ كمسائل ~~الطرائق المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وبين الأئمة الأربعة؛ ~~وغير هذه المسائل: فوجدت كثيرا منها يعود الصواب فيه إلى الوسط؛ كمسألة ~~إزالة النجاسة بغير الماء ومسألة القضاء بالنكول؛ وإخراج القيم في الزكاة؛ ~~والصلاة في أول الوقت؛ والقراءة خلف الإمام؛ ومسألة تعيين النية وتبييتها؛ ~~وبيع الأعيان الغائبة واجتناب النجاسة في الصلاة ومسائل الشركة: كشركة ~~الأبدان والوجوه والمفاوضة ومسألة صفة القاضي. وكذلك هو الأصل المعتمد في ~~المسائل الخبرية العلمية التي تسمى # PageV21P141 # مسائل الأصول: أو أصول الدين؛ أو أصول الكلام؛ يقع فيها اتباع الظن وما ~~تهوى الأنفس. وقد قررنا أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة فيها وفي غيرها من ~~الفرق بين المؤمن باطنا وظاهرا؛ وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهرا لا ~~باطنا وأن المؤمنين قد عفي لهم عن الخطأ والنسيان ثم غالب الخلاف المتباين ~~فيها يعود الحق فيه إلى القول الوسط في مسائل التوحيد والصفات؛ ومسائل ~~القدر والعدل؛ ومسائل الأسماء والأحكام؛ ومسائل الإيمان والإسلام. ومسائل ~~الوعد والوعيد؛ ومسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على ~~الأمراء ومذاهبهم أو موافقتهم على طاعة الله؛ فأمرهم ونهيهم بحسب الإمكان ~~والامتناع ms6354 عن الخروج والفتن. وأمثال هذه الأهواء. وأيضا فعمدة القياس في ~~مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على الصلاة؛ فإن الصلاة يجب فيها ~~الترتيب؛ فلا يجوز تقديم السجود على الركوع. وتجب فيها الموالاة؛ فلا يفرق ~~بين أبعاضها بما ينافيها؛ والصلاة مع هذا عبادة واحدة متصلة الأجزاء؛ ليس ~~بين أجزائها فصل أصلا حتى يمكن في ذلك المتابعة أو التفريق ثم مع ذلك إذا ~~فرق بينهما لعذر كالعمل الكثير لضرورة كما في حديث ابن عمر: {أن الطائفة ~~الأولى بعد صلاة ركعة تذهب وجاه العدو؛ فإذا صلت الثانية الركعة الثانية ~~ذهبت أيضا إلى وجاه العدو ثم رجعت # PageV21P142 # الأولى إلى موقفها فأتمت الصلاة ثم الثانية} والصفة في الصحيحين. وهي ~~جائزة غير مكروهة عند أئمة الحديث كأحمد وغيره وهي الصلاة المختارة في ~~الخوف عند أبي حنيفة؛ إذ ليس فيها مخالفة لصلاة الأمن إلا في استدبار ~~القبلة والعمل الكثير؛ وهذان يجوزان للعذر كمن سبقه الحدث؛ فإنه عند أكثر ~~العلماء - كأبي حنيفة ومالك؛ وقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايات - يقول: ~~إنه يتوضأ ويبني على ما مضى إذا لم تبطل صلاته بكلام عمد ونحوه وهذا مأثور ~~عن أكثر الصحابة وفيه حديثان مرسلان عن النبي صلى الله عليه وسلم والمرسل ~~إذا عمل به جمهور الصحابة يحتج به الشافعي وغيره. وأيضا فإذا سلم من صلاته ~~ساهيا - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين؛ وفصل بين ~~أبعاض الصلاة بالقيام إلى الخشبة والاتكاء عليها؛ وتشبيك أصابعه؛ ووضع خده ~~عليها؛ والكلام منه ومن المنبه له السائل له المخبر له أنه لم ينس ولم ~~تقصر؛ والمجيبين له الموافقين للمنبه - ثم أتم الصلاة: لم يكن هذا التفريق ~~والفصل مانعا من الإتمام. ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمدا لأبطل الصلاة بلا ~~نزاع فإذا كانت الصلاة التي لم تشرع إلا متصلة لا يستوي تفريقها في حال ~~العذر وعدمه: فكيف يستوي تفريق الوضوء في حال العذر وعدمه؟ مع أن الوضوء # PageV21P143 # أفعال منفصلة لا يجب اتصالها بالاتفاق وليس لقائل أن يقول: إذا عمل عملا ~~كثيرا ms6355 لعذر كما في صلاة الخوف؛ والساهي إذا سلم فإنه في حكم المصلي؛ بدليل ~~أنه لو تعمد حينئذ الحديث أو الكلام المبطل؛ أو العمل الكثير الذي لا يحتاج ~~إليه أو استدبار القبلة الذي لا يحتاج إليه أو كشف العورة: بطلت صلاته. ولو ~~كان في غير صلاة لم تبطل صلاته بذلك فلا يكون هذا تركا للموالاة الواجبة ~~لأنه يقال: بل هذا من أوكد الأدلة على ما قلناه فإنه من المعلوم أن هذه ~~الأفعال والفصل الطويل المعفو له عنه - مثل الذهاب إلى العدو ثم الرجوع إلى ~~موقفه ومثل قيام المسلم سهوا إلى ناحية المسجد واتكائه عليه - ليس هو من ~~أفعال الصلاة الواجبة ولا المستحبة ولا داخلا في ذلك كما يدخل ما يدخل في ~~تطويل القيام والركوع والسجود والقعود فإن هذه الأربعة من جنس أفعال الصلاة ~~فإذا أطالها أو أدخل فيها ما لا يشرع في الصلاة من العمل اليسير: لم يمنع ~~أن تكون هي من الصلاة. وأما تلك فليست من أفعال الصلاة وإنما أمر المصلي ~~بالعمل الكثير في صلاة الخوف لأجل الجهاد وغفر له عن نحو ذلك من السهو لأن ~~الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان فصار الفصل بين أبعاض الصلاة ~~المتابع تارة بفعل يوجب تغييرها وتارة بفعل لا جناح على فاعله # PageV21P144 # لكونه ليس مكلفا بتركه يشبهه الفصل بين الصيام المتتابع: تارة بصوم أو ~~فطر واجب وتارة بحيض أو نفاس أو مرض يعجز معه عن الصوم. ولهذا طرد أحمد ~~ذلك؛ ولو وقع هذا التفريق لغير عذر أبطل الصلاة بالاتفاق فالوضوء أولى أن ~~لا يسوى بين تفريقه لعذر ولغير عذر. وأما كونه في حكم المصلي فمعنى ذلك أنه ~~ليس له أن يفرق الصلاة إلا بما يعفى عنه فيه فإذا أتى بما ينافيها - من ~~كلام عمد أو عمل كثير؛ أو استدبار قبلة لغير عذر - كان قد فصل بين أبعاضها ~~وفرق بينها بما ينافيها لغير عذر؛ فتبطل صلاته؛ كما لو صلى ركعتين فسلم ~~عمدا؛ فإنه ليس له أن يأتي بالركعتين الأخيرتين بل يستأنف الصلاة ولو سلم ms6356 ~~سهوا بنى على الأول بالسنة المتواترة عند العلماء واتفاقهم على ذلك والمسلم ~~إنما هو خارج من الصلاة وزائد على الفعل المأمور به فإذا فعل ذلك عمدا لم ~~يكن له ذلك ولا محذور في ذلك إلا قطع الصلاة ألا ترى أنه لا فرق بين الوتر ~~بثلاث متصلة وثلاث يفصل فيها بين الشفع والوتر: إلا بمجرد الفصل؟ ولهذا ~~يقولون: يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة؛ أو لا يفصل بتسليمة. فمن أهل ~~العراق من لا يسوغ الفصل كالمغرب. ويجعل وتر الليل لا يكون إلا كوتر النهار ~~متصلا غير منفصل. ومن أهل الحجاز من لا يسوغ إلا الفصل؛ لقوله صلى الله ~~عليه وسلم {صلاة الليل # PageV21P145 # مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة} . وفقهاء أهل الحديث يختارون ~~الفصل لصحة الآثار وكثرتها به وإن جوزوا الوصل. والمقصود هنا: أنهم لا ~~يذكرون بين صورتي الوتر فرقا: إلا كون هذا متصلا وهذا منفصلا. وهذا هو ~~الموالاة والتفريق؛ فتبين أن السلام العمد إنما أبطل الصلاة المكتوبة ~~ونحوها مما سنته الاتصال: لأجل تفريق بعض الصلاة عن بعض وهو إذا فعل ذلك ~~سهوا لم تبطل وكل ما ينافي الصلاة من فعل أو عمل كثير؛ أو تعمد كلام وترك ~~شرط من شروطها - من استقبال القبلة أو ستر عورته ونحو ذلك - فإنه مع ~~منافاته بفرق بين أبعاض الصلاة ويمكن أن يخرج منها كما يخرج بالسلام؛ ولهذا ~~ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يخرج منها بكل ما ينافيها كما يخرج بالسلام لكن ~~فقهاء الحديث وأهل الحجاز منعوا ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم {مفتاح ~~الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} ولغير ذلك من الأمور ~~التي يتبين أنه لا يدخل فيها إلا بالمشروع؛ ولا يخرج إلا بالمشروع. ومما ~~يوضح الكلام في هذا أمور: أحدها: أن من يجوز الوتر بثلاث مفصولة - كالشافعي ~~وأحمد # PageV21P146 # وغيرهما - يجوز عندهم أن تكون الصلاة التي لها اسم واحد يفصل بين أبعاضها ~~بالسلام العمد كالوتر والضحى وقيام رمضان والأربع قبل الظهر واختيارهم في ~~جميع الصلوات أن تكون مثنى مثنى: إلا ما استثناه ms6357 أحمد من الصور التي ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفصل: كالوتر بخمس أو سبع أو تسع فإنه ~~يختار فيها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ويقولون: أدنى الوتر ~~ثلاث مفصولة وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن عائشة: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يوتر من الليل بإحدى عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين} فسمت ~~الجميع وترا مع الفصل. وقد ينازعهم في هذا أصحاب أبي حنيفة؛ إذ المسنون ~~عندهم في الأربع قبل الظهر الوصل وكذلك في الوتر بثلاث وكذلك إذا جاء ذكر ~~صلاة أربع أو ثمان: يجعلونها بتسليمة. الثاني: إذا تكلم بعد سلامه من ~~الصلاة سهوا كما في حديث ذي اليدين فقد علم ما فيه من الفقه والمنازع يقول: ~~هو منسوخ كما يقوله أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد: كالقاضي أبي ~~يعلى وهم الذين يقولون: إن الكلام يبطل الصلاة مطلقا ولو كان بعد السلام ~~سهوا بناء على أنه في الصلاة. والجمهور على أنه محكم وهو الصواب وهو ~~المنصوص عن أحمد في # PageV21P147 # عامة أجوبته فإنه أخذ به وتفقه فيه ولم يترك الأخذ به ولا قال هو منسوخ. ~~وقد ثبت أن المشهور بروايته الذي ذكر أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو أبو هريرة قال: وذكر فيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم ~~الصلاة وهو إنما سلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلفه من عام خيبر ~~والقضية كانت في مسجده وذلك بعد رجوعه من خيبر بيقين وهذا يقين بعد تحريم ~~الكلام؛ فإنه قد ثبت في الصحيحين عن {ابن مسعود أنه قال: كنا نسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند ~~النجاشي سلمت عليه فلم يرد علي فقلنا: يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك في ~~الصلاة فترد علينا؟ فقال: إن في الصلاة شغلا} . فهذا يبين أن الكلام حرم ~~عليهم لما رجعوا من عند النجاشي وعبد الله بن مسعود ms6358 شهد بدرا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بلا خلاف وهو الذي أجهز على أبي جهل بن هشام فهذا يقتضي أن ~~تحريم الكلام قبل بدر سواء كان ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ثم هاجر أو ~~قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا قد ~~تنوزع فيه: فذكر ابن إسحاق في السيرة القول الأول وعلى هذا فيكون تحريم ~~الكلام بمكة وهو مقيد كما في # PageV21P148 # مسند أبي داود الطيالسى عن عبد الله بن عقبة عن ابن مسعود قال: {بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلا ومعنا جعفر بن ~~أبي طالب} فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي وفي آخره: فجاء ابن مسعود ~~فبادر فشهد بدرا. وللناس في هذا المقام المشتبه ثلاثة أقوال يقولها من ~~يقولها من أصحاب أحمد وغيرهم: أحدها - وهو قول أصحاب أبي حنيفة والقاضي أبي ~~يعلى وطائفة من أتباعهم - أن حديث ذي اليدين متقدم على تحريم الكلام وظنوا ~~أن قضيته كانت قبل بدر واحتجوا بأن ذا اليدين قتل يوم بدر فلا بد أن تكون ~~القضية قبل ذلك قالوا: وتحريم الكلام كان بالمدينة بعد ذلك كما في الصحيحين ~~عن {زيد بن أرقم قال: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام} وليس للبخاري: ونهينا ~~عن الكلام وفي رواية للترمذي: {كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الصلاة} . وزيد بن أرقم من صغار الأنصار وهو صاحب الإذن الذي وفى # PageV21P149 # الله بإذنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول ابن أبي من المنافقين ( ~~{لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} وكذبه من كذبه ولامه من ~~لامه من المؤمنين حتى أنزل الله قوله: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {هذا الذي وفى الله بإذنه} وهو لم يصل مع النبي ms6359 ~~صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة فعلم أنهم كانوا يتكلمون بعد الهجرة ~~وذكر أن النسخ حصل بآية المحافظة وهي مدنية بالاتفاق بل قد يقال: إنها إنما ~~نزلت عام الخندق لما شغله المشركون عن صلاة العصر حتى قال: {ملأ الله ~~قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر} - كما ثبت ~~ذلك في الصحيح - فقال هؤلاء: إذا كانت قصة ذي اليدين قبل بدر ولم يثبت أن ~~الكلام كان قد حرم أو ثبت أنه إنما حرم بعد ذلك بل بعد عام الخندق التي هي ~~بعد بدر بأكثر من سنتين: كان منسوخا. وأقصى ما يقال: إنه يحتمل أنه كان قبل ~~النسخ ويحتمل أنه بعده فلا يبقى فيه حجة. ونجد كثيرا من الناس - ممن يخالف ~~الحديث الصحيح من أصحاب أبي حنيفة أو غيرهم - يقول: هذا منسوخ وقد اتخذوا ~~هذا مجنة (1) ؛ كل حديث لا يوافق مذهبهم يقولون: هو منسوخ من غير أن يعلموا ~~أنه منسوخ ولا يثبتوا ما الذي نسخه. PageV21P150 # وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة - أصحاب مالك وغيرهم - ~~يقولون: هذا منسوخ لكن هؤلاء قد يقولون: إن وجود علم أهل المدينة بخلافه ~~دليل نسخه وهذا كثير. وما ذكروه في حديث ذي اليدين هو من أبلغ ما قرروه ~~وادعوا أن تحريم الكلام كان بعد ذلك عام الخندق أو نحوه ويقولون في القنوت ~~إنه منسوخ وفي دعائه لمعين أو غير معين: إنه منسوخ وإن هذا من كلام ~~الآدميين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن صلاتنا هذه لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الآدميين} حتى يبالغوا فيما يبطل الصلاة من هذا ~~النحو كالتنبيه بالقرآن وغيره. # وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة {أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت ~~بعد الركوع في صلاة الصبح شهرا إذا قال: سمع الله لمن حمده يقول في قنوته: ~~اللهم نج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ~~ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على ms6360 مضر اللهم ~~اجعلها عليهم سنين كسني يوسف} قال {أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم بعد فقلت: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: أوما تراهم قد قدموا} ؟ وهذا الحديث فيه ~~أنواع من الفقه فإن أبا هريرة لم يصل خلف # PageV21P151 # النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد خيبر وخيبر بعد الحديبية وكانت الهدنة ~~التي بينه وبين المشركين في الحديبية: على أن لا يدع أحدا منهم يهاجر إليه ~~ولا يرد إليه من ذهب مرتدا منه إليهم فهؤلاء وأمثالهم كانوا من المستضعفين ~~بمكة الذين قهرهم أهلوهم والمسلمون كلهم من بني مخزوم وهم بنو عبد مناف ~~أشرف قبائل قريش وبنو مخزوم كانوا هم الذين ينادون عبد مناف والمحاسدة التي ~~بينهم هي إحدى ما منعت أشرافهم - كالوليد وأبي جهل وغيرهما - من الإسلام ~~فلما قدم بعد الحديبية من قدم من المهاجرين ولحقوا بسيف البحر على الساحل - ~~كأبي بصير وأبي جندل بن سهيل بن عمرو - فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يجرهم بالشرط فصاروا بأيدي أنفسهم بالساحل يقطعون على أهل مكة حتى أرسل أهل ~~مكة حينئذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأذن لهم في المقام ~~عنده ليأمنوا قطعهم فقدموا حينئذ أولئك المستضعفون فترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم القنوت. وهذا القنوت بعد القنوت الذي رواه أنس: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم تركه} فإن ذلك ~~القنوت كان في أوائل الأمر لما أرسل القراء السبعين: أصحاب بئر معونة وذلك ~~متقدم قبل الخندق التي هي قبل الحديبية كما # PageV21P152 # ثبت ذلك في الصحيح فتبين أن تركه للقنوت لم يكن ترك نسخ؛ إذ قد ثبت أنه ~~قنت بعد ذلك وإنما قنت لسبب فلما زال السبب ترك القنوت كما بين في هذا ~~الحديث أنه ترك الدعاء لهم لما قدموا. وليس أيضا قوله في حديث أنس المتفق ~~عليه: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا ms6361 بعد الركوع يدعو على ~~أحياء من أحياء العرب ثم تركه} أنه ترك الدعاء فقط كما يظنه من ظن أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان مداوما على القنوت في الفجر بعد الركوع أو قبله بل ~~ثبت في أحاديث أنس التي في الصحيحين: {أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا} ~~وغير ذلك مما يبين أن المتروك كان القنوت. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ~~وبينا أن من تأمل الأحاديث علم علما يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يداوم على القنوت في شيء من الصلوات لا الفجر ولا غيرها؛ ولهذا لم ينقل هذا ~~أحد من الصحابة؛ بل أنكروه. ولم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم حرفا ~~واحدا مما يظن أنه كان يدعو به في القنوت الراتب وإنما المنقول عنه ما يدعو ~~به في العارض: كالدعاء لقوم وعلى قوم فأما ما يدعو به من يستحب المداومة ~~على قنوت الفجر من قول: {اللهم اهدنا فيمن هديت} فهذا إنما في السنن أنه ~~علمه للحسن يدعو به في قنوت الوتر. # PageV21P153 # ثم من العجب. أنه لا يستحب المداومة عليه في الوتر الذي هو من متن الحديث ~~ويداوم عليه في الفجر ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله في ~~الفجر ومن المعلوم باليقين الضروري أن القنوت لو كان مما داوم عليه لم يكن ~~هذا مما يهمل؛ ولتوفرت دواعي الصحابة ثم التابعين على نقله: فإنهم لم ~~يهملوا شيئا من أمر الصلاة التي كان يداوم عليها إلا نقلوه؛ بل نقلوا ما لم ~~يكن يداوم عليه: كالدعاء في القنوت لمعين وعلى معين وغير ذلك. ودعوى هذا ~~أيضا هي من بعض الوجوه مما يدعيه بعض أهل الأهواء في النص الجلي على معين ~~في الإمامة؛ أو من زيادة في القرآن وغير ذلك؛ ولهذا كان المصنفون يفرقون ~~بين بيان ما يمتنع من الكذب وما يمتنع من الكتمان فإذا تكلموا في الأخبار ~~الصادقة التي يمتنع أن تكون كذبا من الأخبار المتواترة: تكلموا فيما يمتنع ~~أن يكون من ms6362 الأخبار للعادة العامة أو الخاصة أو للأدلة الشرعية الدالة على ~~حفظ هذا الدين وأمثال ذلك. وبسط هذا له موضع آخر. # وأما الدعاء على أهل الكتاب - كما يتخذه من يتخذه سنة راتبة في دعاء ~~القنوت في النصف الأخير من شهر رمضان أو غيره - فهذا إنما هو منقول عن عمر ~~بن الخطاب أنه كان يدعو به لما كان يجاهد أهل الكتاب بالشام وكان يدعو به ~~في المكتوبة وهو موافق لسنة رسول # PageV21P154 # الله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقنت ~~أحيانا يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين ويذكر قبائل المشركين الذين يحاربونه ~~كمضر؛ ورعل وذكوان؛ وعصية وعمر لما قاتل أهل الكتاب قنت عليهم في المكتوبة؛ ~~فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم المحاربين. ~~فأما أن يتخذ قنوت عمر في المكتوبة سنة في الوتر وقنوت الحسن في الوتر سنة ~~في المكتوبة راتبة فهو كما تراه وكذلك في هذا الحديث أنه دعا لأقوام سماهم ~~بأسمائهم بعد خيبر وذلك بعد تحريم الكلام بالاتفاق وإن اقتضى ما يقال في ~~تأخر تحريم الكلام في الصلاة أنه تأخر إلى عام الخندق وخيبر بعد الخندق ~~بأكثر من سنتين؛ فإن خيبر كانت بالاتفاق بعد الحديبية والحديبية كانت ~~بالاتفاق سنة ست؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم أيضا إنما اعتمر في ذي ~~القعدة فلما صالحهم رجع إلى المدينة فكانت غزوة الغابة غزوة ذي قرد التي ~~ذكرها مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع لما جعل يقول: خذها وأنا ابن ~~الأكوع واليوم يوم الرضع لما أغارت فزارة على لقاح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكانت خيبر عقب ذلك في أواخر ست وأوائل سبع وهذا متفق عليه. وأما ~~الخندق فقبل ذلك: إما في أوائل خمس أو أواخر أربع كما في الصحيحين عن {عبد ~~الله بن عمر قال: عرضت على النبي # PageV21P155 # صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه ~~يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني} . وليس ms6363 لأحد أن يحتج على النسخ ~~بما في الصحيحين عن ابن عمر أنه {سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع ~~رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا ~~وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده؛ ربنا ولك الحمد؛ فأنزل الله: {ليس ~~لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} } فإن هذا إنما يدل ~~على ترك اللعنة لهم؛ لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم وهذا إذا كان ~~نهيا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة والكلام إنما هو في الدعاء ~~الجائز خارج الصلاة: كالدعاء لمعينين مستضعفين والدعاء على معينين من ~~الكفار بالنصرة عليهم؛ لا باللعنة ونحو ذلك. والقول الثاني: قول من يقول - ~~من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم -: إن تحريم الكلام كان بمكة بناء على أن ~~النسخ ثبت بحديث ابن مسعود بناء على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة قال: وبلغ ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل ~~مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك إسلام أهل مكة الذي كان باطلا فلم يدخل منهم ~~أحد إلا بجوار أو مستخفيا فكان من قدم # PageV21P156 # منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة شهد معه بدرا وأحدا فذكر منهم عبد ~~الله بن مسعود. وهؤلاء يجيبون عن حديث زيد بن أرقم بجوابين: أحدهما: أنه ~~يحتمل أنه كان نهى عنه متقدما ثم أذن فيه؛ ثم نهى عنه لما نزلت الآية. ~~الثاني: أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت الآية انتهوا. فأما القول الأول ~~فضعيف لوجوه قاطعة: منها: أن حديث ابن مسعود صحيح صريح وقد علم بالتواتر ~~عند أهل العلم أن ابن مسعود شهد بدرا وهو لما رجع من الحبشة أخبر أنه سلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يرد عليه بعد ما كان يرد عليهم قبل ~~أن يذهبوا إلى الحبشة؛ وأنه قال لهم: ms6364 {إن في الصلاة لشغلا} وفي رواية: {إن ~~الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة} . # PageV21P157 # الثاني: أن أبا هريرة لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل خلفه إلا ~~بعد عام خيبر باتفاق أهل العلم كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وهو أشهر ~~من روى حديث ذي اليدين وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى تلك الصلاة ~~بهم؛ كما في الصحيحين عنه قال {صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى ~~صلاتي العشي الظهر أو العصر} فعلم أنها لم تكن قبل عام خيبر بل بعد فتح ~~خيبر: فكيف تكون قبل بدر؟ بل خيبر بعد الخندق فلو ثبت أن الكلام لم يحرم ~~إلا عام الخندق لكان حديث ذي اليدين بعد ذلك فلا يكون منسوخا. الثالث: أن ~~من رواة حديث ذي اليدين عمران بن حصين كما رواه مسلم وغيره قالوا: وإسلام ~~عمران كان بعد بدر وقد روى نحوا منه أهل السنن من حديث معاوية بن خديج وقد ~~قيل: إنه أسلم قبل موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بشهرين وقد روى حديث ~~ذي اليدين كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمر رواه أهل السنن قالوا: ~~وإسناده على شرط الصحيح وابن عمر قبل بدر كان صغيرا؛ فإنه عام أحد كان ابن ~~أربع عشرة سنة ولا يكاد ابن عمر يروي ما كان حينئذ مما كان مثل ذلك كما لم ~~يرو حديث بناء المسجد ونحوه. # PageV21P158 # الرابع: أن قولهم: ذو اليدين قتل ببدر غلط قالوا: فإن المقتول ببدر هو ذو ~~الشمالين هو ابن عمرو من نضلة بن عبسان: حليف لبني زهرة من خزاعة قتل ببدر ~~وأما ذو اليدين فاسمه الخرباق ويكنى أبا العريان بقي بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وروى حديثه في السهو كما ذكره عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن ~~نصر بن معدي بن سليمان ثقة قال: أتيت مطرا لأسأله عن حديث ذي اليدين فأتيته ~~فسألته؛ فإذا هو شيخ كبير لا ينفذ الحديث ms6365 من الكبر فقال ابنه شعيب: بلى يا ~~أبت حدثتني: أن ذا اليدين لقيك بذي خشب فحدثك {أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلى بهم إحدى صلاتي العشي وهي العصر ركعتين ثم سلم فخرج سرعان الناس ~~فقالوا: قصرت الصلاة - وفي القوم أبو بكر وعمر - فقال ذو اليدين: أقصرت ~~الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما قصرت الصلاة ولا نسيت ثم أقبل على أبي بكر وعمر ~~فقال: ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: صدق يا رسول الله فرجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وثاب الناس؛ وصلى بهم ركعتين ثم سلم؛ ثم سجد سجدتي السهو} . ~~ورواه عبد الله بن أحمد أيضا عن محمد بن المثنى عن معدي بن سليمان؛ عن شعيب ~~بن مطر ومطر جاء من يصدقه بمقالته. وهذا السياق موافق لسياق أبي هريرة وابن ~~عمر في: أن السلام كان من # PageV21P159 # ركعتين وفي حديث عمران أنه من ثلاث وكذلك في حديث رافع؛ وفيه الجزم بأنها ~~العصر كما في حديث عمران وغيره وهل كانت القصة مرة أو مرتين؟ هذا فيه نزاع ~~ليس هذا موضعه. والمقصود هنا: أنه إذا ثبت أن حديث ذي اليدين محكم: ثبت به ~~أن مثل ذلك الكلام والفعال لا يبطل الصلاة وهنا أقوال في مذهب أحمد وغيره: ~~فعنه أن كلام الناس والمخطئ لا يبطل؛ وهذا قول مالك والشافعي وهو أقوى ~~الأقوال ومما يؤيده حديث {معاوية بن الحكم السلمي لما شمت العاطس في الصلاة ~~فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الآدميين} ولم يأمره بالإعادة وهذا كان جاهلا بتحريم الكلام. ~~وفي الجاهل لأصحاب أحمد طريقان. أحدهما: أنه كالناسي. والثاني: أنه لا تبطل ~~صلاته وإن بطلت صلاة الناسي؛ لأن النسخ لا يثبت حكمه إلا بعد العلم ~~بالناسخ. وهذا الفرق ضعيف هنا؛ لأن هذا إنما يكون فيمن تمسك بالمنسوخ ولم ~~يبلغه الناسخ كما كان أهل قباء وأما هنا فلم يكن بلغه المنسوخ # PageV21P160 # بحال فالنهي في حقه حكم مبتدأ لكن هل يثبت الحكم في حق ms6366 المكلف قبل بلوغ ~~الخطاب؟ فيه ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم: أحدها: أنه يثبت مطلقا. ~~والثاني: لا يثبت مطلقا. والثالث: الفرق بين الحكم الناسخ والحكم المبتدأ. ~~وعلى هذا يقال: الجاهل لم يبلغه حكم الخطاب وقد يفرق بين الناسي والجاهل: ~~ألا ترى من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يعيدها باتفاق المسلمين؟ وكذلك من ~~ترك شيئا من فروضها نسيانا ثم ذكر قبل أن يذكر أنه صلى بلا وضوء أو ترك ~~القراءة أو الركوع ونحو ذلك فإنه يعيد. وأما من نسي واجبا كالتشهد الأول ~~فإنه يسجد قبل السلام فإن تعمد تركه ففي بطلان صلاته وجهان: أشهرهما تبطل. ~~ولو نسيه مطلقا لم تبطل صلاته فهنا قد أثر النسيان في سقوط الواجب مطلقا. # وأما الجاهل فلو صلى غير عالم بوجوب الوضوء من لحم الإبل أو صلى في ~~مباركها غير عالم بالنهي ثم بلغه: ففي الإعادة روايتان لكن الأظهر في الحجة ~~أنه لا يعيد كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. # PageV21P161 # ومما يقرر هذا في كلام الجاهل في الصلاة أحاديث: منها: حديث ابن مسعود ~~حديث التشهد المستفيض: {أنه قال كنا نقول في الصلاة: السلام على الله من ~~عباده السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان. فنهاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك. وقال: إن الله هو السلام} ولم يأمرهم بإعادة ~~الصلوات التي قالوا ذلك فيها مع أن هذا الكلام حرام في نفسه فإنه لا يجوز ~~أن يدعى لله بالسلام بل هو المدعو ولما كانوا جهالا بتحريم ذلك لم يأمرهم ~~بالإعادة. ومن ذلك الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا ~~أحدا وقال: " لقد تحجرت واسعا " يريد رحمة الله. وهذا الدعاء حرام فإنه ~~سؤال الله أن لا يرحم من خلقه غيرهما. ومن ذلك قول القائل - لما صلى بهم ~~أبو موسى - أقرنت الصلاة بالبر والزكاة؟ فقال أبو موسى: يا حطان لعلك ~~قلتها؟ فقلت: ما قلتها ولقد خشيت أن تبكعني بها ولم يأمرني أبو موسى ~~بالإعادة. وعلى هذا فكلام العامد في مصلحتها فيه روايتان عن أحمد: ms6367 إحداهما: ~~يجوز. وهو قول مالك. والثانية: لا يجوز. وهو قول الشافعي. # PageV21P162 # وفيه رواية ثالثة: أن الكلام يبطل إلا إذا كان لمصلحتها سواء كان عمدا أو ~~سهوا. وفيه رواية رابعة: إلا لمصلحتها سهوا وهو اختيار جدي. وفيه رواية ~~خامسة: تبطل إلا صلاة إمام تكلم لمصلحتها؛ سواء كان عمدا أو سهوا. ومنشأ ~~التردد أنه يكلم ذا اليدين ابتداء؛ وتكلم جوابا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: بلى قد نسيت: بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم {لم أنس ولم تقصر} ~~وتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبقوله: {أحق ما يقول ذو اليدين؟} ~~وتكلم المخاطبون بتصديق ذي اليدين فقيل: إنما جاز ذلك لكونه لم يعتقد أنه ~~في الصلاة وكذلك ذو اليدين سؤاله له هو بمنزلة سلامه والمؤمنين معه اتباعا ~~له؛ فإنهم لم يكونوا يعلمون أنه نسي بل جوز أن تكون الصلاة قصرت وكذلك سائر ~~الصحابة لو علموا أنه نسي وأن متابعة الناسي في السلام لا تجوز: لسبحوا به؛ ~~لكن لم يعلموا بجميع الأمرين قطعا بل جوزوا أحدهما أو كلاهما بل كانوا ~~يعتقدون وجوب المتابعة له في الصلاة مطلقا حتى يتبين لهم. فقيل لهؤلاء: ~~فالمصلون أجابوه بتصديق ذي اليدين مع علمهم بأنها # PageV21P163 # لم تقصر وأنه نسي فظن بعضهم ذلك؛ لأن جوابه واجب لا يبطل الصلاة لحديث ~~أبي سعيد بن المعلى وظن آخرون أن ذلك لمصلحة الصلاة فجوزوا الكلام لمصلحة ~~الصلاة عمدا وظن آخرون أن ذلك إنما كان سهوا؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه ~~قد بقي عليهم بقية من الصلاة؛ وأن من بقي عليه بقية لا يتكلم. ثم قال ~~آخرون: هذا الكلام وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذي اليدين مع كون ذلك ~~سهوا: فإنما كان لمصلحة الصلاة والمقصود هنا أن من تكلم في صلب الصلاة ~~عالما أنه في صلاته بنحو هذا سهوا وعمدا لمصلحة الصلاة: هل يكون بمنزلة ~~هذا؟ هذا فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. فمن لم يسو بينهما قال: هذه الحال ~~لم يكونوا في صلاة لخروجهم منها سهوا؛ وإن كانوا في ms6368 حكمها كما ذكرنا؛ فلهذا ~~شاع هذا. ومن يسوي بينهما قال: سائر محظورات الصلاة هي في مثل هذه الحال ~~كما هي في الصلاة نفسها؛ فإن التفريق هنا إنما جاز لعذر السهو فلا يفيد فعل ~~شيء مما ينافي الصلاة؛ ولهذا اتفقوا على أنه إذا تعمد في مثل هذه الحال ما ~~يبطل الصلاة لغير مصلحة: بطلت صلاته وإن كانت لا تبطل إذا فعل ذلك بعد سلام ~~الإمام؛ وذلك أن المصلي صلى الصلاة وترك منافيها؛ فإذا عفي عنه في أحدهما ~~لعذر لم يجز أن يعفى عنه في الآخر لغير عذر كما لو زاد الفعل عمدا فإنه بعد # PageV21P164 # الذكر لو أطال الفصل عمدا: لم يكن له البناء بل يبتدئ الصلاة؛ ولهذا لو ~~فعل منافيها سهوا - من كلام أو عمل كثير ونحو ذلك - لم يكن له مع ذلك أن ~~يفرقها عمدا. فتبين بهذا كله وجوب الموالاة في الصلاة إلا في حال العذر ~~المسوغ لذلك فالوضوء أولى بذلك. # فإن قيل: فما تقولون في الغسل؟ قيل: المشهور عند أصحاب أحمد: الفرق ~~بينهما. وعمدة ذلك ما روي: {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على يده لمعة ~~لم يصبها الماء فعصر عليها شعره} . وعن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم اغتسل من جنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فقال: بجمته فبلها عليها} ~~رواه أحمد وابن ماجه من حديث أبي علي السروجي. وقد ضعف أحمد وغيره حديثه. ~~وروى ابن ماجه عن علي قال {: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إني اغتسلت من الجنابة فصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت موضعا قدر الظفر لم يصبه ~~ماء؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك} . ~~وعن ابن مسعود {أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغتسل من ~~الجنابة فيخطئ بعض جسده؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV21P165 # يغسل ذلك المكان ثم يصلي} رواه البيهقي من رواية عاصم بن عبد العزيز ~~الأشجعي قال البخاري: فيه نظر وقال ابن حبان: يخطئ ms6369 كثيرا. وقال الدارقطني: ~~ليس بالقوي. والفرق المعنوي: أن أعضاء الوضوء متعددة يجب فيها الترتيب ~~عندهم: فوجبت فيها الموالاة والبدن في الغسل كالعضو الواحد: لا يجب فيه ~~ترتيب فلا يجب فيه موالاة أيضا؛ فإن حكم الوضوء يتعدى محله؛ فإنه يغسل ~~أربعة أعضاء فيطهر جميع البدن وأما الجنابة فتشبه إزالة النجاسة: لا يتعدى ~~حكمه محله فكلما غسل شيئا ارتفع عنه الجنابة كما ترتفع النجاسة عن محل ~~الغسل فإذا غسل بعض أعضاء الوضوء لم يرتفع شيء من الحدث لا عنه ولا عن غيره ~~بدليل أنه لا يباح له مس المصحف به. وقد يقال: هذا لا يؤثر في الموالاة؛ ~~فإن وجوب الموالاة في الشيء الواحد أقوى من وجوبها في الاثنين؛ بخلاف ~~الترتيب؛ فإنه لا يكون إلا بين شيئين ولا بد أن يكونا مختلفين؛ إذ ~~المتماثلات - كالطوافات والسعيات - لا يكون بينهما ترتيب؛ ولهذا لم يجب ~~الترتيب عند أحمد ومالك في الركعات بل من نسي ركنا من ركعة فلم يذكر حتى ~~قرأ في الثانية: قامت مقامها وغسل الجنابة عبادة واحدة: الاتصال فيها أظهر ~~منه في الوضوء وهي عبادة في نفسها # PageV21P166 # تعتبر لها النية؛ بخلاف إزالة النجاسة فإنها لا تتعين لها النية إلا في ~~وجه ضعيف: التزموه في الخلاف الجدلي كما ذكره أبو الخطاب ومن تبعه وليس ~~بشيء فيمكن أن يقال: الموالاة فيهما واحدة. وإذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد عصر على اللمعة بعد جفافها في الزمن المعتدل وأن الوضوء لا يجوز ~~فيه ذلك: فالفرق أن تارك اللمعة في الرجل مفرط بخلاف المغتسل من الجنابة ~~فإنه لا يرى بدنه كما يرى رجليه فاللمعة إذا كانت في ظهره أو حيث لا يراه ~~ولا يمكنه مسه كان معذورا في تركها فلهذا لم تجب فيه الموالاة بخلاف ما لا ~~يعذر فيه والله أعلم. وعلى هذا فلو قيل بسقوط الترتيب بالعذر لتوجه. وقد ~~يخرج حديث تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه - وهو إحدى الروايتين ~~المنصوصتين - على هذا وأن تاركهما لم يعلم وجوبهما فكان معذورا بالترك فلم ~~يجب الترتيب في ms6370 ذلك بخلاف من لم يعذر كمنكس الأعضاء الظاهرة ولكن نظيره ~~حديث العهد بالإسلام: إذا اعتقد أن الوضوء غسل اليدين والرجلين فغسلهما فقط ~~أو من ترك غسل وجهه أو يديه لجرح أو مرض وغسل سائر أعضاء الوضوء ثم زال ~~العذر قبل انتقاض الوضوء: فهنا إذا قيل: يغسل ما ترك أولا ولا يضره ترك ~~الترتيب: كان متوجها على هذا الأصل. والله أعلم. # PageV21P167 # وسئل: # عمن يغسل أطرافه فوق الخمس مرات وإذا أتى المسجد يبسط سجادته تحت قدميه؟ ~~إلى آخر السؤال. # فأجاب: # ما ذكره من الوسوسة في الطهارة مثل غسل العضو أكثر من ثلاث مرات ~~والامتناع من الصلاة على حصر المسجد ونحو ذلك: هو أيضا بدعة وضلالة باتفاق ~~المسلمين ليس ذلك مستحبا ولا طاعة ولا قربة. ومن فعل ذلك على أنه عبادة ~~وطاعة فإنه ينهى عن ذلك فإن امتنع عزر على ذلك فقد كان عمر رضي الله عنه ~~يعزر الناس على الصلاة بعد العصر مع أن جماعة فعلوه لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه فعله وداوم عليه لكن لما كان ذلك من خصائصه صلى الله ~~عليه وسلم {وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الصلاة بعد العصر حتى ~~تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع الشمس} كان عمر يضرب من فعل هذه الصلاة ~~فضرب هؤلاء المبتدعين في الطهارة والصلاة لكونها بدعة مذمومة باتفاق ~~المسلمين: أولى وأحرى. والله أعلم. # PageV21P168 # وسئل: # أيما أفضل: المداومة على الوضوء أم ترك المداومة؟ . # فأجاب: أما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة بن حصيب ~~قال: {أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: يا بلال بم ~~سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي دخلت البارحة ~~الجنة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا ~~القصر؟ فقالوا: لرجل عربي. فقلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من ~~قريش. قلت: أنا رجل من قريش لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فقال ~~بلال: ms6371 يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا ~~توضأت عندها فرأيت أن لله علي ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بهما} قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا يقتضي استحباب الوضوء عند كل ~~حدث ولا يعارض ذلك الحديث الذي في الصحيح عن {ابن عباس قال: كنا عند النبي # PageV21P169 # صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط فأتي بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: ~~لم أصل فأتوضأ} فإن هذا ينفي وجوب الوضوء وينفي أن يكون مأمورا بالوضوء ~~لأجل مجرد الأكل ولم نعلم أحدا استحب الوضوء للأكل. وهل يكره أو يستحب؟ على ~~قولين هما روايتان عن أحمد. فمن استحب ذلك احتج بحديث {سلمان أنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأت في التوراة إن: من بركة الطعام الوضوء قبله ~~والوضوء بعده} . ومن كرهه قال: لأن هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا ~~يتوضئون قبل الأكل وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره التشبه بهم. وأما ~~حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم. وقد يقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ~~ولهذا كان يسدل شعره موافقة لهم ثم فرق بعد ذلك ولهذا صام عاشوراء لما قدم ~~المدينة ثم إنه قال قبل موته: {لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع} يعني: مع ~~العاشر لأجل مخالفة اليهود. # PageV21P170 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من ~~آثار الوضوء} وهذه صفة المصلين فبم يعرف غيرهم من المكلفين التاركين ~~والصبيان؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من كان أغر ~~محجلا وهم الذين يتوضؤون للصلاة. وأما الأطفال فهم تبع للرجل. وأما من لم ~~يتوضأ قط ولم يصل: فإنه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة. # PageV21P171 ### | باب المسح على الخفين # سئل - رحمه الله - عن: # أقوال العلماء في المسح على الخفين: هل من شرطه أن يكون ms6372 الخف غير مخرق ~~حتى لا يظهر شيء من القدم؟ وهل للتخريق حد؟ وما القول الراجح بالدليل كما ~~قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فإن الناس يحتاجون إلى ذلك؟ . # الجواب # فأجاب: هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء فمذهب مالك وأبي حنيفة ~~وابن المبارك وغيرهم: أنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير مع اختلافهم في ~~حد ذلك واختار هذا بعض أصحاب أحمد. ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه لا ~~يجوز المسح إلا على ما يستر جميع محل الغسل. قالوا: لأنه إذا ظهر بعض القدم ~~كان فرض ما ظهر الغسل؛ وفرض ما بطن المسح؛ فيلزم أن يجمع بين الغسل # PageV21P172 # والمسح أي: بين الأصل والبدل وهذا لا يجوز؛ لأنه إما أن يغسل القدمين ~~وإما أن يمسح على الخفين. والقول الأول أصح وهو قياس أصل أحمد ونصوصه في ~~العفو عن يسير العورة وعن يسير النجاسة ونحو ذلك؛ فإن السنة وردت بالمسح ~~على الخفين مطلقا قولا من النبي صلى الله عليه وسلم وفعلا كقول صفوان بن ~~عسال: {أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا - أو مسافرين - أن ~~لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن لا ننزع من غائط ~~وبول ونوم} رواه أهل السنن وصححه الترمذي؛ فقد بين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر أمته أن لا ينزعوا أخفافهم في السفر ثلاثة أيام من الغائط ~~والبول والنوم؛ ولكن ينزعوها من الجنابة. وكذلك أمره لأصحابه أن يمسحوا على ~~التساخين والعصائب؛ والتساخين هي الخفان فإنها تسخن الرجل وقد استفاض عنه ~~في الصحيح أنه مسح على الخفين؛ وتلقى أصحابه عنه ذلك فأطلقوا القول بجواز ~~المسح على الخفين ونقلوا أيضا أمره مطلقا: كما في صحيح مسلم عن شريح بن ~~هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين؟ فقالت عليك بابن أبي ~~طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال: ~~{جعل النبي صلى الله ms6373 عليه وسلم ثلاثة أيام # PageV21P173 # للمسافر ويوما وليلة للمقيم} . أي: جعل له المسح على الخفين فأطلق ومعلوم ~~أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتق أو خرق لا سيما مع تقادم ~~عهدها وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك. {ولما سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان} ~~وهذا كما أن ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع: فكذلك ~~الخفاف. والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع وإنما يرقع ~~الكثير وكان أحدهم يصلي في الثوب الضيق حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص ~~الثوب فظهر بعض العورة وكان النساء نهين عن أن يرفعن رءوسهن حتى يرفع ~~الرجال رءوسهم لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر مع أن ستر العورة واجب ~~في الصلاة وخارج الصلاة؛ بخلاف ستر الرجلين بالخف فلما أطلق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة؛ ~~ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب: وجب حمل أمره على الإطلاق ولم يجز أن ~~يقيد كلامه إلا بدليل شرعي. وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون ~~فيه: فلهم أن يمسحوا عليه وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ~~ذلك فإن التحديد لا بد له من دليل. وأبو حنيفة يحده بالربع كما يحد مثل # PageV21P174 # ذلك في مواضع قالوا: لأنه يقال رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه الأربع ~~فالربع يقوم مقام الجميع وأكثر الفقهاء ينازعون في هذا ويقولون: التحديد ~~بالربع ليس له أصل من كتاب ولا سنة. وأيضا فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذين بلغوا سنته وعملوا بها لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من ~~القيود بل أطلقوا المسح على الخفين مع علمهم بالخفاف وأحوالها فعلم أنهم ~~كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقا. وأيضا فكثير من خفاف ~~الناس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم؛ فلو لم ms6374 يجز المسح عليها ~~بطل مقصود الرخصة لا سيما والذين يحتاجون إلى لبس ذلك هم المحتاجون؛ وهم ~~أحق بالرخصة من غير المحتاجين؛ فإن سبب الرخصة هو الحاجة؛ ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد: {أولكلكم ثوبان} ~~بين أن فيكم من لا يجد إلا ثوبا واحدا فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء ~~أداء الواجب. ثم إنه أطلق الرخصة فكذلك هنا ليس كل إنسان يجد خفا سليما فلو ~~لم يرخص إلا لهذا لزم المحاويج خلع خفافهم وكان إلزام غيرهم بالخلع أولى. ~~ثم إذا كان إلى الحاجة فالرخصة عامة.وكل من # PageV21P175 # لبس خفا وهو متطهر فله المسح عليه سواء كان غنيا أو فقيرا وسواء كان الخف ~~سليما أو مقطوعا؛ فإنه اختار لنفسه ذلك وليس هذا مما يجب فعله لله تعالى - ~~كالصدقة والعتق - حتى تشترط فيه السلامة من العيوب. وأما قول المنازع: إن ~~فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح. فهذا خطأ بالإجماع فإنه ليس كل ما بطن من ~~القدم يمسح على الظاهر الذي يلاقيه من الخف بل إذا مسح ظهر القدم أجزأه. ~~وكثير من العلماء لا يستحب مسح أسفله وهو إنما يمسح خططا بالأصابع فليس ~~عليه أن يمسح جميع الخف كما عليه أن يمسح الجبيرة فإن مسح الجبيرة يقوم ~~مقام غسل نفس العضو فإنها لما لم يمكن نزعها إلا بضرر صارت بمنزلة الجلد ~~وشعر الرأس وظفر اليد والرجل بخلاف الخف فإنه يمكنه نزعه وغسل القدم ولهذا ~~كان مسح الجبيرة واجبا ومسح الخفين جائزا إن شاء مسح وإن شاء خلع. ولهذا ~~فارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه: أحدها: أن هذا واجب وذلك جائز. ~~الثاني: أن هذا يجوز في الطهارتين: الصغرى والكبرى؛ فإنه لا يمكنه إلا ذلك ~~ومسح الخفين لا يكون في الكبرى بل عليه أن # PageV21P176 # يغسل القدمين كما عليه أن يوصل الماء إلى جلد الرأس والوجه وفي الوضوء ~~يجزئه المسح على ظاهر شعر الرأس وغسل ظاهر اللحية الكثيفة: فكذلك الخفاف ~~يمسح عليها في الصغرى؛ فإنه لما احتاج إلى ms6375 لبسها صارت بمنزلة ما يستر ~~البشرة من الشعر الذي يمكن إيصال الماء إلى باطنه ولكن فيه مشقة والغسل لا ~~يتكرر. الثالث: أن الجبيرة يمسح عليها إلى أن يحلها؛ ليس فيها توقيت؛ فإن ~~مسحها للضرورة. بخلاف الخف فإن مسحه موقت عند الجمهور؛ فإن فيه خمسة أحاديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر - مثل: ~~أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها؛ ~~أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق؛ أو ~~يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع؛ أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك - ~~فهنا قيل: إنه يتيمم: وقيل: إنه يمسح عليهما للضرورة. وهذا أقوى لأن لبسهما ~~هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح ~~يوما وليلة وثلاثة أيام ولياليهن وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق ~~المفهوم والمفهوم لا عموم له؛ فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل ~~بهذه الأحاديث. # PageV21P177 # وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر الناس ~~بفتح دمشق ومسح أسبوعا بلا خلع فقال له عمر: أصبت السنة وهو حديث صحيح. ~~وليس الخف كالجبيرة مطلقا؛ فإنه لا يستوعب بالمسح بحال؛ ويخلع في الطهارة ~~الكبرى؛ ولا بد من لبسه على طهارة. لكن المقصود: أنه إذا تعذر خلعه فالمسح ~~عليه أولى من التيمم وإن قدر أنه لا يمكن خلعه في الطهارة الكبرى فقد صار ~~كالجبيرة يمسح عليه كله كما لو كان على رجله جبيرة يستوعبها. وأيضا فإن ~~المسح على الخفين أولى من التيمم؛ لأنه طهارة بالماء فيما يغطي موضع الغسل؛ ~~وذاك مسح بالتراب في عضوين آخرين: فكان هذا البدل أقرب إلى الأصل من ~~التيمم؛ ولهذا لو كان جريحا وأمكنه مسح جراحه بالماء دون الغسل: فهل يمسح ~~بالماء أو يتيمم؟ فيه قولان. هما روايتان عن أحمد ومسحهما بالماء أصح؛ لأنه ~~إذا جاز مسح الجبيرة ms6376 ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم فلأن يكون مسح ~~العضو بالماء أولى من التيمم بطريق الأولى. الرابع: أن الجبيرة يستوعبها ~~بالمسح كما يستوعب الجلد؛ لأن مسحها كغسله وهذا أقوى على قول من يوجب مسح ~~جميع الرأس. # PageV21P178 # الخامس: أن الجبيرة يمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد؛ وهو الصواب. ومن قال: لا يمسح عليها إلا إذا لبسها ~~على طهارة ليس معه إلا قياسها على الخفين وهو قياس فاسد؛ فإن الفرق بينهما ~~ثابت من هذه الوجوه ومسحها كمسح الجلدة ومسح الشعر؛ ليس كمسح الخفين وفي ~~كلام الإمام أحمد ما يبين ذلك وأنها ملحقة عنده بجلدة الإنسان لا بالخفين ~~وفي ذلك نزاع؛ لأن من أصحابه من يجعلها كالخفين ويجعل البرء كانقضاء مدة ~~المسح فيقول ببطلان طهارة المحل كما قالوا في الخف والأول أصح وهو: أنها ~~إذا سقطت سقوط برء كان بمنزلة حلق شعر الرأس وتقليم الأظفار وبمنزلة كشط ~~الجلد لا يوجب إعادة غسل الجنابة عليها إذا كان قد مسح عليها من الجنابة ~~وكذلك في الوضوء لا يجب غسل المحل ولا إعادة الوضوء كما قيل: إنه يجب في ~~خلع الخف والطهارة وجبت في المسح على الخفين ليكون إذا أحدث يتعلق الحدث ~~بالخفين؛ فيكون مسحهما كغسل الرجلين بخلاف ما إذا تعلق الحدث بالقدم فإنه ~~لا بد من غسله. ثم قيل: إن المسح لا يرفع الحدث عن الرجل فإذا خلعها كان ~~كأنه لا يمسح عليها فيغسلها عند من لا يشترط الموالاة ومن يشترط الموالاة ~~يعيد الوضوء. وقيل: بل حدثه ارتفع رفعا مؤقتا # PageV21P179 # إلى حين انقضاء المدة وخلع الخف لكن لما خلعه انقضت الطهارة فيه والطهارة ~~الصغرى لا تتبعض لا في ثبوتها ولا في زوالها. فإن حكمها يتعلق بغير محلها ~~فإنها غسل أعضاء أربعة والبدن كله يصير طاهرا فإذا غسل عضو أو عضوان لم ~~يرتفع الحدث حتى يغسل الأربعة وإذا انتقض الوضوء في عضو انتقض في الجميع. ~~ومن قال هذا قال: إنه يعيد الوضوء ومثل هذا منتف في الجبيرة ms6377 فإن الجبيرة ~~يمسح عليها في الطهارة الكبرى ولا يجزئ فيها البدل فعلم أن المسح عليها ~~كالمسح على الجلد والشعر. ومن قال من أصحابنا: إنه إذا سقطت لبرء بطلت ~~الطهارة أو غسل محلها وإذا سقطت لغير برء: فعلى وجهين فإنهم جعلوها مؤقتة ~~بالبرء وجعلوا سقوطها بالبرء كانقطاع مدة المسح. وأما إذا سقطت قبل البرء ~~فقيل: هي كما لو خلع الخف قبل المدة. وقيل: لا تبطل الطهارة هنا لأنه لا ~~يمكن غسلها قبل البرء بخلاف الرجل فإنه يمكن غسلها إذا خلع الخف فلهذا ~~فرقوا بينها وبين الخف في أحد الوجهين فإنه إذا تعذر غسلها بقيت الطهارة ~~بخلاف ما بعد البرء فإنه يمكن غسل محلها. # PageV21P180 # والقول بأن البرء كالوقت في الخفين ضعيف فإن طهارة الجبيرة لا توقيت فيها ~~أصلا حتى يقال: إذا انقضى الوقت بطلت الطهارة. بخلاف المسح على الخفين فإنه ~~موقت ونزعها مشبه بخلع الخف وهو أيضا تشبيه فاسد فإنه إن شبه بخلعه قبل ~~انقضاء المدة ظهر الفرق وإنما يشبه هذا نزعها قبل البرء وفيه الوجهان وإن ~~شبه بخلعه قبل انقضاء المدة فوجود الخلع كعدمه فإنه لا يجوز له حينئذ أن ~~يمسح على الخفين؛ لأن الشارع أمره بخلعها في هذه الحال بخلاف الجبيرة فإن ~~الشارع لم يجعل لها وقتا بل جعلها بمنزلة ما يتصل بالبدن من جلد وشعر وظفر ~~وذاك إذا احتاج الرجل إلى إزالته أزاله ولم تبطل طهارته. وقد ذهب بعض السلف ~~إلى بطلانها وأنه يطهر موضعه وهذا مشبه قول من قال: مثل ذلك في الجبيرة. ~~ومن الناس من يقول: خلع الخف لا يبطل الطهارة. والقول الوسط أعدل الأقوال ~~وإلحاق الجبيرة بما يتصل بالبدن أولى كالوسخ الذي على يده والحناء والمسح ~~على الجبيرة واجب لا يمكنه تخيير بينه وبين الغسل فلو لم يجز المسح عليها ~~إذا شدها وهو محدث نقل إلى التيمم وقد قدمنا أن طهارة المسح بالماء في محل ~~الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب؛ ~~لأن الماء # PageV21P181 # أولى من التراب وما كان في ms6378 محل الفرض فهو أولى به مما يكون في غيره. ~~فالمسح على الخفين وعلى الجبيرة وعلى نفس العضو: كل ذلك خير من التيمم حيث ~~كان ولأنه إذا شدها على حدث مسح عليها في الجنابة ففي الطهارة الصغرى أولى. ~~وإن قيل: إنه لا يمسح عليها من الجنابة حتى يشدها على الطهارة: كان هذا ~~قولا بلا أصل يقاس عليه وهو ضعيف جدا. وإن قيل: بل إذا شدها على الطهارة من ~~الجنابة مسح عليها بخلاف ما إذا شدها وهو جنب. قيل: هو محتاج إلى شدها على ~~الطهارة من الجنابة فإنه قد يجنب - والماء يضر جراحه ويضر العظم المكسور ~~ويضر الفصاد - فيحتاج حينئذ أن يشده بعد الجنابة ثم يمسح عليها. وهذه من ~~أحسن المسائل. والمقصود هنا: أن مسح الخف لا يستوعب فيه الخف بل يجزي فيه ~~مسح بعضه كما وردت به السنة وهو مذهب الفقهاء قاطبة فعلم بذلك أنه ليس كل ~~ما بطن من القدم مسح ما يليه من الخف بل إذا مسح ظهر القدم كان هذا المسح ~~مجزئا عن باطن القدم وعن العقب. # PageV21P182 # وحينئذ فإذا كان الخرق في موضع ومسح موضعا آخر: كان ذلك مسحا مجزئا عن ~~غسل جميع القدم لا سيما إذا كان الخرق في مؤخر الخف وأسفله فإن مسح ذلك ~~الموضع لا يجب بل ولا يستحب ولو كان الخرق في المقدم فالمسح خطوط بين ~~الأصابع. فإن قيل: مرادنا أن ما بطن يجزي عنه المسح وما ظهر يجب غسله. قيل ~~هذا: دعوى محل النزاع فلا تكون حجة فلا نسلم أن ما ظهر من الخف المخرق فرضه ~~غسله فهذا رأس المسألة فمن احتج به كان مثبتا للشيء بنفسه. وإن قالوا بأن ~~المسح إنما يكون على مستور أو مغطى ونحو ذلك: كانت هذه كلها عبارات عن معنى ~~واحد وهو دعوى رأس المسألة بلا حجة أصلا. والشارع أمرنا بالمسح على الخفين ~~مطلقا ولم يقيده والقياس يقتضي: أنه لا يقيد. # والمسح على الخفين قد اشترط فيه طائفة من الفقهاء شرطين: هذا أحدهما: وهو ~~أن يكون ساترا لمحل ms6379 الفرض. وقد تبين ضعف هذا الشرط. # PageV21P183 # والثاني: أن يكون الخف يثبت بنفسه. وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ~~ونحو ذلك: لم يمسح وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد - ~~كالزربول الطويل المشقوق: يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد - ~~ففيه وجهان أصحهما أنه يمسح عليه. وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد بل ~~المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا ~~بأنفسهما بل بنعلين تحتهما وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين. ~~فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا ~~بالنعلين جاز المسح عليهما: فغيرهما بطريق الأولى وهنا قد ثبتا بالنعلين ~~وهما منفصلان عن الجوربين. فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح ~~عليهما أولى بالجواز. وإذا كان هذا في الجوربين: فالزربول الذي لا يثبت إلا ~~بسير يشده به متصلا به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين. وهكذا ~~ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما: إذا ثبت ذلك بشدهما بخيط متصل أو ~~منفصل مسح عليهما بطريق الأولى. فإن قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على ~~اللفائف وهو: أن # PageV21P184 # يلف على الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك. ~~قيل: في هذا وجهان ذكرهما الحلواني. والصواب أنه يمسح على اللفائف وهي ~~بالمسح أولى من الخف والجورب فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة ~~وفي نوعها ضرر: إما إصابة البرد وإما التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح. ~~فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى. ومن ادعى ~~في شيء من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم ولا يمكنه أن ينقل المنع عن ~~عشرة من العلماء المشهورين فضلا عن الإجماع. والنزاع في ذلك معروف في مذهب ~~أحمد وغيره؛ وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير من السلف ms6380 والخلف؛ ~~حتى إن طائفة من الصحابة أنكروه وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت ~~أنكروه مطلقا وهو رواية عن مالك؛ والمشهور عنه جوازه في السفر دون الحضر. ~~وقد صنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في " الأشربة " في تحريم المسكر ولم يذكر ~~فيه خلافا عن الصحابة فقيل له في ذلك فقال: هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة ~~بخلاف المسكر. ومالك مع سعة علمه وعلو # PageV21P185 # قدره قال في " كتاب السر ": لأقولن قولا لم أقله قبل ذلك في علانية. ~~وتكلم بكلام مضمونه إنكاره: إما مطلقا؛ وإما في الحضر. وخالفه أصحابه في ~~ذلك وقال ابن وهب: هذا ضعف له حيث لم يقله قبل ذلك علانية. والذين جوزوه ~~منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين على الخفين. والثلاثة ~~منعوا المسح على الجوربين وعلى العمامة: فعلم أن هذا الباب مما هابه كثير ~~من السلف والخلف حيث كان الغسل هو الفرض الظاهر المعلوم؛ فصاروا يجوزون ~~المسح حيث يظهر ظهورا لا حيلة فيه ولا يطردون فيه قياسا صحيحا ولا يتمسكون ~~بظاهر النص المبيح وإلا فمن تدبر ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطى ~~القياس حقه: علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة؛ وأن ذلك من محاسن ~~الشريعة ومن الحنيفية السمحة التي بعث بها. # وقد كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تمسح على خمارها فهل تفعل ~~ذلك بدون إذنه وكان أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك يمسحان على القلانس؛ ~~ولهذا جوز أحمد هذا وهذا في إحدى الروايتين عنه؛ وجوز أيضا المسح على ~~العمامة؛ لكن أبو عبد الله بن حامد رأى أن العمامة التي ليست محنكة ~~المتقطعة: كان أحمد يكره لبسها. وكذا مالك يكره لبسها أيضا لما جاء # PageV21P186 # في ذلك من الآثار؛ وشرط في المسح عليها أن تكون محنكة. واتبعه على ذلك ~~القاضي وأتباعه وذكروا فيها - إذا كان لها ذؤابة - وجهين. وقال بعض أصحاب ~~أحمد: إذا كان أحمد في إحدى الروايتين يجوز المسح على القلانس الدنيات - ~~وهي القلانس الكبار - فلأن يجوز ذلك على العمامة بطريق الأولى ms6381 والأحرى. ~~والسلف كانوا يحنكون عمائمهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ويجاهدون في سبيل ~~الله؛ فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت ولم يمكن معها طرد الخيل؛ ~~ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة لأجل أنهم ~~كانوا في زمنه هم المجاهدين. وذكر إسحاق بن راهويه بإسناده أن أولاد ~~المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك؛ وهذا لأنهم كانوا في ~~الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون. ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك ~~والجند المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائمهم صاروا يربطونها: إما بكلاليب؛ ~~وإما بعصابة ونحو ذلك. وهذا معناه معنى التحنيك كما أن من السلف من كان ~~يربط وسطه بطرف عمامته والمناطق يحصل بها هذا المقصود. وفي نزع العمامة ~~المربوطة بعصابة وكلاليب من المشقة ما في نزع المحنكة. وقد ثبت المسح على ~~العمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه # PageV21P187 # صحيحة لكن العلماء فيها على ثلاثة أقوال: منهم من يقول: الفرض سقط بمسح ~~ما بدا من الرأس؛ والمسح على العمامة مستحب. وهذا قول الشافعي وغيره. ومنهم ~~من يقول: بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح ما بدا من الرأس؛ كما في حديث ~~المغيرة. وهل هو واجب لأنه فعله في حديث المغيرة؛ أو ليس بواجب لأنه لم ~~يأمر به في سائر الأحاديث؟ على روايتين. وهذا قول أحمد المشهور عنه. ومنهم ~~من يقول: بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر وهو ما إذا حصل بكشف ~~الرأس ضرر من برد ومرض؛ فيكون من جنس المسح على الجبيرة كما جاء: أنهم ~~كانوا في سرية فشكوا البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب - ~~والعصائب هي العمائم - ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح ~~التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز فأهل الشام والروم ونحو ~~هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز والماشون في الأرض ~~الحزنة والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة وخفاف ~~هؤلاء في العادة لا بد أن يؤثر فيها ms6382 الحجر؛ فهم برخصة المسح على الخفاف ~~المخرقة أولى من غيرهم. # PageV21P188 # ثم المانع من ذلك يقول: إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح فقد يظهر شيء ~~يسير من القدم كموضع الخرز - وهذا موجود في كثير من الخفاف - فإن منعوا من ~~المسح عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. فإن قيل: ~~هذا لا يمكن غسله حتى يقولوا: فرضه الغسل وإن قالوا: هذا يعفى عنه لم يكن ~~لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع. والذي يوضح هذا أن قولهم: إذا ظهر بعض ~~القدم إن أرادوا ظهوره للبصر فأبصار الناس مع اختلاف إدراكها قد يظهر لها ~~من القدم ما لا يمكن غسله وإن أرادوا ما يظهر ويمكن مسه باليد فقد يمكن ~~غسله بلا مس. وإن قالوا: ما يمكن غسله فالإمكان يختلف قد يمكن مع الجرح ولا ~~يمكن بدونه فإن سم الخياط يمكن غسله إذا وضع القدم في مغمزه وصبر عليه حتى ~~يدخل الماء في سم الخياط مع أنه قد لا يتيقن وصول الماء عليه إلا بخضخضة ~~ونحوها ولا يمكن غسله كما يغسل القدم وهذا على مذهب أحمد أقوى؛ فإنه يجوز ~~المسح على العمامة إذا لبست على الوجه المعتاد وإن ظهر من جوانب الرأس ما ~~يمسح عليه ولا يجب مسح ذلك. وهل يجوز المسح على الناصية مع ذلك؟ فيه عنه ~~روايتان. فلم # PageV21P189 # يشترط في الممسوح أن يكون ساترا لجميع محل الفرض وأوجب الجمع بين الأصل ~~والبدل على إحدى الروايتين. والشافعي أيضا يستحب ذلك كما يستحبه أحمد في ~~الرواية الأخرى: فعلم أن المعتبر في اللباس أن يكون على الوجه المعتاد سواء ~~ستر جميع محل الفرض أو لم يستره. والخفاف قد اعتيد فيها أن تلبس مع الفتق ~~والخرق وظهور بعض الرجل؛ وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلا ولهذا يجوز ~~للمحرم لبسه مع القدرة على النعلين في أظهر قولي العلماء كما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى ونبين نسخ الأمر بالقطع؛ وأنه إنما أمر به حين لم يشرع البدل ~~أيضا. # فالمقدمة الثانية من دليلهم ms6383 - وهو قولهم: يمكن الجمع بين الأصل والبدل - ~~ممنوع على أصل الشافعي وأحمد؛ فإن عندهما يجمع بين التيمم والغسل فيما إذا ~~أمكن غسل بعض البدن دون البعض؛ لكون الباقي جريحا؛ أو كون الماء قليلا ~~ويجمع بين مسح بعض الرأس مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~تبوك؛ فلو قدر أن الله تعالى أوجب مسح الخفين كما أوجب غسل جميع البدن: ~~أمكن أن يغسل ما ظهر ويمسح ما بطن؛ كما يفعل مثل ذلك في الجبيرة؛ فإنه إذا ~~ربطها على بعض مكان مسح الجبيرة وغسل أو مسح ما بينهما فجمع بين الغسل ~~والمسح في عضو واحد فتبين أن سقوط غسل ما ظهر # PageV21P190 # من القدم لم يمكن لأنه لا يجمع بين الأصل والبدل؛ بل لأن مسح ظهر الخف ~~ولو خطا بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل شيء منه لا ما ظهر ولا ما ~~بطن كما أمر صاحب الشمس لأمته إذ أمرهم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوا ~~خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن لا من غائط ولا بول ولا نوم فأي خف كان على ~~أرجلهم دخل في مطلق النص؟ . كما أن {قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل ما ~~يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ~~ولا البرانس ولا الخفاف ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا ~~أسفل من الكعبين} هكذا رواه ابن عمر وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ~~بذلك لما كان بالمدينة ولم يكن حينئذ قد شرعت رخصة البدل. فلم يرخص لهم لا ~~في لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار ولا في لبس الخف مطلقا. ثم إنه في ~~عرفات بعد ذلك قال: {السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن لم يجد ~~النعلين} هكذا رواه ابن عباس وحديثه في الصحيحين ورواه جابر وحديثه في مسلم ~~فأرخص لهم بعرفات في البدل فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار بلا ~~فتق وعليه جمهور العلماء فمن اشترط فتقه خالف النص. وأجاز لهم حينئذ ms6384 لبس ~~الخفين # PageV21P191 # إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع فمن اشترط القطع فقد خالف النص فإن ~~السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى السراويل والخف عند ~~الإطلاق كما أن القميص إذا فتق وصار قطعا لم يسم سراويل وكذلك البرنس وغير ~~ذلك. فإنما أمر بالقطع أولا لأن رخصة البدل لم تكن شرعت فأمرهم بالقطع ~~حينئذ لأن المقطوع يصير كالنعلين فإنه ليس بخف. ولهذا لا يجوز المسح عليه ~~باتفاق المسلمين فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين. ودل هذا على أن كل ~~ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما كالخف المقطوع تحت الكعبين أولى ~~بالجواز فتكون إباحته أصلية كما تباح النعلان لا أنه أبيح على طريق البدل ~~وإنما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق والسراويل. # ودلت نصوصه الكريمة وألفاظه الشريفة التي هي مصابيح الهدى على أمور يحتاج ~~الناس إلى معرفتها قد تنازع فيها العلماء: منها: أنه لما أذن للمحرم إذا لم ~~يجد النعلين يلبس الخف: إما مطلقا وإما مع القطع: كان ذلك إذنا في كل ما ~~يسمى خفا سواء كان سليما أو معيبا. وكذلك لما أذن في المسح على الخفين كان ~~ذلك إذنا في كل خف وليس المقصود قياس حكم على حكم حتى يقال: ذاك أباح له ~~لبسه وهذا أباح المسح عليه بل المقصود أن لفظ الخف في كلامه يتناول هذا ~~بالإجماع. فعلم أن لفظ # PageV21P192 # الخف يتناول هذا وهذا فمن ادعى في أحد الموضعين أنه أراد بعض أنواع ~~الخفاف فعليه البيان. وإذا كان الخف في لفظه مطلقا - حيث أباح لبسه للمحرم ~~وكل خف جاز للمحرم لبسه وإن قطعه - جاز له أن يمسح عليه إذا لم يقطعه. ~~الثاني: أن المحرم إذا لم يجد نعلين ولا ما يشبه النعلين - من خف مقطوع أو ~~جمجم أو مداس أو غير ذلك - فإنه يلبس أي خف شاء ولا يقطعه. هذا أصح قولي ~~العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك ~~في عرفات بعد نهيه عن لبس الخف مطلقا ms6385 وبعد أمره من لم يجد أن يقطع ولم ~~يأمرهم بعرفات بقطع؛ مع أن الذين حضروا بعرفات كان كثير منهم أو أكثرهم لم ~~يشهدوا كلامه بالمدينة بل حضر من مكة واليمن والبوادي وغيرها خلق عظيم حجوا ~~معه لم يشهدوا جوابه بالمدينة على المنبر بل أكثر الذين حجوا معه لم يشهدوا ~~ذلك الجواب. وذلك الجواب لم يذكره ابتداء لتعليم جميع الناس بل {سأله سائل ~~وهو على المنبر: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميص ولا ~~العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف: إلا من لم يجد نعلين ~~فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين} وابن عمر لم يسمع منه ~~إلا هذا كما أنه في المواقيت لم # PageV21P193 # يسمع إلا ثلاث مواقيت قوله: {أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام ~~الجحفة وأهل نجد قرن} قال ابن عمر: وذكر لي - ولم أسمع - أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقت لأهل اليمن يلملم وهذا الذي ذكر له صحيح قد ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس فابن عباس أخبر: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقت لأهل اليمن يلملم ولأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل ~~الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم. وقال: هن لهن ولكل ~~آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث ~~أنشأ حتى أهل مكة من مكة} فكان عند ابن عباس من العلم بهذه السنة ما لم يكن ~~عند ابن عمر. وفي حديثه ذكر أربع مواقيت وذكر أحكام الناس كلهم إذا مروا ~~عليها أو أحرموا من دونها. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغ الدين بحسب ~~ما أمر الله به فلما كان أهل المدينة قد أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان ~~من ناحية الشام وقت الثلاث وأهل اليمن إنما أسلموا بعد ذلك ولهذا لم ير ~~أكثرهم النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا مخضرمين فلما أسلموا وقت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: {أتاكم ms6386 أهل اليمن هم أرق قلوبا وألين أفئدة ~~الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية} # PageV21P194 # ثم قد روي عنه {أنه لما فتحت أطراف العراق وقت لهم ذات عرق} كما روى مسلم ~~هذا من حديث جابر لكن قال أبو الزبير فيه: أحسبه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقطع به غيره. وروي ذلك من حديث عائشة فكان ما سمعه هؤلاء أكثر مما ~~سمعه غيرهم. وكذلك ابن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل ففي ~~الصحيحين عن {ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ~~بعرفات يقول: السراويلات لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين} . ~~وفي صحيح مسلم عن جابر: {من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا ~~فليلبس سراويل} . فهذا كلام مبتدأ منه صلى الله عليه وسلم بين فيه في عرفات ~~- وهو أعظم مجمع كان له - أن من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ومن لم يجد ~~النعلين فليلبس الخفين. ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم ~~يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا ~~يجوز فعلم أن هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد ~~بالمدينة وأنه بالمدينة إنما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع ~~فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه به الخفين يلبس الخف. # PageV21P195 # الثالث: أنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق. وهو قول الجمهور والشافعي ~~وأحمد. الرابع: أنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقا ولبس ما ~~أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد ~~وغيره وبه كان يفتي جدي أبو البركات رحمه الله في آخر عمره لما حج. وأبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى تبين له من حديث ابن عمر: أن المقطوع لبسه أصل لا ~~بدل له فيجوز لبسه مطلقا. وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل. ~~والثلاثة تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص ms6387 في البدل وهو الخف ~~ولبس السراويل فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا فدية عليه. وهذا فهم ~~صحيح. وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ للقطع ~~المتقدم. وهذا فهم صحيح. وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من ~~لبس خفا أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم كما قال ذلك ابن عمر وغيره. # PageV21P196 # وزاد أن الرخصة في ذلك إنما هي للحاجة والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله ~~وافتدى. وأما الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه كما أباح ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق قالوا: والناس ~~كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم فالحاجة ~~إلى ذلك عامة وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية ~~بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي صلى ~~الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقا من غير فدية ونهى المحرمة عن النقاب ~~والقفازين؛ فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره ~~فدية. وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال ~~وابن عمر رضي الله عنه لما لم يسمع إلا حديث القطع أخذ بعمومه فكان يأمر ~~النساء بقطع الخفاف حتى أخبروه بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص ~~للنساء في لبس ذلك كما أنه لما سمع قوله: {لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده ~~بالبيت} أخذ بعمومه في حق الرجال والنساء فكان يأمر الحائض أن لا تنفر حتى ~~تطوف. وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ذلك حتى أخبروهما أن النبي # PageV21P197 # صلى الله عليه وسلم رخص للحيض أن ينفرن بلا وداع. وتناظر في ذلك زيد وابن ~~عباس وابن الزبير لما سمعا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير ~~أخذا بالعموم فكان ابن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير وكان ~~ابن عمر ينهى عن ms6388 قليله وكثيره فينزع خيوط الحرير من الثوب. وغيرهما سمع ~~الرخصة للحاجة وهو الإرخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه ~~للتداوي وغيره؛ لأن ذلك حاجة عامة. # وهكذا اجتهاد العلماء رضي الله عنهم في النصوص: يسمع أحدهم النص المطلق ~~فيأخذ به ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه والله لم يحرم على ~~الناس في الإحرام ولا غيره ما يحتاجون إليه حاجة عامة ولا أمر مع هذه ~~الرخصة في الحاجة العامة أن يفسد الإنسان خفه أو سراويله بقطع أو فتق كما ~~أفتى بذلك ابن عباس وغيره ممن سمع السنة المتأخرة وإنما أمر بالقطع أولا ~~ليصير المقطوع كالنعل فأمر بالقطع قبل أن يشرع البدل؛ لأن المقطوع يجوز ~~لبسه مطلقا وإنما قال: " لمن لم يجد " لأن القطع مع وجود النعل إفساد للخف ~~وإفساد المال من غير حاجة: منهي عنه بخلاف ما إذا عدم الخف فلهذا جعل بدلا ~~في هذه الحال لأجل فساد المال كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه # PageV21P198 # يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه} ~~هذه رواية أنس. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: {رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ~~ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم ~~فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد - قال هكذا - وتفل في ثوبه ووضع ~~بعضه على بعض} فأمر بالبصاق في الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل ~~شرعي لكن مثل ذلك يلوث الثوب من غير حاجة. وفي الاستجمار أمر بثلاثة أحجار ~~فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب لأن التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر ~~لا لأنه بدل شرعي. ونظائره كثيرة فدلت نصوصه الكريمة على أن الصواب في هذه ~~المسائل توسعة شريعته الحنيفية وأنه ما جعل على أمته من حرج. وكل قول دلت ~~عليه ms6389 نصوصه قالت به طائفة من العلماء رضي الله عنهم فلم تجمع الأمة - ولله ~~الحمد - على رد شيء من ذلك إذ كانوا لا يجتمعون على ضلالة بل عليهم أن ~~يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول وإذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى ~~الله والرسول تبين كمال دينه وتصديق بعضه لبعض. وأن من أفتى من السلف ~~والخلف بخلاف ذلك - مع اجتهاده وتقواه لله بحسب استطاعته - فهو مأجور في ~~ذلك لا إثم عليه وإن # PageV21P199 # كان الذي أصاب الحق فيعرفه له أجران وهو أعلم منه كالمجتهدين في جهة ~~الكعبة. وابن عمر - رضي الله عنه - كان كثير الحج وكان يفتي الناس في ~~المناسك كثيرا وكان في آخر عمره قد احتاج إليه الناس وإلى علمه ودينه؛ إذ ~~كان ابن عباس مات قبله وكان ابن عمر يفتي بحسب ما سمعه وفهمه؛ فلهذا يوجد ~~في مسائله أقوال فيها ضيق لورعه ودينه رضي الله عنه وأرضاه وكان قد رجع عن ~~كثير منها: كما رجع عن أمر النساء بقطع الخفين وعن الحائض أمر أن لا تنفر ~~حتى تودع وغير ذلك. وكان يأمر الرجال بالقطع إذ لم يبلغه الخبر الناسخ. ~~وأما ابن عباس فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم يجدوا النعلين لما ~~سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات. وكذلك كان ابن عمر ينهى المحرم ~~من الطيب حتى يطوف اتباعا لعمر. وأما سعد وابن عباس وغيرهما من الصحابة ~~فبلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة رضي الله عنها أنه ~~تطيب لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت فأخذوا بذلك. وكذلك ابن ~~عمر رضي الله عنه كان إذا مات المحرم يرى إحرامه قد انقطع فلما مات ابنه ~~كفنه في خمسة أثواب واتبعه على ذلك # PageV21P200 # كثير من الفقهاء. وابن عباس علم حديث {الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تقربوه ~~طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا} فأخذ بذلك ms6390 وقال: ~~الإحرام باق يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنبه غيره وعلى ذلك فقهاء الحديث ~~وغيرهم. وكذلك الشهيد. روي عن ابن عمر أنه سئل عن تغسيله؟ فقال: غسل عمر ~~وهو شهيد. والأكثرون بلغهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد ~~وقوله: {زملوهم بكلومهم ودمائهم فإن أحدهم يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب ~~دما: اللون لون دم والريح ريح مسك} والحديث في الصحاح فأخذوا بذلك في شهيد ~~المعركة إذا مات قبل أن يرتث. ونظائر ذلك كثيرة. # واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك؛ لأنه إنما ~~يثبت بالعقد. وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء كأنه رأى أنه إذا عقد ~~عقدة صار يشبه القميص الذي ليس له يدان. واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء ~~فكرهوه كراهة تحريم فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك. وأما كراهة تنزيه فلا ~~يوجبون الفدية وهذا أقرب. ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير ~~الذي لا يلتحف ولا يثبت بالعادة إلا بالعقد أو ما يشبهه مثل الخلال وربط ~~الطرفين على حقوه # PageV21P201 # ونحو ذلك وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة فكانوا يعتادون لبس الأزر ~~والأردية ولبس السراويل قليل فيهم حتى إن منهم من كان لا يلبس السراويل قط ~~منهم عثمان بن عفان وغيره بخلاف أهل البلاد الباردة لو اقتصروا على الأزر ~~والأردية لم يكفهم ذلك بل يحتاجون إلى القميص والخفاف والفراء والسراويلات؛ ~~ولهذا قال الفقهاء: يستحب مع الرداء الإزار لأنه يستر الفخذين. ويستحب مع ~~القميص السراويل لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع الخلق والقميص فوق ~~السراويل يستر بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر تقاطيع الخلق. وأما ~~الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبها بهم. ومنهم من لا يستحبه ~~لعدم المنفعة فيه؛ ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الإزار. ومن اعتاد الرداء ~~ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيرا لم ~~يثبت إلا بعقده؛ وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى ~~الخفين. فإن الحاجة إلى ms6391 ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين؛ ~~والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس. وأما إظهار بدنه للحر والبرد والريح ~~والشمس فهذا يضر غالب الناس. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~المصلي بستر ذلك # PageV21P202 # فقال: {لا يصلين بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء} وتجوز الصلاة ~~حافيا: فعلم أن ستر هذا إلى الله أحب من ستر القدمين بالنعلين؛ فإذا كان ~~ذلك للحاجة العامة رخص فيه في البدن من غير فدية فلأن يرخص في هذا بطريق ~~الأولى والأحرى. فإن قيل: فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما لمن ~~لم يجد الرداء. قيل: الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضا مع ربطه وعقد طرفيه ~~فيكون كالرداء بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما ~~لا يثبت على منكبيه. وكذلك الأردية الصغار. فما وجده المحرم من قميص وما ~~يشبهه كالجبة؛ ومن برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة: أمكنه أن يرتدي بها إذا ~~ربطها؛ فيجب أن يرخص له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورا؛ وكذلك إن كان ~~مكروها؛ فعند الحاجة تزول الكراهة كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله ~~ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد؛ وهو إلى ستر منكبيه أحوج: فرخص له عقد ~~ذلك عند الحاجة بلا ريب والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيما يحرم على ~~المحرم وما ينهى عنه لفظا عاما يتناول عقد الرداء بل سئل صلى الله عليه ~~وسلم عما يلبس المحرم من الثياب فقال: {لا يلبس القميص ولا البرانس ولا ~~العمائم ولا السراويلات # PageV21P203 # ولا الخفاف إلا من لم يجد نعلين} الحديث. فنهى عن خمسة أنواع من الثياب ~~التي تلبس على البدن وهي القميص وفي معناه الجبة وأشباهها؛ فإنه لم يرد ~~تحريم هذه الخمسة فقط؛ بل أراد تحريم هذه الأجناس ونبه على كل جنس بنوع ~~منها. وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته؛ وهو ما كانوا يلبسونه غالبا. ~~والدليل على ذلك: ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل قبل ms6392 ذلك عمن أحرم بالعمرة ~~وعليه جبة فقال: {انزع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق؛ واصنع في عمرتك ما ~~كنت صانعا في حجك} . وكان هذا في عمرة القضية: فعلم أن تحريم الجبة كان ~~مشروعا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث. وأيضا فقد ثبت عنه في ~~الصحيحين أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته: {ولا تخمروا رأسه} وفي مسلم ~~{ووجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا} فنهاهم عن تخمير رأسه لبقاء الإحرام ~~عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيا كما أمرهم أن لا يقربوه طيبا؛ فعلم أن ~~المحرم ينهى عن هذا وهذا. وإنما في هذا الحديث النهي عن لبس العمائم فعلم ~~أنه أراد النهي عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس؛ فذكر ما يخمر الرأس وما ~~يلبس على البدن كالقميص والجبة؛ وما يلبس عليهما جميعا وهو البرنس وذكر ما ~~يلبس في النصف الأسفل من البدن # PageV21P204 # وهو السراويل والثياب؛ والتبان في معناه. وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو ~~الخف ومعلوم أن الجرموق والجورب في معناه فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز ~~عليه المسح للحلال والمحرم الذي جاز لا لبسه فإن الذي نهي عنه المحرم أمر ~~بالمسح عليه. # وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان ~~الموجود غالبا؛ لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز؛ بل الصواب قول الجمهور في ~~جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار ~~بالروث والرمة وقال: {إنهما طعام إخوانكم من الجن} فلما نهى عن هذين تعليلا ~~بهذه العلة علم أن الحكم ليس مختصا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك. وكذلك ~~أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير؛ هو عند أكثر العلماء لكونه كان قوتا ~~للناس فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة كالذين ~~يقتاتون الرز أو الذرة؛ يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد. وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء ~~بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى ms6393 بالنهي عنه من # PageV21P205 # طعام الجن وعلف دوابهم ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون ~~الاستجمار بما نهي عنه من ذلك؛ بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد ~~من يفعله في العادة الغالبة. وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما ~~يلبس المحرم من الثياب وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها؛ لأنه سئل عما يلبس ~~لا عما لا يلبس؛ فلو لم يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل ~~لكن كان الملبوس المعتاد عندهم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة - والقوم ~~لهم عقل وفقه - فيعلم أحدهم أنه إذا نهى عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى ~~عن المبطنة؛ وعن الجبة المحشوة؛ وعن الفروة التي هي كالقميص؛ وما شاكل ذلك: ~~بطريق الأولى والأحرى؛ لأن هذه الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز ~~أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص. وكذلك التبان أبلغ من السراويل والعمامة ~~تلبس في العادة فوق غيرها: إما قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك فإذا نهى عن ~~العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه عن القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر ~~الرأس: أولى؛ فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس والمحرم أشعث أغبر. ولهذا قال ~~في الحديث الصحيح - حديث المباهاة -: {إنه # PageV21P206 # يدنو عشية عرفة فيباهي الملائكة بأهل الموقف فيقول: انظروا إلى عبادي ~~أتوني شعثا غبرا ما أراد هؤلاء؟} وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره؛ ~~فإن المخمر لا يصيبه الغبار ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما؛ ولهذا كان من ~~لبد رأسه يحصل له نوع متعة بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر وهذا بخلاف القعود في ~~ظل أو سقف أو خيمة أو شجر أو ثوب يظلل به؛ فإن هذا جائز بالكتاب والسنة ~~والإجماع؛ لأن ذلك لا يمنع الشعث ولا الاغبرار وليس فيه تخمير الرأس. وإنما ~~تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل؛ لأنه ملازم للراكب كما تلازمه العمامة ~~لكنه منفصل عنه فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له ومن رخص فيه اعتبر انفصاله ~~عنه. فأما المنفصل الذي لا يلازم فهذا يباح ms6394 بالإجماع. والمتصل الملازم منهي ~~عنه باتفاق الأئمة. # ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه ~~من أهل الظاهر؛ كالذين يقولون: إن قوله: {فلا تقل لهما أف} لا يفيد النهي ~~عن الضرب. وهو إحدى الروايتين عن داود؛ واختاره ابن حزم وهذا في غاية الضعف ~~بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى بالحكم من ~~المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف فما ~~زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا. # PageV21P207 # كما أنه إذا قال في الحديث الصحيح: {والذي نفسي بيده لا يؤمن - كررها ~~ثلاثا - قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه} فإذا كان ~~هذا بمجرد الخوف من بوائقه: فكيف من فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه؟ كما ~~في الصحيح عنه {أنه قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ~~قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قيل: ثم أي؟ قال: أن ~~تزاني بحليلة جارك} ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة: فهذا أولى بسلب ~~الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم يفعل مثل هذا. وكذلك إذا قال: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} فإذا كان هؤلاء لا يؤمنون فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ~~ويجدوا حرجا مما قضى؛ لاعتقادهم أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد ~~وأعظم. وكذلك إذا قال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله} فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنا فأن لا يكون مؤمنا ~~إذا حاد بطريق الأولى والأحرى. وكذلك إذا نهي الرجل أن يستنجي بالعظم ~~والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم: فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء ~~بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى # PageV21P208 # وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه. وكذلك إذا نهي عن قتل الأولاد مع الإملاق: ~~فنهيه عن ذلك ms6395 مع الغنى واليسار أولى وأحرى. فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة ~~إلى معرفته؛ وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم. فتخصيص القميص دون الجباب؛ ~~والعمائم دون القلانس؛ والسراويلات دون التبابين: هو من هذا الباب؛ لا لأن ~~كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه. وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول ~~الأعرابي - مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل ~~التطهير - لا لأن النجاسة لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة ~~تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد ~~رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. وكذلك اتفق الفقهاء على أن من ~~توضأ وضوءا كاملا ثم لبس الخفين جاز له المسح بلا نزاع ولو غسل إحدى رجليه ~~وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: ~~إحداهما: يجوز المسح. وهو مذهب أبي حنيفة. # PageV21P209 # والثانية: لا يجوز. وهو مذهب مالك والشافعي. قال هؤلاء: لأن الواجب ~~ابتداء اللبس على الطهارة؛ فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما: لم يجز له ~~المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده. وكذلك في تلك الصورة ~~قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف واحتجوا بقوله: {إني أدخلت ~~القدمين الخفين وهما طاهرتان} قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين. والقول ~~الأول هو الصواب بلا شك. وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجا ثم لبسهما فلأن ~~يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى؛ فإن هذا فعل الطهارة فيهما واستدامها ~~فيهما وذلك فعل الطهارة خارجا عنهما وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده ~~كعدمه لا ينفعه ولا يضره. وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك فإن ~~هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إني أدخلتهما الخف وهما طاهرتان} حق؛ ~~فإنه بين أن هذا علة لجواز المسح فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح. وهو لم ~~يقل: إن من لم يفعل ذلك لم يمسح لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم ~~والتعليل فينبغي ms6396 أن ينظر حكمة التخصيص: هل بعض المسكوت أولى بالحكم؟ ومعلوم ~~أن ذكر إدخالهما طاهرتين هو المعتاد؛ وليس غسلهما في الخفين معتادا؛ وإلا ~~فإذا غسلهما # PageV21P210 # في الخف فهو أبلغ؛ وإلا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء ~~فيه منفعة؟ وهل هذا إلا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به؟ ولو قال الرجل ~~لغيره: أدخل مالي وأهلي إلى بيتي - وكان في بيته بعض أهله وماله - هل يؤمر ~~بأن يخرجه ثم يدخله ويوسف لما قال لأهله: {ادخلوا مصر إن شاء الله} وقال ~~موسى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} وقال الله تعالى: {لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين} فإذا قدر أنه كان بمصر بعضهم أو كان بالأرض ~~المقدسة بعض؛ أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك: هل كان هؤلاء ~~يؤمرون بالخروج ثم الدخول؟ فإذا قيل: هذا لم يقع. قيل: وكذلك غسل الرجل ~~قدميه في الخف ليس واقعا في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره لأنه ليس إذا ~~فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال. فهذا وأمثاله من باب الأولى. # وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو استجمر بمنهي ~~عنه كالروث والرمة وباليمين: هل يجزئه ذلك؟ والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ~~ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه ~~يجزئه؛ فإنه قد حصل المقصود بذلك وإن كان عاصيا والإعادة لا فائدة فيها ~~ولكن قد يؤمر بتنظيف # PageV21P211 # العظم مما لوثه به كما لو كان عنده خمر فأمر بإتلافها فأراقها في المسجد ~~فقد حصل المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث المسجد فيؤمر بتطهيره بخلاف ~~الاستجمار بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام المأمور وتحصيل المقصود. # وسئل: # عن الخف إذا كان فيه خرق يسير: هل يجوز المسح عليه أم لا؟ . # فأجاب: # وأما الخف إذا كان فيه خرق يسير ففيه نزاع مشهور. فأكثر الفقهاء على أنه ~~يجوز المسح عليه كقول أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني: لا يجوز، كما هو ~~المعروف من مذهب الشافعي وأحمد قالوا: ms6397 لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل وما ~~استتر فرضه المسح ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل منه. والقول الأول هو ~~الراجح فإن الرخصة عامة ولفظ الخف يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه ~~لا سيما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون وكانوا يسافرون وإذا كان كذلك فلا ~~بد أن يكون في بعض خفافهم خروق والمسافرون قد يتخرق خف أحدهم ولا # PageV21P212 # يمكنه إصلاحه في السفر فإن لم يجز المسح عليه لم يحصل مقصود الرخصة. ~~وأيضا فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة وعن يسير النجاسة التي ~~يشق الاحتراز عنها: فالخرق اليسير في الخف كذلك. وقول القائل: إن ما ظهر ~~فرضه الغسل: ممنوع فإن الماسح على الخف لا يستوعبه بالمسح كالمسح على ~~الجبيرة بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه وذلك يقوم مقام غسل الرجل فمسح بعض ~~الخف كاف عما يحاذي الممسوح وما لا يحاذيه فإذا كان الخرق في العقب لم يجب ~~غسل ذلك الموضع ولا مسحه ولو كان على ظهر القدم لا يجب مسح كل جزء من ظهر ~~القدم و (باب المسح على الخفين مما جاءت السنة فيه بالرخصة حتى جاءت بالمسح ~~على الجوارب والعمائم وغير ذلك فلا يجوز أن يتناقض مقصود الشارع من التوسعة ~~بالحرج والتضييق. # و ### | سئل: # هل يجوز المسح على الجورب # كالخف أم لا؟ وهل يكون الخرق الذي فيه الطعن مانعا من المسح فقد يصف بشرة ~~شيء من محل # PageV21P213 # الفرض؟ وإذا كان في الخف خرق بقدر النصف أو أكثر هل يعفى عن ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة أو لم ~~تكن. في أصح قولي العلماء. ففي السنن: أن النبي {مسح على جوربيه ونعليه} . ~~وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين ~~والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير ~~مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلودا أو قطنا أو كتانا أو صوفا ms6398 كما ~~لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد ~~أبقى من الصوف: فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قويا بل يجوز ~~المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على ~~هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون ~~التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح ~~الذي جاء به الكتاب والسنة وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ومن فرق ~~بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه: فقد ذكر فرقا طرديا عديم ~~التأثير. # PageV21P214 # ولو قال قائل: يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد فيكون المسح عليه أولى ~~للصوق الطهور به أكثر: كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب ~~إلى الأوصاف المؤثرة وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل. وخروق ~~الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح عليها ~~على الصحيح وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه ولا يستر إلا بالشد. ~~والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # لما ذهبت على البريد وجد بنا السير وقد انقضت مدة المسح فلم يمكن النزع ~~والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف فغلب على ~~ظني عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة ونزلت حديث عمر وقوله: ~~لعقبة بن عامر: {أصبت السنة} علي هذا توفيقا بين الآثار ثم رأيته مصرحا به ~~في مغازي ابن عائد أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق ذهب ~~بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة فقال له عمر: منذ كم لم تنزع ~~خفيك؟ فقال: منذ يوم الجمعة قال: أصبت فحمدت الله على الموافقة. # PageV21P215 # وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا وهو: أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف صار ~~بمنزلة الجبيرة. وفي القول الآخر: أنه إذا خاف الضرر بالنزع تيمم ولم يمسح. ~~وهذا كالروايتين لنا إذا كان جرحه بارزا يمكنه مسحه بالماء دون ms6399 غسله فهل ~~يمسحه أو يتيمم له؟ على روايتين. والصحيح المسح لأن طهارة المسح بالماء ~~أولى من طهارة المسح بالتراب؛ ولأنه إذا جاز المسح على حائل العضو فعليه ~~أولى. وذلك أن طهارة المسح على الخفين طهارة اختيارية وطهارة الجبيرة طهارة ~~اضطرارية فماسح الخف لما كان متمكنا من الغسل والمسح وقت له المسح وماسح ~~الجبيرة لما كان مضطرا إلى مسحها لم يوقت وجاز في الكبرى فالخف الذي يتضرر ~~بنزعه جبيرة. وضرره يكون بأشياء: إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم: إذا نزعه ~~ينال رجليه ضرر أو يكون الماء باردا لا يمكن معه غسلهما فإن نزعهما تيمم ~~فمسحهما خير من التيمم. أو يكون خائفا إذا نزعهما وتوضأ: من عدو أو سبع أو ~~انقطاع عن الرفقة في مكان لا يمكنه السير وحده؛ ففي مثل هذه الحال له ترك ~~طهارة الماء إلى التيمم؛ فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى. ويلحق ~~بذلك إذا كان عادما للماء ومعه قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل فإن ~~نزعهما تيمم فالمسح عليهما خير من التيمم. # PageV21P216 # وأصل ذلك أن قوله {: يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن} منطوقه إباحة المسح هذه المدة والمفهوم لا عموم له بل يكفي أن لا ~~يكون المسكوت كالمنطوق فإذا خالفه في صورة حصلت المخالفة فإذا كان فيما سوى ~~هذه المدة لا يباح مطلقا بل يحظر تارة ويباح أخرى حصل العمل بالحديث وهذا ~~واضح وهي مسألة نافعة جدا. فإنه من باشر الأسفار في الحج والجهاد والتجارة ~~وغيرها: رأى أنه في أوقات كثيرة لا يمكن نزع الخفين والوضوء إلا بضرر يباح ~~التيمم بدونه واعتبر ذلك بما لو انقضت المدة والعدو بإزائه ففائدة النزع ~~الوضوء على الرجلين فحيث يسقط الوضوء على الرجلين يسقط النزع وقد يكون ~~الوضوء واجبا لو كانا بارزتين لكن مع استتارهما يحتاج إلى قلعهما وغسل ~~الرجلين ثم لبسهما ثانيا إذا لم تتم مصلحته إلا بذلك بخلاف ما إذا استمر ~~فإن طهارته باقية وبخلاف ما إذا توضأ ومسح عليهما: فإن ذلك قد لا ms6400 يضره. ففي ~~هذين الموضعين لا يتوقت إذا كان الوضوء ساقطا فينتقل إلى التيمم فإن المسح ~~المستمر أولى من التيمم وإذا كان في النزع واللبس ضرر يبيح التيمم: فلأن ~~يبيح المسح أولى. والله أعلم. # PageV21P217 # وسئل - رضي الله عنه -: # عن قلع الجبيرة بعد الوضوء هل ينقض الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا فيه نزاع والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء كما أنه لا يعيد ~~الغسل. لأن الجبيرة كالجزء من العضو والله أعلم. # و ### | سئل: # عن المسح فوق العصابة؟ . # فأجاب: الحمد لله، إن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على خمارها؛ فإن ~~أم سلمة كانت تمسح خمارها وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها وأما إذا لم يكن ~~بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء. # PageV21P218 ### | باب نواقض الوضوء # سئل رحمه الله: # عن رجل يخرج من ذكره قيح لا ينقطع: فهل تصح صلاته مع خروج ذلك؟ أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب: لا يجوز أن يبطل الصلاة بل يصلي بحسب إمكانه. فإن لم تنقطع ~~النجاسة قدر ما يتوضأ ويصلي: صلى بحسب حاله بعد أن يتوضأ وإن خرجت النجاسة ~~في الصلاة لكن يتخذ حفاظا يمنع من انتشار النجاسة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عما إذا توضأ وقام يصلي وأحس بالنقطة في صلاته: فهل تبطل صلاته أم لا؟ . # PageV21P219 # فأجاب: مجرد الإحساس لا ينقض الوضوء؛ ولا يجوز له الخروج من الصلاة ~~الواجبة بمجرد الشك؛ فإنه قد ثبت عن النبي {أنه سئل عن الرجل يجد الشيء في ~~الصلاة؟ فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا} . وأما إذا تيقن خروج ~~البول إلى ظاهر الذكر فقد انتقض وضوءه وعليه الاستنجاء إلا أن يكون به سلس ~~البول فلا تبطل الصلاة بمجرد ذلك إذا فعل ما أمر به. والله أعلم. # وسئل أيضا - رحمه الله -: # عن رجل كلما شرع في الصلاة يحدث له رياح كثيرة؛ حتى في الصلاة يتوضأ أربع ~~مرات أو أكثر؛ إلى حين يقضي الصلاة يزول عنه العارض؛ ثم لا يعود إليه إلا ~~في أوقات الصلاة وهو لا يعلم ما سبب ms6401 ذلك؟ : هل هو من شدة حرصه على الطهارة؟ ~~وقد يشق عليه كثرة الوضوء وما يعلم هل حكمه حكم صاحب الأعذار أم لا لسبب ~~أنه لا يعاوده إلا في وقت الصلاة؟ وما تطيب نفسه أن يصلي بوضوء واحد؟ . # PageV21P220 # فأجاب - رضي الله عنه -: # نعم، حكمه حكم أهل الأعذار: مثل الاستحاضة وسلس البول؛ والمذي؛ والجرح ~~الذي لا يرقأ؛ ونحو ذلك. فمن لم يمكنه حفظ الطهارة مقدار الصلاة فإنه يتوضأ ~~ويصلي ولا يضره ما خرج منه في الصلاة ولا ينتقض وضوءه بذلك باتفاق الأئمة ~~وأكثر ما عليه أن يتوضأ لكل صلاة. وقد تنازع العلماء في المستحاضة ومن به ~~سلس البول وأمثالهما مثل من به ريح يخرج على غير الوجه المعتاد؛ وكل من به ~~حدث نادر. فمذهب مالك: أن ذلك ينقض الوضوء بالحدث المعتاد. ولكن الجمهور - ~~كأبي حنيفة؛ والشافعي؛ وأحمد بن حنبل - يقولون: إنه يتوضأ لكل صلاة أو لوقت ~~كل صلاة. رواه أهل السنن وصحح ذلك غير واحد من الحفاظ؛ فلهذا كان أظهر قولي ~~العلماء أن مثل هؤلاء يتوضئون لكل صلاة أو لوقت كل صلاة. # وأما ما يخرج في الصلاة دائما فهذا لا ينقض الوضوء باتفاق العلماء. وقد ~~ثبت في الصحيح: أن بعض أزواج النبي كانت تصلي والدم يقطر منها؛ فيوضع لها ~~طست يقطر فيه الدم. وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلى ~~وجرحه يثعب دما. وما زال المسلمون على عهد النبي يصلون في جراحاتهم. # PageV21P221 # وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين - كالجرح والفصاد ~~والحجامة والرعاف والقيء: فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض. ومذهب أبي حنيفة ~~وأحمد: ينقض. لكن أحمد يقول: إذا كان كثيرا. وتنازعوا في مس النساء ومس ~~الذكر: هل ينقض فمذهب أبي حنيفة: لا ينقض. ومذهب الشافعي: ينقض. ومذهب ~~مالك: الفرق بين المس لشهوة وغيرها. وقد اختلفت الرواية عنه هل يعتبر ذلك ~~في مس الذكر؟ واختلف في ذلك عن أحمد؛ وعنه كقول أبي حنيفة أنه لا ينقض شيء ~~من ذلك وروايتان كقول مالك والشافعي. واختلف السلف في الوضوء ms6402 مما مست ~~النار: هل يجب أم لا؟ واختلفوا في القهقهة في الصلاة: فمذهب أبي حنيفة ~~تنقض. ومن قال: إن هذه الأمور لا تنقض: فهل يستحب الوضوء منها؟ على قولين ~~وهما قولان في مذهب أحمد وغيره. والأظهر في جميع هذه الأنواع: أنها لا تنقض ~~الوضوء. ولكن يستحب الوضوء منها. فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته ومن ~~توضأ منها فهو أفضل. وأدلة ذلك مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن كلهم يأمر ~~بإزالة النجاسة ولكن إن كانت من الدم أكثر من ربع # PageV21P222 # المحل فهذه تجب إزالتها عند عامة الأمة ومع هذا إن كان الجرح لا يرقأ مثل ~~ما أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه يصلي باتفاقهم؛ سواء قيل: إنه ~~ينقض الوضوء؛ أو قيل: لا ينقض سواء كان كثيرا أو قليلا؛ لأن الله تعالى ~~يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~وقال النبي {: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . وكل ما عجز عنه ~~العبد من واجبات الصلاة سقط عنه؛ فليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها؛ بل يصلي ~~في الوقت بحسب الإمكان لكن يجوز له عند أكثر العلماء أن يجمع بين الصلاتين ~~لعذر؛ حتى أنه يجوز الجمع للمريض والمستحاضة وأصحاب الأعذار في أظهر قولي ~~العلماء كما استحب النبي للمستحاضة أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ~~فهذا للمعذور سواء أمكنه أن يجمع بين الصلاتين بطهارة واحدة من غير أن يخرج ~~منه شيء في الصلاة: جاز له الجمع في أظهر قولي العلماء. وكذلك يجمع المريض ~~بطهارة واحدة إذا كانت الطهارة لكل صلاة تزيد في مرضه. ولا بد من الصلاة في ~~الوقت: إما بطهارة إن أمكنه وإلا بالتيمم؛ فإنه يجوز لمن عدم الماء أو خاف ~~الضرر باستعماله إما لمرض وإما لشدة البرد أن يتيمم وإن كان جنبا؛ ولا قضاء ~~عليه في أظهر قولي # PageV21P223 # العلماء. وإذا تيمم في السفر لعدم الماء لم يعد باتفاق الأئمة. وكذلك ~~المريض إذا صلى قاعدا أو صلى على جنب لم يعد باتفاق ms6403 العلماء. وكذلك ~~العريان: كالذي تنكسر به السفينة؛ أو يأخذ القطاع ثيابه: فإنه يصلي عريانا ~~ولا إعادة عليه باتفاق العلماء. وكذلك من اشتبهت عليه القبلة وصلى ثم تبين ~~له فيما بعد: لا يعيد باتفاق العلماء وإن أخطأ مع اجتهاده لم يعد أيضا عند ~~جمهورهم: كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والمشهور في مذهب الشافعي أنه ~~يعيد. وقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد: هل يعيد؟ وفيمن صلى في ثوب ~~نجس لم يجد غيره: هل يعيد؟ وفي مواضع أخر. والصحيح في جميع هذا النوع: أنه ~~لا إعادة على أحد من هؤلاء؛ بل يصلي كل واحد على حسب استطاعته ويسقط عنه ما ~~عجز عنه؛ ولا إعادة عليه ولم يأمر الله تعالى ولا رسوله أحدا أن يصلي الفرض ~~مرتين مطلقا بل من لم يفعل ما أمر به فعليه أن يصلي إذا ذكر بوضوء باتفاق ~~المسلمين: كمن نسي الصلاة؛ فإن النبي {قال: # PageV21P224 # من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها} . وهذه المسائل مبسوطة في ~~غير هذا الموضع. والمقصود هنا: بيان أن الله تعالى ما جعل على المسلمين من ~~حرج في دينهم بل هو سبحانه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر. ومسألة هذا ~~السائل أولى بالرخصة؛ ولهذا كانت متفقا عليها بين العلماء. وهذه المسائل ~~مبسوطة في مواضع أخر. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يصلي الخمس لا يقطعها ولم يحضر صلاة الجمعة؛ وذكر أن عدم حضوره ~~لها أنه يجد ريحا في جوفه تمنعه عن انتظار الجمعة وبين منزله والمكان الذي ~~تقام فيه الجمعة قدر ميلين أو دونهما: فهل العذر الذي ذكره كاف في ترك ~~الجمعة مع قرب منزله؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # بل عليه أن يشهد الجمعة؛ ويتأخر بحيث يحضر ويصلي مع بقاء وضوئه. وإن كان ~~لا يمكنه الحضور إلا مع خروج الريح فليشهدها وإن خرجت منه الريح؛ فإنه لا ~~يضره ذلك. والله أعلم. # PageV21P225 # وسئل: # عمن به قروح في بعض أعضاء الوضوء ويخرج من تلك القروح قيح ينتشر على محل ~~الفرض في غير موضع القروح؛ ولا ms6404 يمكن إزالة ذلك إلا إذا أزاله عن القروح ~~أيضا وهو يجد المشقة في إزالتها؛ والأطباء لا يرون في إزالتها مضرة على ~~صاحب هذه القروح؛ غير أنه هو يجد الألم والمشقة في إزالة ذلك بسبب تكرار ~~الوضوء فهل يجب عليه إزالة ذلك ليصل الماء إلى ما تستر من محل الفرض وإن ~~كان عليه مشقة مع غلبة ظنه بعد تلك القروح أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانت إزالته توجب زيادة المرض أو تأخر البرء لم يجب عليه ~~إزالته. وإن لم يكن فيه هذا ولا هذا أزاله اللهم إلا أن يكون شيئا يسيرا من ~~جنس الوسخ الذي على العين ونحو ذلك: فليس عليه أن يزيل ذلك. والله أعلم. # PageV21P226 # وسئل: # عمن يرى أن القيء ينقض الوضوء واستدل على ذلك أن النبي {قاء مرة وتوضأ} ~~وروى حديثا آخر: {أنه قاء مرة فغسل فمه وقال: هكذا الوضوء من القيء} فهل ~~يعمل بالحديث الأول أم الثاني؟ . # فأجاب: # أما الحديث الثاني فما سمعت به. وأما الأول فهو في السنن لكن لفظه: {أنه ~~قاء فأفطر فذكر ذلك لثوبان فقال: صدق أنا صببت له وضوءه} . ولفظ الوضوء لم ~~يجئ في كلام النبي إلا والمراد به الوضوء الشرعي ولم يرد لفظ الوضوء بمعنى ~~غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود فإنه قد روي {أن سلمان الفارسي قال ~~للنبي: إنا نجد في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله فقال؛ من بركة ~~الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده} . والله أعلم. # PageV21P227 # وسئل عن الرعاف: # هل ينقض الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: إذا توضأ منه فهو أفضل ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء. # وسئل: # هل ينقض الوضوء النوم جالسا أم لا؟ وإذا كان الرجل جالسا محتبيا بيديه ~~فنعس وانفلتت حبوته وسقطت يده على الأرض ومال لكنه لم يسقط جنبه إلى الأرض: ~~هل يجب عليه الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما النوم اليسير من المتمكن بمقعدته فهذا لا ينقض الوضوء عند ~~جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم فإن النوم عندهم ليس بحدث في نفسه ms6405 ~~لكنه مظنة الحدث كما دل عليه الحديث الذي في السنن: {العين وكاء السه فإذا ~~نامت العينان استطلق الوكاء} وفي # PageV21P228 # رواية: {فمن نام فليتوضأ} . ويدل على هذا ما في الصحيحين: أن النبي {كان ~~ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ} لأنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه ~~فكان يقظان. فلو خرج منه شيء لشعر به. وهذا يبين أن النوم ليس بحدث في ~~نفسه؛ إذ لو كان حدثا لم يكن فيه فرق بين النبي وغيره كما في البول والغائط ~~وغيرهما من الأحداث. وأيضا فإنه ثبت في الصحيح: أن النبي {كان يؤخر العشاء ~~حتى كان أصحاب رسول الله يخفقون برءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون} . فهذا يبين ~~أن جنس النوم ليس بناقض؛ إذ لو كان ناقضا لانتقض بهذا النوم الذي تخفق فيه ~~رءوسهم. ثم بعد هذا للعلماء ثلاثة أقوال: قيل: ينقض ما سوى نوم القاعد ~~مطلقا. كقول مالك وأحمد في رواية. وقيل: لا ينقض نوم القائم والقاعد وينقض ~~نوم الراكع والساجد؛ # PageV21P229 # لأن القائم والقاعد لا ينفرج فيهما مخرج الحدث كما ينفرج من الراكع ~~والساجد. وقيل: لا ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد بخلاف المضطجع ~~وغيره. كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثالثة. لكن مذهب أحمد التقييد ~~بالنوم اليسير. وحجة هؤلاء: حديث في السنن: {ليس الوضوء على من نام قائما ~~أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا لكن على من نام مضطجعا} فإنه إذا نام مضطجعا ~~استرخت مفاصله فيخرج الحدث بخلاف القيام والقعود والركوع والسجود فإن ~~الأعضاء متماسكة غير مسترخية فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج. وأيضا ~~فإن النوم في هذه الأحوال يكون يسيرا في العادة؛ إذ لو استثقل لسقط. ~~والقاعد إذا سقطت يداه إلى الأرض فيه قولان. والأظهر في هذا الباب أنه إذا ~~شك المتوضئ: هل نومه مما ينقض أو ليس مما ينقض؟ فإنه لا يحكم بنقض الوضوء؛ ~~لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول بالشك. والله أعلم. # PageV21P230 # وسئل: # هل لمس كل ذكر ينقض الوضوء من الآدميين والحيوان؟ وهل باطن الكف هو ما ~~دون ms6406 باطن الأصابع؟ . # فأجاب: # لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء حيا ولا ميتا باتفاق الأئمة ~~وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين. وإنما تنازعوا في مس فرج ~~الإنسان خاصة. وبطن الكف يتناول الباطن كله بطن الراحة والأصابع. ومنهم من ~~يقول: لا ينقض بحال: كأبي حنيفة وأحمد في رواية. # وسئل: # عن رجل وقعت يده بباطن كفه وأصابعه على ذكره: فهل ينتقض وضوؤه أم لا؟ . # فأجاب: # إذا لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه. # PageV21P231 # وسئل: # عما إذا قبل زوجته أو ضمها فأمذى: هل يلزمه وضوء أم لا؟ . # فأجاب: أما الوضوء فينتقض بذلك وليس عليه إلا الوضوء لكن يغسل ذكره ~~وأنثييه. # وسئل: # عن لمس النساء هل ينقض الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما نقض الوضوء بلمس النساء فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: طرفان ~~ووسط. أضعفها: أنه ينقض اللمس وإن لم يكن لشهوة إذا كان الملموس مظنة ~~للشهوة. وهو قول الشافعي؛ تمسكا بقوله تعالى: {أو لامستم النساء} وفي ~~القراءة الأخرى: أو لمستم. # PageV21P232 # القول الثاني: أن اللمس لا ينقض بحال وإن كان لشهوة. كقول أبي حنيفة ~~وغيره. وكلا القولين يذكر رواية عن أحمد؛ لكن ظاهر مذهبه كمذهب مالك ~~والفقهاء السبعة: أن اللمس إن كان لشهوة نقض وإلا فلا. وليس في المسألة قول ~~متوجه إلا هذا القول أو الذي قبله. فأما تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف ~~الأصول وخلاف إجماع الصحابة وخلاف الآثار. وليس مع قائله نص ولا قياس. فإن ~~كان اللمس في قوله تعالى أو لمستم النساء إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ~~ونحو ذلك - كما قاله ابن عمر وغيره -: فقد علم أنه حيث ذكر مثل ذلك في ~~الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة مثل قوله في آية الاعتكاف: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ومباشرة المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه ~~بخلاف المباشرة لشهوة. وكذلك المحرم - الذي هو أشد - لو باشر المرأة لغير ~~شهوة لم يحرم عليه ولم يجب عليه به دم. وكذلك قوله: {ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} وقوله: ms6407 {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} فإنه لو مسها ~~مسيسا خاليا من غير شهوة لم يجب به عدة ولا يستقر به مهر؛ ولا تنتشر به ~~حرمة المصاهرة: باتفاق العلماء بخلاف ما لو مس المرأة لشهوة # PageV21P233 # ولم يخل بها ولم يطأها: ففي استقرار المهر بذلك نزاع معروف بين العلماء ~~في مذهب أحمد وغيره. فمن زعم أن قوله: أو لمستم النساء يتناول اللمس وإن لم ~~يكن لشهوة فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن بل وعن لغة الناس في عرفهم ~~فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة كما ~~أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا ~~بالقدم. وأيضا فإنه لا يقول: إن الحكم معلق بلمس النساء مطلقا؛ بل بصنف من ~~النساء وهو ما كان مظنة الشهوة. فأما مس من لا يكون مظنة - كذوات المحارم ~~والصغيرة - فلا ينقض بها. فقد ترك ما ادعاه من الظاهر واشترط شرطا لا أصل ~~له بنص ولا قياس؛ فإن الأصول المنصوصة تفرق بين اللمس لشهوة واللمس لغير ~~شهوة لا تفرق بين أن يكون الملموس مظنة الشهوة أو لا يكون وهذا هو المس ~~المؤثر في العبادات كلها؛ كالإحرام والاعتكاف والصيام وغير ذلك وإذا كان ~~هذا القول لا يدل عليه ظاهر اللفظ ولا القياس: لم يكن له أصل في الشرع. ~~وأما من علق النقض بالشهوة فالظاهر المعروف في مثل ذلك دليل # PageV21P234 # له؛ وقياس أصول الشريعة دليل. ومن لم يجعل اللمس ناقضا بحال فإنه يجعل ~~اللمس إنما أريد به الجماع؛ كما في قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} ونظائره كثيرة. وفي السنن: أن النبي {قبل بعض نسائه ثم صلى ولم ~~يتوضأ؛} لكن تكلم فيه. وأيضا فمن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به ~~البلوى ولا يزال الرجل يمس امرأته؛ فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان النبي ~~بينه لأمته؛ ولكان مشهورا بين الصحابة ولم ينقل أحد أن أحدا من الصحابة كان ~~يتوضأ ms6408 بمجرد ملاقاة يده لامرأته أو غيرها ولا نقل أحد في ذلك حديثا عن ~~النبي: فعلم أن ذلك قول باطل. والله أعلم. # وسئل: # عن مس النساء: هل ينقض الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: # فيه ثلاثة أقوال للفقهاء: أحدها: أنه لا ينقض بحال. كقول أبي حنيفة ~~وغيره. # PageV21P235 # والثاني: أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا. وهو قول مالك وغيره من أهل ~~المدينة. والثالث: ينقض في الجملة وإن لم يكن بشهوة. وهو قول الشافعي ~~وغيره. وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة لكن المشهور عنه قول ~~مالك. والصحيح في المسألة أحد قولين؛ إما الأول وهو عدم النقض مطلقا؛ وإما ~~القول الثاني وهو النقض إذا كان بشهوة. وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة ~~لغير شهوة فهو أضعف الأقوال ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة ولا روى ~~أحد عن النبي أنه أمر المسلمين أن يتوضئوا من ذلك؛ مع أن هذا الأمر غالب لا ~~يكاد يسلم فيه أحد في عموم الأحوال؛ فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئا ~~وتأخذه بيدها وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به فلو كان الوضوء من ذلك ~~واجبا لكان النبي يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك ولو فعل لنقل ذلك عنه ~~ولو بأخبار الآحاد فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدا من ~~المسلمين بشيء من ذلك - مع عموم البلوى به - علم أن ذلك غير واجب # PageV21P236 # وأيضا فلو أمرهم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به. ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العاري عن شهوة بل تنازع الصحابة في ~~قوله تعالى {أو لامستم النساء} فكان ابن عباس وطائفة يقولون: الجماع ~~ويقولون: الله حيي كريم يكني بما يشاء عما شاء. وهذا أصح القولين. وقد ~~تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء بن أبي رباح والموالي هل المراد به ~~الجماع أو ما دونه؟ فقالت العرب: هو الجماع. وقالت: الموالي هو ما دونه. ~~وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب وخطأ الموالي. وكان ابن ms6409 عمر يقول: قبلة ~~الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة وهذا قول مالك وغيره من أهل المدينة. ~~ومن الناس من يقول: إن هذا قول ابن عمر وابن مسعود؛ لكونهما كانا لا يريان ~~التيمم للجنب؛ فيتأولان الآية على نقض الوضوء. ولكن قد صرح في الآية أن ~~الجنب يتيمم. وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود بالآية فلم يجبه ابن مسعود بشيء ~~وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه: فعلم أن ذلك كان من عدم استحضاره لموجب ~~الآية. # PageV21P237 # ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبي لو كانوا يتوضؤون من مس ~~نسائهم مطلقا؛ ولو كان النبي أمرهم بذلك: لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار؛ ~~كابن عمر وابن عباس وبعض التابعين فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع: كان ذلك ~~دليلا على أن ذلك لم يكن معروفا بينهم وإنما تكلم القوم في تفسير الآية ~~والآية إن كان المراد بها الجماع فلا كلام وإن كان أريد بها ما هو أعم من ~~الجماع فيقال: حيث ذكر الله تعالى في كتابه مس النساء ومباشرتهن ونحو ذلك: ~~فلا يريد به إلا ما كان على وجه الشهوة واللذة وأما اللمس العاري عن ذلك ~~فلا يعلق الله به حكما من الأحكام أصلا وهذا كقوله تعالى: {ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد} فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء ~~يعلمون أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي {: أنه كان يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها فترجله وهو ~~معتكف} ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها ومسها له. وأيضا فالإحرام أشد من ~~الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك ولم يجب عليه دم. وهذا ~~الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب؛ ومن جهة المعنى والاعتبار؛ ~~فإن خطاب الله تعالى # PageV21P238 # في القرآن بذكر اللمس والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك: لا يتناول ما ~~تجرد عن شهوة أصلا ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء ~~والنزاع فيها متأخر؛ فيكون ms6410 ما أجمعوا عليه قاضيا على ما تنازع فيه ~~متأخروهم. وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئا من ~~الأحكام ولا جعله موجبا لأمر ولا منهيا عنه في عبادة ولا اعتكاف ولا إحرام؛ ~~ولا صلاة ولا صيام؛ ولا غير ذلك ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة؛ ولا يثبت ~~شيئا غير ذلك بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من ~~المس الذي لم يجعله الله سببا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء. وإذا كان كذلك كان ~~إيجاب الوضوء بهذا مخالفا للأصول الشرعية المستقرة مخالفا للمنقول عن ~~الصحابة وكان قولا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة؛ بل المعلوم من السنة ~~مخالفته بل هذا أضعف ممن جعل المني نجسا فإن القول بنجاسة المني ضعيف فإذا ~~كان النبي لم يأمر أحدا بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من المني مع كثرة ما ~~كان يصيب الناس من ذلك في حياته؛ وقد أمر الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من ~~الدم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المني للرجال؛ ولو كان ذلك واجبا لبينه ~~بل كان يغسل ويمسح تقذرا # PageV21P239 # كما كانت عائشة رضي الله عنها تارة تغسله وتارة تفركه من ثوبه. وكان سعد ~~بن أبي وقاص وابن عباس يقولان: أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط ~~والبصاق وكانت عمرة تغسله من ثوبه فإن كان في اعتقاده نجاسة المني فهذا ~~نزاع بين الصحابة والسنة تفصل بينهم. فإذا كانت نجاسة المني ضعيفة في السنة ~~لكون النبي لم يأمر بذلك لعموم البلوى به لكن هذا أضعف لكون الصحابة لم يحك ~~أحد منهم مجرد اللمس العاري عن الشهوة ناقضا وإنما تنازعوا في اللمس ~~المعتاد للشهوة كالقبلة والغمز باليد ونحو ذلك. وأيضا فإيجاب الوضوء من جنس ~~اللمس كمس النساء ومس الذكر إن لم يعلل بكونه مظنة تحريك الشهوة وإلا كان ~~مخالفا للأصول فأما إذا علل بتحريك الشهوة كان مناسبا للأصول وهنا للفقهاء ~~طريقان: أحدهما: قول من يقول: إن ذلك مظنة خروج الناقض فأقيمت ms6411 المظنة مقام ~~الحقيقة. وهذا قول ضعيف؛ فإن المظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت ~~الحكمة خفية وكانت المظنة تفضي إليها غالبا؛ وكلاهما معدوم؛ فإن الخارج لو ~~خرج لعلم به الرجل. وأيضا فإن مس الذكر لا يوجب خروج شيء في العادة أصلا؛ ~~فإن المني إنما يخرج بالاستمناء # PageV21P240 # وذلك يوجب الغسل والمذي يخرج عقيب تفكر ونظر ومس المرأة لا الذكر؛ فإذا ~~كانوا لا يوجبون الوضوء بالنظر الذي هو أشد إفضاء إلى خروج المني: فبمس ~~الذكر أولى. والقول الثاني: أن يقال: اللمس سبب تحريك الشهوة كما في مس ~~المرأة وتحريك الشهوة يتوضأ منه كما يتوضأ من الغضب وأكل لحم الإبل؛ لما في ~~ذلك من أثر الشيطان الذي يطفأ بالوضوء؛ ولهذا قال طائفة من أصحاب أبي ~~حنيفة: إنما يتوضأ إذا انتشر انتشارا شديدا. وكذلك قال طائفة من أصحاب ~~مالك: يتوضأ إذا انتشر لكن هذا الوضوء من اللمس: هل هو واجب أو مستحب؟ فيه ~~نزاع بين الفقهاء ليس هذا موضع ذكره؛ فإن مسألة الذكر لها موضع أخر. وإنما ~~المقصود هنا مسألة مس النساء. والأظهر أيضا أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا ~~واجب وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وبهذا تجتمع الأحاديث ~~والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب ليس فيه نسخ قوله: {وهل هو إلا بضعة ~~منك؟} وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ. وكذلك الوضوء مما مست النار ~~مستحب في أحد القولين في # PageV21P241 # مذهب أحمد وغيره وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه. فأما النسخ فلا يقوم ~~عليه دليل بل الدليل يدل على نقيضه. وكذلك خروج النجاسات من سائر البدن غير ~~السبيلين كالوضوء من القيء والرعاف والحجامة والفصاد والجراح: مستحب كما ~~جاء عن النبي والصحابة أنهم توضئوا من ذلك. وأما الواجب فليس عليه في ~~الكتاب والسنة ما يوجب ذلك. وكذلك الوضوء من القهقهة مستحب في أحد القولين ~~في مذهب أحمد والحديث المأثور في أمر الذين قهقهوا بالوضوء: وجهه أنهم ~~أذنبوا بالضحك ومستحب لكل من أذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين كما جاء في ms6412 ~~السنن عن أبي بكر عن النبي أنه قال: {ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ~~ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له} . والله أعلم. # وسئل: # عن الرجل يمس المرأة: هل ينقض الوضوء أم لا؟ . # فأجاب: # إن توضأ من ذلك المس فحسن وإن صلى ولم يتوضأ صحت صلاته في أظهر قولي ~~العلماء. # PageV21P242 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: (*) # إذا مس يد الصبي الأمرد: فهل هو من جنس النساء في نقض الوضوء؟ وما جاء في ~~تحريم النظر إلى وجه الأمرد الحسن؟ وهل هذا الذي يقوله بعض المخالفين ~~للشريعة: إن النظر إلى وجه الصبي الأمرد عبادة وإذا قال لهم: أحد هذا النظر ~~حرام يقول: أنا إذا نظرت إلى هذا أقول: سبحان الذي خلقه لا أزيد على ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: ~~أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء. وهو المشهور من مذهب مالك ذكره القاضي ~~أبو يعلى في شرح المذهب. والثاني: أنه لا ينقض الوضوء. وهو المشهور من مذهب ~~الشافعي والقول الأول أظهر فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التي تفسد ~~بالوطء في القبل: كالصيام والإحرام والاعتكاف ويوجب الغسل PageV21P243 # كما يوجبه هذا فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات هذا. فلو مس ~~الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما لو مس أجنبية لشهوة. وكذلك إذا مسه ~~لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء. والذي لم ينقض ~~الوضوء بمسه يقول: إنه لم يخلق محلا لذلك فيقال له: لا ريب أنه لم يخلق ~~لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات لكن هذا القدر لم يعتبر في باب ~~الوطء؛ فإن وطئ في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام وإن كان الدبر لم يخلق ~~محلا للوطء مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها عن ~~الملامسة ونقض الوضوء بالمس يراعى فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون المس لشهوة ~~عند الأكثرين: كمالك وأحمد وغيرهما كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والاعتكاف ~~وغير ms6413 ذلك. وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم حتى لو مس ~~أمه وأخته وبنته لشهوة انتقض وضوءه: فكذلك الأمرد. وأما الشافعي وأحمد في ~~رواية فيعتبر المظنة وهو: أن النساء مظنة الشهوة فينقض الوضوء سواء بشهوة ~~أو بغير شهوة ولهذا لا ينقض لمس المحارم لكن لو لمس ذوات محارمه لشهوة فقد ~~وجدت حقيقة الحكمة؛ وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة. # PageV21P244 # والتلذذ بمس الأمرد كمصافحته ونحو ذلك: حرام بإجماع المسلمين كما يحرم ~~التلذذ بمس ذوات محارمه والمرأة الأجنبية بل الذي عليه أكثر العلماء أن ذلك ~~أعظم إثما من التلذذ بالمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي ~~أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء كان ~~أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما جاء ~~ذلك في السنن عن النبي وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم وقتله بالرجم ~~كما قتل الله قوم لوط بالرجم وبذلك جاءت الشريعة في قتل الزاني: أنه يرجم ~~فرجم النبي ماعز بن مالك والغامدية واليهوديين؛ والمرأة التي أرسل إليها ~~أنيسا وقال: {اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها} فاعترفت فرجمها. ~~والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم والمرأة الأجنبية ~~بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو شهوة التلذذ بالنظر فلو نظر إلى ~~أمه وأخته وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة ~~الأجنبية: كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه الأمرد ~~باتفاق الأئمة. وقول القائل: إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله: إن ~~النظر إلى وجوه النساء أو النظر إلى وجوه محارم الرجل - كبنت الرجل # PageV21P245 # وأمه وأخته - عبادة ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة كان بمنزلة ~~من جعل الفواحش عبادة قال تعالى {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون} ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات ms6414 المحارم من ~~الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما في صورة المرد: فهل يقول مسلم: إن ~~للإنسان أن ينظر بهذا الوجه إلى صور نساء العالم وصور محارمه ويقول: إن ذلك ~~عبادة؟ بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب؛ فإن ~~تاب وإلا قتل وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفواحش عبادة؛ أو جعل تناول ~~يسير الخمر عبادة؛ أو جعل السكر بالحشيشة عبادة. فمن جعل المعاونة على ~~الفاحشة بقيادة أو غيرها عبادة أو جعل شيئا من المحرمات التي يعلم تحريمها ~~من دين الإسلام عبادة: فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل وهو مضاه للمشركين ~~الذين {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} وفاحشة أولئك إنما ~~كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي عصينا الله ~~فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ثياب المعصية وقد ذكر ~~عنهم ما ذكر فكيف بمن يجعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة؟ # PageV21P246 # والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر وهو نوعان ### | : غض البصر # عن العورة وغضها عن محل الشهوة. فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما ~~قال النبي {: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة ~~المرأة} ويجب على الإنسان أن يستر عورته كما قال النبي {لمعاوية بن حيدة: ~~احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت: فإذا كان أحدنا مع قومه؟ ~~قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ ~~قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} . ويجوز أن يكشف بقدر الحاجة كما ~~يكشف عند التخلي وكذلك إذا اغتسل الرجل وحده بجنب ما يستره فله أن يغتسل ~~عريانا كما اغتسل موسى عريانا وأيوب وكما في اغتساله يوم الفتح واغتساله في ~~حديث ميمونة. وأما النوع الثاني من النظر: كالنظر إلى الزينة الباطنة من ~~المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأول ms6415 كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وعلى صاحبها الحد. وتلك المحرمات إذا تناولها غير مستحل لها كان ~~عليه التعزير؛ لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر وكذلك ~~النظر إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى # PageV21P247 # النساء ونحوهن؛ وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب وقد اتفق ~~العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات ~~المحارم لشهوة والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد ~~بأعجب في قدرته من خلق ذي اللحية ولا خلق النساء بأعجب في قدرته من خلق ~~الرجال؛ بل تخصيص الإنسان التسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره: كتخصيصه ~~التسبيح بنظره إلى المرأة دون الرجل وما ذاك لأنه دل على عظمة الخالق عنده ~~ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه بما يحصل ~~في نفسه من الهوى. كما أن النسوة لما رأين يوسف {أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ~~حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} . وقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~أنه قال: {إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم} وإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال وإنما ينظر إلى القلوب ~~والأعمال: فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به؟ وقد قال تعالى: {ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} وقال في المنافقين: ~~{وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون ~~كل صيحة عليهم # PageV21P248 # هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} فإذا كان هؤلاء المنافقون ~~الذين تعجب الناظر أجسامهم لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة - ~~وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة - قد ذكر الله عنهم ما ذكر: فكيف بمن ينظر إليه ~~لشهوة؟ وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى؛ وهنا ~~الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة ~~على المصور فهذا حسن. وقد ms6416 ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى ~~الجبل والبهائم وكما ينظر إلى الأشجار: فهذا أيضا إذا كان على وجه استحسان ~~الدنيا والرياسة والمال فهو مذموم؛ لقوله تعالى {ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} وأما إن كان على وجه ~~لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط - كالنظر إلى الأزهار - فهذا من ~~الباطل الذي يستعان به على الحق. وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة ~~كان حراما بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع بنظر الشهوة أو كان نظرا بشهوة ~~الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره الأشجار والأزهار وما يجده عند ~~نظره النسوان والمردان؛ فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعي فصار النظر إلى ~~المرد ثلاثة أقسام: # PageV21P249 # أحدها: ما يقرن به الشهوة فهو حرام بالاتفاق. والثاني: ما يجزم أنه لا ~~شهوة معه: كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه؛ فهذا لا ~~يقرن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم. ~~وعلى هذا من لا يميل قلبه إلى المرد - كما كان الصحابة؛ وكالأمم الذين لا ~~يعرفون هذه الفاحشة؛ فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق بين هذا الوجه وبين نظره ~~إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي ولا يخطر بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ~~ذلك وهو سليم القلب من مثل ذلك وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في ~~الطرقات وهن متكشفات الرءوس وتخدم الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل ~~أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد ~~والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين: كان هذا من باب الفساد. وكذلك المرد ~~الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة التي يخاف فيها الفتنة بهم ~~إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من الجلوس في الحمام ~~بين الأجانب ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر ~~إليه: كذلك. وإنما وقع النزاع بين ms6417 العلماء في القسم الثالث من النظر وهو: # PageV21P250 # النظر إليه لغير شهوة لكن مع خوف ثورانها؟ فيه وجهان في مذهب أحمد: ~~أصحهما - وهو المحكي عن نص الشافعي - أنه لا يجوز. والثاني: يجوز لأن الأصل ~~عدم ثورانها فلا يحرم بالشك بل قد يكره. والأول هو الراجح كما أن الراجح في ~~مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن ~~كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ثورانها؛ ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية ~~لأنها مظنة الفتنة والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز؛ فإن ~~الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة؛ ولهذا كان النظر ~~الذي يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لمصلحة راجحة مثل نظر الخاطب ~~والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة لكن مع عدم الشهوة. وأما النظر ~~لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز. ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه أو ~~أدامه وقال: إني لا أنظر لشهوة: كذب في ذلك؛ فإنه إذا لم يكن معه داع يحتاج ~~معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك وأما نظرة ~~الفجأة فهي عفو إذا صرف بصره كما ثبت في الصحيح {عن جرير قال: سألت رسول ~~الله عن نظرة الفجأة فقال: # PageV21P251 # اصرف بصرك} وفي السنن أنه {قال لعلي: يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما ~~لك الأولى وليست لك الثانية} . وفي الحديث الذي في المسند وغيره: {النظر ~~سهم مسموم من سهام إبليس} وفيه: {من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره عنها ~~أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة} - أو كما قال - ولهذا ~~يقال: إن غض البصر عن الصورة التي نهي عن النظر إليها - كالمرأة والأمرد ~~الحسن - يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذته ~~التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ~~والنفس تحب النظر إلى هذه الصور لا سيما نفوس أهل الرياضة والصفا فإنه يبقى ~~فيها ms6418 رقة تجتذب بسببها إلى الصور حتى تبقى تجذب أحدهم وتصرعه كما يصرعه ~~السبع؛ ولهذا قال بعض التابعين: ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه ~~بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه وقال بعضهم: اتقوا النظر إلى أولاد ~~الملوك فإن لهم فتنة كفتنة العذارى. وما زال أئمة العلم والدين - كشيوخ ~~الهدى وشيوخ الطريق - يوصون بترك صحبة الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلي أنه ~~قال: # PageV21P252 # صحبت ثلاثين من الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال ~~بعضهم: ما سقط عبد من عين الله إلا بصحبة هؤلاء الأنتان. ثم النظر يؤكد ~~المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب؛ ثم صبابة لانصباب القلب إليه؛ ثم ~~غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه؛ ثم عشقا إلى أن يصير تتيما ~~والمتيم المعبد وتيم الله عبد الله فيبقى القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون ~~أخا بل ولا خادما وهذا إنما يبتلى به أهل الأعراض عن الإخلاص لله كما قال ~~تعالى في حق يوسف: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} ~~فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ويوسف مع ~~عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على ~~العفة: عصمه الله بإخلاصه لله؛ تحقيقا لقوله: {لأغوينهم أجمعين} {إلا عبادك ~~منهم المخلصين} قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} والغي هو اتباع الهوى. وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى. ومن ~~أمر بعشق الصور من المتفلسفة كابن سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر عن ~~بعضهم؛ أو من جهال المتصوفة: فإنهم أهل ضلال وغي فهم مع مشاركة اليهود في ~~الغي والنصارى في الضلال زادوا على الأمتين في ذلك؛ فإن # PageV21P253 # هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتطليق نفسه وتهذيب أخلاقه وللمعشوق من ~~الشفاء في مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك: فمضرة ذلك أضعاف منفعته. وأين ~~إثم ذلك من منفعته؟ وإنما هذا كما يقال: إن في الزنا منفعة لكل منهما بما ~~يحصل له من ms6419 التلذذ والسرور ويحصل لها من الجعل وغير ذلك وكما يقال: إن في ~~شرب الخمر منافع بدنية ونفسية. وقد قال في الخمر والميسر: {قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} وهذا قبل التحريم دع ما قاله ~~عند التحريم وبعده. وباب التعلق بالصور هو من جنس الفواحش وباطنه من باطن ~~الفواحش وهو من باطن الإثم قال تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} وقال ~~تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقد قال: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} . وليس بين أئمة الدين نزاع في أن ~~هذا ليس بمستحب كما أنه ليس بواجب فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج من ~~إجماع المسلمين؛ بل واليهود والنصارى؛ بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع ~~الأمم وهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وقد قال # PageV21P254 # تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي ~~المأوى} وقال تعالى {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} . وأما من نظر إلى المرد ~~ظانا أنه ينظر إلى الجمال الإلهي وجعل هذا طريقا له إلى الله - كما يفعله ~~طوائف من المدعين للمعرفة - فقوله هذا أعظم كفرا من قول عباد الأصنام ومن ~~كفر قوم لوط فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين يجب قتلهم بإجماع كل ~~الأمة؛ فإن عباد الأصنام قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~وهؤلاء يجعلون الله موجودا في نفس الأصنام وحالا فيها؛ فإنهم لا يريدون ~~بظهوره وتجليه في المخلوقات أنها دالة عليه وآيات لهم؛ بل يريدون أنه ~~سبحانه هو ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور الماء في الزجاجة؛ والزبد ~~في اللبن؛ والزيت في الزيتون والدهن في السمسم؛ ونحو ذلك مما ms6420 يقتضي حلول ~~نفس ذاته في مخلوقاته أو اتحاده بها في جميع المخلوقات نظير ما قالته ~~النصارى في المسيح خاصة يجعلون المرد مظاهر الجمال فيقررون هذا الشرك ~~الأعظم طريقا إلى استحلال الفواحش بل إلى استحلال كل محرم كما قيل لأفضل ~~متأخريهم - التلمساني -: إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق. فما الفرق ~~بين أمي وأختي # PageV21P255 # وابنتي: تكون هذه حلالا وهذه حراما؟ فقال الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء ~~المحجوبون قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم. ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية ~~من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص: إما ببعض الأنبياء كالمسيح؛ أو ببعض ~~الصحابة كقول الغالية في علي؛ أو ببعض الشيوخ كالحلاجية ونحوهم؛ أو ببعض ~~الملوك؛ أو ببعض الصور كصور المرد ويقول أحدهم: أنا أنظر إلى صفات خالقي ~~وأشهدها في هذه الصورة. والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن ~~بالله ورسوله ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا: فكيف إذا ~~قاله في صبي أمرد؟ فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها. وقد قال ~~تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون} فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا مع اعترافهم ~~بأنهم مخلوقون لله كفارا: فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا مع قوله إن ~~الله فيها أو متحد بها؟ فوجودها وجوده ونحو ذلك من المقالات؟ . وأما ~~الفائدة الثانية في غض البصر فهو: أنه يورث نور القلب والفراسة قال تعالى ~~عن قوم لوط: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} # PageV21P256 # فالتعلق في الصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما ~~قيل: # سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... فمتى إفاقة من به سكران؟ # وقيل: # قالوا جننت بمن تهوى؟ فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: {الله نور السماوات ~~والأرض} وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول: من عمر ~~ظاهره باتباع السنة وباطنه ms6421 بدوام المراقبة؛ وغض بصره عن المحارم؛ وكف نفسه ~~عن الشهوات؛ وذكر خصلة خامسة وهي أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة. والله ~~تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فغض بصره عما حرم يعوضه الله ~~عليه من جنسه بما هو خير منه؛ فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه # PageV21P257 # باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب. والفائدة ~~الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان النصرة مع سلطان ~~الحجة. وفي الأثر: " الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله " ولهذا يوجد في ~~المتبع لهواه من الذل - ذل النفس وضعفها ومهانتها - ما جعله الله لمن عصاه ~~فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال تعالى: {يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ~~وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . ولهذا ~~كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز من أبواب الملوك ولا يجدونه إلا في ~~طاعة الله. وكان الحسن البصري يقول: وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم ~~البغال فإن ذل المعصية في رقابهم يأبى الله إلا أن يذل من عصاه. ومن أطاع ~~الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه. ~~وفي دعاء القنوت: {أنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.} والصوفية ~~المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة لم يكونوا يستحبون مثل ~~هذا؛ بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث وفي الرد على أهل ~~الحلول وبيان مباينة الخالق للمخلوق؛ # PageV21P258 # ما لا يتسع هذا الموضع لذكره وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو ~~فاسق أو كافر؛ فتظاهر بدعوى الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر ~~أهل العداوة لله وأهل النفاق والبهتان. والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين ~~خير الدنيا والآخرة ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة. والله أعلم. # PageV21P259 # وسئل: # عن أكل لحم الإبل: هل ينقض الوضوء أم لا. وهل حديثه منسوخ؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ms6422 قد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - {أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت ~~فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ . قال: نعم توضأ من ~~لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ . قال: نعم قال أصلي في مبارك ~~الإبل؟ قال: لا} . وثبت ذلك في السنن من حديث البراء بن عازب. قال أحمد فيه ~~حديثان صحيحان: حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وله شواهد من وجوه أخر. ~~منها: ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: {توضئوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من # PageV21P260 # لحوم الغنم؛ وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل} . وروي ذلك ~~من غير وجه. وهذا باتفاق أهل المعرفة بالحديث أصح وأبعد عن المعارض من ~~أحاديث مس الذكر وأحاديث القهقهة. وقد قال بعض الناس: إنه منسوخ بقول جابر: ~~كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار لم ~~يفرق بين لحم الإبل والغنم إذ كلاهما في مس النار سواء فلما فرق بينهما ~~فأمر بالوضوء من هذا وخير في الوضوء من الآخر. علم بطلان هذا التعليل. وإذا ~~لم تكن العلة مس النار فنسخ التوضؤ من ذلك لأمر لا يوجب نسخ التوضؤ من جهة ~~أخرى بل يقال: كانت لحوم الإبل أولا يتوضأ منها كما يتوضأ من لحوم الغنم ~~وغيرها. ثم نسخ هذا الأمر العام المشترك. فأما ما يختص به لحم الإبل فلو ~~كان قبل النسخ لم يكن منسوخا فكيف وذلك غير معلوم. يؤيد ذلك " الوجه الثاني ~~" وهو أن الحديث كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار فإنه بين فيه أنه لا يجب ~~الوضوء من لحوم الغنم وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل فعلم أن الأمر ~~بذلك بعد النسخ. # PageV21P261 # الثالث: أنه فرق بينهما في الوضوء وفي الصلاة في المعاطن أيضا وهذا ~~التفريق ثابت محكم لم يأت عنه نص بالتسوية ms6423 بينهما في الوضوء والصلاة فدعوى ~~النسخ باطل بل عمل المسلمين بهذا الحديث في الصلاة يوجب العمل فيه بالوضوء ~~إذ لا فرق بينهما. # الرابع أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل وذلك يقتضي الوضوء منه نيئا ومطبوخا ~~وذلك يمنع كونه منسوخا. # الخامس أنه لو أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم نص عام بقوله: لا وضوء ~~مما مست النار لم يجز جعله ناسخا لهذا الحديث من وجهين: # أحدهما أنه لا يعلم أنه قبله وإذا تعارض العام والخاص ولم يعلم التاريخ ~~فلم يقل أحد من العلماء إنه ينسخه بل إما أن يقال الخاص هو المقدم كما هو ~~المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وإما أن يتوقف؛ بل لو ~~علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدما. (الثاني أنه قد بينا أن هذا ~~الخاص بعد العام فإن كان نسخ كان الخاص # PageV21P262 # ناسخا. وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على العام ~~المتقدم فعلم باتفاق المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام على ~~الخاص؛ لو كان هنا لفظ عام. كيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ~~عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار. وإنما ثبت في الصحيح {أنه أكل كتف ~~شاة ثم صلى ولم يتوضأ} وكذلك {أتي بالسويق فأكل منه ثم لم يتوضأ} وهذا فعل ~~لا عموم له فإن التوضؤ من لحم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين. ~~والحديث المتقدم دليل ذلك. وأما جابر فإنما نقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار} وهذا نقل لفعله لا لقوله. ~~فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن ~~يقال الترك آخر الأمرين والترك العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته وليس في ~~حديث جابر ما يدل على ذلك بل المنقول عنه الترك في قضية معينة. ثم ترك ~~الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه من جهة أخرى ولحم الإبل لم ms6424 يتوضأ منه ~~لأجل مس النار كما تقدم؛ بل المعنى يختص به ويتناوله نيئا ومطبوخا فبين ~~الوضوء من لحم الإبل والوضوء مما مست النار عموم وخصوص. هذا أعم من وجه ~~وهذا أخص من وجه. وقد يتفق الوجهان فيكون للحكم علتان وقد ينفرد أحدهما عن ~~الآخر بمنزلة التوضؤ من خروج # PageV21P263 # النجاسة مع الوضوء من القبلة فإنه قد يقبل فيمذي وقد يقبل فلا يمذي وقد ~~يمذي من غير مباشرة. فإذا قدر أنه لا وضوء من مس النساء لم ينف الوضوء من ~~المذي وكذلك بالعكس وهذا بين. وأضعف من ذلك قول بعضهم: إن المراد بذلك ~~الوضوء اللغوي وهو غسل اليد أو اليد والفم فإن هذا باطل من وجوه. (أحدها أن ~~الوضوء في كلام رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لم يرد به قط إلا وضوء ~~الصلاة وإنما ورد بذلك المعنى في لغة اليهود. كما روي: {أن سلمان قال: يا ~~رسول الله إنه في التوراة من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: من بركة ~~الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده} . فهذا الحديث قد تنوزع في صحته وإذا كان ~~صحيحا فقد أجاب سلمان باللغة التي خاطبه بها لغة أهل التوراة وأما اللغة ~~التي خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أهل القرآن فلم يرد فيها ~~الوضوء إلا في الوضوء الذي يعرفه المسلمون. # الثاني: أنه قد فرق بين اللحمين ومعلوم أن غسل اليد والفم من الغمر مشروع ~~مطلقا بل قد ثبت عنه أنه تمضمض من لبن # PageV21P264 # شربه. وقال: {إن له دسما} . وقال: {من بات وبيده غمر فأصابه شيء فلا ~~يلومن إلا نفسه} فإذا كان قد شرع ذلك من اللبن والغمر فكيف لا يشرعه من لحم ~~الغنم. # الثالث: أن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل: إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على ~~غسل اليد والفم وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم الغنم ~~والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ما أثبته للحم الإبل. وهذا يبطل كونه غسل ~~اليد سواء كان حكم الحديث إيجابا أو استحبابا. # الرابع: أنه قد ms6425 قرنه بالصلاة في مباركها مفرقا بين ذلك وهذا مما يفهم منه ~~وضوء الصلاة قطعا. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يقرأ القرآن وليس له على الوضوء قدرة في كل وقت: فهل له أن يكتب ~~في اللوح ويقرؤه إن كان على وضوء وغير وضوء. أم لا؟ وقد ذكر بعض المالكية ~~أن معنى قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} تطهير القلب وأن المسلم لا ينجس ~~وقال: بعض الشافعية: لا يجوز # PageV21P265 # له أن يمس اللوح أو المصحف على غير وضوء أبدا فهل بين الأئمة خلاف في هذا ~~أم لا؟ . # فأجاب: الحمد لله إذا قرأ في المصحف أو اللوح ولم يمسه جاز ذلك وإن كان ~~على غير طهور ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء. والله أعلم. # وسئل: # هل يجوز مس المصحف بغير وضوء أم لا؟ . # فأجاب: # مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر كما قال في الكتاب الذي ~~كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: {أن لا يمس القرآن إلا ~~طاهر} . قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له وهو ~~أيضا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمر وغيرهما. ولا يعلم لهما من ~~الصحابة مخالف. # PageV21P266 # وسئل: # عن الإنسان إذا كان على غير طهر وحمل المصحف بأكمامه ليقرأ به ويرفعه من ~~مكان إلى مكان هل يكره ذلك؟ . # فأجاب: وأما إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس ولكن لا يمسه بيديه. # وسئل: # عمن معه مصحف وهو على غير طهارة كيف يحمله؟ . # فأجاب: # ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه وفي خرجه وحمله سواء كان ذلك ~~القماش لرجل أو امرأة أو صبي وإن كان القماش فوقه أو تحته. والله أعلم. # PageV21P267 # وسئل شيخ الإسلام: # عما تجب له الطهارتان: الغسل والوضوء؟ . # فأجاب: # ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع فرضها ونفلها واختلف في الطواف ~~ومس المصحف. واختلف أيضا في سجود التلاوة وصلاة الجنازة هل تدخل في مسمى ~~الصلاة التي تجب لها الطهارة؟ . وأما الاعتكاف فما علمت ms6426 أحدا قال إنه يجب ~~له الوضوء وكذلك الذكر والدعاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحائض ~~بذلك. وأما القراءة ففيها خلاف شاذ. فمذهب الأربعة تجب الطهارتان لهذا كله ~~إلا الطواف مع الحدث الأصغر فقد قيل فيه نزاع. والأربعة أيضا لا يجوزون ~~للجنب قراءة القرآن ولا اللبث في المسجد إذا لم يكن على وضوء وتنازعوا في ~~قراءة الحائض وفي قراءة الشيء اليسير. وفي هذا نزاع في مذهب # PageV21P268 # الإمام أحمد وغيره كما قد ذكر في غير هذا الموضع. ومذهب أهل الظاهر: يجوز ~~للجنب أن يقرأ القرآن واللبث في المسجد هذا مذهب داود وأصحابه وابن حزم. ~~وهذا منقول عن بعض السلف. وأما مذهبهم فيما تجب له الطهارتان؟ فالذي ذكره ~~ابن حزم أنها لا تجب إلا لصلاة: هي ركعتان أو ركعة الوتر أو ركعة في الخوف ~~أو صلاة الجنازة ولا تجب عنده الطهارة لسجدتي السهو فيجوز عنده للجنب ~~والمحدث والحائض قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف قال: لأن هذه الأفعال ~~خير مندوب إليها فمن ادعى منع هؤلاء منها فعليه الدليل. وأما الطواف فلا ~~يجوز للحائض بالنص والإجماع. وأما الحدث ففيه نزاع بين السلف وقد ذكر عبد ~~الله بن الإمام أحمد في المناسك بإسناده عن النخعي وحماد بن أبي سليمان: ~~أنه يجوز الطواف مع الحدث الأصغر وقد قيل إن هذا قول الحنفية أو بعضهم. ~~وأما مع الجنابة والحيض فلا يجوز عند الأربعة؛ لكن مذهب أبي حنيفة أن ذلك ~~واجب فيه لا فرض وهو قول في مذهب أحمد. # PageV21P269 # وظاهر مذهبه كمذهب مالك والشافعي أنه ركن فيه. والصحيح في هذا الباب ما ~~ثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة وهو ~~أن مس المصحف لا يجوز للمحدث ولا يجوز له صلاة جنازة ويجوز له سجود ~~التلاوة. فهذه الثلاثة ثابتة عن الصحابة. وأما الطواف فلا أعرف الساعة فيه ~~نقلا خاصا عن الصحابة لكن إذا جاز سجود التلاوة مع الحدث فالطواف أولى كما ~~قاله من قاله من التابعين. قال البخاري في " باب سجدة المسلمين ms6427 مع المشركين ~~" والمشرك نجس ليس له وضوء وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء. ووقع في بعض ~~نسخ البخاري يسجد على وضوء. قال ابن بطال في شرح البخاري: الصواب إثبات ~~غير؛ لأن المعروف عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء. ذكر ابن أبي شيبة ~~حدثنا محمد بن بشار حدثنا زكريا بن أبي زائدة. حدثنا أبو الحسن يعني عبيد ~~بن الحسن - عن رجل زعم أنه نسيه عن سعيد بن جبير قال كان عبد الله بن عمر ~~ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ. وذكر ~~عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة على غير وضوء قال: يسجد ~~حيث كان وجهه. قال ابن المنذر: واختلفوا في الحائض تسمع السجدة فقال عطاء ~~وأبو قلابة والزهري وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم # PageV21P270 # وقتادة: ليس عليها أن تسجد وبه قال مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. ~~وقد روينا عن عثمان بن عفان قال تومئ برأسها. وبه قال سعيد بن المسيب قال ~~تومئ وتقول: لك سجدت. وقال ابن المنذر (ذكر من سمع السجدة وهو على غير وضوء ~~قال أبو بكر واختلفوا في ذلك. فقالت طائفة يتوضأ ويسجد هكذا قال النخعي ~~وسفيان الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. وقد روينا عن النخعي قولا ثالثا أنه ~~يتيمم ويسجد وروينا عن الشعبي قولا ثالثا أنه يسجد حيث كان وجهه. وقال ابن ~~حزم وقد روي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب تومئ الحائض بالسجود وقال ~~سعيد: وتقول: رب لك سجدت وعن الشعبي جواز سجود التلاوة إلى غير القبلة. ~~وأما (صلاة الجنازة فقد قال البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم {من صلى ~~على الجنازة} ". وقال: {صلوا على صاحبكم} " وقال: {صلوا على النجاشي} " ~~سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها وفيها تكبير وتسليم. ~~قال: وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرا ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ~~ويرفع يديه. # PageV21P271 # قال ابن بطال: عرض البخاري للرد على الشعبي فإنه أجاز الصلاة ms6428 على الجنازة ~~بغير طهارة قال: لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والفقهاء مجمعون من ~~السلف والخلف على خلاف قوله فلا يلتفت إلى شذوذه وأجمعوا أنها لا تصلى إلا ~~إلى القبلة ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة. قال: ~~واحتجاج البخاري في هذا الباب حسن. قلت: فالنزاع في سجود التلاوة وفي صلاة ~~الجنازة. قيل: هما جميعا ليسا صلاة كما قال الشعبي ومن وافقه وقيل: هما ~~جميعا صلاة تجب لهما الطهارة. والمأثور عن الصحابة وهو الذي تدل عليه ~~النصوص والقياس: الفرق بين الجنازة والسجود المجرد سجود التلاوة والشكر. ~~وذلك لأنه قد ثبت بالنص لا صلاة إلا بطهور كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ} . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول} . وهذا قد دل عليه القرآن ~~بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق} الآية وقد حرم الصلاة مع الجنابة والسكر في قوله: {لا ~~تقربوا الصلاة # PageV21P272 # وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} ~~. وثبت أيضا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ~~ابن جريج: ثنا سعيد بن الحارث عن ابن عباس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى حاجته من الخلاء فقرب له طعام فأكل ولم يمس ماء} . قال ابن جريج وزادني ~~عمرو بن دينار عن سعيد بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إنك ~~لم تتوضأ. قال: {ما أردت صلاة فأتوضأ} قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث. ~~والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا فإنه لم ينقل أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح؛ ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع ~~العلم بأنه قد حج معه خلائق ms6429 عظيمة وقد اعتمر عمرا متعددة والناس يعتمرون ~~معه فلو كان الوضوء فرضا للطواف لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ~~ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه ولكن ثبت في الصحيح {أنه لما ~~طاف توضأ} . وهذا وحده لا يدل على الوجوب فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة وقد ~~قال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر فيتيمم لرد السلام. # PageV21P273 # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه {لما خرج من الخلاء وأكل وهو محدث قيل له: ألا ~~تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ} . يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا ~~إذا أراد صلاة وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب ليس بواجب. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم {: ما أردت صلاة فأتوضأ} ليس إنكارا للوضوء لغير الصلاة لكن إنكار ~~لإيجاب الوضوء لغير الصلاة؛ فإن بعض الحاضرين قال له: ألا تتوضأ؟ فكأن هذا ~~القائل ظن وجوب الوضوء للأكل فقال صلى الله عليه وسلم {ما أردت صلاة ~~فأتوضأ} فبين له أنه إنما فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة. والحديث ~~الذي يروى: {الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فلا ~~يتكلم إلا بخير} قد رواه النسائي وهو يروى موقوفا ومرفوعا وأهل المعرفة ~~بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه ~~وبكل حال فلا حجة فيه؛ لأنه ليس المراد به أن الطواف نوع من الصلاة: كصلاة ~~العيد والجنائز؛ ولا أنه مثل الصلاة مطلقا فإن الطواف يباح فيه الكلام ~~بالنص والإجماع ولا تسليم فيه ولا يبطله الضحك والقهقهة ولا تجب فيه ~~القراءة باتفاق المسلمين فليس هو مثل الجنازة فإن الجنازة فيها تكبير ~~وتسليم فتفتح بالتكبير وتختم بالتسليم. # PageV21P274 # وهذا حد الصلاة التي أمر فيها بالوضوء كما قال صلى الله عليه وسلم {مفتاح ~~الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} والطواف ليس له تحريم ~~ولا تحليل وإن كبر في أوله فكما يكبر على الصفا والمروة وعند رمي الجمار من ~~غير أن يكون ذلك تحريما ولهذا يكبر كلما ms6430 حاذى الركن والصلاة لها تحريم؛ ~~لأنه بتكبيرها يحرم على المصلي ما كان حلالا له من الكلام أو الأكل أو ~~الضحك أو الشرب أو غير ذلك والطواف لا يحرم شيئا بل كل ما كان مباحا قبل ~~الطواف في المسجد فهو مباح في الطواف وإن كان قد يكره ذلك لأنه يشغل عن ~~مقصود الطواف كما يكره في عرفة وعند رمي الجمار ولا يعرف نزاع بين العلماء ~~[في] (1) أن الطواف لا يبطل بالكلام والأكل والشرب والقهقهة كما لا يبطل ~~غيره من مناسك الحج بذلك وكما لا يبطل الاعتكاف بذلك. والاعتكاف يستحب له ~~طهارة الحدث ولا يجب فلو قعد المعتكف وهو محدث في المسجد لم يحرم بخلاف ما ~~إذا كان جنبا أو حائضا فإن هذا يمنعه منه الجمهور كمنعهم الجنب والحائض من ~~اللبث في المسجد لا لأن ذلك يبطل الاعتكاف؛ ولهذا إذا خرج المعتكف للاغتسال ~~كان حكم اعتكافه عليه في حال خروجه فيحرم عليه مباشرة النساء في غير ~~المسجد. ومن جوز له اللبث مع الوضوء جوز للمعتكف أن يتوضأ PageV21P275 # ويلبث في المسجد وهو قول أحمد بن حنبل وغيره. والذي ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى الحائض عن الطواف وبعث أبا بكر أميرا على الموسم ~~فأمر أن ينادي: {أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان} . وكان ~~المشركون يحجون وكانوا يطوفون بالبيت عراة فيقولون: ثياب عصينا الله فيها ~~فلا نطوف فيها إلا الحمس ومن دان دينها. وفي ذلك أنزل الله {يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد} وقوله {وإذا فعلوا فاحشة} مثل طوافهم بالبيت عراة ~~{قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون.} ومعلوم أن ستر العورة يجب مطلقا خصوصا إذا ~~كان في المسجد الحرام والناس يرونه فلم يجب ذلك لخصوص الطواف؛ لكن الاستتار ~~في حال الطواف أوكد لكثرة من يراه وقت الطواف فينبغي النظر في معرفة حدود ~~ما أنزل الله على رسوله وهو أن يعرف مسمى الصلاة ms6431 التي لا يقبلها الله إلا ~~بطهور التي أمر بالوضوء عند القيام إليها. وقد فسر ذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله في الحديث الذي في السنن عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} . ~~ففي هذا الحديث دلالتان: # PageV21P276 # إحداهما: أن الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فما لم يكن تحريمه ~~التكبير وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة. والثانية: أن هذه هي الصلاة ~~التي مفتاحها الطهور فكل صلاة مفتاحها الطهور فتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم فليس مفتاحه الطهور ~~فدخلت صلاة الجنازة في هذا فإن مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم. وأما سجود التلاوة والشكر: فلم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أصحابه أن فيه تسليما ولا أنهم كانوا يسلمون منه؛ ولهذا كان ~~أحمد بن حنبل وغيره من العلماء لا يعرفون فيه التسليم. وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه لا يسلم فيه؛ لعدم ورود الأثر بذلك. وفي الرواية الأخرى يسلم ~~واحدة أو اثنتين ولم يثبت ذلك بنص بل بالقياس وكذلك من رأى فيه تسليما من ~~الفقهاء ليس معه نص؛ بل القياس أو قول بعض التابعين. وقد تكلم الخطابي على ~~حديث نافع عن {ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا ~~القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه} . قال: فيه بيان أن السنة أن ~~يكبر # PageV21P277 # للسجود وعلى هذا مذاهب أكثر أهل العلم وكذلك يكبر إذا رفع رأسه من السجود ~~قال: وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد. وعن ابن سيرين ~~وعطاء إذا رفع رأسه من السجود يسلم. وبه قال إسحاق بن راهويه. قال: واحتج ~~لهم في ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم. وكان أحمد لا يعرف - وفي لفظ - لا يرى التسليم في هذا. قلت: وهذه ~~الحجة إنما تستقيم لهم أن ذلك داخل في مسمى الصلاة لكن قد يحتجون بهذا على ~~من يسلم أنها ms6432 صلاة فيتناقض قوله. وحديث ابن عمر رواه البخاري في صحيحه وليس ~~فيه التكبير. قال: {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها ~~السجدة فيسجد ونسجد حتي ما يجد أحدنا موضع جبهته. وفي لفظ - حتى ما يجد ~~أحدنا مكانا لجبهته} . فابن عمر قد أخبر أنهم كانوا يسجدون مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يذكر تسليما وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء. ومن ~~المعلوم أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه أن السجود لا ~~يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم كلهم # PageV21P278 # كانوا يسجدون معه وكان هذا شائعا في الصحابة فإذا لم يعرف عن أحد منهم ~~أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم ~~للسنة وقد بقي إلى آخر الأمر ويسجد للتلاوة على غير طهارة كان هو مما يبين ~~أنه لم يكن معروفا بينهم أن الطهارة واجبة لها. ولو كان هذا مما أوجبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لكان ذلك شائعا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة ~~وصلاة الجنازة وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها ولكن ~~سجودها على الطهارة أفضل باتفاق المسلمين. وقد يقال: إنه يكره سجودها على ~~غير طهارة مع القدرة على الطهارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم ~~عليه مسلم لم يرد عليه حتى تيمم وقال كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ~~فالسجود أوكد من رد السلام. لكن كون الإنسان إذا قرأ وهو محدث يحرم عليه ~~السجود ولا يحل له أن يسجد لله إلا بطهارة قول لا دليل عليه. وما ذكر أيضا ~~يدل: على أن الطواف ليس من الصلاة ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب} والطواف والسجود لا يقرأ ~~فيهما بأم الكتاب وقد قال صلى الله عليه وسلم {إن الله يحدث من أمره ما ~~يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} والكلام يجوز في الطواف ms6433 # PageV21P279 # والطواف أيضا ليس فيه تسليم لكن يفتتح بالتكبير كما يسجد للتلاوة ~~بالتكبير ومجرد الافتتاح بالتكبير لا يوجب أن يكون المفتتح صلاة. فقد ثبت ~~في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير كلما أتى الركن أشار ~~إليه بشيء بيده وكبر} . وكذلك ثبت عنه: أنه كبر على الصفا والمروة وعند رمي ~~الجمار؛ ولأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه. (وأما الحائض: فقد قيل ~~إنما منعت من الطواف لأجل المسجد كما تمنع من الاعتكاف لأجل المسجد والمسجد ~~الحرام أفضل المساجد وقد قال تعالى لإبراهيم: {وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود} فأمر بتطهيره فتمنع منه الحائض من الطواف وغير ~~الطواف. وهذا من سر قول من يجعل الطهارة واجبة فيه ويقول إذا طافت وهي حائض ~~عصت بدخول المسجد مع الحيض ولا يجعل طهارتها للطواف كطهارتها للصلاة بل ~~يجعله من جنس منعها أن تعتكف في المسجد وهي حائض؛ ولهذا لم تمنع الحائض من ~~سائر المناسك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {الحائض تقضي المناسك كلها ~~إلا الطواف بالبيت} وقال لعائشة: {افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي ~~بالبيت} . ولما قيل له عن صفية: أنها حائض قال: {أحابستنا هي؟ . قيل له: ~~إنها قد أفاضت قال: فلا إذا} متفق عليه. # PageV21P280 # وقد اعترض ابن بطال على احتجاج البخاري بجواز السجود على غير وضوء بحديث ~~ابن عباس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فسجد وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس} وهذا السجود متواتر عند أهل العلم وفي الصحيح أيضا ~~من حديث ابن مسعود قال: {قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فسجد ~~فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: ~~يكفيني هذا قال: فرأيته بعد قتل كافرا} . قال ابن بطال هذا لا حجة فيه؛ لأن ~~سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله والتعظيم له وإنما كان لما ألقى ~~الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر آلهتهم في قوله: ~~{أفرأيتم اللات ms6434 والعزى} {ومناة الثالثة الأخرى} فقال: تلك الغرانيق العلى ~~وإن شفاعتهن قد ترتجى فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم. فلما علم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق وحزن له فأنزل ~~الله تعالى تأنيسا له وتسلية عما عرض له: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} إلى قوله: {والله عليم حكيم} أي ~~إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. فلا يستنبط من سجود المشركين جواز السجود ~~على غير # PageV21P281 # وضوء؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام. ~~فيقال: هذا ضعيف فإن القوم إنما سجدوا لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أفمن هذا الحديث تعجبون} {وتضحكون ولا تبكون} {وأنتم سامدون} {فاسجدوا لله ~~واعبدوا} فسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه امتثالا لهذا الأمر وهو ~~السجود لله والمشركون تابعوه في السجود لله. وما ذكر من التمني إذا كان ~~صحيحا فإنه هو كان سبب موافقتهم له في السجود لله ولهذا لما جرى هذا بلغ ~~المسلمين بالحبشة ذلك فرجع منهم طائفة إلى مكة والمشركون ما كانوا ينكرون ~~عبادة الله وتعظيمه ولكن كانوا يعبدون معه آلهة أخرى كما أخبر الله عنهم ~~بذلك فكان هذا السجود من عبادتهم لله وقد قال: سجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والإنس. وأما قوله لا سجود إلا بعد عقد الإسلام فسجود الكافر بمنزلة ~~دعائه لله وذكره له وبمنزلة صدقته وبمنزلة حجهم لله وهم مشركون فالكفار قد ~~يعبدون الله وما فعلوه من خير أثيبوا عليه في الدنيا فإن ماتوا على الكفر ~~حبطت أعمالهم في الآخرة وإن ماتوا على الإيمان فهل # PageV21P282 # يثابون على ما فعلوه في الكفر. فيه قولان مشهوران. والصحيح أنهم يثابون ~~على ذلك {لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: أسلمت على ما أسلفت ~~من خير} وغير ذلك من النصوص ومعلوم أن اليهود والنصارى لهم صلاة وسجود. وإن ~~كان ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذا ماتوا على الكفر. وأيضا فقد ms6435 أخبر الله في ~~غير موضع من القرآن عن سجود سحرة فرعون كما قال تعالى: {فألقي السحرة ~~ساجدين} {قالوا آمنا برب العالمين} {رب موسى وهارون} وذلك سجود مع إيمانهم ~~وهو مما قبله الله منهم وأدخلهم به الجنة ولم يكونوا على طهارة. وشرع من ~~قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه. ولو قرئ القرآن على كفار فسجدوا لله ~~سجود إيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أو رأوا آية من آيات ~~الإيمان فسجدوا لله مؤمنين بالله ورسوله لنفعهم ذلك. ومما يبين هذا أن ~~السجود يشرع منفردا عن الصلاة كسجود التلاوة وسجود الشكر وكالسجود عند ~~الآيات فإن {ابن عباس لما بلغه موت بعض أمهات المؤمنين سجد وقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا رأينا آية أن نسجد} . # PageV21P283 # وقد تنازع الفقهاء في السجود المطلق لغير سبب هل هو عبادة أم لا؟ ومن ~~سوغه يقول: هو خضوع لله والسجود هو الخضوع قال تعالى: {وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة} قال أهل اللغة السجود في اللغة هو الخضوع وقال غير واحد من ~~المفسرين أمروا أن يدخلوا ركعا منحنين فإن الدخول مع وضع الجبهة على الأرض ~~لا يمكن وقد قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} وقال ~~تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ومعلوم أن سجود كل ~~شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث أبي ذر لما غربت الشمس: {إنها تذهب فتسجد تحت ~~العرش} رواه البخاري ومسلم. فعلم أن السجود اسم جنس وهو كمال الخضوع لله ~~وأعز ما في الإنسان وجهه فوضعه على الأرض لله غاية خضوعه ببدنه وهو غاية ما ~~يقدر عليه من ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {أقرب ما يكون العبد ~~من ربه وهو ساجد} وقال تعالى: {واسجد واقترب} فصار من جنس أذكار الصلاة ~~التي تشرع خارج ms6436 الصلاة كالتسبيح؛ والتحميد والتكبير والتهليل وقراءة القرآن ~~وكل ذلك يستحب له الطهارة. # PageV21P284 # ويجوز للمحدث فعل ذلك بخلاف ما لا يفعل إلا في الصلاة كالركوع فإن هذا لا ~~يكون إلا جزءا من الصلاة. وأفضل أفعال الصلاة السجود وأفضل أقوالها القراءة ~~وكلاهما مشروع في غير الصلاة فيسرت العبادة لله لكن الصلاة أفضل الأعمال ~~فاشترط لها أفضل الأحوال. واشترط للفرض ما لم يشترط للنفل. من القيام ~~والاستقبال مع القدرة وجاز التطوع على الراحلة في السفر كما مضت به سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه قد ثبت في الصحاح أنه {كان يتطوع على ~~راحلته في السفر قبل أي وجه توجهت به} . وهذا مما اتفق العلماء على جوازه ~~وهو صلاة بلا قيام ولا استقبال للقبلة فإنه لا يمكن للمتطوع على الراحلة أن ~~يصلي إلا كذلك فلو نهي عن التطوع أفضى إلى تفويت عبادة الله التي لا يقدر ~~عليها إلا كذلك؛ بخلاف الفرض. فإنه شيء مقدر يمكنه أن ينزل له ولا يقطعه ~~ذلك عن سفره. ومن لم يمكنه النزول لقتال أو مرض أو وحل صلى على الدابة ~~أيضا. ورخص في التطوع جالسا؛ لكن يستقبل القبلة فإن الاستقبال يمكنه مع ~~الجلوس. فلم يسقط عنه بخلاف تكليفه القيام فإنه قد يشق عليه ترك التطوع ~~وكان ذلك تيسيرا للصلاة بحسب الإمكان فأوجب الله في الفرض ما لا يجب في ~~النفل. # PageV21P285 # وكذلك السجود دون صلاة النفل فإنه يجوز فعله قاعدا وإن كان القيام أفضل ~~وصلاة الجنازة أكمل من النفل من وجه فاشترط لها القيام بحسب الإمكان؛ لأن ~~ذلك لا يتعذر وصلاة النافلة فيها ركوع وسجود فهي أكمل من هذا الوجه. ~~والمقصود الأكبر من صلاة الجنازة هو الدعاء للميت ولهذا كان عامة ما فيها ~~من الذكر دعاء. واختلف السلف والعلماء: هل فيها قراءة؟ على قولين مشهورين ~~ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم فيها دعاء بعينه فعلم أنه لا يتوقت فيها ~~وجوب شيء من الأذكار وإن كانت قراءة الفاتحة فيها سنة كما ثبت ذلك عن ابن ~~عباس. فالناس في قراءة ms6437 الفاتحة فيها على أقوال: قيل: تكره. وقيل: تجب. ~~والأشبه أنها مستحبة لا تكره ولا تجب فإنه ليس فيها قرآن غير الفاتحة فلو ~~كانت الفاتحة واجبة فيها كما تجب في الصلاة التامة لشرع فيها قراءة زائدة ~~على الفاتحة. ولأن الفاتحة نصفها ثناء على الله ونصفها دعاء للمصلي نفسه لا ~~دعاء للميت والواجب فيها الدعاء للميت وما كان تتمة كذلك. والمشهور عن ~~الصحابة أنه إذا سلم فيها سلم تسليمة واحدة لنقصها عن الصلاة التامة. ~~وقوله: {من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج} # PageV21P286 # يقال الصلاة المطلقة هي التي فيها ركوع وسجود بدليل ما لو نذر أن يصلي ~~صلاة. وهذه صلاة تدخل في قوله: {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم} لكنها تقيد. يقال: صلاة الجنازة ويقال صلوا على الميت. ~~كما قال تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} . ~~والصلاة على الميت قد بينها الشارع إنها دعاء مخصوص بخلاف قوله: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} تلك قد بين ~~أنها الدعاء المطلق الذي ليس له تحريم وتحليل ولا يشترط له استقبال القبلة ~~ولا يمنع فيه من الكلام. والسجود المجرد لا يسمى صلاة لا مطلقا ولا مقيدا؛ ~~ولهذا لا يقال صلاة التلاوة ولا صلاة الشكر فلهذا لم تدخل في قوله: {لا ~~يقبل الله صلاة بغير طهور} " وقوله: {لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ} فإن السجود مقصوده الخضوع والذل له. وقيل لسهل بن عبد الله التستري: ~~أيسجد القلب؟ قال: نعم سجدة لا يرفع رأسه منها أبدا. ومسمى الصلاة لا بد ~~فيه من الدعاء فلا يكون مصليا إلا بدعاء بحسب إمكانه والصلاة التي يقصد بها ~~التقرب إلى الله لا بد فيها من قرآن وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إني ~~نهيت أن # PageV21P287 # أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا} فالسجود لا يكون فيه قرآن وصلاة التقرب لا ~~بد فيها من قرآن بخلاف الصلاة التي مقصودها الدعاء للميت فإنها بقرآن أكمل ms6438 ~~ولكن مقصودها يحصل بغير قرآن. وأما مس المصحف: فالصحيح أنه يجب له الوضوء ~~كقول الجمهور وهذا هو المعروف عن الصحابة: سعد وسلمان وابن عمر. وفي كتاب ~~عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم {لا يمس القرآن إلا طاهر} . وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن ~~تناله أيديهم وقد أقر المشركين على السجود لله ولم ينكره عليهم فإن السجود ~~لله خضوع: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} وأما كلامه فله ~~حرمة عظيمة؛ ولهذا ينهى أن يقرأ القرآن في حال الركوع والسجود فإذا نهي أن ~~يقرأ في السجود لم يجز أن يجعل المصحف مثل السجود وحرمة المصحف أعظم من ~~حرمة المسجد والمسجد يجوز أن يدخله المحدث ويدخله الكافر للحاجة وقد كان ~~الكفار يدخلونه. واختلف في نسخ ذلك بخلاف المصحف فلا يلزم إذا جاز الطواف ~~مع الحدث أن يجوز للمحدث مس المصحف؛ لأن حرمة المصحف أعظم. وعلى هذا فما ~~روي عن عثمان وسعيد من أن الحائض تومئ بالسجود هو لأن حدث الحائض أغلظ ~~والركوع هو # PageV21P288 # سجود خفيف كما قال تعالى: {وادخلوا الباب سجدا} قالوا: ركعا فرخص لها في ~~دون كمال السجود. وأما احتجاج ابن حزم على أن ما دون ركعتين ليس بصلاة ~~بقوله: {صلاة الليل والنهار مثنى مثنى} فهذا يرويه الأزدي علي بن عبد الله ~~البارقي عن ابن عمر وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن ابن عمر. فإنهم ~~رووا ما في الصحيحين أنه سئل عن صلاة الليل فقال: {صلاة الليل مثنى مثنى ~~فإذا خفت الفجر فأوتر بواحدة} ولهذا ضعف الإمام أحمد وغيره من العلماء حديث ~~البارقي. ولا يقال هذه زيادة من الثقة؛ فتكون مقبولة لوجوه: أحدها: أن هذا ~~متكلم فيه. الثاني أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور وإلا فإذا انفرد عن الجمهور ~~ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. الثالث: أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه ~~وهذا الحديث قد ذكر ابن عمر: {أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ms6439 وسلم عن ~~صلاة الليل فقال: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة} ~~ومعلوم أنه لو قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فإذا خفت الصبح # PageV21P289 # فأوتر بواحدة لم يجز ذلك وإنما يجوز إذا ذكر صلاة الليل منفردة كما ثبت ~~في الصحيحين والسائل إنما سأله عن صلاة الليل والنبي صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان قد يجيب عن أعم مما سئل عنه - كما في حديث البحر لما {قيل له: إنا ~~نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء ~~البحر فقال: هو الطهور ماؤه. الحل ميتته} - لكن يكون الجواب منتظما كما في ~~هذا الحديث. وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما؛ لأنه ذكر فيه ~~قوله: {فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة} وهذا ثابت في الحديث لا ريب فيه. فإن ~~قيل: يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس آخر ~~كلاما مبتدأ لآخر: إما لهذا السائل وإما لغيره. قيل: كل من روى عن ابن عمر ~~إنما رواه هكذا فذكروا في أوله السؤال وفي آخره الوتر وليس فيه إلا صلاة ~~الليل وهذا خالفهم فلم يذكر ما في أوله ولا ما في آخره وزاد في وسطه وليس ~~هو من المعروفين بالحفظ والإتقان؛ ولهذا لم يخرج حديثه أهل الصحيح البخاري ~~ومسلم. وهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب علم أنه غلط في الحديث # PageV21P290 # وإن لم يعلم ذلك أوجب ريبة قوية تمنع الاحتجاج به على إثبات مثل هذا ~~الأصل العظيم. ومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة وكذلك صلاة الجنازة ~~وغيرها فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بذلك بيان مسمى الصلاة ~~وتحديدها فإن الحد يطرد وينعكس. فإن قيل: قصد بيان ما يجوز من الصلاة. قيل: ~~ما ذكرتم جائز وسجود التلاوة والشكر أيضا جائز فلا يمكن الاستدلال به لا ~~على الاسم ولا على الحكم. وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ولم يسبقه ~~إليه أحد منهم فإنه يكون خطأ كما قال الإمام ms6440 أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم ~~في مسألة ليس لك فيها إمام. وأما سجود السهو: فقد جوزه ابن حزم أيضا على ~~غير طهارة وإلى غير القبلة كسجود التلاوة بناء على أصله الضعيف. ولهذا لا ~~يعرف عن أحد من السلف وليس هو مثل سجود التلاوة والشكر؛ لأن هذا سجدتان ~~يقومان مقام ركعة من الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح حديث الشك: {إذا شك أحدكم # PageV21P291 # فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد ~~سجدتين قبل أن يسلم فإن صلى خمسا شفعتا له صلاته وإلا كانتا ترغيما ~~للشيطان} . وفي لفظ {وإن كانت صلاته تماما كانتا ترغيما} . فجعلهما كالركعة ~~السادسة التي تشفع الخامسة المزيدة سهوا. ودل ذلك على أنه يؤجر عليها لأنه ~~اعتقد أنها من تمام المكتوبة وفعلها تقربا إلى الله وإن كان مخطئا في هذا ~~الاعتقاد. وفي هذا ما يدل على أن من فعل ما يعتقده قربة بحسب اجتهاده إن ~~كان مخطئا في ذلك أنه يثاب على ذلك وإن كان له علم أنه ليس بقربة يحرم عليه ~~فعله. وأيضا فإن سجدتي السهو يفعلان: إما قبل السلام وإما قريبا من السلام ~~فهما متصلان بالصلاة داخلان فيها. فهما منها. وأيضا فإنهما جبران للصلاة ~~فكانتا كالجزء من الصلاة. وأيضا فإن لهما تحليلا وتحريما فإنه يسلم منهما ~~ويتشهد فصارتا أوكد من صلاة الجنازة. وفي الجملة: سجدتا السهو من جنس سجدتي ~~الصلاة لا من جنس # PageV21P292 # سجود التلاوة والشكر؛ ولهذا يفعلان إلى الكعبة وهذا عمل المسلمين من عهد ~~نبيهم ولم ينقل عن أحد أنه فعلها إلى غير القبلة ولا بغير وضوء. كما يفعل ~~ذلك في سجود التلاوة. وإذا كان السهو في الفريضة كان عليه أن يسجدهما ~~بالأرض كالفريضة ليس له أن يفعلهما على الراحلة. وأيضا فإنهما واجبتان كما ~~دل عليه نصوص كثيرة وهو قول أكثر الفقهاء بخلاف سجود الشكر فإنه لا يجب ~~بالإجماع وفي استحبابه نزاع وسجود التلاوة في وجوبه نزاع وإن كان مشروعا ~~بالإجماع فسجود التلاوة سببه ms6441 القراءة فيتبعها. ولما كان المحدث له أن يقرأ ~~فله أن يسجد بطريق الأولى فإن القراءة أعظم من مجرد سجود التلاوة. ~~والمشركون قد سجدوا وما كانوا يقرءون القرآن وقد نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقرأ القرآن في حال الركوع والسجود فعلم أن القرآن أفضل من هذه ~~الحال. وقوله: {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} أي من الأفعال فلم ~~تدخل الأقوال في ذلك. ويفرق بين الأقرب والأفضل: # PageV21P293 # فقد يكون بعض الأعمال أفضل من السجود وإن كان في السجود أقرب: كالجهاد ~~فإنه سنام العمل. إلا أن يراد السجود العام وهو الخضوع. فهذا يحصل له في ~~حال القراءة وغيرها وقد يحصل للرجل في حال القراءة من الخشوع والخضوع ما لا ~~يحصل له في حال السجود. وهذا كقوله: {أقرب ما يكون الرب تعالى من عبده في ~~جوف الليل} وقوله: {ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل} ~~وقوله: {إنه يدنو عشية عرفة} ومعلوم أن من الأعمال ما هو أفضل من الوقوف ~~بعرفة ومن قيام الليل كالصلوات الخمس والجهاد في سبيل الله. وقد قال تعالى: ~~{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فهو قريب ممن ~~دعاه وقد يكون غير الداعي أفضل من الداعي. كما قال: {من شغله القرآن عن ~~ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} والله أعلم. # PageV21P294 ### | باب الغسل # سئل - رحمه الله -: # عن غسل الجنابة: هل هو فرض أم لا؟ وهل يجوز لأحد الصلاة جنبا ولا يعيد؟ . # فأجاب: الطهارة من الجنابة فرض ليس لأحد أن يصلي جنبا ولا محدثا حتى ~~يتطهر ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك فهو كافر ولو لم يستحل ذلك فقد ~~اختلف في كفره وهو مستحق للعقوبة الغليظة لكن إن كان قادرا على الاغتسال ~~بالماء اغتسل وإن كان عادما للماء ويخاف الضرر باستعماله بمرض أو خوف برد ~~تيمم وصلى. وإن تعذر الغسل والتيمم صلى بلا غسل ولا تيمم في أظهر أقوال ~~العلماء ولا إعادة عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV21P295 # وسئل: ms6442 # عن رجل يلاعب امرأته ثم بعد ساعة يبول فيخرج شبه المني بألم وعصر فهل يجب ~~عليه الغسل؟ . # فأجاب: # المني الذي يوجب الغسل هو الذي يخرج بشهوة وهو أبيض غليظ تشبه رائحته ~~رائحة الطلع. فأما المني الذي يخرج بلا شهوة إما لمرض أو غيره فهذا فاسد لا ~~يوجب الغسل عند أكثر العلماء: كمالك وأبي حنيفة. وأحمد. كما أن دم ~~الاستحاضة لا يوجب الغسل والخارج عقيب البول تارة مع ألم أو بلا ألم هو من ~~هذا الباب لا غسل فيه عند جمهور العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة قيل لها إذا كان عليك نجاسة من عذر النساء أو من جنابة لا ~~تتوضئي إلا تمسحي بالماء من داخل الفرج فهل يصح ذلك؟ . # PageV21P296 # فأجاب: # الحمد لله، لا يجب على المرأة إذا اغتسلت من جنابة أو حيض غسل داخل الفرج ~~في أصح القولين والله أعلم. # وسئل: # عن امرأتين تباحثتا فقالت إحداهما: يجب على المرأة أن تدس إصبعها وتغسل ~~الرحم من داخل. وقالت الأخرى: لا يجب إلا غسل الفرج من ظاهر فأيهما على ~~الصواب؟ . # فأجاب: # الصحيح أنه لا يجب عليها ذلك وإن فعلت جاز. # وسئل: (*) # عن امرأة تضع معها دواء وقت المجامعة تمنع بذلك نفوذ المني في مجاري ~~الحبل فهل ذلك جائز حلال أم لا؟ وهل إذا بقي ذلك الدواء معها بعد الجماع. ~~ولم يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل أم لا؟ . # فأجاب: # أما صومها وصلاتها فصحيحة، وإن كان ذلك الدواء PageV21P297 # في جوفها وأما جواز ذلك ففيه نزاع بين العلماء والأحوط أنه لا يفعل. ~~والله أعلم. # وسئل: # هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ~~وما قدر ذلك؟ وهل تكره الزيادة على هذا مع اختلاف أحوالهم وهل يكرر الصب ~~على وجهه في الوضوء؟ . # الجواب # فأجاب: # الصاع بالرطل الدمشقي: رطل وأوقيتان تقريبا والمد ربع ذلك. وهذا مع ~~الاقتصاد والرفق يكفي غالب الناس وإن احتاج إلى الزيادة أحيانا لحاجة فلا ~~بأس بذلك. لكن من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء وما ذكر ms6443 من تكثير الاغتراف ~~مكروه بل إذا غرف الماء يرسله على وجهه إرسالا من أعالي الوجه إلى أسفله ~~برفق والله أعلم. # PageV21P298 # و ### | سئل: # عن رجل اغتسل ولم يتوضأ # فهل يجزيه ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # الأفضل أن يتوضأ ثم يغسل سائر بدنه ولا يعيد الوضوء. كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يفعل. ولو اقتصر على الاغتسال من غير وضوء أجزأه ذلك في ~~المشهور من مذهب الأئمة الأربعة لكن عند أبي حنيفة وأحمد: عليه المضمضة ~~والاستنشاق وعند مالك والشافعي ليس عليه ذلك وهل ينوي رفع الحدثين فيه نزاع ~~بين العلماء. والله أعلم. # PageV21P299 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في الحمام قد كره الإمام أحمد بناء الحمام وبيعه وشرائه وكرائه وذلك ~~لاشتماله على أمور محرمة كثيرا. أو غالبا مثل كشف العورات ومسها والنظر ~~إليها والدخول المنهي عنه إليها كنهي النساء وقد تشتمل على فعل فواحش كبيرة ~~وصغيرة بالنساء والرجال. وجاء في الحديث الذي رواه الطبراني: {إن الشيطان ~~قال: يا رب اجعل لي بيتا قال: بيتك الحمام} . ومن المنكرات التي يكثر فيها ~~تصوير الحيوان في حيطانها وهذا متفق عليه. قلت: قد كتبت في غير هذا الموضع: ~~أنه لا بد من تقييد ذلك بما إذا لم يحتج إليها فأقول هنا: إن جوابات أحمد ~~ونصوصه إما أن تكون مقيدة في نفسه بأن يكون خرج كلامه على الحمامات التي ~~يعهدها في العراق والحجاز واليمن وهي جمهور البلاد التي انتابها فإنه لم ~~يذهب # PageV21P300 # إلى خراسان ولم يأت إلى غير هذه البلاد إلا مرة في مجيئه إلى دمشق. وهذه ~~البلاد المذكورة الغالب عليها الحر وأهلها لا يحتاجون إلى الحمام غالبا؛ ~~ولهذا لم يكن بأرض الحجاز حمام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه. ولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم حماما ولا أبو بكر ولا عمر ولا ~~عثمان. والحديث الذي يروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الحمام موضوع ~~باتفاق أهل المعرفة بالحديث. ولكن علي لما قدم العراق كان بها حمامات وقد ~~دخل الحمام غير واحد من الصحابة ms6444 وبني بالجحفة حمام دخلها ابن عباس وهو ~~محرم. وإما أن يكون جواب أحمد كان مطلقا في نفسه وصورة الحاجة لم يستشعرها ~~نفيا ولا إثباتا فلا يكون جوابه متناولا لها فلا يحكى عنه فيها كراهة. وإما ~~أن يكون قصد بجوابه المنع العام عند الحاجة وعدمها وهذا أبعد المحامل ~~الثلاثة أن يحمل عليه كلامه فإن أصوله وسائر نصوصه في نظائر ذلك تأبى ذلك ~~وهو أيضا مخالف لأصول الشريعة وقد نقل عنه أنه لما مرض وصف له الحمام. وكان ~~أبو عبد الله لا يدخل الحمام اقتداء بابن عمر فإنه كان لا يدخلها ويقول هي: ~~من رقيق العيش وهذا ممكن في أرض # PageV21P301 # يستغني أهلها عن الحمام كما يمكن الاستغناء عن الفراء والحشايا في مثل ~~تلك البلاد. والكلام في فصلين: أحدهما: في تفصيل حكم ما ذكر من بنائها ~~وبيعها وإجارتها والأقسام أربعة: فإنه لا يخلو: إما أن يحتاج إليها من غير ~~محظور أو لا يحتاج إليها ولا محظور أو يحتاج إليها مع المحظور أو يكون هناك ~~محظور من غير حاجة. فأما الأول: فلا ريب في الجواز: مثل أن يبني الرجل ~~لنفسه وأهله حماما في البلاد الباردة ولا يفعل فيها ما نهى الله عنه فهنا ~~حاجة. أو مثل: أن يقدر بناء حمام عامة في بلاد باردة وصيانتها عن كل محظور ~~فإن البناء والبيع والكراء هنا بمنزلة دخول الرجل إلى الحمام الخاصة أو ~~المشتركة مع غض بصره وحفظ فرجه وقيامه بما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وهذا لا ريب في جوازه وقد دخلها غير واحد من الصحابة. وأحاديث ~~الرخصة فيها مشهورة. كحديث أبي سعيد الخدري الذي # PageV21P302 # رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} وعلى هذا اعتمدوا في الصلاة في ~~الحمام. وقد أرسله طائفة وأسنده آخرون وحكموا له بالثبوت واستثناؤه الحمام ~~من الأرض كاستثنائه المقبرة في كونها مسجدا دليل على إقرارها في الأرض وأنه ~~لا ينهى عن الانتفاع بها مطلقا؛ إذ لو كان ms6445 يجب إزالتها ويحرم بناؤها ~~ودخولها لم تخص الصلاة بالمنع. والنهي عن الصلاة في الحمام قد قال بعض ~~الأصحاب: كأبي بكر والقاضي: إنه يعيد. قيل: لأنه محل الشياطين وفيه وجه. ~~وهو التعليل بمظنة النجاسة والمشهور أن المنع يتناول ما يدخل في البيع وهو ~~المشلح والمغتسل والأندر. وقد يقال: الحمام فعال من الحم وهو المكان الذي ~~فيه الهواء الحار والماء الحار يتعرضن فيه. فأما المشلح الذي توضع فيه ~~الثياب وهو بارد لا يغتسل فيه ولا يقعد فيه إلا المتلبس فليس هو مكان حمام ~~والدخول في المنع لا يصلح له تعليل. # PageV21P303 # وقد بينا أن المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيهما على الصحيح لعدم ~~تناول اللفظ والمعنى وإن دخل في المنع إلا أنه يقال: لفظ الحمام يعم هذا ~~كله ولا يعرف حمام ليس فيها هذا المكان (1) . # وتخلع فيه الثياب هذه هي الحمامات المعروفة والحمامات الموجودة على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم التي يتناولها لفظ الاستثناء (2) . # الشياطين يتناول ذلك كله. كما أن صحن المسجد هو تبع للمسجد ويشبه أن يكون ~~الكلام فيها كالكلام في رحبة المسجد فإن الرحبة الخارجة عن سور المسجد غير ~~الرحبة التي هي صحن مكشوف بجانب المسقوف من المسجد المعد للصلاة فهذا ~~الثاني نسبته إليه تشبه نسبة خارج الحمام إلى داخله. وإذا تبين هذا فنقول: ~~إنما تكون الحجة أن لو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه أمكنهم ~~دخوله فلم يدخلوه وإلا فإذا احتمل مع الإمكان الدخول وعدمه لم يكن فيه حجة. ~~وأما الصحابة فقد روي عن ابن عمر أنه لم يدخلها وكان يقول: هي مما أحدث ~~الناس من رقيق العيش وهذا تنبيه على ما أحدثه الناس من أنواع الفضول التي ~~لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قاله ابن عمر في أرض الحجاز ~~وبهذا اقتدى أحمد. وهذا ترك لها من PageV21P304 # باب الزهد في فضول المباح. والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في ~~الدار الآخرة ولا ريب أنه إذا لم يكن دخول الحمام مما ينتفع ms6446 به في أعمال ~~الآخرة كان تركه زهدا مشروعا. ولتركه وجه آخر: وهو أن يكون على سبيل الورع ~~والورع المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهذا منه ورع واجب كترك ~~المحرم ومنه ما هو دون ذلك وهو ترك المشتبهات التي لا يعلمها كثير من الناس ~~وغيرها من المكروهات. ولا ريب أن في دخول الحمام ما قد يكون محرما إذا ~~اشتمل على فعل محرم من كشف العورة أو تعمد النظر إلى عورة الغير أو تمكن ~~الأجنبي من مس عورته أو مس عورة الأجنبي أو ظلم الحمامي بمنع حقه وصب الماء ~~الزائد على ما اقتضته المعاوضة أو المكث فوق ما يقابل العوض المبذول له ~~بدون رضاه أو فعل الفواحش فيها أو الأقوال المحرمة التي تفعل كثيرا فيها أو ~~تفويت الصلوات المكتوبات. ومنه ما قد يكون مكروها محرما أو غير محرم مثل صب ~~الماء الكثير واللبث الطويل مع المعاوضة عنهما والإسراف في نفقتها والتعرض ~~للمحرم من غير وقوع فيه وغير ذلك. وكذلك التمتع # PageV21P305 # والترفه بها من غير حاجة إلى ذلك ولا استعانة به على طاعة الله. وقد يكون ~~دخولها واجبا إذا احتاج إلى طهارة واجبة لا تمكن إلا فيها وقد يكون مستحبا ~~إذا لم يمكن فعل المستحب من الطهارة وغيرها إلا فيها مثل الأغسال المستحبة ~~التي لا يمكن فعلها إلا فيها ومثل نظافة البدن من الأوساخ التي لا تمكن إلا ~~فيها. فإن نظافة البدن من الأوساخ مستحبة. كما روى الترمذي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله نظيف يحب النظافة} وقد ثبت في الصحيح عن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {عشر من الفطرة: قص الشارب ~~وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط ~~وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة} . ~~قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من الفطرة - أو قال الفطرة ms6447 - ~~المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف ~~الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح} رواه الإمام أحمد. وهذا لفظه. وأبو ~~داود وابن ماجه. # PageV21P306 # وهذه الخصال عامتها إنما هي للنظافة من الدرن فإن الشارب إذا طال يعلق به ~~الوسخ من الطعام والشراب وغير ذلك. وكذلك الفم إذا تغير ينظفه السواك ~~والمضمضة والاستنشاق ينظفان الفم والأنف وقص الأظفار ينظفها مما يجتمع ~~تحتها من الوسخ ولهذا روي {يدخل أحدكم علي ورفغه تحت أظفاره} يعني الوسخ ~~الذي يحكه بأظفاره من أرفاغه. وغسل البراجم وهي عقد الأصابع فإن الوسخ ~~يجتمع عليها ما لا يجتمع بين العقد وكذلك الإبط فإنه يخرج من الشعر عرق ~~الإبط وكذلك العانة إذا طالت. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: {وقت لنا ~~في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من ~~أربعين ليلة} . فهذا غاية ما يترك الشعر والظفر المأمور بإزالته. وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {حق لله على كل ~~مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يغسل رأسه وجسده} وهذا في أحد قولي العلماء ~~هو غسل راتب مسنون للنظافة في كل أسبوع وإن لم يشهد الجمعة. بحيث يفعله من ~~لا جمعة عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {على كل رجل ~~مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة} # PageV21P307 # رواه أحمد والنسائي. وهذا لفظه وأبو حاتم البستي. وأما الأحاديث في الغسل ~~يوم الجمعة فمتعددة. وذاك يعلل باجتماع الناس بدخول المسجد وشهود الملائكة ~~ومع العبد ملائكة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم} وعن {قيس بن عاصم: أنه أسلم فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر} . رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن. وهذان غسلان متنازع في وجوبهما حتى في ~~وجوب السدر. فقد ذكر أبو بكر في " المشتبه " وجوب ذلك وهو خلاف ما ms6448 حكي عنه ~~في موضع آخر. ومن المعلوم أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال ~~بماء وسدر - كما أمر بالسدر في غسل المحرم الذي وقصته ناقته وفي غسل ابنته ~~المتوفاة. وكما أمر الحائض أيضا أن تأخذ ماءها وسدرها - إنما هو لأجل ~~التنظيف فإن السدر مع الماء ينظف. ومن المعلوم أن الاغتسال في الحمام أتم ~~تنظيفا فإنها تحلل الوسخ بهوائها الحار ومائها الحار وما كان أبلغ في تحصيل ~~مقصود الشارع كان أحب إذا لم يعارضه ما يقتضي خلاف ذلك. # PageV21P308 # وأيضا فالرجل إذا شعث رأسه واتسخ وقمل وتوسخ بدنه كان ذلك مؤذيا له ومضرا ~~حتى قد جعل الله هذا مما يبيح للمحرم أن يحلق شعره ويفتدي. كما قال: {ولا ~~تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} . وقد ثبت في الصحيح: {أنها نزلت في كعب بن ~~عجرة لما مر به النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية قبل أن يؤذن لهم في ~~الإحلال والقمل يتهافت على رأسه} وقد تكون إزالة هذا الأذى والضرر في غير ~~الحمام إما متعذرة أو متعسرة. فالحمام لمثل هذا مشروعة مؤكدة وقد يكون به ~~من المرض ما ينفعه فيه الحمام واستعمال مثل ذلك: إما واجب وإما مستحب وإما ~~جائز. فإنها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. وأيضا فالحمام قد يحلل عنه من ~~الأبخرة والأوساخ ويوجب له من الراحة ما يستعين به على ما أمر به من ~~الواجبات والمستحبات ودخولها حينئذ بهذه النية يكون من جنس الاستعانة بسائر ~~ما يستريح به كالمنام والطعام. كما قال معاذ لأبي موسى: إني أنام وأقوم ~~وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ونظائره في الحديث الصحيح متعددة. كما في ~~حديث أبي الدرداء وعبد الله بن عمرو وغيرهما. # PageV21P309 # القسم الثاني: إذا خلت عن محظور في البلاد الباردة أو الحارة فهنا لا ريب ~~أنه لا يحرم بناؤها وقد بنيت الحمامات على عهد الصحابة في الحجاز والعراق ~~على عهد علي وغيره وأقروها. وأحمد لم ms6449 يقل: إن ذلك حرام ولكن كره ذلك ~~لاشتماله غالبا على مباح ومحظور. وفي زمن الصحابة كان الناس أتقى لله وأرعى ~~لحدوده من أن يكثر فيها المحظور فلم تكن مكروهة إذ ذاك وإن وقع فيها أحيانا ~~محظور فهذا بمنزلة وقوع المحظور فيما يبنى من الأسواق والدور التي لم ينه ~~عنها وإن كان يمكن الاستغناء عنها. القسم الثالث: إذا اشتملت على الحاجة ~~والمحظور غالبا: كغالب الحمامات التي في البلاد الباردة فإنه لا بد لأهل ~~تلك الأمصار من الحمام ولا بد في العادة أن يشتمل على محظور فهنا أيضا لا ~~تطلق كراهة بنائها وبيعها وذلك لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم {الحلال ~~بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى ~~الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ~~حول الحمى يوشك أن يخالطه} . إنما يقتضي اتقاء الشبهات التي يشتبه فيها ~~الحلال بالحرام بخلاف # PageV21P310 # ما إذا اشتبه الواجب أو المستحب بالمحظور؛ وقد ذكر ذلك أبو طالب المكي ~~وابن حامد ولهذا سئل الإمام أحمد: عن رجل مات أبوه وعليه دين وله ديون فيها ~~شبهة أيقضيها ولده؟ فقال: أيدع ذمة أبيه مرهونة وهذا جواب سديد فإن قضاء ~~الدين واجب وترك الواجب سبب للعقاب فلا يترك لما يحتمل أن يكون فيه عقاب ~~ويحتمل أن لا يكون. ومن المعلوم أن من الأغسال ما هو واجب: كغسل الجنابة ~~والحيض والنفاس ومنها ما هو مؤكد قد تنوزع في وجوبه كغسل الجمعة. ومنها ما ~~هو مستحب وهذه الأغسال لا تمكن في البلاد الباردة إلا في حمام. وإن اغتسل ~~في غير حمام خيف عليه الموت؛ أو المرض. فلا يجوز الاغتسال في غير حمام ~~حينئذ. ولا يجوز الانتقال إلى التيمم مع القدرة على الاغتسال بالماء في ~~الحمام ولو قدر أن في ذلك كراهة مثل كون الماء مسخنا بالنجاسة عند من يكرهه ~~مطلقا أو عند من يكرهه إذا لم يكن بين الماء والدخان حاجز حصين كما قد ~~تنازع في ذلك أصحاب أحمد ms6450 وغيرهم على القول بكراهة المسخن بالنجاسة فإنه بكل ~~حال يجب استعماله إذا لم يمكن استعمال غيره؛ لأن التطهر من الجنابة بالماء ~~واجب مع القدرة وإن اشتمل على وصف مكروه فإنه في هذه الحال لا يبقى مكروها. # PageV21P311 # وكذلك كل ما كره استعماله مع الجواز فإنه بالحاجة إليه لطهارة واجبة أو ~~شرب واجب لا يبقى مكروها. ولكن هل يبقى مكروها عند الحاجة إلى استعماله في ~~طهارة مستحبة هذا محل تردد؛ لتعارض مفسدة الكراهة ومصلحة الاستحباب. ~~والتحقيق: ترجيح هذا تارة وهذا تارة بحسب رجحان المصلحة تارة والمفسدة ~~أخرى. وإذا تبين ذلك فقد يقال: بناء الحمام واجب حينئذ حيث يحتاج إليه ~~لأداء الواجب العام. وقد يقال: إنما يجب الاغتسال فيها عند وجودها ولا يجب ~~تحصيلها ابتداء. كما لا يجب على الرجل حمل الماء معه للطهارة ولا إعداد ~~الماء المسخن فإذا فتحت مدينة وفيها حمام لم يهدم والحال هذه. كما جاءت ~~بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين. وكذلك من ~~انتقلت إليه بإرث ونحوه وأما من ملكها باختياره فالكلام في ملكها ابتداء ~~فإنه بمنزلة ابتداء بنائها. وعلى هذا؛ فقد يقال: نحن إنما نكره بناءها ~~ابتداء فأما إذا بناها غيرنا فلا نأمر بهدمها؛ لما في ذلك من الفساد وكلام ~~أحمد المتقدم إنما هو في البناء لا في الإبقاء والاستدامة أقوى من ~~الابتداء؛ ولهذا كان الإحرام والعدة يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع دوامه ~~وأهل # PageV21P312 # الذمة يمنعون من إحداث معابدهم ولا يمنعون من إبقائها إذا دخل ذلك في ~~عهدهم. وإذا كان المكروه الابتداء فالجنب ونحوه إنما يجب عليه استعمال ~~الحمام إذا أمكن فهذا يفيد وجوب دخول الحمام إذا كانت موجودة واحتيج إليها ~~لطهارة واجبة فلم قلتم: إنه يسوغ بناؤها ابتداء لذلك مع اشتماله على محظور؟ ~~فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأما ما لا يتم الوجوب إلا به فليس ~~بواجب. - وهنا الوجوب عند عدم بنائها منتف فإذا توقفتم في الوجوب فتوقفوا ~~في الإباحة. . . (1) . # القسم الرابع: أن تشتمل على المحظور مع إمكان ms6451 الاستغناء عنها: كما في ~~حمامات الحجاز والعراق واليمن: في الأزمان المتأخرة فهذا محل نص أحمد وتجنب ~~ابن عمر. # الفصل الثاني: في دخولها # فنقول: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أو عدم استحبابه بكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر فإن PageV21P313 # هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمام وقصدوا اجتنابها أو أمكنهم ~~دخولها فلم يدخلوها وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام فليس إضافة ~~عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من ~~إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان. وهذا كما أن ما خلقه الله ~~في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان ~~موجودا في الحجاز فلم يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل نوع من ~~أنواع الطعام القوت والفاكهة ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إن من ~~كان من المسلمين بأرض أخرى: كالشام ومصر والعراق واليمن وخراسان وأرمينية ~~وأذربيجان والمغرب وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من ~~مكان آخر فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنة؛ لكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل مثله ولم يلبس مثله؛ إذ عدم الفعل إنما ~~هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية وهو أضعف من القول باتفاق العلماء ~~وسائر الأدلة من أقواله: كأمره ونهيه وإذنه من قول الله تعالى. . هي أقوى ~~وأكبر ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية. # PageV21P314 # وكذلك إجماع الصحابة أيضا من أقوى الأدلة الشرعية فنفي الحكم بالاستحباب ~~لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم فإن الله يقول: {وقدر ~~فيها أقواتها} وقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقال ~~تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وقال تعالى: ~~{والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} ولم تكن ~~البغال موجودة بأرض العرب ولم يركب النبي ms6452 صلى الله عليه وسلم بغلة إلا ~~البغلة التي أهداها له المقوقس من أرض مصر بعد صلح الحديبية. وهذه الآية ~~نزلت بمكة. ومثلها في القرآن: يمتن الله على عباده بنعمه التي لم تكن بأرض ~~الحجاز كقوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} {أنا صببنا الماء صبا} {ثم ~~شققنا الأرض شقا} . {فأنبتنا فيها حبا} {وعنبا وقضبا} {وزيتونا ونخلا} ~~{وحدائق غلبا} . {وفاكهة وأبا} . ولم يكن بأرض الحجاز زيتون ولا نقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل زيتونا. ولكن لعل الزيت كان يجلب إليهم. ~~وقد قال تعالى: {والتين والزيتون} ولم يكن بأرضهم لا هذا ولا هذا ولا نقل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل منهما وكذلك قوله: {وشجرة تخرج من طور ~~سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {كلوا ~~الزيت وادهنوا # PageV21P315 # به فإنه من شجرة مباركة} وقال تعالى: {الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} ~~. وكذلك قوله: {وحدائق غلبا} . وكذلك قوله في البحر: {لتأكلوا منه لحما ~~طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} وقوله: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون} ولم ~~يركب النبي صلى الله عليه وسلم البحر ولا أبو بكر ولا عمر. {وقد أخبر صلى ~~الله عليه وسلم بمن يركب البحر من أمته غزاة في سبيل الله كأنهم ملوك على ~~الأسرة - لأم حرام بنت ملحان - وقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت ~~منهم} . وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطعم ما يجده في أرضه ~~ويلبس ما يجده ويركب ما يجده مما أباحه الله تعالى فمن استعمل ما يجده في ~~أرضه فهو المتبع للسنة. كما أنه حج البيت من مدينته فمن حج البيت من مدينة ~~نفسه فهو المتبع للسنة وإن لم تكن هذه المدينة تلك. # PageV21P316 # وكان ms6453 صلى الله عليه وسلم يجاهد من يليه من الكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب فمن جاهد من يليه من هؤلاء فقد اتبع السنة وإن كان نوع هؤلاء غير ~~نوع أولئك إذ أولئك كان غالبهم عربا ولهم نوع من الشرك هم عليه فمن جاهد ~~سائر المشركين: تركهم وهندهم وغيرهم فقد فعل ما أمر الله به. وإن كانت ~~أصنامهم ليست تلك الأصنام. ومن جاهد اليهود والنصارى فقد اتبع السنة وإن ~~كان هؤلاء اليهود والنصارى من نوع آخر غير النوع الذين جاهدهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه جاهد يهود المدينة: كقريظة والنضير وبني قينقاع ويهود ~~خيبر؛ وضرب الجزية على نصارى نجران؛ وغزا نصارى الشام عربها ورومها عام ~~تبوك ولم يكن فيها قتال وأرسل إليهم زيدا وجعفرا وعبد الله بن رواحة ~~قاتلوهم في غزوة مؤتة. وقال: أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله ~~بن رواحة. وصالح أهل البحرين وكانوا مجوسا على الجزية وهم أهل هجر وفي ~~الصحيح {أنه قدم مال البحرين فجعله في المسجد وما ثاب حتى قسمه} وهذا باب ~~واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة وبينا أن السنة ~~هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو فعل # PageV21P317 # على زمانه أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو ~~وجود المانع منه. فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة. كما {أمر ~~بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب} وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف ~~وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~{لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه} فشرع كتابة ~~القرآن؛ وأما كتابة الحديث فنهى عنها أولا وذلك منسوخ عند جمهور العلماء ~~بإذنه لعبد الله بن عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا وبإذنه لأبي ~~شاه أن يكتب له خطبته عام الفتح وبما كتبه لعمرو بن حزم من ms6454 الكتاب الكبير ~~الذي كتبه له لما استعمله على نجران وبغير ذلك. والمقصود: هنا أن كتابة ~~القرآن مشروعة لكن لم يجمعه في مصحف واحد. لأن نزوله لم يكن تم وكانت الآية ~~قد تنسخ بعد نزولها فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى ~~مات. وكذلك قيام رمضان. قد قال صلى الله عليه وسلم {إن الرجل إذا قام مع ~~الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة} وقام في أول الشهر بهم ليلتين وقام في ~~آخر الشهر ليالي وكان الناس يصلون على عهده في المسجد فرادى وجماعات لكن لم ~~يداوم بهم على الجماعة خشية أن # PageV21P318 # تفرض عليهم وقد أمن ذلك بموته. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي وغيره: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل بدعة ضلالة} فما سنه الخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية ينهى ~~عنها وإن كان يسمى في اللغة بدعة لكونه ابتدئ. كما قال عمر: نعمت البدعة ~~هذه والتي ينامون عنها أفضل وقد بسطنا ذلك في قاعدة. # فصل: # الماء الجاري في أرض الحمام خارجا منها أو نازلا في بلاليعها لا يحكم ~~بنجاسته بل بطهارته إلا أن تعلم نجاسة شيء منه؛ ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد ~~أن الحمام لم ينه عن الصلاة فيها لكونها مظنة النجاسة كما ذهب إليه طائفة ~~من الفقهاء وهو وجه في مذهب أحمد. ومن قال هذا قال: إذا غسلنا موضعا منها ~~أو تيقنا طهارته جازت الصلاة فيه. # PageV21P319 # وأما على من قال بالنهي مطلقا. كما في حديث أبي سعيد الذي في سنن أبي ~~داود وغيره - وقد صححه من صححه من الحفاظ وبينوا أن رواية من أرسله لا ~~تنافي الرواية المسندة الثابتة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الأرض ~~كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} فاستثنى الحمام مطلقا فيتناول الاسم ما دخل ~~في المسمى. فلهم طريقان: أحدهما: أن النهي تعبد. لا يعقل معناه. كما ذهب ~~إليه طائفة من أصحاب ms6455 أحمد وغيرهم. كأبي بكر والقاضي أبي يعلى وأتباعه. ~~والثاني: أن ذلك لأنها مأوى الشياطين. كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتا ~~قال: بيتك الحمام قال: اجعل لي قرآنا قال: قرآنك الشعر قال: اجعل لي مؤذنا ~~قال: مؤذنك المزمار} وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل ~~بنحو ذلك كما في الحديث: {إن على ذروة كل بعير شيطان وإنها جن خلقت من جن} ~~إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة؛ لأنه فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم ~~وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء. كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء من ~~لحومها؛ بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم وكلاهما ~~في مس النار وعدمه سواء. # PageV21P320 # وكذلك تعليل النهي عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التراب هو ضعيف فإن النهي ~~عن المقبرة مطلقا وعن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ما يبين. أن النهي لما ~~فيه من مظنة الشرك ومشابهة المشركين. وأيضا فنجاسة تراب المقبرة فيه نظر ~~فإنه مبني على " مسألة الاستحالة " ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~كان مقبرة للمشركين وفيه نخل وخرب. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخل ~~فقطعت وجعلت قبلة المسجد وأمر بالخرب فسويت وأمر بالقبور فنبشت فهذه مقبرة ~~منبوشة كان فيها المشركون. ثم لما نبش الموتى جعلت مسجدا مع بقاء ما بقي ~~فيها من التراب ولو كان ذلك التراب نجسا لوجب أن ينقل من المسجد التراب ~~النجس لا سيما إذا اختلط الطاهر بالنجس فإنه ينبغي أن ينقل ما يتيقن به ~~زوال النجاسة ولم يفعل ذلك ولم يأمر باجتناب ذلك التراب ولا بإزالة ما يصيب ~~الأبدان والثياب منه. فتبين أن الحكم معلق بظهور القبور لا بظن نجاسة ~~التراب؛ وأيضا من علل ذلك بالنجاسة فإن غايته أن يكره الصلاة عند الاحتمال. ~~كما قاله من كره الصلاة في المقبرة والحمام والأعطان ولم # PageV21P321 # يحرمها. كما ذهب إليه طائفة من العلماء لكن هذا قول ms6456 ضعيف؛ لأن السنة فرقت ~~بين معاطن الإبل ومبارك الغنم؛ ولأنه استثنى كونها مسجدا فلم تبق محلا ~~للسجود؛ ولأنه نهى عن ذلك نهيا مؤكدا بقوله قبل أن يموت بخمس: {إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك} ولأنه لعن على ذلك بقوله: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا ولأنه جعل مثل هؤلاء شرار الخليقة بقوله: ~~{إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} . وأيضا فإنه قد ثبت ~~بسنته أن احتمال نجاسة الأرض لا يوجب كراهة الصلاة فيها بل ثبت بسنته أن ~~الأرض تطهر بما يصيبها من الشمس والريح والاستحالة. كما هو قول طوائف من ~~العلماء: كأبي حنيفة والشافعي في قول ومالك في قول وهو أحد القولين في مذهب ~~أحمد. فإنه ثابت أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. وثبت في الصحيح عنه {أنه كان ~~يصلي في نعليه} وفي السنن عنه أنه قال: {إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم} وقال: {إذا أتى # PageV21P322 # أحدكم المسجد فلينظر في نعليه: فإن كان فيهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن ~~التراب لهما طهور} فإذا كان قد جعل التراب يطهر أسفل الخف؛ فلأن يطهر نفسه ~~أولى وأحرى. وأيضا فمن المعلوم: أن غالب طرقات الناس تحتمل من النجاسة نحو ~~ما تحتمله المقبرة والحمام أو نحو ذلك أو أكثر من ذلك فلو كان ذلك سبب ~~النهي لنهى عن الصلاة في النعال مطلقا؛ لأن هذا الاحتمال فيها أظهر. فهذه ~~السنن تبطل ذلك التعليل من وجهين: من جهة أن هذا الاحتمال لم يلتفت إليه ~~ومن جهة أن التراب مطهر لما يلاقيه في العادة. والمقصود هنا: الكلام في ~~الماء الجاري في الحمام فنقول: إن كراهة هذا الماء وتوقيه وغسل ما يصيب ~~البدن والثوب منه إما أن يكون على جهة الاستقذار وإما أن ms6457 يكون على جهة ~~النجاسة. أما الأول فكما يغسل الإنسان بدنه وثيابه من الوسخ والدنس ومن ~~الوحل الذي يصيبه ومن المخاط والبصاق ومن المني على القول بطهارته وأشباه ~~ذلك. ومثل هذا قد يكون في المياه المتغيرة بمقرها وممازجها ونحو ذلك. وهذا ~~نوع غير النوع الذي نتكلم فيه الآن. # PageV21P323 # وأما اجتناب ذلك على جهة تنجيسه فحجته أن يقال: إن هذا الماء في مظنة أن ~~تخالطه النجاسة وهو ما يكون في الحمام من القيء والبول؛ فإن هذه النجاسة ~~التي قد تكون في الحمام. فأما العذرة أو الدم أو غير ذلك فلا تكاد تكون في ~~الحمام وإن كان فيها نادرا تميز وظهر. وأيضا فقد يزال به نجاسة تكون على ~~البدن أو الثياب. فإن كثيرا ممن يدخل الحمام يكون على بدنه نجاسة إما من ~~تخلي وإما من مرض وإما غير ذلك فيغسلها في الحمام. وكذلك بعض الآنية قد ~~يكون نجسا وقد يكون بعض ما يغسل فيها من الثياب نجسا. وأيضا فهذا الماء ~~كثيرا ما يكون فيه الماء المستعمل في رفع الحدث وهو نجس عند من يقول ~~بنجاسته فهذه الحجة المعتمدة. والجواب عنها مبني على أصول ثلاثة: أحدها: ~~الجواب فيه من وجوه. أحدها: أن يقال: الماء الفائض من حياض الحمام والمصبوب ~~على أبدان المغتسلين أو على أرض الحمام طاهر بيقين وما ذكر مشكوك في إصابته ~~لهذا الماء المعين فإنه وإن تيقن أن الحمام يكون فيه # PageV21P324 # مثل هذا فلم يتيقن أن هذا الماء المعين أصابه هذا واليقين لا يزول بالشك. ~~الوجه الثاني: أن يقال هذا بعينه وارد في طين الشوارع لكثرة ما يصيبه من ~~أبوال الدواب وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم: بطهارته بل النجاسة في طين ~~الشوارع أكثر وأثبت: فإن الحمام وإن خالط بعض مياهها نجاسة فإنه يندفع ولا ~~يثبت بخلاف طين الشوارع. الوجه الثالث: أن يقال: كما أن الأصل عدم النجاسة ~~فالظاهر موافق للأصل وذلك أنا إذا اعتبرنا ما تلاقيه النجاسة في العادة وما ~~لا تلاقيه كان ما لا تلاقيه أكثر بكثير. فإن غالب المياه الجارية ms6458 في أرض ~~الحمام لا يلاقيها في العادة نجاسة وإذا اتفق الأصل والظاهر لم تبق المسألة ~~من موارد النزاع بل من مواقع الإجماع. ولهذا قلت: إنه لا يستحب غسل ذلك ~~تنجسا فإنه وسواس. # ولنا فيما إذا شك في نجاسة الماء هل يستحب البحث عن نجاسته وجهان: ~~أظهرهما لا يستحب البحث لحديث عمر. وذلك لأن حكم الغائب إنما يثبت بعد ~~العلم في الصحيح الذي هو ظاهر مذهب أحمد ومذهب مالك وغيرهما ولا إعادة على ~~من لم يعلم - أن عليه # PageV21P325 # نجاسة وهذا وإن كان في اجتنابها في الصلاة فمسألة إصابتها لنا فيها أيضا ~~وجهان. الوجه الرابع: أنا إذا قدرنا أن الغالب التنجس فقد يعارض الأصل ~~والظاهر وفي مثل هذا كثيرا ما يجيء قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ~~كثياب الكفار ونحو ذلك لكن مع مشقة الاحتراز - كطين الشوارع - يرجحون ~~الطهارة وإذا قيل بالتنجيس في مثل هذا عفي عن يسيره. الأصل الثاني: أن نقول ~~هب أن هذا الماء خالطته نجاسة لكنه ماء جار فإنه ساح على وجه الأرض. والماء ~~الجاري إذا خالطته نجاسة ففيه للعلماء قولان. أحدهما: أنه لا ينجس إلا ~~بالتغير بالنجاسة وهذا أصح القولين وهو مذهب مالك وأحمد في أحد القولين ~~اللذين يدل عليهما نصه وهو مذهب أبي حنيفة مع شدة قوله في الماء الدائم وهو ~~القول القديم للشافعي. ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء ~~الدائم والاغتسال فيه دليل على أن الجاري بخلاف ذلك. وهو دليل على أنه لا ~~يضره البول فيه والاغتسال فيه. وأيضا فإنه طاهر لم يتغير بالنجاسة: وليس في ~~الأدلة الشرعية # PageV21P326 # ما يوجب تنجيسه. فإن الذين يقولون: إن الماء الجاري كالدائم تعتبر فيه ~~القلتان فإذا كانت الجرية أقل من قلتين نجسته كما هو الجديد من قولي ~~الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد فإنه لا حجة لهم في هذا ولا أثر عن أحد ~~من السلف. إلا التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم {إذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل الخبث} وقياس الجاري على الدائم وكلاهما لا حجة ms6459 فيه. أما الحديث ~~فمنطوقه لا حجة فيه وإنما الحجة في مفهومه؛ ودلالة مفهوم المخالفة لا تقتضي ~~عموم مخالفة المنطوق في جميع صور المسكوت بل تقتضي أن المسكوت ليس كالمنطوق ~~فإذا كان بينهما نوع فرق ثبت أن تخصيص أحد النوعين بالذكر مع قيام المقتضي ~~للتعميم كان لاختصاصه بالحكم. فإذا قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ~~دل أنه إذا لم يبلغ قلتين لم يكن حكمه كذلك فإذا كان ما لم يبلغ فرق فيه ~~بين الماء الجاري والدائم حصل المقصود لا سيما والحديث ورد جوابا عن سؤالهم ~~عن الماء الدائم الذي يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب. فيبقى ~~قوله: {الماء طهور لا ينجسه شيء} الوارد في بئر بضاعة متناولا للجاري. ~~والفرق أن الجاري له قوة دفع النجاسة عن غيره فإنه إذا صب على الأرض النجسة ~~طهرها؛ ولم يتنجس فكيف لا يدفعها عن نفسه؛ ولأن الماء الجاري يحيل النجاسة ~~بجريانه. # PageV21P327 # وأيضا فإن القياس: هل هو تنجيس الماء بمخالطة النجاسة؟ أو عدم تنجيسه حتى ~~تظهر النجاسة؟ فيه قولان للأصحاب وغيرهم. فمن قال بالأول قال: العفو عما ~~فوق القلتين: كان للمشقة؛ لأنه يشق حفظه من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه غالبا ~~يكون في الحياض والغدران والآبار؛ بخلاف القليل فإنه يكون في الأواني وهذا ~~المعنى موجود في الجاري فإن حفظه من النجاسة أصعب من حفظ الدائم الكثير. ~~ومن قال بالثاني وأن الأصل الطهارة حتى تظهر النجاسة كان التطهير على قوله ~~أوكد فإن القليل الدائم نجس؛ لأنه قد يحمل الخبث كما نبه عليه الحديث. وأما ~~الجاري فإنه بقوة جريانه يحيل الخبث فلا يحمله كما لا يحمله الكثير. وإذا ~~كان كذلك؛ فهذه المياه الجارية في حمام إذا خالطها بول أو قيء أو غيرهما ~~كانت نجاسة قد خالطت ماء جاريا فلا ينجس إلا بالتغير والكلام فيما لم تظهر ~~فيه النجاسة. وإن قيل: إن ماء الحمام يخالطه السدر والخطمي والتراب. وغير ~~ذلك مما يغسل به الرأس والأشنان والصابون والحناء # PageV21P328 # وغير ذلك من الطاهرات التي تختلط به حتى لا ms6460 تظهر فيه النجاسة. قيل: إذا ~~جاز أن تكون النجاسة ظاهرة فيه وجاز أن لا تكون ظاهرة فالأصل عدم ظهورها ~~وإذا كان قد علم أنه تخالطه الطاهرات ورأيناه متغيرا أحلنا التغير على ~~مخالطة الطاهرات إذ الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر ~~المظنون. بل قد ثبت النص بذلك فيما أصله الحظر؛ كالصيد إذا جرح وغاب فإنه ~~ثبت بالنص إباحته وإن جاز أن يكون قد زهق بسبب آخر أصابه فزهوقه إلى السبب ~~المعلوم وهو جرح الصائد أو كلبه؛ وإن كان في المسألة أقوال متعددة فهذا هو ~~الصواب الذي ثبت بالنص الصحيح الصريح. الأصل الثالث: أن نقول: هب أن الماء ~~تنجس فإنه صار نجاسة على الأرض والنجاسة إذا كانت على الأرض بولا كانت أو ~~غير بول فإنه يطهر بصب الماء عليها إذا لم تبق عينها. كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد. حيث قال: {لا ~~تزرموه} أي لا تقطعوا عليه بوله. {فصبوا على بوله ذنوبا من ماء} وقال: ~~{إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين} . ولهذا قال أصحاب أحمد وغيره: إن ~~نجاسة الأرض والبرك والحياض المبنية ونحو ذلك مما لا ينقل ويحول يخالف ~~النجاسة على المنقول من الأبدان والثياب والآنية من ثلاثة أوجه. # PageV21P329 # أحدها: أنه لا يشترط فيها العدد. لا من ولوغ الكلب ولا غيره. الثاني: أنه ~~لا يشترط فيها الانفصال عن موضع النجاسة. الثالث: أن الغسالة طاهرة قبل ~~انفصالها عن موضع النجاسة. وإذا كان كذلك فنقول: ما كان على أرض الحمام من ~~بول وغيره فإنه قد جرى عليه الماء بعد ذلك فطهرت الأرض مع طهارة الغسالة ~~وإذا كانت غسالة الأرض طاهرة زالت الشبهة بالكلية فإنه إن قال قائل: قد ~~يكون من الماء ما تزال به نجاسة عن البدن أو آنية. أو ثوب. قيل له: فهذه ~~إذا كانت نجسة وأصابت الأرض لم تكن أعظم من البول المصيب الأرض وإذا كانت ~~تلك النجاسة تزول مع طهارة الغسالة قبل الانفصال فهذه أولى وليس له أن يقول ms6461 ~~النجاسة منتفية ومرور الماء المطهر مشكوك فيه لا سيما وقد يكون ذلك الماء ~~المار مما لا يزيل النجاسة لكونه مستعملا. أو لتغيره بالطاهرات؛ لأنه يقال ~~له: ليس الكلام في نجاسة معينة منتفية مشكوك في زوالها وإنما الكلام فيما ~~يعتاد. # PageV21P330 # ومن المعلوم بالعادات: أن الماء المطهر والجاري على أرض الحمام أكثر من ~~النجاسات بكثير كثير. فيكون ذلك الماء قد طهر ما مر عليه من نجس فإن اغتسال ~~الناس من غير حدث ولا نجس في الحمامات أكثر من اغتسالهم من إحدى هاتين ~~الطهارتين وهم يصبون على أبدانهم من الماء القراح الذي ينفصل غير متغير ~~أكثر من غيره وإن كان فيه تغير يسير بيسير السدر والأشنان فهذا لا يخرجه عن ~~كونه مطهرا بل الراجح من القولين - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - التي نصها ~~في أكثر أجوبته: أن الماء المتغير بالطاهر كالحمص والباقلاء لا يخرج عن ~~كونه طهورا ما دام اسم الماء يتناوله كالماء المتغير بأصل الخلقة كماء ~~البحر وغيره وما تغير بما يشق صونه عنه من الطحلب وورق الشجر وغيرهما فإن ~~شمول اسم الماء في اللغة لهذه الأصناف الثلاثة واحد. فإن كان لفظ الماء في ~~قوله: {فلم تجدوا ماء} يتناول أحد هذه الأصناف فقد تناول الآخرين وقد ثبت ~~أنه متناول للمتغير ابتداء وطردا لما يشق الاحتراز عنه فيتناول الثالث إذ ~~الفرق إنما يعود إلى أمر معهود وهو أن هذا يمكن الاحتراز عنه وهذا لا يمكن ~~وهذا الفرق غير مؤثر في اللغة ويتناول اللفظ لمعناه وشمول الاسم مسماه ~~فيحتاج المفرق إلى دليل منفصل. وقد ثبت # PageV21P331 # بالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته ناقته: {اغسلوه ~~بماء وسدر} وكذلك قال للاتي غسلن ابنته: {اغسلنها بماء وسدر} وللذي أسلم: ~~{اغتسل بماء وسدر} وهذا فيه كلام ليس هذا موضعه. وإذا تبين ما ذكرناه ظهر ~~عظيم البدعة وتغيير السنة والشرعة فيما يفعله طوائف من المنتسبين إلى العلم ~~والدين من فرط الوسوسة في هذا الباب حتى صاروا إنما يفعلونه مضاهين لليهود ~~بل للسامرية الذين يقولون لا ms6462 مساس. وباب التحليل والتحريم - الذي منه باب ~~التطهير والتنجيس - دين الإسلام فيه وسط بين اليهود والنصارى كما هو وسط في ~~سائر الشرائع فلم يشدد علينا في أمر التحريم والنجاسة كما شدد على اليهود ~~الذين حرمت عليهم طيبات أحلت لهم بظلمهم وبغيهم بل وضعت عنا الآصار ~~والأغلال التي كانت عليهم مثل قرض الثوب ومجانبة الحائض في المؤاكلة ~~والمضاجعة وغير ذلك. ولم تحلل لنا الخبائث كما استحلها النصارى؛ الذين لا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق فلا يجتنبون نجاسة ولا ~~يحرمون خبيثا بل غاية أحدهم أن يقول طهر قلبك وصل. واليهودي إنما يعتني ~~بطهارة ظاهره # PageV21P332 # لا قلبه كما قال تعالى عنهم: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} . ~~وأما المؤمنون فإن الله طهر قلوبهم وأبدانهم من الخبائث وأما الطيبات ~~فأباحها لهم والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. # وسئل: # عمن يدخل الحمام هل يجوز له كشف العورة في الخلوة؟ وما هو الذي يفعله من ~~آداب الحمام؟ . # فأجاب: # لا يلزم المتطهر كشف عورته لا في الخلوة ولا في غيرها إذا طهر جميع بدنه. ~~لكن إن كشفها في الخلوة لأجل الحاجة: كالتطهر والتخلي جاز كما ثبت في ~~الصحيح: {أن موسى عليه السلام اغتسل عريانا وأن أيوب عليه السلام اغتسل ~~عريانا} وفي الصحيح {أن فاطمة: كانت تستر النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح بثوب وهو يغتسل ثم صلى ثماني ركعات} وهي التي يقال لها صلاة الضحى. ~~ويقال: إنها صلاة الفتح وفي الصحيح أيضا {أن ميمونة سترته فاغتسل} . # PageV21P333 # وعلى داخل الحمام أن يستر عورته؛ فلا يمكن أحدا من نظرها ولا لمسها سواء ~~كان القيم الذي يغسله أو غيره ولا ينظر إلى عورة أحد ولا يلمسها إذا لم ~~يحتج إلى ذلك لأجل مداواة أو غيرها فذاك شيء آخر. وعليه أن يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ms6463 وذلك ~~أضعف الإيمان} فيأمر بتغطية العورات فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يكون حيث ~~لا يشهد منكرا فليفعل ذلك إذ شهود المنكر من غير حاجة ولا إكراه منهي عنه. ~~وليس له أن يسرف في صب الماء لأن ذلك منهي عنه مطلقا وهو في الحمام ينهى ~~عنه لحق الحمامي؛ لأن الماء الذي فيها مال من أمواله له قيمة وعليه أن يلزم ~~السنة في طهارته؛ فلا يجفو جفاء النصارى ولا يغلو غلو اليهود. كما يفعل أهل ~~الوسوسة بل حياض الحمام طاهرة ما لم تعلم نجاستها سواء كانت فائضة أو لم ~~تكن وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن وسواء بات الماء أو لم يبت ~~وسواء تطهر منها الناس أو لم يتطهروا. فإذا اغتسل منها جماعة جاز ذلك فقد ~~ثبت في الصحيحين من غير وجه {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو ~~وامرأته من إناء واحد قدر # PageV21P334 # الفرق} فهذا إناء صغير لا يفيض ولا أنبوب فيه وهما يغتسلان منه جميعا وفي ~~لفظ: {فأقول: دع لي ويقول: دعي لي} . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: {أن ~~الرجال والنساء كانوا يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~إناء واحد} وقد ثبت عنه أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. والصاع عند ~~أكثر العلماء يكون بالرطل المصري أقل من خمسة أرطال نحو خمسة إلا ربعا ~~والمد ربع ذلك. وقيل هو نحو من سبعة أرطال بالمصري. وليس للإنسان أن يقول: ~~الطاسة إذا وقعت على أرض الحمام تنجست فإن أرض الحمام الأصل فيها الطهارة ~~وما يقع فيها من نجاسة كبول فهو يصب عليه من الماء ما يزيله وهو أحسن حالا ~~من الطرقات بكثير والأصل فيها الطهارة بل كما يتيقن أنه لا بد أن يقع على ~~أرضها نجاسة فكذلك يتيقن أن الماء يعم ما تقع عليه النجاسة ولو لم يعلم ذلك ~~فلا يجزم على بقعة بعينها أنها نجسة إن لم يعلم حصول النجاسة فيها. والله ~~أعلم. # PageV21P335 # ما تقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين ms6464 -: # فيمن دخل الحمام بلا مئزر مكشوف العورة: هل يحرم ذلك أم لا؟ وهل يجب على ~~ولي الأمر منع من يفعل ذلك أم لا؟ وهل يجب على ولي الأمر أيضا أن يلزم ~~مستأجر الحمام أن لا يمكن أحدا من دخول حمامه مكشوف العورة أم لا؟ وفيمن ~~يقعد في الحمام وقت صلاة الجمعة ويترك الصلاة: هل يمنع من ذلك أم لا؟ ~~أفتونا وابسطوا القول في ذلك. # فأجاب شيخ الإسلام بقية السلف الكرام الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية: # الحمد لله: نعم يحرم عليه ذلك باتفاق الأئمة وقد صح {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى الناس عن الحمام} وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا ~~بمئزر} وفي الحديث: {نهى النساء من الدخول مطلقا إلا لمعذرة} وفي الحديث ~~الثابت عنه الذي استشهد به البخاري حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال ~~له: {احفظ # PageV21P336 # عورتك إلا من زوجتك: أو ما ملكت يمينك قال: قلت: فإذا كان القوم بعضهم في ~~بعض قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قال: قلت؛ يا رسول الله؛ ~~إذا كان أحدنا خاليا قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} أخرجه أبو ~~داود والنسائي والترمذي وقال حسن. وابن ماجه. وعلى ولاة الأمور النهي عن ~~ذلك وإلزام الناس بأن لا يدخل أحد الحمام مع الناس إلا مستور العورة وإلزام ~~أهل الحمام بأنهم لا يمكنون الناس من دخول حماماتهم إلا مستوري العورة ومن ~~لم يطع الله ورسوله وولاة الأمر من أهل الحمام والداخلين: عوقب عقوبة بليغة ~~تردعه وأمثاله من أهل الفواحش الذين لا يستحيون لا من الله ولا من عباده؛ ~~فإن إظهار العورات من الفواحش. وقد قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم} وغض البصر واجب عما لا يحل التمتع بالنظر إليه: من ~~النسوة الأجنبيات ونحو ذلك وعن العورات وإن لم يكن بالنظر إليها ms6465 لذة لفحش ~~ذلك. ولهذا كان على داخل الحمام أن يغض بصره عمن كان مكشوف العورة وإن كان ~~ذلك الرجل قد عصى بكشفها وعليه أن يأمر المكشوف بالاستتار فإن هذا من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجب على الناس وكذلك حفظ الفروج يكون عن ~~الاستمتاع # PageV21P337 # المنهي عنه وعن إظهارها لمن ليس له أن يراها كما ينهى الرجل عن مس عورة ~~غيره كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباشر الرجل ~~الرجل في ثوب واحد وأن تباشر المرأة المرأة في ثوب واحد وأمر بالتفريق في ~~المضاجع بين الصبيان إذا بلغوا عشر سنين. كما بين ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: {احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك لما قال له: يا ~~رسول الله عوراتنا ما نأتي؟ وما نذر؟ . . فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: ~~إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قال: قلت: فإذا كان أحدنا خاليا ~~قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} فأمر بسترها في الخلوة. وهذا واجب ~~عند أكثر العلماء. وأما إذا اغتسل في مكان خال بجنب حائط أو شجرة ونحو ذلك ~~في بيته أو حمام أو نحو ذلك فإنه يجوز له كشفها في هذه الصورة عند الجمهور. ~~كما ثبت في الصحيح: {أن موسى اغتسل عريانا} {وأن أيوب اغتسل عريانا} {وأن ~~فاطمة كانت تستر النبي صلى الله عليه وسلم بثوب ثم يغتسل} . وهذا كشف ~~للحاجة بمنزلة كشفها عند التخلي والجماع بمقدار الحاجة ولهذا كره العلماء ~~للمتخلي أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. # PageV21P338 # وتنازعوا في نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر: هل يكره أو لا يكره؟ أم ~~يكره وقت الجماع خاصة؟ على ثلاثة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره. وقد كره ~~غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره النزول في الماء بغير مئزر ورووا عن الحسن ~~والحسين أو أحدهما أنه كره ذلك وقال: إن للماء سكانا. وأما فتح الحمام وقت ~~صلاة الجمعة وتمكين المسلمين من دخولها هذا ms6466 الوقت وقعودهم فيها تاركين ما ~~فرضه الله عليهم من السعي إلى الجمعة فهذا أيضا محرم باتفاق المسلمين وقد ~~حرم الله بعد النداء إلى الجمعة البيع الذي يحتاج إليه الناس في غالب ~~الأوقات وكان هذا تنبيها على ما دونه من قعود في الحمام أو بستان أو غير ~~ذلك والجمعة فرض باتفاق المسلمين فلا يجوز تركها لغير عذر شرعي وليس دخول ~~الحمام من الأعذار باتفاق المسلمين بل إن كان لتنعم كان آثما عاصيا وإن ~~كانت عليه جنابة أمكنه الاغتسال قبل ذلك وليس له أن يؤخر الاغتسال ولا يجوز ~~ترك الصلاة. بل على ولاة الأمور أمر جميع من تجب عليه الجمعة بها من أهل ~~الأسواق والدور وغيرهم ومن تخلف عن هذا الواجب عوقب على # PageV21P339 # ذلك عقوبة تحمله وأمثاله على فعل ذلك. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات أو ليطبعن الله ~~على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين} وقال: {من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير ~~عذر طبع الله على قلبه} . وهذا الذي ذكرناه من وجوب أمر من تجب عليه الجمعة ~~بها ونهيه عما يمنعه من الجمعة متفق عليه بين الأئمة. والله أعلم. كتبه ~~أحمد ابن تيمية. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # الحمد لله وحسبي الله ونعم الوكيل: يحرم كشف العورة في الحمام وغيره من ~~غير مسوغ شرعي وعلى ولي الأمر أيده الله منع من يفعل ذلك بطريقة شرعية ~~وعليه أيضا إلزام مستأجر الحمام بأن لا يمكن أحدا من دخوله على الوجه ~~الممنوع ولا يحل لأحد ممن خوطب بأداء الجمعة تركها من غير عذر وليس دخول ~~الحمام بمجرده عذرا في تركها والله أعلم. # PageV21P340 # و ### | سئل: # عن ترك دخول الحمام؟ . # فأجاب: من ترك دخول الحمام لعدم حاجته إليه فقد أحسن ومن دخلها مع كشف ~~عورته والنظر إلى عورات الناس أو ظلم الحمامي فهو عاص مذموم ومن تنعم بها ~~لغير حاجة فهو منقوص مرجوح ومن تركها مع الحاجة إليها حتى يكثر وسخه وقمله ~~فهو جاهل مذموم. ms6467 # وسئل: # عن رجل عامي سئل عن عبور الحمام؟ ونقل حديثا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأسند الحديث إلى كتاب مسلم هل صح هذا أو لا؟ . # فأجاب: # ليس لأحد لا في كتاب مسلم ولا غيره من كتب الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه حرم الحمام بل الذي في السنن أنه # PageV21P341 # قال: {ستفتحون أرض العجم وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فمن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كانت ~~تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام إلا مريضة أو نفساء} ~~. وقد تكلم بعضهم في هذا الحديث. والحمام من دخلها مستور العورة ولم ينظر ~~إلى عورة أحد ولم يترك أحدا يمس عورته ولم يفعل فيها محرما وأنصف الحمامي ~~فلا إثم عليه وأما المرأة فتدخلها للضرورة مستورة العورة. وهل تدخلها إذا ~~تعودتها وشق عليها ترك العادة؟ فيه وجهان في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: لها ~~أن تدخلها كقول أبي حنيفة واختاره ابن الجوزي. والثاني: لا تدخلها وهو قول ~~كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وغيره والله أعلم. # PageV21P342 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # أيما أفضل للجنب أن ينام على وضوء؟ أو يكره له النوم على غير وضوء؟ وهل ~~يجوز له النوم في المسجد إذا توضأ من غير عذر أم لا؟ . # فأجاب: # الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء ~~لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ فإنه قد ثبت في الصحيح: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل هل يرقد أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم؛ إذا توضأ للصلاة} . ~~ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ~~{إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ~~ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ~~ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت} . # PageV21P343 # وليس للجنب أن يلبث ms6468 في المسجد لكن إذا توضأ جاز له اللبث فيه عند أحمد ~~وغيره واستدل بما ذكره بإسناده عن هشام بن سعد: " أن أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كانوا يتوضئون وهم جنب ثم يجلسون في المسجد. ويتحدثون ". ~~وهذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب بالوضوء عند النوم وقد جاء ~~في بعض الأحاديث أن ذلك كراهة أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة ~~جنازته فإن في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه جنب} وهذا مناسب لنهيه عن اللبث في المسجد فإن المساجد ~~بيوت الملائكة كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل عند ~~دخول المسجد. وقال: {إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم} . فلما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الجنب بالوضوء عند النوم دل ذلك على أن الوضوء ~~يرفع الجنابة الغليظة وتبقى مرتبة بين المحدث وبين الجنب لم يرخص له فيما ~~يرخص فيه للمحدث من القراءة؛ ولم يمنع مما يمنع منه الجنب من اللبث في ~~المسجد فإنه إذا كان وضوءه عند النوم يقتضي شهود الملائكة له دل على أن ~~الملائكة تدخل المكان الذي هو فيه إذا توضأ؛ ولهذا يجوز الشافعي وأحمد ~~للجنب المرور في المسجد بخلاف قراءة القرآن فإن الأئمة الأربعة متفقون على ~~منعه من ذلك؛ فعلم أن # PageV21P344 # منعه من القرآن أعظم من منعه من المسجد. وقد تنازع العلماء في منع الكفار ~~من دخول المسجد والمسلمون خير من الكفار ولو كانوا جنبا فإنه قد ثبت في ~~الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة لما لقيه وهو جنب ~~فانخنس منه فاغتسل ثم أتاه فقال: أين كنت؟ قال: إني كنت جنبا فكرهت أن ~~أجالسك إلا على طهارة فقال: سبحان الله؛ إن المؤمن لا ينجس} . وقد قال الله ~~تعالى: {إنما المشركون نجس} . فلبث المؤمن الجنب إذا توضأ في المسجد أولى ~~من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك ومن منع الكافر لم يجب أن ms6469 يمنع المؤمن ~~المتوضئ كما نقل عن الصحابة. وإذا كان الجنب يتوضأ عند النوم والملائكة ~~تشهد جنازته حينئذ علم أن النوم لا يبطل الطهارة الحاصلة بذلك وهو تخفيف ~~الجنابة وحينئذ فيجوز أن ينام في المسجد حيث ينام غيره وإذا كان النوم ~~الكثير ينقض الوضوء فذاك هو الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر ووضوء الجنب هو ~~تخفيف الجنابة وإلا فهذا الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر: من ~~الصلاة والطواف ومس المصحف. # PageV21P345 ### | باب التيمم # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون} . # PageV21P346 # والتيمم في اللغة: هو القصد ومنه قوله تعالى {ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} وقوله: {ولا آمين البيت الحرام} ~~ومنه قول امرئ القيس: # تيممت الماء الذي دون ضارج ... يميل عليها الظل عرمضها طامي # لكن لما قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} كان التيمم المأمور به: هو تيمم الصعيد الطيب للتمسح به فصار لفظ ~~التيمم إذا أطلق في عرف الفقهاء انصرف إلى هذا التيمم الخاص وقد يراد بلفظ ~~التيمم نفس مسح اليدين والوجه فسمي المقصود بالتيمم تيمما. وهذا التيمم ~~المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين ومما فضلهم الله به على غيرهم من ~~الأمم ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي ms6470 صلى الله عليه وسلم قال: ~~{أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم ~~تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة} وهذا لفظ البخاري. # PageV21P347 # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فضلت ~~على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون} . ولمسلم ~~أيضا عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {فضلت على الناس ~~بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت ~~تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء} . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما ~~أدركتني الصلاة تمسحت وصليت: وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في ~~كنائسهم وبيعهم} . وقوله تعالى {فتيمموا صعيدا طيبا} نكرة في سياق الإثبات ~~كقوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} وقوله: {فتحرير رقبة} وقوله: ~~{فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} وقوله: {فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام} وهذه تسمى مطلقة وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل ~~الجمع فيدل ذلك على أنه يتيمم أي صعيد طيب اتفق. والطيب هو الطاهر والتراب ~~الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع وفيما سواه نزاع سنذكره إن شاء الله ~~تعالى. # PageV21P348 # وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} قد اتفق القراء السبعة على قراءة ~~أيديكم بالإسكان؛ بخلاف قوله في الوضوء: {وأرجلكم} فإن بعض السبعة قرءوا: ~~{وأرجلكم} بالنصب قالوا: إنها معطوفة على المغسول تقديره: فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين كذلك. قال علي بن أبي طالب وغيره من السلف قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ علي الحسن والحسين: وأرجلكم إلى الكعبين بالخفض ~~فسمع ذلك علي بن أبي طالب. وكان يقضي بين ms6471 الناس فقال: وأرجلكم يعني بالنصب ~~وقال هذا من المقدم المؤخر في الكلام. وكذلك ابن عباس قرأها بالنصب وقال ~~عاد الأمر إلى الغسل ولا يجوز أن يكون ذلك عطفا على المحل كما يظنه بعض ~~الناس كقول بعض الشعراء: # معاوي إننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فإنما يسوغ في حرف التأكيد مثل المباني. وأما حروف المعاني فلا يجوز ذلك ~~فيها والباء هنا للإلصاق ليست للتوكيد ولهذا لم يقرأ القراء هنا وأيديكم ~~كما قرءوا هناك وأرجلكم؛ لأنه لو قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم أو امسحوا ~~بها لكان يكتفى بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس وهو خلاف ~~الإجماع فلما كانت الباء للإلصاق دل على أنه لا بد من إلصاق الممسوح به فدل ~~ذلك على # PageV21P349 # استعمال الطهور ولهذا كانت هذه الباء لا تدل على التبعيض عند أحد من ~~السلف وأئمة العربية. ولا قال الشافعي إن التبعيض يستفاد من الباء؛ بل أنكر ~~إمام الحرمين وغيره من أصحابه ذلك وحكموا كلام أئمة العربية في إنكار ذلك ~~ولكن من قال بذلك استند إلى دلالة أخرى. وقوله تعالى {ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} دلت هذه ~~الآية على أن التراب طهور كما صرحت بذلك السنة الصحيحة في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا} وعن أبي ذر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: {إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر ~~سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير} رواه الإمام أحمد وأبو داود ~~والنسائي. والترمذي وهذا لفظه. وقال: حديث حسن صحيح. وقد اتفق المسلمون على ~~أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى إلى أن يجد الماء فإذا وجد الماء ~~فعليه استعماله وكذلك تيمم الجنب: ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف # PageV21P350 # إلى أنه يتيمم إذا عدم الماء في السفر إلى أن يجد الماء فإذا وجده كان ~~عليه استعماله وقد روي عن عمر وابن مسعود إنكار تيمم الجنب ms6472 وروي عنهما ~~الرجوع عن ذلك وهو قول أكثر الصحابة: كعلي وعمار وابن عباس وأبي ذر وغيرهم. ~~وقد دل عليه آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~منها: حديث عمار بن ياسر وعمران بن حصين كلاهما في الصحيحين ومنها: حديث ~~أبي ذر الذي صححه الترمذي ومنها: حديث عمرو بن العاص وحديث الذي شج فأفتوه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم {قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا ~~فإنما شفاء العي السؤال} ففي الصحيح عن عمر أنه قال: {كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما انفتل ~~من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلي ~~مع القوم قال: أصابتني جنابة: ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك} رواه ~~البخاري ومسلم. وفي الصحيحين عن عمار بن ياسر قال: {بعثني النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ~~ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك أن تقول ~~بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض # PageV21P351 # ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه} وهذا لفظ مسلم. # فصل: # وقد تنازع العلماء في التيمم: هل يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى حين القدرة ~~على استعمال الماء؟ أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟ ~~وهذه مسألة نظرية. وتنازعوا هل يقوم مقام الماء فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ ~~قبل الوقت ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل كما يصلي بالماء ولا يبطل بخروج ~~الوقت كما لا يبطل الوضوء؟ على قولين مشهورين وهو نزاع عملي. فمذهب أبي ~~حنيفة أنه يتيمم قبل الوقت ويبقى بعد الوقت ويصلي به ما شاء كالماء وهو قول ~~سعيد بن المسيب والحسن البصري والزهري والثوري وغيرهم. وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد بن حنبل. والقول الثاني: أنه لا يتيمم قبل الوقت ولا يبقى بعد ~~خروجه. # PageV21P352 # ثم من ms6473 هؤلاء من يقول: يتيمم لوقت كل صلاة ومنهم من يقول يتيمم لفعل كل ~~فريضة ولا يجمع به فرضين. وغلا بعضهم فقال: ويتيمم لكل نافلة وهذا القول في ~~الجملة هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. قالوا: لأنه طهارة ضرورية ~~والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها فإذا تيمم في وقت يستغنى عن التيمم فيه ~~لم يصح تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء. قالوا: ولأن الله أمر كل قائم إلى ~~الصلاة بالوضوء فإن لم يجد الماء تيمم وكان ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم ~~إلى الصلاة الوضوء والتيمم؛ لكن لما ثبت في الصحيح: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى الصلوات كلها بوضوء واحد} رواه مسلم في صحيحه: دلت السنة على ~~جواز تقديم الوضوء قبل وقت وجوبه وبقي التيمم على ظاهر الخطاب وعلل ذلك ~~بعضهم بأنه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة وذلك يبطل تيممه. وورد عن علي ~~وعمرو بن العاص وابن عمر مثل قولهم. ولنا أنه قد ثبت بالكتاب والسنة: أن ~~التراب طهور كما أن الماء طهور. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {الصعيد ~~الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك ~~فإن ذلك خير} فجعله مطهرا عند عدم الماء مطلقا. فدل على أنه مطهر # PageV21P353 # للمتيمم وإذا كان قد جعل المتيمم مطهرا كما أن المتوضئ مطهر ولم يقيد ذلك ~~بوقت ولم يقل إن خروج الوقت يبطله كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال ~~الماء دل ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء وهو موجب الأصول. فإن ~~التيمم بدل عن الماء والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه وإن لم يكن مماثلا ~~له في صفته كصيام الشهرين فإنه بدل عن الإعتاق وصيام الثلاث والسبع فإنه ~~بدل عن الهدي في التمتع وكصيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين فإنه بدل عن ~~التكفير بالمال والبدل يقوم مقام المبدل وهذا لازم لمن يقيس التيمم على ~~الماء في صفته فيوجب المسح على المرفقين وإن كانت آية التيمم مطلقة كما قاس ms6474 ~~عمار لما تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة فمسح جميع بدنه كما يغسل جميع ~~بدنه وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فساد هذا القياس وأنه يجزئك من ~~الجنابة التيمم الذي يجزئك في الوضوء وهو مسح الوجه واليدين؛ لأن البدل لا ~~تكون صفته كصفة المبدل بل حكمه حكمه فإن التيمم مسح عضوين وهما العضوان ~~المغسولان في الوضوء وسقط العضوان الممسوحان والتيمم عن الجنابة يكون في ~~هذين العضوين بخلاف الغسل. والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق بخلاف الوضوء ~~والتيمم # PageV21P354 # لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء والتيمم يفارق صفة الوضوء من ~~وجوه ولكن حكمه حكم الوضوء؛ لأنه بدل منه فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال ~~فهذا مقتضى النص والقياس. فإن قيل: الوضوء يرفع الحدث والتيمم لا يرفعه؟ ~~قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه فإن ~~الشارع جعله طهورا عند عدم الماء يقوم مقامه فالواجب أن يثبت له من أحكام ~~الطهارة ما يثبت للماء ما لم يقم دليل شرعي على خلاف ذلك. الوجه الثاني: أن ~~يقال: قول القائل يرفع الحدث أو لا يرفعه ليس تحته نزاع عملي وإنما هو نزاع ~~اعتباري لفظي وذلك أن الذين قالوا: لا يرفع الحدث قالوا: لو رفعه لم يعد ~~إذا قدر على استعمال الماء وقد ثبت بالنص والإجماع أنه يبطل بالقدرة على ~~استعمال الماء. والذين قالوا: يرفع الحدث إنما قالوا برفعه رفعا مؤقتا إلى ~~حين القدرة على استعمال الماء فلم يتنازعوا في حكم عملي شرعي ولكن تنازعهم ~~ينزع إلى قاعدة أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلة وأن # PageV21P355 # المناسبة هل تنخرم بالمعارضة وأن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا ~~يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته. وكشف الغطاء عن هيئة النزاع أن لفظ العلة يراد ~~به العلة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم بحيث إذا وجد وجد الحكم ولا ~~يتخلف عنه؛ فيدخل في لفظ العلة على هذا الاصطلاح جبر العلة وشروطها وعدم ~~المانع. إما لكون عدم المانع يستلزم وصفا ثبوتيا على رأي وإما ms6475 لكون العدم ~~قد يكون جبرا من المقتضي على رأي وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم ~~بدونها دل على فسادها كما لو علل معلل قصر الصلاة بمطلق العذر. قيل له: هذا ~~باطل فإن المريض ونحوه من أهل الأعذار لا يقصرون وإنما يقصر المسافر خاصة ~~فالقصر دائر مع السفر وجودا وعدما ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما دليل ~~على المدار عليه للدائر وكما لو علل وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب قيل له: ~~هذا ينتقض بالملك قبل الحول. وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضي الحكم وإن توقف ~~على ثبوت شروط وانتفاء موانع. وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب فيقال: الأسباب ~~المثبتة للإرث # PageV21P356 # ثلاثة: رحم ونكاح وولاء. وعند أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين يثبت ~~بعقد الموالاة وغيرها فالعلة هنا قد يتخلف عنها الحكم المانع: كالرق والقتل ~~واختلاف الدين. فإذا أريد بالعلة هذا المعنى جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود ~~مانع. فأما إن لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقا مؤثرا بطل ~~تعليله فإن الحكم اقترن بالوصف تارة كما في الأصل وتخلف عنه تارة كما في ~~الأصل ويختلف عنه تارة كما في صورة النقض. والمستدل إن لم يبين أن الفرع ~~مثل الأصل دون صورة النقض فلم يكن إلحاقه بالأصل في ثبوت الحكم أولى من ~~إلحاقه بصورة النقض في انتفائه؛ لأن الوصف موجود في الصور الثلاث وقد اقترن ~~به الحكم في الواحدة دون الأخرى وشككنا في الصورة الثالثة. وهذا كما لو ~~اشترك ثلاثة في القتل: فقتل الأولياء واحدا ولم يقتلوا آخر إما لبذل الدية ~~وإما لإحسان كان له عندهم والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو كالمعفو عنه ~~فإنا لا نلحقه بأحدهما إلا بدليل يبين مساواته له دون مساواته للآخر. إذا ~~عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون في استحلال الميتة # PageV21P357 # عند الضرورة فمنهم من يقول: قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر وهو ~~ما فيها من حيث التغذية. ومنهم من يقول: الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو ~~التحريم إزالة اقتضاء للحظر فلم يبق في هذه ms6476 الحال حاظر إذ يمتنع زوال الحظر ~~مع وجود مقتضيه التام. وفصل النزاع: أنه إن أريد بالسبب الحاظر: السبب ~~التام وهو ما يستلزم الحظر فهذا يرتفع عند المخمصة فإن وجود الملزوم بدون ~~لازمه ممتنع والحل ثابت في هذه الحال فيمتنع وجود السبب المستلزم له وإن ~~أريد بالسبب المقتضي للحظر لولا المعارض الراجح فلا ريب أن هذا موجود حال ~~الحظر لكن المعارض الراجح أزال اقتضاءه للحظر فلم يبق في هذه الحال مقتضيا ~~فإذا قدر زوال المخمصة عمل السبب عمله لزوال المعارض له. وهكذا القول في ~~كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه فإنه فرع على قول من يقول: إنه يرفع ~~الحدث فصاحب هذا القول إذا تبين له أنه يرفع الحدث رفعا مؤقتا إلى أن يقدر ~~على استعمال الماء ثم يعود هذا المعنى ليس بممتنع والشرع قد دل عليه فجعل ~~التراب طهورا والماء يكون طهورا إذا أزال الحدث وإلا مع وجود الجنابة # PageV21P358 # يمتنع حصول الطهارة فصاحب هذا القول إنما قال: إنه يرفع الحدث رفعا مؤقتا ~~إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود وهذا ممكن ليس بممتنع والشرع قد دل ~~عليه فجعل التراب طهورا وإنما يكون طهورا إذا أزال الحدث وإلا فمع بقاء ~~الحدث لا يكون طهورا. ومن قال: إنه ليس برافع ولكنه مبيح والحدث هو المانع ~~للصلاة وأراد بذلك أنه مانع تام كما يكون مع وجود الماء فهذا غالط فإن ~~المانع التام مستلزم للمنع والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها ووجود ~~الملزوم بدون اللازم ممتنع. وإن أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله ~~لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء ~~حصل منعه في هذه الحال فهذا صحيح. وكذلك من قال: هو رافع للحدث. إن أراد ~~بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطا فإنه ~~قد ثبت بالنص والإجماع: أنه إذا قدر على استعمال الماء استعمله وإن لم ~~يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية بخلاف الماء. وإن قال: أريد برفعه ms6477 ~~أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعا إلى حين وجود الماء. فقد أصاب وليس بين ~~القولين نزاع شرعي عملي. # PageV21P359 # وعلى هذا فيقال: على كل من القولين لم يبق الحدث مانعا مع وجود طهارة ~~التيمم والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل التراب طهورا كما جعل الماء ~~طهورا لكن جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء ولم يشترط في كونه مطهرا شرطا ~~آخر فالمتيمم قد صار طاهرا وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء فما ~~لم يجد الماء فالمنع زائل إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة كما يوجب ~~طهارة الماء وحينئذ فيكون طهورا قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت كما كان ~~الماء طهورا في هذه الأحوال الثلاثة وليس بين هذا فرق مؤثر إلا إذا قدر على ~~استعمال الماء فمن أبطله بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل. وأيضا فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم جعل ذلك رخصة عامة لأمته. ولم يفصل بين أن يقصد التيمم ~~بفرض أو نفل أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل في ذلك في الوضوء فيجب ~~التسوية بينهما والوضوء قبل الوقت فيه نزاع لكن النزاع في التيمم أشهر. # وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر ~~كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به؛ ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء ~~المتوضئ والمغتسل بالمتيمم كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه ~~بالتيمم وهو مذهب الأئمة الأربعة ومذهب أبي # PageV21P360 # يوسف وغيره. لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك؛ لنقص حال المتيمم. وأيضا كان ~~دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له في بطلان الطهارة ~~الواجبة إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء. والشارع حكيم إنما ~~يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة لا ~~يبطل بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع. فإن قيل: هذا ~~ينتقض بطهارة الماسح على ms6478 الخفين وطهارة المستحاضة وذوي الأحداث الدائمة. ~~قيل: أما طهارة الماسح على الخفين فليست واجبة بل هو مخير بين المسح وبين ~~الخلع والغسل؛ ولهذا وقتها الشارع ولم يوقتها لدخول وقت صلاة ولا خروجها ~~ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتا محدودا في الزمن ثلاثا للمسافر ~~ويوما وليلة للمقيم؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى ولهذا لما كانت ~~طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها إلى أن يحلها ويمسح ~~في الطهارتين الصغرى والكبرى كما يتيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر فإلحاق ~~التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين. # PageV21P361 # وأما ذوو الأحداث الدائمة: كالمستحاضة فأولئك وجد في حقهم السبب الموجب ~~للحدث وهو خروج الخارج النجس من السبيلين ولكن لأجل الضرورة رخص لهم الشارع ~~في الصلاة معه فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة؛ ولهذا لو تطهرت المستحاضة ولم ~~يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت وإنما تنتقض إذا خرج الخارج في ~~الوقت فإنها تصلي به إلى أن يخرج الوقت ثم لا تصلي لوجود الناقض للطهارة ~~بخلاف المتيمم فإنه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض طهارته. والتيمم كالوضوء فلا ~~يبطل تيممه إلا ما يبطل الوضوء ما لم يقدر على استعمال الماء وهذا بناء على ~~قولنا وقول من وافقنا على التوقيت في مسح الخفين وعلى انتقاض الوضوء بطهارة ~~المستحاضة فإن هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما من لم ~~ينقض الطهارة بهذا أو لم يوقت هذا كمالك فإنه لا يصلح لمن قال بهذا القول ~~المعارضة بهذا وهذا؛ فإنه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا فالتيمم أولى أن لا ~~يتوقت. وقول القائل: إن القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين. قيل: نعم ~~يجب عليه لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد # PageV21P362 # أحسن وأتى بالواجب قبل هذا كما لو توضأ قبل هذا فإن كونه على طهارة قبل ~~الوقت إلى حين الوقت أحسن من أن يبقى محدثا وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن ~~بتقديم طهارته لكونه على طهارة قبل ms6479 الوقت أحسن من كونه على غير طهارة وقد ~~ثبت بالكتاب والسنة أنها طهارة حتى ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى تيمم ورد عليه السلام وقال: كرهت أن ~~أذكر الله إلا على طهر} . وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن وأتى بأفضل ~~مما وجب عليه وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها وكمن أدى أكثر من الواجب في ~~الزكاة وغيرها وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود وهذا كله حسن إذا لم ~~يكن محظورا كزيادة ركعة خامسة في الصلاة. والتيمم مع عدم الماء حسن ليس ~~بمحرم ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمس المصحف وقراءة القرآن وما ذكر من ~~الأثر عن بعض الصحابة فبعضه ضعيف وبعضه معارض بقول غيره ولا إجماع في ~~المسألة. وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . # PageV21P363 # فصل: # وأما الصعيد: ففيه أقوال فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن ~~لم يعلق بيده؛ كالزرنيخ والنور والجص وكالصخرة الملساء فأما ما لم يكن من ~~جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به. وهو قول أبي حنيفة. ومحمد يوافقه؛ لكن ~~بشرط أن يكون معبرا لقوله: (منه. وقيل يجوز بالأرض وبما اتصل بها حتى ~~بالشجر كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر وهو قول مالك وله في ~~الثلج روايتان: إحداهما: يجوز التيمم به وهو قول الأوزاعي والثوري. وقيل ~~يجوز بالتراب والرمل وهو أحد قولي أبي يوسف وأحمد في إحدى الروايتين وروي ~~عنه أنه يجوز بالرمل عند عدم التراب. وقيل: لا يجوز إلا بتراب طاهر له غبار ~~يعلق باليد وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى. # PageV21P364 # واحتج هؤلاء بقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وهذا لا يكون إلا فيما ~~يعلق بالوجه واليد والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد واحتجوا بأن ابن ~~عباس قال: الصعيد الطيب تراب الحرث واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{جعلت لي الأرض ms6480 مسجدا وجعلت تربتها طهورا} قالوا: فعم الأرض بحكم المسجد ~~وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة. قالوا: ولأن الطهارة بالماء اختصت ~~من بين سائر المائعات بما هو ماء في الأصل فكذلك طهارة التراب تختص بما هو ~~تراب في الأصل وهما الأصلان اللذان خلق منهما آدم: الماء. والتراب. وهما ~~العنصران البسيطان بخلاف بقية المائعات والجامدات فإنها مركبة. واحتج ~~الأولون بقوله تعالى: {صعيدا} قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض وهذا ~~يعم كل صاعد بدليل قوله تعالى. {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} وقوله: ~~{فتصبح صعيدا زلقا} . واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي ~~أدركته الصلاة فليصل} وفي رواية {فعنده مسجده وطهوره} فهذا يبين أن المسلم ~~في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره. # PageV21P365 # ومعلوم أن كثيرا من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل ~~كان مخالفا لهذا الحديث وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن ~~بذلك السبخة؛ فإن من الأرض ما يكون سبخة. واختلاف التراب بذلك كاختلافه ~~بالألوان بدليل قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم {إن الله خلق آدم من ~~قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة: جاء منهم الأسود ~~والأبيض وبين ذلك وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك ومنهم الخبيث والطيب ~~وبين ذلك} . وآدم إنما خلق من تراب والتراب الطيب والخبيث: الذي يخرج نباته ~~بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا يجوز التيمم به فعلم أن المراد بالطيب ~~الطاهر وهذا بخلاف الأحجار والأشجار فإنها ليست من جنس التراب ولا تعلق ~~باليد؛ بخلاف الزرنيخ والنورة فإنها معادن في الأرض لكنها لا تنطبع كما ~~ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس. # PageV21P366 # قال الشيخ الإمام العالم مفتي الأنام المجتهد الفقيه الإمام: أحمد بن عبد ~~الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني - رحمه الله ورضي عنه -: # قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم ms6481 وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون} . هذا الخطاب يقتضي: أن كل قائم إلى الصلاة فإنه مأمور بما ~~ذكر من الغسل. والمسح. وهو الوضوء. وذهبت طائفة: إلى أن هذا عام مخصوص. # PageV21P367 # وذهبت طائفة: إلى أنه يوجب الوضوء على كل من كان متوضئا وكلا القولين ~~ضعيف. فأما الأولون: فإن منهم من قال: المراد بهذا: القائم من النوم وهذا ~~معروف عن زيد بن أسلم ومن وافقه من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم. ~~قالوا: الآية أوجبت الوضوء على النائم بهذا وعلى المتغوط بقوله: {أو جاء ~~أحد منكم من الغائط} وعلى لامس النساء بقوله: {أو لامستم النساء} وهذا هو ~~الحدث المعتاد. وهو الموجب للوضوء عندهم. ومن هؤلاء من قال: فيها تقديم ~~وتأخير. تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء. فيقال: أما تناولها للقائم من النوم المعتاد: فظاهر ~~لفظها يتناوله. وأما كونها مختصة به بحيث لا تتناول من كان مستيقظا وقام ~~إلى الصلاة - فهذا ضعيف. بل هي متناولة لهذا لفظا ومعنى. وغالب الصلوات ~~يقوم الناس إليها من يقظة: لا من نوم: # PageV21P368 # كالعصر والمغرب والعشاء. وكذلك الظهر في الشتاء؛ لكن الفجر يقومون إليها ~~من نوم. وكذلك الظهر في القائلة. والآية تعم هذا كله. لكن قد يقال: إذا ~~أمرت الآية القائم من النوم - لأجل الريح التي خرجت منه بغير اختياره - ~~فأمرها للقائم الذي خرج منه الريح في اليقظة أولى وأحرى. فتكون - على هذا - ~~دلالة الآية على اليقظان بطريق تنبيه الخطاب وفحواه. وإن قيل: إن اللفظ عام ~~يتناول هذا بطريق العموم اللفظي. فهذان قولان متوجهان. والآية على القولين ~~عامة. وتعم أيضا القيام إلى النافلة بالليل والنهار والقيام إلى صلاة ~~الجنازة كما سنبينه إن ms6482 شاء الله. فمتى كانت عامة لهذا كله: فلا وجه ~~لتخصيصها. وقالت طائفة: تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون أو ~~قد أحدثتم. فإن المتوضئ ليس عليه وضوء. وكل هذا عن الشافعي رحمه الله. ~~ويوجبه الشافعي في التيمم فإن ظاهر القرآن يقتضي وجوب الوضوء والتيمم على ~~كل قائم يخالف هذا. # PageV21P369 # فإن كان قد قال هذا: كان له قولان. ومن المفسرين من يجعل هذا قول عامة ~~الفقهاء من السلف والخلف؛ لاتفاقهم على الحكم. فيجعل اتفاقهم على هذا الحكم ~~اتفاقا على الإضمار كما ذكر أبو الفرج بن الجوزي. قال: وللعلماء في المراد ~~بالآية قولان. أحدهما: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا فصار الحدث ~~مضمرا في وجوب الوضوء. وهذا قول سعد بن أبي وقاص وأبي موسى وابن عباس رضي ~~الله عنهم والفقهاء. قال: والثاني أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار فيجب ~~الوضوء على كل من يريد الصلاة محدثا كان أو غير محدث. وهذا مروي عن عكرمة ~~وابن سيرين. ونقل عنهم: أن هذا الحكم غير منسوخ. ونقل عن جماعة من العلماء: ~~أن ذلك كان واجبا بالسنة. وهو ما روى بريدة رضي الله عنه {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد. وقال: عمدا فعلته يا ~~عمر} . قلت: أما الحكم - وهو أن من توضأ لصلاة صلى بذلك # PageV21P370 # الوضوء صلاة أخرى - فهذا قول عامة السلف والخلف: والخلاف في ذلك شاذ. وقد ~~علم بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يوجب الوضوء ~~على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى فإنه قد ثبت بالتواتر {أنه صلى بالمسلمين ~~يوم عرفة الظهر والعصر جميعا جمع بهم بين الصلاتين} وصلى خلفه ألوف مؤلفة ~~لا يحصيهم إلا الله. ولما سلم من الظهر. صلى بهم العصر ولم يحدث وضوءا لا ~~هو ولا أحد ولا أمر الناس بإحداث وضوء ولا نقل ذلك أحد وهذا يدل على أن ~~التجديد لا يستحب مطلقا. # وهل يستحب التجديد لكل صلاة من الخمس؟ فيه نزاع. وفيه عن أحمد ms6483 رحمه الله ~~روايتان. وكذلك أيضا لما قدم مزدلفة: {صلى بهم المغرب والعشاء جمعا} من غير ~~تجديد وضوء للعشاء. وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة. ~~وأقام لكل صلاة إقامة. وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من ~~حديث ابن عمر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم. كلها تقتضي: أنه هو صلى الله ~~عليه وسلم - والمسلمون خلفه - صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى لم ~~يحدثوا لها وضوءا. # PageV21P371 # وكذلك هو صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عباس ~~وعائشة وغيرهم {أنه كان يتوضأ لصلاة الليل. فيصلي به الفجر} مع أنه كان ~~ينام حتى يغط. ويقول {تنام عيناي ولا ينام قلبي} فهذا أمر من أصح ما يكون ~~أنه: كان ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأ للنافلة يصلي به الفريضة. ~~فكيف يقال: إنه كان يتوضأ لكل صلاة؟ . وقد ثبت عنه في الصحيح {أنه صلى الله ~~عليه وسلم صلى الظهر. ثم قدم عليه وفد عبد القيس. فاشتغل بهم عن الركعتين ~~بعد الظهر حتى صلى العصر ولم يحدث وضوءا} . وكان يصلي تارة الفريضة ثم ~~النافلة. وتارة النافلة ثم الفريضة وتارة فريضة ثم فريضة. كل ذلك بوضوء ~~واحد. وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة. ~~وكان المسلمون على عهده يتوضئون ثم يصلون ما لم يحدثوا كما جاءت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة. ولم ينقل عنه - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف -: أنه أمرهم ~~بالوضوء لكل صلاة. # PageV21P372 # فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل. وأما القول بوجوبه: فمخالف للسنة ~~المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولإجماع الصحابة. والنقل عن علي ~~رضي الله عنه بخلاف ذلك لا يثبت؛ بل الثابت عنه خلافه. وعلي رضي الله عنه ~~أجل من أن يخفى عليه مثل هذا والكذب على علي كثير مشهور: أكثر منه على ~~غيره. وأحمد بن حنبل رحمه الله - مع سعة علمه بآثار الصحابة والتابعين - ~~أنكر أن يكون في هذا نزاع. وقال أحمد بن القاسم: سألت أحمد عمن صلى أكثر ms6484 من ~~خمس صلوات بوضوء واحد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه. ما ظننت أن ~~أحدا أنكر هذا. وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: {كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة. قلت: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ ~~أحدنا الوضوء ما لم يحدث} وهذا هو في الصلوات الخمس المفرقة. ولهذا استحب ~~أحمد ذلك في أحد القولين مع أنه كان أحيانا يصلي صلوات بوضوء واحد. كما في ~~صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: {صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه. فقال له عمر: إني # PageV21P373 # رأيتك صنعت شيئا لم تكن صنعته؟ قال: عمدا صنعته يا عمر} . والقرآن أيضا ~~يدل على أنه لا يجب على المتوضئ أن يتوضأ مرة ثانية من وجوه: أحدها: أنه ~~سبحانه قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فقد أمر من جاء من الغائط ~~ولم يجد الماء: أن يتيمم الصعيد الطيب. فدل على أن المجيء من الغائط يوجب ~~التيمم. فلو كان الوضوء واجبا على من جاء من الغائط ومن لم يجئ فإن التيمم ~~أولى بالوجوب. فإن كثيرا من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة. وعلى هذا فلا ~~تأثير للمجيء من الغائط. فإنه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم وإن ~~لم يجئ من الغائط. ولو جاء من الغائط ولم يقم إلى الصلاة: لا يجب عليه وضوء ~~ولا تيمم فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثا على قول هؤلاء. الوجه الثاني: ~~أنه سبحانه خاطب المؤمنين. لأن الناس كلهم يكونون محدثين فإن البول والغائط ~~أمر معتاد لهم وكل بني آدم محدث. والأصل فيهم: الحدث الأصغر. فإن أحدهم من ~~حين كان طفلا قد اعتاد ذلك فلا يزال محدثا بخلاف الجنابة. فإنها إنما تعرض ~~لهم # PageV21P374 # عند البلوغ. والأصل فيهم: عدم الجنابة كما أن الأصل فيهم: عدم الطهارة ~~الصغرى؛ فلهذا قال: {إذا قمتم ms6485 إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ثم قال: {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا} فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقا. لأن الأصل: أنهم كلهم ~~محدثون قبل أن يتوضئوا. ثم قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وليس منهم جنب إلا ~~من أجنب. فلهذا فرق سبحانه بين هذا وهذا. الثالث: أن يقال: الآية اقتضت ~~وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة. فدل على أن القيام هو السبب الموجب ~~للوضوء. وأنه إذا قام إلى الصلاة صار واجبا حينئذ وجوبا مضيقا. فإذا كان ~~العبد قد توضأ قبل ذلك: فقد أدى هذا الواجب قبل تضييقه كما قال: {إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} فدل على أن النداء يوجب السعي ~~إلى الجمعة. وحينئذ يتضيق وقته فلا يجوز أن يشتغل عنه ببيع ولا غيره. فإذا ~~سعى إليها قبل النداء: فقد سابق إلى الخيرات وسعى قبل تضييق الوقت. فهل ~~يقول عاقل: إن عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء؟ . وكذلك الوضوء: ~~إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال أو للمغرب قبل غروب الشمس أو ~~للفجر قبل طلوعه وهو إنما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت. فمن قال: إن عليه أن ~~يعيد الوضوء فهو # PageV21P375 # بمنزلة من يقول: إن عليه أن يعيد السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء. ~~والمسلمون على عهد نبيهم كانوا يتوضئون للفجر وغيرها قبل الوقت وكذلك ~~المغرب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجلها ويصليها إذا توارت الشمس ~~بالحجاب. وكثير من أصحابه كانت بيوتهم بعيدة من المسجد. فهؤلاء لو لم ~~يتوضئوا قبل المغرب: لما أدركوا معه أول الصلاة بل قد تفوتهم جميعا لبعد ~~المواضع. وهو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتوضأ بعد الغروب ولا من حضر ~~عنده في المسجد ولا كان يأمر أحدا بتجديد الوضوء بعد المغرب. وهذا كله ~~معلوم مقطوع به. وما أعرف في هذا خلافا ثابتا عن الصحابة: أن من توضأ قبل ~~الوقت عليه أن يعيد الوضوء بعد دخول الوقت. ولا يستحب أيضا لمثل هذا تجديد ~~وضوء. وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول: ms6486 هل يستحب له التجديد؟ ~~وأما من لم يصل به: فلا يستحب له إعادة الوضوء؛ بل تجديد الوضوء في مثل هذا ~~بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما عليه المسلمون في ~~حياته وبعده إلى هذا الوقت. فقد تبين أن هذا قبل القيام قد أدى هذا الواجب ~~قبل تضييقه كالساعي إلى الجمعة قبل النداء وكمن قضى الدين قبل حلوله؛ ولهذا # PageV21P376 # قال الشافعي وغيره: إن الصبي إذا صلى ثم بلغ لم يعد الصلاة؛ لأنها تلك ~~الصلاة بعينها سابق إليها قبل وقتها. وهو قول في مذهب أحمد وهذا القول أقوى ~~من إيجاب الإعادة. ومن أوجبها قاسه على الحج وبينهما فرق. كما هو مبسوط في ~~غير هذا الموضع. وهذا الذي ذكرناه في الوضوء: هو بعينه في التيمم. ولهذا ~~كان قول العلماء: إن التيمم كالوضوء فهو طهور المسلم ما لم يجد الماء. وإن ~~تيمم قبل الوقت وتيمم للنافلة فيصلي به الفريضة وغيرها؛ كما هو قول ابن ~~عباس. وهو مذهب كثير من العلماء: أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين عن أحمد. ~~والقول الآخر - وهو التيمم لكل صلاة - هو المشهور من مذهب مالك والشافعي ~~وأحمد. وهو قول لم يثبت عن غيره من الصحابة كما قد بسط في موضعه. فالآية ~~محكمة ولله الحمد. وهي على ما دلت عليه من أن كل قائم إلى الصلاة فهو مأمور ~~بالوضوء. فإن كان قد توضأ قبل ذلك فقد أحسن وفعل الواجب قبل تضييقه وسارع ~~إلى الخيرات كمن سعى إلى الجمعة قبل النداء. فقد تبين أن الآية ليس فيها ~~إضمار ولا تخصيص ولا تدل على # PageV21P377 # وجوب الوضوء مرتين. بل دلت على الحكم الثابت بالسنن المتواترة وهو الذي ~~عليه جماعة المسلمين وهو وجوب الوضوء على المصلي. كما ثبت في الصحيحين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يقبل الله صلاة أحدكم ~~إذا أحدث حتى يتوضأ فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء ~~أو ضراط} وفي صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر ms6487 رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول} . ~~وهذا يوافق الآية الكريمة. فإنه يدل على أنه لا بد من الطهور ومن كان على ~~وضوء فهو على طهور وإنما يحتاج إلى الوضوء من كان محدثا. كما قال: {لا يقبل ~~الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ} وهو إذا توضأ ثم أحدث: فقد دلت الآية ~~على أمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة وإذا كان قد توضأ فقد فعل ما أمر به. ~~كقوله: لا تصل إلا بوضوء. أو لا تصل حتى تتوضأ ونحو ذلك. مما بين أنه مأمور ~~بالوضوء لجنس الصلاة الشامل لأنواعها وأعيانها. ليس مأمورا لكل نوع أو عين ~~بوضوء غير وضوء الآخر. ولا في اللفظ ما يدل على ذلك. لكن هذا الوجه لا يدل ~~على تقدم الوضوء على الجنس كمن أسلم # PageV21P378 # فتوضأ قبل الزوال أو الغروب أو كمن أحدث فتوضأ قبل دخول الوقت. بخلاف ~~الوجه الذي قبله. فإنه يتناول هذا كله. # فصل: # وقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} يقتضي وجوب الوضوء على كل مصل ~~مرة بعد مرة فهو يقتضي التكرار وهذا متفق عليه بين المسلمين في الطهارة. ~~وقال دلت عليه السنة المتواترة بل هو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يأمرنا بالوضوء لصلاة واحدة. بل أمر بأن ~~يتوضأ كلما صلى: ولو صلى صلاة بوضوء وأراد أن يصلي سائر الصلوات بغير وضوء: ~~استتيب فإن تاب وإلا قتل. لكن المقصود هنا: دلالة الآية عليه وذلك من لفظ " ~~الصلاة " فإن " الصلاة " هنا اسم جنس. ليس المراد صلاة واحدة. فقد أمر إذا ~~قام إلى جنس الصلاة أن يتوضأ. والجنس يتناول جميع ما يصليه من الصلوات في ~~جميع عمره. فإن قيل: هذا يقتضي عموم الجنس فمن أين التكرار؟ فإذا # PageV21P379 # قام إلى أي صلاة توضأ لكن من أين أنه إذا قام إليها يوما آخر يتوضأ؟ قيل: ~~لأنه في هذا اليوم الثاني قائم إلى الصلاة. فهو مأمور بالوضوء ms6488 إذا قام إلى ~~مسمى الصلاة؛ فحيث وجد قيام إلى مسمى الصلاة فهو مأمور بالوضوء متى وجد ~~ذلك. فعليه الوضوء. وهو كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} فالمراد: ~~جنس الدلوك فهو مأمور بإقامة الصلاة له. وكذلك قوله: {وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها} فهو متناول لكل طلوع وغروب وليس المراد طلوعا ~~واحدا فكأنه قال: قبل كل طلوع لها وقبل كل غروب. وأقم الصلاة عند كل دلوك ~~وكل صلاة يقوم إليها متوضئا لها. وقد تنازع الناس في الأمر المطلق: هل ~~يقتضي التكرار؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يقتضيه كقول ~~طائفة منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل. وقيل: لا يقتضيه كقول كثير منهم أبو ~~الخطاب. وقيل: إن كان معلقا بسبب اقتضى التكرار. وهذا هو المنصوص عن أحمد ~~كآية الطهارة والصلاة. # PageV21P380 # فإن قيل: فهذا لا يتكرر في الطلاق والعتق المعلق. قيل: لأن عتق الشخص ~~الواحد لا يتكرر. وكذلك الطلاق المعلق نفسه لا يتكرر. بل الطلقة الثانية ~~حكمها غير حكم الأولى. وهو محدود بثلاث. ولكن إذا قال الناذر: لله علي إن ~~رزقني الله ولدا أن أعتق عنه وإذا أعطاني مالا أن أزكيه أو أتصدق بعشره: ~~تكرر. وبسط هذا له موضع آخر. # فصل: # قوله تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء} الآية. هذا مما أشكل على بعض الناس. فقال طائفة من الناس: " ~~أو " بمعنى الواو وجعلوا التقدير: وجاء أحد منكم من الغائط. ولامستم ~~النساء. قالوا: لأن من مقتضى " أو " أن يكون كل من المرض والسفر موجبا ~~للتيمم؛ كالغائط والملامسة. وهذا مخالف لمعنى الآية # PageV21P381 # فإن " أو " ضد الواو: والواو: للجمع والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. ~~وأما معنى: " أو " فلا يوجب الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه بل يقتضي ~~إثبات أحدهما. لكن قد يكون ذلك مع إباحة الآخر كقوله: جالس الحسن أو ابن ~~سيرين؛ وتعلم الفقه أو النحو؛ ومنه خصال الكفارة يخير بينها ولو فعل الجميع ~~جاز. وقد يكون مع الحصر؛ يقال للمريض: كل هذا ms6489 أو هذا. وكذلك في الخبر: هي ~~لإثبات أحدهما إما مع عدم علم المخاطب. وهو الشك أو مع علمه وهو الإيهام ~~كقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} لكن المعنى الذي أراده: هو ~~الأصح وهو أن خطابه بالتيمم: للمريض والمسافر وإن كان قد جاء من الغائط أو ~~جامع. ولا ينبغي - على قولهم - أن يكون المراد: أن لا يباح التيمم إلا مع ~~هذين. بل التقدير: بالاحتلام أو حدث بلا غائط فالتيمم هنا أولى وهو سبحانه ~~لما أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء أمرهم إذا كانوا جنبا: أن يطهروا وفيهم ~~المحدث بغير الغائط كالقائم من النوم والذي خرجت منه الريح. ومنهم الجنب ~~بغير جماع بل باحتلام. فالآية عمت كل محدث وكل جنب. فقال تعالى: {وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر} {فتيمموا} فأباح التيمم للمحدث والجنب إذا # PageV21P382 # كان مريضا أو على سفر ولم يجد ماء. والتيمم رخصة. فقد يظن الظان: أنها لا ~~تباح إلا مع خفيف الحدث والجنابة كالريح والاحتلام بخلاف الغائط والجماع. ~~فإن التيمم مع ذلك والصلاة معه: مما تستعظمه النفوس وتهابه. فقد أنكر بعض ~~كبار الصحابة تيمم الجنب مطلقا. وكثير من الناس يهاب الصلاة مع الحدث ~~بالتيمم إذ كان جعل التراب طهورا كالماء: هو مما فضل الله به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأمته. ومن لم يستحكم إيمانه: لا يستجيز ذلك. فبين الله ~~سبحانه: أن التيمم مأمور به مع تغليظ الحدث بالغائط وتغليظ الجنابة ~~بالجماع. والتقدير: وإن كنتم مرضى أو مسافرين أو كان - مع ذلك - جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء. ليس المقصود: أن يجعل الغائط والجماع ~~فيما ليس معه مرض أو سفر. فإنه إذا جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء وليسوا مرضى ولا مسافرين. فقد بين ذلك بقوله {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} وبقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فدلت الآية على وجوب ~~الوضوء والغسل على الصحيح والمقيم. وأيضا فتخصيصه المجيء من الغائط ~~والجماع: يجوز أن يكون لا يتيمم في هذه الحالة دون ما هو أخف ms6490 من ذلك من ~~خروج الريح ومن # PageV21P383 # الاحتلام. فإن الريح كالنوم والاحتلام يكون في المنام. فهناك يحصل الحدث ~~والجنابة والإنسان نائم. فإذا كان في تلك الحال يؤمر بالوضوء والغسل فإذا ~~حصل ذلك وهو يقظان: فهو أولى بالوجوب. لأن النائم رفع عنه القلم بخلاف ~~اليقظان. ولكن دلت الآية على أن الطهارة تجب وإن حصل الحدث والجنابة بغير ~~اختياره كحدث النائم واحتلامه. وإذا دلت على وجوب طهارة الماء في الحال ~~فوجوبها مع الحدث الذي حصل باختياره أو يقظته: أولى. وهذا بخلاف التيمم. ~~فإنه لا يلزم إذا أباح التيمم للمعذور الذي أحدث في النوم باحتلام أو ريح: ~~أن يبيحه لمن أحدث باختياره فقال تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء} ليبين جواز التيمم لهذين. وإن حصل حدثهما في اليقظة ~~وبفعلهما وإن كان غليظا. ولو كانت " أو " بمعنى الواو: كان تقدير الكلام: ~~أن التيمم لا يباح إلا بوجود الشرطين - المرض والسفر - مع المجيء من الغائط ~~والاحتلام. فيلزم من هذا أن لا يباح مع الاحتلام ولا مع الحدث بلا غائط ~~كحدث النائم ومن خرجت منه الريح. فإن الحكم إذا علق بشرطين لم يثبت مع ~~أحدهما. وهذا ليس مرادا قطعا بل هو ضد # PageV21P384 # الحق؛ لأنه إذا أبيح مع الغائط الذي يحصل بالاختيار فمع الخفيف وعدم ~~الاختيار أولى. فتبين أن معنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا. ~~وإن كان مع ذلك قد جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. كما يقال: وإن ~~كنت مريضا أو مسافرا. والتقدير: وإن كنتم أيها القائمون إلى الصلاة - وأنتم ~~مرضى أو مسافرين - قد جئتم من الغائط أو لامستم النساء؛ ولهذا قال من قال: ~~إنها خطاب للقائمين من النوم: إن التقدير إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء. فإنه سبحانه ذكر أولا فعلهم بقوله: {إذا ~~قمتم} {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} الثلاثة أفعال. وقوله: ~~{وإن كنتم مرضى أو على سفر} حال لهم. أي كنتم على هذه الحال. كقوله: ms6491 وإن ~~كنتم على حال العجز عن استعمال الماء - إما لعدمه أو لخوف الضرر باستعماله ~~- فتيمموا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء. ولكن الذي رجحناه: أن قوله: {إذا قمتم} عام: إما لفظا ~~ومعنى. وإما معنى. # PageV21P385 # وعلى هذا فالمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضئوا أو اغتسلوا إن كنتم جنبا ~~وإن كنتم مرضى أو مسافرين أو فعلتم ما هو أبلغ في الحدث - جئتم من الغائط ~~أو لامستم النساء - إذ التقدير: وإن كنتم مرضى أو مسافرين وقد قمتم إلى ~~الصلاة أو فعلتم - مع القيام إلى الصلاة والمرض أو السفر - هذين الأمرين ~~المجيء من الغائط والجماع. فيكون قد اجتمع قيامكم إلى الصلاة والمرض والسفر ~~وأحد هذين. فالقيام موجب للطهارة والعذر مبيح وهذا القيام. فإذا قمتم وجب ~~التيمم إن كان قياما مجردا. أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. ~~ولكن من الناس من يعطف قوله {أو جاء} {أو لامستم} على قوله {إذا قمتم} ~~والتقدير: وإذا قمتم أو جاء أو لامستم. وهذا مخالف لنظم الآية. فإن نظمها ~~يقتضي أن هذا داخل في جزاء الشرط. وقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} فإن الذي قاله ~~قريب من جهة المعنى. ولكن التقدير: وإن كنتم إذا قمتم إلى الصلاة مرضى أو ~~على سفر أو كان مع ذلك: جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. فهو ~~تقسيم من مفرد ومركب. يقول: إن كنتم مرضى أو على سفر قائمين إلى الصلاة فقط ~~بالقيام # PageV21P386 # من النوم أو القعود المعتاد. أو كنتم - مع هذا -: قد جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء. فقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} خطاب ~~لمن قيل لهم: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~فالمعنى يا أيها القائم إلى الصلاة توضأ. وإن كنت جنبا فاغتسل. وإن كنت ~~مريضا أو مسافرا تيمم. أو كنت مع هذا وهذا مع قيامك إلى ms6492 الصلاة وأنت محدث ~~أو جنب. ومع مرضك وسفرك قد جئت من الغائط أو لامست النساء: فتيمم إن كنت ~~معذورا. وإيضاح هذا: أنه من باب عطف الخاص على العام الذي يخص بالذكر ~~لامتيازه. وتخصيصه يقتضي ذلك. ومثل هذا يقال: إنه داخل في العام ثم ذكر ~~بخصوصه. ويقال: بل ذكره خاصا يمنع دخوله في العام. وهذا يجيء في العطف بأو ~~وأما بالواو: فمثل قوله تعالى {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقوله: {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم} الآية ومن هذا قوله: {إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ونحو ذلك. وأما في " أو " ففي مثل قوله ~~تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم} وقوله: {ومن يعمل # PageV21P387 # سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} وقوله: {ومن ~~يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} وقوله ~~{فمن خاف من موص جنفا أو إثما} فإن الجنف هو الميل عن الحق وإن كان عامدا. ~~قال عامة المفسرين " الجنف " الخطأ و " الإثم " العمد. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: الجنف: الخروج عن الحق. وقد يسمى " المخطئ العامد " إلا أن ~~المفسرين علقوا " الجنف " على المخطئ و " الإثم " على العامد. ومثله قوله: ~~{ولا تطع منهم آثما أو كفورا} فإن " الكفور " هو الآثم أيضا. لكنه عطف خاص ~~على عام. وقد قيل: هما وصفان لموصوف واحد وهو أبلغ. فإن عطف الصفة على ~~الصفة والموصوف واحد كقوله: {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} وقوله: {هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن} وقوله: {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} {والذين هم للزكاة فاعلون} ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} ونظائر هذا كثيرة. قال ابن زيد: الآثم المذنب ~~الظالم والكفور. هذا كله واحد. قال ابن عطية: هو مخير في أنه يعرف الذي ~~ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين؛ لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور # PageV21P388 # ولم يكن للأمة من الكثرة بحيث يغلب الإثم على ms6493 المعاصي. قال: واللفظ إنما ~~يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من المشركين. وقال أبو ~~عبيدة وغيره: ليس فيها تخيير " أو " بمعنى الواو. وكذلك قال طائفة: منهم ~~البغوي وابن الجوزي. وقال المهدوي: أي لا تطع من أثم أو كفر. ودخول " أو " ~~يوجب أن لا تطيع كل واحد منهما على انفراده. ولو قال: ولا تطع منهما آثما ~~أو كفورا لم يلزم النهي إلا في حال اجتماع الوصفين. وقد يقال: إن " الكفور ~~" هو الجاحد للحق وإن كان مجتهدا مخطئا. فيكون هذا أعم من وجه وهذا أعم من ~~وجه التمسك (1) . # وقوله تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء} من هذا الباب. فإنه خاطب المؤمنين. فقال: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا} وهذا يتناول المحدثين كما تقدم. ثم قال: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} ثم قال " وإن كنتم - مع الحدث والجنابة - مرضى أو على سفر ولم ~~تجدوا ماء فتيمموا " PageV21P389 # وهذا يتناول كل محدث سواء كان قد جاء من الغائط أو لم يجئ كالمستيقظ من ~~نومه. والمستيقظ إذا خرجت منه الريح. ويتناول كل جنب سواء كانت جنابته ~~باحتلام أو جماع. فقال " وإن كنتم محدثون - جنب مرضى أو على سفر - أو جاء ~~أحد منكم من الغائط " وهذا نوع خاص من الحدث {أو لامستم النساء} وهذا نوع ~~خاص من الجنابة. ثم قد يقال: " لفظ الجنب " يتناول النوعين وخص المجامع ~~بالذكر وكذلك " القائم إلى الصلاة " يتناول من جاء من الغائط ومن أحدث بدون ~~ذلك لكن خص الجائي بالذكر كما في قوله: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} ~~فالآثم هو المتعمد وتخصيصه بالذكر - وإن كان دخل - ليبين حكمه بخصوصه ولئلا ~~يظن خروجه عن اللفظ العام. وإن كان لم يدخل فهو نوع آخر. والتقدير: إن كنتم ~~مرضى أو على سفر فتيمموا. وهذا معنى الآية. # فصل: # وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ذكر الحدث الأصغر. فالمجيء من الغائط ~~هو مجيء من الموضع الذي يقضي فيه الحاجة. وكانوا # PageV21P390 # ينتابون الأماكن ms6494 المنخفضة وهي الغائط. وهو كقولك: جاء من المرحاض. وجاء ~~من الكنيف ونحو ذلك. هذا كله عبارة عمن جاء وقد قضى حاجته بالبول أو ~~الغائط. والريح يخرج معهما. وقد تنازع الفقهاء: هل تنقض الريح لكونها ~~تستصحب جزءا من الغائط. فلا يكون على هذا نوعا آخر؟ أو هي لا تستصحب جزءا ~~من الغائط. بل هي نفسها تنقض. ونقضها متفق عليه بين المسلمين. وقد دل عليه ~~القرآن في قوله: {إذا قمتم} سواء كان أريد القيام من النوم أو مطلقا. فإن ~~القيام من النوم: مراد على كل تقدير. وهو إنما نقض بخروج الريح. هذا مذهب ~~الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف: أن النوم نفسه ليس بناقض ولكنه مظنة ~~خروج الريح. وقد ذهبت طائفة إلى أن النوم نفسه ينقض ونقض الوضوء بقليله ~~وكثيره. وهو قول ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان ينام حتى يغط ثم يقوم يصلي ولا يتوضأ ويقول: تنام عيناي ولا ينام ~~قلبي} . فدل على أن قلبه الذي لم ينم كان يعرف به أنه لم يحدث ولو كان ~~النوم نفسه كالبول والغائط والريح: لنقض كسائر النواقض. وأيضا قد ثبت في ~~الصحيحين " أن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة حتى # PageV21P391 # تخفق رءوسهم. ثم يصلون ولا يتوضئون وهم في المسجد ينتظرون العشاء خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ". وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عن العشاء ليلة فأخرها حتى رقدنا في ~~المسجد ثم استيقظنا. ثم رقدنا ثم استيقظنا. ثم خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ثم قال: ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم} ~~. ولمسلم عنه قال {مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لصلاة العشاء الآخرة. فخرج علينا حين ذهب ثلث الليل أو بعضه - ولا ندري أي ~~شيء شغله من أهله أو غير ذلك - فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ~~ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه ms6495 الساعة. ثم ~~أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى} . ولمسلم أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت ~~{اعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام ~~أهل المسجد ثم خرج فصلى. فقال: إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتي} . ففي ~~هذه الأحاديث الصحيحة: أنهم ناموا وقال في بعضها " إنهم # PageV21P392 # رقدوا ثم استيقظوا ثم رقدوا ثم استيقظوا " وكان الذين يصلون خلفه جماعة ~~كثيرة وقد طال انتظارهم وناموا. ولم يستفصل أحدا لا سئل ولا سأل الناس: هل ~~رأيتم رؤيا؟ أو هل مكن أحدكم مقعدته؟ أو هل كان أحدكم مستندا؟ وهل سقط شيء ~~من أعضائه على الأرض؟ فلو كان الحكم يختلف لسألهم. وقد علم أنه في مثل هذا ~~الانتظار بالليل - مع كثرة الجمع - يقع هذا كله. وقد كان يصلي خلفه النساء ~~والصبيان. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: {اعتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء فلم يخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم: ما ينتظرها أحد من أهل ~~الأرض غيركم. وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس} . وقد خرج البخاري هذا ~~الحديث في " باب خروج النساء إلى المسجد بالليل والغلس " وفي " باب النوم ~~قبل العشاء لمن غلب عليه النوم " وخرجه في " باب وضوء الصبيان وحضورهم ~~الجماعة " وقال فيه {إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم} . # PageV21P393 # وهذا يبين أن قول عمر " نام النساء والصبيان " يعني والناس في المسجد ~~ينتظرون الصلاة. وهذا يبين أن المنتظرين للصلاة كالذي ينتظر الجمعة إذا نام ~~أي نوم كان لم ينتقض وضوءه. فإن النوم ليس بناقض. وإنما الناقض: الحدث فإذا ~~نام النوم المعتاد الذي يختاره الناس في العادة - كنوم الليل والقائلة - ~~فهذا يخرج منه الريح في العادة وهو لا يدري إذا خرجت فلما كانت الحكمة خفية ~~لا نعلم بها: قام دليلها مقامها. وهذا هو النوم ms6496 الذي يحصل هذا فيه في ~~العادة. وأما النوم الذي يشك فيه: هل حصل معه ريح أم لا؟ فلا ينقض الوضوء. ~~لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول بالشك. وللناس في هذه المسألة أقوال ~~متعددة ليس هذا موضع تفصيلها لكن هذا هو الذي يقوم عليه الدليل. وليس في ~~الكتاب والسنة نص يوجب النقض بكل نوم. فإن قوله: {العين وكاء السه فإذا ~~نامت العينان استطلق الوكاء} قد روي في السنن من حديث علي بن أبي طالب ~~ومعاوية # PageV21P394 # رضي الله عنهما وقد ضعفه غير واحد. وبتقدير صحته: فإنما فيه {إذا نامت ~~العينان استطلق الوكاء} وهذا يفهم منه: أن النوم المعتاد هو الذي يستطلق ~~منه الوكاء. ثم نفس الاستطلاق لا ينقض. وإنما ينقض ما يخرج مع الاستطلاق. ~~وقد يسترخي الإنسان حتى ينطلق الوكاء ولا ينتقض وضوءه. وإنما قوله في حديث ~~صفوان بن عسال {أمرنا أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفرا - أو مسافرين - ثلاثة ~~أيام ولياليهن إلا من جنابة. لكن من غائط أو بول أو نوم} فهذا ليس فيه ذكر ~~نقض النوم. ولكن فيه: أن لابس الخفين لا ينزعهما ثلاثة أيام إلا من جنابة ~~ولا ينزعهما من الغائط والبول والنوم فهو نهي عن نزعهما لهذه الأمور. وهو ~~يتناول النوم الذي ينقض. ليس فيه: أن كل نوم ينقض الوضوء. هذا إذا كان لفظ ~~" النوم " من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف إذا كان من كلام الراوي؟ ~~وصاحب الشريعة قد يعلم أن الناس إذا كانوا قعودا أو قياما في الصلاة أو ~~غيرها فينعس أحدهم وينام ولم يأمر أحدا بالوضوء في مثل هذا. أما الوضوء من ~~النوم المعروف عند الناس: فهو الذي يترجح معه في العادة خروج الريح وأما ما ~~كان قد يخرج معه الريح وقد لا يخرج: فلا ينقض على أصل الجمهور. الذين ~~يقولون: إذا شك هل ينقض أو لا ينقض؟ أنه لا ينقض. بناء على يقين الطهارة. # PageV21P395 # فصل: # وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى وبالتيمم عن كل منهما فقال: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} فأمر ms6497 بالوضوء. ثم قال: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض: {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} وقال في سورة النساء: {ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} وهذا يبين أن التطهر هو الاغتسال. ~~والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال وأنه إذا اغتسل جاز له ~~أن يقرب الصلاة. والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما ~~قال جمهور العلماء. والمشهور في مذهب أحمد: أن عليه نية رفع الحدث الأصغر ~~وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور. وهو ظاهر ~~مذهب أحمد. وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر إلا بهما. وقيل: لا يرتفع حتى ~~يتوضأ. روي ذلك عن أحمد. # PageV21P396 # والقرآن يقتضي: أن الاغتسال كاف. وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث ~~آخر بل صار الأصغر جزءا من الأكبر. كما أن الواجب في الأصغر جزء من الواجب ~~في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. ويدل على ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: {اغسلنها ثلاثا أو خمسا ~~أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر. وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء ~~منها} . فجعل غسل مواضع الوضوء جزءا من الغسل لكنه يقدم كما تقدم الميامن. ~~وكذلك الذين نقلوا صفة غسله كعائشة رضي الله عنها ذكرت {أنه كان يتوضأ ثم ~~يفيض الماء على شعره ثم على سائر بدنه} ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين ~~وكان لا يتوضأ بعد الغسل. فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا ~~يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله ~~تعالى. وقوله: {فاطهروا} أراد به الاغتسال. فدل على أن قوله في الحيض {حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن} أراد به الاغتسال كما قاله الجمهور: # PageV21P397 # مالك والشافعي وأحمد. وأن من قال: هو غسل الفرج. كما قاله داود فهو ضعيف. # فصل: # قال الله عز وجل: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ms6498 من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} . فقوله {فلم تجدوا ~~ماء} يتعلق بقوله {على سفر} لا بالمرض. والمريض يتيمم وإن وجد الماء. ~~والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء. ذكر سبحانه وتعالى النوعين ~~الغالبين: الذي يتضرر باستعمال الماء والذي لا يجده. وقوله {على سفر} يعم ~~السفر الطويل والقصير كما قاله الجمهور. وقوله: {وإن كنتم مرضى} كقوله في ~~آية الخوف: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم} وقوله في الإحرام: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} # PageV21P398 # وفي الصيام {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ولم يوقت ~~الله تعالى وقتا في المرض. والذي عليه الجمهور: أنه لا يشترط فيه خوف ~~الهلاك. بل من كان الوضوء يزيد مرضه أو يؤخر برأه يتيمم. وكذلك في الصيام ~~والإحرام. ومن يتضرر بالماء لبرد فهو كالمريض عند الجمهور. لكن الله ذكر ~~الضرر العام وهو المرض. بخلاف البرد. فإنه إنما يكون في بعض البلاد لبعض ~~الناس الذين لا يقدرون على الماء الحار. وكذلك ذكر المسافر الذي لا يجد ~~الماء ولم يذكر الحاضر. فإن عدمه في الحضر نادر. لكن قد يحبس الرجل وليس ~~عنده إلا ما يكفيه لشربه. كما أن المسافر قد لا يكون معه إلا ما يكفيه ~~لشربه وشرب دوابه. فهذا عند الجمهور عادم الماء فيتيمم. # فصل: # وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} . ذكر أعظم ما يوجب ~~الوضوء وهو قضاء الحاجة. وأغلظ ما يوجب الغسل وهو ملامسة النساء. وأمر كلا ~~منهما إذا كان # PageV21P399 # مريضا أو مسافرا لا يجد الماء: أن يتيمم. وهذا هو مذهب جمهور الخلف ~~والسلف. وقد ثبت تيمم الجنب في أحاديث صحاح وحسان كحديث عمار بن ياسر رضي ~~الله عنهما. وهو في الصحيحين. وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه وهو في ~~البخاري. وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجة رضي الله عنهم. وهو في ~~السنن. فهاتان آيتان من كتاب الله ms6499 وخمسة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد عرفت مناظرة ابن مسعود في ذلك لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. ~~ولهذا نظائر كثيرة عن الصحابة. إذا عرفتها تعرف دلالة الكتاب والسنة عن ~~الرجل العظيم القدر تحقيقا لقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} ولا يرد هذا النزاع إلا إلى الله والرسول المعصوم المبلغ عن الله ~~الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. الذي هو الواسطة بين الله وبين ~~عباده. # PageV21P400 # فصل: # ونذكر هذا على قوله: {أو لامستم النساء} . # المراد به: الجماع. كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من العرب. ~~وهو يروى عن علي رضي الله عنه وغيره. وهو الصحيح في معنى الآية. وليس في ~~نقض الوضوء من مس النساء لا كتاب ولا سنة. وقد كان المسلمون دائما يمسون ~~نساءهم. وما نقل مسلم واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحدا ~~بالوضوء من مس النساء. وقول من قال: إنه أراد ما دون الجماع وإنه ينقض ~~الوضوء. فقد روي عن ابن عمر والحسن " باليد " وهو قول جماعة من السلف في ~~المس بشهوة والوضوء منه حسن مستحب لإطفاء الشهوة كما يستحب الوضوء من الغضب ~~لإطفائه. وأما وجوبه: فلا. وأما المس المجرد عن الشهوة: فما أعلم للنقض به ~~أصلا عن السلف. وقوله تعالى {أو لامستم النساء} لم يذكر في القرآن الوضوء # PageV21P401 # منه بل إنما ذكر التيمم بعد أن أمر المحدث القائم للصلاة: بالوضوء. وأمر ~~الجنب بالاغتسال فذكر الطهارة بالصعيد الطيب ولا بد أن يبين النوعين. ~~وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} بيان لتيمم هذا. وقوله: {أو لامستم ~~النساء} لم يذكر واحدا منهما لبيان طهارة الماء. إذا كان قد عرف أصل هذا. ~~فقوله {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~فالآية ليس فيها إلا أن اللامس إذا لم يجد الماء يتيمم. فكيف يكون هذا من ~~الحدث الأصغر؟ يأمر من مس المرأة أن يتيمم وهو لم يأمره أن يتوضأ. فكيف ~~يأمر بالتيمم ms6500 من لم يأمره بالوضوء؟ وهو إنما أمر بالتيمم من أمره بالوضوء ~~والاغتسال. ونظير هذا يطول. ومن تدبر الآية قطع بأن هذا هو المراد. # فصل: # ودلت الآية على أن المسافر: يجامع أهله وإن لم يجد الماء ولا يكره له ذلك ~~كما قاله الله في الآية. وكما دلت عليه الأحاديث. حديث أبي ذر وغيره. # PageV21P402 # فصل: # وقوله: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} ~~دليل على أن التيمم مطهر كالماء سواء. وكذلك ثبت في صحيح السنة: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال {الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر ~~سنين. فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير} رواه الترمذي وصححه ورواه ~~أبو داود والنسائي. وفي الصحيح عنه: قال {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا} . ~~وهو - صلى الله عليه وسلم - جعل التراب طهورا في طهارة الحدث وطهارة الجنب. ~~كما قال في حديث أبي سعيد {إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما ~~فإن كان بهما أذى - أو خبث - فليدلكهما بالتراب. فإن التراب لهما طهور} ~~وقال في حديث أم سلمة # PageV21P403 # {ذيل المرأة يطهره ما بعده} . فدل على أن التيمم مطهر يجعل صاحبه طاهرا ~~كما يجعل الماء مستعمله في الطهارة طاهرا إن لم يكن جنبا ولا محدثا. فمن ~~قال: إن المتيمم جنب أو محدث فقد خالف الكتاب والسنة. بل هو متطهر. وقوله ~~في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه {أصليت بأصحابك وأنت جنب} ؟ " استفهام. ~~أي هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو رضي الله عنه أنه لم يفعله بل تيمم لخوفه: أن ~~يقتله البرد. فسكت عنه وضحك. ولم يقل شيئا. فإن قيل: إن هذا إنكار عليه: ~~أنه صلى مع الجنابة. فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز. فإنه صلى ~~الله عليه وسلم لم ينكر ما هو منكر فلما أخبره: أنه صلى بالتيمم. دل على ~~أنه لم يصل وهو جنب. فالحديث حجة على من احتج به وجعل المتيمم ms6501 جنبا ومحدثا. ~~والله يقول: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر. ~~والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة. فكيف يكون جنبا # PageV21P404 # غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل. فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر ~~بالماء حينئذ. لأن البول المتقدم جعله محدثا. والصعيد جعله مطهرا إلى أن ~~يجد الماء. فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم لا أن الحدث كان مستمرا. ~~ثم من قال: التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي. فإنه إن قال: إنه يبيح ~~الصلاة مع الجنابة والحدث وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص. والجنابة محرمة ~~للصلاة. فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام فإن ذلك يقتضي ~~اجتماع الضدين. والمتيمم غير ممنوع من الصلاة. فالمنع ارتفع بالاتفاق وحكم ~~الجنابة المنع. فإذا قيل بوجوده بدون مقتضاها - وهو المنع - فهذا نزاع ~~لفظي. # فصل: # وفي الآية دلالة على أن المتخلي لا يجب عليه غسل فرجه بالماء إنما يجب ~~الماء في طهارة الحدث بسبيله على أن إزالة النجو والخبث لا يتعين لها الماء ~~فإنه على ذلك تدل النصوص؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر فيها تارة ~~بالماء وتارة بغير الماء كما قد بسط في مواضع. # PageV21P405 # إذ المقصود هنا: التنبيه على ما دلت عليه الآية. فإن قوله: {أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} نص في أنه عند عدم ~~الماء يصلي وإن تغوط. بلا غسل. وقد ثبت في السنة {أنه يكفيه ثلاثة أحجار} ~~وأما مع العذر: فإنه قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وهذا يتناول كل ~~قائم وهو يتناول من جاء من الغائط كما يتناول من خرجت منه الريح. فلو كان ~~غسل الفرجين بالماء واجبا على القائم إلى الصلاة: لكان واجبا كوجوب غسل ~~الأعضاء الأربعة. والقرآن يدل على أنه لا يجب عليه إلا ما ذكره من الغسل ~~والمسح وهو يدل على أن المتوضئ والمتيمم متطهر. والفرجان جاءت السنة ~~بالاكتفاء فيهما بالاستجمار. وقوله تعالى {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين} يدل ms6502 على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله لا أنه واجب. بل لما ~~كان غير هؤلاء من المسلمين لا يستنجون بالماء - ولم يذمهم على ذلك بل ~~أقرهم. ولكن خص هؤلاء بالمدح - دل على جواز ما فعله غير هؤلاء. وأن فعل ~~هؤلاء أفضل وأنه مما فضل الله به الناس بعضهم على بعض. # PageV21P406 ### | فصل: # الترتيب في الوضوء وغيره من العبادات # والعقود: النزاع فيه مشهور. فمذهب الشافعي وأحمد: يجب. ومذهب مالك وأبي ~~حنيفة: لا يجب. وأحمد قد نص على وجوبه نصوصا متعددة. ولم يذكر المتقدمون - ~~كالقاضي ومن قبله - عنه نزاعا. قال أبو محمد: لم أر عنه فيه خلافا. قال: ~~وحكى أبو الخطاب: رواية أخرى عن أحمد: أنه غير واجب. قلت: هذه أخذت من نصه ~~في القبضة للاستنشاق فلو أخر غسلها إلى ما بعد غسل الرجلين: ففيه عن أحمد ~~روايتان منصوصتان. فإنه قال في إحدى الروايتين: إنه لو نسيهما حتى صلى: ~~تمضمض واستنشق وأعاد الصلاة ولم يعد الوضوء؛ لما في السنن عن المقدام بن ~~معديكرب {أنه أتي بوضوء. فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ~~ثلاثا ثم تمضمض واستنشق} . # PageV21P407 # فغير أبي الخطاب فرق بينهما وبين غيرهما بأن الترتيب إنما يجب فيما ذكر ~~في القرآن. وهما ليسا في القرآن. وأبو الخطاب - ومن تبعه - رأوا هذا فرقا ~~ضعيفا. فإن الأنف والفم لو لم يكونا من الوجه لما وجب غسلهما. ولهذا خرج ~~الأصحاب: أنهما من الوجه. كما قال الخرقي وغيره " والفم والأنف من الوجه " ~~ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بهما غسل الوجه. يبدأ بغسل ما ~~بطن منه. وقدم المضمضة لأن الفم أقرب إلى الظاهر من الأنف. ولهذا كان الأمر ~~به أوكد. وجاءت الأحاديث الصحيحة بالأمر به. ثم كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يغسل سائر الوجه. فإذا قيل بوجوبهما مع النزاع فهما كسائر ما نوزع ~~فيه. مثل البياض الذي بين العذار والأذن فمالك وغيره يقول: ليس من الوجه. ~~وفي النزعتين والتحذيف ثلاثة أوجه. قيل: هما من الرأس. وقيل: من الوجه. ~~والصحيح: أن النزعتين ms6503 من الرأس والتحذيف من الوجه. فلو نسي ذلك فهو كما لو ~~نسي المضمضة والاستنشاق. فتسوية أبي الخطاب أقوى. # PageV21P408 # وعلى هذا: فأحمد إنما نص على من ترك ذلك ناسيا. ولهذا قيل له: نسي ~~المضمضة وحدها؟ فقال: الاستنشاق عندي أوكد. يعني إذا نسي ذلك وصلى. قال: ~~يغسلهما ويعيد الصلاة والإعادة إذا ترك الاستنشاق عنده أوكد للأمر به في ~~الأحاديث الصحيحة. وكذلك الحديث المرفوع فإن جميع من نقل وضوء النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخبروا: أنه بدأ بهما. وهذا حكى فعلا واحدا. فلا يمكن الجزم ~~بأنه كان متعمدا. وحينئذ فليس في تأخيرهما عمدا سنة بل السنة في النسيان. ~~فإن النسيان متيقن. فإن الظاهر: أنه كان ناسيا إذا قدر الشك. فإذا جاز مع ~~التعمد فمع النسيان أولى. فالناسي معذور بكل حال. بخلاف المتعمد. وهو القول ~~الثالث. وهو الفرق بين المتعمد لتنكيس الوضوء وبين المعذور بنسيان أو جهل. ~~وهو أرجح الأقوال. وعليه يدل كلام الصحابة وجمهور العلماء. وهو الموافق ~~لأصول المذهب في غير هذا الموضع. وهو المنصوص عن أحمد في الصورة التي خرج ~~منها أبو الخطاب. فمن ذلك: إذا أخل بالترتيب بين الذبح والحلق. فإن الجاهل ~~يعذر بلا خلاف في المذهب. وأما العالم المتعمد: فعنه روايتان # PageV21P409 # والسنة إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يسأل عن ذلك؟ فيقول: ~~{افعل ولا حرج} لأنهم قدموا وأخروا بلا علم. لم يتعمدوا المخالفة للسنة. ~~وإلا فالقرآن قد جاء بالترتيب لقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل ~~وأحلق حتى أنحر} . وقوله {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} أدل على الترتيب من قوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . لكن ~~يقال: قد فرقوا بأن هذه عبادة واحدة مرتبط بعضها ببعض وتلك عبادات كالحج ~~والعمرة والصلاة والزكاة. وهكذا فرق أبو بكر عبد العزيز بين الوضوء وغيره. ~~فقال: ذاك كله من الحج: الدماء والذبح والحلق والطواف. والحج عبادة واحدة. ~~ولهذا متى وطئ قبل التحلل الأول ms6504 فسد الحج عند الجمهور. وهل يحصل كالدم وحده ~~أو كالدم والحلق؟ على روايتين. ومنها: إذا نسي بعض آيات السورة في قيام ~~رمضان. فإنه لا يعيدها ولا يعيد ما بعدها مع أنه لو تعمد تنكيس آيات السورة # PageV21P410 # وقراءة المؤخر قبل المقدم لم يجز بالاتفاق وإنما النزاع في ترتيب السور ~~نص على ذلك أحمد وحكاه عن أهل مكة سئل عن الإمام في شهر رمضان يدع الآيات ~~من السورة ترى لمن خلفه أن يقرأها قال نعم ينبغي له أن يفعل قد كانوا بمكة ~~يوكلون رجلا يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها فإذا كان ليلة الختمة ~~أعاده # قال الأصحاب كأبي محمد وإنما استحب ذلك لتتم الختمة ويكمل الثواب # فقد جعل أهل مكة وأحمد وأصحابه إعادة المنسي من الآيات وحده يكمل الختمة ~~والثواب وإن كان قد أخل بالترتيب هنا فإنه لم يقرأ تمام السورة وهذا مأثور ~~عن علي رضي الله عنه أنه نسي آية من سورة ثم في أثناء القراءة قرأها وعاد ~~إلى موضعه ولم يشعر أحد أنه نسي إلا من كان حافظا # فهكذا من ترك غسل عضو أو بعضه نسيانا يغسله وحده ولا يعيد غسل ما بعده ~~فيكون قد غسله مرتين فإن هذا لا حاجة إليه. # وهذا التفصيل يوافق ما نقل عن الصحابة والأكثرين فإن الأصحاب وغيرهم ~~فعلوا كما نقله ابن المنذر عن علي ومكحول والنخعي # PageV21P411 # والزهري والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه فرأى في لحيته بللا. فمسح به رأسه ~~فلم يأمروه بإعادة غسل رجليه. واختاره ابن المنذر. وقد نقل عن علي وابن ~~مسعود " ما أبالي بأي أعضائي بدأت " قال أحمد: إنما عنى به اليسرى على ~~اليمنى؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد. ثم قال أحمد: حدثني جرير عن قابوس عن ~~أبيه " أن عليا سئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شيء؟ فقال: لا ~~حتى يكون كما أمره الله تعالى " فهذا الذي ذكره أحمد عن علي يدل على وجوب ~~الترتيب. وما نقله ابن المنذر في صورة النسيان: يدل على أن الترتيب يسقط مع ~~النسيان ms6505 ويعيد المنسي فقط. فدل على أن التفصيل قول علي. رضي الله عنه وقد ~~ذكر من أسقطه مطلقا: ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " لا بأس ~~أن تبدأ برجليك قبل يديك ". لكن قال أحمد وغيره: لا نعرف لهذا أصلا؛ ونقلوا ~~في الوجوب # PageV21P412 # عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن. وهؤلاء أئمة التابعين. وصورة النسيان ~~مرادة قطعا. فتبين أنها قول جمهور السلف أو جميعهم. والأمر المنكر: أن ~~تتعمد تنكيس الوضوء. فلا ريب أن هذا مخالف لظاهر الكتاب مخالف للسنة ~~المتواترة. فإن هذا لو كان جائزا لكان قد وقع أحيانا أو تبين جوازه - كما ~~في ترتيب التسبيح - لما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أفضل الكلام - بعد ~~القرآن - أربع. وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر. لا يضرك بأيتهن بدأت} . ومما يدل على ذلك شرعا ومذهبا: أن من ~~نسي صلاة صلاها إذا ذكرها بالنص. وقد سقط الترتيب هنا في مذهب أحمد بلا ~~خلاف ومذهب أبي حنيفة وغيره. ولكن حكي عن مالك: أنه لا يسقط. وقاسوا ذلك ~~على ترتيب الطهارة. # PageV21P413 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها} نص في أنه يصليها في أي وقت ذكر. وليس عليه غير ذلك. وقد سلم ~~الأصحاب: أن ترتيب الجمع لا يسقط بالنسيان. وعموم الحديث يدل على سقوطه. ~~فلو كانت المنسية هي الأولى من صلاتي الجمع: أعادها وحدها بموجب النص. ومن ~~أوجب إعادة الثانية فقد خالف. وكذلك يقال في سائر أهل الأعذار كالمسبوق إذا ~~أدركهم في الثانية: صلاها معهم ثم صلى الأولى. كما لو أدرك بعض الصلاة. ~~وليس ترتيب صلاته على أول الصلاة بأعظم من ترتيب آخر الصلاة على أولها. ~~وإذا كان هكذا سقط ما أدرك ويقضي ما سقط؛ فهذا في الصلاتين أولى؛ لا سيما ~~وهو إذا لم يدرك من المغرب إلا تشهدا تشهد ثلاث تشهدات كما في حديث ابن ~~مسعود المشهور في قصة مسروق وحديثه. وهذا أصل ثابت بالنص والإجماع يعتبر ms6506 به ~~نظائره؛ وهو سقوط الترتيب عن المسبوق. # PageV21P414 # وكانوا في أول الإسلام لا يرتبون. فيصلون ما فاتهم ثم يصلون مع الإمام. ~~لكن نسخ ذلك. وقد روي أن أول من فعله معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{قد سن لكم معاذ فاتبعوه} . والأئمة الأربعة: على أنه يقرأ في ركعتي القضاء ~~بالحمد وسورة. وكذلك لو أدرك الإمام ساجدا سجد معه بالنص واتفاق الأئمة. ~~فقد سجد قبل القيام لمتابعة الإمام وإن لم يعتد به. لكنه لو فعل هذا عمدا ~~لم يجز. فلو كبر وسجد ثم قام: لم تصح صلاته. لكن هذا يستدل به على أن ~~الركعة الواحدة يجب فيها الترتيب. فإن هذا السجود - ولو ضم إليه بعد السلام ~~ركوعا مجردا - لم يصر ذلك ركعة. بل عليه أن يأتي بركعة بعدها سجدتان لأنه ~~أخل بالترتيب والموالاة. فكذلك إذا نسي الركوع حتى تشهد وسلم. ففيه قولان ~~في المذهب: هل تبطل صلاته؟ والمنصوص إن لم يطل الفصل بنى على ما مضى وهو ~~قول الشافعي رحمه الله وغيره. # وذهب طائفة من العلماء إلى سقوط الموالاة والترتيب في الصلاة # PageV21P415 # مع النسيان فقال مكحول ومحمد بن أسلم - في المصلي: ينسى سجدة أو ركعة - ~~يصليها متى ما ذكرها. ويسجد للسهو. وقال الأوزاعي - لرجل نسي سجدة من صلاة ~~الظهر فذكرها في صلاة العصر - يمضي في صلاته. فإذا فرغ سجد. ويدل على هذا ~~القول: أحاديث سجود السهو فإنها تدل على أنه يتم الصلاة ثم يسجد للسهو ولو ~~مع طول الفصل. وأما المسبوق: فالسجود الذي فعله مع الإمام: كان لمتابعة ~~الإمام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة {زادك الله حرصا؛ ~~ولا تعد} وهو متمكن من أن يأتي بالركعة بعد السلام فلا عذر له حتى. . . (1) ~~وإذا نسي ركنا من الأولى حتى شرع في الثانية. ففيها قولان. مالك وأحمد لا ~~يقولان بالتلفيق. بل تلغو المنسي ركنها. وتقوم هذه مقامها. ولكن هل يكون ~~ذلك بالقراءة أو بالركوع؟ فيه نزاع. والشافعي يقول: ما فعله بعد الركوع ~~المنسي فهو لغو. لأن فعله في غير محله ms6507 لا أن يفعل نظيره في الثانية. فيكون ~~هو تمام الأول PageV21P416 # كما لو سلم من الصلاة ثم ذكر. فإن السلام يقع لغوا. فأحمد ومالك يقولان: ~~هو إنما يقصد بما فعله أن يكون من الركعة الثانية. لم يقصد أن يكون من ~~الأولى وهو إذا قرأ أو ركع في الركعة الثانية: أمكن أن يجعلها هي الأولى. ~~فإن الترتيب بين الركعات يسقط بالعذر؛ فلا وجه لإبطال هذه ولا يكون فاعلا ~~له في غير محله إلا إذا جعلت هذه ثانية. فإذا جعلت الأولى: كان قد فعله في ~~محله. وإذا قيل: هو قصد الثانية قبل وقصد بالسجود فيها السجود في الثانية ~~لرعاية ترتيبه في أبعاض الركعة بأن لا يجعل بعضها في ركعة غيرها: أولى من ~~رعايتها في الركعتين. فإن جعل الأولى ثانية يجوز للعذر كما في المسبوق. ~~وأما جعل سجود الثانية تماما للأولى: فلا نظير له في الشرع. وبسط هذا له ~~مكان آخر. والمقصود هنا: سقوط الترتيب في الوضوء بالنسيان وكذلك سقوط ~~الموالاة كما هو قول مالك. وكذلك بغير النسيان من الأعذار مثل بعد الماء. ~~كما نقل عن ابن عمر. فإن الصلاة نفسها إذا جاز فيها عدم الموالاة للعذر؛ ~~فالوضوء أولى. بدليل صلاة الخوف في حديث ابن عمر وأحاديث سجود السهو. # PageV21P417 # وأما حديث صاحب اللمعة التي كانت في ظهر قدمه: فمثل هذا لا ينسى. فدل أنه ~~تركها تفريطا. والموالاة في غسل الجنابة: لا تجب للحديث الذي فيه أنه {رأى ~~في بدنه موضعا لم يصبه الماء فعصر عليه شعره} والأصحاب فرقوا بينه وبين ~~الوضوء. فإنه لا يجب ترتيبه فكذلك الموالاة. ومالك يوجب الموالاة وإن لم ~~يوجب الترتيب في الوضوء. وأما في الغسل: فالبدن كعضو واحد. والعضو الواحد ~~لا ترتيب فيه بالاتفاق. وأما تعمد تفريق الغسل: فهو كتعمد تفريق غسل العضو ~~الواحد. لكن فرق بينهما؛ فإن غسل الجنابة كإزالة النجاسة لا يتعدى حكم ~~الماء محله؛ بخلاف الوضوء. فإن حكمه طهارة جميع البدن والمغسول أربعة ~~أعضاء. وهذا محل نظر. والجنب إذا وجد بعض ما يكفيه استعمله. وأما المتوضئ: ~~ففيه ms6508 قولان للأصحاب. ومن جوز ذلك جعل الوضوء يتفرق للعذر وجعل ما غسل يحصل ~~به بعض الطهارة. وكذلك الماسح على الخفين إذا خلعهما. هل يقتصر على مسح ~~الرجلين أو يعيد الوضوء؟ فيه قولان هما روايتان. وقد قيل: إن المأخذ هو ~~الموالاة. وقيل: إن المأخذ أن # PageV21P418 # الوضوء لا ينقض. فإذا عاد الحدث إلى الرجل عاد إلى جميع الأعضاء وهذا عند ~~العذر: فيه نزاع كما تقدم. وقد يكون الترتيب شرطا لا يسقط بجهل ولا نسيان. ~~كما في الحديث الصحيح: {من ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم} فالذبح ~~للأضحية: مشروط بالصلاة قبله. وأبو بردة بن نيار رضي الله عنه كان جاهلا. ~~فلم يعذره بالجهل. بل أمره بإعادة الذبح. بخلاف الذين قدموا في الحج: الذبح ~~على الرمي أو الحلق على ما قبله. فإنه قال {افعل ولا حرج} فهاتان سنتان: ~~سنة في الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة: أنها لا تجزئ. وسنة في الهدي إذا ذبح ~~قبل الرمي جهلا: أجزأ. والفرق بينهما - والله أعلم - أن الهدي صار نسكا ~~بسوقه إلى الحرم وتقليده وإشعاره. فقد بلغ محله في المكان والزمان. فإذا ~~قدم جهلا: لم يخرج عن كونه هديا؛ وأما الأضحية: فإنها قبل الصلاة لا تتميز ~~عن شاة اللحم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ذبح قبل الصلاة فإنما ~~هي شاة لحم قدمها لأهله} وإنما هي نسك بعد الصلاة. كما قال تعالى: {فصل ~~لربك وانحر} وقال: {إن صلاتي ونسكي} فصار فعله قبل هذا الوقت: كالصلاة قبل ~~وقتها. # PageV21P419 # فهذا وقت الأضحية؛ وقته بعد فعل الصلاة كما بين الرسول ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة وهو قول الجمهور من العلماء: مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم. وإنما قدر وقتها بمقدار الصلاة: الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد ~~كالخرقي. وفي الأضحية: يشترط في أحد القولين أن يذبح بعد الإمام. وهو قول ~~مالك وأحد القولين في مذهب أحمد. ذكره أبو بكر. والحجة فيه: حديث جابر في ~~الصحيح. وقد قيل: إن قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} نزلت في ذلك ~~وكذلك ms6509 في الإفاضة من عرفة قبل الإمام قولان في مذهب أحمد: يجب فيه دم. فهذا ~~عند من يوجبه بمنزلة اتباع المأموم الإمام في الصلاة. # فصل: # وما ذكره من نصه على قراءة ما نسي: يدل على أن الترتيب يسقط بالنسيان في ~~القراءة. وقد ذكر أحمد وأصحابه: أن موالاة الفاتحة واجبة وإذا تركها لعذر ~~نسيان قالوا - واللفظ لأبي محمد - وإن كثر ذلك - أي الفصل - استأنف قراءتها ~~إلا أن يكون المسكوت # PageV21P420 # مأمورا به كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة ثم يسمع قراءة الإمام فينصت ~~له. ثم إذا سكت الإمام: أتم قراءتها وأجزأته. أومأ إليه أحمد. وكذلك إن كان ~~السكوت نسيانا أو نوبا أو لانتقاله إلى غيرها غلطا: لم تبطل. فإذا ذكر: أتى ~~بما بقي منها. فإن تمادى فيما هو فيه - بعد ذكرها - أبطلها. ولزمه ~~استئنافها. قال وإن قدم آية منها في غير موضعها: أبطلها. وإن كان غلطا. رجع ~~إلى موضع الغلط فأتمها. فلم يسقطوا الترتيب بالعذر كما أسقطوا الموالاة. ~~فإن الموالاة أخف. فإنه لو قرأ بعض سورة اليوم وبعضها غدا: جاز. ولو نكسها: ~~لم يجز. ويفرق في الترتيب بين الكلام المستقل الذي إذا أتى به وحده كان مما ~~يسوغ تلاوته وبين ما هو مرتبط بغيره. فلو قال: {صراط الذين أنعمت عليهم} لم ~~يكن هذا كلاما مفيدا حتى يقول: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت ~~عليهم} ولو قال {إياك نعبد وإياك نستعين} ثم قال {الحمد لله رب العالمين} ~~{الرحمن الرحيم} كان مفيدا. لكن مثل هذا لا يقع فيه أحد. ولا يبتدئ أحد ~~الفاتحة بمثل ذلك لا عمدا ولا غلطا. وإنما يقع الغلط فيما يحتاج فيه إلى ~~الترتيب. فهذا فرق بين ما ذكروه فيما ينسى من الفاتحة وما ينسى من الختمة. # PageV21P421 # فصل: # ومما يبين أن الترتيب يسقط إذا احتاج إلى التكرار بلا تفريط من الإنسان: ~~أن التيمم يجزئ بضربة واحدة دل عليه الحديث الصحيح - حديث عمار بن ياسر رضي ~~الله عنهما - وهو مذهب أحمد بلا خلاف. وهو في الصحيحين من حديث أبي موسى. ~~ومن حديث ابن أبزى. ms6510 ففي حديث ابن أبزى {إنما كان يكفيك هكذا. فضرب بكفيه ~~الأرض ونفخ فيهما. ثم مسح بهما وجهه وكفيه} وكذلك لمسلم في حديث أبي موسى ~~{إنما كان يكفيك أن تقول هكذا. وضرب بيديه إلى الأرض. فنفض يديه. فمسح وجهه ~~وكفيه} وللبخاري {ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة} . وقد اختلف الأصحاب في هذه ~~الصفة. فقيل: يرتب. فيمسح وجهه ببطون أصابعه وظاهر يديه براحته. وقيل: لا ~~يجب ذلك. بل يمسح بهما وجهه وظاهر كفيه. # PageV21P422 # وعلى الوجهين: لا يؤخر مسح الراحتين إلى ما بعد الوجه. بل يمسحهما: إما ~~قبل الوجه وإما مع الوجه وظهور الكفين. ولهذا قال ابن عقيل: رأيت التيمم ~~بضربة واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء. وهو أنه بعد أن مسح باطن ~~يديه مسح وجهه. وفي الصحيحين من حديث عمار بن ياسر من طريق أبي موسى رضي ~~الله عنهما قال {إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ضربة ~~واحدة. ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه} لفظ البخاري {وضرب ~~بكفيه ضربة على الأرض. ثم نفضهما ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله - أو ظهر ~~شماله بكفه - ثم مسح بهما وجهه} . وهذا صريح في أنه لم يمسح الراحتين بعد ~~الوجه. ولا يختلف مذهب أحمد: أن ذلك لا يجب. وأما ظهور الكفين: فرواية ~~البخاري صريحة في {أنه مر على ظهر الكف قبل الوجه} وقوله في الرواية الأخرى ~~{وظاهر كفيه} يدل على أنه مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى. وقال فيها ~~{ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه قبل الوجه} . وقال أبو محمد: فرض ~~الراحتين سقط بإمرار كل واحدة على ظهر # PageV21P423 # الكف. وهذا إنما يوجب سقوط فرض باطن الراحة. وأما باطن الأصابع: فعلى ما ~~ذكره سقط مع الوجه. وعلى كل حال: فباطن اليدين يصيبهما التراب حين يضرب ~~بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر الكفين. وإن مسح إحداهما بالأخرى فهو ~~ثلاث مرات. ولو كان الترتيب واجبا لوجب أن يمسح باطنهما بعد الوجه. وهذا لا ~~يمكن مع القول بضربة واحدة. ولو فعل ms6511 ذلك للزم تكرار مسحهما مرة بعد مرة. ~~فسقط لذلك. فإن التيمم لا يشرع فيه التكرار بخلاف الوضوء. فإنه - وإن غسل ~~يديه ابتداء وأخذ بهما الماء لوجهه فهو - بعد الوجه يغسلهما إلى المرفقين. ~~وهو يأخذ الماء - بهما. فيتكرر غسلهما؛ لأن الوضوء يستحب فيه التكرار في ~~الجملة. لأنه طهارة بالماء؛ ولكن لو لم يغسل كفيه بعد غسل الوجه فهو محل ~~نظر فإنه يغرف بهما الماء وقد قالوا: إذا نوى الاغتراف لم يصر الماء ~~مستعملا وإن نوى غسلهما فيه: صار مستعملا وإن لم ينو شيئا ففيه وجهان. ~~والصحيح: أنه لا يصير مستعملا وإن نوى غسلهما فيه؛ لمجيء السنة بذلك وهذا ~~يقتضي أن غسلهما بنية الاغتراف لا تحصل به طهارتهما بل لا بد من غسل آخر. # PageV21P424 # والأقوى: أن هذا لا يجب بل غسلهما بنية الاغتراف يجزئ عن تكرار غسلهما ~~كما في التيمم. وأيضا فإنه يغسل ذراعيه بيديه؛ فيكون هذا غسلا لباطن اليد. ~~ولو قيل: بل بقي غسلهما ابتداء ومع الوجه يسقط فرضهما كما قيل مثل ذلك في ~~التيمم: لكان متوجها. فإنه قال في الوضوء: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق} كما قال في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ففي الوضوء أخر ~~ذكر اليد. لكن الرواية التي انفرد بها البخاري: تبين أنه مسح ظهر الكفين ~~قبل الوجه. وسائر الروايات مجملة تقتضي أنه لما مسح لم يمسح الراحتين بعد ~~الوجه فكذلك ظهر الكفين بل مسح ظهرهما مع بطنهما؛ لأن مسحهما جملة أقرب إلى ~~الترتيب. فإن مسح العضو الواحد بعضه مع بعض أولى من تفريق ذلك. وأيضا: ~~فتكون الراحتان ممسوحتين مع ظهر الكف. والاعتداد بذلك أولى من الاعتداد ~~بمسحهما مع الوجه. وما ذكره بعض الأصحاب - من أنه يجعل الأصابع للوجه وبطون ~~الراحتين لظهور الكفين - خلاف ما جاءت به الأحاديث. # PageV21P425 # وليس في كلام أحمد ما يدل عليه. وهو متعسر أو متعذر. وهو بدعة لا أصل لها ~~في الشرع. وبطون الأصابع لا تكاد تستوعب الوجه. وإنما احتاجوا إلى هذا ~~ليجعلوا بعض التراب لظاهر الكفين بعد الوجه. فيقال لهم: كما أن ms6512 الراحتين لا ~~يمسحان بعد الوجه بلا نزاع فكذلك ظهر الكفين. فإنهم - وإن مسحوا ظهر الكفين ~~بالراحتين ببطون الأصابع - مسحوا مع الوجه: مسح باليدين قبل الوجه كما قال ~~ابن عقيل؛ ولهذا اختار المجد: أنه لا يجب الترتيب فيه بل يجوز مسح ظهر ~~الكفين قبل الوجه كما دل عليه الحديث الصحيح والحديث الصحيح يدل على أنه ~~يمسح الوجه وظاهر الكفين بذلك التراب وأن مسح ظهر الكفين بما بقي في اليدين ~~من التراب يكفي لظهر الكفين. فإن ألفاظ الحديث كلها تتعلق بأنه يمسح وجهه ~~بيديه ومسح اليدين إحداهما بالأخرى: لم يجعل بعض باطن اليد للوجه وبعضه ~~للكفين بل بباطن اليدين مسح وجهه ومسح كفيه ومسح إحداهما بالأخرى. وأجاب ~~القاضي ومن وافقه - متابعة لأصحاب الشافعي - بأنه إذا تيمم لجرح في عضو: ~~يكون التيمم فيه عند وجوب غسله فيفصل بالتيمم بين أبعاض الوضوء هذا فعل ~~مبتدع وفيه ضرر عظيم ومشقة لا # PageV21P426 # تأتي بها الشريعة. وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب حيث لم يوجبه الله ~~ورسوله. والنفاة يجوزون التنكيس لغير عذر وخيار الأمور أوساطها ودين الله ~~بين الغالي والجافي. والله أعلم. # و ### | سئل: # هل يقوم التيمم مقام الوضوء # فيما ذكر أم لا؟ . # فأجاب: # يقوم التيمم مقام الطهارة بالماء. فما يبيحه الاغتسال والوضوء من ~~الممنوعات يبيحه التيمم. # وسئل أيضا - رحمه الله -: # عن رجل قد أصابته جنابة وهو في بستان ولم يكن عنده إلا ماء بارد ويخاف ~~الضرر على نفسه باستعماله والحمام بعيد منه؛ بحيث إذا وصل إلى الحمام ~~واغتسل خرج الوقت. فهل إذا تيمم للجنابة وتوضأ وصلى في الوقت يلزمه إعادة؟ ~~وهل يأثم بذلك؟ أو يأثم إذا تيمم؟ . وهل التيمم يقوم مقام الماء؛ فيجوز له ~~التيمم لنافلة ويصلي بها فريضة أو يصلي فريضتين في وقتين بتيمم واحد؟ . # PageV21P427 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، يجب على كل مسلم أن يصلي الصلوات الخمس في ~~مواقيتها وليس لأحد قط أن يؤخر الصلاة عن وقتها لا لعذر ولا لغير عذر. لكن ~~العذر يبيح له شيئين: يبيح له ترك ما يعجز عنه ويبيح ms6513 له الجمع بين ~~الصلاتين. فما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه. قال الله تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} . وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} . ~~{ولا نكلف نفسا إلا وسعها} . وقال - لما ذكر آية الطهارة -: {ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية. وقد روي في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . فالمريض يصلي على حسب حاله. كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: {صل قائما. فإن لم تستطع فقاعدا. ~~فإن لم تستطع فعلى جنب} . وسقط عنه ما يعجز عنه من قيام وقعود أو تكميل ~~الركوع والسجود. ويفعل ما يقدر عليه. فإن قدر على الطهارة بالماء تطهر وإذا ~~عجز عن ذلك لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله تيمم. وصلى ولا إعادة عليه ~~لما يتركه من القيام والقعود باتفاق العلماء وكذلك لا إعادة إذا صلى ~~بالتيمم باتفاقهم ولو كان في بدنه نجاسة # PageV21P428 # لا يمكنه إزالتها صلى بها ولا إعادة عليه أيضا عند عامة العلماء. ولو لم ~~يجد إلا ثوبا نجسا فقيل يصلي عريانا وقيل يصلي ويعيد وقيل يصلي في الثوب ~~النجس ولا يعيد وهو أصح أقوال العلماء. وكذلك المسافر إذا لم يقدر على ~~استعمال الماء صلى بالتيمم. وقيل: يعيد في الحضر وقيل: يعيد في السفر وقيل: ~~لا إعادة عليه لا في الحضر ولا في السفر. وهو أصح أقوال العلماء. فالصحيح ~~من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب الاستطاعة وإنما يعيد ~~من ترك واجبا يقدر عليه. مثل من تركه لنسيانه أو نومه. كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها ~~إلا ذلك} وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من توضأ وترك لمعة لم يصبها ~~الماء من قدمه يعيد الوضوء والصلاة. وما ترك لجهله بالواجب مثل من كان يصلي ~~بلا طمأنينة ولا ms6514 يعلم أنها واجبة فهذا قد اختلفوا فيه: هل عليه الإعادة بعد ~~خروج الوقت أو لا؟ على قولين معروفين. وهما قولان في مذهب أحمد وغيره ~~والصحيح أن مثل هذا لا إعادة عليه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال للأعرابي المسيء في # PageV21P429 # صلاته: {اذهب فصل فإنك لم تصل - مرتين أو ثلاثا - فقال: والذي بعثك بالحق ~~لا أحسن غير هذا: فعلمني ما يجزيني في صلاتي} فعلمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصلاة بالطمأنينة. ولم يأمره بإعادة ما مضى قبل ذلك الوقت مع قوله: ~~والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا: ولكن أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن ~~وقتها باق. فهو مأمور بها أن يصليها في وقتها وأما ما خرج وقته من الصلاة ~~فلم يأمره بإعادته مع كونه قد ترك بعض واجباته لأنه لم يكن يعرف وجوب ذلك ~~عليه. وكذلك لم يأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقضي ما تركه من ~~الصلاة: لأجل الجنابة. لأنه لم يكن يعرف أنه يجوز الصلاة بالتيمم. وكذلك ~~المستحاضة قالت له: إني أستحاض حيضة شديدة منكرة تمنعني الصوم والصلاة ~~فأمرها أن تتوضأ لكل صلاة ولم يأمرها بقضاء ما تركته. وكذلك الذين أكلوا في ~~رمضان حتى تبين لأحدهم الحبال البيض من الحبال السود أكلوا بعد طلوع الفجر ~~ولم يأمرهم بالإعادة فهؤلاء كانوا جهالا بالوجوب فلم يأمرهم بقضاء ما تركوه ~~في حال # PageV21P430 # الجهل كما لا يؤمر الكافر بقضاء ما تركه في حال كفره وجاهليته؛ بخلاف من ~~كان قد علم الوجوب وترك الواجب نسيانا. فهذا أمره به إذا ذكره. وأمر النائم ~~من حين يستيقظ فإنه حين النوم لم يكن مأمورا بالصلاة فلهذا كان النائم إذا ~~استيقظ قرب طلوع الشمس يتوضأ ويغتسل وإن طلعت الشمس عند جمهور العلماء: ~~كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك بخلاف من كان مستيقظا ~~والوقت واسع مثل الذي يكون نائما في بستان أو قرية والماء بارد يضره ~~والحمام بعيد منه إن خرج إليه ذهب الوقت فإنه يتيمم ويصلي ms6515 في الوقت ولا ~~يؤخر الصلاة بعد خروج الوقت. وكذلك لو كان في المصر وقد تعذر عليه دخول ~~الحمام: إما لكونه لم يفتح أو لبعدها عنه أو لكونه ليس معه ما يعطي الحمامي ~~أجرته ونحو ذلك فإنه يصلي بالتيمم لأن الصلاة بالتيمم فرض إذا عجز عن الماء ~~لعدم أو لخوف الضرر باستعماله ولا إعادة على أحد من هؤلاء ففي كثير من ~~الضرر لا إعادة عليه باتفاق المسلمين: كالمريض والمسافر. وبعض الضرر تنازع ~~فيه العلماء. والصحيح أنه لا إعادة على أحد صلى بحسب استطاعته كما أمر. # PageV21P431 # فمن صور النزاع من عدم الماء في الحضر ومن تيمم لخشية البرد. وكذلك سائر ~~من ترك واجبا لعذر نادر غير متصل فإنه تجب عليه الإعادة عند الشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين ولا تجب عليه الإعادة عند مالك. وأكثر العلماء وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه. وإذا فوت الصلاة حتى خرج الوقت بأن يؤخر صلاة الليل ~~إلى النهار. والنهار إلى الليل فإنه يأثم بذلك. كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله} ~~وقد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة في بعض الأوقات كحال المسايفة. كقول أبي ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. والذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز تأخير ~~الصلاة بحال وهو قول مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه لكن يجوز الجمع بين ~~الصلاتين لعذر عند أكثر العلماء. كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة والجمع في هذين الموضعين ~~ثابت بالسنة المتواترة واتفاق العلماء. وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان يجمع في السفر إذا جد به السير وأنه صلى بالمدينة ~~ثمانيا جمعا الظهر والعصر وسبعا المغرب والعشاء أراد بذلك أن لا يحرج أمته. ~~لقوله تعالى. {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . # PageV21P432 # فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك ~~وغيره: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج في ms6516 التفريق فيجمع ~~بينهما المريض وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ويجوز الجمع بين ~~المغرب والعشاء في المطر عند الجمهور: كمالك والشافعي وأحمد. وقال أحمد: ~~يجمع إذا كان له شغل. وقال القاضي أبو يعلى: إذا كان له عذر يبيح له ترك ~~الجمعة والجماعة جاز الجمع. فمذهب فقهاء الحجاز وفقهاء الحديث: كمالك ~~والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم يجوز ~~الجمع بين الصلاتين في الجملة ولا يجوز التفويت بأن يؤخر صلاة النهار إلى ~~الليل وصلاة الليل إلى النهار. ومذهب طائفة من فقهاء الكوفة كأبي حنيفة ~~وغيره أنه لا يجوز الجمع إلا بعرفة ومزدلفة. وكذلك إذا تعذر فعلها في الوقت ~~أخرها عن الوقت وقول من أمر بالجمع بين الصلاتين من غير تفويت أرجح من قول ~~من أمر بالتفويت ولم يأمر بالجمع؛ فإن الكتاب والسنة يدلان على أن الله أمر ~~بفعل الصلاة في وقتها وأمر بالمحافظة عليها. كما قال تعالى: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} هذه نزلت # PageV21P433 # ناسخة لتأخير الصلاة يوم الخندق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {صلوا ~~الصلاة لوقتها} . وقد دل الكتاب والسنة على أن المواقيت " خمسة " في حال ~~الاختيار وهي: " ثلاثة " في حال العذر ففي حال العذر إذا جمع بين الصلاتين: ~~بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فإنما صلى الصلاة في وقتها لم يصل ~~واحدة بعد وقتها؛ ولهذا لم يجب عليه عند أكثر العلماء أن ينوي الجمع ولا ~~ينوي القصر. وهذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في نصوصه المعروفة. وهو اختيار ~~أبي بكر عبد العزيز. ولهذا كان عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد ~~إذا طهرت الحائض في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعا وإذا طهرت في آخر ~~الليل صلت المغرب والعشاء جميعا كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي ~~هريرة وابن عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر فإذا طهرت في ~~آخر النهار فوقت الظهر باق فتصليها قبل العصر. وإذا طهرت في آخر الليل ~~فوقت. المغرب باق في حال العذر؛ فتصليها ms6517 قبل العشاء. ولهذا ذكر الله ~~المواقيت تارة خمسا ويذكرها ثلاثا تارة # PageV21P434 # كقوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} الآية. وهو وقت المغرب ~~والعشاء. وكذلك قال الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن الفجر} . والدلوك هو الزوال وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل وهذا ~~يكون بعد مغيب الشفق. فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق فرض في ذلك ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ودل ذلك على أن هذا كله وقت الصلاة فمن ~~الدلوك إلى المغرب وقت الصلاة ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة. وقال: ~~{وقرآن الفجر} لأن الفجر خصت بطول القراءة فيها ولهذا جعلت ركعتين في الحضر ~~والسفر فلا تقصر ولا تجمع إلى غيرها فإنه عوض بطول القراءة فيها عن كثرة ~~العدد. # فصل: # وأما التيمم لكل صلاة ولوقت كل صلاة ولا يصلي الفرض بالتيمم للنافلة؛ لأن ~~التيمم طهارة ضرورية والحكم المقدر بالضرورة مقدر بقدرها. فلا يتيمم قبل ~~الوقت ولا يبقى بعده. وهو مبيح للصلاة لا رافع للحدث؛ لأنه إذا قدر على ~~استعمال الماء استعمله من غير تجدد حدث فعلم أن الحدث كان باقيا وإنما أبيح ~~للضرورة. # PageV21P435 # فلا يستبيح إلا ما نواه. فهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. ~~وقيل: بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقا يستبيح به كما يستباح بالماء ويتيمم ~~قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده. ~~وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة كما أنه إذا توضأ لنافلة صلى به الفريضة. ~~وهذا قول كثير من أهل العلم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية. ~~وقال أحمد: هذا هو القياس. وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة ~~والاعتبار؛ فإن الله جعل التيمم مطهرا كما جعل الماء مطهرا. فقال تعالى: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية. فأخبر تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب ~~كما يطهرنا بالماء. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ms6518 أنه ~~قال: {فضلنا على الناس بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وأحلت لنا الغنائم ~~ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي لفظ فأيما رجل أدركته ~~الصلاة من أمتي فعنده مسجده وطهوره # PageV21P436 # وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة} وفي صحيح مسلم عن ~~حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم قال: {فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا} . فقد بين صلى ~~الله عليه وسلم أن الله جعل الأرض لأمته طهورا كما جعل الماء طهورا. وعن ~~أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم {الصعيد الطيب طهور المسلم ولو ~~لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدته الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير} قال ~~الترمذي حديث حسن صحيح. فأخبر أن الله جعل الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم ~~يجد الماء عشر سنين. فمن قال إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب ~~والسنة. وإذا كان مطهرا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيا مع أن الله طهر ~~المسلمين بالتيمم من الحدث فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفع موقت ~~إلى أن يقدر على استعمال الماء فإنه بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء ~~متعذرا كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها وكان ملك صاحبها ~~ملكا موقتا إلى ظهور المالك فإنه # PageV21P437 # كان بدلا عن المالك فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها. ~~وما ثبت بنص أو إجماع لا يطلب له نظير يقاس به وإنما يطلب النظير لما لا ~~نعلمه إلا بالقياس والاعتبار. فيحتاج أن نعتبره بنظير وأما ما شرعه الله ~~ورسوله فعلينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نطلب لذلك نظيرا مع أن ~~الاعتبار يوافق النص. كما قال أحمد القياس أن تجعل التراب كالماء. وعلى هذا ~~القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ويصلي ما لم يحدث أو يقدر على استعمال ~~الماء وإذا تيمم لنفل صلى به فريضة. ويجمع بالتيمم الواحد ms6519 بين فرضين ويقضي ~~به الفائت. وأصحاب القول الآخر احتجوا بآثار منقولة عن بعض الصحابة وهي ~~ضعيفة لا تثبت. ولا حجة في شيء منها ولو ثبتت. وقول القائل: إنها طهارة ~~ضرورية فتقدر بقدر الحاجة. قيل له: نعم والإنسان محتاج أن لا يزال على ~~طهارة فيتطهر قبل الوقت؛ فإنه محتاج إلى زيادة الثواب؛ ولهذا يصلي النافلة ~~بالتيمم باتفاق المسلمين وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه تيمم لرد السلام في الحضر وقال: {إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر} ~~فدل على أن التيمم يكون مستحبا تارة وواجبا أخرى. أي يتيمم في وقت لا يكون ~~التيمم واجبا عليه أن يتيمم وإن كان شرطا للصلاة والتيمم # PageV21P438 # قبل الوقت مستحب كما أن الوضوء قبل الوقت مستحب. وأصح أقوال العلماء أنه ~~يتيمم لكل ما يخاف فوته كالجنازة وصلاة العيد وغيرهما مما يخاف فوته فإن ~~الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة كما أن صلاة التطوع بالتيمم خير من ~~تفويته ولهذا يتيمم للتطوع من كان له ورد في الليل يصليه وقد أصابته جنابة ~~والماء بارد يضره فإذا تيمم وصلى التطوع وقرأ القرآن بالتيمم كان خيرا من ~~تفويت ذلك. فقول القائل: إنه حكم مقيد بالضرورة. فيقدر بقدرها. إن أراد به ~~أن لا يفعل إلا عند تعذر الماء فهو مسلم. وإن أراد به أنه لا يجوز التيمم ~~إلا إذا كان التيمم واجبا فقد غلط. فإن هذا خلاف السنة وخلاف إجماع ~~المسلمين بل يتيمم للواجب ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع وقراءة القرآن ~~المستحبة ومس المصحف المستحب. والله قد جعله طهورا للمسلمين عند عدم الماء ~~فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وسع الله عليهم وقد أراد رفع الحرج ~~عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجا. كما فعله طائفة من الناس. أثبتوا فيه ~~من الحرج ما هو معلوم. ولهذا كان الصواب أنه يجوز التيمم ضربة واحدة للوجه ~~والكفين # PageV21P439 # ولا يجب فيه ترتيب؛ بل إذا مسح وجهه بباطن راحتيه أجزأ ذلك عن الوجه ~~والراحتين ثم يمسح ظهور ms6520 الكفين بعد ذلك فلا يحتاج أن يمسح راحتيه مرتين ~~وعلى هذا دلت السنة. وبسط هذه المسائل في موضع آخر. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الرجل إذا لم يجد ماء أو تعذر عليه استعماله لمرض أو يخاف من الضرر من ~~شدة البرد وأمثال ذلك. فهل يتيمم؟ أم لا؟ . # فأجاب: # التيمم جائز إذا عدم الماء وخاف المرض باستعماله كما نبه الله تعالى على ~~ذلك بذكر المريض وذكر من لم يجد الماء. فمن كان الماء يضره بزيادة في مرضه ~~لأجل جرح به أو مرض أو لخشية البرد ونحو ذلك فإنه يتيمم سواء كان جنبا أو ~~محدثا ويصلي. وإذا جاز له الصلاة جاز له الطواف وقراءة القرآن ومس المصحف ~~واللبث في المسجد. ولا إعادة عليه إذا صلى سواء كان في الحضر أو في السفر ~~في أصح قولي العلماء. فإن الصحيح أن كل من فعل ما أمر به بحسب قدرته من غير # PageV21P440 # تفريط منه ولا عدوان فلا إعادة عليه لا في الصلاة ولا في الصيام ولا ~~الحج. ولم يوجب الله على العبد أن يصلي الصلاة الواحدة مرتين ولا يصوم ~~شهرين في عام ولا يحج حجين. إلا أن يكون منه تفريط أو عدوان. فإن نسي ~~الصلاة كان عليه أن يصليها إذا ذكرها وكذلك إذا نسي بعض فرائضها: كالطهارة ~~والركوع والسجود. وأما إذا كان عاجزا عن المفروض: كمن صلى عريانا لعدم ~~السترة أو صلى بلا قراءة لانعقاد لسانه أو لم يتم الركوع والسجود. لمرضه ~~ونحو ذلك فلا إعادة عليه. ولا فرق بين العذر النادر والمعتاد وما يدوم وما ~~لا يدوم. وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ولا ~~إعادة عليه وعلى أن العريان إذا لم يجد سترة صلى ولا إعادة عليه. وعلى أن ~~المريض يصلي بحسب حاله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ~~{صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} ولا إعادة عليه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يصبح جنبا وليس عنده ms6521 ما يدخل به الحمام ولا يمكنه أن يغتسل في ~~بيته من أجل البرد. فهل له أن يتيمم ويصلي # PageV21P441 # ويقرأ القرآن أم لا؟ وهل إذا فعل ذلك تجب عليه الإعادة؟ أم لا؟ . وإذا ~~كان عنده ما يرهنه على أجرة الحمام فهل يجب عليه ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، يجوز للرجل إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله وإن كان ~~جنبا. فإذا خشي إذا اغتسل بالماء البارد أن يضره ولا يمكنه الاغتسال بالماء ~~الحار في بيت ولا حمام ولا غيرهما جاز له التيمم ولا إعادة على الصحيح. وإن ~~أمكنه دخول الحمام بجعل وجب عليه ذلك إذا كان واجدا لأجرة الحمام من غير ~~إجحاف في ماله كما يجب شراء الماء للطهارة وإذا كان ممن يمكنه أن يرهن عند ~~الحمامي الطابية والميزاب ويوفيه في أثناء يوم ونحو ذلك فعله. وإن كان في ~~أداء أجرة الحمام ضرر كنقص نفقة عياله وقضاء دينه صلى بالتيمم. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل وقع عليه غسل ولم يكن معه في ذلك الوقت ما يدخل به الحمام ويتعذر ~~عليه الماء البارد لشدة برده ثم إنه تيمم وصلى الفريضة وله في الجامع وظيفة ~~فقرأ فيها. ثم بعد ذلك دخل الحمام هل يأثم؟ أم لا؟ . # PageV21P442 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يأثم بذلك بل فعل ما أمر به؛ فإن من خاف إذا ~~استعمل الماء البارد أن يحصل له صداع أو نزلة أو غير ذلك من الأمراض ولم ~~يمكن الاغتسال بالماء الحار فإنه يتيمم - وإن كان جنبا - ويصلي عند جماهير ~~علماء الإسلام: كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم حتى لو كان له ورد ~~بالليل وأصابته جنابة والماء بارد يضره فإنه يتيمم ويصلي ورده التطوع ويقرأ ~~القرآن في الصلاة وخارج الصلاة ولا يفوت ورده لتعذر الاغتسال بالماء. وهل ~~عليه إعادة الفريضة؟ على قولين: أحدهما: لا إعادة عليه. وهو قول مالك وأحمد ~~في إحدى الروايتين. والثاني: عليه الإعادة وهو قول الشافعي وأحمد في ~~الرواية الأخرى. هذا إذا كان في الحضر. وأما المسافر فهو أولى ms6522 أن لا يعيد ~~وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه وكل من جازت له الصلاة بالتيمم جازت له ~~القراءة واللبث في المسجد بطريق الأولى. والصحيح أنه لا إعادة عليه ولا على ~~أحد صلى على حسب # PageV21P443 # استطاعته وسواء كانت الجنابة من حلال أو حرام؛ لكن فاعل الحرام عليه ~~جنابة ونجاسة الذنب. فإن تاب وتطهر بالماء أحبه الله فإن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين. وإن تطهر ولم يتب: تطهر من الجنابة ولم يتطهر من نجاسة ~~الذنب فإن تلك لا يزيلها إلا التوبة. وإذا لم يكن معه ما يعطي الحمامي جاز ~~له التيمم ويصلي بلا ريب وإذا لم يكن ممن ينظره الحمامي ولم يجد ما يرهنه ~~عنده ولم يقبل منه فهل عليه أن يدخل بالأجرة المؤجلة؟ فيه قولان: هما وجهان ~~في مذهب أحمد. والأظهر أنه إذا كان عادة إظهار الحمامي له أن يغتسل في ~~الحمام كالعادة وإن منعه الحمامي من الدخول من غير ضرر من أن يوفيه حقه ~~لبغض الحمامي ونحو ذلك. دخل بغير اختيار الحمامي وأعطاه أجرته وإن لم يكن ~~معه أجرة فمنعه لكونه لم يوفه حقه في الحال ولا هو ممن يعرفه الحمامي ~~لينظره فهذا ليس له أن يدخل إلا برضا الحمامي وإن طابت نفس الحمامي بأخذ ~~ماء في الإناء ولم تطب نفسه بأن يتطهر في دهاليز أبواب الحمام جاز له أن ~~يفعل ما تطيب به نفس الحمامي دون ما لا تطيب إلا بعوض المثل. وإنما يجب ~~عليه أن يشتري الماء البارد والحار ويعطي الحمامي # PageV21P444 # أجرة الدخول إذا كان الماء يبذل بثمن المثل أو بزيادة لا يتغابن الناس ~~بمثلها مع قدرته على ذلك. فإن كان محتاجا إلى ذلك لنفقته أو نفقة عياله أو ~~وفاء دينه الذي يطالب به كان صرف ذلك إلى ما يحتاج إليه من نفقة أو قضاء ~~دين مقدما على صرف ذلك في عوض الماء. كما لو احتاج إلى الماء لشرب نفسه أو ~~دوابه فإنه يصرفه في ذلك ويتيمم. وإن كانت الزيادة على ثمن المثل لا تجحف ~~بماله ففي وجوب ms6523 بذل العوض في ذلك قولان في مذهب أحمد بن حنبل وغيره. وأكثر ~~العلماء على أنه لا يجب. والله سبحانه أعلم. # وسئل: # عن المرأة يجامعها بعلها ولا تتمكن من دخول الحمام لعدم الأجرة وغيرها. ~~فهل لها أن تتيمم؟ وهل يكره لبعلها مجامعتها والحالة هذه. وكذلك المرأة ~~يدخل عليها وقت الصلاة ولم تغتسل وتخاف إن دخلت الحمام أن يفوتها الوقت فهل ~~لها أن تصلي بالتيمم؟ أو تصلي في الحمام؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الجنب سواء كان رجلا أو امرأة فإنه إذا # PageV21P445 # عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم ~~الأجرة أو لغير ذلك فإنه يصلي بالتيمم ولا يكره للرجل وطء امرأته كذلك بل ~~له أن يطأها كما له أن يطأها في السفر ويصليا بالتيمم. وإذا أمكن الرجل أو ~~المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعلا ذلك. فإن لم يكن ذلك: مثل أن لا ~~يستيقظ أول الفجر وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت. وإن طلب حطبا يسخن به ~~الماء أو ذهب إلى الحمام فات الوقت فإنه يصلي هنا بالتيمم عند جمهور ~~العلماء إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد قالوا يشتغل بتحصيل ~~الطهارة وإن فات الوقت. وهكذا قالوا في اشتغاله بخياطة اللباس وتعلم دلائل ~~القبلة ونحو ذلك. وهذا القول خطأ. فإن قياس هذا القول أن المسافر يؤخر ~~الصلاة حتى يصلي بعد الوقت بالوضوء وأن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد ~~الوقت باللباس. وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ بل على العبد أن يصلي في الوقت ~~بحسب الإمكان وما عجز عنه من واجبات الصلاة سقط عنه. وأما إذا استيقظ آخر ~~الوقت أو إن اشتغل باستقاء الماء من # PageV21P446 # البئر خرج الوقت أو إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت فهذا يغتسل عند ~~جمهور العلماء. ومالك - رحمه الله - يقول: بل يصلي بالتيمم محافظة على ~~الوقت والجمهور يقولون: إذا استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة ~~فالطهارة والوقت في حقه من حين استيقظ وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه. وقد ~~قال النبي صلى الله ms6524 عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~فإن ذلك وقتها} . فالوقت المأمور بالصلاة فيه في حق النائم هو إذا استيقظ ~~لا ما قبل ذلك وفي حق الناسي إذا ذكر. والله أعلم. وأما إذا كانت المرأة أو ~~الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام لكن إن دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت ~~إما لكونه مقهورا مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي ومثل المرأة ~~التي معها أولادها فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك. فهؤلاء لا بد ~~لهم من أحد أمور: إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت وإما أن يصلوا ~~خارج الحمام بعد خروج الوقت وإما أن يصلوا بالتيمم خارج الحمام. وبكل قول ~~من هذه الأقوال يفتي طائفة؛ لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ ~~لأن الصلاة في الحمام منهي عنها وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك. ~~ولا يمكنه الخروج من هذين النهيين إلا بالصلاة # PageV21P447 # بالتيمم في الوقت خارج الحمام. وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في ~~موضع نجس في الوقت أو في موضع طاهر بعد الوقت إذا اغتسل أو يصلي بالتيمم في ~~مكان طاهر في الوقت. فهذا أولى لأن كلا من ذينك منهي عنه. وتنازع الفقهاء ~~فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه: هل يعيد؟ على قولين: أصحهما: أنه لا إعادة ~~عليه؛ بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه إن كان قد صلى في الوقت كما ~~أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه سواء كان العذر نادرا أو معتادا؛ فإن الله ~~لم يوجب على العبد الصلاة المعينة مرتين إلا إذا كان قد حصل منه إخلال ~~بواجب أو فعل محرم. فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان فلم يأمره مرتين ولا ~~أمر الله أحدا أن يصلي الصلاة ويعيدها؛ بل حيث أمره بالإعادة لم يأمره بذلك ~~ابتداء كمن صلى بلا وضوء ناسيا فإن هذا لم يكن مأمورا بتلك الصلاة بل ~~اعتقاد أنه مأمور خطأ منه وإنما أمره الله أن يصلي بالطهارة فإذا صلى ms6525 بغير ~~طهارة كان عليه الإعادة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي توضأ وترك ~~موضع ظفر من قدمه لم يصبه الماء أن يعيد الوضوء والصلاة. وكما أمر المسيء ~~في صلاته أن يعيد الصلاة. وكما أمر # PageV21P448 # المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة. فأما العاجز عن الطهارة أو الستارة ~~أو استقبال القبلة أو عن اجتناب النجاسة أو عن إكمال الركوع والسجود أو عن ~~قراءة الفاتحة ونحو هؤلاء ممن يكون عاجزا عن بعض واجباتها. فإن هذا يفعل ما ~~قدر عليه ولا إعادة عليه؛ كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وكما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . # وسئل: # عن المرأة إذا كانت بعيدة عن الحمام وحصل لها جنابة وتخشى من الغسل في ~~البيت من البرد. هل لها أن تتيمم وتصلي؟ وإذا أراد زوجها الجماع وتخاف من ~~البرد عليه وعليها. هل له أن يتيمم؟ أو يغتسل مع القدرة. وتتيمم هي؟ أم ~~يترك الجماع. فإذا جامعها وأرادت الدخول إلى الحمام للتطهر هل تتيمم وتجمع ~~بين الصلاتين؟ أو تصلي في الحمام بالغسل؟ وهل لها إذا طهرت من الحيض ولم ~~تغتسل أن تتيمم ويجامعها زوجها أم لا؟ وهل يحتاج التيمم للجنابة إلى وضوء # PageV21P449 # أم لا؟ وإذا احتاج هل يقدم الوضوء أم التيمم؟ وهل يحتاج التيمم لكل صلاة؟ ~~أم يصلي الصلوات بتيمم واحد؟ وإذا طهرت المرأة آخر النهار - أو آخر الليل - ~~وعجزت عن الغسل للبرد وغيره هل تتيمم وتصلي؟ وهل تقضي صلاة اليوم الذي طهرت ~~فيه؟ أو الليلة؟ . ومن أصابه جرح أو كسر وعصبه هل يمسح على العصابة أم ~~يتيمم عن الوضوء للمجروح؟ وبعض الأعضاء يعجز عن إمرار الماء عليه بسبب ~~الجرح أو الكسر وهل يترك الجماع في هذه الحالة أو يفعله ويتيمم ولو علم أن ~~مدة المداواة تطول فيطول تيممه؟ وهل للمرأة أيضا منع الزوج من الجماع إذا ~~كانت لا تقدر على الغسل؟ أم تطيعه وتتيمم؟ ومن وجد الحمام بعيدا متى وصل ~~إليه خرج الوقت هل يتيمم أم ms6526 يذهب إليه ولو خرج الوقت؟ ومن خاف فوات الجماعة ~~إذا تطهر بالماء هل يتيمم ليحصل على الجماعة أم لا؟ ومن معه رفقة يريدون ~~الجمع فهل الأفضل له الجمع معهم لتحصيل الجماعة؛ أم يصلي وحده في الوقت؟ ~~وقد يكون هو إمامهم فأيما أفضل في حقه جمعا أم الصلاة وحده في وقت كل صلاة؟ ~~ومن كان له صناعة يعملها هو وصناع أخر ويشق عليه الصلاة في وقتها ويبطل ~~الصناع هل يجمع بين الصلاتين؟ وكذلك إذا كان في حراثة وزراعة ويشق عليه طلب ~~الماء هل يتيمم ويصلي؟ ومن يتيمم # PageV21P450 # هل يقرأ القرآن في غير الصلاة؟ ويصلي ورده بالليل؟ وهل للمرأة الجنب أو ~~الحائض أن تقرأ على ولدها الصغير؟ ومن لم يجد ترابا هل يتيمم على البساط أو ~~الحصير إذا كان فيهما غبار؟ . # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، من أصابته جنابة من احتلام أو جماع حلال ~~أو حرام فعليه أن يغتسل ويصلي فإن تعذر عليه الاغتسال لعدم الماء أو لتضرره ~~باستعماله: مثل أن يكون مريضا يزيد الاغتسال في مرضه أو يكون الهواء باردا ~~وإن اغتسل خاف أن يمرض بصداع أو زكام أو نزلة فإنه يتيمم ويصلي. سواء كان ~~رجلا أو امرأة وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها وليس للمرأة أن تمنع زوجها ~~من الجماع. بل له أن يجامعها فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت. وكذلك ~~الرجل إن قدر على الاغتسال وإلا تيمم وله أن يجامعها قبل دخول الحمام فإن ~~قدرت على أن تغتسل وتصلي خارج الحمام فعلت وإن خافت أن تفوتها الصلاة ~~استترت في الحمام وصلت ولا تفوت الصلاة والجمع بين الصلاتين بطهارة كاملة ~~بالماء خير من أن يفرق بين الصلاتين بالتيمم كما أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد وجعل ذلك خيرا من التفريق ~~بوضوء. # PageV21P451 # وأيضا فالجمع بين الصلاتين مشروع لحاجة دنيوية فلأن يكون مشروعا لتكميل ~~الصلاة أولى والجامع بين الصلاتين مصل في الوقت والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جمع بين الظهر والعصر بعرفه في وقت ms6527 الظهر؛ لأجل تكميل الوقوف ~~واتصاله؛ وإلا فقد كان يمكنه أن ينزل فيصلي فجمع بين الصلاتين لتكميل ~~الوقوف فالجمع لتكميل الصلاة أولى. وأيضا فإنه جمع بالمدينة للمطر وهو نفسه ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يتضرر بالمطر بل جمع لتحصيل الصلاة في الجماعة ~~والجمع لتحصيل الجماعة خير من التفريق والانفراد والجمع بين الصلاتين خير ~~من الصلاة في الحمام فإن أعطان الإبل والحمام نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الصلاة فيهما والجمع مشروع. بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من نام ~~عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها} ثم إنه لما نام عن ~~الصلاة انتقل وقال: {هذا واد حضرنا فيه الشيطان} فأخر الصلاة عن الوقت ~~المأمور به لكون البقعة حضر فيها الشيطان وتلك البقعة تكره الصلاة فيها ~~وتجوز؛ لكن يستحب الانتقال عنها وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. ~~والحمام وأعطان الإبل مسكن الشياطين؛ ولهذا حرم الصلاة فيها والجمع مشروع ~~للمصلحة الراجحة فإذا جمع لئلا يصلي في أماكن # PageV21P452 # الشياطين كان قد أحسن والمرأة إذا لم يكن يمكنها الجمع بطهارة الماء جمعت ~~بطهارة التيمم فإن الصلاة بالتيمم في الوقت المشروع خير من التفريق ومن ~~الصلاة في الأماكن المنهي عنها وإذا أمكن الرجل والمرأة أن يتوضآ ويتيمما ~~فعلا فإن اقتصرا على التيمم أجزأهما في إحدى الروايتين للعلماء. ومذهب أبي ~~حنيفة ومالك لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم - بين الأصل والبدل - ~~بل إما هذا وإما هذا. ومذهب الشافعي وأحمد: بل يغتسل بالماء ما أمكنه ~~ويتيمم للباقي. وإذا توضأ وتيمم فسواء قدم هذا أو هذا لكن تقديم الوضوء ~~أحسن ويجوز أن يصلي الصلوات بتيمم واحد كما يجوز بوضوء واحد وغسل واحد في ~~أظهر قولي العلماء. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين. ~~فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير} . والمرأة إذا طهرت من الحيض فإن ~~قدرت على الاغتسال وإلا تيممت ms6528 وصلت فإن طهرت في آخر النهار صلت الظهر ~~والعصر. وإن طهرت في آخر الليل صلت المغرب والعشاء ولا يقضي أحد ما صلاه ~~بالتيمم. وإذا كان الجرح مكشوفا وأمكن مسحه بالماء فهو خير من التيمم # PageV21P453 # وكذلك إذا كان معصوبا أو كسر عظمه فوضع عليه جبيرة فمسح ذلك بالماء خير ~~من التيمم والمريض والجريح والمكسور إذا أصابته جنابة بجماع وغيره والماء ~~يضره يتيمم ويصلي أو يمسح على الجبيرة ويغسل سائر بدنه إن أمكنه ويصلي. ~~وليس للمرأة أن تمنع زوجها الجماع بل يجامعها. فإن قدرت على الاغتسال وإلا ~~تيممت وصلت. وإذا طهرت من الحيض لم يجامعها إلا بعد الاغتسال وإلا تيممت ~~ووطئها زوجها. ويتيمم الواطئ حيث يتيمم للصلاة. وإذا دخل وقت الصلاة كطلوع ~~الفجر ولم يمكنه إذا اغتسل أن يصلي حتى تطلع الشمس؛ لكون الماء بعيدا أو ~~الحمام مغلوقة أو لكونه فقيرا وليس معه أجرة الحمام فإنه يتيمم ويصلي في ~~الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت. وأما إذا استيقظ وقد ضاق الوقت عن ~~الاغتسال فإن كان الماء موجودا فهذا يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس عند أكثر ~~العلماء فإن الوقت في حقه من حين استيقظ بخلاف اليقظان فإن الوقت في حقه من ~~حين طلوع الفجر. ولا بد من الصلاة في وقتها ولا يجوز تأخيرها عن الوقت لأحد ~~أصلا لا بعذر ولا بغير عذر. لكن يصلي في الوقت بحسب الإمكان # PageV21P454 # فيصلي المريض بحسب حاله في الوقت. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن حصين: {صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} ~~فيصلي في الوقت قاعدا ولا يصلي بعد خروج الوقت قائما وكذلك العراة كالذين ~~انكسرت بهم السفينة يصلون في الوقت عراة ولا يؤخرونها ليصلوا في الثياب بعد ~~الوقت. وكذلك من اشتبهت عليه القبلة فيصلي في الوقت بالاجتهاد والتقليد ولا ~~يؤخرها ليصلي بعد الوقت باليقين. وكذلك من كان عليه نجاسة في بدنه أو ثوبه ~~لا يمكنه إزالتها حتى تفوت الصلاة فيصلي بها في الوقت ولا يفوت الصلاة ~~ليصلي طاهرا. ms6529 وكذلك من حبس في مكان نجس أو كان في حمام أو غير ذلك مما نهي ~~عن الصلاة فيه ولا يمكنه الخروج منه حتى تفوت الصلاة فإنه يصلي في الوقت ~~ولا يفوت الصلاة ليصلي في غيره. فالصلاة في الوقت فرض بحسب الإمكان ~~والاستطاعة. وإن كانت صلاة ناقصة حتى الخائف يصلي صلاة الخوف في الوقت بحسب ~~الإمكان ولا يفوتها ليصلي صلاة أمن بعد خروج الوقت حتى في حال المقاتلة ~~يصلي ويقاتل ولا يفوت الصلاة ليصلي بلا قتال فالصلاة المفروضة في الوقت وإن ~~كانت ناقصة خير من تفويت الصلاة بعد الوقت وإن كانت كاملة؛ # PageV21P455 # بل الصلاة بعد تفويت الوقت عمدا لا تقبل من صاحبها ولا يسقط عنه إثم ~~التفويت المحرم. ولو قضاها باتفاق المسلمين. # فصل: # وأما إذا خاف فوات الجنازة أو العيد أو الجمعة ففي التيمم نزاع. والأظهر ~~أنه يصليها بالتيمم ولا يفوتها وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجماعة الواجبة ~~إلا بالتيمم فإنه يصليها بالتيمم. ومذهب أحمد في إحدى الروايتين أنه يجوز ~~التيمم للجنازة مع أنه لا يختلف قوله في أنه يجوز أن يعيدها بوضوء فليست ~~العلة على مذهبه تعذر الإعادة؛ بخلاف أبي حنيفة فإنه إنما علل ذلك بتعذر ~~الإعادة وفرق بين الجنازة وبين العيد والجمعة. وأحمد لا يعلل بذلك فكيف ~~والجمعة لا تعاد وإنما تصلى ظهرا. وليست صلاة الظهر كالجمعة. وكذلك إذا لم ~~يمكنه صلاة الجمعة الواجبة إلا بالتيمم فإنه يصليها بالتيمم والجمع بين ~~الصلاتين حيث يشرع في الصلاة في وقتها ليس بمفوت ولا يشترط للقصر ولا للجمع ~~نية عند أكثر العلماء وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو إحدى القولين في مذهب ~~أحمد؛ بل عليه يدل كلامه وهو المنصوص عنه. # PageV21P456 # والقول الآخر: اختيار بعض أصحابه وهو قول الشافعي. والجمع بين الصلاتين ~~يجوز لعذر فالمسافر إذا جد به السير جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء. والمسافرون إذا غلب عليهم النعاس وشق عليهم انتظار العشاء جمعوا ~~بينها وبين المغرب ولو كان الإمام لا ينام فصلاته بهم إماما جامعا بين ~~الصلاتين خير من صلاته ms6530 وحده غير جامع. والحراث إذا خاف إن طلب الماء يسرق ~~ماله أو يتعطل عمله الذي يحتاج إليه صلى بالتيمم. وإن أمكنه أن يجمع بين ~~الصلاتين بوضوء فهو خير من أن يفرق بينهما وكذلك سائر الأعذار الذين يباح ~~لهم التيمم: إذا أمكنهم الجمع بينهما بطهارة الماء فهو خير من التفريق ~~بينهما بطهارة التيمم والجمع بين الصلاتين لمن له عذر كالمطر والريح ~~الشديدة الباردة؛ ولمن به سلس البول والمستحاضة: فصلاتهم بطهارة كاملة جمعا ~~بين الصلاتين خير من صلاتهم بطهارة ناقصة مفرقا بينهما. والمريض أيضا له أن ~~يجمع بين الصلاتين لا سيما إذا كان مع الجمع صلاته أكمل. إما لكمال طهارته ~~وإما لإمكان القيام ولو كانت الصلاتان سواء. لكن إذا فرق بينهما زاد مرضه ~~فله الجمع بينهما. # PageV21P457 # وقال أحمد بن حنبل: يجوز الجمع إذا كان لشغل. قال القاضي أبو يعلى: الشغل ~~الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة. وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي: ~~مبينا عن هؤلاء؛ وهو المريض ومن له قريب يخاف موته ومن يدافع أحدا من ~~الأخبثين ومن يحضره طعام وبه حاجة إليه ومن يخاف من سلطان يأخذه أو غريم ~~يلازمه ولا شيء معه يعطيه والمسافر إذا خاف فوات القافلة ومن يخاف ضررا في ~~ماله ومن يرجو وجوده ومن يخاف من غلبة النعاس حتى يفوته الوقت ومن يخاف من ~~شدة البرد. وكذلك في الليلة المظلمة إذا كان فيها وحل. فهؤلاء يعذروا وإن ~~تركوا الجمعة والجماعة كذا حكاه ابن قدامة في " مختصر الهداية ". فإنه يبيح ~~لهم الجمع بين الصلاتين على ما قاله الإمام أحمد بن حنبل والقاضي أبو يعلى. ~~والصناع والفلاحون إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم: مثل أن يكون الماء ~~بعيدا في فعل صلاة وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطل بعض العمل الذي يحتاجون ~~إليه فلهم أن يصلوا في الوقت المشترك فيجمعوا بين الصلاتين وأحسن من ذلك أن ~~يؤخروا الظهر إلى قريب العصر فيجمعوها ويصلوها مع العصر وإن كان ذلك جمعا ~~في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. ويجوز مع بعد الماء ms6531 أن يتيمم ويصلي في ~~الوقت الخاص. والجمع بطهارة الماء أفضل. والحمد لله وحده. # PageV21P458 # فصل: # كل من جاز له الصلاة بالتيمم: من جنب أو محدث جاز له أن يقرأ القرآن خارج ~~الصلاة ويمس المصحف ويصلي بالتيمم النافلة والفريضة ويرقي بالقرآن وغير ~~ذلك. فإن الصلاة أعظم من القراءة فمن صلى بالتيمم كانت قراءته بالتيمم أولى ~~والقراءة خارج الصلاة أوسع منها في الصلاة فإن المحدث يقرؤه خارج الصلاة ~~وكل ما يفعله بطهارة الماء في الوضوء والغسل يفعله بطهارة التيمم إذا عدم ~~الماء أو خاف الضرر باستعماله. وإذا أمكن الجنب الوضوء دون الغسل فتوضأ ~~وتيمم عن الغسل جاز وإن تيمم ولم يتوضأ ففيه قولان. قيل: يجزيه عن الغسل ~~وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقيل: لا يجزيه وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل. ~~وإذا تيمم بالتراب الذي تحت حصير بيته جاز وكذلك إذا كان هناك غبار لاصق ~~ببعض الأشياء وتيمم بذلك التراب اللاصق جاز. وأما قراءة الجنب والحائض ~~للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: # PageV21P459 # قيل: يجوز لهذا ولهذا. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي ~~وأحمد. وقيل: لا يجوز للجنب ويجوز للحائض. إما مطلقا أو إذا خافت النسيان. ~~وهو مذهب مالك. وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش ~~عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر {لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن ~~شيئا} رواه أبو داود وغيره. وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث. ~~وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة؛ بخلاف روايته عن ~~الشاميين ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات ومعلوم أن النساء كن يحضن على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ينهاهن عن قراءة القرآن. كما ~~لم يكن ينهاهن عن الذكر والدعاء بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرون ~~بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: ~~تلبي وهي حائض وكذلك ms6532 بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر. وأما الجنب فلم ~~يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي ولا أن يقضي شيئا من المناسك: لأن الجنب ~~يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في # PageV21P460 # ترك الطهارة بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ~~ذكر العلماء ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر وإن كانت ~~الطهارة ليست شرطا في ذلك. لكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو ~~استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب. فعلم أن الحائض يرخص لها ~~فيما لا يرخص للجنب فيه؛ لأجل العذر. وإن كانت عدتها أغلظ فكذلك قراءة ~~القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك. وإن قيل: إنه نهى الجنب لأن الجنب يمكنه أن ~~يتطهر ويقرأ بخلاف الحائض؛ تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن تفويت ~~عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة وليست القراءة كالصلاة فإن الصلاة ~~يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر والأصغر والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر ~~بالنص واتفاق الأئمة. والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب ~~النجاسة والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك بل {كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض} وهو حديث صحيح. وفي صحيح ~~مسلم أيضا: {يقول الله عز وجل للنبي # PageV21P461 # صلى الله عليه وسلم إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ~~ويقظان} فتجوز القراءة قائما وقاعدا وماشيا ومضطجعا. وراكبا. # وسئل: # عن رجل أرمد فلحقته جنابة ولا يقدر يتطهر بماء مسخن ولا بارد ويقدر على ~~الوضوء. فما يصنع؟ . # فأجاب: الحمد لله، إذا كان به رمد فإنه يغسل ما استطاع من بدنه. وما يضره ~~الماء - كالعين وما يقاربها - ففيه قولان للعلماء: أحدهما: يتيمم وهو مذهب ~~الشافعي وأحمد. والثاني: ليس عليه تيمم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لكن غسل ~~أكثر البدن الذي يمكن غسله واجب باتفاقهم والله أعلم. # وسئل: # عن رجل باشر امرأته وهو في عافية. فهل له أن يصبر بالتطهر إلى أن يتضاحى ~~النهار؟ أم يتيمم ويصلي؟ ms6533 أفتونا مأجورين؟ . # PageV21P462 # فأجاب: الحمد لله لا يجوز له تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت بل عليه إن قدر ~~على الاغتسال بماء بارد أو حار أن يغتسل ويصلي في الوقت وإلا تيمم: فإن ~~التيمم لخشية البرد جائز باتفاق الأئمة وإذا صلى بالتيمم فلا إعادة عليه ~~لكن إذا تمكن من الاغتسال اغتسل والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة بها مرض في عينيها وثقل في جسمها من الشحم وليس لها قدرة على ~~الحمام؛ لأجل الضرورة وزوجها لم يدعها تطهر وهي تطلب الصلاة فهل يجوز لها ~~أن تغسل جسمها الصحيح؟ وتتيمم عن رأسها؟ . # فأجاب: # نعم، إذا لم تقدر على الاغتسال في الماء البارد ولا الحار فعليها أن تصلي ~~في الوقت بالتيمم عند جماهير العلماء لكن مذهب الشافعي وأحمد أنها تغسل ما ~~يمكن وتتيمم للباقي. ومذهب أبي حنيفة ومالك إن غسلت الأكثر لم تتيمم وإن لم ~~يمكن إلا غسل الأقل تيممت ولا غسل عليها. # PageV21P463 # وسئل: # عن رجل سافر مع رفقة وهو إمامهم. ثم احتلم في يوم شديد البرد وخاف على ~~نفسه أن يقتله البرد فتيمم وصلى بهم فهل يجب عليه إعادة؟ وعلى من صلى خلفه ~~أم لا؟ . # فأجاب: # هذه المسألة هي ثلاث مسائل: # الأولى: أن تيممه جائز وصلاته جائزة ولا غسل عليه والحالة هذه. وهذا متفق ~~عليه بين الأئمة وقد جاء في ذلك حديث في السنن {عن عمرو بن العاص أنه فعل ~~ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بأصحابه بالتيمم في ~~السفر وإن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم} وكذلك هذا معروف عن ابن عباس. # الثانية: أنه هل يؤم المتوضئين؟ فالجمهور على أنه يؤمهم كما أمهم عمرو بن ~~العاص وابن عباس. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصح القولين في مذهب أبي ~~حنيفة. ومذهب أبي محمد أنه لا يؤمهم. # PageV21P464 # الثالثة: في الإعادة فالمأموم لا إعادة عليه. بالاتفاق مع صحة صلاته وأما ~~الإمام أو غيره إذا صلى بالتيمم لخشية البرد. فقيل: يعيد مطلقا كقول ~~الشافعي وقيل: يعيد في الحضر فقط دون السفر. كقول له ms6534 ورواية عن أحمد. وقيل: ~~لا يعيد مطلقا كقول مالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح؛ لأنه ~~فعل ما قدر عليه فلا إعادة عليه؛ ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمرو بن العاص بإعادة ولم يثبت فيه دليل شرعي يفرق بين الأعذار المعتادة ~~وغير المعتادة. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أصابته جنابة ولم يقدر على استعمال الماء من شدة البرد أو الخوف ~~والإنكار عليه. فهل إذا تيمم وصلى وقرأ ومس المصحف وتهجد بالليل إماما يجوز ~~له ذلك أم لا؟ وهل يعيد الصلاة أم لا؟ وإلى كم يجوز له التيمم؟ . # فأجاب: # إذا كان خائفا من البرد إن اغتسل بالماء يمرض أو كان خائفا إن اغتسل أن ~~يرمى بما هو بريء منه ويتضرر بذلك أو كان خائفا بينه وبين الماء عدو أو سبع ~~يخاف ضرره إن قصد الماء فإنه يتيمم ويصلي من الجنابة والحدث الأصغر. # PageV21P465 # وأما الإعادة: فقد تنازع العلماء في التيمم لخشية البرد هل يعيد في السفر ~~والحضر؟ أو لا يعيد فيهما؟ أو يعيد في الحضر فقط؟ على ثلاثة أقوال. والأشبه ~~بالكتاب والسنة أنه لا إعادة عليه بحال. ومن جازت له الصلاة جازت له ~~القراءة ومس المصحف. والمتيمم يؤم المغتسل عند جمهور العلماء وهو مذهب ~~الأئمة الأربعة إلا محمد بن الحسن. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن التيمم إذا كان في يده جراحة وتوضأ وغسل وجهه فهل يلزمه أن يتيمم عند ~~غسل اليدين؟ أم يكمل وضوءه إلى آخره؟ ثم بعد ذلك يتيمم؟ وإن كانت الجراحة ~~مشدودة: فهل يلزمه أن يحل الجراح. ويغسل جميع الصحيح؟ أم يغسل ما ظهر منها ~~ويترك الشد على حاله؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها نزاع هما قولان في مذهب أحمد وغيره. والصحيح ~~أن له أن يؤخر التيمم حتى يفرغ من وضوئه بل هذا الذي ينبغي أن يفعله إذا ~~قيل: إنه يجمع بين الوضوء والتيمم فإن مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يحتاج ~~إلى تيمم ولكن مذهب # PageV21P466 # الشافعي وأحمد أن يجمع بينهما وإذا جبرها مسح ms6535 عليها سواء كان جبرها على ~~وضوء أو غير وضوء. وكذلك إذا شد عليها عصابة ولا يحتاج إلى تيمم في ذلك هذا ~~أصح أقوال العلماء والله أعلم. # وسئل: # عن رجل جنب وهو في بيت مبلط عادم فيه التراب مغلوق عليه الباب ولم يعلم ~~متى يكون الخروج منه فهل يترك الصلاة إلى وجود الماء والتراب؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا لم يقدر على استعمال الماء ولا على التمسح بالصعيد فإنه يصلي بلا ماء ~~ولا تيمم عند الجمهور. وهذا أصح القولين. وهل عليه الإعادة؟ على قولين: ~~أظهرهما: أنه لا إعادة عليه فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} ولم يأمر ~~العبد بصلاتين وإذا صلى قرأ القراءة الواجبة. والله أعلم. # PageV21P467 # وسئل: # عن رجل نام وهو جنب فلم يستيقظ إلا قريب طلوع الشمس وخشي من الغسل بالماء ~~البارد في وقت البرد وإن سخن الماء خرج الوقت فهل يجوز له أن يفوت الصلاة ~~إلى حيث يغتسل أو يتيمم ويصلي. # فأجاب: # هذه المسألة فيها قولان للعلماء فالأكثر: كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~يأمرونه بطلب الماء وإن صلى بعد طلوع الشمس. ومالك يأمره أن يصلي للوقت ~~بالتيمم؛ لأن الوقت مقدم على غيره من واجبات الصلاة بدليل أنه إن استيقظ في ~~الوقت وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم في الوقت ~~بإجماع المسلمين ولا يصلي بعد خروج الوقت بالغسل. وأما الأولون فيفرقون بين ~~هذه الصورة ونظائرها وبين صورة السؤال: بأنه قال: إنما خوطب بالصلاة عند ~~استيقاظه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها} وإذا كان إنما أمر بها بعد الانتباه فعليه فعلها بحسب ~~ما يمكن # PageV21P468 # من الاغتسال المعتاد فيكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا في الوقت الذي أمر ~~الله بالصلاة فيه. والله أعلم. وسئل: # عن رجل أجنب واستيقظ وقد طلع الفجر ثم أراد أن يغتسل فخاف أن تطلع الشمس ~~فتوضأ وصلى وبعد الصلاة اغتسل فهل ms6536 تجزئ الصلاة أم لا؟ . # فأجاب: # إذا أدركته الجنابة فعليه أن يغتسل ويصلي في الوقت وليس له أن يؤخر الغسل ~~فإن كان لم يستيقظ إلا وقت طلوع الشمس فأكثر العلماء يقولون: يغتسل ويصلي ~~بعد طلوع الشمس ولا يصلي جنبا وبعضهم قال: يصلي في الوقت بالوضوء والتيمم ~~لكن الأول أصح والله أعلم. # وسئل: # عن الجنب إذا انتبه من نومه وهو في الحضر قبل خروج الوقت بقليل هل يتيمم ~~ويصلي في الوقت؟ أو يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت؟ . # PageV21P469 # فأجاب رحمه الله يغتسل ولا يصلي بالتيمم في مثل هذه الصورة عند أكثر ~~العلماء. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # إذا دخل وقت الصلاة وهو جنب ويخشى إن اشتغل بفعل الطهارة يفوته الوقت فهل ~~يباح له التيمم؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا دخل وقت الصلاة وهو مستيقظ والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن تفوته ~~الصلاة أو كان الوقت باردا يخاف إن سخنه أو ذهب إلى الحمام فاتت الصلاة ~~فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد وجمهور العلماء. وإن استيقظ آخر الوقت وخاف ~~إن تطهر طلعت الشمس فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس فإن عند جمهور ~~العلماء اختلافا. كإحدى الروايتين عن مالك فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة بعد ~~استيقاظه ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ وكان ذلك وقتها في حقه. # PageV21P470 # وسئل: # عن أقوام خرجوا من قرية إلى قرية ليصلوا الجمعة فيها فوجدوا الصلاة قد ~~أقيمت وبعضهم على غير وضوء لو ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة فهل يتيمم؟ . # فأجاب: # هذه المسألة فيها نزاع والأظهر أنهم إذا لم تمكنهم صلاة الجمعة إلا ~~بالتيمم صلوا بالتيمم والله أعلم. # وسئل: # عن المسافر يصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإن تشاغل بتحصيله خرج الوقت فهل ~~له أن يصلي بالتيمم؟ . # فأجاب: # أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول ~~جمهور العلماء وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج ~~الوقت أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت فإنه يصلي ms6537 بالتيمم. # PageV21P471 # وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد: إنه يغتسل ويصلي بعد خروج ~~الوقت لاشتغاله بتحصيل الشرط وهذا ضعيف لأن المسلم أمر أن يصلي في الوقت ~~بحسب الإمكان فالمسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضا ~~عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة وليس له أن يؤخر الصلاة حتى ~~يصل إلى الماء وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى يخرج ~~الوقت. بل إذا فعل ذلك كان عاصيا بالاتفاق وحينئذ فإذا وصل إلى الماء وقد ~~ضاق الوقت فغرضه إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت وليس هو مأمورا بهذا ~~الاستعمال الذي يفوته معه الوقت بخلاف المستيقظ آخر الوقت والماء حاضر فإن ~~هذا مأمور أن يغتسل ويصلي ووقته من حين يستيقظ لا من حين طلوع الفجر بخلاف ~~من كان يقظان عند طلوع الفجر أو عند زوالها إما مقيما وإما مسافرا فإن ~~الوقت في حقه من حينئذ. # وسئل: # عن التيمم: هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن الراتبة والفريضة وأن يقتصر ~~عليه إلى أن يحدث؟ أم لا؟ . # PageV21P472 # فأجاب: # نعم يجوز له في أظهر قولي العلماء أن يصلي بالتيمم كما يصلي بالوضوء ~~فيصلي به الفرض والنفل ويتيمم قبل الوقت وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه ولا ينقض التيمم إلا ما ينقض الوضوء والقدرة على استعمال ~~الماء والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الحاقن، أيما أفضل: يصلي بوضوء محتقنا أو أن يحدث ثم يتيمم لعدم ~~الماء؟ . # فأجاب: # صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان فإن هذه ~~الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهي عنها. وفي صحتها روايتان. وأما صلاته ~~بالتيمم فصحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق والله أعلم. # PageV21P473 ### | باب إزالة النجاسة # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: أحدها: ~~المنع كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد. والثاني: الجواز ~~كقول أبي حنيفة وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد. والقول الثالث: في ms6538 ~~مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة كما في طهارة فم الهرة بريقها وطهارة أفواه ~~الصبيان بأرياقهم ونحو ذلك. والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء: ~~{حتيه ثم اقرصيه # PageV21P474 # ثم اغسليه بالماء} وقوله في آنية المجوس: {ارحضوها ثم اغسلوها بالماء} . ~~وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: {صبوا على بوله ذنوبا من ماء} ~~فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة ولم يأمر أمرا عاما بأن تزال كل نجاسة ~~بالماء. وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع: # منها الاستجمار بالحجارة. # ومنها قوله في النعلين: {ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهورا} ~~ومنها قوله في الذيل: {يطهره ما بعده} ومنها أن الكلاب كانت تقبل وتدبر ~~وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم يكونوا يغسلون ذلك. # ومنها قوله في الهر: {إنها من الطوافين عليكم والطوافات} مع أن الهر في ~~العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل ~~طهرها ريقها. # ومنها أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين. وإذا كان كذلك ~~فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها فإن ~~الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في ~~إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال كما لا يجوز الاستنجاء ~~بها. # PageV21P475 # والذين قالوا لا تزول إلا بالماء: منهم من قال: إن هذا تعبد؛ وليس الأمر ~~كذلك فإن صاحب الشرع أمر بالماء في قضايا معينة لتعينه. لأن إزالتها ~~بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها. وإزالتها بالجامدات كانت ~~متعذرة كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ~~ماء ورد وخل وغير ذلك لم يأمرهم بإفساده فكيف إذا لم يكن عندهم. ومنهم من ~~قال: إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به؛ ~~وليس الأمر كذلك؛ بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الآنية من ~~النجاسة كالماء وأبلغ والاستحالة له أبلغ في الإزالة ms6539 من الغسل بالماء فإن ~~الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يكفيك الماء ولا يضرك أثره} وغير الماء يزيل الطعم واللون ~~والريح. ومنهم من قال؛ كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجيسه بالملاقاة لكن ~~رخص في الماء للحاجة فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان فلا يقاس عليها. ~~وكلا المقدمتين باطلة. فليست إزالتها على خلاف القياس بل القياس أن الحكم ~~إذا ثبت بعلة زال بزوالها. وقولهم: إنه ينجس بالملاقاة ممنوع ومن سلمه فرق ~~بين الوارد # PageV21P476 # والمورود عليه أو بين الجاري والواقف. ولو قيل: إنها على خلاف القياس ~~فالصواب أن ما خالف القياس يقاس عليه إذا عرفت علته: إذ الاعتبار في القياس ~~بالجامع والفارق. واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف؛ فإن طهارة الحدث ~~من باب الأفعال المأمور بها؛ ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل واشترط فيها ~~النية عند الجمهور. وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك فمقصودها اجتناب ~~الخبث؛ ولهذا لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده بل لو زالت بالمطر النازل ~~من السماء حصل المقصود كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم. ومن قال ~~من أصحاب الشافعي وأحمد: إنه يعتبر فيها النية فهو قول شاذ مخالف للإجماع ~~السابق مع مخالفته لأئمة المذاهب. وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال في ~~المناظرة فإن المنازع لهم في مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث ~~فمنعوا الحكم في الأصل وهذا ليس بشيء. ولهذا كان أصح قولي العلماء أنه إذا ~~صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسيا فلا إعادة عليه كما هو مذهب مالك وأحمد في ~~أظهر الروايتين عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة ~~للأذى الذي كان # PageV21P477 # فيهما ولم يستأنف الصلاة. وكذلك في الحديث الآخر لما وجد في ثوبه نجاسة ~~أمرهم بغسله ولم يعد الصلاة؛ وذلك لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا ~~فعله العبد ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه كما دل عليه الكتاب والسنة. قال ~~تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} ms6540 وقال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا} قال الله تعالى: " قد فعلت " رواه مسلم في صحيحه. ولهذا ~~كان أقوى الأقوال: أن ما فعله العبد ناسيا أو مخطئا من محظورات الصلاة ~~والصيام والحج لا يبطل العبادة كالكلام ناسيا والأكل ناسيا والطيب ناسيا ~~وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيا وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا ~~موضعه. وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه ~~فحينئذ إذا زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود ولكن إن زال بفعل العبد ~~ونيته أثيب على ذلك وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة ولم يكن ~~له ثواب ولم يكن عليه عقاب. # وسئل - رحمه الله -: # عن استحالة النجاسة كرماد السرجين النجس والزبل النجس # PageV21P478 # تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابا. فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ . # فأجاب: # وأما استحالة النجاسة، كرماد السرجين النجس والزبل النجس يستحيل ترابا ~~فقد تقدمت هذه المسألة. وقد ذكرنا أن فيها قولين في مذهب مالك وأحمد. ~~أحدهما: أن ذلك طاهر وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم. وذكرنا أن هذا ~~القول هو الراجح. فأما الأرض إذا أصابتها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد ~~من يقول: إنها تطهر وإن لم يقل بالاستحالة. ففي هذه المسألة مع " مسألة ~~الاستحالة " ثلاثة أقوال والصواب الطهارة في الجميع كما تقدم. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # وأما طين الشوارع فمبني على أصل: وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت ~~بالريح أو الشمس أو نحو ذلك. هل تطهر الأرض؟ # PageV21P479 # على قولين للفقهاء وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أحدهما: ~~أنها تطهر. وهو مذهب أبي حنيفة وغيره: ولكن عند أبي حنيفة يصلى عليها ولا ~~يتيمم بها. والصحيح أنه يصلى عليها ويتيمم بها وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت ~~في الحديث الصحيح عن ابن عمر: {أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك} ومن المعلوم ~~أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك. ms6541 وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح من ~~أنه {أمرهم أن يصبوا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد ذنوبا من ماء} ~~فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض وهذا مقصود؛ بخلاف ما إذا لم يصب الماء ~~فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل. وأيضا ففي السنن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن وجد بها أذى ~~فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور} وفي السنن أيضا: {أنه سئل عن ~~المرأة تجر ذيلها على المكان القذر ثم على المكان الطاهر فقال: يطهره ما ~~بعده} وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني ونص في إحدى الروايتين عنه ~~على الأخذ بالحديث الأول وهو قول من يقول به من أصحاب مالك والشافعي ~~وغيرهما. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم # PageV21P480 # قد جعل التراب يطهر أسفل النعل وأسفل الذيل وسماه طهورا: فلأن يطهر نفسه ~~بطريق الأولى والأحرى. فالنجاسة إذا استحالت في التراب فصارت ترابا لم يبق ~~نجاسة. وأيضا فقد تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة واتفقوا ~~على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر. ~~ولهم فيها إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا ~~تطهر بحال كما ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما صح من نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن تخليلها ولأن حبسها معصية والطهارة نعمة والمعصية لا ~~تكون سببا للنعمة. وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة أو صارت ~~رمادا أو صارت الميتة والدم والصديد ترابا: كتراب المقبرة فهذا فيه قولان ~~في مذهب مالك وأحمد: أحدهما: أن ذلك طاهر كمذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر. ~~والثاني: أنه نجس كمذهب الشافعي. والصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق شيء ~~من أثر النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ لأن الله أباح الطيبات وحرم ~~الخبائث وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها # PageV21P481 # فإذا كانت العين ملحا أو خلا دخلت في الطيبات التي أباحها ms6542 الله ولم تدخل ~~في الخبائث التي حرمها الله وكذلك التراب والرماد وغير ذلك لا يدخل في نصوص ~~التحريم. وإذا لم تتناولها أدلة التحريم. لا لفظا ولا معنى لم يجز القول ~~بتنجيسه وتحريمه فيكون طاهرا وإذا كان هذا في غير التراب فالتراب أولى ~~بذلك. وحينئذ فطين الشوارع إذا قدر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر ~~وإن تيقن أن النجاسة فيه فهذا يعفى عن يسيره: فإن الصحابة - رضوان الله ~~عليهم - كان أحدهم يخوض في الوحل ثم يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل رجليه وهذا ~~معروف عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة كما تقدم. وقد ~~حكاه مالك عنهم مطلقا وذكر أنه لو كان في الطين عذرة منبثة لعفي عن ذلك ~~وهكذا قال غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه يعفى عن ~~يسير طين الشوارع مع تيقن نجاسته. والله أعلم. # PageV21P482 # وسئل - رحمه الله -: # عن الخمرة: إذا انقلبت خلا ولم يعلم بقلبها هل له أن يأكلها؟ أو يبيعها؟ ~~أو إذا علم أنها انقلبت هل يأكل منها أو يبيعها؟ . # فأجاب: # أما التخليل ففيه نزاع، قيل يجوز تخليلها كما يحكى عن أبي حنيفة. وقيل: ~~لا يجوز؛ لكن إذا خللت طهرت كما يحكى عن مالك وقيل يجوز بنقلها من الشمس ~~إلى الظل وكشف الغطاء عنها ونحو ذلك؛ دون أن يلقى فيها شيء. كما هو وجه في ~~مذهب الشافعي وأحمد. وقيل لا يجوز بحال. كما يقوله من يقوله من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وهذا هو الصحيح؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه سئل عن خمر ليتامى فأمر بإراقتها. فقيل له: إنهم فقراء فقال: سيغنيهم ~~الله من فضله} فلما أمر بإراقتها ونهى عن تخليلها وجبت طاعته فيما أمر به ~~ونهى عنه. فيجب أن تراق الخمرة ولا تخلل. هذا مع كونهم كانوا يتامى ومع كون ~~تلك الخمرة كانت متخذة قبل التحريم فلم يكونوا عصاة. # PageV21P483 # فإن قيل: هذا منسوخ لأنه كان في أول الإسلام فأمروا بذلك كما أمروا بكسر ~~الآنية وشق ms6543 الظروف ليمتنعوا عنها. قيل: هذا غلط من وجوه. أحدها: أن أمر ~~الله ورسوله لا ينسخ إلا بأمر الله ورسوله ولم يرد بعد هذا نص ينسخه. ~~الثاني: أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا. كما ثبت عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال: " لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها ولا جناح ~~على مسلم أن يشتري من خل أهل الذمة ". فهذا عمر ينهى عن خل الخمر التي قصد ~~إفسادها ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها ويرخص في اشتراء خل الخمر. من أهل ~~الكتاب؛ لأنهم لا يفسدون خمرهم وإنما يتخلل بغير اختيارهم. وفي قول عمر حجة ~~على جميع الأقوال. الوجه الثالث: أن يقال الصحابة كانوا أطوع الناس لله ~~ورسوله ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها فإذا كانوا مع هذا قد نهوا عن ~~تخليلها وأمروا بإراقتها فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك فإنهم أقل ~~طاعة لله ورسوله منهم. يبين ذلك أن عمر بن الخطاب غلظ على الناس العقوبة في ~~شرب # PageV21P484 # الخمر حتى كان ينفي فيها لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتنابا لها من الصحابة ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يكون زمان ليس فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا ريب أن أهله أقل ~~اجتنابا للمحارم فكيف تسد الذريعة عن أولئك المتقين وتفتح لغيرهم وهم أقل ~~تقوى منهم. وأما ما يروى: " خير خلكم خل خمركم " فهذا الكلام لم يقله النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن نقله عنه فقد أخطأ ولكن هو كلام صحيح فإن خل الخمر ~~لا يكون فيها ماء ولكن المراد به الذي بدأ الله بقلبه. وأيضا فكل خمر يعمل ~~من العنب بلا ماء فهو مثل خل الخمر. وقد وصف العلماء عمل الخل: أنه يوضع ~~أولا في العنب شيء يحمضه حتى لا يستحيل أولا خمرا. ولهذا تنازعوا في خمرة ~~الخلال: هل يجب إراقتها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أظهرهما وجوب ~~إراقتها كغيرها؛ فإنه ليس في الشريعة خمرة محترمة ولو ms6544 كان لشيء من الخمر ~~حرمة لكانت لخمر اليتامى التي اشتريت لهم قبل التحريم وذلك أن الله أمر ~~باجتناب الخمر فلا يجوز اقتناؤها ولا يكون في بيت مسلم خمر أصلا وإنما وقعت ~~الشبهة في التخليل؛ لأن بعض العلماء اعتقد أن التخليل إصلاح لها كدباغ ~~الجلد النجس. وبعضهم قال: اقتناؤها لا يجوز: لا لتخليل ولا غيره. لكن # PageV21P485 # إذا صارت خلا فكيف تكون نجسة وبعضهم قال: إذا ألقي فيها شيء تنجس أولا ثم ~~تنجست به ثانيا بخلاف ما إذا لم يلق فيها شيء فإنه لا يوجب التنجيس. وأما ~~أهل القول الراجح فقالوا: قصد المخلل لتخليلها هو الموجب لتنجيسها فإنه قد ~~نهي عن اقتنائها وأمر بإراقتها فإذا قصد التخليل كان قد فعل محرما. وغاية ~~ما يكون تخليلها كتذكية الحيوان والعين إذا كانت محرمة لم تصر محللة بالفعل ~~المنهي عنه؛ لأن المعصية لا تكون سببا للنعمة والرحمة. ولهذا لما كان ~~الحيوان محرما قبل التذكية ولا يباح إلا بالتذكية فلو ذكاه تذكية محرمة مثل ~~أن يذكيه في غير الحلق واللبة مع قدرته عليه. أولا يقصد ذكاته. أو يأمر ~~وثنيا أو مجوسيا بتذكيته ونحو ذلك لم يبح. وكذلك الصيد إذا قتله المحرم لم ~~يصر ذكيا فالعين الواحدة تكون طاهرة حلالا في حال وتكون حراما نجسة في حال. ~~تارة باعتبار الفاعل: كالفرق بين الكتابي والوثني. وتارة باعتبار الفعل ~~كالفرق بين الذبيحة بالمحدد وغيره. وتارة باعتبار المحل وغيره كالفرق بين ~~العتق وغيره. وتارة باعتبار قصد الفاعل كالفرق بين ما قصد تذكيته وما قصد ~~قتله. حتى إنه عند مالك والشافعي وأحمد إذا ذكى الحلال صيدا أبيح للحلال ~~دون المحرم فيكون حلالا طاهرا في حق هذا # PageV21P486 # حراما نجسا في حق هذا وانقلاب الخمر إلى الخل من هذا النوع مثل ما كان ~~ذلك محظورا فإذا قصده الإنسان لم يصر الخل به حلالا ولا طاهرا كما لم يصر ~~لحم الحيوان حلالا طاهرا بتذكية غير شرعية. وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب هو ~~الذي يعتمد عليه في هذه المسألة أنه متى علم أن صاحبها ms6545 قد قصد تخليلها لم ~~تشتر منه وإذا لم يعلم ذلك جاز اشتراؤها منه؛ لأن العادة أن صاحب الخمر لا ~~يرضى أن يخللها. والله أعلم. # PageV21P487 # وسئل: # عن الزيت إذا وقعت فيه النجاسة مثل الفأرة ونحوها وماتت فيه. هل ينجس أم ~~لا؟ وإذا قيل ينجس: فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا؟ . وإذا ~~قيل تجوز المكاثرة هل يجوز إلقاء الطاهر على النجس أو بالعكس أو لا فرق. ~~وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع به مثل ~~الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا؟ وإذا كانت المياه النجسة ~~اليسيرة تطهر بالمكاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة: فهل تنجس ~~وإن كانت كثيرة فوق القلتين؟ أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقا إلا بالتغير؟ ~~أو لا ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين. فيه عن أحمد ثلاث ~~روايات: إحداهن أنها تنجس ولو مع الكثرة. وهو قول الشافعي وغيره. والثانية: ~~أنها كالماء. سواء كانت مائية أو غير مائية # PageV21P488 # وهو قول طائفة من السلف والخلف: كابن مسعود وابن عباس والزهري وأبي ثور ~~وغيرهم. وهو قول أبي ثور نقله المروذي عن أبي ثور ويحكى ذلك لأحمد فقال: إن ~~أبا ثور شبهه بالماء ذكر ذلك الخلال في جامعه عن المروذي. وكذلك ذكر أصحاب ~~أبي حنيفة أن حكم المائعات عندهم حكم الماء ومذهبهم في المائعات معروف فيه. ~~فإذا كانت منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر لم تنجس ~~كالماء عندهم. وأما أبو ثور فإنه يقول: بالعكس. بالقلتين كالشافعي. والقول ~~أنها كالماء يذكر قولا في مذهب مالك وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة ~~إذا وقعت في الطعام الكثير روايتين وروي عن أبي نافع من المالكية في الحباب ~~التي بالشام للزيت تموت فيه الفأرة أن ذلك لا يضر الزيت قال: وليس الزيت ~~كالماء. وقال ابن الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم تغير أوصافه ms6546 ~~وكان كثيرا لم ينجس؛ بخلاف موتها فيه ففرق بين موتها فيه ووقوعها فيه ومذهب ~~ابن حزم وغيره من أهل الظاهر أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن ~~إذا وقعت فيه فأرة كما يقولون إن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل. ~~والثالثة: يفرق بين المائع المائي. كخل الخمر وغير المائي كخل العنب فيلحق ~~الأول بالماء دون الثاني. # PageV21P489 # وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها كالماء. ~~والثاني: أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام فإتلافها فيه ~~فساد ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء أو مباينة لها من الماء. والثالث: ~~أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور. وقد بسطنا الكلام على هذه ~~المسألة في غير هذا الموضع؛ وذكرنا حجة من قال: بالتنجيس وأنهم احتجوا بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن ~~كان مائعا فلا تقربوه} رواه أبو داود وغيره؛ وبينا ضعف هذا الحديث. وطعن ~~البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه وأنهم بينوا أنه ~~غلط فيه معمر على الزهري. قال أبو داود: (باب في الفأرة تقع في السمن حدثنا ~~مسدد حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة {أن فأرة وقعت في سمن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألقوها ~~وما حولها وكلوه} . وقال ثنا أحمد بن صالح والحسين بن علي واللفظ للحسين # PageV21P490 # قالا ثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الفأرة في السمن ~~فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه} قال الحسن قال ~~عبد الرزاق ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن ~~عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود قال أحمد بن ~~صالح: قال عبد الرزاق: قال أخبرنا عبد الرحمن بن مردويه عن ms6547 معمر عن الزهري ~~عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب. وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: ~~" باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن " حدثنا سعيد بن عبد الرحمن وأبو ~~عمار قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة {أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ألقوها وما حولها وكلوه} . قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وقد روي ~~هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل ولم يذكروا فيه عن ميمونة. وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح. # PageV21P491 # وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوه وهو حديث غير محفوظ. قال سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث ~~معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هذا خطأ. قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة. قلت: وحديث معمر هذا الذي خطأه البخاري وقال الترمذي إنه غير محفوظ ~~هو الذي قال فيه إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه. ~~كما رواه أبو داود وغيره. وكذلك الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده وغيره ~~وقد ذكر عبد الرزاق أن معمرا كان يرويه أحيانا من الوجه الآخر فكان يضطرب ~~في إسناده. كما اضطرب في متنه. وخالف فيه الحفاظ الثقات الذين رووه بغير ~~اللفظ الذي رواه معمر ومعمر كان معروفا بالغلط وأما الزهري فلا يعرف منه ~~غلط فلهذا بين البخاري من كلام الزهري ما دل على خطأ معمر في هذا الحديث. ~~قال البخاري في صحيحه: " باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب " ~~ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد ms6548 الله بن عتبة ~~أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة: {أن فأرة وقعت في سمن # PageV21P492 # فماتت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها - فقال: ألقوها وما حولها ~~وكلوه} . قيل لسفيان: فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولقد سمعته منه مرارا. ثنا عبدان ثنا عبد الله ~~يعني ابن المبارك عن يونس عن الزهري أنه سئل عن الدابة تموت في الزيت أو ~~السمن وهو جامد أو غير جامد - الفأرة أو غيرها - قال: {بلغنا - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم ~~أكل} - من حديث عبيد الله بن عبد الله ثم رواه من طريق مالك كما رواه من ~~طريق ابن عيينة. وهذا الحديث رواه الناس عن الزهري كما رواه ابن عيينة ~~بسنده ولفظه. وأما معمر فاضطرب فيه في سنده ولفظه فرواه تارة عن ابن المسيب ~~عن أبي هريرة. وقال فيه {وإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا ~~فلا تقربوه} . وقيل عنه: {وإن كان مائعا فاستصبحوا به} واضطرب على معمر فيه ~~وظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ فعملوا به وممن يثبته محمد بن ~~يحيى الذهلي فيما جمعه من حديث الزهري. وكذلك احتج به أحمد لما أفتى بالفرق ~~بين الجامد # PageV21P493 # والمائع وكان أحمد يحتج أحيانا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة كاحتجاجه ~~بقوله: {لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين} ثم تبين له بعد ذلك أنه معلول ~~فاستدل بغيره. وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر وبينوا غلطه ~~والصواب معهم. فذكر البخاري هنا عن ابن عيينة: أنه قال: سمعته من الزهري ~~مرارا لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبد الله وليس في لفظه إلا قوله: ~~{ألقوها وما حولها وكلوه} وكذلك رواه مالك وغيره وذكر من حديث يونس أن ~~الزهري سئل عن الدابة تموت في ms6549 السمن الجامد وغيره فأفتى {بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح} فهذه فتيا ~~الزهري في الجامد وغير الجامد فكيف يكون قد روى في هذا الحديث الفرق بينهما ~~وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث ورواه بالمعنى والزهري أحفظ أهل ~~زمانه حتى يقال: إنه لا يعرف له غلط في حديث ولا نسيان مع أنه لم يكن في ~~زمانه أكثر حديثا منه. ويقال: إنه حفظ على الأمة تسعين سنة لم يأت بها غيره ~~وقد كتب عنه سليمان بن عبد الملك كتابا من حفظه ثم استعاده منه بعد عام فلم ~~يخط منه حرفا. فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان الزهري أو معمر لكان نسبة ~~النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم # PageV21P494 # بالرجال مع كثرة الدلائل على نسيان معمر. وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث ~~على أن معمرا كثير الغلط على الزهري. قال الإمام أحمد رضي الله عنه فيما ~~حدثه به محمد بن جعفر غندر عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن ~~سلمة أسلم وتحته ثمان نسوة. فقال أحمد: هكذا حدث به معمر بالبصرة وحدثهم ~~بالبصرة من حفظه وحدث به باليمن عن الزهري بالاستقامة. وقال أبو حاتم ~~الرازي ما حدث به معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط وهو صالح الحديث وأكثر ~~الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة هم ~~البصريون. كعبد الواحد بن زياد وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي والاضطراب ~~في المتن ظاهر. فإن هذا يقول: " إن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل " وهذا ~~يقول: " وإن كان مائعا فلا تنتفعوا به واستصبحوا به " وهذا يقول " فلا ~~تقربوه " وهذا يقول: " فأمر بها أن تؤخذ وما حولها فتطرح " فأطلق الجواب. ~~ولم يذكر التفصيل. وهذا يبين أنه لم يروه من كتاب بلفظ مضبوط وإنما رواه ~~بحسب ما ظنه من المعنى فغلط وبتقدير صحة هذا اللفظ وهو قوله: " وإن # PageV21P495 # كان مائعا فلا تقربوه " فإنما يدل على نجاسة ms6550 القليل الذي وقعت فيه ~~النجاسة كالسمن المسئول عنه فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق ~~قلتين يقع فيه فأرة حتى يقال فيه: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام ~~الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة ~~في أوعيتهم يكون في الغالب قليلا فلو صح الحديث لم يدل إلا على نجاسة ~~القليل. فإن المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها لا ~~نص صحيح ولا ضعيف ولا إجماع ولا قياس صحيح. وعمدة من ينجسه يظن أن النجاسة ~~إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله فنجسته. وقد عرف فساد هذا وأنه لم يقل ~~أحد من المسلمين بطرده فإن طرده يوجب نجاسة البحر بل الذين قالوا؛ هذا ~~الأصل الفاسد: منهم من استثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر ومنهم من ~~استثنى في بعض النجاسات ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما فوق القلتين ~~وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير ~~وبعضهم بتعذر التطهير وهذه العلل موجودة في الكثير من الأدهان: فإنه قد ~~يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت ولا يمكنهم صيانته عن الواقع ~~والدور والحوانيت مملوءة مما لا يمكن صيانته كالسكر وغيره فالعسر والحرج ~~بتنجيس هذا عظيم جدا. # PageV21P496 # ولهذا لم يرد بتنجيس الكثير أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~أصحابه. واختلف كلام أحمد رحمه الله في تنجيس الكثير. وأما القليل فإنه ظن ~~صحة حديث معمر فأخذ به. وقد اطلع غيره على العلة القادحة فيه ولو اطلع ~~عليها لم يقل به؛ ولهذا نظائر كان يأخذ بحديث ثم يتبين له ضعفه فيترك الأخذ ~~به وقد يترك الأخذ به قبل أن تتبين صحته فإذا تبين له صحته أخذ به. وهذه ~~طريقة أهل العلم والدين رضي الله عنهم. ولظنه صحته عدل إليه عما رآه من ~~آثار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فروى صالح بن أحمد في مسائله عن أبيه ~~أحمد بن حنبل: ثنا ms6551 أبي ثنا إسماعيل ثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة: أن ابن ~~عباس سئل عن فأرة ماتت في سمن قال: تؤخذ الفأرة وما حولها. قلت: يا مولانا ~~فإن أثرها كان في السمن كله قال: عضضت بهن أبيك إنما كان أثرها بالسمن وهي ~~حية وإنما ماتت حيث وجدت. ثنا أبي ثنا وكيع ثنا النضر بن عربي عن عكرمة ~~قال: جاء رجل إلى ابن عباس فسأله عن جر فيه زيت وقع فيه جرذ فقال ابن عباس: ~~خذه وما حوله فألقه وكله. قلت: أليس جال في الجر كله؟ قال: إنه جال وفيه ~~الروح فاستقر حيث مات. وروى الخلال عن صالح قال: ثنا أبي ثنا وكيع ثنا ~~سفيان عن حمران بن أعين عن أبي حرب بن أبي # PageV21P497 # الأسود الدؤلي. قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن؟ فقال: إنما حرم ~~من الميتة لحمها ودمها. قلت: فهذه فتاوى ابن عباس وابن مسعود والزهري مع أن ~~ابن عباس هو راوي حديث ميمونة ثم إن قول معمر في الحديث الضعيف فلا تقربوه ~~متروك عند عامة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة فإن جمهورهم ~~يجوزون الاستصباح به وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره وهذا مخالف لقوله: ~~{فلا تقربوه} . ومن نصر هذا القول يقول قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{الماء طهور لا ينجسه شيء} احتراز عن الثوب والبدن والإناء ونحو ذلك مما ~~يتنجس والمفهوم لا عموم له وذلك لا يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس فإن ~~الهواء ونحوه لا يتنجس وليس بماء كما أن قوله: إن الماء لا يجنب احتراز عن ~~البدن فإنه يجنب ولا يقتضي ذلك أن كل ما ليس بماء يجنب ولكن خص الماء ~~بالذكر في الموضعين للحاجة إلى بيان حكمه فإن بعض أزواجه اغتسلت فجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليتوضأ بسؤرها فأخبرته أنها كانت جنبا فقال: {إن الماء ~~لا يجنب} مع أن الثوب لا يجنب والأرض لا تجنب وتخصيص الماء بالذكر لمفارقة ~~البدن لا لمفارقة كل شيء وكذلك قالوا: له {أنتوضأ من ms6552 بئر بضاعة. وهي بئر ~~يلقى # PageV21P498 # فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء} فنفى عنه ~~النجاسة للحاجة إلى بيان ذلك كما نفى عنه الجنابة للحاجة إلى بيان ذلك. ~~والله سبحانه قد أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث. والنجاسات من ~~الخبائث فالماء إذا تغير بالنجاسة حرم استعماله؛ لأن ذلك استعمال للخبيث. # وهذا مبني على أصل: وهو أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة فهل مقتضى ~~القياس تنجسه لاختلاط الحلال بالحرام إلى حيث يقوم الدليل على تطهيره أو ~~مقتضى القياس طهارته إلى أن تظهر فيه النجاسة الخبيثة التي يحرم استعمالها ~~للفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في هذا الأصل قولان: أحدهما: قول من يقول: ~~الأصل النجاسة وهذا قول أصحاب أبي حنيفة ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ~~بناء على أن اختلاط الحلال بالحرام يوجب تحريمهما جميعا. ثم إن أصحاب أبي ~~حنيفة طردوا ذلك فيما إذا كان الماء يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر. ~~قالوا: لأن النجاسة تبلغه إذا بلغته الحركة ولم يمكنهم طرده فيما زاد على ~~ذلك وإلا لزم تنجيس البحر والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع ولم يطردوا ~~ذلك فيما # PageV21P499 # إذا كان الماء عميقا. ومساحته قليلة ثم إذا تنجس الماء: فالقياس عندهم ~~يقتضي أن لا يطهر بنزح فيجب طم الآبار المتنجسة وطرد هذا القياس بشر ~~المريسي. وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: بالتطهير بالنزح استحسانا إما ~~بنزح البئر كلها إذا كبر الحيوان أو تفسخ وإما بنزح بعضها إذا صغر بدلاء ~~ذكروا عددها فما أمكن طرد ذلك القياس. وكذلك أصحاب الشافعي وأحمد قالوا: ~~بطهارة ما فوق القلتين: لأن ذلك يكون في الفلوات والغدران التي لا يمكن ~~صيانتها عن النجاسة فجعلوا طهارة ذلك رخصة لأجل الحاجة على خلاف القياس ~~وكذلك من قال من أصحاب أحمد: إن البول والعذرة الرطبة لا ينجس بهما إلا ما ~~أمكن نزحه ترك طرد القياس. لأن ما يتعذر نزحه يتعذر تطهيره فجعل تعذر ~~التطهير مانعا من التنجس. فهذه الأقوال وغيرها من مقالات القائلين بهذا ~~الأصل: تبين أنه لم ms6553 يطرده أحد من الفقهاء وأن كلهم خالفوا فيه القياس رخصة ~~وأباحوا ما تخالطه النجاسات من المياه لأجل الحاجة الخاصة. وأما القول ~~الثاني: فهو قول من يقول القياس أن لا ينجس الماء حتى # PageV21P500 # يتغير كما قاله من قاله من فقهاء الحجاز والعراق وفقهاء الحديث وغيرهم ~~كمالك وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد وهذه طريقة القاضي أبي ~~يعلى بن القاضي أبي خازم مع قوله: إن القليل ينجس بالملاقاة وأما ابن عقيل ~~وابن المنى وابن المظفر وابن الجوزي وأبو نصر وغيرهم من أصحاب أحمد فنصروا ~~هذا أنه لا ينجس إلا بالتغير كالرواية الموافقة لأهل المدينة وهو قول أبي ~~المحاسن الروياني وغيره من أصحاب الشافعي. وقال الغزالي: وددت أن مذهب ~~الشافعي في المياه كان كمذهب مالك وكلام أحمد وغيره موافق لهذا القول فإنه ~~لما سئل عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه بأي شيء ينجس؟ ~~والحديث المروي في ذلك وهو قوله: {الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه ~~أو طعمه أو ريحه} ضعيف؟ فأجاب: بأن الله حرم الميتة والدم. ولحم الخنزير ~~فإذا ظهر في الماء طعم الدم أو الميتة أو لحم الخنزير كان المستعمل لذلك ~~مستعملا لهذه الخبائث ولو كان القياس عنده التحريم مطلقا لم يخص صورة ~~التحريم باستعمال النجاسة. وفي الجملة فهذا القول هو الصواب وذلك أن الله ~~حرم الخبائث التي هي الدم والميتة ولحم الخنزير ونحو ذلك فإذا وقعت هذه في ~~الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير # PageV21P501 # أصلا. كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شاربا للخمر ~~والخمرة إذا استحالت بنفسها وصارت خلا كانت طاهرة باتفاق العلماء وهذا على ~~قول من يقول: إن النجاسة إذا استحالت طهرت أقوى. كما هو مذهب أبي حنيفة ~~وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد فإن انقلاب النجاسة ملحا ~~ورمادا ونحو ذلك هو كانقلابها ماء فلا فرق بين أن تستحيل رمادا أو ملحا أو ~~ترابا أو ماء أو هواء ms6554 ونحو ذلك والله تعالى قد أباح لنا الطيبات. وهذه ~~الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة قد ~~استهلكت واستحالت فيها فكيف يحرم الطيب الذي أباحه الله تعالى ومن الذي ~~قال: إنه إذا خالطه الخبيث واستهلك فيه واستحال قد حرم؟ وليس على ذلك دليل ~~لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~في حديث بئر بضاعة لما ذكر له أنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ~~فقال: {الماء طهور لا ينجسه شيء} وقال في حديث القلتين: {إذا بلغ الماء ~~قلتين لم يحمل الخبث} وفي اللفظ الآخر: {لم ينجسه شيء} رواه أبو داود ~~وغيره. فقوله: {لم يحمل الخبث} بين أن تنجيسه بأن يحمل الخبث أي بأن يكون ~~الخبث فيه محمولا وذلك يبين أنه مع استحالة الخبث لا ينجس الماء. # PageV21P502 # فصل: # وإذا عرف أصل هذه المسألة: فالحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها؛ كالخمر لما ~~كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة المطربة فإذا زالت بفعل الله طهرت؛ ~~بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه " لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها " ولا جناح على مسلم أن ~~يشتري خل خمر من أهل الكتاب ما لم يعلم أنهم تعمدوا فسادها. وذلك لأن ~~اقتناء الخمر محرم فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما والفعل ~~المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها ~~خمرا فهو لا يريد تخليلها وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده ~~فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة. وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد ~~لإفسادها؛ لأن إفسادها ليس بمحرم. كما لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف ~~عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن ~~تدبغ # PageV21P503 # جلود الميتة وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها والماء لنجاسته ~~سببان: أحدهما: متفق عليه والآخر مختلف فيه. فالمتفق عليه التغير بالنجاسة ~~فمتى كان الموجب لنجاسته التغير فزال التغير كان ms6555 طاهرا. كالثوب المضمخ ~~بالدم إذا غسل عاد طاهرا. والثاني: القلة: فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه ~~نجاسة ففي نجاسته قولان للعلماء: فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه ~~أنه ينجس ما دون القلتين وأحمد في الرواية المشهورة عنه يستثنى البول ~~والعذرة المائعة فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه. ومذهب أبي حنيفة ~~ينجس ما وصلت إليه الحركة ومذهب أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة أنه ~~لا ينجس ولو لم يبلغ قلتين واختار هذا الأول بعض الشافعية كإحدى الروايات ~~وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب الشافعي كما نصر الأولى طائفة كثيرة من ~~أصحاب أحمد لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا: إن قليل الماء ينجس بقليل ~~النجاسة ولم يحدوا ذلك بقلتين وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول فهؤلاء لا ~~ينجسون شيئا إلا بالتغير ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن ~~أحمد وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك كما قاله ~~الزهري وغيره. فهؤلاء لا ينجسون شيئا من المائعات # PageV21P504 # إلا بالتغير كما ذكره البخاري في صحيحه؛ لكن على المشهور عن أحمد اعتبار ~~القلتين في الماء. وكذلك في المائعات إذا سويت به. فنقول: إذا وقع في ~~المائع القليل نجاسة فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن ~~متغيرا وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين فصار الجميع كثيرا فوق القلتين ~~ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد: أحدهما: وهو مذهب الشافعي في الماء أن الجميع ~~طاهر. والوجه الثاني: أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا. والمكاثرة ~~المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما ~~لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا ~~وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة - وكان الجميع ~~كثيرا فوق القلتين - كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل وفي ذلك الوجهان ~~المتقدمان. وهذا القول الذي ذكرناه من أن المائعات كالماء أولى بعدم ~~التنجيس من الماء ms6556 هو الأظهر في الأدلة الشرعية بل لو نجس القليل من الماء ~~لم يلزم تنجيس الأشربة والأطعمة ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه # PageV21P505 # الكلب من الماء القليل كما جاء في الحديث ولم يأمر بإراقة ما ولغ فيه ~~الكلب من الأطعمة والأشربة واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك وذلك لأن ~~الماء لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم فإن في نجاستها ~~من المشقة والحرج والضيق ما لا يخفى على الناس وقد تقدم أن جميع الفقهاء ~~يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب فإذا لم ينجسوا الماء الكثير رفعا للحرج. ~~فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة؟ والحرج في هذا أشق ولعل أكثر ~~المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة. فإن قيل: الماء يدفع النجاسة عن ~~غيره فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات. قيل: الجواب عن ذلك من وجوه. ~~أحدها: أن الماء إنما دفعها عن غيره لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه ~~فلا يبقى على المحل نجاسة وأما إذا وقعت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها ~~فيه لا لكونه أزالها عن نفسه؛ ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة: إن المائعات ~~كالماء في الإزالة وهي كالماء في التنجيس وإذا كان كذلك لم يلزم من كون ~~الماء يزيلها إذا زالت معه أن يزيلها إذا كانت فيه. # ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل # PageV21P506 # وتلك نجسة قبل طهارة المحل. وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل هي ~~طاهرة أو مطهرة أو نجسة؟ . وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال: الماء ينجس ~~بوقوعها فيه وإن كان يزيلها عن غيره لما ذكرنا فإذا كانت النصوص وقول ~~الجمهور على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة كما دل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {الماء طهور لا ينجسه شيء} وقوله: {إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل الخبث} فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره علم أنه لا ينجس ~~بالملاقاة. إذ لو نجس بها لكان إذا صب عليه النجاسة ينجس بملاقاتها فحينئذ ~~لا ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ ms6557 لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت وإن استحالت ~~زالت. فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس وإن لم تكن ~~قد زالت كما زالت عن المحل. فإن من قال إنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن ~~غيره فقد خالف المشاهدة وهذا المعنى يوجد في سائر المائعات من الأشربة ~~وغيرها. الوجه الثاني؛ أن يقال غاية هذا أن يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة ~~بالمائع وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ومالك كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره. ~~وأحمد جعله لازما لمن قال: إن المائع لا ينجس # PageV21P507 # بملاقاة النجاسة وقال: يلزم على هذا أن تزال به النجاسة وهذا لأنه إذا ~~دفعها عن نفسه دفعها عن غيره كما ذكروه في الماء فيلزم جواز إزالته بكل ~~مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول. وهذا هو القياس فنقول به ~~على هذا التقدير. وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره لكون ~~الإحالة أقوى من الإزالة فيلزم من قال: إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء ~~من المائعات أن تكون المائعات كالماء فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس ~~إلا بالتغير إما مطلقا وإما مع الكثرة - فكذلك الصواب في المائعات. وفي ~~الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين وهذا مقتضى النص ~~والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء وغير ~~الماء. ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة ~~في الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال فإن نجاسة الماء ~~والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة وكون حكم النجاسة ~~يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب ~~القياس. ومن كان فقيها خبيرا بمآخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى # PageV21P508 # تبين له ذلك ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك: كما ينهى ~~عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها. والبقر التي يحرث ~~عليها. ونحو ذلك. لما في ذلك من الحاجة إليها ms6558 لا لأجل الخبث كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {لما كان في بعض أسفاره مع أصحابه ~~فنفدت أزوادهم فاستأذنوه في نحر الظهر فأذن لهم ثم أتى عمر فسأله أن يجمع ~~الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقى الظهر ففعل ذلك} فنهيه لهم عن نحر ~~الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب؛ لا لأن الإبل محرمة. فهكذا ينهى فيما يحتاج ~~إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما ~~له حرمة من طعام الإنس والجن وعلف دواب الإنس والجن ولم يكن ذلك لكون هذه ~~الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها بل لحرمتها فالقول في المائعات كالقول في ~~الجامدات. الوجه الثالث: أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من ~~إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات فإذا كان الماء ~~لا ينجس بما وقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى ~~وأحرى. الوجه الرابع: أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا ~~لون ولا ريح فلا نسلم أن يقال بنجاسته أصلا كما في الخمر المنقلبة أو # PageV21P509 # أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة. فإن الجمهور على أن المستحيل من ~~النجاسات طاهر كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد القولين في ~~مذهب مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي. الوجه الخامس: أن دفع المائعات ~~للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص بالماء بل هذا الحكم ثابت في التراب ~~وغيره؛ فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو ~~الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وهو الصحيح في الدليل. فإنه ثبت ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: {كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك} . وفي السنن ~~أنه قال: {إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان فيهما أذى ~~فليدلكهما في التراب فإن التراب ms6559 لهما طهور} . وكان الصحابة كعلي بن أبي ~~طالب وغيره يخوضون في الوحل ثم يدخلون يصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم. ~~وأوكد من هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ذيول النساء إذا أصابت أرضا طاهرة ~~بعد أرض خبيثة: {تلك بتلك} وقوله. {يطهره # PageV21P510 # ما بعده} وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وقد نص عليه أحمد في ~~رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وهي ~~من أجل المسائل. وهذا لأن الذيول تتكرر ملاقاتها للنجاسة فصارت كأسفل الخف ~~ومحل الاستنجاء. فإذا كان الشارع قد جعل الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها ~~لأجل الحاجة. كما في الاستنجاء بالأحجار وجعل الجامد طهورا علم أن ذلك وصف ~~لا يختص بالماء. وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة ~~فالمائعات أولى وأحرى لأن إحالتها أشد وأسرع ولبسط هذه المسائل وما يتعلق ~~بها مواضع غير هذا. وأما من قال إن الدهن ينجس بما يقع فيه: ففي جواز ~~الاستصباح به قولان في مذهب مالك والشافعي وأحمد أظهرهما: جواز الاستصباح ~~به كما نقل ذلك عن طائفة من الصحابة وفي طهارته بالغسل وجهان في مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد. أحدهما: يطهر بالغسل كما اختاره ابن شريح وأبو الخطاب وابن ~~شعبان وغيرهم. وهو المشهور من مذهب الشافعي وغيره. والثاني: لا يطهر بالغسل ~~وعليه أكثرهم. وهذا النزاع يجري في # PageV21P511 # الدهن المتغير بالنجاسة فإنه نجس بلا ريب ففي جواز الاستصباح به هذا ~~النزاع. وكذلك في غسله هذا النزاع. وأما بيعه فالمشهور أنه لا يجوز بيعه لا ~~من مسلم ولا من كافر. وهو المشهور في مذهب الشافعي وغيره وعن أحمد أنه يجوز ~~بيعه من كافر إذا أعلم بنجاسته. كما روي عن أبي موسى الأشعري وقد خرج قول ~~له بجواز بيعه منهم من خرجه على جواز الاستصباح به كما فعل أبو الخطاب ~~وغيره وهو ضعيف؛ لأن أحمد وغيره من الأئمة فرقوا بينهما. ومنهم من خرج جواز ~~بيعه على جواز تطهيره؛ لأنه إذا جاز تطهيره صار كالثوب النجس والإناء النجس ~~وذلك يجوز ms6560 بيعه وفاقا. وكذلك أصحاب الشافعي لهم في جواز بيعه إذا قالوا: ~~بجواز تطهيره وجهان ومنهم من قال يجوز بيعه مطلقا والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما المائعات: كالزيت والسمن وغيرهما من الأدهان كالخل واللبن وغيرهما ~~إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة الميتة ونحوها من النجاسات ففي ذلك قولان ~~للعلماء. # PageV21P512 # أحدهما: أن حكم ذلك حكم الماء وهذا قول الزهري وغيره من السلف وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد ويذكر رواية عن مالك في بعض المواضع وهذا هو أصل قول أبي ~~حنيفة حيث قاس الماء على المائعات. والثاني: أن المائعات تنجس بوقوع ~~النجاسة فيها بخلاف الماء فإنه يفرق بين قليله وكثيره. وهذا مذهب الشافعي ~~وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد. وفيها قول ثالث: هو رواية عن أحمد وهو ~~الفرق بين المائعات المائية وغيرها فخل التمر يلحق بالماء وخل العنب لا ~~يلحق به. وعلى القول الأول إذا كان الزيت كثيرا مثل أن يكون قلتين فإنه لا ~~ينجس إلا بالتغير كما نص على ذلك أحمد في كلب ولغ في زيت كثير. فقال: لا ~~ينجس. وإن كان المائع قليلا انبنى على النزاع المتقدم في الماء القليل. فمن ~~قال. إن القليل لا ينجس إلا بالتغير قال: ذلك في الزيت وغيره وبذلك أفتى ~~الزهري لما سئل عن الفأرة أو غيرها من الدواب. تموت في سمن أو غيره من ~~الأدهان فقال: تلقى وما قرب منها ويؤكل سواء كان قليلا أو كثيرا وسواء كان ~~جامدا أو مائعا. وقد ذكر ذلك البخاري عنه في صحيحه لمعنى سنذكره إن شاء ~~الله. # PageV21P513 # ومن قال: إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة قال: إنه كالماء فإنه يطهر ~~بالمكاثرة كما يطهر الماء بالمكاثرة فإذا صب عليه زيت كثير طهر الجميع ~~والقول بأن المائعات لا تنجس كما لا ينجس الماء هو القول الراجح بل هي أولى ~~بعدم التنجيس من الماء. وذلك لأن الله أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث ~~والأطعمة والأشربة - من الأدهان والألبان والزيت والخلول والأطعمة المائعة ~~- هي من الطيبات التي أحلها الله ms6561 لنا فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث: لا طعمه ~~ولا لونه ولا ريحه ولا شيء من أجزائه: كانت على حالها في الطيب فلا يجوز أن ~~تجعل من الخبيث المحرمة مع أن صفاتها صفات الطيب لا صفات الخبائث فإن الفرق ~~بين الطيبات والخبائث بالصفات المميزة بينهما. ولأجل تلك الصفات حرم هذا ~~وأحل هذا وإذا كان هذا الحب وقع فيه قطرة دم أو قطرة خمر وقد استحالت ~~واللبن باق على صفته والزيت باق على صفته لم يكن لتحريم ذلك وجه فإن تلك قد ~~استهلكت واستحالت ولم يبق لها حقيقة من الأحكام يترتب عليها شيء من أحكام ~~الدم والخمر. وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء لأن الشارع رخص في إراقة ~~الماء وإتلافه حيث لم يرخص في إتلاف المائعات كالاستنجاء فإنه يستنجى ~~بالماء دون هذه وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء. # PageV21P514 # وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح: سواء قيل تزول النجاسة أو لا ~~تزول. ولهذا قال من قال من العلماء: إن الماء يراق إذا ولغ فيه الكلب ولا ~~تراق آنية الطعام والشراب. وأيضا فإن الماء أسرع تغيرا بالنجاسة من الملح ~~والنجاسة أشد استحالة في غير الماء منها في الماء فالمائعات أبعد عن قبول ~~التنجيس حسا وشرعا من الماء فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس. ~~وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ~~عن فأرة وقعت في سمن فقال: {ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم} . فأجابهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم جوابا عاما مطلقا بأن يلقوها وما حولها وأن يأكلوا ~~سمنهم ولم يستفصلهم هل كان مائعا أو جامدا. وترك الاستفصال في حكاية الحال ~~مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. مع أن الغالب على سمن ~~الحجاز أن يكون ذائبا. وقد قيل: إنه لا يكون إلا ذائبا والغالب على السمن ~~أنه لا يبلغ القلتين مع أنه لم يستفصل هل كان قليلا أو كثيرا. فإن قيل: فقد ~~روي في الحديث {إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ms6562 سمنكم وإن كان مائعا ~~فلا تقربوه} . رواه أبو داود وغيره. # PageV21P515 # قيل: هذه الزيادة هي التي اعتمد عليها من فرق بين المائع والجامد ~~واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا في ذلك ~~مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم. وقد ضعف محمد بن يحيى الذهلي حديث ~~الزهري وصحح هذه الزيادة؛ لكن قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في ~~الحديث ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الذي تبين لنا ~~ولغيرنا ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولا فإن الرجوع إلى ~~الحق خير من التمادي في الباطل والبخاري والترمذي رحمة الله عليهما وغيرهما ~~من أئمة الحديث قد بينوا لنا أنها باطلة وأن معمرا غلط في روايته لها عن ~~الزهري وكان معمر كثير الغلط والأثبات من أصحاب الزهري: كمالك. ويونس وابن ~~عيينة خالفوه في ذلك وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادا ومتنا ~~فجعله عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله ~~عن ابن عباس عن ميمونة وروي عنه في بعض طرقه أنه قال: {إن كان مائعا ~~فاستصبحوا به. وفي بعضها فلا تقربوه} . والبخاري بين غلطه في هذا بأن ذكر ~~في صحيحه عن يونس من الزهري نفسه أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: إن كان # PageV21P516 # جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا تلقى وما قرب منها ويؤكل لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: {ألقوها وما حولها وكلوا ~~سمنكم} فالزهري الذي مدار الحديث عليه قد أفتى في المائع والجامد بأن تلقى ~~الفأرة وما قرب منها ويؤكل واستدل بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه. ~~فتبين أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط. وأيضا فالجمود والميعان ~~أمر لا ينضبط بل يقع الاشتباه في كثير من الأطعمة هل تلحق بالجامد أو ~~المائع. والشارع لا ms6563 يفصل بين الحلال والحرام إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه. ~~كما قال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون} . والمحرمات مما يتقون فلا بد أن يبين لهم المحرمات بيانا فاصلا ~~بينها وبين الحلال. وقد قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} . وأيضا ~~فإذا كانت الخمر التي هي أم الخبائث إذا انقلبت بنفسها حلت باتفاق المسلمين ~~فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب وإذا قدر أن قطرة خمر وقعت في ~~خل مسلم بغير اختياره فاستحالت كانت أولى بالطهارة. فإن قيل: الخمر لما ~~نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة؛ بخلاف غيرها؟ والخمر إذا قصد تخليلها لم ~~تطهر. # PageV21P517 # قيل في الجواب عن الأول: إن جميع النجاسات نجست بالاستحالة فإن الإنسان ~~يأكل الطعام ويشرب الشراب وهي طاهرة ثم تستحيل دما وبولا وغائطا فتنجس. ~~وكذلك الحيوان يكون طاهرا فإذا مات احتبست فيه الفضلات وصار حاله بعد الموت ~~خلاف حاله في الحياة فينجس ولهذا يطهر الجلد بعد الدباغ عند الجمهور سواء ~~قيل: إن الدباغ كالحياة أو قيل إنه كالذكاة؛ فإن في ذلك قولين مشهورين ~~للعلماء والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة. وأما ما قصد تخليله: فذلك لأن ~~حبس الخمر حرام سواء حبست لقصد التخليل أو لا. والطهارة نعمة فلا تثبت ~~النعمة بالفعل المحرم. # وسئل: # عن الرجل يسافر في الشتاء ويصيبه بلل المطر والنداوة ويمس مقادم الدواب ~~ورحالها وغير ذلك - مما يشق الاحتراز منه على المسافر - وينزل منازل متنجسة ~~يفرش عليها فرشه وغير ذلك مما يعلم من أحوال المسافر. فهل يعفى عن ذلك؟ ~~وإذا عفي عنه فهل إذا حضر في بلدته # PageV21P518 # يجب عليه غسل ما لامس ثيابه وفرشه وفراءه؟ وهي مرتبطة بتلك المقاود. وآلة ~~الدواب لا تخلو من النجاسات وقد تكون في بعض الأوقات المقاود رطبة من بول ~~أو بلل. ويمسكها بيده ويلمس بيده ثيابه وقد تكون في الصيف يده عرقانة. فهل ~~يعفى عن جميع ذلك وإن عفي عنه في السفر هل يكون عفوا له في الحضر أم يجب ~~غسل ما ms6564 ذكر؟ فإن الكثير من الناس لا يغسلون والأقل من الناس يعتنون بالغسل؟ ~~وهل كان الصحابة يغسلون من ذلك أم يتجاوزون؟ وهل يكون الغسل من ذلك بخلاف ~~السنة؟ والغرض متابعة الصحابة وما كانوا عليه. وفي الرجل إذا مس ثوبه ~~القصاب أو يده وعليه شيء من الدسم غسل ما أصابه منه. فهل هو في ذلك مصيب؟ ~~أو هذا وسواس؟ وفي الرجل أيضا يصلي إلى جانبه قصاب في المسجد فيقول مكان ~~هذا القصاب غير طاهر؛ لأن القصابين لا يتحرزون من النجاسة في أبدانهم ~~وثيابهم وإذا صافحه قصاب غسل يده؟ وكذلك إذا مسه الطواف باللحم غسل ما ~~أصابه منه. فهل هو مخطئ؟ وما الحكم في ذلك؟ وما الذي كانت عليه الصحابة. ~~وفي الرجل يأكل الشرائح وقد جرت العادة بأن عمالها لا يغسلون اللحم فهل ~~يحرم أكلها أو يكره؟ لكون القصابين يذبحون بسكين # PageV21P519 # ويسلخون بها من غير غسل؟ وإذا عفي عنه في الأكل: فهل يعفى عن الرجل يأكل ~~من ذلك ويصيب ثوبه وبدنه من ذلك ولا يغسله والمراد ما لو جرى بحضرة الصحابة ~~أو فعل أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب: أما مقاود الخيل ورباطها فطاهر باتفاق الأئمة لأن الخيل طاهرة ~~بالاتفاق. ولكن الحمير فيها خلاف: هل هي طاهرة أو نجسة؟ أو مشكوك فيها؟ ~~والصحيح الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر إذ قد بينا أن شعر الكلب طاهر فشعر ~~الحمار أولى. وإنما الشبهة في ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب أو بريق الخيل ~~وأما مقاودها وبراذعها فمحكوم بطهارتها وغاية ما فيها أنه قد يصيبها بول ~~الدواب وروثها. وبول البغل والحمار فيه نزاع بين العلماء. منهم من يقول: هو ~~طاهر؛ ومنهم من ينجسه وهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة: لكن هل يعفى عن ~~يسيره؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد فإذا عفي عن يسير بوله وروثه كان ما ~~يصيب المقاود وغيرها معفوا عنه وهذا مع تيقن النجاسة. وأما مع الشك فالأصل ~~في ذلك الطهارة والاحتياط في ذلك وسواس؛ فإن الرجل إذا أصابه ما يجوز أن ~~يكون طاهرا ويجوز ms6565 أن # PageV21P520 # يكون نجسا لم يستحب له التجنب على الصحيح ولا الاحتياط؛ فإن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - مر هو وصاحب له بميزاب فقطر على صاحبه منه ماء. ~~فقال صاحبه: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب ~~لا تخبره فإن هذا ليس عليه. وعلى القول بالعفو فإذا فرش في الخانات وغيرها ~~على روث الحمير ونحوها فإنه يعفى عن يسير ذلك. وأما روث الخيل فالصحيح أنه ~~طاهر فلا يحتاج إلى عفو ولا يجب عليه شيء من ذلك إذا دخل الحضر وسواء كانت ~~يده رطبة من ماء أو غير ذلك فإنه لا يضره من المقاود. وغسل المقاود بدعة لم ~~ينقل ذلك عن الصحابة - رضوان الله عليهم - بل كانوا يركبونها. وامتن الله ~~عليهم بذلك في قوله تعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} {وكان للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بغلة يركبها} وروي عنه: {أنه ركب الحمار} وما نقل أنه ~~أمر خدام الدواب أن يحترزوا من ذلك. # فصل: # وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته وإن كان عليه دسم وغسل اليدين من ذلك ~~وسوسة وبدعة ومكانه من المسجد وغيره طاهر # PageV21P521 # وغاية ما يصيب القصاب أن الدم يصيبه أحيانا فالذي يماسه إذا لم يكن عليه ~~دم لا يضره ولو أصابه دم يسير لعفي عنه؛ لأن الدم اليسير معفو عنه ونجاسة ~~القصاب ليست من نجاسة الدسم فإن الدسم طاهر لا نجاسة فيه ويسير الدم معفو ~~عنه وغسل يده من مصافحة القصاب أو الطواف وسوسة وتنطع مخالف للسنة. وقد ذكر ~~البخاري أن عمر بن الخطاب توضأ من جرة امرأة نصرانية وقد {كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقبل زبيبة الحسن وقد صلى وهو حامل أمامة ابنة ابنته فإذا ~~سجد وضعها وإذا قام حملها} ومثل هذا كثير في الآثار يبين سعة الأمر في ذلك. # فصل: # أكل الشوى والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل؛ بل غسل لحم الذبيحة ~~بدعة فما زال الصحابة - رضي الله عنهم - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~يأخذون اللحم فيطبخونه ويأكلونه ms6566 بغير غسله وكانوا يرون الدم في القدر ~~خطوطا؛ وذلك أن الله إنما حرم عليهم الدم المسفوح أي المصبوب المهراق فأما ~~ما يبقى في العروق فلم يحرمه. ولكن حرم عليهم أن يتبعوا العروق كما تفعل ~~اليهود الذين بظلم منهم # PageV21P522 # حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وسكين القصاب ~~يذبح بها ويسلخ. فلا تحتاج إلى غسل. فإن غسل السكاكين التي يذبح بها بدعة ~~وكذلك غسل السيوف. وإنما كان السلف يمسحون ذلك مسحا؛ ولهذا جاز في أحد قولي ~~العلماء في الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة إذا أصابها نجاسة أن تمسح ولا ~~تغسل وهذا فيما لا يعفى عنه. فأما ما تعين عدم نجسه فلا يحتاج إلى غسل ولا ~~مسح واليسير يعفى عنه. وما عفي عنه فالحمل والمشي. بلا ريب؛ فإن كل ما جاز ~~أكله جاز مباشرته في الصلاة وغيرها وليس كل ما جازت مباشرته في الصلاة ~~وغيرها جاز أكله كالسموم المضرة فإنه لا يجوز أكلها ولو باشرها وإن كانت ~~طاهرة تجوز مباشرتها في الصلاة. وذلك لأن الله تعالى حرم علينا الخبائث ~~وأباح لنا الطيبات والخبيث يضر والطيب ينفع وما ضر في مباشرة الظاهر كانت ~~مضرته بممازجة الأبدان إذا أكل أقوى وأقوى وليس كل ما ضر بالممازجة ~~والمخالطة يضر بالمباشرة والملامسة؛ ولهذا كان ما عفي عنه في الحمل كدم ~~الجرح والدماميل وما يعلق بالسكين من دم الشاة ونحو ذلك. فهذا إذا وقع في ~~ماء أو مائع فقيل إنه ينجسه وإنما يعفى عنه في المائعات. كما تقدم من أن ~~الله إنما حرم الدم المسفوح وقد كان # PageV21P523 # أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل أحدهم أصبعه في خيشومه فيلوث ~~أصابعه بالدم فيمضي في صلاته وكذلك كانت أيديهم تصيب الدماميل والجراح ولم ~~ينقل عنهم أنهم كانوا يتحرجون من مباشرة المائعات حتى يغسلوا أيديهم. وقد ~~ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر فيبقى الدم في الماء خطوطا وهذا لا أعلم ~~بين العلماء خلافا في العفو عنه وأنه لا ينجس باتفاقهم وحينئذ فأي فرق بين ~~كون الدم ms6567 في مرق القدر أو مائع آخر وكونه في السكين أو غيرها. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل عنده ستون قنطار زيت بالدمشقي وقعت فيه فأرة في بئر واحدة فهل ~~ينجس بذلك أم لا؟ وهل يجوز بيعه أو استعماله أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، لا ينجس بذلك بل يجوز بيعه واستعماله إذا لم يتغير في إحدى ~~الروايتين عن أحمد وحكم المائعات عنده حكم الماء في إحدى الروايتين فلا ~~ينجس إذا بلغ القلتين إلا بالتغير لكن تلقى النجاسة وما حولها وقد ذهب إلى ~~أن حكم المائعات حكم الماء طائفة # PageV21P524 # من العلماء: كالزهري والبخاري صاحب الصحيح. وقد ذكر ذلك رواية عن مالك ~~وهو أيضا مذهب أبي حنيفة: فإنه سوى بين الماء والمائعات بملاقاة النجاسة ~~وفي إزالة النجاسة وهو رواية عن أحمد في الإزالة؛ لكن أبو حنيفة رأى مجرد ~~الوصول منجسا وجمهور الأئمة خالفوا في ذلك فلم يروا الوصول منجسا مع ~~الكثرة. وتنازعوا في القليل. إذ من الفقهاء من رأى أن مقتضى الدليل أن ~~الخبيث إذا وقع في الطيب أفسده ومنهم من قال إنما يفسده إذا كان قد ظهر ~~أثره فأما إذا استهلك فيه واستحال فلا وجه لإفساده كما لو انقلبت الخمرة ~~خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة لكن مذهبه في الماء ~~معروف وعلى هذا أدلة قد بسطناها في غير هذا الموضع. ولا دليل على نجاسته لا ~~في كتاب الله ولا سنة رسوله. وعمدة الذين نجسوه. احتجاجهم بحديث رواه أبو ~~داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن ~~فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن كان مائعا فلا # PageV21P525 # تقربوه} وهذا الحديث إنما يدل لو دل على نجاسة السمن الذي وقع فيه الفأرة ~~فكيف والحديث ضعيف؛ بل باطل غلط فيه معمر على الزهري غلطا معروفا عند ~~النقاد الجهابذة كما ذكره الترمذي عن البخاري. ومن اعتقد من الفقهاء أنه ~~على شرط الصحيح فلم يعلم العلة الباطنة فيه التي توجب العلم ببطلانه فإن ms6568 ~~علم العلل من خواص علم أئمة الحديث ولهذا بين البخاري في صحيحه ما يوجب ~~فساد هذه الرواية وأن الحديث الصحيح هو على طهارته أدل منه على النجاسة ~~فقال: (باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب: حدثنا عبدان قال ~~حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك عن يونس عن الزهري: أنه سئل عن الدابة ~~التي تموت في الزيت أو السمن وهو جامد. أو غير جامد الفأرة أو غيرها قال: ~~{بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما ~~قرب منها فطرح ثم أكل} . وفي حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة قال: {سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فقال: ~~ألقوها وما حولها وكلوه} فذكر البخاري عن ابن شهاب الزهري أعلم الأمة ~~بالسنة في زمانه أنه أفتى في الزيت والسمن الجامد وغير الجامد إذا ماتت فيه ~~الفأرة أنها تطرح وما قرب منها. # PageV21P526 # واستدل بالحديث الذي رواه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها ~~وكلوه} ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم إن كان مائعا فلا تقربوه؛ بل هذا ~~باطل. فذكر البخاري رضي الله عنه هذا ليبين أن من ذكر عن الزهري أنه روى في ~~هذا الحديث هذا التفصيل فقد غلط عليه فإنه أجاب بالعموم في الجامد والذائب ~~مستدلا بهذا الحديث بعينه لا سيما والسمن بالحجاز يكون ذائبا أكثر مما يكون ~~جامدا؛ بل قيل: إنه لا يكون بالحجاز جامدا بحال. فإطلاق النبي صلى الله ~~عليه وسلم الجواب من غير تفصيل يوجب العموم إذ السؤال كالمعاد في الجواب ~~فكأنه قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وترك ~~الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال. ~~هذا إذا كان السمن بالحجاز يكون جامدا ويكون ذائبا فأما إن كان وجود الجامد ~~نادرا أو معدوما ms6569 كان الحديث نصا في أن السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة ~~فإنها تلقى وما حولها ويؤكل. وبذلك أجاب الزهري فإن مذهبه أن الماء لا ينجس ~~قليله ولا كثيره إلا بالتغير وقد ذكر البخاري في أوائل الصحيح: التسوية بين ~~الماء والمائعات. وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة ودلائلها وكلام العلماء ~~فيها # PageV21P527 # في غير هذا الموضع. كيف وفي تنجيس مثل ذلك وتحريمه من فساد الأطعمة ~~العظيمة وإتلاف الأموال العظيمة القدر ما لا تأتي بمثله الشريعة الجامعة ~~للمحاسن كلها. والله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث تنزيها لنا عن المضار ~~وأباح لنا الطيبات كلها لم يحرم علينا شيئا من الطيبات كما حرم على أهل ~~الكتاب - بظلمهم - طيبات أحلت لهم. ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها ~~واشتمالها على مصالح العباد في المبدأ والمعاد تبين له من ذلك ما يهديه ~~الله إليه {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} والله سبحانه أعلم. ~~والحمد لله وحده وصلاته على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # وسئل: # عن الزيت إذا كان في بئر ووقعت فيه نجاسة: مثل الفأرة والحية ونحوهما ~~وماتا فيه. فما الحكم إذا كان دون القلتين؟ وإذا ولغ الكلب في الزيت أو ~~اللبن فما الحكم فيه؟ . # فأجاب - رحمه الله -: # إذا كان أكثر من القلتين فهي طاهر عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي ~~وأحمد وغيرهم. وإن كان دون القلتين ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره ومذهب ~~المدنيين وكثير من أهل الحديث أنه طاهر كإحدى الروايتين عن أحمد # PageV21P528 # وهو اختيار طائفة من أصحابه: كابن عقيل وغيره وكذلك المائع إذا وقعت فيه ~~نجاسة ولم تغيره فيه نزاع معروف وقد بسط في موضع آخر. والأظهر أنه إذا لم ~~يكن للنجاسة فيه أثر بل استهلكت فيه ولم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا ~~فإنه لا ينجس والله سبحانه أعلم. # وسئل: # عما إذا ولغ الكلب في اللبن ومخض اللبن وظهر فيه زبدة: فهل يحل تطهير ~~الزبدة؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # اللبن وغيره من المائعات هل يتنجس بملاقاة النجاسة أو حكمه حكم ms6570 الماء. ~~هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد وكذلك مالك له في النجاسة ~~الواقعة في الطعام الكثير هل تنجسه فيه قولان. وأما ولوغ الكلب في الطعام ~~فلا ينجسه عند مالك فهذا على أحد قولي العلماء لم ينجس وعلى القول الآخر ~~ينجس وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عن أصحابه لكن عند هؤلاء هل يطهر # PageV21P529 # الدهن بالغسل؟ فيه قولان في مذهب الشافعي وأحمد وهما قولان في مذهب مالك ~~أيضا. فمن قال إن الأدهان تطهر بالغسل قال بطهارته بالغسل وإلا فلا والله ~~أعلم. # وسئل: # عن الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك؟ . # فأجاب: # وأما الكلب فقد تنازع العلماء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طاهر حتى ~~ريقه وهذا هو مذهب مالك. والثاني: نجس حتى شعره وهذا هو مذهب الشافعي وإحدى ~~الروايتين عن أحمد. والثالث: شعره طاهر وريقه نجس وهذا هو مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهذا أصح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن ~~رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء أريق الماء. # PageV21P530 # وإن ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك ~~وغيره ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد فأما إن كان ~~اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس كما تقدم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الجبن الإفرنجي والجوخ هل هما مكروهان أو قال أحد من الأئمة ممن يعتمد ~~قوله إنهما نجسان وأن الجبن يدهن بدهن الخنزير وكذلك الجوخ. # فأجاب: # الحمد لله، أما الجبن المجلوب من بلاد الإفرنج فالذين كرهوه ذكروا لذلك ~~سببين: أحدهما أنه يوضع بينه شحم الخنزير إذا حمل في السفن. والثاني: أنهم ~~لا يذكون ما تصنع منه الإنفحة بل يضربون رأس البقر ولا يذكونه. فأما الوجه ~~الأول: فغايته أن ينجس ظاهر الجبن فمتى كشط الجبن أو غسل طهر فإن ذلك ثبت ~~في الصحيح {أن النبي # PageV21P531 # صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها ~~وكلوا ms6571 سمنكم} فإذا كان ملاقاة الفأرة للسمن لا توجب نجاسة جميعه فكيف تكون ~~ملاقاة الشحم النجس للجبن توجب نجاسة باطنه ومع هذا فإنما يجب إزالة ظاهره ~~إذا تيقن إصابة النجاسة له وأما مع الشك فلا يجب ذلك. وأما الوجه الثاني: ~~فقد علم أنه ليس كل ما يعقرونه من الأنعام يتركون ذكاته بل قد قيل: إنهم ~~إنما يفعلون هذا بالبقر وقيل إنهم يفعلون ذلك حتى يسقط ثم يذكونه ومثل هذا ~~لا يوجب تحريم ذبائحهم بل إذا اختلط الحرام بالحلال في عدد لا ينحصر: ~~كاختلاط أخته بأهل بلد واختلاط الميتة والمغصوب بأهل بلدة لم يوجب ذلك ~~تحريم ما في البلد كما إذا اختلطت الأخت بالأجنبية والمذكى بالميت فهذا ~~القدر المذكور لا يوجب تحريم ذبائحهم المجهولة الحال. وبتقدير أن يكون ~~الجبن مصنوعا من إنفحة ميتة فهذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء: ~~أحدهما: أن ذلك مباح طاهر كما هو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ~~والثاني: أنه حرام نجس: كقول مالك والشافعي وأحمد في # PageV21P532 # الرواية الأخرى والخلاف مشهور في لبن الميتة وإنفحتها: هل هو طاهر؟ أم ~~نجس؟ والمطهرون احتجوا بأن الصحابة أكلوا جبن المجوس مع كون ذبائحهم ميتة ~~ومن خالفهم نازعهم كما هو مذكور في موضع آخر. وأما الجوخ فقد حكى بعض الناس ~~أنهم يدهنونه بشحم الخنزير وقال بعضهم: إنه ليس يفعل هذا به كله فإذا وقع ~~الشك في عموم نجاسة الجوخ لم يحكم بنجاسة عينه لإمكان أن تكون النجاسة لم ~~تصبها؛ إذ العين طاهرة ومتى شك في نجاستها فالأصل الطهارة ولو تيقنا نجاسة ~~بعض أشخاص نوع دون بعض لم نحكم بنجاسة جميع أشخاصه ولا بنجاسة ما شككنا في ~~تنجسه: ولكن إذا تيقن النجاسة أو قصد قاصد إزالة الشك فغسل الجوخة يطهرها ~~فإن ذلك صوف أصابه دهن نجس وإصابة البول والدم لثوب القطن والكتان أشد وهو ~~به ألصق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لمن أصاب دم الحيض ثوبها حتيه ~~ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء} - وفي رواية - {ولا يضرك أثره} والله أعلم. # PageV21P533 # وسئل: ms6572 # عن مريض طبخ له دواء فوجد فيه زبل الفأر؟ . # فأجاب: هذه المسألة فيها نزاع معروف بين العلماء هل يعفى عن يسير بعر ~~الفأر ففي أحد القولين في مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما أنه يعفى عن يسيره ~~فيؤكل ما ذكر وهذا أظهر القولين والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام ~~المشروعة تصويرا وتقريرا وتأصيلا وتفصيلا فوقع الكلام في شرح القول في ### | حكم مني الإنسان وغيره من الدواب # الطاهرة وفي أرواث البهائم المباحة: أهي طاهرة؟ أم نجسة؟ على وجه أحب ~~أصحابنا تقييده وما يقاربه من زيادة ونقصان فكتبت لهم في ذلك فأقول ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. هذا مبني على أصل وفصلين. أما الأصل: # PageV21P534 # فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين ~~أوصافها أن تكون حلالا مطلقا للآدميين وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ~~ملابستها ومباشرتها ومماستها وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة وقضية فاضلة ~~عظيمة المنفعة واسعة البركة يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من ~~الأعمال وحوادث الناس وقد دل عليها أدلة عشرة - مما حضرني ذكره من الشريعة ~~- وهي: كتاب الله وسنة رسوله واتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وقوله: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا} . ثم مسالك القياس والاعتبار ومناهج الرأي ~~والاستبصار. الصنف الأول: الكتاب وهو عدة آيات. الآية الأولى قوله تعالى ~~{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} والخطاب لجميع الناس لافتتاح الكلام ~~بقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ووجه الدلالة أنه أخبر أنه خلق جميع ما ~~في الأرض للناس مضافا إليهم باللام واللام حرف الإضافة وهي توجب اختصاص ~~المضاف بالمضاف إليه واستحقاقه إياه من الوجه الذي يصلح له وهذا المعنى يعم ~~موارد استعمالها. كقولهم: المال لزيد والسرج للدابة وما أشبه ذلك فيجب إذا ~~أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ما في الأرض # PageV21P535 # فضلا من الله ونعمة وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث؛ لما ms6573 فيها من ~~الإفساد لهم في معاشهم أو معادهم فيبقى الباقي مباحا بموجب الآية. الآية ~~الثانية: قوله تعالى {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} دلت الآية من وجهين: أحدهما: أنه ~~وبخهم وعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه قبل أن يحله باسمه الخاص ~~فلو لم تكن الأشياء مطلقة مباحة لم يلحقهم ذم ولا توبيخ إذ لو كان حكمها ~~مجهولا أو كانت محظورة لم يكن ذلك. الوجه الثاني: أنه قال: {وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم} والتفصيل التبيين فبين أنه بين المحرمات فما لم يبين تحريمه ليس ~~بمحرم. وما ليس بمحرم فهو حلال إذ ليس إلا حلال أو حرام. الآية الثالثة ~~قوله تعالى {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وإذا كان ما ~~في الأرض مسخرا لنا جاز استمتاعنا به كما تقدم. # PageV21P536 # الآية الرابعة: قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} الآية فما لم يجد تحريمه ليس بمحرم ~~وما لم يحرم فهو حل ومثل هذه الآية قوله {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير} الآية؛ لأن حرف: (إنما يوجب حصر الأول في الثاني؛ فيجب انحصار ~~المحرمات فيما ذكر وقد دل الكتاب على هذا الأصل المحيط في مواضع أخر. الصنف ~~الثاني: السنة والذي حضرني منها حديثان: الحديث الأول: في الصحيحين عن سعد ~~بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن أعظم المسلمين جرما ~~من يسأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته} . دل ذلك على أن الأشياء لا ~~تحرم إلا بتحريم خاص لقوله لم يحرم ودل أن التحريم قد يكون لأجل المسألة ~~فبين بذلك أنها بدون ذلك ليست محرمة وهو المقصود. الثاني: روى أبو داود في ~~سننه عن سلمان الفارسي قال: {سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ~~السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما ms6574 أحل الله في كتابه والحرام ما حرم ~~الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه} . فمنه دليلان: # PageV21P537 # أحدهما: أنه أفتى بالإطلاق فيه. الثاني قوله: {وما سكت عنه فهو مما عفا ~~عنه} نص في أن ما سكت عنه فلا إثم عليه فيه وتسميته هذا عفوا كأنه والله ~~أعلم لأن التحليل هو الإذن في التناول بخطاب خاص والتحريم المنع من التناول ~~كذلك والسكوت عنه لم يؤذن بخطاب يخصه ولم يمنع منه فيرجع إلى الأصل وهو أن ~~لا عقاب إلا بعد الإرسال وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرما. وفي السنة ~~دلائل كثيرة على هذا الأصل. الصنف الثالث: اتباع سبيل المؤمنين وشهادة ~~شهداء الله في أرضه الذين هم عدول الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ~~المعصومين من اجتماعهم على ضلالة المفروض اتباعهم. وذلك أني لست أعلم خلاف ~~أحد من العلماء السالفين: في أن ما لم يجئ دليل بتحريمه فهو مطلق غير محجور ~~وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم في أصول الفقه وفروعه وأحسب بعضهم ذكر في ذلك ~~الإجماع يقينا أو ظنا كاليقين. فإن قيل: كيف يكون في ذلك إجماع وقد علمت ~~اختلاف الناس في الأعيان قبل مجيء الرسل وإنزال الكتب هل الأصل فيها الحظر ~~أو الإباحة؟ أو لا يدرى ما الحكم فيها؟ أو أنه لا حكم لها أصلا؟ واستصحاب ~~الحال دليل متبع وأنه قد ذهب بعض من صنف في أصول # PageV21P538 # الفقه من أصحابنا وغيرهم على أن حكم الأعيان الثابت لها قبل الشرع مستصحب ~~بعد الشرع وأن من قال: بأن الأصل في الأعيان الحظر استصحب هذا الحكم حتى ~~يقوم دليل الحل؟ ؟ . فأقول هذا قول متأخر لم يؤثر أصله عن أحد من السابقين. ~~ممن له قدم وذلك أنه قد ثبت أنها بعد مجيء الرسل على الإطلاق وقد زال حكم ~~ذلك الأصل بالأدلة السمعية التي ذكرتها ولست أنكر أن بعض من لم يحط علما ~~بمدارك الأحكام ولم يؤت تمييزا في مظان الاشتباه ربما سحب ذيل ما قبل الشرع ~~على ما بعده إلا أن ms6575 هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه مثل الغلط في الحساب لا ~~يهتك حريم الإجماع ولا يثلم سنن الاتباع. ولقد اختلف الناس في تلك المسألة: ~~هل هي جائزة أم ممتنعة؟ لأن الأرض لم تخل من نبي مرسل إذ كان آدم نبيا ~~مكلما حسب اختلافهم في جواز خلو الأقطار عن حكم مشروع وإن كان الصواب عندنا ~~جوازه. ومنهم من فرضها فيمن ولد بجزيرة إلى غير ذلك من الكلام الذي يبين لك ~~أن لا عمل بها وأنها نظر محض ليس فيه عمل كالكلام في مبدإ اللغات وشبه ذلك ~~على أن الحق الذي لا راد له # PageV21P539 # أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم فإذ لا تحريم يستصحب ويستدام فيبقى الآن ~~كذلك والمقصود خلوها عن المآثم والعقوبات. وأما مسلك الاعتبار بالأشباه ~~والنظائر واجتهاد الرأي في الأصول الجوامع فمن وجوه كثيرة ننبه على بعضها. ~~أحدها: أن الله سبحانه خلق هذه الأشياء وجعل فيها للإنسان متاعا ومنفعة. ~~ومنها ما قد يضطر إليه وهو سبحانه جواد ماجد كريم رحيم غني صمد والعلم بذلك ~~يدل على العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء ~~وهو المطلوب. وثانيها: أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر ما نص ~~على تحليله وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله {ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} . فكل ما نفع فهو طيب وكل ما ضر فهو خبيث. ~~والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل والضرر يناسب التحريم ~~والدوران فإن التحريم يدور مع المضار: وجودا في الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وذوات الأنياب والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس وعدما في ~~الأنعام والألبان وغيرها. وثالثها: أن هذه الأشياء إما أن يكون لها حكم أو ~~لا يكون # PageV21P540 # والأول صواب والثاني باطل بالاتفاق. وإذا كان لها حكم فالوجوب والكراهة ~~والاستحباب معلومة البطلان بالكلية: لم يبق إلا الحل. والحرمة باطلة ~~لانتفاء دليلها نصا واستنباطا لم يبق إلا الحل وهو المطلوب. إذا ثبت هذا ~~الأصل فنقول: الأصل في الأعيان ms6576 الطهارة لثلاثة أوجه. أحدها: أن الطاهر ما ~~حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة. والنجس بخلافه وأكثر الأدلة السالفة ~~تجمع جميع وجوه الانتفاع بالأشياء: أكلا وشربا ولبسا ومسا وغير ذلك. فثبت ~~دخول الطهارة في الحل وهو المطلوب والوجهان الآخران نافلة. الثاني: أنه إذا ~~ثبت أن الأصل جواز أكلها وشربها فلأن يكون الأصل ملابستها ومخالطتها الخلق ~~أولى وأحرى. وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه فيصير مادة ~~وعنصرا له فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا فيستوجب النار؛ ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به} . والجنة طيبة لا ~~يدخلها إلا طيب. وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر أيضا في البدن من ظاهر ~~كتأثير الأخباث في أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا: لكن تأثيرها دون ~~تأثير المخالط الممازج. فإذا ثبت حل مخالطة الشيء وممازجته فحل # PageV21P541 # ملابسته ومباشرته أولى وهذا قاطع لا شبهة فيه. وطرد ذلك أن كل ما حرم ~~مباشرته وملابسته حرم مخالطته وممازجته ولا ينعكس. فكل نجس محرم الأكل وليس ~~كل محرم الأكل نجسا. وهذا في غاية التحقيق. الوجه الثالث: أن الفقهاء كلهم ~~اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة وأن النجاسات محصاة مستقصاة وما ~~خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر كما يقولونه فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل ~~وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك؛ فإنه غاية المتقابلات. تجد أحد الجانبين فيها ~~محصورا مضبوطا والجانب الآخر مطلق مرسل والله تعالى الهادي للصواب. # الفصل الأول: # القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك ~~عدة أدلة. # الدليل الأول: أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها فكل ~~ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر وهذه الأعيان لم يبين لنا نجاستها فهي ~~طاهرة. أما الركن الأول من الدليل فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج ~~القاهرة. وأما الثاني فنقول: إن المنفي على # PageV21P542 # ضربين: نفي نحصره ونحيط به كعلمنا بأن السماء ليس فيها شمسان ولا قمران ~~طالعان وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة وأن محمدا ms6577 لا نبي بعده؛ بل علمنا أنه ~~لا إله إلا الله وأن ما ليس بين اللوحين ليس بقرآن وأنه لم يفرض إلا صوم ~~شهر رمضان وعلم الإنسان أنه ليس في (1) دراهم قبل (2) ولا تغير وأنه لم ~~يطعم وأنه البارحة لم ينم وغير ذلك مما يطول عده. فهذا كله نفي مستيقن يبين ~~خطأ من يطلق قوله لا تقبل الشهادة على النفي. الثاني: ما لا يستيقن نفيه ~~وعدمه. ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في الرأي ومنه ما لا يكون كذلك. ~~فإذا رأينا حكما منوطا ينفي من الصنف الثاني فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب ~~على قلوبنا. والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام ~~على مجازه هو من هذا القسم. فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه ~~الأعيان والناس يتكلمون فيها منذ مئات من السنين فلم نجد فيها إلا أدلة ~~معروفة. شهدنا شهادة جازمة في هذا المقام بحسب علمنا أن لا دليل إلا ذلك. ~~فنقول الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة ~~PageV21P543 # ونقض ذلك وقد احتج لذلك بمسلكين: أثري ونظري: أما الأثري: فحديث ابن عباس ~~المخرج في الصحيحين {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: ~~إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول} - ~~وروي {لا يستنزه -} والبول اسم جنس محلى باللام فيوجب العموم. كالإنسان في ~~قوله: {إن الإنسان لفي خسر} {إلا الذين آمنوا} فإن المرتضى أن أسماء ~~الأجناس تقتضي من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع لست أقول: الجنس الذي يفصل ~~بين واحده وكثيره الهاء: كالتمر والبر والشجر فإن حكم تلك حكم الجموع بلا ~~ريب. وإنما أقول: اسم الجنس المفرد الدال على الشيء وعلى ما أشبهه: كإنسان ~~ورجل وفرس وثوب وشبه ذلك. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر ~~بالعذاب من جنس البول وجب الاحتراز والتنزه من جنس البول فيجمع ذلك أبوال ~~جميع الدواب والحيوان الناطق والبهيم ما يؤكل وما لا يؤكل فيدخل بول ~~الأنعام في هذا العموم ms6578 وهو المقصود. وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعي ~~الاستدلال بالسمع وبعض الرأي وارتضاه بعض من يتكايس وجعله مفزعا وموئلا. # PageV21P544 # المسلك الثاني النظري: وهو من ثلاثة أوجه: # أحدها: القياس على البول المحرم فنقول: بول وروث فكان نجسا كسائر الأبوال ~~فيحتاج هذا القياس أن يبين أن مناط الحكم في الأصل هو أنه بول وروث وقد دل ~~على ذلك تنبيهات النصوص مثل قوله: {اتقوا البول} وقوله: {كان بنو إسرائيل ~~إذا أصاب ثوب أحدهم البول قرضه بالمقراض} . والمناسبة أيضا: فإن البول ~~والروث مستخبث مستقذر تعافه النفوس على حد يوجب المباينة وهذا يناسب ~~التحريم حملا للناس على مكارم الأخلاق ومحاسن الأحوال وقد شهد له بالاعتبار ~~تنجس أرواث الخبائث. # الثاني أن نقول: إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين النجاسات ~~والطهارات؛ وجدنا ما استحال في أبدان الحيوان عن أغذيتها فما صار جزءا فهو ~~طيب الغذاء وما فضل فهو خبيثه ولهذا يسمى رجيعا. كأنه أخذ ثم رجع أي رد. ~~فما كان من الخبائث يخرج من الجانب الأسفل: كالغائط والبول والمني والوذي ~~والودي فهو نجس. وما خرج من الجانب الأعلى: كالدمع والريق والبصاق والمخاط ~~ونخامة الرأس فهو طاهر. وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد. # PageV21P545 # وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن وأسفله قد جاء عن سعيد بن المسيب ~~ونحوه وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق. الذي لم يفقه كل الفقه حتى زعم ~~زاعمون أنه تعبد محض وابتلاء وتمييز بين من يطيع وبين من يعصي. وعندنا أن ~~هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده حتى يضم إليه أشياء أخر فرق من فرق بين ما ~~استحال في معدة الحيوان كالروث والقيء وما استحال من معدته كاللبن. وإذا ~~ثبت ذلك: فهذه الأبوال والأرواث مما يستحيل في بدن الحيوان وينصع طيبه ~~ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله ويكون نجسا. فإن فرق بطيب لحم المأكول وخبث ~~لحم المحرم فيقال: طيب الحيوان وشرفه وكرمه لا يوجب طهارة روثه فإن الإنسان ~~إنما حرم لحمه كرامة له وشرفا ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال. ألا ms6579 ترى أنكم ~~تقولون: إن مفارقة الحياة لا تنجسه وأن ما أبين منه وهو حي فهو طاهر أيضا ~~كما جاء في الأثر وإن لم يؤكل لحمه فلو كان إكرام الحيوان موجبا لطهارة ~~روثه لكان الإنسان في ذلك القدح المعلى. وهذا سر المسألة ولبابها. الوجه ~~الثالث: أنه في الدرجة السفلى من الاستخباث والطبقة # PageV21P546 # النازلة من الاستقذار. كما شهد به أنفس الناس. وتجده طبائعهم وأخلاقهم ~~حتى لا نكاد نجد أحدا ينزله منزلة در الحيوان ونسله وليس لنا إلا طاهر أو ~~نجس وإذا فارق الطهارات دخل في النجاسات والغالب عليه أحكام النجاسات. من ~~مباعدته ومجانبته فلا يكون طاهرا؛ لأن العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت ~~بأكثرها شبها وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول وهو بهذا أشبه. ويقوي ~~هذا أنه قال تعالى: {من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} قد ثبت أن ~~الدم نجس فكذلك الفرث لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين خبيثين. ~~ويبين هذا جميعه أنه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمه فكيف ~~يفرق بينهما مع هذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر. ~~فالوجه الأول: قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه. والثاني: ~~قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي. والثالث: التفريق بينه وبين ~~جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها فهذه أنواع القياس. أصل ووصل وفصل. ~~فالوجه الأول: هو الأصل والجمع بينه وبين غيره من الأخباث. # PageV21P547 # والثاني: هو الأصل والقاعدة والضابط الذي يدخل فيه. والثالث: الفصل بينه ~~وبين غيره من الطاهرات وهو قياس العكس فالجواب عن هذه الحجج والله ~~المستعان. أما المسلك الأول: فضعيف جدا لوجهين: أحدهما: أن اللام في البول ~~للتعريف فتفيد ما كان معروفا عند المخاطبين فإن كان المعروف واحدا معهودا ~~فهو المراد وما لم يكن ثم عهد بواحد أفادت الجنس إما جميعه على المرتضى أو ~~مطلقه على رأي بعض الناس وربما كانت كذلك. وقد نص أهل المعرفة باللسان ~~والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم ms6580 يكن ثم ~~شيء معهود فأما إذا كان ثم شيء معهود مثل قوله تعالى {كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا} {فعصى فرعون الرسول} صار معهودا بتقدم ذكره وقوله: {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم} هو معين لأنه معهود بتقدم معرفته وعلمه فإنه لا يكون لتعريف ~~جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه هل يفيد تعريف عموم الجنس أو مطلق الجنس فافهم ~~هذا فإنه من محاسن المسالك. فإن الحقائق ثلاثة: عامة وخاصة ومطلقة. فإذا ~~قلت الإنسان قد تريد جميع الجنس وقد تريد مطلق # PageV21P548 # الجنس وقد تريد شيئا بعينه من الجنس. فأما الجنس العام: فوجوده في القلوب ~~والنفوس علما ومعرفة وتصورا. وأما الخاص من الجنس: مثل زيد وعمرو فوجوده هو ~~حيث حل وهو الذي يقال له وجود في الأعيان وفي خارج الأذهان وقد يتصور هكذا ~~في القلب خاصا متميزا. وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص ~~الذي يقال له نفس الحقيقة ومطلق الجنس فهذا كما لا يتقيد في نفسه لا يتقيد ~~بمحله إلا أنه لا يدرك إلا بالقلوب فتجعل محلا له بهذا الاعتبار وربما جعل ~~موجودا في الأعيان باعتبار أن في كل إنسان حظا من مطلق الإنسانية فالموجود ~~في العين المعينة من النوع حظها وقسطها. فإذا تبين هذا فقوله: فإنه كان لا ~~يستنزه من البول بيان للبول المعهود وهو الذي كان يصيبه وهو بول نفسه. يدل ~~على هذا أيضا سبعة أوجه: أحدها: ما روي {فإنه كان لا يستبرئ من البول} ~~والاستبراء لا يكون إلا من بول نفسه؛ لأنه طلب براءة الذكر كاستبراء الرحم ~~من الولد. # PageV21P549 # الثاني: أن اللام تعاقب الإضافة فقوله: {من البول} كقوله: من بوله وهذا ~~مثل قوله: {مفتحة لهم الأبواب} أي أبوابها. الثالث: أنه قد روي هذا الحديث ~~من وجوه صحيحة {فكان لا يستتر من بوله} وهذا يفسر تلك الرواية. ثم هذا ~~الاختلاف في اللفظ متأخر: عن منصور روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ومعلوم ~~أن المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين والأصل والظاهر عدم تكرر قول النبي صلى ~~الله عليه ms6581 وسلم فعلم أنهم رووه بالمعنى ولم يبن أي اللفظين هو الأصل. ثم إن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال اللفظين مع أن معنى أحدهما يجوز أن ~~يكون موافقا لمعنى الآخر ويجوز أن يكون مخالفا فالظاهر الموافقة. يبين هذا ~~أن الحديث في حكاية حال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين ومعلوم ~~أنها قضية واحدة. الرابع: أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه ولا ~~يستتر منه ومعلوم أن الذي جرت العادة به بول نفسه. الخامس: أن الحسن قال: ~~البول كله نجس وقال أيضا لا بأس بأبوال الغنم فعلم أن البول المطلق عنده هو ~~بول الإنسان. # PageV21P550 # السادس: أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح ~~فإنه لا يفهم من قوله: فإنه كان لا يستتر من البول إلا بول نفسه. ولو قيل: ~~أنه لم يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال: من بول بعير. وشاة وثور ~~لكان صدقا. السابع: أنه يكفي بأن يقال: إذا احتمل أن يريد بول نفسه؛ لأنه ~~المعهود وأن يريد جميع جنس البول لم يجز حمله على أحدهما إلا بدليل فيقف ~~الاستدلال. وهذا لعمري تنزل وإلا فالذي قدمنا أصل مستقر من أنه يجب حمله ~~على البول المعهود وهو نوع من أنواع البول وهو بول نفسه الذي يصيبه غالبا ~~ويترشرش على أفخاذه وسوقه وربما استهان بإنقائه ولم يحكم الاستنجاء منه ~~فأما بول غيره من الآدميين فإن حكمه وإن ساوى حكم بول نفسه فليس ذلك من نفس ~~هذه الكلمة بل لاستوائهما في الحقيقة والاستواء في الحقيقة يوجب الاستواء ~~في الحكم. ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره ولو أصابه لساءه ذلك ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث وهو ~~قوله: {اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه} فكيف يكون عامة عذاب القبر من ~~شيء لا يكاد يصيب أحدا من الناس وهذا بين لا خفاء به. # PageV21P551 # الوجه الثاني: أنه لو كان عاما في جميع الأبوال فسوف ms6582 نذكر من الأدلة ~~الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام ومعلوم من ~~الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل ~~به إبطال له وإهدار والعمل به ترك لبعض معاني العام وليس استعمال العام ~~وإرادة الخاص ببدع في الكلام بل هو غالب كثير. ولو سلمنا التعارض على ~~التساوي من هذا الوجه فإن في أدلتنا من الوجوه الموجبة للتقديم والترجيح ~~وجوها أخرى من الكثرة والعمل وغير ذلك مما سنبينه إن شاء الله تعالى. ومن ~~عجيب ما اعتمد عليه بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم {أكثر عذاب القبر من ~~البول} . والقول فيه كالقول فيما تقدم مع أنا نعلم إصابة الإنسان بول غيره ~~قليل نادر وإنما الكثير إصابته بول نفسه ولو كان أراد أن يدرج بوله في ~~الجنس الذي يكثر وقوع العذاب بنوع منه لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من ~~النجاسات. واعتمد أيضا على قوله صلى الله عليه وسلم {لا يصلي أحدكم بحضرة ~~طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان} يعني البول والنجو. وزعم أن هذا يفيد تسمية ~~كل بول ونجو أخبث # PageV21P552 # والأخبث حرام نجس وهذا في غاية السقوط. فإن اللفظ ليس فيه شمول لغير ما ~~يدافع أصلا. وقوله: " إن الاسم يشمل الجنس كله. فيقال له: وما الجنس العام؟ ~~أكل بول ونجو؟ أم بول الإنسان ونجوه؟ وقد علم أن الذي يدافع كل شخص من جنس ~~الذي يدافع غيره فأما ما لا يدافع أصلا فلا مدخل له في الحديث فهذه عمدة ~~المخالف. وأما المسلك النظري: فالجواب عنه من طريقين: مجمل ومفصل. أما ~~المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن العلة في ~~الأصل أنه بول وروث وما ذكروه من تنبيه النصوص فقد سلف الجواب بأن المراد ~~بها بول الإنسان. وما ذكروه من المناسبة فنقول: التعليل: إما أن يكون بجنس ~~استخباث النفس واستقذارها أو بقدر محدود من الاستخباث والاستقذار. فإن كان ~~الأول: وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر فيجب نجاسة المخاط والبصاق والنخامة؛ بل ~~نجاسة المني ms6583 الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب؛ بل ربما نفرت النفوس عن بعض ~~هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم مثل مخطة المجذوم ~~إذا اختلطت # PageV21P553 # بالطعام ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في الشراب وربما كان ذلك مدعاة ~~لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء. وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقذار ~~فهذا قد يكون حقا لكن لا بد من بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخباث ~~الموجب للتنجيس وبين ما لا يوجب ولم يبين ذلك ولعل هذه الأعيان مما ينقض ~~بيان استقذارها الحد المعتبر. ثم إن التقديرات في الأسباب والأحكام إنما ~~تعلم من جهة استقذارها عن الشرع في الأمر الغالب فنقول: متى حكم بنجاسة نوع ~~علمنا أنه مما غلظ استخباثه ومتى لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنه لم يغلظ ~~استخباثه فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة فمتى استربنا في الحكم ~~فنحن في العلة أشد استرابة فبطل هذا. وأما الشاهد بالاعتبار فكما أنه شهد ~~لجنس الاستخباث شهد للاستخباث الشديد والاستقذار الغليظ. وثانيهما أن نقول: ~~لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل أنه بول ما يؤكل لحمه؟ وهذه علة مطردة ~~بالإجماع منا ومن المخالفين. في هذه المسألة والانعكاس إن لم يكن واجبا فقد ~~حصل الغرض وإن كان شرطا في العلل فنقول فيه ما قالوا في اطراد العلة وأولى ~~حيث خولفوا فيه # PageV21P554 # وعدم الانعكاس أيسر من عدم الاطراد. وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم ~~واللبن والشعر فلم لا يجوز افتراقهما في الروث والبول وهذه المناسبة أبين؛ ~~فإن كل واحد من هذه الأجزاء هو بعض من أبعاض البهيمة أو متولد منها فيلحق ~~سائرها قياسا لبعض الشيء على جملته. فإن قيل: هذا منقوض بالإنسان فإنه طاهر ~~ولبنه طاهر وكذلك سائر أمواهه وفضلاته ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث ~~فحصل الفرق فيه بين البول وغيره. فنقول: اعلم أن الإنسان فارق غيره من ~~الحيوان في هذا الباب طردا وعكسا فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز ~~يباين حيز الإنسان وجعل الإنسان في حيز ms6584 هو الواجب ألا ترى أنه لا ينجس ~~بالموت على المختار وهي تنجس بالموت ثم بوله أشد من بولها ألا ترى أن ~~تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان لكرم نوعه وحرمته حتى يحرم الكافر ~~وغيره وحتى لا يحل أن يدبغ جلده مع أن بوله أشد وأغلظ فهذا وغيره يدل على ~~أن بول الإنسان فارق سائر فضلاته أشد من مفارقة بول البهائم فضلاتها إما ~~لعموم # PageV21P555 # ملابسته حتى لا يستخف به أو لغير ذلك مما الله أعلم به على أنه يقال في ~~عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ما ليس في عامة الأبوال ~~والأرواث. وفي الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم في الطهارة والنجاسة أحسن ~~طردا من غيره والله أعلم. وأما الوجه الثاني: فنقول ذلك الأصل في الآدميين ~~مسلم والذي جاء عن السلف إنما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم وخروجه من ~~الشق الأعلى أو الأسفل فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان؛ وقد مضت الإشارة ~~إلى الفرق ثم مخالفوهم يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم؛ فيقولون: قد ثبت ~~أن ما خبث لحمه خبث لبنه ومنيه؛ بخلاف الآدمي فبطلت هذه القاعدة في ~~الاستحالة: بل قد يقولون: إن جميع الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء ~~فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله وروثه ومنيه وعرقه وريقه ودمعه. وما خبث لحمه ~~خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه وعرقه ودمعه وهذا قول يقوله أحمد في ~~المشهور عنه وقد قاله غيره. وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين ~~الإنسان والحيوان شهادة قاطعة وباستواء الفضلات من الحيوان ضربا من ~~الشهادة؛ فعلى هذا يقال للإنسان يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله ~~أعلم به فإنه منتصب القامة نجاسته كلها في أعاليه. ومعدته التي هي محل ~~استحالة # PageV21P556 # الطعام والشراب في الشق الأسفل. وأما الثدي ونحوه فهو في الشق الأعلى ~~وليس كذلك البهيمة. فإن ضرعها في الجانب المؤخر منها وفيه اللبن الطيب ولا ~~مطمع في إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات. وأما الوجه الثالث: فمداره على ~~الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات فإن فصل ms6585 بنوع الاستقذار بطل بجميع ~~المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذارا منه وإن فصل بقدر خاص فلا بد من ~~توقيته وقد مضى تقرير هذا. وأما الجواب العام فمن أوجه ثلاثة: أحدها: أن ~~هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة وهو قياس فاسد الوضع ومن جمع بين ما ~~فرقت السنة بينه فقد ضاهى قول الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا وأحل ~~الله البيع وحرم الربا} ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا. الثاني: أن هذا ~~قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه ولم يتبين مأخذه وما. . . (1) ، بل ~~الناس فيه على قسمين: إما قائل يقول هذا استعباد محض وابتلاء صرف فلا قياس ~~ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق PageV21P557 # وإما قائل يقول: دقت علينا علله وأسبابه وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه وقد ~~بعث الله إلينا رسولا يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة بعثه إلينا ونحن لا ~~نعلم شيئا فإنما نصنع ما رأيناه يصنع والسنة لا تضرب لها الأمثال ولا تعارض ~~بآراء الرجال والدين ليس بالرأي ويجب أن يتهم الرأي على الدين والقياس في ~~مثل هذا الباب ممتنع باتفاق أولي الألباب. الثالث: أن يقال: هذا كله مداره ~~على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه وبول ما لا يؤكل لحمه وهو جمع بين شيئين ~~مفترقين فإن ريح المحرم خبيثة وأما ريح المباح فمنه ما قد يستطاب: مثل ~~أرواث الظباء وغيرها. وما لم يستطب منه فليس ريحه كريح غيره وكذلك خلقه ~~غالبا فإنه يشتمل على أشياء من المباح وهذا لأن الكلام في حقيقة المسألة ~~وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها. # الدليل الثاني: الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم حديث أنس بن ~~مالك {أن ناسا من عكل أو عرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا ~~قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود} . وذكر الحديث. ~~فوجه الحجة أنه أذن لهم في شرب الأبوال ولا بد أن يصيب أفواههم وأيديهم ~~وثيابهم وآنيتهم فإذا كانت # PageV21P558 # نجسة وجب تطهير أفواههم ms6586 وأيديهم وثيابهم للصلاة وتطهير آنيتهم فيجب بيان ~~ذلك لهم: لأن تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز ولم يبين لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليهم إماطة ما أصابهم منه. فدل على أنه ~~غير نجس ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال الناس لأوشك أن يشتد ~~تغليظه في ذلك. ومن قال: إنهم كانوا يعلمون أنها نجسة وإنهم كانوا يعلمون ~~وجوب التطهير من النجاسات فقد أبعد غاية الإبعاد وأتى بشيء قد يستيقن ~~بطلانه لوجوه: (أحدها أن الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى وبعد انتشار ~~الإسلام وتناقل العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن ~~لنا نجاستها بل أكثر الناس على طهارتها وعامة التابعين عليه بل قد قال أبو ~~طالب وغيره: إن السلف ما كانوا ينجسونها ولا يتقونها. وقال أبو بكر بن ~~المنذر: وعليه اعتماد أكثر المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف وقد ذكر طهارة ~~الأبوال عن عامة السلف. ثم قال: قال الشافعي: الأبوال كلها نجس. قال: ولا ~~نعلم أحدا قال قبل الشافعي إن أبوال الأنعام وأبعارها نجس. (قلت وقد نقل عن ~~ابن عمر أنه سئل عن بول الناقة فقال: # PageV21P559 # اغسل ما أصابك منه. وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال: ~~ينضح. وعن حماد بن أبي سليمان في بول الشاة والبعير يغسل. ومذهب أبي حنيفة ~~نجاسة ذلك على تفصيل لهم فيه فلعل الذي أراده ابن المنذر القول بوجوب ~~اجتناب قليل البول والروث وكثيره. فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف ولعل ~~ابن عمر أمر بغسله كما يغسل الثوب من المخاط والبصاق والمني ونحو ذلك وقد ~~ثبت عن أبي موسى الأشعري أنه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء أمامه. ~~وقال هاهنا وهاهنا سواء. وعن أنس بن مالك لا بأس ببول كل ذي كرش. ولست أعرف ~~عن أحد من الصحابة القول بنجاستها؛ بل القول بطهارتها؛ إلا ما ذكر عن ابن ~~عمر إن كان أراد النجاسة فمن أين يكون ذلك معلوما لأولئك. # وثانيها: أنه لو ms6587 كان نجسا فوجوب التطهر من النجاسة ليس من الأمور البينة ~~قد أنكره في الثياب طائفة من التابعين وغيرهم فمن أين يعلمه أولئك؟ . # وثالثها: أن هذا لو كان مستفيضا بين ظهراني الصحابة لم يجب أن يعلمه ~~أولئك؛ لأنهم حديثو العهد بالجاهلية والكفر فقد كانوا # PageV21P560 # يجهلون أصناف الصلوات وأعدادها وأوقاتها وكذلك غيرها من الشرائع الظاهرة ~~فجهلهم بشرط خفي في أمر خفي أولى وأحرى لا سيما والقوم لم يتفقهوا في الدين ~~أدنى تفقه ولذلك ارتدوا ولم يخالطوا أهل العلم والحكمة؛ بل حين أسلموا ~~وأصابهم الاستيخام أمرهم بالبداوة فيا ليت شعري من أين لهم العلم بهذا ~~الأمر الخفي. # ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في تعليمه وإرشاده واكلا ~~للتعليم إلى غيره؛ بل يبين لكل واحد ما يحتاج إليه وذلك معلوم لمن أحسن ~~المعرفة بالسنن الماضية. # وخامسها: أنه ليس العلم بنجاسة هذه الأرواث أبين من العلم بنجاسة بول ~~الإنسان الذي قد علمه العذارى في حجالهن وخدورهن ثم قد حذر منه للمهاجرين ~~والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان. فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور ~~الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة فهذا كما ترى. # وسادسها: أنه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجا واحدا والقران بين ~~الشيئين إن لم يوجب استواءهما فلا بد أن يورث شبهة فلو لم يكن البيان واجبا ~~لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقا. # PageV21P561 # وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع وهو أنه أباح لهم شربها ولو كانت محرمة ~~نجسة لم يبح لهم شربها ولست أعلم مخالفا في جواز التداوي بأبوال الإبل. كما ~~جاءت السنة؛ لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل: هو أنها مباحة على الإطلاق ~~للتداوي وغير التداوي. وقيل: بل هي محرمة وإنما أباحها للتداوي. وقيل: هي ~~مع ذلك نجسة والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر وهو أن التداوي ~~بالمحرمات النجسة محرم والدليل عليه من وجوه: أحدها: أن الأدلة الدالة على ~~التحريم مثل قوله: {حرمت عليكم الميتة} و: {كل ذي ناب من السباع حرام} و: ~~{إنما الخمر ms6588 والميسر والأنصاب والأزلام رجس} عامة في حال التداوي وغير ~~التداوي فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم؛ وذلك غير ~~جائز. فإن قيل: فقد أباحها للضرورة والمتداوي مضطر فتباح له أو أنا نقيس ~~إباحتها للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها. يؤيد ذلك أن المرض ~~يسقط الفرائض من القيام في الصلاة والصيام في شهر رمضان والانتقال من ~~الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد فكذلك يبيح المحارم؛ لأن الفرائض ~~والمحارم من واد واحد. يؤيد ذلك أن المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب ~~والحرير # PageV21P562 # قد جاءت السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب وربط الأسنان به ورخص للزبير ~~وعبد الرحمن في لباس الحرير من حكة كانت بهما فدلت هذه الأصول الكثيرة على ~~إباحة المحظورات حين الاحتياج والافتقار إليها. قلت: أما إباحتها للضرورة ~~فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه: أحدها: أن كثيرا من المرضى أو أكثر المرضى ~~يشفون بلا تداو لا سيما في أهل الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض ~~يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض ~~وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل أو دعوة مستجابة أو رقية نافعة أو قوة ~~للقلب وحسن التوكل إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء وأما الأكل ~~فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلا بالغذاء فلو لم يكن يأكل ~~لمات فثبت بهذا أن التداوي ليس من الضرورة في شيء. وثانيها: أن الأكل عند ~~الضرورة واجب. قال مسروق: من اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار ~~والتداوي غير واجب ومن نازع فيه: خصمته السنة في المرأة السوداء التي خيرها ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة وبين الدعاء # PageV21P563 # بالعافية. فاختارت البلاء والجنة. ولو كان رفع المرض واجبا لم يكن ~~للتخيير موضع كدفع الجوع وفي دعائه لأبي بالحمى وفي اختياره الحمى لأهل ~~قباء وفي دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون وفي نهيه عن الفرار من الطاعون. ~~وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين ms6589 لم يتعاطوا ~~الأسباب الدافعة له: مثل أيوب عليه السلام وغيره. وخصمه حال السلف الصالح؛ ~~فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين قالوا له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: ~~قد رآني قالوا: فما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. ومثل هذا ونحوه يروى ~~عن الربيع بن خثيم المخبت المنيب الذي هو أفضل الكوفيين أو كأفضلهم وعمر بن ~~عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي وخلق كثير لا يحصون عددا. ولست ~~أعلم سالفا أوجب التداوي وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه ~~تفضلا واختيارا؛ لما اختار الله ورضى به وتسليما له وهذا المنصوص عن أحمد ~~وإن كان من أصحابه من يوجبه ومنهم من يستحبه ويرجحه. كطريقة كثير من السلف ~~استمساكا لما خلقه الله من الأسباب وجعله من سنته في عباده. # PageV21P564 # وثالثها: أن الدواء لا يستيقن بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض؛ ~~إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة فإنه مستيقن ~~بحكم سنة الله في عباده وخلقه. ورابعها: أن المرض يكون له أدوية شتى فإذا ~~لم يندفع بالمحرم انتقل إلى المحلل ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو ~~دواء والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت ولا يجوز أن يكون أدوية ~~الأدواء في القسم المحرم وهو سبحانه الرءوف الرحيم. وإلى هذا الإشارة ~~بالحديث المروي: {إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها} بخلاف المسغبة ~~فإنها وإن اندفعت بأي طعام اتفق إلا أن الخبيث إنما يباح عند فقد غيره فإن ~~صورت مثل هذا في الدواء فتلك صورة نادرة؛ لأن المرض أندر من الجوع بكثير ~~وتعين الدواء المعين وعدم غيره نادر فلا ينتقض هذا. على أن في الأوجه ~~السالفة غنى. وخامسها: وفيه فقه الباب: أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى ~~الطعام والغذاء لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه فقد هدانا ~~وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة. وأما المرض فإنه يزيله بأنواع ~~كثيرة من الأسباب: ظاهرة وباطنة ms6590 روحانية وجسمانية فلم يتعين الدواء مزيلا. ~~ثم الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من # PageV21P565 # أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين. ثم ذلك النوع المعين يخفى على أكثر ~~الناس بل على عامتهم دركه ومعرفته الخاصة المزاولون منهم هذا الفن أولوا ~~الأفهام والعقول يكون الرجل منهم قد أفنى كثيرا من عمره في معرفته ذلك ثم ~~يخفى عليه نوع المرض وحقيقته ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه ففارقت الأسباب ~~المزيلة للمرض الأسباب المزيلة للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها فكذلك ~~افترقت أحكامها كما ذكرنا. وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة والقول ~~الجامع فيها يسقط ويباح للحاجة والضرورة ما حضرني الآن. أما سقوط ما يسقط ~~من القيام والصيام والاغتسال؛ فلأن منفعة ذلك مستيقنة بخلاف التداوي. وأيضا ~~فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} فانظر ~~كيف أوجب الاجتناب عن كل منهي عنه وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره ~~وهذا يكاد يكون دليلا مستقلا في المسألة. وأيضا: فإن الواجبات من القيام ~~والجمعة والحج تسقط بأنواع من المشقة التي لا تصلح لاستباحة شيء من ~~المحظورات وهذا بين بالتأمل. # PageV21P566 # وأما الحلية: فإنما أبيح الذهب للأنف وربط الأسنان؛ لأنه اضطرار وهو يسد ~~الحاجة يقينا كالأكل في المخمصة. وأما لبس الحرير: للحكة والجرب إن سلم ذلك ~~فإن الحرير والذهب ليسا محرمين على الإطلاق فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي ~~المكلفين وأبيح للصنف الآخر بعضهما وأبيح التجارة فيهما وإهداؤهما ~~للمشركين. فعلم إنهما أبيحا لمطلق الحاجة والحاجة إلى التداوي أقوى من ~~الحاجة إلى تزين النساء بخلاف المحرمات من النجاسات. وأبيح أيضا لحصول ~~المصلحة بذلك في غالب الأمر. ثم الفرق بين الحرير والطعام: أن باب الطعام ~~يخالف باب اللباس لأن تأثير الطعام في الأبدان أشد من تأثير اللباس على ما ~~قد مضى. فالمحرم من الطعام لا يباح إلا للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة ~~والمحرم من اللباس يباح للضرورة وللحاجة أيضا هكذا جاءت السنة ولا جمع بين ms6591 ~~ما فرق الله بينه. والفرق بين الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات ~~وقد حصل الجواب عن كل ما يعارض به في هذه المسألة. الوجه الثاني: أخرج مسلم ~~في صحيحه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر أيتداوى بها؟ ~~فقال: إنها داء وليست بدواء} # PageV21P567 # فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر ردا على من أباحه وسائر المحرمات ~~مثلها قياسا خلافا لمن فرق بينهما فإن قياس المحرم من الطعام أشبه من ~~الغراب بالغراب؛ بل الخمر قد كانت مباحة في بعض أيام الإسلام وقد أباح بعض ~~المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار والميتة والدم بخلاف ذلك. فإن قيل: ~~الخمر قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها داء وليست بدواء فلا يجوز أن ~~يقال: هي دواء بخلاف غيرها. وأيضا ففي إباحة التداوي بها إجازة اصطناعها ~~واعتصارها وذلك داع إلى شربها ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم ~~الخبيثة لقوة محبة الأنفس لها. فأقول: أما قولك: لا يجوز أن يقال: هي دواء. ~~فهو حق وكذلك القول في سائر المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح {إن ~~الله لم يجعل شفاءكم في حرام} ثم ماذا تريد بهذا؟ أتريد أن الله لم يخلق ~~فيها قوة طبيعية من السخونة وغيرها؟ جرت العادة في الكفار والفساق أنه ~~يندفع بها بعض الأدواء الباردة (1) . كسائر القوى والطبائع التي أودعها ~~جميع الأدوية من الأجسام. أم تريد شيئا آخر؟ فإن PageV21P568 # أردت الأول فهو باطل بالقضايا المجربة التي تواطأت عليها الأمم وجرت عند ~~كثير من الناس مجرى الضروريات بل هو رد لما يشاهد ويعاين. بل قد قيل: إنه ~~رد للقرآن: لقوله تعالى {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} ولعل هذا في ~~الخمر أظهر من جميع المقالات المعلومة من طيب الأبدان. وإن أردت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخبر أنها داء للنفوس والقلوب والعقول وهي أم الخبائث ~~والنفس والقلب هو الملك المطلوب صلاحه وكماله وإنما البدن آلة له وهو تابع ~~له مطيع له طاعة الملائكة ربها فإذا صلح ms6592 القلب صلح البدن كله وإذا فسد ~~القلب فسد البدن كله فالخمر هي داء ومرض للقلب مفسد له مضعضع لأفضل خواصه ~~الذي هو العقل والعلم وإذا فسد القلب فسد البدن كله كما جاءت به السنة ~~فتصير داء للبدن من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب. وكذلك جميع الأموال ~~المغصوبة والمسروقة فإنه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد عليها ~~القلب فيفسد البدن بفساده. وأما المصلحة: التي فيها فإنها منفعة للبدن فقط ~~ونفعها متاع قليل فهي وإن أصلحت شيئا يسيرا فهي في جنب ما تفسده كلا إصلاح. ~~وهذا بعينه معنى قوله تعالى {فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما} فهذا لعمري شأن جميع المحرمات فإن فيها من # PageV21P569 # القوة الخبيثة التي تؤثر في القلب ثم البدن في الدنيا والآخرة ما يربي ~~على ما فيها من منفعة قليلة تكون في البدن وحده في الدنيا خاصة. على أنا ~~وإن لم نعلم جهة المفسدة في المحرمات فإنا نقطع أن فيها من المفاسد ما يربي ~~على ما نظنه من المصالح. فافهم هذا فإن به يظهر فقه المسألة وسرها. وأما ~~إفضاؤه إلى اعتصارها: فليس بشيء لأنه يمكن أخذها من أهل الكتاب على أنه ~~يحرم اعتصارها وإنما القول إذا كانت موجودة أن هذا منتقض بإطفاء الحرق بها ~~ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها. وأما اختصاصها بالحد: فإن الحسن البصري يوجب ~~الحد في الميتة أيضا والدم ولحم الخنزير لكن الفرق أن في النفوس داعيا ~~طبعيا وباعثا إراديا إلى الخمر فنصب رادع شرعي وزاجر دنيوي أيضا ليتقابلا ~~ويكون مدعاة إلى قلة شربها وليس كذلك غيرها مما ليس في النفوس إليه كثير ~~ميل ولا عظيم طلب. الوجه الثالث: ما روى حسان بن مخارق قال: {قالت أم سلمة ~~اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي ~~فقال: ما هذا؟ فقلت: إن بنتي اشتكت فنبذنا لها هذا فقال: # PageV21P570 # إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام} رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه - وفي ~~رواية ms6593 {إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم} وصححه بعض الحفاظ وهذا ~~الحديث نص في المسألة. الوجه الرابع: ما رواه أبو داود في السنن {أن رجلا ~~وصف له ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع ~~وقال: إن نقنقتها تسبيح} فهذا حيوان محرم ولم يبح للتداوي وهو نص في ~~المسألة. ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث غيرها فإنه أكثر ما قيل ~~فيها أن نقنقتها تسبيح فما ظنك بالخنزير والميتة وغير ذلك. وهذا كله بين لك ~~استخفافه بطلب الطب واقتضائه وإجرائه مجرى الرفق بالمريض وتطييب قلبه ولهذا ~~قال الصادق المصدوق لرجل: قال له: أنا طبيب قال: {أنت رفيق والله الطبيب} . ~~الوجه الخامس: ما روي أيضا في سننه {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الدواء الخبيث} وهو نص جامع مانع وهو صورة الفتوى في المسألة. الوجه ~~السادس: الحديث المرفوع: {ما أبالي ما أتيت - أو ما ركبت - إذا شربت ترياقا ~~أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من نفسي} مع # PageV21P571 # ما روي من كراهة من كره الترياق من السلف على أنه لم يقابل ذلك نص عام ~~ولا خاص يبلغ ذروة المطلب وسنام المقصد في هذا الموضع ولولا أني كتبت هذا ~~من حفظي لاستقصيت القول على وجه يحيط بما دق وجل والله الهادي إلى سواء ~~السبيل. # الدليل الثالث: وهو في الحقيقة رابع: الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره ~~من حديث جابر بن سمرة وغيره {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة} . {وسئل عن الصلاة في ~~مبارك الإبل؛ فقال: لا تصلوا فيها فإنها خلقت من الشياطين} . ووجه الحجة من ~~وجهين: أحدهما: أنه أطلق الإذن بالصلاة ولم يشترط حائلا بقي من ملامستها ~~والموضع موضع حاجة إلى البيان. فلو احتاج لبينه وقد مضى تقرير هذا. وهذا ~~شبيه بقول الشافعي: ترك الاستفصال. في حكاية الحال. مع قيام الاحتمال. ينزل ~~منزلة العموم في المقال. فإنه ترك استفصال السائل: أهناك حائل يحول ms6594 بينك ~~وبين أبعارها؟ مع ظهور الاحتمال؛ ليس مع قيامه فقط وأطلق الإذن بل هذا أوكد ~~من ذلك: لأن الحاجة هنا إلى البيان أمس وأوكد. والوجه الثاني: أنها لو كانت ~~نجسة كأرواث الآدميين لكانت # PageV21P572 # الصلاة فيها: إما محرمة كالحشوش والكنف أو مكروهة كراهية شديدة لأنها ~~مظنة الأخباث والأنجاس. فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة ويكون ~~شأنها شأن الحشوش أو قريبا من ذلك فهو جمع بين المتنافيين المتضادين. وحاشا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك. ويؤيد هذا ما روي أن أبا موسى صلى في ~~مبارك الغنم وأشار إلى البرية وقال: هاهنا وثم سواء. وهو الصاحب الفقيه ~~العالم بالتنزيل الفاهم للتأويل. سوى بين محل الأبعار وبين ما خلا عنها ~~فكيف يجامع هذا القول بنجاستها. وأما نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل فليست ~~اختصت به دون البقر والغنم والظباء والخيل إذ لو كان السبب نجاسة البول ~~لكان تفريقا بين المتماثلين. وهو ممتنع يقينا. # الدليل الرابع: وهو في الحقيقة سابع: ما ثبت واستفاض من {أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طاف على راحلته وأدخلها المسجد الحرام} الذي فضله الله ~~على جميع بقاع الأرض وبركها حتى طاف أسبوعا. وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف ~~راكبة ومعلوم أنه ليس مع الدواب من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد ~~المأمور بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود. فلو كانت أبوالها نجسة ~~لكان فيه تعريض # PageV21P573 # المسجد الحرام للتنجيس مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك وإنما الحاجة دعت ~~إليه ولهذا استنكر بعض من يرى تنجيسها إدخال الدواب المسجد الحرام وحسبك ~~بقوله بطلانا رده في وجه السنة التي ريب فيها. # الدليل الخامس وهو الثامن: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{فأما ما أكل لحمه فلا بأس ببوله} وهذا ترجمة المسألة؛ إلا أن الحديث قد ~~اختلف فيه قبولا وردا. فقال أبو بكر عبد العزيز ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال غيره هو موقوف على جابر. فإن كان الأول فلا ريب فيه وإن كان ms6595 ~~الثاني فهو قول صاحب وقد جاء مثله عن غيره من الصحابة أبي موسى الأشعري ~~وغيره فينبني على أن قول الصحابة أولى من قول من بعدهم وأحق أن يتبع. وإن ~~علم أنه انتشر في سائرهم ولم ينكروه فصار إجماعا سكوتيا. # الدليل السادس وهو التاسع: الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود {أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ساجدا عند الكعبة فأرسلت قريش عقبة بن ~~أبي معيط إلى قوم قد نحروا جزورا لهم فجاء بفرثها وسلاها فوضعهما على ظهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ولم ينصرف حتى قضى صلاته} فهذا أيضا ~~بين في أن # PageV21P574 # ذلك الفرث والسلى لم يقطع الصلاة ولا يمكن حمله فيما أرى إلا على أحد ~~وجوه ثلاثة: إما أن يقال هو منسوخ وأعني بالنسخ أن هذا الحكم مرتفع وإن لم ~~يكن قد ثبت لأنه بخطاب كان بمكة. وهذا ضعيف جدا لأن النسخ لا يصار إليه إلا ~~بيقين؛ وأما بالظن فلا يثبت النسخ. وأيضا فإنا ما علمنا أن اجتناب النجاسة ~~كان غير واجب ثم صار واجبا لا سيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله ~~تعالى: {وثيابك فطهر} وسورة المدثر في أول المنزل فيكون فرض التطهير من ~~النجاسات على قول هؤلاء من أول الفرائض. فهذا هذا. وإما أن يقال: هذا دليل ~~على جواز حمل النجاسة في الصلاة وعامة من يخالف في هذه المسألة لا يقول ~~بهذا القول فيلزمهم ترك الحديث. ثم هذا قول ضعيف لخلافه الأحاديث الصحاح في ~~دم الحيض وغيره من الأحاديث. ثم إني لا أعلمهم يختلفون أنه مكروه وأن إعادة ~~الصلاة منه أولى فهذا هذا. لم يبق إلا أن يقال: الفرث والسلى ليس بنجس ~~وإنما هو طاهر؛ لأنه فرث ما يؤكل لحمه وهذا هو الواجب إن شاء الله تعالى ~~لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه. وبطول الوجهين الأولين يوجب تعين ~~هذا. (فإن قيل ففيه السلى وقد يكون فيه دم. قلنا: يجوز أن # PageV21P575 # يكون دما يسيرا بل الظاهر أنه يسير والدم اليسير معفو عن ms6596 حمله في الصلاة. ~~(فإن قيل فالسلى لحم من ذبيحة المشركين وذلك نجس وذلك باتفاق. قلنا: لا ~~نسلم أنه قد كان حرم حينئذ ذبائح المشركين بل المظنون أو المقطوع به أنها ~~لم تكن حرمت حينئذ فإن الصحابة الذين أسلموا لم ينقل أنهم كانوا ينجسون ~~ذبائح قومهم. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه كان يجتنب ~~إلا ما ذبح للأصنام. أما ما ذبحه قومه في دورهم لم يكن يتجنبه ولو كان ~~تحريم ذبائح المشركين قد وقع في صدر الإسلام لكان في ذلك من المشقة على ~~النفر القليل الذين أسلموا ما لا قبل لهم به فإن عامة أهل البلد مشركون وهم ~~لا يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا إلا من طعامهم وخبزهم. وفي أوانيهم لقلتهم ~~وضعفهم وفقرهم. ثم الأصل عدم التحريم حينئذ فمن ادعاه احتاج إلى دليل. # الدليل السابع وهو العاشر: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى ~~عن الاستجمار بالعظم والبعر وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن} وفي لفظ قال: ~~{فسألوني الطعام لهم ولدوابهم فقلت: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود ~~أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم} قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{فلا تستنجوا # PageV21P576 # بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن} . فوجه الدلالة {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يستنجى بالعظم والبعر} الذي هو زاد إخواننا من الجن وعلف ~~دوابهم ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم ولهذا استنبط الفقهاء ~~من هذا أنه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس. # ثم إنه قد استفاض النهي في ذلك والتغليظ حتى قال: {من تقلد وترا أو ~~استنجى بعظم أو رجيع فإن محمدا منه بريء} ومعلوم أنه لو كان البعر في نفسه ~~نجسا لم يكن الاستنجاء به ينجسه ولم يكن فرق بين البعر المستنجى به والبعر ~~الذي لا يستنجى به وهذا جمع بين ما فرقت السنة بينه. ثم إن البعر لو كان ~~نجسا لم يصلح أن يكون علفا لقوم مؤمنين فإنها تصير بذلك جلالة ولو ms6597 جاز أن ~~تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب فلا فرق حينئذ. ولأنه لما ~~جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس ولدوابهم ما فضل عن دواب الإنس من البعر شرط ~~في طعامهم كل عظم ذكر اسم الله عليه فلا بد أن يشرط في علف دوابهم نحو ذلك ~~وهو الطهارة. وهذا يبين لك أن قوله في حديث ابن مسعود لما أتاه بحجرين # PageV21P577 # وروثة فقال: {إنها ركس} إنما كان لكونها روثة آدمي ونحوه على أنها قضية ~~عين فيحتمل أن تكون روثة ما يؤكل لحمه وروثة ما لا يؤكل لحمه فلا يعم ~~الصنفين ولا يجوز القطع بأنها مما يؤكل لحمه مع أن لفظ الركس لا يدل على ~~النجاسة لأن الركس هو المركوس أي المردود وهو معنى الرجيع ومعلوم أن ~~الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال إما لنجاسته وإما لكونه علف دواب إخواننا ~~من الجن. # الوجه الثامن وهو الحادي عشر: أن هذه الأعيان لو كانت نجسة لبينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يبينه فليست نجسة وذلك لأن هذه الأعيان تكثر ملابسة ~~الناس لها ومباشرتهم لكثير منها خصوصا الأمة التي بعث فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن الإبل والغنم غالب أموالهم ولا يزالون يباشرونها ~~ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم مع كثرة الاحتفاء فيهم حتى أن عمر رضي ~~الله عنه كان يأمر بذلك: تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا. ومحالب ~~الألبان كثيرا ما يقع فيها من أبوالها وليس ابتلاؤهم بها بأقل من ولوغ ~~الكلب في أوانيهم فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها ~~وعدم مخالطته ويمنع من الصلاة مع ذلك ويجب تطهير الأرض مما فيه ذلك إذا صلى ~~فيها والصلاة فيها تكثر في أسفارهم وفي مراح أغنامهم ويحرم شرب اللبن الذي ~~يقع فيه بعرها # PageV21P578 # وتغسل اليد إذا أصابها البول أو رطوبة البعر إلى غير ذلك من أحكام ~~النجاسة لوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم بيانا تحصل به معرفة الحكم ~~ولو بين ذلك لنقل جميعه أو بعضه فإن الشريعة وعادة ms6598 القوم توجب مثل ذلك فلما ~~لم ينقل ذلك علم أنه لم يبين لهم نجاستها. وعدم ذكر نجاستها دليل على ~~طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النهي عنه والتقرير دليل ~~الإباحة. ومن وجه أن مثل هذا يجب بيانه بالخطاب ولا تحال الأمة فيه على ~~الرأي لأنه من الأصول لا من الفروع. ومن جهة أن ما سكت الله عنه فهو مما ~~عفا عنه لا سيما إذا وصل بهذا الوجه. # الوجه التاسع وهو الثاني عشر: وهو أن الصحابة والتابعين وعامة السلف قد ~~ابتلي الناس في أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا يشك عاقل في كثرة وقوع الحوادث المتعلقة بهذه المسألة. ثم المنقول عنهم ~~أحد شيئين: إما القول بالطهارة أو عدم الحكم بالنجاسة مثل ما ذكرناه عن أبي ~~موسى وأنس وعبد الله بن مغفل أنه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين. وهذا قد ~~عاين أكابر الصحابة بالعراق وعن عبيد بن عمير قال: إن لي غنما تبعر في ~~مسجدي وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالحجاز وعن إبراهيم # PageV21P579 # النخعي فيمن يصلي وقد أصابه السرقين قال لا بأس وعن أبي جعفر الباقر ~~ونافع مولى ابن عمر أنه أصابت عمامته بول بعير فقالا: جميعا لا بأس. ~~وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل على أن ما روي عن ابن عمر في ذلك من ~~الغسل إما ضعيف أو على سبيل الاستحباب والتنظيف فإن نافعا لا يكاد يخفى ~~عليه طريقة ابن عمر في ذلك ولا يكاد يخالفه والمأثور عن السلف في ذلك كثير. ~~وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع مثل ما روي ~~عن الحسن أنه قال: البول كله يغسل وقد روي عنه أنه قال لا بأس بأبوال الغنم ~~فعلم أنه أراد بول الإنسان الذكر والأنثى والكبير والصغير وكذلك ما روي عن ~~أبي الشعثاء أنه قال الأبوال كلها أنجاس فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه وقد ~~ذكرنا عن ابن المنذر وغيره أنه لم يعرف عن أحد من السلف ms6599 القول بنجاستها ومن ~~المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة بل مقتضاه أن التنجيس ~~من الأقوال المحدثة فيكون مردودا بالأدلة الدالة على إبطال الحوادث لا سيما ~~مقالة محدثة مخالفة لما عليه الصدر الأول ومن المعلوم أن الأعيان الموجودة ~~في زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك ~~كان تحريمها وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال يحتاج إلى ~~بيان وجوبها لو كان # PageV21P580 # ثابتا فيجيء من بعدهم فيوجبها. ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم ~~يذكروا وجوبا ولا تحريما كان إجماعا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم ~~وهو المطلوب. وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام وهي أصل عظيم ينبغي ~~للفقيه أن يتأملها ولا يغفل عن غورها؛ لكن لا يسلم إلا بعدم ظهور الخلاف في ~~الصدر الأول فإن كان فيه خلاف محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع. # الوجه العاشر وهو الثالث عشر في الحقيقة: أنا نعلم يقينا أن الحبوب من ~~الشعير والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ونعلم أن الدواب إذا داست فلا بد أن تروث ~~وتبول ولو كان ذلك ينجس الحبوب لحرمت مطلقا أو لوجب تنجيسها. وقد أسلمت ~~الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها وكانت ~~سمراء الشام تجلب إلى المدينة فيأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون على عهده وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع وكان ~~يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر وكل هذه # PageV21P581 # تداس بالدواب التي تروث وتبول عليها فلو كانت تنجس بذلك لكان الواجب على ~~أقل الأحوال تطهير الحب وغسله ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ~~ولا فعل على عهده فعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم بنجاستها. ولا يقال: ~~هو لم يتيقن ms6600 أن ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول والأصل الطهارة؛ لأنا ~~نقول: فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر بالنجس فلا يحل ~~له استعمال الجميع؛ بل الواجب تطهير الجميع؛ كما إذا علم نجاسة بعض البدن ~~أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به غسلها وهو لم ~~يأمر بذلك. ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام ~~فكيف يباح أحدهما من غير تحر؟ فإن القائل: إما أن يقول يحرم الجميع وإما أن ~~يقول بالتحري فأما الأكل من أحدهما بلا تحر فلا أعرف أحدا جوزه وإنما ~~يستمسك بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل إلا إلى أحد أمرين: ~~إما أن يقال: بطهارة هذه الأبوال والأرواث أو أن يقال: عفي عنها في هذا ~~الموضع للحاجة. كما يعفى عن ريق الكلب في بدن الصيد على أحد # PageV21P582 # الوجهين وكما يطهر محل الاستنجاء بالحجر في أحد الوجهين إلى غير ذلك من ~~مواضع الحاجات. فيقال: الأصل فيما استحل جريانه على وفاق الأصل فمن ادعى أن ~~استحلال هذا مخالف للدليل؛ لأجل الحاجة فقد ادعى ما يخالف الأصل فلا يقبل ~~منه إلا بحجة قوية وليس معه من الحجة ما يوجب أن يجعل هذا مخالفا للأصل. ~~ولا شك أنه لو قام دليل يوجب الحظر لأمكن أن يستثنى هذا الموضع فأما ما ذكر ~~من العموم الضعيف والقياس الضعيف فدلالة هذا الموضع على الطهارة المطلقة ~~أقوى من دلالة تلك على النجاسة المطلقة على ما تبين عند التأمل. على أن ~~ثبوت طهارتها والعفو عنها في هذا الموضع أحد موارد الخلاف فيبقى إلحاق ~~الباقي به بعدم القائل بالفرق. ومن جنس هذا: # الوجه الحادي عشر وهو الرابع عشر: وهو إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها مع القطع ~~ببولها وروثها على الحنطة ولم ينكر ذلك منكر ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحد ~~ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول إليه. # PageV21P583 # والعلم بهذا ms6601 كله علم اضطراري ما أعلم عليه سؤالا ولا أعلم لمن يخالف هذا ~~شبهة. وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد لكن لم نحتج بإجماع ~~الأعصار التي ظهر فيها هذا الخلاف؛ لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا ~~وإنما احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف. وهذا الإجماع من جنس الإجماع على ~~كونهم كانوا يأكلون الحنطة ويلبسون الثياب ويسكنون البناء فإنا نتيقن أن ~~الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله ونتيقن ~~أن الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى ~~أياما ويطول دياسها له وهذه كلها مقدمات يقينية. # الوجه الثاني عشر وهو الخامس عشر: أن الله تعالى قال: {وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود} فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام ~~وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بتنظيف المساجد وقال: {جعلت لي كل ~~أرض طيبة مسجدا وطهورا} وقال {الطواف بالبيت صلاة} ومعلوم قطعا أن الحمام ~~لم يزل ملازما للمسجد الحرام لأمنه وعبادة بيت الله وأنه لا يزال ذرقه ينزل ~~في المسجد وفي المطاف والمصلى. فلو كان نجسا لتنجس المسجد بذلك ولوجب # PageV21P584 # تطهير المسجد منه: إما بإبعاد الحمام أو بتطهير المسجد أو بتسقيف المسجد ~~ولم تصح الصلاة في أفضل المساجد وأمها وسيدها لنجاسة أرضه وهذا كله مما ~~يعلم فساده يقينا. ولا بد من أحد قولين: إما طهارته مطلقا أو العفو عنه. ~~كما في الدليل قبله وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة. # الدليل الثالث عشر وهو في الحقيقة السادس عشر. مسلك التشبيه والتوجيه ~~فنقول والله الهادي: اعلم أن الفرق بين الحيوان المأكول وغير المأكول إنما ~~فرق بينهما لافتراق حقيقتهما وقد سمى الله هذا طيبا وهذا خبيثا. وأسباب ~~التحريم: إما القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة فأكلها يورث نبات ~~أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع أو لما الله أعلم به وإما خبث ~~مطعمها كما يأكل الجيف من الطير أو لأنها في نفسها مستخبثة كالحشرات فقد ~~رأينا طيب المطعم يؤثر ms6602 في الحل وخبثه يؤثر في الحرمة كما جاءت به السنة في ~~لحوم الجلالة ولبنها وبيضها فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث وكذلك النبات ~~المسقي بالماء النجس والمسمد بالسرقين عند من يقول به وقد رأينا عدم الطعام ~~يؤثر في طهارة البول أو خفة نجاسته مثل الصبي الذي لم يأكل # PageV21P585 # الطعام. فهذا كله يبين أشياء: منها أن الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم ~~كالصبي وقد ثبت أن المباحات لا تكون مطاعمها إلا طيبة فغير مستنكر أن تكون ~~أبوالها طاهرة لذلك. ومنها أن المطعم إذا خبث وفسد حرم ما نبت منه من لحم ~~ولبن وبيض؛ كالجلالة والزرع المسمد وكالطير الذي يأكل الجيف فإذا كان فساده ~~يؤثر في تنجيس ما توجبه الطهارة والحل فغير مستنكر أن يكون طيبه وحله يؤثر ~~في تطهير ما يكون في محل آخر نجسا محرما فإن الأرواث والأبوال مستحيلة ~~مخلوقة في باطن البهيمة كغيرها من اللبن وغيره. يبين هذا ما يوجد في هذه ~~الأرواث من مخالفتها غيرها من الأرواث في الخلق والريح واللون وغير ذلك من ~~الصفات فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين والمنبتين وبهذا يظهر خلافها ~~للإنسان. يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم وإلى اليوم ~~في كل عصر ومصر ما زالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر ويصيب الحب من ~~أرواث البقر وأبوالها وما سمعنا أحدا من المسلمين # PageV21P586 # غسل حبا ولو كان ذلك منجسا أو مستقذرا لأوشك أن ينهوا عنها وأن تنفر عنه ~~نفوسهم نفورها عن بول الإنسان. ولو قيل هذا إجماع عملي لكان حقا وكذلك ما ~~زال يسقط في المحالب من أبعار الأنعام ولا يكاد أحد يحترز من ذلك. ولذلك ~~عفا عن ذلك بعض من يقول بالتنجيس على أن ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس ~~مطرد منعكس لم يتيسر وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة ~~والأنواع النجسة. فهذه إشارة لطيفة إلى مسالك الرأي في هذه المسألة وتمامه ~~ما حضرني كتابه في هذا المجلس {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} . # الفصل الثاني: # في ms6603 مني الآدمي وفيه أقوال ثلاثة: أحدها: أنه نجس كالبول فيجب غسله رطبا ~~ويابسا من البدن والثوب وهذا قول مالك والأوزاعي والثوري وطائفة. وثانيها: ~~أنه نجس يجزئ فرك يابسه وهذا قول أبي حنيفة # PageV21P587 # وإسحاق ورواية عن أحمد. ثم هنا أوجه قيل: يجزئ فرك يابسه ومسح رطبه من ~~الرجل دون المرأة لأنه يعفى عن يسيره ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه بخلاف ~~مني المرأة فإنه رقيق كالمذي وهذا منصوص أحمد. وقيل يجزئ فركه فقط منهما ~~لذهابه بالفرك وبقاء أثره بالمسح. وقيل: بل الجواز مختص بالفرك من الرجل ~~دون المرأة كما جاءت به السنة كما سنذكره. وثالثها: أنه مستقذر كالمخاط ~~والبصاق وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه وهو الذي نصرناه والدليل ~~عليه وجوه: أحدها: ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت: {كنت أفرك المني من ~~ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يذهب فيصلي فيه} - وروي في لفظ ~~الدارقطني - {كنت أفركه إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا} . فهذا نص في ~~أنه ليس كالبول يكون نجسا نجاسة غليظة. فبقي أن يقال: يجوز أن يكون نجسا ~~كالدم أو طاهرا كالبصاق # PageV21P588 # لكن الثاني أرجح؛ لأن الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها ~~فإذا ثبت جواز حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في كثيره؛ فإن القياس لا يفرق ~~بينهما. فإن قيل: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة {أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا ~~أنظر إلى أثر الغسل فيه} . فهذا يعارض حديث الفرك في مني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والغسل دليل النجاسة فإن الطاهر لا يطهر. فيقال: هذا لا ~~يخالفه؛ لأن الغسل للرطب والفرك لليابس كما جاء مفسرا في رواية الدارقطني. ~~أو هذا أحيانا وهذا أحيانا. وأما الغسل فإن الثوب قد يغسل من المخاط ~~والبصاق والنخامة استقذارا لا تنجيسا؛ ولهذا قال سعد بن أبي وقاص. وابن ~~عباس: أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق. الدليل الثاني: ~~ما روى ms6604 الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عائشة قالت: {كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ~~ثوبه يابسا ثم يصلي فيه} . وهذا من خصائص المستقذرات لا من أحكام النجاسات # PageV21P589 # فإن عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه. الدليل الثالث: ما احتج ~~به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن ~~عطاء عن ابن عباس قال: {سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المني يصيب ~~الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو ~~بإذخرة} . قال الدارقطني: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قالوا: وهذا ~~لا يقدح؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق أحد الأئمة. وروى عن سفيان وشريك ~~وغيرهما وحدث عنه أحمد ومن في طبقته وقد أخرج له صاحبا الصحيح فيقبل رفعه ~~وما ينفرد به. وأنا أقول: أما هذه الفتيا فهي ثابتة عن ابن عباس وقبله سعد ~~بن أبي وقاص ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم. وأما رفعه إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فمنكر باطل لا أصل له؛ لأن الناس كلهم رووه عن شريك ~~موقوفا. ثم شريك ومحمد بن عبد الرحمن - وهو ابن أبي ليلى - ليسا في الحفظ ~~بذاك والذين هم أعلم منهم بعطاء مثل ابن جريج الذي هو أثبت فيه من القطب ~~وغيره من المكيين لم يروه أحد إلا موقوفا وهذا كله دليل على وهم تلك ~~الرواة. # PageV21P590 # فإن قلت: أليس من الأصول المستقرة أن زيادة العدل مقبولة؟ وأن الحكم لمن ~~رفع لا لمن وقف لأنه زائد؟ قلت: هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين ~~وتعادلهم وأما مع زيادة عدد من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا. وفيه نظر. ~~وأيضا فإنما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا وأما متى تعارضتا يسقط ~~رواية الأقل بلا ريب وهاهنا المروي ليس هو مقابلا بكون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد قالها ثم قالها صاحبه تارة. تارة ذاكرا وتارة آثرا وإنما ms6605 هو ~~حكاية حال وقضية عين في رجل استفتى على صورة وحروف مأثورة فالناس ذكروا أن ~~المستفتي ابن عباس وهذه الرواية ترفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وليست القضية إلا واحدة إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك ~~على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك. وأيضا فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد ~~بذلك وليسوا يشكون في أن هذه الرواية وهم. الدليل الرابع: أن الأصل في ~~الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ما يوجب القول بأنه نجس ~~وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك # PageV21P591 # أصلا فعلم أن كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ومعلوم أن ~~المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في ~~آنيتهم فهو طواف الفضلات بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق ~~والمخاط المصيب ثيابه ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع وهذه ~~المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو كان المقتضي للتنجيس قائما. ألا ترى أن ~~الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أن إيجاب الاستنجاء ~~عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق ~~الفقير ومن ليس له إلا ثوب واحد. فإن قيل: الذي يدل على نجاسة المني وجوه: ~~أحدها: ما روي عن عمار بن ياسر عن - النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~{إنما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والقيء} رواه ابن عدي. وحديث ~~عائشة قد مضى في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسله. الوجه الثاني: أنه ~~خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث فكان نجسا كالبول والحيض؛ وذلك لأن إيجاب ~~نجاسة الطهارة دليل على أنه # PageV21P592 # نجس فإن إماطته وتنحيته أخف من التطير منه فإذا وجب الأثقل فالأخف أولى. ~~لا سيما عند من يقول بوجوب الاستنجاء منه؛ فإن الاستنجاء إماطة وتنحية فإذا ~~وجب تنحيته في مخرجه ففي غير مخرجه أحق وأولى. الوجه الثالث: أنه من جنس ~~المذي فكان نجسا كالمذي وذاك لأن المذي يخرج عند مقدمات ms6606 الشهوة والمني أصل ~~المذي عند استكمالها وهو يجري في مجراه ويخرج من مخرجه فإذا نجس الفرع فلأن ~~ينجس الأصل أولى. الوجه الرابع: أنه خارج من الذكر أو خارج من القبل فكان ~~نجسا كجميع الخوارج: مثل البول والمذي والودي؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة ~~منوط بالمخرج. ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة وفي ~~أسافله تكون نجسة وإن جمعها الاستحالة في البدن؟ الوجه الخامس: أنه مستحيل ~~عن الدم؛ لأنه دم قصرته الشهوة ولهذا يخرج عند الإكثار من الجماع أحمر ~~والدم نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة عندكم. # PageV21P593 # الوجه السادس: أنه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول فيكون كاللبن ~~في الظرف النجس. فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته. فنقول: الجواب وعلى الله ~~قصد السبيل: أما حديث عمار بن ياسر فلا أصل له. في إسناده ثابت بن حماد قال ~~الدارقطني: ضعيف جدا وقال ابن عدي: له مناكير وحديث عائشة مضى القول فيه. ~~وأما الوجه الثاني فقولهم: يوجب طهارتي الخبث والحدث أما الخبث فممنوع؛ بل ~~الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن وقد قيل: هو واجب ~~كما قد قيل يجب غسل الأنثيين من المذي وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج ~~الخارج من الفرج فهذا كله طهارة وجبت لخارج وإن لم يكن المقصود بها إماطته ~~وتنجيسه؛ بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن. فالحاصل أن سبب الاستنجاء ~~منه ليس هو النجاسة؛ بل سبب آخر. فقولهم: يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع في ~~الفرع فليس غسله عن الفرج للخبث وليست الطهارات منحصرة في ذلك: كغسل اليد ~~عند القيام من نوم الليل وغسل الميت والأغسال المستحبة وغسل الأنثيين وغير ~~ذلك. فهذه الطهارة إن قيل: بوجوبها فهي من القسم الثالث فيبطل قياسه على ~~البول؛ لفساد الوصف الجامع. # PageV21P594 # وأما إيجابه طهارة الحدث فهو حق؛ لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة في ~~النجاسات. فإن الصغرى تجب من الريح إجماعا وتجب بموجب الحجة من ملامسة ~~الشهوة ومن مس الفرج ومن لحوم الإبل ومن الردة وغسل ms6607 الميت وقد كانت تجب في ~~صدر الإسلام من كل ما غيرته النار وكل هذه الأسباب غير نجسة. وأما الكبرى: ~~فتجب بالإيلاج إذا التقى الختانان ولا نجاسة وتجب بالولادة التي لا دم معها ~~على رأي مختار والولد طاهر. وتجب بالموت ولا يقال هو نجس. وتجب بالإسلام ~~عند طائفة. فقولهم: إنما أوجب طهارة الحدث أو أوجب الاغتسال نجس منتقض بهذه ~~الصور الكثيرة فبطل طرده. فإن ضموا إلى العلة كونه خارجا انتقض بالريح ~~والولد نقضا قادحا. ثم يقال: قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به. ثم ~~إن عكسه أيضا باطل والوصف عديم التأثير فإن ما لا يوجب طهارة الحدث منه شيء ~~كثير: نجس كالدم الذي لم يسل واليسير من القيء. وأيضا فسيأتي الفرق إن شاء ~~الله تعالى. فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة. وأما قولهم: التطهير منه أبعد من ~~تطهيره. فجمع ما بين متفاوتين # PageV21P595 # متباينين فإن الطهارة منه طهارة عن حدث وتطهيره إزالة خبث وهما جنسان ~~مختلفان في الحقيقة والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة؛ فإن هذه تجب لها ~~النية دون تلك. وهذه من باب فعل المأمور به وتلك من باب اجتناب المنهي عنه ~~وهذه مخصوصة بالماء أو التراب وقد تزال تلك بغير الماء في مواضع بالاتفاق ~~وفي مواضع على رأي وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع البدن وتلك يختص ~~حكمها بمحلها. وهذه تجب في غير محل السبب أو فيه وفي غيره وتلك تجب في محل ~~السبب فقط وهذه حسية وتلك عقلية وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن مقايس ~~البحاثين وتلك مستصعبة على سبر القياس وهذه واجبة بالاتفاق وفي وجوب الأخرى ~~خلاف معلوم. وهذه لها بدل وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ظاهر. وبالجملة ~~فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج؛ لأن هذه عبادة ~~وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين. وأما الوجه الثالث: وهو إلحاقه بالمذي فقد ~~منع الحكم في الأصل على قول بطهارة المذي والأكثرون سلموه وفرقوا بافتراق ~~الحقيقتين؛ فإن هذا يخلق منه الولد الذي هو أصل الإنسان ms6608 وذلك بخلافه. ألا # PageV21P596 # ترى أن عدم الإمناء عيب يبنى عليه أحكام كثيرة: منشؤها على أنه نقص وكثرة ~~الإمذاء ربما كانت مرضا وهو فضلة محضة لا منفعة فيه كالبول وإن اشتركا في ~~انبعاثهما عن شهوة النكاح فليس الموجب لطهارة المني أنه عن شهوة الباءة ~~فقط؛ بل شيء آخر. وإن أجريناه مجراه فنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وأما ~~كونه فرعا فليس كذلك؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص: كالإنسان إذا أسقطته ~~المرأة قبل كمال خلقه فإنه وإن كان مبدأ خلق الإنسان فلا يناط به من أحكام ~~الإنسان إلا ما قل ولو كان فرعا؛ فإن النجاسة استخباث وليس استخباث الفرع ~~بالموجب خبث أصله: كالفضول الخارجة من الإنسان. وأما الوجه الرابع: فقياسه ~~على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج منقوض بالفم فإنه مخرج النخامة ~~والبصاق الطاهرين والقيء النجس. وكذلك الدبر مخرج الريح الطاهر والغائط ~~النجس. وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر والدم النجس. وإن فصلوا بين ما ~~يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم لأسباب حادثة. # PageV21P597 # قلنا: النخامة المعدية - إذا قيل: بنجاستها - معتادة وكذلك الريح. وأيضا ~~فإنا نقول: لم قلتم إن الاعتبار بالمخرج؟ ولم لا يقال الاعتبار بالمعدن ~~والمستحال فما خلق في أعلى البدن فطاهر وما خلق في أسفله فنجس والمني يخرج ~~من بين الصلب والترائب؛ بخلاف البول والودي. وهذا أشد اطرادا؛ لأن القيء ~~والنخامة المنجسة خارجان من الفم لكن لما استحالا في المعدة كانا نجسين. ~~وأيضا فسوف نفرق إن شاء الله تعالى. وأما الوجه الخامس فقولهم: مستحيل عن ~~الدم والاستحالة لا تطهر: عنه عدة أجوبة مستنيرة قاطعة. أحدها: أنه منقوض ~~بالآدمي وبمضغته فإنهما مستحيلان عنه وبعده عن العلقة وهي دم ولم يقل أحد ~~بنجاسته وكذلك سائر البهائم المأكولة. وثانيها: أنا لا نسلم أن الدم قبل ~~ظهوره وبروزه يكون نجسا فلا بد من الدليل على تنجيسه ولا يغني القياس عليه ~~إذا ظهر وبرز باتفاق الحقيقة؛ لأنا نقول للدليل على طهارته وجوه: أحدها: أن ~~النجس هو المستقذر المستخبث وهذا الوصف لا يثبت # PageV21P598 # لهذه الأجناس ms6609 إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما ~~لا تتصف به. وثانيها: أن خاصة النجس وجوب مجانبته في الصلاة. وهذا مفقود ~~فيها في البدن من الدماء وغيرها. ألا ترى أن من صلى حاملا وعاء مسدودا قد ~~أوعي دما لم تصح صلاته فلئن قلت: عفي عنه لمشقة الاحتراز. قلت: بل جعل ~~طاهرا لمشقة الاحتراز. فما المانع منه والرسول صلى الله عليه وسلم يعلل ~~طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول: {إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات} ؟ . بل أقول: قد رأينا جنس المشقة في الاحتراز مؤثرا في ~~جنس التخفيف. فإن كان الاحتراز من جميع الجنس مشقا عفي عن جميعه فحكم ~~بالطهارة. وإن كان من بعضه عفي عن القدر المشق وهنا يشق الاحتراز من جميع ~~ما في داخل الأبدان فيحكم لنوعه بالطهارة كالهر وما دونها وهذا وجه ثالث. ~~الوجه الرابع: أن الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان ~~التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسا فالحكم # PageV21P599 # بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعا نجسا في غاية ~~البعد. الوجه الخامس: أن الأصل الطهارة فلا تثبت النجاسة إلا بدليل وليس في ~~هذه الدماء المستخبثة شيء من أدلة النجاسة وخصائصها. الوجه السادس: أنا قد ~~رأينا الأعيان تفترق حالها: بين ما إذا كانت في موضع عملها ومنفعتها وبين ~~ما إذا فارقت ذلك. فالماء المستعمل ما دام جاريا في أعضاء المتطهر فهو طهور ~~فإذا انفصل تغيرت حاله. والماء في المحل النجس ما دام عليه فعمله باق ~~وتطهيره ولا يكون ذلك إلا لأنه طاهر مطهر فإذا فارق محل عمله فهو إما نجس ~~أو غير مطهر؛ وهذا مع تغير الأمواه في موارد التطهير تارة بالطاهرات وتارة ~~بالنجاسات فإذا كانت المخالطة التي هي أشد أسباب التغيير لا تؤثر في محل ~~عملنا وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد في محل عمله بخلق الله وتدبيره ~~فافهم هذا فإنه لباب الفقه. الوجه الثالث عن أصل الدليل: أنا لو سلمنا أن ~~الدم نجس فإنه قد استحال ms6610 وتبدل. وقولهم: الاستحالة لا تطهر. قلنا: من أفتى ~~بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع # PageV21P600 # فإن المسلمين أجمعوا أن الخمر إذا بدأ الله بإفسادها وتحويلها خلا طهرت ~~وكذلك تحويل الدواب والشجر بل أقول: الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله ~~بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا والدم منيا والعلقة مضغة ~~ولحم الجلالة الخبيث طيبا وكذلك بيضها ولبنها والزرع المسقي بالنجس إذا سقي ~~بالماء الطاهر وغير ذلك فإنه يزول حكم التنجيس ويزول حقيقة النجس واسمه ~~التابع للحقيقة وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه؛ فإن جميع الأجسام ~~المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال ويبدلها خلقا بعد خلق ~~ولا التفات إلى موادها وعناصرها. وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق ~~الروث حتى يصير رمادا ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا ففيه خلاف ~~مشهور. وللقول بالتطهير اتجاه وظهور ومسألتنا من القسم الأول ولله الحمد. ~~الدليل الخامس: أن المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه فإنه غليظ ~~وتلك رقيقة. وفي لونه فإنه أبيض شديد البياض. وفي ريحه فإنه طيب كرائحة ~~الطلع وتلك خبيثة. ثم جعله الله أصلا لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده ~~الصالحين والإنسان المكرم فكيف يكون أصله نجسا ولهذا قال ابن عقيل: وقد ~~ناظر بعض من يقول بنجاسته # PageV21P601 # لرجل قال له: ما بالك وبال هذا؟ قال: أريد أن أجعل أصله طاهرا وهو يأبى ~~إلا أن يكون نجسا ثم ليس شأنه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في ~~الأبدان إذ هو قوام النسل فهو بالأصول أشبه منه بالفضل. الدليل السادس: ~~وفيه أجوبة: (أحدها لا نسلم أنه يجري في مجرى البول فقد قيل: إن بينهما ~~جلدة رقيقة وإن البول إنما يخرج رشحا وهذا مشهور. وبالجملة فلا بد من بيان ~~اتصالهما وليس ذلك معلوما إلا في ثقب الذكر وهو طاهر أو معفو عن نجاسته. ~~الوجه الثاني: أنه لو جرى في مجراه فلا نسلم أن البول قبل ظهوره نجس. كما ~~مر تقريره في الدم وهو في الدم ms6611 أبين منه في البول؛ لأن ذلك ركن وبعض وهذا ~~فضل. الوجه الثالث: أنه لو كان نجسا فلا نسلم أن المماسة في باطن الحيوان ~~موجبة للتنجيس. كما قد قيل في الاستحالة وهو في المماسة أبين. يؤيد هذا ~~قوله تعالى {من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} ولو كانت المماسة ~~في الباطن للفرث مثلا موجبة للنجاسة لنجس اللبن. # PageV21P602 # فإن قيل: فلعل بينهما حاجزا. قيل: الأصل عدمه على أن ذكره هذا في معرض ~~بيان ذكر الاقتدار بإخراج طيب من بين خبيثين في الاغتذاء ولا يتم إلا مع ~~عدم الحاجز وإلا فهو مع الحاجز ظاهر في كمال خلقه سبحانه. وكذلك قوله: ~~{خالصا} والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشرب وبالجملة فخروج اللبن ~~من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج البول وقد سلك هذا المسلك ~~من رأى إنفحة الميتة ولبنها طاهرا لأنه كان طاهرا وإنما حدث نجاسة الوعاء ~~فقال: الملاقاة في الباطن غير ظاهر. ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني بأن ~~المني ينفصل عن النجس في الباطن أيضا بخلاف اللبن فإنه لا يمكن فصله من ~~الميتة إلا بعد إبراز الضرع وحينئذ يصير في حد ما يلحقه النجاسة. {والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل} والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وهذا ~~الذي حضرني في هذا الوقت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV21P603 # وسئل: (*) # عن المني هل هو طاهر أم لا؟ وإذا كان طاهرا فما حكم رطوبة فرج المرأة إذا ~~خالطه؟ . # فأجاب: # وأما المني فالصحيح أنه طاهر كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه. ~~وقد قيل: إنه نجس يجزئ فركه؛ كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية أخرى وهل يعفى ~~عن يسيره كالدم أو لا يعفى عنه كالبول؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. ~~وقيل: إنه يجب غسله كقول مالك والأول هو الصواب فإنه من المعلوم أن الصحابة ~~كانوا يحتلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن المني يصيب بدن أحدهم ~~وثيابه وهذا مما تعم به ms6612 البلوى فلو كان ذلك نجسا لكان يجب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمرهم بإزالة ذلك من أبدانهم وثيابهم كما أمرهم بالاستنجاء ~~وكما أمر الحائض بأن تغسل دم الحيض من ثوبها بل إصابة الناس المني أعظم ~~بكثير من PageV21P604 # إصابة دم الحيض لثوب الحيض. ومن المعلوم أنه لم ينقل أحد أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر أحدا من الصحابة بغسل المني من بدنه ولا ثوبه فعلم ~~يقينا أن هذا لم يكن واجبا عليهم وهذا قاطع لمن تدبره. وأما كون عائشة - ~~رضي الله عنها - كانت تغسله تارة من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وتفركه ~~تارة فهذا لا يقتضي تنجيسه؛ فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهكذا ~~قال غير واحد من الصحابة: كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وغيرهما: إنما هو ~~بمنزلة المخاط والبصاق أمطه عنك ولو بإذخرة. وسواء كان الرجل مستنجيا أو ~~مستجمرا فإن منيه طاهر. ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد: إن مني المستجمر ~~نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم ~~يكن يستنجي بالماء منهم إلا قليل جدا بل كان كثير منهم كانوا لا يعرفون ~~الاستنجاء بل أنكروه ومع هذا فلم يأمر النبي أحدا منهم بغسل منيه: بل ولا ~~فركه. والاستجمار بالأحجار: هل هو مطهر أو مخفف؟ فيه قولان معروفان. فإن # PageV21P605 # قيل إنه مطهر فلا كلام وإن قيل إنه مخفف؟ وإنه يعفى عن أثره للحاجة فإنه ~~يعفى عنه في محله وفيما يشق الاحتراز عنه والمني يشق الاحتراز منه فألحق ~~بالمخرج. # وسئل - رحمه الله -: # عن المني ما حكمه؟ . # فأجاب: # الصحيح أن المني طاهر. كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وأما ~~كون عائشة تغسله تارة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفركه تارة ~~فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قاله ~~غير واحد من الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وغيرهما: إنما هو بمنزلة ~~البصاق والمخاط أمطه عنك ولو بإذخرة. وسواء كان الرجل مستنجيا أو ms6613 مستجمرا ~~فإن منيه طاهر. ومن قال: إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ~~ضعيف فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا ~~القليل جدا بل الكثير منهم لا يعرف الاستنجاء بل أنكروه والحق ما هم عليه ~~ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV21P606 # أحدا منهم بغسل المني ولا فركه. والاستجمار بالحجارة. هل هو مخفف أو ~~مطهر؟ فيه قولان معروفان فإن قيل: هو مطهر فلا كلام وإن قيل هو مخفف فإنه ~~يعفى عن أثره للحاجة ويعفى عنه في محله وفيما يشق الاحتراز عنه فألحق ~~بالمخرج والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن وقع على ثيابه ماء طاقة ما يدري ما هو: فهل يجب غسله أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجب غسله، بل ولا يستحب على الصحيح وكذلك لا يستحب السؤال عنه على ~~الصحيح فقد مر عمر بن الخطاب مع رفيق له فقطر على رفيقه ماء من ميزاب فقال ~~صاحبه: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أم نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا ~~تخبره فإن هذا ليس عليه والله أعلم. # PageV21P607 # وسئل - رحمه الله -: # عن الفخار فإنه يشوى بالنجاسة فما حكمه؟ والأفران التي تسخن بالزبل فما ~~حكمها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسائل مبنية على أصلين: أحدهما السرقين النجس ونحوه في ~~الوقود ليسخن الماء أو الطعام ونحو ذلك. فقال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد ~~وغيره: إن ذلك لا يجوز لأنه يتضمن ملابسة النجاسة ومباشرتها. وقال بعضهم إن ~~ذلك مكروه غير محرم لأن إتلاف النجاسة لا يحرم وإنما ذلك مظنة التلوث بها. ~~ومما يشبه ذلك الاستصباح بالدهن النجس فإنه استعمال له بالإتلاف والمشهور ~~عن أحمد وغيره من العلماء أن ذلك يجوز وهو المأثور عن الصحابة والقول الآخر ~~عنه وعن غيره المنع لأنه مظنة التلوث به ولكراهة دخان النجاسة. والصحيح أنه ~~لا يحرم شيء من ذلك. فإن الله تعالى حرم الخبائث من الدم والميتة ولحم ~~الخنزير وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV21P608 # أنه قال: {إنما حرم من الميتة ms6614 أكلها} . ثم إنه حرم لبسها قبل الدباغ. ~~وهذا وجه قوله في حديث عبد الله بن عكيم: {كنت رخصت لكم في جلود الميتة ~~فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب} فإن الرخصة ~~المتقدمة كانت في الانتفاع بالجلود بلا دباغ كما ذهب إليه طائفة من السلف ~~فرفع النهي عما أرخص فأما الانتفاع بها بعد الدباغ فلم ينه عنه قط ولهذا ~~كان آخر الروايتين عن أحمد: أن الدباغ مطهر لجلود الميتة: لكن هل يقوم مقام ~~الذكاة أو مقام الحياة فيطهر جلد المأكول أو جلد ما كان طاهرا في الحياة ~~دون ما سوى ذلك؟ على وجهين: أصحهما الأول. فيطهر بالدباغ ما تطهره الذكاة ~~لنهيه صلى الله عليه وسلم في حديث عن جلود السباع. وأيضا فإن استعمال الخمر ~~في إطفاء الحريق ونحو ذلك سلمه المنازعون مع أن الأمر بمجانبة الخمر أعظم ~~فإذا جاز إتلاف الخمر بما فيه منفعة فإتلاف النجاسات بما ليس فيه منفعة ~~أولى؛ ولأنهم سلموا جواز طعام الميتة للبزاة والصقور فاستعمالها في النار ~~أولى. وأما قول القائل: هذا مظنة ملابستها فيقال: ملابسة النجاسة للحاجة ~~جائز إذا طهر بدنه وثيابه عند الصلاة ونحوها. كما يجوز الاستنجاء بالماء مع ~~مباشرة النجاسة ولا يكره ذلك على أصح الروايتين عن أحمد وهو قول أكثر ~~الفقهاء. والرواية الثانية: يكره ذلك. # PageV21P609 # بل يستعمل الحجر أو يجمع بينهما. والمشهور أن الاقتصار على الماء أفضل ~~وإن كان فيه مباشرتها. وفي استعمال جلود الميتة إذا لم يقل بطهارتها في ~~اليابسات روايتان: أصحهما جواز ذلك وإن قيل إنه يكره فالكراهة تزول ~~بالحاجة. وأما قوله: هذا يفضي إلى التلوث بدخان النجاسة فهذا مبني على ~~الأصل الثاني وهو أن النجاسة في الملاحة إذا صارت ملحا ونحو ذلك فهل هي ~~نجسة أم لا؟ على قولين مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد نص عليهما في ~~الخنزير المشوي في التنور هل تطهر النار ما لصق به أم يحتاج إلى غسل ما ~~أصابه منه؟ على روايتين منصوصتين: # أحدهما هي نجسة وهذا مذهب الشافعي. وأكثر أصحاب ms6615 أحمد وأحد قولي أصحاب ~~مالك. وهؤلاء يقولون: لا يطهر من النجاسة بالاستحالة إلا الخمرة المنتقلة ~~بنفسها والجلد المدبوغ إذا قيل إن الدبغ إحالة لا إزالة. والقول الثاني وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأحد قولي المالكية وغيرهم أنها لا تبقى نجسة. وهذا هو ~~الصواب فإن هذه الأعيان لم يتناولها نص التحريم لا لفظا ولا معنى وليست في ~~معنى النصوص # PageV21P610 # بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص التحليل وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبة ~~بنفسها وما ذكروه من الفرق بأن الخمر نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة ~~باطل؛ فإن جميع النجاسات إنما نجست بالاستحالة: كالدم فإنه مستحيل عن ~~الغذاء الطاهر وكذلك البول والعذرة حتى الحيوان النجس مستحيل عن الماء ~~والتراب ونحوهما من الطاهرات. ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت ~~بالاستحالة فإن نفس النجس لم يطهر لكن استحال وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس ~~وإن كان مستحيلا منه والمادة واحدة كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء ~~والحب وتراب المقبرة ليس هو الميت والإنسان ليس هو المني. والله تعالى يخلق ~~أجسام العالم بعضها من بعض ويحيل بعضها إلى بعض وهي تبدل مع الحقائق ليس ~~هذا هذا. فكيف يكون الرماد هو العظم الميت واللحم والدم نفسه. بمعنى أنه ~~يتناوله اسم العظم. وأما كونه هو هو باعتبار الأصل والمادة فهذا لا يضر فإن ~~التحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث وكلاهما منتف. وعلى هذا فدخان ~~النار الموقدة بالنجاسة طاهر وبخار الماء النجس الذي يجتمع في السقف طاهر ~~وأمثال ذلك من المسائل # PageV21P611 # وإذا كان كذلك فهذا الفخار طاهر إذ ليس فيه من النجاسة شيء. وإن قيل: إنه ~~خالطه من دخانها خرج على القولين والصحيح أنه طاهر. وأما نفس استعمال ~~النجاسة فقد تقدم الكلام فيه والنزاع في ### | الماء المسخن بالنجاسة # فإنه طاهر؛ لكن هل يكره على قولين: هما روايتان عن أحمد. إحداهما: لا ~~يكره وهو قول أبي حنيفة والشافعي. والثاني يكره وهو مذهب مالك. وللكراهة ~~مأخذان: أحدهما: خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة فيكره ms6616 ~~لاحتمال تنجسه فعلى هذا إذا كان بين الموقد وبين النار حاجز حصين لم يكره ~~وهذه طريقة الشريف أبي جعفر وابن عقيل وغيرهما. والثاني: أن سبب الكراهة ~~كون استعمال النجاسة مكروها وأن السخونة حصلت بفعل مكروه وهذه طريقة القاضي ~~أبي يعلى ومثل هذا # PageV21P612 # طبخ الطعام بالوقود النجس فإن نضج الطعام كسخونة الماء والكراهة في طبخ ~~الفخار بالوقود النجس تشبه تسخين الماء الذي ليس بينه وبين النار حاجز ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن بول ما يؤكل لحمه: # هل هو نجس؟ . # فأجاب: # أما بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس وهو ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما ويقال: إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك. ~~بل القول بنجاسة ذلك قول محدث لا سلف له من الصحابة. وقد بسطنا القول في ~~هذه المسألة في كتاب مفرد وبينا فيه بضعة عشر دليلا شرعيا وأن ذلك ليس ~~بنجس. والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعي على نجاسته أصلا. فإن غاية ما ~~اعتمدوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم {تنزهوا من البول} وظنوا أن هذا عام ~~في جميع الأحوال وليس كذلك فإن اللام لتعريف العهد والبول المعهود هو بول ~~الآدمي ودليله قوله: {تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه} ومعلوم أن ~~عامة عذاب # PageV21P613 # القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرا لا من بول البهائم ~~الذي لا يصيبه إلا نادرا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه أمر العرنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام أن يلحقوا بإبل الصدقة ~~وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها} ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب ~~أفواههم وأيديهم. ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال مع حدثان عهدهم ~~بالإسلام ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبا ولم يجز ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة لا سيما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلال ~~طاهرة مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبي صلى الله عليه ms6617 ~~وسلم من وجوه كثيرة. وأيضا: فقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي في مرابض الغنم} وأنه أذن في الصلاة في مرابض الغنم من غير ~~اشتراط حائل ولو كانت أبعارها نجسة لكانت مرابضها كحشوش بني آدم وكان ينهى ~~عن الصلاة فيها مطلقا أو لا يصلي فيها إلا مع الحائل المانع فلما جاءت ~~السنة بالرخصة في ذلك: كان من سوى بين أبوال الآدميين وأبوال الغنم مخالفا ~~للسنة. وأيضا: فقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيره # PageV21P614 # مع إمكان أن يبول البعير وأيضا فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع ~~كثرة ما يقع في الحب من البول وأخباث البقر. وأيضا: فإن الأصل في الأعيان ~~الطهارة فلا يجوز التنجيس إلا بدليل ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك ~~نص ولا إجماع ولا قياس صحيح. # و ### | سئل: # عن فران يحمي بالزبل ويخبز؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الزبل طاهرا مثل زبل البقر والغنم والإبل وزبل الخيل، ~~فهذا لا ينجس الخبز، وإن كان نجسا كزبل البغال والحمر وزبل سائر البهائم ~~فعند بعض العلماء: إن كان يابسا فقد يبس الفرن منه ولم ينجس الخبز وإن علق ~~بعضه بالخبز قلع ذلك الموضع ولم ينجس الباقي. والله أعلم. # PageV21P615 # و ### | سئل: # عن الكلب هل هو طاهر أم نجس؟ # وما قول العلماء فيه؟ . # فأجاب: # أما الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: أنه نجس كله حتى شعره ~~كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنه طاهر حتى ريقه ~~كقول مالك في المشهور عنه. والثالث: أن ريقه نجس وأن شعره طاهر وهذا مذهب ~~أبي حنيفة المشهور عنه وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه وهو ~~الرواية الأخرى عن أحمد وهذا ### | أرجح الأقوال. # فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء ~~أريق وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول ~~مالك وغيره. ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأما إن ms6618 ~~كان اللبن كثيرا فالصحيح أنه لا ينجس. وله في الشعور النابتة على محل نجس ~~ثلاث روايات: إحداها: أن جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار ~~أبي بكر عبد العزيز. والثانية: أن جميعها نجس كقول الشافعي. # PageV21P616 # والثالثة: أن شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهرا كالشاة ~~والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس: كالكلب والخنزير وهذه هي ~~المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب ~~والخنزير وغيرهما بخلاف الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب ~~الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنه: وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس ~~شيء ولا تحريمه إلا بدليل. كما قال تعالى {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه} وقال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إن من ~~أعظم المسلمين بالمسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته} . ~~وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعا. ومنهم من يجعله موقوفا أنه قال: ~~{الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه ~~فهو مما عفا عنه} . وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: {طهور ~~إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا أولاهن بالتراب} وفي الحديث ~~الآخر: {إذا ولغ الكلب} . فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر الولوغ لم يذكر ~~سائر الأجزاء فتنجيسها إنما هو بالقياس. # PageV21P617 # فإذا قيل: إن البول أعظم من الريق كان هذا متوجها. وأما إلحاق الشعر ~~بالريق فلا يمكن؛ لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنه نابت على ~~ظهره. والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا. فإن جمهورهم يقولون: إن شعر ~~الميتة طاهر بخلاف ريقها. والشافعي وأكثرهم يقولون: إن الزرع النابت في ~~الأرض النجسة طاهر فغاية شعر الكلب أن ms6619 يكون نابتا في منبت نجس كالزرع ~~النابت في الأرض النجسة فإذا كان الزرع طاهرا فالشعر أولى بالطهارة لأن ~~الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإن فيه من اليبوسة ~~والجمود ما يمنع ظهور ذلك. فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره: إن ~~الزرع طاهر فالشعر أولى ومن قال إن الزرع نجس فإن الفرق بينهما ما ذكر فإن ~~الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة وهذا أيضا حجة في المسألة فإن ~~الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبنها فإذا ~~حبست حتى تطيب كانت حلالا باتفاق المسلمين؛ لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة ~~في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة ~~فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار ~~النجاسة أصلا فلم يكن لتنجيسه معنى. # PageV21P618 # وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكل ~~حيوان قيل بنجاسته فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب فإذا قيل: ~~بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير إلا الهرة وما دونها في ~~الخلقة. كما هو مذهب كثير من العلماء: علماء أهل العراق وهو أشهر الروايتين ~~عن أحمد فإن الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل هو نجس؟ على ~~روايتين عن أحمد: إحداهما: أنه طاهر وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي ~~ومالك. والرواية الثانية: أنه نجس كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد ~~والقول بطهارة ذلك هو الصواب. كما تقدم. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث ولا بد لمن اقتناه أن يصيبه رطوبة ~~شعوره كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك فالقول بنجاسة شعورها # PageV21P619 # والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة. وأيضا فإن لعاب الكلب إذا أصاب ~~الصيد لم يجب غسله في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ms6620 أحدا بغسل ذلك فقد عفى عن لعاب الكلب في ~~موضع الحاجة وأمر بغسله في غير موضع الحاجة فدل على أن الشارع راعى مصلحة ~~الخلق وحاجتهم والله أعلم. # وسئل: # عن كلب طلع من ماء فانتفض على شيء فهل يجب تسبيعه؟ . # فأجاب: # مذهب الشافعي وأحمد رضي الله عنهما يجب تسبيعه. ومذهب أبي حنيفة ومالك ~~رضي الله عنهما لا يجب تسبيعه والله أعلم. # و ### | سئل: # عن سؤر البغل والحمار: # هل هو طاهر؟ . # فأجاب: # وأما سؤر البغل والحمار فأكثر العلماء يجوزون التوضؤ به. كمالك والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه. # PageV21P620 # والرواية الأخرى عنه مشكوك فيه. كقول أبي حنيفة فيتوضأ به ويتيمم. ~~والثالثة أنه نجس لأنه متولد من باطن حيوان نجس فيكون نجسا كلعاب الكلب: ~~لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: {إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات} فعلل طهارة سؤرها لكونها من الطوافين علينا والطوافات وهذا ~~يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة وهذا من حجة من يبيح سؤر البغل والحمار. ~~فإن الحاجة داعية إلى ذلك والمانع يقول ذلك مثل سؤر الكلب فإنه مع إباحة ~~قنيته لما يحتاج فيه إليه نهي عن سؤره. والمرخص يقول: إن الكلب أباحه ~~للحاجة ولهذا حرم ثمنه؛ بخلاف البغل والحمار فإن بيعهما جائز باتفاق ~~المسلمين. والمسألة مبنية على أسآر السباع وما لا يؤكل لحمه. # وسئل: # عن طين جبل بزبل حمار وطين به سطح فوقع عليه قطر فتعلق به ما حكمه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إن كان يسيرا عفي عنه. في أحد قولي العلماء. # PageV21P621 # وهو إحدى الروايات عن أحمد لا سيما إذا كان الزبل قد خلط بالطين الذي طين ~~به السطح فقد يكون قد استحال وإن لم يستحل فالذي تعلق بالقطر شيء يسير. # وسئل: # عما إذا بال الفأر في الفراش هل يصلى فيه؟ . # فأجاب: # غسله أحوط ويعفى عن يسيره في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد. # و ### | سئل: # عن ريش القنفذ # هل هو نجس؟ # فأجاب: # الحمد لله، هو طاهر وإن وجد بعد موته عند جمهور العلماء وهو مذهب مالك ~~وأبي ms6621 حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه. # PageV21P622 ### | باب الحيض: # سئل شيخ الإسلام: # عما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الحيض للجارية: البكر ~~ثلاثة أيام ولياليهن وأكثره خمسة عشر} هل هو صحيح؟ وما تأويله على مذهب ~~الشافعي وأحمد؟ . # فأجاب: # أما نقل هذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو باطل؛ بل هو كذب ~~موضوع باتفاق علماء الحديث. ولكن هو مشهور عن أبي الخلد عن أنس وقد تكلم في ~~أبي الخلد. وأما الذين يقولون: أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله: الشافعي ~~وأحمد ويقولون: أقله يوم كما يقوله: الشافعي وأحمد. أو لا حد له كما يقوله ~~مالك. فهم يقولون: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في ~~هذا شيء والمرجع في ذلك إلى العادة كما قلنا. والله أعلم. # PageV21P623 # وسئل: # عن جماع الحائض هل يجوز أم لا؟ . # فأجاب: # وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة كما حرم الله ذلك ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن وطئها وكانت حائضا ففي الكفارة عليه نزاع مشهور وفي غسلها ~~من الجنابة دون الحيض نزاع بين العلماء ووطء النفساء كوطء الحائض حرام ~~باتفاق الأئمة. لكن له أن يستمتع من الحائض والنفساء بما فوق الإزار وسواء ~~استمتع منها بفمه أو بيده أو برجله فلو وطئها في بطنها واستمنى جاز. ولو ~~استمتع بفخذيها ففي جوازه نزاع بين العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن المرأة تطهر من الحيض ولم تجد ماء تغتسل به هل لزوجها أن يطأها قبل ~~غسلها من غير شرط؟ . # فأجاب: # أما المرأة الحائض إذا انقطع دمها فلا يطؤها زوجها حتى # PageV21P624 # تغتسل إذا كانت قادرة على الاغتسال وإلا تيممت. كما هو مذهب جمهور ~~العلماء كمالك وأحمد والشافعي. وهذا معنى ما يروى عن الصحابة حيث روي عن ~~بضعة عشر من الصحابة - منهم الخلفاء - أنهم قالوا: في المعتدة هو أحق بها ~~ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. والقرآن يدل على ذلك قال الله تعالى: {ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} قال مجاهد: حتى ms6622 ~~يطهرن يعني ينقطع الدم فإذا تطهرن اغتسلن بالماء وهو كما قال مجاهد. وإنما ~~ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور لأن قوله: {حتى يطهرن} غاية التحريم ~~الحاصل بالحيض وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره فهذا التحريم يزول ~~بانقطاع الدم ثم يبقى الوطء بعد ذلك جائزا بشرط الاغتسال لا يبقى محرما على ~~الإطلاق فلهذا قال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} . وهذا كقوله: ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فنكاح الزوج الثاني غاية ~~التحريم الحاصل بالثلاث فإذا نكحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم؛ لكن صارت ~~في عصمة الثاني فحرمت لأجل حقه؛ لا لأجل الطلاق الثلاث. فإذا طلقها جاز ~~للأول أن يتزوجها. # PageV21P625 # وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: {فإذا تطهرن} أي غسلن فروجهن وليس ~~بشيء؛ لأن الله قد قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فالتطهر في كتاب الله هو ~~الاغتسال وأما قوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} فهذا يدخل فيه ~~المغتسل والمتوضئ والمستنجي لكن التطهر المقرون بالحيض كالتطهر المقرون ~~بالجنابة. والمراد به الاغتسال. وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول: إذا اغتسلت ~~أو مضى عليها وقت صلاة أو انقطع الدم لعشرة أيام حلت؛ بناء على أنه محكوم ~~بطهارتها في هذه الأحوال. وقول الجمهور هو الصواب. كما تقدم والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن إتيان الحائض قبل الغسل؟ وما معنى قول أبي حنيفة: فإن انقطع الدم لأقل ~~من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل؟ وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها ~~قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟ . # فأجاب: # أما مذهب الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد فإنه لا يجوز # PageV21P626 # وطؤها حتى تغتسل. كما قال تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهن من حيث أمركم الله} وأما أبو حنيفة فيجوز وطأها إذا انقطع لأكثر ~~الحيض أو مر عليها وقت الصلاة فاغتسلت وقول الجمهور هو الذي يدل عليه ظاهر ~~القرآن والآثار. # وسئل: # عن الحديثين المتفق عليهما في الصحيحين: # أحدهما عن عائشة - رضي الله عنها - {أن فاطمة بنت أبي حبيش ms6623 سألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: إن ~~ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي} ~~- وفي رواية - {وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب ~~قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي} . والحديث الثاني عن عائشة أيضا - رضي الله ~~عنها -: {أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك فأمرها أن تغتسل لكل صلاة} . فهل كانت تغتسل الغسل الكامل المشروع؟ ~~أم كانت تغسل الدم وتتوضأ؟ ومع هذا # PageV21P627 # فهل كانت ناسية لأيام الحيض؟ أم كانت مبتدأة؟ وهل نسخ أحد الحديثين ~~الآخر؟ وأيهما كان الناسخ؟ وهل إذا ابتليت المرأة بما ابتليت به أم حبيبة ~~أن تغتسل الغسل الكامل؟ وإذا أمرت بالغسل فيكون هذا من الحرج العظيم؟ وقد ~~قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وهل في ذلك نزاع بين ~~الأئمة؟ . # فأجاب: # ليس أحد الحديثين ناسخا للآخر ولا منافاة بينهما. فإن الحديث الأول: فيمن ~~كانت لها عادة تعلم قدرها فإذا استحيضت قعدت قدر العادة ولهذا قال: {فدعي ~~الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها} وقال: {إذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي} وبهذا الحديث أخذ جمهور ~~العلماء في المستحاضة المعتادة. أنها ترجع إلى عادتها وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي والإمام أحمد. لكنهم متنازعون لو كانت مميزة تميز الدم الأسود من ~~الأحمر: فهل تقدم التمييز على العادة؟ أم العادة على التمييز؟ فمنهم من ~~يقدم التمييز على العادة. وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. ~~والثاني: في أنها تقدم العادة وهو ظاهر الحديث وهو مذهب # PageV21P628 # أبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ بل أبو حنيفة لم يعتبر التمييز ~~كما أن مالكا لم يعتبر العادة. لكن الشافعي وأحمد يعتبران هذا وهذا والنزاع ~~في التقديم. وأما الحديث الثاني: فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرها أن تغتسل لكل صلاة ولكن أمرها بالغسل مطلقا فكانت هي تغتسل لكل صلاة ms6624 ~~والغسل لكل صلاة مستحب؛ ليس بواجب عند الأئمة الأربعة وغيرهم إذا قعدت ~~أياما معلومة هي أيام الحيض ثم اغتسلت كما تغتسل من انقطع حيضها ثم صلت ~~وصامت في هذه الاستحاضة بل الواجب عليها أن تتوضأ عند كل صلاة من الصلوات ~~الخمس عند الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مالك فعنده ليس عليها ~~وضوء ولا غسل فإن دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء عنده لا هو ولا غيره من ~~النادرات وقد احتج الأكثرون بما في الترمذي وغيره {أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة} . وهذه المستحاضة الثانية لم ~~تكن مبتدأة وإن كان ذلك قد ظنه بعض الناس فإنها كانت عجوزا كبيرة وإنما ~~حملوا أمرها على أنها كانت ناسية لعادتها وفي السنن: {أنها أمرت أن تحيض ~~ستا أو سبعا} كما جاء ذلك في حديث سلمة بنت سهل وبهذا احتج الإمام # PageV21P629 # أحمد وغيره على أن المستحاضة المتميزة تجلس ستا أو سبعا وهو غالب الحيض. ~~وفي المستحاضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن: سنة في العادة كما ~~تقدم وسنة في المميزة وهو قوله: {دم الحيض أسود يعرف} وسنة في غالب الحيض ~~وهو قوله: {تحيضي ستا أو سبعا ثم اغتسلي وصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين ~~كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن} . والعلماء لهم في الاستحاضة ~~نزاع فإن أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة فلا بد من فاصل يفصل ~~هذا من هذا. والعلامات التي قيل بها ستة: إما العادة فإن العادة أقوى ~~العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره. وإما التمييز؛ لأنه الدم الأسود ~~والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر. وإما اعتبار غالب عادة ~~النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم # PageV21P630 # الأغلب فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار ومن الفقهاء من ~~يجلسها ليلة وهو أقل الحيض ومنهم من يجلسها الأكثر؛ لأنه أصل دم الصحة. ~~ومنهم من يلحقها بعادة نسائها. وهل هذا حكم الناسية. أو حكم المبتدأة ~~والناسية جميعا فيه نزاع؟ وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي ms6625 جاءت بها ~~السنة وإلغاء ما سوى ذلك. وأما المتميزة فتجلس غالب الحيض كما جاءت به ~~السنة ومن لم يجعل لها دما محكوما بأنه حيض بل أمرها بالاحتياط مطلقا فقد ~~كلفها أمرا عظيما لا تأتي الشريعة بمثله وفيه تبغيض عبادة الله إلى أهل دين ~~الله وقد رفع الله الحرج عن المسلمين وهو من أضعف الأقوال جدا. وأصل هذا أن ~~الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام: # دم مقطوع بأنه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه. # ودم مقطوع بأنه استحاضة كدم الصغيرة. # ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنه حيض. وهو دم المعتادة # PageV21P631 # والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنه حيض. ودم يحتمل الأمرين ~~والأظهر أنه دم فساد. وهو الدم الذي يحكم بأنه استحاضة من دماء هؤلاء. ودم ~~مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين فهذا يقول به طائفة من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم والصواب ~~أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الله تعالى يقول: {وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} فالله تعالى قد بين للمسلمين في ~~المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام في زمن الحيض فكيف يقال: إن ~~الشريعة فيها شك مستمر يحكم به الرسول وأمته نعم: قد يكون شك خاص ببعض ~~الناس. كالذي يشك هل أحدث أم لا؟ كالشبهات التي لا يعلمها كثير من الناس ~~فأما شك وشبهة تكون في نفس الشريعة فهذا باطل والذين يجعلون هذا دم شك ~~يجعلون ذلك حكم الشرع؛ لا يقولون: نحن شككنا؛ فإن الشاك لا علم عنده فلا ~~يجزم وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم. الوجه الثاني: أن الشريعة ~~ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين ولا # PageV21P632 # الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد. فأما مع عدم تفريطه فلم يوجب الله صوم ~~شهرين في السنة ولا صلاة ظهرين في يوم وهذا مما يعرف به ضعف قول من يوجب ~~الصلاة ويوجب إعادتها. فإن هذا أصل ضعيف. كما بسط القول عليه ms6626 في غير هذا ~~الموضع. ويدخل في هذا من يأمر بالصلاة خلف الفاسق وإعادتها وبالصلاة مع ~~الأعذار النادرة التي لا تتصل وإعادتها ومن يأمر المستحاضة بالصيام مرتين ~~ونحو ذلك مما يوجد في مذهب الشافعي وأحمد في أحد القولين. فإن الصواب ما ~~عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه ~~كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولم يعرف قط أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم ~~يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك كما قال للمسيء في صلاته: {ارجع فصل فإنك ~~لم تصل} وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة " فأما المعذور ~~كالذي يتيمم لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد وكالاستحاضة ~~وأمثال هؤلاء؛ فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء أن يفعلوا ما ~~يقدرون عليه بحسب استطاعتهم ويسقط عنهم ما يعجزون عنه بل سنته فيمن كان لم ~~يعلم الوجوب أنه لا قضاء # PageV21P633 # عليه؛ لأن التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل. ولهذا لم ~~يأمر عمر وعمارا بإعادة الصلاة لما كانا جنبين. فعمر لم يصل وعمار تمرغ كما ~~تتمرغ الدابة ظنا أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء وكذلك الذين أكلوا من ~~الصحابة حتى تبين لهم الحبال السود من البيض لم يأمرهم بالإعادة. وكذلك ~~الذين صلوا إلى غير الكعبة قبل أن يبلغهم الخبر الناسخ لم يأمرهم بالإعادة ~~وكان بعضهم بالحبشة وبعضهم بمكة وبعضهم بغيرها بل بعض من كان بالمدينة صلوا ~~بعض الصلاة إلى الكعبة وبعضها إلى الصخرة ولم يأمرهم بالإعادة ونظائرها ~~متعددة. فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط ~~بالقدرة على العلم والعمل فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولهذا عذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق ~~في تلك المسألة وهذا بخلاف المفرط المتمكن من فعل ما أمر به فهذا ms6627 هو الذي ~~يستحق العقاب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: {صل ~~قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} وهذه قاعدة كبيرة تحتاج ~~إلى بسط ليس هذا موضعه. # PageV21P634 # ومقصود السائل ما يتعلق بالمستحاضة وقد بينا أن الصواب أنه ليس عليها في ~~صورة من الصور أن تصوم وتقضي الصوم. كما يقوله في بعض الصور من يقوله من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وأنه ليس عليها أن تغتسل لكل صلاة باتفاق ~~الأئمة الأربعة وغيرهم والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة نفساء لم تغتسل: فهل يجوز وطؤها قبل الغسل أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز وطء الحائض والنفساء حتى يغتسلا فإن عدمت الماء أو خافت الضرر ~~باستعمالها الماء لمرض أو برد شديد تتيمم وتوطأ بعد ذلك هذا مذهب جماهير ~~الأئمة. كمالك والشافعي وأحمد. وقد دل على ذلك القرآن بقوله تعالى: {ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن} أي ينقطع الدم {فإذا تطهرن} أي اغتسلن بالماء. كما قال: ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقد روي ما يدل على ذلك عن أكابر الصحابة: كعمر ~~وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم حيث جعلوا الزوج أحق بها ما لم ~~تغتسل من الحيضة الثالثة. وأما أبو حنيفة فمذهبه إن انقطع الدم لعشرة أيام ~~أو أكثر ومر عليها وقت صلاة أو اغتسلت وطئها وإلا فلا. والله أعلم. # PageV21P635 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة نفساء: هل يجوز لها قراءة القرآن في حال النفاس؟ وهل يجوز وطؤها ~~قبل انقضاء الأربعين؟ أم لا؟ وهل إذا قضت الأربعين ولم تغتسل فهل يجوز ~~وطؤها بغير غسل أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما وطؤها قبل أن ينقطع الدم فحرام باتفاق الأئمة وإذا انقطع ~~الدم بدون الأربعين فعليها أن تغتسل وتصلي لكن ينبغي لزوجها أن لا يقربها ~~إلى تمام الأربعين. وأما قراءتها القرآن فإن لم تخف النسيان فلا تقرؤه وأما ~~إذا خافت النسيان فإنها تقرؤه في أحد قولي العلماء وإذا انقطع الدم واغتسلت ~~قرأت القرآن وصلت بالاتفاق فإن تعذر اغتسالها لعدم الماء أو لخوف ضرر لمرض ~~ونحوه ms6628 فإنها تتيمم وتفعل بالتيمم ما تفعل بالاغتسال والله أعلم. ~~PageV21P636 # الجزء الثاني والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الثاني: الصلاة # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل - رحمه الله -: هل كانت ### | الصلاة # على من قبلنا من الأمم مثل ما هي علينا من الوجوب والأوقات والأفعال ~~والهيئات. أم لا؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # كانت لهم صلاة في هذه الأوقات، لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ~~والهيئات، وغيرهما، والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يفسق ويشرب الخمر ويصلي الصلوات الخمس، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: {كل صلاة لم تنه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد صاحبها من الله إلا ~~بعدا} . # فأجاب: # هذا الحديث ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه. وبكل # PageV22P005 # حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدا. بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، ~~وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقا. لكن قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ~~ما عقلت منها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن العبد لينصرف من ~~صلاته. ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى قال: إلا ~~عشرها} فإن الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم ~~تنهه دل على تضييعه لحقوقها، وإن كان مطيعا. وقد قال تعالى: {فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا الصلاة} الآية. وإضاعتها التفريط في واجباتها، وإن كان يصليها، ~~والله أعلم. # وسئل: # عن قوله تعالى {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} والرجل إذا شرب الخمر وصلى ~~وهو سكران، هل تجوز صلاته أم لا؟ . # فأجاب: # صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق؛ بل ولا يجوز أن يمكن ~~من دخول المسجد لهذه الآية وغيرها، فإن النهي عن قربان الصلاة، وقربان ~~مواضع الصلاة، والله أعلم. # PageV22P006 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في " قاعدة " ما ترك من واجب وفعل من محرم قبل الإسلام والتوبة # قاعدة ما تركه الكافر الأصلي من واجب: كالصلاة والزكاة والصيام، فإنه لا ~~يجب عليه قضاؤه ms6629 بعد الإسلام بالإجماع؛ لأنه لم يعتقد وجوبه، سواء كانت ~~الرسالة قد بلغته أو لم تكن بلغته، وسواء كان كفره جحودا، أو عنادا، أو ~~جهلا. # ولا فرق في هذا بين الذمي والحربي؛ بخلاف ما على الذمي من الحقوق التي ~~أوجبت الذمة أداءها: كقضاء الدين، ورد الأمانات، والغصوب. فإن هذه لا تسقط ~~بالإسلام. لا لالتزامه وجوبها قبل الإسلام. وأما الحربي المحض فلم يلتزم ~~وجوب شيء للمسلمين، لا من العبادات ولا من الحقوق، فليس عليه قضاء شيء لا ~~من حقوق الله، ولا من حقوق المسلمين، وإن كان يعاقب على تركها لو لم يسلم. ~~فإن الإسلام يهدم ما كان قبله. # PageV22P007 # وكذلك ما فعله الكافر من المحرمات في دين الإسلام التي يستحلها في دينه: ~~كالعقود والقبوض الفاسدة، كعقد الربا، والميسر، وبيع الخمر والخنزير، ~~والنكاح بلا ولي ولا شهود، وقبض مال المسلمين بالقهر، والاستيلاء، ونحو ~~ذلك، فإن ذلك المحرم يسقط حكمه بالإسلام، ويبقى في حقه بمنزلة ما لم يحرم، ~~فإن الإسلام يغفر له به تحريم ذلك العقد والقبض، فيصير الفعل في حقه عفوا ~~بمنزلة من عقد عقدا أو قبض قبضا غير محرم، فيجري في حقه مجرى الصحيح في حق ~~المسلمين؛ ولهذا ما تقابضوا فيه من العقود الفاسدة أقروا على ملكه إذا ~~أسلموا أو تحاكموا إلينا. وكذلك عقود النكاح التي انقضى سبب فسادها قبل ~~الحكم، والإسلام؛ بخلاف ما لم يتقابضوه، فإنه لا يجوز لهم بعد الإسلام أن ~~يقبضوا قبضا محرما كما كان لا يعقدون عقدا محرما، وهذا مقرر في موضعه. ~~لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ما بقي في الذمم من الربا، ولم يأمرهم برد ~~المقبوض. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من أسلم على شيء فهو له} وقال: ~~{وأيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وأيما قسم أدركه الإسلام فهو ~~على قسم الإسلام} وأقر أهل الجاهلية على مناكحهم التي كانت في الجاهلية، مع ~~أن كثيرا منها كان غير مباح في الإسلام، # PageV22P008 # وهذا ms6630 كالمتفق عليه بين الأئمة المشهورين. لكن ثم خلاف شاذ في بعض صوره. # وأما ما استولى عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أسلموا فإنه لهم ~~بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق السلف، وجماهير الأئمة، وهو ~~منصوص أحمد، وظاهر مذهبه. وأما التحاكم إلينا في مثل هذه الصورة. فإنها ~~تكون إذا كانوا ذوي عهد بأمان أو ذمة أو صلح فنقرهم عليه في هذه الصورة ~~أيضا، فهذا في الحقوق التي وجبت له باعتقاده في كفره، وإن كان سببها محرما ~~في دين الإسلام. # وأما العقوبات فإنه لا يعاقب على ما فعله قبل الإسلام من محرم، سواء كان ~~يعتقد تحريمه أو لم يعتقد، فلا يعاقب على قتل نفس، ولا ربا، ولا سرقة، ولا ~~غير ذلك. سواء فعل ذلك بالمسلمين، أو بأهل دينه، فإنه إن كان بالمسلمين فهو ~~يعتقد إباحة ذلك منهم، وأما أهل دينه فهم مباحون في دين الإسلام، وإن اعتقد ~~هو الحظر، ولهذا نقول: إن ما سباه وغنمه الكفار بعضهم من نفوس بعض وأموالهم ~~فإنهم لا يعاقبون عليها بعد الإسلام، وإن اعتقدوا التحريم. فمتى كان مباحا ~~في دينه أو في دين الإسلام زالت العقوبة. # PageV22P009 # لكن إن كان محرما في الدينين: مثل أن يكون بينه وبين قوم عهد، فإن كان ~~عهده مع المسلمين، فهذا هو المستأمن والذمي والمصالح، فهؤلاء يضمنون ما ~~أتلفوه للمسلمين من النفوس والأموال، ويعاقبون على ما تعدوا به على ~~المسلمين، ويعاقبون على الزنا، وفي شرب الخمر خلاف معروف، وأما إن كان ~~عهدهم مع غير المسلمين مثل قضية المغيرة بن شعبة (1) . # فصل: # فأما المرتد، فلا يجب عليه قضاء ما تركه في الردة من صلاة وزكاة وصيام في ~~المشهور، ولزمه ما تركه قبل الردة في المشهور. وقيل: يجب عليه القضاء، ~~وقيل: لا يجب في الصورتين. ويحكى ثلاث روايات عن أحمد. وأما ما فعله من ~~الحرمات: فإن كان في قبضة المسلمين ضمن ما أتلفه من نفس ومال، وإن كان في ~~طائفة ممتنعة ففيه روايات. # فصل: # وأما المسلم: إذا ترك الواجب قبل بلوغ الحجة، ms6631 أو متأولا، مثل من ترك ~~الوضوء من لحوم الإبل، أو مس الذكر، أو صلى في أعطان PageV22P010 # الإبل، أو ترك الصلاة جهلا بوجوبها عليه بعد إسلامه، ونحو ذلك، فهل يجب ~~عليه قضاء هذه الواجبات؟ على قولين في المذهب: تارة تكون رواية منصوصة، ~~وتارة تكون وجها. وأصلها أن حكم الخطاب بفروع الشريعة هل يثبت حكمه في حق ~~المسلم قبل بلوغه، على وجهين ذكرهما القاضي أبو يعلى في مصنف مفرد. وفيها ~~وجه ثالث اختاره طائفة من الأصحاب، وهو الفرق بين الخطاب الناسخ، والخطاب ~~المبتدأ. فلا يثبت النسخ إلا بعد بلوغ الناسخ؛ بخلاف الخطاب المبتدأ. وقد ~~قرروه بالدلائل الكثيرة أنه لا يجب القضاء في هذه الصور كلها، وأنه لا يثبت ~~حكم الخطاب إلا بعد البلاغ جملة، وتفصيلا. ولهذا لم يأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالقضاء لأبي ذر لما مكث مدة لا يصلي مع الجنابة بالتيمم، ولا ~~أمر عمر بن الخطاب في قضية عمار بن ياسر، ولا أمر بإعادة الصوم من أكل حتى ~~يتبين له العقال الأبيض من الأسود، ونظائره متعددة في الشريعة. بل إذا عفي ~~للكافر بعد الإسلام عما تركه من الواجبات لعدم الاعتقاد، وإن كان الله قد ~~فرضها عليه، وهو معذب على تركها، فلأن يعفو للمسلم عما تركه من الواجبات ~~لعدم اعتقاد الوجوب، وهو غير معذبه # PageV22P011 # على الترك لاجتهاده، أو تقليده، أو جهله الذي يعذر به أولى وأحرى. وكما ~~أن الإسلام يجب ما كان قبله، فالتوبة تجب ما كان قبلها، لا سيما توبة ~~المعذور الذي بلغه النص، أو فهمه بعد إن لم يكن تمكن من سمعه وفهمه، وهذا ~~ظاهر جدا إلى الغاية. وكذلك ما فعله من العقود والقبوض التي لم يبلغه ~~تحريمها لجهل يعذر به، أو تأويل. فعلى إحدى القولين حكمه فيها هذا الحكم ~~وأولى. فإذا عامل معاملة يعتقد جوازها بتأويل: من ربا، أو ميسر، أو ثمن ~~خمر، أو نكاح فاسد، أو غير ذلك، ثم تبين له الحق وتاب، أو تحاكم إلينا، أو ~~استفتانا، فإنه يقر على ما قبضه بهذه العقود، ويقر ms6632 على النكاح الذي مضى ~~مفسده، مثل أن يكون قد تزوج بلا ولي أو بلا شهود معتقدا جواز ذلك، أو نكح ~~الخامسة في عدة الرابعة، أو نكاح تحليل مختلف فيه، أو غير ذلك، فإنه وإن ~~تبين له فيما بعد فساد النكاح، فإنه يقر عليه. أما إذا كان نكح باجتهاد ~~وتبين له الفساد باجتهاد فهذا مبني على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، لا ~~في الحكم ولا في الفتيا أيضا، فهذا مأخذ آخر. وإنما الغرض هنا أنه لو تيقن ~~التحريم بالنص القاطع. كتيقن # PageV22P012 # من كان كافرا صحة الإسلام. فإنا نقره على ما مضى من عقد النكاح، ومن ~~المقبوض في العقد الفاسد، إذا لم يكن المفسد قائما. كما يقر الكفار بعد ~~الإسلام على مناكحتهم التي كانت محرمة في الإسلام وأولى. فإن فعل الواجبات ~~وترك المحرمات باب واحد. كما تقدم في الكافر. وهذا بين؛ فإن العفو والإقرار ~~للمسلم المتأول بعد الرجوع عن تأويله أولى من العفو والإقرار عن الكافر ~~المتأول، لكن في هذا خلاف في المذهب وغيره. وشبهة الخالف نظره إلى أن هذا ~~منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد وجعل المسلمين جنسا واحدا، ولم يفرق بين ~~المتأول وغيره. ونظير هذه المسألة: ما أتلفه أهل البغي المتأولون على أهل ~~العدل من النفوس والأموال، هل يضمنون؟ على روايتين. إحداهما: يضمنونه، جعلا ~~لهم كالمحاربين، وكقتال العصبية الذي لا تأويل فيه، وهذا نظير من يجعل ~~العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة ما لا تأويل فيه. والثانية: لا ~~يضمنونه، وعلى هذا اتفق السلف كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا # PageV22P013 # أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فلا ضمان فيه - وفي لفظ - ~~{ألحقوهم في ذلك بأهل الجاهلية} . ولهذا {لم يضمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أسامة دم الذي قتله بعد ما قال: لا إله إلا الله} لأنه قتله متأولا: أي ~~أنهم وإن استحلوا المحرم؛ لكن لما كانوا جاهلين متأولين، كانوا بمنزلة أهل ~~الجاهلية في عدم الضمان، وإن فارقوهم في عفو الله ورحمته؛ ms6633 لأن هذه الأمة ~~عفي لها عن الخطأ والنسيان، بخلاف الكافر؛ فإنه لا يغفر له الكفر الذي أخطأ ~~فيه. # فصل: # وهذا الذي ذكرته فيما تركه المسلم من واجب، أو فعله من محرم بتأويل ~~اجتهاد أو تقليد، واضح عندي، وحاله فيه أحسن من حال الكافر المتأول. وهذا ~~لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول، وأجلد الشارب المتأول، ونحو ذلك فإن ~~التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقا؛ إذ الغرض بالعقوبة دفع فساد الاعتداء، ~~كما لا يرفع عقوبة الكافر: وإنما الكلام في قضاء ما تركه من واجب، وفي ~~العقود والقبوض التي فعلها بتأويل، # PageV22P014 # وفي ضمان النفوس والأموال التي استحلها بتأويل، كما استحل أسامة قتل الذي ~~قتله بعدما قال: لا إله إلا الله، وكذلك لا يعاقب على ما مضى إذا لم يكن ~~فيه زجر عن المستقبل. وأما العقوبة للدفع عن المستقبل: كقتال الباغي، وجلد ~~الشارب فهذه مقصودها أداء الواجب في المستقبل، ودفع المحرم في المستقبل، ~~وهذا لا كلام فيه، فإنه يشرع في مثل هذا عقوبة المتأول في بعض المواضع. ~~وإنما الغرض بما يتعلق بالماضي من قضاء واجبه، وترك الحقوق التي حصلت فيه، ~~والعقوبة على ما فعله، فهذه الأمور المتعلقة به من الحدود والحقوق، ~~والعبادات هي التي يجب أن يكون المسلم المتأول أحسن حالا فيها من الكافر ~~المتأول، وأولى. فالتوبة تجب ما قبلها، والمسلم المتأول معذور، ومعه ~~الإسلام الذي تغفر معه الخطايا، والتوبة التي تجب ما كان قبلها، وفي إيجاب ~~القضاء وإسقاط الحقوق وإقامة العقوبات تنفير عن التوبة، والرجوع إلى الحق ~~أكثر من التنفير بذلك للكافر، فإن إعلام الإسلام ودلالته أعظم من إعلام هذه ~~الفروع، وأدلتها، والداعي إلى الإسلام من سلطان الحجة والقدرة قد يكون أعظم ~~من الداعي إلى هذه الفروع. # PageV22P015 # وهذا لا شبهة فيه عندي، وإن كان فيه نزاع؛ فإني أعلم أنه لولا مضي السنة ~~بمثل ذلك في حق الكفار لكان مقتضى هذا القياس عند أصحابه طرده في حق الكافر ~~أيضا، وقد راعى أصحاب أبي حنيفة ذلك في النكاح، فلم يمنعوا منه إلا ما له ~~مساغ ms6634 في الإسلام، والنزاع لا يهتك حرمة العلم والفقه بعد ظهور حجته. # فصل: # ولكن النظر في فصلين: أحدهما: من ترك الواجب، أو فعل المحرم لا باعتقاد ~~ولا بجهل يعذر فيه، ولكن جهلا وإعراضا عن طلب العلم الواجب عليه، مع تمكنه ~~منه، أو أنه سمع إيجاب هذا، وتحريم هذا، ولم يلتزمه إعراضا. لا كفرا ~~بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيرا من ترك طلب العام الواجب عليه، حتى ترك ~~الواجب وفعل المحرم، غير عالم بوجوبه وتحريمه أو بلغه الخطاب في ذلك، ولم ~~يلتزم اتباعه، تعصبا لمذهبه. أو اتباعا لهواه، فإن هذا ترك الاعتقاد الواجب ~~بغير عذر شرعي. كما ترك الكافر الإسلام. فإن الاعتقاد هو الإقرار بالتصديق، ~~والالتزام، فقد يترك التصديق # PageV22P016 # والالتزام جميعا لعدم النظر الموجب للتصديق، وقد يكون مصدقا بقلبه لكنه ~~غير مقر ولا ملتزم، اتباعا لهواه. فهل يكون حال هذا إذا تاب وأقر بالوجوب ~~والتحريم تصديقا والتزاما، بمنزلة الكافر إذا أسلم لأن التوبة تجب ما ~~قبلها، كما أن الإسلام يجب ما قبله؟ فهذه الصورة أبعد من التي قبلها، فإن ~~من أوجب القضاء على التارك المتأول، وفسخ العقد والقبض على المتأول ~~المعذور، فعلى هذا المذنب بترك الاعتقاد الواجب أولى. وأما على القول الذي ~~قررناه وجزمنا بصحته، فهذا فيه نظر. قد يقال: هذا عاص ظالم بترك التعلم، ~~والالتزام، فلا يلزم من العفو عن المخطئين في تأويله العفو عن هذا. وقد ~~يقال وهو أظهر في الدليل والقياس: ليس هذا بأسوإ حال من الكافر المعاند ~~الذي ترك القرآن كبرا وحسدا وهوى، أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من ~~عند الله، ولكن جحد ذلك ظلما وعلوا: كحال فرعون، وأكثر أهل الكتاب، ~~والمشركين، الذين لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. والتوبة ~~كالإسلام، فإن الذي قال: {الإسلام يهدم ما كان قبله} هو الذي قال: {التوبة ~~تهدم ما كان قبلها} وذلك في حديث واحد # PageV22P017 # من رواية عمرو بن العاص رواه أحمد ومسلم. فإذا كان العفو عن الكافر لأجل ~~ما وجد من الإسلام الماحي، والحسنات يذهبن السيئات، ولأن في عدم ms6635 العفو ~~تنفير عن الدخول، لما يلزم الداخل فيه من الآصار، والأغلال الموضوعة على ~~لسان هذا النبي صلى الله عليه وسلم فهذا المعنى موجود في التوبة عن الجهل ~~والظلم، فإن الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها السيئات، وفي ~~عدم العفو تنفير عظيم عن التوبة، وآصار ثقيلة وأغلال عظيمة على التائبين. ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله يبدل ~~لعبده التائب بدل كل سيئة حسنة} على ظاهر قوله: {يبدل الله سيئاتهم حسنات} ~~. فإذا كانت تلك التي تاب منها صارت حسنات، لم يبق في حقه بعد التوبة سيئة ~~أصلا، فيصير ذلك القبض والعقد من باب المعفو عنه ويصير ذلك الترك من باب ~~المعفو عنه، فلا يجعل تاركا لواجب، ولا فاعلا لمحرم، وبهذا يحصل الجمع بين ~~الأدلة الشرعية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها} . # واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامدا: هل يقضيه؟ . # PageV22P018 # فقال: الأكثرون يقضيه، وقال: بعضهم لا يقضيه، ولا يصح فعله بعد وقته ~~كالحج. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عن الأمراء الذين ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها. {فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة} ~~. ودل الكتاب والسنة، واتفاق السلف على الفرق بين من يضيع الصلاة فيصليها ~~بعد الوقت، والفرق بين من يتركها. ولو كانت بعد الوقت لا تصح بحال لكان ~~الجميع سواء؛ لكن المضيع لوقتها كان ملتزما لوجوبها، وإنما ضيع بعض حقوقها ~~وهو الوقت، وأتى بالفعل فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلا وضلالا، أو علم ~~الإيجاب ولم يلتزمه فهذا إن كان كافرا فهو مرتد، وفي وجوب القضاء عليه ~~الخلاف المتقدم لكن هذا شبيه بكفر النفاق. فالكلام في هذا متصل بالكلام ~~فيمن أقام الصلاة وآتى الزكاة نفاقا أو رياء، فإن هذا يجزئه في الظاهر، ولا ~~يقبل منه في الباطن. قال الله تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم} وقال: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ms6636 إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون # PageV22P019 # الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وقال تعالى: {فويل ~~للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} {ويمنعون الماعون} ~~وقال تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا} . # وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرا: هل تجزئه في الباطن؟ ~~على وجهين، مع أنها لا تستعاد منه. أحدهما: لا تجزيه لعدم النية مع القدرة ~~عليها. والثاني: أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع؛ لأن الإمام نائب ~~المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم. والأول أصح؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها، وقد صرح القرآن بنفي قبولها؛ ~~لأنهم ينفقون وهم كارهون. فعلم أنه إن أنفق مع كراهة الإنفاق لم تقبل منه، ~~كمن صلى رياء. لكن لو تاب المنافق والمرائي: فهل تجب عليه في الباطن ~~الإعادة؟ أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه، أو لا يعيد ولا ~~يثاب. أما الإعادة فلا تجب على المنافق قطعا؛ لأنه قد تاب من المنافقين ~~جماعة عن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر أحدا منهم ~~بالإعادة. وقد قال تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا # PageV22P020 # أليما في الدنيا والآخرة} . وأيضا: فالمنافق كافر في الباطن، فإذا آمن ~~فقد غفر له ما قد سلف، فلا يجب عليه القضاء، كما لا يجب على الكافر المعلن ~~إذا أسلم. وأما ثوابه على ما تقدم مع التوبة: فيشبه الكافر إذا عمل صالحا ~~في كفره، ثم أسلم هل يثاب عليه؟ ففي الصحيحين. أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لحكيم بن حزام: {أسلمت على ما سلف لك من خير} . وأما المرائي إذا تاب ~~من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب، فهو شبيه بالمسألة التي نتكلم فيها، ~~وهي مسألة من لم يلتزم أداء الواجب، وإن لم يكن كافرا في الباطن، ففي إيجاب ms6637 ~~القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة. فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة يصلي ولا ~~يزكي، وقد لا يصوم أيضا، ولا يبالي من أين كسب المال: أمن حلال؟ أم من ~~حرام؟ ولا يضبط حدود النكاح والطلاق، وغير ذلك، فهو في جاهلية، إلا أنه ~~منتسب إلى الإسلام، فإذا هداه الله وتاب عليه. فإن أوجب عليه قضاء جميع ما ~~تركه من الواجبات، وأمر برد جميع ما # PageV22P021 # اكتسبه من الأموال، والخروج عما يحبه من الإبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة ~~في حقه عذابا، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام، الذي كان عليه؛ ~~فإن توبته من الكفر رحمة، وتوبته وهو مسلم عذاب. وأعرف طائفة من الصالحين ~~من يتمنى أن يكون كافرا ليسلم فيغفر له ما قد سلف؛ لأن التوبة عنده متعذرة ~~عليه، أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة، ثم هذا منفر لأكثر ~~أهل الفسوق عن التوبة، وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله. ووضع الآصار ~~ثقيلة، والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله، فإن الله يحب ~~التوابين، ويحب المتطهرين. والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به ~~قوامه، بعد اليأس منه. فينبغي لهذا المقام أن يحرر، فإن كفر الكافر لم يسقط ~~عنه ما تركه من الواجبات، وما فعله من المحرمات، لكون الكافر كان معذورا، ~~بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف، وإنما غفر له لأن الإسلام توبة، ~~والتوبة تجب ما قبلها، والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار، وترك عمل وفعل ~~فيشبه - والله أعلم - أن يجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم. # PageV22P022 # فصل: # فالأحوال المانعة من وجوب القضاء للواجب والترك للمحرم: الكفر الظاهر، ~~والكفر الباطن، والكفر الأصلي، وكفر الردة، والجهل الذي يعذر به لعدم بلوغ ~~الخطاب. أو لمعارضة تأويل باجتهاد أو تقليد. # وسئل: # عن قوم منتسبين إلى المشايخ يتوبونهم عن قطع الطريق، وقتل النفس، ~~والسرقة، وألزموهم بالصلاة لكونهم يصلون صلاة عادة البادية، فهل تجب إقامة ~~حدود الصلاة أم لا؟ . # فأجاب: # أما الصلاة فقد قال الله تعالى: {فويل للمصلين} ms6638 {الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون} {الذين هم يراءون} {ويمنعون الماعون} وقال تعالى: {فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف # PageV22P023 # يلقون غيا} فقد ذم الله تعالى في كتابه الذين يصلون إذا سهوا عن الصلاة، ~~وذلك على وجهين: أحدهما: أن يؤخرها عن وقتها. الثاني: أن لا يكمل واجباتها: ~~من الطهارة، والطمأنينة، والخشوع، وغير ذلك. كما ثبت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة ~~المنافق - ثلاث مرار - يترقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر ~~أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ~~المنافين التأخير، وقلة ذكر اسم الله سبحانه، وقد قال تعالى: {إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا} وقال: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ~~ولن تجد لهم نصيرا} {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم ~~لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} . وأما قوله ~~سبحانه وتعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة # PageV22P024 # واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} فقد قال بعض السلف: إضاعتها تأخيرها عن ~~وقتها وإضاعة حقوقها، قالوا: وكانوا يصلون، ولو تركوها لكانوا كفارا؛ فإنه ~~قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس بين العبد وبين الشرك إلا ~~ترك الصلاة} وقال: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر} ~~وفي الحديث: {إن العبد إذا كمل الصلاة صعدت ولها برهان كبرهان الشمس. وتقول ~~حفظك الله كما حفظتني، وإن لم يكملها فإنها تلف كما يلف الثوب، ويضرب بها ~~وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني} . وفي السنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها؛ إلا ~~ثلثها إلا ربعها، إلا خمسها؛ إلا سدسها. حتى قال: إلا عشرها} وقال ابن ~~عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وقوله: {واتبعوا الشهوات} ms6639 الذي ~~يشتغل بها عن إقامة الصلاة - كما أمر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم ~~- بنوع من أنواع الشهوات: كالرقص، والغناء: وأمثال ذلك. وفي الصحيحين: {أن ~~رجلا دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم. فسلم عليه، ~~فقال: وعليك السلام، ارجع # PageV22P025 # فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم أتاه فسلم عليه، فقال: وعليك السلام، ارجع ~~فصل فإنك لم تصل. . مرتين أو ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيرها، ~~فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ مما ~~تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم ~~اسجد حتى تطمئن ساجدا؟ ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ~~ثم افعل ذلك في صلاتك كلها} . وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا تقبل صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود} {ونهى عن نقر كنقر ~~الغراب} . ورأى حذيفة رجلا يصلي لا يتم الركوع والسجود فقال: لو مت مت على ~~غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم أو قال: لو مات ~~هذا. رواه ابن خزيمة في صحيحه. # و ### | سئل: # عمن قال: إن الصبيان مأمورون بالصلاة قبل البلوغ، # وقال آخر: لا نسلم، فقال له: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر} فقال: هذا ما هو أمر من الله، ~~ولم يفهم منه تنقيص، فهل يجب في ذلك شيء؟ أفتونا مأجورين. # PageV22P026 # فأجاب: إن كان المتكلم أراد أن الله أمرهم بالصلاة، بمعنى أنه أوجبها ~~عليهم فالصواب مع الثاني، وأما إن أراد أنهم مأمورون: أي أن الرجال ~~يأمرونهم بها لأمر الله إياهم بالأمر، أو أنها مستحبة في حق الصبيان، ~~فالصواب مع المتكلم. وقول القائل: ما هو أمر من الله، إذا أراد به أنه ليس ~~أمرا من الله للصبيان، بل هو أمر لمن يأمر الصبيان، فقد أصاب، وإن أراد أن ~~هذا ليس أمرا من الله لأحد، ms6640 فهذا خطأ يجب عليه أن يرجع عنه، ويستغفر الله، ~~والله أعلم. # وسئل: # عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار، لأشغال لهم من زرع أو حرث أو ~~جنابة أو خدمة أستاذ، أو غير ذلك. فهل يجوز لهم ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، ولا يؤخر صلاة الليل إلى ~~النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة. ولا ~~نجاسة ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة أستاذ، ولا غير ذلك؛ بل المسلمون ~~كلهم متفقون على أن عليه أن # PageV22P027 # يصلي الظهر والعصر بالنهار، ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ولا يترك ذلك ~~لصناعة من الصناعات، ولا للهو ولا لغير ذلك من الأشغال وليس للمالك أن يمنع ~~مملوكه، ولا للمستأجر أن يمنع الأجير من الصلاة في وقتها. ومن أخرها لصناعة ~~أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله ~~عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب فإن تاب والتزم أن يصلي في الوقت ألزم ~~بذلك، وإن قال: لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله بالصناعة والصيد أو ~~غير ذلك، فإنه يقتل. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله} وفي الصحيحين عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: {من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله} وفي وصية ~~أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب أنه قال: " إن لله حقا بالليل لا يقبله ~~بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل ". والنبي صلى الله عليه وسلم كان ~~أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفار، ثم صلاها بعد المغرب، ~~فأنزل الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} . # PageV22P028 # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر} فلهذا قال جمهور العلماء إن ذلك التأخير منسوخ بهذه الآية، فلم ~~يجوزوا تأخير الصلاة حال القتال، بل أوجبوا عليه الصلاة في الوقت حال ~~القتال، وهذا مذهب مالك ms6641 والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وعن أحمد رواية ~~أخرى أنه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل ~~بالقتال ويصلي بعد الوقت، وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد كصناعة أو زراعة ~~أو صيد أو عمل من الأعمال ونحو ذلك فلا يجوزه أحد من العلماء، بل قد قال ~~تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال طائفة من السلف هم ~~الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال بعضهم: هم الذين لا يؤدونها على الوجه ~~المأمور به. وإن صلاها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، ~~فإن العلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار وتأخير صلاة النهار ~~إلى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال. فمن قال أصلي الظهر ~~والعصر بالليل، فهو باتفاق العلماء بمنزلة من قال أفطر شهر رمضان وأصوم ~~شوال، وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي. كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من نام عن صلاة # PageV22P029 # أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك} . فلا ~~يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك، بل يصلي ~~في الوقت بحسب حاله، فإن كان محدثا وقد عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله ~~تيمم وصلى. وكذلك الجنب يتيمم ويصلي إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله ~~لمرض أو لبرد. وكذلك العريان يصلي في الوقت عريانا، ولا يؤخر الصلاة حتى ~~يصلي بعد الوقت في ثيابه. وكذلك إذا كان عليه نجاسة لا يقدر أن يزيلها ~~فيصلي في الوقت بحسب حاله. وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: {صل قائما، فإن لم تستطع ~~فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب} فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت ~~قاعدا أو على جنب، إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت ~~قائما. وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، ~~كما أن صيام شهر رمضان واجب في وقته، ms6642 ليس لأحد أن يؤخره عن وقته، ولكن يجوز ~~الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، باتفاق ~~المسلمين. وكذلك يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر # PageV22P030 # عند كثير من العلماء للسفر والمرض، ونحو ذلك من الأعذار. وأما تأخير صلاة ~~النهار إلى الليل، وتأخير صلاة الليل إلى النهار. فلا يجوز لمرض ولا لسفر، ~~ولا لشغل من الأشغال، ولا لصناعة باتفاق العلماء. بل قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر. لكن المسافر يصلي ~~ركعتين ليس عليه أن يصلي أربعا. بل الركعتان تجزئ المسافر في سفر القصر، ~~باتفاق العلماء. ومن قال إنه يجب على كل مسافر أن يصلي أربعا فهو بمنزلة من ~~قال: إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان، وكلاهما ضلال، مخالف لإجماع ~~المسلمين، يستتاب قائله، فإن تاب وإلا قتل. والمسلمون متفقون على أن ~~المسافر إذا صلى الرباعية ركعتين، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثا، وأفطر شهر ~~رمضان وقضاه أجزأه ذلك. وأما من صام في السفر شهر رمضان، أو صلى أربعا، ~~ففيه نزاع مشهور بين العلماء: منهم من قال لا يجزئه ذلك، فالمريض له أن ~~يؤخر الصوم باتفاق المسلمين، وليس له أن يؤخر الصلاة باتفاق المسلمين، ~~والمسافر له أن يؤخر الصيام باتفاق المسلمين، وليس له أن يؤخر الصلاة ~~باتفاق المسلمين. # PageV22P031 # وهذا مما يبين أن المحافظة على الصلاة في وقتها أوكد من الصوم في وقته، ~~قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} قال طائفة ~~من السلف: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا كفارا. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة} . رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {كيف بك إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها، وينسؤن الصلاة عن وقتها، قلت: فماذا تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، ~~فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة} وعن عبادة بن الصامت ms6643 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {سيكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى ~~يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها} وقال رجل أصلي معهم قال: {نعم إن شئت، ~~واجعلوها تطوعا} رواه أحمد وأبو داود ورواه عبد الله بن مسعود قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {كيف بكم إذا كان عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ~~ميقاتها؟ قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: صل الصلاة ~~لوقتها، واجعل صلاتك معهم نافلة} . ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل إذا ~~كان عريانا مثل أن تنكسر # PageV22P032 # بهم السفينة أو تسلبه القطاع ثيابه فإنه يصلي في الوقت عريانا، والمسافر ~~إذا عدم الماء يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق العلماء، وإن كان يجد الماء ~~بعد الوقت، وكذلك الجنب المسافر إذا عدم الماء تيمم وصلى، ولا إعادة عليه ~~باتفاق الأئمة الأربعة، وغيرهم. وكذلك إذا كان البرد شديدا فخاف إن اغتسل ~~أن يمرض فإنه يتيمم ويصلي في الوقت، ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت ~~باغتسال. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {الصعيد الطيب طهور المسلم ولو ~~لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير} . وكل ~~ما يباح بالماء يباح بالتيمم، فإذا تيمم لصلاة فريضة قرأ القرآن داخل ~~الصلاة وخارجها، وإن كان جنبا، ومن امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس ~~اليهود والنصارى؛ فإن التيمم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {فضلنا على الناس بثلاث: جعلت ~~صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لي الأرض مسجدا، وجعلت تربتها طهورا، وأحلت ~~لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي} وفي لفظ: {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ~~فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره} . وقد تنازع العلماء ~~هل يتيمم قبل الوقت؟ وهل يتيمم لكل صلاة أو يبطل بخروج الوقت؟ أو يصلي ما ~~شاء كما يصلي بالماء # PageV22P033 # ولا ينقضه إلا ما ينقض الوضوء أو القدرة على استعمال الماء؟ وهذا مذهب ~~أبي حنيفة، وأحد ms6644 الأقوال في مذهب أحمد وغيره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت ~~الماء فأمسسه بشرتك، فإن ذلك خير} قال الترمذي حديث حسن صحيح. وإذا كان ~~عليه نجاسة وليس عنده ما يزيلها به صلى في الوقت وعليه النجاسة، كما صلى ~~عمر بن الخطاب وجرحه يثغب دما، ولم يؤخر الصلاة حتى خرج الوقت. ومن لم يجد ~~إلا ثوبا نجسا فقيل: يصلي عريانا، وقيل: يصلي فيه ويعيد، وقيل: يصلي فيه ~~ولا يعيد:، وهذا أصح أقوال العلماء؛ فإن الله لم يأمر العبد أن يصلي الفرض ~~مرتين، إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، مثل أن ~~يصلي بلا طمأنينة، فعليه أن يعيد الصلاة، كما {أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم من صلى ولم يطمئن أن يعيد الصلاة. وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل} . ~~وكذلك من نسي الطهارة وصلى بلا وضوء فعليه أن يعيد، كما {أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من توضأ وترك لمعة في قدمه لم يمسها الماء أن يعيد الوضوء ~~والصلاة} . # PageV22P034 # فأما من فعل ما أمر به بحسب قدرته، فقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} ومن كان مستيقظا في الوقت والماء بعيد منه لا يدركه إلا بعد الوقت ~~فإنه يصلي في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء. وكذلك إذا كان البرد شديدا، ~~ويضره الماء البارد، ولا يمكنه الذهاب إلى الحمام، أو تسخين الماء حتى يخرج ~~الوقت، فإنه يصلي في الوقت بالتيمم. والمرأة والرجل في ذلك سواء، فإذا كانا ~~جنبين ولم يمكنهما الاغتسال حتى يخرج الوقت، فإنهما يصليان في الوقت ~~بالتيمم. والمرأة الحائض إذا انقطع دمها في الوقت، ولم يمكنها الاغتسال إلا ~~بعد خروج وقت تيممت وصلت في الوقت. ومن ظن أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء ~~خير من الصلاة في الوقت بالتيمم فهو ضال جاهل. # وإذا استيقظ آخر وقت الفجر فإذا اغتسل طلعت الشمس، فجمهور ms6645 العلماء هنا ~~يقولون: يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ~~وأحد القولين في مذهب مالك. وقال في القول الآخر: بل يتيمم أيضا هنا ويصلي ~~قبل طلوع الشمس # PageV22P035 # كما تقدم في تلك المسائل، لأن الصلاة في الوقت بالتيمم خير من الصلاة ~~بعده بالغسل. والصحيح قول الجمهور لأن الوقت في حق النائم هو من حين ~~يستيقظ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها} . فالوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، ~~وما قبل ذلك لم يكن وقتا في حقه. وإذا كان كذلك فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس ~~فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها فقد صلى الصلاة في وقتها ولم ~~يفوتها؛ بخلاف من استيقظ في أول الوقت فإن الوقت في حقه قبل طلوع الشمس، ~~فليس له أن يفوت الصلاة. وكذلك من نسي صلاة وذكرها فإنه حينئذ يغتسل ويصلي ~~في أي وقت كان، وهذا هو الوقت في حقه، فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، ~~كما استيقظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ناموا عن الصلاة عام خيبر، ~~فإنه يصلي بالطهارة الكاملة وإن أخرها إلى حين الزوال، فإذا قدر أنه كان ~~جنبا فإنه يدخل الحمام ويغتسل وإن أخرها إلى قريب الزوال، ولا يصلي هنا ~~بالتيمم، ويستحب، أن ينتقل عن المكان الذي نام فيه، كما انتقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه عن المكان الذي ناموا فيه، وقال: {هذا مكان حضرنا ~~فيه الشيطان} . وقد نص على ذلك أحمد وغيره. وإن صلى فيه جازت صلاته. # PageV22P036 # فإن قيل: هذا يسمى قضاء أو أداء؟ . قيل: الفرق بين اللفظين هو فرق ~~اصطلاحي؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ فإن الله تعالى سمى فعل العبادة ~~في وقتها قضاء، كما قال في الجمعة: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ~~وقال تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله} مع أن هذين يفعلان في ~~الوقت. و " القضاء " في لغة العرب: هو إكمال الشيء وإتمامه. كما ms6646 قال تعالى: ~~{فقضاهن سبع سماوات} أي أكملهن وأتمهن. فمن فعل العبادة كاملة فقد قضاها، ~~وإن فعلها في وقتها. وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت ~~الصلاة فنواها أداء. ثم تبين أنه صلى بعد خروج الوقت صحت لأنه، ولو اعتقد ~~خروجه فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. وكل من فعل العبادة ~~في الوقت الذي أمر به أجزأته صلاته، سواء نواها أداء أو قضاء، والجمعة تصح ~~سواء نواها أداء أو قضاء إذ أراد القضاء المذكور في القرآن، والنائم ~~والناسي إذا صليا وقت الذكر والانتباه فقد صليا في الوقت الذي أمرا بالصلاة ~~فيه، وإن كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما. فمن سمى ذلك قضاء ~~باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أن القضاء فعل العبادة بعد خروج الوقت ~~المقدر شرعا # PageV22P037 # للعموم، فهذه التسمية لا تضر ولا تنفع. وبالجملة فليس لأحد قط شغل يسقط ~~عنه فعل الصلاة في وقتها، بحيث يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى ~~النهار؛ بل لا بد من فعلها في الوقت؛ لكن يصلي بحسب حاله، فما قدر عليه من ~~فرائضها فعله، وما عجز عنه سقط عنه، ولكن يجوز الجمع للعذر بين صلاتي ~~النهار وبين صلاتي الليل، عند أكثر العلماء: فيجوز الجمع للمسافر إذا جد به ~~السير عند مالك والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ولا يجوز في ~~الرواية الأخرى عنه وهو قول أبي حنيفة. وفعل الصلاة في وقتها أولى من الجمع ~~إذا لم يكن عليه حرج؛ بخلاف القصر فإن صلاة ركعتين أفضل من صلاة أربع، عند ~~جماهير العلماء. فلو صلى المسافر أربعا فهل تجزئه صلاته؟ على قولين. والنبي ~~صلى الله عليه وسلم كان في جميع أسفاره يصلي ركعتين، ولم يصل في السفر ~~أربعا قط، ولا أبو بكر، ولا عمر. # وسئل: # عن العمل الذي لله بالنهار لا يقبله بالليل، والعمل الذي بالليل لا يقبله ~~بالنهار. # PageV22P038 # فأجاب: # وأما عمل النهار الذي لا يقبله الله بالليل، وعمل الليل الذي لا يقبله ~~الله بالنهار: فهما ms6647 صلاة الظهر والعصر، لا يحل للإنسان أن يؤخرهما إلى ~~الليل؛ بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله} . وفي صحيح البخاري عنه أنه قال: ~~{من فاتته صلاة العصر حبط عمله} . فأما من نام عن صلاة أو نسيها فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك ~~وقتها} . وأما من فوتها متعمدا فقد أتى كبيرة من أعظم الكبائر، وعليه ~~القضاء عند جمهور العلماء، وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء أصلا، ومع القضاء ~~عليه لا تبرأ ذمته من جميع الواجب، ولا يقبلها الله منه بحيث يرتفع عنه ~~العقاب، ويستوجب الثواب؛ بل يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء، ويبقى ~~عليه إثم التفويت، وهو من الذنوب التي تحتاج إلى مسقط آخر، بمنزلة من عليه ~~حقان: فعل أحدهما، وترك الآخر. قال تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون} وتأخيرها عن وقتها من السهو عنها باتفاق العلماء. وقال ~~تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} ~~قال غير واحد من السلف إضاعتها تأخيرها # PageV22P039 # عن وقتها، فقد أخبر الله سبحانه أن الويل لمن أضاعها وإن صلاها، ومن كان ~~له الويل لم يكن قد يقبل عمله، وإن كان له ذنوب أخر. فإذا لم يكن ممتثلا ~~للأمر في نفس العمل لم يتقبل ذلك العمل. قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه ~~-: في وصيته لعمر: واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار ~~لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة، والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن تارك الصلاة من غير عذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟ . # فأجاب: # أما تارك الصلاة فهذا إن لم يكن معتقدا لوجوبها فهو كافر بالنص والإجماع ~~لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو وجوب بعض أركانها: مثل ~~أن يصلي بلا وضوء، فلا يعلم أن الله أوجب عليه الوضوء أو ms6648 يصلي مع الجنابة ~~فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، فهذا ليس بكافر، إذا لم يعلم. لكن ~~إذا علم الوجوب: هل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك ~~وغيرهما. قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي، وكثير من ~~أصحاب أحمد. وقيل: لا يجب عليه # PageV22P040 # القضاء، وهذا هو الظاهر. وعن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان فيمن ~~صلى في معاطن الإبل ولم يكن علم بالنهي، ثم علم، هل يعيد؟ على روايتين ومن ~~صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل، ولم يكن علم بالنهي، ثم علم. هل يعيد؟ على ~~روايتين منصوصتين. وقيل: عليه الإعادة: إذا ترك الصلاة جاهلا بوجوبها في ~~دار الإسلام دون دار الحرب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، والصائم إذا ~~فعل ما يفطر به جاهلا بتحريم ذلك: فهل عليه الإعادة؟ على قولين في مذهب ~~أحمد. وكذلك من فعل محظورا في الحج جاهلا. وأصل هذا: أن حكم الخطاب؛ هل ~~يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: ~~يثبت. وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب ~~قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ، لقوله تعالى {لأنذركم به ~~ومن بلغ} وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولقوله: {لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل} ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا ~~يعاقب أحدا حتى يبلغه ما جاء به الرسول. ومن علم أن محمدا رسول الله فآمن ~~بذلك، ولم يعلم كثيرا مما # PageV22P041 # جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك ~~الإيمان بعد البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى ~~وأحرى. وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه في أمثال ذلك. ~~فإنه قد ثبت في الصحاح أن {طائفة من أصحابه ظنوا أن قوله تعالى {الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود} هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان ms6649 أحدهم يربط ~~في رجله حبلا، ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا فبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن المراد بياض النهار، وسواد الليل، ولم يأمرهم بالإعادة} . وكذلك عمر بن ~~الخطاب وعمار أجنبا، فلم يصل عمر حتى أدرك الماء، وظن عمار أن التراب يصل ~~إلى حيث يصل الماء فتمرغ كما تمرغ الدابة ولم يأمر واحدا منهم بالقضاء، ~~وكذلك أبو ذر بقي مدة جنبا لم يصل، ولم يأمره بالقضاء، بل أمره بالتيمم في ~~المستقبل. وكذلك المستحاضة قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة ~~والصوم، فأمرها بالصلاة زمن دم الاستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء. ولما حرم ~~الكلام في الصلاة تكلم معاوية بن الحكم السلمي في # PageV22P042 # الصلاة بعد التحريم جاهلا بالتحريم، فقال له: {إن صلاتنا هذه لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الآدميين} ولم يأمره بإعادة الصلاة. ولما زيد في صلاة ~~الحضر حين هاجر إلى المدينة، كان من كان بعيدا عنه: مثل من كان بمكة، وبأرض ~~الحبشة يصلون ركعتين، ولم يأمرهم النبي بإعادة الصلاة. ولما فرض شهر رمضان ~~في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغ الخبر إلى من كان بأرض الحبشة من ~~المسلمين، حتى فات ذلك الشهر، لم يأمرهم بإعادة الصيام. {وكان بعض الأنصار ~~- لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة قبل الهجرة - ~~قد صلى إلى الكعبة معتقدا جواز ذلك قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة، وكانوا ~~حينئذ يستقبلون الشام، فلما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. أمره ~~باستقبال الشام} ولم يأمره بإعادة ما كان صلى. وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~{سئل - وهو بالجعرانة: عن رجل أحرم بالعمرة، وعليه جبة، وهو متضمخ بالخلوق، ~~فلما نزل عليه الوحي قال له: انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع ~~في # PageV22P043 # عمرتك ما كنت صانعا في حجك} . وهذا قد فعل محظورا في الحج، وهو لبس ~~الجبة، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بدم ولو فعل ذلك مع ~~العلم للزمه دم. وثبت عنه في الصحيحين أنه {قال للأعرابي المسيء في ms6650 صلاته: ~~صل فإنك لم تصل - مرتين أو ثلاثا - فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير ~~هذا، فعلمني ما يجزيني في الصلاة، فعلمه الصلاة المجزية} ولم يأمره بإعادة ~~ما صلى قبل ذلك. مع قوله ما أحسن غير هذا، وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ ~~لأن وقتها باق، فهو مخاطب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة، ووقت الصلاة ~~باق. ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون " ~~والوقت باق لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء. وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم ~~عليهم. فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت ~~عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك؛ فلهذا أمره بالطمأنينة في ~~صلاة تلك الوقت، دون ما قبلها. وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد، ولمن ~~ترك لمعة من قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة. وقوله أولا: {صل فإنك لم تصل} # PageV22P044 # تبين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلا بوجوب ~~الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ثم علمه إياها، لما قال: " والذي ~~بعثك بالحق لا أحسن غير هذا ". فهذه نصوصه - صلى الله عليه وسلم - في ~~محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل فيمن ترك واجباتها مع الجهل، وأما ~~أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأت بالواجب مع بقاء الوقت. ~~فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم لبقاء وقت الوجوب، ~~لم يأمره بذلك مع مضي الوقت. وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها ~~الماء بالإعادة، فلأنه كان ناسيا، فلم يفعل الواجب، كمن نسي الصلاة، وكان ~~الوقت باقيا، فإنها قضية معينة بمشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده. أعني ~~أنه رأى في رجل رجل لمعة لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، ~~رواه أبو داود. وقال أحمد بن حنبل حديث جيد. وأما قوله: {ويل للأعقاب من ~~النار} ونحوه. فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء ليس في ذلك أمر بإعادة ms6651 شيء ~~ومن كان أيضا يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو عن المشايخ الواصلين، ~~أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عبادا # PageV22P045 # أسقط عنهم الصلاة، كما يوجد كثير من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر ~~والزهد، واتباع بعض المشايخ والمعرفة، فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة، فإن ~~أقروا بالوجوب، وإلا قوتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قتلوا، كانوا ~~من المرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر ~~قولي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين ~~جاهلين للوجوب. فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ~~ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك ~~حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين ~~عنه، والأخرى يقضي المرتد. كقول الشافعي والأول أظهر. فإن الذين ارتدوا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحارث ابن قيس، وطائفة معه أنزل الله ~~فيهم: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} الآية، والتي بعدها. وكعبد ~~الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: {ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم} فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبد الله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام ~~الفتح، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر أحدا # PageV22P046 # منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا ~~أسلموا. وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تنبأ بصنعاء ~~اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة. وتنبأ ~~مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته حتى ~~أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء، وكذلك سائر ~~المرتدين بعد موته. وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم ~~يأمر ms6652 أحدا منهم بقضاء ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} يتناول كل كافر. وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا ~~مرتدين، بل جهالا بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون ~~الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم. فهذا حكم من تركها غير معتقد ~~لوجوبها. وأما من اعتقد وجوبها مع إصراره على ترك: فقد ذكر عليه المفرعون ~~من الفقهاء فروعا: # PageV22P047 # أحدها هذا، فقيل عند جمهورهم: مالك والشافعي وأحمد. وإذا صبر حتى يقتل ~~فهل يقتل كافرا مرتدا، أو فاسقا كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين. حكيا ~~روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان ~~مقرا بالصلاة في الباطن، معتقدا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، ~~وهو لا يصلي هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قط في ~~الإسلام، ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها، ويقال لا إن لم تصل وإلا قتلناك، ~~وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى ~~امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها، ولا ملتزما ~~بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر ~~هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة. كقوله صلى الله عليه وسلم {ليس بين العبد ~~وبين الكفر إلا ترك الصلاة} رواه مسلم. وقوله: {العهد الذي بيننا وبينهم ~~الصلاة فمن تركها فقد كفر} . وقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا ~~يرون شيئا من الأعمال في تركه كفر إلا الصلاة، فمن كان مصرا على تركها حتى ~~يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد # PageV22P048 # الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها، والداعي ~~مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرا ولم يفعل قط علم أن الداعي في ~~حقه لم يوجد. والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد ~~يعارضه ms6653 أحيانا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانا. فأما ~~من كان مصرا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا ~~يكون مسلما؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا ~~يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في ~~السنن حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {خمس صلوات كتبهن ~~الله على العباد في اليوم والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن ~~يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن ~~شاء غفر له.} فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، ~~والذي يؤخرها أحيانا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله ~~تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث. # PageV22P049 # وسئل: # عمن يؤمر بالصلاة فيمتنع، وماذا يجب عليه؟ ومن اعتذر بقوله: {أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله} هل يكون له عذر في أنه لا يعاقب ~~على ترك الصلاة، أم لا؟ وماذا يجب على الأمراء وولاة الأمور في حق من تحت ~~أيديهم إذا تركوا الصلاة؟ وهل قيامهم في ذلك من أعظم الجهاد وأكبر أبواب ~~البر؟. # فأجاب: # الحمد لله، من يمتنع عن الصلاة المفروضة فإنه يستحق العقوبة الغليظة ~~باتفاق أئمة المسلمين، بل يجب عند جمهور الأمة: كمالك، والشافعي، وأحمد، ~~وغيرهم أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. بل تارك الصلاة شر من السارق والزاني، ~~وشارب الخمر، وآكل الحشيشة. ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة، ~~حتى الصغار الذين لم يبلغوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم {مروهم بالصلاة ~~لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع} . # PageV22P050 # ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقب ~~الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرا بليغا؛ لأنه عصى ~~الله ورسوله، وكذلك من عنده مماليك كبار، أو غلمان الخيل والجمال والبزاة، ~~أو فراشون ms6654 أو بابية يغسلون الأبدان والثياب، أو خدم، أو زوجة، أو سرية، أو ~~إماء، فعليه أن يأمر جميع هؤلاء بالصلاة، فإن لم يفعل كان عاصيا لله ~~ورسوله، ولم يستحق هذا أن يكون من جند المسلمين، بل من جند التتار. فإن ~~التتار يتكلمون بالشهادتين، ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين. وكذلك ~~كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو الباطنة ~~المعلومة، فإنه يجب قتالها، فلو قالوا: نشهد ولا نصلي قوتلوا حتى يصلوا، ~~ولو قالوا: نصلي ولا نزكي قوتلوا حتى يزكوا، ولو قالوا: نزكي ولا نصوم ولا ~~نحج، قوتلوا حتى يصوموا رمضان. ويحجوا البيت. ولو قالوا: نفعل هذا لكن لا ~~ندع الربا، ولا شرب الخمر، ولا الفواحش، ولا نجاهد في سبيل الله، ولا نضرب ~~الجزية على اليهود والنصارى، ونحو ذلك. قوتلوا حتى يفعلوا ذلك. كما قال ~~تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} . وقد قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} ~~{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} . # PageV22P051 # والربا آخر ما حرم الله، وكان أهل الطائف قد أسلموا وصلوا وجاهدوا، فبين ~~الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا، كانوا ممن حارب الله ورسوله. وفي ~~الصحيحين أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفر من كفر من العرب، ~~قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وأني رسول الله. فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها} فقال أبو بكر: ألم يقل: ~~إلا بحقها؟ . والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقاتلتهم عليه. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح ~~صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر الخوارج فقال: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~وقراءته مع ms6655 قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند ~~الله لمن قتلهم يوم القيامة} . فإذا كان الذين يقومون الليل، ويصومون ~~النهار، ويقرؤون # PageV22P052 # القرآن، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأنهم فارقوا السنة ~~والجماعة، فكيف بالطوائف الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام، وإنما يعملون ~~بباساق (1) ملوكهم، وأمثال ذلك، والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يأمره الناس بالصلاة، ولم يصل، فما الذي يجب عليه؟ . # فأجاب: # إذا لم يصل فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والله أعلم. # وسئل: # عمن ترك صلاة واحدة عمدا بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاء فهل يكون ~~فعله كبيرة من الكبائر؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمدا من ~~الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الجمع بين الصلاتين من ~~غير عذر من الكبائر. وقد رواه الترمذي مرفوعا عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه PageV22P053 # قال: {من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر} . ~~ورفع هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان فيه نظر. فإن الترمذي قال: ~~العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له ~~لا منكرين له. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من فاتته صلاة ~~العصر فقد حبط عمله} وحبوط العمل لا يتوعد به إلا على ما هو من أعظم ~~الكبائر - وكذلك تفويت العصر أعظم من تفويت غيرها فإنها الصلاة الوسطى ~~المخصوصة بالأمر بالمحافظة عليها وهي التي فرضت على من كان قبلنا فضيعوها ~~فمن حافظ عليها فله الأجر مرتين وهي التي لما فاتت سليمان فعل بالخيل ما ~~فعل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: {من فاتته صلاة ~~العصر فكأنما وتر أهله وماله} والموتور أهله وماله يبقى مسلوبا ليس له ما ~~ينتفع به من الأهل والمال وهو بمنزلة الذي حبط عمله. ms6656 وأيضا فإن الله تعالى ~~يقول: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم # PageV22P054 # ساهون} فتوعد بالويل لمن يسهو عن الصلاة حتى يخرج وقتها وإن صلاها بعد ~~ذلك وكذلك قوله تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} وقد سألوا ابن مسعود عن إضاعتها فقال: هو تأخيرها حتى يخرج ~~وقتها فقالوا: ما كنا نرى ذلك إلا تركها فقال: لو تركوها لكانوا كفارا وقد ~~كان ابن مسعود يقول عن بعض أمراء الكوفة في زمانه: ما فعل خلفكم؟ لكونهم ~~كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وقوله: {واتبعوا الشهوات} يتناول كل من ~~استعمل ما يشتهيه عن المحافظة عليها في وقتها سواء كان المشتهى من جنس ~~المحرمات: كالمأكول المحرم والمشروب المحرم والمنكوح المحرم والمسموع ~~المحرم أو كان من جنس المباحات لكن الإسراف فيه ينهى عنه أو غير ذلك فمن ~~اشتغل عن فعلها في الوقت بلعب أو لهو أو حديث مع أصحابه أو تنزه في بستانه ~~أو عمارة عقاره أو سعي في تجارته أو غير ذلك فقد أضاع تلك الصلاة واتبع ما ~~يشتهيه. وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} ومن ألهاه ماله وولده عن فعل ~~المكتوبة في وقتها دخل في ذلك فيكون خاسرا. وقال تعالى في ضد هؤلاء: {يسبح ~~له فيها بالغدو والآصال} {رجال # PageV22P055 # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} . فإذا ~~كان سبحانه قد توعد بلقي الغي من يضيع الصلاة عن وقتها ويتبع الشهوات ~~والمؤخر لها عن وقتها مشتغلا بما يشتهيه هو مضيع لها متبع لشهوته. فدل ذلك ~~على أنه من الكبائر إذ هذا الوعيد لا يكون إلا على كبيرة ويؤيد ذلك جعله ~~خاسرا والخسران لا يكون بمجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. # وأيضا فلا. . . (1) أحدا من صلى بلا طهارة أو إلى غير القبلة عمدا وترك ~~الركوع والسجود أو القراءة أو غير ذلك متعمدا أنه قد فعل بذلك كبيرة بل قد ~~يتورع في كفره إن ms6657 لم يستحل ذلك وأما إذا استحله فهو كافر بلا ريب. ومعلوم ~~أن الوقت للصلاة مقدم على هذه الفروض وغيرها فإنه لا نزاع بين المسلمين أنه ~~إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت لم يجز له تأخير الصلاة ~~ليصليها بعد الوقت بوضوء أو غسل؛ بل ذلك هو الفرض وكذلك العاجز عن الركوع ~~والسجود والقراءة إذا استحله فهو كافر بلا ريب. PageV22P056 # ومعلوم أنه إن علم أنه بعد الوقت يمكنه أن يصلي بإتمام الركوع والسجود ~~والقراءة كان الواجب عليه أن يصلي في الوقت لإمكانه. وأما قول بعض أصحابنا: ~~إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو لجمعها أو مشتغل بشرطها فهذا لم ~~يقله قبله أحد من الأصحاب بل ولا أحد من سائر طوائف المسلمين إلا أن يكون ~~بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه ~~بإجماع المسلمين وإنما فيه صورة معروفة كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن ~~يضع حبلا يستقي ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان أن يخيط له ثوبا ~~ولا يفرغ إلا بعد الوقت ونحو هذه الصور ومع هذا فالذي قاله في ذلك خلاف ~~المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية ~~والمالكية وغيرهم. وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي ومن ~~قال ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح ~~تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعا فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب ~~الماء وهو لا يجده. إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين وإن ~~كان مشتغلا بالشرط. وكذلك العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية ليشتري له ~~منها ثوبا وهو لا يصلي إلا بعد خروج الوقت لم يجز له التأخير بلا نزاع. # PageV22P057 # والأمي كذلك إذا أمكنه تعلم الفاتحة وهو لا يتعلمها حتى يخرج الوقت كان ~~عليه أن يصلي في الوقت وكذلك العاجز عن تعلم التكبير والتشهد إذا ضاق الوقت ~~صلى بحسب الإمكان ولم ينتظر. وكذلك المستحاضة لو ms6658 كان دمها ينقطع بعد الوقت ~~لم يجز لها أن تؤخر. الصلاة لتصلي بطهارة بعد الوقت. بل تصلي في الوقت بحسب ~~الإمكان. وأما حيث جاز الجمع فالوقت واحد والمؤخر ليس بمؤخر عن الوقت الذي ~~يجوز: فعلها فيه؛ بل في أحد القولين أنه لا يحتاج الجمع إلى النية كما قال ~~أبو بكر. وكذلك القصر وهو مذهب الجمهور: كأبي حنيفة ومالك. وكذلك صلاة ~~الخوف تجب في الوقت مع إمكان أن يؤخرها فلا يستدبر القبلة ولا يعمل عملا ~~كثيرا في الصلاة ولا يتخلف عن الإمام بركعة ولا يفارق الإمام قبل السلام ~~ولا يقضي ما سبق به قبل السلام ونحو ذلك مما يفعل في صلاة الخوف وليس ذلك ~~إلا لأجل الوقت وإلا ففعلها بعد الوقت ولو بالليل ممكن على الإكمال. وكذلك ~~من اشتبهت عليه القبلة وأمكنه تأخير الصلاة إلى أن يأتي مصرا يعلم فيه ~~القبلة لم يجز له ذلك؛ وإنما نازع من نازع إذا أمكنه تعلم دلائل القبلة ولا ~~يتعلمها حتى يخرج الوقت. وهذا النزاع هو # PageV22P058 # القول المحدث الشاذ الذي تقدم ذكره. وأما النزاع المعروف بين الأئمة في ~~مثل ما إذا استيقظ النائم في آخر الوقت ولم يمكنه أن يصلي قبل الطلوع ~~بوضوء: هل يصلي بتيمم؟ أو يتوضأ ويصلي بعد الطلوع؟ على قولين مشهورين: ~~الأول: قول مالك؛ مراعاة. للوقت. الثاني: قول الأكثرين كأحمد والشافعي وأبي ~~حنيفة. وهذه. المسألة هي التي توهم من توهم أن الشرط مقدم على الوقت وليس ~~كذلك؛ فإن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ. كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها فإن ذلك وقتها} فجعل الوقت الذي أوجب الله على العبد فيه هو وقت ~~الذكر والانتباه وحينئذ فمن فعلها في هذا الوقت بحسب ما يمكنه من الطهارة ~~الواجبة فقد فعلها في الوقت وهذا ليس بمفرط ولا مضيع لها. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط في اليقظة} . بخلاف ~~المتنبه من أول ms6659 الوقت فإنه مأمور أن يفعلها في ذلك الوقت بحيث لو أخرها عنه ~~عمدا كان مضيعا مفرطا فإذا اشتغل عنها بشرطها # PageV22P059 # وكان قد أخرها عن الوقت الذي أمر أن يفعلها فيه ولولا أنه مأمور بفعلها ~~في ذلك الوقت لجاز تأخيرها عن الوقت إذا كان مشتغلا بتحصيل ماء الطهارة أو ~~ثوب الاستعارة بالذهاب إلى مكانه ونحو ذلك وهذا خلاف إجماع المسلمين. بل ~~المستيقظ في آخر الوقت إنما عليه أن يتوضأ كما يتوضأ المستيقظ في الوقت فلو ~~أخرها لأنه يجد الماء عند الزوال ونحو ذلك لم يجز له ذلك. وأيضا فقد نص ~~العلماء. على أنه إذا جاء وقت الصلاة ولم يصل فإنه يقتل وإن قال أنا أصليها ~~قضاء. كما يقتل إذا قال: أصلي بغير وضوء أو إلى غير القبلة وكل فرض من ~~فرائض الصلاة المجمع عليها إذا تركه عمدا فإنه يقتل بتركه. كما أنه يقتل ~~بترك الصلاة. فإن قلنا: يقتل بضيق الثانية والرابعة فالأمر كذلك وكذلك إذا ~~قلنا: يقتل بضيق الأولى وهو الصحيح أو الثالثة فإن ذلك مبني على أنه: هل ~~يقتل بترك صلاة أو بثلاث؟ على روايتين. وإذا قيل بترك صلاة: فهل يشترط وقت ~~التي بعدها أو يكفي ضيق وقتها؟ على وجهين. وفيها وجه ثالث: وهو الفرق بين ~~صلاتي الجمع وغيرها. ولا يعارض ما ذكرناه أنه يصح بعد الوقت؛ بخلاف بقية ~~الفرائض؛ لأن الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه فلا يمكنه أن # PageV22P060 # يفعلها إلا فائتة ويبقى إثم التأخير من باب الكبائر التي تمحوها التوبة ~~ونحوها وأما بقية الفرائض فيمكن استدراكها بالقضاء. وأما الأمراء الذين ~~كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتالهم فإن ~~قيل: إنهم كانوا يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت فلا كلام وإن قيل - وهو ~~الصحيح - إنهم كانوا يفوتونها فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة ~~بالصلاة في الوقت. وقال: {اجعلوا صلاتكم معهم نافلة} ونهى عن قتالهم كما ~~نهى عن قتال الأئمة إذ استأثروا وظلموا الناس حقوقهم واعتدوا عليهم وإن كان ~~يقع من الكبائر في ms6660 أثناء ذلك ما يقع. ومؤخرها عن وقتها فاسق والأئمة لا ~~يقاتلون بمجرد الفسق وإن كان الواحد المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق: ~~كالزنا وغيره. فليس كل ما جاز فيه القتل جاز أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه؛ ~~إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر. ولهذا نص من نص من ~~أصحاب أحمد وغيره على أن النافلة تصلى خلف الفساق؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها وهؤلاء ~~الأئمة فساق وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة. # PageV22P061 # والمقصود أن الفسق بتفويت الصلاة أمر معروف عند الفقهاء. لكن لو قال ~~قائل: الكبيرة تفويتها دائما فإن ذلك إصرار على الصغيرة. قيل له: قد تقدم ~~ما يبين أن الوعيد يلحق بتفويت صلاة واحدة. وأيضا فإن الإصرار هو العزم على ~~العود ومن أتى صغيرة وتاب منها ثم عاد إليها لم يكن قد أتى كبيرة. وأيضا ~~فمن اشترط المداومة على التفويت محتاج إلى ضابط فإن أراد بذلك المداومة على ~~طول عمره لم يكن المذكورون من هذا الباب وإن أراد مقدارا محدودا طولب بدليل ~~عليه. وأيضا فالقتل بترك واحدة أبلغ من جعل ذلك كبيرة والله سبحانه أعلم. # PageV22P062 # وسئل: # عن مسلم تارك للصلاة ويصلي الجمعة، فهل تجب عليه اللعنة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا استوجب العقوبة باتفاق المسلمين والواجب عند جمهور ~~العلماء كمالك والشافعي وأحمد أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ولعن تارك الصلاة ~~على وجه العموم جائز وأما لعنة المعين فالأولى تركها لأنه يمكن أن يتوب ~~والله أعلم. # PageV22P063 ### | باب الأذان والإقامة # وسئل: # عن الأذان. هل هو فرض أم سنة؟ وهل يستحب الترجيع أم لا. وهل التكبير أربع ~~أو اثنتان. كمالك. وهل الإقامة شفع أو فرد؟ وهل يقول قد قامت الصلاة مرة أو ~~مرتين؟ . # فأجاب: # الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوا ~~الأذان والإقامة " وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره. وقد أطلق طوائف من ~~العلماء أنه سنة. ثم من هؤلاء من يقول إنه إذا ms6661 اتفق أهل بلد على ترك قوتلوا ~~والنزاع مع هؤلاء. قريب من النزاع اللفظي. فإن كثيرا من العلماء يطلق القول ~~بالسنة على ما يذم تاركه شرعا ويعاقب تاركه شرعا فالنزاع بين هذا وبين من ~~يقول: إنه واجب نزاع لفظي ولهذا نظائر متعددة. # PageV22P064 # وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه ولا عقوبة فهذا القول خطأ. فإن ~~الأذان هو شعار دار الإسلام الذي ثبت في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعلق استحلال أهل الدار بتركه فكان يصلي الصبح ثم ينظر فإن سمع ~~مؤذنا لم يغر وإلا أغار} . وفي السنن لأبي داود والنسائي عن أبي الدرداء ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {ما من ثلاثة في قرية لا ~~يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإن ~~الذئب يأكل الشاة القاصية} . وقد قال تعالى: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ~~ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} . # وأما الترجيع وتركه وتثنية التكبير وتربيعه " وتثنية الإقامة وإفرادها ~~فقد ثبت في صحيح مسلم والسنن {حديث أبي محذورة الذي علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأذان عام فتح مكة وكان الأذان فيه وفي ولده. بمكة ثبت أنه علمه ~~الأذان والإقامة وفيه الترجيع} . وروى في حديثه {التكبير مرتين} كما في ~~صحيح مسلم. وروى {أربعا} كما في سنن أبي داود وغيره. وفي حديثه أنه علمه ~~الإقامة شفعا. وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك قال: {لما كثر الناس قال: ~~تذاكروا أن يعلموا وقت الصلاة. بشيء يعرفونه # PageV22P065 # فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر ~~الإقامة} . وفي رواية للبخاري: " إلا الإقامة ". وفي سنن أبي داود وغيره. ~~أن {عبد الله بن زيد لما أرى الأذان أمره. النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يلقيه على بلال فألقاه. عليه وفيه التكبير أربعا بلا ترجيع} . وإذا كان ~~كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه ms6662 وسلم لا يكرهون شيئا من ذلك إذ تنوع صفة الأذان ~~والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك. وليس لأحد أن يكره. ما ~~سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. وأما من بلغ به الحال إلى ~~الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه. مما سوغه ~~الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا. وكذلك ما يقوله بعض الأئمة - ولا أحب تسميته - من كراهة بعضهم ~~للترجيع وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله وأنه كرره. ليحفظه ومن كراهة من ~~خالفهم لشفع الإقامة مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة. هؤلاء يختارون ~~إقامته ويكرهون أذانه وهؤلاء يختارون أذانه ويكرهون # PageV22P066 # إقامته. فكلاهما قولان متقابلان. والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا. وإن ~~كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك ~~بحضرته صلى الله عليه وسلم فهذا كما يختار بعض القراءات. والتشهدات ونحو ~~ذلك. ومن تمام السنة في مثل هذا: أن يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا في مكان ~~وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل ~~السنة بدعة والمستحب واجبا ويفضي ذلك إلى التفرق والاختلاف إذا فعل آخرون ~~الوجه الآخر. فيجب على المسلم أن يراعي القواعد الكلية التي فيها الاعتصام ~~بالسنة والجماعة لا سيما في مثل صلاة الجماعة. وأصح الناس طريقة في ذلك هم ~~علماء الحديث الذين عرفوا السنة واتبعوها إذ من أئمة الفقه من اعتمد في ذلك ~~على أحاديث ضعيفة ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده وجعل ذلك السنة ~~دون ما خالفه مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وسع في ذلك وكل ~~سنة. وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده: إما بالكوفة وإما ~~بالشام وإما بالمدينة. وبلال لم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~قليلا وإنما أذن بالمدينة سعد القرظي مؤذن أهل قباء. # PageV22P067 # والترجيع في الأذان اختيار مالك والشافعي: لكن ms6663 مالكا يرى التكبير مرتين ~~والشافعي يراه. أربعا وتركه اختيار أبي حنيفة. وأما أحمد فعنده كلاهما سنة ~~وتركه أحب إليه؛ لأنه أذان بلال. والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي ~~وأحمد وهو مع ذلك يقول: إن تثنيتها سنة والثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد ~~يختارون تكرير لفظ الإقامة دون مالك والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام: # وأما الأذان الذي هو شعار الإسلام فقد استعمل فقهاء الحديث - كأحمد - فيه ~~جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحسن أذان بلال وإقامته وأذان أبي ~~محذورة وإقامته. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم أبا محذورة الأذان مرجعا وفي الإقامة مشفوعة. وثبت في الصحيحين {أن ~~بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة} . وفي السنن أنه لم يكن يرجع فرجح ~~أحمد أذان بلال؛ لأنه الذي كان يفعل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دائما قبل # PageV22P068 # أذان أبي محذورة وبعده إلى أن مات. واستحسن أذان أبي محذورة ولم يكرهه. ~~وهذا أصل مستمر له في جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها يستحسن كل ما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشيء منه مع علمه بذلك ~~واختياره. للبعض أو تسويته بين الجميع. كما يجوز القراءة بكل قراءة ثابتة ~~وإن كان قد اختار بعض القراءة: مثل أنواع الأذان والإقامة وأنواع التشهدات ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن مسعود وأبي موسى وابن عباس ~~وغيرهم. وأحبها إليه تشهد ابن مسعود؛ لأسباب متعددة: منها كونه أصحها ~~وأشهرها. ومنها كونه محفوظ الألفاظ لم يختلف في حرف منه. ومنها كون غالبها ~~يوافق ألفاظه فيقتضي أنه الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به غالبا. ~~وكذلك أنواع الاستفتاح والاستعاذة المأثورة وأنه اختار بعضها. وكذلك موضع ~~رفع اليدين في الصلاة ومحل وضعها بعد الرفع وصفات التحميد المشروع بعد ~~التسميع ومنها صفات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإن اختار بعضها. # PageV22P069 # ومنها أنواع صلاة الخوف ويجوز كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير ms6664 كراهة. ومنها أنواع تكبيرات العيد يجوز كل مأثور وإن استحب بعضه. ومنها ~~التكبير على الجنائز يجوز على المشهور: التربيع والتخميس والتسبيع وإن ~~اختار التربيع. وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه. فمنهم من ~~يكره " الترجيع " في الأذان: كأبي حنيفة ومنهم من يكره. تركه كالشافعي. ~~ومنهم من يكره شفع الإقامة كالشافعي. ومنهم من يكره. إفرادها حتى قد آل ~~الأمر بالأتباع إلى نوع جاهلية فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك ~~حمية جاهلية مع أن الجميع حسن قد أمر به {رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~بلالا بإفراد الإقامة وأمر أبا محذورة بشفعها} . وإن الضلالة حق الضلالة أن ~~ينهى عما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. # وسئل: # عن المؤذن إذا قال: {الصلاة خير من النوم} هل السنة أن يستدير ويلتفت أم ~~يستقبل القبلة أم الشرق؟ . # PageV22P070 # فأجاب: # ليس هذا سنة عند أحد من العلماء بل السنة أن يقولها وهو مستقبل القبلة ~~كغيرها من كلمات الأذان. وكقوله في الإقامة: قد قامت الصلاة ولم يستثن من ~~ذلك العلماء إلا الحيعلة. فإنه يلتفت بها يمينا وشمالا ولا يختص المشرق ~~بالكلمتين وليس في الأذان والإقامة ما يختص المشرق والمغرب بجنسه. فمن قال: ~~" الصلاة خير من النوم " كلاهما إلى المشرق أو المغرب فهو مبتدع خارج عن ~~السنة في الأذان باتفاق العلماء. وقد تنازع العلماء: هل يدور في المنارة؟ ~~على قولين مشهورين. فمن دار فقد فعل ما يسوغ فيه الاجتهاد ولكنه مع ذلك إن ~~دار لقوله: " الصلاة خير من النوم " لزمه أن يدور مرتين. ولا قائل به. وإن ~~خص المشرق بهما كان أبعد عن السنة فتعين أن يقولهما مستقبل القبلة والله ~~أعلم. # وقال الشيخ - رحمه الله -: # لما ذهبت على البريد كنا نجمع بين الصلاتين فكنت أولا أؤذن عند الغروب ~~وأنا راكب ثم تأملت فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع ليلة جمع لم ~~يؤذنوا للمغرب في طريقهم: بل أخر التأذين # PageV22P071 # حتى نزل فصرت أفعل ذلك؛ لأنه في الجمع صار وقت الثانية وقتا لهما والأذان ms6665 ~~إعلام بوقت الصلاة. ولهذا قلنا يؤذن للفائتة كما أذن بلال لما ناموا عن ~~صلاة الفجر " لأنه وقتها والأذان للوقت الذي تفعل فيه؛ لا الوقت الذي تجب ~~فيه. # وسئل: # عمن أحرم ودخل في الصلاة وكانت نافلة ثم سمع المؤذن فهل يقطع الصلاة ~~ويقول مثل ما قال المؤذن؟ أو يتم صلاته ويقول مثل ما يقول المؤذن؟ . # فأجاب: # إذا سمع المؤذن يؤذن وهو في صلاة فإنه يتمها ولا يقول مثل ما يقول عند ~~جمهور العلماء وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فإنه يقطع ~~ذلك ويقول مثل ما يقول المؤذن. لأن. موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها ~~وهذه الأذكار لا تفوت. وإذا قطع الموالاة. فيها لسبب شرعي كان جائزا مثل ما ~~يقطع # PageV22P072 # الموالاة فيها بكلام لما يحتاج إليه من خطاب آدمي وأمر بمعروف ونهي عن ~~منكر وكذلك لو قطع الموالاة بسجود تلاوة ونحو ذلك بخلاف الصلاة فإنه لا ~~يقطع موالاتها بسبب آخر كما لو سمع غيره يقرأ سجدة التلاوة لم يسجد في ~~الصلاة عند جمهور العلماء ومع هذا ففي هذا نزاع معروف والله أعلم. # PageV22P073 ### | باب شروط الصلاة # قال - رحمه الله -: # فصل: # وأما إذا ابتدءوا الصلاة بالمواقيت ففقهاء الحديث قد استعملوا في هذا ~~الباب جميع النصوص الواردة. عن النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الجواز. ~~وأوقات الاختيار. فوقت الفجر: ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ~~ووقت الظهر: من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال ووقت العصر: ~~إلى اصفرار الشمس على ظاهر مذهب أحمد ووقت المغرب: إلى مغيب الشفق ووقت ~~العشاء: إلى منتصف الليل على ظاهر مذهب أحمد. وهذا بعينه قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث # PageV22P074 # الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو. وروي أيضا من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من قوله في ~~المواقيت الخمس أصح منه وكذلك صح معناه من غير وجه من فعل النبي صلى الله ms6666 ~~عليه وسلم في المدينة من حديث أبي موسى وبريدة رضي الله عنهما وجاء مفرقا ~~في عدة أحاديث وغالب الفقهاء إنما استعملوا غالب ذلك. فأهل العراق المشهور ~~عنهم: أن العصر لا يدخل وقتها حتى يصير ظل كل شيء مثليه. وأهل الحجاز - ~~مالك وغيره -: ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد. # فصل: # وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين في السفر ~~والمطر والمرض كما في حديث المستحاضة وغير ذلك من الأعذار. ونقول بما دل ~~عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان: وقت اختيار وهو خمس مواقيت. ~~ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت ولهذا أمرت الصحابة - كعبد الرحمن بن عوف وابن ~~عباس وغيرهما - # PageV22P075 # الحائض إذا طهرت قبل الغروب أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت قبل الفجر أن ~~تصلي المغرب والعشاء. وأحمد موافق في هذه المسائل لمالك رحمه الله. وزائد ~~عليه بما جاءت به الآثار والشافعي رحمه الله هو دون مالك في ذلك وأبو حنيفة ~~أصله في الجمع معروف. وكذلك أوقات الاستحباب. فإن أهل الحديث يستحبون ~~الصلاة في أول الوقت في الجملة. إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة كما ~~جاءت به السنة فيستحبون تأخير الظهر في الحر مطلقا سواء كانوا مجتمعين أو ~~متفرقين ويستحبون تأخير العشاء ما لم يشق. وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة ~~التي لا دافع لها. وكل من الفقهاء يوافقهم في البعض أو الأغلب. فأبو حنيفة: ~~يستحب التأخير إلا في المغرب والشافعي: يستحب التقديم مطلقا حتى في العشاء ~~على أحد القولين وحتى في الحر إذا كانوا مجتمعين {وحديث أبي ذر الصحيح فيه ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالإبراد وكانوا مجتمعين} . # PageV22P076 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # " قاعدة " في أعداد ركعات الصلوات وأوقاتها وما يدخل في ذلك من جمع وقصر. # جرت عادة كثير من العلماء المصنفين للعلم أن يذكروا في باب مواقيت ~~الصلاة: أوقاتها وأعدادها وأسماءها ثم منهم من يذكر القصر والجمع في بابين ~~مفترقين مع صلاة أهل الأعذار كالمريض والخائف. ومنهم من يذكر الجمع في ms6667 ~~المواقيت. وأما القصر فيفرده. فإن سبب القصر هو السفر وحده فقران صلاة ~~المسافر بصلاة الخائف والمريض مناسب. وأما الجمع: فأسبابه متعددة؛ لا ~~اختصاص السفر به. ونحن نذكر في كل منها فصلا جامعا. # PageV22P077 # أما العدد فمعلوم أنها خمس صلوات: ثلاثة رباعية وواحدة ثلاثية وواحدة ~~ثنائية هذا في الحضر. وأما في السفر فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريبا من ثلاثين سفرة وكان يصلي ركعتين في أسفاره ولم ينقل عنه أحد من أهل ~~العلم أنه صلى في السفر الفرض أربعا قط حتى في حجة الوداع وهي آخر أسفاره ~~كان يصلي بالمسلمين في الصلوات: ركعتين ركعتين. وهذا من العلم العام ~~المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله عنه جميع أصحابه ومن أخذ العلم عنهم. ~~والحديث الذي رواه الدارقطني عن عائشة أن {النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقصر في السفر ويتم ويفطر وتصوم} . باطل في الإتمام. وإن كان صحيحا في ~~الإفطار؛ بخلاف النقل المتواتر المستفيض. ولم يذكر هذا بعد قط. وكيف يكون ~~والنبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره إنما كان يصلي الفرض إماما لكن مرة في ~~غزوة تبوك احتبس للطهارة ساعة فقدموا عبد الرحمن بن عوف وأدرك النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلفه بعض الصلاة فلو صلى بهم أربعا في السفر لكان هذا من ~~أوكد ما تتوفر هممهم ودواعيهم على نقله؛ لمخالفته سنته المستمرة؛ وعادته ~~الدائمة كما نقلوا أنه جمع بين الصلاتين أحيانا. فلما لم ينقل ذلك أحد منهم ~~علم قطعا أنه لم يفعل ذلك. # PageV22P078 # ولهذا قال ابن عمر: صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر: أي من اعتقد أن ~~صلاة ركعتين ليس بمسنون ولا مشروع فقد كفر. وكذلك قال عمر بن الخطاب: صلاة ~~السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان ~~تمام غير قصر على لسان نبيكم. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: الصلاة أول ~~ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت ~~لعروة: فما بال عائشة تتم. قال: تأولت كما تأول عثمان. أخرجاه ms6668 في الصحيحين. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} ~~. هذا ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع كان يقصر الصلاة في ~~مقامه بمكة والمشاعر مع أنه دخل مكة يوم الأحد وخرج منها يوم الخميس إلى ~~منى وعرف يوم الجمعة وأقام بمنى إلى عشية الثلاثاء وبات بالمحصب ليلة ~~الأربعاء وطاف للوداع تلك الليلة. وأقام أيضا قبل ذلك في غزوة الفتح بمكة ~~تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. # PageV22P079 # وأما الحديث الذي يروى عن {- عائشة: أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت. قال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي} رواه ~~النسائي. وروى الدارقطني {خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان ~~فأفطر وصمت وقصر وأتممت} وقال: إسناده حسن. فهذا لو صح لم يكن فيه دليل على ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم " وإنما فيه إذنه في الإتمام مع أن هذا ~~الحديث على هذا الوجه ليس بصحيح " بل هو خطأ لوجوه: أحدها: أن الذي في ~~الصحيحين عن عائشة: {أن صلاة السفر ركعتان} وقد ذكر ابن أخيها وهو أعلم ~~الناس بها: أنها إنما أتمت الصلاة في السفر بتأويل تأولته لا بنص كان معها. ~~فعلم أنه لم يكن معها فيه نص. الثاني: أن في الحديث: {أنها خرجت معتمرة معه ~~في رمضان عمرة رمضان وكانت صائمة} وهذا كذب باتفاق أهل العلم فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط وإنما كانت عمره كلها في شوال وإذا ~~كان لم يعتمر في رمضان ولم يكن في عمرة عليه صوم بطل هذا الحديث. # PageV22P080 # الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سافر في رمضان غزوة بدر وغزوة ~~الفتح. فأما غزوة بدر فلم يكن معه فيها أزواجه ولا كانت عائشة. وأما غزوة ~~الفتح فقد كان صام فيها في أول سفره ms6669 ثم أفطر خلاف ما في هذا الحديث ~~المفتعل. الرابع: أن اعتمار عائشة معه فيه نظر. الخامس: أن عائشة لم تكن ~~بالتي تصوم وتصلي طول سفرها إلى مكة وتخالف فعله بغير إذنه بل كانت تستفتيه ~~قبل الفعل فإن الإقدام على مثل ذلك لا يجوز. فثبت بهذه السنة المتواترة أن ~~صلاة السفر ركعتان كما أن صلاة الحضر أربع فإن عدد الركعات إنما أخذ من فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي سنه لأمته وبطل قول من يقول من أصحاب أحمد ~~والشافعي إن الأصل أربع وإنما الركعتان رخصة. وبنوا على هذا: أن القاصر ~~يحتاج إلى نية القصر في أول الصلاة كما قاله الشافعي وهو قول الخرقي ~~والقاضي وغيرهما. بل الصواب ما قاله جمهور أهل العلم وهو اختيار أبي بكر ~~وغيره: أن القصر لا يحتاج إلى نية بل دخول المسافر في صلاته كدخول الحاضر ~~بل لو # PageV22P081 # نوى المسافر أن يصلي أربعا لكره له ذلك وكانت السنة أن يصلي ركعتين ونصوص ~~الإمام أحمد إنما تدل على هذا القول. وقد تنازع أهل العلم في التربيع في ~~السفر: هل هو محرم؟ أو مكروه؟ أو ترك الأفضل. أو هو أفضل. على أربعة أقوال: ~~فالأول: قول أبي حنيفة ورواية عن مالك. والثاني: رواية عنه وعن أحمد. ~~والثالث: رواية عن أحمد وأصح قولي الشافعي. والرابع: قول له. والرابع خطأ ~~قطعا لا ريب فيه. والثالث ضعيف: وإنما المتوجه أن يكون التربيع إما محرم أو ~~مكروه لأن طائفة من الصحابة كانوا يربعون وكان الآخرون لا ينكرونه عليهم ~~إنكار من فعل المحرم بل إنكار من فعل المكروه. وأما قوله تعالى {وإذا ضربتم ~~في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} فهنا علق القصر بسببين: الضرب في الأرض والخوف من فتنة الذين كفروا؛ ~~لأن القصر المطلق يتناول قصر عددها وقصر عملها وأركانها. مثل الإيماء ~~بالركوع والسجود فهذا القصر إنما يشرع بالسببين كلاهما # PageV22P082 # كل سبب له قصر. فالسفر يقتضي قصر العدد والخوف يقتضي قصر الأركان. ولو ~~قيل: إن ms6670 القصر المعلق هو قصر الأركان فإن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر ~~لكان وجيها. ولهذا قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} . فقد ظهر بهذا أن ~~القصر لا يسوى بالجمع فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعته لأمته ~~بل الإتمام في السفر أضعف من الجمع في السفر. فإن الجمع قد ثبت عنه أنه كان ~~يفعله في السفر أحيانا وأما الإتمام فيه فلم ينقل عنه قط وكلاهما مختلف فيه ~~بين الأئمة فإنهم مختلفون في جواز الإتمام: وفي " جواز الجمع متفقون على ~~جواز القصر وجواز الإفراد. فلا يشبه بالسنة المتواترة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يداوم عليه في أسفاره وقد اتفقت الأمة عليه، [فلا يصار] (1) ~~إلى أن ما فعله في سفره مرات متعددة [متفق عليه] (2) وقد تنازعت فيه الأمة. # فصل: # وأما الوقت: فالأصل في ذلك أن الوقت في كتاب الله وسنة رسول الله نوعان: ~~وقت اختيار ورفاهية ووقت حاجة وضرورة. PageV22P083 # أما الأول: فالأوقات خمسة. وأما الثاني: فالأوقات ثلاثة فصلاتا الليل ~~وصلاتا النهار وهما اللتان فيهما الجمع والقصر بخلاف صلاة الفجر فإنه ليس ~~فيها جمع ولا قصر لكل منهما وقت مختص وقت الرفاهية والاختيار والوقت مشترك ~~بينهما عند الحاجة والاضطرار؛ لكن لا تؤخر صلاة نهار إلى ليل ولا صلاة ليل ~~إلى نهار. ولهذا وقع الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى صلاة العصر وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها: {من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله} وقال: ~~{فكأنما وتر أهله وماله} وقد دل على هذا الأصل أن الله في كتابه ذكر الوقوت ~~تارة ثلاثة وتارة خمسة. أما الثلاثة ففي قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من الليل} وفي قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} وقوله: ~~{وسبح بحمد ربك حين تقوم} {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم.} وأما الخمس فقد ~~ذكرها أربعة: في قوله: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} {وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون} وقوله: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ms6671 آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ~~ترضى.} وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس # PageV22P084 # وقبل الغروب} {ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} والسنة هي التي فسرت ذلك ~~وبينته وأحكمته. وذلك أنه قد ثبت بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " أنه كان يصلي الصلوات الخمس في خمس مواقيت: في حال مقامه بالمدينة ~~وفي غالب أسفاره حتى أنه في حجة الوداع - آخر أسفاره - كان يصلي كل صلاة في ~~وقتها ركعتين وإنما جمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين العشاءين بمزدلفة؛ ~~ولهذا {قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ~~وقتها إلا المغرب ليلة جمع والفجر بمزدلفة} . وإنما قال ذلك لأنه غلس بها ~~تغليسا شديدا وقد بين جابر في حديثه أنه صلاها حين طلع الفجر. ولهذا اتفق ~~المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة؛ لأن جمع هاتين الصلاتين في ~~حجة الوداع دون غيرهما مما صلاه. بالمسلمين بمنى أو بمكة هو من المنقول ~~نقلا عاما متواترا مستفيضا. وثبت عنه أنه بين مواقيت الصلاة بفعله لمن سأله ~~عن المواقيت بالمدينة كما رواه. مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى وحديث ~~بريدة بن الحصيب وبين له جبريل المواقيت بمكة كما رواه. جابر وابن عباس. ~~وروى مسلم في صحيحه المواقيت من كلام النبي # PageV22P085 # صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو وهو أحسن أحاديث المواقيت؛ ~~لأنه بيان بكلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وقت الفجر ما لم تطلع ~~الشمس ووقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ~~ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل} وقد روي نحو ~~ذلك من حديث أبي هريرة. مرفوعا وفيه نظر. وعلى هذه الأحاديث اعتمد الإمام ~~أحمد لكثرة اطلاعه على السنن وأما غيره. من الأئمة فبلغه بعض هذه الأحاديث ~~دون بعض فاتبع ما بلغه ومن اتبع ما بلغه فقد أحسن وما على المحسنين من ~~سبيل. وقال صلى الله عليه وسلم في ms6672 غير حديث: {سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة} فهذا دليل على أنه ~~لا يجور تأخير الأولى إلى وقت الثانية ولا يجوز الجمع لغير حاجة؛ فإن ~~الأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار ~~ولكن غايتهم أن يؤخروا الظهر إلى وقت العصر أو العصر إلى الاصفرار أو ~~يؤخروا المغرب إلى مغيب الشفق. وأما العشاء فلو أخروها إلى نصف الليل لم ~~يكن ذلك مكروها. وتأخيرها إلى ما بعد ذلك لم يكن يفعله أحد ولا هو مما ~~يفعله الأمراء. # PageV22P086 # وأما الثلاث: فقد ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة من حديث ابن عمر وأنس بن ~~مالك ومعاذ بن جبل: {أنه كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ~~يجمع في وقت الثانية إذا جد به السير في وقت الأولى أو إذا كان سائرا في ~~وقتها} . وهذا مما اتفق عليه القائلون بالجمع بين الصلاتين من فقهاء الحديث ~~وأهل الحجاز. وكذلك ما روي عنه {أنه كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد أن ~~تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا} رواه. أهل السنن من حديث معاذ. ورواه ~~مسلم في صحيحه عن معاذ {أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين ~~الظهر والعصر. وبين المغرب والعشاء} . وإنما تنازعوا فيما إذا كان نازلا في ~~وقت الصلاتين كلاهما وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما: لا يجمع لعدم السنة ~~والحاجة وهو قول مالك واختيار الخرقي. الثانية: يجمع وهو قول الشافعي؛ ~~لحديث روي في ذلك أيضا رواه أبو داود. وذكر ابن عبد البر أنه لم يرو غيره ~~وثبت عنه أيضا بالأحاديث الصحيحة وبالاتفاق أنه {جمع في حجة الوداع بعرفة ~~بين صلاتي العشي وبمزدلفة بين صلاتي العشاءين} وثبت عنه في الصحيحين من ~~حديث ابن عباس {أنه صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر # PageV22P087 # والمغرب والعشاء} وفي صحيح مسلم عنه {جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر} . قيل ~~لابن ms6673 عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ". وكذلك قال معاذ بن ~~جبل. وروى أهل السنن عنه حديثين أو ثلاثة أنه أمر المستحاضة بالجمع بين ~~الصلاتين في حديث حمنة بنت جحش وغيرها فهذا الجمع بالمدينة للمطر ولغير ~~مطر. وقد نبه به ابن عباس على الجمع للخوف والمطر. والجمع عند المسير في ~~السفر؛ يجمع في المقام وفي السفر لرفع الحرج. فعلم بذلك أنه ليس السفر سبب ~~للجمع كما هو سبب للقصر فإن قصر العدد دائر مع السفر وجودا وعدما وأما ~~الجمع فقد جمع في غير سفر وقد كان في السفر يجمع للمسير ويجمع في مثل عرفة ~~ومزدلفة ولا يجمع في سائر مواطن السفر وأمر المستحاضة بالجمع. فظهر بذلك أن ~~الجمع هو لرفع الحرج فإذا كان في التفريق حرج جاز الجمع وهو وقت العذر ~~والحاجة. ولهذا قال الصحابة: كعبد الرحمن بن عوف وابن عمر في الحائض إذا ~~طهرت قبل الغروب: صلت الظهر والعصر وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء ~~وقال بذلك أهل الجمع: كمالك والشافعي. وأحمد فهذا يوافق " قاعدة الجمع " في ~~أن الوقت مشترك بين صلاتي الجمع عند الضرورة # PageV22P088 # والمانع. فمن أدرك آخر الوقت المشترك فقد أدرك الصلاتين [كلتيهما] (1) . ~~ومن قال من أصحابنا وغيرهم: إن الجمع معلق بسفر القصر وجودا وعدما حتى ~~منعوا الحاج الذين بمكة وغيرهم من الجمع بين صلاتي العشي وصلاتي العشاء فما ~~أعلم لقولهم حجة تعتمد: بل خلاف السنة المعلومة يقينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فإنا قد علمنا أنه لم يأمر أحدا من الحجاج معه من أهل مكة أن ~~يؤخروا العصر إلى وقتها المختص ولا يعجلوا المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة ~~فيصلوها إما بعرفة وإما قريبا من المأزمين هذا مما هو معلوم يقينا ولا قال ~~هذا أحد بل كلامه ونصوصه تقتضي أنه يجمع بين الصلاتين ويؤخر المغرب جميع ~~أهل الموسم كما جاءت به السنة وكما اختاره طوائف من أصحابه: كأبي الخطاب في ~~العبادات وأبي محمد المقدسي وغيرهما. ثم إما أن يقال: إن الجمع معلق بالسفر ms6674 ~~مطلقا قصيره وطويله إما مطلقا وإما لأجل المسير وإما أن يقال الجمع بمزدلفة ~~لأجل النسك كما يقوله من يقوله من أصحابنا وغيرهم. والأول أصوب عندي وأقيسه ~~بأصول أحمد ونصوصه؛ فإنه قد نص على الجمع في الحضر لشغل فإذا جد به السير ~~في السفر القصير فهو أولى؛ ولأن الأحكام المعلقة بالسفر تختص بالسفر كالقصر ~~والفطر والمسح. وأما المتعلقة بالطويل والقصير كالصلاة على الدابة والمتيمم ~~وكأكل الميتة، PageV22P089 # فهذه جاءت للحاجة وكذلك يجوز في الحضر والجمع هو من هذا الباب. إنما جاز ~~لعموم الحاجة لا لخصوص السفر؛ ولهذا كان ما تعلق بالسفر إنما هو رخصة قد ~~يستغنى عنها. وأما ما تعلق بالحاجة فإنه قد يكون ضرورة لا بد منها. فالأول ~~كفطر المسافر والثاني كفطر المريض فهذا هذا. والله أعلم. ومما يشبه هذه ~~الآية في العموم والجمع وإن اشتبه معناها: قوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فإنه ~~أباح القصر بشرطين الضرب في الأرض؛ وخوف الكفار. ولهذا اعتقد كثير من الناس ~~أن القصر مجرد قصر العدد أشكل عليهم فمن أهل البدع من قال: لا يجوز قصر ~~الصلاة إلا في حال الخوف حتى روى الصحابة السنن المتواترة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في القصر في سفر الأمن وقال ابن عمر: صلاة السفر ركعتان من ~~خالف السنة فقد كفر. فإن من الخوارج من يرد السنة المخالفة لظاهر القرآن مع ~~علمه بأن الرسول سنها. وقال {حارثة بن وهب: صلينا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - آمن ما كان - ركعتين} . وقال {عبد الله بن مسعود: صلينا خلف # PageV22P090 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وخلف أبي بكر ركعتين وخلف عمر ~~ركعتين} وقال {عمر ليعلى بن أمية لما سأله عن الآية: فقال: عجبت مما عجبت ~~منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته.} فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القصر في سفر الأمن ~~صدقة من ms6675 الله ولم يقل إنها مخالفة لظاهر القرآن. فنقول: القصر الكامل ~~المطلق هو قصر العدد وقصر الأركان فقصر العدد جعل الرباعية ركعتين وقصر ~~الأركان هو قصر القيام والركوع والسجود كما في صلاة الخوف الشديد وصلاة ~~الخوف اليسير. فالسفر سبب قصر العدد والخوف سبب قصر الأركان فإذا اجتمع ~~الأمران: قصر العدد والأركان. وإن انفرد أحد السببين: انفرد قصره فقوله ~~سبحانه: ( {أن تقصروا من الصلاة} مطلق في هذا القصر وهذا القصر وسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تفسر مجمل القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. وهي ~~مفسرة له لا مخالفة لظاهره. ونظير هذا أيضا ما قرئ به في قوله: {وامسحوا ~~برءوسكم وأرجلكم} من أن المسح مطلق يدخل فيه المسح بإسالة وهو الغسل # PageV22P091 # والمسح بغير إسالة وهو المسح بلا غسل " فالقرآن أمر بمسح مطلق والسنة ~~تثبت أن المسح في الرأس بغير إسالة والمسح على الرجلين بإسالة. فهي مفسرة ~~له لا مخالفة لظاهره. فينبغي تدبر القرآن ومعرفة وجوهه " فإن أكثر ما يتوهم ~~الناس أنه قد خولف ظاهره وليس كذلك وإنما له دلالات يعرفها من أعطاه. الله ~~فهما في كتابه ويستفيد بذلك خمسة فوائد: أحدها: تقرير الأحكام بدلائل ~~القرآن. والثاني: بيان اتفاق الكتاب والسنة. والثالث: بيان أن السنة مفسرة ~~له لا منافية له. والرابع: بيان المعاني والبيان التي في القرآن. والخامس: ~~الإجماع موافق للكتاب والسنة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {أفضل الأعمال عند الله الصلاة لوقتها} # فهل هو الأول؟ أو الثاني؟ . # PageV22P092 # فأجاب: # الوقت يعم أول الوقت وآخره والله يقبلها في جميع الوقت لكن أوله أفضل من ~~آخره إلا حيث استثناه الشارع كالظهر في شدة الحر وكالعشاء إذا لم يشق على ~~المأمومين والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # هل يشترط الليل إلى مطلع الشمس؟ وكم أقل ما بين وقت المغرب ودخول العشاء ~~من منازل القمر؟ . # فأجاب: # أما وقت العشاء فهو مغيب الشفق الأحمر لكن في البناء يحتاط حتى يغيب ~~الأبيض فإنه قد تستتر الحمرة بالجدران فإذا غاب البياض تيقن مغيب الأحمر. ~~هذا ms6676 مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. وأما أبو حنيفة: فالشفق عنده هو ~~البياض وأهل الحساب يقولون: إن وقتها منزلتان لكن هذا لا ينضبط فإن المنازل ~~إنما تعرف بالكواكب بعضها قريب من المنزلة الحقيقية وبعضها بعيد من ذلك. ~~وأيضا فوقت العشاء في الطول والقصر يتبع النهار فيكون # PageV22P093 # في الصيف أطول كما أن وقت الفجر يتبع الليل فيكون في الشتاء أطول. ومن ~~زعم أن حصة العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء وفي الصيف: فقد غلط غلطا حسيا ~~باتفاق الناس. وسبب غلطه أن الأنوار تتبع الأبخرة ففي الشتاء يكثر البخار ~~بالليل فيظهر النور فيه أولا وفي الصيف تقل الأبخرة بالليل وفي الصيف يتكدر ~~الجو بالنهار بالأبخرة ويصفو في الشتاء؛ لأن الشمس مزقت البخار والمطر لبد ~~الغبار. وأيضا: فإن النورين تابعان للشمس هذا يتقدمها وهذا يتأخر عنها فيجب ~~أن يكونا تابعين للشمس فإذا كان في الشتاء طال زمن مغيبها فيطول زمان الضوء ~~التابع لها. وأما جعل هذه الحصة بقدر هذه الحصة وأن الفجر في الصيف أطول ~~والعشاء في الشتاء أطول وجعل الفجر تابعا للنهار: يطول في الصيف ويقصر في ~~الشتاء وجعل الشفق تابعا لليل يقصر في الصيف ويطول في الشتاء فهذا قلب الحس ~~والعقل والشرع. ولا يتأخر ظهور السواد عن مغيب الشمس والله أعلم. # PageV22P094 # و ### | سئل: # هل التغليس أفضل أم الإسفار؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بل التغليس أفضل إذا لم يكن ثم سبب يقتضي التأخير فإن ~~الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه كان يغلس ~~بصلاة الفجر كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: {لقد كان رسول ~~صلى الله عليه وسلم الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات ~~بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس} والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن في مسجده قناديل كما في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى المائة ~~وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه وهذه. ms6677 القراءة هي نحو نصف جزء أو ثلث جزء ~~وكان فراغه من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه} . وهكذا في الصحيح من غير هذا ~~الوجه أنه كان يغلس بالفجر وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده وكان بعده أمراء ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها فنشأ في دولتهم فقهاء رأوا # PageV22P095 # عادتهم فظنوا أن تأخير الفجر والعصر أفضل من تقديمها وذلك غلط في السنة. ~~واحتجوا بما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {أسفروا ~~بالفجر فإنه أعظم للأجر} وقد صححه الترمذي وهذا الحديث لو كان معارضا لم ~~يقاومها. لأن تلك في الصحيحين وهي مشهورة مستفيضة والخبر الواحد إذا خالف ~~المشهور المستفيض كان شاذا وقد يكون منسوخا؛ لأن التغليس هو فعله حتى مات ~~وفعل الخلفاء الراشدين بعده. وقد تأول الطحاوي من أصحاب أبي حنيفة وغيره. ~~كأبي حفص البرمكي من أصحاب أحمد وغيرهما قوله: {أسفروا بالفجر} على أن ~~المراد الإسفار بالخروج منها أي أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا منها مسفرين. ~~وقيل: المراد بالإسفار التبين أي صلوها إذا تبين الفجر وانكشف ووضح فإن في ~~الصحيحين عن ابن مسعود قال: {ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ~~صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة وصلاة المغرب بجمع وصلاة الفجر ~~إنما صلاها يومئذ بعد طلوع الفجر} هكذا في صحيح مسلم عن جابر قال: {وصلى ~~صلاة الفجر حين برق # PageV22P096 # الفجر} وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان يؤخر الفجر عن أول طلوع ~~الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر. وذلك اليوم عجلها قبل. وبهذا تتفق معاني ~~أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا أخرها لسبب يقتضي التأخير مثل ~~المتيمم عادته إنما يؤخرها ليصلي آخر الوقت بوضوء والمنفرد يؤخرها حتى يصلي ~~آخر الوقت في جماعة أو أن يقدر على الصلاة آخر الوقت قائما وفي أول الوقت ~~لا يقدر إلا قاعدا ونحو ذلك مما يكون فيه فضيلة تزيد على الصلاة في أول ~~الوقت فالتأخير لذلك أفضل والله أعلم. # و ### | سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر} ms6678 ؟ . # فأجاب: # أما قوله صلى الله عليه وسلم: {أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر} فإنه حديث ~~صحيح. لكن قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه كان يغلس بالفجر حتى ~~كانت تنصرف نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس} . فلهذا ~~فسروا ذلك الحديث بوجهين: # PageV22P097 # أحدهما: أنه أراد الإسفار بالخروج منها: أي أطيلوا القراءة حتى تخرجوا ~~منها مسفرين فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين آية إلى ~~مائة آية نحو نصف حزب. والوجه الثاني: أنه أراد أن يتبين الفجر ويظهر فلا ~~يصلي مع غلبة الظن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد التبين إلا ~~يوم مزدلفة فإنه قدمها ذلك اليوم على عادته والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل من أهل القبلة ترك الصلاة مدة سنتين ثم تاب بعد ذلك وواظب على ~~أدائها. فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا؟ . # فأجاب: # أما من ترك الصلاة أو فرضا من فرائضها؛ فإما أن يكون قد ترك ذلك ناسيا له ~~بعد علمه بوجوبه وإما أن يكون جاهلا بوجوبه وإما أن يكون لعذر يعتقد معه ~~جواز التأخير وإما أن يتركه عالما عمدا. فأما الناسي للصلاة: فعليه أن ~~يصليها إذا ذكرها بسنة رسول الله # PageV22P098 # صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه باتفاق الأئمة. قال صلى الله عليه وسلم ~~{من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. لا كفارة لها إلا ذلك} وقد ~~استفاض في الصحيح وغيره: {أنه نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في السفر ~~فصلوها بعد ما طلعت الشمس السنة والفريضة بأذان وإقامة} . وكذلك من نسي ~~طهارة الحدث وصلى ناسيا: فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا نزاع حتى لو كان ~~الناسي إماما كان عليه أن يعيد الصلاة ولا إعادة على المأمومين إذا لم ~~يعلموا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في المنصوص المشهور عنه. ~~كما جرى لعمر وعثمان - رضي الله عنهما. وأما من نسي طهارة الخبث فإنه لا ~~إعادة عليه في مذهب مالك وأحمد في أصح الروايتين ms6679 عنه والشافعي في أحد ~~قوليه؛ لأن هذا من باب فعل المنهي عنه وتلك من باب ترك المأمور به ومن فعل ~~ما نهي عنه ناسيا فلا إثم عليه بالكتاب والسنة. كما جاءت به السنة فيمن أكل ~~في رمضان ناسيا. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وطرد ذلك فيمن تكلم في ~~الصلاة ناسيا ومن تطيب ولبس ناسيا كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه # PageV22P099 # وكذلك من فعل المحلوف عليه ناسيا كما هو أحد القولين عن الشافعي وأحمد. # وهنا مسائل تنازع العلماء فيها: مثل من نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم " ~~وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها. # وأما من ترك الصلاة جاهلا بوجوبها: مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن ~~الصلاة واجبة عليه فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال. وجهان في مذهب ~~أحمد: أحدها: عليه الإعادة مطلقا. وهو قول الشافعي وأحد الوجهين في مذهب ~~أحمد. والثاني: عليه الإعادة: إذا تركها بدار الإسلام دون دار الحرب وهو ~~مذهب أبي حنيفة؛ لأن دار الحرب دار جهل بعذر فيه؛ بخلاف دار الإسلام. ~~والثالث: لا إعادة عليه مطلقا. وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره. وأصل ~~هذين الوجهين: أن حكم الشارع هل يثبت في حق # PageV22P100 # المكلف قبل بلوغ الخطاب له فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد؛ وغيره. أحدها ~~يثبت مطلقا. والثاني: لا يثبت مطلقا. والثالث: يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون ~~الخطاب الناسخ كقضية أهل قباء وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل. فهل ~~يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم. وعلى هذا: لو ترك الطهارة الواجبة لعدم ~~بلوغ النص. مثل أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب ~~الوضوء أو يصلي في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليه إعادة ما ~~مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد. ونظيره أن يمس ذكره. ويصلي ثم يتبين ~~له وجوب الوضوء من مس الذكر. والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب ~~الإعادة. لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان ولأنه قال: {وما ms6680 كنا معذبين حتى ~~نبعث # PageV22P101 # رسولا} فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه ~~ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمارا لما أجنبا فلم يصل عمر ~~وصلى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما ~~كان يجنب ويمكث أياما لا يصلي وكذلك لم يأمر من أكل من الصحابة حتى يتبين ~~له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء كما لم يأمر من صلى إلى بيت ~~المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء. # ومن هذا الباب " المستحاضة " إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب ~~الصلاة عليها ففي وجوب القضاء عليها قولان: أحدهما لا إعادة عليها. كما نقل ~~عن مالك وغيره: لأن {المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني حضت ~~حيضة شديدة كبيرة منكرة منعتني الصلاة والصيام أمرها بما يجب في المستقبل ~~ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي} . وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في ~~النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه ~~واجبة؛ بل إذا قيل للمرأة: صلي تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة ظانة أنه لا ~~يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها. وفي اتباع الشيوخ # PageV22P102 # طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم فهؤلاء لا يجب عليهم في ~~الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل: كانوا كفارا أو كانوا معذورين بالجهل. وكذلك ~~من كان منافقا زنديقا يظهر الإسلام ويبطن خلافه وهو لا يصلي أو يصلي أحيانا ~~بلا وضوء أو لا يعتقد وجوب الصلاة فإنه إذا تاب من نفاقه وصلى فإنه لا قضاء ~~عليه عند جمهور العلماء والمرتد الذي كان يعتقد وجوب الصلاة ثم ارتد عن ~~الإسلام ثم عاد لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء. ~~كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه؛ فإن المرتدين الذين ارتدوا على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سعد بن أبي سرح وغيره مكثوا على ~~الكفر مدة ثم أسلموا ولم يأمر أحدا منهم بقضاء ms6681 ما تركوه وكذلك المرتدون على ~~عهد أبي بكر لم يؤمروا بقضاء صلاة ولا غيرها. وأما من كان عالما بوجوبها ~~وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها الموقت فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة ~~الأربعة وذهب طائفة منهم ابن حزم وغيره إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من ~~هؤلاء وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمدا والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV22P103 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عليه صلوات كثيرة. فاتته هل يصليها بسننها. أم الفريضة وحدها؟ وهل ~~تقضى في سائر الأوقات من ليل أو نهار؟ . # فأجاب: # المسارعة إلى قضاء الفوائت الكثيرة أولى من الاشتغال عنها بالنوافل وأما ~~مع قلة الفوائت فقضاء السنن معها حسن. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~نام هو وأصحابه عن الصلاة - صلاة الفجر - عام حنين قضوا السنة والفريضة. ~~ولما فاتته الصلاة يوم الخندق قضى الفرائض بلا سنن. والفوائت المفروضة تقضى ~~في جميع الأوقات فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أدرك ركعة من الفجر ~~قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى} والله أعلم. # و ### | سئل: # أيهما أفضل صلاة النافلة؟ أم القضاء؟ . # فأجاب: # إذا كان عليه قضاء واجب فالاشتغال به أولى من الاشتغال بالنوافل التي ~~تشغل عنه. # PageV22P104 # وسئل شيخ الإسلام: # عن رجل صلى ركعتين من فرض الظهر فسلم ثم لم يذكرها إلا وهو في فرض العصر ~~في ركعتين منها في التحيات. فماذا يصنع؟ . # فأجاب: # إن كان مأموما فإنه يتم العصر ثم يقضي الظهر وفي إعادة العصر قولان ~~للعلماء فإن هذه المسألة مبنية على أن صلاة الظهر بطلت بطول الفصل والشروع ~~في غيرها فيكون بمنزلة من فاتته الظهر ومن فاتته الظهر وحضرت جماعة العصر ~~فإنه يصلي العصر ثم يصلي الظهر ثم هل يعيد العصر؟ فيه قولان للصحابة ~~والعلماء. أحدهما: يعيدها وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور في مذهب أحمد. ~~والثاني: لا يعيد وهو قول ابن عباس ومذهب الشافعي. واختيار جدي. ومتى ذكر ~~الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها ولو لم يذكر ~~الفائتة حتى فرغت ms6682 الحاضرة فإن الحاضرة تجزئه عند جمهور العلماء. كأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد. وأما مالك فغالب ظني أن مذهبه أنها لا تصح والله أعلم. # PageV22P105 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل فاتته صلاة العصر: فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد أقيمت فهل يصلي ~~الفائتة قبل المغرب أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، بل يصلي المغرب مع الإمام ثم يصلي العصر باتفاق ~~الأئمة ولكن هل يعيد المغرب؟ فيه قولان. أحدهما: يعيد وهو قول ابن عمر ~~ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. والثاني: لا يعيد المغرب وهو قول ~~ابن عباس وقول الشافعي والقول الآخر في مذهب أحمد. والثاني أصح فإن الله لم ~~يوجب على العبد أن يصلي الصلاة مرتين إذا اتقى الله ما استطاع والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل دخل الجامع والخطيب يخطب وهو لا يسمع كلام # PageV22P106 # الخطيب فذكر أن عليه قضاء صلاة فقضاها في ذلك الوقت فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ ~~. # فأجاب: # الحمد لله، إذا ذكر أن عليه فائتة وهو في الخطبة يسمع الخطيب أو لا ~~يسمعه: فله أن يقضيها في ذلك الوقت إذا أمكنه القضاء وإدراك الجمعة بل ذلك ~~واجب عليه عند جمهور العلماء؛ لأن النهي عن الصلاة وقت الخطبة لا يتناول ~~النهي عن الفريضة والفائتة مفروضة في أصح قولي العلماء بل لا يتناول تحية ~~المسجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا دخل أحدكم المسجد والإمام ~~يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} ". وأيضا فإن فعل الفائتة في وقت النهي ~~ثابت في الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم {من أدرك ركعة من الفجر قبل أن ~~تطلع الشمس فقد أدرك الفجر} . وقد تنازع العلماء فيما إذا ذكر الفائتة عند ~~قيامه إلى الصلاة هل يبدأ بالفائتة وإن فاتته الجمعة؟ كما يقوله أبو حنيفة ~~أو يصلي الجمعة ثم يصلي الفائتة كما يقول الشافعي وأحمد وغيرهما. ثم هل ~~عليه إعادة الجمعة ظهرا؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وأصل هذا: أن ~~الترتيب في قضاء الفوائت واجب في الصلوات # PageV22P107 # القليلة عند الجمهور كأبي حنيفة ms6683 ومالك وأحمد بل يجب عنده في إحدى ~~الروايتين في القليلة والكثيرة. وبينهم نزاع في حد القليل كذلك يجب قضاء ~~الفوائت على الفور عندهم كذلك عند الشافعي إذا تركها عمدا في الصحيح عندهم ~~بخلاف الناسي. واحتج الجمهور بقول النبي صلى الله عليه وسلم " {من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وفي لفظ فإن ذلك ~~وقتها} . واختلف الموجبون للترتيب هل يسقط بضيق الوقت. على قولين هما ~~روايتان عن أحمد. لكن أشهرهما عنه أنه يسقط الترتيب. كقول أبي حنيفة ~~وأصحابه. والأخرى لا يسقط كقول مالك. كذلك هل يسقط بالنسيان؟ فيه في نزاع ~~نحو هذا. وإذا كانت المسارعة إلى قضاء الفائتة وتقديمها على الحاضرة بهذه ~~المزية: كان فعل ذلك في مثل هذا الوقت هو الواجب وأما الشافعي فإذا كان ~~يجوز تحية المسجد في هذا الوقت فالفائتة أولى بالجواز والله أعلم. # PageV22P108 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # في " اللباس في الصلاة " # وهو أخذ الزينة عند كل مسجد: الذي يسميه الفقهاء: (باب ستر العورة في ~~الصلاة) فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن ~~أعين الناظرين وهو العورة وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: {ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} ثم قال {ولا يبدين ~~زينتهن} يعني الباطنة {إلا لبعولتهن} الآية. فقال: يجوز لها في الصلاة أن ~~تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة. والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على ~~قولين فقال: ابن مسعود ومن وافقه؛ هي الثياب وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ~~في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في ~~النظر إلى المرأة الأجنبية. فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها ~~وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد. # PageV22P109 # وقيل: لا يجوز وهو ظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها. وهو ~~قول مالك. وحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة وزينة غير ~~ظاهرة وجوز لها إبداء ms6684 زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم. وكانوا قبل ~~أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ~~وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها ~~لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يا أيها ~~النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} حجب ~~النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع النساء ~~أن ينظرن ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من ~~أمهات المؤمنين. وإلا فهي مما ملكت يمينه فحجبها. فلما أمر الله أن لا ~~يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن ~~من جلابيبهن - و " الجلباب " هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره ~~الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر ~~بدنها. وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا # PageV22P110 # عينها ومن جنسه النقاب: فكن النساء ينتقبن. وفي الصحيح أن المحرمة لا ~~تنتقب ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر ~~الوجه أو ستر الوجه بالنقاب: كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا ~~تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة فابن ~~مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين. وعلى هذا فقوله: {أو ~~نسائهن أو ما ملكت أيمانهن} يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة ~~لمملوكها. وفيه قولان: قيل المراد الإماء والإماء الكتابيات. كما قاله ابن ~~المسيب ورجحه أحمد وغيره وقيل: هو المملوك الرجل: كما قاله ابن عباس وغيره ~~وهو الرواية الأخرى عن أحمد. فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد ~~جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من ~~حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد ~~أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما ms6685 يسافر بها. كغير أولي الإربة؛ ~~فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر ~~جاز له السفر بها ولا الخلوة بها؛ بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا ~~يخلو بها ولا يسافر بها # PageV22P111 # فإنه لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " {لا تسافر امرأة إلا مع زوج ~~أو ذي محرم} " فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق كما يجوز لزوج أختها أن ~~يتزوجها إذا طلق أختها والمحرم من تحرم عليه على التأبيد؛ ولهذا قال ابن ~~عمر: سفر المرأة مع عبدها ضيعة. فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم ~~وغيرهم وحديث السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم وذكر في الآية نساءهن أو ما ~~ملكت أيمانهن وغير أولي الإربة وهي لا تسافر معهم. وقوله: {أو نسائهن} قال: ~~احتراز عن النساء المشركات. فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن ~~الحمام لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ~~ويديها بخلاف الرجال فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات ~~وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة ويكون الظهور والبطون بحسب ما ~~يجوز لها إظهاره؛ ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة وللزوج خاصة ليست ~~للأقارب. وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} دليل على أنها تغطي العنق ~~فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها. # PageV22P112 # فصل: # فهذا ستر النساء عن الرجال وستر الرجال عن الرجال والنساء عن النساء في ~~العورة الخاصة كما قال صلى الله عليه وسلم " {لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ~~ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة} " وكما قال: " {احفظ عورتك إلا عن زوجتك ~~أو ما ملكت يمينك. قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا ~~يرينها أحد فلا يراها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا. قال: فالله أحق أن يستحيا ~~منه} ". {ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد والمرأة إلى المرأة في ~~ثوب واحد} وقال عن الأولاد: " {مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا ms6686 بينهم في المضاجع} " فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير لما في ذلك ~~من القبح والفحش. وأما الرجال مع النساء فلأجل شهوة النكاح فهذان نوعان وفي ~~الصلاة نوع ثالث؛ فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار وفي غير ~~الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله فليس ~~لأحد أن يطوف بالبيت عريانا ولو # PageV22P113 # كان وحده بالليل ولا يصلي عريانا ولو كان وحده فعلم أن أخذ الزينة في ~~الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس فهذا نوع وهذا نوع. وحينئذ فقد يستر المصلي ~~في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن ~~الرجال: فالأول: مثل المنكبين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي ~~الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. فهذا لحق الصلاة ويجوز له ~~كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار} " وهي لا ~~تختمر عند زوجها ولا عند ذوي محارمها فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة ~~لهؤلاء ولا يجوز لها في الصلاة أن يكشف رأسها لهؤلاء ولا لغيرهم. وعكس ذلك: ~~الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ~~ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب. وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب ~~باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء كأبي ~~حنيفة والشافعي وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد. فكذلك القدم يجوز ~~إبداؤه عند أبي حنيفة وهو الأقوى. فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة. ~~قالت: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قالت: " الفتخ " حلق # PageV22P114 # من فضة تكون في أصابع الرجلين. رواه ابن أبي حاتم. فهذا دليل على أن ~~النساء كن يظهرن أقدامهن أولا كما يظهرن الوجه واليدين كن يرخين ذيولهن فهي ~~إذا مشت قد يظهر قدمها ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية وتغطية هذا في الصلاة ~~فيه ms6687 حرج عظيم. وأم سلمة قالت: " تصلي المرأة في ثوب سابغ يغطي ظهر قدميها " ~~فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم. وبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس ~~عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك ~~إذا خرجت. وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رئي وجهها ويداها وقدماها كما كن ~~يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة ~~بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. وابن مسعود رضي الله عنه لما قال: الزينة ~~الظاهرة هي الثياب لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها بل هذا قول أحمد يعني ~~أنها تشترط في الصلاة؛ فإن الفقهاء يسمون ذلك: (باب ستر العورة وليس هذا من ~~ألفاظ الرسول ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره. المصلي فهو عورة؛ بل قال ~~تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} {ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف ~~بالبيت عريانا} فالصلاة أولى. وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد. فقال: " {أو ~~لكلكم ثوبان؟} # PageV22P115 # وقال في الثوب الواحد: {إن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به} " ~~" {ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء} . فهذا دليل على ~~أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ وغيره وإن جوزنا للرجل النظر إلى ~~ذلك. فإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد: أن العورة ~~السوأتان وأن الفخذ ليست بعورة فهذا في جواز نظر الرجل إليها؛ ليس هو في ~~الصلاة والطواف فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو ~~لا. ولا يطوف عريانا. بل عليه أن يصلي في ثوب واحد ولا بد من ذلك إن كان ~~ضيقا اتزر به وإن كان واسعا التحف به؛ كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه ~~تغطية ذلك باتفاق العلماء. وأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على ~~الإزار فهذا لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ومن بنى ذلك على ~~الروايتين في العورة كما فعله ms6688 طائفة فقد غلطوا؛ ولم يقل أحمد ولا غيره: أن ~~المصلي يصلي على هذه الحال. كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين فكيف يبيح له ~~كشف الفخذ فهذا هذا. # PageV22P116 # وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليا ولم يختلف في أنه في ~~الصلاة لا بد من اللباس لا تجوز الصلاة عريانا مع قدرته على اللباس باتفاق ~~العلماء؛ ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعودا ويكون إمامهم وسطهم ~~بخلاف خارج الصلاة وهذه الحرمة لا لأجل النظر. وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حديث {بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال: قلت يا رسول الله فإذا ~~كان أحدنا خاليا. قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس} " فإذا كان هذا ~~خارج الصلاة فهو في الصلاة أحق أن يستحيا منه فتؤخذ الزينة لمناجاته ~~سبحانه. ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت ~~إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا. قال: فالله أحق من يتجمل له. وفي الحديث ~~الصحيح لما قيل له - صلى الله عليه وسلم - {الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ~~ونعله حسنا. فقال: إن الله جميل يحب الجمال} . وهذا كما أمر المصلي ~~بالطهارة والنظافة. والطيب فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ ~~المساجد في البيوت وتنظف وتطيب وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر ~~الرجل من الرجل والمرأة من المرأة. ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة ~~وأما وجهها # PageV22P117 # ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تنه عن إبدائه ~~للنساء ولا لذوي المحارم. فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل والمرأة ~~مع المرأة التي نهي عنها؛ لأجل الفحش وقبح كشف العورة. بل هذا من مقدمات ~~الفاحشة فكان النهي عن إبدائها نهيا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية: ~~{ذلكم أزكى لكم} وقال في آية الحجاب: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} فنهى عن ~~هذا سدا للذريعة؛ لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها فهذا هذا. ms6689 وأمر ~~المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدا واليدان يسجدان كما يسجد الوجه ~~والنساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لهن قمص وكن يصنعن ~~الصنائع والقمص عليهن فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت وخبزت ولو كان ستر ~~اليدين في الصلاة واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك القدمان. ~~وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص فكن يصلين بقمصهن وخمرهن: {وأما الثوب ~~التي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شبرا ~~فقلن: إذن تبدو سوقهن فقال: ذراع لا يزدن عليه} . وقول عمر بن أبي ربيعة: # PageV22P118 # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # فهذا كان إذا خرجن من البيوت؛ ولهذا {سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان ~~القذر فقال: يطهره ما بعده} ". وأما في نفس البيت فلم تكن تلبس ذلك. كما أن ~~الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن وهن لا يلبسنها في ~~البيوت؛ ولهذا قلن: إذن تبدوا سوقهن. فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب ~~إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي. وقد روي: {أعروا النساء يلزمن ~~الحجال} يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه في الخروج لزمت البيت وكن نساء ~~المسلمين يصلين في بيوتهن. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا تمنعوا ~~إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن} " ولم يؤمرن مع القمص إلا بالخمر لم ~~تؤمر بسراويل لأن القميص يغني عنه ولم تؤمر بما يغطي رجليها لا خف ولا جورب ~~ولا بما يغطي يديها لا بقفازين ولا غير ذلك. فدل على أنه لا يجب عليها في ~~الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب. وقد روي: {أن الملائكة لا ~~تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر إليها} وروي في ~~ذلك حديث عن خديجة. # PageV22P119 # فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحق الصلاة كما يؤمر الرجل إذا ~~صلى في ثوب واسع أن يلتحف به فيغطي عورته ومنكبيه فالمنكبان في حقه كالرأس ~~في حق المرأة ms6690 لأنه يصلي في قميص أو ما يقوم مقام القميص. وهو في الإحرام لا ~~يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس ~~القفازين. وأما رأسه فلا يخمره ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره؛ ~~قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى. وقيل: إنه كيديه فلا تغطى بالنقاب والبرقع ~~ونحو ذلك مما صنع على قدره وهذا هو الصحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم ينه إلا عن القفازين والنقاب. وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من ~~الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه فعلم أن وجهها كيدي الرجل ويديها؛ ~~وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم فلها أن تغطي وجهها ويديها لكن بغير ~~اللباس المصنوع بقدر العضو كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV22P120 # و ### | سئل: # عن الصلاة في النعل ونحوه؟ # فأجاب: # أما الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم والمداس والزربول وغير ذلك: فلا ~~يكره بل هو مستحب؛ لما ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يصلي في نعليه} . وفي السنن عنه أنه قال: {إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم} فأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود. وإذا علمت طهارتها لم ~~تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين وأما إذا تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى ~~تطهر. لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك. كما جاءت به السنة ~~سواء كانت النجاسة عذرة أو غير عذرة. فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة ~~النجاسة له فهو بمنزلة السبيلين فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتا ~~بالسنة المتواترة فكذلك هذا. # PageV22P121 # وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه ولو تيقن بعد الصلاة أنه ~~كان نجسا فلا إعادة عليه في الصحيح كذلك غيره كالبدن والثياب والأرض. # و ### | سئل: # عن لبس القباء في الصلاة # إذا أراد أن يدخل يديه في أكمامه هل يكره أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا بأس بذلك. فإن الفقهاء ذكروا جواز ذلك؛ وليس ms6691 هو مثل السدل ~~المكروه لما فيه من مشابهة اليهود؛ فإن هذه اللبسة ليست من ملابس اليهود ~~والله أعلم. # وسئل: # عن الفراء من جلود الوحوش هل تجوز الصلاة فيها؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما جلد الأرنب فتجوز الصلاة فيه بلا ريب وأما الثعلب ففيه ~~نزاع والأظهر جواز الصلاة فيه وجلد الضبع كذلك كل جلد غير جلود السباع التي ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبسها. # PageV22P122 # و ### | سئل: # عن المرأة إذا ظهر شيء من شعرها في الصلاة # هل تبطل صلاتها أم لا؟ # فأجاب: # إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها الإعادة عند أكثر ~~العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وإن انكشف شيء كثير أعادت الصلاة في ~~الوقت عند عامة العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم والله أعلم. # و ### | سئل: # عن المرأة إذا صلت وظاهر قدمها مكشوف، # هل تصح صلاتها؟ # فأجاب: # هذا فيه نزاع بين العلماء ومذهب أبي حنيفة صلاتها جائزة وهو أحد القولين. # PageV22P123 # وقال - رحمه الله -: ### | فصل في " محبة الجمال " # (*) # ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يدخل الجنة أحد ~~في قلبه مثقال حبة خردل من كبر وفي رواية: لا يدخل الجنة من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر فقال: رجل يا رسول الله: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ~~ونعله حسنا فقال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس.} ~~فقوله: " {إن الله جميل يحب الجمال} " قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي ~~المسئول عنها فعلم أن الله يحب الجميل من الناس ويدخل في عمومه بطريق ~~الفحوى الجميل من كل شيء. وهذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي: " {إن ~~الله نظيف يحب النظافة} ". وقد ثبت عنه في الصحيح: " {إن الله طيب لا يقبل ~~إلا طيبا} " PageV22P124 # وهذا مما يستدل به على استحباب التجمل في الجمع والأعياد. كما في ~~الصحيحين {أن عمر بن الخطاب رأى حلة تباع ms6692 في السوق فقال: يا رسول الله لو ~~اشتريت هذه تلبسها فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة} " وهذا ~~يوافقه في حسن الثياب ما في السنن {عن أبي الأحوص الجشمي قال: رآني النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلي أطمار فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم قال: من أي ~~المال قلت: من كل ما آتاني الله من الإبل والشاء قال: فلتر نعمة الله عليك ~~وكرامته عليك} . وفيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده} لكن هذا لظهور ~~نعمة الله وما في ذلك من شكره وأنه يحب أن يشكر وذلك لمحبة الجمال. وهذا ~~الحديث قد ضل قوم بما تأولوه رأوه معارضا. وكل مصنوع الرب جميل لقول الله ~~تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} فيحب كل شيء وقد يستدلون بقول بعض المشايخ: ~~المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب # PageV22P125 # والمخلوقات كلها مرادة له وهؤلاء يصرح أحدهم بإطلاق الجمال في كل شيء ~~وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله والنهي عن المنكر والبغض في ~~الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده وهم في ذلك متناقضون إذ لا يتمكنون من ~~الرضا بكل موجود. فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم فيبقى أحدهم مع ~~طبعه وذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم في الاتحاد والحلول ~~المطلق وفيهم من يخص الحلول والاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح أو علي أو ~~غيرهما أو المشايخ والملوك والمردان. فيقولون: بحلوله في الصور الجميلة ~~ويعبدونها ومنهم من لا يرى ذلك بل يتدين بحب الصور الجميلة من النساء ~~الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله فيحبه هو ~~ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما ~~يقرب إليه {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء} والآخرون قالوا: قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ms6693 ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} وقد قال تعالى عن المنافقين: ~~{وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} وقال تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن # PageV22P126 # هم أحسن أثاثا ورئيا} والأثاث المال من اللباس ونحوه. والرئي المنظر. ~~فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأحسن أثاثا وأموالا ليبين أن ~~ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا فضل ~~لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض ~~إلا بالتقوى} وفي السنن عنه أنه قال: {البذاذة من الإيمان} وأيضا فقد حرم ~~علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو من أعظم الجمال في ~~الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء كإطالة ~~الثياب حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال: " {من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله ~~إليه يوم القيامة} ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبي هريرة {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا} " وفي ~~الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينما رجل يجر إزاره ~~من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة} وقال تعالى: {يا ~~بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ~~ذلك من آيات الله} فأخبر أن لباس التقوى خير من ذلك. وقال تعالى: {أومن ~~ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} وقال تعالى في حق قارون: {فخرج على # PageV22P127 # قومه في زينته} . قالوا: بثياب الأرجوان. ولهذا ثبت {عن عبد الله بن عمرو ~~قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ~~ثياب الكفار فلا تلبسهما. قلت: أغسلهما قال: احرقهما} ولهذا كره العلماء ~~الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهي عن الميثرة الحمراء. وقال عمر بن الخطاب: ~~دعوا هذه البراقات للنساء. ms6694 والآثار في هذا ونحوه كثيرة. وقال تعالى: {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} إلى قوله {وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله قال: " {سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك} وفي السنن أنه قال لعلي: {يا علي لا ~~تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة} . وقد قال تعالى: ~~{ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى} وقال: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين} وقال: {زين للناس حب الشهوات من ~~النساء} إلى قوله {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار} وقد قال تعالى - مع ذمه لما ذمه من # PageV22P128 # هذه الزينة -: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} . فنقول: اعلم أن ~~ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للأجناس. المحبوبة وما يبغضه من ~~ذلك هو مثل ما يأمر به من الأفعال وينهى عنه من ذلك؛ فإن الحب والبغض هما ~~أصل الأمر والنهي وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب ويتوعد ~~به على الأعمال السيئة من العقاب فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه ~~وثوابه وعقابه كل ذلك من. . . (1) . # وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول ~~الدين وفروعه فإن من أكبر شعبها " مسألة الأسماء والأحكام " في فساق أهل ~~الملة. وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة ~~والجماعة أم لا يجتمع ذلك؟ كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة. وهل يكون ~~الشيء الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من وجه محمودا من وجه مذموما من وجه؟ ~~وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. والتعارض بين ~~النصوص ms6695 إنما هو لتعارض المقتضي للحمد والذم من الصفات PageV22P129 # القائمة بذلك؛ ولهذا كان هذا الجنس موجبا للفرقة والفتنة. فأول مسألة ~~فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد فخلدوه ~~في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان شيء خيرا محضا لم يوجب فرقة ولو كان ~~شرا محضا لم يخف أمره لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة. وكذلك " مسألة ~~القدر " التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة ~~التي نهى الله عنها: أنها مرادة له لكونها من الموجودات وأنها غير محبوبة ~~له بل ممقوتة مبغوضة فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته؛ ولهذا لما قال ~~غيلان القدري لربيعة بن أبي عبد الرحمن: يا ربيعة نشدتك الله أترى الله يحب ~~أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أفترى الله يعصى قسرا فكأنه ألقمه حجرا. يقول له: ~~نزهته عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا مقسورا. وقال ~~من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم أن يكون الكفر ~~والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا. وقالوا أيضا: يأمر بما لا يريد وكل ما ~~أمر به من الحسنات # PageV22P130 # فإنه لم يرده وربما قالوا: ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد. قالوا. ولكن ~~أمر به وطلبه. فقيل لهم: هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ~~ولا رضى. هذا جمع بين النقيضين فتحيروا. فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته ~~وإرادته العامة وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ~~ونهيه من ذلك. فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابا ~~معاقبا: بل إما مثابا وإما معاقبا فهؤلاء لم يثبتوا أن الفعل الواحد يكون ~~مرادا من وجه دون وجه مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب وإما غير مراد ولا ~~محبوب. وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم ~~يثبتوا إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة ~~تكون مع الفعل. أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل وهؤلاء نفوا ms6696 ~~القدرة الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه وهذا من أصول تفرقهم في " ~~مسألة تكليف ما لا يطاق ". وانقسموا إلى قدرية مجوسية؛ تثبت الأمر والنهي ~~وتنفي القضاء والقدر. وإلى قدرية مشركية شر منهم: تثبت القضاء والقدر وتكذب ~~بالأمر والنهي أو ببعض ذلك وإلى قدرية إبليسية: تصدق بالأمر لكن ترى ذلك ~~تناقضا مخالفا للحق والحكمة وهذا # PageV22P131 # شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل. تجد فريقا يقولون: بهذا دون ~~هذا وفريقا بالعكس أو الأمرين فاعتقدوا تناقضهما فصاروا متحيرين معرضين عن ~~التصديق بهما جميعا ومتناقضين مع هذا تارة ومع هذا تارة وهذا تجده في مسائل ~~الكلام والاعتقادات ومسائل الإرادة والعبادات. كمسألة السماع الصوتي ومسألة ~~الكلام ومسائل الصفات وكلام الله تعالى وغير ذلك من المسائل. وأصل هذا كله: ~~هو العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله يقول: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} . وقد بسطنا ~~القول في ذلك. وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله: في غير موضع. ~~والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا أو متعسرا إما علمه وإما العمل به لكون ~~التماثل من كل وجه غير متمكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان ~~أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى؛ ولهذا قال سبحانه: {وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} . # PageV22P132 # وسئل: # عن المتنزه عن الأقمشة الثمينة مثل الحرير والكتان المتغالى في تحسينه ~~وما ناسبها: هل في ترك ذلك أجر أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما ما حرمه الله ورسوله كالحرير فإنه يثاب على ~~تركه كما يعاقب على فعله. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من يلبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة} وقال عن الحرير والذهب: ~~{هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها} . وأما المباحات: فيثاب على ترك ~~فضولها وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة دينه كما أن الإسراف في المباحات منهي ~~عنه كما قال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان ms6697 بين ذلك ~~قواما} وقال تعالى عن أصحاب النار: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} {وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم} وقال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} وقال تعالى: {وآت # PageV22P133 # ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} {إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} . والإسراف في المباحات هو مجاوزة ~~الحد وهو من العدوان المحرم وترك فضولها هو من الزهد المباح. وأما الامتناع ~~من فعل المباحات مطلقا كالذي يمتنع من أكل اللحم وأكل الخبز أو شرب الماء ~~أو لبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا الصوف ويمتنع من نكاح النساء ويظن أن ~~هذا من الزهد المستحب فهذا جاهل ضال من جنس زهاد النصارى. قال الله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم ~~به مؤمنون} نزلت هذه الآية بسبب أن جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا على ~~ترك أكل الطيبات. كاللحم ونحوه وترك النكاح. وفي الصحيحين عن أنس {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: ما بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر ~~ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام ويقول الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. ~~لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني} . # PageV22P134 # وفي صحيح البخاري {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس. ~~فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يستظل ولا يتكلم ~~ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه أن يستظل وأن يتكلم وأن يجلس ~~ويتم صومه} وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} . فأمر بالأكل من الطيبات والشكر له ~~والطيب هو ما ينفع الإنسان وحرم الخبائث وهو ما يضره وأمر بشكره وهو العمل ~~بطاعته بفعل المأمور وترك المحذور. ms6698 وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {إن الله ليرضى على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب ~~الشربة فيحمده عليها} وقال تعالى: {كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} فمن أكل ~~من الطيبات ولم يشكر ولم يعمل صالحا كان معاقبا على ما تركه من الواجبات ~~ولم تحل له الطيبات. فإنه إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته؛ لا لمن ~~يستعين بها على معصيته كما قال تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} وقال الخليل: # PageV22P135 # {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر ~~فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} . ولهذا لا يجوز أن ~~يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي مثل من يعطي الخبز واللحم لمن يشرب ~~عليه الخمر ويستعين به على الفواحش. ومن حرم الطيبات التي أحلها الله من ~~الطعام واللباس والنكاح وغير ذلك واعتقد أن ترك ذلك مطلقا هو أفضل من فعله ~~لمن يستعين به على طاعة الله كان معتديا معاقبا على تحريمه ما أحل الله ~~ورسوله وعلى تعبده لله تعالى بالرهبانية ورغبته عن سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى ما فرط فيه من الواجبات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ~~كذلك من أسرف في بعض العبادات: كسرد الصوم ومداومة قيام الليل حتى يضعفه ~~ذلك عن بعض الواجبات كان مستحقا للعقاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعبد الله بن عمرو: " {إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ~~فآت كل ذي حق حقه} . # ف ### | أصل الدين فعل الواجبات وترك المحرمات. # فما تقرب العبد # PageV22P136 # إلى الله بأفضل من أداء ما افترض عليه ولا يزال العبد يتقرب إلى الله ~~بالنوافل حتى يحبه. فالنوافل المستحبة التي لا تمنع الواجبات: مما يرفع ~~الله بها الدرجات وترك فضول المباحات وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا ~~مستحب مع الإيثار ms6699 بها مما يثيب الله فاعله عليه ومن تركها لمجرد البخل لا ~~للتقرب إلى الله لم يكن محمودا. ومن امتنع عن نوع من الأنواع التي أباحها ~~الله على وجه التقرب بتركها فهو مخطئ ضال ومن تناول ما أباحه الله من ~~الطعام واللباس مظهرا لنعمة الله مستعينا على طاعة الله كان مثابا على ذلك ~~وقوله تعالى {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} أي عن شكر النعيم فيطالب العبد ~~بأداء شكر نعمة الله على النعيم؛ فإن الله سبحانه لا يعاقب على ما أباح ~~وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور. وهذه القواعد الجامعة تبين المسائل ~~المذكورة وغيرها. وأما الحرير: فهو حرام على الرجال إلا في مواضع مستثناة ~~فمن لبس ما حرم الله ورسوله فهو آثم. وأما الكتان والقطن ونحوهما فمن تركه ~~مع الحاجة فهو جاهل ضال ومن أسرف فيه فهو مذموم. ومن تجمل بلبسه إظهارا ~~لنعمة الله عليه فهو مشكور على ذلك # PageV22P137 # فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة ~~أحب أن يرى أثر نعمه عليه} " وقال: " {إن الله جميل يحب الجمال} ومن ترك ~~لبس الرفيع من الثياب تواضعا لله لا بخلا ولا التزاما للترك مطلقا فإن الله ~~يثيبه على ذلك ويكسوه من حلل الكرامة. وتكره الشهرة من الثياب وهو المترفع ~~الخارج عن العادة والمتخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون ~~الشهرتين المترفع والمتخفض وفي الحديث " {من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب ~~مذلة} ". وخيار الأمور أوساطها. والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على ~~فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة فمن حج ماشيا ~~لقوته على المشي وآثر بالنفقة كان مأجورا أجرين أجر المشي وأجر الإيثار. ~~ومن حج ماشيا بخلا بالمال إضرارا بنفسه كان آثما إثمين: إثم البخل وإثم ~~الإضرار ومن حج راكبا؛ لضعفه عن المشي وللاستعانة بذلك على راحته ليتقوى ~~بذلك على العبادة كان مأجورا أجرين ومن حج راكبا يظلم الجمال والحمال كان ~~آثما إثمين. وكذلك اللباس: فمن ترك جميل الثياب بخلا بالمال ms6700 لم يكن له أجر ~~ومن تركه متعبدا بتحريم المباحات كان آثما ومن لبس # PageV22P138 # جميل الثياب إظهارا لنعمة الله واستعانة على طاعة الله كان مأجورا. ومن ~~لبسه فخرا وخيلاء كان آثما. فإن الله لا يحب كل مختال فخور. ولهذا حرم ~~إطالة الثوب بهذه النية كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" {من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله إن طرف إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال: يا أبا بكر إنك لست ~~ممن يفعله خيلاء} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{بينما رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة} . فهذه المسائل ونحوها تتنوع بتنوع علمهم واعتقادهم والعبد مأمور ~~أن يقول في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} والله سبحانه وتعالى أعلم. # و ### | سئل: # عن الحرير المحض: هل يجوز للخياط خياطته للرجال؟ # وهل أجرته حرام؟ وهل ينكر عليه لذلك؟ وهل تباح الخياطة بخيوط الحرير في ~~غير الحرير؟ وهل تجوز خياطته للنساء؟ . # PageV22P139 # فأجاب: # الحمد لله، لا يجوز خياطة الحرير لمن يلبس لباسا محرما. مثل لبس الرجل ~~للحرير المصمت في غير حال الحرب ولغير التداوي فإن هذا من الإعانة على ~~الإثم والعدوان. وكذلك صنعة آنية الذهب والفضة على أصح القولين عند جماهير ~~العلماء. وكذلك صنعة آلات الملاهي ومثل تصوير الحيوان وتصوير الأوثان ~~والصلبان وأمثال ذلك مما يكون فيه تصوير الشيء على صورة يحرم استعماله ~~فيها. وكذلك صنعة الخمر وأما أمكنة المعاصي والكفر ونحو ذلك والعوض المأخوذ ~~على هذا العمل المحرم خبيث ويجب إنكار ذلك. وأما خياطته لمن يلبسه لبسا ~~جائزا فهو مباح: كخياطته للنساء وإن كان الرجل يمسه عند الخياطة فإن هذا ~~ليس من المحرم ومثل ذلك صناعة. الذهب والفضة لمن يستعمله استعمالا مباحا. ~~ويجوز استعمال خيوط الحرير في لباس الرجال كذلك يباح العلم والسجاف ونحو ~~ذلك مما جاءت به السنة ms6701 بالرخصة فيه وهو ما كان موضع إصبعين أو ثلاثة أو ~~أربعة وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة مكفوفة بحرير. # PageV22P140 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب. فهل عليه إثم في خياطته؟ وهل ~~تكون أجرته حلالا أم لا؟ . # فأجاب: # نعم إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما؛ لأنه أعان على الإثم ~~والعدوان. ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها ومعتصرها ~~وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها. ~~وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها؛ ولهذا ~~ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما كقتال المسلمين والقتال في ~~الفتنة فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصي فكيف بالإعانة على الكفر ~~وشعائر الكفر. والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة ولا بيعه صليبا كما ~~لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير # PageV22P141 # والأصنام} . وثبت عنه أنه لعن المصورين وأنه كان لا يرى في البيت صورة ~~إلا قضبه. فصانع الصليب ملعون لعنه الله ورسوله. ومن أخذ عوضا عن عين محرمة ~~أو نفع استوفاه مثل أجرة حمال الخمر وأجرة صانع الصليب وأجرة البغي ونحو ~~ذلك فليتصدق بها وليتب من ذلك العمل المحرم وتكون صدقته بالعوض كفارة لما ~~فعله؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث ولا يعاد إلى ~~صاحبه لأنه قد استوفى العوض ويتصدق به. كما نص على ذلك من نص من العلماء. ~~كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم. # وسئل: # عمن يتجر في الأقباع: هل يجوز له بيع القبع المرعزي وشراؤه؟ والاكتساء ~~منه؟ وما يجري مجراه من الحرير الصامت؟ أو يحرم عليه لكون القبع لبس الرجال ~~دون النساء؟ وهل يجوز بيعه للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ؟ أو لليهود ~~والنصارى أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. # فأجاب: # أما ms6702 أقباع الحرير فيحرم لبسها على الرجال ولأنها حرير # PageV22P142 # ولبس الحرير حرام على الرجال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~العلماء. وإن كان مبطنا بقطن أو كتان. وأما على النساء؛ فلأن الأقباع من ~~لباس الرجال وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ~~والمتشبهين من الرجال بالنساء. وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا: ~~ففيه قولان مشهوران للعلماء؛ لكن أظهرهما أنه لا يجوز فإن ما حرم على الرجل ~~فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ~~ويضربه عليها إذا بلغ عشرا فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات. وقد رأى عمر بن ~~الخطاب على صبي للزبير ثوبا من حرير فمزقه وقال: " لا تلبسوهم الحرير " ~~وكذلك ابن مسعود مزق ثوب حرير كان على ابنه وما حرم لبسه لم تحل صنعته ولا ~~بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم. ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم فلا يحل ~~للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه فإن ذلك إعانة على ~~الإثم والعدوان وهو مثل الإعانة على الفواحش ونحوها وكذلك لا يباع # PageV22P143 # الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم وأما بيع الحرير للنساء فيجوز. وكذلك ~~إذا بيع لكافر فإن {عمر بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى رجل مشرك} . # وسئل: # هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في أكمامه مكروه؟ . # فأجاب: # لا بأس بذلك باتفاق الفقهاء وقد ذكروا جواز ذلك وليس هذا من السدل ~~المكروه لأن هذه اللبسة ليست لبسة اليهود. # وسئل: # عن طول السراويل إذا تعدى عن الكعب هل يجوز؟ . # فأجاب: # طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل من ~~الكعبين. كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال:: {الإسبال في السراويل والإزار والقميص} يعني نهى عن الإسبال. # PageV22P144 # وسئل - رحمه الله -: # عن لبس الكوفية للنساء. ما حكمها إذا كانت بالدائر والفرق؟ وفي لبسهن ~~الفراجي؟ وما الضابط ms6703 في التشبه بالرجال في الملبوس؟ هل هو بالنسبة إلى ما ~~كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل زمان بحسبه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الكوفية التي بالفرق والدائر من غير أن تستر الشعر المسدول هي ~~من لباس الصبيان والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم. وهذا النوع قد يكون أول ~~من فعله من النساء قصدت التشبه بالمردان كما يقصد بعض البغايا أن تضفر ~~شعرها ضفيرا واحدا مسدولا بين الكتفين وأن ترخي لها السوالف وأن تعتم؛ ~~لتشبه المردان في العمامة والعذار والشعر. ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك لا ~~تقصد هذا؛ لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال. وقد استفاضت السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصحاح وغيرها بلعن المتشبهات من النساء بالرجال ~~والمتشبهين من الرجال بالنساء وفي رواية " {أنه لعن المخنثين من الرجال ~~والمترجلات من # PageV22P145 # النساء} وأمر بنفي المخنثين. وقد نص على نفيهم الشافعي وأحمد وغيرهما. ~~وقالوا جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفي في حد الزنا ونفي ~~المخنثين. وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: {صنفان من أهل النار من أمتي لم ~~أرهما بعد: كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا ~~يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها ~~عباد الله} . وفي السنن أنه {مر بباب أم سلمة وهي تعتصب فقال: يا أم سلمة ~~لية لا ليتين} وقد فسر قوله: {كاسيات عاريات} بأن تكتسي ما لا يسترها فهي ~~كاسية وهي في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها؛ أو ~~الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك. وإنما ~~كسوة المرأة ما يسترها فلا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا. ~~ومن هنا يظهر الضابط في نهيه صلى الله عليه وسلم عن تشبه الرجال بالنساء ~~وعن تشبه النساء بالرجال وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما يختاره ~~الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم ~~على ms6704 أن يلبس الرجال الخمر التي # PageV22P146 # تغطي الرأس والوجه والعنق والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر ~~من لابسها إلا العينان وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك ~~أن يكون هذا سائغا. وهذا خلاف النص والإجماع. فإن الله تعالى قال للنساء: ~~{وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} الآية وقال: ~~{قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين} الآية. وقال: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} . فلو كان ~~اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء أو الرجال ~~باختيارهم وشهوتهم لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن بالخمر على ~~الجيوب ولم يحرم عليهن التبرج تبرج الجاهلية الأولى؛ لأن ذلك كان عادة ~~لأولئك وليس الضابط في ذلك لباسا معينا من جهة نص النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو من جهة عادة الرجال والنساء على عهده بحيث يقال: إن ذلك هو الواجب وغيره ~~يحرم. فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابا طويلات الذيل. بحيث ينجر خلف ~~المرأة إذا خرجت والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين؛ ولهذا ~~لما {نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن إسبال الإزار وقيل له: ~~فالنساء؟ قال: يرخين شبرا قيل له: إذن # PageV22P147 # تنكشف سوقهن قال: ذراعا لا يزدن عليه} قال الترمذي حديث صحيح. حتى إنه ~~لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم مرت به على ~~مكان طيب أنه يطهر بذلك وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد وغيره ~~جعل المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة فيطهر بالجامد كما ~~يطهر السبيلان بالجامد لما تكرر ملاقاتهما النجاسة. ثم إن هذا ليس معينا ~~للستر فلو لبست المرأة سراويل أو خفا واسعا صلبا كالموق وتدلى فوقه الجلباب ~~بحيث لا يظهر حجم القدم لكان هذا محصلا للمقصود بخلاف الخف اللين الذي يبدي ~~حجم القدم؛ فإن هذا من لباس الرجال. وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة ~~لحاجتها إلى ms6705 ذلك إلى دفع البرد لم تنه عن ذلك. فلو قال قائل: لم يكن النساء ~~يلبسن الفراء قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة فالبلاد الباردة يحتاج فيها إلى ~~غلظ الكسوة وكونها مدفئة وإن لم يحتج إلى ذلك في البلاد الحارة فالفارق بين ~~لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء. وهو ما ~~يناسب ما يؤمر به الرجال وما تؤمر به النساء. فالنساء مأمورات # PageV22P148 # بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في ~~الأذان ولا التلبية ولا الصعود إلى الصفا والمروة ولا التجرد في الإحرام. ~~يتجرد الرجل. فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه وأن لا يلبس الثياب المعتادة ~~وهي التي تصنع على قدر أعضائه فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا ~~الخف لكن لما كان محتاجا إلى ما يستر العورة ويمشي فيه رخص له في آخر الأمر ~~إذا لم يجد إزارا أن يلبس سراويل وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين. وجعل ذلك ~~بدلا للحاجة العامة بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد فإن عليه ~~الفدية إذا لبسه ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس وخالفه الأكثرون للحديث ~~الصحيح. ولأجل الفرق بين هذا وهذا. وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من ~~اللباس؛ لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك لكن منعت أن ~~تنتقب وأن تلبس القفازين؛ لأن ذلك لباس مصنوع على قدر العضو ولا حاجة بها ~~إليه. # وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره. فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا # PageV22P149 # سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه. كما يجافى عن الرأس ما يظلل ~~به. ومن جعله كاليدين - وهو الصحيح - قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما ~~نهيت عن الانتقاب. كما نهيت عن القفازين؛ وذلك كما نهى الرجل عن القميص ~~والسراويل ونحو ذلك. ففي معناه البرقع وما صنع لستر الوجه. فأما تغطية ~~الوجه بما يسدل من فوق الرأس فهو مثل تغطيته عند ms6706 النوم بالملحفة ونحوها. ~~ومثل تغطية اليدين بالكمين وهي لم تنه عن ذلك. فلو أراد الرجال أن ينتقبوا ~~ويتبرقعوا ويدعوا النساء باديات الوجوه لمنعوا من ذلك. كذلك المرأة أمرت أن ~~تجتمع في الصلاة ولا تجافي بين أعضائها وأمرت أن تغطي رأسها فلا يقبل الله ~~صلاة حائض إلا بخمار ولو كانت في جوف بيت لا يراها أحد من الأجانب فدل ذلك ~~على أنها مأمورة من جهة الشرع بستر لا يؤمر به الرجل حقا لله عليها وإن لم ~~يرها بشر. وقد قال تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن ~~خير لهن} وقال: {صلاة إحداكن # PageV22P150 # في مخدعها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في ~~دارها وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في مسجد ~~قومها أفضل من صلاتها معي} وهذا كله لما في ذلك من الاستتار والاحتجاب. ~~ومعلوم أن المساكن من جنس الملابس كلاهما جعل في الأصل للوقاية ودفع الضرر. ~~كما جعل الأكل والشرب لجلب المنفعة فاللباس يتقي الإنسان به الحر والبرد ~~ويتقي به سلاح العدو وكذلك المساكن يتقى بها الحر والبرد ويتقى بها العدو. ~~وقال تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون} فذكر في هذا الموضع ما يحتاجون إليه لدفع ما قد يؤذيهم. وذكر في ~~أول السورة ما يضطرون إليه لدفع ما يضرهم فقال: {والأنعام خلقها لكم فيها ~~دفء ومنافع ومنها تأكلون} فذكر ما يستدفئون به ويدفعون به البرد؛ لأن البرد ~~يهلكهم والحر يؤذيهم؛ ولهذا قال بعض العرب: البرد بؤس والحر أذى؛ ولهذا ~~السبب لم يذكر في الآية الأخرى وقاية البرد فإن ذلك تقدم في أول السورة وهو ~~ذكر في أثناء السورة ما أتم به النعمة وذكر # PageV22P151 # في أول السورة أصول النعم؛ ولهذا قال: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون} . والمقصود ms6707 هنا: أن مقصود الثياب تشبه مقصود المساكن والنساء ~~مأمورات في هذا بما يسترهن ويحجبهن فإذا اختلف لباس الرجال والنساء عما كان ~~أقرب إلى مقصود الاستتار والاحتجاب: كان للنساء وكان ضده للرجال. وأصل هذا: ~~أن تعلم أن الشارع له مقصودان: # أحدهما الفرق بين الرجال والنساء. والثاني احتجاب النساء. فلو كان مقصوده ~~مجرد الفرق لحصل ذلك بأي وجه حصل به الاختلاف. وقد تقدم فساد ذلك بل أبلغ ~~من ذلك أن المقصود باللباس إظهار الفرق بين المسلم والذمي ليترتب على كل ~~منها من الأحكام الظاهرة ما يناسبه. ومعلوم أن هذا يحصل بأي لباس اصطلحت ~~الطائفتان على التميز به ومع هذا فقد روعي في ذلك ما هو أخص من الفرق فإن ~~لباس الأبيض لما كان أفضل من غيره. كما قال صلى الله عليه وسلم " {عليكم ~~بالبياض فليلبسه أحياؤكم. وكفنوا فيه موتاكم} " لم يكن # PageV22P152 # من السنة أن يجعل لباس أهل الذمة الأبيض ولباس أهل الإسلام المصبوغ ~~كالعسلي والأدكن ونحو ذلك بل الأمر بالعكس. كذلك في الشعور وغيرها: فكيف ~~الأمر في لباس الرجال والنساء ليس المقصود به مجرد الفرق بل لا بد من رعاية ~~جانب الاحتجاب والاستتار. وكذلك أيضا ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن ~~دون الفرق بينهن وبين الرجال؛ بل الفرق أيضا مقصود حتى لو قدر أن الصنفين ~~اشتركوا فيما يستر ويحجب بحيث يشتبه لباس الصنفين لنهوا عن ذلك. والله ~~تعالى قد بين هذا المقصود أيضا بقوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين} فجعل كونهن يعرفن باللباس الفارق أمرا مقصودا. ولهذا جاءت صيغة ~~النهي بلفظ التشبه بقوله صلى الله عليه وسلم " {لعن الله المتشبهات من ~~النساء بالرجال. والمتشبهين من الرجال بالنساء} " وقال: " {لعن الله ~~المخنثين من الرجال والمترجلات من # PageV22P153 # النساء} " فعلق الحكم باسم التشبه. ويكون كل صنف يتصف بصفة الآخر. وقد ~~بسطنا هذه القاعدة في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم وبينا ~~أن المشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبا وتشابها في الأخلاق ms6708 والأعمال ~~ولهذا نهينا عن مشابهة الكفار ومشابهة الأعاجم ومشابهة الأعراب ونهى كلا من ~~الرجال والنساء عن مشابهة الصنف الآخر كما في الحديث المرفوع: " {من تشبه ~~بقوم فهو منهم} ". " {وليس منا من تشبه بغيرنا} " والرجل المتشبه بالنساء ~~يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه حتى يفضي الأمر به إلى التخنث المحض والتمكين ~~من نفسه كأنه امرأة. ولما كان الغناء مقدمة ذلك وكان من عمل النساء: كانوا ~~يسمون الرجال المغنين مخانيث. والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم ~~حتى يصير فيها من التبرج والبروز ومشاركة الرجال: ما قد يفضي ببعضهن إلى أن ~~تظهر بدنها كما يظهره الرجل وتطلب أن تعلو على الرجال كما تعلو الرجال على ~~النساء وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء والخفر المشروع للنساء وهذا القدر ~~قد يحصل بمجرد المشابهة. وإذا تبين أنه لا بد من أن يكون بين لباس الرجال ~~والنساء فرق يتميز به الرجال عن النساء. وأن يكون لباس النساء فيه من # PageV22P154 # الاستتار والاحتجاب ما يحصل مقصود ذلك: ظهر أصل هذا الباب وتبين أن ~~اللباس إذا كان غالبه لبس الرجال نهيت عنه المرأة وإن كان ساترا كالفراجي ~~التي جرت عادة بعض البلاد أن يلبسها الرجال دون النساء والنهي عن مثل هذا ~~بتغير العادات وأما ما كان الفرق عائدا إلى نفس الستر فهذا يؤمر به النساء ~~بما كان أستر ولو قدر أن الفرق يحصل بدون ذلك فإذا اجتمع في اللباس قلة ~~الستر والمشابهة نهي عنه من الوجهين والله أعلم. # وسئل: # عن لبس النساء هذه العمائم التي على رءوسهن. هل هي حرام؟ أو مكروه؟ وما ~~العمائم التي تستحب للنساء؟ وهل يجوز لهن لبس الخف؟ # فأجاب: # الحمد لله وحده، هذه العمائم التي تلبسها النساء حرام بلا ريب ففي الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {صنفان من أهل النار من أمتي لم ~~أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت ~~لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها ~~عباد الله} ". # PageV22P155 # وأيضا فقد ms6709 صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لعن الله ~~المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء} " وفي لفظ: " ~~{لعن الله المتخنثين من الرجال والمترجلات من النساء} " وفي سنن أبي داود ~~{أنه صلى الله عليه وسلم رأى أم سلمة تعتصب فقال: يا أم سلمة لية؛ لا ~~ليتان} . وما كان من لباس الرجال مثل العمامة والخف والقباء الذي للرجال ~~والثياب التي تبدي مقاطع خلقها والثوب الرقيق الذي لا يستر البشرة وغير ~~ذلك؛ فإن المرأة تنهى عنه وعلى وليها كأبيها وزوجها أن ينهاها عن ذلك والله ~~أعلم. # وسئل: # هل يجوز للنساء لبس العصائب الكبار التي يتشبهن بلبسها بالرجال أم لا؟ ~~وهل ورد في تحريم ذلك نص خاص أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما لبس النساء العصائب الكبار فهو حرام. فقد ثبت في الصحيح ~~عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{صنفان من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن ~~كأمثال أسنمة البخت لا يدخلن # PageV22P156 # الجنة ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد ~~الله} وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة وهي تعتصب: " ~~{يا أم سلمة لية لا ليتان} وفي الصحيح أنه قال: " {لعن الله المتشبهات من ~~النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء} . والنصوص عامة وخاصة بتحريم ~~ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء من أهل النار. وأخبر بهم ~~قبل أن يكونوا والله أعلم. # وسئل: # عما إذا صلى في موضع نجس؟ # فأجاب: # إذا صلى وبعض بدنه في موضع نجس لم يمكنه الصلاة إلا فيه فهو معذور وتصح ~~صلاته. وأما إن أمكنه الصلاة في موضع طاهر فليس له أن يصلي في الموضع ~~النجس. # PageV22P157 # وسئل: # هل تكره الصلاة في أي موضع من الأرض؟ # فأجاب: # نعم ينهى عن الصلاة في مواطن فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن الصلاة في أعطان الإبل فقال: " {لا ms6710 تصلوا فيها} وسئل ~~عن الصلاة في مبارك الغنم فقال: " {صلوا فيها} وفي السنن أنه قال: " {الأرض ~~كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~صنعوا} . وفي الصحيح عنه أنه قال: " {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وفي السنن: " {أنه ~~نهى عن الصلاة بأرض الخسف} . وفي سنن ابن ماجه وغيره: " {أنه نهى عن الصلاة ~~في سبع مواطن: المقبرة والمجزرة والمزبلة وقارعة الطريق والحمام وظهر البيت ~~الحرام} وهذه المواضع - غير ظهر بيت الله الحرام - قد يعللها بعض الفقهاء ~~بأنها مظنة النجاسة. وبعضهم يجعل النهي تعبدا. # PageV22P158 # والصحيح أن عللها مختلفة. تارة تكون العلة مشابهة أهل الشرك. كالصلاة عند ~~القبور وتارة لكونها مأوى للشياطين: كأعطان الإبل. وتارة لغير ذلك والله ~~أعلم. # وسئل: # عن الحمام إذا اضطر المسلم للصلاة فيها وخاف فوات الوقت هل يجوز ذلك أم ~~لا؟ # فأجاب: # إذا لم يمكنه أن يغتسل ويخرج ويصلي حتى يخرج الوقت فإنه يغتسل ويصلي ~~بالحمام؛ فإن الصلاة في الأماكن المنهي عنها في الوقت أولى من الصلاة بعد ~~الوقت في غيرها ولهذا لو حبس في الحش صلى فيه وفي الإعادة نزاع. والصحيح ~~أنه لا إعادة عليه؛ ولهذا يصلي في الوقت عريانا إذا لم يمكنه إلا كذلك. ~~وأما إن أمكنه الاغتسال والخروج للصلاة خارج الحمام في الوقت لم يجز له ~~الصلاة في الحمام وكذلك لو أمكنه الاغتسال في بيته فإنه لا يصلي في الحمام ~~إلا لحاجة والله أعلم. # PageV22P159 # وسئل - رحمه الله -: # عن الصلاة في الحمام؟ # فأجاب: # في سنن أبي داود وغيره عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} وقد صححه الحفاظ. وأما إن ضاق ~~الوقت فهل يصلي في الحمام؟ أو يفوت الصلاة حتى يخرج فيصلي خارجها؟ على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره. فلا يصلح أن يصلي في الحمام. وينبغي لمن أصابته ~~جنابة ms6711 إن احتاج إلى الحمام أن يغتسل في أول الوقت ويخرج يصلي ثم إن أحب أن ~~يتم اغتساله بالسدر ونحوه عاد إلى الحمام وجمهور العلماء على أن الصلاة ~~فيها منهي عنها؛ إما نهي تحريم أو لا تصح: كالمشهور من مذهب أحمد وغيره. ~~وإما نهي تنزيه كمذهب الشافعي وغيره. # PageV22P160 # و ### | سئل: # هل له أن يصلي في الحمام، إذا خاف خروج الوقت؟ # أم لا؟ # فأجاب: # أما إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج ويصلي خارج الحمام في الوقت فلم ~~يمكنه إلا أن يصلي في الحمام أو تفوت الصلاة فالصلاة في الحمام خير من ~~تفويت الصلاة فإن الصلاة في الحمام كالصلاة في الحش والمواضع النجسة ونحو ~~ذلك. ومن كان في موضع نجس ولم يمكنه أن يخرج منه حتى يفوت الوقت فإنه يصلي ~~فيه ولا يفوت الوقت لأن مراعاة الوقت مقدمة على مراعاة جميع الواجبات. وأما ~~إن كان يعلم أنه إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت فقد ~~تقدمت هذه المسألة والأظهر أنه يصلي بالتيمم فإن الصلاة بالتيمم خير من ~~الصلاة في الأماكن التي نهي عنها وعن الصلاة بعد خروج الوقت. # PageV22P161 # وسئل - رحمه الله -: # هل الصلاة في البيع والكنائس جائزة مع وجود الصور أم لا؟ وهل يقال إنها ~~بيوت الله أم لا؟ # فأجاب: # ليست بيوت الله وإنما بيوت الله المساجد: بل هي بيوت يكفر فيها بالله وإن ~~كان قد يذكر فيها فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار فهي بيوت عبادة الكفار. ~~وأما الصلاة فيها ففيها ثلاثة أقوال للعلماء في مذهب أحمد وغيره: المنع ~~مطلقا وهو قول مالك. والإذن مطلقا وهو قول بعض أصحاب أحمد. والثالث: وهو ~~الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره وهو منصوص عن أحمد وغيره أنه إن كان ~~فيها صور لم يصل فيها لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى محي ما فيها من الصور وكذلك قال عمر: ~~إنا كنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها. وهي بمنزلة المسجد المبني على القبر ms6712 ~~ففي الصحيحين أنه ذكر # PageV22P162 # للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير ~~فقال: " {أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه ~~تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} وأما إذا لم يكن فيها ~~صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة والله أعلم. # وسئل: # عمن يبسط سجادة في الجامع ويصلي عليها: هل ما فعله بدعة أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما الصلاة على السجادة بحيث يتحرى المصلي ذلك ~~فلم تكن هذه سنة السلف من المهاجرين والأنصار ومن بعدهم من التابعين لهم ~~بإحسان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانوا يصلون في مسجده على ~~الأرض لا يتخذ أحدهم سجادة يختص بالصلاة عليها. وقد روي أن عبد الرحمن بن ~~مهدي لما قدم المدينة بسط سجادة فأمر مالك بحبسه فقيل له: إنه عبد الرحمن ~~بن مهدي فقال: أما علمت أن بسط السجادة في مسجدنا بدعة. وفي الصحيح عن أبي ~~سعيد الخدري في حديث اعتكاف النبي # PageV22P163 # صلى الله عليه وسلم قال: " {اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم} ~~فذكر الحديث - وفيه قال: " {من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإني رأيت هذه ~~الليلة ورأيتني أسجد في ماء وطين} . وفي آخره: " {فلقد رأيت يعني صبيحة ~~إحدى وعشرين على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين} . فهذا بين أن سجوده كان ~~على الطين. وكان مسجده مسقوفا بجريد النخل ينزل منه المطر فكان مسجده من ~~جنس الأرض. وربما وضعوا فيه الحصى كما في سنن أبي داود عن عبد الله بن ~~الحارث قال: {سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الحصى الذي كان في المسجد ~~فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه ~~فيبسطه تحته فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة. قال: ما أحسن ~~هذا؟} . وفي سنن أبي داود أيضا عن أبي بدر شجاع بن الوليد عن شريك عن أبي ~~حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال. أبو ms6713 بدر أراه قد رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " {إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد} . ولهذا في ~~السنن والمسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {إذا قام ~~أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى؛ فإن الرحمة تواجهه} . وفي لفظ في مسند ~~أحمد قال: {سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى سألته عن مسح # PageV22P164 # الحصى فقال: واحدة أو دع} . وفي المسند أيضا عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " {لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ~~كلها سود الحدق فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح واحدة} . وهذا كما في ~~الصحيحين عن معيقيب أن النبي صلى الله عليه وسلم {قال في الرجل يسوي التراب ~~حيث يسجد قال إن كنت فاعلا فواحدة} . فهذا بين أنهم كانوا يسجدون على ~~التراب والحصى فكان أحدهم يسوي بيده موضع سجوده فكره لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك العبث ورخص في المرة الواحدة للحاجة وإن تركها كان أحسن. وعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " {كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه ~~فسجد عليه} أخرجه صاحب الصحاح: كالبخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم. وفي هذا ~~الحديث: بيان أن أحدهم إنما كان يتقي شدة الحر بأن يبسط ثوبه المتصل. ~~كإزاره وردائه وقميصه فيسجد عليه. وهذا بين أنهم لم يكونوا يصلون على ~~سجادات؛ بل ولا على حائل؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~يصلون تارة في نعالهم # PageV22P165 # وتارة حفاة كما في سنن أبي داود والمسند عن أبي سعيد الخدري - رضي الله ~~عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس ~~نعالهم فلما انصرف. قال: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت. فخلعنا قال: فإن ~~جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فإن ~~رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل ms6714 فيهما} . ففي هذا بيان أن صلاتهم في ~~نعالهم وأن ذلك كان يفعل في المسجد إذ لم يكن يوطأ بهما على مفارش وأنه إذا ~~رأى بنعليه أذى فإنه يمسحهما بالأرض ويصلي فيهما ولا يحتاج إلى غسلهما ولا ~~إلى نزعهما وقت الصلاة ووضع قدميه عليهما كما يفعله كثير من الناس. وبهذا ~~كله جاءت السنة ففي الصحيحين والمسند عن أبي سلمة سعيد بن يزيد قال: " ~~{سألت أنسا أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم} . وفي ~~سنن أبى داود عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم} فقد أمرنا بمخالفة ~~ذلك إذ هم ينزعون الخفاف والنعال عند الصلاة ويأتمون فيما يذكر عنهم بموسى ~~عليه السلام حيث قيل له وقت المناجاة {فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى} ~~. فنهينا عن التشبه بهم # PageV22P166 # وأمرنا أن نصلي في خفافنا ونعالنا وإن كان بهما أذى مسحناهما بالأرض لما ~~تقدم. ولما روى أبو داود أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " {إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب لهما طهور} . وفي لفظ ~~قال: " {إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب} وعن عائشة رضي الله عنها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه وقد قيل حديث عائشة حديث حسن. وأما ~~حديث أبي هريرة فلفظه الثاني من رواية محمد بن عجلان وقد خرج له البخاري في ~~الشواهد ومسلم في المتابعات ووثقه غير واحد. واللفظ الأول لم يسم راويه؛ ~~لكن تعدده مع عدم التهمة وعدم الشذوذ يقتضي أنه حسن أيضا وهذا أصح قولي ~~العلماء ومع دلالة السنة عليه هو مقتضى الاعتبار؛ فإن هذا محل تتكرر ~~ملاقاته للنجاسة فأجزأ الإزالة عنه بالجامد كالمخرجين فإنه يجزئ فيهما ~~الاستجمار بالأحجار كما تواترت به السنة مع القدرة على الماء وقد أجمع ~~المسلمون على جواز الاستجمار. يبين ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه كانوا يصلون # PageV22P167 # تارة في نعالهم وتارة حفاة كما في السنن لأبي ms6715 داود وابن ماجه عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال: " {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافيا ~~ومنتعلا} والحجة في الانتعال ظاهرة ". وأما في الاحتفاء ففي سنن أبي داود ~~والنسائي عن عبد الله بن السائب قال. " {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره} وكذلك في سنن أبي داود حديث أبي سعيد ~~المتقدم قال: " {بينما رسول صلى الله عليه وسلم الله يصلي بأصحابه إذ خلع ~~نعليه ووضعهما عن يساره} . وتمام الحديث يدل على أنه كان في المسجد كما ~~تقدم. كذلك حديث ابن السائب فإن أصله قد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ~~عبد الله بن السائب قال: " {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ~~بمكة فاستفتح سورة المؤمنون حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر موسى ~~وعيسى - أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سعلة فركع} وعبد الله بن السائب ~~حاضر لذلك فهذا كان في المسجد الحرام وقد وضع نعليه في المسجد مع العلم بأن ~~الناس يصلون ويطوفون بذلك الموضع فلو كان الاحتراز من نجاسة أسفل النعل ~~مستحبا لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق الناس بفعل المستحب الذي فيه ~~صيانة المسجد. وأيضا ففي سنن أبي داود عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي ~~هريرة # PageV22P168 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا ~~يؤذ بهما أحدا وليجعلهما بين رجليه أو ليصل فيهما} وفيه أيضا عن يوسف بن ~~ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا صلى أحدكم ~~فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره: تكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن ~~يساره أحد. وليضعهما بين رجليه} وهذا الحديث قد قيل: في إسناده لين لكنه هو ~~والحديث الأول قد اتفقا على أن يجعلهما بين رجليه. ولو كان الاحتراز من ظن ~~نجاستهما مشروعا لم يكن كذلك. وأيضا ففي الأول الصلاة فيهما وفي الثاني ms6716 ~~وضعهما عن يساره إذا لم يكن هناك مصل. وما ذكر من كراهة وضعهما عن يمينه أو ~~عن يمين غيره لم يكن للاحتراز من النجاسة لكن من جهة الأدب. كما كره البصاق ~~عن يمينه. وفي صحيح مسلم عن خباب بن الأرت قال: " {شكونا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شدة حر الرمضاء في جباهنا. وأكفنا فلم يشكنا} . وقد ظن ~~طائفة أن هذه الزيادة في مسلم وليس كذلك. وسبب هذه الشكوى أنهم كانوا ~~يسجدون على الأرض فتسخن جباههم وأكفهم وطلبوا منه أن يؤخر الصلاة زيادة على ~~ما كان يؤخرها ويبرد بها فلم يفعل وقد ظن بعض الفقهاء أنهم طلبوا منه # PageV22P169 # أن يسجدوا على ما يقيهم من الحر من عمامة ونحوها فلم يفعل وجعلوا ذلك حجة ~~في وجوب مباشرة المصلي بالجبهة. وهذه حجة ضعيفة لوجهين: أحدهما: أنه تقدم ~~حديث أنس المتفق على صحته: " {وأنهم كانوا إذا لم يستطع أحدهم أن يمكن ~~جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه} والسجود على ما يتصل بالإنسان من كمه ~~وذيله وطرف إزاره وردائه فيه النزاع المشهور وقال هشام عن الحسن البصري: ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد ~~الرجل على عمامته رواه البيهقي. وقد استشهد بذلك البخاري في باب السجود على ~~الثوب من شدة الحر فقال: " وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة ~~والقلنسوة ويداه في كمه " وروى حديث أنس المتقدم قال: " {كنا نصلي مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا الثوب من شدة الحر في مكان السجود} وأما ما ~~يروى عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته. ~~وعن نافع: " أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته ~~بالأرض " رواه البيهقي. وروي أيضا عن علي رضي الله عنه قال: " {إذا كان ~~أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته} فلا ريب أن هذا هو السنة عند ~~الاختيار. وقد تقدم # PageV22P170 # حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: " {وأنه رأى أثر الماء والطين ms6717 على أنف ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأرنبته} . وفي لفظ قال: " {فصلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأرنبته تصديق رؤياه} وقد رواه البخاري بهذا اللفظ. وقال ~~الحميدي: يحتج بهذا الحديث أن لا تمسح الجبهة في الصلاة بل تمسح بعد الصلاة ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم رئي الماء في أرنبته وجبهته بعد ما صلى. قلت: ~~كره العلماء كأحمد وغيره مسح الجبهة في الصلاة من التراب ونحوه الذي يعلق ~~بها في السجود وتنازعوا في مسحه بعد الصلاة على قولين هما روايتان عن أحمد. ~~كالقولين اللذين هما روايتان عن أحمد في مسح ماء الوضوء بالمنديل وفي إزالة ~~خلوف فم الصائم بعد الزوال بالسواك ونحو ذلك مما هو من أثر العبادة. وعن ~~أبي حميد الساعدي: " {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن جبهته ~~بالأرض ويجافي يديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه} رواه أبو داود والترمذي ~~وقال: حديث حسن صحيح. وعن وائل بن حجر قال: " {رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده} رواه أحمد. # PageV22P171 # فالأحاديث والآثار تدل على أنهم في حال الاختيار كانوا يباشرون الأرض ~~بالجباه وعند الحاجة كالحر ونحوه: يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة ~~وقلنسوة؛ ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أنه يرخص في ذلك عند ~~الحاجة ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة وفي المسألة نزاع ~~وتفصيل ليس هذا موضعه. الوجه الثاني: أنه لو كان مطلوبهم منه السجود على ~~الحائل لأذن لهم في اتخاذ ما يسجدون عليه منفصلا عنهم فقد ثبت عنه أنه كان ~~يصلي على الخمرة فقالت ميمونة: " {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~على الخمرة} أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم وأهل السنن الثلاثة: أبو ~~داود والنسائي وابن ماجه. ورواه أحمد في المسند ورواه الترمذي من حديث ابن ~~عباس. ولفظ أبي داود: " {كان يصلي وأنا حذاءه وأنا ms6718 حائض وربما أصابني ثوبه ~~إذا سجد وكان يصلي على الخمرة} وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسند عن ~~عائشة - رضي الله عنها - قالت: " {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ناوليني الخمرة من المسجد فقلت: يا رسول الله إني حائض فقال: إن حيضتك ليست ~~في يدك} وعن ميمونة قالت: " {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ على ~~إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي # PageV22P172 # حائض ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض} رواه. أحمد ~~والنسائي ولفظه " {فتبسطها وهي حائض} فهذا صلاته على الخمرة وهي نسج ينسج ~~من خوص كان يسجد عليه. وأيضا في الصحيحين عن أنس بن مالك: " {أن جدته مليكة ~~دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته فأكل منه ثم قال: قوموا ~~فلأصل لكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففت أنا واليتيم من ورائه والعجوز من ~~ورائنا فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف} وفي ~~البخاري وسنن أبي داود عن أنس بن مالك قال: " {قال رجل من الأنصار: يا رسول ~~الله إني رجل ضخم - وكان ضخما - لا أستطيع أن أصلي معك وصنع له طعاما ودعاه ~~إلى بيته وقال: صل حتى أراك كيف تصلي فأقتدي بك فنضحوا له طرف حصير لهم ~~فقام فصلى ركعتين قيل لأنس: أكان يصلي الضحى؟ فقال: لم أره صلى إلا يومئذ} ~~وفي سنن أبي داود عن أنس بن مالك " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يزور أم سليم فتدركه الصلاة أحيانا فيصلي على بساط لها وهو حصير تنضحه ~~بالماء} ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: " {أنه دخل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # PageV22P173 # فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه} . وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن عائشة ~~قالت: " {كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ~~فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا ms6719 قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها ~~مصابيح} وعن عروة عن عائشة: " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~وهي معترضة فيما بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة} وفي لفظ ~~عن عراك عن عروة " {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعائشة معترضة ~~بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه} . وهذه الألفاظ كلها ~~للبخاري استدلوا بها في باب الصلاة على الفرش وذكر اللفظ الأخير مرسلا لأنه ~~في معنى التفسير للمسند أن عروة إنما سمع من عائشة وهو أعلم بما سمع منها. ~~ولا نزاع بين أهل العلم في جواز الصلاة والسجود على المفارش إذا كانت من ~~جنس الأرض كالخمرة والحصير ونحوه وإنما تنازعوا في كراهة ذلك على ما ليس من ~~جنس الأرض: كالأنطاع المبسوطة من جلود الأنعام وكالبسط والزرابي المصبوغة ~~من الصوف وأكثر أهل العلم يرخصون في ذلك أيضا وهو مذهب أهل الحديث كالشافعي ~~وأحمد ومذهب أهل الكوفة كأبي حنيفة وغيرهم. وقد استدلوا على جواز ذلك أيضا ~~بحديث عائشة فإن الفراش لم يكن من جنس # PageV22P174 # الأرض وإنما كان من أديم أو صوف. وعن المغيرة بن شعبة قال: " {كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير وعلى الفروة المدبوغة} رواه أحمد وأبو ~~داود من حديث أبي عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي عن أبيه عن ~~المغيرة. قال أبو حاتم الرازي: عبيد الله بن سعيد مجهول. وعن ابن عباس " ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على بساط} رواه أحمد وابن ماجه وفي تاريخ ~~البخاري عن أبي الدرداء قال: " {ما أبالي لو صليت على خمرة} . وإذا ثبت ~~جواز الصلاة على ما يفرش - بالسنة والإجماع - علم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يمنعهم أن يتخذوا شيئا يسجدون عليه يتقون به الحر؛ ولكن طلبوا منه ~~تأخير الصلاة زيادة على ما كان يؤخرها فلم يجبهم وكان منهم من يتقي الحر ~~إما بشيء منفصل عنه وإما بما يتصل به من طرف ثوبه. فإن قيل: ففي حديث ~~الخمرة ms6720 حجة لمن يتخذ السجادة كما قد احتج بذلك بعضهم. قيل: الجواب عن ذلك ~~من وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على الخمرة # PageV22P175 # دائما بل أحيانا كأنه كان إذا اشتد الحر يتقي بها الحر ونحو ذلك بدليل ما ~~قد تقدم من حديث أبي سعيد أنه رأى أثر الماء والطين في جبهته وأنفه فلم يكن ~~في هذا حجة لمن يتخذ السجادة يصلي عليها دائما. والثاني: قد ذكروا أنها ~~كانت لموضع سجوده لم تكن بمنزلة السجادة التي تسع جميع بدنه كأنه كان يتقي ~~بها الحر هكذا قال: أهل الغريب. قالوا: " الخمرة " كالحصير الصغير تعمل من ~~سعف النخل وتنسج بالسيور والخيوط وهي قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف فإذا ~~كبرت عن ذلك فهي حصير سميت بذلك لسترها الوجه والكعبين من حر الأرض وبردها. ~~وقيل: لأنها تخمر وجه المصلي أي تستره. وقيل: لأن خيوطها مستورة بسعفها وقد ~~قال بعضهم في حديث ابن عباس: " {جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فاحترق منها مثل ~~موضع درهم} قال: وهذا ظاهر في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها لكن هذا ~~الحديث لا تعلم صحته والقعود عليها لا يدل على أنها طويلة بقدر ما يصلى ~~عليها فلا يعارض ذلك ما ذكروه. الثالث: أن الخمرة لم تكن لأجل اتقاء ~~النجاسة أو الاحتراز منها # PageV22P176 # كما يعلل بذلك من يصلي على السجادة ويقول: إنه إنما يفعل ذلك للاحتراز من ~~نجاسة المسجد أو نجاسة حصر المسجد وفرشه لكثرة دوس العامة عليه فإنه قد ثبت ~~أنه كان يصلي في نعليه وأنه صلى بأصحابه في نعليه وهم في نعالهم وأنه أمر ~~بالصلاة في النعال لمخالفة اليهود وأنه أمر إذا كان بها أذى أن تدلك ~~بالتراب ويصلى بها. ومعلوم أن النعال تصيب الأرض وقد صرح في الحديث بأنه ~~يصلي فيها بعد ذلك الدلك وإن أصابها أذى. فمن تكون هذه شريعته وسنته كيف ~~يستحب أن يجعل بينه وبين الأرض حائلا ms6721 لأجل النجاسة فإن المراتب أربع. أما ~~الغلاة: من الموسوسين فإنهم لا يصلون على الأرض ولا على ما يفرش للعامة على ~~الأرض لكن على سجادة ونحوها وهؤلاء كيف يصلون في نعالهم وذلك أبعد من ~~الصلاة على الأرض فإن النعال قد لاقت الطريق التي مشوا فيها؛ واحتمل أن ~~تلقى النجاسة بل قد يقوى ذلك في بعض المواضع فإذا كانوا لا يصلون على الأرض ~~مباشرين لها بأقدامهم مع أن ذلك الموقف الأصل فيه الطهارة ولا يلاقونه إلا ~~وقت الصلاة فكيف بالنعال التي تكررت ملاقاتها للطرقات التي تمشي فيها ~~البهائم والآدميون وهي مظنة النجاسة ولهذا هؤلاء إذا صلوا على جنازة وضعوا ~~أقدامهم # PageV22P177 # على ظاهر النعال؛ لئلا يكونوا حاملين للنجاسة ولا مباشرين لها. ومنهم من ~~يتورع عن ذلك فإن في الصلاة على ما في أسفله نجاسة خلافا معروفا فيفرش ~~لأحدهم مفروش على الأرض. وهذه المرتبة أبعد المراتب عن السنة. الثانية: أن ~~يصلي على الحصير ونحوها دون الأرض وما يلاقيها. الثالثة: أن يصلي على الأرض ~~ولا يصلي في النعل الذي تكرر ملاقاتها للطرقات: فإن طهارة ما يتحرى الأرض ~~قد يكون طاهرا واحتمال تنجيسه بعيد بخلاف أسفل النعل. الرابعة: أن يصلي في ~~النعلين وإذا وجد فيهما أذى دلكهما بالتراب كما أمر بذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهذه المرتبة هي التي جاءت بها السنة. فعلم أن من كانت سنته هي ~~هذه المرتبة الرابعة: امتنع أن يستحب أن يجعل بينه وبين الأرض حائلا من ~~سجادة وغيرها؛ لأجل الاحتراز من النجاسة. فلا يجوز حمل حديث الخمرة على أنه ~~وضعها لاتقاء النجاسة فبطل استدلالهم بها على ذلك. وأما إذا كانت لاتقاء ~~الحر فهذا يستعمل إذا احتيج إليه لذلك وإذا استغنى عنه لم يفعل. الرابع: أن ~~الخمرة لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها الصحابة # PageV22P178 # ولم يكن كل منهم يتخذ له خمرة بل كانوا يسجدون على التراب والحصى كما ~~تقدم ولو كان ذلك مستحبا أو سنة لفعلوه ولأمرهم به فعلم أنه كان رخصة لأجل ~~الحاجة إلى ما يدفع الأذى عن ms6722 المصلي وهم كانوا يدفعون الأذى بثيابهم ونحوها ~~ومن المعلوم أن الصحابة في عهده وبعده أفضل منا وأتبع للسنة وأطوع لأمره ~~فلو كان المقصود بذلك ما يقصده متخذو السجادات لكان الصحابة يفعلون ذلك. ~~الوجه الخامس: أن المسجد لم يكن مفروشا بل كان ترابا وحصى وقد صلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم على الحصير وفراش امرأته ونحو ذلك ولم يصل هناك لا على ~~خمرة ولا سجادة ولا غيرها. فإن قيل: ففي حديث ميمونة وعائشة ما يقتضي أنه ~~كان يصلي على الخمرة في بيته فإنه قال: ناوليني الخمرة من المسجد. وأيضا ~~ففي حديث ميمونة المتقدم ما يشعر بذلك. قيل: من اتخذ السجادة ليفرشها على ~~حصر المسجد لم يكن له في هذا الفعل حجة في السنة بل كانت البدعة في ذلك ~~منكرة من وجوه: أحدها: أن هؤلاء يتقي أحدهم أن يصلي على الأرض حذرا أن # PageV22P179 # تكون نجسة مع أن الصلاة على الأرض سنة ثابتة بالنقل المتواتر فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم " {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته ~~الصلاة فعنده مسجده وطهوره} . ولا يشرع اتقاء الصلاة عليها لأجل هذا. بل قد ~~ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: " {كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك} أو كما قال. ~~وفي سنن أبي داود " {تبول وتقبل وتدبر ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك} . ~~وهذا الحديث احتج به من رأى أن النجاسة إذا أصابت الأرض فإنها تطهر بالشمس ~~والريح ونحو ذلك كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وهو ~~مذهب أبي حنيفة. واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدلك النعل ~~النجس بالأرض وجعل التراب لها طهورا فإذا كان طهورا في إزالة النجاسة عن ~~غيره فلأن يكون طهورا في إزالة النجاسة عن نفسه بطريق الأولى. وهذا القول ~~قد يقول به من لا يقول إن النجاسة تطهر بالاستحالة فإن أحد القولين في مذهب ~~الشافعي وأحمد تطهر بذلك مع ms6723 قول هؤلاء إن النجاسة لا تطهر بالاستحالة. وأما ~~من قال: إن النجاسة تطهر بالاستحالة كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد ~~القولين في مذهب مالك وهو مذهب # PageV22P180 # أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم فالأمر على قول هؤلاء أظهر فإنهم يقولون: ~~إن الروث النجس إذا صار رمادا ونحوه فهو طاهر وما يقع في الملاحة من دم ~~وميتة ونحوهما إذا صار ملحا فهو طاهر. وقد اتفقوا جميعهم أن الخمر إذا ~~استحالت بفعل الله سبحانه فصارت خلا طهرت. وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب وغيره ~~من الصحابة فسائر الأعيان إذا انقلبت يقيسونها على الخمر المنقلبة. ومن فرق ~~بينهما يعتذر بأن الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة؛ لأن العصير كان ~~طاهرا فلما استحال خمرا نجس فإذا استحال خلا طهر. وهذا قول ضعيف؛ فإن جميع ~~النجاسات إنما نجست أيضا بالاستحالة؛ فإن الطعام والشراب يتناوله الحيوان ~~طاهرا في حال الحياة ثم يموت فينجس وكذلك الخنزير والكلب والسباع أيضا عند ~~من يقول بنجاستها إنما خلقت من الماء والتراب الطاهرين. وأيضا فإن هذا الخل ~~والملح ونحوهما أعيان طيبة طاهرة داخلة في قوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث} فللمحرم المنجس لها أن يقول: إنه حرمها لكونها داخلة ~~في المنصوص أو لكونها في معنى الداخلة فيه فكلا الأمرين منتف؛ فإن النص لا ~~يتناولها # PageV22P181 # ومعنى النص الذي هو الخبث منتف فيها ولكن كان أصلها نجسا وهذا لا يضر فإن ~~الله يخرج الطيب من الخبيث ويخرج الخبيث من الطيب. ولا ريب أن هذا القول ~~أقوى في الحجة نصا وقياسا. وعلى ما تقدم ذكره ينبني طهارة المقابر. فإن ~~القائلين بنجاسة المقبرة العتيقة. يقولون: إنه خالط التراب صديد الموتى ~~ونحوه واستحال عن ذلك فينجسونه. وأما على قول الاستحالة وغيره من الأقوال ~~فلا يكون التراب نجسا وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من {أن مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان حائطا لبني النجار وكان فيه قبور المشركين ~~وخرب ونخل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالنخل فقطعت. ~~وبالخرب فسويت ms6724 وجعل قبلة للمسجد} . . . (1) فهذا كان مقبرة للمشركين. ثم إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بنبشهم لم يأمر بنقل التراب الذي لاقاهم ~~وغيره من تراب المقبرة ولا أمر بالاحتراز من العذرة وليس هذا موضع بسط هذه ~~المسألة لكن الغرض التنبيه على أن ما عليه أكثر أهل الوسواس من توقي الأرض ~~وتنجيسها باطل بالنص. وإن كان بعضه فيه نزاع وبعضه باطل بالإجماع أو غيره ~~من الأدلة الشرعية. PageV22P182 # الوجه الثاني: أن هؤلاء يفترش أحدهم السجادة على مصليات المسلمين من ~~الحصر والبسط ونحو ذلك مما يفرش في المساجد فيزدادون بدعة على بدعتهم. وهذا ~~الأمر لم يفعله أحد من السلف ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون ~~شبهة لهم فضلا عن أن يكون دليلا؛ بل يعللون أن هذه الحصر يطؤها عامة الناس ~~ولعل أحدهم أن يكون قد رأى أو سمع أنه بعض الأوقات بال صبي أو غيره على بعض ~~حصر المسجد أو رأى عليه شيئا من ذرق الحمام. أو غيره فيصير ذلك حجة في ~~الوسواس. وقد علم بالتواتر أن المسجد الحرام ما زال يطأ عليه المسلمون على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه وهناك من الحمام ما ليس ~~بغيره ويمر بالمطاف من الخلق ما لا يمر بمسجد من المساجد فتكون هذه الشبهة ~~التي ذكرتموها أقوى. ثم إنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~وأصحابه يصلي هناك على حائل ولا يستحب ذلك فلو كان هذا مستحبا كما زعمه ~~هؤلاء لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه متفقين على ترك ~~المستحب الأفضل. ويكون هؤلاء أطوع لله وأحسن عملا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخلفائه وأصحابه فإن هذا خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع. ~~وأيضا فقد كانوا يطؤون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV22P183 # بنعالهم وخفافهم ويصلون فيه مع قيام هذا الاحتمال ولم يستحب لهم هذا ~~الاحتراز الذي ابتدعه هؤلاء فعلم خطؤهم في ذلك. وقد يفرقون بينهما بأن ~~يقولوا: الأرض تطهر بالشمس والريح ms6725 والاستحالة. دون الحصير. فيقال: هذا إذا ~~كان حقا فإنما هو من النجاسة المخففة. وذلك يظهر ب (الوجه الثالث: وهو أن ~~النجاسة لا يستحب البحث عما لم يظهر منها ولا الاحتراز عما ليس عليه دليل ~~ظاهر لاحتمال وجوده فإن كان قد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: ~~أنه يستحب الاحتراز عن المشكوك فيه مطلقا فهو قول ضعيف. وقد ثبت عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه " أنه مر هو وصاحب له بمكان فسقط على صاحبه ماء من ~~ميزاب فنادى صاحبه: يا صاحب الميزاب أماؤك طاهر أم نجس؟ فقال له عمر: يا ~~صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه " فنهى عمر عن إخباره لأنه تكلف من ~~السؤال ما لم يؤمر به. وهذا قد ينبني على أصل. وهو: أن النجاسة إنما يثبت ~~حكمها مع العلم فلو صلى وببدنه أو ثيابه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة ~~لم تجب عليه الإعادة في أصح قولي العلماء وهو مذهب مالك وغيره وأحمد في ~~أقوى الروايتين وسواء كان علمها ثم نسيها أو جهلها ابتداء لما تقدم من # PageV22P184 # أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه ثم خلعهما في أثناء الصلاة لما ~~أخبره جبريل أن بهما أذى ومضى في صلاته ولم يستأنفها مع كون ذلك موجودا في ~~أول الصلاة لكن لم يعلم به فتكلفه للخلع في أثنائها مع أنه لولا الحاجة ~~لكان عبثا أو مكروها. . . (1) . يدل على أنه مأمور به من اجتناب النجاسة مع ~~العلم ومظنة تدل على العفو عنها في حال عدم العلم بها. وقد روى أبو داود ~~أيضا عن أم جحدر العامرية أنها سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: " ~~{كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء ~~فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى ~~الغداة ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم فقبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما يليها فبعث ms6726 بها إلي مصرورة في يد غلام فقال: اغسلي هذا ~~وأجفيها وأرسلي بها إلي فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها فأعدتها إليه فجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار وهي عليه} . وفي هذا الحديث لم ~~يأمر المأمومين بالإعادة ولا ذكر لهم أنه يعيد وأن عليه الإعادة ولا ذكرت ~~ذلك عائشة وظاهر هذا أنه لم يعد. ولأن النجاسة من باب المنهي عنه في الصلاة ~~وباب المنهي عنه PageV22P185 # معفو فيه عن المخطئ والناسي. كما قال في دعاء الرسول والمؤمنين: {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن الله ~~استجاب هذا الدعاء. ولأن الأدلة الشرعية دلت على أن الكلام ونحوه من مبطلات ~~الصلاة يعفى فيها عن الناسي والجاهل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. وقد دل على ذلك حديث ذي اليدين ونحوه وحديث معاوية بن الحكم ~~السلمي لما شمت العاطس في الصلاة وحديث ابن مسعود المتفق عليه في التشهد ~~لما كانوا يقولون أولا: السلام على الله قبل عباده فنهاهم عن ذلك وقال: إن ~~الله هو السلام وأمرهم بالتشهد المشهور ولم يأمرهم بالإعادة وكذلك حديث ~~الأعرابي الذي قال في دعائه: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا ~~وأمثال ذلك. فهذا ونحوه مما يبين أن الأمور المنهي عنها في الصلاة وغيرها ~~يعفى فيها عن الناسي والمخطئ ونحوهما من هذا الباب. وإذا كان كذلك: فإذا لم ~~يكن عالما بالنجاسة صحت صلاته باطنا وظاهرا فلا حاجة به حينئذ عن السؤال عن ~~أشياء إن أبديت ساءته قد عفا الله عنها. وهؤلاء قد يبلغ الحال بأحدهم إلى ~~أن يكره الصلاة # PageV22P186 # إلا على سجادة؛ بل قد جعل الصلاة على غيرها محرما فيمتنع منه امتناعه من ~~المحرم. وهذا فيه مشابهة لأهل الكتاب الذين كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم؛ ~~فإن الذي لا يصلي إلا على ما يصنع للصلاة من المفارش شبيه بالذي لا يصلي ~~إلا فيما يصنع للصلاة من الأماكن. وأيضا فقد يجعلون ذلك من شعائر أهل الدين ~~فيعدون ترك ms6727 ذلك من قلة الدين ومن قلة الاعتناء بأمر الصلاة فيجعلون ما ~~ابتدعوه من الهدي الذي ما أنزل به من سلطان أكمل من هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على منكبه وإظهار المسابح في ~~يده وجعله من شعار الدين والصلاة وقد علم بالنقل المتواتر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه لم يكن هذا شعارهم وكانوا يسبحون ويعقدون على ~~أصابعهم كما جاء في الحديث: " {اعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات} ~~وربما عقد أحدهم التسبيح بحصى أو نوى. والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ~~ومنهم من رخص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع ~~وغيرها وإذا كان هذا مستحبا يظهر فقصد إظهار ذلك والتميز به على الناس ~~مذموم؛ فإنه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل الرياء إذ كثير ممن يصنع هذا ~~يظهر منه الرياء ولو كان رياء بأمر مشروع لكانت إحدى المصيبتين؛ لكنه رياء ~~ليس # PageV22P187 # مشروعا. وقد قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} . قال الفضيل ابن عياض ~~رضي الله عنه أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه؟ وأصوبه؟ قال: إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله. والصواب أن يكون على ~~السنة. وهذا الذي قاله الفضيل متفق عليه بين المسلمين فإنه لا بد له في ~~العمل أن يكون مشروعا مأمورا به وهو العمل الصالح. ولا بد أن يقصد به وجه ~~الله. كما قال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: " اللهم اجعل ~~عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا ". ومنه قوله ~~تعالى {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون} وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ~~ملة إبراهيم ms6728 حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {يقول الله تعالى: أنا ~~أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه غيري فإني منه بريء وهو كله ~~للذي أشرك به} . وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: " {وعظنا رسول الله # PageV22P188 # صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: ~~يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: أوصيكم بالسمع ~~والطاعة فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ~~ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة} . وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد} وفي لفظ " ~~{من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} . وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: " {إن أحسن الحديث كتاب الله وخير ~~الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} . # وأما ما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو ~~غيرها قبل ذهابهم إلى المسجد فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين؛ بل محرم. وهل ~~تصح صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد ~~بفرش ذلك المفروش فيها ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن ~~يصلي في ذلك المكان ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره أن يصلي فيها: ~~فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة؟ على وجهين. وفي الصلاة في الأرض # PageV22P189 # المغصوبة قولان للعلماء وهذا مستند من كره الصلاة في المقاصير التي يمنع ~~الصلاة فيها عموم الناس. والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " {ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ ~~قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون ~~في ms6729 الصف} . وفي الصحيحين عنه أنه قال: " {لو يعلم الناس ما في النداء والصف ~~الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير ~~لاستبقوا إليه} . والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد فإذا قدم ~~المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من جهة تأخره وهو مأمور ~~بالتقدم. ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن ~~يصلوا فيه وأن يتموا الصف الأول فالأول ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا. وفي ~~الحديث. " {الذي يتخطى رقاب الناس يتخذ جسرا إلى جهنم} وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للرجل: " {اجلس فقد آذيت} . ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى ~~المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان: # PageV22P190 # أحدهما: ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. والثاني: وهو ~~الصحيح أن لغيره رفعه والصلاة مكانه؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك ~~الصف المقدم وهو مأمور بذلك أيضا وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء ~~هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش. وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به. ~~وأيضا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب وذلك منكر وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا ~~يؤول إلى منكر أعظم منه. والله تعالى أعلم والحمد لله وحده. # وسئل - رحمه الله -: # عن الحديث: " {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سجادة} فقد أورد شخص ~~عن عبد الله بن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه توضأ ~~وقال: يا عائشة ائتيني بالخمرة فأتت به. فصلى عليه} . # فأجاب: # لفظ الحديث " {أنه طلب الخمرة} والخمرة: شيء يصنع من الخوص # PageV22P191 # فسجد عليه يتقي به حر الأرض وأذاها. فإن حديث الخمرة صحيح. وأما اتخاذها ~~كبيرة يصلي عليها يتقي بها النجاسة ونحوها فلم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms6730 يتخذ سجادة يصلي عليها ولا الصحابة؛ بل كانوا يصلون حفاة ومنتعلين ~~ويصلون على التراب والحصير وغير ذلك من غير حائل. وقد ثبت عنه في الصحيحين: ~~" {أنه كان يصلي في نعليه} وقال: " {إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم} وصلى مرة في نعليه وأصحابه في نعالهم فخلعهما في الصلاة فخلعوا ~~فقال: " {ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل ~~أتاني فأخبرني أن فيهما أذى فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان ~~فيهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور} . فإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه يصلون في نعالهم ولا يخلعونها بل يطئون بها على ~~الأرض ويصلون فيها فكيف يظن أنه كان يتخذ سجادة يفرشها على حصير أو غيره ثم ~~يصلي عليها؟ فهذا لم يكن أحد يفعله من الصحابة. وينقل عن مالك أنه لما قدم ~~بعض العلماء وفرش في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ذلك أمر بحبسه. ~~وقال: أما علمت أن هذا في مسجدنا بدعة والله أعلم. # PageV22P192 # وسئل أيضا - رحمه الله تعالى -: # عمن تحجر موضعا من المسجد. بسجادة أو بساط أو غير ذلك. هل هو حرام؟ وإذا ~~صلى إنسان على شيء من ذلك بغير إذن مالكه هل يكره؟ أم لا؟ . # فأجاب: # ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئا لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطا ~~ولا غير ذلك. وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه؛ لكن يرفعها ويصلي ~~مكانها؛ في أصح قولي العلماء. والله أعلم # وسئل: # عن دخول النصراني أو اليهودي في المسجد بإذن المسلم أو بغير إذنه أو ~~يتخذه طريقا. فهل يجوز؟ . # فأجاب: # ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقا فكيف إذا اتخذه الكافر طريقا فإن هذا ~~يمنع بلا ريب. # PageV22P193 # وأما إذا كان دخله ذمي لمصلحة فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن ~~أحمد: أحدهما: لا يجوز وهو مذهب مالك؛ لأن ذلك هو الذي استقر عليه عمل ~~الصحابة. والثاني: يجوز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وفي اشتراط إذن المسلم ~~وجهان في مذهب ms6731 أحمد وغيره. # وسئل: # هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي ~~الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ . # فأجاب: # الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك} . # PageV22P194 # وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد. فإن كان المسجد قبل الدفن غير: إما بتسوية ~~القبر وإما بنبشه إن كان جديدا. وإن كان المسجد بني بعد القبر: فإما أن ~~يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه ~~فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. # وسئل: # عن جماعة نازلين في الجامع مقيمين ليلا ونهارا وأكلهم وشربهم ونومهم ~~وقماشهم وأثاثهم الجميع في الجامع ويمنعون من ينزل عندهم من غير جنسهم ~~وحكروا الجامع ثم إن جماعة دخلوا بعض المقاصير يقرءون القرآن احتسابا ~~فمنعهم بعض المجاورين وقال هذا موضعنا. فهل يجوز ذلك؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنع غيره منه ~~دائما؛ بل قد " {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير} قال ~~العلماء: معناه أن يتخذ الرجل مكانا من المسجد لا يصلي # PageV22P195 # إلا فيه فإذا كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة كيف بمن يتحجر بقعة ~~دائما. هذا لو كان إنما يفعل فيها ما يبنى له المسجد من الصلاة والذكر ونحو ~~ذلك فكيف إذا اتخذ المسجد بمنزلة البيوت فيه أكله وشربه ونومه وسائر أحواله ~~التي تشتمل على ما لم تبن المساجد له دائما؛ فإن هذا يمنع باتفاق المسلمين ~~فإنما وقعت الرخصة في بعض ذلك لذوي الحاجة مثل ما كان أهل الصفة: كان الرجل ~~يأتي مهاجرا إلى المدينة وليس له مكان يأوي إليه فيقيم بالصفة إلى أن يتيسر ~~له أهل أو مكان يأوي إليه ثم ينتقل. ومثل المسكينة التي كانت تأوي إلى ~~المسجد وكانت ms6732 تقمه. ومثل ما كان ابن عمر يبيت في المسجد وهو عزب؛ لأنه لم ~~يكن له بيت يأوي إليه حتى تزوج. ومن هذا الباب علي بن أبي طالب: لما تقاول ~~هو وفاطمة ذهب إلى المسجد فنام فيه. فيجب الفرق بين الأمر اليسير وذوي ~~الحاجات وبين ما يصير عادة ويكثر وما يكون لغير ذوي الحاجات؛ ولهذا قال ابن ~~عباس: لا تتخذوا المسجد مبيتا ومقيلا. هذا ولم يفعل فيه إلا النوم فكيف ما ~~ذكر من الأمور والعلماء قد تنازعوا في المعتكف هل ينبغي له أن يأكل في ~~المسجد أو في بيته مع أنه مأمور بملازمة المسجد وأن لا يخرج منه إلا لحاجة ~~والأئمة كرهوا اتخاذ المقاصير في المسجد لما أحدثها بعض الملوك؛ لأجل ~~الصلاة خاصة وأولئك إنما # PageV22P196 # كانوا يصلون فيها خاصة. فأما اتخاذها للسكنى والمبيت وحفظ القماش والمتاع ~~فيها فما علمت مسلما ترخص في ذلك فإن هذا يجعل المسجد بمنزلة الفنادق التي ~~فيها مساكن متحجرة والمسجد لا بد أن يكون مشتركا بين المسلمين لا يختص أحد ~~بشيء منه إلا بمقدار لبثه للعمل المشروع فيه فمن سبق إلى بقعة من المسجد ~~لصلاة أو قراءة أو ذكر أو تعلم علم أو اعتكاف ونحو ذلك فهو أحق به حتى يقضي ~~ذلك العمل ليس لأحد إقامته منه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام ~~الرجل من مجلسه ولكن يوسع ويفسح. وإذا انتقض وضوءه ثم عاد فهو أحق بمكانه ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن ذلك قال: " {إذا قام الرجل عن مجلسه ثم ~~عاد إليه فهو أحق به} وأما أن يختص بالمقام والسكنى فيه كما يختص الناس ~~بمساكنهم فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين. وأبلغ ما يكون من المقام ~~في المسجد مقام المعتكف كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد ~~وكان يحتجر له حصيرا فيعتكف فيه وكان يعتكف في قبة وكذلك كان الناس يعتكفون ~~في المساجد ويضربون لهم فيه القباب فهذا مدة الاعتكاف خاصة والاعتكاف عبادة ~~شرعية وليس للمعتكف أن يخرج من ms6733 المسجد إلا لما لا بد منه والمشروع له # PageV22P197 # أن لا يشتغل إلا بقربة إلى الله والذي يتخذه سكنا ليس معتكفا بل يشتمل ~~على فعل المحظور وعلى المنع من المشروع فإن من كان بهذه الحال منع الناس من ~~أن يفعلوا في تلك البقعة ما بني له المسجد من صلاة وقراءة وذكر كما في ~~الاستفتاء أن بعضهم يمنع من يقرأ القرآن في تلك البقعة كغيره من القراء ~~والذي فعله هذا الظالم منكر من وجوه: # أحدها اتخاذ المسجد مبيتا ومقيلا وسكنا كبيوت الخانات والفنادق. # والثاني منعه من يقرأ القرآن حيث يشرع. # والثالث منع بعض الناس دون بعض فإن احتج بأن أولئك يقرءون لأجل الوقف ~~الموقوف عليهم وهذا ليس من أهل الوقف كان هذا العذر أقبح من المنع لأن من ~~يقرأ القرآن محتسبا أولى بالمعاونة ممن يقرؤه لأجل الوقف وليس للواقف أن ~~يغير دين الله وليس بمجرد وقفه يصير لأهل الوقف في المسجد حق لم يكن لهم ~~قبل ذلك ولهذا لو أراد الواقف أن يحتجر بقعة من المسجد لأجل وقفه بحيث يمنع ~~غيره منها لم يكن له ذلك ولو عين بقعة من المسجد لما أمر به من قراءة أو ~~تعليم ونحو ذلك لم تتعين تلك البقعة كما لا تتعين في # PageV22P198 # النذر؛ فإن الإنسان لو نذر أن يصلي ويعتكف في بقعة من المسجد لم تتعين ~~تلك البقعة وكان له أن يصلي ويعتكف في سائر بقاع المسجد عند عامة أهل العلم ~~لكن هل عليه كفارة يمين؟ على وجهين في مذهب أحمد. وأما الأئمة الثلاثة فلا ~~يوجبون عليه كفارة وهذا لأنه لا يجب بالنذر إلا ما كان طاعة بدون النذر ~~وإلا فالنذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة والناذر ليس عليه أن يوقف إلا ما ~~كان طاعة لله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} ولهذا لو نذر حراما أو مكروها أو ~~مباحا مستوي الطرفين لم يكن عليه الوفاء به. وفي الكفارة قولان أوجبها ms6734 في ~~المشهور أحمد ولم يوجبها الثلاثة. وكذلك شرط الواقف والبائع وغيرهما. كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " {ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب ~~الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله ~~أحق وشرط الله أوثق} وهذا كله # PageV22P199 # لأنه ليس لأحد أن يغير شريعته التي بعث بها رسوله ولا يبتدع في دين الله ~~ما لم يأذن به الله ولا يغير أحكام المساجد عن حكمها الذي شرع الله ورسوله. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن النوم في المسجد والكلام والمشي بالنعال في أماكن الصلاة هل يجوز ذلك ~~أم لا؟ # فأجاب: # أما النوم أحيانا للمحتاج مثل الغريب والفقير الذي لا مسكن له فجائز وأما ~~اتخاذه مبيتا ومقيلا فينهون عنه. وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في ~~المسجد فحسن وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريما. وكذلك المكروه. ويكره ~~فيه فضول المباح. وأما المشي بالنعال فجائز كما كان الصحابة يمشون بنعالهم ~~في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لكن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ~~ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فينظر في نعليه فإن كان بهما أذى ~~فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور والله أعلم. # PageV22P200 # وسئل: # عن السواك وتسريح اللحية في المسجد: هل هو جائز أم لا؟ # فأجاب: # أما السواك في المسجد فما علمت أحدا من العلماء كرهه بل الآثار تدل على ~~أن السلف كانوا يستاكون في المسجد ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ~~ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ~~عنه بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء. فإذا جاز ~~الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك وتجوز الصلاة فيه والصلاة يستاك ~~عندها فكيف يكره السواك وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه فكيف يكره السواك. ~~وأما التسريح: فإنما كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل نجس ~~ويمنع أن يكون في المسجد شيء نجس أو ms6735 بناء على أنه كالقذاة. وجمهور العلماء ~~على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر ~~مذهبه وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو الصحيح فإن النبي # PageV22P201 # صلى الله عليه وسلم {حلق رأسه وأعطى نصفه لأبي طلحة ونصفه قسمه بين ~~الناس} . و (باب الطهارة والنجاسة يشارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~أمته. بل الأصل أنه أسوة لهم في جميع الأحكام إلا ما قام فيه دليل يوجب ~~اختصاصه به. وأيضا الصحيح الذي عليه الجمهور أن شعور الميتة طاهرة. بل في ~~أحد قولي العلماء. وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين أن جميع ~~الشعور طاهرة حتى شعر الخنزير وعلى القولين إذا سرح شعره وجمع الشعر فلم ~~يترك في المسجد فلا بأس بذلك. وأما ترك شعره في المسجد فهذا يكره وإن لم ~~يكن نجسا فإن المسجد يصان حتى عن القذاة التي تقع في العين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الضحايا: هل يجوز ذبحها في المسجد؟ وهل تغسل الموتى وتدفن الأجنة ~~فيها؟ وهل يجوز تغيير وقفها من غير منفعة تعود عليها؟ وهل يجوز الاستنجاء ~~في المسجد والغسل؟ وإذا لم يجز فما جزاء # PageV22P202 # من يفعله ولا يأتمر بأمر الله؟ ولا ينتهي عما نهي عنه؟ وإن أفتاه عالم ~~سبه. وهل يجب على ولي الأمر زجره ومنعه وإعادة الوقف إلى ما كان عليه؟ . # فأجاب: # لا يجوز أن يذبح في المسجد: لا ضحايا ولا غيرها كيف والمجزرة المعدة ~~للذبح قد كره الصلاة فيها إما كراهية تحريم وإما كراهية تنزيه؛ فكيف يجعل ~~المسجد مشابها للمجزرة وفي ذلك من تلويث الدم للمسجد ما يجب تنزيهه. وكذلك ~~لا يجوز أن يدفن في المسجد ميت: لا صغير ولا كبير ولا جنين ولا غيره. فإن ~~المساجد لا يجور تشبيهها بالمقابر. وأما تغيير الوقف لغير مصلحة؛ فلا يجوز ~~ولا يجوز الاستنجاء فيها. وأما الوضوء ففي كراهته في المسجد نزاع بين ~~العلماء والأرجح أنه لا يكره إلا أن يحصل معه امتخاط أو بصاق في المسجد فإن ~~البصاق في المسجد ms6736 خطيئة وكفارتها دفنها فكيف بالمخاط. ومن لم يأتمر بما ~~أمره الله به وينته عما نهى الله عنه؛ بل يرد على الآمرين بالمعروف ~~والناهين عن المنكر فإنه يعاقب العقوبة الشرعية التي توجب له ولأمثاله أداء ~~الواجبات وترك المحرمات. # PageV22P203 # ولا تغسل الموتى في المسجد وإذا أحدث في المسجد ما يضر بالمصلين أزيل ما ~~يضرهم وعمل بما يصلحهم إما إعادته إلى الصفة الأولى أو أصلح. والله أعلم. # وسئل: # عمن يعلم الصبيان في المسجد: هل يجوز له البيات في المسجد؟ . # فأجاب: # الحمد لله، يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه حتى رفع الصبيان ~~أصواتهم فيه وكذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك. لا سيما إن كان وقت الصلاة فإن ~~ذلك من عظيم المنكرات. وأما المبيت فيه: فإن كان لحاجة كالغريب الذي لا أهل ~~له والغريب الفقير الذي لا بيت له ونحو ذلك إذا كان يبيت فيه بقدر الحاجة ~~ثم ينتقل فلا بأس وأما من اتخذه مبيتا ومقيلا فلا يجوز ذلك. # PageV22P204 # وسئل - رحمه الله -: # عن مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية ثم على باب المسجد شهود ~~يكثرون الكلام ويقع التشويش على القراء فهل يجوز ذلك. أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد: أهل الصلاة أو القراءة أو الذكر ~~أو الدعاء ونحو ذلك مما بنيت المساجد له فليس لأحد أن يفعل في المسجد ولا ~~على بابه أو قريبا منه ما يشوش على هؤلاء. بل قد خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة. فقال: {أيها الناس كلكم يناجي ~~ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة} . فإذا كان قد نهى المصلي أن يجهر ~~على المصلي فكيف بغيره ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي ~~إلى ذلك منع من ذلك والله أعلم. # PageV22P205 # و ### | سئل: # عن السؤال في الجامع: # هل هو حلال؟ أم حرام؟ أو مكروه؟ وأن تركه أوجب من فعله؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة فإن كان ~~به ms6737 ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه ولم ~~يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهرا يضر الناس مثل أن يسأل ~~والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به ونحو ذلك جاز والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في " استقبال القبلة " وإنه لا نزاع بين العلماء في الواجب من ذلك وأن ~~النزاع بين القائلين بالجهة والعين لا حقيقة له قال الله تعالى: # PageV22P206 # {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} إلى قوله {ومن حيث خرجت فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} وشطره: نحوه وتلقاؤه كما ~~قال: أقيمي أم زنباع أقيمي صدور العيس شطر بني تميم وقال: {ولكل وجهة هو ~~موليها} و " الوجهة " هي الجهة كما في عدة وزنة. أصلها: وعدة ووزنة. ~~فالقبلة هي التي تستقبل والوجهة هي التي يوليها. وهو سبحانه أمره بأن يولي ~~وجهه شطر المسجد الحرام و " {المسجد الحرام} " هو الحرم كله كما في قوله: ~~{فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وليس ذلك مختصا بالكعبة وهذا ~~يحقق الأثر المروي: " الكعبة قبلة المسجد والمسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم ~~والحرم قبلة الأرض " وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه ~~صلى في قبلة الكعبة ركعتين وقال: هذه القبلة} . وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~قال: " {لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول؛ ولا تستدبروها؛ ولكن شرقوا أو ~~غربوا} " فنهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول وأمر باستقبالها في الصلاة ~~فالقبلة التي نهى عن استقبالها # PageV22P207 # واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التي أمر المصلي باستقبالها في ~~الصلاة. وقال صلى الله عليه وسلم " {ما بين المشرق والمغرب قبلة} " قال ~~الترمذي حديث صحيح. وهكذا قال غير واحد من الصحابة: مثل عمر وعثمان وعلي بن ~~أبي طالب وابن عباس وابن عمر وغيرهم. ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك ~~نزاع؛ وهكذا نص عليه أئمة المذاهب المتبوعة وكلامهم ms6738 في ذلك معروف. وقد حكى ~~متأخرو الفقهاء في ذلك قولين في مذهب أحمد وغيره. وقد تأملت نصوص أحمد في ~~هذا الباب فوجدتها متفقة لا اختلاف فيها وكذلك يذكر الاختلاف في مذهب مالك ~~وأبي حنيفة والشافعي وهو عند التحقيق ليس بخلاف؛ بل من قال: يجتهد أن يصلي ~~إلى عين الكعبة أو فرضه استقبال عين الكعبة بحسب اجتهاده فقد أصاب. ومن ~~قال: يجتهد أن يصلي إلى جهة الكعبة أو فرضه استقبال القبلة فقد أصاب. وذلك ~~أنهم متفقون على أن من شاهد الكعبة فإنه يصلي إليها. ومتفقون على أنه كلما ~~قرب المصلون إليها كان صفهم أقصر من البعيدين عنها. وهذا شأن كل ما يستقبل. ~~فالصف القريب منها لا يزيد طوله على قدر الكعبة. ولو زاد # PageV22P208 # لكان الزائد مصليا إلى غير الكعبة. والصف الذي خلفه يكون أطول منه وهلم ~~جرا. فإذا كانت الصفوف تحت سقائف المسجد كانت منحنية بقدر ما يستقبلون ~~الكعبة وهم يصلون إليها وإلى جهتها أيضا فإذا بعد الناس عنها كانوا مصلين ~~إلى جهتها وهم مصلون إليها أيضا ولو كان الصف طويلا يزيد طوله على قدر ~~الكعبة صحت صلاتهم باتفاق المسلمين وإن كان الصف مستقيما حيث لم يشاهدوها. ~~ومن المعلوم أنه لو سار من الصفوف على خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على ~~قدرها خارجا عن مسافتها. فمن توهم أن الفرض أن يقصد المصلي الصلاة في مكان ~~لو سار على خط مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ. ومن فسر وجوب الصلاة ~~إلى العين بهذا وأوجب هذا فقد أخطأ وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين ~~فهذا القول خطأ خالف نص الكتاب والسنة وإجماع السلف؛ بل وإجماع الأمة. فإن ~~الأمة متفقة على صحة صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة ~~بأضعاف مضاعفة وإن كان الصف مستقيما لا انحناء فيه ولا تقوس. فإن قيل: مع ~~البعد لا يحتاج إلى الانحناء والتقوس كما يحتاج إليه في القرب كما أن الناس ~~إذا استقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلا من الجبال فإنهم يستقبلونه ms6739 مع كثرتهم ~~وتفرقهم ولو كان قريبا لم يستقبلوه # PageV22P209 # إلا مع القلة والاجتماع قيل: لا ريب أنه ليس الانحناء والتقوس في البعد ~~بقدر الانحناء والتقوس في القرب؛ بل كلما زاد البعد قل الانحناء وكلما قرب ~~كثر الانحناء حتى يكون أعظم الناس انحناء وتقوسا الصف الذي يلي الكعبة ولكن ~~مع هذا فلا بد من التقوس والانحناء في البعد إذا كان المقصود أن يكون بينه ~~وبينها خط مستقيم بحيث لو مشى إليه لوصل إليها؛ لكن يكون التقوس شيئا يسيرا ~~جدا كما قيل إنه إذا قدر الصف ميلا وهو مثلا في الشام كان الانحناء من كل ~~واحد بقدر شعيرة؛ فإن هذا ذكره بعض من نص [على] (1) وجوب استقبال العين ~~وقال: إن مثل هذا التقوس اليسير يعفى عنه. فيقال له: فهذا معنى قولنا: إن ~~الواجب استقبال الجهة وهو العفو عن وجوب تحري مثل هذا التقوس والانحناء ~~فصار النزاع لفظيا لا حقيقة له. فالمقصود أن من صلى إلى جهتها فهو مصل إلى ~~عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا. ولا يقال لمن صلى كذلك أنه مخطئ ~~في الباطن معفو عنه؛ بل هذا مستقبل القبلة باطنا وظاهرا وهذا هو الذي أمر ~~به؛ ولهذا لما بنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مساجد الأمصار كان ~~في بعضها ما لو خرج منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفا وكانت صلاة ~~المسلمين فيه جائزة باتفاق المسلمين. PageV22P210 # وبهذا يظهر حقيقة قول من قال: إن من قرب منها أو من مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تكون إلا على خط مستقيم لأنه لا يقر على خطأ. فيقال: هؤلاء ~~اعتقدوا أن مثل هذه القبلة تكون خطأ وإنما تكون خطأ لو كان الفرض أن يتحرى ~~استقبال خط مستقيم بين وسط أنفه وبينها؛ وليس الأمر كذلك بل قد تقدم نصوص ~~الكتاب والسنة بخلاف ذلك. ونظير هذا قول بعضهم إذا وقف الناس يوم العاشر ~~خطأ أجزأهم فالصواب أن ذلك هو يوم عرفة باطنا وظاهرا ولا خطأ في ذلك؛ بل ~~يوم عرفة هو ms6740 اليوم الذي يعرف فيه الناس والهلال إنما يكون هلالا إذا استهله ~~الناس وإذا طلع ولم يستهلوه فليس بهلال؛ مع أن النزاع في الهلال مشهور هل ~~هو اسم لما يطلع وإن لم يستهل به؟ أو لما يستهل به؟ وفيه قولان معروفان في ~~مذهب أحمد وغيره؛ بخلاف النزاع في استقبال الكعبة. ويدل على ذلك أنه لو قيل ~~بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون بين وسط أنفه وجبهته وبينها خط مستقيم ~~قيل فلا بد من طريق يعلم بها ذلك؛ فإن الله لم يوجب شيئا إلا وقد نصب على ~~العلم به دليلا ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه إلا خاصة الناس مع ~~اختلافهم فيه ومع كثرة الخطأ في ذلك ووجوب استقبال القبلة عام # PageV22P211 # لجميع المسلمين فلا يكون العلم الواجب خفيا لا يعلم إلا بطريق طويلة صعبة ~~مخوفة مع تعذر العلم بذلك أو تعسره في أغلب الأحوال. ولهذا كان الذين سلكوا ~~هذه الطريق يتكلمون بلا علم مع اختلافهم في ذلك والدليل المشهور لهم الجدي ~~والقطب فمنهم من يقول: القطب هو الجدي وهو كوكب خفي وهذا خطأ من ثلاثة ~~أوجه؛ فإن القطب ليس هو الجدي والجدي ليس بكوكب خفي؛ بل كوكب نير والقطب ~~ليس أيضا كوكبا. ومنهم من يقول: الجدي هو كوكب خفي وهو خطأ. وجمهورهم ~~يقولون القطب كوكب خفي ويحكون قولين في القطب هل يدور أو لا يدور؟ وهذا ~~تخليط؛ فإن القطب الذي هو مركز الحركة لا يتغير عن موضعه كما أن قطب الرحى ~~لا يتغير عن موضعه. ولكن هناك كوكب صغير خفي قريب منه. وهذا إذا سمي قطبا ~~كان تسميته باعتبار كونه أقرب الكواكب إلى القطب وهذا يدور؛ فالكواكب تدور ~~بلا ريب ومدار الحركة الذي هو قطبها لا يدور بلا ريب فحكاية قولين في ذلك ~~كلام من لم يميز بين هذا وهذا والدليل الظاهر هو الجدي. والاستدلال به على ~~العين إنما يكون في بعض الأوقات؛ لا في جميعها؛ فإن القطب إذا كانت الشمس ~~في وسط السماء عند تناهي قصر الظلال يكون القطب ms6741 محاذيا للركن الشامي من ~~البيت الذي يكون عن # PageV22P212 # يمين المستقبل للباب فمن كان بلده محاذيا لهذا القطب كأهل حران ونحوهم ~~كانت صلاتهم إلى الركن. ولهذا يقال أعدل القبل قبلتهم. ومن كان بلده غربي ~~هؤلاء - كأهل الشام - فإنهم يميلون إلى جهة المشرق قليلا بقدر بعدهم عن هذا ~~الخط فكلما بعدوا ازدادوا في الانحراف ومن كان شرقي هؤلاء - كأهل العراق - ~~كانت قبلته بالعكس؛ ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون القطب وما قرب منه خلف ~~أقفائهم وأهل الشام يميلون قليلا فيجعلون ما بين الأذن اليسرى ونقرة القفا ~~أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن هؤلاء وأهل العراق يجعلون ذلك ~~خلف الأذن اليمنى ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يأمروا ~~أحدا بمراعاة القطب ولا ما قرب منه ولا الجدي ولا بنات نعش ولا غير ذلك. ~~ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن لا تعتبر القبلة ~~بالجدي وقال: ليس في الحديث ذكر الجدي؛ ولكن ما بين المشرق والمغرب قبلة ~~وهو كما قال؛ فإنه لو كان تحديد القبلة بذلك واجبا أو مستحبا لكان الصحابة ~~أعلم بذلك وإليه أسبق ولكان النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك؛ فإنه لم يدع ~~من الدين شيئا إلا بينه فكيف وقد صرح بأن ما بين المشرق والمغرب قبلة ونهى ~~عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ومعلوم باتفاق # PageV22P213 # المسلمين أن المنهي عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة ~~خط مستقيم: بل المنهي عنه أعم من ذلك وهو أمر باستقبال القبلة في حال كما ~~نهي عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد يتناول ما لا يتناوله الأمر لكن ~~هذا يوافق قوله: " ما بين المشرق والمغرب قبلة ". وأيضا فإن تعليق الدين ~~بذلك يفضي إلى تنازع الأمة واختلافها في دينها والله قد نهى عن التفرق ~~والاختلاف؛ فإن جماهير الناس لا يعلمون ذلك تحديدا: وإنما هم فيه مقلدون ~~لمن قرب ذلك. فالتحديد في هذا متعذر أو متعسر ومثل هذا لا ترد ms6742 به الشريعة ~~والذين يدعون الحساب ومعرفة ذلك تجد أكثرهم يتكلمون في ذلك بما هو خطأ وبما ~~إذا طولبوا بدليله رجعوا إلى مقدمات غير معلومة وأخبار من لا يوثق بخبره. ~~والذين ذكروا بعض ذلك من الفقهاء هم تلقوه عن هؤلاء ولم يحكموه فصار مرجع ~~أتباع هؤلاء وهؤلاء إلى تقليد يتضمن خطأ في كثير من المواضيع ثم يدعي هذا ~~أن هذه القبلة التي عينها هي الصواب دون ما عينه الآخر ويدعي الآخر ضد ذلك ~~حتى يصير الناس أحزابا وفرقا وكل ذلك مما نهى الله عنه ورسوله. وسبب ذلك ~~أنهم أدخلوا في دينهم ما ليس منه وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~فاختلفوا في تلك البدعة التي شرعوها؛ لأنها # PageV22P214 # لا ضابط لها كما يختلف الذين يريدون أن يعلموا طلوع الهلال بالحساب أو ~~طلوع الفجر بالحساب وهو أمر لا يقوم عليه دليل حسابي مطرد؛ بل ذلك متناقض ~~مختلف فهؤلاء أعرضوا عن الدين الواسع والأدلة الشرعية فدخلوا في أنواع من ~~الجهل والبدع مع دعواهم العلم والحذق كذلك يفعل الله بمن خرج عن المشروع ~~إلى البدع وتنطع في الدين. وقد ثبت في الصحيح صحيح مسلم عن الأحنف بن قيس ~~عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {هلك المتنطعون} قالها ~~ثلاثا ورواه أيضا أحمد وأبو داود. وأيضا فإن الله قال {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} وقال: {ولكل وجهة هو موليها} أي مستقبلها. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {هذه القبلة} والقبلة ما يستقبل وقال: {من صلى صلاتنا واستقبل ~~قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا} . وأجمع ~~المسلمون على أنه يجب على المصلي استقبال القبلة في الجملة فالمأمور به ~~الاستقبال للقبلة وتولية الوجه شطر المسجد الحرام فينظر هل الاستقبال ~~وتولية الوجه من شرطه أن يكون وسط وجهه مستقبلا # PageV22P215 # لها - كوسط الأنف وما يحاذيه من الجبهة والذقن ونحو ذلك. أو يكون الشخص ~~مستقبلا لما يستقبله إذا وجه إليه وجهه وإن لم يحاذه بوسط وجهه. فهذا أصل ~~المسألة. ومعلوم أن ms6743 الناس قد سن لهم أن يستقبلوا الخطيب بوجوههم ونهوا عن ~~استقبال القبلة بغائط أو بول وأمثال ذلك مما لم يشترط فيه أن يكون ~~الاستقبال بوسط الوجه والبدن؛ بل لو كان منحرفا انحرافا يسيرا لم يقدح ذلك ~~في الاستقبال. والاسم إن كان له حد في الشرع رجع إليه وإلا رجع إلى حده في ~~اللغة والعرف والاستقبال هنا دل عليه الشرع واللغة والعرف. وأما الشارع ~~فقال: {ما بين المشرق والمغرب قبلة} ومعلوم أن من كان بالمدينة والشام ~~ونحوهما إذا جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه فهو مستقبل للكعبة ~~ببدنه؛ بحيث يمكن أن يخرج من وجهه خط مستقيم إلى الكعبة ومن صدره وبطنه؛ ~~لكن قد لا يكون ذلك الخط من وسط وجهه وصدره. فعلم أن الاستقبال بالوجه أعم ~~من أن يختص بوسطه فقط والله أعلم. # PageV22P216 # وسئل: # عن النية في الطهارة والصلاة والصيام والحج وغير ذلك فهل محل ذلك القلب؟ ~~أم اللسان؟ وهل يجب أن نجهر بالنية؟ أو يستحب ذلك؟ أو قال أحد من المسلمين ~~إن لم يفعل ذلك بطلت صلاته. أو غيرها؟ أو قال: إن صلاة الجاهر أفضل من صلاة ~~الخافت. إماما كان أو مأموما أو منفردا وهل التلفظ بها واجب أم لا؟ أو قال ~~أحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين: إن لم يتلفظ بالنية بطلت ~~صلاته؟ . وإذا كانت غير واجبة فهل يستحب التلفظ بها؟ وما السنة التي كان ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون؟ وإذا أصر على الجهر ~~بها معتقدا أن ذلك مشروع: فهل هو مبتدع مخالف لشريعة الإسلام؟ أم لا؟ وهل ~~يستحق التعزير على ذلك إذا لم ينته؟ وأبسطوا لنا الجواب. # فأجاب: # الحمد لله، محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة # PageV22P217 # المسلمين في جميع العبادات: الصلاة والطهارة والزكاة والحج والصيام ~~والعتق والجهاد وغير ذلك. ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان ~~الاعتبار بما نوى بقلبه لا باللفظ ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه ~~لم يجزئ ذلك باتفاق أئمة المسلمين. فإن ms6744 النية هي من جنس القصد؛ ولهذا تقول ~~العرب نواك الله بخير: أي قصدك بخير. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه} مراده صلى الله عليه وسلم بالنية النية التي في ~~القلب؛ دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين: الأئمة الأربعة وغيرهم. وسبب ~~الحديث يدل على ذلك فإن سببه أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة ~~يقال لها: أم قيس فسمي مهاجر أم قيس. فخطب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر وذكر هذا الحديث. وهذا كان نيته في قلبه. والجهر بالنية لا يجب ولا ~~يستحب باتفاق المسلمين؛ بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك ~~معتقدا أنه من الشرع: فهو جاهل ضال يستحق التعزير وإلا العقوبة على ذلك إذا ~~أصر # PageV22P218 # على ذلك بعد تعريفه والبيان له لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته ~~أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنه يستحق التعزير البليغ على ذلك ولم يقل أحد من ~~المسلمين إن صلاة الجاهر بالنية أفضل من صلاة الخافت بها سواء كان إماما أو ~~مأموما أو منفردا. وأما التلفظ بها سرا فلا يجب أيضا عند الأئمة الأربعة ~~وسائر أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إن التلفظ بالنية واجب لا في ~~طهارة ولا في صلاة ولا صيام ولا حج. ولا يجب على المصلي أن يقول بلسانه: ~~أصلي الصبح ولا أصلي الظهر ولا العصر ولا إماما ولا مأموما ولا يقول ~~بلسانه: فرضا ولا نفلا ولا غير ذلك؛ بل يكفي في أن تكون نيته في قلبه والله ~~يعلم ما في القلوب. وكذلك نية الغسل من الجنابة والوضوء يكفي فيه نية ~~القلب. وكذلك نية الصيام في رمضان لا يجب على أحد أن يقول: أنا صائم غدا. ~~باتفاق الأئمة؛ بل يكفيه نية قلبه. والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن ~~يفعله ms6745 فلا بد أن ينويه فإذا علم المسلم أن غدا من رمضان وهو ممن يصوم رمضان ~~فلا بد # PageV22P219 # أن ينوي الصيام فإذا علم أن غدا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة. وكذلك ~~الصلاة: فإذا علم أن الصلاة القائمة صلاة الفجر أو الظهر وهو يعلم أنه يريد ~~أن يصلي صلاة الفجر أو الظهر فإنه إنما ينوي تلك الصلاة لا يمكنه أن يعلم ~~أنها الفجر وينوي الظهر. وكذلك إذا علم أنه يصلي إماما أو مأموما؛ فإنه لا ~~بد أن ينوي ذلك والنية تتبع العلم والاعتقاد اتباعا ضروريا إذا كان يعلم ما ~~يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه. فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر وقد ~~علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر امتنع أن يقصد غيرها ولو اعتقد أن الوقت قد ~~خرج أجزأته صلاته باتفاق الأئمة. ولو اعتقد أنه خرج فنوى الصلاة بعد الوقت ~~فتبين أنها في الوقت أجزأته الصلاة باتفاق الأئمة. وإذا كان قصده أن يصلي ~~على الجنازة - أي جنازة كانت - فظنها رجلا وكانت امرأة صحت صلاته بخلاف ما ~~نوى. وإذا كان مقصوده أن لا يصلي إلا على من يعتقده فلانا وصلى على من ~~يعتقد أنه فلان فتبين غيره فإنه هنا لم يقصد الصلاة على ذلك الحاضر. # PageV22P220 # والمقصود هنا: أن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة: ولكن بعض ~~المتأخرين خرج وجها في مذهب الشافعي بوجوب ذلك وغلطه جماهير أصحاب الشافعي ~~وكان غلطه أن الشافعي قال: لا بد من النطق في أولها فظن هذا الغالط أن ~~الشافعي أراد النطق بالنية فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم وقالوا: إنما أراد ~~النطق بالتكبير لا بالنية. ولكن التلفظ بها هل هو مستحب؟ أم لا؟ هذا فيه ~~قولان معروفان للفقهاء. منهم من استحب التلفظ بها كما ذكر ذلك من ذكره من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وقالوا: التلفظ بها أوكد واستحبوا التلفظ ~~بها في الصلاة والصيام والحج وغير ذلك. ومنهم من لم يستحب التلفظ بها كما ~~قال ذلك من قاله من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما. وهذا ms6746 هو المنصوص عن مالك ~~وأحمد سئل تقول قبل التكبير شيئا؟ قال: لا. وهذا هو الصواب فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يقول قبل التكبير شيئا ولم يكن يتلفظ بالنية لا في ~~الطهارة ولا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج. ولا غيرها من العبادات ~~ولا خلفاؤه ولا أمر أحدا أن يتلفظ بالنية بل قال لمن علمه الصلاة: كبر؛ كما ~~في # PageV22P221 # الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين} ولم يتلفظ ~~قبل التكبير بنية ولا غيرها ولا علم ذلك أحدا من المسلمين. ولو كان ذلك ~~مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولعلمه المسلمون. وكذلك في الحج ~~إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية وشرع للمسلمين أن يلبوا في أول الحج ~~{وقال - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير: حجي واشترطي فقولي: لبيك ~~اللهم لبيك ومحلي حيث حبستني} فأمرها أن تشترط بعد التلبية. ولم يشرع لأحد ~~أن يقول قبل التلبية شيئا. لا يقول: اللهم إني أريد العمرة والحج ولا الحج ~~والعمرة ولا يقول: فيسره لي وتقبله مني ولا يقول: نويتهما جميعا ولا يقول: ~~أحرمت لله ولا غير ذلك من العبادات كلها. ولا يقول قبل التلبية شيئا بل جعل ~~التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة. وكان هو وأصحابه يقولون: فلان أهل ~~بالحج أهل بالعمرة؛ أو أهل بهما جميعا. كما يقال كبر للصلاة والإهلال رفع ~~الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته: {لبيك حجا وعمرة} ينوي ما يريد أن # PageV22P222 # يفعله بعد التلبية؛ لا قبلها. وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل ~~التكبير وقبل التلبية وفي الطهارة وسائر العبادات فهي من البدع التي لم ~~يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من ~~الزيادات التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي بدعة بل كان صلى ~~الله عليه وسلم يداوم في العبادات على تركها ففعلها والمداومة عليها بدعة ~~وضلالة من وجهين: من ms6747 حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب أي يكون فعله ~~خير من تركه مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعله ألبتة فيبقى ~~حقيقة هذا القول أن ما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال: " أخاف عليك ~~الفتنة فقال له السائل: أي فتنة في ذلك؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز ~~وجل. قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ". وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: {من رغب عن سنتي ~~فليس مني} فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتي فرغب عما [سننته] (1) معتقدا ~~PageV22P223 # أن ما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني؛ لأن خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة. فمن قال: إن هدي غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من هدي محمد فهو مفتون؛ بل ضال قال الله تعالى - إجلالا له ~~وتثبيتا لحجته على الناس كافة - {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} أي: وجيع. وهو صلى الله عليه وسلم قد أمر ~~المسلمين باتباعه وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه واستحباب ما أحبه. وأنه لا ~~أفضل من ذلك. فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره وفي صحيح مسلم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {هلك المتنطعون - قالها ثلاثا -} أي المشددون في ~~غير موضع التشديد؛ وقال أبي بن كعب وابن مسعود اقتصاد في سنة خير من اجتهاد ~~في بدعة. ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: " نعمت البدعة هذه " فإنها ~~بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثل هذه وهي سنة من الشريعة. وهكذا إخراج اليهود والنصارى ~~من جزيرة العرب ومصر الأمصار ms6748 كالكوفة # PageV22P224 # والبصرة وجمع القرآن في مصحف واحد وفرض الديوان وغير ذلك. فقيام رمضان ~~سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوم على ~~جماعة واحدة لئلا يفترض عليهم فلما مات صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة. ~~فلما كان عمر - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد والذي جمعهم أبي بن كعب ~~جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر هو من الخلفاء ~~الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ} يعني الأضراس؛ لأنها أعظم في القوة. ~~وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه قال: " صلاة السفر ركعتان فمن خالف السنة كفر ~~" فأي من اعتقد أن الركعتين في السفر لا تجزئ المسافر كفر. والوجه الثاني: ~~من حيث المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~العبادات؛ فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة وإن ظن الظان أن في زيادته خيرا كما ~~أحدثه بعض المتقدمين من الأذان والإقامة في العيدين فنهوا عن ذلك وكرهه ~~أئمة المسلمين كما # PageV22P225 # لو صلى عقيب السعي ركعتين قياسا على ركعتي الطواف وقد استحب ذلك بعض ~~المتأخرين من أصحاب الشافعي. واستحب بعض المتأخرين من أصحاب أحمد في الحاج ~~إذا دخل المسجد الحرام أن يستفتح بتحية المسجد فخالفوا الأئمة والسنة وإنما ~~السنة أن يستفتح المحرم بالطواف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~المسجد؛ بخلاف المقيم الذي يريد الصلاة فيه دون الطواف فهذا إذا صلى تحية ~~المسجد فحسن. وفي الجملة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكمل الله له ~~ولأمته الدين وأتم به صلى صلى الله عليه وسلم عليهم النعمة فمن جعل عملا ~~واجبا مما لم يوجبه الله ورسوله أو [مكروها] (1) لم يكرهه الله ورسوله فهو ~~غالط. فإجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ms6749 ~~ما شرعه الله ورسوله ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل في حرب من الله فمن شرع ~~من الدين ما لم يأذن به الله وحرم ما لم يحرم الله ورسوله فهو من دين أهل ~~الجاهلية المخالفين لرسوله الذين ذمهم الله في سورة الأنعام والأعراف ~~وغيرهما من السور حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فحرموا ما لم ~~يحرمه الله وأحلوا ما حرمه الله فذمهم الله وعابهم على ذلك. فلهذا كان دين ~~المؤمنين بالله ورسوله أن الأحكام الخمسة: الإيجاب PageV22P226 # والاستحباب والتحليل والكراهية والتحريم لا يؤخذ إلا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله ~~الله ورسوله. فمن ذلك ما اتفق عليه أئمة الدين ومنه ما تنازعوا فيه فردوه ~~إلى الله ورسوله قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . فمن تكلم بجهل ~~وبما يخالف الأئمة فإنه ينهى عن ذلك ويؤدب على الإصرار كما يفعل بأمثاله من ~~الجهال ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمة الضلالة وإن كان مشهورا عنه ~~العلم. كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك والله ~~أعلم. والحمد لله. # وسئل: # عمن يخرج من بيته ناويا الطهارة أو الصلاة. هل يحتاج إلى تجديد نية غير ~~هذه عند فعل الطهارة أو الصلاة؟ أو لا؟ وهل التلفظ # PageV22P227 # بالنية سنة أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، سئل الإمام أحمد عن رجل يخرج من بيته للصلاة هل ~~ينوي حين الصلاة؟ فقال: قد نوى حين خرج ولهذا قال أكابر أصحابه - كالخرقي ~~وغيره - يجزئه تقديم النية على التكبير من حين يدخل وقت الصلاة وإذا كان ~~مستحضرا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء. فإن النية لا يجب ~~التلفظ بها باتفاق العلماء. ومعلوم في العادة أن من كبر في الصلاة لا بد أن ms6750 ~~يقصد الصلاة وإذا علم أنه يصلي الظهر نوى الظهر فمتى علم ما يريد فعله نواه ~~بالضرورة ولكن إذا لم يعلم أو نسي شذت عنه النية وهذا نادر والتلفظ بالنية ~~في استحبابه قولان في مذهب أحمد وغيره. والمنصوص عنه أنه لا يستحب التلفظ ~~بالنية. قال أبو داود قلت لأحمد: يقول المصلي قبل التكبير شيئا؟ قال: لا. # وسئل: # هل يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير؟ والمسئول أن يوضح لنا كيفية ~~مقارنتها للتكبير كما ذكر الشافعي أنه لا تصح الصلاة إلا # PageV22P228 # بمقارنتها التكبير. وهذا يعسر. # فأجاب: # أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران: # أحدهما: لا يجب. . . (1) . # والمقارنة المشروطة: قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية وهذا ممكن لا ~~صعوبة فيه بل عامة الناس إنما يصلون هكذا وهذا أمر ضروري لو كلفوا تركه ~~لعجزوا عنه. وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير. بحيث يكون أولها ~~مع أوله وآخرها مع آخره. وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول ~~الصلاة وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع ~~جميع آخر التكبير وهذا تنازعوا في إمكانه. فمن العلماء من قال: إن هذا غير ~~ممكن ولا مقدور للبشر عليه فضلا عن وجوبه ولو قيل بإمكانه فهو متعسر فيسقط ~~بالحرج. PageV22P229 # وأيضا فمما يبطل هذا والذي قبله أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ~~ويتصوره فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار ~~النية؛ ولأن النية من الشروط والشروط تتقدم العبادات ويستمر حكمها إلى ~~آخرها كالطهارة والله أعلم. # و ### | سئل: # عن " النية " في الدخول في العبادات # من الصلاة وغيرها. هل تفتقر إلى نطق اللسان مثل قول القائل؛ نويت أصوم ~~نويت أصلي هل هو واجب أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم والصلاة والصيام والحج ~~والزكاة والكفارات وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق ~~أئمة الإسلام. بل النية محلها القلب دون اللسان باتفاقهم فلو لفظ بلسانه ~~غلطا بخلاف ما نوى في ms6751 قلبه كان الاعتبار بما نوى لا بما لفظ ولم يذكر أحد ~~في ذلك خلافا إلا أن بعض متأخري أصحاب الشافعي - رحمه الله - خرج وجها في ~~ذلك وغلطه فيه أئمة أصحابه. وكان سبب غلطه أن الشافعي قال: إن الصلاة لا بد ~~من النطق # PageV22P230 # في أولها. وأراد الشافعي بذلك: التكبير الواجب في أولها فظن هذا الغالط ~~أن الشافعي أراد النطق بالنية فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم. ولكن تنازع ~~العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرا أم لا؟ هذا فيه قولان معروفان ~~للفقهاء. فقال طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بها؛ ~~كونه أوكد. وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما: لا يستحب التلفظ بها؛ ~~لأن ذلك بدعة لم تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من أمته أن يتلفظ بالنية ولا علم ذلك ~~أحدا من المسلمين ولو كان هذا مشهورا مشروعا لم يهمله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة. وهذا القول أصح الأقوال. ~~بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين. أما في الدين فلأنه بدعة. وأما في ~~العقل فلأنه بمنزلة من يريد [أن] (1) يأكل طعاما فيقول: نويت بوضع يدي في ~~هذا الإناء أني أريد [أن] (2) آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم ~~أبلعها لأشبع. مثل القائل الذي يقول: نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة ~~علي PageV22P231 # حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى. فهذا كله حمق وجهل وذلك ~~أن النية بلاغ العلم فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة فلا يتصور ~~مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية؛ ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية. ~~وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من اعتاد ذلك ~~فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديبا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإيذاء الناس ~~برفع صوته؛ لأنه قد جاء الحديث: {أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهرن ~~بعضكم ms6752 على بعض بالقراءة} فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة؟ بل ~~يقول: نويت أصلي أصلي فريضة كذا وكذا في وقت كذا وكذا من الأفعال التي لم ~~يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قيل له: لا يجوز الجهر بالنية في الصلاة ولا أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: صحيح أنه ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر ~~به لكن ما نهى عنه ولا تبطل صلاة من جهر بها. ثم إنه قال: لنا بدعة حسنة ~~وبدعة سيئة واحتج بالتراويح # PageV22P232 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جمعها ولا نهى عنها. وأن عمر الذي ~~جمع الناس عليها وأمر بها. فهل هو كما قال؟ وهل تسمى سنن الخلفاء الراشدين ~~بدعة؟ وهل يقاس على سننهم ما سنه غيرهم فهل لها أصل فيما يقوله ويفعله؟ ~~وقوله: ولا تبطل صلاة من جهر بالنية في الصلاة وغيرها. فهل يأثم المنكر ~~عليه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم إن الجهر بالنية مستحب ولا هو ~~بدعة حسنة فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~الأئمة الأربعة وغيرهم. وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه. ~~وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرا. هل يستحب أم لا؟ على قولين ~~والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ~~يكونوا يتلفظون بها لا سرا ولا جهرا؛ والعبادات التي شرعها النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأمته ليس لأحد تغييرها وإحداث بدعة فيها. وليس لأحد أن يقول: إن ~~مثل هذا من البدع الحسنة مثل ما أحدث بعض الناس الأذان في العيدين. والذي ~~أحدثه مروان بن # PageV22P233 # الحكم فأنكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان ذلك. هذا وإن كان الأذان ذكر ~~الله؛ لأنه ليس من السنة وكذلك لما أحدث الناس اجتماعا راتبا غير الشرعي: ms6753 ~~مثل الاجتماع على صلاة معينة أول رجب أو أول ليلة جمعة فيه وليلة النصف من ~~شعبان فأنكر ذلك علماء المسلمين. ولو أحدث ناس صلاة سادسة يجتمعون عليها ~~غير الصلوات الخمس لأنكر ذلك عليهم المسلمون وأخذوا على أيديهم. وأما " ~~قيام رمضان " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه لأمته وصلى بهم جماعة ~~عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوموا على جماعة ~~واحدة لئلا تفرض عليهم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة ~~فلما كان عمر - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد وهو أبي بن كعب الذي ~~جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وعمر - رضي الله عنه ~~- هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. عضوا عليها بالنواجذ} يعني الأضراس؛ ~~لأنها أعظم في القوة. وهذا الذي فعله هو سنة؛ لكنه قال نعمت البدعة هذه ~~فإنها # PageV22P234 # بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعني من الاجتماع على مثل هذه وهي سنة من الشريعة. وهكذا ~~إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهي الحجاز واليمن واليمامة وكل ~~البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب ومصر الأمصار: ~~كالكوفة والبصرة وجمع القرآن في مصحف واحد وفرض الديوان والأذان الأول يوم ~~الجمعة واستنابة من يصلي بالناس يوم العيد خارج المصر ونحو ذلك مما سنه ~~الخلفاء الراشدون؛ لأنهم سنوه بأمر الله ورسوله فهو سنة. وإن كان في اللغة ~~يسمى بدعة. وأما الجهر بالنية وتكريرها فبدعة سيئة ليست مستحبة باتفاق ~~المسلمين؛ لأنها لم يكن يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ~~الراشدون. # وسئل: # عن رجل إذا صلى يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية وأنكروا عليه ~~مرة ولم يرجع وقال له إنسان: هذا الذي تفعله ما هو # PageV22P235 # من دين الله وأنت مخالف فيه السنة. فقال: هذا دين الله الذي بعث به رسله ~~ويجب ms6754 على كل مسلم أن يفعل هذا وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام. فهل ~~هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو أحد من الصحابة؟ أو أحد من ~~الأئمة الأربعة؟ أو من علماء المسلمين فإذا كان لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والعلماء يعملون هذا في الصلاة فماذا يجب على من ينسب ~~هذا إليهم وهو يعمله؟ فهل يحل للمسلم أن يعينه بكلمة واحدة إذا عمل هذا ~~ونسبه إلى أنه من الدين ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في دينه ما يشتهي؟ ~~وإنكاركم علي جهل وهل هم مصيبون في ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ولا ~~فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف ~~الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة ~~واستتابته من هذا القول فإن أصر على ذلك قتل بل النية الواجبة في العبادات ~~كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة ~~المسلمين. و " النية " هي القصد والإرادة والقصد والإرادة محلهما القلب دون ~~اللسان باتفاق العقلاء. فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة، # PageV22P236 # وسائر أئمة المسلمين من الأولين والآخرين وليس في ذلك خلاف عند من يقتدى ~~به ويفتى بقوله ولكن بعض المتأخرين من أتباع الأئمة زعم أن اللفظ بالنية ~~واجب ولم يقل إن الجهر بها واجب ومع هذا فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع ~~المسلمين ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنة خلفائه وكيف كان يصلي الصحابة والتابعون فإن كل من ~~يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية ولا أمرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك ولا علمه لأحد من الصحابة بل قد ثبت في الصحيحين وغيرهما ~~أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته {إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن} . وفي السنن عنه ms6755 صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مفتاح ~~الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~رضي الله عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير ~~والقراءة بالحمد لله رب العالمين} . وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع ~~المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يفتتحون الصلاة ~~بالتكبير. ولم ينقل مسلم لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا عن أحد من ~~الصحابة أنه قد تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا سرا ولا جهرا ولا أنه أمر ~~بذلك. ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان # PageV22P237 # ذلك وأنه يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعا كتمان نقل ذلك فإذا لم ينقله ~~أحد علم قطعا أنه لم يكن. ولهذا يتنازع الفقهاء المتأخرون في اللفظ بالنية: ~~هل هو مستحب مع النية التي في القلب؟ فاستحبه طائفة من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد. قالوا لأنه أوكد وأتم تحقيقا للنية ولم يستحبه طائفة من ~~أصحاب مالك وأحمد وغيرهما وهو المنصوص عن أحمد وغيره بل رأوا أنه بدعة ~~مكروهة. قالوا: لو أنه كان مستحبا لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~لأمر به؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قد بين كل ما يقرب إلى الله لا سيما ~~الصلاة التي لا تؤخذ صفتها إلا عنه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {صلوا ~~كما رأيتموني أصلي} . قال هؤلاء فزيادة هذا وأمثاله في صفة الصلاة بمنزلة ~~سائر الزيادات المحدثة في العبادات كمن زاد في العيدين الأذان والإقامة ومن ~~زاد في السعي صلاة ركعتين على المروة وأمثال ذلك. قالوا: وأيضا فإن التلفظ ~~بالنية فاسد في العقل؛ فإن قول القائل أنوي أن أفعل كذا وكذا بمنزلة قوله ~~أنوي آكل هذا الطعام # PageV22P238 # لأشبع وأنوي ألبس هذا الثوب لأستتر وأمثال ذلك من النيات الموجودة في ~~القلب التي يستقبح النطق بها وقد قال الله تعالى: {أتعلمون الله بدينكم ~~والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} . وقال طائفة من السلف في قوله: ~~{إنما نطعمكم ms6756 لوجه الله} قالوا: لم يقولوا بألسنتهم وإنما علمه الله من ~~قلوبهم فأخبر به عنهم. وبالجملة: فلا بد من النية في القلب بلا نزاع. وأما ~~التلفظ بها سرا فهل يكره أو يستحب؟ فيه نزاع بين المتأخرين. وأما الجهر بها ~~فهو مكروه منهي عنه غير مشروع باتفاق المسلمين وكذلك تكريرها أشد وأشد. ~~وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن ~~يجهر بلفظ النية ولا يكررها باتفاق المسلمين؛ بل ينهون عن ذلك بل جهر ~~المنفرد بالقراءة إذا كان فيه أذى لغيره لم يشرع كما خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أصحابه وهم يصلون فقال: {أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر ~~بعضكم على بعض بالقراءة} . وأما المأموم فالسنة له المخافتة باتفاق ~~المسلمين لكن إذا جهر أحيانا # PageV22P239 # بشيء من الذكر فلا بأس كالإمام إذا أسمعهم أحيانا الآية في صلاة السر فقد ~~ثبت في الصحيح عن أبي قتادة {أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~في صلاة الظهر والعصر يسمعهم الآية أحيانا} وثبت في الصحيح أن من الصحابة ~~المأمومين من جهر بدعاء حين افتتاح الصلاة وعند رفع رأسه من الركوع ولم ~~ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ومن أصر على فعل شيء من البدع وتحسينها ~~فإنه ينبغي أن يعزر تعزيرا يردعه وأمثاله عن مثل ذلك. ومن نسب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الباطل خطأ فإنه يعرف فإن لم ينته عوقب ولا يحل ~~لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم ولا يعين من تكلم في الدين بلا علم أو أدخل ~~في الدين ما ليس منه. وأما قول القائل: كل يعمل في دينه الذي يشتهي. فهي ~~كلمة عظيمة يجب أن يستتاب منها وإلا عوقب؛ بل الإصرار على مثل هذه الكلمة ~~يوجب القتل؛ فليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله دون ما ~~يشتهيه ويهواه قال الله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ~~وقال تعالى: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ms6757 بغير علم} {ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله} وقال: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل} وقال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه # PageV22P240 # هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم ~~إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . وقد ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى ~~يكون هواه تبعا لما جئت به} . قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} وقال ~~تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال تعالى: ~~{المص} {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ~~وقال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} ~~وأمثال هذا في القرآن كثير. فتبين أن على العبد أن يتبع الحق الذي بعث الله ~~به رسوله ولا يجعل دينه تبعا لهواه والله أعلم. # PageV22P241 # وسئل: # عن رجلين تنازعا في " النية " فقال أحدهما: لا تدخل الصلاة إلا بالنية ~~واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم {لكل امرئ ما نوى} وقال الآخر: ~~تجوز بلا نية أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الصلاة لا تجوز إلا بنية؛ لكن محل النية القلب باتفاق ~~المسلمين. وهي القصد والإرادة. فإن نوى بقلبه خلاف ما نطق بلسانه كان ~~الاعتبار بما قصد بقلبه. وتنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بما نواه؟ على ~~قولين. واتفقوا على أنه لا يستحب الجهر بالنية ولا تكرير التكلم ms6758 بها؛ بل ~~ذلك منهي عنه باتفاق الأئمة ولو لم يتكلم بالنية صحت صلاته عند الأئمة ~~الأربعة وغيرهم. ولم يخالف إلا بعض شذوذ المتأخرين. # PageV22P242 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {نية المرء أبلغ من عمله} . # فأجاب: # هذا الكلام قاله غير واحد؛ وبعضهم يذكره مرفوعا وبيانه من وجوه: (أحدها ~~أن النية المجردة من العمل يثاب عليها والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه ~~فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير ~~إخلاص لله لم يقبل منه ذلك. وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة} . (الثاني ~~أن من نوى الخير وعمل منه مقدوره وعجز عن إكماله كان له أجر عامل. كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن بالمدينة لرجالا ما ~~سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر} . وقد صحح الترمذي حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي # PageV22P243 # صلى الله عليه وسلم {أنه ذكر أربعة رجال: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو ~~يعمل فيه بطاعة الله. ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا. فقال: لو أن لي ~~مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان. قال: فهما في الأجر سواء ورجل ~~آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يعمل فيه بمعصية الله ورجل لم يؤته الله ~~مالا ولا علما فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان ~~قال: فهما في الوزر سواء} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير ~~أن ينقص من أوزارهم شيء} وفي الصحيحين عنه أنه قال: {إذا مرض العبد أو سافر ~~كتب ms6759 له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم} وشواهد هذا كثيرة. # الثالث أن القلب ملك البدن والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده ~~وإذا خبث الملك خبثت جنوده والنية عمل الملك بخلاف الأعمال الظاهرة فإنها ~~عمل الجنود. الرابع أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة. # PageV22P244 # كتوبة المجبوب عن الزنا وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف وغيره. وأصل ~~التوبة عزم القلب وهذا حاصل مع العجز. الخامس أن النية لا يدخلها فساد ~~بخلاف الأعمال الظاهرة فإن النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه وهذا هو ~~بنفسه محبوب لله ورسوله مرضي لله ورسوله والأعمال الظاهرة تدخلها آفات ~~كثيرة وما لم تسلم منها لم تكن مقبولة؛ ولهذا كانت أعمال القلب المجردة ~~أفضل من أعمال البدن المجردة. كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه وضعفه ~~في جسمه وقوة المنافق في جسمه وضعفه في قلبه وتفصيل هذا يطول. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حنفي صلى في جماعة وأسر نيته ثم رفع يديه في كل تكبيرة؛ فأنكر ~~عليه فقيه الجماعة وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك وأنت مبتدع فيه وأنت ~~مذبذب لا بإمامك اقتديت ولا بمذهبك اهتديت. فهل ما فعله نقص في صلاته ~~ومخالفة للسنة ولإمامه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما الذي أنكر عليه إسراره بالنية فهو جاهل فإن الجهر بالنية ~~لا يجب ولا يستحب لا في مذهب أبي حنيفة ولا # PageV22P245 # أحد من أئمة المسلمين؛ بل كلهم متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية ومن ~~جهر بالنية فهو مخطئ مخالف للسنة باتفاق أئمة الدين؛ بل مذهب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد وسائر أئمة المسلمين أنه إذا نوى بقلبه ولم يتكلم ~~بلسانه بالنية لا سرا ولا جهرا كانت صحيحة ولا يجب التكلم بالنية. لا عند ~~أبي حنيفة ولا عند أحد من الأئمة حتى أن بعض متأخري أصحاب الشافعي لما ذكر ~~وجها مخرجا: أن اللفظ بالنية لا واجب. غلطه بقية أصحابه وقالوا: إنما أوجب ~~الشافعي النطق في أول الصلاة بالتكبير لا بالنية. ms6760 وأما أبو حنيفة وأصحابه ~~فلم يتنازعوا في أن النطق بالنية لا يجب وكذلك مالك وأصحابه وأحمد وأصحابه؛ ~~بل تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرا؟ على قولين: فقال طائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بالنية لا الجهر بها ولا يجب ~~التلفظ ولا الجهر. وقال طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم: بل لا يستحب ~~التلفظ بالنية لا سرا ولا جهرا كما لا يجب باتفاق الأئمة؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بالنية لا سرا ولا جهرا وهذا ~~القول هو الصواب الذي جاءت به السنة. # PageV22P246 # وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود فليست هي السنة التي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع ~~تكبيرة الافتتاح. وأما رفعهما عند الركوع والاعتدال من الركوع فلم يعرفه ~~أكثر فقهاء الكوفة. كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة والثوري وغيرهم. وأما أكثر ~~فقهاء الأمصار وعلماء الآثار فإنهم عرفوا ذلك - لما أنه استفاضت به السنة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم - كالأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~وأبي عبيد وهو إحدى الروايتين عن مالك. فإنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ~~ابن عمر وغيره {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح ~~الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل ذلك في السجود ولا كذلك ~~بين السجودين} وثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: من حديث ~~مالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي: في عشرة من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب ~~وأبي هريرة وعدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر ~~رضي الله عنهما إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة حصبه. وقال عقبة ~~ابن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات. # PageV22P247 # والكوفيون حجتهم أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لم يكن يرفع ms6761 يديه ~~وهم معذورون قبل أن تبلغهم السنة الصحيحة؛ فإن عبد الله بن مسعود هو الفقيه ~~الذي بعثه عمر بن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة؛ لكن قد حفظ الرفع عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وابن ~~مسعود لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا أول مرة؛ لكنهم ~~رأوه يصلي ولا يرفع إلا أول مرة. والإنسان قد ينسى وقد يذهل وقد خفي على ~~ابن مسعود التطبيق في الصلاة؛ فكان يصلي وإذا ركع طبق بين يديه كما كانوا ~~يفعلون أول الإسلام. ثم إن التطبيق نسخ بعد ذلك وأمروا بالركب وهذا لم ~~يحفظه ابن مسعود؛ فإن الرفع المتنازع فيه ليس من نواقض الصلاة؛ بل يجوز أن ~~يصلي بلا رفع وإذا رفع كان أفضل وأحسن. وإذا كان الرجل متبعا لأبي حنيفة أو ~~مالك أو الشافعي أو أحمد: ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه ~~كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه. ولا عدالته بلا نزاع؛ بل هذا ~~أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن يتعصب لواحد معين ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي ~~حنيفة ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام ~~الذي خالفه. # PageV22P248 # فمن فعل هذا كان جاهلا ضالا؛ بل قد يكون كافرا؛ فإنه متى اعتقد أنه يجب ~~على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر فإنه يجب أن ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل. بل غاية ما يقال: إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على ~~العامي أن يقلد واحدا لا بعينه من غير تعيين زيد ولا عمرو. وأما أن يقول ~~قائل: إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان ~~مواليا للأئمة محبا لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة ~~فهو محسن في ذلك. بل هذا أحسن حالا ms6762 من غيره ولا يقال لمثل هذا مذبذب على ~~وجه الذم. وإنما المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ولا مع الكفار ~~بل يأتي المؤمنين بوجه ويأتي الكافرين بوجه قال تعالى في حق المنافقين: {إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس} إلى قوله: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى ~~هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة} . فهؤلاء المنافقون المذبذبون هم الذين ذمهم ~~الله ورسوله وقال في # PageV22P249 # حقهم: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقال تعالى في حقهم: {ألم تر إلى ~~الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب ~~وهم يعلمون} فهؤلاء المنافقون الذين يتولون اليهود الذين غضب الله عليهم ما ~~هم من اليهود ولا هم منا مثل من أظهر الإسلام من اليهود والنصارى والتتر ~~وغيرهم وقلبه مع طائفته. فلا هو مؤمن محض ولا هو كافر ظاهرا وباطنا فهؤلاء ~~هم المذبذبون الذين ذمهم الله ورسوله وأوجب على عباده أن يكونوا مؤمنين لا ~~كفارا ولا منافقين بل يحبون لله ويبغضون لله ويعطون لله ويمنعون لله. قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إلى قوله: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق} الآية. وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم # PageV22P250 # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال تعالى: {إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} . وفي الصحيحين عن النبي ms6763 صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر} . وفي الصحيحين عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا - وشبك بين ~~أصابعه -} . وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المسلم أخو ~~المسلم لا يسلمه ولا يظلمه} . وفي الصحيحين أنه قال: {والذي نفسي بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} . وقال: {والذي نفسي بيده ~~لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أخبركم بشيء إذا ~~فعلتموه تحاببتم. أفشوا السلام بينكم} . وقد أمر الله تعالى المؤمنين ~~بالاجتماع والائتلاف ونهاهم عن الافتراق والاختلاف فقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} إلى قوله: {لعلكم تهتدون} إلى قوله: {يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس رضي الله عنهما تبيض وجوه أهل السنة ~~والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. # PageV22P251 # فأئمة الدين هم على منهاج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والصحابة ~~كانوا مؤتلفين متفقين وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة في الطهارة أو ~~الصلاة أو الحج أو الطلاق أو الفرائض أو غير ذلك فإجماعهم حجة قاطعة. ومن ~~تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من ~~الصحابة دون الباقين. كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور ~~الصحابة. وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنهما. فهذه طرق أهل ~~البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون خارجون عن ~~الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن تعصب ~~لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو ~~أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم. ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا ~~بقدره في العلم والدين وبقدر الآخرين فيكون جاهلا ظالما والله يأمر بالعلم ~~والعدل وينهى عن الجهل ms6764 والظلم. قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا} {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} إلى آخر السورة. وهذا أبو يوسف ~~ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة وأعلمهم بقوله # PageV22P252 # وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى لما تبين لهما من السنة والحجة ما ~~وجب عليهما اتباعه وهما مع ذلك معظمان لإمامهما. لا يقال فيهما مذبذبان: بل ~~أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة في خلافه فيقول ~~بها ولا يقال له مذبذب؛ فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان. فإذا ~~تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه وليس هذا مذبذبا؛ بل هذا مهتد ~~زاده الله هدى. وقد قال تعالى: {وقل رب زدني علما} . فالواجب على كل مؤمن ~~موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين وأن يقصد الحق ويتبعه حيث وجده ويعلم أن ~~من اجتهد منهم فأصاب فله أجران ومن اجتهد منهم فأخطأ فله أجر لاجتهاده ~~وخطؤه مغفور له. وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما جعل الإمام ليؤتم به} وسواء رفع يديه ~~أو لم يرفع يديه لا يقدح ذلك في صلاتهم ولا يبطلها لا عند أبي حنيفة ولا ~~الشافعي ولا مالك ولا أحمد. ولو رفع الإمام دون المأموم أو المأموم دون ~~الإمام لم يقدح ذلك في صلاة واحد منهما ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون ~~بعض لم يقدح ذلك في صلاته وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب ~~اتباعه وينهى عن غيره مما جاءت به السنة؛ بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع: ~~مثل الأذان والإقامة. فقد # PageV22P253 # ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه أمر بلالا أن يشفع ~~الأذان ويوتر الإقامة} . وثبت عنه في الصحيحين {أنه علم أبا محذورة الإقامة ~~شفعا شفعا كالأذان} فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها فقد أحسن ومن أوجب ~~هذا دون هذا فهو مخطئ ضال ومن والى من يفعل هذا دون هذا بمجرد ذلك فهو مخطئ ~~ضال. وبلاد ms6765 الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن ~~بينهم في المذاهب وغيرها حتى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على ~~مذهب أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين والمنتسب إلى أبي حنيفة يتعصب لمذهبه على ~~مذهب الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدين والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه على ~~مذهب هذا أو هذا. وفي المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على هذا أو ~~هذا. وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه. وكل هؤلاء ~~المتعصبين بالباطل المتبعين الظن وما تهوى الأنفس المتبعين لأهوائهم بغير ~~هدى من الله مستحقون للذم والعقاب. وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا ~~لبسطه؛ فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين والفرع المتنازع فيه ~~من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع وجمهور المتعصبين لا ~~يعرفون من الكتاب # PageV22P254 # والسنة إلا ما شاء الله بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة أو آراء فاسدة أو ~~حكايات عن بعض العلماء والشيوخ قد تكون صدقا وقد تكون كذبا وإن كانت صدقا ~~فليس صاحبها معصوما يتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم ويدعون النقل ~~المصدق عن القائل المعصوم وهو ما نقله الثقات الأثبات من أهل العلم ودونوه ~~في الكتب الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن الناقلين لذلك مصدقون ~~باتفاق أئمة الدين والمنقول عنه معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته واتباعه. قال تعالى: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~أو يصيبهم عذاب أليم} . والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما ~~يحبه ويرضاه من القول والعمل والهدى والنية والله أعلم. والحمد لله وحده. # PageV22P255 # وسئل: # عن إمام شافعي يقول: الله أكبر يكرر التكبير مرات عديدة والناس وقوف ~~خلفه. # فأجاب: # الحمد لله، تكرير اللفظ بالنية والتكبير والجهر بلفظ النية أيضا منهي عنه ~~عند الشافعي وسائر ms6766 أئمة الإسلام وفاعل ذلك مسيء. وإن اعتقد ذلك دينا فقد ~~خرج عن إجماع المسلمين ويجب نهيه عن ذلك وإن عزل عن الإمامة إذا لم ينته ~~كأن له وجه فإن في سنن أبي داود {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعزل ~~إمام لأجل بزاقه في القبلة} فإن الإمام عليه أن يصلي كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي؛ ليس له أن يقتصر على ما يقتصر عليه المنفرد بل ينهى ~~عن التطويل والتقصير فكيف إذا أصر على ما ينهى عنه الإمام والمأموم ~~والمنفرد والله أعلم. # PageV22P256 # وسئل: # عن رجل إذا صلى بالليل ينوي ويقول: أصلي نصيب الليل. # فأجاب: # هذه العبارة أصلي نصيب الليل لم تنقل عن سلف الأمة وأئمتها والمشروع أن ~~ينوي الصلاة لله سواء كانت بالليل أو النهار؛ وليس عليه أن يتلفظ بالنية ~~فإن تلفظ بها. وقال: أصلي لله صلاة الليل أو أصلي قيام الليل ونحو ذلك جاز ~~ولم يستحب ذلك بل الاقتداء بالسنة أولى والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أدرك مع الجماعة ركعة فلما سلم الإمام قام ليتم صلاته فجاء آخر ~~فصلى معه فهل يجوز الاقتداء بهذا المأموم؟ . # فأجاب: # أما الأول ففي صلاته قولان في مذهب أحمد وغيره؛ لكن الصحيح أن مثل هذا ~~جائز وهو قول أكثر العلماء إذا كان الإمام قد نوى الإمامة والمؤتم قد نوى ~~الائتمام. فإن نوى المأموم # PageV22P257 # الائتمام ولم ينو الإمام الإمامة ففيه قولان: # أحدهما: تصح كقول الشافعي ومالك وغيرهما وهو رواية عن أحمد. والثاني: لا ~~تصح وهو المشهور عن أحمد وذلك أن ذلك الرجل كان مؤتما في أول الصلاة وصار ~~منفردا بعد سلام الإمام فإذا ائتم به ذلك الرجل صار المنفرد إماما كما صار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إماما بابن عباس بعد أن كان منفردا. وهذا يصح في ~~النفل كما جاء في هذا الحديث كما هو منصوص عن أحمد وغيره من الأئمة وإن كان ~~قد ذكر في مذهبه قول بأنه لا يجوز وأما في الفرض فنزاع مشهور والصحيح جواز ~~ذلك في الفرض والنفل ms6767 فإن الإمام التزم بالإمامة أكثر مما كان يلزمه في حال ~~الانفراد فليس بمصير المنفرد إماما محذورا أصلا بخلاف الأول والله أعلم. # PageV22P258 ### | باب صفة الصلاة # سئل - رحمه الله -: # عن رجل مشى إلى صلاة الجمعة مستعجلا فأنكر ذلك عليه بعض الناس وقال: امش ~~على رسلك. فرد ذلك الرجل وقال: قد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} فما الصواب؟ . # فأجاب: # ليس المراد بالسعي المأمور به العدو فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها ~~وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا - وروى ~~فاقضوا} . ولكن قال الأئمة: السعي في كتاب الله هو العمل والفعل كما قال ~~تعالى: {إن سعيكم لشتى} وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} وقال تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها} وقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله # PageV22P259 # ويسعون في الأرض فسادا} وقال عن فرعون {ثم أدبر يسعى} وقد قرأ عمر بن ~~الخطاب (فامضوا إلى ذكر الله فالسعي المأمور به إلى الجمعة هو المضي إليها ~~والذهاب إليها. ولفظ " السعي " في الأصل اسم جنس ومن شأن أهل العرف إذا كان ~~الاسم عاما لنوعين فإنهم يفردون أحد نوعيه باسم ويبقى الاسم العام مختصا ~~بالنوع الآخر كما في لفظ " ذوي الأرحام " فإنه يعم جميع الأقارب من يرث ~~بفرض وتعصيب ومن لا فرض له ولا تعصيب فلما ميز ذو الفرض والعصبة صار في عرف ~~الفقهاء ذووا الأرحام مختصا بمن لا فرض له ولا تعصيب. وكذلك لفظ " الجائز " ~~يعم ما وجب ولزم من الأفعال والعقود وما لم يلزم فلما خص بعض الأعمال ~~بالوجوب وبعض العقود باللزوم بقي اسم الجائز في عرفهم مختصا بالنوع الآخر. ~~وكذلك اسم " الخمر " هو عام لكل شراب لكن لما أفرد ما يصنع من غير العنب ~~باسم النبيذ صار اسم الخمر في العرف مختصا بعصير العنب حتى ms6768 ظن طائفة من ~~العلماء أن اسم الخمر في الكتاب والسنة مختص بذلك. وقد تواترت الأحاديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعمومه ونظائر هذا كثيرة. # PageV22P260 # وبسبب هذا الاشتراك الحادث غلط كثير من الناس في فهم الخطاب بلفظ السعي ~~من هذا الباب فإنه في الأصل عام في كل ذهاب ومضي وهو السعي المأمور به في ~~القرآن وقد يخص أحد النوعين باسم المشي فيبقى لفظ السعي مختصا بالنوع الآخر ~~وهذا هو السعي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {إذا أقيمت ~~الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون} وقد روي أن عمر كان ~~يقرأ: (فامضوا ويقول: لو قرأتها فاسعوا لعدوت حتى يكون كذا وهذا إن صح عنه ~~فيكون قد اعتقد أن لفظ السعي هو الخاص. ومما يشبه هذا: السعي بين الصفا ~~والمروة فإنه إنما يهرول في بطن الوادي بين الميلين. ثم لفظ السعي يخص ~~بهذا. وقد يجعل لفظ السعي عاما لجميع الطواف بين الصفا والمروة لكن هذا ~~كأنه باعتبار أن بعضه سعي خاص والله أعلم. # وسئل: # عن أقوام يبتدرون السواري قبل الناس وقبل تكميل الصفوف ويتخذون لهم مواضع ~~دون الصف فهل يجوز التأخر عن الصف الأول؟ . # PageV22P261 # فأجاب: # قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ألا تصفون كما ~~تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ ~~قال: يسدون الأول فالأول ويتراصون في الصف} . وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ~~{لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ~~لاستهموا عليه} وثبت عنه في الصحيح: {خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها} ~~وأمثال ذلك من السنن التي ينبغي فيها للمصلين أن يتموا الصف الأول ثم ~~الثاني. فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة وإذا ضم إلى ~~ذلك إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك: مما يصان ~~المسجد عنه فقد ترك تعظيم الشرائع وخرج عن الحدود المشروعة من ms6769 طاعة الله ~~وإن لم يعتقد نقص ما فعله ويلتزم اتباع أمر الله: استحق العقوبة البليغة ~~التي تحمله وأمثاله على أداء ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه والله ~~أعلم. # PageV22P262 # وسئل # عن المصلين إذا لم يسووا صفوفهم بل كل إنسان يصلي منفردا وهل تجوز صلاتهم ~~هكذا في الأسواق " أم لا؟ . # فأجاب: # ليس لأحد أن يصلي منفردا خلف الصف؛ بل على الناس أن يصلوا مصطفين. وفي ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا صلاة لفذ خلف الصف} ولا ~~يصح لهم أن يصلوا في السوق حتى تتصل الصفوف؛ بل عليهم أن يقاربوا الصفوف ~~ويسدوا الأول فالأول والله أعلم. # PageV22P263 # وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عما يشتبه على الطالب للعبادة من جهة الأفضلية مما اختلف فيه الأئمة من ~~المسائل التي أذكرها: وهي أيما أفضل في صلاة الجهر ترك الجهر بالبسملة أو ~~الجهر بها؟ وأيما أفضل المداومة على القنوت في صلاة الفجر أم تركه أم فعله ~~أحيانا بحسب المصلحة؟ وكذلك في الوتر وأيما أفضل طول الصلاة ومناسبة ~~أبعاضها في الكمية والكيفية أو تخفيفها بحسب ما اعتادوه في هذه الأزمنة؟ ~~وأيما أفضل مع قصر الصلاة في السفر مداومة الجمع أم فعله أحيانا بحسب ~~الحاجة؟ وهل قيام الليل كله بدعة أم سنة أم قيام بعضه أفضل من قيامه كله؟ ~~وكذلك سرد الصوم أفضل أم صوم بعض الأيام وإفطار بعضها؟ وفي المواصلة أيضا؟ ~~وهل لبس الخشن وأكله دائما أفضل أم لا؟ وأيما أفضل فعل السنن الرواتب في ~~السفر أم تركها؟ أم فعل البعض دون البعض. وكذلك التطوع بالنوافل في السفر ~~وأيما أفضل الصوم في السفر أم الفطر؟ وإذا لم يجد ماء أو تعذر عليه ~~استعماله لمرض أو يخاف منه الضرر من شدة البرد وأمثال ذلك # PageV22P264 # فهل يتيمم أم لا؟ وهل يقوم التيمم مقام الوضوء فيما ذكر أم لا؟ وأيما ~~أفضل في إغماء هلال رمضان الصوم أم الفطر؟ أم يخير بينهما؟ أم يستحب فعل ~~أحدهما؟ وهل ما واظب عليه النبي صلى الله ms6770 عليه وسلم في جميع أفعاله وأحواله ~~وأقواله وحركاته وسكناته وفي شأنه كله من العبادات والعادات هل المواظبة ~~على ذلك كله سنة في حق كل واحد من الأمة؟ أم يختلف بحسب اختلاف المراتب ~~والراتبين؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله هذه المسائل التي يقع فيها النزاع مما يتعلق بصفات العبادات ~~أربعة أقسام: # منها: ما ثبت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن كل واحد من الأمرين ~~واتفقت الأمة على أن من فعل أحدهما لم يأثم بذلك لكن قد يتنازعون في الأفضل ~~وهو بمنزلة القراءات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي اتفق الناس ~~على جواز القراءة بأي قراءة شاء منها كالقراءة المشهورة بين المسلمين فهذه ~~يقرأ المسلم بما شاء منها وإن اختار بعضها لسبب من الأسباب. # ومن هذا الباب الاستفتاحات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV22P265 # أنه كان يقولها في قيام الليل وأنواع الأدعية التي كان يدعو بها في صلاته ~~في آخر التشهد فهذه الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها ~~سائغة باتفاق المسلمين لكن ما أمر به من ذلك أفضل لنا مما فعله ولم يأمر ~~به. وقد ثبت في الصحيح أنه قال: {إذا قعد أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من ~~أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا ~~والممات. ومن فتنة المسيح الدجال} فالدعاء بهذا أفضل من الدعاء بقوله: ~~{اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني ~~أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت} وهذا أيضا قد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقوله في آخر صلاته لكن الأول أمر به. وما تنازع العلماء ~~في وجوبه فهو أوكد مما لم يأمر به ولم يتنازع العلماء في وجوبه. وكذلك ~~الدعاء الذي كان يكرره كثيرا كقوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار} أوكد مما ليس كذلك. # PageV22P266 # القسم الثاني: ما اتفق العلماء على أنه إذا ms6771 فعل كلا من الأمرين كانت ~~عبادته صحيحة ولا إثم عليه؛ لكن يتنازعون في الأفضل وفيما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يفعله ومسألة القنوت في الفجر والوتر والجهر بالبسملة وصفة ~~الاستعاذة ونحوها من هذا الباب. فإنهم متفقون على أن من جهر بالبسملة صحت ~~صلاته ومن خافت صحت صلاته وعلى أن من قنت في الفجر صحت صلاته ومن لم يقنت ~~فيها صحت صلاته وكذلك القنوت في الوتر. وإنما تنازعوا في وجوب قراءة ~~البسملة وجمهورهم على أن قراءتها لا تجب وتنازعوا أيضا في استحباب قراءتها ~~وجمهورهم على أن قراءتها مستحبة. وتنازعوا فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد ~~المأموم وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها أو يمس ~~ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك أو يصلي في جلود الميتة ~~المدبوغة والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى ~~الوضوء من الحجامة. والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم صحيحة خلف إمامه ~~وإن كان إمامه مخطئا في نفس الأمر: لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم ~~وعليهم} . وكذلك إذا اقتدى المأموم بمن يقنت في الفجر أو الوتر قنت معه ~~سواء # PageV22P267 # قنت قبل الركوع أو بعده. وإن كان لا يقنت لم يقنت معه. ولو كان الإمام ~~يرى استحباب شيء والمأمومون لا يستحبونه فتركه لأجل الاتفاق والائتلاف: كان ~~قد أحسن. مثال ذلك الوتر فإن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: # أحدها أنه لا يكون إلا بثلاث متصلة. كالمغرب: كقول من قاله من أهل ~~العراق. والثاني: أنه لا يكون إلا ركعة مفصولة عما قبلها كقول من قال ذلك ~~من أهل الحجاز. والثالث: أن الأمرين جائزان كما هو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما وهو الصحيح. وإن كان هؤلاء يختارون فصله عما قبله فلو كان الإمام ~~يرى الفصل فاختار المأمومون أن يصلي الوتر كالمغرب فوافقهم على ذلك تأليفا ~~لقلوبهم كان قد أحسن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms6772 لعائشة: {لولا أن ~~قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين ~~بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه} فترك الأفضل عنده: لئلا ينفر الناس. # PageV22P268 # وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ~~ووافقهم كان قد أحسن وإنما تنازعوا في الأفضل فهو بحسب ما اعتقدوه من ~~السنة. وطائفة من أهل العراق اعتقدت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنت ~~إلا شهرا ثم على وجه النسخ له فاعتقدوا أن القنوت في المكتوبات منسوخ ~~وطائفة من L أهل الحجاز اعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت ~~حتى فارق الدنيا ثم منهم من اعتقد أنه كان يقنت قبل الركوع ومنهم من كان ~~يعتقد أنه كان يقنت بعد الركوع. والصواب هو " القول الثالث " الذي عليه ~~جمهور أهل الحديث. وكثير من أئمة أهل الحجاز وهو الذي ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما. أنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم ~~ترك هذا القنوت ثم إنه بعد ذلك بمدة بعد خيبر وبعد إسلام أبي هريرة قنت ~~وكان يقول في قنوته: {اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام ~~والمستضعفين من المؤمنين اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ~~يوسف} . فلو كان قد نسخ القنوت لم يقنت هذه المرة الثانية وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه {قنت في المغرب وفي العشاء الآخرة} . وفي السنن أنه كان يقنت في ~~الصلوات الخمس وأكثر قنوته # PageV22P269 # كان في الفجر ولم يكن يداوم على القنوت لا في الفجر ولا غيرها؛ بل قد ثبت ~~في الصحيحين عن أنس أنه قال: {لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا} . فالحديث الذي ~~رواه الحاكم وغيره من حديث الربيع بن أنس عن أنس أنه قال: {ما زال يقنت حتى ~~فارق الدنيا} إنما قاله في سياقه القنوت قبل الركوع وهذا الحديث لو عارض ~~الحديث الصحيح لم يلتفت إليه فإن الربيع بن أنس ليس من رجال الصحيح فكيف ~~وهو لم يعارضه. وإنما معناه أنه ms6773 كان يطيل القيام في الفجر دائما قبل ~~الركوع. وأما أنه كان يدعو في الفجر دائما في الركوع أو بعده بدعاء يسمع ~~منه أو لا يسمع فهذا باطل قطعا وكل من تأمل الأحاديث الصحيحة علم هذا ~~بالضرورة وعلم أن هذا لو كان واقعا لنقله الصحابة والتابعون ولما أهملوا ~~قنوته الراتب المشروع لنا مع أنهم نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه وإنما ~~يشرع نظيره؛ فإن دعاءه لأولئك المعينين وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع ~~باتفاق المسلمين؛ بل إنما يشرع نظيره. فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو ~~للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وفي غيرها من الصلوات وهكذا كان عمر ~~يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه: " اللهم العن كفرة أهل الكتاب " ~~إلى آخره. # PageV22P270 # وكذلك علي - رضي الله عنه - لما حارب قوما قنت يدعو عليهم وينبغي للقانت ~~أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة وإذا سمى من يدعو لهم ~~من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنا. وأما قنوت ~~الوتر فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل: لا يستحب بحال لأنه لم يثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر. وقيل: بل يستحب في جميع السنة كما ~~ينقل عن ابن مسعود وغيره؛ ولأن في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ~~الحسن بن علي - رضي الله عنهما - دعاء يدعو به في قنوت الوتر وقيل: بل يقنت ~~في النصف الأخير من رمضان. كما كان أبي بن كعب يفعل. وحقيقة الأمر أن قنوت ~~الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة من شاء فعله ومن شاء تركه. كما يخير ~~الرجل أن يوتر بثلاث أو خمس أو سبع وكما يخير إذا أوتر بثلاث إن شاء فصل ~~وإن شاء وصل. وكذلك يخير في دعاء القنوت إن شاء فعله وإن شاء تركه وإذا صلى ~~بهم قيام رمضان فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن وإن قنت في النصف الأخير ~~فقد أحسن وإن لم يقنت بحال فقد أحسن. # PageV22P271 # كما أن نفس قيام رمضان لم ms6774 يوقت النبي صلى الله عليه وسلم فيه عددا معينا؛ ~~بل كان هو - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ~~ركعة لكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم ~~عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك ~~أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون ~~بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا ~~كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن. والأفضل يختلف ~~باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات ~~وثلاث بعدها. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره ~~هو الأفضل وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل ~~به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين وإن قام بأربعين وغيرها ~~جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك. وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد ~~وغيره. ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ فإذا كانت هذه # PageV22P272 # السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو ~~تركه كل ذلك سائغ حسن. وقد ينشط الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة ~~وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها. وكانت صلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معتدلة. إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وإذا خفف القيام ~~خفف الركوع والسجود هكذا كان يفعل في المكتوبات وقيام الليل وصلاة الكسوف ~~وغير ذلك. # وقد تنازع الناس هل الأفضل طول القيام؟ أم كثرة الركوع والسجود؟ أو ~~كلاهما سواء؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أن كليهما سواء فإن القيام اختص ~~بالقراءة وهي أفضل من الذكر والدعاء والسجود نفسه أفضل من القيام فينبغي ~~أنه إذا طول القيام أن يطيل الركوع والسجود وهذا هو طول ms6775 القنوت الذي أجاب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم لما {قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول ~~القنوت} فإن القنوت هو إدامة العبادة سواء كان في حال القيام أو الركوع أو ~~السجود كما قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} فسماه ~~قانتا في حال سجوده كما سماه قانتا في حال قيامه. # PageV22P273 # وأما البسملة: فلا ريب أنه كان في الصحابة من يجهر بها وفيهم من كان لا ~~يجهر بها بل يقرؤها سرا أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان ~~يجهر بها تارة ويخافت بها أخرى وهذا لأن الذكر قد يكون السنة المخافتة به ~~ويجهر به لمصلحة راجحة مثل تعليم المأمومين فإنه قد ثبت في الصحيح أن ابن ~~عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة ليعلمهم أنها سنة. وتنازع العلماء في ~~القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال: قيل: لا تستحب بحال كما هو مذهب أبي ~~حنيفة ومالك. وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة. كما يقوله من يقوله من ~~أصحاب الشافعي وأحمد. وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة وإن لم يقرأ بل دعا ~~بلا قراءة جاز وهذا هو الصواب. وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقول: ~~" الله أكبر سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " ~~يجهر بذلك مرات كثيرة. واتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راتبة؛ ~~لكن جهر به للتعليم ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنه كان # PageV22P274 # يجهر أحيانا بالتعوذ فإذا كان من الصحابة من جهر بالاستفتاح والاستعاذة ~~مع إقرار الصحابة له على ذلك فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك. وأن يشرع ~~الجهر بها أحيانا لمصلحة راجحة. لكن لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالاستفتاح. ولا بالاستعاذة؛ بل قد ثبت ~~في الصحيح {أن أبا هريرة قال له: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير ~~والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم بعد بيني وبين خطاياي كما بعدت بين ~~المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ms6776 ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم ~~اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد} . وفي السنن عنه أنه كان يستعيذ في ~~الصلاة قبل القراءة والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة؛ لأنها آية ~~من كتاب الله تعالى وقد تنازع العلماء في وجوبها وإن كانوا قد تنازعوا في ~~وجوب الاستفتاح والاستعاذة. وفي ذلك قولان في مذهب أحمد وغيره؛ لكن النزاع ~~في ذلك أضعف من النزاع في وجوب البسملة. والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل ~~وأكثر لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بها وليس في ~~الصحاح ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر والأحاديث الصريحة بالجهر كلها # PageV22P275 # ضعيفة؛ بل موضوعة؛ وهذا لما صنف الدارقطني مصنفا في ذلك قيل له: هل في ~~ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا وأما عن الصحابة ~~فمنه صحيح ومنه ضعيف. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها دائما ~~لكان الصحابة ينقلون ذلك ولكان الخلفاء يعلمون ذلك ولما كان الناس يحتاجون ~~أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء ولما كان الخلفاء الراشدون ~~ثم خلفاء بني أمية وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر ولما كان أهل ~~المدينة - وهم أعلم أهل المدائن بسنته - ينكرون قراءتها بالكلية سرا وجهرا ~~والأحاديث الصحيحة تدل على أنها آية من كتاب الله وليست من الفاتحة ولا ~~غيرها. وقد تنازع العلماء: هل هي آية أو بعض آية من كل سورة؟ أو ليست من ~~القرآن إلا في سورة النمل؟ أو هي آية من كتاب الله حيث كتبت في المصاحف ~~وليست من السور؟ على ثلاثة أقوال. والقول الثالث: هو أوسط الأقوال وبه ~~تجتمع الأدلة فإن كتابة الصحابة لها في المصاحف دليل على أنها من كتاب ~~الله. وكونهم فصلوها عن السورة التي بعدها دليل على أنها ليست منها. وقد ~~ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {نزلت علي آنفا سورة فقرأ: ~~بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر} إلى آخرها} . # PageV22P276 # وثبت في الصحيح {أنه أول ms6777 ما جاء الملك بالوحي قال: {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} {خلق الإنسان من علق} {اقرأ وربك الأكرم} {الذي علم بالقلم} {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} } فهذا أول ما نزل ولم ينزل قبل ذلك بسم الله الرحمن ~~الرحيم. وثبت عنه في السنن أنه قال: {سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل ~~حتى غفر له وهي {تبارك الذي بيده الملك} وهي ثلاثون آية بدون البسملة.} ~~وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الحمد لله رب ~~العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى ~~علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما ~~سأل. فإذا قال العبد: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . فهذا ~~الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة ولم يعارضه # PageV22P277 # حديث صحيح صريح. وأجود ما يرى في هذا الباب من الحديث إنما يدل على أنه ~~يقرأ بها في أول الفاتحة لا يدل على أنها منها؛ ولهذا كان القراء منهم من ~~يقرأ بها في أول السورة ومنهم من لا يقرأ بها. فدل على أن كلا الأمرين سائغ ~~لكن من قرأ بها كان قد أتى بالأفضل وكذلك من كرر قراءتها في أول كل سورة ~~كان أحسن ممن ترك قراءتها؛ لأنه قرأ ما كتبته الصحابة في المصاحف فلو قدر ~~أنهم كتبوها على وجه التبرك لكان ينبغي أن تقرأ على وجه التبرك وإلا فكيف ~~يكتبون في المصحف ما لا يشرع قراءته وهم قد جردوا المصحف عما ليس من القرآن ~~حتى أنهم لم يكتبوا التأمين ولا أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا غير ~~ذلك. مع أن السنة للمصلي أن يقول عقب الفاتحة: آمين فكيف يكتبون ما لا يشرع ~~أن يقوله وهم لم ms6778 يكتبوا ما يشرع أن يقوله المصلي من غير القرآن فإذا جمع ~~بين الأدلة الشرعية دلت على أنها من كتاب الله وليست من السورة. والحديث ~~الصحيح عن {أنس ليس فيه نفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} أو فلم يكونوا ~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم} ورواية من روى " فلم يكونوا يذكرون (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) في # PageV22P278 # أول قراءة ولا آخرها " إنما تدل على نفي الجهر لأن أنسا لم ينف إلا ما ~~علم وهو لا يعلم ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم سرا. ولا يمكن أن ~~يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسكت؛ بل يصل. التكبير بالقراءة ~~فإنه قد ثبت في الصحيحين {أن أبا هريرة قال له: أرأيت سكوتك بين التكبير ~~والقراءة ماذا تقول} . ومن تأول حديث أنس على نفي قراءتها سرا فهو مقابل ~~لقول من قال مراد أنس أنهم كانوا يفتتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور ~~وهذا أيضا ضعيف فإن هذا من العلم العام الذي ما زال الناس يفعلونه وقد كان ~~الحجاج بن يوسف وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرءون الفاتحة قبل ~~السورة ولم ينازع في ذلك أحد ولا سئل عن ذلك أحد لا أنس ولا غيره ولا يحتاج ~~أن يروي أنس هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ومن روى عن أنس أنه ~~شك هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ البسملة أو لا يقرؤها فروايته ~~توافق الروايات الصحيحة لأن أنسا لم يكن يعلم هل قرأها سرا أم لا وإنما نفى ~~الجهر. # ومن هذا الباب الذي اتفق العلماء على أنه يجوز فيه الأمران: فعل الرواتب ~~في السفر فإنه من شاء فعلها ومن شاء تركها باتفاق الأئمة والصلاة التي يجوز ~~فعلها وتركها قد يكون فعلها أحيانا أفضل # PageV22P279 # لحاجة الإنسان إليها وقد يكون تركها أفضل إذا كان مشتغلا عن النافلة بما ~~هو أفضل منها؛ لكن النبي صلى الله عليه ms6779 وسلم في السفر لم يكن يصلي من ~~الرواتب إلا ركعتي الفجر والوتر ولما نام عن الفجر صلى السنة والفريضة بعد ~~ما طلعت الشمس وكان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير ~~أنه لا يصلي عليها المكتوبة وهذا كله ثابت في الصحيح. فأما الصلاة قبل ~~الظهر وبعدها وبعد المغرب فلم ينقل أحد عنه أنه فعل ذلك في السفر. وقد ~~تنازع العلماء في السنن الرواتب مع الفريضة. فمنهم من لم يوقت في ذلك شيئا. ~~ومنهم من وقت أشياء بأحاديث ضعيفة؛ بل أحاديث يعلم أهل العلم بالحديث أنها ~~موضوعة كمن يوقت ستا قبل الظهر وأربعا بعدها وأربعا قبل العصر وأربعا قبل ~~العشاء وأربعا بعدها ونحو ذلك. والصواب في هذا الباب القول بما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة دون ما عارضها وقد ثبت في الصحيح ثلاثة أحاديث: حديث ابن ~~عمر قال: {حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين ~~بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء # PageV22P280 # وركعتين قبل الفجر} . وحديث عائشة {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي قبل الظهر أربعا} وهو في الصحيح أيضا وسائره في صحيح مسلم كحديث ابن ~~عمر وهكذا في الصحيح وفي رواية صححها الترمذي صلى قبل الظهر ركعتين. وحديث ~~أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من صلى في يوم وليلة اثنتي ~~عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة} . وقد جاء في السنن ~~تفسيرها: (أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد ~~العشاء وركعتين قبل الفجر " فهذا الحديث الصحيح فيه أنه رغب بقوله في ثنتي ~~عشرة ركعة. وفي الحديثين الصحيحين: أنه كان يصلي مع المكتوبة إما عشر ركعات ~~وإما اثنتي عشرة ركعة وكان يقوم من الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة ~~فكان مجموع صلاة الفريضة والنافلة في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة كان ~~يوتر صلاة النهار بالمغرب ويوتر صلاة الليل بوتر الليل. وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال: {بين ms6780 كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين ~~صلاة وقال: في الثالثة لمن شاء} كراهية أن يتخذها الناس سنة. # PageV22P281 # وثبت في الصحيح أن أصحابه كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين ~~وهو يراهم ولا ينهاهم فإذا كان التطوع بين أذاني المغرب مشروعا فلأن يكون ~~مشروعا بين أذاني العصر والعشاء بطريق الأولى لأن السنة تعجيل المغرب ~~باتفاق الأئمة فدل ذلك على أن الصلاة قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء: ~~من التطوع المشروع وليس هو من السنن الراتبة التي قدرها بقوله ولا داوم ~~عليها بفعله. ومن ظن أنه كان له سنة يصليها قبل العصر قضاها بعد العصر فقد ~~غلط وإنما كانت تلك ركعتي الظهر لما فاتته قضاها بعد العصر وما يفعل بعد ~~الظهر فهو قبل العصر ولم يقض بعد العصر إلا الركعتين بعد الظهر. و " التطوع ~~المشروع " كالصلاة بين الأذانين وكالصلاة وقت الضحى ونحو ذلك هو كسائر ~~التطوعات من الذكر والقراءة والدعاء مما قد يكون مستحبا لمن لا يشتغل عنه ~~بما هو أفضل منه ولا يكون مستحبا لمن اشتغل عنه بما هو أفضل منه والمداومة ~~على القليل أفضل من كثير لا يداوم عليه؛ ولهذا كان عمل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ديمة. واستحب الأئمة أن يكون للرجل عدد من الركعات يقوم بها من # PageV22P282 # الليل لا يتركها فإن نشط أطالها وإن كسل خففها وإذا نام عنها صلى بدلها ~~من النهار كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام عن صلاة الليل صلى في ~~النهار اثنتي عشرة ركعة وقال: {من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى ~~صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل} . ومن هذا الباب " صلاة الضحى " ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها باتفاق أهل العلم بسنته ~~ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانتا واجبتين عليه فقد غلط. والحديث ~~الذي يذكرونه {ثلاث هن علي فريضة ولكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الضحى} ~~حديث موضوع؛ بل ثبت في حديث صحيح لا معارض ms6781 له أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي وقت الضحى لسبب عارض؛ لا لأجل الوقت: مثل أن ينام من الليل فيصلي ~~من النهار اثنتي عشرة ركعة ومثل أن يقدم من سفر وقت الضحى فيدخل المسجد ~~فيصلي فيه. ومثل ما صلى لما فتح مكة ثماني ركعات وهذه الصلاة كانوا يسمونها ~~" صلاة الفتح " وكان من الأمراء من يصليها إذا فتح مصرا فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما صلاها لما فتح مكة. ولو كان سببها مجرد الوقت كقيام الليل ~~لم يختص بفتح مكة؛ ولهذا كان # PageV22P283 # من الصحابة من لا يصلي الضحى؛ لكن قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه - قال: {أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي ~~الضحى وأن أوتر قبل أن أنام} . وفي رواية لمسلم: {وركعتي الضحى كل يوم} ". ~~وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يصبح على ~~كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة ~~وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ~~ركعتان يركعهما من الضحى} . وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: {خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال: صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى} . وهذه الأحاديث الصحيحة وأمثالها تبين أن الصلاة ~~وقت الضحى حسنة محبوبة. بقي أن يقال: فهل الأفضل المداومة عليها؟ كما في ~~حديث أبي هريرة أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~هذا مما تنازعوا فيه. والأشبه أن يقال: من كان مداوما على قيام الليل أغناه ~~عن المداومة على صلاة الضحى كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ومن كان ~~ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل. # PageV22P284 # وفي حديث أبي هريرة أنه أوصاه أن يوتر قبل أن ينام وهذا إنما يوصي به من ~~لم يكن عادته قيام الليل وإلا فمن كانت عادته قيام الليل وهو ms6782 يستيقظ غالبا ~~من الليل فالوتر آخر الليل أفضل له كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من خشي أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن ~~يستيقظ آخره. فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل} وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد ~~المكتوبة؟ فقال: قيام الليل} . # فصل: # والقسم الثالث: ما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه سن ~~الأمرين لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول ~~الحديث تأويلا ضعيفا والصواب في مثل هذا أن كل ما سنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأمته فهو مسنون لا ينهى عن شيء منه وإن كان بعضه أفضل من ذلك. ~~فمن ذلك أنواع التشهدات: فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تشهد ابن مسعود وثبت عنه في صحيح # PageV22P285 # مسلم تشهد أبي موسى وألفاظه قريبة من ألفاظه. وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد ~~ابن عباس. وفي السنن تشهد ابن عمر وعائشة وجابر وثبت في الموطأ وغيره أن ~~عمر بن الخطاب علم المسلمين تشهدا على منبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يكن عمر ليعلمهم تشهدا يقرونه عليه إلا وهو مشروع؛ فلهذا كان الصواب عند ~~الأئمة المحققين أن التشهد بكل من هذه جائز لا كراهة فيه ومن قال: إن ~~الإتيان بألفاظ تشهد ابن مسعود واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد فقد أخطأ. ومن ~~ذلك الأذان والإقامة: فإنه قد ثبت في الصحيح عن أنس أن بلالا أمر أن يشفع ~~الأذان ويوتر الإقامة وثبت في الصحيح " {أنه علم أبا محذورة الأذان ~~والإقامة فرجع في الأذان وثنى الإقامة} وفي بعض طرقه أنه كبر في أوله أربعا ~~كما في السنن وفي بعضها أنه كبر مرتين كما في صحيح مسلم. وفي السنن أن أذان ~~بلال الذي رواه عبد الله بن زيد ليس فيه ترجيع للأذان ولا تثنية للإقامة ~~فكل ms6783 واحد من أذان بلال وأبي محذورة سنة فسواء رجع المؤذن في الأذان أو لم ~~يرجع وسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن واتبع السنة. # PageV22P286 # ومن قال: إن الترجيع واجب لا بد منه أو أنه مكروه منهي عنه فكلاهما مخطئ ~~وكذلك من قال إن إفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ. وأما ~~اختيار أحدهما فهذا من مسائل الاجتهاد كاختيار بعض القراءات على بعض ~~واختيار بعض التشهدات على بعض. ومن هذا الباب أنواع " صلاة الخوف " التي ~~صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أنواع " الاستسقاء " فإنه استسقى ~~مرة في مسجده بلا صلاة الاستسقاء ومرة خرج إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين ~~وكانوا يستسقون بالدعاء بلا صلاة كما فعل ذلك خلفاؤه فكل ذلك حسن جائز. # ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإن الأئمة الأربعة اتفقوا ~~على جواز الأمرين وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا الفطر ~~وأنه لو صام لم يجزئه. وزعموا أن الإذن لهم في الصوم في السفر منسوخ بقوله: ~~{ليس من البر الصيام في السفر} والصحيح ما عليه الأئمة. وليس في هذا الحديث ~~ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن # PageV22P287 # يكون جائزا مباحا والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى بالمأمور ~~به. والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل ~~المالح أو صام وأضحى للشمس فإنه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس ولهذا ~~قال سفيان بن عيينة: معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا ما دل على ~~أن الفطر أفضل فإنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صام أولا ~~في السفر؛ ثم أفطر فيه ومن كان يظن أن الصوم في السفر نقص في الدين فهذا ~~مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقدا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد ~~أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ms6784 صلى الله ~~عليه وسلم {أن حمزة. بن عمرو سأله؛ فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في ~~السفر؟ فقال: إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس} فإذا فعل الرجل في السفر أيسر ~~الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن فإن الله يريد بنا اليسر ~~ولا يريد بنا العسر. أما إذا كان الصوم في السفر أشق عليه من تأخيره ~~فالتأخير أفضل فإن في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن ~~الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته} وأخرجه بعضهم إما ابن ~~خزيمة وإما غيره في صحيحه وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة صحيحي البخاري ~~ومسلم. # PageV22P288 # وأما صوم يوم الغيم: إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين ~~من شعبان فكان في الصحابة من يصومه احتياطا وكان منهم من يفطر ولم نعلم ~~أحدا منهم أوجب صومه بل الذين صاموه إنما صاموه على طريق التحري والاحتياط ~~والآثار المنقولة عنهم صريحة في ذلك كما نقل عن عمر وعلي ومعاوية وعبد الله ~~بن عمر وعائشة وغيرهم. والعلماء متنازعون فيه على أقوال: منهم من نهى عن ~~صومه نهي تحريم أو تنزيه كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد. ومنهم من يوجبه كما يقول ذلك طائفة من أصحاب أحمد. ومنهم من يشرع ~~فيه الأمرين بمنزلة الإمساك إذا غم مطلع الفجر وهذا مذهب أبي حنيفة وهو ~~المنصوص عن أحمد فإنه كان يصومه على طريق الاحتياط اتباعا لابن عمر وغيره ~~لا على طريق الإيجاب كسائر ما يشك في وجوبه فإنه يستحب فعله احتياطا من غير ~~وجوب. وإذا صامه الرجل بنية معلقة بأن ينوي إن كان من رمضان أجزأه وإلا فلا ~~فتبين أنه من رمضان أجزأه ذلك عند أكثر العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأصح ~~الروايتين عن أحمد وغيره فإن النية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله نواه ~~بغير اختياره وأما إذا لم يعلم الشيء فيمتنع أن يقصده # PageV22P289 # فلا يتصور أن يقصد صوم رمضان جزما من لم يعلم ms6785 أنه من رمضان # وقد يدخل في هذا الباب القصر في السفر والجمع بين الصلاتين والذي مضت به ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصر في السفر فلا يصلي الرباعية ~~في السفر إلا ركعتين وكذلك الشيخان بعده أبو بكر ثم عمر. وما كان يجمع في ~~السفر بين الصلاتين إلا أحيانا عند الحاجة لم يكن جمعه كقصره بل القصر سنة ~~راتبة والجمع رخصة عارضة فمن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربع في ~~السفر الظهر أو العصر أو العشاء فهذا غلط فإن هذا لم ينقله عنه أحد لا ~~بإسناد صحيح ولا ضعيف. ولكن روى بعض الناس حديثا عن {عائشة أنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يقصر وتتم ويفطر وتصوم فسألته عن ~~ذلك فقال: أحسنت يا عائشة} " فتوهم بعض العلماء أنه هو كان الذي يقصر في ~~السفر ويتم وهذا لم يروه أحد ونفس الحديث المروي في فعلها باطل ولم تكن ~~عائشة ولا أحد غيرها ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلا كصلاته ~~ولم يصل معه أحد أربعا قط لا بعرفة ولا بمزدلفة ولا غيرهما لا من أهل مكة ~~ولا من غيرهم بل جميع المسلمين كانوا يصلون معه ركعتين وكان يقيم بمنى أيام ~~الموسم يصلي بالناس ركعتين وكذلك بعده أبو بكر ثم عمر # PageV22P290 # ثم عثمان بن عفان في أول خلافته ثم صلى بعد ذلك أربعا لأمور رآها تقتضي ~~ذلك فاختلف الناس عليه فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه. ولم يجمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حجة الوداع إلا بعرفة وبمزدلفة خاصة لكنه كان إذا جد به ~~السير في غير ذلك من أسفاره أخر المغرب إلى بعد العشاء ثم صلاهما جميعا ثم ~~أخر الظهر إلى وقت العصر فصلاهما جميعا؛ ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء ~~أن القصر في السفر يجوز سواء نوى القصر أو لم ينوه وكذلك الجمع حيث يجوز له ~~سواء نواه مع الصلاة الأولى أو لم ينوه فإن الصحابة ms6786 لما صلوا خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعرفة الظهر ركعتين ثم العصر ركعتين لم يأمرهم عند افتتاح ~~صلاة الظهر بأن ينووا الجمع ولا كانوا يعلمون أنه يجمع؛ لأنه لم يفعل ذلك ~~في غير سفرته تلك ولا أمر أحدا خلفه لا من أهل مكة ولا غيرهم أن ينفرد عنه ~~لا بتربيع الصلاتين ولا بتأخير صلاة العصر بل صلوها معه. وقد اتفق العلماء ~~على جواز القصر في السفر واتفقوا أنه الأفضل إلا قولا شاذا لبعضهم واتفقوا ~~أن فعل كل صلاة في وقتها في السفر أفضل إذا لم يكن هناك سبب يوجب الجمع إلا ~~قولا شاذا لبعضهم. # PageV22P291 # والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وأما الجمع فسببه الحاجة ~~والعذر فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ~~ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن ~~الأمة ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع في السفر وهو نازل إلا ~~في حديث واحد ولهذا تنازع المجوزون للجمع. كمالك والشافعي وأحمد: هل يجوز ~~الجمع للمسافر النازل؟ . فمنع منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجوزه ~~الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ومنع أبو حنيفة الجمع إلا بعرفة ومزدلفة. # ومن هذا الباب التمتع والإفراد والقران في الحج. فإن مذهب الأئمة الأربعة ~~وجمهور الأمة جواز الأمور الثلاثة. وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا ~~يجوز إلا التمتع وهو قول ابن عباس ومن وافقه من أهل الحديث والشيعة وكان ~~طائفة من بني أمية ومن اتبعهم ينهون عن المتعة ويعاقبون من تمتع. وقد تنازع ~~العلماء في حج النبي صلى الله عليه وسلم هل تمتع فيه أو أفرد أو قرن؟ ~~وتنازعوا أي الثلاثة أفضل؟ فطائفة من أصحاب أحمد تظن أنه تمتع تمتعا حل فيه ~~من إحرامه. وطائفة أخرى تظن أنه أحرم بالعمرة ولم يحرم بالحج حتى طاف وسعى ~~للعمرة. # PageV22P292 # وطائفة من أصحاب مالك والشافعي تظن أنه أفرد الحج واعتمر عقيب ذلك. ~~وطائفة من أصحاب أبي حنيفة تظن ms6787 أنه قرن قرانا طاف فيه طوافين وسعى فيه ~~سعيين. وطائفة تظن أنه أحرم مطلقا. وكل ذلك خطأ لم تروه الصحابة رضوان الله ~~عليهم بل عامة روايات الصحابة متفقة ومن نسبهم إلى الاختلاف في ذلك فلعدم ~~فهمه أحكامهم؛ فإن الصحابة نقلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة ~~إلى الحج هكذا الذي نقله عامة الصحابة ونقل غير واحد من هؤلاء وغيرهم أنه ~~قرن بين العمرة والحج وأنه أهل بهما جميعا كما نقلوا أنه اعتمر مع حجته مع ~~اتفاقهم على أنه لم يعتمر بعد الحج بل لم يعتمر معه من أصحابه بعد الحج إلا ~~عائشة؛ لأجل حيضتها. ولفظ " المتمتع " في الكتاب والسنة وكلام الصحابة اسم ~~لمن جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج سواء أحرم بهما جميعا أو أحرم ~~بالعمرة ثم أدخل عليها الحج أو أحرم بالحج بعد تحلله من العمرة وهذا هو ~~التمتع الخاص في عرف المتأخرين وأحرم بالحج بعد قضاء العمرة قبل التحلل ~~منها لكونه ساق الهدي أو مع كونه لم يسقه وهذا قد يسمونه متمتعا التمتع ~~الخاص وقارنا. وقد يقولون لا يدخل في التمتع الخاص بل هو قارن. وما ذكرته ~~من أن القران يسمونه تمتعا جاء مصرحا به في أحاديث # PageV22P293 # صحيحة؛ وهؤلاء الذين نقلوا أنه تمتع نقل بعضهم أنه أفرد الحج فإنه أفرد ~~أعمال الحج ولم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدي فهو لم يتمتع متعة حل فيها ~~من إحرامه: فلهذا صار كالمفرد من هذا الوجه. وأما الأفضل لمن قدم في أشهر ~~الحج ولم يسق الهدي: فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل له كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه في حجة الوداع فإنه أمر كل من لم يسق الهدي بالتمتع ~~ومن ساق الهدي فالقران له أفضل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن اعتمر ~~في سفرة وحج في سفرة أو اعتمر قبل أشهر الحج وأقام حتى يحج فهذا الإفراد لا ~~أفضل من التمتع والقران باتفاق الأئمة الأربعة # وأما القسم الرابع: فهو مما تنازع العلماء فيه: فأوجب ms6788 أحدهم شيئا أو ~~استحبه وحرمه الآخر والسنة لا تدل إلا على أحد القولين لم تسوغهما جميعا ~~فهذا هو أشكل الأقسام الأربعة. وأما الثلاثة المتقدمة فالسنة قد سوغت ~~الأمرين. وهذا مثل تنازعهم في قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر فإن ~~للعلماء فيه ثلاثة أقوال. قيل: ليس له أن يقرأ حال جهر الإمام إذا كان يسمع ~~لا بالفاتحة ولا غيرها وهذا قول الجمهور من السلف # PageV22P294 # والخلف وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم وأحد قولي الشافعي. وقيل: ~~بل يجوز الأمران والقراءة أفضل. ويروى هذا عن الأوزاعي وأهل الشام والليث ~~بن سعد وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. وقيل: بل القراءة واجبة وهو ~~القول الآخر للشافعي. وقول الجمهور هو الصحيح فإن الله سبحانه قال: {وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} قال أحمد: أجمع الناس على ~~أنها نزلت في الصلاة. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ~~قرأ فأنصتوا وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع ~~قبلكم فتلك بتلك} الحديث إلى آخره. وروي هذا اللفظ من حديث أبي هريرة أيضا ~~وذكر مسلم أنه ثابت: فقد أمر الله ورسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ وجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من جملة الائتمام به فمن لم ينصت له لم يكن ~~قد ائتم به ومعلوم أن الإمام يجهر لأجل المأموم ولهذا يؤمن المأموم على ~~دعائه فإذا لم يستمع لقراءته ضاع جهره ومصلحة متابعة الإمام مقدمة على ~~مصلحة ما يؤمر به المنفرد. ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في وتر من صلاته فعل ~~كما يفعل فيتشهد عقيب الوتر # PageV22P295 # ويسجد بعد التكبير إذا وجده ساجدا كل ذلك لأجل المتابعة فكيف لا يستمع ~~لقراءته مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة فإن المستمع له مثل أجر ~~القارئ. ومما يبين هذا اتفاقهم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على ~~الفاتحة إذا جهر فلولا أنه ms6789 يحصل له أجر القراءة بإنصاته له لكانت قراءته ~~لنفسه أفضل من استماعه للإمام وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ لم ~~يحتج إلى قراءته فلا يكون فيها منفعة بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع ~~المأمور به وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام لكون الصلاة صلاة مخافتة أو ~~لبعد المأموم أو طرشه أو نحو ذلك هل الأولى له أن يقرأ أو يسكت؟ والصحيح أن ~~الأولى له أن يقرأ في هذه المواضع؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود ~~القراءة فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة وإلا بقي ساكتا لا قارئا ولا ~~مستمعا ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأمورا بذلك ولا ~~محمودا؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى: كالقراءة ~~والتسبيح والدعاء أو الاستماع للذكر. وإذا قيل: بأن الإمام يحمل عنه فرض ~~القراءة فقراءته لنفسه أكمل له وأنفع له وأصلح لقلبه وأرفع له عند ربه ~~والإنصات # PageV22P296 # يؤمر به إلا حال الجهر فأما حال المخافتة فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت ~~له. ومن هذا الباب: فعل الصلاة التي لها سبب مثل تحية المسجد بعد الفجر ~~والعصر. فمن العلماء من يستحب ذلك ومنهم من يكرهه كراهة تحريم أو تنزيه. ~~والسنة إما أن تستحبه وإما أن تكرهه. والصحيح قول من استحب ذلك. وهو مذهب ~~الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين اختارها طائفة من أصحابه؛ فإن أحاديث ~~النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مثل قوله: {لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس} عموم مخصوص خص منها صلاة الجنائز ~~باتفاق المسلمين. وخص منها قضاء الفوائت بقوله: {من أدرك ركعة من الصبح قبل ~~أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح} . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه ~~قضى ركعتي الظهر بعد العصر} {وقال للرجلين اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر ~~في مسجد الخيف: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة} وقد قال: {يا بني ms6790 عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا ~~البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار} فهذا المنصوص يبين أن ذلك ~~العموم خرجت منه صورة. # PageV22P297 # أما قوله: {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فهو أمر عام ~~لم يخص منه صورة فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص؛ بل العموم المحفوظ أولى من ~~العموم المخصوص. وأيضا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشد من الصلاة بعد ~~الفجر والعصر وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {إذا دخل أحدكم المسجد ~~والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فلما أمر بالركعتين في وقت هذا ~~النهي فكذلك في وقت ذلك النهي وأولى. ولأن أحاديث النهي في بعضها " لا ~~تتحروا بصلاتكم " فنهى عن التحري للصلاة ذلك الوقت ولأن من العلماء من قال: ~~إن النهي فيها نهي تنزيه لا تحريم. ومن السلف من جوز التطوع بعد العصر ~~مطلقا واحتجوا بحديث عائشة؛ لأن النهي عن الصلاة إنما كان سدا للذريعة إلى ~~التشبه بالكفار وما كان منهيا عنه للذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة. ~~كالصلاة التي لها سبب تفوت بفوات السبب فإن لم تفعل فيه وإلا فاتت المصلحة ~~والتطوع المطلق لا يحتاج إلى فعله وقت النهي فإن الإنسان لا يستغرق الليل ~~والنهار بالصلاة فلم يكن في النهي تفويت مصلحة وفي فعله فيه مفسدة؛ بخلاف ~~التطوع الذي له سبب يفوت: كسجدة التلاوة وصلاة الكسوف ثم أنه إذا جاز ركعتا ~~الطواف مع إمكان تأخير # PageV22P298 # الطواف فما يفوت أولى أن يجوز. وطائفة من أصحابنا يجوزون قضاء السنن ~~الرواتب دون غيرها لكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الظهر وروي عنه ~~أنه رخص في قضاء ركعتي الفجر فيقال إذا جاز قضاء السنة الراتبة مع إمكان ~~تأخيرها فما يفوت كالكسوف وسجود التلاوة وتحية المسجد أولى أن يجوز؛ بل قد ~~ثبت بالحديث الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت مع أنه قد يستحب تأخير ~~قضائها كما {أخر النبي صلى الله عليه وسلم قضاء الفجر لما نام عنها في غزوة ~~خيبر. وقال: إن هذا ms6791 واد حضرنا فيه الشيطان} فإذا جاز فعل ما يمكن تأخيره. ~~فما لا يمكن ولا يستحب تأخيره أولى. وبسط هذه المسائل لا يمكن في هذا ~~الجواب. # فصل: # وأما قيام الليل وصيام النهار فالأفضل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه فعله. وقال: {أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف ~~الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأفضل الصيام صيام داود. كان يصوم يوما ويفطر ~~يوما ولا يفر إذا لاقى} وقد ثبت # PageV22P299 # في الصحاح {أن عبد الله بن عمرو قال لأصومن النهار. ولأقومن الليل. ~~ولأقرأن القرآن كل يوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل فإنك إذا ~~فعلت ذلك هجمت له العين أي غارت ونفهت له النفس - أي سئمت - ولكن صم من كل ~~شهر ثلاثة أيام فذلك صيامك الدهر يعني الحسنة بعشر أمثالها فقال: إني أطيق ~~أفضل من ذلك فما زال يزايده. حتى قال: صم يوما وأفطر يوما قال: إني أطيق ~~أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك وقال له: في القراءة اقرأ القرآن في كل ~~شهر فما زال يزايده حتى قال اقرأ في سبع وذكر له أن أفضل القيام قيام داود ~~وقال له: إن لنفسك عليك حقا. ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا. فآت كل ذي ~~حق حقه} فبين له صلى الله عليه وسلم أن المداومة على هذا العمل تغير البدن ~~والنفس وتمنع من فعل ما هو أجر من ذلك من القيام لحق النفس والأهل والزوج. ~~وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب وأنفع للعبد فإذا كان يضره ~~ويمنعه مما هو أنفع منه لم يكن ذلك صالحا وقد ثبت في الصحيح {أن رجالا قال ~~أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر. أما أنا فأقوم لا أنام وقال ~~الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # PageV22P300 # ما بال رجال يقول أحدهم كيت وكيت لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج ~~النساء وآكل اللحم فمن ms6792 رغب عن سنتي فليس مني} فبين صلى الله عليه وسلم أن ~~مثل هذا الزهد الفاسد والعبادة الفاسدة ليست من سنته فمن رغب فيها عن سنته ~~فرآها خيرا من سنته فليس منه. وقد قال أبي بن كعب: " عليكم بالسبيل والسنة ~~فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من خشية الله ~~إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجر وما من عبد على ~~السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار ~~أبدا. وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا ~~أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهادا أو اقتصادا على منهاج الأنبياء وسنتهم " ~~وكذلك قال عبد الله بن مسعود: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وقد ~~تنازع العلماء في سرد الصوم: إذا أفطر يومي العيدين وأيام منى. فاستحب ذلك ~~طائفة من الفقهاء والعباد فرأوه أفضل من صوم يوم وفطر يوم. وطائفة أخرى لم ~~يروه أفضل بل جعلوه. سائغا بلا كراهة وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه وحملوا ~~ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي. والقول الثالث: # PageV22P301 # وهو الصواب قول من جعل ذلك تركا للأولى أو كره ذلك. فإن الأحاديث الصحيحة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم كنهيه لعبد الله بن عمرو عن ذلك وقوله: {من ~~صام الدهر فلا صام ولا أفطر} وغيرها صريحة في أن هذا ليس بمشروع. ومن حمل ~~ذلك على أن المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط فإن صوم الدهر لا يراد به صوم ~~خمسة أيام فقط وتلك الخمسة صومها محرم ولو أفطر غيرها فلم ينه عنها لكون ~~ذلك صوما للدهر ولا يجوز أن ينهى عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم والمراد خمسة ~~بل مثال هذا مثال من قال: ائتني بكل من في الجامع وأراد به خمسة منهم وأيضا ~~فإنه علل ذلك بأنك إذا فعلت ذلك: هجمت له العين ونفهت له النفس وهذا إنما ~~يكون في سرد ms6793 الصوم لا في صوم الخمسة. وأيضا فإن في الصحيح {أن سائلا سأله ~~عن صوم الدهر. فقال من صام الدهر فلا صام ولا أفطر قال: فمن يصوم يومين ~~ويفطر يوما فقال: ومن يطيق ذلك قال: فمن يصوم يوما ويفطر يومين فقال: وددت ~~أني طوقت ذلك فقال: فمن يصوم يوما ويفطر يوما فقال: ذلك أفضل الصوم} فسألوه ~~عن صوم الدهر ثم عن صوم ثلثيه ثم عن صوم ثلثه ثم عن صوم شطره. # PageV22P302 # وأما قوله: {صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر} وقوله: {من صام ~~رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر. الحسنة بعشر أمثالها} ونحو ~~ذلك. فمراده أن من فعل هذا يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير ~~حصول المفسدة فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر ~~رمضان. وإذا صام رمضان وستا من شوال حصل بالمجموع أجر صوم الدهر وكان ~~القياس أن يكون استغراق الزمان بالصوم عبادة لولا ما في ذلك من المعارض ~~الراجح وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الراجح وهو إضاعة ما هو أولى من ~~الصوم وحصول المفسدة راجحة فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة أو مستحبة مع ~~حصول مفسدة راجحة على مصلحة الصوم. وقد بين صلى الله عليه وسلم حكمة النهي ~~فقال: {من صام الدهر فلا صام ولا أفطر} فإنه يصير الصيام له عادة كصيام ~~الليل فلا ينتفع بهذا الصوم ولا يكون صام ولا هو أيضا أفطر. ومن نقل عن ~~الصحابة أنه سرد الصوم فقد ذهب إلى أحد هذه الأقوال وكذلك من نقل عنه أنه ~~كان يقوم جميع الليل دائما أو أنه يصلي الصبح بوضوء العشاء الآخرة كذا كذا ~~سنة مع أن كثيرا من المنقول من ذلك ضعيف. وقال عبد الله بن مسعود لأصحابه: ~~أنتم # PageV22P303 # أكثر صوما وصلاة من أصحاب محمد وهم كانوا خيرا منكم. قالوا: لم يا أبا ~~عبد الرحمن؟ قال: لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. # فأما سرد الصوم بعض العام فهذا ms6794 قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله قد ~~كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر. ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم. وكذلك ~~قيام بعض الليالي جميعها. كالعشر الأخير من رمضان أو قيام غيرها أحيانا ~~فهذا مما جاءت به السنن. وقد كان الصحابة يفعلونه فثبت في الصحيح {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر وأيقظ ~~أهله. وأحيا ليله كله} . وفي السنن أنه قام بآية ليلة حتى أصبح: {إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ولكن غالب قيامه كان جوف ~~الليل وكان يصلي بمن حضر عنده كما صلى ليلة بابن عباس وليلة بابن مسعود ~~وليلة بحذيفة بن اليمان {وقد كان أحيانا يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء ~~وآل عمران ويركع نحوا من قيامه يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم سبحان ربي ~~العظيم ويرفع نحوا من ركوعه # PageV22P304 # يقول: لربي الحمد لربي الحمد ويسجد نحوا من قيامه يقول: سبحان ربي الأعلى ~~سبحان ربي الأعلى ويجلس نحوا من سجوده يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي ويسجد} ~~. # وأما " الوصال في الصيام " فقد ثبت أنه نهى عنه أصحابه ولم يرخص لهم إلا ~~في الوصال إلى السحر وأخبر أنه ليس كأحدهم. وقد كان طائفة من المجتهدين في ~~العبادة يواصلون منهم من يبقى شهرا لا يأكل ولا يشرب ومنهم من يبقى شهرين ~~وأكثر وأقل ولكن كثير من هؤلاء ندم على ما فعل وظهر ذلك في بعضهم؛ فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بطريق الله وأنصح الخلق لعباد الله ~~وأفضل الخلق وأطوعهم له وأتبعهم لسنته. والأحوال التي تحصل عن أعمال فيها ~~مخالفة السنة أحوال غير محمودة وإن كان فيها مكاشفات وفيها تأثيرات فمن كان ~~خبيرا بهذا الباب علم أن الأحوال الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال ~~المكسوبة بطريق غير شرعي والملك الحاصل بطريق غير شرعي: فإن لم يتدارك الله ~~عبده بتوبة يتبع بها الطريق الشرعية وإلا كانت تلك الأمور سببا لضرر يحصل ~~له ثم ms6795 قد يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له خطؤه وقد يكون مذنبا ذنبا مغفورا ~~لحسنات ماحية وقد يكون مبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يعاقب بسلب تلك الأحوال # PageV22P305 # وإذا أصر على ترك ما أمر به من السنة وفعل ما نهي عنه فقد يعاقب بسلب فعل ~~الواجبات حتى قد يصير فاسقا أو داعيا إلى بدعة وإن أصر على الكبائر فقد ~~يخاف عليه أن يسلب الإيمان فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى ~~كبير حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة كما وقع هذا لغير واحد ممن كان لهم ~~أحوال من المكاشفات والتأثيرات وقد عرفنا من هذا ما ليس هذا موضع ذكره. ~~فالسنة مثال سفينة نوح: من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. قال الزهري: كان ~~من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة وعامة من تجد له حالا من ~~مكاشفة أو تأثير أعان به الكفار أو الفجار أو استعمله في غير ذلك من معصية ~~فإنما ذاك نتيجة عبادات غير شرعية. كمن اكتسب أموالا محرمة فلا يكاد ينفقها ~~إلا في معصية الله. # والبدع نوعان: # نوع في الأقوال والاعتقادات ونوع في الأفعال والعبادات. وهذا الثاني ~~يتضمن الأول كما أن الأول يدعو إلى الثاني. فالمنتسبون إلى العلم والنظر ~~وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الأول. ~~والمنتسبون إلى العبادة والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم ~~يعتصموا بالكتاب # PageV22P306 # والسنة من القسم الثاني. وقد أمرنا الله أن نقول في كل صلاة: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~آمين. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اليهود مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون} قال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه ~~شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى وكان السلف يقولون: ~~احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل: فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ~~فطالب العلم إن لم يقترن بطلبه فعل ما يجب عليه وترك ما يحرم عليه من ~~الاعتصام بالكتاب ms6796 والسنة وإلا وقع في الضلال. وأهل الإرادة إن لم يقترن ~~بإرادتهم طلب العلم الواجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وإلا وقعوا في ~~الضلال والبغي ولو اعتصم رجل بالعلم الشرعي من غير عمل بالواجب كان غاويا ~~وإذا اعتصم بالعبادة الشرعية من غير علم بالواجب كان ضالا والضلال سمة ~~النصارى والبغي سمة اليهود مع أن كلا من الأمتين فيها الضلال والبغي ولهذا ~~تجد من انحرف عن الشريعة في الأمر والنهي من أهل الإرادة والعبادة والسلوك ~~والطريق ينتهون إلى الفناء الذي لا يميزون فيه بين المأمور والمحظور ~~فيكونون فيه متبعين أهواءهم. وإنما الفناء الشرعي أن يفنى بعبادة الله عن ~~عبادة ما سواه # PageV22P307 # وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبسؤاله عن ~~سؤال ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وهذا هو إخلاص الدين لله وعبادته وحده ~~لا شريك له وهو دين الإسلام الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب. وتجد ~~أيضا من انحرف عن الشريعة من الجبر والنفي والإثبات من أهل العلم والنظر ~~والكلام والبحث ينتهي أمرهم إلى الشك والحيرة كما ينتهي الأولون إلى الشطح ~~والطامات فهؤلاء لا يصدقون بالحق وأولئك يصدقون بالباطل. وإنما يتحقق الدين ~~بتصديق الرسول في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر باطنا وظاهرا من المعارف ~~والأحوال القلبية وفي الأقوال والأعمال الظاهرة. ومن عظم مطلق السهر والجوع ~~وأمر بهما مطلقا فهو مخطئ بل المحمود السهر الشرعي والجوع الشرعي فالسهر ~~الشرعي كما تقدم من صلاة أو ذكر أو قراءة أو كتابة علم أو نظر فيه أو درسه ~~أو غير ذلك من العبادات والأفضل يتنوع بتنوع الناس فبعض العلماء يقول: ~~كتابة الحديث أفضل من صلاة النافلة وبعض الشيوخ يقول: ركعتان. أصليهما ~~بالليل حيث لا يراني أحد أفضل من كتابة مائة حديث وآخر من الأئمة يقول: بل ~~الأفضل فعل هذا وهذا والأفضل يتنوع بتنوع أحوال الناس فمن الأعمال ما يكون ~~جنسه أفضل ثم يكون # PageV22P308 # تارة مرجوحا أو منهيا عنه. كالصلاة؛ فإنها أفضل من قراءة القرآن وقراءة ms6797 ~~القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء ثم الصلاة في أوقات النهي - ~~كما بعد الفجر والعصر ووقت الخطبة - منهي عنها والاشتغال حينئذ إما بقراءة ~~أو ذكر أو دعاء أو استماع أفضل من ذلك. وكذلك قراءة القرآن أفضل من الذكر ~~ثم الذكر في الركوع والسجود هو المشروع. دون قراءة القرآن وكذلك الدعاء في ~~آخر الصلاة هو المشروع دون القراءة والذكر وقد يكون الشخص يصلح دينه على ~~العمل المفضول دون الأفضل فيكون أفضل في حقه كما أن الحج في حق النساء أفضل ~~من الجهاد. ومن الناس من تكون القراءة أنفع له من الصلاة ومنهم من يكون ~~الذكر أنفع له من القراءة ومنهم من يكون اجتهاده في الدعاء لكمال ضرورته ~~أفضل له من ذكر هو فيه غافل والشخص الواحد يكون تارة هذا أفضل له وتارة هذا ~~أفضل له ومعرفة حال كل شخص وبيان الأفضل له لا يمكن ذكره في كتاب بل لا بد ~~من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح وما صدق الله عبد إلا صنع له. ~~وفي الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل # PageV22P309 # يقول: {اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم} . # فصل: # وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وكان خلقه ~~في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه ولا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ~~فكان إن حضر خبز ولحم أكله وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله وإن حضر تمر وحده ~~أو خبز وحده أكله وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضا وكان أحب الشراب إليه الحلو ~~البارد وكان يأكل القثاء. بالرطب فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا ~~آكل لونين ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة. وكان أحيانا يمضي ~~الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار ms6798 ولا يأكلون إلا التمر والماء وأحيانا ~~يربط على بطنه الحجر من الجوع وكان لا يعيب طعاما فإن اشتهاه أكله وإلا ~~تركه. وأكل على # PageV22P310 # مائدته لحم ضب فامتنع من أكله وقال: {إنه ليس بحرام ولكن لم يكن بأرض ~~قومي فأجدني أعافه} . وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة ويلبس الإزار ~~والرداء ويلبس الجبة والفروج وكان يلبس من القطن والصوف وغير ذلك. لبس في ~~السفر جبة صوف وكان يلبس مما يجلب من اليمن وغيرها وغالب ذلك مصنوع من ~~القطن وكانوا يلبسون من قباطي مصر وهي منسوجة من الكتان. فسنته في ذلك ~~تقتضي أن يلبس الرجل ويطعم مما يسره الله ببلده من الطعام واللباس. وهذا ~~يتنوع بتنوع الأمصار. وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل ~~اللحم ونحوه وعلى الامتناع من تزوج النساء فأنزل الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون} وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أن رجالا قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا ~~أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج ~~النساء وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. فقال: {لكني أصوم وأفطر وأقوم ~~وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني} وقد قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم # PageV22P311 # إياه تعبدون} فأمر بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديا ~~ومن لم يشكر كان مفرطا مضيعا لحق الله. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ~~ويشرب الشربة فيحمده عليها} وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر} . فهذه الطريق التي كان ~~عليها رسول صلى الله عليه وسلم هي أعدل الطرق وأقومها. والانحراف عنها إلى ms6799 ~~وجهين. قوم يسرفون في تناول الشهوات مع إعراضهم عن القيام بالواجبات وقد ~~قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} وقال تعالى: ~~{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} . وقوم ~~يحرمون الطيبات ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعالى ولا رهبانية في ~~الإسلام. وقد قال تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم} . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن الله أمر المؤمنين # PageV22P312 # بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر ~~الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ~~ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك} وكل حلال طيب وكل ~~طيب حلال فإن الله أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث لكن جهة طيبه كونه ~~نافعا لذيذا. والله حرم علينا كل ما يضرنا وأباح لنا كل ما ينفعنا بخلاف ~~أهل الكتاب فإنه بظلم منهم: حرم عليهم طيبات أحلت لهم فحرم عليهم طيبات ~~عقوبة لهم ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يحرم علينا شيئا من الطيبات والناس ~~تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع والشخص الواحد يتنوع حاله ~~ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع ولصاحبه أنفع وقد يكون ذلك أيسر العملين ~~وقد يكون أشدهما فليس كل شديد فاضلا ولا كل يسير مفضولا. بل الشرع إذا ~~أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس. ~~كالجهاد الذي قال فيه تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} . # PageV22P313 # والحج هو الجهاد الصغير؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي ~~الله عنها في العمرة: {أجرك على ms6800 قدر نصبك} وقال تعالى في الجهاد: {ذلك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين.} وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا ~~مشروعا لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين} وقال ~~لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: {يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا} ~~وقال {هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فاستعينوا بالغدوة ~~والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا} وروي عنه أنه قال: {أحب الدين ~~إلى الله الحنيفية السمحة} . فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ~~ذلك حر أو برد أو جوع ونحو ذلك. فهو مما يحمد عليه قال الله تعالى: {وقالوا ~~لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} . وكذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم {الكفارات: إسباغ الوضوء # PageV22P314 # على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم ~~الرباط فذلكم الرباط} . وأما مجرد بروز الإنسان للحر والبرد. بلا منفعة ~~شرعية واحتفاؤه وكشف رأسه ونحو ذلك مما يظن بعض الناس أنه من مجاهدة النفس ~~فهذا إذا لم يكن فيه منفعة للإنسان وطاعة لله فلا خير فيه. بل قد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: {ما ~~هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ~~ويصوم. فقال: مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه} . ولهذا نهى عن ~~الصمت الدائم بل المشروع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت} فالتكلم بالخير خير من ~~السكوت عنه والسكوت عن الشر خير من التكلم به. # فصل: # والأفضل للإمام أن يتحرى صلاة رسول الله صلى الله ms6801 عليه وسلم التي كان ~~يصليها بأصحابه بل هذا هو المشروع الذي يأمر به الأئمة # PageV22P315 # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال لمالك بن الحويرث وصاحبه: {إذا حضرت ~~الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما وصلوا كما رأيتموني أصلي} . وقد ثبت ~~عنه في الصحيح {أنه كان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى مائة آية} ~~وهذا بالتقريب نحو ثلث جزء إلى نصف جزء من تجزئة ثلاثين فكان يقرأ بطوال ~~المفصل يقرأ بقاف ويقرأ الم تنزيل وتبارك ويقرأ سورة المؤمنين ويقرأ ~~الصافات ونحو ذلك. وكان يقرأ في الظهر بأقل من ذلك بنحو ثلاثين آية ويقرأ ~~في العصر بأقل من ذلك ويقرأ في المغرب بأقل من ذلك مثل قصار المفصل. وفي ~~العشاء الآخرة بنحو: {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى} ونحوهما. وكان ~~أحيانا يطيل الصلاة ويقرأ بأكثر من ذلك حتى يقرأ في المغرب (بالأعراف) ~~ويقرأ فيها (بالطور) ويقرأ فيها (بالمرسلات) . وأبو بكر الصديق قرأ مرة في ~~الفجر بسورة البقرة وعمر كان يقرأ في الفجر: (بسورة هود و (سورة يوسف ~~ونحوهما وأحيانا يخفف إما لكونه في السفر أو لغير ذلك. كما قال: # PageV22P316 # صلى الله عليه وسلم {إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء ~~الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه به} حتى روي عنه أنه قرأ في الفجر (سورة ~~التكوير و (سورة الزلزلة؛ فينبغي للإمام أن يتحرى الاقتداء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وإذا كان المأمومون لم يعتادوا لصلاته وربما نفروا عنها ~~درجهم إليها شيئا بعد شيء فلا يبدؤهم بما ينفرهم عنها بل يتبع السنة بحسب ~~الإمكان وليس للإمام أن يطيل على القدر المشروع إلا أن يختاروا ذلك. كما ~~ثبت عنه في الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم {من أم الناس فليخفف بهم فإن ~~منهم السقيم والكبير وذا الحاجة} أخرجاه في الصحيحين. وقال: {إذا أم أحدكم ~~الناس فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء} . وكان يطيل الركوع والسجود؛ ~~والاعتدالين كما ثبت عنه في الصحيح {أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع ms6802 يقوم ~~حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجود يقعد حتى يقول القائل قد ~~نسي} . وفي السنن أن أنس بن مالك شبه صلاة عمر بن عبد العزيز بصلاته وكان ~~عمر يسبح في الركوع نحو عشر تسبيحات وفي السجود نحو عشر تسبيحات فينبغي ~~للإمام أن يفعل في الغالب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في الغالب ~~وإذا اقتضت المصلحة أن يطيل أكثر # PageV22P317 # من ذلك أو يقصر عن ذلك فعل ذلك. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا ~~يزيد على ذلك وأحيانا ينقص عن ذلك. # فصل: # وأما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة ابن حصيب قال: ~~{أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني ~~إلى الجنة فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي دخلت البارحة الجنة ~~فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ ~~فقالوا: لرجل عربي. فقلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من قريش ~~قلت: أنا رجل من قريش لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من أمة محمد. فقلت أنا ~~محمد لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فقال: بلال يا رسول الله ما ~~أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها فرأيت أن لله ~~علي ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بهما} قال الترمذي هذا ~~حديث حسن صحيح. وهذا يقتضي استحباب الوضوء عند كل حدث ولا يعارض # PageV22P318 # ذلك الحديث الذي في الصحيح عن ابن عباس قال: {كنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجاء من الغائط فأتى بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: لم أصل ~~فأتوضأ} فإن هذا ينفي وجوب الوضوء وينفي أن يكون مأمورا بالوضوء لأجل مجرد ~~الأكل ولم نعلم أحدا استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان جنبا وتنازع العلماء ~~في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب على قولين هما روايتان عن أحمد. ~~فمن استحب ذلك احتج ms6803 {بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم قرأت في ~~التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده} ومن كرهه قال: لأن ~~هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل وإنما كان هذا من ~~فعل اليهود فيكره التشبه بهم. وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم وقد يقال: ~~كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء؛ ولهذا كان يسدل شعره موافقة ثم فرق بعد ذلك ~~ولهذا صام عاشوراء لما قدم المدينة ثم أنه قال قبل موته: {لئن عشت إلى قابل ~~لأصومن التاسع} يعني مع العاشر؛ لأجل مخالفة اليهود. # PageV22P319 # فصل: # وأما سؤال السائل عن المواظبة على ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~في عبادته وعادته هل هي سنة؟ أم تختلف باختلاف أحوال الراتبين؟ فيقال: الذي ~~نحن مأمورون به هو طاعة الله ورسوله فعلينا أن نطيع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما أمرنا به فإن الله قد ذكر طاعته في أكثر من ثلاثين موضعا من ~~كتابه فقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله} . وقد أوجب السعادة لمن أطاعه بقوله: {فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا} وعلق السعادة والشقاوة بطاعته ومعصيته في قوله: {ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} ~~{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} . ~~وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: {من يطع الله ورسوله # PageV22P320 # فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا} وجميع الرسل ~~دعوا إلى عبادة الله وتقواه. وخشيته وإلى طاعتهم كما قال نوح عليه السلام ~~{أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} وقال كل من نوح والنبيين: {فاتقوا الله ~~وأطيعون.} ms6804 وطاعة الرسول فيما أمرنا به هو الأصل الذي على كل مسلم أن يعتمده ~~وهو سبب السعادة كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة وطاعته في أمره أولى بنا من ~~موافقته في فعل لم يأمرنا بموافقته فيه باتفاق المسلمين ولم يتنازع العلماء ~~أن أمره أوكد من فعله؛ فإن فعله قد يكون مختصا به وقد يكون مستحبا وأما ~~أمره لنا فهو من دين الله الذي أمرنا به. ومن أفعاله ما قد علم أنه أمرنا ~~أن نفعل مثله كقوله: {صلوا كما رأيتموني أصلي} وقوله: لما صلى بهم على ~~المنبر: {إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي} وقوله لما حج: {خذوا ~~عني مناسككم.} وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة أن ما فعله على وجه العادة فهو ~~مباح لنا إلا أن يقوم دليل على اختصاصه به كما قال سبحانه وتعالى {فلما قضى ~~زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا} فأباح له أن يتزوج # PageV22P321 # امرأة دعيه ليرفع الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم فعلم أن ما فعله ~~كان لنا مباحا أن نفعله. ولما خصه ببعض الأحكام قال: {وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله ~~غفورا رحيما} فلما أحل له أن ينكح الموهوبة بين أن ذلك خالص له من دون ~~المؤمنين فليس لأحد أن ينكح امرأة بلا مهر غيره صلى الله عليه وسلم. وفي ~~صحيح مسلم: {أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم؟ فقال ~~له: سل هذه - لأم سلمة - فأخبرتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ~~ذلك فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له: ~~أما والله إنني لأتقاكم لله وأخشاكم له.} فلما أجابه صلى الله عليه وسلم ~~بفعله دل ذلك على أنه يباح للأمة ما أبيح له؛ ولهذا كان ms6805 جمهور علماء الأمة ~~على أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك ما لم ~~يقم دليل على اختصاصه بذلك. # PageV22P322 # فمن خصائصه: ما كان من خصائص نبوته ورسالته فهذا ليس لأحد أن يقتدي به ~~فيه فإنه لا نبي بعده وهذا مثل كونه يطاع في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن ~~لم يعلم جهة أمره حتى يقتل كل من أمر بقتله وليس هذا لأحد بعده فولاة ~~الأمور من العلماء والأمراء يطاعون إذا لم يأمروا بخلاف أمره؛ ولهذا جعل ~~الله طاعتهم في ضمن طاعته. قال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} . فقال: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر لأن أولي الأمر ~~يطاعون طاعة تابعة لطاعته فلا يطاعون استقلالا ولا طاعة مطلقة وأما الرسول ~~فيطاع طاعة مطلقة مستقلة فإنه: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} فقال تعالى: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فإذا أمرنا الرسول كان علينا أن نطيعه وإن لم ~~نعلم جهة أمره وطاعته طاعة الله لا تكون طاعته بمعصية الله قط بخلاف غيره. ~~وقد ذكر الناس من خصائصه فيما يجب عليه ويحرم عليه ويكرم به ما ليس هذا ~~موضع تفصيله. وبعض ذلك متفق عليه وبعضه متنازع فيه. وقد كان صلى الله عليه ~~وسلم إمام الأمة وهو الذي يقضي بينهم وهو الذي يقسم وهو الذي يغزو بهم وهو ~~الذي يقيم الحدود وهو الذي يستوفي الحقوق وهو الذي يصلي بهم فالاقتداء به ~~في كل مرتبة بحسب تلك المرتبة فإمام الصلاة والحج يقتدي # PageV22P323 # به في ذلك وأمير الغزو يقتدي به في ذلك والذي يقيم الحدود يقتدي به في ~~ذلك. والذي يقضي أو يفتي يقتدي به في ذلك. وقد تنازع الناس في أمور فعلها: ~~هل هي من خصائصه أم للأمة فعلها؟ كدخوله في الصلاة إماما بعد أن صلى بالناس ~~غيره وكتركه الصلاة على الغال والقاتل. وأيضا فإذا فعل فعلا لسبب وقد علمنا ~~ذلك السبب أمكننا أن نقتدي به فيه فأما إذا لم نعلم السبب أو كان السبب ~~أمرا ms6806 اتفاقيا فهذا مما يتنازع فيه الناس: مثل نزوله في مكان في سفره. فمن ~~العلماء من يستحب أن ينزل حيث نزل كما كان ابن عمر يفعل وهؤلاء يقولون نفس ~~موافقته في الفعل هو حسن وإن كان فعله هو اتفاقا ونحن فعلناه لقصد التشبه ~~به. ومن العلماء من يقول إنما تستحب المتابعة إذا فعلناه على الوجه الذي ~~فعله فأما إذا فعله اتفاقا لم يشرع لنا أن نقصد ما لم يقصده؛ ولهذا كان ~~أكثر المهاجرين والأنصار لا يفعلون كما كان ابن عمر يفعل. وأيضا فالاقتداء ~~به يكون تارة في نوع الفعل وتارة في جنسه فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك ~~النوع وغيره لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو الأمر العام. مثال ذلك احتجامه ~~صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كان لحاجته # PageV22P324 # إلى إخراج الدم الفاسد ثم التأسي هل مخصوص بالحجامة؟ أو المقصود إخراج ~~الدم على الوجه النافع؟ ومعلوم أن التأسي هو المشروع فإذا كان البلد حارا ~~يخرج فيه الدم إلى الجلد كانت الحجامة هي المصلحة وإن كان البلد باردا يغور ~~فيه الدم إلى العروق كان إخراجه بالفصد هو المصلحة. وكذلك ادهانه صلى الله ~~عليه وسلم. هل المقصود خصوص الدهن أو المقصود ترجيل الشعر؟ فإن كان البلد ~~رطبا وأهله يغتسلون بالماء الحار الذي يغنيهم عن الدهن والدهن يؤذي شعورهم ~~وجلودهم يكون المشروع في حقهم ترجيل الشعر بما هو أصلح لهم ومعلوم أن ~~الثاني هو الأشبه. وكذلك لما كان يأكل الرطب والتمر وخبز الشعير ونحو ذلك ~~من قوت بلد فهل التأسي به أن يقصد خصوص الرطب والتمر والشعير حتى يفعل ذلك ~~من يكون في بلاد لا ينبت فيها التمر ولا يقتاتون الشعير بل يقتاتون البر أو ~~الرز أو غير ذلك ومعلوم أن الثاني هو المشروع. والدليل على ذلك أن الصحابة ~~لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده ويلبس من لباس بلده من غير ~~أن يقصد أقوات المدينة ولباسها ولو كان هذا الثاني هو الأفضل في حقهم ~~لكانوا أولى باختيار الأفضل. # PageV22P325 # وعلى ms6807 هذا يبنى نزاع العلماء في صدقة الفطر: إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون ~~التمر والشعير. فهل يخرجون من قوتهم كالبر والرز أو يخرجون من التمر ~~والشعير. لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض ذلك فإن في الصحيحين عن ابن عمر ~~أنه قال: {فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو ~~صاعا من شعير على كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين} . ~~وهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد وأكثر العلماء على ~~أنه يخرج من قوت بلده وهذا هو الصحيح كما ذكر الله ذلك في الكفارة بقوله: ~~{من أوسط ما تطعمون أهليكم} . ومن هذا الباب: أن الغالب عليه وعلى أصحابه ~~أنهم كانوا يأتزرون ويرتدون؛ فهل الأفضل لكل أحد أن يرتدي ويأتزر ولو مع ~~القميص؟ أو الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار ~~والرداء. هذا أيضا مما تنازع فيه العلماء والثاني أظهر وهذا باب واسع. وهذا ~~النوع ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه ~~وهذا سمته طائفة من الناس: " تنقيح المناط " وهو أن يكون الحكم قد ثبت في ~~عين معينة وليس مخصوصا بها بل الحكم ثابت فيها وفي غيرها فيحتاج أن يعرف " ~~مناط الحكم ". # PageV22P326 # مثال ذلك أنه قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم {سئل عن ~~فأرة وقعت في سمن فقال: القوها وما حولها وكلوا سمنكم} فإنه متفق على أن ~~الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن؛ بل الحكم ثابت فيما هو أعم منهما ~~فبقي المناط الذي علق به الحكم ما هو؟ فطائفة من أهل العلم يزعمون أن الحكم ~~مختص بفأرة وقعت في سمن فينجسون ما كان كذلك مطلقا ولا ينجسون السمن إذا ~~وقع فيه الكلب والبول والعذرة ولا ينجسون الزيت ونحوه. إذا وقعت فيه الفأرة ~~وهذا القول خطأ قطعا. وليس هذا مبنيا على كون القياس حجة. فإن القياس الذي ~~يكون النزاع فيه هو تخريج المناط وهو ms6808 أن يجوز اختصاص مورد النص بالحكم فإذا ~~جاز اختصاصه وجاز أن يكون الحكم مشتركا بين مورد النص وغيره. احتاج معتبر ~~القياس إلى أن يعلم أن المشترك بين الأصل والفرع هو مناط الحكم كما في ~~قوله: {لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا ~~مثلا بمثل ولا تبيعوا الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الملح ~~بالملح إلا مثلا بمثل} فلما نهى عن التفاضل في مثل هذه الأصناف أمكن أن ~~يكون النهي لمعنى مشترك ولمعنى مختص. ولما سئل عن فأرة وقعت في سمن فأجاب: ~~عن تلك # PageV22P327 # القضية المعينة ولا خفاء أن الحكم ليس مختصا بها وكذلك سائر قضايا ~~الأعيان كالأعرابي الذي قال له: إني وقعت على أهلي في رمضان فأمره. أن يعتق ~~رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فإن الحكم ليس مخصوصا ~~بذلك الأعرابي باتفاق المسلمين. لكن هل أمره بذلك لكونه أفطر أو جامع في ~~رمضان أو أفطر فيه بالجماع أو أفطر بالجنس الأعلى هذا مما تنازع فيه ~~العلماء. وكذلك لما سأله سائل عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة وهو متضمخ ~~بالخلوق. فقال: {انزع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق واصنع في عمرتك ما ~~كنت صانعا في حجتك} . فهل أمره بغسل الخلوق لكونه طيبا حتى يؤمر المحرم ~~بغسل كل طيب كان عليه أو لكونه خلوقا لرجل؟ وقد نهى أن يتزعفر الرجل فينهى ~~عن الخلوق للرجل سواء كان محرما أو غير محرم. وكذلك لما عتقت بريرة فخيرها ~~فاختارت نفسها عند من يقول: إن زوجها كان عبدا فإن المسلمين اتفقوا على أن ~~الحكم لا يختص بها: لكن هل التخيير لكونها عتقت تحت عبد فكملت تحت ناقص؟ ~~ولا تخير إذا عتقت تحت الحر أو الحكم لكونها ملكت نفسها فتخير سواء كان ~~الزوج حرا أو عبدا؟ هذا مما تنازعوا فيه. وهذا باب واسع وهو متناول لكل حكم ~~تعلق بعين معينة مع العلم بأنه لا يختص بها # PageV22P328 # فيحتاج أن يعرف المناط الذي يتعلق به الحكم وهذا النوع يسميه بعض الناس ms6809 ~~قياسا؛ وبعضهم لا يسميه قياسا؛ ولهذا كان أبو حنيفة وأصحابه يستعملونه في ~~المواضع التي لا يستعملون فيها القياس. والصواب أن هذا ليس من القياس الذي ~~يمكن فيه النزاع كما أن تحقيق المناط ليس مما يقبل النزاع باتفاق العلماء. ~~وهذه الأنواع الثلاثة " تحقيق المناط " و " تنقيح المناط " و " تخريج ~~المناط " هي جماع الاجتهاد. # فالأول أن يعمل بالنص والإجماع؛ فإن الحكم معلق بوصف يحتاج في الحكم على ~~المعين إلى أن يعلم ثبوت ذلك الوصف فيه كما يعلم أن الله أمرنا بإشهاد ذوي ~~عدل منا وممن نرضى من الشهداء ولكن لا يمكن تعيين كل شاهد فيحتاج أن يعلم ~~في الشهود المعينين: هل هم من ذوي العدل المرضيين أم لا؟ وكما أمر الله ~~بعشرة الزوجين بالمعروف وقال النبي صلى الله عليه وسلم {للنساء رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف} ولم يمكن تعيين كل زوج فيحتاج أن ينظر في الأعيان. ثم من ~~الفقهاء من يقول إن نفقة الزوجة مقدرة بالشرع والصواب ما عليه الجمهور أن ~~ذلك مردود إلى العرف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: {خذي ما يكفيك ~~وولدك بالمعروف} . # PageV22P329 # وكما قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ويبقى النظر ~~في تسليمه إلى هذا التاجر بجزء من الربح. هل هو من التي هي أحسن أم لا؟ ~~وكذلك قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} يبقى هذا الشخص المعين هل هو ~~من الفقراء المساكين المذكورين في القرآن أم لا؟ وكما حرم الله الخمر ~~والربا عموما يبقى الكلام في الشراب المعين. هل هو خمر أم لا؟ وهذا النوع ~~مما اتفق عليه المسلمون بل العقلاء: بأنه لا يمكن أن ينص الشارع على حكم كل ~~شخص إنما يتكلم بكلام عام وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع ~~الكلم. (وأما النوع الثاني الذي يسمونه " تنقيح المناط " بأن ينص على حكم ~~أعيان معينة؛ لكن قد علمنا أن الحكم لا يختص بها فالصواب في مثل هذا أنه ~~ليس من باب القياس لاتفاقهم على النص بل المعين هنا نص على نوعه ms6810 ولكنه ~~يحتاج إلى أن يعرف نوعه ومسألة الفأرة في السمن من هذا الباب فإن الحكم ليس ~~مخصوصا بتلك الفأرة وذلك السمن. ولا بفأر المدينة وسمنها ولكن السائل سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن؛ فأجابه؛ لا إن الجواب يختص ~~به ولا بسؤاله. كما أجاب غيره ولفظ الفأرة والسمن ليست من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى يكون هو الذي علق الحكم بها بل من كلام السائل الذي ~~أخبر بما وقع له كما قال له # PageV22P330 # الأعرابي: إنه وقع على امرأته ولو وقع على سريته لكان الأمر كذلك وكما ~~قال له الآخر: رأيت بياض خلخالها في القمر فوثبت عليها ولو وطئها بدون ذلك ~~كان الحكم كذلك. فالصواب في هذا ما عليه الأئمة المشهورون: أن الحكم في ذلك ~~معلق بالخبيث الذي حرمه الله إذا وقع في السمن ونحوه من المائعات لأن الله ~~أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث فإذا علقنا الحكم بهذا المعنى كنا قد ~~اتبعنا كتاب الله فإذا وقع الخبيث في الطيب ألقى الخبيث وما حوله وأكل ~~الطيب كما أمر النبي. صلى الله عليه وسلم وليس هذا الجواب موضع بسط مثل هذه ~~المسائل. ولكن نبهنا على هذا لأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أفعاله يتعلق بهذا. وحينئذ هذا مما يتعلق باجتهاد الناس واستدلالهم وما ~~يؤتيهم الله من الفقه والحكمة والعلم وأحق الناس بالحق من علق الأحكام ~~بالمعاني التي علقها بها الشارع. وهذا موضع تفاوت فيه الناس وتنازعوا: هل ~~يستفاد ذلك من خطاب الشارع؟ أو من المعاني القياسية؟ فقوم زعموا أن أكثر ~~أحكام أفعال العباد لا يتناولها خطاب الشارع بل تحتاج إلى القياس. وقوم ~~زعموا أن جميع أحكامها ثابتة بالنص وأسرفوا في تعلقهم بالظاهر # PageV22P331 # حتى أنكروا فحوى الخطاب وتنبيهه. كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} وقالوا: ~~إن هذا لا يدل إلا على النهي عن التأفيف لا يفهم منه النهي عن الضرب والشتم ~~وأنكروا " تنقيح المناط " وادعوا في الألفاظ من الظهور ما لا تدل عليه وقوم ~~يقدمون ms6811 القياس تارة لكون دلالة النص غير تامة أو لكونه خبر الواحد وأقوام ~~يعارضون بين النص والقياس ويقدمون النص ويتناقضون ونحن قد بينا في غير هذا ~~الموضع أن الأدلة الصحيحة لا تتناقض فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية ~~والشرعية ولا تتناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة ودلالة الخطاب إذا كانت ~~صحيحة. فإن القياس الصحيح حقيقة التسوية بين المتماثلين وهذا هو العدل الذي ~~أنزل الله به الكتاب وأرسل به الرسل والرسول لا يأمر بخلاف العدل ولا يحكم ~~في شيئين متماثلين بحكمين مختلفين ولا يحرم الشيء ويحل نظيره. وقد تأملنا ~~عامة المواضع التي قيل: إن القياس فيها عارض النص وأن حكم النص فيها على ~~خلاف القياس. فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره فإنما خصه به لاختصاصه ~~بوصف أوجب اختصاصه بالحكم كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصا لتعذر ~~الكيل مع # PageV22P332 # الحاجة إلى البيع والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل. ~~فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل كما يقوم التراب مقام الماء والميتة مقام ~~المذكى عند الحاجة وكذلك قول من قال: القرض أو الإجارة أو القراض أو ~~المساقاة أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس إن أراد به أن هذه الأفعال ~~اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفا لحكم ما ليس مثلها فقد صدق. وهذا ~~هو مقتضى القياس وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين ~~فهذا خطأ ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم. ولكن هذه الأقيسة ~~المعارضة هي الفاسدة كقياس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} وقياس الذين قالوا " أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ~~الله؟ " يعنون الميتة " وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} . ولعل من رزقه الله فهما وآتاه من ~~لدنه علما يجد عامة الأحكام التي تعلم بقياس شرعي صحيح يدل عليها الخطاب ~~الشرعي كما أن غاية # PageV22P333 # ما يدل عليه الخطاب الشرعي هو موافق للعدل الذي هو مطلوب القياس الصحيح. ~~وإذا كان الأمر كذلك: فالكلام ms6812 في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر ~~خاص واستهداء من الله والله قد أمر العبد أن يقول في كل صلاة: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~. فعلى العبد أن يجتهد في تحقيق هذا الدعاء ليصير من الذين أنعم الله ~~عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # PageV22P334 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة # قد تقدم القول في مواضع: أن العبادات التي فعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أنواع يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع لا يكره منها شيء وذلك مثل ~~أنواع التشهدات وأنواع الاستفتاح ومثل الوتر أول الليل وآخره ومثل الجهر ~~بالقراءة في قيام الليل والمخافتة وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها ~~والتكبير في العيد ومثل الترجيع في الأذان وتركه ومثل إفراد الإقامة ~~وتثنيتها. وقد بسطنا في جواب مسائل الزرعية وغيرها أن ما اختلف فيه العلماء ~~وأراد الإنسان أن يحتاط فيه فهو نوعان: أحدهما: ما اتفقوا فيه على جواز ~~الأمرين ولكن تنازعوا أيهما أفضل. # PageV22P335 # والثاني ما تنازعوا فيه في جواز أحدهما وكثير مما تنازعوا فيه قد جاءت ~~السنة فيه بالأمرين مثل الحج. قيل: لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة؛ بل قيل: ~~ولا تجوز المتعة وقيل بل ذلك واجب والصحيح أن كليهما جائز " فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر الصحابة في حجة الوداع بالفسخ وقد كان خيرهم بين ~~الثلاثة وقد حج الخلفاء بعده ولم يفسخوا. كما بسط في موضعه وكذلك الصوم في ~~السفر قيل: لا يجوز بل يجب الفطر والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين. ~~ثم قال كثير منهم إن الصوم أفضل والصحيح أن الفطر أفضل إلا لمصلحة راجحة ~~وما قال أحد أنه لا يجوز الفطر كما يظنه بعض الجهال وهذا مبسوط في مواضع. ~~والمقصود هنا: أن ما جاءت به السنة على وجوه: كالأذان والإقامة وصلاة الخوف ~~والاستفتاح فالكلام فيه من مقامين: أحدهما في جواز تلك الوجوه كلها بلا ~~كراهة وهذا هو الصواب وهو مذهب ms6813 أحمد وغيره في هذا كله. ومن العلماء من قد ~~يكره أو يحرم بعض تلك الوجوه؛ لظنه أن السنة لم تأت به أو أنه منسوخ. كما ~~كره طائفة الترجيع في الأذان وقالوا: إنما قاله لأبي # PageV22P336 # محذورة تلقينا للإسلام لا تعليما للأذان. والصواب أنه جعله من الأذان ~~وهذا هو الذي فهمه أبو محذورة وقد عمل بذلك هو وولده والمسلمون يقرونهم على ~~ذلك بمكة وغيرها. وكره طائفة الأذان بلا ترجيع وهو غلط أيضا فإن أذان بلال ~~الثابت ليس فيه ترجيع وكره طائفة ترجيعها وكره طائفة صلاة الخوف إلا على ~~حديث ابن عمر وكره آخرون ما أمر به هؤلاء. والصواب في هذا كله أن كل ما ~~جاءت به السنة فلا كراهة لشيء منه؛ بل هو جائز وهذا مبسوط في مواضع. ~~والمقصود هنا هو: # المقام الثاني وهو أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع متنوعة ~~وإن قيل: إن بعض تلك الأنواع أفضل فالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أن يفعل هذا تارة وهذا تارة أفضل من لزوم أحد الأمرين وهجر الآخر وهذا مثل ~~الاستفتاح: ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: {قلت يا رسول الله أرأيت سكوتك ~~بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول اللهم بعد بيني وبين خطاياي كما ~~بعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد} ولم يخرج البخاري في ~~الاستفتاح شيئا إلا # PageV22P337 # هذا وهو أقوى الحجج على الاستفتاح في المكتوبة فإنه صريح في ذلك بقوله: ~~أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة؟ وهذا سؤال عن السكوت. لا عن القول سرا ~~ويشهد له حديث سمرة وحديث أبي بن كعب أنه كان له سكتتان. وأيضا فللناس في ~~الصلاة أقوال. أحدها: أنه لا سكوت فيها كقول مالك ولا يستحب عنده استفتاح ~~ولا استعاذة ولا سكوت لقراءة الإمام. والثاني: أنه ليس فيها إلا سكوت واحد ~~للاستفتاح: كقول أبي حنيفة لأن هذا الحديث يدل على هذه السكتة. والثالث: أن ~~فيها سكتتين كما في ms6814 حديث السنن. لكن روى فيه أنه يسكت إذا فرغ من القراءة ~~وهو الصحيح. وروى إذا فرغ من الفاتحة فقال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: ~~يستحب ثلاث سكتات. وسكتة الفاتحة جعلها أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد ~~ليقرأ المأموم الفاتحة. والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان فليس في الحديث ~~إلا ذلك وإحدى الروايتين غلط وإلا كانت ثلاثا # PageV22P338 # وهذا هو المنصوص عن أحمد. وأنه لا يستحب إلا سكتتان والثانية عند الفراغ ~~من القراءة للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع. وأما السكوت عقيب الفاتحة ~~فلا يستحبه أحمد كما لا يستحبه مالك وأبو حنيفة والجمهور لا يستحبون أن ~~يسكت الإمام ليقرأ المأموم. وذلك أن قراءة المأموم عندهم إذا جهر الإمام ~~ليست بواجبة ولا مستحبة بل هي منهي عنها وهل تبطل الصلاة إذا قرأ مع ~~الإمام؟ فيه وجهان في مذهب أحمد فهو إذا كان يسمع قراءة الإمام فاستماعه ~~أفضل من قراءته كاستماعه لما زاد على الفاتحة فيحصل له مقصود القراءة ~~والاستماع بدل عن قراءته فجمعه بين الاستماع والقراءة جمع بين البدل ~~والمبدل ولهذا لم يستحب أحمد وجمهور أصحابه قراءته في سكتات الإمام إلا أن ~~يسكت سكوتا بليغا يتسع للاستفتاح والقراءة. وأما إن ضاق عنهما فقوله وقول ~~أكثر أصحابه إن الاستفتاح أولى من القراءة بل هو في إحدى الروايتين يأمر ~~بالاستفتاح مع جهر الإمام فإذا كان الإمام ممن يسكت عقيب الفاتحة سكوتا ~~يتسع للقراءة فالقراءة فيه أفضل من عدم القراءة لكن هل يقال القراءة فيه ~~بالفاتحة أفضل للاختلاف في وجوبها. أو بغيرها من القرآن لكونه قد استمعها؟ ~~هذا فيه نزاع. ومقتضى نصوص أحمد وأكثر أصحابه أن # PageV22P339 # القراءة بغيرها أفضل. فإنه لا يستحب أن يقرأ بها مع استماعه قراءتها ~~وعامة السلف الذين كرهوا القراءة خلف الإمام هو فيما إذا جهر ولم يكن أكثر ~~الأئمة يسكت عقب الفاتحة سكوتا طويلا. وكان الذي يقرأ حال الجهر قليلا. ~~وهذا منهي عنه بالكتاب والسنة وعلى النهي عنه جمهور السلف والخلف وفي بطلان ~~الصلاة بذلك نزاع. ومن العلماء من يقول يقرأ حال جهره ms6815 بالفاتحة وإن لم يقرأ ~~بها ففي بطلان صلاته أيضا نزاع فالنزاع من الطرفين؛ لكن الذين ينهون عن ~~القراءة مع الإمام هم جمهور السلف والخلف ومعهم الكتاب والسنة الصحيحة ~~والذين أوجبوها على المأموم في حال الجهر هكذا. فحديثهم قد ضعفه الأئمة ~~ورواه أبو داود وقوله في حديث أبي موسى وإذا قرأ فأنصتوا صححه أحمد وإسحاق ~~ومسلم بن الحجاج وغيرهم وعلله البخاري بأنه اختلف فيه وليس ذلك بقادح في ~~صحته بخلاف ذلك الحديث فإنه لم يخرج في الصحيح وضعفه ثابت من وجوه. وإنما ~~هو قول عبادة بن الصامت. بل يفعل في سكوته ما يشرع من الاستفتاح والاستعاذة ~~ولو لم يسكت الإمام سكوتا يتسع لذلك أو لم يدرك سكوته فهل يستفتح ويستعيذ ~~مع جهر الإمام؟ فيه ثلاث روايات: إحداها: يستفتح ويستعيذ مع جهر الإمام وإن ~~لم يقرأ؛ لأن # PageV22P340 # مقصود القراءة حصل بالاستماع وهو لا يسمع استفتاحه واستعاذته إذ كان ~~الإمام يفعل ذلك سرا. والثانية: يستفتح ولا يستعيذ؛ لأن الاستعاذة تراد ~~للقراءة وهو لا يقرأ وأما الاستفتاح فهو تابع لتكبيرة الافتتاح. والثالثة: ~~لا يستفتح ولا يستعيذ وهو أصح وهو قول أكثر العلماء كمالك والشافعي وكذا ~~أبو حنيفة فيما أظن؛ لأنه مأمور بالإنصات والاستماع فلا يتكلم بغير ذلك. ~~ولأنه ممنوع من القراءة فكذا يمنع من ذلك. وكثير من العلماء. من أصحاب أحمد ~~وغيرهم يقول منعه أولى لأن القراءة واجبة وقد سقطت بالاستماع؛ لكن مذهب ~~أحمد ليس منعه من القراءة أوكد فإن القراءة عنده لا تجب على المأموم لا سرا ~~ولا جهرا وإن اختلف في وجوبها على المأموم فقد اختلف في وجوب الاستفتاح ~~والاستعاذة. وفي مذهبه في ذلك قولان مشهوران. ومن حجة من يأمر بهما عند ~~الجهر: أنهما واجبان لم يجعل عنهما بدل؛ بخلاف القراءة فإنه جعل منها بدل ~~وهو الاستماع؛ لكن الصحيح أن ذلك ليس بواجب والاستعاذة إنما أمر بها من ~~يقرأ والأمر باستماع قراءة الإمام والإنصات له مذكور في القرآن وفي السنة ~~الصحيحة وهو # PageV22P341 # إجماع الأمة فيما زاد على الفاتحة وهو قول جماهير السلف ms6816 من الصحابة ~~وغيرهم في الفاتحة وغيرها وهو أحد قولي الشافعي واختاره طائفة من حذاق ~~أصحابه: كالرازي وأبي محمد بن عبد السلام فإن القراءة مع جهر الإمام منكر ~~مخالف للكتاب والسنة وما كان عليه عامة الصحابة ولكن طائفة من أصحاب أحمد ~~استحبوا للمأموم القراءة في سكتات الإمام ومنهم من استحب أن يقرأ بالفاتحة ~~وإن جهر وهو اختيار جدي. كما استحب ذلك طائفة منهم الأوزاعي وغيره واستحب ~~بعضهم للإمام أن يسكت عقب الفاتحة ليقرأ من خلفه وأحمد لم يستحب هذا السكوت ~~فإنه لا يستحب القراءة إذا جهر الإمام؛ وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود ~~هنا: أن سكوت الاستفتاح ثبت بهذا الحديث الصحيح ومع هذا فعامة العلماء من ~~الصحابة ومن بعدهم يستحبون الاستفتاح بغيره كما يستحب جمهورهم الاستفتاح ~~بقوله: " سبحانك اللهم " وقد بينا سبب ذلك في غير هذا الموضع وهو أن فضل ~~بعض الذكر على بعض هو لأجل ما اختص به الفاضل لا لأجل إسناده. # والذكر ثلاثة أنواع: أفضله ما كان ثناء على الله ثم ما كان إنشاء من ~~العبد أو اعترافا بما يجب لله عليه ثم ما كان دعاء من العبد. # PageV22P342 # فالأول مثل النصف الأول من الفاتحة ومثل: {سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك} ومثل التسبيح في الركوع والسجود. والثاني ~~مثل قوله: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} ومثل قوله في الركوع ~~والسجود: {اللهم لك ركعت ولك سجدت} وكما في حديث علي الذي رواه مسلم. ~~والثالث مثل قوله: {اللهم بعد بيني وبين خطاياي} ومثل دعائه في الركوع ~~والسجود. ولهذا أوجب طائفة من أصحاب أحمد ما كان ثناء كما أوجبوا الاستفتاح ~~وحكي في ذلك عن أحمد روايتان واختار ابن بطة وغيره وجوب ذلك وهذا لبسطه ~~موضع آخر. والمقصود هنا: أن النوع المفضول مثل الاستفتاح الذي رواه أبو ~~هريرة ومثل الاستفتاح بوجهت أو سبحانك اللهم عند من يفضل الآخر: فعله ~~أحيانا أفضل من المداومة على نوع وهجر نوع وذلك أن أفضل الهدي هدي محمد صلى ~~الله عليه وسلم كما ثبت ms6817 في الصحيح أنه كان يقول في خطبة الجمعة: {خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم} . ولم يكن يداوم ~~على استفتاح واحد قطعا فإن حديث أبي هريرة يدل على أنه كان يستفتح بهذا. # PageV22P343 # فإن قيل: كان يداوم عليه فكانت المداومة عليه أفضل قلنا: لم يقل هذا أحد ~~من العلماء فيما علمناه فعلم أنه لم يكن يداوم عليه. وأيضا فقد كان عمر ~~يجهر: " بسبحانك اللهم وبحمدك " يعلمها الناس. ولولا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقولها في الفريضة ما فعل ذلك عمر " وأقره المسلمون وكما كان ~~بعضهم يجهر بالاستعاذة وكذلك قيل في جهر جماعة منهم بالبسملة إنه كان ~~لتعليم الناس قراءتها كما جهر من جهر منهم بالاستعاذة والاستفتاح وكما جهر ~~ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ ولهذا كان الصواب هو المنصوص عن ~~أحمد أنه يستحب الجهر أحيانا بذلك فيستحب الجهر بالبسملة أحيانا ونص قوم ~~على أنه كان يجهر بها إذا صلى بالمدينة فظن القاضي أن ذلك لأن أهل المدينة ~~شيعة يجهرون بها وينكرون على من لم يجهر بها؛ لأن القاضي لما حج كان قد ظهر ~~بها التشيع واستولى عليها وعلى أهل مكة العبيديون المصريون وقطعوا الحج من ~~العراق مدة وإنما حج القاضي من الشام. والصواب أن أحمد لم يأمر بالجهر لذلك ~~بل لأن أهل المدينة على عهده كانوا لا يقرءون بها سرا ولا جهرا كما هو مذهب ~~مالك فأراد أن يجهر بها كما جهر بها من جهر من الصحابة تعليما للسنة وأنه ~~يستحب قراءتها في الجملة وقد استحب أحمد أيضا لمن صلى بقوم لا يقنتون # PageV22P344 # بالوتر وأرادوا من الإمام أن لا يقنت لتأليفهم. فقد استحب ترك الأفضل ~~لتأليفهم وهذا يوافق تعليل القاضي. فيستحب الجهر بها إذا كان المأمومون ~~يختارون الجهر لتأليفهم ويستحب أيضا إذا كان فيه إظهار السنة وهم يتعلمون ~~السنة منه ولا ينكرونه عليه. وهذا كله يرجع إلى أصل جامع: وهو أن المفضول ~~قد يصير فاضلا لمصلحة راجحة وإذا كان المحرم كأكل الميتة قد ms6818 يصير واجبا ~~للمصلحة الراجحة ودفع الضرر. فلأن يصير المفضول فاضلا لمصلحة راجحة أولى. ~~وكذلك يقال في أجناس العبادات كالصلاة: جنسها أفضل من جنس القراءة والذكر. ~~ثم إنها منهي عنها في أوقات النهي فالقراءة والذكر والدعاء في ذلك الوقت ~~أفضل من الصلاة وكذلك الدعاء في مشاعر الحج بعرفة ومزدلفة ومنى والصفا ~~والمروة أفضل من القراءة أيضا بالنص والإجماع فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا} وهذا في الصحيح من حديث ابن ~~عباس ومن حديث علي أيضا أنه نهاه عن ذلك ولو قرأ هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان ~~في مذهب أحمد فالنهي عن الصلاة والقراءة في المشاعر الفضيلة. . . (1) . ~~PageV22P345 # فإن الطهارة شرط في الصلاة ولا يشترط له الطهارة ولكل مكان عبادة تشرع ~~وكذلك ترك الصلاة وقت النهي مشروع في كل زمان. وأما الطواف فهل تكره فيه ~~القراءة؟ فيه قولان مشهوران للعلماء وهما روايتان عن أحمد والرخصة مذهب ~~الشافعي؛ بل هو يستحب فيه القراءة ولا يستحب الجهر بها وللأخرى مصنف. وإذا ~~كان هذا من أجناس العبادات التي ثبت فضل بعضها على بعض بالنص والإجماع فكيف ~~في أنواع الذكر لا سيما فيما فيه نزاع فالأصل بلا ريب هدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد ثبت أنه كان يستفتح بهذا الاستفتاح الذي في حديث أبي هريرة ~~فالأفضل أن يستفتح به أحيانا ويستفتح بغيره أحيانا. وأيضا فلكل استفتاح ~~حاجة ليست لغيره فيأخذ المؤمن بحظه من كل ذكر. وأيضا فقد يحتاج الإنسان إلى ~~المفضول ولا يكفيه الفاضل. كما في: {قل هو الله أحد} فإنها تعدل ثلث ~~القرآن؛ أي يحصل لصاحبها من الأجر ما يعدل ثواب ثلث القرآن في القدر لا في ~~الصفة فإن ما في القرآن من الأمر والنهي والقصص والوعد والوعيد لا يغني عنه # PageV22P346 # {قل هو الله أحد} وليس أجرها من جنس أجرها وإن كان جنس أجر {قل هو الله ~~أحد} أفضل فقد يحتاج إلى المفضول حيث لا يغني الفاضل. كما يحتاج الإنسان ~~إلى رجله حيث لا تغني عنها عينه. ms6819 وكذلك المخلوقات لكل مخلوق حكمة خلق ~~لأجلها فكذلك العبادات. فجميع ما شرعه الرسول له حكمة ومقصود ينتفع به [في] ~~(1) مقصوده فلا يهمل ما شرعه من المستحبات. وإن قيل إن جنس غيره أفضل فهو ~~في زمانه ومكانه أفضل من غيره والصلوات التي كان يدعو فيها بهذا الاستفتاح: ~~كان دعاؤه فيها بهذا الاستفتاح أفضل من غيره وهو دعاؤه بالطهارة والتنقية ~~من الذنوب التبعيد عنها من جنس الاستغفار في السحر وكاستغفاره عقب الصلاة ~~وقد كان يدعو بمثل هذا الدعاء في آخر قيام الاعتدال بعد التحميد فكان يفتتح ~~به القيام تارة ويختم به القيام أيضا. وقد روي عنه في الاستفتاح أنواع ~~وعامتها في قيام الليل كما ذكر ذلك أحمد. ويستحب للمصلي بالليل أن يستفتح ~~بها كلها وهذا أفضل من أن يداوم على نوع ويهجر غيره فإن هذا هدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم لكن يقال أيضا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل ومن ~~الناس من لا يصلح له الأفضل بل يكون فعله للمفضول PageV22P347 # أنفع. كمن ينتفع بالدعاء دون الذكر أو بالذكر دون القراءة أو بالقراءة ~~دون صلاة التطوع فالعبادة التي ينتفع بها فيحضر لها قلبه ويرغب فيها ويحبها ~~أفضل من عبادة يفعلها مع الغفلة وعدم الرغبة كالغذاء الذي يشتهيه الإنسان ~~وهو جائع: هو أنفع له من غذاء لا يشتهيه أو يأكله وهو غير جائع. فكذلك يقال ~~هنا: قد تكون مداومته على النوع المفضول أنفع لمحبته وشهود قلبه وفهمه ذلك ~~الذكر ونحن إذا قلنا التنوع في هذه الأذكار أفضل فهو أيضا تفضيل لجنس ~~التنوع والمفضول قد يكون أنفع لبعض الناس لمناسبته له كما قد يكون جنسه في ~~الشرع أفضل في بعض الأمكنة والأزمنة والأحوال فالمفضول تارة يكون أفضل ~~مطلقا في حق جميع الناس كما تقدم. وقد يكون أفضل لبعض الناس لأن انتفاعه به ~~أتم وهذه حال أكثر الناس قد ينتفعون بالمفضول لمناسبته لأحوالهم الناقصة ما ~~لا ينتفعون بالفاضل الذي لا يصلون إلى أن يكونوا من أهله. # فصل: # وكذلك " صلاة الخوف " إذا صلى مرة ms6820 على وجه ومرة على وجه: كأن اتبع من حفظ ~~وجها وترك آخر وقد يكون على وجه # PageV22P348 # أفضل في وقت لمناسبة حاله حال ذلك الوقت وربما كان بعض الذكر والدعاء في ~~بعض الأوقات أفضل. كذلك فقد يكون في حال يكون الاستغفار أنفع له وفي حال ~~يكون إقراره. لله بالتوحيد أفضل له وفي حال يكون تسبيحه وتحميده وتهليله ~~وتكبيره أفضل له والذين يستحبون بعض المشروع ويكرهون بعضه فإن الله سبحانه ~~يقيم طائفة تقول هذا وطائفة تقول هذا وطائفة تقول هذا ويتنازعون؛ فإنه (1) ~~بسبب النزاع تظهر كل طائفة من السنة ما قالت به وتركته الأخرى كالمختلفين ~~في البسملة هل تجب ويجهر بها؟ أم تكره قراءتها سرا وجهرا؟ يحتاج أولئك أن ~~يظهروا ما يدل على أنها من القرآن آية مفردة تبعا للسور ويحتاج أولئك أن ~~يظهروا ما يدل على أنها ليست من السور ولا تجب قراءتها وكلا القولين حق. " ~~وسورة اقرأ " هي أول ما نزل من القرآن وقد احتج بها كل من الطائفتين وفيها ~~حجة لما معه من الحق فالذين قالوا ليست من السورة قالوا: إن جبريل لما أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقراءتها بل أمره أن يقرأ: {باسم ربك ~~الذي خلق} ولو كانت هي أول السورة لأمره بها وهذا ثابت في الصحيحين من حديث ~~عائشة. والذين قالوا بقراءتها قالوا: قد قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~فهذا أمر لكل قارئ أن يقرأ باسم ربه فإذا قيل اذبح بسم الله PageV22P349 # وكل بسم الله واركب بسم الله فمعناه اذكر اسم الله إذا فعلت ذلك. فلما ~~قال: {اقرأ باسم ربك} كان أمرا للقارئ أن يذكر اسم الله فيقول: باسم الله ~~وهذا أولى من ذكر اسم ربه عند الذبح والأكل والشرب. وهنا قد أمر بالاستعاذة ~~أيضا عند القراءة وهو إذا قال (بسم الله الرحمن الرحيم) فقد امتثل ما أمر ~~به فذكر اسم ربه إذا قرأ وإنما لم يذكرها جبريل ابتداء لأنه بعد لم يتعلم ~~شيئا من القرآن لكن علمه هذا وأمره فيه بذكر اسم ms6821 ربه إذا قرأ فكان بعد هذا ~~إذا قرأ السورة يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) كما ثبت في صحيح مسلم أنه ~~قال: {قد أنزل علي آنفا سورة ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك ~~الكوثر} {فصل لربك وانحر} {إن شانئك هو الأبتر} } . ولكن هذه تدل على أنها ~~تبع للقرآن المقصود؛ لما فيها من ذكر الله؛ ولهذا كتبت في المصاحف مفردة عن ~~السورة لم تخلط بها فهي قرآن مكتوب في المصاحف لكن أنزل تبعا لغيره ~~والمقصود غيره فلهذا أفردت في الكتابة والتلاوة ففي الكتابة تكتب مفردة وفي ~~التلاوة كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها ولم يجعلها من القرآن ~~المفروض في الحديث الصحيح بقوله: {يقول الله تعالى قسمت الصلاة # PageV22P350 # بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال ~~العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن ~~الرحيم} قال أثنى علي عبدي فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال مجدني عبدي} - ~~إلى آخر الحديث. وهذا قول جمهور العلماء في البسملة أنها آية من القرآن ~~مفردة وليست من السورة وأنه يقرأ بها في الصلاة سرا فلا تخرج من القرآن ~~وتهجر ولا تشبه بالقرآن المقصود فيجهر وهي تشبه الاستعاذة من بعض الوجوه ~~لكن الاستعاذة ليست بقرآن ولم تكتب في المصاحف وإنما فيه الأمر بالاستعاذة ~~وهذا قرآن؛ والفاتحة سبع آيات بالاتفاق. وقد ثبت ذلك بقوله: {ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {فاتحة الكتاب هي السبع المثاني.} وقد كان كثير من السلف ~~يقول البسملة آية منها ويقرؤها وكثير من السلف لا يجعلها منها ويجعل الآية ~~السابعة {أنعمت عليهم} كما دل على ذلك حديث أبي هريرة الصحيح وكلا القولين ~~حق فهي منها من وجه وليست منها من وجه والفاتحة سبع آيات. من وجه تكون ~~البسملة منها فتكون آية. ومن وجه لا تكون منها فالآية السابعة {أنعمت ~~عليهم} لأن البسملة أنزلت تبعا للسور. # PageV22P351 # والمقصود أن يبتدأ ms6822 القرآن بذكر اسم الله فهي أنزلت في أول السورة تبعا لم ~~تنزل في أواخر السور وكتبت في المصاحف مفردة لكن تبعا لما بعدها لا لما ~~قبلها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {قد أنزلت علي آنفا سورة وقرأ ~~بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر} } . وفي السنن كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يعلم فصل السورة حتى ينزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم ~~فمن جهة كونها تابعة للسورة تجعل منها ومن جهة كون المقصود أن يقرأ بسم ~~الله كما يفعل سائر الأفعال باسم الله والقرآن المقصود غيرها لم تكن آية من ~~السورة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {إني لأعلم سورة من القرآن ~~ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: {تبارك الذي بيده الملك} } . والقراء ~~منهم من يفصل بها بين السورتين ومنهم من لا يفصل لكون القرآن كله كلام الله ~~فلا يفصلون بها بين السورتين كمن سمى إذا أكل ثم أكل أنواعا من الطعام. ~~ومنهم من يسمي في أول كل سورة وهذا أحسن لمتابعته لخط المصحف وهو بمنزلة ~~رفع طعام ووضع طعام فالتسمية عنده أفضل. # PageV22P352 # وكذلك من ذبح شاة بعد شاة فالتسمية على كل شاة أفضل وأما تلاوتها في أول ~~الفاتحة فهو ابتداء بها للقرآن ولهذا اختلف كلام أحمد هل قراءتها في أول ~~الفاتحة واجبة فرض لا تصح الصلاة إلا بها؟ على روايتين. وذكر عنه روايتان ~~في الاستعاذة والاستفتاح فالبسملة أولى بالوجوب ثم وجوبها قد يبتنى على ~~أنها من الفاتحة وقد يقال بوجوبها وإن لم تكن من الفاتحة كما يوجب ~~الاستعاذة والاستفتاح؛ ولهذا لا يجعل الجهر بها تبعا لوجوبها بل يوجبها ~~ويستحب المخافتة بها ولو كانت من الفاتحة من كل وجه لكان الجهر ببعض ~~الفاتحة دون بعض بعيدا عن الأصول فإذا جعلت منها من وجه دون وجه اتفقت ~~الأدلة والأصول وأعطي كل شيء من ذلك صفة ولم يقل إنها من القرآن في أول ~~الفاتحة ولو كقول من لم يجعلها من القرآن في حال إلا في سورة ms6823 النمل. وقد ~~قال طائفة إنها من القرآن في قراءة دون قراءة لتواتر هذه القراءات فيقال: ~~المتواتر هو الأمر الوجودي وهو ما سمعوه من القرآن من الصحابة وبلغوه عن ~~الرسول والقرآن في زمانه لم يكتب ولا كان ترتيب السور على هذا الوجه أمرا ~~واجبا مأمورا به من عند الله بل الأمر مفوض في ذلك إلى اختيار المسلمين. ~~ولهذا كان لجماعة من الصحابة لكل منهم اصطلاح في ترتيب سوره غير # PageV22P353 # اصطلاح الآخر وحينئذ فيكون الذين لا يقرءونها قد أقرأهم الرسول ولم يبسمل ~~وأولئك أقرأهم وبسمل فهذا يدل على جواز الأمرين وإن كان أحدهما أفضل لا يدل ~~على أنها في أحد الحرفين ليست من القرآن وأنه نهى عن قراءتها فإن هذا جمع ~~بين النقيضين كيف يسوغ قراءتها والنهي عن قراءتها بل هذا يدل على جواز ~~الأمرين كالحروف التي ثبتت في قراءة دون قراءة مثل من تحتها ومثل {إن الله ~~هو الغني} فالرسول يجوز إثبات ذلك ويجوز حذفه كلاهما جائز في شرعه. وبهذا ~~يتبين أن من قال من الفقهاء إنها واجبة على قراءة من أثبتها أو مكروهة على ~~قراءة من لم يثبتها فقد غلط بل القرآن يدل على جواز الأمرين. ومن قرأ بإحدى ~~القراءات لا يقال إنه كلما قرأ يجب أن يقرأ بها ومن ترك ما قرأ به غيره لا ~~يقول إن قراءة أولئك مكروهة بل كل ذلك جائز بالاتفاق وإن رجح كل قوم شيئا ~~وبهذا يتبين أن من أنكر كونها من القرآن بالكلية إلا في سورة النمل وقطع ~~بخطأ من أثبتها بناء على أن القرآنية لا تثبت إلا بالقطع فهو مخطئ في ذلك ~~ويقال له: ولا تنفى إلا بالقطع أيضا. ثم يقال له: من أثبتها يقطع بأنها ~~ثابتة ويقطع بخطأ من نفاها؛ بل التحقيق أن كون الشيء قطعيا أو غير قطعي أمر ~~إضافي والقراءات # PageV22P354 # تدل على جواز الأمرين ولكن القراءة بها أفضل. وهذا قول جمهور العلماء ~~يجوزون هذا. ويرجحون قراءتها ويخفونها عن غيرها من القرآن لأنها تابعة ~~لغيرها. والله أعلم. والحمد لله رب ms6824 العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد. ~~وآله وصحبه وسلم. وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV22P355 # وقال شيخ الإسلام: # " قاعدة " في صفات العبادات الظاهرة التي حصل فيها تنازع بين الأمة في ~~الرواية والرأي: مثل الأذان والجهر بالبسملة والقنوت في الفجر والتسليم في ~~الصلاة ورفع الأيدي فيها ووضع الأكف فوق الأكف. ومثل التمتع والإفراد ~~والقران في الحج ونحو ذلك. فإن التنازع في هذه العبادات الظاهرة والشعائر ~~أوجب أنواعا من الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون: " أحدها " ~~جهل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون الذي يحبه الله ورسوله ~~والذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته والذي أمرهم باتباعه. " ~~الثاني " ظلم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض وبغيهم عليهم: تارة ~~بنهيهم عما لم ينه الله عنه وبغضهم على ما لم يبغضهم الله عليه. وتارة بترك ~~ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم لعدم موافقتهم له # PageV22P356 # على الوجه الذي يؤثرونه حتى يقدمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال ~~والولايات من يكون مؤخرا عند الله ورسوله ويتركون من يكون مقدما عند الله ~~ورسوله لذلك. " الثالث " اتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم ~~مدينا باتباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة. وحتى يصير في كثير من ~~المتفقهة والمتعبدة من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن السنة ~~والجماعة: كالخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم. وقد قال تعالى في كتابه: ~~{ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب ~~شديد بما نسوا يوم الحساب} وقال في كتابه: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.} " الرابع " التفرق والاختلاف ~~المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا ويعاديه ويحب بعضا ~~ويواليه على غير ذات الله وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز ~~واللمز. وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح وببعضهم إلى المهاجرة ~~والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها ~~الله ورسوله. # PageV22P357 # والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي ms6825 أوجبها الله ورسوله قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} - إلى قوله - {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ~~{يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ~~وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه ~~من السنة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ومن أهل الفرقة ~~بالفرقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها ورسوله قال تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال تعالى: {وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات} وقال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وقال تعالى: ~~{إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم} وقال تعالى: {وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} وقال تعالى: {فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم إن # PageV22P358 # ربك يقضي بينهم يوم القيامة} وقال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم} وقال: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} وقال: {إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} . وهذا الأصل العظيم: وهو الاعتصام ~~بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام ومما عظمت وصية الله ~~تعالى به في كتابه. ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ومما عظمت ~~به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة مثل قوله: {عليكم ~~بالجماعة فإن يد الله على الجماعة} وقوله: {فإن الشيطان مع الواحد وهو من ~~الاثنين أبعد} وقوله: {من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه من ~~فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام ms6826 من عنقه} وقوله: {ألا أنبئكم ~~بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ~~قالوا: بلى يا رسول الله قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي ~~الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.} وقوله: {من جاءكم وأمركم على ~~رجل واحد منكم يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان} ~~وقوله: {يصلون لكم # PageV22P359 # فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} وقوله: {ستفترق هذه الأمة ~~على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار - قيل: ومن ~~الفرقة الناجية؟ قال - هي الجماعة يد الله على الجماعة} . # وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة. بل وفي غيرها: هو التفرق والاختلاف ~~فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله ~~به عليم. وإن كان بعض ذلك مغفورا لصاحبه لاجتهاده الذي يغفر فيه خطؤه أو ~~لحسناته الماحية أو توبته أو لغير ذلك؛ لكن يعلم أن رعايته من أعظم أصول ~~الإسلام ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة ~~والجماعة ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره. وكان ~~الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو الإجماع فإن ~~الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة. # النوع الخامس هو شك كثير من الناس وطعنهم في كثير مما أهل السنة والجماعة ~~عليه متفقون؛ بل وفي بعض ما عليه أهل الإسلام بل وبعض ما عليه سائر أهل ~~الملل متفقون وذلك من جهة نقلهم وروايتهم تارة ومن جهة تنازعهم ورأيهم ~~أخرى. # PageV22P360 # أما الأول فقد علم الله الذكر الذي أنزله على رسوله وأمر أزواج نبيه ~~بذكره حيث يقول: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [و] (1) ~~حفظه من أن يقع فيه من التحريف ما وقع فيما أنزل قبله. كما عصم هذه الأمة ~~أن تجتمع على ضلالة فعصم حروف التنزيل أن يغير وحفظ تأويله أن يضل فيه أهل ~~الهدى المتمسكون بالسنة والجماعة وحفظ أيضا سنة رسول ms6827 الله صلى الله عليه ~~وسلم صلى الله عليه وسلم عما ليس فيها من الكذب عمدا أو خطأ بما أقامه من ~~علماء أهل الحديث وحفاظه الذين فحصوا عنها وعن نقلتها ورواتها وعلموا من ~~ذلك ما لا يعلم غيرهم حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول منها إجماعا ~~معصوما من الخطأ؛ لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع. وعلموا هم خصوصا وسائر ~~علماء الأمة بل وعامتها عموما ما صانوا به الدين عن أن يزاد فيه أو ينقص ~~منه مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس وأن ~~مقادير ركعاتها ما بين الثنائي والثلاثي والرباعي وأنه لم يفرض عليهم من ~~الصوم إلا شهر رمضان ومن الحج إلا حج البيت العتيق ومن الزكاة إلا فرائضها ~~المعروفة إلى نحو ذلك. وعلموا كذب أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلمهم بكذب من يزعم من الرافضة أن النبي ~~PageV22P361 # صلى الله عليه وسلم نص على علي بالخلافة نصا قاطعا جليا وزعم آخرين أنه ~~نص على آل العباس. وعلموا أكاذيب الرافضة والناصبة - التي يأثرونها في مثل ~~" الغزوات " التي يروونها عن علي وليس لها حقيقة كما يرويها المكذبون ~~الطرقية: مثل أكاذيبهم الزائدة في سيرة عنتر والبطال - حيث علموا مجموع ~~مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن القتال فيها كان في تسعة مغاز فقط ~~ولم يكن عدة المسلمين ولا العدو في شيء من مغازي القتال عشرين ألفا. ومثل " ~~الفضائل " المروية ليزيد بن معاوية ونحوه والأحاديث التي يرويها كثير من ~~الكرامية في الإرجاء ونحوه والأحاديث التي يرويها كثير من النساك في صلوات ~~أيام الأسبوع وفي صلوات أيام الأشهر الثلاثة والأحاديث التي يروونها في ~~استماع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه وتواجده وسقوط البردة عن ردائه ~~وتمزيقه الثوب وأخذ جبريل لبعضه وصعوده به إلى السماء وقتال أهل الصفة مع ~~الكفار واستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء والأحاديث المأثورة في نزول الرب ~~إلى الأرض يوم عرفة وصبيحة مزدلفة ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ms6828 في ~~الأرض بعين رأسه وأمثال هذه الأحاديث المكذوبة التي يطول وصفها فإن المكذوب ~~من ذلك لا يحصيه أحد إلا الله تعالى. لأن الكذب يحدث شيئا فشيئا ليس بمنزلة ~~الصدق # PageV22P362 # الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يحدث بعده وإنما يكون ~~موجودا في زمنه صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ محروس بنقل خلفاء الرسول ~~وورثة الأنبياء. وكان من الدلائل على انتفاء هذه الأمور المكذوبة وغيرها ~~وجوه: # أحدها: أن ما توفرت همم الخلق ودواعيهم على نقله وإشاعته يمتنع في العادة ~~كتمانه فانفراد العدد القليل به يدل على كذبهم كما يعلم كذب من خرج يوم ~~الجمعة وأخبر بحادثة كبيرة في الجامع مثل سقوط الخطيب وقتله وإمساك أقوام ~~في المسجد إذا لم يخبر بذلك إلا الواحد والاثنان ويعلم كذب من أخبر أن في ~~الطرقات بلادا عظيمة وأمما كثيرين ولم يخبر بذلك السيارة وإنما انفرد به ~~الواحد والاثنان ويعلم كذب من أخبر بمعادن ذهب وفضة متيسرة لمن أرادها ~~بمكان يعلمه الناس ولم يخبر بذلك إلا الواحد والاثنان وأمثال ذلك كثيرة ~~فباعتبار العقل وقياسه وضربه الأمثال يعلم كذب ما ينقل من الأمور التي مضت ~~سنة الله بظهورها وانتشارها لو كانت موجودة. كما يعلم أيضا صدق ما مضت سنة ~~الله في عباده أنهم لا يتواطئون فيه على الكذب من الأمور المتواترة ~~والمنقولات المستفيضة فإن الله جبل جماهير الأمم على الصدق والبيان في مثل ~~هذه الأمور دون # PageV22P363 # الكذب والكتمان كما جبلهم على الأكل والشرب واللباس فالنفس بطبعها تختار ~~الصدق إذا لم يكن لها في الكذب غرض راجح وتختار الأخبار بهذه الأمور ~~العظيمة دون كتمانها. والناس يستخبر بعضهم بعضا ويميلون إلى الاستخبار ~~والاستفهام عما يقع وكل شخص له من يؤثر أن يصدقه ويبين له دون أن يكذبه ~~ويكتمه والكذب والكتمان يقع كثيرا في بني آدم في قضايا كثيرة لا تنضبط كما ~~يقع منهم الزنا وقتل النفوس والموت جوعا وعريا ونحو ذلك لكن ليس الغالب على ~~أنسابهم إلا الصحة وعلى أنفسهم إلا البقاء فالغرض هنا أن الأمور المتواترة ms6829 ~~يعلم أنهم لم يتواطئوا فيها على الكذب والأخبار الشاذة يعلم أنهم لم ~~يتواطئوا فيها على الكتمان. (الوجه الثاني: أن دين الأمة يوجب عليهم تبليغ ~~الدين وإظهاره وبيانه ويحرم عليهم كتمانه ويوجب عليهم الصدق ويحرم عليهم ~~الكذب فتواطؤهم على كتمان ما يجب بيانه كتواطئهم على الكذب وكلاهما من أقبح ~~الأمور التي تحرم في دين الأمة وذلك باعث موجب الصدق والبيان. # الثالث: أنه قد علم من عدل سلف الأمة ودينها وعظيم رغبتها في تبليغ الدين ~~وإظهاره وعظيم مجانبتها للكذب على الرسول # PageV22P364 # صلى الله عليه وسلم ما يوجب أعظم العلوم الضرورية؛ بأنهم لم يكذبوا فيما ~~نقلوه عنه ولا كتموا ما أمرهم بتبليغه وهذه العادة الحاجية الخاصة الدينية ~~لهم غير العادة العامة المشتركة بين جنس البشر. (الرابع: أن العلماء الخاصة ~~يعلمون من نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجبة عليهم التبليغ ومن ~~تعظيمهم لأمر الله ورسوله ومن دين آحادهم: مثل الخلفاء ومثل ابن مسعود وأبي ~~ومعاذ وأبي الدرداء - إلى ابن عمر وابن عباس وابن عمرو وغيرهم. يعلمون علما ~~يقينا - لا يتخالجه ريب - امتناع هؤلاء من كتمان قواعد الدين التي يجب ~~تبليغها إلى العامة كما يعلمون امتناعهم من الكذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ويعلم أيضا أهل الحديث مثل أحوال المشاهير بمعرفة ذلك مثل ~~الزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير ومثل مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وغيرهم أمورا يعلمون معها امتناعهم من الكذب وامتناعهم عن ~~كتمان تبليغ هذه الأمور العظيمة التي تأبى أحوالهم كتمانها لو كانت موجودة ~~ولهم في ذلك أسباب يطول شرحها وليس الغرض هنا تقرير ذلك. وإنما الغرض ~~التنبيه على ما وقع من الشبهة لبعض الناس من أهل الأهواء. # PageV22P365 # قالوا: هذا الذي ذكرتموه معارض بأمر الأذان والإقامة فإنه كان يفعل على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم خمس مرات ومع هذا فقد وقع الاختلاف في ~~صفته وكذلك الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر وحجة الوداع من أعظم وقائعه ~~وقد وقع الاختلاف في نقلها وذكروا نحو ms6830 هذه الأمور التي وقعت فيها الشبهة ~~والنزاع عند بعض الناس وجعلوا هذا معارضا لما تقدم ليسوغوا أن يكون من أمور ~~الدين ما لم ينقل بل كتم لأهواء وأغراض. وأما جهة الرأي والتنازع فإن تنازع ~~العلماء واختلافهم في صفات العبادات بل وفي غير ذلك من أمور الدين صار شبهة ~~لكثير من أهل الأهواء من الرافضة وغيرهم وقالوا: إن دين الله واحد والحق لا ~~يكون في جهتين: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . فهذا ~~التفرق والاختلاف دليل على انتفاء الحق فيما عليه أهل السنة والجماعة ~~ويعبرون عنهم بعبارات تارة يسمونهم الجمهور وتارة يسمونهم الحشوية وتارة ~~يسمونهم العامة ثم صار أهل الأهواء لما جعلوا هذا مانعا من كون الحق فيما ~~عليه أهل السنة والجماعة كل ينتحل سبيلا من سبل الشيطان. # PageV22P366 # فالرافضة تنتحل النقل عن أهل البيت لما لا وجود له وأصل من وضع ذلك لهم ~~زنادقة مثل رئيسهم الأول عبد الله بن سبأ الذي ابتدع لهم الرفض ووضع لهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بالخلافة وأنه ظلم ومنع حقه وقال إنه ~~كان معصوما وغرض الزنادقة بذلك التوسل إلى هدم الإسلام ولهذا كان الرفض باب ~~الزندقة والإلحاد فالصابئة المتفلسفة ومن أخذ ببعض أمورهم أو زاد عليهم - ~~من القرامطة والنصيرية والإسماعيلية والحاكمية وغيرهم - إنما يدخلون إلى ~~الزندقة والكفر بالكتاب والرسول وشرائع الإسلام من باب التشيع والرفض ~~والمعتزلة ونحوهم تنتحل القياس والعقل وتطعن في كثير مما ينقله أهل السنة ~~والجماعة ويعللون ذلك بما ذكر من الاختلاف ونحوه. وربما جعل ذلك بعض أرباب ~~الملة من أسباب الطعن فيها وفي أهلها فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه ~~الأمور الصغار ساعيا في هدم قواعد الإسلام الكبار. # فصل: # إذا تبين بعض ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد فنحن نذكر طريق ~~زوال ذلك ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات وذلك ببيان الأصلين ~~اللذين هما " السنة والجماعة " # PageV22P367 # المدلول عليهما بكتاب الله فإنه إذا اتبع كتاب الله وما تضمنه من ms6831 اتباع ~~رسوله والاعتصام بحبله جميعا حصل الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء. أما ~~الأصل الأول: وهو " الجماعة " وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق ولهذا ~~يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنة. فنقول: ~~عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات لا في واجبات ~~ومحرمات؛ فإن الرجل إذا حج متمتعا أو مفردا أو قارنا كان حجه مجزئا عند ~~عامة علماء المسلمين وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك ولكن بعض الخارجين عن ~~الجماعة يوجب أو يمنع ذلك فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها ومن ~~الناصبة من يحرم المتعة ولا يبيحها بحال. وكذلك الأذان سواء رجع فيه أو لم ~~يرجع فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها وسواء ربع التكبير في ~~أوله أو ثناه وإنما يخالف في ذلك بعض شواذ المتفقهة كما خالف فيه بعض ~~الشيعة فأوجب له الحيعلة " بحي على خير العمل " وكذلك الإقامة يصح فيها ~~الإفراد والتثنية بأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام إلا # PageV22P368 # ما تنازع فيه شذوذ الناس. وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز لا ~~يبطل الصلاة وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما أو يكره الآخر أو يختار أن ~~لا يقرأ بها. فالمنازعة بينهم في المستحب وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند ~~عوام العلماء فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما هل هما واجبان ~~أم لا؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما فهذا في الجو الطويل ~~بالقدر الكثير مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر. فأما ~~الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة ~~بذلك وما أعلم أحدا قال به. فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان في صلاة المخافتة يسمعهم الآية أحيانا وفي صحيح البخاري {عن ~~رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~رفع رأسه من الركعة. قال: سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد ms6832 ~~حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا قال: ~~رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول} . ومعلوم أنه لولا جهره ~~بها لما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم ولا # PageV22P369 # الراوي. ومعلوم أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك وكذلك ثبت في ~~الصحيح عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار. والسنة ~~الراتبة فيه المخافتة وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالاستعاذة وفي الصحيح ~~عن ابن عباس أنه جهر بقراءة الفاتحة على الجنازة وقال: لتعلموا أنها السنة ~~ولهذا نظائر. وأيضا فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن ~~الزبير ونحوه ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره وتكلم الصحابة في ~~ذلك ولم يبطل أحد منهم صلاة أحد في ذلك. وهذا مما لم أعلم فيه نزاعا وإن ~~تنازعوا في وجوب قراءتها فتلك مسألة أخرى. وكذلك القنوت في الفجر إنما ~~النزاع بينهم في استحبابه أو كراهيته وسجود السهو لتركه أو فعله وإلا ~~فعامتهم متفقون على صحة صلاة من ترك القنوت وأنه ليس بواجب وكذلك من فعله ~~إذ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا. . . (1) الأذان فإذا كان كل ~~واحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV22P370 # بأحد النوعين صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف ~~آخر كلاهما قرآن أذن الله أن يقرأ به. وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في ~~أذان أبي محذورة وهو محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن وكذلك الجهر ~~بالبسملة والمخافتة بها صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة ~~بها عن أكثرهم وعن بعضهم الأمران جميعا. وأما المأثور عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فالذي في الصحاح والسنن؛ يقتضي أنه لم يكن يجهر بها كما عليه عمل ~~أكثر الصحابة وأمته ففي الصحيح حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك ~~دلالة ms6833 بينة لا شبهة فيها وفي السنن أحاديث أخر: مثل حديث ابن مغفل وغيره ~~وليس في الصحاح والسنن حديث فيه ذكر جهره بها والأحاديث المصرحة بالجهر عنه ~~كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث ولهذا لم يخرجوا في أمهات الدواوين منها ~~شيئا ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة. وقد روى الطبراني بإسناد حسن ~~{عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها إذ كان بمكة وأنه ~~لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات} . ورواه أبو داود في الناسخ ~~والمنسوخ وهذا # PageV22P371 # يناسب الواقع؛ فإن الغالب على أهل مكة كان الجهر بها وأما أهل المدينة ~~والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها وكذلك أكثر البصريين وبعضهم كان يجهر ~~بها ولهذا سألوا أنسا عن ذلك. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها ~~بعض الأحيان أو جهرا خفيفا إذا كان ذلك محفوظا وإذا كان في نفس كتب الحديث ~~أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة. وأما القنوت فأمره بين لا شبهة فيه ~~عند التأمل التام؛ فإنه قد ثبت في الصحاح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قنت في الفجر مرة يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم تركه} ولم يكن تركه نسخا له ~~لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن ~~الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين ويدعو على مضر وثبت عنه أنه ~~قنت أيضا في المغرب والعشاء وسائر الصلوات قنوت استنصار. فهذا في الجملة ~~منقول ثابت عنه لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تركه ترك نسخ فاعتقد ~~أن القنوت منسوخ واعتقد بعضهم من المكيين أنه ما زال يقنت في الفجر القنوت ~~المتنازع فيه حتى فارق الدنيا والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قنت لسبب ~~وتركه لزوال السبب. # PageV22P372 # فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب؛ لأنه ثبت أنه تركه لما زال العارض ~~ثم عاد إليه مرة أخرى ثم تركه لما زال العارض وثبت في الصحاح أنه لم يقنت ~~بعد الركوع إلا شهرا ms6834 هكذا ثبت عن أنس وغيره ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت ~~القنوت المتنازع فيه لا قبل الركوع ولا بعده ولا في كتب الصحاح والسنن شيء ~~من ذلك بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك الأشجعي وغيرهما. ومن ~~المعلوم قطعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان كل يوم يقنت قنوتا يجهر ~~به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت ~~العارض وقنوت الوتر فالقنوت الراتب أولى أن ينقل دعاؤه فيه فإذا كان الذي ~~نستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر علم أنه ليس فيه شيء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذا مما يعلم باليقين القطعي كما يعلم عدم النص على هذا وأمثاله ~~فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك فإنه مما يعلم بطلانه ~~قطعا. وكذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما هو القنوت العارض ~~قنوت النوازل ودعاء عمر فيه وهو قوله: " اللهم عذب كفرة أهل الكتاب " إلخ. ~~يقتضي أنه دعا به عند قتله للنصارى وكذلك دعاء علي عند قتاله لبعض أهل ~~القبلة. والحديث الذي فيه عن # PageV22P373 # أنس: {أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا} مع ضعف في إسناده وأنه ليس في ~~السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع. وفي الصحاح عن أنس أنه قال: {لم يقنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهرا} والقنوت قبل الركوع هو ~~القيام الطويل؛ إذ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة فتارة يكون في السجود ~~وتارة يكون في القيام كما قد بيناه في غير هذا الموضع. وأما حجة الوداع وإن ~~اشتبهت على كثير من الناس فإنما أتوا من جهة الألفاظ المشتركة حيث سمعوا ~~بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضا يقولون إنه أفرد ~~الحج ويقول بعضهم إنه قرن العمرة إلى الحج ولا خلاف في ذلك. فإنهم لم ~~يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه وأنه كان قد ساق ~~الهدي ونحره يوم النحر وأنه ms6835 لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام لا هو ولا أحد ~~من أصحابه إلا عائشة أمر أخاها أن يعمرها من التنعيم أدنى الحل وكذلك ~~الأحاديث الصحيحة عنه فيها أنه لم يطف بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع ~~طوافه الأول. فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج لم ~~يقرن # PageV22P374 # بها عمل العمرة كما يتوهم من يقول إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ولم ~~يتمتع تمتعا حل به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي؛ بل قد ~~أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ~~ويهلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم. اه # PageV22P375 # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # " أنواع الاستفتاح للصلاة ثلاثة " وهي أنواع الأذكار مطلقا بعد القرآن. ~~أعلاها ما كان ثناء على الله ويليه ما كان خبرا من العبد عن عبادة الله ~~والثالث ما كان دعاء للعبد. فإن الكلام إما إخبار وإما إنشاء وأفضل الإخبار ~~ما كان خبرا عن الله والإخبار عن الله أفضل من الخبر عن غيره ومن الإنشاءات ~~ولهذا كانت {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن؛ لأنها تتضمن الخبر عن الله ~~وكانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن؛ لأنها خبر عن الله فما كان من الذكر ~~من جنس هذه السورة وهذه الآية فهو أفضل الأنواع. والسؤال للرب هو بعد الذكر ~~المحض كما في حديث مالك بن الحويرث: {من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ~~ما أعطي السائلين} . ولهذا كانت الفاتحة نصفين: نصفا ثناء ونصفا دعاء. ~~والنصف # PageV22P376 # الثانى هو المقدم وهو الذي لله عز وجل وكذلك في حديث الشفاعة الصحيح قال: ~~{فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن ~~فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع} فبدأ بالحمد لله ~~حتى أذن له في السؤال فسأل. وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك ms6836 وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ~~اللهم اغفر لي. فإن دعا استجيب دعاؤه وإن توضأ وصلى قبلت صلاته} وقال: ~~{أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} ولهذا كان التشهد ثناء على الله عز ~~وجل. وقال في آخره ثم ليتخير من المسألة ما شاء. والأدعية الشرعية هي بعد ~~التشهد؛ لم يشرع الدعاء في القعود قبل التشهد؛ بل قدم الثناء على الدعاء ~~وفي حديث الذي دعا قبل الثناء قال النبي صلى الله عليه وسلم " عجل هذا ". ~~فروى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن فضالة بن عبيد قال {سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على # PageV22P377 # النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم ~~دعاه فقال له - أو لغيره - إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ~~ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد ذلك بما شاء} . والذكر ~~المشروع باتفاق المسلمين في الركوع والسجود والاعتدال وأما الدعاء في الفرض ~~ففي كراهيته نزاع وإن كان الصحيح أنه لا يكره ولكن الذكر أفضل؛ فإن الذكر ~~مأمور به فيهما بقوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم} و {سبح اسم ربك ~~الأعلى} قال النبي صلى الله عليه وسلم {اجعلوها في ركوعكم} والثانية ~~{اجعلوها في سجودكم} . فأما قوله صلى الله عليه وسلم {أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم} ففيه الأمر ~~في الركوع بالتعظيم وأمره بالدعاء في السجود بيان منه أن الدعاء في السجود ~~أحق بالإجابة من الركوع؛ ولهذا قال: فقمن أن يستجاب لكم كما قال: {أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد} فهو أمر بأن يكون الدعاء في السجود. أمر ~~بالصفة لا بالموصوف أو أمر بالصفة والموصوف وإن كان التسبيح أفضل فإنه ليس ~~من شرط المأمور ms6837 أن لا يكون غيره أفضل # PageV22P378 # منه؛ لأن الدعاء هو بحسب مطلوب العبد لم يذكر دعاء معينا أمر به كما أمر ~~بالفاتحة بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} والدعاء الواجب لا يكون إلا معينا ~~وإن كان جنس الدعاء واجبا فمعلوم أن الدعاء جائز في نفس الصلاة وخارج ~~الصلاة وأكثر الأدعية المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت في آخر ~~الصلاة كما في الحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: {أن أجوب ~~الدعاء جوف الليل الآخر ودبر الصلاة} . فعلم أن الدعاء دبر الصلاة - لا ~~سيما قبل السلام. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الغالب فهو - ~~أجوب سائر أحوال الصلاة؛ لأنه دعاء بعد إكمال العبادة. وأما السجود فإنما ~~ذكره والركوع لأنه قال: {إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا: أما ~~الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب ~~لكم} فلما نهى عن القراءة في هذين الحالين ذكر ما يكون بدلا مشروعا لمن ~~أراد فخص الركوع بالتعظيم؛ والسجود بالدعاء. فجمع الأقسام الثلاثة: القراءة ~~والذكر والدعاء. ومما يبين فضل الذكر على المسألة: ما ثبت في صحيح مسلم # PageV22P379 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل الكلام بعد القرآن أربع: وهن ~~من القرآن - سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر} ولهذا أمر ~~بالذكر من عجز عن القراءة في الصلاة؛ لأن الاعتدال مشروع. فيه التحميد ~~بالسنة المتواترة وإجماع المسلمين وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفعله في كل صلاة وكان أحيانا يدعو بعد التحميد بقوله: {اللهم باعد بيني ~~وبين خطاياي} فأخر السؤال عن الحمد والثناء والمجد وأمر أيضا بالحمد بقوله: ~~{فإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد} وما داوم عليه وقدمه ~~وأمر به أفضل مما كان يفعله أحيانا ويؤخره ولم يأمر به. وأيضا فنوع الثناء ~~أضافه الرب إلى نفسه ونوع السؤال أضافه إلى عبده. فقال: {إذا قال العبد: ~~{الحمد لله رب العالمين} قال الله. حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن ms6838 الرحيم} ~~قال: أثنى علي عبدي وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي فإذا ~~قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ~~ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة. قال: هؤلاء ~~لعبدي ولعبدي ما سأل} . وأيضا فجماهير العلماء على إيجاب الثناء فيوجبون ~~التشهد الأخير وكذلك التشهد الأول يجب مع الذكر عند مالك وأحمد فإذا تركه # PageV22P380 # عمدا بطلت صلاته وتسبيح الركوع والسجود كذلك أيضا عند أحمد وغيره وكذلك ~~التكبير تكبير الانتقال. فمذهب مالك من ترك من ذلك ثلاثا عمدا أعاد الصلاة ~~ومذهب أحمد مشهور عنه مطلقا وما يذكره أصحاب أحمد في مسائل الخلاف: أن ~~إيجاب هذه الأذكار من مفردات أحمد عن الثلاثة؛ فذلك لأن أصحاب مالك يسمون ~~هذه سننا والسنة عندهم قد تكون واجبة إذا تركها أعاد وهذه من ذلك فيظن من ~~يظن أن السنة عندهم لا تكون إلا لما يجوز تركه؛ وليس كذلك. وأما الدعاء فلم ~~يجب منه دعاء مفرد أصلا بل ما وجب من الفاتحة وجب بعد الثناء وكذلك من أوجب ~~أن يدعو بعد التشهد بالدعاء المأمور به هناك وهو الاستعاذة من عذاب جهنم ~~والقبر وفتنة المحيا والممات والدجال فإنما أوجبه بعد التشهد الذي هو ثناء ~~وهو قول طاووس ووجه في مذهب أحمد. وأيضا فالدعاء لم يشرع مجردا لم يشرع إلا ~~مع الثناء. وأما الثناء فقد شرع مجردا بلا كراهة. فلو اقتصر في الاعتدال ~~على الثناء وفي الركوع والسجود على التسبيح كان مشروعا بلا كراهة ولو اقتصر ~~في ذلك على الدعاء لم يكن مشروعا وفي بطلان الصلاة نزاع. و " أيضا " ~~فالثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث {أفضل # PageV22P381 # الذكر. لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} فإن ثناء الداعي على ~~المدعو بما يتضمن حصول مطلوبه قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل: # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # ولهذا يقول في الدعاء المأثور: {أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع ~~السموات والأرض} . فسأله بأن ms6839 له الحمد فعلم بأن الاعتراف بكونه مستحقا ~~للحمد: هو سبب في حصول المطلوب. وهذا كقول أيوب عليه السلام {مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين} فقوله: هذا أحسن من قوله: ارحمني. وفي دعاء ليلة القدر ~~الذي روته عائشة: {اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني} . وفي الصحيحين {عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله ~~الحليم العظيم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ~~السبع ورب الأرض رب العرش الكريم} . ومما يبين فضل الثناء على الدعاء أن ~~الثناء المشروع يستلزم الإيمان بالله وأما الدعاء فقد لا يستلزمه إذ الكفار ~~يسألون الله # PageV22P382 # فيعطيهم كما أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع فإن سؤال الرزق ~~والعافية ونحو ذلك من الأدعية المشروعة: هو مما يدعو به المؤمن والكافر؛ ~~بخلاف الثناء كقوله: {سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك} و {التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته} فإن هذا لا يثنى به إلا المؤمن وكذلك قوله: {اللهم ربنا ولك الحمد ~~ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده} لكن قد ~~يكون بعض الثناء يقر به الكفار كإقرارهم بأن الله خالق السموات والأرض وأنه ~~يجيب المضطر إذا دعاه ونحو ذلك. لكن المشركون لم يكن لهم ثناء مشروع يثنون ~~به على الله حتى في تلبيتهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك: إلا شريكا هو ~~لك تملكه وما ملك. وكذلك النصارى ثناؤهم فيه الشرك وأما اليهود فليس في ~~عبادتهم ثناء اللهم إلا ما يكون مأثورا عن الأنبياء وذلك من ثناء أهل ~~الإيمان وكذلك النصارى إن كان عندهم شيء من ذلك وأما ما شرعه من ثنائه فهو ~~يتضمن الإيمان والأدلة الدالة على فضل جنس الثناء على جنس الدعاء كثيرة. ~~مثل أمره أن يقال عند سماع المؤذن مثل ما يقول ثم يصلي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة ثم ms6840 يسأل العبد بعد ذلك. فقدم الثناء على # PageV22P383 # الدعاء وهكذا بعد التشهد فإنه قدم فيه الثناء على الله ثم الدعاء لرسوله ~~ثم للإنسان. وكذلك هنا مع أني لا أعلم في هذا نزاعا بين العلماء ولكن ~~المفضول قد يكون أحيانا أفضل. فإن الصلاة أفضل من قراءة القرآن والقرآن ~~أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء والمفضول قد يعرض له حال يكون فيه ~~أفضل؛ لأسباب متعددة إما مطلقا كفضيلة القراءة وقت النهي على الصلاة وإما ~~لحال مخصوص وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا: أن جنس الثناء أفضل من ~~السؤال. كما قال تعالى: {من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين} وقراءة القرآن أفضل منهما؛ كما في حديث الترمذي عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله عز وجل: من شغله قراءة ~~القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} قال الترمذي حسن ~~غريب. وهذا بين في الاعتبار لأن السائل غاية مقصوده حصول مطلوبه ومراده. ~~فهو مريد من الله وإن كان مطلوبه محبوبا لله مثل أن يطلب منه إعانته على ~~ذكره وشكره وحسن عبادته فهو يريد منه هذا الأمر المحبوب لله. # PageV22P384 # وأما المثني فهو ذاكر لنفس محبوب الحق من أسمائه وصفاته فالمطلوب بهذا ~~معرفة الله ومحبته وعبادته. وهذا مطلوب لنفسه لا لغيره وهو الغاية التي خلق ~~لها الخلق. كما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والسؤال ~~وسيلة إلى هذا؛ ولهذا قال في الفاتحة: {إياك نعبد وإياك نستعين} فقدم قوله: ~~{إياك نعبد} لأنه المقصود لنفسه على قوله: {وإياك نستعين} لأنه وسيلة إلى ~~ذلك. والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل ثم مقصود السائل من ~~الدعاء يحصل لهذا العابد المثني مع اشتغاله بأشرف القسمين. وأما الداعي ~~فإذا كان مهتما بما هو محتاج إليه من جلب منفعة ودفع مضرة كحاجته إلى الرزق ~~والنصر الضروري كان اشتغاله بهذا نفسه صارفا له عن غيره فإذا دعا الله ~~سبحانه فقد يحصل له بالدعاء من معرفة الله ومحبته والثناء عليه ms6841 والعبودية ~~له والافتقار إليه ما هو أفضل وأنفع من مطلوبه ذلك. كما قال بعض السلف: يا ~~ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك. وقال بعضهم: إنه ~~ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من باب معرفته ما أحب معه أن لا ~~يعجل لي قضاءها؛ لئلا ينصرف قلبي عن الدعاء. والسائل إذا حصل سؤاله برد ~~فإنه لم يكن مراده إلا سؤاله وإذا حصل أعرض عن الله فهذا حال الكفار الذين ~~ذمهم الله في القرآن كقوله: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو # PageV22P385 # قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} وقال تعالى: {قل ~~من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين} {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} وقال ~~تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ~~ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك ~~قليلا إنك من أصحاب النار} . فقوله سبحانه: {نسي ما كان يدعو إليه من قبل} ~~أي نسي ما كان يدعو الله إليه وهو الحاجة التي طلبها فإن دعاءه كان إليها ~~أي توجهه إليها وقصده فهي الغاية التي كان يقصدها. وإذا كانت ما مصدرية كان ~~تقديره نسي كونه يدعو الله إلى حاجته. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ~~{فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} لكن على هذا يبقى الضمير ~~في إليه عائدا على غير مذكور بخلاف ما إذا جعلت بمعنى الذي فإن التقدير نسي ~~حاجته الذي دعاني إليها من قبل فنسي دعاءه الله الذي كان سبب الحاجة وإلى ~~حرف الغاية. كما قال تعالى في الآية الأخرى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل إياه تدعون ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} فقد # PageV22P386 # أخبر تعالى: ms6842 أنه يكشف ما يدعون إليه؛ وهي الشدة التي دعوا إليها. وأما ~~المؤمن: فلا بد بعد قضاء حاجته من عبادة الله وإخلاصه له كما أمره إما ~~قياما بالواجب فقط فيكون من الأبرار أو بالواجب والمستحب فيكون من المقربين ~~ومن ترك بعض ما أمر به بعد قضاء حاجته فهو من أهل الذنوب وقد يكون ذلك من ~~الشرك الأصغر الذي يبتلى به غالب الخلق: إما شركا في الربوبية وإما شركا في ~~الألوهية كما هو مبسوط في موضعه. وقد يبتلى في أماكن الجهل وزمانه كثير من ~~الناس بما هو من الشرك الأكبر وهم لا يعلمون. فالسائل مقصوده سؤاله وإن حصل ~~له ما هو محبوب الرب من إنابته إليه ومحبته وتوبته فهذا بالعرض وقد يدوم. ~~والأغلب أنه لا يدوم إلا أن يكون ذلك المحبوب للرب هو سؤاله مثل أن يسأل ~~الله التوبة والإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته. فهنا مطلوبه محبوب للرب؛ ~~ولهذا ذم الله من لم يطلب إلا الدنيا في قوله: {فمن الناس من يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} . وأما المثني: فنفس ثنائه محبوب ~~للرب وحصول مقصود السائل يحصل ضمنا وتبعا فهذا أرفع. لكن هذا إنما يتم لمن ~~يخلص إيمانه # PageV22P387 # فصار يحب الله ويحب حمده وثناءه وذكره. وذلك أحب إلى قلبه من مطالب ~~السائلين رزقا ونصرا. وأما من كان اهتمامه بهذا أكثر فهذا يكون انتفاعه ~~بالدعاء أكثر وإن كان جنس الثناء أفضل كما أن قراءة القرآن أفضل من الذكر ~~والدعاء. وقد يكون بعض الناس لنقص حاله انتفاعه بالذكر والدعاء أكمل فهو ~~خير له بحسب حاله لا أفضل في نفس الأمر. والمقصود هنا: بيان ما شرعه الله ~~لعباده مطلقا عاما. ولهذا ما كان من أذكار الصلاة من جنس الدعاء لم يجب عند ~~عامة العلماء. وأما الثناء كدعاء الاستفتاح وغيره فاختلفوا في وجوبه فذهب ~~طائفة من أصحاب أحمد إلى وجوب الذكر الذي هو ثناء كالاستفتاح وهو اختيار ~~ابن بطة وغيره وذكر هذا رواية عن أحمد. كما وجب في المشهور عنه ms6843 التسبيح في ~~الركوع والسجود والتسميع والتحميد وتكبيرة الانتقال فهذان نوعان ظهر فضل ~~أحدهما على الآخر. وأما النوع المتوسط بينهما: فهو إخبار الإنسان بعبادة ~~الله تعالى كقوله: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} وقوله: {إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وقوله: {لك سجدت ولك عبدت وبك آمنت ~~وبك أسلمت} ونحو ذلك. فهذا # PageV22P388 # أفضل من الدعاء ودون الثناء فإنه إنشاء وإخبار بما يحبه الله ويأمر به ~~العبد فمقصوده محبوب الحق فهو أفضل مما مقصوده مطلوب العبد لكن جنس الثناء ~~أفضل منه كما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر} فجعل هذا الكلام الذي هو ذكر الله أفضل من جميع ~~الكلام بعد القرآن. وكذلك {قال للرجل الذي قال: لا أستطيع أن آخذ شيئا من ~~القرآن فعلمني ما يجزيني فعله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر} فجعل ذلك بدلا عن القرآن. # فصل: # وسورة {قل هو الله أحد} أفضل من {قل يا أيها الكافرون} وتلك أمر بأن ~~يقال: ما هو صفة الرب وهذه أمر بأن يقال ما هو إنشاء خبر عن توحيد العبد ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم ذلك الصنف كقوله في الحديث الصحيح: ~~{اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم ~~السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن أنت ~~الحق وقولك الحق ووعدك حق والجنة حق والنار حق # PageV22P389 # والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت ~~وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت ~~إلهي لا إله إلا أنت} . فهذا الذكر تضمن الأنواع الثلاثة. فقدم ما هو خبر ~~عن الله واليوم الآخر ورسوله ثم ذكر ما هو خبر عن توحيد العبد وإيمانه ثم ~~ختم بالسؤال. وهذا لأن خبر الإنسان عن نفسه ms6844 سلوك يشهد فيه نفسه وتحقيق ~~عبادة الله عز وجل. وأما الثناء المحض فهو لا يشهد فيه إلا الله عز وجل ~~بأسمائه وصفاته وما جرد فيه ذكر الله تعالى أفضل مما جرد فيه الخلق أيضا ~~ولهذا فضلت سورة {قل هو الله أحد} وجعلت تعدل ثلث القرآن لأنها صفة الرحمن ~~وذكره محضا لم تشب بذكر غيره لكن في ابتداء السلوك لا بد من ذكر الإنشاء ~~ولهذا كان مبتدأ الدخول في الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله. بخلاف حال العبادة المحضة فإنه يقول: سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله الله أكبر. فإن الشهادة بها يصير مسلما وهو الأصل ~~والأساس ولهذا جعلت ركنا في الخطب: في خطب الصلاة وهي التشهد يختم بقوله: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وفي الخطب خارج ~~الصلاة: كخطبة # PageV22P390 # الحاجة. خطبة ابن مسعود والخطب المشروعة خطبة الجمعة وغيرها. وفي السنن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد ~~الجذماء} . والذين أوجبوا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة كأصحاب ~~الشافعي وأحمد قال كثير منهم: يجب مع الحمد الصلاة عليه وقال بعضهم: يجب ~~ذكره إما بالصلاة وإما بالتشهد. وهو اختيار جدي أبي البركات. والصواب: أن ~~ذكره بالتشهد هو الواجب لدلالة هذا الحديث؛ ولأن الشهادة إيمان به والصلاة ~~عليه دعاء له وأين هذا من هذا والتشهد في الصلاة لا بد فيه من الشهادة له ~~في الأول والآخر وأما الصلاة عليه فشرعت مع الدعاء. وأما التشهد فهو مشروع ~~في الخطب والثناء فتشهد الصلاة ثناء على الحق شرع فيه التشهد والخطبة خطاب ~~مع الناس شرع فيها التشهد والأذان ذكر الله يقصد به الإعلام بوقت العبادة ~~وفعلها فشرع فيه التشهد. وأما الصلاة عليه فإنما جاءت الآثار بأنها تكون مع ~~الدعاء كحديث الذي قال فيه: " عجل هذا " وأمثاله. فإن الصلاة # PageV22P391 # عليه من جنس الدعاء وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيكون الدعاء له مقدما ~~على الدعاء ms6845 لغيره كما قدم السلام عليه في التشهد على السلام على غيره حتى ~~على المصلي نفسه فهذا مما يبين كمال أسرار الدين فقدم في الخطب الحمد على ~~التشهد كما قدم في الفاتحة الحمد على التوحيد بقوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فإن في سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم} فالحمد لله له الابتداء. ~~ولهذا كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم يفتتحها بالحمد لله وكذلك الصلاة ~~إنما تفتتح بالحمد. فتفتتح بسورة الحمد عند المسلمين كلهم؛ إذ هي السنة ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتفتتح بالجهر بكلمة " الحمد " عند ~~المسلمين جمهورهم. وإذا كانت البسملة مقصودة عند جمهورهم فهي وسيلة؛ إذ قول ~~القارئ: بسم الله معناه بسم الله اقرأ. أو أنا قارئ ولهذا شرعت التسمية في ~~افتتاح الأعمال كلها فيسمي الله عند الأكل والشرب؛ ودخول المنزل والخروج ~~منه ودخول المسجد والخروج منه وغير ذلك من الأفعال. وهي عند الذبح من شعائر ~~التوحيد فالصلاة والقراءة عمل من الأعمال فافتتحت بالتسمية. # PageV22P392 # ولهذا إنما أنزلها الله في أول كل سورة وهي من القرآن حيث كتبت كما كتبها ~~الصحابة لكنها آية مفردة في أول السورة وليست من السورة وهذا القول أعدل ~~الأقوال الثلاثة التي للعلماء فيها فلما كانت تابعة ووسيلة والحمد مقصود ~~لنفسه والتسمية لأجله جهر بالمقصود وأعلن وأخفى الوسيلة. كما هو قول جمهور ~~العلماء وعليه تدل الأحاديث الصحيحة. ألا ترى أنه باتفاق المسلمين وهي ~~السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها في الخطب بل ~~يفتتح الخطبة بالحمد وإن لم تكن الخطبة قرآنا. ولهذا لم يذكرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حديث قسمة الصلاة بين العبد والرب وخطبة ~~الجمعة تفتتح بالحمد بالسنة المتواترة واتفاق العلماء. وأما خطبة الاستسقاء ~~ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنها تفتتح بالحمد لله ~~كالجمعة. والثاني: بالتكبير كالعيد. والثالث: بالاستغفار؛ لأنه أخص ~~بالاستسقاء وخطبة العيد قد ms6846 ذكر عبد الله بن عقبة: أنها تفتتح بالتكبير وأخذ ~~بذلك من أخذ # PageV22P393 # به من الفقهاء؛ لكن لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح ~~خطبته بغير الحمد لا خطبة عيد ولا استسقاء ولا غير ذلك وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم} . وقد كان يخطب خطب ~~الحج وغير خطب الحج خطبا عارضة ولم ينقل أحد عنه أنه افتتح خطبة بغير الحمد ~~فالذي لا بد منه في الخطبة: الحمد لله والتشهد والحمد يتبعه التسبيح ~~والتشهد يتبعه التكبير وهذه هي الباقيات الصالحات وقال تعالى: {فادعوه ~~مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} . # فصل: # إذا تبين هذا الأصل: فأفضل أنواع الاستفتاح ما كان ثناء محضا مثل: ~~{سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك. ولا إله غيرك} وقوله: {الله ~~أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا} ولكن ذاك فيه من ~~الثناء ما ليس في هذا فإنه تضمن ذكر " الباقيات الصالحات " التي هي أفضل ~~الكلام بعد القرآن وتضمن قوله: " تبارك اسمك وتعالى جدك ". وهما من القرآن ~~أيضا. ولهذا كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب يجهر به يعلمه ~~الناس. # PageV22P394 # وبعده النوع الثاني: وهو الخبر عن عبادة العبد. كقوله: {وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض} إلخ. " وهو يتضمن الدعاء وإن استفتح العبد بهذا بعد ~~ذلك فقد جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الاستفتاحات. كما جاء ذلك في ~~حديث مصرحا به وهو اختيار أبي يوسف وابن هبيرة الوزير - من أصحاب أحمد صاحب ~~" الإفصاح " وهكذا أستفتح أنا. وبعده النوع الثالث كقوله: {اللهم باعد بيني ~~وبين خطاياي. كما باعدت بين المشرق والمغرب إلخ} وهكذا ذكر الركوع والسجود ~~والتسبيح فيهما أفضل من قوله: {لك ركعت ولك سجدت} . وهذا أفضل من الدعاء ~~والترتيب هنا متفق عليه فيما أعلم فإني لم أعلم أحدا قال: إن الدعاء فيهما ~~أفضل من التسبيح كما قيل مثل ذلك في الاستفتاح. فإن قلت: هذا الترتيب عكس ~~الأسانيد فإنه ليس في الصحيحين ms6847 حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~استفتاح الفريضة إلا هذا الدعاء {اللهم باعد بيني وبين خطاياي} . وقوله: ~~{وجهت وجهي} في صحيح مسلم. وحديث {سبحانك اللهم} في السنن. وقد تكلم فيه ~~وقد روي أن هذا كان في قيام الليل وكذلك قوله: {وجهت وجهي} . # PageV22P395 # قلت: كون هذا مما بلغنا من طريق أصح من هذا فهذا ليس في صفة الذكر نفسه ~~فضيلة توجب فضله على الآخر لكنه طريق لعلمنا به والفضيلة كانت ثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمنه قبل أن يبلغنا الأمر. وقد ثبت في الصحيح ~~عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك يعلمه الناس فلولا أن هذا من السنن ~~المشروعة لم يفعل هذا عمر ويقره المسلمون عليه. وحديث أبي هريرة دليل على ~~أن الاستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم ووجهت وجهي وغيرهما بل يستفتح بكل ما ~~روي؛ لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر كما قدمنا. وأيضا فإن ~~قوله: " سبحانك اللهم إلخ " يتضمن الباقيات الصالحات التي هي أفضل الكلام ~~بعد القرآن كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر} . وأيضا ففي صحيح مسلم {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سئل: # PageV22P396 # أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده} فهذه ~~الكلمة هي أول ما في الاستفتاح وهي أفضل الكلام. وأيضا فالله قد أمر ~~بالتسبيح بحمده وعبر بذلك عن الصلاة. بقوله: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} فكان ~~ابتداء الامتثال بهذا الذكر أولى. وقد قال طائفة. من المفسرين كالضحاك في ~~تفسير هذه الآية: هو قول المصلي: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك وقد بسطت الكلام على معنى هذه الكلمة في غير هذا الموضع ~~وبينت أنها تشتمل على التنزيه والتحميد والتعظيم بصفات البقاء والإثبات ~~وأفعاله كلها سبحانه ms6848 وبحمده. # فصل: # التكبير مشروع في الأماكن العالية وحال ارتفاع العبد وحيث يقصد الإعلان ~~كالتكبير في الأذان والتكبير في الأعياد والتكبير إذا علا شرفا والتكبير ~~إذا رقي الصفا والمروة والتكبير إذا ركب الدابة والتسبيح في الأماكن ~~المنخفضة وحيث ما نزل العبد. كما في السنن عن جابر قال: {كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك} . # PageV22P397 # والحمد مفتاح كل أمر ذي بال: من مناجاة الرب ومخاطبة العباد بعضهم بعضا ~~والشهادة مقرونة بالحمد وبالتكبير فهي في الأذان وفي الخطب خاتمة الثناء ~~فتذكر بعد التكبير ثم يخاطب الناس بقول المؤذن: حي على الصلاة حي على ~~الفلاح وتذكر في الخطب ثم يخاطب الناس بقول: أما بعد وتذكر في التشهد ثم ~~يتخير من الدعاء أعجبه إليه فالحمد والتوحيد مقدم في خطاب الخلق للخالق ~~والحمد له الابتداء. فإن الله لما خلق آدم عليه السلام أول ما أنطقه بالحمد ~~فإنه عطس وقال: الحمد لله رب العالمين فقال الله: يرحمك ربك وكان أول ما ~~نطق به الحمد وأول ما سمع من الله الرحمة وبه افتتح الله أم القرآن والتشهد ~~هو الخاتمة. فأول الفاتحة {الحمد لله} وآخر ما للرب {إياك نعبد} . وكذلك ~~التشهد. والخطب فيها التشهد بعد الفاتحة. فأن يتضمن إلهية الرب وهو أن يكون ~~الرب هو المعبود هذا هو الغاية التي ينتهي إليها أعمال العباد و {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لكن قدم الحمد؛ لأن الحمد يكون من الله ويكون ~~من الخلق. وهو باق في الجنة: فآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين بخلاف ~~العبادة. فإن العبادة إنما تكون في الدنيا بالسجود ونحوه وتوحيده وذكره باق ~~في الجنة يلهمه أهل الجنة كما يلهمهم النفس. # PageV22P398 # وهذه الأذكار هي من جنس الأقوال ليست من العبادات العملية كالسجود ~~والقيام والإحرام والرب تعالى يحمد نفسه ولا يعبد نفسه فالحمد أوسع العلوم ~~الإلهية والحمد يفتح به ويختم به. فالسنة لمن أكل وشرب أن يحمد الله وفي ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه ms6849 وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها} وقال تعالى: {وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} وقال تعالى: {فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} وقال: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين} . # فصل: # وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات بل الركعات ~~فرضها ونفلها هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن وهو قوله تعالى {اهدنا ~~الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~لأن كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم ~~فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ولا وصول إلى السعادة إلا به فمن ~~فاته هذا الهدى: فهو إما من المغضوب عليهم أو من الضالين. # PageV22P399 # وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} وهذه الآية مما يبين به فساد مذهب القدرية الذين ~~يزعمون أن العبد لا يفتقر في حصول هذا الاهتداء. بل كل عبد عندهم فمعه ما ~~يحصل به الطاعة والمعصية لا فرق عندهم بين المؤمن والكافر ولم يخص الله ~~المؤمن عندهم بهدى حصل به الاهتداء والكلام عليهم مبسوط في موضع آخر. ~~والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال من ~~يقول: فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى. وجواب من يجيب بأن ~~المطلوب دوام الهدى. فكلام من لم يعرف حال الإنسان وما أمر به؛ فإن الصراط ~~المستقيم حقيقته: أن تفعل كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ولا ~~تفعل ما نهيت عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة ~~لترك المحذور. وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن يحصل للعبد ~~في وقت واحد بل كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما ~~يهدى به في ذلك الوقت. نعم حصل له هدى مجمل بأن ms6850 القرآن حق ودين الإسلام حق ~~والرسول حق ونحو ذلك ولكن هذا الهدى المجمل لا يغنيه إن لم يحصل هدى مفصل ~~في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار # PageV22P400 # في كثير منها أكثر عقول الخلق ويغلب الهوى والشهوات أكثر الخلق لغلبة ~~الشبهات والشهوات على النفوس. والإنسان خلق ظلوما جهولا. فالأصل فيه عدم ~~العلم وميله إلى ما يهواه من الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله ~~وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وكل ما يقوله ~~ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ينافي ظلمه فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل ~~والعدل المفصل كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم. وقد ~~قال الله تعالى لنبيه بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا} {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما} {وينصرك الله نصرا عزيزا} فأخبر أنه فعل هذا؛ ليهديه صراطا ~~مستقيما فإذا كان هذا حاله فكيف بحال غيره. والصراط المستقيم قد فسر ~~بالقرآن والإسلام وطريق العبودية فكل هذا حق فهو موصوف بهذا وبغيره فحاجته ~~إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر ~~فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه فإن كان من أهل ~~الهداية كان سعيدا بعد الموت وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة ~~الأبدية فيكون رحمة في حقه. # PageV22P401 # وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية ~~والاستقامة مات شهيدا وكان القتل من تمام نعمة الله عليه فتبين أن حاجة ~~العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر بل لا نسبة بينهما؛ ~~فلهذا كان هذا الدعاء هو المفروض عليهم. وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق ~~والنصر. لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين {ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} وكان من المتوكلين {ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ ms6851 أمره} وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن ينصر الله ~~ينصره الله وكان من جند الله وجند الله هم الغالبون. فالهدى التام يتضمن ~~حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر. فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل ~~مطلوب يحصل به كل منفعة ويندفع به كل مضرة فلهذا فرض على العبد. وهذا مما ~~يبين أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها أصلا وأن فضلها على غيرها من الكلام ~~أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال الخضوع فإذا تعينت الأفعال فهذا ~~أولى. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV22P402 # وسئل - رحمه الله -: # عن " استفتاح الصلاة " هل هو واجب؟ أو مستحب؟ وما قول العلماء في ذلك؟ . # فأجاب: # الاستفتاح عقب التكبير مسنون عند جمهور الأئمة كأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد. كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة: مثل حديث أبي هريرة المتفق عليه ~~في الصحيحين. قال: {قلت: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما ~~تقول؟ قال: أقول اللهم باعد بيني} وذكر الدعاء. فبين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة سكوتا يدعو فيه. وقد جاء في صفته ~~أنواع وغالبها في قيام الليل فمن استفتح بقوله: {سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك} فقد أحسن فإنه قد ثبت في صحيح مسلم ~~أن عمر كان يجهر في الصلاة المكتوبة بذلك وقد روي ذلك في السنن مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV22P403 # ومن استفتح بقوله: {وجهت وجهي} إلخ فقد أحسن فإنه قد ثبت في صحيح مسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح به وروي أن ذلك كان في الفرض. وروي ~~أنه في قيام الليل ومن جمع بينهما فاستفتح: ب {سبحانك اللهم وبحمدك} إلى ~~آخره. و {وجهت وجهي} فقد أحسن. وقد روي في ذلك حديث مرفوع. والأول اختيار ~~أبي حنيفة وأحمد. والثاني: اختيار الشافعي. والثالث: اختيار طائفة من أصحاب ~~أبي حنيفة ومن أصحاب أحمد. وكل ذلك حسن بمنزلة أنواع التشهدات وبمنزلة ~~القراءات السبع التي ms6852 يقرأ الإنسان منها بما اختار. وأما كونه واجبا: فمذهب ~~الجمهور أنه مستحب وليس بواجب. وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو المشهور عن ~~أحمد وفي مذهبه قول آخر يذكره بعضهم رواية عنه أن الاستفتاح واجب والله ~~أعلم. # وسئل: # عن رجل يؤم الناس وبعد تكبيرة الإحرام يجهر بالتعوذ ثم يسمي ويقرأ ويفعل ~~ذلك في كل صلاة؟ . # PageV22P404 # فأجاب: # إذا فعل ذلك أحيانا للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك كما كان عمر بن الخطاب ~~يجهر بدعاء الاستفتاح مدة وكما كان ابن عمر وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة ~~أحيانا. وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائما بل لم ~~ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جهر بالاستعاذة والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # فأما صفة الصلاة ومن شعائرها مسألة البسملة فإن الناس اضطربوا فيها نفيا ~~وإثباتا في كونها آية من القرآن وفي قراءتها وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر ~~في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير. وأما التعصب لهذه ~~المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها؛ إذ الداعي ~~لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل ~~الخلاف جدا لولا ما يدعو # PageV22P405 # إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة. فأما كونها آية من القرآن فقالت ~~طائفة كمالك: ليست من القرآن إلا في سورة النمل. والتزموا أن الصحابة ~~أودعوا المصحف ما ليس من كلام الله على سبيل التبرك وحكى طائفة من أصحاب ~~أحمد هذا رواية عنه وربما اعتقد بعضهم أنه مذهبه. وقالت طائفة منهم ~~الشافعي: ما كتبوها في المصحف بقلم المصحف مع تجريدهم للمصحف عما ليس من ~~القرآن إلا وهي من السورة مع أدلة أخرى. وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ~~ومحققي أصحاب أبي حنيفة فقالوا: كتابتها في المصحف تقتضي أنها من القرآن ~~للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن لكن لا يقتضي ذلك أنها من السورة؛ ~~بل تكون آية مفردة ms6853 أنزلت في أول كل سورة كما كتبها الصحابة سطرا مفصولا كما ~~قال ابن عباس: كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل: (بسم الله الرحمن الرحيم ~~فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت فيه. وليست من السور. ~~وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع. ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك وهو ~~قول عبد الله بن المبارك وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها. # PageV22P406 # وكذلك الأمر في تلاوتها في الصلاة. طائفة لا تقرؤها لا سرا ولا جهرا. ~~كمالك والأوزاعي. وطائفة تقرؤها جهرا كأصحاب ابن جريج والشافعي. والطائفة ~~الثالثة المتوسطة جماهير فقهاء الحديث مع فقهاء أهل الرأي يقرءونها سرا كما ~~نقل عن جماهير الصحابة مع أن أحمد يستعمل ما روي عن الصحابة في هذا الباب ~~فيستحب الجهر بها لمصلحة راجحة حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها ~~فقال بعض أصحابه؛ لأنهم كانوا ينكرون على من يجهر بها. # ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة ~~التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى الله عليه ~~وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر ابن مسعود ~~على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما. وقال الخلاف شر. وهذا ~~وإن كان وجها حسنا فمقصود أحمد أن أهل المدينة كانوا لا يقرءونها فيجهر بها ~~ليبين أن قراءتها سنة كما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على الجنازة وقال: ~~لتعلموا أنها سنة وكما جهر عمر # PageV22P407 # بالاستفتاح غير مرة وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالآية ~~أحيانا في صلاة الظهر والعصر. ولهذا نقل عن أكثر من روي عنه الجهر بها من ~~الصحابة المخافتة فكأنهم جهروا لإظهار أنهم يقرءونها كما جهر بعضهم ~~بالاستعاذة أيضا والاعتدال في كل شيء استعمال الآثار على وجهها فإن كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها دائما - وأكثر الصحابة لم ينقلوا ذلك ~~ولم يفعلوه - ممتنع قطعا. وقد ثبت عن ms6854 غير واحد منهم نفيه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يعارض ذلك خبر ثابت إلا وهو محتمل وكون الجهر بها لا يشرع ~~بحال - مع أنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة - نسبة للصحابة إلى فعل ~~المكروه وإقراره؛ مع أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض كما تقدم. ~~وكراهة قراءتها مع ما في قراءتها من الآثار الثابتة عن الصحابة المرفوع ~~بعضها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكون الصحابة كتبتها في المصحف وأنها ~~كانت تنزل مع السورة فيه ما فيه مع أنها إذا قرئت في أول كتاب سليمان ~~فقراءتها في أول كتاب الله في غاية المناسبة فمتابعة الآثار فيها الاعتدال ~~والائتلاف والتوسط الذي هو أفضل الأمور. ثم مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء ~~الحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV22P408 # التي كان يفعلها غالبا وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة التي يخفف فيها ~~القيام والقعود ويطيل فيها الركوع والسجود ويسوي بين الركوع والسجود وبين ~~الاعتدال منهما. كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. مع كون القراءة ~~في الفجر بما بين الستين إلى المائة وفي الظهر نحو الثلاثين آية وفي العصر ~~والعشاء على النصف من ذلك مع أنه قد يخفف عن هذه الصلاة لعارض {كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع ~~بكاء الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه به} . كما أنه قد يطيلها على ذلك ~~لعارض كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بطولى الطوليين وهي ~~الأعراف. ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية ويستحب أن يمد ~~في الأوليين ويحذف في الأخريين كما رواه سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وعامة فقهاء الحديث على هذا. ومن الفقهاء من لا يستحب أن يمد ~~الاعتدال عن الركوع والسجود ومنهم من يراه ركنا خفيفا بناء على أنه يشرع ~~تابعا لأجل الفصل لا أنه مقصود. ومنهم من يسوي بين الركعتين الأوليين ومنهم ~~من يستحب ألا يزيد الإمام ms6855 في تسبيح الركوع والسجود على ثلاث؛ إلى أقوال أخر ~~قالوها. # PageV22P409 # وسئل: # عن حديث نعيم المجمر قال: " كنت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن ~~الرحيم ثم قرأ بأم الكتاب حتى بلغ {ولا الضالين} . قال: آمين وقال الناس: ~~آمين ويقول: كلما سجد: الله أكبر فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني ~~لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان المعتمر بن سليمان يجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها ويقول: ما آلو أن أقتدي ~~بصلاة أبي وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس وقال أنس: ما آلو أن أقتدي ~~بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا حديث ثابت في الجهر بها. ذكر الحاكم ~~أبو عبد الله: أن رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. فهل يحمل {ما قاله أنس: ~~وهو صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع ~~أحدا منهم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم} على عدم السماع؟ وما التحقيق في ~~هذه المسألة والصواب؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما حديث أنس في نفي الجهر فهو # PageV22P410 # صريح لا يحتمل هذا التأويل فإنه قد رواه مسلم في صحيحه فقال فيه: {صليت ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد ~~لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في ~~آخرها} وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع ~~مع إمكان الجهر بلا سماع. واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم: {صليت خلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر أو قال: ~~يصلي ببسم الله الرحمن الرحيم} فهذا نفي فيه السماع ولو لم يرو إلا هذا ~~اللفظ لم يجز تأويله بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ جهرا ولا يسمع ~~أنس لوجوه: أحدها: أن أنسا إنما روى هذا ليبين لهم ما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعله إذ لا غرض للناس ms6856 في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع إلا ~~ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع فلو لم يكن ما ذكره دليلا على نفي ذلك ~~لم يكن أنس ليروي شيئا لا فائدة لهم فيه ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا ~~يفيدهم. الثاني: أن مثل هذا اللفظ صار دالا في العرف على عدم ما لم # PageV22P411 # يدرك فإذا قال: ما سمعنا أو ما رأينا لما شأنه أن يسمعه ويراه كان مقصوده ~~بذلك نفي وجوده وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك. ومعلوم أنه دليل فيما جرت ~~العادة بإدراكه. وهذا يظهر (بالوجه الثالث وهو أن أنسا كان يخدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إلى أن مات وكان ~~يدخل على نسائه قبل الحجاب ويصحبه حضرا وسفرا وكان حين حج النبي صلى الله ~~عليه وسلم تحت ناقته يسيل عليه لعابها أفيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة ~~الطويلة أن لا يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها مع كونه يجهر بها ~~هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة. ثم إنه صحب أبا بكر وعمر وعثمان ~~وتولى لأبي بكر وعمر ولايات ولا كان يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون ~~وهو لا يسمع ذلك فتبين أن هذا تحريف لا تأويل. لو لم يرو إلا هذا اللفظ ~~فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها وهو يفضل هذه الرواية الأخرى. وكلا ~~الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين ~~أنه أراد السورة فإن قوله: يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم ~~الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها صريح أنه في قصد الافتتاح ~~بالآية لا بسورة الفاتحة التي # PageV22P412 # أولها بسم الله الرحمن الرحيم إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. وأيضا ~~فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي ~~يعرفه الخاص والعام كما يعلمون أن الركوع قبل السجود وجميع الأئمة غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ms6857 يفعلون هذا ليس في نقل مثل ~~هذا فائدة ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس وهم قد سألوه عن ذلك وليس هذا ~~مما يسأل عنه وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني ~~الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة ولم يشتبه هذا على أحد ~~ولا شك؛ فكيف يظن أن أنسا قصد تعريفهم بهذا وأنهم سألوه عنه. وإنما مثل ذلك ~~مثل أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا أو ~~يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر ويخافتون في صلاتي الظهرين أو ~~يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين. ومثل حديث أنس حديث عائشة ~~الذي في الصحيح أيضا {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ~~بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين} إلى آخره وقد روى {يفتح القراءة ~~بالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين} وهذا صريح في إرادة # PageV22P413 # الآية؛ لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفي لقراءتها سرا؛ لأنه روى " فكانوا ~~لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وهذا إنما نفى هنا الجهر. وأما اللفظ ~~الآخر " لا يذكرون " فهو إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه وذلك موجود في ~~الجهر فإنه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا. وأما كون الإمام لم ~~يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة ~~يمكن فيها القراءة سرا؛ ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة من لم ير ~~هناك سكوتا كمالك وغيره؛ لكن قد ثبت في الصحيحين من {حديث أبي هريرة أنه ~~قال: يا رسول الله: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: ~~أقول: كذا وكذا} إلى آخره. وفي السنن من حديث عمران وأبي وغيرهما: أنه كان ~~يسكت قبل القراءة. وفيها أنه كان يستعيذ وإذا كان له سكوت لم يمكن أنسا أن ~~ينفي قراءتها في ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر وإخباره بافتتاح القراءة بها ~~إنما هو في الجهر وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذكر سرا يسمى ms6858 سكوتا كما في ~~حديث أبي هريرة فيصلح أن يقال: لم يقرأها ولم يذكرها؛ أي جهرا؛ فإن لفظ ~~السكوت ولفظ نفي الذكر والقراءة: مدلولهما هنا واحد. # PageV22P414 # ويؤيد هذا {حديث عبد الله بن مغفل. الذي في السنن: أنه سمع ابنه يجهر بها ~~فأنكر عليه وقال: يا بني إياك والحدث وذكر أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها} فهذا مطابق لحديث أنس ~~وحديث عائشة اللذين في الصحيح. وأيضا فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر ~~الهمم والدواعي على نقله فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها كالجهر ~~بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك بل لو انفرد بنقل ~~مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع ~~كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه. ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة في النص على ~~علي في الخلافة وأمثال ذلك. # وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح ولم ~~يرو أهل السنن المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك وإنما ~~يوجد الجهر بها صريحا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما ~~في التفسير. أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره بل ~~يحتجون بمثل حديث الحميراء. # PageV22P415 # وأعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثا إلى البخاري ~~إلا حديثا في البسملة وذلك الحديث ليس في البخاري ومن هذا مبلغ علمه في ~~الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب: ~~كالدارقطني والخطيب وغيرهما فإنهم جمعوا ما روي وإذا سئلوا عن صحتها قالوا: ~~بموجب علمهم. كما قال الدارقطني لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث الجهر ~~بها فجمعها قيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ~~ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى ms6859 بالمدينة وقد رواه الشافعي رضي الله ~~عنه قال: حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن عثمان بن ~~خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره. أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية ~~بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم ~~يقرأ بها للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ~~ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ ~~فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن ~~وكبر حين يهوي ساجدا. # PageV22P416 # وقال الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني ابن خثيم عن إسماعيل بن ~~عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم ~~والأنصار: أي معاوية؟ سرقت الصلاة؟ وذكره. وقال الشافعي أنبأنا يحيى بن ~~سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن ~~جده عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله أو مثل معناه لا يخالفه وأحسب هذا ~~الإسناد أحفظ من الإسناد الأول وهو في كتاب إسماعيل ابن عبيد بن رفاعة عن ~~أبيه عن جده عن معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به وليس بحجة كما ~~يأتي بيانه. فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر ~~حديث صحيح ولا صريح فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها كما يمتنع أن يكون كان يجهر ~~بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. فإن قيل: هذا معارض بترك الجهر بها فإنه ~~مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر بل ~~قد تنازع فيه العلماء كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ثم لم ~~ينقل نقلا قاطعا بل وقع فيه النزاع. # PageV22P417 # قيل: الجواب ms6860 عن هذا من وجوه: # أحدها أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة ويجب نقله شرعا: ~~هو الأمور الوجودية فأما الأمور العدمية فلا خبر لها ولا ينقل منها إلا ما ~~ظن وجوده أو احتيج إلى معرفته فينقل للحاجة؛ ولهذا قالوا لو نقل ناقل ~~افتراض صلاة سادسة أو زيادة على صوم رمضان أو حجا غير حج البيت أو زيادة في ~~القرآن أو زيادة في ركعات الصلاة أو فرائض الزكاة ونحو ذلك لقطعنا بكذبه ~~فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلا قاطعا عادة وشرعا وإن عدم النقل يدل على أنه ~~لم ينقل نقلا قاطعا عادة وشرعا؛ بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم ~~والدواعي في العادة والشرع على نقله أنه لم يكن. وقد مثل الناس ذلك بما لو ~~نقل ناقل: أن الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر ولم يصل الجمعة أو أن قوما ~~اقتتلوا في المسجد بالسيوف فإنه إذا نقل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون ~~بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على ~~نقله في العادة؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور ~~العدمية. يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعادة واستدلت ~~الأمة على عدم جهره بذلك وإن كان لم ينقل نقلا عاما عدم الجهر بذلك ~~فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا # PageV22P418 # يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل وهو كون الأمور التي ~~تتوافر الهمم والدواعي على نقلها يمتنع ترك نقلها فإنهم عارضوا أحاديث ~~الجهر والقنوت والأذان والإقامة فأما الأذان والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا ~~وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودي ~~ولم ينقل فيدخل في القاعدة. (الوجه الثاني أن الأمور العدمية لما احتيج إلى ~~نقلها نقلت فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن ~~الزبير ونحوه سأل بعض الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم أنس ترك الجهر بها ~~وأما مع وجود الخلفاء فكانت ms6861 السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاء من يجهر ~~بها فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل. (الثالث أن نفي الجهر ~~قد نقل نقلا صحيحا صريحا في حديث أبي هريرة والجهر بها لم ينقل نقلا صحيحا ~~صريحا مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح ~~الصريح من الأمور العدمية. وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالما بالأدلة ~~القطعية قطع # PageV22P419 # بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بها بل ومن لم يتدرب في معرفة ~~الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضا: إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح ~~صريح فكيف يمكن بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها ولم تنقل ~~الأمة هذه السنة بل أهملوها وضيعوها؟ وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل: أنه ~~كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان فيهم من يجهر بالبسملة ومع هذا ~~فنحن نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بالاستفتاح ~~والاستعاذة كما كان يجهر بالفاتحة كذلك نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يجهر بالبسملة كما كان يجهر بالفاتحة ولكن يمكن أنه كان ~~يجهر بها أحيانا أو أنه كان يجهر بها قديما ثم ترك ذلك كما روى أبو داود في ~~مراسيله عن سعيد بن جبير ورواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا ~~الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى مات} فهذا محتمل. # وأما الجهر العارض، فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية أحيانا ومثل ~~جهر بعض الصحابة خلفه بقوله: {ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه} ~~ومثل جهر عمر بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك ومثل جهر ابن عمر وأبي # PageV22P420 # هريرة بالاستعاذة ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا أنها ~~سنة. ويمكن أن يقال جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا الوجه ليعرفوا ~~أن ms6862 قراءتها سنة؛ لا لأن الجهر بها سنة. ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في ~~هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله وأنهم قرءوها لبيان ذلك لا لبيان ~~كونها من الفاتحة وأن الجهر بها سنة مثل ما ذكر ابن وهب في جامعه قال ~~أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن أسلم؛ وابن شهاب: ~~مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن ~~الرحيم. قال ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن فإن الله أنزلها قال: ~~وكان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان وحديث ابن عمر معروف من حديث ~~حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى جهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم فإذا قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: بسم الله ~~الرحمن الرحيم فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري هو أعلم أهل زمانه بالسنة ~~بين حقيقة الحال. فإن العمدة في الآثار في قراءتها إنما هي عن ابن عباس ~~وأبي هريرة وابن عمر. وقد عرف حقيقة حال أبي هريرة في ذلك وكذلك غيره رضي ~~الله عنهم أجمعين. # PageV22P421 # ولهذا كان العلماء بالحديث ممن يروي الجهر بها ليس معه حديث صريح لعلمه ~~بأن تلك أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ~~يتمسك بلفظ محتمل مثل اعتمادهم على حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة المتقدم. ~~وقد رواه النسائي. فإن العارفين بالحديث يقولون إنه عمدتهم في هذه المسألة ~~ولا حجة فيه. فإن [ما] (1) في صحيح مسلم عن أبي هريرة أظهر دلالة على نفي ~~قراءتها من دلالة هذا على الجهر بها؛ فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: {الحمد لله رب ~~العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: أثنى علي ~~عبدي فإذا قال: {مالك يوم ms6863 الدين} قال: مجدني عبدي - أو قال فوض إلي عبدي - ~~فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ~~ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} وقد روى عبد ~~الله بن زياد بن سمعان - وهو كذاب - أنه قال: في أوله فإذا قال: بسم الله ~~الرحمن الرحيم قال ذكرني عبدي} PageV22P422 # ولهذا اتفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة وإنما كثر الكذب في أحاديث ~~الجهر؛ لأن الشيعة ترى الجهر وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا ~~بها على الناس دينهم؛ ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان ~~الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما ~~يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك؛ لأن هذا كان من شعار الرافضة. ولهذا ~~ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها ~~قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي ~~إلى تسنمة القبور؛ لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع. فحديث أبي هريرة ~~دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة وهو على ~~نفي القراءة مطلقا أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على الجهر؛ فإن في حديث ~~نعيم المجمر أنه قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ أم القرآن وهذا دليل ~~على أنها ليست من القرآن عندهم وحديث أبي هريرة الذي في مسلم يصدق ذلك فإنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج؛ فهي خداج فقال له رجل: يا أبا هريرة - أنا أحيانا أكون ~~وراء الإمام فقال: اقرأ بها # PageV22P423 # في نفسك يا فارسي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال ~~الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} الحديث. وهذا صريح في أن أم ~~القرآن التي يجب قراءتها في الصلاة عند ms6864 أبي هريرة القراءة المقسومة التي ~~ذكرها مع دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ وذلك ينفي وجوب ~~قراءتها عند أبي هريرة فيكون أبو هريرة وإن كان قرأ بها؛ قرأ بها استحبابا ~~لا وجوبا. والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من ~~الأئمة الأربعة؛ وغيرهم من الأئمة المشهورين؛ ولا أعلم به قائلا؛ لكن هي من ~~الفاتحة وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث؛ وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد؛ وإذا كان أبو هريرة إنما قرأها استحبابا لا وجوبا؛ وعلى ~~هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها؛ كان جهره بها أولى أن يثبت ~~دليلا على أنه ليعرفهم استحباب قراءتها؛ وأن قراءتها مشروعة؛ كما جهر عمر ~~بالاستفتاح: وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة؛ ونحو ذلك؛ ~~ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة؛ وإن لم يجهر بها وحينئذ ~~فلا يكون هذا مخالفا لحديث أنس الذي في الصحيح؛ وحديث عائشة الذي في ~~الصحيح؛ وغير ذلك. هذا إن كان الحديث دالا على أنه جهر بها؛ فإن لفظه ليس ~~صريحا بذلك من وجهين: # PageV22P424 # أحدهما أنه قال قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ أم القرآن ولفظ ~~القراءة محتمل أن يكون قرأها سرا ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه؛ فإن قراءة ~~السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها وقد ~~أخبر أبو قتادة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين ~~بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب وهي قراءة سر كيف وقد بين ~~في الحديث أنها ليست من الفاتحة فأراد بذلك وجوب قراءتها فضلا عن كون الجهر ~~بها سنة فإن النزاع في الثاني أضعف. (الثاني أنه لم يخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قرأها قبل أم الكتاب وإنما قال في آخر الصلاة: إني لأشبهكم ~~صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث أنه أمن وكبر في الخفض ~~والرفع وهذا ونحوه مما ms6865 كان يتركه الأئمة فيكون أشبههم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتركوه هم ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه. ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك ~~قراءتها بالكلية عند أبي هريرة؛ وكان أولئك لا يقرءونها أصلا؛ فيكون ~~قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~غيره ينازع في ذلك. # PageV22P425 # وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ فيعلم أولا: أن تصحيح الحاكم وحده ~~وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا؛ فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض ~~فيه بتوثيق الحاكم. وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه ومن له أدنى ~~خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه؛ ~~فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في (باب ~~التصحيح حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع ~~فكيف بتصحيح البخاري ومسلم. بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر ابن خزيمة وأبي ~~حاتم بن حبان البستي وأمثالهما بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد ~~الواحد المقدسي في مختاره خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من ~~كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث وتحسين الترمذي أحيانا يكون مثل ~~تصحيحه أو أرجح وكثيرا ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها ~~فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنهما كانا يجهران ~~بالبسملة لكن نقله عن أنس هو المنكر كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون ~~عنه خلاف ذلك حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا قال: أنت سمعت أنسا يذكر ذلك؟ ~~قال: نعم وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه ~~من أنس في غاية الصحة وأرفع # PageV22P426 # درجات الصحيح عند أهله إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من ms6866 أحفظهم وكذلك إتقان ~~شعبة وضبطه هو الغاية عندهم وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى ~~حديث أنس بالمعنى الذي فهمه وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: يستفتحون الصلاة ~~بالحمد لله رب العالمين ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده ~~فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علما برواة الحديث وألفاظ ~~روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية ~~التي لا تحتمل المجازفة أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه ويدع موجب العلم ~~والدليل. ثم يقال: هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه وأبوه عن أنس وأنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم ~~جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنه من المعلوم أن مع طول ~~الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط؛ ~~إلا بنقل مفصل لا مجمل وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر وحماد بن ~~أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه وإبراهيم ~~أخذها عن علقمة والأسود ونحوها وهم أخذوها عن ابن مسعود وابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد أجل رجالا من # PageV22P427 # ذلك الإسناد وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى ~~وأمثالهم من فقهاء الكوفة فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع فإن جاز هذا كان ~~هؤلاء لا يجهرون ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح ويسفرون بالفجر ~~وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. ونطير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل ~~مكة من أصحاب ابن جريج كانوا يجهرون وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج وهو ~~أخذها عن عطاء وعطاء عن ابن الزبير وابن الزبير عن أبي بكر الصديق وأبو بكر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ريب أن الشافعي رضي الله عنه ms6867 أول ما أخذ ~~الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن جريج. كسعيد بن سالم القداح ~~ومسلم بن خالد الزنجي لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام ~~مفصلة تنازع الناس فيها. ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء فإنه لا ~~يستريب عاقل أن الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدرا ~~وأعلم بالسنة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج أصحاب مالك ~~على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة فقالوا: هذا # PageV22P428 # المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر ثم ~~عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جرا. ونقلهم لصلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نقل متواتر كلهم شهدوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلاة ~~خلفائه وكانوا أشد محافظة على السنة وأشد إنكارا على من خالفها من غيرهم ~~فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا العمل يقترن به ~~عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون ~~وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا ولا يمكن أن ~~الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين ~~وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم وما يتعلق بذلك من الأهواء ~~وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم ~~تكن دون تلك بل نحن نعلم أنها أقوى منها فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون ~~صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها والصحابة بها أشبه صلاة ~~بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين ~~أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لم يذهب ~~ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة # PageV22P429 # أو إجماعهم حجة وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم: هل هو حجة أم ~~لا؟ نزاعا لا يقصر عن عمل غيرهم وإجماع غيرهم ms6868 إن لم يزد عليه. فتبين دفع ~~ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة لو لم ~~يكن المنقول نقلا صحيحا صريحا عن أنس يخالف ذلك فكيف والأمر في رواية أنس ~~أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت وإنما ~~صححه مثل الحاكم وأمثاله. # ومثل هذا أيضا يظهر ضعف حديث معاوية الذي فيه أنه صلى بالصحابة بالمدينة ~~فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة وأول السورة حتى عاد يعمل ~~ذلك فإن هذا الحديث وإن كان الدارقطني قال: إسناده ثقات وقال الخطيب: هو ~~أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة كما نقل ذلك عنه نصر المقدسي فهذا ~~الحديث يعلم ضعفه من وجوه: # أحدها أنه يروي عن أنس أيضا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد ~~هذا. # الثاني أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم # PageV22P430 # وقد ضعفه طائفة وقد اضطربوا في روايته إسنادا ومتنا: كما تقدم. وذلك يبين ~~أنه غير محفوظ. # الثالث أنه ليس فيه إسناد متصل السماع؛ بل فيه من الضعف والاضطراب ما لا ~~يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ. # الرابع أن أنسا كان مقيما بالبصرة ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد ~~علمناه أن أنسا كان معه بل الظاهر أنه لم يكن معه. # الخامس أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة والراوي لها أنس وكان ~~بالبصرة وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ومن المعلوم أن أصحاب ~~أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك؛ بل المنقول عن ~~أنس وأهل المدينة نقيض ذلك والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء. (السادس أن ~~معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضا معروفا ~~من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ولم ينقل هذا أحد عن معاوية؛ بل ~~الشاميون كلهم: خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها؛ بل الأوزاعي ~~مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سرا ولا جهرا. فهذه الوجوه وأمثالها إذا ~~تدبرها العالم # PageV22P431 # قطع ms6869 بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له وإما مغير عن وجهه وأن الذي ~~حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا ~~الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات ~~الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام ومن شرط الحديث الثابت أن لا ~~يكون شاذا ولا معللا وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته. # والعمدة التي اعتمدها المصنفون في الجهر بها ووجوب قراءتها إنما هو ~~كتابتها في المصحف بقلم القرآن وأن الصحابة جردوا القرآن عما ليس منه. ~~والذين نازعوهم دفعوا هذه الحجة بلا حق كقولهم: القرآن لا يثبت إلا بقاطع ~~ولو كان هذا قاطعا لكفر مخالفه. وقد سلك أبو بكر ابن الطيب الباقلاني وغيره ~~هذا المسلك وادعوا أنهم يقطعون بخطأ الشافعي في كونه جعل البسملة من القرآن ~~معتمدين على هذه الحجة وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر ولا تواتر ~~هنا فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. والتحقيق: أن هذه الحجة مقابلة ~~بمثلها فيقال لهم: بل يقطع # PageV22P432 # بكونها من القرآن حيث كتبت كما قطعتم بنفي كونها ليست منه. ومثل هذا ~~النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن فإن التفريق بين آية ~~وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلام الله ونحن نعلم ~~بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين ~~لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم لم يكتبوا ~~فيه ما ليس من كلام الله. فإن قال المنازع: إن قطعتم بأن البسملة من القرآن ~~حيث كتبت فكفروا النافي قيل لهم: وهذا يعارض حكمه إذا قطعتم بنفي كونها من ~~القرآن فكفروا منازعكم. وقد اتفقت الأمة على نفي التكفير في هذا الباب مع ~~دعوى كثير من الطائفتين القطع بمذهبه وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعيا عند ~~شخص يجب أن يكون قطعيا عند غيره وليس كل ما ادعت طائفة أنه قطعي عندها ms6870 يجب ~~أن يكون قطعيا في نفس الأمر؛ بل قد يقع الغلط في دعوى المدعي القطع في غير ~~محل القطع كما يغلط في سمعه وفهمه ونقله وغير ذلك من أحواله كما قد يغلط ~~الحس الظاهر في مواضع وحينئذ فيقال: الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة: ~~طرفان ووسط. # PageV22P433 # الطرف الأول: قول من يقول إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل كما قال ~~مالك وطائفة من الحنفية وكما قاله بعض أصحاب أحمد. مدعيا أنه مذهبه أو ~~ناقلا لذلك رواية عنه. # والطرف المقابل له: قول من يقول إنها من كل سورة آية أو بعض آية كما هو ~~المشهور من مذهب الشافعي ومن وافقه وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل ~~السور غير الفاتحة وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها وأما كونها من ~~الفاتحة فلم يثبت عنه فيه دليل. # والقول الوسط: أنها من القرآن حيث كتبت وأنها مع ذلك ليست من السور بل ~~كتبت آية في أول كل سورة وكذلك تتلى آية منفردة في أول كل سورة كما تلاها ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت عليه سورة {إنا أعطيناك الكوثر} كما ~~ثبت ذلك في صحيح مسلم [و] (1) كما في قوله: {إن سورة من القرآن هي ثلاثون ~~آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة {تبارك الذي بيده الملك} } رواه أهل ~~السنن وحسنه الترمذي وهذا القول قول عبد الله بن المبارك وهو المنصوص ~~الصريح عن أحمد بن حنبل. وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة ~~عنده PageV22P434 # وهو قول سائر من حقق القول في هذه المسألة وتوسط فيها جمع من مقتضى ~~الأدلة وكتابتها سطرا مفصولا عن السورة ويؤيد ذلك قول ابن عباس: {كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن ~~الرحيم} رواه أبو داود # وهؤلاء لهم في الفاتحة قولان هما روايتان عن أحمد. # أحدهما أنها من الفاتحة دون غيرها تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة. # والثاني وهو الأصح لا فرق به ms6871 بين الفاتحة وغيرها في ذلك وأن قراءتها في ~~أول الفاتحة كقراءتها في أول السور والأحاديث الصحيحة توافق هذا القول لا ~~تخالفه. وحينئذ الخلاف أيضا في قراءتها في الصلاة ثلاثة أقوال: # أحدها أنها واجبة وجوب الفاتحة كمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ~~وطائفة من أهل الحديث بناء على أنها من الفاتحة. # والثاني قول من يقول: قراءتها مكروهة سرا وجهرا كما هو المشهور من مذهب ~~مالك. # والقول الثالث أن قراءتها جائزة؛ بل مستحبة وهذا مذهب # PageV22P435 # أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. وأكثر أهل الحديث وطائفة من هؤلاء يسوي ~~بين قراءتها وترك قراءتها ويخير بين الأمرين معتقدين أن هذا على إحدى ~~القراءتين وذلك على القراءة الأخرى. ثم مع قراءتها هل يسن الجهر أو لا يسن ~~على ثلاثة أقوال: قيل: يسن الجهر بها كقول الشافعي ومن وافقه. قيل: لا يسن ~~الجهر بها كما هو قول الجمهور من أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار. وقيل: ~~يخير بينهما. كما يروى عن إسحاق وهو قول ابن حزم وغيره. ومع هذا فالصواب أن ~~ما لا يجهر به قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة فيشرع للإمام أحيانا لمثل ~~تعليم المأمومين ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانا ويسوغ ~~أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة خوفا من التنفير ~~عما يصلح كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم؛ ~~لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية وخشي تنفيرهم بذلك # PageV22P436 # ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد ~~إبراهيم. وقال ابن مسعود - لما أكمل الصلاة خلف عثمان وأنكر عليه فقيل له ~~في ذلك فقال - الخلاف شر؛ ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة ~~وفي وصل الوتر وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول ~~مراعاة ائتلاف المأمومين أو لتعريفهم السنة وأمثال ذلك والله أعلم. # PageV22P437 # وسئل أيضا - رحمه الله تعالى -: # عن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية من أول كل سورة أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب: # الحمد لله، اتفق المسلمون على أنها من ms6872 القرآن في قوله: {إنه من سليمان ~~وإنه} وتنازعوا فيها في أوائل السور حيث كتبت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~ليست من القرآن وإنما كتبت تبركا بها وهذا مذهب مالك وطائفة من الحنفية ~~ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولا في مذهبه. والثاني: أنها ~~من كل سورة إما آية وإما بعض آية وهذا مذهب الشافعي - رضي الله عنه. ~~والثالث: أنها من القرآن حيث كتبت آية من كتاب الله من أول كل سورة وليست ~~من السورة. وهذا مذهب ابن المبارك وأحمد # PageV22P438 # ابن حنبل - رضي الله عنه - وغيرهما. وذكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي ~~حنيفة عنده. وهذا أعدل الأقوال. فإن كتابتها في المصحف بقلم القرآن يدل على ~~أنها من القرآن وكتابتها مفردة مفصولة عما قبلها وما بعدها تدل على أنها ~~ليست من السورة ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له. وهي ~~{تبارك الذي بيده الملك} } وهذا لا ينافي ذلك؛ فإن في الصحيح {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أغفى إغفاءة فقال: لقد نزلت علي آنفا سورة. وقرأ {بسم الله ~~الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر} } لأن ذلك لم يذكر فيه أنها من السورة ~~بل فيه أنها تقرأ في أول السورة وهذا سنة فإنها تقرأ في أول كل سورة وإن لم ~~تكن من السورة. ومثله {حديث ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يعرف فصل السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم} رواه أبو داود فيه أنها ~~نزلت للفصل وليس فيه أنها آية منها وتبارك الذي بيده الملك ثلاثون آية بدون ~~البسملة؛ ولأن العادين لآيات القرآن لم يعد أحد منهم البسملة من السورة لكن ~~هؤلاء تنازعوا في الفاتحة: هل هي آية منها دون غيرها؟ على قولين هما ~~روايتان عن أحمد: # PageV22P439 # أحدهما: أنها من الفاتحة دون غيرها وهذا مذهب طائفة من أهل الحديث أظنه ~~قول أبي عبيد واحتج هؤلاء بالآثار ms6873 التي رويت في أن البسملة من الفاتحة وعلى ~~قول هؤلاء تجب قراءتها في الصلاة وهؤلاء يوجبون قراءتها وإن لم يجهروا بها. ~~والثاني: أنها ليست من الفاتحة كما أنها ليست من غيرها وهذا أظهر. فإنه قد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها له ولعبدي ما سأل. يقول ~~العبد: {الحمد لله رب العالمين} يقول الله: حمدني عبدي. يقول العبد: ~~{الرحمن الرحيم} يقول الله: أثنى علي عبدي. يقول العبد: {مالك يوم الدين} ~~يقول الله: مجدني عبدي. يقول العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} . يقول الله: ~~فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. يقول العبد: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} إلى آخرها. يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . فلو كانت ~~من الفاتحة لذكرها كما ذكر غيرها. وقد روي ذكرها في حديث موضوع رواه عبد ~~الله بن زياد بن سمعان فذكره مثل الثعلبي في تفسيره ومثل من جمع أحاديث ~~الجهر وأنها كلها ضعيفة أو موضوعة. ولو كانت منها لما كان للرب # PageV22P440 # ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف. وظاهر الحديث أن القسمة وقعت على ~~الآيات فإنه قال: " فهؤلاء لعبدي ". وهؤلاء إشارة إلى جمع فعلم أن من قوله: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخرها ثلاث آيات على قول من لا يعد البسملة ~~آية منها ومن عدها آية منها جعل هذا آيتين. وأيضا فإن الفاتحة سورة من سور ~~القرآن والبسملة مكتوبة في أولها فلا فرق بينها وبين غيرها من السور في مثل ~~ذلك وهذا من أظهر وجوه الاعتبار. وأيضا فلو كانت منها لتليت في الصلاة جهرا ~~كما تتلى سائر آيات السورة وهذا مذهب من يرى الجهر بها كالشافعي وطائفة من ~~المكيين والبصريين؛ فإنهم قالوا: إنها آية من الفاتحة يجهر بها: كسائر آيات ~~الفاتحة واعتمد على آثار منقولة بعضها عن الصحابة وبعضها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فأما المأثور من الصحابة: كابن الزبير ونحوه ففيه صحيح وفيه ~~ضعيف. وأما المأثور عن النبي ms6874 صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف أو موضوع كما ذكر ~~ذلك حفاظ الحديث كالدارقطني وغيره. ولهذا لم يرو أهل السنن والمسانيد ~~المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV22P441 # في الجهر بها حديثا واحدا؛ وإنما يروي أمثال هذه الأحاديث من لا يميز من ~~أهل التفسير: كالثعلبي ونحوه وكبعض من صنف في هذا الباب من أهل الحديث كما ~~يذكره طائفة من الفقهاء في كتب الفقه وقد حكى القول بالجهر عن أحمد وغيره ~~بناء على إحدى الروايتين عنه من أنها من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر ~~الفاتحة وليس هذا مذهبه بل يخافت بها عنده. وإن قال هي من الفاتحة لكن يجهر ~~بها عنده لمصلحة راجحة مثل أن يكون المصلون لا يقرءونها بحال فيجهر بها ~~ليعلمهم أن قراءتها سنة كما جهر ابن عباس بالفاتحة على الجنازة وكما جهر ~~عمر بن الخطاب بالاستفتاح وكما نقل عن أبي هريرة أنه قرأ بها ثم قرأ بأم ~~الكتاب وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي ~~وهو أجود ما احتجوا به. وكذلك فسر بعض أصحاب أحمد خلافه أنه كان يجهر بها ~~إذا كان المأمومون ينكرون على من لم يجهر بها وأمثال ذلك فإن الجهر بها ~~والمخافتة سنة فلو جهر بها المخافت صحت صلاته بلا ريب وجمهور العلماء كأبي ~~حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي لا يرون الجهر؛ لكن منهم من يقرؤها سرا: كأبي ~~حنيفة وأحمد وغيرهما ومنهم من لا يقرؤها سرا ولا جهرا كمالك. # PageV22P442 # وحجة الجمهور ما ثبت في الصحيح من {أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~وعمر كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وفي لفظ لا يذكرون بسم الله ~~الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها} والله أعلم. # وسئل: # هل من يلحن في الفاتحة تصح صلاته أم لا؟ # فأجاب: # أما اللحن في الفاتحة الذي لا يحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه إماما أو ~~منفردا مثل أن يقول: {رب العالمين} والضالين ونحو ذلك. وأما ما قرئ به مثل: ~~الحمد لله رب ورب ورب. ms6875 ومثل الحمد لله والحمد لله بضم الدال أو بكسر الدال. ~~ومثل عليهم وعليهم وعليهم. وأمثال ذلك فهذا لا يعد لحنا. وأما اللحن الذي ~~يحيل المعنى: إذا علم صاحبه معناه مثل أن يقول: {صراط الذين أنعمت عليهم} ~~وهو يعلم أن هذا ضمير المتكلم لا تصح صلاته وإن لم يعلم أنه يحيل المعنى ~~واعتقد أن هذا ضمير المخاطب ففيه نزاع والله أعلم. # PageV22P443 # وسئل: # عمن يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأله عن اللحن إلخ؟ وإذا وقف على شيء يطلع ~~في المصحف هل يلحقه إثم أم لا؟ # فأجاب: # إن احتاج إلى قراءة القرآن قرأه بحسب الإمكان ورجع إلى المصحف فيما يشكل ~~عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يترك ما يحتاج إليه وينتهي به من ~~القراءة لأجل ما يعرض من الغلط أحيانا إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة والله ~~أعلم. # وسئل: # عما إذا نصب المخفوض في صلاته؟ # فأجاب: # إن كان عالما بطلت صلاته؛ لأنه متلاعب في صلاته وإن كان جاهلا لم تبطل ~~على أحد الوجهين. # PageV22P444 # وسئل: # عن رجل يصلي بقوم وهو يقرأ بقراءة الشيخ أبي عمرو فهل إذا قرأ لورش أو ~~لنافع باختلاف الروايات. مع حمله قراءته لأبي عمرو يأثم أو تنقص صلاته أو ~~ترد؟ # فأجاب: # يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو وبعضه بحرف نافع وسواء كان ذلك في ~~ركعة أو ركعتين وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها والله أعلم. # وسئل: # هل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالأعراف أو بالأنعام جميعا ~~في المغرب أو في صلاة غيرها وإن كان قد رواه أحمد هل هو صحيح أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم ثبت في الصحيح: أنه صلى في المغرب بالأعراف ولكن لم يكن ~~يداوم على ذلك ومرة أخرى قرأ فيها بالمرسلات ومرة أخرى قرأ فيها بالطور ~~وهذا كله في الصحيح والله أعلم. # PageV22P445 # وسئل - رحمه الله -: # عن رفع الأيدي بعد الركوع هل يبطل الصلاة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا يبطل الصلاة باتفاق الأئمة؛ بل أكثر أئمة المسلمين يستحبون ms6876 ~~هذا. كما استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. من حديث ابن عمر ~~ومالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي وأبي قتادة الأنصاري في ~~عشرة من الصحابة وحديث علي وأبي هريرة وغيرهم. وهو مستحب عند جمهور العلماء ~~وهو مذهب الشافعي وأحمد ومالك في إحدى الروايتين عنه وأبو حنيفة قال: إنه ~~لا يستحب ولم يقل: إنه يبطل صلاته والله أعلم. # و ### | سئل: # عن {قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينفع ذا الجد منك الجد} # وهل هو بالخفض أو بالضم؟ أفتونا مأجورين. # PageV22P446 # فأجاب: # الحمد لله، أما الأولى فبالخفض. وأما الثانية فبالضم والمعنى أن صاحب ~~الجد لا ينفعه منك جده: أي لا ينجيه ويخلصه منك جده وإنما ينجيه الإيمان ~~والعمل الصالح و " الجد " هو الغنى وهو العظمة وهو المال. بين صلى الله ~~عليه وسلم أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك ولم يخلصه من ~~الله؛ وإنما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~{اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} ~~فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين: أحدهما: توحيد الربوبية وهو أن لا معطي ~~لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو. ~~والثاني: توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطي ~~مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله منجيا له من عذابه فإن ~~الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب؛ قال ~~تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} ~~{وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني} {كلا} يقول: ما كل ~~من وسعت عليه أكرمته ولا كل من قدرت عليه أكون قد أهنته بل هذا ابتلاء ~~ليشكر العبد على السراء ويصبر على الضراء فمن رزق الشكر # PageV22P447 # والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيرا ms6877 له كما في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك ~~لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر ~~فكان خيرا له} . و " توحيد الإلهية " أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا فيطيعه ~~ويطيع رسله ويفعل ما يحبه ويرضاه. وأما " توحيد الربوبية " فيدخل ما قدره ~~وقضاه وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه والعبد مأمور بأن يعبد الله ~~ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية ويستعين الله على ذلك وهو توحيد له ~~فيقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # إذا أراد إنسان أن يسجد في الصلاة يتأخر خطوتين: هل يكره ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # وأما التأخر حين السجود فليس بسنة ولا ينبغي فعل ذلك. إلا إذا كان الموضع ~~ضيقا فيتأخر ليتمكن من السجود. # PageV22P448 # وسئل - رحمه الله -: # عن الصلاة واتقاء الأرض بوضع ركبتيه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه؟ . # فأجاب: # أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل ~~يديه وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء. ~~ولكن تنازعوا في الأفضل. فقيل: الأول كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين. وقيل: الثاني كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى ~~وقد روي بكل منهما حديث في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي السنن ~~عنه: {أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه} . ~~وفي سنن أبي داود وغيره أنه قال: {إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن ~~يضع يديه ثم ركبتيه} وقد روى ضد ذلك وقيل: إنه منسوخ والله أعلم. # PageV22P449 # وسئل - رحمه الله -: # عما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعظم وأن لا أكف لي ثوبا ولا شعرا} - وفي رواية - {وأن لا أكفت لي ثوبا ولا ~~شعرا} فما هو الكف؟ وما ms6878 هو الكفت؟ وهل ضفر الشعر من الكفت؟ . # فأجاب: # الكفت: الجمع والضم والكف: قريب منه وهو منع الشعر والثوب من السجود ~~وينهى الرجل أن يصلي وشعره مغروز في رأسه أو معقوص. وفيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {مثل الذي يصلي وهو معقوص كمثل الذي يصلي وهو مكتوف} لأن المكتوف ~~لا يسجد ثوبه والمعقوص لا يسجد شعره وأما الضفر مع إرساله فليس من الكفت ~~والله أعلم. # PageV22P450 # وسئل: # عن رجل يصلي مأموما ويجلس بين الركعات جلسة الاستراحة ولم يفعل ذلك ~~الإمام فهل يجوز ذلك له؟ وإذا جاز: هل يكون منقصا لأجره لأجل كونه لم يتابع ~~الإمام في سرعة الإمام؟ # فأجاب: # جلسة الاستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلسها؛ لكن ~~تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة أو فعل ذلك لأنه من سنة ~~الصلاة. فمن قال بالثاني: استحبها كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. ~~ومن قال بالأول: لم يستحبها إلا عند الحاجة كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~الرواية الأخرى. ومن فعلها لم ينكر عليه وإن كان مأموما؛ لكون التأخر ~~بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها وهل هذا إلا ~~فعل في محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده والمبادرة إلى موافقة ~~الإمام # PageV22P451 # فإن ذلك أولى من التخلف لكنه يسير فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول ~~قبل أن يكمله المأموم والمأموم يرى أنه مستحب أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه ~~يسير من الدعاء هل يسلم أو يتمه؟ ومثل هذه المسائل هي من مسائل الاجتهاد ~~والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين الأوليين: هل هو مندوب ~~إليه؟ وهل فعله النبي صلى الله عليه وسلم. أو أحد من الصحابة؟ # فأجاب: # نعم هو مندوب إليه عند محققي العلماء العالمين بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول طائفة ms6879 من أصحابه وأصحاب الشافعي ~~وغيرهم. وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن. ففي ~~البخاري وسنن أبي داود والنسائي {عن نافع: أن ابن عمر كان إذا دخل في ~~الصلاة كبر ورفع يديه وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع ~~يديه وإذا قام من الركعتين رفع يديه} ورفع ذلك ابن عمر # PageV22P452 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وعن علي بن أبي طالب {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ~~ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ~~ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من الركعتين رفع يديه ~~كذلك وكبر} رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه وابن ماجه والترمذي وقال حديث ~~حسن صحيح {وعن أبي حميد الساعدي أنه ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيه إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين ~~افتتح الصلاة} رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي ~~وصححه. فهذه أحاديث صحيحة ثابتة مع ما في ذلك من الآثار وليس لها ما يصلح ~~أن يكون معارضا مقاوما فضلا عن أن يكون راجحا والله أعلم. # PageV22P453 # وسئل شيخ الإسلام: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} الحديث. وقوله: {اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم} هل الحديثان في الصحة سواء؟ ~~وما الحكم في ذكر الآل دون إبراهيم؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا الحديث في الصحاح من أربعة أوجه: أشهرها حديث عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ {خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي ~~عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى ms6880 آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد اللهم بارك - وفي لفظ - وبارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} رواه أهل الصحاح والسنن والمسانيد. ~~كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في ~~مسنده وغيرهم. # PageV22P454 # وهذا لفظ الجماعة إلا أن الترمذي قال فيه: على إبراهيم في الموضعين لم ~~يذكر آله وذلك رواية لأبي داود والنسائي وفي رواية: {كما صليت على آل ~~إبراهيم} وقال: {كما باركت على إبراهيم} ذكر لفظ الآل في الأول ولفظ ~~إبراهيم في الآخر. وفي الصحيحين والسنن الثلاثة {عن أبي حميد الساعدي أنهم ~~قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى ~~أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته ~~كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} هذا هو اللفظ المشهور وقد روي ~~فيه. كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في ~~الموضعين وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: {قلنا يا رسول الله هذا ~~السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ~~كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد. كما باركت على آل ~~إبراهيم} . وفي صحيح مسلم {عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له: بشير بن سعد أمرنا الله ~~أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله # PageV22P455 # صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في ~~العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم} وقد رواه أيضا غير مسلم كمالك ~~وأحمد وأبي داود والنسائي والترمذي بلفظ آخر. وفي بعض طرقه {كما صليت على ~~إبراهيم ms6881 وكما باركت على إبراهيم} لم يذكر " الآل " وفي رواية {كما صليت على ~~إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم} . فهذه الأحاديث التي في الصحاح: لم ~~أجد فيها ولا فيما نقل لفظ " إبراهيم. وآل إبراهيم " بل المشهور في أكثر ~~الأحاديث والطرق لفظ " آل إبراهيم " وفي بعضها لفظ " إبراهيم " وقد يجيء في ~~أحد الموضعين لفظ " آل إبراهيم " وفي الآخر لفظ " إبراهيم " وقد روي لفظ " ~~إبراهيم وآل إبراهيم " في حديث رواه البيهقي عن يحيى بن السباق عن رجل من ~~بني الحارث عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ~~تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وارحم محمدا كما صليت وباركت وترحمت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد} وهذا إسناده ضعيف لكن رواه ابن ~~ماجه في سننه عن ابن مسعود موقوفا قال: إذا صليتم # PageV22P456 # على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة فإنكم لا تدرون لعل ذلك ~~يعرض عليه قال: فقولوا له فعلمنا: قال: " قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك ~~وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك: ~~إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به ~~الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ". ولا يحضرني إسناد هذا الأثر ولم ~~يبلغني إلى الساعة حديث مسند بإسناد ثابت " كما صليت على إبراهيم وكما ~~باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " بل أحاديث السنن توافق أحاديث الصحيحين ~~كما في سنن أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من ~~سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على ~~محمد النبي وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد} ms6882 رواه الشافعي في مسنده عن أبي هريرة قال قلنا: يا ~~رسول الله كيف نصلي عليك؟ يعني في الصلاة. قال: {تقولون: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت ~~على إبراهيم ثم تسلمون علي} . # PageV22P457 # ومن المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقولها ويعملها بألفاظ متنوعة - ورويت بألفاظ متنوعة - ~~طريقة محدثة بأن جمع بين تلك الألفاظ واستحب ذلك ورأى ذلك أفضل ما يقال ~~فيها. مثاله الحديث الذي في الصحيحين {عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه ~~قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل: اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك. وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم} قد روي " كثيرا " وروي " كبيرا " فيقول هذا القائل: ~~يستحب أن يقول " كثيرا كبيرا ". وكذلك إذا روي: " اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد " وروي: " اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته " وأمثال ذلك وهذه ~~طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين. وطرد هذه الطريقة أن ~~يذكر التشهد بجميع هذه الألفاظ المأثورة وأن يقال: الاستفتاح بجميع الألفاظ ~~المأثورة وهذا مع أنه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه أحد من أئمتهم بل عملوا ~~بخلافه فهو بدعة في الشرع فاسد في العقل. # PageV22P458 # أما الأول: فلأن تنوع ألفاظ الذكر والدعاء كتنوع ألفاظ القرآن مثل تعلمون ~~ويعلمون وباعدوا وبعدوا وأرجلكم وأرجلكم ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه ~~لا يستحب للقارئ في الصلاة والقارئ عبادة وتدبرا خارج الصلاة: أن يجمع بين ~~هذه الحروف إنما يفعل الجمع بعض القراء بعض الأوقات ليمتحن بحفظه للحروف ~~وتمييزه للقراءات وقد تكلم الناس في هذا. وأما الجمع في كل القراءة ~~المشروعة المأمور بها فغير مشروع باتفاق المسلمين بل يخير بين تلك الحروف ~~وإذا قرأ بهذه تارة وبهذه تارة كان حسنا كذلك الأذكار إذا قال تارة " ظلما ~~كثيرا " وتارة " ظلما كبيرا " كان حسنا ms6883 كذلك إذا قال تارة " على آل محمد " ~~وتارة " على أزواجه وذريته " كان حسنا. كما أنه في التشهد إذا تشهد تارة ~~بتشهد ابن مسعود وتارة بتشهد ابن عباس وتارة بتشهد عمر كان حسنا وفي ~~الاستفتاح إذا استفتح تارة باستفتاح عمر وتارة باستفتاح علي وتارة باستفتاح ~~أبي هريرة ونحو ذلك كان حسنا. وقد احتج غير واحد من العلماء كالشافعي وغيره ~~على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي في الصحاح عن # PageV22P459 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أنزل القرآن على سبعة أحرف - كلها ~~شاف كاف فاقرءوا بما تيسر} قالوا: فإذا كان القرآن قد رخص في قراءته سبعة ~~أحرف فغيره من الذكر والدعاء أولى أن يرخص في أن يقال على عدة أحرف. ومعلوم ~~أن المشروع في ذلك أن يقرأ أحدها أو هذا تارة وهذا تارة لا الجمع بينهما ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين هذه الألفاظ في آن واحد؛ بل قال ~~هذا تارة وهذا تارة إذا كان قد قالهما. وأما إذا اختلفت الرواية في لفظ فقد ~~يمكن أنه قالهما أو يمكن أنه رخص فيهما ويمكن أن أحد الراويين حفظ اللفظ ~~دون الآخر وهذا يجيء في مثل قوله " كبيرا " " كثيرا ". وأما مثل قوله: " ~~وعلى آل محمد " وقوله في الأخرى " وعلى أزواجه وذريته " فلا ريب أنه قال ~~هذا تارة وهذا تارة: ولهذا احتج من احتج بذلك على تفسير الآل وللناس في ذلك ~~قولان مشهوران. أحدهما أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهذا هو المنصوص ~~عن الشافعي وأحمد وعلى هذا ففي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته ~~روايتان عن أحمد: إحداهما: لسن من أهل بيته وهو قول زيد بن أرقم الذي رواه ~~مسلم في صحيحه عنه. # PageV22P460 # والثانية: هن من أهل بيته لهذا الحديث فإنه قال: " وعلى أزواجه وذريته " ~~وقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وقوله ~~في قصة إبراهيم: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} وقد دخلت سارة ولأنه ~~استثنى امرأة لوط من آله فدل ms6884 على دخولها في الآل وحديث الكساء يدل على أن ~~عليا وفاطمة وحسنا وحسينا أحق بالدخول في أهل البيت من غيرهم كما أن قوله ~~في المسجد المؤسس على التقوى: " هو مسجدي هذا " يدل على أنه أحق بذلك وأن ~~مسجد قباء أيضا مؤسس على التقوى؛ كما دل عليه نزول الآية وسياقها وكما أن ~~أزواجه داخلات في آله وأهل بيته كما دل عليه نزول الآية وسياقها وقد تبين ~~أن دخول أزواجه في آل بيته أصح وإن كان مواليهن لا يدخلون في موالي آله ~~بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة ونهيه عنها أبا رافع مولى العباس وعلى ~~هذا القول فآل المطلب هل هم من آله ومن أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة؟ ~~على روايتين عن أحمد. إحداهما: أنهم منهم وهو قول الشافعي. والثانية: ليسوا ~~منهم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني أن آل محمد هم أمته أو ~~الأتقياء من أمته وهذا # PageV22P461 # روي عن مالك إن صح وقاله طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. وقد يحتجون على ذلك ~~بما روى الخلال وتمام هذه أنه سئل عن آل محمد فقال: " كل مؤمن تقي " وهذا ~~الحديث موضوع لا أصل له. والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت ~~عنه أنه قال أحيانا. " وعلى آل محمد " وكان يقول أحيانا: " وعلى أزواجه ~~وذريته " فمن قال أحدهما أو هذا تارة وهذا تارة فقد أحسن. وأما من جمع ~~بينهما فقد خالف السنة. ثم إنه فاسد من جهة العقل أيضا فإن أحد اللفظين بدل ~~عن الآخر فلا يجمع بين البدل والمبدل ومن تدبر ما يقول وفهمه علم ذلك. وأما ~~الحكم في ذلك فيقال: لفظ آل فلان إذا أطلق في الكتاب والسنة دخل فيه فلان ~~كما في قوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} وقوله: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} وقوله: {أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} وقوله: {سلام على إل ياسين} ومنه قوله صلى الله عليه وسلم {اللهم ~~صل على آل أبي أوفى} . وكذلك لفظ: " أهل البيت ms6885 " كقوله تعالى: {رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت} فإن إبراهيم داخل فيهم وكذلك قوله: {من سره # PageV22P462 # أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على ~~محمد النبي} الحديث وسبب ذلك أن لفظ " الآل " أصله أول تحركت الواو وانفتح ~~ما قبلها فقلبت ألفا فقيل: آل ومثله باب وناب. وفي الأفعال قال وعاد ونحو ~~ذلك ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء ألفا فقد غلط؛ فإنه قال ما لا دليل عليه ~~وادعى القلب الشاذ بغير حجة مع مخالفته للأصل. وأيضا فإن لفظ الأهل يضيفونه ~~إلى الجماد وإلى غير المعظم كما يقولون: أهل البيت وأهل المدينة وأهل ~~الفقير وأهل المسكين وأما الآل فإنما يضاف إلى معظم من شأنه أن يئول غيره ~~أو يسوسه فيكون مآله إليه ومنه الإيالة: وهي السياسة فآل الشخص هم من يئوله ~~ويئول إليه ويرجع إليه ونفسه هي أول وأولى من يسوسه ويئول إليه؛ فلهذا كان ~~لفظ آل فلان متناولا له ولا يقال هو مختص به بل يتناوله ويتناول من يئوله ~~فلهذا جاء في أكثر الألفاظ " كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل ~~إبراهيم " وجاء في بعضها " إبراهيم " نفسه لأنه هو الأصل في الصلاة والزكاة ~~وسائر أهل بيته إنما يحصل لهم ذلك تبعا. وجاء في بعضها ذكر هذا وهذا تنبيها ~~على هذين. فإن قيل: فلم قيل: " صل على محمد وعلى آل محمد وبارك # PageV22P463 # على محمد وآل محمد فذكر هنا محمدا وآل محمد وذكر هناك لفظ " آل إبراهيم ~~أو إبراهيم ". (قيل: لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذكرت في مقام الطلب ~~والدعاء وأما الصلاة على إبراهيم ففي مقام الخبر والقصة؛ إذ قوله: على محمد ~~وعلى آل محمد " جملة طلبية وقوله " صليت على آل إبراهيم " جملة خبرية ~~والجملة الطلبية إذا بسطت كان مناسبا؛ لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص ~~بنقصانه. وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى لا يحتمل الزيادة ~~والنقصان فلم يكن في زيادة اللفظ زيادة المعنى فكان الإيجاز فيه والاختصار ~~أكمل وأتم وأحسن؛ ms6886 ولهذا جاء بلفظ آل إبراهيم تارة وبلفظ إبراهيم أخرى؛ لأن ~~كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر وهو الصلاة التي وقعت ومضت إذ قد ~~علم أن الصلاة على إبراهيم التي وقعت هي الصلاة على آل إبراهيم والصلاة على ~~آل إبراهيم صلاة على إبراهيم فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز ~~والاختصار. وأما في الطلب فلو قيل: " صل الله على محمد " لم يكن في هذا ما ~~يدل على الصلاة على آل محمد إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن ~~أمر قد وقع واستقر ولو قيل: صل على # PageV22P464 # آل محمد لكان إنما يصلي عليه في العموم. فقيل: على محمد وعلى آل محمد ~~فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصومه وبالصلاة على آله. ثم إن قيل: إنه داخل ~~في آله مع الاقتران كما هو داخل مع الإطلاق فقد صلى عليه مرتين خصوصا ~~وعموما وهذا ينشأ على قول من يقول: العام المعطوف على الخاص يتناول الخاص. ~~ولو (قيل: إنه لم يدخل لم يضر؛ فإن الصلاة عليه خصوصا تغني. وأيضا ففي ذلك ~~بيان أن الصلاة على سائر الآل إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذي بسببه ~~طلبت الصلاة على آله وهذا يتم بجواب السؤال المشهور وهو أن قوله: " كما ~~صليت على إبراهيم " يشعر بفضيلة إبراهيم لأن المشبه دون المشبه به وقد أجاب ~~الناس عن ذلك بأجوبة ضعيفة. فقيل: التشبيه عائد إلى الصلاة على الأول فقط ~~فقوله: " صل على محمد " كلام منقطع وقوله: {وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم} كلام مبتدأ وهذا نقله العمراني عن الشافعي وهذا باطل عن الشافعي ~~قطعا لا يليق بعلمه وفصاحته؛ فإن هذا كلام ركيك في غاية البعد وفيه من جهة ~~العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع. # PageV22P465 # الثاني: قول من منع كون المشبه به أعلى من المشبه وقال: يجوز أن يكونا ~~متماثلين قال صاحب هذا القول: والنبي صلى الله عليه وسلم يفضل على إبراهيم ~~من وجوه غير الصلاة وهما متماثلان في الصلاة وهذا أيضا ضعيف؛ فإن الصلاة من ms6887 ~~الله من أعلى المراتب أو أعلاها ومحمد أفضل الخلق فيها فكيف وقد أمر الله ~~بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه. وأيضا فالله وملائكته يصلون على ~~معلم الخير وهو أفضل معلمي الخير والأدلة كثيرة لا يتسع لها هذا الجواب. ~~الثالث: قول من قال: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد ~~فإذا طلب من الصلاة مثلما صلى على هؤلاء حصل لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم ~~فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد صلى الله عليه وسلم فحصل له بذلك ~~من الصلاة عليه مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره وهذا الجواب أحسن مما تقدم. ~~وأحسن منه أن يقال: محمد هو من آل إبراهيم كما روى علي ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس في قوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} قال ابن عباس: محمد من آل إبراهيم. وهذا بين؛ فإنه إذا دخل غيره ~~من الأنبياء في آل إبراهيم فهو أحق بالدخول فيهم فيكون قولنا: كما صليت على ~~آل # PageV22P466 # إبراهيم متناولا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية آل إبراهيم. وقد ~~قال تعالى: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} ثم أمرنا أن نصلي على محمد ~~وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما ثم لأهل ~~بيته من ذلك ما يليق بهم والباقي له فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم. ~~ومعلوم أن هذا أمر عظيم يحصل له به أعظم مما لإبراهيم وغيره فإنه إذا كان ~~المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله نصيب وافر من المشبه وله أكثر ~~المطلوب صار له من المشبه وحده أكثر مما لإبراهيم وغيره وإن كان جملة ~~المطلوب مثل المشبه وانضاف إلى ذلك ما له من المشبه به فظهر بهذا من فضله ~~على كل من النبيين ما هو اللائق به صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وجزاه ~~عنا أفضل ما جزى رسولا عن أمته. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على آل ms6888 إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد. # PageV22P467 # وسئل - رحمه الله -: # عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل الأفضل فيها سرا أم جهرا؟ وهل ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أزعجوا أعضاءكم بالصلاة علي} أم ~~لا؟ والحديث الذي يروى عن ابن عباس " أنه أمرهم بالجهر ليسمع من لم يسمع "؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # أما الحديث المذكور فهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم. وكذلك الحديث الآخر. ~~وكذلك سائر ما يروى في رفع الصوت بالصلاة عليه مثل الأحاديث التي يرويها ~~الباعة لتنفيق السلع أو يرويها السؤال من قصاص وغيرهم لجمع الناس وجبايتهم ~~ونحو ذلك. والصلاة عليه هي دعاء من الأدعية كما علم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمته حين قالوا: {قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك فقال: قولوا: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} ~~أخرجاه في الصحيحين. والسنة في الدعاء كله المخافتة إلا أن يكون هناك سبب ~~يشرع له الجهر # PageV22P468 # قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} وقال تعالى عن ~~زكريا: {إذ نادى ربه نداء خفيا} . بل السنة في الذكر كله ذلك كما قال ~~تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال} . وفي الصحيحين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معه ~~في سفر فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم {أيها الناس ~~أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا ~~إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} وهذا الذي ذكرناه في الصلاة ~~عليه والدعاء مما اتفق عليه العلماء فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلي ~~على النبي صلى الله عليه وسلم كما يدعو لا يرفع صوته بالصلاة عليه أكثر من ~~الدعاء سواء كان في ms6889 صلاة كالصلاة التامة وصلاة الجنازة أو كان خارج الصلاة ~~حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية ثم عقيب ذلك يصلي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدعو سرا وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله وصلى على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك. وكذلك لو ~~اقتصر على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة مثل أن يذكر فيصلي ~~عليه فإنه لم يستحب أحد من أهل العلم رفع # PageV22P469 # الصوت بذلك فقائل ذلك مخطئ مخالف لما عليه علماء المسلمين. وأما رفع ~~الصوت بالصلاة أو الرضى الذي يفعله بعض المؤذنين قدام بعض الخطباء في الجمع ~~فهذا مكروه أو محرم باتفاق الأمة لكن منهم من يقول: يصلي عليه سرا ومنهم من ~~يقول: يسكت والله أعلم. # وسئل: # عمن يقول: " اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من صلاتك ~~شيء وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء وارحم محمدا ~~وآل محمد حتى لا يبقى من رحمتك شيء وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى ~~من سلامك شيء "؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا الدعاء مأثورا عن أحد من السلف. وقول القائل: حتى لا ~~يبقى من صلاتك شيء ورحمتك شيء - إن أراد به أن ينفد ما عند الله من ذلك: ~~فهذا جاهل. فإن ما عند الله من الخير لا نفاد له وإن أراد أنه بدعائه معطيه ~~جميع ما يمكن أن يعطاه: فهذا أيضا جهل فإن دعاءه ليس هو السبب الممكن من ~~ذلك. # PageV22P470 # وسئل: # عن أقوام حصل بينهم كلام في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منهم من ~~قال: إنها فرض واجب في كل وقت ومن لا يصلي عليه يأثم وقال بعضهم: هي فرض في ~~الصلاة المكتوبة لأنها من فروض الصلاة وما عدا ذلك فغير فرض؛ لكن موعود ~~الذي يصلي عليه بكل مرة عشرة؟ # فأجاب: # الحمد لله، مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين أنها واجبة في الصلاة ~~ولا ms6890 تجب في غيرها ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى أنها لا ~~تجب في الصلاة ثم من هؤلاء من قال: تجب في العمر مرة ومنهم من قال: تجب في ~~المجلس الذي يذكر فيه والمسألة مبسوطة في غير هذا الموضع والله أعلم. # PageV22P471 # و ### | سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا # ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألف ~~مرة ومن لم يصل علي يبق في قلبه حسرات ولو دخل الجنة} . إذا صلى العبد على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي الله على ذلك العبد أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا} وفي السنن عنه أنه قال: {ما ~~اجتمع قوم في مجلس فلم يذكروا الله فيه ولم يصلوا فيه علي إلا كان عليهم ~~ترة يوم القيامة} . والترة التنغص والحسرة والله أعلم. # وسئل: # هل يجوز أن يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقال: اللهم صل ~~على فلان؟ . # PageV22P472 # فأجاب: # الحمد لله، قد تنازع العلماء: هل لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ~~على غير النبي صلى الله عليه وسلم مفردا؟ على قولين: أحدهما: المنع وهو ~~المنقول عن مالك والشافعي واختيار جدي أبي البركات. والثاني: أنه يجوز وهو ~~المنصوص عن أحمد واختيار أكثر أصحابه: كالقاضي وابن عقيل والشيخ عبد ~~القادر. واحتجوا بما روي عن علي أنه قال لعمر: صلى الله عليك. واحتج ~~الأولون بقول ابن عباس: لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي قاله ابن عباس قاله لما ظهرت الشيعة ~~وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهي عنه كما قال ابن عباس. ~~وأما ما نقل عن علي: فإذا لم يكن على وجه الغلو وجعل ذلك شعارا لغير الرسول ~~فهذا نوع من ms6891 الدعاء وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى: {هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دام # PageV22P473 # في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث} وفي حديث قبض الروح: {صلى الله عليك ~~وعلى جسد كنت تعمرينه} . ولا نزاع بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي على غيره كقوله: {اللهم صل على آل أبي أوفى} وأنه يصلي على غيره تبعا ~~له كقوله: {اللهم صل على محمد وعلى آل محمد} والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # المنصوص المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يدعو في الصلاة إلا بالأدعية ~~المشروعة المأثورة كما قال الأثرم: قلت لأحمد بماذا أدعو بعد التشهد؟ قال: ~~بما جاء في الخبر قلت له: أوليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثم ~~ليتخير من الدعاء ما شاء} ؟ قال: يتخير مما جاء في الخبر فعاودته فقال: ما ~~في الخبر. هذا معنى كلام أحمد. قلت: وقد بينت بعض أصل ذلك لقوله: {إنه لا ~~يحب المعتدين} وأن الدعاء ليس كله جائزا بل فيه عدوان محرم والمشروع # PageV22P474 # لا عدوان فيه وأن العدوان يكون تارة في كثرة الألفاظ وتارة في المعاني ~~كما قد فسر [أحد] (1) الصحابة ذلك إذ قال هذا لابنه لما قال: اللهم إني ~~أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها وقال الآخر: أسألك الجنة ~~وقصورها وأنهارها وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: أي بني سل ~~الله الجنة وتعوذ به من النار فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور} والاعتداء يكون في ~~العبادة وفي الزهد. وقول أحمد: بما جاء في الخبر. حسن فإن اللام في الدعاء ~~للدعاء الذي يحبه الله ليس لجنس الدعاء فإن من الدعاء ما يحرم. فإن قيل: ما ~~جاز من الدعاء خارج الصلاة جاز في الصلاة مثل سؤاله: دارا وجارية حسناء. ~~قيل: ومن قال: إن مثل هذا مشروع خارج الصلاة وإن ms6892 مثل هذه الألفاظ ليست من ~~العدوان؟ وحينئذ فيقال: الدعاء المستحب هو الدعاء المشروع فإن الاستحباب ~~إنما يتلقى من الشارع فما لم يشرعه لا يكون مستحبا بل يكون شرع من الدين ما ~~لم يأذن به الله فإن الدعاء من أعظم الدين لكن إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه ~~مستحب أو علم أنه جائز غير مستحب: لم تبطل صلاته بذلك؛ فإن الصلاة إنما ~~تبطل بكلام الآدميين والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين؛ بل هو PageV22P475 # كما لو أثنى على الله بثناء لم يشرع له؛ وقد وجد مثل هذا من بعض الصحابة ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناء لم يشرع له ~~في ذلك المكان بل نفى ما له فيه من الأجر. ومن الدعاء ما يكون مكروها ولا ~~تبطل به الصلاة ومنه ما تبطل به الصلاة فالدعاء خمسة أقسام: الذي يشرع هو ~~الواجب والمستحب. وأما المباح فلا يستحب ولا يبطل الصلاة. والمكروه يكره ~~ولا يبطلها كالالتفات في الصلاة وكما لو تشهد في القيام أو قرأ في القعود. ~~والمحرم يبطلها؛ لأنه من الكلام. وهذا تحقيق قول أحمد فإنه لم يبطل الصلاة ~~بالدعاء غير المأثور؛ لكنه لم يستحبه؛ إذ لا يستحب غير المشروع وبين أن ~~التخيير عاد إلى المشروع والمشروع يكون بلفظ النص وبمعناه إذ لم يقيد النبي ~~صلى الله عليه وسلم الدعاء بلفظ واحد كالقراءة. ولهذا لما كانت صلاة ~~الجنازة مقصودها الدعاء لم يوقت فيها وقتا ولما كان الذكر أفضل كان أقرب ~~إلى التوقيت كالأذان والتلبية ونحو ذلك. فأما قول الجد - رحمه الله - إلا ~~بما ورد في الأخبار وبما يرجع إلى أمر دينه. ففيه نظر؛ فإن أحمد لم يذكر ~~إلا الأخبار وأيضا # PageV22P476 # فالدعاء بمصالح الدنيا جائز فإنه مشروع والدعاء ببعض أمور الدين قد يكون ~~من العدوان كما ذكر عن الصحابة وكما لو سأل منازل الأنبياء. فالأجود أن ~~يقال: إلا بالدعاء المشروع المسنون وهو ما وردت به الأخبار وما كان في ~~معناه؛ لأن ذلك لم يوجب علينا التعبد بلفظه كالقرآن. ms6893 # ونحن منعنا من ترجمة القرآن؛ لأن لفظه مقصود وكذلك التكبير ونحوه فأما ~~الدعاء فلم يوقت فيه لفظ؛ لكن كرهه أحمد بغير العربية فالمراتب ثلاثة. ~~القراءة والذكر والدعاء باللفظ المنصوص ثم باللفظ العربي في معنى المنصوص ~~ثم باللفظ العجمي. فهذا كرهه أحمد في الصلاة وفي البطلان به خلاف وهو من ~~باب البدل وأهل الرأي يجوزون - مع تشددهم في المنع من الكلام في الصلاة حتى ~~كرهوا الدعاء الذي ليس في القرآن أو ليس في الخبر وأبطلوا به الصلاة ~~ويجوزون - الترجمة بالعجمية فلم يجعل بالعربية عبادة وجوزوا التكبير بكل ~~لفظ يدل على التعظيم. فهم توسعوا في إبدال القرآن بالعجمية وفي إبدال الذكر ~~بغيره من الأذكار ولم يتوسعوا مثله في الدعاء. وأحمد وغيره من الأئمة # PageV22P477 # بالعكس: الدعاء عندهم أوسع وهذا هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه} ولم يوقت في دعاء الجنازة شيئا ولم ~~يوقت لأصحابه دعاء معينا كما وقت لهم الذكر فكيف يقيد ما أطلقه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الدعاء ويطلق ما قيده من الذكر مع أن الذكر أفضل من ~~الدعاء كما قررناه في غير هذا الموضع. ولهذا توجب الأذكار العلمية ما لم ~~يجب من الثنائية. ولهذا كان أفضل الكلام بعد القرآن الكلمات الباقيات ~~الصالحات: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات لمن عجز عن القرآن وقال: " هن أفضل ~~الكلام بعد القرآن " ولهذا كان أفضل الاستفتاحات في الصلاة ما تضمنت ذلك ~~وهو قوله: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " ~~لما قد بيناه في غير هذا الموضع. وذكرنا أن هذا ثناء فهو أفضل من الدعاء ~~وهو ثناء بمعنى أفضل الكلام بعد القرآن وذلك مقتض للإجابة يبين ذلك ما رواه ~~البخاري في صحيحه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV22P478 # {من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ms6894 ~~الحمد وهو على كل شيء قدير. الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله ودعا استجيب له وإن توضأ قبلت صلاته} فقد أخبر أن هذه ~~الكلمات الخمس إذا افتتح بها المستيقظ من الليل كلامه كان ذلك سببا لإجابة ~~دعائه ولقبول صلاته إذا توضأ بعد ذلك فيكون افتتاح الصلاة بذلك سببا ~~لقبولها وما فيها من الدعاء وحمد الله والثناء عليه قبل دعائه؛ ولذلك أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث المسيء فقال: {كبر فاحمد الله وأثن ~~عليه ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن} . وأيضا ففي أحاديث أخر من أحاديث ~~الافتتاح أنه كان يقول: {الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ~~الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا} وهذا معناها. وأيضا ~~فإنها مستحبة بين تكبيرات العيد الزوائد كما نقل ذلك عن ابن مسعود وتلك ~~التكبيرات هي من جنس تكبيرات الافتتاح. وأيضا ففي الحديث الآخر من أحاديث ~~الاستفتاح أنه كان يكبر عشرا ويحمد عشرا ويسبح عشرا أو كما قال. فتوافق ~~معاني الأحاديث الكثيرة على معنى هذا الافتتاح كتوافق معنى تشهد أبي # PageV22P479 # موسى وغيره على معنى تشهد ابن مسعود وإذا كان الذكر الواحد قد جاءت عامة ~~الأذكار بمعناه كان أرجح مما لم يجئ فيه إلا حديث واحد؛ لأنه يدل على كثرة ~~قصد النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المعاني وما كثر قصده واختياره له كان ~~مقدما على ما لم يكثر. ويؤيد ذلك أن هذه الكلمات مشروعة في دبر الصلوات ~~المكتوبات أيضا كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة فتكون هي من الفواتح ~~والخواتم التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أوتي فواتح الكلم ~~وجوامعه وخواتمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # وسئل - رحمه الله -: # هل الدعاء عقيب الفرائض أم السنن أم بعد التشهد في الصلاة؟ # فأجاب: # السنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها ويأمر بها أن يدعو في ~~التشهد قبل السلام كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد: ms6895 {اللهم ~~إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا ~~والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال} . # PageV22P480 # وفي الصحيح أيضا أنه أمر بهذا الدعاء بعد التشهد وكذلك في الصحيح أنه كان ~~يقول بعد التشهد قبل السلام: {اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت ~~وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت} وفي ~~الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: ~~{قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي ~~مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم} . وفي الصحيح أحاديث غير هذه ~~أنه كان يدعو بعد التشهد وقبل السلام وكان يدعو في سجوده وفي رواية كان ~~يدعو إذا رفع رأسه من الركوع وكان يدعو في افتتاح الصلاة ولم يقل أحد عنه ~~أنه كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام بل كان يذكر الله بالتهليل ~~والتحميد والتسبيح والتكبير كما جاء في الأحاديث الصحيحة والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن قال: لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما # ولا يقول: يا حنان يا منان ولا يقول: يا دليل الحائرين فهل له أن يقول ~~ذلك؟ . # PageV22P481 # فأجاب: # الحمد لله، هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين كأبي محمد بن ~~حزم وغيره؛ فإن جمهور العلماء على خلافه وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها ~~وهو الصواب لوجوه. # أحدها أن التسعة والتسعين اسما لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن ~~مسلم عن شعيب عن أبي حمزة وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه ~~الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث وفيها حديث ثان أضعف من هذا. رواه ~~ابن ماجه. وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف. وهذا ~~القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه ms6896 استخراجها من القرآن ~~وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هي التي يجوز ~~الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور فكل اسم ~~يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور وإن قيل: لا ~~تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة. قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين. # الوجه الثاني: أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذي مثلا ففي ~~الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث مثل اسم # PageV22P482 # " الرب " فإنه ليس في حديث الترمذي وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا ~~الاسم كقول آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا} . وقول نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم} وقول إبراهيم: {ربنا اغفر لي ولوالدي} وقول موسى: {رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وقول المسيح: {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء} وأمثال ذلك. حتى أنه يذكر عن مالك وغيره أنهم كرهوا أن يقال يا ~~سيدي بل يقال: يا رب لأنه دعاء النبيين وغيرهم كما ذكر الله في القرآن. ~~وكذلك اسم " المنان " ففي الحديث الذي رواه أهل السنن {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سمع داعيا يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الملك أنت الله المنان ~~بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل ~~به أعطى} وهذا رد لقول من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان. وقد قال ~~الإمام أحمد - رضي الله عنه - لرجل ودعه قل: يا دليل الحائرين دلني على ~~طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين. وقد أنكر طائفة من أهل الكلام: ~~كالقاضي أبي بكر وأبي الوفاء ابن عقيل أن يكون من أسمائه الدليل؛ لأنهم ~~ظنوا أن الدليل # PageV22P483 # هو الدلالة التي يستدل بها والصواب ما عليه الجمهور؛ لأن الدليل في الأصل ~~هو المعرف للمدلول ولو كان الدليل ما يستدل به فالعبد ms6897 يستدل به أيضا فهو ~~دليل من الوجهين جميعا. وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن الله وتر يحب الوتر} . وليس هذا الاسم في هذه التسعة ~~والتسعين وثبت عنه في الصحيح أنه " قال: {إن الله جميل يحب الجمال} وليس هو ~~فيها وفي الترمذي وغيره أنه قال: {إن الله نظيف يحب النظافة} وليس هذا فيها ~~وفي الصحيح عنه أنه قال: {إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا} وليس هذا فيها. ~~وتتبع هذا يطول. ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذي: ~~الله. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. ~~الحبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. ~~الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. ~~البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. ~~العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. ~~الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي # PageV22P484 # المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي ~~القيوم. الواجد. الماجد. الأحد - ويروى الواحد - الصمد القادر. المقتدر. ~~المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. ~~التواب. المنتقم. العفو. الرءوف. مالك الملك ذو الجلال والإكرام. المقسط. ~~الجامع. الغني. المغني. المعطي. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. ~~البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور. الذي ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ". ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه: السبوح وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {سبوح قدوس} واسمه " ~~الشافي " كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول: {أذهب البأس رب الناس واشف أنت ~~الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما} وكذلك أسماؤه المضافة مثل: ~~أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين ~~وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت في الكتاب ~~والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين وليس من هذه التسعة والتسعين. ~~الوجه الثالث: ما احتج به الخطابي وغيره وهو حديث ابن مسعود عن النبي صلى ms6898 ~~الله عليه وسلم أنه قال: {ما أصاب عبدا قط # PageV22P485 # هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في ~~حكمك عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ~~أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم في الغيب عندك أن تجعل القرآن ~~العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي إلا أذهب الله همه ~~وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي ~~لمن سمعهن أن يتعلمهن} رواه الإمام أحمد في المسند وأبو حاتم وابن حبان في ~~صحيحه. قال الخطابي وغيره: فهذا يدل على أن له أسماء استأثر بها وذلك يدل ~~على أن قوله: {إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة} أن في أسمائه ~~تسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل: إن لي ألف درهم أعددتها ~~للصدقة وإن كان ماله أكثر من ذلك. والله في القرآن قال: {ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها} فأمر أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقا ولم يقل: ليست ~~أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسما والحديث قد سلم معناه والله أعلم. # PageV22P486 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال: إذا دعا العبد لا يقول: يا الله يا رحمان؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا خلاف بين المسلمين أن العبد إذا دعا ربه يقول: يا الله يا ~~رحمن وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام كما قال تعالى: {قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دعائه: {يا الله يا رحمن} فقال المشركون: محمد ينهانا أن ~~ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فقال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أي المدعو إله واحد وإن تعددت ~~أسماؤه كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه} . ومن أنكر أن يقال: يا الله يا رحمن فإنه يستتاب فإن تاب ms6899 وإلا ~~قتل والله أعلم. # PageV22P487 # وسئل: # عن امرأة سمعت في الحديث " اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك " إلى ~~آخره فداومت على هذا اللفظ فقيل لها: قولي: اللهم إني أمتك بنت أمتك إلى ~~آخره. فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هي مصيبة أم لا؟ # فأجاب: # بل ينبغي لها أن تقول: اللهم إني أمتك بنت عبدك ابن أمتك فهو أولى وأحسن. ~~وإن كان قولها: عبدك ابن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج والله أعلم. # سئل: # عن رجل دعا دعاء ملحونا فقال: له رجل ما يقبل الله دعاء ملحونا؟ # فأجاب: # من قال هذا القول فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه السلف وأما ~~من دعا الله مخلصا له الدين بدعاء جائز سمعه # PageV22P488 # الله وأجاب دعاءه سواء كان معربا أو ملحونا والكلام المذكور لا أصل له؛ ~~بل ينبغي للداعي إذا لم يكن عادته الإعراب أن لا يتكلف الإعراب قال بعض ~~السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء ~~فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع ~~للقلب. ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه ولهذا يدعو ~~المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك وهذا أمر يجده كل مؤمن في ~~قلبه. والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية والله سبحانه يعلم قصد الداعي ~~ومراده وإن لم يقوم لسانه فإنه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع ~~الحاجات. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # وأما السلام من الصلاة: فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة ~~تسليمة واحدة في جميع الصلاة فرضها ونفلها المشتملة على الأركان الفعلية أو ~~على ركن واحد. # PageV22P489 # وعند أهل الكوفة: تسليمتان في جميع ذلك ووافقهم الشافعي والمختار في ~~المشهور عن أحمد: أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع وسجود يسلم ~~منها تسليمتان وأما الصلاة بركن واحد كصلاة الجنائز وسجود التلاوة وسجود ~~الشكر: فالمختار فيها تسليمة واحدة كما جاءت أكثر الآثار بذلك. فالخروج من ~~الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد ms6900 ومن الركن الفعلي المفرد ~~بالتسليم المفرد؛ فإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة فما طولها ~~أعطى كل جزء منها حظه من الطول وما خففها أدخل التخفيف على عامة أجزائها. # وسئل: # عن رجل: إذا سلم عن يمينه يقول: السلام عليكم ورحمة الله أسألك الفوز ~~بالجنة. وعن شماله: السلام عليكم أسألك النجاة من النار فهل هذا مكروه أم ~~لا؟ فإن كان مكروها فما الدليل على كراهته؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يكره هذا؛ لأن هذا بدعة فإن هذا # PageV22P490 # لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبه أحد من العلماء وهو ~~إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل ~~التسليمة بالآخر وليس لأحد فصل الصفة المشروعة بمثل هذا كما لو قال: سمع ~~الله لمن حمده أسألك الفوز بالجنة ربنا ولك الحمد أسألك النجاة من النار ~~وأمثال ذلك والله أعلم. # PageV22P491 ### | باب الذكر بعد الصلاة # وسئل - رحمه الله -: # عن {حديث عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اقرأ ~~بالمعوذات دبر كل صلاة} {وعن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء ~~أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة} {وعن معاذ بن جبل أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال: يا معاذ والله إني لأحبك فلا ~~تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} فهل ~~هذه الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد الخروج من الصلاة سنة. أفتونا وابسطوا ~~القول في ذلك مأجورين؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن والمساند تدل ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاته قبل الخروج منها ~~وكان يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم ذلك ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعا لا ~~في الفجر ولا في العصر ولا في غيرهما من الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان ms6901 # PageV22P492 # يستقبل أصحابه ويذكر الله ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج من الصلاة. ففي ~~الصحيح {أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثا ويقول: اللهم أنت السلام ومنك ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام} وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن ~~شعبة أنه كان يقول: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد} . وفي الصحيح من حديث ابن الزبير " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يهلل بهؤلاء الكلمات: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا ~~الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا ~~الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} وفي الصحيح عن ابن عباس: {أن رفع ~~الناس أصواتهم بالذكر كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم} . وفي لفظ كنا ~~نعرف انقضاء صلاته بالتكبير. والأذكار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعلمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع: # PageV22P493 # أحدها: {أنه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا ~~وثلاثين. فتلك تسع وتسعون ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده. لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} . رواه مسلم في صحيحه. ~~والثاني: يقولها خمسا وعشرين ويضم إليها " لا إله إلا الله " وقد رواه ~~مسلم. والثالث: يقول الثلاثة ثلاثا وثلاثين وهذا على وجهين: أحدهما: أن ~~يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين. والثاني: أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة ~~والثلاث والثلاثون في الحديث المتفق عليه في الصحيحين. والخامس: يكبر أربعا ~~وثلاثين ليتم مائة. والسادس: يقول: الثلاثة عشرا عشرا. فهذا هو الذي مضت به ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مناسب لأن المصلي يناجي ربه. فدعاؤه ~~له ومسألته إياه وهو يناجيه أولى به من مسألته ودعائه بعد انصرافه عنه. ms6902 # PageV22P494 # وأما الذكر بعد الانصراف فكما قالت عائشة - رضي الله عنها - هو مثل مسح ~~المرآة بعد صقالها فإن الصلاة نور فهي تصقل القلب كما تصقل المرآة ثم الذكر ~~بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة وقد قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ~~ربك فارغب} قيل: إذا فرغت من أشغال الدنيا فانصب في العبادة وإلى ربك ~~فارغب. وهذا أشهر القولين. وخرج شريح القاضي على قوم من الحاكة يوم عيد وهم ~~يلعبون فقال: ما لكم تلعبون؟ قالوا: إنا تفرغنا قال: أوبهذا أمر الفارغ؟ ~~وتلا قوله تعالى {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} . ويناسب هذا قوله ~~تعالى {يا أيها المزمل} {قم الليل إلا قليلا} إلى قوله: {إن ناشئة الليل هي ~~أشد وطئا وأقوم قيلا} {إن لك في النهار سبحا طويلا} أي ذهابا ومجيئا ~~وبالليل تكون فارغا. وناشئة الليل في أصح القولين: إنما تكون بعد النوم ~~يقال نشأ إذا قام بعد النوم؛ فإذا قام بعد النوم كانت مواطأة قلبه للسانه ~~أشد لعدم ما يشغل القلب وزوال أثر حركة النهار بالنوم وكان قوله (أقوم. وقد ~~قيل: {فإذا فرغت} من الصلاة {فانصب} في الدعاء {وإلى ربك فارغب} . وهذا ~~القول سواء كان صحيحا أو لم يكن فإنه يمنع الدعاء في آخر الصلاة لا سيما ~~والنبي صلى الله عليه وسلم هو المأمور بهذا فلا بد أن يمتثل ما أمره الله ~~به. # PageV22P495 # ودعاؤه في الصلاة المنقول عنه في الصحاح وغيرها إنما كان قبل الخروج من ~~الصلاة وقد قال لأصحابه في الحديث الصحيح {إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من ~~أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة ~~المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال} وفي حديث ابن مسعود الصحيح لما ذكر ~~التشهد قال: {ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه} وقد روت عائشة وغيرها دعاءه ~~في صلاته بالليل. وأنه كان قبل الخروج من الصلاة. فقول من قال: إذا فرغت من ~~الصلاة فانصب في الدعاء يشبه قول من قال في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد ~~فإذا فعلت ذلك ms6903 فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد. ~~وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام من ~~أدرجها في حديث ابن مسعود كما يقول ذلك من ذكره من أئمة الحديث. ففيها أن ~~قائل ذلك جعل ذلك قضاء للصلاة فهكذا جعله هذا المفسر فراغا من الصلاة مع أن ~~تفسير قوله: {فإذا فرغت فانصب} أي فرغت من الصلاة قول ضعيف فإن قوله: إذا ~~فرغت مطلق ولأن الفارغ إن أريد به الفارغ من العبادة فالدعاء أيضا عبادة ~~وإن أريد به الفراغ من # PageV22P496 # أشغال الدنيا بالصلاة فليس كذلك. يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن ~~الصلاة يدعى فيها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيها فقد ثبت عنه ~~في الصحيح أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح: {اللهم باعد بيني وبين خطاياي ~~كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض ~~من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد} وأنه كان يقول: ~~{اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت ~~بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن ~~الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني ~~سيئها إلا أنت} . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع ~~وثبت عنه الدعاء في الركوع والسجود سواء كان في النفل أو في الفرض وتواتر ~~عنه الدعاء آخر الصلاة. وفي الصحيحين {أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم} فإذا كان الدعاء مشروعا في الصلاة لا سيما في آخرها ~~فكيف يقول: # PageV22P497 # إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء والذي فرغ منه هو نظير الذي أمر به ~~فهو ms6904 في الصلاة كان ناصبا في الدعاء لا فارغا. ثم إنه لم يقل مسلم إن الدعاء ~~بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى منه في الصلاة ثم لو كان قوله: ~~(فانصب في الدعاء لم يحتج إلى قوله: {وإلى ربك فارغب} فإنه قد علم أن ~~الدعاء إنما يكون لله. فعلم أنه أمره بشيئين: أن يجتهد في العبادة عند ~~فراغه من أشغاله وأن تكون رغبته إلى ربه لا إلى غيره كما في قوله: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} فقوله: {إياك نعبد} موافق لقوله فانصب. وقوله: {وإياك ~~نستعين} موافق لقوله: {وإلى ربك فارغب} ومثله قوله {فاعبده وتوكل عليه} ~~وقوله: {هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} وقول شعيب عليه ~~السلام {عليه توكلت وإليه أنيب} ومنه الذي يروى عند دخول المسجد: {اللهم ~~اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأفضل من سألك ورغب إليك} ~~والأثر الآخر وإليك الرغباء والعمل وذلك أن دعاء الله المذكور في القرآن ~~نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة ورغبة فقوله: {فانصب} {وإلى ربك فارغب} يجمع ~~نوعي دعاء الله قال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا} وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه ~~عند ربه} الآية ونظائره كثيرة. # PageV22P498 # وأما لفظ " دبر الصلاة " فقد يراد به آخر جزء منه وقد يراد به ما يلي آخر ~~جزء منه. كما في دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه ومثله لفظ " العقب " قد يراد ~~به الجزء المؤخر من الشيء كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلي ذلك. فالدعاء ~~المذكور في دبر الصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث ~~أو يراد به ما يلي آخرها ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمي ذلك قضاء للصلاة ~~وفراغا منها حيث لم يبق إلا السلام المنافي للصلاة؛ بحيث لو فعله عمدا في ~~الصلاة بطلت صلاته ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة في الصلاة أو يكون مطلقا ~~أو مجملا. وبكل حال فلا يجوز ms6905 أن يخص به ما بعد السلام؛ لأن عامة الأدعية ~~المأثورة كانت قبل ذلك ولا يجوز أن يشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة ~~المتواترة بالألفاظ الصريحة. والناس لهم في هذه فيما بعد السلام ثلاثة ~~أحوال: منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء ولا ~~غير ذلك وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون للإمام أن يستديم ~~استقبال القبلة بعد السلام فظنوا أن ذلك يوجب قيامه من مكانه ولم يعلموا أن ~~انصرافه مستقبل المأمومين بوجهه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ~~يحصل هذا المقصود # PageV22P499 # وهذا يفعله من يفعله من أصحاب مالك. ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم ~~بعد السلام ثم منهم من يرى ذلك في الصلوات الخمس ومنهم من يراه في صلاة ~~الفجر والعصر كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم وليس مع ~~هؤلاء بذلك سنة وإنما غايتهم التمسك بلفظ مجمل أو بقياس كقول بعضهم ما بعد ~~الفجر والعصر ليس بوقت صلاة فيستحب فيه الدعاء ومن المعلوم أن ما تقدمت به ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة بل المتواترة لا يحتاج ~~فيه إلى مجمل ولا إلى قياس. وأما قول عقبة بن عامر: أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن اقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة فهذا بعد الخروج منها. وأما ~~{حديث أبي أمامة قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ~~ودبر الصلوات المكتوبة} فهذا يجب أن لا يخص ما بعد السلام بل لا بد أن ~~يتناول ما قبل السلام. وإن قيل: إنه يعم ما قبل السلام وما بعده لكن ذلك لا ~~يستلزم أن يكون دعاء الإمام والمأموم جميعا بعد السلام سنة كما لا يلزم مثل ~~ذلك قبل السلام بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام فهذا لا يخالف السنة. ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: # PageV22P500 # {لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن ~~عبادتك} يتناول ms6906 ما قبل السلام. ويتناول ما بعده أيضا كما تقدم فإن معاذا ~~كان يصلي إماما بقومه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إماما وقد ~~بعثه إلى اليمن معلما لهم فلو كان هذا مشروعا للإمام والمأموم مجتمعين على ~~ذلك كدعاء القنوت لكان يقول: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك فلما ذكره بصيغة ~~الإفراد علم أنه لا يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع. ومما يوضح ذلك ~~ما في الصحيح عن البراء بن عازب قال: {كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال: فسمعته ~~يقول: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك أو يوم تجمع عبادك} فهذا فيه دعاؤه صلى ~~الله عليه وسلم بصيغة الإفراد كما في حديث معاذ وكلاهما إمام. وفيه أنه كان ~~يستقبل المأمومين وأنه لا يدعو بصيغة الجمع وقد ذكر حديث معاذ بعض من صنف ~~الأحكام: في الأدعية في الصلاة قبل السلام موافقة لسائر الأحاديث كما في ~~مسلم والسنن الثلاثة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا ~~فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب ~~القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال} # PageV22P501 # وفي مسلم وغيره عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: {اللهم إني أعوذ بك ~~من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ~~وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال} . وفي السنن {أنه قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لرجل: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك ~~الجنة وأعوذ بك من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال صلى ~~الله عليه وسلم حولهما ندندن} رواه أبو داود وأبو حاتم في صحيحه وظاهر هذا ~~أن دندنتهما أيضا بعد التشهد في الصلاة ليكون نطير ما قاله. وعن شداد بن ~~أوس {أن رسول الله ms6907 صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك ~~الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك ~~قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم ~~وأستغفرك لما تعلم} رواه النسائي. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها " ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة {: اللهم إني أعوذ بك من ~~عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا ~~والممات اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم فقال له قائل: ما أكثر ما ~~تستعيذ # PageV22P502 # يا رسول الله من المغرم قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف} . ~~قال المصنف في الأحكام: والظاهر أن هذا يدل على أنه كان بعد التشهد. يدل ~~عليه حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد التشهد: ~~{اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة ~~المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال} . وقد تقدم حديث ابن عباس ~~الذي في الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن ~~وحديث أبي هريرة وأنه يقال بعد التشهد: وقد روى في لفظ الدبر ما رواه ~~البخاري وغيره عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما ~~يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يتعوذ بهن دبر الصلاة: {اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن ~~وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب ~~القبر} . وفي النسائي عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ~~دبر الصلاة: {اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر} . وفي ~~النسائي أيضا {عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي # PageV22P503 # امرأة من اليهود. فقالت: إن عذاب القبر من البول فقلت كذبت فقالت: بلى ~~إنا لنقرض ms6908 منه الجلود والثوب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ~~وقد ارتفعت أصواتنا فقال: ما هذا فأخبرته بما قالت قال: صدقت فما صلى بعد ~~يومئذ إلا قال في دبر الصلاة: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرني من ~~حر النار وعذاب القبر} . قال المصنف في " الأحكام ": والظاهر أن المراد ~~بدبر الصلاة في الأحاديث الثلاثة قبل السلام توفيقا بينه وبين ما تقدم من ~~حديث ابن عباس وأبي هريرة. قلت: وهذا الذي قاله صحيح فإن هذا الحديث في ~~الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب ~~القبر فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة - رضي الله عنها - ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال: {نعم عذاب القبر حق} . ~~قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ ~~من عذاب القبر. والأحاديث في هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ما تقدم ~~والله أعلم. # PageV22P504 # وسئل: # عن جماعة يسبحون الله ويحمدونه ويكبرونه هل ذلك سنة أم مكروه؟ وربما في ~~الجماعة من يثقل بالتطويل من غير ضرورة؟ # فأجاب: # التسبيح والتكبير عقب الصلاة مستحب ليس بواجب ومن أراد أن يقوم قبل ذلك ~~فله ذلك ولا ينكر عليه وليس لمن أراد فعل المستحب أن يتركه ولكن ينبغي ~~للمأموم أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام أي ينتقل عن القبلة ولا ينبغي للإمام ~~أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثا ويقول: {اللهم ~~أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام} . وإذا انتقل الإمام ~~فمن أراد أن يقوم قام ومن أحب أن يقعد يذكر الله فعل ذلك. # PageV22P505 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # فصل: # وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: ~~{سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات} . وأما عده بالنوى والحصى ~~ونحو ذلك فحسن وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ms6909 تسبح بالحصى وأقرها على ذلك وروي أن أبا ~~هريرة كان يسبح به. # وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم ~~من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأما اتخاذه من غير ~~حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ~~ذلك فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة: ~~الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة فإن مراءاة الناس في العبادات ~~المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب قال الله # PageV22P506 # تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} ~~{ويمنعون الماعون} وقال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} . ~~فأما المرائي بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله وأن الله يعاقبه لكونه لم ~~يعبده مخلصا له الدين والله تعالى يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وقال ~~تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله ~~الدين الخالص} فهذا في القرآن كثير. وأما المرائي بنوافل الصلاة والصوم ~~والذكر وقراءة القرآن: فلا يظن الظان أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط بحيث ~~يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب على قصده شهرة عبادة غير ~~الله إذ هي عبادات مختصة ولا تصح إلا من مسلم ولا يجوز إيقاعها على غير وجه ~~التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد كالتعليم والإمامة فهذا في الاستئجار عليه ~~نزاع بين العلماء والله أعلم. # PageV22P507 # و ### | سئل: # عن قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة # في جماعة هل هي مستحبة أم لا؟ وما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة؟ وقوله: " دبر كل صلاة "؟ . # فأجاب: # الحمد لله قد روي في قراءة آية الكرسي عقيب الصلاة حديث لكنه ضعيف ولهذا ~~لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها ms6910 فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعي ولم ~~يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة ~~آية الكرسي ولا غيرها من القرآن فجهر الإمام والمأموم بذلك والمداومة عليها ~~بدعة مكروهة بلا ريب فإن ذلك إحداث شعار بمنزلة أن يحدث آخر جهر الإمام ~~والمأمومين بقراءة الفاتحة دائما أو خواتيم البقرة أو أول الحديد أو آخر ~~الحشر أو بمنزلة اجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقيب ~~الفريضة ونحو ذلك مما لا ريب أنه من البدع. وأما إذا قرأ الإمام آية الكرسي ~~في نفسه أو قرأها أحد المأمومين فهذا لا بأس به إذ قراءتها عمل صالح وليس ~~في ذلك تغيير لشعائر # PageV22P508 # الإسلام كما لو كان له ورد من القرآن والدعاء والذكر عقيب الصلاة. وأما ~~الذي ثبت في فضائل الأعمال في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر ~~عقيب الصلاة ففي الصحيح عن المغيرة بن شعبة أنه كان يقول دبر كل صلاة: {لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . ~~وفي الصحيح أيضا عن ابن الزبير أنه كان يقول: {لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله ولا نعبد ~~إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون} وثبت في الصحيح أنه قال: {من سبح دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وذلك تسعة وتسعون ~~وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر} . وقد روي في الصحيحين ~~أنه يقول: كل واحد خمسة وعشرين ويزيد فيها التهليل وروي أنه يقول كل واحد ~~عشرة ويروى إحدى عشرة مرة وروي ms6911 أنه يكبر أربعا وثلاثين. {وعن ابن عباس أن ~~رفع # PageV22P509 # الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم} قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته وفي ~~لفظ {: ما كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~بالتكبير} . فهذه هي الأذكار التي جاءت بها السنة في أدبار الصلاة. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يقول: أنا أعتقد أن من أحدث شيئا من الأذكار غير ما شرعه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصح عنه أنه قد أساء وأخطأ إذ لو ارتضى أن يكون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نبيه وإمامه ودليله لاكتفى بما صح عنه من الأذكار ~~فعدوله إلى رأيه واختراعه جهل وتزيين من الشيطان وخلاف للسنة إذ الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يترك خيرا إلا دلنا عليه وشرعه لنا ولم يدخر الله عنه ~~خيرا؛ بدليل إعطائه خير الدنيا والآخرة؛ إذ هو أكرم الخلق على الله فهل ~~الأمر كذلك أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات والعبادات ~~مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى # PageV22P510 # والابتداع فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر ~~والدعاء وسالكها على سبيل أمان وسلامة والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر ~~عنه لسان ولا يحيط به إنسان وما سواها من الأذكار قد يكون محرما وقد يكون ~~مكروها وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس وهي جملة يطول ~~تفصيلها. وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ~~ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل ~~هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن ~~يجعله للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم ~~بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به. وهذا كما أن الإنسان ~~عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت ms6912 فهذا وأمثاله قريب. وأما ~~اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففي ~~الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد ~~العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو ~~مفرط أو متعد. # PageV22P511 # وسئل - رحمه الله -: # عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا؟ ومن أنكر على إمام لم يدع عقيب ~~صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطئ؟ # فأجاب: # الحمد لله، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هو والمأمومون عقيب ~~الصلوات الخمس كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر؛ ولا نقل ذلك عن أحد ~~ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط ~~عليه ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم ~~يستحبوا ذلك. ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء ~~بعد الفجر والعصر. قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء ~~عن الصلاة. واستحب طائفة أخرى من أصحاب الشافعي وغيره الدعاء عقيب الصلوات ~~الخمس وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه # PageV22P512 # ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء فإن هذا ليس مأمورا به لا أمر ~~إيجاب ولا أمر استحباب في هذا الموطن والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه؛ ~~بل الفاعل أحق بالإنكار فإن المداومة على ما لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعا؛ بل مكروه كما لو داوم على ~~الدعاء قبل الدخول في الصلوات أو داوم على القنوت في الركعة الأولى أو في ~~الصلوات الخمس أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل صلاة ونحو ذلك. فإنه ~~مكروه وإن كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا وقد كان عمر يجهر بالاستفتاح أحيانا وجهر رجل خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنحو ذلك فأقره عليه فليس كل ما يشرع فعله أحيانا تشرع المداومة ~~عليه. ولو دعا الإمام ms6913 والمأموم أحيانا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا ~~مخالفا للسنة كالذي يداوم على ذلك والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام ويأمر بذلك. كما قد بسطنا ~~الكلام على ذلك وذكرنا ما في ذلك من الأحاديث وما يظن أن فيه حجة للمنازع ~~في غير هذا الموضع؛ وذلك لأن المصلي يناجي ربه فإذا سلم انصرف عن مناجاته. ~~ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله # PageV22P513 # بعد انصرافه كما أن من كان يخاطب ملكا أو غيره فإن سؤاله وهو مقبل على ~~مخاطبته أولى من سؤاله له بعد انصرافه. # وسئل: # عن هذا الذي يفعله الناس بعد كل صلاة من الدعاء: هل هو مكروه؟ وهل ورد عن ~~أحد من السلف فعل ذلك؟ ويتركون أيضا الذكر الذي صح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقوله ويشتغلون بالدعاء؟ فهل الأفضل الاشتغال بالذكر الوارد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو هذا الدعاء؟ وهل صح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يرفع يديه ويمسح وجهه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الذي نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بعد ~~الصلاة المكتوبة إنما هو الذكر المعروف. كالأذكار التي في الصحاح وكتب ~~السنن والمساند وغيرها مثل ما في الصحيح: أنه كان قبل أن ينصرف من الصلاة ~~يستغفر ثلاثا ثم يقول: {اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام} وفي الصحيح أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: {لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # PageV22P514 # اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . ~~وفي الصحيح أنه كان يهلل هؤلاء الكلمات في دبر المكتوبة: {لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة ~~إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد ms6914 إلا إياه له النعمة وله الفضل وله ~~الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} . وفي ~~الصحيح {أن رفع الصوت بالتكبير عقيب انصراف الناس من المكتوبة كان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} وأنهم كانوا يعرفون انقضاء صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بذلك وفي الصحيح أنه قال: {من سبح دبر كل صلاة ثلاثا ~~وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام ~~المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير: غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر} وفي الصحيح أيضا أنه يقول: ~~{سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين} . وفي السنن أنواع أخر. ~~والمأثور ستة أنواع: # PageV22P515 # أحدها: أنه يقول: هذه الكلمات عشرا عشرا عشرا: فالمجموع ثلاثون. # والثاني: أن يقول كل واحدة إحدى عشر فالمجموع ثلاث وثلاثون. # والثالث: أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين فالمجموع تسع وتسعون. # والرابع: أن يختم ذلك بالتوحيد التام فالمجموع مائة. # والسادس (1) : أن يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمسا وعشرين فالمجموع ~~مائة. وأما قراءة آية الكرسي فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة. وأما ~~دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولكن نقل عنه أنه أمر معاذا أن يقول دبر كل صلاة: {اللهم ~~أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} ونحو ذلك. ولفظ دبر الصلاة قد يراد به ~~آخر جزء من الصلاة. كما يراد بدبر الشيء مؤخره وقد يراد به ما بعد انقضائها ~~كما في قوله تعالى {وأدبار السجود} وقد يراد به مجموع الأمرين وبعض ~~الأحاديث PageV22P516 # يفسر بعضا لمن تتبع ذلك وتدبره. وبالجملة فهنا شيئان: أحدهما دعاء المصلي ~~المنفرد كدعاء المصلي صلاة الاستخارة وغيرها من الصلوات ودعاء المصلي وحده ~~إماما كان أو مأموما. والثاني دعاء الإمام والمأمومين جميعا فهذا الثاني لا ~~ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله في أعقاب المكتوبات كما ms6915 كان يفعل ~~الأذكار المأثورة عنه إذ لو فعل ذلك لنقله عنه أصحابه ثم التابعون ثم ~~العلماء كما نقلوا ما هو دون ذلك؛ ولهذا كان العلماء المتأخرون في هذا ~~الدعاء على أقوال: منهم من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر كما ذكر ذلك طائفة ~~من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ولم يكن معهم في ذلك سنة يحتجون بها ~~وإنما احتجوا بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما. ومنهم: من استحبه أدبار ~~الصلوات كلها وقال: لا يجهر به إلا إذا قصد التعليم. كما ذكر ذلك طائفة من ~~أصحاب الشافعي وغيرهم وليس معهم في ذلك سنة إلا مجرد كون الدعاء مشروعا وهو ~~عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع في ~~صلب الصلاة فالدعاء في آخرها قبل الخروج مشروع مسنون # PageV22P517 # بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين بل قد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى ~~أن الدعاء في آخرها واجب وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم آخر الصلاة بقوله: {إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب ~~جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال} رواه ~~مسلم. وغيره وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة وهو قول بعض ~~أصحاب أحمد وكذلك في حديث ابن مسعود: {ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه} وفي ~~حديث عائشة وغيرها أنه كان يدعو في هذا الموطن والأحاديث بذلك كثيرة. ~~والمناسبة الاعتبارية فيه ظاهرة فإن المصلي يناجي ربه فما دام في الصلاة لم ~~ينصرف فإنه يناجي ربه فالدعاء حينئذ مناسب لحاله أما إذا انصرف إلى الناس ~~من مناجاة الله لم يكن موطن مناجاة له ودعاء. وإنما هو موطن ذكر له وثناء ~~عليه فالمناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة. أما حال ~~الانصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى. وكما أن من العلماء من استحب عقب ~~الصلاة من الدعاء ما لم ترد به السنة: فمنهم طائفة تقابل هذه لا يستحبون ~~القعود المشروع بعد الصلاة ولا يستعملون الذكر المأثور ms6916 بل قد يكرهون ذلك ~~وينهون # PageV22P518 # عنه فهؤلاء مفرطون بالنهي عن المشروع وأولئك مجاوزون الأمر بغير المشروع ~~والدين إنما هو الأمر بالمشروع دون غير المشروع. وأما رفع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه ~~بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم. # وسئل: # هل دعاء الإمام والمأموم عقيب صلاة الفرض جائز أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم ~~يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة فإن ~~المصلي يناجي ربه فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا. وأما الدعاء بعد ~~انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر ~~المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من التهليل والتحميد والتكبير كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة: {لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك # PageV22P519 # وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . وقد ثبت في الصحيح أنه قال: {من سبح دبر ~~الصلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة ~~وتسعون وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير: حطت خطاياه} - أو كما قال - فهذا ونحوه هو ~~المسنون عقب الصلاة والله أعلم. # وسئل: # عن رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم: هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر ~~بدعة وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ~~ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر في وقت عمل ~~السماع " # فأجاب: # الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات ~~والعبادات في الأوقات ففي الصحيح عن # PageV22P520 # النبي صلى الله ms6917 عليه وسلم أنه قال: {إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا ~~مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم} وذكر الحديث وفيه {وجدناهم ~~يسبحونك ويحمدونك} لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة ~~فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المداومة عليه في الجماعات؟ من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات ~~والأعياد ونحو ذلك. وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة ~~أو الذكر أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل وغير ذلك: فهذا سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله ~~على وجه الاجتماع كالمكتوبات: فعل كذلك وما سن المداومة عليه على وجه ~~الانفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يجتمعون ~~أحيانا: يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون. وكان عمر بن الخطاب يقول: يا ~~أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان من الصحابة من يقول: اجلسوا ~~بنا نؤمن ساعة. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه التطوع في جماعة ~~مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم يستمع. # PageV22P521 # وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار ~~الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة. وأما الاضطراب ~~الشديد والغشي والموت والصيحات فهذا إن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه ~~كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ~~ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه. وأما ما ذكر من ~~السماع: فالمشروع الذي تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه ~~وبينها: هو سماع كتاب الله الذي هو سماع خيار هذه الأمة لا سيما وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} وقال: {زينوا القرآن ~~بأصواتكم} وهو السماع الممدوح ms6918 في الكتاب والسنة. لكن لما نسي بعض الأمة حظا ~~من هذا السماع الذي ذكروا به ألقى بينهم العداوة والبغضاء فأحدث قوم سماع ~~القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية ~~والمشابهة لما ابتدعه النصارى وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله وما نزل ~~من الحق وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة: مضاهاة لما عابه الله على ~~اليهود. والدين الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديما وحديثا والله أعلم. # PageV22P522 # وسئل - رحمه الله -: # عن عوام فقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرءون شيئا من القرآن ثم يدعون ~~ويكشفون رءوسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة بل ~~يفعلونه على وجه التقرب إلى الله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ~~ذلك عادة راتبة - كالاجتماعات المشروعة - ولا اقترن به بدعة منكرة وأما كشف ~~الرأس مع ذلك فمكروه لا سيما إذا اتخذ على أنه عبادة فإنه حينئذ يكون منكرا ~~ولا يجوز التعبد بذلك والله أعلم. # وسئل: # عن رجل إذا صلى ذكر في جوفه: (بسم الله بابنا) (تبارك حيطاننا) (يس ~~سقفنا) . فقال رجل: هذا كفر أعوذ بالله # PageV22P523 # من هذا القول. فهل يجب على ما قال هذا المنكر رد؟ وإذا لم يجب عليه فما ~~حكم هذا القول؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس هذا كفر فإن هذا الدعاء وأمثاله يقصد به ~~التحصن والتحرز بهذه الكلمات فيتقي بها من الشر كما يتقي ساكن البيت بالبيت ~~من الشر والحر والبرد والعدو. وهذا كما جاء في الحديث المعروف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الكلمات الخمس التي قام يحيى بن زكريا في بني إسرائيل ~~قال: " أوصيكم بذكر الله فإن مثل ذلك مثل رجل طلبه العدو فدخل حصنا فامتنع ~~به من العدو فكذلك ذكر الله هو حصن ابن آدم من الشيطان " أو كما قال. فشبه ~~ذكر الله في امتناع الإنسان به من الشيطان بالحصن الذي يمتنع به من العدو. ~~والحصن له باب ms6919 وسقف وحيطان. ونحو هذا: أن الأعمال الصالحة من ذكر الله ~~وغيره تسمى جنة ولباسا. كما قال تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} في أشهر ~~القولين. وكما قال في الحديث: {خذوا جنتكم قالوا: يا رسول الله من عدو حضر ~~قال: لا ولكن جنتكم من النار: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر} ومنه قول الخطيب: فتدرعوا جنن التقوى قبل جنن # PageV22P524 # السابري. وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسي. ومثل هذا كثير يسمى سورا ~~وحيطانا ودرعا وجنة ونحو ذلك. ولكن هذا الدعاء المسئول عنه ليس بمأثور ~~والمشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة؛ فإن الدعاء من أفضل العبادات ~~وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن كما أنه ~~ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره ~~- وإن كان من أحزاب بعض المشايخ - الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهي ~~الأدعية النبوية فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست ~~كذلك وإن قالها بعض الشيوخ فكيف [وقد] (1) يكون في عين الأدعية ما هو خطأ ~~أو إثم أو غير ذلك. ومن أشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان حزبا لبعض المشايخ ويدع الأحزاب النبوية التي ~~كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده والله أعلم. ~~PageV22P525 ### | باب ما يكره في الصلاة # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها. ~~قال الله تعالى: في غير موضع من كتابه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} . ~~وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير ~~منوعا} {إلا المصلين} وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} {والذين هم للزكاة فاعلون} {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} ms6920 {والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون} {والذين هم على صلواتهم يحافظون} وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} وقال تعالى {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} وقال تعالى: {فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} وقال تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # PageV22P526 # وقوموا لله قانتين} وسيأتي بيان الدلالة في هذه الآيات. وقد أخرج البخاري ~~ومسلم في الصحيحين وأخرج أصحاب السنن - أبو داود والترمذي والنسائي وابن ~~ماجه - وأصحاب المسانيد: كمسند أحمد وغير ذلك من أصول الإسلام عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل ثم جاء ~~فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ~~السلام. وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل. فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم سلم ~~عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام ثم قال: ارجع فصل. ~~فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن ~~غير هذا فعلمني. قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من ~~القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا ثم اجلس حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها} وفي رواية ~~للبخاري: {إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ ~~بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل ~~قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسا ثم اسجد حتى ~~تطمئن ساجدا # PageV22P527 # ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها} وفي رواية له: {ثم ~~اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما} وباقيه مثله. وفي رواية: ~~{وإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك. وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك} ~~. وعن رفاعة بن رافع رضي الله ms6921 عنه {أن رجلا دخل المسجد - فذكر الحديث وقال ~~فيه -: فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ~~يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثني عليه ويقرأ بما ~~شاء من القرآن ثم يقول: الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن راكعا ثم يقول: الله ~~أكبر ثم يرفع رأسه حتى يستوي قائما ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا ثم يقول: الله ~~أكبر. ثم يرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول: الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن ~~مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر. فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته} وفي رواية: {إنها ~~لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله عز وجل فيغسل وجهه ويديه ~~إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ثم يكبر الله ويحمده ثم يقرأ ~~من القرآن ما أذن له وتيسر - وذكر نحو اللفظ الأول وقال -: ثم يكبر. فيسجد ~~فيمكن وجهه وربما قال: جبهته - من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي # PageV22P528 # ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه - فوصف الصلاة هكذا أربع ~~ركعات حتى فرغ ثم قال -: لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك} رواه أهل السنن: ~~أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن. والروايتان: لفظ ~~أبي داود. وفي رواية ثالثة له: {قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم ~~اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ. فإذا ركعت فضع راحتك على ركبتيك ~~وامدد ظهرك. وقال: إذا سجدت فمكن لسجودك. فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى} ~~وفي رواية أخرى: قال: {إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله عز وجل ثم اقرأ ما ~~تيسر عليك من القرآن} وقال فيه: {فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش ~~فخذك اليسرى ثم تشهد ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك} وفي رواية ~~أخرى: {قال: فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأتم ثم كبر. فإن كان معك قرآن ~~فاقرأ به. وإلا فاحمد الله عز وجل وكبره وهلله} . وقال فيه {وإن انتقصت ms6922 منه ~~شيئا انتقصت من صلاتك} . فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك المسيء في ~~صلاته بأن يعيد الصلاة. وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب وأمره # PageV22P529 # إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة كما أمره بالركوع والسجود. وأمره المطلق ~~على الإيجاب. وأيضا قال له " فإنك لم تصل " فنفى أن يكون عمله الأول صلاة ~~والعمل لا يكون منفيا إلا إذا انتفى شيء من واجباته. فأما إذا فعل كما ~~أوجبه الله عز وجل فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست ~~بواجبة. وأما ما يقوله بعض الناس: إن هذا نفي للكمال. كقوله: {لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد} فيقال له: نعم هو لنفي الكمال لكن لنفي كمال ~~الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟ فأما الأول فحق. وأما الثاني: فباطل لا ~~يوجد مثل ذلك في كلام الله عز وجل ولا في كلام رسوله قط وليس بحق. فإن ~~الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه؟ ؟ وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة ~~الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات من أندر الأمور. وعلى هذا: فما جاء من ~~نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته. كقوله تعالى ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى # PageV22P530 # يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} وقوله تعالى {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} وقوله تعالى {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} - الآية وقوله: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} - ~~الآية ونظائر ذلك كثيرة. ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم {لا إيمان لمن ~~لا أمانة له} و {لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب} و {لا صلاة إلا بوضوء} . وأما ~~قوله: {لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد} فهذا اللفظ قد قيل: إنه لا يحفظ ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عبد الحق الإشبيلي: أنه رواه بإسناد ~~كلهم ثقات وبكل حال: ms6923 فهو مأثور عن علي رضي الله عنه ولكن نظيره في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر ~~فلا صلاة له} . ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي والصلاة في ~~جماعة: من الواجبات كما ثبت في الصحيح: أن ابن أم مكتوم قال: # PageV22P531 # {يا رسول الله إني رجل شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني. فهل تجد لي رخصة ~~أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: ما أجد لك رخصة} لكن ~~إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على ما فعله من الصلاة أم يقال. ~~إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يفعلها؟ . هذا فيه نزاع بين العلماء. ~~وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم {إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك وما انتقصت ~~من هذا فإنما انتقصت من صلاتك} . فقد بين أن الكمال الذي نفي هو هذا التمام ~~الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. فإن التارك لبعض ذلك قد انتقص من ~~صلاته بعض ما أوجبه الله فيها. وكذلك قوله في الحديث الآخر: {فإذا فعل هذا ~~فقد تمت صلاته} . ويؤيد هذا: أنه أمره بأن يعيد الصلاة. ولو كان المتروك ~~مستحبا لم يأمره بالإعادة. ولهذا يؤمر مثل هذا المسيء بالإعادة كما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا لكن لو لم يعد وفعلها ناقصة فهل يقال: إن ~~وجودها كعدمها بحيث يعاقب على تركها؟ أو يقال إنه يثاب على ما فعله ويعاقب ~~على ما تركه بحيث يجبر ما تركه من الواجبات بما فعله من التطوع؟ . هذا فيه ~~نزاع. والثاني: أظهر. لما روى أبو داود وابن ماجه عن أنس بن حكيم الضبي ~~قال: {خاف # PageV22P532 # رجل من زياد - أو ابن زياد - فأتى المدينة فلقي أبا هريرة رضي الله عنه ~~قال: فنسبني فانتسبت له فقال: يا فتى. ألا أحدثك حديثا قال: قلت: بلى يرحمك ~~الله - قال يونس: فأحسبه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: إن أول ~~ما يحاسب ms6924 الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة. قال: يقول ربنا عز وجل ~~لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة ~~كتبت له تامة. وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن ~~كان له تطوع قال: أتموها من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم} وفي لفظ عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن أول ما ~~يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله: صلاته. فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن ~~فسدت فقد خاب وخسر. فإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب: انظروا هل لعبدي من ~~تطوع؟ فكمل به ما انتقص من الفريضة. ثم يكون سائر أعماله على هذا} رواه ~~الترمذي وقال: حديث حسن. وروى أيضا أبو داود وابن ماجه عن تميم الداري رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى قال: {ثم الزكاة مثل ذلك ~~ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك} . # وأيضا فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله # PageV22P533 # صلى الله عليه وسلم {لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع ~~والسجود} رواه أهل السنن الأربعة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. فهذا صريح ~~في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع وينتصب من السجود. فهذا ~~يدل على إيجاب الاعتدال في الركوع والسجود. وهذه المسألة - وإن لم تكن هي ~~مسألة الطمأنينة -: فهي تناسبها وتلازمها. وذلك: أن هذا الحديث نص صريح في ~~وجوب الاعتدال. فإذا وجب الاعتدال لإتمام الركوع والسجود. فالطمأنينة فيهما ~~أوجب. وذلك: أن قوله {يقيم ظهره في الركوع والسجود} أي عند رفعه رأسه ~~منهما. فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود. لأنه إذا ركع كان ~~الركوع من حين ينحني إلى أن يعود فيعتدل ويكون السجود من حين الخرور من ~~القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل. فالخفض والرفع: هما طرفا الركوع ~~والسجود وتمامهما. فلهذا قال: {يقيم صلبه في الركوع والسجود} . ويبين ذلك ~~أن وجوب ms6925 هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود. وهذا كقوله في ~~الحديث المتقدم: {ثم يكبر فيسجد # PageV22P534 # فيمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ~~ويقيم صلبه} . فأخبر أن إقامة الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض. ~~والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الاعتدالين ووجوب الطمأنينة؛ لكن ~~قال في الركوع والسجود والقعود {حتى تطمئن راكعا وحتى تطمئن ساجدا وحتى ~~تطمئن جالسا} . وقال في الرفع من الركوع {حتى تعتدل قائما وحتى تستوي ~~قائما} لأن القائم يعتدل ويستوي. وذلك مستلزم للطمأنينة. وأما الراكع ~~والساجد فليسا منتصبين. وذلك الجالس لا يوصف بتمام الاعتدال والاستواء. ~~فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما عند التورك وإما إلى ~~أمامه. لأن أعضاءه التي يجلس عليها منحنية غير مستوية ومعتدلة. مع أنه قد ~~روى ابن ماجه: أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرفع من الركوع {حتى تطمئن ~~قائما} . وعن علي بن شيبان الحنفي قال {خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته - ~~يعني صلبه في الركوع والسجود - فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ~~قال: يا معشر المسلمين لا صلاة # PageV22P535 # لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود} رواه الإمام أحمد وابن ماجه وفي ~~رواية للإمام أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {لا ينظر الله إلى ~~رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده} . وهذا يبين أن إقامة الصلب: هي ~~الاعتدال في الركوع كما بيناه وإن كان طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم ~~فسروا ذلك بنفس الطمأنينة. واحتجوا بهذا الحديث على ذلك وحده لا على ~~الاعتدالين وعلى ما ذكرناه: فإنه يدل عليهما. وروى الإمام أحمد في المسند ~~عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أسوأ ~~الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله كيف يسرق من صلاته؟ ~~قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها} أو قال {لا ms6926 يقيم صلبه في الركوع والسجود} ~~وهذا التردد في اللفظ ظاهره: أن المعنى المقصود من اللفظين واحد وإنما شك ~~في اللفظ. كما في نظائر ذلك. وأيضا: فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه ~~قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقر الغراب وافتراش السبع وأن ~~يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير} أخرجه أبو داود والنسائي ~~وابن ماجه. وإنما # PageV22P536 # جمع بين الأفعال الثلاثة - وإن كانت مختلفة الأجناس - لأنه يجمعها مشابهة ~~البهائم في الصلاة فنهى عن مشابهة فعل الغراب وعما يشبه فعل السبع وعما ~~يشبه فعل البعير وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما فيه من أحاديث ~~أخر. وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {اعتدلوا في الركوع والسجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط ~~الكلب} لا سيما وقد بين في حديث آخر: {أنه من صلاة المنافقين} والله تعالى ~~أخبر في كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين. فروى مسلم في صحيحه عن أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تلك صلاة المنافق. يمهل حتى ~~إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا ~~قليلا} فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ويضيع فعلها وينقرها فدل ~~ذلك على ذم هذا وهذا وإن كان كلاهما تاركا للواجب. وذلك حجة واضحة في أن ~~نقر الصلاة غير جائز وأنه من فعل من فيه نفاق. والنفاق كله حرام. وهذا ~~الحديث حجة مستقلة بنفسها. وهو مفسر لحديث قبله. وقال الله تعالى: {إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وهذا وعيد شديد لمن ينقر في صلاته # PageV22P537 # فلا يتم ركوعه وسجوده بالاعتدال والطمأنينة. والمثل الذي ضربه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أحسن الأمثال فإن الصلاة قوت القلوب كما أن الغذاء قوت ~~الجسد. فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات بالنقر ms6927 ~~في الصلاة بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب. وأما ما يرويه طوائف من ~~العامة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " رأى رجلا ينقر في صلاته فنهاه عن ~~ذلك. فقال: لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار. فسكت عنه عمر " فهذا ~~لا أصل له ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما بلغني لا في الصحيح ولا في ~~الضعيف. والكذب ظاهر عليه. فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ذلك وهم في ~~الدرك الأسفل من النار. وأيضا: فعن أبي عبد الله الأشعري الشامي قال: {صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام ~~يصلي فجعل يركع وينقر في سجوده ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه. ~~فقال: ترون هذا؟ لو مات مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب ~~الرمة. إنما مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل ~~إلا تمرة أو تمرتين # PageV22P538 # لا تغنيان عنه شيئا فأسبغوا الوضوء. ويل للأعقاب من النار وأتموا الركوع ~~والسجود} قال أبو صالح: فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا الحديث؟ ~~قال: أمراء الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ وشرحبيل بن حسنة ويزيد ~~بن أبي سفيان. كل هؤلاء يقولون: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ~~أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بكماله. وروى ابن ماجه بعضه. وأيضا: ففي صحيح ~~البخاري عن أبي وائل عن زيد بن وهب: " أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه رأى ~~رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده. فلما قضى صلاته دعاه وقال له حذيفة: ما صليت ~~ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ولفظ أبي وائل {ما صليت - وأحسبه قال: لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وهذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة أو ترك الاعتدال أو ~~ترك كلاهما. فإنه لا بد أن يكون قد ترك ms6928 بعض ذلك إذ نقر الغراب والفصل بين ~~السجدتين بحد السيف والهبوط من الركوع إلى السجود لا يمكن أن ينقص منه مع ~~الإتيان بما قد يقال: إنه ركوع أو سجود. وهذا الرجل كان يأتي بما قد يقال ~~له ركوع وسجود لكنه لم يتمه. ومع هذا قال له حذيفة: ما صليت فنفى عنه ~~الصلاة ثم قال: لو # PageV22P539 # مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى ~~غير السنة} وكلاهما المراد به هنا: الدين والشريعة؛ ليس المراد به فعل ~~المستحبات؛ فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد. فلا يكاد أحد يموت على كل ~~ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من المستحبات. # ولأن لفظ " الفطرة والسنة " في كلامهم: هو الدين والشريعة. وإن كان بعض ~~الناس اصطلحوا على أن لفظ " السنة " يراد به ما ليس بفرض إذ قد يراد بها ~~ذلك. كما في قوله صلى الله عليه وسلم {إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت ~~لكم قيامه} فهي تتناول ما سنه من الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات. كما ~~في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " إن الله شرع لنبيكم صلى الله ~~عليه وسلم سنن الهدى. وإن هذه الصلوات في جماعة من سنن الهدى وإنكم لو ~~صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم ~~سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق " ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ} . ولأن الله سبحانه وتعالى أمر ~~في كتابه بإقامة الصلاة وذم المصلين الساهين عنها المضيعين لها فقال تعالى ~~في غير موضع: {وأقيموا # PageV22P540 # الصلاة} وإقامتها: تتضمن إتمامها بحسب الإمكان كما سيأتي في حديث أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: {أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم من بعد ظهري} ~~وفي رواية. {أتموا الركوع والسجود} وسيأتي تقرير دلالة ذلك. والدليل على ~~ذلك من القرآن: أنه سبحانه وتعالى قال: {وإذا ms6929 ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فأباح الله القصر ~~من عددها والقصر من صفتها؛ ولهذا علقه بشرطين السفر والخوف. فالسفر: يبيح ~~قصر العدد فقط. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله وضع عن المسافر ~~الصوم وشطر الصلاة} ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة ~~عنه التي اتفقت الأمة على نقلها عنه {أنه كان يصلي الرباعية في السفر ~~ركعتين} ولم يصلها في السفر أربعا قط ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما ~~لا في الحج ولا في العمرة ولا في الجهاد. والخوف يبيح قصر صفتها كما قال ~~الله في تمام الكلام: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم ~~معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} فذكر صلاة الخوف وهي صلاة ذات ~~الرقاع إذ كان العدو في جهة القبلة. وكان فيها # PageV22P541 # {أنهم كانوا يصلون خلفه. فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم ~~الركعة الثانية ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم} كما قال: {فإذا سجدوا فليكونوا ~~من ورائكم} فجعل السجود لهم خاصة. فعلم أنهم يفعلونه منفردين ثم قال: ~~{ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} فعلم أنهم يفعلونه. وفي هذه ~~الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام. وقيام الآخرين قبل سلام ~~الإمام ويتمون لأنفسهم ركعة. ثم قال تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} فأمرهم بعد ~~الأمن بإقامة الصلاة. وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف ~~والسفر. فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان. وأما ~~قوله في صلاة الخوف: {فأقمت لهم الصلاة} فتلك إقامة وإتمام في حال الخوف. ~~كما أن الركعتين في السفر إقامة وإتمام. كما ثبت في الصحيح عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال {: صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة ~~الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه ms6930 وسلم} . وهذا يبين ~~ما رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه {إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز وجل: # PageV22P542 # {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقد ذهب ذلك اليوم؟ فقال: عجبت مما عجبت ~~منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته} فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط بعدم الأمن ~~فبينت السنة أن القصر نوعان كل نوع له شرط. وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة ~~في السفر تامة. لأنه بذلك أمر الناس ليست مقصورة في الأجر والثواب. وإن ~~كانت مقصورة في الصفة والعمل إذ المصلي يؤمر بالإطالة تارة ويؤمر بالاقتصار ~~تارة. وأيضا: فإن الله تعالى قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} والموقوت: قد فسره السلف بالمفروض وفسروه ~~بما له وقت. والمفروض: هو المقدر المحدد. فإن التوقيت والتقدير والتحديد ~~والفرض: ألفاظ متقاربة. وذلك يوجب أن الصلاة مقدرة محددة مفروضة موقوتة. ~~وذلك في زمانها وأفعالها وكما أن زمانها محدود: فأفعالها أولى أن تكون ~~محدودة موقوتة. وهو يتناول تقدير عددها: بأن جعله خمسا وجعل بعضها أربعا في ~~الحضر واثنتين في السفر وبعضها ثلاثا وبعضها اثنتين في الحضر والسفر. ~~وتقدير عملها أيضا. ولهذا يجوز عند العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم ~~والتأخير في الزمان كما يجوز أيضا القصر من عددها # PageV22P543 # ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة. وذلك أيضا مقدر عند العذر كما هو ~~مقدر عند غير العذر. ولهذا فليس للجامع بين الصلاتين أن يؤخر صلاة النهار ~~إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار وصلاتا النهار: الظهر والعصر وصلاتا ~~الليل: المغرب والعشاء. وكذلك أصحاب الأعذار الذين ينقصون من عددها وصفتها ~~وهو موقوت محدود. ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الابتداء والانتهاء. ~~فالقيام محدود بالانتصاب بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد المنحني الراكع ~~باختياره: لم يكن قد أتى بحد القيام. ومن المعلوم: أن ذكر القيام - الذي هو ~~القراءة - أفضل ms6931 من ذكر الركوع والسجود؛ ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل ~~من عمل القيام؛ ولهذا كان عبادة بنفسه. ولم يصح في شرعنا إلا لله بوجه من ~~الوجوه وغير ذلك من الأدلة المذكورة في غير هذا الموضع. وإذا كان كذلك فمن ~~المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة بقدر التمكن منها. فالساجد: عليه أن ~~يصل إلى الأرض وهو غاية التمكن ليس له غاية دون ذلك إلا لعذر وهو من حين ~~انحنائه أخذ في السجود سواء سجد من قيام أو من قعود. فينبغي أن يكون ابتداء ~~السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من قيام أو قعود لا # PageV22P544 # يكون سجوده من انحناء. فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا بحسب الإمكان. ~~ومتى وجب ذلك وجب الاعتدال في الركوع وبين السجدتين. وأيضا: ففي ذلك إتمام ~~الركوع والسجود. وأيضا: فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر. ~~وذلك هو الطمأنينة. فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا. فإن قدر ~~الشيء ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده. ولهذا يقال للشيء الدائم: ليس له ~~قدر فإن القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات امتداد. وأيضا: فإن الله عز ~~وجل أمرنا بإقامتها والإقامة: أن تجعل قائمة والشيء القائم: هو المستقيم ~~المعتدل فلا بد أن تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة. وذلك إنما يكون بثبوت ~~أبعاضها واستقرارها. وهذا يتضمن الطمأنينة. فإن من نقر نقر الغراب لم يقم ~~السجود ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر. وكذلك الراكع. يبين ذلك: ما ~~جاء في الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة} ~~وأخرجاه من حديث # PageV22P545 # عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف ظهري} وفي لفظ {أقيموا ~~الصفوف} وروى البخاري من حديث حميد عن أنس قال {: أقيمت الصلاة فأقبل علينا ~~رسول الله صلى الله ms6932 عليه وسلم فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من ~~وراء ظهري. وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وبدنه ببدنه} . فإذا كان ~~تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن الاستواء ~~والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا لم يكونوا ~~مصطفين ولكانوا يؤمرون بالإعادة وهم بذلك أولى من الذي صلى خلف الصف وحده ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد صلاته فكيف بتقويم أفعالها ~~وتعديلها بحيث لا يقيم صلبه في الركوع والسجود. ويدل على ذلك - وهو دليل ~~مستقل في المسألة - ما أخرجاه في الصحيحين عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {: أقيموا الركوع والسجود فوالله ~~إني لأراكم من بعدي - وفي رواية: من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم} وفي ~~رواية للبخاري عن همام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: {أتموا الركوع # PageV22P546 # والسجود فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما ~~سجدتم} ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ~~رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: {أتموا الركوع والسجود - ~~ولفظ ابن أبي عروبة: أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم - وذكره} . فهذا ~~يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامهما كما في اللفظ الآخر. وأيضا: ~~فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما إذ من المعلوم أنهم ~~كانوا يأتون بالانحناء في الجملة؛ بل الأمر بالإقامة يقتضي أيضا الاعتدال ~~فيهما وإتمام طرفيهما وفي هذا رد على من زعم أنه لا يجب الرفع فيهما وذلك ~~أن هذا أمر للمأمومين خلفه. ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم الانصراف قبله. ~~وأيضا: فقوله تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} ~~أمر بالقنوت في القيام لله والقنوت: دوام الطاعة لله عز وجل سواء كان في ~~حال الانتصاب أو في حال السجود كما قال تعالى {أم من هو قانت آناء الليل ms6933 ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} وقال تعالى {فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما # PageV22P547 # حفظ الله} وقال {ومن يقنت منكن لله ورسوله} وقال: {وله من في السماوات ~~والأرض كل له قانتون} . فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى: {وقوموا لله ~~قانتين} إما أن يكون أمرا بإقامة الصلاة مطلقا كما في قوله: {كونوا قوامين ~~بالقسط} فيعم أفعالها ويقتضي الدوام في أفعالها وإما أن يكون المراد به: ~~القيام المخالف للقعود فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ويقتضي الطول وهو ~~القنوت المتضمن للدعاء كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من يستحب المداومة ~~عليه. وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال. بطريق ~~الأولى. ويقوي الوجه الأول: حديث زيد بن أرقم الذي في الصحيحين عنه قال: ~~{كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة فنزلت {وقوموا لله قانتين} قال ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام} حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة. ~~ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فاقتضى ذلك الأمر ~~بالقنوت في جميع الصلاة ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس لأن ~~القنوت هو دوام الطاعة فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للاشتغال # PageV22P548 # بالصلاة التي هي عبادة الله وطاعته فلا يكون مداوما على طاعته ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد {إن في ~~الصلاة لشغلا} فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلي عن مخاطبة الناس وهذا هو ~~القنوت فيها وهو دوام الطاعة. ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه الناسي ~~بما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح لأن ذلك لا يشغله عنها. ولا ينافي ~~القنوت فيها. وأيضا فإنه سبحانه قال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا ~~بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} فأخبر أنه لا يكون مؤمنا ~~إلا من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه. ومعلوم أن قراءة القرآن في ~~الصلاة هي تذكير بالآيات ولذلك وجب السجود مع ذلك. وقد أوجب خرورهم سجدا ~~وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم وذلك ms6934 يقتضي وجوب التسبيح في السجود وهذا يقتضي ~~وجوب الطمأنينة. ولهذا قال طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: إن ~~مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب عندهم. والثاني: أن الخرور ~~هو السقوط والوقوع وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن لا فيما لا يوجد منه ~~سكون على الأرض ولهذا قال # PageV22P549 # الله: {فإذا وجبت جنوبها} والوجوب في الأصل: هو الثبوت والاستقرار. ~~وأيضا: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: {لما نزلت {فسبح باسم ربك ~~العظيم} . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت: ~~{سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم} . رواه أبو داود وابن ماجه. ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود ~~وأمره على الوجوب. وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح. وذلك هو ~~الطمأنينة. ثم إن من الفقهاء من قد يقول: التسبيح ليس بواجب وهذا القول ~~يخالف ظاهر الكتاب والسنة. فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعا ~~فإذا دل دليل على عدم وجوب القول: لم يمنع وجوب الفعل. وأما من يقول بوجوب ~~التسبيح: فيستدل لذلك بقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب} . وهذا أمر بالصلاة كلها كما ثبت في الصحيحين عن جرير بن عبد الله ~~البجلي رضي الله عنه قال: {كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر # PageV22P550 # إلى القمر ليلة البدر. فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا ~~تضارون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها فافعلوا. ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} } . ~~وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح. ~~كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى {قم الليل إلا قليلا} دل على وجوب ~~القيام. وكذلك لما سماها قرآنا في قوله تعالى {وقرآن الفجر} دل على وجوب ~~القرآن فيها ولما سماها ركوعا وسجودا في مواضع دل على وجوب الركوع والسجود ~~فيها. ms6935 وذلك: أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها. ~~فإذا وجدت هذه الأفعال. فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنهم يسمون الإنسان ~~بأبعاضه اللازمة له. فيسمونه رقبة ورأسا ووجها ونحو ذلك. كما في قوله تعالى ~~{فتحرير رقبة} ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا ~~يصلح أن يكون أمرا بالصلاة. فإن اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه. ولا ~~على ما يستلزم معناه. وأيضا: فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى ~~المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون. قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} # PageV22P551 # {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا المصلين} {الذين هم ~~على صلاتهم دائمون} والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على ~~الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها. والآية ~~تعم هذا وهذا. فإنه قال: {على صلاتهم دائمون} والدائم على الفعل هو المديم ~~له الذي يفعله دائما. فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة: وهو أن ~~يفعله كل يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى وسمى ذلك دواما عليه. فالدوام ~~على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما وأن تتناول الآية ذلك. وذلك ~~يدل على وجوب إدامة أفعالها لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى ~~المداوم على هذه الصفة. فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع والشارع ~~لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم. وأيضا: فإنه سبحانه وتعالى قال: {إلا ~~المصلين} {الذين هم على صلاتهم دائمون} فدل ذلك على أن المصلي قد يكون ~~دائما على صلاته وقد لا يكون دائما عليها وأن المصلي الذي ليس بدائم مذموم. ~~وهذا يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة والمنفصلة. وإذا وجب دوام أفعالها ~~فذلك هو نفس الطمأنينة. فإنه يدل على وجوب إدامة الركوع والسجود وغيرهما ~~ولو كان المجزئ أقل مما ذكر من الخفض - وهو نقر الغراب - لم يكن ذلك دواما ~~ولم يجب الدوام على الركوع # PageV22P552 # والسجود وهما أصل أفعال الصلاة. فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام ms6936 ~~عليها المتضمن للطمأنينة والسكينة في أفعالها. # وأيضا: فقد قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا ~~على الخاشعين} . وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين. كقوله تعالى: {وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن ~~كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} وقوله تعالى: {كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه} . فقد دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليه ما يحبه الله. ~~وأنه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه ذلك والذم أو السخط لا يكون إلا لترك ~~واجب أو فعل محرم وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع. ~~فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين} لا بد أن يتضمن ### | الخشوع في الصلاة. # فإنه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل: إن الصلاة # PageV22P553 # لكبيرة إلا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها: كان يقتضي أنها لا تكبر على ~~من لم يخشع فيها وتكبر على من خشع فيها. وقد انتقى مدلول الآية. فثبت أن ~~الخشوع واجب في الصلاة. ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله تعالى {قد ~~أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} ~~{والذين هم للزكاة فاعلون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} ~~{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ~~{أولئك هم الوارثون} {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} أخبر سبحانه ~~وتعالى أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة. وذلك يقتضي أنه لا يرثها ~~غيرهم. وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال. إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت ~~جنة الفردوس تورث بدونها لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات. ~~ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب. وإذا كان الخشوع في الصلاة ~~واجبا فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا. ومنه حديث عمر رضي الله ms6937 عنه ~~حيث رأى رجلا يعبث في صلاته. فقال {لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه} أي لسكنت # PageV22P554 # وخضعت. وقال تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت} فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز والاهتزاز حركة وتربو ~~والربو: الارتفاع. فعلم أن الخشوع فيه سكون وانخفاض. ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في حال ركوعه {اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت. خشع ~~لك سمعي وبصري ومخي وعقلي وعصبي} . رواه مسلم في صحيحه فوصف نفسه بالخشوع ~~في حال الركوع لأن الراكع ساكن متواضع. وبذلك فسرت الآية. ففي التفسير ~~المشهور الذي يقال له تفسير الوالبي عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما - وقد رواه المصنفون في التفسير كأبي بكر بن المنذر ومحمد بن ~~جرير الطبري وغيرهما من حديث أبي صالح عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبي ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - قوله تعالى {في صلاتهم خاشعون} ~~يقول: " خائفون ساكنون " ورووا في التفاسير المسندة كتفسير ابن المنذر ~~وغيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: " خاشعون " قال " السكون ~~فيها " قال: وكذلك قال الزهري ومن حديث هشام عن مغيرة عن إبراهيم النخعي. ~~قال: الخشوع في القلب وقال: ساكنون. قال الضحاك: الخشوع الرهبة لله. وروى # PageV22P555 # عن الحسن: خائفون وروى ابن المنذر من حديث أبي عبد الرحمن المقبري. حدثنا ~~المسعودي حدثنا أبو سنان: أنه قال في هذه. الآية. {الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} قال الخشوع في القلب وأن يلين كنفه للمرء المسلم وأن لا تلتفت في ~~صلاتك. وفي تفسير ابن المنذر أيضا ما في تفسير إسحاق بن راهويه عن روح ~~حدثنا سعيد عن قتادة: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال: الخشوع في القلب ~~والخوف وغض البصر في الصلاة. وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه " مجاز ~~القرآن " {في صلاتهم خاشعون} أي لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون. وقد روى ~~الإمام أحمد في " كتاب الناسخ والمنسوخ " من حديث ابن سيرين ورواه إسحاق ms6938 بن ~~راهويه في التفسير وابن المنذر أيضا في التفسير الذي له رواه. من حديث ~~الثوري حدثني خالد عن ابن سيرين قال: {كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع ~~بصره إلى السماء فأمر بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده} أي محل سجوده. قال ~~سفيان: وحدثني غيره عن ابن سيرين " أن هذه الآية: نزلت في ذلك {قد أفلح ~~المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال: هو سكون المرء في صلاته " قال ~~معمر: وقال الحسن " خائفون " وقال قتادة: " الخشوع في القلب " ومنه خشوع ~~البصر وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات كقوله تعالى: {فتول عنهم # PageV22P556 # يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر} {خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر} {مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر} وقوله تعالى ~~{يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} {خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} وفي القراءة الأخرى {خشعا أبصارهم} وفي ~~هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة حيث لم يصف بالخشوع إلا ~~أبصارهم؛ بخلاف آية الصلاة فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى: ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} وقوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ~~وقال تعالى " {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة} . ومن ذلك: خشوع الأصوات. كقوله تعالى: {وخشعت الأصوات ~~للرحمن} وهو انخفاضها وسكوتها. وقال تعالى: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل} {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من ~~طرف خفي} وقال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة} {عاملة ناصبة} {تصلى نارا حامية} ~~{تسقى من عين آنية} وهذا يكون يوم القيامة. وهذا هو الصواب من القولين بلا ~~ريب # PageV22P557 # كما قال في القسم الآخر: {وجوه يومئذ ناعمة} {لسعيها راضية} {في جنة ~~عالية} وقال تعالى {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} ~~{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} . وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا وهو ~~متضمن للسكون والخشوع. فمن نقر نقر الغراب لم ms6939 يخشع في سجوده. وكذلك من لم ~~يرفع رأسه. من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة ~~بعينها. فمن لم يطمئن لم يسكن ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده. ~~ومن لم يخشع كان آثما عاصيا وهو الذي بيناه. ويدل على وجوب الخشوع في ~~الصلاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى ~~السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في ~~صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك. فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم} وعن ~~جابر بن سمرة قال: {دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وفيه ناس ~~يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء. فقال: لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى ~~السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم} # PageV22P558 # الأول: في البخاري والثاني: في مسلم. وكلاهما في سنن أبي داود والنسائي ~~وابن ماجه. وقال محمد بن سيرين: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع ~~بصره في الصلاة. فلما نزلت هذه الآية {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده} . رواه الإمام أحمد في " ~~كتاب الناسخ والمنسوخ ". فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتوعد عليه. وأما الالتفات لغير حاجة فهو ينقص ~~الخشوع ولا ينافيه. فلهذا كان ينقص الصلاة كما روى البخاري وأبو داود ~~والنسائي عن {عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد} ~~. وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص عن أبي ذر رضي الله عنه قال {: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ~~ما لم يلتفت. فإذا التفت انصرف عنه} . وأما لحاجة فلا بأس به كما روى أبو ~~داود عن سهل بن ms6940 الحنظلية قال: {ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول ~~الله # PageV22P559 # صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب قال أبو داود وكان أرسل ~~فارسا إلى الشعب من الليل يحرس} . وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص بن ~~الربيع من زينب بنت رسول الله. وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما ~~صلى بهم يعلمهم وتأخره في صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن ~~يقطع صلاته وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدي ~~المصلي ومقاتلته وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من ~~الأفعال التي تفعل لحاجة ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع ~~المنهي عنه في الصلاة. ويدل على ذلك أيضا: ما رواه تميم الطائي عن {جابر بن ~~سمرة رضي الله عنه قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ~~رافعوا أيديهم - قال الراوي - وهو زهير بن معاوية - وأراه قال في الصلاة - ~~فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة} . ~~رواه مسلم وأبو داود والنسائي ورووا أيضا عن عبيد الله بن القبطية عن {جابر ~~بن سمرة رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره. فلما صلى قال: ما بال ~~أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم - أو ألا يكفي أحدكم ~~- # PageV22P560 # أن يقول: هكذا - وأشار بأصبعه - يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله} ~~وفي رواية قال: {أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على ~~أخيه من عن يمينه ومن عن شماله} . ولفظ مسلم: {صلينا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ ~~إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده} . فقد أمر رسول الله صلى ~~الله عليه ms6941 وسلم بالسكون في الصلاة. وهذا يقتضي السكون فيها كلها. والسكون ~~لا يكون إلا بالطمأنينة. فمن لم يطمئن لم يسكن فيها وأمره بالسكون فيها ~~موافق لما أمر الله تعالى به من الخشوع فيها وأحق الناس باتباع هذا: هم أهل ~~الحديث. ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين ~~الركوع وحين الرفع منه وحمله على ذلك فقد غلط. فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم ~~كانوا إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم ~~من عن اليمين ومن عن الشمال. ويبين ذلك قوله: {مالي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها أذناب خيل # PageV22P561 # شمس؟} " والشمس " جمع شموس. وهو الذي تقول له العامة الشموص. وهو الذي ~~يحرك ذنبه ذات اليمين وذات الشمال. وهي حركة لا سكون فيها. وأما رفع الأيدي ~~عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الاستفتاح فذلك مشروع باتفاق ~~المسلمين. فكيف يكون الحديث نهيا عنه؟ . وقوله: " اسكنوا في الصلاة " يتضمن ~~ذلك ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم يكونوا يرون هذا الرفع إلى جنب عبد الله ~~بن المبارك فرفع ابن المبارك يديه فقال له: " أتريد أن تطير؟ " فقال: " إن ~~كنت أطير في أول مرة فأنا أطير في الثانية وإلا فلا " وهذا نقض لما ذكره من ~~المعنى. وأيضا: فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا ~~الرفع فلا يكون نهيا عنه ولا يكون ذلك الحديث معارضا. بل لو قد تعارضا ~~فأحاديث هذا الرفع كثيرة متواترة ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها ~~وهذا الرفع فيه سكون. فقوله " اسكنوا في الصلاة " لا ينافي هذا الرفع كرفع ~~الاستفتاح وكسائر أفعال الصلاة بل قوله " اسكنوا " يقتضي السكون في كل # PageV22P562 # بعض من أبعاض الصلاة وذلك يقتضي وجوب السكون في الركوع والسجود ~~والاعتدالين. فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان. ~~ولهذا يسكن فيها في الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة؛ فإن السكون فيها ~~يكون بحركة معتدلة لا سريعة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في المشي ~~إليها. ms6942 وهي حركة إليها فكيف بالحركة فيها؟ فقال: {إذا أتيتم الصلاة. فلا ~~تأتوها تسعون وائتوها وعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا} ~~. وهذا أيضا دليل مستقل في المسألة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ~~وائتوها تمشون. وعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا} رواه ~~البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. قال أبو داود - وكذلك قال الترمذي - ~~وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري {وما ~~فاتكم فأتموا} وقال ابن عيينة عن الزهري: " فاقضوا ". قال محمد بن عمرو عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه وجعفر بن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي ~~هريرة {فأتموا} وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم {فأتموا} . وروى ~~أبو داود عن أبي # PageV22P563 # هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ائتوا الصلاة وعليكم السكينة. ~~فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم} قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي ~~هريرة صلى الله عليه وسلم {وليقض} . وكذلك قال أبو رافع عن أبي هريرة وأبو ~~ذر رضي الله عنه روى عنه {فأتموا واقضوا} اختلف عنه. فإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة ونهى عن السعي الذي ~~هو إسراع في ذلك لكونه سببا للصلاة. فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة ~~وينهى فيها عن الاستعجال فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهي عن ~~الاستعجال بطريق الأولى والأحرى لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع ~~الإقامة الذي يوجب عليه الذهاب إليها ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن ~~أفضى ذلك إلى فوات بعض الصلاة فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفردا بعد ~~سلام الإمام وجعل ذلك مقدما على الإسراع إليها. وهذا يقتضي شدة النهي عن ~~الاستعجال إليها فكيف فيها؟ ؟ يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثمامة ~~الحناط عن كعب بن عجرة قال: إن رسول الله صلى الله ms6943 عليه وسلم قال: {إذا ~~توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه. فإنه في ~~صلاة} فقد نهاه صلى الله عليه وسلم في مشيه إلى الصلاة عما # PageV22P564 # نهاه عنه في الصلاة من الكلام والعمل له منفردا فكيف يكون حال المصلي ~~نفسه في ذلك المشي وغير ذلك؟ فإذا كان منهيا عن السرعة والعجلة في المشي ~~مأمورا بالسكينة وإن فاته بعض الصلاة مع الإمام حتى يصلي قاضيا له فأولى أن ~~يكون مأمورا بالسكينة فيها. ويدل على ذلك: أن الله عز وجل أمر في كتابه ~~بالسكينة والقصد في الحركة والمشي مطلقا فقال: {واقصد في مشيك واغضض من ~~صوتك} وقال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما} . قال الحسن وغيره: " بسكينة ووقار " فأخبر أن عباد ~~الرحمن هم هؤلاء. فإذا كان مأمورا بالسكينة والوقار في الأفعال العادية ~~التي هي من جنس الحركة فكيف الأفعال العبادية؟ ثم كيف بما هو فيها من جنس ~~السكون كالركوع والسجود؟ فإن هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال؛ كالرفع ~~والخفض والنهوض والانحطاط. وأما نفس الأفعال التي هي المقصود بالانتقال ~~كالركوع نفسه والسجود نفسه والقيام والقعود أنفسهما - وهذه هي من نفسها ~~سكون - فمن لم يسكن فيها لم يأت بها وإنما هو بمنزلة من أهوى إلى القعود ~~ولم يأت به كمن مد يده إلى الطعام ولم يأكل منه أو وضعه على فيه ولم يطعمه. ~~وأيضا: فإن الله تعالى أوجب الركوع والسجود في الكتاب # PageV22P565 # والسنة وهو واجب بالإجماع لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا} وقوله تعالى {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} ~~{خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} وقوله ~~تعالى {فما لهم لا يؤمنون} {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} وقوله تعالى ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون} وقوله تعالى {واسجد واقترب} وقوله تعالى {ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض ms6944 والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} . فدل على أن الذي لا يسجد لله من ~~الناس قد حق عليه العذاب وقوله: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} ~~وقوله تعالى {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} وقوله تعالى {وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون} وقوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} . وإذا كان الله عز وجل قد فرض ~~الركوع والسجود لله في كتابه كما فرض أصل الصلاة فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~هو المبين للناس ما نزل إليهم وسنته تفسر الكتاب وتبينه وتدل عليه وتعبر ~~عنه # PageV22P566 # وفعله إذا خرج امتثالا لأمر أو تفسيرا لمجمل: كان حكمه حكم ما امتثله ~~وفسره. وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم لما كان يأتي في كل ركعة بركوع ~~واحد وسجودين كان كلاهما واجبا. وكان هذا امتثالا منه لما أمر الله به من ~~الركوع والسجود وتفسيرا لما أجمل ذكره في القرآن وكذلك المرجع إلى سنته في ~~كيفية السجود. وقد كان يصلي الفريضة والنافلة والناس يصلون على عهده ولم ~~يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع والسجود وبالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها. ~~قد نقل ذلك كل من نقل صلاة الفريضة والنافلة. والناس يصلون على عهده ولم ~~يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع والسجود وبالطمأنينة. وكذلك كانت صلاة ~~أصحابه على عهده. وهذا يقتضي وجوب السكون والطمأنينة في هذه الأفعال كما ~~يقتضي وجوب عددها. وهو سجودان مع كل ركوع. وأيضا: فإن مداومته على ذلك في ~~كل صلاة كل يوم مع كثرة الصلوات من أقوى الأدلة على وجوب ذلك. إذ لو كان ~~غير واجب لتركه ولو مرة ليبين الجواز. أو ليبين جواز تركه بقوله. فلما لم ~~يبين - لا بقوله ولا بفعله - جواز ترك ذلك مع مداومته عليه. كان ذلك دليلا ~~على وجوبه. وأيضا: فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: # PageV22P567 # أنه قال لمالك بن الحويرث وصاحبه {إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما ~~أكبركما. ms6945 وصلوا كما رأيتموني أصلي} فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي. وذلك ~~يقتضي أنه يجب على الإمام أن يصلي بالناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي لهم ولا معارض لذلك ولا مخصص فإن الإمام يجب عليه ما لا يجب على ~~المأموم والمنفرد. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ~~{سهل ابن سعد أنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على ~~المنبر وكبر وكبر الناس معه وراءه وهو على المنبر ثم رجع فنزل القهقرى حتى ~~سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس. فقال: ~~يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي} وفي سنن أبي داود ~~والنسائي عن سالم البراد قال: {أتينا عقبة بن عامر الأنصاري أبا مسعود ~~فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام بين أيدينا في ~~المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك وجافى ~~بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه ثم قال: سمع الله لمن حمده فقام حتى استقر ~~كل شيء منه ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر ~~كل شيء. # PageV22P568 # منه ثم رفع رأسه فجلس حتى استقر كل شيء منه ففعل ذلك أيضا ثم صلى أربع ~~ركعات مثل هذه الركعة فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي} . وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم. فإنهم كانوا لا يصلون ~~إلا مطمئنين. وإذا رأى بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه ونهاه. ولا ينكر واحد ~~منهم على المنكر لذلك. وهذا إجماع منهم على وجوب السكون والطمأنينة في ~~الصلاة قولا وفعلا. ولو كان ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانا كما كانوا ~~يتركون ما ليس بواجب. وأيضا: فإن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا ~~إذا سكن حين انحنائه وحين وضع وجهه على الأرض. فأما مجرد الخفض والرفع عنه: ~~فلا يسمى ms6946 ذلك ركوعا ولا سجودا. ومن سماه ركوعا وسجودا فقد غلط على اللغة. ~~فهو مطالب بدليل من اللغة على أن هذا يسمى راكعا وساجدا حتى يكون فاعله ~~ممتثلا للأمر وحتى يقال: إن هذا الأمر المطالب به يحصل الامتثال فيه بفعل ~~ما يتناوله الاسم. فإن هذا لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ~~ركوعا وسجودا وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه. فقائل ذلك قائل بغير ~~علم في كتاب الله وفي لغة العرب وإذا حصل الشك: هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ ~~لم يكن ممتثلا بالاتفاق. لأن الوجوب معلوم. وفعل # PageV22P569 # الواجب ليس بمعلوم. كمن يتيقن وجوب صلاة أو زكاة عليه ويشك في فعلها. ~~وهذا أصل ينبغي معرفته. فإنه يحسم مادة المنازع الذي يقول: إن هذا يسمى ~~ساجدا وراكعا في اللغة. فإنه قال بلا علم ولا حجة. وإذا طولب بالدليل ~~انقطع. وكانت الحجة لمن يقول: ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود والركوع ~~المعروفين. ثم يقال: لو وجد استعمال لفظ " الركوع والسجود " في لغة العرب ~~بمجرد ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينة لكان المعفر خده ساجدا ولكان الراغم ~~أنفه - وهو الذي لصق أنفه بالرغام وهو التراب - ساجدا لا سيما عند المنازع ~~الذي يقول: يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينة. فيكون نقر ~~الأرض بالأنف سجودا ومعلوم أن هذا ليس من لغة القوم كما أنه ليس من لغتهم ~~تسمية نقرة الغراب ونحوها سجودا ولو كان ذلك كذلك لكان يقال للذي يضع وجهه ~~على الأرض ليمص شيئا على الأرض أو يعضه أو ينقله ونحو ذلك: ساجدا. وأيضا: ~~فإن الله أوجب المحافظة والإدامة على الصلاة وذم إضاعتها والسهو عنها. فقال ~~في أول سورة المؤمنين {قد أفلح المؤمنون} # PageV22P570 # {الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} {والذين هم ~~للزكاة فاعلون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} {والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون} {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ms6947 وقد سبق بيان ~~أن هذه الخصال واجبة. وكذلك في سورة سأل سائل قال: {إن الإنسان خلق هلوعا} ~~{إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا المصلين} {الذين هم على ~~صلاتهم دائمون} {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} {والذين ~~يصدقون بيوم الدين} {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} {إن عذاب ربهم غير ~~مأمون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} {والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون} {والذين هم بشهاداتهم قائمون} {والذين هم على ~~صلاتهم يحافظون} فذم الإنسان كله إلا ما استثناه. فمن لم يكن متصفا بما ~~استثناه كان مذموما كما في قوله تعالى {والعصر} {إن الإنسان لفي خسر} {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقال تعالى: ~~{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} . وقال ~~تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقال تعالى: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} . # PageV22P571 # وهذه الآيات تقتضي ذم من ترك شيئا من واجبات الصلاة وإن كان في الظاهر ~~مصليا مثل أن يترك الوقت الواجب أو يترك تكميل الشرائط والأركان من الأعمال ~~الظاهرة والباطنة وبذلك فسرها السلف. ففي تفسير عبد بن حميد - وذكره عن ابن ~~المنذر في تفسيره من حديث عبد - حدثنا روح عن سعيد عن قتادة {والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون} على وضوئها ومواقيتها وركوعها. وروى أبو بكر بن المنذر في ~~تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن عن عبد الله قال: قيل لعبد الله: إن الله ~~أكثر ذكر الصلاة في القرآن {الذين هم على صلاتهم دائمون} {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} {والذين هم على صلاتهم يحافظون} فقال عبد الله: ذلك على ~~مواقيتها فقالوا: ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك. قال: تركها ~~كفر. وروى سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق ~~في قول الله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} قال: على مواقيتها فقالوا: ms6948 ما ~~كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك. قال: تركها كفر. وروي من حديث ~~سعيد بن أبي مريم: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} بتضييع ميقاتها. وروى عن أبي ~~ثور عن ابن جريج في قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} المكتوبة والتي ~~في سأل سائل: التطوع. وهذا قول ضعيف. # PageV22P572 # فصل: # وأما القدر المشروع للإمام: فهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~في صحيح البخاري عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال: {إذا حضرت ~~الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ثم صلوا كما رأيتموني أصلي} . وأما ~~" القيام ": ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ في الفجر ب {ق والقرآن المجيد} ونحوها وكانت صلاته بعد إلى تخفيف ~~" أي يجعل صلاته بعد الفجر خفيفة كما في صحيح مسلم أيضا عنه قال: {كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك ~~وفي الصبح أطول من ذلك} وفي الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: {كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير - التي تدعونها الأولى - لحين تدحض ~~الشمس ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية - ~~قال الراوي: ونسيت ما قال في المغرب - وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي ~~تدعونها العتمة. # PageV22P573 # وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف ~~الرجل جليسه وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة} . وعن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: {حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر. ~~فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر: قدر ثلاثين آية قدر الم ~~السجدة. وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الآخرتين من الظهر. ~~وحزرنا قيامه في الآخرتين من العصر على النصف من ذلك} . رواه مسلم وأبو ~~داود والنسائي. وفي الصحيحين وغيرهما عن جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد بن ~~أبي وقاص: " لقد شكاك الناس في كل ms6949 شيء حتى في الصلاة؛ قال أما أنا فأمد في ~~الأوليين وأحذف في الأخريين. ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه قال: {لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع ~~فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة ~~الأولى مما يطيلها} . وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي وائل قال: خطبنا عمار بن ~~ياسر يوما فأوجز وأبلع فقلنا: يا أبا اليقظان: لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت ~~تنفست. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن طول صلاة ~~الرجل وقصر # PageV22P574 # خطبته مئنة من فقهه. فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا} ~~. وفي صحيح مسلم عن {جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصلوات. فكانت صلاته قصدا} أي وسطا. وفعله الذي سنه لأمته ~~هو من التخفيف الذي أمر به الأئمة؛ إذ التخفيف من الأمور الإضافية. فالمرجع ~~في مقداره إلى السنة. وذلك كما خرجاه في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه ~~قال: {كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤمنا - وقال ~~مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه - فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم - وقال مرة: ~~العشاء؛ فصلى معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء يؤم قومه - فقرأ ~~البقرة. فاعتزل رجل من القوم فصلى. فقيل: نافقت. فقال: ما نافقت. فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن معاذا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول ~~الله إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا وإنه جاء يؤمنا فقرأ سورة البقرة ~~فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ اقرأ بكذا اقرأ بكذا قال أبو الزبير: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} {والليل إذا يغشى} } . وفي رواية للبخاري عن جابر رضي الله عنه ~~قال {أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا # PageV22P575 # يصلي - وذكره نحوه فقال في ms6950 آخره: فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس ~~وضحاها والليل إذا يغشى. فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة} . وفي ~~الصحيحين عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: {جاء رجل إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا فما ~~رأيت رسول الله غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ. قال: أيها الناس إن ~~منكم منفرين. فأيكم أم الناس فليوجز. فإن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة. ~~وفي رواية: فإن فيهم الضعيف والكبير وفي رواية فليخفف فإن فيهم المريض ~~والضعيف وذا الحاجة} . وفي صحيح البخاري من حديث أبي قتادة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال {إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها ~~فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه} . وأما " مقدار بقية ~~الأركان مع القيام ": فقد أخرجا في الصحيحين عن شريك بن عبد الله بن أبي ~~نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا ~~أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم} . وفي رواية عن شريك عنه {وإن كان ~~ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه} . وأخرجا فيهما من حديث # PageV22P576 # عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها وفي لفظ يوجز الصلاة ويتم} . وأخرجا أيضا عن ~~قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إني لأدخل في ~~الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز من صلاتي مما أعلم من ~~شدة وجد أمه من بكائه} رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: ~~{كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة ~~فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة} . وروى مسلم أيضا عن أنس رضي ~~الله عنه قال: {ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا أتم من ms6951 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم} . وكانت صلاته متقاربة وصلاة أبي بكر متقاربة. فلما كان عمر رضي ~~الله عنه مد في صلاة الصبح ". وعن قتادة عن أنس رضي الله عنه {أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان من أخف الناس صلاة في تمام} . فقول أنس رضي الله ~~عنه {ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم صلاة من رسول الله} يريد: أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان أخف # PageV22P577 # الأئمة صلاة وأتم الأئمة صلاة. وهذا لاعتدال صلاته وتناسبها. كما في ~~اللفظ الآخر {وكانت صلاته معتدلة وفي اللفظ الآخر وكانت صلاته متقاربة} ~~لتخفيف قيامها وقعودها وتكون أتم صلاة لإطالة ركوعها وسجودها ولو أراد أن ~~يكون نفس الفعل الواحد - كالقيام - هو أخف وهو أتم لناقض ذلك. ولهذا بين ~~التخفيف الذي كان يفعله إذا بكى الصبي. وهو قراءة سورة قصيرة. وبين أن عمر ~~بن الخطاب مد في صلاته الصبح وإنما مد في القراءة فإن عمر رضي الله عنه كان ~~يقرأ في الفجر بسورة يونس وسورة هود وسورة يوسف. والذي يبين ذلك: ما رواه ~~أبو داود في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: {ما صليت خلف رجل أوجز ~~صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد أوهم ثم يكبر ~~ويسجد. وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم} كما أخرجاه في الصحيحين ~~عن حماد بن زيد عن ثابت {عن أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا} قال ثابت " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم ~~تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي ". ~~وللبخاري من حديث # PageV22P578 # شعبة عن ثابت قال: قال أنس رضي الله عنه - ينعت لنا صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - {وكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: ~~قد ms6952 نسي} . فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~التي كان يوجزها ويكملها والتي كانت أخف الصلاة وأتمها أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقوم فيها من الركوع حتى يقول القائل: إنه قد نسي ويقعد بين ~~السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا كان في هذا يفعل ذلك فمن المعلوم ~~باتفاق المسلمين والسنة المتواترة: أن الركوع والسجود لا ينقصان عن هذين ~~الاعتدالين. بل كثير من العلماء يقول: لا يشرع ولا يجوز أن يجعل هذين ~~الاعتدالين بقدر الركوع والسجود بل ينقصان عن الركوع والسجود. وفي الصحيحين ~~من حديث شعبة عن الحكم قال " غلب على الكوفة رجل - قد سماه زمن ابن الأشعث ~~وسماه غندر في رواية. مطر بن ناجية - فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي ~~بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك ~~الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". قال الحكم ~~فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي # PageV22P579 # ليلى قال: سمعت البراء بن عازب يقول {كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين: قريبا ~~من السواء} . قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مرة. فقال " قد رأيت عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى فلم تكن صلاته هكذا " ولفظ مطر عن شعبة {كان ركوع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسجوده. وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع - ما خلا القيام ~~والقعود - قريبا من السواء} وهو في الصحيح والسنن من حديث هلال بن أبي حميد ~~عن ابن أبي ليلى عن {البراء بن عازب قال رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فوجدت قيامه فركوعه فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين ~~فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبا من السواء} ويشهد لهذا ما ~~رواه. مسلم وأبو داود والنسائي من أبي سعيد ms6953 الخدري رضي الله عنه أن {رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يرفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن ~~حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ~~أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت ولا ~~معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . وقوله: {أحق ما قال العبد} ~~هكذا هو في الحديث. وهو # PageV22P580 # خبر مبتدإ محذوف. وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من ~~قوله: {حق ما قال العبد} فهو تحريف بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة ~~ليس له أصل في الأثر. ومعناه أيضا فاسد. فإن العبد يقول الحق والباطل وأما ~~الرب سبحانه وتعالى فهو يقول الحق ويهدي السبيل كما قال تعالى: {فالحق ~~والحق أقول} وأيضا: فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل. ~~وروى مسلم وغيره عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء ~~السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ~~والمجد. أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد} . وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن أبي ~~أوفى قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ~~سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت ~~من شيء بعد} وفي رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا: أنه # PageV22P581 # كان يقول: {اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس} . فإن قيل: فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ~~اتفق الصحابة رضي الله عنهم على نقلها عنه. وقد نقلها أهل الصحاح والسنن ~~والمسانيد من هذه الوجوه. وغيرها والصلاة عمود الدين فكيف خفي ذلك على ms6954 ~~طائفة من فقهاء العراق وغيرهم حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع والقعود ~~بين السجدتين من الأفعال المقاربة للركوع والسجود ولا استحبوا في ذلك ذكرا ~~أكثر من التحميد بقول {ربنا لك الحمد} حتى إن بعض المتفقهة قال: إذا طال ~~ذلك طولا كثيرا بطلت صلاته قيل: سبب ذلك وغيره: أن الذي مضت به السنة أن ~~الصلاة يصليها بالمسلمين الأمراء وولاة الحرب. فوالي الجهاد: كان هو أمير ~~الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى ~~أثناء دولة بني العباس. والخليفة هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس ~~والجمعة لا يعرف المسلمون غير ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~سيكون بعده من تغير الأمراء حتى قال: {سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة ~~عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة} فكان من هؤلاء من ~~يؤخرها # PageV22P582 # عن وقتها حتى يضيع الوقت المشروع فيها كما أن بعضهم كان لا يتم التكبير ~~أي لا يجهر بالتكبير في انتقالات الركوع وغيره ومنهم من لا يتم الاعتدالين. ~~وكان هذا يشيع في الناس فيربو في ذلك الصغير ويهرم فيه الكبير حتى إن كثيرا ~~من خاصة الناس لا يظن السنة إلا ذلك. فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك. ~~كما رواه البخاري في صحيحه عن قتادة عن عكرمة قال: " صليت خلف شيخ بمكة ~~فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس: إنه لأحمق. فقال: ثكلتك أمك. ~~سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ". وفي رواية أبي بشر عن عكرمة قال " ~~رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت ابن ~~عباس فقال: أوليس تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا أم لك " وهذا ~~يعني به: أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير. فكان الأئمة الذين يصلي خلفهم ~~عكرمة لا يفعلون ذلك وابن عباس لم يكن إماما حتى يعرف ذلك منه فأنكر ذلك ~~عكرمة حتى أخبره ابن عباس وأما نفس التكبير فلم يكن يشتبه أمره على أحد ~~وهذا ms6955 كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير بل يفعل ذلك المؤذن ~~ونحوه فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة. ولا خلاف # PageV22P583 # بين أهل العلم أن هذه ليست هي السنة بل هم متفقون على ما ثبت عندهم ~~بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤذن وغيره من المأمومين لا ~~يجهرون بالتكبير دائما. كما أن بلالا لم يكن يجهر بذلك خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن إذا احتيج إلى ذلك لضعف صوت الإمام أو بعد المكان: فهذا قد ~~احتجوا لجوازه. بأن {أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسمع الناس التكبير ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه} حتى تنازع الفقهاء في جهر المأموم ~~لغير حاجة هل يبطل صلاته أم لا؟ ومثل ذلك ما أخرجاه. في الصحيحين والسنن عن ~~مطرف بن عبد الله بن الشخير قال " صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن ~~حصين كان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر. فلما ~~قضى الصلاة أخذ عمران بن حصين بيدي. فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا لما جهر ~~بالتكبير سمعه عمران ومطرف كما سمعه غيرهما. ومثل هذا ما في الصحيحين ~~والسنن أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه " أنه كان يكبر في كل صلاة من ~~المكتوبة وغيرها: يكبر # PageV22P584 # حين يقوم ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يقوم من ~~الجلوس من الثنتين: يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ثم يقول حين ~~ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا ". وهذا كان يفعله أبو هريرة رضي ~~الله عنه لما كان أميرا على المدينة فإن معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان ~~بن الحكم في إمارة المدينة فيولي هذا تارة ويولي هذا تارة. وكان مروان ~~يستخلف وكان ms6956 أبو هريرة يصلي بهم بما هو أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من صلاة مروان وغيره من أمراء المدينة. وقوله " في المكتوبة وغيرها " ~~يعني: ما كان من النوافل مثل قيام رمضان. كما أخرجه البخاري من حديث الزهري ~~عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي سلمة " أن أبا هريرة رضي الله عنه ~~كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره فيكبر حين يقوم ~~ويكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده ثم يقول: ربنا لك الحمد " وذكر ~~نحوه. وكان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه. كما ~~رواه مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: # PageV22P585 # " أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع. فقلت: يا ~~أبا هريرة ما هذا التكبير؟ قال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~وهذا كله معناه جهر الإمام بالتكبير. ولهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير لما ~~فيه من إتمامه برفع الصوت وفعله في كل خفض ورفع. يبين ذلك: أن البخاري ذكر ~~في (باب التكبير عند النهوض من الركعتين قال: وكان ابن الزبير يكبر في ~~نهضته ثم روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث. قال: " ~~صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع ~~وحين قام من الركعتين. وقال: هكذا رأيت رسول. الله صلى الله عليه وسلم " ثم ~~أردفه البخاري بحديث مطرف: قال: " صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. فكان إذا سجد كبر وإذا رفع كبر وإذا نهض من الركعتين ~~كبر فلما سلم. أخذ عمران بن حصين بيدي. فقال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أو قال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ". ~~فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير. وأما أصل التكبير: فلم يكن ~~مما يخفى على أحد. وليس هذا ms6957 أيضا مما يجهل # PageV22P586 # هل يفعله الإمام أم لا يفعله؟ فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة. كما لا يصح ~~نفي القراءة في صلاة المخافتة ونفي التسبيح في الركوع والسجود ونفي القراءة ~~في الركعتين الأخيرتين ونحو ذلك. ولهذا استدل بعض من كان لا يتم التكبير ~~ولا يجهر به. بما روي عن {سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: أنه صلى مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير} رواه أبو داود والبخاري ~~في التاريخ الكبير. وقد حكى أبو داود الطيالسى أنه قال: هذا عندنا باطل. ~~وهذا إن كان محفوظا فلعل ابن أبزى صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مؤخر المسجد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم صوته ضعيفا فلم يسمع تكبيره. ~~فاعتقد أنه لم يتم التكبير وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك. فلو ~~خالفها كان شاذا لا يلتفت إليه ومع هذا فإن كثيرا من الفقهاء المتأخرين ~~يعتقدون أن إتمام التكبير هو نفس فعله ولو سرا وأن علي بن أبي طالب وأبا ~~هريرة وغيرهما من الأئمة إنما أفادوا الناس نفس فعل التكبير في الانتقالات. ~~ولازم هذا: أن عامة المسلمين ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها ~~ولا رفعها. وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال ولو ~~كان المراد التكبير سرا: لم يصح نفي ذلك ولا إثباته. فإن المأموم # PageV22P587 # لا يعرف ذلك من إمامه ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركا لأن الأئمة ~~كانوا يكبرون عند الافتتاح دون الانتقالات وليس كذلك السنة. بل الأحاديث ~~المروية تبين أن رفع الإمام وخفضه كان في جميعها التكبير. وقد قال إسحاق بن ~~منصور: قلت: لأحمد بن حنبل: ما الذي نقصوا من التكبير؟ قال: إذا انحط إلى ~~السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة. فقد بين ~~الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير. بل نقصوا التكبير في الخفض ~~من القيام ومن القعود وهو كذلك - والله أعلم - لأن الخفض يشاهد بالأبصار ~~فظنوا ms6958 لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام لأنه يرى ركوعه ~~ويرى سجوده؛ بخلاف الرفع من الركوع والسجود. فإن المأموم لا يرى الإمام ~~فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره. ويدل على صحة ما قاله أحمد من حديث ابن أبزى: ~~أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير. وكان لا يكبر إذا ~~خفض. هكذا رواه أبو داود الطيالسى عن شعبة عن الحسن بن عمران عن سعيد بن ~~عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه. وقد ظن أبو عمر بن عبد البر - كما ظن غيره - ~~أن هؤلاء # PageV22P588 # السلف ما كانوا يكبرون في الخفض والرفع. وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب ~~لأنهم لا يقرون الأمة على ترك واجب حتى إنه قد روي عن ابن عمر " أنه كان ~~يكبر إذا صلى وحده في الفرض وأما التطوع فلا " قال أبو عمر: لا يحكي أحمد ~~عن ابن عمر إلا ما صح عنده إن شاء الله. قال: وأما رواية مالك عن نافع عن ~~ابن عمر " أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع فيدل ظاهرها: على أنه كذلك ~~كان يفعل إماما وغير إمام. قلت: ما روى مالك لا ريب فيه. والذي ذكره أحمد ~~لا يخالف ذلك ولكن غلط ابن عبد البر فيما فهم من كلام أحمد. فإن كلامه إنما ~~كان في التكبير دبر الصلاة أيام العيد الأكبر لم يكن التكبير في الصلاة ~~ولهذا فرق أحمد بين الفرض والنفل فقال: أحب إلي أن يكبر في الفرض دون ~~النفل. ولم يكن أحمد ولا غيره يفرقون في تكبير الصلاة بين الفرض والنفل: بل ~~ظاهر مذهبه: أن تكبير الصلاة واجب في النفل كما أنه واجب في الفرض. وإن ~~قيل: هو سنة في الفرض قيل: هو سنة في النفل. فأما التفريق بينهما فليس قولا ~~له ولا لغيره. وأما الذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان ~~منفردا: # PageV22P589 # فهو مشهور عنه. وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة. وقد قال ابن عبد البر ~~لما ذكر حديث أبي ms6959 سلمة: " أن أبا هريرة رضي الله عنه. كان يصلي لهم فيكبر ~~كلما خفض ورفع فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " فقال ابن عبد البر إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك؛ ويدل ~~عليه ما رواه ابن أبي ذئب في موطئه عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال: {ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وتركهن الناس: ~~كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله ~~من فضله وكان يكبر كلما رفع وخفض} قلت: هذه الثلاثة تركها طائفة من الأئمة ~~والفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا يوجب التكبير ومن لا يستحب الاستفتاح ~~والاستعاذة ومن لا يجهر من الأئمة بتكبير الانتقال. قال: وقد قال قوم من ~~أهل العلم: إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام وشعار للصلاة وليس بسنة ~~إلا في الجماعة. أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. ولهذا ذكر مالك ~~هذا الحديث وحديث ابن شهاب عن علي بن حسين قال: {كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله عز ~~وجل} . وحديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم # PageV22P590 # " أنهما كانا يكبران كلما خفضا ورفعا في الصلاة فكان جابر يعلمهم ذلك " ~~قال: فذكر مالك هذه الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة. قلت: ~~ما ذكره مالك: فكما ذكره وأما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف: فلم أجده ~~ذكر لذلك أصلا إلا ما ذكر. أحمد عن علماء " المسلمين: أن التكبير مشروع في ~~الصلوات وإنما ذكر ذلك مالك وغيره - والله أعلم - لأجل ما كره من فعل ~~الأئمة الذين كانوا لا يتمون التكبير. وقد قال ابن عبد البر: روى ابن وهب ~~أخبرني عياض بن عبد الله الفهري أن عبد الله بن عمر كان يقول: " لكل شيء ~~زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها " وإذا. كان ابن عمر ms6960 يقول ذلك ~~فكيف يظن به أنه لا يكبر إذا صلى وحده؟ هذا لا يظنه عاقل بابن عمر. قال ابن ~~عبد البر: وقد روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة وغيرهم: " ~~أنهم كانوا لا يتمون التكبير " وذكر ذلك أيضا عنه القاسم وسالم وسعيد بن ~~جبير. وروي عن أبي سلمة: عن أبي هريرة " أنه كان يكبر هذا التكبير. ويقول: ~~إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال: وهذا يدل على أن التكبير ~~في كل خفض ورفع: كان الناس قد تركوه وفي ترك الناس # PageV22P591 # له من غير نكير من واحد منهم: ما يدل على أن الأمر محمول عندهم على ~~الإباحة. قلت: لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به. فأما ترك الإمام التكبير ~~سرا: فلا يجوز أن يدعي تركه إن لم يصل الإمام إلى فعله فهذا لم يقله أحد من ~~الأئمة ولم يقل أحد أنهم كانوا يتركون في كل خفض ورفع بل قالوا: كانوا لا ~~يتمونه. ومعنى " لا يتمونه " ينقصونه ونقصه: عدم فعله في حال الخفض كما ~~تقدم من كلامه. وهو نقص بترك رفع الصوت به أو نقص له بترك ذلك في بعض ~~المواضع. وقد روى ابن عبد البر عن {أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صليت خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم ~~كان يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفض} قال: وهذا معارض لما روي عن عمر: " أنه ~~كان لا يتم التكبير ". وروي عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال: قلت: ~~لعمر بن عبد العزيز " ما منعك أن تتم التكبير - وهذا عاملك عبد العزيز يتمه ~~-؟ فقال: تلك صلاة الأول وأبى أن يقبل مني ". قلت: وإنما خفي على عمر بن ~~عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير كما خفي ذلك على طوائف من أهل زماننا ~~وقبله ما ذكره ابن # PageV22P592 # أبي شيبة أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم. قال: " أول من قص التكبير ~~زياد ". قلت: زياد كان أميرا في زمن عمر ms6961 فيمكن أن يكون ذلك صحيحا. ويكون ~~زياد قد سن ذلك حين تركه غيره. وروي عن الأسود ابن يزيد عن {أبي موسى ~~الأشعري قال: لقد ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمدا وكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما ~~سجد} . ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد وهم ~~أئمة ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا من شاهدوهم ~~من أهل العلم والدين لا يعرفون غير ذلك فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة. وحصل ~~بذلك نقصان في وقت الصلاة وفعلها. فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من ~~تقديمها؛ كما كان الأئمة يفعلون ذلك. وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من ~~الأمور الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان ابن ~~مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده: أنهم من الخلف الذين. ~~قال الله تعالى فيهم: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} فكان يقول: " كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ~~ويهرم فيها الكبير إذا ترك فيها # PageV22P593 # شيء قيل: تركت السنة. فقيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: ذلك إذا ~~ذهب علماؤكم وقلت فقهاؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين " ~~وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضا: " أنا من غير الدجال أخوف عليكم من ~~الدجال: أمور تكون من كبرائكم فأيما رجل أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت ~~الأول فالسمت الأول ". # ومن هذا الباب: أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة ~~الوليد بن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك - صلى خلفه ~~أنس بن مالك رضي الله عنه. فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه " ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه ~~صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر ms6962 بن عبد العزيز ~~" قال " فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات " وهذا كان في ~~المدينة مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار. ~~فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا ولكن كانوا قد غيروا أيضا بعض السنة. ومن ~~اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غلط فإن أنس بن مالك رضي # PageV22P594 # الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز بل مات قبل ذلك بسنتين. وهذا ~~يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن عون بن ~~عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم - وذلك أدناه ~~- وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثا - وذلك أدناه} قال أبو داود: هذا ~~مرسل عون لم يدرك عبد الله بن مسعود. وكذلك قال البخاري في تاريخه. وقال ~~الترمذي: ليس إسناده بمتصل عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود عون هو من ~~علماء الكوفة المشهورين وهو من أهل بيت عبد الله وقيل: إنما تلقاه من علماء ~~أهل بيته. فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد ~~حتى صاروا يقولون في الثلاث: إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع. وذلك يدل ~~على أن أعلاه أكثر من هذا. فقول من يقول من الفقهاء: إن السنة للإمام أن ~~يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم: هو من ~~جنس قول من يقول: من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر ~~الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ذلك. فإن # PageV22P595 # الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا بل الأحاديث ~~المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد ~~وغيرها: تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح ms6963 في أغلب صلاته أكثر من ذلك ~~كما تقدم دلالة الأحاديث عليه. ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {إذا أم أحدكم الناس فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء} ~~ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما {قال لمعاذ: ~~أفتان أنت يا معاذ؟} فجعلوا هذا برأيهم قدرا للمستحب ومن المعلوم أن مقدار ~~الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة فإن هذا من العلم ~~الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد. إذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا ~~بالاقتداء بهم فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي ~~أن يوضع فيه حكم بالرأي، وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، [و] (1) لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة ~~فيرد بالرأي والقياس. ومما يبين هذا: أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد ~~في اللغة ولا في العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف ~~PageV22P596 # هؤلاء ما يستطيله هؤلاء فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير ~~العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية. فعلم أن الواجب على ~~المسلم: أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة وبهذا يتبين أن أمره ~~صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره بالتطويل أيضا. في حديث عمار ~~الذي في الصحيح لما قال {إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ~~فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة} وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما. ~~فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض ~~الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة. ولهذا قال {فإذا صلى ~~أحدكم لنفسه فليطول ما شاء} . فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به ~~الصلاة خفيفة بخلاف الإمام؛ لأجل مراعاة المأمومين. فإن خلفه السقيم ~~والكبير وذو الحاجة؛ ولهذا ms6964 مضت السنة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض ~~للمأمومين أو بعضهم عارض. كما قال صلى الله عليه وسلم {إني لأدخل الصلاة ~~وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه} . وبذلك ~~علل النبي صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من حديث ابن مسعود. # PageV22P597 # وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا ~~الحاجة. وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء وفي رواية فإن فيهم السقيم والشيخ ~~الكبير وذا الحاجة} . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصرها أحيانا ~~عما كان يفعل غالبا. كما روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه ~~قال: {كأني أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة {فلا ~~أقسم بالخنس} {الجواري الكنس} } . وروى أنه {قرأ في صلاة الفجر في بعض ~~أسفاره بسورة الزلزلة} . وكان يطول أحيانا حتى ثبت في الصحيح عن {ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ {والمرسلات عرفا} ~~فقالت: يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب} . وفي الصحيحين عن {محمد بن ~~جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~بالطور في المغرب} . وفي البخاري والسنن عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد ~~بن ثابت " ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟ قال قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: ~~الأعراف ". # PageV22P598 # فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث. وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب ~~تارة بالأعراف وتارة بالطور وتارة بالمرسلات مع اتفاق الفقهاء على أن ~~القراءة في المغرب سنتها أن يكون أقصر من القراءة في الفجر. فكيف تكون ~~القراءة في الفجر وغيرها؟ ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور ms6965 عن إبراهيم ~~النخعي قال: كان أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع ~~فكانوا يعيبون ذلك عليه ". قال أبو محمد بن حزم: العيب على من عاب عمل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعول على من لا حجة فيه. قلت: قد تقدم فعل أبي ~~عبيدة الذي في الصحيح وموافقته لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء ~~الذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ابن ~~الأشعث لم يكونوا من الصحابة ولا عرف أنهم من أعيان التابعين. وإن كان قد ~~يكون فيهم من أدرك ابن مسعود فابن بن مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في ~~زمنه بل الإمام الراتب كان غيره وابن بن مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من ~~هؤلاء المجهولين. فهؤلاء الذين أنكروا على أبي عبيدة إنما أنكروا عليه ~~لمخالفته العادة # PageV22P599 # التي اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية. ولكن ليس هذا الإنكار من ~~الفقهاء. يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة وتوفي قبل ~~فتنة ابن الأشعث التي صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله. فإن علقمة توفي سنة ~~إحدى - أو اثنتين - وستين في أوائل إمارة يزيد " وفتنة ابن الأشعث كانت في ~~إمارة عبد الملك. وكذلك مسروق. قيل: إنه توفي قبل السبعين أيضا. وقيل فيهما ~~كما قيل: في مسروق ونحوه. فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن ~~مسعود لم يكونوا هم الذين أنكروا ذلك مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق ~~صرفه إلى إبراهيم النخعي. وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم ~~وأمثاله أنكروا ذلك. وهم رأوا ذلك. وهم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه. فقد ~~تبين أن الأمر ليس كذلك. # PageV22P600 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل لا يطمئن في صلاته؟ . # فأجاب: # الطمأنينة في الصلاة واجبة وتاركها مسيء باتفاق الأئمة بل جمهور أئمة ~~الإسلام: كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة وأبو حنيفة ~~ومحمد لا يخالفون في أن تارك ذلك مسيء غير ms6966 محسن بل هو آثم عاص تارك للواجب. ~~وغيرهم يوجبون الإعادة على من ترك الطمأنينة. ودليل وجوب الإعادة ما في ~~الصحيحين: {أن رجلا صلى في المسجد ركعتين ثم جاء فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فصل فإنك لم تصل مرتين أو ~~ثلاثا - فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا. فعلمني ما يجزئني في ~~صلاتي فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم ~~اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ~~اجلس حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها} فهذا كان رجلا جاهلا " ~~ومع هذا فأمره النبي # PageV22P601 # صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة وأخبره. أنه لم يصل فتبين بذلك أن من ~~ترك الطمأنينة فقد أخبر الله ورسوله أنه لم يصل فقد أمره. الله ورسوله ~~بالإعادة. ومن يعص الله ورسوله فله عذاب أليم. وفي السنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود} . ~~يعني يقيم صلبه: إذا رفع من الركوع وإذا رفع من السجود. وفي الصحيح: " أن ~~حذيفة ابن اليمان - رضي الله عنه - رأى رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا فقال: أما أنك لو ~~مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم وقد ~~روى هذا المعنى ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنه قال لمن نقر في الصلاة: {أما إنك لو مت على هذا مت على غير الفطرة ~~التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم} أو نحو هذا. وقال: {مثل ~~الذي يصلي ولا يتم ركوعه وسجوده مثل الذي يأكل لقمة أو لقمتين فما تغني ~~عنه} . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تلك صلاة ~~المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس ms6967 حتى إذا كانت بين قرني # PageV22P602 # شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} وقد كتبنا في ذلك من ~~دلائل الكتاب والسنة في غير هذا الموضع ما يطول ذكره هنا والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة ويحصل له الوسواس تارة فما الذي ~~يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ ~~أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. هل كان ~~ذلك يشغله عن حاله في جمعيته أو لا؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الوسواس. لا يبطل الصلاة إذا كان قليلا باتفاق ~~أهل العلم بل ينقص الأجر كما قال ابن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت ~~منها. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن العبد لينصرف من ~~صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها ~~إلا سبعها إلا ثمنها إلا تسعها إلا عشرها} . # PageV22P603 # ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض كما في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أول ما يحاسب عليه العبد من عمله ~~الصلاة فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت ~~به الفريضة ثم يصنع بسائر أعماله} . وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقا. # [وأما الوسواس الذي يكون غالبا على الصلاة فقد قال طائفة - منهم أبو عبد ~~الله بن حامد وأبو حامد الغزالي - وغيرهما: أنه يوجب الإعانة أيضا لما ~~أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي ~~التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين ~~المرء ونفسه فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا ~~يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن ms6968 يسلم} . وقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {الصلاة مع الوسواس مطلقا} . ولم يفرق بين القليل ~~والكثير] . (*) # ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل كما في الصحيحين من حديث ~~عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن من توضأ نحو ~~وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث PageV22P604 # فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه} . وكذلك في الصحيح أنه قال: {من توضأ ~~فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه غفر له ما تقدم من ~~ذنبه} . وما زال في المصلين من هو كذلك كما قال سعد بن معاذ - رضي الله عنه ~~في ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في ~~الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه وإذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي ~~بغير ما تقول ويقال لها. وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة ~~منه وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر. وكان عبد الله بن الزبير - رضي الله ~~عنه - يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. ~~وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة فقال: أوشيء أحب إلي ~~من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة فقال: أبالجنة ~~والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا ولكن بأهلينا وأموالنا فقال: لأن تختلف الأسنة ~~في أحب إلي وأمثال هذا متعدد. والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضي وضعف ~~الشاغل. أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله ويتدبر # PageV22P605 # القراءة والذكر والدعاء ويستحضر أنه مناج لله تعالى كأنه يراه فإن المصلي ~~إذا كان قائما فإنما يناجي ربه. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد ~~وهذا يكون بحسب ms6969 قوة الإيمان. والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة} . وفي حديث آخر أنه قال: {أرحنا يا بلال بالصلاة} ولم ~~يقل: أرحنا منها. وفي أثر آخر {ليس بمستكمل للإيمان من لم يزل مهموما حتى ~~يقوم إلى الصلاة} أو كلام يقارب هذا. وهذا باب واسع. فإن ما في القلب من ~~معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه والتصديق بأخباره ~~وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون تفاضلا عظيما ويقوى ذلك كلما ~~ازداد العبد تدبرا للقرآن. وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته وتفقره ~~إليه في عبادته واشتغاله به بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ~~ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون ~~الله هو معبوده الذي يطمئن إليه ويأنس به ويلتذ بذكره ويستريح به ولا حصول ~~لهذا إلا بإعانة الله ومتى كان # PageV22P606 # للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكا لا صلاح معه ومتى لم يعنه الله على ~~ذلك لم يصلحه ولا حول ولا قوة إلا به ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. ~~ولهذا يروى: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع علمها في الكتب الأربعة ~~وجمع الكتب الأربعة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل ~~في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~. ونظير ذلك قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} ~~وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه} وقد قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} . وبسط هذا طويل لا يحتمله هذا الموضع. ~~وأما زوال العارض: فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما ~~لا يعنيه وتدبر الجواذب التي تجذب القلب ms6970 عن مقصود الصلاة وهذا في كل عبد ~~بحسبه فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات وتعليق القلب ~~بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها والمكروهات التي ينصرف القلب إلى ~~دفعها. # PageV22P607 # والوساوس: إما من قبيل الحب من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل ~~الطلب وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله. ومن الوساوس ما يكون من ~~خواطر الكفر والنفاق فيتألم لها قلب المؤمن تألما شديدا كما {قال الصحابة: ~~يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء أحب إليه من أن ~~يتكلم به فقال: أوجدتموه قالوا: نعم قال: ذلك صريح الإيمان} . وفي لفظ. {إن ~~أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به فقال: الحمد لله الذي رد كيده ~~إلى الوسوسة} . قال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه وفرار القلب منه هو ~~صريح الإيمان والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة فإن شيطان الجن ~~إذا غلب وسوس وشيطان الإنس إذا غلب كذب والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله ~~تعالى بذكر أو غيره لا بد له من ذلك فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما ~~هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان ~~{إن كيد الشيطان كان ضعيفا} . وكلما أراد العبد توجها إلى الله تعالى بقلبه ~~جاء من الوسواس أمور أخرى فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق كلما أراد العبد ~~يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: إن ~~اليهود والنصارى يقولون: لا # PageV22P608 # نوسوس فقال صدقوا وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب. وتفاصيل ما يعرض ~~للسالكين طويل موضعه. # وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من قوله: إني لأجهز جيشي ~~وأنا في الصلاة. فذاك لأن عمر كان مأمورا بالجهاد وهو أمير المؤمنين فهو ~~أمير الجهاد. فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف ~~حال معاينة العدو إما حال القتال وإما غير حال القتال فهو مأمور بالصلاة ~~ومأمور بالجهاد ms6971 فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان. وقد قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} ~~. ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن فإذا ~~قدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد ~~وطاعته ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن. ولما ذكر سبحانه وتعالى صلاة ~~الخوف قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف. ~~ومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في ~~الصلاة مع تدبره للأمور بها وعمر قد # PageV22P609 # ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وهو المحدث الملهم فلا ينكر لمثله أن يكون ~~له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره لكن لا ريب أن حضوره ~~مع عدم ذلك يكون أقوى ولا ريب أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حال ~~أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة فإذا كان الله قد ~~عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة فكيف بالباطنة. وبالجملة فتفكر ~~المصلي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكره فيما ليس بواجب ~~أو فيما لم يضق وقته وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في ~~تلك الحال وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة. ومثل هذا يعرض لكل أحد ~~بحسب مرتبته والإنسان دائما يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة ومن ~~ذلك ما يكون من الشيطان كما يذكر أن بعض السلف ذكر له رجل أنه دفن مالا وقد ~~نسي موضعه فقال: قم فصل فقام فصلى فذكره فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: ~~علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله ولا أهم عنده من ~~ذكر موضع الدفن. لكن العبد الكيس يجتهد في كمال الحضور مع كمال فعل بقية ~~المأمور ولا حول ولا قوة ms6972 إلا بالله العلي العظيم. # PageV22P610 # وسئل: # عن وسواس الرجل في صلاته وما حد المبطل للصلاة؟ وما حد المكروه منه؟ وهل ~~يباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يعذب الرجل في شيء منه؟ وما حد الإخلاص في ~~الصلاة؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم {ليس لأحدكم من صلاته إلا ما عقل ~~منها} ؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الوسواس نوعان: # أحدهما: لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب والعمل الصالح الذي في ~~الصلاة بل يكون بمنزلة الخواطر فهذا لا يبطل الصلاة؛ لكن من سلمت صلاته منه ~~فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته. الأول شبه حال المقربين والثاني شبه حال ~~المقتصدين. # وأما الثاني: فهو ما منع الفهم وشهود القلب بحيث يصير الرجل غافلا فهذا ~~لا ريب أنه يمنع الثواب كما روى أبو داود في سننه عن عمار بن ياسر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا ~~نصفها إلا ثلثها؛ # PageV22P611 # إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها حتى قال: إلا عشرها} فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر. وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك ~~إلا ما عقلت منها ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل. فإنه إن ~~كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور والغالب الحضور لم تجب الإعادة وإن ~~كان الثواب ناقصا فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل الصلاة وإنما ~~يجبر بعضه بسجدتي السهو وأما إن غلبت الغفلة على الحضور ففيه للعلماء ~~قولان: أحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن وإن صحت في الظاهر كحقن الدم؛ لأن ~~مقصود الصلاة لم يحصل فهو شبيه صلاة المرائي فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في ~~الباطن وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد وأبي حامد الغزالي وغيرهما. والثاني ~~تبرأ الذمة فلا تجب عليه الإعادة وإن كان لا أجر له فيها ولا ثواب بمنزلة ~~صوم الذي لم يدع قول الزور والعمل به فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش. ~~وهذا هو ms6973 المأثور عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة واستدلوا بما في الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أذن المؤذن # PageV22P612 # بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين ~~أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ~~ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا ما لم يكن يذكر حتى يظل لا يدري كم صلى فإذا ~~وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين} فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الشيطان يذكره بأمور حتى لا يدري كم صلى وأمره بسجدتين للسهو ولم يأمره ~~بالإعادة ولم يفرق بين القليل والكثير. وهذا القول أشبه وأعدل؛ فإن النصوص ~~والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور لا تدل على وجوب ~~الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عما إذا أحدث المصلي قبل السلام؟ # فأجاب: # إذا أحدث المصلي قبل السلام بطلت مكتوبة كانت أو غير مكتوبة. # PageV22P613 # وسئل: # عن رجل ضحك في الصلاة. فهل تبطل صلاته أم لا؟ # فأجاب: # أما التبسم فلا يبطل الصلاة وأما إذا قهقه في الصلاة فإنها تبطل ولا ~~ينتقض وضوءه عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد؛ لكن يستحب له أن يتوضأ في ~~أقوى الوجهين لكونه أذنب ذنبا وللخروج من الخلاف فإن مذهب أبي حنيفة ينتقض ~~وضوءه والله أعلم. # PageV22P614 # وسئل - رحمه الله -: # عن النحنحة والسعال والنفخ والأنين وما أشبه ذلك في الصلاة: فهل تبطل ~~بذلك أم لا؟ وأي شيء الذي تبطل الصلاة به من هذا أو غيره؟ وفي أي مذهب؟ ~~وأيش الدليل على ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الأصل في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين} . وقال: {إن الله ~~يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} قال: زيد بن أرقم ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وهذا مما اتفق عليه المسلمون. قال ابن ~~المنذر وأجمع أهل العلم: على أن من تكلم ms6974 في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح ~~شيء من أمرها أن صلاته فاسدة والعامد من يعلم أنه في صلاة وأن الكلام محرم. ~~(قلت وقد تنازع العلماء في الناسي والجاهل والمكره والمتكلم لمصلحة الصلاة ~~وفي ذلك كله نزاع في مذهب أحمد وغيره من العلماء. # PageV22P615 # إذا عرف ذلك فاللفظ على ثلاث درجات. # أحدها أن يدل على معنى بالوضع إما بنفسه وإما مع لفظ غيره كفي وعن فهذا ~~الكلام مثل: يد ودم وفم وخد. الثاني أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه ~~والأنين والبكاء ونحو ذلك. # الثالث أن لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع كالنحنحة فهذا القسم كان ~~أحمد يفعله في صلاته وذكر أصحابه عنه روايتين في بطلان الصلاة بالنحنحة. ~~فإن قلنا: تبطل ففعل ذلك لضرورة فوجهان. فصارت الأقوال فيها ثلاثة: # أحدها أنها لا تبطل بحال وهو قول أبي يوسف وإحدى الروايتين عن مالك؛ بل ~~ظاهر مذهبه. # والثاني تبطل بكل حال وهو قول الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك. # والثالث إن فعله لعذر لم تبطل وإلا بطلت وهو قول أبي حنيفة ومحمد وغيرهما ~~وقالوا: إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه # PageV22P616 # لم تبطل قالوا: لأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيرا فرخص فيه للحاجة. ومن ~~أبطلها قال: إنه يتضمن حرفين وليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة ~~والقول الأول أصح. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حرم التكلم في ~~الصلاة وقال: {إنه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين} وأمثال ذلك من ~~الألفاظ التي تتناول الكلام. والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلا فإنها ~~لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى ولا يسمى فاعلها متكلما ~~وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة. # وأما القهقهة ونحوها ففيها جوابان: # أحدهما أن تدل على معنى بالطبع. # والثاني أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما. يدل على ذلك أن ~~القهقهة تبطل بالإجماع ذكره ابن المنذر. وهذه الأنواع فيها نزاع بل قد ~~يقال: إن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع ms6975 الواجب ~~في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه. وأيضا فإن فيها من ~~الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك # PageV22P617 # لا لكونه متكلما. وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلاما وليس مجرد ~~الصوت كلاما وقد روي عن {علي رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدخلان بالليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح ~~لي} رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي بمعناه. وأما (النوع الثاني وهو ~~ما يدل على المعنى طبعا لا وضعا فمنه النفخ وفيه عن مالك وأحمد روايتان ~~أيضا: (إحداهما لا تبطل وهو قول إبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهما من ~~السلف وقول أبي يوسف وإسحاق. (والثانية أنها تبطل وهو قول أبي حنيفة ومحمد ~~والثوري والشافعي وعلى هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين. وقد قيل عن أحمد: إن ~~حكمه حكم الكلام وإن لم يبن حرفين. واحتجوا لهذا القول بما روي عن أم سلمة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نفخ في الصلاة فقد تكلم} رواه ~~الخلال؛ لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعا فلا يعتمد عليه لكن حكى أحمد هذا ~~اللفظ عن ابن عباس وفي لفظ عنه: النفخ في الصلاة كلام رواه سعيد في سننه. ~~قالوا: ولأنه تضمن حرفين وليس هذا من جنس أذكار # PageV22P618 # الصلاة فأشبه القهقهة والحجة مع القول كما في النحنحة والنزاع كالنزاع ~~فإن هذا لا يسمى كلاما في اللغة التي خاطبنا بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة ولو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه ~~الأمور ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل هذه الأمور والكلام لا بد فيه من لفظ ~~دال على المعنى دلالة وضعية تعرف بالعقل فأما مجرد الأصوات الدالة على ~~أحوال المصوتين فهو دلالة طبعية حسية فهو وإن شارك الكلام المطلق في ~~الدلالة فليس كل ما دل منهيا عنه في الصلاة كالإشارة فإنها تدل وتقوم مقام ~~العبارة بل تدل بقصد المشير وهي ms6976 تسمى كلاما ومع هذا لا تبطل فإن {النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا سلموا عليه رد عليهم بالإشارة} فعلم أنه لم ينه عن ~~كل ما يدل ويفهم وكذلك إذا قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما دلت عليه ~~النصوص. ومع هذا فلما كان مشروعا في الصلاة لم يبطل فإذا كان قد قصد إفهام ~~المستمع ومع هذا لم تبطل فكيف بما دل بالطبع وهو لم يقصد به إفهام أحد ولكن ~~المستمع يعلم منه حاله كما يعلم ذلك من حركته ومن سكوته فإذا رآه يرتعش أو ~~يضطرب أو يدمع أو يبتسم علم حاله وإنما امتاز هذا بأنه من نوع الصوت هذا لو ~~لم يرد به سنة فكيف وفي المسند عن المغيرة بن شعبة {أن النبي # PageV22P619 # صلى الله عليه وسلم كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ فلما انصرف قال: إن ~~النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي} . وفي المسند وسنن أبي داود عن عبد ~~الله بن عمرو {أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة كسوف الشمس نفخ في آخر ~~سجوده فقال: أف أف أف رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم} ؟ وقد أجاب بعض ~~أصحابنا عن هذا بأنه محمول على أنه فعله قبل تحريم الكلام أو فعله خوفا من ~~الله أو من النار. قالوا: فإن ذلك لا يبطل عندنا نص عليه أحمد. كالتأوه ~~والأنين عنده والجوابان ضعيفان: (أما الأول فإن صلاة الكسوف كانت في آخر ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وإبراهيم كان من مارية ~~القبطية ومارية أهداها له المقوقس بعد أن أرسل إليه المغيرة وذلك بعد صلح ~~الحديبية فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك ومعلوم أن الكلام حرم قبل ~~هذا باتفاق المسلمين لا سيما وقد أنكر جمهور العلماء على من زعم أن قصة ذي ~~اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأن أبا هريرة شهدها فكيف يجوز أن يقال بمثل ~~هذا في صلاة الكسوف بل قد قيل: الشمس كسفت بعد حجة الوداع قبل موته صلى ~~الله ms6977 عليه وسلم بقليل. وأما كونه من الخشية: ففيه أنه نفخ حرها عن وجهه ~~وهذا نفخ لدفع ما يؤذي من خارج كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه # PageV22P620 # أو ينفخ في التراب. ونفخ الخشية من نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك. # وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين ~~فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنها تدل على المعنى طبعا وهي أولى بأن لا تبطل ~~فإن النفخ أشبه بالكلام من هذه إذ النفخ يشبه التأفيف كما قال: {فلا تقل ~~لهما أف} لكن الذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبي الخطاب ومتبعيه ~~ذكروا أنها تبطل إذا أبان حرفين ولم يذكروا خلافا. ثم منهم من ذكر نصه في ~~النحنحة ومنهم من ذكر الرواية الأخرى عنه في النفخ فصار ذلك موهما أن ~~النزاع في ذلك فقط وليس كذلك بل لا يجوز أن يقال: إن هذه تبطل والنفخ لا ~~يبطل. وأبو يوسف يقول في التأوه والأنين لا يبطل مطلقا على أصله وهو أصح ~~الأقوال في هذه المسألة. ومالك مع الاختلاف عنه في النحنحة والنفخ قال: ~~الأنين لا يقطع صلاة المريض وأكرهه للصحيح. ولا ريب أن الأنين من غير حاجة ~~مكروه ولكنه لم يره مبطلا. # PageV22P621 # وأما الشافعي: فجرى على أصله الذي وافقه عليه كثير من متأخري أصحاب أحمد ~~وهو أن ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلاما مبطلا وهو أشد الأقوال في ~~هذه المسألة وأبعدها عن الحجة فإن الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمى ~~الكلام في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن المعلوم الضروري أن هذه لا ~~تدخل في مسمى الكلام وإن كان بالقياس لم يصح ذلك فإن في الكلام يقصد ~~المتكلم معاني يعبر عنها بلفظه وذلك يشغل المصلي. كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إن في الصلاة لشغلا} وأما هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس. ~~ومعلوم أنه لو زاد في التنفس على قدر الحاجة لم تبطل صلاته وإنما تفارق ~~التنفس بأن فيها صوتا وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل ولا ms6978 ~~نظير. وأيضا فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ كما تقدم وأيضا فالصلاة صحيحة ~~بيقين فلا يجوز إبطالها بالشك ونحن لا نعلم أن العلة في تحريم الكلام هو ما ~~يدعى من القدر المشترك بل هذا إثبات حكم بالشك الذي لا دليل معه وهذا ~~النزاع إذا فعل ذلك لغير خشية الله فإن فعل ذلك لخشية الله فمذهب أحمد وأبي ~~حنيفة أن صلاته لا تبطل ومذهب الشافعي أنها تبطل؛ لأنه كلام والأول أصح فإن ~~هذا إذا كان من خشية الله كان من جنس ذكر الله ودعائه فإنه كلام # PageV22P622 # يقتضي الرهبة من الله والرغبة إليه وهذا خوف الله في الصلاة وقد مدح الله ~~إبراهيم بأنه أواه وقد فسر بالذي يتأوه من خشية الله. ولو صرح بمعنى ذلك ~~بأن استجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته بخلاف الأنين والتأوه في ~~المرض والمصيبة فإنه لو صرح بمعناه كان كلاما مبطلا. وفي الصحيحين أن ~~{عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه ~~البكاء قال: مروه فليصل إنكن لأنتن صواحب يوسف} وكان عمر يسمع نشيجه من ~~وراء الصفوف لما قرأ: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} والنشيج: رفع الصوت ~~بالبكاء كما فسره أبو عبيد. وهذا محفوظ عن عمر ذكره مالك وأحمد وغيرهما ~~وهذا النزاع فيما إذا لم يكن مغلوبا. فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس ~~وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره وقد ~~قال بعض أصحابه إنه يبطل وإن كان معذورا: كالناسي وكلام الناسي فيه روايتان ~~عن أحمد: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبطل. # PageV22P623 # والثاني: وهو مذهب مالك والشافعي أنه لا يبطل وهذا أظهر وهذا أولى من ~~الناسي لأن هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع} . وأيضا ~~فقد ثبت {حديث الذي عطس في الصلاة وشمته معاوية بن الحكم السلمي فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم معاوية ms6979 عن الكلام في الصلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئا} . ~~والقول بأن العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التي لا أصل لها عن السلف ~~رضي الله عنهم. وقد تبين أن هذه الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع فيها ~~نزاع في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأن الأظهر فيها جميعا أنها لا تبطل ~~فإن الأصوات من جنس الحركات وكما أن العمل اليسير لا يبطل فالصوت اليسير لا ~~يبطل بخلاف صوت القهقهة فإنه بمنزلة العمل اليسير وذلك ينافي الصلاة بل ~~القهقهة تنافي مقصود الصلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز فيها بحال بخلاف العمل ~~الكثير فإنه يرخص فيه للضرورة والله أعلم. # PageV22P624 # وسئل: # عما إذا قرأ القرآن ويعد في الصلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا؟ # فأجاب: # إن كان المراد بهذا السؤال أن يعد الآيات أو يعد تكرار السورة الواحدة ~~مثل قوله: {قل هو الله أحد} بالسبحة فهذا لا بأس به وإن أريد بالسؤال شيء ~~آخر فليبينه والله أعلم. # وسئل: # هل للإنسان إذا دخل المسجد والناس في الصلاة أن يجهر بالسلام أو لا؟ خشية ~~أن يرد عليه من هو جاهل بالسلام. # فأجاب: # الحمد لله، إن كان المصلي يحسن الرد بالإشارة فإذا سلم عليه فلا بأس كما ~~كان الصحابة يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرد عليهم بالإشارة ~~وإن لم يحسن الرد بل قد يتكلم فلا ينبغي إدخاله فيما يقطع صلاته أو يترك به ~~الرد الواجب عليه والله أعلم. # PageV22P625 # و ### | سئل: # عن المرور بين يدي المأموم: # هل هو في النهي كغيره مثل الإمام والمنفرد أم لا؟ # فأجاب: # المنهي عنه إنما هو بين يدي الإمام والمنفرد واستدلوا بحديث ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - والله أعلم. PageV22P626 # الجزء الثالث والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الثالث: من سجود السهو إلى صلاة أهل الأعذار # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب سجود السهو # قال الشيخ - رحمه الله -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله ms6980 ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. ### | فصل في سجود السهو # والمهم منه أمور: منها مسائل الشك ومنها محله هل هو قبل السلام أو بعده؟ ~~ومنها وجوبه فنقول - ولا حول ولا قوة إلا بالله -: # أما الشك ففيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة وهي كلها متفقة ~~- ولله الحمد - وإنما تنازع الناس لكون بعضهم لم يفهم مراده ففي الصحيحين ~~عن أبي # PageV23P005 # هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أحدكم إذا قام يصلي ~~جاءه الشيطان: فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد ~~سجدتين وهو جالس} . وفي الصحيحين أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان فإذا قضي ~~الأذان أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ~~ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم ~~صلى فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس} . وفي لفظ للبخاري ~~{فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ثلاثا أو أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس} وفي ~~لفظ: {يسجد سجدتي السهو} . ففي هذا الحديث الصحيح الأمر بسجدتي السهو إذا ~~لم يدر كم صلى وهو يقتضي وجوب السجود كقول الجمهور وفيه أنه سماهما سجدتي ~~السهو فدل على أنهما لا يشرعان إلا للسهو كقول الجمهور. وقوله: {فليسجد ~~سجدتين وهو جالس} مطلق لم يعين فيه لا قبل السلام ولا بعده لكن أمر بهما ~~قبل قيامه ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا # PageV23P006 # فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى ~~خمسا شفعتا له صلاته وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان} . ففي ~~هذا الحديث ms6981 أنه إذا شك فلم يدر فليطرح الشك وفيه الأمر بسجدتين قبل السلام. ~~وقوله: " إذا شك " هو موضع اختلاف فهم الناس. منهم من فهم أن كل من لم يقطع ~~فهو شاك وإن كان أحد الجانبين راجحا عنده فجعلوا من غلب على ظنه وإن وافقه ~~المأمومون شاكا وأمروه أن يطرح ما شك فيه ويبني على ما استيقن وقالوا الأصل ~~عدم ما شك فيه فرجحوا استصحاب الحال مطلقا وإن قامت الشواهد والدلائل ~~بخلافه ولم يعتبروا التحري بحال. ومنهم: من فسر قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الآخر " فليتحر " أنه البناء على اليقين. ومنهم طائفة ~~قالوا: إن كان إماما فالمراد به الشك المتساوي وإن كان منفردا فالمراد به ~~ما قاله أولئك. وقالت طائفة ثالثة: بل المراد بالشك ما استوى فيه الطرفان ~~أو تقاربا وأما إذا ترجح أحدهما فإنه يعمل بالراجح وهو التحري وعن الإمام ~~أحمد ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة. والأول: هو قول مالك والشافعي واختيار ~~كثير من أصحاب أحمد. # PageV23P007 # والثاني: قول الخرقي وأبي محمد وقال: إنه المشهور عن أحمد. والثالث: قول ~~كثير من السلف والخلف ويروى عن علي وابن مسعود وغيرهما وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأصحابه فيما إذا تكرر السهو قال أحمد في رواية الأثرم: بين التحري واليقين ~~فرق أما حديث عبد الرحمن بن عوف فيقول: {إذا لم يدر أثلاثا صلى أو اثنتين؟ ~~جعلهما اثنتين} . قال: فهذا عمل على اليقين فبنى عليه والذي يتحرى يكون قد ~~صلى ثلاثا. فيدخل قلبه شك أنه إنما صلى اثنتين إلا أن أكثر ما في نفسي أنه ~~قد صلى ثلاثا وقد دخل قلبه شيء فهذا يتحرى أصوب ذلك ويسجد بعد السلام قال: ~~فبينهما فرق. قلت: حديث عبد الرحمن بن عوف الذي ذكره أحمد هو نظير حديث أبي ~~سعيد وهو في السنن وقد صححهما الترمذي وغيره. وعن عبد الرحمن بن عوف أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم ~~نقص فإن كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلهما واحدة فإن ms6982 لم يدر أثنتين صلى ~~أو ثلاثا فليجعلهما اثنتين فإن لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلهما ثلاثا ~~حتى يكون الشك في الزيادة ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم} . # PageV23P008 # ومن أصح أحاديث الباب حديث ابن مسعود في التحري فإنه أخرجاه في الصحيحين ~~وحديث أبي سعيد انفرد به مسلم؛ لكن حديث عبد الرحمن بن عوف شاهد له فهما ~~نظير حديث ابن مسعود في الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة. عن عبد الله بن ~~مسعود قال: {صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إبراهيم زاد أو نقص ~~فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: ~~صليت كذا وكذا قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل ~~علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر ~~أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ~~فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين} . وللبخاري في بعض طرقه {قيل: يا رسول الله ~~أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا قال: فسجد بهم ~~سجدتين ثم قال: هاتان السجدتان لمن لا يدري زاد في صلاته أو نقص فيتحرى ~~الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين} وفي رواية له {فليتم عليه ثم يسلم ثم ~~يسجد سجدتين} وفي رواية لمسلم {فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب} وفي رواية له ~~{فليتحر الذي يرى أنه صواب} وفي رواية {فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب} . # PageV23P009 # وفي الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: {صلينا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإما زاد أو نقص. قال إبراهيم: وأيم الله ما ذاك إلا من ~~قبلي فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: لا فقلنا له الذي صنع ~~فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين قال: ثم سجد سجدتين} وقد تأوله بعض أهل ~~القول على أن التحري هو طرح المشكوك فيه والبناء على اليقين وهذا ضعيف ~~لوجوه: منها: ms6983 أن في سنن أبي داود والمسند وغيرهما {إذا كنت في صلاة فشككت ~~في ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت وأنت جالس} . ومنها: أن الألفاظ ~~صريحة في أنه يتحرى ما يرى أنه الصواب سواء كان هو الزائد أو الناقص ولو ~~كان مأمورا مطلقا بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحر للصواب. ومنها أن ابن ~~مسعود هو راوي الحديث وبذلك فسره وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة قرنا بعد قرن ~~كإبراهيم وأتباعه. وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة وأصحابه. ومنها: أنه هنا أمر ~~بالسجدتين بعد السلام. وفي حديث أبي # PageV23P010 # سعيد أمر بالسجدتين قبل السلام. ومنها: أنه قال هناك {إن كان صلى خمسا ~~شفعتا له صلاته وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان} . فتبين ~~أنه يبني على اليقين وهو شاك هل زاد أو نقص؟ هل صلى أربعا أو خمسا وتبين ~~مصلحة السجدتين على تقدير النقيضين. وفي حديث ابن مسعود قال: {فيتحرى ~~الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين وفي لفظ فيتم عليه ثم يسلم ثم يسجد ~~سجدتين} فجعل ما فعله بعد التحري تماما لصلاته وجعله هنا متما لصلاته ليس ~~شاكا فيها؛ لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل ~~وشواهد عليه حتى قد قيل في قوله: {نحن أحق بالشك من إبراهيم} أنه جعل ما ~~دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكا وإن كان إبراهيم موقنا ليس عنده ~~شك يقدح في يقينه ولهذا لما قال له ربه: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي} وقال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين} . فإذا كان قد سمي مثل هذا شكا في قوله: {نحن أحق بالشك من ~~إبراهيم} فكيف بمن لا يقين عنده؟ فمن عمل بأقوى الدليلين # PageV23P011 # فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ولا شك؟ وإن كان لا يوقن أن ليس هناك دليل أقوى ~~من الدليل الذي عمل به. واجتهاد العلماء من هذا الباب والحاكم إذا حكم ~~بشهادة العدلين حكم بعلم. لا بظن وجهل وكذلك إذا حكم بإقرار ms6984 المقر وهو ~~شهادته على نفسه ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه ~~شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} . وإذا كان لديك معلوم أن مثل ~~هذا الشك لم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إذا شك أحدكم} بل أكثر ~~الخلق لا يجزمون جزما يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة صلاها ولكن ~~يعتقدون عدد الصلاة اعتقادا راجحا وهذا ليس بشك وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{إذا شك أحدكم} إنما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى ~~وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكا وهو المذكور في ~~حديث ابن مسعود فإنه كان شاكا قبل التحري وبعد التحري ما بقي شاكا مثل سائر ~~مواضع التحري كما إذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات؛ فإنه ~~لم يبق شاكا. وكذلك العالم المجتهد والناسي إذا ذكر وغير ذلك. # PageV23P012 # وقوله في حديث أبي سعيد: {إذا شك أحدكم} خطاب لمن استمر الشك في حقه بأن ~~لا يكون قادرا على التحري؛ إذ ليس عنده أمارة ودلالة ترجح أحد الأمرين، أو ~~تحرى وارتأى: فلم يترجح عنده شيء ومن قال: ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين ~~غلط فقد يستدل على ذلك بموافقة المأمومين إذا كان إماما وقد يستدل بمخبر ~~يخبره وإن لم يكن معه في الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح. وقد يتذكر ما ~~قرأ به في الصلاة فيذكر أنه قرأ بسورتين في ركعتين فيعلم أنه صلى ركعتين لا ~~ركعة وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول فيعلم أنه صلى ثنتين لا واحدة وأنه ~~صلى ثلاثا لا اثنتين وقد يذكر أنه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم في ركعة ~~فيعلم أنه صلى أربعا لا ثلاثا وقد يذكر أنه صلى بعد التشهد الأول ms6985 ركعتين ~~فيعلم أنه صلى أربعا لا ثلاثا واثنتين لا واحدة وقد يذكر أنه تشهد التشهد ~~الأول والشك بعده في ركعة فيعلم أنه صلى ثلاثا لا اثنتين. ومنها: أنه قد ~~يعرض له في بعض الركعات: إما من دعاء وخشوع وإما من سعال ونحوه وإما من غير ~~ذلك ما يعرف به تلك الركعة ويعلم أنه قد صلى قبلها واحدة أو اثنتين أو ~~ثلاثا فيزول الشك وهذا باب لا ينضبط فإن الناس دائما يشكون في أمور: هل ~~كانت أم لم تكن؟ ثم يتذكرون ويستدلون بأمور على أنها كانت فيزول # PageV23P013 # الشك فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب أزال الشك. ولا فرق في هذا بين أن ~~يكون إماما أو منفردا. ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنه صلى أربعا كان إذا صلى ~~خامسة قد صلى في اعتقاده خمس ركعات وهو لم يؤمر بذلك بخلاف الشك المتساوي ~~فإنه لا بد معه من الشك في الزيادة والنقص والشك في الزيادة أولى فإن ما ~~زاده مع الشك مثل ما زاده سهوا وذلك لا يبطل صلاته. وأما إذا شك في النقص ~~فهو شاك في فعل ما أمر به فلم تبرأ ذمته منه. وأيضا فالأقوال الممكنة في ~~هذا الباب: إما أن يقال: يطرح الشك مطلقا ولا يتحرى. أو يحمل التحري على ~~طرح الشك فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن مسعود وإما أن يستعمل هذا في حق ~~الإمام وهذا في حق المنفرد ومعلوم أن كلا الحديثين خطاب للمصلين لم يخاطب ~~بأحدهما الأئمة وبالآخر المنفردين ولا في لفظ واحد من الحديثين ما يدل على ~~ذلك فجعل هذا هو مراد الرسول من غير أن يكون في كلامه ما يدل عليه نسبة له ~~إلى التدليس والتلبيس وهو منزه عن ذلك. وأيضا فإن حديث أبي سعيد مع تساوي ~~الشك متناول للجميع # PageV23P014 # بالاتفاق فإخراج الأئمة منه غير جائز وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله ~~حديث أبي سعيد فلم يبق إلا القسم الثالث: وهو أن كلاهما خطاب للشاك فذاك ~~أمر له بالتحري. إذا أمكنه فيزول الشك. والثاني أمر له ms6986 إذا لم يزل الشك ~~ماذا يصنع. وهذا كما يقال للحاكم: احكم بالبينة واحكم بالشهود ونحو ذلك ~~فهذا مع الإمكان فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة. كذلك ~~المصلي الشاك: يعمل بما يبين له الصواب فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب ~~والله أعلم؛. ولأن العمل بالتحري يقطع وسواس الشيطان أو يقلله؛ بخلاف ما ~~إذا لم يتحر فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله أنه لم يفعله. وقد قالوا: ~~إنه لو شك بعد السلام هل ترك واجبا لم يلتفت إليه وما ذاك إلا لأن الظاهر ~~أنه سلم بعد إتمامها فعلم أن الظاهر يقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة أمور ~~الشرع. ومثل هذا يقال في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك. ومما ~~يبين ذلك: أن التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقا وأدنى دليل ~~يرجح عليه كاستصحاب براءة الذمة # PageV23P015 # في نفي الإيجاب والتحريم فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة ولا يجوز المصير ~~إليه باتفاق الناس إلا بعد البحث التام: هل أدلة الشرع ما تقتضي الإيجاب أو ~~التحريم؟ . ومن الناس من لا يجوز التمسك به في نفي الحكم بل في دفع الخصم ~~ومنعه فيقول: أنا لا أثبت الإيجاب ولا أنفيه بل أطالب من يثبته بالدليل أو ~~أمنعه أو أدفعه عن إثبات إيجاب بلا دليل كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب ~~أبي حنيفة. وأما. أهل الظاهر فهو عمدتهم لكن بعد البحث عن الأدلة الشرعية ~~ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها: بمجرد هذا الاستصحاب من غير ~~استدلال بما يقتضي عدمها ومن فعل ذلك كان كاذبا متكلما بلا علم وذلك لكثرة ~~ما يوجد في العالم والإنسان لا يعرفه فعدم علمه ليس علما بالعدم ولا مجرد ~~كون الأصل عدم الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها إلا بدليل يدل على ~~النفي؛ لكن الاستصحاب يرجح به عند التعارض وما دل على الإثبات من أنواع ~~الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن ~~يتحراه فإن ما دل على أنه صلى أربعا ms6987 من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم ~~الصلاة وهذا حقيقة هذه المسألة. # PageV23P016 # فصل: # وأما " المسألة الثانية " وهي محل السجود: هل هو قبل السلام؟ أو بعده؟ ~~ففي ذلك أقوال مشهورة. قيل: كله قبل السلام وقيل: كله بعده وقيل: بالفرق ~~بين الزيادة والنقصان. وعلى هذا ففي الشك نزاع. وقيل: بأن الأصل أن تسجد ~~قبل السلام؛ لكن ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد السلام سجد بعده؛ لأجل ~~النص؛ والباقي على الأصل وهذا هو المشهور عن أحمد. والأول قول الشافعي ~~والثاني قول أبي حنيفة والثالث قول مالك وأحمد واختلف عنه، فروي عنه فيما ~~إذا صلى خمسا هل يسجد قبل السلام أو بعده على روايتين وقد حكي عنه رواية ~~بأنه كله قبل السلام لكن لم نجد بهذا لفظا عنه وحكي عنه أنه كله بعد السلام ~~وهذا غلط محض. والقاضي وغيره يقولون: لم يختلف كلام الإمام أحمد أن بعضه # PageV23P017 # قبل السلام وبعضه بعده. قال القاضي أبو يعلى: لا يختلف قول أحمد في هذين ~~الموضعين أن يسجد لهما بعد السلام إذا سلم وقد بقي عليه ركعة أو أكثر وإذا ~~شك وتحرى. قال أحمد في رواية الأثرم: أنا أقول: كل سهو جاء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام وسائر ~~السجود يسجد فيه قبل السلام هو أصح في المعنى. وذلك أنه من شأن الصلاة ~~فيقضيه قبل أن يسلم ثم قال: فسجد النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة مواضع ~~بعد السلام وفي غيرها قبل السلام. قلت: اشرح المواضع الثلاثة التي بعد ~~السلام. قال: {سلم من ركعتين فسجد بعد السلام} هذا حديث ذي اليدين. {وسلم ~~من ثلاث فسجد بعد السلام} هذا حديث عمران بن حصين. وحديث ابن مسعود في ~~التحري سجد بعد السلام. قال أبو محمد: قال القاضي: لا يختلف قول أحمد في ~~هذين الموضعين أنه يسجد لهما بعد السلام قال: واختلف قوله في من سها فصلى ~~خمسا هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ على روايتين. وما عدا هذه المواضع ms6988 ~~الثلاثة يسجد لها قبل السلام رواية واحدة. وبهذا قال سليمان بن داود وأبو ~~خيثمة. وابن المنذر. قال: وحكى أبو الخطاب روايتين أخريين: # PageV23P018 # إحداهما: أن السجود كله قبل السلام وهو مذهب الشافعي. والثانية: أن ما ~~كان من نقص يسجد له قبل السلام لحديث ابن بحينة وما كان من زيادة سجد له ~~بعد السلام لحديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود حين صلى خمسا وهذا مذهب مالك ~~وأبي ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه وطائفة: كله بعد السلام. قلت: أحمد يقول ~~في الشك إذا طرحه وبنى على اليقين: أنه يسجد له قبل السلام كما ثبت في ~~الحديث الصحيح. فعلى قوله الموافق لمالك ما كان من نقص وشك فقبله وما كان ~~من زيادة فبعده وحكي عن مالك أنه يسجد بعد السلام لأنه يحتمل للزيادة لا ~~للنقص والزيادة التي اختلف فيها كلام أحمد هي: ما إذا صلى خمسا فقد ثبت في ~~الصحيح أنه يسجد بعد السلام لكن هناك كان قد نسي وفي الصحيحين عن ابن مسعود ~~قال: {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا فلما انفتل شوش القوم ~~بينهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله زيد في الصلاة قال: لا قالوا: ~~فإنك قد صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال: إنما أنا بشر أنسى ~~كما تنسون} وفي رواية أنه قال: {إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى ~~كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد # PageV23P019 # سجدتين وهو جالس ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدتين} . ~~وللبخاري عن ابن مسعود {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فسجد ~~سجدتين بعد ما سلم} وفي الصحيحين عن ابن مسعود {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام} . فهذا الموضع اختلف فيه كلام ~~أحمد: هل يسجد بعد السلام كما سجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم يسجد قبله ~~إذا ذكر قبل السلام؟ والنبي صلى الله عليه وسلم إنما سجد بعد السلام لكونه ~~لم يذكر حتى سلم ms6989 وذكروه على إحدى الروايتين عنده لا يكون السجود بعد السلام ~~مختصا بمورد النص كما قاله الأكثرون كأبي حنيفة ومالك وغيرهما. كما لا يكون ~~السجود قبل السلام مختصا بمورد النص. كما قاله الأكثرون: أبو حنيفة ومالك ~~وغيرهما؛ بل الصواب أن السجود بعضه قبل السلام وبعضه بعده كما ثبتت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة. ومن قال: كله قبل السلام واحتج بحديث الزهري كان آخر ~~الأمرين السجود قبل السلام فقد ادعى النسخ وهو ضعيف فإن السجود بعد السلام ~~في حديث ذي اليدين فمالك والشافعي والجمهور # PageV23P020 # يقولون: إنه ليس بمنسوخ وإنما يقول: إنه منسوخ من يحتج بقول الزهري إن ذي ~~اليدين مات قبل بدر وإن هذه القصة كانت متقدمة. فقول الزهري بنسخه مبني على ~~هذا وهو ضعيف فإن أبا هريرة صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي ~~اليدين وإنما أسلم عام خيبر فالذين يحتجون بقول الزهري هنا قد ردوا قوله ~~بالنسخ هناك والذين يقولون بنسخ حديث ذي اليدين هم يأمرون بالسجود بعد ~~السلام فكل من الطائفتين ادعت نسخ الحديث فيما يخالف قولها بلا حجة والحديث ~~محكم في أن الصلاة لا تبطل وفي أنه يسجد بعد السلام ليس لواحد منهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم معارض ينسخه. وأيضا فالنسخ إنما يكون بما يناقض ~~المنسوخ والنبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام ولم ينقل مسلم أنه نهى ~~عن ذلك فبطل النسخ. وإذا قيل: إنه سجد بعد ذلك قبل السلام فإن كان في غير ~~هذه الصورة كما في حديث ابن بحينة لما قام من الركعتين وفي حديث الشك فلا ~~منافاة؛ لكن هذا الظان ظن أنه إذا سجد في صورة قبل السلام كان هذا نسخا ~~للسجود بعده في صورة أخرى وهذا غلط منه ولم ينقل عنه في صورة واحدة أنه سجد ~~تارة قبل # PageV23P021 # السلام وتارة بعده ولو نقل ذلك لدل على جواز الأمرين فدعوى النسخ في هذا ~~الباب باطل. وكيف يجوز أن يبطل بأمره بالسجود بعد السلام في صورة وفعله له ~~مما لا يناقض ذلك ms6990 ومن قال: السجود كله بعد السلام واحتج بما في السنن من ~~حديث ثوبان: {لكل سهو سجدتان بعد التسليم} فهو ضعيف؛ لأنه من رواية ابن ~~عياش عن أهل الحجاز. وذلك ضعيف باتفاق أهل الحديث وبحديث ابن جعفر {من شك ~~في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم} ففيه ابن أبي ليلى قال الأثرم لا يثبت ~~واحد منهما مع أن هذا قد يكون مثل حديث ابن مسعود {وإذا شك فيتحرى} ويكون ~~هذا مختصرا من ذاك. ومثل هذا لا يعارض الحديث الصحيح؛ حديث أبي سعيد في ~~الشك {أنه أمر بسجدتين قبل السلام} وحديث ابن بحينة الذي في الصحيحين الذي ~~هو أصل من أصول مسائل السهو لما ترك التشهد الأول وسجد قبل السلام فهذه ~~الأحاديث الصحيحة تبين ضعف قول كل من عمم فجعله كله قبله أو جعله كله بعده. ~~بقي التفصيل. فيقال: الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل بعض ~~السجود بعده وبعضه قبله إلا لفرق بينهما # PageV23P022 # وقول من يقول القياس يقتضي أنه كله قبله لكن خولف القياس في مواضع للنص ~~فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل ~~المقتضي لكونه كله قبله ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب ~~الفرق بينها وبين غيرها. وإلا فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام ~~شاملا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام وإن كان قد فرق ~~لمعنى فلا بد أن يكون المعنى مختصا بصورة الاستثناء فإذا لم يعرف الفرق بين ~~ما استثنى وبين ما استبقى كان تفريقا بينهما بغير حجة. وإذا قال: علمت أن ~~الموجب للسجود قبل السلام عام لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود ~~المعنى المعارض فيه. فيقال له: فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب ~~لما قبل السلام وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام فإنك لا تعلم أن ~~المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفيا عن غيرها ومع كون نوع من ~~السجود ms6991 بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عاما فما بقي ~~معك معنى عام يعتمد عليه في الجزم بأن المشكوك قبل السلام ولا بأن المقتضي ~~له بعد السلام مختص بمورد النص فنفي التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق وهو ~~قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط أو وجود مانع وهو الاستحسان المحض # PageV23P023 # الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها. وحينئذ فأظهر ~~الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص وبين الشك مع التحري والشك مع البناء على ~~اليقين. وهذا إحدى الروايات عن أحمد وقول مالك قريب منه وليس مثله فإن هذا ~~مع ما فيه من استعمال النصوص كلها: فيه الفرق المعقول؛ وذلك أنه إذا كان في ~~نقص كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر وجابرها يكون قبل السلام لتتم ~~به الصلاة فإن السلام هو تحليل من الصلاة. وإذا كان من زيادة كركعة لم يجمع ~~في الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان ~~بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان لترغيم ~~الشيطان فيكون بعد السلام. ومالك لا يقول بالتحري ولا بالسجود بعد السلام ~~فيه. وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها والسلام ~~منها زيادة والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان. # PageV23P024 # وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح فهنا إما أن يكون صلى أربعا أو خمسا فإن ~~كان صلى خمسا فالسجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنه قد صلى ستا لا خمسا ~~وهذا إنما يكون قبل السلام ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام. فهذا القول ~~الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث لا يترك منها حديث مع ~~استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه ~~من المنصوص. ومما يوضح هذا أنه إذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام ~~فيقال: إذا زاد غير السلام من ms6992 جنس الصلاة كركعة ساهيا أو ركوع أو سجود ~~ساهيا فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام فإلحاقها بالسلام أولى من ~~إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول أو شك وبنى على اليقين. وقول القائل: إن ~~السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام يقال له: لو كان هذا صحيحا لوجب أن ~~يكون كله قبل السلام فلما ثبت أن بعضه بعد السلام علم أنه ليس جنسه من شأن ~~الصلاة الذي يقضيه قبل السلام. وهذا معارض بقول من يقول: السجود ليس من ~~موجب تحريم الصلاة فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة وهذه الأمور دعاوى ~~لا يقوم عليها دليل؛ بل يقال التحريم أوجب # PageV23P025 # السجود الذي يجبر به الصلاة. ويقال: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا ~~كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان ولأنه مع تمام الصلاة إرغام ~~للشيطان ومعارضة له بنقيض قصده فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من ~~الزيادة فأمر العبد أن يرغمه فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام ليكون زيادة ~~في عبادة الله والسجود لله والتقرب إلى الله الذي أراد الشيطان أن ينقصه ~~على العبد فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته فأمره الله أن يتم صلاته وأن ~~يرغم الشيطان وعفا الله للإنسان عما زاده في الصلاة نسيانا: من سلام وركعة ~~زائدة وغير ذلك فلا يأثم بذلك لكن قد يكون تقربه ناقصا لنقصه فيما ينساه ~~فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة والله أعلم. # فصل: # وأما وجوبه: فقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ~~المتقدم لمجرد الشك فقال: {إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه ~~صلاته حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس} وأمر ~~به فيما إذا طرح الشك # PageV23P026 # فقال في حديث أبي سعيد: {فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين ~~قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته وإن كان صلى تماما لأربع ~~كانتا ترغيما للشيطان} وكذلك في حديث عبد الرحمن {ثم ليسجد ms6993 سجدتين وهو جالس ~~قبل أن يسلم ثم يسلم} وأمر به في حديث ابن مسعود حديث التحري قال: {فليتحر ~~الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين} وفي لفظ {هاتان السجدتان لمن لا يدري ~~أزاد في صلاته أم نقص فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين} وفي الحديث ~~الآخر المتفق عليه لابن مسعود {فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء ~~فقال: لا فقلنا له الذي صنع فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين قال: ثم ~~سجد سجدتين} فقد أمر بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص. ومراده إذا زاد ما نهى ~~عنه أو نقص ما أمر به. ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يترك مما أمر به إذا ~~تركه ساهيا ولم يكن تركه ساهيا موجبا لإعادته بنفسه وإذا زاد ما نهى عنه ~~ساهيا. فعلى هذا كل مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهيا فأما أن يعيده إذا ~~ذكره وإما أن يسجد للسهو لا بد من أحدهما. # PageV23P027 # فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك. وكذلك ~~إذا نسي طهارتها كما أمر الذي ترك موضع لمعة من قدمه لم يصبها الماء أن ~~يعيد الوضوء والصلاة. وكذلك إذا نسي ركعة. كما في حديث ذي اليدين فإنه لا ~~بد من فعل ما نسيه إما مضموما إلى ما صلى وإما أن يبتدئ الصلاة. فهذه خمسة ~~أحاديث صحيحة فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو وهو لما سها عن التشهد ~~الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ~~ثلاث صلى ما بقي وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة ولما أذكروه أنه صلى خمسا ~~سجدهما بعد السلام والكلام. وهذا يقتضي مداومته عليهما وتوكيدهما وأنه لم ~~يدعهما في السهو المقتضي لها قط وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما وهو قول ~~جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبهما حجة ~~تقارب ذلك. والشافعي إنما لم يوجبهما لأنه ليس عنده في الصلاة واجب تصح ~~الصلاة مع تركه لا عمدا ولا سهوا وجمهور ms6994 العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من ~~واجبات الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون تبطل ~~الصلاة بعمده وعليه الإعادة ويجب بتركه سهوا سجود السهو. وأبو حنيفة يقول: ~~إذا تركه عمدا كان مسيئا # PageV23P028 # وكانت صلاته ناقصة ولا إعادة عليه وأما ما يزيده عمدا فكلهم يقول: إن فيه ~~ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مبطل فلا سجود وفي ~~حال السهو يقولون: قد عفي عنه فلا يجب السجود. وقد احتج بعضهم بما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشك: {كانت الركعة والسجدتان نافلة} ~~وهذا لفظ ليس في الصحيح ولفظ الصحيح " {فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ~~يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته وإن كان صلى ~~تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان} فقد أمر فيه بالسجود وبين حكمته سواء ~~كان صلى خمسا أو أربعا فقال: {فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته} وهذا يقتضي ~~أن التطوع بالوتر لا يجوز بل قد أمر الله أن يوتر صلاة النهار بالمغرب ~~وصلاة الليل بالوتر. وهنا لما كان مع الشك قد صلى خمسا وهو لا يعلم جعل ~~السجدتين قائمة مقام ركعة فشفعتا له صلاته. قال: {وإن كان صلى تماما لأربع ~~فلم يزد في الصلاة شيئا كانتا ترغيما للشيطان} فهذا اللفظ وهو قوله: {كانت ~~الركعة والسجدتان نافلة له} لا يمكن أن يستدل به حتى يثبت أنه من قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV23P029 # فكيف ولفظه الذي في الصحيح يقتضي وجوبهما وجوب الركعة والسجدتين. والركعة ~~قد اتفق العلماء على وجوبها فحيث قيل: إن الشاك يطرح الشك ويبني على ما ~~استيقن: كانت الركعة المشكوك فيها واجبة. وإذا كانت واجبة بالنص والاتفاق ~~واللفظ المروي هو فيها وفي السجود مع أن السجود أيضا مأمور به كما أمر ~~بالركعة. علم أن ما ذكر لا ينافي وجوب السجدتين كما لا ينافي وجوب الركعة ~~وإن كان هذا اللفظ قد قاله الرسول فمعناه أنه مأمور بذلك مع الشك ms6995 فعلى ~~تقدير أن تكون صلاته تامة في نفس الأمر لم ينقص منها شيء يكون ذلك زيادة في ~~عمله وله فيه أجر كما في النافلة وهذا فعل كل من احتاط فأدى ما يشك في ~~وجوبه إن كان واجبا وإلا كانت نافلة له فهو إنما جعلها نافلة في نفس الأمر ~~على تقدير إتمام الأربع ولكن هو لما شك حصل بنفس شكه نقص في صلاته فأمر ~~بهما وإن كان صلى أربعا ترغيما للشيطان. وهذا كما يأمرون من يشك في غير ~~الواجب بأن يفعل ما يتبين به براءة الذمة والواجب في نفس الأمر واحد ~~والزيادة نافلة وكذلك يؤمر من اشتبهت أخته من الرضاع بأجنبية باجتنابهما ~~والمحرم في نفس الأمر واحد فذلك المشكوك فيه يسمى واجبا باعتبار أن عليه # PageV23P030 # أن يفعله ويسمي نافلة على تقدير أي هو مثاب عليه مأجور عليه ليس هو عملا ~~ضائعا كالنوافل. وأنه لم يك في نفس الأمر واجبا عليه لكن وجب لأجل الشك مع ~~أن إحدى الروايتين عن أحمد أنه يجبر المعادة مع إمام الحي. ويسمي نافلة ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك قوله في حديث أبي ذر {صل الصلاة ~~لوقتها ثم اجعل صلاتك معهم نافلة ولا تقل: إني قد صليت} فهي نافلة. أي: ~~زائدة على الفرائض الخمس الأصلية وإن كانت واجبة بسب آخر كالواجب بالنذر. ~~وكثير من السلف يريدون بلفظ النافلة ما كان زيادة في الحسنات وذلك لمن لا ~~ذنب له ولهذا قالوا في قوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} إن النافلة ~~مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله غفر له وغيره له ذنوب ~~فالصلوات تكون سببا لمغفرتها وهذا القول وإن كان فيه كلام. ليس هذا موضعه. ~~فالمقصود أن لفظ النافلة توسع فيه فقد يسمى به ما أمر به وقد ينفي عن ~~التطوع. فقد تبين وجوب سجود السهو. وسببه إما نقص وإما زيادة. كما قال في ~~الصحيحين: {إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين} . فالنقص كما في حديث ابن بحينة: ~~لما ترك التشهد الأول سجد ms6996 والزيادة # PageV23P031 # كما سجد لما صلى خمسا وأمر به الشاك الذي لا يدري أزاد أم نقص فهذه ~~أسبابه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إما الزيادة وإما النقص وإما ~~الشك. وقد تبين أنه في النقص والشك يسجد قبل السلام وفي الزيادة بعده. # فصل: # وإذا كان واجبا فتركه عمدا أو سهوا ترك الذي قبل السلام أو بعده ففيه ~~أقوال متعددة في مذهب أحمد وغيره. قيل: إن ترك ما قبل السلام عمدا بطلت ~~صلاته وإن تركه سهوا لم تبطل كالتشهد الأول وغيره من الواجبات وما بعده لا ~~يبطل بحال؛ لأنه جبران بعد السلام فلا يبطلها وهذا اختيار كثير من أصحاب ~~أحمد. وقيل: إن ترك ما قبل السلام يبطل مطلقا فإن تركه سهوا فذكر قريبا سجد ~~وإن طال الفصل أعاد الصلاة وهو منقول رواية عن أحمد وهو قول مالك وأبي ثور ~~وغيرهما وهذا القول أصح من الذي قبله فإنه إذا كان واجبا في الصلاة فلم يأت ~~به سهوا لم تبرأ ذمته منه وإن كان لا يأثم كالصلاة نفسها فإنه إذا نسيها ~~صلاها # PageV23P032 # إذا ذكرها فهكذا ما ينساه من واجباتها لا بد من فعله إذا ذكر إما بأن ~~يفعله مضافا إلى الصلاة وإما بأن يبتدئ الصلاة. فلا تبرأ الذمة من الصلاة ~~ولا من أجزائها الواجبة إلا بفعلها. والواجبات التي قيل إنها تسقط بالسهو: ~~كالتشهد الأول لم يقل إنها تسقط إلى غير بدل بل سقطت إلى بدل وهو سجود ~~السهو بخلاف الأركان التي لا بدل لها: كالركوع والسجود فإما أن يقال: إنها ~~واجبة في الصلاة وإنها تسقط إلى غير بدل فهذا ما علمنا أحدا قاله وإن قاله ~~قائل فهو ضعيف مخالف للأصول فهذان قولان في الواجب قبل السلام: إذا تركه ~~سهوا. وأما الواجب بعده فالنزاع فيه قريب. فمال كثير ممن قال إن ذلك واجب: ~~إلى أن ترك هذا لا يبطل؛ لأنه جبر للعبادة خارج عنها فلم تبطل كجبران الحج ~~ونقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة إذا ترك السجود المشروع بعد السلام ~~وقد نقل ms6997 الأثرم عن أحمد الوقف في هذه المسألة فنقل عنه فيمن نسي سجود السهو ~~فقال: إذا كان في سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه. قلت: فإن كان فيما سها ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هاه ولم يجب قال: فبلغني عنه أنه يستحب ~~أن يعيده و " مسائل الوقف " يخرجها أصحابه على وجهين. # PageV23P033 # وفي الجملة فقيل: يعيد إذا تركه عامدا وقيل: إذا تركه عامدا أو ساهيا. ~~والصحيح أنه لا بد من هذا السجود أو من إعادة الصلاة فإنه قد تنوزع إلى متى ~~يسجد. فقيل: يسجد ما دام في المسجد ما لم يطل الفصل وقيل: يسجد وإن طال ~~الفصل ما دام في المسجد وقيل: يسجد وإن خرج وتعدى. والمقصود أنه لا بد منه ~~أو من إعادة الصلاة؛ لأنه واجب أمر به النبي صلى الله عليه وسلم لتمام ~~الصلاة فلا تبرأ ذمة العبد إلا به وإذا أمر به بعد السلام من الصلاة؛ وقيل: ~~إن فعلته وإلا فعليك إعادة الصلاة لم يكن ممتنعا والمراد تكون الصلاة ~~باطلة: أنه لم تبرأ بها الذمة ولا فرق في ذلك بين ما قبل السلام وما بعده ~~والله تعالى إنما أباح التسليم منها بشرط أن يسجد سجدتي السهو فإذا لم ~~يسجدهما لم يكن قد أباح الخروج منها فيكون قد سلم من الصلاة سلاما لم يؤمر ~~به فيبطل صلاته. كما تقول في فاسخ الحج إلى التمتع إنما أبيح له التحلل إذا ~~قصد أن يتمتع فيحج من عامه فأما إن قصد التحلل مطلقا لم يكن له ذلك وكان ~~باقيا على إحرامه ولم يصح تحلله لكن الإحرام لا يخرج منه برفض المحرم ولا ~~بفعل شيء من محظوراته ولا بإفساده بل هو باق فيه وإن كان فاسدا بخلاف ~~الصلاة فإنها تبطل بفعل ما ينافيها وما حرم فيها. # PageV23P034 # وقياسهم الصلاة على الحج باطل فإن الواجبات التي يجبرها دم لو تعمد تركها ~~في الحج لم تبطل بل يجبرها والجبران في ذمته لا يسقط بحال والصلاة إذا ترك ~~واجبا فيها بطلت وإذا قيل: إنه مجبور ms6998 بالسجود فيقتضي أن السجود في ذمته كما ~~يجب في ذمته جبران الحج أما سقوط الواجب وبدله: فهذا لا أصل له في الشرع ~~فقياس الحج أن يقال: هذا السجود بعد السلام يبقى في ذمته إلى أن يفعله وهذا ~~القول غير ممتنع؛ بخلاف قولهم يسقط إلى بدل؛ لكن جبران الحج وهو الدم يفعل ~~مفردا بلا نزاع وأما هذا السجود: فهل يفعل مفردا بعد طول الفصل؟ فيه نزاع. ~~ونحن قلنا: لا بد منه أو من إعادة الصلاة فإذا قيل: إنه يفعل وإن طال الفصل ~~كالصلاة المنسية فهذا متوجه قوي ودونه أن يقال: وإن تركه عمدا يفعله في وقت ~~آخر وإن أثم بالتأخير كما لو أخر الصلاة المنسية بعد الذكر عمدا فليصلها ~~ويستغفر الله من تأخيرها. وكذلك المفوتة عمدا عند من يقول بإمكان إعادتها ~~يصليها ويستغفر الله من تأخيرها. فهكذا السجدتان يصليهما حيث ذكرهما ~~ويستغفر الله من التأخير فهذا أيضا قول متوجه فإن التحديد بطول الفصل ~~وبغيره غير مضبوط بالشرع. وكذلك الفرق بين المسجد وغيره ليس عليه دليل شرعي ~~وكذلك # PageV23P035 # الفرق بين ما قبل الحدث وبعده بل عليه أن يسجدهما بحسب الإمكان والله ~~أعلم. # فصل: # وما شرع قبل السلام أو بعده: فهل ذلك على وجه الوجوب؟ أو الاستحباب؟ فيه ~~قولان في مذهب أحمد وغيره. ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة إلى أن النزاع ~~إنما هو في الاستحباب وأنه لو سجد للجميع قبل السلام أو بعده: جاز. والقول ~~الثاني: أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله وما شرعه بعده لا يفعل إلا ~~بعده وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة وهو الصحيح. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث طرح الشك قال: {وليسجد سجدتين قبل أن يسلم} وفي ~~الرواية الأخرى {قبل أن يسلم ثم يسلم} وفي حديث التحري قال: {فليتحر الصواب ~~فليبن عليه ثم ليسجد سجدتين} وفي رواية للبخاري {فليتم عليه ثم يسلم ثم ~~يسجد سجدتين} فهذا أمر فيه بالسلام ثم بالسجود. وذاك أمر فيه بالسجود قبل ~~السلام وكلاهما أمر منه يقتضي ms6999 الإيجاب. # PageV23P036 # ولما ذكر ما يعم القسمين قال: {إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين} وقال: ~~{فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس} فلما ذكر النقص مطلقا ~~والزيادة مطلقا والشك أمر بسجدتين مطلقا ولم يقيدهما بما قبل السلام ولما ~~أمر بالتحري أمر بالسجدتين بعد السلام. فهذه أوامره صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الأبواب لا تعدل عنها. {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ولكن من سجد قبل السلام مطلقا أو بعد ~~السلام مطلقا متأولا فلا شيء عليه وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل ~~فيما تبين له ولا إعادة عليه. وكذلك كل من ترك واجبا لم يعلم وجوبه فإذا ~~علم وجوبه فعله ولا تلزمه الإعادة فيما مضى: في أصح القولين في مذهب أحمد ~~وغيره. وكذلك من فعل محظورا في الصلاة لم يعلم أنه محظور ثم علم كمن كان ~~يصلي في أعطان الإبل أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذي لم يعلم وجوبه كالوضوء ~~من لحوم الإبل وهذا بخلاف الناسي فإن العالم بالوجوب إذا نسي صلى متى ذكر ~~كما قال صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها} ~~وأما من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة ~~عليه. كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي # PageV23P037 # المسيء في صلاته: {ارجع فصل فإنك لم تصل قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن ~~غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه صلى الله عليه وسلم} وقد أمره ~~بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة مع قوله: " لا أحسن ~~غير هذا ". وكذلك لم يأمر عمر وعمارا بقضاء الصلاة وعمر لما أجنب لم يصل ~~وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ~~ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها إني أستحاض حيضة شديدة منعتني ~~الصوم والصلاة. ولم يأمر الذين ms7000 أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض ~~من السود بالإعادة والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم لما هاجر زيد ~~في صلاة الحضر ففرضت أربعا وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من ~~المسلمين لم يعلموا بذلك إلا بعد مدة وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم ~~بإعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة ~~بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ فعلم أنه لا فرق بين ~~الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ. والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ وإيجاب ~~الكعبة ناسخ. وكذلك التشهد وغيره إنما وجب في أثناء الأمر وكثير # PageV23P038 # من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلا بعد مدة. ومن المنسوخ أن جماعة من ~~أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط؛ بل يرون الماء من الماء حتى ~~ثبت عندهم النسخ. ومنهم من لم يثبت عنده النسخ وكانوا يصلون بدون الطهارة ~~الواجبة شرعا لعدم علمهم بوجوبها ويصلي أحدهم وهو جنب. # فصل: # إذا نسي السجود حتى فعل ما ينافي الصلاة من كلام وغيره: فقد ثبت في ~~الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه سجد بعد السلام ~~والكلام} فقد بين ذلك في الصحيحين {أنه صلى بهم الظهر خمسا فلما انفتل ~~توشوش القوم فيما بينهم فقال: ما شأنكم قالوا: يا رسول الله زيد في الصلاة؟ ~~قال لا. قالوا: فإنك صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم} وهذا قول ~~جمهور العلماء وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيره. وعن أبي حنيفة أنه إن ~~تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو؛ لأن الكلام ينافيها فهو كالحدث. وعن ~~الحسن ومحمد إذا صرف وجهه عن # PageV23P039 # القبلة لم يبن ولم يسجد. والصواب قول الجمهور كما نطقت به السنة فإنه صلى ~~الله عليه وسلم سجد بعد انصرافه وانفتاله وإقباله عليهم وبعد تحدثهم وبعد ~~سؤاله لهم وإجابتهم إياه وحديث ذي اليدين أبلغ في هذا فإنه {صلى ركعتين ثم ~~قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها ثم قال له ذو اليدين: أقصرت ~~الصلاة؟ أم نسيت؟ وأجابه. ثم ms7001 سأل الصحابة فصدقوا ذا اليدين فعاد إلى مكانه ~~فصلى الركعتين ثم سجد بعد السلام سجدتي السهو} وقد خرج السرعان من الناس ~~يقولون: قصرت الصلاة قصرت الصلاة. وفي حديث عمران وهو في الصحيحين: {أنه ~~سلم في ثلاث من العصر ثم دخل منزله وقام إليه الخرباق فذكر له صنيعه وأنه ~~خرج يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم} . وهذه ~~القصة إما أن تكون غير الأولى وإما أن تكون هي إياها لكن اشتبه على إحدى ~~الراويين: هل سلم من ركعتين أو من ثلاث وذكر أحدهما قيامه إلى الخشبة ~~المعروضة في المسجد والآخر دخوله منزله ثم من بعد هذا القول والعمل وخروجه ~~من المسجد. والسرعان من الناس لا ريب أنه أمرهم بما يعملون. فإما أن يكونوا ~~عادوا أو بعضهم إلى المسجد فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد وقولهم: ~~قصرت الصلاة قصرت الصلاة. # PageV23P040 # وإما أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة وعلى التقديرين فقد أتموا ~~بعد العمل الكثير والخروج من المسجد. وأما أن يقال: إنهم أمروا باستئناف ~~الصلاة: فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل ولا ذنب لهم فيما فعلوا وهو في ~~إحدى صلوات الخوف يصلي بطائفة ركعة والأخرى بإزاء العدو ثم يمضون إلى مصاف ~~أصحابهم وهم في الصلاة فيعملون عملا ويستدبرون القبلة ثم يأتي أولئك فيصلي ~~بهم ركعة ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم ثم يصلي هؤلاء لأنفسهم ركعة أخرى ~~وهؤلاء ركعة أخرى وفي ذلك مشى كثير واستدبار للقبلة وهم في الصلاة وقد ~~يتأخر كل طائفة من هؤلاء وهؤلاء في الركعة الأولى. والثانية بمشيها إلى ~~مصاف أصحابها ثم يجيء أصحابها إلى خلف الإمام ثم بصلاتهم خلف الإمام ثم ~~برجوعهم إلى مصاف أولئك ثم بعد هذا كله يصلون الركعة الثانية وهم قيام فيها ~~مع هذا العمل والانتظار لكن لا يصلون الركعة إلا بعد هذا كله فعلم أن ~~الموالاة بين ركعات الصلاة لا تجب مع العدو وموالاة السجدتين مع الصلاة ~~أولى؛ بخلاف الموالاة بين أبعاض الركعة: وهذا مذهب مالك وأحمد. ولهذا ms7002 إذا ~~نسي ركنا كالركوع مثلا؛ فإن ذكر في الأولى مثل أن يذكر بعد أن يسجد ~~السجدتين فإنه يأتي بالركوع وما بعده # PageV23P041 # ويلغو ما فعله قبل الركوع؛ لأن الفصل يسير. وهذا قول الجماعة وإن شرع في ~~الثانية. إما في قراءتها عندهم وإما في ركوعها على قول [الجماعة. وإن شرع ~~في الثانية إما في قراءتها عندهم وإما في ركوعها على قول] (*) مالك فعند ~~الشافعي يلغو ما فعله بعد الركوع إلى أن يركع في الثانية فيقوم مقام ركوع ~~الأولى وإن طال الفصل ويلفق الركعة من ركعتين وقد رجح أحمد هذا على قول ~~الكوفيين وحكي رواية عنه. والمشهور عنه وعن مالك أنهما لا يلفقان بل تلغو ~~تلك الركعة المنسي ركنها وتقوم هذه مقامهما فيكون ترك الموالاة مبطلا ~~للركعة على أصلهما لا يفصل بين ركوعها وسجودها بفاصل أجنبي عنها فإن أدنى ~~الصلاة ركعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من أدرك ركعة من الصلاة ~~فقد أدرك} . والركعة إنما تكون ركعة مع الموالاة أما إذا ركع ثم فعل أفعالا ~~أجنبية عن الصلاة ثم سجد: لم تكن هذه ركعة مؤلفة من ركوع وسجود؛ بل يكون ~~ركوع مفرد وسجود مفرد وهذا ليس بصلاة والسجود تابع للركوع فلا تكون صلاة ~~إلا بركوع يتبعه سجود وسجود يتبعه ركوع وبسط هذا له موضع آخر. لكن هؤلاء ~~لهم عذر الخوف وأولئك لهم عذر السهو وعدم العلم. PageV23P042 # وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل. فقيل: إذا طال الفصل لم يسجد ~~ولم يبن ولم يحد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم وهذا قول كثير من أصحاب ~~الشافعي وأحمد. كالقاضي أبي يعلى وغيره وهؤلاء يقولون: قد تقصر المدة وإن ~~خرج وقد تطول وإن قعد. وقيل: يسجد ما دام في المسجد فإن خرج انقطع. وهذا هو ~~الذي ذكره الخرقي وغيره وهو منصوص عن أحمد وهو قول الحكم وابن شبرمة وهذا ~~حد بالمكان لا بالزمان لكنه حد بمكان العبادة. وقيل: كل منهما مانع من ~~السجود: طول الفصل والخروج من المسجد. وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد ms7003 وإن ~~خرج من المسجد وتباعد. وهو قول للشافعي وهذا هو الأظهر فإن تحديد ذلك ~~بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط ~~فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ولم يدل على ~~ذلك دليل شرعي ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل ~~وقصره ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه بل قد دخل هو صلى الله عليه ~~وسلم إلى منزله # PageV23P043 # وخرج السرعان من الناس كما تقدم. ولو لم يرد بذلك شرع فقد علم أن ذلك ~~السلام لم يمنع بناء سائر الصلاة عليها. فكذلك سجدتا السهو يسجدان متى ما ~~ذكرهما. وإن تركهما عمدا. فإما أن يقال: يسجدهما أيضا مع إثمه بالتأخير كما ~~تفعل جبرانات الحج وهي في ذمته إلى أن يفعلها فالموالاة فيها ليست شرطا كما ~~يشترط مع القدرة في الركعات فلو سلم من الصلاة عمدا بطلت صلاته باتفاق ~~الناس؛ لأن الصلاة في نفسها عبادة واحدة لها تحليل وتحريم؛ بخلاف السجدتين ~~بعد السلام فإنهما يفعلان بعد تحليل الصلاة كما يفعل طواف الإفاضة بعد ~~التحلل الأول. وإما أن يقال: الموالاة شرط فيها مع القدرة وإنما تسقط ~~بالعذر كالنسيان والعجز كالموالاة بين ركعات الصلاة وعلى هذا فمتى أخرهما ~~لغير عذر بطلت صلاته إذ لم يشرع فصلهما عن الصلاة إلا بالسلام فقط وأمر ~~بهما عقب السلام فمتى تكلم عمدا أو قام أو غير ذلك مما يقطع التتابع عالما ~~عامدا بلا عذر بطلت صلاته كما تبطل إذا ترك السجدتين قبل السلام. # PageV23P044 # فصل: # فأما التكبير في سجود السهو: ففي الصحيحين في حديث ابن بحينة {فلما أتم ~~صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه ~~مكان ما نسي من الجلوس} هذا في السجود قبل السلام وأما بعده فحديث ذي ~~اليدين الذي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: {فصلى ركعتين وسلم ثم كبر وسجد ~~ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر فرفع} والتكبير قول عامة ms7004 أهل العلم؛ ولكن ~~تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال: فروي عن أنس والحسن وعطاء: ~~أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قال هذا قاله تشبيها بسجود التلاوة؛ لأنه ~~سجود مفرد فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم كسجود التلاوة فإنه لم ينقل أحد فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليما وكذلك قال أحمد وغيره. وقال أحمد: أما ~~التسليم فلا أدري ما هو وجمهور السلف على أنه لا تسليم فيه ومن أثبت ~~التسليم فيه أثبته قياسا وهو قياس ضعيف؛ لأنه # PageV23P045 # جعله صلاة وأضعف منه من أثبت فيه التشهد قياسا. والقول الثاني: أن فيهما ~~تشهدا يتشهد ويسلم إذا سجدهما بعد السلام وهذا مروي عن ابن عباس والنخعي ~~والحكم وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. والثالث: ~~فيهما تسليم بغير تشهد وهو قول ابن سيرين قال ابن المنذر: التسليم فيهما ~~ثابت من غير وجه وفي ثبوت التشهد نظر وعن عطاء إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم ~~يفعل. قال أبو محمد: ويحتمل أن لا يجب التشهد؛ لأن ظاهر الحديثين الأولين ~~أنه سلم من غير تشهد وهي أصح من هذه الرواية ولأنه سجود مفرد فلم يجب له ~~تشهد كسجود التلاوة. قلت: أما التسليم فيهما فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة ~~حديث ابن مسعود وحديث عمران. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود كما تقدم {قال ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم: زاد أو نقص فلما سلم قيل ~~له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا ~~قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه} ~~الحديث. # PageV23P046 # وفي الصحيحين أيضا من حديث عمران بن حصين قال: {فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد ~~سجدتين ثم سلم} وكذلك ذكر محمد بن سيرين لما روى حديث أبي هريرة. قال: ~~ونبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم وابن سيرين ما كان يروي إلا عن ثقة ~~والفرق بين هاتين وبين سجود التلاوة: أن هاتين صلاة وأنهما سجدتان ms7005 وقد ~~أقيمتا مقام ركعة وجعلتا جابرتين لنقص الصلاة فجعل لهما تحليل كما لهما ~~تحريم. وهذه هي الصلاة. كما قال: {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم} . وأما " سجود التلاوة " فهو خضوع لله وكان ابن عمر ~~وغيره يسجدون على غير وضوء وعن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة قال: ~~تومئ برأسها وكذلك قال سعيد بن المسيب " قال: ويقول: اللهم لك سجدت. وقال ~~الشعبي: من سمع السجدة وهو على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه وقد سجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ففعله ~~الكافر والمسلم وسجد سحرة فرعون. وعلى هذا فليس بداخل في مسمى الصلاة. ولكن ~~سجدتا السجود يشبهان صلاة الجنازة فإنها قيام مجرد لكن هي صلاة فيها تحريم ~~وتحليل؛ ولهذا كان الصحابة يتطهرون لها # PageV23P047 # ورخص ابن عباس في التيمم لها إذا خشي الفوات وهو قول أبي حنيفة وأحمد في ~~إحدى الروايتين وهي كسجدتي السهو يشترط لها استقبال الكعبة والاصطفاف كما ~~في الصلاة والمؤتم فيه تبع للإمام لا يكبر قبله ولا يسلم قبله كما في ~~الصلاة؛ بخلاف سجود التلاوة فإنه عند كثير من أهل العلم يسجد وإن لم يسجد ~~القارئ. والحديث الذي يروى {إنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا} من مراسيل عطاء ~~وهو من أضعف المراسيل قاله أحمد وغيره ومن قال: إنه لا يسجد إلا إذا سجد لم ~~يجعله مؤتما به من كل وجه فلا يشترط أن يكون المستمعون يسجدون جميعا صفا ~~كما يسجدون خلف الإمام للسهو ولا يشترط أن يكون الإمام إمامه كما في الصلاة ~~وللمأموم أن يرفع قبل إمامه فعلم أنه ليس بمؤتم به في صلاة وإن قيل: إنه ~~مؤتم به في غير صلاة كائتمام المؤمن على الدعاء بالداعي وائتمام المستمع ~~بالقارئ. # فصل: # وأما التشهد في سجدتي السهو: فاعتمد من أثبته على ما روي من حديث عمران ~~بن حصين: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم # PageV23P048 # فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم} رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ~~غريب. قلت: ms7006 كونه غريبا يقتضي أنه لا متابع لمن رواه بل قد انفرد به. وهذا ~~يوهي هذا الحديث في مثل هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه ~~أنه سجد بعد السلام غير مرة كما في حديث ابن مسعود لما صلى خمسا وفي حديث ~~أبي هريرة حديث ذي اليدين وعمران بن حصين لما سلم سواء كانت قضيتين أو قضية ~~واحدة وثبت عنه أنه قال: {إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ~~ثم يسلم ثم يسجد سجدتين} وقال في حديث أبي هريرة الصحيح {فإذا وجد أحدكم ~~ذلك فليسجد سجدتين} وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود ولا في ~~الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول: أنه يتشهد بعد السجود بل هذا التشهد ~~بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين أو أطول. ومثل هذا مما يحفظ ويضبط ~~وتتوفر الهمم والدواعي على نقله فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد ~~وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام. وذكر التكبير عند ~~الخفض والرفع. فإن هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل فكيف ينقلون هذا ولا ~~ينقلون هذا. وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الأخير فإنه يتعقبه السلام # PageV23P049 # فتسن معه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء كما إذا صلى ركعتي ~~الفجر أو ركعة الوتر وتشهد ثم الذي في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر ~~التشهد فانفراد واحد بمثل هذه الزيادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها ~~يضعف أمرها ثم هذا المنفرد بها يجب أن ينظر لو انفرد بحديث هل يثبت أنه ~~شريعة للمسلمين؟ . وأيضا: فالتشهد إنما شرع في صلاة تامة ذات ركوع وسجود لم ~~يشرع في صلاة الجنازة مع أنه يقرأ فيها بأم القرآن وسجدتا السهو لا قراءة ~~فيهما فإذا لم يشرع في صلاة فيها قراءة وليست بركوع وسجود فكذلك في صلاة ~~ليس فيها قيام ولا قراءة ولا ركوع. وقد يقال: إنه أولى وأنفع فليس هو ~~مشروعا عقب سجدتي الصلب بل إنما يتشهد بعد ms7007 ركعتين لا بعد كل سجدتين فإذا لم ~~يتشهد عقب سجدتي الصلب وقد حصل بهما ركعة تامة فأن لا يتشهد عقب سجدتي ~~السهو أولى. وذلك أن عامة سجدتي السهو أن يقوما مقام ركعة. كما قال صلى ~~الله عليه وسلم {فإن كان قد صلى خمسا شفعتا له صلاته وإن كان صلى لتمام ~~كانتا ترغيما للشيطان} فجعلهما كركعة لا كركعتين. وهي ركعة متصلة بغيرها ~~ليست كركعة الوتر المستقلة بنفسها. ولهذا وجبت فيها الموالاة أن يسجدهما ~~عقب السلام # PageV23P050 # لا يتعمد تأخيرهما فهو كما لو سجدهما قبل السلام وقبل السلام لا يعيد ~~التشهد بعدهما فكذلك لا يعيد بعد السلام. ولأن المقصود أن يختم صلاته ~~بالسجود لا بالتشهد بدليل أن السجود قبل السلام لم يشرع قبل التشهد بل إنما ~~شرع بعد التشهد فعلم أنه جعل خاتما للصلاة ليس بعده إلا الخروج منها ولأن ~~إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قرب الفصل بينهما فلم يكن ذلك ~~مشروعا كإعادته إذا سجد قبل السلام؛ ولأنه لو كان بعدهما تشهد لم يكن ~~المشروع سجدتين. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة ~~على ذلك وسماهما المرغمتين للشيطان فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة ~~القراءة قبل السجود وزيادة تكبيرة الإحرام. ومعلوم أنه لا افتتاح لهما بل ~~يكبر للخفض لا يكبر وهو قاعد فعلم أنهما داخلتان في تحريم الصلاة فيكونان ~~جزءا من الصلاة كما لو سجدهما قبل السلام فلا يختصان بتشهد ولكن يسلم ~~منهما؛ لأن السلام الأول سقط فلم يكن سلاما منهما فإن السلام إنما يكون عند ~~الخروج. وقد نفى بعض الصحابة والتابعين السلام منهما كما أنه لا تحريم ~~لهما؛ لكن الصواب الفرق كما وردت به السنة الصحيحة والله أعلم. # PageV23P051 # وسئل - رحمه الله -: # عمن صلى بجماعة رباعية فسها عن التشهد وقام فسبح بعضهم فلم يقعد وكمل ~~صلاته وسجد وسلم فقال جماعة: كان ينبغي إقعاده وقال آخرون: لو قعد بطلت ~~صلاته فأيهما على الصواب؟ . # فأجاب: # أما الإمام الذي فاته التشهد الأول حتى قام فسبح به فلم يرجع وسجد للسهو ~~قبل ms7008 السلام فقد أحسن فيما فعل هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ~~قال كان ينبغي له أن يقعد أخطأ بل الذي فعله هو الأحسن. ومن قال: لو رجع ~~بطلت صلاته فهذا فيه قولان للعلماء: أحدهما: لو رجع بطلت صلاته وهو مذهب ~~الشافعي وأحمد في رواية. والثاني: إذا رجع قبل القراءة لم تبطل صلاته وهي ~~الرواية المشهورة عن أحمد والله أعلم. # PageV23P052 # وسئل - رحمه الله -: # عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يسه. فهل ~~يقومون معه أم لا؟ . # فأجاب: # إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم؛ لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن ~~يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن. والله ~~أعلم. # PageV23P053 ### | باب صلاة التطوع # سئل شيخ الإسلام: # أيما طلب القرآن أو العلم أفضل؟ . # فأجاب: # أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به وما نهى الله ~~عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن فإن طلب العلم الأول واجب وطلب ~~الثاني مستحب والواجب مقدم على المستحب. وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم على ~~كثير مما تسميه الناس علما: وهو إما باطل أو قليل النفع. وهو أيضا مقدم في ~~التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع فإن المشروع في ~~حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن فإنه أصل علوم الدين بخلاف ~~ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم حيث يشتغل أحدهم بشيء من ~~فضول العلم من الكلام أو الجدال # PageV23P054 # والخلاف أو الفروع النادرة أو التقليد الذي لا يحتاج إليه أو غرائب ~~الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها ~~حجة ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله فلا بد في مثل هذه المسألة من ~~التفصيل. والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة ~~حافظه لم يكن من أهل العلم والدين والله سبحانه ms7009 أعلم. # و ### | سئل: # عن تكرار القرآن والفقه: أيهما أفضل وأكثر أجرا. # فأجاب: # الحمد لله، خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ~~وكلام الله لا يقاس به كلام الخلق فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل ~~الله على خلقه. وأما الأفضل في حق الشخص: فهو بحسب حاجته ومنفعته فإن كان ~~يحفظ القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار ~~التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها وكذلك إن كان حفظ من القرآن ما يكفيه ~~وهو محتاج إلى علم آخر. # PageV23P055 # وكذلك إن كان قد حفظ القرآن أو بعضه وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه ~~من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه. وأما من تعبد بتلاوة ~~الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل وتدبره لمعاني القرآن أفضل من تدبره لكلام ~~لا يحتاج لتدبره والله أعلم. # وسئل: # عمن يحفظ القرآن: أيما أفضل له تلاوة القرآن مع أمن النسيان؟ أو التسبيح ~~وما عداه من الاستغفار والأذكار في سائر الأوقات؟ مع علمه بما ورد في " ~~الباقيات الصالحات " و " التهليل " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " و " سيد ~~الاستغفار " " وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". # فأجاب: # الحمد لله، جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين: فالأصل الأول أن جنس ~~تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء كما ~~في الحديث الذي في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر} # PageV23P056 # وفي الترمذي عن أبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من شغله قراءة ~~القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين} " وكما في الحديث ~~الذي في السنن في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم {فقال: إني لا أستطيع ~~أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي. قال: قل: سبحان الله ولا ~~إله إلا ms7010 الله والله أكبر} ولهذا كانت القراءة في الصلاة واجبة فإن الأئمة ~~لا تعدل عنها إلى الذكر إلا عند العجز. والبدل دون المبدل منه. وأيضا: ~~فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى دون الذكر والدعاء وما لم يشرع إلا على ~~الحال الأكمل فهو أفضل كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان كانت أفضل من ~~مجرد القراءة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {استقيموا ولن تحصوا ~~واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة} ولهذا نص العلماء على أن أفضل تطوع البدن ~~الصلاة. وأيضا فما يكتب فيه القرآن لا يمسه إلا طاهر. وقد حكي إجماع ~~العلماء على أن القراءة أفضل؛ لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر. ومنهم من ~~زعم أنه أرجح في حق المنتهى المجتهد كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه ومنهم من ~~قال: هو أرجح في حق المبتدئ السالك وهذا أقرب إلى الصواب. # PageV23P057 # وتحقيق ذلك يذكر في الأصل الثاني وهو: أن العمل المفضول قد يقترن به ما ~~يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان: أحدهما ما هو مشروع لجميع الناس. والثاني ما ~~يختلف باختلاف أحوال الناس. أما الأول فمثل أن يقترن إما بزمان أو بمكان أو ~~عمل يكون أفضل: مثل ما بعد الفجر والعصر ونحوهما من أوقات النهي عن الصلاة؛ ~~فإن القراءة والذكر والدعاء أفضل في هذا الزمان وكذلك الأمكنة التي نهي عن ~~الصلاة فيها: كالحمام وأعطان الإبل والمقبرة فالذكر والدعاء فيها أفضل ~~وكذلك الجنب: الذكر في حقه أفضل والمحدث: القراءة والذكر في حقه أفضل فإذا ~~كره الأفضل في حال حصول مفسدة كان المفضول. هناك أفضل؛ بل هو المشروع. ~~وكذلك حال الركوع والسجود فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما ~~السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم} . وقد اتفق العلماء على ~~كراهة القراءة في الركوع والسجود وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك على قولين ~~هما وجهان في مذهب الإمام أحمد وذلك تشريفا للقرآن وتعظيما له أن لا يقرأ ms7011 # PageV23P058 # في حال الخضوع والذل كما كره أن يقرأ مع الجنازة وكما كره أكثر العلماء ~~قراءته في الحمام. وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمره. والدعاء فيه أفضل؛ بل هو المشروع دون القراءة والذكر ~~وكذلك الطواف وبعرفة ومزدلفة وعند رمي الجمار: المشروع هناك هو الذكر ~~والدعاء. وقد تنازع العلماء في القراءة في الطواف هل تكره أم لا تكره؟ على ~~قولين مشهورين. (والنوع الثاني أن يكون العبد عاجزا عن العمل الأفضل؛ إما ~~عاجزا عن أصله كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابي الذي سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو عاجزا عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على ~~فعل المفضول على وجه الكمال. ومن هنا قال من قال: إن الذكر أفضل من القرآن؛ ~~فإن الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله وأكثر السالكين بل العارفين منهم إنما ~~يخبر أحدهم عما ذاقه ووجده لا يذكر أمرا عاما للخلق؛ إذ المعرفة تقتضي ~~أمورا معينة جزئية والعلم يتناول أمرا عاما كليا فالواحد من هؤلاء يجد في ~~الذكر من اجتماع قلبه وقوة إيمانه واندفاع الوسواس عنه ومزيد السكينة ~~والنور والهدى: ما لا يجده في قراءة القرآن؛ بل إذا قرأ القرآن لا يفهمه أو ~~لا يحضر قلبه وفهمه ويلعب عليه الوسواس # PageV23P059 # والفكر كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما ~~لا يجتمع في الصلاة؛ بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك وليس كل ما كان أفضل يشرع ~~لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له. فمن الناس من تكون ~~الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس وإن كان جنس الصدقة أفضل. ومن الناس من ~~يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء وكمن يعجز عن الجهاد وإن كان جنس ~~الجهاد أفضل. قال النبي صلى الله عليه وسلم {الحج جهاد كل ضعيف} ونظائر هذا ~~متعددة. إذا عرف هذان الأصلان: عرف بهما جواب هذه المسائل. إذا عرف هذا ~~فيقال: الأذكار المشروعة في أوقات ms7012 معينة مثل ما يقال عند جواب المؤذن هو ~~أفضل من القراءة في تلك الحال وكذلك ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يقال عند الصباح والمساء وإتيان المضجع: هو مقدم على غيره. وأما إذا قام من ~~الليل فالقراءة له أفضل إن أطاقها وإلا فليعمل ما يطيق والصلاة أفضل منهما ~~ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال: {إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل ~~والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن} الآية ~~والله أعلم. # PageV23P060 # و ### | سئل: # أيما أفضل قارئ القرآن الذي لا يعمل أو العابد؟ . # فأجاب: # إن كان العابد يعبد بغير علم فقد يكون شرا من العالم الفاسق وقد يكون ~~العالم الفاسق شرا منه. وإن كان يعبد الله بعلم فيؤدي الواجبات ويترك ~~المحرمات فهو خير من الفاسق إلا أن يكون للعالم الفاسق حسنات تفضل على ~~سيئاته بحيث يفضل له منها أكثر من حسنات ذلك العابد والله أعلم. # وسئل: # أيما أفضل استماع القرآن؟ أو صلاة النفل؟ وهل تكره القراءة عند الصلاة ~~غير الفرض أم لا؟ . # فأجاب: # من كان يقرأ القرآن والناس يصلون تطوعا فليس له أن يجهر جهرا يشغلهم به؛ ~~{فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه # PageV23P061 # وهم يصلون من السحر فقال: يا أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم ~~على بعض في القراءة} . والقراءة في الصلاة النافلة أفضل في الجملة؛ لكن قد ~~تكون القراءة وسماعها أفضل لبعض الناس والله أعلم. # وسئل: # أيما أفضل إذا قام من الليل الصلاة أم القراءة؟ . # فأجاب: # بل الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة نص على ذلك أئمة العلماء. وقد ~~قال: {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على ~~الوضوء إلا مؤمن} لكن من حصل له نشاط وتدبر وفهم للقراءة دون الصلاة ~~فالأفضل في حقه ما كان أنفع له. # وسئل: # عن رجل أراد تحصيل الثواب: هل الأفضل له قراءة القرآن؟ ms7013 أو الذكر ~~والتسبيح؟ . # PageV23P062 # فأجاب: # قراءة القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء من حيث الجملة؛ لكن قد ~~يكون المفضول أفضل من الفاضل في بعض الأحوال كما أن الصلاة أفضل من ذلك ~~كله. ومع هذا فالقراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي عن الصلاة كالأوقات ~~الخمسة ووقت الخطبة هي أفضل من الصلاة والتسبيح في الركوع والسجود أفضل من ~~القراءة والتشهد الأخير أفضل من الذكر. وقد يكون بعض الناس انتفاعه ~~بالمفضول أكثر بحسب حاله إما لاجتماع قلبه عليه وانشراح صدره له ووجود قوته ~~له مثل من يجد ذلك في الذكر أحيانا دون القراءة فيكون العمل الذي أتى به ~~على الوجه الكامل أفضل في حقه من العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص وإن ~~كان جنس هذا [أفضل] (1) وقد يكون الرجل عاجزا عن الأفضل فيكون ما يقدر عليه ~~في حقه أفضل له والله أعلم. PageV23P063 # وسئل - رحمه الله -: # ما يقول سيدنا: فيمن يجهر بالقراءة والناس يصلون في المسجد السنة أو ~~التحية فيحصل لهم بقراءته جهرا أذى، فهل يكره جهر هذا بالقراءة أم لا؟ . # فأجاب: # ليس لأحد أن يجهر بالقراءة لا في الصلاة ولا في غير الصلاة إذا كان غيره ~~يصلي في المسجد وهو يؤذيهم بجهره؛ بل قد {خرج النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الناس وهم يصلون في رمضان ويجهرون بالقراءة. فقال: أيها الناس كلكم يناجي ~~ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة} . وأجاب: أيضا رحمه الله تعالى ~~تعالى وليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. # PageV23P064 # وسئل - رحمه الله -: # عن القيام للمصحف وتقبيله؟ وهل يكره أيضا أن يفتح فيه الفأل؟ . # فأجاب: # الحمد لله، القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن السلف وقد ~~سئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف. فقال: ما سمعت فيه شيئا. ولكن روي عن ~~عكرمة بن أبي جهل: أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: " كلام ربي. ~~كلام ربي " ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له فلم يكن من عادتهم ~~قيام بعضهم لبعض اللهم ms7014 إلا لمثل القادم من مغيبه ونحو ذلك. ولهذا قال أنس: ~~" لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه ~~لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك " والأفضل للناس أن يتبعوا طريق السلف ~~في كل شيء فلا # PageV23P065 # يقومون إلا حيث كانوا يقومون. فأما إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض. فقد ~~يقال: لو تركوا القيام للمصحف مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك ولا ~~محمودين بل هم إلى الذم أقرب حيث يقوم بعضهم لبعض ولا يقومون للمصحف الذي ~~هو أحق بالقيام. حيث يجب من احترامه وتعظيمه ما لا يجب لغيره. حتى ينهى أن ~~يمس القرآن إلا طاهر والناس يمس بعضهم بعضا مع الحدث لا سيما وفي ذلك من ~~تعظيم حرمات الله وشعائره ما ليس في غير ذلك وقد ذكر من ذكر من الفقهاء ~~الكبار قيام الناس للمصحف ذكر مقرر له غير منكر له. وأما استفتاح الفأل في ~~المصحف: فلم ينقل عن السلف فيه شيء وقد تنازع فيه المتأخرون. وذكر القاضي ~~أبو يعلى فيه نزاعا: ذكر عن ابن بطة أنه فعله وذكر عن غيره أنه كرهه فإن ~~هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يحب الفأل ~~ويكره الطيرة. والفأل الذي يحبه هو أن يفعل أمرا أو يعزم عليه متوكلا على ~~الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره: مثل أن يسمع يا نجيح يا مفلح يا سعيد ~~يا منصور ونحو ذلك. كما {لقي في سفر الهجرة # PageV23P066 # رجلا فقال: ما اسمك؟ قال: بريدة. قال: يا أبا بكر برد أمرنا} وأما الطيرة ~~بأن يكون قد فعل أمرا متوكلا على الله أو يعزم عليه فيسمع كلمة مكروهة: مثل ~~ما يتم أو ما يفلح ونحو ذلك. فيتطير ويترك الأمر فهذا منهي عنه. كما في ~~الصحيح عن {معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله منا قوم يتطيرون ~~قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم} فنهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن تصد الطيرة ms7015 العبد عما أراد فهو في كل واحد من محبته للفأل وكراهته ~~للطيرة إنما يسلك مسلك الاستخارة لله والتوكل عليه والعمل بما شرع له من ~~الأسباب لم يجعل الفأل آمرا له وباعثا له على الفعل ولا الطيرة ناهية له عن ~~الفعل وإنما يأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام ~~وقد حرم الله الاستقسام بالأزلام في آيتين من كتابه وكانوا إذا أرادوا أمرا ~~من الأمور أحالوا به قداحا مثل السهام أو الحصى أو غير ذلك وقد علموا على ~~هذا علامة الخير وعلى هذا علامة الشر وآخر غفل. فإذا خرج هذا فعلوا وإذا ~~خرج هذا تركوا وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام. فهذه الأنواع التي تدخل في ~~ذلك: مثل الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب والورق المكتوب عليه حروف ~~أبجد أو أبيات من # PageV23P067 # الشعر أو نحو ذلك مما يطلب به الخيرة فما يفعله الرجل ويتركه ينهى عنها ~~لأنها من باب الاستقسام بالأزلام وإنما يسن له استخارة الخالق واستشارة ~~المخلوق والاستدلال بالأدلة الشرعية التي تبين ما يحبه الله ويرضاه وما ~~يكرهه وينهى عنه. وهذه الأمور تارة يقصد بها الاستدلال على ما يفعله العبد: ~~هل هو خير أم شر؟ وتارة الاستدلال على ما يكون فيه نفع في الماضي ~~والمستقبل. وكلا غير مشروع والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV23P068 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله - (1) : # فصل: # تنازع الناس: أيما أفضل كثرة الركوع والسجود؟ أو طول القيام؟ وقد ذكر عن ~~أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: أن كثرة الركوع والسجود أفضل وهي التي ~~اختارها طائفة من أصحابه. والثانية أنهما سواء. والثالثة: أن طول القيام ~~أفضل وهذا يحكى عن الشافعي. فنقول: هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن ~~يطيل القيام مع تخفيف الركوع والسجود. فيقال: PageV23P069 # أيما أفضل؟ هذا أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام؟ ويكون هذا قد ~~عدل بين القيام وبين الركوع والسجود فخفف الجميع. والصورة الثانية: أن يطيل ~~القيام فيطيل معه الركوع والسجود فيقال: أيما أفضل؟ هذا أم أن يكثر من ~~الركوع والسجود والقيام؟ وهذا قد ms7016 عدل بين القيام والركوع والسجود في ~~النوعين لكن أيما أفضل تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجودا أم تكثير ذلك مع ~~تخفيفها؟ فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث روايات وكلام غيره ~~يقتضي أن النزاع في الصورة الأولى أيضا. والصواب في ذلك: أن الصورة الأولى ~~تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود وتخفيف القيام أفضل من تطويل القيام ~~وحده مع تخفيف الركوع والسجود. ومن فضل تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصلاة أفضل فقال: طول القنوت} . ~~وظنوا أن المراد بطول القنوت طول القيام وإن كان مع تخفيف الركوع والسجود ~~وليس كذلك. فإن القنوت هو دوام العبادة والطاعة ويقال لمن أطال السجود: إنه ~~قانت. قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجو رحمة ربه} فجعله قانتا في حال السجود كما هو قانت في حال القيام وقدم ~~السجود على القيام. # PageV23P070 # وفي الآية الأخرى قال: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} ولم يقل قنوتا ~~فالقيام ذكره بلفظ القيام لا بلفظ القنوت. وقال تعالى: {وقوموا لله قانتين} ~~فالقائم قد يكون قانتا وقد لا يكون وكذلك الساجد. فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم بين أن طول القنوت أفضل الصلاة وهو يتناول القنوت في حال السجود وحال ~~القيام. وهذا الحديث يدل على الصورة الثانية وأن تطويل الصلاة قياما وركوعا ~~وسجودا أولى من تكثيرها قياما وركوعا وسجودا؛ لأن طول القنوت يحصل بتطويلها ~~لا بتكثيرها وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود على تكثير ~~الركوع والسجود فغلط. فإن ### | جنس السجود أفضل من جنس القيام من وجوه متعددة: # أحدها: أن السجود بنفسه عبادة لا يصلح أن يفعل إلا على وجه العبادة لله ~~وحده والقيام لا يكون عبادة إلا بالنية فإن الإنسان يقوم في أمور دنياه ولا ~~ينهى عن ذلك. الثاني: أن الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود وكذلك كل ~~صلاة فيها ركوع لا بد فيها من سجود لا يسقط السجود فيها بحال من الأحوال ~~فهو عماد الصلاة وأما ms7017 القيام فيسقط في التطوع دائما وفي الصلاة على الراحلة ~~في السفر وكذلك يسقط القيام في الفرض عن المريض وكذلك المأموم إذا صلى ~~إمامه جالسا. كما # PageV23P071 # جاءت به الأحاديث الصحيحة. وسواء قيل: إنه عام للأمة أو مخصوص بالرسول ~~فقد سقط القيام عن المأموم في بعض الأحوال والسجود لا يسقط لا عن قائم ولا ~~قاعد والمريض إذا عجز عن إيمائه أتى منه بقدر الممكن وهو الإيماء برأسه وهو ~~سجود مثله ولو عجز عن الإيماء برأسه ففيه قولان هما روايتان عن أحمد. ~~أحدهما: أنه يومئ بطرفه فجعلوا إيماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده فلم يسقطوه. ~~والثاني: أنه تسقط الصلاة في هذه الحال ولا تصح على هذا الوجه وهو قول أبي ~~حنيفة وهذا القول أصح في الدليل؛ لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة ~~ولا يتميز فيه الركوع عن السجود ولا القيام عن القعود بل هو من نوع العبث ~~الذي لم يشرعه الله تعالى. وأما الإيماء. بالرأس: فهو خفضه وهذا بعض ما أمر ~~به المصلي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: ~~{إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم} وهو لا يستطيع من السجود إلا # PageV23P072 # هذا الإيماء وأما تحريك العين فليس من السجود في شيء. وعلى القولين فقد ~~اتفقوا على أنه لا بد في الصلاة من السجود وهذا يقول الإيماء بطرفه هو سجود ~~وهذا يقول ليس بسجود فلا يصلي. فلو كانت الصلاة تصح مع القدرة بلا سجود ~~لأمكن أن يكبر ويقرأ ويتشهد ويسلم فيأتي بالأقوال دون الأفعال وما علمت ~~أحدا قال إن الصلاة تصح بمجرد الأقوال بل لا بد من السجود. وأما القيام ~~والقراءة فيسقطان بالعجز باتفاق الأئمة فعلم أن السجود هو أعظم أركان ~~الصلاة القولية والفعلية. الوجه الثالث: أن القيام إنما صار عبادة بالقراءة ~~أو بما فيه من ذكر ودعاء كالقيام في الجنازة فأما القيام المجرد فلم يشرع ~~قط عبادة مع إمكان الذكر فيه. بخلاف السجود فإنه مشروع بنفسه عبادة حتى ~~خارج الصلاة شرع سجود التلاوة والشكر وغير ذلك. ms7018 وأما المأموم إذا لم يقرأ ~~فإنه يستمع قراءة إمامه واستماعه عبادة وإن لم يسمع فقد اختلف في وجوب ~~القراءة عليه والأفضل له أن يقرأ. والذين قالوا لا قراءة عليه أو لا تستحب ~~له القراءة قالوا قراءة الإمام له قراءة فإنه تابع للإمام. # PageV23P073 # فإن قيل: إذا عجز الأمي عن القراءة والذكر قيل: هذه الصورة نادرة أو ~~ممتنعة فإن أحدا لا يعجز عن ذكر الله وعليه أن يأتي بالتكبير وما يقدر عليه ~~من تحميد وتهليل وعلى القول بتكرار ذلك؛ هل يكون بقدر الفاتحة؟ فيه وجهان ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ ~~به وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع} رواه أبو داود والترمذي. قال ~~أحمد: إنه إذا قام إلى الثانية وقد نسي بعض أركان الأولى إن ذكر قبل الشروع ~~في القراءة مضى وصارت هذه بدل تلك. فإن المقصود بالقيام هو القراءة؛ ولهذا ~~قالوا: ما كان عبادة نفسه لم يحتج إلى ركن قولي كالركوع والسجود وما لم يكن ~~عبادة بنفسه احتاج إلى ركن قولي كالقيام والقعود. وإذا كان السجود عبادة ~~بنفسه علم أنه أفضل من القيام. الوجه الرابع: أن يقال القيام يمتاز بقراءة ~~القرآن فإنه قد نهي عن القراءة في الركوع والسجود وقراءة القرآن أفضل من ~~التسبيح فمن هذا الوجه تميز القيام وهو حجة من سوى بينهما فقال السجود ~~بنفسه أفضل وذكر القيام أفضل فصار كل منهما أفضل من وجه أو تعادلا. لكن ~~يقال قراءة القرآن تسقط في مواضع وتسقط عن المسبوق القراءة والقيام أيضا. ~~كما في حديث أبي بكرة. وفي السنن # PageV23P074 # {من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة} وهذا قول جماهير العلماء والنزاع فيه ~~شاذ. وأيضا فالأمي تصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء كما في السنن {أن ~~رجلا قال: يا رسول الله؛ إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما ~~يجزيني منه. فقال: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: هذا ms7019 لله فما لي؟ قال: تقول: اللهم اغفر لي ~~وارحمني وارزقني واهدني.} وأيضا فلو نسي القراءة في الصلاة قد قيل: تجزئه ~~الصلاة وروي ذلك عن الشافعي. وقيل: إذا نسيها في الأولى قرأ في الثانية ~~قراءة الركعتين وروي هذا عن أحمد. وأما السجود فلا يسقط بحال فعلم أن ~~السجود أفضل من القراءة كما أنه أفضل من القيام والمسبوق في الصلاة يبني ~~على قراءة الإمام الذي استخلفه كما قد بنى النبي صلى الله عليه وسلم على ~~قراءة أبي بكر. الوجه الخامس: أنه قد ثبت في الصحيح {أن النار تأكل من ابن ~~آدم كل شيء إلا موضع السجود} فتأكل القدم وإن كان موضع القيام. # PageV23P075 # الوجه السادس: إن الله تعالى قال: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون} {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة سجد له ~~المؤمنون ومن كان يسجد في الدنيا رياء يصير ظهره مثل الطبق ". فقد أمروا ~~بالسجود في عرصات القيامة دون غيره من أجزاء الصلاة. فعلم أنه أفضل من ~~غيره. الوجه السابع: أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن الرسول إذا طلب ~~منه الناس الشفاعة يوم القيامة قال: {فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا ~~وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن} فهو إذا رآه سجد وحمد وحينئذ ~~يقال له: {أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع} . فعلم أنه ~~أفضل من غيره. الوجه الثامن: إن الله تعالى قال: {كلا لا تطعه واسجد ~~واقترب} وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} وهذا نص في أنه في حال السجود أقرب ~~إلى الله منه في غيره وهذا صريح في فضيلة السجود على غيره. والحديث رواه ~~مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: # PageV23P076 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد، فأكثروا الدعاء} ms7020 . الوجه التاسع: ما رواه مسلم في صحيحه عن {معدان بن ~~أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني ~~بعمل يدخلني الله به الجنة أو قال: بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته ~~الثانية فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك بكثرة ~~السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها ~~خطيئة} قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثلما قال لي ثوبان. ~~فإن كان سأله عن أحب الأعمال فهو صريح في أن السجود أحب إلى الله من غيره ~~وإن كان سأله عما يدخله الله به الجنة فقد دله على السجود دون القيام فدل ~~على أنه أقرب إلى حصول المقصود. وهذا الحديث يحتج به من يرى أن كثرة السجود ~~أفضل من تطويله لقوله: {فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط ~~عنك بها خطيئة} ولا حجة فيه؛ لأن كل سجدة يستحق بها ذلك لكن السجدة أنواع. ~~فإذا كانت إحدى السجدتين أفضل من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم وما ~~يحط به عنه من الخطايا أعظم كما أن السجدة التي يكون فيها أعظم خشوعا ~~وحضورا هي أفضل # PageV23P077 # من غيرها فكذلك السجدة الطويلة التي قنت فيها لربه هي أفضل من القصيرة. ~~الوجه العاشر: ما روى مسلم أيضا عن {ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: سل فقلت: أسألك ~~مرافقتك في الجنة فقال: أوغير ذلك؟ فقلت: هو ذاك قال: فأعني على نفسك بكثرة ~~السجود} . فهذا قد سأل عن مرتبة علية وإنما طلب منه كثرة السجود. وهذا أدل ~~على أن كثرة السجود أفضل لكن يقال المكثر من السجود قد يكثر من سجود طويل ~~وقد يكثر من سجود قصير وذاك أفضل. وأيضا فالإكثار من السجود لا بد فإذا صلى ~~إحدى عشرة ركعة طويلة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ms7021 صلى المصلي في ~~مثل زمانهن عشرين ركعة فقد أكثر السجود لكن سجود ذاك أفضل وأتم وهذا أكثر ~~من ذاك وليس لأحد أن يقول: إنما كان أكثر مع قصرها فهو أفضل مما هو كثير ~~أيضا وهو أتم وأطول كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV23P078 # الوجه الحادي عشر: أن مواضع الساجد تسمى مساجد. كما قال تعالى: {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه} وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله} وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} ولا ~~تسمى مقامات إلا بعد فعل السجود فيها. فعلم أن أعظم أفعال الصلاة هو السجود ~~الذي عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله. الوجه الثاني عشر: أنه تعالى ~~قال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ~~وهم لا يستكبرون} وهذا وإن تناول سجود التلاوة فتناوله لسجود الصلاة أعظم؛ ~~فإن احتياج الإنسان إلى هذا السجود أعظم على كل حال فقد جعل الخرور إلى ~~السجود مما لا يحصل الإيمان إلا به وخصه بالذكر وهذا مما تميز به وكذلك ~~أخبر عن أنبيائه أنهم: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} وقال ~~في تلك الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} . و ### | الدعاء في السجود أفضل من غيره # كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل قوله في حديث أبي هريرة {أقرب ما يكون ~~العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء} ومثل ما روى مسلم في صحيحه عن # PageV23P079 # ابن عباس قال: {كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف ~~خلف أبي بكر. فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا ~~الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ~~ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن ~~يستجاب لكم} وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في ms7022 السجود في عدة ~~أحاديث وفي غير حديث تبين أن ذلك في صلاته بالليل فعلم أن قوله: {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} وإن كان يتناول الدعاء في جميع ~~أحوال الصلاة فالسجود له مزية على غيره كما لآخر الصلاة مزية على غيرها؛ ~~ولهذا جاء في السنن: {أفضل الدعاء جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات} ~~. فهذه الوجوه وغيرها مما يبين أن جنس السجود أفضل من جنس القيام والقراءة ~~ولو أمكن أن يكون أطول من القيام لكان ذلك أفضل؛ لكن هذا يشق مشقة عظيمة ~~فلهذا خفف السجود عن القيام مع أن السنة تطويله إذا طول القيام كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فروي: {أنه كان يخفف القيام والقعود ويطيل ~~الركوع والسجود} ولما أطال القيام في صلاة الكسوف أطال الركوع والسجود. ~~وكذلك في حديث حذيفة الصحيح: {أنه لما قرأ بالبقرة والنساء # PageV23P080 # وآل عمران قال: ركع نحوا من قيامه وسجد نحوا من ركوعه} وفي حديث البراء ~~الصحيح أنه قال: {كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فجلوسه بين السجدتين ~~فجلسته ما بين السلام والانصراف قريبا من السواء} . وفي رواية: {ما خلا ~~القيام والقعود} . وثبت في الصحيح عن عائشة: {أنه كان يسجد السجدة بقدر ما ~~يقرأ الإنسان خمسين آية} " فهذه الأحاديث تدل على أن تطويل الصلاة قيامها ~~وركوعها وسجودها أفضل من تكثير ذلك مع تخفيفه وهو القول الثالث في الصورة ~~الثانية ومن سوى بينهما قال: إن الأحاديث تعارضت في ذلك وليس كذلك؛ فإن ~~قوله: {أفضل الصلاة طول القنوت} يتناول التطويل في القيام والسجود وكذلك ما ~~رواه مسلم في صحيحه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن طول ~~صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة} " ~~وقال: {من أم الناس فليخفف فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء} ". وأحاديث تفضيل ~~السجود قد بينا أنها لا تنافي ذلك. ومعلوم: أن خير الكلام كلام الله وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه ~~أن ms7023 يصلي عشر ركعات أو عشرين ركعة يكثر فيها قيامها وسجودها فلم يفعل؛ بل ~~صلى # PageV23P081 # ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود وجعل في كل ركعة قيامين ~~وركوعين وعلى هذا فكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام الذي ليس فيه ~~تطويل الركوع والسجود. وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود فهذا أفضل من ~~إطالة القيام فقط وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك. والكلام ~~إنما هو في الوقت الواحد: كثلث الليل أو نصفه أو سدسه أو الساعة. هل هذا ~~أفضل من هذا أو هذا أفضل من هذا. وفي الصحيحين عن {أم هانئ لما صلى الثماني ~~ركعات يوم الفتح قالت: ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه كان يتم ~~الركوع والسجود} " وفي رواية لمسلم {ثم قام فركع ثماني ركعات لا أدري ~~أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده كل ذلك متقارب} " فهذا يبين أنه طول ~~الركوع، والسجود قريبا من القيام وأن قولها: {لم أره صلى صلاة أخف منها} ~~إخبار منها عما رأته وأم هانئ لم تكن مباشرة له في جميع الأحوال ولعلها ~~أرادت منع كثرة الركعات فإنه لم يصل ثمانيا جميعا أخف منها فإن صلاته ~~بالليل كانت أطول من ذلك وهو بالنهار لم يصل ثمانيا متصلة قط؛ بل إنما كان ~~يصلي المكتوبة والظهر كان يصلي بعدها ركعتين وقبلها أربعا أو ركعتين أو ~~لعله خففها لضيق الوقت فإنه صلاها بالنهار وهو مشتغل بأمور فتح مكة # PageV23P082 # كما كان يخفف المكتوبة في السفر حتى يقرأ في الفجر بالمعوذتين. وروي أنه ~~قرأ في الفجر بالزلزلة في الركعتين فهذا التخفيف لعارض. وقد احتج من فضل ~~التكثير على التطويل بحديث {ابن مسعود قال: إني لأعرف السور التي كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن من المفصل كل سورتين في ركعة} يدل على ~~أنه لم يكن يطيل القيام وهذا لا حجة فيه؛ لأنه أولا جمع بين سورتين من ~~المفصل وأيضا فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. وأيضا فإن ~~حذيفة روى عنه: {أنه ms7024 قام بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة} وابن مسعود ~~ذكر أنه طول حتى هممت بأمر سوء: أن أجلس وأدعه. ومعلوم أن هذا لا يكون ~~بسورتين فعلم أنه كان يفعله أحيانا ولا ريب أنه كان يطيل بعض الركعات أطول ~~من بعض كما روت عائشة وغيرها والله أعلم. # PageV23P083 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # قد ذكر الله قيام الليل في عدة آيات. تارة بالمدح وتارة بالأمر أمر إيجاب ~~ثم نسخه بأمر الاستحباب إذا لم تدخل صلاة العشاء فيه بل أريد القيام بعد ~~النوم؛ فإنه قد قال سعيد بن المسيب وغيره من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ ~~بنصيبه من قيام ليلة القدر. فقد جعل ذلك من القيام. # وقد روي عن عبيدة السلماني: أن قيام الليل واجب لم ينسخ ولو كحلب شاة. ~~وهذا إذا أريد به ما يتناول صلاة الوتر فهو قول كثير من العلماء. والدليل ~~عليه: أن في حديث ابن مسعود لما قال: {أوتروا يا أهل القرآن قال أعرابي: ما ~~يقول رسول الله؟ فقال: إنها ليست لك ولا لأصحابك} " فقد خاطب أهل القرآن من ~~قيام الليل بما لم يخاطب به غيرهم. # PageV23P084 # وعلى هذا قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} فسر بقراءته بالليل لئلا ينساه. ~~وقال: {نظرت في سيئات أمتي، فوجدت فيها الرجل يؤتيه الله آية فينام عنها ~~حتى ينساها} " وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من صلى ~~العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ~~الليل كله} ": أي الصبح مع العشاء. فهذا يدل على أنهما ليسا من قيام الليل ~~ولكن فاعلهما كمن قام الليل. قال تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} {آخذين ~~ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} {كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون} {وبالأسحار هم يستغفرون} وقال: {الصابرين والصادقين والقانتين ~~والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} وهذا على أصح الأقوال: معناه كانوا يهجعون ~~قليلا ف (قليلا) منصوب ب (يهجعون) و (ما) مؤكدة. وهذا مثل قوله: {بل لعنهم ~~الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} ms7025 وقوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} هو ~~مفسر في سورة المزمل بقوله: {قم الليل إلا قليلا} {نصفه أو انقص منه قليلا} ~~{أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} فهذا المستثنى من الأمر هو القليل المذكور ~~في تلك السور وهو قليل بالنسبة إلى مجموع الليل والنهار فإنهم إذا هجعوا ~~ثلثه أو نصفه أو ثلثاه فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يهجعوه من الليل ~~والنهار وسواء ناموا بالنهار أو لم يناموا. # PageV23P085 # وقد قيل: لم يأت عليهم ليلة إلا قاموا فيها. فالمراد هجوع جميع الليلة ~~وهذا ضعيف؛ لأن هجوع الليل محرم فإن صلاة العشاء فرض وقال تعالى: {إنما ~~يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون} {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون} {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وفي ~~حديث {معاذ الذي قال فيه: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني ~~من النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد ~~الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ~~ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما ~~يطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} حتى بلغ {يعملون} . ثم ~~قال: لا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ~~قلت: بلى قال: فأخذ بلسانه فقال: اكفف عليك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: ثكلتك أمك يا معاذ؛ وهل يكب الناس في النار ~~على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم} ". # PageV23P086 # وقال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو ~~رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما ms7026 يتذكر أولو ~~الألباب} وقال تعالى {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل ~~وهم يسجدون} وقال تعالى بعد قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وقال في سورة المزمل: {قم الليل إلا قليلا} إلى ~~قوله {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} . وإذا نسخ الوجوب بقي ~~الاستحباب قال أحمد وغيره: و " الناشئة " لا تكون إلا بعد نوم يقال: نشأ ~~إذا قام. وقال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} . وقوله ~~تعالى {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا} {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} {ومن الليل فاسجد له وسبحه ~~ليلا طويلا} . فإن هذا يتناول صلاة العشاء والوتر وقيام الليل. لقوله: ~~{وسبحه ليلا طويلا} . وقوله تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} ~~{فسبح # PageV23P087 # بحمد ربك وكن من الساجدين} . مطلق لم يخصه بوقت آخر. والحمد لله وحده. ~~وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما. # و ### | سئل: # عن رجل لم يصل وتر العشاء الآخرة: فهل يجوز له تركه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الوتر سنة مؤكدة باتفاق المسلمين. ومن أصر على تركه فإنه ترد ~~شهادته. وتنازع العلماء في وجوبه فأوجبه أبو حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد ~~والجمهور لا يوجبونه: كمالك والشافعي وأحمد؛ لأن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يوتر على راحلته} والواجب لا يفعل على الراحلة؛ لكن هو باتفاق المسلمين ~~سنة مؤكدة لا ينبغي لأحد تركه. والوتر أوكد من سنة الظهر والمغرب والعشاء ~~والوتر أفضل من جميع تطوعات النهار كصلاة الضحى؛ بل أفضل الصلاة بعد ~~المكتوبة قيام الليل. وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر والله أعلم. # PageV23P088 # و ### | سئل: # عما إذا كان الرجل مسافرا وهو يقصر: هل عليه أن يصلي الوتر أم لا؟ . # أفتونا مأجورين. # فأجاب: # نعم يوتر في السفر فقد {كان النبي ms7027 صلى الله عليه وسلم يوتر سفرا وحضرا} ~~وكان يصلي على دابته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي ~~عليها المكتوبة " # و ### | سئل: # عمن نام عن صلاة الوتر؟ . # فأجاب: # يصلي ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح كما فعل ذلك عبد الله بن عمر وعائشة ~~وغيرهما. وقد روى أبو داود في سننه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر} ". # PageV23P089 # واختلفت الرواية عن أحمد هل يقضي شفعه معه؟ والصحيح أنه يقضي شفعه معه. ~~وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها. فإن ذلك وقتها} " وهذا يعم الفرض وقيام الليل والوتر والسنن ~~الراتبة. قالت عائشة: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام ~~الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة} " رواه مسلم. وروى عمر بن ~~الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نام عن حزبه من الليل أو ~~عن شيء منه فقرأه بين صلاة الصبح وصلاة الظهر. كتب له كأنما قرأه من الليل} ~~" رواه مسلم. وهكذا السنن الراتبة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه لما نام هو وأصحابه عن صلاة الصبح في السفر صلى سنة الصبح ركعتين ثم ~~صلى الصبح بعد طلوع الشمس} " {ولما فاتته سنة الظهر التي بعدها صلاها بعد ~~العصر} . وقالت عائشة: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل أربعا ~~قبل الظهر صلاهن بعدها} " رواه الترمذي. وروى أبو هريرة عنه أنه قال: {من ~~لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس} " رواه الترمذي وصححه ابن ~~خزيمة. # PageV23P090 # وفيه قول آخر: إن الوتر لا يقضى وهو رواية عن أحمد؛ لما روي عنه أنه قال: ~~{إذا طلع الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر} قالوا: فإن المقصود بالوتر أن ~~يكون آخر عمل الليل كما أن وتر عمل النهار المغرب؛ ولهذا كان ms7028 النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا فاته عمل الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولو كان ~~الوتر فيهن لكان ثلاث عشرة ركعة. والصحيح أن الوتر يقضى قبل صلاة الصبح ~~فإنه إذا صليت لم يبق في قضائه الفائدة التي شرع لها؛ والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # عن إمام شافعي يصلي بجماعة: حنفية وشافعية وعند الوتر الحنفية وحدهم. # فأجاب: # قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {صلاة الليل ~~مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فصل واحدة توتر لك ما صليت} " وثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر بواحدة مفصولة عما قبلها وإنه كان ~~يوتر بخمس وسبع لا يسلم إلا في آخرهن. # PageV23P091 # والذي عليه جماهير أهل العلم أن ذلك كله جائز وأن الوتر بثلاث بسلام واحد ~~أيضا كما جاءت به السنة. ولكن هذه الأحاديث لم تبلغ جميع الفقهاء فكره ~~بعضهم الوتر بثلاث متصلة كصلاة المغرب كما نقل عن مالك وبعض الشافعية ~~والحنبلية. وكره بعضهم الوتر بغير ذلك كما نقل عن أبي حنيفة وكره بعضهم ~~الوتر بخمس وسبع وتسع متصلة كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد ومالك. ~~والصواب أن الإمام إذا فعل شيئا مما جاءت به السنة وأوتر على وجه من الوجوه ~~المذكورة يتبعه المأموم في ذلك. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن صلاة ركعتين بعد الوتر؟ . # فأجاب: # وأما صلاة الركعتين بعد الوتر: فهذه روى فيها مسلم في صحيحه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس} ". وروي ذلك ~~من حديث أم سلمة في بعض الطرق الصحيحة: " أنه كان يفعل ذلك إذا أوتر بتسع " ~~فإنه كان يوتر # PageV23P092 # بإحدى عشرة ثم كان يوتر بتسع ويصلي بعد الوتر ركعتين. وهو جالس. وأكثر ~~الفقهاء ما سمعوا بهذا الحديث؛ ولهذا ينكرون هذه وأحمد وغيره سمعوا هذا ~~وعرفوا صحته. ورخص أحمد أن تصلى هاتين الركعتين وهو جالس كما فعل صلى الله ~~عليه وسلم فمن فعل ذلك لم ينكر عليه لكن ليست واجبة بالاتفاق ولا ms7029 يذم من ~~تركها ولا تسمى " زحافة " فليس لأحد إلزام الناس بها ولا الإنكار على من ~~فعلها. ولكن الذي ينكر ما يفعله طائفة من سجدتين مجردتين بعد الوتر فإن هذا ~~يفعله طائفة من المنسوبين إلى العلم والعبادة من أصحاب الشافعي وأحمد ~~ومستندهم: {أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر سجدتين} " رواه أبو ~~موسى المديني وغيره. فظنوا أن المراد سجدتان مجردتان وغلطوا. فإن معناه أنه ~~كان يصلي ركعتين. كما جاء مبينا في الأحاديث الصحيحة فإن السجدة يراد بها ~~الركعة كقول ابن عمر: {حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل ~~الظهر} " الحديث. والمراد بذلك ركعتان كما جاء مفسرا في الطرق الصحيحة. ~~وكذلك قوله: {من أدرك سجدة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر} " ~~أراد به ركعة. كما جاء ذلك مفسرا في الرواية المشهورة. # PageV23P093 # وظن بعض أن المراد بها سجدة مجردة وهو غلط. فإن تعليق الإدراك بسجدة ~~مجردة لم يقل به أحد من العلماء. بل لهم فيما تدرك به الجمعة والجماعة ~~ثلاثة أقوال: أصحها: أنه لا يكون مدركا للجمعة ولا الجماعة إلا بإدراك ركعة ~~لا يكون مدركا للجماعة بتكبيرة. وقد استفاض عن الصحابة أن من أدرك من ~~الجمعة أقل من ركعة صلى أربعا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة} ". وعلى هذا إذا أدرك ~~المسافر خلف المقيم ركعة: فهل يتم، أو يقصر؟ فيها قولان. والمقصود هنا: أن ~~لفظ " السجدة " المراد به الركعة فإن الصلاة يعبر عنها بأبعاضها فتسمى ~~قياما وقعودا وركوعا وسجودا وتسبيحا وقرآنا. وأنكر من هذا ما يفعله بعض ~~الناس من أنه يسجد بعد السلام سجدة مفردة فإن هذه بدعة ولم ينقل عن أحد من ~~الأئمة استحباب ذلك. والعبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى ~~والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله وحده وأن ~~نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعبده بالأهواء ~~والبدع. # PageV23P094 # فصل: # وأما ms7030 الصلاة " الزحافة " وقولهم: من لم يواظب عليها فليس من أهل السنة: ~~ومرادهم الركعتان بعد الوتر جالسا فقد أجمع المسلمون على أن هذه ليست واجبة ~~وإن تركها طول عمره وإن لم يفعلها ولا مرة واحدة في عمره لا يكون بذلك من ~~أهل البدع ولا ممن يستحق الذم والعقاب ولا يهجر ولا يوسم بميسم مذموم أصلا؛ ~~بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يطوله وكقيام إحدى عشرة ركعة. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفعل ذلك ونحو ذلك. لم يكن بذلك خارجا عن السنة ولا مبتدعا ولا مستحقا للذم ~~مع اتفاق المسلمين على أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة طويلة. كما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يفعل أفضل من أن يدع ذلك ويصلي بعد الوتر ركعتين وهو ~~جالس. فإن الذي ثبت في صحيح مسلم عن عائشة {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وهو جالس ثم صار يصلي تسعا يجلس عقيب ~~الثامنة والتاسعة ولا يسلم إلا عقيب # PageV23P095 # التاسعة ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس ثم صار يوتر بسبع وبخمس فإذا أوتر ~~بخمس لم يجلس إلا عقيب الخامسة ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس} . وإذا أوتر ~~بسبع: فقد روي أنه لم يكن يجلس إلا عقيب السابعة وروي: أنه كان يجلس عقيب ~~السادسة والسابعة ثم يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس. وهذا الحديث الصحيح ~~دليل على أنه لم يكن يداوم عليها فكيف يقال: إن من لم يداوم عليها فليس من ~~أهل السنة. والعلماء متنازعون فيها: هل تشرع أم لا؟ فقال كثير من العلماء: ~~إنها لا تشرع بحال لقوله صلى الله عليه وسلم {اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ~~وترا} ". ومن هؤلاء من تأول الركعتين اللتين روي أنه كان يصليهما بعد الوتر ~~على ركعتي الفجر لكن الأحاديث صحيحة صريحة بأنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين ~~وهو جالس غير ركعتي الفجر. وروي في بعض الألفاظ: أنه كان يصلي سجدتين ms7031 بعد ~~الوتر فظن بعض الشيوخ أن المراد سجدتان مجردتان فكانوا يسجدون بعد الوتر ~~سجدتين مجردتين وهذه بدعة لم يستحبها أحد من علماء المسلمين بل ولا فعلها ~~أحد من السلف. وإنما غرهم لفظ السجدتين والمراد بالسجدتين الركعتان كما قال ~~{ابن عمر: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين ~~بعدها وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء # PageV23P096 # وسجدتين قبل الفجر} ": أي ركعتين. ولعل بعض الناس يقول: هاتان الركعتان ~~اللتان كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد الوتر جالسا نسبتها إلى ~~وتر الليل: نسبة ركعتي المغرب إلى وتر النهار؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {المغرب وتر النهار. فأوتروا صلاة الليل} " رواه أحمد في المسند. ~~فإذا كانت المغرب وتر النهار فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد ~~المغرب ركعتين ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وترا لأن تلك الركعتين هما ~~تكميل الفرض وجبر لما يحصل منه من سهو ونقص كما جاءت السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا ~~نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها حتى قال إلا عشرها} " فشرعت السنن ~~جبرا لنقص الفرائض. فالركعتان بعد المغرب لما كانتا جبرا للفرض لم يخرجها ~~عن كونها وترا كما لو سجد سجدتي السهو فكذلك وتر الليل جبره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بركعتين بعده. ولهذا كان يجبره إذا أوتر بتسع أو سبع أو خمس لنقص ~~عدده عن إحدى عشرة. فهنا نقص العدد نقص ظاهر. وإن كان يصليهما إذا أوتر ~~بإحدى عشرة كان هناك جبرا لصفة # PageV23P097 # الصلاة وإن كان يصليهما جالسا؛ لأن وتر الليل دون وتر النهار فينقص عنه ~~في الصفة وهي مرتبة بين سجدتي السهو وبين الركعتين الكاملتين فيكون الجبر ~~على ثلاث درجات جبر للسهو سجدتان لكن ذاك نقص في قدر الصلاة ظاهر فهو واجب ~~متصل بالصلاة. وأما الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطن فلهذا ~~كانت صلاته تامة. كما في السنن: {إن أول ما ms7032 يحاسب عليه العبد من عمله ~~الصلاة فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع} " ثم يصنع بسائر أعماله ~~كذلك والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان في العشاء الآخرة؟ أو ~~الصبح؟ وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل عليه عند الصحابة؟ . # فأجاب: # أما القنوت في صلاة الصبح. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقنت في النوازل. قنت مرة شهرا يدعو على قوم من الكفار قتلوا ~~طائفة من أصحابه ثم تركه وقنت مرة أخرى يدعو لأقوام من أصحابه كانوا ~~مأسورين عند أقوام يمنعونهم من الهجرة إليه. # PageV23P098 # وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده كانوا يقنتون نحو هذا القنوت فما كان يداوم ~~عليه وما كان يدعه بالكلية وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل: إن المداومة ~~عليه سنة. وقيل: القنوت منسوخ. وأنه كله بدعة. والقول الثالث: وهو الصحيح ~~أنه يسن عند الحاجة إليه كما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~الراشدون. وأما القنوت في الوتر فهو جائز وليس بلازم فمن أصحابه من لم يقنت ~~ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان ومنهم من قنت السنة كلها. والعلماء ~~منهم من يستحب الأول كمالك ومنهم من يستحب الثاني كالشافعي وأحمد في رواية ~~ومنهم من يستحب الثالث كأبي حنيفة والإمام أحمد في رواية والجميع جائز. فمن ~~فعل شيئا من ذلك فلا لوم عليه والله أعلم. # PageV23P099 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما القنوت: فالناس فيه طرفان ووسط: منهم من لا يرى القنوت إلا قبل ~~الركوع ومنهم من لا يراه إلا بعده. وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره ~~فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما. وإن اختاروا القنوت بعده؛ ~~لأنه أكثر وأقيس فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن حمده فإنه ~~يشرع الثناء على الله قبل دعائه كما بنيت فاتحة الكتاب على ذلك: أولها ثناء ~~وآخرها دعاء. وأيضا فالناس في شرعه في الفجر على ثلاثة أقوال: بعد اتفاقهم ms7033 ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر. منهم من قال: إنه منسوخ ~~فإنه قنت ثم ترك. كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. # PageV23P100 # ومن قال: المتروك هو الدعاء على أولئك الكفار فلم تبلغه ألفاظ الحديث أو ~~بلغته فلم يتأملها فإن في الصحيحين عن عاصم الأحول قال: {سألت أنس بن مالك ~~عن القنوت: هل كان قبل الركوع أو بعده؟ فقال: قبل الركوع قال: فإن فلانا ~~أخبرني أنك قلت بعد الركوع قال: كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل الركوع أراه بعث قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم مشركين ~~دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله عهد وقنت صلى الله عليه وسلم شهرا ~~يدعو عليهم} وكذلك الحديث الذي رواه أحمد والحاكم عن الربيع بن أنس عن أنس ~~أنه قال: {ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا} " ~~جاء لفظه مفسرا " أنه: ما زال يقنت قبل الركوع ". والمراد هنا بالقنوت طول ~~القيام لا الدعاء. كذلك جاء مفسرا ويبينه ما جاء في الصحيحين عن {محمد بن ~~سيرين قال: قلت لأنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح قال: ~~نعم بعد الركوع يسيرا} " فأخبر أن قنوته كان يسيرا وكان بعد الركوع فلما ~~كان لفظ القنوت هو إدامة الطاعة سمي كل تطويل في قيام أو ركوع أو سجود ~~قنوتا. كما قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} ولهذا لما ~~سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن القنوت الراتب قال: " ما سمعنا ولا رأينا " ~~وهذا قول ومنهم من قال: بل القنوت سنة راتبة حيث قد ثبت عن النبي # PageV23P101 # صلى الله عليه وسلم أنه قنت وروي عنه: {أنه ما زال يقنت حتى فارق الدنيا} ~~. وهذا قول الشافعي ثم من هؤلاء من استحبه في جميع الصلوات لما صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قنت فيهن وجاء ذلك من غير وجه في المغرب والعشاء ~~الآخرة والظهر. لكن لم يرو أحد أنه ms7034 قنت قنوتا راتبا بدعاء معروف. فاستحبوا ~~أن يدعو فيه بقنوت الوتر الذي علمه. النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي ~~وهو: {اللهم اهدني فيمن هديت} " إلى آخره. وتوسط آخرون من فقهاء الحديث ~~وغيرهم كأحمد وغيره فقالوا: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت ~~للنوازل التي نزلت به من العدو في قتل أصحابه أو حبسهم ونحو ذلك. فإنه قنت ~~مستنصرا كما استسقى حين الجدب فاستنصاره عند الحاجة كاسترزاقه عند الحاجة ~~إذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس. كما قال تعالى: {الذي أطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم؟ بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم} " وكما قال في صفة الأبدال: {بهم ~~ترزقون وبهم تنصرون} " وكما ذكر الله هذين النوعين في سورة الملك وبين ~~أنهما بيده. سبحانه. في قوله: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن إن الكافرون إلا في غرور} {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} ثم ~~ترك القنوت وجاء مفسرا أنه تركه لزوال ذلك السبب. # PageV23P102 # وكذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت وكذلك ~~علي رضي الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج وغيرهم. قالوا: وليس ~~الترك نسخا فإن الناسخ لا بد أن ينافي المنسوخ وإذا فعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أمرا لحاجة ثم تركه لزوالها لم يكن ذلك نسخا بل لو تركه تركا ~~مطلقا لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك لا على النهي عن الفعل. قالوا: ~~ونعلم مطلقا أنه لم يكن يقنت قنوتا راتبا فإن مثل هذا مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله فإنه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا في قنوته في ~~الفجر ونحوها إلا لقوم أو على قوم ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائما بعد ~~الركوع ولا أنه قنت دائما يدعو قبله وأنكر غير واحد من الصحابة القنوت ~~الراتب فإذا علم هذا علم قطعا أن ذلك لم يكن كما يعلم: " أن ms7035 حي على خير ~~العمل " لم يكن من الأذان الراتب وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضا ~~للناس على الصلاة فهذا القول أوسط الأقوال وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ؛ ~~لكنه مشروع للحاجة النازلة لا سنة راتبة. وهذا أصل آخر في الواجبات ~~والمستحبات كالأصل الذي تقدم في ما يسقط بالعذر فإن كل واحد من الواجبات ~~والمستحبات الراتبة # PageV23P103 # يسقط بالعذر العارض بحيث لا يبقى لا واجبا ولا مستحبا كما سقط بالسفر ~~والمرض والخوف كثير من الواجبات والمستحبات. وكذلك أيضا قد يجب أو يستحب ~~للأسباب العارضة ما لا يكون واجبا ولا مستحبا راتبا فالعبادات في ثبوتها ~~وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة وسواء في ذلك ثبوت الوجوب أو الاستحباب أو ~~سقوطه. وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا أو تجعل الراتب لا ~~يتغير بحال ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة انحلت عنه هذه ~~المشكلات كثيرا. # وسئل: # هل قنوت الصبح دائما سنة؟ ومن يقول: إنه من أبعاض الصلاة التي تجبر ~~بالسجود وما يجبر إلا الناقص. والحديث {ما زال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقنت حتى فارق الدنيا} فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح؟ وهل هو هذا ~~القنوت؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وإن قنت لنازلة: فهل ~~يتعين قوله أو يدعو بما شاء؟ . # PageV23P104 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية} ثم تركه. وكان ذلك لما قتلوا ~~القراء من الصحابة. وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية وفتح ~~خيبر يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة. ويقول في قنوته: {اللهم ~~أنج الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والمستضعفين من ~~المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف} . {وكان ~~يقنت يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار وكان قنوته في الفجر} . وثبت عنه في ~~الصحيح {أنه قنت في المغرب والعشاء وفي الظهر} وفي السنن {أنه قنت في ~~العصر} أيضا. ms7036 فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه منسوخ ~~فلا يشرع بحال بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت ثم ترك والترك نسخ ~~للفعل كما أنه لما كان يقوم للجنازة ثم قعد. جعل القعود ناسخا للقيام وهذا ~~قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره. # PageV23P105 # والثاني: أن القنوت مشروع دائما وأن المداومة عليه سنة وأن ذلك يكون في ~~الفجر. ثم من هؤلاء من يقول: السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سرا وأن ~~لا يقنت بسوى: {اللهم إنا نستعينك} إلى آخرها و {اللهم إياك نعبد} إلى ~~آخرها كما يقوله: مالك. ومنهم من يقول: السنة أن يكون بعد الركوع جهرا. ~~ويستحب. أن يقنت بدعاء الحسن بن علي الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قنوته: {اللهم اهدني فيمن هديت} إلى آخره. وإن كانوا قد يجوزون القنوت ~~قبل وبعد. وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين} ويقولون: الوسطى: هي الفجر والقنوت فيها. وكلتا ~~المقدمتين ضعيفة: أما الأولى: فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أن الصلاة الوسطى هي العصر} وهذا أمر لا يشك فيه من عرف ~~الأحاديث المأثورة. ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان ~~للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة. فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم. # PageV23P106 # وأما الثانية: فالقنوت هو المداومة على الطاعة وهذا يكون في القيام ~~والسجود. كما قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة} ولو أريد به إدامة القيام كما قيل: في قوله: {يا مريم اقنتي لربك ~~واسجدي واركعي} فحمل ذلك على إطالته القيام للدعاء دون غيره لا يجوز؛ لأن ~~الله أمر بالقيام له قانتين والأمر يقتضي الوجوب. وقيام الدعاء المتنازع ~~فيه لا يجب بالإجماع؛ ولأن القائم في حال قراءته هو قانت لله أيضا. ولأنه ~~قد ثبت في الصحيح: {أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام} ~~. فعلم أن السكوت هو من تمام القنوت المأمور به. ومعلوم أن ms7037 ذلك واجب في ~~جميع أجزاء القيام؛ ولأن قوله: {وقوموا لله قانتين} لا يختص بالصلاة ~~الوسطى. سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة والمحافظة ~~تتناول الجميع فالقيام يتناول الجميع. واحتجوا أيضا: بما رواه الإمام أحمد ~~في مسنده والحاكم في صحيحه عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا} قالوا: وقوله في ~~الحديث الآخر: {ثم تركه} أراد ترك الدعاء على تلك # PageV23P107 # القبائل لم يترك نفس القنوت. وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة ~~وتصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي. وكثيرا ما يصحح الموضوعات فإنه معروف ~~بالتسامح في ذلك ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده فقال: ~~{ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهرا} فهذا حديث صحيح ~~صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا فبطل ذلك التأويل. والقنوت ~~قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع سواء كان هناك دعاء زائد أو ~~لم يكن. فحينئذ فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء وقد ذهب طائفة إلى أنه ~~يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قنت فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض وهذا قول شاذ. والقول الثالث: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب ~~النازل به فيكون القنوت مسنونا عند النوازل وهذا القول هو الذي عليه فقهاء ~~أهل الحديث وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فإن عمر رضي ~~الله عنه لما حارب النصارى قنت عليهم القنوت # PageV23P108 # المشهور: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب. إلى آخره. وهو الذي جعله بعض الناس ~~سنة في قنوت رمضان وليس هذا القنوت سنة راتبة لا في رمضان ولا غيره بل عمر ~~قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة ودعا في قنوته دعاء يناسب ms7038 تلك النازلة ~~كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بني سليم الذين ~~قتلوا القراء دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من ~~أصحابه دعا بدعاء. يناسب مقصوده. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه الراشدين تدل على شيئين: أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب ~~الذي يقتضيه ليس بسنة دائمة في الصلاة. الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء ~~راتبا بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولا وثانيا. وكما دعا عمر وعلي رضي الله عنهما لما حارب من حاربه في ~~الفتنة فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده والذي يبين هذا أنه لو كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقنت دائما ويدعو بدعاء راتب لكان المسلمون ينقلون هذا عن ~~نبيهم فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها وهم الذين ~~نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه وليس بسنة راتبة كدعائه على الذين ~~قتلوا أصحابه ودعائه للمستضعفين من # PageV23P109 # أصحابه ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم. فكيف يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقنت دائما في الفجر أو غيرها ويدعو بدعاء راتب ولم ~~ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح ولا ضعيف بل أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بسنته وأرغب الناس في ~~اتباعها كابن عمر وغيره أنكروا حتى قال ابن عمر: " ما رأينا ولا سمعنا " ~~وفي رواية " أرأيتكم قيامكم هذا: تدعون. ما رأينا ولا سمعنا " أفيقول مسلم: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت دائما وابن عمر يقول: ما رأينا ولا ~~سمعنا. وكذلك غير ابن عمر من الصحابة عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة. ومن ~~تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب علم علما يقينا قطعيا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يقنت دائما في شيء من الصلوات كما يعلم علما يقينيا أنه ~~لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء ms7039 والمغرب فإن من جعل القنوت في ~~هذه الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاعلين له في الفجر سنة ~~راتبة. ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت ~~في هذه الصلوات؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء الذي كان يدعو به والسبب الذي ~~قنت له وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود نقلوا ذلك في # PageV23P110 # قنوت الفجر وفي قنوت العشاء أيضا. والذي يوضح ذلك: أن الذين جعلوا من سنة ~~الصلاة أن يقنت دائما بقنوت الحسن بن علي أو بسورتي أبي ليس معهم إلا دعاء ~~عارض والقنوت فيها إذا كان مشروعا: كان مشروعا للإمام والمأموم والمنفرد؛ ~~بل وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت الحسن أو سورتي أبي سنة راتبة في ~~المغرب والعشاء لكان حاله شبيها بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر. إذ ~~هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت عارض بدعاء يناسب ذلك العارض ولم ينقل ~~مسلم دعاء في قنوت غير هذا كما لم ينقل ذلك في المغرب والعشاء. وإنما وقعت ~~الشبهة لبعض العلماء في الفجر؛ لأن القنوت فيها كان أكثر وهي أطول. والقنوت ~~يتبع الصلاة وبلغهم أنه داوم عليه فظنوا أن السنة المداومة عليه ثم لم ~~يجدوا معهم سنة بدعائه. فسنوا هذه الأدعية المأثورة في الوتر. مع أنهم لا ~~يرون ذلك سنة راتبة في الوتر. وهذا النزاع الذي وقع في القنوت له نظائر ~~كثيرة في الشريعة: فكثيرا ما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم لسبب فيجعله ~~بعض الناس سنة ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة. وبعض الناس يرى أنه لم ~~يكن يفعله في أغلب الأوقات فيراه بدعة ويجعل فعله في بعض الأوقات مخصوصا أو ~~منسوخا إن كان قد بلغه ذلك مثل صلاة التطوع في جماعة. فإنه قد ثبت عنه في ~~الصحيح {أنه صلى بالليل وخلفه ابن # PageV23P111 # عباس مرة وحذيفة بن اليمان مرة} . وكذلك غيرهما. وكذلك {صلى بعتبان بن ~~مالك في بيته التطوع جماعة} {وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم في ms7040 داره} فمن ~~الناس من يجعل هذا فيما يحدث من " صلاة الألفية " ليلة نصف شعبان والرغائب ~~ونحوهما مما يداومون فيه على الجماعات. ومن الناس من يكره التطوع؛ لأنه رأى ~~أن الجماعة إنما سنت في الخمس كما أن الأذان إنما سن في الخمس. ومعلوم أن ~~الصواب هو ما جاءت به السنة فلا يكره أن يتطوع في جماعة. كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ولا يجعل ذلك سنة راتبة كمن يقيم للمسجد إماما راتبا يصلي ~~بالناس بين العشاءين أو في جوف الليل كما يصلي بهم الصلوات الخمس كما ليس ~~له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذانا كأذان الخمس؛ ولهذا أنكر الصحابة على من ~~فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك. ويشبه ذلك من بعض الوجوه ### | تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان # فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ~~ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين ~~المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر. واستحب آخرون: تسعة وثلاثين ركعة؛ بناء ~~على أنه عمل أهل المدينة القديم. # PageV23P112 # وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة {أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة} واضطرب قوم في هذا الأصل ~~لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل ~~المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رضي ~~الله عنه وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يوقت فيها عددا وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام ~~وقصره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بالليل حتى إنه قد ~~ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة {أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء ~~وآل عمران فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات} . وأبي بن كعب لما قام ~~بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل بهم القيام ms7041 فكثر الركعات ليكون ذلك ~~عوضا عن طول القيام وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته فإنه كان يقوم بالليل إحدى ~~عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام ~~فكثروا الركعات حتى بلغت تسعا وثلاثين. # PageV23P113 # ومما يناسب هذا أن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس بمكة: فرضها ركعتين ~~ركعتين ثم أقرت في السفر وزيد في صلاة الحضر كما ثبت ذلك في الصحيح عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {لما هاجر إلى المدينة زيد في صلاة الحضر ~~وجعلت صلاة المغرب ثلاثا؛ لأنها وتر النهار وأما صلاة الفجر فأقرت ركعتين؛ ~~لأجل تطويل القراءة فيها فأغنى ذلك عن تكثير الركعات} . # وقد تنازع العلماء: أيما أفضل: إطالة القيام؟ أم تكثير الركوع والسجود؟ ~~أم هما سواء؟ على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن أحمد. وقد ثبت عنه في ~~الصحيح {أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت} . وثبت عنه أنه قال: {إنك لن ~~تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة} . {وقال لربيعة ~~بن كعب: أعني على نفسك بكثرة السجود} . ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من ~~القيام ولكن ذكر القيام أفضل وهو القراءة وتحقيق الأمر أن الأفضل في الصلاة ~~أن تكون معتدلة. فإذا أطال القيام يطيل الركوع والسجود كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي بالليل كما رواه حذيفة وغيره. وهكذا # PageV23P114 # كانت صلاته الفريضة وصلاة الكسوف وغيرهما: كانت صلاته معتدلة فإن فضل ~~مفضل إطالة القيام والركوع والسجود مع تقليل الركعات وتخفيف القيام والركوع ~~والسجود مع تكثير الركعات: فهذان متقاربان. وقد يكون هذا أفضل في حال كما ~~أنه لما صلى الضحى يوم الفتح صلى ثماني ركعات يخففهن ولم يقتصر على ركعتين ~~طويلتين. وكما فعل الصحابة في قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة ~~القيام. وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل وأن الدعاء في ~~القنوت ليس شيئا معينا ولا يدعو بما خطر له بل يدعو من الدعاء المشروع بما ~~يناسب سبب القنوت كما أنه إذا ms7042 دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود ~~فكذلك إذا دعا في الاستنصار دعا بما يناسب المقصود كما لو دعا خارج الصلاة ~~لذلك السبب؛ فإنه كان يدعو بما يناسب المقصود فهذا هو الذي جاءت به سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين. ومن قال: إنه من أبعاض ~~الصلاة التي يجبر بسجود السهو فإنه بنى ذلك على أنه سنة يسن المداومة عليه ~~بمنزلة التشهد الأول ونحوه. وقد تبين أن الأمر ليس كذلك فليس بسنة راتبة ~~ولا يسجد له لكن من اعتقد ذلك متأولا في ذلك له تأويله كسائر موارد ~~الاجتهاد. ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد # PageV23P115 # فإذا قنت قنت معه وإن ترك القنوت لم يقنت فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إنما جعل الإمام ليؤتم به} وقال: {لا تختلفوا على أئمتكم} . وثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال: {يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم ~~وعليهم} . ألا ترى أن الإمام لو قرأ في الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما ~~على الأوليين: لوجبت متابعته في ذلك. فأما مسابقة الإمام فإنها لا تجوز. ~~فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه: فلا بد من متابعته ولهذا كان عبد الله ~~بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمنى ثم إنه صلى خلفه أربعا. فقيل له: ~~في ذلك فقال: الخلاف شر. وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت الرمي ~~فأخبره ثم قال: افعل كما يفعل إمامك والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {لا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نفسه بالدعاء ~~دونهم فإن فعل فقد خانهم} . فهل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله عز وجل أن ~~يشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخص نفسه ~~بدعائه في صلاته دونهم؟ # PageV23P116 # فكيف الجمع بين هذين؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الصحيحين {عن أبي هريرة. أنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة. ما ms7043 تقول؟ قال: أقول: ~~اللهم باعد بيني وبين خطاياي. كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من ~~خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد} فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة وكان إماما. ~~وكذلك حديث علي في الاستفتاح الذي أوله {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ~~- فيه - فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا ~~يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت} . ~~وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله: {لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت} {اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج ~~والبرد اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس} . وجميع هذه ~~الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله ومن أمره لم ينقل فيها إلا ~~لفظ الإفراد. كقوله: {اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن ~~فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال} . وكذا دعاؤه بين # PageV23P117 # السجدتين وهو في السنن من حديث حذيفة ومن حديث ابن عباس وكلاهما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه إماما أحدهما بحذيفة والآخر بابن عباس. وحديث ~~حذيفة {رب اغفر لي رب اغفر لي} وحديث ابن عباس فيه {اغفر لي وارحمني واهدني ~~وعافني وارزقني} ونحو هذا فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن تدل على أن ~~الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد. وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك ~~حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية. وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور ~~إن صح فالمراد به الدعاء الذي يؤمن عليه المأموم: كدعاء القنوت فإن المأموم ~~إذا أمن كان داعيا قال الله تعالى لموسى وهارون: {قد أجيبت دعوتكما} وكان ~~أحدهما يدعو والآخر يؤمن. وإذا كان المأموم مؤمنا على دعاء الإمام فيدعو ~~بصيغة الجمع كما في دعاء الفاتحة في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} فإن ~~المأموم إنما أمن لاعتقاده. أن الإمام يدعو لهما جميعا ms7044 فإن لم يفعل فقد خان ~~الإمام المأموم. فأما المواضع التي يدعو فيها كل إنسان لنفسه كالاستفتاح ~~وما بعد التشهد ونحو ذلك فكما أن المأموم يدعو لنفسه فالإمام يدعو لنفسه. ~~كما يسبح المأموم في الركوع والسجود إذا سبح الإمام في # PageV23P118 # الركوع والسجود وكما يتشهد إذا تشهد ويكبر إذا كبر فإن لم يفعل المأموم ~~ذلك فهو المفرط. وهذا الحديث لو كان صحيحا صريحا معارضا للأحاديث المستفيضة ~~المتواترة ولعمل الأمة والأئمة لم يلتفت إليه فكيف وليس من الصحيح ولكن قد ~~قيل: إنه حسن ولو كان فيه دلالة لكان عاما وتلك خاصة والخاص يقضي على ~~العام. ثم لفظه {فيخص نفسه بدعوة دونهم} يراد بمثل هذا إذا لم يحصل لهم ~~دعاء وهذا لا يكون مع تأمينهم. وأما مع كونهم مؤمنين على الدعاء كلما دعا ~~فيحصل لهم كما حصل له بفعلهم ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: {اللهم ~~إنا نستعينك ونستهديك} إلى آخره. ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع ويتبع السنة ~~على وجهها والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يصلي التراويح بعد المغرب: هل هو سنة أم بدعة؟ وذكروا أن الإمام ~~الشافعي صلاها بعد المغرب وتممها بعد العشاء الآخرة؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخرة كما ~~اتفق على ذلك السلف والأئمة. والنقل المذكور عن # PageV23P119 # الشافعي رضي الله عنه باطل فما كان الأئمة يصلونها إلا بعد العشاء على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين وعلى ذلك أئمة المسلمين ~~لا يعرف عن أحد أنه تعمد صلاتها قبل العشاء فإن هذه تسمى قيام رمضان كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم ~~قيامه فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه} . وقيام الليل في رمضان ~~وغيره إنما يكون بعد العشاء. وقد جاء مصرحا به في السنن {أنه لما صلى بهم ~~قيام رمضان صلى بعد العشاء} . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قيامه بالليل ~~هو وتره يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان ms7045 إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة ~~لكن كان يصليها طوالا. فلما كان ذلك يشق على الناس قام بهم أبي بن كعب في ~~زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة يوتر بعدها ويخفف فيها القيام فكان تضعيف ~~العدد عوضا عن طول القيام. وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها ~~أخف ويوتر بعدها بثلاث. وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها ~~وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخرة. ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح. ~~فإذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح كما أنهم إذا ~~توضئوا يغسلون # PageV23P120 # أرجلهم أول الوضوء ويمسحونها في آخره، فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل ~~المبتدعة المخالفين للسنة والله أعلم. # وسئل: # عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ~~ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا؟. # فأجاب: # نعم بدعة، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من ~~الصحابة والتابعين ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك وإنما عمدة من يفعله ~~ما نقل عن مجاهد وغيره من أن سورة الأنعام نزلت جملة. مشيعة بسبعين ألف ملك ~~فاقرءوها جملة لأنها نزلت جملة وهذا استدلال ضعيف وفي قراءتها جملة من ~~الوجوه المكروهة أمور. منها: أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة ~~على الأولى تطويلا فاحشا. والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومنها تطويل آخر قيام الليل على أوله وهو خلاف السنة ~~فإنه كان يطول أوائل ما كان يصليه من الركعات على أواخرها والله أعلم. # PageV23P121 # وسئل: # عن قوم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة ثم في آخر الليل يصلون تمام ~~مائة ركعة ويسمون ذلك صلاة القدر. وقد امتنع بعض الأئمة من فعلها. فهل ~~الصواب مع من يفعلها؟ أو مع من يتركها؟ وهل هي مستحبة عند أحد من الأئمة أو ~~مكروهة؟ وهل ينبغي فعلها والأمر بها أو تركها والنهي عنها؟ . # فأجاب: # الحمد الله، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها والذي تركها. ms7046 فإن هذه الصلاة ~~لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة ولا فعل ~~هذه الصلاة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ولا ~~التابعين ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين والذي ينبغي أن تترك وينهى ~~عنها. وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسلمين بل من ~~أجل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام الله. فإن شهر ~~رمضان فيه نزل القرآن وفيه {كان جبريل يدارس النبي # PageV23P122 # صلى الله عليه وسلم القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس ~~وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن} . # وسئل: # عن سنة العصر: هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها حديث؟ والخلاف ~~الذي فيها ما الصحيح منه؟. # فأجاب: # الحمد لله أما الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فحديث ابن عمر: {حفظت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين ~~بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء. وركعتين قبل الفجر} . وفي ~~الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من صلى في يوم وليلة ~~اثنتي عشرة ركعة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة} وجاء في السنن تفسيره: ~~{أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء ~~وركعتين قبل الفجر} . وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {بين كل أذانين صلاة بين ~~كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة: لمن شاء} كراهية أن ~~يتخذها الناس سنة. ففي هذا الحديث أنه يصلي # PageV23P123 # قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء. وقد صح {أن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يراهم فلا ينهاهم ولم يكن يفعل ذلك} . فمثل هذه الصلوات حسنة ~~ليست سنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن تتخذ سنة. ولم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي قبل العصر وقبل المغرب وقبل ms7047 العشاء فلا تتخذ سنة ولا ~~يكره أن يصلى فيها؛ بخلاف ما فعله ورغب فيه فإن ذلك أوكد من هذا. وقد روي ~~{أنه كان يصلي قبل العصر أربعا} وهو ضعيف. وروي {أنه كان يصلي ركعتين} . ~~والمراد به الركعتان قبل الظهر. والله أعلم. # و ### | سئل: # هل للعصر سنة راتبة أم لا # أفتونا مأجورين؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الذي ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يصلي مع المكتوبات عشر ركعات أو اثنتي عشرة ركعة ركعتين قبل الظهر أو أربعا ~~وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين} ~~وكذلك ثبت في الصحيح أن # PageV23P124 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة ~~تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة} ورويت في السنن أربعا قبل ~~الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل ~~الفجر وليس في الصحيح سوى هذه الأحاديث الثلاثة حديث ابن عمر وعائشة وأم ~~حبيبة. وأما قبل العصر فلم يقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~قبل العصر إلا وفيه ضعف بل خطأ كحديث يروى عن علي أنه كان يصلي نحو ستة عشر ~~ركعة منها قبل العصر وهو مطعون فيه فإن الذين اعتنوا بنقل تطوعاته كعائشة ~~وابن عمر بينوا ما كان يصليه وكذلك الصلاة قبل المغرب وقبل العشاء لم يكن ~~يصليها لكن كان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة وهو يراهم فلا ~~ينكر ذلك عليهم وثبت عنه في الصحيح أنه قال {بين كل أذانين صلاة بين كل ~~أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء} كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا ~~يبين أن الصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء حسنة وليست بسنة فمن أحب أن يصلي ~~قبل العصر كما يصلي قبل المغرب والعشاء على هذا الوجه فحسن وأما أن يعتقد ~~أن ذلك سنة راتبة كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي قبل الظهر ~~وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ. والصلاة مع المكتوبة ms7048 ثلاث درجات إحداها سنة ~~الفجر والوتر فهاتان أمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بغيرهما ~~وهما سنة باتفاق الأئمة وكان النبي # PageV23P125 # صلى الله عليه وسلم يصليهما في السفر والحضر ولم يجعل مالك سنة راتبة ~~غيرهما والثانية ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر وهو عشر ركعات وثلاث ~~عشرة ركعة وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة بخلاف ~~مالك والثالثة التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة لكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليه ولا قدر فيه عددا والصلاة قبل العصر ~~والمغرب والعشاء من هذا الباب وقريبا من ذلك صلاة الضحى والله أعلم. # و ### | سئل: # هل سنة العصر مستحبة؟ . # فأجاب: # لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر شيئا وإنما كان يصلي قبل ~~الظهر: إما ركعتين وإما أربعا وبعدها. وكان يصلي بعد المغرب ركعتين وبعد ~~العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين. وأما قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء ~~فلم يكن يصلي؛ لكن ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {بين كل أذانين صلاة ثم قال ~~في الثالثة لمن شاء} كراهية أن يتخذها الناس سنة فمن شاء أن يصلي تطوعا قبل ~~العصر فهو حسن. لكن لا يتخذ ذلك سنة والله أعلم. # PageV23P126 # وسئل - رحمه الله -: # هل تقضى السنن الرواتب؟ . # فأجاب: # أما إذا فاتت السنة الراتبة. مثل سنة الظهر. فهل تقضى بعد العصر؟ على ~~قولين هما روايتان عن أحمد: أحدهما: لا تقضى وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ~~والثاني: تقضى وهو قول الشافعي وهو أقوى. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن لا يواظب على السنن الرواتب؟ . # فأجاب: # من أصر على تركها دل ذلك على قلة دينه وردت شهادته في مذهب أحمد والشافعي ~~وغيرهما. # PageV23P127 # وسئل - رحمه الله -: # عن صلاة المسافر: هل لها سنة؟ فإن الله جعل الرباعية ركعتين رحمة منه على ~~عباده فما حجة من يدعي السنة؟ وقد أنكر عمر على من سبح بعد الفريضة. فهل في ~~بعض المذاهب تأكد السنة في السفر كأبي حنيفة؟ وهل ms7049 نقل هذا عن أبي حنيفة أم ~~لا؟ . # فأجاب: # أما الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في السفر من ~~التطوع فهو ركعتا الفجر حتى إنه لما نام عنها هو وأصحابه منصرفه من خيبر ~~قضاهما مع الفريضة هو وأصحابه وكذلك قيام الليل والوتر. فإنه قد ثبت عنه في ~~الصحيح: {أنه كان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه ~~لا يصلي عليها المكتوبة} . وأما الصلاة قبل الظهر وبعدها: فلم ينقل عنه أنه ~~فعل ذلك في السفر ولم يصل معها شيئا وكذلك كان يصلي بمنى ركعتين ركعتين ولم ~~ينقل عنه أحد أنه صلى معها شيئا. # PageV23P128 # وابن عمر كان أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها وأما العلماء فقد تنازعوا في ~~استحباب ذلك والله أعلم. # و ### | سئل: # عن الصلاة بعد أذان المغرب وقبل الصلاة؟ . # فأجاب: # كان بلال كما أمره. النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين أذانه وإقامته حتى ~~يتسع لركعتين فكان من الصحابة من يصلي بين الأذانين ركعتين والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يراهم ويقرهم وقال: {بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين ~~كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء} مخافة أن تتخذ سنة. فإذا كان ~~المؤذن يفرق بين الأذانين مقدار ذلك فهذه الصلاة حسنة وأما إن كان يصل ~~الأذان بالإقامة فالاشتغال بإجابة المؤذن هو السنة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول} . ولا ينبغي لأحد أن يدع ~~إجابة المؤذن ويصلي هاتين الركعتين فإن {السنة لمن سمع المؤذن أن يقول: مثل ~~ما يقول ثم يصلي على # PageV23P129 # النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة} إلى آخره ~~ثم يدعو بعد ذلك. # وسئل: # عن امرأة لها ورد بالليل تصليه فتعجز عن القيام في بعض الأوقات. فقيل ~~لها: إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فهل هو صحيح؟ . # فأجاب: # نعم، صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {صلاة القاعد على النصف ~~من ms7050 صلاة القائم} . لكن إذا كان عادته أنه يصلي قائما وإنما قعد لعجزه فإن ~~الله يعطيه أجر القائم. لقوله صلى الله عليه وسلم {إذا مرض العبد أو سافر ~~كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم} فلو عجز عن الصلاة كلها لمرض ~~كان الله يكتب له أجرها كله؛ لأجل نيته وفعله بما قدر عليه فكيف إذا عجز عن ~~أفعالها. # PageV23P130 # و ### | سئل: # عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " {لا تجعلوا بيوتكم قبورا} . # فأجاب: # وأما لفظ الحديث {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم} وإذا لم تذكروا الله فيها ~~كنتم كالميت وكانت كالقبور؛ فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت} وفي لفظ {مثل ~~البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت} . # و ### | سئل: # عن صلاة نصف شعبان؟ . # فأجاب: # إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من ~~السلف فهو أحسن. وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة. كالاجتماع على ~~مائة ركعة بقراءة ألف: {قل هو الله أحد} دائما. فهذا بدعة لم يستحبها أحد ~~من الأئمة. والله أعلم. # PageV23P131 # وقال شيخ الإسلام: # وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها. بل هي محدثة. فلا تستحب لا جماعة ولا ~~فرادى. فقد ثبت في صحيح مسلم {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تخص ليلة ~~الجمعة بقيام. أو يوم الجمعة بصيام} . والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع ~~باتفاق العلماء. ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلا. وأما ليلة النصف فقد ~~روي في فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها ~~فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا. ~~وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبني على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات ~~والعبادات فإنه نوعان أحدهما سنة راتبة إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس ~~والجمعة والعيدين. وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ms7051 فهذا سنة راتبة ينبغي ~~المحافظة عليها والمداومة. والثاني ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة ~~تطوع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن أو ذكر الله أو دعاء. فهذا لا بأس ~~به إذا لم يتخذ عادة راتبة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV23P132 # صلى التطوع في جماعة أحيانا ولم يداوم عليه إلا ما ذكر وكان أصحابه إذا ~~اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون. وكان عمر بن الخطاب ~~يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وقد روي {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج على أهل الصفة ومنهم واحد يقرأ فجلس معهم} وقد روي في ~~الملائكة السيارين الذين يتبعون مجالس الذكر الحديث المعروف. فلو أن قوما ~~اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه ~~السنة الراتبة لم يكره. لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما ~~فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع. ولو ساغ ذلك لساغ أن ~~يعمل صلاة أخرى وقت الضحى أو بين الظهر والعصر أو تراويح في شعبان أو أذانا ~~في العيدين أو حجا إلى الصخرة ببيت المقدس وهذا تغيير لدين الله وتبديل له. ~~وهكذا القول في ليلة المولد وغيرها. والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة في ~~الشريعة وهي أن يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع ~~من الله فهو مبتدع ضال وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {كل ~~بدعة ضلالة} فالبدعة ضد الشرعة والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو ~~أمر استحباب وإن لم يفعل على عهده كالاجتماع في التراويح على إمام واحد ~~وجمع القرآن في المصحف. وقتل أهل الردة والخوارج ونحو ذلك. وما لم يشرعه ~~الله ورسوله. فهو بدعة وضلالة: مثل تخصيص # PageV23P133 # مكان أو زمان باجتماع على عبادة فيه كما خص الشارع أوقات الصلوات وأيام ~~الجمع والأعياد. وكما خص مكة بشرفها والمساجد الثلاثة وسائر المساجد بما ~~شرعه فيها من الصلوات وأنواع العبادات كل بحسبه؛ وبهذا ms7052 التفسير يظهر الجمع ~~بين أدلة الشرع من النصوص والإجماعات فإن المراد بالبدعة ضد الشرعة وهو ما ~~لم يشرع في الدين فمتى ثبت بنص أو إجماع في فعل أنه مما يحبه الله ورسوله ~~خرج بذلك عن أن يكون بدعة وقد قررت ذلك مبسوطا في قاعدة كبيرة من القواعد ~~الكبار؟ . # وقال - رحمه الله -: # " صلاة الرغائب " بدعة باتفاق أئمة الدين لم يسنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا استحبها أحد من أئمة الدين: كمالك ~~والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم. والحديث ~~المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث وكذلك الصلاة التي تذكر أول ~~ليلة جمعة من رجب وفي ليلة المعراج وألفية نصف شعبان والصلاة يوم الأحد ~~والاثنين وغير هذا من أيام الأسبوع وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في ~~الرقائق فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثه كلها موضوعة ولم ~~يستحبها أحد من أئمة الدين. وفي صحيح مسلم # PageV23P134 # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تخصوا ليلة ~~الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام} . والأحاديث التي تذكر في صيام يوم ~~الجمعة وليلة العيدين كذب على النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. # وسئل: # عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أم لا؟ . # فأجاب: # هذه الصلاة لم يصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا ~~التابعين ولا أئمة المسلمين ولا رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~أحد من السلف ولا الأئمة ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها. والحديث ~~المروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة ~~بذلك. ولهذا قال المحققون: أنها مكروهة غير مستحبة والله أعلم. # PageV23P135 # وقال شيخ الإسلام: ### | فصل: في " سجود القرآن " # وهو نوعان: خبر عن أهل السجود ومدح لهم أو أمر به وذم على تركه. فالأول ~~سجدة الأعراف {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون} وهذا ذكره بعد الأمر باستماع القرآن والذكر. وفي ms7053 الرعد {ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} وفي النحل {أولم ~~يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم ~~داخرون} {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون} # PageV23P136 # {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وفي سبحان: {إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} وهذا خبر عن ~~سجود مع من سمع القرآن فسجد. وكذلك في مريم {أولئك الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن ~~هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} فهؤلاء ~~الأنبياء سجدوا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن وأولئك الذين أوتوا العلم من ~~قبل القرآن إذا يتلى عليهم القرآن يسجدون. وظاهر هذا سجود مطلق كسجود ~~السحرة وكقوله {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} وإن كان المراد به الركوع. ~~فالسجود هو خضوع له وذل له؛ ولهذا يعبر به عن الخضوع. كما قال الشاعر: ترى ~~الأكم فيها سجدا للحوافر. قال جماعة من أهل اللغة: السجود التواضع والخضوع ~~وأنشدوا: # PageV23P137 # ساجد المنخر ما يرفعه ... خاشع الطرف أصم المسمع # قيل لسهل بن عبد الله: أيسجد القلب؟ قال: نعم سجدة لا يرفع رأسه منها ~~أبدا. وفي " سورة الحج " الأولى خبر: {ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير ~~من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ~~ما يشاء} والثانية أمر مقرون بالركوع ولهذا صار فيها نزاع. وسجدة الفرقان: ~~{وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا} خبر مقرون بذم من أمر بالسجود فلم يسجد ليس هو مدحا. وكذلك سجدة " ~~النمل ": {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن ms7054 السبيل فهم لا يهتدون} {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ~~في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} {الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم} خبر يتضمن ذم من يسجد لغير الله ولم يسجد لله. ومن قرأ ألا ~~يا اسجدوا. كانت أمرا. وفي " الم تنزيل السجدة " {إنما يؤمن بآياتنا الذين ~~إذا ذكروا # PageV23P138 # بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} وهذا من أبلغ الأمر ~~والتخصيص؛ فإنه نفى الإيمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد إذا ذكر بها. وفي " ~~ص " خبر عن سجدة داود وسماها ركوعا. و " حم تنزيل " أمر صريح: {ومن آياته ~~الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون} . و " النجم " أمر صريح: {فاسجدوا لله واعبدوا} و " ~~الانشقاق " أمر صريح عند سماع القرآن {فما لهم لا يؤمنون} {وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون} . و " {اقرأ باسم ربك الذي خلق} " أمر مطلق: {واسجد ~~واقترب} فالستة الأول إلى الأولى من الحج خبر ومدح. والتسع البواقي من ~~الثانية من الحج أمر وذم لمن لم يسجد إلا " ص " فنقول: قد ### | تنازع الناس في وجوب سجود التلاوة. # قيل: يجب " وقيل لا يجب " وقيل يجب إذا قرئت السجدة في الصلاة وهو رواية ~~عن أحمد والذي يتبين لي أنه واجب: فإن الآيات التي فيها مدح لا تدل بمجردها ~~على الوجوب لكن آيات الأمر والذم والمطلق منها قد يقال: إنه محمول على ~~الصلاة كالثانية من الحج والفرقان واقرأ وهذا ضعيف فكيف وفيها مقرون ~~بالتلاوة كقوله # PageV23P139 # {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون} فهذا نفي للإيمان بالآيات عمن لا يخر ساجدا إذا ذكر بها. وإذا ~~كان سامعا لها فقد ذكر بها. وكذلك " سورة الانشقاق " {فما لهم لا يؤمنون} ~~{وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} وهذا ذم لمن لا يسجد إذا قرئ عليه ~~القرآن كقوله: {فما لهم عن ms7055 التذكرة معرضين} {وما لكم لا تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~. وكذلك " سورة النجم " قوله: {أفمن هذا الحديث تعجبون} {وتضحكون ولا ~~تبكون} {وأنتم سامدون} {فاسجدوا لله واعبدوا} أمر بالغا عقب ذكر الحديث ~~الذي هو القرآن يقتضي أن سماعه سبب الأمر بالسجود لكن السجود المأمور به ~~عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصا بسجود الصلاة فليس هو مختصا بسجود ~~التلاوة فمن ظن هذا أو هذا فقد غلط بل هو متناول لهما جميعا كما بينه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه. فالسجود ~~عند سماع آية السجدة هو سجود مجرد عند سماع آية السجدة سواء تليت مع سائر ~~القرآن أو وحدها ليس هو سجودا عند تلاوة مطلق القرآن فهو سجود عند جنس ~~القرآن. وعند خصوص الأمر بالسجود فالأمر يتناوله. وهو أيضا متناول لسجود ~~القرآن أيضا وهو أبلغ فإنه سبحانه وتعالى # PageV23P140 # قال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ~~وهم لا يستكبرون} فهذا الكلام يقتضي أنه لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر بها ~~خر ساجدا وسبح بحمد ربه وهو لا يستكبر. ومعلوم أن قوله: {بآياتنا} ليس يعني ~~بها آيات السجود فقط بل جميع القرآن فلا بد أن يكون إذا ذكر بجميع آيات ~~القرآن يخر ساجدا وهذا حال المصلي فإنه يذكر بآيات الله بقراءة الإمام ~~والإمام يذكر بقراءة نفسه فلا يكونون مؤمنين حتى يخروا سجدا وهو سجودهم في ~~الصلاة وهو سجود مرتب ينتقلون أولا إلى الركوع ثم إلى السجود والسجود مثنى ~~كما بينه الرسول ليجتمع فيه خروران: خرور من قيام وهو السجدة الأولى وخرور ~~من قعود وهو السجدة الثانية. وهذا مما يستدل به على وجوب قعدة الفصل ~~والطمأنينة فيها كما مضت به السنة؛ فإن الخرور ساجدا لا يكون إلا من قعود ~~أو قيام. وإذا فصل بين السجدتين كحد السيف أو كان إلى القعود أقرب لم يكن ~~هذا خرورا. ولكن الذي جوزه ظن أن السجود يحصل بوضع الرأس ms7056 على الأرض كيف ما ~~كان. وليس كذلك. بل هو مأمور به كما قال: {إذا ذكروا بها خروا سجدا} ولم ~~يقل: سجدوا. فالخرور مأمور # PageV23P141 # به كما ذكره في هذه الآية ونفس الخرور على الذقن عبادة مقصودة كما أن وضع ~~الجبهة على الأرض عبادة مقصودة. يدل على ذلك قوله تعالى {إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} فمدح هؤلاء ~~وأثنى عليهم بخرورهم للأذقان أي على الأذقان سجدا. والثاني بخرورهم ~~للأذقان: أي عليها يبكون. فتبين أن نفس الخرور على الذقن عبادة مقصودة ~~يحبها الله وليس المراد بالخرور إلصاق الذقن بالأرض كما تلصق الجبهة ~~والخرور على الذقن هو مبدأ الركوع والسجود منتهاه فإن الساجد يسجد على ~~جبهته لا على ذقنه لكنه يخر على ذقنه والذقن آخر حد الوجه وهو أسفل شيء منه ~~وأقربه إلى الأرض. فالذي يخر على ذقنه يخر وجهه ورأسه خضوعا لله. ومن حينئذ ~~قد شرع في السجود فكما أن وضع الجبهة هو آخر السجود فالخرور على الذقن أول ~~السجود وتمام الخرور أن يكون من قيام أو قعود وقد روي عن ابن عباس {يخرون ~~للأذقان} أي للوجوه. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم إنما يخر لوجهه والذقن ~~مجتمع اللحيين وهو غضروف أعضاء الوجه. فإذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من ~~وجهه إلى الأرض الذقن. # PageV23P142 # وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل أن يصوب جبهته ~~ذقنه فلذلك قال: {للأذقان} ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه فاكتفى ~~بالذقن من الوجه. كما يكتفي بالبعض من الكل. وبالنوع من الجنس. قلت: والذي ~~يخر على الذقن لا يسجد على الذقن فليس الذقن من أعضاء السجود بل أعضاء ~~السجود سبعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعضاء: الجبهة وأشار بيده إلى الأنف واليدين والركبتين والقدمين} ولو سجد ~~على ذقنه ارتفعت جبهته والجمع بينهما متعذر أو متعسر؛ لأن الأنف بينهما وهو ~~ناتئ ms7057 يمنع إلصاقهما معا بالأرض في حال واحدة فالساجد يخر على ذقنه ويسجد ~~على جبهته. فهذا خرور السجود. ثم قال: {ويخرون للأذقان يبكون} فهذا خرور ~~البكاء قد يكون معه سجود وقد لا يكون. فالأول كقوله: {إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا} فهذا خرور وسجود وبكاء. والثاني: كقوله: {ويخرون ~~للأذقان يبكون} فقد يبكي الباكي من خشية الله مع خضوعه بخروره وإن لم يصل ~~إلى حد السجود # PageV23P143 # وهذا عبادة أيضا؛ لما فيه من الخرور لله والبكاء له. وكلاهما عبادة لله ~~فإن بكاء الباكي لله كالذي يبكي من خشية الله. من أفضل العبادات. وقد روي ~~{عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله وعين يخرج منها مثل ~~رأس الذباب من خشية الله} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في ~~عبادة الله ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجل ~~تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل دعته امرأة ذات ~~حسب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين} . فذكر صلى الله عليه وسلم ~~هؤلاء السبعة إذ كل منهم كمل العبادة التي قام بها وقد صنف مصنف في نعتهم ~~سماه (اللمعة في أوصاف السبعة. فالإمام العادل: كمل ما يجب من الإمارة ~~والشاب الناشئ في عبادة الله كمل ما يجب من عبادة الله والذي قلبه معلق ~~بالمساجد كمل عمارة المساجد بالصلوات الخمس لقوله: {إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله} . والعفيف: كمل الخوف من الله والمتصدق كمل الصدقة لله؛ ~~والباكي: كمل الإخلاص. # PageV23P144 # وأما قوله عن داود عليه السلام {وخر راكعا وأناب} لا ريب أنه سجد. كما ~~ثبت بالسنة وإجماع المسلمين أنه سجد لله والله سبحانه مدحه بكونه خر راكعا ~~وهذا أول السجود وهو خروره. فذكر سبحانه أول فعله وهو خروره راكعا ليبين أن ms7058 ~~هذا عبادة مقصودة وإن كان هذا الخرور كان ليسجد. كما أثنى على النبيين ~~بأنهم كانوا {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} {الذين أوتوا ~~العلم من قبله} أنهم {إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويخرون للأذقان ~~يبكون} وذلك لأن الخرور هو أول الخضوع المنافي للكبر فإن المتكبر يكره أن ~~يخر ويحب أن لا يزال منتصبا مرتفعا إذا كان الخرور فيه ذل وتواضع وخشوع؛ ~~ولهذا يأنف منه أهل الكبر من العرب وغير العرب. فكان أحدهم إذا سقط منه ~~الشيء لا يتناوله لئلا يخر وينحني. فإن الخرور انخفاض الوجه والرأس وهو ~~أعلى ما في الإنسان وأفضله وهو قد خلق رفيعا منتصبا فإذا خفضه لا سيما ~~بالسجود كان ذلك غاية ذله؛ ولهذا لم يصلح السجود إلا لله فمن سجد لغيره فهو ~~مشرك ومن لم يسجد له فهو مستكبر عن عبادته وكلاهما كافر من أهل النار. قال ~~تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين} وقال # PageV23P145 # تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} وقال في قصة بلقيس: ~~{وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون} {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} ~~والشمس أعظم ما يرى في عالم الشهادة وأعمه نفعا وتأثيرا. فالنهي عن السجود ~~لها نهي عما هو دونها بطريق الأولى من الكواكب والأشجار وغير ذلك. وقوله: ~~{واسجدوا لله الذي خلقهن} دلالة على أن السجود للخالق لا للمخلوق وإن عظم ~~قدره؛ بل لمن خلقه. وهذا لمن يقصد عبادته وحده. كما قال: {إن كنتم إياه ~~تعبدون} لا يصلح له أن يسجد لهذه المخلوقات قال تعالى: {فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} فإنه قد علم ~~سبحانه أن في بني آدم من يستكبر عن السجود له ms7059 فقال: الذين هم أعظم من هؤلاء ~~لا يستكبرون عن عبادة ربهم " بل يسبحون له بالليل والنهار ولا يحصل لهم ~~سآمة ولا ملالة. بخلاف الآدميين فوصفهم هنا بالتسبيح له ووصفهم بالتسبيح ~~والسجود جميعا في قوله: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ~~وله يسجدون} # PageV23P146 # وهم يصفون له صفوفا كما قالوا: {وإنا لنحن الصافون} {وإنا لنحن المسبحون} ~~. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ألا تصفون كما تصف ~~الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها قال: يسدون الأول ~~فالأول ويتراصون في الصف} . # فصل: # فآياته سبحانه توجب شيئين: أحدهما: فهمها وتدبرها ليعلم ما تضمنته. ~~والثاني: عبادته والخضوع له إذا سمعت فتلاوته إياها وسماعها يوجب هذا وهذا ~~فلو سمعها السامع ولم يفهمها كان مذموما ولو فهمها ولم يعمل بما فيها كان ~~مذموما بل لا بد لكل أحد عند سماعها من فهمها والعمل بها. كما أنه لا بد ~~لكل أحد من استماعها فالمعرض عن استماعها كافر والذي لا يفهم ما أمر به ~~فيها كافر. والذي يعلم ما أمر به فلا يقر بوجوبه ويفعله كافر. وهو سبحانه ~~يذم الكفار بهذا وهذا. وهذا كقوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين} {كأنهم حمر ~~مستنفرة} {فرت من قسورة} وقوله: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون} وقوله: {كتاب # PageV23P147 # فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} {بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون} ونظائره كثيرة. وقال فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} فذمهم على أنهم لا يفهمون ولو ~~فهموا لم يعملوا بعلمهم. وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم ~~لا يسمعون} {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} {ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم} وقال: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا} . قال ابن قتيبة: لم يتغافلوا عنها فكأنهم صم لم ~~يسمعوها عمن لم يروها. وقال غيره من أهل اللغة: لم يبقوا على حالهم الأولى ms7060 ~~كأنهم لم يسمعوا ولم يروا وإن لم يكونوا خروا حقيقة. تقول العرب شتمت فلانا ~~فقام يبكي وقعد يندب وأقبل يعتذر وظل يفتخر وإن لم يكن قام ولا قعد. قلت: ~~في ذكره سبحانه لفظ الخرور دون غيره حكمة فإنهم لو خروا وكانوا صما وعميانا ~~لم يكن ذلك ممدوحا بل معيبا. فكيف إذا كانوا صما وعميانا بلا خرور. فلا بد ~~من شيئين: من الخرور والسجود. ولا بد من السمع والبصر لما في آياته من ~~النور والهدى # PageV23P148 # والبيان. وكذلك لما شرعت الصلاة شرع فيها القراءة في القيام ثم الركوع ~~والسجود. فأول ما أنزل الله من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فافتتحها ~~بالأمر بالقراءة وختمها بالأمر بالسجود فقال: {واسجد واقترب} فقوله تعالى: ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم} يدل ~~على أن التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح وإنه من لم ~~يكن إذا ذكر بها يخر ساجدا ويسبح بحمد ربه فليس بمؤمن وهذا متناول الآيات ~~التي ليس فيها سجود وهي جمهور آيات القرآن ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية ~~وأما آيات السجدة فبضع عشرة آية. وقوله: {ذكروا بها} يتناول جميع الآيات ~~فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود وهذا مما يستدل به على وجوب ~~التسبيح والسجود. وعلى هذا تدل عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على ### | وجوب جنس التسبيح # فمن لم يسبح في السجود فقد عصى الله ورسوله وإذا أتى بنوع من أنواع ~~التسبيح المشروع أجزأه. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. قيل: لا يجب ~~ذكر بحال # PageV23P149 # وقيل: يجب ويتعين قوله: " سبحان ربي الأعلى " لا يجزئ غيره. وقيل: يجب ~~جنس التسبيح وإن كان هذا النوع أفضل من غيره؛ لأنه أمر به أن يجعل في ~~السجود. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنواع أخر. وقوله: ~~{اجعلوها في سجودكم} فيه كلام ليس هذا موضعه إذ قد يقال المسبح لربه: بأي ~~اسم سبحه فقد سبح اسم ربه الأعلى. كما أنه بأي اسم دعاه فقد ms7061 دعا ربه الذي ~~له الأسماء الحسنى. كما قال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى} وقال: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} فإذا كان يدعى ~~بجميع أسمائه الحسنى وبأي اسم دعاه فقد دعا الذي له الأسماء الحسنى وهو ~~يسبح بجميع أسمائه الحسنى وبأي اسم سبح فقد سبح الذي له الأسماء الحسنى ~~ولكن قد يكون بعض الأسماء أفضل من بعض. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود ~~هنا: أن الأمر بالسجود تابع لقراءة القرآن كله كما في هذه الآية. وفي قوله ~~تعالى {فما لهم لا يؤمنون} {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} فهذا يتناول ~~جميع القرآن وأنه من قرئ عليه القرآن فهو مأمور بالسجود والمصلي قد قرئ ~~عليه القرآن وذلك سبب للأمر بالسجود فلهذا يسمع القرآن ويسجد الإمام ~~والمنفرد يسمع قراءة نفسه وهو يقرأ على نفسه القرآن. وقد # PageV23P150 # يقال: لا يصلون؛ لكن قوله: {خروا سجدا} صريح في السجود المعروف لاقترانه ~~بلفظ الخرور. وأما هذه الآية ففيها نزاع قال أبو الفرج: {وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون} فيه قولان: أحدهما: لا يصلون قاله عطاء بن السائب. ~~والثاني: لا يخضعون له ولا يستكينون له قاله ابن جرير واختاره القاضي أبو ~~يعلى. قال: واحتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة وليس فيها دلالة على ذلك. ~~وإنما المعنى لا يخشعون ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن والسجود ~~يختص بمواضع منه. قلت: القول الأول هو الذي يذكره كثير من المفسرين لا ~~يذكرون غيره: كالثعلبي والبغوي وحكوه عن مقاتل والكلبي وهو المنقول عن ~~مفسري السلف وعليه عامة العلماء. وأما القول الثاني: فما علمت أحدا نقله عن ~~أحد من السلف والذين قالوه إنما قالوه لما رأوا أنه لا يجب على كل من سمع ~~شيئا من القرآن أن يسجد فأرادوا أن يفسروا الآية بمعنى يجب في كل حال. ~~فقالوا: يخضعون ويستكينون. فإن هذا يؤمر # PageV23P151 # به كل من قرئ عليه القرآن. ولفظ السجود يراد به مطلق الخضوع والاستكانة. ~~كما قد بسط هذا في مواضع لكن ms7062 يقال لهم: الخضوع مأمور به وخضوع الإنسان ~~وخشوعه لا يتم إلا بالسجود المعروف وهو فرض في الجملة على كل أحد وهو ~~المراد من السجود المضاف إلى بني آدم: حيث ذكر في القرآن؛ إذ هو خضوع ~~الآدمي للرب والرب لا يرضى من الناس بدون هذا الخضوع إذ هو غاية خضوع العبد ~~ولكل مخلوق خضوع بحسبه هو سجوده. وإما أن يكون سجود الإنسان لا يراد به إلا ~~خضوع ليس فيه سجود الوجه: فهذا لا يعرف بل يقال: هم مأمورون: إذا قرئ عليهم ~~القرآن بالسجود وإن لم يكن السجود التام عقب استماع القرآن فإنه لا بد أن ~~يكون بين صلاتين فإذا قاموا إلى الصلاة فقد أتوا بالسجود الواجب عليهم وهم ~~لما قرئ عليهم حصل لهم نوع من الخضوع والخشوع باعتقاد الوجوب والعزم على ~~الامتثال. فإذا اعتقدوا وجوب الصلاة وعزموا على الامتثال فهذا مبدأ السجود ~~المأمور به ثم إذا صلوا فهذا تمامه. كما قال في المشركين: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فهم إذا تابوا والتزموا الصلاة ~~كف عن قتالهم. فهذا مبدأ إقامتها ثم إذا فعلوها فقد أتموا إقامتها. وأما ~~إذا التزموها # PageV23P152 # بالكلام ولم يفعلوا فإنهم يقاتلون. ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد بها في الصلاة. ففي الصحيحين {عن أبي ~~رافع قال صليت مع أبي هريرة العتمة. فقرأ {إذا السماء انشقت} فسجد فقلت: ما ~~هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه} وهذا ~~الحديث قد اتفق العلماء على صحته. وأما سجوده فيها فرواه مسلم دون البخاري. ~~والسجود فيها قول جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم. ~~وهو قول ابن وهب وغيره من أصحاب مالك فكيف يقال: إن لفظ السجود فيها لم يرد ~~به إلا مطلق الخضوع والاستكانة وأما السجود المعروف فلم يدل عليه اللفظ ولو ~~كان هذا صحيحا لم يكن السجود الخاص مشروعا إذا تليت لا سيما في الصلاة ~~وبهذا يظهر جواب من أجاب من ms7063 احتج بها على وجوب سجود التلاوة: بأن المراد ~~الخضوع. فإن قيل: فإذا فسر السجود بالصلاة كما قاله الأكثرون لم يجب سجود ~~التلاوة. قيل الصلاة مرادة من جنس قراءة القرآن. كما تقدم. وهذه الآية توجب ~~على من قرئ عليه القرآن أن يسجد # PageV23P153 # فإن قرئ عليه خارج الصلاة فعليه أن يسجد قريبا إذا حضر وقت الصلاة فإنه ~~ما من ساعة يقرأ عليه فيها القرآن إلا هو وقت صلاة مفروضة فعليه أن يصليها؛ ~~إذ بينه وبين وقت الصلاة المفروضة أقل من نصف يوم فإذا لم يصل فهو ممن إذا ~~قرئ عليه القرآن لا يسجد فإن قرئ عليه القرآن في الصلاة فعليه أن يسجد سجدة ~~يخر فيها من قيام وسجدة يخر فيها من قعود وكل منهما بعد ركوع كما بينه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما السجود عند تلاوة هذه الآية: فهو السجود ~~الخاص وهو سجود التلاوة وهذا سجود مبادر إليه عند سماع هذه الآية فإنها ~~أمرته أن يسجد إذا قرئ عليه القرآن فمن تمام المبادرة أن يسجد عند سماعها ~~سجود التلاوة. ثم يسجد عند تلاوة غيرها كما تقدم فإن هذه الآية تأمر ~~بالسجود إذا قرئ عليه هي أو غيرها فهي الآمرة بالسجود عند قراءة القرآن دون ~~سائر الآيات التي لا يسجد عندها فكان لها حض من الأمر بالسجود مع عموم ~~كونها من القرآن فتخص بالسجود لها ويسجد في الصلاة إذا قرئت كما يسجد إذا ~~قرئ غيرها. وبهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه سجد بها في الصلاة ~~وفعله إذا خرج امتثالا لأمر أو تفسيرا لمجمل كان حكمه حكمه فدل # PageV23P154 # ذلك على وجوب السجود الذي سجده عند قراءة هذه السورة لا سيما وهو في ~~الصلاة. والصلاة مفروضة وإتمامها مفروض فلا تقطع إلا بعمل هو أفضل من ~~إتمامها فعلم أن سجود التلاوة فيها أفضل من إتمامها بلا سجود ولو زاد في ~~الصلاة فعلا من جنسها عمدا بطلت صلاته. وهنا سجود التلاوة مشروع فيها. وعن ~~أحمد في وجوب هذا السجود في الصلاة روايتان: والأظهر الوجوب ms7064 كما قدمناه ~~لوجوه متعددة: منها أن نفس الأئمة يؤمرون أن يصلوا كما صلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو هكذا صلى. والله أعلم. وقوله: {لا يسجدون} ولم يقل لا يصلون ~~يدل على أن السجود مقصود لنفسه وأنه يتناول السجود في الصلاة وخارج الصلاة ~~فيتناول أيضا الخضوع والخشوع كما مثل. فالقرآن موجب لمسمى السجود الشامل ~~لجميع أنواعه فما من سجود إلا والقرآن موجب له ومن لم يسجد إذا قرئ عليه ~~مطلقا فهو كافر ولكن لا يجب كل سجود في كل وقت بل هو بحسب ما بينه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولكن الآية دلت على تكرار السجود عند تكرار قراءة ~~القرآن عليه # PageV23P155 # وهذا واجب إذا قرئ عليه القرآن في الصلاة وخارج الصلاة كما تقدم. والله ~~أعلم. وأما الأمر المطلق بالسجود: فلا ريب أنه يتناول الصلوات الخمس فإنها ~~فرض بالاتفاق ويتناول سجود القرآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن السجود ~~في هذه المواضع. فلا بد أن يكون ما تلي سببا له وإلا كان أجنبيا. والمذكور ~~إنما هو الأمر فدل على أن هذا السجود من السجود المأمور به وإلا فكيف يخرج ~~السجود المقرون بالأمر عن الأمر وهذا كسجود الملائكة لآدم لما أمروا. وهكذا ~~جاء في الحديث الصحيح {إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي. يقول: ~~يا ويله. أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي ~~النار} . رواه مسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا ترغيبا في هذا ~~السجود فدل على أن هذا السجود مأمور به كما كان السجود لآدم؛ لأن كليهما ~~أمر وقد سن السجود عقبه فمن سجد كان متشبها بالملائكة ومن أبى تشبه بإبليس؛ ~~بل هذا سجود لله فهو أعظم من السجود لآدم. وهذا الحديث كاف في الدلالة على ~~الوجوب وكذلك الآيات التي فيها الأمر المقيد والأمر المطلق أيضا. # PageV23P156 # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {والنجم} سجد وسجد معه ~~المسلمون والمشركون والجن والإنس. كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس. وفي ms7065 ~~الصحيح عن ابن مسعود {أنهم سجدوا إلا رجلا من المشركين أخذ كفا من حصى وقال ~~يكفيني هذا. قال فلقد رأيته بعد قتل كافرا} وهذا يدل على أنهم كانوا ~~مأمورين بهذا السجود وأن تاركه كان مذموما وليس هو سجود الصلاة؛ بل كان ~~خضوعا لله وفيهم كفار وفيهم من لم يكن متوضئا لكن سجود الخضوع إذا تلي ~~كلامه. كما أثنى على من إذا سمعه سجد فقال: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا} وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} وهذا وإن قيل: إنه متناول سجود الصلاة فإنهم ~~إذا سمعوا القرآن ركعوا وسجدوا فلا ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق ~~الأولى؛ لأن هناك السجود بعض الصلاة وهنا ذكر سجودا مجردا على الأذقان فما ~~بقي يمكن حمله على الركوع؛ لأن الركوع لا يكون على الأذقان. وقوله: ~~{للأذقان} أي على الأذقان. كما قال: {وتله للجبين} أي على الجبين. وقوله: ~~{للأذقان} يدل على تمام السجود # PageV23P157 # وأنهم سجدوا على الأنف مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض ليسوا كمن ~~سجد على الجبهة فقط والساجد على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض إلا إذا زاد ~~انخفاضه. وأما احتجاج من لم يوجبه بكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد ~~لما قرأ عليه زيد النجم ويقول عمر: " لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى ~~جاء السجدة فنزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى ~~جاء السجدة. قال: يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم ~~يسجد فلا إثم عليه وفي لفظ فلما كان في الجمعة الثانية تشرفوا فقال: إنا ~~نمر بالسجدة ولم تكتب علينا ولكن قد تشوفتم ثم نزل فسجد ". فيقال: تلك قضية ~~معينة ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو كما قال ابن مسعود: أنت إمامنا فإن ~~سجدت سجدنا. وقال عثمان: إنما السجدة على من جلس إليها واستمع. وهذا يدل ms7066 ~~على أنها تجب على المستمع ولا تجب على السامع وكذلك حديث ابن مسعود يدل على ~~أنها لا تجب إذا لم يسجد القارئ. وقد يقال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~عذر عند من يقول: أن السجود فيها مشروع. فمن الناس من يقول: يمكن أنه لم ~~يكن على # PageV23P158 # طهارة لكن قد يرجح جواز السجود على غير طهارة. وقد قيل: إن السجود في ~~النجم وحدها منسوخ؛ بخلاف اقرأ والانشقاق فقد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سجد فيهما وسجد معه أبو هريرة} وهو أسلم بعد خيبر. وهذا ~~يبطل قول من يقول لم يسجد في المفصل بعد الهجرة وأما سور النجم:. بل حديث ~~زيد صريح في أنه لم يسجد فيها قال هؤلاء فيكون النسخ فيها خاصة لا في غيرها ~~لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم ترك السجود فيها بالكلية ~~سدا لهذه الذريعة. وهي في الصلاة تأتي في آخر القيام وسجدة الصلاة تغني ~~عنها فهذا القول أقرب من غيره والله أعلم. وأما حديث عمر: فلو كان صريحا ~~لكان قوله وإقرار من حضر وليسوا كل المسلمين. وقول عثمان وغيره يدل على ~~الوجوب. ثم يقال: قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب علينا السجود في هذه الحال ~~وهو إذا قرأها الإمام على المنبر. يبين ذلك أن السجود في هذه الحال # PageV23P159 # ليس كالسجود المطلق؛ لأنه يقطع فيه الإمام الخطبة ويعمل عملا كثيرا. ~~والسنة في الخطبة الموالاة فلما تعارض هذا وهذا صار السجود غير واجب؛ لأن ~~القارئ يشتغل بعبادة أفضل منه وهو خطبة الناس وإن سجد جاز. ولهذا يقول مالك ~~وغيره: إن هذا السجود لا يستحب قال: وليس العمل عندنا على أن يسجد الإمام ~~إذا قرأ على المنبر كما أنه لم يستحب السجود في الصلاة لا السر ولا الجهر. ~~وأحمد في إحدى الروايتين وأبو حنيفة وغيرهما يقولون: لا يستحب في صلاة السر ~~مع أن أبا حنيفة يوجب السجود وأحمد في إحدى الروايتين يوجبه في الصلاة ثم ~~لم يستحبوه في ms7067 هذه الحال؛ بل اتصال الصلاة عندهم أفضل فكذلك قد يكون مراد ~~عمر أنه لم يكتب في مثل هذه الحال كما يقول من يقول لا يستحب أيضا في هذه ~~الحال. وهذا كما أن الدعاء بعرفة لما كانت سنته الاتصال لم يقطع بصلاة ~~العصر بل صليت قبله فكذلك الخاطب يوم الجمعة مقصوده خطابهم وأمرهم ونهيهم ~~ثم الصلاة عقب ذلك فلا يجب أن يشتغلوا عن هذا المقصود مع أن عقبه يحصل ~~السجود. وهذا يدل على أن سجود التلاوة يسقط لما هو أفضل منه. ألا # PageV23P160 # ترى أن الإنسان لو قرأ لنفسه يوم الجمعة؟ قد يقال: إنه لم يستحب له أن ~~يسجد دون الناس كما لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه؛ لأن متابعة الإمام أولى ~~من السجود وهو مع البعد وإن قلنا يستحب له أن يقرأ فهو كما يستحب للمأموم ~~أن يقرأ خلف إمامه. ولو قرأ بالسجدة لم يسجد بها دون الإمام. وما أعلم في ~~هذا نزاعا. فهنا محافظته على متابعة الإمام في الفعل الظاهر أفضل من سجود ~~التلاوة ومن سجود السهو بل هو منهي عن ذلك ويوم الجمعة إنما سجد الناس لما ~~سجد عمر ولو لم يسجد لم يسجدوا حينئذ. فإذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم ~~يكتب علينا في هذه الحال لم يبق فيه حجة ولو كان مرفوعا. وأيضا فسجود ~~القرآن هو من شعائر الإسلام الظاهرة إذا قرئ القرآن في الجامع سجد الناس ~~كلهم لله رب العالمين وفي ترك ذلك إخلال بذلك؛ ولهذا رجحنا أن صلاة العيد ~~واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره وهو أحد أقوال الشافعي وأحد ~~القولين في مذهب أحمد. وقول من قال لا تجب في غاية البعد فإنها من أعظم ~~شعائر الإسلام والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة وقد شرع فيها التكبير. ~~وقول من قال هي فرض على الكفاية لا ينضبط فإنه لو حضرها في # PageV23P161 # المصر العظيم أربعون رجلا لم يحصل المقصود وإنما يحصل بحضور المسلمين ~~كلهم كما في الجمعة. # وأما الأضحية فالأظهر وجوبها أيضا فإنها من ms7068 أعظم شعائر الإسلام وهي النسك ~~العام في جميع الأمصار والنسك مقرون بالصلاة في قوله: {إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وقد قال تعالى: {فصل لربك وانحر} فأمر ~~بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر ~~المخبتين} وقال: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا ~~اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ~~كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ~~يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر ~~المحسنين} وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته وبها يذكر قصة الذبيح ~~فكيف يجوز أن المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم وترك المسلمين ~~كلهم هذا أعظم من ترك الحج في بعض السنين. وقد قالوا إن الحج كل عام فرض ~~على الكفاية؛ لأنه من شعائر الإسلام والضحايا في عيد النحر كذلك بل هذه ~~تفعل في كل بلد # PageV23P162 # هي والصلاة فيظهر بها عبادة الله وذكره والذبح له والنسك له ما لا يظهر ~~بالحج كما يظهر ذكر الله بالتكبير في الأعياد. وقد جاءت الأحاديث بالأمر ~~بها. وقد خرج وجوبها قولا في مذهب أحمد وهو قول أبي حنيفة وأحد القولين في ~~مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك. ونفاة الوجوب ليس معهم نص فإن عمدتهم قوله ~~صلى الله عليه وسلم {من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من ~~أظفاره} . قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل فإن الواجب لا ~~يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط ~~لبيان حكم من الأحكام. كقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وقد قدروا ~~فيه: إذا أردتم القيام وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ والطهارة واجبة ~~والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال: {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء منكم ~~أن يستقيم} ومشيئة الاستقامة واجبة. ms7069 وأيضا فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي ~~وإنما تجب على القادر فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: {من أراد الحج ~~فليتعجل فإنه قد تضل الضالة وتعرض الحاجة} والحج فرض على المستطيع. فقوله: ~~{من أراد أن يضحي} كقوله: {من أراد الحج # PageV23P163 # فليتعجل} ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه الأصلية. ~~كصدقة الفطر. ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت - صاحب المنزل - ونسائه ~~وأولاده ومن معهم. كما كان الصحابة يفعلون. وما نقل عن بعض الصحابة من أنه ~~لم يضح بل اشترى لحما. فقد تكون مسألة نزاع. كما تنازعوا في وجوب العمرة ~~وقد يكون من لم يضح لم يكن له سعة في ذلك العام وأراد بذلك توبيخ أهل ~~المباهاة الذين يفعلونها لغير الله أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام ~~توبيخهم فقد ترك الواجب لمصلحة راجحة. كما قال صلى الله عليه وسلم {لقد ~~هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أنطلق معي برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا ~~يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار لولا ما في البيوت من النساء ~~والذرية} فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين فإن هذا ~~من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته فهو مقدم على الجمعة والجماعة. ولو أن ولي ~~الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها ~~فيعاقبه جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة فإن عقوبة أولئك ~~واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه ~~لولا النساء والصبيان # PageV23P164 # لحرق البيوت على من فيها لكن فيها من لا تجب عليه جمعة ولا جماعة من ~~النساء والصبيان فلا تجوز عقوبته. كما لا ترجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن ~~قتل الجنين لا يجوز. كما في حديث الغامدية. # فصل: # وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل: هذا هو السنة المعروفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عامة السلف وهو المنصوص عن الأئمة ~~المشهورين. وعلى هذا فليست صلاة فلا تشترط لها ms7070 شروط الصلاة بل تجوز على غير ~~طهارة. كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة؛ لكن هي بشروط الصلاة أفضل ولا ~~ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر. فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به؛ لكن قد ~~يقال: إنه لا يجب في هذه الحال كما لا يجب على السامع ولا على من لم يسجد ~~قارئه وإن كان ذلك السجود جائزا عند جمهور العلماء. وكما يجب على المؤتم في ~~الصلاة تبعا لإمامه بالاتفاق وإن قالوا. لا يجب في غير هذه الحال وقد حمل ~~بعضهم حديث زيد على أن # PageV23P165 # النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متطهرا وكما لا تجب الجمعة على المريض ~~والمسافر والعبد وإن جاز له فعلها لا سيما وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها ~~إلا مع الطهارة ولكن الراجح أنه يجوز فعلها للحديث. والمروي فيها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تكبيرة واحدة فإنه لا ينتقل من عبادة إلى عبادة. وعلى ~~هذا ترجم البخاري فقال: (باب سجدة المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له ~~وضوء) . قال: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء وذكر {سجود النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالنجم لما سجد وسجد معه المسلمون والمشركون} . وهذا الحديث في ~~الصحيحين من وجهين: من حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس. وهذا فعلوه تبعا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله: {فاسجدوا لله واعبدوا.} ومعلوم أن ~~جنس العبادة لا تشترط له الطهارة بل إنما تشترط للصلاة. فكذلك جنس السجود ~~يشترط لبعضه وهو السجود الذي لله كسجود الصلاة وسجدتي السهو بخلاف سجود ~~التلاوة وسجود الشكر وسجود الآيات. ومما يدل على ذلك: أن الله أخبر عن سجود ~~السحرة لما آمنوا بموسى على وجه الرضا بذلك السجود ولا ريب أنهم لم يكونوا ~~متوضئين ولا يعرفون الوضوء. فعلم أن السجود المجرد لله مما يحبه # PageV23P166 # الله ويرضاه وإن لم يكن صاحبه متوضئا وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ~~شرعنا بخلافه وهذا سجود إيمان ونظيره {الذين أسلموا فاعتصموا بالسجود ولم ~~يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم ms7071 فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا فوداهم ~~بنصف دية ولم ينكر عليهم ذلك السجود} ولم يكونوا بعد قد أسلموا ولا عرفوا ~~الوضوء بل سجدوا لله سجود الإسلام كما سجد السحرة. ومما يدل على ذلك أن ~~الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا: حطة. ومعلوم أنه لم ~~يأمرهم بوضوء ولا كان الوضوء مشروعا لهم؛ بل هو من خصائص أمة محمد وسواء ~~أريد السجود بالأرض أو الركوع. فإنه إن أريد الركوع فهو عبادة مفردة: يتضمن ~~الخضوع لله وهو من جنس السجود. لكن شرعنا شرع فيه سجود مفرد وأما ركوع مفرد ~~ففيه نزاع جوزه بعض العلماء بدلا عن سجود التلاوة. وأيضا فقد أخبر الله عن ~~الأنبياء بالسجود المجرد في مثل قوله: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن ~~هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} ولم يكونوا ~~مأمورين بالوضوء فإن الوضوء من خصائص أمة محمد كما جاءت الأحاديث الصحيحة ~~{أنهم # PageV23P167 # يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وأن الرسول يعرفهم بهذه ~~السيماء} فدل على أنه لا يشركهم فيها غيرهم. والحديث الذي رواه ابن ماجه ~~وغيره أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وقال: {هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء قبلي} . حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله ~~وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين ~~بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا؛ ولكن لم يكن لهم تيمم إذا ~~عدموا الماء وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة والحدث الأصغر. ~~والوضوء. فإن قيل: أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء؛ لأن الصلاة ~~كانت تجوز لهم بغير وضوء. قيل: لم يقص الله علينا في القرآن أن أحدا منهم ~~صلى بغير وضوء ونحن إنما نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا وما ~~أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه قص ذلك علينا لنعتبر به. وقال: ~~{أولئك ms7072 الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وكذلك ذكر عن الذين أوتوا العلم من ~~قبله: أنهم {إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا} {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} # PageV23P168 # وقد أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك في القرآن وكما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ} أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول} وقد أجمع المسلمون ~~على وجوب الطهارة للصلاة. يبقى الكلام في مسمى " الصلاة " فإن الذين أوجبوا ~~الطهارة للسجود المجرد اختلفوا فيما بينهم. فقالوا: يسلم منه وقال بعضهم: ~~يكبر تكبيرتين: تكبيرة للافتتاح وتكبيرة للسجود وقال بعضهم: يتشهد فيه وليس ~~معهم لشيء من هذه الأقوال أثر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد ~~من الصحابة؛ بل هو مما قالوه برأيهم لما ظنوه صلاة. وقال بعضهم: لا تكون ~~الصلاة إلا ركعتين وما دون ذلك لا يكون صلاة إلا ركعة الوتر. واحتج بما في ~~السنن عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {صلاة الليل والنهار ~~مثنى مثنى} وهذا القول قاله ابن حزم. ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك لا ~~لصلاة الجنازة ولا لغيرها. وهذا أيضا ضعيف. فإن الحديث ضعيف. والحديث الذي ~~في الصحاح الذي رواه الثقاة قوله: {صلاة الليل مثنى مثنى} وأما قوله: و " ~~النهار " فزيادة انفرد بها البارقي وقد ضعفها أحمد # PageV23P169 # وغيره والمرجع في مسمى الصلاة إلى الرسول. وفي السنن حديث علي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم} . وهذا محفوظ عن ابن مسعود من قوله: فهذا يبين أن " الصلاة " التي ~~مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا يتناول كل ما ~~تحريمه التكبير وتحليله التسليم: كالصلاة التي فيها ركوع وسجود سواء كانت ~~مثنى أو واحدة أو كانت ثلاثا متصلة أو أكثر من ذلك. وهو يتناول صلاة ms7073 ~~الجنازة فإن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. والصحابة أمروا بالطهارة ~~لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه. فقال ~~في (باب سنة الصلاة على الجنازة وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من صلى على ~~الجنازة} وقال: {صلوا على صاحبكم} وقال: {صلوا على النجاشي} سماها صلاة ~~وليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها وفيها تكبير وتسليم وكان ابن عمر ~~لا يصلي إلا طاهرا ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه. وقال ~~تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وفيها صفوف ~~وإمام. وهذه الأمور التي ذكرها كلها منتفية في سجود التلاوة والشكر # PageV23P170 # وسجود الآيات. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع ~~لها الاصطفاف وتقدم الإمام كما يشرع في صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد ~~السلام وسائر الصلوات. ولا سن فيها النبي صلى الله عليه وسلم سلاما لم يرو ~~ذلك عنه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف بل هو بدعة ولا جعل لها تكبير افتتاح ~~وإنما روي عنه أنه كبر فيها إما للرفع وإما للخفض. والحديث في السنن. وابن ~~عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء وهذا قول كثير من العلماء وهو مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده ~~وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف فليس فيه تسليم والكلام جائز فيه وليس ~~فيه اصطفاف وإمام وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلي ولم ~~يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف لكنه كان يطوف ~~متطهرا هو والصحابة وكانوا يصلون ركعتي الطواف بعد الطواف ولا يصلي إلا ~~متطهرا والنهي إنما جاء في طواف الحائض فقال: {الحائض تقضي المناسك كلها ~~إلا الطواف بالبيت} وقد قيل إن ذلك لأجل المسجد وقيل: لأجل الطواف وقيل: ~~لهما. والله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام {وطهر بيتي للطائفين} فاقتضى ~~ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره. # PageV23P171 # وأيضا فإبراهيم والنبيون بعده كانوا يطوفون بغير وضوء ms7074 كما كانوا يصلون ~~بغير وضوء وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها ولم ~~يفرض علينا الوضوء لغيرها كما جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا فحيث ما أدركت ~~المسلم الصلاة فعنده مسجده وطهوره وإن كان جنبا تيمم وصلى ومن قبلنا لم يكن ~~لهم ذلك بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا كما يمنع الجنب ~~من اللبث في المسجد ومن قراءة القرآن. ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا ~~وغير معتكف. ويجوز له قراءة القرآن والمروي فيها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تكبيرة واحدة فإنه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة. # PageV23P172 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة فقرأ سجدة فقام على قدميه ~~وسجد. فهل قيامه أفضل من سجوده. وهو قاعد؟ أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟ ~~. # فأجاب: # بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وكما نقل عن عائشة بل وكذلك سجود الشكر كما ~~روى أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده للشكر قائما ~~وهذا ظاهر في الاعتبار فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد. وقد ثبت {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أحيانا يصلي قاعدا فإذا قرب من الركوع ~~فإنه يركع ويسجد وهو قائم وأحيانا يركع ويسجد وهو قاعد} فهذا قد يكون للعذر ~~أو للجواز ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم دليل على أنه ~~أفضل. إذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من ~~القيام. # PageV23P173 # ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فإنه يصليه ~~حيث كان ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس إذا علم ~~الله من قلبه أنه يفعله سرا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات ~~الإخلاص؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء ms7075 والعمل لأجل ~~الناس شرك. وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة ~~الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته ويشتغل قلبه بسبب ذلك فإن الصلاة ~~كلما كانت أجمع للقلب وأبعد من الوسواس كانت أكمل. ومن نهى عن أمر مشروع ~~بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيه مردود عليه من وجوه: # أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها ~~وبالإخلاص فيها ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه وإن جزمنا أنه يفعلها ~~رياء فالمنافقون الذين قال الله فيهم: {إن المنافقين يخادعون الله وهو ~~خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا} فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يقرونهم على ما ~~يظهرونه من الدين وإن كانوا مرائين ولا ينهونهم عن الظاهر؛ لأن الفساد في ~~ترك إظهار # PageV23P174 # المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء كما أن فساد ترك إظهار الإيمان ~~والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء؛ ولأن الإنكار إنما يقع على ~~الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس. # الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق ~~بطونهم؟} وقد قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرا أحببناه وواليناه عليه ~~وإن كانت سريرته بخلاف ذلك. ومن أظهر لنا شرا أبغضناه عليه وإن زعم أن ~~سريرته صالحة. الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ~~ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا قالوا: ~~هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرا من لمزهم ~~وذمهم فيتعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم ~~وهذا من أعظم المفاسد. # الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو يطعن على من يظهر الأعمال ~~المشروعة قال الله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون ms7076 إلا جهدهم فيسخرون منهم # PageV23P175 # سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حض على ~~الإنفاق عام تبوك جاء بعض الصحابة بصرة كادت يده تعجز من حملها فقالوا: هذا ~~مراء وجاء بعضهم بصاع فقالوا: لقد كان الله غنيا عن صاع فلان فلمزوا هذا ~~وهذا فأنزل الله ذلك وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله ~~والله أعلم. # سئل: # عن الرجل إذا تلي عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء فهل يأثم؟ أو ~~يكفر؛ أو تطلق عليه زوجته؟. # فأجاب: # لا يكفر ولا تطلق عليه زوجته ولكن يأثم عند أكثر العلماء ولكن ذكر بعض ~~أصحاب أبي حنيفة أن من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع. ~~كالصلوات الخمس أنه يكفر بذلك وإذا كفر كان مرتدا. والمرتد عند أبي حنيفة ~~تبين منه زوجته ولكن تكفير هذا ليس منقولا عن أبي حنيفة نفسه ولا عن صاحبيه ~~وإنما هو عن أتباعه وجمهور العلماء على أنه يعزر ولا يكفر إلا إذا استحل ~~ذلك واستهزأ بالصلاة. وأما سجدة التلاوة: فمن العلماء من ذهب إلى أنها تجوز ~~بغير # PageV23P176 # طهارة وما تنازع العلماء في جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق وجمهور العلماء ~~على أن المرتد لا تبين منه زوجته إلا إذا انقضت عدتها ولم يرجع إلى الإسلام ~~والله أعلم. # وسئل: # عن دعاء الاستخارة هل يدعو به في الصلاة؟ أم بعد السلام؟ . # فأجاب: # يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها: قبل السلام وبعده والدعاء قبل ~~السلام أفضل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر دعائه كان قبل السلام ~~والمصلي قبل السلام لم ينصرف فهذا أحسن والله تعالى أعلم. # PageV23P177 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: ### | فصل: # في أوقات النهي والنزاع في ذوات الأسباب # وغيرها، فإن للناس في هذا الباب اضطرابا كثيرا. # فنقول: قد ثبت بالنص والإجماع أن ### | النهي ليس عاما لجميع الصلوات # فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أدرك ~~ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك وفي ms7077 لفظ فليصل إليها أخرى وفي لفظ فيتم ~~صلاته وفي لفظ سجدة} وكلها صحيحة وكذلك قال: {من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فقد أدرك وفي لفظ: فليتم صلاته وفي لفظ فليصل إليها أخرى وفي ~~لفظ: سجدة} وفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس. وفيه ~~أنه إذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت # PageV23P178 # تلك الركعة وهو مأمور بأن يصل إليها أخرى. وهذا الثاني مذهب الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من العلماء. وأما الأول: فهو قول جمهور العلماء يروى عن علي ~~وغير واحد من الصحابة والتابعين وعلى هذا مجموع الصحابة فقد ثبت أن أبا بكر ~~الصديق قرأ في الفجر بسورة البقرة فلما سلم قيل له: كادت الشمس تطلع فقال: ~~لو طلعت لم تجدنا غافلين. فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم ~~يضرهم ذلك ولم تجدهم غافلين بل وجدتهم ذاكرين الله ممتثلين لقوله: {واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من ~~الغافلين} وهذا القول مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن ~~المنذر. وهؤلاء يقولون: يقضي ما نام عنه أو نسيه في أوقات النهي ولكن أبو ~~حنيفة ومن وافقه يقولون: تفسد صلاته لأنها صارت فائتة والفوات عندهم لا ~~يقضى في أوقات النهي بخلاف عصر يومه فإنها حاضرة مفعولة في وقتها. واحتجوا ~~بتأخير الصلاة يوم نام هو وأصحابه عنها حتى طلعت # PageV23P179 # الشمس. وأجاب الجمهور بوجوه. أحدها: أن التأخير كان لأجل المكان؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {هذا واد حضرنا فيه الشيطان} . الثاني: أنه ~~دليل على الجواز لا على الوجوب. الثالث: أن هذا غايته أن يكون فيمن ابتدأ ~~قضاء الفائتة. أما من صلى ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الوقت. كما قال: ~~{فقد أدرك} والثانية تفعل تبعا كما يفعله المسبوق إذا أدرك ركعة. قالوا: ~~وهذا أولى بالعذر من العصر إلى الغروب؛ لأن الغروب مشهود يمكنه أن يصلي ~~قبله. وأما الطلوع فهو قبل أن تطلع لا يعلم متى تطلع. فإذا ms7078 صلى صلى في ~~الوقت؛ ولهذا لا يأثم من أخر الصلاة حتى يفرغ منها قبل الطلوع كما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث المواقيت " أنه سلم في اليوم الثاني ~~والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت ". وقال في الحديث الصحيح: {وقت الفجر ~~ما لم تطلع الشمس} وقال: {وقت العصر ما لم تصفر الشمس} وفي لفظ: {ما لم ~~تضيف للغروب} فمن صلى قبل طلوع الشمس جميع صلاة الفجر فلا إثم عليه ومن صلى ~~العصر وقت الغروب من غير عذر فهو آثم. كما في الحديث الصحيح {تلك صلاة ~~المنافق تلك صلاة المنافق؛ يرقب الشمس حتى # PageV23P180 # إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} . ~~لكن جعله الرسول مدركا للوقت وهو وقت الضرورة في مثل النائم إذا استيقظ ~~والحائض إذا طهرت والكافر إذا أسلم والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا فأما ~~من أمكنه قبل ذلك فهو آثم بالتأخير إليه وهو من المصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون ولكن فعلها في ذلك الوقت خير من تفويتها؛ فإن تفويتها من الكبائر. ~~وفي الصحيحين عنه أنه قال: {من فاتته الصلاة: صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله} وأما المصلي قبل طلوع الشمس فلا إثم عليه فإذا كان من صلى ركعة بعد ~~غروب الشمس فمن صلى ركعة قبل طلوعها أو قد صلاها قبل أن يطلع شيء منها فهو ~~وقولهم: إن ذلك يصلي الثانية في وقت جواز بعد الغروب بخلاف الأول. فإنه ~~يصلي الثانية وقت نهي. يقال: الكلام في الأمرين لم جوزتم له أن يصلي العصر ~~وقت النهي مع أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV23P181 # إنما جعل وقت العصر ما لم تغرب الشمس أو تضيف للغروب ولم تجوزوا فعل ~~الفجر وقت النهي؟ الثاني: أن مصلي العصر وإن صلى الثانية في غير وقت نهي ~~فمصلي الفجر صلى الأولى في غير وقت نهي ثم إنه ترجح عليه بأنه صلى الأولى ~~في وقتها بلا ذم ولا نهي؛ بخلاف مصلي العصر فإنه إنما صلى الأولى مع الذم ms7079 ~~والنهي. وبكل حال فقد دل الحديث واتفاقهم: على أنه لم ينه عن كل صلاة؛ بل ~~عصر يومه تفعل وقت النهي بالنص واتفاقهم. وكذلك الثانية من الفجر تفعل ~~بالنص مع قول الجمهور. فإن قيل فهو مذموم على صلاة العصر وقت النهي فكيف ~~يقولون: لم ينه قبل الذم؟ إنما هو لتأخيرها إلى هذا الوقت ثم إذا عصى ~~بالتأخير أمر أن يصليها في هذا الوقت ولا يفوتها فإن التفويت أعظم إثما؛ ~~ولا يجوز بحال من الأحوال وكان أن يصليها مع نوع من الإثم خيرا من أن ~~يفوتها فيلزمه من الإثم ما هو أعظم من ذلك. والشارع دائما يرجح خير الخيرين ~~بتفويت أدناهما؛ ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما وهذا كمن معه ماء في ~~السفر هو محتاج إليه لطهارته يؤمر بأن يتطهر به فإن أراقه عصى وأمر بالتيمم ~~وكانت صلاته # PageV23P182 # بالتيمم خيرا من تفويت الصلاة؛ لكن في وجوب الإعادة عليه قولان هما وجهان ~~في مذهب أحمد وغيره. ومفوت الوقت لا تمكنه الإعادة. كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع. وبكل حال فقد دل النص مع اتفاقهم على أن النهي ليس شاملا لكل صلاة ~~وقد احتج الجمهور على قضاء الفوائت في وقت النهي بقوله في الحديث الصحيح ~~المتفق عليه: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ~~ذلك} وفي حديث أبي قتادة المتفق عليه واللفظ لمسلم: {ليس في النوم تفريط ~~إنما التفريط في اليقظة: على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ~~ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها} فقد أمره ~~بالصلاة حين ينتبه وحين يذكر وهذا يتناول كل وقت. وهذا العموم أولى من عموم ~~النهي؛ لأنه قد ثبت أن ذاك لم يتناول الفرض؛ لا أداء ولا قضاء لم يتناول ~~عصر يومه ولم يتناول الركعة الثانية من الفجر؛ ولأنه إذا استيقظ أو ذكر فهو ~~وقت تلك الصلاة فكان فعلها في وقتها كفعل عصر يومه في وقتها مع أن هذا ~~معذور وذاك غير معذور لكن ms7080 يقال: هذا المفوت لو أخرها حتى يزول وقت النهي لم ~~يحصل له تفويت ثان بخلاف العصر فإنه لو لم يصلها لفاتت وكذلك الثانية من ~~الفجر. # PageV23P183 # فيقال: هذا يقتضي جواز تأخيرها لمصلحة راجحة كما أخرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: {هذا واد حضرنا فيه الشيطان} ومثل أن يؤخرها حتى يتطهر ~~غيره ويصلوها جماعة كما صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر لما ~~ناموا عنها بخلاف الفجر والعصر الحاضرة فإنه لا يجوز تفويتها بحال من ~~الأحوال. وهذا الذي بيناه يقتضي أنه لا عموم لوقت طلوع الشمس ووقت غروبها ~~فغيرهما من المواقيت أولى وأحرى. # فصل: # وروى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يا بني عبد ~~مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار} ~~رواه أهل السنن. وقال الترمذي حديث صحيح. واحتج به الأئمة الشافعي وأحمد ~~وأبو ثور وغيرهم وأخذوا به وجوزوا الطواف والصلاة بعد الفجر والعصر كما روي ~~عن ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من الصحابة والتابعين. وأما في الأوقات ~~الثلاثة فعن أحمد فيه روايتان. وآخرون من أهل العلم كأبي حنيفة ومالك ~~وغيرهما لا يرون ركعتي الطواف في # PageV23P184 # وقت النهي والحجة مع أولئك من وجوه: أحدها: أن قوله: {لا تمنعوا أحدا طاف ~~بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار} عموم مقصود في الوقت فكيف ~~يجوز أن يقال: إنه لم يدخل في ذلك المواقيت الخمسة الثاني: أن هذا العموم ~~لم يخص منه صورة لا بنص ولا إجماع وحديث النهي مخصوص بالنص والإجماع ~~والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. الثالث: أن البيت ما زال الناس ~~يطوفون به ويصلون عنده من حين بناه إبراهيم الخليل وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به ويصلون عنده وكذلك لما فتحت مكة ~~كثر طواف المسلمين به وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف منهيا عنها في ~~الأوقات الخمسة لكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك نهيا عاما ms7081 لحاجة ~~المسلمين إلى ذلك ولكان ذلك ينقل ولم ينقل مسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن ذلك مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل. الرابع: أن في النهي ~~تعطيلا لمصالح ذلك من الطواف والصلاة. # PageV23P185 # الخامس: أن النهي إنما كان لسد الذريعة وما كان لسد الذريعة فإنه يفعل ~~للمصلحة الراجحة وذلك أن الصلاة في نفسها من أفضل الأعمال وأعظم العبادات ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير ~~أعمالكم الصلاة} فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي ولكن وقت الطلوع ~~والغروب الشيطان يقارن الشمس وحينئذ يسجد لها الكفار فالمصلي حينئذ يتشبه ~~بهم في جنس الصلاة. فالسجود وإن لم يكونوا يعبدون معبودهم ولا يقصدون ~~مقصودهم لكن يشبههم في الصورة فنهى عن الصلاة في هاتين الوقتين سدا للذريعة ~~حتى ينقطع التشبه بالكفار ولا يتشبه بهم المسلم في شركهم كما نهى عن الخلوة ~~بالأجنبية والسفر معها والنظر إليها لما يفضي إليه من الفساد ونهاها أن ~~تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم وكما نهى عن سب آلهة المشركين؛ لئلا يسبوا ~~الله بغير علم وكما نهى عن أكل الخبائث لما يفضي إليه من حيث التغذية الذي ~~يقتضي الأعمال المنهي عنها وأمثال ذلك. # ثم إن ### | ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة # كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعها كسفرها من دار ~~الحرب مثل سفر أم كلثوم وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن # PageV23P186 # المعطل فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة فإذا كان مقتضيا ~~للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيا إلى المفسدة. وهذا موجود في التطوع المطلق ~~فإنه قد يفضي إلى المفسدة وليس الناس محتاجين إليه في أوقات النهي لسعة ~~الأوقات التي تباح فيها الصلاة بل في النهي عنه بعض الأوقات مصالح أخر من ~~إجمام النفوس بعض الأوقات من ثقل العبادة كما يجم بالنوم وغيره. ولهذا قال ~~معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ومن تشويقها وتحبيب الصلاة إليها ~~إذا منعت منها وقتا فإنه ms7082 يكون أنشط وأرغب فيها فإن العبادة إذا خصت ببعض ~~الأوقات نشطت النفوس لها أعظم مما تنشط للشيء الدائم. ومنها: أن الشيء ~~الدائم تسأم منه وتمل وتضجر فإذا نهى عنه بعض الأوقات زال ذلك الملل إلى ~~أنواع أخر من المصالح في النهي عن التطوع المطلق ففي النهي دفع لمفاسد وجلب ~~لمصالح من غير تفويت مصلحة. وأما ما كان له سبب فمنها ما إذا نهى عنه فاتت ~~المصلحة وتعطل على الناس من العبادة والطاعة وتحصيل الأجر والثواب والمصلحة ~~العظيمة في دينهم ما لا يمكن استدراكه كالمعادة مع إمام الحي وكتحية المسجد ~~وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ونحو ذلك. # PageV23P187 # ومنها ما تنقص به المصلحة كركعتي الطواف لا سيما للقادمين وهم يريدون أن ~~يغتنموا الطواف في تلك الأيام والطواف لهم ولأهل البلد طرفي النهار. الوجه ~~السادس: أن يقال: ذوات الأسباب إنما دعا إليها داع؛ لم تفعل لأجل الوقت؛ ~~بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له وحينئذ فمفسدة النهي إنما تنشأ مما لا ~~سبب له دون ما له السبب ولهذا قال في حديث ابن عمر: {لا تتحروا بصلاتكم ~~طلوع الشمس ولا غروبها} وهذه الوجوه التي ذكرناها تدل أيضا على قضاء ~~الفوائت في أوقات النهي. # فصل: # والمعادة: إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد تعاد في وقت النهي عند ~~الجمهور: كمالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وغيرهم. وأبو حنيفة وغيره جعلوها ~~مما نهي عنه واحتج الأكثرون بثلاثة أحاديث: # PageV23P188 # أحدها: حديث جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: {شهدت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب ~~فلما قضى صلاته. إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال: علي بهما ~~فأتي بهما ترعد فرائصهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول ~~الله قد صلينا في رحالنا. قال: لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما ~~مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} رواه أهل السنن. كأبي داود ~~والترمذي وغيرهما وأحمد والأثرم. والثاني: ما رواه مالك ms7083 في الموطأ عن زيد ~~بن أسلم عن بشر بن محجن عن أبيه: {أنه كان جالسا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأذن للصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم رجع ومحجن في ~~مجلسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل ~~مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت} وهذا يدل بعمومه ~~والأول صريح في الإعادة بعد الفجر. الثالث: ما روى مسلم في الصحيح عن أبي ~~ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم {كيف أنت إذا كانت عليك أمراء # PageV23P189 # يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت فما تأمرني؟ ~~قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة} وفي رواية له ~~{قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب فخذي: كيف أنت إذا بقيت في قوم ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها ثم اذهب ~~لحاجتك فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل} وفي رواية لمسلم أيضا {صل ~~الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي} وهذه ~~النصوص تتناول صلاة الظهر والعصر قطعا فإنهما هما اللتان كان الأمراء ~~يؤخرونهما؛ بخلاف الفجر فإنهم لم يكونوا يصلونها بعد طلوع الشمس وكذلك ~~المغرب لم يكونوا يؤخرونها ولكن كانوا يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع ~~الغروب. وحينئذ فقد أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ثم يصليها معهم بعد أن ~~صلاها ويجعلها نافلة وهو في وقت نهي لأنه قد صلى العصر؛ ولأنهم قد يؤخرون ~~العصر إلى الاصفرار فهذا صريح بالإعادة في وقت النهي. # PageV23P190 # فصل: # والصلاة على الجنازة بعد الفجر وبعد العصر. # قال ابن المنذر: إجماع المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد الفجر وبعد ~~العصر وتلك الأنواع الثلاثة لم يختلف فيها قول أحمد أنها تفعل في أوقات ~~النهي؛ لأن فيها أحاديث خاصة ms7084 تدل على جوازها في وقت النهي فلهذا استثناها ~~واستثنى الجنازة في الوقتين لإجماع المسلمين. # وأما سائر ذوات الأسباب: مثل تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ~~ومثل ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة ومثل الصلاة على الجنازة في الأوقات ~~الثلاثة. فاختلف كلامه فيها. والمشهور عنه النهي وهو اختيار كثير من ~~أصحابه: كالخرقي والقاضي وغيرهما وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. لكن أبو حنيفة ~~يجوز السجود بعد الفجر والعصر لا واجب عنده. والرواية الثانية: جواز جميع ~~ذوات الأسباب وهي اختيار أبي الخطاب وهذا مذهب الشافعي وهو الراجح في هذا ~~الباب لوجوه: # PageV23P191 # منها: أن تحية المسجد قد ثبت الأمر بها في الصحيحين عن أبي قتادة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين. قبل أن ~~يجلس} وعنه قال: {دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ~~ظهراني الناس قال: فجلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن ~~تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسا والناس جلوس قال: ~~فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين} فهذا فيه الأمر بركعتين ~~قبل أن يجلس والنهي عن أن يجلس حتى يركعهما وهو عام في كل وقت عموما محفوظا ~~لم يخص منه صورة بنص ولا إجماع. وحديث النهي قد عرف أنه ليس بعام والعام ~~المحفوظ مقدم على العام المخصوص فإن هذا قد علم أنه ليس بعام بخلاف ذلك فإن ~~المقتضي لعمومه قائم لم يعلم أنه خرج منه شيء. الوجه الثاني: ما أخرجا في ~~الصحيحين عن جابر قال: {جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ~~فقال: صليت يا فلان؟ قال: لا قال: قم فاركع وفي رواية فصل ركعتين} ولمسلم ~~قال: ثم قال: {إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ~~وليتجوز فيهما} وأحمد أخذ بهذا الحديث بلا خلاف عنه هو وسائر فقهاء الحديث. ~~كالشافعي وإسحاق وأبي ثور # PageV23P192 # وابن المنذر كما روي عن غير واحد من السلف مثل الحسن ومكحول وغيرهما. ~~وكثير ms7085 من العلماء لم يعرفوا هذا الحديث فنهوا عن الصلاة وقت الخطبة؛ لأنه ~~وقت نهي كما نقل عن شريح والنخعي وابن سيرين وهو قول أبي حنيفة والليث ~~ومالك والثوري. وهو قياس قول من منع تحية المسجد وقت النهي فإن الصلاة ~~والخطيب على المنبر أشد نهيا؛ بل هو منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع وإذا ~~قال لصاحبه أنصت فقد لغا فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في وقت الخطبة فهو ~~في سائر الأوقات أولى بالأمر. وقد احتج بعض أصحابنا: أنه إذا دخل المسجد في ~~غير وقت النهي عن الصلاة يسن له الركوع لقوله: {إذا دخل أحدكم المسجد ~~والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} وقالوا تنقطع الصلاة بجلوس الإمام ~~على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد ويوجز وهذا تناقض بين ~~بل إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتحية في هذا الموضع وهو وقت ~~نهي عن الصلاة وغيرها مما يشغل عن الاستماع؛ فأوقات النهي الباقية أولى ~~بالجواز. يبين ذلك أنه في هذه الحال لا يصلى على جنازة؛ ولا يطاف # PageV23P193 # بالبيت ولا يصلي ركعتا الطواف والإمام يخطب. فدل على أن النهي هنا أوكد ~~وأضيق منه بعد الفجر والعصر فإذا أمر هنا بتحية المسجد فالأمر بها هناك ~~أولى وأحرى. وهذا بين واضح ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوجه الثالث: أن ~~يقال: قد ثبت استثناء بعض الصلوات من النهي: كالعصر الحاضرة وركعتي الفجر ~~والفائتة وركعتي الطواف. والمعادة في المسجد فقد ثبت انقسام الصلاة أوقات ~~النهي إلى منهي عنه ومشروع غير منهي عنه فلا بد من فرق بينهما إذا كان ~~الشارع لا يفرق بين المتماثلين فيجعل هذا مأمورا وهذا محظورا. والفرق ~~بينهما إما أن يكون المأذون فيه له سبب فالمصلي صلاة السبب صلاها لأجل ~~السبب لم يتطوع تطوعا مطلقا ولو لم يصلها لفاته مصلحة الصلاة كما يفوته إذا ~~دخل المسجد ما في صلاة التحية من الأجر وكذلك يفوته ما في صلاة الكسوف كذلك ~~يفوته ما في سجود التلاوة وسائر ذوات ms7086 الأسباب. وإما أن يكون الفرق شيئا آخر ~~فإن كان الأول: حصل المقصود من الفرق بين ذوات الأسباب وغيرها. وإن كان ~~الثاني قيل لهم: فأنتم لا تعلمون الفرق بل قد علمتم أنه نهى عن بعض ورخص في ~~بعض ولا تعلمون الفرق فلا يجوز لكم أن تتكلموا في سائر موارد # PageV23P194 # النزاع لا بنهي ولا بإذن؛ لأنه يجوز أن يكون الفرق الذي فرق به الشارع في ~~صورة النص فأباح بعضا وحرم بعضا متناولا لموارد النزاع إما نهيا عنه وإما ~~إذنا فيه وأنتم لا تعلمون واحدا من النوعين فلا يجوز لكم أن تنهوا إلا عما ~~علمتم أنه نهى عنه؛ لانتفاء الوصف المبيح عنه ولا تأذنوا إلا فيما علمتم ~~أنه أذن فيه؛ لشمول الوصف المبيح له. وأما التحليل والتحريم بغير أصل مفرق ~~عن صاحب الشرع فلا يجوز. فإن قيل: أحاديث النهي عامة فنحن نحملها على ~~عمومها إلا ما خصه الدليل فما علمنا أنه مخصوص لمجيء نص خاص فيه خصصناها به ~~وإلا أبقيناها على العموم. قيل: هذا إنما يستقيم أن لو كان هذا العام ~~المخصوص لم يعارضه عمومات محفوظة أقوى منه وأنه لما خص منه صور علم ~~اختصاصها بما يوجب الفرق فلو ثبت أنه عام خص منه صور لمعنى منتف من غيرها ~~بقي ما سوى ذلك على العموم فكيف وعمومه منتف وقد عارضه أحاديث خاصة وعامة ~~عموما محفوظا وما خص منه لم يختص بوصف يوجب استثناءه دون غيره بل غيره ~~مشارك له في الوصف الموجب لتخصيصه أو أولى منه بالتخصيص. # PageV23P195 # وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتي الطواف فإنه ~~يمكن تأخير الطواف بخلاف تحية المسجد فإنها لا تمكن؛ ثم الرجل إذا دخل وقت ~~نهي إن جلس ولم يصل كان مخالفا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم مفوتا هذه ~~المصلحة إن لم يكن آثما بالمعصية وإن بقي قائما أو امتنع من دخول المسجد ~~فهذا شر عظيم. ومن الناس من يصلي سنة الفجر في بيته ثم يأتي إلى المسجد ~~فالذين يكرهون التحية: منهم من يقف ms7087 على باب المسجد حتى يقيم فيدخل يصلي ~~معهم ويحرم نفسه دخول بيت الله في ذلك الوقت الشريف وذكر الله فيه. ومنهم ~~من يدخل ويجلس ولا يصلي فيخالف الأمر وهذا ونحوه مما يبين قطعا أن المسلمين ~~مأمورون بالتحية في كل وقت وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفي النهار ولو ~~كانوا منهيين عن تحية المسجد حينئذ لكان هذا مما يظهر نهي الرسول عنه فكيف ~~وهو قد أمرهم إذا دخل أحدهم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين أليس في أمرهم بها في هذا الوقت تنبيها على غيره من الأوقات؟ الوجه ~~الرابع: ما قدمناه من أن النهي كان لسد ذريعة الشرك وذوات الأسباب فيها ~~مصلحة راجحة والفاعل يفعلها لأجل السبب لا يفعلها مطلقا فتمتنع فيه ~~المشابهة. # PageV23P196 # الوجه الخامس: أنه قد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قضى ركعتي الظهر بعد العصر} وهو قضاء النافلة في وقت النهي مع إمكان قضائها ~~في غير ذلك الوقت فالنوافل التي إذا لم تفعل في أوقات النهي تفوت هي أولى ~~بالجواز من قضاء نافلة في هذا الوقت مع إمكان فعلها في غيره لا سيما إذا ~~كانت مما أمر به: كتحية المسجد وصلاة الكسوف وقد اختار طائفة من أصحاب أحمد ~~منهم أبو محمد المقدسي أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر ولا تقضى في سائر ~~أوقات النهي. كالأوقات الثلاثة. وذكر أن مذهب أحمد: أن قضاء سنة الفجر جائز ~~بعدها إلا أن أحمد اختار أن يقضيها من الضحى. وقال الإمام أحمد: إن صلاهما ~~بعد الفجر أجزأه؛ وأما أنا فأختار ذلك وذكر في قضاء الوتر بعد طلوع الفجر ~~أن المنصوص عن أحمد أنه يفعله. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل: أيوتر ~~الرجل بعد ما يطلع الفجر؟ قال: نعم قال: وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ~~وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة ~~وعبد الله بن عامر بن ربيعة. وهو أيضا مروي عن علي بن أبي طالب. وأنه لما ~~ذكر ms7088 له عن أبي موسى أنه قال: من أوتر بعد المؤذن لأوتر له وسألوا عليا. ~~قال: أعرف: يوتر ما بينه وبين الصلاة وأنكر # PageV23P197 # ذلك ولم يذكر نزاعا إلا عن أبي موسى مع أنه لا ينبغي بعد الفجر. قال: ~~وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر وإنما فيه حديث ~~أبي وقد احتج أحمد بحديث أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر} ~~وهذا مذهب مالك والشافعي والجمهور. قال مالك: من فاتته صلاة الليل فله أن ~~يصلي بعد الفجر قبل أن يصلي الصبح قال: وحكاه ابن أبي موسى [الخرقي] (*) في ~~" الإرشاد " مذهبا لأحمد قياسا على الوتر. قلت: وهذا الذي اختاره لا يناقض ~~ما ذكره الخرقي وغيره من قدماء الأصحاب فإنه ذكر إباحة الأنواع الأربعة في ~~جميع أوقات النهي: قضاء الفوائت وركعتي الطواف وإذا أقيمت الصلاة وهو في ~~المسجد وصلاة الجنازة ولكن ذكر النهي عن الكسوف وسجود التلاوة في بابهما. ~~فلم ينه عن قضاء السنن في أوقات النهي. فاختار الشيخ أبو محمد وطائفة من ~~أصحاب أحمد: أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر ولا تقضى في سائر أوقات النهي ~~ولا يفعل غيرها من ذوات الأسباب كالتحية وصلاة الكسوف وصلاة الاستخارة ~~PageV23P198 # وصلاة التوبة وسنة الوضوء وسجود التلاوة لا في هذا الوقت؛ ولا في غيره؛ ~~لأنهم وجدوا القضاء فيها قد ثبت بالأحاديث الصحيحة قالوا: والنهي في هذا ~~الوقت أخف من غيره لاختلاف الصحابة فيه فلا يلحق به سائر الأوقات والرواتب ~~لها مزية وهذا الفرق ضعيف فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحية المسجد ~~وأمره بصلاة الكسوف وسجود التلاوة أقوى من قضاء سنة فائتة فإذا جاز هذا ~~فذاك أجوز فإن قضاء السنن ليس فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا ~~أمر بنفس السنة: سنة الظهر لكنه فعلها وداوم عليها وقضاها لما فاتته. وما ~~أمر به أمته لا سيما وكان هو أيضا يفعله فهو أوكد مما فعله ms7089 ولم يأمرهم به. ~~فإذا جاز لهم فعل هذا في أوقات النهي ففعل ذاك أولى وإذا جاز قضاء سنة ~~الظهر بعد العصر فقضاء سنة الفجر بعد الفجر أولى فإن ذاك وقتها وإذا أمكن ~~تأخيرها إلى طلوع الشمس أمكن تأخير تلك إلى غروب الشمس وقد كانوا يصلون بين ~~أذان المغرب وإقامتها وهو صلى الله عليه وسلم يراهم ويقرهم على ذلك: وقال: ~~{بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء} كراهية أن يتخذها الناس ~~سنة ". # PageV23P199 # فصل: # والنهي في العصر معلق بصلاة العصر: فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان غيره ~~لم يصل وما لم يصلها فله أن يصلي وهذا ثابت بالنص والاتفاق؛ فإن النهي معلق ~~بالفعل. # وأما الفجر: ففيها نزاع مشهور وفيه عن أحمد روايتان: # قيل: إنه معلق بطلوع الفجر فلا يتطوع بعده بغير الركعتين وهو قول طائفة ~~من السلف ومذهب أبي حنيفة. قال النخعي كانوا يكرهون التطوع بعد الفجر. # وقيل: إنه معلق بالفعل كالعصر. وهو قول الحسن والشافعي فإنه لم يثبت ~~النهي إلا بعد الصلاة كما في العصر. وأحاديث النهي تسوي بين الصلاتين كما ~~في الصحيحين عن ابن عباس قال: " شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ~~وبعد العصر حتى تغرب} # PageV23P200 # وكذلك فيهما عن أبي هريرة ولفظه: {وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ~~وبعد العصر حتى تغرب} وفيهما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب ~~الشمس} ولمسلم {لا صلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر} وفي صحيح مسلم ~~حديث عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله: أخبرني عن الصلاة قال: {صل صلاة ~~الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع حين تطلع بين قرني ~~شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل ~~الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنه ms7090 حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل ~~فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ~~فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار} . والأحاديث المختصة ~~بوقت الطلوع والغروب وبالاستواء: حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس ~~فأخروا الصلاة حتى تغيب} هذا اللفظ لمسلم وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر ~~قال: {ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو ~~نقبر فيهن. موتانا: حين تطلع # PageV23P201 # الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف الشمس ~~للغروب حتى تغرب} . ووقت الزوال ليس في عامة الأحاديث ولم يذكر حديثه ~~البخاري؛ لكن رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر ومن حديث عمرو بن عبسة ~~وتابعهما الصنابحي. وعلى هذه الثلاثة اعتمد أحمد ولما ذكر له الرخصة في ~~الصلاة نصف النهار يوم الجمعة قال: في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ثلاثة أوجه: حديث عقبة بن عامر وحديث عمرو بن عبسة وحديث الصنابحي. والخرقي ~~لم يذكره في أوقات النهي بل قال: ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض ويركع ~~للطواف وإن كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلى في كل وقت نهي عن ~~الصلاة فيه وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. وهذا يقتضي ~~أنه ليس وقت نهي إلا هذان ويقتضي أن ما أباحه يفعل في أوقات النهي كإحدى ~~الروايتين ويقتضي أن النهي معلق بالفعل فإنه قال: بعد الفجر حتى تطلع الشمس ~~ولم يقل الفجر ولو كان النهي من حين طلوع الفجر لاستثنى الركعتين بل استثنى ~~الفرض والنفل. وهذه ألفاظ الرسول فإنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع ~~الشمس كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. # PageV23P202 # ومعلوم أنه لو أراد الوقت لاستثنى ركعتي الفجر والفرض كما ورد استثناء ~~ذلك في ما نهى عنه حيث قال: {لا صلاة بعد ms7091 الفجر إلا سجدتين} فلما لم يذكر ~~ذلك في الأحاديث علم أنه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرا في أحاديث صحيحة. ~~ولأنه يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهي وما بعد ~~الفجر وقت صلاة الفجر سنتها وفرضها فكيف يجوز أن يقال: إن هذا وقت نهي؟ وهل ~~يكون وقت نهي سن فيه الصلاة دائما بلا سبب؟ وأمر بتحري الصلاة فيه؟ هذا ~~تناقض مع أن هذا الوقت جعل وقتا للصلاة إلى طلوع الشمس ليس كوقت العصر الذي ~~جعل آخر الوقت فيه إذا اصفرت الشمس. والنهي هو لأن الكفار يسجدون لها وهذا ~~لا يكون من طلوع الفجر ولهذا كان الأصل في النهي عند الطلوع والغروب كما في ~~حديث ابن عمر لكن نهى عن الصلاة بعد الصلاتين سدا للذريعة فإن المتطوع قد ~~يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب. والنهي في هذين أخف ولهذا كان ~~يداوم على الركعتين بعد العصر حتى قبضه الله. فأما قبل صلاة الفجر فلا وجه ~~للنهي لكن لا يسن ذلك الوقت إلا الفجر سنتها وفرضها. ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي بالليل ويوتر ثم إذا طلع الفجر صلى الركعتين ثم صلى ~~الفرض وكان يضطجع أحيانا # PageV23P203 # ليستريح إما بعد الوتر وإما بعد ركعتي الفجر وكان إذا غلبه من الليل نوم ~~أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة بدل قيامه من الليل ولم يكن يقضي ذلك ~~قبل صلاة الفجر؛ لأنه لم يكن يتسع لذلك فإن هذه الصلاة فيها طول وكان يغلس ~~بالفجر. وفي الصحيح {من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ~~كتب له كأنما قرأه من الليل} ومعلوم أنه لو أمكن قراءة شيء منه قبل صلاة ~~الفجر كان أبلغ لكن إذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنما قرأه من الليل فإن ~~هذا الوقت تابع لليلة الماضية ولهذا يقال فيما قبل الزوال: فعلناه الليلة. ~~ويقال بعد الزوال: فعلناه البارحة وهو وقت الضحى وهو خلف عن قيام الليل. ~~ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم ms7092 إذا نام عن قيامه قضاه من الضحى فيصلي ~~اثنتي عشرة ركعة} . وقد جاء هذا عن عمر وغيره من الصحابة في قوله: {وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} . فما بعد ~~طلوع الفجر إنما سن للمسلمين السنة الراتبة وفرضها الفجر وما سوى ذلك لم ~~يسن ولم يكن منهيا عنه إذا لم يتخذ سنة كما في الحديث الصحيح: {بين كل ~~أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء} . كراهية أن ~~يتخذها الناس سنة. # PageV23P204 # فهذا فيه إباحة الصلاة بين كل أذانين كما {كان الصحابة يصلون ركعتين بين ~~أذاني المغرب والنبي صلى الله عليه وسلم يراهم ويقرهم على ذلك} فكذلك ~~الصلاة بين أذاني العصر والعشاء كذلك بين أذاني الفجر والظهر لكن بين أذاني ~~الفجر الركعتان سنة بلا ريب وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة فلا يداوم عليه ~~ويؤمر به جميع المسلمين كما هو حال السنة فإن السنة تعم المسلمين ويداوم ~~عليها كما أنهم كلهم مسنون لهم ركعتا الفجر والمداومة عليها. فإذا قيل: لا ~~سنة بعد طلوع الفجر إلا ركعتان فهذا صحيح وأما النهي العام فلا. والإنسان ~~قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلي في هذا الوقت وقد استحب السلف له قضاء ~~وتره بل وقيامه من الليل في هذا الوقت وذلك عندهم خير من أن يؤخره إلى ~~الضحى. # فصل: # وللناس في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وغيرها أقوال: قيل بالنهي مطلقا ~~وهو المشهور عن أحمد. وقيل: الإذن مطلقا كما اقتضاه كلام الخرقي ويروى عن ~~مالك. وقيل: بالفرق بين الجمعة وغيرها وهو مذهب الشافعي وأباحه فيها عطاء ~~في الشتاء دون الصيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمرو بن ~~عبسة " {ثم بعد طلوعها صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل # PageV23P205 # الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء ~~فصل} . فعلل النهي حينئذ بأنه حينئذ تسجر جهنم. وفي الطلوع والغروب بمقارنة ~~الشيطان فقال: " {ثم اقصر عن الصلاة حتى ms7093 تطلع فإنها تطلع بين قرني شيطان} ~~وفي الغروب قال: " {ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان} ~~. وأما مقارنة الشيطان لها حين الاستواء فليس في شيء من الحديث إلا في حديث ~~الصنابحي. قال: " {إنها تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت قارنها ثم إذا ~~استوت قارنها فإذا زالت قارنها وإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت قارنها} ~~فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات. لكن الصنابحي ~~قد قيل: إنه لم تثبت له صحبة فلم يسمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بخلاف حديث عمرو بن عبسة فإنه صحيح سمعه منه. ويؤيد هذا أن عامة الأحاديث ~~ليس فيها إلا النهي وقت الطلوع ووقت الغروب أو بعد الصلاتين. فدل على أن ~~النهي نصف النهار نوع آخر له علة غير علة ذينك الوقتين. يوضح هذا: أن ~~الكفار يسجدون لها وقت الطلوع ووقت # PageV23P206 # الغروب كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فأما سجودهم لها قبل الزوال ~~فهذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ولم يعلل به. وأيضا: فإن ضبط ~~هذا الوقت متعسر فقد ثبت في الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم " {إذا اشتد ~~الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم} وهذا حديث اتفق العلماء ~~على صحته وتلقيه بالقبول فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم وهذا موافق لقوله: ~~" {فإنه حينئذ تسجر جهنم} وأمر بالإبراد فدل على أن الصلاة منهي عنها عند ~~شدة الحر؛ لأنه من فيح جهنم. ففي الصيف تسجر نصف النهار فيكون النهي عن ~~الصلاة نصف النهار في الحر وهو يؤمر بأن يؤخر الصلاة عن الزوال حتى يبرد ~~لكن إذا زالت الشمس فاءت الأفياء فطالت الأظلة بعد تناهي قصرها وهذا مشروع ~~في الإبراد فلهذا كانت الصلاة جائزة من حين الزوال كما في حديث عمرو بن ~~عبسة: " {ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل} فدل ~~على أن الصلاة مشروعة من حين يقبل الفيء فيفيء الظل: أي ms7094 يرجع من جهة المغرب ~~إلى جهة المشرق ويرجع في الزيادة بعد النقصان. ولهذا قالوا: إن لفظ الفيء ~~مختص بما بعد الزوال لما فيه من # PageV23P207 # معنى الرجوع. ولفظ الظل يتناول هذا وهذا فإنه قبل طلوع الشمس يكون الظل ~~ممتدا كما قال تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا} ثم ~~إذا طلعت الشمس كانت عليه دليلا فتميز الظل عن الضحى ونسخت الشمس الظل لا ~~تزال تنسخه وهو يقصر إلى الزوال فإذا زالت فإنه يعاد ممتدا إلى المشرق حيث ~~ابتدأ بعد أن كان أول ما نسخته عن المشرق ثم عن المغرب ثم تفيء إلى المشرق ~~ثم المغرب ولم يزل يمتد ويطول إلى أن تغرب فينسخ الظل جميع الشمس. فلهذا ~~قال في حديث عمرو بن عبسة: " {ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا ~~أقبل الفيء فصل} . وعلى هذا فمن رخص في الصلاة يوم الجمعة قال: إنها لا ~~تسجر يوم الجمعة كما قد روي وقالوا: إنه لا يستحب الإبراد يوم الجمعة بل ~~يجوز عقب الزوال بالسنة الصحيحة واتفاق الناس وفي الإبراد مشقة للخلق. ~~ويجوز عند أحمد وغيره أن يصلي وقت الزوال كما فعله غير واحد من الصحابة ~~فكيف يكون وقت نهي والجمعة جائزة فيه والفرائض المؤداة لا تشرع في وقت ~~النهي لغير عذر كما قلنا في الفجر فإن هذا تناقض. وبالجملة جواز الصلاة وقت ~~الزوال يوم الجمعة على أصل أحمد أظهر منه على أصل غيره فإنه يجوز الجمعة ~~وقت الزوال ولا يجعل # PageV23P208 # ذلك وقت نهي بل قد قيل في مذهبه: أنها لا تجوز إلا في ذلك الوقت وهو ~~الوقت الذي هو وقت نهي في غيرها. فعلم الفرق بين الجمعة وغيرها وكما أن ~~الإبراد المأمور به في غيرها لا يؤمر به فيها بل ينهى عنه وهو معلل بأن شدة ~~الحر من فيح جهنم فكذلك قد علل بأنه حينئذ تسجر جهنم. وهذا من جنس قوله: " ~~{فإن شدة الحر من فيح جهنم} . وإذا كانت مختصة بما سوى يوم الجمعة: فكذلك ~~الأخرى ms7095 وعلى مقتضى هذه العلة لا ينهى عن الصلاة وقت الزوال لا في الشتاء ~~ولا يوم الجمعة ويؤيد ذلك ما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم " {إنه ~~نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة} وهو أرجح مما احتجوا به على أن ~~النهي في الفجر معلق بالوقت. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما. # PageV23P209 ### | فصل: # في أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي. # فقد كتبنا فيما تقدم في الإسكندرية وغيرها كلاما مبسوطا: في أن هذا أصح ~~قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو ~~الخطاب. وكنا قبل متوقفين لبعض الأدلة التي احتج بها المانعون فلما بحثنا ~~عن حقيقتها وجدناها أحاديث ضعيفة أو غير دالة وذكرنا أن الدلائل على ذلك ~~متعددة: منها: أن أحاديث الأمر بذوات الأسباب كقوله: " {إذا دخل أحدكم ~~المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} عام محفوظ لا خصوص فيه وأحاديث النهي ليس ~~فيها حديث واحد عام بل كلها مخصوصة فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه فإنه ~~حجة باتفاق السلف والجمهور القائلين بالعموم؛ بخلاف الثاني وهو أقوى منه ~~بلا ريب. ومنها: أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة # PageV23P210 # تحية المسجد للداخل عند الخطبة هنا بلا خلاف عنه لثبوت النص به والنهي عن ~~الصلاة في هذا الوقت أشد بلا ريب فإذا فعلت هناك فهنا أولى. ومنها: أن حديث ~~ابن عمر في الصحيحين لفظه: " {لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها} . ~~والتحري هو التعمد والقصد وهذا إنما يكون في التطوع المطلق. فأما ما له سبب ~~فلم يتحره؛ بل فعله لأجل السبب والسبب ألجأه إليه. وهذا اللفظ المقيد ~~المفسر يفسر سائر الألفاظ ويبين أن النهي إنما كان عن التحري ms7096 ولو كان عن ~~النوعين لم يكن للتخصيص فائدة ولكان الحكم قد علق بلفظ عديم التأثير. ~~ومنها: أنه قد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بعضها بالنص كالركعة الثانية من ~~الفجر وكركعتي الطواف وكالمعادة مع إمام الحي وبعضها بالنص والإجماع كالعصر ~~عند الغروب وكالجنازة بعد العصر وإذا نظر في المقتضي للجواز لم توجد له علة ~~صحيحة إلا كونها ذات سبب فيجب تعليق الحكم بذلك وإلا فما الفرق بين المعادة ~~وبين تحية المسجد والأمر بهذه أصح وكذلك الكسوف قد أمر بها في أحاديث كثيرة ~~صحيحة. # PageV23P211 # والمقصود هنا أن نقول: الصلاة في وقت النهي لا تخلو أن تكون مفسدة محضة ~~لا تشرع بحال: كالسجود للشمس نفسها أو يكون مما يشرع في حال دون حال والأول ~~باطل؛ لأنه قد ثبت بالنص والإجماع أن العصر تصلى وقت الغروب قبل سقوط القرص ~~كله. وثبت في الصحيحين قوله: " {من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ~~فقد أدرك ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك} والأول: قد ~~اتفق عليه والثاني: قول الجمهور. وأبو حنيفة يفرق بين الفجر والعصر ويقول: ~~إذا طلعت الشمس بطلت الصلاة؛ لأنها تبقى منهيا عنها فائتة والعصر إذا غربت ~~الشمس دخل في وقت الجواز لا في وقت النهي وقد ضعف أحمد والجمهور هذا الفرق ~~وقالوا: الكلام في العصر وقت الغروب فإنه وقت نهي كما أن ما بعد الطلوع وقت ~~نهي وليس له أن يؤخر العصر إلى هذا الوقت لكن يكون له عذر كالحائض تطهر ~~والنائم يستيقظ. ولو قدر أنه أخرها من غير عذر فهو مأمور بفعلها في وقت ~~النهي مع إمكان أن يصليها بعد الغروب. فإذا قيل: صلاتها في الوقت فرض. قيل: ~~وقضاء الفائتة على الفور فرض لقوله: " {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك} . # PageV23P212 # وأيضا: فإذا صلى ركعة من الفجر قبل الطلوع فقد شرع فيها قبل وقت النهي ~~فهو أخف من ابتدائها وقت النهي مع أن هذا جائز عند الجمهور. وإذا ثبت ms7097 أن ~~الصلاة في أغلظ أوقات النهي وهو وقت الطلوع والغروب ليس مفسدة محضة لا تشرع ~~بحال؛ بل تشرع في بعض الأحوال علم أن وجود بعض الصلوات في هذه الأوقات لا ~~يوجب مفسدة النهي إذ لو وجدت لما جاز شيء من الصلوات. وإذا كان كذلك: ~~فالشرع قد استقر على أن الصلاة بل العبادة التي تفوت إذا أخرت تفعل بحسب ~~الإمكان في الوقت ولو كان في فعلها من ترك الواجب وفعل المحظور ما لا يسوغ ~~عند إمكان فعله في الوقت مثل الصلاة بلا قراءة وصلاة العريان وصلاة المريض ~~وصلاة المستحاضة ومن به سلس البول والصلاة مع الحدث بلا اغتسال ولا وضوء ~~والصلاة إلى غير القبلة وأمثال ذلك من الصلوات التي لا يحرم فعلها إذا قدر ~~أن يفعلها على الوجه المأمور به في الوقت. ثم إنه يجب عليه فعلها في الوقت ~~مع النقص لئلا يفوت وإن أمكن فعلها بعد الوقت على وجه الكمال. فعلم أن ~~اعتبار الوقت في الصلاة. مقدم على سائر واجباتها وهذا في التطوع كذلك فإنه ~~إذا لم يمكنه أن يصلي إلا عريانا أو إلى غير القبلة أو مع سلس البول صلى ~~كما # PageV23P213 # يصلي الفرض؛ لأنه لو لم يفعل إلا مع الكمال تعذر فعله فكان فعله مع النقص ~~خيرا من تعطيله. وإذا كان كذلك فذوات الأسباب إن لم تفعل وقت النهي فاتت ~~وتعطلت وبطلت المصلحة الحاصلة به بخلاف التطوع المطلق فإن الأوقات فيها سعة ~~فإذا ترك في أوقات النهي حصلت حكمة النهي وهو قطع للتشبه بالمشركين الذين ~~يسجدون للشمس في هذا الوقت وهذه الحكمة لا يحتاج حصولها إلى المنع من جميع ~~الصلوات كما تقدم. بل يحصل المنع من بعضها فيكفي التطوع المطلق. وأيضا ~~فالنهي عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا يتشبه بالمشركين فيفضي ~~إلى الشرك وما كان منهيا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا ~~كان فيه مصلحة راجحة ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة. والصلاة لله فيه ~~ليس فيها مفسدة بل هي ذريعة إلى ms7098 المفسدة فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة ~~شرعت واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة. وهو التطوع المطلق. فإنه ليس في ~~المنع منه مفسدة ولا تفويت مصلحة لإمكان فعله في سائر الأوقات. وهذا أصل ~~لأحمد وغيره: في أن ما كان من " باب سد الذريعة " إنما ينهى عنه إذا لم ~~يحتج إليه وأما مع الحاجة للمصلحة التي لا تحصل إلا به وقد ينهى عنه؛ ولهذا ~~يفرق في العقود بين الحيل وسد الذرائع: فالمحتال # PageV23P214 # يقصد المحرم فهذا ينهى عنه. وأما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم لكن إذا ~~لم يحتج إليها نهي عنها وأما مع الحاجة فلا. وأما مالك فإنه يبالغ في سد ~~الذرائع حتى ينهى عنها مع الحاجة إليها. و " ذوات الأسباب " كلها تفوت إذا ~~أخرت عن وقت النهي: مثل سجود التلاوة وتحية المسجد وصلاة الكسوف ومثل ~~الصلاة عقب الطهارة كما في حديث بلال وكذلك صلاة الاستخارة: إذا كان الذي ~~يستخير له يفوت إذا أخرت الصلاة. وكذلك صلاة التوبة فإذا أذنب فالتوبة ~~واجبة على الفور وهو مندوب إلى أن يصلي ركعتين ثم يتوب كما في حديث أبي بكر ~~الصديق. ونحو قضاء السنن الرواتب كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي ~~الظهر بعد العصر. وكما أقر الرجل على قضاء ركعتي الفجر بعد الفجر مع أنه ~~يمكن تأخيرها؛ لكن تفوت مصلحة المبادرة إلى القضاء فإن القضاء مأمور به على ~~الفور في الواجب واجب وفي المستحب مستحب. والشافعي يجوز القضاء في وقت ~~النهي وإن كان لا يوجب تعجيله لأنها من ذوات الأسباب وهي مع هذا لا تفوت ~~بفوات # PageV23P215 # الوقت؛ لكن يفوت فضل تقديمها وبراءة الذمة كما جاز فعل الصلاة في أول ~~الوقت للعريان والمتيمم وإن أمكن فعلها آخر الوقت بالوضوء والسترة؛ لكن هو ~~محتاج إلى براءة ذمته في الواجب ومحتاج في السنن الرواتب إلى تكميل فرضه؛ ~~فإن الرواتب مكملات للفرض ومحتاج إلى أن لا يزيد التفويت فإنه مأمور بفعلها ~~في الوقت فكلما قرب كان أقرب إلى الأمر مما يبعد منه. وقد قال النبي صلى ~~الله ms7099 عليه وسلم " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} فيقربها من الوقت ~~ما استطاع والشيخ أبو محمد المقدسي يجوز فعل الرواتب في أوقات النهي موافقة ~~لأبي الخطاب لكن أبو الخطاب يعمم كالشافعي وهو الصواب. فإن قيل: فالتطوع ~~المطلق يفوت من قصده عمارة الأوقات كلها بالصلاة؟ قيل: هذا ليس بمشروع بل ~~هو منهي عنه ولا يمكن بشرا أن يصلي دائما جميع النهار والليل بل لا بد له ~~من وقت راحة ونوم وقد ثبت في الصحيحين {أن رجالا قال أحدهم: أنا أصوم ولا ~~أفطر وقال الآخر: وأنا أقوم لا أنام وقال الآخر: لا أتزوج النساء وقال ~~الآخر: لا آكل اللحم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV23P216 # لكن أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني} بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض ~~الأوقات إجمام النفوس في وقت النهي لتنشط للصلاة فإنها تنبسط إلى ما كانت ~~ممنوعة منه وتنشط للصلاة بعد الراحة والله أعلم. # PageV23P217 # وسئل: # عمن رأى رجلا يتنفل في وقت نهي فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة في هذا الوقت وذكر له الحديث الوارد. في الكراهة. فقال هذا: لا ~~أسمعه وأصلي كيف شئت فما الذي يجب عليه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما التطوع الذي لا سبب له: فهو منهي عنه بعد صلاة الفجر حتى ~~تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس باتفاق الأئمة وكان عمر بن ~~الخطاب يضرب من يصلي بعد العصر. فمن فعل ذلك فإنه يعزر اتباعا لما سنه عمر ~~بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين إذ قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالنهي عن ذلك. وأما ما له سبب: كتحية المسجد وصلاة الكسوف فهذا ~~فيه نزاع وتأويل: فإن كان يصلي صلاة يسوغ فيها الاجتهاد لم يعاقب. وأما رده ~~الأحاديث بلا حجة وشتم الناهي وقوله للناهي: # PageV23P218 # أصلي كيف شئت فإنه يعزر على ذلك إذ الرجل عليه أن يصلي كما يشرع له لا ~~كما يشاء ms7100 هو. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل إذا دخل المسجد في وقت النهي: هل يجوز أن يصلي تحية المسجد؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما ~~وهو قول أبي حنيفة ومالك: أنه لا يصليها. والثاني وهو قول الشافعي أنه ~~يصليها وهذا أظهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا دخل أحدكم ~~المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} . وهذا أمر يعم جميع الأوقات ولم يعلم ~~أنه خص منه صورة من الصور. وأما نهيه عن الصلاة بعد طلوع الفجر وبعد غروبها ~~فقد خص منه صور متعددة. منها قضاء الفوائت. ومنها ركعتا الطواف. ومنها ~~المعادة مع إمام الحي وغير ذلك. والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص. # PageV23P219 # وأيضا: فإن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها كالنهي في هذين الوقتين أو أوكد ~~ثم قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إذا دخل ~~أحدكم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فإذا كان قد ~~أمر بالتحية في هذا الوقت وهو وقت نهي. فكذلك الوقت الآخر بطريق الأولى ولم ~~يختلف قول أحمد في هذا لمجيء السنة الصحيحة به بخلاف أبي حنيفة ومالك فإن ~~مذهبهما في الموضعين النهي فإنه لم تبلغهما هذه. السنة الصحيحة والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن تحية المسجد " هل تفعل " في أوقات النهي؟ أم لا؟ . # فأجاب: # قال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ~~ركعتين} فإذا دخل وقت نهي فهل يصلي؟ على قولين للعلماء؛ لكن أظهرهما أنه ~~يصلي فإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر قد ~~خص من صور كثيرة. وخص من نظيره. وهو وقت الخطبة بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " {إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا # PageV23P220 # يجلس حتى يصلي ركعتين} فإذا أمر بالتحية وقت الخطبة ففي هذه الأوقات أولى ~~والله أعلم. # وسئل: # عن رجل إذا توضأ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وقد صلى الفجر ms7101 فهل يجوز له ~~أن يصلي شكرا للوضوء؟. # فأجاب: # هذا فيه نزاع والأشبه أن يفعل لحديث بلال. # PageV23P221 ### | باب صلاة الجماعة # سئل - رحمه الله -: # عن صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم فرض كفاية أم سنة فإن كانت فرض عين ~~وصلى وحده من غير عذر. فهل تصح صلاته أم لا؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما ~~حجة كل منهم؟ وما الراجح من أقوالهم؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات وأجل ~~الطاعات وأعظم شعائر الإسلام وعلى ما ثبت في فضلها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث قال: " {تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين ~~درجة} هكذا في حديث أبي هريرة. وأبي سعيد بخمس وعشرين ومن حديث ابن عمر ~~بسبع وعشرين والثلاثة في الصحيح. وقد جمع بينهما. بأن حديث الخمس والعشرين ~~ذكر فيه الفضل # PageV23P222 # الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرون وحديث ~~السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما ~~فصار المجموع سبعا وعشرين ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل إما في ~~خلوته وإما في غير خلوته فهو مخطئ ضال وأضل منه من لم ير الجماعة إلا خلف ~~الإمام المعصوم فعطل المساجد عن الجميع والجماعات التي أمر الله بها ورسوله ~~وعمر المساجد بالبدع والضلالات التي نهى الله عنها ورسوله وصار مشابها لمن ~~نهى عن عبادة الرحمن وأمر بعبادة الأوثان. فإن الله سبحانه شرع الصلاة ~~وغيرها في المساجد. كما قال تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه وسعى في خرابها} وقال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} وقال تعالى {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال ~~تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} إلى قوله: {إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وقال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها ms7102 اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} {رجال لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله} الآية. وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا} # PageV23P223 # وقال تعالى: {ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} . # وأما مشاهد القبور ونحوها: فقد اتفق أئمة المسلمين على أنه ليس من دين ~~الإسلام أن تخص بصلاة أو دعاء أو غير ذلك ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر ~~فيها أفضل منه في المساجد فقد كفر. بل قد تواترت السنن في النهي عن اتخاذها ~~لذلك. كما ثبت في الصحيحين أنه قال: " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا: قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا " وفي الصحيحين أيضا أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة ~~وما فيها من الحسن والتصاوير فقال: " {أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح ~~بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله ~~يوم القيامة} وثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جندب أنه قال: قبل أن يموت ~~بخمس: " {أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . وفي المسند عنه أنه قال: " {إن من شرار الخلق ~~من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} وفي موطأ مالك عنه ~~أنه قال: " {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} وفي السنن عنه أنه قال " {لا تتخذوا # PageV23P224 # قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} . # والمقصود هنا: أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلوات الخمس في ~~المساجد هي من أعظم العبادات وأجل القربات ومن فضل تركها عليها إيثارا ~~للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس في الجماعات أو جعل الدعاء والصلاة في ~~المشاهد أفضل من ذلك في المساجد فقد انخلع من ربقة الدين واتبع غير سبيل ~~المؤمنين. {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . ولكن ms7103 تنازع العلماء بعد ~~ذلك في كونها واجبة على الأعيان أو على الكفاية أو سنة مؤكدة على ثلاثة ~~أقوال: فقيل: هي سنة مؤكدة فقط وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة وأكثر ~~أصحاب مالك وكثير من أصحاب الشافعي ويذكر رواية عن أحمد. وقيل: هي واجبة ~~على الكفاية وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي وقول بعض أصحاب مالك وقول في ~~مذهب أحمد. وقيل هي واجبة على الأعيان؛ وهذا هو المنصوص عن أحمد # PageV23P225 # وغيره من أئمة السلف وفقهاء الحديث وغيرهم. وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى ~~منفردا لغير عذر هل تصح صلاته؟ على قولين؟ أحدهما لا تصح وهو قول طائفة من ~~قدماء أصحاب أحمد ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب عنهم وبعض متأخريهم ~~كابن عقيل وهو قول طائفة من السلف واختاره ابن حزم وغيره. # والثاني تصح مع إثمه بالترك وهذا هو المأثور عن أحمد وقول أكثر أصحابه. # والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة ~~على صلاة الرجل وحده. قالوا: ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد ولم يكن ~~هناك تفضيل وحملوا ما جاء من هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق على من ~~ترك الجمعة أو على المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق وإن ~~تحريقهم كان لأجل النفاق لا لأجل ترك الجماعة مع الصلاة في البيوت. # وأما الموجبون: فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار. أما الكتاب فقوله تعالى: ~~{وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} الآية. وفيها ~~دليلان: # PageV23P226 # أحدهما أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف وذلك دليل على وجوبها ~~حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن. # الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر. ~~كاستدبار القبلة والعمل الكثير فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق وكذلك ~~مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما ~~يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. قالوا: وهذه ~~الأمور تبطل الصلاة لو فعلت ms7104 لغير عذر فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة ~~لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة ~~لأجل فعل مستحب مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم ~~أنها واجبة. وأيضا فقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين} إما أن يراد به المقارنة بالفعل وهي الصلاة جماعة. وإما أن يراد ~~به ما يراد بقوله: {وكونوا مع الصادقين} فإن أريد الثاني لم يكن فرق بين ~~قوله: صلوا مع المصلين وصوموا مع الصائمين {واركعوا مع الراكعين} والسياق ~~يدل على اختصاص الركوع بذلك. # PageV23P227 # فإن قيل: فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة. قيل: خص الركوع بالذكر لأنه تدرك ~~به الصلاة فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة فأمر بما يدرك به الركعة كما ~~قال لمريم: {اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} فإنه لو قيل: اقنتي مع ~~القانتين لدل على وجوب إدراك القيام ولو قيل: اسجدي لم يدل على وجوب إدراك ~~الركوع بخلاف قوله: {واركعي مع الراكعين} فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع ~~وما بعده دون ما قبله وهو المطلوب. (وأما السنة فالأحاديث المستفيضة في ~~الباب: مثل حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق إلى قوم ~~لا يشهدون الصلاة: فأحرق عليهم بيوتهم بالنار} فهم بتحريق من لم يشهد ~~الصلاة وفي لفظ قال: " {أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو ~~يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام} الحديث. ~~وفي المسند وغيره " {لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام ~~الصلاة} الحديث. فبين صلى الله عليه وسلم أنه هم بتحريق البيوت على من لم ~~يشهد الصلاة وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية فإنهم لا ~~يجب عليهم شهود الصلاة وفي تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله وكان ذلك ~~بمنزلة إقامة الحد على الحبلى. # PageV23P228 # وقد قال سبحانه وتعالى: {ولولا ms7105 رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} . ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة ~~فسياق الحديث يبين ضعف قوله حيث ذكر صلاة العشاء والفجر ثم أتبع ذلك بهمه ~~بتحريق من لم يشهد الصلاة. وأما من حمل العقوبة على النفاق لا على ترك ~~الصلاة فقوله ضعيف لأوجه: أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقيل ~~المنافقين إلا على الأمور الباطنة وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك ~~واجب أو فعل محرم فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم. (الثاني أنه رتب ~~العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره. الثالث أنه ~~سيأتي إن شاء الله حديث ابن أم مكتوم حيث استأذنه أن يصلي في بيته فلم يأذن ~~له وابن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين أثنى عليه القرآن وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV23P229 # يستخلفه على المدينة وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم. # الرابع أن ذلك حجة على وجوبها أيضا: كما قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال: " {من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليصل هذه ~~الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى وأن هذه ~~الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن من سنن الهدى وأنكم لو صليتم في ~~بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم ~~لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل ~~يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف} . فقد أخبر عبد الله بن مسعود ~~أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وهذا دليل على استقرار ~~وجوبها عند المؤمنين ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض وصلاة ~~الضحى ms7106 ونحو ذلك. كان منهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه كما {قال ~~له الأعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه. فقال: أفلح إن صدق} ~~ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجبا على الأعيان ~~كخروجهم إلى غزوة تبوك فإن النبي # PageV23P230 # صلى الله عليه وسلم أمر به المسلمين جميعا لم يأذن لأحد في التخلف إلا من ~~ذكر أن له عذرا فأذن له لأجل عذره. ثم لما رجع كشف الله أسرار المنافقين ~~وهتك أستارهم وبين أنهم تخلفوا لغير عذر. والذين تخلفوا لغير عذر مع ~~الإيمان عوقبوا بالهجر حتى هجران نسائهم لهم حتى تاب الله عليهم. (فإن قيل ~~فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها وتجوزون تحريق البيوت عليه إذا لم ~~يكن فيها ذرية. قيل له: من الأفعال ما يكون واجبا ولكن تأويل المتأول يسقط ~~الحد عنه وقد صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه فيتركها ~~متأولا وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد تأويل لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد باشرهم بالإيجاب. وأيضا كما ثبت في الصحيح والسنن: " {أن ~~أعمى استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته فأذن له فلما ولى ~~دعاه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب} فأمره بالإجابة إذا سمع ~~النداء؛ ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من سمع النداء. وفي لفظ في السنن " ~~{أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله: إني رجل شاسع الدار وإن المدينة كثيرة ~~الهوام ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن # PageV23P231 # أصلي في بيتي؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة} . ~~وهذا نص في الإيجاب للجماعة مع كون الرجل مؤمنا. وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة ~~الرجل في الجماعة على صلاته وحده فعنه جوابان مبنيان على صحة صلاة المنفرد ~~لغير عذر فمن صحح صلاته قال: الجماعة واجبة وليست شرطا في الصحة كالوقت ~~فإنه لو أخر العصر إلى وقت الاصفرار كان آثما ms7107 مع كون الصلاة صحيحة بل وكذلك ~~لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ثبت في الصحيح. " {من أدرك ركعة من ~~العصر فقد أدرك العصر} قال: والتفضيل لا يدل على أن المفضول جائز فقد قال ~~تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم} فجعل السعي إلى الجمعة خيرا من البيع والسعي واجب والبيع ~~حرام. وقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى ~~لهم} . ومن قال: لا تصح صلاة المنفرد إلا لعذر احتج بأدلة الوجوب قال: وما ~~ثبت وجوبه في الصلاة كان شرطا في الصحة كسائر الواجبات. # PageV23P232 # وأما الوقت فإنه لا يمكن تلافيه فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه فنظير ~~ذلك فوت الجمعة وفوت الجماعة التي لا يمكن استدراكها فإذا فوت الجمعة ~~الواجبة كان آثما وعليه الظهر إذ لا يمكن سوى ذلك. وكذلك من فوت الجماعة ~~الواجبة التي يجب عليه شهودها وليس هناك جماعة أخرى فإنه يصلي منفردا وتصح ~~صلاته هنا لعدم إمكان صلاته جماعة كما تصح الظهر ممن تفوته الجمعة. وليس ~~وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة وإنما الكلام فيمن صلى في بيته منفردا ~~لغير عذر ثم أقيمت الجماعة فهذا عندهم عليه أن يشهد الجماعة كمن صلى الظهر ~~قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم " {من سمع النداء. ثم لم يجب من غير عذر ~~فلا صلاة له} . ويؤيد ذلك قوله: " {لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.} ~~فإن هذا معروف من كلام علي وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وقد رواه الدارقطني ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوى ذلك بعض الحفاظ. قالوا: ولا يعرف ~~في كلام الله ورسوله حرف النفي دخل على فعل شرعي إلا لترك واجب فيه كقوله: ~~" {لا صلاة إلا بأم القرآن} و " {لا إيمان لمن لا أمانة له} . ونحو ذلك. # PageV23P233 # وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل. بأن قالوا: هو محمول على ms7108 المعذور كالمريض ~~ونحوه فإن هذا بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم " {صلاة القاعد على النصف من ~~صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد} وأن تفضيله صلاة الرجل ~~في جماعة على صلاته وحده. كتفضيله صلاة القائم على صلاة القاعد ومعلوم أن ~~القيام واجب في صلاة الفرض دون النفل كما أن الجماعة واجبة في صلاة الفرض ~~دون النفل. وتمام الكلام في ذلك: أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث وهو: هل ~~المراد بهما المعذور أو غيره؟ على قولين: فقالت طائفة المراد بهما غير ~~المعذور. قالوا لأن المعذور أجره تام بدليل ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إذا مرض العبد أو سافر ~~كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم} قالوا: فإذا كان المريض ~~والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان في الصحة والإقامة. فكيف تكون صلاة ~~المعذور قاعدا أو منفردا دون صلاته في الجماعة قاعدا وحمل هؤلاء تفضيل صلاة ~~القائم على النفل دون الفرض؛ لأن القيام في الفرض واجب. ومن قال هذا القول ~~لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعا؛ لأنه قد ثبت أنه قال: " {ومن صلى قاعدا ~~فله نصف أجر القائم} . وقد # PageV23P234 # طرد هذا الدليل طائفة من متأخري أصحاب الشافعي وأحمد وجوزوا أن يتطوع ~~الرجل مضطجعا لغير عذر؛ لأجل هذا الحديث ولتعذر حمله على المريض كما تقدم. ~~ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثا في الإسلام. وقالوا: لا ~~يعرف أن أحدا قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح ولو كان هذا مشروعا ~~لفعله المسلمون على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم أو بعده ولفعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولو مرة لتبيين الجواز فقد كان يتطوع قاعدا ويصلي على ~~راحلته قبل أي وجه توجهت ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة فلو ~~كان هذا سائغا لفعله ولو مرة. أو لفعله أصحابه. وهؤلاء الذين أنكروا هذا مع ~~ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب الجماعة منهم حيث حملوا ms7109 قوله: " {تفضل صلاة ~~الجماعة على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة} على أنه أراد غير المعذور ~~فيقال لهم: لم كان التفضيل هنا في حق غير المعذور والتفضيل هناك في حق ~~المعذور وهل هذا إلا تناقض. وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور ~~فطرد دليله وحينئذ فلا يكون في الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر. # PageV23P235 # وأما ما احتج به منازعهم من قوله: " {إذا مرض العبد أو سافر كتب له من ~~العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم} فجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على أنه ~~يكتب مثل الثواب الذي كان يكتب له في حال الصحة والإقامة؛ لأجل نيته له ~~وعجزه عنه بالعذر. وهذه " قاعدة الشريعة " أن من كان عازما على الفعل عزما ~~جازما وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل فهذا الذي كان له عمل في ~~صحته وإقامته عزمه أنه يفعله وقد فعل في المرض والسفر ما أمكنه فكان بمنزلة ~~الفاعل. كما جاء في السنن: فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك ~~الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة وكما ثبت في الصحيح ~~من قوله صلى الله عليه وسلم " {إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم ~~واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر} ~~وقد قال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} الآية. فهذا ومثله يبين أن المعذور يكتب له ~~مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه وذلك لا يقتضي ~~أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح فليس في الحديث أن صلاة المريض نفسها في ~~الأجر مثل صلاة الصحيح ولا أن صلاة المنفرد المعذور في نفسها مثل صلاة ~~الرجل في الجماعة # PageV23P236 # وإنما فيه أن يكتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم كما يكتب له ~~أجر صلاة الجماعة إذا فاتته مع قصده لها. وأيضا فليس كل معذور يكتب له مثل ms7110 ~~عمل الصحيح وإنما يكتب له إذا كان يقصد عمل الصحيح ولكن عجز عنه. فالحديث ~~يدل على أنه من كان عادته الصلاة في جماعة والصلاة قائما ثم ترك ذلك لمرضه ~~فإنه يكتب له ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم وكذلك من تطوع على الراحلة في ~~السفر وقد كان يتطوع في الحضر قائما يكتب له ما كان يعمل في الإقامة. فأما ~~من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ولا الصلاة قائما إذا مرض فصلى وحده أو ~~صلى قاعدا فهذا لا يكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح. ومن حمل الحديث على غير ~~المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعدا مثل صلاة القائم وصلاته منفردا مثل ~~الصلاة في جماعة وهذا قول باطل لم يدل عليه نص ولا قياس ولا قاله أحد. ~~وأيضا فيقال: تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الجماعة على صلاة ~~المنفرد ولصلاة القائم على القاعد والقاعد على المضطجع إنما دل على فضل هذه ~~الصلاة على هذه الصلاة حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة. # PageV23P237 # أما كون هذه الصلاة المفضولة تصح حيث تصح تلك أو لا تصح فالحديث لم يدل ~~عليه بنفي ولا إثبات ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفسادها؛ بل وجوب ~~القيام والقعود وسقوط ذلك ووجوب الجماعة وسقوطها: يتلقى من أدلة أخر. وكذلك ~~أيضا: كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أو لا يكتب له لم يتعرض له هذا ~~الحديث بل يتلقى من أحاديث أخر وقد بينت سائر النصوص أن تكميل الثواب هو ~~لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم لا لكل أحد. وتثبت نصوص أخر وجوب ~~القيام في الفرض كقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: " {صل قائما فإن ~~لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب} . وبين جواز التطوع قاعدا لما رآهم ~~وهم يصلون قعودا فأقرهم على ذلك وكان يصلي قاعدا مع كونه كان يتطوع على ~~الراحلة في السفر. كذلك تثبت نصوص أخر وجوب الجماعة فيعطي كل حديث حقه فليس ~~بينها تعارض ولا تناف وإنما يظن ms7111 التعارض والتنافي من حملها ما لا تدل عليه ~~ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله. والله أعلم. # PageV23P238 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها والضيق والحرج على رأي إمام ~~بعينه: منها " مسألة الجماعة للصلاة " هل هي واجبة؟ أم سنة؟ وإذا قلنا: ~~واجبة هل تصح الصلاة. بدونها مع القدرة عليها؟ . # فأجاب: # وأما الجماعة فقد قيل: إنها سنة وقيل: إنها واجبة على الكفاية وقيل: إنها ~~واجبة على الأعيان. وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة فإن الله أمر بها ~~في حال الخوف ففي حال الأمن أولى وآكد. وأيضا فقد قال تعالى. {واركعوا مع ~~الراكعين} وهذا أمر بها. وأيضا فقد ثبت في الصحيح {أن ابن أم مكتوم سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له أن يصلي في بيته فقال: هل تسمع ~~النداء؟ قال: نعم قال: فأجب وفي رواية ما أجد لك رخصة} وابن أم مكتوم كان ~~رجلا صالحا وفيه نزل قوله تعالى # PageV23P239 # {عبس وتولى} {أن جاءه الأعمى} وكان من المهاجرين ولم يكن من المهاجرين من ~~يتخلف عنها إلا منافق فعلم أنه لا رخصة لمؤمن في تركها. وأيضا فقد ثبت عنه ~~في الصحاح أنه قال: " {لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي ~~بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق ~~عليهم بيوتهم بالنار.} وفي رواية " {لولا ما في البيوت من النساء والذرية} ~~فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من في البيوت من النساء ~~والأطفال فإن تعذيب أولئك لا يجوز؛ لأنه لا جماعة عليهم. ومن قال: إن هذا ~~كان في الجمعة أو كان لأجل نفاقهم. فقوله ضعيف فإن المنافقين لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقتلهم لأجل النفاق بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر فلولا ~~أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم. والحديث قد بين ~~فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر. وقد تقدم حديث ابن أم مكتوم وأنه لم ~~يرخص له في ms7112 التخلف عن الجماعة. وأيضا فإن الجماعة يترك لها أكثر واجبات ~~الصلاة في صلاة الخوف وغيرها فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات لها؛ ~~لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب. # PageV23P240 # فصل: # وإذا ترك الجماعة من غير عذر: ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: ~~تصح صلاته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " {تفضل صلاة الرجل في الجماعة ~~على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة} والثاني: لا تصح لما في السنن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا ~~صلاة له} ولقوله: " {لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد} وقد قواه عبد الحق ~~الإشبيلي. وأيضا فإذا كانت واجبة فمن ترك واجبا في الصلاة لم تصح صلاته. ~~وحديث التفضيل محمول على حال العذر. كما في قوله: " {صلاة القاعد على النصف ~~من صلاة القائم وصلاة القائم على النصف من صلاة # PageV23P241 # القاعد} . وهذا عام في الفرض والنفل. والإنسان ليس له أن يصلي الفرض ~~قاعدا أو نائما إلا في حال العذر وليس له أن يتطوع نائما عند جماهير السلف ~~والخلف؛ إلا وجها في مذهب الشافعي وأحمد. ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعا ~~بدعة لم يفعلها أحد من السلف وقوله صلى الله عليه وسلم " {إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم} يدل على أنه يكتب له لأجل ~~نيته وإن كان لا يعمل عادته قبل المرض والسفر فهذا يقتضي أن من ترك الجماعة ~~لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة وإن لم يكن يعتادها لم يكن ~~يكتب له وإن كان في الحالين أن ما له بنفس الفعل صلاة منفرد. وكذلك المريض ~~إذا صلى قاعدا أو مضطجعا. وعلى هذا القول فإذا صلى الرجل وحده. وأمكنه أن ~~يصلي بعد ذلك في جماعة فعل ذلك وإن لم يمكنه فعل الجماعة استغفر الله كمن ~~فاتته الجمعة وصلى ظهرا وإن قصد الرجل الجماعة ووجدهم قد صلوا كان له أجر ~~من صلى في الجماعة ms7113 كما وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا ~~أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة وإن أدرك أقل # PageV23P242 # من ركعة فله بنيته أجر الجماعة ولكن هل يكون مدركا للجماعة أو يكون ~~بمنزلة من صلى وحده. فيه قولان للعلماء في مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: أنه ~~يكون كمن صلى في جماعة كقول أبي حنيفة. والثاني: يكون كمن صلى منفردا كقول ~~مالك وهذا أصح لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة} ولهذا قال الشافعي وأحمد ومالك ~~وجمهور العلماء: إنه لا يكون مدركا للجمعة إلا بإدراك ركعة من الصلاة ولكن ~~أبو حنيفة ومن وافقه يقولون: إنه يكون مدركا لها إذا أدركهم في التشهد. ومن ~~فوائد النزاع في ذلك: أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم الصلاة إذا أدرك ~~ركعة فإن أدرك أقل من ركعة فعلى القولين المتقدمين. والصحيح أنه لا يكون ~~مدركا للجمعة ولا للجماعة إلا بإدراك ركعة وما دون ذلك لا يعتد له به وإنما ~~يفعله متابعة للإمام. ولو بعد السلام كالمنفرد باتفاق الأئمة. # PageV23P243 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: ### | فصل: # فأما صلاة الجماعة: فاتبع ما دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة من ~~وجوبها مع عدم العذر وسقوطها بالعذر. # وتقديم الأئمة بما قدم به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " {يؤم ~~القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن ~~كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة} فيفرق بين العلم بالكتاب أو العلم ~~بالسنة كما دل عليه الحديث. وإنما يكون ترجيح بعض الأئمة على بعض إذ استووا ~~في المعرفة بإقام الصلاة على الوجه المشروع وفعلها على السنة وفي دين ~~الإمام الذي يخرج به المأموم عن نقص الصلاة خلفه. فإذا استويا في كمال ~~الصلاة منهما وخلفهما قدم الأقرأ ثم الأعلم بالسنة وإلا ففضل الصلاة في ~~نفسها مقدم على صفة إمامها وما يحتاج إليه من العلم والدين فيها مقدم على ~~ما يستحب من ذلك. # PageV23P244 # وغيره. قد ms7114 يقول هي سنة مؤكدة. وقد يقول هي فرض على الكفاية. ولهم في ~~تقديم الأئمة خلاف ويأمرهم بإقامة الصفوف فيها كما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من سننها الخمس: وهي تقويم الصفوف ورصها وتقاربها وسد الأول ~~فالأول وتوسيط الإمام حتى ينهى عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~صلاة المنفرد خلف الصف وبأمره بالإعادة كما أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حديثين ثابتين عنه فإنه أمر المنفرد خلف الصف بالإعادة كما أمر ~~المسيء في صلاته بالإعادة وكما أمر المسيء في وضوئه الذي ترك موضع ظفر من ~~قدمه لم يمسه الماء بالإعادة فهذه. المواضع دلت على اشتراط الطهارة ~~والاصطفاف في الصلاة والإتيان بأركانها. والذين خالفوا حديث المنفرد خلف ~~الصف كأبي حنيفة ومالك والشافعي منهم من لم يبلغه أو لم يثبت عنده والشافعي ~~رآه معارضا بكون الإمام يصلي وحده وبكون مليكة جدة أنس صلت خلفهم وبحديث ~~أبي بكرة لما ركع دون الصف. وأما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في ~~قضيتين متشابهتين غير متماثلتين فإنه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يرد ~~أحدهما # PageV23P245 # بالآخر. فيقول في مثل هذه: المرأة إذا كانت مع النساء. صلت بينهن وأما ~~إذا كانت مع الرجال لم تصل إلا خلفهم وإن كانت وحدها؛ لأنها منهية عن مصافة ~~الرجال فانفرادها عن الرجال أولى بها من مصافتهم كما أنها إذا صلت بالنساء ~~صلت بينهن؛ لأنه أستر لها كما يصلي إمام العراة بينهم وإن كانت سنة الرجل ~~الكاسي إذا أم أن يتقدم بين يدي الصف. ونقول: إن الإمام لا يشبه المأموم ~~فإن سنته التقدم لا المصافة وسنة المؤتمين الاصطفاف. نعم يدل انفراد الإمام ~~والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم لحاجة وهو ما إذا لم يحصل له مكان ~~يصلي فيه إلا منفردا فهذا قياس قول أحمد وغيره ولأن واجبات الصلاة وغيرها ~~تسقط بالأعذار فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها فسقط بالعجز في الجماعة كما ~~يسقط غيره فيها وفي متن الصلاة. ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف ~~والمرض ms7115 ونحوهما مع استدبار القبلة والعمل الكثير ومفارقة الإمام ومع ترك ~~المريض القيام: أولى من أن يصلوا وحدانا ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه ~~يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند الحاجة كحال الزحام ونحوه وإن كان لا ~~يجوز لغير حاجة وقد روي في بعض صفات صلاة الخوف. ولهذا سقط عنده. وعند ~~غيره. من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة: من # PageV23P246 # عدل الإمام وحل البيعة ونحو ذلك للحاجة فجوزوا بل أوجبوا فعل صلوات ~~الجمعة والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين وفي الأمكنة ~~المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة أو إلى فتنة في الأمة ~~ونحو ذلك. كما جاء في حديث جابر " {لا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان ~~يخاف سيفه أو سوطه} لأن غاية ذلك أن يكون عدل الإمام واجبا فيسقط بالعذر ~~كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف بالعذر. ومن اهتدى لهذا الأصل، ~~وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها ~~فقد هدي لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا ~~كما قد يبتلى به بعضهم وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره ~~من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه وإن كان ذلك الأوكد مقدورا ~~عليه كما قد يبتلى به آخرون. فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه ~~هو الوسط بين الأمرين. وعلى هذا الأصل تنبني مسائل الهجرة والعزم التي هي ~~أصل " مسألة الإمامة " بحيث لا يفعل ولا تسع القدرة ولهذا كان أحمد في ~~المنصوص عنه وطائفة من أصحابه يقول: يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل للحاجة ~~كما في صلاة الخوف. وكما لو كان المفترض غير قارئ كما في # PageV23P247 # حديث عمرو بن سلمة ومعاذ ونحو ذلك. وإن كان لا يجوزه لغير حاجة على إحدى ~~الروايتين عنه فأما إذا جوزه مطلقا فلا كلام وإن كان من أصحابه من لا يجوزه ~~بحال فصارت الأقوال في مذهبه وغير مذهبه ثلاثة. والمنع مطلقا هو المشهور عن ms7116 ~~أبي حنيفة ومالك كما أن الجواز مطلقا هو قول الشافعي. ويشبه هذا مفارقة ~~المأموم إمامه قبل السلام فعنه ثلاث روايات: أوسطها جواز ذلك للحاجة كما ~~تفعل الطائفة الأولى في صلاة الخوف وكما فعل الذي طول عليه معاذ صلاة ~~العشاء الآخرة لما شق عليه طول الصلاة. والثانية المنع مطلقا كقول أبي ~~حنيفة. والثالثة: الجواز مطلقا كقول الشافعي ولهذا جوز أحمد على المشهور ~~عنه أن تؤم المرأة الرجال لحاجة مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلي ~~بهم التراويح كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها ~~وجعل لها مؤذنا وتتأخر خلفهم وإن كانوا مأمومين بها للحاجة وهو حجة لمن ~~يجوز تقدم المأموم لحاجة هذا مع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: " ~~{لا تؤمن امرأة # PageV23P248 # رجلا} وإن المنع من إمامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء. ولهذا الأصل ~~استعمل أحمد ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله في الإمام: " ~~{إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون} وأنه علل ذلك بأنه يشبه قيام الأعاجم ~~بعضهم لبعض فسقط عن المأمومين القيام لما في القيام من المفسدة التي أشار ~~إليها النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفة الإمام والتشبه بالأعاجم في ~~القيام له. وكذلك عمل أئمة الصحابة بعده لما اعتلوا فصلوا قعودا والناس ~~خلفهم قعود كأسيد بن الحضير ولكن كره هذا لغير الإمام الراتب إذ لا حاجة ~~إلى نقص الصلاة في الائتمام به، ولهذا كرهه أيضا إذا مرض الإمام الراتب ~~مرضا مزمنا؛ لأنه يتعين حينئذ انصرافه عن الإمامة ولم ير هذا منسوخا بكونه ~~في مرضه صلى في أثناء الصلاة قاعدا وهم قيام لعدم المنافاة بين ما أمر به ~~وبين ما فعله ولأن الصحابة فعلوا ما أمر به بعد موته مع شهودهم لفعله. ~~فيفرق بين القعود من أول الصلاة والقعود في أثنائها إذ يجوز الأمران جميعا ~~إذ ليس في الفعل تحريم للمأمور به بحال مع ما في هذه المسائل من الكلام ~~الدقيق الذي ليس هذا موضعه. وإنما ms7117 الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التي ~~تعرفها القلوب الصحيحة # PageV23P249 # التي دل عليها قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} وأنه إذا تعذر جمع الواجبين ~~قدم أرجحهما وسقط الآخر بالوجه الشرعي والتنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء ~~رضي الله عنهم. # و ### | سئل: # عن أقوام يسمعون الداعي ولم يجيبوا؟ وفيهم من يصلي في بيته وفيهم من لا ~~تراه يصلي # ويراه جماعة من الناس ولا يرونه بالصلاة وحاله لم ترض الله ولا رسوله من ~~جهة الصلاة وغيرها. فهل يجوز لمن يراه في هذه الحالة أن يولي عنه أو يسلم ~~عليه؟ أفتونا مأجورين. وأيضا: هل يجوز لرجل إذا كان إماما في المسجد الذي ~~هو فيه لم يصل فيه إلا نفران أو ثلاثة في بعض الأيام هو يصلي فيه احتسابا؟ ~~وأيضا إن كان يصلي فيه بأجرة لا ما يطلب الصلاة في غيره إلا لأجل فضل ~~الجماعة وهل يجوز ذلك؟ أفتونا يرحمكم الله. # فأجاب: # الصلاة في الجماعات التي تقام في المساجد من شعائر الإسلام الظاهرة وسنته ~~الهادية. كما في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: " إن هذه الصلوات الخمس في ~~المسجد الذي تقام فيه الصلاة # PageV23P250 # من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم ~~كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ~~وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين ~~الرجال حتى يقام في الصف " وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " {لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من ~~الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار} وفي صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة قال: {أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول ~~الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص ~~له فلما ولى دعاه فقال: أتسمع ms7118 النداء بالصلاة؟ قال: نعم قال: أجب وفي رواية ~~في السنن قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة} . وفي السنن عن ~~ابن عباس قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فلم يمنعه ~~من اتباعه عذر قالوا: ما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي ~~صلى} رواه أبو داود. وصلاة الجماعة من الأمور المؤكدة في الدين باتفاق ~~المسلمين. # PageV23P251 # وهي فرض على الأعيان عند أكثر السلف وأئمة أهل الحديث: كأحمد وإسحاق ~~وغيرهما وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم وهي فرض على الكفاية عند طوائف من ~~أصحاب الشافعي وغيرهم وهو المرجح عند أصحاب الشافعي. والمصر على ترك الصلاة ~~في الجماعة رجل سوء ينكر عليه ويزجر على ذلك بل يعاقب عليه وترد شهادته وإن ~~قيل. إنها سنة مؤكدة. وأما من كان معروفا بالفسق مضيعا للصلاة فهذا داخل في ~~قوله: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} ~~وتجب عقوبته على ذلك بما يدعوه إلى ترك المحرمات وفعل الواجبات. ومن كان ~~إماما راتبا في مسجد فصلاته فيه إذا لم تقم الجماعة إلا به أفضل من صلاته ~~في غيره وإن كان أكثر جماعة. ومن عرف منه التظاهر بترك الواجبات أو فعل ~~المحرمات فإنه يستحق أن يهجر ولا يسلم عليه تعزيرا له على ذلك حتى يتوب. ~~والله سبحانه أعلم. # PageV23P252 # و ### | سئل: # عن رجل يقتدى به في ترك صلاة الجماعة؟ . # فأجاب: # من اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فهو ~~ضال مبتدع باتفاق المسلمين؛ فإن صلاة الجماعة؛ إما فرض على الأعيان وإما ~~فرض على الكفاية. والأدلة من الكتاب والسنة أنها واجبة على الأعيان ومن ~~قال: إنها سنة مؤكدة ولم يوجبها فإنه يذم من داوم على تركها حتى إن من داوم ~~على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم ولم تقبل شهادته فكيف ~~بمن يداوم على ترك الجماعة؟ فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين ويلام على تركها ~~فلا يمكن من حكم ولا ms7119 شهادة ولا فتيا مع إصراره على ترك السنن الراتبة التي ~~هي دون الجماعة فكيف بالجماعة التي هي أعظم شعائر الإسلام؟ والله أعلم. # PageV23P253 # وسئل: # عن رجل جار للمسجد ولم يحضر مع الجماعة الصلاة ويحتج بدكانه. # فأجاب: # الحمد لله، يؤمر بالصلاة مع المسلمين فإن كان لا يصلي فإنه يستتاب فإن ~~تاب وإلا قتل. وإذا ظهر منه الإهمال للصلاة لم يقبل قوله: إذا فرغت صليت بل ~~من ظهر كذبه لم يقبل قوله ويلزم بما أمر الله به ورسوله. # و ### | سئل: # عن رجلين تنازعا في " صلاة الفذ " # فقال أحدهما: قال صلى الله عليه وسلم " {صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ ~~بخمس وعشرين} وقال الآخر: " متى كانت الجماعة في غير مسجد فهي كصلاة الفذ ~~"؟ . # فأجاب: # ليست الجماعة كصلاة الفذ؛ بل الجماعة أفضل ولو كانت في غير المسجد؛ لكن ~~تنازع العلماء فيمن صلى جماعة في بيته هل # PageV23P254 # يسقط عنه حضور الجماعة في المسجد؟ أم لا بد من حضور الجماعة في المسجد؟ ~~والذي ينبغي له أن لا يترك حضور الجماعة في المسجد إلا لعذر كما دلت على ~~ذلك السنن والآثار والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أدرك آخر جماعة وبعد هذه الجماعة جماعة أخرى فهل يستحب له متابعة ~~هؤلاء في آخر الصلاة؟ أو ينتظر الجماعة الأخرى؟ . # فأجاب: # أما إذا أدرك أقل من ركعة فهذا مبني على أنه هل يكون مدركا للجماعة بأقل ~~من ركعة أم لا بد من إدراك ركعة؟ فمذهب أبي حنيفة: أنه يكون مدركا وطرد ~~قياسه في ذلك حتى قال في الجمعة: يكون مدركا لها بإدراك القعدة فيتمها ~~جمعة. ومذهب مالك: أنه لا يكون مدركا إلا بإدراك ركعة وطرد المسألة في ذلك ~~حتى فيمن أدرك من آخر الوقت، فإن المواضع التي تذكر فيها هذه المسألة ~~أنواع: أحدها: الجمعة. والثاني: فضل الجماعة. # PageV23P255 # والثالث: إدراك المسافر من صلاة المقيم. والرابع: إدراك بعض الصلاة قبل ~~خروج الوقت كإدراك بعض الفجر قبل طلوع الشمس. والخامس: إدراك آخر الوقت ~~كالحائض تطهر والمجنون يفيق والكافر يسلم في آخر الوقت. ms7120 والسادس: إدراك ذلك ~~من أول الوقت عند من يقول إن الوجوب بذلك فإن في هذا الأصل السادس نزاعا. ~~وأما مذهب الشافعي وأحمد فقالا في الجمعة بقول مالك لاتفاق الصحابة على ذلك ~~فإنهم قالوا فيمن أدرك من الجمعة ركعة يصلي إليها أخرى ومن أدركهم في ~~التشهد صلى أربعا. وأما سائر المسائل ففيها نزاع في مذهب الشافعي وأحمد ~~وهما قولان للشافعي وروايتان عن أحمد وكثير من أصحابهما يرجح قول أبي ~~حنيفة. والأظهر هو مذهب مالك كما ذكره الخرقي في بعض الصور وذلك أنه قد ثبت ~~في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك # PageV23P256 # الصلاة} فهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة سواء كان إدراك ~~جماعة أو إدراك الوقت. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر ومن أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر} . وهذا نص في ركعة في الوقت. وقد ~~عارض هذا بعضهم بأن في بعض الطرق: {من أدرك سجدة} وظنوا أن هذا يتناول ما ~~إذا أدرك السجدة الأولى وهذا باطل فإن المراد بالسجدة الركعة كما في حديث ~~ابن عمر: {حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين ~~بعدها وسجدتين بعد المغرب} إلى آخره. وفي اللفظ المشهور " ركعتين " وكما ~~روي: {أنه كان يصلي بعد الوتر سجدتين} وهما ركعتان كما جاء ذلك مفسرا في ~~الحديث الصحيح. ومن سجد بعد الوتر سجدتين مجردتين عملا بهذا فهو غالط ~~باتفاق الأئمة. وأيضا فإن الحكم عندهم ليس متعلقا بإدراك سجدة من السجدتين ~~فعلم أنهم يقولوا بالحديث. فعلى هذا إذا كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها ~~جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة فهذا أفضل فإن هذا يكون مصليا في ~~جماعة؛ بخلاف الأول وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل من ركعة وقلنا إنه يكون ~~به ms7121 مدركا للجماعة فهنا قد تعارض إدراكه # PageV23P257 # لهذه الجماعة وإدراكه للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل. ~~كما جاء في إدراكها بحدها فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية أفضل وإن تميزت ~~الأولى بكمال الفضيلة أو كثرة الجمع أو فضل الإمام أو كونها الراتبة فهي في ~~هذه الجهة أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل وقد يترجح هذا تارة وهذا ~~تارة. وأما إن قدر أن الثانية أكمل أفعالا وإماما أو جماعة فهنا قد ترجحت ~~من وجه آخر. ومثل هذه المسألة لم تكن تعرف في السلف إلا إذا كان مدركا ~~لمسجد آخر فإنه لم يكن يصلي في المسجد الواحد إمامان راتبان وكانت الجماعة ~~تتوفر مع الإمام الراتب ولا ريب أن صلاته مع الإمام الراتب في المسجد جماعة ~~ولو ركعة خير من صلاته في بيته ولو كان جماعة والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل صلى فرضه ثم أتى مسجد جماعة فوجدهم يصلون فهل له أن يصلي مع ~~الجماعة من الفائت؟ . # فأجاب: # إذا صلى الرجل الفريضة ثم أتى مسجدا تقام فيه تلك # PageV23P258 # الصلاة فليصلها معهم سواء كان عليه فائتة أو لم يكن كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك حيث قال لرجلين لم يصليا مع الناس: فقال: {ما لكما لم ~~تصليا؟ ألستما مسلمين؟ فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا فقال: إذا ~~صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} . ~~ومن عليه فائتة فعليه أن يبادر إلى قضائها على الفور سواء فاتته عمدا أو ~~سهوا عند جمهور العلماء. كمالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. وكذلك الراجح في ~~مذهب الشافعي أنها إذا فاتت عمدا كان قضاؤها واجبا على الفور. وإذا صلى مع ~~الجماعة نوى بالثانية معادة وكانت الأولى فرضا والثانية نفلا على الصحيح ~~كما دل عليه هذا الحديث وغيره. وقيل: الفرض أكملهما وقيل: ذلك إلى الله ~~تعالى والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن حديث يزيد بن الأسود قال: {شهدت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصليت معه صلاة الصبح في ms7122 مسجد الخيف فلما قضى الصلاة وانحرف فإذا هو برجلين ~~في أخريات القوم لم يصليا فقال: # PageV23P259 # علي بهما فإذا بهما ترعد فرائصهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: ~~يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا قال: فلا تفعلا إذا صليتما في ~~رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} . والثاني: عن ~~سلمان بن سالم قال: {رأيت عبد الله بن عمر جالسا على البلاط والناس يصلون ~~فقلت: يا عبد الله ما لك لا تصلي؟ فقال: إني قد صليت وإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: لا تعاد صلاة مرتين} فما الجمع بين هذا وهذا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما حديث ابن عمر فهو في الإعادة مطلقا من غير سبب. ولا ريب ~~أن هذا منهي عنه وأنه يكره للرجل أن يقصد إعادة الصلاة من غير سبب يقتضي ~~الإعادة إذ لو كان مشروعا للصلاة الشرعية عدد معين كان يمكن الإنسان أن ~~يصلي الظهر مرات والعصر مرات ونحو ذلك ومثل هذا لا ريب في كراهته. وأما ~~حديث ابن الأسود: فهو إعادة مقيدة بسبب اقتضى الإعادة وهو قوله: {إذا ~~صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} فسبب ~~الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة ويستحب لمن صلى ثم حضر جماعة راتبة أن ~~يصلي معهم. # PageV23P260 # لكن من العلماء من يستحب الإعادة مطلقا كالشافعي وأحمد ومنهم من يستحبها ~~إذا كانت الثانية أكمل كمالك. فإذا أعادها فالأولى هي الفريضة عند أحمد ~~وأبي حنيفة والشافعي في أحد القولين؛ لقوله في هذا الحديث: {فإنها لكما ~~نافلة} وكذلك قال في الحديث الصحيح: {إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة} وهذا أيضا يتضمن ~~إعادتها لسبب ويتضمن أن الثانية نافلة. وقيل الفريضة أكملهما. وقيل ذلك إلى ~~الله. ومما جاء في الإعادة لسبب الحديث الذي في سنن أبي داود لما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه} . فهنا هذا المتصدق ~~قد أعاد الصلاة ms7123 ليحصل لذلك المصلي فضيلة الجماعة ثم الإعادة المأمور بها ~~مشروعة عند الشافعي وأحمد ومالك وقت النهي وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت ~~النهي. وأما المغرب: فهل تعاد على صفتها؟ أم تشفع بركعة؟ أم لا تعاد؟ على ~~ثلاثة أقوال مشهورة للفقهاء. ومما جاء فيه الإعادة لسبب ما ثبت {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعض صلوات الخوف صلى بهم الصلاة مرتين صلى بطائفة ~~ركعتين # PageV23P261 # ثم سلم ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين ثم سلم} ومثل هذا حديث معاذ بن جبل لما ~~كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فهنا إعادة أيضا وصلاة مرتين. ~~والعلماء متنازعون في مثل هذا: وهي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل " على ~~ثلاثة أقوال. فقيل: لا يجوز كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات. وقيل: ~~يجوز كقول الشافعي وأحمد في رواية ثانية. وقيل: يجوز للحاجة مثل حال الخوف ~~والحاجة إلى الائتمام بالمتطوع ولا يجوز لغيرها كرواية ثالثة عن أحمد. ~~ويشبه هذا إعادة صلاة الجنازة لمن صلى عليها أولا؛ فإن هذا لا يشرع بغير ~~سبب باتفاق العلماء بل لو صلى عليها مرة ثانية ثم حضر من لم يصل، فهل يصلي ~~عليها؟ على قولين للعلماء. قيل: يصلي عليها وهو مذهب الشافعي وأحمد ويصلي ~~عندهما على القبر لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غير واحد من ~~الصحابة أنهم صلوا على جنازة بعد ما صلى عليها غيرهم. وعند أبي حنيفة ومالك ~~ينهى عن ذلك كما ينهيان عن إقامة الجماعة في المسجد مرة بعد مرة قالوا؛ لأن ~~الفرض يسقط بالصلاة الأولى فتكون الثانية نافلة والصلاة على الجنازة لا ~~يتطوع بها. وهذا بخلاف من يصلي الفريضة فإنه يصليها باتفاق المسلمين؛ لأنها ~~واجبة # PageV23P262 # عليه وأصحاب الشافعي وأحمد يجيبون بجوابين: أحدهما: أن الثانية تقع فرضا ~~عمن فعلها وكذلك يقولون في سائر فروض الكفايات: أن من فعلها أسقط بها فرض ~~نفسه وإن كان غيره قد فعلها فهو مخير بين أن يكتفي بإسقاط ذلك وبين أن يسقط ~~الفرض بفعل نفسه. وقيل: بل هي نافلة ويمنعون ms7124 قول القائل: إن صلاة الجنازة ~~لا يتطوع بها بل قد يتطوع بها إذا كان هناك سبب يقتضي ذلك. وينبني على هذين ~~المأخذين أنه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولا: فهل لمن صلى عليها أولا أن ~~يصلي معه تبعا؟ كما يفعل مثل هذا في المكتوبة على وجهين. قيل: لا يجوز هنا؛ ~~لأن فعله هنا نفل بلا نزاع، وهي لا يتنفل بها، وقيل: بل له الإعادة؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على القبر صلى خلفه من كان قد صلى أولا، ~~وهذا أقرب فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه لا إعادة مقصودة وهذا سائغ في ~~المكتوبة والجنازة. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. # PageV23P263 # وسئل شيخ الإسلام: # عمن يجد الصلاة قد أقيمت. فأيما أفضل صلاة الفريضة؟ أو يأتي بالسنة ويلحق ~~الإمام ولو في التشهد؟ وهل ركعتا الفجر سنة للصبح أم لا؟ . # فأجاب: # قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ~~إلا المكتوبة} وفي رواية {فلا صلاة إلا التي أقيمت} فإذا أقيمت الصلاة فلا ~~يشتغل بتحية المسجد ولا بسنة الفجر وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها ~~بتحية المسجد. ولكن تنازعوا في سنة الفجر: والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا ~~يصلي السنة لا في بيته ولا في غير بيته. بل يقضيها إن شاء بعد الفرض. ~~والسنة أن يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين سنة والفريضة ركعتان وليس بين طلوع ~~الفجر والفريضة سنة إلا ركعتان والفريضة تسمى صلاة الفجر وصلاة الغداة ~~وكذلك السنة تسمى سنة الفجر وسنة الصبح وركعتي الفجر ونحو ذلك والله أعلم. # PageV23P264 # و ### | سئل: # عن " القراءة خلف الإمام "؟ . # فأجاب: # الحمد لله، للعلماء فيه نزاع واضطراب مع عموم الحاجة إليه. وأصول الأقوال ~~ثلاثة: طرفان ووسط. فأحد الطرفين أنه لا يقرأ خلف الإمام بحال. والثاني: ~~أنه يقرأ خلف الإمام بكل حال. والثالث: وهو قول أكثر السلف؛ أنه إذا سمع ~~قراءة الإمام أنصت ولم يقرأ فإن استماعه لقراءة الإمام خير من قراءته ms7125 وإذا ~~لم يسمع قراءته قرأ لنفسه فإن قراءته خير من سكوته فالاستماع لقراءة الإمام ~~أفضل من القراءة والقراءة أفضل من السكوت هذا قول جمهور العلماء كمالك ~~وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابهما وطائفة من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة وهو ~~القول القديم للشافعي وقول محمد بن الحسن. # PageV23P265 # وعلى هذا القول: فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على ~~المأموم؟ أو مستحبة؟ على قولين في مذهب أحمد. أشهرهما أنها مستحبة وهو قول ~~الشافعي في القديم والاستماع حال جهر الإمام هل هو واجب أو مستحب؟ والقراءة ~~إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو مكروهة؟ وهل تبطل الصلاة إذا قرأ؟ على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما أن القراءة حينئذ محرمة وإذا قرأ بطلت ~~صلاته وهذا أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو عبد الله ابن حامد في مذهب أحمد. ~~والثاني أن الصلاة لا تبطل بذلك وهو قول الأكثرين وهو المشهور من مذهب أحمد ~~ونظير هذا إذا قرأ حال ركوعه وسجوده: هل تبطل الصلاة؟ على وجهين في مذهب ~~أحمد؛ لأن {النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ القرآن راكعا أو ساجدا} . ~~والذين قالوا: يقرأ حال الجهر والمخافتة إنما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر ~~بالفاتحة خاصة وما زاد على الفاتحة فإن المشروع أن يكون فيه مستمعا لا ~~قارئا. # PageV23P266 # وهل قراءته للفاتحة مع الجهر واجبة، أو مستحبة؟ على قولين: أحدهما: أنها ~~واجبة وهو قول الشافعي في الجديد وقول ابن حزم. والثاني أنها مستحبة وهو ~~قول الأوزاعي والليث بن سعد واختيار جدي أبي البركات ولا سبيل إلى الاحتياط ~~في الخروج من الخلاف في هذه المسألة كما لا سبيل إلى الخروج من الخلاف في ~~وقت العصر وفي فسخ الحج ونحو ذلك من المسائل. يتعين في مثل ذلك النظر فيما ~~يوجبه الدليل الشرعي وذلك أن كثيرا من العلماء يقول صلاة العصر يخرج وقتها ~~إذا صار ظل كل شيء مثليه كالمشهور من مذهب مالك والشافعي وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد. وأبو حنيفة يقول: حينئذ يدخل وقتها ولم يتفقوا على وقت ~~تجوز ms7126 فيه صلاة العصر بخلاف غيرها فإنه إذا صلى الظهر بعد الزوال بعد مصير ~~ظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال صحت صلاته والمغرب أيضا تجزئ باتفاقهم إذا ~~صلى بعد الغروب والعشاء تجزئ باتفاقهم إذا صلى بعد مغيب الشفق الأبيض إلى ~~ثلث الليل والفجر # PageV23P267 # تجزئ باتفاقهم إذا صلاها بعد طلوع الفجر إلى الإسفار الشديد وأما العصر ~~فهذا يقول: تصلى إلى المثلين وهذا يقول لا تصلى إلا بعد المثلين والصحيح ~~أنها تصلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس فوقتها أوسع كما ~~قاله هؤلاء وهؤلاء وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة المدنية وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد بن الحسن وهو الرواية الأخرى عن أحمد. والمقصود هنا أن من المسائل ~~مسائل لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه لكن ولله الحمد القول الصحيح ~~عليه دلائل شرعية تبين الحق. ومن ذلك فسخ الحج إلى العمرة فإن الحج الذي ~~اتفق الأمة على جوازه أن يهل متمتعا يحرم بعمرة ابتداء ويهل قارنا وقد ساق ~~الهدي فأما إن أفرد أو قرن ولم يسق الهدي ففي حجه نزاع بين السلف والخلف. ~~والمقصود هنا القراءة خلف الإمام فنقول: إذا جهر الإمام استمع لقراءته فإن ~~كان لا يسمع لبعده فإنه يقرأ في أصح القولين وهو قول أحمد وغيره وإن كان لا ~~يسمع لصممه أو كان يسمع # PageV23P268 # همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول: ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. والأظهر ~~أنه يقرأ؛ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعا وإما قارئا وهذا ليس بمستمع ولا ~~يحصل له مقصود السماع فقراءته أفضل من سكوته فنذكر الدليل على الفصلين. على ~~أنه في حال الجهر يستمع وأنه في حال المخافتة يقرأ. فالدليل على الأول ~~الكتاب والسنة والاعتبار: أما الأول فإنه تعالى قال: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في ~~القراءة في الصلاة وقال بعضهم في الخطبة وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على ~~أنها نزلت في ذلك وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على ms7127 المأموم حال ~~الجهر. ثم يقول: قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون} لفظ عام فإما أن يختص القراءة في الصلاة أو في القراءة في غير ~~الصلاة أو يعمهما. والثاني باطل قطعا؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين أنه يجب ~~الاستماع خارج الصلاة ولا يجب في # PageV23P269 # الصلاة ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به ويجب عليه ~~متابعته أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة داخلة في الآية إما ~~على سبيل الخصوص وإما على سبيل العموم وعلى التقديرين فالآية دالة على أمر ~~المأموم بالإنصات لقراءة الإمام وسواء كان أمر إيجاب أو استحباب. فالمقصود ~~حاصل. فإن المراد أن الاستماع أولى من القراءة وهذا صريح في دلالة الآية ~~على كل تقدير والمنازع يسلم أن الاستماع مأمور به دون القراءة فيما زاد على ~~الفاتحة. والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن. والفاتحة أم القرآن وهي ~~التي لا بد من قراءتها في كل صلاة والفاتحة أفضل سور القرآن. وهي التي لم ~~ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها فيمتنع ~~أن يكون المراد بالآية الاستماع إلى غيرها دونها مع إطلاق لفظ الآية ~~وعمومها مع أن قراءتها أكثر وأشهر وهي أفضل من غيرها. فإن قوله: {وإذا قرئ ~~القرآن} يتناولها كما يتناول غيرها وشموله لها أظهر لفظا ومعنى. والعادل عن ~~استماعها إلى قراءتها إنما يعدل لأن قراءتها عنده أفضل من الاستماع وهذا ~~غلط يخالف النص والإجماع فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون ~~القراءة والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على الفاتحة أفضل من قراءته ~~لما زاد عليها. # PageV23P270 # فلو كانت القراءة لما يقرأه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته لكان قراءة ~~المأموم أفضل من قراءته لما زاد على الفاتحة وهذا لم يقل به أحد. وإنما ~~نازع من نازع في الفاتحة لظنه أنها واجبة على المأموم مع الجهر أو مستحبة ~~له حينئذ. وجوابه أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو ~~أفضل منها بدليل استماعه لما زاد ms7128 على الفاتحة فلولا أنه يحصل له بالاستماع ~~ما هو أفضل من القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو القراءة فلما ~~دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الاستماع أفضل له من القراءة علم أن ~~المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها ~~فالمستمع لقراءة الإمام يحصل له أفضل مما يحصل بالقراءة وحينئذ فلا يجوز أن ~~يؤمر بالأدنى وينهى عن الأعلى. وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له ~~قراءة كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ~~وفي ذلك الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان له ~~إمام فقراءة الإمام له قراءة} . وهذا الحديث روي مرسلا ومسندا لكن أكثر ~~الأئمة الثقاة رووه مرسلا عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأسنده بعضهم ورواه ابن ماجه مسندا وهذا المرسل قد عضده # PageV23P271 # ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ~~ومرسله من أكابر التابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة ~~وغيرهم وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل. فتبين أن ~~الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة؛ لأن هذا من ~~الأمور الظاهرة التي يحتاج إليها جميع الأمة فكان بيانها في القرآن مما ~~يحصل به مقصود البيان وجاءت السنة موافقة للقرآن. ففي صحيح مسلم عن أبي ~~موسى الأشعري قال: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا ~~وعلمنا صلاتنا فقال: أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا ~~قرأ فأنصتوا} . وهذا من حديث أبي موسى الطويل المشهور. لكن بعض الرواة زاد ~~فيه على بعض فمنهم من لم يذكر قوله: {وإذا قرأ فأنصتوا} ومنهم من ذكرها وهي ~~زيادة من الثقة لا تخالف المزيد بل توافق معناه ولهذا رواها مسلم في صحيحه. ~~فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به فإن من قرأ على قوم لا ~~يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به وهذا ms7129 مما يبين حكمة سقوط القراءة على ~~المأموم فإن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها حتى في الأفعال فإذا أدركه ~~ساجدا سجد معه وإذا أدركه في وتر من صلاته # PageV23P272 # تشهد عقب الوتر وهذا لو فعله منفردا لم يجز وإنما فعله لأجل الائتمام ~~فيدل على أن الائتمام يجب به ما لا يجب على المنفرد ويسقط به ما يجب على ~~المنفرد. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا} . رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه. قيل لمسلم بن الحجاج: حديث أبي هريرة صحيح يعني {وإذا ~~قرأ فأنصتوا} قال هو عندي صحيح. فقيل له: لما لا تضعه هاهنا؟ يعني في كتابه ~~فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. ~~وروى الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة. {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ فقال ~~رجل: نعم. يا رسول الله قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن} . قال: فانتهى ~~الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال: حديث ~~حسن. قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس يقول: قوله: " فانتهى الناس ~~" من كلام الزهري. # PageV23P273 # وروي عن البخاري نحو ذلك فقال: في الكنى من التاريخ وقال أبو صالح حدثني ~~الليث حدثني يوسف عن ابن شهاب سمعت ابن أكيمة الليثي يحدث أن سعيد بن ~~المسيب سمع أبا هريرة يقول: {صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة جهر ~~فيها بالقراءة ثم قال: هل قرأ منكم أحد معي؟ قلنا: نعم قال: إني أقول ما لي ~~أنازع القرآن} قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر الإمام قال الليث: ~~حدثني ابن شهاب ولم ms7130 يقل: فانتهى الناس وقال بعضهم: هو قول الزهري وقال ~~بعضهم: هو قول ابن أكيمة والصحيح أنه قول الزهري. وهذا إذا كان من كلام ~~الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرءون في الجهر مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه ~~بالسنة وقراءة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت مشروعة واجبة ~~أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبينها لاستدل بذلك على ~~انتفائها فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرءون خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الجهر. # [فإن قيل: قال البيهقي: ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث ~~وحده ولم يحدث عنه غير الزهري. # PageV23P274 # قيل: ليس كذلك بل قد قال أبو حاتم الرازي فيه: صحيح الحديث حديثه مقبول. ~~وحكي عن أبي حاتم البستي أنه قال: روى عنه الزهري وسعيد بن أبي هلال وابن ~~أبيه عمر وسالم بن عمار ابن أكيمة بن عمر] (*) . # وقد روى مالك في موطئه عن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " ~~من صلى ركعة لم يقرأ فيها لم يصل إلا وراء الإمام " وروى أيضا عن نافع أن ~~عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ خلف الإمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم خلف ~~الإمام تجزئه قراءة الإمام وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله بن ~~عمر لا يقرأ خلف الإمام وروى مسلم في صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ~~ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وروى البيهقي ~~عن أبي وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام فقال: أنصت ~~للقرآن فإن في الصلاة شغلا وسيكفيك ذلك الإمام وابن مسعود وزيد بن ثابت هما ~~فقيها أهل المدينة وأهل الكوفة من الصحابة وفي كلامهما تنبيه على أن المانع ~~إنصاته لقراءة ms7131 الإمام. PageV23P275 # وكذلك البخاري في " كتاب القراءة خلف الإمام " عن علي بن أبي طالب قال: ~~وروى الحارث عن علي يسبح في الأخريين قال: ولم يصح وخالفه عبيد الله بن أبي ~~رافع حدثنا عثمان بن سعيد سمع عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن ~~الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع. مولى بني هاشم حدثه عن علي بن أبي طالب: ~~إذا لم يجهر الإمام في الصلوات فاقرأ بأم الكتاب وسورة أخرى في الأوليين من ~~الظهر والعصر وفاتحة الكتاب في الأخريين من الظهر والعصر وفي الآخرة من ~~المغرب وفي الأخريين من العشاء. وأيضا ففي إجماع المسلمين على أنه فيما زاد ~~على الفاتحة يؤمر بالاستماع دون القراءة: دليل على أن استماعه لقراءة ~~الإمام خير له من قراءته معه بل على أنه مأمور بالاستماع دون القراءة مع ~~الإمام. وأيضا: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد ~~أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ ~~ولم نعلم نزاعا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم ~~بالفاتحة ولا غيرها وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة. فثبت أنه لا تجب ~~عليه القراءة معه في حال الجهر بل نقول: لو كانت قراءة المأموم في حال ~~الجهر والاستماع مستحبة لاستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم ولا يستحب ~~للإمام # PageV23P276 # السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم. وحجتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يسكت ليقرأ المأمومون ولا نقل هذا أحد عنه بل ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد ~~التكبير للاستفتاح وفي السنن {أنه كان له سكتتان: سكتة في أول القراءة ~~وسكتة بعد الفراغ من القراءة} وهي سكتة لطيفة للفصل لا تتسع لقراءة ~~الفاتحة. وقد روي أن هذه السكتة كانت بعد الفاتحة ولم يقل أحد إنه كان له ~~ثلاث سكتات ولا أربع سكتات فمن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سكتات ms7132 ~~أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين والسكتة التي عقب قوله: ~~{ولا الضالين} من جنس السكتات التي عند رءوس الآي. ومثل هذا لا يسمى سكوتا؛ ~~ولهذا لم يقل أحد من العلماء إنه يقرأ في مثل هذا. وكان بعض من أدركنا من ~~أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رءوس الآي. فإذا قال الإمام: {الحمد لله رب ~~العالمين} قال: {الحمد لله رب العالمين} وإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} وهذا لم يقله أحد من العلماء. # PageV23P277 # وقد اختلف العلماء في سكوت الإمام على ثلاثة أقوال: فقيل: لا سكوت في ~~الصلاة بحال وهو قول مالك. وقيل: فيها سكتة واحدة للاستفتاح كقول أبي ~~حنيفة. وقيل فيها: سكتتان وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما لحديث سمرة بن ~~جندب: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له سكتتان: سكتة حين يفتتح ~~الصلاة وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية. قبل أن يركع} فذكر ذلك لعمران بن ~~حصين فقال: كذب سمرة. فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب فقال: صدق ~~سمرة رواه أحمد. واللفظ له وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن. ~~وفي رواية أبي داود: {سكتة إذا كبر. وسكتة إذا فرغ من {غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين} } وأحمد رجح الرواية الأولى واستحب السكتة الثانية؛ لأجل ~~الفصل. ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم ولكن بعض أصحابه ~~استحب ذلك ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يسكت سكتة تتسع ~~لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فلما لم ينقل ~~هذا أحد علم أنه لم يكن. والسكتة الثانية في حديث سمرة قد نفاها عمران بن ~~حصين وذلك أنها سكتة يسيرة قد لا ينضبط مثلها وقد روي أنها بعد # PageV23P278 # الفاتحة. ومعلوم أنه لم يسكت إلا سكتتين فعلم أن إحداهما طويلة والأخرى ~~بكل حال لم تكن طويلة متسعة لقراءة الفاتحة. وأيضا فلو كان الصحابة كلهم ~~يقرءون الفاتحة خلفه إما في السكتة الأولى وإما في الثانية ms7133 لكان هذا مما ~~تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة ~~أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرءون الفاتحة مع أن ذلك لو كان مشروعا ~~لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله فعلم أنه بدعة. وأيضا فالمقصود بالجهر ~~استماع المأمومين ولهذا يؤمنون على قراءة الإمام في الجهر دون السر فإذا ~~كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته ~~وهو بمنزلة أن يحدث من لم يستمع لحديثه ويخطب من لم يستمع لخطبته وهذا سفه ~~تنزه عنه الشريعة. ولهذا روي في الحديث: {مثل الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا} فهكذا إذا كان يقرأ والإمام يقرأ عليه. # PageV23P279 # فصل: # وإذا كان المأموم مأمورا بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام لم يشتغل عن ~~ذلك بغيرها لا بقراءة ولا ذكر ولا دعاء ففي حال جهر الإمام لا يستفتح ولا ~~يتعوذ. وفي هذه المسألة نزاع. وفيها ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد. ~~قيل: إنه حال الجهر يستفتح ويتعوذ ولا يقرأ؛ لأنه بالاستماع يحصل له مقصود ~~القراءة؛ بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإنه لا يسمعهما. وقيل: يستفتح ولا ~~يتعوذ لأن الاستفتاح تابع لتكبيرة الإحرام بخلاف التعوذ فإنه تابع للقراءة ~~فمن لم يقرأ لا يتعوذ. وقيل: لا يستفتح ولا يتعوذ حال الجهر وهذا أصح فإن ~~ذلك يشغل عن الاستماع والإنصات المأمور به وليس له أن يشتغل عما أمر به ~~بشيء من الأشياء. ثم اختلف أصحاب أحمد: فمنهم من قال هذا الخلاف إنما هو في ~~حال سكوت الإمام هل يشتغل بالاستفتاح أو الاستعاذة أو بأحدهما # PageV23P280 # أو لا يشتغل إلا بالقراءة لكونها مختلفا في وجوبها. وأما في حال الجهر ~~فلا يشتغل بغير الإنصات والمعروف عند أصحابه أن هذا النزاع هو في حال الجهر ~~لما تقدم من التعليل وأما في حال المخافتة فالأفضل له أن يستفتح واستفتاحه ~~حال سكوت الإمام أفضل من قراءته في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما؛ لأن ~~القراءة يعتاض عنها بالاستماع بخلاف الاستفتاح. وأما قول القائل: إن قراءة ~~المأموم ms7134 مختلف في وجوبها فيقال: وكذلك الاستفتاح هل يجب؟ فيه قولان مشهوران ~~في مذهب أحمد. ولم يختلف قوله: إنه لا يجب على المأموم القراءة في حال ~~الجهر. واختار ابن بطة وجوب الاستفتاح وقد ذكر ذلك روايتين عن أحمد. فعلم ~~أن من قال من أصحابه كأبي الفرج ابن الجوزي أن القراءة حال المخافتة أفضل ~~في مذهبه من الاستفتاح فقد غلط على مذهبه. ولكن هذا يناسب قول من استحب ~~قراءة الفاتحة حال الجهر وهذا ما علمت أحدا قاله من أصحابه قبل جدي أبي ~~البركات وليس هو مذهب أحمد ولا عامة أصحابه مع أن تعليل الأحكام بالخلاف ~~علة باطلة في نفس الأمر فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها ~~الأحكام في نفس الأمر فإن ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ~~يسلكه من لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في # PageV23P281 # نفس الأمر لطلب الاحتياط. وعلى هذا ففي حال المخافتة هل يستحب له مع ~~الاستفتاح الاستعاذة إذا لم يقرأ؟ على روايتين. والصواب: أن الاستعاذة لا ~~تشرع إلا لمن قرأ فإن اتسع الزمان للقراءة استعاذ وقرأ وإلا أنصت. # فصل: # وأما " الفصل الثاني " وهو القراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام كحال مخافتة ~~الإمام وسكوته فإن الأمر بالقراءة والترغيب فيها يتناول المصلي أعظم مما ~~يتناول غيره فإن قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة وما ورد من ~~الفضل لقارئ القرآن يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره؛ لقوله صلى الله ~~عليه وسلم {من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول: الم حرف ~~ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف} قال الترمذي: حديث صحيح وقد ثبت في خصوص ~~الصلاة قوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {من # PageV23P282 # صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا} أي: غير تمام فقيل ~~لأبي هريرة: إني أكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ms7135 {قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الحمد لله ~~رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: ~~أثنى علي عبدي فإذا قال {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي وقال مرة: فوض ~~إلي عبدي فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل} . وروى مسلم ~~في صحيحه عن عمران بن حصين: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~فجعل رجل يقرأ خلفه: بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: أيكم قرأ؟ أو ~~أيكم القارئ قال رجل: أنا قال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها} رواه مسلم. فهذا ~~قد قرأ خلفه في صلاة الظهر ولم ينهه ولا غيره عن القراءة لكن قال: {قد ظننت ~~أن بعضكم خالجنيها} أي نازعنيها. كما قال في الحديث الآخر: {إني أقول ما لي ~~أنازع القرآن} . # PageV23P283 # وفي المسند عن ابن مسعود قال: {كانوا يقرءون خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: خلطتم علي القرآن} فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه وخلط عليه ~~القرآن وهذا لا يكون ممن قرأ في نفسه بحيث لا يسمعه غيره وإنما يكون ممن ~~أسمع غيره وهذا مكروه لما فيه من المنازعة لغيره لا لأجل كونه قارئا خلف ~~الإمام وأما مع مخافتة الإمام. فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه ولهذا قال: ~~" أيكم القارئ؟ ". أي القارئ الذي نازعني لم يرد بذلك القارئ في نفسه فإن ~~هذا لا ينازع ولا يعرف أنه خالج النبي صلى الله عليه وسلم وكراهة القراءة ~~خلف الإمام إنما هي إذا امتنع من الإنصات المأمور به أو إذا نازع غيره فإذا ~~لم يكن هناك إنصات مأمور به ولا منازعة فلا وجه للمنع من تلاوة القرآن في ~~الصلاة. والقارئ هنا لم يعتض عن القراءة باستماع فيفوته الاستماع والقراءة ~~جميعا مع الخلاف المشهور ms7136 في وجوب القراءة في مثل هذه الحال بخلاف وجوبها في ~~حال الجهر فإنه شاذ حتى نقل أحمد الإجماع على خلافه. وأبو هريرة وغيره من ~~الصحابة فهموا من قوله: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: ~~{الحمد لله رب العالمين} } أن ذلك يعم الإمام والمأموم. وأيضا فجميع ~~الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرا يشرع للمأموم # PageV23P284 # أن يقولها سرا كالتسبيح في الركوع والسجود وكالتشهد والدعاء. ومعلوم أن ~~القراءة أفضل من الذكر والدعاء فلأي معنى لا تشرع له القراءة في السر وهو ~~لا يسمع قراءة السر ولا يؤمن على قراءة الإمام في السر. وأيضا فإن الله ~~سبحانه لما قال: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وقال: ~~{واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين} وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته فإنه ما خوطب ~~به خوطبت به الأمة ما لم يرد نص بالتخصيص. كقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} وقوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ~~وقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ونحو ذلك. وهذا أمر يتناول ~~الإمام والمأموم والمنفرد بأن يذكر الله في نفسه بالغدو والآصال وهو يتناول ~~صلاة الفجر والظهر والعصر فيكون المأموم مأمورا بذكر ربه في نفسه لكن إذا ~~كان مستمعا كان مأمورا بالاستماع وإن لم يكن مستمعا كان مأمورا بذكر ربه في ~~نفسه. والقرآن أفضل الذكر كما قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} وقال ~~تعالى: {وقد آتيناك من لدنا ذكرا} وقال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} وقال: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث} . وأيضا: فالسكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة # PageV23P285 # ولا مأمورا به؛ بل يفتح باب الوسوسة فالاشتغال بذكر الله أفضل من السكوت ~~وقراءة القرآن من أفضل الخير وإذا كان كذلك فالذكر بالقرآن أفضل من غيره ~~كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ms7137 أنه قال: {أفضل ~~الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر} . رواه مسلم في صحيحه. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: ~~{جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من ~~القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا رسول الله هذا لله ~~فما لي قال: قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال: هكذا ~~بيديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يديه من الخير} ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي. والذين أوجبوا القراءة في الجهر: احتجوا ~~بالحديث الذي في السنن عن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا ~~كنتم ورائي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها} . ~~وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ضعفه أحمد وغيره من الأئمة. ~~وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع وبين أن الحديث الصحيح قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا صلاة إلا # PageV23P286 # بأم القرآن} فهذا هو الذي أخرجاه في الصحيحين ورواه الزهري عن محمود بن ~~الربيع عن عبادة. وأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين وأصله أن عبادة ~~كان يؤم ببيت المقدس فقال هذا فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة. ~~وأيضا: فقد تكلم العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة وبسطوا القول فيها ~~وفي غيرها من المسائل. وتارة أفردوا القول فيها في مصنفات مفردة وانتصر ~~طائفة للإثبات في مصنفات مفردة: كالبخاري وغيره. وطائفة للنفي: كأبي مطيع ~~البلخي وكرام وغيرهما. ومن تأمل مصنفات الطوائف تبين له القول الوسط فإن ~~عامة المصنفات المفردة تتضمن صور كل من القولين المتباينين قول من ينهى عن ~~القراءة خلف الإمام حتى في صلاة السر. وقول من يأمر بالقراءة خلفه مع سماع ~~جهر الإمام والبخاري ممن بالغ في الانتصار للإثبات بالقراءة حتى ms7138 مع جهر ~~الإمام؛ بل يوجب ذلك كما يقوله الشافعي في الجديد وابن حزم ومع هذا فحججه ~~ومصنفه إنما تتضمن تضعيف قول أبي حنيفة في هذه المسألة وتوابعها مثل كونه ~~(1) . PageV23P287 # وقال أيضا - رحمه الله -: # في القراءة خلف الإمام بعد كلام: والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب} وهذا أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم ~~في صحيحيهما وعليه اعتمد البخاري في مصنفه. فقال: (باب وجوب القراءة في كل ~~ركعة وروى هذا الحديث من طرق: مثل رواية ابن عيينة وصالح بن كيسان ويوسف بن ~~يزيد. قال البخاري: وقال معمر عن الزهري: {لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب فصاعدا} وعامة الثقاة. لم يتابع معمرا في قوله: " فصاعدا " مع أنه ~~قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: " فصاعدا " غير معروف ما أراد به حرفان أو ~~أكثر من ذلك؛ إلا أن يكون كقوله: {لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا} ~~فقد تقطع اليد في ربع دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: ويقال: إن عبد ~~الرحمن بن إسحاق تابع معمرا وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل ~~بينه وبين الزهري غيره ولا يعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. قلت: معنى هذا ~~حديث صحيح كما رواه أهل السنن وقد # PageV23P288 # رواه البخاري في هذا المصنف: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد [ثنا جعفر بن ~~ميمون] (*) ثنا أبو عثمان النهدي {عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره فنادى أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما زاد} وقال أيضا: حدثنا ~~محمد بن يوسف ثنا سفيان عن ابن جريج. عن عطاء عن أبي هريرة قال: {تجزئ ~~بفاتحة الكتاب فإن زاد فهو خير} وذكر الحديث الآخر عن أبي سعيد في السنن. ~~قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة قال: {أمرنا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر} . قلت: وهذا يدل ~~على أنه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه لجهر الإمام ms7139 فإن أحدا لا ~~يقول إن زيادته على الفاتحة وترك إنصاته لقراءة الإمام في هذه الحال خير. ~~ولا أن المأموم مأمور حال الجهر بقراءة زائدة على الفاتحة وكذلك عللها ~~البخاري في حديث عبادة فإنها تدل على أن المأموم المستمع لم يدخل في الحديث ~~ولكن هب أنها ليست في حديث عبادة فهي في حديث أبي هريرة. وأيضا فالكتاب ~~والسنة يأمر بإنصات المأموم لقراءة الإمام ومن العلماء من أبطل صلاته إذا ~~لم ينصت بل قرأ معه. وحينئذ يقال تعارض عموم قوله: {لا صلاة إلا بأم ~~القرآن} PageV23P289 # وعموم الأمر بالإنصات فهؤلاء يقولون: ينصت إلا في حال قراءة الفاتحة ~~وأولئك يقولون: قوله {لا صلاة إلا بأم القرآن} يستثنى منه المأمور بالإنصات ~~إن سلموا شمول اللفظ له فإنهم يقولون ليس في الحديث دلالة على وجوب القراءة ~~على المأموم فإنه إنما قال: {لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن} . وقد ثبت ~~بالكتاب والسنة وبالإجماع أن إنصات المأموم لقراءة إمامه يتضمن معنى ~~القراءة معه وزيادة؛ فإن استماعه فيما زاد على الفاتحة أولى به بالقراءة ~~باتفاقهم فلو لم يكن المأموم المستمع لقراءة إمامه أفضل من القارئ لكان ~~قراءته أفضل له ولأنه قد ثبت الأمر بالإنصات لقراءة القرآن ولا يمكنه الجمع ~~بين الإنصات والقراءة ولولا أن الإنصات يحصل به مقصود القراءة وزيادة لم ~~يأمر الله بترك الأفضل لأجل المفضول. وأيضا فهذا عموم قد خص منه المسبوق ~~بحديث أبي بكرة وغيره وخص منه الصلاة بإمامين فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر ولم ~~يستأنف قراءة الفاتحة لأنه بنى على صلاة أبي بكر فإذا سقطت عنه الفاتحة في ~~هذا الموضع فعن المأموم أولى. وخص منه حال العذر وحال استماع الإمام حال ~~عذر فهو مخصوص وأمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يخص معه شيء لا بنص # PageV23P290 # خاص ولا إجماع وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم ~~المحفوظ. وأيضا فإن الأمر بالإنصات داخل في معنى اتباع المأموم وهو ms7140 دليل ~~على أن المنصت يحصل له بإنصاته واستماعه ما هو أولى به من قراءته وهذا متفق ~~عليه بين المسلمين في الخطبة وفي القراءة في الصلاة في غير محل النزاع ~~فالمعنى الموجب للإنصات يتناول الإنصات عن الفاتحة وغيرها. وأما وجوب ~~قراءتها في كل صلاة فإذا أنصت إلى الإمام الذي يقرؤها كان خيرا مما يقرأ ~~لنفسه وهو لو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى لكان صلاته في المسجد الحرام ~~ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم تجزئه؛ بل هو أفضل له كما دلت على ذلك ~~السنة وهو لم يوجب على نفسه إلا الصلاة في البيت المقدس؛ لكن هذا أفضل منه. ~~فإذا كان هذا في إيجابه على نفسه جعل الشارع الأفضل يقوم مقام المنذور ~~وإلغاء تعيينه هو بالنذر فكيف يوجب الشارع شيئا ولا يجعل أفضل منه يقوم ~~مقامه والشارع حكيم لا يعين شيئا قط وغيره أولى بالفعل منه؛ بخلاف الإنسان ~~فإنه قد يخص بنذره ووقفه ووصيته ما غيره أولى منه وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم المصلي إذا سهى بسجود السهو في غير حديث. # PageV23P291 # ثم المأموم إذا سهى يتحمل إمامه عنه سهوه؛ لأجل متابعته له مع إمكانه أن ~~يسجد بعد سلامه. وإنصاته لقراءته أدخل في المتابعة فإن الإمام إنما يجهر ~~لمن يستمع قراءته فإذا اشتغل أحد من المصلين بالقراءة لنفسه كان كالمخاطب ~~لمن لا يستمع إليه كالخطيب الذي يخطب الناس وكلهم يتحدثون ومن فعل هذا فهو ~~كما جاء في الحديث {كحمار يحمل أسفارا} فإنه لم يفقه معنى المتابعة كالذي ~~يرفع رأسه قبل الإمام فإنه كالحمار ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار} فإنه متبع ~~للإمام فكيف يسابقه ولهذا ضرب عمر من فعل ذلك وقال: لا وحدك صليت ولا ~~بإمامك اقتديت. وأمر إذا رفع رأسه سهوا أن يعود فيتخلف بقدر ما سبق به ~~الإمام وقد نص أحمد وغيره على ذلك وذكر هو وغيره الآثار في ذلك عن الصحابة. ~~فقول النبي صلى الله ms7141 عليه وسلم {من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فهي ~~خداج} وفي تمامه فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام قال: اقرأ ~~بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {قال الله: ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} الحديث إلى آخره. وهو حديث صحيح رواه ~~مسلم في صحيحه. # PageV23P292 # والبخاري احتج به في هذا المصنف وإن كان لم يخرجه في صحيحه على عادته في ~~مثل ذلك وإسناده المشهور الذي رواه مسلم حديث العلاء عن ابن السائب عن أبي ~~هريرة وبعضهم يقول: عن أبيه عن أبي هريرة ورواه من حديث عائذ وعمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده. قال البخاري: ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ثنا يزيد بن ~~زريع ثنا محمد بن إسحاق ثنا يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: {كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج} قال ~~البخاري: وزاد يزيد بن هارون بفاتحة الكتاب قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل ~~ثنا أبان ثنا عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي مخدجة} . وقال: ~~حدثنا هلال بن بشر ثنا يوسف بن يعقوب السلعي ثنا حسين المعلم عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل صلاة لا ~~يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج} # PageV23P293 # وقال البخاري ثنا موسى ثنا داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ عن عطاء ~~عن أبي هريرة: في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب فما أعلن لنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنحن نعلنه وما أسر فنحن نسره. وروي من طريقين عن أبي ~~الزاهرية: ثنا كثير بن مرة سمع أبا الدرداء يقول: {سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه} . ~~وهذه الأحاديث ms7142 بمنزلة قوله {لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب} فإن ~~المستمع المنصت قارئ بل أفضل من القارئ لنفسه ويدل على ذلك {لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب وما زاد} وقوله: {أمرنا أن نقرأ بها وما تيسر} فإن المستمع ~~المنصت ليس مأمورا بقراءة الزيادة. وأيضا: فقول أبي هريرة: ما أسمعنا ~~أسمعناكم وما أخفى علينا أخفينا عليكم: دليل على أن المراد به الإمام وإلا ~~فالمأموم لا يسمع أحدا قراءته. وأما قوله: {أفي كل صلاة قراءة؟} وقوله: {لا ~~صلاة إلا بأم القرآن} . فصلاة المأموم المستمع لقراءة الإمام فيها قراءة بل ~~الأكثرون يقولون الإمام ضامن لصلاته فصلاته في ضمن صلاة الإمام ففيها ~~القراءة. وجمهورهم يقولون إذا كان الإمام أميا لم يقتد به القارئ. فلو كانت ~~قراءة الإمام لا تغني عن # PageV23P294 # المأموم شيئا بل كل يقرأ لنفسه: لم يكن فرق بين عجزه عن القراءة وعجزه عن ~~غير ذلك من الواجبات؛ ولأن الإمام مأمور باستماع ما زاد على الفاتحة وليست ~~قراءة واجبة. فكيف لا يؤمر بالاستماع لقراءة الإمام الفاتحة وهي الفرض وكيف ~~يؤمر باستماع التطوع دون استماع الفرض. وإذا كان الاستماع للقراءة الزائدة ~~على الفاتحة واجبا بالكتاب والسنة والإجماع فالاستماع لقراءة الفاتحة أوجب. ~~ثم قال البخاري: وقيل له: احتجاجك بقول الله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} أرأيت إذا لم يجهر الإمام أيقرأ خلفه فإن قال: لا تبطل دعواه؛ لأن ~~الله قال: {فاستمعوا له وأنصتوا} وإنما يستمع لما يجهر مع أنا نستعمل قول ~~الله تعالى: {فاستمعوا له} نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتتان. قال سمرة: ~~{كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان: سكتة حين يكبر وسكتة حين يفرغ من ~~قراءته} . وقال ابن خثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم ~~وإن سمعت قراءته. فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه إن السلف كان إذا ~~أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ ~~وأنصتوا. وقال أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ~~يقرأ ms7143 سكت سكتة قال: # PageV23P295 # وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن وميمون بن مهران وغيرهم وسعيد بن جبير يرون ~~القراءة عند سكوت الإمام ليكون مقتديا بقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب} فتكون قراءته في السكتة. فإذا قرأ الإمام أنصت حتى ~~يكون متبعا لقول الله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقوله: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . وإذا ترك الإمام شيئا من حق الصلاة فحق على ~~من خلفه أن يتموا قال علقمة: إن لم يتم الإمام أتممنا. وقال الحسن وسعيد بن ~~جبير وحميد بن هلال: أقرأ بالحمد يوم الجمعة. قال: وقال آخرون من هؤلاء ~~يجزئه أن يقرأ بالفارسية ويجزئه أن يقرأ بآية: ينقض آخرهم على أولهم بغير ~~كتاب ولا سنة. وقيل له: من أباح لك الثناء والإمام يقرأ بخبر أو قياس وحظر ~~على غيرك الفرض وهي القراءة ولا خبر عندك ولا اتفاق لأن عدة من أهل المدينة ~~لم يروا الثناء للإمام ولا لغيره: يكبرون ثم يقرءون فتحير عندهم في ريبهم ~~يترددون مع أن هذا صنعه في أشياء من الفرض فجعل الواجب أهون من التطوع. # PageV23P296 # زعمت (1) أنه إذا لم يقرأ في الركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء يجزئه ~~وإذا لم يقرأ في ركعة من أربع من التطوع لم يجزئه. قلت: وإذا لم يقرأ في ~~ركعة من المغرب أجزأه وإذا لم يقرأ في ركعة من الوتر لم يجزئه فكأنه يريد ~~أن يجمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفرق بين ما جمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قلت: أما سكتة النبي صلى الله عليه وسلم حين يكبر ~~فقد بين أبو هريرة في حديثه المتفق على صحته أنه كان يذكر فيها دعاء ~~الاستفتاح لم يكن سكوتا محضا؛ لأجل قراءة المأمومين. وثبت في الصحيح أن عمر ~~كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح يعلمه الناس. وأما احتجاجه على من استفتح ~~حال الجهر ms7144 فهذا فيه نزاع معروف هل يستفتح في حال الجهر ويتعوذ أو يستفتح ~~ولا يتعوذ إلا إذا قرأ أو لا يستفتح حال الجهر ولا يتعوذ فيه؟ فيه ثلاثة ~~أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد. لكن الأظهر ما احتج به البخاري فإن الأمر ~~بالإنصات يقتضي الإنصات عن كل ما يمنعه من استماع القراءة من ثناء وقراءة ~~ودعاء كما ينصت للخطبة بل الإنصات للقراءة أوكد. ولكن إذا سكت PageV23P297 # الإمام السكتة الأولى للثناء فهنا عند أحمد وأبي حنيفة وغيرهما استفتاح ~~المأموم أولى من قراءة الفاتحة في هذه السكتة؛ لأن مقصود القراءة تحصل له ~~باستماعه لقراءة الإمام وأما مقصود الاستفتاح فلا يحصل له إلا باستفتاحه ~~لنفسه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت مستفتحا وعمر كان يجهر ~~بالاستفتاح ليعلمه المأمومين فعلم أنه مشروع للمأموم. ولو اشتغل عنه ~~بالقراءة لفاته الاستفتاح والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسكت ليقرأ ~~المأمومون في حال سكوته وهذا مذهب جمهور العلماء لا يستحبون للإمام سكوتا ~~لقراءة المأموم وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة ومالك وغيرهم. ومن أصحاب أحمد من ~~استحب له السكوت لقراءة المأموم ومنهم من استحب له في حال سكوت الإمام أن ~~يقرأ ولا يستفتح وهو اختيار أبي بكر الدينوري وأبي الفرج ابن الجوزي. ومنهم ~~من استحب له القراءة بالفاتحة في حال جهر الإمام. كما اختاره جدي أبو ~~البركات. وهو مذهب الليث والأوزاعي وغيرهما. ثم من هؤلاء من يستحب له أن ~~يستفتح في حال سكوته ويقرأ ليجمع بينهما. ومنهم من يستحب له القراءة دون ~~السكوت. كما أن الذين يكرهون قراءته حال الجهر: منهم من يستحب له # PageV23P298 # الاستفتاح حال الجهر ومنهم من يكرهه وهو روايتان عن أحمد ومذهب أحمد وأبي ~~حنيفة وغيرهما أنه في حال سكوته للاستفتاح يستفتح وهو الأظهر. وما ذكره ~~البخاري من أن عدة من أهل المدينة لم يروا الاستفتاح كمذهب مالك: هو حجة ~~للجمهور؛ لأنهم يقولون الإمام هنا لا سكوت له وحينئذ فإن قرأنا معه خالفنا ~~الكتاب والسنة لكن ما ذكره البخاري حجة على من يستفتح ms7145 حينئذ فيشتغل ~~بالاستفتاح عن استماع القراءة. وهؤلاء نظروا إلى أن الإمام يحمل القراءة عن ~~المأموم ولا يحمل عنه الاستفتاح لكن هذا إنما يدل على عدم وجوب القراءة ~~والمأموم مأمور بالاستماع والإنصات فلا يشتغل عن ذلك بثناء كما لا يشتغل ~~عنه بقراءة والقراءة أفضل من الثناء فإن كان الإمام يسكت للثناء وأدركه ~~المأموم أثنى معه وإن كان لا يسكت أو أدرك المأموم وهو يقرأ فهو مأمور ~~بالإنصات والاستماع فلا يعدل عما أمر به. فإن قيل في وجوب الثناء قولان في ~~مذهب أحمد قيل في وجوب القراءة على المأموم قولان في مذهب أحمد وإذا نهي عن ~~القراءة لاستماع قراءة الإمام فلأن ينهى عن الثناء أولى لقوله: # PageV23P299 # {فاستمعوا له وأنصتوا} وإلا تناقضوا. كما ذكره البخاري. # وأما ### | قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي # فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {قال الله: قسمت الصلاة ~~بيني وبين عبدي نصفين} إلى آخره. فقد يقال أن أبا هريرة إنما أمره ~~بالقراءة؛ لما في ذلك من الفضيلة المذكورة في حديث القسمة لا لقوله: {من ~~صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج} فإنه لو كان صلاة المأموم ~~خداجا إذا لم يقرأ لأمره بذلك؛ لأجل ذلك الحديث. ولم يعلل الأمر بحديث ~~القسمة. اللهم إلا أن يقال: ذكره توكيدا أو لأنه لما قسم القراءة قسم ~~الصلاة فدل على أنه لا بد منها في الصلاة إذ لو خلت عنها لم تكن القسمة ~~موجودة. وعلى هذا يبقى الحديثان مدلولهما واحد. وقوله: اقرأ بها في نفسك. ~~مجمل فإن أراد ما أراد غيره من القراءة في حال المخافتة أو سكوت الإمام لم ~~يكن ذلك مخالفا؛ لقول أولئك يؤيد هذا أن أبا هريرة ممن روى قوله: {وإذا قرأ ~~فأنصتوا} وروى قوله: {لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وما زاد} وقال: {تجزئ ~~فاتحة الكتاب وإذا زاد فهو خير} ومعلوم أن هذا لم يتناول المأموم المستمع ~~لقراءة الإمام فإن هذا لا تكون الزيادة على الفاتحة خيرا له بل الاستماع ~~والإنصات خيرا له ms7146 فلا يجزم حينئذ بأنه أمره # PageV23P300 # أن يقرأ حال استماعه لقراءة الإمام بلفظ مجمل. قال البخاري (*) : وروى ~~ابن صالح عن الأصفهاني عن المختار عن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه عن علي ~~" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة " قال: وهذا لم يصح؛ لأنه لا يعرف ~~المختار ولا يدري أنه سمع من ابنه ولا أبيه من علي ولا يحتج أهل الحديث ~~بمثله. وحديث الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي أولى وأصح. قلت: حديث ~~الزهري بين في أنه أمره بالقراءة في صلاة المخافتة لا في صلاة الجهر وعلى ~~هذا فيكون إن كان قد قال هذا قاله في صلاة الجهر إذا سمع الإمام فلا منافاة ~~بين القولين. كما تقدم مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما. قال ~~البخاري: وروى داود بن قيس عن ابن نجاد رجل من ولد سعد عن سعد " وددت أن ~~الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمر ". قال: وهذا مرسل وابن نجاد لم يعرف ولا ~~سمي ولا يجوز لأحد أن يقول في في القارئ خلف الإمام جمرة؛ لأن الجمرة من ~~عذاب الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تعذبوا بعذاب الله} ولا ~~ينبغي لأحد أن يتوهم ذلك على سعد مع إرساله وضعفه. قال: PageV23P301 # وروى ابن حبان عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم قال: قال عبد الله " وددت أن ~~الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تبنا " قال: وهذا مرسل لا يحتج به وخالفه ابن ~~عون عن إبراهيم عن الأسود وقال: رضفا وليس هذا من كلام أهل العلم لوجوه. ~~أما أحدها: قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تلاعنوا بلعنة الله ولا ~~بالنار ولا تعذبوا بعذاب الله} . والوجه الآخر: أنه لا ينبغي لأحد أن يتمنى ~~أن يملأ أفواه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ~~وحذيفة ومن ذكرنا رضفا ولا تبنا ولا ترابا. والوجه الثالث: إذا ثبت الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه فليس في قول الأسود ونحوه ms7147 حجة قال ~~ابن عباس ومجاهد ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ~~ويترك وقال حماد بن سلمة: " وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه سكرا ". ~~قال البخاري: وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: " من ~~قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " ولا يعرف لهذا # PageV23P302 # الإسناد سماع بعضهم من بعض ولا يصح مثله. قال: وكان سعيد بن المسيب وعروة ~~والشعبي وعبيد الله بن عبد الله ونافع بن جبير وأبو المليح والقاسم بن محمد ~~وأبو مجلز ومكحول ومالك وابن عون وسعيد بن أبي عروبة يرون القراءة. (وكان ~~أنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري يستحبان [القراءة] خلف الإمام) (*) . قلت: ~~قد روى مسلم في صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت الأنصاري عن ~~القراءة مع الإمام. فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وهذا يتناول القراءة ~~معه في الجهر كما قال الزهري فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما يجهر فيه. وأما في صلاة المخافتة فلا يقال قرأ معه كما ~~لا يقال إن أحد المأمومين يقرأ مع الآخر وكما لا يقال: إنه استفتح معه ~~وتشهد معه وسبح معه في الركوع والسجود. وكذلك ابن مسعود قد تقدمت الرواية ~~عنه بأنه كان يأمر بإنصات المأموم لقراءة الإمام وكان يقرأ خلف الإمام. ~~وعلى هذا فقوله: إن كان قاله أو قول أصحابه الذين نقلوا عنه كالأسود: ~~PageV23P303 # وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه رضفا أو تبنا أو ترابا " يتناول من ~~قرأ وهو يسمع الإمام يقرأ فترك ما أمر به من الإنصات والاستماع وهذا هو ~~الذي يتناوله قول سعد إن كان قاله: " وددت أن في فيه جمرا " لا سيما إذا ~~نازع الإمام القراءة بأن يكون الإمام أو من يسمع قراءة الإمام يسمع حسه ~~فيكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: {ما لي أنازع القرآن} وقال ~~فيه: {علمت أن بعضكم خالجنيها} وكذلك لو قرأ في السر ورفع ms7148 صوته بحيث يخالج ~~الإمام وينازعه أو يخالج وينازع غيره من المأمومين لكان مسيئا في ذلك. وقول ~~حماد بن سلمة وغيره: " وددت أنه ملئ فوه سكرا " إذا قرأ حيث يستحب له ~~القراءة لقراءته خلف الإمام في صلاة السر وكذلك ما نقل عن زيد بن ثابت أنه ~~قال: " من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " يتناول من ترك ما أمر به وفعل ما ~~نهي عنه. فقرأ وهو يسمع قراءة الإمام وفي بطلان صلاة هذا وجهان في مذهب ~~أحمد ومن قال هذا من السلف من صحابي أو تابعي فقد يريد به معنى صحيحا. كما ~~في قول النبي صلى الله عليه وسلم {لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلى جلده ~~فتحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر} وتعذيب الإنسان بعذاب في الدنيا ~~أيسر عليه من ركوب # PageV23P304 # ما نهى الله عنه. فمن اعتقد أن قراءته حال استماع إمامه معصية لله ورسوله ~~ترك بها ما أمره الله وفعل ما نهى الله عنه جاز أن يقول؛ لأن يحصل بفيه شيء ~~يؤذيه فيمنعه عن المعصية خير له من أن يفعل ما نهي عنه كما قد يقال: لمن ~~تكلم بكلمة محرمة: لو كنت أخرس لكان خيرا لك ولا يراد بذلك أنا نحن نعذبه ~~بذلك لكن يراد لو ابتلاه الله بهذا لكان خيرا له من أن يقع في الذنب. وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: {عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة} والواحد من السلف قد يذكر ما في الفعل من الوعيد وإن فعله غيره ~~متأولا لقول عائشة " أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا أن يتوب " وليس في هذا تلاعن بلعنة الله ولا بالنار ولا ~~تعذيب بعذاب الله بل فيه تمنى أن يبتلى بما يمنعه عن المعصية. وإن كان فيه ~~أذى له. والعالم قد يذكر الوعيد فيما يراه ذنبا مع علمه بأن المتأول مغفور ~~له لا يناله الوعيد. لكن يذكر ذلك ليبين أن هذا الفعل مقتضي لهذه العقوبة ~~عنده ms7149 فكيف وهو لم يذكر إلا ما يمنعه عما يراه ذنبا. # PageV23P305 # وكذلك قول من قال: " وددت أنه ملئ فوه سكرا " يتناول من فعل ما أمر الله ~~به من القراءة ومع هذا فمن فعل القراءة المنهي عنها معتقدا أنه مأمور به أو ~~ترك المأمور به معتقدا أنه منهي عنه كان مثابا على اجتهاده وخطؤه مغفور له ~~وإن كان العالم يقول في الفعل الذي يرى أنه واجب أو محرم ما يناسب الوجوب ~~والتحريم وليس في ذلك تمنى أن يملأ أفواه أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا أحدا من المؤمنين رضفا ولا تبنا؛ لأن أولئك عامة ما نقل عنهم من ~~القراءة خلف الإمام في السر وذم الذامين لمن يقرأ في الجهر. فلم يتوارد ~~الذم والفعل وإن قدر أنهما تواردا من السلف فهو كتواردهما من الخلف. وحينئذ ~~فهذا يتكلم باجتهاده وهذا باجتهاده وليس ذلك بأعظم من قول بعض أكابر ~~الصحابة لبعض أكابرهم قدام النبي صلى الله عليه وسلم إنك منافق تجادل عن ~~المنافقين. وقول القائل: دعني أضرب عنق هذا المنافق وليس ذلك بأعظم مما وقع ~~بينهم من التأويل في القتال في الفتن والدعاء في القنوت باللعن وغيره مع ما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: {لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض} وقوله: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار} فإذا كان هذا الوعيد يندفع عنهم بالتأويل # PageV23P306 # في الدماء فلأن يندفع بالتأويل فيما دون ذلك أولى وأحرى. وقد ثبت عن علي ~~أنه حرق بالنار المرتدين وكذلك الصديق روي عنه أنه حرق فإذا جاز هذا على ~~الخلاف مع ثبوت النص بخلافه؛ لأجل التأويل لم يمتنع أن يغلط بعضهم فيما ~~يراه ذنبا ومعصية بمثل هذا الكلام. ومعلوم أن النهي عن القراءة خلف الإمام ~~في الجهر متواتر عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم كما أن القراءة خلف الإمام ~~في السر متواترة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم بل ونفي وجوب القراءة على ~~المأموم مطلقا مما هو معروف عنهم. وقد روى البخاري في هذا ms7150 الكتاب: حدثنا ~~عبد الله بن منير سمع يزيد بن هارون ثنا زياد وهو الجصاص ثنا الحسن حدثني ~~عمران بن حصين قال: {لا تزكوا صلاة مسلم إلا بطهور وركوع وسجود وراء الإمام ~~وإن كان وحده بفاتحة وآيتين أو ثلاث} . فلم يوجب الفاتحة عليه إذا كان ~~إماما كما أوجب عليه الطهارة والركوع والسجود بل أوجبها مع الانفراد. # PageV23P307 # ثم روى البخاري قوله: {لا تقرءوا خلفي إلا بأم القرآن} وذكر طرقه وما فيه ~~من الاختلاف فقال حدثنا شجاع بن الوليد ثنا النضر ثنا عكرمة ثنا عمرو بن ~~سعد. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (1) . PageV23P308 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # الناس في القراءة خلف الإمام متنازعون في الوجوب والاستحباب: فقيل تكره ~~مطلقا كما هو قول أبي حنيفة وغيره. وقيل: بل تجب بالفاتحة مطلقا كما هو قول ~~الشافعي في الجديد وغيره. وهو قول ابن حزم وزاد لا تشرع بغير ذلك بحال. ~~وقيل: بل تجب بها في صلاة السر فقط كقوله القديم. والإمام أحمد ذكر إجماع ~~الناس على أنها لا تجب في صلاة الجهر. والجمهور على أنها لا تجب ولا تكره ~~مطلقا بل تستحب القراءة في صلاة السر وفي سكتات الإمام بالفاتحة وغيرها كما ~~هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما. وأما إذا لم يكن للإمام سكتات فقرأ فيها. فهل ~~تكره القراءة أم تستحب بالفاتحة؟ فيه قولان. فمذهب أحمد وجمهور أصحابه أنها ~~تكره بالفاتحة وغيرها واختار طائفة أنها تستحب # PageV23P309 # حينئذ بالفاتحة وهو اختيار جدي وهو قول الليث والأوزاعي. وحجة هذا القول ~~شيئان: أحدهما: أن في قراءتها خروجا من الاختلاف في وجوبها فإنه إذا لم ~~يقرأ ففي صحة صلاته خلاف بخلاف ما إذا قرأ فإنما يفوته الاستماع حين ~~قراءتها فقط. الثاني: الحديث الذي في السنن حديث عبادة: " {إذا كنتم ورائي ~~أو وراء الإمام فلا تقرءوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها} ~~وهو حجة الموجبين. وهؤلاء يقولون: النهي إنما هو حال استماع قراءة الإمام ~~فقط فأما في غير ذلك فالقراءة مشروعة. فعلم أنه يستثنى الفاتحة ms7151 حال النهي ~~عن غيرها وهذا يفيد قراءتها حال استماع الجهر. ثم هنا ثلاثة أقوال: قيل: ~~إنها واجبة وأنه لا يقرأ بغيرها بحال. كما قاله ابن حزم. وقيل: بل هي واجبة ~~والنهي عن القراءة بغيرها حال الجهر فلا يفيد النهي مطلقا. وقيل: بل يفيد ~~استثناء قراءتها من النهي والاستثناء من النهي # PageV23P310 # لا يفيد الوجوب. وقوله: " {فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها} تعليل بوجوب ~~قراءتها في الصلاة. فإن كونها ركنا اقتضى أن تستثنى في هذه الحال للمأموم ~~وإن لم تكن مفروضة عليه كفرائض الكفايات إذا قام بها طائفة سقط بها الفرض ~~ثم قام بها آخرون فإنه يقال: هي فرض على الكفاية وإن كان لهم إسقاطها بفعل ~~الغير؛ ولهذا يقال: الجنازة تفعل في أوقات النهي لأنها فرض وإن فعلت مرة ~~ثانية في أصح الوجهين؛ لأنها تفعل فرضا في حق هؤلاء وإن كان لهم إسقاطها ~~بفعل الغير. وقراءة الفاتحة هي ركن وللمأموم أن يجتزئ بقراءة إمامه وله أن ~~يسقطها بنفسه. وهذا كما في صدقة الفطر التي يتحملها الإنسان عن غيره كصدقة ~~الزوجة فإنها هل تجب على الزوج ابتداء أو تحملا؟ على وجهين: أصحهما: أنها ~~تحمل فلو أخرجتها الزوجة لجاز فتكون الزوجة مخيرة بين أن تخرجها وبين أن ~~تلزم الزوج بإخراجها فلو أخرجها الزوج ثم أخرجتها هي ولم تعتد بذلك الإخراج ~~لكان، لكن الإمام لا بد له من قراءة وهو يتحمل القراءة عن المأموم. ~~فالقراءة الواحدة تجزي عن إمامه وعنه وإن قرأ هو عن نفسه فحسن كسائر فروض ~~الكفايات لكن هذا فرض عين على الأئمة. # PageV23P311 # وأما الذين كرهوا القراءة في حال استماع قراءة الإمام مطلقا وهم الجمهور. ~~فحجتهم قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~فأمر بالإنصات مطلقا ومن قرأ وهو يستمع فلم ينصت. # ومن أجاب عن هذا بأن الآية مخصوصة بغير حال قراءة الفاتحة فجوابه من ~~وجوه: أحدها: ما ذكره الإمام أحمد من إجماع الناس على أنها نزلت في الصلاة ~~وفي الخطبة وكذلك قوله: " {وإذا قرأ فأنصتوا} ". وأيضا: فالمستمع للفاتحة ms7152 ~~هو كالقارئ؛ ولهذا يؤمن على دعائها. وقال: " {إذا أمن القارئ فأمنوا فمن ~~وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه} . وأما الإنصات ~~المأمور به حال قراءة الإمام؛ فهو من باب المتابعة للإمام فهو فاعل للاتباع ~~المأمور به أي بمقصود القراءة وإذا قرأ الفاتحة ترك المتابعة المأمور بها ~~بالإنصات وترك الإنصات المأمور به في القرآن ولم يعتض عن هذين الأمرين إلا ~~بقراءة الفاتحة التي حصل المقصود منها باستماعه قراءة الإمام وتأمينه ~~عليها. وكان قد ترك الإنصات المأمور به إلى غير بدل ففاته هذا الواجب ولم ~~يعتض عنه إلا ما حصل مقصوده بدونه. ومعلوم أنه إذا دار # PageV23P312 # الأمر بين تفويت أحد أمرين على وجه يتضمن تحصيل أحدهما كان تحصيل ما يفوت ~~إلى غير بدل أولى من تحصيل ما يقوم بدله مقامه. وأيضا فلو لم يكن المستمع ~~كالقارئ لكان المستحب حال جهره بغير الفاتحة أن يقرأ المأموم فلما اتفق ~~المسلمون على أن المشروع للمأموم حال سماع القراءة المستحبة أن يستمع ولا ~~يقرأ: علم أنه يحصل له مقصود القراءة بالاستماع وإلا كان المشروع في حقه ~~التلاوة بل أوجبوا عليه الإنصات حال القراءة المستحبة فالإنصات حال القراءة ~~الواجبة أولى. وأما الحديث فقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره ولفظ الحديث الذي ~~في الصحيحين ليس فيه إلا قول مطلق. وأيضا فإن صح حمل على الإمام الذي له ~~سكتات يقرر ذلك أن لفظه ليس فيه عموم فإنه قد روي أنه قال: " {إذا كنتم ~~ورائي فلا تقرءوا إلا بأم الكتاب} وهذا استثناء من النهي لهم عن القراءة ~~خلفه فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له سكتتان كما روى ذلك سمرة وأبي بن ~~كعب. كما ثبت سكوته بين التكبير والقراءة بحديث أبي هريرة المتفق عليه في ~~الصحيحين والدعاء الذي روى أبو هريرة في هذا السكوت يمكن فيه قراءة الفاتحة ~~فكيف إذا قرأ بعضها في سكتة وبعضها في سكتة أخرى. فحينئذ لا يكون في قوله: ~~" {إذا كنتم ورائي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن} دليل على أنه يقرأ بها في ms7153 ~~حال الجهر # PageV23P313 # فإن هذا استثناء من النهي فلا يفيد إلا الإذن المطلق بمعنى أنهم ليسوا ~~منهيين عن القراءة بها لا يمكن قراءتها في حال سكتاته. يؤيد هذا أن جمهور ~~المنازعين يسلمون أنه في صلاة السر يقرأ بالفاتحة وغيرها ويسلمون أنه إذا ~~أمكن أن يقرأ بما زاد على الفاتحة في سكتات الإمام قرأ وأن البعيد الذي لا ~~يسمع يقرأ بالفاتحة وبما زاد. فحينئذ يكون هذا النهي خاصا فيمن صلى خلفه في ~~صلاة الجهر. واستثناء قراءة الفاتحة لإمكان قراءتها في سكتاته. يبين هذا أن ~~لفظ الحديث في الصحيحين من رواية الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن ~~الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {لا صلاة لمن لم يقرأ بأم ~~القرآن} وفي رواية {بفاتحة الكتاب} وأما الزيادة فرواها (1) عن عبادة بن ~~الصامت قال: {كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال: لعلكم ~~تقرءون خلف إمامكم قلنا: نعم يا رسول الله قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة ~~الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها} رواه أبو داود والترمذي وقال حديث ~~حسن والدارقطني وقال إسناده حسن. PageV23P314 # ورواها (1) عن عبادة بن الصامت قال: {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه القراءة فلما انصرف ~~أقبل علينا بوجهه وقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة فقال بعضنا: إنا لنصنع ~~ذلك قال: فلا وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا ~~جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن} رواه أبو داود واللفظ له والنسائي ~~والدارقطني. وله أيضا " {لا يجوز صلاة لا يقرأ الرجل فيها فاتحة الكتاب} ~~وقال إسناد حسن ورجاله كلهم ثقات. ففي هذا الحديث بيان أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يعلم: هل يقرءون وراءه بشيء أم لا؟ ومعلوم أنه لو كانت ~~القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بذلك وأن تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة ms7154 لا يجوز ولو بين ذلك لهم لفعله عامتهم لم يكن يفعله الواحد أو ~~الاثنان منهم ولم يكن يحتاج إلى استفهامه. فهذا دليل على أنه لم يوجب عليهم ~~قراءة خلفه حال الجهر ثم إنه لما علم أنهم يقرءون نهاهم عن القراءة بغير أم ~~الكتاب وما ذكر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة معه حال الجهر سواء ~~كان بالفاتحة أو غيرها فالعلة متناولة للأمرين فإن ما يوجب ثقل القراءة ~~والتباسها على الإمام منهي عنه. PageV23P315 # وهذا يفعله كثير من المؤتمين الذين يرون قراءة الفاتحة حال جهر الإمام ~~واجبة أو مستحبة فيثقلون القراءة على الإمام ويلبسونها عليه ويلبسون على من ~~يقاربهم الإصغاء والاستماع الذي أمروا به فيفوتون مقصود جهر الإمام ومقصود ~~استماع المأموم. ومعلوم أن مثل هذا يكون مكروها ثم إذا فرض أن جميع ~~المأمومين يقرءون خلفه فنفس جهره لا لمن يستمع فلا يكون فيه فائدة لقوله " ~~{إذا أمن فأمنوا} ويكونون قد أمنوا على قرآن لم يستمعوه ولا استمعه أحد ~~منهم إلا أن يقال إن السكوت يجب على الإمام بقدر ما يقرءون وهم لا يوجبون ~~السكوت الذي يسع قدر القراءة وإنما يستحبونه، فعلم أن استحباب السكوت يناسب ~~استحباب القراءة فيه ولو كانت القراءة على المأموم واجبة لوجب على الإمام ~~أن يسكت بقدرها سكوتا فيه ذكر أو سكوتا محضا ولا أعلم أحدا أوجب السكوت ~~لأجل قراءة المأموم. يحقق ذلك أنه قد أوجب الإنصات حال قراءة الإمام كما في ~~صحيح مسلم عن أبي موسى قال: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين ~~لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر ~~فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا} ورواه من حديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله # PageV23P316 # صلى الله عليه وسلم " {إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ~~قرأ فأنصتوا} رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي. قيل لمسلم بن ~~الحجاج حديث أبي هريرة هو صحيح يعني: " {إذا قرأ فأنصتوا} قال: عندي صحيح. ~~قيل له: لم لا تضعه هاهنا؟ يعني ms7155 في كتابه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ~~هاهنا. إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه يعني من طريق أبي هريرة لم يجمع ~~عليها وأجمع عليها من رواية أبي موسى ورواها من طريق أبي موسى مسلم. ولم ~~يروها مسلم من طريق أبي هريرة. وعن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة {أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ؟ ~~يعني أحدا منا آنفا قال رجل: نعم يا رسول الله قال: إني أقول: ما لي أنازع ~~القرآن} فانتهى الناس عن القراءة معه صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك منه صلى الله ~~عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال حديث ~~حسن. قال أبو داود سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال قوله: فانتهى الناس عن ~~القراءة إلى آخره. من قول الزهري. وروى البخاري نحو ذلك فقد قال البيهقي: ~~ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث # PageV23P317 # وحده ولم يحدث عنه غير الزهري وجواب ذلك من وجوه: أحدها: أنه قد قال فيه ~~أبو حاتم الرازي: صحيح الحديث حديثه مقبول وتزكية أبي حاتم هو في الغاية. ~~[وحكي عن أبي حاتم البستي أنه قال: روى عنه الزهري وسعيد بن أبي هلال وابن ~~ابنه عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة بن عمر] (*) . الثاني: أن يقال ليس في ~~حديث ابن أكيمة إلا ما في حديث عبادة الذي اعتمده البيهقي ونحوه. من أنهم ~~قرءوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم. وأنه قال: " {ما لي أنازع القرآن} . ~~الثالث: أن حديث ابن أكيمة رواه أهل السنن الأربعة فإذا كان هذا الحديث هو ~~مسلم صحة متنه وأن الحديث الذي احتج به والذي احتج به منازعوه قد اتفقا على ~~هذه الرواية كان ما اتفقا عليه معمولا به بالاتفاق وما في حديثه من الزيادة ~~قد انفرد بها من ذلك الطريق ولم يروها إلا بعض أهل السنن وطعن فيها ms7156 الأئمة ~~وكانت الزيادة المختلف فيها أحق بالقدح في الأصل المتفق على روايته. وأما ~~قوله: فانتهى الناس. فهذا إذا كان من كلام الزهري كان تابعا فإن الزهري ~~أعلم التابعين في زمنه بسنة رسول الله PageV23P318 # صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة مما تتوفر الدواعي والهمم على نقل ما ~~كان يفعل فيها خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليس ذلك مما ينفرد به الواحد ~~والاثنان فجزم الزهري بهذا من أحسن الأدلة على أنهم تركوا القراءة خلفه حال ~~الجهر بعدما كانوا يفعلونه وهذا يؤيد ما تقدم ذكره ويوافق قوله: {وإذا قرأ ~~فأنصتوا} ولم يستثن فاتحة ولا غيرها. وتحقق أن تلك الزيادة إما ضعيفة الأصل ~~أو لم يحفظ راويها لفظها وأن معناها كان مما يوافق سائر الروايات وإلا فلا ~~يمكن تغيير الأصول الكلية الثابتة في الكتاب والسنة في هذا الأمر المحتمل. ~~والله أعلم. وتمام القول في ذلك يتضح بما رواه مسلم في صحيحه عن عمران بن ~~حصين: " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه ~~بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: أيكم قرأ؟ أو أيكم القارئ؟ قال رجل: ~~أنا فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها} ففي هذا الحديث أن منهم من قرأ خلفه ~~في صلاة السر بزيادة على الفاتحة ومع ذلك لم ينههم عن ذلك وذلك إقرار منه ~~لهم على القراءة خلفه بالزيادة على الفاتحة في صلاة السر خلافا لمن قال لا ~~يقرأ خلفه بحال أو لا يقرأ بزيادة على الفاتحة. وقوله: " {قد ظننت أن بعضكم ~~خالجنيها} ليس فيه نهي عن أصل # PageV23P319 # القراءة وإنما يفهم منه أنه لا ينبغي للمأموم أن يرفع حسه بحيث يخالج ~~الإمام كما يفعل بعض المأمومين وكما قد يفعل الإمام. كما قال أبو قتادة: ~~كان يسمعنا الآية أحيانا. وفيه أيضا: دليل على أنه لم يأمرهم بالقراءة خلفه ~~في السر لا بالفاتحة ولا غيرها. إذ لو كان أمرهم بذلك لم ينكر القراءة خلفه ~~وهو لم ينكر قراءة سورة معينة بل قال: " {أيكم قرأ أو أيكم القارئ؟} ms7157 بل من ~~المعلوم في العادة أن القارئ خلفه لم يقرأ بسبح إلا بعد الفاتحة فهذا يدل ~~على أنه لا تجب القراءة على المأموم في السر لا بالفاتحة ولا غيرها. كما ~~يدل على ذلك حديث أبي بكر لما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~حين ذهب يصلح بين بني عمرو بن عوف ثم رجع يقرأ من حيث انتهى أبو بكر وكما ~~في حديث أبي بكرة الذي رواه البخاري في صحيحه لما ركع دون الصف ثم دخل في ~~الصلاة وقال له النبي صلى الله عليه وسلم " {زادك الله حرصا ولا تعد} ولو ~~كانت قراءة الفاتحة فرضا على المأموم مطلقا لم تسقط بسبق ولا جهل. كما أن ~~الأعرابي المسيء في صلاته قال له: " {ارجع فصل فإنك لم تصل} وأمر الذي صلى ~~خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة. # PageV23P320 # وأيضا فتحمل الإمام القراءة عن المأموم لا يمنع أن يكون للمأموم أن يقرأ ~~فيأتي هو بالكمال في ذلك فإن ذلك خير من السكوت الذي لا استماع معه وهذا ~~أمر معلوم متيقن من الشريعة أن القارئ للقرآن أفضل من الساكت الذي لا يستمع ~~قراءة غيره وهو داخل في قوله: " {من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما ~~إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف} فكراهة هذا العمل ~~الصالح الذي يحبه الله ورسوله لا وجه له أصلا وهذا بخلاف المستمع فإن ~~استماعه يقوم مقام قراءته. ودليل ذلك اتفاقهم على أنه مأمور حال القراءة ~~المستحبة بالإنصات إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب وأنه مكروه لهم القراءة ~~حال الاستماع فلولا أن الاستماع كالقراءة بل وأفضل لم يكن مأمورا بالإنصات ~~منهيا عن القراءة فإن الله لا يأمر بالأدنى وينهى عن الأفضل. ومما يؤيد ذلك ~~قوله في حديث عبادة " {فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا ~~بأم القرآن} فإنما نهاهم عن القراءة إذا جهر وكذلك قول الزهري: فانتهى ~~الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول ms7158 الله ~~صلى الله عليه وسلم حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV23P321 # وهذا المفسر يقيد المطلق في اللفظ الآخر. قال: " {تقرءون خلف إمامكم؟ ~~قلنا: نعم قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب} يعني في الجهر. ويبين أيضا ~~ما رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود قال: {كانوا يقرءون خلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: خلطتم علي القرآن} فهذا يكون في صلاة جهر أو في ~~صلاة سر رفع المأموم فيها صوته حتى سمعه الإمام وإلا فالمأموم الذي يقرأ ~~سرا في نفسه لا يخلط على الإمام ولا يخلط عليه الإمام؛ بخلاف المأموم الذي ~~يقرأ حال قراءة الإمام فإن الإمام قطعا يخلط عليه حتى إن من المأمومين من ~~يعيد الفاتحة مرات لأن صوت الإمام يشغله قطعا. بل إذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد جعل المأموم يخلط عليه ويلبس ويخالج الإمام فكيف بالإمام في ~~حال جهره مع المأموم والمأموم يلبس على المأموم حال الجهر؛ لأنه إذا جهر ~~وحده كان أدنى حس يلبس عليه ويثقل عليه القراءة فإن لم تكن الأصوات هادئة ~~هدوءا تاما وإلا ثقلت عليه القراءة ولبس عليه وهذا أمر محسوس. ولهذا تجد ~~الذين يشهدون سماع القصائد سماع المكاء والتصدية يشوشون بأدنى حس وينكرون ~~على من يشوش. وكذلك من قرأ القرآن خارج الصلاة فإنه يشوش عليه بأدنى حس ~~فكيف من يقرأ في الصلاة ولو قرأ قارئ خارج الصلاة على جماعة وهم لا ينصتون ~~له بل # PageV23P322 # يقرءون لأنفسهم لتشوش عليه. فقد تبين بالأدلة السمعية والقياسية القول ~~المعتدل في هذه المسألة والله أعلم. والآثار المروية عن الصحابة في هذا ~~الباب تبين الصواب فعن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع ~~الإمام. فقال: " لا قراءة مع الإمام في شيء " رواه مسلم. ومعلوم أن زيد بن ~~ثابت من أعلم الصحابة بالسنة وهو عالم أهل المدينة فلو كانت القراءة ~~بالفاتحة أو غيرها حال الجهر مشروعة لم يقل لا قراءة مع الإمام في شيء. ~~وقوله: " مع الإمام " إنما ms7159 يتناول من قرأ معه حال الجهر. فأما حال المخافتة ~~فلا هذا يقرأ مع هذا ولا هذا مع هذا وكلام زيد هذا ينفي الإيجاب والاستحباب ~~ويثبت النهي والكراهة. وعن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من ~~صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل؛ إلا وراء الإمام. رواه مالك في ~~الموطإ. وجابر آخر من مات من الصحابة بالمدينة وهو من أعيان تلك الطبقة ~~وروى مالك أيضا عن نافع عن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف ~~الإمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم # PageV23P323 # خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله ~~بن عمر لا يقرأ خلف الإمام وابن عمر من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها. ولو ~~كانت القراءة واجبة على المأموم لكان هذا من العلم العام الذي بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولو بين ذلك لهم لكانوا يعملون به عملا عاما ~~ولكان ذلك في الصحابة لم يخف مثل هذا الواجب على ابن عمر حتى يتركه مع كونه ~~واجبا عام الوجوب على عامة المصلين قد بين بيانا عاما بخلاف ما يكون مستحبا ~~فإن هذا قد يخفى. وروى البيهقي عن أبي وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن ~~القراءة خلف الإمام فقال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة لشغلا وسيكفيك ذاك ~~الإمام. فقول ابن مسعود هذا يبين أنه إنما نهاه عن القراءة خلف الإمام؛ ~~لأجل الإنصات. والاشتغال به لم ينهه إذا لم يكن مستمعا كما في صلاة السر ~~وحال السكتات. فإن المأموم حينئذ لا يكون منصتا ولا مشتغلا بشيء. وهذا حجة ~~على من خالف ابن مسعود من الكوفيين ومبين لما رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما تقدم. # PageV23P324 # وحديث جابر الذي تقدم قد روي مرفوعا ومسندا ومرسلا فأما الموقوف على جابر ~~فثابت بلا نزاع وكذلك المرسل ثابت بلا نزاع من رواية الأئمة عن عبد الله بن ~~شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من كان له ms7160 إمام فقراءة ~~الإمام له قراءة} وأما المسند فتكلم فيه. رواه ابن ماجه من حديث جابر ~~الجعفي عن جابر بن عبد الله. وجابر الجعفي كذبه أيوب وزائدة ووثقه الثوري ~~وسعيد وقال ابن معين: لا يكتب حديثه ولا كرامة ليس بشيء. وقال النسائي ~~متروك. وروى أبو داود عن أحمد أنه قال: لم يتكلم في جابر لحديثه إنما تكلم ~~فيه لرأيه. قال أبو داود ليس عندي بالقوي من حديثه وقوله " {فقراءة الإمام ~~له قراءة} لا تدل على أنه لا يستحب للمأموم القراءة كما احتج بذلك من احتج ~~به من الكوفيين فإن قوله: " {قراءة الإمام له قراءة} دليل على أن له أن ~~يجتزئ بذلك وأن الواجب يسقط عنه بذلك لا يدل على أنه ليس له أن يقرأ كما في ~~مواضع كثيرة وله أن يسقط الواجب بفعل غيره وله أن يفعله هو بنفسه. وكذلك ~~المستحب. وأقصى ما يقدر أن يكون هو كأنه قد قرأ. ثم إن أذكار الصلاة واجبها ~~ومستحبها إذا فعلها العبد مرة # PageV23P325 # لم يكره له أن يفعلها في محلها مرة ثانية لغرض صحيح مع أنه قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " {الله أكبر كبيرا الله أكبر ~~كبيرا الله أكبر كبيرا} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يردد الآية الواحدة ~~كما ردد قوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} آخر ما وجد والحمد لله وحده وصلى ~~الله على محمد النبي وآله وسلم. # PageV23P326 # وقال أيضا: # فصل: # وأما القراءة خلف الإمام: فالناس فيها طرفان ووسط. منهم: من يكره القراءة ~~خلف الإمام حتى يبلغ بها بعضهم إلى التحريم سواء في ذلك صلاة السر والجهر ~~وهذا هو الغالب على أهل الكوفة ومن اتبعهم: كأصحاب أبي حنيفة. ومنهم من ~~يؤكد القراءة خلف الإمام حتى يوجب قراءة الفاتحة وإن سمع الإمام يقرأ وهذا ~~هو الجديد من قولي الشافعي وقول طائفة معه. ومنهم من يأمر بالقراءة في صلاة ~~السر وفي حال سكتات الإمام في صلاة الجهر والبعيد الذي لا يسمع الإمام. ~~وأما القريب الذي يسمع قراءة الإمام فيأمرونه ms7161 بالإنصات لقراءة إمامه؛ إقامة ~~للاستماع مقام التلاوة. وهذا قول الجمهور: كمالك وأحمد وغيرهم # PageV23P327 # من فقهاء الأمصار وفقهاء الآثار. وعليه يدل عمل أكثر الصحابة وتتفق عليه ~~أكثر الأحاديث. وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم: هل هي مبنية ~~على صلاة الإمام؟ أم كل واحد منهما يصلي لنفسه؟ كما تقدم التنبيه عليه. ~~فأصل أبي حنيفة أنها داخلة فيها ومبنية عليها مطلقا حتى أنه يوجب الإعادة ~~على المأموم حيث وجبت الإعادة على الإمام. وأصل الشافعي: أن كل رجل يصلي ~~لنفسه لا يقوم مقامه لا في فرض ولا سنة؛ ولهذا أمر المأموم بالتسميع وأوجب ~~عليه القراءة ولم يبطل صلاته بنقص صلاة الإمام إلا في مواضع مستثناة كتحمل ~~الإمام عن المأموم سجود السهو وتحمل القراءة إذا كان المأموم مسبوقا وإبطال ~~صلاة القارئ خلف الأمي ونحو ذلك. وأما مالك وأحمد: فإنها مبنية عليها من ~~وجه دون وجه. كما ذكرناه من الاستماع للقراءة في حال الجهر والمشاركة في ~~حال المخافتة ولا يقول المأموم عندهما سمع الله لمن حمده بل يحمد جوابا ~~لتسميع الإمام كما دلت عليه النصوص الصحيحة وهي مبنية عليها. فيما يعذران ~~فيه دون ما لا يعذران كما تقدم في الإمامة. # PageV23P328 # و ### | سئل: # عن قراءة المؤتم خلف الإمام: جائزة أم لا؟ # وإذا قرأ خلف الإمام: هل عليه إثم في ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # القراءة خلف الإمام في الصلاة لا تبطل عند الأئمة رضوان الله عليهم لكن ~~تنازع العلماء أيما أفضل في حق المأموم؟ فمذهب مالك والشافعي وأحمد: أن ~~الأفضل له أن يقرأ في حال سكوت الإمام: كصلاة الظهر والعصر والأخيرتين من ~~المغرب والعشاء وكذلك يقرأ في صلاة الجهر إذا لم يسمع قراءته. ومذهب أبي ~~حنيفة: أن الأفضل أن لا يقرأ خلفه بحال والسلف رضوان الله عليهم من الصحابة ~~والتابعين منهم من كان يقرأ ومنهم من كان لا يقرأ خلف الإمام. وأما إذا سمع ~~المأموم قراءة الإمام فجمهور العلماء على أنه يستمع ولا يقرأ بحال وهذا ~~مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. ومذهب الشافعي أنه يقرأ حال ms7162 الجهر ~~بالفاتحة خاصة ومذهب # PageV23P329 # طائفة كالأوزاعي وغيره من الشاميين يقرؤها استحبابا وهو اختيار جدنا. ~~والذي عليه جمهور العلماء هو الفرق بين حال الجهر وحال المخافتة فيقرأ في ~~حال السر ولا يقرأ في حال الجهر وهذا أعدل الأقوال؛ لأن الله تعالى قال: ~~{وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} فإذا قرأ الإمام ~~فليستمع وإذا سكت فليقرأ فإن القراءة خير من السكوت الذي لا استماع معه. ~~ومن قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا يفوت هذا الأجر بلا فائدة بل يكون إما مستمعا وإما قارئا. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # و ### | سئل: # عما تدرك به الجمعة والجماعة؟ . # فأجاب: # اختلف الفقهاء فيما تدرك به الجمعة والجماعة على ثلاثة أقوال: (أحدها: ~~أنهما لا يدركان إلا بركعة وهو مذهب مالك # PageV23P330 # وأحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها جماعة من أصحابه وهو وجه في مذهب ~~الشافعي واختاره بعض أصحابه أيضا كأبي المحاسن الرياني وغيره. والقول ~~الثاني: أنهما يدركان بتكبيرة وهو مذهب أبي حنيفة. (والقول الثالث: أن ~~الجمعة لا تدرك إلا بركعة والجماعة تدرك بتكبيرة وهذا القول هو المشهور من ~~مذهب الشافعي وأحمد. والصحيح هو القول الأول؛ لوجوه: أحدها أن قدر التكبيرة ~~لم يعلق به الشارع شيئا من الأحكام لا في الوقت ولا في الجمعة ولا الجماعة ~~ولا غيرها. فهو وصف ملغى في نظر الشارع فلا يجوز اعتباره. الثاني: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما علق الأحكام بإدراك الركعة فتعليقها بالتكبيرة ~~إلغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد فيما اعتبر فيه الركعة ~~وعلق الإدراك بها في الوقت. ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: {قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أدرك أحدكم ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب # PageV23P331 # الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم ~~صلاته} . وأما ما في بعض طرقه: " {إذا أدرك أحدكم سجدة} فالمراد بها الركعة ~~التامة كما في اللفظ الآخر؛ ولأن الركعة التامة تسمى باسم ms7163 الركوع فيقال: ~~ركعة وباسم السجود فيقال سجدة وهذا كثير في ألفاظ الحديث مثل هذا الحديث ~~وغيره. الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الإدراك مع الإمام بركعة ~~وهو نص في المسألة. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة} وهذا نص رافع ~~للنزاع. الرابع أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة كما أفتى به أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منهم ابن عمر وابن مسعود وأنس وغيرهم. ولا يعلم لهم في ~~الصحابة مخالف. وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة والتفريق بين الجمعة ~~والجماعة غير صحيح؛ ولهذا أبو حنيفة طرد أصله وسوى بينهما ولكن الأحاديث ~~الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه. الخامس: أن ما دون الركعة لا يعتد ~~به من الصلاة فإنه يستقبلها # PageV23P332 # جميعها منفردا فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئا يحتسب له به فلا يكون قد ~~اجتمع هو والإمام في جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به فتكون صلاته جميعا ~~صلاة منفرد. يوضح هذا أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا أدرك الإمام في ~~الركوع وإذا أدركه بعد الركوع لم يعتد له بما فعله معه مع أنه قد أدرك معه ~~القيام من الركوع والسجود وجلسة الفصل ولكن لما فاته معظم الركعة وهو ~~القيام والركوع فاتته الركعة فكيف يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة مع ~~الجماعة وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به فإدراك الصلاة بإدراك الركعة نظير ~~إدراك الركعة بإدراك الركوع؛ لأنه في الموضعين قد أدرك ما يعتد له به وإذا ~~لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم يدرك الركوع مع الإمام في فوت الركعة؛ ~~لأنه في الموضعين لم يدرك ما يحتسب له به وهذا من أصح القياس. (السادس: أنه ~~ينبني على هذا: أن المسافر إذا ائتم بمقيم وأدرك معه ركعة فما فوقها فإنه ~~يتم الصلاة وإن أدرك معه أقل من ركعة صلاها مقصورة نص عليه الإمام أحمد ms7164 في ~~إحدى الروايتين عنه وهذا لأنه بإدراك الركعة قد ائتم بمقيم في جزء من صلاته ~~فلزمه الإتمام وإذا لم يدرك معه ركعة فصلاته صلاة منفرد فيصليها مقصورة. # PageV23P333 # وينبني عليه أيضا أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة ~~لزمها العصر وإن طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها العشاء وإن حصل ذلك بأقل ~~من مقدار ركعة لم يلزمها شيء. وأما الظهر والمغرب: فهل يلزمها بذلك؟ فيه ~~خلاف مشهور؟ فقيل: لا يلزمها وهو قول أبي حنيفة. وقيل: يلزمها وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد ورواه الإمام أحمد عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف. ثم ~~اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين: أحدهما: تجب بما تجب به ~~الثانية وهل هو ركعة؟ أو تكبيرة؟ على قولين: والثاني لا تجب إلا بأن تدرك ~~زمنا يتسع لفعلها وهو أصح. وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت ~~وهي طاهرة ثم حاضت هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا؟ على قولين: أحدهما لا ~~يلزمها كما يقوله مالك وأبو حنيفة. والثاني يلزمها كما يقوله الشافعي ~~وأحمد. # PageV23P334 # ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين: (أحدهما ~~قدر تكبيرة وهو المشهور في مذهب أحمد. والثاني: أن يمضي عليها زمن تتمكن ~~فيه من الطهارة وفعل الصلاة وهو القول الثاني في مذهب أحمد والشافعي. ثم ~~اختلفوا بعد ذلك: هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى؟ على ~~قولين وهما روايتان عن الإمام أحمد. والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ~~ومالك أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا ~~يلزمها بالقضاء ولأنها أخرت تأخيرا جائزا فهي غير مفرطة. وأما النائم أو ~~الناسي وإن كان غير مفرط أيضا فإن ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في ~~حقه حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها} وليس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث واحد بقضاء الصلاة ms7165 بعد وقتها وإنما وردت السنة بالإعادة في الوقت ~~لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة كأمره للمسيء في صلاته بالإعادة لما ترك ~~الطمأنينة المأمور بها وكأمره لمن صلى خلف الصف منفردا بالإعادة لما ترك ~~المصافة الواجبة وكأمره # PageV23P335 # لمن ترك لمعة من قدمه لم يصبها الماء بالإعادة لما ترك الوضوء المأمور به ~~وأمر النائم والناسي بأن يصليا إذا ذكرا وذلك هو الوقت في حقهما والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يرفع قبل الإمام ويخفض ونهي فلم ينته فما حكم صلاته؟ وما يجب عليه؟ . # فأجاب: # أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة. لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه ~~ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله. وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالنهي عن ذلك كقوله في الحديث الصحيح: " {لا تسبقوني بالركوع ولا ~~بالسجود فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بدنت} ~~وقوله " {إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا فإن ~~الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم} {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلك ~~بتلك وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم ~~وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فتلك ~~بتلك} . # PageV23P336 # وكقوله صلى الله عليه وسلم " {أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن ~~يحول الله رأسه رأس حمار} وهذا لأن المؤتم متبع للإمام مقتد به والتابع ~~المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته فإذا تقدم عليه كان كالحمار الذي لا ~~يفقه ما يراد بعمله كما جاء في حديث آخر: " {مثل الذي يتكلم والخطيب يخطب ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا} . ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه ~~وأمثاله كما روي عن عمر: أنه رأى رجلا يسابق الإمام فضربه. وقال: لا وحدك ~~صليت ولا بإمامك اقتديت. وإذا سبق الإمام سهوا لم تبطل صلاته لكن يتخلف عنه ~~بقدر ما سبق به الإمام كما أمر بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن صلاة ms7166 المأموم مقدرة بصلاة الإمام وما فعله قبل الإمام سهوا لا يبطل ~~صلاته؛ لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهوا فكان كما لو زاد ركوعا أو ~~سجودا سهوا وذلك لا يبطل بالسنة والإجماع ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يعتد ~~به على الصحيح؛ لأنه فعله في غير محله لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتا لفعل ~~المأموم فصار بمنزلة من صلى قبل الوقت أو بمنزلة من كبر قبل تكبير الإمام ~~فإن هذا لا يجزئه عما أوجب الله عليه؛ بل لا بد أن يحرم إذا حل الوقت لا ~~قبله وأن يحرم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله. فكذلك المأموم # PageV23P337 # لا بد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسجد لا قبل ذلك فما فعله ~~سابقا وهو ساه عفي له عنه ولم يعتد له به فلهذا أمره الصحابة والأئمة أن ~~يتخلف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام. وأما إذا سبق الإمام عمدا ففي ~~بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره ومن أبطلها قال: إن هذا زاد ~~في الصلاة عمدا فتبطل كما لو فعل قبله ركوعا أو سجودا عمدا فإن الصلاة تبطل ~~بلا ريب وكما لو زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا عمدا. وقد قال الصحابة ~~للمسابق: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت ومن لم يصل وحده ولا مؤتما فلا ~~صلاة له وعلى هذا فعلى المصلي أن يتوب من المسابقة ويتوب من نقر الصلاة ~~وترك الطمأنينة فيها وإن لم ينته فعلى الناس كلهم أن يأمروه بالمعروف الذي ~~أمره الله به وينهوه عن المنكر الذي نهاه الله عنه. فإن قام بذلك بعضهم ~~وإلا أثموا كلهم. ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعل ~~ذلك ومن لم يمكنه إلا هجره وكان ذلك مؤثرا فيه هجره حتى يتوب. والله أعلم # PageV23P338 # و ### | سئل: # عن المصافحة عقيب الصلاة: هل هي سنة أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة والله أعلم. # PageV23P339 ### | باب الإمامة # سئل: # رحمه الله عن الإمامة هل ms7167 فعلها أفضل أم تركها؟ . # فأجاب: # بل يصلي بهم وله أجر بذلك. كما جاء في الحديث. " {ثلاثة على كثبان المسك ~~يوم القيامة: رجل أم قوما وهم له راضون} . الحديث. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين: أحدهما حافظ القرآن وهو واعظ يحضر الدف والشبابة والآخر عالم ~~متورع. فأيهما أولى بالإمامة؟ . # فأجاب: # ثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" {يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا # PageV23P340 # في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ~~فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا} . فإذا كان الرجلان من أهل الديانة ~~فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر متعينا فإن كان ~~أحدهما فاجرا مثل أن يكون معروفا بالكذب والخيانة ونحو ذلك من أسباب الفسوق ~~والآخر مؤمنا من أهل التقوى فهذا الثاني أولى بالإمامة إذا كان من أهلها ~~وإن كان الأول أقرأ وأعلم فإن الصلاة خلف الفاسق منهي عنها نهي تحريم عند ~~بعض العلماء ونهي تنزيه عند بعضهم. وقد جاء في الحديث: " {لا يؤمن فاجر ~~مؤمنا إلا أن يقهره بسوط أو عصا} . ولا يجوز تولية الفاسق مع إمكان تولية ~~البر. والله أعلم. # PageV23P341 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع وخلف أهل الفجور ففيه نزاع مشهور ~~وتفصيل ليس هذا موضع بسطه: لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من ~~هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره. فإن من كان مظهرا للفجور أو ~~البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن ~~فجوره وبدعته؛ ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية فإن ~~الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر ~~بالذنب فهذا لا ينكر عليه في الظاهر فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا ~~صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة؛ ولهذا كان المنافقون تقبل منهم ~~علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر. # PageV23P342 # فإذا كان داعية ms7168 منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته لما في ذلك من ~~النهي عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته فإذا ~~أمكن لإنسان ألا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ~~ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررا ~~من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا ~~دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها ترجيح خير ~~الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا. ~~فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم ~~يجز ذلك بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه كالجمع والأعياد ~~والجماعة. إذا لم يكن هناك إمام غيره ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج ~~والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة فإن تفويت الجمعة ~~والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر لا سيما إذا كان التخلف ~~عنهما لا يدفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. ~~ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند # PageV23P343 # السلف والأئمة من أهل البدع. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر ~~فهو أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو ~~موضع اجتهاد للعلماء. منهم من قال: أنه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ~~ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا فكانت صلاته خلفه منهيا عنها ~~فيعيدها. ومنهم من قال: لا يعيد. قال: لأن الصلاة في نفسها صحيحة وما ذكر ~~من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة. ~~وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها ~~من فعل أهل البدع وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل: إن الصلاة خلف ms7169 ~~الفاسق لا تصح أعيدت الجمعة خلفه وإلا لم تعد وليس كذلك. بل النزاع في ~~الإعادة حيث ينهى الرجل عن الصلاة. فأما إذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا ~~أنه لا إعادة عليه لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين. # PageV23P344 # وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس ~~صلاة الجمعة خلفه. ومن قال إنه يكفر أمر بالإعادة لأنها صلاة خلف كافر لكن ~~هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء والناس مضطربون في هذه المسألة. وقد ~~حكي عن مالك فيها روايتان وعن الشافعي فيها قولان. وعن الإمام أحمد أيضا ~~فيها روايتان وكذلك أهل الكلام فذكروا للأشعري فيها قولين. وغالب مذاهب ~~الأئمة فيها تفصيل. وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرا فيطلق ~~القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله ~~لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا كما في نصوص ~~الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ~~لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة ~~بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون ~~التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ~~ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع. # PageV23P345 # وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة ~~لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها وقد يكون قد ~~عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق ~~وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو ~~العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجماهير أئمة ~~الإسلام وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر ms7170 بإنكارها ومسائل فروع لا ~~يكفر بإنكارها. فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر ~~وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين ~~لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل ~~البدع وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم وهو تفريق متناقض فإنه يقال ~~لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟ وما ~~الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ~~ومسائل الفروع هي مسائل العمل. قيل له: فتنازع الناس في محمد صلى الله عليه ~~وسلم هل رأى ربه أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي أم علي أفضل؟ وفي كثير من ~~معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية ولا ~~كفر فيها بالاتفاق # PageV23P346 # ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل ~~عملية والمنكر لها يكفر بالاتفاق. وإن قال الأصول: هي المسائل القطعية قيل ~~لا: كثير من مسائل العمل قطعية وكثير من مسائل العلم ليست قطعية وكون ~~المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية وقد تكون المسألة عند رجل ~~قطعية لظهور الدليل القاطع له كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتيقن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية فضلا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ ~~النص إياه أو لعدم ثبوته عنده أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته. وقد ثبت في ~~الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الذي قال لأهله: " {إذا أنا مت ~~فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني ~~الله عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البر برد ما أخذ منه ~~والبحر برد ما أخذ منه وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب فغفر ~~الله له} فهذا شك في قدرة الله. وفي المعاد بل ظن أنه لا يعود وأنه لا يقدر ~~الله عليه إذا فعل ذلك وغفر ms7171 الله له. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا ~~الموضع. # PageV23P347 # ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع ~~والعين ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك ولم يفهموا غور قولهم فطائفة ~~تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقا حتى تجعل الخلاف في تكفير ~~المرجئة والشيعة المفضلة لعلي وربما رجحت التكفير والتخليد في النار وليس ~~هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر ~~المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل ولا يكفر من يفضل عليا على ~~عثمان بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. وإنما ~~كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة: ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق ~~وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل وتكفير ~~الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كان يكفر أعيانهم فإن الذي يدعو ~~إلى القول أعظم من الذي يقول به والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط ~~والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه ومع هذا فالذين كانوا من ولاة ~~الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة ~~وغير ذلك. ويدعون الناس إلى ذلك # PageV23P348 # ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم ويكفرون من لم يجبهم. حتى أنهم ~~كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق ~~وغير ذلك. ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك ~~ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنهم ~~لمن يبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا ~~فأخطئوا وقلدوا من قال لهم ذلك. وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: ~~القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بين له أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة ~~حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها ms7172 ولو اعتقد أنه مرتد ~~لسعى في قتله وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم. ~~وكذلك قال مالك رحمه الله والشافعي وأحمد في القدري: إن جحد علم الله كفر ~~ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا. ~~وسئل أحمد عن القدري: هل يكفر؟ فقال: إن جحد العلم كفر وحينئذ فجاحد العلم ~~هو من جنس الجهمية. وأما قتل الداعية إلى # PageV23P349 # البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس كما يقتل المحارب. وإن لم يكن في نفس ~~الأمر كفرا فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته وعلى هذا قتل غيلان ~~القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا ~~الموضع وإنما نبهنا عليها تنبيها. # فصل: # وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلا من هو مثله فلا يصلي ~~خلف الألثغ الذي يبدل حرفا بحرف إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما ~~هو عادة كثير من الناس فهذا فيه وجهان: منهم من قال: لا يصلى خلفه ولا تصح ~~صلاته في نفسه لأنه أبدل حرفا بحرف؛ لأن مخرج الضاد الشدق ومخرج الظاء طرف ~~الأسنان. فإذا قال (ولا الظالين) كان معناه ظل يفعل كذا. والوجه الثاني: ~~تصح وهذا أقرب لأن الحرفين في السمع شيء واحد وحس أحدهما من جنس حس الآخر ~~لتشابه المخرجين. والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدى وهو الذي يفهمه ~~المستمع فأما المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر ببال أحد وهذا بخلاف الحرفين # PageV23P350 # المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا كإبدال الراء بالغين فإن هذا لا يحصل به ~~مقصود القراءة. # وسئل - رحمه الله -: # عن الصلاة خلف المرازقة وعن بدعتهم. # فأجاب: # يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه ~~بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين. وليس من شرط ~~الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ ~~بل يصلي خلف مستور الحال. ولو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو ms7173 مبتدع ففي صحة ~~صلاته قولان مشهوران في مذهب أحمد ومالك. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة الصحة. ~~وقول القائل لا أسلم مالي إلا لمن أعرف. ومراده لا أصلي خلف من لا أعرفه ~~كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام. ~~فإن المال إذا أودعه الرجل المجهول فقد يخونه # PageV23P351 # فيه وقد يضيعه. وأما الإمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم كما ~~في البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {أئمتكم يصلون لكم ~~ولهم. فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} . فجعل خطأ الإمام على ~~نفسه دونهم وقد صلى عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم وهو جنب ناسيا ~~للجنابة فأعاد ولم يأمر المأمومين بالإعادة وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك ~~والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وكذلك لو فعل الإمام ما يسوغ عنده وهو عند ~~المأموم يبطل الصلاة مثل أن يعتقد ويصلي ولا يتوضأ أو يمس ذكره أو يترك ~~البسملة وهو يعتقد أن صلاته تصح مع ذلك والمأموم يعتقد أنها لا تصح مع ذلك ~~فجمهور العلماء على صحة صلاة المأموم كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر ~~الروايتين بل في أنصهما عنه وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي اختاره القفال ~~وغيره. ولو قدر أن الإمام صلى بلا وضوء متعمدا والمأموم لم يعلم حتى مات ~~المأموم لم يطالب الله المأموم بذلك ولم يكن عليه إثم باتفاق المسلمين ~~بخلاف ما إذا علم أنه يصلي بلا وضوء فليس له أن يصلي خلفه فإن هذا ليس ~~بمصل؛ بل لاعب ولو علم بعد الصلاة أنه صلى بلا وضوء ففي الإعادة نزاع. ولو ~~علم المأموم أن الإمام # PageV23P352 # مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن ~~الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ~~ذلك. فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف وهو مذهب أحمد والشافعي ~~وأبي حنيفة وغيرهم. ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل ms7174 ~~إمام برا كان أو فاجرا وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد فإنها ~~تصلى خلفه الجماعات فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان ~~الإمام فاسقا. هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما بل ~~الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف ~~الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد. وغيره من أئمة السنة. كما ذكره ~~في رسالة عبدوس. وابن مالك والعطار. والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن ~~الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان ~~ابن عمر يصلي خلف الحجاج وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة وكان ~~يشرب الخمر حتى أنه صلى بهم مرة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم؟ فقال ابن ~~مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة ولهذا رفعوه إلى عثمان. وفي صحيح ~~البخاري أن عثمان رضي الله عنه # PageV23P353 # لما حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان. فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي ~~يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس ~~فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ومثل هذا كثير. ~~والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته ~~لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ~~ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين فإنه يستحق ~~التعزير حتى يتوب فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا وإذا كان بعض الناس إذا ~~ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن ~~مثل ذنبه. فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة ولم يفت المأموم ~~جمعة ولا جماعة. وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة ~~فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك ~~إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ولم يكن في ms7175 ترك الصلاة خلفه مصلحة فهنا ~~ليس عليه ترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل وهذا كله يكون ~~فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة الرافضة ~~والجهمية # PageV23P354 # ونحوهم. ومن أنكر مذهب الروافض وهو لا يصلي الجمعة والجماعة بل يكفر ~~المسلمين فقد وقع في مثل مذهب الروافض فإن من أعظم ما أنكره أهل السنة ~~عليهم تركهم الجمعة والجماعة وتكفير الجمهور. # فصل: # وأما " الصلاة خلف المبتدع " فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل. فإذا لم تجد ~~إماما غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد وكالعيدين وكصلوات الحج ~~خلف إمام الموسم فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة ~~وإنما تدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا ~~يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد فصلاته في الجماعة ~~خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقا. ~~وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن وأفضل بلا ريب لكن إن صلى ~~خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة تصح صلاته. ~~وأما مالك وأحمد ففي مذهبهما النزاع وتفصيل. # PageV23P355 # وهذا إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة مثل بدع ~~الرافضة والجهمية ونحوهم. فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس ~~في هذه البلاد مثل " مسألة الحرف والصوت " ونحوها فقد يكون كل من ~~المتنازعين مبتدعا وكلاهما جاهل متأول فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا ~~بأولى من العكس فأما إذا ظهرت السنة وعلمت فخالفها واحد فهذا هو الذي فيه ~~النزاع والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم. # وسئل: # عن رجل استفاض عنه أنه يأكل الحشيشة وهو إمام فقال رجل: لا تجوز الصلاة ~~خلفه فأنكر عليه رجل وقال: تجوز واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم {تجوز ~~الصلاة خلف البر والفاجر} فهذا الذي أنكر مصيب أم مخطئ؟ وهل يجوز لآكل ~~الحشيشة أن يؤم ms7176 بالناس؟ وإذا كان المنكر مصيبا فما يجب على الذي قام عليه؟ ~~وهل يجوز للناظر في المكان أن يعزله أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز أن يولى في الإمامة بالناس من يأكل الحشيشة أو يفعل من المنكرات ~~المحرمة مع إمكان تولية من هو خير منه. # PageV23P356 # كيف وفي الحديث: {من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من ~~هو أرضى لله فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين} وفي حديث آخر {اجعلوا ~~أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله} . وفي حديث آخر {إذا أم ~~الرجل القوم، وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال} وقد ثبت في الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا في ~~القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن ~~كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم ~~الأفضل بالعلم بالكتاب ثم بالسنة ثم الأسبق إلى العمل الصالح بنفسه ثم بفعل ~~الله تعالى. وفي سنن أبي داود وغيره: {أن رجلا من الأنصار كان يصلي بقوم ~~إماما فبصق في القبلة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعزلوه عن ~~الإمامة ولا يصلوا خلفه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله هل أمرهم ~~بعزله؟ فقال: نعم إنك آذيت الله ورسوله} فإذا كان المرء يعزل لأجل إساءته ~~في الصلاة وبصاقه في القبلة فكيف المصر على أكل الحشيشة لا سيما إن كان ~~مستحلا للمسكر منها كما عليه طائفة من الناس فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل إذ السكر منها حرام بالإجماع واستحلال ذلك كفر بلا نزاع. # PageV23P357 # وأما احتجاج المعارض بقوله: {تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر} فهذا غلط منه ~~لوجوه: أحدها: أن هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بل في ~~سنن ابن ماجه عنه {لا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسوط أو عصا} . وفي ~~إسناد الآخر مقال أيضا. الثاني: أنه يجوز للمأموم ms7177 أن يصلي خلف من ولي وإن ~~كان تولية ذلك المولى لا تجوز فليس للناس أن يولوا عليهم الفساق وإن كان قد ~~ينفذ حكمه أو تصح الصلاة خلفه. الثالث: أن الأئمة متفقون على كراهة الصلاة ~~خلف الفاسق لكن اختلفوا في صحتها: فقيل لا تصح. كقول مالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنهما. وقيل: بل تصح كقول أبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى ~~عنهما ولم يتنازعوا أنه لا ينبغي توليته. الرابع: أنه لا خلاف بين المسلمين ~~في وجوب الإنكار على هؤلاء الفساق الذين يسكرون من الحشيشة؛ بل الذي عليه ~~جمهور الأئمة أن قليلها وكثيرها حرام بل الصواب أن آكلها يحد وأنها نجسة ~~فإذا كان آكلها لم يغسل منها فمه كانت صلاته باطلة ولو غسل فمه # PageV23P358 # منها أيضا فهي خمر. وفي الحديث {من شرب الخمر لم تقبل منه صلاة أربعين ~~يوما فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما ~~فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على ~~الله أن يسقيه من طينة الخبال: قيل: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: ~~عصارة أهل النار} . وإذا كانت صلاته تارة باطلة وتارة غير مقبولة فإنه يجب ~~الإنكار عليه باتفاق المسلمين فمن لم ينكر عليه كان عاصيا لله ورسوله. ومن ~~منع المنكر عليه فقد حاد الله ورسوله ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في ~~أمره؛ ومن قال: في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ~~ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع} فالمخاصمون عنه ~~مخاصمون في باطل وهم في سخط الله. والحائلون ذلك الإنكار عليه مضادون لله ~~في أمره وكل من علم حاله ولم ينكر عليه بحسب قدرته فهو عاص لله ورسوله ~~والله أعلم. # PageV23P359 # وسئل: # عن خطيب قد حضر صلاة الجمعة فامتنعوا عن الصلاة خلفه؛ لأجل بدعة ms7178 فيه فما ~~هي البدعة التي تمنع الصلاة خلفه؟ . # فأجاب: # ليس لهم أن يمنعوا أحدا من صلاة العيد والجمعة وإن كان الإمام فاسقا. ~~وكذلك ليس لهم ترك الجمعة ونحوها لأجل فسق الإمام بل عليهم فعل ذلك خلف ~~الإمام وإن كان فاسقا وإن عطلوها لأجل فسق الإمام كانوا من أهل البدع وهذا ~~مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وإنما تنازع العلماء في الإمام إذا كان فاسقا ~~أو مبتدعا وأمكن أن يصلى خلف عدل. فقيل: تصح الصلاة خلفه وإن كان فاسقا. ~~وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأبي حنيفة. وقيل: لا تصح خلف ~~الفاسق إذا أمكن الصلاة خلف العدل وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد. والله ~~أعلم. # PageV23P360 # وسئل: # عن إمام يقول يوم الجمعة على المنبر في خطبته: إن الله تكلم بكلام أزلي ~~قديم ليس بحرف ولا صوت فهل تسقط الجمعة خلفه أم لا؟ وما يجب عليه؟ . # فأجاب: # الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~وأن هذا القرآن الذي يقرأه الناس هو كلام الله يقرؤه الناس بأصواتهم. ~~فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ والقرآن جميعه كلام الله حروفه ~~ومعانيه. وإذا كان الإمام مبتدعا فإنه يصلى خلفه الجمعة؛ وتسقط بذلك. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن إمام قتل ابن عمه: فهل تصح الصلاة خلفه. أم لا؟ . # فأجاب: # إذا كان هذا الرجل قد قتل مسلما متعمدا بغير حق # PageV23P361 # فينبغي أن يعزل عن الإمامة ولا يصلى خلفه إلا لضرورة مثل أن لا يكون هناك ~~إمام غيره؛ لكن إذا تاب وأصلح فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئات. فإذا تاب التوبة الشرعية جاز أن يقر على إمامته والله أعلم. # وسئل أيضا: # عن إمام مسجد قتل: فهل يجوز أن يصلى خلفه؟ . # فأجاب: # إذا كان قد قتل القاتل أولا ثم عمدوا أقارب المقتول إلى أقارب القاتل ~~فقتلوهم. فهؤلاء عداة من أظلم الناس وفيهم نزل قوله تعالى {فمن اعتدى بعد ~~ذلك فله عذاب أليم} . ولهذا قالت طائفة من السلف: إن هؤلاء القاتلين يقتلهم ~~السلطان ms7179 حدا ولا يعفى عنهم وجمهور العلماء يجعلون أمرهم إلى أولياء المقتول ~~ومن كان من الخطباء يدخل في مثل هذه الدماء فإنه من أهل البغي والعدوان ~~الذين يتعين عزلهم ولا يصلح أن يكون إماما للمسلمين؛ بل يكون إماما ~~للظالمين المعتدين والله أعلم. # PageV23P362 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن إمام المسلمين خبب امرأة على زوجها حتى فارقته وصار يخلو بها. فهل ~~يصلى خلفه؟ وما حكمه؟ . # فأجاب: # في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس منا من خبب امرأة ~~على زوجها أو عبدا على مواليه} فسعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من ~~الذنوب الشديدة وهو من فعل السحرة وهو من أعظم فعل الشياطين. لا سيما إذا ~~كان يخببها على زوجها ليتزوجها هو مع إصراره على الخلوة بها ولا سيما إذا ~~دلت القرائن على غير ذلك. ومثل هذا لا ينبغي أن يولى إمامة المسلمين إلا ~~أنه يتوب فإن تاب تاب الله عليه فإذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة ~~فينبغي أن يصلى خلفه فلا يصلى خلف من ظهر فجوره لغير حاجة والله أعلم. # PageV23P363 # وسئل - رحمه الله -: # عن إمام يقرأ على الجنائز، هل تصح الصلاة خلفه؟ . # فأجاب: # إذا أمكنه أن يصلي خلف من يصلي صلاة كاملة وهو من أهل الورع فالصلاة خلفه ~~أولى من الصلاة خلف من يقرأ على الجنائز فإن هذا مكروه من وجهين: من وجه أن ~~القراءة على الجنائز مكروهة في المذاهب الأربعة. وأخذ الأجرة عليها أعظم ~~كراهة فإن الاستئجار على التلاوة لم يرخص فيه أحد من العلماء والله أعلم. # وسئل: # عن إمام يبصق في المحراب هل تجوز الصلاة خلفه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ينبغي أن ينهى عن ذلك. وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه عزل إماما لأجل بصاقه في القبلة وقال لأهل المسجد: لا تصلوا ~~خلفه فجاء إلى النبي # PageV23P364 # صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنت نهيتهم أن يصلوا خلفي قال: ~~نعم إنك قد آذيت الله ورسوله} . فإن عزل عن الإمامة ms7180 لأجل ذلك أو انتهى ~~الجماعة أن يصلوا خلفه؛ لأجل ذلك كان ذلك سائغا والله أعلم. # وسئل: # عن رجل فقيه عالم خاتم للقرآن وبه عذر: يده الشمال خلفه من حد الكتف وله ~~أصابع لحم وقد قالوا: إن الصلاة غير جائزة خلفه. # فأجاب: # إذا كانت يداه يصلان إلى الأرض في السجود فإنه تجوز الصلاة خلفه بلا ~~نزاع. وإنما النزاع فيما إذا كان أقطع اليدين والرجلين ونحو ذلك. وأما إذا ~~أمكنه السجود على الأعضاء السبعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة واليدين والركبتين والقدمين} . فإن ~~السجود تام وصلاة من خلفه تامة والله أعلم. # PageV23P365 # وسئل - رحمه الله -: # عن الخصي هل تصح الصلاة خلفه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، تصح خلفه. كما تصح خلف الفحل باتفاق أئمة المسلمين وهو أحق ~~بالإمامة ممن هو دونه فإذا كان أفضل من غيره في العلم والدين كان مقدما ~~عليه في الإمامة وإن كان المفضول فحلا والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل ما عنده ما يكفيه وهو يصلي بالأجرة. فهل يجوز ذلك # أم لا؟ . # فأجاب: # الاستئجار على الإمامة لا يجوز في المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك ~~وأحمد. وقيل: يجوز وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد. وقول في مذهب مالك. ~~والخلاف في الأذان أيضا. # PageV23P366 # لكن المشهور من مذهب مالك أن الاستئجار يجوز على الأذان وعلى الإمامة معه ~~ومنفردة وفي الاستئجار على هذا ونحوه كالتعليم على قول ثالث في مذهب أحمد ~~وغيره: إنه يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون حاجة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل معرف على المراكب وبنى مسجدا وجعل للإمام في كل شهر أجرة من عنده ~~فهل هو حلال أم حرام؟ وهل تجوز الصلاة في المسجد أم لا؟ . # فأجاب: # إن كان يعطي هذه الدراهم من أجرة المراكب التي له جاز أخذها وإن كان ~~يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا والله أعلم. # وسئل: # عن رجل إمام بلد وليس هو من أهل العدالة، وفي البلد رجل آخر يكره الصلاة ~~خلفه. ms7181 فهل تصح صلاته خلفه أم لا؟ وإذا لم يصل # PageV23P367 # خلفه وترك الصلاة مع الجماعة. هل يأثم بذلك؟ والذي يكره الصلاة خلفه ~~يعتقد أنه لا يصحح الفاتحة وفي البلد من هو أقرأ منه وأفقه. # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله. أما كونه لا يصحح الفاتحة فهذا بعيد جدا فإن عامة الخلق من ~~العامة والخاصة يقرءون الفاتحة قراءة تجزئ بها الصلاة فإن اللحن الخفي ~~واللحن الذي لا يحيل المعنى لا يبطل الصلاة وفي الفاتحة قراءات كثيرة قد ~~قرئ بها. فلو قرأ (عليهم و (عليهم) (عليهم) . أو قرأ: (الصراط) و (السراط) ~~و (الزراط) . فهذه قراءات مشهورة. ولو قرأ: (الحمد لله) و (الحمد لله) أو ~~قرأ (رب العالمين) أو (رب العالمين) . أو قرأ بالكسر ونحو ذلك. لكانت ~~قراءات قد قرئ بها. وتصح الصلاة خلف من قرأ بها. ولو قرأ: (رب العالمين ~~بالضم أو قرأ (مالك يوم الدين) بالفتح لكان هذا لحنا لا يحيل المعنى ولا ~~يبطل الصلاة. وإن كان إماما راتبا وفي البلد من هو أقرأ منه صلى خلفه. فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يؤمن الرجل في سلطانه} وإن كان متظاهرا ~~بالفسق وليس هناك من يقيم الجماعة غيره صلي # PageV23P368 # خلفه أيضا ولم يترك الجماعة وإن تركها فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ولما ~~كان عليه السلف. # وسئل: # عن رجل صلى بغير وضوء إماما وهو لا يعلم أو عليه نجاسة لا يعلم بها: فهل ~~صلاته جائزة؟ أم لا؟ وإن كانت صلاته جائزة: فهل صلاة المأمومين خلفه تصح؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # أما المأموم إذا لم يعلم بحدث الإمام أو النجاسة التي عليه حتى قضيت ~~الصلاة فلا إعادة عليه عند الشافعي وكذلك عند مالك وأحمد إذا كان الإمام ~~غير عالم ويعيد وحده إذا كان محدثا. وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين فإنهم ~~صلوا بالناس ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة فأعادوا ولم يأمروا الناس بالإعادة ~~والله أعلم. # PageV23P369 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # في انعقاد صلاة المأموم بصلاة الإمام. الناس فيه على ثلاثة أقوال أحدها: ~~أنه لا ارتباط بينهما وأن ms7182 كل امرئ يصلي لنفسه وفائدة الائتمام في تكثير ~~الثواب بالجماعة وهذا هو الغالب على أصل الشافعي لكن قد عورض بمنعه اقتداء ~~القارئ بالأمي والرجل بالمرأة وإبطال صلاة المؤتم بمن لا صلاة له: كالكافر ~~والمحدث. وفي هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه. ومن الحجة فيه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأئمة: {إن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم} . ~~والقول الثاني: أنها منعقدة بصلاة الإمام وفرع عليها مطلقا فكل خلل حصل في ~~صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم لقوله صلى الله عليه وسلم {الإمام ضامن} ~~. وعلى هذا فالمؤتم بالمحدث # PageV23P370 # الناسي لحدثه يعيد كما يعيد إمامه وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد ~~اختارها أبو الخطاب. حتى اختار بعض هؤلاء كمحمد بن الحسن أن لا يأتم ~~المتوضئ بالمتيمم لنقص طهارته عنه. والقول الثالث: أنها منعقدة بصلاة ~~الإمام لكن إنما يسري النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر منهما فأما مع ~~العذر فلا يسري النقص فإذا كان الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة ~~والمأموم معذور في الائتمام وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما. وعليه يتنزل ما ~~يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة وهو أوسط الأقوال كما ذكرنا في نفس صفة ~~الإمام الناقص؛ أن حكمه مع الحاجة يخالف حكمه مع عدم الحاجة. فحكم صلاته ~~كحكم نفسه. وعلى هذا أيضا ينبني اقتداء المؤتم بإمام قد ترك ما يعتقده ~~المأموم من فرائض الصلاة إذا كان الإمام متأولا تأويلا يسوغ كأن لا يتوضأ ~~من خروج النجاسات ولا من مس الذكر ونحو ذلك. فإن اعتقاد الإمام هنا صحة ~~صلاته كاعتقاده صحتها مع عدم العلم بالحدث وأولى. فإنه هناك تجب عليه ~~الإعادة وهذا أصل نافع أيضا. ويدل على صحة هذا القول ما أخرجه البخاري في ~~صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~{يصلون # PageV23P371 # لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} فهذا نص في أن الإمام ~~إذا أخطأ كان درك خطئه عليه لا على المأمومين. فمن صلى معتقدا ms7183 طهارته وكان ~~محدثا أو جنبا أو كانت عليه نجاسة وقلنا عليه الإعادة للنجاسة كما يعيد من ~~الحدث: فهذا الإمام مخطئ في هذا الاعتقاد فيكون خطؤه عليه فيعيد صلاته. ~~وأما المأمومون فلهم هذه الصلاة وليس عليهم من خطئه شيء كما صرح به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وهذا نص في إجزاء صلاتهم وكذلك لو ترك الإمام بعض ~~فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه عند المأموم: مثل أن يمس ذكره ويصلي أو يحتجم ~~ويصلي أو يترك قراءة البسملة أو يصلي وعليه نجاسة لا يعفى عنها عند المأموم ~~ونحو ذلك. فهذا الإمام أسوأ أحواله أن يكون مخطئا إن لم يكن مصيبا. فتكون ~~هذه الصلاة للمأموم وليس عليه من خطإ إمامه شيء. وكذلك روى أحمد وأبو داود ~~عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ومن انتقص من ذلك شيئا ~~فعليه ولا عليهم} لكن لم يذكر أبو داود " وأتم الصلاة " فهذا الانتقاص ~~يفسره الحديث الأول أنه الخطأ ومفهوم قوله: {وإن أخطأ فعليه ولا عليهم} أنه ~~إذا تعمد لم يكن كذلك ولاتفاق المسلمين على أن من يترك الأركان المتفق ~~عليها لا تنبغي الصلاة خلفه. # PageV23P372 # و ### | سئل: # عن رجل يؤم قوما وأكثرهم له كارهون؟ . # فأجاب: # إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه: مثل كذبه أو ظلمه أو جهله أو ~~بدعته ونحو ذلك. ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه. مثل أن يكون أصدق ~~وأعلم وأدين فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الإمام الذي يحبونه وليس لذلك ~~الإمام الذي يكرهونه أن يؤمهم. كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: رجل أم قوما وهم له كارهون ورجل ~~لا يأتي الصلاة إلا دبارا ورجل اعتبد محررا} والله أعلم. # و ### | سئل: # عن أهل المذاهب الأربعة: هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض؟ # أم لا؟ وهل قال أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف ms7184 بعض؟ ومن قال ذلك فهل ~~هو مبتدع؟ أم لا؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد # PageV23P373 # أن صلاته معه صحيحة والمأموم يعتقد خلاف ذلك. مثل أن يكون الإمام تقيا أو ~~رعف أو احتجم أو مس ذكره أو مس النساء بشهوة أو بغير شهوة أو قهقه في صلاته ~~أو أكل لحم الإبل وصلى ولم يتوضأ والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك أو كان ~~الإمام لا يقرأ البسملة أو لم يتشهد التشهد الآخر أو لم يسلم من الصلاة ~~والمأموم يعتقد وجوب ذلك فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه؟ وإذا شرط في ~~إمام المسجد أن يكون على مذهب معين فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه ~~وولي. فهل يجوز ذلك؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في هذه ~~المسائل المذكورة وغيرها. ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ~~ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. ~~وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم: منهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا ~~يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ~~ومنهم من لا يقنت ومنهم # PageV23P374 # من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء. ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من ~~يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من ~~يتوضأ من القهقهة في صلاته ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ومنهم من يتوضأ من ~~أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض: ~~مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة ~~من المالكية وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا جهرا وصلى أبو يوسف ~~خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم ms7185 ~~يعد. وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف فقيل له: فإن كان ~~الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ. تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد ~~بن المسيب ومالك. وبالجملة فهذه المسائل لها صورتان: إحداهما: أن لا يعرف ~~المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف ~~والأئمة الأربعة وغيرهم. وليس في هذا خلاف متقدم وإنما خالف بعض المتعصبين ~~من المتأخرين: فزعم # PageV23P375 # أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد ~~وجوبها وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع أحوج منه إلى ~~أن يعتد بخلافه فإنه ما زال المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض وأكثر الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون ~~بل يصلون الصلاة الشرعية ولو كان العلم بهذا واجبا لبطلت صلوات أكثر ~~المسلمين ولم يمكن الاحتياط فإن كثيرا من ذلك فيه نزاع وأدلة ذلك خفية ~~وأكثر ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف وهو لا يجزم بأحد القولين. فإن ~~كان الجزم بأحدهما واجبا فأكثر الخلق لا يمكنهم الجزم بذلك وهذا القائل ~~نفسه ليس معه إلا تقليد بعض الفقهاء ولو طولب بأدلة شرعية تدل على صحة قول ~~إمامه دون غيره لعجز عن ذلك؛ ولهذا لا يعتد بخلاف مثل هذا فإنه ليس من أهل ~~الاجتهاد. الصورة الثانية: أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ ~~عنده: مثل أن يمس ذكره أو النساء لشهوة أو يحتجم أو يفتصد أو يتقيأ. ثم ~~يصلي بلا وضوء فهذه الصورة فيها نزاع مشهور. فأحد القولين لا تصح صلاة ~~المأموم؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه. كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد. # PageV23P376 # والقول الثاني: تصح صلاة المأموم؛ وهو قول جمهور السلف وهو مذهب مالك وهو ~~القول الآخر في مذهب الشافعي وأحمد؛ بل وأبي حنيفة وأكثر نصوص أحمد على ~~هذا. وهذا هو الصواب؛ لما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي صلى ms7186 الله عليه وسلم ~~أنه قال: {يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} . فقد ~~بين صلى الله عليه وسلم أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم ولأن المأموم ~~يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له وأنه لا إثم عليه فيما فعل فإنه مجتهد أو ~~مقلد مجتهد. وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له خطأه فهو يعتقد صحة صلاته وأنه ~~لا يأثم إذا لم يعدها بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه بل كان ينفذه. ~~وإذا كان الإمام قد فعل باجتهاده فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها والمأموم قد ~~فعل ما وجب عليه كانت صلاة كل منهما صحيحة وكان كل منهما قد أدى ما يجب ~~عليه وقد حصلت موافقة الإمام في الأفعال الظاهرة. وقول القائل: إن المأموم ~~يعتقد بطلان صلاة الإمام خطأ منه فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب ~~عليه وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك. ولو أخطأ ~~الإمام والمأموم فسلم الإمام خطأ واعتقد المأموم جواز # PageV23P377 # متابعته فسلم كما سلم المسلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم من ~~اثنتين سهوا مع علمهم بأنه إنما صلى ركعتين وكما لو صلى خمسا سهوا فصلوا ~~خلفه خمسا كما صلى الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم خمسا ~~فتابعوه مع علمهم بأنه صلى خمسا؛ لاعتقادهم جواز ذلك فإنه تصح صلاة المأموم ~~في هذه الحال فكيف إذا كان المخطئ هو الإمام وحده. وقد اتفقوا كلهم على أن ~~الإمام لو سلم خطأ لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه ولو صلى خمسا لم ~~تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه فدل ذلك على أن ما فعله الإمام خطأ لا ~~يلزم فيه بطلان صلاة المأموم والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # هل تصح صلاة المأموم خلف من يخالف مذهبه؟ . # فأجاب: # وأما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه فهذه تصح باتفاق الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان والأئمة الأربعة ولكن النزاع في ms7187 صورتين: إحداهما: خلافها شاذ ~~وهو ما إذا أتى الإمام بالواجبات كما يعتقده # PageV23P378 # المأموم لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم يعتقد ~~وجوبه والمأموم يعتقد وجوبه فهذا فيه خلاف شاذ. والصواب الذي عليه السلف ~~وجمهور الخلف صحة الصلاة. والمسألة الثانية: فيها نزاع مشهور إذا ترك ~~الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سرا وجهرا ~~والمأموم يعتقد وجوبها. أو مثل أن يترك الوضوء من مس الذكر أو لمس النساء ~~أو أكل لحم الإبل. أو القهقهة أو خروج النجاسات أو النجاسة النادرة ~~والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك فهذا فيه قولان. أصحهما صحة صلاة المأموم ~~وهو مذهب مالك وأصرح الروايتين عن أحمد في مثل هذه المسائل وهو أحد الوجهين ~~في مذهب الشافعي بل هو المنصوص عنه فإنه كان يصلي خلف المالكية الذين لا ~~يقرءون البسملة ومذهبه وجوب قراءتها. والدليل على ذلك ما رواه البخاري ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ~~ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} فجعل خطأ الإمام عليه دون المأموم. وهذه ~~المسائل إن كان مذهب الإمام فيها هو الصواب فلا نزاع وإن كان مخطئا فخطؤه ~~مختص به والمنازع يقول: المأموم يعتقد بطلان صلاة إمامه وليس كذلك بل يعتقد ~~أن الإمام يصلي # PageV23P379 # باجتهاد أو تقليد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وهو ينفذ حكم ~~الحاكم في مسائل الاجتهاد وهذا أعظم من اقتدائه به فإن كان المجتهد حكمه ~~باطلا لم يجز إنفاذ الباطل ولو ترك الإمام الطهارة ناسيا لم يعد المأموم ~~عند الجمهور. كما ثبت عن الخلفاء الراشدين مع أن الناسي عليه إعادة الصلاة ~~والمتأول لا إعادة عليه. فإذا صحت الصلاة خلف من عليه الإعادة فلأن تصح خلف ~~من لا إعادة عليه أولى والإمام يعيد إذا ذكر دون المأموم ولم يصدر من ~~الإمام ولا من المأموم تفريط؛ لأن الإمام لا يرجع عن اعتقاده بقوله. بخلاف ~~ما إذا رأى على الإمام نجاسة ولم يحذره منها فإن المأموم هنا ms7188 مفرط فإذا صلى ~~يعيد لأن ذلك لتفريطه وأما الإمام فلا يعيد في هذه الصورة في أصح قولي ~~العلماء كقول مالك والشافعي في القديم وأحمد في أصح الروايتين عنه. وعلم ~~المأموم بحال الإمام في صورة التأويل يقتضي أنه يعلم أنه مجتهد مغفور له ~~خطؤه فلا تكون صلاته باطلة وهذا القول هو الصواب المقطوع به والله أعلم. # PageV23P380 # و ### | سئل: # هل يقلد الشافعي حنفيا وعكس ذلك في الصلاة الوترية وفي جمع المطر؟ أم لا؟ ~~. # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز للحنفي وغيره أن يقلد من يجوز الجمع من المطر لا ~~سيما وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد. وقد كان عبد الله بن ~~عمر يجمع مع ولاة الأمور بالمدينة إذا جمعوا في المطر. وليس على أحد من ~~الناس أن يقلد رجلا بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون ~~تارة هذا وتارة هذا. فإذا كان المقلد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو ~~القول بها أرجح أو نحو ذلك جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين لم يحرم ~~ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد. وكذلك الوتر وغيره ينبغي ~~للمأموم أن يتبع فيه إمامه فإن # PageV23P381 # قنت قنت معه وإن لم يقنت لم يقنت وإن صلى بثلاث ركعات موصولة فعل ذلك وإن ~~فصل فصل أيضا. ومن الناس من يختار للمأموم أن يصل إذا فصل إمامه والأول أصح ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عما إذا أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام ليأتي بما فاته فائتم به آخرون ~~هل يجوز أم لا؟ . # فأجاب: # إذا أدرك مع الإمام بعضا وقام يأتي بما فاته فائتم به آخرون. جاز ذلك في ~~أظهر قولي العلماء. # وسئل: # عن إمام يصلي صلاة الفرض بالناس ثم يصلي بعدها صلاة أخرى ويقول: هذه عن ~~صلاة فاتتكم هل يسوغ هذا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ليس للإمام الراتب أن يعتاد أن يصلي بالناس الفريضة مرتين فإن ~~هذه بدعة مخالفة لسنة رسول ms7189 الله صلى الله عليه وسلم # PageV23P382 # وسنة خلفائه الراشدين ولم يستحب ذلك أحد من أئمة المسلمين الأربعة ~~وغيرهم. لا أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي. ولا أحمد بن حنبل. بل هم ~~متفقون على أن الإمام إذا أعاد بأولئك المأمومين الصلاة مرتين دائما أن هذا ~~بدعة مكروهة ومن فعل ذلك على وجه التقرب كان ضالا. وإنما تنازعوا في الإمام ~~إذا صلى مرة ثانية بقوم آخرين غير الأولين. منهم من يجيز ذلك كالشافعي ~~وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين. ومنهم من يحرم ذلك كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في الرواية الأخرى عنه. ومن عليه فوائت فإنه يقضيها بحسب الإمكان أما ~~كون الإمام يعيد الصلاة دائما مع الصلاة الحاضرة وأن يصلوا خلفه فهذا ليس ~~بمشروع. وإن قال: إني أفعل ذلك لأجل ما عليهم من الفوائت. وأقل ما في هذا ~~أنه ذريعة إلى أن يتشبه به الأئمة فتبقى به سنة يربو عليها الصغير وتغير ~~بسببها شريعة الإسلام في البوادي ومواضع الجهل والله أعلم. # PageV23P383 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما من أدى فرضه إماما أو مأموما أو منفردا، فهل يجوز أن يؤم في تلك ~~الصلاة لمن يؤدي فرضه؟ مثل أن يصلي الإمام مرتين هذه فيها نزاع مشهور وفيها ~~ثلاث روايات عن أحمد: إحداها: أنه لا يجوز وهي اختيار كثير من أصحابه ومذهب ~~أبي حنيفة ومالك. والثانية: يجوز مطلقا وهي اختيار بعض أصحابه: كالشيخ أبي ~~محمد المقدسي وهي مذهب الشافعي. والثانية: يجوز عند الحاجة كصلاة الخوف. ~~قال الشيخ: وهو اختيار جدنا أبي البركات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين وصلى بطائفة وسلم ثم صلى بطائفة أخرى ~~وسلم. # PageV23P384 # ومن جوز ذلك مطلقا احتج بحديث معاذ المعروف: {أنه كان يصلي خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم ينطلق فيؤم قومه} . وفي رواية: {فكانت الأولى فرضا له ~~والثانية نفلا.} والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة فإنهم احتجوا بلفظ ~~لا يدل على محل النزاع. كقوله: {إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا ms7190 ~~عليه} . و {بأن الإمام ضامن} فلا تكون صلاته أنقص من صلاة المأموم وليس في ~~هذين ما يدفع تلك الحجج. والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال كما جاء ~~مفسرا وإلا فيجوز للمأموم أن يعيد الصلاة فيكون متنفلا خلف مفترض. كما هو ~~قول جماهير العلماء. وقد دل على ذلك قوله في الحديث الصحيح: {يكون بعدي ~~أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم ~~نافلة} . وأيضا فإنه {صلى بمسجد الخيف فرأى رجلين لم يصليا فقال: ما منعكما ~~أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا فقال: إذا صليتما في رحالكما ثم ~~أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} . وفي السنن أنه {رأى رجلا ~~يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه} فقد ثبت صلاة المتنفل ~~خلف المفترض. في عدة أحاديث وثبت أيضا بالعكس. فعلم أن موافقة الإمام في ~~نية الفرض أو # PageV23P385 # النفل ليست بواجبة والإمام ضامن. وإن كان متنفلا. # ومن هذا الباب صلاة العشاء الآخرة خلف من يصلي قيام رمضان يصلي خلفه ~~ركعتين ثم يقوم فيتم ركعتين فأظهر الأقوال جواز هذا كله لكن لا ينبغي أن ~~يصلي بغيرهم ثانيا إلا لحاجة أو مصلحة مثل أن يكون ليس هناك من يصلح ~~للإمامة غيره أو هو أحق الحاضرين بالإمامة؛ لكونه أعلمهم بكتاب الله وسنة ~~رسوله أو كانوا مستوين في العلم وهو أسبقهم إلى هجرة ما حرم الله ورسوله أو ~~أقدمهم سنا فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ~~فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم ~~سنا} فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالفضيلة في العلم بالكتاب والسنة فإن ~~استووا في العلم قدم بالسبق إلى العمل الصالح وقدم السابق باختياره وهو ~~المهاجر على من سبق بخلق الله له وهو الكبير السن. وقد ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المسلم من ms7191 سلم المسلمون من لسانه ويده ~~والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه} فمن سبق إلى هجر السيئات بالتوبة منها ~~فهو أقدمهم هجرة فيقدم في الإمامة فإذا حضر من هو أحق بالإمامة وكان قد صلى # PageV23P386 # فرضه فإنه يؤمهم كما أم النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة بعد طائفة من ~~أصحابه مرتين وكما كان معاذ يصلي ثم يؤم قومه أهل قباء لأنه كان أحقهم ~~بالإمامة وقد ادعى بعضهم أن حديث معاذ منسوخ ولم يأتوا على ذلك بحجة صحيحة ~~وما ثبت من الأحكام بالكتاب والسنة لا يجوز دعوى نسخه بأمور محتملة للنسخ ~~وعدم النسخ. وهذا باب واسع قد وقع في بعضه كثير من الناس كما هو مبسوط في ~~غير هذا الموضع. وكذلك الصلاة على الجنازة إذا صلى عليها الرجل إماما ثم ~~قدم آخرون فله أن يصلي بالطائفة الثانية إذا كان أحقهم بالإمامة وله إذا ~~صلى غيره على الجنازة مرة ثانية أن يعيدها معهم تبعا كما يعيد الفريضة تبعا ~~مثل أن يصلي في بيته ثم يأتي مسجدا فيه إمام راتب فيصلي معهم فإن هذا مشروع ~~في مذهب الإمام أحمد بلا نزاع وكذلك مذهبه فيمن لم يصل على الجنازة فله أن ~~يصلي عليها بعد غيره وله أن يصلي على القبر إذا فاتته الصلاة. هذا مذهب ~~فقهاء الحديث قاطبة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم ومالك لا يرى الإعادة ~~وأبو حنيفة لا يراها إلا للولي. وأما إذا صلى هو على الجنازة ثم صلى عليها ~~غيره: فهل له أن يعيدها مع الطائفة الثانية؟ فيه وجهان في مذهب أحمد. قيل: # PageV23P387 # لا يعيدها. قالوا: لأن الثانية نفل وصلاة الجنازة لا يتنفل بها. وقيل: بل ~~له أن يعيدها وهو الصحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على قبر ~~منبوذ صلى معه من كان صلى عليها أولا. وإعادة صلاة الجنازة من جنس إعادة ~~الفريضة فتشرع حيث شرعها الله ورسوله. وعلى هذا: فهل يؤم على الجنازة ~~مرتين؟ على روايتين. والصحيح أن له ذلك. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل صلى مع الإمام ms7192 ثم حضر جماعة أخرى فصلى بهم إماما فهل يجوز ذلك؟ أم ~~لا؟ . # فأجاب: # هذه المسألة هي " مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل " فإن الإمام كان قد أدى ~~فرضه فإذا صلى بغيره إماما: فهذا جائز في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه. وفيها قول ثالث في مذهب أحمد: أنه يجوز للحاجة ولا يجوز ~~لغير حاجة. فإذا كان ذلك الإمام هو القارئ وهو المستحق للإمامة دونهم ففعل ~~ذلك في مثل هذه الحال حسن والله أعلم. # PageV23P388 # وسئل: # عن إمام مسجدين. هل يجوز الاقتداء به؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا أمكن أن يرتب في كل مسجد إمام راتب فلا يصلح أن يرتب إمام في مسجدين ~~فإذا صلى إماما في موضعين ففي صحة الصلاة الثانية لمن يؤدي فريضته خلاف بين ~~العلماء. فمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. أن الفرض لا يسقط ~~عن أهل المسجد الثاني والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن يصلي الفرض خلف من يصلي نفلا؟ . # فأجاب: # يجوز ذلك في أظهر قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ~~عنه. # PageV23P389 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عما يفعله الرجل شاكا في وجوبه على طريق الاحتياط. هل يأتم به المفترض؟ . # فأجاب: # قياس المذهب أنه يصح؛ لأن الشاك يؤديها بنية الوجوب إذا كما قلنا في نية ~~الإغماء وإن لم نقل بوجوب الصوم. كما قلنا فيمن شك في انتقاض وضوئه يتوضأ. ~~وكذلك صور الشك في وجوب طهارة أو صيام أو زكاة أو صلاة أو نسك أو كفارة أو ~~غير ذلك؛ بخلاف ما لو اعتقد الوجوب ثم تبين له عدمه فإن هذه خرج فيها خلاف؛ ~~لأنها في الحقيقة نفل لكنها في اعتقاده واجبة والمشكوك فيها هي في قصده ~~واجبة والاعتقاد متردد. # PageV23P390 # وسئل - رحمه الله -: # عمن وجد جماعة يصلون الظهر. فأراد أن يقضي معهم الصبح فلما قام الإمام ~~للركعة الثالثة فارقه بالسلام فهل تصح هذه الصلاة؟ وعلى أي مذهب تصح؟ . # فأجاب: # هذه الصلاة لا تصح في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ~~وتصح في مذهب الشافعي وأحمد ms7193 في الرواية الأخرى. والله أعلم. # وسئل: # عمن وجد الصلاة قائمة فنوى الائتمام وظن أن إمامه زيد فتبين أنه عمرو. هل ~~يضره ذلك؟ وكذلك لو ظن الإمام في المأموم مثل ذلك؟ . # فأجاب: # إذا كان مقصوده أن يصلي خلف إمام تلك الجماعة كائنا # PageV23P391 # من كان وظن أنه زيد فتبين أنه عمرو صحت صلاته كما لو اعتقد أنه أبيض ~~فتبين أنه أسود أو اعتقد أن عليه كساء فتبين أنه عباءة ونحو ذلك من خطأ ~~الظن الذي لا يقدح في الائتمام. وإن كان مقصوده أن يصلي خلف زيد ولو علم ~~أنه عمرو لم يصل خلفه وكان عمرو فهذا لم يأتم به. وإنما الأعمال بالنيات. ~~وهل هو بمنزلة من صلى بلا ائتمام؟ أو تبطل صلاته؟ فيه نزاع كما لو كانت ~~صلاة الإمام باطلة والمأموم لا يعلم. فلا يضر المؤتم الجهل بعين الإمام إذا ~~كان مقصوده أن يصلي خلف الإمام الذي يصلي بتلك الجماعة وكذلك الإمام لم ~~يضره الجهل بعين المأمومين بل إذا نوى الصلاة بمن خلفه جاز. وقد قيل: إنه ~~إذا عين فأخطأ بطلت صلاته مطلقا. والصواب: الفرق بين تعيينه بالقصد بحيث ~~يكون قصده أن لا يصلي إلا خلفه وبين تعيين الظن بحيث يكون قصده الصلاة خلف ~~الإمام مطلقا. لكن ظن أنه زيد والله أعلم. # PageV23P392 # وسئل - رحمه الله -: # عمن صلى خلف الصف منفردا. هل تصح صلاته أم لا؟ والأحاديث الواردة في ذلك ~~هل هي صحيحة أم لا؟ والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة؛ كحماد بن ~~أبي سليمان وابن المبارك وسفيان الثوري والأوزاعي قد قال عنهم رجل أعني عن ~~هؤلاء الأئمة المذكورين هؤلاء لا يلتفت إليهم فصاحب هذا الكلام ما حكمه؟ ~~وهل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة لمن يجوز له التقليد؟ كما يجوز تقليد الأئمة ~~الأربعة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأن في ذلك ~~حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة ~~وقال: {لا صلاة لفذ خلف الصف} وقد صحح الحديثين ms7194 غير واحد من أئمة الحديث ~~وأسانيدهما مما تقوم بهما الحجة؛ بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من ~~المسائل على ما هو أضعف إسنادا منهما وليس فيهما ما يخالف الأصول بل ما ~~فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة والأصول المقررة فإن صلاة الجماعة سميت ~~جماعة # PageV23P393 # لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو ~~الزماني مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام أو يتخلفوا عنه تخلفا كثيرا ~~لغير عذر كان ذلك منهيا عنه باتفاق الأئمة وكذلك لو كانوا مفترقين غير ~~منتظمين مثل أن يكون هذا خلف هذا وهذا خلف هذا كان هذا من أعظم الأمور ~~المنكرة بل قد أمروا بالاصطفاف بل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتقويم ~~الصفوف وتعديلها وتراص الصفوف وسد الخلل وسد الأول فالأول كل ذلك مبالغة في ~~تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز ~~أن يقف واحد خلف واحد وهلم جرا. وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما أن هذه ~~ليست صلاة المسلمين ولو كان هذا مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة بل وكذلك ~~إذا جعلوا الصف غير منتظم: مثل أن يتقدم هذا على هذا ويتأخر هذا عن هذا ~~لكان ذلك شيئا قد علم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه والنهي يقتضي ~~التحريم بل إذا صلوا قدام الإمام كان أحسن من مثل هذا. فإذا كان الجمهور لا ~~يصححون الصلاة قدام الإمام إما مطلقا وإما لغير عذر فكيف تصح الصلاة بدون ~~الاصطفاف. فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف وأن صلاة المنفرد لا تصح كما ~~جاء به هذان الحديثان ومن خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه ~~السنة # PageV23P394 # من وجه يثق به بل قد يكون لم يسمعها وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف كما ذكر ~~ذلك بعضهم. والذين عارضوه احتجوا بصحة صلاة المرأة منفردة كما ثبت في ~~الصحيح {أن أنسا واليتيم صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفت العجوز ~~خلفهما} . وقد اتفق العلماء على صحة وقوفها منفردة إذا ms7195 لم يكن في الجماعة ~~امرأة غيرها كما جاءت به السنة. واحتجوا أيضا بوقوف الإمام منفردا. واحتجوا ~~بحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم {زادك الله حرصا ولا تعد} . وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي ~~عن ذلك وذلك من وجوه: أحدها أن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ~~ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروها. وهل تبطل صلاة من يحاذيها؟ فيه ~~قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره. أحدهما تبطل كقول أبي حنيفة وهو اختيار ~~أبي بكر وأبي حفص. من أصحاب أحمد. والثاني لا تبطل. كقول مالك والشافعي وهو ~~قول ابن # PageV23P395 # حامد والقاضي وغيرهما مع تنازعهم في الرجل الواقف معها: هل يكون فذا أم ~~لا؟ والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف. وأما وقوف الرجل وحده ~~خلف الصف فمكروه وترك للسنة باتفاقهم فكيف يقاس المنهي بالمأمور به وكذلك ~~وقوف الإمام أمام الصف هو السنة. فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه والقياس ~~الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص أما قياس المنصوص على منصوص ~~يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء كقياس الربا على البيع وقد أحل الله البيع ~~وحرم الربا. (والثاني أن المرأة وقفت خلف الصف؛ لأنه لم يكن لها من تصافه ~~ولم يمكنها مصافة الرجال ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها ~~أن تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال. ونظير ذلك أن لا ~~يجد الرجل موقفا إلا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد ~~وإلا ظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. ~~وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة كقول طائفة وهو قول في مذهب ~~أحمد. # PageV23P396 # وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ~~ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم. وطرد هذا بقية مسائل الصفوف ~~كمسألة من صلى ولم ير الإمام ولا من وراءه مع سماعه للتكبير وغير ms7196 ذلك وأما ~~الإمام فإنما قدم ليراه المأمومون فيأتمون به وهذا منتف في المأموم. وأما ~~حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من ~~الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة فهو ~~بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق ~~الأئمة وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: " ولا تعد " وليس فيه أنه أمره ~~بإعادة الركعة كما في حديث الفذ فإنه أمره بإعادة الصلاة وهذا مبين مفسر ~~وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد ~~اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره لكان سائغا ~~في مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة فهذا له وجه وهذا له وجه. وأما التفريق ~~بين العالم والجاهل كقول في مذهب أحمد فلا يسوغ فإن المصلي المنفرد لم يكن ~~عالما بالنهي وقد أمره بالإعادة كما أمر الأعرابي المسيء في صلاته ~~بالإعادة. # PageV23P397 # وأما الأئمة المذكورون: فمن سادات أئمة الإسلام فإن الثوري إمام أهل ~~العراق وهو عند أكثرهم أجل من أقرانه: كابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي ~~وأبي حنيفة وغيره (*) وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان. والأوزاعي إمام ~~أهل الشام وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة بل أهل المغرب كانوا على ~~مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك. وحماد بن أبي سليمان: هو شيخ أبي حنيفة ~~ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما ومذهبه ~~باق إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي وأصحابه ومذهبهم باق إلى اليوم فلم ~~يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول؛ بل القائلون به كثير في المشرق ~~والمغرب. وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص ~~فمالك والليث بن سعد والأوزاعي والثوري هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل ~~منهم كتقليد الآخر لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا ولكن من ms7197 منع من ~~تقليد أحد هؤلاء في زماننا فإنما نمنعه لأحد شيئين: أحدهما: اعتقاده أنه لم ~~يبق من يعرف مذاهبهم وتقليد الميت فيه نزاع مشهور فمن منعه قال: هؤلاء موتى ~~ومن سوغه قال: لا بد أن يكون في الأحياء من يعرف قول الميت. PageV23P398 # والثاني: أن يقول الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول. وينبني ذلك ~~على مسألة معروفة في أصول الفقه وهي: أن الصحابة مثلا أو غيرهم من أهل ~~الأعصار إذا اختلفوا في مسألة على قولين ثم أجمع التابعون أو أهل العصر ~~الثاني على أحدهما فهل يكون هذا إجماعا يرفع ذلك الخلاف؟ وفي المسألة نزاع ~~مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء فمن قال: إن مع إجماع أهل العصر ~~الثاني لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك ~~يركب من هذين الاعتقادين المنع. ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق؛ لأن ~~الأقوال لا تموت بموت قائليها فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد ~~الذي وافق اجتهاده. وأما التقليد فينبني على مسألة تقليد الميت وفيها قولان ~~مشهوران أيضا في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وأما إذا كان القول الذي يقول ~~به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم فلا ريب ~~أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به ويقابل بهؤلاء من خالفهم من أقرانهم. ~~فيقابل بالثوري والأوزاعي أبا حنيفة ومالكا إذ الأمة متفقة على أنه إذا ~~اختلف مالك # PageV23P399 # والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو الصواب دون هذا ~~إلا بحجة، والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل التبليغ وراء الإمام كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو في ~~شيء من زمن الخلفاء الراشدين؟ فإن لم يكن فمع الأمن من إخلال شيء من متابعة ~~الإمام والطمأنينة المشروعة واتصال الصفوف والاستماع للإمام من وراءه إن ~~وقع خلل مما ذكر هل يطلق على فاعله البدعة؟ وهل ذهب أحد من علماء المسلمين ~~إلى بطلان صلاته بذلك؟ وما حكم من اعتقد ذلك قربة ms7198 فعله أو لم يفعله بعد ~~التعريف؟ . # فأجاب: # لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه ولا بعد ذلك بزمان طويل إلا مرتين: ~~مرة صرع النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدا فبلغ أبو ~~بكر عنه التكبير. كذا رواه مسلم في صحيحه. ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه ~~أبو بكر وهذا مشهور. # PageV23P400 # مع أن ظاهر مذهب الإمام أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما فيها ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان إماما للناس فيكون تبليغ أبي بكر إماما ~~للناس وإن كان مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم وهكذا قالت عائشة رضي الله ~~عنها: {كان الناس يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم} . ولم يذكر أحد من العلماء تبليغا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا هاتين المرتين؛ لمرضه. والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا ~~على جواز التبليغ لحاجة لم يكن عندهم سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا هذا وهذا يعلمه علما يقينيا من له خبرة بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولا خلاف بين العلماء أن هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب بل صرح ~~كثير منهم أنه مكروه. ومنهم من قال: تبطل صلاة فاعله وهذا موجود في مذهب ~~مالك وأحمد وغيره. وأما الحاجة لبعد المأموم أو لضعف الإمام وغير ذلك فقد ~~اختلفوا فيه في هذه والمعروف عند أصحاب أحمد أنه جائز في هذا الحال وهو أصح ~~قولي أصحاب مالك وبلغني أن أحمد توقف في ذلك وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن ~~لا يخل بشيء من واجبات الصلاة. # PageV23P401 # فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه ~~السنة وإن كان أيضا يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد. وهو الذي ~~دلت عليه السنة وأقوال الصحابة وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع ~~والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان ms7199 الصلاة خلاف. وظاهر مذهب أحمد أنها تبطل ~~ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة ومن اعتقده قربة مطلقة فلا ريب أنه إما ~~جاهل وإما معاند وإلا فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى ~~في المختصرات. قالوا: ولا يجهر بشيء من التكبير. إلا أن يكون إماما ومن أصر ~~على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر على ذلك لمخالفته الإجماع هذا أقل أحواله ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # هل يجوز أن يكبر خلف الإمام؟ . # فأجاب: # لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي هو المبلغ لغير حاجة: باتفاق ~~الأئمة فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم هو ولا غيره ~~ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين لكن لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى بالناس مرة وصوته ضعيف وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير ~~فاستدل العلماء بذلك # PageV23P402 # على أنه يشرع التكبير عند الحاجة: مثل ضعف صوته فأما بدون ذلك فاتفقوا ~~على أنه مكروه غير مشروع. وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله. على قولين: ~~والنزاع في الصحة معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما. غير أنه مكروه باتفاق ~~المذاهب كلها والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن التبليغ خلف الإمام: هل هو مستحب أو بدعة؟ . # فأجاب: # أما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة. ~~وإنما يجهر بالتكبير الإمام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~يفعلون ولم يكن أحد يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم لكن لما مرض النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضعف صوته فكان أبو بكر رضي الله عنه يسمع بالتكبير. وقد ~~اختلف العلماء: هل تبطل صلاة المبلغ؟ على قولين في مذهب مالك وأحمد ~~وغيرهما. # PageV23P403 # وسئل - رحمه الله -: # هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا؟ . # فأجاب: # أما صلاة المأموم قدام الإمام. ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنها ~~تصح مطلقا وإن قيل إنها تكره وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك والقول ~~القديم للشافعي. والثاني: ms7200 أنها لا تصح مطلقا كمذهب أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في المشهور من مذهبهما. والثالث: أنها تصح مع العذر دون غيره مثل ما ~~إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام فتكون ~~صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه للصلاة. وهذا قول طائفة من العلماء وهو ~~قول في مذهب أحمد وغيره. وهو أعدل الأقوال وأرجحها # PageV23P404 # وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في ~~الجماعة والواجبات كلها تسقط بالعذر. وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب ~~في الجماعة أولى بالسقوط؛ ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام ~~والقراءة واللباس والطهارة وغير ذلك. وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار ~~لمتابعة الإمام ولو فعل ذلك منفردا عمدا بطلت صلاته وإن أدركه ساجدا أو ~~قاعدا كبر وسجد معه وقعد معه؛ لأجل المتابعة. مع أنه لا يعتد له بذلك ويسجد ~~لسهو الإمام وإن كان هو لم يسه. وأيضا ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة ~~ويعمل العمل الكثير ويفارق الإمام قبل السلام ويقضي الركعة الأولى قبل سلام ~~الإمام وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته. ~~وأبلغ من ذلك أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث: أن الإمام الراتب ~~إذا صلى جالسا صلى المأمومون جلوسا؛ لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب ~~لأجل المتابعة كما استفاضت # PageV23P405 # السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ~~أجمعون} . والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قيل: لا يؤم القاعد ~~القائم وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كقول مالك ومحمد بن ~~الحسن. وقيل: بل يؤمهم ويقومون وأن الأمر بالقعود منسوخ. كقول أبي حنيفة ~~والشافعي. وقيل: بل ذلك محكم وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم كأسيد بن حضير وغيره. وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن ~~حنبل وغيرهما. وعلى هذا فلو صلوا قياما ففي صحة صلاتهم قولان. والمقصود ~~هنا: أن الجماعة ms7201 تفعل بحسب الإمكان فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام ~~بإمامه إلا قدامه كان غاية ما في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة وهذا ~~أخف من غيره ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده فلو لم يجد من ~~يصافه ولم يجذب أحدا يصلي معه صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة كما أن # PageV23P406 # المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة. ~~وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان لا عند العجز عن المصافة. # فصل: # وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل فإن ~~كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه ~~السفن ففيه قولان معروفان هما روايتان عن أحمد: أحدهما: المنع كقول أبي ~~حنيفة. والثاني: الجواز كقول الشافعي. وأما إذا كان بينهما حائل يمنع ~~الرؤية والاستطراق ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يجوز وقيل: لا ~~يجوز. وقيل: يجوز في المسجد دون غيره. وقيل: يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون ~~الحاجة. ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا: مثل أن تكون أبواب المسجد ~~مغلقة أو تكون المقصورة التي فيها الإمام # PageV23P407 # مغلقة أو نحو ذلك. فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة. كما تقدم ~~فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر وأن الصلاة في الجماعة ~~خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال. # وسئل: # عمن يصلي مع الإمام وبينه وبين الإمام حائل بحيث لا يراه ولا يرى من ~~يراه: هل تصح صلاته؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم تصح صلاته عند أكثر العلماء. وهو المنصوص الصريح عن أحمد ~~فإنه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء والسنة في الصفوف أن يتموا الأول ~~فالأول ويتراصون في الصف. فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام ~~كانت صلاته مكروهة والله أعلم. # PageV23P408 # وسئل - رحمه الله -: # عن إمام يصلي خلفه جماعة وقدامه جماعة. فهل تصح صلاة المتقدمين على ~~الإمام؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ms7202 أما الذين خلف الإمام فصلاتهم صحيحة بلا ريب. وأما الذين ~~قدامه فللعلماء فيهم ثلاثة أقوال. قيل: تصح. وقيل: لا تصح. وقيل: تصح إذا ~~لم يمكنهم الصلاة معه إلا تكلفا وهذا أولى الأقوال والله أعلم. # وسئل: # عن الحوانيت المجاورة للجامع من أرباب الأسواق، إذا اتصلت بهم الصفوف ن ~~فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتهم؟ . # فأجاب: # أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { # PageV23P409 # ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ~~ربها؟ قال: يسدون الأول فالأول ويتراصون في الصف} . فليس لأحد أن يسد ~~الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ~~ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف ~~المقدمة فإن هذا لا حرمة له. كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في ~~المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على ~~الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف ~~حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم. وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف ~~الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إذا ~~كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من ~~غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك من صلى في حانوته ~~والطريق خال لم تصح صلاته وليس # PageV23P410 # له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى ~~المسجد فيسد الأول فالأول والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن صلاة الجمعة في الأسواق وفي الدكاكين والطرقات اختيارا هل تصح صلاته؟ ~~أم لا؟ . # فأجاب: # إن اتصلت الصفوف فلا بأس بالصلاة لمن تأخر ولم يمكنه إلا ذلك. وأما إذا ~~تعمد الرجل أن يقعد هناك. ويترك الدخول إلى المسجد كالذين يقعدون في ~~الحوانيت فهؤلاء مخطئون مخالفون للسنة. فإن النبي صلى الله ms7203 عليه وسلم قال: ~~{ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ ~~قال: يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف} . وقال: {خير صفوف الرجال ~~أولها وشرها آخرها} . وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بين الصفوف طريق ففي ~~صحة الصلاة قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. # PageV23P411 # أحدهما: لا تصح كقول أبي حنيفة. والثاني: تصح كقول الشافعي والله أعلم. # و ### | سئل: # عن جامع بجانب السوق بحيث يسمع التكبير منه: هل تجوز صلاة الجمعة في ~~السوق؟ أو على سطح السوق؟ أو في الدكاكين؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا امتلأ الجامع جاز أن يصلى في الطرقات. فإذا امتلأت صلوا ~~فيما بينها من الحوانيت. وغيرها. وأما إذا لم تتصل الصفوف فلا. وكذلك فوق ~~الأسطحة والله أعلم. # PageV23P412 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل جمع جماعة على نافلة وأمهم من أول رجب إلى آخر رمضان يصلي بهم بين ~~العشاءين عشرين ركعة بعشر تسليمات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو ~~الله أحد ثلاث مرات ويتخذ ذلك شعارا ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~ابن عباس والأنصاري الذي قال له: السيول تحول بيني وبينك فهل هذا موافق ~~للشريعة أم لا؟ وهل يؤجر على ذلك أم لا والحالة هذه؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، صلاة التطوع في جماعة نوعان: أحدهما: ما تسن له ~~الجماعة الراتبة كالكسوف والاستسقاء وقيام رمضان فهذا يفعل في الجماعة ~~دائما كما مضت به السنة. الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة: كقيام ~~الليل والسنن الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد ونحو ذلك. # PageV23P413 # فهذا إذا فعل جماعة أحيانا جاز. وأما الجماعة الراتبة في ذلك فغير مشروعة ~~بل بدعة مكروهة فإن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لم يكونوا ~~يعتادون الاجتماع للرواتب على ما دون هذا. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~تطوع في ذلك في جماعة قليلة أحيانا فإنه كان يقوم الليل وحده؛ لكن لما بات ~~ابن عباس عنده صلى معه وليلة أخرى صلى معه حذيفة وليلة أخرى صلى ms7204 معه ابن ~~مسعود وكذلك صلى عند عتبان بن مالك الأنصاري في مكان يتخذه مصلى صلى معه ~~وكذلك صلى بأنس وأمه واليتيم. وعامة تطوعاته إنما كان يصليها مفردا وهذا ~~الذي ذكرناه في التطوعات المسنونة فأما إنشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة ~~في وقت معين تصلى جماعة راتبة كهذه الصلوات المسئول عنها: " كصلاة الرغائب ~~" في أول جمعة من رجب " والألفية " في أول رجب ونصف شعبان وليلة سبع وعشرين ~~من شهر رجب وأمثال ذلك فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام كما نص على ذلك ~~العلماء المعتبرون ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع وفتح مثل هذا الباب ~~يوجب تغيير شرائع الإسلام وأخذ نصيب من حال الذين شرعوا من الدين ما لم ~~يأذن به الله. والله أعلم. PageV23P414 # الجزء الرابع والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الرابع: من صلاة أهل الأعذار إلى الزكاة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب صلاة أهل الأعذار # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عن رجل شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه لا يستطيع أن يأكل أو يشرب ولا يتحرك ~~ولا يستنجي بالماء وإذا سجد ما يستطيع الرفع فكيف يصلي؟ # فأجاب: # أما الصلاة فإنه يفعل ما يقدر عليه ويصلي قاعدا إذا لم يستطع القيام ~~ويومئ برأسه إيماء بحسب حاله وإن سجد على فخذه جاز ويمسح بخرقة إذا تخلى ~~ويوضئه غيره إذا أمكن ويجمع بين الصلاتين فيوضيه في آخر وقت الظهر فيصلي ~~الظهر والعصر بلا قصر ثم إذا دخل وقت المغرب صلى المغرب والعشاء ويوضيه ~~الفجر. وإن لم يستطع الصلاة قاعدا صلى على جنبه ووجهه إلى القبلة، # PageV24P005 # وإن لم يكن عنده من يوضئه ولا ييممه صلى على حسب حاله سواء كان على قفاه ~~ورجلاه إلى القبلة أو على جنبه ووجهه إلى القبلة. وإن لم يكن عنده من يوجهه ~~إلى القبلة صلى إلى أي جهة توجه شرقا أو غربا والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # هل تجوز صلاة المرأة قاعدة مع قدرتها على القيام؟ # فأجاب: # فصل: وأما صلاة الفرض قاعدا مع القدرة على القيام ms7205 فلا تصح لا من رجل ولا ~~امرأة بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم {صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ~~فإن لم تستطع فعلى جنبك} . ولكن يجوز التطوع جالسا ويجوز التطوع على ~~الراحلة في السفر قبل أي جهة توجهت بصاحبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان # PageV24P006 # يصلي على دابته قبل أي جهة توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها ~~المكتوبة. ويجوز للمريض إذا شق عليه القيام أن يصلي قاعدا فإن لم يستطع صلى ~~على جنبه وكذلك إذا كان رجل لا يمكنه النزول إلى الأرض صلى على راحلته ~~والخائف من عدوه إذا نزل يصلي على راحلته. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # هل القصر في السفر سنة أو عزيمة؟ وعن صحة الحديث الذي رواه الشافعي عن ~~إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن {عائشة قالت: كل ~~ذلك قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وأتم} . # فأجاب: # أما القصر في السفر فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه ~~الراشدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين ~~وكذلك أبو بكر وعمر وكذلك عثمان في السنة # PageV24P007 # الأولى من خلافته لكنه في السنة الثانية أتمها بمنى لأعذار مذكورة في غير ~~هذا الموضع. وأما الحديث المذكور فلا ريب أنه خطأ على عائشة. وإبراهيم بن ~~محمد هو ابن أبي يحيى المدني القدري وهو وطلحة بن عمرو المكي ضعيفان باتفاق ~~أهل الحديث لا يحتج بواحد منهما فيما هو دون هذا. وقد ثبت في الصحيح عن ~~عائشة أنها قالت: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في ~~صلاة الحضر ". وقيل لعروة: فلم أتمت عائشة الصلاة؟ قال: تأولت كما تأول ~~عثمان. فهذه عائشة تخبر بأن صلاة السفر ركعتان وابن أختها عروة أعلم الناس ~~بها: يذكر أنها أتمت بالتأويل لم يكن عندها بذلك سنة. وكذلك ثبت {عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطر ركعتان ms7206 ~~وصلاة الأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم} . وأيضا فإن المسلمين قد ~~نقلوا بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر إلا ركعتين ~~ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا قط ولكن الثابت عنه أنه صام في السفر وأفطر ~~وكان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر. # PageV24P008 # وأما القصر فكل الصحابة كانوا يقصرون منهم أهل مكة وغير أهل مكة بمنى ~~وعرفة وغيرهما وقد تنازع العلماء في التربيع: هل هو محرم؟ أو مكروه؟ أو ترك ~~للأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء على خمسة أقوال: أحدها: قول من يقول إن ~~الإتمام أفضل. كقول للشافعي. والثاني: قول من يسوي بينهما. كبعض أصحاب ~~مالك. والثالث: قول من يقول القصر أفضل: كقول الشافعي الصحيح وإحدى ~~الروايتين عن أحمد. والرابع: قول من يقول الإتمام مكروه كقول مالك في إحدى ~~الروايتين وأحمد في الرواية الأخرى. والخامس: قول من يقول إن القصر واجب ~~كقول أبي حنيفة ومالك في رواية. وأظهر الأقوال قول من يقول إنه سنة وأن ~~الإتمام مكروه ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه. # PageV24P009 # وسئل: # هل لمسافة القصر قدر محدود عن الشارع صلى الله عليه وسلم؟ # فأجاب: # السنة أن يقصر المسافر الصلاة فيصلي الرباعية ركعتين هكذا فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره. هو وأصحابه ولم يصل في السفر أربعا قط. ~~وما روي عنه {أنه صلى في السفر أربعا في حياته} فهو حديث باطل عند أئمة ~~الحديث. وقد تنازع العلماء في المسافر إذا صلى أربعا. فقيل: لا يجوز ذلك ~~كما لا يجوز أن يصلي الفجر والجمعة والعيد أربعا وقيل: يجوز ولكن القصر ~~أفضل عند عامتهم ليس فيه إلا خلاف شاذ ولا يفتقر القصر إلى نية؛ بل لو دخل ~~في الصلاة وهو ينوي أن يصلي أربعا اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {وقد كان صلى الله عليه وسلم لما حج بالمسلمين حجة الوداع يصلي بهم ~~ركعتين ركعتين إلى أن ms7207 رجع} وجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة والمسلمون خلفه ~~ويصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم جمعا وقصرا. ولم يأمر أحدا أن ينوي لا جمعا ~~ولا قصرا. # PageV24P010 # وأقام بمنى يوم العيد وأمام منى يصلي بالمسلمين ركعتين ركعتين والمسلمون ~~خلفه يصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم وكذلك أبو بكر وعمر بعده ولم يأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر أحدا من أهل مكة أن يصلي أربعا لا ~~بمنى ولا بغيرها فلهذا كان أصح قولي العلماء أن أهل مكة يجمعون بعرفة ~~ومزدلفة ويقصرون بها وبمنى وهذا قول عامة فقهاء الحجاز كمالك وابن عيينة ~~وهو قول إسحاق بن راهويه واختيار طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كأبي الخطاب ~~في عباداته. وقد قيل: يجمعون ولا يقصرون وهو قول أبي حنيفة وهو المنصوص عن ~~أحمد وقيل: لا يقصرون ولا يجمعون. كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وهو أضعف الأقوال. والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون ويجمعون ~~هناك كما كانوا يفعلون هناك مع النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ولم ينقل ~~عن أحد من المسلمين أنه قال لهم هناك أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر؛ ولكن نقل ~~أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل مكة وكذلك كان عمر يأمر أهل ~~مكة بالإتمام إذا صلى بهم في البلد وأما بمنى فلم يكن يأمرهم بذلك. # PageV24P011 # وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه فقيل: كان ذلك لأجل النسك فلا ~~يقصر المسافر سفرا قصيرا هناك وقيل: بل كان ذلك لأجل السفر وكلا القولين ~~قاله بعض أصحاب أحمد. والقول الثاني هو الصواب وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم ~~ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين والقصر معلق بالسفر وجودا وعدما ~~فلا يصلي ركعتين إلا مسافر وكل مسافر يصلي ركعتين كما {قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه صلاة المسافر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة النحر ركعتان ~~وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير نقص: أي غير قصر على لسان نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم} . وفي الصحيح عن عائشة رضي ms7208 الله عنها أنها قالت: " فرضت الصلاة ~~ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ". وقد تنازع ~~العلماء: هل يختص بسفر دون سفر؟ أم يجوز في كل سفر؟ وأظهر القولين أنه يجوز ~~في كل سفر قصيرا كان أو طويلا كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعرفة ومنى وبين مكة وعرفة نحو بريد أربع فراسخ. وأيضا فليس الكتاب ~~والسنة يخصان بسفر دون سفر لا بقصر ولا بفطر ولا تيمم ولم يحد النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسافة القصر بحد لا زماني ولا مكاني والأقوال المذكورة في ~~ذلك متعارضة # PageV24P012 # ليس على شيء منها حجة وهي متناقضة ولا يمكن أن يحد ذلك بحد صحيح. فإن ~~الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار وحركة المسافر تختلف. والواجب أن ~~يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ويقيد ما قيده فيقصر المسافر ~~الصلاة في كل سفر وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على ~~الراحلة والمسح على الخفين. ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل وخص بعض ~~الأحكام بهذا وبعضها بهذا وجعلها متعلقة بالسفر الطويل فليس معه حجة يجب ~~الرجوع إليها. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # إذا سافر إنسان سفرا مقدار ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ هل يباح له الجمع ~~والقصر أم لا؟ # فأجاب: # وأما الجمع والقصر في السفر القصير ففيه ثلاثة أقوال؛ بل أربعة؛ بل خمسة ~~في مذهب أحمد. # PageV24P013 # أحدها: أنه لا يباح لا الجمع ولا القصر. والثاني: يباح الجمع دون القصر. ~~والثالث: يباح الجمع بعرفة ومزدلفة خاصة للمكي وإن كان سفره قصيرا. ~~والرابع: يباح الجمع والقصر بعرفة ومزدلفة. والخامس: يباح ذلك مطلقا. والذي ~~يجمع للسفر هل يباح له الجمع مطلقا أو لا يباح إلا إذا كان مسافرا؟ فيه ~~روايتان عن أحمد مقيما أو مسافرا ولهذا نص أحمد على أنه يجمع إذا كان له ~~شغل. قال القاضي أبو يعلى كل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة يبيح الجمع ~~ولهذا يجمع للمطر والوحل وللريح الشديدة ms7209 الباردة؛ في ظاهر مذهب الإمام أحمد ~~ويجمع المريض والمستحاضة والمرضع فإذا جد السير بالمسافر جمع سواء كان سفره ~~طويلا أو قصيرا كما مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يجمع الناس ~~بعرفة ومزدلفة المكي وغير المكي مع أن أهل مكة سفرهم قصير. وكذلك جمع صلى ~~الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل ~~مكة وغير أهل مكة وعرفة من مكة # PageV24P014 # بريد أربعة فراسخ؛ ولهذا قال مالك وبعض أصحاب أحمد كأبي الخطاب في ~~العبادات الخمس: إن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة وهذا القول هو الصواب وإن ~~كان المنصوص عن الأئمة الثلاثة بخلافه: أحمد والشافعي وأبي حنيفة. ولهذا ~~قال طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم أنه يقصر في السفر الطويل والقصير؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت للقصر مسافة ولا وقتا وقد قصر خلفه ~~أهل مكة بعرفة ومزدلفة وهذا قول كثير من السلف والخلف وهو أصح الأقوال في ~~الدليل. ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرا. مثل أن يتزود له ~~ويبرز للصحراء فأما إذا كان في مثل دمشق وهو ينتقل من قراها الشجرية من ~~قرية إلى قرية كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق فهذا ليس بمسافر كما أن ~~مدينة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بمنزلة القرى المتقاربة عند كل قوم ~~نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم قباء وغير قباء ولم يكن خروج الخارج إلى قباء ~~سفرا ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقصرون في مثل ذلك فإن ~~الله تعالى قال: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة} فجميع ~~الأبنية تدخل في مسمى المدينة وما خرج عن أهلها فهو من الأعراب أهل العمود. ~~والمنتقل من المدينة من ناحية إلى ناحية ليس بمسافر ولا يقصر الصلاة ولكن ~~هذه مسائل اجتهاد # PageV24P015 # فمن فعل منها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر. وهكذا اختلفوا في ~~الجمع والقصر هل يشترط له نية؟ فالجمهور لا يشترطون النية كمالك وأبي حنيفة ~~وهو أحد القولين في ms7210 مذهب أحمد وهو مقتضى نصوصه. والثاني: تشترط. كقول ~~الشافعي وكثير من أصحاب أحمد كالخرقي وغيره والأول أظهر ومن عمل بأحد ~~القولين لم ينكر عليه. # وسئل: # عن سفر يوم من رمضان هل يجوز أن يقصر فيه ويفطر أم لا؟ # فأجاب: # هذا فيه نزاع بين العلماء والأظهر أنه يجوز له القصر والفطر في يوم من ~~رمضان كما {قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة} وعرفة ~~عن المسجد الحرام مسيرة بريد؛ ولأن السفر مطلق في الكتاب والسنة. # PageV24P016 # وسئل: # عن رجل مسافر إلى بلد ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم ~~لا؟ # فأجاب: # إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة. فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة. ~~وإن كان أكثر ففيه نزاع. والأحوط أن يتم الصلاة. وأما إن قال غدا أسافر أو ~~بعد غد أسافر ولم ينو المقام فإنه يقصر أبدا فإن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة} ~~. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل خرج إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين. فهل يجوز ~~له القصر؟ وإذا جاز القصر. فالإتمام أفضل أم القصر؟ # PageV24P017 # فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب ~~الإتمام ومنهم من يوجب القصر والصحيح أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه ~~ومن أتم لا ينكر عليه. وكذلك تنازعوا في الأفضل: فمن كان عنده شك في جواز ~~القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ولم يحد السفر ~~بزمان أو بمكان ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود لا ثلاثة ولا أربعة ولا ~~اثنا عشر ولا خمسة عشر فإنه يقصر. كما كان غير واحد من السلف يفعل حتى كان ~~مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها ms7211 فأقام سنين يقصر الصلاة. وقد أقام ~~المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن ~~حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة ~~عشرة أيام يفطرون في رمضان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ~~يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل ~~له فما دام المسافر مسافرا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورا والله أعلم. ~~كتبه: أحمد ابن تيمية. # PageV24P018 # وسئل: # هل الجمع بين الصلاتين في السفر أفضل أم القصر؟ وما أقوال العلماء في ~~ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وما الراجح من ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع ~~فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصليها في السفر إنما ~~يصليها في أوقاتها. وإنما كان الجمع منه مرات قليلة. وفرق كثير من الناس ~~بين الجمع والقصر وظنهم أن هذا يشرع سنة ثابتة والجمع رخصة عارضة وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره كان يصلي الرباعية ركعتين ولم ~~ينقل أحد أنه صلى في سفره الرباعية أربعا؛ بل وكذلك أصحابه معه. والحديث ~~الذي يروى {عن عائشة: أنها أتمت معه وأفطرت} حديث ضعيف. بل قد ثبت عنها في ~~الصحيح: " أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر ~~وأقرت # PageV24P019 # صلاة السفر ". وثبت في الصحيح {عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ~~ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام ~~غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم} . وأما قوله تعالى {وإذا ضربتم ~~في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} فإن نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة الشبهة لا يمنع أن يكون القصر هو ~~السنة. كما قال: {إن الصفا ms7212 والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما} نفى الجناح لأجل الشبهة التي عرضت لهم من ~~الطواف بينهما؛ لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من كراهة بعضهم للطواف ~~بينهما والطواف بينهما مأمور به باتفاق المسلمين وهو إما ركن وإما واجب ~~وإما سنة مؤكدة. وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر لأن القصر يتناول قصر العدد ~~وقصر الأركان فالخوف يبيح قصر الأركان والسفر يبيح قصر العدد فإذا اجتمعا ~~أبيح القصر بالوجهين وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي القصر والعلماء ~~متنازعون في المسافر: هل فرضه الركعتان؟ ولا يحتاج قصره إلى نية؟ أم لا ~~يقصر إلا بنية؟ على قولين: # PageV24P020 # والأول: قول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد ~~اختاره أبو بكر وغيره. والثاني: قول الشافعي وهو القول الآخر في مذهب أحمد ~~اختاره الخرقي وغيره. والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر ~~ولا يأمرهم بنية القصر. ولهذا {لما سلم من ركعتين ناسيا قال له ذو اليدين: ~~أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر قال: بلى قد نسيت} . وفي ~~رواية. {لو كان شيء لأخبرتكم به} ولم يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر ~~وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول بل لم يكونوا يعلمون أنه ~~يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى فعلم أيضا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين ~~الشروع في الأولى كقول الجمهور والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك. وقد تنازع ~~العلماء في التربيع في السفر: هل هو حرام؟ أو مكروه؟ أو ترك الأولى؟ أو هو ~~الراجح؟ فمذهب أبي حنيفة وقول في مذهب مالك: أن القصر واجب وليس له أن يصلي ~~أربعا # PageV24P021 # ومذهب مالك في الرواية الأخرى وأحمد في أحد القولين بل نصهما أن الإتمام ~~مكروه. ومذهبه في الرواية الأخرى ومذهب الشافعي في أظهر قوليه: أن القصر هو ~~الأفضل والتربيع ترك الأولى. وللشافعي قول ms7213 أن التربيع أفضل وهذا أضعف ~~الأقوال. وقد ذهب بعض الخوارج إلى أنه لا يجوز القصر إلا مع الخوف ويذكر ~~هذا قولا للشافعي وما أظنه يصح عنه فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان ~~الناس} وكذلك بعده أبو بكر وكذلك بعده عمر. وإذا كان كذلك فكيف يسوى بين ~~الجمع والقصر وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم ~~وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبيهما بل تنازعوا في ~~جواز الجمع على ثلاثة أقوال. فمذهب أبي حنيفة أنه لا يجمع إلا بعرفة ~~ومزدلفة. ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين أنه لا يجمع المسافر إذا كان ~~نازلا وإنما يجمع إذا كان سائرا بل عند مالك إذا جد به السير ومذهب الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى أنه يجمع المسافر وإن كان نازلا. # PageV24P022 # وسبب هذا النزاع ما بلغهم من أحاديث الجمع فإن أحاديث الجمع قليلة فالجمع ~~بعرفة ومزدلفة متفق عليه وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه. وأبو حنيفة ~~لم يقل بغيره لحديث ابن مسعود الذي في الصحيح أنه قال: {ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة وصلاة ~~المغرب ليلة جمع} . وأراد بقوله {في الفجر لغير وقتها} التي كانت عادته أن ~~يصليها فيه فإنه جاء في الصحيح عن جابر {أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق ~~الفجر} وهذا متفق عليه بين المسلمين أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر لا ~~بمزدلفة ولا غيرها لكن بمزدلفة غلس بها تغليسا شديدا. وأما أكثر الأئمة ~~فبلغتهم أحاديث في الجمع صحيحة كحديث أنس وابن عباس وابن عمر ومعاذ وكلها ~~من الصحيح. ففي الصحيحين عن أنس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فصلاهما جميعا ~~وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم ركب} وفي لفظ ms7214 في الصحيح ~~{كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر ~~الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما} وفي الصحيحين عن ابن عمر {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء} ~~وفي لفظ في الصحيح " أن # PageV24P023 # ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء " بعد أن يغيب ~~الشفق. ويقول: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع ~~بين المغرب والعشاء} . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر ~~وبين المغرب والعشاء} . قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ ~~قال: أراد أن لا يحرج أمته. وكذلك في صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن معاذ بن ~~جبل قال: {جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر ~~وبين المغرب والعشاء. قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج ~~أمته} بل قد ثبت عنه أنه جمع في المدينة كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: ~~{صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا من غير خوف ولا ~~سفر} . وفي لفظ في الصحيحين عن ابن عباس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بالمدينة سبعا وثمانيا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء} قال أيوب ~~لعله في ليلة مطيرة وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة بين المغرب ~~والعشاء ويجمع معهم عبد الله بن عمر. وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وهذا العمل من الصحابة. # PageV24P024 # وقولهم: " أراد أن لا يحرج أمته " يبين أنه ليس المراد بالجمع تأخير ~~الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها فإن مراعاة مثل هذا فيه ~~حرج عظيم. ثم إن هذا جائز لكل أحد في كل وقت ورفع الحرج إنما يكون عند ~~الحاجة ms7215 فلا بد أن يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع به عنهم الحرج دون ~~غير أرباب الأعذار. وهذا ينبني على أصل كان عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو: أن المواقيت لأهل الأعذار ثلاثة ولغيرهم خمسة فإن الله تعالى ~~قال: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} فذكر ثلاثة مواقيت والطرف ~~الثاني يتناول الظهر والعصر. والزلف يتناول المغرب والعشاء. وكذلك قال: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} والدلوك هو الزوال في أصح القولين. ~~يقال: دلكت الشمس وزالت وزاغت ومالت. فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلى ~~الظهر والعصر وفي الغسق تصلى المغرب والعشاء ذكر أول الوقت وهو الدلوك وآخر ~~الوقت وهو الغسق والغسق اجتماع الليل وظلمته. ولهذا قال الصحابة كعبد ~~الرحمن بن عوف وغيره: المرأة الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب ~~والعشاء. وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر. وهذا مذهب جمهور ~~الفقهاء كمالك والشافعي # PageV24P025 # وأحمد. وأيضا فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة يدل على جواز ~~الجمع بغيرهما للعذر فإنه قد كان من الممكن أن يصلي الظهر ويؤخر العصر إلى ~~دخول وقتها ولكن لأجل النسك والاشتغال بالوقوف قدم العصر. ولهذا كان القول ~~المرضي عند جماهير العلماء أنه يجمع بمزدلفة وعرفة من كان أهله على مسافة ~~القصر ومن لم يكن أهله كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلى معه ~~جميع المسلمين أهل مكة وغيرهم ولم يأمر أحدا منهم بتأخير العصر ولا بتقديم ~~المغرب فمن قال من أصحاب الشافعي وأحمد: أن أهل مكة لا يجمعون فقوله ضعيف ~~في غاية الضعف مخالف للسنة البينة الواضحة التي لا ريب فيها؛ وعذرهم في ذلك ~~أنهم اعتقدوا أن سبب الجمع هو السفر الطويل والصواب أن الجمع لا يختص ~~بالسفر الطويل بل يجمع للمطر ويجمع للمرض كما جاءت بذلك السنة في جمع ~~المستحاضة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالجمع في حديثين. وأيضا ~~فكون الجمع يختص بالطويل فيه قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد: ~~أحدهما: يجمع ms7216 في القصير وهو المشهور ومذهب الشافعي لا. والأول أصح لما تقدم ~~والله أعلم. # PageV24P026 # وسئل: # عن الجمع وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله؟ # فأجاب: # وأما الجمع فإنما كان يجمع بعض الأوقات إذا جد به السير وكان له عذر ~~شرعي. كما جمع بعرفة ومزدلفة وكان يجمع في غزوة تبوك أحيانا كان إذا ارتحل ~~قبل الزوال أخر الظهر إلى العصر ثم صلاهما جميعا وهذا ثابت في الصحيح. وأما ~~إذا ارتحل بعد الزوال فقد روي أنه كان يصلي الظهر والعصر جميعا كما جمع ~~بينهما بعرفة وهذا معروف في السنن وهذا إذا كان لا ينزل إلى وقت المغرب كما ~~كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس وأما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها ~~في وقتها فليس القصر كالجمع بل القصر سنة راتبة وأما الجمع فإنه رخصة عارضة ~~ومن سوى من العامة بين الجمع والقصر فهو جاهل بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبأقوال علماء المسلمين. فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقت ~~بينهما والعلماء # PageV24P027 # اتفقوا على أن أحدهما سنة واختلفوا في وجوبه وتنازعوا في جواز الآخر فأين ~~هذا من هذا وأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنه نص ~~على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل بحديث روي في ذلك. قال القاضي أبو يعلى ~~وغيره من أصحابنا: يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز ~~له الجمع ويجوز عنده وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض ويجوز ~~عند الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء وفي صلاتي النهار نزاع بينهم ~~ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ~~ذلك. ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص ~~عليه أحمد. وتنازع العلماء في الجمع والقصر: هل يفتقر إلى نية؟ فقال ~~جمهورهم: لا يفتقر إلى نية وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب ~~أحمد وعليه تدل نصوصه وأصوله. وقال ا لشافعي وطائفة من أصحاب ms7217 أحمد: أنه ~~يفتقر إلى نية وقول الجمهور هو الذي تدل عليه سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قد بسطت هذه المسألة في موضعها والله أعلم. # PageV24P028 # وسئل - رحمه الله -: # عن صلاة الجمع في المطر بين العشاءين، هل يجوز من البرد الشديد؟ أو الريح ~~الشديد؟ أم لا يجوز إلا من المطر خاصة؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، يجوز الجمع بين العشاءين للمطر والريح الشديدة ~~الباردة والوحل الشديد، وهذا أصح قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك ~~وغيرهما والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يؤم قوما، وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلي بهم المغرب فقالوا ~~له: يجمع فقال: لا أفعل فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في ~~الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر # PageV24P029 # نازلا في أصح قولي العلماء وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم بل ترك الجمع ~~مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في ~~المساجد جماعة وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين. والصلاة ~~جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين ~~يجوزون الجمع: كمالك والشافعي وأحمد. والله تعالى أعلم. # قال - رحمه الله -: # فصل: # وأما الصلوات في الأحوال العارضة كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض ~~والسفر ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف ونحوه ~~أو الصلاة لاستجلاب النعماء كصلاة الاستسقاء ومثل الصلاة على الجنازة: ~~ففقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه في هذا الباب فيجوزون في صلاة الخوف جميع الأنواع ~~المحفوظة عن النبي # PageV24P030 # صلى الله عليه وسلم ويختارون قصر الصلاة في السفر اتباعا لسنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه لم يصل في السفر قط رباعية إلا مقصورة ومن صلى أربعا ~~لم يبطلوا صلاته؛ لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم؛ بل منهم من يكره ذلك ~~ومنهم من لا يكرهه وإن ms7218 رأى تركه أفضل وفي ذلك عن أحمد روايتان. وهذا بخلاف ~~الجمع بين الصلاتين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا مرات قليلة ~~فإنهم يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~حين جد به السير حتى اختلف عن أحمد: هل يجوز الجمع للمسافر النازل الذي ليس ~~بسائر أم لا؟ ولهذا كان أهل السنة مجمعين على جواز القصر في السفر مختلفين ~~في جواز الإتمام ومجمعين على جواز التفريق بين الصلاتين مختلفين في جواز ~~الجمع بينهما. ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في " صلاة الكسوف ". فأصحها وأشهرها أن يكون في كل ركعة ركوعان. وفي الصحيح ~~أيضا في كل ركعة ثلاث ركوعات وأربعة ويجوزون حذف الركوع الزائد كما جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويطيلون السجود فيها كما صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويجهرون فيها بالقراءة. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # PageV24P031 # وكذلك " الاستسقاء " يجوزون الخروج إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء والدعاء ~~كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة. ~~كما فعله عمر رضي الله عنه بمحضر من الصحابة. ويجوزون الاستسقاء بالدعاء ~~تبعا للصلوات الراتبة كخطبة الجمعة ونحوها كما فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكذلك " الجنازة " فإن اختيارهم أنه يكبر عليها أربعا كما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يفعلونه غالبا. ويجوز على ~~المشهور عند أحمد التخميس في التكبير ومتابعة الإمام في ذلك لما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر خمسا وفعله غير واحد من الصحابة مثل علي ~~بن أبي طالب وغيره. ويجوز أيضا على الصحيح عنده التسبيع ومتابعة الإمام فيه ~~لما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا سبعا بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولما في ذلك من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV24P032 # وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من ms7219 شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم. # أما بعد: فهذه " قاعدة في الأحكام التي تختلف بالسفر والإقامة " مثل قصر ~~الصلاة والفطر في شهر رمضان ونحو ذلك وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهم جعلوها نوعين: نوعا يختص بالسفر الطويل وهو: القصر والفطر. ونوعا ~~يقع في الطويل والقصير كالتيمم والصلاة على الراحلة وأكل الميتة هو من هذا ~~القسم وأما المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين فمن الأول وفي ذلك نزاع. ~~والكلام في مقامين: # PageV24P033 # أحدهما الفرق بين السفر الطويل والقصير فيقال: هذا الفرق لا أصل له في ~~كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل الأحكام التي علقها الله ~~بالسفر علقها به مطلقا كقوله تعالى في آية الطهارة: {وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} وقوله تعالى في آية الصيام {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} وقوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} . وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} وقول ~~عائشة: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت في الحضر. {وقول عمر: ~~صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ~~ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم} . وقوله صلى الله عليه وسلم {يمسح ~~المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن} وقول {صفوان بن عسال # PageV24P034 # أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع ~~خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط أو بول أو نوم} وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان ~~يعمل وهو صحيح مقيم} وقوله صلى ms7220 الله عليه وسلم {السفر قطعة من العذاب يمنع ~~أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليتعجل الرجوع إلى ~~أهله} فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر ~~طويل وسفر قصير. فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقا ~~لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا الذي ذكر من تعليق الشارع الحكم ~~بمسمى الاسم المطلق وتفريق بعض الناس بين نوع ونوع من غير دلالة شرعية له ~~نظائر. منها أن الشارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا} ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا ~~وطهورا. ومنها أن الشارع علق المسح بمسمى الخف ولم يفرق بين خف وخف: فيدخل ~~في ذلك المفتوق والمخروق وغيرهما من غير تحديد ولم يشترط أيضا أن يثبت ~~بنفسه. # PageV24P035 # ومن ذلك أنه أثبت الرجعة في مسمى الطلاق بعد الدخول ولم يقسم طلاق ~~المدخول بها إلى طلاق بائن ورجعي. ومن ذلك أنه أثبت الطلقة الثالثة بعد ~~طلقتين وافتداء والافتداء الفرقة بعوض وجعلها موجبة للبينونة بغير طلاق ~~يحسب من الثلاث. وهذا الحكم معلق بهذا المسمى لم يفرق فيه بين لفظ ولفظ. ~~ومن ذلك أنه علق الكفارة بمسمى أيمان المسلمين في قوله تعالى {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} وقوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ولم يفرق بين ~~يمين ويمين من أيمان المسلمين فجعل أيمان المسلمين المنعقدة تنقسم إلى ~~مكفرة وغير مكفرة مخالف لذلك. ومن ذلك أنه علق التحريم بمسمى الخمر وبين أن ~~الخمر هي المسكر في قوله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} ~~ولم يفرق بين مسكر ومسكر. ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه ~~بمسمى السفر ولم يفرق بين مقيم ومقيم. فجعل المقيم نوعين: نوعا تجب عليه ~~الجمعة بغيره ولا تنعقد به. ونوعا تنعقد به لا أصل له. بل الواجب أن هذه ~~الأحكام لما علقها الشارع بمسمى السفر فهي # PageV24P036 # تتعلق ms7221 بكل سفر سواء كان ذلك السفر طويلا أو قصيرا ولكن ثم أمور ليست من ~~خصائص السفر بل تشرع في السفر والحضر فإن المضطر إلى أكل الميتة لم يخص ~~الله حكمه بسفر لكن الضرورة أكثر ما تقع به في السفر فهذا لا فرق فيه بين ~~الحضر والسفر الطويل والقصير فلا يجعل هذا معلقا بالسفر. وأما الجمع بين ~~الصلاتين فهل يجوز في السفر القصير؟ فيه وجهان في مذهب أحمد. (أحدهما لا ~~يجوز كمذهب الشافعي قياسا على القصر. و (الثاني يجوز كقول مالك؛ لأن ذلك ~~شرع في الحضر للمرض والمطر فصار كأكل الميتة إنما علته الحاجة لا السفر ~~وهذا هو الصواب فإن الجمع بين الصلاتين ليس معلقا بالسفر وإنما يجوز للحاجة ~~بخلاف القصر. وأما الصلاة على الراحلة فقد ثبت في الصحيح بل {استفاض عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي على راحلته في السفر قبل أي وجه ~~توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة} . وهل يسوغ ذلك في ~~الحضر؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره فإذا جوز # PageV24P037 # في الحضر ففي القصر أولى. وأما إذا منع في الحضر فالفرق بينه وبين القصر ~~والفطر يحتاج إلى دليل. # المقام الثاني: # حد السفر الذي علق الشارع به الفطر والقصر. وهذا مما اضطرب الناس فيه. ~~قيل: ثلاثة أيام. وقيل: يومين قاصدين. وقيل: أقل من ذلك. حتى قيل: ميل. ~~والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلا وقيل: ستة ~~وأربعون وقيل: خمسة وأربعون وقيل أربعون وهذه أقوال عن مالك وقد قال أبو ~~محمد المقدسي لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجها. وهو كما قال رحمه الله فإن ~~التحديد بذلك ليس ثابتا بنص ولا إجماع ولا قياس. وعامة هؤلاء يفرقون بين ~~السفر الطويل والقصير ويجعلون ذلك حدا للسفر الطويل. ومنهم من لا يسمي سفرا ~~إلا ما بلغ هذا الحد وما دون ذلك لا يسميه سفرا. فالذين قالوا: ثلاثة أيام ~~احتجوا بقوله {يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن} وقد ثبت عنه في الصحيحين ~~أنه قال ms7222 {لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم} وقد ثبت عنه ~~في الصحيحين أنه # PageV24P038 # قال {مسيرة يومين} وثبت في الصحيح {مسيرة يوم} وفي السنن " بريدا " فدل ~~على أن ذلك كله سفر وإذنه له في المسح ثلاثة أيام إنما هو تجويز لمن سافر ~~ذلك وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر كما أذن للمقيم أن يمسح يوما وليلة. وهو ~~لا يقتضي أن ذلك أقل الإقامة. والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر ~~وابن عباس. والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة حتى عن ابن عمر وابن عباس. وما ~~روي {يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان} إنما هو ~~من قول ابن عباس. ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث. وكيف يخاطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهل مكة بالتحديد وإنما أقام بعد الهجرة زمنا يسيرا وهو بالمدينة ~~لا يحد لأهلها حدا كما حده لأهل مكة وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون ~~غيرهم من المسلمين. وأيضا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة ~~مقدار مساحة الأرض وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس. ومن ذكره فإنما يخبر ~~به عن غيره تقليدا وليس هو مما يقطع به والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقدر ~~الأرض بمساحة أصلا فكيف يقدر الشارع لأمته حدا لم يجر # PageV24P039 # له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس فلا بد أن يكون مقدار السفر ~~معلوما علما عاما وذرع الأرض مما لا يمكن؛ بل هو إما متعذر وإما متعسر؛ ~~لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط مستو أو خطوط ~~منحنية انحناء مضبوطا ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق وقد ~~يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ~~ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة ~~الأرض. والموجود في كلام النبي صلى الله ms7223 عليه وسلم والصحابة في تقدير الأرض ~~بالأزمنة كقوله في الحوض {طوله شهر وعرضه شهر} وقوله {بين السماء والأرض ~~خمسمائة سنة} وفي حديث آخر {إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة} فقيل الأول ~~بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام والثاني سير البريد؛ فإنه في العادة ~~يقطع بقدر المعتاد سبع مرات. وكذلك الصحابة يقولون يوم تام ويومان؛ ولهذا ~~قال من حده بثمانية وأربعين ميلا: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام ~~لكن هذا لا دليل عليه. وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا ~~في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان سفرا في عرف الناس فهو # PageV24P040 # السفر الذي علق به الشارع الحكم وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة؛ فإن هذه ~~المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة؛ والبريد هو نصف ~~يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع مسافة يومين وليلتين وهو الذي قد يسمى ~~مسافة القصر وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه. وأما ما دون هذه ~~المسافة إن كانت مسافة القصر محدودة بالمساحة: فقد قيل يقصر في ميل. وروي ~~عن ابن عمر أنه قال: لو سافرت ميلا لقصرت. قال ابن حزم: لم نجد أحدا يقصر ~~في أقل من ميل ووجد ابن عمر وغيره يقصرون في هذا القدر ولم يحد الشارع في ~~السفر حدا فقلنا بذلك اتباعا للسنة المطلقة ولم نجد أحدا يقصر بما دون ~~الميل. ولكن هو على أصله وليس هذا إجماعا فإذا كان ظاهر النص يتناول ما دون ~~ذلك لم يضره أن لا يعرف أحدا ذهب إليه كعادته في أمثاله. وأيضا فليس في قول ~~ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ذلك. وأيضا فقد ثبت عن ابن عمر أنه كان لا ~~يقصر في يوم أو يومين فإما أن تتعارض أقواله أو تحمل على اختلاف الأحوال. ~~والكلام في مقامين: " المقام الأول " أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات # PageV24P041 # يقصر وأما إذا قيل ليست محدودة بالمسافة بل الاعتبار بما هو سفر ms7224 فمن سافر ~~ما يسمى سفرا قصر وإلا فلا. وقد يركب الرجل فرسخا يخرج به لكشف أمر وتكون ~~المسافة أميالا ويرجع في ساعة أو ساعتين ولا يسمى مسافرا وقد يكون غيره في ~~مثل تلك المسافة مسافرا بأن يسير على الإبل والأقدام سيرا لا يرجع فيه ذلك ~~اليوم إلى مكانه. والدليل على ذلك من وجوه. # أحدها أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء أهل الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة وفي ~~أيام منى وكذلك أبو بكر وعمر بعده وكان يصلي خلفهم أهل مكة ولم يأمروهم ~~بإتمام الصلاة ولا نقل أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لأهل مكة - لما صلى بالمسلمين ببطن عرنة الظهر ركعتين قصرا وجمعا: ~~ثم العصر ركعتين - يا أهل مكة أتموا صلاتكم. ولا أمرهم بتأخير صلاة العصر ~~ولا نقل أحد أن أحدا من الحجيج لا أهل مكة ولا غيرهم صلى خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلاف ما صلى بجمهور المسلمين أو نقل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو عمر قال في هذا اليوم " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " ~~فقد غلط وإنما نقل أن # PageV24P042 # النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا في جوف مكة لأهل مكة عام الفتح وقد ثبت ~~أن عمر بن الخطاب قاله لأهل مكة لما صلى في جوف مكة. ومن المعلوم أنه لو ~~كان أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعا وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وبمنى أيام ~~منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة؛ بل لو أخروا صلاة ~~العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصرا لنقل ذلك فكيف إذا أتموا الظهر ~~أربعا دون سائر المسلمين وأيضا فإنهم إذا أخذوا في إتمام الظهر والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قد شرع في العصر لكان إما أن ينتظرهم فيطيل القيام وإما أن ~~يفوتهم معه بعض العصر بل أكثرها؛ فكيف إذا كانوا يتمون الصلوات؟ وهذا حجة ~~على ms7225 كل أحد وهو على من يقول: إن أهل مكة جمعوا معه أظهر. وذلك أن العلماء ~~تنازعوا في أهل مكة هل يقصرون ويجمعون بعرفة؟ على ثلاثة أقوال. فقيل لا ~~يقصرون ولا يجمعون. وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب ~~أحمد: كالقاضي في " المجرد " وابن عقيل في " الفصول " لاعتقادهم أن ذلك ~~معلق بالسفر الطويل؛ وهذا قصير. # PageV24P043 # والثاني: أنهم يجمعون ولا يقصرون وهذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب ~~أحمد ومن أصحاب الشافعي والمنقولات عن أحمد توافق هذا؛ فإنه أجاب في غير ~~موضع بأنهم لا يقصرون. ولم يقل: لا يجمعون وهذا هو الذي رجحه أبو محمد ~~المقدسي في الجمع وأحسن في ذلك. والثالث: أنهم يجمعون ويقصرون وهذا مذهب ~~مالك وإسحاق بن راهويه وهو قول طاووس وابن عيينة وغيرهما: من السلف وقول ~~طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: كأبي الخطاب في " العبادات الخمس " وهو الذي ~~رجحه أبو محمد المقدسي وغيره من أصحاب أحمد؛ فإن أبا محمد وموافقيه رجحوا ~~الجمع للمكي بعرفة. وأما " القصر " فقال أبو محمد: الحجة مع من أباح القصر ~~لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد ~~على خلافه وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد: كان بعضهم يقصر الصلاة في ~~مسيرة بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة ~~وتدبرها. فإن من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علما يقينا أن ~~الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته ~~قصرا وجمعا ولم يفعلوا خلاف ذلك. ولم ينقل أحد قط عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا بعرفة ولا # PageV24P044 # مزدلفة ولا منى: {يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} وإنما نقل أنه ~~قال ذلك في نفس مكة كما رواه أهل السنن عنه وقوله ذلك في داخل مكة دون عرفة ~~ومزدلفة ومنى دليل على الفرق. وقد روي من جهة أهل العراق عن عمر أنه كان ~~يقول بمنى " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا ms7226 قوم سفر " وليس له إسناد. وإذا ~~ثبت ذلك فالجمع بين الصلاتين قد يقال إنه لأجل النسك كما تقوله الحنفية ~~وطائفة من أصحاب أحمد. وهو مقتضى نصه؛ فإنه يمنع المكي من القصر بعرفة ولم ~~يمنعه من الجمع وقال في جمع المسافر: إنه يجمع في الطويل كالقصر عنده وإذا ~~قيل: الجمع لأجل النسك ففيه قولان: أحدهما: لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة كما ~~تقوله الحنفية. والثاني: أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية للجمع وإن ~~لم يكن سفرا وهو مذهب الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. وقد يقال: لأن ذلك سفر ~~قصير وهو يجوز الجمع في السفر القصير كما قال هذا وهذا بعض الفقهاء من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد فإن الجمع لا يختص بالسفر والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لم # PageV24P045 # يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة ولم يجمع بمنى ولا في ذهابه وإيابه ولكن ~~جمع قبل ذلك في غزوة تبوك والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر كما قصر ~~للسفر؛ بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة ~~وكان جمع عرفة لأجل العبادة وجمع مزدلفة لأجل السير الذي جد فيه وهو سيره ~~إلى مزدلفة وكذلك كان يصنع في سفره: كان إذا جد به السير أخر الأولى إلى ~~وقت الثانية ثم ينزل فيصليهما جميعا كما فعل بمزدلفة. وليس في شريعته ما هو ~~خارج عن القياس؛ بل الجمع الذي جمعه هناك يشرع أن يفعل نظيره كما يقوله ~~الأكثرون؛ ولكن أبو حنيفة يقول هو خارج عن القياس وقد علم أن تخصيص العلة ~~إذا لم تكن لفوات شرط أو وجود مانع دل على فسادها وليس فيما جاء من عند ~~الله اختلاف ولا تناقض؛ بل حكم الشيء حكم مثله والحكم إذا ثبت بعلة ثبت ~~بنظيرها. وأما " القصر " فلا ريب أنه من خصائص السفر ولا تعلق لا بالنسك ~~ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر وعرفة عن المسجد بريد ~~كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في " أخبار مكة ". فهذا قصر في سفر ~~قدره بريد وهم ms7227 لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنما كان غاية ~~قصدهم # PageV24P046 # بريدا وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ~~ذلك من بلادهم والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر فعلم أنهم كانوا ~~مسافرين والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه يصلي أربعا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأهل مكة في مكة {أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} وهذا مذهب الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من العلماء ولكن في مذهب مالك نزاع. الدليل الثاني: أنه قد ~~نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم أو زوج: تارة يقدر. وتارة يطلق. وأقل ~~ما روي في التقدير بريد فدل ذلك على أن البريد يكون سفرا. كما أن الثلاثة ~~الأيام تكون سفرا واليومين تكون سفرا واليوم يكون سفرا. هذه الأحاديث ليس ~~لها مفهوم؛ بل نهى عن هذا وهذا وهذا. الدليل الثالث: أن السفر لم يحده ~~الشارع وليس له حد في اللغة فرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه فما كان ~~عندهم سفرا فهو سفر والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه وأقل ~~ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع في نصفها وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه ~~المسافة " الشهادة على الشهادة " و " كتاب القاضي إلى القاضي " و " العدو ~~على الخصم " و " الحضانة " وغير ذلك مما هو معروف في موضعه. وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد. فلو كانت المسافة # PageV24P047 # محدودة لكان حدها بالبريد أجود؛ لكن الصواب أن السفر ليس محددا بمسافة؛ ~~بل يختلف فيكون مسافرا في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون ~~مسافرا. الدليل الرابع: أن المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان وأقل ~~الفطر يوم ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم فيحتاج إلى الفطر في شهر ~~رمضان ويحتاج أن يقصر الصلاة؛ بخلاف ما دون ذلك فإنه قد لا يحتاج فيه إلى ~~قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال. وإذا كان غدوه يوما ~~ورواحه يوما فإنه يحتاج إلى القصر ms7228 والفطر وهذا قد يقتضي أنه قد يرخص له أن ~~يقصر ويفطر في بريد وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافرا. ~~الدليل الخامس: أنه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها ~~بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب ألا يكون لها حد بل كل ما يسمى سفرا ~~يشرع [فيه ذلك] (1) . وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أن في ~~الأسفار ما قد يكون بريدا وأدنى ما يسمى سفرا في كلام الشارع البريد. وأما ~~ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين {عن النبي PageV24P048 # صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكبا وماشيا} ~~ولا ريب أن أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة ولم يقصر الصلاة هو ولا هم وقد كانوا يأتون الجمعة من ~~نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد ~~يسمع من فرسخ وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من ~~المدينة وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى {وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} وقال: {ما كان ~~لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} . وأما ما نقل ~~عن ابن عمر فينظر فيه هل هو ثابت أم لا؟ فإن ثبت فالرواية عنه مختلفة وقد ~~خالفه غيره من الصحابة ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلا ولا ريب أن ~~قباء من المدينة أكثر من ميل وما كان ابن عمر ولا غيره يقصرون الصلاة إذا ~~ذهبوا إلى قباء. فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة وعدم قصر أهل المدينة الصلاة ~~إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق. والله أعلم. والصلاة على ~~الراحلة إذا كانت مختصة بالسفر لا تفعل إلا فيما يسمى سفرا؛ ولهذا لم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في # PageV24P049 # خروجه إلى مسجد قباء ms7229 مع أنه كان يذهب إليه راكبا وماشيا ولا كان المسلمون ~~الداخلون من العوالي يفعلون ذلك؛ وهذا لأن هذه المسافة قريبة كالمسافة في ~~المصر. واسم " المدينة " يتناول المساكن كلها فلم يكن هناك إلا أهل المدينة ~~والأعراب كما دل عليه القرآن فمن لم يكن من الأعراب كان من أهل المدينة ~~وحينئذ فيكون مسيره إلى قباء كأنه في المدينة فلو سوغ ذلك سوغت الصلاة في ~~المصر على الراحلة وإلا فلا فرق بينهما. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي بأصحابه جمعا وقصرا لم يكن يأمر ~~أحدا منهم بنية الجمع والقصر؛ بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من ~~غير جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ~~ثم صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع وهذا جمع تقديم. وكذلك لما خرج من ~~المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر وفي الصحيح: ~~أنه {لما صلى إحدى صلاتي العشي وسلم من اثنتين قال له ذو اليدين أقصرت ~~الصلاة أم نسيت قال: لم أنس ولم تقصر قال: بلى قد نسيت قال: أكما يقول ذو ~~اليدين؟ قالوا: نعم فأتم الصلاة} ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا نووه لبين ~~ذلك ولكانوا يعلمون ذلك. والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط ~~النية في جمع ولا # PageV24P050 # قصر؛ ولكن ذكره طائفة من أصحابه كالخرقي والقاضي. وأما أبو بكر عبد ~~العزيز وغيره فقالوا: إنما يوافق مطلق نصوصه. وقالوا لا يشترط للجمع ولا ~~للقصر نية وهو قول الجمهور من العلماء: كمالك وأبي حنيفة وغيرهما؛ بل قد نص ~~أحمد على أن المسافر له أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز ~~له الجمع كما نقله عنه أبو طالب والمروذي وذكر ذلك القاضي في " الجامع ~~الكبير " فعلم أنه لا يشترط في الجمع نية. # ولا تشترط أيضا " المقارنة " فإنه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب ~~الشفق وعلله بأنه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض ms7230 لأن مذهبه ~~المتواتر عنه أن المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها ~~عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصليا لها في وقت المغرب بل في ~~وقتها الخاص. وأما في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال: لأن ~~الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أن الأحمر قد غاب ولم يغب فإذا غاب البياض ~~تيقن مغيب الحمرة. فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في ~~الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض. فهذا مذهبه المتواتر من ~~نصوصه الكثيرة. # PageV24P051 # وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر. ~~وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء ~~المسلمين: أن الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر. وأحمد قد علل الفرق. ~~فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه. وقد حكى بعضهم رواية عنه ~~أن الشفق مطلق البياض. وما أظن هذا إلا غلطا عليه. وإذا كان مذهبه أن أول ~~الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء - وهو يجوز للمسافر ~~أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع - علم أنه ~~صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنه حينئذ لا يجوز التعليل بجواز ~~الجمع. الثاني: أن ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت ~~وإن لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ~~ومذهب غيره وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب - ~~حيث يجوز له الجمع - جاز ذلك وقد نص أيضا على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى ~~صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس. وهذا نص منه على أن الجمع ~~هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب ~~الفصل وهو خلاف النص؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV24P052 # لما صلى بهم بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا لم ms7231 ينقل أنه أمرهم ابتداء ~~بالنية ولا السلف بعده. وهذا قول الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وغيرهما وهو في ~~القصر مبني على فرض المسافر. فصارت الأقوال للعلماء في اقتران الفعل ثلاثة. # أحدها: أنه لا يجب الاقتران لا في وقت الأولى ولا الثانية كما قد نص عليه ~~أحمد كما ذكرناه في السفر وجمع المطر. # والثاني: أنه يجب الاقتران في وقت الأولى دون الثانية وهذا هو المشهور ~~عند أكثر أصحابه المتأخرين وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ فإن كان الجمع في وقت ~~الأولى اشترط الجمع وإن كان في وقت الآخرة فإنه يصلي الأولى في وقت الثانية ~~وأما الثانية فيصليها في وقتها فتصح صلاته لها وإن أخرها ولا يأثم ~~بالتأخير. وعلى هذا تشترط الموالاة في وقت الأولى دون الثانية. # والثالث: تشترط الموالاة في الموضعين كما يشترط الترتيب وهذا وجه في مذهب ~~الشافعي وأحمد ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأولى وأخر الثانية أثم وإن كانت ~~وقعت صحيحة؛ لأنه لم يكن له إذا أخر الأولى إلا أن يصلي الثانية معها فإذا ~~لم يفعل ذلك كان بمنزلة # PageV24P053 # أخرها إلى وقت الضرورة ويكون قد صلاها في وقتها مع الإثم. والصحيح أنه لا ~~تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية؛ فإنه ليس لذلك ~~حد في الشرع ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة وهو شبيه بقول من حمل الجمع ~~على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ويحرم بالثانية في ~~أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ~~ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من ~~الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك ألا يطيلها وإن كان ~~بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له ~~أن يطيلها أو أن ينتظر أحدا ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في ~~أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علما وعملا ms7232 ~~وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعا للحرج عن الأمة ~~فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة. فعلم أنه كان صلى ~~الله عليه وسلم إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك ~~على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا ~~يسلم من الأولى إلا # PageV24P054 # قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر ~~وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا ~~يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم آلات حسابية يعرف ~~بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية والمغرب إنما يعرف آخر وقتها ~~بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض ~~والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك. وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ~~ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه ~~في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل ~~خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه ~~على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما ~~لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه فهؤلاء ~~لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل ~~وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع ~~اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون # PageV24P055 # الجمع إلا في وقتين وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا القولين ضعيف. ~~والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا والجمع جائز ~~في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة. وتارة يجمع في ~~وقت الثانية ms7233 كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره. وتارة يجمع فيما بينهما في ~~وسط الوقتين وقد يقعان معا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معا في أول وقت ~~الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا؛ وكل هذا جائز؛ لأن أصل هذه ~~المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ~~ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة. # وكذلك جمع المطر: السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد ~~هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على وجهين. وقيل إن ظاهر كلامه أنه ~~لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط مخالف للسنة والإجماع ~~القديم وصاحب هذا القول ظن أن التأخير في الجمع أفضل مطلقا؛ لأن الصلاة ~~يجوز فعلها بعد الوقت عند النوم والنسيان ولا يجوز فعلها قبل الوقت بحال بل ~~لو صلاها قبل الزوال وقبل الفجر أعادها وهذا غلط؛ فإن الجمع بمزدلفة إنما ~~المشروع فيه تأخير المغرب إلى # PageV24P056 # وقت العشاء بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين وما علمت أحدا من العلماء ~~سوغ له هناك أن يصلي العشاء في طريقه وإنما اختلفوا في المغرب هل له أن ~~يصليها في طريقه على قولين. وأما التأخير فهو كالتقديم بل صاحبه أحق بالذم ~~ومن نام عن صلاة أو نسيها فإن وقتها في حقه حين يستيقظ ويذكرها وحينئذ هو ~~مأمور بها لا وقت لها إلا ذلك فلم يصلها إلا في وقتها. وأما من صلى قبل ~~الزوال وطلوع الفجر الذي يحصل به فإن كان متعمدا فهذا فعل ما لم يؤمر به ~~وأما إن كان عاجزا عن معرفة الوقت كالمحبوس الذي لا يمكنه معرفة الوقت فهذا ~~في إجزائه قولان للعلماء وكذلك في صيامه إذا صام حيث لا يمكنه معرفة شهور ~~رمضان كالأسير إذا صام بالتحري ثم تبين له أنه قبل الوقت ففي إجزائه قولان ~~للعلماء وأما من صلى في المصر قبل الوقت غلطا فهذا لم يفعل ما أمر به وهل ~~تنعقد صلاته نفلا أو تقع باطلة؟ على وجهين في مذهب أحمد ms7234 وغيره. والمقصود أن ~~الله لم يبح لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحال كما لم يبح له أن يفعلها ~~قبل وقتها بحال فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم؛ بل ذاك بحسب الحاجة ~~والمصلحة فقد يكون هذا أفضل وقد يكون هذا أفضل وهذا مذهب جمهور العلماء وهو # PageV24P057 # ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره. ومن أطلق من أصحابه القول بتفضيل ~~أحدهما مطلقا فقد أخطأ على مذهبه. وأحاديث الجمع الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مأثورة من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ومعاذ وأبي هريرة وجابر ~~وقد تأول هذه الأحاديث من أنكر الجمع على تأخير الأولى إلى آخر وقتها ~~وتقديم الثانية إلى أول وقتها وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن الجمع كان ~~يكون في وقت الثانية وفي وقت الأولى وجاء الجمع مطلقا والمفسر يبين المطلق. ~~ففي الصحيحين من حديث سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء} وروى مالك عن نافع ~~عن ابن عمر قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به السير جمع ~~بين المغرب والعشاء} رواه مسلم وروى مسلم من حديث يحيى بن سعيد حدثنا عبيد ~~الله أخبرني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب ~~والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويذكر: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء} . قال الطحاوي: حديث ابن عمر إنما ~~فيه الجمع بعد مغيب الشفق من فعله وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~جمع بين الصلاتين # PageV24P058 # ولم يذكر كيف كان جمعه؛ وهذا إنما فيه التأخير من فعل ابن عمر لا فيما ~~رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر المثبتون ما رواه محمد بن يحيى ~~الذهلي حدثنا حماد بن مسعدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن {عبد الله بن ~~عمر أسرع السير فجمع بين المغرب والعشاء فسألت نافعا فقال: ms7235 بعد ما غاب ~~الشفق بساعة وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا جد ~~به السير} ورواه سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع: أن ابن ~~عمر استصرخ على صفية بنت أبي عبيد وهو بمكة وهي بالمدينة فأقبل فسار حتى ~~غربت الشمس وبدت النجوم فقال رجل كان يصحبه: الصلاة الصلاة فسار ابن عمر ~~فقال له سالم: الصلاة فقال: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل ~~به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين} . فسار حتى إذا غاب الشفق جمع ~~بينهما وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثا. وروى البيهقي هذين بإسناد صحيح ~~مشهور قال ورواه معمر عن أيوب وموسى بن عقبة عن {نافع وقال في الحديث: فأخر ~~المغرب بعد ذلك الشفق حتى ذهب هوي من الليل ثم نزل فصلى المغرب والعشاء ~~قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا جد به السير أو حزبه ~~أمر} . قال: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى # PageV24P059 # بن سعيد الأنصاري عن نافع فذكر أنه سار قريبا من ربع الليل ثم نزل فصلى ~~ورواه من طريق الدارقطني حدثنا ابن صاعد والنيسابوري حدثنا العباس بن ~~الوليد بن يزيد أخبرني عمر بن محمد بن زيد حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر ~~عن ابن عمر: أنه أقبل من مكة وجاءه خبر صفية بنت أبي عبيد فأسرع السير فلما ~~غابت الشمس قال له إنسان من أصحابه: الصلاة فسكت ثم سار ساعة فقال له ~~صاحبه: الصلاة فقال الذي قال له " الصلاة ": إنه ليعلم من هذا علما لا ~~أعلمه فسار حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل فأقام الصلاة وكان لا ~~ينادي لشيء من الصلاة في السفر فأقام فصلى المغرب والعشاء جميعا جمع بينهما ~~ثم قال: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين ~~المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق بساعة وكان يصلي على ظهر راحلته أين ~~توجهت به السبحة ms7236 في السفر} . ويخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يصنع ذلك. قال البيهقي: اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة ~~وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني وعمر بن محمد بن زيد: على أن جمع عبد ~~الله بن عمر بين الصلاتين بعد غيبوبة الشفق وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ ~~أحاديث نافع وذكر أن ابن جابر رواه عن نافع # PageV24P060 # ولفظه: حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد ~~توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا عجل به الأمر صنع هكذا. وقال: وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف ~~بن خالد عن نافع ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب. فقد رواه سالم ~~بن عبد الله وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ~~ذؤيب: عن ابن عمر نحو روايتهم أما حديث سالم فرواه عاصم بن محمد عن أخيه ~~عمر بن محمد عن سالم وأما حديث أسلم فأسنده من حديث ابن أبي مريم: أنا محمد ~~بن جعفر أخبرني {زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنت مع ابن عمر فبلغه عن صفية ~~شدة وجع فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة ~~جمع بينهما وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير ~~أخر المغرب وجمع بينهما} . رواه البخاري في صحيحه عن ابن أبي مريم. وأسند ~~أيضا من كتاب يعقوب بن سفيان أنا أبو صالح وابن بكير قالا حدثنا الليث قال ~~قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثني {عبد الله بن دينار وكان من صالحي ~~المسلمين صدقا ودينا قال: غابت الشمس ونحن مع عبد الله بن عمر فسرنا فلما ~~رأيناه قد أمسى قلنا له: الصلاة فسكت حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم فنزل ~~فصلى الصلاتين جميعا ثم قال: # PageV24P061 # رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير صلى صلاتي هذه يقول ~~جمع بينهما ms7237 بعد ليل} . وأما حديث إسماعيل بن عبد الرحمن فأسند من طريق ~~الشافعي وأبي نعيم عن ابن عيينة عن أبي نجيح عن {إسماعيل بن عبد الرحمن بن ~~ذؤيب قال: صحبت ابن عمر فلما غابت الشمس هبنا أن نقول له قم إلى الصلاة ~~فلما ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء نزل فصلى ثلاث ركعات وركعتين ثم التفت ~~إلينا فقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل} . وأما حديث أنس ~~ففي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ~~فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب} هذا لفظ الفعل عن عقيل عنه ~~ورواه مسلم من حديث ابن وهب: حدثني جابر بن إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن ~~أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {أنه كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر ~~إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين ~~يغيب الشفق} . ورواه مسلم من حديث شبابة: حدثنا الليث بن سعد عن عقيل عن ~~ابن شهاب عن أنس قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV24P062 # إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت ~~العصر ثم يجمع بينهما} ورواه من حديث الإسماعيلي أنا الفريابي أنا إسحاق بن ~~راهويه أنا شبابة بن سوار عن ليث عن عقيل [عن ابن شهاب] (*) عن أنس: {كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر فزالت الشمس صلى الظهر ~~والعصر جميعا ثم ارتحل} . قلت: هكذا في هذه الرواية وهي مخالفة للمشهور من ~~حديث أنس وأما حديث معاذ فمن إفراد مسلم رواه من حديث مالك وزهير بن معاوية ~~وقرة بن خالد وهذا لفظ مالك عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن ~~واثلة: أن {معاذ بن جبل أخبرهم: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms7238 فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى ~~الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء} . # قلت: الجمع على ثلاث درجات: أما إذا كان سائرا في وقت الأولى فإنما ينزل ~~في وقت الثانية. فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر ~~وهو نظير جمع مزدلفة. وأما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت ~~الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة وقد روي ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله ~~وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا: فهذا ما علمت روي ما ~~يستدل PageV24P063 # به عليه إلا حديث معاذ هذا؛ فإن ظاهره أنه كان نازلا في خيمة في السفر ~~وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل إلى بيته ثم خرج ~~فصلى المغرب والعشاء جميعا. فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل وأما ~~السائر فلا يقال دخل وخرج بل نزل وركب. وتبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ~~ومزدلفة وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة ~~هناك ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا يقدم الثانية إلى ~~أول وقتها وهذا دليل على أنه كان يجمع أحيانا في السفر وأحيانا لا يجمع وهو ~~الأغلب على أسفاره: أنه لم يكن يجمع بينهما. وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة ~~السفر كالقصر؛ بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضر فإنه قد جمع أيضا ~~في الحضر لئلا يحرج أمته. فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ذلك ~~لسيره وقت الثانية أو وقت الأولى وشق النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة ~~أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت ~~الظهر وهو تعبان سهران جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت ~~العصر # PageV24P064 # ثم يحتاج أن ms7239 يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل ~~لسفره فهذا ونحوه يباح له الجمع. # وأما النازل أياما في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان ~~يقصر لأنه مسافر فلا يجمع كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ~~ولا يأكل الميتة: فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك؛ بخلاف ~~القصر فإنه سنة صلاة السفر. والجمع في وقت الأولى كما فعله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعرفة: مأثور في السنن: مثل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ~~وغيرهما من حديث المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد عن هاشم بن سعد عن أبي ~~الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن ~~ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر وفي المغرب مثل ذلك: إن ~~غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب ~~الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم نزل فجمع بينهما} . قال الترمذي حديث ~~معاذ حديث حسن غريب. قلت: وقد رواه قتيبة عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن # PageV24P065 # أبي الطفيل؛ لكن أنكروه على قتيبة قال البيهقي تفرد به قتيبة عن الليث ~~وذكر عن البخاري قال: قلت: لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن ~~أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان ~~خالد هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. قال البيهقي: وإنما أنكروا من هذا ~~رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل. فأما رواية أبي الزبير عن أبي ~~الطفيل: فهي محفوظة صحيحة. قلت: وهذا الجمع الذي فسره هشام بن سعد عن أبي ~~الزبير والذي ذكره مالك يدخل في الجمع الذي أطلقه الثوري وغيره فمن روى عن ~~أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ms7240 ~~بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام تبوك} . وهذا الجمع الأول: ليس في ~~المشهور من حديث أنس لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس. ولم ينزل وقت ~~العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلي العصر في وقتها وقد يتصل سيره ~~إلى الغروب: فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع عرفة لما كان الوقوف متصلا ~~إلى الغروب صلى العصر مع الظهر؛ إذ كان الجمع بحسب الحاجة. وبهذا تتفق ~~أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يفرق ~~بين متماثلين ولم ينقل أحد عنه: أنه جمع بمنى # PageV24P066 # ولا بمكة عام الفتح ولا في حجة الوداع؛ مع أنه أقام بها بضعة عشر يوما ~~يقصر الصلاة ولم يقل أحد: أنه جمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة فعلم أنه لم ~~يكن جمعه لقصره. وقد روي الجمع في وقت الأولى في المصر من حديث ابن عباس ~~أيضا موافقة لحديث معاذ: ذكره أبو داود فقال: وروى هشام بن عروة عن حسين بن ~~عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث الفضل. ~~قلت: هذا الحديث معروف عن حسين وحسين هذا ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به ولا ~~يعتمد عليه وحده: فقد تكلم فيه علي بن المديني والنسائي. ورواه البيهقي من ~~حديث عثمان بن عمر عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا زالت الشمس وهو ~~في منزله جمع بين الظهر والعصر وإذا لم تزل حتى يرتحل سار حتى إذا دخل وقت ~~العصر نزل فجمع الظهر والعصر وإذا غابت الشمس وهو في منزله جمع بين المغرب ~~والعشاء وإذا لم تغب حتى يرتحل سار حتى إذا أتت العتمة نزل فجمع بين المغرب ~~والعشاء} قال البيهقي ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني حسين عن كريب ~~وكان حسين سمعه منهما جميعا واستشهد على ذلك برواية عبد الرزاق عن ابن جريج ~~وهي معروفة ms7241 وقد رواها الدارقطني وغيره # PageV24P067 # وهي من كتب عبد الرزاق. قال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني حسين بن عبد ~~الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وعن كريب عن ابن عباس: أن ابن عباس ~~قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ قلنا بلى. ~~قال: {كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب ~~وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر ~~وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ~~ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما} . قال الدارقطني ورواه عبد ~~المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن حسين عن كريب. فاحتمل ~~أن يكون ابن جريج سمعه أولا من هشام بن عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه ~~ثم لقي ابن جريج حسينا فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج. قال ~~البيهقي: وروي عن محمد بن عجلان ويزيد بن الهادي وأبي رويس المدني عن حسين ~~بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس. وهو بما تقدم من شواهده يقوى؛ وذكر ما ~~ذكره البخاري تعليقا: حديث إبراهيم بن طهمان. عن الحسين عن يحيى بن أبي ~~كثير عن عكرمة عن ابن عباس: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين ~~الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر مسيره وجمع بين المغرب والعشاء} . ~~أخرجه البخاري في صحيحه فقال: وقال # PageV24P068 # إبراهيم بن طهمان فذكره. قلت قوله: {على ظهر مسيره} قد يراد به على ظهر ~~سيره في وقت الأولى وهذا مما لا ريب فيه ويدخل فيه ما إذا كان على ظهر سيره ~~في وقت الثانية كما جاء صريحا عن ابن عباس. قال البيهقي: وقد روى أيوب عن ~~أبي قلابة عن ابن عباس لا نعلمه إلا مرفوعا بمعنى رواية الحسين وذكر ما ~~رواه إسماعيل بن إسحاق ثنا سليمان بن حرب ms7242 ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي ~~قلابة عن ابن عباس ولا أعلمه إلا مرفوعا وإلا فهو عن ابن عباس " أنه كان ~~إذا نزل منزلا في السفر فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر ~~" قال إسماعيل حدثنا عارم حدثنا حماد فذكره. قال عارم هكذا حدث به حماد ~~قال: " كان إذا سافر فنزل منزلا فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر ~~والعصر " ورواه حماد بن سلمة عن أيوب من قول ابن عباس قال إسماعيل ثنا حجاج ~~عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال: إذا كنتم سائرين ~~فنبا بكم المنزل فسيروا حتى تصيبوا تجمعون بينهما وإن كنتم نزولا فعجل بكم ~~أمر فاجمعوا بينهما ثم ارتحلوا. قلت: فحديث ابن عباس في الجمع بالمدينة ~~صحيح من مشاهير الصحاح كما سيأتي إن شاء الله. # PageV24P069 # وأما حديث جابر ففي سنن أبي داود وغيره من حديث عبد العزيز بن محمد عن ~~أبي الزبير عن جابر: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غابت له الشمس بمكة ~~فجمع بينهما بسرف} . قال البيهقي ورواه من حديث الحماني عن عبد العزيز ~~ورواه الأجلح عن أبي الزبير كذلك قال أبو داود: حدثنا محمد بن هشام جار ~~أحمد بن حنبل حدثنا جعفر بن عون. عن هشام بن سعد قال بينهما عشرة أميال ~~يعني بين مكة وسرف. قلت: عشرة أميال ثلاثة فراسخ وثلث والبريد أربعة فراسخ ~~وهذه المسافة لا تقطع في السير الحثيث حتى يغيب الشفق فإن الناس يسيرون من ~~عرفة عقب المغرب ولا يصلون إلى جمع إلا وقد غاب الشفق ومن عرفة إلى مكة ~~بريد فجمع دون هذه المسافة وهم لا يصلون إليها إلا بعد غروب الشفق فكيف ~~بسرف وهذا يوافق حديث ابن عمر وأنس وابن عباس: أنه إذا كان سائرا أخر ~~المغرب إلى أن يغرب الشفق ثم يصليهما جميعا. قال البيهقي: والجمع بين ~~الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة ~~والتابعين مع الثابت عن رسول الله صلى الله ms7243 عليه وسلم ثم عن أصحابه ثم ما ~~أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم بالمزدلفة: وذكر ما رواه البخاري ~~من حديث سعيد # PageV24P070 # عن الزهري: أخبرني سالم عن {عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها ~~وبين العشاء} . قال سالم: وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك إذا أعجله السير ~~في السفر يقيم صلاة المغرب فيصليها ثلاثا ثم يسلم ثم قلما يلبث حتى يقيم ~~صلاة العشاء ويصليها ركعتين ثم يسلم ولا يسبح بينهما بركعة ولا يسبح بعد ~~العشاء بسجدة حتى يقوم من جوف الليل. وروى مالك عن يحيى بن سعيد: أنه قال ~~لسالم بن عبد الله بن عمر: ما أشد ما رأيت أباك عبد الله بن عمر أخر المغرب ~~في السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش فصلاها بالعقيق. قال البيهقي: ~~رواه الثوري عن يحيى بن سعيد وزاد فيه: ثمانية أميال ورواه ابن جريج عن ~~يحيى بن سعيد وزاد فيه قال قلت: أي ساعة تلك؟ قال: قد ذهب ثلث الليل أو ~~ربعه. قال ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع قال: فسار أميالا ~~ثم نزل فصلى. قال يحيى: وذكر لي نافع هذا الحديث مرة أخرى فقال: سار قريبا ~~من ربع الليل ثم نزل فصلى. وروى من مصنف سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ~~جابر بن # PageV24P071 # زيد عن ابن عباس: أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر ويقول: هي سنة. ومن ~~حديث علي بن عاصم: أخبرني الجريري وسلمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال: ~~كان سعيد بن زيد وأسامة بن زيد إذا عجل بهما السير جمعا بين الظهر والعصر ~~وبين المغرب والعشاء. وروينا في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وروي ~~عن عمر وعثمان. وذكر ما ذكره مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: سألت ~~سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم ms7244 لا بأس ~~بذلك ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة؟ وذكر في كتاب يعقوب بن سفيان ثنا عبد ~~الملك بن أبي سلمة ثنا الدراوردي عن زيد بن أسلم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ~~ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد في أمثال لهم خرجوا إلى الوليد وكان أرسل ~~إليهم يستفتيهم في شيء فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس. ~~قلت: فهذا استدلال من السلف بجمع عرفة على نظيره وأن الحكم ليس مختصا وهو ~~جمع تقديم للحاجة في السفر. # وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره فقد روى مسلم وغيره من حديث أبي ~~الزبير عن سعيد بن جبير {عن ابن عباس أنه قال: صلى # PageV24P072 # رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا ~~من غير خوف ولا سفر} . وممن رواه عن أبي الزبير مالك في موطئه وقال: أظن ~~ذلك كان في مطر. قال البيهقي: وكذلك رواه زهير بن معاوية وحماد بن سلمة عن ~~أبي الزبير " في غير خوف ولا سفر " إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء ~~وقالا " بالمدينة " ورواه أيضا ابن عيينة وهشام بن سعد عن أبي الزبير بمعنى ~~رواية مالك وساق البيهقي طرقها وحديث زهير رواه مسلم في صحيحه: ثنا أبو ~~الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: {صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر} . قال أبو الزبير: ~~فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟ قال سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد ألا يحرج ~~أحدا من أمته. قال وقد خالفهم قرة في الحديث فقال: " في سفرة سافرها إلى ~~تبوك ". وقد رواه مسلم من حديث قرة عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: {جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرها في غزوة تبوك ~~فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء} . فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك؟ ~~قال أراد أن لا يحرج أمته. قال البيهقي: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير عن ~~أبي الطفيل ms7245 # PageV24P073 # عن معاذ فهذا لفظ حديثه وروى سعيد بن جبير الحديثين جميعا فسمع قرة ~~أحدهما ومن تقدم ذكره الآخر. قال: وهذا أشبه: فقد روى قرة حديث أبي الطفيل ~~أيضا. قلت: وكذا رواه مسلم فروي هذا المتن من حديث معاذ ومن حديث ابن عباس ~~فإن قرة ثقة حافظ. وقد روى الطحاوي حديث قرة عن أبي الزبير فجعله مثل حديث ~~مالك عن أبي الزبير حديث أبي الطفيل وحديثه هذا عن سعيد. فدل ذلك على أن ~~أبا الزبير حدث بهذا وبهذا. قال البيهقي: ورواه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد ~~بن جبير فخالف أبا الزبير في متنه وذكره من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ~~ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: {جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر} قيل له: ~~فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وفي رواية وكيع قال سعيد: قلت ~~لابن عباس: لم فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال كيلا يحرج أمته. ~~ورواه مسلم في صحيحه. قال البيهقي ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبي ~~ثابت من شرطه ولعله إنما أعرض عنه - والله أعلم - لما فيه من الاختلاف على ~~سعيد بن جبير. قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن # PageV24P074 # تكون محفوظة فقد رواه عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس بقريب من ~~معنى رواية مالك عن أبي الزبير. قلت: تقديم رواية أبي الزبير على رواية ~~حبيب بن أبي ثابت لا وجه له فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال الصحيحين فهو أحق ~~بالتقديم من أبي الزبير وأبو الزبير من أفراد مسلم وأيضا فأبو الزبير اختلف ~~عنه عن سعيد بن جبير في المتن: تارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة ~~موافقة لحديث أبي الزبير عن أبي الطفيل وتارة يجعل ذلك في المدينة كما رواه ~~الأكثرون عنه عن سعيد. فهذا أبو الزبير قد روي عنه ثلاثة أحاديث: حديث ms7246 أبي ~~الطفيل عن معاذ في جمع السفر وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. وحديث ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة. ثم قد جعلوا هذا كله ~~صحيحا. لأن أبا الزبير حافظ فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضا ثابتا ~~عن سعيد بن جبير وحبيب أوثق من أبي الزبير؟ وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة ~~تدل على ما رواه حبيب؛ فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر. ~~وأيضا فقوله " بالمدينة " يدل على أنه لم يكن في السفر فقوله: {جمع ~~بالمدينة في غير خوف ولا مطر} أولى بأن يقال: من غير خوف ولا سفر ومن قال: ~~" أظنه في المطر " فظن ظنه ليس هو في الحديث بل مع # PageV24P075 # حفظ الرواة فالجمع صحيح قال {من غير خوف ولا مطر} وقال " ولا سفر " ~~والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا. وبهذا استدل أحمد به على ~~الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه ~~الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل ~~بدون الخوف والمطر والسفر فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع والجمع لها أولى ~~من الجمع لغيرها. ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان ~~الجمع للمطر أولى بالجواز - بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير ~~بن الخريت عن {عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى ~~غربت الشمس وبدت النجوم فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاء رجل من ~~بني تيم لا يفتر: الصلاة الصلاة فقال أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم: قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء} ~~قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته ~~فصدق مقالته. ورواه مسلم أيضا من حديث عمران بن حدير {عن ابن شقيق قال: قال ~~رجل لابن عباس: الصلاة فسكت: ثم ms7247 قال الصلاة # PageV24P076 # فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر وقد ~~استدل بما رواه على ما فعله فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر ولكن ~~كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ~~ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز ~~فيها الجمع فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا ~~مطر بل للحاجة تعرض له كما قال: " أراد أن لا يحرج أمته " ومعلوم أن جمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضا ~~فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق ولجمع بمكة كما كان يقصر بها ولجمع ~~لما خرج من مكة إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولم ~~يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى بل يصلي كل صلاة ~~ركعتين غير المغرب ويصليها في وقتها ولا جمعه أيضا كان للنسك فإنه لو كان ~~كذلك لجمع من حين أحرم فإنه من حينئذ صار محرما فعلم أن جمعه المتواتر ~~بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر فهكذا ~~جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس وإنما # PageV24P077 # كان الجمع لرفع الحرج عن أمته فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا. قال ~~البيهقي: ليس في رواية ابن شقيق عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه ~~نفي المطر ولا نفي السفر فهو محمول على أحدهما. أو على ما أوله عمرو بن ~~دينار وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل. فيقال: يا سبحان الله ابن ~~عباس كان يخطب بهم بالبصرة فلم يكن مسافرا ولم يكن هناك مطر وهو ذكر جمعا ~~يحتج به على مثل ما فعله فلو كان ذلك لسفر أو مطر كان ابن عباس أجل قدرا ms7248 من ~~أن يحتج على جمعه بجمع المطر أو السفر. وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عنه أن ~~هذا الجمع كان بالمدينة فكيف يقال لم ينف السفر؟ وحبيب بن أبي ثابت من أوثق ~~الناس وقد روي عن سعيد أنه قال: {من غير خوف ولا مطر} وأما قوله: إن ~~البخاري لم يخرجه فيقال: هذا من أضعف الحجج فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير ~~وليس كل من كان من شرطه يخرجه. وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي ~~الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير فإنه ذكر ما أخرجاه في الصحيحين من حديث ~~حماد # PageV24P078 # ابن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس: {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء} ~~. وفي رواية البخاري عن حماد بن زيد فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ فقال ~~عسى. فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو فالظن ليس من مالك. وسبب ذلك أن اللفظ ~~الذي سمعوه لا ينفي المطر فجوزوا أن يكون هو المراد ولو سمعوا رواية حبيب ~~بن أبي ثابت الثقة الثبت لم يظنوا هذا الظن ثم رواية ابن عباس هذه حكاية ~~فعل مطلق لم ذكر فيها نفي خوف ولا مطر فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده ~~بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة ليس مقصوده تعيين سبب واحد فمن قال ~~إنما أراد جمع المطر وحده فقد غلط عليه ثم عمرو بن دينار تارة يجوز أن يكون ~~للمطر موافقة لأيوب وتارة يقول هو وأبو الشعثاء أنه كان جمعا في الوقتين ~~كما في الصحيحين عن ابن عيينة عن {عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: ~~سمعت ابن عباس يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا ~~وسبعا جميعا قال: قلت: يا أبا الشعثاء أراه أخر الظهر وعجل العصر وأخر ~~المغرب وعجل العشاء قال: وأنا أظن ذلك} . فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن ~~عباس كان أفقه وأعلم # PageV24P079 # من أن يحتاج - إذا كان قد ms7249 صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة ~~جوازه - أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلا على ذلك. وأن يقول: أراد بذلك ألا ~~يحرج أمته. وقد علم أن الصلاة في الوقتين قد شرعت بأحاديث المواقيت. وابن ~~عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت {وإمامة جبريل له عند البيت. وقد صلى ~~الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله وصلى العصر حين صار ظل كل ~~شيء مثليه} . فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمع على هذا الوجه فأي ~~غرابة في هذا المعنى ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين ~~في آخر الوقت وقال {الوقت ما بين هذين} فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت ~~أولى بالجواز. وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فعل ذلك كيلا يحرج أمته والوقت ~~المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه وكيف يحتج على من ~~أنكر عليه التأخير لو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى في الوقت ~~المختص بهذا الفعل وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق ~~وحدها وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا؟ وإنما قصد ابن ~~عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع ~~أوسع منه في غيره. وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة. ثم ابن عباس قد ثبت عنه # PageV24P080 # في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر. وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين ~~الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره. وقد تقدم ذلك مفصلا. فعلم أن ~~لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما وأما الجمع في ~~الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ~~ليس كذلك؟ وأيضا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة ~~فسألته فصدق مقالته. أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر ~~الوقت؟ وأن العصر لا يجوز ms7250 تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل ~~الناس علما حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي ~~هريرة أو غيره حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه. ~~وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصة وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر ~~وقتها: فالحديث حجة عليهم كيفما كان وجواز تأخيرها ليس معلقا بالجمع بل ~~يجوز تأخيرها مطلقا إلى آخر الوقت حين يؤخر العشاء أيضا وهكذا فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين بين أحاديث المواقيت وهكذا في الحديث الصحيح {وقت ~~المغرب ما لم يغب نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل} كما قال: {وقت ~~الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما لم تصفر الشمس} فهذا # PageV24P081 # الوقت المختص الذي بينه بقوله وفعله وقال: {الوقت ما بين هذين} ليس له ~~اختصاص بالجمع ولا تعلق به. ولو قال قائل: قوله جمع بينهما بالمدينة من غير ~~خوف ولا سفر المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين ~~لم يكن بينه وبينهم فرق. فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره ~~كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟ وأيضا فقد ثبت هذا من غير ~~حديث ابن عباس ورواه الطحاوي حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود وعمران ~~بن موسى قال: أنا الربيع بن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: {جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف ولا علة} لكن ~~ينظر حال هذا الأشناني. وجمع المطر عن الصحابة فما ذكره مالك عن نافع أن ~~عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع ~~معهم في ليلة المطر قال البيهقي: ورواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق ~~وروى الشافعي في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد عن معاذ بن ~~عبد الله بن ms7251 خبيب أن ابن عباس جمع بينهما في # PageV24P082 # المطر قبل الشفق [وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني بالإسناد الثابت عن ~~هشام بن عروة وسعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: ~~كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ~~ولا ينكر ذلك] (*) . وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان ~~يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر وأن سعيد بن المسيب وعروة بن ~~الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ~~ينكرون ذلك. فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول ~~به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين مع أنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة ~~والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك لكن لا يدل على ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع إلا للمطر؛ بل إذا جمع لسبب هو دون ~~المطر مع جمعه أيضا للمطر كان قد جمع من غير خوف ولا مطر كما أنه إذا جمع ~~في السفر وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر فقول ~~ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيا منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات ~~منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضا. ولو لم ينقل أنه جمع بها ~~فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى فيدل ذلك على الجمع ~~للخوف والمطر وقد جمع بعرفة PageV24P083 # مزدلفة من غير خوف ولا مطر. فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت ~~الواحد لرفع الحرج عن أمته فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله ~~عن الأمة وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق ~~الأولى والأحرى ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج ~~كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجمع ~~بين الصلاتين من غير عذر ms7252 من الكبائر وروى الثوري في جامعه عن سعيد عن قتادة ~~عن أبي العالية عن عمر. ورواه يحيى بن سعد عن يحيى بن صبح: حدثني حميد بن ~~هلال عن أبي قتادة يعني العدوي: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل له: ثلاث من ~~الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر والفرار من الزحف والنهب. قال ~~البيهقي: أبو قتادة أدرك عمر فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم ~~إلى الأول صار قويا. وهذا اللفظ يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر ~~عذرا من عذر. قال البيهقي: وقد روي فيه حديث موصول عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إسناده من لا يحتج به وهو من رواية سلمان التيمي عن حنش الصنعائي ~~عن عكرمة عن ابن عباس. اه # PageV24P084 # فصل: # في تمام الكلام في القصر وسبب إتمام عثمان الصلاة بمنى. وقد تقدم فيها ~~بعض أقوال الناس والقولان الأولان مرويان عن الزهري وقد ذكرهما أحمد روى ~~عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعا لأنه قد ~~عزم على المقام بعد الحج ورجح الطحاوي هذا الوجه مع أنه ذكر الوجهين ~~الآخرين فذكر ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن الزهري قال: إنما صلى عثمان ~~بمنى أربعا لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة ~~أربع. قال الطحاوي: فهذا يخبر أنه فعل ما فعل ليعلم الأعراب به أن الصلاة ~~أربعا. فقد يحتمل أن يكون لما أراد أن يريهم ذلك نوى الإقامة فصار مقيما ~~فرضه أربع فصلى بهم أربعا. للسبب الذي حكاه معمر عن الزهري. ويحتمل أن يكون ~~فعل ذلك وهو مسافر لتلك العلة قال: والتأويل الأول أشبه عندنا؛ لأن الأعراب ~~كانوا بالصلاة وأحكامها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجهل منهم بها ~~وبحكمها في زمن عثمان وهم بأمر الجاهلية حينئذ أحدث عهدا إذ كانوا في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلم بفرض الصلوات أحوج منهم إلى ذلك في ~~زمن ms7253 عثمان فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV24P085 # لم يتم الصلاة لتلك العلة ولكنه قصرها ليصلوا معه صلاة السفر على حكمها ~~ويعلمهم صلاة الإقامة على حكمها: كان عثمان أحرى ألا يتم بهم الصلاة لتلك ~~العلة. قال الطحاوي: وقد قال آخرون: إنما أتم الصلاة لأنه كان يذهب إلى أنه ~~لا يقصرها إلا من حل وارتحل. واحتجوا بما رواه عن حماد بن سلمة عن قتادة ~~قال: قال عثمان بن عفان: إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل ~~وروي بإسناده المعروف عن سعيد بن أبي عروبة. وقد رواه غيره بإسناد صحيح عن ~~[عثمان بن سعد] (1) عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: عن عياش بن عبد الله بن ~~أبي ربيعة أن عثمان بن عفان كتب إلى عماله: ألا لا يصلين الركعتين جاب [ولا ~~تان] (2) ولا تاجر إنما يصلي الركعتين من كان معه الزاد والمزاد. وروي أيضا ~~من طريق حماد بن سلمة: أن أيوب السختياني أخبرهم عن أبي قلابة الجرمي عن ~~عمه أبي المهلب قال: كتب عثمان: أنه قال بلغني أن قوما يخرجون إما لتجارة ~~وإما لجباية وإما [لجريم] (3) ثم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان ~~شاخصا أو بحضرة عدو. قال ابن حزم: وهذان الإسنادان في غاية الصحة. قال ~~الطحاوي: قالوا: وكان مذهب عثمان أن لا يقصر الصلاة إلا من يحتاج إلى حمل ~~الزاد والمزاد ومن كان شاخصا فأما من كان PageV24P086 # في مصر يستغني به عن حمل الزاد والمزاد فإنه يتم الصلاة. قالوا: ولهذا ~~أتم عثمان بمنى لأن أهلها في ذلك الوقت كثروا حتى صارت مصرا يستغني من حل ~~به عن حمل الزاد والمزاد. قال الطحاوي: وهذا المذهب عندنا فاسد؛ لأن منى لم ~~تصر في زمن عثمان أعمر من مكة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بها ركعتين ثم صلى بها أبو بكر بعده ~~كذلك ثم صلى بها عمر بعد أبي بكر كذلك فإذا كانت مع عدم احتياج من ms7254 حل بها ~~إلى حمل الزاد والمزاد تقصر فيها الصلاة: فما دونها من المواطن أحرى أن ~~يكون كذلك. قال فقد انتفت هذه المذاهب كلها لفسادها عن عثمان أن يكون من ~~أجل شيء منها قصر الصلاة غير المذهب الأول الذي حكاه معمر عن الزهري فإنه ~~يحتمل أن يكون من أجلها أتمها وفي الحديث أن إتمامه كان لنيته الإقامة على ~~ما روينا فيه وعلى ما كشفنا من معناه. قلت: الطحاوي مقصوده أن يجعل ما فعله ~~عثمان موافقا لأصله وهذا غير ممكن؛ فإن عثمان من المهاجرين والمهاجرون كان ~~يحرم عليهم المقام بمكة ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لهم إذا قدموا ~~مكة للعمرة أن يقيموا بها أكثر من ثلاث بعد قضاء العمرة كما في الصحيحين عن ~~العلاء بن الحضرمي: {أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV24P087 # رخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثا} ولهذا لما توفي ابن عمر بها ~~أمر أن يدفن بالحل ولا يدفن بها. وفي الصحيحين أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما عاد سعد بن أبي وقاص وقد كان مرض في حجة الوداع خاف سعد أن يموت ~~بمكة فقال يا رسول الله: أخلف عن هجرتي؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه لا يموت بها. وقال: إنك لن تموت حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون لكن ~~البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة} . ~~ومن المعروف عن عثمان أنه كان إذا اعتمر ينيخ راحلته فيعتمر ثم يركب عليها ~~راجعا فكيف يقال: إنه نوى المقام بمكة؟ ثم هذا من الكذب الظاهر فإن عثمان ~~ما أقام بمكة قط بل كان إذا حج يرجع إلى المدينة. وقد حمل الشافعي وأصحابه ~~وطائفة من متأخري أصحاب أحمد كالقاضي وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم فعل ~~عثمان على قولهم فقالوا: لما كان المسافر مخيرا بين الإتمام والقصر كان كل ~~منهما جائزا وفعل عثمان هذا لأن القصر جائز والإتمام جائز وكذلك حملوا فعل ~~عائشة. واستدلوا بما رووه من جهتها وذكر ms7255 البيهقي قول من قال: أتمها لأجل ~~الأعراب (ورواه من سنن أبي داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد عن أيوب عن ~~الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة # PageV24P088 # بمنى من أجل الأعراب لأنهم كثروا [عامئذ] (1) فصلى بالناس أربعا ليعلمهم ~~أن الصلاة أربع. وروى البيهقي من حديث [موسى] (2) بن إسحاق القاضي: ثنا ~~[يعقوب بن حميد] (3) ثنا سليمان بن سالم مولى عبد الرحمن بن حميد عن عبد ~~الرحمن بن حميد عن أبيه عن عثمان بن عفان: أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب ~~الناس فقال: أيها الناس إن السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة ~~صاحبيه ولكنه حدث [طغام] (4) من الناس فخفت أن [يستنوا] (5)) قال البيهقي: ~~وقد قيل غير هذا والأشبه أن يكون رآه رخصة فرأى الإتمام جائزا كما رأته ~~عائشة. قلت: وهذا بعيد فإن عدول عثمان عما داوم عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخليفتاه بعده مع أنه أهون عليه وعلى المسلمين ومع ما علم من حلم ~~عثمان واختياره له ولرعيته أسهل الأمور وبعده عن التشديد والتغليظ: لا ~~يناسب أن يفعل الأمر الأثقل الأشد مع ترك ما داوم عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخليفتاه بعده ومع رغبة عثمان في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وخليفتيه بعده لمجرد كون هذا المفضول جائزا إن لم ير أن في فعل ذلك ~~مصلحة راجحة بعثته على أن يفعله وهب أن له أن يصلي أربعا فكيف يلزم بذلك من ~~يصلي خلفه فإنهم إذا ائتموا به صلوا بصلاته PageV24P089 # فيلزم المسلمين بالفعل الأثقل مع خلاف السنة لمجرد كون ذلك جائزا وكذلك ~~عائشة وقد وافق عثمان على ذلك غيره من السلف أمراؤهم وغير أمرائهم وكانوا ~~يتمون وأئمة الصحابة لا يختارون ذلك كما روى مالك عن الزهري: أن رجلا أخبره ~~عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانا جميعا في ~~سفر وكان سعد بن أبي وقاص يقصر الصلاة ويفطر وكانا يتمان الصلاة ويصومان ~~فقيل لسعد: نراك تقصر من الصلاة وتفطر ms7256 ويتمان فقال سعد: نحن أعلم. وروى ~~شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال كنا مع سعد بن أبي ~~وقاص في قرية من قرى الشام فكان يصلي ركعتين فنصلي نحن أربعا فنسأله عن ذلك ~~فيقول سعد: نحن أعلم. وروى مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان ~~قال: جاء عبد الله بن عمر يعود عبد الله بن صفوان فصلى بنا ركعتين ثم انصرف ~~فأتممنا لأنفسنا. قلت: عبد الله بن صفوان كان مقيما بمكة فلهذا أتموا خلف ~~ابن عمر. وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعا ~~وإذا صلى لنفسه صلى ركعتين. قال البيهقي: والأشبه أن يكون عثمان رأى القصر ~~رخصة فرأى الإتمام جائزا كما رأته عائشة. قال: وقد روي ذلك عن غير واحد من ~~الصحابة مع اختيارهم القصر ثم # PageV24P090 # روى الحديث المعروف من رواية عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي ~~عن أبي ليلى قال أقبل سلمان في اثني عشر راكبا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحضرت الصلاة فقالوا: تقدم يا أبا عبد الله فقال: إنا لا نؤمكم ~~ولا ننكح نساءكم؛ إن الله هدانا بكم قال: فتقدم رجل من القوم فصلى بهم ~~أربعا قال: فقال سلمان ما لنا ولا لمربعة إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن ~~إلى الرخصة أحوج. قال: فبين سلمان بمشهد هؤلاء الصحابة أن القصر رخصة. قلت: ~~هذه القضية كانت في خلافة [عثمان] (*) وسلمان قد أنكر التربيع وذلك أنه كان ~~خلاف السنة المعروفة عندهم فإنه لم تكن الأئمة يربعون في السفر وقوله: ونحن ~~إلى الرخصة أحوج. يبين أنها رخصة وهي رخصة مأمور بها كما أن أكل الميتة في ~~المخمصة رخصة وهي مأمور بها وفطر المريض رخصة وهو مأمور به والصلاة بالتيمم ~~رخصة مأمور بها والطواف بالصفا والمروة قد قال الله فيه: {فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وهو مأمور به إما ركن وإما واجب وإما ~~سنة والذي صلى ms7257 بسلمان أربعا يحتمل أنه كان لا يرى القصر لمثله؛ إما لأن ~~سفره كان قصرا عنده PageV24P091 # وإما لأن سفره لم يكن عنده ما تقصر فيه الصلاة؛ فإن من الصحابة من لا يرى ~~القصر إلا في حج أو عمرة أو غزو وكان لكثير من السلف والخلف نزاع في جنس ~~سفر القصر وفي قدره. فهذه القضية المعينة لم يتبين فيها حال الإمام ومتابعة ~~سلمان له تدل على أن الإمام إذا فعل شيئا متأولا اتبع عليه كما إذا قنت ~~متأولا أو كبر خمسا أو سبعا متأولا. والنبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا ~~واتبعه أصحابه ظانين أن الصلاة زيد فيها فلما سلم ذكروا ذلك له فقال: {إنما ~~أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني} . وقد تنازع العلماء في الإمام ~~إذا قام إلى خامسة هل يتابعه المأموم أو يفارقه ويسلم أو يفارقه وينتظره أو ~~يخير بين هذا وهذا؟ على أقوال معروفة وهي روايات عن أحمد. أو رأى أن ~~التربيع مكروه وتابع الإمام عليه؛ فإن المتابعة واجبة ويجوز فعل المكروه ~~لمصلحة راجحة ولا ريب أن تربيع المسافر ليس كصلاة الفجر أربعا؛ فإن المسافر ~~لو اقتدى بمقيم لصلى خلفه أربعا لأجل متابعة إمامه؛ فهذه الصلاة تفعل في ~~حال ركعتين وفي حال أربعا بخلاف الفجر فجاز أن تكون متابعة الإمام المسافر ~~متابعة المسافر للمقيم لأن كلاهما اتبع إمامه. # PageV24P092 # وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال وهو الذي نص عليه أحمد ~~في رواية الأثرم وقد سأله هل للمسافر أن يصلي أربعا؟ فقال لا يعجبني ولكن ~~السفر ركعتان. وقد نقل عنه المروذي أنه قال: إن شاء صلى أربعا وإن شاء صلى ~~ركعتين. ولا يختلف قول أحمد أن الأفضل هو القصر؛ بل نقل عنه إذا صلى أربعا ~~أنه توقف في الإجزاء. ومذهب مالك كراهية التربيع وأنه يعيد في الوقت ولهذا ~~يذكر في مذهبه هل تصح الصلاة أربعا؟ على قولين ومذهب الشافعي جواز الأمرين ~~وأيهما أفضل؟ فيه قولان أصحهما أن القصر أفضل كإحدى الروايتين عن أحمد وهو ~~اختيار كثير من ms7258 أصحابه وتوقف أحمد عن القول بالإجزاء يقتضي أنه يخرج على ~~قوله في مذهبه وذلك أن غايته أنه زاد زيادة مكروهة وهذا لا يبطل الصلاة ~~فإنه أتى بالواجب وزيادة والزيادة إذا كانت سهوا لا تبطل الصلاة باتفاق ~~المسلمين وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد جوازها وهذه الزيادة لا يفعلها من ~~يعتقد تحريمها وإنما يفعلها من يعتقدها جائزة. ولا نص بتحريمها؛ بل الأدلة ~~دالة على كون ذلك مخالفا للسنة؛ لا أنه محرم كالصلاة بدون رفع اليدين ومع ~~الالتفات ونحو ذلك من المكروهات. وسنتكلم إن شاء الله على تمام ذلك. وأما ~~إتمام عثمان فالذي ينبغي أن يحمل حاله على ما كان يقول # PageV24P093 # لا على ما لم يثبت عنه. فقوله: إنه بلغني أن قوما يخرجون إما لتجارة وإما ~~لجباية وإما لجريم: يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة ~~عدو. وقوله: بين فيه مذهبه وهو: أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلا في قرية ~~أو مصر إلا إذا كان خائفا بحضرة عدو وإنما يقصر من كان شاخصا أي مسافرا وهو ~~الحامل للزاد والمزاد أي: للطعام والشراب والمزاد وعاء الماء. يقول إذا كان ~~نازلا مكانا فيه الطعام والشراب كان مترفها بمنزلة المقيم فلا يقصر؛ لأن ~~القصر إنما جعل للمشقة التي تلحق الإنسان وهذا لا تلحقه مشقة فالقصر عنده ~~للمسافر الذي يحمل الزاد والمزاد وللخائف. ولما عمرت منى وصار بها زاد ~~ومزاد لم ير القصر بها لا لنفسه ولا لمن معه من الحاج وقوله في تلك ~~الرواية: ولكن حدث العام لم يذكر فيها ما حدث فقد يكون هذا هو الحادث وإن ~~كان قد جاءت الجهال من الأعراب وغيرهم يظنون أن الصلاة أربع فقد خاف عليهم ~~أن يظنوا أنها تفعل في مكان فيه الزاد والمزاد أربعا وهذا عنده لا يجوز وإن ~~كان قد تأهل بمكة فيكون هذا أيضا موافقا فإنه إنما تأهل بمكان فيه الزاد ~~والمزاد وهو لا يرى القصر لمن كان نازلا بأهله في مكان فيه الزاد والمزاد. ~~وعلى هذا فجميع ما ثبت في هذا ms7259 الباب من عذره يصدق بعضه بعضا. # PageV24P094 # وأما ما اعتذر به الطحاوي من أن مكة كانت على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعمر من منى في زمن عثمان. فجواب عثمان له: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في عمرة القضية ثم في غزوة الفتح ثم في عمرة الجعرانة: كان خائفا من ~~العدو وعثمان يجوز القصر لمن كان خائفا وإن كان نازلا في مكان فيه الزاد ~~والمزاد فإنه يجوزه للمسافر ولمن كان بحضرة العدو. وأما في حجة الوداع فقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم آمنا لكنه لم يكن نازلا بمكة وإنما كان نازلا ~~بالأبطح خارج مكة هو وأصحابه فلم يكونوا نازلين بدار إقامة ولا بمكان فيه ~~الزاد والمزاد. وقد قال أسامة: أين ننزل غدا؟ هل تنزل بدارك بمكة؟ فقال " ~~وهل ترك لنا عقيل من دار؟ ننزل بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وهذا ~~المنزل بالأبطح بين المقابر ومنى. وكذلك عائشة رضي الله عنها أخبرت عن ~~نفسها: أنها إنما تتم لأن القصر لأجل المشقة وأن الإتمام لا يشق عليها. ~~والسلف والخلف تنازعوا في سفر القصر: في جنسه وفي قدره: فكان قول عثمان ~~وعائشة أحد أقوالهم فيها. وللناس في جنس سفر القصر أقوال أخر مع أن عثمان ~~قد خالفه علي وابن مسعود وعمران بن حصين وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن ~~عباس وغيرهم: من علماء الصحابة. فروى سفيان # PageV24P095 # بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي ~~فقيل له: صل بالناس فقال: إن شئتم صليت بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركعتين قالوا لا إلا صلاة أمير المؤمنين - يعنون أربعا - فأبى. وفي ~~الصحيحين عن ابن مسعود (1) . # وقد تنازع الناس في الأربع في السفر على أقوال: أحدها: أن ذلك بمنزلة ~~صلاة الصبح أربعا وهذا مذهب طائفة من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة وابن ~~حزم وغيره من أهل الظاهر. ثم عند أبي حنيفة إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته ~~والمفعول بعد ذلك كصلاة ms7260 منفصلة قد تطوع بها وإن لم يقعد مقدار التشهد بطلت ~~صلاته ومذهب ابن حزم وغيره أن صلاته باطلة كما لو صلى عندهم الفجر أربعا. ~~وقد روى سعيد في سننه عن الضحاك بن مزاحم قال: قال ابن عباس: من صلى في ~~السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين. قال ابن حزم: وروينا عن عمر بن عبد ~~العزيز وقد ذكر له الإتمام في السفر لمن شاء فقال: لا الصلاة في السفر ~~ركعتان حتمان لا يصح غيرهما. PageV24P096 # وحجة هؤلاء: أنه قد ثبت أن الله إنما فرض في السفر ركعتين. والزيادة على ~~ذلك لم يأت بها كتاب ولا سنة وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أنه صلى أربعا أو أقر من صلى أربعا فإنه كذب. وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل ~~منهما: أن القصر إنما يكون في بعض الأسفار دون بعض كما تأول غيرهما: أنه لا ~~يكون إلا في حج أو عمرة أو جهاد ثم قد خالفهما أئمة الصحابة وأنكروا ذلك. ~~قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال {صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته} فأمر بقبولها والأمر يقتضي الوجوب. ومن قال يجوز الأمران ~~فعمدتهم قوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} . قالوا: وهذه العبارة إنما تستعمل ~~في المباح: لا في الواجب كقوله: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} وقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ونحو ذلك واحتجوا من السنة بما تقدم من أن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم حسن لعائشة إتمامها} وبما روي من أنه فعل ذلك. ~~واحتجوا بأن عثمان أتم # PageV24P097 # الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة. أما الآية ~~فنقول: قد علم بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يصلي في ~~السفر ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر بعده وهذا يدل على أن الركعتين أفضل ms7261 كما ~~عليه جماهير العلماء. وإذا كان القصر طاعة لله ورسوله وهو أفضل من غيره لم ~~يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه ثم ما كان عذرهم عن ~~كونه مستحبا هو عذر لغيرهم عن كونه مأمورا به أمر إيجاب وقد قال تعالى في ~~السعي {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} والطواف بين ~~الصفا والمروة هو السعي المشروع باتفاق المسلمين وذلك إما ركن وإما واجب ~~وإما سنة. وأيضا فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون واجبة كأكل ~~الميتة للمضطر والتيمم لمن عدم الماء ونحو ذلك هذا إن سلم أن المراد به قصر ~~العدد فإن للناس في الآية ثلاثة أقوال. قيل المراد به قصر العدد فقط وعلى ~~هذا فيكون التخصيص بالخوف غير مفيد. # PageV24P098 # والثاني: أن المراد به قصر الأعمال؛ فإن صلاة الخوف تقصر عن صلاة الأمن ~~والخوف يبيح ذلك. وهذا يرد عليه أن صلاة الخوف جائزة حضرا وسفرا والآية ~~أفادت القصر في السفر. والقول الثالث: وهو الأصح: أن الآية أفادت قصر العدد ~~وقصر العمل جميعا؛ ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض ~~والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر ~~العدد وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد قصر العمل. ومن قال: إن الفرض في الخوف ~~والسفر ركعة - كأحد القولين في مذهب أحمد وهو مذهب ابن حزم - فمراده إذا ~~كان خوف وسفر. فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر إلى ركعة كما روى أبو ~~داود الطيالسى: ثنا المسعودي - هو عبد الرحمن بن عبد الله - عن يزيد الفقير ~~قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ قال جابر: لا. ~~فإن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر ركعة عند القتال. وفي صحيح ~~مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي ~~السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال # PageV24P099 # ابن حزم: ورويناه أيضا من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن ms7262 ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد في غاية الصحة. قال ابن حزم: ~~وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف في السفر إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه ~~جاء في القرآن بلفظ {لا جناح} لا بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرة ركعة فقط ومرة ركعتين فكان ذلك على الاختيار ~~كما قال جابر. وأما صلاة عثمان فقد عرف إنكار أئمة الصحابة عليه ومع هذا ~~فكانوا يصلون خلفه؛ بل كان ابن مسعود يصلي أربعا وإن انفرد ويقول الخلاف ~~شر. وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين. وهذا دليل على أن صلاة السفر أربعا ~~مكروهة عندهم ومخالفة للسنة ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها وإذا فعلها ~~الإمام اتبع فيها وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر بل هي من جنس ~~الجمعة والعيدين ولهذا {قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع ~~فقال: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة ~~المسافر ركعتان: تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى} . رواه ~~أحمد والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: قال ~~عمر. ورواه يزيد بن زياد # PageV24P100 # ابن أبي الجعد عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن فهذه الأربعة ليست من جنس ~~الفجر. ومعلوم أنه يوم الجمعة يصلي ركعتين تارة ويصلي أربعا أخرى ومن فاتته ~~الجمعة إنما يصلي أربعا لا يصلي ركعتين وكذلك من لم يدرك منها ركعة عند ~~الصحابة وجمهور العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال {من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها} وإذا حصلت شروط الجمعة خطب خطبتين ~~وصلى ركعتين. فلو قدر أنه خطب وصلى الظهر أربعا لكان تاركا للسنة ومع هذا ~~فليسوا كمن صلى الفجر أربعا؛ ولهذا يجوز للمريض والمسافر والمرأة وغيرهم ~~ممن لا تجب عليهم الجمعة أن يصلي الظهر أربعا أن يأتم به في الجمعة فيصلي ~~ركعتين فكذلك المسافر له أن يصلي ركعتين وله أن ms7263 يأتم بمقيم فيصلي خلفه ~~أربعا. فإن قيل: الجمعة يشترط لها الجماعة فلهذا كان حكم المنفرد فيها خلاف ~~حكم المؤتم؟ وهذا الفرق ذكره أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد. قيل لهم: ~~اشتراط الجماعة في الصلوات الخمس فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره والأقوى أنه ~~شرط مع القدرة وحينئذ المسافر لما ائتم # PageV24P101 # بالمقيم دخل في الجماعة الواجبة فلزمه اتباع الإمام كما في الجمعة وإن ~~قيل: فللمسافرين أن يصلوا جماعة. قيل: ولهم أن يصلوا يوم الجمعة جماعة ~~ويصلوا أربعا. وصلاة العيد قد ثبت عن علي أنه استخلف من صلى بالناس في ~~المسجد أربعا: ركعتين للسنة وركعتين لكونهم لم يخرجوا إلى الصحراء فصلاة ~~الظهر يوم الجمعة. وصلاة العيدين تفعل تارة اثنتين وتارة أربعا كصلاة ~~المسافر بخلاف صلاة الفجر وعلى هذا تدل آثار الصحابة؛ فإنهم كانوا يكرهون ~~من الإمام أن يصلي أربعا ويصلون خلفه كما في حديث سلمان وحديث ابن مسعود ~~وغيره مع عثمان ولو كان ذلك عندهم كمن يصلي الفجر أربعا لما استجازوا أن ~~يصلوا أربعا كما لا يستجيز مسلم أن يصلي الفجر أربعا. ومن قال: إنهم لما ~~قعدوا قدر التشهد أدوا الفرض والباقي تطوع. قيل له: من المعلوم أنه لم ينقل ~~عن أحدهم أنه قال نوينا التطوع بالركعتين. وأيضا فإن ذلك ليس بمشروع فليس ~~لأحد أن يصلي بعد الفجر ركعتين؛ بل قد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~من صلى بعد الإقامة السنة وقال {الصبح أربعا} وقد صلى قبل الإمام فكيف إذا ~~وصل الصلاة بصلاة. وقد ثبت في الصحيح: {أن النبي # PageV24P102 # صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام أو ~~قيام} . وقد كان الصحابة ينكرون على من يصل الجمعة وغيرها بصلاة تطوع فكيف ~~يسوغون أن يصل الركعتين في السفر إن كان لا يجوز إلا ركعتان بصلاة تطوع؟ ~~وأيضا فلماذا وجب على المقيم خلف المسافر أن يصلي أربعا كما ثبت ذلك عن ~~الصحابة وقد وافق عليه أبو حنيفة؟ وأيضا فيجوز أن يصلي المقيم أربعا خلف ~~المسافر ركعتين كما ms7264 كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يفعلون ذلك ~~ويقولون أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. وهذا مما يبين أن صلاة المسافر من جنس ~~صلاة المقيم فإنه قد سلم جماهير العلماء أن يصلي هذا خلف هذا كما يصلي ~~الظهر خلف من يصلي الجمعة وليس هذا كمن صلى الظهر قضاء خلف من يصلي الفجر. ~~وأما من قال: إن المسافر فرضه أربع وله أن يسقط ركعتين بالقصر فقوله مخالف ~~للنصوص وإجماع السلف والأصول وهو قول متناقض. فإن هاتين الركعتين يملك ~~المسافر إسقاطهما لا إلى بدل ولا إلى نظيره وهذا يناقض الوجوب فإنه يمتنع ~~أن يكون الشيء واجبا # PageV24P103 # على العبد ومع هذا لا يلزمه فعله ولا فعل بدله ولا نظيره فعلم بذلك أن ~~الفرض على المسافر الركعتان فقط وهذا الذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء ~~أصحابه فإنه لم يشترط في القصر نية وقال: لا يعجبني الأربع وتوقف في إجزاء ~~الأربع. ولم ينقل أحد عن أحمد أنه قال: لا يقصر إلا بنية. وإنما هذا من قول ~~الخرقي ومن اتبعه ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك كما قاله جماهير ~~العلماء؛ وهو اختيار أبي بكر موافقة لقدماء الأصحاب كالخلال وغيره؛ بل ~~والأثرم وأبي داود وإبراهيم الحربي وغيرهم فإنهم لم يشترطوا النية لا في ~~قصر ولا في جمع. وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك سواء نوى ~~القصر أو لم ينوه وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف. وما ~~علمت أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا في قصر ولا في جمع ~~ولو نوى المسافر الإتمام كانت السنة في حقه الركعتين ولو صلى أربعا كان ذلك ~~مكروها كما لم ينوه. ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~أصحابه لا بنية قصر ولا نية جمع ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من ~~يصلي خلفهم مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في حجته صلى بهم # PageV24P104 # الظهر بالمدينة ms7265 أربعا وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين وخلفه أمم لا ~~يحصي عددهم إلا الله: كلهم خرجوا يحجون معه وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: ~~إما لحدوث عهده بالإسلام وإما لكونه لم يسافر بعد لا سيما النساء صلوا معه ~~ولم يأمرهم بنية القصر وكذلك جمع بهم بعرفة ولم يقل لهم: إني أريد أن أصلي ~~العصر بعد الظهر حتى صلاها. # فصل: # السفر في كتاب الله وسنة رسوله في القصر والفطر مطلق. ثم قد تنازع الناس ~~في جنس السفر وقدره. أما جنسه فاختلفوا في نوعين. أحدهما: حكمه. فمنهم من ~~قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو. وهذا قول داود وأصحابه إلا ابن حزم ~~قال ابن حزم وهو قول جماعة من السلف كما روينا من طريق ابن أبي عدي: حدثنا ~~جرير عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن ابن مسعود قال: لا يقصر ~~الصلاة إلا حاج أو مجاهد. وعن طاووس أنه كان يسأل عن قصر الصلاة فيقول: إذا ~~خرجنا حجاجا أو عمارا صلينا ركعتين # PageV24P105 # وعن إبراهيم التيمي أنه كان لا يرى القصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد وحجة ~~هؤلاء أنه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر فإن القرآن ليس فيه إلا قصر ~~المسافر إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا وهذا سفر الجهاد. وأما السنة فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قصر في حجه وعمره وغزواته فثبت جواز هذا والأصل ~~في الصلاة الإتمام فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة. ومنهم من قال: لا يقصر ~~إلا في سفر يكون طاعة فلا يقصر في مباح كسفر التجارة. وهذا يذكر رواية عن ~~أحمد والجمهور يجوزون القصر في السفر الذي يجوز فيه الفطر وهو الصواب؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} ~~رواه عنه أنس بن مالك الكعبي وقد رواه أحمد وغيره بإسناد جيد. وأيضا فقد ~~ثبت في صحيح مسلم وغيره عن {يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب {فليس ~~عليكم جناح ms7266 أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقد أمن ~~الناس: فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته} وهذا يبين أن سفر الأمن ~~يجوز فيه قصر العدد وإن كان ذلك صدقة من الله علينا أمرنا # PageV24P106 # بقبولها. وقد قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد إن شئنا قبلناها وإن شئنا ~~لم نقبلها فإن قبول الصدقة لا يجب؛ ليدفعوا بذلك الأمر بالركعتين. وهذا ~~غلط؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقبل صدقة الله علينا والأمر ~~للإيجاب وكل إحسانه إلينا صدقة علينا فإن لم نقبل ذلك هلكنا. وأيضا فقد ثبت ~~عن {عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ~~وقد خاب من افترى} . كما قال: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان ~~وصلاة الفطر ركعتان وهذا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن للمسلمين ~~الصلاة في جنس السفر ركعتين كما سن الجمعة والعيدين ولم يخص ذلك بسفر نسك ~~أو جهاد. وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ~~ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. وهذا يبين أن المسافر لم يؤمر ~~بأربع قط وحينئذ فما أوجب الله على المسافر أن يصلي أربعا وليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله لفظ يدل على أن المسافر فرض عليه أربع وحينئذ فمن أوجب ~~على مسافر أربعا فقد أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله. # PageV24P107 # فإن قيل: قوله: " وضع " يقتضي أنه كان واجبا قبل هذا كما قال: " إنه وضع ~~عنه الصوم " ومعلوم أنه لم يجب على المسافر صوم رمضان قط؛ لكن لما انعقد ~~سبب الوجوب فأخرج المسافر من ذلك سمي وضعا ولأنه كان واجبا في المقام فلما ~~سافر وضع بالسفر كما يقال: من أسلم وضعت عنه الجزية مع أنها لا تجب على ~~مسلم بحال. وأيضا فقد قال صفوان بن محرز؛ قلت لابن عمر حدثني عن صلاة السفر ~~قال أتخشى ms7267 أن يكذب علي؟ قلت لا. قال: ركعتان من خالف السنة كفر وهذا معروف ~~رواه أبو التياح عن مورق العجلي عنه وهو مشهور في كتب الآثار. وفي لفظ: ~~صلاة السفر ركعتان ومن خالف السنة كفر. وبعضهم رفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فبين أن صلاة السفر ركعتان وأن ذلك من السنة التي من خالفها ~~فاعتقد خلافها فقد كفر. وهذه الأدلة دليل على أن من قال إنه لا يقصر إلا في ~~سفر واجب فقوله ضعيف. ومنهم من قال: لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم ~~ويقصر في المباح وهذا أيضا رواية عن أحمد. وهل يقصر في سفر النزهة؟ فيه عن ~~أحمد روايتان: وأما السفر المحرم فمذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لا ~~يقصر فيه وأما أبو حنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا يقصر في # PageV24P108 # جنس الأسفار وهو قول ابن حزم وغيره وأبو حنيفة وابن حزم وغيرهما: يوجبون ~~القصر في كل سفر وإن كان محرما كما يوجب الجميع التيمم إذا عدم الماء في ~~السفر المحرم وابن عقيل رجح في بعض المواضع القصر والفطر في السفر المحرم. ~~والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر ولم يخص سفرا من سفر. ~~وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر قال تعالى: {فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} كما قال في آية التيمم: {وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر} الآية وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ~~ركعتين ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفرا من سفر مع ~~علمه بأن السفر يكون حراما ومباحا ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان ~~بيان هذا من الواجبات ولو بين ذلك لنقلته الأمة وما علمت عن الصحابة في ذلك ~~شيئا. وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى في التيمم: {وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر} وقوله في الصوم: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} وقوله ~~{وإذا ضربتم في الأرض ms7268 فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {يمسح المسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن} وقوله # PageV24P109 # {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم} ~~وقوله: {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} ولم يذكر قط في شيء من ~~نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع فكيف يجوز أن يكون الحكم ~~معلقا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ذلك بل يكون بيان الله ورسوله ~~متناولا للنوعين. وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير وتقسيم الطلاق بعد ~~الدخول إلى بائن ورجعي وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفرة وغير مكفرة وأمثال ~~ذلك مما علق الله ورسوله الحكم فيه بالجنس المشترك العام فجعله بعض الناس ~~نوعين: نوعا يتعلق به ذلك الحكم ونوعا لا يتعلق من غير دلالة على ذلك من ~~كتاب ولا سنة: لا نصا ولا استنباطا. والذين قالوا لا يثبت ذلك في السفر ~~المحرم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه} وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن " الباغي " هو الباغي على الإمام ~~الذي يجوز قتاله و " العادي " هو العادي على المسلمين وهم المحاربون قطاع ~~الطريق. قالوا فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى وقالوا إذا ~~اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل ولا نبيح له إتلاف نفسه. وهذا ~~القول معروف عن أصحاب الشافعي وأحمد. # PageV24P110 # وأما أحمد ومالك فجوزا له أكل الميتة دون القصر والفطر. قالوا: ولأن ~~السفر المحرم معصية والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز الإعانة على ~~المعصية. وهذه حجج ضعيفة. أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي ~~الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال والعادي الذي يتعدى القدر ~~الذي يحتاج إليه وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في ~~السور المكية: الأنعام والنحل وفي المدنية: ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل ~~والضرورة لا تختص بسفر ولو ms7269 كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصا بقطع ~~الطريق والخروج على الإمام ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إمام ~~يخرج عليه ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرا والبغاة الذين أمر الله ~~بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين ولا كان الذين نزلت ~~الآية فيهم أولا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال ~~والجريد فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر وليس فيها كل سفر ~~محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقا للسفر المحرم فإنه ~~قد يكون بلا سفر وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضا فقوله ( {غير باغ} حال ~~من ( {اضطر} فيجب أن يكون حال # PageV24P111 # اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد فإنه قال: {فلا إثم عليه} ~~ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل لا عن نفس الحاجة إليه ~~فمعنى الآية: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد. وهذا يبين أن المقصود أنه لا ~~يبغي في أكله ولا يتعدى. والله تعالى يقرن بين البغي والعدوان. فالبغي ما ~~جنسه ظلم والعدوان مجاوزة القدر المباح كما قرن بين الإثم والعدوان في ~~قوله: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فالإثم ~~جنس الشر والعدوان مجاوزة القدر المباح فالبغي من جنس الإثم قال تعالى: ~~{وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} وقال تعالى {فمن خاف من ~~موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه} فالإثم جنس لظلم الورثة إذا ~~كان مع العمد وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد؛ لكن قال كثير من ~~المفسرين الجنف الخطأ والإثم العمد؛ لأنه لما خص الإثم بالذكر وهو العمد ~~بقي الداخل في الجنف الخطأ ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود كما قال تعالى: ~~{وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ونحو ذلك ومما يشبه هذا ~~قوله: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} والإسراف مجاوزة الحد ~~المباح وأما الذنوب فما ms7270 كان جنسه شر وإثم. وأما قولهم: إن هذا إعانة على ~~المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور # PageV24P112 # بأن يصلي ركعتين كما هو مأمور أن يصلي بالتيمم. وإذا عدم الماء في السفر ~~المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلي وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورا ~~بها أحد من المسافرين وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيا عنه فصار صلاة ~~الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطن. فهل يصليها إلا ركعتين ~~وإن كان عاصيا بسفره وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعا؟ . # وكذلك صومه في السفر ليس برا ولا مأمورا به؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثبت عنه أنه قال: {ليس من البر الصيام في السفر} وصومه إذا كان مقيما ~~أحب إلى الله من صيامه في سفر محرم ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر ~~المحرم لم يمنع من ذلك وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلي؟ ولو ~~أخذت ثيابه أما كان يصلي عريانا؟ فإن قيل هذا لا يمكنه إلا هذا قيل: ~~والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين والمشروع في حقه أن لا يصوم وقد اختلف الناس ~~لو صام هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه وهذه ~~المسألة ليس فيها احتياط فإن طائفة يقولون: من صلى أربعا أو صام رمضان في ~~السفر المحرم لم يجزئه ذلك كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم. وطائفة ~~يقولون لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان وكذلك # PageV24P113 # أكل الميتة واجب على المضطر: سواء كان في السفر أو الحضر وسواء كانت ~~ضرورته بسبب مباح أو محرم فلو ألقى ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان ~~عليه أن يأكلها ولو سافر سفرا محرما فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدا ~~ولو قاتل قتالا محرما حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدا. # فإن قيل: فلو قاتل قتالا محرما هل يصلي صلاة الخوف؟ قيل يجب عليه أن يصلي ~~ولا يقاتل فإن كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة؛ ms7271 بل إذا ~~صلى صلاة خائف كان خيرا من ترك الصلاة بالكلية ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع ثم ~~إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت وجب ذلك عليه لأنه مأمور ~~بها وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع. # النوع الثاني من موارد النزاع أن عثمان كان لا يرى مسافرا إلا من حمل ~~الزاد والمزاد دون من كان نازلا فكان لا يحتاج فيه إلى ذلك كالتاجر والتاني ~~والجابي الذين يكونون في موضع لا يحتاجون فيه إلى ذلك ولم يقدر عثمان للسفر ~~قدرا؛ بل هذا الجنس عنده ليس بمسافر وكذلك قيل: إنه لم ير نفسه والذين معه ~~مسافرين بمنى لما صارت منى معمورة وذكر ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: ~~كانوا يقولون السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يحمل فيه الزاد والمزاد. ~~ومأخذ هذا القول - والله أعلم - أن القصر إنما # PageV24P114 # كان في السفر لا في المقام والرجل إذا كان مقيما في مكان يجد فيه الطعام ~~والشراب لم يكن مسافرا؛ بل مقيما؛ بخلاف المسافر الذي يحتاج أن يحمل الطعام ~~والشراب فإن هذا يلحقه من المشقة ما يلحق المسافر من مشقة السفر. وصاحب هذا ~~القول كأنه رأى الرخصة إنما تكون للمشقة والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى ~~حمل الطعام والشراب. وقد نقل عن غيره كلام يفرق فيه بين جنس وجنس. روى ابن ~~أبي شيبة عن علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم فإنه من ~~مصركم. فقوله: من " مصركم " يدل على أنه جعل السواد بمنزلة المصر لما كان ~~تابعا له. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ~~قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة فأذن لي وشرط ~~علي أن لا أفطر ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه وبينهما نيف وستون ميلا. وعن ~~حذيفة: أن لا يقصر إلى ms7272 السواد. وبين الكوفة والسواد تسعون ميلا. وعن معاذ ~~بن جبل وعقبة بن عامر: لا يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو بطون الأودية ~~وتزعمون أنكم سفر لا ولا كرامة؛ إنما التقصير في السفر من الباءات من الأفق ~~إلى الأفق. # PageV24P115 # قلت: هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان ولا بالمكان؛ لكن ~~جعلوا هذا الجنس من السير ليس سفرا كما جعل عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ~~ومزاد. فإن كانوا قصدوا ما قصده عثمان من أن هذا لا يزال يسير في مكان [لا] ~~(1) يحمل فيه الزاد والمزاد فهو كالمقيم فقد وافقوا عثمان؛ لكن ابن مسعود ~~خالف عثمان في إتمامه بمنى. وإن كان قصدهم أن أعمال البلد تبع له كالسواد ~~مع الكوفة وإنما المسافر من خرج من عمل إلى عمل: كما في حديث معاذ: من أفق ~~إلى أفق. فهذا هو الظاهر؛ ولهذا قال ابن مسعود عن السواد: فإنه من مصركم. ~~وهذا كما أن ما حول المصر من البساتين والمزارع تابعة له فهم يجعلون ذلك ~~كذلك وإن طال ولا يحدون فيه مسافة. وهذا كما أن " المخاليف " وهي الأمكنة ~~التي يستخلف فيها من هو خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير وفي حديث ~~معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف. يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار: حدثنا ~~أبو عامر العقدي حدثنا شعبة سمعت قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه عن ~~جده: أنه خرج مع عبد الله بن مسعود - وهو رديفه على بغلة له - مسيرة أربعة ~~فراسخ فصلى الظهر ركعتين. قال شعبة أخبرني بهذا قيس بن عمران وأبوه عمران ~~بن عمير شاهد وعمير مولى ابن مسعود. PageV24P116 # فهذا يدل على أن ابن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة؛ ولكن اعتبر أمرا ~~آخر كالأعمال وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان لكن بعموم الولايات وخصوصها: ~~مثل من كان بدمشق فإذا سافر إلى ما هو خارج عن أعمالها كان مسافرا. وأصحاب ~~هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص فيه للمسافر إنما رخص فيه للمشقة التي تلحقه ms7273 ~~في السفر واحتياجه إلى الرخصة وعلموا أن المتنقل في المصر الواحد من مكان ~~إلى مكان ليس بمسافر وكذلك الخارج إلى ما حول المصر كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخرج إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا ولم يكن يقصر وكذلك المسلمون ~~كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ولم يكونوا يقصرون. فكان المتنقل في العمل ~~الواحد بهذه المثابة عندهم. وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة إليها وهي ~~أكثر تبعا لها من السواد للكوفة وأقرب إليها منها؛ فإن بين باب بني شيبة ~~وموقف الإمام بعرفة عند الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة يريد بهذه المسافة ~~وهذا السير وهم مسافرون وإذا قيل: المكان الذي يسافرون إليه ليس بموضع ~~مقام. قيل: بل كان هناك قرية نمرة والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل بها ~~وكان بها أسواق وقريب منها عرنة التي تصل واديها بعرفة ولأنه لا فرق بين ~~السفر # PageV24P117 # إلى بلد يقام فيه وبلد لا يقام فيه إذا لم يقصد الإقامة؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين سافروا إلى مكة وهي بلد يمكن الإقامة فيه وما ~~زالوا مسافرين في غزوهم وحجهم وعمرتهم وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الصلاة في جوف مكة عام الفتح وقال: {يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} ~~وكذلك عمر بعده فعل ذلك رواه مالك بإسناد صحيح ولم يفعل ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر بمنى ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط. وهذا ~~بخلاف خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء كل سبت راكبا وماشيا وخروجه ~~إلى الصلاة على الشهداء فإنه قبل أن يموت بقليل صلى عليهم وبخلاف ذهابه إلى ~~البقيع وبخلاف قصد أهل العوالي المدينة ليجمعوا بها فإن هذا كله ليس بسفر ~~فإن اسم المدينة متناول لهذا كله وإنما الناس قسمان الأعراب وأهل المدينة ~~ولأن الواحد منهم يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من ms7274 غير أن يتأهب لذلك أهبة ~~السفر فلا يحمل زادا ولا مزادا لا في طريقه ولا في المنزل الذي يصل إليه ~~ولهذا لا يسمى من ذهب إلى ربض مدينته مسافرا ولهذا تجب الجمعة على من حول ~~المصر عند أكثر العلماء وهو يقدر بسماع النداء وبفرسخ ولو كان ذلك سفرا لم ~~تجب الجمعة على من ينشئ لها سفرا؛ فإن الجمعة لا تجب على مسافر فكيف يجب أن ~~يسافر لها. # PageV24P118 # وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافرا لقطعه مسافة محدودة ولا لقطعه أياما ~~محدودة بل كان مسافرا لجنس العمل الذي هو سفر وقد يكون مسافرا من مسافة ~~قريبة ولا يكون مسافرا من أبعد منها: مثل أن يركب فرسا سابقا ويسير مسافة ~~بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده فهذا ليس مسافرا. وإن قطع هذه المسافة في ~~يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافرا كما كان سفر أهل مكة ~~إلى عرفة. ولو ركب رجل فرسا سابقا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن ~~مسافرا. يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: {يمسح المسافر ~~ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يوما وليلة} فلو قطع بريدا في ثلاثة أيام ~~كان مسافرا ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع البريد في ~~نصف يوم لم يكن مسافرا. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتبر أن يسافر ~~ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثا أو بطيئا سواء كانت الأيام طوالا أو قصارا ~~ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام وجعلوا ~~المسافة الواحدة حدا يشترك فيه جميع الناس حتى لو قطعها في يوم جعلوه ~~مسافرا ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافرا وهذا مخالف لكلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV24P119 # وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى قباء والعوالي وأحد ومجيء ~~أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية ~~والحوائط التي هي النخيل وتلك مواضع الإقامة ms7275 لا مواضع السفر والمسافر لا بد ~~أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء؛ فإن لفظ " السفر " يدل على ذلك. يقال: سفرت ~~المرأة عن وجهها إذا كشفته. فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من ~~بين المساكن لا يكون مسافرا قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق} وقال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ~~من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} فجعل ~~الناس قسمين: أهل المدينة والأعراب. والأعراب هم أهل العمود وأهل المدينة ~~هم أهل المدر. فجميع من كان ساكنا في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن ~~للمدينة سور يتميز به داخلها من خارجها؛ بل كانت محال محال. وتسمى المحلة ~~دارا والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست ~~أبنية متصلة فبنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم: أموالهم ونخيلهم ~~وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك وبنو مازن بن النجار كذلك وبنو سالم كذلك ~~وبنو ساعدة كذلك وبنو الحارث بن الخزرج كذلك وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو ~~عبد # PageV24P120 # الأشهل كذلك وسائر بطون الأنصار كذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني الحارث ~~ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير} وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد نزل في بني مالك بن النجار وهناك بنى مسجده وكان حائطا لبعض بني النجار: ~~فيه نخل وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبنى ~~مسجده هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك. قال ابن حزم: ولم يكن هناك ~~مصر. قال: وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافي عن الكوافي وذلك كله ~~مدينة واحدة كما جعل الله الناس نوعين: أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. ~~فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة لم يجعل للمدينة داخلا وخارجا وسورا ~~وربضا كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة وقد جعل النبي ms7276 صلى الله عليه ~~وسلم حرم المدينة بريدا في بريد والمدينة بين لابتين واللابة الأرض التي ~~ترابها حجارة سود وقال: {ما بين لابتيها حرم} فما بين لابتيها كله من ~~المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافرا. وإن كان المكي إذا ~~خرج إلى عرفات مسافرا فعرفة ومزدلفة ومنى صحارى خارجة عن مكة ليست كالعوالي # PageV24P121 # من المدينة. وهذا أيضا مما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة؛ فإن ~~المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرا والمسافر عن ~~القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرا فعلم أنه لا بد أن يقصد بقعة ~~يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن فيها يحمل ~~فيها الزاد والمزاد فهو مسافر وإن وجد الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده. ~~وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن يعدم فيه الزاد ~~والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية فيها ~~زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافرا من يقطعها كما كان بين مكة ~~وغيرها ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة أنه كان ~~خائفا لأنه لما فتح مكة والكفار كثيرون وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له ~~وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو وهذا كما يحكى عن عثمان أنه يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالمتعة لأنهم كانوا خائفين. وخالفه ~~علي وعمران بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة. وقولهم هو ~~الراجح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان آمنا لا يخاف إلا ~~الله وقد أمر أصحابه بفسخ الحج # PageV24P122 # إلى العمرة والقصر. وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر؛ ولكن إذا اجتمع ~~الخوف والسفر أبيح قصر العدد وقصر الركعات {وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو وعمر بعده لما صليا بمكة يا ms7277 أهل مكة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} ~~بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد كونهم سفرا فلهذا الحكم تعلق بالسفر ولم ~~يعلقه بالخوف. فعلم أن قصر العدد لا يشترط فيه خوف بحال. وكلام الصحابة أو ~~أكثرهم في هذا الباب يدل على أنهم لم يجعلوا السفر قطع مسافة محدودة أو ~~زمان محدود: يشترك فيه جميع الناس بل كانوا يجيبون بحسب حال السائل فمن ~~رأوه مسافرا أثبتوا له حكم السفر وإلا فلا. # ولهذا اختلف كلامهم في مقدار الزمان والمكان. فروى وكيع عن الثوري عن ~~منصور بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا سافرت يوما إلى العشاء فإن ~~زدت فاقصر. ورواه الحجاج بن منهال: ثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر. عن ~~مجاهد عن ابن عباس. قال: لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في ~~أكثر من ذلك. وروى وكيع عن شعبة عن شبيل عن أبي جمرة الضبعي قال: قلت لابن ~~عباس: أقصر إلى الأيلة؟ قال تذهب وتجيء في يوم؟ قلت: نعم. قال: لا إلا يوم ~~تام. فهنا قد نهى أن يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم وهذه مسيرة بريد وأذن في ~~يوم. # PageV24P123 # وفي الأول نهاه أن يقصر إلا في أكثر من يوم وقد روي نحو الأول عن عكرمة ~~مولاه قال: إذا خرجت من عند أهلك فاقصر فإذا أتيت أهلك فأتمم وعن الأوزاعي: ~~لا قصر إلا في يوم تام وروى وكيع عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشي عن عطاء ~~بن أبى رباح قلت: لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا ولكن إلى الطائف ~~وعسفان فذلك ثمانية وأربعون ميلا. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء ~~قلت: لابن عباس أقصر إلى منى أو عرفة؟ قال: لا ولكن إلى الطائف أو جدة أو ~~عسفان فإذا وردت على ماشية لك أو أهل فأتم الصلاة. وهذا الأثر قد اعتمده ~~أحمد والشافعي. قال ابن حزم: من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء الراشدين اثنان ~~وثلاثون ميلا قال: وأخبرنا الثقاة: أن من جدة ms7278 إلى مكة أربعين ميلا. قلت: ~~نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى ~~مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه. ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفى ~~عليه أن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وابن عباس من أعلم الناس بالسنة ~~فلا يخفى عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج # PageV24P124 # إلى عرفة ومزدلفة: كطاووس وغيره. وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ~~ابن عباس كان يقصر إلى عرفة في الحج وكان أصحاب ابن عباس كطاووس يقول ~~أحدهم: أترى الناس يعني أهل مكة صلوا في الموسم خلاف صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ وهذه حجة قاطعة؛ فإنه من المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه ~~كانوا خلقا كثيرا وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه وإنما صلى بمنى أيام ~~منى قصرا والناس كلهم يصلون خلفه: أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحدا ~~منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ثم أبو بكر ~~وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحدا ~~بإتمام مع أنه قد صح عن عمر بن الخطاب أنه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة ~~أتموا صلاتكم. فإنا قوم سفر وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أهل ~~مكة عام الفتح لا في حجة الوداع؛ فإنه في حجة الوداع لم يكن يصلي في مكة بل ~~كان يصلي بمنزله وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال. والمقصود أن من ~~تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم ~~وأنه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام: علم قطعا أنهم كانوا يقصرون ~~خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره؛ ولهذا لم ~~يعلم أحد من الصحابة أمر أهل ms7279 مكة أن # PageV24P125 # يتموا خلف الإمام إذا صلى ركعتين فدل هذا على أن ابن عباس إنما أجاب به ~~من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفرا لا ينزل فيه بمنى وعرفة؛ بل يرجع من ~~يومه فهذا لا يقصر عنده؛ لأنه قد بين أن من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنما ~~يقصر من سافر يوما ولم يقل: مسيرة يوم؛ بل اعتبر أن يكون السفر يوما وقد ~~استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان. وقد ذكر ابن حزم أنها اثنان وثلاثون ميلا ~~وغيره يقول: أربعة برد ثمانية وأربعون ميلا. والذين حدوها ثمانية وأربعين ~~ميلا عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم ~~يكن إلا قولهما لم يجز أن يؤخذ ببعض أقوالهما دون بعض؛ بل إما أن يجمع ~~بينهما وإما أن يطلب دليل آخر. فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر ولهذا ~~كان المحددون بستة عشر فرسخا من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنما لهم ~~طريقان: بعضهم يقول: لم أجد أحدا قال بأقل من القصر فيما دون هذا فيكون هذا ~~إجماعا. وهذه طريقة الشافعي. وهذا أيضا منقول عن الليث بن سعد. فهذان ~~الإمامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من قال بأقل من ذلك وغيرهما قد علم من ~~قال بأقل من ذلك. والطريقة الثانية: أن يقولوا: هذا قول ابن عمر وابن عباس ~~ولا مخالف لهما من الصحابة فصار إجماعا. وهذا باطل فإنه نقل عنهما # PageV24P126 # هذا وغيره وقد ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك. وثم طريقة ثالثة ~~سلكها بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهي أن هذا التحديد مأثور عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما رواه ابن خزيمة في " مختصر المختصر " عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من ~~مكة إلى عسفان} " وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولكن هو من كلام ابن عباس. أفترى رسول الله صلى الله ms7280 عليه ~~وسلم إنما حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل المدينة التي هي دار السنة ~~والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين؟ وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل ~~مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم قط ~~السفر بمسافة لا بريد ولا غير بريد ولا حدها بزمان. ومالك قد نقل عنه أربعة ~~برد كقول الليث والشافعي وأحمد وهو المشهور عنه. قال: فإن كانت أرض لا ~~أميال فيها فلا يقصرون في أقل من يوم وليلة للثقل. قال: وهذا أحب ما تقصر ~~فيه الصلاة إلي. وقد ذكر عنه لا قصر إلا في خمسة وأربعين ميلا فصاعدا. وروي ~~عنه لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلا فصاعدا وروي عنه: لا قصر إلا في ~~أربعين ميلا فصاعدا وروى عنه إسماعيل بن أبي أويس: # PageV24P127 # لا قصر إلا في ستة وأربعين ميلا قصدا. ذكر هذه الروايات القاضي إسماعيل ~~بن إسحاق في كتابه " المبسوط " ورأى لأهل مكة خاصة أن يقصروا الصلاة في ~~الحج خاصة إلى منى فما فوقها وهي أربعة أميال وروى عنه ابن القاسم أنه قال ~~فيمن خرج ثلاثة أميال كالرعاء وغيرهم فتأول فأفطر في رمضان: لا شيء عليه ~~إلا القضاء فقط وروي عن الشافعي أنه لا قصر في أقل من ستة وأربعين ميلا ~~بالهاشمي. والآثار عن ابن عمر أنواع. فروى محمد بن المثنى: حدثنا عبد ~~الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان الثوري سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر ~~يقول: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة. وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا ~~مسعر عن محارب بن دثار سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار ~~فأقصر يعني الصلاة. محارب قاضي الكوفة من خيار التابعين أحد الأئمة ومسعر ~~أحد الأئمة. وروى ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني ~~عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة ~~أميال. قال ابن حزم: محمد بن زيد هو طائي ولاه محمد بن أبي ms7281 طالب القضاء ~~بالكوفة مشهور من كبار التابعين. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر إلى ~~ذات النصب # PageV24P128 # قال وكنت أسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر قال عبد الرزاق: ذات النصب من ~~المدينة على ثمانية عشر ميلا فهذا نافع ي خبر عنه أنه قصر في ستة فراسخ ~~وأنه كان يسافر بريدا وهو أربعة فراسخ فلا يقصر. وكذلك روى عنه ما ذكره ~~غندر حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ~~قال: خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب وهي من المدينة على ~~ثمانية عشر ميلا فلما أتاها قصر الصلاة وروى معمر عن أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر: أنه كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. وما تقدم من الروايات يدل ~~على أنه كان يقصر في هذا وفي ما هو أقل منه وروى وكيع عن سعيد بن عبيد ~~الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة؟ ~~قال: حاج أو معتمر أو غاز؟ فقلت لا؛ ولكن أحدنا يكون له الضيعة في السواد ~~فقال: تعرف السويداء؟ فقلت سمعت بها ولم أرها قال فإنها ثلاث وليلتان وليلة ~~للمسرع: إذا خرجنا إليها قصرنا قال ابن حزم: من المدينة إلى السويداء اثنان ~~وسبعون ميلا أربعة وعشرون فرسخا. قلت: فهذا مع ما تقدم يبين أن ابن عمر لم ~~يذكر ذلك تحديدا؛ # PageV24P129 # لكن بين بهذا جواز القصر في مثل هذا لأنه كان قد بلغه أن أهل الكوفة لا ~~يقصرون في السواد فأجابه ابن عمر بجواز القصر. وأما ما روي من طريق ابن ~~جريج: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر ~~وهي مسيرة ثلاث قواصد لم يقصر فيما دونه. وكذلك ما رواه حماد بن سلمة عن ~~أيوب بن حميد كلاهما عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يقصر الصلاة فيما بين ~~المدينة وخيبر وهي بقدر الأهواز من البصرة لا يقصر فيما دون ms7282 ذلك. قال ابن ~~حزم بين المدينة وخيبر كما بين البصرة والأهواز وهي مائة ميل غير أربعة ~~أميال. قال: وهذا مما اختلف فيه على ابن عمر ثم على نافع أيضا عن ابن عمر. ~~قلت: هذا النفي وهو أنه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعا ليس هذا حكاية عن ~~قوله حتى يقال إنه اختلف اجتهاده بل نفي لقصره فيما دون ذلك (وقد ثبت عنه ~~بالرواية الصحيحة من طريق نافع وغيره: أنه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون ~~غلطا. فمن روى عن أيوب إن قدر أن نافعا روى هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي ~~أن ابن عمر قصر فيما دون ذلك فإنه قد ثبت عن نافع عنه أنه قصر فيما دون ~~ذلك) (*) . PageV24P130 # وروى حماد بن زيد: حدثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ~~وهي على رأس خمسة فراسخ فصلى بنا العصر في سفينة وهي تجري بنا في دجلة ~~قاعدا على بساط ركعتين ثم سلم ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم. وهذا فيه أنه إنما ~~خرج إلى أرضه المذكورة ولم يكن سفره إلى غيرها حتى يقال: كانت من طريقه ~~فقصر في خمسة فراسخ وهي بريد وربع. وفي صحيح مسلم: حدثنا ابن أبي شيبة وابن ~~بشار كلاهما عن غندر عن شعبة عن {يحيى بن يزيد الهنائي: سألت أنس بن مالك ~~عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ~~ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة شك - صلى ركعتين} ولم ير أنس أن يقطع من ~~المسافة الطويلة هذا؛ لأن السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال عما يقصر ~~فيه؛ ليس سؤالا عن أول صلاة يقصرها. ثم إنه لم يقل أحد: إن أول صلاة لا ~~يقصرها إلا في ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان المراد ~~ذلك ولم يقل ذلك أحد فدل على أن أنسا أراد أنه من سافر هذه المسافة قصر ثم ~~ما أخبر به عن النبي صلى ms7283 الله عليه وسلم فعل من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يبين هل كان ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر فإن # PageV24P131 # كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس ~~بن مالك استدل بذلك على أنه يقصر إليه إذا كان هو السفر: يقول إنه لا يقصر ~~إلا في السفر فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر. وهذا يوافق قول من ~~يقول: لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرا لا يكفي مجرد قصده المسافة التي هي ~~سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه وابن حزم يحد مسافة القصر بميل لكن ~~داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو وابن حزم يقول: إنه ~~يقصر في كل سفر وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في هذه المسافة وأصحابه ~~يقولون: إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن ~~الشارع وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر ولم يجدوا أحدا قصر فيما دون ميل ~~ووجدوا الميل منقولا عن ابن عمر. وابن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة ~~الإقامة؛ لكن قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع لدفن ~~الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا. فخرج هذا ~~عن أن يكون سفرا ولم يجدوا أقل من ميل يسمى سفرا؛ فإن ابن عمر قال: لو خرجت ~~ميلا لقصرت الصلاة فلما ثبت أن هذه المسافة # PageV24P132 # جعلها سفرا ولم نجد أعلى منها يسمى سفرا جعلنا هذا هو الحد قال وما دون ~~الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر وإذا بلغ ~~الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه فمن حينئذ يقصر ويفطر ~~وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه. قلت: جعل ~~هؤلاء السفر محدودا في اللغة. قالوا: وأقل ms7284 ما سمعنا أنه يسمى سفرا هو الميل ~~وأولئك جعلوه محدودا بالشرع وكلا القولين ضعيف. أما الشارع فلم يحده. وكذلك ~~أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا: الفرق بين ما يسمى سفرا وما لا ~~يسمى سفرا هو مسافة محدودة بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل في الشرع ~~واللغة ثم لو كان محدودا بمسافة ميل فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية ~~المختصة به فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج أكثر من ميل من محله في ~~الحجاز ولا يقصر ولا يفطر وإن أراد من المكان المجتمع الذي يشمله اسم مدينة ~~ميلا قيل له: فلا حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط؛ لأن تلك لم تكن ~~خارجا عن آخر حد المدينة. ففي الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى أحد كما ~~كان يخرج إلى المقابر والغائط وفي ذلك ما هو أبعد من ميل وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه يخرجون من المدينة إلى أكثر من ميل ويأتون إليها ~~أبعد من ميل ولا يقصرون # PageV24P133 # كخروجهم إلى قباء والعوالي وأحد ودخولهم للجمعة وغيرها من هذه الأماكن. ~~وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل فإن حرم المدينة بريد في ~~بريد حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا يوما ~~وهذا يوما كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يوما وهذا يوما ~~وقول ابن عمر: لو خرجت ميلا قصرت الصلاة. هو كقوله: إني لأسافر الساعة من ~~النهار فأقصر وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها فيكون ~~قصده إني لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير العلماء ~~إلا من يقول إذا سافر نهارا لم يقصر إلى الليل. وقد احتج العلماء على هؤلاء ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ~~ركعتين وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن فعله يدل على المعنى الأول أو يكون ~~مراد ابن عمر من سافر قصر ولو كان ms7285 قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث ~~يكون مسافرا لا يكون متنقلا بين المساكن؛ فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس ~~وإذا قدر أن هذا مسافر فلو قدر أنه مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضا ~~مسافر فالتحديد بالمسافة # PageV24P134 # لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ولا يعرف عموم الناس مساحة ~~الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه ولم ~~يمسح أحد الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا قدر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء ~~لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرا وإن كانت المسافة أقل من ~~ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافرا؛ فإن الأول ~~يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون ~~سفرا والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا. فالسفر يكون بالعمل ~~الذي سمي سفرا لأجله. والعمل لا يكون إلا في زمان فإذا طال العمل وزمانه ~~فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرا وإن لم تكن ~~المسافة بعيدة وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم ~~سفرا وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرا ولا يكون العمل إلا ~~في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن ~~الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في الشرع ولا اللغة بل ما ~~سموه سفرا فهو سفر. # PageV24P135 # فصل: # وأما " الإقامة " فهي خلاف السفر فالناس رجلان مقيم ومسافر. ولهذا كانت ~~أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين: إما حكم مقيم وإما حكم ~~مسافر. وقد قال تعالى: {يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} فجعل للناس يوم ظعن ويوم ~~إقامة. والله تعالى أوجب الصوم وقال: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر} فمن ليس مريضا ولا على سفر ms7286 فهو الصحيح المقيم ولذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} فمن لم ~~يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة فهو المقيم. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو ~~وأصحابه فدل على أنهم كانوا مسافرين وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يوما ~~يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. ومعلوم بالعادة أن ما كان ~~يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال: # PageV24P136 # إنه كان يقول اليوم أسافر غدا أسافر. بل فتح مكة وأهلها وما حولها كفار ~~محاربون له وهي أعظم مدينة فتحها وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب. وسرى ~~السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي ~~في أربعة أيام فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في ~~تبوك. وأيضا فمن جعل للمقام حدا من الأيام: إما ثلاثة وإما أربعة وإما عشرة ~~وإما اثني عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولا لا دليل عليه من جهة الشرع وهي ~~تقديرات متقابلة. فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى ~~مسافر وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان وهذا هو الذي تنعقد ~~به الجمعة وتجب عليه وهذا يجب عليه إتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم ~~المقابل للمسافر والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام ~~وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا: لا تنعقد به الجمعة وقالوا: إنما تنعقد الجمعة ~~بمستوطن. وهذا التقسيم - وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن - تقسيم ~~لا دليل عليه من جهة الشرع ولا دليل على أنها تجب على من لا تنعقد به؛ بل ~~من وجبت عليه انعقدت به وهذا إنما قالوه لما أثبتوا مقيما يجب عليه الإتمام ~~والصيام ووجدوه غير مستوطن فلم يمكن # PageV24P137 # أن يقولوا تنعقد به الجمعة. فإن الجمعة إنما تنعقد بالمستوطن؛ لكن إيجاب ~~الجمعة على هذا وإيجاب الصيام والإتمام على ms7287 هذا هو الذي يقال إنه لا دليل ~~عليه بل هو مخالف للشرع فإن هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة ~~الفتح وفي حجة الوداع وحاله بتبوك؛ بل وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون ~~مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا وقد يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة وقد يقدم ~~قبل ذلك بيوم أو أيام وقد يقدم بعد ذلك وهم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ~~ولا إتمام والنبي صلى الله عليه وسلم قدم صبح رابعة من ذي الحجة وكان يصلي ~~ركعتين لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه ~~بالإتمام ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك. ولو كان هذا حدا فاصلا بين ~~المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} والتمييز بين المقيم والمسافر بنية ~~أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما لا بشرع ولا لغة ولا عرف. وقد رخص ~~النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا والقصر ~~في هذا جائز عند الجماعة وقد سماه إقامة ورخص للمهاجر أن يقيمها فلو أراد ~~المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن # PageV24P138 # له ذلك وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم بل ~~المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك. فعلم أن الثلاث ~~مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس. قال صلى الله عليه وسلم {لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج} ~~وقال: {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث} وجعل ما تحرم المرأة بعده من ~~الطلاق ثلاثا فإذا طلقها ثلاث مرات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره لأن ~~الطلاق في الأصل مكروه فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة وحرمت عليه ~~بعد ذلك إلى الغاية المذكورة ثم المهاجر لو قدم مكة قبل ms7288 الموسم بشهر أقام ~~إلى الموسم فإن كان لم يبح له إلا فيما يكون سفرا كانت إقامته إلى الموسم ~~سفرا فتقصر فيه الصلاة. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا صبح ~~رابعة من ذي الحجة فلو أقاموا بمكة بعد قضاء النسك ثلاثا كان لهم ذلك ولو ~~أقاموا أكثر من ثلاث لم يجز لهم ذلك وجاز لغيرهم أن يقيم أكثر من ذلك وقد ~~أقام المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح قريبا من عشرين يوما ~~بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر ولا كانوا ممنوعين ~~لأنهم كانوا مقيمين لأجل تمام # PageV24P139 # الجهاد وخرجوا منها إلى غزوة حنين؛ وهذا بخلاف من لا يقدم إلا للنسك فإنه ~~لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث. فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا ~~بتحديد السفر. والذين حدوا ذلك بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل ~~يوم الدخول والخروج غير محسوب ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل في كل من قدم ~~المصر أن يكون مقيما يتم الصلاة؛ لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجته فإنه أقامها وقصر. وقالوا في غزوة الفتح وتبوك إنه لم ~~يكن عزم على إقامة مدة؛ لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين وهذا الدليل مبني ~~على أنه من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع؛ بل هو مخالف للنص ~~والإجماع والعرف فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب هو ~~مسافر عند الناس وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام ولا يحد الناس في ~~ذلك حدا. والذين قالوا: يقصر إلى خمسة عشر قالوا: هذا غاية ما قيل وما زاد ~~على ذلك فهو مقيم بالإجماع وليس الأمر كما قالوه وأحمد أمر بالإتمام فيما ~~زاد على الأربعة احتياطا واختلفت الرواية عنه إذا نوى إقامة إحدى وعشرين هل ~~يتم أو يقصر؟ لتردد الاجتهاد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الرابع ~~فإن كان صلى الفجر بمبيته وهو # PageV24P140 # ذو طوى فإنما صلى بمكة ms7289 عشرين صلاة وإن كان صلى الصبح بمكة فقد صلى بها ~~إحدى وعشرين صلاة. والصحيح أنه إنما صلى الصبح يومئذ بذي طوى ودخل مكة ضحى ~~كذلك جاء مصرحا به في أحاديث. قال أحمد في رواية الأثرم إذا عزم على أن ~~يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة ~~قال: فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم ~~الثامن وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها فإذا أجمع أن ~~يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر فإذا أجمع على أكثر من ذلك ~~أتم. قال الأثرم: قلت له: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم ~~اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم. قال: قيل لأبي عبد الله: يقول أخرج اليوم أخرج ~~غدا أيقصر؟ فقال: هذا شيء آخر هذا لم يعزم. فأحمد لم يذكر دليلا على وجوب ~~الإتمام إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضي الوجوب. وأيضا فإنه معارض بقول ~~من يوجب القصر ويجعله عزيمة في الزيادة. وقد روى الأثرم: حدثنا الفضل بن ~~دكين حدثنا مسعر عن حبيب ابن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال: أقمنا ~~مع سعد بعمان - أو بعمان - شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلي أربعا فذكرنا ذلك ~~له فقال: # PageV24P141 # نحن أعلم قال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ~~ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر ي صلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين ~~الدخول. قال بعضهم والثلج الذي يتفق في هذه المدة يعلم أنه لا يذوب في ~~أربعة أيام فقد أجمع إقامة أكثر من أربع قال الأثرم: حدثنا مسلم بن إبراهيم ~~حدثنا هشام حدثنا يحيى عن حفص بن عبيد الله: أن أنس بن مالك أقام بالشام ~~سنتين يقصر الصلاة. قال الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا هشام حدثنا ابن ~~شهاب عن سالم قال: كان ابن عمر إذا أقام بمكة قصر الصلاة إلا أن يصلي مع ~~الإمام وإن أقام شهرين إلا أن يجمع ms7290 الإقامة. وابن عمر كان يقدم قبل الموسم ~~بمدة طويلة حتى إنه كان أحيانا يحرم بالحج من هلال ذي الحجة وهو كان من ~~المهاجرين فما كان يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث ولهذا أوصى ~~لما مات أن يدفن بسرف لكونها من الحل حتى لا يدفن في الأرض التي هاجر منها ~~وقال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: ~~ما كان ابن عمر يصلي بمكة إلا ركعتين إلا أن يرفع المقام؛ ولهذا أقام مرة ~~ثنتي عشرة يصلي ركعتين وهو يريد الخروج وهذا يبين أنه كان يصلي قبل الموسم ~~ركعتين مع أنه نوى الإقامة إلى الموسم وكان ابن عمر كثير الحج وكان كثيرا ~~ما يأتي مكة قبل الموسم بمدة طويلة. قال الأثرم: حدثنا ابن # PageV24P142 # الطباع حدثنا القاسم بن موسى الفقير عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن ~~أبيه عن مكحول عن ابن محيريز: أن أبا أيوب الأنصاري وأبا صرمة الأنصاري ~~وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم فصاموا رمضان وقاموه وأتموا الصلاة قال ~~الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن منصور عن أبي وائل قال: خرج مسروق إلى ~~السلسلة فقصر الصلاة فأقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر. قيل يا أبا عائشة: ~~ما يحملك على هذا؟ قال: اتباع السنة. # فصل: # والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعا ظنوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعل ذلك أو فعله بعض أصحابه على عهده فأقره عليه. وظنوا أن صلاة ~~المسافر ركعتين وأربعا بمنزل الصوم والفطر في رمضان وقد استفاضت الأحاديث ~~الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم الصائم ~~ومنهم المفطر. وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته وأما ما ذكروه من التربيع ~~فحسبه بعض أهل العلم صحيحا وبذلك استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد. قال ~~الشافعي لما ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم {صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته:} فدل على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة ms7291 # PageV24P143 # رخصة لا حتم من الله أن يقصر. ودل على أن له أن يقصر في السفر بلا خوف إن ~~شاء المسافر أن {عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم ~~في السفر وقصر.} قلت وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي عاصم: ~~حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة: " {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم} قال الدارقطني هذا إسناد ~~صحيح. قال البيهقي: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد ~~وطلحة بن عمر وكلهم ضعيف. وروى حديث دلهم من حديث عبيد الله بن موسى: حدثنا ~~دلهم بن صالح الكندي عن عطاء عن {عائشة قالت: كنا نصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا خرجنا إلى مكة أربعا حتى نرجع} . وروى حديث المغيرة وهو ~~أشهرها عن عطاء عن عائشة: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ~~ويتم} وروى حديث طلحة بن عمر عن عطاء عن {عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد أتم وقصر وصام في السفر وأفطر} قال البيهقي: ~~وقد قال عمر بن ذر: كوفي ثقة: أنا عطاء بن أبي رباح: " أن عائشة كانت تصلي ~~في السفر المكتوبة أربعا " وروى ذلك بإسناده ثم قال: وهو كالموافق لرواية ~~دلهم بن صالح وإن كان # PageV24P144 # في رواية دلهم زيادة سند. قلت: أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من " ~~أنها كانت تصلي أربعا " فهذا ثابت عن عائشة معروف عنها من رواية عروة وغيره ~~عن عائشة وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء والثقاة وقفوه على عائشة: دل ~~ذلك على ضعف المسند ولم يكن ذلك شاهدا للمسند. قال ابن حزم في هذا الحديث ~~انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره وقد قال فيه أحمد بن حنبل: ضعيف كل ~~حديث أسنده منكر. قلت: فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضا وقد ذكر عبد ~~الله بن أحمد بن ms7292 حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر وهو ~~كما قال الإمام أحمد وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج ~~به كالشافعي ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم مع أن ~~من الناس من يقول: لفظه: {كان يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم} بمعنى أنها ~~هي التي كانت تتم وتصوم. وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا الوجه مع أنه ~~كذب عليها أيضا. قال البيهقي: وله شاهد قوي بإسناد صحيح وروي من طريق ~~الدارقطني من طريق محمد بن يوسف: حدثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن ~~الأسود عن أبيه عن {عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في # PageV24P145 # رمضان فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول ~~الله بأبي أنت وأمي: أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال أحسنت يا عائشة.} ورواه ~~البيهقي من طريق آخر عن القاسم بن الحكم: ثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن ~~بن الأسود عن عائشة لم يذكر أباه قال الدارقطني: الأول متصل وهو إسناد حسن ~~وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق ورواه البيهقي من وجه ثالث ~~من حديث أبي بكر النيسابوري: ثنا عباس الدوري ثنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن ~~زهير ثنا عبد الرحمن بن الأسود عن {عائشة: أنها اعتمرت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت قالت: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي: قصرت وأتممت. وأفطرت وصمت فقال أحسنت يا عائشة وما عاب علي} . ~~قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة. ومن ~~قال عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ. قلت: أبو بكر النيسابوري إمام في ~~الفقه والحديث وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ ~~وهو أقرب إلى طريقة أهل الحديث والعلم التي لا تعصب فيها لقول أحد من ~~الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين؛ ms7293 ولهذا رجح هذه الطريق وكذلك أهل # PageV24P146 # السنن المشهورة لم يروه أحد منهم إلا النسائي ولفظه عن {عائشة أنها ~~اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت ~~قالت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت فقال أحسنت يا ~~عائشة وما عاب علي} وهذا بخلاف من قد يقصد نصر قول شخص معين فينطق له من ~~الأدلة ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ببطلانها. والصواب ما قاله ~~أبو بكر وهو أن هذا الحديث ليس بمتصل وعبد الرحمن إنما دخل على عائشة وهو ~~صبي ولم يضبط ما قالته وقال فيه أبو محمد بن حزم: هذا الحديث تفرد به ~~العلاء بن زهير الأزدي لم يروه غيره وهو مجهول وهذا الحديث خطأ قطعا؛ فإنه ~~قال فيه: إنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان ~~ومعلوم باتفاق أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في ~~رمضان قط ولا خرج من المدينة في عمرة في رمضان؛ بل ولا خرج إلى مكة في ~~رمضان قط إلا عام الفتح فإنه كان حينئذ مسافرا في رمضان وفتح مكة في شهر ~~رمضان سنة ثمان باتفاق أهل العلم وفي ذلك السفر كان أصحابه منهم الصائم ~~ومنهم المفطر فلم يكن يصلي بهم إلا ركعتين ولا نقل أحد من أصحابه عنه أنه ~~صلى في السفر أربعا والحديث المتقدم خطأ كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # PageV24P147 # وعام فتح مكة لم يعتمر؛ بل ثبت بالنقول المستفيضة التي اتفق عليها أهل ~~العلم به أنه إنما اعتمر بعد الهجرة أربع عمر. منها ثلاث في ذي القعدة ~~والرابعة مع حجته: عمرة الحديبية لما صده المشركون فحل بالحديبية بالإحصار ~~ولم يدخل مكة وكانت في ذي القعدة ثم اعتمر في العام القابل عمرة القضية ~~وكانت في ذي القعدة أيضا ثم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة اعتمر من ~~الجعرانة وكانت عمرته في ذي القعدة أيضا والرابعة مع حجته ولم يعتمر بعد ms7294 ~~حجه لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة لما كانت قد حاضت وأمرها أن تهل ~~بالحج ثم أعمرها مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم. ولهذا قيل لما بني هناك ~~من المساجد مساجد عائشة فإنه لم يعتمر أحد من الصحابة على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا قبل الفتح ولا بعده عمرة من مكة إلا عائشة. فهذا كله مما ~~تواترت به الأحاديث الصحيحة: مثل ما في الصحيحين عن أنس {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجه: عمرة من ~~الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من ~~الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته} . وهذا لفظ مسلم. ~~ولفظ البخاري {: اعتمر أربعا: عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون ~~وعمرة في العام المقبل في # PageV24P148 # ذي القعدة حيث صالحهم وعمرة حنين من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين وعمرة ~~مع حجته.} وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: {اعتمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين} . وهذا لفظ البخاري. وأراد بذلك ~~العمرة التي أتمها وهي عمرة القضية والجعرانة وأما الحديبية فلم يمكن ~~إتمامها؛ بل كان محصرا لما صده المشركون وفيها أنزل الله آية الحصار باتفاق ~~أهل العلم وقد ثبت في الصحيح عن {عائشة لما قيل لها: إن ابن عمر قال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد ~~الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه وما اعتمر في ~~رجب قط} . وفي رواية عن {عائشة قالت: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا في ذي القعدة} وكذلك عن ابن عباس رواهما ابن ماجه. وقد روى أبو ~~داود عنها قالت: {اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين: عمرة في ذي ~~القعدة وعمرة في شوال} . وهذا إن كان ثابتا عنها فلعله ابتداء سفره ms7295 كان في ~~شوال ولم تقل قط إنه اعتمر في رمضان فعلم أن ذلك خطأ محض. وإذا ثبت ~~بالأحاديث الصحيحة أنه لم يعتمر إلا في ذي القعدة وثبت أيضا أنه لم يسافر ~~من المدينة إلى مكة ودخلها إلا ثلاث # PageV24P149 # مرات: عمرة القضية ثم غزوة الفتح ثم حجة الوداع وهذا مما لا يتنازع فيه ~~أهل العلم بالحديث والسيرة وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسافر ~~في رمضان إلى مكة إلا غزوة الفتح - كان كل من هذين دليلا قاطعا على أن هذا ~~الحديث الذي فيه أنها اعتمرت معه في رمضان وقالت أتممت وصمت فقال: " أحسنت ~~" خطأ محض. # (فعلم قطعا أنه باطل لا يجوز لمن علم حاله أن يرويه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله: {من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين} ~~ولكن من حدث من العلماء الذين لا يستحلون هذا فلم يعلموا أنه كذب [لم يأثم] ~~) (*) . فإن قيل فيكون قوله " في رمضان " خطأ وسائر الحديث يمكن صدقه. قيل: ~~بل جميع طرقه تدل على أن ذلك كان في رمضان؛ لأنها قالت: قلت: أفطرت وصمت ~~وقصرت وأتممت فقال: " أحسنت يا عائشة ". وهذا إنما يقال في الصوم الواجب. ~~وأما السفر في غير رمضان فلا يذكر فيه مثل هذا لأنه معلوم أن الفطر فيه ~~جائز. وأيضا فقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الثابت عن الشعبي عن {عائشة ~~أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ففرضت ثلاثا فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة PageV24P150 # الأولى وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ لأنها وتر النهار ~~والصبح لأنها تطول فيها القراءة} . فقد أخبرت عائشة أنه كان إذا سافر صلى ~~الصلاة الأولى: ركعتين ركعتين. فلو كان تارة يصلي أربعا لأخبرت بذلك وهذا ~~يناقض تلك الرواية المكذوبة على عائشة. وأيضا فعائشة كانت حديثة السن على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات وعمرها أقل ~~من عشرين سنة فإنه لما بنى بها بالمدينة ms7296 كان لها تسع سنين وإنما أقام ~~بالمدينة عشرا فإذا كان قد بنى بها في أول الهجرة كان عمرها قريبا من عشرين ~~ولو قدر أنه بنى بها بعد ذلك لكان عمرها حينئذ أقل. وأيضا فلو كانت كبيرة ~~فهي إنما تتعلم الإسلام وشرائعه من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يتصور أن ~~تصوم وتصلي معه في السفر خلاف ما يفعله هو وسائر المسلمين وسائر أزواجه ولا ~~تخبره بذلك حتى تصل إلى مكة؟ هل يظن مثل هذا بعائشة أم المؤمنين؟ وما بالها ~~فعلت هذا في هذه السفرة دون سائر أسفارها معه؟ وكيف تطيب نفسها بخلافه من ~~غير استئذانه؟ وقد ثبت عنها في الصحيحين بالأسانيد الثابتة باتفاق أهل ~~العلم أنها قالت {: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر ~~وأقرت صلاة السفر على الفريضة} # PageV24P151 # وهذا من رواية الزهري عن عروة عن عائشة ورواية أصحابه الثقات ومن رواية ~~صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة: يرويه مثل ربيعة ومن رواية الشعبي عن ~~عائشة. وهذا مما اتفق أهل العلم بالحديث على أنه صحيح ثابت عن عائشة. فكيف ~~تقدم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تصلي في السفر قبل أن تستأذنه ~~وهي تراه والمسلمين معه لا يصلون إلا ركعتين وأيضا فهي لما أتمت الصلاة بعد ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم لم تحتج بأنها فعلت ذلك على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا ذكر ذلك أخبر الناس بها عروة ابن أختها بل اعتذرت بعذر ~~من جهة الاجتهاد كما رواه النيسابوري والبيهقي وغيرهما بالأسانيد الثابتة ~~عن وهب بن جرير: ثنا شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تصلي ~~في السفر أربعا فقلت لها: لو صليت ركعتين فقالت. يا ابن أختي إنه لا يشق ~~علي. وأيضا فالحديث الثابت عن {صالح بن كيسان أن عروة بن الزبير حدثه عن ~~عائشة: أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر ~~على ركعتين وأتمت في الحضر أربعا. قال صالح ms7297 فأخبر بها عمر بن عبد العزيز ~~فقال: إن عروة أخبرني أن عائشة تصلي أربع ركعات في السفر قال فوجدت عروة ~~يوما عنده # PageV24P152 # فقلت: كيف أخبرتني عن عائشة؟ فحدث بما حدثني به. فقال عمر: أليس حدثتني ~~أنها كانت تصلي أربعا في السفر؟ قال: بلى} . وفي الصحيحين عن سفيان بن ~~عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: " أول ما فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ". قال الزهري: قلت فما شأن ~~عائشة كانت تتم الصلاة؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان. فهذا عروة يروي ~~عنها أنها اعتذرت عن إتمامها بأنها قالت لا يشق علي وقال: إنها تأولت كما ~~تأول عثمان. فدل ذلك على أن إتمامها كان بتأويل من اجتهادها ولو كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد حسن لها الإتمام أو كان هو قد أتم لكانت قد فعلت ذلك ~~اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك عثمان ولم يكن ذلك مما ~~يتأول بالاجتهاد. ثم إن هذا الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال ~~بالإتمام في السفر وقد عرف أنه باطل فكيف بما هو أبطل منه وهو كون النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يتم في السفر ويقصر؟ وهذا خلاف المعلوم بالتواتر من ~~سنته التي اتفق عليها أصحابه نقلا عنه وتبليغا إلى أمته لم ينقل عنه قط أحد ~~من أصحابه أنه صلى في السفر أربعا؛ بل تواترت الأحاديث عنهم أنه كان يصلي ~~في السفر ركعتين هو وأصحابه. والحديث الذي يرويه زيد العمي عن أنس بن مالك ~~قال: " إنا # PageV24P153 # معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر: فمنا الصائم ومنا ~~المفطر ومنا المتم ومنا المقصر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المتم على ~~المقصر ". هو كذب بلا ريب وزيد العمي ممن اتفق العلماء على أنه متروك ~~والثابت عن أنس إنما هو في الصوم. ومما يبين ذلك أنهم في السفر مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يصلون فرادى؛ بل كانوا يصلون بصلاته ms7298 بخلاف ~~الصوم؛ فإن الإنسان قد يصوم وقد يفطر فهذا الحديث من الكذب وإن كان البيهقي ~~روى هذا فهذا مما أنكر عليه ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه ~~كما يستوفي الآثار التي له وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ~~ضعفها وقدح فيها وإنما أوقعه في هذا - مع علمه ودينه - ما أوقع أمثاله ممن ~~يريد أن يجعل آثار النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لقول واحد من العلماء ~~دون آخر. فمن سلك هذه السبيل دحضت حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق ~~كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يبين ~~فسادها لتوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر مع أنه ~~يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي؛ لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين ~~صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي. والحديث الذي فيه {أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يقصر ويتم # PageV24P154 # ويفطر ويصوم} قد قيل إنه مصحف وإنما لفظه " كان يقصر وتتم " هي - بالتاء ~~- " ويفطر وتصوم " هي ليكون معنى هذا الحديث معنى الحديث الآخر الذي إسناده ~~أمثل منه. فإنه معروف عن عبد الرحمن بن الأسود لكنه لم يحفظ عن عائشة. وأما ~~نقل هذا الآخر عن عطاء فغلط على عطاء قطعا وإنما الثابت عن عطاء " أن عائشة ~~كانت تصلي في السفر أربعا " كما رواه غيره ولو كان عند عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك سنة لكانت تحتج بها. ولو كان ذلك معروفا من فعله لم ~~تكن عائشة أعلم بذلك من أصحابه الرجال الذين كانوا يصلون خلفه دائما في ~~السفر؛ فإن هذا ليس مما تكون عائشة أعلم به من غيرها من الرجال كقيامه ~~بالليل واغتساله من الإكسال فضلا عن أن تكون مختصة بعلمه؛ بل أمور السفر ~~أصحابه أعلم بحاله فيها من عائشة؛ لأنها لم تكن تخرج معه في كل أسفاره؛ ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عنها أنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أراد سفرا أقرع ms7299 بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه} فإنما كان ~~يسافر بها أحيانا وكانت تكون مخدرة في خدرها وقد ثبت عنها في الصحيح: أنها ~~لما سألها شريح بن هانئ عن " المسح على الخفين " قالت: سل عليا؛ فإنه كان ~~يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا والمسح على الخفين أمر قد يفعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV24P155 # في منزله في الحضر فتراه دون الرجال؛ بخلاف الصلاة المكتوبة؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في الحضر ولا في السفر إلا إماما بأصحابه ~~إلا أن يكون له عذر من مرض أو غيبة لحاجة كما غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل ~~قباء وكما غاب في السفر للطهارة فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح ~~ولما حضر النبي صلى الله عليه وسلم حسن ذلك وصوبه. وإذا كان الإتمام إنما ~~كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه الرجال قطعا وهو مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله؛ فإن ذلك مخالف لعادته في عامة أسفاره؛ فلو فعله أحيانا ~~لتوفرت هممهم ودواعيهم على نقله كما نقلوا عنه المسح على الخفين لما فعله ~~وإن كان الغالب عليه الوضوء. وكما نقلوا عنه الجمع بين الصلاتين أحيانا وإن ~~كان الغالب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها الخاص مع أن مخالفة سنته أظهر من ~~مخالفة بعض الوقت لبعض فإن الناس لا يشعرون بمرور الأوقات كما يشعرون بما ~~يشاهدونه من اختلاف العذر فإن هذا أمر يرى بالعين لا يحتاج إلى تأمل ~~واستدلال؛ بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت المغرب فإنه يحتاج إلى تأمل. ~~ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن جمعه إنما كان في غير عرفة ومزدلفة بأن ~~يقدم الثانية ويؤخر الأولى إلى آخر وقتها وقد # PageV24P156 # روي أنه كان يجمع كذلك. فهذا مما يقع فيه شبهة؛ بخلاف الصلاة أربعا لو ~~فعل ذلك في السفر؛ فإن هذا لم يكن يقع فيه شبهة ولا نزاع بل كان ينقله ~~المسلمون ومن جوز عليه أن يصلي في السفر أربعا - ولا ينقله أحد ms7300 من الصحابة ~~ولا يعرف قط إلا من رواية واحد مضعف عن آخر عن عائشة والروايات الثابتة عن ~~عائشة لا توافقه بل تخالفه - فإنه لو روي له بإسناد من هذا الجنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى الفجر مرة أربعا لصدق ذلك. ومثل هذا ينبغي أن يصدق ~~بكل الأخبار التي من هذا الجنس التي ينفرد فيها الواحد مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله ويعلم أنه لو كان حقا لكان ينقل ويستفيض. وهذا في الضعف ~~مثل أن ينقل عنه أنه قال لأهل مكة بعرفة ومزدلفة ومنى: " أتموا صلاتكم فإنا ~~قوم سفر " وينقل ذلك عن عمر ولا ينقل إلا من طريق ضعيف مع العلم بأن ذلك لو ~~كان حقا لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. وذلك مثل ما روى أبو داود ~~الطيالسى: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن {أبي نضرة قال: سأل سائل ~~عمران بن الحصين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ فقال: إن ~~هذا الفتى يسألني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فاحفظوهن ~~عني ما سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا # PageV24P157 # قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ~~والطائف فكان يصلي ركعتين ثم حججت معه واعتمرت فصلى ركعتين ثم قال: يا أهل ~~مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ثم حججت مع أبي بكر واعتمرت فصلى ركعتين ~~ركعتين ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ثم حججت مع عمر ~~واعتمرت فصلى ركعتين وقال: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ثم حججت مع عثمان ~~واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين ثم إن عثمان أتم} . فما ذكره في هذا الحديث من ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في السفر قط إلا ركعتين؟ هو مما اتفقت ~~عليه سائر الروايات؛ فإن جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه صلى في السفر ركعتين. وأما ما ذكره من قوله: ms7301 {يا أهل مكة أتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر} فهذا مما قاله بمكة عام الفتح لم يقله في حجته وإنما ~~هذا غلط وقع في هذه الرواية. وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن حميد عن حماد ~~بإسناده رواه البيهقي من طريقه. ولفظه: {ما سافر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سفرا إلا صلى ركعتين؛ حتى يرجع ويقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين ~~فإنا قوم سفر وغزا الطائف وحنينا فصلى ركعتين وأتى الجعرانة فاعتمر منها ~~وحججت مع أبي بكر # PageV24P158 # واعتمرت فكان يصلي ركعتين وحججت مع عمر بن الخطاب فكان يصلي ركعتين} فلم ~~يذكر قوله إلا عام الفتح قبل غزوة حنين والطائف ولم يذكر ذلك عن أبي بكر ~~وعمر وقد رواه أبو داود في سننه صريحا من حديث ابن علية: حدثنا علي بن زيد ~~عن أبي نضرة عن {عمران بن حصين قال: عرفت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين يقول: يا أهل ~~البلد صلوا أربعا فإنا قوم سفر} وهذا إنما كان في غزوة الفتح في نفس مكة لم ~~يكن بمنى. وكذلك الثابت عن عمر أنه صلى بأهل مكة في الحج ركعتين ثم قال عمر ~~بعد ما سلم: أتموا الصلاة يا أهل مكة فإنا قوم سفر. هذا ومما يبين ذلك أن ~~هذا لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من الصحابة لا ممن نقل صلاته ~~ولا ممن نقل نسكه وحجه مع توفر الهمم والدواعي على نقله مع أن أئمة فقهاء ~~الحرمين كانوا يقولون إن المكيين يقصرون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى. أفيكون ~~كان معروفا عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك؟ أم كانوا جهالا ~~بمثل هذا الأمر الذي يشيع ولا يجهله أحد ممن حج مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ وفي الصحيحين عن {حارثة بن خزاعة قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمنى أكثر ما كنا وآمنه ركعتين} حارثة هذا # PageV24P159 # خزاعي وخزاعة منزلها حول مكة. وفي الصحيحين عن {عبد ms7302 الله بن زيد قال: صلى ~~بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع وقال: صليت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ~~ركعتين؛ وصليت مع عمر بمنى ركعتين: فليت حظي من أربع ركعات ركعتان ~~متقبلتان} . وإتمام عثمان رضي الله عنه قد قيل إنه كان لأنه تأهل بمكة فصار ~~مقيما وفي المسند عن {عبد الرحمن بن أبي ذباب: أن عثمان صلى بمنى أربع ~~ركعات فأنكر الناس عليه فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة مقيم ~~بمكة ثلاثة أيام ويقصر الرابعة} فإنه يقصر كما فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذاك فإن عثمان كان من المهاجرين ~~وكان المقام بمكة حراما عليهم. وفي الصحيحين: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وكان عثمان إذا اعتمر يأمر ~~براحلته فتهيأ له فيركب عليها عقب العمرة لئلا يقيم بمكة} # PageV24P160 # فكيف يتصور أنه يعتقد أنه صار مستوطنا بمكة إلا أن يقال: إنه جعل التأهل ~~إقامة لا استيطانا فيقال: معلوم أن من أقام بمكة ثلاثة أيام فإنه يقصر كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذلك؛ لكن ~~قد يكون نفس التأهل مانعا من القصر وهذا أيضا بعيد؛ فإن أهل مكة كانوا ~~يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بمنى. وأيضا فالأمراء بعد ~~عثمان من بني أمية كانوا يتمون اقتداء به ولو كان عذره مختصا به لم يفعلوا ~~ذلك. وقيل إنه خشي أن الأعراب يظنون أن الصلاة أربع وهذا أيضا ضعيف؛ فإن ~~الأعراب كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أجهل منهم في زمن عثمان ولم ~~يتمم الصلاة. وأيضا فهم يرون صلاة المسلمين في المقام أربع ركعات. وأيضا ~~فظنهم أن السنة في صلاة المسافر أربع ms7303 خطأ منهم فلا يسوغ مخالفة السنة ليحصل ~~بالمخالفة ما هو بمثل ذلك وعروة قد قال: إن عائشة تأولت كما تأول عثمان ~~وعائشة أخبرت أن الإتمام لا يشق عليها. # PageV24P161 # أو يكون ذلك كما رآه من رآه لأجل شقة السفر ورأوا أن الدنيا لما اتسعت ~~عليهم لم يحصل لهم من المشقة ما كان يحصل على من كان صلى أربعا كما قد جاء ~~عن عثمان من نهيه عن المتعة التي هي الفسخ أن ذلك كان لأجل حاجتهم إذ ذاك ~~إلى هذه المتعة فتلك الحاجة قد زالت. # PageV24P162 ### | باب صلاة الجمعة # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # من أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من ~~المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين وغيرهم عامة ولأهل العلم والدين خاصة. ~~سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو على ~~كل شيء قدير وأسأله أن يصلي على خيرته من خلقه: محمد عبده ورسوله وخاتم ~~أنبيائه الذي بعثه بالبينات والهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. # PageV24P163 # أما بعد: فإن وفدا قدموا من نحو أرضكم. فأخبرونا بنحو مما كنا نسمع عن ~~أهل ناحيتكم من الاعتصام بالسنة والجماعة والتزام شريعة الله التي شرعها ~~على لسان رسوله ومجانبة ما عليه كثير من الأعراب من الجاهلية التي كانوا ~~عليها قبل الإسلام؛ من سفك بعضهم دماء بعض ونهب أموالهم وقطيعة الأرحام ~~والانسلال عن ربقة الإسلام وتوريث الذكور دون الإناث وإسبال الثياب والتعزي ~~بعزاء الجاهلية. وهو قولهم: يا لبني فلان أو يا لفلان. والتعصب للقبيلة ~~بالباطل وترك ما فرضه الله في النكاح من العدة ونحوها ثم ما زينه الشيطان ~~لفريق منهم من الأهواء التي باينوا بها عقائد السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار وخالفوا شريعة الله لهم من الاستغفار للأولين بقوله ~~تعالى: {والذين جاءوا ms7304 من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} . ~~ووقعوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقيعة التي لا تصدر ممن ~~وقر الإيمان في قلبه. فالحمد لله الذي عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيرا من ~~خلقه وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ونسأل الله العظيم المنان بديع ~~السموات والأرض أن يتمم علينا وعليكم نعمته ويوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه ~~من القول والعمل ويجعلنا من التابعين بإحسان للسابقين الأولين. # PageV24P164 # وليس هذا ببدع: فإن أهل البحرين ما زالوا من عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أهل إسلام وفضل {قد قدم وفدهم من عبد القيس على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - وفيهم الأشج - فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا ~~بالوفد غير خزايا ولا ندامى فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي ~~من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل نعمل به ~~ونأمر به من وراءنا: فقال: آمركم بالإيمان بالله: أتدرون ما الإيمان بالله؟ ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم} ولم يكن قد فرض الحج إذ ذاك {وقال ~~للأشج: إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة قال: خلقين تخلقت بهما أو ~~خلقين جبلت عليهما؟ قال خلقين جبلت عليهما فقال: الحمد لله الذي جبلني على ~~خلقين يحبهما الله} . ثم إنهم أقاموا الجمعة بأرضهم فأول جمعة جمعت في ~~الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثى قرية من قرى البحرين. ثم إنهم ثبتوا ~~على الإسلام لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب ~~وقاتل بهم أميرهم العلاء بن # PageV24P165 # الحضرمي - الرجل الصالح - أهل الردة ولهم في السيرة أخبار حسان. فالله ~~سبحانه وتعالى يوفق آخرهم لما وفق له أولهم إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقد ~~حدثنا بعض الوفد أنهم كانوا يجمعون ببعض أرضكم ms7305 ثم إن بعض أهل العراق أفتاهم ~~بترك الجمعة فسألناه عن صفة المكان فقال هنالك مسجد مبني بمدر وحوله أقوام ~~كثيرون مقيمون مستوطنون لا يظعنون عن المكان: شتاء ولا صيفا إلا أن يخرجهم ~~أحد بقهر بل هم وآباؤهم وأجدادهم مستوطنون بهذا المكان كاستيطان سائر أهل ~~القرى لكن بيوتهم ليست مبنية بمدر إنما هي مبنية بجريد النخل ونحوه. ~~فاعلموا - رحمكم الله - أن مثل هذه الصورة تقام فيها الجمعة فإن كل قوم ~~كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا تقام فيه الجمعة ~~إذ كان مبنيا بما جرت به عادتهم: من مدر وخشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ~~ذلك. فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل أن يكونوا ~~مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر ~~ويتنقلون في البقاع وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور ~~العلماء. # PageV24P166 # وبقصة أرضكم احتج الجمهور على أبي حنيفة حيث قال: لا تقام الجمعة في ~~القرى بالحديث المأثور عن ابن عباس - رضي الله عنهما - " أن أول جمعة جمعت ~~في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بالبحرين بقرية يقال لها جواثى من قرى ~~البحرين " وبأن أبا هريرة - رضي الله عنه - وكان عامل عمر رضي الله عنه على ~~البحرين فكتب إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في إقامة الجمعة بقرى البحرين ~~فكتب إليه عمر: أقيموا الجمعة حيث كنتم. ولعل الذين قالوا لكم: إن الجمعة ~~لا تقام قد تقلدوا قول من يرى الجمعة لا تقام في القرى أو اعتقدوا أن معنى ~~قول الفقهاء في الكتب المختصرة " إنما تقام بقرية مبنية بناء متصلا أو ~~متقاربا بحيث يشمله اسم واحد فاعتقدوا أن البناء لا يكون إلا بالمدر من طين ~~أو كلس أو حجارة أو لبن وهذا غلط منهم بل قد نص العلماء على أن البناء إنما ~~يعتبر بما جرت به عادة أولئك المستوطنين من أي شيء كان: قصب أو خشب ونحوه. ~~ولهذا فالعلماء الأئمة إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمد وبين المقيمين ms7306 بأن ~~أولئك يتنقلون ولا يستوطنون بقعة بخلاف المستوطنين وقد كان قوم من السلف ~~يبنون لهم بيوتا من قصب {والنبي صلى الله عليه وسلم سقف مسجده بجريد النخل ~~حتى كان يكف المسجد # PageV24P167 # إذا نزل المطر. قالوا: يا رسول الله: لو بنينا لك - يعنون بناء مشيدا - ~~فقال: بل عريش كعريش موسى} ". وقد نص على مسألتكم بعينها - وهي البيوت ~~المصنوعة من جريد أو سعف - غير واحد من العلماء منهم أصحاب الإمام أحمد ~~كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن الآمدي وابن عقيل وغيرهم. فإنهم ذكروا أن كل ~~بيوت مبنية من آجر أو طين أو حجارة أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف فإنه تقام ~~عندهم الجمعة وكذلك ذكرها غير واحد من أصحاب الشافعي رضي الله عنهم من ~~الخراسانيين: كصاحب " الوسيط " فيما أظن ومن العراقيين أيضا أن بيوت السعف ~~تقام فيها الجمعة. وخالف هؤلاء الماوردي في الحاوي فذكر أن بيوت القصب ~~والجريد لا تقام فيها الجمعة بل تقام في بيوت الخشب الوثيقة. وهذا الفرق ~~ضعيف مخالف لما عليه الجمهور والقياس ولما دلت عليه الآثار وكلام الأئمة. ~~فإن أبا هريرة كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يسأله عن الجمعة وهو ~~بالبحرين فكتب إليه عمر بن الخطاب أن جمعوا حيثما كنتم. وذهب الإمام أحمد ~~إلى حديث عمر هذا. وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يمر بالمياه ~~التي # PageV24P168 # بين مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل فلا ينكر عليهم. فهذا عمر ~~يأمر أهل البحرين بالتجميع حيث استوطنوا مع العلم بأن بعض البيوت تكون من ~~جريد ولم يشترط بناء مخصوصا وكذلك ابن عمر أقر أهل المنازل التي بين مكة ~~والمدينة على التجميع ومعلوم أنها لم تكن من مدر وإنما هي إما من جريد أو ~~سعف. وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة لأنهم ينتقلون. فعلل سقوطها ~~بالانتقال فكل من كان مستوطنا لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى والفرق ~~بين هؤلاء وبين أهل الخيام من وجهين: أحدهما: أن أولئك في العادة الغالبة ~~لا يستوطنون ms7307 مكانا بعينه وإن استوطن فرق منهم مكانا فهم في مظنة الانتقال ~~عنه بخلاف هؤلاء المستوطنين الذين يحترثون ويزدرعون ولا ينتقلون إلا كما ~~ينتقل أهل أبنية المدر. إما لحاجة تعرض أو ليد غالبة تنقلهم كما تفعله ~~الملوك مع الفلاحين. الثاني: أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا ~~فصارت من المنقول لا من العقار بخلاف الخشب والقصب والجريد فإن أصحابها لا ~~ينقلونها ليبنوا بها في المكان الذي ينتقلون إليه وإنما يبنون # PageV24P169 # في كل مكان بما هو قريب منه مع أن هذا ليس موضع استقصاء الأدلة في ~~المسألة وهذه المسألة " إقامة الجمعة بالقرى " أول ما ابتدأت من ناحيتكم ~~فلا تقطعوا هذه الشريعة من أرضكم فإن الله يجمع لكم جوامع الخير. ثم اعلموا ~~- رحمكم الله وجمع لنا ولكم خير الدنيا والآخرة - أن الله بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان قد بعث إلى ذوي أهواء متفرقة ~~وقلوب متشتتة وآراء متباينة فجمع به الشمل وألف به بين القلوب وعصم به من ~~كيد الشيطان. ثم إنه سبحانه وتعالى بين أن هذا الأصل - وهو الجماعة - عماد ~~لدينه. فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} {ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون} {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # PageV24P170 # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون} {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. فانظروا - ~~رحمكم الله كيف دعا الله إلى الجماعة ونهى عن الفرقة وقال في الآية الأخرى: ~~{إن الذين ms7308 فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} فبرأ نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. كما نهانا عن التفرق ~~والاختلاف بقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} . وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى ~~الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما ~~فقئ في وجهه حب الرمان وقال {: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ~~ببعض} قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا ~~أكون في ذلك المجلس روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في ~~الصحيحين والحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها أنه قال ~~صلى الله عليه وسلم {تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة # PageV24P171 # كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ~~ما أنا عليه اليوم وأصحابي} " وفي رواية " هي الجماعة " وفي رواية " {يد ~~الله على الجماعة} فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم ~~الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في ~~الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وكانوا ~~يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة ~~العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب ~~المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه ~~فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع. فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قد ~~خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ~~وقالت: " من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية " وجمهور ~~الأمة على قول ابن ms7309 عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم ~~المؤمنين رضي الله عنها وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي لما ~~قيل لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { # PageV24P172 # ما أنتم بأسمع لما أقول منهم} " فقالت: إنما قال: إنهم ليعلمون الآن أن ~~ما قلت لهم حق. ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال كما ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في ~~الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام} صح ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من الأحاديث. وأم المؤمنين تأولت ~~والله يرضى عنها. وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال: إنما كان ~~بروحه والناس على خلاف معاوية رضي الله عنه ومثل هذا كثير. وأما الاختلاف ~~في " الأحكام " فأكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا ~~لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: {لا يصلين أحد العصر إلا في بني ~~قريظة فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة ~~وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب ~~واحدا من الطائفتين} . أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر. وهذا وإن كان ~~في الأحكام فما لم # PageV24P173 # يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام. وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~{ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات ~~البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين} رواه أبو داود من ~~حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه. وصح عنه أنه قال: {لا يحل لمسلم أن ~~يهجر أخاه فوق ms7310 ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.} ~~نعم صح عنه أنه هجر كعب بن مالك وصاحبيه - رضي الله عنهم - لما تخلفوا عن ~~غزوة تبوك وظهرت معصيتهم وخيف عليهم النفاق فهجرهم وأمر المسلمين بهجرهم ~~حتى أمرهم باعتزال أزواجهم من غير طلاق خمسين ليلة إلى أن نزلت توبتهم من ~~السماء. وكذلك أمر عمر رضي الله عنه المسلمين بهجر صبيغ بن عسل التميمي لما ~~رآه من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب إلى أن مضى عليه حول وتبين صدقه في ~~التوبة فأمر المسلمين بمراجعته. فبهذا ونحوه # PageV24P174 # رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع ~~الداعين إليها والمظهرين للكبائر فأما من كان مستترا بمعصية أو مسرا لبدعة ~~غير مكفرة فإن هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعي إلى البدعة؛ إذ الهجر نوع من ~~العقوبة وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولا أو عملا. وأما من أظهر لنا خيرا ~~فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى فإن غايته أن يكون بمنزلة ~~المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم ~~إلى الله لما جاءوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون. ولهذا كان الإمام أحمد ~~وأكثر من قبله وبعده من الأئمة: كمالك وغيره لا يقبلون رواية الداعي إلى ~~بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رمي ~~ببدعة من الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى البدع. والذي أوجب هذا الكلام ~~أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ذكروا: أن الأمر آل ~~إلى قريب المقاتلة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله هو ~~المسئول أن يؤلف بين قلوبنا وقلوبكم ويصلح ذات بيننا ويهدينا سبل السلام ~~ويخرجنا # PageV24P175 # من الظلمات إلى النور ويجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ويبارك لنا في ~~أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ما أبقانا ويجعلنا شاكرين لنعمه مثنين ~~بها عليه قابليها ويتممها علينا. وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في " مسألة ~~رؤية الكفار ربهم " وما كنا نظن أن الأمر يبلغ ms7311 بهذه المسألة إلى هذا الحد ~~فالأمر في ذلك خفيف، ثم ذكر الجواب. وتقدم في " كتاب الأسماء والصفات ". # PageV24P176 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # تنازع الناس في " صلاة الجمعة والعيدين " هل تشترط لهما الإقامة أم تفعل ~~في السفر؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: من شرطهما جميعا الإقامة فلا يشرعان في ~~السفر. هذا قول الأكثرين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين ~~عنه. والثاني: يشترط ذلك في الجمعة دون العيد وهو قول الشافعي وأحمد في ~~الرواية الثانية عنه. والثالث: لا يشترط لا في هذا ولا هذا كما يقوله من ~~يقوله من الظاهرية وهؤلاء عمدتهم مطلق الأمر ولقوله {إذا نودي} ونحو ذلك. ~~وزعموا أنه ليس في الشرع ما يوجب الاختصاص بالمقيم. والذين فرقوا بين ~~الجمعة والعيد قالوا: العيد إما نفل وإما فرض على # PageV24P177 # الكفاية ولا يسقط به فرض آخر كما تسقط الظهر بالجمعة والنوافل مشروعة ~~للمقيم والمسافر كصلاة الضحى وقيام الليل والسنن الرواتب وكذلك فرض الكفاية ~~كصلاة الجنائز. والصواب بلا ريب هو القول الأول وهو أن ذلك ليس بمشروع ~~للمسافر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسافر أسفارا كثيرة. قد ~~اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته وحج حجة الوداع ومعه ألوف مؤلفة وغزا أكثر من ~~عشرين غزاة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيدا بل كان ~~يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام ~~ولم ينقل عنه أحد قط أنه خطب يوم الجمعة وهو مسافر قبل الصلاة لا وهو قائم ~~على قدميه ولا على راحلته كما كان يفعله في خطبة العيد ولا على منبر كما ~~كان يخطب يوم الجمعة وقد كان أحيانا يخطب بهم في السفر خطبا عارضة ~~فينقلونها كما في حديث عبد الله بن عمرو (1) ولم ينقل عنه قط أحد أنه خطب ~~يوم الجمعة في السفر قبل الصلاة؛ بل ولا نقل عنه أحد أنه جهر بالقراءة يوم ~~الجمعة ومعلوم أنه لو غير العادة فجهر وخطب لنقلوا ذلك ويوم ms7312 عرفة خطب بهم ~~ثم نزل فصلى بهم ركعتين ولم ينقل أحد أنه جهر ولم تكن تلك الخطبة للجمعة؛ ~~PageV24P178 # فإنها لو كانت للجمعة لخطب في غير ذلك اليوم من أيام الجمع وإنما كانت ~~لأجل النسك. ولهذا كان علماء المسلمين قاطبة على أنه يخطب بعرفة وإن لم يكن ~~يوم جمعة؛ فثبت بهذا النقل المتواتر أنها خطبة لأجل يوم عرفة وإن لم يكن ~~يوم جمعة لا ليوم الجمعة وكذلك أيضا لم يصل العيد بمنى لا هو ولا أحد من ~~خلفائه الراشدين فقد دخل مكة عام الفتح ودخلها في شهر رمضان فأدرك فيها عيد ~~الفطر ولم يصل بها يوم العيد صلاة العيد ولم ينقل ذلك مسلم. ومن المعلوم ~~أنهم لو كان صلى بهم صلاة العيد بمكة مع كثرة المسلمين معه كانوا أكثر من ~~عشرة آلاف لكان هذا من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وكذلك بدر ~~كانت في شهر رمضان وأدركه يوم العيد في السفر ولم يصل صلاة عيد في السفر. ~~وأيضا فإنه لم يكن أحد يصلي صلاة العيد بالمدينة إلا معه كما لم يكونوا ~~يصلون الجمعة إلا معه وكان بالمدينة مساجد كثيرة لكل دار من دور الأنصار ~~مسجد ولهم إمام يصلي بهم والأئمة يصلون بهم الصلوات الخمس ولم يكونوا يصلون ~~بهم لا جمعة ولا عيدا. فعلم أن العيد كان عندهم من جنس الجمعة لا من جنس ~~التطوع المطلق ولا من جنس صلاة الجنازة وقول القائل إن صلاة العيد تطوع: ~~ممنوع # PageV24P179 # ولو سلم قيل له هذه مخصوصة بخصائص لا يشركها فيها غيرها والسنة مضت بأن ~~المسلمين كلهم يجتمعون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بعده ولم ~~يكونوا في سائر التطوع يفعلون هذا وكان يخرج بهم إلى الصحراء ويكبر فيها ~~ويخطب بعدها وهذا مشروع في كل يوم عيد شريعة راتبة والاستسقاء لم يختص ~~بالصلاة؛ بل كان مرة يستسقي بالدعاء فقط وهو في المدينة ومرة يخرج إلى ~~الصحراء ويستسقي بصلاة وبغير صلاة حتى إن من العلماء من لم يعرف في ~~الاستسقاء صلاة كأبي حنيفة ms7313 فلما كان الاستسقاء يشرع بغير صلاة ولا خطبة ~~ولآحاد الناس لم يلحق بالعيد الذي لا يكون إلا بصلاة وخطبة وهو شريعة راتبة ~~ليس مشروعا لأمر عارض كالكسوف والاستسقاء. وأيضا فإن علي بن أبي طالب لما ~~استخلف للناس من يصلي العيد بالضعفاء في المسجد الجامع أمره أن يصلي أربع ~~ركعات كما أن من لم يصل الجمعة صلى أربعا ولم يكن الناس يعرفون قبل علي أن ~~يصلي أحد العيد إلا مع الإمام في الصحراء فإذا كانت سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه لم يكن فيها صلاة عيد إلا مع الإمام بطل أن يكون بمنزلة ~~ما كانوا يفعلونه وحدانا وجماعة. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يشرعها للنساء بل أمرهن أن يخرجن يوم العيد حتى أمر بإخراج الحيض فقالوا ~~له: إن لم # PageV24P180 # يكن للمرأة جلباب قال {لتلبسها أختها من جلبابها} وهذا توكيد لخروجهن يوم ~~العيد مع أنه في الجمعة والجماعة قال {وبيوتهن خير لهن} وذلك لأنه كان ~~يمكنهن أن يصلين في البيوت يوم الجمعة كسائر الأيام فيصلين ظهرا فلو كانت ~~صلاة العيد مشروعة لهن في البيوت لأغنى ذلك عن توكيد خروجهن. وأيضا لو كان ~~ذلك جائزا لفعله النساء على عهده كما كن يصلين التطوعات. فلما لم ينقل أحد ~~أن أحدا من النساء صلى العيد على عهده في البيت ولا من الرجال بل كن يخرجن ~~بأمره إلى المصلى علم أن ذلك ليس من شرعه. وأيضا فعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قيل له: إن بالمدينة ضعفاء لا يمكنهم الخروج معك فلو استخلفت من يصلي ~~بهم فاستخلف من صلى بهم. فلو كان الواحد يفعلها لم يحتج إلى الاستخلاف الذي ~~لم تمض به السنة ودل ما فعله أمير المؤمنين علي على الفرق بين القادر على ~~الخروج إلى المصلى والعاجز عنه. فالقادر يخرج والنساء قادرات على الخروج ~~فيخرجن ولا يصلين وحدهن وكذلك من كان من المسافرين في البلد فإنه يمكنهم أن ~~يصلوا مع الإمام فلا يصلون وحدهم بإمام بخلاف الجمعة فإنهم إذا ms7314 لم يصلوها ~~صلوا وحدهم وإذا كانوا في بيوتهم صلوا بإمام كما يصلون في الصحراء وأما من ~~كان # PageV24P181 # يوم العيد مريضا أو محبوسا وعادته يصلي العيد فهذا لا يمكنه الخروج ~~فهؤلاء بمنزلة الذين استخلف علي من يصلي بهم فيصلون جماعة وفرادى ويصلون ~~أربعا كما يصلون يوم الجمعة بلا تكبير ولا جهر بالقراءة ولا أذان وإقامة ~~لأن العيد ليس له أذان وإقامة فلا يكون في المبدل عنه بخلاف الجمعة فإن ~~فيها وفي الظهر أذانا وإقامة والجمعة كل من فاتته صلى الظهر؛ لأن الظهر ~~واجبة فلا تسقط إلا عمن صلى الجمعة فلا بد لكل من كان من أهل وجوب الصلاة ~~أن يصلي يوم الجمعة إما الجمعة وإما الظهر ولهذا كان النساء والمسافرون ~~وغيرهم إذا لم يصلوا الجمعة صلوا ظهرا. وأما يوم العيد فليس فيه صلاة ~~مشروعة غير صلاة العيد وإنما تشرع مع الإمام فمن كان قادرا على صلاتها مع ~~الإمام من النساء والمسافرين فعلوها معه وهم مشروع لهم ذلك بخلاف الجمعة ~~فإنهم إن شاءوا صلوها مع الإمام وإن شاءوا صلوها ظهرا؛ بخلاف العيد فإنهم ~~إذا فوتوه فوتوه إلى غير بدل فكان صلاة العيد للمسافر والمرأة أوكد من صلاة ~~يوم الجمعة والجمعة لها بدل بخلاف العيد. وكل من العيدين إنما يكون في ~~العام مرة والجمعة تتكرر في العام خمسين جمعة وأكثر فلم يكن تفويت بعض ~~الجمع كتفويت العيد. ومن يجعل العيد واجبا على الأعيان لم يبعد أن يوجبه ~~على من # PageV24P182 # كان في البلد من المسافرين والنساء كما كان فإن جميع المسلمين الرجال ~~والنساء كانوا يشهدون العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقول بوجوبه ~~على الأعيان أقوى من القول بأنه فرض على الكفاية. وأما قول من قال إنه تطوع ~~فهذا ضعيف جدا؛ فإن هذا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وداوم عليه هو ~~وخلفاؤه والمسلمون بعده ولم يعرف قط دار إسلام يترك فيها صلاة العيد وهو من ~~أعظم شعائر الإسلام. وقوله تعالى {ولتكبروا الله على ما هداكم} ونحو ذلك من ~~الأمر ms7315 بالتكبير في العيدين أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب ~~والزائد بطريق الأولى والأحرى وإذا لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تركه للنساء فكيف للرجال. ومن قال: هو فرض على الكفاية. قيل له: هذا إنما ~~يكون فيما تحصل مصلحته بفعل البعض كدفن الميت وقهر العدو وليس يوم العيد ~~مصلحة معينة يقوم بها البعض بل صلاة يوم العيد شرع لها الاجتماع أعظم من ~~الجمعة فإنه أمر النساء بشهودها ولم يؤمرن بالجمعة بل أذن لهن فيها وقال: ~~{صلاتكن في بيوتكن خير لكن} . ثم هذه المصلحة بأي عدد تحصل؟ فمهما قدر من ~~ذلك كان تحكما سواء قيل بواحد أو اثنين أو ثلاثة. وإذا قيل بأربعين فهو ~~قياس على الجمعة وهو فرض على الأعيان فليس لأحد أن يتخلف عن العيد # PageV24P183 # إلا لعجزه عنه وإن تخلف عن الجمعة لسفر أو أنوثة. والله أعلم. وكذلك ~~يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من المسافرين وإن لم يجب عليهم ~~الإتمام كما لو صلوا خلف من يتم فإن عليهم الإتمام تبعا للإمام كذلك تجب ~~عليهم الجمعة تبعا للمقيمين كما أوجبها على المقيم غير المستوطن تبعا من ~~أثبت نوعا ثالثا بين المقيم المستوطن وبين المسافر وهو المقيم غير المستوطن ~~فقال: تجب عليه ولا تنعقد به. وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر. والمقيم هو المستوطن ومن سوى هؤلاء ~~فهو مسافر يقصر الصلاة وهؤلاء تجب عليهم الجمعة لأن قوله {إذا نودي للصلاة} ~~ونحوها يتناولهم وليس لهم عذر ولا ينبغي أن يكون في مصر المسلمين من لا ~~يصلي الجمعة إلا من هو عاجز عنها كالمريض والمحبوس وهؤلاء قادرون عليها؛ ~~لكن المسافرون لا يعقدون جمعة لكن إذا عقدها أهل المصر صلوا معهم وهذا أولى ~~من إتمام الصلاة خلف الإمام المقيم. وكذلك وجوبها على العبد قوي: إما مطلقا ~~وإما إذا أذن له السيد والمسافر في المصر لا يصلي على الراحلة وإن كان يقصر ~~الصلاة فكذلك الجمعة وأما إفطاره: فالنبي صلى ms7316 الله عليه وسلم دخل مكة في ~~شهر رمضان وكان هو والمسلمون مفطرين وما نقل أنهم أمروا بابتداء # PageV24P184 # الصوم فالفطر كالقصر؛ لأن الفطر مشروع للمسافر في الإقامات التي تتخلل ~~السفر كالقصر؛ بخلاف الصلاة على الراحلة فإنه لا يشرع إلا في حال السير ~~ولأن الله علق الفطر والقصر بمسمى السفر بخلاف الصلاة على الراحلة فليس فيه ~~لفظ إتمام بل فيه الفعل الذي لا عموم له فهو من جنس الجمع بين الصلاتين ~~الذي يباح للعذر مطلقا كما أن الصلاة على الراحلة تباح للعذر في السفر في ~~الفريضة مع العذر المانع من النزول والمتطوع محتاج إلى دوام التطوع وهذا لا ~~يمكن مع النزول والسفر وإذا جاز التطوع قاعدا مع إمكان القيام فعلى الراحلة ~~للمسافر أجوز. وكانوا في العيد يأخذون من الصبيان من يأخذوه كما شهد ابن ~~عباس العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن قد احتلم. وأما من كان ~~عاجزا عن شهودها مع الإمام فهذا أهل أن يفعل ما يقدر عليه فإن الشريعة فرقت ~~في المأمورات كلها بين القادر والعاجز فالقادر عليها إذا لم يأت بشروطها لم ~~يكن له فعلها والعاجز إذا عجز عن بعض الشروط سقط عنه فمن كان قادرا على ~~الصلاة إلى القبلة قائما بطهارة لم يكن له أن يصلي بدون ذلك بخلاف العاجز ~~فإنه يصلي بحسب حاله كيفما أمكنه فيصلي عريانا وإلى غير القبلة وبالتيمم ~~إذا لم يمكنه إلا ذلك فهكذا يوم العيد إذا لم يمكنه الخروج مع الإمام سقط ~~عنه ذلك وجوز له أن # PageV24P185 # يفعل ما يقدر عليه ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه فيصلي ~~أربعا وتكون الركعتان بدل الخطبة التي لم يصل بها كما كانت الخطبة يوم ~~الجمعة قائمة مقام ركعتين والتكبير إنما شرع في الصلاة الثنائية التي تكون ~~معها خطبة وكذلك الجهر بالقراءة كما أنه في الجمعة يجهر الإمام في الثنائية ~~ولا يجهر من يصلي الأربع كذلك يوم العيد لا يجهر من يصلي الأربع فالمحبوس ~~والمريض والذي خرج ليصلي ففاتته الصلاة ms7317 مع الإمام يصلون يوم العيد بخلاف من ~~تعمد الترك. فهذا أصل عظيم مضت به السنة في الفرق بين الجمعة والعيد وقد ~~اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته العيد هل يصلي أربعا أو ركعتين أو يخير ~~بينهما؟ على ثلاث روايات. # PageV24P186 # وسئل: # عن قوم مقيمين بقرية وهم دون أربعين ماذا يجب عليهم؛ أجمعة؟ أم ظهر؟ # فأجاب: # أما إذا كان في القرية أقل من أربعين رجلا فإنهم يصلون ظهرا عند أكثر ~~العلماء: كالشافعي وأحمد في المشهور عنه وكذلك أبو حنيفة لكن الشافعي وأحمد ~~وأكثر العلماء يقولون: إذا كانوا أربعين صلوا جمعة. # PageV24P187 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة؛ هل فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ أو أحد من الصحابة والتابعين والأئمة؟ أم لا؟ وهل هو منصوص في مذهب ~~من مذاهب الأئمة المتفق عليهم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم {بين كل ~~أذانين صلاة} ". هل هو مخصوص بيوم الجمعة؟ أم هو عام في جميع الأوقات؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي ~~قبل الجمعة بعد الأذان شيئا ولا نقل هذا عنه أحد فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر ويؤذن بلال ثم يخطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين ثم يقيم بلال فيصلي النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالناس فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين ~~الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم ولا نقل عنه أحد أنه صلى في بيته قبل ~~الخروج يوم الجمعة ولا وقت بقوله: صلاة # PageV24P188 # مقدرة قبل الجمعة بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة ~~إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت. كقوله: " من بكر وابتكر ~~ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له ". وهذا هو المأثور عن الصحابة كانوا إذا ~~أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر فمنهم من يصلي عشر ms7318 ~~ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي ثمان ركعات ومنهم من ~~يصلي أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة ~~سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو فعله. وهو لم يسن في ذلك شيئا لا بقوله ولا فعله وهذا مذهب مالك ~~ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وهو المشهور في مذهب أحمد. وذهب طائفة من ~~العلماء إلى أن قبلها سنة فمنهم من جعلها ركعتين كما قاله طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد. ومنهم من جعلها أربعا كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة وطائفة من ~~أصحاب أحمد وقد نقل عن الإمام أحمد ما استدل به على ذلك. وهؤلاء منهم من ~~يحتج بحديث ضعيف ومنهم من يقول: هي # PageV24P189 # ظهر مقصورة وتكون سنة الظهر سنتها وهذا خطأ من وجهين. # أحدهما أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين ~~وإن سميت ظهرا مقصورة فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى والظهر تقضى ~~والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام وغير ذلك والظهر لا يشترط ~~لها شيء من ذلك فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع اختصاص ~~الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر فإنه إذا كانت الجمعة تشارك الظهر في حكم ~~وتفارقها في حكم لم يمكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل فليس جعل ~~السنة من موارد الاشتراك بأولى من جعلها من موارد الافتراق. # الوجه الثاني أن يقال: هب أنها ظهر مقصورة فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يصلي في سفره سنة الظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها وإنما كان يصليها ~~إذا أتم الظهر فصلى أربعا فإذا كانت سنته التي فعلها في الظهر المقصورة ~~خلاف التامة كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم وكان السبب المقتضي لحذف بعض ~~الفريضة أولى بحذف السنة الراتبة كما قال بعض الصحابة: لو كنت متطوعا ~~لأتممت الفريضة. فإنه لو استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر ~~أربعا أولى من ms7319 أن يصلي ركعتين فرضا وركعتين سنة. # PageV24P190 # وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة أنه كان ~~لا يصلي في السفر إلا ركعتين: الظهر والعصر والعشاء. وكذلك لما حج بالناس ~~عام حجة الوداع لم يصل بهم بمنى وغيرها إلا ركعتين. وكذلك أبو بكر بعده لم ~~يصل إلا ركعتين. وكذلك عمر بعده لم يصل إلا ركعتين. ومن نقل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه صلى الظهر أو العصر أو العشاء في السفر أربعا فقد أخطأ. ~~والحديث المروي في ذلك عن عائشة هو حديث ضعيف في الأصل مع ما وقع فيه من ~~التحريف. فإن لفظ الحديث: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم {أفطرت وصمت؟ ~~وقصرت وأتممت؟ فقال: أصبت يا عائشة} " فهذا مع ضعفه وقيام الأدلة على أنه ~~باطل روي أن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر ويصوم ويقصر ~~ويتم. فظن بعض الأئمة أن الحديث فيه أنها روت الأمرين عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا: أن السنة للمسافر أن ~~يصلي ركعتين والأئمة متفقون على أن هذا هو الأفضل إلا قولا مرجوحا للشافعي. ~~وأكثر الأئمة يكرهون التربيع للمسافر كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~أنص الروايتين عنه. ثم من هؤلاء من يقول: لا يجوز التربيع # PageV24P191 # كقول أبي حنيفة. ومنهم من يقول: يجوز مع الكراهة: كقول مالك وأحمد. ~~فيقال: لو كان الله يحب للمسافر أن يصلي ركعتين ثم ركعتين لكان يستحب له أن ~~يصلي الفرض أربعا فإن التقرب إليه ببعض الظهر أفضل من التقرب إليه بالتطوع ~~مع الظهر. ولهذا أوجب على المقيم أربعا فلو أراد المقيم أن يصلي ركعتين ~~فرضا وركعتين تطوعا لم يجز له ذلك والله تعالى لا يوجب عليه وينهاه عن شيء ~~إلا والذي أمره به خير من الذي نهاه عنه فعلم أن صلاة الظهر أربعا خير عند ~~الله من أن يصليها ركعتين مع ركعتين تطوعا. فلما كان سبحانه لم يستحب ~~للمسافر التربيع بخير الأمرين ms7320 عنده فلأن لا يستحب التربيع بالأمر المرجوح ~~عنده أولى. فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو أكمل الأمور وأن هديه خير الهدي وأن المسافر إذا اقتصر على ركعتي الفرض ~~كان أفضل له من أن يقرن بهما ركعتي السنة. وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ~~ظهرا مقصورة لم يكن من السنة أن يقرن بها سنة ظهر المقيم بل تجعل كظهر ~~المسافر المقصورة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر ركعتي ~~الفجر والوتر ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه # PageV24P192 # لا يصلي عليها المكتوبة. وهذا لأن الفجر لم تقصر في السفر فبقيت سنتها ~~على حالها بخلاف المقصورات في السفر والوتر مستقل بنفسه كسائر قيام الليل ~~وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة وسنة الفجر تدخل في صلاة الليل من بعض ~~الوجوه. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليه في السفر لاستقلاله ~~وقيام المقتضي له. والصواب أن يقال: ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة ولو ~~كان الأذانان على عهده فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {بين كل أذانين ~~صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة. ثم قال في الثالثة: لمن شاء} ~~كراهية أن يتخذها الناس سنة. فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الصلاة مشروعة ~~قبل العصر وقبل العشاء الآخرة وقبل المغرب وأن ذلك ليس بسنة راتبة. وكذلك ~~قد ثبت أن أصحابه كانوا يصلون بين أذاني المغرب وهو يراهم فلا ينهاهم ولا ~~يأمرهم ولا يفعل هو ذلك. فدل على أن ذلك فعل جائز. وقد احتج بعض الناس على ~~الصلاة قبل الجمعة بقوله: {بين كل أذانين صلاة} ". وعارضه غيره فقال: ~~الأذان الذي على المنابر لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ~~عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه ~~وقعوده على المنبر. ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان # PageV24P193 # واتفق المسلمون عليه صار أذانا شرعيا وحينئذ فتكون الصلاة ms7321 بينه وبين ~~الأذان الثاني جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب. وحينئذ ~~فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه. وهذا أعدل الأقوال ~~وكلام الإمام أحمد يدل عليه. وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال ~~يظنون أن هذه سنة راتبة أو أنها واجبة فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة ~~راتبة. ولا واجبة. لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى ~~لا تشبه الفرض كما استحب أكثر العلماء ألا يداوم على قراءة السجدة يوم ~~الجمعة مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها فإذا ~~كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى. وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا؛ لأنها تطوع مطلق أو ~~صلاة بين الأذانين كما يصلي قبل العصر والعشاء لا لأنها سنة راتبة فهذا ~~جائز. وإن كان الرجل مع قوم يصلونها فإن كان مطاعا إذا تركها - وبين لهم ~~السنة - لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة فتركها حسن وإن لم يكن مطاعا ورأى ~~أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع أو دفعا للخصام والشر لعدم ~~التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له # PageV24P194 # ونحو ذلك فهذا أيضا حسن. فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة ~~باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية. والمسلم قد ~~يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته كما ترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم وقال لعائشة: {لولا أن قومك حديثو ~~عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل ~~الناس منه وبابا يخرجون منه} والحديث في الصحيحين. فترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان ~~عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على ~~المصلحة. ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو ms7322 عنده أفضل إذا ~~كان فيه تأليف المأمومين مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يسلم في ~~الشفع ثم يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر فإذا لم ~~يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر ~~أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة ~~بالبسملة أفضل أو الجهر بها وكان المأمومون على خلاف رأيه # PageV24P195 # ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك ~~الفضيلة كان جائزا حسنا. وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة ~~وتعليمها لمن لم يعلمها كان حسنا مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو ~~البسملة ليعرف الناس أن فعل ذلك حسن مشروع في الصلاة كما ثبت في الصحيح أن ~~عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح فكان يكبر ويقول: " سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". قال الأسود بن يزيد: صليت خلف عمر ~~أكثر من سبعين صلاة فكان يكبر ثم يقول ذلك رواه مسلم في صحيحه. ولهذا شاع ~~هذا الاستفتاح حتى عمل به أكثر الناس. وكذلك كان ابن عمر وابن عباس يجهران ~~بالاستعاذة وكان غير واحد من الصحابة يجهر بالبسملة. وهذا عند الأئمة ~~الجمهور الذين لا يرون الجهر بها سنة راتبة كان ليعلم الناس أن قراءتها في ~~الصلاة سنة كما ثبت في الصحيح أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن ~~جهرا وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس أنها سنة. وذلك أن الناس في صلاة ~~الجنازة على قولين: منهم من لا يرى فيها قراءة بحال كما قاله كثير من السلف ~~وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. # PageV24P196 # ومنهم من يرى القراءة فيها سنة كقول الشافعي وأحمد لحديث ابن عباس هذا ~~وغيره. ثم من هؤلاء من يقول القراءة فيها واجبة كالصلاة. ومنهم من يقول: بل ~~هي سنة مستحبة ليست واجبة. وهذا أعدل الأقوال الثلاثة؛ فإن السلف فعلوا هذا ~~وهذا وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وغير ms7323 ~~قراءة كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة وتارة بغير جهر بها وتارة ~~باستفتاح وتارة بغير استفتاح وتارة برفع اليدين في المواطن الثلاثة وتارة ~~بغير رفع اليدين وتارة يسلمون تسليمتين وتارة تسليمة واحدة وتارة يقرءون ~~خلف الإمام بالسر وتارة لا يقرءون وتارة يكبرون على الجنازة أربعا وتارة ~~خمسا وتارة سبعا كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل هذا. كل هذا ثابت عن ~~الصحابة. كما ثبت عنهم أن منهم من كان يرجع في الأذان ومنهم من لم يرجع ~~فيه. ومنهم من كان يوتر الإقامة ومنهم من كان يشفعها وكلاهما ثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # PageV24P197 # فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزا. ~~وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح ~~أحيانا لمصلحة راجحة. وهذا واقع في عامة الأعمال فإن العمل الذي هو في جنسه ~~أفضل قد يكون في مواطن غيره أفضل منه كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس ~~القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. ثم ~~الصلاة بعد الفجر والعصر منهي عنها والقراءة والذكر والدعاء أفضل منها في ~~تلك الأوقات وكذلك القراءة في الركوع والسجود منهي عنها والذكر هناك أفضل ~~منها والدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر وقد يكون العمل ~~المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين؛ لكونه عاجزا عن الأفضل أو لكون محبته ~~ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر فيكون أفضل في حقه لما يقترن به من ~~مزيد عمله وحبه وإرادته وانتفاعه كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ~~ما لا ينتفع بما لا يشتهيه وإن كان جنس ذلك أفضل. ومن هذا الباب صار الذكر ~~لبعض الناس في بعض الأوقات خيرا من القراءة والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات ~~خيرا من الصلاة وأمثال ذلك لكمال انتفاعه به لا لأنه في جنسه أفضل. # PageV24P198 # وهذا الباب " باب تفضيل بعض الأعمال على بعض " إن لم يعرف فيه التفضيل ~~وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال ms7324 في كثير من الأعمال وإلا وقع فيها اضطراب ~~كثير. فإن في الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه يحافظ عليه ما لا ~~يحافظ على الواجبات حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية الجاهلية ~~كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعارا لمذهبه. ومنهم من إذا رأى ~~ترك ذلك هو الأفضل يحافظ أيضا على هذا الترك أعظم من محافظته على ترك ~~المحرمات حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية الجاهلية كما تجده ~~فيمن يرى الترك شعارا لمذهبه وأمثال ذلك وهذا كله خطأ. والواجب أن يعطي كل ~~ذي حق حقه ويوسع ما وسعه الله ورسوله ويؤلف ما ألف الله بينه ورسوله ويراعي ~~في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح الشرعية والمقاصد الشرعية ويعلم أن ~~خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله ~~بعثه رحمة للعالمين بعثه بسعادة الدنيا والآخرة في كل أمر من الأمور وأن ~~يكون مع الإنسان من التفصيل ما يحفظ به هذا الإجمال وإلا فكثير من الناس ~~يعتقد هذا مجملا ويدعه عند التفصيل: إما جهلا وإما ظلما وإما اتباعا للهوى. ~~فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين # PageV24P199 # والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # فصل: # وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين} كما ثبت عنه في الصحيحين {أنه كان يصلي ~~قبل الفجر ركعتين: وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ~~ركعتين} . وأما الظهر ففي حديث ابن عمر {: أنه كان يصلي قبلها ركعتين} وفي ~~الصحيحين عن عائشة: " {أنه كان يصلي قبلها أربعا.} وفي الصحيح عن أم حبيبة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة ~~تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة} ". وجاء مفسرا في السنن: ~~{أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء ~~وركعتين قبل الفجر} . فهذه هي السنن ms7325 الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة: حديث ~~ابن عمر وعائشة وأم حبيبة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالليل: إما ~~إحدى عشرة ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة فكان مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ~~ونفله نحوا من أربعين ركعة. # PageV24P200 # والناس في هذه السنن الرواتب على ثلاثة أقوال: منهم من لا يوقت في ذلك ~~شيئا. كقول مالك فإنه لا يرى سنة إلا الوتر وركعتي الفجر. وكان يقول إنما ~~يوقت أهل العراق. ومنهم من يقدر في ذلك أشياء بأحاديث ضعيفة بل باطلة كما ~~يوجد في مذاهب أهل العراق وبعض من وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد فإن هؤلاء ~~يوجد في كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث في ذلك ما يعلم أهل المعرفة ~~بالسنة أنه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم كمن روى عنه صلى الله عليه ~~وسلم {أنه صلى قبل العصر أربعا} أو {أنه قضى سنة العصر} " أو {أنه صلى قبل ~~الظهر ستا} أو " بعدها أربعا " أو {أنه كان يحافظ على الضحى} . وأمثال ذلك ~~من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم. وأشد من ذلك ما يذكره ~~بعض المصنفين في " الرقائق والفضائل " في الصلوات الأسبوعية والحولية: ~~كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت ~~المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم. وكصلاة " الألفية ~~" التي في أول رجب ونصف شعبان والصلاة " الاثني عشرية " التي في أول ليلة ~~جمعة من رجب والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من # PageV24P201 # رجب وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم ~~عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه ولكن بلغ ذلك أقواما من أهل ~~العلم والدين فظنوه صحيحا فعملوا به وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم ~~لا على مخالفة السنة. وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ~~ضال مبتدع بل كافر. ms7326 والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة ~~عنه صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وفي ~~صحيح مسلم عنه أنه قال: {من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا} ~~. وقد روي الست عن طائفة من الصحابة جمعا بين هذا وهذا. والسنة أن يفصل بين ~~الفرض والنفل في الجمعة وغيرها. كما ثبت عنه في الصحيح {أنه صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام} فلا يفعل ما ~~يفعله كثير من الناس. يصل السلام بركعتي السنة فإن هذا ركوب لنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # PageV24P202 # وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض كما يميز بين العبادة ~~وغير العبادة. ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور والأكل يوم الفطر ~~قبل الصلاة ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين فهذا كله للفصل بين ~~المأمور به من الصيام وغير المأمور به والفصل بين العبادة وغيرها. وهكذا ~~تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها. وأيضا فإن كثيرا من أهل البدع ~~كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر ويظهرون أنهم سلموا وما ~~سلموا فيصلون ظهرا ويظن الظان أنهم يصلون السنة فإذا حصل التمييز بين الفرض ~~والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة وهذا له نظائر كثيرة والله سبحانه أعلم. # PageV24P203 # وسئل: # عن رجل خرج إلى صلاة الجمعة وقد أقيمت الصلاة: فهل يجري إلى أن يأتي ~~الصلاة أو يأتي هونا ولو فاتته؟. # فأجاب: # الحمد لله، إذا خشي فوت الجمعة فإنه يسرع حتى يدرك منها ركعة فأكثر وأما ~~إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة فهذا أفضل بل هو السنة والله أعلم. # وسئل: # عن الصلاة يوم الجمعة بالسجدة: هل تجب المداومة عليها أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ليست قراءة {الم} {تنزيل} التي فيها السجدة ولا غيرها من ذوات ~~السجود واجبة في فجر الجمعة باتفاق الأئمة ومن اعتقد ذلك واجبا أو ذم من ~~ترك ذلك فهو ضال مخطئ يجب عليه # PageV24P204 # أن يتوب من ms7327 ذلك باتفاق الأئمة. وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك ~~وكراهيته. فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة في الجهر. والصحيح أنه لا يكره ~~كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأنه قد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سجد في العشاء ب {إذا السماء انشقت} } وثبت عنه في الصحيحين ~~{أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة {الم} {تنزيل} و {هل أتى} } . وعند مالك ~~يكره أن يقصد سورة بعينها. وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة ~~مثل الجمعة والمنافقين في الجمعة. والذاريات واقتربت في العيد والم تنزيل ~~وهل أتى في فجر الجمعة. لكن هنا مسألتان نافعتان: (إحداهما أنه لا يستحب أن ~~يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة فليس الاستحباب لأجل السجدة بل ~~للسورتين والسجدة جاءت اتفاقا فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم ~~الجمعة من الخلق والبعث. (الثانية أنه لا ينبغي المداومة عليها بحيث يتوهم ~~الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء بل ينبغي تركها أحيانا لعدم وجوبها ~~والله أعلم. # PageV24P205 # وسئل: # عمن قرأ " سورة السجدة " يوم الجمعة: هل المطلوب السجدة فيجزئ بعض السورة ~~والسجدة في غيرها؟ أم المطلوب السورة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بل المقصود قراءة السورتين: {الم} {تنزيل} و: {هل أتى على ~~الإنسان} لما فيهما من ذكر خلق آدم وقيام الساعة وما يتبع ذلك فإنه كان يوم ~~الجمعة وليس المقصود السجدة فلو قصد الرجل قراءة سورة سجدة أخرى كره ذلك. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السورتين كلتيهما فالسنة قراءتهما ~~بكمالهما. ولا ينبغي المداومة على ذلك لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب بل يقرأ ~~أحيانا غيرهما من القرآن. والشافعي وأحمد اللذان يستحبان قراءتهما. وأما ~~مالك وأبو حنيفة فعندهما يكره قصد قراءتهما. # PageV24P206 # وسئل: # عمن أدرك ركعة من صلاة الجمعة ثم قام ليقضي ما عليه. فهل يجهر بالقراءة ~~أم لا؟ . # فأجاب: # بل يخافت بالقراءة ولا يجهر؛ لأن المسبوق إذا قام يقضي فإنه منفرد فيما ~~يقضيه حكمه حكم المنفرد وهو فيما يدركه في حكم المؤتم؛ ولهذا يسجد المسبوق ~~إذا سها ms7328 فيما يقضيه وإذا كان كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر فيه ~~المنفرد فمن كان من العلماء مذهبه أن يجهر المنفرد في العشاءين والفجر فإنه ~~يجهر إذا قضى الركعتين الأوليين ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر فإنه لا ~~يجهر المسبوق عنده. والجمعة لا يصليها أحد منفردا فلا يتصور أن يجهر فيها ~~المنفرد. والمسبوق كالمنفرد فلا يجهر لكنه مدرك للجمعة ضمنا وتبعا ولا ~~يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع ولهذا لا يشترط لما يقضيه المسبوق ~~العدد ونحو ذلك. لكن مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ~~فهو مدرك للجمعة كمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، # PageV24P207 # ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فإنه مدرك وإن كانت بقية ~~الصلاة فعلت خارج الوقت والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن صلاة الجمعة في جامع القلعة: هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى مع ~~وجود سورها وغلق أبوابها أم لا؟ # فأجاب: # نعم يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى. كمصر والقاهرة ولو لم تكن ~~كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند ~~أكثر العلماء؛ ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في ~~الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي. وجوز ذلك أكثر العلماء وشبهوا ذلك ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم (1) في مدينته إلا في موضع يخرج بالمسلمين ~~فيصلي العيد بالصحراء وكذلك كان الأمر في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. فلما ~~تولى علي بن أبي طالب وصار بالكوفة وكان الخلق بها كثيرا قالوا: يا أمير ~~المؤمنين إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف ~~PageV24P208 # علي بن أبي طالب رجلا يصلي بالناس العيد في المسجد وهو يصلي بالناس خارج ~~الصحراء ولم يكن هذا يفعل قبل ذلك وعلي من الخلفاء الراشدين. وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي} . فمن ~~تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله ورسوله والحاجة في هذه ms7329 البلاد ~~وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا ~~يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة. وهنا وجه ثالث: وهو أن يجعل القلعة ~~كأنها قرية خارج المدينة. والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن ~~الجمعة تقام في القرى؛ لأن في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: " أول جمعة جمعت ~~في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة " بجواثى " قرية من قرى البحرين " وكان ~~ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه وفد عبد القيس. ~~وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا. وكان عبد ~~الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر ~~عليهم. وأما قول علي رضي الله عنه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. فلو ~~لم يكن له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع كما أن المصر الجامع ~~يسمى قرية. وقد سمى الله مكة قرية بل سماها # PageV24P209 # " أم القرى " بل وما هو أكبر من مكة كما في قوله: {وكأين من قرية هي أشد ~~قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} وسمى مصر القديمة قرية ~~بقوله: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} . ومثله في ~~القرآن كثير والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة فقال أحدهما: يجب أن يصلي ~~العيد ولا يصلي الجمعة؛ وقال الآخر: يصليها. فما الصواب في ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد. كما تجب سائر الجمع ~~للعمومات الدالة على وجوب الجمعة. والثاني: تسقط عن أهل البر مثل أهل ~~العوالي والشواذ؛ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم ~~العيد. # PageV24P210 # والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على ~~الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم ms7330 يشهد العيد. وهذا هو ~~المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر وعثمان وابن مسعود وابن ~~عباس وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. وأصحاب القولين ~~المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال: {أيها ~~الناس إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون} . ~~وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم ~~يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها والعيد يحصل مقصود الجمعة. وفي إيجابها ~~على الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه ~~والانبساط. فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال ولأن يوم ~~الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس ~~واحد أدخل إحداهما في الأخرى. كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في ~~الآخر والله أعلم. # PageV24P211 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال: إذا جاء يوم الجمعة يوم العيد وصلى العيد إن اشتهى أن يصلي ~~الجمعة وإلا فلا. فهل هو فيما قال مصيب أم مخطئ؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. إذا اجتمع يوم الجمعة ويوم العيد ففيها ثلاثة أقوال للفقهاء: # أحدها: أن الجمعة على من صلى العيد ومن لم يصله كقول مالك وغيره. # والثاني: أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر كما يروى ذلك عن ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صلى العيد ثم أذن لأهل القرى في ترك الجمعة ~~واتبع ذلك الشافعي. # والثالث: أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة لكن ينبغي # PageV24P212 # للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب. كما في السنن {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه اجتمع في عهده عيدان فصلى العيد ثم رخص في الجمعة} . وفي لفظ ~~أنه صلى العيد وخطب الناس فقال: {أيها الناس إنكم ms7331 قد أصبتم خيرا فمن شاء ~~منكم أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون} وهذا الحديث روي في السنن من ~~وجهين. أنه صلى العيد ثم خير الناس في شهود الجمعة. وفي السنن حديث ثالث في ~~ذلك أن ابن الزبير كان على عهده عيدان فجمعهما أول النهار ثم لم يصل إلا ~~العصر. وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك وذكر ذلك لابن عباس - ~~رضي الله عنه - فقال: قد أصاب السنة. وهذا المنقول هو الثابت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه. وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد ~~وغيره. والذين خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار والله أعلم. # PageV24P213 # وسئل - رحمه الله -: # عن خطبة بين صلاتين، كلاهما فرض لوقتها في ساعة مشكلة العين، واعتبار ~~الشرط فيها كما في غيرها من هيئة الدين. كالظهر والسنن والوقت والقبلة أيضا ~~بالتأذين. # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل بعضها متفق عليه وبعضها ~~متنازع فيه: منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال: إن العيد فرض يقول: إن خطبة ~~الجمعة هي خطبة بين صلاتين كلاهما فرض بخلاف خطبة العيد. فإنه يقول ليست ~~فرضا. وإما أن تنزل على ما إذا اعتقد جمعتان في موضع لا تصح فيه جمعتان ~~فإنه تصح الأولى وتبطل الثانية إذا كانا بإذن الإمام. فإن أشكل عين السابقة ~~بطلتا جميعا وصلوا ظهرا. فالخطبة التي قبل الثانية خطبة بين صلاتين كلاهما ~~فرض إذا كان الإمام قد أذن في كل منهما # PageV24P214 # واعتقدوا أن الجمعة لا تقام عندهم وكلاهما يعتقد أن جمعته فرض. ويمكن أن ~~يريد السائل الفجر والجمعة فإن الفجر فرض في وقتها والجمعة فرض لوقتها ~~وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة. ومنها خطب الحج: فإن خطبة عرفة تكون بين ~~الصلاة بعرفة وبين صلاة المغرب فكلاهما فرض والخطبة يوم النحر: تكون بين ~~الفجر والظهر فكلاهما فرض. # وسئل: # هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة جاء فيه حديث أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها ms7332 أهل الحديث ~~والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت أنها مختصة بعد العصر والله أعلم. # PageV24P215 # وسئل: # عن فرش السجادة في الروضة الشريفة هل يجوز أم لا؟ # فأجاب: # ليس لأحد أن يفرش شيئا ويختص به مع غيبته ويمنع به غيره. هذا غصب لتلك ~~البقعة ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة. والسنة أن يتقدم ~~الرجل بنفسه وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم ينهى عنه ويجب رفع تلك السجاجيد ~~ويمكن الناس من مكانها. هذا مع أن أصل الفرش بدعة لا سيما في مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون ~~على الأرض والخمرة التي كان يصلي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرة ~~ليست بقدر السجادة. قلت فقد نقل ابن حزم في المحلى عن عطاء بن أبي رباح: ~~أنه # PageV24P216 # لا يجوز الصلاة في مسجد إلا على الأرض ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من ~~العراق وفرش في المسجد. أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيرا له حتى روجع في ذلك ~~فذكر أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها. وعلى الناس الإنكار ~~على من يفعل ذلك والمنع منه لا سيما ولاة الأمر الذين لهم هنالك ولاية على ~~المسجد فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها ~~لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد انتهى. # وسئل - رحمه الله -: # عن قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام المسجد: " اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد وسلم. ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين ". وفي دعاء ~~الإمام بعد صعوده على المنبر وفي قول المؤذن بعد الأذان الثاني: عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا قلت ~~لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت} أذلك مسنون أو مستحب أو ~~مكروه في صلاة الجمعة؟ . # PageV24P217 # فأجاب: # الحمد لله، ليس هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبه أحد ~~من أئمة المسلمين ms7333 العلماء لكن تبليغ الحديث فعله من فعله لأمر الناس ~~بالإنصات وهو من نوع الخطبة. وأما دعاء الإمام بعد صعوده ورفع المؤذنين ~~أصواتهم بالصلاة فهذا لم يذكره العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي. ~~وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق ~~الأئمة. # وسئل: # عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع: " إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي ". فقال رجل: هذا بدعة. فما يجب عليه؟ # فأجاب: # جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره ~~بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك: لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة. وأشد من ذلك الجهر بنحو ~~ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم. # PageV24P218 ### | باب صلاة العيدين # سئل شيخ الإسلام: # هل يتعين قراءة بعينها في صلاة العيدين؟ وما يقول الإنسان بين كل ~~تكبيرتين؟ # فأجاب: # الحمد لله، مهما قرأ به جاز. كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات. لكن ~~إذا قرأ بقاف واقتربت أو نحو ذلك. مما جاء في الأثر كان حسنا. وأما بين ~~التكبيرات: فإنه يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدعو بما شاء. هكذا روى نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود. وإن قال: ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني كان حسنا. وكذلك إن قال: الله أكبر ~~كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. ونحو ذلك # PageV24P219 # وليس في ذلك شيء مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والله أعلم. # وسئل: # عن صفة التكبير في العيدين، ومتى وقته؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من ~~الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل ~~صلاة ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد. وهذا باتفاق ~~الأئمة الأربعة. وصفة التكبير المنقول عند ms7334 أكثر الصحابة: قد روي مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم {الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ~~الله أكبر ولله الحمد} . وإن قال الله أكبر ثلاثا جاز. ومن الفقهاء من يكبر ~~ثلاثا فقط ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأما التكبير في الصلاة فيكبر ~~المأموم تبعا للإمام وأكثر الصحابة رضي الله عنهم والأئمة يكبرون سبعا في ~~الأولى وخمسا في الثانية. # PageV24P220 # وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر. اللهم اغفر لي وارحمني. كان حسنا كما جاء ذلك عن بعض السلف ~~والله أعلم. # وسئل: # هل التكبير يجب في عيد الفطر أكثر من عيد الأضحى؟ بينوا لنا مأجورين. # فأجاب: # أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق. وكذلك هو مشروع في عيد ~~الفطر: عند مالك والشافعي وأحمد. وذكر ذلك الطحاوي مذهبا لأبي حنيفة ~~وأصحابه. والمشهور عنهم خلافه لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة رضوان ~~الله عليهم والتكبير فيه أوكد من جهة أن الله أمر به بقوله: {ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} . والتكبير فيه: أوله من ~~رؤية الهلال وآخره انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح. ~~وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات # PageV24P221 # وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان وعيد النحر أفضل ~~من عيد الفطر ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة. والعبادة في ذاك ~~الصدقة مع الصلاة. والنحر أفضل من الصدقة لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية ~~والمالية فالذبح عبادة بدنية ومالية والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن ~~الصدقة في الفطر تابعة للصوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طهرة ~~للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة كما ~~قال تعالى: {قد أفلح من تزكى} {وذكر اسم ربه فصلى} . وأما النسك فإنه مشروع ~~في اليوم ms7335 نفسه عبادة مستقلة ولهذا يشرع بعد الصلاة كما قال تعالى: {فصل ~~لربك وانحر} {إن شانئك هو الأبتر} . فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي ~~الحجاج جمرة العقبة وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم. وفي الحديث ~~الذي في السنن {أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر} وفي الحديث ~~الآخر الذي في السنن وقد صححه الترمذي {يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى ~~عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله} ولهذا كان الصحيح من أقوال ~~العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لهذا ~~الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم. # PageV24P222 # وقال شيخ الإسلام: # فصل: # قال الله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون} و " اللام " إما متعلقة بمذكور: أي {يريد الله بكم اليسر} . . . ~~ولتكملوا العدة} . كما قال: {يريد الله ليبين لكم} . أو بمحذوف: أي ~~ولتكملوا العدة شرع ذلك. وهذا أشهر لأنه قال: {ولعلكم تشكرون} فيجب على ~~الأول أن يقال ويريد لعلكم تشكرون وفيه وهن. لكن يحتج للأول بقوله تعالى في ~~آية الوضوء: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون} فإن آية الصيام وآية الطهارة متناسبتان في اللفظ ~~والمعنى فقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} بمنزلة قوله: {ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقوله: # PageV24P223 # {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} كقوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا ~~الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} . والمقصود هنا: أن الله سبحانه أراد ~~شرعا: التكبير على ما هدانا ولهذا قال من قال من السلف: كزيد بن أسلم هو ~~التكبير تكبير العيد واتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد ~~ولعله يدخل في التكبير صلاة العيد كما سميت الصلاة تسبيحا وقياما وسجودا ~~وقرآنا وكما أدخلت صلاتا الجمع في ذكر الله في قوله: {فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وأريد الخطبة ms7336 والصلاة بقوله: {فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع} ويكون لأجل أن الصلاة لما سميت تكبيرا خصت بتكبير ~~زائد كما أن صلاة الفجر لما سميت قرآنا خصت بقرآن زائد وجعل طول القراءة ~~فيها عوضا عن الركعتين في الصلاة الرباعية. وكذلك " صلاة الليل " لما سميت ~~قياما بقوله: {قم الليل} خصت بطول القيام فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يطيل القيام والركوع والسجود بالليل ما لا يطيله بالنهار. ولهذا قال بعض ~~السلف: إن التطويل بالليل أفضل وإن تكثير الركوع والسجود بالنهار # PageV24P224 # أفضل. وكان التكبير أيضا مشروعا في خطبة العيد زيادة على الخطب الجمعية ~~وكان التكبير أيضا مشروعا عندنا وعند أكثر العلماء من حين إهلال العيد إلى ~~انقضاء العيد إلى آخر الصلاة والخطبة؛ لكن هل يقطعه المؤتم إذا شهد المصلى ~~لكونه مشغولا بعد ذلك بانتظار الصلاة؟ أو يقطعه بالشروع في الصلاة للاشتغال ~~عنه بعد ذلك بالصلاة والخطبة أو لا يقطعه إلى انقضاء الخطبة؟ فيه خلاف عن ~~أحمد وغيره. والصحيح أنه إلى آخر العيد. وقد قال تعالى في الحج {ليشهدوا ~~منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} فقيل: الأيام المعلومات. هي أيام الذبح وذكر اسم الله التسمية على ~~الأضحية والهدي وهو قول مالك في رواية. وقيل: هي أيام العشر وهو المشهور عن ~~أحمد وقول الشافعي وغيره. ثم ذكر اسم الله فيها هو ذكره في العشر بالتكبير ~~عندنا وقيل هو ذكره عند رؤية الهدي وأظنه مأثورا عن الشافعي. وفي صحيح ~~البخاري أن ابن عمر وابن عباس كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ~~ويكبر الناس بتكبيرهما. وفي الصحيح عن أنس أنهم كانوا غداة عرفة وهم ذاهبون ~~من منى إلى عرفة يكبر منهم المكبر فلا ينكر عليه ويلبي الملبي فلا ينكر ~~عليه وفي # PageV24P225 # أمثلة الأحاديث المرفوعة مثل قوله: {فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير ~~والتحميد.} وعلى قول أصحابنا يكون ذكر اسم الله على ما رزقهم كقوله {على ما ~~هداكم} وكقوله: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه ms7337 كما هداكم} وكقوله: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم} - إلى قوله - {فاذكروني أذكركم} . وعلى القول الآخر يكون مثل ~~قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} وقوله: {فاذكروا اسم ~~الله عليها صواف} ويدل عليه قوله: {من بهيمة الأنعام} فيدل على أن (ما ~~موصولة لا مصدرية بمعنى على الذي رزقهم من بهيمة الأنعام وكذلك قوله: {ولكل ~~أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وعلى ~~قولنا يكون ذكر اسم الله عليها وقت الذبح ووقت السوق بالتلبية عندها ~~وبالتكبير. يدل عليه أنه لو أراد مجرد التسمية لم يكن للأضحية بذلك اختصاص ~~فإن اسمه مذكور عند كل ذبح لا فرق في ذلك بين الأضحية وغيرها فما وجب فيها ~~وجب في غيرها وما لم يجب لم يجب. # PageV24P226 # وأيضا فإنه لا يكون لقوله: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر} - إلى قوله - {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله} فجعل إتيانهم إلى ~~المشاعر ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات. ولو أراد ~~الأضحية فقط لم يكن للمشاعر بهذا اختصاص؛ فإن الأضحية مشروعة في جميع الأرض ~~إلا أن هذا الوجه يرد على قولنا: بذكر اسم الله في جميع العشر في الأمصار. ~~فيقال: لم خص ذلك بالإتيان إلى المشاعر؟ وقد يحتج به من يرى ذكر الله عند ~~رؤية الهدي؛ لأن الهدي يساق إلى مكة لكن عنده يجوز ذبح الهدي متى وصل فأي ~~فائدة لتوقيته بالأيام المعلومات. ويجاب عن هذا بوجهين: أحدهما: أن الذبح ~~بالمشاعر أصل وبقية الأمصار تبع لمكة ولهذا كان عيد النحر العيد الأكبر ~~ويوم النحر يوم الحج الأكبر لأنه يجتمع فيه عيد المكان والزمان. الثاني: أن ~~ذكر الله هناك على ما رزقهم من الأضحية والهدي جميعا بخلاف غير مكة فإنه ~~ليس فيها إلا الأضحية. وهي مختصة بالأيام المعلومات فإن الهدي عندنا مؤقت ~~فإذا ساق الهدي لم ينحره إلا عند الإحلال ولا يجوز له أن يحل حتى ينحر هديه ~~كما قال تعالى: {حتى يبلغ الهدي ms7338 محله} وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه في حجة # PageV24P227 # الوداع أن يحلوا إلا من ساق الهدي فلا يحل حتى ينحره وهذا إذا قدم به في ~~العشر بلا نزاع وأما إذا قدم به قبل العشر ففيه روايتان: فإن قيل: فإذا كان ~~الكتاب والسنة قد أمرا بذكره في الأيام المعلومات فهلا شرع التكبير فيها في ~~أدبار الصلوات كما شرع في أيام العيد؟ . قيل: إنما شرع التكبير في ليلة ~~الفطر إلى حين انقضاء العيد ولم يشرع عقب الصلاة لأن التكبير عقب الصلاة ~~أوكد. فاختص به العيد الكبير وأيام العيد خمسة هي أيام الاجتماع كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {: يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل ~~الإسلام وهي أيام أكل وشرب} وقد قال تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} ~~وهي أيام التشريق في المشهور عندنا وقول الشافعي وغيره. وفيه قول آخر أنها ~~أيام الذبح. فعلى الأول يكون من ذكر الله فيها ### | التكبير في أدبار الصلوات # والتكبير عند رمي الجمار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما جعل ~~السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله} فالذكر في هذه ~~الآيات مطلق وإن كانت السنة قد جاءت بالتكبير في عيد النحر في صلاته وخطبته ~~ودبر صلواته ورمي جمراته والذكر في آية الصيام يعني بالتكبير على الهداية ~~فهذا # PageV24P228 # ذكر لله وتكبير له على الهداية وهناك على الرزق. وقد {ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لما أشرف على خيبر قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا ~~نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين} وكان يكبر على الأشراف مثل التكبير ~~إذا ركب دابة وإذا علا نشزا من الأرض وإذا صعد على الصفا والمروة. {وقال ~~جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا ~~سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك} رواه أبو داود. وجاء التكبير مكررا في الأذان ~~في أوله وفي آخره والأذان هو الذكر الرفيع وفي أثناء الصلاة وهو حال الرفع ~~والخفض والقيام إليها كما قال " تحريمها التكبير ms7339 " وروي " أن التكبير يطفئ ~~الحريق ". فالتكبير شرع أيضا لدفع العدو من شياطين الإنس والجن والنار التي ~~هي عدو لنا وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع ~~أو لعظمة الفعل أو لقوة الحال. أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة: ليبين أن ~~الله أكبر وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار فيكون ~~الدين كله لله ويكون العباد له مكبرين فيحصل لهم مقصودان. مقصود العبادة ~~بتكبير قلوبهم لله ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه ولهذا ~~شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر؛ لأن هذه الثلاث # PageV24P229 # أكبر ما يطلبه العبد وهي جماع مصالحه. والهدي أعظم من الرزق والنصر لأن ~~الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا وأما الهدي فمنفعته في الآخرة ~~قطعا وهو المقصود بالرزق والنصر فخص بصريح التكبير؛ لأنه أكبر نعمة الحق. ~~وذانك دونه فوسع الأمر فيهما بعموم ذكر اسم الله. فجماع هذا أن التكبير ~~مشروع عند كل أمر كبير من مكان وزمان وحال ورجال فتبين أن الله أكبر ~~لتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء ما سواه ويكون له الشرف على كل شرف. ~~{قال تعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته} . ولما قال سبحانه: {ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} ذكر التكبير والشكر كما في ~~قوله: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} والشكر يكون بالقول وهو ~~الحمد ويكون بالعمل كما قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} فقرن بتكبير ~~الأعياد الحمد. فقيل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله ~~أكبر ولله الحمد؛ لأنه قد طلب فيه التكبير والشكر. ولهذا روي في الأثر أنه ~~يقال فيه: {الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا} ليجمع بين ~~التكبير والحمد حمد الشكر كما جمع # PageV24P230 # بين التحميد تحميد الثناء والتكبير في قوله: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ms7340 وكبره تكبيرا} فأمر ~~بتحميده وتكبيره. ومعلوم أن الكلمات التي هي ### | أفضل الكلام بعد القرآن # أربع " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " وهي شطران: ~~فالتسبيح قرين التحميد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {كلمتان خفيفتان ~~على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم} أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه مسلم عن أبي ذر {أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله ~~وبحمده} . وفي القرآن {ونحن نسبح بحمدك} {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا} . {فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن} هكذا في الصحاح عن عائشة فجعل قوله: " ~~سبحانك اللهم وبحمدك " تأويل {فسبح بحمد ربك} وقد قال تعالى: {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} # PageV24P231 # وقال: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} {وله الحمد في السماوات ~~والأرض} والآثار في اقترانهما كثيرة. وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في ~~كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا ~~رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا ~~الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله تعالى وفي ~~وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب ~~العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله ~~مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا ~~باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ ~~الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من ~~الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في ~~القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان ~~فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون ms7341 التوحيد قرن به لفظ أشهد ~~ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال - ما فضل به من ~~القدر كما يخفض # PageV24P232 # من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين ~~في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة ~~على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع ~~بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو ~~حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده ~~وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده} يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على ~~الدابة كبر ثلاثا وهلل ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن ~~حاتم الذي رواه أحمد والترمذي فيه {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا ~~عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ ~~يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله} فقرن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين التهليل والتكبير. # PageV24P233 # وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله ~~تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ~~ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها} ~~فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي ~~الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من ~~قبلي لا ms7342 إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير} . فجمع في هذا الحديث بين " أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر ~~نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا ~~الكلام ". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت ~~مطلقا. وكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا {أفضل الذكر لا إله إلا الله ~~وأفضل الدعاء الحمد لله} . وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا ~~الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} فقد صرح بأن أعلى شعب # PageV24P234 # الإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهنك العلم أبا ~~المنذر} فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها ~~أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان ~~فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن ~~التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن ~~الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل ~~الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ~~ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم ~~والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود ~~على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في ~~الصلوات وهو المشروع في الأعياد. # PageV24P235 # {وقال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا ~~هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك} رواه أبو داود وغيره. فبين أن التكبير ~~مشروع عند العلو من ms7343 الأمكنة والأفعال كما في الصلاة والأذان والتسبيح مشروع ~~عند الانخفاض في الأمكنة والأفعال كما في السجود والركوع. ولهذا كانت السنة ~~في التسبيح الإخفاء حين شرع فلم يشرع من الجهر به والإعلان ما شرع من ذلك ~~في التكبير والتهليل ومعلوم أن الزيادة في وصف الذكر إنما هو للزيادة في ~~أمره. وأما حديث أبي ذر: {أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله ~~وبحمده} فيشبه والله أعلم أن يكون هذا في الكلام الذي لا يسن فيه الجهر كما ~~في الركوع والسجود ونحوه ولا يلزم أن يكون أفضل مطلقا بدليل أن قراءة ~~القرآن أفضل من الذكر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها في الركوع ~~والسجود. وقال: {إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم} . وهنا أصل ~~ينبغي أن نعرفه. وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب أن يكون ~~أفضل في كل حال ولا لكل أحد بل # PageV24P236 # المفضول في موضعه الذي شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق كما أن التسبيح في ~~الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن ومن التهليل والتكبير والتشهد في آخر ~~الصلاة والدعاء بعده أفضل من قراءة القرآن. وهذا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا أو إسلاما} ثم أتبع ذلك بقوله: {ولا يؤمن الرجل في سلطانه ولا ~~يجلس على تكرمته إلا بإذنه} فذكر الأفضل فالأفضل في الإمامة ثم بين أن صاحب ~~المرتبة ذا السلطان مثل الإمام الراتب كأمير الحرب في العهد القديم وكأئمة ~~المساجد ونحوهم مقدمون على غيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم وهذا كما أن ~~الذهب أفضل من الحديد والنورة وقد تكون هذه المعادن مقدمة على الذهب عند ~~الحاجة إليها دونه وهذا ظاهر. وكذلك أيضا: أكثر الناس يعجزون عن أفضل ~~الأعمال فلو أمروا بها ms7344 لفعلوها على وجه لا ينتفعون به أو ينتفعون انتفاعا ~~مرجوحا فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس ~~كذلك. ولهذا يكون الذكر لكثير من الناس أفضل من قراءة القرآن؛ لأن الذكر ~~يورثه الإيمان والقرآن يورثه العلم والعلم بعد الإيمان. قال الله تعالى: ~~{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا # PageV24P237 # العلم درجات} والقرآن يحتاج إلى فهم وتدبر وقد يكون عاجزا عن ذلك لكن ~~هؤلاء يغلطون فيعتقد أحدهم أن الذكر أفضل مطلقا؛ وليس كذلك بل قراءة القرآن ~~في نفس الأمر أفضل من الذكر بإجماع المسلمين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر} رواه مسلم. {وقال له رجل: إني لا أستطيع أن أحمل ~~من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني في صلاتي. فقال: قل: سبحان الله والحمد ~~لله ولا إلا إلا الله والله أكبر} ولهذا كان العلماء على أن الذكر في ~~الصلاة بدل عن القراءة لا يجوز الانتقال إليه إلا عند العجز عن القراءة ~~بمنزلة التيمم مع الوضوء وبمنزلة صيام الشهرين مع العتق والصيام مع الهدي. ~~وفي الحديث الذي في الترمذي {ما تقرب العباد إلى الله بأفضل مما خرج منه} ~~يعني القرآن وفي حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن لله أهلين من الناس قيل: من هم يا رسول الله؟ ~~قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم ~~أهل القرآن في المواطن كما قدمهم يوم أحد في القبور فأذن لهم أن يدفنوا ~~الرجلين والثلاثة في القبر الواحد وقال: قدموا إلى القبلة أكثرهم قرآنا. # PageV24P238 # {فقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر لما سئل: أي الكلام أفضل: ~~فقال: سبحان الله وبحمده} هذا خرج على سؤال سائل. فربما علم من حال السائل ~~حالا مخصوصة كما أنه لما قال: {أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي ms7345 لا إله ~~إلا الله} إلى آخره. أراد بذلك من الذكر لا من القراءة فإن قراءة القرآن ~~أفضل من جنس الذكر من حيث الجملة وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من ~~القراءة كما أن الشهادتين في وقت الدخول في الإسلام أو تجديده أو عندما ~~يقتضي ذكرهما مثل عقب الوضوء ودبر الصلاة والأذان وغير ذلك: أفضل من ~~القراءة. وكذلك في موافقة المؤذن فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن فإن ~~موافقته في ذكر الأذان أفضل له حينئذ من القراءة حتى يستحب له قطع القراءة ~~لأجل ذلك؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت بفوتها والقراءة لا تفوت. فنقول: ~~الأحوال ثلاثة: حال يستحب فيها الإسرار ويكره فيها الجهر؛ لأنها حال انخفاض ~~كالركوع والسجود. فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير وكذلك في بطون ~~الأودية وأما ما السنة فيه الجهر والإعلان كالإشراف والأذان فالسنة فيه ~~التهليل والتكبير وأما ما يشرع فيه الأمران فقد يكون هذا. # PageV24P239 # فصل: # وإذا عرف أن التحميد قرين التسبيح وأن التهليل قرين التكبير ففي تكبير ~~الأعياد جمع بين القرينين فجمع بين التكبير والتهليل وبين التكبير والتحميد ~~لقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} فإن الهداية اقتضت ~~التكبير عليها. فضم إليه قرينه وهو التهليل. والنعمة اقتضت الشكر عليها فضم ~~إليه أيضا التحميد وهذا كما أن ركوب الدابة لما اجتمع فيه أنه شرف من ~~الأشراف وأنه موضع نعمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع عليها بين ~~الأمرين فإنه قال سبحانه: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون} فأمر بذكر نعمة الله عليه وذكرها بحمدها وأمر بالتسبيح الذي ~~هو قرين الحمد {فكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي بالدابة فوضع رجله ~~في الغرز قال: بسم الله فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثم قال: ~~{سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} ثم حمد ~~ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال: لا ms7346 إله إلا أنت # PageV24P240 # سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك وقال: ضحكت من ضحك الرب إذا قال العبد ~~ذلك يقول الله: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري} . فذكر بعد ذلك ذكر ~~الأشراف وهو التكبير مع التهليل وختمه بالاستغفار لأنه مقرون بالتوحيد كما ~~قد رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله: {فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله واستغفر لذنبك} وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير وأن استغفروا ربكم} وقوله: {فاستقيموا إليه واستغفروه} فكان ذكره على ~~الدابة مشتملا على الكلمات الأربع الباقيات الصالحات مع الاستغفار. فهكذا ~~ذكر الأعياد اجتمع فيه التعظيم والنعمة فجمع بين التكبير والحمد. فالله ~~أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا. وقد روي عن ابن عمر أنه كان ~~يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير. فيشبهه بذكر الأشراف في تثليثه وضم التهليل إليه وهذا ~~اختيار الشافعي. وأما أحمد وأبو حنيفة وغيرهما فاختاروا فيه ما رووه عن ~~طائفة # PageV24P241 # من الصحابة ورواه الدارقطني من حديث جابر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {الله أكبر الله أكبر لا إلا إلا الله والله أكبر الله أكبر ~~ولله الحمد} فيشفعونه مرتين ويقرنون به في إحداهما التهليل وفي الأخرى ~~الحمد تشبيها له بذكر الأذان. فإن هذا به أشبه لأنه متعلق بالصلاة ولأنه في ~~الأعياد التي يجتمع فيها اجتماعا عاما كما أن الأذان لاجتماع الناس فشابه ~~الأذان في أنه تكبير اجتماع لا تكبير مكان وأنه متعلق بالصلاة لا بالشرف ~~فشرع تكريره كما شرع تكرير تكبير الأذان وهو في كل مرة مشفوع وكل المأثور ~~حسن. ومن الناس من يثلثه أول مرة ويشفعه ثاني مرة وطائفة من الناس تعمل ~~بهذا. وقاعدتنا في هذا الباب أصح القواعد أن جميع صفات العبادات من الأقوال ~~والأفعال إذا كانت مأثورة أثرا يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك بل يشرع ~~ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة ms7347 الخوف وفي نوعي الأذان الترجيع وتركه ونوعي ~~الإقامة شفعها وإفرادها وكما قلنا في أنواع التشهدات وأنواع الاستفتاحات ~~وأنواع الاستعاذات وأنواع القراءات وأنواع تكبيرات العيد الزوائد وأنواع ~~صلاة الجنازة وسجود السهو والقنوت قبل الركوع وبعده والتحميد بإثبات الواو # PageV24P242 # وحذفها وغير ذلك لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات ويفضل على بعض إذا قام ~~دليل يوجب التفضيل ولا يكره الآخر. ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في ~~العبادة المتنوعة بين النوعين في الوقت الواحد لا يمكنه أن يأتي بتشهدين ~~معا ولا بقراءتين معا ولا بصلاتي خوف معا وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهيا ~~عنه فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة ومكروه أخرى ولا تنظر إلى من قد ~~يستحب الجمع في بعض ذلك مثل ما رأيت بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات على النبي ~~المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واستحب فعل ذلك الدعاء الملفق وقال ~~في حديث أبي بكر الصديق المتفق عليه لما {قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا وفي ~~رواية كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم} . فقال يستحب أن يقول: كثيرا كبيرا وكذلك يقول في ~~أشباه هذا: فإن هذا ضعيف فإن هذا أولا ليس سنة بل خلاف المسنون. فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جميعه جميعا. وإنما كان يقول هذا تارة وهذا ~~تارة إن كان الأمران ثابتين عنه فالجمع بينهما ليس سنة بل بدعة وإن كان ~~جائزا. # PageV24P243 # الثاني أن جمع ألفاظ الدعاء والذكر الواحد على وجه التعبد مثل جمع حروف ~~القراء كلهم لا على سبيل الدرس والحفظ لكن على سبيل التلاوة والتدبر مع ~~تنوع المعاني مثل أن يقرأ في الصلاة {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم ~~عذاب أليم بما كانوا يكذبون} (بما كانوا يكذبون. {ربنا باعد بين أسفارنا} ~~(بعد بين أسفارنا. {وما الله بغافل عما تعملون} (عما يعملون. {ويضع عنهم ~~إصرهم} ms7348 (آصارهم. {وأرجلكم إلى الكعبين} (وأرجلكم. {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~(حتى يطهرن. {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا} (إلا ~~أن يخافا {أو لامستم النساء} (أو لمستم. ومعلوم أن هذا بدعة مكروهة قبيحة. ~~الثالث أن الأذكار المشروعة أيضا لو لفق الرجل له تشهدا من التشهدات ~~المأثورة فجمع بين حديث ابن مسعود، و. . . (1) وصلواته وبين زاكيات تشهد ~~عمر ومباركات ابن عباس بحيث يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات ~~والمباركات والزاكيات لم يشرع له ذلك ولم يستحب فغيره أولى بعدم الاستحباب. ~~PageV24P244 # الرابع أن هذا إنما يفعله من ذهب إلى كثرة الحروف. والألفاظ وقد ينقص ~~المعنى أو يتغير بذلك ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل ~~المقصود وإن كان بعضها يحصله أكمل فإنه إذا قال: ظلما كثيرا فمتى كثر فهو ~~كبير في المعنى ومتى كبر فهو كثير في المعنى. وإذا قال: " اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد " أو قال: " اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته " فأزواجه ~~وذريته من آله بلا شك أو هم آله فإذا جمع بينهما وقال: " على آل محمد وعلى ~~أزواجه وذريته " لم يكن قد تدبر المشروع. فالحاصل أن أحد الذكرين إن وافق ~~الآخر في أصل المعنى كان كالقراءتين اللتين معناهما واحد وإن كان المعنى ~~متنوعا كان كالقراءتين المتنوعتي المعنى وعلى التقديرين فالجمع بينهما في ~~وقت واحد لا يشرع. وأما الجمع في صلوات الخوف أو التشهدات أو الإقامة أو ~~نحو ذلك بين نوعين فمنهي عنه باتفاق المسلمين وإذا كانت هذه العبادات ~~القولية أو الفعلية لا بد من فعلها على بعض الوجوه كما لا بد من قراءة ~~القرآن على بعض القراءات لم يجب أن يكون كل من فعل ذلك على بعض الوجوه إنما ~~يفعله على الوجه الأفضل عنده أو قد لا يكون # PageV24P245 # فيها أفضل. وإنما ذلك بمنزلة الطرق إلى مكة فكل أهل ناحية يحجون من ~~طريقهم وليس اختيارهم لطريقهم؛ لأنها أفضل بحيث يكون حجهم أفضل من حج غيرهم ~~بل لأنه لا بد من طريق يسلكونها فسلكوا ms7349 هذه إما ليسرها عليهم وإما لغير ذلك ~~وإن كان الجميع سواء. فينبغي أن يفرق بين اختيار بعض الوجوه المشروعة لفضله ~~في نفسه عند مختاره وبين كون اختيار واحد منها ضروريا. والمرجح له عنده ~~سهولته عليه أو غير ذلك. والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على ~~وجه مشروع وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه وأهل بقعته وقد تكون تلك الوجوه سواء ~~وقد يكون بعضها أفضل فجاء في الخلف من يريد أن يجعل اختياره لما اختاره ~~لفضله فجاء الآخر فعارضه في ذلك ونشأ من ذلك أهواء مردية مضلة فقد يكون ~~النوعان سواء عند الله ورسوله فترى كل طائفة طريقها أفضل وتحب من يوافقها ~~على ذلك وتعرض عمن يفعل ذلك الآخر فيفضلون ما سوى الله بينه ويسوون ما فضل ~~الله بينه وهذا باب من أبواب التفرق والاختلاف الذي دخل على الأمة وقد نهى ~~عنه الكتاب والسنة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عين هذا الاختلاف ~~في الحديث الصحيح كما قررت مثل ذلك في " الصراط المستقيم " حيث قال: ~~{اقرؤوا كما علمتم} . # PageV24P246 # فالواجب أن هذه الأنواع لا يفضل بعضها على بعض إلا بدليل شرعي لا يجعل ~~نفس تعيين واحد منها لضرورة أداء العبادة موجبا لرجحانه؛ فإن الله إذا أوجب ~~علي عتق رقبة أو صلاة جماعة كان من ضرورة ذلك أن أعتق رقبة وأصلي جماعة ولا ~~يجب أن تكون أفضل من غيرها بل قد لا تكون أفضل بحال فلا بد من نظر في الفضل ~~ثم إذا فرض أن الدليل الشرعي يوجب الرجحان لم يعب على من فعل الجائز ولا ~~ينفر عنه لأجل ذلك ولا يزاد الفضل على مقدار ما فضلته الشريعة فقد يكون ~~الرجحان يسيرا. لكن هنا مسألة تابعة وهو أنه مع التساوي أو الفضل أيما أفضل ~~للإنسان المداومة على نوع واحد من ذلك أو أن يفعل هذا تارة وهذا تارة كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك ~~مختارا له أو معتقدا أنه أفضل ms7350 ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل. وأما ~~أكثرهم فمداومته عادة ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته لا لاعتقاد الفضل. ~~والصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم - فإن في ~~هذا اتباعا للسنة والجماعة وإحياء لسنته وجمعا بين قلوب الأمة وأخذا بما في ~~كل واحد من الخاصة - أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لوجوه: # PageV24P247 # أحدها: أن هذا هو اتباع السنة والشريعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو ~~التأسي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعله. ~~الثاني: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال كثرة التفرق ~~والاختلاف والأهواء بينها وهذه مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ندب الكتاب ~~والسنة إلى جلب هذه ودرء هذه قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا} وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات} وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} . الثالث: أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب فإن ~~المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين ~~على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره ~~أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز ~~كالواجب. الرابع: أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فإن كل نوع ~~لا بد له من خاصة وإن كان مرجوحا فكيف إذا كان # PageV24P248 # مساويا وقد قدمنا أن المرجوح يكون راجحا في مواضع. الخامس: أن في ذلك ~~وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من ~~الله ولا أثارة من علم فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحا له على غيره ~~ترجيحا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه عليه بل ربما أبغضه ms7351 بحيث ~~ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير ~~إصرا عليه لا يمكنه تركه وغلا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أمر به وقد ~~يوقعه في بعض ما نهي عنه. وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرا فإن مبدأ ~~المداومة على ذلك يورث اعتقادا ومحبة غير مشروعين ثم يخرج إلى المدح والذم ~~والأمر والنهي بغير حق ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير ~~المشروعين من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية وأخلاق. ~~. . (1) . # ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع فيبذل ماله على ذلك عطية ودفعا وغير ~~ذلك من غير استحقاق شرعي ويمنع من أمر الشارع PageV24P249 # بإعطائه إيجابا أو استحبابا ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال كما وقع في ~~بعض أرض المشرق ومبدأ ذلك تفضيل ما لم تفضله الشريعة. والمداومة عليه وإن ~~لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه فاضلا اعتقادا وإرادة فتكون المداومة على ذلك ~~إما منهيا عنها وإما مفضولة والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل. السادس: أن في المداومة على نوع دون غيره ~~هجرانا لبعض المشروع وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه حتى يعتقد أنه ليس من ~~الدين بحيث يصير في نفوس كثير من العامة أنه ليس من الدين وفي نفوس خاصة ~~هذه العامة عملهم مخالف علمهم فإن علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون ~~بيان ذلك إما خشية من الخلق وإما اشتراء بآيات الله ثمنا قليلا من الرئاسة ~~والمال كما كان عليه أهل الكتاب كما قد رأينا من تعود ألا يسمع إقامة إلا ~~موترة أو مشفوعة فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وأنكرها ويصير كأنه سمع ~~أذانا ليس أذان المسلمين وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده. وهجران ~~بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة. قال الله تعالى: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} # PageV24P250 # فأخبر ms7352 سبحانه أن نسيانهم حظا مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء ~~بينهم فإذا اتبع الرجل جميع المشروع المسنون واستعمل الأنواع المشروعة هذا ~~تارة وهذا تارة كان قد حفظت السنة علما وعملا وزالت المفسدة المخوفة من ترك ~~ذلك. ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع لكن حفظ النوع ~~الآخر من الدين ليعلم أنه جائز مشروع وفي العمل به تارة حفظ للشريعة وترك ~~ذلك قد يكون سببا لإضاعته ونسيانه. السابع: أن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~والعدل التسوية بين المتماثلين وحرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده ~~ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينية فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء ~~والأموال كالقصاص والمواريث وإن كان واجبا وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين ~~أعظم منه وهو العدل بين شرائع الدين وبين أهله. فإذا كان الشارع قد سوى بين ~~عملين أو عاملين: كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم وإذا فضل بينهما كانت ~~التسوية كذلك والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفار فإن ~~جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إما ظنا وإما هوى إما اعتقادا وإما ~~اقتصادا وهو سبب التمسك به وذم غيره. # PageV24P251 # فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شرع تلك الأنواع إما بقوله ~~وإما بعمله وكثير منها لم يفضل بعضها على بعض: كانت التسوية بينها من العدل ~~والتفضيل من الظلم وكثير مما تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه: لا ~~يكون بينها تفاضل بل هي متساوية وقد يكون ما يختص به أحدهما مقاوما لما ~~يختص به الآخر ثم تجد أحدهم يسأل: أيما أفضل هذا أو هذا؟ وهي مسألة فاسدة ~~فإن السؤال عن التعيين فرع ثبوت الأصل فمن قال إن بينهما تفاضلا حتى نطلب ~~عين الفاضل. والواجب أن يقال: هذان متماثلان أو متفاضلان وإن كانا ~~متفاضلين: فهل التفاضل مطلقا أو فيه تفصيل بحيث يكون هذا أفضل في وقت وهذا ~~أفضل في وقت؟ ثم إذا كانت المسألة كما ترى فغالب الأجوبة صادرة عن هوى ~~وظنون ms7353 كاذبة خاطئة ومن أكبر أسباب ذلك المداومة على ما لم تشرع المداومة ~~عليه والله أعلم. # PageV24P252 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل التهنئة في العيد وما يجري على ألسنة الناس: " عيدك مبارك " وما أشبهه ~~هل له أصل في الشريعة؟ أم لا؟ وإذا كان له أصل في الشريعة فما الذي يقال؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل ~~الله منا ومنكم وأحاله الله عليك ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة ~~أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره. لكن قال أحمد: أنا لا ~~أبتدئ أحدا فإن ابتدأني أحد أجبته وذلك لأن جواب التحية واجب وأما الابتداء ~~بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها ولا هو أيضا مما نهي عنه فمن فعله فله قدوة ~~ومن تركه فله قدوة. والله أعلم. # PageV24P253 ### | باب صلاة الكسوف # سئل شيخ الإسلام: # عن قول أهل التقاويم: في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر وفي ~~التاسع والعشرين تكسف الشمس فهل يصدقون في ذلك؟ وإذا خسفا هل يصلى لهما؟ أم ~~يسبح؟ وإذا صلى كيف صفة الصلاة؟ واذكر لنا أقوال العلماء في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله، الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر ~~وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار، والشتاء والصيف وسائر ما يتبع ~~جريان الشمس والقمر. وذلك من آيات الله تعالى. كما قال تعالى: {وهو الذي ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} وقال تعالى: {هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق} وقال تعالى: # PageV24P254 # {الشمس والقمر بحسبان} وقال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} وقال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل ~~هي مواقيت للناس والحج} وقال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} . ~~وقال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ms7354 فإذا هم مظلمون} {والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} {والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم} {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ~~وكل في فلك يسبحون} . وكما أن العادة التي أجراها الله تعالى أن الهلال لا ~~يستهل إلا ليلة ثلاثين من الشهر أو ليلة إحدى وثلاثين وأن الشهر لا يكون ~~إلا ثلاثين أو تسعة وعشرين. فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل فهو ~~غالط. فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار وأن ~~القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب ~~صيام أيامها: ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. فالقمر لا يخسف إلا ~~في هذه الليالي. # PageV24P255 # والهلال يستسر آخر الشهر: إما ليلة وإما ليلتين. كما يستسر ليلة تسع ~~وعشرين وثلاثين والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره وللشمس والقمر ليالي ~~معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف. كما أن من علم كم مضى من الشهر يعلم ~~أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها. لكن العلم بالعادة في ~~الهلال علم عام يشترك فيه جميع الناس وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف ~~فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب ~~ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه فإن ~~ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل صحيح. وفي سنن أبي داود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من ~~السحر زاد ما زاد} . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم يقبل الله صلاته أربعين يوما} . ~~والكهان أعلم بما يقولونه من المنجمين في الأحكام ومع هذا صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن إتيانهم ومسألتهم فكيف بالمنجم؟ وقد بسطنا هذا ~~في غير هذا الموضع عن ms7355 هذا الجواب. # PageV24P256 # وأما ما يعلم بالحساب فهو مثل العلم بأوقات الفصول كأول الربيع والصيف ~~والخريف والشتاء لمحاذاة الشمس أوائل البروج التي يقولون فيها إن الشمس ~~نزلت في برج كذا: أي حاذته. ومن قال من الفقهاء إن الشمس تكسف في غير وقت ~~الاستسرار فقد غلط وقال ما ليس له به علم. وما يروى عن الواقدي من ذكره: أن ~~إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم العاشر من الشهر وهو اليوم ~~الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف: غلط. والواقدي لا يحتج ~~بمسانيده فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد وهذا فيما لم يعلم أنه ~~خطأ فأما هذا فيعلم أنه خطأ. ومن جوز هذا فقد قفا ما ليس له به علم ومن حاج ~~في ذلك فقد حاج في ما ليس له به علم. وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء من ~~اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة ~~الكسوف وغيرها من الصلوات فقد رأوا اجتماعها مع الوتر والظهر وذكروا صلاة ~~العيد مع عدم استحضارهم هل يمكن ذلك في العادة أو لا يمكن فلا يوجد في ~~تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك ~~على تقدير وجوده كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع لتحرير القواعد وتمرين ~~الأذهان على ضبطها. # PageV24P257 # وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه فلا يجوز أن يصدق إلا أن يعلم صدقه ولا ~~يكذب إلا أن يعلم كذبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم وإما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوهم} . والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا لكن ~~هذا المخبر المعين قد يكون عالما بذلك وقد لا يكون وقد يكون ثقة في خبره ~~وقد لا يكون. وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف. ~~ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره ولكن إذا تواطأ خبر ms7356 أهل ~~الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي ~~فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك وإذا جوز الإنسان صدق ~~المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ~~ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى ~~وعبادته فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين وقد تواترت بها ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواها أهل الصحيح والسنن والمسانيد من ~~وجوه كثيرة. واستفاض عنه أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه ~~إبراهيم. # PageV24P258 # وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها كان لأن إبراهيم مات فخطبهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: {إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ~~ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة} . وفي رواية في الصحيح ~~{ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده} . وهذا بيان منه صلى الله ~~عليه وسلم أنهما سبب لنزول عذاب بالناس فإن الله إنما يخوف عباده بما ~~يخافونه إذا عصوه وعصوا رسله وإنما يخاف الناس مما يضرهم فلولا إمكان حصول ~~الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفا قال تعالى: {وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما يزيل الخوف، أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى ~~يكشف ما بالناس وصلى بالمسلمين في الكسوف صلاة طويلة. # وقد روي في صفة صلاة الكسوف أنواع؛ لكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري ومسلم من غير وجه وهو الذي ~~استحبه أكثر أهل العلم: كمالك والشافعي وأحمد: أنه صلى بهم ركعتين في كل ~~ركعة ركوعان يقرأ قراءة طويلة ثم يركع ركوعا طويلا دون القراءة ثم يقوم ~~فيقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى ثم يركع ركوعا دون الركوع # PageV24P259 # الأول ثم يسجد سجدتين طويلتين. وثبت عنه في الصحيح: أنه جهر بالقراءة ~~فيها. والمقصود أن تكون ms7357 الصلاة وقت الكسوف إلى أن يتجلى فإن فرغ من الصلاة ~~قبل التجلي ذكر الله ودعاه إلى أن يتجلى. والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر ~~أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها. فإذا عظم ~~الكسوف طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثاني ~~يقرأ بدون ذلك. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~ذكرناه كله مثل ما في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال: {انكسفت الشمس ~~يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: انكسفت الشمس ~~لموت إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر ~~الله وإلى الصلاة} . وفي الصحيح عن أبي موسى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~{هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف ~~بها عباده فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره # PageV24P260 # ودعائه واستغفاره} . وفي الصحيحين من {حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من ~~الناس فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى ينجلي} وفي رواية عن ابن مسعود ~~{فإذا رأيتم شيئا منها فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم} . وفي رواية لعائشة ~~{فصلوا حتى يفرج الله ما بكم} . وفي الصحيحين {عن عائشة: أن الشمس خسفت على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه. فقال: سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم ~~كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال: سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد ثم ms7358 سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ~~ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف} . وقد جاء إطالته للسجود في ~~حديث صحيح وكذلك الجهر بالقراءة لكن روي في القراءة المخافتة والجهر أصح. ~~وأما تطويل السجود فلم # PageV24P261 # يختلف فيه الحديث لكن في كل حديث زيادة ليست في الآخر والأحاديث الصحيحة ~~كلها متفقة لا تختلف والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن المطر والرعد والزلازل على قول أهل الشرع وعلى قول الفلاسفة. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما المطر: فإن الله يخلقه في السماء من السحاب ~~ومن السحاب ينزل كما قال تعالى: {أفرأيتم الماء الذي تشربون} {أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} وقال تعالى: {وأنزلنا من المعصرات ماء ~~ثجاجا} وقال تعالى: {فترى الودق يخرج من خلاله} أي من خلال السحاب. وقوله ~~في غير موضع من السماء: أي من العلو والسماء اسم جنس للعالي قد يختص بما ~~فوق العرش تارة وبالأفلاك تارة وبسقف البيت تارة لما يقترن باللفظ والمادة ~~التي يخلق منها المطر هي الهواء الذي في الجو تارة وبالبخار المتصاعد من ~~الأرض تارة وهذا ما ذكره علماء المسلمين والفلاسفة يوافقون عليه. # PageV24P262 # فصل: # وأما " الرعد والبرق " ففي الحديث المرفوع في الترمذي وغيره {أنه سئل عن ~~الرعد قال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها ~~السحاب حيث شاء الله} . وفي مكارم الأخلاق للخرائطي: عن علي أنه سئل عن ~~الرعد فقال: " ملك وسئل عن البرق فقال: مخاريق بأيدي الملائكة - وفي رواية ~~عنه - مخاريق من حديد بيده ". وروي في ذلك آثار كذلك. وقد روي عن بعض السلف ~~أقوال لا تخالف ذلك. كقول من يقول: إنه اصطكاك أجرام السحاب بسبب انضغاط ~~الهواء فيه فإن هذا لا يناقض ذلك فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعدا. وكذلك ~~الراعد يسمى رعدا. كما يسمى العادل عدلا. والحركة توجب الصوت والملائكة هي ~~التي تحرك السحاب وتنقله من مكان إلى مكان وكل حركة في العالم العلوي ~~والسفلي فهي عن الملائكة وصوت الإنسان هو عن اصطكاك ms7359 أجرامه الذي هو شفتاه ~~ولسانه وأسنانه # PageV24P263 # ولهاته وحلقه. وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب. وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر. ~~فالرعد إذا صوت يزجر السحاب وكذلك البرق قد قيل: لمعان الماء أو لمعان ~~النار وكونه لمعان النار أو الماء لا ينافي أن يكون اللامع مخراقا بيد ~~الملك فإن النار التي تلمع بيد الملك كالمخراق مثل مزجي المطر. والملك يزجي ~~السحاب كما يزجي السائق للمطي. # والزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره ~~من الآيات والحوادث لها أسباب وحكم فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من ~~حكمة ذلك. # وأما أسبابه: فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض كما ينضغط الريح ~~والماء في المكان الضيق فإذا انضغط طلب مخرجا فيشق ويزلزل ما قرب منه من ~~الأرض. وأما قول بعض الناس: إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل وإن ~~نقل عن بعض الناس وبطلانه ظاهر فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض كلها تزلزل ~~وليس الأمر كذلك والله أعلم. # PageV24P264 ### | كتاب الجنائز # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن قوم مسلمين مجاوري النصارى: فهل يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن ~~يعوده؟ وإذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على من فعل ذلك من المسلمين وزر أم ~~لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازته وأما عيادته فلا بأس بها. فإنه قد ~~يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام فإذا مات كافرا فقد وجبت له النار؛ ~~ولهذا لا يصلى عليه. والله أعلم. # وسئل: # عن مرارة ما يذبح وغيره مما يحل أكله أو يحرم هل يجوز التداوي بمرارته؟ ~~أم لا؟ . # PageV24P265 # فأجاب: # الحمد لله، إن كان المذبوح مما يباح أكله جاز التداوي بمرارته وإلا فلا. # و ### | سئل: # هل يجوز التداوي بالخمر؟ . # فأجاب: # التداوي بالخمر حرام بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك جماهير ~~أهل العلم. ثبت عنه في الصحيح: {أنه سئل عن الخمر تصنع للدواء فقال: إنها ~~داء وليست بدواء} وفي السنن {عنه: أنه نهى عن الدواء بالخبيث} . وقال ابن ~~مسعود: {إن الله ms7360 لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم} وروى ابن حبان في صحيحه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم ~~عليها} وفي السنن {أنه سئل عن ضفدع تجعل في دواء فنهى عن قتلها وقال: إن ~~نقيقها تسبيح} . وليس هذا مثل أكل المضطر للميتة فإن ذلك يحصل به المقصود ~~قطعا. وليس له عنه عوض والأكل منها واجب فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى ~~مات دخل النار. وهنا لا يعلم # PageV24P266 # حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء بل الله تعالى يعافي العبد بأسباب ~~متعددة والتداوي ليس بواجب عند جمهور العلماء ولا يقاس هذا بهذا والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن المداواة بالخمر: وقول من يقول إنها جائزة. فما معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إنها داء وليست بدواء} فالذي يقول تجوز للضرورة فما حجته ~~وقالوا إن الحديث الذي قال فيه {إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها} ~~ضعيف والذي يقول بجواز المداواة به فهو خلاف الحديث والذي يقول ذلك ما ~~حجته؟ . # فأجاب: # وأما التداوي بالخمر فإنه حرام عند جماهير الأئمة: كمالك وأحمد وأبي ~~حنيفة وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه {سئل عن الخمر تصنع للدواء فقال: إنها داء وليست ~~بدواء} وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن الدواء ~~الخبيث} والخمر أم الخبائث وذكر البخاري وغيره عن ابن مسعود أنه قال: {إن ~~الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها} ورواه أبو حاتم ابن حبان # PageV24P267 # في صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والذين جوزوا التداوي ~~بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات: كالميتة والدم للمضطر وهذا ضعيف ~~لوجوه: أحدها: أن المضطر يحصل مقصوده يقينا بتناول المحرمات فإنه إذا أكلها ~~سدت رمقه وأزالت ضرورته وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها ~~فما أكثر من يتداوى ولا يشفى ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول ms7361 المقصود ~~بها وتعينها له بخلاف شربها للعطش فقد تنازعوا فيه: فإنهم قالوا: إنها لا ~~تروي. الثاني: أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل من هذه ~~الأعيان وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقا لشفائه فإن الأدوية ~~أنواع كثيرة وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية كالدعاء والرقية وهو أعظم نوعي ~~الدواء. حتى قال بقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز ~~إلى طبنا. وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري بل بما يجعله الله في الجسم من ~~القوى الطبيعية ونحو ذلك. # PageV24P268 # الثالث: أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم كما ~~قال مسروق: من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. وأما التداوي ~~فليس بواجب عند جماهير الأئمة. وإنما أوجبه طائفة قليلة كما قاله بعض أصحاب ~~الشافعي وأحمد بل قد تنازع العلماء: أيما أفضل: التداوي؟ أم الصبر؟ للحديث ~~الصحيح حديث ابن عباس عن {الجارية التي كانت تصرع وسألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعو لها فقال: إن أحببت أن تصبري ولك الجنة وإن أحببت دعوت ~~الله أن يشفيك فقالت: بل أصبر ولكني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها ~~ألا تتكشف} ولأن خلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون بل فيهم من ~~اختار المرض. كأبي بن كعب وأبي ذر ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي. ~~وإذا كان أكل الميتة واجبا والتداوي ليس بواجب لم يجز قياس أحدهما على ~~الآخر فإن ما كان واجبا قد يباح فيه ما يباح في غير الواجب؛ لكون مصلحة ~~أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم والشارع يعتبر المفاسد والمصالح فإذا اجتمعا ~~قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة؛ ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما ~~لم يبحه في غيره حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق وإن أفضى ذلك إلى قتل # PageV24P269 # النساء والصبيان وتعمد ذلك يحرم ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به: هل يجوز له ذلك؟ أم لا؟ ms7362 . # فأجاب: # وأما التداوي بأكل شحم الخنزير فلا يجوز. وأما التداوي بالتلطخ به ثم ~~يغسله بعد ذلك فهذا ينبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة، وفيه ~~نزاع مشهور، والصحيح أنه يجوز للحاجة. كما يجوز استنجاء الرجل بيده وإزالة ~~النجاسة بيده. وما أبيح للحاجة جاز التداوي به. كما يجوز التداوي بلبس ~~الحرير على أصح القولين وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز ~~التداوي بها. كما لا يجوز التداوي بشرب الخمر لا سيما على قول من يقول: ~~إنهم كانوا ينتفعون بشحوم الميتة في طلي السفن ودهن الجلود # PageV24P270 # والاستصباح به وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وإنما نهاهم عن ~~ثمنه. ولهذا رخص من لم يقل بطهارة جلود الميتة بالدباغ في الانتفاع بها في ~~اليابسات في أصح القولين وفي المائعات التي لا تنجسها. # وسئل: # عمن يتداوى بالخمر ولحم الخنزير وغير ذلك من المحرمات: هل يباح للضرورة ~~أم لا؟ وهل هذه الآية: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} في ~~إباحة ما ذكر؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز التداوي بذلك بل قد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن الخمر يتداوى بها فقال: إنها داء وليست بدواء} وفي السنن {عنه ~~أنه نهى عن الدواء بالخبيث وقال: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم ~~عليها} . وليس ذلك بضرورة فإنه لا يتيقن الشفاء بها كما يتيقن الشبع باللحم ~~المحرم؛ ولأن الشفاء لا يتعين له طريق بل يحصل بأنواع # PageV24P271 # من الأدوية وبغير ذلك بخلاف المخمصة فإنها لا تزول إلا بالأكل. # وسئل: # عن المريض إذا قالت له الأطباء: ما لك دواء غير أكل لحم الكلب أو ~~الخنزير. فهل يجوز له أكله مع قوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما ~~حرم عليها} ؟ وإذا وصف له الخمر أو النبيذ: هل يجوز شربه مع هذه النصوص؟ أم ~~لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز التداوي بالخمر وغيرها من الخبائث لما ms7363 رواه وائل بن حجر {أن طارق ~~بن سويد الجعفي. سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها فقال: ~~إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء} رواه الإمام أحمد ومسلم ~~في صحيحه. وعن أبي الدرداء: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله أنزل الدواء وأنزل الداء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا ~~بحرام} . رواه أبو داود وعن أبي هريرة قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الدواء بالخبيث} وفي لفظ يعني السم رواه # PageV24P272 # أحمد وابن ماجه والترمذي. وعن عبد الرحمن بن عثمان قال: {ذكر طبيب عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دواء وذكر الضفدع تجعل فيه فنهى رسول صلى ~~الله عليه وسلم الله عن قتل الضفدع} رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقال ~~عبد الله بن مسعود في السكر: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " ~~ذكره البخاري في صحيحه. وقد رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهذه النصوص وأمثالها صريحة في النهي عن التداوي ~~بالخبائث مصرحة بتحريم التداوي بالخمر إذ هي أم الخبائث وجماع كل إثم. ~~والخمر اسم لكل مسكر كما ثبت بالنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر ~~خمر وكل خمر حرام} وفي رواية {كل مسكر حرام} وفي الصحيحين {عن أبي موسى ~~الأشعري قال: قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع ~~وهو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر: وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد؟ ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم فقال: كل مسكر ~~حرام} . وكذلك في الصحيحين {عن عائشة قالت: سئل رسول الله # PageV24P273 # صلى الله عليه وسلم عن البتع. وهو نبيذ العسل - وكان أهل اليمن يشربونه ~~فقال: كل شراب أسكر فهو حرام} ورواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرهما: عن ~~جابر {أن رجلا ms7364 من حبشان من اليمن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب ~~يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر فقال: أمسكر هو؟ قال: نعم فقال: كل ~~مسكر حرام إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال} ~~الحديث. فهذه الأحاديث المستفيضة صريحة بأن كل مسكر حرام وأنه خمر من أي ~~شيء كان ولا يجوز التداوي بشيء من ذلك. وأما قول الأطباء: إنه لا يبرأ من ~~هذا المرض إلا بهذا الدواء المعين. فهذا قول جاهل لا يقوله من يعلم الطب ~~أصلا فضلا عمن يعرف الله ورسوله فإن الشفاء ليس في سبب معين يوجبه في ~~العادة كما للشبع سبب معين يوجبه في العادة إذ من الناس من يشفيه الله بلا ~~دواء ومنهم من يشفيه الله بالأدوية الجثمانية حلالها وحرامها وقد يستعمل ~~فلا يحصل الشفاء لفوات شرط أو لوجود مانع وهذا بخلاف الأكل فإنه سبب للشبع؛ ~~ولهذا أباح الله للمضطر الخبائث أن يأكلها عند الاضطرار إليها في المخمصة ~~فإن الجوع يزول بها ولا يزول بغيرها بل يموت أو يمرض من الجوع فلما تعينت ~~طريقا # PageV24P274 # إلى المقصود أباحها الله بخلاف الأدوية الخبيثة. بل قد قيل: من استشفى ~~بالأدوية الخبيثة كان دليلا على مرض في قلبه وذلك في إيمانه فإنه لو كان من ~~أمة محمد المؤمنين لما جعل الله شفاءه فيما حرم عليه ولهذا إذا اضطر إلى ~~الميتة ونحوها وجب عليه الأكل في المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة وأما ~~التداوي فلا يجب عند أكثر العلماء بالحلال وتنازعوا: هل الأفضل فعله؟ أو ~~تركه على طريق التوكل؟ . ومما يبين ذلك أن الله لما حرم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وغيرها لم يبح ذلك إلا لمن اضطر إليها غير باغ ولا عاد وفي آية ~~أخرى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} ومعلوم أن ~~المتداوي غير مضطر إليها فعلم أنها لم تحل له. وأما ما أبيح للحاجة لا ~~لمجرد الضرورة: كلباس الحرير، فقد ثبت في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه ms7365 ~~وسلم رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما} وهذا ~~جائز على أصح قولي العلماء؛ لأن لبس الحرير إنما حرم عند الاستغناء عنه، ~~ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إلى التزين به وأبيح لهن التستر به مطلقا ~~فالحاجة إلى التداوي به كذلك بل أولى وهذه حرمت لما فيها من # PageV24P275 # السرف والخيلاء والفخر وذلك منتف إذا احتيج إليه وكذلك لبسها للبرد: أو ~~إذا لم يكن عنده ما يستتر به غيرها. # وسئل - رحمه الله -: # هل الشرع المطهر ينكر ما تفعله الشياطين الجانة من مسها وتخبيطها وجولان ~~بوارقها على بني آدم واعتراضها؟ فهل لذلك معالجة بالمخرقات والأحراز ~~والعزائم والأقسام والرقى والتعوذات والتمائم؟ وأن بعض الناس قال: لا يحكم ~~عليهم؛ لأن الجن يرجعون إلى الحقائق عند عامرة الأجساد بالبوار وأن هذه ~~الخواتم المتخذة مع كل إنسان من سرياني وعبراني وعجمي وعربي ليس لها برهان ~~وأنها من مختلق الأقاويل وخرافات الأباطيل وأنه ليس لأحد من بني آدم من ~~القوة ولا من القبض بحيث يفعل ما ذكرنا من متولي هذا الشأن على ممر الدهور ~~والأوقات؟ . # فأجاب: # الحمد لله، وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة ~~والجماعة قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس} وفي # PageV24P276 # الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم} . وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قلت لأبي: إن أقواما يقولون: ~~إن الجني لا يدخل في بدن المصروع فقال: يا بني يكذبون هذا يتكلم على لسانه. ~~وهذا الذي قاله أمر مشهور فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه ~~ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما. والمصروع مع ~~هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله وقد يجر المصروع وغير المصروع ~~ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول آلات وينقل من مكان إلى مكان ms7366 ويجري غير ~~ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسي ~~والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من ينكر ~~دخول الجني في بدن المصروع وغيره ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد ~~كذب على الشرع وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك. # وأما معالجة المصروع بالرقى والتعوذات فهذا على # PageV24P277 # وجهين: فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها ومما يجوز في دين ~~الإسلام أن يتكلم بها الرجل داعيا الله ذاكرا له ومخاطبا لخلقه ونحو ذلك ~~فإنه يجوز أن يرقى بها المصروع ويعوذ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أنه أذن في الرقى ما لم تكن شركا} . {وقال: من استطاع منكم ~~أن ينفع أخاه فليفعل} . وإن كان في ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك ~~أو كانت مجهولة المعنى يحتمل أن يكون فيها كفر فليس لأحد أن يرقي بها ولا ~~يعزم ولا يقسم وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها فإن ما حرمه الله ~~ورسوله ضرره أكثر من نفعه كالسيميا وغيرها من أنواع السحر فإن الساحر ~~السيماوي وإن كان ينال بذلك بعض أغراضه كما ينال السارق بالسرقة بعض أغراضه ~~وكما ينال الكاذب بكذبه وبالخيانة بعض أغراضه وكما ينال المشرك بشركه وكفره ~~بعض أغراضه وهؤلاء وإن نالوا بعض أغراضهم بهذه المحرمات فإنها تعقبهم من ~~الضرر عليهم في الدنيا والآخرة أعظم مما حصلوه من أغراضهم. فإن الله بعث ~~الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فكل ما أمر الله به ~~ورسوله فمصلحته راجحة على مفسدته ومنفعته راجحة على المضرة. وإن كرهته ~~النفوس. كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير # PageV24P278 # لكم} الآية. فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس لكن مصلحته ومنفعته راجحة على ~~ما يحصل للنفوس من ألمه بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل له العافية فإن ~~مصلحة حصول العافية له راجحة على ألم شرب الدواء. وكذلك التاجر الذي يتغرب ms7367 ~~عن وطنه ويسهر ويخاف ويتحمل هذه المكروهات مصلحة الربح الذي يحصل له راجحة ~~على هذه المكاره. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {حفت ~~الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات} . وقد قال تعالى في حق الساحر: {ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى} وقال تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر} - إلى قوله - {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} ~~فبين سبحانه أن هؤلاء يعلمون أن الساحر ما له في الآخرة من نصيب. وإنما ~~يطلبون بذلك بعض أغراضهم في الدنيا {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند ~~الله خير لو كانوا يعلمون} آمنوا واتقوا بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى ~~الله عنه لكان ما يأتيهم به على ذلك في الدنيا والآخرة خير لهم مما يحصل ~~لهم بالسحر. قال الله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} . وقال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة} . وقال: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة} # PageV24P279 # الآيتين. وقال: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار} {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} . والأحاديث فيما يثيب الله ~~عبده المؤمن على الأعمال الصالحة في الدنيا والآخرة كثيرة جدا وليس للعبد ~~أن يدفع كل ضرر بما شاء ولا يجلب كل نفع بما شاء بل لا يجلب النفع إلا بما ~~فيه تقوى الله ولا يدفع الضرر إلا بما فيه تقوى الله فإن كان ما يفعله من ~~العزائم والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله ~~فلا بأس به وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله لم يفعله. فمن كذب بما هو ~~موجود من الجن والشياطين والسحر وما يأتون به على اختلاف أنواعه - كدعاء ~~الكواكب وتخريج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية وما ينزل ~~من الشياطين على كل أفاك أثيم فالشياطين التي تنزل عليهم ويسمونها روحانية ~~الكواكب - وأنكروا دخول ms7368 الجن في أبدان الإنس وحضورها بما يستحضرون به من ~~العزائم والأقسام وأمثال ذلك كما هو موجود فقد كذب بما لم يحط به علما. ومن ~~جوز أن يفعل الإنسان بما رآه مؤثرا من هذه الأمور من غير أن يزن ذلك بشريعة ~~الإسلام - فيفعل ما أباحه الله ويترك # PageV24P280 # ما حرم الله - وقد دخل فيما حرمه الله ورسوله إما من الكفر وإما من ~~الفسوق وإما العصيان بل على كل أحد أن يفعل ما أمر الله به ورسوله ويترك ما ~~نهى الله عنه ورسوله. ومما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم من التعوذ؛ فإنه ~~قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه لم ~~يزل عليه من الله حافظ. ولم يقربه شيطان حتى يصبح} وفي السنن أنه كان يعلم ~~أصحابه أن يقول أحدهم: {أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ~~ومن همزات الشياطين وأن يحضرون} . {ولما جاءته الشياطين بلهب من نار أمر ~~بهذا التعوذ: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ~~ما خلق وذرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في ~~الأرض وما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق ~~بخير يا رحمن} . فقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التي يقولها العبد ~~إذا أصبح وإذا أمسى وإذا نام وإذا خاف شيئا وأمثال ذلك من الأسباب ما فيه ~~بلاغ. فمن سلك مثل هذه السبيل فقد سلك سبيل أولياء الله الذين لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون ومن دخل في سبيل أهل الجبت والطاغوت الداخلة في الشرك والسحر ~~فقد خسر الدنيا والآخرة وبذلك ذم # PageV24P281 # الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب. حيث قال: {ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على} - إلى قوله - {ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون} ms7369 والله سبحانه وتعالى أعلم. # وقال أيضا رحمه الله في موضع آخر: # فصل: # وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقالتهم بعدم علمه لم ينكر وجودهم إذ ~~وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة. فإن من الناس من رآهم ~~وفيهم من رأى من رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين ومن الناس من كلمهم ~~وكلموه. ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم. وهذا يكون لصالحين وغير ~~صالحين. ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب وكذلك # PageV24P282 # ما جرى لغيرنا لكن الاعتماد في الأجوبة العلمية على ما يشترك الناس في ~~علمه لا يكون بما يختص بعلمه المجيب إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما ~~يخبر به. # وسئل: # عمن يقول: يا أزران: يا كيان هل صح أن هذه أسماء وردت بها السنة لم يحرم ~~قولها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لم ينقل هذه عن الصحابة أحد لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف ~~ولا سلف الأمة ولا أئمتها. وهذه الألفاظ لا معنى لها في كلام العرب؛ فكل ~~اسم مجهول ليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناها وأنه ~~صحيح لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية. # وسئل: # عمن أصيب بمرض فإذا اشتد عليه الوجع استغاث بالله تعالى ويبكي. فهل تكون ~~استغاثته مما ينافي الصبر المأمور به؟ أو هو # PageV24P283 # تضرع والتجاء؟ . # فأجاب: # دعاؤه الله واستغاثته به واشتكاؤه إليه لا ينافي الصبر المأمور به. وإنما ~~ينافيه في ذلك الاشتكاء إلى المخلوق. ولقد قال يعقوب عليه السلام {فصبر ~~جميل} وقال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.} وقد روي عن طاووس: أنه كره ~~أنين المريض. وقال: إنه شكوى وقرئ ذلك على أحمد بن حنبل في مرض موته فما أن ~~حتى مات. ويروى عن السري السقطي أنه جعل قول المريض: آه من ذكر الله وهذا ~~إذا كان بينه وبين الله وهذا كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~قرأ في صلاة الفجر: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} ثم بكى حتى سمع ms7370 نشيجه ~~من آخر الصفوف فالأنين والبكاء من خشية الله والتضرع والشكاية إلى الله عز ~~وجل حسن وأما المكروه فيكره والله أعلم. # وسئل: # عن رجل مبتلى سكن في دار بين قوم أصحاء فقال بعضهم: لا يمكننا مجاورتك ~~ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء فهل يجوز إخراجه؟ . # PageV24P284 # فأجاب: نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لا يورد ممرض على مصح} فنهى صاحب الإبل المراض أن يوردها على ~~صاحب الإبل الصحاح مع قوله: {لا عدوى ولا طيرة} . وكذلك روي أنه لما قدم ~~مجذوم ليبايعه أرسل إليه بالبيعة ولم يأذن له في دخول المدينة. # وسئل - رحمه الله -: # عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي هل لأحد فيها أجر؟ أم لا؟ وهل عليه ~~إثم إذا تركها مع علمه أنه كان لا يصلي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان ~~يصلي هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلي عليه أم لا؟ . # فأجاب: # أما من كان مظهرا للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة: من ~~المناكحة والموارثة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ~~ذلك؛ لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة ~~عليه، وإن كان مظهرا للإسلام فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين. ~~فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله # PageV24P285 # وماتوا وهم فاسقون} وقال: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم} . وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل ~~الكبائر فهؤلاء لا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين. ومن امتنع من الصلاة على ~~أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل ما فعله كما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال وعلى المدين الذي لا وفاء له وكما كان ~~كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع - كان عمله بهذه السنة ~~حسنا. (وقد قال لجندب بن عبد الله ms7371 البجلي ابنه: إني لم أنم البارحة بشما ~~فقال: أما إنك لو مت لم أصل عليك) (*) . كأنه يقول: قتلت نفسك بكثرة الأكل. ~~وهذا من جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا فإذا كان في ذلك مثل هذه ~~المصلحة الراجحة كان ذلك حسنا ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ولم يكن ~~في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له في ~~الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما. ~~وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل ~~يشرع ذلك ويؤمر به. كما قال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ~~وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر PageV24P286 # وغيره حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب ~~الإمكان والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يصلي وقتا ويترك الصلاة كثيرا أو لا يصلي هل يصلى عليه؟ . # فأجاب: # مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه بل المنافقون الذين يكتمون النفاق ~~يصلي المسلمون عليهم ويغسلون وتجري عليهم أحكام الإسلام. كما كان المنافقون ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان علم نفاق شخص لم يجز له أن ~~يصلي عليه كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من علم نفاقه. ~~وأما من شك في حاله فتجوز الصلاة عليه إذا كان ظاهر الإسلام. كما صلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم على من لم ينه عنه وكان فيهم من لم يعلم نفاقه. كما قال ~~تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم} ومثل هؤلاء لا يجوز النهي # PageV24P287 # عنه ولكن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على المنافق لا تنفعه. ~~كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم - لما ألبس ابن أبي قميصه وما يغني عنه ~~قميصي من الله} وقال تعالى: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم} . وتارك الصلاة أحيانا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق ms7372 فأهل ~~العلم والدين إذا كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين بحيث ~~يكون ذلك باعثا لهم على المحافظة على الصلاة عليه هجروه ولم يصلوا عليه كما ~~ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه والغال والمدين الذي لا ~~وفاء له وهذا شر منهم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع عن الصلاة على من عليه دين ~~حتى يخلف وفاء قبل أن يتمكن من وفاء الدين عنه فلما تمكن صار هو يوفيه من ~~عنده فصار المدين يخلف وفاء. # PageV24P288 # هذا مع قوله فيما رواه أبو موسى عنه: {إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه ~~عبد بها بعد الكبائر التي نهى عنها أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع قضاء} ~~رواه أحمد. فثبت بهذا أن ترك الدين بعد الكبائر. فإذا كان قد ترك الصلاة ~~على المدين الذي لا قضاء له فعلى فاعل الكبائر أولى ويدخل في ذلك قاتل نفسه ~~والغال: لما لم يصل عليهما. ويستدل بذلك على أنه يجوز لذوي الفضل ترك ~~الصلاة على ذوي الكبائر الظاهرة والدعاة إلى البدع وإن كانت الصلاة عليهم ~~جائزة في الجملة. فأما قوله: {الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين} فأراد به ~~أن صاحبه يوفاه. # وسئل: # عن رجل له مملوك هرب ثم رجع. فلما رجع أخذ سكينته وقتل نفسه فهل يأثم ~~سيده؟ وهل تجوز عليه الصلاة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لم يكن له أن يقتل نفسه. وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى عليه بل ~~كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه # PageV24P289 # أن يصبر إلى أن يفرج الله. فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتر ~~عليه في النفقة أو يعتدي عليه في الاستعمال أو يضربه بغير حق أو يريد به ~~فاحشة ونحو ذلك. فإن على سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية. {ولم ~~يصل النبي صلى الله عليه وسلم على من قتل نفسه. فقال لأصحابه: صلوا عليه} ~~فيجوز لعموم ms7373 الناس أن يصلوا عليه. وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم، فإذا ~~تركوا الصلاة عليه زجرا لغيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا حق ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يدعي المشيخة: فرأى ثعبانا فقام بعض من حضر ليقتله فمنعه عنه ~~وأمسكه بيده على معنى الكرامة له فلدغه الثعبان فمات، فهل تجوز الصلاة ~~عليه؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ينبغي لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة على ~~هذا ونحوه وإن كان يصلي عليه عموم الناس كما {امتنع النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الصلاة على قاتل نفسه وعلى # PageV24P290 # الغال من الغنيمة وقال: صلوا على صاحبكم} . وقالوا لسمرة بن جندب: إن ~~ابنك البارحة لم يبت فقال: بشما؟ قالوا: نعم قال: أما إنه لو مات لم أصل ~~عليه، فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه؛ لأنه يكون قاتلا لنفسه بكثرة ~~الأكل. فهذا الذي منع من قتل الحية وأمسكها بيده حتى قتلته أولى أن يترك ~~أهل العلم والدين الصلاة عليه لأنه قاتل نفسه بل لو فعل هذا غيره به لوجب ~~القود عليه. وإن قيل: إنه ظن أنها لا تقتل فهذا شبيه عمله بمنزلة الذي أكل ~~حتى بشم فإنه لم يقصد قتل نفسه فمن جنى جناية لا تقتل غالبا كان شبه عمد ~~وإمساك الحيات من نوع الجنايات فإنه فعل غير مباح. وهذا لم يقصد بهذا الفعل ~~إلا إظهار خارق العادة ولم يكن معه ما يمنع انخراق العادة. كيف وغالب هؤلاء ~~كذابون ملبسون خارجون عن أمر الله تعالى ونهيه يخرجون الناس عن طاعة الرحمن ~~إلى طاعة الشيطان ويفسدون عقل الناس ودينهم ودنياهم فيجعلون العاقل مولها ~~كالمجنون أو متولها بمنزلة الشيطان المفتون ويخرجون الإنسان عن الشريعة ~~التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى بدع مضادة لها فيفتلون ~~الشعور # PageV24P291 # ويكشفون الرؤوس بدلا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترجيل الشعر ~~وتغطية الرأس ويجتمعون على المكاء والتصدية بدلا عن سنة الله ورسوله من ~~الاجتماع على الصلوات الخمس ms7374 وغيرها من العبادات ويصلون صلاة ناقصة الأركان ~~والواجبات ويجتمعون على بدعهم المنكرة على أتم الحالات ويصنعون اللاذن وماء ~~الورد والزعفران لإمساك الحيات ودخول النار بأنواع من الحيل الطبيعية ~~والأحوال الشيطانية بدلا عما جعله الله لأوليائه المتقين من الطرق الشرعية ~~والأحوال الرحمانية ويفسدون من يفسدونه من النساء والصبيان بدلا عما أمر ~~الله به من العفة وغض البصر، وحفظ الفرج وكف اللسان. ومن كان مبتدعا ظاهر ~~البدعة وجب الإنكار عليه ومن الإنكار المشروع أن يهجر حتى يتوب ومن الهجر ~~امتناع أهل الدين من الصلاة عليه لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه وقد ~~أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة والله أعلم. # PageV24P292 # وسئل: # عن رجل ركب البحر للتجارة، فغرق فهل مات شهيدا؟ . # فأجاب: # نعم مات شهيدا إذا لم يكن عاصيا بركوبه فإنه قد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {الغريق والمبطون شهيد والحريق شهيد والميت بالطاعون ~~شهيد والمرأة تموت في نفاسها شهيدة وصاحب الهدم شهيد} . وجاء ذكر غير ~~هؤلاء. وركوب البحر للتجارة جائز إذا غلب على الظن السلامة. وأما بدون ذلك ~~فليس له أن يركبه للتجارة فإن فعل فقد أعان على قتل نفسه ومثل هذا لا يقال: ~~إنه شهيد والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رفع الصوت في الجنازة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة # PageV24P293 # ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من ~~الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا؛ بل قد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أنه نهى أن يتبع بصوت أو نار} رواه أبو داود. وسمع عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما رجلا يقول في جنازة: استغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر ~~الله بعد. وقال قيس بن عباد - وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه -: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند الذكر وعند ~~القتال. وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم ms7375 يكن على عهد القرون ~~الثلاثة المفضلة. وأما قول السائل: إن هذا قد صار إجماعا من الناس فليس ~~كذلك بل ما زال في المسلمين من يكره ذلك وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير ~~هذا في عدة أمصار من أمصار المسلمين. وأما كون أهل بلد أو بلدين أو عشر ~~تعودوا ذلك فليس هذا بإجماع؛ بل أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم التي ~~نزل فيها القرآن والسنة وهي دار الهجرة والنصرة؛ والإيمان والعلم لم يكونوا ~~يفعلون ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء ولم ينقلوه عن # PageV24P294 # النبي صلى الله عليه وسلم أو خلفائه لم يكن إجماعهم حجة عند جمهور ~~المسلمين وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إجماعهم حجة باتفاق المسلمين فكيف ~~بغيرهم من أهل الأمصار. وأما قول القائل: إن هذا يشبه بجنائز اليهود ~~والنصارى فليس كذلك بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز وقد شرط ~~عليهم في شروط أهل الذمة أن لا يفعلوا ذلك ثم إنما نهينا عن التشبه بهم ~~فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول وأما إذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا ~~مصيبين وإن شاركنا في بعض ذلك من شاركنا كما أنهم يشاركوننا في الدفن في ~~الأرض وفي غير ذلك. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة نصرانية بعلها مسلم توفيت وفي بطنها جنين له سبعة أشهر، فهل ~~تدفن مع المسلمين؟ أو مع النصارى؟ . # فأجاب: # لا تدفن في مقابر المسلمين ولا مقابر النصارى لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا ~~يدفن الكافر مع المسلمين ولا المسلم مع الكافرين؛ بل تدفن منفردة ويجعل ~~ظهرها إلى القبلة؛ لأن # PageV24P295 # وجه الطفل إلى ظهرها فإذا دفنت كذلك كان وجه الصبي المسلم مستقبل القبلة ~~والطفل يكون مسلما بإسلام أبيه وإن كانت أمه كافرة باتفاق العلماء. # وسئل - رحمه الله -: # مفتي الأنام بقية السلف الكرام تقي الدين بقية المجتهدين أثابه الله ~~وأحسن إليه عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه هل صح فيه حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته؟ وهل إذا ms7376 لم يكن فيه شيء يجوز فعله؟ ~~أم لا؟ . # فأجاب: # هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة: أنهم أمروا به كأبي ~~أمامة الباهلي وغيره. وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مما ~~لا يحكم بصحته؛ ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك فلهذا قال الإمام أحمد ~~وغيره من العلماء: إن هذا التلقين لا بأس به فرخصوا فيه ولم يأمروا به، ~~واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب ~~مالك وغيرهم. # PageV24P296 # والذي في السنن {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم على قبر الرجل ~~من أصحابه إذا دفن ويقول: سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل} وقد ثبت في ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لقنوا أمواتكم لا إله إلا ~~الله} . فتلقين المحتضر سنة مأمور بها. وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن ~~وأنه يؤمر بالدعاء له؛ فلهذا قيل: إن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع النداء. ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنه ليسمع قرع ~~نعالهم} وأنه قال: {ما أنتم بأسمع لما أقول منهم} وأنه أمرنا بالسلام على ~~الموتى. فقال: {ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ~~إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام} والله أعلم # وسئل - رحمه الله -: # هل يجب تلقين الميت بعد دفنه؟ أم لا؟ وهل القراءة تصل إلى الميت؟ . # فأجاب: # تلقينه بعد موته ليس واجبا بالإجماع، ولا كان من # PageV24P297 # عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. ~~بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة؛ كأبي أمامة وواثلة بن الأسقع. فمن ~~الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب ~~الشافعي. ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة. فالأقوال فيه ثلاثة: ~~الاستحباب والكراهة والإباحة وهذا أعدل الأقوال. فأما المستحب الذي أمر به ~~وحض عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الدعاء للميت. وأما القراءة على ~~القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك ms7377 وأحمد في إحدى الروايتين. ولم يكن يكرهها في ~~الأخرى. وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح ~~البقرة وخواتيمها، وروي عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة، فالقراءة عند ~~الدفن مأثورة في الجملة وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر والله أعلم. # PageV24P298 # وسئل: # هل يشرع تلقين الميت الكبير والصغير؟ أو لا؟ . # فأجاب: # وأما تلقين الميت فقد ذكره طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي ~~واستحسنوه أيضا ذكره المتولي، والرافعي وغيرهما. وأما الشافعي نفسه فلم ~~ينقل عنه فيه شيء. ومن الصحابة من كان يفعله، كأبي أمامة الباهلي وواثلة بن ~~الأسقع وغيرهما من الصحابة. ومن أصحاب أحمد من استحبه، والتحقيق أنه جائز ~~وليس بسنة راتبة والله أعلم. # وسئل: # عن الختمة التي تعمل على الميت والمقرئين بالأجرة هل قراءتهم تصل إلى ~~الميت؟ وطعام الختمة يصل إلى الميت؟ أم لا؟ وإن كان # PageV24P299 # ولد الميت يداين لأجل الصدقة إلى الميسور تصل إلى الميت؟ . # فأجاب: # استئجار الناس ليقرءوا ويهدوه إلى الميت ليس بمشروع ولا استحبه أحد من ~~العلماء فإن القرآن الذي يصل ما قرئ لله، فإذا كان قد استؤجر للقراءة لله ~~والمستأجر لم يتصدق عن الميت بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز وجل لم يصل ~~إليه. لكن إذا تصدق عن الميت على من يقرأ القرآن أو غيرهم؛ ينفعه ذلك ~~باتفاق المسلمين، وكذلك من قرأ القرآن محتسبا وأهداه إلى الميت نفعه ذلك ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن جعل المصحف عند القبر # وإيقاد قنديل في موضع يكون من غير أن يقرأ فيه مكروه أم لا؟ . # فأجاب: # وأما جعل المصحف عند القبور وإيقاد القناديل هناك فهذا مكروه منهي عنه ~~ولو كان قد جعل القراءة فيه هنالك فكيف إذا لم يقرأ فيه فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} ~~فإيقاد السرج من قنديل # PageV24P300 # وغيره على القبور منهي عنه مطلقا؛ لأنه أحد الفعلين اللذين لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من يفعلهما. كما قال: {لا يخرج الرجلان ms7378 يضربان الغائط ~~كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك} رواه أبو داود وغيره. ~~ومعلوم أنه ينهى عن كشف العورة وحده وعن التحدث وحده وكذلك قوله تعالى ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا} فتوعد على مجموع أفعال وكل فعل منها محرم. وذلك لأن ترتيب ~~الذم على المجموع يقتضي أن كل واحد له تأثير في الذم ولو كان بعضها مباحا ~~لم يكن له تأثير في الذم. والحرام لا يتوكد بانضمام المباح المخصص إليه. ~~والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر، فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في ~~أكثر الروايات ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه: هو وطائفة من أصحاب أبي ~~حنيفة وغيرهم. وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك # PageV24P301 # وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف. بل هي تدخل في معنى " اتخاذ ~~المساجد على القبور " وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النهي عن ذلك حتى قال: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما صنعوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ ~~مسجدا} وقال: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي ~~عن اتخاذ القبور مساجد. ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة ~~القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا في النهي فإذا كان هذا مع كونهم ~~يقرءون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها؟ ولا ينتفع بها لا حي ~~ولا ميت، فإن هذا لا نزاع في النهي عنه. ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك ~~لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك ~~وتحريه. # PageV24P302 # وسئل: # عن الميت هل يجوز نقله أم لا؟ وأرواح الموتى هل تجتمع بعضها ببعض أم لا؟ ms7379 ~~وروح الميت هل تنزل في القبر أم لا؟ ويعرف الميت من يزوره أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة. مثل أن يكون المدفن الأول ~~فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك. وأرواح ~~الأحياء إذا قبضت تجتمع بأرواح الموتى ويسأل الموتى القادم عليهم عن حال ~~الأحياء فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: فلان تزوج، فلان على حال حسنة. ~~ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: لا ذهب به إلى أمه ~~الهاوية. وأما أرواح الموتى فتجتمع الأعلى ينزل إلى الأدنى والأدنى لا يصعد ~~إلى الأعلى. والروح تشرف على القبر وتعاد إلى اللحد أحيانا. كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {ما من رجل يمر بقبر الرجل # PageV24P303 # كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ~~السلام} . والميت قد يعرف من يزوره ولهذا كانت السنة أن يقال: {السلام ~~عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين} والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم لهم تربة: وهي في مكان منقطع وقتل فيها قتيل وقد بنوا لهم تربة ~~أخرى هل يجوز نقل موتاهم إلى التربة المستجدة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا ينبش الميت لأجل ما ذكر، والله أعلم. # وسئل: # عما يقوله بعض الناس: إن لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر ~~اليهود والنصارى وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين، ~~ومقصودهم أن من ختم له بشر في علم الله وقد مات في الظاهر مسلما أو كان # PageV24P304 # كتابيا وختم له بخير فمات مسلما في علم الله وفي الظاهر مات كافرا فهؤلاء ~~ينقلون. فهل ورد في ذلك خبر أم لا؟ وهل لذلك حجة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور لكن نعلم أن بعض من يكون ~~ظاهره الإسلام ويكون منافقا إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا معطلا. فمن كان ~~كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع ms7380 نظرائه. كما قال تعالى: احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون أي أشباههم ونظراءهم. وقد يكون في بعض من مات ~~وظاهره كافر أن يكون آمن بالله قبل أن يغرغر ولم يكن عنده مؤمن وكتم أهله ~~ذلك إما لأجل ميراث أو لغير ذلك فيكون مع المؤمنين وإن كان مقبورا مع ~~الكفار. وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرا. # PageV24P305 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ~~ولد صالح يدعو له} فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال البر؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس في الآية ولا في الحديث أن الميت لا ينتفع ~~بدعاء الخلق له وبما يعمل عنه من البر بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع ~~الميت بذلك وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام وقد دل عليه الكتاب ~~والسنة والإجماع فمن خالف ذلك كان من أهل البدع. قال الله تعالى: {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم} {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} {وقهم # PageV24P306 # السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} . فقد أخبر سبحانه أن الملائكة ~~يدعون للمؤمنين بالمغفرة ووقاية العذاب ودخول الجنة ودعاء الملائكة ليس ~~عملا للعبد. وقال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقال الخليل ~~عليه السلام رب {اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} وقال نوح عليه ~~السلام {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} فقد ~~ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرا بذلك وإخبارا عنهم بذلك. ومن السنن ~~المتواترة التي من جحدها كفر: صلاة المسلمين على الميت ودعاؤهم له في ~~الصلاة. وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فإن السنن ms7381 فيها ~~متواترة بل لم ينكر شفاعته لأهل الكبائر إلا أهل البدع بل قد ثبت أنه يشفع ~~لأهل الكبائر وشفاعته دعاؤه وسؤاله الله تبارك وتعالى. فهذا وأمثاله من ~~القرآن والسنن المتواترة وجاحد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه. ~~والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة مثل ما في الصحاح عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت أفينفعها ~~أن أتصدق عنها؟ قال: نعم # PageV24P307 # قال: إن لي مخرفا - أي بستانا - أشهدكم أني تصدقت به عنها} وفي الصحيحين ~~عن عائشة رضي الله عنها {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي ~~افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ ~~قال: نعم} . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه {أن رجلا قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إن أبي مات ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم} . ~~وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: {أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح ~~مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين وأن عمرا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه ~~نفعه ذلك} وفي سنن الدارقطني: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله إن لي أبوين وكنت أبرهما حال حياتهما. فكيف بالبر بعد موتهما؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن من بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن ~~تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك} . وقد ذكر مسلم في أول كتابه ~~عن أبي إسحاق الطالقاني قال: # PageV24P308 # قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء {إن البر ~~بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك؟} قال عبد الله: يا ~~أبا إسحاق عمن هذا؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش قال: ثقة قلت: عمن؟ ~~قال عن ms7382 الحجاج بن دينار. فقال: ثقة عمن؟ قلت: عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مفاوز تقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف، والأمر كما ذكره ~~عبد الله بن المبارك فإن هذا الحديث مرسل. والأئمة اتفقوا على أن الصدقة ~~تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية: كالعتق. وإنما تنازعوا في العبادات ~~البدنية: كالصلاة والصيام والقراءة ومع هذا ففي الصحيحين عن عائشة - رضي ~~الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من مات وعليه صيام صام عنه ~~وليه} وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنه - {أن امرأة قالت يا رسول ~~الله إن أمي ماتت وعليها صيام نذر قال: أرأيت إن كان على أمك دين فقضيتيه ~~أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم قال: فصومي عن أمك} . # PageV24P309 # وفي الصحيح عنه: {أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال: أرأيت لو كان على أختك دين ~~أكنت تقضيه؟ قالت: نعم قال فحق الله أحق} وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~بريدة بن حصيب عن أبيه: {أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزي عنها أن أصوم عنها قال: نعم} . فهذه ~~الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نذر وأنه شبه ذلك بقضاء ~~الدين. والأئمة تنازعوا في ذلك ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من ~~بلغته وإنما خالفها من لم تبلغه وقد تقدم حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن ~~المسلم نفعه. وأما الحج فيجزي عند عامتهم ليس فيه إلا اختلاف شاذ. وفي ~~الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما {أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج ~~عنها؟ فقال: حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟ اقضوا ~~الله فالله ms7383 أحق # PageV24P310 # بالوفاء} وفي رواية البخاري: {إن أختي نذرت أن تحج} وفي صحيح مسلم عن ~~بريدة {أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج أفيجزي - أو يقضي ~~- أن أحج عنها قال: نعم} . ففي هذه الأحاديث الصحيحة: " أنه أمر بحج الفرض ~~عن الميت وبحج النذر ". كما أمر بالصيام. وأن المأمور تارة يكون ولدا وتارة ~~يكون أخا وشبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين يكون على الميت، والدين ~~يصح قضاؤه من كل أحد فدل على أنه يجوز أن يفعل ذلك من كل أحد لا يختص ذلك ~~بالولد. كما جاء مصرحا به في الأخ. فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ~~علم مفصل مبين، فعلم أن ذلك لا ينافي قوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~{إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث} بل هذا حق وهذا حق. أما الحديث ~~فإنه قال: {انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد ~~صالح يدعو له} فذكر الولد ودعاؤه له خاصين؛ لأن الولد من كسبه كما قال: {ما ~~أغنى عنه ماله وما كسب} قالوا: إنه ولده، وكما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إن # PageV24P311 # أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه} . فلما كان هو الساعي في ~~وجود الولد كان عمله من كسبه بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم. فإنه ينتفع ~~أيضا بدعائهم بل بدعاء الأجانب لكن ليس ذلك من عمله. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {انقطع عمله إلا من ثلاث. .} لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره. ~~فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإذا دعا له غيره لم يكن ~~من عمله لكنه ينتفع به. وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددة. كما قيل: ~~إنها تختص بشرع من قبلنا وقيل: إنها مخصوصة وقيل: إنها منسوخة وقيل: إنها ~~تنال السعي مباشرة وسببا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى ~~شيء من ذلك بل ظاهر الآية حق لا يخالف بقية النصوص، ms7384 فإنه قال: {ليس للإنسان ~~إلا ما سعى} وهذا حق فإنه إنما يستحق سعيه فهو الذي يملكه ويستحقه. كما أنه ~~إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو. وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير ~~لا له لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره. فمن ~~صلى على جنازة فله قيراط فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته والميت أيضا ~~يرحم بصلاة الحي عليه كما قال: {ما من # PageV24P312 # مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة ويروى ~~أربعين ويروى ثلاثة صفوف ويشفعون فيه إلا شفعوا فيه - أو قال إلا غفر له -} ~~فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا ~~الحي لدعائه له وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه. وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكل ~~الله به ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله} . ~~فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا، {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحي أو يرحم به يكون من ~~سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذي لم يجز إلا ~~به أخص من كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله وهو كالدين ~~يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفى به الدين وينبغي له أن ~~يكون هو الموفي له والله أعلم. # PageV24P313 # وسئل - رحمه الله -: # ما تقول السادة الفقهاء وأئمة الدين - وفقهم الله تعالى لمرضاته - في ~~القراءة للميت هل تصل إليه؟ أم لا؟ والأجرة على ذلك وطعام أهل الميت لمن هو ~~مستحق وغير ذلك والقراءة على القبر والصدقة عن الميت أيهما المشروع الذي ~~أمرنا به؟ والمسجد الذي في وسط القبور والصلاة فيه وما يعلم هل بني قبل ~~القبور؟ أو القبور قبله؟ وله ثلاث: رزق ms7385 وأربعمائة اصددمون قديمة من زمان ~~الروم ما هو له بل للمسجد وفيه الخطبة كل جمعة والصلاة أيضا في بعض الأوقات ~~وله كل سنة موسم يأتي إليه رجال كثير ونساء ويأتون بالنذور معهم فهل يجوز ~~للإمام أن يتناول من ذلك شيئا لمصالح المسجد الذي في البلد؟ أفتونا يرحمكم ~~الله مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما الصدقة عن الميت فإنه ينتفع بها باتفاق ~~المسلمين وقد وردت بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة. مثل قول ~~سعد: {يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت فهل ينفعها ~~أن أتصدق عنها؟ # PageV24P314 # فقال: نعم} وكذلك ينفعه الحج عنه والأضحية عنه والعتق عنه والدعاء ~~والاستغفار له بلا نزاع بين الأئمة. وأما الصيام عنه وصلاة التطوع عنه ~~وقراءة القرآن عنه فهذا فيه قولان للعلماء: أحدهما: ينتفع به وهو مذهب أحمد ~~وأبي حنيفة وغيرهما، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم. والثاني: لا تصل إليه وهو ~~المشهور في مذهب مالك والشافعي. وأما الاستئجار لنفس القراءة والإهداء فلا ~~يصح ذلك، فإن العلماء إنما تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ~~والأذان والإمامة والحج عن الغير؛ لأن المستأجر يستوفي المنفعة، فقيل: يصح ~~لذلك كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعي. وقيل: لا يجوز لأن هذه الأعمال ~~يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فإنها إنما تصح من المسلم دون الكافر ~~فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى. وإذا فعلت بعروض لم ~~يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما ~~فعل لأجل عروض الدنيا. # PageV24P315 # وقيل يجوز أخذ الأجرة عليها للفقير دون الغني، وهو القول الثالث في مذهب ~~أحمد كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغنى، وهذا ~~القول أقوى من غيره على هذا فإذا فعلها الفقير لله وإنما أخذ الأجرة لحاجته ~~إلى ذلك وليستعين بذلك على طاعة الله فالله يأجره على نيته فيكون قد أكل ~~طيبا وعمل صالحا. وأما إذا كان لا ms7386 يقرأ القرآن إلا لأجل العروض فلا ثواب ~~لهم على ذلك، وإذا لم يكن في ذلك ثواب، فلا يصل إلى الميت شيء؛ لأنه إنما ~~يصل إلى الميت ثواب العمل لا نفس العمل؛ فإذا تصدق بهذا المال على من ~~يستحقه وصل ذلك إلى الميت وإن قصد بذلك من يستعين على قراءة القرآن وتعليمه ~~كان أفضل وأحسن فإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القرآن ~~وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال. # وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو ~~بدعة بل قد قال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم ~~الطعام للناس من النياحة. وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام، ~~كما قال # PageV24P316 # النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: {اصنعوا لآل ~~جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم} . وأما القراءة الدائمة على القبور فلم ~~تكن معروفة عند السلف. # وقد تنازع الناس في القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في ~~أكثر الروايات عنه ورخص فيها في الرواية المتأخرة لما بلغه أن عبد الله بن ~~عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة وخواتمها. وقد نقل عن بعض الأنصار ~~أنه أوصى عند قبره بالبقرة وهذا إنما كان عند الدفن فأما بعد ذلك فلم ينقل ~~عنهم شيء من ذلك ولهذا فرق في القول الثالث بين القراءة حين الدفن والقراءة ~~الراتبة بعد الدفن فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل. ومن قال: إن الميت ينتفع ~~بسماع القرآن ويؤجر على ذلك فقد غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ~~ولد صالح يدعو له} . فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره، وإن كان ~~الميت يسمع قرع نعالهم ويسمع سلام الذي يسلم عليه ويسمع غير ذلك لكن لم يبق ~~له عمل غير ما استثنى. # PageV24P317 # وأما ### | بناء المساجد على القبور # وتسمى " مشاهد " فهذا غير سائغ؛ ms7387 بل جميع الأمة ينهون عن ذلك لما ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} . قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز ~~قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: {إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك} وفي السنن عنه قال: {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج} . وقد اتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة في المشاهد ليس ~~مأمورا بها لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب. ولا في الصلاة في المشاهد التي ~~على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع فضلا عن المساجد باتفاق أئمة ~~المسلمين فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على الصلاة على غيرها أو أنها ~~أفضل من الصلاة في بعض المساجد فقد فارق جماعة المسلمين ومرق من الدين بل ~~الذي عليه الأمة أن الصلاة فيها منهي عنها نهي تحريم وإن كانوا متنازعين في ~~الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة؟ أو مكروهة؟ أو مباحة؟ أو يفرق بين ~~المنبوشة والقديمة فذلك لأجل تعليل النهي بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد ~~الموتى. # PageV24P318 # وأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين وأن ذلك أصل عبادة ~~الأصنام. قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا} قال غير واحد من الصحابة والتابعين: هذه أسماء قوم كانوا ~~قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره مالك في الموطإ: {اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ~~ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التي على القبور لا زيت ولا ~~شمع ولا دراهم ولا غير ذلك وللمجاورين عندها وخدام القبور، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد لعن من يتخذ عليها المساجد والسرج، ومن نذر ذلك فقد نذر ms7388 ~~معصية، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . وأما الكفارة فهي على قولين: ~~فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم {كفارة ~~النذر كفارة اليمين} . رواه مسلم. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} ومذهب ~~مالك والشافعي وغيرهما لا شيء عليه. لكن إن تصدق بالنذر # PageV24P319 # في المشاهد على من يستحق ذلك من فقراء المسلمين الذين يستعينون بذلك على ~~طاعة الله ورسوله فقد أحسن في ذلك وأجره على الله. ولا يجوز لأحد باتفاق ~~المسلمين أن ينقل صلاة المسلمين وخطبهم من مسجد يجتمعون فيه إلى مشهد من ~~مشاهد القبور ونحوها. بل ذلك من أعظم الضلالات والمنكرات حيث تركوا ما أمر ~~الله به ورسوله وفعلوا ما نهى الله عنه ورسوله وتركوا السنة وفعلوا البدعة ~~تركوا طاعة الله ورسوله وارتكبوا معصية الله ورسوله بل يجب إعادة الجمعة ~~والجماعة إلى المسجد الذي هو بيت من بيوت الله {أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} وقد قال تعالى: {إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} . # وأما القبور التي في المشاهد وغيرها فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت ~~ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ~~أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ~~ومنكم والمستأخرين # PageV24P320 # نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر ~~لنا ولهم} . # وأما التمسح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن ms7389 ~~الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر له ونحو ذلك فليس هذا من دين ~~المسلمين بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك والله أعلم ~~وأحكم. # وسئل: # عمن يقرأ القرآن العظيم أو شيئا منه هل الأفضل أن يهدي ثوابه لوالديه ~~ولموتى المسلمين؟ أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة؟ . # فأجاب: # أفضل العبادات ما وافق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة ~~كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: {خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} . وقال ~~صلى الله عليه وسلم {خير القرون قرني ثم الذين يلونهم} . وقال ابن مسعود: ~~من كان منكم مستنا فليستن بمن قد # PageV24P321 # مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد. فإذا عرف هذا ~~الأصل، فالأمر الذي كان معروفا بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا ~~يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من الصلاة والصيام ~~والقراءة والذكر وغير ذلك وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله ~~بذلك لأحيائهم وأمواتهم في صلاتهم على الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك. ~~وروي عن طائفة من السلف عند كل ختمة دعوة مجابة فإذا دعا الرجل عقيب الختم ~~لنفسه ولوالديه ولمشايخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من الجنس ~~المشروع. وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة. وقد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصدقة على الميت وأمر أن يصام عنه ~~الصوم، فالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة وكذلك ما جاءت به السنة في ~~الصوم عنهم، وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء إنه يجوز إهداء ثواب ~~العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة ~~وطائفة من أصحاب مالك والشافعي. فإذا أهدى لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة ~~جاز ذلك # PageV24P322 # وأكثر أصحاب مالك والشافعي يقولون: إنما يشرع ذلك في العبادات المالية ~~ومع هذا فلم يكن من عادة السلف ms7390 إذا صلوا تطوعا وصاموا وحجوا أو قرءوا ~~القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما ~~تقدم فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل والله أعلم. # وسئل: # عمن " هلل سبعين ألف مرة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار " حديث ~~صحيح؟ أم لا؟ وإذا هلل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا؟ . # فأجاب: # إذا هلل الإنسان هكذا: سبعون ألفا أو أقل أو أكثر. وأهديت إليه نفعه الله ~~بذلك وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا. والله أعلم. # PageV24P323 # وسئل: # عن قراءة أهل الميت تصل إليه؟ والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إذا ~~أهداه إلى الميت يصل إليه ثوابها أم لا؟ . # فأجاب: # يصل إلى الميت قراءة أهله وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم لله تعالى إذا ~~أهدوه إلى الميت وصل إليه والله أعلم. # وسئل: # هل القراءة تصل إلى الميت من الولد أو لا؟ على مذهب الشافعي. # فأجاب: # أما وصول ثواب العبادات البدنية: كالقراءة والصلاة والصوم فمذهب أحمد ~~وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي إلى أنها تصل وذهب أكثر أصحاب ~~مالك والشافعي إلى أنها لا تصل والله أعلم. # PageV24P324 # وسئل - رحمه الله -: # عمن ترك والديه كفارا: ولم يعلم هل أسلموا؟ هل يجوز أن يدعو لهم؟ . # فأجاب: # الحمد لله، من كان من أمة أصلها كفار لم يجز أن يستغفر لأبويه إلا أن ~~يكونا قد أسلما. كما قال تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} . # PageV24P325 ### | باب زيارة القبور # سئل - رحمه الله -: # عن المشروع في زيارة القبور؟ . # فأجاب: # أما زيارة القبور: فهي على وجهين: شرعية وبدعية. فالشرعية: مثل الصلاة ~~على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته. ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع ويزور شهداء أحد ويعلم ~~أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: {السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ms7391 نسأل الله ~~لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} ~~. وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأنبياء وغيرهم: كالصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم والسلام. كما في الصحيح عنه أنه قال: # PageV24P326 # {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة ~~واحدة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة ~~لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله ~~لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة، وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام} . وأما الزيارة البدعية: وهي زيارة أهل ~~الشرك من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والاستعانة به وطلب ~~الحوائج عنده فيصلون عند قبره ويدعون به فهذا ونحوه لم يفعله أحد من ~~الصحابة ولا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبه أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها بل قد سد النبي صلى الله عليه وسلم " باب الشرك ". في الصحيح ~~أنه قال في مرض موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما فعلوا} قالت عائشة - رضي الله عنها - ولولا ذلك لأبرز قبره. ~~لكن كره أن يتخذ مسجدا، وقال قبل أن يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ~~فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله والإحسان إلى خلق الله # PageV24P327 # وذلك من جنس الزكاة التي أمر الله بها. والثاني: من جنس الإشراك بالله ~~والظلم في حق الله وحق عباده وفي الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لما أنزل الله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم ~~عظيم} } . وقال صلى الله ms7392 عليه وسلم {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} . وقد ~~قال الله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا} . قال طائفة من السلف: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان ~~وهذا من جنس دين النصارى ولم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون ~~يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره بل كره الأئمة ~~وقوف الإنسان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء وقالوا هذه بدعة لم ~~يفعلها الصحابة والتابعون بل كانوا يسلمون عليه وعلى صاحبيه ثم يذهبون. # PageV24P328 # وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف، وقد نص عليه مالك ~~وغيره من الأئمة ونص أبو يوسف وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل ~~الله بمخلوق لا النبي ولا الملائكة ولا غيرهم. وقد أصاب المسلمين جدب وشدة ~~وكانوا يدعون الله ويستسقون ويدعون على الأعداء ويستنصرون ويتوسلون بدعاء ~~الصالحين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم} . ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا صالح ولا الصلاة عنده ولا طلب الحوائج منه ~~ولا الإقسام على الله به مثل أن يقول القائل: أسألك بحق فلان وفلان؛ بل كل ~~هذا من البدع المحدثة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {خير القرون القرن ~~الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم} . وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خير طباق الأمة. # PageV24P329 # وسئل الشيخ: # عن الزيارة؟ . # فأجاب: # أما الاختلاف إلى القبر بعد الدفن فليس بمستحب وإنما المستحب عند الدفن ~~أن يقام على قبره ويدعى له بالتثبيت. كما روى أبو داود في سننه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ويقول: ~~سلوا ms7393 له التثبيت فإنه الآن يسأل} . وهذا من معنى قوله: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فإنه لما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم كان دليل الخطاب أن المؤمن ~~يصلى عليه قبل الدفن ويقام على قبره بعد الدفن. فزيارة الميت المشروعة ~~بالدعاء والاستغفار هي من هذا القيام المشروع. # PageV24P330 # و ### | سئل: # عن الأحياء إذا زاروا الأموات # هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على ~~الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري: قال: {إذا قبضت نفس ~~المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون ~~عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب ~~شديد. قال: فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت} ~~الحديث. وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام} . قال ابن المبارك: ~~ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه عبد الحق صاحب الأحكام. # PageV24P331 # وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من ~~دخول أرواحهم الجنة فذهب طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم. ~~والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة والرزق ودخول ~~الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص ~~الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول ~~المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة. كما نهى عن قتل الأولاد خشية ~~الإملاق؛ لأنه هو الواقع. وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق. # PageV24P332 # وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام العالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة ~~وقامع البدعة تقي ms7394 الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن ~~تيمية الحراني - رحمه الله تعالى -: # عن الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} هل هو منسوخ ~~بقوله صلى الله عليه وسلم {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها ~~تذكركم الآخرة} ؟ أم لا؟ وهل صح الحديث الأول أم لا؟ وهل يحرم على النساء ~~زيارة القبور؟ أم يكره؟ أم يستحب؟ . وإذا قيل: بالكراهة. هل تكون كراهة ~~تحريم؟ أم تنزيه؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من زار ~~قبري وجبت له شفاعتي ". أم لا؟ وهل صح في فضل زيارة قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم شيء من الأحاديث أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما زيارة القبور فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان قد نهى عنها نهيا عاما ثم أذن # PageV24P333 # في ذلك. فقال: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فإنها تذكركم ~~الآخرة} وقال صلى الله عليه وسلم {استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي ~~واستأذنت في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة} ~~. وهنا مسألتان: إحداهما: متفق عليها والأخرى متنازع فيها. فأما الأولى: ~~فإن الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية: ~~السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته كما ثبت في الصحيح ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ~~السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم ~~العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} وهذا ~~الدعاء يروى بعضه في بعض الأحاديث وهو مروي بعدة ألفاظ، كما رويت ألفاظ ~~التشهد وغيره وهذه الزيارة هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها ~~إذا خرج لزيارة قبور أهل البقيع. وأما الزيارة ms7395 البدعية: فمن جنس زيارة ~~اليهود والنصارى وأهل # PageV24P334 # البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد وقد استفاض عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته: {لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} قالت عائشة - ~~رضي الله عنها -: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا، وثبت في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . فالزيارة ~~البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء عنده أو ~~به أو طلب الحوائج منه أو من الله تعالى عند قبره أو الاستغاثة به أو ~~الإقسام على الله تعالى به ونحو ذلك هو من البدع التي لم يفعلها أحد من ~~الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا أحد من خلفائه الراشدين بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار. ~~والحديث الذي يرويه بعض الناس " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي " هو من ~~المكذوبات التي لم يروها أحد من علماء المسلمين ولا هو في شيء من كتب ~~الحديث بمنزلة ما يروونه من قوله: " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به ~~" فإن هذا أيضا من المكذوبات. # PageV24P335 # وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على الله بمخلوق لا نبي ولا ~~غيره فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدوري في " كتاب شرح الكرخي " عن بشر بن ~~الوليد قال: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله ~~إلا به وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك وبحق خلقك، وهو قول أبي يوسف ~~وقال أبو يوسف: بمعاقد العز من عرشه: هو الله تعالى فلا أكره هذا. وأكره ~~بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام. قال القدوري شارح ~~الكتاب: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز ~~يعني: وفاقا. ms7396 # قلت: وأما ### | الاستشفاع # إلى الله تعالى به وهو طلب الشفاعة منه والتوسل إلى الله بدعائه وشفاعته ~~وبالإيمان به وبمحبته وطاعته والتوجه إلى الله تعالى بذلك فهذا مشروع ~~باتفاق المسلمين كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. وقد ثبت في صحيح البخاري ~~عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: ~~لا أملك # PageV24P336 # لك من الله شيئا قد أبلغتك} . وفي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم {يا ~~فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من ~~الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم} وقال ذلك لعشيرته الأقربين. وروي أنه ~~قال: {غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها} فبين صلى الله عليه وسلم ما هو ~~موافق لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ المبين وأما الجزاء بالثواب ~~والعقاب فهو إلى الله تعالى، كما قال تعالى {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين} وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين قد ~~بلغ الرسالة وأشهد الله على أمته أنه بلغهم كما جعل في حجة الوداع يقول: ~~{ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم فيرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: ~~اللهم اشهد} رواه مسلم في صحيحه. وأما إجابة الداعي وتفريج الكربات وقضاء ~~الحاجات فهذا لله سبحانه وتعالى وحده لا يشركه فيه أحد. ولهذا فرق الله ~~سبحانه في كتابه بين ما فيه حق للرسول # PageV24P337 # وبين ما هو لله وحده كما في قوله تعالى {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفائزون} فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة فإنه من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله. وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك له سبحانه وحده ~~وكذلك قوله: {ولو ms7397 أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فجعل الإيتاء لله ~~والرسول. كما في قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} . وأما التوكل والرغبة فلله وحده. كما في قوله تعالى {وقالوا ~~حسبنا الله} ولم يقل ورسوله. وقال: {إنا إلى الله راغبون} ولم يقل: وإلى ~~الرسول وذلك موافق لقوله تعالى {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} . ~~فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده لا يشركه فيه ~~أحد وأما الطاعة والمحبة والإرضاء: فعلينا أن نطيع الله ورسوله ونحب الله ~~ورسوله ونرضي الله ورسوله؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله وإرضاءه إرضاء لله ~~وحبه من حب الله. وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين ~~فإن الله تعالى جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده فليس لأحد طريق إلى الله إلا متابعة # PageV24P338 # الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر. ومن جعل إلى الله طريقا غير متابعة ~~الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ورسوله: مثل من يزعم أن من خواص ~~الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك من له طريق إلى ~~الله تعالى غير متابعة رسوله ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو ~~أعظم الكفر والكذب. كقول بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن على ~~أهل الصفة فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه. وقال بعضهم: إنهم أصبحوا ~~ليلة المعراج فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به وأن الله أعلمهم بذلك بدون ~~إعلام الرسول. وقول بعضهم: إنهم قاتلوه في بعض الغزوات مع الكفار وقالوا: ~~من كان الله معه كنا معه وأمثال ذلك من الأمور التي هي من أعظم الكفر ~~والكذب. ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام على أن من ~~الأولياء من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى الخضر عن موسى ~~ومثل قول بعضهم: إن خاتم الأولياء له طريق إلى الله يستغني به عن خاتم ms7398 ~~الأنبياء وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد ~~والفقر والتصوف والكلام والتفلسف. وكفر هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود ~~والنصارى وقد يكون # PageV24P339 # أعظم وقد يكون أخف بحسب أحوالهم. والله سبحانه لم يجعل له أحدا من ~~الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من ~~الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج ~~الكربات؛ بل غاية ما يكون العبد سببا: مثل أن يدعو أو يشفع والله تعالى ~~يقول: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ويقول: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ~~ويقول: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قال ~~طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فنهاهم الله عن ذلك. ~~في قوله تعالى {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كفر ولهذا كان الناس في الشفاعة على ثلاثة أقسام: # PageV24P340 # فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك؛ كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما ~~يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم وتجيب ~~الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله تعالى ~~مشركون كفار؛ لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد ~~من خلقه بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين وهو سبحانه أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها. ولهذا قال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ~~وقال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا ms7399 إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع} وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا} وقال تعالى عن صاحب " يس ": ~~{أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} {إني إذا لفي ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون} . وأما الخوارج ~~والمعتزلة: فإنهم أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من ~~أمته وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولإجماع خير القرون. والقسم الثالث: هم أهل السنة والجماعة وهم سلف ~~الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله # PageV24P341 # صلى الله عليه وسلم ونفوا ما نفاه الله في كتابه وسنة رسوله، فالشفاعة ~~التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم يوم القيامة إذا جاء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ~~ثم يأتونه عليه السلام قال: {فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا ~~فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل ~~يسمع وسل تعط واشفع تشفع} فهو يأتي ربه سبحانه فيبدأ بالسجود والثناء عليه ~~فإذا أذن له في الشفاعة شفع بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. وأما الشفاعة ~~التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة ~~فينفيها أهل العلم والإيمان مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين ~~الغائبين والميتين قضاء حوائجهم ويقولون: إنهم إذا أرادوا ذلك قضوها ~~ويقولون: إنهم عند الله تعالى كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن ~~الملوك ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم فيجعلونهم لله تعالى بمنزلة ~~شركاء الملك وبمنزلة أولاده. والله تعالى قد نزه نفسه المقدسة عن ذلك كما ~~قال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} ms7400 ولهذا قال النبي # PageV24P342 # صلى الله عليه وسلم {لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد ~~فقولوا: عبد الله ورسوله} . وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع. # و " الزيارة البدعية " هي من أسباب الشرك بالله تعالى ودعاء خلقه وإحداث ~~دين لم يأذن به الله. و " الزيارة الشرعية " هي من جنس الإحسان إلى الميت ~~بالدعاء له كالإحسان إليه. بالصلاة عليه وهي من العبادات لله تعالى التي ~~ينفع الله بها الداعي والمدعو له كالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وطلب الوسيلة والدعاء لسائر المؤمنين: أحيائهم وأمواتهم. # وأما المسألة المتنازع فيها: فالزيارة المأذون فيها هل فيها إذن للنساء ~~ونسخ للنهي في حقهن؟ أو لم يأذن فيها بل هن منهيات عنها؟ وهل النهي نهي ~~تحريم أو تنزيه؟ في ذلك للعلماء ثلاثة أقوال معروفة والثلاثة أقوال في مذهب ~~الشافعي وأحمد أيضا وغيرهما. وقد حكي في ذلك ثلاث روايات عن أحمد، وهو نظير ~~تنازعهم في تشييع النساء للجنائز وإن كان فيهم من يرخص في الزيارة دون ~~التشييع كما اختار ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. فمن العلماء من اعتقد ~~أن النساء مأذون لهن في الزيارة وأنه أذن # PageV24P343 # لهن كما أذن للرجال واعتقد أن قوله صلى الله عليه وسلم {فزوروها فإنها ~~تذكركم الآخرة} خطاب عام للرجال والنساء، والصحيح أن النساء لم يدخلن في ~~الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه: أحدها: أن قوله صلى الله عليه وسلم " ~~فزوروها " صيغة تذكير وصيغة التذكير إنما تتناول الرجال بالوضع وقد تتناول ~~النساء أيضا على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان: قيل: إنه يحتاج إلى دليل ~~منفصل وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل وقيل: إنه يحمل على ~~ذلك عند الإطلاق وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف والعام لا ~~يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة في نهي النساء كما سنذكره إن شاء الله تعالى ~~بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء وإن علم تقدم الخاص على العام. الوجه ~~الثاني أن يقال: لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحب لهن ms7401 زيارة القبور ~~كما استحب للرجال عند الجمهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل بعلة ~~تقتضي الاستحباب وهي قوله: {فإنها تذكركم الآخرة} ولهذا تجوز زيارة قبور ~~المشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~زار قبر أمه وقال: {استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته ~~في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة} . # PageV24P344 # وأما زيارته لأهل البقيع فذلك فيه أيضا الاستغفار لهم والدعاء كما علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا زاروا قبور المؤمنين أن يسلموا عليهم ~~ويدعوا لهم، فلو كانت زيارة القبور مأذونا فيها للنساء لاستحب لهن كما ~~استحب للرجال لما فيها من الدعاء للمؤمنين وتذكر الموت، وما علمنا أن أحدا ~~من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال. ~~والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على ما يروى عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان قد مات في غيبتها. وقالت: لو شهدتك ~~لما زرتك، وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال إذ ~~لو كان كذلك لاستحب لها زيارته كما تستحب للرجال زيارته سواء شهدته أو لم ~~تشهده. وأيضا فإن الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور ومع هذا فقد ثبت ~~في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن اتباع الجنائز وفي ~~ذلك تفويت صلاتهن على الميت فإذا لم يستحب لهن اتباعها لما فيها من الصلاة ~~والثواب فكيف بالزيارة. # PageV24P345 # الوجه الثالث أن يقال: غاية ما يقال في قوله صلى الله عليه وسلم {فزوروا ~~القبور} خطاب عام ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم {من صلى على جنازة فله ~~قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان} هو أدل على العموم من صيغة التذكير ~~فإن لفظ: " من " يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس وإن خالف فيه من لا ~~يدري ما يقول. ولفظ ms7402 " من " أبلغ صيغ العموم ثم قد علم بالأحاديث الصحيحة أن ~~هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي صلى الله عليه وسلم لهن عن اتباع ~~الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه. فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك ~~في ذلك بطريق الأولى وكلاهما من جنس واحد فإن تشييع الجنازة من جنس زيارة ~~القبور. قال الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ~~فنهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على ~~قبورهم. وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أن المؤمنين يصلى عليهم ~~ويقام على قبورهم، وذلك كما قال أكثر المفسرين: هو القيام بالدعاء ~~والاستغفار وهو مقصود زيارة قبور المؤمنين فإذا كان النساء لم يدخلن في ~~عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت فلأن لا يدخلن في ~~زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق # PageV24P346 # الأولى بخلاف ما إذا أمكن النساء أن يصلين على الميت بلا اتباع كما يصلين ~~عليه في البيت فإن ذلك بمنزلة الدعاء له والاستغفار في البيت. وإذا قيل ~~مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة الزيارة؛ لأن المصيبة حديثة وفي ذلك ~~أذى للميت وفتنة للحي بأصواتهن وصورهن. قيل: ومطلق الاتباع أعظم من مصلحة ~~الزيارة؛ لأن في ذلك الصلاة عليه التي هي أعظم من مجرد الدعاء؛ ولأن ~~المقصود بالاتباع الحمل والدفن والصلاة فرض على الكفاية وليس شيء من ~~الزيارة فرضا على الكفاية - وذلك الفرض يشترك فيه الرجال والنساء بحيث لو ~~مات رجل وليس عنده إلا نساء لكان حمله ودفنه والصلاة عليه فرضا عليهن وفي ~~تغسيلهن للرجال نزاع وتفصيل. وكذلك إذا تعذر غسل الميت هل ييمم؟ فيه نزاع ~~معروف وهو قولان في مذهب أحمد وغيره - فإذا كان النساء منهيات عما جنسه فرض ~~على الكفاية ومصلحته أعظم إذا قام به الرجال فما ليس بفرض على أحد أولى. ~~وقول القائل: مفسدة التشييع أعظم: ممنوع؛ بل إذا رخص للمرأة في الزيارة كان ~~ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد ms7403 الجزع والأذى للميت فكان ذلك ~~مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الأمصار فإنه ~~يقع بسبب # PageV24P347 # زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند ~~اتباع الجنائز. وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأن ~~نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك ~~أن نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط ~~الجزع أيضا فإذا خفف هذه القوة المقتضي لم يلزم تخفيف ما لا يقوى المقتضى ~~فيه. وإذا عفا الله تعالى للعبد عما لا يمكن تركه إلا بمشقة عظيمة لم يلزم ~~أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة. الوجه الرابع: أن ~~يقال: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين: أنه لعن زوارات ~~القبور فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - {أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ~~زائرات القبور} رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما {أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين ~~عليها المساجد والسرج} رواه الإمام أحمد؛ وأبو داود والنسائي والترمذي ~~وحسنه وفي نسخ تصحيحه ورواه ابن ماجه من ذكر الزيارة. # PageV24P348 # فإن قيل: الحديث الأول رواه عمر بن أبي سلمة وقد قال فيه علي بن المديني ~~تركه شعبة وليس بذاك وقال ابن سعد كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه. وقال ~~السعدي والنسائي ليس بقوي الحديث. والثاني فيه أبو صالح باذام مولى أم هانئ ~~وقد ضعفوه قال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح وقال أبو حاتم يكتب ~~حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير وما أقل ما له في ~~المسند ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه. قلت: الجواب على هذا من وجوه: ~~أحدها: أن يقال كل من الرجلين قد عدله طائفة من العلماء كما جرحه آخرون أما ~~عمر فقد قال فيه أحمد بن عبد الله ms7404 العجلي: ليس به بأس وكذلك قال يحيى بن ~~معين: ليس به بأس، وابن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية. وأما قول من ~~قال: تركه شعبة فمعناه أنه لم يرو عنه. كما قال أحمد بن حنبل لم يسمع شعبة ~~من عمر بن أبي سلمة شيئا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ~~ونحوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا توجب رد # PageV24P349 # أخبارهم فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلا له. وأما ترك الرواية ~~فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح وهذا معروف في غير واحد قد خرج له في الصحيح. ~~وكذلك قول من قال: ليس بقوي في الحديث عبارة لينة تقتضي أنه ربما كان في ~~حفظه بعض التغير ومثل هذه العبارة لا تقتضي عندهم تعمد الكذب ولا مبالغة في ~~الغلط. وأما أبو صالح: فقد قال يحيى بن سعيد القطان لم أر أحدا من أصحابنا ~~ترك أبا صالح مولى أم هانئ وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا ولم يتركه ~~شعبة ولا زائدة فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عرف من عادة شعبة، وترك ~~ابن مهدي له لا يعارض ذلك فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن ~~مهدي فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن ~~مهدي وأمثاله. وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، فأبو حاتم يقول ~~مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين وذلك أن شرطه في التعديل صعب والحجة في ~~اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم. # PageV24P350 # وهذا كقول من قال: لا أعلم أنهم رضوه، وهذا يقتضي أنه ليس عندهم من ~~الطبقة العالية ولهذا لم يخرج البخاري ومسلم له ولأمثاله، لكن مجرد عدم ~~تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه، وإذا كان كذلك فيقال: إذا كان الجارح ~~والمعدل من الأئمة لم يقبل الجرح إلا مفسرا فيكون التعديل مقدما على الجرح ~~المطلق. الوجه الثاني: أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن ms7405 الذي يحتج به جمهور ~~العلماء فإذا صححه من صححه كالترمذي وغيره ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر ~~كان أقل أحواله أن يكون من الحسن. الوجه الثالث: أن يقال قد روي من وجهين ~~مختلفين: أحدهما عن ابن عباس والآخر عن أبي هريرة ورجال هذا ليس رجال هذا ~~فلم يأخذه أحدهما عن الآخر وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب وإنما التضعيف ~~من جهة سوء الحفظ ومثل هذا حجة بلا ريب وهذا من أجود الحسن الذي شرطه ~~الترمذي فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذا: أي ~~مخالفا لما ثبت بنقل الثقاة. وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيه متهم ولا ~~خالفه أحد من الثقاة وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين: إما تعمد ~~الكذب وإما خطأ الراوي فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما # PageV24P351 # عن الآخر وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه: علم أنه ليس ~~بكذب؛ لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب. وأما الخطأ فإنه مع ~~التعدد يضعف ولهذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يطلبان مع المحدث ~~الواحد من يوافقه خشية الغلط ولهذا قال تعالى في المرأتين {أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى} هذا لو كانا عن صاحب واحد فكيف وهذا قد رواه عن صاحب ~~وذلك عن آخر وفي لفظ أحدهما زيادة على لفظ الآخر فهذا كله ونحوه مما يبين ~~أن الحديث في الأصل معروف. فإن قيل: فهب أنه صحيح لكنه منسوخ فإن الأول ~~ينسخه ويدل على ذلك ما رواه الأثرم واحتج به أحمد في روايته ورواه إبراهيم ~~بن الحارث عن عبد الله بن أبي مليكة {أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم ~~من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها} ~~. قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنه قد تقدم الخطاب بأن الإذن لم ms7406 ~~يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ. # PageV24P352 # الثاني: خاص في النساء وهو قوله صلى الله عليه وسلم {لعن الله زوارات ~~القبور أو زائرات القبور} وقوله: " فزوروها " بطريق التبع فيدخلن بعموم ~~ضعيف إما أن يكون مختصا بالرجال وإما أن يكون متناولا للنساء والعام إذا ~~عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخا له عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد في أشهر الروايتين عنه وهو المعروف عند أصحابه فكيف إذا لم يعلم أن ~~هذا العام بعد الخاص إذ قد يكون قوله: {لعن الله زوارات القبور} بعد إذنه ~~للرجال في الزيارة ويدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج ~~وذكر هذا بصيغة التذكير التي تتناول الرجال ولعن الزائرات جعله مختصا ~~بالنساء، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج باق محكم كما دلت عليه الأحاديث ~~الصحيحة فكذلك الآخر. وأما ما ذكر عن عائشة رضي الله عنها فأحمد احتج به في ~~إحدى الروايتين عنه لما أداه اجتهاده إلى ذلك والرواية الأخرى عنه تناقض ~~ذلك وهي اختيار الخرقي وغيره من قدماء أصحابه. ولا حجة في حديث عائشة، فإن ~~المحتج عليها احتج بالنهي العام فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، وهو كما قالت ~~رضي الله عنها ولم يذكر لها المحتج النهي المختص بالنساء الذي فيه لعنهن ~~على الزيارة. يبين ذلك قولها: " قد أمر بزيارتها " فهذا يبين أنه أمر بها ~~أمرا # PageV24P353 # يقتضي الاستحباب والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة ولكن عائشة بينت أن ~~أمره الثاني نسخ نهيه الأول فلم يصلح أن يحتج به وهو النساء على أصل ~~الإباحة، ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ~~ذلك كما يفعله الرجال ولم تقل لأخيها: لما زرتك. الجواب الثالث: جواب من ~~يقول بالكراهة من أصحاب أحمد والشافعي وهو أنهم قالوا: حديث اللعن يدل على ~~التحريم وحديث الإذن يرفع التحريم، وبقي أصل الكراهة يؤيد هذا قول {أم ~~عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا} . والزيارة من جنس الاتباع ~~فيكون كلاهما مكروها غير محرم. الجواب الرابع: جواب طائفة منهم: كإسحاق ms7407 بن ~~راهويه فإنهم يقولون: اللعن قد جاء بلفظ الزوارات وهن المكثرات للزيارة ~~فالمرة الواحدة في الدهر لا تتناول ذلك ولا تكون المرأة زائرة ويقولون: ~~عائشة زارت مرة واحدة ولم تكن زوارة. وأما القائلون بالتحريم: فيقولون قد ~~جاء بلفظ " الزوارات " ولفظ الزوارات قد يكون لتعددهن كما يقال: فتحت ~~الأبواب إذ لكل باب فتح يخصه ومنه قوله تعالى {حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها} # PageV24P354 # ومعلوم أن لكل باب فتحا واحدا. قالوا: ولأنه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم ~~وما لا يحرم واللعن صريح في التحريم. ومن هؤلاء من يقول: التشييع كذلك ~~ويحتج بما روي في التشييع من التغليظ كقوله صلى الله عليه وسلم {ارجعن ~~مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت} وقوله لفاطمة - رضي ~~الله عنها - {أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة حتى يكون كذا ~~وكذا} وهذان يؤيدهما ما ثبت في الصحيحين من أنه {نهى النساء عن اتباع ~~الجنائز} . وأما قول {أم عطية: ولم يعزم علينا} فقد يكون مرادها لم يؤكد ~~النهي وهذا لا ينفي التحريم وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم والحجة في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لا في ظن غيره. الجواب الخامس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت ويرقق القلب ويدمع ~~العين هكذا في مسند أحمد، ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها ~~إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وكثرة الجزع وقلة الصبر. ~~وأيضا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها ولافتتان الرجال # PageV24P355 # بصوتها وصورتها كما جاء في حديث آخر: {فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت} ~~وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال ~~والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ~~ولا التمييز بين نوع ونوع. ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو ~~غير منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدا للذريعة كما حرم النظر ~~إلى الزينة الباطنة ms7408 لما في ذلك من الفتنة وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ~~ذلك من النظر وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فإنه ليس في ذلك ~~إلا دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها؛ ولهذا قال الفقهاء: إذا علمت المرأة ~~من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل لم تجز ~~لها الزيارة بلا نزاع. # فصل: # وأما الحديث المذكور في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف ~~وليس في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم حديث حسن ولا صحيح ولا روى أهل ~~السنن المعروفة كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ولا أهل ~~المسانيد المعروفة كمسند أحمد # PageV24P356 # ونحوه ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئا بل عامة ما يروى في ~~ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة، كما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} وهذا حديث ~~موضوع كذب باتفاق أهل العلم. وكذلك ما يروى أنه قال: {من زارني بعد مماتي ~~فكأنما زارني في حياتي ومن زارني بعد مماتي ضمنت له على الله الجنة} ليس ~~لشيء من ذلك أصل وإن كان قد روى بعض ذلك الدارقطني والبزار في مسنده فمدار ~~ذلك على عبد الله بن عمر العمري، أو من هو أضعف منه ممن لا يجوز أن يثبت ~~بروايته حكم شرعي. وإنما اعتمد الأئمة في ذلك على ما رواه أبو داود في ~~السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل يسلم ~~علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} وكما في سنن النسائي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله وكل بقبري ملائكة تبلغني عن ~~أمتي السلام} فالصلاة والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله فلهذا استحب ذلك ~~العلماء. ومما يبين ذلك أن مالكا - رحمه الله - كره أن يقول الرجل: # PageV24P357 # زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومالك ms7409 قد أدرك الناس من التابعين وهم ~~أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كره من كره من الأئمة أن يقف مستقبل ~~القبر يدعو: بل وكره مالك وغيره أن يقوم للدعاء لنفسه هناك وذكر أن هذا لم ~~يكن من عمل الصحابة والتابعين وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح ~~أولها. وقد ذكروا في أسباب كراهته أن يقول زرت قبر النبي لأن هذا اللفظ قد ~~صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه ~~والرغبة إليه في قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس فهم يعنون ~~بلفظ الزيارة مثل هذا وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة فكره مالك أن يتكلم ~~بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام فإن ذلك مما أمر ~~الله به. أما لفظ الزيارة في عموم القبور فقد لا يفهم منها مثل هذا المعنى ~~ألا ترى إلى قوله: {فزوروا القبور. فإنها تذكركم الآخرة} مع زيارته لقبر ~~أمه فإن هذا يتناول زيارة قبور الكفار فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه ~~وسؤاله والاستغاثة به ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع؛ بخلاف ما إذا ~~كان المزور معظما في الدين: # PageV24P358 # كالأنبياء والصالحين، فإنه كثيرا ما يعني بزيارة قبورهم هذه الزيارة ~~البدعية والشركية فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا، وإن لم يكره ذلك في موضع ~~آخر ليس فيه هذه المفسدة. فلا يمكن أحدا أن يروي بإسناد ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن أصحابه شيئا في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض المعنى الفاسد الذي ترويه الجهال بهذا ~~اللفظ. كقوله صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن ~~صلاتكم تبلغني حيثما كنتم} . وقوله صلى الله عليه وسلم {لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله ~~عنها ولولا ذلك لأبرز ms7410 قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وقوله صلى الله عليه وسلم {اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد} . وأشباه هذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والكتب المعتمدة. ~~فكيف يعدل من له علم وإيمان عن موجب هذه النصوص الثابتة باتفاق أهل الحديث ~~إلى ما يناقض معناها من الأحاديث التي لم يثبت منها شيئا أحد من أهل العلم، ~~والله سبحانه أعلم وصلى الله على محمد. # PageV24P359 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن زيارة النساء القبور: هل ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: {لعن الله زوارات القبور} رواه أحمد وابن ماجه ~~والترمذي وصححه، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: {لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} رواه أهل السنن ~~الأربعة: أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي حديث حسن ~~وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم أنه نهى ~~زوارات القبور عن ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.} . فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ ~~كما قال ذلك أهل القول الآخر. قيل: هذا ليس بجيد؛ لأن قوله {كنت نهيتكم عن ~~زيارة # PageV24P360 # القبور فزوروها} هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص ~~بالذكور أو متناول لغيرهم بطريق التبع، فإن كان مختصا بهم فلا ذكر للنساء ~~وإن كان متناولا لغيرهم كان هذا اللفظ عاما وقوله: {لعن الله زوارات ~~القبور} خاص بالنساء دون الرجال ألا تراه يقول: {لعن الله زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج} فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم ~~الله سواء كانوا ذكورا أو إناثا وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء ms7411 ~~الزوارات دون الرجال وإذا كان هذا خاصا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان ~~متقدما على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها. وهذا نظير ~~قوله صلى الله عليه وسلم {من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن ~~فله قيراطان} فهذا عام والنساء لم يدخلن في ذلك لأنه ثبت عنه في الصحيح أنه ~~نهى النساء عن اتباع الجنائز، {عن عبد الله بن عمر قال: سرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعني نشيع ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانصرفنا معه فلما توسطنا الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت ~~إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجك يا فاطمة من ~~بيتك قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا # PageV24P361 # البيت فعزيناهم بميتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك بلغت معهم ~~الكدى أما إنك لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك} رواه ~~أهل السنن ورواه أبو حاتم في صحيحه وقد فسر " الكدى " بالقبور والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه؟ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك ~~الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره؟ وهل تصل إليه القراءة ~~والصدقة من ناحليه وغيرهم سواء كان من المال الموروث عنه وغيره؟ وهل تجمع ~~روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله سواء كان مدفونا قريبا منهم ~~أو بعيدا؟ وهل تنقل روحه إلى جسده في ذلك الوقت أو يكون بدنه إذا مات في ~~بلد بعيد ودفن بها ينقل إلى الأرض التي ولد بها؟ وهل يتأذى ببكاء أهله ~~عليه؟ والمسئول من أهل العلم رضي الله عنهم الجواب عن هذه الفصول - فصلا ~~فصلا - جوابا واضحا مستوعبا لما ورد فيه من الكتاب والسنة وما نقل فيه عن ~~الصحابة رضي الله عنهم وشرح مذاهب الأئمة والعلماء: أصحاب المذاهب ~~واختلافهم وما الراجح من أقوالهم مأجورين إن شاء الله تعالى. ms7412 # PageV24P362 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، نعم يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه} . وثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقال: يا ~~أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة هل ~~وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فسمع عمر رضي الله ~~عنه ذلك فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا فقال: والذي ~~نفسي بيده ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا} ثم أمر ~~بهم فسحبوا في قليب بدر وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ~~وقال: إنهم يسمعون الآن ما أقول} . وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه ~~كان يأمر بالسلام على أهل القبور. ويقول: {قولوا السلام عليكم أهل الديار ~~من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين ~~منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ~~ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} فهذا خطاب لهم وإنما يخاطب من يسمع، وروى ~~ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV24P363 # أنه قال: {ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام.} . وفي السنن عنه أنه قال: {أكثروا من ~~الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا: يا رسول ~~الله وكيف تعرض صلاتنا عليك؟ وقد أرمت - يعني صرت رميما - فقال: إن الله ~~تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} وفي السنن أنه قال: {إن الله ~~وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام.} . فهذه النصوص وأمثالها تبين أن ~~الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن ms7413 يكون السمع له دائما بل قد يسمع ~~في حال دون حال كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد ~~لا يسمع لعارض يعرض له وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو ~~السمع المنفي بقوله: {إنك لا تسمع الموتى} فإن المراد بذلك سمع القبول ~~والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم ~~التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه ~~لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر ~~والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى، ~~كما # PageV24P364 # قال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم.} . وأما رؤية الميت: فقد ~~روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها. # فصل: # وأما قول القائل: هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على ~~قبره في ذلك الوقت وغيره؟ فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت، كما جاء ~~في الحديث، وتعاد أيضا في غير ذلك، وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث ~~الذي رواه النسائي ومالك والشافعي وغيرهم: {أن نسمة المؤمن طائر يعلق في ~~شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه} وفي لفظ {ثم تأوي إلى قناديل ~~معلقة بالعرش} ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة ~~نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم. هذا وجاء في عدة آثار أن ~~الأرواح تكون في أفنية القبور قال مجاهد: الأرواح تكون على أفنية القبور ~~سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون أحيانا وقال مالك بن أنس: ~~بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت. والله أعلم. # PageV24P365 # فصل: # وأما " القراءة والصدقة " وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء ~~السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه ~~أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره. ~~وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم والصلاة والقراءة. والصواب أن ~~الجميع ms7414 يصل إليه فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من مات وعليه صيام صام عنه وليه} وثبت أيضا: {أنه أمر امرأة ماتت أمها ~~وعليها صوم أن تصوم عن أمها} . وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لعمرو بن العاص: {لو أن أباك أسلم فتصدقت عنه أو صمت أو أعتقت عنه نفعه ~~ذلك} وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي. وأما ~~احتجاج بعضهم بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فيقال له قد ثبت ~~بالسنة المتواترة وإجماع الأمة: أنه يصلى # PageV24P366 # عليه ويدعى له ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ~~ينتفع بالصدقة عنه والعتق وهو من سعي غيره، وما كان من جوابهم في موارد ~~الإجماع فهو جواب الباقين في مواقع النزاع. وللناس في ذلك أجوبة متعددة. ~~لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا ~~بسعي نفسه وإنما قال: {ليس للإنسان إلا ما سعى} فهو لا يملك إلا سعيه ولا ~~يستحق غير ذلك. وأما سعي غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ~~ونفع نفسه، فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير؛ لكن إذا تبرع له الغير بذلك ~~جاز. وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه ~~له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه ~~أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره. # PageV24P367 # فصل: # وأما قوله: هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه؟ ففي الحديث عن أبي أيوب ~~الأنصاري وغيره من السلف ورواه أبو حاتم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول ~~بعضهم لبعض: دعوه حتى يستريح فيقولون له: ما فعل فلان؟ فيقول: عمل عمل صلاح ~~فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يقدم عليكم فيقولون: لا ms7415 فيقولون ذهب به ~~إلى الهاوية} . ولما كانت أعمال الأحياء تعرض على الموتى كان أبو الدرداء ~~يقول: " اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة ". ~~فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم. وما استقرارهم فبحسب منازلهم عند ~~الله فمن كان من المقربين كانت منزلته أعلى من منزلة من كان من أصحاب ~~اليمين؛ لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل والأسفل لا يصعد إلى الأعلى فيجتمعون ~~إذا شاء الله كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم ويتزاورون. # PageV24P368 # وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة، قد تجتمع الأرواح مع ~~تباعد المدافن وقد تفترق مع تقارب المدافن يدفن المؤمن عند الكافر وروح هذا ~~في الجنة وروح هذا في النار والرجلان يكونان جالسين أو نائمين في موضع واحد ~~وقلب هذا ينعم وقلب هذا يعذب وليس بين الروحين اتصال، فالأرواح كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {جنود مجندة: فما تعارف منها ائتلف وما تناكر ~~منها اختلف.} والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة بل قد جاء: {أن الميت يذر ~~عليه من تراب حفرته} ومثل هذا لا يجزم به ولا يحتج به، بل أجود منه حديث ~~آخر فيه: {أنه ما من ميت يموت في غير بلده إلا قيس له من مسقط رأسه إلى ~~منقطع أثره في الجنة} . والإنسان يبعث من حيث مات وبدنه في قبره مشاهد فلا ~~تدفع المشاهدة بظنون لا حقيقة لها بل هي مخالفة في العقل والنقل. # فصل: # وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟ . فهذه مسألة فيها نزاع بين ~~السلف والخلف والعلماء. والصواب # PageV24P369 # أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه} - وفي لفظ - {من ينح ~~عليه يعذب بما نيح عليه} " وفي الحديث الصحيح أن عبد الله بن رواحة لما ~~أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول: واعضداه واناصراه فلما أفاق قال: ما قلت ~~لي شيئا إلا قيل لي: أكذلك أنت؟ . وقد أنكر ذلك طوائف من السلف ms7416 والخلف ~~واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى ~~{ولا تزر وازرة وزر أخرى} ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة. فمنهم ~~من غلط الرواة لها كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشة والشافعي ~~وغيرهما. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه وهو قول ~~طائفة: كالمزني وغيره. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم فيعذب على ~~ترك النهي عن المنكر وهو اختيار طائفة: منهم جدي أبو البركات وكل # PageV24P370 # هذه الأقوال ضعيفة جدا. والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر ~~بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الأشعري وغيرهم لا ترد بمثل هذا. ~~وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من ~~التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر ~~هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل ~~هذا إلا كان مخطئا. وعائشة رضي الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفظين - وهي الصادقة فيما نقلته - فروت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ~~{إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه} وهذا موافق لحديث عمر فإنه ~~إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله؛ ~~ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى، وقال: ~~الأشبه روايتها الأخرى: {أنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره.} والذين ~~أقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب ~~غيره وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الله يعاقب ~~الإنسان بذنب غيره فجوزوا # PageV24P371 # أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم، وهذا وإن كان قد قاله طوائف ~~منتسبة إلى السنة فالذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله لا يدخل النار إلا ~~من عصاه كما قال: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} فلا بد أن يملأ ~~جهنم من أتباع إبليس فإذا ms7417 امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع فمن لم يتبع ~~إبليس لم يدخل النار. وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: أن يقال فيهم: الله ~~أعلم بما كانوا عاملين. كما قد أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح، فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا: إنهم كلهم في النار ~~واختار ذلك القاضي أبو يعلى وغيره وذكر أنه منصوص عن أحمد وهو غلط على ~~أحمد. وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزي ~~وغيره واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم {لما رأى إبراهيم ~~الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل: يا رسول الله وأطفال المشركين؟ قال: ~~وأطفال المشركين.} والصواب أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين ولا ~~يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في ~~عرصات القيامة يؤمرون وينهون فمن أطاع دخل الجنة ومن # PageV24P372 # عصى دخل النار وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة ~~والجماعة. والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار وأما ~~عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم: من ربك؟ ~~وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون} {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{يتجلى الله لعباده في الموقف إذا قيل: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع ~~المشركون آلهتهم ويبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التي ~~كانوا يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون فيسجد له ~~المؤمنون وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر فيريدون أن يسجدوا فلا ~~يستطيعون، وذلك قوله: {يوم يكشف عن ساق} الآية} والكلام على هذه الأمور ~~مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هاهنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة ~~إلا بذنبه وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وقوله: {إن الميت يعذب ببكاء أهله ms7418 ~~عليه} ليس فيه أن النائحة لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما في # PageV24P373 # الحديث الصحيح: {أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا ~~من جرب وسربالا من قطران} فلا يحمل عمن ينوح وزره أحد. وأما تعذيب الميت: ~~فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: " يعذب " والعذاب أعم ~~من العقاب فإن العذاب هو الألم وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على ~~ذلك السبب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {السفر قطعة من العذاب يمنع ~~أحدكم طعامه وشرابه} فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب. والإنسان ~~يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة ~~والصور القبيحة فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا ولم يكن ذلك عملا له ~~عوقب عليه فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له ~~يعاقب عليه؟ . والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم ~~وبسماع كلامه ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى: بأن الموتى إذا عمل عندهم ~~المعاصي فإنهم يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار، فتعذيبهم # PageV24P374 # بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب ~~العذاب. وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ~~ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات ~~الهائلة والأرواح والصور القبيحة. وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد ~~يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك: إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما ~~بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ~~{لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.} وما يحصل للمؤمن في ~~الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب فإن ذلك يكفر الله به ~~خطاياه كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب ~~المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ms7419 حتى الشوكة يشاكها إلا كفر ~~الله بها من خطاياه.} . وفي المسند {لما نزلت هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز ~~به} قال أبو بكر: يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا # PageV24P375 # فقال: يا أبا بكر ألست تحزن ألست يصيبك الأذى} فإن الجنة طيبة لا يدخلها ~~إلا طيب، كما قال تعالى: {طبتم فادخلوها خالدين} وفي الحديث الصحيح: {أنهم ~~إذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من ~~بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة} . والكلام في هذه المسألة ~~مبسوط في غير هذا الجواب والله أعلم بالصواب. وما ذكرنا في أن الموتى ~~يسمعون الخطاب ويصل إليهم الثواب ويعذبون بالنياحة بل وما لم يسأل عنه ~~السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ~~ومناما ويعلمون ذلك ويتحققونه وعندنا من ذلك أمور كثيرة لكن الجواب في ~~المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة فإنه يجب على الخلق ~~التصديق به وما كشف للإنسان من ذلك أو أخبره به من هو صادق عنده فهذا ينتفع ~~به من علمه ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا بما جاءت به النصوص ولكن لا ~~يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به الأنبياء فإن الله عز وجل أوجب ~~التصديق بما جاءت به الأنبياء كما في قوله تعالى {قولوا آمنا بالله} الآية. ~~وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} الآية، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي # PageV24P376 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في ~~أمتي أحد فعمر} . فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك ~~بالكتاب والسنة فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه وإن خالف لم يلتفت إليه، كما ~~كان يجب على عمر رضي الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقي في قلبه شيء وكان ~~مخالفا للسنة لم يقبل منه فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة. ولهذا ms7420 كان ~~الصديق أفضل من عمر فإن الصديق لا يتلقى من قلبه بل من مشكاة النبوة وهي ~~معصومة والمحدث يتلقى تارة عن قلبه وتارة عن النبوة فما تلقاه عن النبوة ~~فهو معصوم يجب اتباعه وما ألهم في قلبه: فإن وافق ما جاءت به النبوة فهو حق ~~وإن خالف ذلك فهو باطل. فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل ~~العلم والدين إلا على نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإن كان عندهم في ~~بعض ذلك شواهد وبينات مما شاهدوه ووجدوه ومما عقلوه وعملوه وذلك ينتفعون به ~~هم في أنفسهم وأما حجة الله تعالى على عباده فهم رسله وإلا فهذه المسائل ~~فيها من الدلائل والاعتبارات العقلية والشواهد # PageV24P377 # الحسية الكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك وقياس بني آدم وكشفهم تابع لما ~~جاءت به الرسل عن الله تعالى فالحق في ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن الله ~~تعالى لا مخالف له ومع كونه حقا فلا يفصل الخلاف بين الناس ولا يجب على من ~~لم يحصل له ذلك التصديق به كما يجب التصديق بما عرف أنه معصوم وهو كلام ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة ~~أو قياس أو برهان كان ذلك نورا على نور. قال بعض السلف: بصيرة المؤمن تنطق ~~بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا جاء الأثر كان نورا على نور {ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور} قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} . # PageV24P378 # وسئل - رحمه الله -: # هل يتكلم الميت في قبره؟ أم لا؟ . # فأجاب: # يتكلم وقد يسمع أيضا من كلمه كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إنهم يسمعون ms7421 قرع نعالهم} وثبت عنه في الصحيح {أن الميت يسأل ~~في قبره: فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله المؤمن بالقول ~~الثابت فيقول: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي ويقال له: ما تقول في هذا ~~الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات ~~والهدى فآمنا به واتبعناه} . وهذا تأويل قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وقد صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنها نزلت في عذاب القبر. وكذلك يتكلم المنافق فيقول: آه آه لا أدري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل ~~شيء إلا الإنسان. # PageV24P379 # وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من ~~عذاب القبر مثل الذي أسمع} وثبت عنه في الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر ~~لما ألقاهم في القليب وقال: {ما أنتم بأسمع لما أقول منهم} والآثار في هذا ~~كثيرة منتشرة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن بكاء الأم والإخوة على الميت: # هل فيه بأس على الميت؟ . # فأجاب: # أما دمع العين وحزن القلب فلا إثم فيه؛ لكن الندب والنياحة منهي عنه وأي ~~صدقة تصدق بها عن الميت نفعه ذلك. # و ### | سئل: # عما يتعلق بالتعزية؟ . # فأجاب: # التعزية مستحبة ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~عزى مصابا فله مثل أجره} . وأما قول القائل: # PageV24P380 # ما نقص من عمره زاد في عمرك فغير مستحب بل المستحب أن يدعو له بما ينفع ~~مثل أن يقول: أعظم الله أجرك وأحسن عزاك وغفر لميتك. وأما نقص العمر ~~وزيادته فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال ويحمل ما ورد على زيادة ~~البركة والصواب أنه يحصل نقص وزيادة عما كتب في صحف الملائكة. وأما علم ~~الله القديم فلا يتغير. وأما اللوح المحفوظ: فهل يغير ما فيه؟ على قولين، ~~وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص. وأما صنعة الطعام لأهل الميت ~~فمستحبة كما قال ms7422 النبي صلى الله عليه وسلم {اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد ~~أتاهم ما يشغلهم} لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدي وكان على سبيل ~~المعاوضة مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم ~~يأكل منه وإن اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه إذا كان فيه مصلحة ~~راجحة مثل تأليف القلوب ونحو ذلك والله أعلم. # PageV24P381 # و ### | سئل: # عمن يقرأ القرآن وينوح على القبر # ويذكر شيئا لا يليق والنساء مكشفات الوجوه والرجال حولهم؟ . # فأجاب: # الحمد لله، النياحة محرمة على الرجال والنساء عند الأئمة المعروفين. وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن النائحة إذا لم تتب قبل ~~موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران} وفي السنن ~~عنه: {أنه لعن النائحة والمستمعة} . وفي الصحيح عنه قال: {ليس منا من لطم ~~الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.} . # و ### | كشف النساء وجوههن # بحيث يراهن الأجانب غير جائز وعلى ولي الأمر الأمر بالمعروف والنهي عن ~~هذا المنكر وغيره ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره لا سيما النوح ~~للنساء عند القبور فإن ذلك من المعاصي التي يكرهها الله ورسوله - من الجزع # PageV24P382 # والندب والنياحة وإيذاء الميت وفتنة الحي وأكل أموال الناس بالباطل وترك ~~ما أمر الله به ورسوله من الصبر والاحتساب وفعل أسباب الفواحش وفتح بابها - ~~ما يجب على المسلمين أن ينهوا عنه، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم. PageV24P383 # الجزء الخامس والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الخامس: الزكاة والصوم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | كتاب الزكاة # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله الحمد لله نستعينه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما. # أما بعد: فإن الله تعالى أنعم على عباده بمحمد صلى الله عليه وسلم ms7423 فهو ~~أعظم نعمة عليهم ومن قبلها تمت عليه النعمة وأكمل له الدين وجعله من خير ~~أمة أخرجت للناس فبعثه بالهدى ودين الحق وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجعل ~~كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب وأمر فيه # PageV25P005 # بعبادة الله وبالإحسان إلى خلق الله. فقال تعالى: {واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ~~ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا} . وجعل دينه ثلاث درجات: إسلام ثم إيمان ~~ثم إحسان. وجعل الإسلام مبنيا على أركان خمسة: ومن آكدها الصلاة " وهي خمسة ~~فروض وقرن معها الزكاة فمن آكد العبادات الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة ~~عبادته وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية ~~ولم يذكرها إلا قرن معها الزكاة. من ذلك قوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} وقال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ~~وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة ورواه ~~مسلم من حديث عمر " {أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام # PageV25P006 # فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وصوم رمضان وحج البيت} وعنه قال صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله} . {ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تقدم على قوم أهل كتاب ~~فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم ~~أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن ~~هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد ~~على فقرائهم ms7424 فإن هم أطاعوك لذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة ~~المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب} . # فصل: # وجاء ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مجملا فبينه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإن بيانه أيضا من الوحي؛ لأنه سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة. # PageV25P007 # قال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة ~~يعلمه إياها كما يعلمه القرآن. وقد ذكرت في الصلاة فصلا قبل هذا. والمقصود ~~هنا ذكر الزكاة. فنذكر ما تيسر من أحكامها وبعض الأحاديث وشيئا من أقوال ~~الفقهاء. فقد سمى الله الزكاة صدقة وزكاة. ولفظ الزكاة في اللغة يدل على ~~النمو والزرع يقال فيه: زكا إذا نما ولا ينمو إلا إذا خلص من الدغل. فلهذا ~~كانت هذه اللفظة في الشريعة تدل على الطهارة: {قد أفلح من زكاها} {قد أفلح ~~من تزكى} نفس المتصدق تزكو وماله يزكو يطهر ويزيد في المعنى. وقد أفهم ~~الشرع أنها شرعت للمواساة ولا تكون المواساة إلا فيما له مال من الأموال ~~فحد له أنصبة ووضعها في الأموال النامية فمن ذلك ما ينمو بنفسه؛ كالماشية ~~والحرث. وما ينمو بتغير عينه والتصرف فيه كالعين وجعل المال المأخوذ على ~~حساب التعب فما وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعبا ففيه الخمس ثم ما فيه ~~التعب من طرف واحد فيه نصف الخمس وهو العشر فيما سقته السماء وما فيه التعب ~~من طرفين فيه ربع الخمس وهو نصف العشر فيما سقي بالنضح وما فيه التعب في ~~طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو ربع العشر. # PageV25P008 # فصل: # وافتتح مالك رحمه الله (كتاب الزكاة) في موطئه بذكر حديث أبي سعيد؛ لأنه ~~أصح ما روي في الباب وكذلك فعل مسلم في صحيحه وفيه ذكر نصاب الورق ونصاب ~~الإبل ونصاب الحب والثمر ثم الماشية والعين لا بد فيها من مرور الحول. فثنى ~~بما رواه عن أبي بكر وعمر وابن عمر رضي الله عنهم. في اعتبار الحول. ولو ~~كان قد خالفهم معاوية وابن عباس فما رواه أو قاله الخلفاء حجة ms7425 على من ~~خالفهم لا سيما الصديق لقوله صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي} وقوله: {إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا} . ~~ثم ذكر " نصاب الذهب " والحجة فيه أضعف من الورق فلهذا أخره. ثم ذكر ما ~~تؤخذ الزكاة منه فذكر الأحاديث والآيات في ذلك وأجودها حديث عمر بن الخطاب ~~وكتابه في الصدقة وذكر عن عمر بن عبد العزيز: أن الصدقة لا تكون إلا في ~~العين والحرث # PageV25P009 # والماشية واختاره. وقال ابن عبد البر: وهو إجماع أن الزكاة فيما ذكر وقال ~~ابن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب ~~في تسعة أشياء: في الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة والبر والشعير والتمر ~~والزبيب. إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. # فصل: # في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق ~~صدقة. وأشار بخمس أصابعه} وفي لفظ - {ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا ~~حب صدقة - وفي لفظ: ثمر بالثاء المثلثة. وفي لفظ ليس فيما دون خمس أواق من ~~الورق صدقة} ورواه مسلم عن جابر وروى مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف ~~العشر} ورواه البخاري من حديث ابن عمر ولفظه {فيما سقت السماء والعيون أو ~~كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر} . وفي الموطأ " العيون والبعل " ~~والبعل: ما شرب بعروقه ويمتد في الأرض # PageV25P010 # ولا يحتاج إلى سقي من الكرم والنخل. و " العثري " ما تسقيه السماء وتسميه ~~العامة العذى وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقيا يتصل الماء بها. قال أبو ~~عمر ابن عبد البر: في الحديث الأول " فوائد " منها: إيجاب الصدقة في هذا ~~المقدار ونفيها عما دونه و " الذود من الإبل " من الثلاثة إلى العشرة و " ~~الأوقية " اسم لوزن أربعين درهما و " النش " نصف ms7426 أوقية و " النواة " خمسة ~~دراهم قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وما زاد على المائتين: وهي الخمس ~~الأواقي فظاهر هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص بالعفو عما زاد ونصه ~~على العفو فيما دونها وذلك إيجاب لها في الخمس فما فوقها وعليه أكثر ~~العلماء روي ذلك عن علي وابن عمر وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي؛ والليث ~~وابن أبي ليلى والشافعي وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور. ~~وقالت طائفة لا شيء في الزيادة حتى يبلغ أربعين درهما. وفي الذهب أربعة ~~دنانير. يروى هذا عن عمر وبه قال سعيد والحسن وطاووس وعطاء والزهري ومكحول ~~وعمرو بن دينار # PageV25P011 # وأبو حنيفة. وأما ما زاد على الخمسة الأوسق ففيه الزكاة عند الجميع. # فصل: # " فنصاب الورق " التي تجب زكاته مائتا درهم على ما في هذا الحديث وهو ~~قوله: {خمس أواق من الورق} وهذا مجمع عليه. وفي حديث أنس في الصحيحين أيضا: ~~{وفي الرقة ربع العشر} . وأما " نصاب الذهب " فقد قال مالك في الموطأ: ~~السنة التي لا اختلاف فيها عندنا: أن الزكاة. تجب في عشرين دينارا كما تجب ~~في مائتي درهم. فقد حكى مالك إجماع أهل المدينة وما حكي خلاف إلا عن الحسن ~~أنه قال: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا. نقله ابن المنذر. وأما ~~الحديث الذي يروى فيه فضعيف. وما دون العشرين فإن لم تكن قيمته مائتي درهم ~~فلا زكاة فيه بالإجماع وإن كان أقل من عشرين وقيمته مائتي درهم ففيه الزكاة ~~عند بعض العلماء من السلف. ودل القرآن والحديث على إيجاب الزكاة في الذهب ~~كما وجبت في الفضة. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في # PageV25P012 # سبيل الله} الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ما من صاحب ذهب ولا ~~فضة لا يؤدي منها زكاتها} الحديث. وسيأتي إن شاء الله وسواء في ذلك المضروب ~~منها دراهم ودنانير وغير المضروب. # فصل: # وهل يضم الذهب إلى الفضة فيكمل بهما النصاب ويزكي أم لا؟ على ستة أقوال: ~~قيل: لا يضم أحدهما إلى ms7427 الآخر وهو قول الشافعي وروي عن شريك والحسن بن ~~صالح. وقيل: يضم الذهب؛ لأنه تبع ولا يضم الورق إلى الذهب؛ لأنها أصل. ~~وقيل: يضم بشرط أن الأقل يتبع الأكثر وهو قول الشعبي والأوزاعي. وقيل: يضم ~~لكن بالقيمة. وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقيل: يضم بالأجزاء وهو قول الحسن ~~وقتادة والنخعي # PageV25P013 # وهو مذهب مالك وصاحب أبي حنيفة: أبي يوسف. فعند هؤلاء. من كان معه عشر ~~دنانير ومائة درهم؛ وجبت الزكاة فإن كان قيمة العشرة مائة وخمسين ومعه ~~خمسون درهما لم تجب الزكاة؛ لأن الدينار في الزكاة عشرة دراهم والضم ~~بالأجزاء لا بالقيمة. # فصل: # والحول شرط في وجوب الزكاة في العين والماشية كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يبعث عماله على الصدقة كل عام وعمل بذلك الخلفاء في الماشية ~~والعين لما علموه من سنته فروى مالك في موطئه عن أبي بكر الصديق وعن عثمان ~~بن عفان وعن عبد الله بن عمر أنهم قالوا: هذا شهر زكاتكم. وقالوا: لا تجب ~~زكاة مال حتى يحول عليه الحول. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي هذا عن ~~علي وعبد الله بن مسعود وعليه جماعة الفقهاء قديما وحديثا. إلا ما روي عن ~~معاوية وعن ابن عباس كما تقدم. فمن ملك نصابا من الذهب أو الورق وأقام في ~~ملكه حولا وجبت فيه الزكاة. وإن ملك دون النصاب ثم ملك ما يتم النصاب بنى ~~الأول على حول الثاني. فالاعتبار من يوم كمل النصاب. وإن ملك # PageV25P014 # نصابا ثم بعد مدة ملك نصابا بنى كل واحد منهما على حوله وربح المال مضموم ~~إلى أصله يزكي الربح لحول الأصل وإذا كان الأصل نصابا عند الجمهور. وإن كان ~~الأصل دون النصاب فتم عند الحول نصابا بربحه ففيه الزكاة عند مالك - رحمه ~~الله - وإن كان معه عرض للتجارة ثم ملك ما يكمل النصاب فعليه الزكاة. # فصل: # وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم ~~أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول: روي ms7428 ذلك ~~عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون ~~بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ~~عبيد وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن {سمرة قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع} . ~~وروي عن حماس قال: مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك فقلت: مالي إلا جعاب وأدم ~~فقال قومها ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع. # PageV25P015 # وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين: متربص ومدير. فالمتربص: وهو الذي ~~يشتري السلع وينتظر بها الأسواق فربما أقامت السلع عنده سنين فهذا عنده لا ~~زكاة عليه إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد وحجته أن الزكاة شرعت في ~~الأموال النامية فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن شرائها ~~فيتضرر فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامنا فيها فيخرج ~~زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل. ~~وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول فلا يستقر بيده. سلعة ~~فهذا يزكي في السنة الجميع يجعل لنفسه شهرا معلوما يحسب ما بيده من السلع ~~والعين والدين الذي على المليء الثقة ويزكي الجميع هذا إذا كان ينض في يده ~~في أثناء السنة ولو درهم فإن لم يكن يبيع بعين أصلا فلا زكاة عليه عنده. # فصل: # وأما " الحلي " فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك والليث والشافعي ~~وأحمد وأبي عبيد وروي ذلك عن عائشة وأسماء # PageV25P016 # وابن عمر وأنس وجابر - رضي الله عنهم - وعن جماعة من التابعين. وقيل: فيه ~~الزكاة وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين ~~وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. وأما حلية الرجال: فما أبيح منه فلا ~~زكاة فيه كحلية السيف والخاتم الفضة وأما ما يحرم اتخاذه كالأواني ففيه ~~الزكاة. وما اختلف فيه من تحلية المنطقة والخوذة والجوشن ونحو ms7429 ذلك ففي ~~زكاته خلاف فعند مالك والشافعي فيه الزكاة ولا يجوز اتخاذه وأباحه أبو ~~حنيفة وأحمد إذا كان من فضة وأما حلية الفرس كالسرج واللجام والبرذون فهذا ~~فيه الزكاة عند جمهور العلماء. وقد منع من اتخاذه مالك والشافعي وأحمد. ~~وكذلك الدواة والمكحلة ونحو ذلك فيه الزكاة عند الجمهور سواء كان فضة أو ~~ذهبا. # فصل: # وتجب الزكاة في مال اليتامى عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور وهو ~~مروي عن عمر وعائشة وعلي وابن عمر وجابر - رضي الله عنهم قال عمر: اتجروا ~~في أموال اليتامى # PageV25P017 # لا تأكلها الزكاة وقالته عائشة أيضا. وروي ذلك عن الحسن بن علي وهو قول ~~عطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين. # فصل: # المال المغصوب والضائع ونحو ذلك. قال مالك: ليس فيه زكاة حتى يقبضه ~~فيزكيه لعام واحد كذلك الدين عنده لا يزكيه حتى يقبضه زكاة واحدة وقول ~~مالك: يروى عن الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يزكي كل عام إذا قبضه ~~زكاة عما مضى وللشافعي قولان. # فصل: # والمعادن: إذا أخرج منها نصابا من الذهب والفضة ففيه الزكاة عند أخذه: ~~عند مالك والشافعي وأحمد وزاد أحمد الياقوت والزبرجد والبلور والعقيق ~~والكحل والسبج والزرنيخ. وعند إسحاق وابن المنذر: يستقبل به حولا ويزكيه ~~وأبو حنيفة يجعل فيه الخمس وله قول أنه لا يخرج إلا فيما ينطبع: كالحديد ~~والرصاص والنحاس دون غيره. # PageV25P018 # وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور. وقيل ~~فيه الزكاة وهو قول الزهري والحسن البصري ورواية لأحمد. # فصل: # والدين يسقط زكاة العين: عند مالك وأبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي ~~وهو قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار وميمون بن مهران والنخعي والثوري ~~والأوزاعي والليث وإسحاق " وأبي ثور. واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ~~السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان - رضي الله عنه - يقول: هذا شهر زكاتكم فمن ~~كان عليه دين فليؤده حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة. وعند مالك إن كان ~~عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها في مقابلة الدين ms7430 وهي التي يبيعها ~~الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته وإن كان له دين على مليء ثقة جعله في ~~مقابلة دينه أيضا. وزكى العين فإن لم يكن إلا ما بيده سقطت الزكاة. # فصل: # واختلف: هل في العسل زكاة؟ فكان الخلاف فيه بين أهل المدينة. # PageV25P019 # فرأى الزهري أن فيه الزكاة وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وهو قول ~~ربيعة ويحيى بن سعيد وهو العشر. وعند مالك والشافعي وأحمد لا زكاة فيه. # فصل: # وأما الحديث الثاني: وهو قوله صلى الله عليه وسلم {فيما سقت السماء ~~والعيون العشر} . الحديث. ففيه ما اتفق العلماء عليه وهو المقدار المأخوذ ~~من المعشرات. ولكن اختلفوا في أي شيء يجب العشر ونصفه. فقالت طائفة يجب ~~العشر في كل ما يزرعه الآدميون من الحبوب والبقول وما أنبتته تجاراتهم من ~~الثمار قليل ذلك وكثيره ويروى هذا عن حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وزفر. ~~وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب إلا فيما له ثمرة باقية فيما يبلغ خمسة أوسق. ~~وقال أحمد: يجب العشر فيما ييبس ويبقى مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعدا. ~~وسواء عنده أن يكون قوتا كالحنطة والشعير والأرز والذرة أو من القطنيات ~~كالباقلاء والعدس أو من الأبازير كالكسفرة والكمون والكراويا والبزر كبزر ~~الكتان # PageV25P020 # والسمسم وسائر الحبوب. وتجب أيضا عنده فيما جمع هذه الأوصاف كالتمر ~~والزبيب واللوز والبندق والفستق ولا تجب في الفواكه ولا في الخضر وهذا قول ~~أبي يوسف ومحمد. ويشبهه قول ابن حبيب من المالكية. قال مثل قول مالك وزاد ~~عليه فقال: تؤخذ الزكاة من الثمار ذوات الأصول كلها ما ادخر منها وما لم ~~يدخر وقال إذا اجتمع للرجل من الصنف الواحد منها ما يبلغ خرص ثمرته خمسة ~~أوسق إن كان مما ييبس: كالجوز واللوز؟ والفستق أخرج عشره وإن كانت مما لا ~~ييبس: مثل الرمان والتفاح والفرسك والسفرجل وشبهه فبلغ خرصها وهي خضراء ~~خمسة أوسق وجبت فيها الزكاة إن باعه عشر الثمن وإن لم يبعها فبعشر كيل ~~خرصها. وقال مالك وأصحابه في المشهور من قولهم: تجب الزكاة ms7431 في الحنطة ~~والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان والرش والبسلة ~~والسمسم والماش وحب الفجل وما أشبه هذه الحبوب المأكولة المدخرة. وتجب في ~~ثلاثة أنواع من الثمار: وهي التمر والزبيب والزيتون # PageV25P021 # وقال الشافعي: تجب الزكاة فيما ييبس ويدخر ويقتات مأكولا أو طبيخا أو ~~سويقا وله في الزيتون قولان وتجب الزكاة عنده في التمر والزبيب. وقال الليث ~~بن سعد: كل ما يختبز ففيه الصدقة مع أنه يوجب الزكاة في التمر والزبيب ~~والزيتون. وكذلك الثوري يوجب الزكاة في الزيتون والأوزاعي والزهري ويروى عن ~~ابن عباس أيضا. وقال الأوزاعي: مضت السنة أن الزكاة في الحنطة وفي الشعير ~~والسلت والتمر والعنب والزيتون. وقال إسحاق: كل ما يختبز ففيه الصدقة. وعند ~~ابن المنذر: تسعة أشياء كما تقدم فقط: التمر والزبيب والحنطة والشعير ~~والفضة والذهب والإبل والبقر والغنم. وكل هؤلاء يعتبر الخمسة الأوسق إلا ما ~~يروى عن مجاهد وأبي حنيفة. أنه يوجب الزكاة في القليل ويعتبر أيضا عندهم ~~اليبس والتصفية في الحبوب والجفاف في الثمار وما لا زيت فيه من الزيتون وما ~~لا يزبب من العنب ولا يتمر من الرطب تخرج الزكاة من ثمنه أو من حبه. قال ~~مالك إذا بلغ منه خمسة أوسق فبيع أخرج الزكاة من ثمنه. # PageV25P022 # فصل: # ويضم القمح والشعير والسلت في الزكاة وتضم القطافي بعضها إلى بعض ويضم ~~زرع العام بعضه إلى بعض ولو كان بعضه صيفيا وبعضه شتويا وكذلك الثمرة ولو ~~كان في بلدان شتى إذا كان لرجل واحد. وأما الشركاء فلا بد أن يكون في حصة ~~كل واحد منهم نصاب. # فصل: # والوسق: ستون صاعا: والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم ~~(والمد خمسة أرطال وثلث بالبغدادي والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهما) ~~(*) والدراهم هي هذه التي هي من زمان عبد الملك: كل عشرة منها وزن سبعة ~~مثاقيل. فمبلغ النصاب بالرطل البغدادي ألف وستمائة رطل. وتقديره بالدمشقي: ~~ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلا وستة أسباع رطل. PageV25P023 # فصل: # ومن باع ثمرة أو وهبها أو مات عنها بعد بدو صلاحها فالزكاة عليه ms7432 وإن كان ~~قبل بدو صلاحها فالزكاة على المشتري والموهوب له والوارث إن كان في حصة كل ~~واحد نصاب. ويخرص النخل والكرم على أربابه ويخلى بينهم وبينه فإن شاءوا ~~أكلوا وإن شاءوا باعوا ويخفف عنهم وما أكل من الزرع أو القطاني. وهو أخضر ~~صغير فلا زكاة فيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا خرصتم فدعوا الثلث ~~فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع} رواه أبو داود. وقال: {خففوا على الناس ~~فإن في المال الوطية والآكلة والعرية} . رواه أبو عبيد. وقال: " الوطية " ~~السابلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين. و " العرية " هي هبة ثمرة ~~نخلة أو نخلات لمن يأكله. و " الآكلة " أهل المال يأكلون منه. # فصل: # ولا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق من صنف واحد. والقمح والشعير والسلت عند ~~مالك صنف واحد فإذا اجتمع من هذه الثلاثة # PageV25P024 # نصاب وجبت الزكاة ويخرج كل بحسابه. وكذلك القطافي: وهي الحمص والباقلاء ~~والعدس ونحو ذلك صنف واحد عنده والقدر المأخوذ بقدر التعب والمؤنة. كما في ~~الحديث: {ما كان يسقى بماء السماء والأنهار والعيون ففيه العشر وما كان ~~يسقى بالنضح أو السانية والدواليب - وهي أسماء شيء واحد كالسانية والناضح ~~هي الإبل يستقى بها لشرب الماء - ففيه نصف العشر ومما سقي نصفه بهذا ونصفه ~~بهذا أو نصف السنة ففيه ثلاثة أرباع العشر} . # فصل: # وكل من نبت الزرع على ملكه فعليه زكاته قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه} الآية. وسواء كانت الأرض ملكا له أو ~~استأجرها أو أقطعها له الإمام يستغل منفعتها أو استعارها أو كانت موقوفة ~~عليه. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن كل أرض ~~أسلم أهلها عليها قبل قهرهم أنها لهم وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة. ~~فأرض الصلح كما قال وكذلك أرض العنوة إذا # PageV25P025 # كان عليها خراج أدى الخراج وزكى ما بقي. فمن استأجر أرضا للزرع فعليه ~~الزكاة عند جمهور ms7433 العلماء: كمالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد. وكذلك ~~المقطعين عليهم العشر فإن كان الزرع كله له وهو يعطي الفلاح أجره فعليه ~~العشر كله وإن كان الزرع مقاسمة نصفه أو ثلثه للفلاح ونصفه أو ثلثه للمقطع ~~فعلى كل منهما عشر نصيبه فإن الزرع نبت على ملكه وهذا قول علماء الإسلام. ~~وقد كان الصحابة يأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم العشر يعطيه لمستحقيه ~~ويأمرهم أن يجاهدوا بما يبقى من أموالهم فإذا كان الجند قد أعطوا من بيت ~~المال ما يجاهدون به كان أولى أن يعطوا عشره فمن أقطعه الإمام أرضا ~~للاستغلال والجهاد إذا استغلها ونبت الزرع على ملكه في أرض عشرية فما يقول ~~عالم إنه لا عشر عليه. وقد تنازع العلماء فيمن استحق منفعة الأرض بعوض ~~كالمستأجر لها بدراهم أو بخدمة نفسه ونحو ذلك فجمهورهم يقول: عليه العشر ~~وهو قول صاحبي أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأما أبو حنيفة فإنه يقول: ~~العشر على رب الأرض. فهؤلاء المقطعون إذا قدر أنهم استؤجروا بمنفعة الأرض ~~فبذلوا # PageV25P026 # خدمة أنفسهم كان عليهم العشر عند الجمهور وعلى القول الآخر على الذي ~~استأجرهم. فمن قال: إن العشر الذي أوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط فقد ~~خالف الإجماع. وأيضا فهؤلاء الجند ليسوا كالأجراء وإنما هم جند الله ~~يقاتلون في سبيل الله عباده ويأخذون هذه الأرزاق من بيت المال ليستعينوا ~~بها على الجهاد وما يأخذونه ليس ملكا للسلطان وإنما هو مال الله يقسمه ولي ~~الأمر بين المستحقين فمن جعلهم كالأجراء جعل جهادهم لغير الله. وقد جاء في ~~الحديث: {مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون ما يعطونه مثل أم موسى ترضع ~~ابنها وتأخذ أجرها} . # فصل: # فإن كان على مالك الزرع والثمار دين فهل تسقط الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال. ~~قيل: لا تسقط بحال وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي ورواية عن أحمد. وقيل: ~~يسقطها وهو قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار # PageV25P027 # وميمون بن مهران والنخعي والليث والثوري وإسحاق. وكذلك في الماشية: الإبل ~~والبقر والغنم. وقيل: يسقطها الدين الذي أنفقه على زرعه وثمرته ولا ms7434 يسقطها ~~ما استدانه لنفقة أهله. وقيل: يسقطها هذا وهذا. الأول: قول ابن عباس ~~واختاره أحمد بن حنبل وغيره. والثاني قول ابن عمر. # فصل: # والرطب الذي لا يتمر والزيتون الذي لا يعصر والعنب الذي لا يزبب: فقال ~~مالك وغيره: تخرج الزكاة من ثمنه إذا بلغ خمسة أوسق وإن لم يبلغ ثمنه مائتي ~~درهم وإن كان يتناهى فبيع قبل تناهيه. فقيل: تخرج الزكاة من ثمنه وقيل تخرج ~~من حبه أو دهنه. # PageV25P028 # فصل: # فهذه زكاة العين والحرث التي دلت عليها الأحاديث المتقدمة مع الآيات ~~الكريمة. وأما " زكاة الماشية " الإبل والبقر والغنم. فقد دلت عليها ~~الأحاديث الصحيحة وكتب النبي صلى الله عليه وسلم فيها وكذلك كتب أبو بكر ~~وعمر وغيرهما من الصحابة. ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك - هذا لفظ ~~البخاري - {أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله ~~الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المسلمين والتي أمر الله بها ورسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها ~~فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها: من ~~الغنم من كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض ~~أنثى فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ~~ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس ~~وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون فإذا ~~بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة. ففيها حقتان # PageV25P029 # طروقتا الجمل. فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل ~~خمسين حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ~~ربها فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة وفي صدقة الغنم: في سائمتها إذا ~~كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ~~ففيها شاتان فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ms7435 ففيها ثلاث شياه فإذا زادت ~~على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين واحدة ~~فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. وفي الرقة ربع العشر فإن لم يكن إلا ~~تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها} . وعن أنس في هذا الكتاب ~~أيضا: {من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها ~~تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت ~~عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه ~~المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت ~~لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما ومن بلغت عنده ~~صدقة بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق # PageV25P030 # عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض ~~فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين ولا يجمع بين ~~مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان ~~بينهما بالسوية ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا إن شاء ~~المصدق} . وعنه في هذا الكتاب أيضا {ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده ~~وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم ~~يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء} ~~وروى مالك بن أنس كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موطئه بمثل هذا اللفظ ~~أو قريب منه إلا ذكر البدل مع العشرين فإنه لم يذكره. # فصل: # قال الإمام أبو بكر بن المنذر: وهذا مجمع عليه إلى عشرين ومائة ولا يصح ~~عن علي ما روي في خمس وعشرين خمس شياه. # PageV25P031 # وقوله في هذا الحديث: {في سائمة الغنم} موضع خلاف بين العلماء لأن ~~السائمة هي التي ترعى. فمذهب مالك أن الإبل العوامل والبقر العوامل والكباش ms7436 ~~المعلوفة فيها الزكاة. قال أبو عمر: وهذا قول الليث ولا أعلم أحدا قال به ~~غيرهما. وأما الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وكذلك الثوري والأوزاعي وغيرهم: فلا ~~زكاة فيها عندهم. وروي هذا عن جماعة من الصحابة: علي وجابر ومعاذ بن جبل. ~~وكتب به عمر بن عبد العزيز. وقد روي في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون} ~~فقيده بالسائمة " والمطلق يحمل على المقيد إذا كان من جنسه بلا خلاف وكذلك ~~حديث أبي بكر في سائمة الغنم. وقوله: {من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ~~وليست عنده} إلى آخره. لم يقل به مالك بل قال إنه إذا لم يجد السن: كالجذعة ~~أو غيرها فإنه يبتاعها ولا أحب أن يعطيه ثمنها وقال: إذا لم يجد السن التي ~~تجب في المال لم يأخذ ما فوقها ولا ما دونها ولا يزداد دراهم ويبتاع له رب ~~المال مسنا. وقال الثوري والشافعي وأحمد بمثل ما في الحديث: إنه إذا لم # PageV25P032 # يجد السن أخذ مما وجد وأعطى شاتين أو عشرين درهما أو أخذ مثل ذلك كما في ~~الحديث ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه إن شاء أخذ القيمة وإن شاء أخذ أفضل منها ~~وأعطى الزيادة. ومالك لم يقل بذلك؛ لأن مالكا إنما روى كتاب عمر وليس فيه ~~ما في كتاب أبي بكر من الزيادة وهذا شأن العلماء. وقوله في هذا الحديث: ~~{فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة} قال ~~أبو عمر: هذا موضع خلاف يعني إذا زادت واحدة قال مالك: إذا زادت واحدة على ~~عشرين ومائة فالساعي بالخيار بين أن يأخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون وقال ~~الزهري: فيها ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وابنتا لبون. ~~وبه قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وهو قول محمد بن إسحاق وهو ~~قول أئمة الحجاز وهو أولى عند العلماء. وأما قول الكوفيين: فإنه يستقبل ~~الفريضة ms7437 بعد العشرين ومائة فيكون في كل خمس شاة. # PageV25P033 # فصل: # وقوله: {ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس} عليه جماعة فقهاء ~~الأمصار؛ لأن المأخوذ في الصدقات العدل. كما قال عمر - رضي الله عنه - عدل ~~من عدل المال وخياره. " الهرمة " الشاة الشارف و " ذات العوار " بفتح ~~العين: التي بها عيب وبالضم التي ذهبت عينها. ولا يجزي ذلك في الصدقة ~~والشاة المأخوذة في الإبل الجذعة من الضأن والثنية من المعز فإن أخرج ~~القيمة فقولان. وقوله: {ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية ~~الصدقة} يعني بذلك تفرقة المواشي وجمعها خشية الصدقة واختلف هل المخاطب ~~بذلك أرباب الأموال أو هو الساعي أو هما جميعا. وهذا في الخلطة فقد يكون ~~على الخلطاء عدد من الغنم فإذا فرقت قل العدد أو في الفرقة عدد فإذا جمعوها ~~قل العدد فنهوا عن ذلك. ولهذا نظائر: كثلاثة نفر لكل منهم أربعون ففيها ~~حينئذ ثلاث شياه فإذا جمعت صار فيها شاة أو يكون لرجلين من الغنم مائتين # PageV25P034 # وشاتين لكل واحد منهما مائة وشاة فعليهما فيها ثلاث شياه فإذا تفرق كان ~~على كل واحد منهما شاة " ونحو ذلك. وقوله: {وما كان من خليطين فإنهما ~~يتراجعان بينهما بالسوية} يعني إذا أخذت شاة من غنم أحد الخليطين فإنه يرجع ~~على الآخر بقيمة ما يخصه. # فصل: # وقوله في الحديث: {في الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى ~~عشرين ومائة فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت على مائتين إلى ~~ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة} هذا ~~متفق عليه في صدقة الغنم أيضا والضأن والمعز سواء. والسوم: شرط في الزكاة " ~~إلا عند مالك والليث - كما تقدم - فإنهما يوجبان الزكاة في غير السائمة ولا ~~خلاف بين الفقهاء أن الضأن والمعز يجمعان في الزكاة وكذلك الإبل على اختلاف ~~أصنافها وكذلك البقر والجواميس. # PageV25P035 # واختلفوا فيما إذا كان بعض الجنس أرفع من بعض. فقيل: يأخذ من أيها شاء ~~وقيل: من الوسط. # فصل: # وأما " صدقة البقر ": فقد ms7438 ثبت {عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ صدقة البقر من كل ~~ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة وأن يأخذ الجزية من كل حالم ~~دينارا} . رواه أحمد والنسائي والترمذي عن مسروق عنه. وكذلك في كتاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم ورواه مالك في موطئه عن طاوس عن ~~معاذ وحكى أبو عبيد الإجماع عليه وجماهير العلماء على أنه ليس فيما دون ~~الثلاثين شيء. وحكي عن سعيد والزهري أن في الخمس شاة كالإبل. ومن شرطها أن ~~تكون سائمة كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال {ليس في العوامل صدقة} رواه أبو داود. وروي عن علي ومعاذ ~~وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل. ومالك والليث يقولان: فيها ~~الصدقة. # PageV25P036 # ويخرج في الثلاثين الذكر وفي الأربعين الأنثى فإن أخرج ذكرا هل يجزئه؟ ~~قولان. قال ابن القاسم: يجزئه. وأشهب قال لا يجزئه وهو مذهب أحمد وجماعة من ~~العلماء. فإن كانت كلها ذكورا أخرج منها. وإذا بلغت مائة وعشرين خير رب ~~المال بين ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة. والتبيع: الذي له سنة ودخل في ~~الثانية. والبقرة المسنة ما لها سنتان. # فصل: # و " الجواميس ": بمنزلة البقر حكى ابن المنذر فيه الإجماع. وأما " بقر ~~الوحش " فلا زكاة فيها عند الجمهور. وقال بعضهم: فيها الزكاة. فإن تولد من ~~الوحشي والأهلي فقال الشافعي: لا زكاة وقال أحمد تزكى ومالك: يفرق بين ~~الأمهات والآباء فإن كانت الأمهات أهلية أخرج الزكاة وإلا فلا. وصغار كل ~~صنف من جميع الماشية تبع يعد مع الكبار ولكن لا يؤخذ إلا من الوسط فإن كان ~~الجميع صغارا فقيل: يأخذ منها وقيل يشتري كبارا. # PageV25P037 # فصل: # والخلطاء في الماشية: وهو إذا كان مال كل منهما متميزا عن الآخر فإن لم ~~يتميز فهما شريكان وإذا كانا خليطين زكيا زكاة المال الواحد مثل أن يكون ~~لكل منهما أربعون فعليهما ms7439 في الخلطة شاة واحدة ويترادان قيمتها. وتعتبر ~~الخلطة بثلاثة شروط وقيل بشرطين وقيل بشرط واحد: وهو الدلو والحوض والمراح. ~~والمبيت والراعي والفحل. وقيل: بالراعي وحده؛ لأنه به يجتمعان ويجتمعون في ~~غير ذلك. وهل من شرط الخلطة: أن يكون لكل منهما نصابا أم لا؟ بالأول قال ~~مالك. وقال غيره لا يعتبر ذلك. # فصل: # إذا ملك ماشية فتوالدت فإن كانت الأمهات نصابا زكى الأولاد تبعا وبنى على ~~حول الأمهات عند الجمهور. وإن كانت دون النصاب # PageV25P038 # فتوالدت ولو قبل الحول بيوم وتم النصاب أخرج الزكاة عند مالك وبنى ~~الأولاد على حول الأمهات. وإن باع النصاب بجنسه بنى الثاني على حول الأول ~~وإن اشترى بنصاب من العين نصابا من الماشية وكان الأول لم يتم له حول بنى ~~الماشية على حول العين في أحد القولين. # فصل: # وتفرقة زكاة كل بلد في موضعه. فزكاة الشام في الشام وزكاة مصر في مصر وهل ~~يجوز نقلها لمصلحة فتنقل من الشام إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~غيرها؟ فيه قولان لأهل العلم. قال مالك: لا بأس بنقلها للحاجة وإذا لم يكن ~~أهل البلد مستحقين فتنقل بلا خلاف. ولما نقل معاذ بن جبل الصدقة من اليمن ~~إلى المدينة أنكر عمر فقال: ما بعثتك جابيا. فقال: ما وجدت آخذا. فعند ~~الشافعي وأحمد: لا تنقل وعند مالك يجوز نقلها. # فصل: # وأما " قسمة الصدقات ": فقد بين الله ذلك في القرآن. بقوله {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم # PageV25P039 # وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله ~~عليم حكيم} . قال الإمام أبو جعفر الطبري: عامة أهل العلم يقولون: للمتولي ~~قسمتها ووضعها في أي الأصناف الثمانية شاء وإنما سمى الله الأصناف الثمانية ~~إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجابا لقسمتها ~~بين الأصناف الثمانية وروي بإسناده عن حذيفة وعن ابن عباس أنهما قالا: إن ~~شئت جعلته في صنف أو صنفين أو ثلاثة. قال وروي عن عمر أنه قال: أيما صنف ~~أعطيته أجزأك وروي ms7440 عنه أنه كان عمر (1) يأخذ الفرض في الصدقة فيجعله في ~~الصنف الواحد وهو قول أبي العالية وميمون بن مهران وإبراهيم النخعي. قال: ~~وكان بعض المتأخرين يقول: عليه وضعها في ستة أصناف؛ لأنه يقسمها فسقط ~~العامل والمؤلفة سقطوا. قال والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: ~~سد خلة المسلمين. والثاني: معونة الإسلام وتقويته. فما كان معونة للإسلام ~~يعطي منه الغني والفقير كالمجاهد ونحوه. ومن هذا الباب يعطي المؤلفة وما ~~كان في سد خلة المسلمين. PageV25P040 # وقال شيخ الإسلام: ### | فصل: # الأصل الثاني: الزكاة # وهم أيضا متبعون فيها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه آخذين بأوسط ~~الأقوال الثلاثة أو بأحسنها في السائمة. فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب ~~الصديق رضي الله عنه ومتابعته: المتضمن أن في الإبل الكثيرة في كل أربعين ~~بنت لبون وفي كل خمسين حقة. لأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين. فإنه متقدم ~~على هذا لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة. وأما كتاب ~~الصديق: فإنه صلى الله عليه وسلم كتبه ولم يخرجه إلى العمال حتى أخرجه أبو ~~بكر. وتوسطوا في المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق. فإن أهل # PageV25P041 # العراق كأبي حنيفة يوجبون العشر في كل ما أخرجت الأرض إلا القصب ونحوه في ~~القليل والكثير منه بناء على أن العشر حق الأرض كالخراج. ولهذا لا يجمعون ~~بين العشر والخراج. وأهل الحجاز لا يوجبون العشر إلا في النصاب المقدر ~~بخمسة أوسق. ووافقهم عليه أبو يوسف ومحمد ولا يوجبون من الثمار إلا في ~~التمر والزبيب وفي الزروع في الأقوات. ولا يوجبون في عسل ولا غيره. ~~والشافعي على مذهب أهل الحجاز. وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث: فيوافق في ~~النصاب قول أهل الحجاز لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا يوجبون الزكاة في الخضراوات؛ لما في الترك من ~~عمل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه والأثر عنه لكن ms7441 يوجبها في الحبوب ~~والثمار التي تدخر وإن لم تكن تمرا أو زبيبا كالفستق والبندق جعلا للبقاء ~~في المعشرات بمنزلة الحول في الماشية والجرين. فيفرق بين الخضراوات وبين ~~المدخرات. وقد يلحق بالموسق الموزونات: كالقطن على إحدى الروايتين. لما في ~~ذلك من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم. ويوجبها في العسل لما فيه من ~~الآثار التي جمعها هو وإن كان غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة وتسوية بين ~~جنس ما أنزله الله من # PageV25P042 # السماء وما أخرجه من الأرض. ويجمعون بين العشر والخراج؛ لأن العشر حق ~~الزرع والخراج حق الأرض. وصاحبا أبي حنيفة قولهما هو قول أحمد أو قريب منه. ~~وأما ### | مقدار الصاع والمد: # ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ والمد ربعه. وهذا ~~قول أهل الحجاز في الأطعمة والمياه. وقصة مالك مع أبي يوسف فيه مشهورة وهو ~~قول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد أو أكثرهم. والثاني: أنه ثمانية أرطال ~~والمد ربعه. وهو قول أهل العراق في الجميع. والقول الثالث: أن صاع الطعام ~~خمسة أرطال وثلث وصاع الطهارة ثمانية أرطال. كما جاء بكل واحد منهما الأثر. ~~فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر: هو ثلثا صاع الغسل والوضوء. وهذا قول ~~طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين الأخبار المأثورة في هذا الباب لمن ~~تأمل الأخبار الواردة في ذلك. # PageV25P043 # ومن أصولها: أن أبا حنيفة أوسع في إيجابها من غيره فإنه يوجب في الخيل ~~السائمة المشتملة على الآثار (1) ويوجبها في جميع أنواع الذهب والفضة من ~~الحلي المباح وغيره. ويجعل الركاز المعدن وغيره. فيوجب فيه الخمس لكنه لا ~~يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف ويجوز الاحتيال لإسقاطها ~~واختلف أصحابه: هل هو مكروه أم لا؟ فكرهه محمد ولم يكرهه أبو يوسف. وأما ~~مالك والشافعي: فاتفقا على أنه لا يشترط لها التكليف لما في ذلك من الآثار ~~الكثيرة عن الصحابة. ولم يوجبها في الخيل ولا في الحلي المباح ولا في ~~الخارج إلا ما تقدم ذكره. وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها وأوجبها مع الحيلة. ~~وكره ms7442 الشافعي الحيلة في إسقاطها. وأما أحمد: فهو في الوجوب بين أبي حنيفة ~~ومالك كما تقدم في المعشرات وهو يوجبها في مال المكلف وغير المكلف. واختلف ~~قوله في الحلي المباح. وإن كان المنصور عند أصحابه: أنه لا يجب. وقوله في ~~الاحتيال كقول مالك يحرم الاحتيال لسقوطها PageV25P044 # ويوجبها مع الحيلة. كما دلت عليه سورة " ن " وغيرها من الدلائل. والأئمة ~~الأربعة وسائر الأمة - إلا من شذ - متفقون على وجوبها في عرض التجارة. سواء ~~كان التاجر مقيما أو مسافرا. وسواء كان متربصا - وهو الذي يشتري التجارة ~~وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر - أو مديرا كالتجار الذين في ~~الحوانيت سواء كانت التجارة بزا من جديد أو لبيس أو طعاما من قوت أو فاكهة. ~~أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانا من رقيق أو خيل أو ~~بغال أو حمير أو غنم معلوفة أو غير ذلك فالتجارات هي أغلب أموال أهل ~~الأمصار الباطنة كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة. # فصل: # ولا بد في الزكاة من الملك. واختلفوا في اليد. فلهم في زكاة ما ليس في ~~اليد كالدين ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجب في كل دين وكل عين وإن لم تكن ~~تحت يد # PageV25P045 # صاحبها كالمغصوب والضال. والدين المجحود وعلى معسر أو مماطل وأنه يجب ~~تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه كالدين على الموسر. وهذا أحد قولي الشافعي وهو ~~أقواهما. # فصل: # وللناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزئ بكل حال. ~~كما قاله أبو حنيفة. والثاني: لا يجزئ بحال. كما قاله الشافعي. والثالث: ~~أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة مثل من تجب عليه شاة في الإبل وليست عنده ومثل ~~من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس. وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا. فإنه منع من ~~إخراج القيم. وجوزه في مواضع للحاجة؛ لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه. ~~فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين. واختاروا المنع. لأنه المشهور عنه ~~كقول الشافعي. وهذا القول أعدل الأقوال كما ذكرنا مثله في الصلاة ms7443 فإن ~~الأدلة الموجبة للعين نصا وقياسا: كسائر أدلة الوجوب. ومعلوم أن مصلحة وجوب ~~العين قد يعارضها أحيانا في القيمة من المصلحة الراجحة وفي العين من المشقة ~~المنفية شرعا. # PageV25P046 # وسئل رحمه الله: # عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته ~~به لئلا يقع بينهما فرقة ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار أو يدفع إليها ~~الصداق بعد مدة من السنين؛ فهل تجب زكاة السنين الماضية؟ أم إلى أن يحول ~~الحول من حين قبضت الصداق؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها للعلماء أقوال: قيل: يجب تزكية السنين ~~الماضية سواء كان الزوج موسرا أو معسرا كأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد ~~وقد نصره طائفة من أصحابهما. وقيل يجب مع يساره وتمكنها من قبضها دون ما ~~إذا لم يمكن تمكينه من القبض كالقول الآخر في مذهبهما. وقيل: تجب لسنة ~~واحدة. كقول مالك وقول في مذهب أحمد. وقيل: لا تجب بحال كقول أبي حنيفة ~~وقول في مذهب أحمد. # PageV25P047 # وأضعف الأقوال: من يوجبها للسنين الماضية حتى مع العجز عن قبضه فإن هذا ~~القول باطل فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء فهذا ممتنع ~~في الشريعة ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال. ثم إذا نقص ~~النصاب وقيل: إن الزكاة تجب في عين النصاب لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل ~~يمتنع إتيان الشريعة به. وأقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى ~~يحول عليه الحول أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه وهذا ~~وجه. وهذا قول أبي حنيفة وهذا قول مالك وكلاهما قيل به في مذهب أحمد والله ~~أعلم # وسئل: # عن رجل له جمال ويشتري لها أيام الرعي مرعى هل فيها زكاة؟ . # فأجاب: # إذا كانت راعية أكثر العام مثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر أو أربعة فإنه ~~يزكيها هذا أظهر قولي العلماء. # PageV25P048 # وقال - رحمه الله -: # إذا كانت الغنم أربعين صغارا أو كبارا وجبت فيها الزكاة إذا حال عليها ~~الحول. وإن كانت ms7444 أقل من أربعين فحال الحول وهي أربعون ففي هذا نزاع والأحوط ~~أداء الزكاة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له غنم ولم تبلغ النصاب: هل تجب فيها زكاة في أثناء الحول؟ # فأجاب: # هذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أن ابتداء ~~الحول حين صارت أربعين كقول الشافعي. والثاني: أن ابتداء الحول من حين ملك ~~الأمهات كقول مالك. والله أعلم. # PageV25P049 # وسئل: # عن قرية بها فلاحون وهي نصفان: أحد فلاحي النصف له غنم تجب فيها الزكاة ~~والنصف الآخر ليس لفلاحيه غنم. قدر ما تجب فيه الزكاة فألزم الإمام أهل ~~القرية بزكاة الغنم على الفلاحين: فهل تجب على من له النصاب؟ وإذا وجبت ~~عليه: فهل يجوز للإمام أن يأخذ ممن ليس له نصاب؟ . # فأجاب: # إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة اختصوا ~~بأدائه وإن كان المطلوب فوق الواجب على سبيل الظلم اشترك فيه الجميع بحسب ~~أموالهم والله أعلم. # PageV25P050 ### | باب زكاة الخارج من الأرض # سئل - رحمه الله -: # عما يجب من عشر الحبوب ومقداره: وهل هو على المالك؟ أو الفلاح؟ أم ~~عليهما؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، النصاب خمسة أوسق: والوسق ستون صاعا بصاع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصاع النبي صلى الله عليه وسلم قدره الأئمة لما بنيت ~~بغداد بخمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي إذ ذاك. فيكون ألفا وستمائة رطل ~~بالعراقي. وكان الرطل العراقي إذ ذاك تسعين مثقالا. مائة وثمانية وعشرين ~~درهما وأربعة أسباع درهم. ولكن زيد فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين ثم ~~زيد فيه حتى صار مائة وأربعة وأربعين فظن بعض متأخري الفقهاء أن هذا أو هذا ~~هو الرطل الذي قدره به الأئمة غلطا منهم. وإذا كان كذلك فمقداره بالرطل ~~الدمشقي الذي هو ستمائة درهم # PageV25P051 # ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطل وستة أسباع رطل. وستة أسباع الرطل: هو ~~أربعمائة درهم وثمانية وعشرون وأربعة أسباع. وهو ثلثا رطل وأربعة أسباع ~~أوقية. ومن ظن من الفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي: مائة وثلاثون درهما ~~زاد ms7445 في كل رطل بغدادي مثقالا وهو درهم وثلاثة أسباع درهم فيزيد ألفين وخمسة ~~أسباع درهم فيصير النصاب على قوله: ثلاثمائة وستة وأربعين رطلا وثلاثمائة ~~درهم وأربعة عشر وسبعي درهم وهو نصف رطل وسبعا أوقية. والعشر على من يملك ~~الزرع فإذا زارع الفلاح ففي صحة المزارعة قولان للعلماء. فمن اعتقد جواز ~~المزارعة أخذ نصيبه وأعطى الفلاح نصيبه وعلى كل منهما زكاة نصيبه ومن لم ~~يصحح المزارعة جعل الزرع كله لصاحب الحب فإذا كان هو الفلاح استحق الزرع ~~كله ولم يكن للمالك إلا أجرة الأرض والزكاة حينئذ على الفلاح. ولم يقل أحد ~~من المسلمين: إن المقاسمة جائزة والعشر كله على الفلاح؛ بل من قال: العشر ~~على الفلاح قال: ليس للمالك في الزرع شيء. ولا المقطع ولا غيرهما. فمن ظن ~~أن العشر على الفلاح # PageV25P052 # مع جواز المقاسمة فقد خالف إجماع المسلمين. والعمل في بلاد الشام عند ~~المسلمين على جواز المزارعة كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنة خلفائه الراشدين وسواء كان البذر من المالك أو من العامل فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن ~~يعمروها من أموالهم فكان البذر من عندهم وهذا هو الذي اتفق عليه الصحابة ~~وعليه عمل المسلمين في عامة بلاد الإسلام في زمن نبيهم وإلى اليوم. فمن كان ~~يعامل بالمزارعة: كان عليه زكاة نصيبهم ومن كان يتقلد قول من يبطل هذه ~~المزارعة ويرى أنه لا يستحق من الزرع شيئا وأنه ليس له عند الفلاح إلا ~~الأجرة وأنه إذا أخذ المقاسمة بغير اختيار الفلاح كان ظالما آكلا للحرام ~~فعليه أن يعطي الزرع للفلاح. ويعرفه أنه لا يستحق عليه إلا أجرة المثل فإن ~~طابت نفس الفلاح بعد هذا بأن يقاسمه ويؤدي الزكاة كان الفلاح حينئذ متفضلا ~~عليه بطيب نفسه. ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت بذلك نفس ~~أكثرهم فهذا حقيقة هذه المسألة على قول الطائفتين والله أعلم. # PageV25P053 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # وأما " العشر ": فهو ms7446 عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم على ~~من نبت الزرع على ملكه كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} فالأول يتضمن زكاة التجارة ~~والثاني يتضمن زكاة ما أخرج الله لنا من الأرض. فمن أخرج الله له الحب ~~فعليه العشر فإذا استأجر أرضا ليزرعها فالعشر على المستأجر عند هؤلاء ~~العلماء كلهم. وكذلك عند أبي يوسف ومحمد. وأبو حنيفة يقول: العشر على ~~المؤجر. وإذا زارع أرضا على النصف فما حصل للمالك فعليه عشره وما حصل ~~للعامل فعليه عشره على كل واحد منهما عشر ما أخرجه الله له. # PageV25P054 # ومن أعير أرضا أو أقطعها أو كانت موقوفة على عينه فازدرع فيها زرعا: ~~فعليه عشره وإن آجرها فالعشر على المستأجر وإن زارعها فالعشر بينهما. وأصل ~~هؤلاء الأئمة: أن العشر حق الزرع ولهذا كان عندهم يجتمع العشر والخراج؛ لأن ~~العشر حق الزرع ومستحقه أهل الزكاة والخراج حق الأرض ومستحقه أهل الفيء ~~فهما حقان لمستحقين بسببين مختلفين فاجتمعا. كما لو قتل مسلما خطأ فعليه ~~الدية لأهله والكفارة حق لله. وكما لو قتل صيدا مملوكا وهو محرم فعليه ~~البدل لمالكه وعليه الجزاء حقا لله. وأبو حنيفة يقول: العشر حق الأرض فلا ~~يجتمع عليها حقان ومما احتج به الجمهور: أن الخراج يجب في الأرض التي يمكن ~~أن تزرع سواء زرعت أو لم تزرع وأما العشر فلا يجب إلا في الزرع. والحديث ~~المرفوع: {لا يجتمع العشر والخراج} كذب باتفاق أهل الحديث. # PageV25P055 # وسئل: # عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زبيبا ولا يتركه صاحبه إلى الجذاذ كيف ~~يخرج عشره رطبا؟ أو يابسا؟ وإن أخرج يابسا أخرج من غير ثمر بستانه. # فأجاب: # أما العنب الذي لا يصير زبيبا: فإذا أخرج عنه زبيبا بقدر عشره لو كان ~~يصير زبيبا جاز وهو أفضل وأجزأه ذلك بلا ريب ولا يتعين على صاحب المال ~~الإخراج من عين المال لا في هذه الصورة ولا غيرها بل من كان معه ذهب أو فضة ~~أو عرض تجارة ms7447 أو له حب أو ثمر يجب فيه العشر أو ماشية تجب فيها الزكاة " ~~وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه فكيف في هذه الصورة. ~~وإن أخرج العشر عنبا ففيه قولان في مذهب أحمد: أحدهما: وهو المنصوص عنه أنه ~~لا يجزئه. والثاني: يجزئه وهو قول القاضي أبي يعلى وهذا قول أكثر العلماء ~~وهو أظهر. # PageV25P056 # وأما العنب الذي يصير زبيبا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبا فهنا يخرج زبيبا ~~بلا ريب فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث سعاته فيخرصون النخل والكرم ~~ويطالب أهله بمقدار الزكاة يابسا وإن كان أهل الثمار يأكلون كثيرا منها ~~رطبا ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخارصين أن يدعوا لأهل الأموال الثلث ~~أو الربع لا يؤخذ منه عشر ويقول: {إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا ~~الثلث فدعوا الربع وفي رواية فإن في المال العرية والوطية والسابلة} يعني ~~أن صاحب المال يتبرع بما يعريه من النخل لمن يأكله وعليه ضيف يطئون حديقته ~~يطعمهم ويطعم السابلة وهم أبناء السبيل وهذا الإسقاط مذهب الإمام أحمد ~~وغيره من فقهاء الحديث. وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء وكذلك في الأولى. ~~وأما الثانية فما علمت فيها نزاعا فإن حق أهل السهمان لا يسقط باختيار قطعه ~~رطبا إذا كان ييبس. نعم لو باع عنبه أو رطبه بعد بدو صلاحه فقد نص أحمد في ~~هذه الصورة على أنه يجزئه إخراج عشر الثمن ولا يحتاج إلى إخراج عنب أو زبيب ~~فإن في إخراج القيمة نزاعا في مذهبه ونصوصه الكثيرة تدل على أنه يجوز ذلك ~~للحاجة ولا يجوز بدون الحاجة والمشهور عند كثير من أصحابه لا يجوز مطلقا ~~وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقا ونصوصه الصريحة إنما هي بالفرق. # PageV25P057 # ومثل هذا كثير في مذهبه ومذهب الشافعي وغيرهما من الأئمة قد ينص على ~~مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين ويخرج بعض أصحابه جواب كل واحدة إلى ~~الأخرى ويكون الصحيح إقرار نصوصه بالفرق بين المسألتين. كما قد نص على أن ~~الوصية للقاتل تجوز بعد الجرح ونص على أن ms7448 المدبر إذا قتل سيده بطل التدبير ~~فمن أصحابه من خرج في المسألتين روايتين. ومنهم من قال: بل إذا قتل بعد ~~الوصية بطلت الوصية كما يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه وأما إذا أوصى له ~~بعد الجرح فهنا الوصية صحيحة فإنه رضي بها بعد جرحه. ونظائر هذا كثيرة. # و ### | سئل: # عن مقطع له فلاح والزرع بينهما مناصفة: # فهل عليه عشر؟ # أجاب: # ما نبت على ملك الإنسان فعليه عشره فالأرض المقطعة إذا كانت المقاسمة ~~نصفين فعلى الفلاح تعشير نصفه وعلى المقطع تعشير نصفه هذا على القول الصحيح ~~الذي عليه عمل المسلمين: قديما وحديثا. وهو قول من قال إن المزارعة صحيحة ~~سواء كان البذر من المالك أو من العامل. # PageV25P058 # وأما من قال: إن المزارعة باطلة فعنده لا يستحق المقطع إلا أجرة المثل ~~والزرع كله لرب البذر العامل وحينئذ فالعشر كله على العامل فإن أراد المقطع ~~أن يأخذ نصف المغل مقاسمة ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر لم يكن له ~~هذا باتفاق العلماء والله أعلم. # و ### | سئل: # عن إنسان له إقطاع من السلطان؛ # فهل الحاصل الذي يحصل له من ذلك الإقطاع تجب فيه الزكاة؟ أم لا؟ . # فأحاب: # الحمد لله، نعم ما ينبت على ملكه فعليه عشره سواء كان مقطعا أو مستأجرا ~~أو مالكا أو مستعيرا والله أعلم. # وسئل: # عن نصيب العامل في المزرعة: هل فيه زكاة. # فأجاب: # أما الزكاة في المساقاة والمزارعة: فهذا مبني على أصل # PageV25P059 # وهو أن المزارعة والمساقاة: هل هي جائزة أم لا؟ على قولين مشهورين: ~~أحدهما: قول من قال: إنها لا تجوز واعتقدوا أنها نوع من الإجارة بعوض مجهول ~~ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقا، كأبي حنيفة. ومنهم من استثنى ما تدعو إليه ~~الحاجة فيجوز المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته بخلاف الأرض ~~وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر تبعا للمساقاة إما مطلقا كقول ~~الشافعي. وأما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه كقول مالك. ثم منهم من ~~جوز المساقاة مطلقا. كقول مالك والشافعي في القديم وفي الجديد ms7449 قصر الجواز ~~على النخل والعنب. والقول الثاني: قول من يجوز المساقاة والمزارعة ويقول: ~~إن هذه مشاركة وهي جنس غير جنس الإجارة التي يشترط فيها قدر النفع والأجرة ~~فإن العمل في هذه العقود ليس بمقصود بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه ~~ولكن هذا شارك بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وهكذا المضاربة. فعلى هذا: فإذا ~~افترق أصحاب هذه العقود وجب للعامل قسط مثله من الربح إما ثلث الربح وإما ~~نصفه ولم تجب أجرة المثل للعامل. وهذا القول هو الصواب المقطوع به وعليه ~~إجماع الصحابة. # PageV25P060 # والقول بجواز المساقاة والمزارعة: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم. وهو مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وفقهاء ~~الحديث: كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي بكر ~~بن المنذر والخطابي وغيرهم. والصواب أن المزارعة أحل من الإجارة بثمن مسمى؛ ~~لأنها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر. فإن الذي نهى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من العقود: منه ما يدخل في جنس الربا المحرم في القرآن ومنه ما ~~يدخل في جنس الميسر الذي هو القمار. وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر ~~فالأجرة والثمن إذا كانت غررا مثل ما لم يوصف ولم ير ولم يعلم جنسه: كان ~~ذلك غررا وقمارا. ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول ~~الزرع له فإذا أعطى الأجرة المسماة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين. ~~وأما المستأجر فلا يدري هل يحصل له الزرع أم لا؟ بخلاف المزارعة فإنهما ~~يشتركان في المغنم وفي الحرمان. كما في المضاربة فإن حصل شيء اشتركا فيه ~~وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان وكان ذهاب نفع مال هذا في مقابلة ذهاب ~~نفع بدن هذا. # PageV25P061 # ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء لا في المضاربة ولا في ~~المساقاة ولا في المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل. إذ قد يحصل لأحدهما شيء ~~والآخر لا يحصل له شيء. وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله ms7450 عليه وسلم ~~في الأحاديث التي روي فيها " أنه نهى عن المخابرة " أو " عن كراء الأرض " ~~أو " عن المزارعة " كحديث رافع بن خديج وغيره. فإن ذلك قد جاء مفسرا بأنهم ~~كانوا يعملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك. ولهذا قال الليث بن ~~سعد: إن الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر إذا نظر فيه ~~ذو علم بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. فأما المزارعة فجائزة بلا ريب ~~سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما وسواء كان بلفظ الإجارة أو ~~المزارعة أو غير ذلك. هذا أصح الأقوال في هذه المسألة. وكذلك كل ما كان من ~~هذا الجنس مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها والربح بينهما ~~أو من يدفع ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها والصوف واللبن والولد والعسل ~~بينهما. فإذا عرف هذان القولان في المزارعة فمن قال من العلماء: إن # PageV25P062 # المزارعة باطلة قال الزرع كله لرب الأرض إذا كان البذر منه أو العامل إذا ~~كان البذر منه. ومن قال: له الزرع كان عليه العشر وأما من قال: إن رب الأرض ~~يستحق جزءا مشاعا من الزرع فإن عليه عشره باتفاق الأئمة ولم يقل أحد من ~~المسلمين إن رب الأرض يقاسم العامل ويكون العشر كله على العامل فمن قال هذا ~~فقد خالف إجماع المسلمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن لبس الفضة للرجال من الكلاليب وخاتم وحياصة وحلية على السيف وسائر لبس ~~الفضة: هل هي محرمة؟ ولا تجوز الصلاة فيها؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما خاتم الفضة فيباح باتفاق الأئمة فإنه قد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتما من فضة وأن أصحابه اتخذوا خواتيم. بخلاف ~~خاتم الذهب: فإنها حرام باتفاق الأئمة الأربعة فإنه قد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك. # PageV25P063 # والسيف: يباح تحليته بيسير الفضة فإن {سيف النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~فيه فضة} وكذلك يسير الذهب على الصحيح. وأما الحياصة: إذا كان فيها فضة ms7451 ~~يسيرة فإنها تباح على أصح القولين. وأما الكلاليب التي تمسك بها العمامة ~~وتحتاج إليها إذا كانت بزنة الخواتيم كالمثقال ونحوه. فهي أولى بالإباحة من ~~الخاتم فإن الخاتم يتخذ للزينة وهذا للحاجة. وهذه متصلة باليسير ليست مفردة ~~كالخاتم ويسير الفضة التابع لغيره إذا كان يحتاج إلى جنسه كشعيرة السكين ~~وحلقة الإناء تباح في الآنية وإن كره مباشرته بالاستعمال. وباب اللباس أوسع ~~من باب (الآنية) فإن آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء. وأما باب ~~اللباس: فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق ويباح للرجل ما يحتاج ~~إليه من ذلك. ويباح يسير الفضة للزينة وكذلك يسير الذهب التابع لغيره ~~كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعا. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح ~~يسير الفضة للزينة مفردا أو مضافا إلى غيره كحلية السيف وغيره فكيف يحرم # PageV25P064 # يسير الفضة للحاجة. وهذا كله لو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ عام ~~بتحريم لبس الفضة كما جاء عنه لفظ عام بتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال ~~حيث قال: {هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها} وكما جاء عنه لفظ عام في ~~تحريم آنية الذهب والفضة. فلما كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عامة ~~في آنية الذهب والفضة وفي لباس الذهب والحرير. استثني من ذلك ما خصته ~~الأدلة الشرعية كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية للحاجة ونحو ذلك. فأما ~~لبس الفضة: إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ~~ما قام الدليل الشرعي على تحريمه فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة كان ~~هذا دليلا على إباحة ذلك وما هو في معناه وما هو أولى منه بالإباحة وما لم ~~يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV25P065 # وسئل: # عن جندي قال للصانع: اعمل لي حياصة من ذهب أو فضة واكتب عليها (بسم الله ~~الرحمن الرحيم: فهل يجوز ذلك؟ ثم ms7452 لا بد من إعادتها إلى النار لتمام عملها. ~~وهل يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما حياصة الذهب فمحرمة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها} . وأما ~~حياصة الفضة، ففيها نزاع بين العلماء: وقد أباحها الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. وأما كتابة القرآن عليها: فيشبه كتابة القرآن على الدرهم ~~والدينار. ولكن يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد الكتابة وهذا كله مكروه ~~فإنه يفضي إلى ابتذال القرآن وامتهانه ووقوعه في # PageV25P066 # المواضع التي ينزه القرآن عنها. فإن الحياصة والدرهم والدينار ونحو ذلك. ~~هو في معرض الابتذال والامتهان. وإن كان من العلماء من رخص في حمل الدراهم ~~المكتوب عليها القرآن فذلك للحاجة ولم يرخص في كتابة القرآن عليها والله ~~أعلم. # PageV25P067 ### | باب صدقة الفطر # سئل - رحمه الله -: # عن زكاة الفطر: هل تخرج تمرا أو زبيبا أو برا أو شعيرا أو دقيقا؟ وهل ~~يعطي للأقارب ممن لا تجب نفقته؟ أو يجوز إعطاء القيمة؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف جاز الإخراج ~~من قوتهم بلا ريب. وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها؟ مثل أن يكونوا ~~يقتاتون الأرز والدخن فهل عليهم أن يخرجوا حنطة أو شعيرا أو يجزئهم الأرز ~~والدخن والذرة؟ فيه نزاع مشهور. وهما روايتان عن أحمد: # PageV25P068 # إحداهما لا يخرج إلا المنصوص. والأخرى: يخرج ما يقتاته. وإن لم يكن من ~~هذه الأصناف. وهو قول أكثر العلماء: كالشافعي وغيره. وهو أصح الأقوال؛ فإن ~~الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء كما قال تعالى: {من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم} . والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا ~~من تمر أو صاعا من شعير؛ لأن هذا كان قوت أهل المدينة ولو كان هذا ليس ~~قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه كما لم يأمر ~~الله بذلك في الكفارات. وصدقة الفطر من جنس الكفارات هذه معلقة بالبدن وهذه ms7453 ~~معلقة بالبدن بخلاف صدقة المال فإنها تجب بسبب المال من جنس ما أعطاه الله. ~~وأما الدقيق: فيجوز إخراجه في مذهب أبي حنيفة وأحمد دون الشافعي. ويخرجه ~~بالوزن فإن الدقيق يربع إذا طحن والقريب الذي يستحقها إذا كانت حاجته مثل ~~حاجة الأجنبي فهو أحق بها منه فإن صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ~~صدقة وصلة والله أعلم. # PageV25P069 # وسئل - رحمه الله -: # عمن عليه زكاة الفطر؟ ويعلم أنها صاع ويزيد عليه ويقول هو نافلة هل يكره؟ ~~. # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء؛ كالشافعي وأحمد ~~وغيرهما. وإنما تنقل كراهيته عن مالك. وأما النقص عن الواجب فلا يجوز ~~باتفاق العلماء لكن هل الواجب صاع؟ أو نصف صاع؟ أو أكثر؟ فيه قولان والله ~~أعلم. # PageV25P070 # وسئل شيخ الإسلام: # عن صدقة الفطر: هل يجب استيعاب الأصناف الثمانية في صرفها؟ أم يجزئ صرفها ~~إلى شخص واحد؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الكلام في هذا الباب في أصلين: أحدهما: في زكاة المال كزكاة ~~الماشية والنقد وعروض التجارة والمعشرات فهذه فيها قولان للعلماء. أحدهما: ~~أنه يجب على كل مزك أن يستوعب بزكاته جميع الأصناف المقدور عليها وأن يعطي ~~من كل صنف ثلاثة وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام ~~أحمد. الثاني: بل الواجب أن لا يخرج بها عن الأصناف الثمانية ولا يعطي أحدا ~~فوق كفايته ولا يحابي أحدا بحيث يعطي واحدا ويدع # PageV25P071 # من هو أحق منه أو مثله مع إمكان العدل. وعند هؤلاء إذا دفع زكاة ماله ~~جميعها لواحد من صنف. وهو يستحق ذلك مثل أن يكون غارما عليه ألف درهم لا ~~يجد لها وفاء فيعطيه زكاته كلها وهي ألف درهم أجزأه. وهذا قول جمهور أهل ~~العلم كأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وهو المأثور عن الصحابة: كحذيفة بن ~~اليمان وعبد الله بن عباس ويذكر ذلك عن عمر نفسه. وقد ثبت في صحيح مسلم {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقبيصة بن مخارق الهلالي: أقم يا قبيصة حتى ~~تأتينا ms7454 الصدقة فنأمر لك بها} . وفي سنن أبي داود وغيرها أنه {قال لسلمة بن ~~صخر البياضي: اذهب إلى عامل بني زريق فليدفع صدقتهم إليك.} ففي هذين ~~الحديثين أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد لكن الآمر هو الإمام وفي مثل هذا ~~تنازع. وفي المسألة بحث من الطرفين لا تحتمله هذه الفتوى. فإن المقصود هو ~~الأصل الثاني: وهو " صدقة الفطر " فإن هذه الصدقة هل تجري مجرى صدقة ~~الأموال أو صدقة الأبدان كالكفارات؟ على قولين. فمن قال بالأول وكان من ~~قوله وجوب الاستيعاب أوجب الاستيعاب فيها. # PageV25P072 # وعلى هذين الأصلين ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي - رضي الله عنه ~~- ومن كان من مذهبه أنه لا يجب الاستيعاب كقول جمهور العلماء فإنهم يجوزون ~~دفع صدقة الفطر إلى واحد كما عليه المسلمون قديما وحديثا. ومن قال بالثاني ~~إن صدقة الفطر تجري مجرى كفارة اليمين والظهار والقتل والجماع في رمضان ~~ومجرى كفارة الحج فإن سببها هو البدن ليس هو المال كما في السنن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة ~~للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي ~~صدقة من الصدقات} . وفي حديث آخر أنه قال: {أغنوهم في هذا اليوم عن ~~المسألة.} ولهذا أوجبها الله طعاما كما أوجب الكفارة طعاما وعلى هذا القول ~~فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة وهم الآخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطي ~~منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك. وهذا القول أقوى في الدليل. وأضعف ~~الأقوال قول من يقول إنه يجب على كل مسلم أن يدفع # PageV25P073 # صدقة فطره إلى اثني عشر أو ثمانية عشر أو إلى أربعة وعشرين أو اثنين ~~وثلاثين أو ثمانية وعشرين ونحو ذلك فإن هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين لم يعمل ~~بهذا مسلم على عهدهم بل كان المسلم يدفع صدقة فطره وصدقة فطر عياله إلى ~~المسلم الواحد. ولو رأوا من يقسم الصاع ms7455 على بضعة عشر نفسا يعطي كل واحد ~~حفنة لأنكروا ذلك غاية الإنكار وعدوه من البدع المستنكرة والأفعال ~~المستقبحة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر المأمور به صاعا من تمر أو ~~صاعا من شعير. ومن البر إما نصف صاع وإما صاعا على قدر الكفاية التامة ~~للواحد من المساكين وجعلها طعمة لهم يوم العيد يستغنون بها فإذا أخذ ~~المسكين حفنة لم ينتفع بها ولم تقع موقعا. وكذلك من عليه دين وهو ابن سبيل ~~إذا أخذ حفنة من حنطة لم ينتفع بها من مقصودها ما يعد مقصودا للعقلاء وإن ~~جاز أن يكون ذلك مقصودا في بعض الأوقات كما لو فرض عدد مضطرون # PageV25P074 # وإن قسم بينهم الصاع عاشوا وإن خص به بعضهم مات الباقون فهنا ينبغي ~~تفريقه بين جماعة لكن هذا يقتضي أن يكون التفريق هو المصلحة والشريعة منزهة ~~عن هذه الأفعال المنكرة التي لا يرضاها العقلاء ولم يفعلها أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها. ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم {طعمة للمساكين} نص في أن ~~ذلك حق للمساكين. وقوله تعالى في آية الظهار: {فإطعام ستين مسكينا} فإذا لم ~~يجز أن تصرف تلك للأصناف الثمانية فكذلك هذه ولهذا يعتبر في المخرج من ~~المال أن يكون من جنس النصاب والواجب ما يبقى ويستنمى؛ ولهذا كان الواجب ~~فيها الإناث دون الذكور إلا في التبيع وابن لبون؛ لأن المقصود الدر والنسل ~~وإنما هو للإناث. وفي الضحايا والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر ~~أفضل من الأنثى وكانت الهدايا والضحايا إذا تصدق بها أو ببعضها فإنما هو ~~للمساكين أهل الحاجة دون استيعاب المصارف الثمانية وصدقة الفطر وجبت طعاما ~~للأكل لا للاستنماء. فعلم أنها من جنس الكفارات. وإذا قيل: إن قوله: {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين} نص في استيعاب الصدقة. قيل: هذا خطأ لوجوه: # PageV25P075 # أحدها: أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها ~~في قوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا} وهذه إذا صدقات ~~الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين. ولهذا قال ms7456 في آية الفدية: ~~{ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة ~~واتفق الأئمة على أن فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع الأصناف الثمانية ~~وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في الآية بإجماع المسلمين وكذلك سائر المعروف ~~فإنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {: ~~كل معروف صدقة} . لا يختص بها الأصناف الثمانية باتفاق المسلمين. وهذا جواب ~~من يمنع دخول هذه الصدقة في الآية وهي تعم جميع الفقراء والمساكين ~~والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يقل مسلم إنه يجب استيعاب جميع ~~هؤلاء بل غاية ما قيل: إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف وهذا تخصيص اللفظ ~~العام من كل صنف ثم فيه تعيين فقير دون فقير. وأيضا لم يوجب أحد التسوية في ~~آحاد كل صنف فالقول عند # PageV25P076 # الجمهور في الأصناف عموما وتسوية كالقول في آحاد كل صنف عموما وتسوية. ~~الوجه الثاني أن قوله: {إنما الصدقات} للحصر وإنما يثبت المذكور ويبقى ما ~~عداه والمعنى ليست الصدقة لغير هؤلاء بل لهؤلاء فالمثبت من جنس المنفي ~~ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك بل قصد تبيين الحل أي لا تحل الصدقة لغير ~~هؤلاء فيكون المعنى بل تحل لهم وذلك أنه ذكر في معرض الذم لمن سأله من ~~الصدقات وهو لا يستحقها والمذموم يذم على طلب ما لا يحل له لا على طلب ما ~~يحل له وإن كان لا يملكه إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من ~~الإمام قبل إعطائها ولو كان الذم عاما لم يكن في الحصر ذم لهؤلاء دون غيرهم ~~وسياق الآية يقتضي ذمهم والذم الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل فيكون ذلك ~~الذي نفى ويكون المثبت هذا يحل وليس من الإحلال للأصناف وآحادهم وجود ~~الاستيعاب والتسوية كاللام في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا} وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وقوله ~~عليه الصلاة والسلام {أنت ms7457 ومالك لأبيك} وأمثال ذلك مما جاءت به اللام ~~للإباحة. فقول القائل إنه قسمها بينهم بواو التشريك # PageV25P077 # ولام التمليك ممنوع لما ذكرناه. الوجه الثالث: أن الله لما قال في ~~الفرائض: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وقال {ولكم نصف ~~ما ترك أزواجكم} إلى قوله: {ولهن الربع مما تركتم} وقال: {وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} لما كانت اللام للتمليك وجب استيعاب ~~الأصناف المذكورين وإيراد كل صنف والتسوية بينهم فإذا كان لرجل أربع زوجات ~~وأربعة بنين أو بنات أو أخوات أو إخوة وجب العموم والتسوية في الأفراد؛ لأن ~~كلا منهم استحق بالنسب وهم مستوون فيه. وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك " ولم ~~يجب فيه ذلك. ولا يقال إفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال بل يجب أن ~~يقال في الإفراد ما قيل في الأصناف. فإذا قيل: يجب استيعابها بحسب الإمكان ~~ويسقط المعجوز عنه قيل: في الإفراد كذلك. وليس الأمر كذلك لكن يجب تحري ~~العدل بحسب الإمكان كما ذكرناه والله أعلم. # PageV25P078 ### | باب إخراج الزكاة # سئل شيخ الإسلام: # عن تاجر هل يجوز أن يخرج من زكاته الواجبة عليه صنفا يحتاج إليه؟ وهل إذا ~~مات إنسان وعليه دين له: فهل يجوز أن يعطي أحدا من أقارب الميت إن كان ~~مستحقا للزكاة ثم يستوفيه منه؟ وهل إذا أخرج زكاته على أهل بلد آخر مسافة ~~القصر هل يجزئه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا أعطاه دراهم أجزأ بلا ريب. وأما إذا أعطاه القيمة ففيه ~~نزاع: هل يجوز مطلقا؟ أو لا يجوز مطلقا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة أو ~~المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال - في مذهب أحمد وغيره وهذا القول أعدل ~~الأقوال. فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب # PageV25P079 # المال له بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه. وأما إذا قوم هو الثياب التي ~~عنده وأعطاها فقد يقومها بأكثر من السعر وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها ~~بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر ms7458 على الفقراء. ~~والأصناف التي يتجر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعا دراهم بالقيمة فإن لم يكن ~~عنده دراهم فأعطى ثمنها بالقيمة فالأظهر أنه يجوز؛ لأنه واسى الفقراء ~~فأعطاهم من جنس ماله. # وأما الدين الذي على الميت: فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي ~~العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى قال: {والغارمين} ولم ~~يقل وللغارمين. فالغارم لا يشترط تمليكه. وعلى هذا يجوز الوفاء عنه وأن ~~يملك لوارثه ولغيره ولكن الذي عليه الدين لا يعطى ليستوفي دينه. # PageV25P080 # وسئل - رحمه الله -: # عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان يصرفها حيث شاء ولا يعطيها للفقراء ~~والمساكين: هل يسقط الفرض بذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك ~~فإنه يسقط ذلك من صاحبه إذا كان الإمام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية ~~باتفاق العلماء. فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية فينبغي لصاحبه ~~أن لا يدفع الزكاة إليه بل يصرفها هو إلى مستحقيها فإن أكره على دفعها إلى ~~الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر فإنها تجزئه في هذه الصورة عند ~~أكثر العلماء. وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف ~~إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه. # PageV25P081 # وسئل - رحمه الله -: # عمن أخرج القيمة في الزكاة؛ فإنه كثيرا ما يكون أنفع للفقير: هل هو جائز؟ ~~أم لا؟ # فأجاب: # وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك. فالمعروف من مذهب مالك ~~والشافعي أنه لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وأحمد - رحمه الله - قد منع ~~القيمة في مواضع وجوزها في مواضع فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها ~~على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ~~ممنوع منه ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين ~~درهما ولم يعدل إلى القيمة ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل ~~المالك إلى أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر ولأن الزكاة مبناها على ~~المواساة ms7459 وهذا معتبر في قدر المال وجنسه وأما إخراج القيمة للحاجة أو ~~المصلحة أو العدل فلا # PageV25P082 # بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم ~~يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه " وقد ~~نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من ~~يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ~~ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم ~~إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء. كما نقل عن معاذ بن جبل أنه ~~كان يقول لأهل اليمن: " ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في ~~المدينة من المهاجرين والأنصار ". وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة وقيل: في ~~الجزية. # PageV25P083 # وسئل - رحمه الله -: # عن إسقاط الدين عن المعسر: هل يجوز أن يحسبه من الزكاة؟ # فأجاب: # وأما إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع لكن إذا كان ~~له دين على من يستحق الزكاة: فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين ~~ويكون ذلك زكاة ذلك الدين؟ فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره. ~~أظهرهما الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة وهنا قد أخرج من جنس ما ~~يملك بخلاف ما إذا كان ماله عينا وأخرج دينا فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه ~~فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب وهذا لا يجوز. كما قال تعالى: {ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون} الآية. ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ~~ماله لا يخرج أدنى منه فإذا كان له ثمر وحنطة جيدة لم يخرج عنها ما هو ~~دونها. # PageV25P084 # وسئل - رحمه الله -: # عمن له زكاة وله أقارب في بلد تقصر إليه الصلاة وهم مستحقون الصدقة: فهل ~~يجوز أن يدفعها إليهم؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة ولم تحصل لهم كفايتهم من ~~جهة غيره فإنه يعطيهم من الزكاة ms7460 ولو كانوا في بلد بعيد والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # عن المسكين يحتاج إلى الزكاة من الزرع: فهل إعطاؤه. يسقط الفرض عن صاحب ~~الزرع إذا عجلها له قبل إدراك زرعه؟ أم لا؟ . # فأجاب: # وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب فيجوز عند جمهور العلماء ~~كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. فيجوز # PageV25P085 # تعجيل زكاة الماشية والنقدين وعروض التجارة إذا ملك النصاب. ويجوز تعجيل ~~المعشرات قبل وجوبها إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه ونبت الزرع قبل ~~اشتداد الحب. فأما إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة وجبت الزكاة. # و ### | سئل: # عن رجل تحت يده مال فوق النصاب # فأخرج منه شيئا من زكاة الفرض ظنا منه أنه قد حال عليه الحول ثم تبين أنه ~~لم يحل الحول وفيمن يخرج الزكاة وفي نفسه إذا كان الحول حالا فهي زكاة وإلا ~~تكون سلفا على ما يجب بعد: هل يجزئ في الصورتين؟ # فأجاب: # نعم يجزئ ذلك في الصورتين جميعا إذا وجبت الزكاة والله أعلم. # PageV25P086 # وسئل: # عن دفع الزكاة إلى قوم منتسبين إلى المشايخ: هل يجوز؟ أم لا؟ . # فأجاب: # فصل: # وأما الزكاة: فينبغي للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء. ~~والمساكين والغارمين وغيرهم من أهل الدين المتبعين للشريعة فمن أظهر بدعة ~~أو فجورا فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره. والاستتابة فكيف يعان على ذلك. ~~وأما من يأخذها وينفقها بحسب اختياره أو ينفقها على عياله مع غناه فهذا لا ~~يجوز دفعها إليه ولا تبرأ ذمة من دفعها إليه بل لا تعطى إلا لمستحقها أو ~~لمن يعطيها لمستحقها مثل من عنده خبرة # PageV25P087 # بأهلها وأمانة فيؤديها إليهم. كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} . وإذا طلبها من لا يعلم حاجته إليها وهو يعلم حاجة ~~آخر فإعطاء من يعلم حاجته أولى وإعطاء القريب المحتاج الذي ليس من أهل ~~نفقته أولى من إعطاء البعيد المساوي له في الحاجة. # وسئل: # عن رجل عليه زكاة: هل يجوز له أن يعطيها لأقاربه المحتاجين؟ أو أن يشتري ~~لهم منها ثيابا أو حبوبا؟ وإذا ms7461 أخذ السلطان من غنمه هل تسقط زكاتها؟ وهل ~~يلزمه إعطاء الزكاة في بلد القلة والمال أم لا. وهل إذا مات فقير وله عليه ~~مال: هل له أن يحسبه من الزكاة؟ أو يطلبه من غيره فيأخذ عنه؟ وهل يعطي لمن ~~لا يصلي؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، يجوز أن يصرف الزكاة إلى من يستحقها وإن كانوا من أقاربه ~~الذين ليسوا في عياله لكن يعطيهم من ماله وهم يأذنون لمن يشتري لهم بها ما ~~يريدون. # PageV25P088 # وما أخذه السلطان من الزكاة بغير أمر أصحابه احتسب به وجيران المال أحق ~~بصدقته فإن استغنوا عنها أعطى البعيد وإن أعطاها الفقراء في غير البلد جاز. ~~وإن كان له دين على حي أو ميت لم يحتسب به من الزكاة ولا يحتال في ذلك. ومن ~~لم يكن مصليا أمر بالصلاة فإن قال: أنا أصلي أعطي وإلا لم يعط. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم؟ هل هو الأفضل ~~أو دفعها إلى الأجنبي؟ . # فأجاب: # أما دفع الزكاة إلى أقاربه: فإن كان القريب الذي يجوز دفعها إليه حاجته ~~مثل حاجة الأجنبي إليها فالقريب أولى. وإن كان البعيد أحوج لم يحاب بها ~~القريب. قال أحمد عن سفيان بن عيينة كانوا يقولون: لا يحابي بها قريبا ولا ~~يدفع بها مذمة ولا يقي بها ماله. # PageV25P089 # وسئل - رحمه الله -: # عن دفعها إلى والديه وولده الذين لا تلزمه نفقتهم هل يجوز أم لا؟ # فأجاب: # الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته. كالفقير والغارم لمصلحة ~~نفسه. وصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد والغارم في إصلاح ذات البين ~~فهؤلاء يجوز دفعها إليهم وإن كانوا من أقاربه. وأما دفعها إلى الوالدين: ~~إذا كانوا غارمين أو مكاتبين: ففيها وجهان. والأظهر جواز ذلك. وأما إن ~~كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال؛ ~~لأن المقتضي موجود والمانع مفقود فوجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض ~~المقاوم. # PageV25P090 # وسئل: # عن امرأة فقيرة وعليها دين ولها أولاد بنت صغار ولهم مال وهم تحت ms7462 الحجر: ~~هل يجوز أن يدفعوا زكاتهم إلى جدتهم؟ أم لا؟ وهل هي أولى من غيرها أم لا؟ # فأجاب: # أما دفع زكاتهم إليها لقضاء دينها فيجوز في أظهر قولي العلماء وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد وغيره. وكذلك دفعها إلى سائر الأقارب لأجل الدين. ~~وأما دفعها لأجل النفقة: فإن كانت مستغنية بنفقتهم أو نفقة غيرهم لم تدفع ~~إليها. وإن كانت محتاجة إلى زكاتهم دفعت إليها في أظهر قولي العلماء وهي ~~أحق من الأجانب والله أعلم. # PageV25P091 # وسئل - رحمه الله -: # هل من كان عليه دين يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه لقضاء. دينه؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان على الولد دين ولا وفاء له جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه؛ في أظهر ~~القولين في مذهب أحمد وغيره. وأما إن كان محتاجا إلى النفقة وليس لأبيه ما ~~ينفق عليه ففيه نزاع: والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه. وأما إن كان ~~مستغنيا بنفقة أبيه فلا حاجة به إلى زكاته والله أعلم. # PageV25P092 # وسئل: # هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور في الطرقات؟ أم لا؟ . # فأجاب: # ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من الزكاة والله تعالى ~~أعلم. # وسئل: # عن الصدقة على المحتاجين من الأهل وغيرهم؟ # فأجاب: # إن كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد فإن نفقة القريب واجبة عليه ~~فلا يعطي البعيد ما يضر بالقريب. وأما الزكاة والكفارة فيجوز أن يعطي منها ~~القريب الذي لا ينفق عليه والقريب أولى إذا استوت الحاجة. # PageV25P093 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أعطاه أخ له شيئا من الدنيا أيقبله؟ أم يرده؟ وقد ورد {من جاءه ~~شيء بغير سؤال فرده فكأنما رده على الله} هل هو صحيح؟ أم لا؟ # فأجاب: # قد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر: ما أتاك من هذا المال ~~وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك} وثبت أيضا في الصحيح: ~~{أن حكيم بن حزام سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم ms7463 قال: يا ~~حكيم ما أكثر مسألتك إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له ~~فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه فكان كالذي يأكل ولا يشبع فقال له ~~حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك من أحد شيئا} . فكان أبو بكر وعمر ~~يعطيانه فلا يأخذ. فتبين بهذين الحديثين أن الإنسان إذا كان سائلا بلسانه، ~~أو # PageV25P094 # مشرفا إلى ما يعطاه فلا ينبغي أن يقبله إلا حيث تباح له المسألة ~~والاستشراف. وأما إذا أتاه من غير مسألة؛ ولا إشراف فله أخذه إن كان الذي ~~أعطاه أعطاه حقه كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر من بيت المال فإنه ~~قد كان عمل فأعطاه عمالته وله أن لا يقبله كما فعل حكيم بن حزام ما لا ~~يستحقه عليه فإن قبله وكان من غير إشراف له عليه فقد أحسن. وأما الغني ~~فينبغي له أن يكافئ بالمال من أسداه. إليه لخبر {من أسدى إليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تجدوا له ما تكافئوه. فادعوا حتى تعلموا أن قد كافأتموه} . # PageV25P095 # وقال - رحمه الله -: ### | فصل: # في الأخذ من غير سؤال. # في الصحيح حديث {حكيم بن حزام: لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد ~~مرة ثم قال: يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له ~~فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد ~~العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ~~لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو ~~حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن ~~يقبله. فقال: يا معشر المسلمين وفي رواية إني أشهدكم يا معشر المسلمين أني ~~أعرض على حكيم حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ ~~حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم} . # PageV25P096 # قوله: " لم يرزأ ": أي ms7464 لم ينقص لا لم يسأل كما يدل عليه السياق. ففيه أن ~~حكيما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل من أحد شيئا وأقره النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك وكذلك الخلفاء بعده. وهذا حجة في جواز الرد وإن ~~كان عن غير مسألة ولا إشراف. وقوله: {اليد العليا خير من اليد السفلى} ~~تنبيه له على أن يد الآخذ سفلى. وقد سئل أحمد عن حجة لذلك من الآية فلم ~~يعرفها. وهذه حجة جيدة. وقد روي فيه زيادات مثل قوله: {إن خيرا لك أن لا ~~تأخذ من أحد شيئا} لكن ينظر إسناده فهو صريح في تفضيل عدم الأخذ مطلقا. # PageV25P097 ### | كتاب الصيام # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن صوم يوم الغيم هل هو واجب أم لا؟ وهل هو يوم شك منهي عنه أم لا؟ # فأجاب: # فصل: # وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فللعلماء فيه عدة ~~أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أن صومه منهي عنه. ثم هل هو نهي ~~تحريم؟ أو تنزيه؟ على قولين وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايات عنه. واختار ذلك طائفة من أصحابه: كأبي الخطاب # PageV25P098 # وابن عقيل وأبي القاسم بن منده الأصفهاني وغيرهم. والقول الثاني: أن ~~صيامه واجب كاختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد وهذا يقال إنه ~~أشهر الروايات عن أحمد لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنه كان ~~يستحب صيام يوم الغيم اتباعا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ولم يكن ~~عبد الله بن عمر يوجبه على الناس بل كان يفعله احتياطا وكان الصحابة فيهم ~~من يصومه احتياطا ونقل ذلك عن عمر وعلي ومعاوية وأبي هريرة وابن عمر وعائشة ~~وأسماء وغيرهم. ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ومنهم من كان ~~ينهى عنه. كعمار بن ياسر وغيره فأحمد رضي الله عنه كان يصومه احتياطا. وأما ~~إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من أصحابه؛ لكن ms7465 كثير من ~~أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه ونصروا ذلك القول. والقول الثالث: أنه ~~يجوز صومه ويجوز فطره وهذا # PageV25P099 # مذهب أبي حنيفة وغيره وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه وهو مذهب كثير من ~~الصحابة والتابعين أو أكثرهم. # وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز. فإن شاء أمسك وإن ~~شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر وكذلك إذا شك هل أحدث؟ أم لا؟ إن شاء توضأ ~~وإن شاء لم يتوضأ. # وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة؟ أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة ~~عليه مائة؟ أو مائة وعشرون؟ فأدى الزيادة. وأصول الشريعة كلها مستقرة على ~~أن الاحتياط ليس بواجب ولا محرم ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة بأن ~~ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان وإلا فلا. # فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه وهي التي ~~نقلها المروذي وغيره وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر واختيار أبي ~~البركات وغيرهما. والقول الثاني: أنه لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان كإحدى ~~الروايتين عن أحمد اختارها القاضي وجماعة من أصحابه. # وأصل هذه المسألة أن تعيين النية لشهر رمضان: هل هو واجب؟ فيه ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد. # PageV25P100 # أحدها: أنه لا يجزئه إلا أن ينوي رمضان فإن صام بنية مطلقة أو معلقة أو ~~بنية النفل أو النذر لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايات. والثاني: يجزئه مطلقا كمذهب أبي حنيفة. والثالث: أنه يجزئه بنية ~~مطلقة لا بنية تعيين غير رمضان وهذه الرواية الثالثة عن أحمد وهي اختيار ~~الخرقي وأبي البركات. وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم فإن علم أن ~~غدا من رمضان فلا بد من التعيين في هذه الصورة. فإن نوى نفلا أو صوما مطلقا ~~لم يجزئه؛ لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه وهو شهر رمضان الذي علم ~~وجوبه فإذا لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته. وأما إذا كان لا يعلم أن غدا من ms7466 ~~شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد ~~أوجب الجمع بين الضدين. فإذا قيل إنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية ~~مطلقة أو معلقة أجزأه. وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا ثم تبين أنه كان # PageV25P101 # من شهر رمضان فالأشبه أنه يجزئه أيضا كمن كان لرجل عنده وديعة ولم يعلم ~~ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع ثم تبين أنه حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ~~ثانيا بل يقول ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي والله يعلم حقائق ~~الأمور. والرواية التي تروى عن أحمد أن الناس فيه تبع للإمام في نيته على ~~أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس كما في السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون} . # وقد تنازع الناس في " الهلال ": هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره ~~أحد؟ أو لا يسمى هلالا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟ على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره. وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم أو في يوم ~~الغيم مطلقا. هل هو يوم شك. على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: ~~أنه ليس بشك بل الشك إذا أمكنت رؤيته وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي ~~وغيرهم. والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه. # PageV25P102 # والثالث: أنه من رمضان حكما فلا يكون يوم شك وهو اختيار طائفة من أصحاب ~~أحمد وغيرهم. وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر هل ~~يصوم ويفطر وحده؟ أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ أو يصوم وحده ويفطر مع ~~الناس؟ على ثلاثة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب فإنه قد حكى ابن عبد ~~البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فأما ما كان مثل ~~الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر. قلت: أحمد اعتمد في الباب على ms7467 حديث ~~{الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الناس على هذه الرؤية} مع أنها كانت في غير البلد وما يمكن أن تكون فوق ~~مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبد البر؛ ~~لكن ما حد ذلك؟ # PageV25P103 # والذين قالوا: لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك ~~بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام ~~والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف؛ فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. ~~وأما الأقاليم فما حدد ذلك؟ ثم هذان خطأ من وجهين: أحدهما: أن الرؤية تختلف ~~باختلاف التشريق والتغريب فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ~~ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق فإذا كان قد ~~رئي ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق ~~بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب ~~الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها. ثم إنه ~~لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق فهذا أمر محسوس في غروب الشمس ~~والهلال وسائر الكواكب ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ~~ينعكس وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع الكواكب ~~وغروبها بالمشرق سابق. # PageV25P104 # وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق؛ لأنه يطلع من المغرب وليس في ~~السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ~~ازداد بعده عنها فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسك بأصل شرعي ولا حسي. ~~وأيضا فإن هلال الحج: ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين ~~وإن كان فوق مسافة القصر. الوجه الثاني: أنه إذا اعتبرنا حدا: كمسافة القصر ~~أو الأقاليم فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك ~~وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئا من ذلك وهذا ليس من دين المسلمين. ~~فالصواب في ms7468 هذا - والله أعلم ما دل عليه قوله: {صومكم يوم تصومون وفطركم ~~يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون} فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه ~~رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم. وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار ~~تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين. # PageV25P105 # والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد ~~غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل حال لكن اليوم الماضي: هل يجب قضاؤه؟ ~~فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رئي بإقليم آخر ولم ير قريبا منهم ~~الأشبه أنه إن رئي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول ~~فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم. # وأما إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء ~~عليهم لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن أن يصوموا إلا اليوم ~~الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم ~~صومهم وكذلك في الفطر والنسك لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء ~~الشهر أنه رئي بناء على تلك الرؤية؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا؛ ~~لأنه قد ثبت عندهم في أثنائه ما يفطرون به ولا يقضون اليوم الأول فيكون ~~صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع إذا صام برؤية مكان ثم سافر ~~إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول. وإن تأخرت ~~رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا إن قالوا يفطر # PageV25P106 # وحده فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور وإن صام معهم ~~فقد صام إحدى وثلاثين يوما. والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا ~~قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر لأن انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في ~~الموضعين ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم. وأما ~~هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم ms7469 يكن ~~فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ولكن نقل التاريخ (1) . # فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله {صوموا لرؤيته} فمن بلغه أنه ~~رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلا وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر ~~في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه بخلاف ~~الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنها محل الاعتبار. فتدبر ~~هذه المسائل الأربعة: وجوب الصوم والإمساك ووجوب القضاء ووجوب بناء العيد ~~على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة. ولهذا ~~قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة PageV25P107 # أجزأهم اعتبارا بالبلوغ وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزئهم لإمكان البلوغ ~~فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذي ذكرته هو ~~الذي ذكره أصحابنا إلا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. ~~والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال ~~في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل ~~لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء ~~لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على ~~البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو ~~كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا. ~~وقد أجاب أصحابنا بأنه إنما لم يفطر لأنه لم يثبت عنده إلا بقول واحد فلا ~~يفطر به ولا يقال أصحابنا كذلك أيضا لم ينقل أنهم كانوا إذا بلغهم الهلال ~~في أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه. قلنا لأن ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث ~~عنه لأن فيه ترك # PageV25P108 # صوم يوم فإن ثبت عندهم وإلا فالاحتياط الصوم؛ لأن ذاك الخبر قد يكون ~~ضعيفا مع أن هذه المسألة فيها نظر. ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في ms7470 أثناء ~~الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له ~~وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلا في أثناء الشهر ففي وجوب ~~قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأن قوله: {صومكم يوم تصومون} دليل ~~على أن ذلك لم يكن يوم صومنا ولأن التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ~~ظاهر فلا وجوب وطرد هذا أن الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده ~~أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح ~~الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب ~~الإمساك دون القضاء. # فإن الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في ~~الأرض فلا حكم له لا باطنا ولا ظاهرا واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: ~~أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلا ما استهل فإذا استهله الواحد ~~والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به ~~فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت # PageV25P109 # بالإخبار به ولأن التكليف يتبع العلم فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ~~ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ولأنه لو وجب القضاء ~~أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد أو رؤية النفر القليل في أثناء الشهر ~~لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو بل يوم الثلاثين مطلقا لأنه يمكن أن يخبر ~~القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطا وما من شيء ~~في الشريعة يمكن وجوبه إلا والاحتياط مشروع في أدائه. فلما لم يشرع ~~الاحتياط في أدائه قطعنا بأنه لا وجوب مع بعد الرائي أو خفائه حتى يكون ~~الرائي قريبا ظاهرا فتكون رؤيته إهلالا يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من ~~لم يحتط في الغيم. ولكن يجاب عنه بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو وإنما ~~الحاجب مانع كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة أو مطمورة ms7471 وقد تعذر ~~الترائي. ولأن الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك فإن ~~بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير كيوم عاشوراء وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة ~~وقوع مثل ذلك وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف. وجواب هذا أنه لا يلزم من ~~وجوب الإمساك وجوب القضاء # PageV25P110 # فإنه لا وجوب إلا من حين الإهلال والرؤية؛ لا من حين الطلوع ولأن الإجماع ~~الذي حكاه ابن عبد البر يدل على هذا؛ لأن ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلا ~~بعد مضي الشهر لم يبق فيه فائدة إلا وجوب القضاء فعلم أن القضاء لا يجب ~~برؤية بعيدة مطلقا. فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي ~~بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك والنصوص وآثار ~~السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله: مخالف للعقل ~~والشرع. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول ~~والنسك فهذا لا تأثير له وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. وأما إذا ~~بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه وكذلك ~~في بقية الأحكام: من حلول الدين ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ونحو ذلك. ~~والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في ~~المسألة: وما من قول سواه إلا وله لوازم شنيعة # PageV25P111 # لا سيما من قال بالتعدد فإنه يلزمه في المناسك ما يعلم به خلاف دين ~~الإسلام إذا رأى بعض الوفود أو كلهم الهلال وقدموا مكة ولم يكن قد رئي ~~قريبا من مكة ولما ذكرناه من فساده صار متنوعا والذي ذكرناه يحصل به ~~الاجتماع الشرعي كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه وإذا خالفهم من لم ~~يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا وإنما الشأن ~~من الشعور بالفرقة والاختلاف. وتحقيق ذلك العلم بالأهلة فقال: {هي مواقيت ~~للناس والحج} . وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر أو سمع ولهذا ذهب ~~الشافعي وأحمد ms7472 في إحدى الروايتين: إلى أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل ~~أحد على الرؤية أنه ليس بشك لانتفاء الشك في الهلال وإن وقع شك في الطلوع. ~~وذلك من وجهين: أحدهما: أن الهلال على وزن فعال. وهذا المثال في كلام العرب ~~لما يفعل به كالإزار لما يؤتزر به والرداء: لما يرتدى به والركاب: لما يركب ~~به والوعاء: لما يوعى فيه وبه والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب ~~به والسداد لما يسد به وهذا كثير مطرد في الأسماء. # PageV25P112 # فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به والتصويت به لا يكون إلا مع إدراكه ~~ببصر أو سمع ويدل عليه قول الشاعر: # يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر # أي: يصوتون بالفرقد فجعلهم مهلين به فلذلك سمي هلالا. ومنه قوله: {وما ~~أهل به لغير الله} أي صوت به وسواء كان التصويت به رفيعا أو خفيضا فإنه مما ~~تكلم به وجهر به لغير الله. ونطق به. الوجه الثاني: أنه جعلها مواقيت للناس ~~ولا تكون مواقيت لهم إلا إذا أدركوها ببصر أو سمع فإذا انتفى الإدراك انتفى ~~التوقيت فلا تكون أهلة وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس إذ ضبط مكان ~~الطلوع بالحساب لا يصح أصلا وقد صنفت في ذلك شيئا. وهذه المسألة تنبني عليه ~~أيضا فإنه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زمانا ومكانا محدودا وإنما ~~يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم فإذا كان الواجب تعليقه ~~في حق من رأى بالرؤية ففي حق من لم ير بالسماع ومن لا رؤية له ولا سماع فلا ~~إهلال له والله هو المسئول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين. # PageV25P113 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم ~~وحده؟ أو مع جمهور الناس؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه أن يصوم ~~برؤية نفسه؟ أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ على ms7473 ~~ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: أن عليه أن يصوم وأن يفطر سرا ~~وهو مذهب الشافعي. والثاني: يصوم ولا يفطر إلا مع الناس وهو المشهور من ~~مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة. والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا ~~أظهر # PageV25P114 # الأقوال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {صومكم يوم تصومون وفطركم يوم ~~تفطرون وأضحاكم يوم تضحون} رواه الترمذي وقال حسن غريب ورواه أبو داود وابن ~~ماجه وذكر الفطر والأضحى فقط. ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن ~~عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ~~{الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون} قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن غريب قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا ~~الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. ورواه أبو داود بإسناد آخر: فقال ~~حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي ~~هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: {وفطركم يوم تفطرون. وأضحاكم ~~يوم تضحون. وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف} . ~~ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر والهلال اسم لما استهل به فإن الله جعل ~~الهلال مواقيت للناس والحج وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس والشهر بين. ~~وإن لم يكن هلالا ولا شهرا. وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى علق ~~أحكاما شرعية # PageV25P115 # بمسمى الهلال والشهر: كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى: {يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} . فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس ~~والحج. قال تعالى: {كتب عليكم الصيام} إلى قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس} أنه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن ~~الذي تنازع الناس فيه أن الهلال. هل هو اسم لما يظهر في السماء؟ وإن لم ~~يعلم به الناس؟ وبه يدخل الشهر أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر ~~لما ms7474 اشتهر بينهم؟ على قولين: فمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد ~~دخل ميقات الصوم ودخل شهر رمضان في حقه وتلك الليلة هي في نفس الأمر من ~~رمضان وإن لم يعلم غيره. ويقول من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعا قضى ~~الصوم وهذا هو القياس في شهر الفطر وفي شهر النحر لكن شهر النحر ما علمت أن ~~أحدا قال من رآه يقف وحده دون سائر الحاج وأنه ينحر في اليوم الثاني ويرمي ~~جمرة العقبة ويتحلل دون سائر الحاج. وإنما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ~~ألحقوه بالنحر وقالوا لا يفطر إلا مع المسلمين؛ وآخرون قالوا بل الفطر ~~كالصوم ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوما وتناقض # PageV25P116 # هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة. وحينئذ فشرط كونه ~~هلالا وشهرا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ~~ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به كان ~~حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع ~~المسلمين فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين وهذا معنى قوله: {صومكم يوم ~~تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون} . ولهذا قال أحمد في روايته: ~~يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على ~~الجماعة. وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم؟ أو ~~ليس شهرا في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس ~~حتى يتصور شهوده والغيبة عنه. {وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتموه ~~فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وصوموا من الوضح إلى الوضح} ونحو ذلك خطاب ~~للجماعة لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه فإنه # PageV25P117 # ليس هناك غيره. وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رئي في مكان آخر أو ثبت ~~نصف ms7475 النهار لم يجب عليه القضاء. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. فإنه إنما ~~صار شهرا في حقهم من حين ظهر واشتهر. ومن حينئذ وجب الإمساك كأهل عاشوراء: ~~الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث ~~القضاء ضعيف والله أعلم. # PageV25P118 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما الأصل الثالث: فالصيام وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة أقوال: ~~فقالت طائفة - منهم أبو حنيفة - إنه يجزئ كل صوم فرضا كان أو نفلا بنية قبل ~~الزوال كما دل عليه حديث عاشوراء وحديث {النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~على عائشة فلم يجد طعاما فقال: إني إذا صائم} . وبإزائها طائفة أخرى - منهم ~~مالك - قالت: لا يجزئ الصوم إلا مبيتا من الليل فرضا كان أو نفلا على ظاهر ~~حديث حفصة # PageV25P119 # وابن عمر: الذي يروى مرفوعا وموقوفا: {لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل} . وأما القول الثالث: فالفرض لا يجزئ إلا ب ### | تبييت النية # كما دل عليه حديث حفصة وابن عمر؛ لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم والنية ~~لا تنعطف على الماضي. وأما النفل فيجزئ بنية من النهار. كما دل عليه قوله: ~~{إني إذا صائم} كما أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان - كالقيام ~~والاستقرار على الأرض - ما لا يجب في التطوع توسيعا من الله على عباده في ~~طرق التطوع. فإن أنواع التطوعات دائما أوسع من أنواع المفروضات وصومهم يوم ~~عاشوراء إن كان واجبا: فإنما وجب عليهم من النهار لأنهم لم يعلموا قبل ذلك. ~~وما رواه بعض الخلافيين المتأخرين أن ذلك كان في رمضان: فباطل لا أصل له. ~~وهذا أوسط الأقوال: وهو قول الشافعي وأحمد. واختلف قولهما: هل يجزئ التطوع ~~بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته كما نقل عن الصحابة. واختلف أصحابهما في ~~الثواب: هل هو ثواب يوم كامل؟ أو من حين # PageV25P120 # نواه؟ والمنصوص عن أحمد: أن الثواب من حين النية. وكذلك اختلفوا في ~~التعيين. وفيه ثلاثة أقوال - في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه لا بد من نية ~~رمضان. فلا تجزئ نية ms7476 مطلقة ولا معينة لغير رمضان. وهذا قول الشافعي وأحمد ~~في إحدى الروايتين اختارها كثير من أصحابه. والثاني: أنه يجزئ بنية مطلقة ~~ومعينة لغيره. كمذهب أبي حنيفة ورواية محكية عن أحمد. والثالث: أنه يجزئ ~~بالنية المطلقة دون نية التطوع أو القضاء أو النذر. وهو رواية عن أحمد ~~اختارها طائفة من أصحابه. # PageV25P121 # فصل: # واختلفوا في صوم يوم الغيم: وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ~~ليلة الثلاثين من شعبان. فقال قوم: يجب صومه بنية من رمضان احتياطا. وهذه ~~الرواية عن أحمد. وهي التي اختارها أكثر متأخري أصحابه وحكوها عن أكثر ~~متقدميهم بناء على ما تأولوه من الحديث وبناء على أن الغالب على شعبان هو ~~النقص فيكون الأظهر طلوع الهلال. كما هو الغالب فيجب بغالب الظن. وقالت ~~طائفة: لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من ~~أصحابه. كابن عقيل والحلواني. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي استدلالا ~~بما جاء من الأحاديث وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك. وهناك قول ثالث: ~~وهو أنه يجوز صومه من رمضان ويجوز # PageV25P122 # فطره: والأفضل صومه من وقت الفجر. ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز ~~فيه طلوعه جاز له الإمساك والأكل وإن أمسك وقت الفجر. فإنه لا معنى ~~لاستحباب الإمساك لكن. . . (1) . # وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول وأنه كان يستحب صومه ويفعله لا ~~أنه يوجبه وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله ~~والفضل بن زياد القطان وغيرهم أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه. ~~والمنقول عنهم: أنهم كانوا يصومون في حال الغيم لا يوجبون الصوم وكان غالب ~~الناس لا يصومون ولم ينكروا عليهم الترك. وإنما لم يستحب الصوم في الصحو بل ~~نهى عنه: لأن الأصل والظاهر عدم الهلال فصومه تقديم لرمضان بيوم. وقد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم ~~يوم شك؟ على روايتين. وكذلك اختلف أصحابه في ذلك. PageV25P123 # وأما يوم ms7477 الصحو عنده: فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف. ~~وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره فإن المشكوك في وجوبه - كما ~~لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك - لا يجب فعله ولا يستحب ~~تركه بل يستحب فعله احتياطا. فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط ولم توجب ~~بمجرد الشك. وأيضا: فإن أول الشهر كأول النهار. ولو شك في طلوع النهار لم ~~يجب عليه الإمساك ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم ولأن الإغمام أول الشهر ~~كالإغمام بالشك بل ينهى عن صوم يوم الشك لما يخاف من الزيادة في الفرض. ~~وعلى هذا القول: يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإن الجماعات ~~الذين صاموا منهم - كعمر وعلي ومعاوية وغيرهم - لم يصرحوا بالوجوب وغالب ~~الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنما كرهه لمن ~~يعتقد وجوبه: خشية إيجاب ما ليس بواجب. كما كره من كره منهم الاستنجاء ~~بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر ~~أن يقضي؛ لما ظنوه به من كراهة الفطر في السفر فتكون الكراهة عائدة إلى حال ~~الفاعل لا إلى نفس الاحتياط بالصوم. فإن تحريم الصوم أو إيجابه # PageV25P124 # كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة. والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت ~~إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة. كما دل بعضها على الفعل قبل ~~الإكمال. أما الإيجاب قبل الإكمال للصوم ففيهما نظر. فهذا القول المتوسط هو ~~الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد. ولو قيل: بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان ~~(1) عن التحريم والإيجاب ويؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنهم كانوا يأكلون ~~مع الشك في طلوع الفجر. PageV25P125 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب. وجعله تبيانا لكل شيء وذكرى لأولي ~~الألباب. وأمرنا بالاعتصام به إذ هو حبله الذي هو أثبت الأسباب وهدانا به ~~إلى سبل الهدى ومناهج الصواب وأخبر فيه أنه: {جعل الشمس ضياء والقمر ms7478 نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له رب الأرباب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم ~~والحكمة وفصل الخطاب. صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة باقية بعد إلى يوم ~~المآب. أما بعد: فإن الله قد أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا ~~الإسلام دينا وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن ~~سبيله وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر التي هي جوامع الشرائع التي ~~تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في # PageV25P126 # التوراة وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ؛ ولهذا قال الربيع ~~بن خثيم: من سره أن يقرأ كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يفض خاتمه ~~بعده فليقرأ آخر سورة الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات. ~~وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأخبر ~~رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. وذكر أنه جعله ~~على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون. وقال ~~تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ~~ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون} {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} . فأمره أن لا يتبع أهواءهم عما جاءه من ~~الحق وإن كان ذلك شرعا أو طريقا لغيره من الأنبياء فإنه قد جعل لكل نبي سنة ~~وسبيلا وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه فإذا كان هذا فيما جاءت ~~به شريعة غيره فكيف بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة بل هو طريقة من لا كتاب ~~له. # PageV25P127 # وأمره وإيانا في ms7479 غير موضع أن نتبع ما أنزل إلينا دون ما خالفه فقال: ~~{المص} {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ~~. وبين حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه والذين استمسكوا به فقال: {فخلف من ~~بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} إلى ~~قوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} ~~وقال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} {أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} الآيات. وقال: {يا أيها النبي اتق ~~الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما} {واتبع ما يوحى ~~إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} وقال: {واعتصموا بحبل الله ~~جميعا} وحبل الله كتابه كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله} إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي ~~أجمع المسلمون على اتباعها. وهذا مما لم يختلف المسلمون فيه جملة. ولكن قد ~~يقع التنازع في تفصيله فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في " مسائل ~~الاجتهاد " وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون # PageV25P128 # أو سماعون للمنافقين. فقد أخبر الله سبحانه أن فينا قوما سماعين ~~للمنافقين يقبلون منهم كما قال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} وإنما عداه باللام لأنه ~~متضمن معنى القبول والطاعة كما قال الله على لسان عبده: " سمع الله لمن ~~حمده " أي استجاب لمن حمده وكذلك {سماعون لهم} أي مطيعون لهم. فإذا كان في ~~الصحابة قوم سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم. وكذلك أخبر عمن يظهر الانقياد ~~لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} إلى قوله {سماعون للكذب أكالون ~~للسحت} فإن الصواب أن هذه اللام ms7480 لام التعدية كما في قوله: {أكالون للسحت} ~~أي قائلون للكذب مريدون له وسامعون مطيعون لقوم آخرين غيرك فليسوا مفردين ~~لطاعة الله ورسوله. ومن قال: إن اللام لام كي أي يسمعون ليكذبوا لأجل أولئك ~~فلم يصب. فإن السياق يدل على أن الأول هو المراد وكثيرا ما يضيع الحق بين ~~الجهال الأميين وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق كما أخبر سبحانه ~~عن أهل الكتاب # PageV25P129 # حيث قال: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} إلى قوله: {ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني} الآية. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر: أن ~~هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه: وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب ~~والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به. وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب ~~والسنة بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني التي هي مجرد التلاوة ~~ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين. ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من ~~المنافقين أو الكفار مع علم أولئك بما لم يعلمه الأميون فإما أن تضل ~~الطائفتان ويصير كلام هؤلاء فتنة على أولئك حيث يعتقدون أن ما يقوله ~~الأميون هو غاية علم الدين ويصيروا في طرفي النقيض. وإما أن يتبع أولئك ~~الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل إلا ~~أن هذا الدين محفوظ. كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق فلم ينله ما نال غيره من الأديان ~~من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقا؛ لما ينطق # PageV25P130 # الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله الموتى ~~ويبصرون بنوره أهل العمى فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل ~~حجج الله وبيناته. # وكان مقتضى تقديم هذه " المقدمة " أني رأيت الناس في شهر صومهم وفي ms7481 غيره ~~أيضا: منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب: من أن الهلال يرى أو ~~لا يرى. ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في باطنه وظاهره. حتى بلغني أن من ~~القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه ~~يرى أو لا يرى. فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه. وربما أجاز شهادة غير المرضي ~~لقوله. فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب. فإن الآية تتناول حكام السوء ~~كما يدل عليه السياق حيث يقول: {سماعون للكذب أكالون للسحت} وحكام السوء ~~يقبلون الكذب ممن لا يجوز قبول قوله من مخبر أو شاهد. ويأكلون السحت من ~~الرشا وغيرها. وما أكثر ما يقترن هذان. وفيهم من لا يقبل قول المنجم لا في ~~الباطن ولا في الظاهر؛ لكن في قلبه حسيكة من ذلك وشبهة قوية لثقته به: من ~~جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك لا سيما إن كان قد عرف شيئا من حساب ~~النيرين # PageV25P131 # واجتماع القرصين ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات وسبب الإهلال والإبدار ~~والاستتار والكسوف والخسوف. فأجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية هذا ~~المجرى. ثم هؤلاء الذين يخبرون من الحساب وصورة الأفلاك وحركاتها أمرا ~~صحيحا: قد يعارضهم بعض الجهال من الأميين المنتسبين إلى الإيمان أو إلى ~~العدم أيضا فيراهم قد خالفوا الدين في العمل بالحساب في الرؤية أو في اتباع ~~أحكام النجوم في تأثيراتها المحمودة والمذمومة فيراهم لما تعاطوا هذا - وهو ~~من المحرمات في الدين - صار يرد كل ما يقولونه من هذا الضرب. ولا يميز بين ~~الحق الذي دل عليه السمع والعقل والباطل المخالف للسمع والعقل مع أن هذا ~~أحسن حالا في الدين من القسم الأول. لأن هذا كذب بشيء من الحق متأولا جاهلا ~~من غير تبديل بعض أصول الإسلام. والضرب الأول قد يدخلون في تبديل الإسلام. ~~فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج ~~أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب ~~أنه يرى أو ms7482 لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف ~~حديث؛ إلا أن # PageV25P132 # بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم ~~الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على ~~الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ومختصا بالحاسب ~~فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه. فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم ~~الحكم العام به فما قاله مسلم. وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية ~~بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه وهو الذي ~~افتراه عليه عبد الله بن معاوية. وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام وقد ~~برأ الله منها جعفرا وغيره. ولا ريب أن أحدا لا يمكنه مع ظهور دين الإسلام ~~أن يظهر الاستناد إلى ذلك. إلا أنه قد يكون له عمدة في الباطن في قبول ~~الشهادة وردها وقد يكون عنده شبهة في كون الشريعة لم تعلق الحكم به. # وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة: دليلا وتعليلا شرعا ~~وعقلا. قال الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ~~فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم وخص الحج بالذكر تمييزا ~~له؛ ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم ولأنه يكون في آخر شهور الحول. فيكون ~~علما على الحول كما أن الهلال # PageV25P133 # علم على الشهر ولهذا يسمون الحول حجة فيقولون: له سبعون حجة وأقمنا خمس ~~حجج. فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء. أو ~~سببا من العبادة. وللأحكام التي تثبت بشروط العبد. فما ثبت من المؤقتات ~~بشرع أو شرط فالهلال ميقات له وهذا يدخل فيه الصيام والحج ومدة الإيلاء ~~والعدة وصوم الكفارة. وهذه الخمسة في القرآن. قال الله تعالى: {شهر رمضان} ~~وقال تعالى: {الحج أشهر معلومات} وقال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر} وقال تعالى: ms7483 {فصيام شهرين متتابعين} وكذلك قوله: {فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر} . وكذلك صوم النذر وغيره. وكذلك الشروط من الأعمال ~~المتعلقة بالثمن ودين السلم والزكاة والجزية والعقل والخيار والأيمان وأجل ~~الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما. ~~وقال تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} وقال تعالى: ~~{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} فقوله: {لتعلموا} متعلق والله أعلم ~~بقوله: {وقدره} لا بجعل. لأن كون هذا # PageV25P134 # ضياء. وهذا نورا لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب؛ وإنما يؤثر في ~~ذلك انتقالها من برج إلى برج. ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر ولا سنة ~~وإنما علق ذلك بالهلال. كما دلت عليه تلك الآية ولأنه قد قال: {إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها ~~أربعة حرم} فأخبر أن الشهور معدودة اثنا عشر والشهر هلالي بالاضطرار. فعلم ~~أن كل واحد منها معروف بالهلال. وقد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضا إنما علقت ~~الأحكام بالأهلة وإنما بدل من بدل من أتباعهم كما يفعله اليهود في اجتماع ~~القرصين وفي جعل بعض أعيادها بحساب السنة الشمسية وكما تفعله النصارى في ~~صومها حيث تراعي الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية وتجعل سائر أعيادها ~~دائرة على السنة الشمسية بحسب الحوادث التي كانت للمسيح وكما يفعله الصابئة ~~والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم فإن منهم من يعتبر بالسنة ~~الشمسية فقط ولهم اصطلاحات في عدد شهورها؛ لأنها وإن كانت طبيعية فشهرها ~~عددي وضعي. ومنهم من يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين وما جاءت به ~~الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب. # PageV25P135 # وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار. ومن أصح المعلومات ما شوهد ~~بالأبصار ولهذا سموه هلالا؛ لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان: إما ~~سمعا وإما بصرا كما يقال: أهل بالعمرة وأهل بالذبيحة لغير الله إذا رفع ms7484 ~~صوته ويقال لوقع المطر الهلل. ويقال: استهل الجنين إذا خرج صارخا. ويقال: ~~تهلل وجهه إذا استنار وأضاء. وقيل: إن أصله رفع الصوت. ثم لما كانوا يرفعون ~~أصواتهم عند رؤيته سموه هلالا ومنه قوله: يهل بالفرقد ركبانها كما يهل ~~الراكب المعتمر وتهلل الوجه مأخوذ من استنارة الهلال. فالمقصود أن المواقيت ~~حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك الهلال في ذلك شيء فإن اجتماع ~~الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال: أمر خفي لا يعرف إلا ~~بحساب ينفرد به بعض الناس مع تعب وتضييع زمان كثير واشتغال عما يعني الناس ~~وما لا بد له منه وربما وقع فيه الغلط والاختلاف. # PageV25P136 # وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني أو الفلاني هذا أمر لا يدرك ~~بالأبصار. وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه وإنما ~~يعلم ذلك بالإحساس تقريبا. فإنه إذا انصرم الشتاء ودخل الفصل الذي تسميه ~~العرب الصيف ويسميه الناس الربيع: كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال ~~الذي هو أول الحمل. وكذلك مثله في الخريف. فالذي يدرك بالإحساس الشتاء ~~والصيف وما بينهما من الاعتدالين تقريبا. فأما حصولها في برج بعد برج فلا ~~يعرف إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره مع قلة جدواه. فظهر أنه ليس للمواقيت ~~حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال. وقد انقسمت عادات الأمم في شهرهم وسنتهم ~~القسمة العقلية. وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة: إما أن يكونا عدديين أو ~~طبيعيين. أو الشهر طبيعيا والسنة عددية أو بالعكس. فالذين يعدونهما: مثل من ~~يجعل الشهر ثلاثين يوما والسنة اثني عشر شهرا. والذين يجعلونهما طبيعيين. ~~مثل من يجعل الشهر قمريا والسنة شمسية. ويلحق في آخر الشهور الأيام ~~المتفاوتة بين # PageV25P137 # السنتين. فإن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. وبعض يوم خمس ~~أو سدس. وإنما يقال فيها ثلاثمائة وستون يوما جبرا للكسر في العادة - عادة ~~العرب في تكميل ما ينقص من التاريخ في اليوم والشهر والحول. وأما الشمسية ~~فثلاثمائة وخمسة وستون يوما وبعض يوم: ربع يوم. ولهذا كان ms7485 التفاوت بينهما ~~أحد عشر يوما إلا قليلا: تكون في كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة: سنة. ~~ولهذا قال تعالى {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} قيل: ~~معناه ثلاثمائة سنة شمسية. {وازدادوا تسعا} بحساب السنة القمرية ومراعاة ~~هذين عادة كثير من الأمم: من أهل الكتابين بسبب تحريفهم وأظنه كان عادة ~~المجوس أيضا. وأما من يجعل السنة طبيعية والشهر عدديا. فهذا حساب الروم ~~والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين. ممن يعد شهر كانون ونحوه ~~عددا ويعتبر السنة الشمسية بسير الشمس. فأما القسم الرابع فبأن يكون الشهر ~~طبيعيا والسنة عددية فهو سنة المسلمين ومن وافقهم. ثم الذين يجعلون السنة ~~طبيعية لا يعتمدون # PageV25P138 # على أمر ظاهر كما تقدم؛ بل لا بد من الحساب والعدد. وكذلك الذين يجعلون ~~الشهر طبيعيا. ويعتمدون على الاجتماع لا بد من العدد والحساب. ثم ما ~~يحسبونه أمر خفي ينفرد به القليل من الناس مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ. ~~فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام ~~يدرك بالأبصار فلا يضل أحد عن دينه ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه ولا ~~يدخل بسببه فيما لا يعنيه ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل ~~بعض علماء أهل الملل بمللهم. وأما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء فكان ~~لا بد فيه من الحساب والعدد فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب ~~بسير الشمس وتكون السنة مطابقة للشهور؛ ولأن السنين إذا اجتمعت فلا بد من ~~عددها في عادة جميع الأمم؛ إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها ~~فكان عدد الشهور موافقا لعدد البروج جعلت السنة اثني عشر شهرا بعدد البروج ~~التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية فإذا دار القمر فيها كمل دورته ~~السنوية. وبهذا كله يتبين معنى قوله: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين # PageV25P139 # والحساب} فإن عدد شهور السنة وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير ~~القمر منازل. وكذلك معرفة الحساب؛ فإن حساب بعض الشهور لما ms7486 يقع فيه من ~~الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال وكذلك قوله تعالى {قل هي مواقيت للناس ~~والحج} . فظهر بما ذكرناه أنه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة وأنه ليس ~~شيء يقوم مقام الهلال ألبتة لظهوره وظهور العدد المبني عليه وتيسر ذلك ~~وعمومه وغير ذلك من المصالح الخالية عن المفاسد. ومن عرف ما دخل على أهل ~~الكتابين والصابئين والمجوس وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ~~ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج وغير ذلك من المفاسد: ازداد شكره على ~~نعمة الإسلام مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئا من ذلك وإنما دخل ~~عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم وشرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله. فلهذا ذكرنا ما ذكرناه حفظا لهذا الدين عن إدخال ~~المفسدين فإن هذا مما يخاف تغييره فإنه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ~~ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته فزادت به في السنة شهرا جعلتها كبيسا؛ ~~لأغراض لهم. # PageV25P140 # وغيروا به ميقات الحج والأشهر الحرم حتى كانوا يحجون تارة في المحرم ~~وتارة في صفر. حتى يعود الحج إلى ذي الحجة حتى بعث الله المقيم لملة ~~إبراهيم فوافى حجه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وقد استدار الزمان كما ~~كان ووقعت حجته في ذي الحجة فقال في خطبته المشهورة في الصحيحين وغيرهما: ~~{إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض: السنة اثنا عشر ~~شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر ~~الذي بين جمادى وشعبان} وكان قبل ذلك الحج لا يقع في ذي الحجة حتى حجة أبي ~~بكر سنة تسع كان في ذي القعدة. وهذا من أسباب تأخير النبي صلى الله عليه ~~وسلم الحج. وأنزل الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} . ~~فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم؛ ليبين أن ما سواه من أمر النسيء وغيره ~~من عادات الأمم ليس قيما؛ لما ms7487 يدخله من الانحراف والاضطراب. ونظير الشهر ~~والسنة اليوم والأسبوع. فإن اليوم طبيعي من طلوع # PageV25P141 # الشمس إلى غروبها. وأما الأسبوع فهو عددي من أجل الأيام الستة: التي خلق ~~الله فيها السموات والأرض ثم استوى على العرش. فوقع التعديل بين الشمس ~~والقمر: باليوم والأسبوع بسير الشمس. والشهر والسنة: بسير القمر وبهما يتم ~~الحساب. وبهذا قد يتوجه قوله: {لتعلموا} إلى {جعل} فيكون جعل الشمس والقمر ~~لهذا كله. فأما قوله تعالى {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} وقوله: ~~{الشمس والقمر بحسبان} فقد قيل: هو من الحساب. وقيل: بحسبان كحسبان الرحا. ~~وهو دوران الفلك. فإن هذا مما لا خلاف فيه بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع ~~علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك ~~مستديرة لا مسطحة. # PageV25P142 # فصل: # لما ظهر بما ذكرناه عود المواقيت إلى الأهلة. وجب أن يكون المواقيت كلها ~~معلقة بها. فلا خلاف بين المسلمين أنه إذا كان مبدأ الحكم في الهلال حسبت ~~الشهور كلها هلالية: مثل أن يصوم للكفارة في هلال المحرم أو يتوفى زوج ~~المرأة في هلال المحرم أو يولي من امرأته في هلال المحرم أو يبيعه في هلال ~~المحرم إلى شهرين أو ثلاثة. فإن جميع الشهور تحسب بالأهلة. وإن كان بعضها ~~أو جميعها ناقصا. فأما إن وقع مبدأ الحكم في أثناء الشهر. فقد قيل: تحسب ~~الشهور كلها بالعدد بحيث لو باعه إلى سنة في أثناء المحرم عد ثلاثمائة ~~وستين يوما وإن كان إلى ستة أشهر عد مائة وثمانين يوما فإذا كان المبتدأ ~~منتصف المحرم كان المنتهى العشرين من المحرم. وقيل: بل يكمل الشهر بالعدد ~~والباقي بالأهلة. وهذان القولان روايتان عن أحمد وغيره. وبعض الفقهاء يفرق ~~في بعض الأحكام. # PageV25P143 # ثم لهذا القول تفسيران أحدهما: أنه يجعل الشهر الأول ثلاثين يوما وباقي ~~الشهور هلالية. فإذا كان الإيلاء في منتصف المحرم حسب باقيه. فإن كان الشهر ~~ناقصا أخذ منه أربعة عشر يوما وكمله بستة عشر يوما من جمادى الأولى. وهذا ~~يقوله طائفة من أصحابنا وغيرهم. والتفسير الثاني ms7488 هو الصواب الذي عليه عمل ~~المسلمين قديما وحديثا أن الشهر الأول إن كان كاملا كمل ثلاثين يوما وإن ~~كان ناقصا جعل تسعة وعشرين يوما. فمتى كان الإيلاء في منتصف المحرم كملت ~~الأشهر الأربعة في منتصف جمادى الأولى. وهكذا سائر الحساب. وعلى هذا القول ~~فالجميع بالهلال ولا حاجة إلى أن نقول بالعدد بل ننظر اليوم الذي هو المبدأ ~~من الشهر الأول. فتكون النهاية مثله من الشهر الآخر. فإن كان في أول ليلة ~~من الشهر الأول كانت النهاية في مثل تلك الساعة بعد كمال الشهور وهو أول ~~ليلة بعد انسلاخ الشهور؛ وإن كان في اليوم العاشر من المحرم كانت النهاية ~~في اليوم العاشر من المحرم أو غيره على قدر الشهور المحسوبة وهذا هو الحق ~~الذي لا محيد عنه. ودل عليه قوله: {قل هي مواقيت للناس} فجعلها مواقيت ~~لجميع الناس مع علمه سبحانه أن الذي يقع في أثناء الشهور أضعاف أضعاف ما ~~يقع في أوائلها فلو لم يكن ميقاتا إلا لما # PageV25P144 # يقع في أولها لما كانت ميقاتا إلا لأقل من ثلث عشر أمور الناس. ولأن ~~الشهر إذا كان ما بين الهلالين: فما بين الهلالين مثل ما بين نصف هذا ونصف ~~هذا سواء والتسوية معلومة بالاضطرار. والفرق تحكم محض. وأيضا فمن الذي جعل ~~الشهر العددي ثلاثين والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {الشهر هكذا وهكذا ~~وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة} ونحن نعلم أن نصف شهور السنة يكون ثلاثين ~~ونصفها تسعة وعشرين وأيضا فعامة المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم إذا أجل ~~الحق إلى سنة. فإن كان مبدؤه هلال المحرم كان منتهاه هلال المحرم سلخ ذي ~~الحجة عندهم. وإن كان مبدؤه عاشر المحرم كان منتهاه عاشر المحرم أيضا. لا ~~يعرف المسلمون غير ذلك؛ ولا يبنون إلا عليه ومن أخذ ليزيد يوما لنقصان ~~الشهر الأول كان قد غير عليهم ما فطروا عليه من المعروف وأتاهم بمنكر لا ~~يعرفونه. فعلم أن هذا غلط ممن توهمه من الفقهاء ونبهنا عليه ليحذر الوقوع ~~فيه وليعلم به حقيقة قوله: {قل هي مواقيت ms7489 للناس} وأن هذا العموم محفوظ عظيم ~~القدر لا يستثنى منه شيء. # PageV25P145 # وكذلك قوله: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب} وكذلك قوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب} يبين بذلك أن جميع عدد السنين والحساب تابع لتقديره منازل. # فصل: # ما ذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه. لكن ~~الطريق إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية؛ لا غيرها: بالسمع والعقل. أما ~~السمع: فقد أخبرنا غير واحد منهم شيخنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد ~~المقدسي وأبو الغنائم المسلم بن عثمان القيسي وغيرهما قالوا: أنبأنا حنبل ~~بن عبد الله المؤذن أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن الحصين أنبأنا ~~أبو علي بن المذهب أنبأنا أبو بكر # PageV25P146 # أحمد بن جعفر بن حمدان أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد ~~بن حنبل أنبأنا أبي حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس ~~سمعت سعيد بن عمر بن سعيد يحدث أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر ~~هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة. والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني ~~تمام الثلاثين} . وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وإسحاق يعني الأزرق ~~أنبأنا سفيان عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمر عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا ~~وهكذا يعني ذكر تسعا وعشرين قال إسحاق: وطبق بيديه ثلاث مرات وخنس إبهامه ~~في الثالثة} أخرجه البخاري عن آدم عن شعبة ولفظه: {إنا أمة أمية لا نكتب ~~ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين} . ~~وكذلك رواه أبو داود عن سليمان بن حرب عن شعبة ولفظه: {إنا أمة أمية لا ~~نكتب ms7490 ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس سليمان أصبعه في الثالثة يعني ~~تسعة وعشرين وثلاثين} . رواه # PageV25P147 # النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان. كما ذكرناه. ومن طريق غندر ~~عن شعبة أيضا كما سقناه وقال في آخره تمام الثلاثين. ولم يقل: يعني. ~~فروايته من جهة المسند كما سقناه أجل الطرق وأرفعها قدرا؛ إذ غندر أرفع من ~~كل من رواه عن شعبة وأضبط لحديثه والإمام أحمد أجل من رواه عن غندر عن شعبة ~~وهذه الرواية المسندة التي رواها البخاري وأبو داود والنسائي من حديث شعبة ~~تفسر رواية الثوري وسائر الروايات عن ابن عمر مما فيه إجمال يوهم بسببه على ~~ابن عمر مثل ما رويناه بالطريق المذكورة أن أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر ~~وبهز قالا: حدثنا شعبة عن جبلة يقول لنا ابن سحيم: قال بهز: أخبرني جبلة بن ~~سحيم سمعت ابن عمر قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وطبق ~~بأصابعه مرتين وكسر في الثالثة الإبهام.} قال محمد بن جعفر في حديثه يعني ~~قوله: " تسعا وعشرين ". هكذا رواه البخاري والنسائي من حديث شعبة ولفظه: ~~{الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة} . ومثل ما روى نافع عن ابن عمر ~~كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن نافع ~~عن ابن عمر قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشهر تسع وعشرون ~~فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له} قال ~~نافع وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر # PageV25P148 # فإن رئي فذاك فإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن ~~حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما. ورويناه. في سنن أبي داود من حديث ~~حماد بن زيد قال: أنبأنا أيوب هكذا سواء. ولفظه: {الشهر تسع وعشرون} قال في ~~آخره: فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له فإن رئي فذاك وإن لم ~~ير ولم يحل دون ms7491 منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا فإن حال دون منظره سحاب أو ~~قتر أصبح صائما قال فكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب وروى ~~له باللفظ الأول عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الشهر تسع وعشرون} وبه عن ابن ~~عمر أنه إذا كان سحاب أصبح صائما. وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا. قال: ~~وأنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه مثله وهكذا رواه عبيد الله بن عمر عن ~~نافع كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد ~~الله حدثني نافع عن ابن عمر: إذا كان ليلة تسع وعشرين. وكان في السماء سحاب ~~أو قتر أصبح صائما. رواه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى. ولفظه: {لا ~~تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، # PageV25P149 # فإن غم عليكم فاقدروا له} وذكر أن عبيد الله بن عمرو روى عنه محمد بن بشر ~~عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه {قال: ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الهلال فقال: إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ~~فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين} وجعل هذا اختلافا على عبيد الله. ومثل هذا ~~الاختلاف لا يقدح إلا مع قرينة فإن الحفاظ كالزهري وعبيد الله ونحوهما يكون ~~الحديث عندهم من وجهين وثلاثة أو أكثر. فتارة يحدثون به من وجه وتارة ~~يحدثون به من وجه آخر وهذا يوجد كثيرا في الصحيحين وغيرهما. ويظهر ذلك بأن ~~من الرواة من يفرق بين شيخين أو يذكر الحديثين جميعا. وقد روى البخاري من ~~طريق نافع من حديث مالك بن أنس عنه ولفظه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان ذكر شهر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ~~فإن غم عليكم فاقدروا له} لم يذكر في أوله قوله: {الشهر تسع وعشرون} ولا ~~ذكر الزيادة على عادته في أنه كان كثيرا ما ms7492 يترك التحديث بما لا يعمل به ~~عنده. وأما قوله: {الشهر تسع وعشرون} فرواها مالك من طريق عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر. ورواها من طريقه البخاري # PageV25P150 # عن عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ~~ثلاثين} هكذا وقع هذا اللفظ مختصرا في البخاري. وقد رواه عن القعنبي عن ~~مالك. وهو ناقص. فإن الذي في الموطأ: " يوما " لأن القعنبي لفظه: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: {الشهر تسع وعشرون يوما فلا تصوموا حتى تروا ~~الهلال ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له} فذكر قوله: {ولا ~~تفطروا حتى تروه} وذكره بلفظة {فاقدروا له} لا بلفظ {فأكملوا العدة} وهكذا ~~في سائر الموطآت مسبوق بذكر الجملتين. ولفظ " القدر " حتى قال أبو عمر بن ~~عبد البر: لم يختلف عن نافع في هذا الحديث في قوله: {فاقدروا له} قال: ~~وكذلك روى سالم عن ابن عمر. وقد روى حديث مالك وغيره عن عبد الله بن دينار ~~عن ابن عمر قال: ورواه الدراوردي عن عبد الله بن دينار فقال فيه: {فإن غم ~~عليكم فأحصوا العدة} فهذه والله أعلم نقص ورواية بالمعنى وقع في حديث مالك ~~الذي في البخاري كما ذكر أبو بكر الإسماعيلي وغيره أن مثل ذلك وقع في هذا ~~الباب في لفظ حديث أبي هريرة. ومثل هذا اللفظ المشعر بالحصر ما رويناه أيضا ~~بالإسناد المتقدم إلى # PageV25P151 # أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا شيبان عن يحيى أخبرني أبو سلمة: قال: سمعت ~~{ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشهر تسع وعشرون} ~~ورواه النسائي من حديث معاوية عن يحيى هكذا. وساقه أيضا من طريق علي عن ~~يحيى عن أبي سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين فإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم ~~فأكملوا العدة} وجعل النسائي هذا اختلافا على يحيى عن ms7493 أبي سلمة. والصواب أن ~~كليهما محفوظ عن يحيى. عن أبي سلمة لا اختلاف في اللفظ. وقال أحمد حدثنا ~~محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن عقبة بن حريث سمعت ابن عمر يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {الشهر تسع وعشرون وطبق شعبة يديه ثلاث مرات وكسر ~~الإبهام في الثالثة قال عقبة وأحسبه قال: الشهر ثلاثون وطبق كفيه ثلاث ~~مرات} ورواه النسائي من حديث ابن المثنى عن غندر؛ لكن لفظه: {الشهر تسع ~~وعشرون} لم يزد. فرواية أحمد أكمل وأحسن سياقا تقدم فإن الرواية المفسرة ~~تبين أن سائر روايات ابن عمر التي فيها الشهر تسع وعشرون عني بها أحد ~~شيئين: أما أن الشهر # PageV25P152 # قد يكون تسعة وعشرين ردا على من يتهم أن الشهر المطلق هو ثلاثون كما توهم ~~من توهم من المتقدمين وتبعهم على ذلك بعض الفقهاء في الشهر العددي فيجعلونه ~~ثلاثين يوما بكل حال وعارضهم قوم فقالوا: الشهر تسعة وعشرون واليوم الآخر ~~زيادة. وهذا المعنى هو الذي صرح به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {الشهر ~~هكذا وهكذا وهكذا والشهر هكذا وهكذا} يعني: مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين ~~فمن جزم بكونه ثلاثين أو تسعة وعشرين فقد أخطأ. والمعنى الثاني أن يكون ~~أراد أن عدد الشهر اللازم الدائم هو تسعة وعشرون فأما الزائد فأمر جائز ~~يكون في بعض الشهور ولا يكون في بعضها. والمقصود أن التسعة والعشرين يجب ~~عددها واعتبارها بكل حال في كل وقت فلا يشرع الصوم بحال حتى يمضي تسعة ~~وعشرون من شعبان ولا بد أن يصام في رمضان تسعة وعشرون؛ لا يصام أقل منها ~~بحال وهذا المعنى هو الذي يفسر به رواية أيوب عن نافع: {إنما الشهر تسع ~~وعشرون. فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه} أي إنما الشهر اللازم ~~الدائم الواجب تسعة وعشرون. ولا يمكن أن يفسر # PageV25P153 # هذا اللفظ بالمعنى الأول؛ لما فيه من الحصر. وقد قيل إن ذلك قد يكون ~~إشارة إلى شهر بعينه لا إلى جنس الشهر: أي إنما ذلك الشهر تسعة وعشرون كأنه ms7494 ~~الشهر الذي آلى فيه من أزواجه لكن هذا يدفعه قوله عقبه: {فلا تصوموا حتى ~~تروه ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فأقدروا له} فهذا يبين أنه ذكر هذا ~~لبيان الشرع العام المتعلق بجنس الشهر لا لشهر معين فإنه قد بين أنه ذكر ~~هذا لأجل الصوم. فلو أراد شهرا بعينه قد علم أنه تسعة وعشرون لكان إذا علم ~~أن ذلك الشهر تسع وعشرون لم يفترق الحال بين الغم وعدمه ولم يقل: {فلا ~~تصوموا حتى تروه} ولأنه لا يعلم ذلك إلا وقد رئي هلال الصوم وحينئذ فلا ~~يقال: {فإن غم عليكم} . ولذلك حمل الأئمة كالإمام أحمد قوله المطلق على أنه ~~لجنس الشهر لا لشهر معين. وبنوا عليه أحكام الشريعة. قال حنبل بن إسحاق: ~~حدثني أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال أبو عبد ~~الله: قلت ليحيى: الذين يقولون الملائي قال: نعم عن الوليد بن عقبة قال: ~~صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمان # PageV25P154 # وعشرين فأمرنا علي أن نتمها يوما. أبو عبد الله رحمة الله عليه يقول: ~~العمل على هذا الشهر؛ لأن هكذا وهكذا وهكذا تسعة وعشرون فمن صام هذا الصوم ~~قضى يوما ولا كفارة عليه. وبما ذكرناه يتبين الجواب عما روي عن عائشة في ~~هذا قالت. يرحم الله أبا عبد الرحمن {وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا فنزل لتسع وعشرين. فقيل له فقال: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين} ~~فعائشة رضي الله عنها ردت ما أفهموها عن ابن عمر أو ما فهمته هي من أن ~~الشهر لا يكون إلا تسعا وعشرين. وابن عمر لم يرد هذا بل قد ذكرنا عنه ~~الروايات الصحيحة. بأن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. فثبت بذلك ~~أن ابن عمر روى أن الشهر يكون تارة كذلك وتارة كذلك. وما رواه إما أن يكون ~~موافقا لما روته عائشة أيضا: من أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وإما أن يكون ~~معناه أن الشهر اللازم الدائم الواجب هو تسعة وعشرون ms7495 ومن كلام العرب وغيرهم ~~أنهم ينفون الشيء في صيغ الحصر أو غيرها تارة لانتفاء ذاته. وتارة لانتفاء ~~فائدته ومقصوده. ويحصرون الشيء في غيره: تارة لانحصار جميع الجنس منه. ~~وتارة لانحصار المفيد أو الكامل فيه. ثم إنهم تارة # PageV25P155 # يعيدون النفي إلى المسمى. وتارة يعيدون النفي إلى الاسم. وإن كان ثابتا ~~في اللغة؛ إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيا عنه ثابتا لغيره كقوله: ~~{يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم ~~من ربكم} فنفى عنهم مسمى الشيء مع أنه في الأصل شامل لكل موجود من حق ~~وباطل؛ لما كان ما لا يفيد ولا منفعة فيه يئول إلى الباطل الذي هو العدم ~~فيصير بمنزلة المعدوم. بل ما كان المقصود منه إذا لم يحصل مقصوده كان أولى ~~بأن يكون معدوما من المعدوم المستمر عدمه؛ لأنه قد يكون فيه ضرر. فمن قال ~~الكذب فلم يقل شيئا. ومن لم يعمل بما ينفعه فلم يعمل شيئا. ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان قال. " ليسوا بشيء ففي الصحيحين: عن ~~عائشة قالت: {سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ناس من الكهان فقال: ~~ليسوا بشيء} ويقول أهل الحديث عن بعض المحدثين ليس بشيء أو عن بعض الأحاديث ~~ليس بشيء إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية؛ لظهور كذبه عمدا أو خطأ. ~~ويقال أيضا لمن خرج عن موجب الإنسانية في الأخلاق ونحوها: هذا ليس بآدمي ~~ولا إنسان ما فيه إنسانية ولا مروءة هذا حمار؛ أو كلب كما يقال ذلك لمن ~~اتصف بما هو # PageV25P156 # فوقه من حدود الإنسانية. كما قلن ليوسف: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم} . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس المسكين بهذا الطواف الذي ~~ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي لا يجد غنى ~~يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافا} وقال: {ما تعدون ~~المفلس فيكم؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا دينار فقال: ليس ذلك إنما المفلس ms7496 ~~الذي يجيء يوم القيامة} الحديث. وقال: {ما تعدون الرقوب؟} الحديث. فهذا نفي ~~لحقيقة الاسم من جهة المعنى الذي يجب اعتباره: باعتبار أن الرقوب والمفلس ~~إنما قيد بهذا الاسم لما عدم المال والولد والنفوس تجزع من ذلك فبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن عدم ذلك حيث يضره عدمه هو أحق بهذا الاسم ممن يعدمه ~~حيث قد لا يضره ضررا له اعتبار. ومثال هذا أن يقال لمن يتألم ألما يسيرا ~~ليس هذا بألم إنما الألم كذا وكذا ولمن يرى أنه غني ليس هذا بغني إنما ~~الغني فلان. وكذلك يقال في العالم والزاهد. كقولهم إنما العالم من يخشى ~~الله تعالى. # PageV25P157 # وكقول مالك بن دينار الناس يقولون: مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد ~~العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. ونحو ذلك مما تكون القلوب تعظمه لذلك ~~المسمى اعتقادا واقتصادا: إما طلبا لوجوده وإما طلبا لعدمه معتقدا أن ذلك ~~هو المستحق للاسم فيبين لها أن حقيقة ذلك المعنى ثابتة لغيره دونه على وجه ~~ينبغي تعليق ذلك الاعتقاد والاقتصاد بذلك الغير. ومن هذا الباب قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ~~ما نهى الله عنه والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمجاهد من ~~جاهد بنفسه في ذات الله} ومنه قوله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم} إلى قوله {أولئك هم المؤمنون حقا} فهؤلاء المستحقون لهذا ~~الاسم على الحقيقة الواجبة لهم. ومنه قولهم لا علم إلا ما نفع ولا مدينة ~~إلا بملك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم {لا ربا إلا في النسيئة} أو {إنما ~~الربا في النسيئة} . فإنما الربا العام الشامل للجنسين وللجنس الواحد ~~المتفقة صفاته إنما يكون في النسيئة. وأما ربا الفضل فلا يكون إلا في الجنس ~~الواحد ولا يفعله أحد إلا إذا اختلفت الصفات. كالمضروب بالتبر والجيد ~~بالرديء فإما إذا استوت الصفات # PageV25P158 # فليس أحد يبيع درهما بدرهمين. ولهذا شرع القرض هنا؛ لأنه من نوع التبرع. ~~فلما كان غالب الربا وهو ms7497 الذي نزل فيه القرآن أولا وهو ما يفعله الناس وهو ~~ربا النساء: قيل إنما الربا في النسيئة. وأيضا ربا الفضل إنما حرم لأنه ~~ذريعة إلى ربا النسيئة فالربا المقصود بالقصد الأول هو ربا النسيئة فلا ربا ~~إلا فيه وأظهر ما تبين فيه الربا الجنس الواحد المتفق فيه الصفات فإنه إذا ~~باع مائة درهم بمائة وعشرين ظهر أن الزيادة قابلت الأجل الذي لا منفعة فيه ~~وإنما دخل فيه للحاجة؛ ولهذا لا تضمن الآجال باليد ولا بالإتلاف. فلو تبقى ~~العين في يده أو المال في ذمته مدة لم يضمن الأجل؛ بخلاف زيادة الصفة فإنها ~~مضمونة في الإتلاف والغصب وفي البيع إذا قابلت غير الجنس. وهذا باب واسع. ~~فإن الكلام الخبري إما إثبات وإما نفي. فكما أنهم في الإثبات يثبتون للشيء ~~اسم المسمى إذا حصل فيه مقصود الاسم وإن انتفت صورة المسمى. فكذلك في ~~النفي. فإن أدوات النفي تدل على انتفاء الاسم بانتفاء مسماه فكذلك تارة؛ ~~لأنه لم يوجد أصلا. وتارة لأنه لم توجد الحقيقة المقصودة بالمسمى. وتارة ~~لأنه لم تكمل تلك الحقيقة. وتارة لأن ذلك المسمى مما لا ينبغي أن يكون ~~مقصودا؛ بل المقصود غيره. # PageV25P159 # وتارة لأسباب أخر. وهذا كله إنما يظهر من سياق الكلام وما اقترن به من ~~القرائن اللفظية التي لا تخرجها عن كونها حقيقة عند الجمهور ولكون المركب ~~قد صار موضوعا لذلك المعنى أو من القرائن الحالية التي تجعلها مجازا عند ~~الجمهور. وأما إذا أطلق الكلام مجردا عن القرينتين فمعناه السلب المطلق وهو ~~كثير في الكلام. فكذلك قوله صلى الله عليه وسلم {إنما الشهر تسع وعشرون} ~~وقوله: {الشهر تسع وعشرون} حيث قصد به الحصر في النوع لما كان الله تعالى ~~قد علق بالشهر أحكاما كقوله: {شهر رمضان} وقوله: {الحج أشهر معلومات} ~~وقوله: {شهرين متتابعين} ونحو ذلك. وكان من الأفهام ما يسبق إلى أن مطلق ~~الشهر ثلاثون يوما. ولعل بعض من لم يعد أيام الشهر يتوهم أن السنة ثلاثمائة ~~وستون يوما. وأن كل شهر ثلاثون يوما فقال صلى الله عليه ms7498 وسلم الشهر الثابت ~~اللازم الذي لا بد منه تسع وعشرون. وزيادة اليوم قد تدخل فيه وقد تخرج منه ~~كما يقول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فهذا هو ~~الذي لا بد منه وما زاد على ذلك فقد يجب على الإنسان وقد يموت قبل الكلام ~~فلا يكون الإسلام في حقه إلا ما تكلم به. # PageV25P160 # وعلى ما قد ثبت عن ابن عمر فيكون قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم كلا ~~الخبرين أو أن يكون الذي سمع منه: {أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ~~ثلاثين} كما جاء مصرحا به وسمع منه: {أن الشهر إنما هو تسع وعشرون} روي هذا ~~بالمعنى الذي تضمنه الأول وهو بعيد من ابن عمر فإنه كان لا يروي بالمعنى. ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم المعاني الثلاثة أن قوله: {الشهر تسع ~~وعشرون} لشهر معين. وروي عنه أنه قال: {قد يكون} وروي عنه أنه قال: {إنما ~~الشهر} وقد استفاضت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يوافق ~~التفسير الأول في حديث ابن عمر. مثل ما رواه البخاري من حديث ابن جريج. عن ~~يحيى بن عبد الله بن صيفي عن عكرمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {آلى من نسائه شهرا فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح ~~فقيل له إنك حلفت أن لا تدخل شهرا. فقال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما} ~~فيه ما يدل على أن الشهر يكمل بحسبه مطلقا. إلا أن يكون الإيلاء كان في أول ~~الشهر وهو خلاف الظاهر. فمتى كان الإيلاء. في أثنائه فهو نص في مسألة ~~النزاع. وروى البخاري أيضا من حديث سليمان بن بلال # PageV25P161 # عن حميد عن أنس {قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وكانت ~~انفكت رجله فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة ثم نزل. فقالوا: يا رسول الله ~~آليت شهرا فقال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين} . وأما الشهر المعين فروى ~~النسائي من حديث ms7499 شعبة عن سلمة عن أبي الحكم عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {أتاني جبريل فقال: تم الشهر لتسع وعشرين} هكذا رواه بهز ~~عنه. ورواه من طريق غندر. ورواه من طريق غندر عنه ولفظه: {الشهر تسع ~~وعشرون} فهذه الرواية تبين أن إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم كان فيما بين ~~الهلالين. فلما مضى تسع وعشرون أخبره جبريل أن الشهر تم لتسع وعشرين لأن ~~الشهر الذي آلى فيه كان تسعا وعشرين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أن ~~عليه إكمال العدة ثلاثين. فأخبره جبرائيل بأنه تم شهر إيلائه لتسع وعشرين. ~~ولو كان الإيلاء في أول الهلال لم يحتج إلى أن يخبره جبرائيل بذلك؛ لأنه ~~إذا رئي لتمام تسع وعشرين يعلم أنه قد تم فإن هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه حتى ~~يخبره به جبرائيل. وأيضا فلو كان الإيلاء بين الهلالين لكان الصحابة يعلمون ~~أن ذلك # PageV25P162 # شهر فإن هذا أمر لم يكن يشكون فيه هم ولا أحد أن الشهر ما بين الهلالين ~~والاعتبار بالعدد؛ ولكن لما وقع الإيلاء في أثناء الشهر توهموا أنه يجب ~~تكميل العدة ثلاثين فأخبره جبريل بأنه قد تم شهر إيلائه لتسع وعشرين وقال ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {إن الشهر تسع وعشرون} أي شهر الإيلاء {وأن ~~الشهر يكون تسعة وعشرين} . وأيضا فقول عائشة رضي الله عنها أعدهن. ولو كان ~~في أول الهلال لم تحتج إلى أن تعدهن كما لم يعد رمضان إذا صاموا بالرؤية؛ ~~بل روى عنه ما ظاهره الحصر سعد بن أبي وقاص بالإسناد المتقدم إلى أحمد: ~~حدثنا محمد بن بشر حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص ~~عن أبيه {قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بإحدى يديه ~~على الأخرى وهو يقول: الشهر هكذا وهكذا ثم يقبض أصبعه في الثالثة} . وقال ~~أحمد حدثنا معاوية بن عمر حدثنا زائدة عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms7500 {الشهر هكذا وهكذا عشر عشر وتسع مرة} ~~رواه النسائي من حديث محمد بن بشر كما ذكرناه. ورواه هو وأحمد أيضا من حديث ~~ابن المبارك عن إسماعيل مسندا كما تقدم # PageV25P163 # وقد رواه يحيى بن سعيد ووكيع ومحمد بن عبيد عن إسماعيل عن محمد مرسلا. ~~وقال يحيى بن سعيد في روايته قلت لإسماعيل: عن أبيه؟ قال: لا. وقد صحح أحمد ~~المسند. وقال في حديث إسماعيل بن أبي خالد حديث سعد {الشهر هكذا وهكذا} قال ~~يحيى القطان: أردنا أن يقول عن أبيه فأبى. قال أحمد: هذا عن إسماعيل كان ~~يسنده أحيانا وأحيانا لا يسنده. ورواه زائدة عن أبيه قيل له: إن وكيعا. قد ~~رواه ويحيى يقول: ما يقول؟ قال: زائدة قد رواه. وقال أيضا: قد رواه عبد ~~الله عن أبيه وابن بشر وزائدة وغيرهم. وهذا الذي قاله بيان أن هذه الزيادة ~~من هؤلاء الثقات فهي مقبولة. وأن الذين حدثوا عنه كان تارة يذكرها وتارة ~~يتركها. وقد روي ما يفسره: فروى أبو بكر الخلال وصاحبه من حديث وكيع عن ~~إسماعيل بن أبي خالد عن محمد ابن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{الشهر هكذا وهكذا وهكذا والشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار وكيع بالعشر ~~الأصابع مرتين وخنس واحدة الإبهام في الثالثة} . فهذه الأحاديث المستفيضة ~~المتلقاة بالقبول دلت على أمور. أحدها أن قوله: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا ~~نحسب} هو خبر # PageV25P164 # تضمن نهيا. فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ~~ولا تحسب. فمن كتب أو حسب أو لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد ~~اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها ~~والخروج عنها محرم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا ~~عنهما. وهذا كقوله: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده} أي هذه صفة ~~المسلم فمن خرج عنها خرج عن الإسلام ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ~~ذلك البعض وكذلك قوله {: المؤمن ms7501 من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم} . فإن ~~قيل: فهلا قيل إن لفظه خبر ومعناه الطلب؟ . كقوله: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن} {والوالدات يرضعن} ونحو ذلك. فيكون المعنى أن من كان من هذه الأمة ~~فلا ينبغي له أن يكتب ولا يحسب. نهاه عن ذلك؛ لئلا يكون خبرا قد خالف ~~مخبره. فإن منهم من كتب أو حسب. قيل: هذا معنى صحيح في نفسه لكن ليس هو ~~ظاهر اللفظ. فإن ظاهره خبر والصرف عن الظاهر إنما يكون لدليل يحوج إلى ذلك ~~ولا حاجة إلى ذلك كما بيناه. # PageV25P165 # وأيضا فقوله: {إنا أمة أمية} ليس هو طلبا فإنهم أميون قبل الشريعة كما ~~قال الله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال: {وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم ~~يكونوا مأمورين بابتدائها. نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها فإنا ~~سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقا. فإن قيل: فلم لا ~~يجوز أن يكون هذا إخبارا محضا أنهم لا يفعلون ذلك وليس عليهم أن يفعلوه؛ إذ ~~لهم طريق آخر غيره ولا يكون فيه دليل على أن الكتاب والحساب منهي عنه؛ بل ~~على أنه ليس بواجب فإن الأمية صفة نقص ليست صفة كمال فصاحبها بأن يكون ~~معذورا أولى من أن يكون ممدوحا. قيل: لا يجوز هذا لأن الأمة التي بعثه الله ~~إليها فيهم من يقرأ ويكتب كثيرا كما كان في أصحابه وفيهم من يحسب وقد بعث ~~صلى الله عليه وسلم بالفرائض التي فيها من الحساب ما فيها وقد ثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه لما قدم عامله على الصدقة ابن اللتبية حاسبه. وكان له ~~كتاب عدة - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية - يكتبون الوحي ويكتبون ~~العهود ويكتبون كتبه إلى الناس إلى من بعثه الله # PageV25P166 # إليه من ملوك الأرض ورءوس الطوائف: وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك. ~~وقد قال الله تعالى في كتابه: {لتعلموا عدد السنين والحساب} في آيتين من ~~كتابه فأخبر أنه فعل ms7502 ذلك ليعلم الحساب. وإنما " الأمي " هو في الأصل منسوب ~~إلى الأمة التي هي جنس الأميين وهو من لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص: من ~~قراءة أو كتابة كما يقال: عامي لمن كان من العامة غير متميز عنهم بما يختص ~~به غيرهم من علوم: وقد قيل: إنه نسبة إلى الأم: أي هو الباقي على ما عودته ~~أمه من المعرفة والعلم ونحو ذلك. ثم التميز الذي يخرج به عن الأمية العامة ~~إلى الاختصاص: تارة يكون فضلا وكمالا في نفسه. كالمتميز عنهم بقراءة القرآن ~~وفهم معانيه. وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل والكمال: كالتميز عنهم ~~بالكتابة وقراءة المكتوب فيمدح في حق من استعمله في الكمال ويذم في حق من ~~عطله أو استعمله في الشر. ومن استغنى عنه بما هو أنفع له كان أكمل وأفضل. ~~وكان تركه في حقه مع حصول المقصود به أكمل وأفضل. فإذا تبين أن التميز عن ~~الأميين نوعان " فالأمة التي بعث فيها # PageV25P167 # النبي صلى الله عليه وسلم أولاهم العرب وبواسطتهم حصلت الدعوة لسائر ~~الأمم؛ لأنه إنما بعث بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا ~~كتاب ولا غيره مع كون فطرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم. ~~بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع؛ لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم ~~كتاب يقرءونه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب ولا علوم قياسية مستنبطة ~~كما للصابئة ونحوهم. وكان الخط فيهم قليلا جدا وكان لهم من العلم ما ينال ~~بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان عن الأموة العامة. كالعلم بالصانع سبحانه ~~وتعظيم مكارم الأخلاق وعلم الأنواء. والأنساب والشعر. فاستحقوا اسم الأمية ~~من كل وجه. كما قال فيهم: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال تعالى: ~~{وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ} فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب. فالكتابي غير الأمي. ~~فلما بعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل ~~به - وقد جعله تفصيلا ms7503 لكل شيء وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة - صاروا أهل ~~كتاب وعلم. بل صاروا أعلم الخلق # PageV25P168 # وأفضلهم في العلوم النافعة وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة وهي عدم ~~العلم والكتاب المنزل إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب. كما قال ~~فيهم: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} فكانوا أميين من ~~كل وجه. فلما علمهم الكتاب والحكمة قال فيهم: {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله} وقال تعالى {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} ~~{أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين} {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} واستجيب ~~فيهم دعوة الخليل حيث قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} وقال: {لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} . فصارت هذه الأمية: منها ما هو محرم. ومنها ما هو ~~مكروه ومنها ما هو نقص وترك الأفضل. فمن لم يقرأ الفاتحة أو لم يقرأ شيئا ~~من القرآن تسميه الفقهاء في باب الصلاة أميا. ويقابلونه بالقارئ # PageV25P169 # فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأمي. ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي. ونحو ~~ذلك من المسائل وغرضهم بالأمي هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان ~~يكتب أو لا يكتب يحسب أو لا يحسب. فهذه الأمية منها ما هو ترك واجب يعاقب ~~الرجل عليه. إذا قدر على التعلم فتركه. ومنها ما هو مذموم كالذي وصفه الله ~~عز وجل عن أهل الكتاب حيث قال: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون} فهذه صفة من لا يفقه كلام الله ويعمل به وإنما يقتصر على ~~مجرد تلاوته. كما قال الحسن البصري. نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته ~~عملا. فالأمي هنا قد ms7504 يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه. بل يتكلم في ~~العلم بظاهر من القول ظنا. فهذا أيضا أمي مذموم كما ذمه الله؛ لنقص علمه ~~الواجب سواء كان فرض عين أم كفاية. ومنها ما هو الأفضل الأكمل كالذي لا ~~يقرأ من القرآن إلا بعضه ولا يفهم منه إلا ما يتعلق به ولا يفهم من الشريعة ~~إلا مقدار الواجب # PageV25P170 # عليه فهذا أيضا يقال لا أمي وغيره ممن أوتي القرآن علما وعملا أفضل منه ~~وأكمل. فهذه الأمور المميزة للشخص عن الأمور التي هي فضائل وكمال: فقدها ~~أما فقد واجب عينا أو واجب على الكفاية أو مستحب. وهذه يوصف الله بها ~~وأنبياؤه مطلقا فإن الله عليم حكيم جمع العلم والكلام النافع طلبا وخبرا ~~وإرادة. وكذلك أنبياؤه ونبينا سيد العلماء والحكماء. وأما الأمور المميزة ~~التي هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها فهذه مثل ~~الكتاب الذي هو الخط والحساب فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم ~~بدونها وفقدها نقص إذا حصلها واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط ~~فيقرأ به القرآن؛ وكتب العلم النافعة أو يكتب للناس ما ينتفعون به: كان هذا ~~فضلا في حقه وكمالا. وإن استعان به على تحصيل ما يضره أو يضر الناس كالذي ~~يقرأ بها كتب الضلالة ويكتب بها ما يضر الناس كالذي يزور خطوط الأمراء ~~والقضاة والشهود: كان هذا ضررا في حقه وسيئة ومنقصة ولهذا نهى عمر أن تعلم ~~النساء الخط. # PageV25P171 # وإن أمكن أن يستغنى عنها بالكلية بحيث ينال كمال العلوم من غيرها. وينال ~~كمال التعليم بدونها: كان هذا أفضل له وأكمل. وهذه حال نبينا صلى الله عليه ~~وسلم الذي قال الله فيه: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} فإن أميته لم تكن من جهة فقد العلم ~~والقراءة عن ظهر قلب فإنه إمام الأئمة في هذا. وإنما كان من جهة أنه لا ~~يكتب ولا يقرأ مكتوبا. كما قال الله فيه: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ms7505 ~~ولا تخطه بيمينك} . وقد اختلف الناس هل كتب يوم الحديبية بخطه معجزة له؟ أم ~~لم يكتب؟ وكان انتفاء الكتابة عنه مع حصول أكمل مقاصدها بالمنع من طريقها ~~من أعظم فضائله وأكبر معجزاته فإن الله علمه العلم بلا واسطة كتاب معجزة له ~~ولما كان قد دخل في الكتب من التحريف والتبديل وعلم هو صلى الله عليه وسلم ~~أمته الكتاب والحكمة من غير حاجة منه إلى أن يكتب بيده وأما سائر أكابر ~~الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم فالغالب على كبارهم الكتابة لاحتياجهم ~~إليها إذ لم يؤت أحد منهم من الوحي ما أوتيه صارت أميته المختصة به كمالا ~~في حقه من جهة الغنى بما هو أفضل منها وأكمل ونقصا في حق غيره من جهة فقده ~~الفضائل التي لا تتم إلا بالكتابة. # PageV25P172 # إذا تبين هذا: فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب كما قدمناه فإن من ~~كتب مسير الشمس والقمر بحروف " أبجد " ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها ومتى ~~يلتقيان ليلة الاستسرار ومتى يتقابلان ليلة الإبدار ونحو ذلك فليس في هذا ~~الكتاب والحساب من الفائدة إلا ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في ~~تحديد الحوادث والأعمال ونحو ذلك. كما فعل ذلك غيرنا من الأمم فضبطوا ~~مواقيتهم بالكتاب والحساب كما يفعلونه بالجداول أو بحروف الجمل وكما يحسبون ~~مسير الشمس والقمر: ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الأوسط حتى يتبين لهم وقت ~~الاستسرار والإبدار وغير ذلك فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنا أيتها ~~الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي ~~الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال ~~وطلوعه. وقد قدمنا فيما تقدم أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عاما فإذا ~~كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما ~~قرن ذلك بقوله: {الشهر ثلاثون} و {الشهر تسعة وعشرون} بين أن المراد به أنا ~~لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا # PageV25P173 # حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك. والفارق ms7506 بينهما هو الرؤية فقط ليس ~~بينها فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه. فإن أرباب الكتاب والحساب لا ~~يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ~~ويخطئون أخرى. وظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من ~~جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال. ومن ~~جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط. ومن جهة أن فيهما تعبا كثيرا بلا ~~فائدة فإن ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه وإذا كان نفي ~~الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيه كان الكتاب ~~والحساب في ذلك نقصا وعيبا بل سيئة وذنبا فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة ~~الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في أمر ناقص يؤديه ~~إلى الفساد والاضطراب. وأيضا فإنه جعل هذا وصفا للأمة. كما جعلها وسطا في ~~قوله تعالى {جعلناكم أمة وسطا} فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين. # PageV25P174 # وأيضا فالشيء إذا كان صفة للأمة لأنه أصلح من غيره؛ ولأن غيره فيه مفسدة: ~~كان ذلك مما يجب مراعاته ولا يجوز العدول عنه إلى غيره لوجهين: لما فيه من ~~المفسدة ولأن صفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها. فإن كان الواحد لا ~~يجب عليه في نفسه تحصيل المستحبات فإن كل ما شرع للأمة جميعا صار من دينها ~~وحفظ مجموع الدين واجب على الأمة فرض عين أو فرض كفاية. ولهذا وجب على ~~مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب وإن ~~لم يجب ذلك على آحادها. ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة ما ~~لا يجب على الأفراد. وتحصيله لنفسه: مثل الذي يؤم الناس في صلاته فإنه ليس ~~له أن يفعل دائما ما يجوز للمنفرد فعله بل يجب عليه أن لا يطول الصلاة ~~تطويلا يضر من خلفه ولا ينقصها عن سننها الراتبة: مثل قراءة السورتين ~~الأوليين وإكمال الركوع والسجود ونحو ذلك حتى أن النبي صلى ms7507 الله عليه وسلم ~~أمر الصحابة بعزل إمام كان يصلي لبصاقه في قبلة المسجد وقال: {يؤم القوم ~~أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة؛ سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في ~~السنة سواء} - الحديث وقال: {إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم ~~يزالوا في سفال} . ولهذا قال الفقهاء: إن الإمام المقيم بالناس حجهم عليه ~~أن يأتي # PageV25P175 # بكمال الحج من تأخير النفر إلى الثالث من منى ولا يتعجل في النفر الأول ~~ونحو ذلك من سنن الحج التي لو تركها الواحد لم يأثم وليس للإمام تركها لأجل ~~مصلحة عموم الحجيج من تحصيل كمال الحج وتمامه ولهذا {لما اجتمع على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدان فشهد العيد ثم رخص في الجمعة قال: إنا ~~مجمعون} فقال أحمد في المشهور عنه وغيره: إن على الإمام أن يقيم لهم الجمعة ~~ليحصل الكمال لمن شهدهما وإن جاز للآحاد الانصراف. ونظائره كثيرة مما يوجب ~~أن يحفظ للأمة - في أمرها العام في الأزمنة والأمكنة والأعمال - كمال دينها ~~الذي قال الله فيه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} فما أفضى إلى نقص كمال دينها ولو بترك مستحب يفضي إلى تركه ~~مطلقا كان تحصيله واجبا على الكفاية إما على الأئمة وإما على غيرهم. ~~فالكمال والفضل الذي يحصل برؤية الهلال دون الحساب يزول بمراعاة الحساب لو ~~لم يكن فيه مفسدة. # الوجه الثاني ما دلت عليه الأحاديث ما في قوله صلى الله عليه وسلم {لا ~~تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه} كما ثبت ذلك عنه من حديث ابن عمر ~~فنهى عن الصوم قبل رؤيته وعن الفطر قبل # PageV25P176 # رؤيته. ولا يخلو النهي: إما أن يكون عاما في الصوم فرضا ونفلا ونذرا ~~وقضاء. أو يكون المراد فلا تصوموا رمضان حتى تروه. وعلى التقديرين فقد نهى ~~أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والإبصار به. فمتى لم يره ~~المسلمون. كيف يجوز أن يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى وإذا رئي كيف يجوز أن ~~يقال: أخبر مخبر ms7508 أنه لا يرى وقد علم أن قوله: {فلا تصوموا حتى تروه ولا ~~تفطروا حتى تروه} ليس المراد به أنه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه بل لا ~~يصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره. وفي الجملة فهو من باب عموم النفي لا نفي ~~العموم: أي لا يصومه أحد حتى يرى أو حتى يعلم أنه قد رئي أو ثبت أنه قد ~~رئي؛ ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم في صوم يوم الشك من رمضان فصامه ~~بعضهم مطلقا في الصحو والغيم احتياطا وبعضهم كره صومه مطلقا في الصحو ~~والغيم كراهة الزيادة في الشهر. وفرق بعضهم بين الصحو والغيم لظهور العدم ~~في الصحو دون الغيم. كان الذي صاموه احتياطا إنما صاموه لإمكان أن يكون قد ~~رآه غيرهم. فينقصونه فيما بعد. وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يكن أحد من ~~الأمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على أنه يطلع ولم ير مع ذلك كما # PageV25P177 # أن الجمهور الذين كرهوا صومه لم يلتفتوا إلى هذا الجواب إذ الحكم ممدود ~~إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها. واختلف هؤلاء هل يجوز أو يكره أو يحرم أو ~~يستحب أن يصام بغير نية رمضان. إذا لم يوافق عادة؟ على أربعة أقوال. هذا ~~يجوزه أو يستحبه حملا للنهي عن صوم رمضان. ويكرهه ويحظره لنهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن التقدم ولخوف الزيادة. ولمعان أخر. ثم إذا صامه بغير نية ~~رمضان أو بنيته المكروهة فهل يجزئه إذا تبين أو لا يجزئه. بل عليه القضاء؟ ~~على قولين للأمة. وإذا لم يتبين أنه رئي إلا من النهار فهل يجزئه إنشاء ~~النية من النهار؟ على قولين للأمة: ولو تبين أنه رئي في مكان آخر: فهل يجب ~~القضاء أو لا يجب مطلقا؟ أم إذا كان دون مسافة القصر؟ أم إذا كانت الرؤية ~~في الإقليم؟ أم إذا كان العمل واحدا؟ وهل تثبت الرؤية بقول الواحد؟ أم ~~الاثنين مطلقا؟ أم لا بد في الصحو من عدد كثير؟ هذا مما تنازع فيه المسلمون ~~فهذه المسائل ms7509 التي تنازع فيها المسلمون التي تتعلق بيوم الثلاثين وتفرع ~~بسببها مسائل أخر لعموم البلوى بهذا # PageV25P178 # الأمر ولما فهموه من كلام الله ورسوله ورأوه من أصول شريعته ولما بلغهم ~~عن الصدر الأول وهي من جنس المسائل التي تنازع فيها أهل الاجتهاد بخلاف من ~~خرج في ذلك إلى الأخذ بالحساب أو الكتاب كالجداول وحساب التقويم والتعديل ~~المأخوذ من سيرهما. وغير ذلك الذي صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيه ~~عن أمته والنهي عنه. ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في ~~الإسلام ما ليس منه فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع ~~وهؤلاء الذين ابتدعوا فيه ما يشبه بدع أهل الكتاب والصابئة أنواع: قوم ~~منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم. يقولون بالعدد دون الرؤية. ومبدأ ~~خروج هذه البدعة من الكوفة. فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفرا ~~الصادق دفعه إليهم ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية ولا يختلف أهل ~~المعرفة من الشيعة وغيرهم أن هذا كذب مختلق على جعفر اختلقه عليه عبد الله ~~هذا. وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه ~~المسلمون. وهو قول أكثر عقلاء الشيعة. # PageV25P179 # ومنهم من يعتمد على أن رابع رجب أول رمضان أو على أن خامس رمضان الماضي ~~أول رمضان الحاضر. ومنهم من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا لا ~~يعرف في شيء من كتب الإسلام ولا رواه عالم قط أنه قال: {يوم صومكم يوم ~~نحركم} . وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تاما ويمنعون أن يكون تسعة ~~وعشرين. ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار فيوجبون استسراره ~~ليلتين ويقولون: أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي. واليوم يكون ~~اليوم الذي لا يرى في طرفيه. ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر ~~الثاني ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال مع العلم بأن الهلال يستسر ~~لليلة تارة وليلتين أخرى وقد يستسر ثلاث ليال. فأما الذين يعتمدون على حساب ms7510 ~~الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضي. أو برجب أو يضعون جدولا يعتمدون ~~عليه فهم مع مخالفتهم لقوله صلى الله عليه وسلم {لا نكتب ولا نحسب} إنما ~~عمدتهم # PageV25P180 # تعديل سير النيرين والتعديل أن يأخذ أعلى سيرهما وأدناه فيأخذ الوسط منه ~~ويجمعه. ولما كان الغالب على شهور العام أن الأول ثلاثون والثاني تسعة ~~وعشرون كان جميع أنواع هذا الحساب والكتاب مبنية على أن الشهر الأول ثلاثون ~~والثاني تسعة وعشرون. والسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون. ويحتاجون أن يكتبوا ~~في كل عدة من السنين زيادة يوم تصير فيه السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما ~~يزيدونه في ذي الحجة مثلا فهذا أصل عدتهم. وهذا القدر موافق في أكثر ~~الأوقات؛ لأن الغالب على الشهور هكذا ولكنه غير مطرد فقد يتوالى شهران ~~وثلاثة وأكثر ثلاثين وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين فينتقض ~~كتابهم وحسابهم ويفسد دينهم الذي ليس بقيم وهذا من الأسباب الموجبة لئلا ~~يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة. فهذه طريقة هؤلاء المبتدعة المارقين ~~الخارجين عن شريعة الإسلام الذين يحسبون ذلك الشهر بما قبله من الشهور إما ~~في جميع السنين أو بعضها ويكتبون ذلك. وأما الفريق الثاني: فقوم من فقهاء ~~البصريين ذهبوا إلى أن قوله: # PageV25P181 # {فاقدروا له} تقدير حساب بمنازل القمر وقد روي عن محمد بن سيرين قال: ~~خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل ~~إلا رجلا كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيرا له. وقد قيل: إن ~~الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلا أن هذا إن صح عنه ~~فهي من زلات العلماء. وقد حكي هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضا. وحكاه ~~بعض المالكية عن الشافعي أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ~~لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد ~~الصيام ويبيته ويجزئه وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه ~~خلاف ذلك كمذهب الجماعة. وإنما كان قد ms7511 حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب ~~الشافعي نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائم بنصر مذهبه. واحتجاج هؤلاء بحديث ~~ابن عمر في غاية الفساد مع أن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب} فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب. ~~وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة ~~أصلا بل أية طريقة سلكوها فإن الخطأ واقع فيها أيضا فإن الله سبحانه لم ~~يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته # PageV25P182 # طريق مطرد إلا الرؤية وقد سلكوا طرقا كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا ~~سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد. وإنما هو تقريب مثل ~~أن يقال: إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام وإن لم ير صبيحة ثمان فهو ناقص. ~~وهذا بناء على أن الاستسرار لليلتين وليس بصحيح بل قد يستسر ليلة تارة ~~وثلاث ليال أخرى. وهذا الذي قالوه إنما هو بناء على أنه كل ليلة لا يمكث في ~~المنزلة إلا ستة أسباع ساعة لا أقل ولا أكثر. فيغيب ليلة السابع نصف الليل ~~ويطلع ليلة أربعة عشر من أول الليل إلى طلوع الشمس وليلة الحادي والعشرين ~~يطلع من نصف الليل وليلة الثامن والعشرين إن استسر فيها نقص وإلا كمل وهذا ~~غالب سيره وإلا فقد يسرع ويبطئ. # وأما العقل: فاعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا ~~يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة أو لا يرى ألبتة على ~~وجه مطرد وإنما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض الأوقات ولهذا كان المعتنون ~~بهذا الفن من الأمم: الروم والهند والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي ~~هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفا ~~واحدا ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء ~~الإسلام: مثل # PageV25P183 # كوشيار الديلمي وعليه وعلى مثله يعتمد من ms7512 تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ~~ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروذي القطان وغيره وقالوا إنه تشوق بذلك ~~عند المسلمين وإلا فهذا لا يمكن ضبطه. ولعل من دخل في ذلك منهم كان مرموقا ~~بنفاق، فما النفاق من هؤلاء ببعيد أو يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال ممن ~~يحسن ظنه بالحساب مع انتسابه إلى الإسلام. وبيان امتناع ضبط ذلك: أن الحساب ~~إنما يقدره على ضبط شبح الشمس والقمر وجريهما أنهما يتحاذيان في الساعة ~~الفلانية في البرج الفلاني في السماء المحاذي للمكان الفلاني من الأرض سواء ~~كان الاجتماع من ليل أو نهار وهذا الاجتماع يكون بعد الاستسرار وقبل ~~الاستهلال فإن القمر يجري في منازله الثمانية والعشرين كما قدره الله منازل ~~ثم يقرب من الشمس فيستسر ليلة أو ليلتين؛ لمحاذاته لها فإذا خرج من تحتها ~~جعل الله فيه النور ثم يزداد النور كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة ~~الإبدار ثم ينقص كلما قرب منها إلى أن يجامعها ولهذا يقولون الاجتماع ~~والاستقبال ولا يقدرون أن يقولوا: الهلال وقت المفارقة على كذا. يقولون: ~~الاجتماع وقت الاستسرار والاستقبال وقت الإبدار. # PageV25P184 # ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال فالناس ~~يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر وظهوره في ~~أوله وكمال نوره في وسطه والحساب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين ~~الذي هو وقت الاستسرار ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار فإن ~~هذا يضبط بالحساب. وأما الإهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط؛ لأنه لا ~~يضبط بحساب يعرف كما يعرف وقت الكسوف والخسوف فإن الشمس لا تكسف في سنة ~~الله التي جعل لها إلا عند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس ~~على محاذاة مضبوطة وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة ~~مضبوطة لتحول الأرض بينه وبين الشمس فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه ~~مثل معرفة كل أحد أن ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لا بد أن يطلع الهلال ~~وإنما يقع الشك ليلة ms7513 الثلاثين. فنقول الحاسب غاية ما يمكنه إذا صح حسابه أن ~~يعرف مثلا أن القرصين اجتمعا في الساعة الفلانية وأنه عند غروب الشمس يكون ~~قد فارقها القمر إما بعشر درجات مثلا أو أقل أو أكثر. والدرجة هي جزء من ~~ثلاثمائة وستين جزءا من الفلك. # PageV25P185 # فإنهم قسموه اثني عشر قسما سموها " الداخل ": كل برج اثنا عشر درجة وهذا ~~غاية معرفته وهي بتحديدكم بينهما من البعد في وقت معين في مكان معين. هذا ~~الذي يضبطه بالحساب. أما كونه يرى أو لا يرى فهذا أمر حسي طبيعي ليس هو ~~أمرا حسابيا رياضيا. وإنما غايته أن يقول: استقرأنا أنه إذا كان على كذا ~~وكذا درجة يرى قطعا أو لا يرى قطعا. فهذا جهل وغلط؛ فإن هذا لا يجري على ~~قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفي والإثبات. بل إذا كان بعده مثلا ~~عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى ~~وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية من وجوه. أحدها: ~~أنها تختلف وذلك لأن الرؤية تختلف لحدة البصر وكلاله فمع دقته يراه البصر ~~الحديد دون الكليل ومع توسطه يراه غالب الناس وليست أبصار الناس محصورة بين ~~حاصرين ولا يمكن أن يقال يراه غالب الناس ولا يراه غالبهم: لأنه لو رآه ~~اثنان علق الشارع الحكم بهما بالإجماع وإن كان الجمهور لم يروه فإذا قال لا ~~يرى بناء على ذلك كان مخطئا في حكم الشرع وإن قال يرى بمعنى أنه يراه البصر ~~الحديد. فقد لا يتفق فيمن يتراءى له من يكون بصره حديدا # PageV25P186 # فلا يلتفت إلى إمكان رؤية من ليس بحاضر. السبب الثاني: أن يختلف بكثرة ~~المترائين وقلتهم فإنهم إذا كثروا كان أقرب أن يكون فيهم من يراه لحدة بصره ~~وخبرته بموضع طلوعه والتحديق نحو مطلعه وإذا قلوا: فقد لا يتفق ذلك فإذا ظن ~~أنه يرى قد يكونون قليلا فلا يمكن أن يروه وإذا قال: لا يرى فقد يكون ~~المتراءون كثيرا فيهم من فيه قوة ms7514 على إدراك ما لم يدركه غيره. السبب ~~الثالث: أنه يختلف باختلاف مكان الترائي فإن من كان أعلى مكانا في منارة أو ~~سطح عال أو على رأس جبل ليس بمنزلة من يكون على القاع الصفصف أو في بطن ~~واد. كذلك قد يكون أمام أحد المترائين بناء أو جبل أو نحو ذلك يمكن معه أن ~~يراه غالبا وإن منعه أحيانا وقد يكون لا شيء أمامه. فإذا قيل: يرى مطلقا لم ~~يره المنخفض ونحوه وإذا قيل لا يرى فقد يراه المرتفع ونحوه والرؤية تختلف ~~بهذا اختلافا ظاهرا. السبب الرابع: أنه يختلف باختلاف وقت الترائي وذلك أن ~~عادة الحساب أنهم يخبرون ببعده وقت غروب الشمس وفي تلك # PageV25P187 # الساعة يكون قريبا من الشمس فيكون نوره قليلا وتكون حمرة شعاع الشمس ~~مانعا له بعض المنع فكلما انخفض إلى الأفق بعد عن الشمس فيقوى شرط الرؤية ~~ويبقى مانعها فيكثر نوره ويبعد عن شعاع الشمس فإذا ظن أنه لا يرى وقت ~~الغروب أو عقبه فإنه يرى بعد ذلك ولو عند هويه في المغرب وإن قال: إنه يضبط ~~حاله من حين وجوب الشمس إلى حين وجوبه فإنما يمكنه أن يضبط عدد تلك الدرجات ~~لأنه يبقى مرتفعا بقدر ما بينهما من البعد أما مقدار ما يحصل فيه من الضوء ~~وما يزول من الشعاع المانع له فإن بذلك تحصل الرؤية بضبطه على وجه واحد - ~~يصح مع الرؤية دائما أو يمتنع دائما - فهذا لا يقدر عليه أبدا وليس هو في ~~نفسه شيئا منضبطا خصوصا إذا كانت الشمس (1) . # السبب الخامس: صفاء الجو وكدره. لست أعني إذا كان هناك حائل يمنع الرؤية ~~كالغيم والقتر الهائج من الأدخنة والأبخرة وإنما إذا كان الجو بحيث يمكن ~~فيه رؤيته أمكن من بعض إذا كان الجو صافيا من كل كدر في مثل ما يكون في ~~الشتاء عقب الأمطار في البرية الذي ليس فيه بخار بخلاف ما إذا كان في الجو ~~بخار بحيث لا يمكن PageV25P188 # فيه رؤيته كنحو ما يحصل في الصيف بسبب الأبخرة والأدخنة فإنه لا يمكن ~~رؤيته ms7515 في مثل ذلك كما يمكن في مثل صفاء الجو. وأما صحة مقابلته ومعرفة ~~مطلعه ونحو ذلك. فهذا من الأمور التي يمكن المترائي أن يتعلمها. أو يتحراه. ~~فقد يقال: هو شرط الرؤية كالتحديق نحو المغرب خلف الشمس فلم نذكره في أسباب ~~اختلاف الرؤية. وإنما ذكرنا ما ليس في مقدور المترائين الإحاطة من صفة ~~الأبصار وأعدادها ومكان الترائي وزمانه وصفاء الجو وكدره. فإذا كانت الرؤية ~~حكما تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلا في حساب الحاسب فكيف ~~يمكنه مع ذلك يخبر خبرا عاما أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع أو ~~ثمان درجات أو تسع أم كيف يمكنه يخبر خبرا جزما أنه يرى إذا كان على تسعة ~~أو عشرة مثلا. ولهذا تجدهم مختلفين في قوس الرؤية: كم ارتفاعه. منهم من ~~يقول تسعة ونصف ومنهم من يقول (1) ويحتاجون أن يفرقوا بين الصيف ~~PageV25P189 # والشتاء: إذا كانت الشمس في البروج الشمالية مرتفعة أو في البروج ~~الجنوبية منخفضة. فتبين بهذا البيان أن خبرهم بالرؤية من جنس خبرهم ~~بالأحكام وأضعف وذلك أنه هب أنه قد ثبت أن الحركات العلوية سبب الحوادث ~~الأرضية. فإن هذا القدر لا يمكن المسلم أن يجزم بنفيه إذ الله سبحانه جعل ~~بعض المخلوقات أعيانها وصفاتها وحركاتها سببا لبعض وليس في هذا ما يحيله ~~شرع ولا عقل لكن المسلمون قسمان: منهم من يقول هذا لا دليل على ثبوته فلا ~~يجوز القول به فإنه قول بلا علم. وآخر يقول: بل هو ثابت في الجملة؛ لأنه قد ~~عرف بعضه بالتجربة ولأن الشريعة دلت على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم {إن ~~الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته لكنهما آيتان من آيات الله ~~يخوف بهما عباده} والتخويف إنما يكون بوجود سبب الخوف فعلم أن كسوفهما قد ~~يكون سببا لأمر مخوف وقوله {لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته} رد لما توهمه ~~بعض الناس. فإن الشمس خسفت يوم موت إبراهيم فاعتقد بعض الناس أنها خسفت من ~~أجل موته تعظيما لموته وأن موته ms7516 سبب خسوفها فأخبر النبي # PageV25P190 # صلى الله عليه وسلم أنه لا ينخسف لأجل أنه مات أحد ولا لأجل أنه حيي أحد. ~~وهذا كما في الصحيحين عن {ابن عباس قال: حدثني رجال من الأنصار أنهم كانوا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فرمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون لهذا ~~في الجاهلية؟ فقالوا. كنا نقول: ولد الليلة عظيم أو مات عظيم فقال: إنه لا ~~يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن الله إذا قضى بالقضاء سبح حملة العرش} ~~الحديث. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشهب التي يرجم بها لا يكون عن ~~سبب حدث في الأرض وإنما يكون عن أمر حدث في السماء وأن الرمي بها لطرد ~~الشياطين المسترقة. وكذلك الشمس والقمر هما آيتان من آيات الله يخوف بهما ~~عباده. كما قال الله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} فعلم أن هذه الآيات ~~السماوية قد تكون سبب عذاب؛ ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم عند وجود ~~سبب الخوف ما يدفعه من الأعمال الصالحة فأمر بصلاة الكسوف - الصلاة الطويلة ~~- وأمر بالعتق والصدقة وأمر بالدعاء والاستغفار. كما قال صلى الله عليه ~~وسلم {إن البلاء والدعاء # PageV25P191 # ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض} فالدعاء ونحوه يدفع البلاء النازل ~~من السماء. فإن قلت: من عوام الناس - وإن كان منتسبا إلى علم - من يجزم بأن ~~الحركات العلوية ليست سببا لحدوث أمر ألبتة وربما اعتقد أن تجويز ذلك ~~وإثباته من جملة التنجيم المحرم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد} رواه أبو داود ~~وغيره وربما احتج بعضهم بما فهمه من قوله: {لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته} ~~واعتقد أن العلة هنا هي العلة الغائية: أي لا يكسفان ليحدث عن ذلك موت أو ~~حياة؟ قلت: قول هذا جهل؛ لأنه قول بلا علم وقد حرم الله على الرجل أن ينفي ~~ما ليس له به علم وحرم عليه أن يقول على الله ما لا يعلم. وأخبر أن الذي ms7517 ~~يأمر بالقول بغير علم هو الشيطان فقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وقال: ~~{إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقال: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فإنه ~~ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا قال أحد من أهل العلم ذلك # PageV25P192 # ولا في العقل وما يعلم بالعقل ما يعلم به نفي ذلك. وإنما نفي ذلك جزما ~~بغير مثل نفي بعض الجهال أن تكون الأفلاك مستديرة: فمنهم من ينفي ذلك جزما ~~ومنهم من ينفي الجزم به على كل أحد وكلاهما جهل. فمن أين له نفي ذلك أو نفي ~~العام به عن جميع الخلق ولا دليل له على ذلك إلا ما قد يفهمه بفهمه الناقص. ~~هذا وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة قال ~~الله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} وقال: {وهو الذي خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} وقال تعالى: {لا الشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} قال ابن ~~عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل وهكذا هو في لسان العرب الفلك الشيء ~~المستدير. ومنه يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار. قال تعالى: {يكور الليل ~~على النهار ويكور النهار على الليل} والتكوير هو التدوير. ومنه قيل: كار ~~العمامة وكورها إذا أدارها. ومنه قيل: للكرة كرة وهي الجسم المستدير ولهذا ~~يقال: للأفلاك كروية الشكل؛ لأن أصل الكرة كورة تحركت الواو وانفتح ما ~~قبلها فقلبت ألفا وكورت الكارة إذا دورتها ومنه الحديث: {إن الشمس والقمر ~~يكوران يوم القيامة # PageV25P193 # كأنهما ثوران في نار جهنم} وقال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} مثل حسبان ~~الرحا وقال: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} وهذا إنما يكون فيما يستدير ~~من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما فإنه يتفاوت ms7518 ~~لأن زواياه مخالفة لقوائمه والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي ليس ~~بعضه مخالفا لبعض. {وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي قال: إنا ~~نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فقال: ويحك إن الله لا يستشفع به ~~على أحد من خلقه. إن شأنه أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا وقال بيده ~~مثل القبة: وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه} رواه. أبو داود وغيره ~~من حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سألتم الله الجنة فاسألوه ~~الفردوس فإنها أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن} فقد أخبر أن ~~الفردوس هي الأعلى والأوسط وهذا لا يكون إلا في الصورة المستديرة فأما ~~المربع ونحوه فليس أوسطه أعلاه بل هو متساو. وأما إجماع العلماء: فقال إياس ~~بن معاوية - الإمام المشهور قاضي # PageV25P194 # البصرة من التابعين -: السماء على الأرض مثل القبة. وقال الإمام أبو ~~الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار ~~والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد: ~~لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة وأنها تدور بجميع ما فيها من ~~الكواكب كدورة الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين: أحدهما في ناحية الشمال ~~والآخر في ناحية الجنوب. قال: ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من ~~المشرق تقع قليلا على ترتيب واحد في حركاتها ومقادير أجزائها إلى أن تتوسط ~~السماء ثم تنحدر على ذلك الترتيب. كأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دورا ~~واحدا. قال: وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل ~~الكرة. قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها ~~على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد بل على المشرق قبل المغرب. قال: ~~فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة. يدل على ذلك أن ~~جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء ms7519 على قدر واحد فيدل ذلك على بعد ما ~~بين السماء والأرض من جميع # PageV25P195 # الجهات بقدر واحد فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء. وقد يظن بعض الناس ~~أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة وأن الله على عرشه مع ~~ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة متناقض أو مقتض أن يكون الله تحت بعض ~~خلقه " كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله فوق العرش باستدارة ~~الأفلاك وأن ذلك مستلزم كون الرب أسفل. وهذا من غلطهم في تصور الأمر ومن ~~علم أن الأفلاك مستديرة وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين وأن المركز ~~الذي هو باطن ذلك وجوفه وهو قعر الأرض هو " سجين " " وأسفل سافلين " علم من ~~مقابلة الله بين أعلى عليين وبين سجين مع أن المقابلة: إنما تكون في الظاهر ~~بين العلو والسفل أو بين السعة والضيق وذلك لأن العلو مستلزم للسعة والضيق ~~مستلزم للسفول وعلم أن السماء فوق الأرض مطلقا لا يتصور أن تكون تحتها قط ~~وإن كانت مستديرة محيطة وكذلك كلما علا كان أرفع وأشمل. وعلم أن الجهة ~~قسمان: قسم ذاتي. وهو العلو والسفول فقط. وقسم إضافي: وهو ما ينسب إلى ~~الحيوان بحسب حركته: فما أمامه # PageV25P196 # يقال له: أمام وما خلفه يقال له خلف وما عن يمينه يقال له اليمين وما عن ~~يسرته يقال له اليسار وما فوق رأسه يقال له فوق وما تحت قدميه يقال له تحت ~~وذلك أمر إضافي. أرأيت لو أن رجلا علق رجليه إلى السماء ورأسه إلى الأرض ~~أليست السماء فوقه وإن قابلها برجليه وكذلك النملة أو غيرها لو مشى تحت ~~السقف مقابلا له برجليه وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذيا لرجليه وإن كان ~~فوقه وأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض. والكواكب التي في السماء وإن كان ~~بعضها محاذيا لرءوسنا وبعضها في النصف الآخر من الفلك فليس شيء منها تحت ~~شيء بل كلها فوقنا في السماء ولما كان الإنسان إذا تصور هذا يسبق إلى وهمه ~~السفل الإضافي كما ms7520 احتج به الجهمي الذي أنكر علو الله على عرشه وخيل على من ~~لا يدري أن من قال: إن الله فوق العرش فقد جعله تحت نصف المخلوقات أو جعله ~~فلكا آخر تعالى الله عما يقول الجاهل. فمن ظن أنه لازم لأهل الإسلام من ~~الأمور التي لا تليق بالله ولا هي لازمة بل هذا يصدقه الحديث الذي رواه ~~أحمد في مسنده من حديث الحسن عن أبي هريرة ورواه الترمذي في حديث الإدلاء؛ # PageV25P197 # فإن الحديث يدل على أن الله فوق العرش ويدل على إحاطة العرش كونه سقف ~~المخلوقات. ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذي لم يدر ~~كيف الأمر ولكن لما كان من أهل السنة وعلم أن الله فوق العرش ولم يعرف صورة ~~المخلوقات وخشي أن يتأوله الجهمي أنه مختلط بالخلق قال: هكذا وإلا فقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كله حق يصدق بعضه بعضا. وما علم بالمعقول من ~~العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له. فنقول: إذا تبين أنا نعرف ~~ما قد عرف من استدارة الأفلاك علم أن المنكر له مخالف لجميع الأدلة لكن ~~المتوقف في ذلك قبل البيان فعل الواجب وكذلك من لم يزل يستفيد ذلك من جهة ~~لا يثق بها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا حدثكم أهل الكتاب فلا ~~تصدقوهم ولا تكذبوهم} وأن كون بعض الحركات العالية سبب لبعض الحوادث مما لا ~~ينكر بل إما أن يقبل أو لا يرد. فالقول بالأحكام النجومية باطل عقلا محرم ~~شرعا وذلك أن حركة الفلك وإن كان لها أثر ليست مستقلة بل تأثير الأرواح ~~وغيرها # PageV25P198 # من الملائكة أشد من تأثيره وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض ~~وكذلك تأثير قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من أعظم المؤثرات باتفاق المسلمين ~~وكالصابئة المشتغلين بأحكام النجوم وغيرهم من سائر الأمم فهو في الأمر ~~العام جزء السبب وإن فرضنا أنه سبب مستقل أو أنه مستلزم لتمام السبب فالعلم ~~به غير ممكن لسرعة حركته وإن فرض العلم به فمحل تأثيره ms7521 لا ينضبط؛ إذ ليس ~~تأثير خسوف الشمس في الإقليم الفلاني بأولى من الإقليم الآخر وإن فرض أنه ~~سبب مستقل قد حصل بشروطه وعلم به فلا ريب أن ما يصغر من الأعمال الصالحة من ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج وصلة الأرحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة ~~يعارض مقتضى ذلك السبب؛ ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة ~~والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة عند الخسوف وأخبر أن الدعاء والبلاء ~~يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض. والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال ~~كبيرهم " بطليموس " ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع ~~اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات فصار ما جاءت به الشريعة إن حدث سبب ~~خير كان ذلك: الصلاة والزكاة يقويه ويؤيده وإن حدث سبب شر كان ذلك العمل ~~يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه إذا هم بأمر كما # PageV25P199 # أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ~~ركعتين} الحديث فهذه الاستخارة لله العليم القدير خالق الأسباب والمسببات ~~خير من أن يأخذ الطالع فيما يريد فعله. فإن الاختيار غايته تحصيل سبب واحد ~~من أسباب النجح إن صح. والاستخارة أخذ للنجح من جميع طرقه فإن الله يعلم ~~الخيرة فإما أن يشرح صدر الإنسان وييسر الأسباب أو يعسرها ويصرفه عن ذلك. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من أتى عرافا فسأله} الحديث رواه مسلم ~~من حديث صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. والعراف ~~يعم المنجم وغيره إما لفظا وإما معنى. وقال صلى الله عليه وسلم {من اقتبس ~~شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد} رواه أبو داود وابن ~~ماجه فقد تبين تحريم الأخذ بأحكام النجوم علما أو عملا من جهة الشرع وقد ~~بينا من جهة العقل أن ذلك أيضا متعذر في الغالب. لأن أسباب الحوادث وشروطها ~~وموانعها لا تضبط بضبط حركة بعض الأمور وإنما يتفق الإصابة في ذلك إذا كان ~~بقية الأسباب موجودة. والموانع مرتفعة. لا أن ذلك عن دليل مطرد لازما ms7522 أو ~~غالبا. وحذاق المنجمين يوافقون على ذلك. ويعرفون أن طالع البلاد لا # PageV25P200 # يستقيم الحكم به غالبا لمعارضة؛ طالع لوقت وغيره من الموانع ويقولون: إن ~~الأحكام مبناها على الحدس والوهم. فنبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفي ~~الأحكام من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك ويعلم بأدلة الشريعة ~~تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من الكتاب والحكمة ولهذا قال من قال إن كلام هؤلاء بين علوم ~~صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة ~~بها وأن بعض الظن إثم. ولقد صدق فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه في حساب ~~الدقائق والثواني كان غايته ما لا يفيد. وإنما تعبوا عليه لأجل الأحكام. ~~وهي ظنون كاذبة. أما الكلام في الشرعيات فإن كان علما كان فيه منفعة الدنيا ~~والآخرة وإن كان ظنا مثل الحكم بشهادة الشاهدين أو العمل بالدليل الظني ~~الراجح فهو عمل بعلم. وهو ظن يثاب عليه في الدنيا والآخرة. فالحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق. ~~آخر ما وجد. وصلى الله على محمد وآله وسلم. # PageV25P201 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة ولم يثبت عند حاكم المدينة: فهل ~~لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر التاسع. وإن كان في الباطن العاشر؟ # فأجاب: # نعم، يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة وإن كان في نفس الأمر ~~يكون عاشرا ولو قدر ثبوت تلك الرؤية. فإن في السنن عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم ~~يوم تضحون} أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه. وعن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الفطر يوم يفطر الناس ~~والأضحى يوم يضحي الناس} رواه الترمذي وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين ~~كلهم. فإن الناس لو ms7523 وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف # PageV25P202 # بالاتفاق وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم. ولو وقفوا الثامن خطأ ففي ~~الإجزاء نزاع. والأظهر صحة الوقوف أيضا وهو أحد القولين في مذهب مالك ومذهب ~~أحمد وغيره. قالت عائشة - رضي الله عنها - " إنما عرفة اليوم الذي يعرفه ~~الناس " وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر فقال ~~تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} والهلال اسم لما ~~يستهل به: أي يعلن به ويجهر به فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ~~ويستهلوا لم يكن هلالا. وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة فإن لم يشتهر بين الناس ~~لم يكن الشهر قد دخل وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة؟ لظنهم ~~أنه إذا طلع في السماء كانت تلك الليلة أول الشهر سواء ظهر ذلك للناس ~~واستهلوا به أو لا. وليس كذلك؛ بل ظهوره للناس واستهلالهم به لا بد منه؛ ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون ~~وأضحاكم يوم تضحون} أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم والفطر ~~والأضحى. فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم. وصوم اليوم الذي يشك فيه: هل ~~هو تاسع ذي الحجة. أو عاشر ذي الحجة؟ جائز بلا نزاع بين العلماء؛ # PageV25P203 # لأن الأصل عدم العاشر. كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان؛ هل طلع ~~الهلال؟ أم لم يطلع؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم المشكوك فيه باتفاق الأئمة. ~~وإنما يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة الشك في أول رمضان؛ لأن الأصل بقاء ~~شعبان. وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان: إحداهما: لو رأى هلال شوال ~~وحده أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم: هل يفطر؟ أم لا؟ والثانية: لو رأى هلال ~~ذي الحجة أو أخبره جماعة يعلم صدقهم هل يكون في حقه يوم عرفة ويوم النحر هو ~~التاسع والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر عند الناس؟ أو هو التاسع ~~والعاشر الذي اشتهر عند الناس؟ . فأما المسألة الأولى: فالمنفرد برؤية ms7524 هلال ~~شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء. إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض ~~وسفر وهل يفطر سرا على قولين للعلماء أصحهما لا يفطر سرا وهو مذهب مالك ~~وأحمد في المشهور في مذهبهما. وفيهما قول أنه يفطر سرا كالمشهور في مذهب ~~أبي حنيفة # PageV25P204 # والشافعي وقد روي أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأيا ~~هلال شوال فأفطر أحدهما ولم يفطر الآخر. فلما بلغ ذلك عمر قال: للذي أفطر ~~لولا صاحبك لأوجعتك ضربا. والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس وهو يوم ~~العيد والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن صومه فإنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر. وقال: ~~{أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم} . ~~فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون وينسك فيه المسلمون. وهذا ~~يظهر بالمسألة الثانية فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف قبل ~~الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن وإن كان بحسب رؤيته هو التاسع ~~وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف والذبح من مخالفة الجماعة ما في إظهاره ~~للفطر. وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال أو أخبره ثقتان أنهما رأيا ~~الهلال وهو العاشر بحسب ذلك ولم يثبت ذلك عند العامة وهو العاشر بحسب ~~الرؤية الخفية فهذا يخرج على ما تقدم. # PageV25P205 # فمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذي هو بحسب الرؤية الخفية من شوال ولم ~~يأمره. بالفطر سرا سوغ له صوم هذا اليوم واستحبه؛ لأن هذا هو يوم عرفة كما ~~أن ذلك من رمضان وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار. ومن أمره ~~بالفطر سرا لرؤيته نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل كهلال شوال الذي ~~انفرد برؤيته. فإن قيل قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصرا ~~لرده شهادة العدول إما لتقصيره. في البحث عن عدالتهم وإما رد شهادتهم ~~لعداوة ms7525 بينه وبينهم أو غير ذلك من الأسباب التي ليست بشرعية أو لاعتماده. ~~على قول المنجم الذي زعم أنه لا يرى. قيل: ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال ~~فيه بين الذي يؤتم به في رؤية الهلال مجتهدا مصيبا كان أو مخطئا أو مفرطا ~~فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر بحيث يتحرى الناس فيه. وقد ثبت في الصحيح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الأئمة: {يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ~~ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم} . فخطؤه وتفريطه عليه لا على المسلمين الذين ~~لم يفرطوا ولم يخطئوا. # PageV25P206 # ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على ~~حساب النجوم كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا ~~نحسب صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته} . والمعتمد على الحساب في الهلال كما ~~أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب. فإن ~~العلماء. بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي وإنما غاية الحساب ~~منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلا؛ لكن ~~الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله ~~وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال وانخفاضه وباختلاف صفاء. الجو ~~وكدره. وقد يراه بعض الناس لثمان درجات وآخر لا يراه لثنتي عشر درجة؛ ولهذا ~~تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا وأئمتهم: كبطليموس لم ~~يتكلموا في ذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. وإنما يتكلم فيه بعض ~~متأخريهم مثل كوشيار الديلمي وأمثاله. لما رأوا الشريعة علقت الأحكام ~~بالهلال فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه # PageV25P207 # الرؤية وليست طريقة مستقيمة ولا معتدلة بل خطؤها كثير وقد جرب وهم ~~يختلفون كثيرا: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا ~~يعلم بالحساب فأخطئوا طريق الصواب وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا ~~الموضع وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح كما ~~تكلمت على حد ms7526 اليوم أيضا وبينت أنه لا ينضبط بالحساب؛ لأن اليوم يظهر بسبب ~~الأبخرة المتصاعدة فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر إنما يصح ~~كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي تعلم ~~بالحساب. فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير والبخار يكون في الشتاء والأرض ~~الرطبة أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة. وكان ذلك لا ينضبط بالحساب ~~فسدت طريقة القياس الحسابي. ولهذا توجد حصة الفجر في زمان الشتاء أطول منها ~~في زمان الصيف. والآخذ بمجرد القياس الحسابي يشكل عليه ذلك لأن حصة الفجر ~~عنده تتبع النهار وهذا أيضا مبسوط في موضعه والله سبحانه أعلم. وصلى الله ~~على محمد. # PageV25P208 # وسئل - رحمه الله -: # عن المسافر في رمضان ومن يصوم ينكر عليه وينسب إلى الجهل. ويقال له الفطر ~~أفضل وما هو مسافة القصر: وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟ ؟ وهل يفطر ~~السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟ وما الفرق بين ~~سفر الطاعة وسفر المعصية؟ # فأجاب: # الحمد لله، الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين سواء كان سفر حج أو جهاد ~~أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله. وتنازعوا في ~~سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك على قولين مشهورين كما ~~تنازعوا في قصر الصلاة. فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنه يجوز فيه ~~الفطر مع القضاء # PageV25P209 # باتفاق الأئمة ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة سواء كان قادرا على ~~الصيام أو عاجزا وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق بحيث لو كان مسافرا في الظل ~~والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر. ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا ~~لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وكذلك من أنكر على المفطر ~~فإنه يستتاب من ذلك. ومن قال: إن المفطر عليه إثم فإنه يستتاب من ذلك فإن ~~هذه الأحوال خلاف كتاب الله وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلاف ~~إجماع الأمة. وهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين ms7527 والقصر أفضل له ~~من التربيع عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي في ~~أصح قوليه. ولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز ~~الصيام للمسافر فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في # PageV25P210 # السفر كالمفطر في الحضر وإنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي ويروى هذا ~~عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر. ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ليس من البر الصوم ~~في السفر} لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر كما ~~في الصحيحين عن {أنس قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ~~فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على ~~الصائم} وقد قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وفي المسند عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته} ~~وفي الصحيح {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني رجل أكثر الصوم ~~أفأصوم في السفر؟ فقال: إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس} . وفي حديث آخر " ~~{خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون} . وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه ~~ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل ~~والأقدام وهو ستة عشر فرسخا كما بين مكة وعسفان ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة: ~~مسيرة # PageV25P211 # ثلاثة أيام. وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. ~~وهذا قول قوي فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعرفة ~~ومزدلفة ومنى يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته لم يأمر أحدا ~~منهم بإتمام الصلاة. وإذا سافر في أثناء يوم فهل يجوز له الفطر؟ على قولين ~~مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد. أظهرهما: أنه يجوز ذلك. كما ms7528 ثبت في ~~السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه ويذكر أن ذلك سنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نوى الصوم في السفر ثم إنه دعا بماء فأفطر والناس ينظرون إليه} . وأما ~~اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور ~~الأئمة والأمة. وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم ففي وجوب الإمساك عليه ~~نزاع مشهور بين العلماء؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك. # PageV25P212 # ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه. كالتاجر الجلاب الذي ~~يجلب الطعام وغيره من السلع وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم. ~~وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين ونحوهم. وكذلك الملاح الذي له مكان ~~في البر يسكنه. فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه ولا يزال ~~مسافرا فهذا لا يقصر ولا يفطر. وأهل البادية: كأعراب العرب والأكراد والترك ~~وغيرهم الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان إذا كانوا في حال ظعنهم من ~~المشتى إلى المصيف ومن المصيف إلى المشتى: فإنهم يقصرون. وأما إذا نزلوا ~~بمشتاهم ومصيفهم لم يفطروا ولم يقصروا. وإن كانوا يتتبعون المراعي والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يكون مسافرا في رمضان ولم يصبه جوع ولا عطش ولا تعب: فما الأفضل له ~~الصيام؟ أم الإفطار؟ # PageV25P213 # فأجاب: أما المسافر فيفطر باتفاق المسلمين وإن لم يكن عليه مشقة والفطر ~~له أفضل. وإن صام جاز عند أكثر العلماء. ومنهم من يقول لا يجزئه. # وسئل: # عن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفي ذكر لجماعته أن عنده كتابا فيه أن الصيام ~~في شهر رمضان إذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة أو بعدها أو وقت السحور ~~وإلا فماله في صيامه أجر: فهل هذا صحيح؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، على كل مسلم يعتقد أن الصوم واجب عليه وهو يريد أن يصوم شهر ~~رمضان النية فإذا كان يعلم أن غدا من رمضان فلا بد أن ms7529 ينوي الصوم فإن النية ~~محلها القلب وكل من علم ما يريد فلا بد أن ينويه. والتكلم بالنية ليس واجبا ~~بإجماع المسلمين فعامة المسلمين إنما يصومون بالنية وصومهم صحيح بلا نزاع ~~بين العلماء والله أعلم. # PageV25P214 # وسئل شيخ الإسلام: # ما يقول سيدنا في صائم رمضان هل يفتقر كل يوم إلى نية؟ أم لا؟ # فأجاب: # كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفظ بالنية ~~أو لم يتلفظ. وهذا فعل عامة المسلمين كلهم ينوي الصيام. # وسئل: # عن غروب الشمس: هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟ # فأجاب: # إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في ~~الأفق. # PageV25P215 # وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد ~~أفطر الصائم} . # وسئل: # عما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان ماذا يكون؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر كما كان بلال يؤذن ~~قبل طلوع الفجر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكما يؤذن المؤذنون في ~~دمشق وغيرها قبل طلوع الفجر فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير. وإن ~~شك: هل طلع الفجر؟ أو لم يطلع؟ فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين الطلوع ولو علم ~~بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر ففي وجوب القضاء نزاع. والأظهر أنه لا قضاء ~~عليه وهو الثابت عن عمر وقال به طائفة # PageV25P216 # من السلف والخلف والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الأربعة والله أعلم. # وسئل: # عن رجل كلما أراد أن يصوم أغمي عليه ويزبد ويخبط فيبقى أياما لا يفيق حتى ~~يتهم أنه جنون. ولم يتحقق ذلك منه؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض فإنه يفطر ويقضي فإن كان ~~هذا يصيبه في أي وقت صام كان عاجزا عن الصيام فيطعم عن كل يوم مسكينا والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة حامل رأت ms7530 شيئا شبه الحيض والدم مواظبها وذكر القوابل أن المرأة ~~تفطر لأجل منفعة الجنين ولم يكن بالمرأة ألم: فهل # PageV25P217 # يجوز لها الفطر؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تفطر وتقضي عن كل يوم يوما وتطعم ~~عن كل يوم مسكينا رطلا من خبز بأدمه والله أعلم. # PageV25P218 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # فصل: # فيما يفطر الصائم وما لا يفطره وهذا نوعان: # منه ما يفطر بالنص والإجماع وهو الأكل والشرب والجماع قال تعالى: {فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم # PageV25P219 # وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} فأذن في المباشرة فعقل من ذلك أن المراد الصيام من ~~المباشرة والأكل والشرب ولما قال أولا: {كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم} كان معقولا عندهم أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب ~~والجماع ولفظ " الصيام " كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه كما في ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها " أن يوم عاشوراء كان يوما تصومه قريش في ~~الجاهلية ". وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان أمر بصوم يوم ~~عاشوراء وأرسل مناديا ينادي بصومه فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفا ~~عندهم. وكذلك ثبت بالسنة واتفاق المسلمين أن دم الحيض ينافي الصوم فلا تصوم ~~الحائض لكن تقضي الصيام. وثبت بالسنة أيضا من حديث {لقيط بن صبرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما} فدل على ~~أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم وهو قول جماهير العلماء. # PageV25P220 # وفي السنن حديثان: أحدهما حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ms7531 أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من ذرعه قيء ~~وهو صائم فليس عليه قضاء. وإن استقاء فليقض} وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة ~~من أهل العلم بل قالوا: هو من قول أبي هريرة قال أبو داود: سمعت أحمد بن ~~حنبل قال: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ وقال ~~الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلا عن عيسى بن يونس ~~قال: وما أراه محفوظا. قال: وروى يحيى بن كثير عن عمر بن الحكم أن أبا ~~هريرة كان لا يرى ### | القيء # يفطر الصائم. قال الخطابي: وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه. عن هشام ~~كما رواه عيسى بن يونس. قال: ولا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه ~~القيء فإنه لا قضاء عليه ولا في أن من استقاء عامدا فعليه القضاء ولكن ~~اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم: ليس عليه غير القضاء وقال عطاء: ~~عليه القضاء والكفارة وحكي عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور. # PageV25P221 # قلت وهو مقتضى إحدى الروايتين عن أحمد في إيجابه الكفارة على المحتجم ~~فإنه إذا أوجبها على المحتجم فعلى المستقيء أولى لكن ظاهر مذهبه أن الكفارة ~~لا تجب بغير الجماع كقول الشافعي. والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم ~~من وجه يعتمدونه وقد أشاروا: إلى علته وهو انفراد عيسى بن يونس وقد ثبت أنه ~~لم ينفرد به بل وافقه عليه حفص بن غياث والحديث الأخير يشهد له وهو ما رواه ~~أحمد وأهل السنن كالترمذي عن أبي الدرداء " {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاء فأفطر} فذكرت ذلك لثوبان فقال: صدق أنا صببت له وضوءا لكن لفظ أحمد " ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ} . رواه. أحمد عن حسين المعلم. ~~قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث فقال: حسين المعلم يجوده ~~وقال الترمذي: حديث حسين أرجح شيء في هذا الباب وهذا قد استدل به على وجوب ~~الوضوء ms7532 من القيء ولا يدل على ذلك فإنه إذا أراد بالوضوء الوضوء الشرعي فليس ~~فيه إلا أنه توضأ والفعل المجرد لا يدل على الوجوب بل يدل على أن الوضوء من ~~ذلك مشروع. فإذا قيل إنه مستحب كان فيه عمل بالحديث. # PageV25P222 # وكذلك ما روي عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج ليس في شيء منه ~~دليل على الوجوب بل يدل على الاستحباب. وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على ~~وجوب ذلك كما قد بسط في موضعه بل قد روى الدارقطني وغيره عن حميد عن أنس ~~قال: {احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ ولم يزد على غسل ~~محاجمه} ورواه ابن الجوزي في " حجة المخالف " ولم يضعفه وعادته الجرح بما ~~يمكن. وأما الحديث الذي يروى " {ثلاث لا تفطر: القيء والحجامة والاحتلام} ~~وفي لفظ " {لا يفطرن لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم} فهذا إسناده ~~الثابت ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~هكذا رواه. أبو داود وهذا الرجل لا يعرف. وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن عبد ~~الرحمن ضعيف عند أهل العلم بالرجال. (قلت روايته عن زيد من وجهين مرفوعا لا ~~يخالف روايته # PageV25P223 # المرسلة بل يقويها والحديث ثابت عن زيد بن أسلم؛ لكن هذا فيه " {إذا ذرعه ~~القيء} . وأما حديث الحجامة فإما أن يكون منسوخا وإما أن يكون ناسخا لحديث ~~ابن عباس " {أنه احتجم وهو محرم صائم} أيضا ولعل فيه القيء إن كان متناولا ~~للاستقاءة هو أيضا منسوخ. وهذا يؤيد أن النهي عن الحجامة هو المتأخر فإنه ~~إذا تعارض نصان ناقل وباق على الاستصحاب فالناقل هو الراجح في أنه الناسخ ~~ونسخ أحدهما يقوي نسخ قرينه ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا وقال يحيى ~~بن معين: حديث زيد بن ms7533 أسلم ليس بشيء ولو قدر صحته لكان المراد من ذرعه ~~القيء. فإنه قرنه بالاحتلام ومن احتلم بغير اختياره كالنائم لم يفطر باتفاق ~~الناس. وأما من استمنى فأنزل فإنه يفطر ولفظ الاحتلام إنما يطلق على من ~~احتلم في منامه. وقد ظن طائفة أن القياس أن لا يفطر شيء من الخارج وأن ~~المستقيء إنما أفطر لأنه مظنة رجوع بعض الطعام وقالوا إن فطر الحائض على ~~خلاف القياس. وقد بسطنا في الأصول أنه ليس في الشريعة # PageV25P224 # شيء على خلاف القياس الصحيح. فإن قيل: فقد ذكرتم أن من أفطر عامدا بغير ~~عذر كان فطره من الكبائر وكذلك من فوت صلاة النهار إلى الليل عامدا من غير ~~عذر كان تفويته لها من الكبائر وأنها ما بقيت تقبل منه على أظهر قولي ~~العلماء كمن فوت الجمعة ورمى الجمار وغير ذلك من العبادات المؤقتة وهذا قد ~~أمره بالقضاء. وقد روي في حديث المجامع في رمضان أنه أمره بالقضاء؟ قيل هذا ~~إنما أمره بالقضاء لأن الإنسان إنما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوى بالقيء أو ~~يتقيأ لأنه أكل ما فيه شبهة كما تقيأ أبو بكر من كسب المتكهن. وإذا كان ~~المتقيئ معذورا كان ما فعله جائزا وصار من جملة المرضى الذين يقضون ولم يكن ~~من أهل الكبائر الذين أفطروا بغير عذر. وأما أمره للمجامع بالقضاء فضعيف ~~ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ولو كان أمره ~~بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه ولما لم # PageV25P225 # يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولا منه. وهذا يدل على أنه كان ~~متعمدا للفطر لم يكن ناسيا ولا جاهلا. والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره ويذكر ثلاث روايات عنه: أحدهما: لا قضاء عليه ولا كفارة ~~وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين. والثانية: عليه القضاء بلا كفارة ~~وهو قول مالك. والثالثة: عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد. والأول ms7534 أظهر ~~كما قد بسط في موضعه فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظورا ~~مخطئا أو ناسيا لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله فلا ~~يكون عليه إثم ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيا ولا مرتكبا لما نهي عنه وحينئذ ~~فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهي عنه. ومثل هذا لا يبطل عبادته إنما ~~يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه. وطرد هذا أن الحج ~~لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيا ولا مخطئا لا الجماع ولا غيره. وهو ~~أظهر قولي الشافعي. # PageV25P226 # وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان ~~المتلف بمثله كما لو أتلفه صبي أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك وجزاء الصيد إذا ~~وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية المقتول خطأ والكفارة ~~الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين. وأما سائر المحظورات فليست ~~من هذا الباب وتقليم الأظفار وقص الشارب والترفه المنافي للتفث كالطيب ~~واللباس. ولهذا كانت فديتها من جنس فدية المحظورات ليست بمنزلة الصيد ~~المضمون بالبدل. فأظهر الأقوال في الناسي والمخطئ إذا فعل محظورا ألا يضمن ~~من ذلك إلا الصيد. وللناس فيه أقوال هذا أحدها وهو قول أهل الظاهر. والثاني ~~يضمن الجميع مع النسيان كقول أبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد واختاره ~~القاضي وأصحابه. والثالث يفرق بين ما فيه إتلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم ~~وما ليس فيه إتلاف كالطيب واللباس وهذا قول الشافعي وأحمد في الرواية ~~الثانية واختارها طائفة من أصحابه وهذا القول أجود من # PageV25P227 # غيره؛ لكن إزالة الشعر والظفر ملحق باللباس والطيب لا بقتل الصيد هذا ~~أجود. والرابع إن قتل الصيد خطأ لا يضمنه وهو رواية عن أحمد فخرجوا عليه ~~الشعر والظفر بطريق الأولى. وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب أو ~~جامع ناسيا أو مخطئا فلا قضاء. عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف ومنهم ~~من يفطر الناسي ms7535 والمخطئ كمالك وقال أبو حنيفة: هذا هو القياس لكن خالفه ~~لحديث أبي هريرة في الناسي ومنهم من قال لا يفطر الناسي ويفطر المخطئ وهو ~~قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد فأبو حنيفة جعل الناسي موضع استحسان وأما ~~أصحاب الشافعي وأحمد فقالوا النسيان لا يفطر لأنه لا يمكن الاحتراز منه ~~بخلاف الخطأ فإنه يمكنه أن لا يفطر حتى يتيقن غروب الشمس وأن يمسك إذا شك ~~في طلوع الفجر. وهذا التفريق ضعيف والأمر بالعكس. فإن السنة للصائم أن يعجل ~~الفطر ويؤخر السحور ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا ~~بعد أن يذهب وقت طويل جدا يفوت مع المغرب # PageV25P228 # ويفوت معه تعجيل الفطور والمصلي مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها فإذا غلب ~~على ظنه غروب الشمس أمر بتأخير المغرب إلى حد اليقين فربما يؤخرها حتى يغيب ~~الشفق وهو لا يستيقن غروب الشمس وقد جاء عن إبراهيم النخعي وغيره من السلف ~~وهو مذهب أبي حنيفة أنهم كانوا يستحبون في الغيم تأخير المغرب وتعجيل ~~العشاء وتأخير الظهر وتقديم العصر وقد نص على ذلك أحمد وغيره وقد علل ذلك ~~بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت وليس كذلك؛ فإن هذا خلاف الاحتياط في وقت ~~العصر والعشاء وإنما سن ذلك لأن هاتين الصلاتين يجمع بينهما العذر وحال ~~الغيم حال عذر فأخرت الأولى من صلاتي الجمع وقدمت الثانية لمصلحتين. ~~إحداهما التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة لأجل خوف المطر كالجمع ~~بينهما مع المطر. والثانية أن يتيقن دخول وقت المغرب وكذلك يجمع بين الظهر ~~والعصر على أظهر القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويجمع بينهما للوحل ~~الشديد والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك في أظهر قولي العلماء وهو قول مالك ~~وأظهر القولين في مذهب أحمد. # PageV25P229 # الثاني أن الخطأ في تقديم العصر والعشاء أولى من الخطأ في تقديم الظهر ~~والمغرب فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال بخلاف تينك فإنه يجوز فعلهما ~~في وقت الظهر والمغرب لأن ذلك وقت لهما حال العذر وحال الاشتباه حال عذر ~~فكان الجمع بين الصلاتين ms7536 مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك. وهذا فيه ما ~~ذكره أصحاب المأخذ الأول من الاحتياط؛ لكنه احتياط مع تيقن الصلاة في الوقت ~~المشترك ألا ترى أن الفجر لم يذكروا فيها هذا الاستحباب ولا في العشاء ~~والعصر ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا في الفجر ثم يطرد في ~~العصر والعشاء. وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتبكير ~~بالعصر في يوم الغيم فقال: " {بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك صلاة ~~العصر فقد حبط عمله} . فإن قيل. فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم ~~فكذلك يؤخر الفطور قيل: إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء بحيث يصليهما ~~قبل مغيب الشفق فأما تأخيرها إلى أن يخاف مغيب الشفق فلا يستحب ولا يستحب ~~تأخير الفطور إلى هذه الغاية. ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع ~~التقديم في وقت # PageV25P230 # المغرب ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق بل هذا حرج عظيم ~~على الناس وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون. وأيضا فليس التأخير ~~والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين؛ بل أن يؤخر الظهر ويقدم العصر ولو ~~كان بينهما فصل في الزمان. وكذلك في المغرب والعشاء بحيث يصلون الواحدة ~~وينتظرون الأخرى لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت ثم رجوع وكذلك جواز الجمع ~~لا يشترط له الموالاة في أصح القولين كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع. ~~وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري عن {أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يوما من ~~رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس} . وهذا ~~يدل على شيئين: على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب؛ ~~فإنهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة مع ~~نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. والثاني لا يجب القضاء فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ~~ينقل ذلك دل على إنه ms7537 لم يأمرهم به. فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا ~~بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟ . # PageV25P231 # قيل: هشام قال ذلك برأيه لم يرو ذلك في الحديث ويدل على أنه لم يكن عنده ~~بذلك علم: أن معمرا روى عنه قال: سمعت هشاما قال: لا أدري أقضوا أم لا؟ ذكر ~~هذا وهذا عنه البخاري والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء. وقد ~~نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء وعروة أعلم من ابنه وهذا قول ~~إسحاق بن راهويه - وهو قرين أحمد بن حنبل ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه ~~وقولهما كثيرا ما يجمع بينه. والكوسج سأل مسائله لأحمد وإسحاق وكذلك حرب ~~الكرماني سأل مسائله لأحمد وإسحاق وكذلك غيرهما؛ ولهذا يجمع الترمذي قول ~~أحمد وإسحاق فإنه روى قولهما من مسائل الكوسج. وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم ~~وابن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والسنة والحديث وكانوا يتفقهون على ~~مذهب أحمد وإسحاق يقدمون قولهما على أقوال غيرهما وأئمة الحديث كالبخاري ~~ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم هم أيضا من أتباعهما وممن يأخذ العلم ~~والفقه عنهما وداود من أصحاب إسحاق. وقد كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن إسحاق ~~يقول: أنا أسأل # PageV25P232 # عن إسحاق؟ إسحاق يسأل عني والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ~~ثور ومحمد بن نصر المروزي وداود بن علي ونحو هؤلاء كلهم فقهاء الحديث رضي ~~الله عنهم أجمعين. وأيضا فإن الله قال في كتابه {وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} وهذه الآية مع الأحاديث ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه مأمور بالأكل إلى أن يظهر ~~الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل كما قد بسط في موضعه. # فصل: # وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا ~~مما تنازع فيه أهل العلم فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ومنهم من فطر ~~بالجميع لا بالكحل ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ومنهم من لم يفطر ~~بالكحل ولا ms7538 بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. # PageV25P233 # والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك. فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج ~~إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في ~~الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك ~~لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل ~~العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا ~~مسندا ولا مرسلا - علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك. والحديث المروي في الكحل ~~ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره. ولا هو في مسند أحمد ولا سائر ~~الكتب المعتمدة. قال أبو داود: حدثنا النفيلي ثنا علي بن ثابت حدثني عبد ~~الرحمن بن النعمان ثنا معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم. وقال: ليتقه الصائم} قال أبو ~~داود: وقال يحيى بن معين: هذا حديث منكر. قال [المنذري] (*) وعبد الرحمن: ~~قال يحيى بن معين: ضعيف وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق لكن من الذي يعرف ~~أباه. وعدالته وحفظه؟ وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف وهو ما رواه ~~الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال: {جاء رجل إلى النبي PageV25P234 # صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال نعم} قال ~~الترمذي: ليس بالقوي ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ~~شيء. وفيه أبو عاتكة. قال البخاري: منكر الحديث. والذين قالوا: إن هذه ~~الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس وأقوى ما احتجوا به ~~قوله " {وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما} قالوا: فدل ذلك على أن ما ~~وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه ~~بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في ms7539 موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو ~~جوفه. والذين استثنوا التقطير قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه وإنما يرشح ~~رشحا فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه. والذين استثنوا الكحل ~~قالوا: العين ليست كالقبل والدبر ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن ~~والماء. والذين قالوا الكحل يفطر قالوا: إنه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه # PageV25P235 # الصائم لأن في داخل العين منفذا إلى داخل الحلق. وإذا كان عمدتهم هذه ~~الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه: أحدها أن ~~القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته فقد قلنا في الأصول: إن الأحكام ~~الشرعية كلها بينتها النصوص أيضا وإن دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه ~~النص دلالة خفية فإذا علمنا بإن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ~~ليس بحرام ولا واجب. وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد ونحن نعلم أنه ~~ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التي ذكرها بعض أهل ~~الفقه فعلمنا أنها ليست مفطرة. الثاني أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى ~~معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولا بد أن ~~تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وهذا كما يعلم أنه لم ~~يفرض صيام شهر غير رمضان ولا حج بيت غير البيت الحرام ولا صلاة مكتوبة غير ~~الخمس ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال ولا أوجب الوضوء من الفزع ~~العظيم وإن كان في مظنة خروج الخارج ولا سن # PageV25P236 # الركعتين بعد الطواف بين الصفا والمروة كما سن الركعتين بعد الطواف ~~بالبيت وبهذا يعلم أن المني ليس بنجس لأنه لم ينقل عن أحد بإسناد يحتج به ~~أنه أمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني مع عموم البلوى بذلك بل ~~أمر الحائض أن تغسل قميصها من دم الحيض مع قلة الحاجة إلى ذلك ولم يأمر ~~المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني. والحديث الذي يرويه بعض الفقهاء " ~~{يغسل الثوب من البول والغائط ms7540 والمني والمذي والدم} ليس من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها ولا رواه أحد ~~من أهل العلم بالحديث بإسناد يحتج به. وإنما روي عن عمار وعائشة من قولهما. ~~وغسل عائشة للمني من ثوبه وفركها إياه لا يدل على وجوب ذلك فإن الثياب تغسل ~~من الوسخ والمخاط والبصاق والوجوب إنما يكون بأمره لا سيما ولم يأمر هو ~~سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك ولا نقل أنه أمر عائشة بذلك بل أقرها على ~~ذلك فدل على جوازه أو حسنه واستحبابه. # PageV25P237 # وأما الوجوب فلا بد له من دليل. وبهذه. الطرق يعلم أيضا أنه لم يوجب ~~الوضوء من لمس النساء ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين فإنه لم ~~ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك مع العلم بأن الناس كانوا لا ~~يزالون يحتجمون ويتقيئون ويجرحون في الجهاد وغير ذلك وقد قطع عرق بعض ~~أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه ~~بالتوضؤ من ذلك. وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة ~~ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك والقرآن لا يدل على ذلك؛ ~~بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه. وأمره بالوضوء من مس الذكر ~~إنما هو استحباب إما مطلقا وإما إذا حرك الشهوة وكذلك يستحب لمن لمس النساء ~~فتحركت شهوته أن يتوضأ وكذلك من تفكر فتحركت شهوته فانتشر وكذلك من مس ~~الأمرد أو غيره فانتشر. فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب ~~وهذا مستحب لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن # PageV25P238 # الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب ~~أحدكم فليتوضأ} وكذلك الشهوة الغالبة هي من الشيطان والنار والوضوء يطفئها ~~فهو يطفئ حرارة الغضب. والوضوء من هذا مستحب. وكذلك أمره بالوضوء مما مسته ~~النار أمر استحباب لأن ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ. فإن النار تطفأ ~~بالماء. ms7541 وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ. بل النصوص تدل على أنه ليس ~~بواجب واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال: من قول من يوجبه وقول من يراه ~~منسوخا. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وكذلك بهذه الطريق يعلم أن ~~بول ما يؤكل لحمه وروثه ليس بنجس فإن هذا مما تعم به البلوى والقوم كانوا ~~أصحاب إبل وغنم يقعدون ويصلون في أمكنتها وهي مملوءة من أبعارها فلو كانت ~~بمنزلة المراحيض كانت تكون حشوشا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم ~~باجتنابها وأن لا يلوثوا أبدانهم وثيابهم بها ولا يصلون فيها. فكيف وقد ~~ثبتت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في مرابض ~~الغنم وأمر بالصلاة في مرابض الغنم ونهى # PageV25P239 # عن الصلاة في معاطن الإبل فعلم أن ذلك ليس لنجاسة الأبعار بل كما أمر ~~بالتوضؤ من لحوم الإبل وقال في الغنم: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ " ~~وقال " {إن الإبل خلقت من جن وإن على ذروة كل بعير شيطانا} وقال " {الفخر ~~والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أهل الغنم} . فلما كانت ~~الإبل فيها من الشيطنة ما لا يحبه الله ورسوله أمر بالتوضؤ من لحمها فإن ~~ذلك يطفئ تلك الشيطنة ونهى عن الصلاة في أعطانها لأنها مأوى الشياطين كما ~~نهى عن الصلاة في الحمام لأنها مأوى الشياطين. فإن مأوى الأرواح الخبيثة ~~أحق بأن تجتنب الصلاة فيه وفي موضع الأجسام الخبيثة بل الأرواح الخبيثة تحب ~~الأجسام الخبيثة. ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين والصلاة فيها ~~أولى بالنهي من الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل والصلاة على الأرض النجسة. ~~ولم يرد في الحشوش نص خاص؛ لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج ~~إلى بيان؛ ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش ولا يصلي فيها ~~وكانوا ينتابون البرية لقضاء حوائجهم # PageV25P240 # قبل أن تتخذ الكنف في بيوتهم. وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام أو ~~أعطان الإبل علموا أن النهي عن الصلاة في الحشوش أولى وأحرى مع أنه ms7542 قد روي ~~الحديث الذي فيه " {النهي عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحشوش ~~وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وظهر بيت الله الحرام} . وأصحاب الحديث ~~متنازعون فيه. وأصحاب أحمد فيه على قولين: منهم من يرى هذه. من مواضع النهي ~~ومنهم من يقول لم أجد في هذا الحديث ولم أجد في كلام أحمد في ذلك إذنا ولا ~~منعا مع أنه قد كره الصلاة في مواضع العذاب. نقله عنه ابنه عبد الله؛ ~~للحديث المسند في ذلك عن علي الذي رواه أبو داود وإنما نص على الحشوش ~~وأعطان الإبل والحمام وهذه الثلاثة هي التي ذكرها الخرقي وغيره. والحكم في ~~ذلك عند من يقول به قد يثبته بالقياس على موارد النص وقد يثبته بالحديث ومن ~~فرق يحتاج إلى الطعن في الحديث وبيان الفارق. وأيضا المنع قد يكون منع ~~كراهة وقد يكون منع تحريم. وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن ~~يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولا بد أن تنقل الأمة ذلك: ~~فمعلوم # PageV25P241 # أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور ~~والطيب. فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين ~~الإفطار بغيره فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن ~~والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجساما والدهن يشربه ~~البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة فلما ~~لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وادهانه وكذلك اكتحاله. ~~وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدهم إما في الجهاد ~~وإما في غيره مأمومة وجائفة فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك فلما لم ينه ~~الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرا. (الوجه الثالث إثبات التفطير ~~بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع ~~وإما بإلغاء الفارق فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعدى بها إلى ~~الفرع وإما أن ms7543 يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع وهذا ~~القياس هنا منتف. وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله ~~الله # PageV25P242 # ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن أو ما كان داخلا من منفذ ~~أو واصلا إلى الجوف. ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل ~~هي مناط الحكم عند الله ورسوله ويقولون إن الله ورسوله إنما جعلا الطعام ~~والشراب مفطرا لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب ومما يصل إلى الدماغ ~~والجوف من دواء المأمومة والجائفة وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة ~~والتقطير في الإحليل ونحو ذلك. وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم ~~بهذا الوصف دليل كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرا لهذا ~~قولا بلا علم وكان قوله: " إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا " قولا بأن ~~هذا حلال وهذا حرام بلا علم وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم وهذا لا ~~يجوز. ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو بمنزلة من اعتقد ~~صحة مذهب لم يكن صحيحا أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول وهذا اجتهاد ~~يثابون عليه ولا يلزم أن يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها. # PageV25P243 # الوجه الرابع أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم ~~إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين وحيث ~~أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد عند من يقول به فلا ~~بد من السبر فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول الحكم بهذا ~~دون هذا. ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع ~~والحيض والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق ~~إذا كان صائما وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم وهو قياس ضعيف ~~وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه فحصل ms7544 له بذلك ~~ما يحصل للشارب بفمه ويغذي بدنه من ذلك الماء ويزول العطش ويطبخ الطعام في ~~معدته كما يحصل بشرب الماء فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس ~~الشرب فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم وذلك غير معتبر بل دخول ~~الماء إلى الفم وحده لا يفطر فليس هو مفطرا ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره ~~بل هو طريق إلى الفطر وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة. ~~فإن الكحل لا يغذي ألبتة ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه # PageV25P244 # وكذلك الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئا من المسهلات ~~أو فزع فزعا أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة والدواء الذي يصل إلى ~~المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه والله ~~سبحانه قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} وقال صلى الله ~~عليه وسلم " {الصوم جنة} وقال: " {إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ~~فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم} . فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب ~~التقوي. فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان ~~إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل ولا ما يقطر في الذكر ولا ما ~~يداوي به المأمومة والجائفة وهو متولد عما استنشق من الماء لأن الماء مما ~~يتولد منه الدم فكان المنع منه من تمام الصوم. فإذا كانت هذه. المعاني ~~وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع فدعواهم أن الشارع علق الحكم ~~بما ذكروه من الأوصاف # PageV25P245 # معارض بهذه الأوصاف والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين أن ~~الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا. الوجه الخامس أنه ثبت بالنص والإجماع ~~منع الصائم من الأكل والشرب والجماع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم} ولا ريب أن الدم يتولد ~~من الطعام والشراب ms7545 وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين؛ ولهذا قال: " ~~{فضيقوا مجاريه بالجوع} وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعا. ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت ~~الشياطين} فإن مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت وإذا ضاقت انبعثت القلوب ~~إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة وإلى ترك المنكرات التي بها ~~تفتح أبواب النار وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم فلم يستطيعوا ~~أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره ولم يقل إنهم قتلوا ولا ~~ماتوا بل قال: " صفدت " والمصفد من الشياطين قد يؤذي لكن هذا أقل وأضعف مما ~~يكون في غير رمضان فهو بحسب كمال الصوم ونقصه فمن كان صومه كاملا دفع ~~الشيطان دفعا لا يدفعه دفع الصوم الناقص فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم ~~من الأكل # PageV25P246 # والشرب والحكم ثابت على وفقه وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف ~~وتأثيره وهذا المنع منتف في الحقنة والكحل وغير ذلك. فإن قيل: بل الكحل قد ~~ينزل إلى الجوف ويستحيل دما. قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من ~~الأنف إلى الدماغ فيستحيل دما وكالدهن الذي يشربه الجسم. والممنوع منه إنما ~~هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على البدن. ونجعل هذا (وجها سادسا ~~فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك لجامع ما يشتركان ~~فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دما وهذا الوصف هو ~~الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة وهذا موجود في محل النزاع. والفرع ~~قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما يشبهه من الصفات. فإن قيل: هذا تطبخه ~~المعدة ويستحيل دما ينمو عنه البدن لكنه غذاء ناقص فهو كما لو أكل سما أو ~~نحوه مما يضره وهو بمنزلة من # PageV25P247 # أكل أكلا كثيرا أورثه تخمة ومرضا فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد؛ لأنه ~~ممنوع عنه في الإفطار وبقي الصوم أوكد وهذا كمنعه من الزنا فإنه ms7546 إذا منع من ~~الوطء المباح فالمحظور أولى. فإن قيل: فالجماع مفطر وهذه العلة منتفية فيه؟ ~~قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع فلا يحتاج إثباتها إلى القياس: بل ~~يجوز أن يكون العلل مختلفة فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة. ~~وتحريم الجماع والفطر به لحكمة والفطر بالحيض لحكمة فإن الحيض لا يقال فيه ~~إنه يحرم وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية ~~تحرم على العبد كالأكل والجماع وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض كذلك ~~تنقسم عللها. فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري ~~مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء الله تعالى - فإنه من ~~نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب ومن جهة أنه إحدى الشهوتين فجرى ~~مجرى الأكل والشرب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {عن ~~الله تعالى: قال: الصوم لي وأنا أجزي # PageV25P248 # به يدع شهوته وطعامه من أجلي} فترك الإنسان ما يشتهيه لله هو عبادة ~~مقصودة يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ~~ونحو ذلك من نعيم البدن والجماع من أعظم نعيم البدن وسرور النفس وانبساطها ~~هو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل فإذا كان الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم. والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه فإذا أكل أو شرب انبسطت ~~نفسه إلى الشهوات وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات فهذا المعنى في الجماع ~~أبلغ فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم؛ بل ~~الجماع هو غاية الشهوات وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب ولهذا أوجب على ~~المجامع كفارة الظهار فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع ~~لأن هذا أغلظ وداعيه أقوى والمفسدة به أشد. فهذا أعظم الحكمتين في تحريم ~~الجماع. وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة أخرى فصار فيهما كالأكل ~~والحيض وهو في ذلك أبلغ منهما فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل ~~والحيض. فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس فنقول: إن الشرع ms7547 جاء ~~بالعدل في كل شيء. والإسراف في العبادات من الجور # PageV25P249 # الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد في العبادات؛ ولهذا أمر بتعجيل الفطر ~~وتأخير السحور ونهى عن الوصال وقال: " {أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود ~~عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى} فالعدل في ~~العبادات من أكبر مقاصد الشارع؛ ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية. فجعل تحريم الحلال من الاعتداء ~~المخالف للعدل وقال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} فلما كانوا ~~ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات؛ بخلاف الأمة الوسط العدل فإنه أحل ~~لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث. وإذا كان كذلك فالصائم قد نهي عن أخذ ما ~~يقويه ويغذيه من الطعام والشراب فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي ~~بها يتغذى وإلا فإذا مكن من هذا ضره وكان متعديا في عبادته لا عادلا. ~~والخارجات نوعان: نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على وجه لا يضره ~~فهذا لا يمنع منه كالأخبثين فإن خروجهما لا يضره ولا يمكنه الاحتراز منه ~~أيضا. ولو استدعى خروجهما فإن خروجهما لا يضره بل ينفعه. وكذلك إذا ذرعه ~~القيء لا يمكنه الاحتراز منه وكذلك الاحتلام # PageV25P250 # في المنام لا يمكنه الاحتراز منه وأما إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى ~~به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة وكذلك الاستمناء مع ما فيه من ~~الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم فهو يخرج الدم ~~الذي يتغذى به ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر. ~~والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات ~~الدم في حال لا يخرج فيها دمها فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا لا ~~يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته وصومها في الحيض يوجب أن يخرج ~~فيه دمها الذي هو مادتها ms7548 ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال ~~فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض. بخلاف المستحاضة؛ فإن الاستحاضة تعم ~~أوقات الزمان وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه: ~~كذرع القيء وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت ~~محدد يمكن الاحتراز منه. فلم يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض. # PageV25P251 # وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك فإن العلماء متنازعون في ~~الحجامة هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: " {أفطر الحاجم والمحجوم} كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد ~~كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم وكان منهم من لا يحتجم إلا بالليل. ~~وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين. والقول بأن ~~الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن ~~خزيمة وابن المنذر وغيرهم. وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس ~~باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ~~ثبت في الصحيح " {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم} وأحمد ~~وغيره طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله: " {وهو صائم} وقالوا: الثابت أنه ~~احتجم وهو محرم قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث ~~مقسم في الحجامة للصائم يعني حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس " {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم} . # PageV25P252 # قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن ~~عباس " {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم} فقال: ليس بصحيح ~~وقد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله رد هذا ~~الحديث فضعفه وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر فكان بعد يحدث ~~من كتب غلامه وكان هذا من تلك. (وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن ~~سفيان عن حماد عن سعيد ms7549 بن جبير عن ابن عباس إلخ فقال: هو خطأ من قبل قبيصة) ~~(*) . وسألت يحيى عن قبيصة فقال: رجل صدق والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن ~~سعيد خطأ من قبله. قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: " {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم} فقال ليس فيه " صائم " إنما هو " محرم ~~" ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس " {احتجم النبي صلى ~~الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم} وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس وعن ~~عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله وهؤلاء ~~أصحاب ابن عباس لا يذكرون " صائما ". PageV25P253 # قلت: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ~~ومسلم ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم ولم يثبت إلا حجامة ~~المحرم. وتأولوا أحاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة كقولهم: كانا يغتابان ~~وقولهم أفطر لسبب آخر. وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره أن هذا منسوخ ~~فإن هذا القول كان في رمضان واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك لأن الإحرام بعد ~~رمضان. وهذا أيضا ضعيف بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة ست عام الحديبية ~~بعمرة في ذي القعدة وأحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة وأحرم ~~من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة وأحرم سنة عشر ~~بحجة الوداع في ذي القعدة فاحتجامه صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم لم ~~يبين في أي الإحرامات كان. والذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل ~~فتح مكة: قوله " {أفطر الحاجم والمحجوم} فإنه كان عام الفتح بلا ريب هكذا ~~في أجود الأحاديث. وروى أحمد بإسناده عن ثوبان {أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان قال أفطر الحاجم والمحجوم} . # PageV25P254 # وقال أحمد: أنبأنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن الأشعث عن ~~شداد بن أوس. أنه مر مع النبي صلى الله ms7550 عليه وسلم زمن الفتح على رجل محتجم ~~بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال " {أفطر الحاجم والمحجوم} وقال ~~الترمذي: سألت البخاري فقال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس ~~وحديث ثوبان فقلت: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح لأن يحيى ~~بن سعيد روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن أبي الأشعث عن شداد ~~الحديثين جميعا. قلت: وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا ~~الحديثين اللذين رواهما أبو قلابة - إلى أن قال - ومما يقوي أن الناسخ هو ~~الفطر بالحجامة أن ذلك رواه عنه خواص أصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرا ~~وسفرا ويطلعون على باطن أمره مثل بلال وعائشة ومثل أسامة وثوبان مولياه ~~ورواه عنه الأنصار الذين هم بطانته مثل رافع بن خديج وشداد بن أوس وفي مسند ~~أحمد عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {أفطر الحاجم ~~والمحجوم} قال أحمد: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع وذكر أحاديث " {أفطر ~~الحاجم والمحجوم} إلى أن قال: ثم اختلفوا على أقوال. # PageV25P255 # أحدها: يفطر المحجوم دون الحاجم ذكره الخرقي؛ لكن المنصوص عن أحمد وجمهور ~~أصحابه الإفطار بالأمرين والنص دال على ذلك فلا سبيل إلى تركه. والثاني: ~~أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم ولا يفطر بالافتصاد ونحوه لأنه ~~لا يسمى احتجاما وهذا قول القاضي وأصحابه فالتشريط في الآذان هل هو داخل في ~~مسمى الحجامة؟ تنازع فيه المتأخرون. فبعضهم يقول: التشريط كالحجامة يقوله ~~شيخنا أبو محمد المقدسي وعليه يدل كلام العلماء قاطبة فليس منهم من خص ~~التشريط بذكر ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه كما ذكروا الفصاد. ~~فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة وقال شيخنا أبو محمد: هذا هو الصواب. ~~إلى أن قال: والرابع: وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير ~~العالم العادل وغيره أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما وذلك لأن المعنى ~~الموجود في الحجامة موجود في الفصاد شرعا وطبعا وحيث حض النبي صلى الله ms7551 ~~عليه وسلم على الحجامة وأمر بها فهو حض على ما في معناها من الفصاد وغيره؛ ~~لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة فيها دم البدن # PageV25P256 # فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة. والأرض الباردة يغور الدم فيها إلى ~~العروق هربا من البرد فإن شبه الشيء منجذب إليه كما تسخن الأجواف في الشتاء ~~وتبرد في الصيف فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد وقطع العروق كما للبلاد ~~الحارة الحجامة لا فرق بينهما في شرع ولا عقل. وقد بينا أن الفطر بالحجامة ~~على وفق الأصول والقياس وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة ~~وبالاستمناء. وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر كما أنه بأي وجه ~~أخرج القيء أفطر سواء جذب القيء بإدخال يده أو بشم ما يقيئه أو وضع يده تحت ~~بطنه واستخرج القيء فتلك طرق لإخراج القيء وهذه طرق لإخراج الدم ولهذا كان ~~خروج الدم بهذا وهذا سواء في (باب الطهارة) . فتبين بذلك كمال الشرع ~~واعتداله وتناسبه وأن ما ورد من النصوص ومعانيها فإن بعضه يصدق بعضا ~~ويوافقه {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . وأما الحاجم ~~فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه والهواء يجتذب ما فيها من ~~الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر والحكمة ~~إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم # PageV25P257 # بالمظنة كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء فكذلك ~~الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري. والدم من أعظم ~~المفطرات فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة والخروج عن العدل ~~والصائم أمر بحسم مادته فالدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور. فيفطر الحاجم ~~لهذا كما ينتقض وضوء النائم وإن لم يستيقن خروج الريح منه لأنه يخرج ولا ~~يدري وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدري. وأما الشارط فليس ~~بحاجم وهذا المعنى منتف فيه فلا يفطر الشارط وكذلك لو قدر حاجم لا يمص ~~القارورة بل يمتص غيرها ms7552 أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر. والنبي صلى الله ~~عليه وسلم كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد. وإذا كان اللفظ عاما وإن ~~كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع؛ للعادة الشرعية من أن ما ~~ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع فهذا أبلغ فلا يثبت بلفظه ما ~~يظهر لفظا ومعنى أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم. ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. # PageV25P258 # وسئل: # عن رجل باشر زوجته وهو يسمع المتسحر يتكلم فلا يدري: أهو يتسحر؟ أم يؤذن؟ ~~ثم غلب على ظنه أنه يتسحر فوطئها وبعد يسير أضاء الصبح فما الذي يجب عليه؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال: أحدها: عليه القضاء والكفارة. هذا ~~إحدى الروايتين عن أحمد. وقال مالك: عليه القضاء لا غير وهذه الرواية ~~الأخرى عنه وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. والثالث: لا قضاء ولا ~~كفارة عليه. وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو أظهر الأقوال؛ ولأن ~~الله تعالى عفا عن الخطأ # PageV25P259 # والنسيان وأباح سبحانه وتعالى الأكل والشرب. والجماع حتى يتبين الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود. والشاك في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب ~~والجماع بالاتفاق ولا قضاء عليه إذا استمر الشك. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار فأفطر بالأكل قبل أن ~~يجامع ثم جامع فهل عليه كفارة أم لا؟ وما على الذي يفطر من غير عذر؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران: أحدهما: تجب وهو قول ~~جمهورهم: كمالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. والثاني: لا تجب وهو مذهب الشافعي ~~وهذان القولان مبناهما: على أن الكفارة سببها الفطر من الصوم أو من الصوم ~~الصحيح بجماع أو بجماع وغيره على اختلاف المذاهب. فإن أبا حنيفة # PageV25P260 # يعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقا فالنزاع بينهما إذا أفطر ~~بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك. وعن أحمد رواية أنه ms7553 إذا أفطر بالحجامة كفر ~~كغيرها من المفطرات. بجنس الوطء فأما الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ~~ذلك. ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح؟ فالشافعي وغيره يشترط ذلك ~~فلو أكل ثم جامع أو أصبح غير ناو للصوم ثم جامع أو جامع وكفر ثم جامع: لم ~~يكن عليه كفارة؛ لأنه لم يطأ في صوم صحيح. وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول: ~~بل عليه كفارة في هذه الصور ونحوها؛ لأنه وجب عليه الإمساك في شهر رمضان ~~فهو صوم فاسد فأشبه الإحرام الفاسد. وكما أن المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه ~~لزمه المضي فيه بالإمساك عن محظوراته فإذا أتى شيئا منها كان عليه ما عليه ~~من الإحرام الصحيح وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك ~~فيه وصومه فاسد لأكل أو جماع أو عدم نية فقد لزمه الإمساك عن محظورات ~~الصيام. فإذا تناول شيئا منها كان عليه ما عليه في الصوم # PageV25P261 # الصحيح. وفي كلام الموضعين عليه القضاء. وذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة ~~في الموضعين؛ بل هي في هذا الموضع أشد؛ لأنه عاص بفطره أولا فصار عاصيا ~~مرتين فكانت الكفارة عليه أوكد ولأنه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ~~ذريعة إلى ألا يكفر أحد فإنه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلا أمكنه أن ~~يأكل ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده فيكون قبل الغدا عليه كفارة وإذا ~~تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه وهذا شنيع في الشريعة لا ترد ~~بمثله. فإنه قد استقر في العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة ~~أبلغ وكلما قوي الشبه قويت والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت ~~زاجرة وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب. ثم الفطر بالأكل لم يكن ~~سببا مستقلا موجبا للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة ومالك فلا أقل أن يكون ~~معينا للسبب المستقل بل # PageV25P262 # يكون مانعا من حكمه وهذا بعيد عن أصول الشريعة. ثم المجامع كثيرا ما يفطر ~~قبل الإيلاج فتسقط الكفارة ms7554 عنه بذلك على هذا القول وهذا ظاهر البطلان والله ~~أعلم. # وسئل: # عن رجل أفطر نهار رمضان متعمدا ثم جامع: فهل يلزمه القضاء والكفارة؟ أم ~~القضاء بلا كفارة؟ # فأجاب: # عليه القضاء وأما الكفارة فتجب في مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة ولا تجب ~~عند الشافعي. # و ### | سئل: # عن رجل وطئ امرأته وقت طلوع الفجر معتقدا بقاء الليل # ثم تبين أن الفجر قد طلع فما يجب عليه؟ # PageV25P263 # فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: # أحدها: أن عليه القضاء والكفارة وهو المشهور من مذهب أحمد. # والثاني: أن عليه القضاء وهو قول ثان في مذهب أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي ومالك. والثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة. وهذا قول طوائف من ~~السلف: كسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وإسحاق وداود وأصحابه والخلف. وهؤلاء ~~يقولون: من أكل معتقدا طلوع الفجر ثم تبين له أنه لم يطلع. فلا قضاء عليه. ~~وهذا القول أصح الأقوال وأشبهها بأصول الشريعة ودلالة الكتاب والسنة وهو ~~قياس أصول أحمد وغيره فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ. وهذا مخطئ ~~وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر واستحب تأخير السحور ومن فعل ما ندب إليه وأبيح له لم يفرط فهذا أولى ~~بالعذر من الناسي والله أعلم. # PageV25P264 # وسئل: # عما إذا قبل زوجته أو ضمها فأمذى. هل يفسد ذلك صومه؟ أم لا؟ # فأجاب: # يفسد الصوم بذلك عند أكثر العلماء. # وسئل: # عمن أفطر في رمضان إلخ # فأجاب: # إذا أفطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالا له وجب قتله ~~وإن كان فاسقا عوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام وأخذ منه حد ~~الزنا وإن كان جاهلا عرف بذلك وأخذ منه حد الزنا ويرجع في ذلك إلى اجتهاد ~~الإمام والله أعلم. # PageV25P265 # وسئل - رحمه الله -: # عن المضمضة والاستنشاق والسواك وذوق الطعام والقيء وخروج الدم والادهان ~~والاكتحال؟ # فأجاب: # أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة يتمضمضون ويستنشقون مع الصوم. ms7555 لكن قال للقيط بن ~~صبرة: " {وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما} فنهاه عن المبالغة؛ لا عن ~~الاستنشاق. وأما السواك فجائز بلا نزاع لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال ~~على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. ولم يقم على كراهيته دليل شرعي ~~يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه. ~~كما هو مبسوط في موضعه. وذوق الطعام يكره لغير حاجة؛ لكن لا يفطره. وأما ~~للحاجة # PageV25P266 # فهو كالمضمضة. وأما القيء: فإذا استقاء: أفطر وإن غلبه القيء لم يفطر. ~~والادهان: لا يفطر بلا ريب. وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه كدم ~~المستحاضة والجروح والذي يرعف ونحوه فلا يفطر وخروج دم الحيض والنفاس يفطر ~~باتفاق العلماء. وأما الاحتجام: ففيه قولان مشهوران ومذهب أحمد وكثير من ~~السلف أنه يفطر والفصاد ونحوه فيه قولان في مذهبه أحدهما أن ذلك كالاحتجام. ~~ومذهبه في الكحل الذي يصل إلى الدماغ أنه يفطر كالطيب وللحاجة (1) ومذهب ~~مالك نحو ذلك وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله فلا يريان الفطر بذلك ~~والله أعلم. PageV25P267 # وسئل: # عن رجل افتصد بسبب وجع رأسه وهو صائم هل يفطر ويجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ ~~أم لا؟ وهل إذا أعلم أنه يفطر إذا افتصد يأثم أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد وغيره والأحوط أنه يقضي ~~ذلك اليوم. والله أعلم. # وسئل: # عن الفصاد في شهر رمضان هل يفسد الصوم؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن أمكنه تأخير الفصاد أخره وإن احتاج إليه لمرض افتصد وعليه القضاء في ~~أحد قولي العلماء. والله أعلم. # PageV25P268 # و ### | سئل: # عن الميت في أيام مرضه أدركه شهر رمضان # ولم يكن يقدر على الصيام وتوفي وعليه صيام شهر رمضان وكذلك الصلاة مدة ~~مرضه ووالديه بالحياة. فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه وصليا؟ ~~إذا وصى أو لم يوص؟ # فأجاب: # إذا اتصل به المرض ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته إلا الإطعام عنه. ~~وأما الصلاة المكتوبة فلا يصلي أحد عن أحد ولكن إذا ms7556 صلى عن الميت واحد ~~منهما تطوعا وأهداه له أو صام عنه تطوعا وأهداه له نفعه ذلك والله أعلم. # PageV25P269 # الاقتصاد في الأعمال # المسؤول من إحسان السادة العلماء - رضي الله عنهم - حل هذه الشبهة التي ~~دخل على العباد بسببها ضرر بين: وهي أن بعضهم سمع قوله صلى الله عليه وسلم ~~" {أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام ~~نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما} فعقد مع الله ~~أن يصوم يوما ويفطر يوما فعل ذلك سنة أو أكثر وهو متأهل له عيال وهو ذو سبب ~~يحتاج إلى نفسه في حفظ صحته فحدثت عنده بعد ذلك همة في حفظ القرآن فصار مع ~~هذه المجاهدة يتلقن كل يوم ويكرر. ثم حدثت عنده مع ذلك همة إلى طلب المقصود ~~وقيام أكثر الليل وكثرة الاجتهاد والدأب في العبادة فاجتمع عليه ثقل يبس ~~الصيام مع ضعف القوة في السبب مع يبس التكرار وكثرته مع اليبس الحادث من ~~الهمة الحادة وهو شاب عنده حرارة الشبوبية فأثر مجموع ذلك خللا في ذهنه من ~~ذهول وصداع يلحقه في رأسه وبلادة # PageV25P270 # في فهمه بحيث أنه لا يحيط بمعنى الكلام إذا سمعه وظهر أثر اليبس في عينيه ~~حتى كادتا أن تغورا. وقد وجد في هذا الاجتهاد شيئا من الأنوار وهو لا يترك ~~هذا الصيام لعقده الذي عقده مع الله تعالى لخوفه أن يذهب النور الذي عنده ~~فإذا نهاه أحد من أهل المعرفة يتعلل ويقول: أنا أريد أن أقتل نفسي في الله. ~~فهل صومه هذا يوافق رضا الله تعالى؟ وهو بهذه الصفة أم هو مكروه؟ لا يرضي ~~الله به. وهل يباح له هذا العقد؟ وعليه فيه كفارة يمين أم لا؟ وهل اشتغاله ~~بما فيه صلاح جسمه وصيانة دماغه وعقله وذهنه ليتوفر على حفظ فرائضه ومصلحة ~~عياله الذي يرضى الله منه ويريده منه أم لا؟ وهل إصراره على ذلك موجب لمقت ~~الله تعالى حيث يلقي نفسه إلى التهلكة بشيء لم يجب عليه؟ وإن كان ms7557 مشروعا في ~~السنة: فهل هو مشروع مطلقا لكل أحد؟ أم هو مخصوص بمن لا يتضرر به؟ يسأل كشف ~~هذه المسألة وحلها. فقد أعيا هذا الشخص الأطباء وأحزن العقلاء لدخوله في ~~السلوك بالجهل غافلا عن مراد ربه ونسأل تقييد الجواب وإعضاده بالكتاب ~~والسنة ليصل إلى قلبه ذلك آجركم الله تعالى ومتع المسلمين بطول بقاكم وصلى ~~الله على سيدنا محمد وسلم. ورضي الله عن أصحابه أجمعين. # PageV25P271 # فأجاب: شيخ الإسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتي الأنام تقي الدين أحمد ~~ابن تيمية بخطه: # الحمد لله، جواب هذه المسألة مبني على أصلين: أحدهما: موجب الشرع. ~~والثاني: مقتضى العهد والنذر. أما الأول: فإن المشروع المأمور به الذي يحبه ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الاقتصاد في العبادة كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا} وقال: " {إن هذا ~~الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من ~~الدلجة والقصد القصد تبلغوا} وكلاهما في الصحيح. وقال أبي بن كعب: " اقتصاد ~~في سنة خير من اجتهاد في بدعة ". فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن ~~فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة مثل أن يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب ~~أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب. أو يمنعه عن الجهاد الواجب # PageV25P272 # وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها مثل أن يخرج ~~ماله كله ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم. وأما إن أضعفته عما هو أصلح ~~منها وأوقعته في مكروهات فإنها مكروهة. وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا ~~على التبتل للعبادة: هذا يسرد الصوم وهذا يقوم الليل كله وهذا يجتنب أكل ~~اللحم وهذا يجتنب النساء. فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن تحريم الطيبات من ~~أكل اللحم والنساء وعن الاعتداء وهو الزيادة على الدين المشروع في الصيام ms7558 ~~والقيام والقراءة والذكر ونحو ذلك. والزيادة في التحريم على ما حرم ~~والزيادة في المباح على ما أبيح. ثم إنه أمرهم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من ~~اليمين على هذا التحريم والعدوان. وفي الصحيحين عن أنس {أن نفرا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله ~~في السر فقال بعضهم: أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا ~~أنام وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء: وقال الآخر: أما أنا # PageV25P273 # فلا آكل اللحم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام ~~يقولون: كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم ~~فمن رغب عن سنتي فليس مني} . وفي الصحاح من غير وجه {عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص أنه كان قد جعل يصوم النهار ويقوم الليل ويقرأ القرآن في كل ثلاث ~~فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك ~~هجمت له العين ونفهت له النفس} أي غارت العين؛ وملت النفس وسئمت. وقال له: ~~" {إن لنفسك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزورك عليك حقا فآت كل ذي حق ~~حقه} . فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن عليك أمورا واجبة من حق النفس ~~والأهل والزائرين فليس لك أن تفعل ما يشغلك عن أداء هذه الحقوق الواجبة بل ~~آت كل ذي حق حقه. ثم {أمره. النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهر ~~ثلاثة أيام وقال: إنه يعدل صيام الدهر وأمره. أن يقرأ القرآن في كل شهر مرة ~~فقال: إني أطيق أفضل من ذلك ولم يزل يزايده حتى قال: فصم يوما وأفطر يوما ~~فإن ذلك أفضل الصيام. قال: إني أطيق أفضل # PageV25P274 # من ذلك قال: لا أفضل من ذلك} . وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول: يا ~~ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ربما عجز عن صوم يوم ~~وفطر يوم. فكان يفطر ms7559 أياما ثم يسرد الصيام أياما بقدرها لئلا يفارق النبي ~~صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها. وهذا لأن بدنه كان يتحمل ذلك. ~~وإلا فمن الناس من إذا صام يوما وأفطر يوما شغله عما هو أفضل من ذلك فلا ~~يكون الصوم أفضل في حقه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فإنه كان أفضل ~~من صوم داود. ومع هذا فقد ثبت عنه في الصحيح {أنه سئل عمن يصوم الدهر فقال: ~~من صام الدهر فلا صام ولا أفطر} . {وسئل عمن يصوم يومين ويفطر يوما فقال: ~~ومن يطيق ذلك} . {وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يومين فقال: وددت أني طوقت ذلك} ~~{وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يوما فقال: ذلك أفضل الصيام} فأخبر أنه ود أن ~~يطيق صوم ثلث الدهر؛ لأنه كان له من الأعمال التي هي أوجب عليه وأحب إلى ~~الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر. وكذلك ثبت عنه في الصحيح {أنه لما قرب ~~من العدو في غزوة الفتح # PageV25P275 # في رمضان أمر أصحابه بالفطر فبلغه أن قوما صاموا فقال: أولئك العصاة} ~~{وصلى على ظهر دابته مرة وأمر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم؛ فوثب رجل ~~عن ظهر دابته فصلى على الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخالف خالف ~~الله به. فلم يمت حتى ارتد عن الإسلام} . وقال ابن مسعود: إني إذا صمت ضعفت ~~عن قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلي. وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا ~~الموضع. وأما " الأصل الثاني ": وهو أنه إذا عاهد الله على ذلك ونذره. ~~فالأصل فيه ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} ~~فإذا كان المنذور الذي عاهد الله يتضمن ضررا غير مباح يفضي إلى ترك واجب أو ~~فعل محرم كان هذا معصية: لا يجب الوفاء به بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام ~~الليل كله وصيام النهار كله لم يجب الوفاء ms7560 بهذا النذر. ثم تنازع العلماء: ~~هل عليه كفارة يمين؟ على قولين: أظهرهما: أن عليه كفارة يمين لما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV25P276 # في الصحيح أنه قال: " {كفارة النذر كفارة اليمين} وقال: " {النذر حلفة} ~~وفي السنن عنه: " {لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين} وقد ذكرنا سبب نزول ~~الآية. ومثل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا أبو إسرائيل ~~نذر أن يقوم ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. فقال: مروه فليتكلم وليستظل ~~وليقعد وليتم صومه} فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية ~~أمره. بفعل المشروع وهو الصوم في حقه ونهاه عن فعل غير المشروع. وأما إذا ~~عجز عن فعل المنذور أو كان عليه فيه مشقة فهنا يكفر ويأتي ببدل عن المنذور ~~كما في حديث عقبة بن عامر أن أخته لما نذرت أن تحج ماشية قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها مرها فلتركب ولتهد - ~~وروي ولتصم} فهذا الرجل الذي عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر وقد أضر ذلك ~~بعقله وبدنه عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ويكفر كفارة يمين ~~ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه # PageV25P277 # على حسب ما يحتمله حاله إما أن يفطر ثلثي الدهر أو ثلاثة أرباعه أو جميعه ~~فإذا أصلح حاله فإن أمكنه العود إلى صوم يوم وفطر يوم بلا مضرة وإلا صام ما ~~ينفعه من الصوم ولا يشغله عما هو أحب إلى الله منه. فالله لا يحب أن يترك ~~الأحب إليه بفعل ما هو دونه فكيف يوجب ذلك. وأما النور الذي وجده بهذا ~~الصوم: فمعلوم أن جنس العبادات ليس شرا محضا بل العبادات المنهي عنها تشتمل ~~على منفعة ومضرة ولكن لما ترجح ضررها على نفعها نهى عنها الشارع كما نهى عن ~~صيام الدهر وقيام الليل كله دائما وعن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر مع أن ms7561 ~~خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا بسبب كثرة الجوع وذلك من جنس ما يجده ~~الكفار من أهل الكتاب والأميين. مثل الرهبان وعباد القبور لكن يعود ذلك ~~الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ضررا في الدنيا والآخرة ~~فيكون إثمه أكثر من نفعه. كما قد رأينا من هؤلاء خلقا كثيرا آل بهم الإفراط ~~فيما يعانونه. من شدائد الأعمال إلى التفريط والتثبيط والملل والبطالة ~~وربما انقطعوا عن الله بالكلية أو بالأعمال المرجوحة عن الراجحة أو بذهاب ~~العقل بالكلية أو بحصول خلل فيه وذلك لأن أصل أعمالهم وأساسها على غير ~~استقامة ومتابعة. # PageV25P278 # وأما ### | قوله: أريد أن أقتل نفسي في الله. # فهذا كلام مجمل فإنه إذا فعل ما أمره الله به فأفضى ذلك إلى قتل نفسه ~~فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين وقد ~~اعتقد أنه يقتل فهذا حسن. وفي مثله أنزل الله قوله: {ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد} ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس ~~في العدو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى الخلال بإسناده عن عمر ~~بن الخطاب: " أن رجلا حمل على العدو وحده فقال الناس: ألقى بيده إلى ~~التهلكة. فقال عمر: لا ولكنه ممن قال الله فيه: {ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد} . وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى ~~أهلك نفسه فهذا ظالم متعد بذلك: مثل أن يغتسل من الجنابة في البرد الشديد ~~بماء بارد يغلب على ظنه أنه يقتله أو يصوم في رمضان صوما يفضي إلى هلاكه ~~فهذا لا يجوز. فكيف في غير رمضان. وقد روى أبو داود في سننه في قصة {الرجل ~~الذي أصابته جراحة فاستفتى من كان معه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ ~~فقالوا: لا نجد لك رخصة فاغتسل فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV25P279 # قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال} . ~~وكذلك روي حديث {عمرو بن العاص لما أصابته ms7562 الجنابة في غزوة ذات السلاسل ~~وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو: أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: يا رسول ~~الله إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم} فضحك ولم يقل شيئا} فهذا ~~عمرو قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها هي من ~~قتل النفس المنهي عنه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وقتل ~~الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: ~~" {من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة} وفي الحديث الآخر: " {عبدي بادأني ~~بنفسه فحرمت عليه الجنة وأوجبت له النار} . وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما ~~اشتدت عليه الجراح وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه من أهل النار ~~لعله بسوء خاتمته وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من # PageV25P280 # قتل نفسه؛ ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما أخبر أنه بشم فقال: لو مات ~~لم أصل عليه. فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان ~~قتل نفسه أو تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم. ~~وأموالهم له. كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة} وقال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} أي يبيع ~~نفسه. والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو ~~يجده أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة؛ بل قد يكون أحد هؤلاء كما ~~قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بجهل أفسد أكثر مما يصلح. ومما ينبغي ~~أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق ~~حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر ~~على قدر المشقة في كل شيء لا ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته ~~وفائدته، # PageV25P281 # وعلى قدر طاعة ms7563 أمر الله ورسوله. فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع ~~كان أفضل. فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة. وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب ~~حال العمل. ولهذا {لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها مرها فلتركب} . وروي ~~" أنه أمرها بالهدي " وروي " بالصوم ". وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى ~~أو النوى وقد دخل عليها ضحى ثم دخل عليها عشية فوجدها على تلك الحال. وقوله ~~لها: " {لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم ~~لرجحت} . وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا ولم ~~ينهنا إلا عما فيه فسادنا؛ ولهذا يثني الله على العمل الصالح ويأمر بالصلاح ~~والإصلاح وينهى عن الفساد. فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها ~~من المضرة والفساد وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح ~~لنا. وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا # PageV25P282 # بمشقة: كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم ~~فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة. كما {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: أجرك على قدر ~~نصبك} . وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته فهذا فساد والله ~~لا يحب الفساد. ومثال ذلك منافع الدنيا فإن من تحمل مشقة لربح كثير أو دفع ~~عدو عظيم كان هذا محمودا. وأما من تحمل كلفا عظيمة ومشاقا شديدة لتحصيل ~~يسير من المال أو دفع يسير من الضرر كان بمنزلة من أعطي ألف درهم ليعتاض ~~بمائة درهم. أو مشى مسيرة يوم ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيرا منها في ~~بلده. فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط ~~الذي هو خير الأمور وأعلاها كالفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة فمن كان ~~كذلك فمصيره إليه إن شاء الله تعالى. هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها مثل ~~الجوع والسهر والمشي. وأما ما ms7564 يقصد لنفسه مثل معرفة الله ومحبته والإنابة ~~إليه # PageV25P283 # والتوكل عليه فهذه شرع فيها الكمال لكن يقع فيها سرف وعدوان بإدخال ما ~~ليس منها فيها مثل أن يدخل ترك الأسباب المأمور بها في التوكل أو يدخل ~~استحلال المحرمات وترك المشروعات في المحبة فهذا هذا. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # وسئل: # رضي الله عنه وأرضاه - عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل سنة ~~ست وسبعمائة. # فأجاب: # الحمد لله، ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان هكذا صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {هي في العشر الأواخر من رمضان} . وتكون في ~~الوتر منها. لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة إحدى وعشرين وليلة ~~ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين. # PageV25P284 # ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {لتاسعة تبقى ~~لسابعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى} . فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين ~~يكون ذلك ليالي الأشفاع. وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى وليلة أربع ~~وعشرين سابعة تبقى. وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح. وهكذا ~~أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر. وإن كان الشهر تسعا وعشرين كان ~~التاريخ بالباقي. كالتاريخ الماضي. وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها ~~المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {تحروها ~~في العشر الأواخر} وتكون في السبع الأواخر أكثر. وأكثر ما تكون ليلة سبع ~~وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين. فقيل له: بأي شيء ~~علمت ذلك؟ فقال بالآية التي أخبرنا رسول الله. " {أخبرنا أن الشمس تطلع ~~صبحة صبيحتها كالطشت لا شعاع لها} . فهذه العلامة التي رواها أبي بن كعب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV25P285 # من أشهر العلامات في الحديث وقد روي في علاماتها " {أنها ليلة بلجة ~~منيرة} وهي ساكنة لا قوية الحر ولا قوية البرد وقد يكشفها الله لبعض الناس ~~في المنام أو اليقظة. فيرى أنوارها أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر ms7565 وقد ~~يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر. والله تعالى أعلم. # وسئل: # عن " ليلة القدر ". و " ليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم " أيهما ~~أفضل؟ # فأجاب: # بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل ~~بالنسبة إلى الأمة فحظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختص به ليلة المعراج ~~منها أكمل من حظه من ليالي القدر. وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ~~ليلة المعراج. وإن كان لهم فيها أعظم حظ. لكن الفضل والشرف والرتبة العليا ~~إنما حصلت فيها لمن أسري به صلى الله عليه وسلم # PageV25P286 # و ### | سئل: (*) # عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان. أيهما أفضل؟ # فأجاب: # أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر الأواخر ~~من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. # قال ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب. وجده شافيا كافيا ~~فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيها: يوم ~~عرفة ويوم النحر ويوم التروية. وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء ~~التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف ~~شهر. فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة. PageV25P287 # سئل شيخ الإسلام: # أيما أفضل: يوم عرفة أو الجمعة أو الفطر أو النحر؟ # فأجاب: # الحمد لله، أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء. وأفضل أيام ~~العام هو يوم النحر. وقد قال بعضهم يوم عرفة والأول هو الصحيح؛ لأن في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {أفضل الأيام عند الله يوم ~~النحر ثم يوم القر} لأنه يوم الحج الأكبر في مذهب مالك والشافعي وأحمد كما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {يوم النحر هو يوم ~~الحج الأكبر} . وفيه من الأعمال ما لا يعمل في غيره: كالوقوف بمزدلفة ورمي ~~جمرة العقبة وحدها والنحر والحلق وطواف الإفاضة فإن فعل ms7566 هذه فيه أفضل ~~بالسنة واتفاق العلماء والله أعلم. # PageV25P288 # و ### | سئل: (*) # عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل؟ # فأجاب: # يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام. قال ابن ~~القيم: وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في ~~دفعه. # و ### | سئل: # عن أفضل الأيام؟ # فأجاب: # الحمد لله، أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة ~~وفيه أخرج منها. وأفضل أيام العام: يوم النحر كما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر} . # وسئل: # عن رجل نذر أنه يصوم الاثنين والخميس ثم بدا له أن يصوم يوما؛ ويفطر ~~يوما. ولم يرتب ذلك إلا بأن يصوم أربعة أيام. ويفطر ثلاثة أو يفطر أربعة ~~ويصوم ثلاثة: فأيها أفضل؟ أفتونا يرحمكم الله؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا انتقل من صوم الاثنين والخميس إلى صوم PageV25P289 # يوم وفطر يوم فقد انتقل إلى ما هو أفضل. وفيه نزاع والأظهر أن ذلك جائز. ~~كما لو نذر الصلاة في المسجد المفضول وصلى في الأفضل مثل أن ينذر الصلاة في ~~المسجد الأقصى فيصلي في مسجد أحد الحرمين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر وما تقول في الاعتكاف فيها والصمت. هل ~~هو من الأعمال الصالحات؟ أم لا؟ # فأجاب: # أما تخصيص رجب وشعبان جميعا بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيء ولا عن أصحابه. ولا أئمة المسلمين بل قد ثبت في الصحيح. ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم إلى شعبان ولم يكن يصوم من السنة ~~أكثر مما يصوم من شعبان من أجل شهر رمضان. وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه ~~كلها ضعيفة بل موضوعة لا يعتمد أهل العلم على شيء منها وليست من الضعيف ~~الذي يروى في # PageV25P290 # الفضائل بل عامتها من الموضوعات المكذوبات وأكثر ما روي في ذلك {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب يقول: اللهم بارك لنا ms7567 في رجب وشعبان ~~وبلغنا رمضان} . وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن صوم رجب} وفي إسناده نظر لكن صح أن عمر بن الخطاب كان ~~يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب. ويقول: لا تشبهوه ~~برمضان. ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كيزانا للماء واستعدوا للصوم ~~فقال: " ما هذا فقالوا: رجب فقال: أتريدون أن تشبهوه برمضان؟ وكسر تلك ~~الكيزان ". فمتى أفطر بعضا لم يكره صوم البعض. وفي المسند وغيره: حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بصوم الأشهر الحرم: وهي رجب وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم. فهذا في صوم الأربعة جميعا لا من يخصص رجبا. وأما ~~تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمرا بل كل من صام صوما # PageV25P291 # مشروعا وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائزا بلا ريب وإن اعتكف بدون ~~الصيام ففيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه لا اعتكاف ~~إلا بصوم كمذهب أبي حنيفة ومالك. والثاني: يصح الاعتكاف بدون الصوم. كمذهب ~~الشافعي وأما الصمت عن الكلام مطلقا في الصوم أو الاعتكاف أو غيرهما فبدعة ~~مكروهة باتفاق أهل العلم. لكن هل ذلك محرم أو مكروه؟ فيه قولان في مذهبه ~~وغيره. وفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها ~~مصمتة لا تتكلم فقال لها أبو بكر: إن هذا لا يحل إن هذا من عمل الجاهلية ~~وفي صحيح البخاري عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما ~~في الشمس فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا ~~يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه} . ~~فأمره صلى الله عليه وسلم مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع # PageV25P292 # نذره للقيام أن يجلس ومع نذره ألا يستظل أن يستظل. وإنما أمره. بأن يوفي ~~بالصوم فقط. وهذا صريح في أن هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها ~~الناذر. ms7568 وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . كذلك لا يؤمر الناذر أن ~~يفعلها فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب واتخاذ ذلك دينا وطريقا إلى ~~الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله. ومعلوم أن من يفعل ذلك من ~~نذر اعتكافا ونحو ذلك إنما يفعله تدينا ولا ريب أن فعله على وجه التدين ~~حرام فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله ~~وهذا حرام لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورا بجهله إذا ~~لم تقم عليه الحجة فإذا بلغه العلم فعليه التوبة. وجماع الأمر في الكلام ~~قوله صلى الله عليه وسلم " {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. فليقل خيرا أو ~~ليصمت} فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه وما ليس بواجب ~~ولا مستحب فالسكوت عنه خير من قوله. # PageV25P293 # ولهذا قال بعض السلف لصاحبه: السكوت عن الشر خير من التكلم به فقال له ~~الآخر: التكلم بالخير خير من السكوت عنه. وقد قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا ~~بالبر والتقوى} وقال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما} . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {كل كلام ابن ~~آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى} ~~والأحاديث في فضائل الصمت كثيرة وكذلك في فضائل التكلم بالخير والصمت عما ~~يجب من الكلام حرام سواء اتخذه دينا أو لم يتخذه. كالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فيجب أن تحب ما أحبه الله ورسوله وتبغض ما يبغضه الله ورسوله ~~وتبيح ما أباحه الله ورسوله وتحرم ما حرمه الله ورسوله. # PageV25P294 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # قول عائشة: " {ما زال رسول ms7569 الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر ~~حتى قبضه الله} هذا إشارة إلى مقامه في المدينة وأنه كان يعتكف أداء أو ~~قضاء فإنه قد ثبت في الصحيح أنه أراد أن يعتكف مرة فطلب نساؤه الاعتكاف معه ~~فرأى أن مقصود بعضهن المباهاة فأمر بالخيام فقوضت وترك الاعتكاف ذلك العام ~~حتى قضاه من شوال. وهو صلى الله عليه وسلم لم يصم رمضان إلا تسع مرات فإنه ~~فرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه ~~مرة واحدة فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول من السنة الأولى. وقد تقدم ~~عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه فلما أهل العام الثاني أمر الناس بصيامه ~~وهل كان أمر إيجاب أو # PageV25P295 # استحباب؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم والصحيح أنه كان أمر إيجاب ابتدئ في ~~أثناء النهار لم يؤمروا به من الليل فلما كان في أثناء الحول - رجب أو غيره ~~- فرض شهر رمضان وغزا النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ذلك العام - ~~أول شهر فرض - غزوة بدر وكانت يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من الشهر فلما نصره ~~الله على المشركين أقام بالعرصة بعد الفتح ثلاثا فدخل عليه العشر وهو في ~~السفر فرجع إلى المدينة ولم يبق من العشر إلا أقله فلم يعتكف ذلك العشر ~~بالمدينة وكان في تمامه مشغولا بأمر الأسرى والفداء. ولما شاورهم في الفداء ~~قام فدخل بيته ثم خرج. وأحواله المنقولة عنه تدل على أنه لم يعتكف تمام ذلك ~~العشر لكن يمكن أنه قضى اعتكافه كما قضى صيامه وكما قضى اعتكاف العام الذي ~~أراد نساؤه الاعتكاف معه فيه فهذا عام بدر. وأيضا فعام الفتح سنة ثمان كان ~~قد سافر في شهر رمضان ودخل مكة في أثناء الشهر وقد بقي منه أقله وهو في مكة ~~مشتغل بآثار الفتح وتسرية السرايا إلى ما حول مكة وتقرير أصول # PageV25P296 # الإسلام بأم القرى والتجهز لغزو هوازن لما بلغه أنهم قد جمعوا له مع مالك ~~بن عوف النضري. وقد أقام بمكة في غزوة الفتح ms7570 تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة. ~~قالوا: لأنه لم يكن قد أجمع المقام بمكة لأجل غزو هوازن فكان مسافرا فيها ~~غير متفرغ للاعتكاف بمكة ذلك العام. فهذه ثلاثة أعوام لم يعتكف فيها في ~~رمضان بل قضى العام الواحد الذي أراد اعتكافه ثم تركه وأما الآخران - فالله ~~أعلم - أقضاهما مع الصوم أم لم يقضها مع شطر الصلاة. فقد ثبت عنه أنه قال: ~~" {إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم} وثبت ~~عنه أنه قال: " {إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة} أي الصوم أداء ~~والشطر أداء وقضاء فالاعتكاف ملحق بأحدهما. ولم ينقل عنه أنه قضى اعتكافا ~~فاته في السفر فلا يثبت الجواز إلا أنه لعموم حديث عائشة يبقى فيه إمكان ~~والله أعلم. # PageV25P297 # وسئل: # عمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم هل ذلك ~~مستحب؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سنة وهو من شعائر ~~الإسلام التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين وإعانة الفقراء ~~بالإطعام في شهر رمضان هو من سنن الإسلام. فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {من فطر صائما فله مثل أجره} وإعطاء فقراء القراء ما يستعينون به ~~على القرآن عمل صالح في كل وقت ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر. ~~وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: ~~إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من ~~رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم ~~يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV25P298 # وسئل شيخ الإسلام: # عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء. والمصافحة ~~وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك إلى الشارع: فهل ورد في ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ms7571 ذلك ~~فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن ~~والعطش وغير ذلك من الندب والنياحة وقراءة المصروع وشق الجيوب. هل لذلك ~~أصل؟ أم لا؟. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. لا ~~الأئمة الأربعة ولا غيرهم. ولا روى أهل الكتب المعتمدة. في ذلك شيئا لا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين لا صحيحا ولا ضعيفا لا ~~في كتب الصحيح # PageV25P299 # ولا في السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون ~~الفاضلة. ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل ~~يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ~~وأمثال ذلك. ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ورووا أن في يوم عاشوراء توبة ~~آدم واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وإنجاء إبراهيم من ~~النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك. ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر ~~السنة} . ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب ولكنه معروف من ~~رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه. قال: {بلغنا ~~أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته} وإبراهيم بن ~~محمد بن المنتشر من أهل الكوفة وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: # PageV25P300 # طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة ~~وإما جهال وأصحاب هوى. وطائفة ناصبة تبغض عليا وأصحابه لما جرى من القتال ~~في الفتنة ما جرى. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {سيكون في ثقيف كذاب ومبير} فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد ~~الثقفي وكان يظهر موالاة أهل ms7572 البيت والانتصار لهم وقتل عبيد الله بن زياد ~~أمير العراق الذي جهز السرية التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنهما ثم ~~إنه أظهر الكذب وادعى النبوة. وأن جبريل عليه السلام ينزل عليه حتى قالوا ~~لابن عمر وابن عباس. قالوا لأحدهما: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه ينزل ~~عليه فقال صدق قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على ~~كل أفاك أثيم} وقالوا للآخر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق: {وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} . وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف ~~الثقفي وكان: منحرفا عن علي وأصحابه فكان هذا من النواصب والأول من الروافض ~~وهذا # PageV25P301 # الرافضي كان: أعظم كذبا وافتراء وإلحادا في الدين فإنه ادعى النبوة وذاك ~~كان أعظم عقوبة لمن خرج على سلطانه وانتقاما لمن اتهمه بمعصية أميره عبد ~~الملك بن مروان وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال فلما قتل الحسين ~~بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية وأكرم ~~الله الحسين بالشهادة كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته. أكرم بها حمزة ~~وجعفرا وأباه عليا وغيرهم وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته وأعلى ~~درجته فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة والمنازل العالية لا تنال ~~إلا بالبلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أشد بلاء ~~فقال: {الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه ~~فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال ~~البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة} رواه الترمذي وغيره. ~~فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية ~~ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب فإنهما ولدا في عز ~~الإسلام وتربيا في عز وكرامة والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما ومات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سن التمييز # PageV25P302 # فكانت نعمة الله عليهما أن ms7573 ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما كما ابتلى ~~من كان أفضل منهما فإن علي بن أبي طالب أفضل منهما وقد قتل شهيدا وكان مقتل ~~الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس كما كان مقتل عثمان رضي الله عنه من ~~أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم ~~ولهذا جاء في الحديث {ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي وقتل خليفة مضطهد ~~والدجال} . فكان موت النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الأسباب التي افتتن ~~بها خلق كثير من الناس وارتدوا عن الإسلام فأقام الله تعالى الصديق رضي ~~الله عنه حتى ثبت الله به الإيمان وأعاد به الأمر إلى ما كان فأدخل أهل ~~الردة في الباب الذي منه خرجوا وأقر أهل الإيمان على الدين الذي ولجوا فيه ~~وجعل الله فيه من القوة والجهاد والشدة على أعداء الله واللين لأولياء الله ~~ما استحق به وبغيره أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استخلف ~~عمر فقهر الكفار من المجوس وأهل الكتاب وأعز الإسلام ومصر الأمصار وفرض ~~العطاء ووضع الديوان ونشر العدل وأقام السنة وظهر الإسلام في أيامه ظهورا ~~بان به تصديق قوله تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على # PageV25P303 # الدين كله وكفى بالله شهيدا} وقوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا ~~هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي. نفسي بيده لتنفقن كنوزهما. في سبيل الله} ~~فكان عمر رضي الله عنه هو الذي أنفق كنوزهما. فعلم أنه أنفقها في سبيل الله ~~وأنه كان خليفة راشدا مهديا ثم جعل الأمر شورى في ستة فاتفق المهاجرون ~~والأنصار على تقديم عثمان بن عفان من غير رغبة بذلها لهم ولا رهبة أخافهم ~~بها وبايعوه بأجمعهم طائعين غير كارهين وجرى في آخر ms7574 أيامه أسباب ظهر بالشر ~~فيها (على أهل العلم (أهل الجهل والعدوان وما زالوا يسعون في الفتن حتى قتل ~~الخليفة مظلوما شهيدا بغير سبب يبيح قتله وهو صابر محتسب لم يقاتل مسلما. ~~فلما قتل رضي الله عنه تفرقت القلوب وعظمت الكروب وظهرت الأشرار وذل ~~الأخيار وسعى في الفتنة من كان عاجزا عنها وعجز عن الخير والصلاح من كان ~~يحب إقامته فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أحق ~~الناس بالخلافة حينئذ # PageV25P304 # وأفضل من بقي لكن كانت القلوب متفرقة ونار الفتنة متوقدة فلم تتفق الكلمة ~~ولم تنتظم الجماعة ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من ~~الخير ودخل في الفرقة والفتنة أقوام وكان ما كان إلى أن ظهرت الحرورية ~~المارقة مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم فقاتلوا أمير المؤمنين عليا ومن ~~معه؛ فقتلهم بأمر الله ورسوله طاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~وصفهم بقوله: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة} . وقوله: {تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق} أخرجاه في الصحيحين. فكانت هذه الحرورية هي المارقة ~~وكان بين المؤمنين فرقة والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان كما قال ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم} فبين سبحانه وتعالى أنهم مع الاقتتال وبغي بعضهم # PageV25P305 # على بعض مؤمنون إخوة وأمر بالإصلاح بينهم. فإن بغت إحداهما بعد ذلك قوتلت ~~الباغية ولم يأمر بالاقتتال ابتداء. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق فكان علي بن أبي طالب ومن ~~معه هم الذين قاتلوهم. فدل كلام النبي ms7575 صلى الله عليه وسلم على أنهم أدنى ~~إلى الحق من معاوية ومن معه مع إيمان الطائفتين. ثم إن عبد الرحمن بن ملجم ~~من هؤلاء المارقين قتل أمير المؤمنين عليا فصار إلى كرامة الله ورضوانه ~~شهيدا وبايع الصحابة للحسن ابنه فظهرت فضيلته التي أخبر بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال: {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به ~~بين فئتين عظيمتين من المسلمين} فنزل عن الولاية وأصلح الله به بين ~~الطائفتين وكان هذا مما مدحه به النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ودل ~~ذلك على أن الإصلاح بينهما مما يحبه الله ورسوله ويحمده الله ورسوله. ثم ~~إنه مات وصار إلى كرامة الله ورضوانه وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه ~~بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر ولم يكونوا من أهل # PageV25P306 # ذلك بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده. ونقضوا عهده وأعانوا عليه من ~~وعدوه أن يدفعوه عنه ويقاتلوه معه. وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن ~~عباس وابن عمر وغيرهما أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم ولا يقبل منهم ورأوا ~~أن خروجه إليهم ليس بمصلحة ولا يترتب عليه ما يسر وكان الأمر كما قالوا ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا. فلما خرج الحسين - رضي الله عنه - ورأى أن ~~الأمور قد تغيرت طلب منهم أن يدعوه يرجع أو يلحق ببعض الثغور أو يلحق بابن ~~عمه يزيد فمنعوه هذا وهذا. حتى يستأسر وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه. وطائفة ممن ~~معه مظلوما شهيدا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين. ~~وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه وأوجب ذلك شرا بين الناس. فصارت طائفة جاهلة ~~ظالمة: إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته ~~تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم ~~الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية. # PageV25P307 # والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة - إذا كانت جديدة - إنما هو الصبر ~~والاحتساب والاسترجاع. كما قال تعالى: {وبشر الصابرين} {الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله ms7576 وإنا إليه راجعون} {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون} . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية} وقال: {أنا بريء ~~من الصالقة والحالقة والشاقة} وقال: {النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام ~~يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب} . وفي المسند عن فاطمة بنت ~~الحسين عن أبيها الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل ~~يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من ~~الأجر مثل أجره يوم أصيب بها} . وهذا من كرامة الله للمؤمنين فإن مصيبة ~~الحسين وغيره إذا ذكرت بعد طول العهد فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر ~~الله ورسوله ليعطى من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها. وإذا كان الله ~~تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد # PageV25P308 # بالمصيبة فكيف مع طول الزمان فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من ~~اتخاذ يوم عاشوراء مأتما وما يصنعون فيه من الندب والنياحة وإنشاد قصائد ~~الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد ~~الحزن والتعصب وإثارة الشحناء والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام؛ ~~والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين وكثرة الكذب والفتن في الدنيا ولم ~~يعرف طوائف الإسلام أكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه ~~الطائفة الضالة الغاوية فإنهم شر من الخوارج المارقين. وأولئك قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان} . ~~وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ~~ببغداد وغيرها بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ولد العباس وغيرهم من أهل ~~البيت والمؤمنين من القتل والسبي وخراب الديار. وشر هؤلاء وضررهم على أهل ~~الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام. فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب ~~المتعصبين على الحسين وأهل # PageV25P309 # بيته وإما ms7577 من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر ~~بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء ~~كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن ~~العادة ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم ~~عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح. وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه ~~الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة وإن كان أولئك أسوأ ~~قصدا وأعظم جهلا وأظهر ظلما لكن الله أمر بالعدل والإحسان وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة} . ولم يسن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور لا شعائر ~~الحزن والترح ولا شعائر السرور والفرح ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: {ما هذا؟ فقالوا هذا يوم نجى ~~الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه فقال: نحن أحق # PageV25P310 # بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه} وكانت قريش أيضا تعظمه في الجاهلية. ~~واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يوما واحدا فإنه قدم المدينة في شهر ربيع ~~الأول فلما كان في العام القابل صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه ثم فرض شهر ~~رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء. وقد تنازع العلماء: هل كان صوم ذلك ~~اليوم واجبا؟ أو مستحبا؟ على قولين مشهورين أصحهما أنه كان واجبا ثم إنه ~~بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابا ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~العامة بصيامه بل كان يقول: {هذا يوم عاشوراء وأنا صائم فيه فمن شاء صام} . ~~وقال: {صوم يوم عاشوراء يكفر سنة وصوم يوم عرفة يكفر سنتين} . ولما كان آخر ~~عمره صلى الله عليه وسلم وبلغه أن اليهود يتخذونه عيدا قال: {لئن عشت إلى ~~قابل لأصومن التاسع} ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيدا وكان من ~~الصحابة والعلماء من ms7578 لا يصومه ولا يستحب صومه؛ بل يكره إفراده بالصوم كما ~~نقل ذلك عن طائفة من الكوفيين ومن العلماء من يستحب صومه. # PageV25P311 # والصحيح أنه يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقوله: {لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر} كما ~~جاء ذلك مفسرا في بعض طرق الحديث فهذا الذي سنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة إما حبوب وإما غير ~~حبوب أو في تجديد لباس أو توسيع نفقة أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم أو ~~فعل عبادة مختصة. كصلاة مختصة به أو قصد الذبح أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ ~~بها الحبوب أو الاكتحال أو الاختضاب أو الاغتسال أو التصافح أو التزاور أو ~~زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولا استحبها أحد من أئمة ~~المسلمين لا مالك ولا الثوري ولا الليث بن سعد ولا أبو حنيفة ولا الأوزاعي ~~ولا الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا إسحاق بن راهويه ولا أمثال هؤلاء من أئمة ~~المسلمين وعلماء المسلمين وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا ~~يأمرون ببعض ذلك ويروون في ذلك أحاديث وآثارا ويقولون: " إن بعض ذلك صحيح ~~فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل # PageV25P312 # المعرفة بحقائق الأمور. وقد قال حرب الكرماني في مسائله: سئل أحمد بن ~~حنبل عن هذا الحديث: {من وسع على أهله يوم عاشوراء} فلم يره شيئا. وأعلى ما ~~عندهم أثر يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه قال: بلغنا {أنه ~~من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته} قال سفيان بن عيينة ~~جربناه منذ ستين عاما فوجدناه صحيحا وإبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة ~~ولم يذكر ممن سمع هذا ولا عمن بلغه فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين ~~يبغضون عليا وأصحابه ويريدون أن يقابلوا الرافضة ms7579 بالكذب: مقابلة الفاسد ~~بالفاسد والبدعة بالبدعة. وأما قول ابن عيينة. فإنه لا حجة فيه فإن الله ~~سبحانه أنعم عليه برزقه وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان ~~التوسيع يوم عاشوراء وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين ~~والأنصار ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه وهذا ~~كما أن كثير من الناس ينذرون نذرا لحاجة يطلبها فيقضي الله حاجته فيظن أن ~~النذر كان السبب وقد ثبت # PageV25P313 # في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {نهى عن النذر وقال: إنه لا ~~يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل} فمن ظن أن حاجته إنما قضيت بالنذر ~~فقد كذب على الله ورسوله والناس مأمورون بطاعة الله ورسوله واتباع دينه ~~وسبيله واقتفاء هداه ودليله وعليهم أن يشكروا الله على ما عظمت به النعمة ~~حيث بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. {إن خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد؛ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة} . وقد اتفق أهل المعرفة والتحقيق أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى ~~على الماء لم يتبع إلا أن يكون موافقا لأمر الله ورسوله ومن رأى من رجل ~~مكاشفة أو تأثيرا فاتبعه في خلاف الكتاب والسنة كان من جنس أتباع الدجال ~~فإن الدجال يقول للسماء: أمطري فتمطر ويقول للأرض: أنبتي فتنبت ويقول ~~للخربة أخرجي كنوزك فيخرج معه كنوز الذهب والفضة ويقتل رجلا ثم يأمره أن ~~يقوم فيقوم وهو مع هذا كافر ملعون عدو لله قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ما من نبي إلا قد أنذر أمته الدجال: وأنا أنذركموه إنه أعور # PageV25P314 # وإن الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر - ك ف ر - يقرؤه كل مؤمن قارئ ~~وغير قارئ واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت} . وقد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال: {إذا قعد أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله ms7580 من أربع يقول: ~~اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ~~ومن فتنة المسيح الدجال} . وقال صلى الله عليه وسلم {لا تقوم الساعة حتى ~~يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله} وقال صلى الله عليه ~~وسلم {يكون بين يدي الساعة كذابون دجالون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا ~~آباؤكم فإياكم وإياهم} . وهؤلاء تنزل عليهم الشياطين وتوحي إليهم كما قال ~~تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} {يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون} ومن أول من ظهر من هؤلاء المختار بن أبي عبيد ~~المتقدم ذكره. ومن لم يفرق بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية: كان ~~بمنزلة من سوى بين محمد رسول الله وبين مسيلمة الكذاب فإن مسيلمة كان له ~~شيطان ينزل عليه ويوحي إليه. # PageV25P315 # ومن علامات هؤلاء أن الأحوال إذا تنزلت عليهم وقت سماع المكاء والتصدية ~~أزبدوا وأرعدوا - كالمصروع - وتكلموا بكلام لا يفقه معناه فإن الشياطين ~~تتكلم على ألسنتهم كما تتكلم على لسان المصروع. والأصل في هذا الباب: أن ~~يعلم الرجل أن أولياء الله هم الذين نعتهم الله في كتابه حيث قال: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} فكل ~~من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ~~تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولم يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن ~~سألني لأعطينه ولإن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته. ولا بد له منه} . ودين ~~الإسلام مبني على أصلين على ألا نعبد إلا الله وأن # PageV25P316 # نعبده بما شرع لا نعبده ms7581 بالبدع. قال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} فالعمل الصالح ما أحبه الله ~~ورسوله وهو المشروع المسنون ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول ~~في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه ~~شيئا. ولهذا كانت أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث: قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} وقوله: {من عمل ~~عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} . وقوله: {الحلال بين والحرام بين وبين ذلك ~~أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ~~ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ~~ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} والحمد لله رب ~~العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV25P317 # وسئل: # عما في الخميس ونحوه من البدع # فأجاب: # أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على محمد وصحبه وسلم فإن الشيطان قد ~~سول لكثير ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في أواخر صوم النصارى وهو الخميس ~~الحقير من الهدايا والأفراح والنفقات وكسوة الأولاد وغير ذلك مما يصير به ~~مثل عيد المسلمين. وهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى: فجميع ما ~~يحدثه الإنسان فيه من المنكرات فمن ذلك خروج النساء وتبخير القبور ووضع ~~الثياب على السطح وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب واتخاذه موسما لبيع ~~الخمور وشرائها ورقي البخور مطلقا في ذلك الوقت أو غيره أو قصد شراء البخور ~~المرقي فإن رقي البخور واتخاذه قربانا هو دين النصارى والصابئين. وإنما ~~البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب وكذلك تخصيصه بطبخ الأطعمة ~~وغير ذلك من صبغ البيض. # PageV25P318 # وأما القمار بالبيض وبيعه لمن يقامر به أو شراؤه من المقامرين فحكمه ~~ظاهر. ومن ذلك ما يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون أو ms7582 الاغتسال بمائه فإن ~~أصل ذلك ماء المعمودية. ومن ذلك أيضا ترك الوظائف الراتبة من الصنائع ~~والتجارات أو حلق العلم في أيام عيدهم واتخاذه يوم راحة وفرحة وغير ذلك. ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن اليومين اللذين كانوا يلعبون فيهما ~~في الجاهلية ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالمكان إذا كان ~~المشركون يعبدون فيه ويفعلون أمورا يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه ~~- بل يعرف المعروف وينكر المنكر - كما لا يتشبه بهم فلا يعان المسلم ~~المتشبه بهم في ذلك بل ينهى عن ذلك. فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم ~~لم تجب دعوته ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في ~~سائر الأوقات لم تقبل هديته خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان به على التشبه ~~بهم مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد وإهداء البيض واللبن والغنم في ~~الخميس الصغير الذي في آخر صومهم وهو الخميس الحقير. ولا # PageV25P319 # يبايع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام ~~واللباس والبخور؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر. # وقال الشيخ - رضي الله عنه -: # ونذكر أشياء من منكرات دين النصارى لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلي ~~ببعضها وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله. وقد بلغني ~~أنهم يخرجون في الخميس الحقير. الذي قبل ذلك أو السبت أو غير ذلك إلى ~~القبور. وكذلك يبخرون في هذه الأوقات وهم يعتقدون أن في البخور بركة ودفع ~~مضرة ويعدونه من القرابين مثل الذبائح ويرقونه بنحاس يضربونه كأنه ناقوس ~~صغير وبكلام مصنف ويصلبون على أبواب بيوتهم إلى غير ذلك من الأمور المنكرة ~~حتى إن الأسواق تبقى مملوءة أصوات النواقيس الصغار وكلام الرقايين من ~~المنجمين وغيرهم بكلام أكثره باطل وفيه ما هو محرم أو كفر. وقد ألقي إلى ~~جماهير العامة أو جميعهم إلا من شاء الله وأعني # PageV25P320 # بالعامة هنا: كل من لم يعلم حقيقة الإسلام فإن كثيرا ممن ينسب إلى فقه ~~ودين قد شاركهم في ذلك ألقي ms7583 إليهم أن هذا البخور المرقي ينفع ببركته من ~~العين والسحر والأدواء والهواء. ويصورون صور الحيات والعقارب. ويلصقونها في ~~بيوتهم زعما أن تلك الصور الملعون فاعلها التي لا تدخل الملائكة بيتا هي ~~فيه تمنع الهوام وهو ضرب من طلاسم الصابئة. ثم كثير منهم على ما بلغني يصلب ~~باب البيت. ويخرج خلق عظيم في الخميس الحقير المتقدم وعلى هذا يبخرون ~~القبور ويسمون هذا المتأخر الخميس الكبير وهو عند الله الخميس المهين ~~الحقير هو وأهله ومن يعظمه فإن كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر ~~أو شجر أو بنية يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا ~~عبادتها لكانت كسائر الأحجار. ومما يفعله الناس من المنكرات: أنهم يوظفون ~~على الفلاحين وظائف أكثره كرها؛ من الغنم والدجاج واللبن والبيض يجتمع فيها ~~تحريمان: أكل مال المسلم والمعاهد بغير حق وإقامة شعار النصارى ويجعلونه ~~ميقاتا لإخراج الوكلاء على المزارع ويطبخون منه ويصطبغون فيه البيض وينفقون ~~فيه النفقات الواسعة ويزينون أولادهم # PageV25P321 # إلى غير ذلك من الأمور التي يقشعر منها قلب المؤمن. الذي لم يمت قلبه بل ~~يعرف المعروف وينكر المنكر. وخلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء ~~لبركة نزول مريم عليها فهل يستريب من في قلبه أدنى حبة من الإيمان أن شريعة ~~جاءت بما قدمنا بعضه من مخالفة اليهود والنصارى. لا يرضى من شرعها ببعض هذه ~~القبائح. وأصل ذلك كله إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد أو مشابهتهم ~~في بعض أمورهم فيوم الخميس هو عندهم يوم عيد المائدة ويوم الأحد يسمونه عيد ~~الفصح وعيد النور والعيد الكبير. ولما كان عيدا صاروا يصنعون لأولادهم فيه ~~البيض المصبوغ ونحوه لأنهم فيه يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض ~~إذ صومهم هو عن الحيوان وما يخرج منه. وعامة هذه الأعمال المحكية عن ~~النصارى وغيرها مما لم يحك قد زينها الشيطان لكثير ممن يرى الإسلام وجعل ~~لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن وزادوا في بعض ذلك ونقصوا وقدموا وأخروا. وكل ~~ما خصت ms7584 به هذه الأيام من أفعالهم وغيرها فليس للمسلم أن يشابههم في أصله ~~ولا في وصفه. ومن ذلك أيضا أنهم يكسون بالحمرة دوابهم ويصبغون الأطعمة التي ~~لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم ~~الحج. وعامتهم قد نسوا أصل ذلك # PageV25P322 # وبقي عادة مطردة. وهذا كله تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم {لتتبعن ~~سنن من كان قبلكم} وإذا كانت المتابعة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه ~~القبائح. كانت محرمة فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله من التبرك بالصليب ~~والتعمد في المعمودية. وقول القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة ~~ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية أو ~~اليهودية المبدلين المنسوخين موصلة إلى الله وإما استحسان بعض ما فيها مما ~~يخالف دين الله أو التدين بذلك أو غير ذلك مما هو كفر بالله ورسوله ~~وبالقرآن وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة. وأصل ذلك المشابهة والمشاركة. ~~وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية. وبعض حكم ما شرع الله لرسوله ~~من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة الأمور؛ لتكون المخالفة أحسم لمادة ~~الشر وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس. فينبغي للمسلم إذا طلب منه أهله ~~وأولاده شيئا من ذلك أن يحيلهم على ما عند الله ورسوله ويقضي لهم في عيد ~~الله من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة ~~إلا # PageV25P323 # بالله ومن أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم. فليحذر العاقل من طاعة ~~النساء في ذلك وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء} . وأكثر ما يفسد ~~الملك والدول طاعة النساء. ففي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} . وروي أيضا: ~~{هلكت الرجال حين أطاعت النساء} وقد {قال صلى الله عليه وسلم لأمهات ~~المؤمنين لما راجعنه في تقديم أبي بكر: ms7585 إنكن صواحب يوسف} . يريد أن النساء ~~من شأنهن مراجعة ذي اللب كما قال في الحديث الآخر: {ما رأيت من ناقصات عقل ~~ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن} . {ولما أنشده الأعشى - أعشى باهلة - ~~أبياته التي يقول فيها: وهن شر غالب لمن غلب جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرددها ويقول: وهن شر غالب لمن غلب} ولذلك امتن الله سبحانه على زكريا حيث ~~قال: {وأصلحنا له زوجه} قال بعض العلماء ينبغي للرجل أن يجتهد إلى الله في ~~إصلاح زوجته. # PageV25P324 # وقد قال صلى الله عليه وسلم {من تشبه بقوم فهو منهم} . وقد روى البيهقي ~~بإسناد صحيح في باب كراهية الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم؛ ~~والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم - عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن ~~عطاء بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه " لا تعلموا رطانة ~~الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل ~~عليهم ". فهذا عمر قد نهى عن تعلم لسانهم وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم ~~عيدهم فكيف من يفعل بعض أفعالهم؟ أو قصد ما هو من مقتضيات دينهم؟ أليست ~~موافقتهم في العمل أعظم من موافقتهم في اللغة؟ أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم ~~أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم ~~بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك. ثم قوله: ~~" اجتنبوا أعداء الله في عيدهم " أليس نهيا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه؟ ~~فكيف بمن عمل عيدهم وقال ابن عمر في كلام له: من صنع نيروزهم ومهرجانهم ~~وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم. وقال عمر: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم. ونص ~~الإمام أحمد على أنه # PageV25P325 # لا يجوز شهود أعياد اليهود والنصارى واحتج بقول الله تعالى: {والذين لا ~~يشهدون الزور} قال الشعانين وأعيادهم. وقال عبد الملك بن حبيب من أصحاب ~~مالك في كلام له قال: فلا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم ~~شركهم وعونهم على ms7586 كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول ~~مالك وغيره: لم أعلم أنه اختلف فيه. وأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي ~~اجتمع على كراهيته بل هو عندي أشد: وقد سئل أبو القاسم عن الركوب في السفن ~~التي ركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم ~~بشركهم. الذي اجتمعوا عليه وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم} فيوافقهم ~~ويعينهم {فإنه منهم} . وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى قال: قلت ~~لعمر: إن لي كاتبا نصرانيا قال: ما لك قاتلك الله أما سمعت الله تعالى ~~يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض} ألا اتخذت حنيفيا قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي # PageV25P326 # كتابته وله دينه قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ~~ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. وقال الله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} قال ~~مجاهد: أعياد المشركين وكذلك قال الربيع بن أنس. وقال القاضي أبو يعلى ~~(مسألة في النهي عن حضور أعياد المشركين وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده ~~في شروط أهل الذمة عن الضحاك في قوله: {والذين لا يشهدون الزور} قال: عيد ~~المشركين وبإسناده عن سنان عن الضحاك {والذين لا يشهدون الزور} كلام ~~المشركين. وروى بإسناده عن ابن سلام عن عمرو بن مرة {والذين لا يشهدون ~~الزور} لا يماكثون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم. وقد دل الكتاب وجاءت ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع أهل ~~العلم عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم. . . (1) إيقاد النار والفرح بها من ~~شعار المجوس عباد النيران. والمسلم يجتهد في إحياء السنن. وإماتة البدع. ~~ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~PageV25P327 # صلى الله عليه وسلم {إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم} . وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون} وقد أمرنا ~~الله تعالى أن نقول ms7587 في صلاتنا {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . والله سبحانه أعلم. # PageV25P328 # وسئل: # عمن يفعل من المسلمين: مثل طعام النصارى في النيروز. ويفعل سائر المواسم ~~مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئا يستعينون به ~~على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئا من ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا ~~من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو ~~عبادة أو غير ذلك. ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به ~~على ذلك لأجل ذلك. ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا ~~إظهار زينة. وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون ~~يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم. # PageV25P329 # وأما إذا أصابه المسلمون قصدا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف. وأما ~~تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء. بل قد ذهب طائفة من ~~العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر. وقال ~~طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا. وقال عبد الله بن ~~عمرو بن العاص: من [تأسى] (*) ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه ~~بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة. وفي سنن أبي داود عن ثابت بن ~~الضحاك قال: {نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ~~ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ~~ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله ~~من أوثان الجاهلية؟ قال: لا قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية ~~الله ولا فيما لا يملك ابن آدم} ms7588 فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا ~~الرجل أن يوفي بنذره مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجبا حتى أخبره أنه لم ~~يكن بها عيد من أعياد الكفار وقال: {لا وفاء لنذر في PageV25P330 # معصية الله} . فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية. فكيف بمشاركتهم ~~في نفس العيد؟ بل قد شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر ~~أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين وإنما يعملونها سرا في ~~مساكنهم. فكيف إذا أظهرها المسلمون أنفسهم؟ حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه " لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم ~~عيدهم فإن السخط ينزل عليهم ". وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها منهيا عن ~~ذلك؛ لأن السخط ينزل عليهم. فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هي من ~~شعائر دينهم؟ وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى {والذين لا يشهدون ~~الزور} قالوا أعياد الكفار فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف ~~بالأفعال التي هي من خصائصها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المسند والسنن أنه قال: {من تشبه بقوم فهو منهم} وفي لفظ: {ليس منا من تشبه ~~بغيرنا} وهو حديث جيد. فإذا كان هذا في التشبه بهم وإن كان # PageV25P331 # من العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك؟! . # وقد كره جمهور الأئمة - إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه - أكل ما ذبحوه ~~لأعيادهم وقرابينهم إدخالا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب ~~وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا: إنه لا يحل ~~للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا دما ولا ثوبا ~~ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم ~~وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. لأن الله ~~تعالى يقول: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . ~~ثم إن المسلم لا ms7589 يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك. فكيف ~~على ما هو من شعائر الكفر. وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان ~~هو الفاعل لذلك والله أعلم. قاله أحمد ابن تيمية. PageV25P332 # الجزء السادس والعشرون # كتاب الفقه # الجزء السادس: الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله ورضي عنه -: # عن العمرة هل هي واجبة؟ وإن كان فما الدليل عليه؟ # فأجاب: # فصل: # والعمرة في وجوبها قولان للعلماء هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد ~~والمشهور عنهما وجوبها. والقول الآخر لا تجب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ~~وهذا القول أرجح فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: {ولله على الناس حج البيت} ~~لم يوجب العمرة وإنما أوجب إتمامهما. فأوجب إتمامهما لمن شرع فيهما وفي ~~الابتداء إنما أوجب الحج. وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب ~~الحج ولأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في الحج فإنها إحرام وإحلال وطواف ~~بالبيت وبين # PageV26P005 # الصفا والمروة وهذا كله داخل في الحج. # وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض الله منها شيئا مرتين فلم يفرض وقتين ~~ولا طوافين ولا سعيين ولا فرض الحج مرتين. وطواف الوداع ليس بركن بل هو ~~واجب وليس هو من تمام الحج ولكن كل من خرج من مكة عليه أن يودع. ولهذا من ~~أقام بمكة لا يودع على الصحيح فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت كما وجب ~~الدخول بالإحرام في أحد قولي العلماء لسبب عارض لا كون ذلك واجبا بالإسلام ~~كوجوب الحج. ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة. لا على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه بل لم يعتمر أحد عمرة ~~بمكة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها لسبب عارض. وقد ~~بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. # وسئل: # عمن حج ولم يعتمر وتركها إما عامدا أو ناسيا. فهل تسقط # PageV26P006 # عنه بالحج؟ أم لا؟ وهل ذكر أحد في ذلك خلافا؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد ms7590 لله رب العالمين، العمرة في وجوبها قولان مشهوران للعلماء هما ~~قولان للشافعي وروايتان عن أحمد والمشهور عن أصحابهما وجوبها ولكن القول ~~بعدم وجوبها قول الأكثرين: كمالك وأبي حنيفة وكلا القولين منقول عن بعض ~~الصحابة. والأظهر أن ### | العمرة ليست واجبة # وأن من حج ولم يعتمر فلا شيء عليه سواء ترك العمرة عامدا أو ناسيا؛ لأن ~~الله إنما فرض في كتابه حج البيت بقوله: {ولله على الناس حج البيت} . ولفظ ~~الحج في القرآن لا يتناول العمرة بل هو سبحانه إذا أراد العمرة ذكرها مع ~~الحج كقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} وقوله: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما} فلما أمر بالإتمام أمر بإتمام الحج والعمرة وهذه ~~الآية نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق الناس. وآية آل عمران نزلت بعد ذلك ~~سنة تسع أو عشر، وفيها فرض الحج. ولهذا كان أصح القولين أن فرض الحج كان ~~متأخرا. ومن قال: إنه فرض سنة ست فإنه احتج بآية الإتمام وهو غلط فإن الآية ~~إنما أمر فيها بإتمامهما لمن شرع فيهما لم يأمر فيها بابتداء الحج والعمرة. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة الحديبية قبل أن تنزل هذه # PageV26P007 # الآية ولم يكن فرض عليه لا حج ولا عمرة ثم لما صده المشركون أنزل الله ~~هذه الآية. فأمر فيها بإتمام الحج والعمرة وبين حكم المحصر الذي تعذر عليه ~~الإتمام. ولهذا اتفق الأئمة على أن الحج والعمرة يلزمان بالمشروع فيجب ~~إتمامهما. وتنازعوا في الصيام والصلاة والاعتكاف. وأيضا فإن العمرة ليس ~~فيها جنس من العمل غير جنس الحج فإنها إحرام وطواف وسعي وإحلال وهذا كله ~~موجود في الحج. والحج إنما فرضه الله مرة واحدة لم يفرضه مرتين ولا فرض ~~شيئا من فرائضه مرتين لم يفرض فيه وقوفين ولا طوافين؛ بل الفرض طواف ~~الإفاضة وأما طواف الوداع فليس من الحج وإنما هو لمن أراد الخروج من مكة ~~ولهذا لا يطوف من أقام بمكة وليس فرضا على كل أحد بل يسقط عن الحائض ولو لم ~~يفعله لأجزأه ms7591 دم ولم يبطل الحج بتركه بخلاف طواف الفرض والوقوف. وكذلك ~~السعي لا يجب إلا مرة واحدة والرمي يوم النحر لا يجب إلا مرة واحدة ورمي كل ~~جمرة في كل يوم لا يجب إلا مرة واحدة وكذلك الحلق والتقصير لا يجب إلا مرة ~~واحدة. فإذا كانت العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج وأعمال الحج إنما ~~فرضها الله مرة لا مرتين علم أن الله لم يفرض العمرة. # PageV26P008 # والحديث المأثور في {أن العمرة هي الحج الأصغر} قد احتج به بعض من أوجب ~~العمرة وهو إنما يدل على أنها لا تجب؛ لأن هذا الحديث دال على حجين: أكبر ~~وأصغر. كما دل على ذلك القرآن في قوله: {يوم الحج الأكبر} وإذا كان كذلك ~~فلو أوجبناها لأوجبنا حجين: أكبر وأصغر. والله تعالى لم يفرض حجين وإنما ~~أوجب حجا واحدا والحج المطلق إنما هو الحج الأكبر وهو الذي فرضه الله على ~~عباده وجعل له وقتا معلوما لا يكون في غيره كما قال {يوم الحج الأكبر} ~~بخلاف العمرة فإنها لا تختص بوقت بعينه بل تفعل في سائر شهور العام. ولأن ~~العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل والمغتسل للجنابة يكفيه الغسل ولا يجب ~~عليه الوضوء عند جمهور العلماء. فكذلك الحج؛ فإنهما عبادتان من جنس واحد: ~~صغرى وكبرى. فإذا فعل الكبرى لم يجب عليه فعل الصغرى ولكن فعل الصغرى أفضل ~~وأكمل كما أن الوضوء مع الغسل أفضل وأكمل. وهكذا فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه؛ لكنه أمرهم بأمر التمتع وقال: {دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة} كما قد بسط في موضع آخر. والله أعلم. # PageV26P009 # وسئل: # عن امرأة حجت حجة الإسلام وما اعتمرت وفي العام الثاني قصدت أن تحج عن ~~بنتها وكانت بالأول أحرمت بحج وعمرة فهل عليها عمرة أخرى؟ # فأجاب: # لا عمرة عليها لما مضى وأما إذا اعتمرت في هذا العام عن نفسها غير العمرة ~~عن بنتها جاز ذلك. # وسئل رحمه الله: # ماذا يقول أهل العلم في رجل ... آتاه ذو العرش مالا حج واعتمرا # فهزه الشوق نحو ms7592 المصطفى طربا ... أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقرا # أم حجة عن أبيه ذاك أفضل أم ... ماذا الذي يا سادتي ظهرا # PageV26P010 # فأفتوا محبا لكم فديتكمو ... وذكركم دأبه إن غاب أو حضرا # فأجاب رضي الله عنه: # نقول فيه بأن الحج أفضل من ... فعل التصدق والإعطاء للفقرا # والحج عن والديه فيه برهما ... والأم أسبق في البر الذي ذكرا # لكن إذا الفرض خص الأب كان إذا ... هو المقدم فيما يمنع الضررا # كما إذا كان محتاجا إلى صلة ... وأمه قد كفاها من برا البشرا # هذا جوابك يا هذا موازنة ... وليس مفتيك معدودا من الشعرا. # PageV26P011 # وسئل رحمه الله: # عن امرأة تملك زيادة عن نحو ألف درهم ونوت أن تهب ثيابها لبنتها فهل ~~الأفضل أن تبقي قماشها لبنتها؟ أو تحج بها؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم تحج بهذا المال وهو ألف درهم ونحوها. وتزوج البنت بالباقي ~~إن شاءت فإن الحج فريضة مفروضة عليها إذا كانت تستطيع إليه سبيلا. ومن لها ~~هذا المال تستطيع السبيل. # وسئل: # عن شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه. لا يستطيع أن يأكل أو يشرب ولا يتحرك هل ~~يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض؟ # فأجاب: # أما الحج فإذا لم يستطع الركوب على الدابة فإنه يستنيب من يحج عنه. # PageV26P012 # و ### | سئل: # هل يجوز أن تحج المرأة بلا محرم؟ # فأجاب: # إن كانت من القواعد اللاتي لم يحضن وقد يئست من النكاح ولا محرم لها. ~~فإنه يجوز في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد ومذهب مالك والشافعي. # وقال رحمه الله: # فصل: # يجوز للمرأة أن تحج عن امرأة أخرى باتفاق العلماء سواء كانت بنتها أو غير ~~بنتها وكذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل عند الأئمة الأربعة وجمهور ~~العلماء كما {أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة الخثعمية أن تحج عن ~~أبيها لما قالت: يا رسول الله إن فريضة # PageV26P013 # الله في الحج على عباده أدركت أبي وهو شيخ كبير. فأمرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تحج عن أبيها} مع أن إحرام ms7593 الرجل أكمل من إحرامها. والله ~~أعلم. # وقال رحمه الله: # فصل: # في الحج عن الميت أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة فإنه جائز بالاتفاق أو ~~بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء في ذلك سواء كان المال المحجوج ~~به موصى به لمعين أو عينا مطلقا أو مبذولا أو مخرجا من صلب التركة؛ فمن ~~أصحاب الشافعي من استحب ذلك وقال هو من أطيب المكاسب؛ لأنه يعمل صالحا ~~ويأكل طيبا. والمنصوص عن أحمد أنه قال: لا أعرف في السلف من كان يعمل هذا ~~وعده بدعة وكرهه. ولفظ نصه مكتوب في غير هذا الموضع. ولم يكره إلا الإجارة ~~والجعالة. قلت: حقيقة الأمر في ذلك أن الحاج يستحب له ذلك إذا كان مقصوده ~~أحد شيئين: الإحسان إلى المحجوج عنه أو نفس # PageV26P014 # الحج لنفسه. وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضا فذمته متعلقة به فالحج ~~عنه إحسان إليه بإبراء ذمته بمنزلة قضاء دينه. كما {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزي عنه؟ ~~قالت: نعم قال: فالله أحق بالقضاء} كذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث بين ~~أن الله لرحمته وكرمه أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه فإذا كان مقصود ~~الحاج قضاء هذا الدين الواجب عن هذا فهذا محسن إليه والله يحب المحسنين ~~فيكون مستحبا وهذا غالبا إنما يكون لسبب يبعثه على الإحسان إليه مثل رحم ~~بينهما أو مودة وصداقة أو إحسان له عليه يجزيه به ويأخذ من المال ما يستعين ~~به على أداء الحج عنه؛ وعلامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجه ولهذا جوزنا ~~نفقة الحج بلا نزاع. وكذلك لو وصى بحجة مستحبة وأحب إيصال ثوابها إليه. ~~والموضع الثاني: إذا كان الرجل مؤثرا أن يحج محبة للحج وشوقا إلى المشاعر ~~وهو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج وهذا قد يعطى المال ليحج به ~~لا عن أحد كما يعطى المجاهد المال ليغزو به فلا شبهة فيه فيكون لهذا أجر ~~الحج ببدنه ولهذا أجر الحج ms7594 بماله كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا ~~وقد يعطى # PageV26P015 # المال ليحج به عن غيره فيكون مقصود المعطى الحج عن المعطى عنه ومقصود ~~الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان إلى الغير. وهذا ~~يتوجه على أصل أبي حنيفة حيث قال: الحج يقع عن الحاج وللمعطي أجر الإنفاق ~~كالجهاد. وعلى أصلنا فإن المصلي والصائم والمتصدق عن الغير والحاج عن الغير ~~له قصد صالح في ذلك العمل وقصد صالح في عمله عن الغير. وإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد قال: {الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا ~~طيبة به نفسه أحد المتصدقين} فجعل للوكيل مثل الموكل في الصدقة وهو نائب؟ ~~وقال: {إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ~~وللزوج أجره بما اكتسب وللخادم مثل ذلك} فكذلك النائب في الحج وسائر ما ~~يقبل النيابة من الأعمال له أجر. وللمستنيب أجر. وهذا أيضا إنما يأخذ ما ~~ينفقه في الحج كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو. فهاتان صورتان مستحبتان ~~وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويرد الفضل، وأما إذا كان قصده ~~الاكتساب بذلك وهو أن يستفضل مالا فهذا صورة الإجارة والجعالة والصواب أن ~~هذا لا يستحب وإن قيل بجوازه لأن العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح في ~~نفسه إذا لم يقصد # PageV26P016 # به إلا المال فيكون من نوع المباحات. ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس ~~له في الآخرة من خلاق. ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر ~~التي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة ~~المباحات لا نجعلها من " باب القرب " فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يعاقب على ~~العمل بهذه النية أو يثاب أو لا يثاب ولا يعاقب. وكذلك المال المأخوذ: إما ~~منهي عنه وإما مستحب وإما مباح فهذا هذا والله أعلم. لكن قد رجحت الإجارة ~~على. . . (1) إذا كان محتاجا إلى ذلك المال للنفقة مدة الحج وللنفقة بعد ~~رجوعه ms7595 أو قضاء دينه فيقصد إقامة النفقة وقضاء الدين الواجب عليه فهنا تصير ~~الأقسام ثلاثة: إما أن يقصد الحج والإحسان فقط أو يقصد النفقة المشروعة له ~~فقط أو يقصد كليهما فمتى قصد الأول فهو حسن وإن قصدهما معا فهو حسن إن شاء ~~الله؛ لأنهما مقصودان صالحان وأما إن لم يقصد إلا الكسب لنفقته فهذا فيه ~~نظر. والمسألة مشروحة في مواضع. PageV26P017 # وسئل: # عن امرأة حجت وقصدت أن تحج عن ميتة بأجرة فهل لها أن تحج؟ . # فأجاب: # يجوز أن تحج عن الميت بمال يؤخذ على وجه النيابة بالاتفاق. وأما على وجه ~~الإجارة ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: إحداهما يجوز وهو قول ~~الشافعي. والثاني لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة. ثم هذه الحاجة عن الميت إن ~~كان قصدها الحج أو نفع الميت كان لها في ذلك أجر وثواب وإن كان ليس مقصودها ~~إلا أخذ الأجرة فما لها في الآخرة من خلاق. # و ### | سئل: # عمن حج عن الغير ليوفي دينه؟ . # PageV26P018 # فأجاب: أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما ~~أفضل. والأصح أن الأفضل الترك. فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئا من ~~النفقة ليس من أعمال السلف حتى قال الإمام أحمد: ما أعلم أحدا كان يحج عن ~~أحد بشيء. ولو كان هذا عملا صالحا لكانوا إليه مبادرين والارتزاق بأعمال ~~البر ليس من شأن الصالحين. أعني إذا كان إنما مقصوده بالعمل اكتساب المال ~~وهذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ~~ليأخذ دراهم يوفي بها دينه ولا يستحب للرجل أن يأخذ مالا يحج به عن غيره ~~إلا لأحد رجلين: إما رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز. فيأخذ ما يقضي ~~به وطره الصالح ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج. أو رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت ~~عن الحج إما لصلة بينهما أو لرحمة عامة بالمؤمنين ونحو ذلك فيأخذ ما يأخذ ~~ليؤدي به ذلك. وجماع هذا أن المستحب أن يأخذ ليحج لا ms7596 أن يحج ليأخذ وهذا في ~~جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح فمن ارتزق ليتعلم أو ليعلم أو ليجاهد ~~فحسن. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل الذين يغزون من ~~أمتي. ويأخذون أجورهم. مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها} شبههم بمن يفعل ~~الفعل # PageV26P019 # لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا ~~كانت أجنبية. وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق فهذا من أعمال ~~الدنيا. ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة ومن تكون الدنيا ~~مقصوده والدين وسيلة. والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق. كما دلت ~~عليه نصوص ليس هذا موضعها. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عليه دين لشخص غائب ببغداد والمديون مقيم بمصر وهو معسر وقصد شخص ~~أن يحج به من عنده. فهل يجوز له أن يحج وعليه الدين؟ . # فأجاب: # نعم يجوز أن يحج المدين المعسر إذا حججه غيره ولم يكن في ذلك إضاعة لحق ~~الدين إما لكونه عاجزا عن الكسب وإما لكون الغريم غائبا لا يمكن توفيته من ~~الكسب. والله أعلم. # PageV26P020 # وسئل رحمه الله: # عن رجل خرج حاجا إلى بيت الله الحرام بالزاد والراحلة فأدركه الموت في ~~الطريق فهل يسقط عنه الفرض؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يسقط عنه بذلك ثم إن كان خرج إلى الحج حين وجب ~~عليه من غير تفريط مات غير عاص وإن فرط بعد الوجوب مات عاصيا ويحج عنه من ~~حيث بلغ وإن كان قد خلف مالا فالنفقة من ذلك واجبة في أظهر قولي العلماء. ~~وتفصيل ذلك: أنه إذا استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج بالإجماع ~~فإن حج عقب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وجب أجره على الله ومات وهو ~~غير عاص وله أجر نيته وقصده. فإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك ومات قبل أداء ~~الحج مات عاصيا آثما وله أجر ما فعله ولم يسقط عنه الفرض بذلك بل الحج باق ~~في ذمته ويحج عنه ms7597 من حيث بلغ. والله أعلم. # PageV26P021 ### | باب الإحرام # سئل شيخ الإسلام: # عما حكى أصحابنا - رحمهم الله - في الإحرام، هل هو ركن؟ أم لا؟ ثم إنهم ~~ذكروا في موضع آخر: أن الإحرام عبارة عن نية الحج فكيف يتصور الخلاف في ~~النية مع أنه لا يتصور وجود الحج الشرعي بدونها، أبن لنا عن هذا مثابا معظم ~~الأجر؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الجواب من طريقين: إجمالي وتفصيلي. # أما الإجمالي فنقول: أما النية للحج والعمرة فلا خلاف بين أصحابنا وسائر ~~المسلمين أن الحج لا يصح إلا بها إما من الحاج نفسه وإما من يحج به كما يحج ~~ولي الصبي ولو عمل الرجل أعمال الحج من غير قصد لم يصح الحج كما لا تصح ~~الصلاة والصوم بغير نية وسواء قيل: إن الحج ينعقد بمجرد النية أو لا ينعقد ~~إلا بها وبشيء آخر من قول أو عمل: من تلبية أو تقليد هدي على الخلاف # PageV26P022 # المشهور بين العلماء في ذلك. وسواء قلنا: إن الإحرام ركن أم ليس بركن ~~وهذا أمر لا يقبل الخلاف فإن العبادات المقصودة يمتنع أن تكون هي العبادات ~~المأمور بها بدون النية. وأما انعقاد الإحرام بمجرد النية ففيه خلاف في ~~المذهب وغيره كما سنذكره إن شاء الله تعالى. # وفرق بين النية المشترطة للحج والنية التي ينعقد بها الإحرام فإن الرجل ~~يمكنه أن ينوي الحج من حين يخرج من بيته كما هو الواقع ويقف ويطوف مستصحبا ~~لهذه النية؛ ذكرا وحكما وإن لم يقصد الإحرام ولا يخطر بقلبه. # وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد ~~العبادة وقصد المعبود. وقصد المعبود هو الأصل الذي دل عليه قوله سبحانه: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} {وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه} . فإنه ~~صلى الله عليه وسلم ميز بين مقصود ومقصود وهذا # PageV26P023 # المقصود في الجملة لا بد منه ms7598 في كل فعل اختياري. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أصدق الأسماء حارث وهمام} فإن كل بشر بل كل حيوان لا بد له من همة ~~وهو الإرادة ومن حرث وهو العمل إذ من لوازم الحيوان أنه يتحرك بإرادته ثم ~~ذلك الذي يقصده هو غايته وإن كان قد يحدث له بعد ذلك القصد قصد آخر وإنما ~~تطمئن النفوس بوصولها إلى مقصودها. وأما قصد العبادة فقصد العمل الخاص فإن ~~من أراد الله والدار الآخرة بعمله: فقد يريده بصلاة وقد يريده بحج. وكذلك ~~من قصد طاعته بامتثال ما أمره به فقد أطاعه في هذا العمل. وقد يقصد طاعته ~~في هذا العمل فهذا القصد الثاني مثل قصد الصلاة دون الصوم ثم صلاة الظهر ~~دون صلاة العصر ثم الفرض دون النفل وهذه النية التي تذكر غالبا في كتب ~~الفقه المتأخرة وكل واحدة من النيتين فرض في الجملة. أما الأولى: فبها ~~يتميز من يعبد الله مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت أو يشرك بعبادة ربه ~~ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا وهو الدين الخالص لله الذي تشترك ~~فيه جميع الشرائع الذي نهي الأنبياء عن التفرق فيه. كما قال تعالى {شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى # PageV26P024 # وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . ولهذا كان دين الأنبياء واحدا ~~وإن كانت شرائعهم متنوعة. قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} . وأما ~~النية الثانية: فبها تتميز أنواع العبادات وأجناس الشرائع فيتميز المصلي من ~~الحاج والصائم ويتميز من يصلي الظهر ويصوم قضاء رمضان ممن يصلي العصر ويصوم ~~شيئا من شوال ويتميز من يتصدق عن زكاة ms7599 ماله ممن يتصدق من نذر عليه أو ~~كفارة. وأصناف العبادات مما تتنوع فيه الشرائع إذ الدين لا قوام له إلا ~~الشريعة إذ ### | أعمال القلوب لا تتم إلا بأعمال الأبدان # كما أن الروح لا قوام لها إلا بالبدن. أعني ما دامت في الدنيا. وكما أن ~~معاني الكلام لا تتم إلا بالألفاظ وبمجموع اللفظ والمعنى يصير الكلام كلاما ~~وإن كان المعنى لا يختلف باختلاف الأمم، واللفظ # PageV26P025 # يتنوع بتنوع الأمم ثم قد يكون لغة بعض الأمم أبلغ في إكمال المعنى من ~~بعض، وبعض ألفاظ اللغة أبلغ تماما للمعنى من بعض. فالدين العام يتعلق بقصد ~~القلب ثم لا بد من عمل بدني يتم به القصد ويكمل فتنوعت الأعمال البدنية ~~كذلك وتنوعت لما اقتضته مشيئة الله ورحمته لعباده وبحكمته في أمره وإنما ~~وجب كل واحد من النيتين؛ لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التي ~~بعث بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة ~~غيرها. والأعمال المشروعة مؤلفة من أقوال وأعمال مخصوصة قد يعتبر لها أوقات ~~وأمكنة مخصوصة وصفات كلما كان فرضا علينا أن نعبد الله وأن تكون العبادة ~~على وصف معين كان فرضا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين. والقصد ~~الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به. ثم اعلم أن النيات قد تحصل ~~جملة وقد تحصل تفصيلا وقد تحصل بطريق التلازم وقد تتنوع النيات حتى يكون ~~بعضها أفضل من بعض بحيث يسقط الفرض بأدناها لكن الفضل لمن أتى بالأعلى. وقد ~~يكون الشيء مقصودا بالقصد الثاني دون الأول ثم قد يحضر الإنسان القصد ~~الثاني ويذهل عن القصد الأول فإن الإنسان في # PageV26P026 # قصده العبادة قد يريد وجه الله من حيث الجملة أو يريد طاعته أو عبادته أو ~~التقرب إليه أو يريد ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا أو يرجو ثوابا ~~معينا في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما أو يخاف عقابا إما مجملا وإما ~~مفصلا. وتفاصيل هذه النيات باب واسع. وهو بهذا الاعتبار قد ms7600 لا يكون له غرض ~~في نوع من الأعمال البدنية دون نوع إلا باعتبار تقييس ذلك نية نوع العمل ~~فإن من قصد الحج قد يكون قد استشعر الحج من حيث الجملة وهو أنه قصد مكان ~~معين فيقصد ما استشعره من غير علم ولا قصد تفصيل أعماله من وقوف وطواف وترك ~~محظورات وغير ذلك؛ بل إنما تصير تفاصيل أعمال الحج مقصودة إذا استشعرها وقد ~~يكون عالما بجنس أعمال الحج وأنها وقوف وطواف ونحو ذلك؛ لأنها قد وصفت له. ~~وإن لم يعلم عين المكان وصورة الطواف فينوي ذلك. وقد يعلم ذلك كله فينوي ما ~~قد علمه. وكذلك الكافر إذا أسلم وقلنا له: قد وجبت عليك الصلاة فإنه ~~يلتزمها وينويها لاستشعاره لها جملة ولم يعلم صفتها؛ بل كل من آمن بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم إيمانا راسخا فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبره ~~وطاعته فيما أمره وإن لم يعلم ولم يقصد أنواع # PageV26P027 # الأخبار والأعمال ثم عند العلم بالتفصيل: إما أن يصدق ويطيع فيصير من ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أو يخالف ذلك فيصير إما منافقا وإما عاصيا ~~فاسقا أو غير ذلك. وهذا يبين لك أن الأقسام ثلاثة: رجل يقصد عبادة الله ~~وطاعته ولم يقصد العمل المعين المأمور به: كرجل له أموال ينفق منها على ~~السائل والمحروم مريدا بذلك وجه الله من غير أن يخطر بباله لا زكاة ولا ~~كفارة ولا وضعها في الأصناف الثمانية دون بعض. فهذا يثاب على ما يعمله لله ~~سبحانه لكن بقي في عهدة الأمر بالواجبات. ورجل قد يقصد العمل المعين من غير ~~أن يقصد طاعة الله وعبادته كمن يدفع زكاة ماله إلى السلطان؛ لئلا يضرب عنقه ~~أو ينقص حرمته أو يأخذ ماله أو قام يصلي خوفا على دمه أو ماله أو عرضه. ~~وهذه حال المنافقين عموما والمرائين في بعض الأعمال خصوصا. كما قال تعالى: ~~{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} وقال: {فويل للمصلين} ~~{الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} {ويمنعون الماعون} وقال ~~تعالى: {ولا يأتون الصلاة إلا ms7601 وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} . ~~والقسم الثالث: أن يقصد فعل ما أمر به من ذلك العمل المعين # PageV26P028 # لله سبحانه. واتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لا بد منها في ~~الجملة فلا بد أن يقصد الصلاة أو الحج أو الصيام ولهم في فروع ذلك تفصيل ~~وخلاف ليس هذا موضعه. واختلفوا في النية الأولى: وهي نية الإضافة إلى الله ~~تعالى: من أصحابنا من قال: لا تجب نية الإضافة إلى الله تعالى ومنهم من فرق ~~بين العبادات المقصودة كالصلاة والحج والصوم وغير المقصودة كالطهارة ~~والتيمم " وكذلك أصحاب الشافعي لم يعتبروا نية الإضافة إلى الله تعالى في ~~أصح الوجهين. وذلك لأن نفس نية فعل العبادة تتضمن الإضافة كما تتضمن عدد ~~الركعات فإن الصلاة لا تشرع إلا لله تعالى كما أن صلاة الظهر في الحضر لا ~~تكون إلا أربع ركعات فلهذا لم تجب نية الإضافة. وأيضا: النية الحكمية تقوم ~~مقام النية المستحضرة وإن كانت النية المستحضرة أكمل وأفضل فإذا نوى العبد ~~صلاة الظهر في أول الأمر أجزأه استصحاب النية حكما فكذلك العبد المؤمن الذي ~~دخل الإيمان في قلبه قد نوى نية عامة: أن عباداته هي له لا لغيره فإنه إن ~~لم يكن كذلك كان منافقا. فإذا نوى عبادة معينة من صلاة وصوم كان مستصحبا ~~لحكم تلك # PageV26P029 # النية الشاملة لجميع أنواع العبادات كما أنه في الصلاة إذا نوى الركوع ~~والسجود في أثناء الصلاة كان مستصحبا لحكم نية الظهر أو العصر الشاملة ~~لجميع أعمال الصلاة ثم إن أتى بما ينقض علم تلك أفسدها فإنه يكون فاسخا لها ~~كما لو فسخ نية الصلاة في أثنائها فإذا قام يصلي لئلا يضرب أو يؤخذ ماله أو ~~أدى الزكاة لئلا يضرب: كان قد فسخ تلك النية الإيمانية. فلهذا كان الصحيح ~~عندنا وعند أكثر العلماء أن هذه العبادة فاسدة لا يسقط الفرض بهذه النية ~~وقلنا: إن عبادات المرائين الواجبة باطلة وإن السلطان إذا أخذ الزكاة من ~~الممتنع من أدائها لم يجزه في الباطن على أصح الوجهين لكن لما ms7602 كان غالب ~~المسلمين يولد بين أبوين مسلمين يصيرون مسلمين إسلاما حكميا من غير أن يوجد ~~منهم إيمان بالفعل ثم إذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي فيؤدي ~~الفرائض ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة والمتابعة لأقاربه وأهل ~~بلده ونحو ذلك: مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف ولم ~~يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلا. فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة ~~وبين الزكاة المشروعة أو من يخرج من أهل مكة كل سنة إلى عرفات؛ لأن العادة ~~جارية بذلك من غير استشعار أن هذا عبادة لله. لا جملة ولا تفصيلا أو يقاتل ~~الكفار # PageV26P030 # لأن قومه قاتلوهم فقاتل تبعا لقومه ونحو ذلك. فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا ~~تردد بل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط ~~الفرض فلا يظن ظان أن قول من قال من الفقهاء: إن نية الإضافة ليست واجبة: ~~أراد مثل هؤلاء وإنما اكتفى فيها بالنية الحكمية كما قدمناه. ففرق بين من ~~لم يرد الله بعمله لا جملة ولا تفصيلا وبين من أراده جملة وذهل عن إرادته ~~بالعمل المعين تفصيلا. فإن أحدا من الأمة لا يقول: إن الأول عابد لله ولا ~~مؤد لما أمر به أصلا؛ وهذا ظاهر، ومن أصحابنا من اشترط هذه النية عند العمل ~~المعين فقال: النية الواجبة في الصلاة أن يعتقد أداء فعل ما افترض الله ~~عليه من فعل الصلاة بعينها وامتثال أمره الواجب من غير رياء ولا سمعة. ولفظ ~~بعضهم: اتباع أمره وإخلاص العمل له. وعلى هذا يدل كلام أكثرهم فإنهم ~~يستدلون على النية الواجبة في الطهارة والصلاة ونحوهما بقوله: {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} قالوا: وإخلاص الدين هو النية. ومن ~~اغتسل للتبرد أو التنظف لم يخلص الدين لله ويستدلون بقوله: {من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب} قالوا: ومن اغتسل للتبرد والتنظف لم يرد حرث الآخرة # PageV26P031 # فيجب أن ms7603 لا يخلص له. ومعلوم أن هاتين الآيتين تدلان على وجوب العمل لله ~~والدار الآخرة أبلغ من دلالتهما على وجوب نية العمل المعين؛ لكن من نصر ~~الوجه الأول قد يقول: نية النوع مستلزمة لنية الجنس فإن من نوى العمل ~~المعين فقد نوى العمل لله بحكم إيمانه كما تقدم. ومن نصر الثاني يقول: ~~النية الواجبة لا تتقدم على العمل بعشرين سنة بل إنما تقدم عليه إما بالزمن ~~اليسير وإما من أول وقت الوجوب على اختلاف الوجهين. وأيضا: فالدليل الظاهر ~~والقياس يوجب وجود النية المحضرة في جميع العبادة وإنما عفي عن استصحابها ~~في أثناء العبادة لما في ذلك من المشقة ولا مشقة في نية العبادة لله عند ~~فعل كل عبادة. وأيضا فغالب الناس إسلامهم حكمي وإنما يدخل في قلوبهم في ~~أثناء الأمر إن دخل. فإن لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها فتخلو قلوبهم ~~منها فيصيرون منافقين إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة كما هو الواقع في ~~كثير من الناس. # PageV26P032 # وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه وأرضاه -: # عن " التمتع والقران " أيهما أفضل؟ . # فأجاب: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له: ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. لا يختلف مذهب أحمد أنه إذا قدم في أشهر الحج ولم يسق ~~الهدي فالتمتع الخاص أفضل له وهو أن يتمتع بعمرة فيحل منها إذا طاف بالبيت ~~وبين الصفا والمروة. ثم يحرم بالحج. وأما إذا ساق الهدي: فنقل المروذي عنه: ~~أن القران أفضل. فمن أصحابنا من جعل هذا رواية ثانية عن أحمد. وجعلوا فيها ~~إذا ساق الهدي: هل الأفضل التمتع؟ أو القران؟ على روايتين. وهذه طريقة ~~المتأخرين الذين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV26P033 # حج متمتعا فإنه على هذا القول يكون النبي صلى الله عليه وسلم تمتع وساق ~~الهدي وأمر أصحابه ms7604 بالتمتع فلا يبقى لاختيار القران وجه. ولكن المنصوص عن ~~أحمد الذي عليه أئمة أصحابه المتقدمون: أنه حج قارنا ولكن أمر أصحابه ~~بالتمتع - من لم يسق الهدي - أن يحل من إحرامه ويجعلها متعة. وقال: {لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} . وعلى هذا القول ~~فهذا من باب المطلق والمقيد فإن أحمد لم ينص على أنه من ساق الهدي فالتمتع ~~أفضل له. بل إنما اختار التمتع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه به. ~~ولقوله: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} . ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالتحلل من لم يسق الهدي وإنما اختار ~~أن يجعلها عمرة ولا يحل من لم يختر أن يجعلها عمرة مع سوق الهدي. وأيضا فإن ~~أحمد لم يقل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حج متمتعا - التمتع الخاص - بل ~~نص على أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا. وقال: لا أشك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان قارنا والتمتع أحب إلي؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV26P034 # فإنه قال: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} ~~. فكلامه إنما كان في أيهما أفضل: أن يسوق ويقرن أو يتمتع ولا يسوق؟ . لأنه ~~إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل. فهذا مما يختلف فيه الاجتهاد لأن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة} هل كان لأن التحلل بعمرة أفضل من القران أم لا: موافقة ~~لأصحابه لما أمرهم بالتحلل فشق ذلك عليهم. فهذا مورد اجتهاد. ولم يختلف ~~كلام أحمد أن من لم يسق الهدي وقدم في أشهر الحج فالتمتع أفضل له. وأيضا: ~~فإنه إذا ساق الهدي وقدم في العشر لم يجز له التحلل عند أحمد وأبي حنيفة ~~وغيرهما حتى ينحر الهدي يوم النحر سواء كان متمتعا التمتع الخاص أو قارنا. ~~وحينئذ فلا فرق بين المتمتع والقارن عند أحمد إلا في ms7605 شيئين: أحدهما: أن ~~القارن يكون قد أحرم بالحج قبل الطواف سواء أحرم بالحج مع العمرة أو أحرم ~~بالعمرة ثم أدخل عليها الحج. بأنه في كليهما قارن باتفاق الأئمة. وأما ~~المتمتع التمتع الخاص: فإنه يؤخر إحرامه بالحج إلى ما بعد # PageV26P035 # قضاء العمرة. ومعلوم حينئذ أن تقديم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره فيكون ~~القران أفضل لمن ساق الهدي. الثاني: أن القارن عنده لا يطوف بين الصفا ~~والمروة إلا مرة واحدة كالمفرد. وأما المتمتع فقد اختار له أن يسعى سعيين ~~ونص على أنه يجزيه سعي واحد كالمفرد والقارن. وحينئذ فيكون قد تميز بسعي ~~زائد مستحب لكن هو أيضا يستحب للمتمتع أن يطوف أولا بعد عرفة طواف القدوم ~~فيكون المتمتع قد طاف بعد عرفة مرتين وسعى سعيا ثانيا. وأما القارن فإنه ~~يعمل ما يعمله المفرد لكن كل هذا فيه نزاع وفي مذهبه قول آخر: أن السعي ~~الثاني واجب على المتمتع. وقول: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين كمذهب ~~أبي حنيفة. وقول: إن المتمتع لا يستحب له طواف القدوم وهذا هو الصواب بل ~~ولا يستحب له سعي ثان. فإن الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يسعوا إلا مرة واحدة وبهذا يظهر فضل القارن إذا ساق الهدي على المتمتع ~~الغير السائق. وأما إذا حصل في عمل المتمتع زيادة سعي واجب أو مستحب # PageV26P036 # أو زيادة طواف مستحب فقد يقال: إنه أفضل من هذا الوجه لكن هو خلاف سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا: فلو سلم استحباب ذلك لم يسلم أن كلما ~~زاد عملا كان أفضل بل الأفضل قد يكون هو الأيسر كما أن التمتع أفضل من ~~الإفراد وهو أيسر، والفطر في السفر أفضل وهو أيسر وكذلك القصر أفضل من ~~التربيع وهو أيسر. وقد يفضل المتمتع بأن طوافه الأول يكون واجبا لأنه طواف ~~عمرة والقارن يكون طوافه طواف قدوم وهو لا يجب. والواجب أفضل، وهذا ممنوع. ~~فإن الفضل بحسب كثرة مصلحة الفعل، والوجوب سبب حصول مفسدة في الترك. ولم ~~يختلف كلام أحمد ms7606 أن من لم يسق الهدي وقدم في أشهر الحج فالتمتع أفضل له؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذين حجوا معه جميعهم أن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي. ومذهب أحمد أيضا أنه إذا أفرد ~~الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهذا الإفراد أفضل له من التمتع. نص على ذلك في ~~غير موضع. وذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى في تعليقه وغيره. وكذلك # PageV26P037 # مذهب سائر العلماء حتى أصحاب أبي حنيفة فإنهم نصوا على أن العمرة الكوفية ~~أفضل من القران مع أن القران عندهم أفضل. لكن القران الذي فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليس هو القران الذي يقوله أبو حنيفة " فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يطف إلا طوافا واحدا ولم يسع إلا سعيا واحدا. ومذهب أبي حنيفة ~~أن القارن يطوف أولا. ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج وإذا فعل محظورا كان ~~عليه جزاءان للحج والعمرة وقد حكي هذا رواية عن أحمد وأن القارن يلزمه ~~طوافان وسعيان كمذهب أبي حنيفة. لكن مذهبه المنصوص عنه في غير موضع المعروف ~~كمذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه ليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد. ~~بل أبلغ من ذلك أن المتمتع هل يجزيه السعي الأول الذي مع طواف العمرة أو ~~يحتاج إلى سعي ثان عقيب طواف الإفاضة أو غيره على قولين عن أحمد. والمشهور ~~عند أصحابه هو الثاني والأول قد نص عليه أيضا. قال عبد الله بن أحمد قلت ~~لأبي: المتمتع يسعى بين الصفا والمروة. قال: # PageV26P038 # إن طاف طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس. قال: وإن طاف ~~طوافين فهو أعجب إلي واحتج بحديث جابر وكذلك نقل عنه ابن منصور. وإنما ~~اختلف مذهبه في ذلك لاختلاف الأحاديث في ذلك. ففي صحيح مسلم عن جابر. قال: ~~{لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا ~~واحدا} طوافه الأول. وهذا مع أنهم كانوا متمتعين. وروى أحمد قال: ثنا ~~الوليد بن مسلم قال: ثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن ms7607 عباس أنه كان يقول: ~~القارن والمتمتع والمفرد يجزيه طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة. وفي ~~الصحيحين {عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة ~~الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي ~~فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا - إلى أن قالت - فطاف ~~الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر ~~بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة # PageV26P039 # فإنما طافوا طوافا واحدا بالبيت} . قلت: فقولها طوافا آخر إنما أرادت به ~~الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة كذكرها في أول الحديث ولأن الذين جمعوا ~~بين الحج والعمرة لا بد لهم من طواف الإفاضة فعلم أنها إنما نفت طوافا معه ~~الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف المجرد بالبيت. والذي نفته عن القارن ~~أثبتته للمتمتع الذي أحرم بالعمرة ولم يدخل عليها الحج. وأحمد في بعض ~~رواياته فهم من هذا أنهم طافوا بالبيت فقط للقدوم فاستحب للمتمتع أولا إذا ~~رجع من منى أن يطوف أولا للقدوم ثم يطوف طواف الفرض. ومن رد على أحمد حجته ~~بأن المراد بالطواف طواف الفرض فقد غلط. لأن طواف الفرض مشترك بين المتمتع ~~والمفرد والقارن. وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن القارن. ولكن المراد ~~بهذا الحديث الطواف بالبيت وبالصفا والمروة إن لم تكن أرادت الطواف بالبيت؛ ~~لأنها هي لم تطف بالبيت إلا مرة واحدة؛ لأجل حيضها. وهذا قد عارضه حديث ~~جابر الصحيح " {أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أمرهم بأن يحلوا ~~من إحرامهم ويجعلوها عمرة لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا أول مرة} وهذا # PageV26P040 # يناقض ما فهم من حديث عائشة، فإنهم إذا لم يكونوا سعوا بعد طواف الفرض ~~فأن لا يطوفوا قبله للقدوم أولى وأحرى. وفي ترجيح أحد الحديثين كلام ليس ~~هذا موضع بسطه. فإن المحققين من أهل الحديث يعلمون أن هذه الزيادة في حديث ~~عائشة هي من كلام الزهري ليست من قول ms7608 عائشة فلا تعارض الحديث الصحيح. وقد ~~روى البخاري تعليقا عن ابن عباس مثل حديث عائشة. وفيه أيضا علة. والشافعي ~~اختار التمتع تارة واختار الإفراد تارة - ومن قال إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحرم إحراما مطلقا فقد غلط واختلف كلامه في إحرام النبي صلى الله عليه ~~وسلم على هذه الأقوال الثلاثة. ومالك يختار الإفراد لكن قد قيل يستحب مع ~~ذلك تأخير العمرة إلى المحرم فأما العمرة عقيب الحج من مكة كما يفعله كثير ~~من الناس اليوم: فهذا لم يعرف على عهد السلف ولا نقل أحد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا عن أحد من الذين حجوا معه أنهم فعلوا ذلك إلا عائشة رضي الله ~~عنها لأنها كانت قدمت متمتعة فحاضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تحرم بالحج وتدع العمرة. # PageV26P041 # فمذهب أحمد ومالك والشافعي أنها صارت قارنة ولا يجب عليها قضاء تلك ~~العمرة. لكن أحمد في إحدى الروايتين عنه جعل القضاء واجبا عليها لوجوب ~~العمرة عنده في المشهور عنه وكون عمرة القارن والعمرة من أدنى الحل لا يسقط ~~وجوب العمرة عنده في إحدى الروايتين. وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه ~~الوقت فلم يتمكن من الطواف قبل التعريف فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على ~~العمرة ويصير قارنا كالمفرد الذي قدم وقد ضاق عليه الوقت فإنه يقف بعرفة ~~أولا ولا يطوف قبل التعريف. وهكذا يصنع حاج العراق إذا قدموا متأخرين فإنهم ~~يوافون عرفة يوم التعريف فيعرفون ولا يطوفون قبل التعريف. ومذهب أبي حنيفة ~~أن عائشة رفضت العمرة وأهلت بالحج فصارت مفردة. وعنده يجب عليها قضاء ~~العمرة التي رفضتها وبنى ذلك على أصله: في أن القارن يطوف طوافين ويسعى ~~سعيين فلم يكن في القران لها فائدة. وأما الجمهور فبنوه على أصولهم: في أن ~~عمل القارن لا يزيد على عمل المفرد وقالوا: إن {النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما أعمر عائشة # PageV26P042 # تطييبا لنفسها؛ لأنها قالت: يذهب أصحابي بحجة وعمرة وأذهب أنا بحجة. فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم يسعك طوافك بحجك ms7609 وعمرتك. وفي رواية أهل السنن ~~طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك} . فلما ألحت أعمرها ~~تطييبا لنفسها وأحمد في رواية الأثرم وغيره قال: إن عمرة القارن والعمرة ~~المكية لا تجزئ عن عمرة الإسلام واحتج بحديث عائشة لما أعمرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنها كانت قارنة وأعمرها بعد ذلك. فجعل هذه العمرة واجبة ~~في هذه الرواية. كما قال أبو حنيفة. لكن اختلفا في تنقيح المناط ولم يعتمر ~~من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة خاصة. لأجل هذا ~~العذر. وأما عمر النبي صلى الله عليه وسلم فإنما كانت وهو قاصد إلى مكة ~~فأحرم بالعمرة عام الحديبية من ذي الحليفة وحل بالحديبية لما أحصر وصده ~~المشركون عن البيت، والحديبية غربي جبل التنعيم حيث بايع النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة وصالحه المشركون. وجبل التنعيم هو الجبل الذي ~~عند المساجد التي تسمى مساجد عائشة عن يمينك وأنت داخل إلى مكة وتلك ~~المساجد مبنية في التنعيم # PageV26P043 # ولم تكن هذه المساجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. . . (1) # فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتمر من التنعيم، والتنعيم أدنى ~~الحل إلى مكة فهو أقرب الحل إلى مكة والمعتمر من مكة يخرج إلى الحل ليجمع ~~بين الحل والحرم بخلاف الحاج من مكة فإنه يخرج إلى عرفة وعرفة من الحل ثم ~~اعتمر من العام القابل عمرة القضية من ذي الحليفة ثم لما لقي هوازن بوادي ~~حنين فهزمهم ثم ذهب إلى الطائف فحاصرهم ثم رجع إلى الجعرانة فقسم غنائم ~~حنين بالجعرانة اعتمر داخلا إلى مكة وحنين والجعرانة والطائف كل ذلك من جهة ~~الشرق شرقي عرفات فأقربها إلى عرفة الجعرانة ثم وادي حنين ثم الطائف. ولم ~~يكن يخرج هو ولا أصحابه من مكة فيعتمرون إلا ما ذكر من حديث عائشة فلهذا نص ~~أحمد في غير موضع على أن أهل مكة ليس عليهم عمرة وروى أحمد عن ابن عباس أنه ~~قال: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف ms7610 بالبيت فمن أبى إلا أن ~~يعتمر فليجعل بينه وبين مكة بطن واد. وذلك لأن الصحابة المقيمين بمكة على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتمرون من مكة. PageV26P044 # والعمرة واجبة في أشهر الروايتين عن أحمد: فمن أصحابه من جعل هذا رواية ~~ثالثة. فقال: المسألة على ثلاث روايات: رواية تجب ورواية لا تجب ورواية ~~يفرق بين المكي وغيره وهي طريقة جدنا أبي البركات وغيره. ومنهم من قال: أهل ~~مكة يستثنون فلا تجب عليهم عمرة رواية واحدة. وهي طريقة الشيخ أبي محمد. ~~وهي أصح. ومن الفقهاء: من استحب لمن اعتمر من مكة أن يحرم من الحديبية أو ~~الجعرانة محتجا بعمرة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو غلط. فإن الحديبية ~~كانت موضع حله لما أحصر لم تكن موضع إحرامه. وأما الجعرانة فإنه أحرم منها ~~داخلا إلى مكة؛ لأنه أنشأ العمرة من هناك. ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا ~~وهو المنصوص عن أحمد أنه لا يستحب الإكثار من العمرة لا من مكة ولا غيرها ~~بل يجعل بين العمرتين مدة ولو أنه مقدار ما ينبت فيه شعره ويمكنه الحلاق ~~وهذا لمن يخرج إلى ميقات بلده ويعتمر. وأما المقيم بمكة فكثرة الطواف ~~بالبيت أفضل له من العمرة المكية كما كان الصحابة يفعلون إذا كانوا مقيمين ~~بمكة كانوا يستكثرون من الطواف ولا يعتمرون عمرة مكية فالصحابة الذين ~~استحبوا الإفراد # PageV26P045 # كعمر بن الخطاب وغيره إنما استحبوا أن يسافر سفرا آخر للعمرة؛ ليكون للحج ~~سفر على حدة وللعمرة سفر على حدة. وأحمد وأبو حنيفة وغيرهما اتبعوا الصحابة ~~في ذلك واستحبوا هذا الإفراد على التمتع والقران. قال أبو بكر الأثرم: قيل ~~لأبي عبد الله: فأي العمرة عندك أفضل؟ قال: أفضل العمرة عندي أن تكون في ~~غير أشهر الحج كما قال عمر فإن ذلك أتم لحجكم وأتم لعمرتكم أن تجعلوها في ~~غير أشهر الحج. قيل لأبي عبد الله: فأنت تأمر بالمتعة وتقول العمرة في غير ~~أشهر الحج أفضل؟ فقال: إنما سئلت عن أتم العمرة فقلت في غير أشهر الحج ~~وقلت: المتعة ms7611 تجزيه من عمرته فأتم العمرة أن تكون في غير أشهر الحج. وقال ~~علي: من تمام العمرة أن تقدم من دويرة أهلك وكان سفيان بن عيينة يفسره أن ~~ينشئ لها سفرا يقصد له ليس أن تحرم من أهلك حتى تقدم الميقات. وقال عمر: في ~~العمرة من دويرة أهلك. قيل لأبي عبد الله: فيجعل للحج سفرا على حدة وللعمرة ~~سفرا على حدة قال: نعم قلت له: فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة ~~حتى يحج أيكون هذا قد # PageV26P046 # جعل له سفرا على حدة وللحج سفرا على حدة؟ فقال: لا. حتى يرجع ثم يحج. ~~فهذا مد للعمرة من أهله وقصد للحج من أهله، هذا معناه. قيل لأبي عبد الله: ~~فإنهم يحكون عنك أنك تقول: المتعة أفضل من غيرها فقال: أما أفضل من الحج ~~وحده فليس فيه شك ثم قال: أيما أفضل: أن يجيء بعمرة وحج؟ أو أن يجيء بحج ~~وحده، هي أفضل من إفراد الحج. قلت له: وأفضل من القران لأنه جاء بكل واحد ~~على حدة فهو أفضل من أن يجمع بينهما فقال نعم وأفضل من القران ثم قال: نحو ~~ما قلت. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: التمتع أحب إلي هو {آخر ~~الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لصنعت كما صنعتم} وقوله لأصحابه: " حلوا " وما جاء فيها من الحديث. ~~وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله: أنت تذهب إلى المتعة. فقال: هي أحب إلي ~~وأفضل. وذاك أنا نذهب إلى أن العمرة واجبة. قال تعالى {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} ثم قال: هذا بين. # PageV26P047 # وكان ابن عباس وابن عمر يريانها واجبة وقال ابن عباس: والله إنها لقرينته ~~في كتاب الله وقال جماعة: الحج الأصغر العمرة فإذا وقع عليها اسم الحج فهذا ~~يدل على أنها فريضة فإذا خرج متمتعا فقد أجزأه من حجه وعمرته، جاء بعمرة ~~مفردة وحجة مفردة. فأما عمرة المحرم فليس بمجزي عنه عندي. وليست بعمرة تامة ~~إنما هي من أربعة ms7612 أميال. {وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: إنما ~~هي على قدر نصبك ونفقتك} ومعنى عمرة المحرم أنهم كانوا يخرجون في المحرم من ~~مكة ليعتمروا من أدنى الحل إلى أن يعتمر فكيف من اعتمر في ذي الحجة من مكة ~~عقيب الحج وهذا لم يكن السلف يفعلونه. فإذا تبين أن العمرة المكية عقب الحج ~~مع الحج لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء. ولا أحد من ~~الصحابة إلا عائشة ولا كان خلفاؤه الراشدون يفعلونها امتنع أن يكون ذلك ~~أفضل. وأما من قال من الفقهاء: الإفراد أن يحج ويعتمر عقب ذلك من مكة فهذا ~~غالط بإجماع العلماء فإنه لا نزاع بينهم أن من اعتمر قبل أشهر الحج ورجع ~~إلى بلده ثم حج أو أقام بمكة حتى يحج # PageV26P048 # من عامه أنه مفرد للحج وكذلك لو اعتمر بعد الحج في سفرة أخرى فإنه مفرد ~~بالاتفاق وهذا الإفراد هو الذي استحبه الصحابة وهو مستحب أيضا عند أحمد ~~وغيره فإن الاعتمار في رمضان والإقامة إلى أن يحج أفضل من التمتع وإن كان ~~الرجوع إلى بلده ثم السفر للحج أفضل منها. والتمتع جائز باتفاق أهل العلم. ~~وإنما كان طائفة من بني أمية وغيرهم يكرهونه. وقد قيل: إن الذين كرهوا ذلك ~~إنما كرهوا فسخ الحج إلى التمتع فإن الناس يقدمون من الآفاق فيحرمون بالحج ~~فمن جوز الفسخ جوز لهم المتعة ومن منع من ذلك منعهم منه. والفسخ فيه ثلاثة ~~أقوال معروفة: قيل هو واجب كقول ابن عباس وأتباعه وأهل الظاهر والشيعة. ~~وقيل: هو محرم كقول معاوية وابن الزبير ومن اتبعهما كأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي. وقيل: هو جائز مستحب وهو مذهب فقهاء الحديث أحمد وغيره والأمر به ~~معروف عن غير واحد من الصحابة والتابعين # PageV26P049 # ولهذا كان ابن عمر وابن عباس يأمران بالمتعة. قال أحمد: أخبرنا عبد ~~الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر ~~بها فقيل له: إنك تخالف أباك فقال: عمر لم يقل الذي تقولون إنما قال عمر: ms7613 ~~إفراد الحج من العمرة فإنها أتم للعمرة أو أن العمرة لا تتم في أشهر الحج ~~إلا أن يهدى. وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج فجعلتموها أنتم حراما ~~وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله وعمل بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فإذا أكثروا عليه قال: أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ وكان ابن ~~عباس يأمر بها فيقولون: إن أبا بكر وعمر لم يفعلاها فيقول يوشك أن تنزل ~~عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال ~~أبو بكر وعمر وكان عروة بن الزبير يناظر ابن عباس فيها فقال: إن أبا بكر ~~وعمر أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منك فقال: له ابن عباس يا عرية سل ~~أمك يعني أنها تخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحلال ~~وكانت أسماء ممن أحلت. وهذه المشاجرة إنما وقعت؛ لأن ابن عباس كان يوجب ~~المتعة # PageV26P050 # بل كان يوجب الفسخ وكان يقول: كل من طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم ~~يسق الهدي فقد حل من إحرامه. ويحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~بالتحلل في حجة الوداع وبقوله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} . وإيجاب ~~المتعة هو قول طائفة من أهل الحديث والظاهرية: كابن حزم وغيره وهو مذهب ~~الشيعة أيضا لكن الجماهير من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم على أنه يجوز ~~التمتع والإفراد؛ والقران لكن أهل مكة وبنو هاشم وعلماء أهل الحديث ~~يستحبونها. فاستحبها علماء سنته وأهل سنته وأهل بلدته التي بقربها المناسك ~~وهؤلاء الثلاثة أخص الناس به وهو أحد قولي الشافعي. وأبو يوسف يجعل التمتع ~~والقران سواء. وإنما جوز الجمهور الثلاثة لأنه قد ثبت في الصحيح {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: من شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل ومن ~~شاء منكم أن يهل بحجة فليفعل ومن شاء منكم أن يهل بحجة وعمرة فليفعل} . ~~وأما أمره لأصحابه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة إلا ms7614 من ساق الهدي فلأنه أراد أن يجمعوا بين الحج والعمرة ~~وألا يعتمروا عمرة مكية وإن سافروا سفرا # PageV26P051 # آخر للعمرة. ومن كان هذه حاله فينبغي له أن يتمتع فالتمتع كان متعينا في ~~حق الصحابة. إذا أرادوا أن يفعلوا الأفضل لهم وكان أولا قد أذن لهم في ~~الفسخ ولم يأمرهم به لا سيما إذا قيل بوجوب العمرة فإنه يجب التمتع على من ~~لم يسافر سفرة أخرى ولم يعتمر عقب الحج من مكة، وعمرة المتمتع بمنزلة ~~التوضؤ للمغتسل فالمغتسل للجنابة إذا توضأ كان وضوءه بعض اغتساله الكامل ~~كذلك عمرة المتمتع عند أحمد بعض حجة الكامل ولهذا يجوز عنده للمتمتع أن ~~يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة وقد قال الله تعالى: {فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج} فهو من حين أحرم بالعمرة دخل في الحج كما أن المغتسل من حين ~~توضأ دخل في الغسل. وقوله صلى الله عليه وسلم {من حج هذا البيت فلم يرفث ~~ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه} أخرجاه في الصحيحين. يدخل فيه ~~المتمتع من حين يحرم بالعمرة. ولهذا كان أحمد ينكر على من يقول: إن حجة ~~المتمتع حجة مكية. قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول: كان ابن المبارك ~~زعموا يقول بالمتعة فقيل له: يكون مجيئه حينئذ للعمرة. فقال: أرأيتم لو # PageV26P052 # أن رجلا خرج يريد صلاة الظهر في جماعة فتطوع قبلها بأربع ركعات. ثم صلى ~~الظهر أزاده ذلك خيرا أم نقصه؟ ثم قال أحمد: ما أحسن ما قال ثم قال أبو عبد ~~الله: يقول مجيئه حينئذ للظهر أو للتطوع: أي إنما مجيئه للظهر قال أبو عبد ~~الله: هذا قول محدث يعني قولهم حجة مكية. قال: وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى ~~وذكر قول ابن المبارك: إنه قول محدث يعني قولهم حجة مكية. قيل لأبي عبد ~~الله: قول عبد الله قول محدث قال إي والله قول محدث، كلام بغيظ ما أدري ما ~~هو وكيف لا يكون محدثا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم به ويأمر به ~~أصحابه وغلظ ms7615 القول فيه. قال: وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى. قيل له: من قال: ~~حجة مكية؟ قال: هذا قول محدث قيل له: عمن يروى؟ فقال: عن الشعبي وسعيد بن ~~جبير. # فصل: # والدليل على أنه قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV26P053 # أنه أمر أصحابه في حجة الوداع - لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة - ~~أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة؟ إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى ~~على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله. ولهذا لما قال سلمة بن شبيب لأحمد: يا أبا ~~عبد الله: قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة. فقال: يا سلمة ~~كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع عنك والآن فقد تبين لي أنك أحمق، عندي ~~أحد عشر حديثا صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعها لقولك فبين ~~أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتع لجميع ~~أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي حتى من كان منهم مفردا أو قارنا والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول بل إنما يأمرهم بما هو ~~أفضل لهم. ولهذا كان فسخ الحج إلا التمتع مستحبا عند أحمد ولم يجعل اختلاف ~~العلماء في جواز الفسخ موجبا للاحتياط بترك الفسخ فإن الاحتياط إنما يشرع ~~إذا لم تتبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا تبينت السنة فاتباعها ~~أولى. وإن كان بعض العلماء قد قال: إنه لا يجوز ذلك لا سيما وآخرون من ~~السلف والخلف قد أوجبوا الفسخ فليس الاحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى ~~من الخروج من خلاف هؤلاء. # PageV26P054 # والذين منعوا الفسخ أو المتعة مطلقا قالوا: كان لأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. قالوا: لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر ~~الحج. ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن ~~اعتمر. قالوا: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالعمرة؛ ليبين جواز ~~العمرة في أشهر الحج. وهذا القول خطأ عند أحمد وغيره لوجوه: أحدها: لأن ~~النبي ms7616 صلى الله عليه وسلم كان قد اعتمر قبل ذلك عمره الثلاثة في أشهر الحج ~~فاعتمر عمرته الأولى عمرة الحديبية في ذي القعدة واعتمر عمرة القضية في ذي ~~القعدة واعتمر من الجعرانة في ذي القعدة وقد ثبت في الصحيح {أن عائشة قيل ~~لها: إن ابن عمر يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فقالت: ~~يغفر الله لأبي عبد الرحمن؛ ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ~~قط وما اعتمر إلا وابن عمر معه} . وقد اتفق أهل العلم على ما قالت عائشة ~~بأن عمره كلها كانت في ذي القعدة وهو أوسط أشهر الحج. فكيف يقال: إن ~~الصحابة لم يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج حتى أمرهم بالفسخ وقد فعلها ~~قبل ذلك ثلاث مرات الوجه الثاني: أنه قد ثبت في الصحيحين {عن عائشة أنه قال ~~لهم عند الميقات: من شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل} . فبين لهم جواز # PageV26P055 # الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات وعامة المسلمين معه فكيف لم يعلموا ~~ذلك. الوجه الثالث: أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل وأمر من ساق الهدي أن ~~يتم على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ففرق بين محرم ومحرم فهذا يدل على أن ~~سوق الهدي هو المانع من التحلل؛ لا إحرامه الأول. وما ذكره يشترك فيه ~~السائق. . . (1) {أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ~~قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله؟ ~~وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~لم أسق الهدي فحلوا. فحللنا وسمعنا وأطعنا. فقدم علي من سعايته فقال: بم ~~أهللت؟ قال: بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأهد وامكث حراما قال: وأهدى علي له هديا فقال سراقة بن ~~مالك بن جعشم: لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد} وفي رواية البخاري: ~~{وإن سراقة بن مالك بن جعشم لقي رسول الله صلى ms7617 الله عليه وسلم بالعقبة وهو ~~يرميها فقال جعشم: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: لا بل للأبد} . فبين ~~أن تلك العمرة التي فسخ من فسخ منها حجه إليها للأبد PageV26P056 # وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض ~~الحج ولم يرد السائل بقوله: عمرتنا هذه لعامنا هذا. أم للأبد؟ أنه يسقط ~~الفرض بها في عامنا هذا لأن العمرة إن كانت واجبة فلا تجب إلا مرة واحدة ~~ولأنه لو أراد ذلك لم يقل بل للأبد فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل ~~إنما يكون لجميع المسلمين " ولا قال: {دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة} . فإن قيل قوله: {دخلت العمرة في الحج} أراد به جواز العمرة في ~~أشهر الحج؟ . قيل: نعم: ومن ذلك عمرة الفاسخ فإنها سبب هذا اللفظ وسبب ~~اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه فعلم أن قوله: {دخلت العمرة في الحج} ~~يتناول عمرة الفاسخ وأنها دخلت في الحج إلى يوم القيامة. الوجه الرابع: أن ~~يقال فسخ الحج إلى التمتع موافق لقياس الأصول لا مخالف له فإن المحرم إذا ~~التزم أكثر مما لزمه جاز باتفاق الأئمة فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها ~~الحج جاز بلا نزاع وأما إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز عند ~~الجمهور وهو مذهب أحمد ومالك وظاهر مذهب الشافعي. وأما أبو حنيفة فيجوزه ~~لأنه يصير قارنا والقارن عنده يلزمه طوافان وسعيان وهذا قياس الرواية ~~المحكية عن أحمد في القارن. # PageV26P057 # وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلزمه إلا الحج فإذا صار متمتعا صار ~~ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك وهو ~~أفضل فاستحب ذلك وإنما يشكل هذا على من يظن أنه فسخ حجا إلى عمرة مجردة ~~وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى العمرة مفردة لم يجز بلا نزاع ~~وإنما الفسخ جائز لمن كان نيته أن يحج بعد العمرة. وقد قدمنا أن المتمتع من ~~حين يحرم بالعمرة دخل في ms7618 الحج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {دخلت ~~العمرة في الحج} ولهذا يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة من حينئذ وإنما إحرامه ~~بالحج بعد ذلك كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل للجنابة بدأ ~~بالوضوء وكما قال للنسوة في غسل ابنته: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها} ~~فكان غسل مواضع الوضوء توضية وهو بعض الغسل. فإن قيل: دم المتمتع دم جبران، ~~ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور. قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من هديه فإنه أمر من كل بدنة ~~ببضعة فجعلت في قدر فأكل من لحمها وشرب من مرقها وثبت أنه كان متمتعا ~~التمتع العام فإن # PageV26P058 # القارن يدخل في مسمى المتمتع كما سنذكره. فدل على استحباب الأكل من هدي ~~المتمتع، ودم الجبران ليس كذلك. وثبت أيضا في الصحيحين عن عائشة رضي الله ~~عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهن وكن ~~متمتعات} وهذا مما احتج به الإمام أحمد. الثاني: أن سبب الجبران محظور في ~~الأصل كالإفساد بالوطء. وكفعل المحظورات أو بترك الواجبات فإنه لا يجوز له ~~أن يفسد حجه ولا أن يفعل المحظور إلا لعذر ولا يترك الواجب إلا لعذر، ~~والتمتع جائز مطلقا فلو كان دمه دم جبران لم يجز مطلقا فعلم أنه دم نسك ~~وهدي وأنه مما وسع الله به على المسلمين فأباح لهم التحلل في أثناء الإحرام ~~والهدي مكانه لما في استمرار الإحرام من المشقة فيكون بمنزلة قصر الصلاة في ~~السفر وبمنزلة الفطر للمسافر والمسح على الخفين للابس الخف. فإن ذلك أفضل ~~له من أن يخلع ويغسل في ظاهر مذهب أحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~كان لابس الخف على طهارة مسح عليه ولم يكن يخلع ويغسل بخلاف ما إذا لم تكن ~~رجلاه في الخفين فإنه كان يغسل. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول في ~~خطبته: {خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد} ms7619 # PageV26P059 # وهدي محمد لمن كان مكشوف الرجلين أن يغسلهما لا يقصد أن يلبس ليمسح ~~عليهما ولمن كان لابس الخفين أن يمسح عليهما لا أن يخلعهما ويغسل. مع أن ~~مسح الخفين بدل؛ فكذلك الهدي. وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين فهو ~~أفضل لمن جمع بينهما وقد قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحج مفرد يعتمر عقبه ~~والبدل قد يكون واجبا كالجمعة فإنها وإن كانت بدلا عن الظهر فهي واجبة ~~وكالمتيمم العاجز عن استعمال الماء؛ فإن التيمم واجب عليه وهو بدل. فإذا ~~جاز أن يكون البدل واجبا فكونه مستحبا أولى بالجواز. ولهذا يستحب للمسافر ~~أن يفطر ويقضي والقضاء بدل عن الأداء وكذلك المريض الذي يشق عليه الصوم ~~يفطر ويقضي والقضاء بدل. وتخلل الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع بمنزلة ~~العبادة الواحدة كطواف الفرض، فإنه من تمام الحج باتفاق المسلمين ولا يفعل ~~إلا بعد التحلل الأول ورمي الجمار أيام منى من تمام الحج. وإذا طاف قبل ذلك ~~فقد رمى الجمار أيام منى بعد الحل التام وهو السنة كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشهر رمضان يتخلل صيام أيامه # PageV26P060 # الفطر بالليل وهو الصوم المفروض المذكور في قوله: {كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} . إلى قوله: {شهر رمضان} وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه} ~~وهذا الصوم يتخلله الفطر كل ليلة فكذلك قوله: {من حج هذا البيت فلم يرفث ~~ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه} . والآية تتناول لمن حج حجة تمتع ~~فيها بالعمرة وإن كان قد يتخلل هذا الإحرام إحلال. وهو من حين إحرامه بالحج ~~قد دخل في الحج كما أنه بصيام أول يوم دخل في صيام شهر رمضان. وكذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ~~ذنبه} والقيام يتخلله السلام من كل ركعتين وكذلك الوتر بثلاث مفصولة. ### | فصل: # في " صفة حجة الوداع " # لم يختلف أحد ms7620 من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه إذا ~~طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة وهذا ~~مما تواترت به الأحاديث، # PageV26P061 # ولم يختلفوا أنه لم يعتمر بعد الحج لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد ~~من الصحابة إلا عائشة فهذا كله متفق عليه لم يختلف فيه النقل ولا خالف فيه ~~أحد من أهل العلم. # ولكن تنازعوا: هل حج متمتعا أو مفردا أو قارنا؟ أو أحرم مطلقا؟ واضطربت ~~عليهم فيه الأحاديث وهي بحمد الله غير مختلفة عند من فهم مراد الصحابة بها. ~~والمنصوص عن الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا بين العمرة ~~والحج حتى قال: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وهذا قول ~~أئمة الحديث: كإسحاق بن راهويه وغيره. وهو الصواب الذي لا ريب فيه وقد صنف ~~أبو محمد ابن حزم في حجة الوداع مصنفا جمع فيه الآثار وقرر ذلك. وأحمد إنما ~~اختار التمتع؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه به لا لكونه كان ~~متمتعا التمتع الخاص عنده ولهذا قال في رواية المروذي: إنه إذا ساق الهدي ~~فالقران أفضل؟ ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن عنده وساق الهدي لم ~~يكن لهذا القول وجه فإنه لو كان متمتعا عنده لكان قد فعلها وأمر بها فلا ~~وجه حينئذ لاختيار القران لمن ساق الهدي. # PageV26P062 # ولم يقل أحد من قدماء أصحاب أحمد أنه كان متمتعا التمتع الخاص وأول من ~~ادعى من أصحاب أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا التمتع الخاص ~~فيما علمناه القاضي أبو يعلى وذكر في تعليقه الاحتجاج بهذه الطريقة على ~~فضيلة التمتع وذكر أن الأولى - وهي أن الاحتجاج بأمره لا بفعله " وبقوله: " ~~لو استقبلت من أمري ما استدبرت " - هي طريقة الأصحاب كما كان يحتج بها ~~إمامهم أحمد. ثم إن الذين نصروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا من ~~الأصحاب على قولين. # الأول: أنه حل من إحرامه مع سوقه الهدي ms7621 وحمل هؤلاء رواية من روى أن ~~المتعة كانت لهم خاصة على أنهم خصوا بالتحلل من الإحرام مع سوق الهدي دون ~~من ساق الهدي من الصحابة وهذه طريقة القاضي ومن اتبعه. وهذا الذي قاله ~~هؤلاء منكر عند جماهير أهل العلم وممن أنكر ذلك على القاضي الشيخ أبو ~~البركات وغيره. وقالوا: من تأمل الأحاديث المستفيضة تبين له أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحل هو ولا أحد ممن ساق الهدي. والقول الثاني: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تمتع بمعنى أنه أحرم بالعمرة ولم يحل من إحرامه لكونه ~~ساق الهدي وأحرم بالحج # PageV26P063 # بعد أن طاف وسعى للعمرة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد وغيره. وهؤلاء يسمون ~~هذا متمتعا وقد يسمونه قارنا لكونه أحرم قبل التحلل من العمرة لكن القران ~~المعروف أن يحرم بالعمرة قبل أن يطوف بالبيت ليقع الطواف عن العمرة والحج. ~~و ### | الفرق بين القارن والمتمتع الذي ساق الهدي: # يظهر من وجهين: أحدهما: من الإحرام بالحج قبل الطواف. والثاني: من السعي ~~عقب طواف الإفاضة فإن القارن ليس عليه سعي ثان كما ليس ذلك على المفرد. ~~وأما المتمتع فهذا السعي واجب في حقه عند أكثر العلماء وفيه عند أحمد ~~روايتان. وأما الشافعي فاختلف كلامه في حج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~تارة: إنه أفرد. وقال تارة: إنه تمتع. وقال تارة: إنه أحرم مطلقا. فقال في ~~" مختصر الحج ": وأحب إلي أن يفرد؛ لأن الثابت عندنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أفرد. وقال في " اختلاف الأحاديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} . قال: ~~ومن قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما يعرف من أهل العلم - الذين ~~أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن # PageV26P064 # أحدا لا يكون مقيما على حج إلا وقد ابتدأ إحرامه بحج قال: وأحسب عروة حين ~~حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بحج ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: ~~يفعل في ms7622 حجه على هذا المعنى. فقد بين الشافعي هنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان متمتعا وأن من قال أفرد الحج فلأنه لما رأى أن من استمر على ~~إحرامه لا يكون إلا حاجا والنبي صلى الله عليه وسلم لما استمر على إحرامه ~~ظن أنه كان حاجا. وقال أيضا فيما اختلف فيه من الأحاديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مخرجه: ليس شيء من الاختلاف أبين من هذا وإن كان الغلط ~~فيه قبيحا من جهة أنه مباح؛ لأن الكتاب ثم السنة ثم ما أعلم فيه خلافا يدل ~~على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله. قال: وثبت ~~أنه خرج ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة وأمر ~~أصحابه أن من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة وقال: {لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} . قال: فإن قال ~~قائل: فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر وطاووس دون حديث من قال قرن. # PageV26P065 # قيل: لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء ~~الحديث وآخره ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفضل حفظها عنه ~~وقرب ابن عمر منه. قال: ولأن من وصف انتظار النبي صلى الله عليه وسلم ~~القضاء إذ لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج طلب الاختيار فيما وسع الله ~~من الحج والعمرة يشبه أن يكون أحفظ؛ لأنه قد أتي في المتلاعنين فانتظر ~~القضاء فكذلك حفظ في الحج ينتظر القضاء. قال المزني: إن ثبت حديث أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرن حتى يكون معارضا للأحاديث سواه فأصل قول ~~الشافعي أن العمرة فرض وأداء الفرض في وقت الحج أفضل من أداء فرض واحد؛ لأن ~~من أكثر عمله لله كان أكثر في ثواب الله. قلت: والصواب في هذا الباب أن ~~الأحاديث متفقة ليست مختلفة إلا اختلافا يسيرا يقع مثله في غير ذلك فإن ~~الصحابة ثبت عنهم أنه تمتع ms7623 والتمتع عندهم يتناول القران والذين روي عنهم ~~أنه أفرد روي عنهم أنه تمتع. أما الأول: ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب ~~قال: {اجتمع علي وعثمان فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي: ما # PageV26P066 # يريد إلا أمرا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه فقال عثمان: ~~دعنا منك. فقال: إني لا أستطيع أن أدعك فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما ~~جميعا} . هذا لفظ مسلم. ولم يذكر البخاري دعنا إلى أن أدعك. وخرجه البخاري ~~وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بين ~~الحج والعمرة فلما رأى علي ذلك أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة. قال: ما كنت ~~لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. فهذا يبين أنه إذا ~~جمع بينهما كان متمتعا عندهم وأن هذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي فعلها علي بن أبي طالب ووافقه ~~عثمان على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لكن كان النزاع: هل ذلك ~~أفضل في حقنا؛ أم لا؟ وهل يشرع فسخ الحج إلى المتعة في حقنا؟ كما تنازع فيه ~~الفقهاء. وفي الصحيح عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة ~~وكان علي يأمر بها فقال عثمان لعلي: كلمة فقال: لقد علمت أنا تمتعنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أجل ولكنا كنا خائفين فقد اتفق عثمان ~~وعلي على أنهم تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأما قول عثمان كنا ~~خائفين فإنهم كانوا خائفين في عمرة القضية # PageV26P067 # وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحج وكان كل من اعتمر في أشهر الحج يسمى أيضا ~~متمتعا؛ لأن الناهين عن المتعة كانوا ينهون عن العمرة في أشهر الحج مطلقا. ~~وشاهده ما في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص لما بلغه أن معاوية نهى عن المتعة ~~قال فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كافر بالعرش. ms7624 يعني ~~معاوية. ومعلوم أن معاوية كان مسلما في حجة الوداع بل وفي عمرة الجعرانة ~~عام الفتح أو قبل ذلك ولكن في عمرة القضية كافر بعرش مكة. وقد سمى سعد عمرة ~~القضية متعة. فلعل عثمان أراد الخوف عام القضية وكانوا أيضا خائفين عام ~~الفتح. وأما عام حجة الوداع فكانوا آمنين لم يكن قد بقي مشرك بل نفى الله ~~الشرك وأهله. ولهذا قالوا: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في آمن ~~ما كان الناس ركعتين فلعله قد اشتبه حالهم هذا العام بحالهم هذا العام. كما ~~اشتبه على من روى أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع وإنما كان النهي في ~~غزاة الفتح. وكما يظن بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة في ~~حجة أو عمرة وإنما كان دخوله الكعبة عام الفتح لما فتح مكة ولم يقل أحد إنه ~~دخلها في حجة ولا عمرة؛ بل في الصحيحين {عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت ~~لعبد الله بن أبي أوفى من صحابة النبي # PageV26P068 # صلى الله عليه وسلم أدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته؟ قال: ~~لا} . وفي الصحيحين {عن مطرف بن الشخير قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك ~~حديثا لعل الله أن ينفعك به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجته ~~وعمرته ثم إنه لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وفي رواية قال: ~~تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه} فهذا عمران وهو من أجل ~~السابقين الأولين أخبر أنه تمتع وأنه جمع بين الحج والعمرة. وفي صحيح مسلم ~~{عن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج فقال: ~~فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعني بيوت مكة - يعني معاوية} وهذا إنما ~~أراد به سعد عمرة القضية فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك. وأما في حجة ~~الوداع فكان قد أسلم فكذلك في عمرة الجعرانة فسمى سعد الاعتمار في أشهر ~~الحج متعة لأن ms7625 بعض الشاميين كانوا ينهون عن الاعتمار في أشهر الحج فصار ~~الصحابة يروون السنة في ذلك ردا على من نهى عن ذلك فالقارن عندهم متمتع ~~ولهذا وجب عليه الهدي ودخل في قوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي} . وفي صحيح البخاري وغيره {عن عمر بن الخطاب قال: سمعت ~~رسول # PageV26P069 # الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق: يقول أتاني الليلة آت من ربي ~~فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة} فهؤلاء الخلفاء ~~الراشدون: عمر وعثمان وعلي وغير الخلفاء كعمران بن حصين يروى عنهم بأصح ~~الأسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين العمرة والحج وكانوا يسمونه ~~تمتعا. وفي الصحيحين عن بكر بن عبد الله المزني {عن أنس بن مالك قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة فحدثت بذلك ابن عمر فقال: ~~لبى بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته فقال: ما يعدونا إلا صبيانا سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا} . فهذا أنس يخبر أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا وما ذكره بكر عن ابن ~~عمر عنه فجوابه أن الثقات - الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر مثل ابنه سالم ~~" رووا عنه أنه قال {: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى ~~الحج} وهؤلاء أثبت عن ابن عمر من بكر. وغلط بكر على ابن عمر أولى من تغليط ~~سالم ابنه عنه وتغليطه هو على النبي صلى الله عليه وسلم ويشبه هذا أن ابن ~~عمر قال له: أفرد الحج فظن أنه قال: لبى بالحج فإن إفراد الحج كانوا ~~يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحج وذلك # PageV26P070 # يرد قول من يقول: إنه قرن فطاف طوافين وسعى سعيين ومن يقول: إنه أحل من ~~إحرامه. فرواية من روى من الصحابة أنه أفرد الحج ترد على هؤلاء. يبين هذا: ~~ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع {عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى ~~الله ms7626 عليه وسلم بالحج مفردا} وفي رواية أهل بالحج مفردا. فلم يذكروا عن ابن ~~عمر إلا أنه قال: أفرد الحج لا أنه قال: لبى بالحج. وفي السنن من حديث ~~البراء بن عازب {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: قد سقت الهدي ~~وقرنت} وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر ~~قال: {تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ~~وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد ~~فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى ~~فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف ~~بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد ~~هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة # PageV26P071 # إذا رجع إلى أهله وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم ~~الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف ثم رجع حين قضى ~~طوافه بالبيت فصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا ~~والمروة سبعة أطواف ثم لم يتحلل من كل شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه ~~يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس} . قال الزهري: ~~وحدثني عروة عن عائشة مثل حديث سالم عن أبيه. فهذا أصح حديث على وجه الأرض. ~~وهو من حديث الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة عن سالم عن ابن عمر وهو أصح من ~~حديث ابن عمر ومن حديث عروة عن عائشة وهو أصح من حديث عائشة وقد ثبت ms7627 عنها ~~في الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر الرابعة مع حجته} ~~ولم يعتمر بعدها باتفاق المسلمين فتعين أن يكون قرن بين العمرة والحج وقال: ~~هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أخبرت أن الذين جمعوا الحج ~~والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا. وأما الذين نقل عنهم: أنه أفرد الحج فهم ~~ثلاثة: عائشة وابن # PageV26P072 # عمر وجابر. والثلاثة نقل عنهم التمتع. وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع ~~بالعمرة إلى الحج أصح من حديثهما أنه أفرد الحج وما صح عنهما من ذلك فمعناه ~~إفراد أعمال الحج. وفي الصحيحين {عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع قالت حفصة: فما يمنعك أن تحل؟ فقال: إني ~~لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي وفي رواية: ما شأن الناس حلوا ~~ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ~~الهدي} فهذا يدل على أنه كان معتمرا وليس فيه أنه لم يكن مع العمرة حاجا. ~~ومما يبين ذلك أن في الصحيحين {عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ~~أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته عمرة الحديبية في ذي القعدة. ~~وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة وعمرة ~~مع حجته} . وفي الصحيحين {عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ~~فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة فقال له عروة: يا أبا عبد ~~الرحمن. كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أربع عمر: إحداهن في رجب ~~فقال عروة ألا تسمعين يا أم المؤمنين إلى # PageV26P073 # ما يقول أبو عبد الرحمن فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن؟ ~~ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه وما اعتمر في رجب قط} ~~فعائشة أنكرت كونه اعتمر ms7628 في رجب وما أنكرت كونه اعتمر أربع عمر. فقد اتفقت ~~عائشة وابن عمر على أنه اعتمر أربع عمر كما روي ذلك عن أنس. وقد ثبت باتفاق ~~الناس أنه لم يعتمر بعد الحج. وثبت أن ابن عمر وعائشة نقلا عنه أنه اعتمر ~~مع الحج وهذا هو التمتع العام الذي يدخل فيه القران وهو الموجب للهدي. ~~فتبين أن الروايات الكثيرة الثابتة عن ابن عمر وعائشة توافق ما فعله. سائر ~~الصحابة أنه كان متمتعا التمتع العام. ومن قال: إنه أحرم مطلقا فاحتج بحديث ~~مرسل ومثل هذا لا يجوز أن يعارض به الأحاديث الصحيحة. فقد تبين أن من قال: ~~أفرد الحج فإن ادعى أنه اعتمر بعد الحج كما يظنه بعض المتفقهة فهذا مخطئ ~~باتفاق العلماء ومن قال إنه أفرد الحج بمعنى أنه لم يأت مع حجته بعمرة فهذا ~~قد اعتقده بعض العلماء وهو غلط ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة. # PageV26P074 # ومن قال: إنه أحرم إحراما مطلقا فقوله غلط لم ينقل عن أحد من الصحابة. ~~ومن قال إنه تمتع بمعنى أنه لم يحرم بالحج حتى طاف وسعى. فقوله أيضا غلط لم ~~ينقل عن أحد من الصحابة. ومن قال إنه تمتع: بمعنى أنه حل من إحرامه فهو ~~أيضا مخطئ باتفاق العلماء العارفين بالأحاديث. ومن قال إنه قرن بمعنى أنه ~~طاف طوافين وسعى سعيين فقد غلط أيضا ولم ينقل ذلك أحد من الصحابة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. فالغلط في هذا الباب وقع ممن دون الصحابة فلم يفهموا ~~كلامهم وأما الصحابة فنقولهم متفقة. ومما يبين أنه لم يطف طوافين ولا سعى ~~سعيين لا هو ولا أصحابه ما في الصحيحين عن عروة {عن عائشة قالت: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ~~ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. وقالت فيه: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة ~~بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ~~لحجهم وأما الذين جمعوا بين ms7629 الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا} . # PageV26P075 # وفي صحيح مسلم عن طاووس {عن عائشة أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت ~~حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى ~~التنعيم فاعتمرت بعد الحج} . وفي مسلم أيضا عن مجاهد {عن عائشة أنها حاضت ~~بسرف فطهرت بعرفة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يجزي عنك طوافك بالصفا ~~والمروة عن حجك وعمرتك} . وفي سنن أبي داود عن عطاء {عن عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك ~~وعمرتك} . وفي الصحيحين عن جابر قال {دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~عائشة ثم وجدها تبكي وقالت قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت ~~فقال اغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت طافت ~~بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. قالت: يا ~~رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت فقال: فاذهب بها يا ~~عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة} . فقد أخبرت عائشة في ~~الحديث الصحيح أن الذين قرنوا لم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة إلا ~~الطواف الأول الذي طافه # PageV26P076 # المتمتعون أولا. وأيضا فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة في قضيتها أنها {لما ~~طافت يوم النحر بالبيت وبين الصفا والمروة قال لها قد حللت وقال لها: يسعك ~~طوافك لحجك وعمرتك} وأنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة ودل ذلك على أن ~~القارن يجزيه طواف واحد بالبيت وبين الصفا والمروة كما يجزي المفرد لا سيما ~~وعائشة لم تطف إلا طواف قدوم بل لم تطف إلا بعد التعريف وسعت مع ذلك فإذا ~~كان طواف الإفاضة والسعي بعده يكفي القارن فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف ~~الإفاضة وسعي واحد مع أحدهما بطريق الأولى. ومما يبين ذلك أن الصحابة الذين ~~نقلوا حجة رسول الله صلى الله ms7630 عليه وسلم كلهم نقلوا أنه لما طاف الصحابة ~~بالبيت وبين الصفا والمروة: أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل إلا من ~~ساق الهدي فإنه لا يتحلل إلا يوم النحر. ولم ينقل أحد منهم أن أحدا منهم ~~طاف وسعى ثم طاف وسعى ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على ~~نقله فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أن هذا لم يكن وعمدة من قال ذلك أثر ~~يرويه الكوفيون عن علي وأثر آخر عن ابن مسعود وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه ~~محمد بن علي أنه كان يحفظ عن علي بن أبي طالب للقارن طوافا واحدا بين الصفا ~~والمروة خلاف ما يحفظ أهل # PageV26P077 # العراق. وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع ومنه ما رجاله مجهولون أو ~~مجروحون. ولهذا طعن علماء النقل في ذلك حتى قال ابن حزم: كل ما روي في ذلك ~~عن الصحابة لا تصح منه ولا كلمة واحدة وقد نقل في ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما هو موضوع بلا ريب. وأيضا ففي الصحيحين {عن ابن عمر قال لهم: ~~اشهدوا أني قد أوجبت حجا مع عمرتي ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة ~~فطاف بالبيت وبالصفا والمروة. ولم يزد على ذلك ولم يحلق ولا قصر ولا أحل من ~~شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فحلق ونحر ورأى أنه قد قضى طواف الحج ~~والعمرة بطوافه الأول ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.} ~~وأيضا: فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {: دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة وإذا دخلت فيه لم تحتج إلى عمل زائد على ~~عمله} . وقد روى سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل؛ قال: حلف لي طاوس ما طاف ~~أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته وعمرته إلا طوافا ~~واحدا. وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم وهم من أعلم ~~الناس بحجة رسول الله ms7631 صلى الله عليه وسلم ولا يخالفونها. # PageV26P078 # فهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين: أنه لم ~~يطف بالبيت وبين الصفا والمروة. إلا طوافا واحدا. فتبين بذلك أن الذي دلت ~~عليه الأحاديث هو الذي قاله أئمة أهل الحديث: كأحمد وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان قارنا وأنه لم يطف إلا طوافا واحدا بالبيت وبين الصفا ~~والمروة. لكنه ساق الهدي فمن ساق الهدي فالقران أفضل له من التمتع ومن لم ~~يسق الهدي فالتمتع أفضل له كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه والله ~~أعلم. # PageV26P079 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن حج النبي صلى الله عليه وسلم هل كان مفردا؟ أو قارنا " أو متمتعا؟ ~~وأيما أفضل لمن يحج فقد أكثر الناس القول وأطالوا وزادوا ونقصوا، والقصد ~~كشف الحق عن هذه الأحوال، وقول بعض الناس إن أحدا من الصحابة أتى بعمرة من ~~مكة، والحديث الذي رووه: {أن عمرة في رمضان تقوم كذا وكذا حجة} . هل هو ~~صحيح؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما حج النبي صلى الله عليه وسلم فالصحيح أنه كان ~~قارنا قرن بين الحج والعمرة وساق الهدي ولم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة ~~إلا طوافا واحدا حين قدم. لكنه طاف طواف الإفاضة مع هذين الطوافين. وهذا ~~الذي ذكرناه هو الصواب المحقق عند أهل المعرفة بالأحاديث الذين جمعوا طرقها ~~وعرفوا مقصدها وقد جمع أبو محمد بن حزم في حجة الوداع كتابا جيدا في هذا ~~الباب. وقال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان # PageV26P080 # قارنا والتمتع أحب إلي لأنه آخر الأمرين. يريد به قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن طاف وسعى وأمر أصحابه بالتحلل فشق عليهم فقال: {لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} وهذا إنما يقتضي ~~أنه كان متمتعا بدون سوق الهدي والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد ساق ~~الهدي. ولهذا قال أحمد في رواية المروذي: إذا ساق الهدي فالقران أفضل وذلك ~~لأنه فعل النبي ms7632 صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي ذكرناه من أنه حج قارنا ~~يتبين لمن تدبر الأحاديث وفهم مضمونها. وبسط ذلك في هذا الموضع غير ممكن ~~لكن نذكر نكتا مختصرة: منها: أن الذين نقلوا لفظ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلفظ تلبيته ولفظه في خبره عن نفسه وفيما يخبر به عن أمر الله له: ~~إنما ذكروا القران: كقول أنس في الصحيحين سمعته يقول: {لبيك عمرة وحجة وكان ~~تحت ناقته} وكحديث عمر الذي في الصحيح حيث قال: {أتاني آت من ربي في هذا ~~الوادي المبارك وقال: قل: عمرة في حجة} وقوله في حديث البراء بن عازب. . . ~~(*) والذين قالوا: تمتع بالعمرة إلى الحج لم تزل قلوبهم على غير ~~PageV26P081 # القران فإن القران كان عندهم داخلا في مسمى التمتع بالعمرة إلى الحج كما ~~جاء مفسرا في الصحيحين من أن عثمان كان ينهى عن المتعة؛ وكان علي يأمر بها ~~فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا. ولهذا وجب عند الأئمة على القارن الهدي ~~بقوله. {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} . وذلك أن مقصود ~~حقيقة التمتع أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج ويحج من عامه فيترفه بسقوط أحد ~~السفرين، قد أحل من عمرته ثم أحرم بالحج أو أحرم بالحج مع العمرة أو أدخل ~~الحج على العمرة فأتى بالعمرة والحج جميعا في أشهر الحج من غير سفر بينهما ~~فيترفه بسقوط أحد السفرين. فهذا كله داخل في مسمى التمتع مع أن هؤلاء لم ~~ينقلوا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك الذين قالوا: أفرد الحج مع ~~أن هذا اللفظ يراد به الرد على من قال: تمتع بالعمرة إلى الحج وحل من ~~إحرامه وعلى من قال: إنه طاف طوافين. وسعى سعيين فإن أصحابه حلوا من ~~إحرامهم حيث لم يسوقوا الهدي فبقوا محرمين كما يبقى مفردا بحج ولم يأتوا ~~بزيادة على عمل المفرد. فبين هؤلاء أنه لم يفعل إلا أفعال الحج لم يحل من ~~إحرامه ولا زاد عليها وتبين بذلك أنه قد اعتمر أربعا: إحداهن عمرة مع ms7633 حجته ~~ولا نزاع بين أهل العلم أنه لم يعتمر # PageV26P082 # بعد الحجة لا هو ولا أحد ممن حج معه حجة الوداع إلا عائشة خاصة فإنه ~~أعمرها مع أخيها عبد الرحمن لأجل حيضها الذي حاضته وبنيت بعد ذلك مساجد ~~فسميت " مساجد عائشة " فإنها أحرمت بالعمرة من هناك فإنه أدنى الحل إلى ~~مكة؛ إذ ذاك الجانب من الحرم أقرب جوانبه من مكة. وكان قد اعتمر مع حجته ~~ولم يعتمر بعدها فتبين أن عمرته كانت فيها قبلها فيكون متمتعا. يوضح ذلك أن ~~عامة الذين روي عنهم أنه أفرد الحج: كعائشة وابن عمر. روي عنهم أنه تمتع ~~بالعمرة إلى الحج كما ثبت ذلك في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة وغيرهما وقد ~~تبين أن من قال تمتع بالعمرة إلى الحج وأنه حل من إحرامه كما زعم ذلك بعض ~~أصحاب أحمد: كالقاضي وغيره وزعموا أنه كان مخصوصا بذلك دون من تمتع وساق ~~الهدي فهذا القول خطأ. وكذلك من يظن من أصحاب مالك والشافعي أنه أفرد الحج ~~واعتمر عقب ذلك فهذا القول خطأ وكلا القولين مخالف لإجماع أهل العلم ~~بالآثار. وكذلك من زعم أنه طاف طوافين وسعى سعيين كما يختار ذلك أصحاب أبي ~~حنيفة وأنه خلاف الأحاديث الصحيحة التي # PageV26P083 # تبين أنه لم يطف بالبيت والصفا والمروة إلا مرة واحدة. وأما من قال من ~~أصحاب أحمد: إنه تمتع ولم يحل من إحرامه؛ لأجل سوق الهدي كما يختاره أبو ~~محمد وغيره فالتمتع على المشهور عندهم: السعي بين الصفا والمروة بعد طواف ~~الإفاضة للحج كما سعى أولا للعمرة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسع بعد ~~الإفاضة فكيف يكون متمتعا على هذا القول؟ لكن عن أحمد رواية أخرى أن ~~المتمتع لا يحتاج إلى سعي ثان بل يكفيه السعي الأول كما يكفي المفرد وكما ~~يكفي القارن. وسبب اختلاف الروايتين عن أحمد أن في حديث جابر: " أنهم لم ~~يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة إلا الطواف الأول " وفي حديث عائشة: " ~~أنهم طافوا بعد التعريف " فإنه على هذه الرواية لا يتوجه هذا الإلزام؛ لكن ~~لا ms7634 يبقى بين القارن وبين المتمتع الذي ساق الهدي - فلم يحل لأجله - فرق إلا ~~أن القارن أحرم بالحج قبل الطواف والسعي والمتمتع أحرم بالحج بعد ذلك فإذا ~~كان إدخاله الحج عليها بعد طوافه وسعيه كإدخاله قبل طوافه وسعيه لا يوجب ~~عليه سعيا ثانيا: لم يكن بين القارن والمتمتع الذي لم يحل فرق أصلا. وعلى ~~هذا فإحرامه بالحج قبل أن يطوف ويسعى أفضل من أن # PageV26P084 # يحرم به بعد الطواف والسعي وقد صح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم ~~بهما جميعا وقال: لبيك عمرة وحجا} ومن لم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي ~~لا يقول هذا. ومن قال من أصحاب مالك والشافعي أفرد الحج ولم يعتمر مع حجته ~~فالأحاديث الصحيحة - التي تبين أنه اعتمر مع حجته وأنه اعتمر أربع عمر: ~~عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجته - ترد هذا ~~القول. وكذلك {قول حفصة في الحديث المتفق عليه: ما بال الناس حلوا. ولم تحل ~~من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر} . # وأما قول القائل: أيما أفضل؟ . # فالتحقيق في هذه المسألة: أنه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو ~~أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة وقد نص على ذلك أحمد وأبو حنيفة ~~مع مالك والشافعي وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر. وكان ~~عمر يختاره للناس وكذلك علي - رضي الله عنه - وقال عمر وعلي في قوله ". ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} قالا: إتمامهما أن تهل بهما من دويرة أهلك. وقد ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في عمرتها: أجرك على قدر # PageV26P085 # نصبك} . وإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله فأنشأ منها العمرة أو اعتمر قبل ~~أشهر الحج وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره ورجع إلى أهله ثم حج فهنا قد ~~أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا أتى بهما على الكمال فهو أفضل ~~من غيره. وأما إذا أفرد الحج واعتمر عقب ذلك من أدنى الحل فهذا الإفراد لم ~~يفعله رسول ms7635 الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه بل ~~ولا غيرهم. كيف يكون هو الأفضل مما فعلوه معه بأمره؟ بل لم يعرف أن أحدا ~~اعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة لا في حجة ~~الوداع ولا قبلها ولا بعدها؛ بل هذه العمرة لا تجزئ عن عمرة الإسلام في ~~إحدى الروايتين عن أحمد. وعند بعض أهل العلم أنها متعة. وتكره العمرة في ذي ~~الحجة عند طائفة من أهل العلم مع أن عائشة كانت إذا حجت صبرت حتى يدخل ~~المحرم ثم تحرم من الجحفة فلم تكن تعتمر من أدنى الحل ولا في ذي الحجة. ~~وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة وقدم مكة في أشهر الحج ولم ~~يسق الهدي. فالتمتع أفضل له من أن يحج ويعتمر بعد ذلك من الحل؛ لأن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV26P086 # الذين حجوا معه ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا: أمرهم إذا ~~طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها متعة فلما ~~كان يوم التروية أمرهم أن يحرموا بالحج وهذا متواتر عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه أمرهم بذلك وحجوا معه كذلك. ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده ولا حجة تكون ~~أفضل من حجة أفضل الأمة " مع أفضل الخلق بأمره فكيف يكون حج من حج مفردا ~~واعتمر عقب ذلك أو قارنا ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره وكيف ~~ينقلهم عن الأفضل إلى المفضول وأمره أبلغ من فعله. وأيضا؛ فإن من يحرم ~~بالعمرة قد نوى الحج فإنه ينوي التمتع بالعمرة إلى الحج كما ينوي المغتسل ~~إذا بدأ بالتوضؤ أنه يتوضأ الوضوء الذي هو بعض الغسل فيكون تحريمان ~~وتحليلان كما للمفرد تحليلان وتحريمان فيكون له هدي كما للقارن هدي والهدي ~~هدي نسك لا هدي جبران فإن هدي الجبران - الذي يكون لترك واجب أو فعل محرم - ~~لا يحل سببه إلا مع العذر. فليس له أن يترك شيئا من واجبات الحج ms7636 بلا عذر أو ~~يفعل شيئا من محظوراته بلا عذر ويأتي بدم. وهذا له أن يتمتع بلا عذر ويأتي ~~بالهدي فعلم أنه دم نسك. وقد ثبت بالسنة أنه يأكل كما أكل # PageV26P087 # النبي صلى الله عليه وسلم من هديه وقد كان قارنا وكما ذبح عن نسائه ~~البقرة وأطعمهن من ذلك وكن متمتعات. وأيضا فلمن يأتي بالعبادتين: إذا كانتا ~~من جنس يجمع بينهما أن يبدأ بالصغرى على الكبرى كما يتوضأ المغتسل ثم يتم ~~غسله وكما أمره بمثل ذلك في غسل الميت فإذا اعتمر ثم أتى بالحج كان موافقا ~~لهذا؛ بخلاف من حج فإنه أتى بالغاية. فإذا اعتمر عقب ذلك لم يكن في عمرته ~~عمل زائد. وإذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز ذلك بالاتفاق؛ لأنه ~~التزم أكثر مما كان عليه. وأما إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز ~~على الصحيح لأنه لا يلتزم زيادة شيء وإنما جوزه أبو حنيفة بناء على أصله: ~~في أن عمل القارن فيه زيادة على عمل المفرد. ومن سافر سفرة واحدة واعتمر ~~فيها ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتعه أيضا أفضل له من الحج فإن كثيرا من ~~الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك ~~ومع هذا فأمرهم بالتمتع لم يأمرهم بالإفراد ولأن هذا يجمع بين عمرتين وحجة ~~وهدي وهذا أفضل من عمرة وحجة. # PageV26P088 # وكذلك لو تمتع ثم سافر من دويرة أهله للمتعة فهذا أفضل من سفرة بعمرة ~~وسفرة بحجة مفردة وهذا المفرد أفضل من سفرة واحدة يتمتع فيها. وأما إذا ~~أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة ويسوق الهدي فالقران أفضل اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قرن وساق الهدي. ومن قال: إنه مع سوق ~~الهدي يكون التمتع أفضل له. قيل له: مع أن هذا مخالف للسنة إذا أحرم قبل ~~الطواف والسعي كان قد تقدم إحرامه ووقع الطواف والسعي عن الحج والعمرة وإذا ~~أحرم بعدهما لم يكن الطواف والسعي واقعا إلا عن العمرة. ووقوع الأفعال عن ms7637 ~~حج مع عمرة خير من وقوعها عن عمرة لا يتحلل فيها إلى أن يحج؛ لكنه قد يقول: ~~إذا تأخر إحرامه بالحج لزمه سعي ثان وهذا زيادة عمل لكن هذا فيه نزاع كما ~~تقدم. وليس له أن يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم {لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ~~لتمتعت مع سوق الهدي بل قال: " لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " فجعل المطلوب ~~متعة بلا سوق هدي وهذا # PageV26P089 # دليل ثان على أن من ساق الهدي لا يتمتع بل يقرن. وإذا كان القران والتمتع ~~مع سوق الهدي سواء ارتفع النزاع. # فإن قيل: أيما أفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو أن يتمتع بلا سوق هدي ويحل من ~~إحرامه؟ . قيل: هذا موضع الاجتهاد فإنه قد تعارض دليلان شرعيان: # أحدهما: أنه قرن وساق الهدي في حجة الوداع ولم يكن الله ليختار لنبيه ~~المفضول دون الأفضل فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أن قوله هذا يقتضي أنه لو كان ذلك الحال هو وقت إحرامه لكان ~~أحرم بعمرة ولم يسق الهدي بقوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت " فالذي ~~استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه. والذي يستقبله هو الذي لم يفعله بعد ~~بل هو أمامه فتبين أنه لو كان مستقبلا لما استدبره من أمره - وهو الإحرام - ~~لأحرم بالعمرة دون هدي وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول بل ~~إنما يختار الأفضل. وذلك يدل على أنه تبين له حينئذ أن التمتع بلا هدي أفضل ~~له. ولكن من نصر الأول يجيب عن هذا بأنه لم يقل هذا لأجل أن # PageV26P090 # الذي فعله مفضول بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه ~~محرما فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة. وقد ~~ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب كما {قال ~~لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين} ms7638 ~~فهنا ترك ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة والتأليف الذي هو الأدنى من هذا ~~الأولى فكذلك اختار المتعة بلا هدي. وعلى هذا التقدير فيكون الله قد جمع له ~~بين أن فعل الأفضل وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من ~~الفضل فاجتمع له الأجران وهذا هو اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم يبين ~~ذلك: أن سوق الهدي أفضل من ترك سوقه وقد ساق مائة بدنة فكيف يكون ترك ذلك ~~أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام ثانيا وسوق الهدي فيه من تعظيم شعائر ~~الله ما ليس في تكرر التحلل والتحريم. يبين ذلك أن المتمتع إذا ساق الهدي ~~فينبغي أن يكون أفضل من جميع من لم يسق والقارن الذي ساق الهدي أفضل منهما. ~~وأيضا فإن القارن والمتمتع عليه هدي ومعلوم أن الهدي الذي يسوقه # PageV26P091 # من الحل أفضل باتفاق المسلمين مما يشتريه من الحرم بل في أحد قولي ~~العلماء لا يكون هديا إلا بما أهدي من الحل إلى الحرم. وحينئذ فسوقه من ~~الميقات أفضل من سوقه من أدنى الحل فكيف يجعل الهدي الذي لم يسق أفضل مما ~~سيق فهذا وغيره مما يبين أن سوق الهدي مع التمتع والقران أفضل من تمتع لا ~~سوق فيه. وأما سؤال السائل عن بعض الصحابة: هل اعتمر من مكة؟ فلم يعتمر أحد ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلا عائشة خاصة وعائشة نفسها ~~كانت إذا حجت تمكث إلى أن يهل المحرم ثم تخرج إلى الجحفة فتحرم منها بعمرة. # وقوله صلى الله عليه وسلم {عمرة في رمضان تعدل حجة وفي لفظ: تعدل حجة ~~معي} وفي رواية أنه قال: {الحج من سبيل الله} فبين لها أن اعتمارها في ~~رمضان تقوم مقام الحجة التي تخلفت عنها والحجة كانت من المدينة والعمرة ~~كانت من المدينة وذلك لأن شهر رمضان هو شهر الصيام وهو قبل أشهر الحج. ومن ~~حج من عامه كان أفضل من المتمتع والمتمتع لا بد أن يعتمر في أشهر الحج وقد ~~كان يمكنه ms7639 أن يحرم بالحج فلما عدل عن الإحرام # PageV26P092 # بالحج إلى الإحرام بالعمرة ترفه بسقوط أحد السفرين فصار الهدي قائما مقام ~~هذا الترفه. ولهذا ظن بعض الفقهاء أن هدي المتمتع هدي جبران ومنعوه من ~~الأكل منه وجعلوا وجوب الهدي في المتمتع دليلا على أنه مرجوح فإن النسك ~~السالم عن جبران أفضل من النسك المجبور. فقال لهم الآخرون: دم الجبران لا ~~يجوز للرجل أن يفعل سببه بغير عذر وهنا يجوز التمتع من غير حاجة فامتنع أن ~~يكون هذا دم جبران. نعم قد يقال التمتع رخصة والرخصة قد تكون أفضل كما أن ~~القصر أفضل من التربيع عند العلماء بالسنة المتواترة واتفاق السلف وكذلك " ~~الفطر والمسح " على أظهر قولي العلماء فإن الفطر هو آخر الأمرين منه صلى ~~الله عليه وسلم. وتنازع العلماء في وجوبه وفي إجزاء الصوم في السفر فذهب ~~طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر عليه القضاء واتفق المسلمون ~~على أن الفطر في السفر جائز؛ لأنه كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه ~~وسلم واتفق المسلمون على جوازه وهو أفضل فما تنازعوا في جوازه مع أنه قد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس من البر الصيام ~~في السفر} وثبت في صحيح مسلم {أن حمزة # PageV26P093 # بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني رجل أكثر الصيام أفأصوم في ~~السفر؟ فقال: إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس} فحسن الفطر ورفع البأس عن ~~الصوم. وهكذا " المسح على الخفين " فإنه لم ينقل أحد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا لبس الخفين على طهارة ثم أحدث أنه ينزعهما ويغسل رجليه ~~بل كان يمسح عليهما وهذا مورد النزاع فأما إذا لم يكن عليه خفان ففرضه ~~الغسل ولا يشرع له أن يلبس الخفين لأجل المسح بل صورة المسألة إذا لبسهما ~~لحاجته فهل الأفضل أن يمسح عليهما أو يخلعهما أو كلاهما على السواء؟ على ~~ثلاثة أقوال: والصواب أن المسح أفضل اتباعا للسنة. وأيضا فالذي يحج متمتعا ~~فعل ما ms7640 يشرع باتفاق العلماء المعروفين وأما غير المتمتع ففي حجه نزاع فقد ~~ثبت عن ابن عباس وطائفة من السلف أن التمتع واجب وأن كل من طاف وسعى ولم ~~يكن معه هدي فإنه يحل من إحرامه سواء قصد التحلل أو لم يقصده وليس لأحد عند ~~هؤلاء أن يحج إلا متمتعا وهذا مذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر. وهو مذهب ~~الشيعة أيضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أصحابه في حجة الوداع ~~فإذا كان التمتع # PageV26P094 # مختلفا في وجوبه متفقا على جوازه وغيره ليس بواجب ولم يتفق على جوازه كان ~~الحج الذي اتفق على جوازه أولى. ولا يعارض هذا أن بعض المتقدمين كان ينهى ~~عن المتعة، وكان بعض الولاة يضرب عليها فعلماء أصحاب هذا القول قد قيل: ~~إنهم لم يكونوا يحرمون المتعة بل كانوا يختارون أن يعتمر الناس في غير أشهر ~~الحج كي لا يزال البيت معمورا بالحجاج والعمار. ومن قدر أنه نهي عن ذلك نهي ~~تحريم فهذا قول مخالف للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~مخالفته لكتاب الله فلا يلتفت إليه. # وأما تنازع العلماء في جواز فسخ المفرد والقارن وانتقالهما إلى التمتع. ~~فمن العلماء من قال: إن ذلك منسوخ وأن ذلك كان مخصوصا بالذين حجوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال بعضهم: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ~~يعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج. وقال آخرون: هذا قول ضعيف جدا فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اعتمر في أشهر الحج غير مرة بل عمره كانت في أشهر الحج: ~~عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة وعمرة القضاء في العام القابل كانت في ذي ~~القعدة وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة أما كان في هذا ما يبين جواز ~~الاعتمار في أشهر الحج. وأيضا فقد ثبت في الصحيحين {أنهم لما كانوا بذي ~~الحليفة. قال: من شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بحجة # PageV26P095 # فليفعل ومن شاء أن يهل بعمرة فليفعل} فقد صرح لهم بجواز ms7641 الثلاثة وفي هذا ~~بيان واضح لجواز العمرة في أشهر الحج. وأيضا: فالذين حجوا معه متمتعين كان ~~في حجهم ما يبين الجواز فلا يجوز أن يأمر جميع من حج معه بالتحلل من إحرامه ~~وأن يجعلوا ذلك تمتعا بمجرد بيان جواز ذلك ولا ينقلهم عن الأفضل إلى ~~المفضول فعلم أنه إنما نقلهم إلى الأفضل وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قيل له: عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد دخلت العمرة ~~في الحج إلى يوم القيامة} . وأيضا: فإذا كان الكفار لم يكونوا يتمتعون ولا ~~يعتمرون في أشهر الحج والنبي صلى الله عليه وسلم قصد مخالفة الكفار كان هذا ~~من سنن الحج كما فعل في وقوفه بعرفة ومزدلفة فإن المشركين كانوا يعجلون ~~الإفاضة من عرفة قبل الغروب ويؤخرون الإفاضة من جمع إلى أن تطلع الشمس. ~~فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {خالف هدينا هدي المشركين} فأخر ~~الإفاضة من عرفة إلى أن غربت الشمس وعجل الإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس ~~وهذا هو السنة للمسلمين باتفاق المسلمين فهكذا ما فعله من التمتع والفسخ إن ~~كان قصد به مخالفة المشركين فهذا هو السنة وإن فعله لأنه أفضل وهو سنة فعلى ~~التقديرين يكون الفسخ أفضل؛ اتباعا لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه والله سبحانه أعلم. # PageV26P096 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # وأما الركن اليماني فلا يقبل على القول الصحيح وأما سائر جوانب البيت ~~والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا تقبل ولا يتمسح به باتفاق المسلمين ~~المتبعين للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا لم يكن التمسح ~~بذلك وتقبيله مستحبا فأولى ألا يقبل ولا يتمسح بما هو دون ذلك. # واتفق العلماء على أنه لا يستحب لمن سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند قبره أن يقبل الحجرة ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق ~~ولأنه {قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} وقال: {لا ~~تتخذوا قبري عيدا} . وقال {إن من كان قبلكم ms7642 كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} فإذا كان هذا دين المسلمين في ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد ولد آدم فقبر غيره أولى أن لا ~~يقبل ولا يستلم. وقد حكى بعض العلماء في هذا خلافا مرجوحا وأما الأئمة ~~المتبعون والسلف الماضون فما أعلم بينهم في ذلك خلافا والله سبحانه أعلم. # PageV26P097 # وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام ~~مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن تيمية - رضي الله عنه -: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير من المسلمين أن أكتب في بيان مناسك ~~الحج ما يحتاج إليه غالب الحجاج في غالب الأوقات فإني كنت قد كتبت منسكا في ~~أوائل عمري فذكرت فيه أدعية كثيرة وقلدت في الأحكام من اتبعته قبلي من ~~العلماء وكتبت في هذا ما تبين لي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مختصرا مبينا ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV26P098 # فصل: # أول ما يفعله قاصد الحج والعمرة إذا أراد الدخول فيهما: أن يحرم بذلك ~~وقبل ذلك فهو قاصد الحج أو العمرة ولم يدخل فيهما بمنزلة الذي يخرج إلى ~~صلاة الجمعة فله أجر السعي ولا يدخل في الصلاة حتى يحرم بها. وعليه إذا وصل ~~إلى الميقات أن يحرم. والمواقيت خمسة: ذو الحليفة والجحفة وقرن المنازل ~~ويلملم وذات عرق {ولما وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت قال: هن ~~لأهلهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن لمن يريد الحج والعمرة ومن كان منزله ~~دونهن فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة} . فذو الحليفة هي أبعد ~~المواقيت بينها وبين مكة عشر مراحل ms7643 أو أقل أو أكثر بحسب اختلاف الطرق فإن ~~منها إلى مكة عدة طرق وتسمى وادي العقيق ومسجدها يسمى مسجد الشجرة وفيها ~~بئر تسميها جهال العامة " بئر علي " لظنهم أن عليا قاتل الجن بها وهو كذب. ~~فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة وعلي أرفع # PageV26P099 # قدرا من أن يثبت الجن لقتاله ولا فضيلة لهذا البئر ولا مذمة ولا يستحب أن ~~يرمي بها حجرا ولا غيره. وأما الجحفة: فبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل وهي ~~قرية كانت قديمة معمورة وكانت تسمى مهيعة وهي اليوم خراب؛ ولهذا صار الناس ~~يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى رابغا وهذا ميقات لمن حج من ناحية ~~المغرب: كأهل الشام ومصر وسائر المغرب لكن إذا اجتازوا بالمدينة النبوية - ~~كما يفعلونه في هذه الأوقات - أحرموا من ميقات أهل المدينة فإن هذا هو ~~المستحب لهم بالاتفاق. فإن أخروا الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع. وأما ~~المواقيت الثلاثة فبين كل واحد منها وبين مكة نحو مرحلتين. وليس لأحد أن ~~يجاوز الميقات إذا أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام. وإن قصد مكة للتجارة أو ~~الزيارة فينبغي له أن يحرم وفي الوجوب نزاع. ومن وافى الميقات في أشهر الحج ~~فهو مخير بين ثلاثة أنواع: وهي التي يقال لها: التمتع والإفراد والقران إن ~~شاء أهل بعمرة فإذا حل منها أهل بالحج وهو يخص باسم التمتع وإن شاء أحرم ~~بهما جميعا أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف # PageV26P100 # وهو القران وهو داخل في اسم التمتع في الكتاب والسنة وكلام الصحابة وإن ~~شاء أحرم بالحج مفردا وهو الإفراد. # فصل: # في الأفضل من ذلك: فالتحقيق في ذلك أنه يتنوع باختلاف حال الحاج فإن كان ~~يسافر سفرة للعمرة، وللحج سفرة أخرى أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر ~~ويقيم بها حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة. والإحرام ~~بالحج قبل أشهره ليس مسنونا بل مكروه وإذا فعله فهل يصير محرما بعمرة أو ~~بحج فيه نزاع. وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس وهو أن ms7644 يجمع بين العمرة ~~والحج في سفرة واحدة ويقدم مكة في أشهر الحج: وهن شوال وذو القعدة وعشر من ~~ذي الحجة فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له وإن لم يسق الهدي فالتحلل من ~~إحرامه بعمرة أفضل فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة التي لم يختلف في صحتها ~~أهل # PageV26P101 # العلم بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع. هو ~~وأصحابه أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي ~~فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر {وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي هو وطائفة من أصحابه وقرن هو بين العمرة ~~والحج فقال لبيك عمرة وحجا} -. ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها لأنها كانت قد حاضت فلم يمكنها الطواف ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف ~~بالبيت} فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة ثم إنها ~~طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن ~~فاعتمرت من التنعيم والتنعيم هو أقرب الحل إلى مكة وبه اليوم المساجد التي ~~تسمى " مساجد عائشة " ولم تكن هذه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~بنيت بعد ذلك علامة على المكان الذي أحرمت منه عائشة؟ وليس دخول هذه ~~المساجد ولا الصلاة فيها - لمن اجتاز بها محرما - لا فرضا ولا سنة بل قصد ~~ذلك واعتقاد أنه يستحب بدعة مكروهة لكن من خرج من مكة ليعتمر فإنه إذا دخل ~~واحدا منها وصلى فيه لأجل الإحرام # PageV26P102 # فلا بأس بذلك. ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ~~الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غير رمضان ~~والذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من ~~مكة إلا عائشة كما ذكر. ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين ms7645 والذين ~~استحبوا الإفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج في سفرة ويعتمر في أخرى ~~ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقب ذلك عمرة مكية بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط ~~اللهم إلا أن يكون شيئا نادرا. وقد تنازع السلف في هذا: هل يكون متمتعا ~~عليه دم؟ أم لا؟ وهل تجزئه هذه العمرة عن عمرة الإسلام؟ أم لا؟ . # وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته أربع عمر: عمرة الحديبية ~~وصل إلى الحديبية والحديبية وراء الجبل الذي بالتنعيم عند مساجد عائشة عن ~~يمينك وأنت داخل إلى مكة فصده المشركون عن البيت فصالحهم وحل من إحرامه ~~وانصرف. وعمرة القضية اعتمر من العام القابل. وعمرة الجعرانة فإنه كان قد ~~قاتل المشركين بحنين وحنين من # PageV26P103 # ناحية المشرق من ناحية الطائف؛ وأما بدر فهي بين المدينة وبين مكة وبين ~~الغزوتين ست سنين ولكن قرنتا في الذكر؛ لأن الله تعالى أنزل فيهما الملائكة ~~لنصر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في القتال ثم ذهب فحاصر المشركين ~~بالطائف ثم رجع وقسم غنائم حنين بالجعرانة فلما قسم غنائم حنين اعتمر من ~~الجعرانة داخلا إلى مكة لا خارجا منها للإحرام. والعمرة الرابعة مع حجته ~~فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته وباتفاق الصحابة على ~~ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعا حل فيه بل كانوا يسمون ~~القران تمتعا ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى ~~سعيين. # وعامة المنقول عن الصحابة في صفة حجته ليست بمختلفة. وإنما اشتبهت على من ~~لم يعرف مرادهم وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج: كعائشة وابن ~~عمر وجابر. قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج. فقد ثبت في الصحيحين عن ~~عائشة وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد ومرادهم بالتمتع القران كما ~~ثبت ذلك في الصحاح أيضا. فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنا قال: لبيك عمرة ~~وحجا. وإن كان متمتعا قال لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج. وإن كان مفردا ~~قال: لبيك حجة # PageV26P104 # أو ms7646 قال: اللهم إني أوجبت عمرة وحجا أو أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج أو ~~أوجبت حجا أو أريد الحج أو أريدهما أو أريد التمتع بالعمرة إلى الحج فمهما ~~قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك عبارة مخصوصة ولا يجب شيء من ~~هذه العبارات باتفاق الأئمة كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة ~~والصيام باتفاق الأئمة بل متى لبى قاصدا للإحرام انعقد إحرامه باتفاق ~~المسلمين. ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء. ولكن تنازع العلماء: هل ~~يستحب أن يتكلم بذلك؟ كما تنازعوا: هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ ~~والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يشرع للمسلمين شيئا من ذلك ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ ~~النية لا هو ولا أصحابه بل {لما أمر ضباعة بنت الزبير بالاشتراط قالت: فكيف ~~أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني رواه أهل ~~السنن وصححه الترمذي ولفظ النسائي: إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: قولي: ~~لبيك اللهم لبيك: ومحلي من الأرض حيث تحبسني فإن لك على ربك ما استثنيت} ~~وحديث الاشتراط في الصحيحين. لكن المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالاشتراط ~~في التلبية ولم # PageV26P105 # يأمرها أن تقول قبل التلبية شيئا لا اشتراطا ولا غيره {وكان يقول في ~~تلبيته لبيك عمرة وحجا} وكان يقول للواحد من أصحابه: " بم أهللت؟ " {وقال ~~في المواقيت: مهل أهل المدينة ذو الحليفة ومهل أهل الشام الجحفة ومهل أهل ~~اليمن يلملم ومهل أهل نجد قرن المنازل ومهل أهل العراق ذات عرق ومن كان ~~دونهن فمهله من أهله} والإهلال هو التلبية فهذا هو الذي شرع النبي صلى الله ~~عليه وسلم للمسلمين التكلم به في ابتداء الحج والعمرة وإن كان مشروعا بعد ~~ذلك كما تشرع تكبيرة الإحرام ويشرع التكبير بعد ذلك عند تغير الأحوال. ولو ~~أحرم إحراما مطلقا جاز فلو أحرم بالقصد للحج من حيث الجملة ولا يعرف هذا ~~التفصيل جاز. ولو أهل ولبى كما يفعل ms7647 الناس قاصدا للنسك ولم يسم شيئا بلفظه ~~ولا قصد بقلبه لا تمتعا ولا إفرادا ولا قرانا صح حجه أيضا وفعل واحدا من ~~الثلاثة: فإن فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كان حسنا وإن ~~اشترط على ربه خوفا من العارض فقال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان ~~حسنا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد ~~المطلب أن تشترط على ربها لما كانت شاكية فخاف أن يصدها المرض عن البيت ولم # PageV26P106 # يكن يأمر بذلك كل من حج. وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ~~ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولم ~~يأمر به الناس ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أحدا بعبارة بعينها ~~وإنما يقال: أهل بالحج أهل بالعمرة أو يقال: لبى بالحج لبى بالعمرة وهو ~~تأويل قوله تعالى {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ~~ولا جدال في الحج} . وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {من حج هذا البيت: فلم ~~يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه} وهذا على قراءة من قرأ {فلا ~~رفث ولا فسوق} بالرفع فالرفث اسم للجماع قولا وعملا والفسوق اسم للمعاصي ~~كلها والجدال على هذه القراءة هو المراء في أمر الحج. فإن الله قد أوضحه ~~وبينه وقطع المراء فيه كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه وعلى ~~القراءة الأخرى قد يفسر بهذا المعنى أيضا وقد فسروها بأن لا يماري الحاج ~~أحدا والتفسير الأول أصح فإن الله لم ينه المحرم ولا غيره عن الجدال مطلقا؛ ~~بل الجدال قد يكون واجبا أو مستحبا كما قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} ~~وقد يكون الجدال محرما في الحج وغيره كالجدال بغير علم. وكالجدال في الحق ~~بعد ما تبين. # PageV26P107 # ولفظ (الفسوق) يتناول ما حرمه الله تعالى ولا يختص بالسباب وإن كان سباب ~~المسلم فسوقا فالفسوق يعم هذا وغيره. و (الرفث) هو الجماع ms7648 وليس في ~~المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميز بينه وبين الفسوق. وأما ~~سائر المحظورات: كاللباس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج عند ~~أحد من الأئمة المشهورين. وينبغي للمحرم أن لا يتكلم إلا بما يعنيه وكان ~~شريح إذا أحرم كأنه الحية الصماء ولا يكون الرجل محرما بمجرد ما في قلبه من ~~قصد الحج ونيته فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول ~~أو عمل يصير به محرما هذا هو الصحيح من القولين. والتجرد من اللباس واجب في ~~الإحرام وليس شرطا فيه فلو أحرم وعليه ثياب صح ذلك بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وباتفاق أئمة أهل العلم وعليه أن ينزع اللباس المحظور. # فصل: # يستحب أن يحرم عقيب صلاة: إما فرض وإما تطوع إن كان # PageV26P108 # وقت تطوع في أحد القولين وفي الآخر إن كان يصلي فرضا أحرم عقيبه وإلا ~~فليس للإحرام صلاة تخصه وهذا أرجح. ويستحب أن يغتسل للإحرام ولو كانت نفساء ~~أو حائضا وإن احتاج إلى التنظيف: كتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ~~ونحو ذلك فعل ذلك. وهذا ليس من خصائص الإحرام وكذلك لم يكن له ذكر فيما ~~نقله الصحابة لكنه مشروع بحسب الحاجة وهكذا يشرع لمصلي الجمعة والعيد على ~~هذا الوجه. ويستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين فإن كانا أبيضين فهما أفضل ~~ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة: من القطن والكتان والصوف. ~~والسنة أن يحرم في إزار ورداء سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين باتفاق ~~الأئمة ولو أحرم في غيرهما جاز إذا كان مما يجوز لبسه ويجوز أن يحرم في ~~الأبيض وغيره من الألوان الجائزة وإن كان ملونا. والأفضل أن يحرم في نعلين ~~إن تيسر، والنعل هي التي يقال لها: التاسومة فإن لم يجد نعلين لبس خفين ~~وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقطع ~~أولا ثم # PageV26P109 # رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد ms7649 إزارا ورخص في لبس ~~الخفين لمن لم يجد نعلين وإنما رخص في المقطوع أولا؛ لأنه يصير بالقطع ~~كالنعلين. ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين: مثل الخف ~~المكعب والجمجم والمداس ونحو ذلك سواء كان واجدا للنعلين أو فاقدا لهما ~~وإذا لم يجد نعلين ولا ما يقوم مقامهما: مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك. فله ~~أن يلبس الخف ولا يقطعه وكذلك إذا لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل ولا ~~يفتقه هذا أصح قولي العلماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في البدل في ~~عرفات كما رواه ابن عمر. وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار ~~والرداء فله أن يلتحف بالقباء والجبة والقميص ونحو ذلك ويتغطى به باتفاق ~~الأئمة عرضا ويلبسه مقلوبا يجعل أسفله أعلاه ويتغطى باللحاف وغيره؛ ولكن لا ~~يغطي رأسه إلا لحاجة والنبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن يلبس القميص ~~والبرنس والسراويل والخف والعمامة ونهاهم أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت ~~وأمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه فما كان من هذا الجنس فهو في معنى ما ~~نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما كان في معنى القميص # PageV26P110 # فهو مثله وليس له أن يلبس القميص لا بكم ولا بغير كم وسواء أدخل فيه يديه ~~أو لم يدخلهما وسواء كان سليما أو مخروقا وكذلك لا يلبس الجبة ولا القباء ~~الذي يدخل يديه فيه وكذلك الدرع الذي يسمى: (عرق جين وأمثال ذلك باتفاق ~~الأئمة. وأما إذا طرح القباء على كتفيه من غير إدخال يديه ففيه نزاع. وهذا ~~معنى قول الفقهاء: لا يلبس. والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو وكذلك ~~لا يلبس ما كان في معنى الخف: كالموق والجورب ونحو ذلك. ولا يلبس ما كان في ~~معنى السراويل: كالتبان ونحوه وله أن يعقد ما يحتاج إلى عقده كالإزار ~~وهميان النفقة والرداء لا يحتاج إلى عقده فلا يعقده فإن احتاج إلى عقده ~~ففيه نزاع والأشبه جوازه حينئذ. وهل المنع من عقده منع ms7650 كراهة أو تحريم ففيه ~~نزاع وليس على تحريم ذلك دليل إلا ما نقل عن ابن عمر - رضي الله عنه أنه ~~كره عقد الرداء. وقد اختلف المتبعون لابن عمر فمنهم من قال: هو كراهة تنزيه ~~كأبي حنيفة وغيره ومنهم من قال: كراهة تحريم. وأما الرأس فلا يغطيه لا ~~بمخيط ولا غيره فلا يغطيه بعمامة ولا قلنسوة ولا كوفية ولا ثوب يلصق به ولا ~~غير ذلك. وله أن # PageV26P111 # يستظل تحت السقف والشجر ويستظل في الخيمة ونحو ذلك باتفاقهم وأما ~~الاستظلال بالمحمل: في حال السير فهذا فيه نزاع والأفضل للمحرم أن يضحي لمن ~~أحرم له كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحجون وقد رأى ابن عمر ~~رجلا ظلل عليه فقال: أيها الهرم أضح لمن أحرمت له. ولهذا كان السلف يكرهون ~~القباب على المحامل وهي المحامل التي لها رأس وأما المحامل المكشوفة فلم ~~يكرها إلا بعض النساك وهذا في حق الرجل. وأما المرأة فإنها عورة فلذلك جاز ~~لها أن تلبس الثياب التي تستتر بها وتستظل بالمحمل لكن نهاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن تنتقب أو تلبس القفازين والقفازان: غلاف يصنع لليد كما ~~يفعله حملة البزاة ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق ~~وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضا. ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن ~~الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين ~~وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه. وأزواجه صلى الله عليه وسلم كن ~~يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة ولم ينقل أحد من أهل العلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إحرام المرأة في وجهها " وإنما هذا ~~قول بعض السلف لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب أو تلبس ~~القفازين. # PageV26P112 # كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه ~~باتفاق الأئمة والبرقع أقوى من النقاب. فلهذا ينهى عنه باتفاقهم ولهذا كانت ~~المحرمة لا تلبس ما ms7651 يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه. فإنه كالنقاب. وليس ~~للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه إلا لحاجة كما ~~أنه ليس للصائم أن يفطر إلا لحاجة والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه ~~إذا لم يغط رأسه أو مثل مرض نزل به يحتاج معه إلى تغطية رأسه فيلبس قدر ~~الحاجة فإذا استغنى عنه نزع. # وعليه أن يفتدي: إما بصيام ثلاثة أيام وإما بنسك شاة أو بإطعام ستة ~~مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مد من بر وإن أطعمه خبزا جاز ~~ويكون رطلين بالعراقي قريبا من نصف رطل بالدمشقي وينبغي أن يكون مأدوما وإن ~~أطعمه مما يؤكل: كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك جاز وهو أفضل من أن يعطيه قمحا ~~أو شعيرا وكذلك في سائر الكفارات إذا أعطاه مما يقتات به مع أدمه فهو أفضل ~~من أن يعطيه حبا مجردا إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم ويخبزوا ~~بأيديهم والواجب في ذلك كله ما ذكره الله تعالى بقوله: {إطعام عشرة مساكين ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم # PageV26P113 # أو كسوتهم} الآية فأمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس ~~أهليهم. وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدر بالشرع أو يرجع فيه إلى ~~العرف وكذلك تنازعوا في النفقة: نفقة الزوجة والراجح في هذا كله أن يرجع ~~فيه إلى العرف فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم ولما كان كعب بن عجرة ونحوه ~~يقتاتون التمر أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا من التمر بين ~~ستة مساكين والفرق ستة عشر رطلا بالبغدادي. وهذه الفدية يجوز أن يخرجها إذا ~~احتاج إلى فعل المحظور قبله وبعده ويجوز أن يذبح النسك قبل أن يصل إلى مكة ~~ويصوم الأيام الثلاثة متتابعة إن شاء ومتفرقة إن شاء. فإن كان له عذر أخر ~~فعلها وإلا عجل فعلها. وإذا لبس ثم لبس مرارا ولم يكن أدى الفدية أجزأته ~~فدية واحدة في أظهر قولي العلماء. # فصل: # فإذا أحرم لبى بتلبية رسول الله صلى ms7652 الله عليه وسلم: {لبيك اللهم لبيك ~~لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا # PageV26P114 # شريك لك} وإن زاد على ذلك: لبيك ذا المعارج أو لبيك وسعديك ونحو ذلك " ~~جاز كما كان الصحابة يزيدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعهم فلم ~~ينههم وكان هو يداوم على تلبيته ويلبي من حين يحرم سواء ركب دابة أو لم ~~يركبها وإن أحرم بعد ذلك جاز. والتلبية هي: إجابة دعوة الله تعالى لخلقه ~~حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم والملبي ~~هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته. والمعنى: أنا ~~مجيبوك لدعوتك؛ مستسلمون لحكمتك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك ~~والتلبية شعار الحج فأفضل الحج العج والثج فالعج: رفع الصوت بالتلبية والثج ~~إراقة دماء الهدي. ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه ~~والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها ويستحب الإكثار منها عند اختلاف ~~الأحوال مثل أدبار الصلوات ومثل ما إذا صعد نشزا أو هبط واديا أو سمع ملبيا ~~أو أقبل الليل والنهار أو التقت الرفاق وكذلك إذا فعل ما نهي عنه وقد روي ~~أنه من لبى حتى تغرب الشمس فقد أمسى مغفورا له. وإن دعا عقيب التلبية؛ وصلى ~~على النبي صلى الله عليه وسلم # PageV26P115 # وسأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من سخطه والنار: فحسن. # فصل: # ومما ينهى عنه المحرم: أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه أو يتعمد ~~شم الطيب وأما الدهن في رأسه أو بدنه بالزيت والسمن ونحوه إذا لم يكن فيه ~~طيب ففيه نزاع مشهور وتركه أولى. ولا يقلم أظفاره ولا يقطع شعره. وله أن ~~يحك بدنه إذا حكه ويحتجم في رأسه وغير رأسه وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك ~~جاز فإنه قد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه ~~وهو محرم} ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر. وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من ~~شعره ms7653 بذلك لم يضره وإن تيقن أنه انقطع بالغسل ويفتصد إذا احتاج إلى ذلك وله ~~أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق وكذلك لغير الجنابة ولا ينكح المحرم ولا ينكح ~~ولا يخطب ولا يصطاد صيدا بريا ولا يتملكه بشراء ولا اتهاب ولا غير ذلك ولا ~~يعين على صيد ولا يذبح صيدا. فأما صيد البحر كالسمك ونحوه فله أن يصطاده ~~ويأكله. وله أن يقطع الشجر لكن نفس الحرم لا يقطع شيئا من # PageV26P116 # شجره وإن كان غير محرم ولا من نباته المباح إلا الإذخر وأما ما غرس الناس ~~أو زرعوه فهو لهم وكذلك ما يبس من النبات يجوز أخذه ولا يصطاد به صيدا وإن ~~كان من الماء كالسمك على الصحيح؛ بل ولا ينفر صيده: مثل أن يقيمه ليقعد ~~مكانه. وكذلك ### | حرم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهو ما بين لابتيها و " اللابة " هي الحرة وهي الأرض التي فيها حجارة سود ~~وهو بريد في بريد والبريد أربعة فراسخ وهو من عير إلى ثور وعير هو جبل عند ~~الميقات يشبه العير وهو الحمار وثور هو جبل من ناحية أحد وهو غير جبل ثور ~~الذي بمكة؛ فهذا الحرم أيضا لا يصاد صيده ولا يقطع شجره إلا لحاجة كآلة ~~الركوب والحرث ويؤخذ من حشيشه ما يحتاج إليه للعلف فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رخص لأهل المدينة في هذا لحاجتهم إلى ذلك إذ ليس حولهم ما يستغنون به ~~عنه بخلاف الحرم المكي. وإذا أدخل عليه صيد لم يكن عليه إرساله. وليس في ~~الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان ولا يسمى غيرهما حرما ~~كما يسمي الجهال. فيقولون: حرم المقدس وحرم الخليل. فإن هذين وغيرهما ليسا ~~بحرم باتفاق المسلمين والحرم المجمع عليه حرم مكة. وأما المدينة فلها حرم ~~أيضا عند الجمهور كما استفاضت # PageV26P117 # بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتنازع المسلمون في حرم ~~ثالث. إلا في " وج " وهو واد بالطائف وهو عند بعضهم حرم وعند الجمهور ليس ~~بحرم. وللمحرم أن يقتل ما ms7654 يؤذي بعادته الناس: كالحية والعقرب والفأرة ~~والغراب والكلب العقور وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم حتى لو ~~صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه ~~فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد.} وإذا قرصته البراغيث والقمل فله ~~إلقاؤها عنه وله قتلها. ولا شيء عليه وإلقاؤها أهون من قتلها وكذلك ما ~~يتعرض له من الدواب فينهى عن قتله وإن كان في نفسه محرما كالأسد والفهد ~~فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء وأما التفلي بدون التأذي فهو ~~من الترفه فلا يفعله ولو فعله فلا شيء عليه. ويحرم على المحرم الوطء ~~ومقدماته ولا يطأ شيئا سواء كان امرأة ولا غير امرأة ولا يتمتع بقبلة ولا ~~مس بيد ولا نظر بشهوة. فإن جامع فسد حجه وفي الإنزال بغير الجماع نزاع ولا ~~يفسد # PageV26P118 # الحج بشيء من المحظورات إلا بهذا الجنس فإن قبل بشهوة أو أمذى لشهوة ~~فعليه دم. # فصل: # إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة والمسجد من جميع الجوانب لكن الأفضل أن يأتي ~~من وجه الكعبة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه دخلها من وجهها من ~~الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة. ولم يكن على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمكة ولا للمدينة سور ولا أبواب مبنية ولكن دخلها من الثنية ~~العليا ثنية كداء بالفتح والمد المشرفة على المقبرة. ودخل المسجد من الباب ~~الأعظم الذي يقال له: باب بني شيبة ثم ذهب إلى الحجر الأسود فإن هذا أقرب ~~الطرق إلى الحجر الأسود لمن دخل من باب المعلاة. ولم يكن قديما بمكة بناء ~~يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء ولا كان ~~بمنى ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مساجد بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء ~~الراشدين ومنها ما أحدث بعد الدولة الأموية ومنها ما أحدث بعد ذلك فكان ms7655 ~~البيت يرى قبل دخول المسجد. # PageV26P119 # وقد ذكر ابن جرير {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع ~~يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من ~~شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما} فمن رأى البيت قبل دخول ~~المسجد فعل ذلك وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت الدعاء ولو كان بعد ~~دخول المسجد. لكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل المسجد ابتدأ ~~بالطواف ولم يصل قبل ذلك تحية المسجد ولا غير ذلك بل تحية المسجد الحرام هو ~~الطواف بالبيت وكان صلى الله عليه وسلم يغتسل لدخول مكة كما يبيت بذي طوى ~~وهو عند الآبار التي يقال لها: آبار الزاهر. فمن تيسر له المبيت بها ~~والاغتسال ودخول مكة نهارا وإلا فليس عليه شيء من ذلك. وإذا دخل المسجد بدأ ~~بالطواف فيبتدئ من الحجر الأسود يستقبله استقبالا ويستلمه ويقبله إن أمكن ~~ولا يؤذي أحدا بالمزاحمة عليه فإن لم يمكن استلمه وقبل يده وإلا أشار إليه ~~ثم ينتقل للطواف ويجعل البيت عن يساره وليس عليه أن يذهب إلى ما بين ~~الركنين ولا يمشي عرضا ثم ينتقل للطواف بل ولا يستحب ذلك. ويقول إذا ~~استلمه: بسم الله والله أكبر وإن شاء قال: # PageV26P120 # اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعا ولا يخترق الحجر في طوافه ~~لما كان أكثر الحجر من البيت والله أمر بالطواف به لا بالطواف فيه. ولا ~~يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين. فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما استلمهما خاصة لأنهما على قواعد إبراهيم والآخران هما في ~~داخل البيت. فالركن الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم ولا يقبل والآخران ~~لا يستلمان ولا يقبلان والاستلام هو مسحه باليد. وأما سائر جوانب البيت ~~ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء ~~والصالحين كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ومغارة إبراهيم ومقام نبينا صلى ms7656 ~~الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ~~وصخرة بيت المقدس فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة. وأما الطواف بذلك فهو ~~من أعظم البدع المحرمة ومن اتخذه دينا يستتاب فإن تاب وإلا قتل ولو وضع يده ~~على الشاذروان الذي يربط فيه أستار الكعبة لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء ~~وليس الشاذروان من البيت بل جعل عمادا للبيت. ويستحب له في الطواف الأول أن ~~يرمل من الحجر إلى الحجر # PageV26P121 # في الأطواف الثلاثة والرمل مثل الهرولة وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطى ~~فإن لم يمكن الرمل للزحمة كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه ~~إلى البيت بدون الرمل. وأما إذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو ~~أولى. ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم وما وراءها من السقائف المتصلة ~~بحيطان المسجد. ولو صلى المصلي في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره سواء ~~مر أمامه رجل أو امرأة وهذا من خصائص مكة. وكذلك يستحب أن يضطبع في هذا ~~الطواف والاضطباع: هو أن يبدي ضبعه الأيمن فيضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ~~وطرفيه على عاتقه الأيسر وإن ترك الرمل والاضطباع فلا شيء عليه. ويستحب له ~~في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع وإن قرأ القرآن سرا فلا بأس ~~وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله ولا ~~بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية وما يذكره كثير من الناس من ~~دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يختم طوافه بين الركنين بقوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة # PageV26P122 # حسنة وقنا عذاب النار} كما كان يختم سائر دعائه بذلك وليس في ذلك ذكر ~~واجب باتفاق الأئمة، والطواف بالبيت كالصلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ~~فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير. ولهذا يؤمر الطائف أن يكون متطهرا ~~الطهارتين الصغرى والكبرى ويكون مستور العورة مجتنب النجاسة التي يجتنبها ms7657 ~~المصلي والطائف طاهرا؛ لكن في وجوب الطهارة في الطواف نزاع بين العلماء ~~فإنه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف ولا ~~نهى المحدث أن يطوف ولكنه طاف طاهرا. لكنه ثبت عنه أنه نهى الحائض عن ~~الطواف. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم} فالصلاة التي أوجب لها الطهارة ما كان يفتتح ~~بالتكبير ويختم بالتسليم كالصلاة التي فيها ركوع وسجود كصلاة الجنازة ~~وسجدتي السهو وأما الطواف وسجود التلاوة فليسا من هذا. والاعتكاف يشترط له ~~المسجد ولا يشترط له الطهارة بالاتفاق والمعتكفة الحائض تنهى عن اللبث في ~~المسجد مع الحيض وإن كانت تلبث في المسجد وهي محدثة. قال أحمد بن حنبل في " ~~مناسك الحج " لابنه عبد الله: حدثنا # PageV26P123 # سهل بن يوسف أنبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال: سألتهما عن الرجل يطوف ~~بالبيت وهو غير متوضئ فلم يريا به بأسا. قال عبد الله: سألت أبي عن ذلك ~~فقال: أحب إلي أن لا يطوف بالبيت وهو غير متوضئ لأن الطواف بالبيت صلاة. ~~وقد اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الطهارة فيه ووجوبها كما هو أحد ~~القولين في مذهب أبي حنيفة. لكن لا يختلف مذهب أبي حنيفة أنها ليست بشرط. # ومن طاف في جورب ونحوه؛ لئلا يطأ نجاسة من ذرق الحمام أو غطى يديه لئلا ~~يمس امرأة ونحو ذلك فقد خالف السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~والتابعين ما زالوا يطوفون بالبيت وما زال الحمام بمكة؛ لكن الاحتياط حسن ~~ما لم يخالف السنة المعلومة فإذا أفضى إلى ذلك كان خطأ. واعلم أن الفعل ~~الذي يتضمن مخالفة السنة خطأ كمن يخلع نعليه في الصلاة المكتوبة. أو صلاة ~~الجنازة خوفا من أن يكون فيهما نجاسة فإن هذا خطأ مخالف للسنة. فإن {النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه وقال: إن اليهود لا يصلون في نعالهم ~~فخالفوهم} وقال: {إذا أتى المسجد أحدكم فلينظر في نعليه. فإن كان فيهما أذى ~~فليدلكهما في ms7658 التراب فإن التراب لهما طهور} . # وكما يجوز أن يصلي في نعليه فكذلك يجوز أن يطوف في نعليه # PageV26P124 # وإن لم يمكنه الطواف ماشيا فطاف راكبا أو محمولا أجزأه بالاتفاق وكذلك ما ~~يعجز عنه من واجبات الطواف مثل من كان به نجاسة لا يمكنه إزالتها ~~كالمستحاضة ومن به سلس البول فإنه يطوف ولا شيء عليه باتفاق الأئمة. وكذلك ~~لو لم يمكنه الطواف إلا عريانا فطاف بالليل كما لو لم يمكنه الصلاة إلا ~~عريانا. وكذلك المرأة الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضا بحيث لا ~~يمكنها التأخر بمكة ففي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف: ~~إذا طافت الحائض أو الجنب أو المحدث أو حامل النجاسة مطلقا أجزأه الطواف ~~وعليه دم: إما شاة وإما بدنة مع الحيض والجنابة وشاة مع الحدث الأصغر. ومنع ~~الحائض من الطواف قد يعلل بأنه يشبه الصلاة وقد يعلل بأنها ممنوعة من ~~المسجد كما تمنع منه بالاعتكاف وكما قال عز وجل لإبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم وابنه: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} فأمره ~~بتطهيره لهذه العبادات فمنعت الحائض من دخوله وقد اتفق العلماء على أنه لا ~~يجب للطواف ما يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة وغير ذلك ولا يبطله ما ~~يبطلها من الأكل والشرب والكلام وغير ذلك. ولهذا كان مقتضى تعليل من منع ~~الحائض لحرمة المسجد أنه # PageV26P125 # لا يرى الطهارة شرطا بل مقتضى قوله أنه يجوز لها ذلك عند الحاجة كما يجوز ~~لها دخول المسجد عند الحاجة وقد أمر الله تعالى بتطهيره للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود. والعاكف فيه لا يشترط له الطهارة ولا تجب عليه الطهارة من ~~الحدث الأصغر. باتفاق المسلمين ولو اضطرت العاكفة الحائض إلى لبثها فيه ~~للحاجة جاز ذلك. وأما الركع السجود فهم المصلون والطهارة شرط للصلاة باتفاق ~~المسلمين والحائض لا تصلي لا قضاء ولا أداء. يبقى الطائف: هل يلحق بالعاكف ~~أو بالمصلي أو يكون قسما ثالثا بينهما: هذا محل اجتهاد. وقوله: {الطواف ~~بالبيت صلاة} لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms7659 ولكن هو ثابت عن ابن ~~عباس وقد روي مرفوعا ونقل بعض الفقهاء عن ابن عباس أنه قال: " إذا طاف ~~بالبيت وهو جنب عليه دم " ولا ريب أن المراد بذلك أنه يشبه الصلاة من بعض ~~الوجوه ليس المراد أنه نوع من الصلاة التي يشترط لها الطهارة. وهكذا قوله: ~~{إذا أتى أحدكم المسجد فلا يشبك بين أصابعه فإنه في صلاة} وقوله: {إن العبد ~~في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه وما دام ينتظر الصلاة وما كان يعمد إلى ~~الصلاة} ونحو ذلك. فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق # PageV26P126 # العلماء ولو قدمت المرأة حائضا لم تطف بالبيت لكن تقف بعرفة وتفعل سائر ~~المناسك كلها مع الحيض إلا الطواف فإنها تنتظر حتى تطهر إن أمكنها ذلك ثم ~~تطوف وإن اضطرت إلى الطواف فطافت أجزأها ذلك على الصحيح من قولي العلماء. ~~فإذا قضى الطواف صلى ركعتين للطواف وإن صلاهما عند مقام إبراهيم فهو أحسن ~~ويستحب أن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله ~~أحد} ثم إذا صلاهما استحب له أن يستلم الحجر ثم يخرج إلى الطواف بين الصفا ~~والمروة. ولو أخر ذلك إلى بعد طواف الإفاضة جاز. فإن الحج فيه ثلاثة أطوفة: ~~طواف عند الدخول وهو يسمى: طواف القدوم والدخول والورود. والطواف الثاني: ~~هو بعد التعريف ويقال له طواف الإفاضة والزيارة وهو طواف الفرض الذي لا بد ~~منه كما قال تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} . والطواف الثالث: هو لمن أراد الخروج من مكة وهو طواف الوداع. ~~وإذا سعى عقيب واحد منها أجزأه فإذا خرج للسعي خرج من باب الصفا. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يرقى على الصفا والمروة وهما في جانب # PageV26P127 # جبلي مكة فيكبر ويهلل ويدعو الله تعالى واليوم قد بني فوقهما دكتان فمن ~~وصل إلى أسفل البناء أجزأه السعي وإن لم يصعد فوق البناء. فيطوف بالصفا ~~والمروة سبعا يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة ويستحب أن يسعى في بطن الوادي: من ~~العلم إلى ms7660 العلم وهما معلمان هناك. وإن لم يسع في بطن الوادي بل مشى على ~~هيئته جميع ما بين الصفا والمروة أجزأه باتفاق العلماء ولا شيء عليه. ولا ~~صلاة عقيب الطواف بالصفا والمروة وإنما الصلاة عقيب الطواف بالبيت بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق السلف والأئمة. فإذا طاف بين الصفا ~~والمروة حل من إحرامه؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لما طافوا ~~بهما أن يحلوا إلا من كان معه هدي فلا يحل حتى ينحره والمفرد والقارن لا ~~يحلان إلا يوم النحر ويستحب له أن يقصر من شعره ليدع الحلاق للحج وكذلك ~~أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا أحل حل له ما حرم عليه بالإحرام. # فصل: # فإذا كان يوم التروية: أحرم وأهل بالحج فيفعل كما فعل عند # PageV26P128 # الميقات وإن شاء أحرم من مكة وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب. وأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~من البطحاء والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه وكذلك المكي يحرم من ~~أهله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من كان منزله دون مكة فمهله من ~~أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة} . والسنة أن يبيت الحاج بمنى: فيصلون بها ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق ~~العلماء. وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة وأما الإيقاد بمنى ~~أو عرفة فبدعة أيضا. ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق و " ~~نمرة " كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ~~ببطن عرنة وهناك مسجد يقال له: مسجد إبراهيم وإنما بني في أول دولة # PageV26P129 # بني ms7661 العباس. فيصلي هناك الظهر والعصر قصرا كما فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويصلي خلفه جميع الحاج: أهل مكة وغيرهم قصرا وجمعا يخطب بهم الإمام ~~كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن ~~وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرا ويقصر ~~أهل مكة وغير أهل مكة. وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى كما كان أهل ~~مكة يفعلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى وكذلك كانوا ~~يفعلون خلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولم يأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا خلفاؤه أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ~~ومزدلفة ومنى أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ ولكن ~~المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى ~~بهم بمكة. وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلا خارج مكة وهناك ~~كان يصلي بأصحابه ثم لما خرج إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما ~~رجع من عرفة رجعوا معه ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ولم يقل لهم أتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر ولم يحد النبي # PageV26P130 # صلى الله عليه وسلم السفر لا بمسافة ولا بزمان ولم يكن بمنى أحد ساكنا في ~~زمنه ولهذا قال: {منى مناخ من سبق} ولكن قيل إنها سكنت في خلافة عثمان وأنه ~~بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد. ~~ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات. فهذه السنة؛ لكن في هذه الأوقات لا يكاد يذهب ~~أحد إلى نمرة. ولا إلى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم بل يدخلون عرفات ~~بطريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال ومنهم من يدخلها ليلا ويبيتون بها قبل ~~التعريف وهذا الذي يفعله الناس كله يجزي معه الحج لكن فيه نقص عن السنة ~~فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين فيؤذن أذانا ms7662 واحدا ويقيم ~~لكل صلاة والإيقاد بعرفة بدعة مكروهة وكذلك الإيقاد بمنى بدعة باتفاق ~~العلماء وإنما يكون الإيقاد بمزدلفة خاصة في الرجوع. ويقفون بعرفات إلى ~~غروب الشمس ولا يخرجون منها حتى تغرب الشمس وإذا غربت الشمس يخرجون إن ~~شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيهما. والعلمان الأولان حد عرفة فلا ~~يجاوزوهما حتى تغرب الشمس والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما بينهما بطن عرنة. ~~ويجتهد في الذكر والدعاء هذه العشية فإنه ما رئي إبليس في # PageV26P131 # يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة لما يرى من ~~تنزيل الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر فإنه ~~رأى جبريل يزع الملائكة. ويصح وقوف الحائض وغير الحائض. ويجوز الوقوف ماشيا ~~وراكبا. وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس ~~لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبا فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقف راكبا. وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل ~~ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم لعرفة ~~دعاء ولا ذكرا بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية وكذلك يكبر ويهلل ~~ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس. والاغتسال لعرفة قد روي في حديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عمر وغيره ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام والغسل عند دخول ~~مكة والغسل يوم عرفة. وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت ~~بمزدلفة فلا أصل له لا عن النبي # PageV26P132 # صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا ~~أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه. بل هو بدعة ~~إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس ~~بها فيغتسل لإزالتها. وعرفة كلها موقف ولا يقف ببطن عرنة ms7663 وأما صعود الجبل ~~الذي هناك فليس من السنة ويسمى جبل الرحمة ويقال له إلال على وزن هلال ~~وكذلك القبة التي فوقه التي يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة ~~فيها. والطواف بها من الكبائر وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب ~~دخول شيء منها ولا الصلاة فيها. وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة. # فصل: # فإذا أفاض من عرفات ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين وهو طريق ~~الناس اليوم وإنما قال الفقهاء: على طريق المأزمين؛ لأنه إلى عرفة طريق ~~أخرى تسمى طريق ضب ومنها دخل النبي # PageV26P133 # صلى الله عليه وسلم إلى عرفات وخرج على طريق المأزمين. وكان صلى الله ~~عليه وسلم في المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى فدخل من الثنية ~~العليا وخرج من الثنية السفلى. ودخل المسجد من باب بني شيبة وخرج بعد ~~الوداع من باب حزورة اليوم. ودخل إلى عرفات من طريق ضب وخرج من طريق ~~المأزمين وأتى إلى جمرة العقبة - يوم العيد - من الطريق الوسطى التي يخرج ~~منها إلى خارج منى ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ثم لما رجع إلى موضعه بمنى ~~الذي نحر فيه هديه وحلق رأسه رجع من الطريق المتقدمة التي يسير منها جمهور ~~الناس اليوم. فيؤخر المغرب إلى أن يصليها مع العشاء بمزدلفة ولا يزاحم ~~الناس بل إن وجد خلوة أسرع فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك ~~الجمال إن أمكن ثم إذا بركوها صلوا العشاء وإن أخر العشاء لم يضر ذلك ويبيت ~~بمزدلفة ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى ~~بطن محسر. فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما: فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة ~~وبين مزدلفة ومنى بطن محسر. قال النبي صلى الله عليه وسلم {عرفة كلها موقف ~~وارفعوا عن بطن عرنة ومزدلفة كلها # PageV26P134 # موقف وارفعوا عن بطن محسر ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها ms7664 طريق} . والسنة ~~أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف ~~بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدا قبل طلوع الشمس فإن كان من الضعفة كالنساء ~~والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر ولا ينبغي ~~لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلوا بها الفجر ويقفوا ~~بها ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو المكان ~~الذي يقف فيه الناس اليوم. وقد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من ~~الفقهاء باسم المشعر الحرام. فإذا كان قبل طلوع الشمس أفاض من مزدلفة إلى ~~منى فإذا أتى محسرا أسرع قدر رمية بحجر فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع ~~حصيات ويرفع يده في الرمي وهي الجمرة التي هي آخر الجمرات من ناحية منى ~~وأقربهن من مكة وهي الجمرة الكبرى ولا يرمي يوم النحر غيرها يرميها مستقبلا ~~لها يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيها ويستحب أن يكبر مع كل حصاة وإن شاء قال مع ذلك: اللهم اجعله ~~حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ويرفع يديه # PageV26P135 # في الرمي. ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر مثل ذهابه إلى عرفات ~~وذهابه من عرفات إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة فإذا شرع في الرمي قطع ~~التلبية فإنه حينئذ يشرع في التحلل. والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال: ~~منهم من يقول يقطعها إذا وصل إلى عرفة ومنهم من يقول بل يلبي بعرفة وغيرها ~~إلى أن يرمي الجمرة والقول الثالث أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى ~~وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة وهكذا صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # فصل: # وأما التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا يلبون بعرفة فإذا رمى ~~جمرة العقبة نحر ms7665 هديه إن كان معه هدي ويستحب أن تنحر الإبل مستقبلة القبلة ~~قائمة معقولة اليد اليسرى والبقر والغنم يضجعها على شقها الأيسر مستقبلا ~~بها القبلة ويقول: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل مني كما ~~تقبلت من # PageV26P136 # إبراهيم خليلك. وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي سواء ~~كان من الإبل أو البقر أو الغنم ويسمى أيضا أضحية بخلاف ما يذبح يوم النحر ~~بالحل فإنه أضحية وليس بهدي. وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي كما في سائر ~~الأمصار. فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء ~~وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم وأما إذا اشترى الهدي من منى ~~وذبحه فيها ففيه نزاع: فذهب مالك أنه ليس بهدي وهو منقول عن ابن عمر ومذهب ~~الثلاثة أنه هدي وهو منقول عن عائشة. وله أن يأخذ الحصى من حيث شاء لكن لا ~~يرمي بحصى قد رمي به ويستحب أن يكون فوق الحمص ودون البندق وإن كسره جاز. ~~والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجبل. ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل ~~من التقصير وإذا قصره جمع الشعر وقص منه بقدر الأنملة أو أقل أو أكثر ~~والمرأة لا تقص أكثر من ذلك. وأما الرجل فله أن يقصر ما شاء. وإذا فعل ذلك ~~فقد تحلل باتفاق المسلمين التحلل الأول فيلبس الثياب ويقلم أظفاره وكذلك له ~~على الصحيح أن يتطيب ويتزوج وأن # PageV26P137 # يصطاد ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء. وبعد ذلك يدخل مكة فيطوف ~~طواف الإفاضة إن أمكنه ذلك يوم النحر وإلا فعله بعد ذلك لكن ينبغي أن يكون ~~في أيام التشريق فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع ثم يسعى بعد ذلك سعي الحج وليس ~~على المفرد إلا سعي واحد وكذلك القارن عند جمهور العلماء وكذلك المتمتع في ~~أصح أقوالهم وهو أصح الروايتين عند أحمد وليس عليه إلا سعي واحد فإن ~~الصحابة الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا ms7666 بين الصفا ~~والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف. # فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن ~~وكذلك قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قيل لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا ~~والمروة؟ قال: إن طاف طوافين يعني بالبيت وبين الصفا والمروة فهو أجود وإن ~~طاف طوافا واحدا فلا بأس وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي. وقال أحمد حدثنا ~~الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول: المفرد ~~والمتمتع يجزئه طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة. وقد اختلفوا في ~~الصحابة المتمتعين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع اتفاق الناس على أنهم ~~طافوا أولا بالبيت وبين الصفا والمروة لما رجعوا من عرفة قيل: إنهم سعوا ~~أيضا بعد طواف الإفاضة # PageV26P138 # وقيل: لم يسعوا وهذا هو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر قال: لم يطف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه ~~الأول. وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين لكن هذه الزيادة قيل إنها ~~من قول الزهري لا من قول عائشة وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب طوافان ~~بالبيت وهذا ضعيف. والأظهر ما في حديث جابر. ويؤيده قوله: {دخلت العمرة في ~~الحج إلى يوم القيامة} فالمتمتع من حين أحرم بالعمرة دخل بالحج لكنه فصل ~~بتحلل ليكون أيسر على الحاج وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. ولا ~~يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف بل هذا الطواف هو ~~السنة في حقه كما فعل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طاف طواف ~~الإفاضة فقد حل له كل شيء النساء وغير النساء. وليس بمنى صلاة عيد بل رمي ~~جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لأهل الأمصار والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يصل جمعة ولا عيدا في السفر لا بمكة ولا عرفة بل كانت خطبته بعرفة خطبة نسك ~~لا خطبة جمعة ولم يجهر بالقراءة في الصلاة بعرفة. # PageV26P139 # فصل: # ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ويرمي ms7667 الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال يبتدئ ~~بالجمرة الأولى التي هي أقرب إلى مسجد الخيف. ويستحب أن يمشي إليها فيرميها ~~بسبع حصيات. ويستحب له أن يكبر مع كل حصاة وإن شاء قال: اللهم اجعله حجا ~~مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا. ويستحب له إذا رماها أن يتقدم قليلا إلى ~~موضع لا يصيبه الحصى فيدعو الله تعالى مستقبل القبلة رافعا يديه بقدر سورة ~~البقرة. ثم يذهب إلى الجمرة الثانية فيرميها كذلك فيتقدم عن يساره يدعو مثل ~~ما فعل عند الأولى. ثم يرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات ~~أيضا ولا يقف عندها. ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام منى مثل ما رمى في ~~الأول ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث وهو الأفضل وإن شاء تعجل في اليوم ~~الثاني بنفسه قبل غروب الشمس. كما قال تعالى: {فمن تعجل في يومين # PageV26P140 # فلا إثم عليه} الآية. فإذا غربت الشمس وهو بمنى أقام حتى يرمي مع الناس ~~في اليوم الثالث ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك بل السنة أن يقيم ~~إلى اليوم الثالث والسنة للإمام أن يصلي بالناس بمنى ويصلي خلفه أهل ~~الموسم. ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى. وهو مسجد الخيف مع الإمام ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصرا بلا ~~جمع بمنى ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة. وإنما روي {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} ~~لما صلى بهم بمكة نفسها فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه؛ ~~والمسجد بني بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على عهده. ثم إذا نفر من ~~منى فإن بات بالمحصب - وهو الأبطح وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة - ثم نفر ~~بعد ذلك فحسن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بات به وخرج. ولم يقم بمكة بعد ~~صدوره من منى لكنه ودع البيت وقال: {لا ينفرن أحد حتى يكون آخر ms7668 عهده ~~بالبيت} فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى يكون # PageV26P141 # آخر عهده بالبيت ومن أقام بمكة فلا وداع عليه. وهذا الطواف يؤخره الصادر ~~من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها لكن إن قضى ~~حاجته أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ~~ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه ~~وإن أقام بعد الوداع أعاده وهذا الطواف واجب عند الجمهور لكن يسقط عن ~~الحائض. # وإن أحب أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ~~ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته فعل ذلك وله أن يفعل ذلك ~~قبل طواف الوداع فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره ~~والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة وإن شاء قال في دعائه الدعاء ~~المأثور عن ابن عباس: " اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما ~~سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على ~~أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن فارض عني قبل أن ~~تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ~~ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم فأصحبني العافية في بدني والصحة في # PageV26P142 # جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي ~~بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير " ولو وقف عند الباب ودعا ~~هناك من غير التزام للبيت كان حسنا. فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي ~~القهقرى قال الثعلبي في " فقه اللغة ": القهقرى: مشية الراجع إلى خلف حتى ~~قد قيل إنه إذا رأى البيت رجع فودع وكذلك عند سلامه على النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ينصرف ولا يمشي القهقرى بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد ~~عند الصلاة. وليس في عمل القارن ms7669 زيادة على عمل المفرد لكن عليه وعلى ~~المتمتع هدي: بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في دم فمن لم يجد الهدي صام ثلاثة ~~أيام قبل يوم النحر وسبعة إذا رجع وله أن يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة ~~في أظهر أقوال العلماء. وفيه ثلاث روايات عن أحمد: قيل إنه يصومها قبل ~~الإحرام بالعمرة وقيل لا يصومها إلا بعد الإحرام بالحج وقيل يصومها من حين ~~الإحرام بالعمرة وهو الأرجح. وقد قيل إنه يصومها بعد التحلل من العمرة فإنه ~~حينئذ شرع في الحج ولكن دخلت العمرة في الحج كما دخل الوضوء في الغسل قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة} وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا متمتعين معه وإنما # PageV26P143 # أحرموا بالحج. # ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه ويدعو عند شربه بما شاء من ~~الأدعية الشرعية ولا يستحب الاغتسال منها. # وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت ~~الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من ~~السنة ولا استحبه أحد من الأئمة وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة ~~والمشاعر: عرفة ومزدلفة والصفا والمروة وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول ~~مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي ~~يقال إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة وكذلك ما يوجد في الطرقات من ~~المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال إنها من الآثار لم يشرع ~~النبي صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بخصوصه ولا زيارة شيء من ذلك. # ودخول الكعبة ليس بفرض ولا سنة مؤكدة بل دخولها حسن والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يدخلها في الحج ولا في العمرة # PageV26P144 # لا عمرة الجعرانة ولا ms7670 عمرة القضية وإنما دخلها عام فتح مكة ومن دخلها ~~يستحب له أن يصلي فيها ويكبر الله ويدعوه ويذكره فإذا دخل مع الباب تقدم ~~حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه فذلك هو المكان الذي صلى ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدخلها إلا حافيا والحجر أكثره من البيت ~~من حيث ينحني حائطه فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة وليس على داخل الكعبة ما ~~ليس على غيره من الحجاج بل يجوز له من المشي حافيا وغير ذلك ما يجوز لغيره. ~~والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة فهو أفضل من أن يخرج الرجل ~~من الحرم ويأتي بعمرة مكية فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار ولا رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بل كرهه ~~السلف. # فصل: # وإذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده: فإنه يأتي مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويصلي فيه والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ~~ولا تشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام # PageV26P145 # والمسجد الأقصى هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو ~~مروي من طرق أخر. ومسجده كان أصغر مما هو اليوم وكذلك المسجد الحرام لكن ~~زاد فيهما الخلفاء الراشدون ومن بعدهم وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع ~~الأحكام. ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فإنه قد قال: {ما ~~من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} رواه أبو داود ~~وغيره وكان عبد الله بن عمر يقول إذا دخل المسجد: السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف وهكذا كان الصحابة ~~يسلمون عليه ويسلمون عليه مستقبلي الحجرة مستدبري القبلة عند أكثر العلماء ~~كمالك والشافعي وأحمد. وأبو حنيفة قال يستقبل القبلة فمن أصحابه من قال ~~يستدبر الحجرة ومنهم من قال يجعلها عن يساره واتفقوا على أنه لا يستلم ~~الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ms7671 ولا يصلي إليها وإذا قال في سلامه: السلام ~~عليك يا رسول الله يا نبي الله يا خيرة الله من خلقه يا أكرم الخلق على ربه ~~يا إمام المتقين فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~إذا صلى عليه مع السلام عليه فهذا مما أمر الله به # PageV26P146 # ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة. ومالك ~~من أعظم الأئمة كراهية لذلك. والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن ~~يستقبل الحجرة وقت الدعاء كذب على مالك. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه ~~فإن هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا ~~يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده {فإنه صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد} وقال: {لا تجعلوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وقال: {أكثروا علي من الصلاة يوم ~~الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي. فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك؟ ~~وقد أرمت أي بليت. قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} ~~فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب وأنه يبلغه ذلك من البعيد. وقال: ~~{لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت ~~عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكنه كره أن يتخذ مسجدا} أخرجاه في الصحيحين. ~~فدفنته الصحابة في موضعه الذي مات فيه من حجرة عائشة وكانت هي وسائر الحجر ~~خارج المسجد من قبليه وشرقيه لكن لما كان في زمن الوليد بن عبد الملك عمر ~~هذا المسجد وغيره وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز فأمر أن تشترى ~~الحجر ويزاد # PageV26P147 # في المسجد فدخلت الحجرة في المسجد من ذلك الزمان وبنيت منحرفة عن القبلة ~~مسنمة؛ لئلا يصلي أحد إليها فإنه قال صلى الله عليه وسلم {لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها} رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي. والله أعلم. # وزيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية. # فالشرعية المقصود ms7672 بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على ~~جنازته فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه فالسنة أن يسلم على الميت ~~ويدعو له سواء كان نبيا أو غير نبي كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر ~~أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ~~ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا ~~تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من ~~الصحابة أو غيرهم أو زار شهداء أحد وغيرهم. وليست الصلاة عند قبورهم أو ~~قبور غيرهم مستحبة عند أحد من أئمة المسلمين. بل الصلاة في المساجد التي ~~ليس فيها قبر أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم أفضل من الصلاة في المساجد ~~التي فيها ذلك باتفاق أئمة # PageV26P148 # المسلمين؛ بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما محرمة وإما مكروهة. ~~والزيارة البدعية: أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو ~~يقصد الدعاء عند قبره. أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها؛ بل هو من البدع المنهي ~~عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: {من زارني وزار أبي إبراهيم ~~في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} . وقوله: {من زارني بعد مماتي فكأنما ~~زارني في حياتي ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي} ونحو ذلك كلها أحاديث ~~ضعيفة بل موضوعة ليست في شيء من دواوين الإسلام التي يعتمد عليها ولا نقلها ~~إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم؛ ولكن روى بعضها البزار ~~والدارقطني ونحوهما بأسانيد ضعيفة ولأن من عادة الدارقطني وأمثاله يذكرون ~~هذا في السنن ليعرف وهو وغيره ms7673 يبينون ضعف الضعيف من ذلك فإذا كانت هذه ~~الأمور التي فيها شرك وبدعة نهي عنها عند قبره وهو أفضل الخلق فالنهي عن ~~ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى. # PageV26P149 # ويستحب أن يأتي مسجد قباء ويصلي فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{من تطهر في بيته وأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه ~~كان له كأجر عمرة} . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {الصلاة في مسجد قباء كعمرة} قال الترمذي حسن. # والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف ~~مستحب في أي وقت شاء سواء كان عام الحج أو بعده. ولا يفعل فيه وفي مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يفعل في سائر المساجد. وليس فيها شيء ~~يتمسح به ولا يقبل ولا يطاف به هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة ولا ~~تستحب زيارة الصخرة بل المستحب أن يصلي في قبلي المسجد الأقصى الذي بناه ~~عمر بن الخطاب للمسلمين. ولا يسافر أحد ليقف بغير عرفات ولا يسافر للوقوف ~~بالمسجد الأقصى ولا للوقوف عند قبر أحد لا من الأنبياء ولا المشايخ ولا ~~غيرهم. باتفاق المسلمين بل أظهر قولي العلماء أنه لا يسافر أحد لزيارة قبر ~~من القبور. ولكن تزار القبور الزيارة الشرعية من كان قريبا ومن اجتاز # PageV26P150 # بها كما أن مسجد قباء يزار من المدينة وليس لأحد أن يسافر إليه لنهيه صلى ~~الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة. وذلك أن الدين مبني ~~على أصلين: أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا يعبد إلا بما شرع لا ~~نعبده بالبدع. كما قال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل فيه ~~لأحد شيئا. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ~~قال: ms7674 أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ . قال: إن العمل إذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة وقد قال ~~الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} . ~~والمقصود بجميع العبادات أن يكون الدين كله لله وحده. فالله هو المعبود ~~والمسئول الذي يخاف ويرجى ويسأل ويعبد فله الدين خالصا وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها والقرآن مملوء من هذا. كما قال تعالى: {تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم} # PageV26P151 # {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله ~~الدين الخالص} إلى قوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} إلى قوله: {أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} . وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} ~~الآيتين وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم} الآيتين. قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء ~~كالمسيح والعزير فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال تعالى: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} {لا يسبقونه بالقول} الآيات. ومثل هذا ~~في القرآن كثير؛ بل هذا مقصود القرآن ولبه وهو مقصود دعوة الرسل كلهم وله ~~خلق الخلق كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . فيجب على ~~المسلم أن يعلم أن الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات التي يعبد الله ~~بها وحده لا شريك له وأن الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات من جنس ~~الدعاء لهم والدعاء للخلق من جنس المعروف والإحسان الذي هو من جنس الزكاة. ~~والعبادات التي أمر الله بها توحيد وسنة وغيرها فيها شرك # PageV26P152 # وبدعة كعبادات النصارى ومن أشبههم مثل قصد البقعة لغير العبادات التي أمر ~~الله بها فإنه ليس من الدين ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع ms7675 ~~المتكررة السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين وهذا في أصح القولين غير ~~مشروع حتى صرح بعض من قال ذلك أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة؛ ~~لأنه سفر معصية. وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه ~~كالقبر والمقام أو لأجل الاستعاذة به ونحو ذلك فهذا شرك وبدعة كما تفعله ~~النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة حيث يجعلون الحج والصلاة من جنس ما ~~يفعلونه من الشرك والبدع ولهذا {قال صلى الله عليه وسلم لما ذكر له بعض ~~أزواجه كنيسة بأرض الحبشة وذكر له عن حسنها وما فيها من التصاوير فقال: ~~أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} . ولهذا نهى العلماء عما ~~فيه عبادة لغير الله وسؤال لمن مات من الأنبياء أو الصالحين: مثل من يكتب ~~رقعة ويعلقها عند قبر نبي أو صالح أو يسجد لقبر أو يدعوه أو يرغب إليه. ~~وقالوا: أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال قبل أن يموت بخمس ليال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون # PageV26P153 # القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . رواه ~~مسلم. وقال: {لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا} وهذه ~~الأحاديث في الصحاح وما يفعله بعض الناس من أكل التمر في المسجد أو تعليق ~~الشعر في القناديل؛ فبدعة مكروهة. # ومن حمل شيئا من ماء زمزم جاز فقد كان السلف يحملونه وأما التمر الصيحاني ~~فلا فضيلة فيه بل غيره من التمر: البرني والعجوة خير منه والأحاديث إنما ~~جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك كما جاء في الصحيح {من تصبح ~~بسبع تمرات عجوة لم يصبه ذلك اليوم سم ولا سحر} . ولم يجئ عنه في الصيحاني ~~شيء. وقول بعض الناس: إنه صاح بالنبي صلى الله عليه وسلم جهل منه بل إنما ~~سمي بذلك ليبسه فإنه يقال: تصوح التمر ms7676 إذا يبس. وهذا كقول بعض الجهال إن ~~عين الزرقاء جاءت معه من مكة ولم يكن بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم عين جارية لا الزرقاء ولا عيون حمزة ولا غيرهما بل كل هذا مستخرج ~~بعده. # ورفع الصوت في المساجد منهي عنه وقد ثبت أن عمر بن الخطاب # PageV26P154 # - رضي الله عنه - رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد فقال: لو أعلم ~~أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا إن الأصوات لا ترفع في مسجده؛ فما يفعل ~~بعض جهال العامة من رفع الصوت عقيب الصلاة من قولهم: السلام عليك يا رسول ~~الله بأصوات عالية. من أقبح المنكرات. ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئا من ~~ذلك عقيب السلام بأصوات عالية ولا منخفضة بل ما في الصلاة من قول المصلي ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هو المشروع كما أن الصلاة عليه ~~مشروعة في كل زمان ومكان. وقد ثبت في الصحيح أنه قال: {من صلى علي مرة صلى ~~الله عليه بها عشرا} وفي المسند {أن رجلا قال: يا رسول الله: أجعل عليك ثلث ~~صلاتي قال: إذا يكفيك الله ثلث أمرك قال: أجعل عليك ثلثي صلاتي قال: إذا ~~يكفيك الله ثلثي أمرك قال: أجعل صلاتي كلها عليك قال: إذا يكفيك الله ما ~~أهمك من أمر دنياك وأمر آخرتك} . وفي السنن عنه أنه قال: {لا تتخذوا قبري ~~عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وقد رأى عبد الله بن حسن شيخ ~~الحسنيين في زمنه رجلا ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده ~~قال: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن # PageV26P155 # صلاتكم تبلغني} فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء. ولهذا كان السلف يكثرون ~~الصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان ولم يكونوا يجتمعون عند قبره لا ~~لقراءة ختمة ولا إيقاد شمع وإطعام وإسقاء ولا إنشاد قصائد ولا نحو ذلك بل ~~هذا من البدع بل كانوا يفعلون في مسجده ما هو ms7677 المشروع في سائر المساجد من ~~الصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف وتعليم القرآن والعلم وتعلمه ~~ونحو ذلك. وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل عمل صالح ~~تعمله أمته فإنه صلى الله عليه وسلم قال: {من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا} وهو الذي دعا أمته إلى كل ~~خير فكل خير يعمله أحد من الأمة فله مثل أجره فلم يكن صلى الله عليه وسلم ~~يحتاج إلى أن يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد فإن له مثل أجر ~~ما يعملونه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. وكل من كان له أطوع وأتبع كان ~~أولى الناس به في الدنيا والآخرة قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني} {وقال صلى الله عليه وسلم إن آل أبي فلان ليسوا ~~لي # PageV26P156 # بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين} وهو أولى بكل مؤمن من نفسه وهو ~~الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده فالحلال ما ~~حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه. والله هو المعبود المسئول المستعان ~~به الذي يخاف ويرجى ويتوكل عليه. قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فجعل الطاعة لله والرسول كما قال تعالى: ~~{من يطع الرسول فقد أطاع الله} وجعل الخشية والتقوى لله وحده لا شريك له ~~فقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فأضاف الإيتاء إلى الله ~~والرسول كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباحه الرسول وإن كان الله آتاه ذلك من جهة ~~القدرة والملك فإنه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ولهذا {كان ~~صلى الله عليه وسلم يقول في الاعتدال من الركوع وبعد السلام: اللهم لا مانع ~~لما أعطيت ولا ms7678 معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد} أي من آتيته جدا ~~وهو البخت والمال والملك فإنه لا ينجيه منك إلا الإيمان والتقوى. وأما ~~التوكل فعلى الله وحده والرغبة فإليه وحده كما قال # PageV26P157 # تعالى: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل ورسوله وقالوا: {إنا إلى الله ~~راغبون} ولم يقولوا هنا ورسوله كما قال في الإيتاء بل هذا نظير قوله: {فإذا ~~فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وفي ~~صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ~~حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ~~وقد قال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي الله ~~وحده حسبك وحسب المؤمنين الذين اتبعوك. ومن قال: إن الله والمؤمنين حسبك ~~فقد ضل بل قوله من جنس الكفرة فإن الله وحده هو حسب كل مؤمن به والحسب ~~الكافي كما قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده} . ولله تعالى حق لا يشركه فيه ~~مخلوق. كالعبادات والإخلاص والتوكل. والخوف. والرجاء. والحج. والصلاة. ~~والزكاة. والصيام والصدقة. والرسول له حق: كالإيمان به وطاعته واتباع سنته ~~وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه وتقديمه في المحبة على الأهل والمال ~~والنفس كما {قال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده # PageV26P158 # لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} بل يجب ~~تقديم الجهاد الذي أمر به على هذا كله كما قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال تعالى: {والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} . وبسط ما في هذا المختصر وشرحه ~~مذكور في غير هذا الموضع. ms7679 والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله وسلم على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. # PageV26P159 # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما الحج: فأخذوا فيه بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في صفته وأحكامه. # وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في ~~الصحيحين وغيرهما: {أنه صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع أحرم هو ~~والمسلمون من ذي الحليفة فقال: من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل ~~بحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل} فلما قدموا وطافوا بالبيت ~~وبين الصفا والمروة أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يحلوا من إحرامهم ~~ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. فراجعه ~~بعضهم في ذلك فغضب. وقال: {انظروا ما أمرتكم به فافعلوه} وكان هو صلى الله ~~عليه وسلم قد ساق الهدي فلم يحل من إحرامه. # PageV26P160 # ولما رأى كراهة بعضهم للإحلال قال: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما ~~سقت الهدي ولجعلتها عمرة ولولا أن معي الهدي لأحللت} وقال أيضا: {إني لبدت ~~رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر} فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ~~ساقوا الهدي منهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وطلحة بن ~~عبيد الله. فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج وهم ذاهبون إلى منى ~~فبات بهم تلك الليلة بمنى وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~والفجر ثم سار بهم إلى نمرة على طريق ضب " ونمرة " خارجة عن عرنة من ~~يمانيها وغربيها ليست من الحرم ولا من عرفة فنصبت له القبة بنمرة وهناك كان ~~ينزل خلفاؤه الراشدون بعده وبها الأسواق وقضاء الحاجة والأكل ونحو ذلك. ~~فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه وسار المسلمون إلى المصلى ببطن عرنة ~~حيث قد بني المسجد وليس هو من الحرم ولا من عرفة وإنما هو برزخ بين ~~المشعرين: الحلال والحرام هناك بينه وبين الموقف نحو ميل فخطب بهم ms7680 خطبة ~~الحج على راحلته. وكان يوم الجمعة ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين ~~مجموعتين ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل ~~الرحمة # PageV26P161 # واسمه " إلال " على وزن هلال. وهو الذي تسميه العامة عرفة فلم يزل هو ~~والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس. فدفع بهم إلى مزدلفة فصلى ~~المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال حيث نزلوا بمزدلفة وبات بها ~~حتى طلع الفجر فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها مغلسا بها زيادة على كل ~~يوم ثم وقف عند " قزح " وهو جبل مزدلفة الذي يسمى: المشعر الحرام وإن كانت ~~مزدلفة كلها هي المشعر الحرام المذكور في القرآن فلم يزل واقفا بالمسلمين ~~إلى أن أسفر جدا. ثم دفع بهم حتى قدم منى فاستفتحها برمي جمرة العقبة ثم ~~رجع إلى منزله بمنى فحلق رأسه ثم نحر ثلاثا وستين بدنة من الهدي الذي ساقه ~~وأمر عليا فنحر الباقي وكان مائة بدنة ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ~~وكان قد عجل ضعفة أهل بيته من مزدلفة قبل طلوع الفجر فرموا الجمرة بليل ثم ~~أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة ~~يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس يفتتح بالجمرة الأولى - وهي ~~الصغرى وهي الدنيا إلى منى والقصوى من مكة - ويختتم بجمرة العقبة ويقف بين ~~الجمرتين الأولى والثانية وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة ~~البقرة يذكر الله ويدعو فإن المواقف ثلاثة: عرفة # PageV26P162 # ومزدلفة ومنى. ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون ~~فنزل بالمحصب عند خيف بني كنانة فبات هو والمسلمون فيه ليلة الأربعاء. وبعث ~~تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم وهو أقرب أطراف ~~الحرم إلى مكة من طريق أهل المدينة. وقد بني بعده هناك مسجد سماه الناس ~~مسجد عائشة؛ لأنه لم يعتمر بعد الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه ~~أحد قط إلا عائشة لأجل أنها كانت قد حاضت لما قدمت. وكانت معتمرة ms7681 فلم تطف ~~قبل الوقوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. {وقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة} . ~~ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة ولم يقم بعد أيام التشريق ~~ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل إلا عائشة ~~وحدها. فأخذ فقهاء الحديث: كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله وإن كان منهم ومن ~~غيرهم من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه # PageV26P163 # فيه السنة. فمن ذلك أنهم استحبوا للمسلمين أن يحجوا كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه ولما اتفقت جميع الروايات على أنه أمر أصحابه بأن ~~يحلوا من إحرامهم ويجعلوها متعة استحبوا المتعة لمن جمع بين النسكين في ~~سفرة واحدة وأحرم في أشهر الحج. كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وعلموا أن من أفرد الحج واعتمر عقبه من الحل - وإن قالوا: إنه جائز - فإنه ~~لم يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة على قول من ~~يقول: إنها رفضت العمرة وأحرمت بالحج كما يقوله الكوفيون. وأما على قول ~~أكثر الفقهاء: أنها صارت قارنة: فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك. وكذلك علموا ~~أن من لم يسق الهدي. وقرن بين النسكين لا يفعله. وإن قال أكثرهم - كأحمد ~~وغيره - إنه جائز. فإنه لم يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~عائشة على قول من قال: إنها كانت قارنة. ولم يختلف أئمة الحديث - فقهاء ~~وعلماء كأحمد وغيره - أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يكن مفردا للحج ~~ولا كان متمتعا تمتعا حل به من إحرامه. ومن قال من أصحاب أحمد: إنه تمتع # PageV26P164 # وحل من إحرامه فقد غلط وكذلك من قال: إنه لم يعتمر في حجته فقد غلط. وأما ~~من توهم من بعض الفقهاء: أنه اعتمر بعد حجته كما يفعله المختارون للإفراد ~~إذا جمعوا بين النسكين: فهذا لم يروه أحد ولم يقله أحد أصلا من ms7682 العالمين ~~بحجته صلى الله عليه وسلم. فإنه لا خلاف بينهم: أنه صلى الله عليه وسلم لا ~~هو ولا أحد من أصحابه اعتمر بعد الحج إلا عائشة. ولهذا لا يعرف موضع ~~الإحرام بالعمرة إلا بمساجد عائشة حيث لم يخرج أحد من الحرم إلى الحل فيحرم ~~بالعمرة إلا هي ولا كان صلى الله عليه وسلم أيضا قارنا قرانا طاف فيه ~~طوافين وسعى سعيين. فإن الروايات الصحيحة كلها تصرح بأنه إنما طاف بالبيت ~~وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة. فمن قال من أصحاب أبي حنيفة أو ~~مالك أو الشافعي أو أحمد شيئا من هذه المقالات فقد غلط. وسبب غلطه: ألفاظ ~~مشتركة سمعها في ألفاظ الصحابة الناقلين لحجة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فإنه قد ثبت في الصحاح عن غير واحد - منهم: عائشة وابن عمر وغيرهما -: {أنه ~~صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج} وثبت أيضا عنهم {أنه أفرد الحج} # PageV26P165 # وعامة الذين نقل عنهم: {أنه أفرد الحج} ثبت عنهم أنهم قالوا: {إنه تمتع ~~بالعمرة إلى الحج} . وثبت {عن أنس بن مالك أنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا} {وعن عمر: أنه أخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: أتاني آت من ربي - يعني بوادي العقيق - وقال: قل: ~~عمرة في حجة} ولم يحك أحد لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحرم به إلا ~~عمر وأنس؛ فلهذا قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~قارنا. وأما ألفاظ الصحابة: فإن التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من اعتمر ~~في أشهر الحج وحج من عامه سواء جمع بينهما بإحرام واحد أو تحلل من إحرامه. ~~فهذا التمتع العام يدخل فيه القران. ولذلك وجب عليه الهدي عند عامة ~~الفقهاء. إدخالا له في عموم قوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي} وإن كان اسم " التمتع " قد يختص بمن اعتمر ثم أحرم بالحج ~~بعد قضاء عمرته. فمن قال منهم " تمتع بالعمرة إلى ms7683 الحج " لم يرد أنه حل من ~~إحرامه ولكن أراد: أنه جمع في حجته بين النسكين معتمرا في أشهر الحج لكن لم ~~يبين: هل أحرم بالعمرة قبل الطواف بالبيت وبالجبلين # PageV26P166 # أو أحرم بالحج بعد ذلك؟ فإن كان قد أحرم قبل الطوافين فهو قارن بلا تردد ~~وإن كان إنما أهل بالحج بعد الطواف بالبيت وبالجبلين وهو لم يكن حل من ~~إحرامه: فهذا يسمى متمتعا؛ لأنه اعتمر قبل الإهلال بالحج ويسمى قارنا لأنه ~~أحرم بالحج قبل إحلاله من العمرة؛ ولهذا يسميه بعض أصحابنا " متمتعا " ~~ويسميه بعضهم " قارنا " ويسميه بعضهم بالاسمين وهو الأصوب. وهذا في التمتع ~~الخاص. فأما التمتع العام: فيشمله بلا تردد. ومع هذا: فالصواب ما قطع به ~~أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج قبل الطواف؛ لقوله: " لبيك عمرة ~~وحجا " ولو كان من حين يحرم بالعمرة مع قوله سبحانه: {فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج} لأن العمرة دخلت في الحج. كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا ~~كانت عمرة المتمتع جزءا من حجه فالهدي المسوق لا ينحر حتى يقضي التفث كما ~~قال تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} وذلك إشارة إلى الهدي المسوق ~~فإنه نذر؛ ولهذا لو عطب دون محله وجب نحره؛ لأن نحره إنما يكون عند بلوغه ~~محله وإنما يبلغ محله إذا بلغ صاحبه محله؛ لأنه تبع له وإنما يبلغ صاحبه ~~محله يوم النحر إذ قبل ذلك لا يحل مطلقا؛ لأنه يجب عليه أن يحج بخلاف من ~~اعتمر عمرة مفردة. فإنه حل حلا مطلقا. # PageV26P167 # وأما ما تضمنته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المقام بمنى يوم ~~التروية والمبيت بها الليلة التي قبل يوم عرفة. ثم المقام بعرنة - التي بين ~~المشعر الحرام وعرفة - إلى الزوال. والذهاب منها إلى عرفة والخطبة ~~والصلاتين في أثناء الطريق ببطن عرنة: فهذا كالمجمع عليه بين الفقهاء وإن ~~كان كثير من المصنفين لا يميزه وأكثر الناس لا يعرفه لغلبة العادات ~~المحدثة. ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بالمسلمين جميعهم ~~بعرفة ms7684 بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء. وكان معه خلق كثير ~~ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها. ولم يأمر حاضري المسجد ~~الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه ~~العصر وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين. فإن هذا مما ~~يعلم بالاضطرار لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكن. وهو قول مالك وطائفة من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وعليه يدل كلام أحمد. وإنما غفل قوم من أصحاب الشافعي ~~وأحمد عن هذا فطردوا قياسهم في الجمع. واعتقدوا أنه إنما جمع لأجل السفر ~~والجمع للسفر لا يكون إلا لمن سافر ستة عشر فرسخا وحاضروا مكة ليسوا عن ~~عرنة بهذا البعد. # PageV26P168 # وهذا ليس بحق. فإنه لو كان جمعه لأجل السفر لجمع قبل هذا اليوم وبعده. ~~وقد أقام بمنى أيام التشريق ولم يجمع فيها لا سيما أنه لم ينقل عنه أنه جمع ~~في السفر وهو نازل إلا مرة واحدة وإنما كان يجمع في السفر إذا جد به السير ~~وإنما جمع لنحو الوقوف لأجل ألا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا غيرها. كما قال ~~أحمد: إنه يجوز الجمع لأجل ذلك من الشغل المانع من تفريق الصلوات. ومن ~~اشترط في هذا الجمع السفر من أصحاب أحمد فهو أبعد عن أصوله من أصحاب ~~الشافعي. فإن أحمد يجوز الجمع لأمور كثيرة غير السفر حتى قال القاضي أبو ~~يعلى وغيره - تفسيرا لقول أحمد: إنه يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة - فالجمع ~~ليس من خصائص السفر. وهذا بخلاف القصر فإنه لا يشرع إلا للمسافر. ولهذا قال ~~أكثر الفقهاء كالشافعي وأحمد: إن قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى وأيام ~~التشريق: لا يجوز إلا للمسافر الذي يباح له القصر عندهم طردا للقياس ~~واعتقادا أن القصر لم يكن إلا للسفر بخلاف الجمع حتى أمر أحمد وغيره: أن ~~الموسم لا يقيمه أمير مكة؛ لأجل قصر الصلاة. وذهب طوائف من أهل المدينة ~~وغيرهم - منهم مالك وطائفة # PageV26P169 # من أصحاب الشافعي وأحمد كأبي الخطاب في عباداته الخمس - إلى أنه ms7685 يقصر ~~المكيون وغيرهم وأن القصر هناك لأجل النسك. والحجة مع هؤلاء: أنه لم يثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى من ~~المكيين أن يتموا الصلاة كما أمرهم أن يتموا لما كان يصلي بهم بمكة أيام ~~فتح مكة حين قال لهم: {أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر} . فإنه لو كان المكيون ~~قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فأتموها أربعا ثم لما صلوا العصر قاموا ~~فأتموها أربعا ثم لما صلوا خلفه عشاء الآخرة قاموا فأتموها أربعا ثم كانوا ~~مدة مقامه بمنى يتمون خلفه - لما أهمل الصحابة نقل مثل هذا. # ومما قد يغلط فيه الناس: اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد بمنى يوم ~~النحر حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه أخذا فيها بالعمومات اللفظية ~~أو القياسية. وهذه غفلة عن السنة ظاهرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا قط. وإنما صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة. ~~فرمي جمرة العقبة لأهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم ولهذا استحب أحمد ~~أن تكون صلاة أهل الأمصار وقت النحر بمنى. ولهذا خطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم النحر # PageV26P170 # بعد الجمرة كما كان يخطب في غير مكة بعد صلاة العيد ورمي الجمرة تحية منى ~~كما أن الطواف تحية المسجد الحرام. ومثل هذا ما قاله طائفة - منهم ابن عقيل ~~- أنه يستحب للمحرم إذا دخل المسجد الحرام: أن يصلي تحية المسجد كسائر ~~المساجد. ثم يطوف طواف القدوم أو نحوه. وأما الأئمة وجماهير الفقهاء من ~~أصحاب أحمد وغيرهم: فعلى إنكار هذا. أما أولا: فلأنه خلاف السنة المتواترة ~~من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. فإنهم لما دخلوا المسجد لم ~~يفتتحوا إلا بالطواف ثم الصلاة عقب الطواف. وأما ثانيا: فلأن تحية المسجد ~~الحرام: هي الطواف. كما أن تحية المساجد هي الصلاة. وأشنع من هذا: استحباب ~~بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة أن يصلي ركعتين بعد السعي على ~~المروة قياسا على الصلاة بعد الطواف. وقد أنكر ذلك سائر ms7686 العلماء من أصحاب ~~الشافعي وسائر الطوائف ورأوا أن هذه بدعة ظاهرة القبح. فإن السنة مضت بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه طافوا وصلوا كما ذكر الله الطواف ~~والصلاة. ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي فاستحباب # PageV26P171 # الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر ~~أربعا قياسا على الظهر. والترك الراتب: سنة كما أن الفعل الراتب: سنة بخلاف ~~ما كان تركه لعدم مقتض أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات ~~والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف ~~وجمع الناس في التراويح على إمام واحد. وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم ~~وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات ~~الشرعية إلا به وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع. ~~فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ~~ولفعله الخلفاء بعده والصحابة: فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة ويمتنع ~~القياس في مثله وإن جاز القياس في النوع الأول. وهو مثل قياس " صلاة ~~العيدين والاستسقاء والكسوف " على الصلوات الخمس في أن يجعل لها أذانا ~~وإقامة كما فعله بعض المراونية في العيدين. وقياس حجرته ونحوها من مقابر ~~الأنبياء على بيت الله في الاستلام والتقبيل ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه ~~قياس الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: {إنما البيع مثل الربا} . # وأخذ فقهاء الحديث - كالشافعي وأحمد وغيرهما مع فقهاء # PageV26P172 # الكوفة - ما عليه جمهور الصحابة والسلف بتلبية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فإنه قد ثبت عنه أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وذهب طائفة من ~~السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة - كمالك - إلى أن التلبية تنقطع ~~بالوصول إلى الموقف بعرفة؛ لأنها إجابة. فتنقطع بالوصول إلى المقصد. وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي يجب اتباعها. وأما المعنى: فإن ~~الواصل إلى عرفة - وإن كان قد وصل إلى هذا الموقف - فإنه قد دعي بعده إلى ms7687 ~~موقف آخر وهو مزدلفة. فإذا قضى الوقوف بمزدلفة فقد دعي إلى الجمرة فإذا شرع ~~في الرمي فقد انقضى دعاؤه ولم يبق مكان يدعى إليه محرما لأن الحلق والذبح ~~يفعله حيث أحب من الحرم، وطواف الإفاضة يكون بعد التحلل الأول. ولهذا قالوا ~~أيضا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يلبي بالعمرة إلى أن يستلم ~~الحجر وإن كان ابن عمر ومن اتبعه من أهل المدينة - كمالك - قالوا: يلبي إلى ~~أن يصل إلى الحرم. فإنه وإن وصل إليه فإنه مدعو إلى البيت. # PageV26P173 # نعم يستفاد من هذا المعنى: أنه إنما يلبي حال سيره لا حال الوقوف بعرفة ~~ومزدلفة وحال المبيت بها. وهذا مما اختلف فيه أهل الحديث. فأما التلبية حال ~~السير من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى: فاتفق من جمع الأحاديث ~~الصحيحة عليه. # واختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال وذكاه على ثلاثة ~~أقوال: فقالت طائفة من السلف: هو حرام اتباعا لما فهموه من قوله تعالى ~~{وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} . ولما ثبت {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أنه رد لحم الصيد لما أهدي إليه} . وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ~~هو مباح مطلقا عملا بحديث {أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأهدى لحمه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنه لم يصده له} كما جاء في الأحاديث ~~الصحيحة. وقالت الطائفة الثالثة التي فيها فقهاء الحديث: بل هو مباح للمحرم ~~إذا لم يصده له المحرم ولا ذبحه من أجله؛ توفيقا بين الأحاديث كما روى جابر ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV26P174 # لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم} قال الشافعي: ~~هذا أحسن حديث في هذا الباب وأقيس. وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. ~~وإنما اختلفوا إذا صيد لمحرم بعينه. فهل يباح لغيره من المحرمين؟ على قولين ~~هما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله تعالى. # PageV26P175 # وسئل - رحمه الله -: # عن طواف الحائض والجنب والمحدث. # فأجاب: # ثبت ms7688 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الحائض تقضي المناسك كلها إلا ~~الطواف بالبيت} . {وقال لعائشة - رضي الله عنها - اصنعي ما يصنع الحاج غير ~~أن لا تطوفي بالبيت} . ولما {قيل له عن صفية أنها حاضت. فقال: أحابستنا هي ~~فقيل له: إنها قد أفاضت قال: فلا إذا} وصح {عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعث ~~أبا بكر عام تسع لما أمره على الموسم ينادي: أن لا يطوف بالبيت عريان} ولم ~~ينقل أحد عنه أنه أمر الطائفين بالوضوء ولا باجتناب النجاسة كما أمر ~~المصلين بالوضوء. فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت إما أن يكون لأجل المسجد ~~لكونها منهية عن اللبث فيه وفي الطواف لبث أو عن الدخول إليه مطلقا لمرور ~~أو لبث وإما أن يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض كما يحرم على الحائض ~~الصلاة والصيام بالنص والإجماع؛ ومس المصحف عند عامة العلماء وكذلك قراءة ~~القرآن في أحد # PageV26P176 # قولي العلماء. والذين حرموا عليها القراءة كأحمد في المشهور عنه وكذلك ~~الشافعي مع أبي حنيفة تنازعوا في إباحة قراءة القرآن لها وللنفساء قبل ~~الغسل وبعد انقطاع الدم على ثلاثة أقوال: أحدها: إباحتها للحائض والنفساء ~~وهو اختيار القاضي أبي يعلى وقال هو ظاهر كلام أحمد. والثاني: منع الحائض ~~والنفساء. والثالث: إباحتها للنفساء دون الحائض. اختاره الخلال من أصحاب ~~أحمد فإما أن يكون لكل منهما وإما أن يكون لمجموعهما بحيث لو انفرد أحدهما ~~لم يحرم فإن كان تحريمه للأول لم يحرم عليها عند الضرورة فإن لبثها في ~~المسجد لضرورة جائز كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد ~~شديدا أو ليس لها مأوى إلا المسجد. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صحيح مسلم وغيره {عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ناوليني الخمرة من المسجد فقلت: إني حائض # PageV26P177 # قال: إن حيضتك ليست في يدك} . {وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms7689 يضع رأسه في حجر إحدانا يتلو ~~القرآن وهي حائض وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض} رواه ~~النسائي. وقد روى أبو داود من حديث عائشة {عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~لا أحل المسجد لجنب ولا حائض} رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة وقد تكلم في ~~هذين الحديثين. ولهذا ذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما إلى الفرق ~~بين المرور واللبث جمعا بين الأحاديث ومنهم من منعها من اللبث والمرور كأبي ~~حنيفة ومالك. ومنهم من لم يحرم المسجد عليها وقد يستدلون على ذلك بقوله ~~تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} . وأباح أحمد وغيره اللبث لمن يتوضأ؛ لما ~~رواه هو وغيره عن عطاء بن يسار قال: " رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة " وذلك ~~والله أعلم أن المسجد بيت الملائكة والملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب كما جاء ~~ذلك في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الجنب أن ينام حتى # PageV26P178 # يتوضأ وروى يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي {عن عائشة أنها ~~كانت تقول: إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام فلا ينام حتى يتوضأ ~~وضوءه للصلاة فإنه لا يدري لعل نفسه تصاب في نومه. وفي حديث آخر فإنه إذا ~~مات لم تشهد الملائكة جنازته} وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب ~~بالوضوء عند الأكل والشرب والمعاودة وهذا دليل أنه إذا توضأ ذهبت الجنابة ~~عن أعضاء الوضوء فلا تبقى جنابته تامة وإن كان قد بقي عليه بعض الحدث كما ~~أن المحدث الحدث الأصغر عليه حدث دون الجنابة وإن كان حدثه فوق الحدث ~~الأصغر فهو دون الجنب فلا تمتنع الملائكة عن شهوده فلهذا ينام ويلبث في ~~المسجد. وهذا يدل على أن الجنابة تتبعض فتزول عن بعض البدن دون بعض كما ~~عليه جمهور العلماء. وأما الحائض فحدثها دائم لا يمكنها طهارة تمنعها عن ~~الدوام فهي معذورة ms7690 في مكثها ونومها وأكلها وغير ذلك فلا تمنع مما يمنع منه ~~الجنب مع حاجتها إليه ولهذا كان أظهر قولي العلماء أنها لا تمنع من قراءة ~~القرآن إذا احتاجت إليه كما هو مذهب مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي ~~ويذكر رواية عن أحمد فإنها محتاجة إليها ولا يمكنها الطهارة كما يمكن الجنب ~~وإن كان حدثها أغلظ من # PageV26P179 # حدث الجنب من جهة أنها لا تصوم ما لم ينقطع الدم والجنب يصوم ومن جهة ~~أنها ممنوعة من الصلاة طهرت أو لم تطهر ويمنع الرجل من وطئها أيضا فهذا ~~يقتضي أن المقتضي للحظر في حقها أقوى لكن إذا احتاجت إلى الفعل استباحت ~~المحظور مع قيام سبب الحظر؛ لأجل الضرورة. كما يباح سائر المحرمات مع ~~الضرورة: من الدم والميتة ولحم الخنزير وإن كان ما هو دونها في التحريم لا ~~يباح من غير حاجة: كلبس الحرير والشرب في آنية الذهب والفضة ونحو ذلك. ~~وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة ومع النجاسة في البدن والثوب هي ~~محرمة أغلظ من غيرها وتباح بل تجب مع الحاجة وغيرها وإن كان دونها في ~~التحريم كقراءة القرآن الكريم مع عدم الحاجة لا تباح. وإذا قدر جنب استمرت ~~به الجنابة وهو لا يقدر على غسل أو تيمم فهذا كالحائض في الرخصة وإن كان ~~هذا نادرا وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحيض أن يخرجن في العيد ~~ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ويكبرن بتكبير الناس. وكذلك الحائض والنفساء ~~أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالإحرام والتلبية وما فيهما من ذكر الله ~~وشهودهما عرفة مع الذكر والدعاء ورمي الجمار مع ذكر الله وغير # PageV26P180 # ذلك ولا يكره لها ذلك بل يجب عليها والجنب يكره له ذلك حتى يغتسل لأنه ~~قادر على الطهارة بخلاف الحائض. فهذا أصل عظيم في هذه المسائل ونوعها لا ~~ينبغي أن ينظر إلى غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة ~~الموجبة للإذن؛ بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب. وكل ما يحرم معه الصلاة ~~يجب معه عند الحاجة إذا ms7691 لم تمكن الصلاة إلا كذلك فإن الصلاة مع تلك الأمور ~~أخف من ترك الصلاة فلو صلى بتيمم مع قدرته على استعمال الماء لكانت الصلاة ~~محرمة ومع عجزه عن استعمال الماء كانت الصلاة بالتيمم واجبة بالوقت وكذلك ~~الصلاة عريانا وإلى غير القبلة ومع حصول النجاسة وبدون القراءة، وصلاة ~~الفرض قاعدا أو بدون إكمال الركوع والسجود وأمثال ذلك مما يحرم مع القدرة ~~ويجب مع العجز. وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير: يحرم أكلها عند الغنى ~~عنها ويجب أكلها عند الضرورة عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء. قال ~~مسروق: من اضطر فلم يأكل حتى مات دخل النار. وذلك لأنه أعان على قتل نفسه ~~بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحال فصار بمنزلة من قتل ~~نفسه بخلاف المجاهد بالنفس ومن # PageV26P181 # تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدا ففي قتله مصلحة لدين الله ~~تعالى. # وتعليل منع طواف الحائض: بأنه لأجل حرمة المسجد رأيته يعلل به بعض ~~الحنفية فإن مذهب أبي حنيفة أن الطهارة واجبة له لا فرض فيه ولا شرط له ~~ولكن هذا التعليل يناسب القول بأن طواف المحدث غير محرم وهذا مذهب منصور بن ~~المعتمر وحماد بن أبي سليمان رواه أحمد عنهما. قال عبد الله في مناسكه: ~~حدثني أبي حدثنا سهل بن يوسف أنبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال: سألتهما عن ~~الرجل يطوف بالبيت وهو غير متوضئ فلم يريا به بأسا. قال عبد الله: سألت أبي ~~عن ذلك فقال: أحب إلي أن يطوف بالبيت وهو متوضئ؛ لأن الطواف صلاة وأحمد عنه ~~روايتان منصوصتان في الطهارة: هل هي شرط في الطواف؟ أم لا؟ وكذلك وجوب ~~الطهارة في الطواف كلامه فيها يقتضي روايتين. وكذلك قال بعض الحنفية: إن ~~الطهارة ليست واجبة في الطواف بل سنة مع قوله: إن في تركها دما فمن قال: إن ~~المحدث يجوز له أن يطوف بخلاف الحائض والجنب - فإنه يمكنه تعليل المنع ~~بحرمة المسجد لا بخصوص الطواف لأن الطواف؛ يباح فيه الكلام والأكل والشرب ~~فلا يكون كالصلاة ms7692 ولأن الصلاة مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم والطواف ليس كذلك. ويقول: إنما منع العراة من ذلك لأجل نظر الناس ~~ولحرمة المسجد أيضا. # PageV26P182 # ومن قال هذا قال: المطاف أشرف المساجد ولا يكاد يخلو من طائف. وقد قال ~~الله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} فأمر بأخذها عند دخول المسجد وهذا ~~بخلاف الصلاة فإن المصلي عليه أن يستتر لنفس الصلاة والصلاة تفعل في جميع ~~البقاع فلو صلى وحده في بيت مظلم لكان عليه أن يفعل ما أمر به من الستر ~~للصلاة بخلاف الطواف فإنه يشترط فيه المسجد الحرام والاعتكاف يشترط فيه جنس ~~المساجد. وعلى قول هؤلاء فلا يحرم طواف الجنب والحائض إذا اضطر إلى ذلك كما ~~لا يحرم عندهم الطواف على المحدث بحال؛ لأنه لا يحرم عليهما دخول المسجد ~~حينئذ وهما إذا كانا مضطرين إلى ذلك أولى بالجواز من المحدث الذي يجوزون له ~~الطواف مع الحدث من غير عذر ألا ترى أن المحدث منع من الصلاة ومس المصحف مع ~~قدرته على الطهارة وذلك جائز للجنب مع التيمم وإذا عجز عن التيمم صلى بلا ~~غسل ولا تيمم في أحد قولي العلماء وهو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد كما ~~ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا مع الجنابة قبل أن تنزل آية التيمم. والحائض ~~نهيت عن الصوم فإنها ليست محتاجة إلى الصوم في الحيض فإنه يمكنها أن تصوم ~~شهرا آخر غير رمضان فإذا كان المسافر والمريض # PageV26P183 # مع إمكان صومهما جعل لهما أن يصوما شهرا آخر فالحائض الممنوعة من ذلك ~~أولى أن تصوم شهرا آخر وإذا أمرت بقضاء الصوم لم تؤمر إلا بشهر واحد فلم ~~يجب عليها إلا ما يجب على غيرها؛ ولهذا لو استحاضت فإنها تصوم مع الاستحاضة ~~فإن ذلك لا يمكن الاحتراز عنه إذ قد تستحيض وقت القضاء. وأما الصلاة فإنها ~~تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات والحيض مما يمنع الصلاة فلو قيل: إنها تصلي ~~مع الحيض لأجل الحاجة لم يكن الحيض مانعا من الصلاة بحال وكان يكون الصوم ~~والطواف بالبيت أعظم ms7693 حرمة من الصلاة وليس الأمر كذلك بل كان من حرمة الصلاة ~~أنها لا تصلي وقت الحيض إذا كان لها في الصلاة أوقات الطهر غنية عن الصلاة ~~وقت الحيض وإذا كانت إنما منعت من الطواف لأجل المسجد فمعلوم أن إباحة ذلك ~~للعذر أولى من إباحة مس المصحف للعذر ولو كان لها مصحف ولم يمكنها حفظه إلا ~~بمسه مثل أن يريد أن يأخذه لص أو كافر أو ينهبه أحد أو يتهبه منها ولم ~~يمكنها منعه إلا بمسه لكان ذلك جائزا لها مع أن المحدث لا يمس المصحف ويجوز ~~له الدخول في المسجد. فعلم أن حرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد وإذا أبيح ~~لها مس المصحف للحاجة فالمسجد الذي حرمته دون حرمة المصحف أولى بالإباحة. # PageV26P184 # فصل: # وأما إن كان المنع من الطواف لمعنى في نفس الطواف كما منع من غيره أو كان ~~لذلك وللمسجد: كل منهما علة مستقلة. فنقول: إذا اضطرت إلى ذلك بحيث لم ~~يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض لتعذر المقام عليها إلى أن تطهر فهنا ~~الأمر دائر بين أن تطوف مع الحيض وبين الضرر الذي ينافي الشريعة فإن ~~إلزامها بالمقام إذا كان فيه خوف على نفسها ومالها وفيه عجزها عن الرجوع ~~إلى أهلها وإلزامها بالمقام بمكة مع عجزها عن ذلك وتضررها به: لا تأتي به ~~الشريعة فإن مذهب عامة العلماء أن من أمكنه الحج ولم يمكنه الرجوع إلى أهله ~~لم يجب عليه الحج وفيه قول ضعيف أنه يجب إذا أمكنه المقام. أما مع الضرر ~~الذي يخاف منه على النفس أو مع العجز عن الكسب فلا يوجب أحد عليه المقام ~~فهذه لا يجب عليها حج يحتاج معه إلى سكنى مكة. وكثير من النساء إذا لم ترجع ~~مع من حجت معه لم يمكنها بعد ذلك الرجوع ولو قدر أنه يمكنها بعد ذلك الرجوع ~~فلا يجب عليها أن # PageV26P185 # يبقى وطؤها محرما مع رجوعها إلى أهلها ولا تزال كذلك إلى أن تعود فهذا ~~أيضا من أعظم الحرج الذي لا يوجب الله مثله إذ هو ms7694 أعظم من إيجاب حجتين ~~والله تعالى لم يوجب إلا حجة واحدة. ومن وجب عليه القضاء كالمفسد فإنما ذاك ~~لتفريطه بإفساد الحج ولهذا لم يجب القضاء على المحصر في أظهر قولي العلماء ~~لعدم التفريط، ومن أوجب القضاء على من فاته الحج فإنه يوجبه لأنه مفرط ~~عنده. وإذا قيل في هذه المرأة: بل تتحلل كما يتحلل المحصر فهذا لا يفيد ~~سقوط الفرض عنها فتحتاج مع ذلك إلى حجة ثانية ثم هي في الثانية تخاف ما ~~خافته في الأولى مع أن المحصر لا يحل إلا مع العجز الحسي إما بعدو أو بمرض ~~أو فقر أو حبس. فأما من جهة الشرع فلا يكون أحد محصرا وكل من قدر على ~~الوصول إلى البيت لم يكن محصرا في الشرع فهذه هي التقديرات التي يمكن أن ~~تفعل: إما مقامها بمكة وإما رجوعها محرمة وإما تحللها وكل ذلك مما منعه ~~الشرع في حق مثلها. وإن قيل: إن الحج يسقط عن مثل هذه كما يسقط عمن لا تحج ~~إلا مع من يفجر بها لكون الطواف مع الحيض يحرم كالفجور. # PageV26P186 # قيل: هذا مخالف لأصول الشرع؛ لأن الشرع مبناه على قوله تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} وعلى {قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم} ومعلوم أن المرأة إذا لم يمكنها فعل شيء من فرائض ~~الصلاة أو الصيام أو غيرهما إلا مع الفجور لم يكن لها أن تفعل ذلك فإن الله ~~تعالى لم يأمر عباده بأمر لا يمكن إلا مع الفجور فإن الزنا لا يباح ~~بالضرورة كما يباح أكل الميتة عند الضرورة ولكن إذا أكرهت عليه بأن يفعل ~~بها ولا تستطيع الامتناع منه فهذه لا فعل لها وإن كان بالإكراه ففيه قولان ~~هما روايتان عن أحمد: إحداهما: أنه لا يباح بالإكراه إلا الأقوال دون ~~الأفعال. # والثاني: وهو قول الأكثرين، أن المكرهة على الزنا وشرب الخمر معفو عنها. ~~لقوله تعالى: {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} . وأما الرجل ~~الزاني: ففيه قولان في مذهب أحمد ms7695 وغيره بناء على أن الإكراه هل يمنع ~~الانتشار أم لا فأبو حنيفة وأحمد في المنصوص عنه يقولان لا يكون الرجل ~~مكرها على الزنا. وأما إذا أمكن العبد أن يفعل بعض الواجبات دون بعض فإنه # PageV26P187 # يؤمر بما يقدر عليه وما عجز عنه يبقى ساقطا كما يؤمر بالصلاة عريانا ومع ~~النجاسة وإلى غير القبلة إذا لم يطق إلا ذلك وكما يجوز الطواف راكبا ~~ومحمولا للعذر بالنص واتفاق العلماء وبدون ذلك ففيه نزاع. وكما يجوز أداء ~~الفرض للمريض قاعدا أو راكبا ولا يجوز ذلك في الفرض بدون العذر مع أن ~~الصلاة إلى غير القبلة والصلاة عريانا وبدون الاستنجاء وفي الثوب النجس: ~~حرام في الفرض والنفل ومع هذا فلأن يصلي الفرض مع هذه المحظورات خير من ~~تركها وكذلك صلاة الخوف مع العمل الكثير ومع استدبار القبلة مع مفارقة ~~الإمام في أثناء الصلاة ومع قضاء ما فاته قبل السلام وغير ذلك مما لا يجوز ~~في غير العذر. فإن قيل: الطواف مع الحيض كالصلاة مع الحيض والصوم مع الحيض ~~وذلك لا يباح بحال. قيل: الصوم مع الحيض لا يحتاج إليه بحال فإن الواجب ~~عليها شهر، وغير رمضان يقوم مقامه وإذا لم يكن لها أن تؤدي الفرض مع الحيض ~~فالنفل بطريق الأولى؛ لأن لها مندوحة عن ذلك بالصيام في وقت الطهر كما كان ~~للمصلي المتطوع في أوقات النهي مندوحة عن ذلك بالتطوع في أوقات أخر فلم تكن ~~محتاجة إلى الصوم مع الحيض بحال فلا تباح هذه المفسدة مع الاستغناء عنها. ~~كما لا تباح صلاة # PageV26P188 # التطوع التي لا سبب لها في أوقات النهي بخلاف ذوات الأسباب فإن الراجح في ~~الدليل من قولي العلماء: أنها تجوز لحاجته إليها فإنه إن لم يفعلها تعذر ~~فعلها وفاتت مصلحتها؛ بخلاف التطوع المحض فإنه لا يفوت. والصوم من هذا ~~الباب ليس لها صوم إلا ويمكن فعله في أيام الطهر ولهذا جاز للمستحاضة الصوم ~~والصلاة. وأما الصلاة: فإنها لو أبيحت مع الحيض لم يكن الحيض مانعا من ~~الصلاة بحال فإن الحيض مما يعتاد النساء ms7696 كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة: إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم} فلو أذن لهن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يصلين بالحيض صارت الصلاة مع الحيض كالصلاة مع الطهر. ثم إن ~~أبيح سائر العبادات لم يبق الحيض مانعا مع أن الجنابة والحدث الأصغر مانع ~~وهذا تناقض عظيم وإن حرم ما دون الصلاة وأبيحت الصلاة كان أيضا تناقضا ولم ~~تكن محتاجة إلى الصلاة زمن الحيض فإن لها في الصلاة زمن الطهر - وهو أغلب ~~أوقاتها - ما يغنيها عن الصلاة أيام الحيض ولكن رخص لها فيما تحتاج إليه من ~~التلبية والذكر والدعاء. وقد أمرت مع ذلك بالاغتسال كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أسماء أن تغتسل عند الإحرام لما نفست بمحمد بن أبي بكر. وأمر ~~أيضا بذلك النساء مطلقا وأمر عائشة حين حاضت بسرف # PageV26P189 # أن تغتسل وتحرم بالحج فأمرها بالاغتسال مع الحيض للإهلال بالحج ورخص ~~للحائض مع ذلك أن تلبي وتقف بعرفة وتدعو وتذكر الله ولا تغتسل ولا تتوضأ ~~ولا يكره لها ذلك كما يكره للجنب لو فعل ذلك بدون طهارة؛ لأنها محتاجة إلى ~~ذلك وغسلها ووضوءها لا يؤثران في الحدث المستمر بخلاف غسلها عند الإحرام ~~فإنه غسل نظافة كما يغتسل للجمعة. ولهذا هل يتيمم لمثل هذه الأغسال إذا عدم ~~الماء؟ على قولين في مذهب أحمد وكذلك هل ييمم الميت إذا تعذر غسله؟ على ~~قولين. وليس هذا كغسل الجنابة والوضوء من الحدث. ومع هذا فلم تؤمر بالغسل ~~عند دخول مكة والوقوف بعرفة. فلما نهيت عن الصلاة مع الحيض دون الأذكار من ~~غير كراهة علم الفرق بين ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه. # فإن قيل: سائر الأذكار تباح للجنب والمحدث فلا حظر في ذلك. قيل: الجنب ~~ممنوع من قراءة القرآن ويكره له الأذان مع الجنابة والخطبة وكذلك النوم بلا ~~وضوء وكذلك فعل المناسك بلا طهارة مع قدرته عليها والمحدث أيضا تستحب له ~~الطهارة لذكر الله تعالى كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم إني كرهت أن ~~أذكر ms7697 # PageV26P190 # الله إلا على طهر} والحائض لا يستحب لها شيء من ذلك ولا يكره الذكر بدونه ~~عند أحد من العلماء للسنة المتواترة في ذلك. وإنما تنازعوا في قراءة القرآن ~~وليس في منعها من القرآن سنة أصلا فإن قوله: {لا تقرأ الحائض ولا الجنب ~~شيئا من القرآن} حديث ضعيف. باتفاق أهل المعرفة بالحديث رواه إسماعيل بن ~~عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط ~~فيها كثيرا وليس لهذا أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حدث به عن ابن ~~عمر ولا عن نافع ولا عن موسى بن عقبة أصحابهم المعروفون بنقل السنن عنهم. ~~وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت ~~القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس فلما لم ينقل ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نهيا لم يجز أن تجعل حراما مع ~~العلم أنه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ~~ليس بمحرم. وهذا كما استدللنا على أن المني لو كان نجسا لكان يأمر الصحابة ~~بإزالته من أبدانهم وثيابهم؛ لأنه لا بد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم # PageV26P191 # في الاحتلام فلما لم ينقل أحد عنه أنه أمر بإزالة ذلك لا بغسل ولا فرك مع ~~كثرة إصابة ذلك الأبدان والثياب على عهده وإلى يوم القيامة علم أنه لم يأمر ~~بذلك ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ولا يأمر به مع عموم البلوى بذلك. كما ~~أمر بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض بإزالة دم الحيض من ثوبها. وكذلك ~~الوضوء من لمس النساء ومن النجاسات الخارجة من غير السبيلين: لم يأمر ~~المسلمين بالوضوء من ذلك مع كثرة ابتلائهم به ولو كان واجبا لكان يجب الأمر ~~به وكان إذا أمر به فلا بد أن ينقله المسلمون؛ لأنه مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله. وأمره بالوضوء من ms7698 مس الذكر ومما مست النار: أمر استحباب ~~فهذا أولى أن لا يكون إلا مستحبا وإذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مضت بأنه يرخص للحائض فيما لا يرخص فيه للجنب لأجل حاجتها إلى ذلك ~~لعدم إمكان تطهرها وأنه إنما حرم عليها ما لا تحتاج إليه فمنعت منه كما ~~منعت من الصوم؛ لأجل حدث الحيض وعدم احتياجها إلى الصوم ومنعت من الصلاة ~~بطريق الأولى؛ لاعتياضها عن صلاة الحيض بالصلاة بالطهر فهي التي منعت من ~~الطواف إذا أمكنها أن تطوف مع الطهر؛ لأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه ~~وليس كالصلاة من كل الوجوه. # PageV26P192 # والحديث الذي رواه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فيه فلا ~~يتكلم إلا بخير} قد قيل: إنه من كلام ابن عباس. وسواء كان من كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو كلام ابن عباس ليس معناه أنه نوع من الصلاة كصلاة ~~الجمعة والاستسقاء والكسوف فإن الله قد فرق بين الصلاة والطواف بقوله ~~تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} . وقد تكلم ~~العلماء: أيما أفضل للقادم: الصلاة؟ أو الطواف؟ وأجمع العلماء على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين. والآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر العلماء بالفرق بين مسمى ~~الصلاة ومسمى الطواف متواترة فلا يجوز أن يجعل نوعا من الصلاة، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {الصلاة مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم} والطواف ليس تحريمه التكبير وتحليله التسليم وقد تنازع السلف ومن ~~بعدهم في وجوب الوضوء من الحدث له والوضوء للصلاة معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام ومن أنكره فهو كافر ولم ينقل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~وجوب الوضوء له، ومنع الحائض لا يستلزم # PageV26P193 # منع المحدث. وتنازع العلماء في الطهارة من الحيض: هل هي واجبة فيه؟ أو ~~شرط فيه؟ على قولين فيه ولم يتنازعوا في الطهارة ms7699 للصلاة أنها شرط فيها ~~وأيضا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا صلاة إلا بأم القرآن} والقراءة ~~فيه ليست واجبة باتفاق العلماء بل في كراهتها قولان للعلماء. وأيضا فإنه قد ~~قال: {إن الله يحدث من أمره ما شاء ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة} فنهى ~~عن الكلام في الصلاة مطلقا. والطواف يجوز فيه من الكلام ما لا يجوز في غيره ~~وبهذا يظهر الفرق بينه وبين صلاة الجنازة فإن لها تحريما وتحليلا ونهى فيها ~~عن الكلام وتصلى بإمام وصفوف وهذا كله متفق عليه والقراءة فيها سنة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح قولي العلماء. وأما " سجود التلاوة ": ~~فقد تنازع العلماء هل هو من الصلاة التي تشترط لها الطهارة مع أنه سجود وهو ~~أعظم أركان الصلاة الفعلية ولا يتكلم في حال سجوده بل يكبر إذا سجد وإذا ~~رفع ويسلم أيضا في أحد قولي العلماء هذا عند من يسلم أن السجود المجرد ~~كسجود التلاوة تجب له الطهارة ومن منع ذلك قال: إنه يجوز بدون الوضوء وقال: ~~إن السجود المجرد لا يدخل في مسمى الصلاة وإنما مسمى الصلاة ما له تحريم ~~وتحليل. وهذا السجود لم يرو عن # PageV26P194 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر له بالطهارة بل ثبت في الصحيح أن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم سجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والإنس. وسجد سحرة فرعون على غير طهارة} وثبت عن ابن عمر أنه سجد ~~للتلاوة على غير وضوء ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أوجب فيه الطهارة ~~وكذلك لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم فيه وأكثر السلف على ~~أنه لا يسلم فيه وهو إحدى الروايتين عن أحمد وذكر أنه لم يسمع في التسليم ~~أثرا. ومن قال فيه تسليم فقد أثبته بالقياس الفاسد حيث جعله صلاة وهو موضع ~~المنع. " وصلاة الجنازة " قد ذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط لها الطهارة لكن ~~هذا قول ضعيف فإن لها تحريما وتحليلا فهي صلاة وليس ms7700 الطواف مثل شيء من ذلك ~~ولا الحائض محتاجة إلى ذلك فإنها إذا لم تصل فرض العين ففرض الكفاية والنفل ~~أولى ودعاؤها للميت واستغفارها له يحصل المقصود بحسب الإمكان كما أن شهودها ~~العيد وذكر الله تعالى مع المسلمين يحصل المقصود بحسب الإمكان. والطواف وإن ~~كان له مزية على سائر المناسك بنفسه ولكونه في المسجد وبأن الطواف شرع ~~منفردا بنفسه وشرع في العمرة # PageV26P195 # وشرع في الحج. وأما الإحرام والسعي بين الصفا والمروة والحلق فلا يشرع ~~إلا في حج أو عمرة وأما سائر المناسك من الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار ~~فلا يشرع إلا في الحج فهذا يدل على أن الله عز وجل يسره للناس وجعل لهم ~~التقرب به مع الإحلال والإحرام في النسكين وفي غيرهما فلم يوجب فيه ما ~~أوجبه في الصلاة ولا حرم فيه ما حرمه في الصلاة. فعلم أن أمر الصلاة أعظم: ~~فلا يجعل مثل الصلاة. # ومن قال من العلماء: إن طواف أهل الآفاق أفضل من الصلاة بالمسجد فإنما ~~ذلك لأن الصلاة تمكنهم في سائر الأمصار بخلاف الطواف فإنه لا يمكن إلا ~~بمكة، والعمل المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل لا لأن جنسه أفضل ~~كما يقدم الدعاء في آخر الصلاة على الذكر والقراءة ويقدم الذكر في الركوع ~~والسجود على القراءة لأن {النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهيت أن أقرأ ~~القرآن راكعا وساجدا} وكما تقدم القراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي ~~وكما تقدم إجابة المؤذن على الصلاة والقراءة؛ لأن هذا يفوت وذلك لا يفوت ~~وكما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها قدم ما يخاف فواته فالطواف قدم لأنه ~~يفوت الآفاقي إذا خرج فقدم ذلك لا لأن جنسه أفضل من جنس الصلاة بل ولا ~~مثلها فإن هذا لا # PageV26P196 # يقوله أحد، والحج كله لا يقاس بالصلاة التي هي عمود الدين فكيف يقاس بها ~~بعض أفعاله وإنما فرض الله الحج على كل مسلم مرة في العمر ولم يوجب شيئا من ~~أعماله مرتين بل إنما فرض طوافا واحدا ووقوفا واحدا. وكذلك السعي عن أحمد ~~في ms7701 أنص الروايتين عنه لا يوجب على المتمتع إلا سعيا واحدا إما قبل التعريف ~~وإما بعده بعد الطواف ولهذا قال أكثر العلماء إن العمرة لا تجب كما هو مذهب ~~مالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وهو الأظهر في ~~الدليل. فإن الله لم يوجب إلا حج البيت لم يوجب العمرة ولكن أوجب إتمام ~~الحج والعمرة على من يشرع فيها لأن العمرة هي الحج الأصغر فيجب إتمامها كما ~~يجب إتمام الحج التطوع والله لم يوجب إلا مسمى الحج لم يوجب حجين أكبر ~~وأصغر والمسمى يحصل بالحج الأكبر وهو المفهوم من اسم الحج عند الإطلاق فلا ~~يجب غير ذلك وليس في أعمال العمرة قدر زائد على أعمال الحج فلو وجبت لم يجب ~~إلا عمل واحد مرتين وهذا خلاف ما أوجبه الله في الحج. والمقصود هنا: أن ~~الحج إذا لم يجب إلا مرة واحدة فكيف يقاس بما يجب في اليوم والليلة خمس ~~مرات. # PageV26P197 # وهذا مما يفرق بين طواف الحائض وصلاة الحائض فإنها تحتاج إلى الطواف الذي ~~هو فرض عليها مرة في العمر وقد تكلفت السفر الطويل وحملت الإبل أثقالها إلى ~~بلد لم يكن الناس بالغيه إلا بشق الأنفس. فأين حاجة هذه إلى الطواف من ~~حاجتها إلى الصلاة التي تستغني عنها زمن الحيض بما تفعله زمن الطهر وقد ~~تقدم أن الحائض لم تمنع من القراءة لحاجتها إليها وحاجتها إلى هذا الطواف ~~أعظم. وإذا قال القائل: القرآن تقرؤه مع الحدث الأصغر والطواف تجب له ~~الطهارة. قيل له: هذا فيه نزاع معروف عن السلف والخلف فلا بد لك من حجة على ~~وجوب الطهارة الصغرى في الطواف. والاحتجاج بقوله: {الطواف بالبيت صلاة} حجة ~~ضعيفة فإن غايته أن يشبه بالصلاة في بعض الأحكام وليس المشبه كالمشبه به من ~~كل وجه وإنما أراد أنه كالصلاة في اجتناب المحظورات التي تحرم خارج الصلاة ~~فأما ما يبطل الصلاة وهو الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير فليس شيء من ~~هذا مبطلا للطواف وإن كره فيه إذا لم يكن به حاجة إليه ms7702 فإنه يشغل عن مقصوده ~~كما يكره مثل ذلك عند القراءة والدعاء والذكر. وهذا كقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة} وقوله: {إذا خرج أحدكم إلى ~~المسجد فلا يشبك بين أصابعه فإنه في صلاة. # PageV26P198 # ولهذا قال إلا أن الله أباح لكم فيه الكلام} ومعلوم أنه يباح فيه الأكل ~~والشرب وهذه محظورات الصلاة التي تبطلها: الأكل والشرب والعمل الكثير ولا ~~يبطل شيء من ذلك الطواف بل غايته أنه يكره فيه لغير حاجة كما يكره العبث في ~~الصلاة، ولو قطع الطواف لصلاة مكتوبة أو جنازة أقيمت بنى على طوافه. ~~والصلاة لا تقطع لمثل ذلك فليست محظورات الصلاة محظورة فيه ولا واجبات ~~الصلاة واجبات فيه كالتحليل والتحريم فكيف يقال: إنه مثل الصلاة فيما يجب ~~لها ويحرم فيها فمن أوجب له الطهارة الصغرى فلا بد له من دليل شرعي وما ~~أعلم ما يوجب ذلك. ثم تدبرت وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ~~ولا تجب فيه بلا ريب ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى فإن الأدلة الشرعية ~~إنما تدل على عدم وجوبها فيه وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة ~~الصغرى فيه وحينئذ فلا نسلم أن جنس الطواف أفضل من جنس قراءة القرآن بل جنس ~~القراءة أفضل منه فإنها أفضل ما في الصلاة من الأقوال، والسجود أفضل ما ~~فيها من الأفعال والطواف ليس فيه ذكر مفروض. وإذا قيل: الطواف قد فرض بعضه ~~قيل له قد فرضت القراءة في كل صلاة فلا تصح صلاة إلا بقراءة فكيف يقاس ~~الطواف # PageV26P199 # بالصلاة. وإذا كانت القراءة أفضل. وهي تجوز للحائض مع حاجتها إليها في ~~أظهر قولي العلماء فالطواف أولى أن يجوز مع الحاجة. وإذا قيل: أنتم تسلمون ~~أن الطواف في الأصل محظور على الحائض وإنما يباح للضرورة. قيل: من علل ~~بالمسجد فلا يسلم أن نفس فعله محظور لنفسه ومن سلم ذلك يقول: وكذلك من ~~القرآن ما هو محظور على الحائض وهو القراءة في الصلاة وكذلك في غير الصلاة ~~لغير حاجة يحرمها ms7703 أكثر العلماء وإنما أبيحت للحاجة فإذا أبيحت للحاجة ~~فالطواف أولى. ثم مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير ~~العلماء وكما دل عليه الكتاب والسنة وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من ~~الصحابة، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المساجد ومع هذا إذا اضطر الجنب ~~والمحدث والحائض إلى مسه مسه فإذا اضطر إلى الطواف الذي لم يقم دليل شرعي ~~على وجوب الطهارة فيه مطلقا كان أولى بالجواز. فإذا قيل: الطواف منه ما هو ~~واجب. قيل: ومس المصحف قد يجب في بعض الأحوال إذا احتيج إليه لصيانته ~~الواجبة والقراءة الواجبة أو الحمل الواجب إذا لم يمكن أداء الواجب إلا ~~بمسه. وقوله صلى الله عليه وسلم {الحائض تقضي المناسك كلها # PageV26P200 # إلا الطواف بالبيت} من جنس قوله: {لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ} وقوله: {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار} {وقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا أحل المسجد لجنب ولا حائض} . بل اشتراط الوضوء في الصلاة وخمار ~~المرأة في الصلاة ومنع الصلاة بدون ذلك أعظم من منع الطواف مع الحيض وإذا ~~كان قد حرم المسجد على الجنب والحائض {ورخص للحائض أن تناوله الخمرة من ~~المسجد وقال لها: إن حيضتك ليست في يدك} تبين أن الحيضة في الفرج والفرج لا ~~ينال المسجد وهذه العلة تقتضي إباحته للحائض مطلقا لكن إذا كان قد {قال: لا ~~أحل المسجد لجنب ولا حائض} فلا بد من الجمع بين ذلك والإيمان بكل ما جاء من ~~عند الله وإذا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر فهذا عام مجمل وهذا خاص فيه إباحة ~~المرور وهو مستثنى من ذلك التحريم مع أنه لا ضرورة إليه فإباحة الطواف ~~للضرورة لا تنافي تحريمه بذلك النص كإباحة الصلاة للمرأة بلا خمار للضرورة ~~وإباحة الصلاة بلا وضوء للضرورة بالتيمم؛ بل وبلا وضوء ولا تيمم للضرورة ~~كما فعل الصحابة لما فقدوا الماء قبل نزول الآية وكإباحة الصلاة بلا قراءة ~~للضرورة مع قوله: {لا صلاة إلا بأم القرآن} . وكإباحة الصلاة والطواف مع ~~النجاسة للضرورة مع ms7704 قوله: " حتيه ثم اقرصيه ثم صلي فيه " وإباحة الصلاة على ~~المكان النجس للضرورة مع قوله: {جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا} # PageV26P201 # بل تحريم الدم ولحم الخنزير أعظم الأمور وقد أبيح للضرورة. والذي جاءت به ~~السنة أن الطواف عبادة متوسطة بين الصلاة وبين سائر المناسك فهو أفضل من ~~غيره لنهي الحائض عنه فالصلاة أكمل منه وذلك لأنه يشبه الصلاة أكثر من غيره ~~ولأنه مختص بالمسجد فلهاتين الحرمتين منعت منه الحائض ولم تأت سنة تمنع ~~المحدث منه وما لم يحرم على المحدث فلا يحرم على الحائض مع الضرورة بطريق ~~الأولى والأحرى كقراءة القرآن وكالاعتكاف في المسجد ولو حرم عليها مع الحدث ~~فلا يلزم تحريم ذلك مع الضرورة كمس المصحف وغيره. ومن جعل حكم الطواف مثل ~~حكم الصلاة فيما يجب ويحرم فقد خالف النص والإجماع. وليس لأحد أن يحتج بقول ~~أحد في مسائل النزاع وإنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر ~~مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج ~~لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية. ومن تربى على مذهب قد ~~تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق ~~بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به وبين ما ~~قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه ومن كان لا يفرق بين ~~هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء # PageV26P202 # وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم مثل المحدث عن غيره. والشاهد ~~على غيره لا يكون حاكما والناقل المجرد يكون حاكيا لا مفتيا. ولا يحتمل حال ~~هذه المرأة إلا تلك الأمور الثلاثة أو هذا القول أو أن يقال طواف الإفاضة ~~قبل الوقوف يجزئ إذا تعذر الطواف بعده. كما يذكر ذلك قولا في مذهب مالك ~~فيمن نسي طواف الإفاضة حتى عاد إلى بلده أنه يجزئه طواف القدوم هذا مع أنه ~~ليس لها فيه فرج فإنها قد يمتد بها الحيض من حين تدخل مكة إلى ms7705 أن يخرج ~~الحاج. # وفيه أيضا تقديم الطواف قبل وقته الثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ~~والمناسك قبل وقتها لا تجزئ. وإذا دار الأمر بين أن تطوف طواف الإفاضة مع ~~الحدث وبين أن لا تطوفه كان أن تطوفه مع الحدث أولى فإن في اشتراط الطهارة ~~نزاعا معروفا وكثير من العلماء كأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~يقولون: إنها في حال القدرة على الطهارة إذا طافت مع الحيض أجزأها وعليها ~~دم مع قولهم إنها تأثم بذلك ولو طافت قبل التعريف لم يجزئها وهذا القول ~~مشهور معروف. فتبين لك أن الطواف مع الحيض أولى من الطواف قبل الوقت. ~~وأصحاب هذا القول يقولون: إن الطهارة واجبة فيها لا شرط فيها والواجبات ~~كلها تسقط بالعجز ولهذا كان قول أبي حنيفة وغيره # PageV26P203 # من العلماء أن كل ما يجب في حال دون حال فليس بفرض وإنما الفرض ما يجب ~~على كل أحد في كل حال. ولهذا قالوا: إن طواف الوداع لما أسقطه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الحائض دل على أنه ليس بركن؛ بل يجبره دم. وكذلك المبيت ~~بمنى لما أسقطه عن أهل السقاية دل على أنه ليس بفرض؛ بل هو واجب يجبره دم. ~~وكذلك الرمي لما جوز فيه للرعاة وأهل السقاية التأخير من وقت إلى وقت دل ~~ذلك على أن فعله في ذلك الوقت ليس بفرض. وكذلك لما رخص للضعفة أن يفيضوا من ~~جمع بليل دل على أن الوقوف بمزدلفة بعد الفجر ليس بفرض بل هو واجب يجبره ~~الدم. فهذا حجة لهؤلاء العلماء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وقد ذكرها أصحاب أبي حنيفة كالطحاوي وغيره. فإذا كان قولهم إن الطهارة ليست ~~فرضا في الطواف وشرطا فيه بل هي واجبة تجبر بدم دل ذلك على أنها لا تجب على ~~كل أحد في كل حال فإن ما أوجب على كل أحد في كل حال إنما هو فرض عندهم لا ~~بد من فعله لا يجبر بدم. وحينئذ فإذا كانت الطهارة واجبة في حال دون حال ~~سقطت مع ms7706 العجز كما سقط سائر الواجبات مع العجز كطواف الوداع وكما يباح # PageV26P204 # للمحرم ما يحتاج إليه الناس من حاجة عامة كالسراويل والخفين فلا فدية عند ~~أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وسائر فقهاء الحديث بخلاف ما يحتاج إليه في ~~بعض الأحوال فإنه لا يباح إلا مع الفدية وأبو حنيفة يوجب الفدية في الجميع. ~~وحينئذ فهذه المحتاجة إلى الطواف أكثر ما يقال إنه يلزمها دم كما هو قول ~~أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد. فإن الدم يلزمها بدون العذر على قول ~~من يجعل الطهارة واجبة وأما مع العجز فإذا قيل بوجوب ذلك فهذا غاية ما يقال ~~فيها. والأقيس أنه لا دم عليها عند الضرورة. وأما أن يجعل هذا واجبا يجبره ~~دم ويقال: أنه لا يسقط للضرورة فهذا خلاف أصول الشريعة. وقد تبين بهذا أن ~~المضطرة إلى الطواف مع الحيض لما كان في علماء المسلمين من يفتيها بالإجزاء ~~مع الدم وإن لم تكن مضطرة. لم تكن الأمة مجمعة على أنه لا يجزئها إلا ~~الطواف مع الطهر مطلقا وحينئذ فليس مع المنازع القائل بذلك لا نص ولا إجماع ~~ولا قياس وقد بينا أن هذا القول مستلزم لجواز ذلك عند الحاجة وأن العلماء ~~اختلفوا في طهارة الحدث هل هي واجبة عليها؟ وأن قول النفاة للوجوب أظهر. ~~فلم تجمع الأمة على وجوب الطهارة مطلقا ولا على أن شيئا من الطهارة شرط في ~~الطواف. وأما الذي لا أعلم فيه نزاعا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا # PageV26P205 # كانت قادرة على الطواف مع الطهر فما أعلم منازعا أن ذلك يحرم عليها وتأثم ~~به وتنازعوا في إجزائه: فمذهب أبي حنيفة يجزئها ذلك وهو قول في مذهب أحمد ~~فإن أحمد نص في رواية على أن الجنب إذا طاف ناسيا أجزأه ذلك فمن أصحابه من ~~قصر ذلك على حال النسيان ومنهم من قال هذا يدل على أن الطهارة ليست فرضا إذ ~~لو كانت فرضا لما سقطت بالنسيان؛ لأنها من باب المأمور به لا من باب المنهي ~~عنه كطهارة الحدث في الصلاة؛ ms7707 بخلاف اجتناب النجاسة في الصلاة فإن ظاهر مذهب ~~أحمد أنه إذا صلى ناسيا لها أو جاهلا بها لا يعيد. لأن ذلك من باب المنهي ~~عنه فإذا فعله ناسيا أو جاهلا به لم يكن عليه إثم فيكون وجوده كعدمه. ثم إن ~~من أصحابه من قال هذا يدل على أن الطهارة في الطواف ليست عنده ركنا على هذه ~~الرواية بل واجبة تجبر بدم وحكى هؤلاء في صحة طواف الحائض روايتين. ~~إحداهما: لا يصح والثانية: يصح وتجبره بدم. وممن ذكر هذا أبو البركات وغيره ~~كذلك صرح غير واحد منهم بأن هذا النزاع في الطهارة من الحيض والجنابة كمذهب ~~أبي حنيفة. فعلى هذا القول تسقط بالعجز كسائر الواجبات. # PageV26P206 # وذكر آخرون من أصحابه عنه ثلاث روايات: رواية يجزئه الطواف مع الجنابة ~~ناسيا ولا دم عليه. ورواية أن عليه دما. ورواية أنه لا يجزئه ذلك وبعض ~~الناس يظن أن النزاع في مذهب أحمد إنما هو في الجنب والمحدث دون الحائض ~~وليس الأمر كذلك. بل صرح غير واحد من أصحابه بأن النزاع في الحائض وغيرها، ~~وكلام أحمد يدل على ذلك وتبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض وفي طواف ~~الجنب وكان يذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم في ذلك فذكر أبو بكر عبد ~~العزيز في " الشافي " عن الميموني قال: قلت لأحمد: من سعى وطاف طواف الواجب ~~على غير طهارة ثم واقع أهله فقال: هذه مسألة الناس فيها مختلفون وذكر قول ~~ابن عمر وما يقول عطاء وما يسهل فيه وما يقول الحسن {وأمر عائشة فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ~~إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم} فقد بليت به نزل بها ليس من قبلها. ~~قال الميموني: قلت: فمن الناس من يقول عليه الحج فقال: نعم كذلك أكثر علمي ~~ومن الناس من يذهب إلى أن عليه دما؟ قال أبو عبد الله أولا وآخرا هي مسألة ~~مشتبهة فيها نظر دعني حتى أنظر فيها. ومن الناس من يقول: ms7708 وإن رجع إلى بلده ~~يرجع حتى يطوف. قلت: والنسيان قال: والنسيان أهون حكما بكثير؟ يريد أهون ~~ممن يطوف على غير طهارة متعمدا. # PageV26P207 # قال أبو بكر عبد العزيز: قد بينا أمر الطواف بالبيت في أحكام الطواف على ~~قولين يعني لأحمد. أحد القولين: إذا طاف الرجل وهو غير طاهر أن الطواف يجزئ ~~عنه إذا كان ناسيا. والقول الآخر: أنه لا يجزئه حتى يكون طاهرا فإن وطئ وقد ~~طاف غير طاهر ناسيا فعلى قولين: مثل قوله في الطواف فمن أجاز الطواف غير ~~طاهر قال تم حجه ومن لم يجزه إلا طاهرا رده من أي المواضع ذكر حتى يطوف. ~~قال: وبهذا أقول. فأبو بكر وغيره من أصحاب أحمد يقولون في إحدى الروايتين ~~يجزئه مع العذر ولا دم عليه وكلام أحمد بين في هذا. وجواب أحمد المذكور ~~يبين أن النزاع عنده في طواف الحائض وغيره. وقد ذكر عن ابن عمر وعطاء ~~وغيرهما التسهيل في هذا. ومما نقل عن عطاء في ذلك أن المرأة إذا حاضت في ~~أثناء الطواف فإنها تتم طوافها وهذا صريح عن عطاء أن الطهارة من الحيض ليست ~~شرطا وقوله: مما اعتد به أحمد وذكر حديث عائشة وأن {قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم} يبين أنه أمر بليت به نزل ~~عليها ليس من قبلها فهي معذورة في ذلك. ولهذا تعذر إذا حاضت وهي معتكفة فلا ~~يبطل اعتكافها بل # PageV26P208 # تقيم في رحبة المسجد وإن اضطرت إلى المقام في المسجد أقامت به وكذلك إذا ~~حاضت في صوم الشهرين لم ينقطع التتابع باتفاق العلماء. وهذا يقتضي أنها ~~تشهد المناسك بلا كراهة وتشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة وتدعو وتذكر ~~الله والجنب يكره له ذلك لأنه قادر على الطهارة وهذه عاجزة عنها فهي معذورة ~~كما عذرها من جوز لها القراءة بخلاف الجنب الذي يمكنه الطهارة فالحائض أحق ~~بأن تعذر من الجنب الذي طاف مع الجنابة فإن ذلك يمكنه الطهارة وهذه تعجز عن ~~الطهارة وعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذر ms7709 الجنب بالنسيان فإن الناسي لما ~~أمر بها في الصلاة يؤمر بها إذا ذكرها وكذلك من نسي الطهارة للصلاة فعليه ~~أن يتطهر ويصلي إذا ذكر؛ بخلاف العاجز عن الشرط: مثل من يعجز عن الطهارة ~~بالماء فإنها تسقط عنه كذلك العاجز عن سائر أركان الصلاة: كالعاجز عن ~~القراءة والقيام وعن تكميل الركوع والسجود وعن استقبال القبلة فإن هذا يسقط ~~عنه كل ما عجز عنه ولم يوجب الله على أحد ما يعجز عنه من واجبات العبادات. ~~فهذه إذا لم يمكنها الطواف على الطهارة سقط عنها ما تعجز عنه ولا يسقط عنها ~~الطواف الذي تقدر عليه بعجزها عما هو ركن فيه أو واجب كما في الصلاة وغيرها ~~وقد قال الله تعالى: {فاتقوا # PageV26P209 # الله ما استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم} وهذه لا تستطيع إلا هذا وقد اتقت الله ما استطاعت فليس ~~عليها غير ذلك. # ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمدا آثم وقد ذكر أحمد القولين: هل ~~عليه دم؟ أم يرجع فيطوف؟ وذكر النزاع في ذلك وكلامه يبين في أن توقفه في ~~الطائف على غير طهارة يتناول الحائض والجنب مع التعمد ويبين أن أمر الناسي ~~أهون بكثير والعاجز عن الطهارة أعذر من الناسي. وقال أبو بكر عبد العزيز في ~~" الشافي ": (باب في الطواف بالبيت غير طاهر قال أبو عبد الله في رواية أبي ~~طالب: ولا يطوف بالبيت أحد إلا طاهرا والتطوع أيسر ولا يقف مشاهد الحج إلا ~~طاهرا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناس لطهارته ~~حتى رجع فإنه لا شيء عليه واختار له أن يطوف وهو طاهر وإن وطئ فحجه ماض ولا ~~شيء عليه. فهذا النص من أحمد صريح بأن الطهارة ليست شرطا وأنه لا شيء عليه ~~إذا طاف ناسيا لطهارته لا دم ولا غيره وأنه إذا وطئ بعد ذلك فحجه ماض ولا ~~شيء عليه كما أنه لما فرق بين التطوع # PageV26P210 # وغيره في الطهارة فأمر بالطهارة فيه. وفي سائر ms7710 المناسك دل ذلك على أن ~~الطهارة ليست شرطا عنده فقطع هنا بأنه لا شيء عليه مع النسيان. وقال في ~~رواية أبي طالب أيضا: إذا طاف بالبيت وهو غير طاهر يتوضأ ويعيد الطواف وإذا ~~طاف وهو جنب فإنه يغتسل ويعيد الطواف. وقال في رواية أبي داود: حدثنا سفيان ~~عن ابن جريج عن عطاء إذا طاف على غير وضوء فليعد طوافه. وقال أبو بكر عبد ~~العزيز: (باب في الطواف في الثوب النجس قال أبو عبد الله في رواية أبي ~~طالب: وإذا طاف رجل في ثوب نجس فإن الحسن كان يكره أن يفعل ذلك ولا ينبغي ~~له أن يطوف إلا في ثوب طاهر. وهذا الكلام من أحمد يبين أنه ليس الطواف عنده ~~كالصلاة في شروطها فإن غاية ما ذكر في الطواف في الثوب النجس أن الحسن كره ~~ذلك وقال لا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر. ومثل هذه العبارة تقال في ~~المستحب المؤكد وهذا بخلاف الطهارة في الصلاة. ومذهب أبي حنيفة وغيره أنه ~~إذا طاف وعليه نجاسة صح طوافه ولا شيء عليه. وبالجملة هل يشترط للطواف شروط ~~الصلاة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: يشترط كقول مالك والشافعي ~~وغيرهما. # PageV26P211 # والثاني: لا يشترط وهذا قول أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة؛ وغيره وهذا ~~القول هو الصواب فإن المشترطين في الطواف كشروط الصلاة ليس معهم حجة إلا ~~قوله صلى الله عليه وسلم {الطواف بالبيت صلاة} وهذا لو ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن لهم فيه حجة كما تقدم. والأدلة الشرعية تدل على خلاف ~~ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على الطائفين طهارة ولا اجتناب ~~نجاسة بل قال: {مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم} ~~والطواف ليس كذلك والطواف لا يجب فيه ما يجب في الصلاة ولا يحرم فيه ما ~~يحرم في الصلاة فبطل أن يكون مثلها. وقد ذكروا من القياس أنها عبادة متعلقة ~~بالبيت فكانت الطهارة وغيرها شرطا فيها كالصلاة وهذا القياس فاسد فإنه ~~يقال: لا ms7711 نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت ولم يذكروا دليلا على ~~ذلك. والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم ~~أو دليل العلة. أيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة سواء تعلقت بالبيت أو ~~لم تتعلق ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضا شرطا ~~فيها ولم تكن متعلقة بالبيت وكذلك أيضا إذا صلى. # PageV26P212 # إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر وكصلاة الخوف راكبا فإن ~~الطهارة شرط وليست متعلقة بالبيت. وأيضا فالنظر إلى البيت عبادة متعلقة ~~بالبيت ولا يشترط له الطهارة ولا غيرها. ثم هناك عبادة من شرطها المسجد ولم ~~تكن الطهارة شرطا فيها كالاعتكاف وقد قال تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود} فليس إلحاق الطائف بالراكع الساجد بأولى من ~~إلحاقه بالعاكف بل بالعاكف أشبه لأن المسجد شرط في الطواف والعكوف وليس ~~شرطا في الصلاة. فإن قيل: الطائف لا بد أن يصلي الركعتين بعد الطواف ~~والصلاة لا تكون إلا بطهارة. قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع وإذا قدر ~~وجوبهما لم تجب فيهما الموالاة وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال ~~الصلاة بالخطبة يوم الجمعة. ومعلوم أنه لو خطب محدثا ثم توضأ وصلى الجمعة ~~جاز فلأن يجوز أن يطوف محدثا ثم يتوضأ ويصلي الركعتين بطريق الأولى وهذا ~~كثير ما يبتلى به الإنسان إذا نسي الطهارة في الخطبة والطواف فإنه يجوز له ~~أن يتطهر ويصلي وقد نص على أنه إذا خطب وهو جنب جاز. وإذا تبين أن الطهارة ~~ليست شرطا: يبقى الأمر دائرا بين أن # PageV26P213 # تكون واجبة وبين أن تكون سنة وهما قولان للسلف وهما قولان في مذهب أحمد ~~وغيره. وفي مذهب أبي حنيفة؛ لكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: ~~مع ذلك عليها دم. وأما أحمد فإنه يقول: لا شيء عليها لا دم ولا غيره كما ~~صرح به فيمن طاف جنبا وهو ناس فإذا طافت حائضا مع التعمد توجه القول بوجوب ~~الدم عليها. وأما مع العجز فهنا غاية ms7712 ما يقال: إن عليها دما والأشبه أنه لا ~~يجب الدم؛ لأن هذا واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز فإن لزوم الدم إنما ~~يجب بترك مأمور وهي لم تترك مأمورا في هذه الحالة ولم تفعل محظورا من ~~محظورات الإحرام وهذا ليس من محظورات الإحرام؛ فإن الطواف يفعله الحلال ~~والحرام فصار الحظر هنا من جنس حظر اللبث في المسجد واعتكاف الحائض في ~~المسجد أو مس المصحف أو قراءة القرآن وهذا يجوز للحاجة بلا دم، وطواف ~~الإفاضة إنما يجوز بعد التحلل الأول وهي حينئذ يباح لها المحظورات إلا ~~الجماع. فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف ~~الوداع. والنبي صلى الله عليه وسلم أسقط طواف الوداع عن الحائض وأمر عائشة ~~لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال # PageV26P214 # العمرة وتحرم بالحج فعلم أنه لا يمكنها الطواف. قيل: الطواف مع الحيض ~~محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما. والمحظورات لا تباح إلا حال الضرورة ~~ولا ضرورة بها إلى طواف الوداع فإن ذلك ليس من الحج. ولهذا لا يودع المقيم ~~بمكة وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت. وكذلك طواف القدوم ~~ليست مضطرة إليه بل لو قدم الحاج وقد ضاق الوقت عليه بدأ بعرفة ولم يطف ~~للقدوم فهو إن أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في أحدهما أو ~~استحباب. فإن للعلماء في ذلك أقوالا. وليس واحد منهما ركنا يجب على كل حاج ~~بالسنة الثابتة باتفاق العلماء؛ بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه؛ لأنه ~~لا حج إلا به وهذا كما يباح لها دخول المسجد للضرورة ولا تدخله لصلاة ولا ~~اعتكاف وإن كان منذورا؛ بل المعتكفة إذا حاضت خرجت من المسجد ونصبت لها قبة ~~في فنائه. وهذا أيضا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف ~~فيه لحرمة المسجد وإلا فالحيض لا يبطل اعتكافها؛ لأنها مضطرة إليه بل إنما ~~تمنع من المسجد لا من الاعتكاف فإنها ليست مضطرة إلى أن تقيم في المسجد ولو ~~أبيح ms7713 لها ذلك مع دوام الحيض لكان في ذلك إباحة المسجد للحيض. وأما الطواف ~~فلا يمكن إلا في المسجد # PageV26P215 # الحرام فإنه مختص ببقعة معينة ليس كالاعتكاف فإن المعتكف يخرج من المسجد ~~لما لا بد منه: كقضاء الحاجة والأكل والشرب وهو معتكف في حال خروجه من ~~المسجد ليس له في تلك الحال أن يباشر النساء وهو كما قال الله تعالى: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} . وقوله: {في المساجد} يتعلق بقوله: ~~{عاكفون} لا بقوله: {تباشروهن} . فإن المباشرة في المسجد لا تجوز للمعتكف. ~~ولا لغيره بل المعتكف في المسجد ليس له أن يباشر إذا خرج منه لما لا بد ~~منه. فلما كان هذا يشبه الاعتكاف والحائض تخرج لما لا بد لها منه فلم يقطع ~~الحيض اعتكافها وقد جمع سبحانه بين العكوف والطواف والصلاة في الأمر بتطهير ~~بيته بقوله: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} فمنعه من ~~الحيض من تمام طهارته والطواف كالعكوف لا كالصلاة فإن الصلاة تباح في جميع ~~الأرض لا تختص بمسجد ويجب لها ويحرم فيها ما لا يحرم في اعتكاف ولا طواف. ~~وحقيقة الأمر: أن الطواف عبادة من العبادات التي يفعلها الحلال والحرام لا ~~تختص بالإحرام ولهذا كان طواف الفرض إنما يجب بعد التحلل الأول فيطوف الحاج ~~الطواف المذكور في قوله تعالى # PageV26P216 # {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} . فيطوف الحجاج ~~وهم حلال قد قضوا حجهم ولم يبق عليهم محرم إلا النساء ولهذا لو جامع أحدهم ~~في هذه الحال لم يفسد نسكه باتفاق الأئمة وإذا كانت عبادة من العبادات فهي ~~عبادة مختصة بالمسجد الحرام كما أن الاعتكاف يختص بجميع المساجد والله ~~تعالى قد أمر بتطهير بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود وليس هو نوعا ~~من الصلاة فإذا ترك من واجبه شيئا فقد يقال ترك شيئا ومن ترك شيئا من نسكه ~~فعليه دم. وإذا ترك الواجب الذي هو صفة في الطواف للعجز فهذا محل اجتهاد: ~~هل يلحق بمن ترك شيئا من نسكه؟ أو يقال: هذا فيمن ترك نسكا مستقلا أو تركه ms7714 ~~مع القدرة بلا عذر أو ترك ما يختص بالحج والعمرة. وأما القول بأن هذه ~~العاجزة عن الطواف مع الحيض ترجع محرمة أو تكون كالمحصر أو يسقط عنها الحج ~~أو يسقط عنها طواف الفرض فهذه أقوال كلها مخالفة لأصول الشرع مع أني لم ~~أعلم إماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه الصورة. وإنما كلام من قال ~~عليها دم أو ترجع محرمة ونحو ذلك - من السلف والأئمة - كلام مطلق يتناول من ~~كان يفعل ذلك في عهدهم وكان زمنهم يمكنها أن تحتبس حتى تطهر وتطوف كانوا ~~يأمرون الأمراء أن يحتبسوا حتى تطهر الحيض # PageV26P217 # ويطفن؛ ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري الذي لها أن يحتبس معها حتى تطهر ~~وتطوف. ثم إن أصحابه قالوا: لا يجب على مكاريها في هذه الأزمان أن يحتبس ~~معها لما عليه في ذلك من الضرر. فعلم أن أجوبة الأئمة بكون الطهارة من ~~الحيض شرطا أو واجبا؛ كان مع القدرة على أن تطوف طاهرا لا مع العجز عن ذلك ~~اللهم إلا أن يكون منهم من قال بالاشتراط أو الوجوب في الحالين فيكون ~~النزاع مع من قال ذلك والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد. # PageV26P218 # وسئل شيخ الإسلام: # عن هذه الضرورة التي في الحيض المبتلى بها شطر النسوة في الحج وكثرة ~~اختلاف الأنواع فيه: منهم من تكون حائضا في ابتداء الإحرام ومنهم من تحيض ~~أيام التشريق. المسألة الأولى: امرأة تحيض أول الشهر ولم يمكن أن تطوف إلا ~~حائضا وعند الوقوف بعرفة ترى شيئا من الصفرة والكدرة التي تراها بعد القصة ~~البيضاء فما الحكم في ذلك. المسألة الثانية: فيمن تحيض في خامس إلى تاسع ~~ويبقى حيضها إلى سابع عشر أو أكثر فوقفت وهي حائض ورمت وهي حائض وطافت ~~للإفاضة وهي حائض ولم يمكنها عمرة. المسألة الثالثة: امرأة وقفت ورمت ~~الجمار وتريد طواف الإفاضة فحاضت قبل الطواف فلم تطف وكتمت وكانت تريد ~~العمرة فلم تعتمر ورجعت ولم تفعل لا طوافا ولا عمرة ولا دما. # فأجاب - رحمه الله-: # الحمد لله رب العالمين، أما " المسألة الأولى ms7715 ": فإن # PageV26P219 # المرأة الحائض تقضي جميع المناسك. وهي حائض؛ غير الطواف بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه واتفاق الأئمة. فإنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: {الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت} {وأمر أسماء بنت أبي ~~بكر لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتحرم} {وأمر عائشة لما حاضت بسرف أن ~~تغتسل وتحرم بالحج ولا تطوف قبل التعريف} . فهذه التي قدمت مكة وهي حائض ~~قبل التعريف لا تطوف بالبيت لكن تقف بعرفة ولو كانت حائضا فكيف إذا كانت ~~ترى شيئا من الصفرة والكدرة. و " الصفرة والكدرة " للفقهاء فيها ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره: هل هي حيض مطلق أو ليست حيضا مطلقا. والقول ~~الثالث - وهو الصحيح - أنها إن كانت في العادة مع الدم الأسود والأحمر فهي ~~حيض وإلا فلا؛ لأن النساء كن يرسلن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فتقول ~~لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. وكذلك غيرها فكن يجعلن ما قبل القصة ~~البيضاء حيضا. وقالت أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا. ~~وليس في المناسك ما تجب له الطهارة إلا الطواف فإن الطواف بالبيت تجب له ~~الطهارة باتفاق العلماء. وأما الطواف بين الصفا والمروة # PageV26P220 # ففيه نزاع والجمهور على أنه لا تجب له الطهارة وما سوى ذلك لا تجب له ~~الطهارة باتفاق العلماء. ثم تنازع العلماء في الطهارة هل هي شرط في صحة ~~الطواف كما هي شرط في صحة الصلاة أم هي واجبة إذا تركها جبرها بدم كمن ترك ~~الإحرام من الميقات أو ترك رمي الجمار أو نحو ذلك؟ على قولين مشهورين هما ~~روايتان عن أحمد. أشهرهما عنه: وهي مذهب مالك والشافعي أن الطهارة شرط فيها ~~فإذا طاف جنبا أو محدثا أو حائضا ناسيا أو جاهلا ثم علم أعاد الطواف. ~~والثاني: أنه واجب فإذا فعل ذلك جبره بدم؛ لكن عند أبي حنيفة الجنب والحائض ~~عليه بدنة والمحدث عليه شاة. وأما أحمد فأوجب دما ولم يعين بدنة ونص في ذلك ~~على الجنب إذا طاف ناسيا فقال في ms7716 هذه الرواية: عليه دم. فمن أصحابه من جعل ~~الروايتين في المعذور خاصة كالناسي. ومنهم من جعل الروايتين مطلقا في ~~الناسي والمتعمد ونحوهما. والذين جعلوا ذلك شرطا احتجوا بأن الطواف بالبيت ~~كالصلاة # PageV26P221 # كما في النسائي وغيره عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أباح لكم فيه الكلام فمن تكلم فلا ~~يتكلم إلا بخير} وهذا قد قيل إنه موقوف على ابن عباس. وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لا يطوف بالبيت عريان} وقد قال الله تعالى: {خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد} نزلت لما كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا الحمس فإنهم ~~كانوا يطوفون في ثيابهم وغيرهم لا يطوف في ثيابه يقولون: ثياب عصينا الله ~~فيها فإن وجد ثوب أحمسي طاف فيه وإلا طاف عريانا فإن طاف في ثيابه ألقاها ~~فسميت لقاء. وكان هذا مما ابتدعه المشركون في الطواف وابتدعوا أيضا تحريم ~~أشياء من المطاعم في الإحرام فأنزل الله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق} وقوله: {وإذا فعلوا فاحشة} - كالطواف بالبيت ~~عراة - {قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} . فما ثبت بالنص من إيجاب الطهارة ~~والستارة في الطواف متفق عليه وأما ما ثبت باللزوم من كون ذلك شرطا فيه ~~كالصلاة ففيه نزاع. # PageV26P222 # ومن قال: إن ذلك ليس بشرط قال: إن الحج قد وجب فيه أشياء تجبر بدم ليست ~~شرطا في صحة الحج فإذا تركها الحاج عمدا أو سهوا جبرها بدم بخلاف الصلاة. ~~وأما الصلاة فهل يجب فيها ما لا تبطل بتركه مطلقا أم لا؟ أم لا تبطل إذا ~~تركه نسيانا هذا فيه نزاع مشهور. فأبو حنيفة يوجب فيها ما لا تبطل بتركه ~~مطلقا كقراءة الفاتحة والطمأنينة كذلك أحمد في أحد القولين في مذهبه إذ ~~أوجب الجماعة ولم يجعلها شرطا ms7717 في صحة الصلاة وأحمد في المشهور عنه يوجب ~~فيها ما إذا تركه سهوا جبره بسجدتي السهو وما لا يحتاج إلى جبر كاجتناب ~~النجاسات في المشهور عنه. وكذلك مالك يوجب فيها من اجتناب النجاسة ونحوها ~~ما إذا تركه أعاد في الوقت ولم يعد بعده كما هو مشهور في مذاهبهم. # وأما " المسألة الثانية ": فإن المرأة إذا حاضت وطهرت قبل يوم النحر سقط ~~عنها طواف القدوم وطافت طواف الإفاضة يوم النحر وبعده وهي طاهر. وكذلك لو ~~طافت طواف الإفاضة وهي طاهر ثم حاضت فلم تطهر قبل الخروج فإنه يسقط عنها ~~طواف الوداع؛ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رخص للمرأة إذا طافت ~~وهي طاهر ثم حاضت أنه يسقط عنها طواف الوداع {وحاضت امرأته صفية أم ~~المؤمنين يوم النحر فقال: أحابستنا هي؟ فقالوا: إنها # PageV26P223 # قد أفاضت قال: فلا إذا} . وإن حاضت قبل طواف الإفاضة فعليها أن تحتبس حتى ~~تطهر وتطوف إذا أمكن ذلك وعلى من معها أن يحتبس لأجلها إذا أمكنه ذلك. ولما ~~كانت الطرقات آمنة في زمن السلف والناس يردون مكة ويصدرون عنها في أيام ~~العام كانت المرأة يمكنها أن تحتبس هي وذو محرمها ومكاريها حتى تطهر ثم ~~تطوف فكان العلماء يأمرون بذلك. وربما أمروا الأمير أن يحتبس لأجل الحيض ~~حتى يطهرن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أحابستنا هي؟ " وقال أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - أمير وليس بأمير: امرأة مع قوم حاضت قبل الإفاضة ~~فيحتبسون لأجلها حتى تطهر وتطوف أو كما قال. وأما هذه الأوقات فكثير من ~~النساء أو أكثرهن لا يمكنها الاحتباس بعد الوفد والوفد ينفر بعد التشريق ~~بيوم أو يومين أو ثلاثة وتكون هي قد حاضت ليلة النحر فلا تطهر إلى سبعة ~~أيام أو أكثر وهي لا يمكنها أن تقيم بمكة حتى تطهر؛ إما لعدم النفقة أو ~~لعدم الرفقة التي تقيم معها وترجع معها ولا يمكنها المقام بمكة لعدم هذا أو ~~هذا أو لخوف الضرر على نفسها وما لها في المقام وفي الرجوع بعد الوفد. ~~والرفقة التي ms7718 معها: تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها إما لعدم القدرة على ~~المقام والرجوع وحدهم وإما لخوف الضرر على أنفسهم # PageV26P224 # وأموالهم. وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه فتبقى هي معذورة. فهذه " ~~المسألة " التي عمت بها البلوى. فهذه إذا طافت وهي حائض وجبرت بدم أو بدنة ~~أجزأها ذلك عند من يقول: الطهارة ليست شرطا كما تقدم في مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه وأولى فإن هذه معذورة؛ لكن هل يباح لها الطواف ~~مع العذر هذا محل النظر. وكذلك قول من يجعلها شرطا: هل يسقط هذا الشرط ~~للعجز عنه ويصح الطواف؟ هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته. فيتوجه أن ~~يقال: إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات ويسقط عنها ما تعجز عنه فتطوف. ~~وينبغي أن تغتسل - وإن كانت حائضا - كما تغتسل للإحرام وأولى. وتستثفر كما ~~تستثفر المستحاضة وأولى وذلك لوجوه: أحدها: أن هذه لا يمكن فيها إلا أحد ~~أمور خمسة: إما أن يقال: تقيم حتى تطهر وتطوف وإن لم يكن لها نفقة ولا مكان ~~تأوي إليه بمكة وإن لم يمكنها الرجوع إلى بلدها وإن حصل لها بالمقام بمكة ~~من يستكرهها على الفاحشة فيأخذ مالها أن كان معها مال. وإما أن يقال: بل ~~ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقي من إحرامها إلى أن يمكنها الرجوع ~~وإن لم يمكنها بقيت محرمة # PageV26P225 # إلى أن تموت. وإما أن يقال: بل تتحلل كما يتحلل المحصر ويبقى تمام الحج ~~فرضا عليها تعود إليه كالمحصر عن البيت مطلقا لعذر فإنه يتحلل من إحرامه ~~ولكن لم يسقط الفرض عنه بل هو باق في ذمته باتفاق العلماء ولو كان قد أحرم ~~بتطوع من حج أو عمرة فأحصر فهل عليه قضاؤه؟ على قولين مشهورين هما روايتان ~~عن أحمد: أشهرهما عنه أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي. والثاني ~~عليه القضاء وهو قول أبي حنيفة وكل من الفريقين احتج بعمرة القضية هؤلاء ~~قالوا: قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأولئك قالوا: لم يقضها المحصرون ~~معه فإنهم كانوا أكثر من ms7719 ألف وأربعمائة والذين اعتمروا معه عمرة القضية في ~~العام القابل كانوا دون ذلك بكثير وقالوا: سميت عمرة القضية؛ لأنه قاضى ~~عليها المشركين لا لكونه قضاها وإنما كانت عمرة قائمة بنفسها. وإما أن ~~يقال: من تخاف أن تحيض فلا يمكنها الطواف طاهرا لا تؤمر بالحج لا إيجابا ~~ولا استحبابا ونصف النساء أو قريب من النصف يحضن؛ إما في العاشر وإما قبله ~~بأيام ويستمر حيضهن إلى ما بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة فهؤلاء في ~~هذه الأزمنة في كثير من الأعوام أو أكثرها لا يمكنهن طواف الإفاضة مع الطهر # PageV26P226 # فلا يحججن ثم إذا قدر أن الواحدة حجت فلا بد لها من أحد الأمور الثلاثة ~~المتقدمة إلا أن يسوغ لها الطواف مع الحيض. ومن المعلوم أن الوجه الأول لا ~~يجوز أن تؤمر به فإن في ذلك من الفساد في دينها ودنياها ما يعلم بالاضطرار ~~أن الله ينهى عنه فضلا عن أن يأمر به. والوجه الثاني: كذلك لثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن الله لم يأمر أحدا أن يبقى محرما إلى أن يموت فالمحصر بعدو له أن ~~يتحلل باتفاق العلماء والمحصر بمرض أو فقر فيه نزاع مشهور فمن جوز له ~~التحلل فلا كلام فيه ومن منعه التحلل قال: إن ضرر المرض والفقر لا يزول ~~بالتحلل بخلاف حبس العدو فإنه يستفيد بالتحلل الرجوع إلى بلده وأباحوا له ~~أن يفعل ما يحتاج إليه من المحظورات ثم إذا فاته الحج تحلل بعمرة الفوات ~~فإذا صح المريض ذهب والفقير حاجته في إتمام سفر الحج كحاجته في الرجوع إلى ~~وطنه فهذا مأخذهم في أنه لا يتحلل. قالوا لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئا فإن ~~كان هذا المأخذ صحيحا وإلا كان الصحيح هو القول الأول وهو التحلل وهذا ~~المأخذ يقتضي اتفاق الأئمة على أنه متى كان دوام الإحرام يحصل به ضرر يزول ~~بالتحلل فله التحلل. # PageV26P227 # ومعلوم أن هذه المرأة إذا دام إحرامها تبقى ممنوعة من الوطء دائما بل ~~وممنوعة في أحد قوليهم من مقدمات الوطء بل ومن النكاح ومن الطيب ومن الصيد ms7720 ~~عند من يقول بذلك. وشريعتنا لا تأتي بمثل ذلك. ولو قدر أن بعض القائلين بأن ~~المحصر بمرض أو نفقة يقول بمثل ذلك - فالمريض المأيوس من برئه والفقير الذي ~~يمكنه المقام دون السفر - كان قوله مردودا بأصول الشريعة فإنه لا يقول ~~فقيه: إن الله أمر المريض المعضوب المأيوس من برئه أن يبقى محرما حتى يموت ~~بل أكثر ما يقال إنه يقيم مقامه من يحج عنه كما قال ذلك الشافعي وأحمد في ~~أصل الحج. فأوجباه على المعضوب إذا كان له مال يحج به غيره عنه إذ كان مناط ~~الوجوب عندهما هو ملك الزاد والراحلة وعند مالك القدرة بالبدن كيف ما كان ~~وعند أبي حنيفة مجموعهما وعند أحمد في كل من الأمرين مناط للوجوب فيجب على ~~هذا وهذا ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن المعضوب عليه أن يحج أو يعتمر ~~ببدنه فكيف يبقى محرما عليه إتمام الحج إلى أن يموت الثاني: أن هذه إذا ~~أمكنها العود فعادت أصابها في المرة الثانية نظير ما أصابها في الأولى إذا ~~كان لا يمكنها العود إلا مع الوفد والحيض قد يصيبها مدة مقامهم بمكة. # PageV26P228 # الثالث: أن هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج من غير تفريط منه ~~ولا عدوان وهذا خلاف الأصول فإن الله لم يوجب على الناس الحج إلا مرة واحدة ~~وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه وإذا أوجبه على ~~من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه؛ لأن الوقوف له وقت محدود يمكن في العادة أن ~~لا يتأخر عنه فتأخره يكون لجهله بالطريق أو بما بقي من الوقت أو لترك السير ~~المعتاد وكل ذلك تفريط منه؛ بخلاف الحائض فإنها لم تفرط ولهذا أسقط النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنها طواف الوداع وطواف القدوم كما في حديث عائشة ~~وصفية. وأما التقدير الثالث: وهو أن يقال إنها تتحلل كما يتحلل المحصر فهذا ~~أقوى قال ذلك طائفة من العلماء فإن خوفها منعها من المقام حتى تطوف كما لو ~~كان بمكة عدو منعها من نفس الطواف ms7721 دون المقام على القول بذلك لكن هذا القدر ~~لا يسقط عنها فرض الإسلام ولا يؤمر المسلم بحج يحصر فيه فمن اعتقد أنه إذا ~~حج أحصر عن البيت لم يكن عليه الحج بل خلو الطريق وأمنه وسعة الوقت شرط في ~~لزوم السفر باتفاق المسلمين. وإنما تنازعوا هل هو شرط في الوجوب بمعنى أن ~~ملك الزاد والراحلة مع خوف الطريق أو ضيق الوقت هل يجب عليه؟ فيحج # PageV26P229 # عنه إذا مات؟ أو لا يجب عليه بحال؟ على قولين معروفين. فعلى قول من لم ~~يجعل لها رخصة إلا رخصة الحصر يلزمه القول الرابع وهو أنها لا تؤمر بالحج؛ ~~بل لا يجب ولا يستحب فعلى هذا التقدير يبقى الحج غير مشروع لكثير من ~~النساء. أو أكثرهن في أكثر هذه الأوقات مع إمكان أفعالها كلها لكونهن يعجزن ~~عن بعض الفروض في الطواف. ومعلوم أن هذا خلاف أصول الشريعة فإن العبادات ~~المشروعة إيجابا أو استحبابا إذا عجز عن بعض ما يجب فيها لم يسقط عنه ~~المقدور؛ لأجل المعجوز بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم} وذلك مطابق لقول الله تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} ومعلوم أن الصلاة وغيرها من العبادات التي هي أعظم من الطواف لا ~~تسقط بالعجز عن بعض شروطها وأركانها فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط ~~الطواف وأركانه ومثل هذا القول أن يقال: يسقط عنها طواف الإفاضة فإن هذا ~~خلاف الأصول إذ الحج عبارة عن الوقوف والطواف والطواف أفضل الركنين ~~وأجلهما؛ ولهذا يشرع في الحج ويشرع في العمرة ويشرع منفردا ويشترط له من ~~الشروط ما لا يشترط للوقوف فكيف يمكن أن يصح الحج بوقوف بلا طواف. # PageV26P230 # ولكن أقرب من ذلك أن يقال: يجزيها طواف الإفاضة قبل الوقوف. فيقال: إنها ~~إن أمكنها الطواف بعد التعريف وإلا طافت قبله؛ لكن هذا لا نعلم أحدا من ~~الأئمة قال به في صورة من الصور ولا قال بإجزائه؛ إلا ما نقله البصريون عن ~~مالك فيمن طاف وسعى قبل التعريف ثم رجع ms7722 إلى بلده ناسيا أو جاهلا أن هذا ~~يجزيه عن طواف الإفاضة. وقد قيل: على هذا يمكن أن يقال في الحائض مثل ذلك ~~إذا لم يمكنها الطواف إلا قبل الوقوف ولكن هذا لا أعرف به قائلا. والمسألة ~~المنقولة عن مالك قد يقال: فيها إن الناسي والجاهل معذور ففي تكليفه الرجوع ~~مشقة عظيمة فسقط الترتيب لهذا العذر وكما يقال في الطهارة في أحد الوجهين ~~على إحدى الروايتين في مذهب أحمد: أنه إذا طاف محدثا ناسيا حتى أبعد كان ~~معذورا فيجبره بدم. وأما إذا أمكنه الإتيان بأكثر الواجبات فكيف يسقط بعجزه ~~عن بعضها وطواف الحائض قد قيل إنه يجزئ مطلقا وعليها دم. وأما تقديم طواف ~~الفرض على الوقوف: فلا يجزي مع العمد بلا نزاع، وترتيب قضاء الفوائت يسقط ~~بالنسيان عند أكثر # PageV26P231 # العلماء ولا يسقط بالعجز عن بعض شروط الصلاة ولا بضيق الوقت عند أكثرهم. ~~وأيضا فالمستحاضة ومن به سلس البول ونحو هؤلاء لو أمكنه أن يطوف قبل ~~التعريف بطهارة وبعد التعريف بهذا الحدث لم يطف إلا بعد التعريف ولهذا لا ~~يجوز للمرأة أن تصوم قبل شهر رمضان؛ لأجل الحيض في رمضان ولكن تصوم بعد ~~وجوب الصوم. وأيضا فإن الأصول متفقة على أنه متى دار الأمر بين الإخلال ~~بوقت العبادة والإخلال ببعض شروطها وأركانها كان الإخلال بذلك أولى كالصلاة ~~فإن المصلي لو أمكنه أن يصلي قبل الوقت بطهارة وستارة مستقبل القبلة مجتنب ~~النجاسة ولم يمكنه ذلك في الوقت فإنه يفعلها في الوقت على الوجه الممكن ولا ~~يفعلها قبله بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك أيضا لا يؤخر العبادة عن الوقت ~~بل يفعلها فيه بحسب الإمكان وإنما يرخص للمعذور في الجمع لأن الوقت وقتان: ~~وقت مختص لأهل الرفاهية ووقت مشترك لأهل الأعذار. والجامع بين الصلاتين ~~صلاهما في الوقت المشروع لم يفوت واحدة منهما ولا قدمها على الوقت المجزئ ~~باتفاق العلماء. # PageV26P232 # وكذلك الوقوف لو فرضنا أنه أمكنه الوقوف قبل الوقت أو بعده إذا لم يمكنه ~~في وقته لم يكن الوقوف في غير وقته مجزيا باتفاق العلماء، والطواف للإفاضة ms7723 ~~هو مشروع بعد التعريف ووقته يوم النحر وما بعده وهل يجزئ بعد انتصاف الليل ~~ليلة النحر؟ فيه نزاع مشهور. فإذا تبين فساد هذه الأقسام الأربعة بقي ~~(الخامس: وهو أنها تفعل ما تقدر عليه ويسقط عنها ما تعجز عنه وهذا هو الذي ~~تدل عليه النصوص المتناولة لذلك والأصول المشابهة له وليس في ذلك مخالفة ~~الأصول والنصوص التي تدل على وجوب الطهارة كقوله صلى الله عليه وسلم {تقضي ~~الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت} إنما تدل على الوجوب مطلقا. كقوله: ~~{إذا أحدث أحدكم فلا يصلي حتى يتوضأ} وقوله {لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى ~~يتوضأ} وقوله: {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار} وقوله: " حتيه ثم اقرصيه ~~ثم اغسليه ثم صلي فيه " وقوله: {لا يطوف بالبيت عريان} وأمثال ذلك من ~~النصوص. وقد علم أن وجوب ذلك جميعه مشروط بالقدرة كما قال تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} وقال صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~أستطعتم} وهذا تقسيم حاصر. إذا تبين أنه لا يمكن أن تؤمر بالمقام مع العجز ~~والضرر على نفسها # PageV26P233 # ودينها ومالها ولا تؤمر بدوام الإحرام وبالعود مع العجز وتكرير السفر ~~وبقاء الضرر من غير تفريط منها. ولا يكفي التحلل ولا يسقط به الفرض. وكذلك ~~سائر الشروط: كالستارة واجتناب النجاسة وهي في الصلاة أوكد. فإن غاية ~~الطواف أن يشبه بالصلاة وليس في الطواف نص ينفي قبول الطواف مع عدم الطهارة ~~والستارة كما في الصلاة. ولكن فيه ما يقتضي وجوب ذلك. ولهذا تنازع العلماء: ~~هل ذلك شرط؟ أو واجب ليس بشرط؟ ولم يتنازعوا أن ذلك شرط في صحة الصلاة وأنه ~~يستلزم أن تؤمر بترك الحج ولا تؤمر بترك الحج بغير ما ذكرناه وهو المطلوب. ~~الدليل الثاني: أن يقال: غاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف ومعلوم أن ~~كونها شرطا في الصلاة أوكد منها في الطواف ومعلوم أن الطهارة كالستارة ~~واجتناب النجاسة بل الستارة في الطواف أوكد من الطواف؛ لأن ستر العورة يجب ~~في الطواف وخارج الطواف ولأن ذلك ms7724 من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم عنها نهيا عاما؛ ولأن المستحاضة ومن به سلس البول ~~ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق المسلمين والحدث في حقهم من جنس الحدث في # PageV26P234 # حق غيرهم لم يفرق بينهما إلا العذر. وإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط ~~بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى والمصلي يصلي عريانا ومع الحدث ~~والنجاسة في صورة المستحاضة وغيرها ويصلي مع الجنابة وحدث الحيض مع التيمم ~~وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب؛ لكن الحائض لا تصلي؛ ~~لأنها ليست محتاجة إلى الصلاة مع الحيض فإنها تسقط عنها إلى غير بدل؛ لأن ~~الصلاة تتكرر بتكرر الأيام فكانت صلاتها في سائر الأيام تغنيها عن القضاء؛ ~~ولهذا أمرت بقضاء الصيام دون الصلاة؛ لأن الصوم شهر واحد في الحول فإذا لم ~~يمكنها أن تصوم طاهرا في رمضان صامت في غير شهر رمضان فلم يتعدد الواجب ~~عليها بل نقلت من وقت إلى وقت ولو قدر أنها عجزت عن الصوم عجزا مستمرا كعجز ~~الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والمريض المأيوس من برئه سقط عنها إما إلى ~~بدل وهو الفدية بإطعام مسكين عن كل يوم عند الأكثرين كمذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد. وإما إلى غير بدل كقول مالك. وأما الصلاة فلا يمكن العجز ~~عن جميع أركانها بل يفعل منها ما يقدر عليه فلو قدر أنه عجز عن جميع ~~الحركات الظاهرة برأسه وبدنه سقطت عنه في أحد قولي العلماء. كقول أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى # PageV26P235 # الروايتين وأحد القولين في مذهب مالك وفي القول الآخر يومئ بطرفه ويستحضر ~~الأفعال بقلبه كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. والقول الأول أشبه ~~بالأثر والنظر. وأما الحج فالتقدير أنه لا يمكنها أن تحج إلا على هذا الوجه ~~وإذا لم يمكنها ذلك كان هذا غاية المقدور كما لو لم يمكنه أن يطوف إلا ~~راكبا أو حامل النجاسة. # فإن قيل: هنا سؤالان: # أحدهما: أنه هلا جعلت الحائض كالمعضوب فإن كانت ترجو أن تحج ويمكنها ~~الطواف وإلا استنابت؟ . والثاني: أنه إذا لم ms7725 يسوغ لها الشارع الصلاة زمن ~~الحيض كما يسوغها للجنب بالتيمم وللمستحاضة علم أن الحيض لا تصح معه ~~العبادة بحال. فيقال: أما الأول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى ~~مكة فأما من أمكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب كما لو ~~أمكنه الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة مثل المستحاضة ومن به سلس البول ~~ونحوهما فإن عليه الحج بالإجماع # PageV26P236 # ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة وكذلك من لم يمكنه الطواف إلا راكبا أو ~~محمولا أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك فإنه يستنيب فيه ويحج ببدنه. ~~وأما صلاة الحائض فليست محتاجة إليها؛ لأن في صلاة بقية الأيام غنى عنها ~~ولهذا إذا استحيضت أمرت بالصلاة مع الاستحاضة ومع احتمال الصلاة مع الحيض ~~وإن كان خروج ذلك الدم وتنجيسها به يفسد الصلاة لولا العذر. فقد فرق الشارع ~~بين المعذور وغيره في ذلك ولهذا لو أمكن المستحاضة أن تطهر وتصلي حال ~~انقطاع الدم وجب عليها ذلك وإنما أباح الصلاة مع خروجه للضرورة. فإن قيل: ~~فقد كان الجنب والمستحاضة ونحوهما يمكن إسقاط الصلاة عنه كما أسقطت عن ~~الحائض ويكون صلاة بقية الأيام مغنية فلما أمرها الشارع بالصلاة دون الحائض ~~علم أن الحيض ينافي الصلاة مطلقا وكذلك ينافي الطواف الذي هو كالصلاة. ~~فيقال: الجنب ونحوه لا يدوم به موجب الطهارة بل هو بمنزلة الحائض التي ~~انقطع دمها وهو متمكن من إحدى الطهارتين. وأما المستحاضة فلو أسقط عنها ~~الصلاة للزم سقوطها أبدا؛ فلما كان حدثها دائما لم تمكن الصلاة إلا معه ~~فسقط وجوب الطهارة عنها. فهذا دليل على أن # PageV26P237 # العبادة إذا لم يمكن فعلها إلا مع المحظور كان ذلك أولى من تركها والأصول ~~كلها توافق ذلك والجنب إذا عدم الماء والتراب صلى أيضا في أشهر قولي ~~العلماء لعجزه عن الطهارة فالحيض ينافي الصلاة مطلقا لعدم الحاجة إلى ~~الصلاة مع الحيض استغناء بتكرر أمثالها. وأما الحج والطواف فيه فلا يتكرر ~~وجوبه. فإن لم يصح مع العذر لزم ألا يصح مطلقا. والأصول قد ms7726 دلت على أن ~~العبادة إذا لم تمكن إلا مع العذر كانت صحيحة مجزية معه بدون ما إذا فعلت ~~بدون العذر وقد تبين أنه لا عذر للحائض في الصلاة مع الحيض لاستغنائها بها ~~عن ذلك بتكرر أمثالها في غير أيام الحيض بخلاف الطواف فإنه إذا لم يمكنها ~~فعله إلا مع الحيض لم تكن مستغنية عنه بنظيره فجاز لها ذلك كسائر ما تعجز ~~عنه من شروط العبادات. # الدليل الثالث: أن يقال: هذا نوع من أنواع الطهارة فسقط بالعجز كغيره من ~~أنواع الطهارة فإنها لو كانت مستحاضة ولم يمكنها أن تطوف إلا مع الحدث ~~الدائم طافت باتفاق العلماء. وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء ~~وفي هذا صلاة مع الحدث ومع حمل النجاسة وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن ~~الماء والتراب صلى وطاف في أظهر قولي العلماء. الدليل الرابع أن يقال: شرط ~~من شرائط الطواف فسقط # PageV26P238 # بالعجز كغيره من الشرائط فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلا عريانا لكان طوافه ~~عريانا أهون من صلاته عريانا وهذا واجب بالاتفاق فالطواف مع العري إذا لم ~~يمكن إلا ذلك أولى وأحرى. وإنما قل تكلم العلماء في ذلك لأن هذا نادر فلا ~~يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها لكن لو قدر أنه سلب ثيابه والقافلة خارجون ~~لا يمكنه أن يتخلف عنهم كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع ~~العري كما تطوف المستحاضة ومن به سلس البول مع أن النهي عن الطواف عريانا ~~أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض. وهذا الذي ذكرته هو مقتضى ~~الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظا ومعنى ومقتضى الاعتبار ~~والقياس على الأصول التي تشابهها، والمعارض لها إنما لم يجد للعلماء ~~المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة كما لم يجد لهم كلاما فيما إذا لم ~~يمكنه الطواف إلا عريانا وذلك لأن الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن ~~تخطر بقلوبهم ليجب أن يتكلموا فيها. ووقوع هذا وهذا في أزمنتهم إما معدوم ~~وإما نادر جدا ms7727 وكلامهم في هذا الباب مطلق عام وذلك يفيد العموم لو لم تختص ~~الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص وهذه الصورة قد لا يستحضرها ~~المتكلم باللفظ العام من # PageV26P239 # الأئمة لعدم وجودها في زمنهم والمقلدون لهم ذكروا ما وجدوه من كلامهم. ~~ولهذا أوجب مالك وغيره على مكاريها أن يحتبس لأجلها إذا كانت الطرقات آمنة ~~ولا ضرر عليه في التخلف معها وكانوا في زمن الصحابة وغيرهم يحتبس الأمير ~~لأجل الحيض والمتأخرون من أصحاب مالك أسقطوا عن المكاري الوداع وأسقط ~~المبيت عن أهل السقاية والرعاية لعجزهم. وعجزهم يوجب الاحتباس معها في هذه ~~الأزمان ولا ريب أن من قال الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا فإن يلزمه ~~أن يقول: إن الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها فإنه ~~يقول إذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة فكيف يجب على ~~هذه ما لا يمكنها إلا بمشقة أعظم من ذلك لكن هناك من يقول عليه دم وهنا ~~يتوجه أن لا يجب عليها دم لأن الواجب إذا تركه من غير تفريط فلا دم عليه ~~بخلاف ما إذا تركه ناسيا أو جاهلا وقد يقال عليها دم لندور هذه الصورة ~~ونظير ذلك أن يمنعه عدو عن رمي الجمرة فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة ~~أو يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل أو يمنعه العدو عن طواف الوداع ~~بحيث لا يمكنه المقام حتى يودع. # PageV26P240 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسقط عن الحائض طواف ~~الوداع ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه فليس كونها شرطا فيه ~~أعظم من كونها شرطا في الصلاة. ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط ~~شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى. هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها ~~علما وعملا لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلاما لغيري فإن الاجتهاد عند ~~الضرورة مما أمرنا الله به ms7728 فإن يكن ما قلته صوابا فهو حكم الله ورسوله ~~والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان من ~~الخطأ وإن كان المخطئ معفوا عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله ~~وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # PageV26P241 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن امرأة حاضت قبل طواف الإفاضة ولم تطهر حتى ارتحل الحاج ولم يمكنها ~~المقام بعدهم حتى تطهر فهل لها أن تطوف والحالة هذه للضرورة أم لا؟ وإذا ~~جاز لها ذلك فهل يجب عليها دم أم لا؟ وهل يستحب لها الاغتسال مع ذلك؟ وإذا ~~علمت المرأة من عادتها أنها لا تطهر حتى يرتحل الحاج؟ ولا يمكنها المقام ~~بعدهم. فهل يجب عليها الحج مع هذا. أم لا؟ وإن لم يجب. فهل يستحب لها أن ~~تتقدم فتطوف أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، العلماء لهم في الطهارة - هل هي شرط في صحة الطواف؟ - قولان ~~مشهوران. أحدهما: أنها شرط وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. والثاني: ليست بشرط وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية ~~الأخرى. # PageV26P242 # فعند هؤلاء لو طاف جنبا أو محدثا أو حاملا للنجاسة أجزأه الطواف وعليه ~~دم؛ لكن اختلف أصحاب أحمد: هل هذا مطلق في حق المعذور الذي نسي الجنابة؟ ~~وأبو حنيفة يجعل الدم بدنة إذا كانت حائضا أو جنبا: فهذه التي لم يمكنها أن ~~تطوف إلا حائضا أولى بالعذر فإن الحج واجب عليها ولم يقل أحد من العلماء إن ~~الحائض يسقط عنها الحج وليس من أقوال الشريعة أن تسقط الفرائض للعجز عن بعض ~~ما يجب فيها كما لو عجز عن الطهارة في الصلاة. فلو أمكنها أن تقيم بمكة حتى ~~تطهر وتطوف وجب ذلك بلا ريب فأما إذا لم يمكن ذلك فإن أوجب عليها الرجوع ~~مرة ثانية كان قد أوجب عليها سفران للحج بلا ذنب لها وهذا بخلاف الشريعة. ~~ثم هي أيضا لا يمكنها أن تذهب إلا مع الركب وحيضها في الشهر كالعادة فهذه ~~لا يمكنها أن تطوف طاهرا ألبتة. وأصول ms7729 الشريعة مبنية على أن ما عجز عنه ~~العبد من شروط العبادات يسقط عنه كما لو عجز المصلي عن ستر العورة واستقبال ~~القبلة أو تجنب النجاسة وكما لو عجز الطائف أن يطوف بنفسه راكبا وراجلا ~~فإنه يحمل ويطاف به. ومن قال: إنه يجزئها الطواف بلا طهارة إن كانت غير ~~معذورة # PageV26P243 # مع الدم كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. فقولهم لذلك مع ~~العذر أولى وأحرى. وأما الاغتسال فإن فعلته فحسن كما تغتسل الحائض والنفساء ~~للإحرام والله أعلم. # و ### | سئل: # عن المرأة إذا جاءها الحيض في وقت الطواف ما الذي تصنع؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فإنها تجتهد أن ~~لا تطوف بالبيت إلا طاهرة فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلف عن الركب حتى ~~تطهر وتطوف فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي ~~العلماء ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكن لها عذر لكن أوجب عليها ~~بدنة. وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة ناسيا دما وهي شاة. وأما هذه ~~العاجزة عن الطواف وهي طاهرة فإن أخرجت دما فهو أحوط وإلا فلا يتبين أن ~~عليها شيئا. فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقال تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} وقال النبي # PageV26P244 # صلى الله عليه وسلم: {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} وهذه تستطيع ~~إلا هذا. والصلاة أعظم من الطواف ولو عجز المصلي عن شرائطها: من الطهارة أو ~~ستر العورة أو استقبال القبلة صلى على حسب حاله فالطواف أولى بذلك. لو كانت ~~مستحاضة ولا يمكنها أن تطوف إلا مع النجاسة نجاسة الدم. فإنها تصلي وتطوف ~~على هذه الحالة باتفاق المسلمين إذا توضأت وتطهرت وفعلت ما تقدر عليه. ~~وينبغي للحائض إذا طافت أن تغتسل وتستثفر أي تستحفظ كما تفعله عند الإحرام. ~~وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم عن الحائض طواف الوداع. وأسقط عن أهل ~~السقاية والرعاة المبيت بمنى؛ لأجل الحاجة. ولم يوجب عليهم دما فإنهم ~~معذورون في ذلك بخلاف ms7730 غيره. وكذلك من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو نحوه فإنه ~~يستنيب من يرمي عنه ولا شيء عليه وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه لغير ~~ذلك والله أعلم. # PageV26P245 # وسئل: # عن امرأة حجت وأحرمت لعمرة وحجة قارنة ودخلت إلى مكة وطافت وسعت وتوجهت ~~إلى منى ثم إلى عرفة ووقفت ثم عادت إلى منى ونحر عنها ما وجب عليها من دم ~~ورمت الجمار يوما واحدا ودخلت إلى مكة وطافت وعندما حضرت الحرم حاضت ورجعت ~~إلى منى وكتمت وهي محققة أن حجها قد كمل وعادت إلى بلدها وبعد سنتين اعترفت ~~بما وقع لها قيل لها: يلزمك العود ولم يمكنها زوجها والحالة هذه. # فأجاب: # إن كانت قد طافت طواف الإفاضة وهي حائض والحالة هذه ناوية أجزأها الحج في ~~أحد قولي العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وغاية ما يجب ~~عليها عند أبي حنيفة بدنة وعند أحمد دم وهي شاة. وأما إن كانت لم تطف تحللت ~~التحلل الأول وجاز لها الطيب وتغطية الوجه وغير ذلك لكن لا يطؤها زوجها حتى ~~تطوف طواف الإفاضة فإن لم يمكنها العود فغاية ما يمكن أن يرخص لها فيه أنها # PageV26P246 # تكون كالمحصرة تحلل من إحرامها بهدي ولكن الأحوط أن تبعث به إلى مكة ~~ليذبح مثل أن يذبح يوم النحر فإذا ذبح هناك حلت هنا وجاز لزوجها أن يطأها ~~والحالة هذه. فإذا واعدت من يذبحه هناك في يوم معين حلت إلى ذلك اليوم ثم ~~إذا أمكنها بعد ذلك أن تذهب إلى مكة فإنها تدخل مهلة بعمرة وتطوف هذا ~~الطواف الباقي عليها ثم إن شاءت حجت من هناك وإن عجزت عن ذلك حتى تموت فلا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإن أمكن أن تبعث عنها بعد موتها من يفعل ذلك ~~عنها فعل. وإن كان وطؤها قبل هذا الطواف لم يفسد الحج بذلك لكن يفسد ما بقي ~~وعليها طواف الإفاضة باتفاق الأئمة كما ذكر لكن عند مالك وأحمد عليها أن ~~تحرم بعمرة كما نقل عن ابن عباس وعند أبي ms7731 حنيفة والشافعي في المشهور عنهما ~~يجزئها بلا إحرام جديد هذا إذا كانت هناك. فأما إن كانت رجعت إلى بلدها ~~ووطئها زوجها فلا بد لها إذا رجعت أن تحرم بعمرة من الميقات لأنه لا يدخل ~~أحد مكة إلا محرما بحج أو عمرة إما وجوبا أو استحبابا إلا من له حاجة ~~متكررة ونحو ذلك. # PageV26P247 # وسئل أبو العباس: # أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت؟ أو الخروج إلى الحل ليعتمر منه ~~ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في غيره أو ~~الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب؟ وهل في ~~اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة وفي عمرة الحديبية مستند لمن ~~يعتمر من مكة كما في أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم؟ وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {عمرة في رمضان تعدل حجة} هل هي عمرة الأفقي؟ أو تتناول المكي ~~الذي يخرج إلى الحل ليعتمر في رمضان؟ # فأجاب: # أما من كان بمكة من مستوطن ومجاور وقادم وغيرهم فإن طوافه بالبيت أفضل له ~~من العمرة وسواء خرج في ذلك إلى أدنى الحل وهو التنعيم الذي أحدث فيه ~~المساجد التي تسمى " مساجد عائشة " أو أقصى الحل من أي جوانب الحرم سواء ~~كان من جهة " الجعرانة " أو " الحديبية " أو غير ذلك وهذا المتفق عليه بين ~~سلف الأمة وما أعلم فيه مخالفا من أئمة الإسلام في العمرة المكية. # PageV26P248 # وأما العمرة من الميقات: بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه أو يرجع إلى ~~بلده ثم ينشئ السفر منه للعمرة فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة وليس ~~الكلام هنا فيها. وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها؟ أم الرجوع إلى ~~بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على ~~الرجوع للعمرة من الميقات. وإنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج ~~للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقي في ~~العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل ms7732 يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟ . فأما كون ~~الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة فهذا مما لا يستريب فيه من كان ~~عالما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وآثار الصحابة وسلف ~~الأمة وأئمتها وذلك أن الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها ~~الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهو من أعظم عبادة ~~أهل مكة أعني من كان بمكة مستوطنا أو غير مستوطن ومن عباداتهم الدائمة ~~الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار وما زال أهل مكة على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه رضي الله عنهم - يطوفون ~~بالبيت في كل # PageV26P249 # وقت ويكثرون ذلك. وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولاة البيت أن لا ~~يمنعوا أحدا من ذلك في عموم الأوقات فروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه ~~أية ساعة شاء من ليل أو نهار} [رواه مسلم في صحيحه] (*) ، وسائر أهل السنن ~~كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم. وقد قال تعالى لخليله إمام ~~الحنفاء الذي أمره ببناء البيت ودعا الناس إلى حجه: {أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود} وفي الآية الأخرى: {والقائمين} فذكر ثلاثة أنواع: ~~الطواف والعكوف والركوع مع السجود وقدم الأخص فالأخص فإن الطواف لا يشرع ~~إلا بالبيت العتيق باتفاق المسلمين. ولهذا اتفقوا على تضليل من يطوف بغير ~~ذلك مثل من يطوف بالصخرة أو بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو بالمساجد ~~المبنية بعرفة أو منى أو غير ذلك أو بقبر بعض المشايخ أو بعض أهل البيت كما ~~يفعله كثير من جهال المسلمين فإن الطواف بغير البيت العتيق لا يجوز باتفاق ~~المسلمين بل من اعتقد ذلك دينا وقربة عرف أن ذلك ليس بدين باتفاق المسلمين ~~وأن ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام فإن أصر على اتخاذه دينا قتل. ~~PageV26P250 # وأما " الاعتكاف " فهو مشروع في المساجد دون غيرها وأما ms7733 الركوع مع السجود ~~فهو مشروع في عموم الأرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {جعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره} وهذا ~~كله متفق عليه بين المسلمين. وإن كان بعض البقاع تمنع الصلاة فيها لوصف ~~عارض كنجاسة أو مقبرة أو حش أو غير ذلك. فالمقصود هنا: أنه سبحانه وتعالى ~~قدم الأخص بالبقاع فالأخص فقدم الطواف لأنه يختص بالمسجد الحرام ثم العكوف ~~لأنه يكون فيه وفي المساجد التي يصلي المسلمون فيها الصلاة المشروعة وهي ~~الصلوات الخمس جماعة ثم الصلاة لأن مكانها أعم. ومن خصائص الطواف أنه مشروع ~~بنفسه منفردا أو في ضمن العمرة وفي ضمن الحج وليس في أعمال المناسك ما يشرع ~~منفردا عن حج وعمرة إلا الطواف فإن ### | أعمال المناسك على ثلاث درجات: # منها ما لا يكون إلا في حج: وهو الوقوف بعرفة وتوابعه من المناسك التي ~~بمزدلفة. ومنها ما لا يكون إلا في حج أو عمرة: وهو الإحرام والإحلال، # PageV26P251 # والسعي بين الجبلين كما قال تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} . ومنها ما يكون في الحج ~~وفي العمرة ويكون منفردا: وهو الطواف والطواف أيضا هو أكثر المناسك عملا في ~~الحج فإنه يشرع للقادم طواف القدوم ويشرع للحاج طواف الوداع وذلك غير ~~الطواف المفروض طواف الإفاضة الذي يكون بعد التعريف. ويستحب أيضا الطواف في ~~أثناء المقام بمنى ويستحب في جميع الحول عموما. وأما الاعتمار للمكي بخروجه ~~إلى الحل فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا ~~عائشة في حجة الوداع مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها به بل أذن ~~فيه بعد مراجعتها إياه كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فأما أصحابه الذين ~~حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إلى آخرهم فلم يخرج أحد منهم لا قبل ~~الحجة ولا بعدها لا إلى التنعيم ولا إلى الحديبية ولا إلى الجعرانة ولا غير ~~ذلك؛ ms7734 لأجل العمرة. وكذلك أهل مكة المستوطنين لم يخرج أحد منهم إلى الحل ~~لعمرة. وهذا متفق عليه معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته. # PageV26P252 # وكذلك أيضا أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة من شهر رمضان ~~سنة ثمان وإلى أن توفي لم يعتمر أحد منهم من مكة ولم يخرج أحد منهم إلى ~~الحل ويهل منه ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قط لا من ~~الحديبية ولا من الجعرانة ولا غيرهما بل قد اعتمر أربع عمر: ثلاث منفردة ~~وواحدة مع حجته. وجميع عمره كان يكون فيها قادما إلى مكة لا خارجا منها إلى ~~الحل. فأما عمرة الحديبية فإنه اعتمر من ذي الحليفة - ميقات أهل المدينة - ~~هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة ثم إنهم لما صدهم ~~المشركون عن البيت وقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة من العام ~~القابل وصالحهم الصلح المشهور حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية ولم ~~يدخلوا مكة ذلك العام. فأنزل الله تعالى في ذلك (سورة الفتح) وأنزل قوله ~~تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} الآية. ~~وقد ذكر الشافعي وغيره الإجماع على أن هذه الآية نزلت في ذلك العام. ثم إنه ~~بعد ذلك في العام القابل سنة سبع بعد أن فتح خيبر وكان فتح خيبر عقيب ~~انصرافه من الحديبية ثم اعتمر هو ومن معه عمرة القضية وتسمى " عمرة القضاء ~~" وكانت عمرته هذه في ذي القعدة سنة سبع والتي قبلها عمرة الحديبية وكانت ~~أيضا في ذي القعدة # PageV26P253 # وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة وكانت عمره كلها في ذي القعدة أوسط ~~أشهر الحج وبين للمسلمين بذلك جواز الاعتمار في أشهر الحج ولما اعتمر هو ~~ومن معه عمرة القضية أحرموا أيضا من ذي الحليفة ودخلوا مكة وأقاموا بها ~~ثلاثا وتزوج في ذلك العام ميمونة بنت الحارث. ثم إن أهل مكة نقضوا العهد ~~سنة ثمان فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح في نحو عشرة آلاف في ~~شهر رمضان ms7735 ودخل مكة حلالا على رأسه المغفر وطاف بالبيت وأقام بمكة سبع عشرة ~~ليلة ولم يعتمر في دخوله هذا وبلغه أن هوازن قد جمعت له فغزاهم غزوة حنين ~~وحاصر الطائف بعد ذلك ولم يفتحها وقسم غنائم حنين بالجعرانة وأنشأ حينئذ ~~العمرة بالجعرانة فكان قادما إلى مكة في تلك العمرة لم يخرج من مكة إلى ~~الجعرانة. وحكم كل من أنشأ الحج أو العمرة من مكان دون المواقيت أن يحرم من ~~ذلك المكان. كما في الصحيحين {عن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ~~المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان ~~يريد الحج والعمرة ومن كان دونهن فمهله من أهله. وكذلك أهل مكة يهلون منها} ~~. # PageV26P254 # فإحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة كان لأنه أنشأ العمرة منها ~~وبعد أن حصل فيها لأجل الغزو والغنائم فقد تبين أن الحديبية لم يحرم منها ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا قادما إلى مكة ولا خارجا منها بل كان محله من ~~إحرامه بالعمرة لما صده المشركون. وأما الجعرانة فأحرم منها لعمرة أنشأها ~~منها وهذا كله متفق عليه ومعلوم بالتواتر؛ لا يتنازع فيه اثنان ممن له أدنى ~~خبرة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. فمن توهم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج من مكة فاعتمر من الحديبية أو الجعرانة فقد غلط غلطا فاحشا ~~منكرا لا يقوله إلا من كان من أبعد الناس عن معرفة سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسيرته وإن كان قد غلط في الاحتجاج بذلك على العمرة من مكة طوائف من ~~أكابر أعيان العلماء فقد ظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه جميعهم ~~لم يعتمر أحد منهم في حياته من مكة بعد فتح مكة ومصيرها دار إسلام إلا ~~عائشة. وكذلك أيضا لم يعتمر أحد منها قبل الفتح حين كانت دار كفر وكان بها ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ms7736 هجرته إلى المدينة وقبل هجرته فإنهم ~~كانوا يطوفون بالبيت ولم يخرج أحد منهم إلى الحل ليعتمر منه إذ الطواف ~~بالبيت ما زال مشروعا من أول مبعث # PageV26P255 # النبي صلى الله عليه وسلم بل ولم يزل من زمن إبراهيم بل ومن قبل إبراهيم ~~أيضا فإذا كان المسلمون حين كانوا بمكة من حين بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن توفي إذا كانوا بمكة لم يكونوا يعتمرون من مكة بل كانوا يطوفون ~~ويحجون من العام إلى العام وكانوا يطوفون في كل وقت من غير اعتمار كان هذا ~~مما يوجب العلم الضروري أن المشروع لأهل مكة إنما هو الطواف وأن ذلك هو ~~الأفضل لهم من الخروج للعمرة إذ من الممتنع أن يتفق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجميع أصحابه على عهده على المداومة على المفضول وترك الأفضل فلا يفعل ~~أحد منهم الأفضل ولا يرغبهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يقوله ~~أحد من أهل الإيمان. ومما يوضح ذلك: أن المسلمين قد تنازعوا في وجوب العمرة ~~لوجوب الحج على قولين مشهورين للعلماء وروي النزاع في ذلك عن الصحابة أيضا ~~فروي وجوبها عن عمر وابن عباس وغيرهما. وروي عدم الوجوب عن ابن مسعود. ~~والأول: هو المشهور عن الشافعي وأحمد. والثاني: هو أحد قوليهما وقول أبي ~~حنيفة ومالك. ومع هذا فالمنقول الصريح عمن أوجب العمرة من الصحابة ~~والتابعين لم يوجبها على أهل مكة. قال أحمد بن حنبل: كان ابن عباس يرى ~~العمرة واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت ~~وقال عطاء بن أبي رباح - أعلم التابعين بالمناسك # PageV26P256 # وإمام الناس فيها - ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان لا ~~بد منهما لمن استطاع إليهما سبيلا إلا أهل مكة فإن عليهم حجة وليس عليهم ~~عمرة من أجل طوافهم بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ عنهم. وقال طاوس ليس على أهل ~~مكة عمرة رواه ابن أبي شيبة. وكلام هؤلاء السلف وغيرهم يقتضي أنهم كانوا لم ~~يستحبوها لأهل مكة فضلا عن أن ms7737 يوجبوها كما رواه أبو بكر بن أبي شيبة. في ~~كتابه الكبير " المصنف " ثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس على ~~أهل مكة عمرة. قال ابن عباس: أنتم يا أهل مكة لا عمرة لكم إنما عمرتكم ~~الطواف بالبيت فمن جعل بينه وبين الحرم بطن واد فلا يدخل مكة إلا بإحرام ~~قال: فقلت لعطاء: أيريد ابن عباس واد من الحل؟ قال: بطن واد من الحل. وقال: ~~حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن كيسان سمعت ابن عباس يقول: ~~لا يضركم يا أهل مكة أن لا تعتمروا فإن أبيتم فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن ~~واد. وقال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن خلف بن مسلم عن سالم: ~~قال: لو كنت من أهل مكة ما اعتمرت وقال حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان ~~عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به وأهل ~~مكة يطوفون متى شاءوا # PageV26P257 # وهذا نص أحمد في غير موضع على أن أهل مكة لا عمرة عليهم مع قوله بوجوبها ~~على غيرهم. ولهذا كان تحقيق مذهبه إذا أوجب العمرة أنها تجب إلا على أهل ~~مكة وإن كان من أصحابه من جعل هذا التفريق رواية ثالثة عنه وأن القول ~~بالإيجاب يعم مطلقا. ومنهم من تأول كلامه على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة؛ ~~لأنه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج فهذا خلاف نصوص أحمد الصريحة عنه ~~بالتفريق. ثم من هؤلاء من يقول مثل ذلك من أصحاب الشافعي في وجوب العمرة ~~على أهل مكة، قول ضعيف جدا مخالف للسنة الثابتة وإجماع الصحابة فإنها لو ~~كانت واجبة عليهم لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها ولكانوا يفعلونها ~~وقد علم أنه لم يكونوا أهل مكة يعتمرون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أصلا بل ولا يمكن أحدا أن ينقل عن أحد أنه اعتمر من مكة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة. ولهذا ms7738 كان المصنفون للسنن إذا أرادوا ~~ذكر ما جاء من السنة في العمرة من مكة لم يكن معهم إلا قضية عائشة ومن ~~المعلوم أن ما دون هذا تتوفر الهمم والدواعي على نقله فلو كان أهل مكة كلهم ~~بل # PageV26P258 # أو بعضهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يخرجون إلى الحل فيعتمرون فيه ~~لنقل ذلك كما نقل خروجهم في الحج إلى عرفات وقد حج النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة الوداع وخرج معه أهل مكة إلى عرفات ولم يعتمر بعد الحجة ولا قبلها ~~أحد من أدنى الحل لا أهل مكة ولا غيرهم إلا عائشة ثم كان الأمر على ذلك زمن ~~الخلفاء الراشدين. حتى قال ابن عباس ثم عطاء وغيرهما لما بعد عهد الناس ~~بالنبوة: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت ومن المعلوم ~~أنه لو كان أهل مكة يعتمرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمرون ~~بذلك لم يكن مثل هذا خافيا على ابن عباس إمام أهل مكة. وأعلم الأمة في زمنه ~~بالمناسك وغيرها. وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة بل إمام الناس كلهم في ~~المناسك حتى كان يقال في أئمة التابعين الأربعة أئمة أهل الأمصار: سعيد بن ~~المسيب إمام أهل المدينة وعطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة وإبراهيم النخعي ~~إمام أهل الكوفة والحسن البصري إمام أهل البصرة وأعلمهم بالحلال والحرام ~~سعيد بن المسيب وأعلمهم بالمناسك عطاء وأعلمهم بالصلاة إبراهيم وأجمعهم ~~الحسن. وأيضا فإن كل واحد من الحج والعمرة يتضمن القصد إلى بيت # PageV26P259 # الله المحيط به حرم الله تعالى ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين ~~الحل والحرم حتى يكون قاصدا للحرم من الحل فيظهر فيه معنى القصد إلى الله ~~والتوجه إلى بيته وحرمه فمن كان بيته خارج الحرم فهو قاصد من الحل إلى ~~الحرم إلى البيت. وأما من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج لا بد لهم من ~~الخروج إلى عرفات وعرفات هي من الحل فإذا فاضوا من عرفات قصدوا حينئذ ms7739 البيت ~~من الحل. ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلا بعد التعريف وهو القصد من ~~الحل إلى الكعبة الذي هو حقيقة الحج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{الحج عرفة} ولهذا كان الحج يدرك بإدراك التعريف ويفوت بفوات وقته بطلوع ~~فجر يوم النحر بعد يوم التعريف فحقيقة الحج ممكنة في حق أهل مكة كما هي ~~ممكنة في حق غيرهم إذ ما قبل التعريف من الأعمال كطواف القدوم ليس من ~~الأمور اللازمة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة أنها قد حاضت ~~وكانت متمتعة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض رأسها وتمتشط وتهل ~~بالحج وتدع العمرة. فأكثر الفقهاء يقولون جعلها قارنة وأسقط عنها طواف ~~القدوم # PageV26P260 # فسقوطه عن المفرد للحج أولى وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من يقول جعلها ~~رافضة للعمرة وهذا قول مالك والشافعي وأحمد لكن تنازعوا في سقوطه عن غير ~~المعذور فعلى القولان فهو يدل على أنها لو كانت مفردة أو قارنة كان سقوط ~~طواف القدوم عنها إذا كانت حائضا أولى من العمرة وطوافها. وهذا بخلاف طواف ~~الإفاضة فإنه لما قيل {إن صفية بنت حيي قد حاضت: قال عقرى حلقى أحابستنا ~~هي؟ فقيل له: إنها قد أفاضت قال: فلا إذا} . وهذا كما أنه قد أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وهو طواف الوداع ~~ورخص للحائض أن تنفر قبل الوداع. وما سقط بالعذر علم أنه ليس من أركان الحج ~~الذي لا بد منها ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم ولا طواف وداع لانتفاء ~~معنى ذلك في حقهم فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين لها ما داموا فيها. ~~فظهر أن الحج الذي أصله التعريف للطواف بعد ذلك مشروع لوجود حقيقته فيهم. ~~وأما العمرة: فإن جماعها الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وذلك من نفس ~~الحرم وهو في الحرم دائما. والطواف بين الصفا # PageV26P261 # والمروة تابع في العمرة ولهذا لا يفعل إلا بعد الطواف ولا يتكرر فعله لا ~~في حج ms7740 ولا عمرة. فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة ~~بلا خروج من الحرم فلا حاجة إلى الخروج منه ولأن الطواف والعكوف هو المقصود ~~بالقادم إلى مكة وأهل مكة متمكنون من ذلك ومن كان متمكنا من المقصود بلا ~~وسيلة لم يؤمر أن يترك المقصود ويشتغل بالوسيلة. وأيضا فمن المعلوم أن مشي ~~الماشي حول البيت طائفا هو العبادة المقصودة وأن مشيه من الحل هو وسيلة إلى ~~ذلك وطريق فمن ترك المشي من هذا المقصود الذي هو العبادة واشتغل بالوسيلة ~~فهو ضال جاهل بحقيقة الدين وهو أشر من جهل من كان مجاورا للمسجد يوم الجمعة ~~يمكنه التبكير إلى المسجد والصلاة فيه فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه ~~وفوت على نفسه ما يمكن فعله في المسجد من الصلاة المقصودة. يبين ذلك أن ~~الاعتمار افتعال: من عمر يعمر والاسم فيه " العمرة " قال تعالى: {فمن حج ~~البيت أو اعتمر} وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} . ~~وعمارة المساجد إنما هي بالعبادة فيها وقصدها لذلك كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان} لأن الله ~~يقول: # PageV26P262 # {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله} . والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة من القاصد له ~~ولهذا قيل: العمرة هي الزيارة لأن المعتمر لا بد أن يدخل من الحل وذلك هو ~~الزيارة. وأما الأولى فيقال لها عمارة ولفظ عمارة أحسن من لفظ عمرة وزيادة ~~اللفظ يكون لزيادة المعنى. ولهذا ثبت في الصحيح أن {بعض أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر ~~المسجد الحرام وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي ~~الحجيج فقال علي: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتم. فقال عمر: لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قضيت الجمعة إن شاء ~~الله دخلت عليه فسألته ms7741 فأنزل الله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام} الآية} . وإذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفا فيه وعامرا ~~له بالعبادة قد أتى بما هو أكمل من معنى المعتمر وأتى بالمقصود بالعمرة فلا ~~يستحب له ترك ذلك بخروجه عن عمارة المسجد ليصير بعد ذلك عامرا له؛ لأنه ~~استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. # PageV26P263 # فصل: # وهذا الذي ذكرناه مما يدل على أن الطواف أفضل فهو يدل على أن الاعتمار من ~~مكة وترك الطواف ليس بمستحب؛ بل المستحب هو الطواف دون الاعتمار؛ بل ~~الاعتمار فيه حينئذ هو بدعة لم يفعله السلف ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة ~~ولا قام دليل شرعي على استحبابها وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة ~~باتفاق العلماء. ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك فروى سعيد في سننه ~~عن طاوس أجل أصحاب ابن عباس قال: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون ~~عليها أم يعذبون؟ قيل: فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى ~~أربعة أميال ويجيء. وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف وكلما ~~طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. قال أبو طالب: قيل: لأحمد بن ~~حنبل. ما تقول في عمرة المحرم؟ فقال أي شيء فيها؟ العمرة عندي التي تعمد ~~لها من منزلك. قال الله: # PageV26P264 # {وأتموا الحج والعمرة لله} وقالت عائشة: إنما العمرة على قدره؛ يعني على ~~قدر النصب والنفقة. وذكر حديث علي وعمر: إنما إتمامها أن تحرم بها من دويرة ~~أهلك. قال أبو طالب: قلت لأحمد قال طاوس: الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري ~~يؤجرون؟ أو يعذبون؟ قيل له: لم يعذبون؟ قال: لأنه ترك الطواف بالبيت ويخرج ~~إلى أربعة أميال ويخرج إلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف وكلما ~~طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. فقد أقر أحمد قول طاوس هذا ~~الذي استشهد به أبو طالب لقوله رواه أبو بكر في الشافي. وذكر عبد الرزاق ~~بإسناده عن مجاهد قال: ms7742 سئل علي وعمر وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة فقال ~~عمر: هي خير من لا شيء وقال هي خير من مثقال ذرة وقالت عائشة: العمرة على ~~قدر النفقة؟ وعن عائشة أيضا قالت: لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة ~~مساكين أحب إلي من أن أعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم. وقال طاوس: فمن ~~اعتمر بعد الحج ما أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون؟ وقال عطاء بن السائب: ~~اعتمرنا بعد الحج فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير. وقد أجازها آخرون؛ لكن لم ~~يفعلوها وعن أم الدرداء أنه سألها # PageV26P265 # سائل عن العمرة بعد الحج فأمرته بها. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال: هي ~~تامة ومجزئة. وعن القاسم بن محمد قال: عمرة المحرم تامة وروى عبد الرزاق في ~~مصنفه: قال أخبرني من سمع عطاء يقول: طواف سبع خير لك من سفرك إلى المدينة ~~قال: فآتي جدة قال: لا إنما أمرتم بالطواف قال: قلت: فأخرج إلى الشجرة ~~فأعتمر منها؟ قال: لا. قال: وقال بعض العلماء ما زالت قدماي منذ قدمت مكة ~~قال قلت: فالاختلاف أحب إليك من الجواز قال: لا بل الاختلاف. قال عبد ~~الرزاق: أخبرني أبي قال: قلت للمثنى: إني أريد أن آتي المدينة قال: لا تفعل ~~سمعت عطاء سأله رجل فقال له: طواف سبع بالبيت خير لك من سفرك إلى المدينة. ~~وروى أبو بكر بن أبي شيبة في " المصنف " حدثنا وكيع عن سفيان عن أسلم ~~المنقري قال: قلت لعطاء: أخرج إلى المدينة أهل بعمرة من ميقات النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: طوافك بالبيت أحب إلي من سفرك إلى المدينة. وقال: ~~حدثنا وكيع ثنا عمر بن زر عن مجاهد قال: طوافك بالبيت أحب إلي من سفرك إلى ~~المدينة وقال: حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن عطاء قال: الطواف بالبيت أحب ~~إلي من الخروج إلى العمرة. # PageV26P266 # فصل: # وأما كثرة الاعتمار في رمضان للمكي وغيره فهنا ثلاث مسائل مرتبة: أحدها: ~~الاعتمار في العام أكثر من مرة ثم الاعتمار لغير المكي ثم كثرة الاعتمار ~~للمكي. فأما ms7743 " كثرة الاعتمار المشروع ": كالذي يقدم من دويرة أهله فيحرم من ~~الميقات بعمرة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفعلون وهذه من ~~العمرة المشهورة عندهم فقد تنازع العلماء هل يكره أن يعتمر في السنة أكثر ~~من عمرة واحدة فكره ذلك طائفة: منهم الحسن وابن سيرين وهو مذهب مالك. وقال ~~إبراهيم النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة واحدة؛ وذلك لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يعتمرون إلا عمرة واحدة لم يعتمروا ~~في عام مرتين فتكره الزيادة على ما فعلوه كالإحرام من فوق الميقات وغير ~~ذلك؛ ولأنه {في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم: أن ~~العمرة هي الحج الأصغر} وقد دل # PageV26P267 # القرآن على ذلك بقوله تعالى: {يوم الحج الأكبر} والحج لا يشرع في العام ~~إلا مرة واحدة فكذلك العمرة. ورخص في ذلك آخرون. منهم من أهل مكة: عطاء ~~وطاوس وعكرمة وهو مذهب الشافعي وأحمد. وهو المروي عن الصحابة: كعلي وابن ~~عمر وابن عباس وأنس وعائشة؛ لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عمرتها التي كانت مع الحجة والعمرة التي اعتمرتها من ~~التنعيم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الحصبة التي تلي أيام منى وهي ~~ليلة أربعة عشر من ذي الحجة وهذا على قول الجمهور الذين يقولون لم ترفض ~~عمرتها وإنما كانت قارنة. وأيضا ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج ~~المبرور ليس له جزاء إلا الجنة} وهذا مع إطلاقه وعمومه فإنه يقتضي الفرق ~~بين العمرة والحج إذ لو كانت العمرة لا تفعل في السنة إلا مرة لكانت كالحج ~~فكان يقال الحج إلى الحج. وأيضا: فإنه أقوال الصحابة: روى الشافعي عن علي ~~بن أبي طالب أنه قال: في كل شهر مرة وعن أنس أنه كان إذا حمم رأسه # PageV26P268 # خرج فاعتمر وروى وكيع عن إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن أبي جعفر قال: ms7744 ~~قال علي: أعتمر في الشهر إن أطقت مرارا. وروى سعيد بن منصور عن سفيان عن ~~ابن أبي حسين عن بعض ولد أنس: أن أنسا كان إذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى ~~التنعيم واعتمر. وهذه - والله أعلم - هي عمرة الحرم فإنهم كانوا يقيمون ~~بمكة إلى المحرم ثم يعتمرون. وهو يقتضي أن العمرة من مكة مشروعة في الجملة ~~وهذا مما لا نزاع فيه والأئمة متفقون على جواز ذلك وهو معنى الحديث المشهور ~~مرسلا: عن ابن سيرين قال: {وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة ~~التنعيم} . وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه إن شاء اعتمر في كل ~~شهر مرتين وفي رواية عنه: اعتمر في الشهر مرارا. وأيضا فإن العمرة ليس لها ~~وقت يفوت به كوقت الحج فإذا كان وقتها مطلقا في جميع العام لم تشبه الحج في ~~أنها لا تكون إلا مرة. # فصل: # " المسألة الثانية ": في الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها: # PageV26P269 # مثل أن يعتمر من يكون منزله قريبا من الحرم كل يوم أو كل يومين أو يعتمر ~~القريب من المواقيت التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر أو ست عمر ~~ونحو ذلك. أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين فهذا مكروه ~~باتفاق سلف الأمة لم يفعله أحد من السلف بل اتفقوا على كراهيته وهو وإن كان ~~استحبه طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد فليس معهم في ذلك حجة أصلا ~~إلا مجرد القياس العام. وهو أن هذا تكثير للعبادات أو التمسك بالعمومات في ~~فضل العمرة ونحو ذلك. والذين رخصوا في أكثر من عمرة في الحول أكثر ما ~~قالوا: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه أو في شهر مرتين ونحو ذلك. وهذا الذي ~~قاله الإمام أحمد. قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة ~~أيام يمكن حلق الرأس. وهذا الذي قاله الإمام أحمد فعل أنس بن مالك الذي ~~رواه الشافعي: أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. ms7745 وهذا لأن تمام النسك الحلق ~~أو التقصير وهو إما واجب فيه أو مستحب. ومن حكى عن أحمد أو نحوه أنه ليس ~~إلا مباحا لا استحبابا فقد غلط. فمدة نبات الشعر أقصر مدة يمكن فيها إتمام ~~النسك ولا ينتقض هذا بالعمرة # PageV26P270 # عقيب الحج من أدنى الحل للمفرد فإن ذلك مشروع لضرورة فعل العمرة ومع هذا ~~لم يكن يفعله السلف ولا فعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ~~الثابت المنقول بالتواتر في حجة النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع أنه ~~أمر أصحابه جميعهم إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل إلى يوم النحر حتى ~~يبلغ الهدي محله وقال: {دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة} . فكانت عمرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه بأمره في حجة الوداع داخلة في حجهم ~~ليس بينهم فرق إلا أن أكثرهم - وهم الذين لا هدي معهم - حلوا من إحرامهم ~~والذين معهم الهدي أقاموا على إحرامهم وكل ذاك كانوا يسمونه تمتعا بالعمرة ~~إلى الحج كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة التي تبين أن القارن متمتع كما ~~أن من حل من العمرة ثم حج متمتع. فمن اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه فهو ~~متمتع في لغة الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم والقارن يكون قارنا إذا ~~أحرم بالعمرة والحج ابتداء ويكون قارنا إذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها ~~الحج قبل الطواف باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وإذا لم يحل المتمتع من ~~إحرامه لكونه قد ساق الهدي وأحرم بالحج انعقد إحرامه بالحج ويسميه بعض ~~الفقهاء من أصحاب أحمد # PageV26P271 # وغيرهم قارنا لعدم وجود التحلل وبعضهم يقول لا يسمى قارنا لأن عليه عندهم ~~سعيا آخر بعد طواف الفرض بخلاف القارن. وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان ~~فقد استحب السعي مرة ثانية على المتمتع وقد نص في غير موضع على أن المتمتع ~~يكفيه السعي الأول كما ثبت في الصحيح من حديث عائشة وغيرها: {أن الصحابة ~~الذين تمتعوا ms7746 مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بالبيت وبين الصفا ~~والمروة إلا مرة واحدة طوافهم الأول} . ولهذا لما أوجب الله تعالى فيمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج ما استيسر من الهدي كان واجبا على من أحرم بالحج بعد ~~تحلله من العمرة التي أحرم بها في أشهر الحج وعلى من قرن العمرة بالحج من ~~حين إحرامه بالحج أو في أثناء إحرامه في الحج. ولهذا كان من ساق الهدي ~~محرما بعمرة التمتع ولم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي قد يسميه - من ~~يفرق بين القران وبين التمتع الخاص - قارنا لكونه أحرم بالحج قبل تحلله من ~~العمرة وقد يسمونه متمتعا وهو أشهر لكونه لم يحرم إلا بعد قضاء العمرة وهو ~~نزاع لفظي لا يختلف به الحكم بحال إلا ما ذكرنا من وجوب السعي ثانيا وفيمن ~~قد يستحب للمتمتع أن يطوف طواف القدوم بعد رجوعه من عرفة قبل طواف الإفاضة. ~~وهذا وإن كان منقولا عن أحمد # PageV26P272 # واختاره طائفة من أصحابه فالصواب الذي عليه جماهير العلماء أنه لا يستحب؛ ~~لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو القول ~~الأخير من مذهب أحمد. ولهذا كان من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع ~~بالعمرة إلى الحج ومن روى أنه قرن بينهما كان كلا الحديثين صوابا والمعنى ~~واحد. وكذلك من روى أنه أفرد الحج: كابن عمر وعائشة وغيرهما؛ لأنهم أرادوا ~~إفراد أعمال الحج ولهذا كان هؤلاء الذين رووا ذلك هم الذين رووا أنه أفرد ~~أعمال الحج فلم يفصل بينهما بتحلل كما يفعل المتمتع إذا تحلل من عمرته ولا ~~كان في عمله زيادة على عمل المفرد؛ بخلاف المتمتع الذي تحلل من إحرامه فإنه ~~فصل بين عمرة تمتعه وحجه بتحلل. ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~حجته لا هو ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه إلا عائشة. فهذا متفق عليه ~~بين جميع الناس متواتر تواترا يعرفه جميع العلماء بحجته لا يتنازعون أنه لم ~~يعتمر بعد حجته. لا من أدنى الحل ms7747 الذي هو التنعيم الذي بنيت به بعد ذلك ~~المساجد التي تسميها العامة " مساجد عائشة " ولا من غير التنعيم. # PageV26P273 # ولهذا اتفقوا على أن الأحاديث الثابتة في الصحاح وغيرها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة ~~والعمرة التي مع حجته. فإنما معناها أنه اعتمر عمرة متمتع ساق الهدي. وهذا ~~أيضا قارن فتسميته متمتعا وقارنا سواء إذا كان قد أهل بالعمرة والحج وهذا ~~متمتع وهو قارن؛ ولهذا كان من غلط من الفقهاء فقال: إنه أحرم بالحج فقط ولم ~~يقرن به عمرة لا قبله ولا معه أو قال: إنه أحرم إحراما مطلقا ثم عقبه الحج ~~فإنه ينكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته ويلزمه رد هذه ~~الأحاديث الصحيحة المبينة أنه اعتمر أربع عمر لاتفاق المسلمين على أنه لم ~~يعتمر هو ولا أحد من أصحابه غير عائشة عقب الحج. ولهذا كان هذا حجة قاطعة ~~على ما لم يتنازع فيه الأئمة الأربعة وعامة الفقهاء في أن المتمتع بالعمرة ~~إلى الحج سقط عنه بذلك الحج والعمرة سواء قيل بوجوبها أو بتوكيد استحبابها ~~دون وجوبها؛ لأن {الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بأمره ~~هكذا فعلوا وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن العمرة دخلت في الحج إلى ~~يوم القيامة. وقالوا له: أعمرتنا هذه لعامنا هذا؟ أم للأبد؟ فقال: بل للأبد ~~دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة} . قال: # PageV26P274 # ومن روى من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج أرادوا بذلك ~~بيان أنه لم يحل من إحرامه لعمرة التمتع كما أمر بذلك جمهور أصحابه وهم ~~الذين لم يكونوا ساقوا الهدي فإن الأحاديث الثابتة المتواترة كلها متفقة ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين قدموا مكة فطافوا بالبيت ~~وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي ~~فإنه أمره أن يبقى على إحرامه إلى يوم النحر حتى يبلغ الهدي محله عملا ~~بمعنى قوله: {ولا تحلقوا رءوسكم ms7748 حتى يبلغ الهدي محله} فهذه الجملة لم ~~يتنازع فيها أحد من العلماء: أن حجة الوداع كانت هكذا. ثم إن كثيرا من ~~الصحابة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج فصار يظن ~~قوم أنهم أرادوا بذلك أنه حل من إحرامه بالعمرة ثم أحرم بالحج كما أمر بذلك ~~أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي وروي أيضا من روى من هؤلاء الصحابة: أنه أفرد ~~الحج؛ ليزيلوا بذلك ظن من ظن أنه حل من إحرامه وأخبروا أنه لم يحل من ~~إحرامه بل فعل كما يفعل من أفرد الحج من بقائه على إحرامه وعمل ما يعمله ~~المفرد. فروايات الصحابة متفقة على هذا. وكل من روي عنه من الصحابة أنه روى ~~الإفراد فقد روى التمتع وفسروا التمتع بالقران ورووا عنه صريحا {أنه قال: ~~لبيك # PageV26P275 # عمرة وحجا} وأنه {قال: أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك فقال: قل ~~عمرة في حجة} . ولهذا كان الصواب أن من ساق الهدي فالقران له أفضل ومن لم ~~يسق الهدي وجمع بينهما في سفر وقدم في أشهر الحج فالتمتع الخاص أفضل له وإن ~~قدم في شهر رمضان وقبله بعمرة فهذا أفضل من التمتع وكذلك لو أفرد الحج ~~بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل من المتعة المجردة؛ بخلاف من أفرد العمرة ~~بسفرة ثم قدم في أشهر الحج متمتعا فهذا له عمرتان وحجة فهو أفضل كالصحابة ~~الذين اعتمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضية ثم تمتعوا معه في ~~حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فهذا أفضل الإتمام. وكذلك فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم اعتمر أولا ثم قرن في حجه بين العمرة والحج لما ساق الهدي؛ لكنه ~~لم يزد على عمل المفرد فلم يطف للعمرة طوافا رابعا ولهذا قيل: إنه أفرد ~~بالحج. ثم إن الناس كانوا في عهد أبي بكر وعمر لما رأوا في ذلك من السهولة ~~صاروا يقتصرون على العمرة في أشهر الحج ويتركون سائر الأشهر. لا يعتمرون ~~فيها من أمصارهم فصار البيت يعرى عن العمار من أهل الأمصار ms7749 في سائر الحول ~~فأمرهم عمر بن الخطاب بما هو أكمل لهم بأن يعتمروا في غير أشهر الحج فيصير ~~البيت مقصودا معمورا في # PageV26P276 # أشهر الحج وغير أشهر الحج وهذا الذي اختاره لهم عمر هو الأفضل حتى عند ~~القائلين بأن التمتع أفضل من الإفراد والقران كالإمام أحمد وغيره. فإن ~~الإمام أحمد يقول: إنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج كان أفضل من أن يؤخر ~~العمرة إلى أشهر الحج سواء قدم مكة قبل أشهر الحج واعتمر وأقام بمكة حتى ~~يحج من عامه ذلك أو اعتمر ثم رجع إلى مصره أو ميقات بلده وأحرم بالحج وهذا ~~ظاهر فإن القاصد لمكة إذا قدم مثلا في شهر رمضان فاعتمر فيه حصل له ما ذكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {عمرة في رمضان تعدل حجة} . وإن قدم قبل ~~ذلك معتمرا وأقام بمكة فذلك كله أفضل له فإنه يطوف بمكة ويعتكف بها تلك ~~المدة إلى حين الإهلال بالحج وإن رجع إلى مصره ثم قدم وأحرم بالحج فقد أفرد ~~للعمرة سفرا وللحج سفرا وذلك أتم لهما كما قال علي في قوله تعالى {وأتموا ~~الحج والعمرة لله} إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. أي: تنشئ السفر ~~لهما من دويرة أهلك. # وأما من اعتمر قبل أشهر الحج. ثم رجع إلى مصره ثم قدم ثانيا في أشهر الحج ~~فتمتع بعمرة إلى الحج فهذا أفضل ممن اقتصر على مجرد الحج في سفرته الثانية ~~إذا اعتمر معها عقيب الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مع الحج ~~تمتعا هو قران كما بينوا ولأن من # PageV26P277 # تحصل له عمرة مفردة وعمرة مع حجة أفضل ممن لا يحصل له إلا عمرة وحجة ~~وعمرة تمتع أفضل من عمرة مكية عقيب الحج. فهذا الذي اختاره عمر للناس هو ~~الاختيار عند عامة الفقهاء: كالإمام أحمد ومالك والشافعي وغيرهم وكذلك ذكر ~~أصحاب أبي حنيفة عن محمد بن الحسن. ولا يعرف في اختيار ذلك خلاف بين ~~العلماء. ولما كان ذلك هو الأفضل الأرجح وكان إن لم يؤمر الناس به ms7750 زهدوا ~~فيه وأعرضوا عما هو أنفع لهم في دينهم كان من اجتهاد عمر ونظره لرعيته أنه ~~ألزمهم بذلك كما يلزم الأب الشفيق ولده ما هو أصلح له ولما في ذلك من ~~المنفعة لأهل مكة وهذا كان موضع اجتهاد خالفه فيه علي وعمران بن حصين ~~وغيرهما من الصحابة ولم يروا أن يؤمر الناس بذلك أمرا بل يتركون من أحب ~~اعتمر قبل أشهر الحج ومن أحب اعتمر فيها وإن كان الأول أكمل. # وقوي النزاع في ذلك في " خلافة عثمان " حتى ثبت في الصحيحين أن عثمان كان ~~ينهى عن المتعة فلما رآه علي أهل بهما وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقول أحد ونهي عثمان كان لاختيار الأفضل لا نهي كراهة. فلما ~~حصلت الفرقة بعد ذلك بين الأمة بمقتل عثمان ومصير الناس # PageV26P278 # شيعتين: قوما يميلون إلى عثمان وشيعته وقوما يميلون إلى علي وشيعته صار ~~قوم من ولاة بني أمية ينهون عن المتعة ويعاقبون من يتمتع ولا يمكنون أحدا ~~من العمرة في أشهر الحج وكان في ذلك نوع من الجهل والظلم. فلما رأى ذلك ~~علماء الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما جعلوا ينكرون ~~ذلك ويأمرون الناس بالمتعة اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ويخبرون الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم. أمر بها أصحابه في " حجة ~~الوداع " فصار بعض الناس يناظرهم بما توهمه على أبي بكر وعمر فيقولون لعبد ~~الله بن عمر: إن أباك كان ينهى عنها فيقول: إن أبي لم يرد ذلك ولا كان يضرب ~~الناس عليها ونحو ذلك. فبين لهم أن عمر قصد أمر الناس بالأفضل لا تحريم ~~المفضول وعمر إنما أمرهم بالاعتمار في غير أشهر الحج فإما أن يكون عمر أو ~~أحد من الصحابة اختار للناس أن يفردوا الحج في أشهره ويعتمروا فيه عمرة ~~مكية فهذا لم يأمر به ولم يختره أحد من الصحابة أصلا ولم يفعله أحد على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم قطعا وأكبر ظني أنه لم ms7751 يفعله أحد من الصحابة بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به. وقد حمل طائفة من العلماء نهي عمر ~~على أنه نهي عن متعة الفسخ # PageV26P279 # وهؤلاء يقولون الفسخ إنما كان جائزا لمن كان مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وبين أن السلف والعلماء ~~تنازعوا في الفسخ. فمذهب ابن عباس وأصحابه وكثير من الظاهرية والشيعة: يرون ~~أن الفسخ واجب وأنه ليس لأحد أن يحج إلا متمتعا. ومذهب كثير من السلف ~~والخلف أنه وإن جاز التمتع فليس لمن أحرم مفردا أو قارنا أن يفسخ. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. ومذهب كثير من فقهاء الحديث وغيرهم: كأحمد ~~بن حنبل أن الفسخ هو الأفضل وأنه إن حج مفردا أو قارنا ولم يفسخ جاز. وأما ~~من ساق الهدي فلا يفسخ بلا نزاع والفسخ جائز ما لم يقف بعرفة وسواء كان قد ~~نوى عند الطواف طواف القدوم أو غير ذلك وسواء كان قد نوى عند الإحرام ~~القران أو الإفراد أو أحرم مطلقا. فالأفضل عند هؤلاء لكل من لم يسق الهدي ~~أن يحل من إحرامه بعمرة تمتع كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ~~في حجة الوداع وليس له أن يتحلل بعمرة إذا كان قصده أن يحج من عامه فيكون ~~متمتعا. فأما الفسخ بعمرة مجردة فلا يجوزه أحد من العلماء ولا للذي # PageV26P280 # يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة أن يحج في أشهر الحج ويعتمر عقيب ~~ذلك من مكة بل هم متفقون على أن هذا ليس هو المستحب المسنون. فهذا أفضل ممن ~~اقتصر على مجرد الحج في سفرته الثانية أو اعتمر فيها. فثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم اعتمر مع الحج عمرة تمتع هو قران كما تقدم. ولأن من يحصل له ~~عمرة مفردة وعمرة مع حجه أفضل ممن لم يحصل له إلا عمرة وحجة، وعمرة تمتع ~~أفضل من عمرة بمكة عقيب الحج إلى الحج وإن جوزوه. فكان عبد الله بن عمر إذا ~~بين ms7752 لهم معنى كلام عمر ينازعونه في ذلك فيقول لهم: فقدروا أن عمر نهى عن ~~ذلك. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوه أم عمر وكذلك كان عبد ~~الله بن عباس إذا بين لهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه يعارضونه ~~بما توهموه على أبي بكر وعمر فيقول لهم: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من ~~السماء. أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر ~~وعمر. يبين لهم أنه ليس لأحد أن يعارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقول أحد من الناس مع أن أولئك المعارضين كانوا يخطئون على أبي بكر وعمر ~~وهم سواء كانوا علموا حال أبي بكر وعمر أم أخطئوا عليهما ليس لأحد أن يدفع ~~المعلوم من سنة # PageV26P281 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الخلق بل كل أحد من الناس فإنه ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا متفق عليه بين ~~علماء الأمة وأئمتها. وإنما تنازع فيه أهل الجهالة من الرافضة وغالية ~~النساك الذين يعتقد أحدهم في بعض أهل البيت أو بعض المشايخ أنه معصوم أو ~~كالمعصوم وكان ابن عباس يبالغ في المتعة حتى يجعلها واجبة ويجعل الفسخ ~~واجبا وهو قول أبي حنيفة وطائفة من أهل الظاهر والشيعة ويجعل من طاف وسعى ~~فقد حل من إحرامه وصار متمتعا سواء قصد التمتع أو لم يقصده. وصار إلى إيجاب ~~التمتع طائفة من الشيعة وغيرهم. وهذا مناقضة لمن نهى عنها وعاقب عليها من ~~بني أمية وغيرهم. وأما الذي عليه أئمة الفقه: فإنهم يجوزون هذا وهذا ولكن ~~النزاع بينهم في الفسخ وفي استحبابه فمن حج متمتعا من الميقات أجزأه حجه ~~باتفاق العلماء وما سوى ذلك فيه نزاع سواء أفرد أو قرن أو فسخ إذا قدم في ~~أشهر الحج إلا القارن الذي ساق الهدي فإن هذا يجزئه أيضا حجه باتفاقهم. ~~وأما من قدم بعمرة قبل أشهر الحج وأقام إلى أن يحج فهذا # PageV26P282 # أيضا ما أعلم ms7753 فيه نزاعا فالتمتع المستحب والقران المستحب والإفراد ~~المستحب هو الذي يجزئه باتفاقهم. وبسبب ما وقع من اشتراك الألفاظ في ~~الرواية واختلاف الاجتهاد في العمل وغير ذلك صار كثير من الفقهاء يغلطون في ~~معرفة " صفة حجة الوداع " فيظن طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم تمتع بمعنى أنه حل من إحرام العمرة ثم أحرم بالحج وهذا غلط ~~بلا ريب. وقد قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~قارنا والمتعة أحب إلي. أي لمن كان لم يسق الهدي؛ فإنه لا يختلف قوله: أن ~~من جمع الحج والعمرة في سفرة واحدة وقدم في أشهر الحج ولم يسق الهدي أن هذا ~~التمتع أفضل له. بل هو المسنون لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه ~~بذلك. وأما من ساق الهدي: فهل القران أفضل له؟ أم التمتع؟ ذكروا عنه ~~روايتين والذي صرح به في رواية المروذي أن القران أفضل له؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هكذا حج بلا نزاع بين أهل العلم والحديث وهذا السائق للهدي ~~تمتعه وقرانه لا يختلفان إلا في تقدم الإحرام وتأخيره. فمتى أحرم بالحج مع ~~العمرة أو قرن الإحرام بالعمرة أو بزيادة سعي عند من يقول به وقبل طوافه ~~وسعيه عند من يقوله # PageV26P283 # كان قارنا وهو متمتع تمتع قران بلا نزاع. وإن لم يحرم بالحج إلا بعد ~~الطواف والسعي مع بقائه على إحرامه فهو متمتع وبقاؤه على إحرامه واجب عليه ~~عند أبي حنيفة وأحمد إذا كان قد ساق الهدي وعند مالك والشافعي إنما يتحلل ~~إن لم يسق الهدي فإنه يتحلل من عمرته باتفاقهم فإن أحرم بالحج قبل تحلله من ~~العمرة ففيه نزاع. ومن جوز هذا من أصحاب أحمد فإنهم يسمونه أيضا " قارنا " ~~فإنه لم يتحلل من إحرامه حتى أحرم بالحج وهل على المتمتع بعد طواف الإفاضة ~~سعي غير السعي الأول الذي كان عقيب طواف العمرة؟ فيه قولان في مذهب أحمد ~~وغيره. وقد نص أحمد على أن المتمتع يجزئه سعي واحد كما ms7754 يجزئ القارن في غير ~~موضع وعلى هذا فلا يختلفان إلا بالتقدم والتأخر وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم ~~أن تقدم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره؛ لأنه أكمل وهذا الذي ثبت صحيحا ~~صريحا عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث {قال أنس: سمعته يقول: لبيك عمرة ~~وحجا} وكذلك في حديث عمر الذي في الصحيح صحيح البخاري - {عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: أتاني آت الليلة من ربي وهو بالعقيق فقال: # PageV26P284 # صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة} ولم ينقل أحد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفسه لفظا يخالف هذين ألبتة؛ بل لم ينقل أحد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفظا بإحرامه إلا هذا. وكذلك {قالت عائشة في الحديث المتفق ~~عليه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع ~~العمرة} . وأما {قول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة} فهذا أيضا يبين أنه مع سوق الهدي لم ~~يكن يجعلها عمرة وأنه إنما كان يجعلها عمرة إذا لم يسق الهدي وذلك لأن ~~أصحابه الذين أمرهم بالإحلال وهم الذين لم يسوقوا الهدي كرهوا أن يحلوا في ~~أشهر الحج لأنهم لم يكونوا يعتادون الحل في وسط الإحرام في أشهر الحج فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تطييب قلوبهم يوافقهم في الفعل فذكر أنه لو ~~استقبل من أمره ما استدبر. أي: لو كنت الساعة مبتدئا الإحرام لم أسق الهدي ~~ولأحرمت بعمرة أحل منها. وهذا كله من النصوص الثابتة عنه بلا نزاع. وهو ~~يبين أن المختار لمن قدم في أشهر الحج أحد أمرين: إما أن يسوق الهدي أو ~~يتمتع تمتع قارن أو لا يسوق الهدي ويتمتع بعمرة ويحل منها. # PageV26P285 # ثم الذي ينبغي أن يقال: إن الذي اختاره الله لنبيه هو أفضل الأمرين. وأما ~~{قوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ms7755 ما استدبرت لم أفعل ذلك} . ~~فهو حكم معلق على شرط والمعلق على شرط عدم عند عدمه فما استقبل من أمره ما ~~استدبر وقد اختار الله تعالى له ما فعل واختار له أنه لم يستقبل ما استدبر. ~~ولا يلزم إذا كان الشيء أفضل على تقدير أن يكون أفضل مطلقا. وهذا كقوله: ~~{لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر} فهو لا يدل على أن عمر أفضلهم لو لم يبعث ~~الرسول ولا يدل على أنه أفضل مع بعث الرسول؛ بل أبو بكر أفضل منه في هذه ~~الحال ولكن هذا بين أن الموافقة إذا كان في تنويع الأعمال تفرق وتشتت هو ~~أولى من تنويعها وتنويعها اختيار القادر المفضول للأفضل والعاجز عن المفضول ~~كما اختار من قدر على سوق الهدي الأفضل. ومن لم يقدر على سوقه مع السلامة ~~عن التفرق ومع تفرق يعقبه ائتلاف هو أفضل. وغلط أيضا في " صفة حجه " طائفة ~~من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما: فظنوا أنه إنما كان مفردا: يعني أنه أحرم ~~بحجة مفردة ولم # PageV26P286 # يعتمر معها أصلا وهذا خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة أيضا وخلاف ما تواتر ~~في سنته. ثم قد يغلط طوائف من متأخريهم فيظنون أنه اعتمر مع ذلك من مكة ~~ولهذا لم ينقله أحد ممن له قول معتبر ولم يتنازعوا في أنه أمر أصحابه الذين ~~لم يسوقوا الهدي بالتمتع بالعمرة إلى الحج وأمره في حق أمته أولى بهم من ~~فعله لا سيما وقد بين أن اختصاصه بعدم الإحلال إنما كان لسوق الهدي وهذا ~~متواتر عنه. وفي الصحيحين {أن حفصة قالت له: ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت ~~من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر} فهذا لا ينافي ~~أنه أحرم بالعمرة والحج كما روى أنس وعمر وغيرهما؛ لأن ذلك يسمى عمرة؛ لأنه ~~وحده عمل المعتمر؛ ولأنه أمرهم بالحل وأن يجعلوها عمرة فشبهته بهم. وغلط ~~أيضا في " صفة حجته " من غلط من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم: فاعتقدوا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان قارنا بمعنى ms7756 أنه طاف وسعى أولا للعمرة ثم طاف وسعى ~~ثانيا للحج قبل التعريف وكل من نظر في الأحاديث الثابتة المتواترة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم علم أنه لم يطف طوافين ولا سعى سعيين ولا أمر بذلك ~~أصحابه الذين ساقوا الهدي وأمرهم بالبقاء على إحرامهم فضلا عن # PageV26P287 # الذين أمرهم بالإحلال. وما روي أنه يأمر به علي ونحوه: من فعل الطوافين ~~والسعيين فقد ضعفه غير واحد من أهل العلم بالحديث وليس في شيء من كتب ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته طاف طوافين وسعى سعيين وإنما ~~يوجد ذلك في بعض كتب الرأي التي يروي أصحابها أحاديث كثيرة وتكون ضعيفة وهم ~~لم يتعمدوا الكذب لكن سمعوا تلك الأحاديث ممن لا يضبط الحديث. وهكذا ~~الاختيار. فإن الفقهاء وإن جوزوا الأنساك الثلاثة فقد يغلط كثير منهم في ~~الاختيار فأعدل الأقوال وهو أتبعها للسنة وأصحها في الأثر والنظر ما ذكرناه ~~أن من قدم في أشهر الحج مريدا للعمرة والحج في تلك السفرة: فالسنة له ~~التمتع بالعمرة إلى الحج ثم إن ساق الهدي لم يحل من إحرامه ولكن إحرامه ~~بالحج مع العمرة أولا قبل الطواف والسعي أفضل له من أن يؤخر الإحرام بالحج ~~إلى ما بعد الطواف والسعي وإن لم يسق الهدي حل وهذا أفضل له من أن يجيء ~~بعمرة عقب الحج. وأما من أفردهما في سفرة واعتمر قبل أشهر الحج وأقام إلى ~~الحج فهذا أفضل من التمتع وهذا قول الخلفاء الراشدين وهو # PageV26P288 # مذهب الإمام أحمد وغيره وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي وغيرهم ~~واختيار المتعة هو قول أصحاب الحديث وهو قول فقهاء مكة من الصحابة ~~والتابعين وقول بني هاشم. فاتفق على اختياره علماء سنته وأهل بلدته؛ وأهل ~~بيته. ومالك وإن كان يختار الإفراد فلا يختاره لمن يعتمر عقب الحج بل يعتمر ~~في غير أشهر الحج كالمحرم. والشافعي في أحد أقواله يختار التمتع وفي الآخر ~~يختار إحراما مطلقا وفي الآخر يختار الإفراد ولكن لا أحفظ قوله فيمن يعتمر ~~عقب الحج فإنه وإن كان ms7757 من أصحابه من يجعل هذا هو الأفضل فكثير من أصحاب ~~أحمد يظن أن مذهبه أن المتعة أفضل من الاعتمار في أشهر الحج. والغلط في هذا ~~الباب كثير على السنة؛ وعلى الأئمة وإلا فكيف يشك من له أدنى معرفة في ~~السنة أن أصحابه لم يعتمر أحد منهم عقيب الحج وكيف يشك مسلم أن ما فعلوه ~~بأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل لهم ولمن كان حاله كحالهم. وقد ~~تبين بما ذكرنا أنه وإن سوغ العمرة من مكة عقب الحج لمن أفرد. فهذا لم ~~يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به هو - ولا أحد من ~~خلفائه ولا أحد من صحابته # PageV26P289 # والتابعين وأئمتهم - أمر اختيار وهذا كله مما يضعف أمر الاعتمار من مكة ~~غاية الضعف. # فصل: # وأما المسألة الثالثة فنقول: فإذا كان قد تبين بما ذكرناه من السنة ~~واتفاق سلف الأمة أنه لا يستحب بل تكره الموالاة بين العمرة لمن يحرم من ~~الميقات فمن المعلوم أن الذي يوالي بين العمر من مكة في شهر رمضان أو غيره ~~أولى بالكراهة فإنه يتفق في ذلك محذوران. أحدهما: كون الاعتمار من مكة وقد ~~اتفقوا على كراهة اختيار ذلك بدل الطواف. والثاني: الموالاة بين العمر وهذا ~~اتفقوا على عدم استحبابه؛ بل ينبغي كراهته مطلقا فيما أعلم لمن لم يعتض عنه ~~بالطواف وهو الأقيس فكيف بمن قدر على أن يعتاض عنه بالطواف بخلاف كثرة ~~الطواف فإنه مستحب مأمور به لا سيما للقادمين. فإن جمهور العلماء على أن ~~طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد الحرام مع فضيلة الصلاة بالمسجد ~~الحرام. # PageV26P290 # فصل: # وأما الاعتمار في شهر رمضان: ففي الصحيحين والسنن عن عطاء سمعت ابن عباس ~~يحدثنا قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار - سماها ~~ابن عباس فنسيت اسمها: ما منعك أن تحجي معنا فقالت لم يكن لنا إلا ناضحان ~~فحج أبو ولدها على ناضح وترك لنا ناضحا ننضح عليه قال: فإذا جاء شهر رمضان ~~فاعتمري فإن عمرة في رمضان ms7758 تعدل حجة} وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {عمرة في رمضان تعدل حجة} وفي الصحيحين {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأم سنان امرأة من الأنصار: عمرة في رمضان تقضي حجة ~~معي} وروى البخاري هذا الحديث من طريق جابر تعليقا وعن أم معقل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {عمرة في رمضان تعدل حجة} رواه ابن ماجه: والترمذي ~~وقال حديث حسن {وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت لما حج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في ~~سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج # PageV26P291 # النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجته جئته فقال: يا أم معقل ما ~~منعك أن تحجي قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه ~~فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال فهلا خرجت عليه فإن الحج من سبيل الله} ~~رواه أبو داود وروى أحمد في المسند {عن أم معقل الأسدية أن زوجها جعل بكرا ~~في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى فأتت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الحج والعمرة في سبيل الله} . فهذه الأحاديث تبين أنه صلى الله عليه ~~وسلم أراد بذلك العمرة التي كان المخاطبون يعرفونها وهي قدوم الرجل إلى مكة ~~معتمرا فإما أن يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفونه ولا ~~يفعلونه ولا يأمرون به فكيف يجوز أن يكون ذلك مرادا من الحديث مع أن هذه ~~المرأة كانت بالمدينة النبوية وعمرتها لا تكون إلا عن الميقات ليست عمرتها ~~مكية. وكيف يكون قد رغبهم في عمرة مكية في رمضان ثم إنهم لا يأتون ما فيه ~~هذا الأجر العظيم مع فرط رغبتهم في الخير وحرصهم عليه وهلا أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك أهل مكة المقيمين بها؛ ms7759 ليعتمروا كل عام في شهر رمضان ~~وإنما أخبر بذلك من كان # PageV26P292 # بالمدينة لما ذكر له مانعا منعه من السفر للحج فأخبره أن الحج في سبيل ~~الله وأن عمرة في رمضان تعدل حجة وهذا ظاهر؛ لأن المعتمر في رمضان إن عاد ~~إلى بلده فقد أتى بسفر كامل للعمرة ذهابا وإيابا في شهر رمضان المعظم ~~فاجتمع له حرمة شهر رمضان وحرمة العمرة وصار ما في ذلك من شرف الزمان ~~والمكان يناسب أن يعدل بما في الحج في شرف الزمان وهو أشهر الحج وشرف ~~المكان. وإن كان المشبه ليس كالمشبه به من جميع الوجوه لا سيما في هذه ~~القصة باتفاق المسلمين وإن أقام بمكة إلى أن حج في ذلك العام فقد حصل له ~~نسكا مكفرا أيضا بخلاف من تمتع في أشهر الحج فإن هذا هو حاج محض وإن كان ~~متمتعا ولهذا يكون داخلا في الحج من حين يحرم بالعمرة. يبين هذا أن بعض ~~طرقه في الصحيح أنه قال للمرأة: {عمرة في رمضان تعدل حجة معي} ومعلوم أن ~~مراده أن عمرتك في رمضان تعدل حجة معي فإنها كانت قد أرادت الحج معه فتعذر ~~ذلك عليها فأخبرها بما يقوم مقام ذلك وهكذا من كان بمنزلتها من الصحابة ولا ~~يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال: أن عمرة الواحد منا من الميقات أو من مكة ~~تعدل حجة معه فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الحج التام أفضل من عمرة رمضان ~~والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحج معه فكيف بعمرة وغاية ما ~~يحصله الحديث: أن تكون عمرة أحدنا في # PageV26P293 # رمضان من الميقات بمنزلة حجة وقد يقال هذا لمن كان أراد الحج فعجز عنه ~~فيصير بنية الحج مع عمرة رمضان كلاهما تعدل حجة لا أحدهما مجردا. وكذلك ~~الإنسان إذا فعل ما يقدر عليه من العمل الكامل مع أنه لو قدر لفعله كله ~~فإنه يكون بمنزلة العامل من الأجر. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إذا مرض العبد أو سافر كتب له من ms7760 العمل ما كان يعمل وهو ~~صحيح مقيم} وفي الصحيح عنه أنه قال: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا} وكذلك قال في الضلالة وشواهد ~~هذا الأصل كثير. ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تابعوا بين الحج والعمرة ~~فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس ~~للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة} رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ~~فإن قوله: {تابعوا بين الحج والعمرة} لم يرد به العمرة من مكة إذ لو أراد ~~ذلك لكان الصحابة يقبلون أمره سواء كان أمر إيجاب؛ أو استحباب ولا يظن ~~بالصحابة # PageV26P294 # والتابعين أنهم تركوا اتباع سنته وما رغبوا فيه كلهم حتى حدث بعدهم من ~~فعل ذلك وإذا كانوا لا يعتمرون من مكة علم أن هذا ليس مقصود الحديث؛ ولكن ~~المراد به العمرة التي كانوا يعرفونها ويفعلونها وهي عمرة القادم. يبين هذا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عائشة بالعمرة من أدنى الحل مع أنها ~~متابعة بين الحج والعمرة ولو كانت المكية مرادة حين طلبت ذلك منه أمرها أن ~~تكتفي بما فعلته وقال: " طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك ~~وعمرتك " فلما راجعته وألحت عليه أذن لها في ذلك فلو كان مثل هذا مما أمر ~~به لم يكن يأمرها ابتداء بترك ذلك والاكتفاء بما دونه وهي تطلب ما قد رغب ~~الناس فيه كلهم. ففي الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي وغيرهما {عن عائشة ~~أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا ~~بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع ~~العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا ثم قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف ~~بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~انقضي رأسك وامتشطي ms7761 وأهلي بالحج ودعي العمرة ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم ~~فاعتمرت. فقال: # PageV26P295 # هذه مكان عمرتك قالت: وطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا ~~والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين ~~كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا} . وفي الصحيحين والسنن ~~أيضا {عن عائشة قالت: لبينا بالحج حتى إذا كنا بسرف حضت فدخل علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: وما يبكيك؟ يا عائشة فقلت: حضت ليتني ~~لم أكن حججت فقال: سبحان الله إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فقال: ~~انسكي المناسك كلها غير أن لا تطوفي بالبيت فلما دخلنا مكة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة إلا من كان معه ~~الهدي وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر فلما ~~كانت ليلة البطحاء وطهرت عائشة قالت: يا رسول الله: أيرجع صواحبي بحج وعمرة ~~وأرجع أنا بالحج فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر ~~فأعمرها من التنعيم فأتت بالعمرة} . وفي الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي. ~~{عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا ~~فأقبلت عائشة مهلة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت حتى إذا # PageV26P296 # قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال: فقلنا حل ماذا؟ قال: الحل كله. فواقعنا ~~النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ~~ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة ~~فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ~~ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن قال: إن هذا أمر كتبه الله على ~~بنات آدم فاغتسلي ms7762 ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت ~~بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال: قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا قالت: يا ~~رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال: فاذهب بها يا ~~عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة وفي رواية مسلم: وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه فأرسلها مع عبد ~~الرحمن فأهلت من التنعيم بعمرة} . وروى مسلم في صحيحه عن طاوس {عن عائشة: ~~أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت فنسكت المناسك كلها وقد ~~أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: يكفيك # PageV26P297 # طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد ~~الحج} وروى مسلم أيضا عن مجاهد {عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزئ عنك طوافك بالبيت وبين الصفا ~~والمروة عن حجك وعمرتك} . فهذه قصة عائشة. وللفقهاء في عمرتها التي فعلتها ~~قولان مشهوران: أحدهما: وهو قول جمهور الفقهاء من أهل الحديث والحجاز: ~~كمالك والشافعي " وأحمد وغيرهم أنها لما حاضت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج ~~فمنعها الحيض من طواف العمرة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج ~~مع بقائها على الإحرام فصارت قارنة بين العمرة والحج إذ القارن اسم لمن ~~أحرم بهما ابتداء أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل طوافها. قالوا: ~~والأحاديث تدل على أن القارن ليس في عمله زيادة على عمل المفرد إلا الهدي ~~فلهذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم لما أحلت: " قد حللت من حجك وعمرتك ~~جميعا ". والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة ومن وافقه أنها لما حاضت أمرها ~~أن ترفض العمرة فتنتقل عنها إلى الحج لا تفرق # PageV26P298 # بينهما بل تبقى في حج مفرد قالوا: فلما حلت حلت من الحج فقط وكان عليها ~~عمرة تقضيها مكان عمرتها التي رفضتها. وعلى قول هؤلاء كانت العمرة التي ~~فعلتها واجبة ms7763 لأنها قضاء عما تركتها. وعلى قول الأكثرين لم تكن واجبة بل ~~جائزة. وحكم كل امرأة قدمت متمتعة فحاضت قبل الطواف على هذين القولين ~~الأولين: هل تؤمر أن تحرم بالحج فتصير قارنة أم ترفض العمرة في الحج على ~~القولين. وفيها قول ثالث: وهو رواية عن أحمد: أنها كانت قارنة وعمرة القارن ~~لا تجزئ عن عمرة الإسلام فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة الإسلام. ~~وفيها قول رابع: ذكره بعض المالكية فامتنعت من طواف القدوم؛ لأجل الحيض وإن ~~هذه العمرة هي عمرة الإسلام. وهذا القول أضعف الأقوال من وجوه متعددة ويليه ~~في الضعف الذي قبله. ومن أصول هذا النزاع: أن القارن عند الآخرين عليه أن ~~يطوف أولا ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج ويختص عندهم بمنعها من عمل ~~القارن كما كان يمنعها من عمل التمتع. والأولون ليس عندهم على القارن إلا ~~طواف واحد وسعي واحد كما على المفرد فإذا كانت حائضا سقط عنها طواف القدوم ~~وأخرت السعي إلى أن تسعى # PageV26P299 # بعد طواف الإفاضة وليس عليها غير ذلك. وأهل القول الثاني بلغهم ما ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " ارفضي عمرتك ". واعتقدوا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتمر من التنعيم فاعتقدوا أن ذلك ~~صار واجبا للعمرة المرفوضة وأن رفض العمرة هو تركها بالدخول في الحج ~~المفرد. وأما أهل القول الأول: فبلغهم من العلم ما لم يبلغ هؤلاء فإن قصة ~~عائشة رويت من وجوه متعددة عنها وعن غيرها كجابر وغيره فانظر ما قالت وما ~~قال لها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لها: " قد حللت من حجك وعمرتك ~~جميعا " وقال لها: " سعيك وطوافك لحجك وعمرتك " وفي رواية " يجزئ عنك طوافك ~~بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك " فهذا نص في أنها كانت في حج وعمرة؛ لا ~~في حج مفرد وفي أن الطواف الواحد أجزأ عنها لم يحتج إلى طوافين. وأيضا قد ~~ثبت في السنن الصحيحة الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ساق الهدي ms7764 ~~من أصحابه كانوا قادمين ولم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة حين قدموا ~~إلا مرة واحدة. # PageV26P300 # وأيضا فإنها {قالت له - لما قال لها ذلك: إني أجد في نفسي أني لم أطف ~~بالبيت حين حججت قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وكذلك ~~قولها له: أيرجع صواحبي بحج وعمرة؟ وأرجع أنا بالحج فأمر عبد الرحمن فذهب ~~بها إلى التنعيم} يدل على أنه لم يأمرها بالعمرة ابتداء وإنما أجاب سؤالها ~~لما كرهت أن ترجع إلا بفعل عمرة فإن صواحبها كن في عمرة تمتع: طفن أولا ~~وسعين وهي لم تطف وتسع إلا بعد التعريف فصار عملهن أزيد من عملها؛ لأنه سقط ~~عنها بالحيض الطواف الأول. # PageV26P301 # وسئل - رضي الله عنه وأرضاه -: # عمن يقف بعرفة ولا يمكنه الذهاب إلى البيت خوفا من القتل أو ذهاب المال. ~~هل يجزئه الحج؟ أم لا؟ وفيمن يكون ببدنه أو رأسه أذى فلبس وغطى رأسه: هل ~~تجب عليه الفدية؟ أم لا؟ وما هي الفدية؟ ومن لم يجد إلا بعيرا حراما هل ~~يجزئه الحج عليه وما هو الإفراد؟ والقران؟ والتمتع وما الأفضل؟ ومن لم يعلم ~~ذلك هل يصح حجه أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا بد بعد الوقوف من طواف الإفاضة وإن لم يطف ~~بالبيت لم يتم حجه باتفاق الأمة وإن أحصره عدو عن البيت وخاف فلم يمكنه ~~الطواف تحلل فيذبح هديا ويحل وعليه الطواف بعد ذلك إن كانت تلك حجة الإسلام ~~فيدخل مكة بعمرة يعتمرها تكون عوضا عن ذلك. ولا يجوز له تغطية رأسه من غير ~~حاجة ولا لبس القميص والجبة ونحو ذلك إلا لحاجة. فإن خاف من شدة البرد أن ~~يمرض لبس وافتدى أيضا واستغفر الله من ذنوبه. # PageV26P302 # والفدية للعذر أن يذبح شاة يقسمها بين الفقراء أو يصوم ثلاثة أيام أو ~~يتصدق على ستة فقراء كل فقير بنصف صاع تمر. وإن تصدق على كل واحد برطل خبز ~~جاز. ولا يجوز أن يحج على بعير محرم. والأفضل لمن ساق الهدي أن يقرن بين ~~العمرة والحج. وإن لم ms7765 يسق الهدي وأراد أن يجمع بين العمرة والحج فالتمتع ~~أفضل وإن حج في سفرة واعتمر في سفرة فالإفراد أفضل له. وإذا أحرم مطلقا ولم ~~يخطر بباله هذه الأمور صح حجه إذا حج كما يحج المسلمون. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب. # PageV26P303 ### | باب الهدي والأضحية والعقيقة # قال - رحمه الله -: # فصل: # والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك فإذا كان معه مال يريد ~~التقرب به إلى الله كان له أن يضحي به والأكل من الأضحية أفضل من الصدقة ~~والهدي بمكة أفضل من الصدقة بها وإن كان قد نذر أضحية في ذمته فاشتراها في ~~الذمة وبيعت قبل الذبح كان عليه إبدالها شاة. وأما إذا اشترى أضحية فتعيبت ~~قبل الذبح ذبحها في أحد قولي العلماء وإن تعيبت عند الذبح أجزأ في ~~الموضعين. # PageV26P304 # وقال - رحمه الله -: # و ### | الأضحية من النفقة بالمعروف # فيضحي عن اليتيم من ماله وتأخذ المرأة من مال زوجها ما تضحي به عن أهل ~~البيت وإن لم يأذن في ذلك ويضحي المدين إذا لم يطالب بالوفاء ويتدين ويضحي ~~إذا كان له وفاء. # و ### | سئل: # عمن لا يقدر على الأضحية. هل يستدين؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن ولا يجب ~~عليه أن يفعل ذلك. والله أعلم. # PageV26P305 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه ويضحى عنه في ~~البيت ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها. فإن في سنن أبي داود {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن العقر عند القبر} حتى كره أحمد الأكل مما ~~يذبح عند القبر؛ لأنه يشبه ما يذبح على النصب. فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا} . وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا ~~إليها} وقال: {الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} فنهى عن الصلاة عندها؟ ~~لئلا يشبه من يصلي لها. وكذلك الذبح عندها يشبه من ذبح لها. ms7766 وكان المشركون ~~يذبحون للقبور ويقربون لها القرابين وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم عظيم ~~ذبحوا عند قبره الخيل والإبل وغير ذلك تعظيما للميت. فنهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك كله. # PageV26P306 # ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له أن يوفي به. ولو شرطه واقف لكان شرطا فاسدا. ~~وكذلك الصدقة عند القبر كرهها العلماء، وشرط الواقف ذلك شرط فاسد. وأنكر من ~~ذلك أن يوضع على القبر الطعام والشراب ليأخذه الناس فإن هذا ونحوه من عمل ~~كفار الترك لا من أفعال المسلمين. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # والأضحية بالحامل جائزة فإذا خرج ولدها ميتا فذكاته ذكاة أمه عند الشافعي ~~وأحمد وغيرهما. سواء أشعر أو لم يشعر. وإن خرج حيا ذبح ومذهب مالك إن أشعر ~~حل وإلا فلا وعند أبي حنيفة لا يحل حتى يذكى بعد خروجه والله أعلم. # PageV26P307 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # و" الهتماء " التي سقط بعض أسنانها فيها قولان هما وجهان في مذهب أحمد. ~~أصحهما أنها تجزئ وأما التي ليس لها أسنان في أعلاها فهذه تجزئ باتفاق. ~~والعفراء أفضل من السوداء وإذا كان السواد حول عينيها وفمها وفي رجليها ~~أشبهت أضحية النبي صلى الله عليه وسلم. # و ### | سئل: # عما يقال على الأضحية حال ذبحها وما صفة ذبحها # كيف يقسمها؟ # فأجاب: # الحمد لله، وأما الأضحية فإنه يستقبل بها القبلة فيضجعها على الأيسر ~~ويقول: بسم الله والله أكبر اللهم تقبل مني كما # PageV26P308 # تقبلت من إبراهيم خليلك. وإذا ذبحها قال: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} . ويتصدق بثلثها ~~ويهدي ثلثها وإن أكل أكثرها أو أهداه أو أكله أو طبخها ودعا الناس إليها ~~جاز. ويعطي أجرة الجزار من عنده وجلدها إن شاء انتفع به وإن شاء تصدق به ~~والله أعلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # الذبيحة: الأضحية وغيرها: تضجع على شقها الأيسر ويضع الذابح رجله اليمين ~~على عنقها كما ثبت في الصحيح {عن ms7767 رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمي ويكبر ~~فيقول: باسم الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل مني كما تقبلت من ~~إبراهيم خليلك} . # PageV26P309 # ومن أضجعها على شقها الأيمن وجعل رجله اليسرى على عنقها تكلف مخالفة يديه ~~ليذبحها فهو جاهل بالسنة معذب لنفسه وللحيوان ولكن يحل أكلها؛ فإن الإضجاع ~~على الشق الأيسر أروح للحيوان. وأيسر في إزهاق النفس وأعون للذبح وهو السنة ~~التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها عمل المسلمين وعمل الأمم ~~كلهم. ويشرع أن يستقبل بها القبلة أيضا. وإن ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل ~~بيته أجزأ ذلك في أظهر قولي العلماء. وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فإن ~~الصحابة كانوا يفعلون ذلك. وقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضحى بشاتين فقال في إحداهما: اللهم من محمد وآل محمد} . # و ### | سئل: # عن رجل اسمه أبو بكر صار جنديا وغير اسمه وسمى روحه اسم المماليك فهل ~~عليه إثم؟ # فأجاب: # إذا سمى اسمه باسم تركي لمصلحة له في ذلك فلا إثم عليه # PageV26P310 # ويكون له اسمان كما يكون له اسم من سماه به أبواه ثم يلقبه الناس ببعض ~~الألقاب كفلان الدين. # و ### | سئل: # عن الألقاب المتواطأ عليها بين الناس؟ # فأجاب: # وأما الألقاب فكانت عادة السلف الأسماء والكنى فإذا كنوه بأبي فلان تارة ~~يكنون الرجل بولده كما يكنون من لا ولد له إما بالإضافة إلى اسمه أو اسم ~~أبيه أو ابن سميه أو بأمر له تعلق به كما كنى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عائشة بابن أختها عبد الله وكما يكنون داود أبا سليمان لكونه باسم داود ~~عليه السلام الذي اسم ولده سليمان وكذلك كنية إبراهيم أبو إسحاق وكما كنوا ~~عبد الله بن عباس أبا العباس وكما كنى النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة ~~باسم هريرة كانت معه. وكان الأمر على ذلك في القرون الثلاثة فلما غلبت دولة ~~الأعاجم لبني أمية صاروا. . . (1) # ثم بعد هذا أحدثوا الإضافة إلى الدين وتوسعوا في هذا ولا ريب أن الذي ms7768 ~~يصلح مع الإمكان: هو ما كان السلف يعتادونه من PageV26P311 # المخاطبات والكنايات فمن أمكنه ذلك فلا يعدل عنه إن اضطر إلى المخاطبة لا ~~سيما وقد نهى عن الأسماء التي فيها تزكية كما غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~برة فسماها زينب؛ لئلا تزكي نفسها والكناية عنه بهذه الأسماء المحدثة خوفا ~~من تولد شر إذا عدل عنها فليقتصر على مقدار الحاجة ولقبوا بذلك لأنه علم ~~محض لا تلمح فيه الصفة بمنزلة الأعلام المنقولة مثل أسد وكلب وثور. ولا ريب ~~أن هذه المحدثات التي أحدثها الأعاجم وصاروا يزيدون فيها فيقولون: عز الملة ~~والدين وعز الملة والحق والدين وأكثر ما يدخل في ذلك من الكذب المبين بحيث ~~يكون المنعوت بذلك أحق بضد ذلك الوصف والذين يقصدون هذه الأمور فخرا وخيلاء ~~يعاقبهم الله بنقيض قصدهم فيذلهم ويسلط عليهم عدوهم. والذين يتقون الله ~~ويقومون بما أمرهم به من عبادته وطاعته يعزهم وينصرهم. كما قال تعالى: {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى: ~~{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} والله أعلم وصلى ~~الله على محمد وآله وسلم. PageV26P312 # الجزء السابع والعشرون # كتاب الفقه # الجزء السابع: الزيارة # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ### | فصل: # في " زيارة بيت المقدس " # ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} وفي الصحيحين ~~من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد روي من طرق أخرى وهو حديث مستفيض # PageV27P005 # متلقى بالقبول. أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق. واتفق ~~علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة ms7769 فيه: ~~كالصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف وقد روي من حديث رواه ~~الحاكم في صحيحه {أن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثا: ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده وسأله حكما يوافق حكمه وسأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا ~~الصلاة فيه إلا غفر له} ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه يأتي إليه فيصلي ~~فيه ولا يشرب فيه ماء لتصيبه دعوة سليمان لقوله " لا يريد إلا الصلاة فيه " ~~فإن هذا يقتضي إخلاص النية في السفر إليه ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة. # وتنازع العلماء فيمن نذر السفر إليه في الصلاة فيه أو الاعتكاف فيه هل ~~يجب عليه الوفاء بنذره؟ على قولين مشهورين وهما قولان للشافعي. أحدهما: يجب ~~الوفاء بهذا النذر وهو قول الأكثرين: مثل مالك وأحمد بن حنبل وغيرهما. ~~والثاني: لا يجب وهو قول أبي حنيفة فإن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما ~~كان جنسه واجبا بالشرع فلهذا يوجب نذر # PageV27P006 # الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة فإن جنسها واجب بالشرع ولا يوجب ~~نذر الاعتكاف فإن الاعتكاف لا يصح عنده إلا بصوم وهو مذهب مالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه. وأما الأكثرون فيحتجون بما رواه البخاري في صحيحه عن ~~عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوفاء بالنذر لكل من نذر أن يطيع الله ولم يشترط أن تكون الطاعة من جنس ~~الواجب بالشرع وهذا القول أصح. وهكذا النزاع لو نذر السفر إلى مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أنه أفضل من المسجد الأقصى وأما لو نذر إتيان المسجد ~~الحرام لحج أو عمرة وجب عليه الوفاء بنذره باتفاق العلماء. والمسجد الحرام ~~أفضل المساجد ويليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويليه المسجد الأقصى وقد ~~ثبت في الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة في مسجدي هذا ~~خير من ألف صلاة ms7770 فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام} . والذي عليه ~~جمهور العلماء أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد روى أحمد والنسائي وغيرهما # PageV27P007 # عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف ~~صلاة} وأما في المسجد الأقصى فقد روي " أنها بخمسين صلاة " وقيل " بخمسمائة ~~صلاة " وهو أشبه. # ولو نذر السفر إلى " قبر الخليل عليه السلام " أو قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو إلى " الطور " الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام أو إلى " ~~جبل حراء " الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه وجاءه الوحي فيه ~~أو الغار المذكور في القرآن وغير ذلك من المقابر والمقامات والمشاهد ~~المضافة إلى بعض الأنبياء والمشايخ أو إلى بعض المغارات أو الجبال: لم يجب ~~الوفاء بهذا النذر باتفاق الأئمة الأربعة فإن السفر إلى هذه المواضع منهي ~~عنه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} ~~فإذا كانت المساجد التي هي من بيوت الله التي أمر فيها بالصلوات الخمس قد ~~نهى عن السفر إليها - حتى مسجد قباء الذي يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب ~~إليه لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه {عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا} وروى الترمذي وغيره أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء ~~لا يريد إلا الصلاة فيه: كان له كعمرة} قال الترمذي حديث حسن صحيح. # PageV27P008 # فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه وينهى عن السفر إلى الطور المذكور ~~في القرآن وكما ذكر مالك المواضع التي لم تبن للصلوات الخمس؛ بل ينهى عن ~~اتخاذها مساجد فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~مرض موته {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن ms7771 يتخذ مسجدا} . وفي صحيح ~~مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} ~~ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى شيء من مشاهد الأنبياء لا مشهد إبراهيم ~~الخليل عليه السلام ولا غيره والنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج صلى ~~في بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ولم يصل في غيره وأما ~~ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج {أنه صلى في المدينة وصلى عند قبر موسى ~~عليه السلام وصلى عند قبر الخليل} فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة. وقد رخص ~~بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة ولا ~~احتجوا بحجة شرعية. # PageV27P009 # فصل: # والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام ~~فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد الطواف بالكعبة واستلام الركنين ~~اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد ~~الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ولا فيها ما يتمسح به ولا ما ~~يقبل. فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بغير ذلك ~~من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء: كالقبة ~~التي فوق جبل عرفات وأمثالها؛ بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف ~~بالكعبة. ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة ~~إلى غير الكعبة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة ~~صلى بالمسلمين ثمانية عشر شهرا إلى بيت المقدس فكانت قبلة المسلمين هذه ~~المدة ثم إن الله حول القبلة إلى الكعبة وأنزل الله في ذلك القرآن # PageV27P010 # كما ذكر في " سورة البقرة " وصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى ~~الكعبة وصارت هي القبلة وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء. فمن اتخذ ~~الصخرة ms7772 اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ مع ~~أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف ~~بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال وكذلك من قصد أن يسوق ~~إليها غنما أو بقرا ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل وأن يحلق ~~فيها شعره في العيد أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة. فهذه الأمور ~~التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع ~~والضلالات ومن فعل شيئا من ذلك معتقدا أن هذا قربة إلى الله فإنه يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل كما لو صلى إلى الصخرة معتقدا أن استقبالها في الصلاة ~~قربة كاستقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم ~~المسجد الأقصى. فإن " المسجد الأقصى " اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ~~عليه السلام وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في مقدمه والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل ~~من الصلاة في سائر المسجد؛ فإن عمر بن الخطاب لما # PageV27P011 # فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة لأن النصارى كانوا يقصدون ~~إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها فأمر عمر رضي الله عنه بإزالة ~~النجاسة عنها وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلى المسلمين؟ فقال: خلف ~~الصخرة فقال: يا ابن اليهودية خالطتك يهودية بل أبنيه أمامها. فإن لنا صدور ~~المساجد ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى ~~الذي بناه عمر وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى في محراب داود. وأما " ~~الصخرة " فلم يصل عندها عمر رضي الله عنه ولا الصحابة ولا كان على عهد ~~الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ~~ومعاوية ويزيد ومروان؛ ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ووقع بينه وبين ~~ابن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير فأراد عبد الملك ~~أن يصرف الناس ms7773 عن ابن الزبير فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء ~~والصيف ليرغب الناس في " زيارة بيت المقدس " ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم ~~بابن الزبير وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا ~~يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة كما أن يوم السبت كان عيدا في شريعة موسى ~~عليه السلام ثم نسخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة فليس ~~للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود # PageV27P012 # والنصارى وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى. وما يذكره بعض ~~الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأثر عمامته وغير ~~ذلك: فكله كذب. وأكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب وكذلك المكان الذي يذكر ~~أنه مهد عيسى عليه السلام كذب وإنما كان موضع معمودية النصارى وكذا من زعم ~~أن هناك الصراط والميزان أو أن السور الذي يضرب به بين الجنة والنار هو ذلك ~~الحائط المبني شرقي المسجد وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعا. # فصل: # وليس في بيت المقدس مكان يقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى لكن إذا زار ~~قبور الموتى وسلم عليهم وترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ~~أصحابه فحسن فإن النبي عليه السلام {كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن ~~يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله ~~لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} . # PageV27P013 # فصل: # وأما زيارة " معابد الكفار " مثل الموضع المسمى " بالقمامة " أو " بيت ~~لحم " أو " صهيون " أو غير ذلك؛ مثل " كنائس النصارى " فمنهي عنها. فمن زار ~~مكانا من هذه الأمكنة معتقدا أن زيارته مستحبة والعبادة فيه أفضل من ~~العبادة في بيته: فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ~~وأما إذا دخلها الإنسان لحاجة وعرضت له الصلاة فيها فللعلماء فيها ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل: تكره الصلاة ms7774 فيها مطلقا واختاره ابن عقيل ~~وهو منقول عن مالك. وقيل: تباح مطلقا. وقيل: إن كان فيها صور نهي عن الصلاة ~~وإلا فلا وهذا منصوص عن أحمد وغيره وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وغيره فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة} ~~ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان في الكعبة تماثيل فلم يدخل ~~الكعبة حتى محيت تلك الصور والله أعلم. # فصل: # وليس ببيت المقدس مكان يسمى " حرما " ولا بتربة الخليل ولا # PageV27P014 # بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن: أحدها هو حرم باتفاق المسلمين وهو ~~حرم مكة شرفها الله تعالى. والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عير إلى ثور بريد في بريد؛ فإن هذا حرم عند جمهور ~~العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والثالث " وج " وهو واد بالطائف. فإن هذا روي فيه حديث رواه ~~أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث ~~وليس حرما عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به. وأما ~~ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرما عند أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ~~ما حرم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجا عن هذه ~~الأماكن الثلاثة. # فصل: # وأما " زيارة بيت المقدس " فمشروعة في جميع الأوقات؛ ولكن لا ينبغي أن ~~يؤتى في الأوقات التي تقصدها الضلال: مثل وقت عيد النحر؛ فإن كثيرا من ~~الضلال يسافرون إليه ليقفوا هناك والسفر إليه لأجل التعريف به معتقدا أن ~~هذا قربة محرم بلا ريب وينبغي أن لا يتشبه بهم ولا يكثر سوادهم. # PageV27P015 # وليس السفر إليه مع الحج قربة. وقول القائل: قدس الله حجتك. قول باطل لا ~~أصل له كما يروى: {من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له الجنة} فإن هذا ~~كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث بل وكذلك كل حديث يروى في زيارة قبر ms7775 النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنه ضعيف بل موضوع ولم يرو أهل الصحاح والسنن ~~والمسانيد كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئا؛ ولكن الذي في السنن ما رواه أبو ~~داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من رجل يسلم علي إلا رد ~~الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} فهو يرد السلام على من سلم عليه عند ~~قبره ويبلغ سلام من سلم عليه من البعيد كما في النسائي عنه أنه قال: {إن ~~الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام} وفي السنن عنه أنه قال: ~~{أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي ~~قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله قد حرم على الأرض أن ~~تأكل لحوم الأنبياء} فبين صلى الله عليه وسلم أن الصلاة والسلام توصل إليه ~~من البعيد. والله قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم. وثبت في الصحيح أنه قال: ~~{من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا} صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. # PageV27P016 # فصل: # وأما السفر إلى " عسقلان " في هذه الأوقات فليس مشروعا لا واجبا ولا ~~مستحبا؛ ولكن عسقلان كان لسكناها وقصدها فضيلة لما كانت ثغرا للمسلمين يقيم ~~بها المرابطون في سبيل الله فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن سلمان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر ~~وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وأجري عليه عمله وأجري عليه رزقه من ~~الجنة وأمن الفتان} وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي ~~من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وكان أهل الخير والدين يقصدون ~~ثغور المسلمين للرباط فيها. ثغور الشام: كعسقلان وعكة وطرسوس وجبل لبنان ~~وغيرها. وثغور مصر: كالإسكندرية وغيرها وثغور العراق: كعبادان وغيرها. فما ~~خرب من هذه البقاع ولم يبق بيوتا كعسقلان لم يكن ثغورا ولا في السفر إليه ~~فضيلة وكذلك جبل لبنان وأمثاله من الجبال لا يستحب السفر إليه وليس ms7776 فيه أحد ~~من الصالحين المتبعين لشريعة الإسلام ولكن فيه كثير من الجن وهم " رجال ~~الغيب " الذين يرون أحيانا في هذه البقاع قال تعالى: {وأنه كان رجال من # PageV27P017 # الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} وكذلك الذين يرون الخضر أحيانا ~~هو جني رآه وقد رآه غير واحد ممن أعرفه وقال إنني الخضر وكان ذلك جنيا لبس ~~على المسلمين الذين رأوه؛ وإلا فالخضر الذي كان مع موسى عليه السلام مات ~~ولو كان حيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب عليه أن يأتي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويجاهد معه؛ فإن الله فرض على كل أحد ~~أدرك محمدا - ولو كان من الأنبياء - أن يؤمنوا به ويجاهدوا معه كما قال ~~الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} قال ابن عباس رضي ~~الله عنه لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمدا وهم ~~أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا أنه ~~أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدرا من أن ~~يلبس الشيطان عليهم؛ ولكن لبس على كثير ممن بعدهم فصار يتمثل لأحدهم في ~~صورة النبي ويقول: أنا الخضر وإنما هو شيطان كما أن كثيرا من الناس يرى ~~ميته خرج وجاء إليه وكلمه في أمور وقضى حوائج فيظنه الميت نفسه وإنما هو ~~شيطان تصور بصورته وكثير من الناس يستغيث بمخلوق إما نصراني كجرجس أو غير # PageV27P018 # نصراني فيراه قد جاءه وربما يكلمه وإنما هو شيطان تصور بصورة ذلك ~~المستغاث به لما أشرك به المستغيث تصور له كما كانت الشياطين تدخل في ~~الأصنام وتكلم الناس ومثل هذا موجود كثير في هذه الأزمان في كثير من ms7777 البلاد ~~ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به في الهواء إلى مكان بعيد ومنهم من ~~تحمله إلى عرفة فلا يحج حجا شرعيا ولا يحرم ولا يلبي ولا يطوف ولا يسعى؛ ~~ولكن يقف بثيابه مع الناس ثم يحملونه إلى بلده. وهذا من تلاعب الشياطين ~~بكثير من الناس كما قد بسط الكلام في غير هذا الموضع. والله أعلم بالصواب. ~~وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV27P019 # وسئل - رحمه الله -: # عن زيارة " القدس " و " قبر الخليل عليه السلام " وما في أكل الخبز ~~والعدس من البركة ونقله من بلد إلى بلد للبركة وما في ذلك من السنة ~~والبدعة. # فأجاب: # الحمد لله، أما السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه والاعتكاف أو القراءة أو ~~الذكر أو الدعاء: فمشروع مستحب باتفاق علماء المسلمين. وقد ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أنه قال: {لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . ~~والمسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه. وفي الصحيحين ~~عنه أنه قال: {صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام} . وأما السفر: إلى مجرد زيارة " قبر الخليل " أو غيره من مقابر ~~الأنبياء والصالحين ومشاهدهم وآثارهم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين لا ~~الأربعة ولا غيرهم؛ بل لو نذر ذلك ناذر لم يجب عليه الوفاء بهذا # PageV27P020 # النذر عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛ بخلاف المساجد الثلاثة فإنه إذا نذر ~~السفر إلى المسجد الحرام لحج أو عمرة لزمه ذلك باتفاق الأئمة وإذا نذر ~~السفر إلى المسجدين الآخرين لزمه السفر عند أكثرهم كمالك وأحمد والشافعي في ~~أظهر قوليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} رواه البخاري. وإنما يجب الوفاء بنذر كل ما ~~كان طاعة: مثل من نذر صلاة أو صوما أو اعتكافا أو صدقة لله أو حجا. ولهذا ~~لا يجب بالنذر السفر إلى غير ms7778 المساجد الثلاثة؛ لأنه ليس بطاعة لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} فمنع من السفر إلى ~~مسجد غير المساجد الثلاثة فغير المساجد أولى بالمنع؛ لأن العبادة في ~~المساجد أفضل منها في غير المساجد وغير البيوت بلا ريب ولأنه قد ثبت في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أحب البقاع إلى الله المساجد} مع ~~أن قوله {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} يتناول المنع من السفر إلى كل ~~بقعة مقصودة؛ بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك: فإن السفر لطلب تلك ~~الحاجة حيث كانت وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان. ~~وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء: أنه لا بأس بالسفر # PageV27P021 # إلى المشاهد واحتجوا {بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء كل سبت ~~راكبا وماشيا} أخرجاه في الصحيحين ولا حجة لهم فيه؛ لأن قباء ليست مشهدا؛ ~~بل مسجد وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع؛ ~~بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ~~ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء ~~أحد. وأما أكل الخبز والعدس المصنوع عند " قبر الخليل عليه السلام " فهذا ~~لم يستحبه أحد من العلماء؛ لا المتقدمين ولا المتأخرين ولا كان هذا مصنوعا ~~لا في زمن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا بعد ذلك إلى خمسمائة سنة من ~~البعثة حتى أخذ النصارى تلك البلاد ولم تكن القبة التي على قبره مفتوحة؛ بل ~~كانت مسدودة ولا كان السلف من الصحابة والتابعين يسافرون إلى قبره ولا قبر ~~غيره؛ لكن لما أخذ النصارى تلك البلاد فسووا حجرته واتخذوها كنيسة فلما أخذ ~~المسلمون البلاد بعد ذلك اتخذ ذلك من اتخذه مسجدا وذلك بدعة منهي عنها لما ~~ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا. وفي ms7779 الصحيح عنه أنه قال قبل ~~موته بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا # PageV27P022 # يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ~~ثم وقف بعض الناس وقفا للعدس والخبز وليس هذا وقفا من الخليل ولا من أحد من ~~بني إسرائيل ولا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من خلفائه؛ بل قد روي {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أطلق تلك القرية للدارميين} ولم يأمرهم أن ~~يطعموا عند مشهد الخليل - عليه السلام - لا خبزا ولا عدسا ولا غير ذلك. فمن ~~اعتقد أن الأكل من هذا الخبز والعدس مستحب شرعه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو مبتدع ضال بل من اعتقد أن العدس مطلقا فيه فضيلة فهو جاهل. والحديث ~~الذي يروى: {كلوا العدس فإنه يرق القلب وقد قدس فيه سبعون نبيا} حديث مكذوب ~~مختلق باتفاق أهل العلم. ولكن العدس هو مما اشتهاه اليهود. وقال الله تعالى ~~لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} . ومن الناس من يتقرب إلى الجن ~~بالعدس فيطبخون عدسا ويضعونه في المراحيض أو يرسلونه ويطلبون من الشياطين ~~بعض ما يطلب منهم كما يفعلون مثل ذلك في الحمام وغير ذلك وهذا من الإيمان ~~بالجبت والطاغوت. و " جماع دين الإسلام ": أن يعبد الله وحده لا شريك له ~~ويعبد # PageV27P023 # بما شرعه سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الواجبات والمستحبات والمندوبات. فمن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة ~~فهو ضال والله أعلم. # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # هل الأفضل المجاورة بمكة؟ أو بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو المسجد ~~الأقصى؟ أو بثغر من الثغور لأجل الغزو؟ وفيما يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من زار قبري وجبت له شفاعتي} . و {من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني} ~~وهل زيارة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين. # الجواب # فأجاب: الحمد لله رب العالمين. المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في ~~المساجد الثلاثة كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة؛ ms7780 بل قد اختلفوا في ~~المجاورة: فكرهها أبو حنيفة واستحبها مالك وأحمد وغيرهما؛ ولكن المرابطة ~~عندهم أفضل من المجاورة وهذا متفق عليه بين السلف حتى قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند ~~الحجر الأسود. وذلك أن الرباط من جنس الجهاد وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج ~~كما في الصحيحين {عن النبي # PageV27P024 # صلى الله عليه وسلم أنه قيل له أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله ~~قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال حج مبرور} وقد ~~قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله} إلى قوله: {إن الله عنده أجر عظيم} . وأما قوله: {من ~~زار قبري وجبت له شفاعتي} فهذا الحديث رواه الدارقطني فيما قيل بإسناد ضعيف ~~ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها ~~من كتب الصحاح والسنن والمسانيد. وأما الحديث الآخر قوله: {من حج البيت ولم ~~يزرني فقد جفاني} فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث؛ بل هو موضوع على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه مخالف للإجماع؛ فإن جفاء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الكبائر؛ بل هو كفر ونفاق؛ بل يجب أن يكون أحب إلينا من ~~أهلينا وأموالنا كما قال صلى الله عليه وسلم {والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين} . # PageV27P025 # وأما " زيارته " فليست واجبة باتفاق المسلمين؛ بل ليس فيها أمر في الكتاب ~~ولا في السنة وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم. ~~فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأكثر ما اعتمده العلماء ~~في " الزيارة " قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: {ما من مسلم يسلم علي ~~إلا ms7781 رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} . وقد كره مالك وغيره أن يقال: ~~زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان الصحابة كابن عمر وأنس وغيرهما ~~يسلمون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه كما في الموطأ أن ابن عمر كان ~~إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر ~~السلام عليك يا أبت. وشد الرحل إلى مسجده مشروع باتفاق المسلمين كما في ~~الصحيحين عنه أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . وفي الصحيحين عنه أنه قال: {صلاة في مسجدي ~~هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام} . فإذا أتى ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسلم عليه وعلى صاحبيه كما كان الصحابة ~~يفعلون. وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة في مسجده ~~فهذه المسألة فيها خلاف. فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير # PageV27P026 # مشروع ولا مأمور به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} ولهذا لم يذكر ~~العلماء أن مثل هذا السفر إذا نذره يجب الوفاء به؛ بخلاف السفر إلى المساجد ~~الثلاثة لا للصلاة فيها والاعتكاف فقد ذكر العلماء وجوب ذلك في بعضها - في ~~المسجد الحرام - وتنازعوا في المسجدين الآخرين. فالجمهور يوجبون الوفاء به ~~في المسجدين الآخرين: كمالك والشافعي وأحمد؛ لكون السفر إلى الفاضل لا يغني ~~عن السفر إلى المفضول. وأبو حنيفة إنما يوجب السفر إلى المسجد الحرام؛ بناء ~~على أنه إنما يوجب بالنذر ما كان جنسه واجبا بالشرع والجمهور يوجبون الوفاء ~~بكل ما هو طاعة؛ لما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه} . بل قد صرح طائفة من العلماء كابن عقيل وغيره بأن المسافر ~~لزيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وغيرها لا ms7782 يقصر الصلاة في هذا السفر؛ ~~لأنه معصية لكونه معتقدا أنه طاعة وليس بطاعة والتقرب إلى الله عز وجل بما ~~ليس بطاعة هو معصية؛ ولأنه نهى عن ذلك والنهي يقتضي التحريم. ورخص بعض ~~المتأخرين في السفر لزيارة القبور كما ذكر أبو # PageV27P027 # حامد في " الإحياء " وأبو الحسن بن عبدوس وأبو محمد المقدسي وقد روى ~~حديثا رواه الطبراني من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {من جاءني زائرا لا تنزعه إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا ~~يوم القيامة} لكنه من حديث عبد الله بن بن عمر العمري وهو مضعف. ولهذا لم ~~يحتج بهذا الحديث أحد من السلف والأئمة. وبمثله لا يجوز إثبات حكم شرعي ~~باتفاق علماء المسلمين. والله أعلم. # PageV27P028 # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # وأما قوله: {من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي} وأمثال هذا الحديث مما روي ~~في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم فليس منها شيء صحيح ولم يرو أحد من أهل ~~الكتب المعتمدة منها شيئا: لا أصحاب الصحيح: كالبخاري ومسلم. ولا أصحاب ~~السنن: كأبي داود والنسائي. ولا الأئمة من أهل المسانيد: كالإمام أحمد ~~وأمثاله ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه: كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~بن راهويه وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأمثالهم؛ بل عامة ~~هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة كقوله: {من زارني وزار أبي في عام ~~واحد ضمنت له على الله الجنة} وقوله: {من حج ولم يزرني فقد جفاني} فإن هذه ~~الأحاديث ونحوها كذب. والحديث الأول رواه الدارقطني والبزار في مسنده ~~ومداره على # PageV27P029 # عبد الله بن بن عمر العمري وهو ضعيف وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~زيارة قبره ولا قبر الخليل حديث ثابت أصلا؛ بل إنما اعتمد العلماء على ~~أحاديث السلام والصلاة عليه كقوله صلى الله عليه وسلم {ما من رجل يسلم علي ~~إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} رواه أبو داود وغيره وقوله صلى ~~الله عليه وسلم {إن الله ms7783 وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام} رواه ~~النسائي وقوله صلى الله عليه وسلم {أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة: فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال ~~إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} رواه أبو داود وغيره. وقد ~~كره مالك أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: لأن لفظ ~~الزيارة قد صارت في عرف الناس تتضمن ما نهي عنه فإن زيارة القبور على ~~وجهين: وجه شرعي ووجه بدعي. " فالزيارة الشرعية " مقصودها السلام على الميت ~~والدعاء له سواء كان نبيا أو غير نبي. ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه ويدعون له ثم ينصرفون ولم يكن أحد منهم يقف ~~عند قبره ليدعو لنفسه؛ ولهذا كره مالك وغيره ذلك وقالوا: إنه من البدع ~~المحدثة. ولهذا قال الفقهاء: إذا سلم المسلم عليه # PageV27P030 # وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر بل يستقبل القبلة وتنازعوا وقت ~~السلام عليه: هل يستقبل القبلة أو يستقبل القبر؟ فقال أبو حنيفة: يستقبل ~~القبلة وقال مالك والشافعي وأحمد: يستقبل القبر. وهذا لقوله صلى الله عليه ~~وسلم {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} وقوله صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا ~~قبري عيدا} وقوله صلى الله عليه وسلم {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} وقوله صلى الله عليه وسلم {: إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك} . ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبرا من قبور الأنبياء وغيرهم ~~ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به؛ لأن هذه ~~الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان كما قال تعالى: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال طائفة من السلف: ~~هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا ~~تماثيلهم فعبدوهم. وهذه الأمور ونحوها ms7784 هي من " الزيارة البدعية " وهي من ~~جنس دين النصارى والمشركين وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند ~~القبر أو أن يدعو الميت ويستغيث به ويطلب منه أو # PageV27P031 # يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته. فهذه كلها من البدع التي ~~لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها أصحابه. وقد نص الأئمة على ~~النهي عن ذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع. ولهذا لم يكن أحد من الصحابة ~~يقصد زيارة " قبر الخليل " بل كانوا يأتون إلى بيت المقدس فقط طاعة للحديث ~~الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: {لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} ~~. ولهذا اتفق أئمة الدين على أن العبد لو نذر السفر إلى زيارة " قبر الخليل ~~" و " الطور " الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام أو " جبل حراء " ونحو ~~ذلك لم يجب عليه الوفاء بنذره وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه} والسفر إلى هذه البقاع معصية في أظهر القولين حتى صرح من يقول: ~~إن الصلاة لا تقصر في سفر المعصية بأن صاحب هذا السفر لا يقصر الصلاة ولو ~~نذر إتيان المسجد الحرام لوجب عليه الوفاء بالاتفاق. ولو نذر إتيان مسجد ~~المدينة أو بيت المقدس: ففيه قولان للعلماء. أظهرهما وجوب الوفاء به كقول ~~مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه. والثاني # PageV27P032 # لا يجب عليه الوفاء به كقول أبي حنيفة والشافعي في قوله الآخر وهذا بناء ~~على أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبا بالشرع والصحيح وجوب ~~الوفاء بكل نذر هو طاعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه} ولم يستثن طاعة من طاعة. والمقصود هنا: أن الصحابة لم يكونوا ~~يستحبون السفر لشيء من زيارات البقاع: لا آثار الأنبياء ولا قبورهم ولا ~~مساجدهم؛ ms7785 إلا المساجد الثلاثة؛ بل إذا فعل بعض الناس شيئا من ذلك أنكر عليه ~~غيره كما أنكروا على من زار الطور الذي كلم الله عليه موسى حتى إن " غار ~~حراء " الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه قبل المبعث لم يزره هو ~~بعد المبعث ولا أحد من أصحابه وكذا الدعاء المأثور في القرآن. وثبت أن عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه - كان في بعض الأسفار: فرأى قوما يتناوبون مكانا ~~يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال: ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تتخذوا ~~أثر الأنبياء لكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا: من أدركته الصلاة ~~فليصل وإلا فليمض. وهذا لأن الله لم يشرع للمسلمين مكانا يتناوبونه للعبادة ~~إلا المساجد خاصة فما ليس بمسجد لم يشرع قصده # PageV27P033 # للعبادة وإن كان مكان نبي أو قبر نبي. ثم إن المساجد حرم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن تتخذ على قبور الأنبياء والصالحين كما قال: {لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فإني أنهاكم عن ذلك} وهذان حديثان في الصحيح. وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} بل قد كره الصلاة في المقبرة عموما؛ لما ~~في ذلك من التشبه بمن يتخذ القبور مساجد كما في السنن عنه أنه قال: {الأرض ~~كلها مسجد؛ إلا المقبرة والحمام} وهذه المعاني قد نص عليها أئمة الدين من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأهل العراق وغيرهم؛ بل ذلك منقول عن أنس. # PageV27P034 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله {من حج فلم يزرني فقد جفاني} ؟ # فأجاب: # قوله: {من حج ولم يزرني فقد جفاني} كذب؛ فإن جفاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم حرام وزيارة قبره ليست واجبة باتفاق المسلمين ولم يثبت عنه حديث في ~~زيارة قبره بل هذه الأحاديث التي تروى {من ms7786 زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت ~~له على الله الجنة} وأمثال ذلك كذب باتفاق العلماء. وقد روى الدارقطني ~~وغيره في زيارة قبره أحاديث وهي ضعيفة. وقد كره مالك - وهو من أعلم الناس ~~بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسنة التي عليها أهل مدينته من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم كره - أن يقال: زرت قبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ولو كان هذا اللفظ ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معروفا عند علماء المدينة لم يكره مالك ذلك. وأما إذا قال: سلمت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يكره بالاتفاق كما في السنن عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال {: ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ~~عليه السلام} . وكان # PageV27P035 # ابن عمر يقول: السلام عليك يا رسول الله: السلام عليك يا أبا بكر السلام ~~عليك يا أبت وفي سنن أبي داود عنه أنه قال: {أكثروا علي من الصلاة يوم ~~الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك ~~وقد أرمت. قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} . # وسئل - رحمه الله -: # عن مكة هل هي أفضل من المدينة؟ أم بالعكس؟ . # فأجاب: # الحمد لله، مكة أفضل لما ثبت عن عبد الله بن عدي بن الحمراء {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة: والله إنك لخير أرض ~~الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت} قال ~~الترمذي حديث صحيح. وفي رواية: {إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله} ~~فقد ثبت أنها خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله وإلى رسوله. وهذا صريح ~~في فضلها. وأما الحديث الذي يروى: {أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكنى أحب ~~البقاع إليك} فهذا حديث موضوع كذب لم يروه أحد من أهل العلم. والله أعلم. # PageV27P036 # و ### | سئل: # عن التربة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم هل هي أفضل ms7787 من المسجد ~~الحرام؟ . # فأجاب: # وأما " التربة " التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم فلا أعلم أحدا ~~من الناس قال إنها أفضل من المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد ~~الأقصى؛ إلا القاضي عياض. فذكر ذلك إجماعا وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما ~~علمناه. ولا حجة عليه بل بدن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المساجد. ~~وأما ما فيه خلق أو ما فيه دفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه ~~خلق أفضل. فإن أحدا لا يقول إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء ~~فإن الله يخرج الحي من الميت والميت من الحي. ونوح نبي كريم وابنه المغرق ~~كافر وإبراهيم خليل الرحمن وأبوه آزر كافر. والنصوص الدالة على تفضيل ~~المساجد مطلقة لم يستثن منها قبور # PageV27P037 # الأنبياء ولا قبور الصالحين. ولو كان ما ذكره حقا لكان مدفن كل نبي بل ~~وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله فيكون بيوت المخلوقين أفضل من ~~بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وهذا قول مبتدع في ~~الدين مخالف لأصول الإسلام. # وسئل أيضا: # عن رجلين تجادلا فقال أحدهما: إن تربة محمد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من السموات والأرض وقال الآخر: الكعبة أفضل. فمع من الصواب؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم فما خلق الله خلقا أكرم عليه ~~منه. وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل الكعبة أفضل ~~منه ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ~~ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد عليه. والله أعلم. # PageV27P038 # وسئل - رحمه الله -: # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين؟ هل تفضل الإقامة في الشام على غيره ~~من البلاد؟ وهل جاء في ذلك نص في القرآن أو الأحاديث أم لا؟ أجيبونا ~~مأجورين. # فأجاب شيخ الإسلام والمسلمين ناصر السنة تقي الدين: # الحمد لله، الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله وأفعل ms7788 ~~للحسنات والخير بحيث يكون أعلم بذلك وأقدر عليه وأنشط له أفضل من الإقامة ~~في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك. هذا هو الأصل الجامع. ~~فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم. " والتقوى " هي: ما فسرها الله تعالى في ~~قوله: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله: {أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون} وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله ~~عنه ورسوله. وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان. فقد يكون ~~مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل: إذا كان ~~مجاهدا في سبيل الله بيده أو لسانه آمرا # PageV27P039 # بالمعروف ناهيا عن المنكر بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة ~~لقلت حسناته ولم يكن فيها مجاهدا وإن كان أروح قلبا. وكذلك إذا عدم الخير ~~الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع. ولهذا كان المقام في الثغور بنية ~~المرابطة في سبيل الله تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق ~~العلماء؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ~~لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله} الآية {وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله قال: ثم ماذا؟ قال: حج ~~مبرور} . وهكذا لو كان عاجزا عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل التي ~~لو انتقل إليها لكانت الطاعة عليه أهون وطاعة الله ورسوله في الموضعين ~~واحدة؛ لكنها هناك أشق عليه. فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما؛ ~~وبهذا ناظر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم ~~فقالوا: كنا عند البغضاء البعداء وأنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعلم جاهلكم ويطعم جائعكم وذلك في ذات الله. # PageV27P040 # وأما إذا كان دينه هناك أنقص فالانتقال أفضل له وهذا حال غالب الخلق؛ فإن ~~أكثرهم ms7789 لا يدافعون؛ بل يكونون على دين الجمهور. وإذا كان كذلك: فدين ~~الإسلام بالشام في هذه الأوقات وشرائعه أظهر منه بغيره. هذا أمر معلوم ~~بالحس والعقل وهو كالمتفق عليه بين المسلمين العقلاء الذين أوتوا العلم ~~والإيمان وقد دلت النصوص على ذلك: مثل ما روى أبو داود في سننه عن عبد الله ~~بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ستكون هجرة بعد هجرة فخيار ~~أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم} وفي سننه أيضا عن عبد الله بن خولة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنكم ستجندون أجنادا: جندا بالشام وجندا ~~باليمن وجندا بالعراق فقال ابن خولة: يا رسول الله اختر لي فقال: عليك ~~بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من خلقه فمن أبى فليلحق ~~بيمنه وليتق من غدره فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله} . وكان الخوالي ~~يقول: من تكفل الله به فلا ضيعة عليه. وهذان نصان في تفضيل الشام. وفي مسلم ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يزال أهل ~~المغرب ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة} قال ~~الإمام أحمد: أهل المغرب هم أهل الشام وهو كما قال؛ فإن هذه لغة أهل ~~المدينة النبوية في ذاك # PageV27P041 # الزمان كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق ويسمون أهل الشام أهل ~~المغرب؛ لأن التغريب والتشريق من الأمور النسبية فكل مكان له غرب وشرق؛ ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك في المدينة النبوية فما تغرب عنها فهو ~~غربة وما تشرق عنها فهو شرقة. ومن علم حساب البلاد - أطوالها وعروضها - علم ~~أن المعاقل التي بشاطئ الفرات - كالبيرة ونحوها - هي محاذية للمدينة ~~النبوية كما أن ما شرق عنها بنحو من مسافة القصر كحران وما سامتها مثل ~~الرقة وسميساط فإنه محاذ أم القرى مكة. شرفها الله. ولهذا كانت قبلته هو ~~أعدل القبل فما شرق عما حاذى المدينة النبوية فهو شرقها وما يغرب ذلك فهو ~~غربها. وفي الكتب المعتمد عليها ms7790 مثل " مسند أحمد " وغيره عدة آثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذا الأصل: مثل وصفه أهل الشام " بأنه لا يغلب ~~منافقوهم مؤمنيهم ". وقوله {رأيت كأن عمود الكتاب - وفي رواية - عمود ~~الإسلام أخذ من تحت رأسي فأتبعته نظري فذهب به إلى الشام} وعمود الكتاب ~~والإسلام ما يعتمد عليه وهم حملته القائمون به. ومثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم {عقر دار المؤمنين الشام} ومثل ما في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV27P042 # أنه قال: {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا ~~من خذلهم حتى تقوم الساعة} . وفيهما أيضا عن معاذ بن جبل قال: " وهم بالشام ~~" وفي تاريخ البخاري قال: " وهم بدمشق " وروي: " وهم بأكناف بيت المقدس " ~~وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن ~~ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام} . والآثار في هذا المعنى متعاضدة ولكن ~~الجواب - ليس على البديهة - على عجل. وقد دل الكتاب والسنة وما روي عن ~~الأنبياء المتقدمين عليهم السلام مع ما علم بالحس والعقل وكشوفات العارفين: ~~أن الخلق والأمر ابتدآ من مكة أم القرى فهي أم الخلق وفيها ابتدئت الرسالة ~~المحمدية التي طبق نورها الأرض وهي جعلها الله قياما للناس: إليها يصلون ~~ويحجون ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم. فكان الإسلام في ~~الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم ودلت الدلائل المذكورة على أن " ملك ~~النبوة " بالشام والحشر إليها. فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق ~~والأمر. وهناك يحشر الخلق. والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام. وكما ~~أن مكة أفضل من بيت المقدس فأول الأمة خير من آخرها. وكما أنه في آخر ~~الزمان يعود الأمر إلى # PageV27P043 # الشام كما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى. فخيار أهل الأرض في آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم - عليه السلام ~~- وهو بالشام. فالأمر مساسه كما هو الموجود والمعلوم. وقد دل القرآن العظيم ~~على بركة الشام في ms7791 خمس آيات: قوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} والله تعالى إنما أورث بني إسرائيل ~~أرض الشام. وقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} وقوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها} وقوله: {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي ~~باركنا فيها} وقوله تعالى {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ~~ظاهرة} الآية. فهذه خمس آيات نصوص. و " البركة " تتناول البركة في الدين ~~والبركة في الدنيا. وكلاهما معلوم لا ريب فيه. فهذا من حيث الجملة والغالب. ~~وأما كثير من الناس فقد يكون مقامه في غير الشام أفضل له كما تقدم. وكثير ~~من أهل الشام لو خرجوا عنها إلى مكان يكونون فيه أطوع لله ولرسوله لكان ~~أفضل لهم. وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنهما - يقول ~~له: هلم إلى الأرض # PageV27P044 # المقدسة فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الرجل عمله. ~~وهو كما قال سلمان الفارسي؛ فإن مكة - حرسها الله تعالى - أشرف البقاع وقد ~~كانت في غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها وحرم بعد الهجرة أن ~~يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها وقد كانت الشام في زمن موسى - عليه ~~السلام - قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين ~~وفيها قال تعالى لبني إسرائيل: {سأريكم دار الفاسقين} . فإن كون الأرض " ~~دار كفر " أو " دار إسلام أو إيمان " أو " دار سلم " أو " حرب " أو " دار ~~طاعة " أو معصية " أو " دار المؤمنين " أو " الفاسقين " أوصاف عارضة؛ لا ~~لازمة. فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى ~~الإيمان والعلم وكذلك بالعكس. وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي ~~الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم} الآية. وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ~~تلك أمانيهم ms7792 قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه} الآية. وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه ~~لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم # PageV27P045 # حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} . وإسلام الوجه لله تعالى هو إخلاص ~~القصد والعمل له والتوكل عليه. كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~وقال: {فاعبده وتوكل عليه} وقال تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} . ومنذ ~~أقام الله حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم وجب على أهل الأرض الإيمان به وطاعته واتباع شريعته ومنهاجه. فأفضل ~~الخلق أعلمهم وأتبعهم لما جاء به: علما وحالا وقولا وعملا وهم أتقى الخلق. ~~وأي مكان وعمل كان أعون للشخص على هذا المقصود كان أفضل في حقه؛ وإن كان ~~الأفضل في حق غيره شيئا آخر. ثم إذا فعل كل شخص ما هو أفضل في حقه فإن ~~تساوت الحسنات والمصالح التي حصلت له مع ما حصل للآخر فهما سواء وإلا فإن ~~أرجحهما في ذلك هو أفضلهما. وهذه الأوقات يظهر فيها من النقص في خراب " ~~المساجد الثلاثة " علما وإيمانا ما يتبين به فضل كثير ممن بأقصى المغرب على ~~أكثرهم. فلا ينبغي للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة في فضل أهلها مطلقا؛ بل ~~يعطى كل ذي حق حقه ولكن العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم ~~الطيب ثم قد يكون بعض البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله ~~تعالى على الطواف والصلاة المضعفة ونحو # PageV27P046 # ذلك. وقد يحصل في الأفضل معارض راجح يجعله مفضولا: مثل من يجاور بمكة مع ~~السؤال والاستشراف والبطالة عن كثير من الأعمال الصالحة وكذلك من يطلب ~~الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمة نفسه لا لأجل عمل صالح. فالأعمال ~~بالنيات. وهذا الحديث الشريف إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ~~الهجرة فقال: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو ms7793 ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه} قال ذلك بسبب أن رجلا كان قد هاجر ~~يتزوج امرأة يقال لها: أم قيس وكان يقال له: مهاجر أم قيس. وإذا فضلت جملة ~~على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد كتفضيل القرن الثاني على ~~الثالث وتفضيل العرب على ما سواهم وتفضيل قريش على ما سواهم. فهذا هذا. ~~والله أعلم. # PageV27P047 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بني أمية هل هي بتسعين صلاة كما زعموا ~~أم لا؟ وقد ذكروا: " أن فيه ثلاثمائة نبي مدفونين " فهل ذلك صحيح أم لا؟ ~~وقد ذكروا: " أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق " وذكروا: " أن ~~الصائم المتطوع بالعراق كالمفطر بالشام " وذكروا: " أن الله خلق البركة ~~واحدا وسبعين جزءا. منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام ". فهل ذلك صحيح ~~أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لم يرد في " جامع دمشق حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتضعيف الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى. ولم يثبت أن ~~فيه عدد الأنبياء المذكورين. وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات. ~~فإن أقام فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك. وكل مكان يكون فيه العبد أطوع ~~لله فمقامه فيه أفضل [وقد جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل # PageV27P048 # القرآن على أن البركة في أربع مواضع] (*) ولا ريب أن ظهور الإسلام ~~وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره وفيه من ظهور الإيمان ~~وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره. وأما ما ذكر: من حديث الفطر ~~والصيام وأن البركة واحد وسبعون جزءا بالشام والعراق على ما ذكر: فهذا لم ~~نسمعه عن أحد من أهل العلم. والله أعلم. # وسئل أيضا: # هل دخلت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى دمشق وكانت تحدث الناس ~~بجامع دمشق أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لم يدخل دمشق أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا ~~عائشة ولا غيرها. والله أعلم. PageV27P049 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " جبل لبنان " هل ms7794 ورد في فضله نص في كتاب الله تعالى؟ أو حديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يحل في دين الله تعالى أن يصقع الناس إليه ~~برءوسهم إذا أبصروه؟ وحتى من أبصره صباحا أو مساء يرى أن ذلك بركة عظيمة؟ ~~وهل ثبت عند أهل العلم أن فيه أربعين من الأبدال؟ أو كان فيه رجال عليهم ~~شعر مثل شعر الماعز؟ وهل هذه صفة الصالحين؟ وهل يجوز أن يعقد له نية ~~الزيارة؟ أو يعتقد أن من وطأ أرضه فقد وطئ بعض الجبل المخصوص بالرحمة؟ وهل ~~ثبت أن فيه نبيا من الأنبياء مدفون أو في أذياله؟ أو قال أحد من أهل العلم: ~~إن فيه رجال الغيب؟ وكيف صفة رجال الغيب الذين يعتقد العوام فيهم؟ وهل يحل ~~في دين الله تعالى أن يعتقد المسلمون شيئا من هذا؟ وهل يكون كل من كابر فيه ~~وحسنه أو داهن فيه مخطئا آثما؟ وهل يكون المنكر لهذا كله من الآمرين ~~بالمعروف والناهين عن المنكر والحالة هذه أم لا؟ # فأجاب: # ليس في فضل " جبل لبنان " وأمثاله نص لا عن الله # PageV27P050 # ولا عن رسوله؛ بل هو وأمثاله من الجبال التي خلقها الله وجعلها أوتادا ~~للأرض وآية من آياته وفيها من منافع خلقه ما هو نعم لله على عباده. وسوف ~~يفعل بها ما أخبر به في قوله: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا} ~~{فيذرها قاعا صفصفا} {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} . وأما ما ذكر في بعض ~~الحكايات عن بعض الناس من الاجتماع ببعض العباد في جبل لبنان وجبل اللكام ~~ونحو ذلك. وما يؤثر عن بعض هؤلاء من جميع المقال والفعال. فأصل ذلك أن هذه ~~الأمكنة كانت ثغورا يرابط بها المسلمون لجهاد العدو؛ لما كان المسلمون قد ~~فتحوا الشام كله وغير الشام فكانت غزة وعسقلان وعكة وبيروت وجبل لبنان ~~وطرابلس ومصيصة وسيس وطرسوس وأذنة وجبل اللكام وملطية وآمد وجبل ليسون إلى ~~قزوين إلى الشاش ونحو ذلك من البلاد؛ كانت ثغورا كما كانت الإسكندرية ~~ونحوها ثغورا وكذلك عبادان ونحوها من ms7795 أرض العراق. وكان الصالحون يتناوبون ~~الثغور لأجل المرابطة في سبيل الله فإن المقام بالثغور لأجل الجهاد في سبيل ~~الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ما أعلم في ذلك خلافا بين العلماء. ~~وثبت في صحيح مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال # PageV27P051 # رسول الله صلى الله عليه وسلم {رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام ~~شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجري عليه رزقه من ~~الجنة وأمن الفتان} وفي السنن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من ~~المنازل} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لأن أرابط ليلة في سبيل الله ~~أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وذلك لأن الرباط هو من ~~جنس الجهاد والمجاورة من جنس النسك وجنس الجهاد في سبيل الله أفضل من جنس ~~النسك: بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين كما قال ~~تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} . ~~وفضائل الجهاد والرباط كثيرة. فلذلك كان صالحو المؤمنين يرابطون في الثغور: ~~مثل ما كان الأوزاعي وأبو إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين وإبراهيم بن # PageV27P052 # أدهم وعبد الله بن المبارك وحذيفة المرعشي ويوسف بن أسباط وغيرهم: ~~يرابطون بالثغور الشامية. ومنهم من كان يجيء من خراسان والعراق وغيرهما ~~للرباط في الثغور الشامية؛ لأن أهل الشام هم الذين كانوا يقاتلون النصارى ~~أهل الكتاب. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من قتله أهل ~~الكتاب فله أجر شهيدين} وذلك لأن هؤلاء يقاتلون على ms7796 دين. وأما الكفار الترك ~~ونحوهم فلا يقاتلون على دين فإذا غلب أولئك أفسدوا الدين والملك. وأما ~~الترك فيفسدون الملك وما يتبع ذلك من الدين؛ ولا يقاتلون على الدين. ولهذا ~~كثر ذكر " طرسوس " في كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت لأنها كانت ~~ثغر المسلمين حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل والسري السقطي؛ وغيرهما من ~~العلماء والمشايخ للرباط وتوفي المأمون قريبا منها. فعامة ما يوجد في كلام ~~المتقدمين من فضل عسقلان والإسكندرية أو عكة أو قزوين أو غير ذلك. وما يوجد ~~من أخبار الصالحين الذين بهذه الأمكنة ونحو ذلك: فهو لأجل كونها كانت ~~ثغورا؛ لا لأجل خاصية ذلك المكان. وكون البقعة ثغرا للمسلمين أو غير ثغر هو ~~من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها؛ بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر ~~أو دار حرب أو دار سلم أو دار علم وإيمان أو دار # PageV27P053 # جهل ونفاق. فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم؛ بخلاف المساجد الثلاثة ~~فإن مزيتها صفة لازمة لها؛ لا يمكن إخراجها عن ذلك. وأما سائر المساجد فبين ~~العلماء نزاع في جواز تغييرها للمصلحة وجعلها غير مسجد كما فعل عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بمسجد الكوفة لما بدله وجعل المسجد مكانا آخر وصار ~~الأول حوانيت التمارين. وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره. # فصل: # إذا عرف ذلك فهذه السواحل الشامية كانت ثغورا للإسلام إلى أثناء المائة ~~الرابعة وكان المسلمون قد فتحوا " قبرص " في خلافة عثمان رضي الله عنه ~~فتحها معاوية فلما كان في أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة وصار ~~للرافضة والمنافقين وغيرهم دولة وملك بالبلاد المصرية والمغرب وبالبلاد ~~الشرقية وبأرض الشام وغلب هؤلاء على ما غلبوا عليه من الشام: سواحله وغير ~~سواحله وهم أمة مخذولة ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة. ~~فغلبت النصارى على عامة سواحل الشام؛ بل وأكثر بلاد الشام وقهروا الروافض ~~والمنافقين وغيرهم وأخذوا منهم ما أخذوا إلى أن يسر # PageV27P054 # الله تعالى بولاية ملوك السنة مثل " نور الدين " " وصلاح الدين " ~~وغيرهما: فاستنقذوا عامة الشام من ms7797 النصارى. وبقيت بقايا الروافض والمنافقين ~~في جبل لبنان وغيره وربما غلبهم النصارى عليه حتى يصير هؤلاء الرافضة ~~والمنافقون فلاحين للنصارى. وصار جبل لبنان ونحوه دولة بين النصارى ~~والروافض ليس فيه من الفضيلة شيء ولا يشرع بل ولا يجوز المقام بين نصارى أو ~~روافض يمنعون المسلم عن إظهار دينه. ولكن صار طوائف ممن يؤثر التخلي عن ~~الناس - زهدا ونسكا - يحسب أن فضل هذا الجبل ونحوه لما فيه من الخلوة عن ~~الناس وأكل المباحات من الثمار التي فيه. فيقصدونه لأجل ذلك غلطا منهم وخطأ ~~فإن سكنى الجبال والغيران والبوادي ليس مشروعا للمسلمين؛ إلا عند الفتنة في ~~الأمصار التي تحوج الرجل إلى ترك دينه: من فعل الواجبات وترك المحرمات ~~فيهاجر المسلم حينئذ من أرض يعجز عن إقامة دينه إلى أرض يمكنه فيها إقامة ~~دينه؛ فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. وربما كان بعض الأوقات من هؤلاء ~~النساك الزهاد طائفة إما ظالمون لأنفسهم وإما مقتصدون مخطئون مغفور لهم ~~خطؤهم فأما السابقون # PageV27P055 # المقربون فهم الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه عن الله تعالى: {ما ~~تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه} . ولا خلاف ~~بين المسلمين أن جنس النساك الزهاد الساكنين في الأمصار أفضل من جنس ساكني ~~البوادي والجبال كفضيلة القروي على البدوي والمهاجر على الأعرابي قال الله ~~تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله} وفي الحديث: {إن من الكبائر أن يرتد الرجل أعرابيا بعد الهجرة} هذا ~~لمن هو ساكن في ms7798 البادية بين الجماعة فكيف بالمقيم وحده دائما في جبل أو ~~بادية فإن هذا يفوته من مصالح الدين نظير ما يفوته من مصالح الدنيا أو قريب ~~منه؛ فإن يد الله على الجماعة والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. # PageV27P056 # فصل: # وأما اعتقاد بعض الجهال أن به " الأربعين الأبدال " فهذا جهل وضلال ما ~~اجتمع به الأبدال الأربعون قط ولا هذا مشروع لهم ولا فائدة في ذلك واعتقاد ~~جهال الجمهور هذا يشبه اعتقاد الرافضة في الخليفة الحجة صاحب الزمان عندهم ~~الذي يقولون: إنه غائب عن الأبصار حاضر في الأمصار. ويعظمون قدره ويرجون ~~بركته. وهو معدوم لا حقيقة له فكل من علق دينه بالمجهولات وأعرض عما بعث ~~الله به نبيه من الهدى ودين الحق: فهو من أهل الضلال الخارج عن شريعة ~~الإسلام بل فيه في هذه الأوقات المتأخرة أهل الضلال من النصارى والنصيرية ~~والرافضة: الذين غزاهم المسلمون. وكذلك قول كثير من الجهال وأهل الإفك ~~والمحال: إن به أو بغيره " رجال الغيب ". وتعظيمهم لهؤلاء هو نوع من الضلال ~~الذي استحوذوا به على الجهال: من الأتراك والأعراب والفلاحين والعامة ~~أضلوهم بذلك عن حقيقة الدين وأكلوا به أموالهم بالباطل كما قال تعالى: {إن ~~كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل # PageV27P057 # ويصدون عن سبيل الله} . ولم يكن من أنبياء الله وأوليائه من كان غائب ~~الجسد عن أبصار الناس؛ ولكن كثير منهم قد تغيب عن الناس حقيقة قلبه وما في ~~باطنه من ولاية الله وعظيم العلم والإيمان والأحوال الزكية: فيكون في ~~الأمصار والمساجد وبين الناس من يكون من أولياء الله وأكثر الناس لا يعلمون ~~حاله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع ~~بالأبواب: لو أقسم على الله لأبره} أي قد يكون فيمن تنبو عنه الأبصار ~~لرثاثة حاله من يبر الله قسمه وليس هذا وصفا لازما؛ بل ولاية الله هي ما ~~ذكرنا في قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون} فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ms7799 في جميع الأصناف ~~المباحة. وكذلك خبر الرجل الذي نبت الشعر على جميع بدنه كالماعز باطل ~~ومحال. نعم يكون في الضلال من الزهاد من يترك السنة حتى ينبت الشعر ويكثر ~~على جسده وهذا ينبغي أن يؤمر بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من إحفاء ~~الشوارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك. فإن ظن أن غير هدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم أكمل من هديه # PageV27P058 # أو أن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم - ~~كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام - فهذا كافر يجب قتله بعد ~~استتابته؛ لأن موسى عليه السلام لم تكن دعوته عامة ولم يكن يجب على الخضر ~~اتباع موسى - عليهما السلام - بل قال الخضر لموسى: إني على علم من الله ~~علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه. فأما محمد ~~بن عبد الله بن عبد المطلب فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع ~~الثقلين: الجن والإنس: عربهم وعجمهم دانيهم وقاصيهم ملوكهم ورعيتهم زهادهم ~~وغير زهادهم. قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} ~~وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {كان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة} وهو خاتم الرسل ليس بعده نبي ينتظر ولا كتاب ~~يرتقب؛ بل هو آخر الأنبياء والكتاب الذي أنزل عليه مصدق لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمن عليه. فمن اعتقد أن لأحد من جميع الخلق علمائهم وعبادهم ~~وملوكهم خروجا عن اتباعه وطاعته وأخذ ما بعث به من الكتاب والحكمة فهو ~~كافر. ويجب التفريق بين العبادات الإسلامية الإيمانية النبوية الشرعية التي # PageV27P059 # يحبها الله ورسوله وعباده المؤمنون وبين العبادات البدعية الضلالية ~~الجاهلية التي قال الله فيها: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن ~~به الله} . وإن ابتلي بشيء منها بعض أكابر النساك والزهاد. ففي الصحاح عن ~~أنس ms7800 رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بعض أصحابه قال: ~~أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر: أما ~~أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم. فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني} . والراغب عن الشيء الذي لا يحبه ولا يريده؛ بل يحب ~~ويريد ما ينافي المشروع الذي أحبه الله ورسوله فقد تبرأ منه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثل الذي يتعرى دائما. أو يصمت دائما أو يسكن وحده في ~~البرية دائما أو يترك أكل الخبز واللحم دائما أو يترهب دائما؛ متعبدا بذلك ~~ظانا أن هذا يحبه الله ورسوله؛ دون ضده من اللباس بالمعروف والكلام ~~بالمعروف والأكل بالمعروف ونحو ذلك. وإذا عرف هذا فكل ما ذكر من الانحناء ~~للجبل المذكور ونحوه أو لمن فيه أو زيارته بلا قصد للجهاد أو لأمر مشروع: ~~فهو من الجهالات والضلالات. وكذلك التبرك بما يحمل منه من الثمار هو من # PageV27P060 # البدع الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية والشركية وقد جاء في الحديث ~~المعروف: أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري رأى أبا هريرة رضي الله عنه وقد سافر ~~إلى الطور - الذي كلم الله موسى عليه - فقال: لو رأيتك قبل أن تذهب إليه لم ~~أدعك تذهب إليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . فإذا كان ~~السفر لزيارة الطور - الذي كلم الله عليه موسى وسماه " الوادي المقدس " و " ~~البقعة المباركة " - لا يشرع؛ فكيف بالسفر لزيارة غيره من الأطوار فإن " ~~الطور " هو الجبل والأطوار الجبال. # وأما القبر المشهور في سفحه بالكرك الذي يقال إنه " قبر نوح " فهو باطل ~~محال لم يقل أحد ممن له علم ومعرفة: إن هذا قبر نوح ولا قبر أحد من ~~الأنبياء أو الصالحين ولا كان لهذا القبر ذكر ولا خبر أصلا؛ بل كان ms7801 ذلك ~~المكان حاكورة يزرع فيها ويكون بها الحاكة إلى مدة قريبة. رأوا هناك قبرا ~~فيه عظم كبير وشموا فيه رائحة فظن الجهلاء أنه لأجل تلك الرائحة يكون قبر ~~نبي. وقالوا من كان من الأنبياء كبيرا؟ فقالوا: نوح. فقالوا: هو قبر نوح ~~وبنوا عليه في دولة الرافضة الذين كانوا مع الناصر صاحب حلب ذلك القبر وزيد ~~بعد ذلك في دولة الظاهر فصار وثنا يشرك به الجاهلون # PageV27P061 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله حرم على الأرض أن ~~تأكل لحوم الأنبياء} فلو كان قبر نبي لم يتجرد العظم. وقد حدثني من ثقات ~~أهل المكان عن آبائهم من ذكر: أنهم رأوا تلك العظام الكبيرة فيه وشاهدوه ~~قبل ذلك مكانا للزرع والحياكة. وحدثني من الثقات من شاهد في المقابر ~~القريبة منه رءوسا عظيمة جدا تناسب تلك العظام. فعلم أن هذا وأمثاله من ~~عظام العمالقة: الذين كانوا في الزمن القديم أو نحوهم. ولو كان قبر نبي أو ~~رجل صالح لم يشرع أن يبنى عليه مسجد بإجماع المسلمين وبسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المستفيضة عنه كما قال في الصحاح: {لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وقال: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . ولا تستحب ~~الصلاة؛ لا الفرض ولا النفل عند قبر نبي ولا غيره بإجماع المسلمين؛ بل ينهى ~~عنه وكثير من العلماء يقول: هي باطلة؛ لما ورد في ذلك من النصوص وإنما ~~البقاع التي يحبها الله ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال ~~الله فيها: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال} وقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى # PageV27P062 # الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} . {وسئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي البقاع أحب إلى الله؟ قال: المساجد. قيل: فأي ~~البقاع أبغض إلى الله؟ قال: الأسواق} ms7802 وقال صلى الله عليه وسلم {من غدا إلى ~~المسجد أو راح أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح} وقال: {إن العبد إذا تطهر ~~فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه إحداهما ~~ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة} . فدين الإسلام هو اتباع ما بعث الله به ~~رسوله من أنواع المحبوبات واجتناب ما كرهه الله ورسوله من البدع والضلالات ~~وأنواع المنهيات. فالعبادات الإسلامية: مثل الصلوات المشروعة والجماعات ~~والجمعات وقراءة القرآن وذكر الله الذي شرعه لعباده المؤمنين ودعائه وما ~~يتبع ذلك من أحوال القلوب وأعمال الأبدان. وكذلك أنواع الزكوات: من الصدقات ~~وسائر الإحسان إلى الخلق فإن كل معروف صدقة. وكذلك سائر العبادات المشروعة. ~~فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليها وسائر إخواننا المؤمنين. والله سبحانه ~~أعلم. # PageV27P063 # وسئل أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره: يطلب ~~إزالة المرض الذي بهم ويقول: يا سيدي أنا في جيرتك أنا في حسبك فلان ظلمني ~~فلان قصد أذيتي ويقول: إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى وفيمن ~~ينذر للمساجد والزوايا والمشايخ - حيهم وميتهم - الدراهم والإبل والغنم ~~والشمع والزيت وغير ذلك يقول: إن سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا وأمثال ذلك. ~~وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك الواقع؟ وفيمن يجيء إلى شيخه ~~ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه ويمسح القبر بيديه ويمسح بهما وجهه وأمثال ~~ذلك؟ وفيمن يقصده بحاجته ويقول: يا فلان ببركتك أو يقول: قضيت حاجتي ببركة ~~الله وبركة الشيخ؟ وفيمن يعمل السماع ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين ~~يدي شيخه على الأرض ساجدا. وفيمن قال: إن ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود؟ ~~أفتونا مأجورين وابسطوا القول في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الدين الذي بعث الله به رسله # PageV27P064 # وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له واستعانته والتوكل عليه ~~ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك ms7803 الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} ~~{ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} وقال ~~تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال تعالى: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قالت طائفة من السلف: كان أقوام ~~يدعون المسيح وعزيرا والملائكة قال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي ~~كما أنتم عبادي ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون ~~عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي. فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء ~~والملائكة فكيف بمن دونهم؟ . وقال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} وقال تعالى: {قل ~~ادعوا # PageV27P065 # الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له} . فبين سبحانه أن من دعي من دون الله من جميع المخلوقات من ~~الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه وأنه ليس له شريك ~~في ملكه بل هو سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأنه ليس له ~~عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى فنفى بذلك وجوه الشرك. وذلك أن من يدعون من دونه إما أن يكون ~~مالكا وإما أن لا يكون مالكا وإذا لم يكن مالكا فإما أن يكون شريكا وإما أن ~~لا يكون شريكا وإذا لم يكن شريكا فإما أن يكون معاونا وإما أن يكون سائلا ~~طالبا فالأقسام الأول الثلاثة وهي: الملك والشركة والمعاونة منتفية وأما ms7804 ~~الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} وكما قال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا ~~من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض} وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات # PageV27P066 # والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقال تعالى {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} وقال تعالى: {ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} فإذا جعل من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كافرا فكيف من اتخذ من ~~دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من ~~الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى: مثل أن يطلب شفاء مريضه من ~~الآدميين والبهائم أو وفاء دينه من غير جهة معينة أو عافية أهله وما به من ~~بلاء الدنيا والآخرة وانتصاره على عدوه وهداية قلبه وغفران ذنبه أو دخوله ~~الجنة أو نجاته من النار أو أن يتعلم العلم والقرآن أو أن يصلح قلبه ويحسن ~~خلقه ويزكي نفسه وأمثال ذلك: فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله ~~تعالى ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ - سواء كان حيا أو ميتا - ~~اغفر ذنبي ولا انصرني على عدوي ولا اشف مريضي ولا عافني أو عاف أهلي أو ~~دابتي # PageV27P067 # وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان فهو مشرك بربه من جنس ~~المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها ms7805 على ~~صورهم ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه قال الله تعالى: {وإذ قال الله يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} الآية وقال ~~تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . وأما ما ~~يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن " مسألة ~~المخلوق " قد تكون جائزة وقد تكون منهيا عنها قال الله تعالى: {فإذا فرغت ~~فانصب} {وإلى ربك فارغب} وأوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عباس: " ~~{إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} " وأوصى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم طائفة من أصحابه: أن لا يسألوا الناس شيئا فكان سوط أحدهم ~~يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولني إياه وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " {يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب وهم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون} " والاسترقاء طلب ~~الرقية وهو من أنواع الدعاء ومع هذا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " {ما من # PageV27P068 # رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة إلا وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه ~~دعوة قال الملك: ولك مثل ذلك} . # ومن المشروع في الدعاء دعاء غائب لغائب ولهذا أمر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالصلاة عليه وطلبنا الوسيلة له وأخبر بما لنا في ذلك من الأجر ~~إذا دعونا بذلك فقال في الحديث: " {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا علي فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة ~~فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة} . # ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه فقد روي طلب ms7806 ~~الدعاء من الأعلى والأدنى؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودع عمر إلى ~~العمرة وقال: " {لا تنسنا من دعائك يا أخي} لكن صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ذكر أن من صلى عليه مرة صلى الله ~~بها عليه عشرا وأن من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة فكان طلبه ~~منا لمنفعتنا في ذلك وفرق بين من طلب من غيره شيئا لمنفعة المطلوب منه ومن ~~يسأل غيره لحاجته إليه فقط وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ~~أويسا القرني وقال لعمر: " {إن استطعت أن يستغفر لك فافعل} # PageV27P069 # وفي الصحيحين أنه كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما شيء فقال أبو بكر ~~لعمر استغفر لي لكن في الحديث أن أبا بكر ذكر أنه حنق على عمر وثبت أن ~~أقواما كانوا يسترقون وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرقيهم. وثبت في ~~الصحيحين {أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يستسقي لهم فدعا الله لهم فسقوا} وفي الصحيحين أيضا: أن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - استسقى بالعباس فدعا فقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وفي السنن ~~{أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جهدت الأنفس وجاع العيال ~~وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فسبح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال: ويحك إن ~~الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك} . فأقره على قوله ~~إنا نستشفع بك على الله وأنكر عليه نستشفع بالله عليك؛ لأن الشافع يسأل ~~المشفوع إليه والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه والرب تعالى لا يسأل العبد ولا ~~يستشفع به. # وأما ### | " زيارة القبور المشروعة " # فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما كان النبي ~~صلى الله عليه ms7807 وآله وسلم # PageV27P070 # يعلم أصحابه إذا زارو القبور أن يقولوا: " {سلام عليكم أهل دار قوم ~~مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم} وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " {ما من رجل يمر ~~بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ~~عليه السلام} . والله تعالى يثيب الحي إذا دعا للميت المؤمن كما يثيبه إذا ~~صلى على جنازته: ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل ذلك ~~بالمنافقين. فقال عز من قائل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره} فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحي إلى الميت ولا مسألته ولا توسله ~~به؛ بل فيها منفعة الحي للميت كالصلاة عليه والله تعالى يرحم هذا بدعاء هذا ~~وإحسانه إليه ويثيب هذا على عمله فإنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: " {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة ~~جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له} . # PageV27P071 # فصل: # وأما من يأتي إلى قبر نبي أو صالح أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل ~~صالح وليس كذلك ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات: # إحداها: أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو مرض دوابه أو يقضي ~~دينه أو ينتقم له من عدوه أو يعافي نفسه وأهله ودوابه ونحو ذلك مما لا يقدر ~~عليه إلا الله عز وجل: فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا ~~قتل. وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور؛ ~~لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من ~~أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء ~~يستشفعون بهم في مطالبهم وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ms7808 {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال سبحانه وتعالى: {أم اتخذوا من دون ~~الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} {قل لله الشفاعة ~~جميعا له ملك السماوات # PageV27P072 # والأرض ثم إليه ترجعون} وقال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون} وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فبين الفرق ~~بينه وبين خلقه. فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن ~~يكرم عليه فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته: إما رغبة وإما رهبة وإما حياء ~~وإما مودة وإما غير ذلك والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع ~~فلا يفعل إلا ما شاء وشفاعة الشافع من إذنه فالأمر كله له. ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~" {لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم ~~المسألة فإن الله لا مكره له} . فبين أن الرب سبحانه يفعل ما يشاء لا يكرهه ~~أحد على ما اختاره كما قد يكره الشافع المشفوع إليه وكما يكره السائل ~~المسئول إذا ألح عليه وآذاه بالمسألة. فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال ~~تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} والرهبة تكون من الله كما قال ~~تعالى: {وإياي فارهبون} وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} وقد أمرنا أن ~~نصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء وجعل ذلك من أسباب إجابة ~~دعائنا. # PageV27P073 # وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد من الله لا يمكنني ~~أن أدعوه إلا بهذه الواسطة ونحو ذلك من أقوال المشركين فإن الله تعالى ~~يقول: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقد روي: ~~أن الصحابة قالوا يا رسول الله: ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل ~~الله هذه الآية. وفي الصحيح أنهم كانوا في سفر وكانوا يرفعون أصواتهم ~~بالتكبير فقال النبي صلى الله عليه وآله ms7809 وسلم " {يا أيها الناس أربعوا على ~~أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا بل تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ~~ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقد أخبر عن ~~المشركين أنهم قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} . ثم يقال ~~لهذا المشرك أنت إذا دعوت هذا فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على عطاء ~~سؤالك أو أرحم بك فهذا جهل وضلال وكفر وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر ~~وأرحم فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ ألا تسمع إلى ما خرجه البخاري ~~وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: " {كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم ~~أحدكم بأمر # PageV27P074 # فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم: إني أستخيرك بعلمك ~~وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ~~وأنت علام الغيوب اللهم: إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي ~~وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير ~~حيث كان ثم أرضني به - قال - ويسمي حاجته} أمر العبد أن يقول: أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم. وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى ~~الله منك وأعلى درجة عند الله منك فهذا حق؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ ~~فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه أن يثيبه ويعطيه أكثر ~~مما يعطيك ليس معناه أنك إذا دعوته كان الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها ~~إذا دعوت أنت الله تعالى: فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء - مثلا لما ~~فيه من العدوان - فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما ~~يبغضه الله ms7810 وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول. وإن قلت: هذا إذا ~~دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته. فهذا هو " القسم الثاني " ~~وهو ألا تطلب منه الفعل ولا # PageV27P075 # تدعوه ولكن تطلب أن يدعو لك. كما تقول للحي: ادع لي وكما كان الصحابة - ~~رضوان الله عليهم - يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء فهذا ~~مشروع في الحي كما تقدم وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع ~~لنا أن نقول: ادع لنا ولا اسأل لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في ~~الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر - رضي الله عنه - استسقى بالعباس وقال: ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فاسقنا فيسقون. ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قائلين: يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكو إليك مما أصابنا ~~ونحو ذلك. لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أنزل الله بها من ~~سلطان بل كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلمون ~~عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف بل ينحرفون ~~ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع. ~~وذلك أن في " الموطأ " وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " {اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا # PageV27P076 # قبور أنبيائهم مساجد} وفي السنن عنه أنه قال " {لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وفي الصحيح عنه أنه قال في مرضه ~~الذي لم يقم منه: " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ~~يحذر ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبويها: ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ms7811 قال ~~قبل أن يموت بخمس: " {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وفي سنن أبي داود عنه قال: " {لعن ~~الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} . ولهذا قال علماؤنا: ~~لا يجوز بناء المسجد على القبور وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر ولا ~~للمجاورين عند القبر شيئا من الأشياء لا من درهم ولا من زيت ولا من شمع ولا ~~من حيوان ولا غير ذلك كله نذر معصية وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: " {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه} واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟ على قولين ولهذا ~~لم يقل أحد من أئمة السلف: إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة ~~أو فيها فضيلة ولا إن # PageV27P077 # الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء؛ بل ~~اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند القبور - ~~قبور الأنبياء والصالحين - سواء سميت " مشاهد " أو لم تسم وقد شرع الله ~~ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء. فقال تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} ولم يقل: المشاهد. وقال تعالى: ~~{وأنتم عاكفون في المساجد} ولم يقل في المشاهد وقال تعالى: {قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين} وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا} وقال صلى الله عليه وآله وسلم {صلاة الرجل في المسجد تفضل على ~~صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا} وقال صلى الله عليه وآله وسلم {من ~~بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة} . وأما القبور فقد ورد نهيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن اتخاذها مساجد ولعن من يفعل ms7812 ذلك وقد ذكره غير واحد ~~من الصحابة والتابعين كما ذكره البخاري في صحيحه والطبري وغيره في تفاسيرهم ~~وذكره وثيمة وغيره في " قصص الأنبياء " في قوله تعالى {وقالوا # PageV27P078 # لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قالوا: هذه ~~أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال ~~عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناما؟ وكان العكوف على القبور والتمسح بها ~~وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} . ~~واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قبر ~~غيره من الأنبياء والصالحين - الصحابة وأهل البيت وغيرهم - أنه لا يتمسح به ~~ولا يقبله؛ بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود ~~وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا ~~تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبلك ما ~~قبلتك. ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت - ~~اللذين يليان الحجر - ولا جدران البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت ~~المقدس ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين. حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد ~~على منبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان موجودا فكرهه ~~مالك وغيره؛ لأنه بدعة وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه ~~العلم ورخص # PageV27P079 # فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما فعله. وأما التمسح بقبر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك لأنهم ~~علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسم مادة الشرك وتحقيق ~~التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين. وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والرجل الصالح في حياته وبين سؤاله بعد موته وفي ms7813 ~~مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد بحضوره فإذا كان الأنبياء - رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين - والصالحون أحياء لا يتركون أحدا يشرك بهم ~~بحضورهم؛ بل ينهونهم عن ذلك ويعاقبونهم عليه ولهذا قال المسيح عليه السلام ~~{ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} ~~{وقال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني ~~لله ندا ما شاء الله وحده} وقال: " {لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن ~~قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد} ولما قالت الجويرية: {وفينا رسول الله يعلم ~~ما في غد. قال: دعي هذا قولي بالذي كنت تقولين} . وقال لا تطروني كما أطرت ~~النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " {ولما صفوا خلفه ~~قياما قال: لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا} وقال # PageV27P080 # أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا ~~إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه ~~وقال: " {إنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها - من عظم حقه عليها} ولما أتي علي بالزنادقة الذين ~~غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار. فهذا شأن أنبياء الله ~~وأوليائه وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوا في الأرض ~~وفسادا كفرعون ونحوه ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد ~~والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أربابا والإشراك بهم مما يحصل في ~~مغيبهم وفي مماتهم كما أشرك بالمسيح وعزير. فهذا مما يبين الفرق بين سؤال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصالح في حياته وحضوره وبين سؤاله في ~~مماته ومغيبه ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا ~~تابعي التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم ms7814 ولا ~~يستغيثون بهم؛ لا في مغيبهم ولا عند قبورهم وكذلك العكوف. # ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب كما ذكره # PageV27P081 # السائل ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدي فلان كأنه يطلب منه إزالة ~~ضره أو جلب نفعه وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم ومعلوم ~~أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعلم ~~الناس بقدره وحقه أصحابه: ولم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك؛ لا في مغيبه ولا ~~بعد مماته. وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب؛ فإن الكذب مقرون بالشرك ~~وقد قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله ~~غير مشركين به} وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم {عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله. مرتين أو ثلاثا} وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} وقال ~~الخليل عليه السلام {أئفكا آلهة دون الله تريدون} {فما ظنكم برب العالمين} ~~. فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه ~~بالمشرق وانكشف غطاؤه رده عليه وإن الشيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخا. وقد ~~تغويهم الشياطين كما تغوي عباد الأصنام كما كان يجري في العرب في أصنامهم ~~ولعباد الكواكب وطلاسمها: من الشرك والسحر كما يجري للتتار والهند والسودان ~~وغيرهم من أصناف المشركين: من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك # PageV27P082 # فكثير من هؤلاء قد يجري له نوع من ذلك لا سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ ~~فإن الشياطين قد تنزل عليهم وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع: من الإرغاء ~~والإزباد والصياح المنكر ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون وأمثال ذلك مما ~~يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين. # وأما القسم الثالث وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو ~~بحرمة فلان عندك: افعل بي كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس؛ لكن لم ينقل ~~عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ~~ولم يبلغني عن ms7815 أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى ~~الفقيه أبي محمد بن عبد السلام. فإنه أفتى: أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك؛ ~~إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - إن صح الحديث في النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم - ومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي وغيرهما أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " {اللهم: إني ~~أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد: يا رسول الله إني أتوسل بك ~~إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي. اللهم: فشفعه في} فإن هذا الحديث قد استدل به ~~طائفة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد ~~مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء # PageV27P083 # المخلوقين ولا استغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه ~~سؤال بجاهه كما في سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر ~~في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: " {اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ~~ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة. خرجت اتقاء سخطك ~~وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت} . قالوا ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ~~ممشاه إلى الصلاة والله تعالى قد جعل على نفسه حقا قال الله تعالى: {وكان ~~حقا علينا نصر المؤمنين} ونحو قوله: {كان على ربك وعدا مسئولا} وفي ~~الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: " {يا ~~معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم قال. حق الله على ~~العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا ~~فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم} وقد جاء في غير حديث: " {كان حقا ~~على الله كذا وكذا} كقوله: " {من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ~~فإن تاب تاب الله عليه ms7816 فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على ~~الله أن يسقيه من طينة الخبال - قيل: وما طينة الخبال؟ قال: # PageV27P084 # {عصارة أهل النار} . وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته ~~وفي مغيبه؛ بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره كما في صحيح البخاري: أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وقد ~~بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنهم كانوا يتوسلون به في حياته ~~فيسقون. وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو لهم ~~ويدعون معه ويتوسلون بشفاعته ودعائه كما في الصحيح عن أنس بن مالك - رضي ~~الله عنه - {أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار دار القضاء ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل. فادع ~~الله لنا أن يمسكها عنا قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ~~ثم قال: اللهم: حوالينا ولا علينا. اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ~~ومنابت الشجر قال: وأقلعت فخرجنا نمشي في الشمس} ففي هذا الحديث أنه قال: ~~ادع الله لنا أن يمسكها عنا. وفي الصحيح أن عبد الله بن عمر قال: إني # PageV27P085 # لأذكر قول أبي طالب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه. ولما مات توسلوا بالعباس رضي ~~الله عنه كما كانوا يتوسلون به ويستسقون. وما كانوا يستسقون به بعد موته ~~ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره وكذلك معاوية بن أبي سفيان ~~استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يا ~~يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا. فلذلك قال العلماء: ~~يستحب أن يستسقى بأهل ms7817 الصلاح والخير فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل ~~والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه ولا استحبوا ذلك في ~~الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية. والدعاء مخ العبادة. ~~والعبادة مبناها على السنة والاتباع لا على الأهواء والابتداع وإنما يعبد ~~الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله} وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين} وقال # PageV27P086 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في ~~الدعاء والطهور. # وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه ~~من ذلك الواقع فهذا من الشرك وهو من جنس دين النصارى فإن الله هو الذي يصيب ~~بالرحمة ويكشف الضر قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله} وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل إياه تدعون ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا} فبين أن من يدعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف ~~الضر عنهم ولا تحويلا. # فإذا قال قائل: أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لي فهو من جنس دعاء النصارى ~~لمريم والأحبار والرهبان. والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصا له الدين ~~وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق # PageV27P087 # قدرا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أعلم الناس بأمره ~~وقدره ms7818 وأطوع الناس له ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع والخوف أن يقول: يا ~~سيدي يا رسول الله ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته؛ بل كان ~~يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم - ~~قال الله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} {فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن هذه الكلمة قالها إبراهيم - ~~عليه السلام - حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم - ~~يعني وأصحابه - حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم {أنه كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله ~~العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السموات ~~والأرض ورب العرش العظيم} وقد روي أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته وفي ~~السنن {أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حزبه أمر قال: يا حي يا ~~قيوم برحمتك أستغيث} وروي {أنه علم ابنته فاطمة أن تقول: يا حي يا قيوم يا ~~بديع السموات والأرض لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث # PageV27P088 # أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك} . ~~وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم البستي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " {ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن ~~فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ~~ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي: ms7819 إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه ~~فرحا: قالوا: يا رسول الله: أفلا نتعلمهن؟ قال: ينبغي لمن سمعهن أن ~~يتعلمهن} . وقال لأمته: " {إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ~~لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ~~الصلاة وذكر الله والاستغفار} فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر ~~والعتق والصدقة ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم ". ~~ومثل هذا كثير في سنته: لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به: من ~~دعاء الله وذكره والاستغفار والصلاة والصدقة # PageV27P089 # ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ~~ما أنزل الله بها من سلطان تضاهي دين المشركين والنصارى؟ . فإن زعم أحد أن ~~حاجته قضيت بمثل ذلك؛ وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك فعباد الكواكب والأصنام ~~ونحوهم من أهل الشرك يجري لهم مثل هذا كما قد تواتر ذلك عمن مضى من ~~المشركين وعن المشركين في هذا الزمان. فلولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها ~~قال الخليل عليه السلام {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} {رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس} . ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم ~~الخليل من جهة " عمرو بن لحي الخزاعي " الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يجر أمعاءه في النار وهو أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم قالوا: ~~إنه ورد الشام فوجد فيها أصناما بالبلقاء يزعمون أنهم ينتفعون بها في جلب ~~منافعهم ودفع مضارهم فنقلها إلى مكة وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام. ~~والأمور التي حرمها الله ورسوله: من الشرك والسحر والقتل والزنا وشهادة ~~الزور وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات: قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده ~~منفعة أو دفع مضرة ولولا ذلك ما أقدمت النفوس على المحرمات التي لا خير ~~فيها بحال وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل # PageV27P090 # أو الحاجة فأما العالم بقبح الشيء والنهي عنه فكيف يفعله والذين يفعلون ~~هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم ms7820 جهل بما فيه من الفساد وقد تكون بهم حاجة ~~إليها: مثل الشهوة إليها وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ~~ولا يعلمون ذلك لجهلهم أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها والهوى غالبا يجعل ~~صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئا فإن حبك للشيء يعمي ويصم. ولهذا كان ~~العالم يخشى الله وقال أبو العالية سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم عن قول الله عز وجل: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ~~ثم يتوبون من قريب} الآية فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل ~~الموت فقد تاب من قريب. وليس هذا موضع البسط لبيان ما في المنهيات من ~~المفاسد الغالبة وما في المأمورات من المصالح الغالبة بل يكفي المؤمن أن ~~يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة وما نهى الله عنه فهو ~~مفسدة محضة أو غالبة وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم ~~ولا نهاهم عما نهاهم بخلابة عليهم بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه ~~فسادهم ولهذا وصف نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأنه {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} . # وأما التمسح بالقبر - أي قبر كان - وتقبيله وتمريغ الخد عليه # PageV27P091 # فمنهي عنه باتفاق المسلمين ولو كان ذلك من قبور الأنبياء ولم يفعل هذا ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هذا من الشرك قال الله تعالى: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} {وقد أضلوا كثيرا} ~~وقد تقدم أن هؤلاء أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح وأنهم عكفوا على ~~قبورهم مدة ثم طال عليهم الأمد فصوروا تماثيلهم. لا سيما إذا اقترن بذلك ~~دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ذكر ذلك وبيان ما فيه من الشرك وبينا ~~الفرق بين " الزيارة البدعية " التي تشبه أهلها بالنصارى و " الزيارة ~~الشرعية ". وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم أو تقبيل الأرض ~~ونحو ذلك فإنه ms7821 مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه بل مجرد الانحناء ~~بالظهر لغير الله عز وجل منهي عنه. ففي المسند وغيره " {أن معاذ بن جبل رضي ~~الله عنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ما ~~هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ~~وبطارقتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال: كذبوا يا معاذ لو كنت آمرا أحدا ~~أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها يا معاذ أرأيت ~~إن مررت بقبري أكنت ساجدا؟ قال لا - قال: - لا تفعل هذا} أو كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. # PageV27P092 # بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر: {أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~بأصحابه قاعدا من مرض كان به فصلوا قياما فأمرهم بالجلوس وقال: لا تعظموني ~~كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا} وقال " {من سره أن يتمثل له الناس قياما ~~فليتبوأ مقعده من النار} فإذا كان قد نهاهم مع قعوده - وإن كانوا قاموا في ~~الصلاة - حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم وبين أن من سره القيام له كان ~~من أهل النار فكيف بما فيه من السجود له ومن وضع الرأس وتقبيل الأيادي وقد ~~كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - وهو خليفة الله على الأرض - قد وكل ~~أعوانا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض. وبالجملة ~~فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود: خالق السموات والأرض ~~وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب: مثل الحلف بغير الله عز وجل ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " {من كان حالفا فليحلف بالله ~~أو ليصمت} متفق عليه وقال أيضا: " {من حلف بغير الله فقد أشرك} . فالعبادة ~~كلها لله وحده لا شريك له {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه ms7822 قال: " {إن # PageV27P093 # الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} وإخلاص الدين لله ~~هو أصل العبادة. ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرك دقه وجله ~~وحقيره وكبيره. حتى إنه قد تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ~~ووقت غروبها بألفاظ متنوعة: تارة يقول: " {لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا ~~غروبها} . وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر ~~حتى تغرب الشمس وتارة: يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان وحينئذ ~~يسجد لها الكفار ونهى عن الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة المشركين ~~في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون ~~السجود له فكيف بما هو أظهر شركا ومشابهة للمشركين من هذا. وقد قال الله ~~تعالى فيما أمر رسوله أن يخاطب به أهل الكتاب: {قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} وذلك ~~لما فيه من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ونحن ~~منهيون عن مثل هذا؛ ومن # PageV27P094 # عدل عن هدي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه والتابعين لهم ~~بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى فقد ترك ما أمر الله به ورسوله. # وأما قول القائل: انقضت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه ~~لا يقرن بالله في مثل هذا غيره حتى إن قائلا قال للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما شاء الله وشئت فقال: " {أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده} وقال ~~لأصحابه: " {لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد} وفي الحديث أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم القوم أنتم لولا ~~أنكم تنددون. أي ms7823 تجعلون لله ندا. يعني تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ~~فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وفي الصحيح عن زيد بن خالد ~~قال: {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر بالحديبية في ~~إثر سماء من الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله ~~أعلم قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك ~~كافر بي مؤمن بالكواكب} . والأسباب التي جعلها الله أسبابا لا تجعل مع الله ~~شركاء وأندادا وأعوانا. # PageV27P095 # وقول القائل: ببركة الشيخ قد يعني بها دعاءه. وأسرع الدعاء إجابة دعاء ~~غائب لغائب. وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير. وقد يعني بها ~~بركة معاونته له على الحق وموالاته في الدين ونحو ذلك. وهذه كلها معان ~~صحيحة. وقد يعني بها دعاءه للميت والغائب؛ إذ استقلال الشيخ بذلك التأثير ~~أو فعله لما هو عاجز عنه أو غير قادر عليه أو غير قاصد له: متابعته أو ~~مطاوعته على ذلك من البدع المنكرات ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا ريب ~~فيه: أن العمل بطاعة الله تعالى ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض ونحو ذلك: هو ~~نافع في الدنيا والآخرة وذلك بفضل الله ورحمته. # وأما سؤال السائل عن " القطب الغوث الفرد الجامع ". فهذا قد يقوله طوائف ~~من الناس ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام: مثل تفسير بعضهم: أن " ~~الغوث " هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم حتى يقول: إن ~~مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ~~عليه السلام والغالية في علي رضي الله عنه. وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه ~~فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد ~~الخلائق بواسطته ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في " العقول العشرة " الذين ~~يزعمون أنها الملائكة وما يقوله النصارى في المسيح # PageV27P096 # ونحو ذلك كفر صريح باتفاق ms7824 المسلمين. وكذلك عنى بالغوث ما يقوله بعضهم من ~~أن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا يسمونهم " النجباء " فينتقى منهم ~~سبعون هم " النقباء " ومنهم أربعون هم " الأبدال " ومنهم سبعة هم " الأقطاب ~~" ومنهم أربعة هم " الأوتاد " ومنهم واحد هو " الغوث " وأنه مقيم بمكة وأن ~~أهل الأرض إذا نابهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة وبضعة عشر ~~رجلا وأولئك يفزعون إلى السبعين والسبعون إلى الأربعين والأربعون إلى ~~السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا ~~وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول ~~بعضهم إنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت واسم خضره ~~- على قول من يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة وإن لكل زمان خضرا فإن لهم في ~~ذلك قولين - وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله ~~أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون ~~للاقتداء بهم. ومعلوم أن سيدنا رسول رب العالمين وأبا بكر وعمر وعثمان ~~وعليا - رضي الله عنهم - كانوا خير الخلق في زمنهم وكانوا بالمدينة ولم ~~يكونوا بمكة. وقد روى بعضهم حديثا في " هلال " غلام المغيرة بن شعبة # PageV27P097 # وأنه أحد السبعة. والحديث باطل باتفاق أهل المعرفة وإن كان قد روى بعض ~~هذه الأحاديث أبو نعيم في " حلية الأولياء " والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ~~في بعض مصنفاته فلا تغتر بذلك. فإن فيه الصحيح والحسن والضعيف والموضوع ~~والمكذوب الذي لا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع. وتارة يرويه على عادة ~~بعض أهل الحديث الذين يروون ما سمعوا ولا يميزون بين صحيحه وباطله وكان أهل ~~الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: " {من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكاذبين} . وبالجملة فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من ~~النوازل في الرغبة والرهبة: مثل دعائهم عند الاستسقاء لنزول الرزق ودعائهم ms7825 ~~عند الكسوف والاعتداد لرفع البلاء وأمثال ذلك إنما يدعون في ذلك الله وحده ~~لا شريك له لا يشركون به شيئا لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى ~~غير الله عز وجل؛ بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم ~~الله أفتراهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ~~ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} وقال ~~تعالى: # PageV27P098 # {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال تعالى: {قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل ~~إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} وقال {ولقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} {فلولا ~~إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} ~~. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقى لأصحابه بصلاة وبغير صلاة وصلى ~~بهم للاستسقاء وصلاة الكسوف وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين وكذلك ~~خلفاؤه الراشدون بعده وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين وما زالوا على هذه ~~الطريقة. ولهذا يقال: ثلاثة أشياء ما لها من أصل (باب النصيرية و (منتظر ~~الرافضة و (غوث الجهال: فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا ~~الجنس أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود؛ ولكن دعوى النصيرية فيه ~~باطلة. وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا: فإنه باطل ~~ليس له وجود. وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء ~~الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا؛ فهذا باطل. فأبو بكر وعمر # PageV27P099 # - رضي الله عنهما - لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف ~~بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد ~~ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة ms7826 ~~والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله عز وجل. وأنبياء ~~الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم؛ بل قال الله تعالى: ~~{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} ~~وموسى لم يكن يعرف الخضر والخضر لم يكن يعرف موسى؛ بل لما سلم عليه موسى ~~قال له الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى قال: موسى بني ~~إسرائيل؟ قال: نعم. وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه. ومن قال ~~إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه ~~المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك ~~عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة ~~للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم ~~سفينتهم ولم يكن مختفيا عن خير أمة أخرجت للناس وهو # PageV27P100 # قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم. ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا ~~في دينهم ولا في دنياهم؛ فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم: " {لو كان ~~موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم} وعيسى ابن مريم - عليه السلام - ~~إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم. فأي حاجة لهم مع ~~هذا إلى الخضر وغيره والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبرهم بنزول عيسى ~~من السماء وحضوره مع المسلمين وقال: " {كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في ~~آخرها} . فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم موسى ونوح أفضل ~~الرسل ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة ~~لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم. وإذا كان الخضر حيا ~~دائما فكيف لم ms7827 يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك قط ولا أخبر به أمته ~~ولا خلفاؤه الراشدون. وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال له من ولاه ~~النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ وليس فيهم ~~الخضر. وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ~~ظن رجل: مثل شخص رأى رجلا ظن أنه الخضر # PageV27P101 # وقال: إنه الخضر كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم ~~أو تدعي ذلك وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال - وقد ذكر له الخضر - من ~~أحالك على غائب فما أنصفك. وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان. وقد ~~بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وأما إن قصد القائل بقوله " القطب ~~الغوث الفرد الجامع " أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن لكن من الممكن ~~أيضا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة ولا يجزم ~~بألا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدا وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من ~~بعض من وجه دون وجه وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية. ثم إذا كان في ~~الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته " بالقطب الغوث الجامع " بدعة ما ~~أنزل الله بها من سلطان ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها وما زال ~~السلف يظنون في بعض الناس أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه ~~هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ لا سيما أن من المنتحلين لهذا ~~الاسم من يدعي أن أول الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنهما - ثم يتسلل الأمر إلى ما دونه إلى بعض مشايخ # PageV27P102 # المتأخرين وهذا لا يصح لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب الرافضة. فأين ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ والحسن ~~عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد قارب سن التمييز والاحتلام. ~~وقد حكي عن بعض الأكابر ms7828 من الشيوخ المنتحلين لهذا: أن " القطب الفرد الغوث ~~الجامع " ينطبق علمه على علم الله تعالى وقدرته على قدرة الله تعالى فيعلم ~~ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان كذلك وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن وتسلسل إلى شيخه. فبينت أن ~~هذا كفر صريح وجهل قبيح وأن دعوى هذا في رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم؛ كفر دع ما سواه وقد قال الله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء} الآية وقال تعالى: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} ~~الآية وقال تعالى: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله} ~~وقال تعالى: {ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} {ليس ~~لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} وقال # PageV27P103 # تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين} . والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيع رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وأمرنا أن نتبعه فقال تعالى: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره ~~وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله حتى أوجب علينا أن يكون أحب ~~الناس إلينا من أنفسنا وأهلينا فقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم} وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} وقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ~~ووالده والناس أجمعين وقال له عمر رضي الله ms7829 عنه يا رسول الله لأنت أحب إلي ~~من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك - قال: ~~فلأنت أحب إلي من نفسي قال: الآن يا عمر} وقال: " {ثلاث من كن فيه وجد بهن ~~حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب المرء ~~لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن # PageV27P104 # يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} . وقد ~~بين في كتابه حقوقه التي لا تصلح إلا له وحقوق رسله وحقوق المؤمنين بعضهم ~~على بعض كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وذلك مثل قوله تعالى ~~{ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فالطاعة لله ~~والرسول والخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} فالإيتاء لله والرسول والرغبة لله وحده وقال تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} لأن الحلال ما أحله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله وأما الحسب فهو لله وحده كما قال: {وقالوا ~~حسبنا الله} ولم يقل: حسبنا الله ورسوله وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين ~~وهذا هو الصواب المقطوع به في هذه الآية؛ ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد - ~~عليهما الصلاة والسلام - حسبنا الله ونعم الوكيل. والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وأحكم. وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV27P105 # وسئل - رحمه الله -: # عن هؤلاء " الزائرين قبور الأنبياء والصالحين " كقبر الخليل وغيره فيأتون ~~إلى الضريح ويقبلونه والقوام بذلك المكان أي من جاء يأتونه ويجيئون به إلى ~~الضريح فيعلمونهم ذلك ويقرونهم عليه. فهل هذا مما أمر الله تعالى به ورسوله ~~أم لا؟ وهل في ذلك ثواب وأجر أم لا؟ وهل هو من الدين الذي بعث الله سبحانه ~~به رسوله صلى ms7830 الله عليه وسلم أم لا؟ وإذا لم يكن كذلك وكان أناس يعتقدون أن ~~هذا من الدين ويفعلونه على هذا الوجه فهل يجب أن ينهوا عن ذلك أم لا؟ وهل ~~استحب هذا أحد من الأئمة الأربعة أم لا؟ وهل كانت الصحابة والتابعون يفعلون ~~ذلك أم لا؟ وإذا كان في القوام أو غيرهم من يفعل ذلك أو يأمر به أو يقر ~~عليه لأجل جعل يأخذه أو غير ذلك فهل يثاب ولي الأمر على منع هؤلاء أم لا؟ ~~وهل إذا لم ينتهوا عن ذلك فهل لولي الأمر أن يصرف عن الولاية من لم ينته ~~منهم أم لا؟ والكسب الذي يكسبه الناس من مثل هذا الأمر هل هو كسب طيب أو ~~خبيث؟ وهل يستحقون مثل هذا الكسب. أم يؤخذ منهم ويصرف في # PageV27P106 # مصالح المسلمين؟ وهل يجوز أن يقام إلى جانب " مسجد الخليل " السماع الذي ~~يسمونه " النوبة الخليلية " ويقام عند ذلك سماع يجتمعون له - الفقراء ~~وغيرهم وفيه الشبابة أم لا؟ والذي يصفر بالشبابة مؤذنا بالمكان المذكور هل ~~يفسق أم لا؟ وهل إذا لم ينته يصرفه ولي الأمر أم لا؟ وإذا لم يستطع ولي ~~الأمر أن يزيل ذلك فهل له أن ينقل هذه النوبة المذكورة إلى مكان لا يمكن ~~الرقص فيه لضيق المكان أم لا؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، لم يأمر الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين بتقبيل ~~شيء من قبور الأنبياء والصالحين ولا التمسح به لا قبر نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ولا قبر الخليل صلى الله عليه وسلم ولا قبر غيرهما؛ بل ولا بالتقبيل ~~والاستلام لصخرة بيت المقدس ولا الركنين الشاميين من البيت العتيق بل إنما ~~يستلم الركنان اليمانيان فقط؛ اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~لم يستلم إلا اليمانيين " ولم يقبل إلا الحجر الأسود. واتفقوا على أن ~~الشاميين لا يستلمان ولا يقبلان. واتفقوا على أن اليمانيين يستلمان. ~~واتفقوا على تقبيل الأسود. وتنازعوا في تقبيل اليماني؟ على ثلاثة أقوال ~~معروفة. قيل: # PageV27P107 # يقبل. وقيل: يستلم وتقبل اليد. وقيل يستلم ms7831 ولا تقبل اليد. وهذا هو الصحيح ~~فإن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه ولم يقبله ولم يقبل يده ~~لما استلمه ولا أجر ولا ثواب فيما ليس بواجب ولا مستحب؛ فإن الأجر والثواب ~~إنما يكون على الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة إما واجبة وإما مستحبة. ~~فإذا كان الاستلام والتقبيل لهذه الأجسام ليس بواجب ولا مستحب لم يكن في ~~ذلك أجر ولا ثواب ومن اعتقد أنه يؤجر على ذلك ويثاب فهو جاهل ضال مخطئ ~~كالذي يعتقد: أنه يؤجر ويثاب إذا سجد لقبور الأنبياء والصالحين: والذي ~~يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا دعاهم من دون الله والذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب ~~إذا صور صورهم - كما يفعل النصارى - ودعا تلك الصور وسجد لها ونحو ذلك من ~~البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة بل هي إما كفر وإما جهل وضلال. وليس شيء ~~من هذا من الدين الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم باتفاق ~~المسلمين. ومن اعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه ولم يستحب هذا ~~أحد من الأئمة الأربعة ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ومن ~~أمر الناس بشيء من ذلك أو رغبهم فيه أو أعانهم عليه # PageV27P108 # من القوام أو غير القوام فإنه يجب نهيه عن ذلك ومنعه منه. ويثاب ولي ~~الأمر على منع هؤلاء ومن لم ينته عن ذلك فإنه يعزر تعزيرا يردعه. وأقل ذلك ~~أن يعزل عن القيامة ولا يترك من يأمر الناس بما ليس من دين المسلمين. # والكسب الذي يكسب بمثل ذلك خبيث من جنس كسب الذين يكذبون على الله ورسوله ~~ويأخذون على ذلك جعلا ومن جنس كسب سدنة الأصنام الذين يأمرون بالشرك ~~ويأخذون على ذلك جعلا؛ فإن هذه الأمور من جملة ما نهي عنه من أسباب الشرك ~~ودواعيه وأجزائه وقد قال صلى الله عليه وسلم " {اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد} رواه مالك في الموطإ وغيره وقال صلى الله عليه وسلم " {لا تتخذوا ~~قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} ms7832 رواه أبو داود وغيره. ~~وفي الصحيحين عنه أنه قال: " {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا؛ قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن ~~كره أن يتخذ مسجدا. وفي الصحيح عنه أنه قال: قبل أن يموت بخمس: " {إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك} وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {إن من شرار الناس من # PageV27P109 # تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} . والأحاديث ~~والآثار في ذلك كثيرة. ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى " قبر الخليل " ~~ولا غيره من قبور الصالحين ولا سافروا إلى زيارة " جبل طور سيناء وهو ~~البقعة المباركة والوادي المقدس الذي ذكره الله في كتابه وكلم عليه كليمه ~~موسى بل ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حياته وبعد مماته ~~يزورون " جبل حراء " الذي نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ~~ولم يكونوا يزورون بمكة غير المشاعر - كالمسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة - ~~في الحج. وكذلك لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الدعاء ~~عند قبر أحد من الأنبياء؛ لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ~~ولا غيرهما. ولهذا ذكر الأئمة كمالك وغيره أن هذا بدعة " بل كانوا إذا أتوا ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه ويصلون عليه كما ذكر مالك في ~~الموطأ: أن ابن عمر كان إذا أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ~~وعلى أبي بكر وعمر. وفي رواية عنه: كان يقول: السلام عليك يا رسول الله: ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت - ثم ينصرف. ومن اكتسب مالا ~~خبيثا: مثل هذا الذي يأمر الناس بالبدع # PageV27P110 # ويأخذ على ذلك جعلا فإنه لا يملكه فإذا تعذر رده على صاحبه فإن ولاة ~~الأمور يأخذونه من هذا الذي أكل أموال الناس بالباطل وصد عن سبيل الله؛ ~~ويصرفونها في مصالح المسلمين التي ms7833 يحبها الله ورسوله فيؤخذ المال الذي أنفق ~~في طاعة الشيطان فينفق في طاعة الرحمن. " وأما السماع " الذي يسمونه: نوبة ~~الخليل فبدعة باطلة لا أصل لها ولم يكن الخليل - صلى الله عليه وسلم - يفعل ~~شيئا من هذا ولا الصحابة لما فتحوا البلاد فعلوا عند الخليل شيئا من هذا ~~ولا فعل شيئا من هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه بل هذا إما ~~أن يكون من إحداث النصارى؛ فإنهم هم الذين نقبوا حجرة الخليل بعد أن كانت ~~مسدودة لا يدخل أحد إليها. وإما أن يكون من إحداث بعض جهال المسلمين ولا ~~يجوز أن يقام هناك رقص ولا شبابة ولا ما يشبه ذلك بل يجب النهي عن ذلك ومن ~~أصر على حضور ذلك من مؤذن وغيره قدح ذلك في عدالته. والله أعلم. # PageV27P111 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن حكم قول بعض العلماء والفقراء: إن الدعاء مستجاب عند قبور أربعة - من ~~أصحاب الأئمة الأربعة " قبر الفندلاوي " من أصحاب مالك و " قبر البرهان ~~البلخي " من أصحاب أبي حنيفة و " قبر الشيخ نصر المقدسي " من أصحاب ~~الشافعي. و " قبر الشيخ أبي الفرج " من أصحاب أحمد رضي الله عنهم؟ ومن ~~استقبل القبلة عند قبورهم ودعا استجيب له؟ وقول بعض العلماء عن بعض المشايخ ~~يوصيه: إذا نزل بك حادث أو أمر تخافه استوحني ينكشف عنك ما تجده من الشدة: ~~حيا كنت أو ميتا؟ ومن قرأ آية الكرسي واستقبل جهة الشيخ عبد القادر ~~الجيلاني وسلم عليه سبع مرات يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته ~~أو كان في سماع فإنه يطيب ويكثر التواجد وقول الفقراء: إن الله تعالى ينظر ~~إلى الفقراء بتجليه عليهم في ثلاثة مواطن: عند مد السماط وعند قيامهم في ~~الاستغفار أو المجاراة التي بينهم وعند السماع؟ وما يفعله بعض المتعبدين من ~~الدعاء عند قبر زكريا وقبر هود والصلاة عندهما والموقف بين شرقي رواق ~~الجامع بباب الطهارة بدمشق # PageV27P112 # والدعاء عند المصحف العثماني ومن ألصق ظهره الموجوع بالعمود الذي عند رأس ~~قبر معاوية عند الشهداء ms7834 بباب الصغير. فهل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة ~~بوقت مخصوص أو مكان معين: عند قبر نبي أو ولي أو يجوز أن يستغيث إلى الله ~~تعالى في الدعاء بنبي مرسل أو ملك مقرب أو بكلامه تعالى أو بالكعبة أو ~~بالدعاء المشهور باحتياط قاف أو بدعاء أم داود أو الخضر؟ ؟ . وهل يجوز أن ~~يقسم على الله تعالى في السؤال بحق فلان بحرمة فلان بجاه المقربين بأقرب ~~الخلق أو يقسم بأفعالهم وأعمالهم؟ وهل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران ~~وسرج؛ لكونه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام عنده أو يجوز تعظيم ~~شجرة يوجد فيها خرق معلقة ويقال: هذه مباركة يجتمع إليها الرجال الأولياء؟ ~~وهل يجوز تعظيم جبل أو زيارته أو زيارة ما فيه من المشاهد والآثار والدعاء ~~فيها والصلاة كمغارة الدم وكهف آدم والآثار. ومغارة الجوع وقبر شيث وهابيل ~~ونوح وإلياس وحزقيل وشيبال الراعي وإبراهيم بن أدهم بجبلة وعش الغراب ~~ببعلبك ومغارة الأربعين وحمام طبرية وزيارة عسقلان ومسجد صالح بعكا - وهو ~~مشهور بالحرمات والتعظيم والزيارات؟ . # PageV27P113 # وهل يجوز تحري الدعاء عند القبور وأن تقبل أو يوقد عندها القناديل ~~والسرج؟ وهل يحصل للأموات بهذه الأفعال من الأحياء منفعة أو مضرة؟ وهل ~~الدعاء عند " القدم النبوي " بدار الحديث الأشرفية بدمشق وغيره وقدم موسى ~~ومهد عيسى " ومقام إبراهيم ورأس الحسين وصهيب الرومي وبلال الحبشي وأويس ~~القرني وما أشبه ذلك - كله في سائر البلاد والقرى والسواحل والجبال ~~والمشاهد والمساجد والجوامع؟ . وكذلك قولهم: الدعاء مستجاب عند برج " باب ~~كيسان " بين بابي الصغير والشرقي مستدبرا له متوجها إلى القبلة والدعاء عند ~~داخل باب الفرادين؟ فهل ثبت شيء في إجابة الأدعية في هذه الأماكن أم لا؟ ~~وهل يجوز أن يستغاث بغير الله تعالى بأن يقول: يا جاه محمد أو يا لست نفيسة ~~أو يا سيدي أحمد أو إذا عثر أحد وتعسر أو قفز من مكان إلى مكان يقول: يال ~~علي أو يال الشيخ فلان: أم لا؟ وهل تجوز النذور للأنبياء أو للمشايخ: مثل ~~الشيخ جاكير أو أبي الوفاء ms7835 أو نور الدين الشهيد أو غيرهم أم لا؟ وكذلك هل ~~تجوز النذور لقبور أحد من آل بيت النبوة ومدركه والأئمة الأربعة ومشايخ ~~العراق والعجم ومصر والحجاز واليمن والهند والمغرب وجميع الأرض وجبل قان ~~وغيرها أم لا؟ . # PageV27P114 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما قول القائل: إن الدعاء مستجاب عند قبور ~~المشايخ الأربعة المذكورين - رضي الله عنهم - فهو من جنس قول غيره: قبر ~~فلان هو الترياق المجرب ومن جنس ما يقوله أمثال هذا القائل: من أن الدعاء ~~مستجاب عند قبر فلان وفلان. فإن كثيرا من الناس يقول مثل هذا القول عند بعض ~~القبور ثم قد يكون ذلك القبر قد علم أنه قبر رجل صالح من الصحابة أو أهل ~~البيت أو غيرهم من الصالحين وقد يكون نسبة ذلك القبر إلى ذلك كذبا أو مجهول ~~الحال: مثل أكثر ما يذكر من قبور الأنبياء وقد يكون صحيحا والرجل ليس بصالح ~~فإن هذه الأقسام موجودة فيمن يقول مثل هذا القول أو من يقول: إن الدعاء ~~مستجاب عند قبر بعينه وأنه استجيب له الدعاء عنده والحال أن ذاك إما قبر ~~معروف بالفسق والابتداع وإما قبر كافر كما رأينا من دعا فكشف له حال القبور ~~فبهت لذلك ورأينا من ذلك أنواعا. وأصل هذا: أن قول القائل: إن الدعاء ~~مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين قول ليس له أصل في كتاب الله ولا سنة ~~رسوله ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة ~~المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؛ كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن ~~سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق # PageV27P115 # بن راهويه وأبي عبيدة ولا مشايخهم الذين يقتدى بهم: كالفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن أدهم؟ وأبي سليمان الداراني وأمثالهم. ولم يكن في الصحابة ~~والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول: إن الدعاء مستجاب عند قبور ~~الأنبياء والصالحين لا مطلقا ولا معينا. ولا فيهم من قال: إن دعاء الإنسان ~~عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك البقعة ولا إن ~~الصلاة في تلك البقعة ms7836 أفضل من الصلاة في غيرها. ولا فيهم من كان يتحرى ~~الدعاء ولا الصلاة عند هذه القبور؛ بل أفضل الخلق وسيدهم هو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وليس في الأرض قبر اتفق الناس على أنه قبر نبي غير قبره ~~وقد اختلفوا في قبر الخليل وغيره - واتفق الأئمة على أنه يسلم عليه عند ~~زيارته وعلى صاحبيه لما في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال. " {ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام} وهو حديث جيد. وقد روى ابن أبي شيبة والدارقطني عنه: " ~~{من سلم علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته} وفي إسناده لين. لكن ~~له شواهد ثابتة؛ فإن إبلاغ الصلاة والسلام عليه من البعد قد رواه أهل السنن ~~من غير وجه. كما في السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {أكثروا علي ~~من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة # PageV27P116 # فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي بليت. ~~فقال: إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} وفي النسائي ~~وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله وكل بقبري ملائكة ~~يبلغوني عن أمتي السلام} . ومع هذا لم يقل أحد منهم إن الدعاء مستجاب عند ~~قبره ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجها إلى قبره بل نصوا على نقيض ذلك ~~واتفقوا كلهم على أنه لا يدعو مستقبل القبر. وتنازعوا في السلام عليه. فقال ~~الأكثرون كمالك وأحمد وغيرهما: يسلم عليه مستقبل القبر وهو الذي ذكره أصحاب ~~الشافعي وأظنه منقولا عنه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بل يسلم عليه مستقبل ~~القبلة؛ بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده للدعاء مطلقا كما ذكر ذلك ~~إسماعيل بن إسحاق في " كتاب المبسوط " وذكره القاضي عياض. قال مالك: لا أرى ~~أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو؛ ولكن يسلم ويمضي. وقال ~~أيضا في " المبسوط " لا بأس لمن قدم ms7837 من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. فقيل له: ~~فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم ~~مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في اليوم المرة والمرتين أو # PageV27P117 # أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل ~~الفقه ببلدتنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول ~~هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ إلا من جاء من سفر أو أراده. قال ~~ابن القاسم: رأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر وسلموا. ~~قال: وذلك دأبي. فهذا مالك وهو أعلم أهل زمانه - أي زمن تابع التابعين ~~بالمدينة النبوية الذين كان أهلها في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أعلم ~~الناس بما يشرع عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم - يكرهون الوقوف للدعاء ~~بعد السلام عليه. وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيه وهو المشروع من ~~الصلاة والسلام وأن ذلك أيضا لا يستحب لأهل المدينة كل وقت. بل عند القدوم ~~من سفر أو إرادته؛ لأن ذلك تحية له والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته؛ ~~بخلاف القادمين من السفر. وقال مالك في رواية أبي وهب: إذا سلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقف وجهه إلى القبر؛ لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس ~~القبر بيده. وكره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~القاضي عياض: كراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقوله: " {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم # PageV27P118 # اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه ~~بفعل ذلك؛ قطعا للذريعة وحسما للباب. قلت: والأحاديث الكثيرة المروية في ~~زيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة. لم يرو الأئمة ولا أهل السنن المتبعة - ~~كسنن أبي داود والنسائي ونحوهما فيها شيئا ولكن ms7838 جاء لفظ زيارة القبور في ~~غير هذا الحديث: مثل قوله صلى الله عليه وسلم " {كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور. ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة} وكان صلى الله عليه وسلم يعلم ~~أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: " {السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ~~ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية} . ولكن صار لفظ " زيارة ~~القبور " في عرف كثير من المتأخرين يتناول " الزيارة البدعية والزيارة ~~الشرعية " وأكثرهم لا يستعملونها إلا بالمعنى البدعي؛ لا الشرعي؛ فلهذا كره ~~هذا الإطلاق. فأما " الزيارة الشرعية " فهي من جنس الصلاة على الميت: يقصد ~~بها الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة عليه كما قال الله في حق المنافقين: ~~{ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فلما نهى عن # PageV27P119 # الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم: دل ذلك بطريق مفهوم الخطاب ~~وعلة الحكم أن ذلك مشروع في حق المؤمنين. والقيام على قبره بعد الدفن هو من ~~جنس الصلاة عليه قبل الدفن يراد به الدعاء له. وهذا هو الذي مضت به السنة ~~واستحبه السلف عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وأما " الزيارة البدعية ~~" فهي من جنس الشرك والذريعة إليه كما فعل اليهود والنصارى عند قبور ~~الأنبياء والصالحين قال صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة عنه في ~~الصحاح والسنن والمسانيد: " {لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا} وقال: " {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وقال: " {إن ~~من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} ~~وقال: " {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} فإذا كان ~~قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد امتنع أن يكون تحريها للدعاء ~~مستحبا لأن المكان الذي يستحب فيه الدعاء يستحب فيه الصلاة لأن الدعاء عقب ~~الصلاة أجوب. وليس في الشريعة مكان ينهى عن الصلاة عنده مع أنه يستحب ~~الدعاء عنده. وقد ms7839 نص الأئمة كالشافعي وغيره على أن النهي عن ذلك معلل # PageV27P120 # بخوف الفتنة بالقبر لا بمجرد نجاسته كما يظن ذلك بعض الناس؛ ولهذا كان ~~السلف يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها كما أمر عمر بن الخطاب ~~بتعفية قبر دانيال لما ظهر بتستر فإنه كتب إليه أبو موسى يذكر أنه قد ظهر ~~قبر دانيال وأنهم كانوا يستسقون به فكتب إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ~~ثلاثة عشر قبرا ثم يدفنه بالليل في واحد منها ويعفيه لئلا يفتتن به الناس. ~~والذي ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمة كان معروفا عند السلف كما رواه أبو ~~يعلى الموصلي في " مسنده " وذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسي في " مختاره ~~" عن {علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين - أنه رأى ~~رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيدعو ~~فيها فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم ~~يبلغني أينما كنتم} . وهذا الحديث في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا ~~قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم} وفي سنن سعيد بن منصور: ~~حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن # PageV27P121 # الحسين بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى ~~فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: مالي رأيتك عند القبر فقلت: ~~سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا ~~بيوتكم مقابر؛ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن ~~صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء} . وقد بسط الكلام ~~على هذا الأصل في ms7840 غير هذا الموضع. فإذا كان هذا هو المشروع في قبر سيد ولد ~~آدم وخير الخلق وأكرمهم على الله فكيف يقال في قبر غيره وقد تواتر عن ~~الصحابة أنهم كانوا إذا نزلت بهم الشدائد - كحالهم في الجدب والاستسقاء ~~وعند القتال والاستنصار - يدعون الله ويستغيثونه في المساجد والبيوت ولم ~~يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من قبور ~~الأنبياء والصالحين؛ بل قد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: اللهم إنا ~~كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون. فتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون به وهو أنهم كانوا ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته وهكذا توسلوا بدعاء العباس وشفاعته ولم يقصدوا ~~الدعاء عند قبر # PageV27P122 # النبي صلى الله عليه وسلم ولا أقسموا على الله بشيء من مخلوقاته بل ~~توسلوا إليه بما شرعه من الوسائل وهي الأعمال الصالحة ودعاء المؤمنين كما ~~يتوسل العبد إلى الله بالإيمان بنبيه وبمحبته وموالاته والصلاة عليه ~~والسلام وكما يتوسلون في حياته بدعائه وشفاعته كذلك يتوسل الخلق في الآخرة ~~بدعائه وشفاعته. ويتوسل بدعاء الصالحين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم: بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم} . ومن ~~المعلوم بالاضطرار أن الدعاء عند القبور لو كان أفضل من الدعاء عند غيرها ~~وهو أحب إلى الله وأجوب: لكان السلف أعلم بذلك من الخلف " وكانوا أسرع ~~إليه. فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسبق إلى طاعته ورضاه ولكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك ويرغب فيه؛ فإنه أمر بكل معروف ونهى عن ~~كل منكر وما ترك شيئا يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث أمته به ولا شيئا يبعد عن ~~النار إلا وقد حذر أمته منه وقد ترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا ~~ينزوي عنها بعده إلا هالك. فكيف وقد نهى عن هذا الجنس وحسم مادته بلعنه ~~ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد؟ فنهى عن الصلاة لله مستقبلا لها وإن كان ~~المصلي لا يعبد الموتى ولا يدعوهم كما نهي عن ms7841 الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت ~~الغروب؛ لأنها # PageV27P123 # وقت سجود المشركين للشمس وإن كان المصلي لا يسجد إلا لله؛ سدا للذريعة. ~~فكيف إذا تحققت المفسدة بأن صار العبد يدعو الميت ويدعو به كما إذا تحققت ~~المفسدة بالسجود للشمس وقت الطلوع ووقت الغروب. وقد كان أصل عبادة الأوثان ~~من تعظيم القبور كما قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال السلف كابن عباس وغيره: كان هؤلاء قوما ~~صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم ~~عبدوهم. ثم من المعلوم أن بمقابر " باب الصغير " من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم من هو أفضل من هؤلاء المشايخ الأربعة فكيف يعين هؤلاء للدعاء عند ~~قبورهم دون من هو أفضل منهم ثم إن لكل شيخ من هؤلاء ونحوهم من يحبه ويعظمه ~~بالدعاء دون الشيخ الآخر فهل أمر الله بالدعاء عند واحد دون غيره كما يفعل ~~المشركون بهم؟ الذين ضاهوا الذين {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} . # PageV27P124 # فصل: # وأما ما حكي عن بعض المشايخ من قوله: إذا نزل بك حادث أو أمر تخافه ~~فاستوحني فيكشف ما بك من الشدة حيا كنت أو ميتا. فهذا الكلام ونحوه إما أن ~~يكون كذبا من الناقل أو خطأ من القائل؛ فإنه نقل لا يعرف صدقه عن قائل غير ~~معصوم ومن ترك النقل المصدق عن القائل المعصوم واتبع نقلا غير مصدق عن قائل ~~غير معصوم فقد ضل ضلالا بعيدا. ومن المعلوم أن الله لم يأمر بمثل هذا " ولا ~~رسله أمروا بذلك؛ بل قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} ~~ولم يقل: ارغب إلى الأنبياء والملائكة وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} قالت طائفة من السلف: ms7842 كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة: ~~فأنزل الله هذه الآية. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد من ~~أصحابه: إذا # PageV27P125 # نزل بك حادث فاستوحني؛ بل قال لابن عمه عبد الله بن عباس وهو يوصيه: " ~~{احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} . وما يرويه بعض ~~العامة من أنه قال: " {إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله ~~عظيم} . فهو حديث كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب ~~المسلمين المعتمدة في الدين؛ فإن كان للميت فضيلة فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أولى بكل فضيلة وأصحابه من بعده. وإن كان منفعة للحي بالميت فأصحابه ~~أحق الناس انتفاعا به حيا وميتا. فعلم أن هذا من الضلال وإن كان بعض الشيوخ ~~قال ذلك فهو خطأ منه والله يغفر له إن كان مجتهدا مخطئا. وليس هو بنبي يجب ~~اتباع قوله ولا معصوم فيما يأمر به وينهى عنه. وقد قال الله تعالى {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ~~. # فصل: # وأما قول القائل: من قرأ " آية الكرسي " واستقبل جهة الشيخ # PageV27P126 # عبد القادر الجيلاني - رضي الله عنه - وسلم عليه وخطا سبع خطوات يخطو مع ~~كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته أو كان في سماع فإنه يطيب ويكثر ~~تواجده. فهذا أمر القربة فيه شرك برب العالمين ولا ريب أن الشيخ عبد القادر ~~لم يقل هذا ولا أمر به ومن يقل مثل ذلك عنه فقد كذب عليه وإنما يحدث مثل ~~هذه البدع أهل الغلو والشرك: المشبهون للنصارى من أهل البدع الرافضة ~~الغالية في الأئمة ومن أشبههم من الغلاة في المشايخ. وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا ~~إليها} فإذا نهى عن استقبال القبر في الصلاة لله فكيف يجوز التوجه إليه ~~والدعاء لغير الله ms7843 مع بعد الدار وهل هذا إلا من جنس ما يفعله النصارى بعيسى ~~وأمه وأحبارهم ورهبانهم في اتخاذهم إياهم أربابا وآلهة يدعونهم ويستغيثونهم ~~في مطالبهم ويسألونهم ويسألون بهم. # فصل: # وأما قول: من قال: إن الله ينظر إلى الفقراء في ثلاثة مواطن: عند الأكل ~~والمناصحة والسماع. فهذا القول روي نحوه عن بعض الشيوخ قال: إن الله ينظر ~~إليهم عند الأكل؛ فإنهم يأكلون بإيثار # PageV27P127 # وعند المجاراة في العلم. لأنهم يقصدون المناصحة وعند السماع؛ لأنهم ~~يسمعون لله. أو كلاما يشبه هذا. والأصل الجامع في هذا أن من عمل عملا يحبه ~~الله ورسوله - وهو ما كان لله بإذن الله - فإن الله يحبه وينظر إليه فيه ~~نظر محبة. والعمل الصالح هو الخالص الصواب. فالخالص ما كان لله والصواب ما ~~كان بأمر الله ولا ريب أن كل واحد من المواكلة والمخاطبة والاستماع منها ما ~~يحبه الله ومنها ما لا يحبه الله ومنها ما يشتمل على خير وشر وحق وباطل ~~ومصلحة ومفسدة وحكم كل واحد بحسبه. # فصل: # وما يفعله بعض الناس من تحري الصلاة والدعاء عند ما يقال: إنه قبر نبي أو ~~قبر أحد من الصحابة والقرابة أو ما يقرب من ذلك أو إلصاق بدنه أو شيء من ~~بدنه بالقبر أو بما يجاور القبر من عود وغيره. كمن يتحرى الصلاة والدعاء في ~~قبلي شرقي جامع دمشق عند الموضع الذي يقال إنه قبر هود - والذي عليه ~~العلماء أنه قبر معاوية بن أبي سفيان - أو عند المثال الخشب الذي يقال تحته ~~رأس يحيى بن زكريا ونحو ذلك: فهو مخطئ مبتدع مخالف للسنة؛ فإن # PageV27P128 # الصلاة والدعاء بهذه الأمكنة ليس مزية عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا ~~كانوا يفعلون ذلك؛ بل كانوا ينهون عن مثل ذلك كما نهاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أسباب ذلك ودواعيه وإن لم يقصدوا دعاء القبر والدعاء به فكيف ~~إذا قصدوا ذلك. # فصل: # وأما قوله: هل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة: بوقت معين أو مكان ~~معين: عند قبر نبي أو ولي؟ فلا ريب أن ms7844 الدعاء في بعض الأوقات والأحوال أجوب ~~منه في بعض. فالدعاء في جوف الليل أجوب الأوقات كما ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ~~ثلث الليل الأخير وفي رواية نصف الليل - فيقول: من يدعوني فأستجيب له من ~~يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر} وفي حديث آخر: " {أقرب ~~ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الأخير} والدعاء مستجاب عند نزول المطر ~~وعند التحام الحرب وعند الأذان والإقامة وفي أدبار الصلوات وفي حال السجود ~~ودعوة الصائم ودعوة المسافر ودعوة المظلوم وأمثال ذلك. فهذا كله مما جاءت ~~به # PageV27P129 # الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن والدعاء بالمشاعر كعرفة ومزدلفة ومنى ~~والملتزم ونحو ذلك من مشاعر مكة والدعاء بالمساجد مطلقا. وكلما فضل المسجد ~~كالمساجد الثلاثة كانت الصلاة والدعاء فيه أفضل. وأما الدعاء لأجل كون ~~المكان فيه قبر نبي أو ولي فلم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن الدعاء ~~فيه أفضل من غيره ولكن هذا مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى ~~وغيرهم من المشركين. فأصله من دين المشركين؛ لا من دين عباد الله المخلصين؛ ~~كاتخاذ القبور مساجد؛ فإن هذا لم يستحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها ولكن ~~ابتدعه بعض أهل القبلة؛ مضاهاة لمن لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى. # فصل: # وأما قول السائل: هل يجوز أن يستغيث إلى الله في الدعاء بنبي مرسل أو ملك ~~مقرب أو بكلامه تعالى أو بالكعبة أو بالدعاء المشهور باحتياط قاف أو بدعاء ~~أم داود أو الخضر أو يجوز أن يقسم على الله في السؤال بحق فلان بحرمة فلان ~~بجاه المقربين # PageV27P130 # بأقرب الخلق أو يقسم بأعمالهم وأفعالهم؟ فيقال: هذا السؤال فيه فصول ~~متعددة. فأما الأدعية التي جاءت بها السنة ففيها سؤال الله بأسمائه وصفاته ~~والاستعاذة بكلامه كما في الأدعية التي في السنن: مثل قوله: " {اللهم إني ~~أسألك بأن لك الحمد أنت الله بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا ~~حي يا ms7845 قيوم} ومثل قوله: " {اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} ومثل الدعاء الذي في المسند: " ~~{اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته ~~أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك} . وأما الأدعية التي يدعو ~~بها بعض العامة ويكتبها باعة الحروز من الطرقية التي فيها: أسألك باحتياط ~~قاف وهو يوف المخاف والطور والعرش والكرسي وزمزم والمقام والبلد الحرام. ~~وأمثال هذه الأدعية. فلا يؤثر منها شيء؛ لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين وليس لأحد أن يقسم بهذه بحال؛ بل قد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت} وقال " {من حلف بغير الله فقد أشرك} فليس لأحد أن يقسم بالمخلوقات ~~ألبتة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV27P131 # {إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره لما قال أنس بن النضر: أتكسر ~~ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع} وكما قال البراء بن ~~مالك: أقسمت عليك أي رب؛ إلا فعلت كذا وكذا " وكلاهما كان ممن يبر الله ~~قسمه. والعبد يسأل ربه بالأسباب التي تقتضي مطلوبه وهي الأعمال الصالحة ~~التي وعد الثواب عليها. ودعاء عباده المؤمنين الذين وعد إجابتهم كما كان ~~الصحابة يتوسلون إلى الله تعالى بنبيه ثم بعمه وغير عمه من صالحيهم: ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته كما في الصحيح: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل ~~إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. فتوسلوا بعد موته بالعباس كما كانوا يتوسلون ~~به وهو توسلهم بدعائه وشفاعته. ومن ذلك ما رواه أهل السنن وصححه الترمذي: " ~~{أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرد علي بصري فأمره أن ~~يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ms7846 نبي ~~الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم: ~~فشفعه في} فهذا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يسأل الله أن ~~يقبل شفاعة النبي له في توجهه بنبيه إلى الله هو كتوسل غيره من الصحابة به ~~إلى الله فإن # PageV27P132 # هذا التوجه والتوسل هو توجه وتوسل بدعائه وشفاعته. وأما قول القائل: ~~أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك أو بحق أنبيائك أو بنبيك فلان أو برسولك ~~فلان أو بالبيت الحرام أو بزمزم والمقام أو بالطور والبيت المعمور ونحو ~~ذلك. فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ~~ولا التابعين لهم بإحسان بل قد نص غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه ~~- كأبي يوسف وغيره من العلماء - على أنه لا يجوز مثل هذا الدعاء فإنه أقسم ~~على الله بمخلوق ولا يصح القسم بغير الله وإن سأله به على أنه سبب ووسيلة ~~إلى قضاء حاجته. أما إذا سأل الله بالأعمال الصالحة وبدعاء نبيه والصالحين ~~من عباده فالأعمال الصالحة سبب للإثابة والدعاء سبب للإجابة فسؤاله بذلك ~~سؤال بما هو سبب لنيل المطلوب وهذا معنى ما يروى في دعاء الخروج إلى ~~الصلاة: " {اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا} وكذلك أهل ~~الغار الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة. فالتوسل إلى الله بالنبيين هو ~~التوسل بالإيمان بهم وبطاعتهم كالصلاة والسلام عليهم ومحبتهم وموالاتهم أو ~~بدعائهم وشفاعتهم. وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضي حصول مطلوب العبد ~~وإن كان لهم عند الله الجاه العظيم والمنزلة العالية بسبب إكرام الله لهم ~~وإحسانه إليهم وفضله عليهم وليس # PageV27P133 # في ذلك ما يقتضي إجابة دعاء غيرهم إلا أن يكون بسبب منه إليهم كالإيمان ~~بهم والطاعة لهم أو بسبب منهم إليه: كدعائهم له وشفاعتهم فيه. فهذان ~~الشيئان يتوسل بهما. وأما الإقسام بالمخلوق فلا. وما يذكره بعض العامة من ~~قوله: " {إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم} حديث كذب ~~موضوع. # فصل: # وأما قول السائل: ms7847 هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران؛ لكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم رئي عنده. فيقال: بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ~~ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذين نهينا عن التشبه بهم فيها. ~~وقد ثبت أن عمر بن الخطاب كان في السفر فرأى قوما يبتدرون مكانا فقال: ما ~~هذا فقالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ومكان صلى ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ~~من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض وهذا قاله عمر بمحضر من الصحابة. ~~ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أسفاره # PageV27P134 # في مواضع وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع وما اتخذ السلف شيئا من ~~ذلك مسجدا ولا مزارا. ولو فتح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو ~~أكثرها مساجد ومزارات؛ فإنهم لا يزالون يرون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام وقد جاء إلى بيوتهم ومنهم من يراه مرارا كثيرة وتخليق هذه الأمكنة ~~بالزعفران بدعة مكروهة. وأما ما يزيده الكذابون على ذلك مثل أن يرى في ~~المكان أثر قدم فيقال: هذا قدمه ونحو ذلك: فهذا كله كذب والأقدام الحجارة ~~التي ينقلها من ينقلها ويقول: إنها موضع قدمه كذب مختلق ولو كانت حقا لسن ~~للمسلمين أن يتخذوا ذلك مسجدا ومزارا بل لم يأمر الله أن يتخذ مقام نبي من ~~الأنبياء مصلى إلا مقام إبراهيم بقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} كما ~~أنه لم يأمر بالاستلام والتقبيل لحجر من الحجارة إلا الحجر الأسود ولا ~~بالصلاة إلى بيت إلا البيت الحرام ولا يجوز أن يقاس غير ذلك عليه باتفاق ~~المسلمين بل ذلك بمنزلة من جعل للناس حجا إلى غير البيت العتيق أو صيام شهر ~~مفروض غير صيام شهر رمضان وأمثال ذلك. فصخرة بيت المقدس لا يسن استلامها ~~ولا تقبيلها باتفاق المسلمين بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر ~~بقاع المسجد. والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه ms7848 عمر بن الخطاب ~~للمسلمين # PageV27P135 # أفضل من الصلاة والدعاء عندها وعمر بن الخطاب لما فتح البلد قال لكعب ~~الأحبار: أين ترى أن أبني مصلى المسلمين؟ قال: ابنه خلف الصخرة. قال خالطتك ~~يهودية يا ابن اليهودية بل أبنيه أمامها؛ فإن لنا صدور المساجد. فبنى هذا ~~المصلى الذي تسميه العامة " الأقصى ". ولم يتمسح بالصخرة ولا قبلها ولا صلى ~~عندها كيف وقد ثبت عنه في الصحيح أنه لما قبل الحجر الأسود قال. والله إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقبلك لما قبلتك. وكان عبد الله بن عمر إذا أتى المسجد الأقصى يصلي ~~فيه ولا يأتي الصخرة وكذلك غيره من السلف. وكذلك حجرة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح: لا يستحب ~~تقبيلها ولا التمسح بها باتفاق الأئمة؛ بل منهي عن ذلك. وأما السجود لذلك ~~فكفر وكذلك خطابه بمثل ما يخاطب به الرب: مثل قول القائل: اغفر لي ذنوبي أو ~~انصرني على عدوي ونحو ذلك. # فصل: # وأما الأشجار والأحجار والعيون ونحوها مما ينذر لها بعض العامة # PageV27P136 # أو يعلقون بها خرقا أو غير ذلك أو يأخذون ورقها يتبركون به أو يصلون ~~عندها أو نحو ذلك: فهذا كله من البدع المنكرة وهو من عمل أهل الجاهلية ومن ~~أسباب الشرك بالله تعالى وقد {كان للمشركين شجرة يعلقون بها أسلحتهم ~~يسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما ~~لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم: كما قال قوم موسى لموسى {اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة} إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم: شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته في ~~الطريق لفعلتموه} . وقد بلغ عمر بن الخطاب أن قوما يقصدون الصلاة عند " ~~الشجرة " التي كانت تحتها بيعة الرضوان التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم ~~الناس تحتها فأمر بتلك الشجرة فقطعت. ms7849 وقد اتفق علماء الدين على أن من نذر ~~عبادة في بقعة من هذه البقاع لم يكن ذلك نذرا يجب الوفاء به ولا مزية ~~للعبادة فيها. # فصل: # وأصل هذا الباب أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة # PageV27P137 # الله فيها بالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك إلا مساجد المسلمين ~~ومشاعر الحج. وأما المشاهد التي على القبور سواء جعلت مساجد أو لم تجعل أو ~~المقامات التي تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين أو المغارات والكهوف أو ~~غير ذلك: مثل " الطور " الذي كلم الله عليه موسى ومثل " غار حراء " الذي ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه قبل نزول الوحي عليه و " الغار " ~~الذي ذكره الله في قوله: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} والغار الذي بجبل ~~قاسيون بدمشق الذي يقال له " مغارة الدم " والمقامان اللذان بجانبيه الشرقي ~~والغربي: يقال لأحدهما: " مقام إبراهيم " ويقال للآخر: " مقام عيسى " وما ~~أشبه هذه البقاع والمشاهد في شرق الأرض وغربها: فهذه لا يشرع السفر إليها ~~لزيارتها ولو نذر ناذر السفر إليها لم يجب عليه الوفاء بنذره باتفاق أئمة ~~المسلمين؛ بل قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ~~هريرة وأبي سعيد - وهو يروى عن غيرهما - أنه قال " {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . وقد كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحوا هذه البلاد بلاد الشام والعراق ومصر ~~وخراسان والمغرب وغيرها لا يقصدون هذه البقاع ولا يزورونها ولا يقصدون ~~الصلاة والدعاء فيها. بل كانوا # PageV27P138 # مستمسكين بشريعة نبيهم: يعمرون المساجد التي قال الله فيها: {ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} وقال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} وقال ~~تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال تعالى: {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} . وأمثال هذه النصوص. وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms7850 أنه قال: " {صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته ~~في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة وذلك أن الرجل إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم ~~أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه: كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة ~~والأخرى تحط خطيئة. فإذا جلس ينتظر الصلاة كان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة ~~فإذا قضى الصلاة فإن الملائكة تصلي على أحدهم ما دام في مصلاه: تقول: اللهم ~~اغفر له اللهم ارحمه} . وقد تنازع المتأخرون فيمن سافر لزيارة قبر نبي أو ~~نحو ذلك من المشاهد. والمحققون منهم قالوا: إن هذا سفر معصية ولا يقصر ~~الصلاة فيه كما لا يقصر في سفر المعصية كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره وكذلك ~~ذكر أبو عبد الله بن بطة: أن هذا من البدع المحدثة في الإسلام. بل نفس قصد ~~هذه البقاع للصلاة فيها والدعاء ليس له أصل في شريعة المسلمين ولم ينقل عن ~~السابقين الأولين - رضي الله # PageV27P139 # عنهم وأرضاهم - أنهم كانوا يتحرون هذه البقاع للدعاء والصلاة؛ بل لا ~~يقصدون إلا مساجد الله بل المساجد المبنية على غير الوجه الشرعي لا ~~يقصدونها أيضا كمسجد الضرار الذي قال الله فيه: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين} . بل المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز ~~الصلاة فيها وبناؤها محرم كما قد نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ لما ~~استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن والمسانيد أنه قال: " ~~{إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فإني أنهاكم عن ذلك} وقال في مرض موته: " {لعنة الله على اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز ~~قبره} ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وكانت " حجرة النبي صلى ms7851 الله عليه وسلم " ~~خارجة عن مسجده فلما كان في إمرة الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد ~~العزيز # PageV27P140 # عامله على المدينة النبوية - أن يزيد في المسجد. فاشترى حجر أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكانت شرقي المسجد وقبلته فزادها في المسجد فدخلت ~~الحجرة إذ ذاك في المسجد وبنوها مسنمة عن سمت القبلة لئلا يصلي أحد إليها. ~~وكذلك " قبر إبراهيم الخليل " لما فتح المسلمون البلاد كان عليه السور ~~السليماني ولا يدخل إليه أحد ولا يصلي أحد عنده بل كان مصلى المسلمين بقرية ~~الخليل بمسجد هناك وكان الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ~~إلى أن نقب ذلك السور ثم جعل فيه باب. ويقال: إن النصارى هم نقبوه وجعلوه ~~كنيسة ثم لما أخذ المسلمون منهم البلاد جعل ذلك مسجدا؛ ولهذا كان العلماء ~~الصالحون من المسلمين لا يصلون في ذلك المكان. هذا إذا كان القبر صحيحا ~~فكيف وعامة القبور المنسوبة إلى الأنبياء كذب مثل القبر الذي يقال إنه " ~~قبر نوح " فإنه كذب لا ريب فيه وإنما أظهره الجهال من مدة قريبة وكذلك قبر ~~غيره. # فصل: # وأما " عسقلان " فإنها كانت ثغرا من ثغور المسلمين كان صالحو # PageV27P141 # المسلمين يقيمون بها لأجل الرباط في سبيل الله وهكذا سائر البقاع التي ~~مثل هذا الجنس مثل " جبل لبنان " و " الإسكندرية " ومثل " عبادان " ونحوها ~~بأرض العراق ومثل " قزوين " ونحوها من البلاد التي كانت ثغورا. فهذه كان ~~الصالحون يقصدونها؛ لأجل الرباط في سبيل الله فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن ~~سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {رباط يوم وليلة في ~~سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وأجري عليه ~~عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان} وفي سنن أبي داود وغيره عن ~~عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {رباط يوم في سبيل الله خير ~~من ألف يوم فيما سواه من المنازل} وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل ~~الله أحب إلي ms7852 من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا قال العلماء: ~~إن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين؛ لأن المرابطة من ~~جنس الجهاد والمجاورة من جنس الحج. وجنس الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من ~~جنس الحج كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم # PageV27P142 # وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم} . فهذا هو الأصل في تعظيم هذه الأمكنة. ثم من هذه الأمكنة ما سكنه ~~بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور. ومنها ما خرب وصار ثغرا غير هذه ~~الأمكنة. والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها. فقد تكون البقعة دار ~~كفر إذا كان أهلها كفارا ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها كما كانت مكة - ~~شرفها الله - في أول الأمر دار كفر وحرب وقال الله فيها: {وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} ثم لما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم صارت ~~دار إسلام وهي في نفسها أم القرى وأحب الأرض إلى الله. وكذلك الأرض المقدسة ~~كان فيها الجبارون الذين ذكرهم الله تعالى. كما قال تعالى: {وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ~~وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} {قالوا يا موسى إن فيها ~~قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} ~~الآيات وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق: {سأريكم دار الفاسقين} ~~وكانت تلك الديار ديار # PageV27P143 # الفاسقين لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون ثم لما سكنها الصالحون صارت دار ~~الصالحين. وهذا أصل يجب أن يعرف. فإن البلد قد تحمد أو تذم ms7853 في بعض الأوقات ~~لحال أهله ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم؛ إذ المدح والذم والثواب ~~والعقاب إنما يترتب على الإيمان والعمل الصالح أو على ضد ذلك من الكفر ~~والفسوق والعصيان. قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ~~من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا فضل لعربي ~~على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا ~~بالتقوى. الناس بنو آدم وآدم من تراب} . وكتب أبو الدرداء إلى سلمان ~~الفارسي - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما لما آخى بين ~~المهاجرين والأنصار وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق نائبا لعمر بن ~~الخطاب - أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس ~~أحدا وإنما يقدس الرجل عمله. # PageV27P144 # فصل: # وقد تبين الجواب في سائر المسائل المذكورة بأن قصد الصلاة والدعاء عندما ~~يقال إنه قدم نبي أو أثر نبي أو قبر نبي أو قبر بعض الصحابة أو بعض الشيوخ ~~أو بعض أهل البيت أو الأبراج أو الغيران: من البدع المحدثة المنكرة في ~~الإسلام لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان السابقون ~~الأولون والتابعون لهم بإحسان يفعلونه ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين بل ~~هو من أسباب الشرك وذرائع الإفك. والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الجواب. # فصل: # وأما قول القائل إذا عثر يا جاه محمد يا للست نفيسة أو يا سيدي الشيخ ~~فلان أو نحو ذلك مما فيه استغاثته وسؤاله: فهو من المحرمات وهو من جنس ~~الشرك؛ فإن الميت سواء كان نبيا أو غير نبي لا يدعى ولا يسأل ولا يستغاث به ~~لا عند قبره ولا مع البعد من قبره بل هذا من جنس دين النصارى الذين {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ms7854 عما يشركون} ومن جنس الذين قال ~~فيهم: # PageV27P145 # {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} وقد قال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} . وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # فصل: # وكذلك النذر للقبور أو لأحد من أهل القبور: كالنذر لإبراهيم الخليل أو ~~للشيخ فلان أو فلان أو لبعض أهل البيت أو غيرهم: نذر معصية لا يجب الوفاء ~~به باتفاق أئمة الدين؛ بل ولا يجوز الوفاء به فإنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه} وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لعن ~~الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} فقد لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من يبني على القبور المساجد ويسرج فيها السرج: # PageV27P146 # كالقناديل والشمع وغير ذلك. وإذا كان هذا ملعونا فالذي يضع فيها قناديل ~~الذهب والفضة وشمعدان الذهب والفضة ويضعها عند القبور أولى باللعنة. فمن ~~نذر زيتا أو شمعا أو ذهبا أو فضة أو سترا أو غير ذلك ليجعل عند قبر نبي من ~~الأنبياء أو بعض الصحابة أو القرابة أو المشايخ: فهو نذر معصية لا يجوز ~~الوفاء به وهل عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء. وإن تصدق بما نذره على ~~من يستحق ذلك من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الفقراء ~~الصالحين كان خيرا له عند الله وأنفع له؛ فإن هذا عمل صالح يثيبه الله عليه ~~فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. والمتصدق يتصدق لوجه الله ~~ولا يطلب أجره من المخلوقين بل ms7855 من الله تعالى كما قال تعالى: {وسيجنبها ~~الأتقى} {الذي يؤتي ماله يتزكى} {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى} {ولسوف يرضى} وقال تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة} الآية وقال عن عباده ~~الصالحين: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} . ولهذا لا ~~ينبغي لأحد أن يسأل بغير الله: مثل الذي يقول: كرامة لأبي بكر ولعلي أو ~~للشيخ فلان؛ أو الشيخ فلان؛ بل لا يعطي إلا من سأل # PageV27P147 # لله وليس لأحد أن يسأل لغير الله فإن إخلاص الدين لله واجب في جميع ~~العبادات البدنية والمالية: كالصلاة والصدقة والصيام والحج فلا يصلح الركوع ~~والسجود إلا لله ولا الصيام إلا لله ولا الحج إلا إلى بيت الله ولا الدعاء ~~إلا لله: قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقال ~~تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} . وهذا هو أصل الإسلام وهو ~~أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: ~~{فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال ~~تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه قالوا: ~~يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه. قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم ~~يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص ~~أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة والكتاب. هذا كله لأن دين الله بلغه ~~عنه رسوله. فلا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله. والله ~~تعالى ذم المشركين لأنهم شرعوا # PageV27P148 # في الدين ما لم يأذن به الله فحرموا أشياء لم يحرمها الله: كالبحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. وشرعوا دينا لم يأذن به ms7856 الله كدعاء غيره وعبادته ~~والرهبانية التي ابتدعها النصارى. والإسلام دين الرسل كلهم أولهم وآخرهم ~~وكلهم بعثوا بالإسلام كما قال نوح عليه السلام {يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} {فإن توليتم فما سألتكم من ~~أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وقال تعالى: {ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى ~~بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون} وقال تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} . وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد} فدين الرسل ~~كلهم دين واحد وهو دين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر به ~~وشرعه # PageV27P149 # كما قال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ~~ما تدعوهم إليه} وإنما يتنوع في هذا الدين الشرعة والمنهاج كما قال: {لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} كما تتنوع شريعة الرسول الواحد. فقد كان الله أمر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام أن يصلي إلى بيت المقدس ثم أمره ~~في السنة الثانية من الهجرة أن يصلي إلى الكعبة البيت الحرام وهذا في وقته ~~كان من دين الإسلام وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام ~~وشريعة الإنجيل في وقته كانت من دين الإسلام ومن آمن بالتوراة ثم كذب ~~بالإنجيل خرج من دين الإسلام وكان كافرا وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين ~~وكذب بالقرآن ms7857 كان كافرا خارجا من دين الإسلام فإن دين الإسلام يتضمن ~~الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل كما قال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ~~الآية. # PageV27P150 # ما قول السادة العلماء أئمة الدين: # في من ينزل به حاجة من أمر الدنيا أو الآخرة ثم يأتي قبر بعض الأنبياء أو ~~غيره من الصلحاء ثم يدعو عنده في كشف كربته. فهل ذلك سنة أم بدعة؟ وهل هو ~~مشروع أم لا؟ فإن كان ما هو مشروع فقد تقضى حوائجهم بعض الأوقات فهل يسوغ ~~لهم أن يفعلوا ذلك؟ وما العلة في قضاء حوائجهم؟ أفتونا. # فأجاب شيخ الإسلام - رحمه الله -: # الحمد لله رب العالمين، ليس ذلك سنة؛ بل هو بدعة لم يفعل ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا من أئمة الدين الذين يقتدي بهم ~~المسلمون في دينهم ولا أمر بذلك ولا استحبه: لا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا أحد من أصحابه ولا أئمة الدين؛ بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل ~~العلم والدين من القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله: من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم لا من أهل الحجاز ولا من اليمن ولا الشام ولا العراق ~~ولا مصر ولا المغرب ولا خراسان؛ وإنما أحدث بعد ذلك. # PageV27P151 # ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع ~~المنكرات ولا يقول أحد في مثل هذا إنه بدعة حسنة؛ إذا البدعة الحسنة - عند ~~من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة - لا بد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين ~~يقتدى بهم ويقوم دليل شرعي على استحبابها وكذلك من يقول: البدعة الشرعية ~~كلها مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {كل بدعة ضلالة} ~~ويقول قول عمر في التراويح: ms7858 " نعمت البدعة هذه " إنما أسماها بدعة: باعتبار ~~وضع اللغة. فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه. ~~ومآل القولين واحد؛ إذ هم متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس ~~بواجب ولا مستحب؛ فمن اتخذ عملا من الأعمال عبادة ودينا وليس ذلك في ~~الشريعة واجبا ولا مستحبا فهو ضال باتفاق المسلمين. وقصد القبور لأجل ~~الدعاء عندها رجاء الإجابة: هو من هذا الباب فإنه ليس من الشريعة: لا واجبا ~~ولا مستحبا؛ فلا يكون دينا ولا حسنا ولا طاعة لله ولا مما يحبه الله ويرضاه ~~ولا يكون عملا صالحا ولا قربة ومن جعله من هذا الباب فهو ضال باتفاق ~~المسلمين. # PageV27P152 # ولهذا: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بهم الشدائد ~~وأرادوا دعاء الله لكشف الضر أو طلب الرحمة: لا يقصدون شيئا من القبور لا ~~قبور الأنبياء ولا غير الأنبياء حتى إنهم لم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بل قد ثبت في " صحيح البخاري " عن أنس: أن عمر بن ~~الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب قال: اللهم إنا كنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وفي ~~صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: ~~وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # وفيه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا ~~أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فيما ينزل حتى يجيش له ~~ميزاب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي ~~طالب وكذلك معاوية بالشام استسقوا بيزيد بن الأسود الجرشي. وكانوا في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم " يأتون إليه ويطلبون # PageV27P153 # منه الدعاء يتوسلون به ويستشفعون به إلى الله؛ كما أن الخلائق يوم ~~القيامة يأتون إليه يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله ثم لما مات وأصابهم ~~الجدب عام الرمادة ms7859 في خلافة عمر وكانت شدة عظيمة أخذوا العباس فتوسلوا به ~~واستسقوا به بدلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأتوا إلى قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدعون عنده ولا استسقوا به ولا توسلوا به. وكذلك في الشام ~~لم يذهبوا إلى ما فيها من القبور؛ بل استسقوا بمن فيهم من الصالحين ومعلوم ~~أنه لو كان الدعاء عند القبور والتوسل بالأموات مما يستحب لهم لكان التوسل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من التوسل بالعباس وغيره. وقد كانوا ~~يستسقون على " ثلاثة أوجه " تارة: يدعون عقب الصلوات. وتارة: يخرجون إلى ~~المصلى فيدعون من غير صلاة وتارة يصلون ويدعون. والوجهان الأولان مشروعان ~~باتفاق الأمة. والوجه الثالث مشروع عند الجمهور؛ كمالك والشافعي وأحمد. ولم ~~يعرفه أبو حنيفة. وقد أمروا في الاستسقاء بأن يستسقوا بأهل الصلاح؛ لا سيما ~~بأقارب النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل الصحابة. وأمروا بالصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه. ولم يأمر أحد منهم بالاستسقاء عند شيء من ~~قبور الأنبياء ولا غير الأنبياء ولا الاستعانة # PageV27P154 # بميت والتوسل به ونحو ذلك مما يظنه بعض الناس دينا وقربة. وهذا فيه دلالة ~~للمؤمن على أن هذه محدثات لم تكن عند الصحابة من المعروف بل من المنكر. # فصل: # وهذا كاف لو لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من النهي ما يدل ~~على النهي عن ذلك؛ كيف وسنته المتواترة تدل على النهي عن ذلك. مثلما في ~~الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم ~~يقم منه: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ولولا ذلك ~~أبرز قبره؛ غير أنه خشي - أو خشي - أن يتخذ مسجدا. وهذا بعض ألفاظ البخاري ~~وفي الصحيحين أيضا عن عائشة قالت: {لما كان مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة. يقال لها مارية وذكرن من حسنها ~~وتصاوير فيها فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: إن أولئك إذا مات ~~فيهم الرجل ms7860 الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار ~~الخلق عند الله} . # PageV27P155 # وهذا المعنى مستفيض عنه في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه. وفي صحيح ~~مسلم عن جندب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: {إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور - أو قال - قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وفيه: {لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله} وهذا المعنى في ~~الصحيحين من وجوه وفيه: {لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت؛ إلا خوخة أبي ~~بكر} . بين هذين الأمرين اللذين تواترا عنه وجمع بينهما قبل موته بخمسة ~~أيام: من ذكر فضل أبي بكر الصديق ومن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد فبهما حسم ~~مادة الشرك التي أفسد بها الدين وظهر بها دين المشركين. فإن الله قال في ~~كتابه عن قوم نوح: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا} . وقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن ابن ~~عباس قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد؛ أما (ود: ~~فكانت لكلب بدومة الجندل وأما (سواع: فكانت لهذيل وأما (يغوث: فكانت لمراد ~~ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ وأما (يعوق: فكانت لهمدان وأما (نسر: فكانت ~~لحمير لآل ذي # PageV27P156 # الكلام؛ وكانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا: أوحى الشيطان ~~إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها ~~بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. وقد ذكر ~~قريبا من هذا المعنى طوائف من السلف في " كتب التفسير ". و " قصص الأنبياء ~~" وغيرها: أن هؤلاء كانوا قوما صالحين. ثم منهم من ذكر أنهم كانوا يعكفون ~~على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ومنهم من ذكر أنهم كانوا يصحبون تماثيلهم ~~معهم في السفر يدعون عندها ولا يعبدونها ثم بعد ذلك: عبدت الأوثان. ولهذا: ~~جمع النبي صلى الله عليه ms7861 وسلم بين القبور والصور؛ في غير حديث كما في صحيح ~~مسلم عن {أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما ~~بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا ~~سويته ولا تمثالا إلا طمسته} . فأمره بمحو الصور وتسوية القبور كما قال في ~~الحديث الآخر الصحيح: {إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} . ~~والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن اتخاذ # PageV27P157 # القبور مساجد والصلاة في المقبرة: كثيرة جدا مثل ما في الصحيحين والسنن ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {قاتل الله اليهود ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: {إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ~~ومن يتخذ القبور مساجد} رواه أحمد في المسند وأبو حاتم بن حبان في صحيحه. ~~وعن ابن عباس قال: {لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور. ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج} رواه أحمد في المسند وأهل السنن الأربعة ~~وأبو حاتم بن حبان في صحيحه. وروى أيضا في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لعن الله من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} . وفي ~~الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {اجعلوا من ~~صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا} . وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها} ~~. وعن عبد الله بن عمرو قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: الصلاة ~~في المقبرة} رواه أبو حاتم في صحيحه وروى أيضا عن أنس: {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يصلى بين القبور} وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # PageV27P158 # {الأرض كلها مسجد ms7862 إلا المقبرة والحمام} رواه أحمد وأهل الكتب الأربعة ~~وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي: فيه اضطراب؛ لأن سفيان الثوري أرسله؛ ~~لكن غير الترمذي جزم بصحته لأن غيره من الثقات أسندوه وقد صححه ابن حزم ~~أيضا. وفي سنن أبي داود {عن علي قال: إن خليلي نهاني أن أصلي في المقبرة ~~ونهاني أن أصلي في أرض بابل} . والآثار في ذلك كثيرة جدا. # وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة في المقبرة نهي عنها من أجل ~~النجاسة؛ لاختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومهم وهؤلاء قد يفرقون بين ~~المقبرة الجديدة. والقديمة وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون. والتعليل ~~بهذا ليس مذكورا في الحديث ولم يدل عليه الحديث لا نصا ولا ظاهرا وإنما هي ~~علة ظنوها والعلة الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف ~~والخلف في زمن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إنما هو ما في ذلك من التشبه ~~بالمشركين وأن تصير ذريعة إلى الشرك؛ ولهذا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء ~~مساجد. وقال: {إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك التصاوير} . وقال: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد} ونهى عن الصلاة إليها. # PageV27P159 # ومعلوم أن النهي لو لم يكن إلا لأجل النجاسة. فمقابر الأنبياء لا تنتن بل ~~الأنبياء لا يبلون وتراب قبورهم طاهر والنجاسة أمام المصلي لا تبطل صلاته ~~والذين كانوا يتخذون القبور مساجد كانوا يفرشون عند القبور المفارش الطاهرة ~~فلا يلاقون النجاسة ومع أن الذين يعللون بالنجاسة لا ينفون هذه العلة؛ بل ~~قد ذكر الشافعي وغيره النهي عن اتخاذ المساجد على القبور وعلل ذلك بخشية ~~التشبه بذلك. وقد نص على النهي عن بناء المساجد على القبور غير واحد من ~~علماء المذاهب؛ من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ومن فقهاء الكوفة أيضا وصرح ~~غير واحد منهم بتحريم ذلك وهذا لا ريب فيه بعد لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومبالغته في النهي عن ذلك. واتخاذها مساجد يتناول شيئين: ms7863 أن يبني ~~عليها مسجدا أو يصلي عندها من غير بناء وهو الذي خافه هو وخافته الصحابة ~~إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يصلى عنده فيتخذ قبره مسجدا. وفي موطأ مالك عنه ~~أنه قال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد} روي ذلك مسندا ومرسلا وفي سنن أبي ~~داود أنه قال: {لا تتخذوا قبري عيدا. وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني} . وما يرويه بعض الناس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بمسجد الخليل أو ~~صلى عند قبر الخليل فإن هذا الحديث غير ثابت عند # PageV27P160 # أهل العلم وإن كان قد ذكر ذلك طائفة توصف بالصلاح؛ بل الذي في الصحيحين ~~{أنه صلى في بيت المقدس} . وهذا باب واسع. فمن المعلوم أنه لو كان الدعاء ~~عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء عند غيرها لكان ينبغي أن تستحب ~~الصلاة في تلك البقاع واتخاذها مساجد؛ فإن الصلاة مقرونة بالدعاء؛ ولهذا لا ~~يقول مسلم إن الموضع الذي ينهى عن الصلاة فيه كأعطان الإبل أو المقبرة ~~والمواضع النجسة يكون الدعاء فيه أفضل من الدعاء في غيره؛ بل من قال ذلك: ~~فقد راغم الرسول وجعل ما نهى عنه من الشرك وأسباب الشرك مماثلا أو مفضلا ~~على ما أمر به من التوحيد وعبادة الله وحده. ومن هنا أدخل أهل النفاق في ~~الإسلام ما أدخلوه فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقا يهوديا أظهر ~~الإسلام وأبطن الكفر ليحتال في إفساد دين المسلمين - كما احتال بولص " في ~~إفساد دين النصارى - سعى في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان وفي ~~المؤمنين من يستجيب للمنافقين كما قال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} ثم إنه لما تفرقت ~~الأمة ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة وأظهر التكلم في أبي بكر ~~وعمر. وصادف ذلك قلوبا فيها جهل وظلم وإن لم تكن كافرة؛ فظهرت بدعة التشيع ~~التي هي مفتاح باب الشرك # PageV27P161 # ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد محتجين بأنه ~~لا تصلى الجمعة والجماعة ms7864 إلا خلف المعصوم. ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها ~~والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل ~~الكتاب؛ حتى صنف كبيرهم ابن النعمان كتابا في " مناسك حج المشاهد " وكذبوا ~~فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه وغيروا ~~ملته. وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد فصاروا جامعين بين الشرك والكذب كما ~~قرن الله بينهما في غير موضع كقوله: {واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله غير ~~مشركين به} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عدلت شهادة ~~الزور الإشراك بالله مرتين ثم قرأ هذه الآية وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا ~~العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} ~~وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} {ونزعنا من ~~كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون} } . وهذا الحق لله كما ثبت عنه في الصحيح أنه {قال لمعاذ بن جبل: ~~يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: حقه على ~~عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. يا معاذ أتدري ما # PageV27P162 # حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه ~~ألا يعذبهم} وقال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون} ومثل هذا في القرآن متعدد: يصف أهل ~~الشرك بالفرية؟ ولهذا طالبهم بالبرهان والسلطان كما في قوله: {ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه} وفي قوله: {قل أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ~~ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} وقال: {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {منيبين إليه واتقوه ms7865 وأقيموا الصلاة ولا ~~تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم ~~فرحون} {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} ~~{أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} . وقوله تعالى ~~{ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} لأن التوحيد ~~هو دين الله الذي بعث به الأولين والآخرين كما قال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه # PageV27P163 # لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله ~~أمركم} . ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم ~~قد فرقوا دينهم وكانوا شيعا. فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم ويقولون: ~~الدعاء عند قبره يستجاب وقلوبهم معلقة به دون غيره من قبور الأنبياء ~~والصالحين وإن كان أفضل منه كما أن عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد اتخذ ~~إلهه هواه فهو يعبد ما يألهه؛ وإن كان غيره أفضل منه. ثم إنهم يسمون ذلك " ~~زيارة " وهو اسم شرعي وضعوه على غير موضعه ومعلوم أن " الزيارة الشرعية " ~~التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته: تتضمن السلام على الميت ~~والدعاء له؛ بمنزلة الصلاة على جنازته فالمصلي على الجنازة قصده الدعاء ~~للميت والله تعالى يرحم الميت بدعائه ويثيبه هو على صلاته كذلك الذي يزور ~~القبور على الوجه المشروع فيسلم عليهم ويدعو لهم يرحمون بدعائه # PageV27P164 # ويثاب هو على إحسانه إليهم وأين قصد النفع للميت من قصد الشرك به ففي ~~صحيح مسلم عن بريدة قال: {كان ms7866 رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا ~~خرجوا للمقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع نسأل ~~الله لنا ولكم العافية} . وفي صحيح مسلم {عن عائشة: قلت كيف أقول يا رسول ~~الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله ~~المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون} . # وتجوز: زيارة قبر الكافر لأجل الاعتبار؛ دون الاستغفار له كما في ~~الصحيحين عن أبي هريرة قال: {إن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه ~~فبكى. وأبكى من حوله وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي ~~واستأذنته في أن أزورها فأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر الموت} وقد ثبت ~~عنه في الصحيح من حديث أنس قال: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها} . # وأما زيارة القبور لأجل الدعاء عندها أو التوسل بها أو الاستشفاع بها؛ ~~فهذا لم تأت به الشريعة أصلا؛ وكل ما يروى في هذا الباب مثل قوله: {من ~~زارني وزار قبر أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} و {من حج ولم ~~يزرني فقد جفاني} و {من # PageV27P165 # زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي} . فهي أحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة ~~لم يرو أهل الصحاح والسنن المشهورة والمسانيد منها شيئا. وغاية ما يعزى مثل ~~ذلك إلى كتاب الدارقطني وهو قصد به غرائب السنن؛ ولهذا يروي فيه من الضعيف ~~والموضوع ما لا يرويه غيره وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن مجرد العزو ~~إليه لا يبيح الاعتماد عليه ومن كتب من أهل العلم بالحديث فيما يروى في ذلك ~~يبين أنه ليس فيها حديث صحيح. بل قد كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومالك أعلم الناس بهذا الباب فإن أهل المدينة أعلم أهل ~~الأمصار بذلك ومالك إمام أهل المدينة. فلو كان في هذا سنة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها لفظ " زيارة قبره ms7867 " لم يخف ذلك على علماء أهل مدينته ~~وجيران قبره - بأبي هو وأمي. ولهذا كانت السنة عند الصحابة وأئمة المسلمين ~~إذا سلم العبد على النبي صلى الله عليه وسلم. وصاحبيه: أن يدعو الله مستقبل ~~القبلة ولا يدعو مستقبل الحجرة والحكاية التي تروى في خلاف ذلك عن مالك مع ~~المنصور باطلة لا أصل لها. ولم أعلم الأئمة تنازعوا في أن السنة استقبال ~~القبلة وقت الدعاء؛ لا استقبال القبر النبوي. وإنما تنازعوا وقت السلام ~~عليه. فقال الأكثرون: يسلم عليه مستقبل # PageV27P166 # القبر. وقال أبو حنيفة: يسلم عليه مستقبل القبلة مستدبر القبر. وكان عبد ~~الله بن عمر يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام ~~عليك يا أبت ثم ينصرف. فإذا كان الدعاء في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر الأئمة فيه باستقبال القبلة كما روي عن الصحابة وكرهوا استقبال ~~القبر فما الظن بقبر غيره وهذا مما يبين لك أن قصد الدعاء عند القبور: ليس ~~من دين المسلمين. ومن ذكر شيئا يخالف هذا من المصنفين في المناسك أو غيرها ~~فلا حجة معه بذلك ولا معه نقل عن إمام متبوع. وإنما هو شيء أخذه بعض الناس ~~عن بعض؛ لأحاديث ظنوها صحيحة وهي باطلة أو لعادات مبتدعة ظنوها سنة بلا أصل ~~شرعي. ولم يكن في العصور المفضلة " مشاهد " على القبور وإنما ظهر ذلك وكثر ~~في دولة بني بويه؛ لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب كان بها زنادقة ~~كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ~~ذلك ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم فبنوا ~~المشاهد المكذوبة " كمشهد علي " - رضي الله عنه - وأمثاله. وصنف أهل الفرية ~~الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها والدعاء عندها وما يشبه ذلك. فصار ~~هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد ويهينون المساجد # PageV27P167 # وذلك: ضد دين المسلمين ويستترون بالتشيع. ففي الأحاديث المتقدمة ~~المتواترة عنه من تعظيم الصديق ومن النهي عن اتخاذ القبور مساجد ما فيه رد ~~لهاتين البدعتين ms7868 اللتين هما أصل الشرك وتبديل الإسلام. ومما يبين ذلك أن ~~الله لم يذكر " المشاهد " ولا أمر بالصلاة فيها وإنما أمر بالمساجد فقال ~~تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} ~~ولم يقل: مشاهد الله؛ بل قد {أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن لا يدع ~~قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثالا إلا طمسه} . ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ~~ولعن من فعل ذلك فهذا أمر بتخريب المشاهد لا بعمارتها سواء أريد به العمارة ~~الصورية أو المعنوية. وقال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~ولم يقل في المشاهد وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد} ولم يقل عند كل مشهد. وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله} ولم يقل مشاهد الله؛ إذ عمار المشاهد هم مشركون أو متشبهون ~~بالمشركين. إلى قوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} ولم يقل إنما يعمر مشاهد الله. ~~بل عمار المشاهد يخشون غير الله؛ فيخشون الموتى ولا يخشون # PageV27P168 # الله؛ إذ عبدوه عبادة لم ينزل بها سلطانا ولا جاء بها كتاب ولا سنة كما ~~قال الخليل عليه السلام في مناظرته للمشركين لما حاجوه وخوفوه آلهتهم: ~~{وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} قال تعالى: {الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وفي الصحيحين {عن ابن ~~مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ~~ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم ~~نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد ~~الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} } ؟ قال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه نرفع درجات من نشاء} قال زيد بن أسلم وغيره. بالعلم وقال تعالى: ~~{وأن المساجد ms7869 لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ولم يقل وأن المشاهد لله بل أهل ~~المشاهد يدعون مع الله غيره. ولهذا لما لم يكن بناء المساجد على القبور ~~التي تسمى " المشاهد " وتعظيمها من دين المسلمين؛ بل من دين المشركين؛ لم ~~يحفظ ذلك فإن الله ضمن لنا: أن يحفظ الذكر الذي أنزله كما قال: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فما بعث الله به رسوله من الكتاب # PageV27P169 # والحكمة محفوظ وأما أمر المشاهد فغير محفوظ بل عامة القبور التي بنيت ~~عليها المساجد إما مشكوك فيها وإما متيقن كذبها مثل القبر الذي بكرك الذي ~~يقال: إن به نوح والذي بظاهر دمشق الذي يقال إنه قبر أبي بن كعب والذي من ~~الناحية الأخرى الذي يقال: إنه قبر أويس القرني والقبور التي هناك التي يظن ~~أنها قبر عائشة أو أم سلمة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم أو أم حبيبة أو ~~قبر علي الذي بباطنة النجف أو المشهد الذي يقال: إنه على الحسين بالقاهرة ~~والمشهد الذي بحلب وأمثال هذه المشاهد؛ فهذه كلها كذب باتفاق أهل العلم. ~~وأما القبر الذي يقال: إنه " قبر خالد بن الوليد " بحمص والذي يقال: إنه ~~قبر أبي مسلم الخولاني بداريا وأمثال ذلك: فهذه مشكوك فيها وقد نعلم من حيث ~~الجملة أن الميت: قد توفي بأرض ولكن لا يتعين أن تلك البقعة مكان قبره: ~~كقبر بلال ونحوه بظاهر دمشق وكقبر فاطمة بالمدينة وأمثال ذلك. وعامة من ~~يصدق بذلك يكون علم به: إما مناما وإما نقلا لا يوثق به وإما غير ذلك. ومن ~~هذه القبور ما قد يتيقن؛ لكن لا يترتب على ذلك شيء من هذه الأحكام ~~المبتدعة. ولهذا كان السلف يسدون هذا الباب؛ فإن المسلمين لما فتحوا تستر ~~وجدوا هناك سرير ميت باق. ذكروا أنه " دانيال " # PageV27P170 # ووجدوا عنده كتابا فيه ذكر الحوادث وكان أهل تلك الناحية يستسقون به. ~~فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر. فكتب إليه عمر أن يحفر بالنهار ~~ثلاثة عشر قبرا ثم يدفن بالليل في واحد منها ويعفى قبره؛ ms7870 لئلا يفتتن الناس ~~به. وهذا كما نقلوا عن عمر أنه بلغه: أن أقواما يزورون الشجرة التي بويع ~~تحتها بيعة الرضوان ويصلون هناك فأمر بقطع الشجرة. وقد ثبت عنه أنه كان في ~~سفر فرأى قوما ينتابون بقعة يصلون فيها فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ومكان صلى به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك بنو إسرائيل ~~بهذا. من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض. واعلم أنه ليس مع أحد من ~~هؤلاء ما يعارض به ذلك؛ إلا حكاية عن بعضهم أنه قال: إذا كانت لكم إلى الله ~~حاجة؛ فادعوه عند قبري أو قال: قبر فلان هو الترياق المجرب وأمثال ذلك من ~~هذه الحكايات التي قد تكون صدقا وقد تكون كذبا وبتقدير أن يكون صدقا: فإن ~~قائلها غير معصوم. وما يعارض النقل الثابت عن المعصوم بنقل غير ثابت عن غير ~~معصوم إلا من يكون من الضالين إخوان الشياطين. وهذا من أسباب الشرك وتغيير ~~الدين. # PageV27P171 # وأما قول القائل: إن الحوائج تقضى لهم بعض الأوقات فهل يسوغ ذلك لهم ~~قصدها؟ فيقال: ليس ذلك مسوغ قصدها لوجوه: أحدها: أن المشركين وأهل الكتاب ~~يقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند الأصنام وعند تماثيل القديسين والأماكن ~~التي يعظمونها؛ وتعظيمها حرام في زمن الإسلام. فهل يقول مسلم: إن مثل ذلك ~~سوغ لهم هذا الفعل المحرم بإجماع المسلمين وما تجد عند أهل الأهواء والبدع ~~من الأسباب - التي بها ابتدعوا ما ابتدعوه - إلا تجد عند المشركين وأهل ~~الكتاب من جنس تلك الأسباب ما أوقعهم في كفرهم وأشد ومن تدبر هذا: وجده في ~~عامة الأمور فإن البدع مشتقة من الكفر وكمال الإيمان: هو فعل ما أمر الله ~~به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض ~~المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك. والبدعة لا تكون حقا محضا؛ إذ ~~لو كانت كذلك لكانت مشروعة ولا تكون مصلحتها راجحة ms7871 على مفسدتها؛ إذ لو كانت ~~كذلك لكانت مشروعة ولا تكون باطلا محضا لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما ~~اشتبهت على أحد وإنما يكون فيها بعض الحق وبعض الباطل. وكذلك دين المشركين ~~وأهل الكتاب فإنه لا يكون كل ما يخبرون به كذبا وكل ما يأمرون به فسادا؛ بل ~~لا بد أن يكون في خبرهم صدق # PageV27P172 # وفي أمرهم نوع من المصلحة ومع هذا فهم كفار بما تركوه من الحق وأتوه من ~~الباطل. الوجه الثاني: أن هذا الباب يكثر فيه الكذب جدا؛ فإنه لما كان ~~الكذب مقرونا بالشرك كما دل عليه القرآن في غير موضع والصدق مقرونا ~~بالإخلاص فالمؤمنون أهل صدق وإخلاص والكفار أهل كذب وشرك وكان في هذه ~~المشاهد من الشرك ما فيها: اقترن بها الكذب من وجوه متعددة. منها: دعوى أن ~~هذا قبر فلان المعظم أو رأسه؛ ففي ذلك كذب كثير. والثاني: الإخبار عن ~~أحواله بأمور يكثر فيها الكذب. والثالث: الإخبار بما يقضى عنده من الحاجات ~~فما أكثر ما يحتال المعظمون للقبر بحيل يلبسون على الناس أنه حصل به خرق ~~عادة أو قضاء حاجة وما أكثر من يخبر بما لا حقيقة له وقد رأينا من ذلك ~~أمورا كثيرة جدا. الرابع: الإخبار بنسب المتصلين به مثل كثير من الناس يدعي ~~الانتساب إلى قبر ذلك الميت إما ببنوة. وإما بغير بنوة حتى رأيت من يدعي # PageV27P173 # أنه من ولد إبراهيم بن أدهم مع كذبه في ذلك؛ ليكون سادن قبره وأما الكذب ~~على العترة النبوية فأكثر من أن يوصف. فبنو عبيد - الذين يسمون القداح - ~~الذين كانوا يقولون إنهم فاطميون وبنو القاهرة وبقوا ملوكا: يدعون أنهم ~~علويون: نحو مائتي سنة وغلبوا على نصف مملكة الإسلام حتى غلبوا في بعض ~~الأوقات على بغداد وكانوا كما قال فيهم أبو حامد الغزالي: ظاهر مذهبهم ~~الرفض وباطنه الكفر المحض. وقد صنف القاضي أبو بكر بن الطيب كتابه الذي ~~سماه " كشف الأسرار وهتك الأستار " في كشف أحوالهم. وكذلك ما شاء الله من ~~علماء المسلمين كالقاضي أبي يعلى وأبي عبد ms7872 الله محمد بن عبد الكريم ~~الشهرستاني. وأهل العلم كلهم يعلمون أنهم لم يكونوا من ولد فاطمة؛ بل كانوا ~~من ذرية المجوس وقيل من ذرية يهودي وكانوا من أبعد الناس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سنته ودينه: باطن دينهم مركب من دين المجوس والصابئين. ~~وما يظهرون من دين المسلمين: هو دين الرافضة. فخيار المتدينين منهم هم ~~الرافضة. وهم جهالهم وعوامهم وكل من دخل معهم يظن أنه مسلم ويعتقد أن دين ~~الإسلام حق. وأما خواصهم: من ملوكهم وعلمائهم فيعلمون أنهم خارجون من دين ~~الملل كلهم من دين المسلمين واليهود والنصارى وأقرب الناس # PageV27P174 # إليهم الفلاسفة؛ وإن لم يكونوا أيضا على قاعدة فيلسوف معين. ولهذا انتسب ~~إليهم طوائف المتفلسفة فابن سينا وأهل بيته من أتباعهم وابن الهيثم وأمثاله ~~من أتباعهم ومبشر بن فاتك ونحوه من أتباعهم وأصحاب " رسائل إخوان الصفا " ~~صنفوا الرسائل على نحو من طريقتهم ومنهم. الإسماعيلية وأهل دار الدعوة في ~~بلاد الإسلام. ووصف حالهم ليس هذا موضعه. وإنما القصد أنهم كانوا من أكذب ~~الناس وأعظمهم شركا وأنهم يكذبون في النسب وغير النسب؛ ولذلك تجد أكثر ~~المشهدية الذين يدعون النسب العلوي كذابين؛ إما أن يكون أحدهم مولى لبني ~~هاشم أو لا يكون بينه وبينهم لا نسب ولا ولاء ولكن يقول أنا علوي وينوي ~~علوي المذهب ويجعل عليا - رضي الله عنه وعن أهل بيته الطاهرين - كان دينه ~~دين الرافضة فلا يكفيه هذا الطعن في علي حتى يظهر أنه من أهل بيته أيضا ~~فالكذب فيما يتعلق بالقبور أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى. الخامس: أن ~~الرافضة أكذب طوائف الأمة على الإطلاق وهم أعظم الطوائف المدعية للإسلام ~~غلوا وشركا ومنهم كان أول من ادعى الإلهية في القراء وادعى نبوة غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV27P175 # كمن ادعى نبوة علي وكالمختار بن أبي عبيد ادعى النبوة ثم يليهم الجهال ~~كغلاة ضلال العباد وأتباع المشايخ؛ فإنهم أكثر الناس تعظيما للقبور بعد ~~الرافضة وأكثر الناس غلوا بعدهم وأكثر الطوائف كذبا وكل من الطائفتين فيها ms7873 ~~شبه من النصارى. وكذب النصارى وشركهم وغلوهم معلوم عند الخاص والعام وعند ~~هذه الطوائف من الشرك والكذب ما لا يحصيه إلا الله. الوجه الثالث: أنه إذا ~~قضيت حاجة مسلم وكان قد دعا دعوة عند قبره فمن أين له أن لذلك القبر تأثيرا ~~في تلك الحاجة؟ وهذا بمنزلة ما ينذرونه عند القبور أو غيرها من النذور: إذا ~~قضيت حاجاتهم. وقد ثبت في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه: نهى ~~عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل} . وفي لفظ {إن ~~النذر لا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قدر له؛ ولكن يلقيه النذر إلى القدر ~~قدرته} فإذا ثبت بهذا الحديث الصحيح: أن النذر ليس سببا في دفع ما علق به ~~من جلب منفعة أو دفع مضرة مع أن النذر جزاء تلك الحاجة ويعلق بها ومع كثرة ~~من تقضى حوائجهم التي علقوا بها النذور؛ كانت القبور أبعد عن أن تكون سببا ~~في ذلك. ثم تلك الحاجة: إما أن تكون قد قضيت بغير دعائه وإما أن تكون قضيت ~~بدعائه. فإن كان: الأول فلا كلام وإن # PageV27P176 # كان الثاني: فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهادا لو اجتهده في غير تلك ~~البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته؛ فالسبب هو اجتهاده في الدعاء؛ لا خصوص ~~القبر. # الوجه الرابع: أنه إذا قدر أن للقبور نوع تأثير في ذلك سواء كان بها كما ~~يذكره المتفلسفة ومن سلك سبيلهم في ذلك بأن الروح المفارقة: تتصل بروح ~~الداعي فيقوى بذلك كما يزعمه ابن سينا وأبو حامد وأمثالهما في زيارة القبور ~~أو كان بسبب آخر. فيقال: ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعا بل ~~ولا مباحا وإنما يكون مشروعا إذا غلبت مصلحته على مفسدته. أما إذا غلبت ~~مفسدته فإنه لا يكون مشروعا؛ بل محظورا وإن حصل به بعض الفائدة. # ومن هذا الباب تحريم السحر مع ما له من التأثير وقضاء بعض الحاجات وما ~~يدخل في ذلك من عبادة الكواكب ودعائها واستحضار الجن. وكذلك الكهانة ms7874 ~~والاستقسام بالأزلام؛ وأنواع الأمور المحرمة في الشريعة مع تضمنها أحيانا ~~نوع كشف أو نوع تأثير. وفي هذا تنبيه على جملة الأسباب التي تقضى بها ~~حوائجهم. وأما # PageV27P177 # تفصيل ذلك فيحتاج إلى بسط طويل كما يحتاج تفصيل أنواع السحر وسبب تأثيره ~~وما فيه من السيميا وتفصيل أنواع الشرك وما دعا المشركين إلى عبادة ~~الأصنام؛ فإن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب والخليل ~~عليه السلام يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} {رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس} ومن ظن في عباد الأصنام: أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم أو ~~أنها تنزل المطر أو تنبت النبات أو تخلق الحيوان أو غير ذلك؛ فهو جاهل بهم؛ ~~بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور ~~المعظمة عندهم وقصد النصارى لقبور القديسين يتخذونهم شفعاء ووسائط ووسائل. ~~بل قد ثبت عندنا بالنقل الصحيح أن من مساجدي القبور من يفعل بها أكثر مما ~~يفعله كثير من عباد الأصنام. ويكفي المسلم أن يعلم أن الله لم يحرم شيئا ~~إلا ومفسدته محضة أو غالبة. وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة: فإن الله ~~شرعه؛ إذ الرسل بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. ~~والشرك كما قرن بالكذب قرن بالسحر في مثل قوله تعالى {ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا} {أولئك # PageV27P178 # الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} والجبت السحر والطاغوت ~~الشيطان والوثن. وهذه حال كثير من المنتسبين إلى الملة يعظمون السحر والشرك ~~ويرجحون الكفار على كثير من المؤمنين المتمسكين بالشريعة. والورقة لا تحتمل ~~أكثر من هذا. والله أعلم. # PageV27P179 # وسئل - رحمه الله -: # عن الدعاء عند القبر مثل الصالحين والأولياء. هل هو جائز أم لا؟ وهل هو ~~مستجاب أكثر من الدعاء عند غيرهم أم لا؟ وأي أماكن الدعاء فيها أفضل. # فأجاب: # ليس الدعاء عند القبور بأفضل من الدعاء في المساجد وغيرها من الأماكن ولا ~~قال أحد ms7875 من السلف والأئمة: إنه مستحب أن يقصد القبور لأجل الدعاء عندها؛ لا ~~قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ بل قد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ~~استسقى بالعباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم إنا كنا ~~نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. ~~فاستسقوا بالعباس كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وما كانوا يستسقون عند قبره ولا يدعون عنده؛ بل ~~قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال: {لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا وقال قبل أن # PageV27P180 # يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك} وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~{لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} . فإذا كان قد ~~حرم اتخاذها مساجد والإيقاد عليها علم أنه لم يجعلها محلا للعبادة لله ~~والدعاء. وإنما سن لمن زار القبور أن يسلم على الميت ويدعو له كما سن أن ~~يصلي عليه قبل دفنه ويدعو له. فالمقصود بما سنه صلى الله عليه وسلم الدعاء ~~للميت لا دعاؤه. والله أعلم. # PageV27P181 # وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي: (*) # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، أما بعد فهذه فتيا أفتى بها الشيح الإمام تقي ~~الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه ثم بعد مدة نحو سبع عشرة سنة ~~أنكرها بعض الناس وشنع بها جماعة عند بعض ولاة الأمور وذكرت بعبارات شنيعة: ~~ففهم منها جماعة غير ما هي عليه وانضم إلى الإنكار والشناعة وتغير الألفاظ ~~أمور أوجب ذلك كله مكاتبة السلطان - سلطان الإسلام بمصر - أيده الله تعالى ~~فجمع قضاة بلده ثم اقتضى الرأي حبسه فحبس بقلعة دمشق المحروسة بكتاب ورد ~~سابع شعبان المبارك سنة ست وعشرين وسبعمائة. وفي ذلك كله لم يحضر الشيخ ~~المذكور بمجلس حكم ولا وقف على خطه الذي أنكر ولا ادعى عليه ms7876 بشيء. فكتب بعض ~~الغرباء من بلده هذه الفتيا وأوقف عليها بعض علماء بغداد فكتبوا عليها بعد ~~تأملها وقراءة ألفاظها. PageV27P182 # وسئل بعض مالكية دمشق عنها فكتبوا كذلك. وبلغنا أن بمصر من وقف عليها ~~فوافق. ونبدأ الآن بذكر السؤال الذي كتب عليه أهل بغداد وبذكر الفتيا وجواب ~~الشيخ المذكور عليها وجواب الفقهاء بعده. وهذه صورة السؤال والأجوبة. ~~المسئول من إنعام السادة العلماء والهداة الفضلاء أئمة الدين وهداة ~~المسلمين وفقهم الله لمرضاته وأدام بهم الهداية: أن ينعموا ويتأملوا الفتوى ~~وجوابها المتصل بهذا السؤال المنسوخ عقبه وصورة ذلك: ما يقول السادة ~~العلماء أئمة الدين نفع الله بهم المسلمين: في رجل نوى السفر إلى " زيارة ~~قبور الأنبياء والصالحين " مثل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره. فهل ~~يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ ؟ وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من حج ولم يزرني فقد جفاني} {ومن ~~زارني بعد موتي كمن زارني في حياتي} # PageV27P183 # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} . أفتونا مأجورين ~~رحمكم الله. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ~~فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين: أحدهما وهو قول متقدمي العلماء ~~الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن ~~عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين: أنه لا يجوز القصر في مثل هذا ~~السفر لأنه سفر منهي عنه. ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أن السفر المنهي عنه ~~في الشريعة لا يقصر فيه. والقول الثاني: أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر ~~في السفر المحرم كأبي حنيفة. ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي # PageV27P184 # وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي ~~وأبي الحسن بن عبدوس الحراني وأبي محمد بن قدامة المقدسي. وهؤلاء يقولون: ~~إن هذا السفر ليس بمحرم. لعموم قوله صلى الله ms7877 عليه وسلم {زوروا القبور} . ~~وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. كقوله {من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي} رواه ~~الدارقطني وابن ماجه. وأما ما ذكره بعض الناس من قوله: {من حج ولم يزرني ~~فقد جفاني} فهذا لم يروه أحد من العلماء. وهو مثل قوله: {من زارني وزار أبي ~~إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} . فإن هذا أيضا باتفاق ~~العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني ~~ونحوه. وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء. وأجاب عن حديث {لا تشد الرحال} بأن ذلك ~~محمول على نفي الاستحباب. # PageV27P185 # وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ~~والمسجد الأقصى} وهذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به. فلو نذر ~~الرجل أن يشد الرحل ليصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير ~~هذه الثلاثة. لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر ويأتي ~~المسجد الحرام لحج أو عمرة. وجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه ~~الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد؛ ولم يجب عليه عند ~~أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجبا بالشرع. أما ~~الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه. ~~ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب ~~الوفاء به. # PageV27P186 # وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر ~~إليه إذا نذره ms7878 حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من ~~المساجد الثلاثة مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان في المدينة؛ لأن ذلك ~~ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح: {من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا ~~يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة} . قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن ~~اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو ~~عبد الله بن بطة في " الإبانة الصغرى " من البدع المخالفة للسنة والإجماع. ~~وبهذا يظهر بطلان حجة أبي محمد المقدسي؛ لأن زيارة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر. ~~وقوله: بأن الحديث الذي مضمونه {لا تشد الرحال} محمول على نفي الاستحباب. ~~يجاب عنه بوجهين: # PageV27P187 # أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ~~ولا هو من الحسنات. فإذا من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين ~~قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاد أن ذلك طاعة كان ~~ذلك محرما بإجماع المسلمين. فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة ومعلوم أن ~~أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض ~~مباح فكذا جائز وليس من هذا الباب. الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي ~~النهي والنهي يقتضي التحريم. وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بأحاديث؛ بل هي موضوعة لم يرو ~~أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها بل ~~مالك - إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة - ~~كره أن يقول الرجل: زرت قبره صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ معروفا ms7879 ~~عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم أهل ~~المدينة. والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة: لما سئل عن ذلك لم # PageV27P188 # يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام} وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه. وكذلك مالك في ~~الموطأ روى عن عبد الله بن عمر: أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك ~~يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف. وفي سنن ~~أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم} . وفي سنن سعيد بن منصور: أن عبد الله ~~بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويدعو عنده فقال: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~{لا تتخذوا قبري عيدا. وصلوا علي. فإن صلاتكم حيثما كنتم تبلغني} فما أنت ~~ورجل بالأندلس منه إلا سواء. وفي الصحيحين عن عائشة: عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال في مرض موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا. ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره # PageV27P189 # أن يتخذ مسجدا. وهم دفنوه صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة رضي الله ~~عنها خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء؛ لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه ~~مسجدا فيتخذ قبره وثنا. وكان الصحابة والتابعون - لما كانت الحجرة النبوية ~~منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك - لا يدخل أحد إليه لا لصلاة ~~هناك ولا تمسح بالقبر ولا دعاء هناك. بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في ~~المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا ms7880 مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر. # وأما الوقوف للسلام عليه صلوات الله عليه وسلامه فقال أبو حنيفة: يستقبل ~~القبلة أيضا ولا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند ~~السلام خاصة ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء. وليس في ~~ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها. # PageV27P190 # واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله. ~~وهذا كله محافظة على التوحيد. فإن من أصول الشرك بالله: اتخاذ القبور مساجد ~~كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قالوا: " هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم ~~الأمد فعبدوها " وقد ذكر البخاري في صحيحه هذا المعنى عن ابن عباس. وذكره ~~محمد بن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف وذكره وثيمة " ~~وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل ~~في غير هذا الموضع. وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي ~~على القبور: أهل البدع من الرافضة ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون ~~المشاهد يدعون بيوت الله التي أمر أن يذكر فيها اسمه ويعبد وحده لا شريك له ~~ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به ~~سلطانا؛ فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد؛ دون المشاهد كما قال ~~تعالى {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا # PageV27P191 # وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال تعالى: {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} وقال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد} وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~وقال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها} . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح: أنه كان يقول: {إن من ~~كان ms7881 قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك} . والله أعلم. # هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام والله سبحانه وتعالى أعلم. وله من الكلام ~~في مثل هذا كثير كما أشار إليه في الجواب. ولما ظفروا في دمشق بهذا الجواب ~~كتبوه وبعثوا به إلى الديار المصرية وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلت الجواب ~~عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية. فصح - إلى أن قال: وإنما المحرف ~~جعله: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين معصية بالإجماع مقطوع بها هذا كلامه. فانظر إلى هذا التحريف ~~على شيخ الإسلام والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين ~~وإنما ذكر فيه قولين: في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور. # PageV27P192 # وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة. وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة ~~أخرى. والشيخ لا يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل بل يستحبها ويندب إليها. ~~وكتبه ومناسكه تشهد بذلك ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا ولا ~~قال: إنها معصية ولا حكى الإجماع على المنع منها. والله سبحانه وتعالى لا ~~تخفى عليه خافية. ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر ~~الكلام وعظمت الفتنة وطلب القضاة بها فاجتمعوا وتكلموا وأشار بعضهم بحبس ~~الشيخ. فرسم السلطان به. وجرى ما تقدم ذكره ثم جرى بعد ذلك أمور على ~~القائمين في هذه القضية لا يمكن ذكرها في هذا الموضع. وقد وصل ما أجاب به ~~الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد فقاموا في الانتصار له وكتبوا ~~بموافقته ورأيت خطوطهم بذلك. وهذا صورة ما كتبوا: # PageV27P193 # بسم الله الرحمن الرحيم # يقول العبد الفقير إلى الله تعالى: - بعد حمد الله السابغة نعمه السابقة ~~مننه. والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين: محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه أجمعين. إنه حيث قد من الله تعالى على عباده وتفضل برحمته على بلاده ~~بأن وسد أمور الأمة المحمدية وأسند أزمة الملة الحنيفية إلى من خصصه الله ~~تعالى ms7882 بأفضل الكمالات النفسانية وخصصه بأكمل السعادات الروحانية محيي سنن ~~العدل ومبدي سنن الفضل المعتصم بحبل الله المتوكل على الله المكتفي بنعم ~~الله القائم بأوامر الله المستظهر بقوة الله المستضيء بنور الله أعز الله ~~سلطانه وأعلى على سائر الملوك شانه ولا زالت رقاب الأمم خاضعة لأوامره ~~وأعناق العباد طائعة لمراسمه ولا زال موالي دولته بطاعته مجبورا ومعادي ~~صولته بخزيه مذموما مدحورا. فالمرجو من ألطاف الحضرة المقدسة - زادها الله ~~تعالى علوا وشرفا - أن يكون للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء وصفوة الأصفياء # PageV27P194 # وعماد الدين ومدار أهل اليقين: حظ من العناية السلطانية وافر ونصيب من ~~الرحمة والشفقة فإنها منقبة لا يعادلها فضيلة وحسنة لا يحيطها سيئة لأنها ~~حقيقة التعظيم لأمر الله تعالى وخلاصة الشفقة على خلق الله تعالى. ولا ريب ~~أن المملوك وقف على ما سئل عنه الشيخ الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره ~~تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية وما أجاب به. فوجدته خلاصة ما قاله ~~العلماء في هذا الباب حسب ما اقتضاه الحال: من نقله الصحيح وما أدى إليه ~~البحث من الإلزام والالتزام لا يداخله تحامل ولا يعتريه تجاهل. وليس فيه - ~~والعياذ بالله - ما يقتضي الإزراء والتنقيص بمنزلة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. وكيف يجوز للعلماء أن تحملهم العصبية: أن يتفوهوا بالإزراء والتنقيص ~~في حق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل يجوز أن يتصور متصور: أن زيارة قبره ~~صلى الله عليه وسلم تزيد في قدره وهل تركها مما ينقص من تعظيمه؟ حاشا ~~للرسول من ذلك. نعم لو ذكر ذلك ذاكر ابتداء وكان هناك قرائن تدل على ~~الإزراء والتنقيص أمكن حمله على ذلك. مع أنه كان يكون كناية لا صريحا # PageV27P195 # فكيف وقد قاله في معرض السؤال وطريق البحث والجدل؟ . مع أن المفهوم من ~~كلام العلماء وأنظار العقلاء: أن الزيارة ليست عبادة وطاعة لمجردها حتى لو ~~حلف: أنه يأتي بعبادة أو طاعة لم يبر بها؛ لكن القاضي ابن كج - من متأخري ~~أصحابنا - ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها. وهو منفرد ms7883 به لا ~~يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح. والذي يقتضيه مطلق الخبر النبوي في ~~قوله صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال} - إلى آخره " أنه لا يجوز شد ~~الرحال إلى غير ما ذكر أو وجوبه أو ندبيته. فإن فعله كان مخالفا لصريح ~~النهي ومخالفة النهي معصية - إما كفر أو غيره - على قدر المنهي عنه ووجوبه ~~وتحريمه وصفة النهي والزيارة أخص من وجه. فالزيارة بغير شد غير منهي عنها ~~ومع الشد منهي عنها. وبالجملة فما ذكره الشيخ تقي الدين على الوجه المذكور ~~الموقوف عليه لم يستحق عليه عقابا ولا يوجب عتابا. والمراحم السلطانية أحرى ~~بالتوسعة والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه وللآراء الملكية علو المزيد. ~~حرره ابن الكتبي الشافعي. حامدا لله على نعمه. اه # PageV27P196 # جواب آخر: # الله الموفق. # ما أجاب به الشيخ الأجل الأوحد بقية السلف وقدوة الخلف رئيس المحققين ~~وخلاصة المدققين؛ تقي الملة والحق والدين: من الخلاف في هذه المسألة: صحيح ~~منقول في غير ما كتاب من كتب أهل العلم لا اعتراض عليه في ذلك إذ ليس في ~~ذلك ثلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غض من قدره صلى الله عليه وسلم. ~~وقد نص الشيخ أبو محمد الجويني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور. ~~وهذا اختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في إكماله. وهو من أفضل ~~المتأخرين من أصحابنا. ومن المدونة: ومن قال: علي المشي إلى المدينة أو بيت ~~المقدس فلا يأتيهما أصلا إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما. فلم ~~يجعل نذر زيارة قبره صلى الله عليه وسلم طاعة يجب الوفاء بها؛ إذ من أصلنا: ~~أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها # PageV27P197 # كان من جنسها ما هو واجب بالشرع كما هو مذهب أبي حنيفة أو لم يكن. قال ~~القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق عقيب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما ~~لما لزمه إتيانهما ولو كان نذر زيارة طاعة لما لزمه ذلك. وقد ذكر ذلك ~~القيرواني في تقريبه والشيخ ابن سيرين في تنبيهه. وفي ms7884 المبسوط: قال مالك: ~~ومن نذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه. قال: فإني أكره ذلك له. ~~لقوله صلى الله عليه وسلم {لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام ومسجد بيت المقدس ومسجدي هذا} . وروى محمد بن المواز في الموازية: ~~إلا أن يكون قريبا فيلزمه الوفاء لأنه ليس بشد رحل. وقد قال الشيخ أبو عمر ~~بن عبد البر في كتابه " التمهيد ": يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور ~~الأنبياء والصالحين مساجد. وحيث تقرر هذا فلا يجوز أن ينسب من أجاب في هذه ~~المسألة بأنه سفر منهي عنه إلى الكفر فمن كفره بذلك من غير موجب فإن كان ~~مستبيحا ذلك فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي ~~المازري في كتاب " المعلم ": # PageV27P198 # من كفر أحدا من أهل القبلة فإن كان مستبيحا ذلك فقد كفر وإلا فهو فاسق. ~~يجب على الحاكم إذا رفع أمره إليه أن يؤدبه ويعزره بما يكون رادعا لأمثاله ~~فإن ترك مع القدرة عليه فهو آثم. والله تعالى أعلم. كتبه محمد بن عبد ~~الرحمن البغدادي الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة الشريفة المستنصرية. ~~رحمة الله على منشئها. # وأجاب غيره فقال: # الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد. وعلى آله الطاهرين. ما ~~ذكره مولانا الإمام العالم العامل جامع الفضائل والفوائد بحر العلوم ومنشأ ~~الفضل جمال الدين كاتب خطه إمام خطي هذا جمل الله به الإسلام وأسبغ عليه ~~سوابغ الإنعام أتى فيه بالحق الجلي الواضح وأعرض فيه عن إغضاء المشايخ إذ ~~السؤال والجواب اللذان تقدماه لا يخفى على ذي فطنة وعقل أنه أتى في الجواب ~~المطابق للسؤال بحكاية أقوال العلماء الذين تقدموه ولم يبق عليه في ذلك إلا ~~أن يعترضه معترض في نقله فيبرزه # PageV27P199 # له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم. والمعترض له بالتشنيع إما جاهل لا ~~يعلم ما يقول أو متجاهل يحمله حسده وحمية الجاهلية على رد ما هو عند ~~العلماء مقبول أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد وعصمنا من مخائل النكد ~~بمحمد وآله الطيبين ms7885 الطاهرين؛ والحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير إلى عفو ~~ربه ورضوانه. عبد المؤمن بن عبد الحق الخطيب. غفر الله له وللمسلمين ~~أجمعين. # وأجاب غيره فقال: # بعد حمد الله الذي هو فاتح كل كلام والصلاة والسلام على رسوله محمد خير ~~الأنام وعلى آله وأصحابه البررة الكرام أعلام الهدى ومصابيح الظلام. يقول ~~أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخ الإمام البارع الهمام ~~افتخار الأنام جمال الإسلام ركن الشريعة ناصر السنة قامع البدعة جامع أشتات ~~الفضائل قدوة العلماء الأماثل في هذا الجواب من أقوال العلماء والأئمة ~~النبلاء - رحمة الله عليهم # PageV27P200 # أجمعين - بين لا يدفع. ومكشوف لا يتقنع. بل أوضح من النيرين وأظهر من فرق ~~الصبح لذي عينين. والعمدة في هذه المسألة: الحديث المتفق على صحته. ومنشأ ~~الخلاف بين العلماء من احتمالي صيغته. وذلك: أن صيغة قوله صلى الله عليه ~~وسلم {لا تشد الرحال} ذات وجهين نفي ونهي. لاحتمالهما. فإن لحظ معنى النفي ~~فمقتضاه: نفي فضيلة واستحباب شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد ~~الثلاثة؛ إذ لو فرض وقوعهما لامتنع رفعهما. فتعين توجه النفي إلى فضيلتهما ~~واستحبابهما دون ذاتهما وهذا عام في كل ما يعتقد أن إعمال المطي وشد الرحال ~~إليه قربة وفضيلة: من المساجد وزيارة قبور الصالحين وما جرى هذا المجرى بل ~~أعم من ذلك. وإثبات ذلك بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفي المقدر في صدر الجملة ~~لما بعد " إلا ". وإلا لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها وهو مفترق ~~حينئذ: لا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة. فهذا وجه متمسك من ~~قال بإباحة هذا السفر بالنظر إلى أن هذه الصيغة نفي وبني على ذلك جواز ~~القصر. وإن كان النهي ملحوظا. فالمعنى نهيه عن إعمال المطي وشد الرحال إلى ~~غير المساجد الثلاثة؛ إذ المقرر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاض ~~بتحريمه أو كراهته على حسب مقتضى الأدلة. # PageV27P201 # فهذا وجه متمسك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر لكونه منهيا عنه. ~~وممن قال بحرمته: الشيخ الإمام أبو محمد ms7886 الجويني من الشافعية والشيخ أبو ~~الوفاء ابن عقيل من الحنابلة وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلى ~~اختياره. وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمول على ما لم ~~يكن فيه شد رحل وإعمال مطي جمعا بينهما. ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون ~~غير حديث {لا تشد الرحال} معارضا له لعدم مساواته إياه في الدرجة. لكونه من ~~أعلى أقسام الصحيح. والله أعلم. وقد بلغني أنه رزئ وضيق على المجيب. وهذا ~~أمر يحار فيه اللبيب ويتعجب منه الأريب؛ ويقع به في شك مريب. فإن جوابه في ~~هذه المسألة قاض بذكر خلاف العلماء. وليس حاكما بالغض من الصالحين ~~والأنبياء. فإن الأخذ بمقتضى كلامه صلوات الله وسلامه عليه في الحديث ~~المتفق على صحة رفعه إليه: هو الغاية القصوى في تتبع أوامره ونواهيه ~~والعدول عن ذلك محذور وذلك مما لا مرية فيه. وإذا كان كذلك فأي حرج على من ~~سئل عن مسألة فذكر فيها # PageV27P202 # خلاف الفقهاء ومال فيها إلى بعض أقوال العلماء؟ فإن الأمر لم يزل كذلك ~~على مر العصور وتعاقب الدهور. وهل ذلك محمول من القادح إلا على امتطاء نضو ~~الهوى المفضي بصاحبه إلى التوى فإن من يقتبس من فوائده ويلتقط من فرائده ~~لحقيق بالتعظيم وخليق بالتكريم: ممن له الفهم السليم والذهن المستقيم. وهل ~~حكم المظاهر عليه في الظاهر إلا كما قيل في المثل السائر: الشعير يؤكل ~~ويذم. وقول الشاعر: # جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار # وقول غيره: وحديث ألذه وهو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا # منطق رائع ويلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كان لحنا # وقال الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} # PageV27P203 # وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا} {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ~~ورسوله فقد ms7887 فاز فوزا عظيما} وقال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز} . ولولا خشية الملالة لما نكبت عن الإطالة. نسأل الله الكريم أن ~~يسلك بنا وبكم سبيل الهداية وأن يجنبنا وإياكم مسلك الغواية. إنه على كل ~~شيء قدير. وبالإجابة جدير. وحسبنا الله ونعم الوكيل ونعم النصير. والحمد ~~لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على سيد المرسلين محمد النبي وآله ~~الطاهرين وأصحابه الكرام المنتخبين. هذا جواب الشيخ الإمام العلامة جمال ~~الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام بن البتي الحنبلي رحمه الله ~~تعالى. قال المؤلف: ومن خطه نقلت. # PageV27P204 # جواب آخر: # لبعض علماء أهل الشام المالكية # الحمد لله وهو حسبي. # السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع. وأما من سافر إلى مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ~~صاحبيه رضي الله عنهما فمشروع كما ذكر باتفاق العلماء. وأما لو قصد إعمال ~~المطي لزيارته صلى الله عليه وسلم ولم يقصد الصلاة فهذا السفر إذا ذكر رجل ~~فيه خلافا للعلماء: وأن منهم من قال إنه منهي عنه: ومنهم من قال: إنه مباح. ~~وأنه على القولين ليس بطاعة ولا قربة فمن جعله طاعة وقربة على مقتضى هذين ~~القولين كان حراما بالإجماع وذكر حجة كل قول منهما أو رجح أحد القولين. لم ~~يلزمه ما يلزم من تنقص إذ لا تنقص ولا إزراء بالنبي صلى الله عليه وسلم. # PageV27P205 # وقد قال مالك رحمه الله لسائل سأله: أنه نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل ~~فيه. وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء {لا تعمل المطي إلا إلى ~~ثلاثة مساجد} والله أعلم. # كتبه أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي. # كذلك يقول عبد الله بن أبي الوليد المالكي. # قال المؤلف رحمه الله نقلت هذه الأجوبة كلها من خط المفتين بها. # قال: ووقفت على كتاب ورد مع أجوبة أهل بغداد وصورته: بسم الله الرحمن ms7888 ~~الرحيم الحمد لله ناصر الملة الإسلامية ومعز الشريعة المحمدية بدوام أيام ~~الدولة المباركة السلطانية. المالكية الناصرية؛ ألبسها الله تعالى لباس ~~العز المقرون بالدوام وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالي والأيام ~~والصلاة والسلام على النبي المبعوث إلى جميع الأنام؛ صلى الله عليه وعلى ~~آله البررة الكرام. # PageV27P206 # اللهم إن بابك لم يزل مفتوحا للسائلين ورفدك ما برح مبذولا للوافدين من ~~عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحدا سواك ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ~~ولم يحتم إلا بحماك. أنت الرب العظيم الكريم الأكرم قصد باب غيرك على عبادك ~~محرم. أنت الذي لا إله غيرك ولا معبود سواك عز جارك وجل ثناؤك وتقدست ~~أسماؤك وعظم بلاؤك ولا إله غيرك. ولم تزل سنتك في خلقك جارية بامتحان ~~أوليائك وأحبابك تفضلا منك عليهم وإحسانا من لدنك إليهم. ليزدادوا لك في ~~جميع الحالات ذكرا ولإنعامك في جميع التقلبات شكرا ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} . اللهم وأنت ~~العالم الذي لا تعلم وأنت الكريم الذي لا تبخل قد علمت يا عالم السر ~~والعلانية أن قلوبنا لم تزل ترفع إخلاص الدعاء صادقة وألسنتنا في حالتي ~~السر والعلانية ناطقة. أن تسعفنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة ~~السلطانية الناصرية. بمزيد العلا والرفعة والتمكين وأن تحقق آمالنا فيها ~~بإعلاء الكلمة في ذلك برفع قواعد دعائم الدين وقمع مكايد الملحدين. لأنها ~~الدولة التي برئت من غشيان الجنف والحيف وسلمت من طغيان القلم والسيف. ~~والذي ينطوي عليه ضمائر المسلمين ويشتمل عليه سرائر المؤمنين: # PageV27P207 # أن السلطان الملك الناصر للدين ممن قال فيه رب العالمين وإله السموات ~~والأرضين: الذي بتمكينه في أرضه حصل التمكين لملوك الأرض وعظماء السلاطين ~~في كتابه العزيز الذي يتلى فمن شاء فليتدبر: {الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} وهو ممن مكنه ~~الله تعالى في الأرض تمكينا يقينا لا ظنا وهو ممن يعنى بقوله تعالى {وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ms7889 استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} . والذي عهده المسلمون وتعوده المؤمنون ~~من المراحم الكريمة والعواطف الرحيمة: إكرام أهل الدين وإعظام علماء ~~المسلمين. والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة - وإن ~~كانت لم تزل مرفوعة إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة - قوله صلى الله عليه ~~وسلم {الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم} وقوله صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات} فهذان ~~الحديثان مشهوران بالصحة ومستفيضان في الأمة. # PageV27P208 # ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل: أوحد الدهر وفريد ~~العصر؛ طراز المملكة الملكية وعلم الدولة السلطانية لو أقسم مقسم بالله ~~العظيم القدير: أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير لكانت ~~يمينه برة غنية عن التكفير وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا ~~الإقليم يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم. ولست بالثناء عليه ~~أطريه بل لو أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التي ~~هي فيه: أحمد ابن تيمية درة يتيمة يتنافس فيها تشترى ولا تباع ليس في خزائن ~~الملوك درة تماثلها وتؤاخيها انقطعت عن وجود مثله الأطماع. ولقد أصم ~~الأسماع وأوهى قوى المتبوعين والأتباع: سماع رفع أبي العباس - أحمد ابن ~~تيمية - إلى القلاع. وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أنه يكون أمرا ~~قد لبس عليه ونسب إلى ما ينسب مثله إليه. والتطويل على الحضرة العالية لا ~~يليق إن يكن في الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق قد نصب الله السلطان أعلى ~~الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه لما ~~صرف الله وجوه أهل البلاد إليه حين أمحلت البلاد واحتاج أهلها إلى القوت ~~المدخر لديه. والحاجة بالناس الآن إلى قوت الأرواح المشار في ذلك الزمان ~~إليها لا خفاء # PageV27P209 # الزمان إليها لا خفاء أنها للعلوم الشريفة والمعاني اللطيفة. ms7890 وقد كانت في ~~بلاد المملكة السلطانية - حرسها الله تعالى - تكال إلينا جزافا بغير أثمان ~~منحة عظيمة من الله للسلطان ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته ~~بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان وكان قد وفد الوافدون من سائر ~~الأمصار إلى تلك الديار؛ فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع ومثل ~~هذه الميزة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع فصادف ذلك جدب الأرض ~~ونواحيها جدبا أعطب أهاليها حتى صاروا من شدة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات ~~والذي عرض للملك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح ~~لعله لم يتحقق عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح ~~وهذه نزغة من نزغات الشيطان قال الله سبحانه: {وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} . وأما ~~إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى القبور. ~~فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من الفضلاء ~~وكلهم أفتى: أن الصواب في الذي به أجاب. # PageV27P210 # والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فيه ~~قوام الملك ونظام الدولة وإعزاز الملة؛ واستجلاب الدعاء وكبت الأعداء ~~وإذلال أهل البدع والأهواء؛ وإحياء الأمة وكشف الغمة ووفور الأجر وعلو ~~الذكر ورفع البأس ونفع الناس ولسان حال المسلمين تال قول الكبير المتعال: ~~{فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} . والبضاعة ~~المزجاة: هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام والميزة المطلوبة: هي الإفراج ~~عن شيخ الإسلام والذي حمل على هذا الإقدام قوله عليه السلام {الدين ~~النصيحة} والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الكرام وسلم ~~تسليما. هذا آخر هذا الكتاب. # قال المؤلف: ووقفت على " كتاب آخر " من بغداد أيضا. صورته: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد النبي # PageV27P211 # وآله وصحبه أجمعين. اللهم ms7891 فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمور بالقوة ~~والأيد وشيدت لهم ذكرا وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخرا وللمكسور ~~العائذ بأكناف بابهم جبرا فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أزرا وأعل لهم ~~جدا وارفع قدرا وزدهم عزا وزودهم على أعدائك نصرا وامنحهم توفيقا مسددا ~~وتمكينا مستمرا. وبعد فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحي ~~العراقية. التضييق على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس " أحمد ابن تيمية ~~" سلمه الله عظم ذلك على المسلمين وشق على ذوي الدين وارتفعت رءوس الملحدين ~~وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه ~~النازلة من شماتة أهل البدع وأهل الأهواء بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء: ~~أنهوا حال هذا الأمر الفظيع والأمر الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية ~~زادها الله شرفا وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ. سلمه الله في ~~فتاواه وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه وحملوا ذلك إلى بين يدي ~~مولانا ملك الأمراء. أعز الله أنصاره وضاعف اقتداءه غيرة منهم على هذا ~~الدين ونصيحة للإسلام وأمراء المؤمنين. # PageV27P212 # والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم لأنها ممنوحة بالهداية إلى ~~الصراط المستقيم وأفضل الصلاة وأشرف التسليم على النبي الأمي صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليما. # PageV27P213 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # مختصر في التنبيه على ما في هذا المصنف من الجهل والكذب مع أنه في غاية ~~الاختصار. # وقبل ذلك نذكر " لفظ الجواب " ليتبين ما في معارضته ما الخطأ والصواب ~~ولفظ الجواب بعد لفظ السؤال. # والسؤال سؤال مسترشد: يسأل عن السفر إلى قبور الأنبياء وما جاء في ذلك من ~~الأقوال المختلفة والأحاديث المتعارضة. وقد سمع الاختلاف في ذلك والأحاديث ~~المتعارضة ولم يعرف صحيحها من ضعيفها. فقال: ما تقول السادة العلماء: في ~~رجل نوى " زيارة قبور الأنبياء والصالحين " مثل نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وغيره: فهل يجوز له في # PageV27P214 # سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من ms7892 حج ولم يزرني فقد جفاني} و {من زارني بعد موتي ~~فكأنما زارني في حياتي} وروي عنه أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} . # ولفظ الجواب: # الحمد لله، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له ~~قصر الصلاة. على قولين معروفين. أحدهما - وهو قول متقدمي العلماء الذين لا ~~يجوزون القصر في سفر المعصية ويقولون: إن هذا سفر معصية؛ كأبي عبد الله بن ~~بطة وأبي الوفاء بن عقيل. وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين - أنه لا ~~يجوز القصر في مثل هذا السفر؛ لأنه سفر منهي عنه. ومذهب مالك والشافعي ~~وأحمد أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا تقصر فيه الصلاة. والقول الثاني: ~~أنه تقصر الصلاة فيه. وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي ~~حنيفة. ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة ~~قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وأبي الحسن ~~بن عبدوس # PageV27P215 # الحراني. وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم؛ لعموم قوله: {فزوروا ~~القبور} . وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: {من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في ~~حياتي} رواه الدارقطني. وأما ما ذكره بعض الناس من قوله: {من حج ولم يزرني ~~فقد جفاني} فهذا لم يروه أحد من العلماء. وهو مثل قوله: {من زارني وزار أبي ~~في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} فإن هذا أيضا باطل باتفاق العلماء ولم ~~يروه أحمد ولم يحتج به أحد؛ وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني - وقد زاد ~~فيها المجيب حاشية بعد ذلك - ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في " ~~كتب الفقه والحديث " لا محتجا ولا معتضدا به وإن ذكره بعض المتأخرين فقد ~~رواه أبو أحمد بن عدي في " كتاب الضعفاء " ليبين ضعف روايته. فذكره بحديث ~~النعمان بن شبل الباهلي المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ~~صلى الله ms7893 عليه وسلم قال: {من حج ولم يزرني فقد جفاني} قال ابن عدي: لم يروه ~~عن مالك غير هذا. يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من ~~جهته. قال يونس بن هارون: كان النعمان هذا متهما. وقال أبو حاتم بن حبان: ~~يأتي # PageV27P216 # من الثقات بالطامات. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي هذا الحديث في ~~الموضوعات - ورواه من طريق أبي حاتم بن حبان: حدثنا أحمد بن عبيد حدثنا ~~محمد بن النعمان حدثنا جدي عن مالك. ثم قال: أبو الفرج: قال أبو حاتم: ~~النعمان يأتي عن الثقات بالطامات. وقال الدارقطني الطعن في هذا الحديث من ~~محمد بن محمد؛ لا من نعمان. وأما الحديث الآخر: {من زارني وزار أبي في عام ~~واحد ضمنت له على الله الجنة} فهذا ليس في شيء من الكتب لا بإسناد موضوع ~~ولا غير موضوع. وقد قيل: إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت ~~المقدس في زمن صلاح الدين؛ فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا ~~على سبيل الاعتضاد ولا على سبيل الاعتماد؛ بخلاف الحديث الذي قد تقدم فإنه ~~قد ذكره جماعة ورووه وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري صاحب عاصم - ~~عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {من حج فزارني بعد موتي كان كمن زارني في حياتي} . وقد اتفق أهل العلم ~~بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته. قال البيهقي في " شعب ~~الإيمان " روى حفص بن أبي داود - وهو ضعيف - عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد ~~عن # PageV27P217 # ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حج فزارني بعد موتي ~~كان كمن زارني في حياتي} . قال يحيى بن معين عن حفص: هذا ليس بثقة وهو أصح ~~قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه. وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ ~~من أبي بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان ms7894 حفص كذابا. وقال البخاري: تركوه. وقال ~~مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث تركته على عمد. ~~وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال مرة: متروك وقال صالح بن محمد ~~البغدادي: لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير. وقال أبو زرعة: ضعيف ~~الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه وهو ضعيف الحديث لا يصدق ~~متروك الحديث. وقال عبد الرحمن بن خراش: هو كذاب متروك يضع الحديث. وقال ~~الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه عمن روى عنه غير ~~محفوظة. وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى ~~بن هلال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {من زار قبري وجبت له شفاعتي} قال البيهقي: وقد روى هذا ~~الحديث ثم قال: وقد قيل عن موسى عن عبد الله. قال: وسواء عبد الله أو عبيد ~~الله # PageV27P218 # فهو منكر عن نافع عن ابن عمر؛ لم يأت به غيره. وقال العقيلي في موسى بن ~~هلال: هذا لا يتابع على حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول. وقال أبو ~~زكريا النواوي في " شرح المهذب " لما ذكر قول أبي إسحاق: وتستحب زيارة قبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {من زار قبري وجبت له شفاعتي} . قال النواوي: أما حديث ابن ~~عمر فرواه أبو بكر الرازي والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدا. قال ~~المجيب في تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة ~~القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء وأنه كان يزور القبور وأجاب عن حديث ~~{لا تشد الرحال} بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب. وأما الأولون فإنهم ~~يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} ~~وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به. فلو ms7895 نذر الرجل أن يصلي بمسجد ~~أو بمشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك ~~باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر أو يأتي إلى المسجد الحرام لحج أو عمرة ~~وجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي # PageV27P219 # صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء ~~بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد؛ ولم يجب عليه عند أبي ~~حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. وأما ~~الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه} والسفر إلى المسجدين طاعة؛ فلهذا وجب الوفاء به. وأما ~~السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها ~~إذا نذره. حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من ~~الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة؛ لأن ذلك ليس بشد ~~رحل كما في الحديث الصحيح: {من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا ~~الصلاة فيه كان كعمرة} - وفي الحاشية وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي ~~وابن ماجه والترمذي وحسنه. قال: وقالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. فمن ~~اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو ~~عبد الله بن بطة في " الإبانة الصغرى " من البدع المخالفة للسنة. # PageV27P220 # وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي؛ لأن زيارة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل والسفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال} إنه محمول على نفي الاستحباب ms7896 عنه ~~جوابان. أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا ~~طاعة ولا هو من الحسنات. فإذا من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنها ~~طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن ~~أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح ~~فهذا جائز وليس من هذا الباب. الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي ~~والنهي يقتضي التحريم. وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة. لم ~~يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء ~~منها بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه ~~المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV27P221 # ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه ~~بالسنة: لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا ~~حديث أبي هريرة {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يسلم علي إلا ~~رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} . وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه. ~~وكذلك مالك في " الموطأ " روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد ~~قال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ~~ثم ينصرف. وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا ~~تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} وفي سنن سعيد بن ~~منصور أن عبد الله بن الحسن بن الحسين رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: إن رسول الله ms7897 صلى الله عليه وسلم قال: {لا تتخذوا ~~قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني} ما أنتم ومن بالأندلس ~~منه إلا سواء. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض ~~موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما ~~فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا وهم ~~دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما # PageV27P222 # اعتادوه من الدفن في الصحراء؛ ولا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ ~~قبره وثنا. وكان الصحابة والتابعون لما كانت " الحجرة النبوية " منفصلة عن ~~المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل عنده أحد لا لصلاة هناك ولا ~~لتمسح بالقبر ولا دعاء هناك بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد كان السلف ~~من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا ~~الدعاء دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر. # وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل ~~القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل ~~أحد من الأئمة يستقبل القبر عند الدعاء - أي الدعاء الذي يقصده لنفسه - إلا ~~في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله. وهذا كله محافظة على التوحيد. فإن ~~من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في قوله ~~تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا} قالوا: هؤلاء كانوا قوما صالحين # PageV27P223 # في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم ~~الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى البخاري في صحيحه كما ذكر قول ابن ~~عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب وذكره ابن جرير الطبري وغيره في ~~التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره غيره في " قصص الأنبياء " من عدة طرق. ~~وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا ms7898 الموضع. وأول من وضع هذه ~~الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع - من ~~الرافضة وغيرهم - الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد: التي يشرك فيها ~~ويكذب فيها " ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فإن الكتاب والسنة ~~إنما فيه ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال: {وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} وقال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد} وقال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها} وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد # PageV27P224 # فإني أنهاكم عن ذلك} . والله تعالى أعلم. # فهذه ألفاظ المجيب. # فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن ~~الجواب وما ادعوا أنه باطل: هل هم صادقون مصيبون في هذا؟ أو هذا؟ أو هم ~~بالعكس؟ والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة: بحسب حال هذا السائل واسترشاده ~~ولم يبسط القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول ومن قال بهذا القول بحسب ~~ما تيسر في هذا الوقت. وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب ~~المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك. والقول ~~بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة - وإن كان قبر نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم - هو قول مالك وجمهور أصحابه وكذلك أكثر أصحاب أحمد. الحديث ~~عندهم معناه بتحريم السفر إلى غير الثلاثة لكن منهم من يقول: قبر نبينا لم ~~يدخل في العموم. ثم لهذا القول مأخذان. أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى ~~مسجده. وهذا المأخذ هو الصحيح. وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه. والمأخذ ~~الثاني: أن نبينا لا يشبه بغيره من المؤمنين كما قال # PageV27P225 # طائفة من أصحاب أحمد: ms7899 أنه يحلف به وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه ~~وهو رواية عن أحمد. ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء ~~كحكمه: قاله بعضهم في الحلف بهم وقاله بعضهم في زيارة قبورهم. وكذلك أبو ~~محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر ~~إلى غير الثلاثة. وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد ~~بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب ونفي الوجوب بالنذر؛ لا نفي الجواز. وهذا ~~قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم. وهو قول ابن ~~عبد البر وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد. فهذان هما ~~القولان الموجودان في كتب المسلمين: ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدا معروفا من ~~العلماء المسلمين في الكتب قال: إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه؛ لكنه لم يعرف ذلك وإلى ~~الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم ~~يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب؛ فإنه من المعلوم أن مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع. فالمسافر إلى قبره لا بد إن ~~كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى # PageV27P226 # مسجده فلا يدخل ذلك في جواب المسألة؛ فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد ~~زيارة قبورهم والعالم بالشريعة لا يقع في هذا فإنه يعلم أن الرسول قد استحب ~~السفر إلى مسجده والصلاة فيه وهو يسافر إلى مسجده. فكيف لا يقصد السفر إليه ~~فكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده وإنما ينتفي القصد مع الجهل. ~~إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب كونه مسجده لا لأجل القبر وإما مع ~~الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلا بد أن ~~يقصد السفر إلى مسجده. ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه ~~متعددة كما قد بسط ms7900 في مواضع. وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته ~~كما هو المعتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه. يسافرون إليه ~~ليدعوه ويدعوا عنده ويدخلوا إلى قبره ويقعدوا عنده ويكون عليه أو عنده مسجد ~~بني لأجل القبر فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر وهذا مما لعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب على فعله ونهى أمته عن فعله فقال في ~~مرض موته: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وهو في ~~الصحيحين من غير وجه وقال قبل أن يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم # PageV27P227 # عن ذلك} رواه مسلم. فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو ~~منهي عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب. والمقصود التنبيه على ما في ~~هذا المصنف الذي صنفه هذا المعترض على الجواب المذكور وبيان ما فيه من ~~الجهل والافتراء. فمنها أنه قال في الجواب: إنه ظهر لي من صريح ذلك الكلام ~~وفحواه ومقصده إلي ومغزاه: وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور ~~والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها. فيقال: معلوم لكل من ~~رأى الجواب أنه ليس فيه تحريم لزيارة القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ ~~إذا لم يكن بسفر؛ ولا فيه دعوى الإجماع على تحريم السفر؛ بل قد صرح بالخلاف ~~في ذلك. فكيف يحكى عنه أنه يقول: إن نفس زيارة القبور مطلقا معصية محرمة ~~مجمع عليها فهذا افتراء ظاهر على الجواب؛ ثم إنه تناقض في ذلك فحكى بعد هذا ~~عن المجيب أنه حكى الخلاف في جواز السفر. ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه ~~مجمع على أنه حرام وأنه يناقض في ذلك وهو الذي يناقض في هذه الحكاية. وأما ~~المجيب # PageV27P228 # فحكى قولهم في جواز السفر وأنهم اتفقوا على أنه ليس بقربة ولا طاعة. فمن ~~اعتقد ذلك فقد خالف الإجماع وإذا فعله لاعتقاد أنه طاعة كان محرما بالإجماع ~~فصار التحريم ms7901 من جهة اتخاذه قربة. هذا لفظ الجواب. # ومعلوم في كل عمل تنازع المسلمون فيه هل هو محرم أو مباح ليس بقربة أن من ~~جعله قربة فقد خالف الإجماع وإذا فعله متقربا به كان ذلك حراما بالإجماع ~~كما لو تقرب بلعب النرد والشطرنج وبيع الدرهم بالدرهمين وإتيان النساء في ~~الحشوش واستماع الغناء والمعازف ونحو ذلك مما للناس فيه قولان التحريم ~~والإباحة لم يقل أحد إنها قربة. فالذي يجعله عبادة يتقرب به كما يتقرب ~~بالعبادات قد فعل محرما بالإجماع. وهذا يشبه التقرب بالملاهي والمعازف؛ فإن ~~جمهور المسلمين على أنها محرمة وبعضهم أباحها ولم يقل أحد إنها قربة. فقائل ~~ذلك مخالف للإجماع؛ وإنما يقول ذلك زنديق: مثل ما حكى أبو عبد الرحمن ~~السلمي عن ابن الراوندي أنه قال: اختلف الفقهاء في الغناء هل هو حرام أو ~~حلال وأنا أقول إنه واجب. ومعلوم أن هذا ليس من أقوال علماء المسلمين. ~~والذين يتقربون بسماع القصائد والتغبير ونحو ذلك هم مخطئون عند عامة ~~الأئمة؛ مع أنه ليس في هؤلاء من يقول: إن الغناء قربة # PageV27P229 # مطلقا ولكن يقوله في صورة مخصوصة لبعض أهل الدين الذين يحركون قلوبهم ~~بهذا السماع إلى الطاعات فيحركون به وجد المحبة والترغيب في الطاعات ووجد ~~الحزن والخوف والترهيب من المخالفات. فهذا هو الذي يقول فيه طائفة من الناس ~~إنه قربة مع أن الجمهور على أنهم مخطئون لو جعل هذا قربة؛ لكونه بدعة ليست ~~واجبة ولا مستحبة ولاشتماله على مفاسد راجحة على ما ظنوه من المصالح كما في ~~الخمر والميسر؛ فإنه وإن كان فيهما منافع للناس فإثمهما أكبر من نفعهما. ~~والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة كالإيمان والجهاد؛ فإن الإيمان ~~مصلحة محضة والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة. وفتنة الكفر ~~أعظم فسادا من القتل كما قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} ونهى عن ~~المفاسد الخالصة والراجحة كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وعن: " ~~الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما ms7902 لا تعلمون. وهذه الأمور لا يبيحها قط في حال من الأحوال ولا في ~~شرعة من الشرائع. وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما ~~مفسدته راجحة. وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة؛ لأن مفسدة فوات النفس أعظم من ~~مفسدة الاغتذاء به. والفقهاء إنما تنازعوا في الخمر هل تشرب للعطش. ~~لتنازعهم في # PageV27P230 # كونها تذهب العطش والناهي قال: لا تزيد الشارب إلا عطشا فلا يحصل به بقاء ~~المهجة. والمبيح يقول بل قد ترطب رطوبة تبقى معها المهجة وحينئذ فأي ~~المأخذين كان هو الواقع كان قول صاحبه أصوب. وبسط هذا له موضع آخر. ~~والمقصود أن ما اختلف فيه العلماء هل هو حرام أو مباح كان من جعله قربة ~~مخالفا لإجماعهم كما إذا اختلف الصحابة على قولين فمن أحدث قولا ثالثا فقد ~~خالف إجماعهم؛ ولهذا لم يكن في المسلمين من يقول: إن استماع الغناء قربة ~~مطلقا وإن قال إن سماع القول الذي شرط له المكان والإمكان والإخوان - وهو ~~ترغيب في الطاعات وترهيب من المخالفات - قربة فلا يقول قط إن كل من سمع ~~الملاهي فهو متقرب كما يقول القائل: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ~~قربة وإنه إذا نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا ~~النذر فإن هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين وإن أطلقوا القول بأن ~~السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم قربة أو قالوا هو قربة مجمع ~~عليها: فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك كما ذكر ذلك القاضي عياض وابن بطال ~~وغيرهما: فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده وما يفعل فيه من العبادة ~~المشروعة التي تسمى زيارة لقبره ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره. ~~فهذا الإجماع # PageV27P231 # على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه. ولكن ليس هذا إجماعا على ما صرحوا ~~بالنهي عنه أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة. والسفر لغير المساجد الثلاثة قد ~~صرح مالك وغيره: كالقاضي إسماعيل والقاضي عياض وغيرهما: أنه منهي عنه؛ لا ~~يفعله لا ناذر ولا متطوع وصرحوا بأن السفر إلى ms7903 المدينة وإلى بيت المقدس ~~لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهي عنه ليس له أن يفعله وإن نذره ~~سواء سافر لزيارة أي نبي من الأنبياء أو قبر من قبورهم أو قبور غيرهم أو ~~مسجد غير الثلاثة: فهذا كله عندهم من السفر المنهي عنه؛ فكيف يقولون: إنه ~~قربة؛ ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل ~~المجرد. وهذا الإجماع المحكي عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض ~~المتأخرين إن وجد؛ ولكن إن وجد أن أحدا من الصلحاء المعروفين من السلف قال: ~~إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين كان هذا قادحا في هذا الإجماع ويكون في المسألة ثلاثة أقوال؛ ~~ولكن الذي يحكي الإجماع لم يطلع على هذا القول كما يوجد ذلك كثيرا لكثير من ~~العلماء ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة لا يجوز إلزام الناس به ~~بلا حجة؛ فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. # PageV27P232 # فصل: # ومنها ظنه أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الزيارة ~~المعهودة في قبر غيره حتى يحتج عليها بزيارة البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر ~~أمه. ومنها أنه جعل من حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور مجاهرا بالعداوة ~~للأنبياء مظهرا لهم العناد. ومعلوم أن هذا قول أكثر المتقدمين: كمالك وأكثر ~~أصحابه والجويني أبي محمد وغيره من أصحاب الشافعي وأكثر متقدمي أصحاب أحمد. ~~فيلزمه أن يكون إمامه مالك وغيره من أئمة الدين مجاهرين للأنبياء بالعداوة ~~معاندين لهم: وهذا لو قاله فيما أخطئوا فيه لاستحق العقوبة البليغة؛ فكيف ~~إذا قاله فيما اتبعوا فيه الرسول واتبعوا فيه سنته الصحيحة فحرموا ما حرم. ~~فقد جعل المطيع لله ورسوله الذي رضي الله ورسوله وأنبياؤه عمله مجاهرا لهم ~~بالعداوة معاندا لهم. في كفر من حكم الله ورسوله بإيمانه. ومثل هذا يبين له ~~الصواب وأن هذا القول هو الذي جاء به # PageV27P233 # الرسول وكان عليه السابقون الأولون من الأمة وأئمتها وعليه دل الكتاب ~~والسنة. فإذا تبين له أن هذا هو الذي جاء ms7904 به الرسول ثم أصر على مشاقة ~~الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وكذلك إذا ~~تبين أن هذا القول ليس بكفر بل هو مما اتفق المسلمون على أنه قول سائغ ~~وقائله مجتهد مأجور على اجتهاده سواء أصاب أو أخطأ فإذا أصر على تكفير من ~~تبين بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يكفر وتبين له أنه يكفر: فأصر على ~~مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كمن ~~جعل اعتقاد أن المسيح عبد الله معاداة للمسيح أو اعتقد أن من قال: لا تحلف ~~بالأنبياء فقد عاداهم وكفر؛ فإن مثل هذا يستتاب. ومنها أن هذه المسألة قد ~~نص عليها مالك إمامه وجمهور أصحابه وهو في كتبهم الكبار والصغار وهو لم ~~يعرف مما قالوا بل يكفر ويلعن ويشتم من قال بنفس القول الذي قالوه فيلزمه ~~تكفيرهم وسبهم واستحلال دمائهم. ومنها أنه قال: ورد في زيارة قبره أحاديث ~~صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح؛ لكنها يجوز الاستدلال بها على ~~الأحكام # PageV27P234 # الشرعية. وهذا كلام من لا يعرف ما روي في هذا الباب ولا ما قال فيه علماء ~~المسلمين؛ بل هو بمنزلة الرافضي الذي يقول: قد روي في النص على علي أنه ~~الإمام بعد رسول الله أحاديث صحيحة وأخر دونها. ومعلوم أن الأحاديث التي ~~فيها ذكر زيارة قبره لم يخرج شيئا منها أهل الصحيح ولا السنن المعتمد ~~عليها: كسنن أبي داود والترمذي؛ ولا المسانيد التي هي من هذا الجنس: كمسند ~~أحمد. ولا استدل بشيء منها إمام؛ وهو مع ذلك لم يذكر منها حديثا واحدا فضلا ~~عن أن يعزوه إلى كتاب. وقوله: إن ما لم يبلغ درجة الصحيح منها يجوز ~~الاستدلال بها. إنما يكون إذا كانت حسنة عند من قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع ~~وهذا موقوف على العلم بحسنها وأئمة الحديث لم يحكموا بذلك وهو وأمثاله لا ~~يعرفون ذلك. فالقول بذلك من أعظم القول بلا علم في الدين والجرأة على سنة ~~رسول رب العالمين: بأن يدخل فيها ما ليس ms7905 منها بالجهل والضلال. فكيف إذا كان ~~جميع ما روي في هذا الباب مما ضعفه أهل المعرفة بالحديث؛ بل حكموا بأنه كذب ~~موضوع كما قد بسط الكلام على ما روي في هذا الباب في غير هذا الكتاب. # ومنها أنه لم يفرق بين " الزيارة الشرعية " التي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يفعلها ومقصودها الدعاء للميت؛ كالصلاة على جنازته # PageV27P235 # وبين ما ابتدعه الضالون من الإشراك بالميت والحج إلى قبره ودعائه من دون ~~الله ومقصوده بزيارته والسفر إليه أنه يدعوه من دون الله؛ لا أنه يدعو له. ~~وهذه الزيارة لم يفعلها الرسول ولا أذن فيها قط؛ فكيف بالسفر إليها وهو من ~~جنس الحج إلى الطواغيت. # ومنها أنه جعل زيارة الميت كزيارته حيا واستدل بحديث {الذي زار أخا له في ~~الحياة} على أنه يستحب زيارة الميت وهذه التسوية والقياس ما عرفت عن أحد من ~~علماء المسلمين؛ فإنه من المعلوم أن الصحابة الذين سافروا إلى الرسول ~~فساعدوه وسمعوا كلامه وخاطبوه وسألوه فأجابهم وعلمهم وأدبهم وحملهم رسائل ~~إلى قومهم وأمرهم بالتبليغ عنه: لا يكون مثلهم أحد بالأعمال الفاضلة: ~~كالجهاد والحج. فكيف يكون بمجرد رؤية ظاهر حجرته مثلهم أو تقاس هذه الزيارة ~~بهذه الزيارة فقد ثبت بالسنة واتفاق الأمة أن كل ما يفعل من الأعمال ~~الصالحة في المسجد عند حجرته من صلاة عليه وسلام وثناء وإكرام وذكر محاسن ~~وفضائل: ممكن فعله في سائر الأماكن ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه كما ~~قال: {لا تتخذوا بيتي عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم} . ولو ~~كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة؛ فلما منعوا من ~~الوصول إلى القبر # PageV27P236 # وأمروا بالعبادة في المسجد: علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده كما ~~أن صلاة في مسجده بألف صلاة فيما سواه ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن ~~يفعل عند قبره صلى الله عليه وسلم. ومنها افتراؤه على المجيب في مواضع ~~متعددة افتراء ظاهرا وسبب افترائه عليه أنه ذكر قول علماء المسلمين ورجح ما ~~قاله مالك وغيره ms7906 من السلف لكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ~~الصريحة توافقهم وهذا يستلزم معاداة الله ورسوله؛ إذ كل من عادى سنته ~~وشريعته ودينه فقد عاداه ومن عادى شخصا لأجل ذلك فإنما عادى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في الحقيقة وإن لم يقصد ذلك. فكيف يجوز الكذب والافتراء مرة ~~بعد مرة وهو كذب ظاهر. ولو كان المجيب مخطئا لما جاز ذلك؛ فإن الكذب ~~والافتراء حرام مطلقا. والله أوجب الصدق والعدل لكل أحد على كل أحد في كل ~~حال. فكيف إذا كان ما ذكره المجيب من الأقوال هي أقوال المتبعين للرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمعترض القادح فيهم وفيما قالوه الشاتم المكفر لمن آمن ~~بالرسول وأطاعه واتبعه على نفس ما هو متابعة للرسول وإيمان به: قوله هذا ~~المتضمن عداوة الرسول وعداوة ما جاء به وعداوة من اتبعه وإن لم يكن عالما ~~بما تضمنه قوله. فقوله مع عدم العلم من جنس أقوال المحادين لله ولرسوله ~~الموالين لأهل # PageV27P237 # الإفك والشرك المضاهين للنصارى وأمثالهم مع أنهم لا يعلمون أن قولهم ~~يتضمن ذلك؛ لقلة العلم وسوء الفهم والبعد عن أهلية الاجتهاد والاستدلال ~~بالأدلة الشرعية ومعرفة ما قاله أئمة الدين. بل هم في مثل هذه المسألة ~~العظيمة يتكلمون بأنواع من الكلام صاحبها إلى الاستتابة والتعزير والتعليم ~~والتفهيم أحوج منه إلى الرد عليه والمناظرة له كما يوجد في جهال أهل البدع ~~من الرافضة والخوارج وغيرهم من يسارع إلى تكفير من اتبع الرسول من السلف؛ ~~لقلة علمه وسوء فهمه لما جاء به الرسول. فهم مبتدعون بدعة بجهلهم ويكفرون ~~من خالفهم. وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحق ويتبعون سنة الرسول ~~ويرحمون الخلق ويعدلون فيهم ويعذرون من اجتهد في معرفة الحق فعجز عن ~~معرفته؛ إنما يذمون من ذمه الله ورسوله وهو المفرط في طلب الحق لتركه ~~الواجب والمعتدي المتبع لهواه بلا علم لفعله المحرم. فيذمون من ترك الواجب ~~أو فعل المحرم؛ ولا يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} لا سيما ms7907 في مسائل تنازع فيها العلماء وخفي ~~العلم فيها على أكثر الناس ومن كان لا يتكلم بطريقة أهل # PageV27P238 # العلم بل جازف في القول بلا علم. فصاحب هذا الكلام لا يصلح للمناظرة؛ إلا ~~كما يناظر جهال العوام المبتدعين المضاهين للمشركين والنصارى فإنهم يجعلون ~~من قال الحق في المخلوق سابا له شاتما وهم يسبون الله ويشتمونه ويؤذونه ولا ~~يخافون من سب الخالق وشتمه والشرك به ما يخافونه من قول الحق في حق المخلوق ~~كما قال الخليل لهم: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وكما قال تعالى ~~عن المشركين: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} فلا يغضبون من ذكر الرحمن بالباطل كما ~~يغضبون من ذكر آلهتهم بالحق. وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا} {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون.} وقد ذكر أهل التفسير: {أن النصارى - نصارى نجران - # PageV27P239 # لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد لم تذكر صاحبنا؟ ~~قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى قال: وأي شيء أقول له؟ هو عبد الله. قالوا: ~~بل هو الله فقال: إنه ليس بعار عليه أن يكون عبدا لله. فقالوا: بلى فأنزل ~~الله هذه الآية} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما أحد ~~أصبر على أذى يسمعه من الله؛ يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم} ~~وفي الصحيحين أيضا أنه قال: {يقول الله: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك ~~وكذبني ms7908 ابن آدم وما ينبغي له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا ~~وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد. ولم يكن لي كفوا أحد. وأما تكذيبه ~~إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته} وكان ~~معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها ~~أحد من البشر. فهؤلاء ينتقصون الخالق ويأنفون أن يذكر المخلوق بما يستحقه ~~ويجعلون ذلك تنقيصا له وإنما هو إعطاؤه حقه وخفض له عن درجة الإلهية التي ~~لا يستحقها إلا الله وهذه حال من أشبههم من بعض الوجوه. ومنها ظنه أن كل ما ~~كان قربة جاز التوسل إليه بكل وسيلة # PageV27P240 # وهذا من أظهر الخطأ. # ومنها ظنه أن القول بتحريم السفر لم يقل به أحد من أهل العلم؛ بل إنما ~~نقله المجيب إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه. وهو نص مالك ~~الصريح في خصوص قبر الرسول ومذهب جمهور أصحابه وجمهور السلف والعلماء. ~~ومنها زعمه أن الذين حكى المجيب قولهم - وهم الغزالي وابن عبدوس وأبو محمد ~~المقدسي - لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم؛ ومثل هذا ~~الكلام لا يقال في أحد من الأئمة الكبار؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ~~ويترك؛ إلا صاحب الشرع فكيف يسوغ أن يقال في مثل هؤلاء ومنها أنه لما أراد ~~أن يثبت أن النبي يسمع من القرب ويبلغ الصلاة والسلام من البعد: لم يذكر ما ~~في ذلك من الأحاديث الحسان التي في السنن؛ بل إنما اعتمد على حديث موضوع ~~{من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته} وهذا إنما يرويه محمد ~~بن مروان السدي عن الأعمش. وهو كذاب بالاتفاق وهذا الحديث موضوع على الأعمش ~~بإجماعهم. ثم قد غير لفظه. ففي النسخة التي رأيتها مصححا: {ومن # PageV27P241 # صلى علي نائيا سمعته} وإنما لفظه {بلغته} وهكذا ذكره القاضي عياض عن مسند ~~بن أبي شيبة وهو نقل منه. ومن يحتج بمثل هذا ms7909 الحديث الموضوع ويعرض عن ~~أحاديث أهل السنن الحسان فهو من أبعد الناس عن أهل العلم والعرفان. وإذا ~~كان قد حرف لفظه فهو ظلمات بعضها فوق بعض من جنس فعل الملاحدة في قوله: ~~{أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل} الحديث فهو كذب موضوع. ومع هذا ~~فحرفوا لفظه فقالوا: أول بالضم ولفظه {أول ما خلق} بالنصب على الظرف كما ~~روي " لما خلق ". ومنها أنه احتج بإجماع السلف والخلف على زيارة قبره؛ وظن ~~أن الجواب يتضمن النهي عما أجمع عليه وقد صرح في الجواب بأن السفر إلى ~~مسجده طاعة مجمع عليها وكذلك ما تضمنه مما يسمى بزيارة لقبره من الأمور ~~المستحبة: مثل الصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له بالوسيلة وغيرها ~~والشهادة له والثناء عليه بما فضله الله به ومحبته وموالاته وتعزيره ~~وتوقيره وغير ذلك مما قد يدخل في مسمى الزيارة: فهذا كله مستحب. والمجيب ~~يصرح باستحباب ذلك وقد تنازع العلماء هل يسمى هذا زيارة؟ وذكر تنازع ~~العلماء فيما تنازعوا فيه من ذلك وإجماعهم على ما أجمعوا عليه. فذكر جواز ~~ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارة قبره وذكر بعض ما # PageV27P242 # تنوزع فيه من ذلك. وهذا ظن أن السفر إلى زيارة نبينا كالسفر إلى غيره من ~~الأنبياء والصالحين وهو غلط من وجوه. أحدها: أن مسجده عند قبره والسفر إليه ~~مشروع بالنص والإجماع؛ بخلاف غيره. والثاني: أن زيارته كما يزار غيره ~~ممتنعة وإنما يصل الإنسان إلى مسجده وفيه يفعل ما شرع له. الثالث: أنه لو ~~كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينته أحق الناس بذلك كما أن ~~أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندهم من الصالحين فلما اتفق السلف وأئمة الدين ~~على أن أهل مدينته لا يزورون قبره بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا ~~المسجد وخرجوا. وإن لم يسمى هذا زيارة بل يكره لهم ذلك عند غير السفر كما ~~ذكر ذلك مالك وبين أن ذلك من البدع التي لم يكن صدر هذه الأمة يفعلونه: علم ~~أن ms7910 من جعل زيارة قبره مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف إجماع المسلمين. ~~الرابع: أنه قد نهى أن يتخذ قبره عيدا وأمر الأمة أن تصلي عليه وتسلم حيث ~~ما كانت وأخبر أن ذلك يبلغه. فلم يكن تخصيص البقعة بالدعاء له مشروعا؛ بل ~~يدعى له في جميع الأماكن وعند كل # PageV27P243 # أذان وفي كل صلاة وعند دخول كل مسجد والخروج منه بخلاف غيره. وهذا لعلو ~~قدره وارتفاع درجته. فقد خصه الله من الفضيلة. بما لم يشركه فيه غيره؛ لئلا ~~يجعل قبره مثل سائر القبور؛ بل يفرق بينهما من وجوه متعددة ويبين فضله على ~~غيره وما من الله به على أمته. # ومنها أنه قال: لم يلزم من دعواه بأن ذلك مجمع على تحريمه أن يكون السادة ~~الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للإجماع خارقين مصرين ~~على تقرير الحرام مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز عليه الإقدام مجمعين ~~على الضلالة سالكين طريق العماية والجهالة. وفي هذا الكلام من الجهل ~~بالشريعة وما أجمع عليه المسلمون والتسوية بين عبادة الرحمن - التي أجمع ~~عليها أهل الإيمان - وبين عبادة الأوثان - التي أجمعوا على تحريمها وغير ~~ذلك: مما يبين اشتمال هذا الكلام على أنواع من مخالفة دين الإسلام ولو كان ~~صاحبه ممن يفهم ما قال ولوازمه لكان مرتدا يجب قتله لكنه جاهل قد يتكلم بما ~~لا يتصوره ويتصور لوازمه. فيقال له ولأمثاله - ممن ظن أن في الجواب ما ~~يخالف الإجماع - # PageV27P244 # الذي أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا قرنا بعد قرن هو السفر إلى مسجده صلى ~~الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه فيه ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله من ~~الأعمال المتضمنة لعبادة الله وحده والقيام بحق رسوله: من أفضل العبادات ~~لله كشهادتنا له وثنائنا عليه. وصلاتنا وسلامنا عليه من أفضل ما عبدنا الله ~~به وهذا ونحوه هو المشروع في مسجده سواء سمي زيارة لقبره أو لم يسم. فإن ~~لفظ الزيارة لقبره واستحباب ذلك لا يعرف عن أحد من الصحابة بل المنقول عن ~~ابن عمر ومن وافقه السلام عليه هناك ms7911 والصلاة. وهم لا يسمون هذا زيارة ~~لقبره. فكيف بالذين لم يكونوا يقفون عند القبر بحال وهم جمهور الصحابة. ~~وأما ما ابتدعه بعض الناس من الشرك والبدع وسمى ذلك " زيارة لقبره " فهو من ~~جنس الزيارة البدعية التي تفعل عند قبر غيره ليس هو من الزيارة الشرعية. ~~وأما ما يدخل في الأعمال الشرعية فهذا هو المستحب بسنته الثابتة عنه ~~وبإجماع أمته. ثم من أئمة العلم من لا يسمي هذا " زيارة لقبره " بل يكره ~~هذه التسمية؛ فضلا عن أن يقول: إن ذلك سفر إلى قبره. وقد صرح من قال ذلك ~~مثل مالك وغيره بأن المسافر إلى هناك إذا # PageV27P245 # كان مقصوده القبر أنه سفر منهي عنه داخل في قوله: {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد} وأن السفر الذي هو طاعة وقربة أن يقصد السفر لأجل الصلاة في ~~المسجد وأنه لو نذر أن يسافر إلى المدينة لغير الصلاة في المسجد فإنه ينهى ~~عن الوفاء بنذره: لأنه نذر معصية. فإذا كان هذا من قولهم معروفا في الكتب ~~الصغار والكبار فكيف يظن أن السفر لمجرد زيارة القبور هو مجمع عليه بين ~~الأئمة. وطائفة أخرى من العلماء يسمون هذا زيارة لقبره. ويقولون: تستحب ~~زيارة قبره أو السفر لزيارة قبره ومقصودهم بالزيارة هو مقصود الأولين وهو ~~السفر إلى مسجده وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة والسلام عليه والدعاء ~~له والثناء عليه وهذا عندهم يسمى زيارة لقبره مع اتفاق الجميع على أن أحدا ~~لا يزور قبره الزيارة المعروفة في سائر القبور فإن تلك قبور بارزة يوصل ~~إليها ويقعد عندها. أو يقام عندها ويمكن أن يفعل عندها ما يشرع: كالدعاء ~~للميت والاستغفار له وما ينهى عنه: كدعائه والشرك به والنياحة عند قبره ~~والندب. فهذا هو المفهوم من " زيارة القبور ". والرسول دفن في بيته في ~~حجرته ومنع الناس من الدخول إلى هناك والوصول إلى قبره فلا يقدر أحد أن ~~يزور قبره كما يزور قبر غيره؛ لا زيارة شرعية ولا بدعية؛ بل إنما يصل جميع ~~الخلق # PageV27P246 # إلى مسجده وفيه يفعلون ms7912 ما يشرع لهم أو ما يكره لهم. والسفر إلى مسجده - ~~لما شرع - سفر طاعة وقربة بالإجماع؛ وهو الذي أجمع عليه المسلمون. والمجيب ~~قد ذكر استحباب هذا السفر وأنه يستحب بالنص والإجماع في مواضع كثيرة وقد ~~ذكر ذلك في هذا الجواب وبين ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده ~~وزيارته الشرعية وبين ما لم يشرع من السفر إلى زيارة قبر غيره مما في قبور ~~الأنبياء والصالحين؛ فإن السفر إلى هناك ليس هو سفر إلى مسجد شرع السفر ~~إليه بل المساجد التي هناك إن كانت مما يشرع بناؤه والصلاة فيه - كجوامع ~~المسلمين التي في الأمصار - فهذه ليس السفر إليها قربة ولا طاعة؛ لا عند ~~الأئمة الأربعة ولا عامة أئمة المسلمين. والسفر إليها داخل في قوله: {لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} باتفاق الناس. فإن هذا استثناء مفرغ. ~~والتقدير فيه أحد أمرين: إما أن يقال: {لا تشد الرحال} إلى مسجد {إلا ~~المساجد الثلاثة} فيكون نهيا عنها باللفظ ونهيا عن سائر البقاع التي يعتقد ~~فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى؛ فإن المساجد والعبادة فيها أحب إلى ~~الله من العبادة في تلك البقاع بالنص والإجماع فإذا كان السفر إلى البقاع ~~الفاضلة قد نهي عنه فالسفر إلى المفضولة # PageV27P247 # أولى وأحرى. وكذلك من جعل معنى الحديث: لا يستحب السفر إلا إلى الثلاثة. ~~إن جعل معناه لا يجب إلا إلى الثلاثة وأراد به الوجوب بالنذر - كما ذكر ذلك ~~طائفة - فهؤلاء يقولون: ما سوى الثلاثة لا يستحب السفر إليه ولا يجب ~~بالنذر. ومن حمل معنى الحديث على نفي الاستحباب أو نفي الوجوب بالنذر ~~فقولهما واحد في المعنى فإذا لم يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة فقد وجب بالنذر ~~السفر إلى المسجدين وليس واجبا بالشرع. فعلم أن وجوبه لكونه مستحبا بالشرع. ~~فإذا لم يجب إلا هذان مما ليس واجبا بالشرع علم أنه ليس مستحبا إلا هذان. ~~وقد بسط هذا في موضع آخر. وإما أن يقال: التقدير لا تسافروا إلى بقعة ومكان ~~غير الثلاثة. أو يكون المعنى لا يستحب إلى مكان ms7913 غير الثلاثة وهو معنى كل من ~~قال: لا يجب بالنذر إلى غير الثلاثة. أي لا تسافروا لقصد ذلك المكان ~~والبقعة بعينه؛ بحيث يكون المقصود والعبادة في نفس تلك البقعة كالسفر إلى ~~المساجد الثلاثة؛ بخلاف السفر إلى الثغور فإن المقصود السفر إلى مكان ~~الرباط. و " الثغر " قد يكون مكانا ثم يفتح المسلمون ما جاورهم فينتقل # PageV27P248 # الثغر إلى حد بلاد المسلمين؛ ولهذا يكون المكان تارة ثغرا وتارة ليس ~~بثغر؛ كما يكون تارة دار إسلام وبر وتارة دار كفر وفسق؛ كما كانت مكة دار ~~كفر وحرب وكانت المدينة دار إيمان وهجرة ومكانا للرباط فلما فتحت مكة صارت ~~دار إسلام ولم تبق المدينة دار هجرة ورباط كما كانت قبل فتح مكة؛ بل قد قال ~~صلى الله عليه وسلم {لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم ~~فانفروا} وصارت الثغور أطراف أرض الحجاز المجاورة لأرض الحرب: أرض الشام ~~وأرض العراق. ثم لما فتح المسلمون الشام والعراق صارت الثغور بالشام سواحل ~~البحر؛ كعسقلان وعكة وما جاور ذلك. وبالعراق عبادان ونحوها؛ ولهذا يكثر ذكر ~~" عسقلان " و " عبادان " في كلام المتقدمين؛ لكونهما كانا ثغرين وكانت أيضا ~~" طرطوش " ثغرا لما كانت للمسلمين ولما أخذها الكفار صار الثغر ما يجاور ~~أرض العدو من البلاد الحلبية. فالمسافر إلى الثغور أو طلب العلم أو التجارة ~~أو زيارة قريبه ليس مقصوده مكانا معينا إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه ~~ولو كان مقصوده في غيره لذهب إليه. فالسفر إلى مثل هذا لم يدخل في الحديث ~~باتفاق العلماء وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه كالذي ~~يسافر إلى المساجد وآثار الأنبياء: كالطور الذي كلم الله عليه # PageV27P249 # موسى وغار حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء على الرسول وغار ثور المذكور ~~في القرآن في قوله: {إذ هما في الغار} وما هو دون ذلك من المغارات والجبال: ~~كالسفر إلى جبل لبنان ومغارة الدم ونحو ذلك. فإن كثيرا من الناس يسافر إلى ~~ما يعتقد فضله من الجبال والغيران. فإذا كان الطور الذي كلم الله ms7914 عليه موسى ~~وسماه البقعة المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه فغير ذلك من ~~الجبال أولى أن لا يسافر إليه. وقولي بالإجماع. أعني به إجماع السلف ~~والأئمة فإن الصحابة كابن عمر وأبي سعيد وأبي بصرة وغيرهم فهموا من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} أن الطور ~~الذي كلم الله عليه موسى وسماه بالواد المقدس والبقعة المباركة داخل في ~~النهي ونهوا الناس عن السفر إليه ولم يخصوا النهي بالمساجد. ولهذا لم يوجب ~~أحد ذلك بالنذر وما علمت في هذا نزاعا قديما ولا رأيت أحدا صرح بخلاف ذلك؛ ~~إلا ابن حزم الظاهري فإنه يحرم السفر إلى مسجد غير الثلاثة إذا نذره كقول ~~الجمهور وإذا نذر السفر إلى أثر من آثار الأنبياء أوجب الوفاء به؛ لأنه لا ~~يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه وهذا هو إحدى الروايتين عن داود فلا يجعل قوله: ~~{فلا تقل لهما أف} دليلا على النهي عن السب والشتم # PageV27P250 # والضرب ولا نهيه عن أن يبال في الماء الدائم ثم يغتسل فيه نهيا عن صب ~~البول ثم الاغتسال فيه وجمهور العلماء يرون أن مثل هذا من نقص العقل والفهم ~~وأنه من " باب السفسطة " في جحد مراد المتكلم كما هو مبسوط في موضع آخر. # وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه ويقال: إن ~~عبد المطلب سن لهم ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يتحنث فيه ~~وفيه نزل عليه الوحي أولا؛ لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك ~~ولا قربه؛ لا هو ولا أصحابه وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ~~ولم يصعد إليه وكذلك المؤمنون معه بمكة. وبعد الهجرة أتى مكة مرارا في عمرة ~~الحديبية وعام الفتح وأقام بها قريبا من عشرين يوما وفي عمرة الجعرانة ولم ~~يأت غار حراء ولا زاره. فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغيره ~~من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولى أن لا تزار. فإن ms7915 العبادات بعد مبعث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلاة والذكر والدعاء مشروعة في كل مكان جعلت ~~الأرض كلها له ولأمته مسجدا وطهورا ". # والأماكن المفضلة هي المساجد وهي أحب البقاع إلى الله؛ كما ثبت ذلك في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها الاعتكاف # PageV27P251 # فلا يكون الاعتكاف إلا في المساجد باتفاق العلماء كما قال تعالى: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} لا يكون الاعتكاف لا بخلوة ولا غير ~~خلوة؛ لا في غار ولا عند قبر ولا غير ذلك مما يقصد الضالون السفر إليه ~~والعكوف عنده كعكوف المشركين على أوثانهم. قال الخليل: {ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون} وقال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون} {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} . وبسط ~~هذا له موضع آخر. # وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال: من نذر أن يعتكف في مسجد إيليا فاعتكف ~~في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف في ~~مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه ومن نذر أن يعتكف على رؤوس ~~الجبال فإنه لا ينبغي له ذلك ليعتكف في مسجد جماعة. وهذا الذي نهى عنه سعيد ~~متفق عليه عند عامة العلماء وإن قدر أن الرجل لا يسمي ذلك اعتكافا فمن فعل ~~ما يفعل المعتكف في المسجد فهو معتكف في غير المسجد وذلك منهي عنه ~~بالاتفاق. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة من قبر وأثر # PageV27P252 # نبي ومسجد وغير ذلك: ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى مسجد ~~نبينا مستحب بالنص والإجماع وهو مراد العلماء الذين قالوا: تستحب زيارة ~~قبره بالإجماع. فهذا هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ~~المجتهدين. ولله الحمد. والمجيب قد ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع فكلام ~~المجيب يبين أنه متبع للصحابة والتابعين ومن بعدهم من ms7916 العلماء المجتهدين ~~وأنهم منزهون عن تقرير الحرام أو خرق الإجماع منزهون أن يجمعوا على ضلالة ~~أو يسلكوا طريق العماية والجهالة. وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين ~~هذا السفر الذي ثبت استحبابه بنص الرسول وإجماع أمته وبين السفر الذي ثبت ~~أنه ليس مستحبا بنص الرسول وإجماع أمته. وقاسوا هذا بهذا والمجيب إنما ذكر ~~القولين في النوع الثاني: في الذي لا يسافر إلا لقصد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين وذكر أن الذي يسافر إلى مسجد الرسول وزيارته الشرعية يستحب السفر ~~إليه بالنص والإجماع. فحكوا عن المجيب أنه ينهى عن زيارة قبر الرسول والسفر ~~إليه ويحرم ذلك ويحرم قصر الصلاة فيه بحيث جعلوه ينهى عما يفعله الحجاج من ~~السفر إلى مسجده وأن من سافر إلى هناك لا يقصر الصلاة. وهذا كله افتراء ~~وبهتان. # PageV27P253 # وذلك أنه لا حجة لهم على السفر إلى سائر قبور الأنبياء إلا السفر إلى ~~نبينا. فلما كان السفر إلى ذلك المكان مشروعا في الجملة قاسوا عليه السفر ~~إلى سائر القبور فضلوا وأضلوا وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع ~~المسلمين. وضلوا من وجوه كثيرة. منها: أنه ليس في الأرض قبر نبي معلوم ~~بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا وما سواه ففيه نزاع. ومنها: أن الذين ~~استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده وهذا مشروع ~~بالإجماع ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلى المسجد والمسجد منتهى ~~سفره؛ لا يصل إلى القبر؛ بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر؛ إلا أن يكون ~~متوغلا في الجهل والضلال فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر ~~وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على ~~غيره أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعا للقبر كما تبنى المساجد على قبور ~~الأنبياء والصالحين ويظن أن الصلاة في المسجد تبع والمقصود هو القبر كما ~~يظن المسافرون إلى قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا وكما أن الذي ~~يذهب إلى الجمعة يصلي إذا دخل تحية المسجد ركعتين؛ ولكن هو إنما ms7917 جاء لأجل ~~الجمعة لا لأجل ركعتي التحية. فمن ظن هذا في مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين # PageV27P254 # الإسلام وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه وسيرته وأقواله وأفعاله. وهذا ~~محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى يدخل في الإسلام ولا يأخذ ~~بعض الإسلام ويترك بعضه؛ فإن مسجده أسس على التقوى في السنة الأولى من ~~الهجرة وهو أفضل مسجد على وجه الأرض إلا المسجد الحرام. وقيل: هو أفضل ~~مطلقا. فهل يقول عاقل إن مساجد المسلمين - مساجد الجوامع التي يصلى فيها ~~الجمعة وغيرها - فضيلتها واستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل قبر عندها. فإذا ~~لم يجز أن يقال هذا في مثل هذه المساجد فكيف يقال فيما هو خير منها كلها ~~وأفضل. و " المسجد " الحرام أفضل المساجد مطلقا عند الجمهور والصلاة فيه ~~بمائة ألف صلاة كما في المسند والسنن. فهل يقول عاقل: إن فضيلته لقبر هناك. ~~و " المسجد الأقصى " أفضل المساجد بعد المسجد النبوي وببيت المقدس من قبور ~~الأنبياء ما لا يحصيه إلا الله. فهل يقول عاقل إن فضيلته لأجل القبور نعم ~~هذا اعتقاد النصارى: يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل " الكنيسة " التي ~~يقال إنها بنيت على قبر المصلوب ويفضلونها على بيت المقدس. وهؤلاء من أضل ~~الناس وأجهلهم # PageV27P255 # وهذا يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان ~~وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه لم يكونوا يصلون فيه؛ بل كما قال ~~تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} لكن كانوا يعظمون نفس ~~البيت ويطوفون به كما كانوا يحجون كل عام مع ما كانوا غيروه من شريعة ~~إبراهيم حتى بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق وأمر باتباع ملة إبراهيم ~~فأظهرها ودعا إليها وأقام الحج على ما شرعه الله لإبراهيم ونفى الشرك عن ~~البيت وأنزل الله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} {إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ms7918 الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} . فبين أن عمار المساجد هم الذين لا ~~يخشون إلا الله ومن لم يخش إلا الله فلا يرجو ويتوكل إلا عليه فإن الرجاء ~~والخوف متلازمان. والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها ويتضرعون لهم ~~ويعبدونهم ويخشون غير الله ويرجون غير الله كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ~~ويرجونها؛ ولهذا لما قالوا لهود عليه السلام {إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما # PageV27P256 # تشركون} {من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} {إني توكلت على الله ربي ~~وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} ولما حاجوا ~~إبراهيم عليه السلام قال لهم: {أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} {وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ولما خوفوا محمدا - عليه الصلاة والسلام ~~- بمن دون الله قال الله تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من ~~دونه ومن يضلل الله فما له من هاد} {ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله ~~بعزيز ذي انتقام} {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال ~~تعالى: {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} {إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب وهو يتولى الصالحين} . # PageV27P257 # فصل: # و" المسجد الأقصى " صلت فيه الأنبياء من عهد الخليل كما في الصحيحين عن ~~أبي ذر قال: {قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أولا؟ قال: المسجد الحرام قلت: ~~ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة ثم ms7919 حيث ما ~~أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد وصلى فيه من أولياء الله ما لا يحصيه إلا الله ~~وسليمان بناه هذا البناء وسأل ربه ثلاثا: سأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ~~وسأله حكما يوافق حكمه وسأله أنه لا يؤم هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة ~~فيه إلا غفر له} . ولهذا كان ابن عمر يأتي من الحجاز فيدخل فيصلي فيه ثم ~~يخرج ولا يشرب فيه ماء لتصيبه دعوة سليمان. وكان الصحابة ثم التابعون يأتون ~~ولا يقصدون شيئا مما حوله من البقاع ولا يسافرون إلى قرية الخليل ولا ~~غيرها. وكذلك " مسجد نبينا " بناه أفضل الأنبياء ومعه المهاجرون # PageV27P258 # والأنصار وهو أول مسجد أذن فيه في الإسلام وفيه كان الرسول يصلي ~~بالمسلمين الجمعة والجماعة ويعلمهم الكتاب والحكمة وفيه كان يأمرهم بما ~~يأمرهم به من المغازي وغير المغازي. وفيه سنت السنة والإسلام منه خرج وكانت ~~الصلاة فيه بألف والسفر إليه مشروعا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وليس ~~عنده قبر؛ لا قبره ولا قبر غيره ثم لما دفن الرسول دفن في حجرته وبيته لم ~~يدفن في المسجد. والفرق بين البيت والمسجد مما يعرفه كل مسلم؛ فإن المسجد ~~يعتكف فيه والبيت لا يعتكف فيه وكان إذا اعتكف يخرج من بيته إلى المسجد ولا ~~يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان والمسجد لا يمكث فيه جنب ولا حائض وبيته كانت ~~عائشة تمكث فيه وهي حائض وكذلك كل بيت مرسوم تمكث فيه المرأة وهي حائض ~~وكانت تصيبه فيه الجنابة فيمكث فيه جنبا حتى يغتسل وفيه ثيابه وطعامه وسكنه ~~وراحته؛ كما جعل الله البيوت. وقد ذكر الله " بيوت النبي " في كتابه ~~وأضافها تارة إلى الرسول وتارة إلى أزواجه؛ وليس لتلك البيوت حرمة المسجد ~~وفضيلته وفضيلة الصلاة فيه ولا تشد الرحال إليها ولا الصلاة في شيء منها ~~بألف صلاة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في حال # PageV27P259 # حياته كان هو وأصحابه. أفضل ممن جاء بعدهم وعبادتهم أفضل من عبادة من جاء ~~بعدهم وهم لما ماتوا لم تكن قبورهم أفضل من ms7920 بيوتهم التي كانوا يسكنونها في ~~حال الحياة ولا أبدانهم بعد الموت أكثر عبادة لله وطاعة مما كانت في حال ~~الحياة. والله تعالى قد أخبر أنه جعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا. تكفت ~~الناس أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها وليس كفتهم أمواتا بأفضل من كفتهم ~~أحياء؛ ولهذا تستحب زيارة أهل البقيع وأحد وغيرهم من المؤمنين. فيدعى لهم ~~ويستغفر لهم ولا يستحب أن تقصد قبورهم لما تقصد له المساجد من الصلاة ~~والاعتكاف ونحو ذلك وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {أحب البقاع إلى الله المساجد} فليس في البقاع أفضل منها وليست مساكن ~~الأنبياء لا أحياء ولا أمواتا بأفضل من المساجد. هذا هو الثابت بنص الرسول ~~صلى الله عليه وسلم واتفاق علماء أمته. وما ذكره بعضهم من أن قبور الأنبياء ~~والصالحين أفضل من المساجد وأن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد حتى ~~في المسجد الحرام والمسجد النبوي. فقول يعلم بطلانه بالاضطرار من دين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ويعلم إجماع علماء الأمة على بطلانه إجماعا ~~ضروريا كإجماعهم على أن الاعتكاف في المساجد أفضل منه عند القبور. والمقصود # PageV27P260 # بالاعتكاف: العبادة والصلاة والقراءة والذكر والدعاء. وما ذكره بعضهم من ~~الإجماع على تفضيل قبر من القبور على المساجد كلها. فقول محدث في الإسلام؛ ~~لم يعرف عن أحد من السلف ولكن ذكره بعض المتأخرين فأخذه عنه آخر وظنه ~~إجماعا؛ لكون أجساد الأنبياء أنفسها أفضل من المساجد. فقولهم يعم المؤمنين ~~كلهم فأبدانهم أفضل من كل تراب في الأرض ولا يلزم من كون أبدانهم أفضل أن ~~تكون مساكنهم أحياء وأمواتا أفضل؛ بل قد علم بالاضطرار من دينهم أن مساجدهم ~~أفضل من مساكنهم. وقد يحتج بعضهم بما روي من: {أن كل مولود يذر عليه من ~~تراب حفرته} فيكون قد خلق من تراب قبره. وهذا الاحتجاج باطل لوجهين. ~~أحدهما: أن هذا لا يثبت وما روي فيه كله ضعيف والجنين في بطن أمه يعلم قطعا ~~أنه لم يذر عليه تراب ولكن آدم نفسه هو الذي ms7921 خلق من تراب ثم خلقت ذريته من ~~سلالة من ماء مهين. ومعلوم أن ذلك التراب لا يتميز بعضه لشخص وبعضه لشخص ~~آخر فإنه إذا استحال وصار بدنا حيا لما نفخ في آدم الروح فلم يبق ترابا. ~~وبسط هذا له موضع آخر. # PageV27P261 # والمقصود هنا: التنبيه على مثل هذه الإجماعات التي يذكرها بعض الناس ~~ويبنون عليها ما يخالف دين المسلمين: الكتاب والسنة والإجماع. الوجه ~~الثاني: أنه لو ثبت أن الميت خلق من ذلك التراب فمعلوم أن خلق الإنسان من ~~مني أبويه أقرب من خلقه من التراب ومع هذا فالله يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن فيخلق من الشخص ~~الكافر مؤمنا نبيا وغير نبي كما خلق الخليل من آزر وإبراهيم خير البرية هو ~~أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم وآزر من أهل النار كما في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يلقى إبراهيم أباه آزر يوم ~~القيامة فيقول إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني فيقول له: فاليوم لا أعصيك. ~~فيقول إبراهيم: يا رب ألم تعدني أن لا تخزيني وأي خزي أخزى من أبي الأبعد ~~فيقال له: التفت فيلتفت فإذا هو بذيخ عظيم والذيخ ذكر الضباع فيمسخ آزر في ~~تلك الصورة ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار فلا يعرف أنه أبو إبراهيم} . وكما ~~خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أبويه وقد نهي عن الاستغفار لأمه وفي ~~الصحيح {أن رجلا قال له: أين أبي؟ قال: إن أباك في النار فلما أدبر دعاه ~~فقال: إن أبي وأباك في النار} وقد أخرج من نوح وهو # PageV27P262 # رسول كريم ابنه الكافر الذي حق عليه القول وأغرقه ونهى نوحا عن الشفاعة ~~فيه. والمهاجرون والأنصار مخلوقون من آبائهم وأمهاتهم الكفار. فإذا كانت ~~المادة القريبة التي يخلق منها الأنبياء والصالحون لا يجب أن تكون مساوية ~~لأبدانهم في الفضيلة؛ لأن الله يخرج الحي من الميت فأخرج البدن المؤمن من ~~مني كافر فالمادة البعيدة وهي التراب أولى أن لا تساوي ms7922 أبدان الأنبياء ~~والصالحين وهذه الأبدان عبدت الله وجاهدت فيه ومستقرها الجنة. وأما المواد ~~التي خلقت منها هذه الأبدان فما استحال منها وصار هو البدن فحكمه حكم البدن ~~وأما ما فضل منها فذاك بمنزلة أمثاله. ومن هنا غلط من لم يميز بين ما ~~استحال من المواد فصار بدنا وبين ما لم يستحل؛ بل بقي ترابا أو ميتا. فتراب ~~القبور إذا قدر أن الميت خلق من ذلك التراب فاستحال منه وصار بدن الميت: ~~فهو بدنه وفضله معلوم. وأما ما بقي في القبر فحكمه حكم أمثاله بل تراب كان ~~يلاقي جباههم عند السجود - وهو أقرب ما يكون العبد من ربه المعبود - أفضل ~~من تراب القبور واللحود. وبسط هذا له موضع آخر. # PageV27P263 # والمقصود هنا: أن مسجد الرسول وغيره من المساجد فضيلتها بكونها بيوت الله ~~التي بنيت لعبادته قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال تعالى: ~~{ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} - إلى ~~قوله - {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وقال تعالى: ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} ~~{رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} . # والمساجد الثلاثة لها فضل على ما سواها فإنها بناها أنبياء ودعوا الناس ~~إلى السفر إليها. فالخليل دعا إلى المسجد الحرام وسليمان دعا إلى بيت ~~المقدس ونبينا دعا إلى الثلاثة: إلى مسجده. والمسجدين ولكن جعل السفر إلى ~~المسجد الحرام فرضا والآخرين تطوعا. وإبراهيم وسليمان لم يوجبا شيئا ولا ~~أوجب الخليل الحج؛ ولهذا لم يكن بنو إسرائيل يحجون ولكن حج موسى ويونس ~~وغيرهما: ولهذا لم يكن # PageV27P264 # الحج واجبا في أول الإسلام؛ ms7923 وإنما وجب في سورة آل عمران بقوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت} هذا هو الذي اتفق عليه المسلمون: أنه يفيد ~~إيجابه. وأما قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} فقيل: إنه يفيد إيجابهما ~~ابتداء وإتمامهما بعد الشروع. وقيل: إنما يفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع لا ~~إيجابهما ابتداء. وهذا هو الصحيح فإن هذه الآية نزلت عام الحديبية بإجماع ~~الناس بعد شروع النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة - عمرة الحديبية - لما ~~صده المشركون وأبيح فيها التحلل للمحصر فحل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه لما صدهم المشركون ورجعوا. والحج والعمرة يجب على الشارع فيهما ~~إتمامهما باتفاق الأئمة. وتنازعوا في الصيام والصلاة والاعتكاف؟ على قولين ~~مشهورين. ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه لا يجب الإتمام ومذهب ~~مالك وأبي حنيفة أنه يجب كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود أن مسجد ~~الرسول. فضيلة السفر إليه لأجل العبادة فيه والصلاة فيه بألف صلاة؛ وليس ~~شيء من ذلك لأجل القبر بإجماع المسلمين. وهذا من الفروق بين مسجد الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وغيره وبين قبره وغيره. فقد ظهر الفرق من وجوه. # PageV27P265 # وهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعا. ثم لما رأوا ~~ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر ~~إليها كما يسافر إليه. فضلوا من وجوه: # أحدها: أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده وهو مستحب بالنص والإجماع. # الثاني: أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه وقبل دخول ~~الحجرة وبعد دخول الحجرة فيه. فهو سفر إلى المساجد سواء كان القبر هناك أو ~~لم يكن. فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى قبر مجرد. # الثالث: أن من العلماء من يكره أن يسمي هذا زيارة لقبره. # والذين لم يكرهوه يسلمون لأولئك الحكم؛ وإنما النزاع في الاسم. وأما غيره ~~فهو زيارة لقبره بلا نزاع. فللمانع أن يقول: لا أسلم أنه يمكن أن يسافر إلى ~~زيارة قبره أصلا وكل ما سمي زيارة قبر فإنه لا يسافر إليه ms7924 والسفر إلى مسجد ~~نبينا ليس سفرا إلى زيارة قبره بل هو سفر لعبادة في مسجده. الرابع: أن هذا ~~السفر مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى قبور سائر الأنبياء والصالحين ليس ~~مستحبا لا بنص ولا إجماع؛ بل # PageV27P266 # هو منهي عنه عند الأئمة الكبار كما دل عليه النص. الخامس: أن المسجد الذي ~~عند قبره مسجده الذي أسس على التقوى وهو أفضل المساجد غير المسجد الحرام ~~والصلاة فيه بألف صلاة والمساجد التي على قبور الأنبياء والصالحين نهي عن ~~اتخاذها مساجد والصلاة فيها كما تقدم. فكيف عن السفر إليها. السادس: أن ~~السفر إلى مسجده - الذي يسمى السفر لزيارة قبره - هو ما أجمع عليه المسلمون ~~جيلا بعد جيل وأما السفر إلى سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان بل ولا عن أتباع التابعين ولا استحبه أحد من الأئمة ~~الأربعة ولا غيرهم. فكيف يقاس هذا بهذا؟ وما زال المسلمون من عهده وإلى هذا ~~الوقت يسافرون إلى مسجده؛ إما مع الحج وإما بدون الحج. فعلى عهد الصحابة لم ~~يكونوا يأتونه مع الحج - كما يسافرون إلى مكة - فإن الطرقات كانت آمنة وكان ~~إنشاء السفر إليه أفضل من أن يجعل تبعا لسفر الحج. وعمر بن الخطاب قد أمرهم ~~أن يفردوا للعمرة سفرا وللحج سفرا وهذا أفضل - باتفاق الأئمة الأربعة ~~وغيرهم - من التمتع والقران؛ فإن الذين فضلوا التمتع والقران كما فضل أحمد ~~التمتع لمن لم يسق الهدي والقران لمن ساق الهدي - في المنصوص عنه وصرح في ~~غير موضع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا - # PageV27P267 # هو مع ذلك يقول: إن إفراد العمرة بسفر والحج بسفر أفضل من التمتع والقران ~~وكذلك مذهب أبي حنيفة - فيما ذكره محمد بن الحسن - أن عمرة كوفية أفضل من ~~التمتع والقران. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود أن المسلمين ما زالوا ~~يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون إلى قبور الأنبياء: كقبر موسى وقبر الخليل ~~عليه السلام ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة ~~مجيئهم إلى الشام والبيت ms7925 المقدس. فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي ~~يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى قبور الأنبياء السابع: أن السفر ~~المشروع إلى مسجده يتضمن أن يفعل في مسجده ما كان يفعل في حياته وحياة ~~خلفائه الراشدين: من الصلاة والسلام عليه والثناء والدعاء كما يفعل ذلك في ~~سائر المساجد وسائر البقاع. وإن كان مسجده أفضل. فالمشروع فيه عبادة لله ~~مأمور بها وأما الذي يفعله من سافر إلى قبر غيره فإنما هو من نوع الشرك ~~كدعائهم وطلب الحوائج منهم واتخاذ قبورهم مساجد وأعيادا وأوثانا. وهذا محرم ~~بالنص والإجماع. فإن قلت: فقد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا. # PageV27P268 # قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك؛ فإن الله أجاب دعوته حيث ~~قال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد.} . وأما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض ~~الناس الجهال وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما يفعل ما شرع وهؤلاء ينهون ~~أولئك بحسب الإمكان فلا يجتمع الزوار على الضلال وأما قبر غيره فالمسافرون ~~إليه كلهم جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر؛ ولا أحد هناك ينكر ~~عليهم. الوجه الثامن: أن يقال قبره معلوم متواتر؛ بخلاف قبر غيره. ومما ~~ينبغي أن يعلم أن الله تعالى حفظ عامة قبور الأنبياء ببركة رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلم يتمكن الناس مع ظهور دينه أن يتخذوا قبور الأنبياء ~~مساجد كما أظهر من الإيمان بنبوة الأنبياء وما جاءوا به: من إعلان ذكرهم ~~ومحبتهم وموالاتهم والتصديق لأقوالهم والاتباع لأعمالهم: ما لم يكن هذا ~~لأمة أخرى. وهذا هو الذي ينتفع به من جهة الأنبياء وهو تصديقهم فيما أخبروا ~~وطاعتهم فيما أمروا والاقتداء بهم فيما فعلوا وحب ما كانوا يحبونه وبغض ما ~~كانوا يبغضونه وموالاة من يوالونه ومعاداة من يعادونه ونحو ذلك مما لا يحصل ~~إلا بمعرفة أخبارهم. والقرآن والسنة مملوءان من ذكر الأنبياء. وهذا أمر ~~ثابت في القلوب مذكور بالألسنة؛ وأما نفس القبر فليس # PageV27P269 # في رؤيته شيء من ذلك؛ بل أهل الضلال يتخذونها أوثانا كما كانت اليهود ~~والنصارى ms7926 يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فببركة رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أظهر الله من ذكرهم ومعرفة أحوالهم ما يجب الإيمان به ~~وتنتفع به العباد. وأبطل ما يضر الخلق من الشرك بهم واتخاذ قبورهم مساجد ~~كما كانوا يتخذونها في زمن من قبلنا. ولم يكن على عهد الصحابة قبر نبي ظاهر ~~يزار؛ لا بسفر ولا بغير سفر. لا قبر الخليل ولا غيره. ولما ظهر بتستر " قبر ~~دانيال " وكانوا يستسقون به كتب فيه أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب؛ ~~فكتب إليه يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا ويدفنه بالليل في واحد ~~منها ويعفي القبور كلها لئلا يفتتن به الناس. وهذا قد ذكره غير واحد. وممن ~~رواه يونس بن بكر في " زيادات مغازي ابن إسحق " عن أبي خلدة خالد بن دينار. ~~حدثنا أبو العالية قال: لما فتحنا " تستر " وجدنا في بيت مال الهرمزان ~~سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن ~~الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه: قرأته ~~مثلما أقرأ القرآن هذا. فقلت: لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم ~~وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد # PageV27P270 # قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما ~~كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه. قلت: ~~وما يرجون فيه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. ~~فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له " دانيال " فقلت: منذ كم ~~وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا؛ ~~إلا شعيرات من قفاه؛ إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ~~ولم تدع الصحابة في الإسلام قبرا ظاهرا من قبور الأنبياء يفتتن به الناس؛ ~~ولا يسافرون إليه ولا يدعونه ولا يتخذونه مسجدا. بل قبر نبينا صلى الله ~~عليه وسلم حجبوه في الحجرة ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان وغيره من القبور ~~عفوه بحسب الإمكان؛ إن كان الناس يفتتنون ms7927 به وإن كانوا لا يفتتنون به فلا ~~يضر معرفة قبره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لما ذكر أن ملك الموت ~~أتى موسى - عليه السلام - فقال: أجب ربك فلطمه موسى ففقأ عينه فرجع الملك ~~إلى الله فقال: أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال: فرد ~~الله عليه عينه وقال: ارجع إلى موسى فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد ~~الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة. ~~قال ثم ماذا؟ # PageV27P271 # قال: الموت قال: فمن الآن يا رب ولكن أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند ~~الكثيب الأحمر} . وقد مر به صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فرآه وهو قائم ~~يصلي في قبره ومع هذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إليه ولا ~~ذهبوا إليه لما دخلوا الشام في زمن أبي بكر وعمر كما لم يكونوا يسافرون إلى ~~قبر الخليل وغيره وهكذا كانوا يفعلون بقبور الأنبياء والصالحين. فقبر " ~~دانيال " - كما قيل - كانوا يجدون منه رائحة المسك فعفوه لئلا يفتتن به ~~الناس. و " قبر الخليل " عليه السلام كان عليه بناء. قيل: إن سليمان - عليه ~~السلام - بناه فلا يصل أحد إليه؛ وإنما نقب البناء بعد زمان طويل بعد ~~انقراض القرون الثلاثة. وقد قيل: إنما نقبه النصارى لما استولوا على ملك ~~البلاد ومع هذا فلم يتمكن أحد من الوصول إلى قبر الخليل - صلوات الله عليه ~~وسلامه - فكان السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ممتنعا على عهد ~~الصحابة والتابعين وإنما حدث بعدهم. فالأنبياء كثيرون جدا وما يضاف إليهم ~~من القبور قليل جدا؛ وليس منها شيء ثابت عرفا. فالقبور المضافة إليهم منها ~~ما يعلم أنه كذب: مثل " قبر نوح " الذي في أسفل جبل لبنان. ومنها # PageV27P272 # ما لا يعلم ثبوته بالإجماع - إلا قبر نبينا والخليل وموسى - فإن هذا من ~~كرامة محمد وأمته؛ فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن ms7928 تكون مساجد صيانة لم ~~يحصل مثلها في الأمم المتقدمة؛ لأن محمدا وأمته أظهروا التوحيد إظهارا لم ~~يظهره غيرهم. فقهروا عباد الأوثان وعباد الصلبان وعباد النيران. وكما أخفى ~~الله بهم الشرك فأظهر الله بمحمد وأمته من الإيمان بالأنبياء وتعظيمهم ~~وتعظيم ما جاءوا به وإعلان ذكرهم بأحسن الوجوه ما لم يظهر مثله في أمة من ~~الأمم وفي القرآن يأمر بذكرهم كقوله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه ~~كان صديقا نبيا} {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا} ~~الآيات. وقوله: {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} ~~وذكر بعده سليمان إلى قوله: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه} إلى قوله: ~~{واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} إلى قوله ~~{واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل} . فأمر بذكر هؤلاء. وأما موسى وقبله نوح ~~وهود وصالح فقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ~~ذو الأوتاد} {وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب} {إن كل إلا كذب ~~الرسل فحق عقاب} . وقد أمر بذكر موسى وغيره أيضا في سورة # PageV27P273 # أخرى كما تقدم. فالذي أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل ~~الذكر وأخبارهم ومدحهم والثناء عليهم ووجوب الإيمان بما جاءوا به والحكم ~~بالكفر على من كفر بواحد منهم وقتله وقتل من سب أحدا منهم ونحو ذلك من ~~تعظيم أقدارهم: ما لم يوجد مثله في ملة من الملل. # و" أصل الإيمان " توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسله كما ~~قال تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} {عما كانوا يعملون} قال أبو العالية: ~~خلتان تسأل العباد يوم القيامة عنهما: عما كانوا يعملون وعما أجابوا الرسل. ~~ولهذا يقرر الله هذين الأصلين في غير موضع من القرآن بل يقدمهما على كل ما ~~سواهما؛ لأنهما أصل الأصول: مثلما ذكر في " سورة البقرة " فإنه افتتحها ~~بذكر أصناف الخلق وهم ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق. وهذا التقسيم كان لما هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فإن مكة لم يكن بها نفاق؛ ms7929 بل إما ~~مؤمن؛ وإما كافر. و " البقرة " مدنية من أوائل ما نزل بالمدينة فأنزل الله ~~أربع آيات في ذكر المؤمنين وآيتين في ذكر الكافرين وبضع عشرة آية في صفة ~~المنافقين. وافتتحها بالإيمان بجميع الكتب والأنبياء ووسطها بذلك وختمها # PageV27P274 # بذلك. قال في أولها: {الم} {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} {الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} {أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} . والصحيح في قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك} أنه والذي قبله صفة لموصوف واحد؛ فإنه لا بد من الإيمان بما ~~أنزل إليه وما أنزل من قبله والعطف لتغاير الصفات كقوله: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن} وقوله: {الذي خلق فسوى} {والذي قدر فهدى} {والذي أخرج ~~المرعى} وقوله: {قد أفلح المؤمنون} {الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم ~~عن اللغو معرضون} - إلى قوله - {أولئك هم الوارثون} {الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون} . ومن قال: {الذين يؤمنون بالغيب} أراد به مشركي العرب ~~وقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أن المراد به أهل ~~الكتاب: فقد غلط؛ فإن مشركي العرب لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من ~~قبله فلم يكونوا مفلحين. وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون لم يكونوا مفلحين؛ ولهذا قال تعالى: {أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون} فدل على أنهم صنف واحد. # PageV27P275 # وقال في وسط السورة: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} فأمر بالإيمان بكل ~~ما أوتي النبيون من ربهم وقد قال في أثنائها: {ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} وختمها بقوله: {آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد ms7930 من رسله} . ثم إنه بعد تقسيم الخلق قرر أصول الدين. فقرر التوحيد أولا ~~ثم النبوة ثانيا بقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون} {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون} ثم قرر النبوة بقوله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} {فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا} فأخبر أنهم لا يفعلون ذلك كما قال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} . ثم ذكر الجنة. فقرر ~~التوحيد والنبوة والمعاد. وهذه أصول الإيمان. # PageV27P276 # وفي آل عمران قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} {نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل} {من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان} . فذكر التوحيد أولا ثم الإيمان بما جاءت به الرسل ثانيا وذكر أنه ~~أنزل الكتاب والفرقان كما قال: {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} . ولفظ " ~~الفرقان " يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل الآيات التي بعث بها ~~الأنبياء: كالحية واليد البيضاء وانفلاق البحر. والقرآن فرقان بين هذا ~~الوجه: من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم عظيم. وهو ~~أيضا فرقان باعتبار أنه فرق ببيانه بين الحق والباطل كما قال: {تبارك الذي ~~نزل الفرقان على عبده} ولهذا فسر جماعة الفرقان هنا به. ولفظ " الفرقان " ~~أيضا يتناول نصر الله لأنبيائه وعباده المؤمنين وإهلاك أعدائهم؛ فإنه فرق ~~به بين أوليائه وأعدائه وهو أيضا من الأعلام قال تعالى: {إن كنتم آمنتم ~~بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} . والآيات التي ~~يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله كما قال: {وقالوا لولا ~~نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية} وقال: {إن نشأ ننزل ~~عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} وقال ms7931 تعالى: {فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون} . وبسط هذا له موضع آخر. # PageV27P277 # والمقصود هنا: التنبيه. وكذلك في " سورة يونس " قال تعالى: {أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم} ثم قال: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون} وفي سورة " الم السجدة " قال تعالى: {الم} {تنزيل ~~الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} {أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} {الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقال: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} ~~{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} {ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} . ومن هذا قوله تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} ~~{ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} وقوله: {فإن لم يستجيبوا ~~لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} ~~وقوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه ~~لا إله إلا أنا فاتقون} وقوله: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون} ثم قال: # PageV27P278 # {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} . وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص تارة وتارة قوله تعالى {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم} الآيات. وفي الثانية {قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ms7932 وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون} . وهذا باب واسع؛ لأن الناس مضطرون إلى هذين الأصلين فلا ~~ينجون من العذاب ولا يسعدون إلا بهما. فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما ~~جاءوا به وأصل ما جاءوا به أن لا يعبدوا إلا الله وحده كما قال: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال ~~تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} . والأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - هم وسائط بين الله وبين ~~خلقه في تبليغ كلامه وأمره ونهيه ووعده ووعيده وأنبائه التي أنبأ بها عن ~~أسمائه وصفاته وملائكته وعرشه وما كان وما يكون وليسوا وسائط في خلقه ~~لعباده ولا في رزقهم وإحيائهم وإماتتهم ولا # PageV27P279 # جزائهم بالأعمال وثوابهم وعقابهم ولا في إجابة دعواتهم وإعطاء سؤالهم؛ بل ~~هو وحده خالق كل شيء وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه وهو الذي يسأله من في ~~السموات والأرض كل يوم هو في شأن {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون} وقال تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله واحد فإياي فارهبون} {وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير ~~الله تتقون} كما قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} وقال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} . فبين أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء ~~وغيرهم لا يملكون مثقال ms7933 ذرة ولا لأحد منهم شرك معه ولا له ظهير منهم فلم ~~يبق إلا الشفاعة {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فالأمر في الشفاعة ~~إليه وحده كما قال تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا} وقال: {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة} . وقوله {إلا من # PageV27P280 # شهد بالحق وهم يعلمون} استثناء منقطع في أصح القولين. # فانقسم الناس فيهم " ثلاثة أقسام ": قوم أنكروا توسطهم بتبليغ الرسالة ~~فكذبوا بالكتب والرسل: مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون ~~وغيرهم ممن يخبر الله أنهم كذبوا المرسلين؛ فإنهم كذبوا جنس الرسل؛ يؤمنوا ~~ببعضهم دون بعض. ومن هؤلاء منكرو النبوات من البراهمة وفلاسفة الهند ~~المشركين وغيرهم من المشركين وكل من كذب الرسل لا يكون إلا مشركا وكذلك من ~~كذب ببعضهم دون بعض كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا} . فكل من كذب محمدا أو المسيح أو ~~داود أو سليمان أو غيرهم من الأنبياء الذين بعثوا بعد موسى: فهو كافر قال ~~تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} وقال تعالى: ~~{وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما ~~لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} وقال تعالى: {وإذا ~~قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ~~وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم # PageV27P281 # تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} والفلاسفة والملاحدة وغيرهم ~~منهم من يجعل النبوات من جنس المنامات ويجعل مقصودها التخييل فقط. قال ~~تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} فهؤلاء مكذبون ~~بالنبوات. ومنهم من يجعلهم مخصوصين بعلم ينالونه بقوة قدسية بلا تعلم؛ ولا ~~يثبت ملائكة تنزل بالوحي. ولا كلاما لله يتكلم به بل يقولون إنه لا يعلم ~~الجزئيات فلا يعلم لا موسى ولا محمدا ولا غيرهما من الرسل ويقولون: خاصية ~~النبي - هذه القوة العلمية ms7934 القدسية - قوة يؤثر بها في العالم وعنها تكون ~~الخوارق وقوة تخيلية وهو أن تمثل له الحقائق في صور خيالية في نفسه فيرى في ~~نفسه أشكالا نورانية ويسمع في نفسه كلاما. فهذا هو النبي عندهم. وهذه ~~الثلاث توجد لكثير من آحاد العامة الذين غيرهم من النبيين أفضل منهم. ~~وهؤلاء وإن كانوا أقرب من الذين قبلهم فهم من المكذبين للرسل. وكثير من أهل ~~البدع يقر بما جاءوا به إلا في أشياء تخالف رأيه فيقدم رأيه على ما جاءوا ~~به ويعرض عما جاءوا به فيقول: إنه لا يدري ما أرادوا به أو يحرف الكلم عن ~~مواضعه. وهؤلاء موجودون في أهل الكتاب وفي أهل القبلة ولهذا ذكر الله في ~~أول البقرة المؤمنين والكافرين؛ ثم ذكر المنافقين وبسط القول فيهم. # PageV27P282 # وقسم ثان غلوا في الأنبياء والصالحين وفي الملائكة أيضا: فجعلوهم وسائط ~~في العبادة فعبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى وصوروا تماثيلهم وعكفوا على ~~قبورهم. وهذا كثير في النصارى ومن ضاهاهم من ضلال أهل القبلة؛ ولهذا ذكر ~~الله هذا الصنف في القرآن في " آل عمران " وفي " براءة " في ضمن الكلام على ~~النصارى وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . وهذا الذي ~~أمره الله أن يقوله لهم هو الذي كتب إلى هرقل ملك الروم. وهؤلاء قد يظنون ~~أنهم إذا استشفعوا بهم شفعوا لهم وأن من قصد معظما من الملائكة والأنبياء ~~فاستشفع به شفع ms7935 له عند الله كما يشفع خواص الملوك عندهم. وقد أبطل الله هذه ~~الشفاعة في غير # PageV27P283 # موضع من القرآن وبين الفرق بينه وبين خلقه؛ فإن المخلوق يشفع عند المخلوق ~~بغير إذنه ويقبل الشفاعة لرغبة أو رهبة أو محبة أو نحو ذلك فيكون الشفيع ~~شريكا للمشفوع إليه. وهذه الشفاعة منتفية في حق الله قال تعالى: {من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} . ~~وهؤلاء يحجون إلى قبورهم ويدعونهم؛ وقد يسجدون لهم وينذرون لهم وغير ذلك من ~~أنواع العبادات. وهؤلاء أيضا مشركون. وأكثر المشركين يجمعون بين التكذيب ~~ببعض ما جاءوا به وبين الشرك فيكون فيهم نوع من الشرك بالخالق وتكذيب رسله ~~ومنهم من يجمع بين الشرك والتعطيل. فيعطل الخالق أو بعض ما يستحقه من ~~أسمائه وصفاته. فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون لهم ~~بإحسان إلى يوم القيامة ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء بل يثبتون أنهم وسائط ~~في التبليغ عن الله ويؤمنون بهم ويحبونهم ولا يحجون إلى قبورهم ولا يتخذون ~~قبورهم مساجد. وذلك تحقيق " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~". فإظهار ذكرهم وما جاءوا به هو من الإيمان بهم وإخفاء قبورهم لئلا يفتتن ~~بها الناس هو من تمام التوحيد وعبادة الله وحده. والصحابة وأمة محمد قاموا ~~بهذا. # PageV27P284 # ولهذا تجد عند علماء المسلمين من أخبار أهل العلم والدين: من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم. من مشايخ العلم والدين والعدل من ولاة الأمور: ما ~~يوجب معرفة ذلك الشخص والثناء عليه والدعاء له وأن يكون له لسان صدق وما ~~ينتفع به: إما كلام له ينتفع به وإما عمل صالح يقتدى به فيه. فإن العلماء ~~ورثة الأنبياء والأنبياء - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - يقصد الانتفاع ~~بما قالوه وأخبروا به وأمروا به والاقتداء بهم فيما فعلوه - صلوات الله ~~عليهم أجمعين. وأما أهل الضلال - كالنصارى وأهل البدع - فهم مع غلوهم ~~وتعظيمهم لقبورهم وتماثيلهم والاستشفاع بهم لا تجد عندهم من أخبارهم ما ~~يعرف صدقه من كذبه؛ بل قد التبس ms7936 هذا بهذا ولا يكاد أحد من علمائهم يميز ~~فيما هم عليه من الدين بين ما جاء عن المسيح وما جاء عن غيره: إما من ~~الأنبياء. وإما من شيوخهم بل قد لبسوا الحق بالباطل. وكذلك أهل الضلال ~~والبدع من أهل القبلة: تجدهم يعظمون شيخا أو إماما أو غير ذلك ويشركون به ~~ويدعونه من دون الله ويستغيثون به وينذرون له ويحجون إلى قبره. وقد يسجدون ~~له وقد يعبدونه أعظم مما يعبدون الله كما يفعل النصارى وهم مع ذلك من أجهل ~~الناس بأحواله: ينقلون عنه أخبارا مسيبة ليس لها إسناد # PageV27P285 # ولا يعرف صدقها من كذبها؛ بل عامة ما يحفظونه ما فيه غلو وشطح للإشراك ~~به. فأهل الإسلام الذين يعرفون دين الإسلام ولا يشوبونه بغيره يعرفون الله ~~ويعبدونه وحده ويعرفون أنبياءه فيقرون بما جاءوا به ويقتدون به ويعرفون أهل ~~العلم والدين وينتفعون بأقوالهم وأفعالهم. وأهل الضلال في ظلمة لا يعرفون ~~الله ولا أنبياءه. ولا أولياءه ولا يميزون بين ما أمر الله به وما نهى عنه ~~وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. ولا ريب أن في أهل القبلة من يشبه ~~اليهود والنصارى في بعض الأمور كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى. ~~قال: فمن} وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها: شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا: يا ~~رسول الله فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا هؤلاء؟ . ومشابهتهم في الشرك ~~بقبور الأنبياء والصالحين هو من مشابهتهم التي حذر منها أمته قبل موته في ~~صحته ومرضه وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV27P286 # قبل أن يموت بخمس وهو يقول:} إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ ~~فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا ms7937 من أمتي ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور ~~أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ~~{. وأما لعنه لمن فعل ذلك: ففي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم بها ~~كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك:} لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد {يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ غير أنه ~~خشي أن يتخذ مسجدا وفي لفظ: غير أنه خشي أو خشي. وفي الصحيح أيضا عن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} هذا لفظ مسلم وله وللبخاري: {قاتل الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وفي الصحيحين عن عائشة: {أن أم حبيبة ~~وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولئك إذا مات فيهم # PageV27P287 # الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق ~~عند الله يوم القيامة} وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} . وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر. وقد ~~بسط الكلام في هذا الباب في الرد على من هو أفضل من هذا وبين ما خالفوا فيه ~~الكتاب والسنة والإجماع في هذا الباب وفي غيره. ولما كان أولئك أعلم وأفضل ~~كان الرد عليهم بحسبهم. والله أعلم. # صورة خطوط القضاة الأربعة على ظهر فتيا الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن ~~تيمية في " السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ": # هذا المنقول باطنها جوابا عن ms7938 السؤال أن زيارة الأنبياء بدعة أو ما ذكره ~~من نحو ذلك وأنه لا يترخص في السفر إلى زيارة الأنبياء. هذا كلام باطل ~~مردود عليه. وقد نقل جماعة من العلماء والأئمة الكبار أن زيارة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر ~~عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند # PageV27P288 # العلماء والأئمة الكبار ويمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند الأئمة ~~الأربعة ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهر أمره ليتحفظ الناس من الاقتداء ~~به. كتبه العبد الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة. وتحته: ~~يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي. وتحته: كذلك يقول محمد بن الجريري ~~الحنفي. لكن يحبس الآن جزما مطلقا. وتحته: كذلك يقول العبد الفقير إلى الله ~~محمد بن أبي بكر المالكي إن ثبت ذلك عليه ويبالغ في زجره بحسب ما تندفع به ~~هذه المفسدة وغيرها من المفاسد. فهذه صورة خطوطهم بمصر. والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على محمد سيدنا وآله وصحبه وسلم تسليما. # قال شيخ الإسلام أسكنه الله الجنة آمين # بسم الله الرحمن الرحيم # ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما. # PageV27P289 # فصل: # في الجواب عما كتب على نسخة جواب الفتيا وبيان بطلان ذلك وأن الحكم به ~~باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة: قد بسطت في غير هذا الموضع. وهي خمسون ~~وجها: تبين بطلان ما كتب به وبطلان الحكم به. الأول: أنه نقل عن الجواب ما ~~ليس فيه ورتب الحكم على ذلك النقل الباطل. ومثل هذا باطل بالإجماع؛ فإنه ~~نقل أن المجيب قال: إن زيارة الأنبياء بدعة أو أنه ذكر نحو ذلك والمجيب لم ~~يذكر ذلك ولا نقل ذلك عن أحد من العلماء؛ وإنما ms7939 في الجواب ذكر قول العلماء ~~فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. هل يحرم هذا السفر أو يجوز ~~وأن الطائفتين اتفقوا على أنه غير مستحب. والطائفتان لم يقولا ذلك في ~~الزيارة المطلقة بل جمهورهم يقولون: إن زيارة القبور مستحبة وهذا هو الصحيح ~~كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة؛ ولكن لا يقولون: إنه يستحب السفر إليها كما ~~اتفق المسلمون على أنه يشرع إتيان المساجد غير المساجد الثلاثة وأن إتيانها # PageV27P290 # قد يكون فرضا وقد يكون سنة: مثل إتيانها للجمعة والجماعة. واتفقوا على أن ~~السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بفرض ولا سنة فهكذا زيارة القبور على ~~الوجه الشرعي مستحبة وهي سنة والسفر إلى ذلك ليس بفرض ولا سنة عند ~~الطائفتين. والمجيب لم يذكر لنفسه في الجواب قولا؛ بل حكى أقوال علماء ~~المسلمين وأدلتهم وهؤلاء نقلوا عنه ما لم يقله واستدلوا بما لا ينازع فيه ~~وأخطئوا فيما نقلوه وفهموه من كلام من نقل الإجماع وفيما استدلوا به عليه ~~وذلك من وجوه كثيرة جدا ولكن مقصود هذا الوجه: أن الذي كتب على الجواب نقل ~~عنه أنه هو القائل وأنه قال: إن زيارة الأنبياء بدعة وهذا باطل عنه. والحكم ~~المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع. الوجه الثاني: أن الطائفتين من ~~علماء المسلمين اتفقوا على أن السفر لمجرد زيارة القبور ليس بفرض ولا سنة ~~وهؤلاء جعلوا السفر إلى زيارة القبور سنة سنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسن لأمته السفر لذلك ولا قال علماء ~~شريعته إن السفر إليها سنة. فقد حكموا بما يخالف السنة والإجماع وهذا الحكم ~~باطل بالإجماع. وذلك أن المجيب ذكر القولين - فيمن لم يسافر إلا إلى القبور ~~ولم يقصد مع ذلك المسجد - قول من جوز ذلك ولم يستحبه # PageV27P291 # وقول من حرمه. وهم لم يقتصروا على رد أحد القولين فإن هذا لا يناقض ما ~~ذكره المجيب بل قالوا: وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه ~~الفتاوى الباطلة عند العلماء ومتى ما بطل ما ذكره في الجواب ms7940 بالقولين تعين ~~جعل السفر سنة مستحبة. وأيضا فإنهم احتجوا بنقل من نقل الإجماع على استحباب ~~السفر الذي ذكر فيه القولين. الثالث: أنهم احتجوا بنقل من نقل من العلماء ~~أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة مرغب فيها وسنة مجمع عليها. ~~وهؤلاء نقلوا الإجماع على الزيارة لا على السفر لمجرد القبر. ولو نقلوا ~~الإجماع على السفر للزيارة فمعلوم أن المسلمين يقصدون المسجد والقبر لا ~~يقصد القبر دون المسجد إلا جاهل وإذا قصد الزائر المسجد والقبر جميعا ~~فالمجيب لم يذكر القولين في هذه الصورة وإنما ذكرهما فيمن لم يسافر إلا ~~لمجرد زيارة القبور والجواب لم يكن في خصوص قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل كان في جنس القبور. وجعلوا ذلك إجماعا على السفر إلى سائر قبور الأنبياء ~~فإن المجيب فرق بين الزيارة النبوية الشرعية التي أجمع المسلمون على ~~استحبابها وبين ما أجمعوا على أنه لا يستحب وما تنازعوا فيه وما نقلوه من ~~الإجماع وإن كان عندهم لا يدل على مثل ما ذكره المجيب لم يكن حجة عليه وهم ~~جعلوه حجة # PageV27P292 # على بطلان الجواب وذلك إنما يكون إذا قيل باستحباب السفر مطلقا فغلطوا ~~على من نقل الإجماع فلم يفهموا مراده وحكموا بناء على هذا الاعتقاد الباطل ~~ومثل ذلك باطل بالإجماع. الرابع: أنهم جعلوا هذا النقل مخالفا للجواب وليس ~~مخالفا له؛ بل المفتي قد ذكر في الجواب استحباب العلماء لزيارة قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يحك عن أحد أنه قال: زيارة قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم محرمة والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع. الخامس: أن ~~هؤلاء جعلوا جنس الزيارة مستحبا بالإجماع ولم يفصلوا بين المشروع والمحرم. ~~والزيارة بعضها مشروع وبعضها محرم بالإجماع كما ذكر ذلك في جواب الفتيا وهم ~~أنكروا هذا التفصيل وهذا مخالف للإجماع والحكم به باطل بالإجماع. فإن ~~المجيب لم ينكر السفر للزيارة الشرعية بالإجماع؛ بل بين في الجواب ما أجمع ~~عليه المسلمون من السفر ومن الزيارة. وهذا مبسوط في مواضع كثيرة من كلامه ~~مشهور عنه. ms7941 وذكر ما تنازعوا فيه وما اتفقوا على النهي عنه. فلو وافقوا على ~~التفصيل لم ينكروا الجواب فلما جعلوا الجواب باطلا عند العلماء تبين أنهم ~~لم يفصلوا. # PageV27P293 # السادس: أن الزيارة ثلاثة أنواع: نوع اتفق العلماء على استحبابه. ونوع ~~اتفقوا على النهي عنه. ونوع تنازعوا فيه. وفي الجواب ذكر الأنواع الثلاثة. ~~وهؤلاء لم يفصلوا بين ما أجمع عليه وبين ما تنازع العلماء فيه ولا ذكروا أن ~~ما تنازع فيه العلماء يرد إلى الله والرسول؛ بل جعلوه مردودا بمجرد قولهم ~~وهذا باطل بالإجماع. والحكم بذلك باطل بالإجماع. والمجيب إنما ذكر اتفاق ~~الطائفتين على أن السفر غير مستحب إذا سافر لمجرد زيارة قبر بعض الأنبياء ~~والصالحين وهذا منتف في الغالب في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن من هو ~~عارف بشريعة الإسلام لا بد أن يقصد المسجد مع القبر؛ لا سيما مع علمه بأنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: {صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام} . ولهذا احتج طائفة من العلماء على استحباب ~~زيارة قبره بهذا الحديث. وهذه الزيارة التي يفعلها من يعلم الشريعة لم يذكر ~~المجيب أنها لا تستحب بالإجماع. وكيف يقول ذلك واستحبابها موجود في كلام ~~العلماء السابع: أن الإجماع على أن الزيارة سنة وفضيلة ليس هو إجماعا على ~~كل ما يسمى زيارة ولا على هذا اللفظ؛ بل هو إجماع على ما شرعه الله من ~~حقوقه في مسجده. وهل يكره أن يسمى ذلك زيارة لقبره على قولين. وكثير مما ~~يسمى زيارة لقبره فيه نزاع أو هو منهي # PageV27P294 # عنه بالإجماع وهؤلاء جعلوا الإجماع متناولا لما تنازع العلماء فيه ~~واحتجوا بالإجماع في موارد النزاع وهذا خطأ. الثامن: أن ما تنازع فيه ~~العلماء يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء لم يردوه إلى الله ولا إلى ~~الرسول؛ بل قالوا إنه كلام باطل مردود على قائله بلا حجة من كتاب الله ولا ~~سنة رسوله وهذا باطل بالإجماع. التاسع: أن الذين حكوا الإجماع على استحباب ~~السفر لمجرد زيارة القبر ms7942 بل الإجماع إنما هو على استحباب السفر إلى مسجده. ~~وأما السفر لمجرد القبر فهذا فيه النزاع المشهور. وما فيه نزاع يجب رده إلى ~~الله والرسول وهؤلاء لم يردوا ما تنازع العلماء فيه إلى الله والرسول؛ بل ~~ادعوا فيه الإجماع وغلطوا على من حكوا عنه الإجماع ومن زجر عن قول لكونه ~~مخالفا للإجماع ولم يكن مخالفا للإجماع كان هو المخطئ بالإجماع. العاشر: أن ~~ما لا إجماع فيه يجب رده إلى الله والرسول بالإجماع وإن احتج فيه بالكتاب ~~والسنة كان هو المصيب والجواب فيه ذكر النزاع والاحتجاج بالكتاب والسنة في ~~موارد النزاع وهؤلاء جعلوا ذلك مردودا ولم يردوه إلى الله والرسول؛ بل ردوا ~~على من احتج # PageV27P295 # بالكتاب والسنة في مسائل النزاع وحكموا بهذا الرد المخالف للإجماع. ~~والحكم بمثل ذلك باطل بالإجماع. الحادي عشر: أن الذي ذكر في الفتيا ما أجمع ~~عليه كالزيارة المستحبة وما أجمعوا على النهي عنه وما تنازعوا فيه وهذا ~~أقصى ما يكون عند المفتين. وهؤلاء جعلوا ذلك من الفتاوى الباطلة عند ~~العلماء وهذا التفصيل ليس باطلا عند أحد من علماء المسلمين وهم جعلوه باطلا ~~وحكموا بذلك ومثل هذا الحكم باطل بالإجماع. # الثاني عشر: أن ما تنازع فيه العلماء ليس لأحد من القضاة أن يفصل النزاع ~~فيه بحكم وإذا لم يكن لأحد من القضاة أن يقول: حكمت بأن هذا القول هو ~~الصحيح وأن القول الآخر مردود على قائله؛ بل الحاكم فيما تنازع فيه علماء ~~المسلمين أو أجمعوا عليه: قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالما وإن ~~كان مقلدا كان بمنزلة العامة المقلدين والمنصب والولاية لا يجعل من ليس ~~عالما مجتهدا عالما مجتهدا ولو كان الكلام في العلم والدين بالولاية ~~والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين. وبأن يستفتيه ~~الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين. فإذا كان الخليفة ~~والسلطان لا يدعي ذلك لنفسه ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا ~~بكتاب الله وسنة رسوله: فمن هو دون السلطان في الولاية أولى ms7943 بأن لا يتعدى # PageV27P296 # طوره ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه أبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي - وهم الخلفاء الراشدون - فضلا عمن هو دونهم؛ فإنهم رضي الله عنهم ~~إنما كانوا يلزمون الناس باتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم وكان عمر رضي الله ~~عنه - يقول: إنما بعثت عمالي - أي نوابي - إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة ~~نبيكم ويقسموا بينكم فيأكم؛ بل هذه يتكلم فيها من علماء المسلمين من يعلم ~~ما دلت عليه الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة. فكل من كان أعلم بالكتاب ~~والسنة فهو أولى بالكلام فيها من غيره وإن لم يكن حاكما والحاكم ليس له ~~فيها كلام لكونه حاكما؛ بل إن كان عنده علم تكلم فيها كآحاد العلماء. ~~فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع. وهذا من الحكم الباطل ~~بالإجماع. # الثالث عشر: أن الأحكام الكلية التي يشترك فيها المسلمون - سواء كانت ~~مجمعا عليها أو متنازعا فيها - ليس للقضاة الحكم فيها؛ بل الحاكم العالم ~~كآحاد العلماء يذكر ما عنده من العلم وإنما يحكم القاضي في أمور معينة. ~~وأما كون هذا العمل واجبا أو مستحبا أو محرما فهذا من الأحكام الكلية التي ~~ليس لأحد فيها حكم إلا لله ورسوله. وعلماء المسلمين يستدلون على حكم الله ~~ورسوله بأدلة ذلك. وهؤلاء حكموا في الأحكام الكلية وحكمهم في ذلك # PageV27P297 # باطل بالإجماع. # الرابع عشر: أن الكلام في هذه المسائل الكلية إنما يجوز لمن كان عالما ~~بأقوال علماء المسلمين فيها وما أجمعوا عليه وما تنازعوا فيه عالما بالكتاب ~~والسنة ووجه الاستدلال بهما. وكلام هؤلاء يتضمن أنهم لا يعرفون ما قاله ~~علماء المسلمين في هذه المسائل ولا يميزون بين ما أجمع عليه العلماء ~~وتنازعوا فيه ولا يعرفون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسائل ~~ولا يفرقون بين ما رغب فيه وما نهى عنه ولم يسنه ولا يعرفون الأحاديث ~~الصحيحة والضعيفة في هذا الباب بل ولا يعرفون مذهبهم في هذه المسائل ولا ~~عندهم نقل عن الأئمة الأربعة ولا العلماء المشهورين من أتباعهم فيما قالوه ~~وحكموا به؛ بل ms7944 هم فيه بمنزلة آحاد المتفقهة الطلبة الذين ينبغي لهم طلب علم ~~هذه المسائل؛ بل لا يجوز لأحدهم أن يفتي فيها ولا يناظر ولا يصنف؛ فضلا عن ~~أن يحكم. ومعلوم أن من كان كذلك وحكم فيما ليس له الحكم فيه كان حكمه محرما ~~بالإجماع؛ فكيف إذا حكم فيما ليس له فيه الحكم وحكم بخلاف الإجماع؛ فإن ~~الحاكم إذا حكم بغير اجتهاد ولا تقليد كان حكمه محرما بالإجماع. الخامس ~~عشر: أن القاضي يجب أن يكون مجتهدا عند بعض # PageV27P298 # العلماء وعند بعضهم يجوز له التقليد للعلماء: وهؤلاء لو كانت هذه المسائل ~~مما لهم فيه الحكم فهم لم يقلدوا فيما قالوه أحدا من أئمة المسلمين فضلا أن ~~يكونوا فيه مجتهدين؛ بل حكموا بغير اجتهاد ولا تقليد وهذا الحكم الباطل ~~بالإجماع ولو كان على يهودي عشرة دراهم معينة. فكيف إذا حكموا على علماء ~~المسلمين في الأحكام الكلية التي لا حكم لهم فيها بإجماع. # السادس عشر: لو كان لهم فيها الحكم وقد حكموا بالكتاب والسنة والإجماع لم ~~يكن لهم الحكم حتى يسمعوا كلام المحكوم عليه وحجته ويعذروا إليه وهل له ~~جواب أم لا؟ فإن العلماء تنازعوا في الحقوق كالأموال هل يحكم فيها على ~~غائب؟ على قولين. ومن جوز الحكم عليه قال: هو باق على حجته تسمع إذا حضر. ~~فأما العقوبات والحدود فلا يحكم فيها على غائب وهؤلاء حكموا على غائب في ~~ذلك ولم يمكنوه من سماع كلامه والإدلاء بحجته وهذا لو كان على يهودي كان ~~حكما باطلا بالإجماع. ولهذا كان جميع الناس أهل العلم والدين والعقل ينكرون ~~مثل هذا الحكم ويعلمون أنه حكم بغير حق. # السابع عشر: أنه لو كان الحاكم خصما لشخص في حق من الحقوق لم يجز أن يحكم ~~الحاكم على خصمه بإجماع المسلمين وكذلك " المسائل العلمية " إذا تنازع حاكم ~~وغيره من العلماء في تفسير آية أو # PageV27P299 # حديث أو بعض مسائل العلم لم يكن للحاكم أن يحكم عليه بالإجماع فإنهما ~~خصمان فيما تنازعا فيه. والحاكم لا يحكم على خصمه بالإجماع. الثامن عشر: أن ~~هذه ms7945 المسائل منقولة في كتب أهل العلم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~وهؤلاء حكموا فيها بخلاف مذاهب الأئمة الأربعة ولم يعرفوا مذاهب أئمتهم ولا ~~مذاهب غيرهم من الأئمة والعلماء ولا ما دلت عليه السنة والآثار. ومعلوم أن ~~مثل هذا الحكم باطل بالإجماع ومن ادعى منهم أن الذي حكم به هو قول العلماء ~~فليكتب خطه بذلك وليذكر ما ذكره العلماء فيها من إجماع ونزاع وأدلة ذلك ~~ليتبين أن الذي يقول بخلاف جواب المفتي قول باطل؛ وإلا فقد علم أنهم حكموا ~~بغير الحق وهذا باطل بالإجماع. # التاسع عشر: أنه لو كان أحدهم عارفا بمذهبه لم يكن له أن يلزم علماء ~~المسلمين بمذهبه ولا يقول: يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبي وأنه أي مذهب خالف ~~مذهبي كان باطلا؛ من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة. ولو قال: من ~~خالف مذهبي فقوله مردود ويجب منع المفتي به وحبسه لكان مردودا عليه وكان ~~مستحقا العقوبة على ذلك بالإجماع فكيف إذا كان الذي حكم به ليس هو مذهب أحد ~~من الأئمة الأربعة بل الذي أفتى به المفتي هو موافق للإجماع؛ دون من أنكر ~~قوله وخالف الإجماع. # PageV27P300 # الوجه العشرون: أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أخطأ في مائة مسألة ~~لم يكن ذلك عيبا وكل من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يصيب ويخطئ. ومن منع ~~عالما من الإفتاء مطلقا وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل: كان ذلك باطلا ~~بالإجماع. فالحكم بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع. فكيف إذا كان المفتي قد ~~أجاب بما هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول علماء أمته؟ . # الحادي والعشرون: أن المفتي لو أفتى في المسائل الشرعية " مسائل الأحكام ~~" بما هو أحد قولي علماء المسلمين واستدل على ذلك بالكتاب والسنة وذكر أن ~~هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة؛ دون القول الآخر: في أي باب كان ~~ذلك: من مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك: لم يكن ~~لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة؛ ولا أن ms7946 يحكم بلزومه ~~ولا منعه من القول الآخر بالإجماع. فكيف إذا منعه منعا عاما وحكم بحبسه فإن ~~هذا من أبطل الأحكام بإجماع المسلمين. # الثاني والعشرون: أن الحاكم لو ظن الإجماع فيما ليس فيه إجماع وألزم ~~الناس بذلك القول لظنه أنه مجمع عليه ولم يستدل على ذلك بكتاب أو سنة وكان ~~فيه نزاع لم يعلمه لكان مخطئا في إلزام الناس # PageV27P301 # بذلك بالإجماع؛ إلا أن يدل عليه كتاب أو سنة. # الثالث والعشرون: أن الحاكم متى خالف نصا أو إجماعا نقض حكمه باتفاق ~~الأئمة وحكم هؤلاء خالف النص والإجماع من وجوه كثيرة فهو مستحق للنقض ~~بالإجماع. الرابع والعشرون: أن هذا الحكم وأمثاله هو مثل ما تقدم من الحكم ~~مرة بعد مرة في بعض ما هو في نظير هذه القضية وكل واحد من تلك الأحكام باطل ~~بالإجماع من وجوه كثيرة: فكذلك هذا. الخامس والعشرون: أن هذه الأحكام مع ~~أنها باطلة بالإجماع فإنها مثيرة للفتن مفرقة بين قلوب الأمة متضمنة ~~للعدوان على المسلمين وعلى ولاة أمورهم مؤذية لهم جالبة للفتن بين ~~المسلمين. والحكم بما أنزل الله فيه صلاح الدنيا والآخرة والحكم بغير ما ~~أنزل الله فيه فساد الدنيا والآخرة. فيجب نقضه بالإجماع. # السادس والعشرون: أن ما يحصل به أذى للمسلمين إذا كان مما أمر الله به ~~ورسوله كانوا مطيعين في ذلك لله ورسوله وأجرهم فيه على الله كالجهاد. أما ~~إذا كان الذي يؤذيهم مما لم يأمر به الله ولا رسوله وجب رده بالإجماع. ومثل ~~هذه الأحكام المؤذية للمسلمين وولاة أمورهم # PageV27P302 # وهي مخالفة للسنة والإجماع: فيجب ردها بالإجماع. السابع والعشرون: أنهم ~~قالوا: إن هذا المفتي ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند ~~العلماء والأئمة الكبار. وقولهم هو الباطل عند العلماء والأئمة الكبار. ومن ~~ادعى أن قول العلماء والأئمة الكبار هو الباطل عند العلماء والأئمة الكبار ~~كان قوله وحكمه به باطلا بالإجماع. فإن هذه الفتيا هي قول العلماء والأئمة ~~الكبار: فيها قول مالك وغيره من الأئمة الكبار. والقول الآخر ليس العلماء ~~والأئمة الكبار قول إلا ما ms7947 ذكر فيها وما ذكروه لا يعرف عن أحد من العلماء ~~والأئمة الكبار. # الثامن والعشرون: أنهم قالوا يمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند ~~الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين. والحكم به باطل بالإجماع؛ فإن ~~الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما ينقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة ~~أو إجماعا أو معنى ذلك. فأما ما وافق قول بعض المجتهدين في " مسائل ~~الاجتهاد " فإنه لا ينقض لأجل مخالفته قول الأربعة وما يجوز أن يحكم به ~~الحاكم يجوز أن يفتي به المفتي بالإجماع؛ بل الفتيا أيسر؛ فإن الحاكم يلزم ~~والمفتي لا يلزم. فما سوغ الأئمة الأربعة للحاكم أن يحكم به فهو يسوغون ~~للمفتي أن يفتي به بطريق الأولى والأحرى ومن حكم بمنع الإفتاء بذلك فقد ~~خالف الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين. فما قالوه هو المخالف للأربعة ~~وسائر أئمة المسلمين # PageV27P303 # فهو باطل بالإجماع. # التاسع والعشرون: أن جميع المذاهب فيها أقوال قالها بعض أهلها ليست قولا ~~لصاحب المذهب وفيها جميعها ما هو مخالف لقول الأربعة وهم يحكون ذلك قولا في ~~المذهب ولا يحكمون ببطلانه إلا بالحجة؛ لا سيما إذا خرج على أصول صاحب ~~المذهب وبين من نصوصهم ما يقتضي ذلك كما يفعله أتباعهم في كثير من المسائل. ~~والمجيب قد ذكر من كلام الأئمة الأربعة ومن قبلهم - ممن يعظمونهم من ~~العلماء - وكلام من تقدمهم ما يعرف به أقوال علماء المسلمين. فإبطال القول ~~لمجرد مخالفته للأربعة هو مخالف لأقوال الأربعة ولأتباع الأئمة الأربعة: ~~فهو باطل بالإجماع. # الوجه الموفي ثلاثين: أن ما أنكروه في مسائل الزيارة ومسائل الطلاق من ~~فتاوى المفتي المدلول ليس فيها شيء يخرج عن المذاهب الأربعة؛ بل إما أن ~~يكون ما أفتى به قول جميع أهل المذاهب الأربعة - كالذي أفتى في هذه المسألة ~~" مسألة الزيارة " فإن الذي قاله هو قول جميع أهل المذاهب الأربعة؛ بل وقول ~~جميع علماء المسلمين قد ذكروا ما أجمعوا عليه وما تنازعوا فيه - وإما أن ~~يكون ما أفتى به فيها قول بعض الأئمة الأربعة أو بعض المنتسبين إليهم " ~~كمسائل الطلاق " فإن ms7948 مسائل النزاع فيها قد تنازع فيها أهل المذاهب الأربعة ~~والمفتي # PageV27P304 # المذكور لم يفت فيها إلا بما قاله بعضهم وما يمكن الإفتاء فيها إلا بذلك. ~~ومن أنكر ما لا يعلمه وحكم بلا علم وخالف النص والإجماع كان حكمه باطلا ~~بالإجماع. # الحادي والثلاثون: أن قولهم: يحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهر أمره؛ ~~ليتحفظ الناس من الاقتداء به. وإنما يستحق ذلك من أظهر البدعة في دين ~~المسلمين واستحبها ودعا إليها الناس وحكم بعقوبة من أمر بالسنة ودعا إليها ~~والسفر إلى زيارة القبور هي البدعة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين. ~~وكذلك جعل زيارة القبور جنسا واحدا لا يفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة ~~البدعية خطأ باتفاق المسلمين. وكذلك التسوية بين " الزيارة النبوية الشرعية ~~" التي يسافر فيها المسلمون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~السفر إلى زيارة قبر غيره: كل ذلك مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولإجماع أمته. فمن أمر بذلك كان أحق بالمنع ويشهر خطؤه؛ ليتحفظ الناس من ~~الاقتداء به: أولى ممن أفتى بالسنة والإجماع؛ مع أن الله سبحانه هو الفاعل ~~لذلك فهو الذي يظهر خطأ هؤلاء في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الزمان وما ~~بعده من الأزمنة كما فعله في سائر من ابتدع في الدين وخالف شريعة سيد ~~المرسلين. فإن المفتي ذكر في الجواب ما اتفق المسلمون على استحبابه # PageV27P305 # وما اتفقوا على النهي عنه. وما تنازعوا فيه ولم ينه عن الزيارة مطلقا؛ لا ~~لفظا ولا معنى. والإجماع الذي ذكروه هو موافق لما ذكره لا مخالف له. ~~فالزيارة التي أجمع المسلمون عليها هو من أعظم القائلين باستحبابها لا يجعل ~~المستحب مسمى الزيارة ويسوى بين دين الرحمن ودين الشيطان كما فعل هؤلاء ~~وأنكروا على من فرق بين دين الرحمن ودين الشيطان. # الثاني والثلاثون: أن قبول قول الحاكم وغيره بلا حجة مع مخالفته للسنة ~~مخالف لإجماع المسلمين وإنما هو دين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ms7949 لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم {أحلوا لهم ~~الحرام وحرموا عليهم الحلال: فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم} . ~~والمسلمون متفقون على أن ما تنازعوا فيه يجب رده إلى الله والرسول وهؤلاء ~~لم يردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول؛ بل حكموا برده بقولهم ~~وهذا باطل بإجماع المسلمين. وأيضا فحكموا بقول ثالث خلاف قولي علماء ~~المسلمين فخرجوا وحكمهم عن إجماع المسلمين وهذا باطل بإجماع المسلمين. # PageV27P306 # الثالث والثلاثون: أن كلامهم تضمن الاعتراف بأن ما أفتى به المفتي هو قول ~~بعض علماء المسلمين. وحينئذ فما تنازع فيه المسلمون يجب رده إلى الله ~~والرسول ولا يحكم فيه إلا كتاب الله أو سنة نبيه وهؤلاء حكموا فيما تنازع ~~فيه المسلمون بغير كتاب الله ولا سنة رسوله. ومثل هذا الحكم باطل بإجماع ~~المسلمين. وهذا لو كان ما أفتى به قول بعضهم فكيف وهو ذكر القولين اللذين ~~اتفق المسلمون عليهما. والقول الذي أنكروه هو قول الأئمة الكبار وقولهم لم ~~ينقله أحد من الأئمة الكبار ولا الصغار. # الرابع والثلاثون: أنه لو قدر أن المفتي أفتى بالخطإ فالعقوبة لا تجوز ~~إلا بعد إقامة الحجة فالواجب أن تبين دلالة الكتاب والسنة على خطئه ويجاب ~~عما احتج به فإنه لا بد من ذكر الدليل والجواب عن المعارض؛ وإلا فإذا كان ~~مع هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجح وهؤلاء لم ~~يفعلوا شيئا من ذلك فلو كان المفتي مخطئا لم يقيموا عليه فكيف إذا كان هو ~~المصيب وهم المخطئون فحكم مثل هؤلاء الحكام باطل بالإجماع. # الخامس والثلاثون: أن المفتي إذا تبينت له الأدلة الشرعية فإن تبين له ~~الصواب وإلا كان له أسوة أمثاله من العلماء الذين يقولون قولا مرجوحا. ~~ومعلوم أن هؤلاء لا يستحقون العقوبة والحبس والمنع عن # PageV27P307 # الفتيا مطلقا بإجماع المسلمين وهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين. # السادس والثلاثون: أن إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله ورسوله ومنعهم ~~أن يتبعوا ما جاء به الكتاب والسنة حرام بإجماع المسلمين ms7950 والحكم به باطل ~~بإجماع المسلمين وهؤلاء لم يستدلوا على ما قالوه بكتاب الله ولا سنة رسوله ~~ولا أجابوا عن حجة من احتج بالكتاب والسنة ومثل هذا الإلزام والحكم به باطل ~~بالإجماع. # السابع والثلاثون: أن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم ~~يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث بل القول الثالث يكون مخالفا لإجماعهم. ~~والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين: هل هو حرام أو ~~جائز غير مستحب. فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع وليس من علماء ~~المسلمين من قال يستحب السفر لزيارة القبور ولا يستحب إلى المساجد بل السفر ~~إلى المساجد قد نقل عن بعضهم أنه قال مستحب يجب بالنذر وأما السفر إلى ~~القبور لم يقل أحد منهم إنه مستحب ولا أنه يجب بالنذر وكلهم متفقون على أن ~~الذهاب إلى المساجد أفضل من الذهاب إلى القبور؛ فإن زيارة الأنبياء ~~والصالحين حيث كانت مشروعة فلا تشرع في اليوم والليلة خمس مرات والمسجد ~~مشروع إتيانه في اليوم والليلة خمس مرات فإتيانه أولى من إتيانها بالإجماع. # PageV27P308 # الثامن والثلاثون: أن إتيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد ذلك ~~والسفر لذلك أولى من إتيان قبره لو كانت الحجرة مفتوحة والسفر إليه بإجماع ~~المسلمين. فإن الصحابة كانوا يأتون مسجده في اليوم والليلة خمس مرات ~~والحجرة إلى جانب المسجد لم يدخلها أحد منهم لأنهم قد علموا أنه نهاهم أن ~~يتخذوا القبور مساجد وأن يتخذوا قبره عيدا أو وثنا. وأنه قال لهم: {صلوا ~~علي حيثما كنتم} . وكذلك قد علموا أن صلاتهم وسلامهم عليه في المسجد أولى ~~من عند قبره. وكل من يسافر للزيارة فسفره إنما يكون إلى المسجد سواء قصد ~~ذلك أو لم يقصده والسفر إلى المسجد مستحب بالنص والإجماع. والمجيب قد ذكر ~~في الجواب الزيارة المجمع عليها والمتنازع فيها وهؤلاء أعرضوا عن الأمر بما ~~أمر الله به ورسوله وعلماء أمته وعن استحباب ما أحبه الله ورسوله وجميع ~~علماء أمته وفهموا من كلام العلماء ما لم يقصدوه؛ فإن القاضي عياضا الذي ~~حكى ms7951 ألفاظه قد صرح بما صرح به إمامه وجمهور أصحابه: أنه لا يجوز السفر إلى ~~غير المساجد الثلاثة وهو لم يذكر استحباب قصد القبر؛ دون المسجد؛ بل ذكر ما ~~نقله عن العلماء في فضل زيارة الرسول ما بين به مراده وذكر عن مالك أنه كره ~~أن يقف بعد السلام وهذا كراهته لزيارة أكثر العامة. وهؤلاء # PageV27P309 # جعلوا مسمى الزيارة مستحبا وأنكروا على من فصل بين الزيارة الشرعية ~~والبدعية. وذكر أن أهل المدينة يكره لهم الوقوف عند القبر وإن قصدوا مجرد ~~السلام؛ إلا عند السفر. وذكر أيضا أنه يستحب قصد المسجد. وأن هذا لم يزل ~~المسلمون يفعلونه فقال " فصل في حكم زيارة قبره ": وزيارة قبره سنة بين ~~المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها. قال: وكره مالك أن يقال: زرنا قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: " وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما ~~لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ~~ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند عليه وينزل جبرائيل بالوحي فيه عليه ~~وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله. ~~فقد بين أن الإجماع الذي حكوه يتضمن قصد الصلاة في مسجده وأن القبر من جملة ~~آثاره. وهؤلاء زعموا أنه حكى الإجماع على السفر إلى مجرد القبر؛ وهو لم ~~يذكر ذلك ولا ما يدل عليه بل ذكر خلاف ذلك من وجوه. وهؤلاء أخطئوا عليه ~~فيما نقله ولم يعرفوا ما في ذلك من السنة والإجماع وهذا الحكم باطل ~~بالإجماع. # PageV27P310 # الوجه التاسع والثلاثون: أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في ~~عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وخلاف ما ~~عليه الخلفاء الراشدون: لم يجز منعه من الفتيا مطلقا؛ بل يبين له خطؤه فيما ~~خالف فيه. فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~علماء المسلمين من هو كذلك. فابن عباس رضي الله ms7952 عنهما كان يقول في " المتعة ~~والصرف " بخلاف السنة الصحيحة وقد أنكر عليه الصحابة ذلك ولم يمنعوه من ~~الفتيا مطلقا بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله ~~فعلي رضي الله عنه روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم المتعة وأبو ~~سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل ولم يردوا فتياه ~~لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقا ومثل هذا كثير. فالمنع العام ~~حكم بغير ما أنزل الله وهو باطل باتفاق المسلمين. لو كان ما نازعوه فيه ~~مخالفا للسنة فكيف إذا كانت معه؛ بل ومعه إجماع علماء المسلمين فيما أنكروه ~~من مسائل الزيارة وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن ~~أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين. الوجه الموفي أربعين: أن هذه ~~المسائل يعرفها علماء المسلمين من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ~~هذا الوقت؛ فإن جميع المسلمين # PageV27P311 # يحتاجون إليها فيمتنع أن يعرف بعض الناس فيها الحق دون السلف والأئمة. ~~والمجيب قد صنف فيها مجلدات: بين فيها أقوال الصحابة وأفعالهم؛ وأقوال ~~علماء المسلمين: ما أجمعوا عليه وما تنازعوا فيه وبين الأحاديث النبوية ~~صحيحها وضعيفها وكلام العلماء فيها وبين خطأ من نازعه ممن صنف في ذلك وبسط ~~القول في ذلك. وهؤلاء لو كانوا قد قالوا ببعض أقاويل العلماء فلم يأتوا ~~عليه بحجة؛ فكيف وقد قالوا ما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإجماع علماء المسلمين: في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد بينه الرسول لأمته ~~وعرف ذلك علماء أمته قرنا بعد قرن إلى هذا الزمان ومعلوم أن مثل هذا الحكم ~~باطل بإجماع المسلمين. # الوجه الحادي والأربعون: أنهم لو قالوا ببعض أقوال العلماء فظنوا أنه لا ~~تنازع فيه كانوا عددا مثل من يظن: أن السنة للزائر أن يقف عند القبر ~~ويستقبله ويسلم عليه وقد يظن ذلك إجماعا وهو غالط؛ فإن من العلماء من لم ~~يستحب استقبال القبلة ومنهم من لم يستحب الوقوف عند القبر ms7953 كما قد بين النقل ~~عنهم في مواضعه. وأما هؤلاء فحكموا بقول لم يقله أحد من علماء المسلمين ~~وذلك باطل بالإجماع. الثاني والأربعون: أن ما قالوه لو قاله مفت لوجب ~~الإنكار عليه # PageV27P312 # ومنعه وحبسه إن لم ينته عن الإفتاء به؛ لأنه مخالف للسنة والإجماع فكيف ~~إذا قاله حاكم يلزم الناس به وهو أولى بالمنع والعقوبة على ذلك كأهل البدع: ~~من الخوارج والرافضة وغيرهم والذين يبتدعون بدعة يلزمون بها الناس ويعادون ~~من خالفهم فيها ويستحلون عقوبته والبدع المتضمنة للشرك واتخاذ القبور ~~أوثانا والحج إليها ودعاء غير الله وعبادته: من بدع الخوارج والروافض. ~~والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV27P313 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # وحسبنا الله ونعم الوكيل الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد يقول أحمد ابن تيمية: إنني لما علمت مقصود ولي الأمر السلطان - ~~أيده الله وسدده فيما رسم به - كتبت إذ ذاك كلاما مختصرا لأن الحاضر استعجل ~~بالجواب وهذا فيه شرح الحال أيضا مختصرا وإن رسم ولي الأمر أيده الله وسدده ~~أحضرت له كتبا كثيرة من كتب المسلمين - قديما وحديثا - مما فيه كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV27P314 # والصحابة والتابعين وكلام أئمة المسلمين الأربعة وغير الأربعة وأتباع ~~الأربعة مما يوافق ما كتبته في الفتيا؛ فإن الفتيا مختصرة لا تحتمل البسط. ~~ولا يقدر أحد أن يذكر خلاف ذلك؛ لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين: لا الأربعة ولا غيرهم. ~~وإنما خالف ذلك من يتكلم بلا علم وليس معه بما يقوله نقل لا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين ولا ~~يمكنه ms7954 أن يحضر كتابا من الكتب المعتمدة عن أئمة المسلمين بما يقوله؛ ولا ~~يعرف كيف كان الصحابة والتابعون يفعلون في زيارة قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وغيره. وأنا خطي موجود بما أفتيت به وعندي مثل هذا كثير كتبته بخطي ~~ويعرض على جميع من ينسب إلى العلم شرقا وغربا فمن قال إن عنده علما يناقض ~~ذلك فليكتب خطه بجواب مبسوط يعرف فيه من قال هذا القول قبله وما حجتهم في ~~ذلك؟ وبعد ذلك فولي الأمر السلطان أيده الله إذا رأى ما كتبته وما كتبه ~~غيري فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس: يعرفه أقل غلمان السلطان الذي ما ~~رئي في هذه الأزمان سلطان مثله زاده الله علما وتسديدا وتأييدا. فالحق ~~يعرفه كل أحد فإن الحق الذي بعث الله به الرسل لا يشتبه بغيره # PageV27P315 # على العارف كما لا يشتبه الذهب الخالص بالمغشوش على الناقد. والله تعالى ~~أوضح الحجة وأبان المحجة بمحمد خاتم المرسلين. وأفضل النبيين وخير خلق الله ~~أجمعين. فالعلماء ورثة الأنبياء عليهم بيان ما جاء به الرسول ورد ما ~~يخالفه. فيجب أن يعرف " أولا " ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ~~الأحاديث المكذوبة كثيرة وبعض المنتسبين إلى العلم قد صنف في هذه المسألة ~~وما يشبهها مصنفا ذكر فيه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~الصحابة ألوانا يغتر بها الجاهلون. وهو لم يتعمد الكذب؛ بل هو محب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم معظم له لكن لا خبرة له بالتمييز بين الصدق والكذب فإذا ~~وجد بعض المصنفين في فضائل البقاع وغيرها قد نسب حديثا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو إلى الصحابة اعتقده صحيحا وبنى عليه ويكون ذلك الحديث ضعيفا ~~بل كذبا عند أهل المعرفة بسنته صلى الله عليه وسلم. ثم إذا ميز العالم بين ~~ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وما لم يقله فإنه يحتاج أن يفهم مراده ~~ويفقه ما قاله ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله فيجمع بين ما جمع ~~الله بينه ms7955 ورسوله ويفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله. فهذا هو العلم الذي ~~ينتفع به المسلمون ويجب تلقيه وقبوله وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة ~~وغيرهم # PageV27P316 # رضي الله عنهم أجمعين. وولي الأمر سلطان المسلمين أيده الله وسدده هو أحق ~~الناس بنصر دين الإسلام وما جاء به الرسول عليه السلام وزجر من يخالف ذلك ~~ويتكلم في الدين بلا علم ويأمر بما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن يسعى في إطفاء دينه إما جهلا وإما هوى. # وقد نزه الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن هذين الوصفين فقال تعالى: ~~{والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وما ينطق عن الهوى} {إن هو إلا ~~وحي يوحى} وقال تعالى عن الذين يخالفونه: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ويخالفون شريعته وما كان عليه الصحابة ~~والتابعون وأئمة المسلمين الذين يعرفون سنته ومقاصده ويتحرون متابعته صلى ~~الله عليه وسلم بحسب جهدهم رضي الله عنهم أجمعين. # فولي الأمر السلطان أعزه الله إذا تبين له الأمر فهو صاحب السيف الذي هو ~~أولى الناس بوجوب الجهاد في سبيل الله باليد لتكون كلمة الله هي العليا ~~ويكون الدين كله لله ويبين تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وتظهر حقيقة التوحيد ورسالة الرسول الذي جعله الله أفضل الرسل وخاتمهم ~~ويظهر الهدى ودين الحق الذي بعث به والنور الذي أوحى إليه ويصان ذلك # PageV27P317 # عن ما يخلطه به أهل الجهل والكذب الذين يكذبون على الله ورسوله ويجهلون ~~دينه ويحدثون في دينه من البدع ما يضاهي بدع المشركين وينتقصون شريعته ~~وسنته وما بعث به من التوحيد ففي تنقيص دينه وسنته وشريعته من التنقص له ~~والطعن عليه ما يستحق فاعله عقوبة مثله. فولاة أمور المسلمين أحق بنصر الله ~~ورسوله والجهاد في سبيله وإعلاء دين الله وإظهار شريعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التي هي أفضل الشرائع التي بعث الله بها خاتم المرسلين وأفضل ~~النبيين وما تضمنته من توحيد الله وعبادته لا ms7956 شريك له وأن يعبد بما أمر ~~وشرع لا يعبد بالأهواء والبدع. وما من الله به على ولاة الأمر وما أنعم ~~الله به عليهم في الدنيا وما يرجونه من نعمة الله في الآخرة إنما هو ~~باتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم ونصر ما جاء به من الحق. وقد طلب ولي ~~الأمر أيده الله وسدده المقصود بما كتبته. والمقصود طاعة الله عز وجل ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا. ولا تكون ~~العبادة إلا بشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما أوجبه الله تعالى ~~كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت؛ أو ندب إليه كقيام الليل # PageV27P318 # والسفر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى للصلاة ~~فيهما والقراءة والذكر والاعتكاف وغير ذلك مع ما في ذلك من الصلاة والسلام ~~على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد والخروج منه وفي الصلاة ~~والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعل في المساجد وفي زيارة ~~القبور وغير ذلك. فإن الدين هو طاعته فيما أمر والاقتداء به فيما سنه ~~لأمته. فلا تتجاوز سنته فيما فعله في عبادته: مثل الذهاب إلى مسجد قباء ~~والصلاة فيه وزيارة شهداء أحد وقبور أهل البقيع. فأما ما لا يحبه الله ~~ورسوله ولا هو مستحب فهذا ليس من العبادات والطاعات التي يتقرب بها إلى ~~الله عز وجل: كعبادات أهل البدع من المشركين وأهل الكتاب ومن ضاهاهم؛ فإن ~~لهم عبادات ما أنزل الله بها كتابا ولا بعث بها رسولا؛ مثل عبادات ~~المخلوقين كعبادات الكواكب أو الملائكة أو الأنبياء أو عبادة التماثيل التي ~~صورت على صورهم كما تفعله النصارى في كنائسهم يقولون إنهم يستشفعون بهم. ~~وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: {خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة} أي ما ~~كان بدعة في الشرع وقد يكون مشروعا لكنه إذا فعل بعده سمي بدعة كقول عمر ~~رضي # PageV27P319 # الله عنه ms7957 في قيام رمضان لما جمعهم على قارئ واحد فقال: نعمت البدعة هذه ~~والتي ينامون عنها أفضل. وقيام رمضان قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: {إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه} . وكانوا على ~~عهده صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده ويصلي الرجل ~~ومعه جماعة جماعة. وقد صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم جماعة مرة بعد ~~مرة. وقال: {إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة} . لكن ~~لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس خشية أن يفرض عليهم فلما مات أمنوا ~~زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب. والنبي صلى الله عليه وسلم يجب ~~علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلنا ~~وأموالنا ونعظمه ونوقره ونطيعه باطنا وظاهرا ونوالي من يواليه ونعادي من ~~يعاديه. ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته صلى الله عليه وسلم. ولا ~~يكون وليا لله بل ولا مؤمنا ولا سعيدا ناجيا من العذاب إلا من آمن به ~~واتبعه باطنا وظاهرا. ولا وسيلة يتوسل إلى الله عز وجل بها إلا الإيمان به ~~وطاعته. وهو أفضل الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمخصوص يوم القيامة ~~بالشفاعة العظمى التي ميزه الله بها على سائر النبيين صاحب المقام المحمود ~~واللواء المعقود لواء الحمد آدم فمن # PageV27P320 # دونه تحت لوائه. وهو أول من يستفتح باب الجنة {فيقول الخازن: من أنت؟ ~~فيقول: أنا محمد. فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك} . وقد فرض على أمته ~~فرائض وسن لهم سننا مستحبة فالحج إلى بيت الله فرض والسفر إلى مسجده ~~والمسجد الأقصى للصلاة فيهما والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف مستحب ~~باتفاق المسلمين. وإذا أتي مسجده فإنه يسلم عليه ويصلى عليه. ويسلم عليه في ~~الصلاة ويصلى عليه فيها فإن الله يقول: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} ومن صلى عليه مرة صلى الله ~~عليه عشرا ومن سلم عليه سلم الله عليه ms7958 عشرا. وطلب الوسيلة له كما ثبت في ~~الصحيح أنه قال: {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من ~~صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل ~~الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة} رواه مسلم. وروى البخاري عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة ~~التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا ~~الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد: حلت له شفاعتي يوم القيامة} . وهذا مأمور ~~به. والسلام عليه عند # PageV27P321 # قبره المكرم جائز لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ~~من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} . وحيث صلى ~~الرجل وسلم عليه من مشارق الأرض ومغاربها فإن الله يوصل صلاته وسلامه إليه ~~لما في السنن عن أوس بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أكثروا علي ~~من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - أي صرت رميما - قال: إن الله حرم على الأرض أن ~~تأكل لحوم الأنبياء} . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني} . رواه أبو داود وغيره. فالصلاة ~~تصل إليه من البعيد كما تصل إليه من القريب. وفي النسائي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام} . وقد أمرنا ~~الله أن نصلي عليه وشرع ذلك لنا في كل صلاة أن نثني على الله بالتحيات ثم ~~نقول: {السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته} . وهذا السلام يصل إليه ~~من مشارق الأرض ومغاربها. وكذلك إذا صلينا عليه فقلنا: {اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ms7959 وبارك على محمد وعلى ~~آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد} . وكان المسلمون على عهده ~~وعهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يصلون # PageV27P322 # في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وكذلك يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد ~~وإذا خرجوا منه ولا يحتاجون أن يذهبوا إلى القبر المكرم ولا أن يتوجهوا نحو ~~القبر ويرفعوا أصواتهم بالسلام كما يفعله بعض الحجاج - بل هذا بدعة لم ~~يستحبها أحد من العلماء بل كرهوا رفع الصوت في مسجده وقد رأى عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه رجلين يرفعان أصواتهما في مسجده ورآهما غريبين فقال: أما ~~علمتما أن الأصوات لا ترفع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو أنكما ~~من أهل البلد لأوجعتكما ضربا. وعذرهما بالجهل فلم يعاقبهما. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما مات دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها وكانت هي وحجر ~~نسائه في شرقي المسجد وقبليه لم يكن شيء من ذلك داخلا في المسجد واستمر ~~الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة. ثم بعد ذلك في خلافة ~~الوليد بن عبد الملك بن مروان بنحو من سنة من بيعته وسع المسجد وأدخلت فيه ~~الحجرة للضرورة: فإن الوليد كتب إلى نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري ~~الحجر من ملاكها ورثة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن كن قد توفين ~~كلهن رضي الله عنهن فأمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد. فهدمها ~~وأدخلها في المسجد وبقيت حجرة عائشة على حالها وكانت مغلقة لا يمكن أحد من ~~الدخول إلى قبر النبي # PageV27P323 # صلى الله عليه وسلم لا لصلاة عنده ولا لدعاء ولا غير ذلك إلى حين كانت ~~عائشة في الحياة وهي توفيت قبل إدخال الحجرة بأكثر من عشرين أو ثلاثين سنة ~~فإنها توفيت في خلافة معاوية ثم ولي ابنه يزيد ثم ابن الزبير في الفتنة ثم ~~عبد الملك بن مروان ثم ابنه الوليد وكانت ولايته بعد ثمانين من الهجرة وقد ~~مات عامة الصحابة قيل إنه لم يبق بالمدينة إلا جابر ms7960 بن عبد الله رضي الله ~~عنهما فإنه آخر من مات بها في سنة ثمان وسبعين قبل إدخال الحجرة بعشر سنين. ~~ففي حياة عائشة - رضي الله عنها - كان الناس يدخلون عليها لسماع الحديث ~~ولاستفتائها وزيارتها من غير أن يكون إذا دخل أحد يذهب إلى القبر المكرم لا ~~لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك - بل ربما طلب بعض الناس منها أن تريه القبور ~~فتريه إياهن وهي قبور لا لاطئة ولا مشرفة مبطوحة ببطحاء العرصة. وقد اختلف ~~هل كانت مسنمة أو مسطحة والذي في البخاري أنها مسنمة. قال سفيان التمار إنه ~~رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما - ولكن كان الداخل يسلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقوله: {ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام} وهذا السلام مشروع لمن كان يدخل الحجرة. وهذا السلام هو ~~القريب الذي يرد النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه. وأما السلام المطلق # PageV27P324 # الذي يفعل خارج الحجرة وفي كل مكان فهو مثل السلام عليه في الصلاة وذلك ~~مثل الصلاة عليه. والله هو الذي يصلي على من يصلي عليه مرة عشرا ويسلم على ~~من يسلم عليه مرة عشرا. فهذا هو الذي أمر به المسلمون خصوصا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بخلاف السلام عليه عند قبره فإن هذا قدر مشترك بينه وبين جميع ~~المؤمنين فإن كل مؤمن يسلم عليه عند قبره كما يسلم عليه في الحياة عند ~~اللقاء. وأما الصلاة والسلام في كل مكان والصلاة على التعيين فهذا إنما أمر ~~به في حق النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أمر العباد أن يصلوا عليه ~~ويسلموا تسليما. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. فحجر نسائه كانت ~~خارجة عن المسجد شرقيه وقبليه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {ما بين بيتي ~~ومنبري روضة من رياض الجنة} هذا لفظ الصحيحين ولفظ " قبري " ليس في الصحيح ~~فإنه حينئذ لم يكن قبر. ومسجده إنما فضل به صلى الله عليه وسلم لأنه هو ~~الذي بناه ms7961 وأسسه على التقوى. وقد ثبت في الصحيحين. عنه أنه قال: {صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام} . ~~وجمهور العلماء على أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف ~~صلاة هكذا روى أحمد والنسائي وغيرهما # PageV27P325 # بإسناد جيد. والمسجد الحرام هو فضل به وبإبراهيم الخليل فإن إبراهيم ~~الخليل بنى البيت ودعا الناس إلى حجه بأمره تعالى ولم يوجبه على الناس ~~ولهذا لم يكن الحج فرضا في أول الإسلام وإنما فرض في آخر الأمر. والصحيح ~~أنه إنما فرض سنة نزلت آل عمران لما وفد أهل نجران سنة تسع أو عشر. ومن ~~قال: في سنة ست فإنما استدل بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} فإن ~~هذه نزلت عام الحديبية باتفاق الناس لكن هذه الآية فيها الأمر بإتمامه بعد ~~الشروع فيه ليس فيها إيجاب ابتداء به فالبيت الحرام كان له فضيلة بناء ~~إبراهيم الخليل ودعاء الناس إلى حجه وصارت له فضيلة ثانية فإن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي أنقذه من أيدي المشركين ومنعه منهم. وهو الذي أوجب ~~حجه على كل مستطيع. وقد حجه الناس من مشارق الأرض ومغاربها فعبد الله فيه ~~بسبب محمد صلى الله عليه وسلم أضعاف ما كان يعبد الله فيه قبل ذلك وأعظم ~~مما كان يعبد فإن محمدا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم. ولما مات دفن في ~~حجرة عائشة؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته: {لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا. قالت ~~عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي ~~صحيح # PageV27P326 # مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . وفي صحيح مسلم ~~أيضا أنه قال: {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} . فنهى صلى الله ~~عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وعن الصلاة إليها ولعن اليهود والنصارى ms7962 ~~لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لأن هذا كان هو أول أسباب الشرك في قوم ~~نوح قال الله تعالى عنهم: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا} قال ابن عباس وغيره من السلف: هؤلاء ~~كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا ~~تماثيلهم ثم عبدوهم. فهو صلى الله عليه وسلم لكمال نصحه لأمته حذرهم أن ~~يقعوا فيما وقع فيه المشركون وأهل الكتاب فنهاهم عن اتخاذ القبور مساجد وعن ~~الصلاة إليها لئلا يتشبهوا بالكفار كما نهاهم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ~~ووقت غروبها لئلا يتشبهوا بالكفار. ولهذا لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل ~~في خلافة الوليد بن عبد الملك - كما تقدم - بنوا عليها حائطا وسنموه وحرفوه ~~لئلا يصلي أحد إلى قبره الكريم صلى الله عليه وسلم. وفي موطأ مالك عنه أنه ~~قال: {اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم # PageV27P327 # اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وقد استجاب الله دعوته فلم يتخذ ولله الحمد ~~وثنا كما اتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت ~~الحجرة. وقبل ذلك ما كانوا يمكنون أحدا من أن يدخل إليه ليدعو عنده ولا ~~يصلي عنده ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره. لكن من الجهال من يصلي إلى ~~حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه وهذا إنما يفعل خارجا عند ~~حجرته لا عند قبره. وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط ~~أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره ~~وثنا فإنه في حياة عائشة رضي الله عنها ما كان أحد يدخل إلا لأجلها ولم تكن ~~تمكن أحدا أن يفعل عند قبره شيئا مما نهى عنه وبعدها كانت مغلقة إلى أن ~~أدخلت في المسجد فسد بابها وبني عليها حائط آخر. كل ذلك صيانة له صلى الله ~~عليه وسلم أن يتخذ بيته عيدا ms7963 وقبره وثنا وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم ~~مسلمون ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة. فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم بل ~~فعلوه لئلا يتخذ وثنا يعبد ولا يتخذ بيته عيدا. ولئلا يفعل به كما فعل أهل ~~الكتاب بقبور أنبيائهم. والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء - وهو ~~الرمل الغليظ - ليس عليه حجارة ولا خشب ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره. # PageV27P328 # وهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ذلك سدا للذريعة كما نهى عن الصلاة ~~وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يفضي ذلك إلى الشرك. ودعا الله عز وجل أن ~~لا يتخذ قبره وثنا يعبد؛ فاستجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم فلم يكن ~~مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحدا لا يدخل عند قبره ألبتة فإن من كان ~~قبله من الأنبياء إذا ابتدع أممهم بدعة بعث الله نبيا ينهى عنها. وهو صلى ~~الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده فعصم الله أمته أن تجتمع على ~~ضلالة وعصم قبره المكرم أن يتخذ وثنا فإن ذلك والعياذ بالله لو فعل لم يكن ~~بعده نبي ينهى عن ذلك وكان الذين يفعلون ذلك قد غلبوا الأمة وهو صلى الله ~~عليه وسلم قد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة فلم يكن لأهل البدع سبيل أن يفعلوا ~~بقبره المكرم كما فعل بقبور غيره صلى الله عليه وسلم. # فصل: # قد ذكرت فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره - كما ~~يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج - عمل صالح # PageV27P329 # مستحب. وقد ذكرت في عدة " مناسك الحج " السنة في ذلك وكيف يسلم عليه وهل ~~يستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين فالأكثرون يقولون: يستقبل الحجرة كمالك ~~والشافعي وأحمد. وأبو حنيفة يقول: يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في ~~قول وخلفه في قول لأن الحجرة المكرمة لما كانت ms7964 خارجة عن المسجد وكان ~~الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه صلى الله عليه وسلم ~~ويستدبر القبلة كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد. بل كان إن استقبل ~~القبلة صارت عن يساره وحينئذ فإن كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول ~~الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم ~~فقول أبي حنيفة أرجح. والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب باتفاق أئمة ~~المسلمين لم يقل أحد من أئمة المسلمين إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة. ~~ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره صلى ~~الله عليه وسلم بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة ولا في شيء من كلامي وكلام ~~غيري نهي عن ذلك ولا نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين ولا ~~عن المشروع في زيارة سائر القبور؛ بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة ~~القبور كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع وشهداء أحد ~~ويعلم أصحابه # PageV27P330 # إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم ~~والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم واغفر لنا ولهم} . وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة ~~قبور الأنبياء والصالحين أولى؛ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم له خاصية ~~ليست لغيره من الأنبياء والصالحين وهو أنا أمرنا أن نصلي عليه وأن نسلم ~~عليه في كل صلاة ويتأكد ذلك في الصلاة وعند الأذان وسائر الأدعية وأن نصلي ~~ونسلم عليه عند دخول المسجد - مسجده وغير مسجده - وعند الخروج منه فكل من ~~دخل مسجده فلا بد أن يصلي فيه ويسلم عليه في الصلاة. والسفر إلى مسجده ~~مشروع لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره حتى كره مالك رحمه الله أن يقال: ~~زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور ~~السلام عليهم والدعاء لهم وذلك السلام ms7965 والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في ~~الصلاة في مسجده وغير مسجده وعند سماع الأذان. وعند كل دعاء. فتشرع الصلاة ~~عليه عند كل دعاء فإنه {أولى بالمؤمنين من أنفسهم} . ولهذا يسلم المصلي ~~عليه في الصلاة قبل أن يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين فيقول: ~~{السلام عليك أيها النبي ورحمة الله # PageV27P331 # وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين} . ويصلي عليه فيدعو له ~~قبل أن يدعو لنفسه. وأما غيره فليس عنده مسجد يستحب السفر إليه كما يستحب ~~السفر إلى مسجده وإنما يشرع أن يزار قبره كما شرعت زيارة القبور. وأما هو ~~صلى الله عليه وسلم فشرع السفر إلى مسجده ونهى عما يوهم أنه سفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة. # ويجب الفرق بين الزيارة الشرعية التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين الزيارة البدعية التي لم يشرعها بل نهى عنها مثل اتخاذ قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد والصلاة إلى القبر واتخاذه وثنا. وقد ثبت عنه في الصحيحين ~~أنه قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ~~والمسجد الأقصى} . حتى إن أبا هريرة سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه ~~موسى بن عمران عليه السلام فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك ~~قبل أن تخرج لما خرجت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا تعمل ~~المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس} . ~~فهذه المساجد شرع السفر إليها لعبادة الله فيها بالصلاة والقراءة والذكر ~~والدعاء والاعتكاف؛ والمسجد الحرام مختص بالطواف لا يطاف بغيره. وما سواه ~~من المساجد إذا أتاها الإنسان وصلى فيها من غير سفر # PageV27P332 # كان ذلك من أفضل الأعمال كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد كانت خطواته إحداهما تحط ~~خطيئة والأخرى ترفع درجة؛ والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة؛ والملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه: اللهم اغفر له اللهم ms7966 ارحمه. ~~ما لم يحدث} . ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن سافر إلى دمشق من مصر لأجل ~~مسجدها أو بالعكس أو سافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعا ~~باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم. ولو نذر ذلك لم يف بنذره باتفاق الأئمة ~~الأربعة وغيرهم؛ إلا خلاف شاذ عن الليث بن سعد في المساجد وقاله ابن مسلمة ~~من أصحاب مالك في مسجد قباء خاصة. ولكن إذا أتى المدينة استحب له أن يأتي ~~مسجد قباء ويصلي فيه لأن ذلك ليس بسفر ولا بشد رحل لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا كل سبت ويصلي فيه ركعتين وقال {من ~~تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء كان له كعمرة} رواه الترمذي وابن أبي شيبة ~~وقال سعد بن أبي وقاص وابن عمر: صلاة فيه كعمرة. # ولو نذر المشي إلى مكة للحج والعمرة لزمه باتفاق المسلمين. ولو نذر أن ~~يذهب إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس ففيه قولان: # PageV27P333 # أحدهما: ليس عليه الوفاء وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأنه ليس ~~من جنسه ما يجب بالشرع. والثاني: عليه الوفاء وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل ~~والشافعي في قوله الآخر؛ لأن هذا طاعة لله. وقد ثبت في صحيح البخاري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه} . ولو نذر السفر إلى غير المساجد أو السفر إلى مجرد ~~قبر نبي أو صالح لم يلزمه الوفاء بنذره باتفاقهم فإن هذا السفر لم يأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم. بل قد قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: ~~المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} . وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة ~~وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده ~~الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى بنذره وإن كان مقصوده ~~مجرد زيارة القبر من غير صلاة في المسجد ms7967 لم يف بنذره. لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد} . والمسألة ذكرها ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق في " المبسوط " ومعناها في " المدونة " و " الخلاف ~~" وغيرهما من كتب أصحاب مالك. يقول: إن من نذر إتيان مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لزمه الوفاء بنذره لأن المسجد لا يؤتى إلا # PageV27P334 # للصلاة ومن نذر إتيان المدينة النبوية فإن كان قصده الصلاة في المسجد وفى ~~بنذره وإن قصد شيئا آخر مثل زيارة من بالبقيع أو شهداء أحد لم يف بنذره لأن ~~السفر إنما يشرع إلى المساجد الثلاثة. وهذا الذي قاله مالك وغيره ما علمت ~~أحدا من أئمة المسلمين قال بخلافه بل كلامهم يدل على موافقته. وقد ذكر ~~أصحاب الشافعي وأحمد في السفر لزيارة القبور قولين: التحريم والإباحة. ~~وقدماؤهم وأئمتهم قالوا: إنه محرم. وكذلك أصحاب مالك وغيرهم. وإنما وقع ~~النزاع بين المتأخرين لأن قوله صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد} . صيغة خبر ومعناه النهي فيكون حراما. وقال بعضهم: ليس بنهي ~~وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب بل مباح كالسفر في التجارة ~~وغيرها. فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة بل يقصد بها مصلحة ~~دنيوية مباحة والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة والعبادة إنما تكون ~~بواجب أو مستحب فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا ~~مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعا مخالفا للإجماع والتعبد بالبدعة ~~ليس بمباح لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر فإذا بينت له السنة لم ~~يجز له مخالفة النبي # PageV27P335 # صلى الله عليه وسلم ولا التعبد بما نهى عنه كما لا تجوز الصلاة عند طلوع ~~الشمس ولا عند غروبها وكما لا يجوز صوم يوم العيدين وإن كانت الصلاة ~~والصيام من أفضل العبادات؛ ولو فعل ذلك إنسان قبل العلم بالسنة لم يكن عليه ~~إثم. فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبا وما علمت أحدا من أئمة المسلمين ~~قال إن السفر ms7968 إليها مستحب وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن وأما الأئمة ~~المجتهدون فما منهم من قال هذا. وإذا قيل هذا كان قولا ثالثا في المسألة ~~وحينئذ فيبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة فإن ~~الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان ~~وعلي ومن بعدهم إلى انقراض عصرهم - لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي ولا رجل ~~صالح. و " قبر الخليل عليه السلام " بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة. ~~وكانوا يأتون البيت المقدس فيصلون فيه ولا يذهبون إلى قبر الخليل عليه ~~السلام ولم يكن ظاهرا بل كان في البناء الذي بناه سليمان بن داود عليهما ~~السلام ولا كان: " قبر يوسف الصديق " يعرف ولكن أظهر ذلك بعد أكثر من ~~ثلاثمائة سنة من الهجرة ولهذا وقع فيه نزاع فكثير من أهل العلم ينكره ونقل ~~ذلك عن مالك وغيره لأن الصحابة لم يكونوا يزورونه فيعرف. ولما استولى # PageV27P336 # النصارى على الشام نقبوا البناء الذي كان على الخليل عليه السلام واتخذوا ~~المكان كنيسة. ثم لما فتح المسلمون البلد بقي مفتوحا. وأما على عهد الصحابة ~~فكان قبر الخليل مثل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن أحد من الصحابة ~~يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا يأتون ~~فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة ويسلم من يسلم عند دخول المسجد ~~والخروج منه وهو صلى الله عليه وسلم مدفون في حجرة عائشة رضي الله عنها فلا ~~يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجا عنها في المسجد عند السور. وكان يقدم في ~~خلافه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب أمداد اليمن الذين فتحوا الشام ~~والعراق وهم الذين قال الله فيهم: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ~~ويصلون في مسجده كما ذكرنا ولم يكن أحد يذهب إلى القبر ولا يدخل الحجرة ولا ~~يقوم خارجها في المسجد بل السلام عليه من خارج الحجرة. وعمدة مالك وغيره ~~فيه على فعل ابن عمر رضي الله عنهما. وبكل حال فهذا القول ms7969 لو قاله نصف ~~المسلمين لكان له حكم أمثاله من الأقوال في مسائل النزاع. فإما أن يجعل هو ~~الدين الحق وتستحل عقوبة من خالفه أو يقال بكفره فهذا خلاف إجماع المسلمين. ~~وخلاف ما جاء به الكتاب والسنة. فإن كان المخالف للرسول # PageV27P337 # في هذه المسألة يكفر فالذي خالف سنته وإجماع الصحابة وعلماء أمته فهو ~~الكافر. ونحن لا نكفر أحدا من المسلمين بالخطأ لا في هذه المسائل ولا في ~~غيرها. ولكن إن قدر تكفير المخطئ فمن خالف الكتاب والسنة والإجماع - إجماع ~~الصحابة والعلماء - أولى بالكفر ممن وافق الكتاب والسنة والصحابة وسلف ~~الأمة وأئمتها فأئمة المسلمين فرقوا بين ما أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين ما نهى عنه في هذا وغيره فما أمر به هو عبادة وطاعة وقربة وما ~~نهى عنه بخلاف ذلك بل قد يكون شركا كما يفعله أهل الضلال من المشركين وأهل ~~الكتاب ومن ضاهاهم حيث يتخذون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ويصلون ~~إليها وينذرون لها ويحجون إليها. بل قد يجعلون الحج إلى بيت المخلوق أفضل ~~من الحج إلى بيت الله الحرام. ويسمون ذلك " الحج الأكبر " وصنف لهم شيوخهم ~~في ذلك مصنفات كما صنف المفيد بن النعمان كتابا في مناسك المشاهد سماه " ~~مناسك حج المشاهد " وشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. وأصل دين الإسلام أن ~~نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه ندا ولا كفوا ولا سميا. قال تعالى: ~~{فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} وقال تعالى: {ولم يكن له كفوا ~~أحد} وقال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وقال تعالى: {فلا ~~تجعلوا # PageV27P338 # لله أندادا وأنتم تعلمون} وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: {قلت يا رسول ~~الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت ثم أي؟ قال: أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك} فأنزل ~~الله تصديق رسوله {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ms7970 يفعل ذلك يلق أثاما} الآية وقال تعالى: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله} . # فمن سوى بين الخالق والمخلوق في الحب له أو الخوف منه والرجاء له فهو ~~مشرك. # والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن دقيق الشرك وجليله حتى قال صلى ~~الله عليه وسلم {من حلف بغير الله فقد أشرك} رواه. أبو داود وغيره. {وقال ~~له رجل: ما شاء الله وشئت؛ فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده} ~~وقال: {لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد؛ ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء ~~محمد} و {جاء معاذ بن جبل مرة فسجد له فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول ~~الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم. فقال: يا معاذ؟ إنه لا يصلح السجود ~~إلا لله ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من ~~عظم حقه عليها} . فلهذا فرق # PageV27P339 # النبي صلى الله عليه وسلم بين زيارة أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك ~~فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وهي مثل ~~الصلاة على جنائزهم؛ وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ~~ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد ~~جعلوه لله ندا وسووه برب العالمين. وقد نهى الله أن يشرك به الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم فقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا} {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا} قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الأنبياء ~~كالمسيح وعزير ويدعون الملائكة فأخبرهم تعالى أن ms7971 هؤلاء عبيده يرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال. ونهى سبحانه أن يضرب له مثل ~~بالمخلوق فلا يشبه بالمخلوق الذي # PageV27P340 # يحتاج إلى الأعوان والحجاب ونحو ذلك. قال تعالى. {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . # ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد الشفعاء لديه وشفاعته أعظم الشفاعات وجاهه ~~عند الله أعظم الجاهات ويوم القيامة إذا طلب الخلق الشفاعة من آدم ثم من ~~نوح ثم من إبراهيم ثم من موسى ثم من عيسى كل واحد يحيلهم على الآخر فإذا ~~جاءوا إلى المسيح يقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر؛ قال: {فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا وأحمد ربي بمحامد ~~يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه ~~واشفع تشفع. قال: فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة} الحديث. # فمن أنكر شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر فهو مبتدع ضال ~~كما ينكرها الخوارج والمعتزلة. ومن قال: إن مخلوقا يشفع عند الله بغير إذنه ~~فقد خالف إجماع المسلمين ونصوص القرآن؛ قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه} وقال تعالى: {ولا # PageV27P341 # يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا} وقال تعالى: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} وقال ~~تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ومثل هذا في القرآن كثير. فالدين ~~هو متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يؤمر بما أمر ms7972 به وينهى عما نهى عنه ~~ويحب ما أحبه الله ورسوله من الأعمال والأشخاص ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ~~من الأعمال والأشخاص. والله سبحانه وتعالى قد بعث رسوله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالفرقان ففرق بين هذا وهذا؛ فليس لأحد أن يجمع بين ما فرق الله ~~بينه. # فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فصلى في مسجده؛ وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الذي عمل العمل الصالح. ومن أنكر هذا ~~السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وأما من قصد السفر لمجرد زيارة ~~القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده صلى ~~الله عليه وسلم ولا سلم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع # PageV27P342 # ضال مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإجماع أصحابه ولعلماء ~~أمته. وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما أنه محرم والثاني أنه لا شيء عليه ~~ولا أجر له. والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية: يصلون في ~~مسجده صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة وهذا ~~مشروع باتفاق المسلمين. وقد ذكرت هذا في المناسك وفي الفتيا وذكرت أنه يسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه. وهذا هو الذي لم أذكر فيه نزاعا ~~في الفتيا مع أن فيه نزاعا؛ إذ من العلماء من لا يستحب زيارة القبور مطلقا ~~ومنهم من يكرهها مطلقا كما نقل ذلك عن إبراهيم النخعي والشعبي ومحمد بن ~~سيرين وهؤلاء من أجلة التابعين. ونقل ذلك عن مالك. وعنه أنها مباحة ليست ~~مستحبة. وهو أحد القولين في مذهب أحمد؛ لكن ظاهر مذهبه ومذهب الجمهور: أن ~~الزيارة الشرعية مستحبة. وهو أن يزور قبور المؤمنين للدعاء لهم فيسلم عليهم ~~ويدعو لهم. وتزار قبور الكفار؛ لأن ذلك يذكر الآخرة. وأما النبي صلى الله ~~عليه وسلم فله خاصة لا يماثله فيها أحد من الخلق ms7973 وهو أن المقصود عند قبر ~~غيره من الدعاء له هو مأمور [به] (1) في حق الرسول في الصلوات الخمس وعند ~~دخول المساجد والخروج منها وعند الأذان وعند كل دعاء. وهو قد نهى عن اتخاذ ~~القبور مساجد PageV27P343 # ونهى أن يتخذ قبره عيدا وسأل الله أن لا يجعله وثنا يعبد. فمنع أحد أن ~~يدخل إلى قبره فيزوره كما يدخل إلى قبر غيره. وكل ما يفعل في مسجده وغير ~~مسجده من الصلاة والسلام عليه أمر خصه الله وفضله به على غيره وأغناه بذلك ~~عما يفعل عند قبر غيره - وإن كان جائزا. وأما " اتخاذ القبور مساجد " فهذا ~~ينهى عنه عند كل قبر وإن كان المصلي إنما يصلي لله ولا يدعو إلا الله. فكيف ~~إذا كان يدعو المخلوق أو يسجد له وينذر له ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك ~~والبدع والضلالة وأما إذا قدر أن من أتى المسجد فلم يصل فيه؛ ولكن أتى ~~القبر ثم رجع فهذا هو الذي أنكره الأئمة كمالك وغيره وليس هذا مستحبا عند ~~أحد من العلماء وهو محل النزاع هل هو حرام أو مباح؟ وما علمنا أحدا من ~~علماء المسلمين استحب مثل هذا بل أنكروا إذا كان مقصوده بالسفر مجرد القبر ~~من غير أن يقصد الصلاة في المسجد وجعلوا هذا من السفر المنهي عنه. ولا كان ~~أحد من السلف يفعل هذا بل كان الصحابة إذا سافروا إلى مسجده صلوا فيه ~~واجتمعوا بخلفائه مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يسلمون عليه ويصلون عليه في ~~الصلاة ويفعل ذلك من يفعله منهم عند دخول المسجد والخروج منه. ولم # PageV27P344 # يكونوا يذهبون إلى القبر. وهذا متواتر عنهم لا يقدر أحد أن ينقل عنهم أو ~~عن واحد منهم أنه كان إذا صلى خلف الخلفاء الراشدين يذهب في ذلك الوقت أو ~~غيره يقف عند الحجرة خارجا منها. وأما دخول الحجرة فلم يكن يمكنهم. فإذا ~~كانوا بعد السفر إلى مسجده يفعلون ما سنه لهم في الصلاة والسلام عليه ولا ~~يذهبون إلى قبره فكيف يقصدون أن يسافروا إليه؟ أو يقصدون بالسفر ms7974 إليه دون ~~الصلاة في المسجد؟ ومن قال: إن هذا مستحب فلينقل ذلك عن إمام من أئمة ~~المسلمين ثم إذا نقله يكون قائله قد خالف أقوال العلماء كما خالف فاعله فعل ~~الأمة وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع أصحابه وعلماء أمته. ~~قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . و {إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى.} . وعلماء المسلمين قد ذكروا في مناسكهم استحباب ~~السفر إلى مسجده وذكروا زيارة قبره المكرم وما علمت أحدا من المسلمين قال ~~إنه من لم يقصد إلا زيارة القبر يكون سفره مستحبا. ولو قالوا ذلك في قبر ~~غيره. لكن هذا لم يقصده بعض الناس ممن لا يكون عارفا بالشريعة وبما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وغايته أن يعذر بجهله # PageV27P345 # ويعفو الله عنه. وأما من يعرف ما أمر الله به ورسوله وما نهى الله عنه ~~ورسوله فهؤلاء كلهم ليس فيهم من أمر بالسفر لمجرد زيارة قبر لا نبي ولا غير ~~نبي بل صرح أكابرهم بتحريم مثل هذا السفر من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن ~~حنبل وغيرهم. وإنما قال إنه مباح غير محرم طائفة من متأخري أصحاب الشافعي ~~وأحمد. # وتنازعوا حينئذ فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل يقصر ~~الصلاة؟ على قولين كما ذكر في جواب الفتيا. وبعضهم فرق بين قبور الأنبياء ~~وغيرهم وقال: إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم كما هو مذهب مالك وأصحابه ~~وقول المتقدمين من أصحاب الشافعي وأحمد. فهؤلاء عندهم أن العاصي بسفره لا ~~يقصر الصلاة. فعلى قولهم لا تقصر الصلاة؛ لكن الذين يسافرون لا يعلمون أن ~~هذا محرم ومن علم أنه محرم لم يفعله فإنه لا غرض لمسلم أن يتقرب إلى الله ~~بالمحرم. وحينئذ فسفرهم الذي لم يعلموا أنه محرم إذا قصروا فيه الصلاة كان ~~ذلك جائزا ولا إعادة عليهم كما لو سافر الرجل لطلب العلم أو سماع الحديث من ~~شخص ms7975 فوجده كذابا أو جاهلا فإن قصر الصلاة في مثل هذا السفر جائز. وقد ذكر ~~أصحاب أحمد في السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل تقصر فيها ~~الصلاة؟ أربعة أقوال: قيل: لا يقصر مطلقا. # PageV27P346 # وقيل: يقصر مطلقا وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: لا يقصر إلا إلى قبره المكرم وقبور الأنبياء؛ دون قبور الصالحين ~~والذين استثنوا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لقولهم وجهان: أحدهما: - وهو ~~الصحيح - أن السفر المشروع إليه هو السفر إلى مسجده وهذا السفر تقصر فيه ~~الصلاة بإجماع المسلمين. وهؤلاء رأوا مطلق السفر ولم يفصلوا بين قصد وقصد؛ ~~إذ كان عامة المسلمين لا بد أن يصلوا في مسجده فكل من سافر إلى قبره المكرم ~~فقد سافر إلى مسجده المفضل. وكذلك قال بعض أصحاب الشافعي: فمن نذر زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوفي بنذره وإن نذر قبر غيره فوجهان. ~~وكذلك كثير من العلماء يطلق السفر إلى قبره المكرم. وعندهم أن هذا يتضمن ~~السفر إلى مسجده؛ إذ كان كل مسلم لا بد إذا أتى الحجرة المكرمة أن يصلي في ~~مسجده؛ فهما عندهم متلازمان. ثم من هؤلاء من يقول: المسلم لا بد أن يقصد في ~~ابتداء السفر الصلاة في مسجده فالسفر المأمور به لازم وهؤلاء لم يسافروا ~~لمجرد القبر. ومنهم من قال: بل السفر لمجرد قصد القبر جائز وظن هؤلاء أن ~~الاستثناء ليس لخصوصه بل لكونه نبيا فقال: تقصر الصلاة في السفر إلى قبور ~~الأنبياء دون غيرهم. وحقيقة الأمر: أن فعل الصلاة في مسجده من لوازم هذا ~~السفر # PageV27P347 # فكل من سافر إلى قبره المكرم لا بد أن تحصل له طاعة وقربة يثاب عليها ~~بالصلاة في مسجده. وأما نفس القصد فأهل العلم بالحديث يقصدون السفر إلى ~~مسجده وإن قصد منهم من قصد السفر إلى القبر أيضا - إذا لم يعلم أنه منهي ~~عنه. وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر ثم إنه لا بد أن ~~يصلي في مسجده فيثاب ms7976 على ذلك. وما فعله وهو منهي عنه ولم يعلم أنه منهي عنه ~~لا يعاقب عليه فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر؛ بخلاف السفر إلى قبر غيره ~~فإنه ليس عنده شيء يشرع السفر إليه؛ لكن قد يفعل هذا طاعة يثاب عليها ويغفر ~~له ما جهل أنه محرم. والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها ~~مطلقا؛ بخلاف مسجده فإن الصلاة فيه بألف صلاة فإنه أسس على التقوى وكان ~~حرمته في حياته صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة ~~فيه حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه والمهاجرون والأنصار ~~والعبادة فيه إذ ذاك أفضل وأعظم مما بقي بعد إدخال الحجرة فيه فإنها إنما ~~أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة في إمارة الوليد بن عبد الملك وهو تولى سنة ~~بضع وثمانين من الهجرة النبوية كما تقدم. وظن بعضهم أن الاستثناء كونه نبيا ~~فعدى ذلك فقالوا: يسافر # PageV27P348 # إلى سائر قبور الأنبياء كذلك. # ولهذا تنازع الناس هل يحلف. بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ مع اتفاقهم بأنه ~~لا يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسي والكعبة والملائكة. فذهب ~~جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا ~~يحلف بالنبي ولا تنعقد اليمين كما لا يحلف بشيء من المخلوقات ولا تجب ~~الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث. فإنه صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه ~~في الصحيح أنه قال: {لا تحلفوا إلا بالله} . وقال: {من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت} . وفي السنن: {من حلف بغير الله فقد أشرك} .وعن أحمد بن ~~حنبل رواية أنه يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه يجب الإيمان به ~~خصوصا ويجب ذكره في الشهادتين والأذان. فللإيمان به اختصاص لا يشركه فيه ~~غيره. وقال ابن عقيل: بل هذا لكونه نبيا. وطرد ذلك في سائر الأنبياء مع أن ~~الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا ~~نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة ولا ملك ms7977 من الملوك ولا شيخ من الشيوخ. # والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد كما تقدم حتى أن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما يقول ~~أحدهم: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن # PageV27P349 # أحلف بغير الله صادقا. وفي لفظ: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن ~~أضاهي. فالحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب. وغاية الكذب أن يشبه ~~بالشرك. كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عدلت ~~شهادة الزور بالإشراك بالله} قالها مرتين أو ثلاثا. وقرأ قوله تعالى ~~{واجتنبوا قول الزور} {حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} وهذا المنهي عنه بل ~~المحرم - الذي هو أعظم من اليمين الفاجرة عند الصحابة رضوان الله عليهم - ~~قد ظن طائفة من أهل العلم أنه مشروع غير منهي عنه. ولهذا نظائر كثيرة؛ لكن ~~قال الله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} وما أمر الله ورسوله به فهو الحق. وهو صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الحلف بغير الله وعن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها وعن اتخاذ ~~القبور مساجد واتخاذ قبره عيدا. ونهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ~~وأمثال ذلك لتحقيق إخلاص الدين لله. وعبادة الله وحده لا شريك له. فهذا كله ~~محافظة # PageV27P350 # على توحيد الله عز وجل وأن يكون الدين كله لله فلا يعبد غيره ولا يتوكل ~~إلا عليه ولا يدعى إلا هو ولا يتقى إلا هو ولا يصلى ولا يصام إلا له ولا ~~ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يحج إلا إلى بيته. فالحج الواجب ليس إلا ~~إلى أفضل بيوته وأقدمها وهو المسجد الحرام. والسفر المستحب ليس إلا إلى ~~مسجدين لكونهما بناهما نبيان. فالمسجد النبوي مسجد المدينة أسسه على التقوى ms7978 ~~خاتم المرسلين ومسجد إيليا قد كان مسجدا قبل سليمان. ففي الصحيحين عن أبي ~~ذر رضي الله عنه {قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أولا؟ قال: المسجد الحرام. ~~قال قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة ثم ~~حيث ما أدركتك الصلاة فصل فإنه لك مسجد} . وفي لفظ البخاري: {فإن فيه ~~الفضل} وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة. ~~فالمسجد الأقصى كان من عهد إبراهيم عليه السلام لكن سليمان عليه السلام ~~بناه بناء عظيما. فكل من المساجد الثلاثة بناه نبي كريم ليصلي فيه هو ~~والناس. فلما كانت الأنبياء - عليهم السلام - تقصد الصلاة في هذين المسجدين ~~شرع السفر إليهما للصلاة فيهما والعبادة اقتداء بالأنبياء عليهم السلام ~~وتأسيا بهم. كما أن إبراهيم الخليل - عليه السلام - # PageV27P351 # لما بنى البيت وأمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بحجه فكانوا يسافرون ~~إليه من زمن إبراهيم عليه السلام ولم يكن ذلك فرضا على الناس في أصح ~~القولين. كما لم يكن ذلك مفروضا في أول الإسلام وإنما فرضه الله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر لما نزلت " سورة آل عمران ". وفي البقرة ~~أمر بإتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما؛ ولهذا كان التطوع بهما يوجب ~~إتمامهما عند عامة العلماء. وقيل إن الأمر بالإتمام إيجاب لهما ابتداء ~~والأول هو الصحيح. فكذلك المسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم بنى ~~كلا منهما رسول كريم ودعا الناس إلى السفر إليهما للعبادة فيهما. ولم يبن ~~أحد من الأنبياء عليهم السلام مسجدا ودعا الناس إلى السفر للعبادة فيه إلا ~~هذه المساجد الثلاثة. ولكن كان لهم مساجد يصلون فيها ولم يدعوا الناس إلى ~~السفر إليها كما كان إبراهيم عليه السلام يصلي في موضعه وإنما دعا الناس ~~إلى حج البيت. ولا دعا نبي من الأنبياء إلى السفر إلى قبره ولا بيته ولا ~~مقامه ولا غير ذلك من آثاره بل هم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له قال ~~تعالى لما ms7979 ذكرهم {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون} {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن ~~يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} {أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده} . # PageV27P352 # ولهذا لا يجوز تغيير واحد من هذه المساجد الثلاثة عن موضعه. وأما سائر ~~المساجد ففضيلتها من أنها مسجد لله وبيت يصلى فيه وهذا قدر مشترك بين ~~المساجد؛ وإن كان بعضها تكثر العبادة فيه أو لكونه أعتق من غيره ونحو ذلك ~~فهذه المزية موجودة في عامة المساجد بعضها أكثر عبادة من بعض وبعضها أعتق ~~من بعض. فلو شرع السفر لذلك لسوفر إلى عامة المساجد. # والسفر إلى البقاع المعظمة هو من جنس الحج ولكل أمة حج فالمشركون من ~~العرب كانوا يحجون إلى اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وغير ذلك من ~~الأوثان ولهذا لما {قال الحبر الذي بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأمية بن ~~أبي الصلت: إنه قد أظل زمان نبي يبعث وهو من بيت يحجه العرب. فقال أمية: ~~نحن معشر ثقيف فينا بيت يحجه العرب؛ فقال الحبر: إنه ليس منكم إنه من ~~إخوانكم من قريش} . فأخبر أمية أن العرب كانت تحج إلى اللات. وقد ذكر طائفة ~~من السلف أن هذا كان رجلا يلت السويق للحاج ويطعمهم إياه فلما مات عكفوا ~~على قبره وصار وثنا يحج إليه ويصلى له ويدعى من دون الله وقرأ جماعة من ~~السلف: {أفرأيتم اللات} بتشديد التاء وكانت اللات لأهل الطائف والعزى لأهل ~~مكة ومناة لأهل المدينة. ولهذا {قال أبو سفيان يوم أحد لما جعل يرتجز فقال: ~~اعل هبل # PageV27P353 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول؟ قال: قولوا: ~~الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا ~~مولى لكم} . فالسفر إلى البقاع المعظمة من جنس الحج والمشركون من أجناس ~~الأمم يحجون إلى آلهتهم كما كانت ms7980 العرب تحج إلى اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى. وهم مع ذلك يحجون إلى البيت ويطوفون به ويقفون بعرفات؛ ولهذا كانوا ~~تارة يعبدون الله وتارة يعبدون غيره. وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. ولهذا قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء ~~تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} يقول تعالى: إذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون ~~مملوكه شريكا له مثل نفسه فكيف تجعلون مملوكي شريكا لي؟ وكل ما سوى الله من ~~الملائكة والنبيين والصالحين وسائر المخلوقات هو مملوك له وهو سبحانه لا ~~إله إلا هو له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ولهذا جعل الشرك ~~بالملائكة والأنبياء كفرا فقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . وذم النصارى على ~~شركهم فقال تعالى: # PageV27P354 # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . والمشركون في ~~هذه الأزمان من الهند وغيرهم يحجون إلى آلهتهم كما يحجون إلى سمناة وغيره ~~من آلهتهم. وكذلك النصارى يحجون إلى قمامة وبيت لحم ويحجون إلى القونة التي ~~بصيدنايا والقونة الصورة وغير ذلك من كنائسهم التي بها الصور التي يعظمونها ~~ويدعونها ويستشفعون بها. وقد ذكر العلماء من أهل التفسير والسير وغيرهم أن ~~أبرهة ملك الحبشة الذي ساق الفيل إلى مكة ليهدمها حين استولت الحبشة على ~~اليمن وقهروا العرب. ثم بعد هذا وفد سيف بن ذي يزن فاستنجد كسرى ملك الفرس ~~فأنجده بجيش حتى أخرج الحبشة عنها - وهو ممن بشر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكانت آية الفيل التي أظهر الله تعالى بها حرمة الكعبة لما أرسل ~~عليهم الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل أي جماعات متفرقة والحجارة من ~~سجيل طين قد استحجر وكان عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم. وهو من دلائل ~~نبوته وأعلام رسالته ودلائل ms7981 شريعته. والبيت الذي لا يحج ولا يصلي إليه إلا ~~هو وأمته. قالوا: كان أبرهة قد بنى كنيسة بأرض اليمن وأراد أن يصرف حج ~~العرب إليها فدخل رجل من العرب فأحدث في الكنيسة فغضب # PageV27P355 # لذلك أبرهة وسافر إلى الكعبة ليهدمها حتى جرى ما جرى. قال تعالى: {ألم تر ~~كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} {ألم يجعل كيدهم في تضليل} {وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل} {ترميهم بحجارة من سجيل} {فجعلهم كعصف مأكول} وهذا معروف عند عامة ~~العلماء من أهل التفسير والسير وغيرهم أنه بنى كنيسة أراد أن يصرف حج العرب ~~إليها. ومعلوم أنه إنما أراد أن يفعل فيها ما يفعله في كنائس النصارى. فدل ~~على أن السفر إلى الكنائس عندهم هو من جنس الحج عند المسلمين وأنه يسمى حجا ~~ويضاهى به البيت الحرام وأن من قصد أن يجعل بقعة للعبادة فيها كما يسافر ~~إلى المسجد الحرام فإنه قصد ما هو عبادة من جنس الحج. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن يحج أحد أو يسافر إلى غير المساجد الثلاثة والحج الواجب الذي ~~يسمى عند الإطلاق حجا إنما هو إلى المسجد الحرام خاصة. والسفر إلى بقعة ~~للعبادة فيها هو إلى المسجدين وما سوى ذلك من الأسفار إلى مكان معظم هو من ~~جنس الحج إليه وذلك منهي عنه. وكذلك في حديث {أبي سفيان لما اجتمع بأمية بن ~~أبي الصلت الثقفي وذكر عن عالم من علماء النصارى أنه أخبره بقرب نبي يبعث ~~من العرب قال أمية: قلت نحن من العرب. قال: إنه من أهل بيت يحجه العرب قال ~~فقلت: نحن معشر ثقيف فينا بيت يحجه العرب # PageV27P356 # قال: إنه ليس منكم إنه من إخوانكم قريش} . كما تقدم. وثقيف كان فيهم ~~اللات المذكورة في القرآن في قوله تعالى {أفرأيتم اللات والعزى} {ومناة ~~الثالثة الأخرى} {ألكم الذكر وله الأنثى} وقد ذكروا أنها مكان رجل كان يلت ~~السويق ويسقيه للحجاج فلما مات عكفوا على قبره وصار ذلك وثنا عظيما يعبد ~~والسفر إليه كانوا يسمونه حجا كما تقدم فدل ذلك على أن ms7982 السفر إلى المشاهد ~~حج إليها كما يقول من يقول من العامة: وحق النبي الذي تحج المطايا إليه. ~~قال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا قبيصة عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ~~{أفرأيتم اللات والعزى} قال: كان رجل يلت السويق فمات فاتخذ قبره مصلى. ~~وقال: حدثنا سليمان بن داود عن أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: ~~" اللات " رجل يلت السويق للحجاج. وكذلك رواه ابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء ~~عن ابن عباس قال: كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن ~~فعبدوه. وروي عن الأعمش قال: كان مجاهد يقرأ " اللات " مثقلة ويقول: كان ~~رجل يلت السويق على صخرة في طريق الطائف ويطعمه الناس فمات فقبر فعكفوا على ~~قبره. وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي ~~الجوزاء قال: " اللات " حجر كان يلت السويق عليه فسمي " اللات ". وقال: # PageV27P357 # حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي صالح قال: " اللات " ~~الذي كان يقوم على آلهتهم وكان يلت لهم السويق " والعزى " نخلة كانوا ~~يعلقون عليها الستور والعهن " ومناة " حجر بقديد. وقد قرأ طائفة من السلف ~~اللات بتشديد التاء. وقيل إنها اسم معدول عن عن اسم الله. قال الخطابي: ~~المشركون يتعاطون الله اسما لبعض أصنامهم فصرفه الله إلى اللات صيانة لهذا ~~الاسم وذبا عنه. قلت: ولا منافاة بين القولين والقراءتين فإنه كان رجل يلت ~~السويق على حجر وعكفوا على قبره وسموه بهذا الاسم وخففوه وقصدوا أن يقولوا ~~هو الإله كما كانوا يسمون الأصنام آلهة فاجتمع في الاسم هذا وهذا. وكانت " ~~اللات " لأهل الطائف وكانوا يسمونها " الربة " " والعزى " لأهل مكة. ولهذا ~~{قال أبو سفيان يوم أحد: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ألا تجيبوه؟ فقالوا: ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى ~~لكم} الحديث وقد تقدم. وكانت مناة لأهل المدينة. فكل مدينة من مدائن أهل ~~الحجاز كان لها طاغوت تحج إليه وتتخذه شفيعا وتعبده. ms7983 وما ذكره بعض المفسرين ~~من أن " العزى " كانت لغطفان فذلك لأن غطفان كانت تعبدها وهي في جهتها. ~~وأهل مكة يحجون إليها # PageV27P358 # فإن العزى كانت ببطن نخلة من ناحية عرفات. ومعلوم بالنقول الصحيحة أن أهل ~~مكة كانوا يعبدون العزى. كما علم بالتواتر أن أهل الطائف كان لهم اللات ~~ومناة كانت حذو قديد كان أهل المدينة يهلون لها كما ثبت ذلك في الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها. وأما ما ذكره معمر بن المثنى من أن هذه الثلاثة كانت ~~أصناما في جوف الكعبة من حجارة فهو باطل باتفاق أهل العلم بهذا الشأن وإنما ~~كان في الكعبة " هبل " الذي ارتجز له {أبو سفيان يوم أحد وقال: اعل هبل اعل ~~هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول؟ قال ~~قولوا: الله أعلى وأجل} . كما تقدم ذكره. هذا وكان إساف ونائلة على الصفا ~~والمروة وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما. وهذه الأسماء الثلاثة مؤنثة: ~~اللات والعزى ومناة. وبكل حال فقد قال أمية بن أبي الصلت: فينا بيت يحجه ~~العرب وأبو سفيان يوافقه على ذلك. فدل ذلك على أن البقاع التي يسافر إليها ~~فالسفر إليها حج والحج نسك وهو حج إلى غير بيت الله ونسك لغير الله كما أن ~~الدعاء لها صلاة لغير الله. وقد قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط ~~مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} {قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين} فالله تعالى أمر نبيه # PageV27P359 # صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونسكه لله فمن سافر إلى بقعة غير بيوت ~~الله التي يشرع السفر إليها ودعا غير الله فقد جعل نسكه وصلاته لغير الله ~~عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السفر إلى مسجد غير المساجد ~~الثلاثة وإن كان بيتا من بيوت الله؛ إذ لم تكن له خاصية تستحق السفر إليه ~~ولا شرع هو صلى الله عليه وسلم ومن قبله من ms7984 الأنبياء السفر إليه بخلاف ~~الثلاثة فإن كل مسجد منها بناه نبي من الأنبياء ودعا الناس إلى السفر إليه ~~فلها خصائص ليست لغيرها. فإذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس ~~بمشروع باتفاق الأئمة الأربعة؛ بل قد نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ قبورهم مساجد وأوثانا وأعيادا ~~ويشرك بها وتدعى من دون الله حتى إن كثيرا من معظميها يفضل الحج إليها على ~~الحج إلى بيت الله فيجعل الشرك وعبادة الأوثان أفضل من التوحيد وعبادة ~~الرحمن كما يفعل ذلك من يفعله من المشركين وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} {إن ~~يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} {لعنه الله} وكانت ~~لها شياطين تكلمهم وتتراءى لهم. قال ابن عباس: في كل # PageV27P360 # صنم شيطان يتراءى للسدنة ويكلمهم. وقال أبي بن كعب: مع كل صنم جنية. وقد ~~قيل: الإناث هي الموات. وعن الحسن: كل شيء لا روح فيه كالخشب والحجر فهو ~~إناث. قال الزجاج: والموات كلها يخبر عنها كما يخبر من المؤنث. فتقول في ~~ذلك: الأحجار تعجبني والدراهم تنفعك. وليس ذلك مختصا بالموات بل كل ما سوى ~~الله. تعالى يجمع بلفظ التأنيث فيقال: الملائكة ويقال لما يعبد من دون ~~الله: آلهة. قال تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} وقال تعالى: ~~{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} {إن هؤلاء متبر ما ~~هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} {قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين} هي أوثان وهي مؤنثة قال تعالى: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله ms7985 إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون.} فالآلهة المعبودة من دون الله كلها بهذه ~~المثابة وهي # PageV27P361 # الأوثان التي تتخذ من دون الله قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وقال يوسف ~~الصديق: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} {ما ~~تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان} وكل من عبد شيئا من دون الله فإنما يعبد أسماء ما أنزل الله بها من ~~سلطان. وأيضا فالذين يعبدون الملائكة أو الأنبياء لا يرونهم وإنما يعبدون ~~تماثيل صوروها على مثال صورهم وهي من تراب وحجر وخشب فهم يعبدون الموات. ~~وفي الصحيح - صحيح مسلم - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {بعثني أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته} . وقال ~~تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إن الله لغفور رحيم} {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} {والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير أحياء وما يشعرون ~~أيان يبعثون} وجميع الأموات لا يشعرون أيان يبعثون. فلا يعلم بقيام الساعة ~~إلا الله عز وجل. وفي الصحيح {أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطب الناس أبو بكر # PageV27P362 # الصديق فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حي لا يموت. وقرأ قوله تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزي الله الشاكرين} وكأن الناس ما سمعوها حتى تلاها أبو بكر} فلا ~~يوجد أحد من الناس إلا وهو يتلوها. والناس تغيب عنهم معاني ms7986 القرآن عند ~~الحوادث فإذا ذكروا بها عرفوها. وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون} . وأما قوله تعالى {ألكم الذكر وله الأنثى} {تلك إذا قسمة ضيزى} أي ~~قسمة جائرة عوجاء إذ تجعلون لكم ما تحبون وهم الذكور وتجعلون لي الإناث ~~وهذا من قولهم: الملائكة بنات الله حيث جعلوا له أولادا إناثا وهم يكرهون ~~أن يكون ولد أحدهم أنثى. كالنصارى الذين يجعلون لله ولدا ويجلون الراهب ~~الكبير أن يكون له ولد. وأما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلما قال ~~تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى} فسرها طائفة منهم الكلبي بأنهم كانوا ~~يقولون: هذه الأصنام بنات الله. وهذا هو الذي ذكره طائفة من المتأخرين. # PageV27P363 # وليس كذلك؛ فإنهم لم يكونوا يقولون عن هذه الأصنام إنها بنات الله وإنما ~~قالوا ذلك عن الملائكة كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى. بعد هذا: {إن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} وقال: {وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم} وقال تعالى: {وإذا بشر ~~أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} فإن الولد يماثل أباه ~~وكذلك الشريك يماثل شريكه فهم ضربوا الإناث مثلا وهم جعلوا هذه شركاء لله ~~سبحانه فكانوا يجعلونها أندادا لله والشريك كالأخ فجعلوا له أولادا إناثا ~~وشركاء إناثا فجعلوا له بنات وأخوات وهم لا يحبون أن تكون لأحدهم أنثى لا ~~بنت ولا أخت؛ بل إذا كان الأب يكره أن تكون له بنت فالأخت أشد كراهة له ~~منها. ولم يكونوا يورثون البنات والأخوات. فتبين فرط جهلهم وظلمهم إذ جعلوا ~~لله ما لا يرضونه لأنفسهم فكانت أنفسهم عندهم أعظم من الله سبحانه. وهذا ~~كما ضرب لهم مثلا فقال تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ~~تالله لتسألن عما كنتم تفترون} {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} ~~إلى قوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم} وقال تعالى {ضرب لكم مثلا ms7987 من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم # PageV27P364 # فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} . فهم ~~لا يرضون أن يكون مملوك أحدهم شريكه وقد جعلوا مملوكي الرب شركاء له فجعلوا ~~لله ما لا يرضونه لأنفسهم من الشركاء ومن الأولاد: لا يرضون مملوكيهم أن ~~يكونوا شركاء وقد جعلوهم لله شركاء ولا يرضون من الأولاد بالإناث فلا ~~يرضونها ولدا ولا نظيرا وهم جعلوا الإناث لله أولادا ونظراء. والنكتة أن ~~الله أجل وأعظم وأعلى وأكبر من كل شيء وهم قد جعلوا لله ما لا يرضونه ~~لأنفسهم. وهذا يتناول كل من وصف الله بصفة ينزه عنها المخلوق كالذين قالوا: ~~إنه فقير وإنه بخيل. والذين قالوا: إنه لا يوصف إلا بالسلوب أو لا يوصف لا ~~بسلب ولا إثبات. والذين جعلوا بعض المخلوقات مماثلة له في شيء من الأشياء ~~في عبادة له أو دعاء له أو توكل عليه أو حبها مثل حبه والذين قالوا: يفعل ~~لا لحكمة؛ بل عبثا. والذين قالوا: إنه يجوز أن يضع الأشياء في غير مواضعها ~~فيعاقب خيار الناس ويكرم شرارهم. والذين قالوا: لا يقدر أن يتكلم بمشيئته. ~~والذين قالوا: إنه لا يسمع ولا يبصر. والذين قالوا: إنه يجوز أن يحب غيره ~~كما يحب هو ويدعى ويسأل فجعلوا مملوكه ندا له. ونظائر ذلك كثيرة. # PageV27P365 # والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى وأنه ليس كمثله شيء. فلا يمثل به شيء ~~من المخلوقات في شيء من الأشياء إذ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله ولا فيما يستحقه من العبادة والمحبة والتوكل والطاعة والدعاء ~~وسائر حقوقه. قال تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر ~~لعبادته هل تعلم له سميا} فلا أحد يساميه. ولا يستحق أن يسمى بما يختص به ~~من الأسماء ولا يساويه في معنى شيء من الأسماء لا في معنى الحي ولا العليم ~~ولا القدير ولا غير ذلك من الأسماء ولا في معنى الذات والموجود ونحو ذلك من ~~الأسماء العامة ms7988 ولا يكون إلها ولا ربا ولا خالقا. فقال تعالى: {قل هو الله ~~أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا أحد} فلم يكن أحد ~~يكافيه في شيء من الأشياء: فلا يساويه شيء ولا يماثله شيء ولا يعادله شيء. ~~قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} وقال تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} {وجنود ~~إبليس أجمعون} {قالوا وهم فيها يختصمون} {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ ~~نسويكم برب العالمين} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون} {فلا تضربوا لله الأمثال إن ~~الله يعلم وأنتم لا تعلمون} . # PageV27P366 # وهذا الذي ذكرنا من أن السفر إلى الأماكن المعظمة - القبور وغيرها - عند ~~أصحابه كالحج عند المسلمين هو أمر معروف عند المتقدمين والمتأخرين لفظا ~~ومعنى فإنهم يقصدون من دعاء المخلوق والخضوع له والتضرع إليه نظير ما يقصده ~~المسلمون من دعاء الله تعالى والخضوع له والتضرع إليه؛ لكن كما قال تعالى: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله} وهم يسمون ذلك حجا إليها وهذا معروف عند متقدميهم ومتأخريهم. ~~وكذلك أهل البدع والضلال من المسلمين كالرافضة وغيرهم يحجون إلى المشاهد ~~وقبور شيوخهم وأئمتهم ويسمون ذلك حجا. ويقول داعيتهم: السفر إلى الحج ~~الأكبر ويظهرون علما للحج إليه ومعه مناد ينادي إليه كما يرفع المسلمون ~~علما للحج لكن داعي أهل البدع ينادي: السفر إلى الحج الأكبر علانية في مثل ~~بغداد يعني السفر إلى مشهد من المشاهد فيجعلون السفر إلى قبر بعض المخلوقين ~~هو الحج الأكبر والحج إلى بيت الله عندهم الأصغر. وقد ذكر ذلك أئمتهم في ~~مصنفاتهم. ومن جهال الناس من يقول: وحق النبي الذي تحج المطايا إليه. فلما ~~كان المشركون يصلون ويدعون المخلوق ويحجون إلى قبره قال تعالى: {قل إنني ~~هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي ms7989 ومحياي ومماتي # PageV27P367 # العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} وقال تعالى: {ولا ~~تدع مع الله إلها آخر} . وقوله تعالى {ونسكي} قد ذكروا في تفسيره: الذبح ~~لله والحج إلى بيت الله. وذكروا أن لفظ النسك يتناول العبادة مطلقا. والله ~~سبحانه قد بين في القرآن أن الذبح والحج كلاهما منسك: قال تعالى: {ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {من ذبح بعد الصلاة فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة ~~فإنما هو شاة لحم عجلها لأهله ليس من النسك في شيء} . وقال تعالى عن ~~إبراهيم وإسماعيل: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} {ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم} فأرى الله إبراهيم وابنه إسماعيل المواضع التي تقصد في الحج ~~والأفعال التي تفعل هناك: كالطواف والسعي والوقوف والرمي كما ذكر ذلك غير ~~واحد من السلف. والصلاة تتناول الدعاء الذي هو بمعنى العبادة والذي هو ~~بمعنى السؤال. فالصلاة تجمع هذا وهذا قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} فقد فسر دعاؤه ~~بسؤاله فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يقول: {قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب # PageV27P368 # العالمين} فأمره تعالى أن يكون الدعاء لله والصلاة لله ولا تبنى المساجد ~~إلا لله؛ لا تبنى على قبر مخلوق ولا من أجله ولا يسافر إلى بيوت المخلوقين. ~~وقد نهى أن يحج ويسافر إلى بيوت الله التي ليست لها تلك الخصائص. وهذا ~~ونحوه يعرف من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وسنة خلفائه الراشدين ~~وما كان عليه الصحابة من بعده والتابعون لهم بإحسان وما ذكره أئمة المسلمين ~~الأربعة وغيرهم. ولهذا لا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه ~~يستحب السفر إلى زيارة قبر نبي أو رجل صالح. ومن نقل ذلك فليخرج نقله. وإذا ~~كان الأمر كذلك وليس في الفتيا ms7990 إلا ما ذكره أئمة المسلمين وعلماؤهم ~~فالمخالف لذلك مخالف لدين المسلمين وشرعهم ولسنة نبيهم؛ وسنة خلفائه ~~الراشدين ولما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه من توحيده وعبادته وحده لا ~~شريك له وأنه إنما يعبد بما شرعه من واجب ومستحب لا يعبد بما نهى عنه ولم ~~يشرعه. والله سبحانه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا. فبعثه بدين الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء فإن الدين عند ~~الله الإسلام {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} لا من الأولين ولا ~~من الآخرين. # PageV27P369 # وجميع الأنبياء كانوا على دين الإسلام كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء إخوة لعلات} . ~~وقد أخبر تعالى في القرآن عن نوح وإبراهيم وإسرائيل وأتباع موسى والمسيح ~~وغيرهم أنهم كانوا مسلمين متفقين على عبادة الله وحده لا شريك له وأن يعبد ~~بما أمر هو سبحانه وتعالى فلا يعبد غيره ولا يعبد هو بدين لم يشرعه. فلما ~~أمر أن يصلي في أول الإسلام إلى بيت المقدس كان ذلك من دين الإسلام. ثم لما ~~نسخ ذلك وأمر باستقبال البيت الحرام كان هذا من دين الإسلام. وذلك المنسوخ ~~ليس من دين الإسلام. وقد قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ~~فللتوراة شرعة وللإنجيل شرعة وللقرآن شرعة. فمن كان متبعا لشرع التوراة أو ~~الإنجيل الذي لم يبدل ولم ينسخ فهو على دين الإسلام كالذين كانوا على شريعة ~~التوراة بلا تبديل قبل مبعث المسيح عليه السلام والذين كانوا على شريعة ~~الإنجيل بلا تبديل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. # وأما من اتبع دينا مبدلا ما شرعه الله أو دينا منسوخا فهذا قد خرج عن دين ~~الإسلام كاليهود الذين بدلوا التوراة كذبوا المسيح عليه السلام ثم كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. والنصارى الذين بدلوا الإنجيل وكذبوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. فهؤلاء ليسوا على # PageV27P370 # دين الإسلام الذي كان عليه الأنبياء بل هم مخالفون لهم فيما كذبوا ms7991 به من ~~الحق وابتدعوه من الباطل. وكذلك كل مبتدع خالف سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكذب ببعض ما جاء به من الحق وابتدع من الباطل ما لم تشرعه الرسل. ~~فالرسول بريء مما ابتدعه وخالفه فيه. قال تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء ~~مما تعملون} وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما ~~شرعه الله ورسوله. وقد ذم الله المشركين على أنهم حللوا وحرموا وشرعوا دينا ~~لم يأذن به الله فقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن ~~به الله} والسور المكية أنزلها الله تبارك وتعالى في الدين العام الذي بعث ~~به جميع الرسل كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين لا نبي بعده. وأمته خير أمة أخرجت للناس. ~~وقد بعثه الله بأفضل الكتب وأفضل الشرائع. وأكمل له ولأمته الدين. وأتم ~~عليه النعمة. ورضي لهم الإسلام دينا. وهو قد دعا إلى الصراط المستقيم كما ~~قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} وقد أمرنا الله أن نتبع # PageV27P371 # هذا الصراط المستقيم ولا نعدل عنه إلى السبل المبتدعة. فقال تعالى: {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون} {وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خط لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: هذا سبيل الله ~~وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} } ولهذا أمرنا الله ~~أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {اليهود مغضوب ~~عليهم والنصارى ضالون} . وهو صلى الله ms7992 عليه وسلم لم يمت حتى بين الدين ~~وأوضح السبيل وقال: {تركتكم على البيضاء النقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها ~~بعدي إلا هالك} . وقال صلى الله عليه وسلم {ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ~~إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به} . وقال ~~{إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} . قال الترمذي: حديث صحيح. # PageV27P372 # ولهذا كان أئمة المسلمين لا يتكلمون في الدين بأن هذا واجب أو مستحب أو ~~حرام أو مباح إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة. وما دلا عليه. وما اتفق ~~عليه المسلمون فهو حق جاء به الرسول؛ فإن أمته ولله الحمد لا تجتمع على ~~ضلالة كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم فقال: {إن الله أجاركم على لسان ~~نبيكم أن تجتمعوا على ضلالة} . وما تنازعوا فيه ردوه إلى الكتاب والسنة كما ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} كما كان السلف يفعلون فقد يكون عند هذا ~~حديث سمعه أو معنى فهمه خفي على الآخر والآخر مأجور على اجتهاده أيضا. ولا ~~إثم عليه فيما خفي عليه بعد اجتهاده. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ ~~فله أجر} . ولو صلى أربعة أنفس إلى أربع جهات إذا أغيمت السماء كل باجتهاده ~~فكلهم مطيع لله عز وجل وتبرأ ذمته لكن الذي أصاب جهة الكعبة واحد وله ~~أجران. وقد قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} فأثنى ~~تعالى على # PageV27P373 # النبيين جميعا مع أنه خص أحدهما بفهم تلك الحكومة. والدين كله ms7993 مأخوذ عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لأحد بعده أن يغير من دينه شيئا. هذا دين ~~المسلمين. بخلاف النصارى فإنهم يجوزون لعلمائهم وعبادهم أن يشرعوا شرعا ~~يخالف شرع الله قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون} قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم ~~وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم} . ولهذا كان أئمة ~~المسلمين لا يتكلمون في شيء أنه عبادة وطاعة وقربة إلا بدليل شرعي واتباع ~~لمن قبلهم لا يتكلمون في الدين بلا علم فإن الله حرم ذلك بقوله تعالى: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . ~~وقد اتفق أئمة الدين على أنه يشرع السفر إلى المساجد الثلاثة: المسجد ~~الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى. بخلاف غير هذه ~~الثلاثة؛ لأن في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} . # PageV27P374 # وتنازع المسلمون في زيارة القبور فقال طائفة من السلف إن ذلك كله منهي ~~عنه لم ينسخ فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري ولم تشتهر. ولما ذكر ~~البخاري زيارة القبور. احتج بحديث المرأة التي بكت عند القبر. ونقل ابن ~~بطال عن الشعبي أنه قال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~زيارة القبور لزرت قبر ابني. وقال النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور وعن ~~ابن سيرين مثله. قال ابن بطال: وقد سئل مالك عن زيارة القبور فقال؛ قد كان ~~نهى عنها عليه السلام ثم أذن فيها فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم ~~أر بذلك بأسا وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أولا عن ms7994 زيارة القبور باتفاق العلماء. ~~فقيل: لأن ذلك يفضي إلى الشرك. وقيل لأجل النياحة عندها. وقيل لأنهم كانوا ~~يتفاخرون بها. وقد ذكر طائفة من العلماء في قوله تعالى {ألهاكم التكاثر} ~~{حتى زرتم المقابر} أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى. وممن ذكره ابن عطية ~~في تفسيره قال: وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم ~~أشغالكم القاطعة لكم عن العبادة والعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة ~~بذكره. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم {كنت نهيتكم عن زيارة # PageV27P375 # القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا} فكان نهيه في معنى الآية. ثم أباح ~~الزيارة بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر وتسنيمها بالحجارة ~~الرخام وتلوينها سرفا وبنيان النواويس عليها هذا لفظ ابن عطية. والمقصود أن ~~العلماء متفقون على أنه كان نهى عن زيارة القبور. ونهى عن الانتباذ في ~~الدباء والحنتم والمزفت والمقير. واختلفوا هل نسخ ذلك؟ فقالت طائفة: لم ~~ينسخ ذلك؛ لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة. ولهذا لم يخرج أبو عبد الله ~~البخاري ما فيه نسخ عام. وقال الآخرون: بل نسخ ذلك. ثم قالت طائفة منهم: ~~إنما نسخ إلى الإباحة فزيارة القبور مباحة لا مستحبة. وهذا قول في مذهب ~~مالك وأحمد. قالوا: لأن صيغة افعل بعد الحظر إنما تفيد الإباحة. كما قال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ~~وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا} وروي ~~{فزوروها ولا تقولوا هجرا} . وهذا يدل على أن النهي كان لما كان يقال عندها ~~من الأقوال المنكرة سدا للذريعة كالنهي عن الانتباذ في الأوعية أولا لأن ~~الشدة المطربة تدب فيها ولا يدرى بذلك فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري. # PageV27P376 # وقال الأكثرون: زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام ~~عليهم {كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيدعو لهم} . ~~وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين {أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى ~~عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات} . وثبت عنه صلى ms7995 الله ~~عليه وسلم في الصحيح {أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ~~السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم ~~الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم ~~لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} . وهذا في زيارة قبور ~~المؤمنين. وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيها لأجل تذكار الآخرة ولا يجوز ~~الاستغفار لهم. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {زار ~~قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. وقال: استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي ~~واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم ~~الآخرة} . والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي ويكون عند بعضهم من ~~العلم ما ليس عند الآخر - فإن العلماء ورثة الأنبياء - وقال تعالى: {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . # PageV27P377 # والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار؛ فإن الزيارة إذا تضمنت أمرا محرما: من ~~شرك أو كذب أو ندب أو نياحة وقول هجر: فهي محرمة بالإجماع كزيارة المشركين ~~بالله والساخطين لحكم الله فإن هؤلاء زيارتهم محرمة. فإنه لا يقبل دين إلا ~~دين الإسلام. وهو الاستسلام لخلقه وأمره. فيسلم لما قدره وقضاه ويسلم لما ~~يأمر به ويحبه. وهذا نفعله وندعو إليه وذاك نسلمه ونتوكل فيه عليه. فنرضى ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. ونقول في صلاتنا: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} مثل قوله تعالى {فاعبده وتوكل عليه} وقوله تعالى: {استعينوا بالصبر ~~والصلاة إن الله مع الصابرين} وقوله تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} {واصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} . # والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته أو صداقته ~~فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة. كما {زار النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: زوروا القبور فإنها ms7996 ~~تذكركم الآخرة} . فهذه الزيارة كان نهى عنها لما كانوا يفعلون من المنكر ~~فلما عرفوا الإسلام أذن فيها لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت. فكثير من ~~الناس إذا رأى قريبه وهو # PageV27P378 # مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة وقد يحصل منه جزع فيتعارض الأمران. ونفس ~~الحزن مباح إن قصد به طاعة كان طاعة وإن عمل معصية كان معصية. وأما النوع ~~الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة. فهذا هو المستحب الذي ~~دلت السنة على استحبابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وكان يعلم ~~أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور. وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى ~~المدينة أن يأتي قباء فيصلي في مسجدها. وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتي ~~البقيع وشهداء أحد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فزيارة القبور ~~للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم لا يقصد فيها ~~أن يدعو مخلوقا من دون الله ولا يجوز أن تتخذ مساجد ولا تقصد لكون الدعاء ~~عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت. والصلاة على الجنائز أفضل ~~باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم. وهذا مشروع بل فرض على ~~الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين. ولو جاء إنسان إلى سرير الميت ~~يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين. ولو ~~ندبه وناح لكان أيضا محرما وهو دون الأول. فمن احتج بزيارة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأهل البقيع ولأهل # PageV27P379 # أحد على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة فهو أعظم ضلالا ممن ~~يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز أن يشرك بالميت ويدعى من دون الله ~~ويندب ويناح عليه كما يفعل ذلك بعض الناس يستدل بهذا الذي فعله الرسول صلى ~~الله عليه وسلم - وهو عبادة لله وطاعة له يثاب عليه الفاعل وينتفع به ~~المدعو له ويرضى به الرب عز وجل - على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله ~~وإيذاء للميت وظلم من العبد لنفسه كزيارة المشركين وأهل الجزع الذين ms7997 لا ~~يخلصون لله الدين ولا يسلمون لما حكم به سبحانه وتعالى. فكل زيارة تتضمن ~~فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به - كالتي تتضمن الجزع وقول الهجر وترك الصبر ~~أو تتضمن الشرك ودعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله - فهي منهي عنها. وهذه ~~الثانية أعظم إثما من الأولى. ولا يجوز أن يصلى إليها بل ولا عندها بل ذلك ~~مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {لا تصلوا إلى القبور ولا ~~تجلسوا عليها} رواه مسلم في صحيحه. فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق العلماء على أنه غير مشروع وهو أن ~~نتخذها مساجد ونتخذها وثنا ونتخذها عيدا فلا يجوز أن تقصد للصلاة الشرعية ~~ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ولا أن تتخذ عيدا يجتمع إليها في وقت # PageV27P380 # معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى. وأما " الزيارة الشرعية " فهي ~~مستحبة عند الأكثرين. وقيل: مباحة. وقيل: كلها منهي عنها كما تقدم. والذي ~~تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد ونفصل ~~الزيارة إلى ثلاثة أنواع: منهي عنه ومباح ومستحب وهو الصواب. قال مالك ~~وغيره: لا نأتي إلا هذه الآثار: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء ~~وأهل البقيع وأحد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد إلا هذين ~~المسجدين وهاتين المقبرتين كان يصلي يوم الجمعة في مسجده ويوم السبت يذهب ~~إلى قباء كما في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين} . ~~وأما أحاديث النهي فكثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما كقوله صلى الله عليه ~~وسلم {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت عائشة ~~رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا} . رواه ~~البخاري ومسلم. وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت ~~بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ms7998 فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس # PageV27P381 # رضي الله عنهم قالوا: {لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح ~~خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قاتل الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} . وفي لفظ: {لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} . وفي الصحيحين عن عائشة {أن أم ~~حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} . ~~وعائشة رضي الله عنها أم المؤمنين صاحبة الحجرة النبوية قد روت أحاديث هذا ~~الباب مع مشاركة غيرها من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجندب وابن مسعود ~~وغيرهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود: {إن من شرار ~~الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} . رواه أبو ~~حاتم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده. وفي سنن أبي داود عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني} . وفي موطأ مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد # PageV27P382 # غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} . وفي سنن سعيد بن منصور ~~أن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب - أحد الأشراف الحسنيين بل ~~أجلهم قدرا في عصر تابعي التابعين في خلافة المنصور وغيره - رأى رجلا يكثر ~~الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا هذا إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {قال: لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن ms7999 ~~صلاتكم تبلغني} . فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء. فلما أراد الأئمة اتباع ~~سنته في زيارة قبره المكرم والسلام عليه طلبوا ما يعتمدون عليه من سنته. ~~فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام} . وعن أحمد أخذ ذلك أبو داود فلم يذكر في زيارة ~~قبره المكرم غير هذا الحديث وترجم عليه " باب زيارة القبر " مع أن دلالة ~~الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل فإنه لا يدل على كل ما تسميه الناس " ~~زيارة " باتفاق المسلمين. ويبقى الكلام المذكور فيه: هل هو السلام عند ~~القبر كما كان من دخل على عائشة رضي الله عنها يسلم عليه؟ أو يتناول هذا ~~والسلام عليه من خارج الحجرة. فالذين استدلوا به جعلوه متناولا لهذا وهذا # PageV27P383 # وهو غاية ما كان عندهم في هذا الباب عنه صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله ~~عليه وسلم يسمع السلام من القريب وتبلغه الملائكة الصلاة والسلام عليه من ~~البعيد كما في النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن لله ملائكة ~~سياحين يبلغوني عن أمتي السلام} . وفي السنن عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ~~فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء} . صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. وذكر مالك في موطئه أن عبد الله بن عمر كان يأتي فيقول: ~~السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ~~ينصرف. وفي رواية: كان إذا قدم من سفر. رواه معمر عن نافع عنه. وعلى هذا ~~اعتمد مالك رحمه الله فيما يفعل عند الحجرة؛ إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن ~~عمر رضي الله عنهما. وأما ما زاد على ms8000 ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي صلى الله ~~عليه وسلم مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم ~~يفعلها السلف. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وأما ### | السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين # فهذا لم يكن موجودا في الإسلام في زمن مالك وإنما حدث هذا بعد القرون ~~الثلاثة. قرن # PageV27P384 # الصحابة والتابعين وتابعيهم. فأما هذه القرون التي أثنى عليها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم يكن هذا ظاهرا فيها ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك. ~~ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه وإن كان أراد القبر فلا ~~يفعل للحديث الذي جاء {لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد} . وكذلك من يزور ~~قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم أو يطلب منهم الدعاء أو يقصد الدعاء عندهم ~~لكونه أقرب إجابة في ظنه فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك لا عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وإذا كان مالك رحمه الله يكره أن يطيل الرجل ~~الوقوف عنده صلى الله عليه وسلم للدعاء فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ~~ولا الدعاء له وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه ويرفع صوته عنده فيؤذي ~~الرسول ويشرك بالله ويظلم نفسه ولم يعتمد الأئمة؛ لا الأربعة ولا غير ~~الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها بعض الناس في ذلك. مثل ما يروون ~~أنه قال: {من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي} ومن قوله: {من زارني ~~وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة} ونحو ذلك. فإن هذا لم يروه ~~أحد من أئمة المسلمين ولم يعتمد # PageV27P385 # عليها. ولم يروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التي يعتمد عليها كأبي ~~داود والنسائي. لأنها ضعيفة بل موضوعة كما قد بين العلماء الكلام عليها. ~~ومن زاره في حياته صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين إليه والواحد بعدهم ~~لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ ms8001 مد أحدهم ولا نصيفه. وهو إذا أتى بالفرائض لا ~~يكون مثل الصحابة فكيف يكون مثلهم بالنوافل أو بما ليس بقربة أو بما هو ~~منهي عنه. وكره مالك رضي الله عنه أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم كره هذا اللفظ. لأن السنة لم تأت به في قبره. وقد ذكروا في تعليل ~~ذلك وجوها. ورخص غيره في هذا اللفظ للأحاديث العامة في زيارة القبور. ومالك ~~يستحب ما يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة في مسجده وكذلك ~~السلام عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم اتباعا لابن عمر. ومالك من أعلم الناس ~~بهذا لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة. ولهذا كان يستحب ~~اتباع السلف في ذلك. ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة. فكره أن يطيل الرجل ~~القيام والدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابة رضوان الله ~~عليهم ما كانوا يفعلون ذلك: وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد ~~أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال ~~مالك رحمة الله عليه: ولن # PageV27P386 # يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون ~~فيه خلف أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين فإن هؤلاء ~~الأربعة صلوا أئمة في مسجده والمسلمون يصلون خلفهم كما كانوا يصلون خلفه ~~وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. كما ~~كانوا يقولون ذلك في حياته. ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا. ولم يكونوا ~~يأتون القبر للسلام لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل ~~وهي المشروعة. وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة ~~والدعاء فإنه لم يشرعه لهم بل نهاهم وقال: {لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي ~~حيث ما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني} فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد وكذلك ~~السلام. ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. ومن سلم عليه مرة سلم ~~الله عليه ms8002 عشرا. كما قد جاء في بعض الأحاديث. وتخصيص الحجرة بالصلاة ~~والسلام جعل لها عيدا وهو قد نهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره أو قبر ~~غيره مسجدا. ولعن من فعل ذلك ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من ~~اللعنة. وكان أصحابه خير القرون وهم أعلم الأمة بسنته وأطوع الأمة لأمره. ~~وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره # PageV27P387 # لا من داخل الحجرة ولا من خارجها. وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من ~~الباب إذ كانت عائشة رضي الله عنها فيها. وبعد ذلك إلى أن بني الحائط ~~الآخر. وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه؛ لا لسلام ولا ~~لصلاة عليه ولا لدعاء لأنفسهم ولا لسؤال عن حديث أو علم ولا كان الشيطان ~~يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم ~~الأحاديث أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في ~~غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره: حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ~~ويأمرهم وينهاهم في الظاهر وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر ~~ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم وأن روح الميت تجسدت لهم ~~فرأوها كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج يقظة لا مناما. فإن ~~الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. ~~وهم تلقوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. ففهموا من مقاصده ~~صلى الله عليه وسلم وعاينوا من أفعاله وسمعوا منه شفاها ما لم يحصل لمن ~~بعدهم. وكذلك كان يستفيد بعضهم من بعض ما لم يحصل لمن بعدهم وهم قد فارقوا ~~جميع أهل الأرض وعادوهم وهجروا جميع الطوائف وأديانهم وجاهدوهم بأنفسهم # PageV27P388 # وأموالهم قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {لا تسبوا أصحابي ~~فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} . ~~وهذا قاله لخالد بن الوليد ms8003 لما تشاجر هو وعبد الرحمن بن عوف لأن عبد الرحمن ~~بن عوف كان من السابقين الأولين وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وهو ~~فتح الحديبية وخالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة أسلموا في مدة الهدنة ~~بعد الحديبية وقبل فتح مكة فكانوا من المهاجرين التابعين لا من المهاجرين ~~الأولين. وأما الذين أسلموا عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين فإنه لا هجرة بعد ~~الفتح بل كان الذين أسلموا من أهل مكة يقال لهم الطلقاء لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أطلقهم بعد الاستيلاء عليهم عنوة كما يطلق الأسير. والذين بايعوه ~~تحت الشجرة هم ومن كان من مهاجرة الحبشة هم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وفي الصحيح {عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض} . وكنا ~~ألفا وأربعمائة. ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ~~ما ناله ممن بعدهم فلم يكن فيهم من يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإن كان له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه. ولم يكن فيهم أحد من # PageV27P389 # أهل البدع المشهورة: كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية. بل ~~كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم. ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يتراءى له ~~في صورة بشر ويقول: أنا الخضر أو أنا إبراهيم أو موسى أو عيسى أو المسيح أو ~~أن يكلمه عند قبر حتى يظن أن صاحب القبر كلمه؛ بل هذا إنما ناله فيمن ~~بعدهم. وناله أيضا من النصارى حيث أتاهم بعد الصلب وقال: أنا هو المسيح ~~وهذه مواضع المسامير - ولا يقول: أنا شيطان فإن الشيطان لا يكون جسدا - أو ~~كما قال. وهذا هو الذي اعتمد عليه النصارى في أنه صلب؛ لا في مشاهدته؛ فإن ~~أحدا منهم لم يشاهد الصلب وإنما حضره بعض اليهود وعلموا المصلوب وهم ~~يعتقدون أنه المسيح. ولهذا جعله الله من ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه. لكنهم ~~قصدوا هذا الفعل وفرحوا به قال تعالى: ms8004 {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا ~~عظيما} {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن وما قتلوه يقينا} {بل رفعه الله إليه} . وبسط هذا له موضع آخر. ~~والمقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل ~~غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله أو جهلوا السنة أو ~~رأوا وسمعوا أمورا من الخوارق فظنوها من جنس آيات # PageV27P390 # الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين. كما أضل النصارى وأهل البدع ~~بمثل ذلك. فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم. وكذلك يتمسكون بالمتشابه من ~~الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أمورا فيظن أنه رحماني وإنما هو شيطاني ~~ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه. وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في ~~صورته ويغيث من استغاث به. أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته. لأن الذين ~~رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل. ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم ~~لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري واستغيثوا بي لا في محياه ولا ~~في مماته كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين. ولا طمع الشيطان أن يأتي ~~أحدهم ويقول: أنا من رجال الغيب أو من الأوتاد الأربعة أو السبعة أو ~~الأربعين. أو يقول له: أنت منهم. إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة ~~له. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله أو يخاطبه عند ~~القبر كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور. كما ~~يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه من ~~شيوخهم. فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم. والنصارى ~~يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم. والضلال من أهل القبلة ~~يرون من يعظمونه: إما النبي صلى الله عليه وسلم # PageV27P391 # وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ويخاطبونه. وقد يستفتونه ms8005 ويسألونه ~~عن أحاديث فيجيبهم. ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعانقه هو وصاحباه. ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته ~~بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد. وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له ~~هذا وأشباهه عددا كثيرا. وقد حدثني بما وقع له في ذلك وبما أخبر به غيره من ~~الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم. وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود ~~عند النصارى والمشركين لكن كثير من الناس يكذب بهذا وكثير منهم إذا صدق به ~~يظن أنه من الآيات الإلهية وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه. ولم يعلم ~~أنه من الشيطان وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان. ومن كان أقل علما ~~قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا. ومن عنده علم منها لا يقول ~~له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه؛ بل يضله عن بعض ما ~~كان يعرفه فإن هذا فعل الشياطين وهو وإن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره ~~من دينه أكثر. ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه ولا موسى ولا ~~عيسى ولا أنه سمع رد النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وابن عمر كان يسلم إذا ~~قدم من سفر ولم يقل قط إنه يسمع الرد. وكذلك التابعون وتابعوهم. وإنما حدث ~~هذا من بعض المتأخرين. # PageV27P392 # وكذلك لم يكن أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - يأتيه فيسأله عند ~~القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم لا خلفاؤه الأربعة ولا ~~غيرهم. مع أنهم أخص الناس به صلى الله عليه وسلم حتى ابنته فاطمة - رضي ~~الله عنها - لم يطمع الشيطان أن يقول لها: اذهبي إلى قبره فسليه هل يورث أم ~~لا يورث. كما أنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم: اطلبوا منه أن ~~يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا. ولا قال: اطلبوا منه أن يستنصر لكم. ولا أن ~~يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون ms8006 منه أن يستسقي لهم وأن يستنصر لهم فلم ~~يطمع الشيطان فيهم بعد موته صلى الله عليه وسلم أن يطلبوا منه ذلك. ولا طمع ~~بذلك في القرون الثلاثة. وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد ~~والسنة فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به ~~المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وكذلك لم يطمع ~~الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء ولا أن يقطع به الأرض البعيدة في مدة ~~قريبة. كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين؛ لأن الأسفار التي كانوا ~~يسافرونها كانت طاعات كسفر الحج والعمرة والجهاد وهذه يثابون على كل خطوة ~~يخطونها فيه وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم: كالذي يخرج من بيته إلى ~~المسجد فخطواته إحداها # PageV27P393 # ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة. فلم يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن ~~يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض أزا حتى يقطعوا المسافة البعيدة بسرعة. ~~وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أسرى به الله عز وجل من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى. وكان هذا من خصائصه. فليس ~~لمن بعده مثل هذا المعراج ولكن الشيطان يخيل إليه معاريج شيطانية كما خيلها ~~لجماعة من المتأخرين. وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء فهذا قد ~~يحتاج إليه المؤمنون أحيانا مثل أن لا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل ~~الجهاد إلا بذلك. فلهذا كان الله يكرم من احتاج إلى ذلك من الصحابة ~~والتابعين بمثل ذلك كما أكرم به العلاء بن الحضرمي وأصحابه وأبا مسلم ~~الخولاني وأصحابه وبسط هذا له موضع آخر غير هذا الكتاب. لكن المقصود أن ~~يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء. فما ظهر فيمن بعدهم ~~مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا ~~فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أو من جنس العبادات أو من جنس الخوارق ~~والآيات أو من جنس السياسة والملك. بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم. قال عبد ~~الله ms8007 بن مسعود رضي الله عنه من كان منكم مستنا # PageV27P394 # فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر ~~هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ~~وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدي ~~المستقيم. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن الصحابة رضوان الله ~~عليهم تركوا البدع المتعلقة بالقبور كقبره المكرم وقبر غيره لنهيه صلى الله ~~عليه وسلم لهم عن ذلك ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور ~~الأنبياء أوثانا. وإن كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر ~~كما كان ابن عمر يفعل. بل كانوا في حياته يسلمون عليه ثم يخرجون من المسجد ~~لا يأتون إليه عند كل صلاة. وإذا جاء أحدهم يسلم عليه رد عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم السلام. وكذلك من يسلم عليه عند قبره رد عليه السلام وكانوا ~~يدخلون على عائشة فكانوا يسلمون عليه كما كانوا يسلمون عليه في حياته ويقول ~~أحدهم: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. وقد جاء هذا عاما في جميع ~~قبور المؤمنين فما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ~~إلا رد الله روحه عليه حتى يرد عليه السلام. فإذا كان رد السلام موجودا في ~~عموم المؤمنين فهو في أفضل الخلق أولى. وإذا سلم المسلم عليه في صلاته فإنه ~~وإن لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشرا كما جاء في الحديث {من سلم علي ~~مرة سلم الله عليه # PageV27P395 # عشرا} . فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما يحصل بالرد كما أنه من صلى ~~عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. وكان ابن عمر يسلم عليه ثم ينصرف. لا يقف ~~لا لدعاء له ولا لنفسه. ولهذا كره مالك ما زاد على فعل ابن عمر من وقوف له ~~أو لنفسه لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة. قال مالك: لن ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ms8008 مع أن فعل ابن عمر إذا لم يفعل مثله ~~سائر الصحابة إنما يصلح للتسويغ كأمثال ذلك فيما فعله بعض الصحابة رضوان ~~الله عليهم. وأما القول بأن هذا الفعل مستحب أو منهي عنه أو مباح فلا يثبت ~~إلا بدليل شرعي فالوجوب والندب والإباحة والاستحباب والكراهة والتحريم لا ~~يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه صلوات ~~الله وسلامه عليه. فالقرآن هو الذي بلغه. والسنة هو الذي علمها. والإجماع ~~بقوله عرف أنه معصوم. والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل ~~وأن علة الأصل في الفرع. وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض فلا ~~يحكم في المتماثلين بحكمين متناقضين ولا يحكم بالحكم لعلة تارة ويمنعه أخرى ~~مع وجود العلة إلا لاختصاص إحدى الصورتين بما يوجب التخصيص. فشرعه هو ما ~~شرعه هو صلى الله عليه وسلم وسنته ما سنها هو لا يضاف إليه قول غيره # PageV27P396 # وفعله - وإن كان من أفضل الناس - إذا وردت سنته. بل ولا يضاف إليه إلا ~~بدليل يدل على الإضافة. ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود يقولون ~~باجتهادهم ويكونون مصيبين موافقين لسنته لكن يقول أحدهم: أقول في هذا برأيي ~~فإن يكن صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان ~~منه. فإن كل ما خالف سنته فهو شرع منسوخ أو مبدل لكن المجتهدون وإن قالوا ~~بآرائهم وأخطئوا فلهم أجر وخطؤهم مغفور لهم. وكان الصحابة إذا أراد أحدهم ~~أن يدعو لنفسه استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته. لا ~~يقصدون الدعاء عند الحجرة ولا يدخل أحدهم إلى القبر. والسلام عليه قد شرع ~~للمسلمين في كل صلاة وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد كان. ~~فالنوع الأول كل صلاة يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض} . ~~وقد شرع للمسلمين ms8009 في كل صلاة أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا ~~وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والإنس والجن عموما. وفي الصحيحين {عن ~~ابن مسعود أنه قال: كنا نقول خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: ~~السلام على فلان وفلان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله هو السلام ~~فإذا # PageV27P397 # قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله} وقد روي عنه التشهد بألفاظ ~~أخر كما رواه مسلم من حديث ابن عباس وكما كان ابن عمر يعلم الناس التشهد. ~~ورواه مسلم من حديث أبي موسى لكن هو تشهد ابن مسعود. ولكن لم يخرج البخاري ~~إلا تشهد ابن مسعود وكل ذلك جائز فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف فالتشهد ~~أولى. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أن المصلي إذا قال: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض. ~~وهذا يتناول الملائكة وصالحي الإنس والجن كما قال تعالى عنهم: {وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} . والنوع الثاني: السلام عليه عند ~~دخول المسجد كما في المسند والسنن عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أحدكم ~~المسجد فليقل: بسم الله والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح ~~لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله. # PageV27P398 # اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك} . وقد روى مسلم في صحيحه ~~الدعاء عند دخول المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته وعند خروجه يسأل الله من ~~فضله. وهذا الدعاء مؤكد في دخول مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا ذكره ~~العلماء فيما صنفوه من المناسك لمن أتى إلى مسجده صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول ذلك. فكان السلام عليه مشروعا ms8010 عند دخول المسجد والخروج منه وفي نفس كل ~~صلاة. وهذا أفضل وأنفع من السلام عليه عند قبره وأدوم. وهذا مصلحة محضة لا ~~مفسدة فيها تخشى فبها يرضى الله ويوصل نفع ذلك إلى رسوله وإلى المؤمنين. ~~وهذا مشروع في كل صلاة وعند دخول المسجد والخروج منه؛ بخلاف السلام عند ~~القبر. مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه لا لزيارة ولا ~~لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك. ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها. وكانت ناحية ~~عن القبور؛ لأن القبور في مقدم الحجرة وكانت هي في مؤخر الحجرة. ولم يكن ~~الصحابة يدخلون إلى هناك. وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد ~~متصلة به وإنما أدخلت فيه في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد موت ~~العبادلة: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بل بعد موت جميع ~~الصحابة الذين كانوا بالمدينة فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله في بضع # PageV27P399 # وسبعين سنة. ووسع المسجد في بضع وثمانين سنة. ولم يكن الصحابة يدخلون إلى ~~عند القبر ولا يقفون عنده خارجا مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلا ونهارا. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم {صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام} . وقال صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} وكانوا يقدمون ~~من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون ~~عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه. ولا يأتون القبر إذ كان هذا ~~عندهم مما لم يأمرهم به ولم يسنه لهم. وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام ~~عليه في الصلاة وعند دخولهم المساجد وغير ذلك. ولكن ابن عمر كان يأتيه ~~فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر. وقد يكون فعله غير ابن عمر ~~أيضا. فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزا اقتداء بالصحابة رضوان الله ~~عليهم. وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ms8011 ولا يقف يقول: السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف. ولم يكن جمهور ~~الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ~~ويرجعون ولا يفعلون ذلك إذ لم يكن هذا # PageV27P400 # عندهم سنة سنها لهم. وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرون إلى ~~الحج ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك. وكانت أمداد اليمن الذين ~~قال الله تعالى فيهم: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} على عهد أبي بكر ~~الصديق وعمر يأتون أفواجا من اليمن للجهاد في سبيل الله ويصلون خلف أبي بكر ~~وعمر في مسجده ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة ولا يقف في المسجد خارجا ~~لا لدعاء ولا لصلاة ولا سلام ولا غير ذلك. وكانوا عالمين بسنته كما علمتهم ~~الصحابة والتابعون وأن حقوقه لازمة لحقوق الله عز وجل وأن جميع ما أمر الله ~~به وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها يؤمر بها في جميع المواضع ~~والبقاع. فليست الصلاة والسلام عند قبره المكرم بأوكد من ذلك في غير ذلك ~~المكان. بل صاحبها مأمور بها حيث كان: إما مطلقا وإما عند الأسباب المؤكدة ~~لها كالصلاة والدعاء والأذان. ولم يكن شيء من حقوقه ولا شيء من العبادات هو ~~عند قبره أفضل منه في غير تلك البقعة. بل نفس مسجده له فضيلة لكونه مسجده. ~~ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي فيه والمهاجرون والأنصار وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن ~~عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده فهذا لا يقوله # PageV27P401 # إلا جاهل مفرط في الجهل أو كافر فهو مكذب لما جاء به مستحق للقتل. وكان ~~الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعون في حياته. لم تحدث لهم شريعة غير ~~الشريعة التي علمهم إياها في حياته. وهو لم يأمرهم إذا كان لأحدهم حاجة أن ~~يذهب إلى قبر نبي أو صالح فيصلي عنده ويدعوه أو ms8012 يدعو بلا صلاة أو يسأل ~~حوائجه أو يسأله أن يسأل ربه. فقد علم الصحابة - رضوان الله عليهم - أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بشيء من ذلك ولا أمرهم أن ~~يخصوا قبره أو حجرته لا بصلاة ولا دعاء لا له ولا لأنفسهم. بل قد نهاهم أن ~~يتخذوا بيته عيدا. فلم يقل لهم كما يقول بعض الشيوخ الجهال لأصحابه: إذا ~~كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبري بل نهاهم عما هو أبلغ من ذلك أن يتخذوا قبره ~~أو قبر غيره مسجدا يصلون فيه لله عز وجل ليسد ذريعة الشرك. فصلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته قد بلغ الرسالة وأدى ~~الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ~~ربه. وكان إنعام الله به أفضل نعمة أنعم بها على العباد. # وقد دلهم صلى الله عليه وسلم على أفضل العبادات وأفضل البقاع كما في ~~الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: {قلت # PageV27P402 # يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها. قلت: ثم أي؟ قال ~~بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قاله سألته عنهن ولو ~~استزدته لزادني} . وفي المسند وسنن ابن ماجه عن ثوبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا ~~يحافظ على الوضوء إلا مؤمن} . والصلاة قد شرع للأمة أن تتخذ لها مساجد وهي ~~أحب البقاع إلى الله كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره ~~أنه قال: {أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البقاع إلى الله الأسواق} . ~~ومع هذا فقد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وهو في مرض موته ~~نصيحة للأمة وحرصا منه على هداها. كما نعته الله بقوله: {لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} ففي الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {قال رسول ms8013 الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ~~الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ~~قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا} وفي رواية: ~~{ولكن خشي أن يتخذ مسجدا} . وفي رواية للبخاري {غير أني أخشى أن يتخذ ~~مسجدا} . وعن عائشة وابن عباس قالا: {لما نزل برسول الله # PageV27P403 # صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه ~~فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ~~يحذر ما صنعوا. ومن حكمة الله أن عائشة أم المؤمنين صاحبة الحجرة التي دفن ~~فيها صلى الله عليه وسلم تروي هذه الأحاديث وقد سمعتها منه وإن كان غيرها ~~من الصحابة أيضا يرويها: كابن عباس وأبي هريرة وجندب بن عبد الله وابن ~~مسعود - رضي الله تعالى عنهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد} . وفي الصحيحين عن عائشة {أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها ~~بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} . وفي ~~صحيح مسلم عن {جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم ~~خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من ~~أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من # PageV27P404 # كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك} . وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} . وفي المسند وصحيح أبي ~~حاتم أنه ms8014 صلى الله عليه وسلم قال: {إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء والذين يتخذون القبور مساجد} . وقد تقدم نهيه أن يتخذوا قبره عيدا. ~~فلما علم الصحابة أنه قد نهاهم عن أن يتخذوه مصلى للفرائض التي يتقرب بها ~~إلى الله عز وجل لئلا يتشبهوا بالمشركين الذين يدعونها ويصلون لها وينذرون ~~لها: كان نهيهم عن دعائها أعظم وأعظم. كما أنه لما نهاهم عن الصلاة عند ~~طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يتشبهوا بمن يسجد للشمس: كان نهيهم عن السجود ~~للشمس أولى وأحرى. فكان الصحابة رضوان الله عليهم يقصدون الصلاة والدعاء ~~والذكر في المساجد التي بنيت لله دون قبور الأنبياء والصالحين التي نهوا أن ~~يتخذوها مساجد وإنما هي بيوت المخلوقين. وكانوا يفعلون بعد موته ما كانوا ~~يفعلون في حياته صلى الله عليه وآله وسلم تسليما. ومما يدل على ما ذكره ~~مالك وغيره من علماء المسلمين من الكراهة لأهل المدينة قصدهم القبر إذا ~~دخلوا أو خرجوا منه ونحو ذلك # PageV27P405 # وإن كان قصدهم مجرد السلام عليه والصلاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يأتي قباء راكبا وماشيا كل سبت كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن ~~عمر قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي قباء كل سبت راكبا ~~وماشيا} وكان ابن عمر يفعله. زاد نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {فيصلي فيه ركعتين} . وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه كان يصلي في ~~مسجده يوم الجمعة ويذهب إلى مسجد قباء فيصلي فيه يوم السبت وكلاهما أسس على ~~التقوى وقد قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه أنه سأل أهل قباء عن هذا الطهور الذي أثنى الله عليهم ~~فذكروا أنهم يستنجون بالماء. وفي سنن أبي داود وغيره قال {نزلت هذه الآية ~~في مسجد أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} قال: كانوا يستنجون ms8015 بالماء. ~~فنزلت فيهم هذه الآية} . وقد ثبت في الصحيح عن {سعد أنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى وهو في بيت بعض نسائه فأخذ كفا من ~~حصى فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة} . فتبين أن كلا ~~المسجدين أسس على التقوى لكن مسجد المدينة أكمل في هذا النعت فهو أحق بهذا ~~الاسم. ومسجد قباء كان سبب نزول الآية لأنه # PageV27P406 # مجاور لمسجد الضرار الذي نهي عن القيام فيه. # والمقصود أن إتيان قباء كل أسبوع للصلاة فيه كان ابن عمر يفعله اتباعا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ابن عمر ولا غيره إذا كانوا مقيمين ~~بالمدينة يأتون قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا في الأسبوع ولا في غير ~~الأسبوع. وإنما كان ابن عمر يأتي القبر إذا قدم من سفر. وكثير من الصحابة ~~أو أكثرهم كانوا يقدمون من الأسفار ولا يأتون القبر لا لسلام ولا لدعاء ولا ~~غير ذلك. فلم يكونوا يقفون عنده خارج الحجرة في المسجد كما كان ابن عمر ~~يفعل. ولم يكن أحد منهم يدخل الحجرة لذلك؛ بل ولا يدخلونها إلا لأجل عائشة ~~رضي الله عنها لما كانت مقيمة فيها. وحينئذ فكان من يدخل إليها يسلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما كانوا يسلمون عليه إذا حضروا عنده. وأما ~~السلام الذي لا يسمعه فذلك سلام الله عليهم به عشرا كالسلام عليه في الصلاة ~~وعند دخول المسجد والخروج منه. وهذا السلام مأمور به في كل مكان وزمان. وهو ~~أفضل من السلام المختص بقبره. فإن هذا المختص بقبره من جنس تحية سائر ~~المؤمنين أحياء وأمواتا. # وأما السلام المطلق العام فالأمر به من خصائصه كما أن الأمر بالصلاة من ~~خصائصه. وإن كان في الصلاة والسلام على غيره عموما وفي الصلاة على غيره ~~خصوصا نزاع. وقد عدى بعضهم ذلك إلى السلام # PageV27P407 # فجعله مختصا به كما اختص بالصلاة. وحكي هذا عن أبي محمد الجويني؛ لكن ~~جمهور العلماء على أن السلام لا يختص به. وأما ms8016 الصلاة ففيها نزاع مشهور. ~~وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بالصلاة والسلام عليه مخصوصا بذلك فقال ~~تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما} فهنا أخبر وأمر. وأما في حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر ~~فقال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} . ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك ~~قالوا: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته وأيه بالمؤمنين من ~~بريته أي قال {يا أيها الذين آمنوا} . فإن صلاته تعالى على المؤمنين بدأ ~~فيها بنفسه وثنى بملائكته لكن لم يؤيه فيها بالمؤمنين من بريته. وقد جاء في ~~الحديث: {إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير} . # وقد اتفق المسلمون على أنه تشرع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة قبل الدعاء وفي غير الصلاة. وإنما تنازعوا في وجوب الصلاة عليه في ~~الصلاة المكتوبة. وفي الخطب فأوجب ذلك الشافعي ولم يوجبه أبو حنيفة ومالك. ~~وعن الإمام أحمد روايتان. وإذا قيل بوجوبها فهل هي ركن أو تسقط بالسهو؟ على ~~روايتين. وأظهر الأقوال أن الصلاة واجبة مع الدعاء فلا ندعو حتى نبدأ به ~~صلى الله عليه وسلم والسلام عليه مأمور به في الصلاة وهو في التشهد الذي هو # PageV27P408 # ركن في الصلاة عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه فتبطل الصلاة بتركه عمدا ~~أو سهوا. والتشهد الأخير عند مالك وأبي حنيفة وعند مالك وأحمد في المشهور ~~عنه: إذا ترك التشهد الأول عمدا بطلت صلاته وإن تركه سهوا فعليه سجود ~~السهو. وهذا يسميه الإمام أحمد واجبا ويسميه أصحاب مالك سنة واجبة. ~~ويقولون: سنة واجبة. وليس في ذلك نزاع معنوي مع القول بأن من تعمد تركه ~~يعيد ومن تركه سهوا فعليه سجود السهو. ومالك وأحمد عندهما الأفعال في ~~الصلاة أنواع كأفعال الحج. وأبو حنيفة يجعلها ثلاثة أنواع؛ لكن عنده أن ~~النوع الواجب يكون مسيئا بتركه ولا إعادة عليه سواء تركه عمدا أو سهوا. ~~وأما الشافعي فعنده الواجب فيها هو الركن بخلاف الحج فإنه باتفاقهم فيه ~~واجب يجبر بالدم ms8017 غير الركن وغير المستحب. # ولا نزاع أنه هو صلى الله عليه وسلم يصلي على غيره كما قال تعالى. {وصل ~~عليهم} وكما ثبت في الصحيح أنه قال: {اللهم صل على آل أبي أوفى} . وكما روي ~~أنه {قال لامرأة: صلى الله عليك وعلى زوجك} وكانت قد طلبت منه أن يصلي ~~عليها وعلى زوجها. وأيضا لا نزاع أنه يصلى على آله تبعا كما علم أمته أن ~~يقولوا: {اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد # PageV27P409 # مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد} . # وأما صلاة غيره على غيره منفردا مثل أن يقال: صلى الله على أبي بكر أو ~~عمر أو عثمان أو علي. ففيها قولان: # أحدهما: أن ذلك جائز وهو منصوص أحمد في غير موضع واستدل على ذلك بأن عليا ~~قال لعمر: صلى الله عليك. وعليه جمهور أصحابه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~والشيخ عبد القادر ولم يذكروا في ذلك نزاعا. # والثاني: المنع من ذلك كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي ونقل ~~ذلك عنهما وهو الذي ذكره جدنا أبو البركات في كتابه الكبير لم يذكر غيره ~~واحتج بما رواه جماعة عن ابن عباس قال: لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على ~~أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال من منع: أما صلاته على ~~غيره فإن الصلاة له فله أن يعطيها لغيره وأما الصلاة على غيره تبعا فقد ~~يجوز تبعا ما لا يجوز قصدا. ومن جوز ذلك يحتج بالخليفتين الراشدين عمر وعلي ~~وبأنه ليس في الكتاب والسنة نهي عن ذلك؛ لكن لا يجب ذلك في حق أحد كما يجب ~~في حق النبي صلى الله عليه وسلم. فتخصيصه كان بالأمر والإيجاب لا بالجواز ~~والاستحباب. قالوا: وقد ثبت أن # PageV27P410 # الملائكة تصلي على المؤمنين كما في الصحيح: {إن الملائكة تصلي على أحدكم ~~ما دام في مصلاه} . فإذا كان الله وملائكته يصلون على المؤمن فلماذا لا ~~يجوز أن يصلي عليه المؤمنون؟ ms8018 . وأما قول ابن عباس فهذا ذكره لما صار أهل ~~البدع يخصون بالصلاة عليا أو غيره ولا يصلون على غيرهم. فهذا بدعة ~~بالاتفاق. وهم لا يصلون على كل أحد من بني هاشم من العباسيين ولا على كل ~~أحد من ولد الحسن والحسين ولا على أزواجه مع أنه قد ثبت في الصحيح {اللهم ~~صل على محمد وعلى أزواجه وذريته} . فحينئذ لا حجة لمن خص بالصلاة بعض أهل ~~البيت دون سائر أهل البيت ودون سائر المؤمنين. ولما كان الله تعالى أمر ~~بالصلاة والسلام عليه ثم قال من قال إن الصلاة على غيره ممنوع منها طرد ذلك ~~طائفة منهم أبو محمد الجويني فقالوا: لا يسلم على غيره. وهذا لم يعرف عن ~~أحد من المتقدمين وأكثر المتأخرين أنكروه. فإن السلام على الغير مشروع سلام ~~التحية يسلم عليه إذا لقيه وهو إما واجب أو مستحب مؤكد فإن في ذلك قولين ~~للعلماء وهما قولان في مذهب أحمد والرد واجب بالإجماع إما على الأعيان وإما ~~على الكفاية. والمصلي إذا خرج من الصلاة يقول: السلام عليكم السلام عليكم. ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم # PageV27P411 # يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يسلموا عليهم فيقولوا: {السلام عليكم ~~أهل الديار من المؤمنين والمسلمين} . فالذين جعلوا السلام من خصائصه لا ~~يمنعون من السلام على الحاضر لكن يقولون: لا يسلم على الغائب. فجعلوا ~~السلام عليه مع الغيبة من خصائصه. وهذا حق. لكن الأمر بذلك وإيجابه هو من ~~خصائصه كما في التشهد. فليس فيه سلام على معين إلا عليه. وكذلك عند دخول ~~المسجد والخروج منه وهذا يؤيد أن السلام كالصلاة كلاهما واجب له في الصلاة ~~وغيرها. وغيره فليس واجبا إلا سلام التحية عند اللقاء فإنه مؤكد بالاتفاق. ~~وهل يجب أو يستحب؟ على قولين معروفين في مذهب أحمد وغيره. والذي تدل عليه ~~النصوص أنه واجب. وقد روى مسلم في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{خمس تجب للمسلم على المسلم: يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشيعه إذا ~~مات ويجيبه إذا دعاه ms8019 وروي ويشمته إذا عطس} . وقد أوجب أكثر الفقهاء إجابة ~~الدعوة. والصلاة على الميت فرض على الكفاية بإجماعهم والسلام عند اللقاء ~~أوكد من إجابة الدعوة. وكذلك عيادة المريض والشر الذي يحصل إذا لم يسلم ~~عليه عند اللقاء ولم يعده إذا مرض أعظم مما يحصل إذا لم يجب دعوته. والسلام ~~أسهل من إجابة الدعوة ومن العيادة. وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر. # PageV27P412 # والمقصود هنا: أن سلام التحية عند اللقاء في المحيا وفي الممات إذا زار ~~قبر المسلم مشروع في حق كل مسلم لكل من لقيه حيا أو زار قبره أن يسلم عليه. ~~فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أن هذا السلام عليه عند قبره الذي ~~قال فيه: {ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام} ~~ليس من خصائصه ولا فيه فضيلة له على غيره. بل هو مشروع في حق كل مسلم " حي ~~وميت. وكل مؤمن يرد السلام على من سلم عليه. وهذا ليس مقصودا بنفسه بل إذا ~~لقيه سلم عليه. وهكذا إذا زار القبر يسلم على الميت. لا أنه يتكلف قطع ~~المسافة واللقاء لمجرد ذلك. والسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد ~~والخروج منه فهو من خصائصه هو من السلام الذي أمر الله به في القرآن أن ~~يسلم عليه ومن سلم يسلم الله عليه عشرا كما يصلي عليه إذا صلى عليه عشرا. ~~فهو المشروع المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذي لا مفسدة فيه. وذاك جهد ~~لا يختص به ولا يؤمر بقطع المسافة لمجرده؛ بل قصد نية الصلاة والسلام ~~والدعاء هو اتخاذ له عيدا وقد قال صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا بيتي ~~عيدا} . فلهذا كان العمل الشائع في الصحابة - الخلفاء الراشدين والسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار - أنهم يدخلون مسجده ويصلون عليه # PageV27P413 # في الصلاة ويسلمون عليه كما أمرهم الله ورسوله ويدعون لأنفسهم في الصلاة ~~مما اختاروا من الدعاء المشروع كما في الصحيح من حديث ابن مسعود لما علمه ~~التشهد قال: {ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه} ms8020 . ولم يكونوا يذهبون ~~إلى القبر لا من داخل الحجرة ولا من خارجها؛ لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام ~~ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم ~~كما يفعله أهل الشرك والبدع فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة لا عند ~~قبره ولا قبر غيره لا في زمن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم. فهذه ~~الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم عرف دين الإسلام في هذه الأمور. وفرق ~~بين من يعرف التوحيد والسنة والإيمان ومن يجهل ذلك وقد تبين أن الخلفاء ~~الراشدين وجمهور الصحابة كانوا يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة وعند القدوم من ~~السفر بل يدخلون المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا يأتون القبر ومقصود بعضهم التحية. # وأيضا فقد استحب لكل من دخل المسجد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقول: بسم الله والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ~~أبواب رحمتك. وكذلك إذا خرج يقول: # PageV27P414 # بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب ~~فضلك. فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل يغني عن السلام عليه عند ~~القبر. وهو من خصائصه ولا مفسدة فيه وهو يفعل ذلك في الصلاة فيصلون ويسلمون ~~عليه في الصلاة ويصلون عليه إذا سمعوا الأذان ويطلبون له الوسيلة لما رواه ~~مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى ~~علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة ~~لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت عليه شفاعتي يوم القيامة.} وقد علموا أن الذي يستحب عند قبره المكرم من ~~السلام عليه هو سلام التحية عند اللقاء ms8021 كما يستحب ذلك عند قبر كل مسلم وعند ~~لقائه فيشاركه فيه غيره كما قال: {ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام} وقال: {ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه ~~فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام} . وكان إذا أتى المقابر قال: {السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. أنتم ~~لنا فرط ونحن لكم تبع. أسأل الله العافية لنا ولكم} وكان يعلم أصحابه إذا ~~زاروا القبور أن يقولوا # PageV27P415 # {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين} . والسلام عليه في ~~الصلاة أفضل من السلام عليه عند القبر وهو من خصائصه وهو مأمور به. والله ~~يسلم على صاحبه كما يصلي على من صلى عليه فإنه من صلى عليه واحدة صلى الله ~~عليه بها عشرا ومن سلم عليه واحدة سلم الله عليه عشرا. وقد حصل مقصودهم ~~ومقصوده من السلام عليه والصلاة عليه في مسجده وغير مسجده فلم يبق في إتيان ~~القبر فائدة لهم ولا له بخلاف إتيان مسجد قباء فإنهم كانوا يأتونه كل سبت ~~فيصلون فيه اتباعا له صلى الله عليه وسلم. فإن الصلاة فيه كعمرة. ويجمعون ~~بين هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة إذ كان أحد هذين لا يغني عن الآخر ~~بل يحصل بهذا أجر زائد. وكذلك إذا خرج الرجل إلى البقيع وأهل أحد كما كان ~~يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم كان حسنا لأن هذا مصلحة لا ~~مفسدة فيها وهم لا يدعون لهم في كل صلاة حتى يقال: هذا يغني عن هذا. ومع ~~هذا فقد نقل عن مالك كراهة اتخاذ ذلك سنة. ولم يأخذ في هذا بفعل ابن عمر ~~كما لم يأخذ بفعله في التمسح بمقعده على المنبر ولا باستحباب قصد الأماكن ~~التي صلى فيها لكون الصلاة أدركته فيها فكان ابن عمر يستحب قصدها للصلاة ~~فيها وكان جمهور الصحابة لا يستحبون ذلك؛ بل يستحبون ما كان صلى الله عليه ~~وسلم يستحبه # PageV27P416 # وهو أن يصلي ms8022 حيث أدركته الصلاة وكان أبوه عمر بن الخطاب ينهى من يقصدها ~~للصلاة فيها ويقول: إنما هلك من كان قبلكم بهذا فإنهم اتخذوا آثار أنبيائهم ~~مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب. فأمرهم عمر بن الخطاب بما ~~سنه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم وله خصوص الأمر بالاقتداء به ~~وبأبي بكر حيث قال: {اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر} . فالأمر ~~بالاقتداء أرفع من الأمر بالسنة كما قد بسط في مواضع. # وكذلك نقل عن مالك كراهة المجيء إلى بيت المقدس خشية أن يتخذ السفر إليه ~~سنة فإنه كره ذلك لما جعل لهذا وقت معين كوقت الحج الذي يذهب إليه جماعة ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا لا في قباء ولا في قبور الشهداء ~~وأهل البقيع ولا غيرهم كما فعل مثل ذلك في الحج وفي الجمع والأعياد. فيجب ~~الفرق بين هذا وبين هذا. مع أنه صلى التطوع في جماعة مرات في قيام الليل ~~ووقت الضحى وغيره ولكن لم يجعل الاجتماع مثل تطوع في وقت معين سنة كالصلوات ~~الخمس وكصلاة الكسوف والعيدين والجمعة. وأما إتيان القبر للسلام عليه فقد ~~استغنوا عنه بالسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وفي ~~إتيانه بعد الصلاة مرة بعد مرة ذريعة إلى أن يتخذ عيدا ووثنا # PageV27P417 # وقد نهوا عن ذلك. وهو صلى الله عليه وسلم مدفون في حجرة عائشة وكانت حجرة ~~عائشة وسائر حجر أزواجه من جهة شرقي المسجد وقبلته لم تكن داخلة في مسجده ~~بل كان يخرج من الحجرة إلى المسجد ولكن في خلافة الوليد وسع المسجد وكان ~~يحب عمارة المساجد وعمر المسجد الحرام ومسجد دمشق وغيرهما فأمر نائبه عمر ~~بن عبد العزيز أن يشتري الحجر من أصحابها الذين ورثوا أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويزيدها في المسجد. فمن حينئذ دخلت الحجر في المسجد وذلك بعد موت ~~الصحابة: بعد موت ابن عمر وابن عباس ms8023 وأبي سعيد الخدري وبعد موت عائشة؛ بل ~~بعد موت عامة الصحابة ولم يكن بقي في المدينة منهم أحد. وقد روي أن سعيد بن ~~المسيب كره ذلك. وقد كره كثير من الصحابة والتابعين ما فعله عثمان رضي الله ~~عنه من بناء المسجد بالحجارة والقصة والساج وهؤلاء لما فعله الوليد أكره. ~~وأما عمر رضي الله عنه فإنه وسعه لكن بناه على ما كان من بنائه من اللبن ~~وعمده جذوع النخل وسقفه الجريد. ولم ينقل أن أحدا كره ما فعل عمر؛ وإنما ~~وقع النزاع فيما فعله عثمان والوليد. وكان من أراد السلام عليه على عهد ~~الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه صلى الله عليه وسلم من غربي الحجرة فيسلم ~~عليه إما مستقبل الحجرة # PageV27P418 # وإما مستقبل القبلة. والآن يمكنه أن يأتي من جهة القبلة. فلهذا كان أكثر ~~العلماء يستحبون أن يستقبل الحجرة ويسلم عليه ومنهم من يقول: بل يستقبل ~~القبلة ويسلم عليه كقول أبي حنيفة. فإن الوليد بن عبد الملك تولى بعد موت ~~أبيه عبد الملك سنة بضع وثمانين من الهجرة وكان قد مات هؤلاء الصحابة كلهم ~~وتوفي عامة الصحابة في جميع الأمصار. ولم يكن بقي بالأمصار إلا قليل جدا: ~~مثل أنس بن مالك بالبصرة فإنه توفي في خلافة الوليد سنة بضع وتسعين وجابر ~~بن عبد الله مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة وهو آخر من مات بها. والوليد ~~أدخل الحجرة بعد ذلك بمدة طويلة نحو عشر سنين. وبناء المسجد كان بعد موت ~~جابر فلم يكن قد بقي بالمدينة أحد. وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فزاد ~~في المسجد والصحابة كثيرون ولم يدخل فيه شيئا من الحجرة بل ترك الحجرة ~~النبوية على ما كانت عليه خارجة عن المسجد متصلة به من شرقيه كما كانت على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وكانت عائشة رضي الله عنها ~~فيها. ولم تزل عائشة فيها إلى أواخر خلافة معاوية وتوفيت بعد موت الحسن بن ~~علي. وكان الحسن قد استأذنها في أن يدفن في الحجرة فأذنت له ms8024 لكن كره ذلك ~~ناس آخرون ورأوا أن عثمان رضي الله عنه لما لم يدفن فيها فلا يدفن غيره. ~~وكادت تقوم فتنة. ولما احتضرت عائشة رضي الله عنها أوصت أن تدفن مع # PageV27P419 # صواحباتها بالبقيع ولا تدفن هناك. فعلت هذا تواضعا أن تزكى به صلى الله ~~عليه وسلم. فلهذا لم يتكلم فيما فعله الوليد هل هو جائز أو مكروه إلا ~~التابعون كسعيد بن المسيب وأمثاله. وكان سعيد إذ ذاك من أجل التابعين قيل ~~لأحمد بن حنبل: أي التابعين أفضل؟ قال: سعيد بن المسيب. فقيل له: فعلقمة ~~والأسود؟ فقال: سعيد بن المسيب. وعلقمة والأسود هذان كانا قد ماتا قبل ذلك ~~بمدة. ومن ذلك الوقت دخلت في المسجد. وكان المسجد قبل دخول الحجر فيه فاضلا ~~وكانت فضيلة المسجد بأن النبي صلى الله عليه وسلم بناه لنفسه وللمؤمنين ~~يصلي فيه هو والمؤمنون إلى يوم القيامة ففضل ببنائه له. قلت قال مالك: ~~بلغني أن جبريل هو الذي أقام قبلته للنبي صلى الله عليه وسلم. وبأنه كان هو ~~الذي يقصد فيه الجمعة والجماعة إلى أن مات وما صلى جمعة بغيره قط لا في ~~سفره ولا في مقامه. وأما الجماعة فكان يصليها حيث أدركته. # ونحن مأمورون باتباعه صلى الله عليه وسلم وذلك بأن نصدقه في كل ما أخبر ~~به ونطيعه في كل ما أوجبه وأمر به لا يتم الإيمان به إلا بهذا وهذا. ومن ~~ذلك أن نقتدي به في أفعاله التي يشرع لنا أن نقتدي به فما فعله على وجه ~~الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة نفعله على وجه الوجوب أو الاستحباب أو ~~الإباحة وهو مذهب جماهير العلماء # PageV27P420 # إلا ما ثبت اختصاصه به. فإذا قصد عبادة في مكان شرع لنا أن نقصد تلك ~~العبادة في ذلك المكان. فلما قصد السفر إلى مكة وقصد العبادة بالمسجد ~~الحرام والصلاة فيه والطواف به وبين الصفا والمروة والصعود على الصفا ~~والمروة والوقوف بعرفة وبالمشعر الحرام ورمي الجمار والوقوف للدعاء عند ~~الجمرتين الأوليين دون الثالثة التي هي جمرة العقبة كان ذلك كله مشروعا لنا ms8025 ~~إما واجبا وإما مستحبا. ولم يذهب بمكة إلى غير المسجد الحرام ولا سافر إلى ~~الغار الذي مكث فيه لما سافر سفر الهجرة ولا صعد إلى غار حراء الذي كان ~~يتحنث فيه قبل أن يأتيه الوحي وكان ذلك عبادة لأهل مكة قيل إنه سنها لهم ~~عبد المطلب وصلى عقب الطواف ركعتين ولم يصل عقب الطواف بالصفا والمروة ~~شيئا. وحين دخل المسجد الحرام طاف بالبيت وكان الطواف تحية المسجد لم يصل ~~قبله تحية كما تصلى في سائر المساجد كما أنه افتتح برمي جمرة العقبة حين ~~أتى منى وتلك هي العبادة وبعدها نحر هديه ثم حلق رأسه ثم طاف بالبيت. ولهذا ~~صارت السنة أن أهل منى يرمون ثم يذبحون والرمي لهم بمنزلة صلاة العيد ~~لغيرهم وليس بمنى صلاة عيد ولا جمعة لا بها ولا بعرفة فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يصل بهما صلاة عيد ولا صلى يوم عرفة جمعة ولا كان في أسفاره ~~يصلي جمعة ولا عيدا. ولهذا # PageV27P421 # كان عامة العلماء على أن الجمعة لا تصلى في السفر وليس في ذلك إلا نزاع ~~شاذ. وجمهور العلماء على أن العيد أيضا لا يكون إلا حيث تكون الجمعة؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. لم يصل عيدا في السفر ولا كان يصلي في المدينة ~~على عهده إلا عيدا واحدا. ولم يكن أحد يصلي العيد منفردا. وهذا قول جمهور ~~العلماء وفيه نزاع مشهور. ولهذا صار المسلمون بمنى يرمون ثم يذبحون النسك ~~اتباعا لسنته. صلى الله عليه وسلم فما فعله على وجه التقرب كان عبادة تفعل ~~على وجه التقرب وما أعرض عنه ولم يفعله مع قيام السبب المقتضي لم يكن عبادة ~~ولا مستحبا. وما فعله على وجه الإباحة من غير قصد التعبد به كان مباحا. ومن ~~العلماء من يستحب مشابهته في هذا في الصورة كما كان ابن عمر يفعل وأكثرهم ~~يقول: إنما تكون المتابعة إذا قصدنا ما قصد وأما المشابهة في الصورة من غير ~~مشاركة في القصد والنية فلا تكون متابعة. فما فعله على غير ms8026 العبادة فلا ~~يستحب أن يفعل على وجه العبادة فإن ذلك ليس بمتابعة؛ بل مخالفة. وقد ثبت في ~~الصحيح أنه كان يصلي حيث أدركته الصلاة. وثبت في الصحيح أنه {قال لأبي ذر ~~حين سأله: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال: المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى ~~ثم حيث ما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد} . وروي في # PageV27P422 # الصحيح: {فإن فيه الفضل} . فمن أدركته الصلاة هو وأصحابه بمكان فتركوا ~~الصلاة فيه وذهبوا إلى مكان آخر لكونه فيه أثر لبعض الأنبياء فقد خالفوا ~~السنة. وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوما ينتابون مكانا صلى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ومكان صلى فيه رسول الله أتريدون أن تتخذوا ~~آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك بنو إسرائيل بمثل هذا فمن أدركته الصلاة فيه ~~فليصل فيه وإلا فليذهب. فمسجده المفضل لما كان يفضل الصلاة فيه كان مستحبا ~~فكيف وقد قال: {صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام} وقال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ومسجدي هذا} وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن تدخل فيه الحجرة: بل كان ~~حينئذ الذين يصلون فيه أفضل ممن صلى فيه إلى يوم القيامة. ولا يجوز أن يظن ~~أنه بعد دخول الحجرة فيه صار أفضل مما كان في حياته وحياة خلفائه الراشدين. ~~بل الفضيلة إن اختلفت الأزمنة والرجال فزمنه وزمن الخلفاء الراشدين أفضل ~~ورجاله أفضل. فالمسجد حينئذ قبل دخول الحجرة فيه كان أفضل إن اختلفت الأمور ~~وإن لم تختلف # PageV27P423 # فلا فرق. وبكل حال فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما ~~كان. وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت فيه الحجرة ضرورة مع كراهة من كره ذلك من ~~السلف. والمقصود أن ما بني لله من المساجد فضيلتها بعبادة الله فيها ms8027 وحده ~~لا شريك له وبمن عبد الله فيها من الأنبياء والصالحين وببنائها لذلك. كما ~~قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله ~~لا يهدي القوم الظالمين} . والأعمال تفضل بنيات أصحابها وطاعتهم لله تعالى ~~وما في قلوبهم من الإيمان بطاعتهم لله كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم} . وبذلك يثابون وعلى ترك ما فرضه الله يعاقبون وبذلك يندفع عنهم ~~بلاء الدنيا والآخرة. وما أصابهم من المصائب فبذنوبهم. قال تعالى: {إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من # PageV27P424 # سيئة فمن نفسك} قال العلماء: أي ما أصابك من نصر ورزق وعافية فهو من نعم ~~الله عليك وما أصابك من المصائب فبذنوبك. كما قال تعالى: {وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} كما أنهم متفقون كلهم على أنه لا ~~تكون العبادة إلا لله وحده ولا يكون التوكل إلا عليه وحده ولا تكون الخشية ~~والتقوى إلا لله وحده. والرسول صلى الله عليه وسلم له حق لا يشركه فيه أحد ~~من الأمة مثل وجوب طاعته في كل ما يوجب ويأمر. قال تعالى: {من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله} وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} . ~~ولهذا كانت مبايعته مبايعة لله. كما قال تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله} فإنهم عاقدوه على أن يطيعوه في الجهاد ولا يفروا وإن ماتوا. ~~وهذه الطاعة له هي طاعة لله. وعلينا أن يكون الرسول أحب إلينا من أنفسنا ~~وآبائنا وأبنائنا وأهلنا وأموالنا كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون ms8028 أحب إليه من ~~والده وولده والناس أجمعين} رواه البخاري ومسلم وفي لفظ لمسلم: {وأهله ~~وماله} . وفي البخاري عن عبد الله بن هشام أنه قال: {كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب # PageV27P425 # فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. ~~فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الآن يا عمر} . وقد قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقد قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم} وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال {: أنا أولى بكل ~~مؤمن من نفسه} . وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله ولا وصول له إلى رحمة ~~الله إلا بواسطة الرسول: بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه. وهو الذي ~~ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة. وهو الذي يوصله إلى خير الدنيا ~~والآخرة. فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان ولا تحصل إلا به صلى الله عليه ~~وسلم. وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله. فإنه الذي يخرج الله به من ~~الظلمات إلى النور لا طريق له إلا هو. وأما نفسه وأهله فلا يغنون عنه من ~~الله شيئا. وهو دعا الخلق إلى الله بإذن الله كما قال تعالى: {إنا أرسلناك # PageV27P426 # شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} والمخالف له ~~يدعو إلى غير الله بغير إذن الله. ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ~~إنما يدعو إلى الله ورسوله. وقوله تعالى {بإذنه} أي بأمره وما أنزله من ~~العلم كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني} فمن اتبع الرسول دعا إلى ms8029 الله على بصيرة أي على بينة وعلم يدعو ~~إليه بمنزل من الله بخلاف الذي يأمر بما لا يعلم أو بما لم ينزل به وحيا. ~~كما قال تعالى {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير} . وكل ما أمر الله به أو ندب إليه من حقوقه صلى ~~الله عليه وسلم فإنه لا يختص بحجرته لا من داخل ولا من خارج. بل يفعل في ~~جميع الأمكنة التي شرع فيها. فليس فعل شيء من حقوقه صلى الله عليه وسلم ~~كالإيمان به ومحبته وموالاته وتبليغ العلم عنه والجهاد على ما جاء به ~~وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والصلاة والسلام عليه وكل ما يحبه الله ~~ويتقرب إليه ليس شيء من ذلك عند حجرته أفضل منه فيما بعد عن الحجرة لا ~~الصلاة والسلام عليه ولا غير ذلك من حقوقه؛ بل قد نهى هو صلى الله عليه ~~وسلم أن يجعل بيته عيدا. فنهى أن يقصد بيته بتخصيص شيء من ذلك. فمن قصد أو ~~اعتقد أن # PageV27P427 # فعل ذلك عند الحجرة أفضل فهو مخالف له صلى الله عليه وسلم. وهذا مما كان ~~مشروعا كالإيمان به. والشهادة له بأنه رسول الله والصلاة والسلام عليه. ~~وأما ما لم يشرعه الله ولم ينزل به سلطانا إليه بل نهى عنه صلى الله عليه ~~وسلم كدعاء غير الله وعبادتهم من جميع المخلوقات الملائكة والأنبياء وغيرهم ~~والحج إلى المخلوقين وإلى قبورهم: فهذه إنما يأمر بها من ليس معهم بذلك علم ~~ولا وحي منزل من الله فهم يضاهون الذين يعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا وما ليس لهم به علم أو هم نوع منهم. # وقد ميز الله بين حقه وحق الرسول في مثل قوله: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه} فالطاعة لله والرسول والخشية لله وحده والتقوى لله وحده لا ~~يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق لا ملك ولا نبي ولا غيرهما. قال تعالى: {وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ms8030 فإياي فارهبون} {وله ما في ~~السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون} وقال تعالى: {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} . وقال تعالى: {فلا تخشوا ~~الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} . وكذلك ميز بين النوعين في ~~قوله تعالى {ولو أنهم رضوا ما # PageV27P428 # آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا ~~إلى الله راغبون} ففي الإيتاء قال: {آتاهم الله ورسوله} لأن الرسول هو ~~الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ~~ووعيده. فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ~~ما شرعه الله ورسوله. قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} فلهذا قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله} ولم يقل هنا: " ورسوله "؛ لأن الله وحده حسب جميع عباده ~~المؤمنين كما قال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} ~~أي هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين. وقال تعالى: {إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب وهو يتولى الصالحين} ذكر هذا بعد قوله: {إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم} - إلى قوله - {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} {إن ~~وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} . عن ابن عباس قال: هم ~~الذين لا يعدلون بالله فيتولاهم وينصرهم ولا تضرهم عداوة من عاداهم. كما ~~قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} . ثم قال تعالى مما يأمرهم: {سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى ~~الله راغبون} فأمرهم أن # PageV27P429 # يجعلوا الرغبة لله وحده كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك ~~فارغب} وهذا لأن المخلوق لا يملك للمخلوق نفعا ولا ضرا. وهذا عام في أهل ~~السموات وأهل الأرض قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون ms8031 إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . قال طائفة ~~من السلف ابن عباس وغيره: هذه الآية في الذين عبدوا الملائكة والأنبياء ~~كالمسيح وعزير. وقال عبد الله بن مسعود: كان قوم من الإنس يعبدون قوما من ~~الجن فأسلم الجن وبقي أولئك على عبادتهم. فالآية تتناول كل من دعا من دون ~~الله من هو صالح عند الله من الملائكة والإنس والجن قال تعالى: هؤلاء الذين ~~دعوتموهم {فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا} قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في تفسيره: أخبر الله تعالى أن ~~هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إليه والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم. ~~والضمير في (ربهم للمبتغين أو للجميع. و (الوسيلة هي القربة وسبب الوصول ~~إلى البغية وتوسل الرجل إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV27P430 # {من سأل الله لي الوسيلة} الحديث. وهذا الذي ذكره ذكر سائر المفسرين نحوه ~~إلا أنه برز به على غيره فقال: و {أيهم} ابتداء وخبره {أقرب} و {أولئك} ~~يراد بهم المعبودون وهو ابتداء وخبره {يبتغون} . والضمير في {يدعون} للكفار ~~وفي {يبتغون} للمعبودين. والتقدير نظرهم وذكرهم {أيهم أقرب} . وهذا كما قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون ~~ليلتهم أيهم يعطاها أي يتبارون في طلب القرب. قال رحمه الله وطفف الزجاج في ~~هذا الموضع فتأمله. ولقد صدق في ذلك فإن الزجاج ذكر في قوله: {أيهم أقرب} ~~وجهين كلاهما في غاية الفساد. وقد ذكر ذلك عنه ابن الجوزي وغيره وتابعه ~~المهدوي والبغوي وغيرهما. ولكن ابن عطية كان أقعد بالعربية والمعاني من ~~هؤلاء وأخبر بمذهب سيبويه والبصريين فعرف تطفيف الزجاج مع علمه رحمه الله ~~بالعربية وسبقه ومعرفته بما يعرفه من المعاني والبيان. وأولئك لهم براعة ~~وفضيلة في أمور يبرزون فيها على ابن عطية. لكن دلالة الألفاظ من جهة ~~العربية ms8032 هو بها أخبر وإن كانوا هم أخبر بشيء آخر من المنقولات أو غيرها. ~~وقد بين سبحانه وتعالى أن المسيح وإن كان رسولا كريما فإنه عبد الله فمن ~~عبده فقد عبد ما لا ينفعه ولا يضره قال تعالى: {لقد # PageV27P431 # كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار وما للظالمين من أنصار} {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما ~~من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم} {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} {ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر ~~كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} {قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} . وقد أمر تعالى أفضل الخلق ~~أن يقول إنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا يملك لغيره ضرا ولا رشدا فقال ~~تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} وقال: {قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا} {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ~~ملتحدا} {إلا بلاغا من الله ورسالاته} يقول: لن يجيرني من الله أحد إن ~~عصيته كما قال تعالى: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} {ولن أجد من ~~دونه ملتحدا} أي ملجأ ألجأ إليه. {إلا بلاغا من الله ورسالاته} أي لا ~~يجيرني منه أحد إلا طاعته أن أبلغ ما أرسلت به إليكم فبذلك تحصل الإجارة ~~والأمن. وقيل أيضا: {لا # PageV27P432 # أملك لكم ضرا ولا رشدا} لا أملك إلا تبليغ ما أرسلت به منه. ومثل هذا في ~~القرآن كثير. فتبين أن الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته ~~تعالى لقوله: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} وقال تعالى: {قل ما ms8033 ~~يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا ~~رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا. وهذه الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه ~~فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} قال ~~عامة المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء: الوسيلة القربة. قال قتادة: ~~تقربوا إلى الله بما يرضيه. قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد: تحببوا إلى الله. والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة ~~رسوله. فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة ~~يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته. وليس لأحد من الخلق وسيلة ~~إلى الله تبارك وتعالى إلا بوسيلة الإيمان بهذا الرسول الكريم وطاعته. وهذه ~~يؤمر بها الإنسان حيث كان من الأمكنة وفي كل وقت. وما خص من العبادات بمكان ~~كالحج أو زمان كالصوم والجمعة فكل في مكانه وزمانه. وليس لنفس الحجرة من ~~داخل - فضلا عن جدارها من خارج - اختصاص بشيء في شرع # PageV27P433 # العبادات ولا فعل شيء منها. فالقرب من الله أفضل منه بالبعد منه باتفاق ~~المسلمين. والمسجد خص بالفضيلة في حياته صلى الله عليه وسلم قبل وجود القبر ~~فلم تكن فضيلة مسجده لذلك ولا استحب هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من ~~أصحابه ولا علماء أمته أن يجاور أحد عند قبر ولا يعكف عليه لا قبره المكرم ~~ولا قبر غيره ولا أن يقصد السكنى قريبا من قبر أي قبر كان. وسكنى المدينة ~~النبوية هو أفضل في حق من تتكرر طاعته لله ورسوله فيها أكثر. كما كان الأمر ~~لما كان الناس مأمورين بالهجرة إليها. فكانت الهجرة إليها والمقام بها أفضل ~~من جميع البقاع مكة وغيرها. بل كان ذلك واجبا من أعظم الواجبات. فلما فتحت ~~مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية} وكان ~~من أتى من أهل مكة وغيرهم ليهاجر ويسكن المدينة يأمره أن يرجع إلى مدينته ~~ولا يأمره بسكناها. كما كان عمر بن الخطاب ms8034 رضي الله عنه يأمر الناس عقب ~~الحج أن يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا على أهل مكة. وكان يأمر كثيرا من ~~أصحابه وقت الهجرة أن يخرجوا إلى أماكن أخر لولاية مكان وغيره وكانت طاعة ~~الرسول بالسفر إلى غير المدينة أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار ~~الهجرة فكيف بها بعد ذلك؟ # PageV27P434 # إذ كان الذي ينفع الناس طاعة الله ورسوله. وأما ما سوى ذلك فإنه لا ~~ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه ~~قال: {يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ~~لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا} ~~. قال صلى الله عليه وسلم {إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله ~~وصالح المؤمنين} . وقال: {إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا} . وقد ~~قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} فهو تبارك وتعالى يدافع عن ~~المؤمنين حيث كانوا. فالله هو الدافع والسبب هو الإيمان. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في خطبته: {من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما ~~فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا} قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} . وأما ما يظنه بعض الناس من أن البلاء يندفع عن أهل بلد ~~أو إقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين كما يظن بعض الناس أنه ~~يندفع عن أهل بغداد البلاء لقبور ثلاثة: أحمد بن حنبل وبشر الحافي ومنصور ~~بن عمار ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن # PageV27P435 # أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء الخليل وغيره عليهم السلام. وبعضهم ~~يظن أنه يندفع البلاء عن أهل مصر بنفيسة أو غيرها. أو يندفع عن أهل الحجاز ~~بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البقيع أو غيرهم. فكل هذا غلو مخالف ~~لدين الإسلام مخالف للكتاب والسنة ms8035 والإجماع. فالبيت المقدس كان عنده من ~~قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر ~~الله به ورسله سلط عليهم من انتقم منهم. والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ ~~المبين وقد بلغوا رسالة ربهم. وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى في حقه: {إن عليك إلا البلاغ} وقال تعالى: {وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين} . وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره. فمن ~~خالف أمر الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئا. كما {قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا. ~~يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت رسول الله لا ~~أغني عنك من الله شيئا} . وقال صلى الله عليه وسلم لمن ولاه من أصحابه: {لا ~~ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله ~~أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك} وكان أهل المدينة في ~~خلافة # PageV27P436 # أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان على أفضل أمور الدنيا والآخرة لتمسكهم ~~بطاعة الرسول. ثم تغيروا بعض التغير بقتل عثمان رضي الله عنه وخرجت الخلافة ~~النبوية من عندهم وصاروا رعية لغيرهم. ثم تغيروا بعض التغير فجرى عليهم عام ~~الحرة من القتل والنهب وغير ذلك من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك. والذي ~~فعل بهم ذلك وإن كان ظالما معتديا فليس هو أظلم ممن فعل بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه ما فعل وقد قال الله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم والسابقون الأولون مدفونين بالمدينة. وكذلك الشام كانوا في أول ~~الإسلام في سعادة الدنيا والدين ثم جرت فتن وخرج الملك من أيديهم ثم سلط ~~عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم واستولوا على بيت المقدس وقبر ~~الخليل وفتحوا البناء الذي كان عليه ms8036 وجعلوه كنيسة. ثم صلح دينهم فأعزهم ~~الله ونصرهم على عدوهم لما أطاعوا الله ورسوله واتبعوا ما أنزل إليهم من ~~ربهم. فطاعة الله ورسوله قطب السعادة وعليها تدور {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: {من يطع ~~الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا # PageV27P437 # نفسه ولا يضر الله شيئا} . ومكة نفسها لا يدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم ~~الرزق إلا بطاعتهم لله ورسوله. كما قال الخليل عليه السلام {ربنا إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} . وكانوا في ~~الجاهلية يعظمون حرمة الحرم ويحجون ويطوفون بالبيت وكانوا خيرا من غيرهم من ~~المشركين. والله لا يظلم مثقال ذرة. وكانوا يكرمون ما لا يكرم غيرهم ويؤتون ~~ما لا يؤتاه غيرهم لكونهم كانوا متمسكين بدين إبراهيم بأعظم مما تمسك به ~~غيرهم. وهم في الإسلام إن كانوا أفضل من غيرهم كان جزاؤهم بحسب فضلهم وإن ~~كانوا أسوأ عملا من غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيئاتهم. فالمساجد والمشاعر إنما ~~ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله عز وجل. وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ~~ثواب ولا عقاب وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء وكان ~~أبو الدرداء بدمشق وسلمان الفارسي بالعراق فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم ~~إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس ~~الرجل عمله. والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء. # PageV27P438 # ولهذا كان سكنى الصحابة بالمدينة أفضل للهجرة والجهاد. والله تعالى: هو ~~الذي خلق الخلق. وهو الذي يهديهم ويرزقهم وينصرهم. وكل من سواه لا يملك ~~شيئا من ذلك كما قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في ms8037 السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقد فسروها بأنه يؤذن للشافع ~~والمشفوع له جميعا فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إذا أراد الشفاعة قال: {فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا وأحمده بمحامد يفتحها ~~علي لا أحسنها الآن فيقال لي: ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. قال ~~فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة} . وكذلك ذكر في المرة الثانية والثالثة. ولهذا ~~قال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون} فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله. وقوله: " إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون " استثناء منقطع أي من شهد بالحق وهم يعلمون هم أصحاب الشفاعة منهم ~~الشافع ومنهم المشفوع له. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه سأله أبو هريرة فقال: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ فقال: يا ~~أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك # PageV27P439 # لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا ~~إله إلا الله خالصا من قلبه} . رواه البخاري فجعل أسعد الناس بشفاعته ~~أكملهم إخلاصا. وقال في الحديث الصحيح: {إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله ~~لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة} . ~~فالجزاء من جنس العمل فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه من صلى عليه مرة صلى ~~الله عليه بها عشرا. ومن سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة ~~". ولم يقل كان أسعد الناس بشفاعتي بل قال: {أسعد الناس بشفاعتي يوم ~~القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه} . فعلم أن ما ms8038 يحصل للعبد ~~بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال وإن ~~كان صالحا كسؤاله الوسيلة للرسول فكيف بما لم يأمر به من الأعمال بل نهى ~~عنه؟ فذاك لا ينال به خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة مثل غلو النصارى في ~~المسيح عليه السلام فإنه يضرهم ولا ينفعهم. ونظير هذا ما في الصحيحين عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك # PageV27P440 # بالله شيئا} . وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد ~~فبحسب توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الشفاعة وغيرها. وهو ~~سبحانه علق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم بالإيمان به ~~وتوحيده وطاعته فمن كان أكمل في ذلك كان أحق بتولي الله له بخير الدنيا ~~والآخرة. ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذي يرزقهم وهو الذي يدفع عنهم ~~المكاره وهو الذي يقصدونه في النوائب. قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن ~~الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} وقال تعالى: {قل من يكلؤكم بالليل ~~والنهار من الرحمن} أي بدلا عن الرحمن. هذا أصح القولين كقوله تعالى: {ولو ~~نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} أي لجعلنا بدلا منكم كما قاله ~~عامة المفسرين ومنه قول الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على الطهيان # أي بدلا من ماء زمزم. فلا يكلأ الخلق بالليل والنهار فيحفظهم ويدفع عنهم ~~المكاره إلا الله. قال تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن إن الكافرون إلا في غرور} {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل ~~لجوا في عتو ونفور} . # PageV27P441 # ومن ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها أو لكونها فيها ~~قبور الأنبياء والصالحين فهو غالط. فأفضل البقاع مكة وقد عذب الله أهلها ~~عذابا عظيما فقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان ms8039 فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~بما كانوا يصنعون} {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} ~~. # فصل: # وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من ~~الهدى ودين الحق وبإنكار ما نهى عنه وما نسب إليه بالباطل من الكذب والبدع. ~~إما جهلا من ناقله وإما عمدا فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك. وقد بعث الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق. به فرق الله بين التوحيد والشرك وبين ~~الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي وبين المعروف والمنكر. ~~فمن أراد أن يأمر بما نهى عنه وينهى عما أمر به ويغير شريعته ودينه إما ~~جهلا وقلة علم وإما لغرض وهوى كان السلطان أحق بمنعه بما أمر الله به ~~ورسوله. وكان هو أحق # PageV27P442 # بإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق. فإن الله سبحانه لا بد أن ~~ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. فمن كان ~~النصر على يديه كان له سعادة الدنيا والآخرة وإلا جعل الله النصر على يد ~~غيره وجازى كل قوم بعملهم وما ربك بظلام للعبيد. والله سبحانه قد وعد أنه ~~لا يزال هذا الدين ظاهرا ولا يظهر إلا بالحق وأنه من نكل عن القيام بالحق ~~استبدل من يقوم بالحق فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ~~فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} {إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} وقد أرى ~~الله الناس ms8040 في أنفسهم والآفاق ما علموا به تصديق ما أخبر به تحقيقا لقوله ~~تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} والله أعلم والحمد لله رب العالمين. # PageV27P443 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما قبور الأنبياء: فالذي اتفق عليه العلماء هو " قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم " فإن قبره منقول بالتواتر وكذلك في صاحبيه وأما " قبر الخليل " ~~فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره وأنكر ذلك طائفة وحكي ~~الإنكار عن مالك وأنه قال ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا صلى ~~الله عليه وسلم لكن جمهور الناس على أن هذا قبره ودلائل ذلك كثيرة وكذلك هو ~~عند أهل الكتاب. ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية ~~وليس حفظ ذلك من الدين ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين ~~وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك ~~من البدع المنهي عنها. ومن كان مقصوده الصلاة والسلام على الأنبياء ~~والإيمان بهم وإحياء ذكرهم فذاك ممكن له وإن لم # PageV27P444 # يعرف قبورهم - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وقد تقدم: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وما ~~يشبه هذا من الحديث. # وسئل - رحمه الله -: # عن " قبور الأنبياء " عليهم الصلاة والسلام هل هي هذه القبور التي تزورها ~~الناس اليوم؟ مثل قبر نوح وقبر الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف ويونس وإلياس ~~واليسع وشعيب وموسى وزكريا وهو بمسجد دمشق. وأين قبر علي بن أبي طالب؟ فهل ~~يصح من تلك القبور شيء أم لا؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله، القبر المتفق عليه هو قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وقبر ~~الخليل فيه نزاع؛ لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. وأما يونس وإلياس ~~وشعيب وزكريا فلا يعرف. وقبر علي بن أبي طالب بقصر الإمارة الذي بالكوفة ~~وقبر معاوية هو القبر الذي تقول العامة إنه قبر هود. والله ms8041 أعلم. # PageV27P445 # وسئل: # هل المشاهد المسماة باسم علي بن أبي طالب وولده الحسين رضي الله عنهما ~~صحيحة أم لا؟ وأين ثبت قبر علي؟ ؟ . # فأجاب: # أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا: مثل المشهد الذي بظاهر ~~دمشق المضاف إلى أبي بن كعب ". والمشهد الذي بظاهرها المضاف إلى أويس ~~القرني " والمشهد الذي بمصر المضاف إلى الحسين " رضي الله عنه؛ إلى غير ذلك ~~من المشاهد التي يطول ذكرها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى قال ~~طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى ~~الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثبت غيره ~~أيضا قبر الخليل عليه السلام. وأما " مشهد علي " فعامة العلماء على أنه ليس ~~قبره؛ بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ~~ثلاثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه وذكروا أن أصل ذلك حكاية # PageV27P446 # بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه مما جرى ~~بينه وبين ذرية علي وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء. فالرشيد أيضا لا علم له ~~بذلك. ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره وجمهور ~~أهل المعرفة يقولون: إن عليا إنما دفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا ~~منه. وهكذا هو السنة؛ فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة ~~أمر غير مشروع؛ فلا يظن بآل علي - رضي الله عنه - أنهم فعلوا به ذلك ولا ~~يظنه أيضا أن ذلك خفي على أهل بيته وللمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم ~~من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء. وكذلك " قبر معاوية " الذي بظاهر دمشق قد ~~قيل: إنه ليس قبر معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه " قبر هود ~~". وأصل ذلك أن عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق لا يكاد يوقف منه ~~على العلم إلا في قليل منها بعد بحث شديد. وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد ~~عليها ms8042 ليس من شريعة الإسلام ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث ~~قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} بل قد نهى # PageV27P447 # النبي صلى الله عليه وسلم عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذي رواه ~~مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: {سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} وقال: {لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} . # وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور ولا ~~يشرع اتخاذها مساجد ولا يشرع الصلاة عندها ولا يشرع قصدها لأجل التعبد ~~عندها بصلاة أو اعتكاف أو استغاثة أو ابتهال أو نحو ذلك كرهوا الصلاة ~~عندها؛ ثم إن كثيرا منهم قال: إن الصلاة عندها باطلة لأجل نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنها. وإنما ### | السنة لمن زار قبر مسلم ميت # إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على ~~جنازته كما جمع الله بين هذه حيث يقول في المنافقين: {ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره} فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام ~~على قبورهم وفي السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا # PageV27P448 # دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: سلوا له التثبيت فإنه الآن ~~يسأل} . وفي الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: ~~{السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؛ ويرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا ~~تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم} . وإنما دين الله تعظيم بيوت ~~الله وحده لا شريك له وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة ~~والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية: من القراءة والذكر والدعاء ~~لله. قال الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا ms8043 مع الله أحدا} وقال ~~تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال تعالى: {إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم ~~يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وقال تعالى: {في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} {رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار} {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب} . فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله ~~مخلصين له الدين. # PageV27P449 # وأما اتخاذ القبور أوثانا فهو دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين. ~~والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله ~~على محمد. # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن المشهد المنسوب إلى الحسين رضي الله عنه بمدينة القاهرة: هل هو صحيح ~~أم لا؟ . وهل حمل رأس الحسين إلى دمشق ثم إلى مصر أم حمل إلى المدينة من ~~جهة العراق؟ . وهل لما يذكره بعض الناس من جهة المشهد الذي كان بعسقلان صحة ~~أم لا؟ ومن ذكر أمر رأس الحسين ونقله إلى المدينة النبوية دون الشام ومصر؟ ~~ومن جزم من العلماء المتقدمين والمتأخرين بأن مشهد عسقلان ومشهد القاهرة ~~مكذوب وليس بصحيح؟ وليبسطوا القول في ذلك لأجل مسيس الضرورة والحاجة إليه # PageV27P450 # مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. # فأجاب: # الحمد لله، بل المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي - رضي الله عنهما - الذي ~~بالقاهرة كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم الذين ~~يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم. ولا يعرف عن عالم مسمى ~~معروف بعلم وصدق أنه قال: إن هذا المشهد صحيح. وإنما يذكره بعض الناس قولا ~~عمن لا يعرف على عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب. فإنهم ~~ينقلون أحاديث وحكايات ويذكرون مذاهب ومقالات. وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ~~ونقله؟ لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها. ms8044 ولم يسموا أحدا معروفا بالصدق في ~~نقله ولا بالعلم في قوله؛ بل غاية ما يعتمدون عليه: أن يقولوا: أجمعت ~~الطائفة الحقة. وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة الذين هم عند أنفسهم المؤمنون ~~وسائر الأمة سواهم كفار. ويقولون: إنما كانوا على الحق لأن فيهم الإمام ~~المعصوم والمعصوم عند الرافضة الإمامية الاثنا عشرية: هو الذي يزعمون أنه ~~دخل إلى # PageV27P451 # سرداب سامرا بعد موت أبيه الحسن بن علي العسكري سنة ستين ومائتين. وهو ~~إلى الآن غائب لم يعرف له خبر ولا وقع له أحد على عين ولا أثر. وأهل العلم ~~بأنساب أهل البيت يقولون: إن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. ~~ولا ريب أن العقلاء كلهم يعدون مثل هذا القول من أسفه السفه واعتقاد ~~الإمامة والعصمة في مثل هذا: مما لا يرضاه لنفسه إلا من هو أسفه الناس ~~وأضلهم وأجهلهم. وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا. والمقصود هنا: بيان جنس ~~المقولات والمنقولات عند أهل الجهل والضلالات. فإن هؤلاء عند الجهال الضلال ~~يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت أبيه: إما سنتين أو ثلاثا أو خمسا ~~على اختلاف بينهم في ذلك. وقد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع ~~الأمة: أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله. فيكون هو ~~نفسه محضونا مكفولا لآخر يستحق كفالته في نفسه وماله تحت من يستحق النظر ~~والقيام عليه من ذمي أو غيره. وهو قبل السبع طفل لا يؤمر # PageV27P452 # بالصلاة. فإذا بلغ العشر ولم يصل أدب على فعلها. فكيف يكون مثل هذا إماما ~~معصوما يعلم جميع الدين ولا يدخل الجنة إلا من آمن به. ثم بتقدير وجوده ~~وإمامته وعصمته: إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون قائما بينهم: يأمرهم ~~بما أمرهم الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم عنه الله ورسوله. فإذا لم يروه ~~ولم يسمعوا كلامه لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه. فلا ~~يجوز تكليفهم طاعته إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه وطاعة ms8045 من لا يأمر ~~ممتنعة لذاتها. وإن قدر أنه يأمرهم ولكن لم يصل إليهم أمره ولا يتمكنون من ~~العلم بذلك: كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به والتمكن من العلم ~~شرط في طاعة الأمر ولا سيما عند الشيعة المتأخرين. فإنهم من أشد الناس منعا ~~لتكليف ما لا يطاق؛ لموافقتهم المعتزلة في القدر والصفات أيضا. وإن قيل: إن ~~ذلك بسبب ذنوبهم. لأنهم أخافوه أن يظهر. قيل: هب أن أعداءه أخافوه فأي ذنب ~~لأوليائه ومحبيه؟ وأي منفعة لهم من الإيمان به وهو لا يعلمهم شيئا ولا ~~يأمرهم بشيء؟ ثم كيف جاز له - مع وجوب الدعوة عليه - أن يغيب هذه # PageV27P453 # الغيبة التي لها الآن أكثر من أربعمائة وخمسين سنة. وما الذي سوغ له هذه ~~الغيبة دون آبائه الذين كانوا موجودين قبل موتهم: كعلي والحسن والحسين وعلي ~~بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن ~~علي وعلي بن محمد والحسن بن علي العسكري فإن هؤلاء كانوا موجودين يجتمعون ~~بالناس. وقد أخذ عن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر ~~بن محمد - من العلم ما هو معروف عند أهله والباقون لهم سير معروفة وأخبار ~~مكشوفة. فما باله استحل هذا الاختفاء هذه المدة الطويلة أكثر من أربعمائة ~~سنة. وهو إمام الأمة بل هو على زعمهم هاديها وداعيها ومعصومها الذي يجب ~~عليها الإيمان به. ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن عندهم؟ فإن قالوا: الخوف. ~~قيل: الخوف على آبائه كان أشد بلا نزاع بين العلماء. وقد حبس بعضهم وقتل ~~بعضهم. ثم الخوف إنما يكون إذا حارب. فأما إذا فعل كما كان يفعل سلفه من ~~الجلوس مع المسلمين وتعليمهم لم يكن عليه خوف. # PageV27P454 # وبيان ضلال هؤلاء طويل. وإنما المقصود بيانه هنا: أنهم يجعلون هذا أصل ~~دينهم. ثم يقولون: إذا اختلفت الطائفة الحقة على قولين. أحدهما: يعرف قائله ~~والآخر: لا يعرف قائله كان القول الذي لا يعرف قائله هو الحق هكذا وجدته في ~~كتب شيوخهم وعللوا ذلك: بأن القول ms8046 الذي لا يعرف قائله يكون من قائليه ~~الإمام المعصوم. وهذا نهاية الجهل والضلال. وهكذا كل ما ينقلونه من هذا ~~الباب - ينقلون سيرا أو حكايات وأحاديث إذا ما طالبتهم بإسنادها لم يحيلوك ~~على رجل معروف بالصدق بل حسب أحدهم أن يكون سمع ذلك من آخر مثله أو قرأه في ~~كتاب ليس فيه إسناد معروف وإن سموا أحدا: كان من المشهورين بالكذب ~~والبهتان. لا يتصور قط أن ينقلوا شيئا مما لا يعرف عند علماء السنة إلا وهو ~~عن مجهول لا يعرف أو عن معروف بالكذب. ومن هذا الباب نقل الناقل: أن هذا ~~القبر الذي بالقاهرة: " مشهد الحسين " رضي الله عنه بل وكذلك مشاهد غير هذا ~~مضافة إلى قبر الحسين رضي الله عنه فإنه معلوم باتفاق الناس: أن هذا المشهد ~~بني عام بضع وأربعين وخمسمائة وأنه نقل من مشهد بعسقلان وأن ذلك # PageV27P455 # المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمائة. فأصل هذا المشهد ~~القاهري: هو ذلك المشهد العسقلاني. وذلك العسقلاني محدث بعد مقتل الحسين ~~بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة وهذا القاهري محدث بعد مقتله بقريب من ~~خمسمائة سنة وهذا مما لم يتنازع فيه اثنان ممن تكلم في هذا الباب من أهل ~~العلم على اختلاف أصنافهم كأهل الحديث ومصنفي أخبار القاهرة ومصنفي ~~التواريخ. وما نقله أهل العلم طبقة عن طبقة. فمثل هذا مستفيض عندهم. وهذا ~~بينهم مشهور متواتر سواء قيل: إن إضافته إلى الحسين صدق أو كذب لم يتنازعوا ~~أنه نقل من عسقلان في أواخر الدولة العبيدية. وإذا كان أصل هذا المشهد ~~القاهري: منقول عن ذلك المشهد العسقلاني باتفاق الناس وبالنقل المتواتر فمن ~~المعلوم أن قول القائل: إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني على رأس الحسين رضي ~~الله عنه قول بلا حجة أصلا. فإن هذا لم ينقله أحد من أهل العلم الذين من ~~شأنهم نقل هذا. لا من أهل الحديث ولا من علماء الأخبار والتواريخ ولا من ~~العلماء المصنفين في النسب: نسب قريش أو نسب بني هاشم ونحوه. # PageV27P456 # وذلك المشهد العسقلاني: أحدث في آخر ms8047 المائة الخامسة لم يكن قديما ولا كان ~~هناك مكان قبله أو نحوه مضاف إلى الحسين ولا حجر منقوش ولا نحوه مما يقال: ~~إنه علامة على ذلك. فتبين بذلك أن إضافة مثل هذا إلى الحسين قول بلا علم ~~أصلا. وليس مع قائل ذلك ما يصلح أن يكون معتمدا لا نقل صحيح ولا ضعيف بل لا ~~فرق بين ذلك وبين أن يجيء الرجل إلى بعض القبور التي بأحد أمصار المسلمين ~~فيدعي أن في واحد منها رأس الحسين أو يدعي أن هذا قبر نبي من الأنبياء أو ~~نحو ذلك مما يدعيه كثير من أهل الكذب والضلال. ومن المعلوم أن مثل هذا ~~القول غير منقول باتفاق المسلمين. وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء: أن ~~يدعي أنه رأى مناما أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه: إما ~~رائحة طيبة وإما توهم خرق عادة ونحو ذلك وإما حكاية عن بعض الناس: أنه كان ~~يعظم ذلك القبر. فأما المنامات فكثير منها بل أكثرها كذب وقد عرفنا في ~~زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه ~~قبر نبي أو أن فيه أثر نبي ونحو ذلك. ويكون كاذبا # PageV27P457 # وهذا الشيء منتشر. فرائي المنام غالبا ما يكون كاذبا وبتقدير صدقه: فقد ~~يكون الذي أخبره بذلك شيطان. والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صحتها لا ~~يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق. فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله ورؤيا مما يحدث به المرء ~~نفسه ورؤيا من الشيطان} . فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة. فلا بد من ~~تمييز كل نوع منها عن نوع. ومن الناس - حتى من الشيوخ الذي لهم ظاهر علم ~~وزهد - من يجعل مستنده في مثل ذلك: حكاية يحكيها عن مجهول حتى أن منهم من ~~يقول: حدثني أخي الخضر أن قبر الخضر بمكان كذا ومن المعلوم الذي بيناه في ~~غير هذا الموضع أن كل من ادعى أنه رأى ms8048 الخضر أو رأى من رأى الخضر أو سمع ~~شخصا رأى الخضر أو ظن الرائي أنه الخضر: أن كل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة ~~المخرفين الذين لا حظ لهم من علم ولا عقل ولا دين بل هم من الذين لا يفقهون ~~ولا يعقلون. وأما ما يذكر من وجود رائحة طيبة أو خرق عادة أو نحو ذلك مما ~~يتعلق بالقبر: فهذا لا يدل على تعينه. وأنه فلان أو فلان بل # PageV27P458 # غاية ما يدل عليه - إذا ثبت - أنه دليل على صلاح المقبور وأنه قبر رجل ~~صالح أو نبي. وقد تكون تلك الرائحة مما صنعه بعض السوقة. فإن هذا مما يفعله ~~طائفة من هؤلاء كما حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان وكان ~~أحدهما قد اتخذ قبرا تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال فعمد ~~الآخر إلى قبر وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف وجعل فيه ~~من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة. وقد حدثني جيران القبر الذي بجبل ~~لبنان بالبقاع الذي يقال: إنه قبر نوح وكان قد ظهر قريبا في أثناء المائة ~~السابعة وأصله: أنهم شموا من قبر رائحة طيبة ووجدوا عظاما كبيرة فقالوا: ~~هذه تدل على كبير خلق البنية فقالوا - بطريق الظن - هذا قبر نوح وكان ~~بالبقعة موتى كثيرون من جنس هؤلاء. وكذلك هذا المشهد العسقلاني قد ذكر ~~طائفة: أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى ابن مريم. وقد يوجد ~~عند قبور الوثنيين من جنس ما يوجد عند قبور المؤمنين؛ بل إن زعم الزاعم أنه ~~قبر الحسين ظن وتخرص. وكان من الشيوخ المشهورين بالعلم والدين # PageV27P459 # بالقاهرة من ذكروا عنه أنه قال: هو قبر نصراني. وكذلك بدمشق بالجانب ~~الشرقي مشهد يقال: إنه قبر أبي بن كعب. وقد اتفق أهل العلم على أن أبيا لم ~~يقدم دمشق. وإنما مات بالمدينة. فكان بعض الناس يقول: إنه قبر نصراني. وهذا ~~غير مستبعد. فإن اليهود والنصارى هم السابقون في تعظيم القبور والمشاهد. ~~ولهذا قال صلى ms8049 الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {لعن الله اليهود ~~والنصارى: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا} . والنصارى أشد غلوا ~~في ذلك من اليهود كما في الصحيحين عن عائشة: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما كنيسة بأرض الحبشة وذكرتا من ~~حسنها وتصاوير فيها. فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا ~~على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة} . والنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم. فلا يستبعد أنهم ~~ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم ~~على تعظيمه. كيف لا؟ وهم قد أضلوا كثيرا من # PageV27P460 # جهال المسلمين حتى صاروا يعمدون أولادهم ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر ~~للولد وحتى جعلوهم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع وصار كثير من جهال ~~المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم ~~يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم. والذين ~~يعظمون القبور والمشاهد: لهم شبه شديد بالنصارى حتى إني لما قدمت القاهرة ~~اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان وناظرني في المسيح ودين النصارى حتى بينت ~~له فساد ذلك وأجبته عما يدعيه من الحجة وبلغني بعد ذلك أنه صنف كتابا في ~~الرد على المسلمين وإبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأحضره إلي بعض ~~المسلمين وجعل يقرؤه علي لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها. وكان من أواخر ~~ما خاطبت به النصراني: أن قلت له: أنتم مشركون وبينت من شركهم ما هم عليه ~~من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها. قال لي: نحن ما ~~نشرك بهم ولا نعبدهم وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر ~~الرجل الصالح فيتعلقون بالشباك الذي # PageV27P461 # عليه ونحو ذلك. فقلت له: وهذا أيضا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن ~~فعله الجهال فأقر أنه شرك حتى إن قسيسا كان حاضرا في هذه المسألة. فلما ~~سمعها قال: نعم ms8050 على هذا التقدير نحن مشركون. وكان بعض النصارى يقول لبعض ~~المسلمين: لنا سيد وسيدة ولكم سيد وسيدة لنا السيد المسيح والسيدة مريم ~~ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة. فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع ~~والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه ويحبون أن يقوى ذلك ~~ويكثر ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين وقسيسيهم مثل علماء ~~المسلمين. ويضاهئون المسلمين فإن عقلاءهم لا ينكرون صحة دين الإسلام. بل ~~يقولون: هذا طريق إلى الله وهذا طريق إلى الله. ولهذا يسهل إظهار الإسلام ~~على كثير من المنافقين الذين أسلموا منهم. فإن عندهم أن المسلمين والنصارى ~~كأهل المذاهب من المسلمين بل يسمون الملل مذاهب. ومعلوم أن أهل المذاهب ~~كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية دينهم واحد. وكل من أطاع الله ~~ورسوله منهم بحسب وسعه كان مؤمنا سعيدا باتفاق المسلمين. # PageV27P462 # فإذا اعتقد النصارى مثل هذا في الملل يبقى انتقال أحدهم عن ملته كانتقال ~~الإنسان من مذهب إلى مذهب. وهذا كثيرا ما يفعله الناس لرغبة أو رهبة وإذا ~~بقي أقاربه وأصدقاؤه على المذهب الأول لم ينكر ذلك بل يحبهم ويودهم في ~~الباطن لأن المذهب كالوطن والنفس تحن إلى الوطن إذا لم تعتقد أن المقام به ~~محرم أو به مضرة وضياع دنيا. فلهذا يوجد كثير ممن أظهر الإسلام من أهل ~~الكتاب لا يفرق بين المسلمين وأهل الكتاب. ثم منهم من يميل إلى المسلمين ~~أكثر ومنهم من يميل إلى ما كان عليه أكثر. ومنهم من يميل إلى أولئك من جهة ~~الطبع والعادة أو من جهة الجنس والقرابة والبلد والمعاونة على المقاصد ونحو ~~ذلك. وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوهم ~~يجوز عندهم أن يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى. ومعلوم أن هذا ~~كله كفر باتفاق المسلمين. فمن لم يقر باطنا وظاهرا بأن الله لا يقبل دينا ~~سوى الإسلام فليس بمسلم. # PageV27P463 # ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لن يكون مسلم إلا من ~~آمن به واتبعه باطنا وظاهرا فليس بمسلم. ومن لم يحرم ms8051 التدين - بعد مبعثه ~~صلى الله عليه وسلم - بدين اليهود والنصارى بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس ~~بمسلم باتفاق المسلمين. والمقصود هنا: أن النصارى يحبون أن يكون في ~~المسلمين ما يشابهونهم به ليقوى بذلك دينهم ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن ~~دينهم. ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بمخالفة اليهود والنصارى كما قد ~~بسطناه في كتابنا " اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ". وقد ~~حصل للنصارى من جهال المسلمين كثير من مطلوبهم لا سيما من الغلاة من الشيعة ~~وجهال النساك والغلاة في المشايخ. فإن فيهم شبها قريبا بالنصارى في الغلو ~~والبدع في العبادات ونحو ذلك. فلهذا يلبسون على المسلمين في مقابر تكون من ~~قبورهم حتى يتوهم الجهال أنها من قبور صالحي المسلمين ليعظموها. وإذا كان ~~ذلك المشهد العسقلاني قد قال طائفة: إنه قبر بعض النصارى أو بعض الحواريين ~~- وليس معنا ما يدل على أنه قبر مسلم فضلا عن أن يكون قبرا لرأس الحسين - ~~كان قول من قال: إنه قبر # PageV27P464 # مسلم: الحسين أو غيره - قولا زورا وكذبا مردودا على قائله. فهذا كاف في ~~المنع من أن يقال: هذا " مشهد الحسين ". # فصل: # ثم نقول: بل نحن نعلم ونجزم بأنه ليس فيه رأس الحسين ولا كان ذلك المشهد ~~العسقلاني مشهدا للحسين من وجوه متعددة: منها: أنه لو كان رأس الحسين هناك ~~لم يتأخر كشفه وإظهاره إلى ما بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة سنة ودولة ~~بني أمية انقرضت قبل ظهور ذلك بأكثر من ثلاثمائة وبضع وخمسين سنة. وقد جاءت ~~خلافة بني العباس. وظهر في أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان ~~كثير منها كذبا. وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهدا. وكان ~~ينتابه أمراء عظماء حتى أنكر ذلك عليهم الأئمة. وحتى إن المتوكل لما تقدموا ~~له بأشياء يقال: إنه بالغ في إنكار ذلك وزاد على الواجب. دع خلافة بني ~~العباس في أوائلها وفي حال استقامتها فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد ~~سواء منها ما كان صدقا أو كذبا كما # PageV27P465 # حدث فيما بعد لأن الإسلام كان ms8052 حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه. ولم يكن ~~على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام لا في ~~الحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب ولم ~~يكن قد أحدث مشهد لا على قبر نبي ولا صاحب ولا أحد من أهل البيت ولا صالح ~~أصلا؛ بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك. وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت ~~خلافة بني العباس وتفرقت الأمة وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين ~~وفشت فيهم كلمة أهل البدع وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة. ~~فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب. ثم جاءوا بعد ~~ذلك إلى أرض مصر. ويقال: إنه حدث قريبا من ذلك: المكوس في الإسلام. وقريبا ~~من ذلك ظهر بنو بويه. وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية. وفي دولتهم قوي ~~بنو عبيد القداح بأرض مصر وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله ~~عنه بناحية النجف وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك وإنما ~~دفن علي رضي الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة وإنما ذكروا أن بعضهم حكى عن ~~الرشيد: أنه جاء إلى بقعة هناك وجعل يعتذر إلى المدفون فيها فقالوا: إنه ~~علي وأنه اعتذر إليه مما فعل بولده فقالوا: هذا قبر علي وقد قال قوم # PageV27P466 # إنه قبر المغيرة بن شعبة والكلام عليه مبسوط في غير هذا الموضع. فإذا كان ~~بنو بويه وبنو عبيد - مع ما كان في الطائفتين من الغلو في التشيع. حتى إنهم ~~كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر ~~مثله مثل تعليق المسوح على الأبواب وإخراج النوائح بالأسواق وكان الأمر ~~يفضي في كثير من الأوقات إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه. وبسبب ذلك خرج ~~الخرقي - صاحب المختصر في الفقه - من بغداد لما ظهر بها سب السلف. وبلغ من ~~أمر القرامطة الذين كانوا بالمشرق في تلك الأوقات أنهم أخذوا الحجر الأسود ~~وبقي معهم مدة وأنهم قتلوا الحجاج وألقوهم ms8053 ببئر زمزم. فإذا كان مع كل هذا ~~لم يظهر حتى مشهد للحسين بعسقلان مع العلم بأنه لو كان رأسه بعسقلان لكان ~~المتقدمون من هؤلاء أعلم بذلك من المتأخرين فإذا كان مع توفر الهمم ~~والدواعي والتمكن والقدرة لم يظهر ذلك علم أنه باطل مكذوب مثل من يدعي أنه ~~شريف علوي. وقد علم أنه لم يدع هذا أحد من أجداده مع حرصهم على ذلك لو كان ~~صحيحا فإنه بهذا يعلم كذب هذا المدعي وبمثل ذلك علمنا كذب من يدعي النص على ~~خلافة علي أو غير ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولم ينقل. # PageV27P467 # الوجه الثاني: أن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله مثل أبي بكر بن أبي ~~الدنيا وأبي القاسم البغوي وغيرهما - لم يذكر أحد منهم أن الرأس حمل إلى ~~عسقلان ولا إلى القاهرة. وقد ذكر نحو ذلك أبو الخطاب بن دحية في كتابه ~~الملقب ب " العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور " ذكر أن الذين صنفوا في ~~مقتل الحسين أجمعوا أن الرأس لم يغترب وذكر هذا بعد أن ذكر أن المشهد الذي ~~بالقاهرة كذب مختلق وأنه لا أصل له وبسط القول في ذلك كما ذكر في يوم ~~عاشوراء ما يتعلق بذلك. الوجه الثالث: أن الذي ذكره من يعتمد عليه من ~~العلماء والمؤرخين: أن الرأس حمل إلى المدينة. ودفن عند أخيه الحسن. ومن ~~المعلوم: أن الزبير بن بكار صاحب " كتاب الأنساب " ومحمد بن سعد كاتب ~~الواقدي وصاحب الطبقات ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع: أعلم ~~بهذا الباب وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين ومن بعض أهل التواريخ ~~الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم بل قد يكون الرجل صادقا ولكن لا خبرة له ~~بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود أو يكون سيئ الحفظ أو متهما ~~بالكذب أو بالتزيد في الرواية كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين # PageV27P468 # لا سيما إذا كان مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وأمثاله. ومعلوم أن الواقدي ~~نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبي وأبيه محمد بن السائب وأمثالهما ~~وقد ms8054 علم كلام الناس في الواقدي فإن ما يذكره هو وأمثاله إنما يعتضد به ~~ويستأنس به وأما الاعتماد عليه بمجرده في العلم فهذا لا يصلح. فإذا كان ~~المعتمد عليهم يذكرون أن رأس الحسين دفن بالمدينة وقد ذكر غيرهم أنه إما أن ~~يكون قد عاد إلى البدن فدفن معه بكربلاء وإما أنه دفن بحلب أو بدمشق أو نحو ~~ذلك من الأقوال التي لا أصل لها ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه أنه بعسقلان - ~~علم أن ذلك باطل إذ يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق: على الباطل وأهل الجهل ~~والكذب: على الحق في الأمور النقلية التي إنما تؤخذ عن أهل العلم والصدق لا ~~عن أهل الجهل والكذب. الوجه الرابع: أن الذي ثبت في صحيح البخاري: " أن ~~الرأس حمل إلى قدام عبيد الله بن زياد وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة ~~أنس بن مالك " وفي المسند: " أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمي " ولكن بعض ~~الناس روى بإسناد منقطع " أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية " وهذا ~~باطل. فإن أبا برزة وأنس # PageV27P469 # بن مالك كانا بالعراق لم يكونا بالشام ويزيد بن معاوية كان بالشام لم يكن ~~بالعراق حين مقتل الحسين فمن نقل أنه نكت بالقضيب ثناياه بحضرة أنس وأبي ~~برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعا كذبا معلوما بالنقل المتواتر. ومعلوم بالنقل ~~المتواتر: أن عبيد الله بن زياد كان هو أمير العراق حين مقتل الحسين وقد ~~ثبت بالنقل الصحيح: أنه هو الذي أرسل عمر بن سعد بن أبي وقاص مقدما على ~~الطائفة التي قاتلت الحسين وكان عمر قد امتنع من ذلك فأرغبه ابن زياد ~~وأرهبه حتى فعل ما فعل. وقد ذكر المصنفون من أهل العلم بالأسانيد المقبولة: ~~أنه لما كتب أهل العراق إلى الحسين وهو بالحجاز: أن يقدم عليهم وقالوا: إنه ~~قد أميتت السنة وأحييت البدعة. وأنه وأنه حتى يقال: إنهم أرسلوا إليه كتبا ~~ملء صندوق وأكثر وأنه أشار عليه الأحباء الألباء فلم يقبل مشورتهم فإنه كما ~~قيل: # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ms8055 ... وما كل مؤت نصحه بلبيب # فقد أشار عليه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما بأن لا ~~يذهب إليهم. وذلك كان قد رآه أخوه الحسن - واتفقت كلمتهم على أن هذا لا ~~مصلحة فيه وأن هؤلاء العراقيين يكذبون # PageV27P470 # عليه ويخذلونه إذ هم أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها عن ثبات وأن أباه ~~كان أفضل منه وأطوع في الناس وكان جمهور الناس معه. ومع هذا فكان فيهم من ~~الخلاف عليه والخذلان له ما الله به عليم. حتى صار يطلب السلم بعد أن كان ~~يدعو إلى الحرب. وما مات إلا وقد كرههم كراهة الله بها عليم. ودعا عليهم ~~وبرم بهم. فلما ذهب الحسين رضي الله عنه وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إليهم ~~واتبعه طائفة. ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة قاموا مع ابن زياد وقتل ~~مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وغيرهما فبلغ الحسين ذلك فأراد الرجوع فوافته ~~سرية عمر بن سعد وطلبوا منه أن يستأسر لهم فأبى وطلب أن يردوه إلى يزيد ابن ~~عمه حتى يضع يده في يده أو يرجع من حيث جاء أو يلحق ببعض الثغور فامتنعوا ~~من إجابته إلى ذلك بغيا وظلما وعدوانا. وكان من أشدهم تحريضا عليه شمر بن ~~ذي الجوشن. ولحق بالحسين طائفة منهم. ووقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن ~~أكرمه من أهل بيته بالشهادة رضي الله عنهم وأرضاهم. وأهان بالبغي والظلم ~~والعدوان من أهانه بما انتهكه من حرمتهم واستحله من دمائهم {ومن يهن الله ~~فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} وكان ذلك من نعمة الله على الحسين ~~وكرامته له لينال منازل الشهداء حيث لم يجعل له في أول الإسلام من الابتلاء # PageV27P471 # والامتحان ما جعل لسائر أهل بيته كجده صلى الله عليه وسلم وأبيه وعمه وعم ~~أبيه رضي الله عنهم فإن بني هاشم أفضل قريش وقريشا أفضل العرب والعرب أفضل ~~بني آدم. كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله في الحديث ~~الصحيح {إن ms8056 الله اصطفى من ولد إبراهيم بني إسماعيل واصطفى كنانة من بني ~~إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني ~~هاشم.} وفي صحيح مسلم عنه أنه {قال يوم غدير خم أذكركم الله في أهل بيتي ~~أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي} وفي السنن {أنه شكا إليه ~~العباس: أن بعض قريش يحقرونهم فقال: والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى ~~يحبوكم لله ولقرابتي} . وإذا كانوا أفضل الخلق فلا ريب أن أعمالهم أفضل ~~الأعمال. وكان أفضلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا عدل له من ~~البشر ففاضلهم أفضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب بل ومن بني ~~إسرائيل وغيرهم. ثم علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث هم من السابقين ~~الأولين من المهاجرين. فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل. ولهذا # PageV27P472 # {لما كان يوم بدر أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمبارزة لما برز عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~قم يا حمزة. قم يا عبيدة. قم يا علي} . فبرز إلى الثلاثة ثلاثة من بني ~~هاشم. وقد ثبت في الصحيح أن فيهم نزل قوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} ~~الآية. وإن كان في الآية عموم. ولما كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل ~~الجنة. كانا قد ولدا بعد الهجرة في عز الإسلام ولم ينلهما من الأذى والبلاء ~~ما نال سلفهما الطيب فأكرمهما الله بما أكرمهما به من الابتلاء ليرفع ~~درجاتهما وذلك من كرامتهما عليه لا من هوانهما عنده كما أكرم حمزة وعليا ~~وجعفرا وعمر وعثمان وغيرهم بالشهادة وفي المسند وغيره: عن فاطمة بنت الحسين ~~عن أبيها الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {ما من مسلم يصاب ~~بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر ~~مثل أجره يوم أصيب بها} . فهذا الحديث رواه الحسين وعنه بنته فاطمة التي ~~شهدت مصرعه. وقد علم الله أن مصيبته ms8057 تذكر على طول الزمان. فالمشروع إذا ~~ذكرت المصيبة وأمثالها أن يقال: إنا لله وإنا إليه # PageV27P473 # راجعون " اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها " قال تعالى: {وبشر ~~الصابرين} {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} قال ~~الله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . ~~والكلام في أحوال الملوك على سبيل التفصيل متعسر أو متعذر لكن ينبغي أن ~~نعلم من حيث الجملة: أنهم هم وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون ~~بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد. وتناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون ~~عمله خالصا لوجه الله موافقا للسنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم {قيل له: ~~الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليقال؟ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} . وكذلك تناول نصوص ~~الوعيد للشخص مشروط بألا يكون متأولا ولا مجتهدا مخطئا. فإن الله عفا لهذه ~~الأمة عن الخطأ والنسيان. وكثير من تأويلات المتقدمين وما يعرض لهم فيها من ~~الشبهات معروفة يحصل بها من الهوى والشهوات. فيأتون ما يأتونه بشبهة وشهوة. ~~والسيئات التي يرتكبها أهل الذنوب تزول بالتوبة. وقد تزول بحسنات ماحية ~~ومصائب مكفرة. وقد تزول بصلاة المسلمين عليه وبشفاعة # PageV27P474 # النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في أهل الكبائر. فلهذا كان أهل ~~العلم يختارون فيمن عرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة في الظاهر ~~- كالحجاج بن يوسف وأمثاله - أنهم لا يلعنون أحدا منهم بعينه؛ بل يقولون ~~كما قال الله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} فيلعنون من لعنه الله ~~ورسوله عاما. كقوله صلى الله عليه وسلم {لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها ~~وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها} ولا ~~يلعنون المعين. كما ثبت في صحيح البخاري وغيره: {أن رجلا كان يدعى حمارا ~~وكان يشرب الخمر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلده. فأتي به مرة. فلعنه ~~رجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه. فإنه ms8058 يحب الله ورسوله} . ~~وذلك لأن اللعنة من باب الوعيد والوعيد العام لا يقطع به للشخص المعين لأحد ~~الأسباب المذكورة: من توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة. ~~وغير ذلك. وطائفة من العلماء يلعنون المعين كيزيد. وطائفة بإزاء هؤلاء ~~يقولون بل نحبه لما فيه من الإيمان الذي أمرنا الله أن نوالي عليه. إذ ليس ~~كافرا. والمختار عند الأمة: أنا لا نلعن معينا مطلقا. ولا نحب معينا مطلقا # PageV27P475 # فإن العبد قد يكون فيه سبب هذا وسبب هذا إذا اجتمع فيه من حب الأمرين. إذ ~~كان من أصول أهل السنة التي فارقوا بها الخوارج: أن الشخص الواحد تجتمع فيه ~~حسنات وسيئات فيثاب على حسناته ويعاقب على سيئاته. ويحمد على حسناته ويذم ~~على سيئاته. وأنه من وجه مرضي محبوب ومن وجه بغيض مسخوط. فلهذا كان لأهل ~~الإحداث: هذا الحكم. وأما أهل التأويل المحض الذين يسوغ تأويلهم: فأولئك ~~مجتهدون مخطئون: خطؤهم مغفور لهم وهم مثابون على ما أحسنوا فيه من حسن ~~قصدهم واجتهادهم في طلب الحق واتباعه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر} . ~~ولهذا كان الكلام في السابقين الأولين ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة كعثمان وعلي وطلحة والزبير ونحوهم: له هذا الحكم. بل ومن هو دون ~~هؤلاء الأكابر أهل الحديبية الذين بايعوا تحت الشجرة. وكانوا أكثر من ألف ~~وأربعمائة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV27P476 # {لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} . فنقول في هؤلاء ونحوهم فيما شجر ~~بينهم: إما أن يكون عمل أحدهم سعيا مشكورا أو ذنبا مغفورا أو اجتهادا قد ~~عفي لصاحبه عن الخطأ فيه. فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من ~~الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم وديانتهم بل يعلم أنهم عدول مرضيون ~~وأن هؤلاء رضي الله عنهم - لا سيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى ~~مثلما كان طائفة من شيعة ms8059 عثمان يتهمون عليا بأنه أمر بقتل عثمان أو أعان ~~عليه. وكان بعض من يقاتله يظن ذلك به. وكان ذلك من شبههم التي قاتلوا عليا ~~بها. وهي شبهة باطلة وكان علي يحلف - وهو الصادق البار - أني ما قتلت عثمان ~~ولا أعنت على قتله. ويقول: " اللهم شتت قتلة عثمان في البر والبحر والسهل ~~والجبل وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم في ذلك. ولم ~~يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ونحو ذلك لكون الناس ~~مختلفين عليه وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به. ~~فإن التفرق والاختلاف يقوم فيه من أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما ~~يعلمه من يكون من أهل العلم العارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة ~~والإسلام. # PageV27P477 # ويزيد بن معاوية: قد أتى أمورا منكرة. منها: وقعة الحرة. وقد جاء في ~~الصحيح عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {المدينة حرام ~~ما بين عير إلى كذا. من أحدث فيها حدثا أو آوى] محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل} وقال {من أراد أهل ~~المدينة بسوء أماعه الله كما ينماع الملح في الماء} . ولهذا قيل للإمام ~~أحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل ~~الحرة ما فعل وقيل له - أي في ما يقولون - أما تحب يزيد؟ فقال: وهل يحب ~~يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل: فلماذا لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيت ~~أباك يلعن أحدا. ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أهل القبلة ~~بمجرد الذنوب ولا بمجرد التأويل؛ بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات ~~فأمره إلى الله. وهذا الذي ذكرناه هو المتفق عليه بين الناس في مقتل الحسين ~~رضي الله عنه # PageV27P478 # وقد رويت زيادات: بعضها صحيح وبعضها ضعيف وبعضها كذب موضوع. والمصنفون من ~~أهل الحديث في ذلك: كالبغوي وابن أبي الدنيا ونحوهما: كالمصنفين من أهل ~~الحديث في سائر المنقولات: ms8060 هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم ~~لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات أو يرسلونه عمن يكون مرسله يقارب الصحة ~~بخلاف الإخباريين فإن كثيرا مما يسندونه عن كذاب أو مجهول. وأما ما يرسلونه ~~فظلمات بعضها فوق بعض. وهؤلاء لعمري ممن ينقل عن غيره مسندا أو مرسلا. وأما ~~أهل الأهواء ونحوهم: فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلا لا ثقة ولا ~~معتمد. وأهون شيء عندهم الكذب المختلق. وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله ~~إلى عمدة بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين وروايات عن أهل الإفك ~~المبين. فقد تبين أن القصة التي يذكرون فيها حمل رأس الحسين إلى يزيد ونكته ~~إياها بالقضيب كذبوا فيها وإن كان الحمل إلى ابن زياد - وهو الثابت بالقصة ~~- فلم ينقل بإسناد معروف أن الرأس حمل إلى قدام يزيد. ولم أر في ذلك إلا ~~إسنادا منقطعا، قد عارضه من الروايات ما هو # PageV27P479 # أثبت منه وأظهر - نقلوا فيها أن يزيد لما بلغه مقتل الحسين أظهر التألم ~~من ذلك وقال: لعن الله أهل العراق. لقد كنت أرضى من طاعتهم بدون هذا. وقال ~~في ابن زياد: أما إنه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله. وأنه ظهر في ~~داره النوح لمقتل الحسين وأنه لما قدم عليه أهله وتلاقى النساء تباكين وأنه ~~خير ابنه عليا بين المقام عنده والسفر إلى المدينة فاختار السفر إلى ~~المدينة. فجهزه إلى المدينة جهازا حسنا. فهذا ونحوه مما نقلوه بالأسانيد ~~التي هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد المنقطع المجهول تبين أن يزيد لم يظهر ~~الرضا بقتل الحسين وأنه أظهر الألم لقتله. والله أعلم بسريرته. وقد علم أنه ~~لم يأمر بقتله ابتداء لكنه مع ذلك ما انتقم من قاتليه ولا عاقبهم على ما ~~فعلوا؛ إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه الذي كان يخاف عليه من الحسين وأهل البيت. ~~رضي الله عنهم أجمعين والمقصود هنا: أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له ~~في زمن يزيد. فكيف بنقله بعد زمن يزيد؟ وإنما الثابت: هو ms8061 نقله من كربلاء ~~إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة. والذي ذكر العلماء: أنه دفن ~~بالمدينة. # PageV27P480 # وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول ولا له إلمام بمعرفة ~~المنقول: من أن أهل البيت سبوا وأنهم حملوا على البخاتي وأن البخاتي نبت ~~لها من ذلك الوقت سنامان: فهذا من الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله. فإن ~~البخاتي قد كانت من يوم خلقها الله قبل ذلك ذات سنامين كما كان غيرها من ~~أجناس الحيوان. والبخاتي لا تستر امرأة. ولا سبى أهل البيت أحد ولا سبي ~~منهم أحد. بل هذا كما يقولون: إن الحجاج قتلهم. وقد علم أهل النقل كلهم أن ~~الحجاج لم يقتل أحدا من بني هاشم كما عهد إليه خليفته عبد الملك وأنه لما ~~تزوج بنت عبد الله بن جعفر شق ذلك على بني أمية وغيرهم من قريش ورأوه ليس ~~بكفء لها. ولم يزالوا به حتى فرقوا بينه وبينها. بل بنو مروان على الإطلاق ~~لم يقتلوا أحدا من بني هاشم لا آل علي ولا آل العباس إلا زيد بن علي ~~المصلوب بكناسة الكوفة وابنه يحيى. الوجه الرابع: أنه لو قدر أنه حمل إلى ~~يزيد فأي غرض كان لهم في دفنه بعسقلان وكانت إذ ذاك ثغرا يقيم به ~~المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية خبره فمثل عسقلان تظهره لكثرة من ينتابها ~~للرباط. وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يقصد هذا من يقال: إنه عدو له ~~مستحل لدمه ساع في قتله؟ # PageV27P481 # ثم من المعلوم: أن دفنه قريبا عند أمه وأخيه بالبقيع أفضل له. الوجه ~~الخامس: أن دفنه بالبقيع: هو الذي تشهد له عادة القوم. فإنهم كانوا في ~~الفتن إذا قتلوا الرجل - لم يكن منهم - سلموا رأسه وبدنه إلى أهله كما فعل ~~الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه ثم سلمه إلى أمه. وقد علم أن سعي الحجاج ~~في قتل ابن الزبير وأن ما كان بينه وبينه من الحروب: أعظم بكثير مما كان ~~بين الحسين وبين خصومه. فإن ابن الزبير ادعى الخلافة بعد ms8062 مقتل الحسين ~~وبايعه أكثر الناس. وحاربه يزيد حتى مات وجيشه محاربون له بعد وقعة الحرة. ~~ثم لما تولى عبد الملك غلبه على العراق مع الشام. ثم بعث إليه الحجاج بن ~~يوسف فحاصره الحصار المعروف حتى قتل ثم صلبه ثم سلمه إلى أمه. وقد دفن بدن ~~الحسين بمكان مصرعه بكربلاء ولم ينبش ولم يمثل به. فلم يكونوا يمتنعون من ~~تسليم رأسه إلى أهله كما سلموا بدن ابن الزبير إلى أهله وإذا تسلم أهله ~~رأسه فلم يكونوا ليدعوا دفنه عندهم بالمدينة المنورة عند عمه وأمه وأخيه ~~وقريبا من جده صلى الله عليه وسلم ويدفنونه بالشام حيث لا أحد إذ ذاك ~~ينصرهم على # PageV27P482 # خصومهم؟ بل كثير منهم كان يبغضه ويبغض أباه. هذا لا يفعله أحد. والقبة ~~التي على العباس بالبقيع يقال: إن فيها مع العباس الحسن وعلي بن الحسين ~~وأبو جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد. ويقال: إن فاطمة تحت الحائط أو قريبا ~~من ذلك. وأن رأس الحسين هناك أيضا. الوجه السادس: أنه لم يعرف قط أن أحدا ~~لا من أهل السنة ولا من الشيعة كان ينتاب ناحية عسقلان لأجل رأس الحسين. ~~ولا يزورونه ولا يأتونه. كما أن الناس لم يكونوا ينتابون الأماكن التي تضاف ~~إلى الرأس في هذا الوقت؛ كموضع بحلب. فإذا كانت تلك البقاع لم يكن الناس ~~ينتابونها ولا يقصدونها وإنما كانوا ينتابون كربلاء. لأن البدن هناك: كان ~~هذا دليلا على أن الناس فيما مضى لم يكونوا يعرفون أن الرأس في شيء من هذه ~~البقاع ولكن الذي عرفوه واعتقدوه: هو وجود البدن بكربلاء حتى كانوا ~~ينتابونه في زمن أحمد وغيره حتى إن في مسائله مسائل فيما يفعل عند قبره ~~ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير في زيارة المشاهد. ولم يذكر أحد من ~~العلماء أنهم كانوا يرون موضع الرأس في شيء من هذه البقاع غير المدينة. # PageV27P483 # فعلم أن ذلك لو كان حقا لكان المتقدمون به أعلم. ولو اعتقدوا ذلك لعملوا ~~ما جرت عادتهم بعمله ولأظهروا ذلك وتكلموا به كما تكلموا ms8063 في نظائره. فلما ~~لم يظهر عن المتقدمين - بقول ولا فعل - ما يدل على أن الرأس في هذه البقاع ~~علم أن ذلك باطل. والله أعلم. الوجه السابع: أن يقال: ما زال أهل العلم في ~~كل وقت وزمان يذكرون في هذا المشهد القاهري المنسوب إلى الحسين: أنه كذب ~~ومين كما يذكرون ذلك في أمثاله من المشاهد المكذوبة: مثل المشاهد المنسوبة ~~بدمشق إلى أبي بن كعب وأويس القرني أو هود أو نوح أو غيرهما والمشهد ~~المنسوب بحران إلى جابر بن عبد الله. وبالجزيرة إلى عبد الرحمن بن عوف وعبد ~~الله بن عمر ونحوهما. وبالعراق إلى علي رضي الله عنه ونحوه وكذلك ما يضاف ~~إلى الأنبياء غير قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم الخليل عليه ~~السلام. فإنه لما كان كثير من المشاهد مكذوبا مختلقا كان أهل العلم في كل ~~وقت يعلمون أن ذلك كذب مختلق والكتب والمصنفات المعروفة عن أهل العلم بذلك ~~مملوءة من مثل هذا. يعرف ذلك من تتبعه وطلبه. # PageV27P484 # وما زال الناس في مصنفاتهم ومخاطباتهم يعلمون أن هذا المشهد القاهري من ~~المكذوبات المختلقات. ويذكرون ذلك في المصنفات حتى من سكن هذا البلد من ~~العلماء بذلك. فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية في كتابه " العلم المشهور " في ~~هذا المشهد فصلا مع ما ذكره في مقتل الحسين من أخبار ثابتة وغير ثابتة ومع ~~هذا فقد ذكر أن المشهد كذب بالإجماع وبين أنه نقل من عسقلان في آخر الدول ~~العبيدية وأنه وضع لأغراض فاسدة وأنه بعد ذلك بقليل أزال الله تلك الدولة ~~وعاقبها بنقيض قصدها. وما زال ذلك مشهورا بين أهل العلم حتى أهل مصرنا من ~~ساكني الديار المصرية: القاهرة وما حولها. فقد حدثني طائفة من الثقات: عن ~~الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي القشيري المعروف بابن دقيق العيد وطائفة عن ~~الشيخ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي وطائفة عن الشيخ أبي محمد بن ~~القسطلاني وطائفة عن الشيخ أبي عبد الله محمد القرطبي صاحب التفسير وشرح ~~أسماء الله الحسنى. وطائفة عن ms8064 الشيخ عبد العزيز الديريني - كل من هؤلاء ~~حدثني عنه من لا أتهمه وحدثني عن بعضهم عدد كثير كل يحدثني عمن حدثني من ~~هؤلاء: أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول: # PageV27P485 # إنه كذب وإنه ليس فيه الحسين ولا غيره. والذين حدثوني عن ابن القسطلاني ~~ذكروا عنه أنه قال: إن فيه نصرانيا بل القرطبي والقسطلاني ذكرا بطلان أمر ~~هذا المشهد في مصنفاتهما. وبينا فيها أنه كذب. كما ذكره أبو الخطاب بن ~~دحية. وابن دحية هو الذي بنى له الكامل دار الحديث الكاملية. وعنه أخذ أبو ~~عمرو بن الصلاح ونحوه كثيرا مما أخذوه من ضبط الأسماء واللغات. وليس ~~الاعتماد في هذا على واحد بعينه بل هو الإجماع من هؤلاء. ومعلوم أنه لم يكن ~~بهذه البلاد من يعتمد عليه في مثل هذا الباب أعلم ولا أدق من هؤلاء ونحوهم. ~~فإذا كان كل هؤلاء متفقين على أن هذا كذب ومين: علم أن الله قد برأ منه ~~الحسين. وحدثني من حدثني من الثقات: أن من هؤلاء من كان يوصي أصحابه بألا ~~يظهروا ذلك عنه خوفا من شر العامة بهذه البلاد لما فيهم من الظلم والفساد. ~~إذ كانوا في الأصل دعاة للقرامطة الباطنيين. الذين استولوا عليها مائتي ~~سنة. فزرعوا فيهم من أخلاق الزنادقة المنافقين وأهل الجهل المبتدعين وأهل ~~الكذب الظالمين: ما لم يمكن أن ينقلع إلا بعد حين. فإنه قد فتحها - بإزالة ~~ملك العبيديين - أهل الإيمان # PageV27P486 # والسنة في الدولة النورية والصلاحية وسكنها من أهل الإسلام والسنة من ~~سكنها وظهرت بها كلمة الإيمان والسنة نوعا من الظهور لكن كان النفاق ~~والبدعة فيها كثيرا مستورا وفي كل وقت يظهر الله فيها من الإيمان والسنة ما ~~لم يكن مذكورا ويطغى فيها من النفاق والجهل ما كان مشهورا. والله هو ~~المسئول أن يظهر بسائر البلاد ما يحبه ويرضاه من الهدى والسداد. ويعظم على ~~عباده الخير بظهور الإسلام والسنة ويحقق ما وعد به في القرآن من علو كلمته ~~وظهور أهل الإيمان. وكثير من الناس قد اعتقد وتخلق بعقائد وبأخلاق هي في ~~الأصل ms8065 من أخلاق الكفار والمنافقين وإن لم يكن بذلك من العارفين كما أن ~~كثيرا منهم يشارك النصارى في أعيادهم. ويعظم ما يعظمونه من الأمكنة ~~والأزمنة والأعمال. وهو قد لا يقصد بذلك تعظيم الكفر بل ولا يعرف أن ذلك من ~~خصائصهم. فإذا عرف ذلك انتهى عنه وتاب منه. وكذلك كثير من الناس تخلق بشيء ~~من أخلاق أهل النفاق وهو لا يعرف أنها من أخلاق المنافقين وإذا عرف ذلك كان ~~إلى الله من التائبين. والله يتوب علينا وعليه وعلى جميع المذنبين # PageV27P487 # من المؤمنين. وهذا كله كلام في بطلان دعوى وجود رأس الحسين رضي الله عنه ~~في القاهرة أو عسقلان وكذبه. ثم نقول: سواء كان صحيحا أو كذبا. فإن بناء ~~المساجد على القبور ليس من دين المسلمين بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق أئمة الدين بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد ~~سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها أو بقصد الصلاة عندها بل أئمة الدين ~~متفقون على النهي عن ذلك وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة عند قبر أحد لا نبي ~~ولا غير نبي وكل من قال: إن قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على ~~قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في ~~المسجد الذي لا قبر فيه: فقد مرق من الدين. وخالف إجماع المسلمين. والواجب ~~أن يستتاب قائل هذا ومعتقده فإن تاب وإلا قتل. بل ليس لأحد أن يصلي في ~~المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا ~~اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك ~~ووجوب التنبيه عليه # PageV27P488 # وعلى غيره كما قد نص على ذلك أئمة الإسلام من أهل المذاهب الأربعة ~~وغيرهم. منهم من صرح بالتحريم. ومنهم من أطلق الكراهة. وليست هذه المسألة ~~عندهم مسألة الصلاة في المقبرة العامة. فإن تلك منهم من يعلل النهي عنها ~~بنجاسة التراب ومنهم من يعلله بالتشبه بالمشركين. وأما المساجد ms8066 المبنية على ~~القبور فقد نهوا عنه. معللين بخوف الفتنة بتعظيم المخلوق كما ذكر ذلك ~~الشافعي وغيره من سائر أئمة المسلمين. وقد {نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند وجودها في كبد السماء وقال إنه ~~حينئذ يسجد لها الكفار} فنهى عن ذلك لما فيه من المشابهة لهم وإن لم يقصد ~~المصلي السجود إلا للواحد المعبود. فكيف بالصلاة في المساجد التي بنيت ~~لتعظيم القبور؟ وهذه المسألة قد بسطناها في غير هذا الجواب. وإنما كان ~~المقصود: تحقيق مكان رأس الحسين رضي الله عنه وبيان أن الأمكنة المشهورة ~~عند الناس بمصر والشام: أنها مشهد الحسين وأن فيها رأسه. كذب واختلاق. وإفك ~~وبهتان. والله أعلم. وكتبه أحمد ابن تيمية. # PageV27P489 # وسئل - رحمه الله - أيضا: # عن الزيارة إلى قبر الحسين. وإلى السيدة نفيسة والصلاة عند الضريح. وإذا ~~قال: إن السيدة نفيسة تخلص المحبوس وتجير الخائف وباب الحوائج إلى الله: ~~هذا جائز أم لا؟ ؟ . # فأجاب: # أما الحسين فلم يحمل رأسه إلى مصر باتفاق العلماء وكذلك لم يحمل إلى ~~الشام ومن قال إن ميتا من الموتى نفيسة أو غيرها تجير الخائف وتخلص المحبوس ~~وهي باب الحوائج: فهو ضال مشرك. فإن الله سبحانه هو الذي يجير ولا يجار ~~عليه وباب الحوائج إلى الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص كما قال تعالى: {وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} والله أعلم. # PageV27P490 # وقال - رحمه الله -: # وأما " بنت يزيد بن السكن " فهذه توفيت بالشام فهذه قبرها محتمل وأما " ~~قبر بلال " فممكن؛ فإنه دفن بباب الصغير بدمشق فيعلم أنه دفن هناك. وأما ~~القطع بتعيين قبره ففيه نظر؛ فإنه يقال: إن تلك القبور حرثت. ومنها القبر ~~المضاف إلى " أويس القرني " غربي دمشق؛ فإن أويسا لم يجئ إلى الشام وإنما ~~ذهب إلى العراق. ومنها القبر المضاف إلى " هود عليه السلام " بجامع دمشق ~~كذب باتفاق أهل العلم؛ فإن هودا لم يجئ إلى الشام؛ بل بعث باليمن وهاجر إلى ~~مكة فقيل: إنه مات باليمن. وقيل: إنه مات بمكة ms8067 وإنما ذلك تلقاء " قبر ~~معاوية بن أبي سفيان " وأما الذي خارج باب الصغير الذي يقال: إنه قبر ~~معاوية فإنما هو معاوية بن يزيد بن معاوية الذي تولى الخلافة مدة قصيرة ثم ~~مات ولم يعهد إلى أحد. وكان فيه دين وصلاح. # PageV27P491 # ومنها " قبر خالد " بحمص يقال: إنه قبر خالد بن يزيد بن معاوية أخو ~~معاوية هذا؛ ولكن لما اشتهر أنه خالد والمشهور عند العامة خالد بن الوليد: ~~ظنوا أنه خالد بن الوليد وقد اختلف في ذلك هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد. ~~وذكر أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " أن خالد بن الوليد توفي بحمص. ~~وقيل: بالمدينة - سنة إحدى وعشرين أو اثنين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب ~~وأوصى إلى عمر والله أعلم. ومنها " قبر أبي مسلم الخولاني " الذي بداريا ~~اختلف فيه. ومنها " قبر علي بن الحسين " الذي بمصر فإنه كذب قطعا. فإن علي ~~بن الحسين توفي بالمدينة بإجماع الناس ودفن بالبقيع. ومنها " مشهد الرأس " ~~الذي بالقاهرة فإن المصنفين في قتل الحسين اتفقوا على أن الرأس ليس بمصر ~~ويعلمون أن هذا كذب. وأصله أنه نقل من مشهد بعسقلان وذاك المشهد بني قبل ~~هذا بنحو من ستين سنة في أواخر المائة الخامسة وهذا بني في أثناء المائة ~~السادسة بعد مقتل الحسين بنحو من خمسمائة عام والقاهرة بنيت بعد مقتل ~~الحسين بنحو ثلاثمائة عام: قد بين كذب هذا المشهد ابن دحية في " العلم ~~المشهور " وأن الرأس دفن بالمدينة كما ذكره الزبير بن بكار. والذي صح من ~~أمر حمل الرأس ما ذكره البخاري في صحيحه أنه حمل إلى عبيد الله بن زياد ~~وجعل # PageV27P492 # ينكت بالقضيب على ثناياه وقد شهد ذلك أنس بن مالك وفي رواية: أبي برزة ~~الأسلمي وكلاهما كان بالعراق وقد ورد بإسناد منقطع أو مجهول: أنه حمل إلى ~~يزيد. وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه وأن أبا برزة كان حاضرا وأنكر هذا. ~~وهذا كذب؛ فإن أبا برزة لم يكن بالشام عند يزيد وإنما كان بالعراق. وأما " ~~بدن الحسين " فبكربلاء بالاتفاق. ms8068 قال أبو العباس: وقد حدثني الثقات - طائفة ~~عن ابن دقيق العيد وطائفة عن أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي وطائفة ~~عن أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني وطائفة عن أبي عبد الله القرطبي صاحب ~~التفسير: كل هؤلاء حدثني عنه من لا أتهمه وحدثني عن بعضهم عدد كثير كل ~~حدثني عمن حدثه من هؤلاء - أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول: إنه كذب ~~وإنه ليس فيه قبر الحسين ولا شيء منه والذين حدثوني عن ابن القسطلاني ذكروا ~~عنه أنه قال: إنما فيه نصراني. ومنها " قبر علي رضي الله عنه " الذي بباطن ~~النجف؛ فإن المعروف عند أهل العلم أن عليا دفن بقصر الإمارة بالكوفة كما ~~دفن معاوية بقصر الإمارة من الشام ودفن عمرو بقصر الإمارة خوفا عليهم من ~~الخوارج أن ينبشوا قبورهم؛ ولكن قيل إن الذي بالنجف قبر المغيرة # PageV27P493 # بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أنه قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة ~~سنة. ومنها " قبر عبد الله بن عمر " في الجزيرة والناس متفقون على أن عبد ~~الله بن عمر مات بمكة عام قتل ابن الزبير وأوصى أن يدفن بالحل؛ لكونه من ~~المهاجرين فشق ذلك عليهم فدفنوه بأعلى مكة. # ومنها " قبر جابر " الذي بظاهر حران والناس متفقون على أن جابرا توفي ~~بالمدينة النبوية وهو آخر من مات من الصحابة بها. ومنها قبر ينسب إلى " أم ~~كلثوم " و " رقية " بالشام وقد اتفق الناس على أنهما ماتتا في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة تحت عثمان وهذا إنما هو سبب اشتراك الأسماء؛ ~~لعل شخصا يسمى باسم من ذكر توفي ودفن في موضع من المواضع المذكورة فظن بعض ~~الجهال أنه أحد من الصحابة. # PageV27P494 # وسئل - رحمه الله -: # عن أناس ساكنين بالقاهرة ثم إنهم يأخذون أضحيتهم فيذبحونها بالقرافة. # فأجاب: # لا يشرع لأحد أن يذبح الأضحية ولا غيرها عند القبور بل ولا يشرع شيء من ~~العبادات الأصلية كالصلاة والصيام والصدقة عند القبور فمن ظن أن التضحية ~~عند القبور مستحبة وأنها أفضل: فهو جاهل ضال ms8069 مخالف لإجماع المسلمين؛ بل قد ~~{نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقر عند القبر} كما كان يفعل بعض ~~أهل الجاهلية إذا مات لهم كبير ذبحوا عند قبره والنبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن تتخذ القبور مساجد فلعن الذين يفعلون ذلك تحذيرا لأمته أن تتشبه ~~بالمشركين الذين يعظمون القبور حتى عبدوهم فكيف يتخذ القبر منسكا يقصد ~~النسك فيه فإن هذا أيضا من التشبه بالمشركين. وقد قال الخليل - صلاة الله ~~وسلامه عليه - {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.} فيجب ~~الإخلاص والصلاة والنسك لله وإن لم يقصد العبد الذبح # PageV27P495 # عند القبر؛ لكن الشريعة سدت الذريعة كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأنه حينئذ يسجد لها الكفار وإن كان ~~المصلي لله لم يقصد ذلك. وكذلك اتخاذ القبور مساجد قد نهى عنه وإن كان ~~المصلي لا يصلي إلا لله وقال: {ليس منا من تشبه بغيرنا} وقال: {من تشبه ~~بقوم فهو منهم} والله أعلم. # وسئل: # عن رجل غدا إلى " التكروري " يتفرج فغرق. هل هو عاص أم شهيد؟ ؟ . # فأجاب: # إن قصد الذهاب إلى هذا القبر للصلاة عنده والدعاء به والتمسح بالقبر ~~وتقبيله ونحو ذلك مما نهي عنه أو أن يعمل بشيء نهى الله عنه من الفواحش ~~والخمر والزمر أو التفرج على هؤلاء ورؤية أهل المعاصي من غير إنكار: فهم ~~عصاة لله في هذا السفر وأمرهم إلى الله تعالى ويرجى لهم بالغرق رحمة الله ~~والله أعلم. # PageV27P496 # وسئل - رحمه الله -: # هل في هذه الأمة أقوام صالحون غيبهم الله عن الناس لا يراهم إلا من ~~أرادوا؟ ولو كانوا بين الناس فهم محجوبون بحالهم؟ وهل في جبل لبنان أربعون ~~رجلا غائبين عن أعين الناظرين كلما مات منهم واحد أخذوا من الناس واحدا ~~غيره يغيب معهم كما يغيبون؟ وكل أولئك تطوى بهم الأرض ويحجون ويسافرون ما ~~مسيرته شهرا أو سنة في ساعة ومنهم قوم يطيرون كالطيور ويتحدثون عن المغيبات ~~قبل أن تأتي ويأكلون العظام والطين ويجدونه طعاما وحلاوة وغير ms8070 ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما وجود أقوام يحتجبون عن الناس دائما فهذا باطل ~~لم يكن لأحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا السحرة؛ ولكن قد يحتجب الرجل بعض ~~الأوقات عن بعض الناس: إما كرامة لولي وإما على سبيل السحر. فإن هذه ~~الأحوال منها ما هو حال رحماني وهو كرامات أولياء الله المتبعين للكتاب ~~والسنة وهم المؤمنون المتقون. ومنه ما هو حال نفساني أو شيطاني كما يحصل ~~لبعض # PageV27P497 # الكفار أن يكاشف أحيانا وكما يحصل لبعض الكهان أن تخبره الشياطين بأشياء. ~~وأحوال أهل البدع هي من هذا الباب. ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به ~~في الهواء. ومنهم من يرقص في الهواء. ومنهم من يلبسه الشيطان فلا يحس ~~بالضرب ولا بالنار إذا ألقي فيها؛ لكنها لا تكون عليه بردا أو سلاما فإن ~~ذلك لا يكون إلا لأهل الأحوال الرحمانية وأهل الإشارات - التي هي فسادات من ~~اللاذن والزعفران وماء الورد وغير ذلك - هم من هؤلاء: فجمهورهم أرباب محال ~~بهتاني وخواصهم لهم حال شيطاني؛ وليس فيهم ولي لله بل هم من إخوان الشياطين ~~من جنس التتر. وليس في جبل لبنان ولا غيره أربعون رجلا يقيمون هناك ولا ~~هناك من يغيب عن أبصار الناس دائما والحديث المروي في أن الأبدال أربعون ~~رجلا حديث ضعيف. فإن أولياء الله المتقين يزيدون وينقصون بحسب كثرة الإيمان ~~والتقوى وبحسب قلة ذلك. كانوا في أول الإسلام أقل من أربعين فلما انتشر ~~الإسلام كانوا أكثر من ذلك. وأما قطع المسافة البعيدة فهذا يكون لبعض ~~الصالحين ويكون لبعض إخوان الشياطين؛ وليس هذا من أعظم الكرامات؛ بل الذي # PageV27P498 # يحج مع المسلمين أعظم ممن يحج في الهواء؛ ولهذا اجتمع الشيخ إبراهيم ~~الجعبري ببعض من كان يحج في الهواء فطلبوا منه أن يحج معهم فقال: هذا الحج ~~لا يجزي عنكم حتى تحجوا كما يحج المسلمون. وكما حج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. فوافقوه على ذلك وقالوا - بعد قضاء الحج - ما حججنا حجة أبرك ~~من هذه الحجة: ذقنا فيها طعم عبادة الله وطاعته. ms8071 وهذا يكون بعض الأوقات؛ ~~ليس هذا للإنسان كلما طلبه. # وكذلك المكاشفات تقع بعض الأحيان من أولياء الله وأحيانا من إخوان ~~الشياطين. وهؤلاء الذين أحوالهم شيطانية قد يأكل أحدهم المآكل الخبيثة حتى ~~يأكل العذرة وغيرها من الخبائث بالحال الشيطاني وهم مذمومون على هذا. فإن ~~أولياء الله هم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فمن أكل الخبائث ~~كانت أحواله شيطانية. فإن الأحوال نتائج الأعمال. فالأكل من الطيبات والعمل ~~الصالح يورث الأحوال الرحمانية: من المكاشفات والتأثيرات التي يحبها الله ~~ورسوله. وأكل الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التي يبغضها ~~الله ورسوله وخفراء التتر هم من هؤلاء. # PageV27P499 # وإذا اجتمعوا مع من له حال رحماني بطلت أحوالهم وهربت شياطينهم. وإنما ~~يظهرون عند الكفار والجهال كما يظهر أهل الإشارات عند التتر والأعراب ~~والفلاحين ونحوهم من الجهال الذين لا يعرفون الكتاب والسنة. وأما إذا ظهر ~~المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن حال هؤلاء يبطل والله أعلم. # ما قول أئمة الدين: # في تعبد النبي صلى الله عليه وسلم ما هو؟ وكيف كان قبل مبعثه؟ أفتونا ~~مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة مما لا يحتاج إليها في شريعتنا. فإنما علينا أن ~~نطيع الرسول فيما أمرنا به ونقتدي به بعد إرساله إلينا. وأما ما كان قبل ~~ذلك مثل تحنثه بغار حراء وأمثال ذلك: فهذا ليس سنة مسنونة للأمة؛ فلهذا لم ~~يكن أحد من الصحابة بعد الإسلام يذهب إلى غار حراء ولا يتحرى مثل ذلك؛ فإنه ~~لا يشرع لنا بعد الإسلام أن نقصد غيران الجبال ولا نتخلى فيها؛ بل يسن لنا ~~العكوف بالمساجد سنة مسنونة لنا. وأما قصد التخلي في كهوف الجبال وغيرانها ~~والسفر إلى الجبل # PageV27P500 # للبركة: مثل جبل الطور وجبل حراء وجبل يثرب أو نحو ذلك: فهذا ليس بمشروع ~~لنا؛ بل قد قال صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يحج ويتصدق ويحمل الكل ويقري الضيف ~~ويعين على ms8072 نوائب الحق ولم يكن على دين قومه المشركين؛ صلى الله عليه وعلى ~~أصحابه وسلم تسليما كثيرا. # PageV27P501 # وقال: # فصل: # وأما قصد الصلاة والدعاء والعبادة في مكان لم يقصد الأنبياء فيه الصلاة ~~والعبادة بل روي أنهم مروا به ونزلوا فيه أو سكنوه: فهذا كما تقدم لم يكن ~~ابن عمر ولا غيره يفعله؛ فإنه ليس فيه متابعتهم لا في عمل عملوه ولا قصد ~~قصدوه ومعلوم أن الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحل فيها: إما ~~في سفره وإما في مقامه: مثل طرقه في حجه وغزواته ومنازله في أسفاره ومثل ~~بيوته التي كان يسكنها والبيوت التي كان يأتي إليها أحيانا من. . . (1) ~~{فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك} . فهذه نصوصه الصريحة توجب ~~تحريم اتخاذ قبورهم مساجد مع أنهم مدفونون فيها وهم أحياء في قبورهم ويستحب ~~إتيان قبورهم للسلام عليهم ومع هذا يحرم إتيانها للصلاة عندها واتخاذها ~~مساجد. ومعلوم أن هذا إنما نهى عنه لأنه ذريعة إلى الشرك وأراد أن ~~PageV27P502 # تكون المساجد خالصة لله تعالى تبنى لأجل عبادته فقط لا يشركه في ذلك ~~مخلوق فإذا بني المسجد لأجل ميت كان حراما فكذلك إذا كان لأثر آخر فإن ~~الشرك في الموضعين حاصل. ولهذا كانت النصارى يبنون الكنائس على قبر النبي ~~والرجل الصالح وعلى أثره وباسمه. وهذا الذي خاف عمر رضي الله عنه أن يقع ~~فيه المسلمون وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم منع أمته منه كما قال ~~الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال تعالى: {قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال ~~تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ~~أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} {إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين.} ولو كان هذا مستحبا لكان يستحب للصحابة والتابعين ~~أن يصلوا في جميع حجر أزواجه وفي كل ms8073 مكان نزل فيه في غزواته أو أسفاره. ~~ولكان يستحب أن يبنوا هناك مساجد ولم يفعل السلف شيئا من ذلك. ولم يشرع ~~الله تعالى للمسلمين مكانا يقصد للصلاة إلا المسجد. ولا مكانا يقصد للعبادة ~~إلا المشاعر. فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى # PageV27P503 # تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة بخلاف المساجد فإنها هي التي ~~تقصد للصلاة وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر وفيها الصلاة ~~والنسك قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} {لا ~~شريك له وبذلك أمرت} وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها ~~للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك وإن ~~كان مسكنا لنبي أو منزلا أو ممرا. فإن الدين أصله متابعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنه لنا ونقتدي به في ~~أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها بخلاف ما كان من خصائصه. فأما الفعل ~~الذي لم يشرعه هو لنا ولا أمرنا به ولا فعله فعلا سن لنا أن نتأسى به فيه ~~فهذا ليس من العبادات والقرب فاتخاذ هذا قربة مخالفة له صلى الله عليه ~~وسلم. وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحا ~~كما فعله مباحا؛ ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان كما ~~تقدم. وأكثر السلف والعلماء على أنا لا نجعله عبادة وقربة بل نتبعه فيه؛ ~~فإن فعله مباحا فعلناه مباحا وإن فعله قربة فعلناه قربة. ومن جعله عبادة ~~رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصا ~~به نوع اختصاص. # PageV27P504 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # ثبت للشام وأهله مناقب: بالكتاب والسنة وآثار العلماء. وهي أحد ما ~~اعتمدته في تحضيضي المسلمين على غزو التتار وأمري لهم: بلزوم دمشق ونهيي ~~لهم عن الفرار إلى مصر واستدعائي العسكر المصري إلى الشام وتثبيت الشامي ~~فيه. وقد جرت في ذلك فصول متعددة. وهذه المناقب أمور: ms8074 أحدها: البركة فيه. ~~ثبت ذلك بخمس آيات من كتاب الله تعالى: قوله تعالى في قصة موسى: {قالوا ~~أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم} - ~~إلى قوله - {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} ~~{فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} ~~{وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} ومعلوم أن # PageV27P505 # بني إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ومغاربها بعد أن أغرق فرعون في ~~اليم. وقوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} وحوله أرض الشام وقوله تعالى في قصة ~~إبراهيم: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} {ونجيناه ولوطا إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين} ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله ولوطا إلى ~~أرض الشام من أرض الجزيرة والفرات. وقوله تعالى {ولسليمان الريح عاصفة تجري ~~بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} وإنما كانت تجري إلى أرض الشام التي ~~فيها مملكة سليمان. وقوله تعالى في قصة سبأ: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير} وهما كانا بين اليمن مساكن سبأ ~~وبين منتهى الشام من العمارة القديمة كما قد ذكره العلماء. فهذه خمس نصوص ~~حيث ذكر الله أرض الشام في هجرة إبراهيم إليها ومسرى الرسول إليها وانتقال ~~بني إسرائيل إليها ومملكة سليمان بها ومسير سبأ إليها: وصفها بأنها الأرض ~~التي باركنا فيها. وأيضا ففيها الطور الذي كلم الله عليه موسى. والذي أقسم ~~الله به في " سورة الطور " وفي {والتين والزيتون} {وطور سينين} وفيها # PageV27P506 # المسجد الأقصى وفيها مبعث أنبياء بني إسرائيل وإليها هجرة إبراهيم وإليها ~~مسرى نبينا ومنها معراجه وبها ملكه وعمود دينه وكتابه وطائفة منصورة من ~~أمته؛ وإليها المحشر والمعاد كما أن من مكة المبدأ. فمكة أم القرى من تحتها ~~دحيت الأرض والشام إليها يحشر الناس كما في قوله: {لأول الحشر} نبه على ms8075 ~~الحشر الثاني فمكة مبدأ وإيليا معاد في الخلق وكذلك في الأمر فإنه أسري ~~بالرسول من مكة إلى إيليا. ومبعثه ومخرج دينه من مكة وكمال دينه وظهوره ~~وتمامه حتى مملكة المهدي بالشام فمكة هي الأول والشام هي الآخر: في الخلق ~~والأمر في الكلمات الكونية والدينية. ومن ذلك أن بها طائفة منصورة إلى قيام ~~الساعة وهي التي ثبت فيها الحديث في الصحاح من حديث معاوية وغيره: {لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم ~~الساعة} وفيهما عن معاذ بن جبل قال: " وهم في الشام " وفي تاريخ البخاري ~~مرفوعا قال: " وهم بدمشق " وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة} قال ~~أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام وهم كما قال لوجهين: أحدهما: أن في ~~سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام # PageV27P507 # الثاني: أن لغة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مدينته في " أهل المغرب " ~~هم أهل الشام ومن يغرب عنهم. كما أن لغتهم في أهل المشرق هم أهل نجد ~~والعراق فإن التغريب والتشريق من الأمور النسبية فكل بلد له غرب قد يكون ~~شرقا لغيره وله شرق قد يكون غربا لغيره. فالاعتبار في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بما كان غربا وشرقا له حيث تكلم بهذا الحديث وهي المدينة. ومن ~~علم حساب الأرض كطولها وعرضها علم أن حران والرقة وسيمسياط على سمت مكة وأن ~~الفرات وما على جانبيها بل أكثره على سمت المدينة بينهما في الطول درجتان. ~~فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة وما كان شرقيها فهو شرقي المدينة. ~~فأخبر أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين وأما أهل الشرق فقد يظهرون تارة ~~ويغلبون أخرى. وهكذا هو الواقع؛ فإن جيش الشام ما زال منصورا وكان أهل ~~المدينة يسمون " الأوزاعي " إمام أهل المغرب ويسمون " الثوري " شرقيا ومن ~~أهل المشرق. ومن ذلك أنها خيرة الله من الأرض أو أن أهلها ms8076 خيرة الله وخيار ~~أهل الأرض واستدل أبو داود في سننه على ذلك بحديثين: حديث عبد الله بن ~~خوالة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ستجندون # PageV27P508 # أجنادا: جندا بالشام وجندا باليمن وجندا بالعراق فقال الخوالي: يا رسول ~~الله: اختر لي. قال: عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها ~~خيرته من عباده. فمن أبى فليلحق بيمنه وليتق من غدره فإن الله قد تكفل لي ~~بالشام وأهله} وكان الخوالي يقول: ومن تكفل الله به فلا ضعية عليه. ففي هذا ~~الحديث مناقب: أنها خيرة. وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ~~ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس الرحمن تحشرهم النار ~~مع القردة والخنازير تبيت معهم حيثما باتوا وتقيل معهم حيثما قالوا} فقد ~~أخبر أن خير أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم؛ بخلاف من يأتي إليه أو يذهب ~~عنه ومهاجر إبراهيم هي الشام. وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا ~~من حران وغيرها إلى مهاجر إبراهيم واتبعوا ملة إبراهيم ودين نبيهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم تسليما وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد هجرة أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول ~~وآثاره وقد جعل مهاجر إبراهيم يعدل لنا مهاجر نبينا صلى الله عليه وسلم فإن ~~الهجرة إلى مهاجره انقطعت بفتح مكة. ومن ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بها في حديث الترمذي # PageV27P509 # ومن ذلك أن الله قد تكفل بالشام وأهله كما في حديث الخوالي. ومن ذلك: {أن ~~ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام} كما في الصحيح من حديث عبد الله بن ~~عمر. ومن ذلك أن عمود الكتاب والإسلام بالشام كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {رأيت كأن عمود الكتاب أخذ من تحت رأسي فأتبعته بصري فذهب به إلى ~~الشام} ومن ذلك أنها عقر دار المؤمنين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{وعقر ms8077 دار المؤمنين الشام} . ومن ذلك أن منافقيها لا يغلبوا أمر مؤمنيها ~~كما رواه أحمد في المسند في حديث. وبهذا استدللت لقوم من قضاة القضاة ~~وغيرهم في فتن قام فيها علينا قوم من أهل الفجور والبدع الموصوفين بخصال ~~المنافقين لما خوفونا منهم فأخبرتهم بهذا الحديث وأن منافقينا لا يغلبوا ~~مؤمنينا. وقد ظهر مصداق هذه النصوص النبوية على أكمل الوجوه في جهادنا ~~للتتار وأظهر الله للمسلمين صدق ما وعدناهم به وبركة ما أمرناهم به وكان ~~ذلك فتحا عظيما ما رأى المسلمون مثله منذ خرجت مملكة التتار التي أذلت أهل ~~الإسلام؛ فإنهم لم يهزموا ويغلبوا كما غلبوا # PageV27P510 # على " باب دمشق " في الغزوة الكبرى. التي أنعم الله علينا فيها من النعم ~~بما لا نحصيه: خصوصا وعموما. والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. ~~PageV27P511 # الجزء الثامن والعشرون # كتاب الفقه # الجزء الثامن: الجهاد # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # عن الحديث وهو: {حرس ليلة على ساحل البحر أفضل من عمل رجل في أهله ألف ~~سنة} وعن سكنى مكة والبيت المقدس والمدينة المنورة على نية العبادة ~~والانقطاع إلى الله تعالى. والسكنى بدمياط وإسكندرية وطرابلس على نية ~~الرباط: أيهم أفضل؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من ~~المجاورة في المساجد الثلاثة وما أعلم في هذا نزاعا بين أهل العلم وقد نص ~~على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن الربط من جنس الجهاد والمجاورة ~~غايتها أن تكون من جنس الحج؛ كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون ~~عند الله} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {سئل: أي # PageV28P005 # الأعمال أفضل: قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في ~~سبيله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور} . وقد روي: " {غزوة في سبيل الله ~~أفضل من سبعين ms8078 حجة} " وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " {رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر ~~وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان} . ~~وفي السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {رباط يوم في ~~سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل} ": وهذا قاله عثمان على ~~منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه قال لهم ذلك تبليغا للسنة. ~~وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة ~~القدر عند الحجر الأسود. وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها ~~هذه الورقة. والله أعلم. # PageV28P006 # المسئول من السادة العلماء القادة الفضلاء أئمة الدين - رضي الله عنهم ~~أجمعين -: # أن يخبرونا بفضائل الرمي وتعليمه؛ وما ورد فيمن تركه بعد تعلمه؛ وأيما ~~أفضل الرمي بالقوس أو الطعن بالرمح؟ أو الضرب بالسيف؟ وهل لكل واحد منهم ~~علم يختص به ومحل يليق به؟ . وإذا علم رجل رجلا الرمي أو الطعن وغيرهما من ~~آلات الحرب والجهاد في سبيل الله تعالى وجحد تعليمه؛ وانتقل إلى غيره ~~وانتمى إليه: هل يأثم بذلك أم لا؟ وإذا قال قائل لهذا المنتقل: أنت مهدور ~~أو تقتل: أثم بذلك أم لا؟ وإن زاد فقال له: أنت لقيط أو ولد زنا: يعد قذفا ~~ويحد بذلك أم لا؟ . وهل يحل للأستاذ الثاني أن يقبل هذا المنتقل ويعزره على ~~جحده لمعلمه؟ وإذا قال المنتقل: أنا أنتمي إلى فلان تعليما وتخريجا وإلى ~~فلان إفادة وتفهيما: هل يسوغ له ذلك أم لا؟ وهل للمبتدئ أن # PageV28P007 # يقوم في وسط جماعة من الأستاذين والمتعلمين ويقول: يا جماعة الخير أسأل ~~الله تعالى وأسألكم أن تسألوا فلانا أن يقبلني أن أكون له أخا أو رفيقا أو ~~غلاما أو تلميذا أو ما أشبه ذلك؛ فيقوم أحد الجماعة فيأخذ عليه العهد ~~ويشترط عليه ما يريده ويشد وسطه بمنديل أو غيره: فهل يسوغ هذا الفعل ms8079 أم لا؟ ~~لما يترتب عليه من المحاماة والعصبية لأستاذ؛ بحيث يصير لكل من الأستاذين ~~إخوان ورفقاء وأحزاب وتلامذة يقومون معه إذا قام بحق أو باطل ويعادون من ~~عاداه ويوالون من والاه. وهل إذا اجتمعوا للرمي على رهن هل يحل أم لا؟ وهل ~~يقدح في عدالة الأستاذ إذا فعل التلامذة ما لا يحل في الدين ويقرهم على ~~ذلك؟ وهل إذا شد المعلم للتلميذ وحصل بذلك هبة وكرامة - وجميع ذلك في العرف ~~يرجع إلى الأستاذ - يحل له تناوله أم لا؟ وهل للأستاذ أن يقبل أجرة أو هبة ~~أو هدية؟ فإن المعلم تلحقه كلفة من آلات وغيرها. أفتونا مأجورين وأرشدونا ~~رضي الله عنكم أجمعين. # فأجاب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، الرمي في سبيل الله والطعن في سبيل # PageV28P008 # الله. والضرب في سبيل الله: كل ذلك مما أمر الله تعالى: به ورسوله وقد ~~ذكر الله تعالى الثلاثة فقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها} وقال تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم} وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم} وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: " {ألا إن القوة ~~الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي} . وثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيح أنه قال: " {ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ~~ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا} . وفي رواية: " {ومن تعلم الرمي ثم نسيه ~~فهي نعمة جحدها} . وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {كل لهو ~~يلهو به الرجل فهو باطل؛ إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته. ~~فإنهن من الحق} . وقال: " {ستفتح عليكم أرضون ms8080 ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم ~~أن يلهو بأسهمه} . وقال مكحول: كتب عمر بن الخطاب إلى الشام: أن علموا # PageV28P009 # علموا أولادكم الرمي والفروسية. وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا} . {ومر على نفر من ~~أسلم ينتضلون فقال صلى الله عليه وسلم ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان ~~راميا ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: ما لكم لا ~~ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم} . وقال سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله عنه {نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني نفض ~~كنانته يوم أحد - وقال: ارم فداك أبي وأمي} وقال علي بن أبي طالب: {ما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد: قال له: ارم سعد ~~فداك أبي وأمي} . وقال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة} وكان إذا كان في الجيش جثا بين يديه ~~ونثر كنانته فقال: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم له السيف والقوس والرمح. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # PageV28P010 # {من رمى بسهم في سبيل الله - بلغ العدو أو لم يبلغه - كانت له عدل رقبة} ~~. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن الله يدخل بالسهم ~~الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير؛ والرامي به والممد ~~به} وهذا لأن هذه الأعمال هي أعمال الجهاد والجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان ~~وتطوعه أفضل من تطوع الحج وغيره كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون ~~عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} ~~{يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} ms8081 {خالدين فيها ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم} . وفي الصحيح {أن رجلا قال: لا أبالي أن لا ~~أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام فقال علي بن أبي طالب: ~~الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله. فقال عمر بن الخطاب لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضيت الصلاة سألته ~~عن ذلك. فسأله؛ فأنزل الله هذه الآية} فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من ~~عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن # PageV28P011 # الإحسان إلى الحجاج بالسقاية؛ ولهذا قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لأن ~~أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ~~ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة والعمل بالرمح ~~والقوس في الثغور أفضل من صلاة التطوع. وأما في الأمصار البعيدة من العدو ~~فهو نظير صلاة التطوع. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ~~أعدها الله للمجاهدين في سبيله} . وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو ~~أفضل فيه من غيره فالسيف عند مواصلة العدو والطعن عند مقاربته والرمي عند ~~بعده أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك. فكلما كان أنكى في العدو وأنفع ~~للمسلمين فهو أفضل. وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين ~~في العدو. ومنه ما يكون الرمي فيه أنفع ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع. وهذا ~~مما يعلمه المقاتلون. # PageV28P012 # فصل: # وتعلم هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله عز ~~وجل فمن علم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به لا ينقص أحدهما من ~~الأجر شيئا كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم. وعلى المتعلم أن يحسن نيته في ~~ذلك ويقصد به وجه الله تعالى وعلى المعلم أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعليمه ~~وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه؛ فإنه من لا يشكر ms8082 ~~الناس لا يشكر الله ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه. وعلى المعلمين أن يكونوا ~~متعاونين على البر والتقوى كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " ~~{المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه} . وقوله: " {مثل المؤمنين في ~~توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ~~بالحمى والسهر} . وقوله صلى الله عليه وسلم " {والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه} . وقوله: " {المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه} وقال صلى الله عليه وسلم " {لا ~~تحاسدوا # PageV28P013 # ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا} . وهذا ~~كله في الصحيح. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {ألا أنبئكم ~~بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ~~قالوا: بلى يا رسول الله قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي ~~الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين} . وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " {تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل عبد ~~لا يشرك بالله شيئا؛ إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء؛ فيقال: أنظروا ~~هذين حتى يصطلحا} . وقال صلى الله عليه وسلم " {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} . وليس ~~لأحد من المعلمين أن يعتدي على الآخر ولا يؤذيه بقول ولا فعل بغير حق؛ فإن ~~الله تعالى يقول: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا} . وليس لأحد أن يعاقب أحدا على غير ظلم ولا ~~تعدي حد ولا تضييع حق؛ بل لأجل هواه؛ فإن هذا من الظلم الذي حرم الله ~~ورسوله؛ فقد قال تعالى: فيما روى # PageV28P014 # عنه نبيه صلى الله عليه وسلم " {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا} . وإذا جنى شخص فلا يجوز أن يعاقب بغير العقوبة ~~الشرعية وليس لأحد من المتعلمين والأستاذين أن يعاقبه بما ms8083 يشاء وليس لأحد ~~أن يعاونه ولا يوافقه على ذلك مثل أن يأمر بهجر شخص فيهجره بغير ذنب شرعي ~~أو يقول: أقعدته أو أهدرته أو نحو ذلك فإن هذا من جنس ما يفعله القساقسة ~~والرهبان مع النصارى والحزابون مع اليهود ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة ~~والغواية مع أتباعهم. وقد قال الصديق الذي هو خليفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمته: أطيعوني ما أطعت الله فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} . ~~وقال: " {من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه} . فإذا كان المعلم أو الأستاذ ~~قد أمر بهجر شخص؛ أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك: نظر فيه فإن كان قد ~~فعل ذنبا شرعيا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة وإن لم يكن أذنب ذنبا شرعيا لم ~~يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره. وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ~~ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة # PageV28P015 # والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . # وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده؛ وموالاة ~~من يواليه؛ ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله ~~الذين يجعلون من وافقهم صديقا مواليا ومن خالفهم عدوا باغيا؛ بل عليهم وعلى ~~أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله؛ ويفعلوا ما أمر الله به ~~ورسوله؛ ويحرموا ما حرم الله ورسوله؛ ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ~~ورسوله. فإن كان أستاذ أحد مظلوما نصره وإن كان ظالما لم يعاونه على الظلم ~~بل يمنعه منه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ~~ظالما قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه} . وإذا وقع بين معلم ومعلم أو ~~تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة لم يجز لأحد ms8084 أن يعين أحدهما حتى ~~يعلم الحق فلا يعاونه بجهل ولا بهوى بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق ~~أعان المحق منهما على المبطل سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره؛ ~~وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره فيكون المقصود عبادة الله وحده ~~وطاعة رسوله؛ واتباع الحق والقيام بالقسط قال الله تعالى: {يا أيها الذين # PageV28P016 # آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} يقال: لوى يلوي ~~لسانه: فيخبر بالكذب. والإعراض: أن يكتم الحق؛ فإن الساكت عن الحق شيطان ~~أخرس. ومن مال مع صاحبه - سواء كان الحق له أو عليه - فقد حكم بحكم ~~الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله والواجب على جميعهم أن يكونوا يدا واحدة ~~مع المحق على المبطل فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله والمقدم عندهم ~~من قدمه الله ورسوله والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله والمهان عندهم من ~~أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الأهواء؛ فإنه من يطع ~~الله ورسوله فقد رشد؛ ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه. فهذا هو ~~الأصل الذي عليهم اعتماده. وحينئذ فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم؛ فإن الله ~~تعالى يقول: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} . وقال ~~تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وإذا ~~كان الرجل قد علمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره. ولا يشد وسطه لا ~~لمعلمه ولا لغير معلمه؛ فإن شد الوسط لشخص # PageV28P017 # معين وانتسابه إليه - كما ذكر في السؤال -: من بدع الجاهلية؛ ومن جنس ~~التحالف الذي كان المشركون يفعلونه؛ ومن جنس تفرق قيس ويمن فإن كان المقصود ~~بهذا الشد والانتماء التعاون على البر والتقوى فهذا قد أمر الله به ورسوله ~~له ولغيره بدون هذا الشد وإن كان المقصود به التعاون على الإثم والعدوان ~~فهذا ms8085 قد حرمه الله ورسوله. فما قصد بهذا من خير ففي أمر الله ورسوله بكل ~~معروف استغناء عن أمر المعلمين وما قصد بهذا من شر فقد حرمه الله ورسوله. ~~فليس لمعلم أن يحالف تلامذته على هذا ولا لغير المعلم أن يأخذ أحدا من ~~تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعي: لا ابتداء ولا إفادة وليس له أن ~~يجحد حق الأول عليه وليس للأول أن يمنع أحدا من إفادة التعلم من غيره وليس ~~للثاني أن يقول: شد لي وانتسب لي دون معلمك الأول بل إن تعلم من اثنين فإنه ~~يراعي حق كل منهما ولا يتعصب لا للأول ولا للثاني وإذا كان تعليم الأول له ~~أكثر كانت رعايته لحقه أكثر. وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعاونوا ~~على البر والتقوى لم يكن أحد مع أحد في كل شيء؛ بل يكون كل شخص مع كل شخص ~~في طاعة الله ورسوله ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله بل يتعاونون ~~على الصدق والعدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن # PageV28P018 # المنكر ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله؛ ولا يتعاونون لا على ظلم ~~ولا عصبية جاهلية ولا اتباع الهوى بدون هدى من الله ولا تفرق ولا اختلاف؛ ~~ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء ولا يحالفه على غير ما أمر الله به ~~ورسوله. وحينئذ فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد؛ ولا ينتمي أحد: لا لقيطا ولا ~~ثقيلا ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية؛ فإن هذه الأمور إنما ولدها كون ~~الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد فيوالي من يواليه ويعادي من ~~يعاديه مطلقا. وهذا حرام؛ ليس لأحد أن يأمر به أحدا؛ ولا يجيب عليه أحدا؛ ~~بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة؛ يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله وتفرق ~~بينهم معصية الله ورسوله حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله ~~فلا تكون العبادة إلا لله عز وجل ولا الطاعة المطلقة إلا له سبحانه ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم. ولا ريب أنهم إذا ms8086 كانوا على عادتهم الجاهلية - أي من ~~علمه أستاذ كان محالفا له - كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالما باغيا ~~ناقضا لعهده غير موثوق بعقده؛ وهذا أيضا حرام وإثم هذا أعظم من إثم من لم ~~يفعل مثل فعله؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه كان قد فعل ~~حراما؛ فيكون مثل لحم الخنزير الميت فإنه لا # PageV28P019 # بعهد الله ورسوله أوفى ولا بعهد الأول؛ بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا ~~عهد له ولا دين له ولا وفاء. وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة فإذا ~~وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية - وهو شبيه بحال هؤلاء - فأنزل ~~الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ~~إن الله يعلم ما تفعلون} {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ~~تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} {ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون} {ولا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن ~~سبيل الله ولكم عذاب عظيم} . وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن ~~المنكر ولا يدعوا بينهم من يظهر ظلما أو فاحشة ولا يدعوا صبيا أمرد يتبرج ~~أو يظهر ما يفتن به الناس ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته ولا يكرم لغرض فاسد. ~~ومن حالف شخصا على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر ~~المجاهدين في سبيل الشيطان ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ~~ولا من جند المسلمين ولا يجوز أن # PageV28P020 # يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين؛ بل هؤلاء من عسكر الشيطان ولكن يحسن أن ~~يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله وتعادي ~~من عادى الله ورسوله وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان ~~وإذا كان الحق معي نصرت الحق ms8087 وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل. فمن التزم ~~هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله ~~لله وتكون كلمة الله هي العليا. وفي الصحيحين: {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قيل له: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ~~ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله} . فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين؛ أو يقاتل رياء للناس ~~ليمدحوه؛ أو يقاتل لما فيه من الشجاعة: لا يكون قتاله في سبيل الله عز وجل ~~حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال ~~مبنيا على أساس فاسد ليعاون شخصا مخلوقا على شخص مخلوق فمن فعل ذلك كان من ~~أهل الجاهلية الجهلاء والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام ومثل هؤلاء يستحقون ~~العقوبة البليغة الشرعية التي تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق ~~والاختلاف؛ حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله # PageV28P021 # ويكونون قائمين بالقسط يوالون لله ورسوله ويحبون لله ويبغضون لله ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر. وللمعلمين أن يطلبوا جعلا ممن يعلمونه هذه ~~الصناعة؛ فإن أخذ الجعل والعوض على تعليم هذه الصناعة جائز والاكتساب بذلك ~~أحسن المكاسب ولو أهدى المعلم لأستاذه لأجل تعليمه وأعطاه ما حصل له من ~~السبق أو غير السبق عوضا عن تعليمه وتحصيله الآلات واستكرائه الحانوت كان ~~ذلك جائزا للأستاذ قبوله وبذل العوض في ذلك من أفضل الأعمال حتى إن الشريعة ~~مضت بأنه يجوز أن يبذل العوض للمسابقين من غيرهما. فإذا أخرج ولي الأمر ~~مالا من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل كان ذلك جائزا باتفاق ~~الأئمة. ولو تبرع رجل مسلم ببذل الجعل في ذلك كان مأجورا على ذلك كذلك ما ~~يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك هو ممن يثاب عليه وهذا لأن هذه الأعمال منفعتها ~~عامة للمسلمين فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين فكان جائزا وإن أخرجا ~~جميعا العوض وكان معهما آخر محللا يكافيها كان ذلك جائزا ms8088 وإن لم يكن بينهما ~~محلل فبذل أحدهما شيئا طابت به نفسه من غير إلزام له أطعم به الجماعة أو ~~أعطاه للمعلم أو أعطاه لرفيقه: كان ذلك جائزا. # PageV28P022 # وأصل هذا أن يعلم أن هذه الأعمال عون على الجهاد في سبيل الله والجهاد في ~~سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا. ~~وجماع الدين شيئان: أحدهما: أن لا نعبد إلا الله تعالى. والثاني: أن نعبده ~~بما شرع؛ لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال ~~الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل؛ وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا والخالص: أن يكون لله. والصواب: أن يكون على السنة. ~~وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا؛ واجعله ~~لوجهك خالصا؛ ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وهذا هو دين الإسلام الذي أرسل الله ~~به رسله وأنزل به كتبه وهو الاستسلام لله وحده. فمن لم يستسلم له كان ~~مستكبرا عن عبادته وقد قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون # PageV28P023 # جهنم داخرين} ومن استسلم لله ولغيره كان مشركا؛ فقد قال تعالى: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به} ولهذا كان لله حق لا يشركه فيه أحد من المخلوقين فلا ~~يعبد إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يتقي إلا الله ولا يتوكل إلا على الله ~~ولا يدعو إلا الله كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} " ~~وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} . وقال تعالى: {ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فالطاعة لله والرسول والخشية ~~والتقوى لله وحده. وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} . فالرغبة ~~إلى الله وحده والتحسب بالله وحده. وأما الإيتاء فلله والرسول كما قال ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول ms8089 فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . فالحلال ما حلله ~~والحرام ما حرمه والدين ما شرعه فليس لأحد من المشايخ والملوك والعلماء ~~والأمراء والمعلمين وسائر الخلق خروج عن ذلك بل على جميع الخلق أن يدينوا ~~بدين الإسلام الذي بعث الله به رسله؛ ويدخلوا به كلهم في دين خاتم الرسل ~~وسيد ولد آدم وإمام المتقين خير الخلق وأكرمهم على الله محمد عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم تسليما وكل من أمر بأمر كائنا من كان عرض على # PageV28P024 # الكتاب والسنة؛ فإن وافق ذلك قبل وإلا رد؛ كما جاء في الصحيحين عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} أي: فهو ~~مردود. فإذا كان المشايخ والعلماء في أحوالهم وأقوالهم: المعروف والمنكر ~~والهدي والضلال والرشاد والغي وعليهم أن يردوا ذلك إلى الله والرسول ~~فيقبلوا ما قبله الله ورسوله ويردوا ما رده الله ورسوله: فكيف بالمعلمين ~~وأمثالهم وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقد قال تعالى: {كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . فنسأل الله تعالى أن يهدينا ~~وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والله سبحانه أعلم. # PageV28P025 # وقال - رضي الله عنه -: # من ### | شرط الجندي # أن يكون دينا شجاعا. ثم قال: الناس على أربعة أقسام: أعلاهم الدين ~~الشجاع؛ ثم الدين بلا شجاعة؛ ثم عكسه؛ ثم العري عنهما. # وسئل: # عن رجل جندي وهو يريد أن لا يخدم؟ # فأجاب: # إذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها لم ينبغ له أن يترك ذلك ms8090 لغير ~~مصلحة راجحة على المسلمين؛ بل كونه مقدما في الجهاد الذي يحبه الله ورسوله ~~أفضل من التطوع بالعبادة كصلاة التطوع والحج التطوع والصيام التطوع. والله ~~أعلم. # PageV28P026 # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز للجندي أن يلبس شيئا من الحرير والذهب والفضة في القتال؛ أو وقت ~~يصل رسل العدو إلى المسلمين؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين؛ ~~وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية. وأما لباسه لإرهاب ~~العدو ففيه للعلماء قولان: أظهرهما أن ذلك جائز فإن جند الشام كتبوا إلى ~~عمر بن الخطاب: إنا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا - أي: غطوا أسلحتهم ~~بالحرير - وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم فكفروا ~~أسلحتكم كما يكفرون أسلحتهم. ولأن لبس الحرير فيه خيلاء والله يحب الخيلاء ~~حال القتال كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن من ~~الخيلاء ما يحبه الله ومن الخيلاء ما يبغضه الله فأما الخيلاء التي يحبها ~~الله فاختيال الرجل عند الحرب. وعند الصدقة. وأما الخيلاء التي يبغضها الله ~~فالخيلاء في البغي والفخر} . {ولما كان يوم أحد اختال أبو دجانة # PageV28P027 # الأنصاري بين الصفين فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لمشية يبغضها ~~الله إلا في هذا الموطن} . وأما يسير الحرير مثل العلم الذي عرضه أربعة ~~أصابع ونحو ذلك فيجوز مطلقا وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء؛ والأظهر ~~جوازه أيضا؛ فإن في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم " {إنه نهى عن الذهب ~~إلا مقطعا} . # و ### | سئل: # عن سفر صاحب العيال. . .؟ # إلخ # فأجاب: # أما سفر صاحب العيال فإن كان السفر يضر بعياله لم يسافر؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " {كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت} وسواء كان تضررهم ~~لقلة النفقة أو لضعفهم وسفر مثل هذا حرام. وإن كانوا لا يتضررون بل يتألمون ~~وتنقص أحوالهم فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم ~~كعلم يخاف فوته وشيخ يتعين الاجتماع به؛ وإلا فمقامه ms8091 عندهم أفضل وهذا لعمري ~~إذا صحت نيته في السفر كان مشروعا. وأما إن كان كسفر كثير من الناس إنما ~~يسافر قلقا وتزجية للوقت فهذا مقامه يعبد الله في بيته خير له بكل حال ~~ويحتاج صاحب هذه # PageV28P028 # الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالما بحاله وبما يصلحه مأمونا على ~~ذلك؛ فإن أحوال الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينا. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وسئل: # عن الأيام والليالي مثل: أن يقول: السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس أو ~~السبت؛ أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام؛ أو يكره الجماع ~~في ليلة من الليالي ويخاف على الولد؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا كله باطل لا أصل له؛ بل الرجل إذا استخار الله تعالى وفعل ~~شيئا مباحا فليفعله في أي وقت تيسر. ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا ~~الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام ولا يكره الجماع في ليلة من ~~الليالي ولا يوم من الأيام. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التطير ~~كما ثبت في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: " {قلت: يا رسول الله إن ~~منا قوما يأتون الكهان؟ قال: فلا تأتوهم. قلت: منا قوم يتطيرون؟ قال: ذاك ~~شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم} فإذا كان قد نهى عن أن تصده الطيرة عما ~~عزم عليه: فكيف بالأيام والليالي؟ # PageV28P029 # ولكن يستحب السفر يوم الخميس ويوم السبت ويوم الاثنين؛ من غير نهي عن ~~سائر الأيام إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين ~~العلماء. وأما الصناعات والجماع فلا يكره في شيء من الأيام. والله أعلم. # رسالة من شيخ الإسلام - قدس الله روحه - إلى أصحابه وهو في حبس ~~الإسكندرية قال: # بسم الله الرحمن الرحيم # {وأما بنعمة ربك فحدث} . والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في ~~الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة؛ فإني - والله العظيم ~~الذي لا إله إلا هو - في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله ms8092 وقد فتح ~~الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن ~~بالبال؛ ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها يسرها الله تعالى حتى صارت ~~مقاعد وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق ~~الإيمان وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان. # PageV28P030 # فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه ~~إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به: وانفتاح الحقائق ~~الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول ~~فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: لتمر على ~~القلب أوقات يرقص فيها طربا وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم ~~الإيمان والمعرفة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " {أرحنا ~~بالصلاة يا بلال} ولا يقول: أرحنا منها كما يقوله من تثقل عليه الصلاة كما ~~قال تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} والخشوع: الخضوع لله تعالى ~~والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: {حبب إلي من دنياكم النساء والطيب} ثم يقول: {وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة} ولم يقل: {حبب إلي من دنياكم ثلاث} كما يرفعه بعض الناس بل هكذا ~~رواه الإمام أحمد والنسائي أن المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب. وأما ~~قرة العين تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة. والقلوب فيها وسواس النفس ~~والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها فمن كان محبا لغير ~~الله فهو معذب في الدنيا # PageV28P031 # والآخرة؛ إن نال مراده عذب به؛ وإن لم ينله فهو في العذاب والحسرة ~~والحزن. وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما ~~يحبه ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه وهذا حقيقة لا إله إلا ~~الله وهي ملة إبراهيم الخليل - عليه السلام - وسائر الأنبياء والمرسلين ~~صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~لأصحابه: {قولوا: أصبحنا ms8093 على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين} . ~~" والحنيف " للسلف فيه ثلاث عبارات. قال محمد بن كعب: مستقيما. وقال عطاء: ~~مخلصا. وقال آخرون: متبعا. فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه قال الله ~~تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين} وقال تعالى: {إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: فلم ~~يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة. فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا ~~بالخوف ولا بالرجاء؛ ولا بالسؤال؛ ولا بالتوكل عليه؛ بل لا يحبون إلا الله ~~ولا يحبون معه أندادا ولا يحبون إلا إياه؛ لا لطلب منفعة ولا لدفع مضرة ولا ~~يخافون غيره كائنا من كان ولا يسألون غيره ولا يتشرفون # PageV28P032 # بقلوبهم إلى غيره. ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله ~~عنه ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا متشرف فخذه وما لا فلا تتبعه ~~نفسك} - فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه - متفق على صحته وعن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من يستعفف يعفه الله؛ ومن يستغن يغنه ~~الله؛ ومن يصبر يصبره الله} متفق على صحته. فالغنى في القلب كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {ليس الغنى عن كثرة المال؛ ولكن الغنى غنى النفس} . " ~~والعفيف " الذي لا يسأل بلسانه لا نصرا ولا رزقا قال تعالى: {أمن هذا الذي ~~هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور} {أمن هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور} . وقال تعالى: {وإن تولوا ~~فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} وقال تعالى: {وجاهدوا في ~~الله حق جهاده} إلى آخر السورة. وقال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} أي: لا في ذاته ولا في صفاته؛ ولا في أفعاله. فإنه سبحانه وتعالى ~~من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له أسباب الخير من الهدى للقلوب والزلفى لديه ~~والتبصير: يدفع ms8094 عنه شياطين الإنس والجن ما لا تبلغ العباد قدره. والخير كله ~~في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر} إلى آخر الآية. وأكثر الناس # PageV28P033 # لا يعرفون حقائق ما جاء به؛ إنما عندهم قسط من ذلك. {والذين اهتدوا زادهم ~~هدى وآتاهم تقواهم} وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ~~والجهاد يوجب هداية السبيل إليه. وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين} . فكل من اتبع الرسول فإن الله حسبه؛ أي كافيه وهاديه ~~وناصره؛ أي: كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه. فالإنسان ظالم جاهل كما ~~قال تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} إلى قوله: ~~{ظلوما جهولا} وإنما غاية أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده ~~الغالبين التوبة. وقد قال تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} ~~وتوبة كل إنسان بحسبه وعلى قدر مقامه وحاله. ولهذا كان الدين مجموعا في ~~التوحيد والاستغفار قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} . وقال تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه} . وقال ~~تعالى: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} ففعل جميع المأمورات وترك جميع ~~المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل ~~الطاعات لله ويترك المعاصي لله: لم يقبل الله عمله قال تعالى: {إنما يتقبل ~~الله من المتقين} قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور # PageV28P034 # من الله ترجو رحمة الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب ~~الله. ولا بد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله. والعبد إذا أنعم ~~الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه - والإله هو ~~المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء ~~يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما ~~سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه - حلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة ~~للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال ms8095 الله ~~تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وكلما قوي التوحيد في قلب العبد ~~قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. # والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ~~{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله} . وكما قال الله جل ~~جلاله في قصة الخليل عليه السلام أتحاجونني في الله وقد هداني إلى قوله: ~~{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} . وفي ~~الحديث الصحيح: " {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد ~~الخميلة # PageV28P035 # تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش} . فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من ~~عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به - الشرك الأكبر ~~كالعبادة - قال الخليل: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} يقول: ~~إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه ~~وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: {أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد ~~لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا. ولكن للشيطان وسواس في قلوب الناس كما ~~قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا} إلى قوله تعالى {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون} أخبر سبحانه وتعالى: أن ما جاءت به الرسل والأنبياء - صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين - لا بد له من عدو شياطين الإنس والجن يوسوسون القول ~~المزخرف ونهى أن يطلب حكما من غير الله بقوله تعالى: {أفغير الله أبتغي ~~حكما وهو الذي # PageV28P036 # أنزل إليكم الكتاب مفصلا} والكتاب: هو الحاكم بين الناس شرعا ودينا وينصر ~~القائم نصرا وقدرا. وقد قال الله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصالحين} . وقال تعالى: {ثم جعلناك على ms8096 شريعة من الأمر فاتبعها} إلى ~~قوله: {والله ولي المتقين} . وقال تعالى: " {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} إلى قوله: {إن الله قوي ~~عزيز} و " الميزان " هو: العدل وما به يعرف العدل وأنزل الحديد لينصر ~~الكتاب؛ فإن قام صاحبه بذلك كان سعيدا مجاهدا في سبيل الله؛ فإن الله نصر ~~الكتاب بأمر من عنده؛ وانتقم ممن خرج عن حكم الكتاب كما قال تعالى: {إلا ~~تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين} إلى قوله: {والله ~~عزيز حكيم} . {وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: {إن الله معنا} } وقال ~~تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقال تعالى: {إن الله مع ~~الصابرين} . وكل من وافق الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر خالف فيه غيره ~~فهو من الذين اتبعوه في ذلك؛ وله نصيب من قوله: {لا تحزن إن الله معنا} فإن ~~المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة؛ وهذا قد دل ~~عليه القرآن وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه. وقال تعالى: {سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم} إلى آخر السورة. وقال تعالى: ~~{والعاقبة للمتقين} . # PageV28P037 # وقال تعالى: {فصل لربك وانحر} {إن شانئك هو الأبتر} فمن شنأ شيئا مما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم فله من ذلك نصيب؛ ولهذا قال أبو بكر بن عياش ~~لما قيل له: إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال: من جلس ~~للناس جلس الناس إليه؛ لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ~~ويموت ذكرهم. وذلك أن أهل البدعة شنئوا بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فأبترهم بقدر ذلك والذين أعلنوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فصار لهم نصيب من قوله تعالى {ورفعنا لك ذكرك} فإن ما أكرم الله به نبيه من ~~سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم. فما كان من ~~خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته ms8097 وما كان من ثواب الإيمان ~~والأعمال الصالحة فلكل مؤمن نصيب بقدر ذلك. والله تعالى يقول: {هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} بالحجة والبيان؛ وباليد ~~واللسان؛ وهذا إلى يوم القيامة؛ لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان؛ والجهاد ~~المدني مع المكي باليد والحديد قال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا} و " سورة الفرقان " مكية وإنما جاهدهم باللسان والبيان؛ ولكن ~~يكف عن الباطل وإنما قد بين في المكية. {ولنبلونكم حتى # PageV28P038 # نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} . وقال تعالى: {أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب} . وقال تعالى: {الم} {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون} إلى قوله: {ساء ما يحكمون} فبين سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله. ~~والناس رجلان: رجل يقول: أنا مؤمن به مطيعه؛ فهذا لا بد أن يمتحن حتى يعلم ~~صدقه من كذبه. ورجل مقيم على المعصية؛ فهذا قد عمل السيئات فلا يظن أن ~~يسبقونا بل لا بد أن نأخذهم. وما لأحد من خروج عن هذين القسمين. قال تعالى: ~~{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد} إلى قوله: ~~{لبئس المولى ولبئس العشير} . فبين سبحانه حال من يجادل في الدين بلا علم؛ ~~والعلم: هو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وهو: السلطان كما قال ~~تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} فمن تكلم في ~~الدين بغير ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان متكلما بغير ~~علم ومن تولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ومن انقاد لدين ~~الله فقد عبد الله باليقين بل إن أصابه ما يهواه استمر # PageV28P039 # وإن أصابه ما يخالف هواه رجع وقد عبد الله على حرف و " الحرف " هو: ~~الجانب كحرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقرا بثبات {فإن أصابه خير} في الدنيا ~~{اطمأن ms8098 به وإن أصابته فتنة} أي: محنة امتحن بها {انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة ذلك هو الخسران المبين} وحرف الجبل ليس مستقرا بالثبات معناه: خسر ~~الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن الدين {يدعو من دون الله ما لا ~~يضره} الآية. أي: يدعو المخلوقين؛ يخافهم ويرجوهم وهم لا يملكون له ضرا ولا ~~نفعا بل ضرهم أقرب من نفعهم؛ وإن كان سبب نزولها في شخص معين أسلم وكان ~~مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ومعناها إلى يوم القيامة. فكل ### | من دعا غير الله فهو مشرك # والعيان يصدق هذا؛ فإن المخلوقين إذا اشتكى إليهم الإنسان فضررهم أقرب من ~~نفعهم والخالق - جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره - إذا اشتكى إليه ~~المخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه: أيده وقواه وهداه وسد فاقته ~~وأغناه وقربه وأقناه وحبه واصطفاه والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته ~~استرذله وازدراه ثم أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة وإن قضى له ببعض مطلبه؛ ~~لأنه عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه قال الخليل عليه أفضل الصلاة ~~والسلام: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه # PageV28P040 # واشكروا له إليه ترجعون} . وقال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن ~~يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقال ~~تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . وهذا باب ~~واسع قد كتبت فيه شيئا كثيرا وعرفته: علما وذوقا وتجربة. # فصل: # وفي " الجملة " ما يبين نعم الله التي أنعم بها علي وأنا في هذا المكان ~~أعظم قدرا وأكثر عددا ما لا يمكن حصره وأكثر ما ينقص علي الجماعة فأنا أحب ~~لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم وأن يفتح لهم من ~~معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات وأعرف ~~أكثر الناس قدر ذلك فإنه لا يعرف إلا بالذوق والوجد لكن ما من مؤمن إلا له ~~نصيب من ذلك ويستدل منه بالقليل على الكثير وإن كان لا يقدر قدره ms8099 الكبير ~~وأنا أعرف أحوال الناس والأجناس واللذات. وأين الدر من البعر؟ وأين ~~الفالوذج من الدبس؟ وأين الملائكة من البهيمة أو البهائم؟ لكن أعرف أن حكمة # PageV28P041 # الله وحسن اختياره ولطفه ورحمته يقتضي أن كل واحد يريد أن يعبد الله ~~ويجاهد في سبيله - علما وعملا بحسب طاقته ليكون الدين لله ويكون مقصوده أن ~~كلمة الله هي العليا ولا يكون حبه وبغضه ومعاداته ومدحه وذمه إلا لله - لا ~~لشخص معين. والهادي المطلق الذي يهدي إلى كل خير - وكل أحد محتاج إلى ~~هدايته في كل وقت - هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفضل أمته أفضلهم ~~متابعة له وهذا يكون بالإيمان واليقين والجهاد كما قال تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} إلى قوله: {أولئك هم ~~الصادقون} فبين سبحانه وتعالى أن المؤمن لا بد له من ثلاثة أمور: # أولها: أن يؤمن بالله ورسوله. # وثانيها: لا يرتاب بعد ذلك: أن يكون موقنا ثابتا؛ واليقين يخالف الريب ~~والريب نوعان: نوع يكون شكا لنقص العلم. ونوع يكون اضطرابا في القلب. ~~وكلاهما لنقص الحال الإيماني؛ فإن الإيمان لا بد فيه من علم القلب وليس كل ~~مكان يكون له علم يعلمه. وعمل القلب أو بصيرته وثباته وطمأنينته وسكينته ~~وتوكله وإخلاصه وإنابته إلى الله تعالى وهذه الأمور كلها في القرآن: يقال: ~~رابني كذا وكذا # PageV28P042 # يريبني أي حرك قلبي ومنه الحديث {عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر ~~بظبي حاقف فقال: لا يريبه أحد} أي: لا يحركه أحد. ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم " {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة؛ فإن ~~الصادق من لا يقلق قلبه والكاذب يقلق قلبه وليس هناك شك بل يعلم أن الريب ~~أعم من الشك. ولهذا في الدعاء المأثور: " {اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول ~~به بيننا وبين معصيتك} الحديث إلى آخره. وفي المسند والترمذي عن أبي بكرة - ~~رضي الله عنه - أنه قال: " {سلوا الله اليقين والعافية؛ فإنه لم يعط خير من ~~اليقين والعافية ms8100 فاسألوها الله سبحانه وتعالى} والعرب تقول: ماء يقن إذا ~~كان ساكنا لا يتحرك. فقلب المؤمن مطمئن لا يكون فيه ريب. هذا معنى قوله ~~سبحانه وتعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وفي الصحيحين عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: " {أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رهطا ولم يعط رجلا وهو أحب إلي منهم فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ ~~فوالله إني أراه مؤمنا قال: أو مسلما مرتين أو ثلاثا ثم قال: إني لأعطي ~~الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في النار} . ولهذا قال ~~أبو جعفر الباقر وغيره من السلف: الإسلام دائرة # PageV28P043 # كبيرة والإيمان دائرة في وسطها؛ فإذا زنى العبد خرج من الإيمان إلى ~~الإسلام: كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن} . وهذا أظهر قولي العلماء: إن هؤلاء الأعراب ~~الذين قالوا: أسلمنا ونحوهم من المسلمين الذين لم يدخل الإيمان المتقدم في ~~قلوبهم يثابون على أعمالهم الصالحة كما قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله ~~لا يلتكم من أعمالكم شيئا} وهم ليسوا بكفار ولا منافقين: بل لم يبلغوا ~~حقيقة الإيمان وكماله فنفي عنهم كمال الإيمان الواجب وإن كانوا يدخلون في ~~الإيمان مثل قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} وقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} وهذا باب واسع. والمقصود إخبار ~~الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير ونحن بحمد الله في ~~زيادة من نعم الله وإن لم يمكن خدمة الجماعة باللقاء فأنا داع لهم بالليل ~~والنهار؛ قياما ببعض الواجب من حقهم؛ وتقربا إلى الله تعالى في معاملته ~~فيهم والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله ويعمل لله مستعينا بالله ~~مجاهدا في سبيل الله. ويقصد بذلك أن # PageV28P044 # تكون ms8101 كلمة الله هي العلياء وأن يكون الدين كله لله ويكون دعاؤه وغيره ~~بحسب ذلك كما أمر الله به ورسوله: {اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ~~والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم؛ وأصلح ذات بينهم؛ وانصرهم على عدوك ~~وعدوهم؛ واهدهم سبل السلام؛ وأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ وجنبهم الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن؛ وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم ما أبقيتهم. واجعلهم ~~شاكرين لنعمك مثنين بها عليك؛ قابليها وأتممها عليهم يا رب العالمين. اللهم ~~انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين؛ وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به ~~نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم على الدين كله. اللهم عذب الكفار ~~والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون المؤمنين. اللهم ~~خالف كلمتهم وشتت بين قلوبهم؛ واجعل تدميرهم في تدبيرهم؛ وأدر عليهم دائرة ~~السوء. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم مجري ~~السحاب ومنزل الكتاب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم. ربنا ~~أعنا ولا تعن علينا. وانصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا؛ ~~واهدنا ويسر الهدى لنا؛ وانصرنا على من بغى علينا. ربنا اجعلنا لك شاكرين ~~مطاوعين مخبتين؛ أواهين منيبين. ربنا تقبل توبتنا؛ واغسل حوبتنا وثبت ~~حجتنا؛ واهد قلوبنا؛ وسدد ألسنتنا # PageV28P045 # واسلل سخائم صدورنا} . وهذا رواه الترمذي بلفظ إفراد وصححه وهو من أجمع ~~الأدعية بخير الدنيا والآخرة وله شرح عظيم. والحمد لله ناصر السنة وخاذل ~~أهل البدعة والغرة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # PageV28P046 # وكتب - رحمه الله - وهو في السجن: (*) # ونحن - ولله الحمد والشكر - في نعم عظيمة تتزايد كل يوم ويجدد الله تعالى ~~من نعمه نعما أخرى؛ وخروج الكتب كان من أعظم النعم فإني كنت حريصا على خروج ~~شيء منها لتقفوا عليه وهم كرهوا خروج " الإخنائية " فاستعملهم الله في ~~إخراج الجميع؛ وإلزام المنازعين بالوقوف عليه وبهذا يظهر ما أرسل الله به ~~رسوله من الهدى ودين الحق؛ فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس. فإذا ~~ظهرت فمن كان قصده الحق هداه الله؛ ومن كان قصده الباطل قامت عليه ms8102 حجة ~~الله؛ واستحق أن يذله الله ويخزيه وما كتبت شيئا من هذا ليكتم عن أحد ولو ~~كان مبغضا. والأوراق التي فيها جواباتكم وصلت وأنا طيب وعيناي طيبتان أطيب ~~ما كانتا. ونحن في نعم عظيمة لا تحصى ولا تعد. والحمد لله حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه. ثم ذكر كلاما وقال: كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة ~~PageV28P047 # والحكمة؛ إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم ولا ~~يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} فالعبد عليه أن يشكر الله ويحمده دائما على كل حال. ويستغفر ~~من ذنوبه. فالشكر يوجب المزيد من النعم والاستغفار يدفع النقم. ولا يقضي ~~الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء شكر؛ وإن أصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له. # كتاب الشيخ إلى والدته يقول فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة أقر الله عينيها بنعمه وأسبغ عليها ~~جزيل كرمه وجعلها من خيار إمائه وخدمه. سلام الله عليكم. ورحمة الله ~~وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو على ~~كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # PageV28P048 # كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة ومنن كريمة وآلاء جسيمة نشكر الله ~~عليها ونسأله المزيد من فضله. ونعم الله كلما جاءت في نمو وازدياد وأياديه ~~جلت عن التعداد. وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ~~ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا. ولسنا والله مختارين ~~للبعد عنكم ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم ولكن الغائب عذره معه وأنتم لو ~~اطلعتم على باطن الأمور فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون الساعة إلا ذلك ~~ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم ~~وادعوا لنا بالخيرة فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم ms8103 وللمسلمين ما فيه ~~الخيرة في خير وعافية. ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة ~~والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال ونحن في كل وقت ~~مهمومون بالسفر مستخيرون الله سبحانه وتعالى. فلا يظن الظان أنا نؤثر على ~~قربكم شيئا من أمور الدنيا قط. بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم ~~أرجح منه. ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها. والشاهد ~~يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولا ~~نعلم ويقدر # PageV28P049 # ولا نقدر وهو علام الغيوب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من سعادة ~~ابن آدم استخارته الله ورضاه بما يقسم الله له ومن شقاوة ابن آدم: ترك ~~استخارته الله وسخطه بما يقسم الله له} والتاجر يكون مسافرا فيخاف ضياع بعض ~~ماله فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرا كثيرا وعلى سائر من ~~في البيت من الكبار والصغار وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدا واحدا ~~والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # وقال الشيخ: # بعد حمد الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم. # أما بعد: فإن الله - وله الحمد - قد أنعم علي من نعمه العظيمة ومننه ~~الجسيمة وآلائه الكريمة ما هو مستوجب لعظيم الشكر والثبات على الطاعة ~~واعتياد حسن الصبر على فعل المأمور. والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من ~~الصبر في الضراء قال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ~~إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير} # PageV28P050 # وتعلمون أن الله سبحانه من في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب ~~نصر دينه. وعلو كلمته ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة وذل ~~أهل البدعة والفرقة. وتقرير ما ms8104 قرر عندكم من السنة وزيادات على ذلك بانفتاح ~~أبواب من الهدى والنصر والدلائل وظهور الحق لأمم لا يحصي عددهم إلا الله ~~تعالى وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة وغير ذلك من المنن ما لا بد ~~معه من عظيم الشكر ومن الصبر وإن كان صبرا في سراء. وتعلمون أن من القواعد ~~العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات ~~البين فإن الله تعالى يقول: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ويقول: ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ويقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} . وأمثال ذلك من ~~النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف. وأهل هذا ~~الأصل: هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة. وجماع السنة: ~~طاعة الرسول. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في # PageV28P051 # الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة " {إن الله يرضى لكم ~~ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم} . وفي السنن من حديث زيد بن ثابت ~~وابن مسعود - فقيهي الصحابة - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " {نضر ~~الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ~~ومناصحة ولاة الأمر. ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم} . ~~وقوله " لا يغل " أي لا يحقد عليهن. فلا يبغض هذه الخصال قلب المسلم بل ~~يحبهن ويرضاهن. وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بي فتعلمون - رضي ~~الله عنكم - أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلا عن أصحابنا - ~~بشيء أصلا لا باطنا ولا ظاهرا ولا عندي عتب على أحد منهم. ولا لوم أصلا بل ~~لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كل ~~بحسبه ولا ms8105 يخلو # PageV28P052 # الرجل. إما أن يكون مجتهدا مصيبا أو مخطئا أو مذنبا. فالأول: مأجور ~~مشكور. والثاني مع أجره على الاجتهاد: فمعفو عنه مغفور له. والثالث: فالله ~~يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين. فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل. كقول ~~القائل: فلان قصر فلان ما عمل فلان أوذي الشيخ بسببه فلان كان سبب هذه ~~القضية فلان كان يتكلم في كيد فلان. ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض ~~الأصحاب والإخوان. فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله. بل مثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة وممن ~~يغفر الله له إن شاء. وقد عفا الله عما سلف. وتعلمون أيضا: أن ما يجري من ~~نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان: ما كان يجري بدمشق ومما جرى ~~الآن بمصر فليس ذلك غضاضة ولا نقصا في حق صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ~~ولا بغض. بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرا وأنبه ذكرا ~~وأحب وأعظم وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها ~~بعضهم ببعض فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى. وقد لا # PageV28P053 # ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة؛ لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما ~~نحمد معه ذلك التخشين. وتعلمون: أنا جميعا متعاونون على البر والتقوى واجب ~~علينا نصر بعضنا بعضا أعظم مما كان وأشد. فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو ~~الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين - عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ~~ذلك - فهو الغالط. وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون ~~والتناصر فقد ظن ظن سوء وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وما غاب عنا أحد من ~~الجماعة أو قدم إلينا الساعة أو قبل الساعة إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم ~~مما كانت وأجل وأرفع. وتعلمون - رضي الله عنكم -: أن ما دون هذه القصية من ~~الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء واختلاف ms8106 الأهواء وتنوع أحوال أهل ~~الإيمان وما لا بد منه - من نزغات الشيطان - ما لا يتصور أن يعرى عنه نوع ~~الإنسان. وقد قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك - تنبيها ~~بالأدنى على الأعلى # PageV28P054 # وبالأقصى على الأدنى - فأقول: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من ~~الأكاذيب المفتراة والأغاليط المظنونة والأهواء الفاسدة وأن ذلك أمر يجل عن ~~الوصف. وكل ما قيل: من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة. قال تعالى: {إن ~~الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} . وقد أظهر ~~الله من نور الحق وبرهانه ما رد به إفك الكاذب وبهتانه. فلا أحب أن ينتصر ~~من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم. وأنا أحب ~~الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي. والذين كذبوا ~~وظلموا فهم في حل من جهتي. وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله ~~عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت ~~أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا # PageV28P055 # والآخرة؛ لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضى ~~للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له. وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل ~~العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. ~~وأنتم تعلمون هذا من خلقي. والأمر أزيد مما كان وأوكد لكن حقوق الناس بعضهم ~~مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله. وأنتم تعلمون أن الصديق ~~الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن حلف لا يصل مسطح بن أثاثة ~~لأنه كان من الخائضين في الإفك. فأنزل الله تعالى: {ولا ms8107 يأتل أولو الفضل ~~منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} فلما نزلت ~~قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فأعاد إلى مسطح النفقة ~~التي كان ينفق. ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه والجهاد على ~~ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله # PageV28P056 # يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} . والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # وكتب أيضا: (*) # بسم الله الرحمن الرحيم # سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ونحن لله الحمد والشكر في نعم ~~متزايدة متوافرة وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام وهو من نعم الله ~~العظام. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا} فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله الذي بعث به رسله ~~وأنزل به كتبه. ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه فيحق ~~الحق بكلماته ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. PageV28P057 # والذي سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~وحده بل مخالفة لدين جميع المرسلين: إبراهيم وموسى والمسيح ومحمد خاتم ~~النبيين صلى الله عليهم أجمعين. وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب ~~الله ورسوله خطاب ولا كتاب وجزعوا من ظهور الإخنائية فاستعملهم الله تعالى. ~~حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ومقصودهم إظهار عيوبه ~~وما يحتجون به فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم وظهر لهم جهلهم وكذبهم ~~وعجزهم وشاع هذا ms8108 في الأرض وأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولم يمكنهم أن ~~يظهروا علينا فيه عيبا في الشرع والدين بل غاية ما عندهم: أنه خولف مرسوم ~~بعض المخلوقين والمخلوق كائنا من كان إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله لم ~~يجب بل ولا يجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين. وقول ~~القائل: إنه يظهر البدع كلام يظهر فساده لكل مستبصر ويعلم أن الأمر بالعكس ~~فإن الذي يظهر البدعة إما أن يكون لعدم علمه بسنة الرسول أو لكونه له غرض ~~وهوى يخالف ذلك؛ وهو أولى بالجهل بسنة الرسول واتباع هواهم بغير هدى من ~~الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ممن هو أعلم بسنة الرسول ~~منهم وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها {ثم جعلناك على # PageV28P058 # شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} . وهذه ~~قضية كبيرة لها شأن عظيم. ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم قال بعده: وكانوا ~~يطلبون تمام الإخنائية فعندهم ما يطمهم أضعافها وأقوى فقها منها وأشد ~~مخالفة لأغراضهم. فإن الزملكانية قد بين فيها من نحو خمسين وجها: أن ما حكم ~~به ورسم به مخالف لإجماع المسلمين وما فعلوه لو كان ممن يعرف ما جاء به ~~الرسول ويتعمد مخالفته لكان كفرا وردة عن الإسلام لكنهم جهال دخلوا في شيء ~~ما كانوا يعرفونه ولا ظنوا أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادهم والأمر ~~أعظم مما ظهر لكم ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله. ثم ذكر كلاما ~~وقال: بل جهادنا في هذا مثل جهادنا يوم قازان والجبلية والجهمية والاتحادية ~~وأمثال ذلك. وذلك من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون. # PageV28P059 # (*) وقال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن الشيخ ~~الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبي ~~البركات عبد السلام ابن تيمية - رحمة الله عليه -: # الحمد لله نستعينه ms8109 ونستهديه؛ ونستغفره ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له. ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~فهدى به من الضلالة. وبصر به من العمى وأرشد به من الغي. وفتح به أعينا ~~عميا؛ وآذانا صما؛ وقلوبا غلفا حيث بلغ الرسالة وأدى الأمانة؛ ونصح الأمة؛ ~~وجاهد في الله حق جهاده؛ وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه؛ صلى الله عليه ~~وعلى PageV28P060 # آله وسلم تسليما؛ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته. أما بعد: # فهذه: " قاعدة في الحسبة ". # أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله ~~لله؛ وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق ~~لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون: قال الله ~~تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {ولقد بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} . وقد أخبر عن جميع ~~المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~وعباداته تكون بطاعته وطاعة رسوله وذلك هو الخير والبر؛ والتقوى والحسنات؛ ~~والقربات والباقيات والصالحات والعمل الصالح؛ وإن كانت هذه الأسماء بينها ~~فروق لطيفة ليس هذا موضعها. وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} . وفي الصحيحين عن أبي ~~موسى # PageV28P061 # الأشعري رضي الله عنه قال: {سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل ~~شجاعة؛ ويقاتل حمية. ويقاتل رياء: فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} ". وكل بني آدم لا تتم ~~مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا ms8110 بالاجتماع والتعاون والتناصر ~~فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم؛ والتناصر لدفع مضارهم؛ ولهذا يقال: ~~الإنسان مدني بالطبع. فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون ~~بها المصلحة. وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة؛ ويكونون مطيعين للآمر ~~بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر ~~وناه. فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم ~~فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم؛ مصيبين تارة ومخطئين أخرى وأهل الأديان ~~الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ ~~والتبديل: مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم. وغير أهل ~~الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت. ومنهم من لا يؤمن به وأما أهل ~~الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت؛ ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل ~~الأرض. فإن الناس لم يتنازعوا في # PageV28P062 # أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى: " {الله ينصر ~~الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة} ". ~~وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله ~~خير له وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر. ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وذلك هو ~~الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . وقال: {ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} . وقال: {ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} . وكان النبي صلى ~~الله عليه ms8111 وسلم يقول في خطبته للجمعة: " {إن خير الكلام كلام الله؛ وخير ~~الهدي هدي محمد؛ وشر الأمور # PageV28P063 # محدثاتها} ". وكان يقول في خطبة الحاجة: " {من يطع الله ورسوله فقد رشد ~~ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا} ". وقد بعث الله رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأفضل المناهج والشرائع وأنزل عليه أفضل الكتب ~~فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة ~~وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به ولم يقبل من أحد إلا الإسلام ~~الذي جاء به فمن ابتغى غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. ~~وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط؛ فقال تعالى: ~~{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} . ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ~~بتولية ولاة أمور عليهم وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها؛ ~~وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة ~~الله تعالى؛ ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله # PageV28P064 # صلى الله عليه وسلم قال: " {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم} ". وفي ~~سننه أيضا عن أبي هريرة مثله. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا ~~أمروا أحدهم} ". فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن ~~يولى أحدهم: كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك؛ ولهذا كانت ~~الولاية - لمن يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب ~~الإمكان - من أفضل الأعمال الصالحة حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل ~~وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر} ". # فصل: ms8112 # وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي؛ فالأمر الذي بعث الله ~~به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا ~~نعت النبي والمؤمنين؛ كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} . وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو ~~فرض على الكفاية ويصير # PageV28P065 # فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية ~~فذوو السلطان أقدر من غيرهم؛ وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم. فإن مناط ~~الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: {فاتقوا الله ~~ما استطعتم} . وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى: مثل نيابة السلطنة ~~والصغرى مثل ولاية الشرطة: وولاية الحكم؛ أو ولاية المال وهي ولاية ~~الدواوين المالية؛ وولاية الحسبة. لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد ~~المؤتمن؛ والمطلوب منه الصدق؛ مثل الشهود عند الحاكم؛ ومثل صاحب الديوان ~~الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف؛ والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ~~ذي الأمر بالأحوال. ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع؛ والمطلوب منه ~~العدل مثل الأمير والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في ~~الإنشاء من الأقوال والأعمال: تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال ~~تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~ذكر الظلمة: " {من صدقهم بكذبهم وأعانهم على # PageV28P066 # ظلمهم فليس مني ولست منه؛ ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم ~~يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه: وسيرد على الحوض} ". وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى ~~البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب ~~عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي ~~إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا} ". ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى: {هل أنبئكم على من ms8113 تنزل الشياطين} {تنزل على كل ~~أفاك أثيم} وقال: " {لنسفعن بالناصية} {ناصية كاذبة خاطئة} . فلهذا يجب على ~~كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل ~~فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ~~وبأقوام لا خلاق لهم والواجب إنما هو فعل المقدور. وقد {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو عمر بن الخطاب: من قلد رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة ~~من هو أرضى لله منه فقد خان الله؛ وخان رسوله؛ وخان المؤمنين} ". فالواجب ~~إنما هو الأرضى من الموجود والغالب أنه لا يوجد # PageV28P067 # كامل فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: ~~أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر؛ لأن أحد ~~الصنفين أقرب إلى الإسلام؛ وأنزل الله في ذلك " سورة الروم " لما اقتتلت ~~الروم وفارس؛ والقصة مشهورة. وكذلك يوسف كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه ~~مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان. # فصل: # عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ ~~والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع. فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض ~~الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر؛ وبالعكس. ~~وكذلك الحسبة وولاية المال. وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ~~ومناصب دينية فأي من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع ~~الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين وأي من ظلم # PageV28P068 # وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين. إنما الضابط قوله تعالى {إن ~~الأبرار لفي نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} . وإذا كان كذلك: فولاية الحرب في ~~عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي ~~فيها إتلاف مثل قطع يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك. وقد يدخل فيها من ~~العقوبات ما ليس فيه إتلاف؛ كجلد السارق. ms8114 ويدخل فيها الحكم في المخاصمات ~~والمضاربات؛ ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب وشهود. كما تختص ولاية القضاء ~~بما فيه كتاب وشهود وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك؛ والنظر في ~~حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى وغير ذلك مما هو معروف. وفي بلاد أخرى ~~كبلاد المغرب: ليس لوالي الحرب حكم في شيء وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي ~~القضاء؛ وهذا اتبع السنة القديمة؛ ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة ~~في غير هذا الموضع. # وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص ~~الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ~~ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه فعلى المحتسب أن يأمر ~~العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس؛ وأما ~~القتل فإلى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين؛ # PageV28P069 # فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه ~~بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك. ~~وذلك أن " الصلاة " هي أعرف المعروف من الأعمال وهي عمود الإسلام وأعظم ~~شرائعه وهي قرينة الشهادتين وإنما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها ~~الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة وهي آخر ما وصى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمته وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصا بعد ~~تعميم كقوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} وقوله: {اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} . وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك ~~وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} ~~وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وقوله: {إن صلاتي ونسكي} وقوله: ~~{أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} وقوله: {وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم} إلى قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} . # PageV28P070 # وأمرها ms8115 أعظم من أن يحاط به فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق ~~اعتنائهم بجميع الأعمال؛ ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يكتب إلى عماله: أن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ ~~دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. رواه مالك وغيره. ويأمر المحتسب ~~بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء الأمانات وينهى عن المنكرات: من ~~الكذب والخيانة: وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في ~~الصناعات؛ والبياعات والديانات ونحو ذلك قال الله تعالى: {ويل للمطففين} ~~{الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} ~~وقال في قصة شعيب: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} {وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم} {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} . وقال ~~تعالى: {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} وقال: {وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين} . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: {قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في ~~بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما} " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها # PageV28P071 # فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ - فقال: أصابته السماء ~~يا رسول الله قال: - أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس ~~منا} وفي رواية: {من غشني فليس مني} " فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان كما قال " {لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن؛ ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن؛ ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن} فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول ~~الثواب والنجاة من العقاب؛ وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ~~ويخرج به من النار. والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع؛ مثل ~~أن يكون ظاهر المبيع خيرا من باطنه؛ كالذي ms8116 مر عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنكر عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز ~~والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ~~ونحوهم أو يصنعون غير ذلك من الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة ~~والكتمان. ومن هؤلاء " الكيماوية " الذين يغشون النقود والجواهر والعطر ~~وغير ذلك فيصنعون ذهبا أو فضة أو عنبرا أو مسكا أو جواهر أو زعفرانا أو ماء ~~ورد أو غير ذلك؛ يضاهون به خلق الله: ولم يخلق الله شيئا # PageV28P072 # فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل {قال الله عز وجل فيما حكى عنه رسوله: ~~ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة} ولهذا كانت ~~المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا بتوسط الناس قال ~~تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} {وخلقنا لهم من مثله ~~ما يركبون} . وقال تعالى: {أتعبدون ما تنحتون} {والله خلقكم وما تعملون} . ~~وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن ~~يصنعوها؛ لكنهم يشبهون على سبيل الغش. وهذا حقيقة الكيمياء؛ فإنه المشبه؛ ~~وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع. ~~ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من ### | العقود المحرمة: # مثل عقود الربا والميسر؛ ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة؛ والملامسة ~~والمنابذة؛ وربا النسيئة وربا الفضل وكذلك النجش وهو أن يزيد في السلعة من ~~لا يريد شراءها وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس. وكذلك المعاملات ~~الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم ~~بدراهم أكثر منها إلى أجل. فالثنائية ما يكون بين اثنين: مثل أن يجمع إلى ~~القرض بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه # PageV28P073 # قال: " {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ~~ليس عندك} " قال الترمذي حديث صحيح. ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها ~~إليه ففي سنن أبي داود ms8117 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {من باع بيعتين ~~في بيعة فله أوكسهما أو الربا} ". والثلاثية مثل أن يدخل بينهما محللا ~~للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم ~~يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل وهذه المعاملات منها ما هو ~~حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك؛ أو التي يباع فيها ~~المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية؛ أو يقلب فيها الدين على ~~المعسر فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها ~~بإجماع المسلمين. ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء؛ لكن الثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله. ومن المنكرات تلقي ~~السلع قبل أن تجيء إلى السوق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك لما ~~فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة؛ ~~ولذلك أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا هبط إلى السوق. وثبوت ~~الخيار له مع الغبن لا ريب فيه وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء ~~وفيه عن أحمد روايتان: إحداهما يثبت وهو قول الشافعي. والثانية لا # PageV28P074 # يثبت لعدم الغبن. وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل - وهو الذي لا يماكس - هو ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر؛ ويبيعوا ~~المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ~~ينكر على الباعة. وجاء في الحديث: " {غبن المسترسل ربا} " وهو بمنزلة تلقي ~~السلع؛ فإن القادم جاهل بالسعر؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يبيع حاضر لباد وقال: {دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض} وقيل لابن عباس ~~ما قوله: " {لا يبيع حاضر لباد} "؟ قال: لا يكون له سمسار وهذا نهي عنه لما ~~فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس ~~إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري؛ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms8118 " {دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض} ". # ومثل ذلك " الاحتكار " لما يحتاج الناس إليه روى مسلم في صحيحه عن معمر ~~بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لا يحتكر إلا خاطئ} " فإن ~~المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ~~ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين ولهذا كان لولي الأمر أن يكره ~~الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام ~~لا يحتاج إليه والناس في # PageV28P075 # مخمصة. فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ولهذا قال الفقهاء: من اضطر ~~إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ولو امتنع من بيعه إلا ~~بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره. ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا ~~يجوز ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع ~~بثمن لا يرضونه؛ أو منعهم مما أباحه الله لهم: فهو حرام. وإذا تضمن العدل ~~بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل؛ ومنعهم ~~مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز؛ بل واجب. فأما الأول ~~فمثل ما روى أنس {قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله لو سعرت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق ~~المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ~~ولا مال} "؛ رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم ~~على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما ~~لكثرة الخلق: فهذا إلى الله. فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه ~~بغير حق. وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس # PageV28P076 # إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ~~ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ms8119 ألزمهم الله ~~به. وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا ~~أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم؛ ثم يبيعونها هم؛ فلو باع غيرهم ~~ذلك منع إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع؛ أو غير ظلم؛ لما في ذلك من الفساد ~~فههنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال ~~الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان ~~قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه: فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما ~~اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين ~~الذين يريدون بيع تلك الأموال؛ وظلما للمشترين منهم. والواجب إذا لم يمكن ~~دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع ~~وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل. وهذا واجب في ~~مواضع كثيرة من الشريعة؛ فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق: ~~يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب ~~والنفقة الواجبة والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق ~~ويجوز في مواضع؛ مثل المضطر إلى # PageV28P077 # طعام الغير ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير؛ فإن لرب الأرض أن ~~يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر. ونظائره كثيرة. وكذلك السراية في العتق كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " {من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ~~ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم ~~وعتق عليه العبد؛ وإلا فقد عتق منه ما عتق} ". وكذلك من وجب عليه شراء شيء ~~للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة؛ فعليه أن يشتريه بقيمة ~~المثل؛ ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار. وكذلك فيما يجب عليه من ~~طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو اللباس الذي يصلح له في ms8120 ~~العرف بثمن المثل: لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه؛ حتى يبذل له ذلك ~~بثمن يختاره. ونظائره كثيرة. ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة ~~وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس ~~محتاجون إليهم ويغلو عليهم الأجر؛ فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا ~~يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى. وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن ~~يشتركوا فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى ~~أيضا # PageV28P078 # فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن ~~يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف؛ ويزيدون ما يبيعونه ~~بأكثر من الثمن المعروف؛ وينموا ما يشترونه: كان هذا أعظم عدوانا من تلقي ~~السلع ومن بيع الحاضر للبادي ومن النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس ~~حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل والناس يحتاجون إلى ~~ذلك وشرائه وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب أن لا يباع إلا ~~بثمن المثل: إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس ~~إلى صناعة ناس؛ مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية: فإن الناس ~~لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها فإذا لم يجلب ~~لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار ~~وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما ~~يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب. ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من ~~غير بلدهم وإما من زرع بلدهم وهذا هو الغالب. وكذلك لا بد لهم من مساكن ~~يسكنونها؛ فيحتاجون إلى البناء؛ فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: # PageV28P079 # كأبي حامد الغزالي؛ وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: أن هذه الصناعات فرض ~~على الكفاية؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس ms8121 إلا بها؛ كما أن الجهاد فرض على ~~الكفاية؛ إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان؛ مثل أن يقصد العدو بلدا؛ أو ~~مثل أن يستنفر الإمام أحدا. وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما ~~يتعين؛ مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه؛ فإن هذا فرض على ~~الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~{من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين} " وكل من أراد الله به خيرا لا بد أن ~~يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرا والدين: ما بعث ~~الله به رسوله؛ وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به وعلى كل أحد أن ~~يصدق محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما ~~وطاعة عامة ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا وإذا كان مأمورا ~~من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. وكذلك غسل الموتى وتكفينهم ~~والصلاة عليهم ودفنهم: فرض على الكفاية. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فرض على الكفاية. # PageV28P080 # والولايات كلها: الدينية - مثل إمرة المؤمنين وما دونها: من ملك ووزارة ~~وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق ~~المقاتلة أو غيرهم ومثل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات - إنما ~~شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ويولي في الأماكن ~~البعيدة عنه كما ولى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ~~وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى إلى ~~اليمن. وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة ~~فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن ~~فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط لا يأتي إلى النبي صلى الله ~~عليه ms8122 وسلم بشيء إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم على المستخرج والمصروف؛ كما في ~~الصحيحين عن أبي حميد الساعدي {أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من ~~الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقات؛ فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم # PageV28P081 # وهذا أهدي إلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال الرجل نستعمله على ~~العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعد في بيت أبيه ~~وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل ~~مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان ~~بعيرا له رغاء؛ وإن كانت بقرة لها خوار؛ وإن كانت شاة تيعر ثم رفع يديه إلى ~~السماء وقال: - اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ - قالها مرتين أو ثلاثا} . ~~والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير ~~الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها فإذا كان الناس ~~محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ~~ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس ~~بزيادة عن عوض المثل ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا ~~احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن ~~يصنعها لهم: فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن ~~يفلح للجند. # والمزارعة جائزة في أصح قولي، العلماء وهي عمل المسلمين على # PageV28P082 # عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان ~~وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي ~~مذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل؛ وإسحاق بن راهويه؛ وداود بن علي؛ ~~والبخاري؛ ومحمد بن إسحاق بن خزيمة؛ وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث ~~بن سعد؛ وابن ms8123 أبي ليلى؛ وأبي يوسف؛ ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء ~~المسلمين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عال أهل خيبر بشطر ما يخرج ~~منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر ~~وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من ~~العامل؛ بل طائفة من الصحابة قالوا: لا يكون البذر إلا من العامل. والذي ~~نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرا ~~بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص ~~وإجماع العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإن هذا ~~لا يجوز بالاتفاق؛ لأن المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس ~~المشاركات؛ والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع # PageV28P083 # كالثلث والنصف فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا؛ بل كان ظلما. ~~وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول؛ ~~فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح ~~المضاربة استحسانا للحاجة؛ لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو ~~حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي. أو ~~على النخل والعنب كالجديد للشافعي؛ لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض ~~وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة؛ فأباحوا المزارعة تبعا ~~للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب. أو قدروا ذلك بالثلث كقول ~~مالك. وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من ~~باب الإجارة التي يقصد فيها العمل؛ فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر ~~والزرع؛ وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح ~~من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل ~~فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه ms8124 وإما نصفه؛ كما جرت العادة في مثل ذلك؛ ~~ولا يجب أجرة مقدرة؛ فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه وإنما يجب في الفاسد # PageV28P084 # من العقود نظير ما يجب في الصحيح والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة؛ ~~بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أحل من ~~المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول؛ فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم؛ ~~بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع ~~وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا؛ وجواز هذا. والصحيح جوازهما. # وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة وما علمت أحدا من علماء المسلمين ~~- لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم - قال: إن إجارة الإقطاع لا تجوز وما ~~زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا؛ لكن بعض ~~أهل زماننا ابتدعوا هذا القول؛ قالوا: لأن المقطع لا يملك المنفعة؛ فيصير ~~كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة وهذا القياس خطأ لوجهين: أحدهما: أن ~~المستعير لم تكن المنفعة حقا له؛ وإنما تبرع له المعير بها وأما أراضي ~~المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين؛ وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس ~~متبرعا لهم كالمعير والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي ~~الموقوف عليه منافع الوقف وأولى وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن ~~أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء: فلأن يجوز للمقطع ~~أن يؤجر الإقطاع # PageV28P085 # وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى. الثاني: أن ~~المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة: مثل الإجارة في الإقطاع وولي الأمر ~~يأذن للمقطعين في الإجارة وإنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة وإما ~~بالإجارة ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين ~~دينهم ودنياهم؛ فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع ~~إلا بالإجارة. وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة ~~والمساقاة في الأمر العام والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك إلا ~~إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها ms8125 وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من ~~الناس. لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء؛ بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان ~~في المغنم والمغرم؛ فهو أقرب إلى العدل. فلهذا تختاره الفطر السليمة. وهذه ~~المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات ~~على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر ~~أجرة المثل؛ فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع ~~من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل؛ وهذا من التسعير الواجب. ~~وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب ~~وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا # PageV28P086 # يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع ~~الحاجة إليهم فهذا تسعير في الأعمال. وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى ~~سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا ~~السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون والإمام لو عين ~~أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {وإذا ~~استنفرتم فانفروا} " أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: " ~~{على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره؛ ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه} ~~". فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله: فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج ~~إليه في الجهاد بعوض المثل؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله ~~في أصح قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن الله أمر بالجهاد ~~بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} " أخرجاه في الصحيحين. فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه ~~الجهاد بالمال كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن. ~~ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ms8126 وأوجب الحج على ~~المستطيع بماله فقوله # PageV28P087 # ظاهر التناقض. ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز ~~لهم لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت؛ كما كان أهل المدينة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من ~~يبيع طحينا ولا خبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم؛ ~~فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من ~~الجالبين؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " {الجالب مرزوق والمحتكر ~~ملعون} " وقال: " {لا يحتكر إلا خاطئ} " رواه مسلم في صحيحه. وما يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه نهى عن قفيز الطحان} " فحديث ضعيف بل باطل ~~فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز؛ لعدم حاجتهم إلى ذلك كما أن ~~المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا؛ لأن المسلمين كانوا ~~مشتغلين بالجهاد. ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أعطاها ~~لليهود يعملونها فلاحة؛ لعجز الصحابة عن فلاحتها؛ لأن ذلك يحتاج إلى سكناها ~~وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو ~~ألف وأربعمائة وانضم إليهم أهل سفينة جعفر فهؤلاء هم الذين قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهم أرض خيبر فلو أقام # PageV28P088 # طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم ~~فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون ~~استغنوا عن اليهود فأجلوهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: " {نقركم ~~فيها ما شئنا - وفي رواية - ما أقركم الله} " وأمر بإجلائهم منها عند موته ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " {أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب} ". ~~ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري - إلى أن الكفار لا يقرون ~~في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا ~~عنهم أجلوهم كأهل خيبر. وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه. والمقصود هنا ~~أن الناس إذا ms8127 احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين: أحدهما: أن ~~يحتاجوا إلى صناعتهم؛ كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت فهؤلاء يستحقون ~~الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من ~~الصناع. والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع؛ فيحتاجوا إلى من يشتري ~~الحنطة ويطحنها؛ وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا. لحاجة الناس إلى # PageV28P089 # شراء الخبز من الأسواق فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ~~ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ~~ضررا عظيما؛ فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة ~~وجمهور علماء المسلمين كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح ~~سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أو حيوانا وسواء ~~كان مسافرا ينقل ذلك من بلد إلى بلد؛ أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت ~~النفاق؛ أو كان مديرا يبيع دائما ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب ~~عليهم زكاة التجار وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ~~ذلك ألزموا كما تقدم؛ أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام ~~لواحد منهم بعينه؛ فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة؛ فلا يبيعوا ~~الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار ~~بهم ولا بالناس. # وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: # إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه ~~يمنع منه في السوق في مذهب مالك. وهل يمنع النقصان؟ على قولين لهم. وأما ~~الشافعي وأصحاب أحمد: كأبي حفص العكبري. والقاضي # PageV28P090 # أبي يعلى؛ والشريف أبي جعفر؛ وأبي الخطاب؛ وابن عقيل وغيرهم: فمنعوا من ~~ذلك. واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن يوسف عن سعيد بن المسيب: أن ~~عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق؛ فقال له ~~عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وأجاب الشافعي وموافقوه ~~بما رواه ms8128 فقال: حدثنا الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد ~~عن عمر: أنه مر بحاطب بسوق المصلي وبين يديه غرارتان فيهما زبيب؛ فسأله عن ~~سعرهما؟ فسعر له مدين لكل درهم فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف ~~تحمل زبيبا وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت ~~فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه؛ ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن ~~الذي قلت لك ليس بعزمة مني ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد ~~فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع قال الشافعي: وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما ~~رواه مالك ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه؛ وهذا أتى بأول الحديث ~~وآخره؛ وبه أقول؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا ~~منها بغير طيب # PageV28P091 # أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها. قلت: وعلى قول مالك ~~قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه ~~جمهور الناس؛ فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا ~~باللحاق بسعر الجمهور؛ لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم المبيعات. وروى ~~ابن القاسم عن مالك: لا يقام الناس لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ينظر في ~~ذلك إلى قدر الأسواق؛ وهل يقام من زاد في السوق - أي: في قدر المبيع - ~~بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن ابن القصار المالكي: ~~اختلف أصحابنا في قول مالك: ولكن من حط سعرا. فقال البغداديون: أراد من باع ~~خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية. وقال قوم من المصريين: أراد من باع ~~ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان؛ لأن من ~~باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم؛ فربما أدى إلى ~~الشغب والخصومة؛ ففي منع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك ~~حكم أهل السوق. وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب ms8129 أن يبيع في ~~السوق دون الناس. وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا ~~رفعوا قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء؛ # PageV28P092 # إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق؛ إن أرخص بعضهم تركوا وإن كثر المرخص ~~قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: وهذا في ~~المكيل والموزون: مأكولا أو غير مأكول؛ دون ما لا يكال ولا يوزن؛ لأن غيره ~~لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: يريد إذا كان المكيل ~~والموزون متساويا فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون. قلت: ~~والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن لا يحد لأهل ~~السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور العلماء ~~حتى مالك نفسه في المشهور عنه. ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم ~~بن محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن. وعن ~~يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه؛ ولم يذكر ألفاظهم. وروى أشهب عن مالك؛ وصاحب ~~السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن ثلث رطل؛ ولحم الإبل نصف رطل؛ وإلا ~~خرجوا من السوق. قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن ~~أخاف أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس ~~بالمنع من إغلاء # PageV28P093 # السعر عليهم ولا فساد عليهم. قالوا: ولا يجبر الناس على البيع إنما ~~يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر؛ على حسب ما يرى من ~~المصلحة فيه للبائع والمشتري؛ ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر ~~بالناس. وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي ~~هريرة أنه قال: {جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول ~~الله سعر لنا فقال: بل ادعوا الله ms8130 ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا ~~فقال: بل الله يرفع ويخفض؛ وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة} ~~". قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا: ظلم ~~لهم والظلم حرام. وأما صفة ذلك عند من جوزه: فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام ~~أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء؛ ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم؛ فيسألهم: ~~كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ~~ولا يجبرون على التسعير؛ ولكن عن رضا. قال: وعلى هذا أجازه من أجازه. قال ~~أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ~~ويجعل للباعة في # PageV28P094 # ذلك من الربح ما يقوم بهم؛ ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من ~~غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات ~~وإتلاف أموال الناس. قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء. # وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ~~ويعاقبون على تركه وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع ~~إلا بأكثر منه: فهنا يؤمر بما يجب عليه؛ ويعاقب على تركه بلا ريب. ومن منع ~~التسعير مطلقا محتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " {أن الله هو المسعر ~~القابض الباسط وأني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ~~ولا مال} " فقد غلط؛ فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما وليس فيها أن أحدا ~~امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه؛ أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ~~ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه: فإذا كان صاحبه قد بذله ~~كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم والمدينة كما ~~ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب؛ وقد يباع فيها شيء ~~يزرع فيها؛ وإنما كان يزرع فيها # PageV28P095 # الشعير؛ فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسا ms8131 معينين؛ ولم يكن هناك أحد ~~يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله؛ ليجبر على عمل أو على بيع بل المسلمون ~~كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين ~~القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو وكل منهم يغزو بنفسه وماله: أو ~~بما يعطاه من الصدقات أو الفيء؛ أو ما يجهزه به غيره وكان إكراه البائعين ~~على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق وإذا لم يكن يجوز ~~إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز. وأما من ~~تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قدر له الثمن الذي ~~يبيع به ويسعر عليه كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه ~~قيمة عدل لا وكس ولا شطط؛ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد} " فهذا لما ~~وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر ~~عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط؛ ويعطي قسطه من القيمة؛ ~~فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء: كمالك ~~وأبي حنيفة وأحمد؛ ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ~~ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك؛ # PageV28P096 # ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا؛ لأن حق الشريك في ~~نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع ~~الجميع فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة ~~الشريك إلى إعتاق ذلك؛ وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة: فكيف ~~بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى ~~الطعام واللباس وغير ذلك. وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة ms8132 التسعير. وكذلك يجوز للشريك أن ينزع ~~النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به؛ لا بزيادة؛ للتخلص ~~من ضرر المشاركة والمقاسمة وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء وهذا ~~إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة؛ لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد: ~~فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء؟ بل ليس له أن ~~يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به وهذا في الحقيقة من نوع ~~التولية؛ فإن التولية: أن يعطي المشتري السلعة لغيره بمثل الثمن الذي ~~اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل؛ ومع هذا فلا يجبر المشتري على ~~أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء؛ إذ لا حاجة بذاك إلى # PageV28P097 # شرائه كحاجة الشريك. فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان ~~إذا لم يجدوا مكانا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم. وكذلك لو ~~احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابا يستدفئون بها من البرد؛ أو إلى آلات يطبخون ~~بها؛ أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا. وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا ~~يستقون به؛ أو قدرا يطبخون فيها؛ أو فأسا يحفرون به: فهل عليه بذله بأجرة ~~المثل لا بزيادة؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره. والصحيح وجوب بذل ~~ذلك مجانا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها؛ كما دل عليه ~~الكتاب والسنة قال الله تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} ~~{الذين هم يراءون} {ويمنعون ### | الماعون} # وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد (الماعون عارية الدلو والقدر ~~والفأس. وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الخيل قال: ~~" {هي ما لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها ~~تغنيا وتعففا؛ ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها} " وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب ~~فحلها} " وثبت عنه صلى الله عليه ms8133 وسلم {أنه نهى عن عسب الفحل} وفي الصحيحين ~~عنه أنه # PageV28P098 # قال: " {لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره} " وإيجاب بذل هذه ~~المنفعة مذهب أحمد وغيره. # ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض: فهل يجبر؟ ~~على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن ~~الخطاب قال للمانع: والله لنجرينها ولو على بطنك. ومذهب غير واحد من ~~الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته. وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد ~~وغيره. والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال؛ كما ذكره في ~~الخيل والإبل وعارية الحلي. ومنها ما يجب لحاجة الناس. وأيضا فإن بذل منافع ~~البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم؛ وإفتاء الناس؛ وأداء الشهادة؛ ~~والحكم بينهم؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والجهاد؛ وغير ذلك من ~~منافع الأبدان؛ فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج وقد قال تعالى: ~~{ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} وقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} ~~. وللفقهاء في ### | أخذ الجعل على الشهادة # أربعة أقوال؛ هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره: # أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. # والثاني لا يجوز إلا عند الحاجة. # PageV28P099 # والثالث يجوز إلا أن يتعين عليه. # والرابع يجوز. فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء. وهذه المسائل ~~لبسطها مواضع أخر. والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن ~~على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر: إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي ~~اشتراه به: لم يحرم مطلقا تقدير الثمن. ثم إن ما قدر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية؛ وذلك حق الله ~~وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله؛ ولهذا يجعل العلماء هذه ~~حقوقا لله تعالى وحدودا لله؛ بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم وذلك مثل حقوق ~~المساجد ومال الفيء؛ والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ~~ذلك ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب ms8134 الخمر؛ فإن الذي يقتل شخصا لأجل ~~المال يقتل حتما باتفاق العلماء؛ وليس لورثة المقتول العفو عنه؛ بخلاف من ~~يقتل شخصا لغرض خاص؛ مثل خصومة بينهما؛ فإن هذا حق لأولياء المقتول؛ إن ~~أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين. وحاجة المسلمين إلى الطعام ~~واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة: ليس الحق فيها لواحد بعينه؛ فتقدير الثمن ~~فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية؛ لكن ~~تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق؛ فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب # PageV28P100 # الشريك الآخر ما شاء وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم؛ ~~فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم. ~~ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن ~~المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع وأبعد ~~الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي؛ ومع هذا فإنه يوجب على من ~~اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز ~~التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: ~~لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا ~~رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار ~~السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره ~~على مقتضى رأيه زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس فإن كان أرباب الطعام ~~يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين ~~إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة. وإذا تعدى أحد بعد ما ~~فعل ذلك أجبره القاضي. وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على ~~الحر وكذا عندهما أي عند أبي # PageV28P101 # يوسف ومحمد؛ إلا أن يكون الحجر على قوم معينين. ومن باع منهم بما قدره ~~الإمام صح؛ لأنه غير مكره عليه. وهل ms8135 يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير ~~رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون. وقيل: يبيع هاهنا ~~بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام. والسعر لما غلا في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان ~~هناك من عنده طعام امتنع من بيعه؛ بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم ~~جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق؛ لكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع ~~حاضر لباد: نهاه أن يكون له سمسار وقال: " {دعوا الناس يرزق الله بعضهم من ~~بعض} " وهذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه فنهى ~~الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له مع ~~خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري؛ فنهاه عن التوكل له - مع ~~أن جنس الوكالة مباح - لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب وهذا أيضا ثابت في الصحيح من غير وجه ~~وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار؛ ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى ~~عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه فأثبت النبي صلى الله ~~عليه وسلم الخيار لهذا # PageV28P102 # البائع. وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا أو إذا غبن؟ قولان للعلماء هما ~~روايتان عن أحمد. أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن والثاني يثبت له ~~الخيار مطلقا وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ~~ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه. وفي الجملة فقد نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع ~~بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: ~~للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول: وللبادي أن يوكل ~~الحاضر. ولكن الشارع راعى المصلحة العامة؛ فإن الجالب إذا لم يعرف السعر ~~كان جاهلا بثمن ms8136 المثل فيكون المشتري غارا له؛ ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك ~~كل مسترسل. والمسترسل: الذي لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع؛ فإنه بمنزلة ~~الجالبين الجاهلين بالسعر فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء ~~إلا بالسعر المعروف وهو ثمن المثل؛ وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع ~~من ذلك البائع؛ لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير ~~مماكسين له والبيع يعتبر فيه الرضا والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم أنه غبن ~~فقد يرضى وقد لا # PageV28P103 # يرضى فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك وإذا لم يرض بثمن المثل لم ~~يلتفت إلى سخطه. ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس؛ ~~فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر. فإذا اشترى على ذلك فما ~~عرف رضاه إلا بذلك فإذا تبين أن في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها ~~بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع. وفى ~~الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما ~~محقت بركة بيعهما} ". وفي السنن {أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره؛ وكان ~~صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الأرض في ~~قلعها وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار} . فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع ~~بها أن يبيعها؛ فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري وأين حاجة هذا من حاجة ~~عموم الناس إلى الطعام؟ ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز. ~~ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع ~~بذلك وهو إنما ضمنها ليتجر فيها فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم # PageV28P104 # يحتاجون لم يمكن من ذلك وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل؛ كما يلزم الذي يشتري ms8137 ~~الحنطة ويطحنها ليتجر فيها والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة ~~الناس إلى ما عنده؛ بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى بل إذا امتنع ~~من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم وإذا ~~كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن ~~المعروف لم يحتج إلى تسعير. وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا ~~بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل؛ لا وكس ولا شطط. # فصل: # فأما الغش والتدليس في " الديانات " فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية في مساجد ~~المسلمين. ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ~~ومشايخهم وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير. ومثل التكذيب ~~بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تلقاها أهل العلم بالقبول. ومثل ~~رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل ~~الغلو في الدين # PageV28P105 # بأن ينزل البشر منزلة الإله. ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه ~~والتكذيب بقدر الله ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره. ومثل إظهار الخزعبلات ~~السحرية والشعبذية الطبيعية وغيرها؛ التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء ~~من المعجزات والكرامات؛ ليصد بها عن سبيل الله؛ أو يظن بها الخير فيمن ليس ~~من أهله. وهذا باب واسع يطول وصفه. فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب ~~منعه من ذلك وعقوبته عليها - إذا لم يتب حتى قدر عليه - بحسب ما جاءت به ~~الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك. وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك ~~قولا أو فعلا ويمنع من الاجتماع في مظان التهم فالعقوبة لا تكون إلا على ~~ذنب ثابت. وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة كما منع عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة. وهذا مثل الاحتراز عن ~~قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان ms8138 المتهم بالخيانة ومعاملة المتهم بالمطل. # PageV28P106 # فصل: # " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن ~~الله يزع بالسلطان. ما لا يزع بالقرآن. وإقامة الحدود واجبة على ولاة ~~الأمور؛ وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات. فمنها عقوبات ~~مقدرة؛ مثل جلد المفتري ثمانين وقطع السارق. ومنها عقوبات غير مقدرة قد ~~تسمى " التعزير ". وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها؛ وبحسب ~~حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. " والتعزير " أجناس. فمنه ما ~~يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام. ومنه ما يكون بالحبس. ومنه ما يكون بالنفي ~~عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب. فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك ~~الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه؛ أو ~~على ترك رد المغصوب؛ أو أداء الأمانة إلى أهلها: فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى ~~يؤدي الواجب ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم. وإن كان الضرب على ذنب ماض ~~جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره: فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط ~~وليس لأقله حد. # PageV28P107 # وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها: # عشر جلدات. # والثاني: دون أقل الحدود؛ إما تسعة وثلاثون سوطا؛ وإما تسعة وسبعون سوطا. # وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والثالث. أنه لا يتقدر ~~بذلك. وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وهو إحدى ~~الروايتين عنه؛ لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر ~~مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع والتعزير على المضمضة ~~بالخمر لا يبلغ به حد الشرب والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به ~~الحد. وهذا القول أعدل الأقوال؛ عليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنة خلفائه الراشدين؛ فقد {أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الذي أحلت ~~له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة} . وأمر أبو بكر وعمر بضرب ~~رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة. ms8139 وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه ~~وأخذ من بيت المال مائة. ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم ~~الثالث مائة. وضرب صبيغ بن عسل - لما رأى من بدعته - ضربا كثيرا لم يعده. ~~ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل المفرق # PageV28P108 # لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين قال تعالى: {من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا ~~بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما} وقال: {من جاءكم وأمركم على رجل وأحد ~~يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان} . {وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتل رجل تعمد عليه الكذب} {وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته ~~عن شرب الخمر؟ فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه.} فلهذا ذهب مالك وطائفة من ~~أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس. وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي ~~إلى قتل الداعية إلى البدع. وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك. فإن ~~المحتسب ليس له القتل والقطع. ومن أنواع التعزير: النفي والتغريب؛ كما كان ~~عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر؛ وكما نفى صبيغ بن عسل ~~إلى البصرة وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء. # فصل: # و " التعزير بالعقوبات المالية " مشروع أيضا في مواضع مخصوصة # PageV28P109 # في مذهب مالك في المشهور عنه؛ ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه؛ وفي ~~مواضع فيها نزاع عنه. والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت ~~عليه سنة {رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في ~~حرم المدينة لمن وجده} ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه ومثل {أمره عبد ~~الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين؛ وقال له: أغسلهما؟ قال: لا بل ~~احرقهما.} {وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما ~~استأذنوه في الإراقة أذن؛ ms8140 فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها ~~وإراقة ما فيها؛ فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: افعلوا} فدل ذلك على ~~جواز الأمرين؛ لأن العقوبة بذلك لم يكن واجبة. ومثل هدمه لمسجد الضرار. ~~ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلها {ومثل تضعيفه صلى الله عليه وسلم الغرم ~~على من سرق من غير حرز} ومثل ما روي من إحراق متاع الغال ومن حرمان القاتل ~~سلبه لما اعتدى على الأمير. ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ومثل ~~تحريق. عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام؛ وتحريق عمر بن الخطاب لكتب ~~الأوائل وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد # PageV28P110 # أن يحتجب عن الناس؛ فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه؛ فذهب فحرقه ~~عليه. وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة. ~~ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد ~~غلط على مذهبهما. ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان: فقد قال قولا بلا دليل. ~~ولم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات ~~المالية؛ بل أخذ الخلفاء الراشدون وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ~~ذلك محكم غير منسوخ. وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه وبعضها ~~قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: إن ~~العقوبات المالية كالبدنية: تنقسم إلى ما يوافق الشرع؛ وإلى ما يخالفه. ~~وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ؛ ~~لا من كتاب ولا سنة. وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة ~~الثابتة بلا حجة. إلا مجرد دعوى النسخ؛ وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة # PageV28P111 # لبعض النصوص توهمه ترك العمل؛ إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع؛ ~~والإجماع دليل على النسخ ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على ~~أنه منسوخ؛ فإن ms8141 الأمة لا تجتمع على ضلالة ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص ~~إلا وقد عرف النص الناسخ له؛ ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه ~~من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا؛ بل غايته ~~أنه لم يعرف فيه نزاعا ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول ~~أصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء. # وأيضا فإن ### | واجبات الشريعة # التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات كالصلاة والزكاة والصيام. # وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة وكفارات كل واحد من أقسام الواجبات ينقسم ~~إلى: بدني. وإلى مالي. وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة ~~والصيام. والمالية: كالزكاة. والمركبة: كالحج. والكفارات المالية: ~~كالإطعام. والبدنية: كالصيام. والمركبة: كالهدي بذبح. والعقوبات البدنية: ~~كالقتل والقطع. والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. # PageV28P112 # والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ ~~أموالهم. وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق؛ ~~وتارة تكون دفعا عن المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية؛ فإن منها ما هو ~~من باب إزالة المنكر؛ وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف؛ وإلى تغيير؛ وإلى ~~تمليك الغير. فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا ~~لها؛ مثل الأصنام المعبودة من دون الله؛ لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف ~~مادتها؛ فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات ~~الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك؛ وأشهر ~~الروايتين عن أحمد. ومثل ذلك أوعية الخمر؛ يجوز تكسيرها وتخريقها؛ والحانوت ~~الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من ~~المالكية وغيرهم واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان ~~يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي؛ وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد. وكذلك أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر رواه أبو ~~عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية. وهذا أيضا على المشهور في ms8142 ~~مذهب أحمد ومالك وغيرهما. # PageV28P113 # ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب؛ حيث رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء ~~للبيع فأراقه عليه وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبذلك أفتى ~~طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل؛ وذلك لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه {نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع} وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ ~~لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء؛ فأتلفه عمر. ونظيره ما ~~أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز ### | إتلاف المغشوش # ات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجا رديئا إنه يجوز تمزيقها ~~وتحريقها؛ ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير مزقه ~~عليه فقال الزبير: أفزعت الصبي فقال: لا تكسوهم الحرير. كذلك {تحريق عبد ~~الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.} وهذا كما يتلف ~~من البدن المحل الذي قامت به المعصية؛ فتقطع يد السارق وتقطع رجل المحارب ~~ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر؛ ~~وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق؛ بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز ~~إبقاؤه أيضا؛ إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء على هذا ~~الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والبطيخ والشواء كالخبز والطعام الذي لم # PageV28P114 # ينضج وكالطعام المغشوش وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ~~ذلك: يتصدق به على الفقراء؛ فإن ذلك من إتلافه. وإذا كان عمر بن الخطاب قد ~~أتلف اللبن الذي شيب للبيع: فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى؛ فإنه يحصل ~~به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه ~~وعمر أتلفه لأنه كان يغني الناس بالعطاء؛ فكان الفقراء عنده في المدينة إما ~~قليلا وإما معدومين. ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه. ~~ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في ~~الأرض أدبا ms8143 لصاحبه وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم؛ ورأى أن يتصدق به. ~~وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء. وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات ~~المالية وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا؛ لكن الأول ~~أشهر عنه وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش؛ وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه ~~عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق. قيل لمالك: فالزعفران والمسك ~~أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن. قال ابن ~~القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه فأما # PageV28P115 # إذا كثر منه فلا أرى ذلك؛ وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال ~~عظام. يريد في الصدقة بكثيره. قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك ~~يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله ~~وكثيره؛ وخالفه ابن القاسم؛ فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا؛ ~~وذلك إذا كان هو الذي غشه وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو؛ ~~وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه: فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك. ~~وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان قال في الملاحف ~~الرديئة النسج: تحرق بالنار. وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق؛ وقال: تقطع خرقا ~~وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا. وكذلك أفتى بإعطاء ~~الخبز المغشوش للمساكين؛ فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال ~~امرئ مسلم إلا بإذنه. قال القاضي أبو الأصبع: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض ~~في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز ~~للمساكين وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله وإذا لم ير ولي الأمر ~~عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد # PageV28P116 # أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش إما بإزالة الغش؛ وإما ببيع ~~المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره. قال عبد الملك بن حبيب: قلت ~~لمطرف وابن الماجشون لما نهينا ms8144 عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه ~~الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس ~~والإخراج من السوق؛ وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا ~~يفرق ولا ينهب. قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه ~~عليه من يأمن أن يغش به وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه ويباع عليه ~~العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه هكذا العمل فيما غش ~~من التجارات. قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم. # فصل: # وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس} فإذا ~~كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت ومثل تغيير الصورة المجسمة ~~وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة؛ مثل ما روى أبو هريرة قال: {قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV28P117 # أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة؛ فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا ~~أنه كان في البيت تمثال رجل كان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في ~~البيت كلب؛ فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة؛ وأمر ~~بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن وأمر بالكلب يخرج. ففعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد لهم} ~~رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. كل ما كان من العين أو التأليف ~~المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين مثل إراقة خمر المسلم؛ ~~وتفكيك آلات الملاهي؛ وتغيير الصور المصورة؛ وإنما تنازعوا في جواز إتلاف ~~محلها تبعا للحال والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ~~وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما. والصواب إن كل مسكر من الطعام والشراب ~~فهو حرام ويدخل في ذلك البتع والمزر والحشيشة القنبية وغير ذلك. وأما ~~التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن ms8145 {النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين: أن عليه جلدات ~~نكال وغرمه مرتين. وفيمن # PageV28P118 # سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين} ~~. وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها وبذلك كله ~~قال طائفة من العلماء؛ مثل أحمد وغيره وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة ~~أعرابي أخذها مماليك جياع فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع. وأضعف ~~عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدا إنه يضعف عليه الدية؛ لأن دية ~~الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك. أحمد بن حنبل. # فصل: # الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه: فإن هذا من ~~العدل الذي تقوم به السماء والأرض؛ كما قال الله تعالى: {إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} وقال: {وليعفوا وليصفحوا ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من لا يرحم ~~لا يرحم} . وقال: {إن الله وتر يحب الوتر} . وقال: {إن الله جميل يحب ~~الجمال.} وقال: {إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا} . وقال: {إن الله نظيف # PageV28P119 # يحب النظافة} . ولهذا قطع يد السارق وشرع قطع يد المحارب ورجله؛ وشرع ~~القصاص في الدماء والأموال والأبشار فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس ~~المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان مثل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه في شاهد الزور إنه أمر بإركابه دابة مقلوبا وتسويد وجهه؛ فإنه لما ~~قلب الحديث قلب وجهه ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه. وهذا قد ذكره في تعزير ~~شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. ولهذا قال الله تعالى: ~~{ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} . وقال تعالى: {ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ms8146 وكذلك اليوم ~~تنسى} . وفي الحديث: {يحشر الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس ~~بأرجلهم} فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده كما أن من تواضع لله ~~رفعه الله؛ فجعل العباد متواضعين له. والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا ~~المؤمنين ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV28P120 ### | فصل: (*) # في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ~~من الدين؛ فإن رسالة الله: إما إخبار وإما إنشاء. فالإخبار عن نفسه وعن ~~خلقه: مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد. والإنشاء الأمر ~~والنهي والإباحة. وهذا كما ذكر في أن: {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن؛ ~~لتضمنها ثلث التوحيد؛ إذ هو قصص؛ وتوحيد؛ وأمر. وقوله سبحانه في صفة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث} هو بيان لكمال رسالته؛ فإنه صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي أمر الله على لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر؛ وأحل كل طيب وحرم كل ~~خبيث؛ ولهذا روي عنه أنه قال: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} . وقال في ~~الحديث المتفق عليه: {مثلي ومثل الأنبياء كمثل PageV28P121 # رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة؛ فكان الناس يطيفون بها ~~ويعجبون من حسنها؛ ويقولون: لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة} . فبه كمل ~~دين الله المتضمن للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإحلال كل طيب وتحريم ~~كل خبيث. وأما من قبله من الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض الطيبات كما ~~قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} . وربما لم يحرم ~~عليهم جميع الخبائث كما قال تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} . وتحريم الخبائث يندرج في ~~معنى " النهي عن المنكر " كما أن إحلال الطيبات يندرج في " الأمر بالمعروف ~~" لأن تحريم ms8147 الطيبات مما نهى الله عنه وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهي عن ~~كل منكر مما لم يتم إلا للرسول؛ الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة ~~في المعروف وقد قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا} فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي ~~لنا الإسلام دينا. وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها حيث قال: {كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} . وقال ~~تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # PageV28P122 # يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ولهذا قال أبو هريرة: كنتم خير الناس ~~للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. فبين سبحانه أن ~~هذه الأمة خير الأمم للناس: فهم أنفعهم لهم وأعظمهم إحسانا إليهم؛ لأنهم ~~كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر حيث أمروا ~~بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله ~~بأنفسهم وأموالهم وهذا كمال النفع للخلق. وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل ~~معروف؛ ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك. بل منهم من لم ~~يجاهد والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم ~~كما يقاتل الصائل الظالم؛ لا لدعوة المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن ~~المنكر كما قال موسى لقومه: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} {قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} إلى ~~قوله: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} . وقال تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل ~~من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال # PageV28P123 # هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} " فعللوا ms8148 القتال بأنهم أخرجوا من ~~ديارهم وأبنائهم ومع هذا فكانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك؛ ولهذا لم تحل ~~لهم الغنائم؛ ولم يكونوا يطئون بملك اليمين. ومعلوم أن أعظم الأمم المؤمنين ~~قبلنا بنو إسرائيل؛ كما جاء في الحديث المتفق على صحته في الصحيحين عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما {قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ~~عرضت علي الأمم؛ فجعل يمر النبي ومعه الرجل؛ والنبي معه الرجلان؛ والنبي ~~معه الرهط؛ والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فرجوت أن يكون ~~أمتي؛ فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق ~~فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك ومع ~~هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك وكنا آمنا ~~بالله ورسوله؛ ولكن هؤلاء أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هم ~~الذين لا يتطيرون والا يكتوون؛ ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون: فقام عكاشة ~~بن محصن فقال: # PageV28P124 # أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك ~~بها عكاشة.} ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم ~~يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر؛ فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط ~~واجب؛ أو تحريم حلال أو إخبار عن الله تعالى؛ أو خلقه بباطل: لكانوا متصفين ~~بالأمر بمنكر والنهي عن معروف: من الكلم الطيب والعمل الصالح؛ بل الآية ~~تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف وما لم تنه عنه فليس من ~~المنكر. وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر: فكيف يجوز أن تأمر ~~كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف؟ والله تعالى كما أخبر بأنها تأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله: {ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ms8149 هم ~~المفلحون} . وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن ~~من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ~~ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة: فكيف يشترط فيما هو من توابعها؟ بل الشرط أن ~~يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم. ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم ~~مع قيام فاعله بما يجب عليه: # PageV28P125 # كان التفريط منهم لا منه.وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب ~~على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ولما كان الجهاد من ~~تمام ذلك كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر ~~بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته؛ كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} . # وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه ~~بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أمرنا به؛ ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ~~ونهيك عن المنكر غير منكر. وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات ~~فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة؛ إذ ~~بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد؛ بل كل ما أمر الله به ~~فهو صلاح. # وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذم ~~المفسدين في غير موضع فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن ~~مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم؛ إذ المؤمن عليه أن يتقي ~~الله في عباده وليس عليه هداهم وهذا معنى # PageV28P126 # قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال ~~الضلال. وذلك يكون تارة بالقلب؛ ms8150 وتارة باللسان؛ وتارة باليد. فأما القلب ~~فيجب بكل حال؛ إذ لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {وذلك أدنى - أو - أضعف الإيمان} وقال: {ليس وراء ذلك ~~من الإيمان حبة خردل} . وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا ~~يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن ~~اليمان. وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي ~~تأويلا لهذه الآية؛ كما {قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته: ~~إنكم تقرءون هذه الآية {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنكم ~~تضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس ~~إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} . # PageV28P127 # والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا؛ من ~~غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه وما لا ~~يقدر كما في {حديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به ~~فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام؛ فإن من ورائك أيام الصبر فيهن على مثل قبض ~~على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله} . فيأتي بالأمر ~~والنهي معتقدا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده كما انتصب ~~كثير من أهل البدع والأهواء؛ كالخوارج والمعتزلة والرافضة؛ وغيرهم ممن غلط ~~فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك وكان فساده أعظم من صلاحه؛ ~~ولهذا {أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة؛ ونهى عن ~~قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال: أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم} . وقد ~~بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع. ولهذا كان من أصول ms8151 أهل السنة ~~والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة. وأما أهل ~~الأهواء - كالمعتزلة - فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم ويجعل المعتزلة ~~أصول دينهم # PageV28P128 # خمسة: " التوحيد " الذي هو سلب الصفات؛ و " العدل " الذي هو التكذيب ~~بالقدر؛ و " المنزلة بين المنزلتين " و " إنفاذ الوعيد " و " الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر " الذي منه قتال الأئمة. وقد تكلمت على قتال ~~الأئمة في غير هذا الموضع. وجماع ذلك داخل في " القاعدة العامة ": فيما إذا ~~تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح ~~الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد. ~~فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض ~~له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا ~~به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير ~~المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم ~~يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز النصوص من ~~يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة ~~جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا؛ ~~أو يتركوها جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ ينظر: ~~فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم ينه # PageV28P129 # عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد ~~عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات وإن كان ~~المنكر أغلب نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر ~~بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ~~ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. ~~فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان ~~المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور ms8152 المعينة الواقعة. # وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا. وفي ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول ~~منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح ~~منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على ~~الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ~~ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع ولا # PageV28P130 # حول ولا قوة إلا بالله. ومن هذا الباب إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعبد الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان فإزالة ~~منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم؛ ~~وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدا يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خاطب الناس في قصة ~~الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه وقال له سعد بن معاذ قولا الذي أحسن فيه: ~~حمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه. وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان المعروف ~~وبغضه للمنكر؛ وإرادته لهذا؛ وكراهته لهذا: موافقة لحب الله وبغضه وإرادته ~~وكراهته الشرعيين. وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته: ~~فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} . فأما ~~حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة؛ لا يوجب نقص ~~ذلك إلا نقص الإيمان. وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب ~~وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته: فإنه يعطى ثواب الفاعل ~~الكامل كما قد بيناه في غير هذا الموضع: فإن من الناس من يكون حبه وبغضه ~~وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها؛ لا # PageV28P131 # بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا من نوع الهوى؛ فإن اتبعه ~~الإنسان فقد اتبع هواه {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} فإن أصل ~~الهوى محبة النفس ms8153 ويتبع ذلك بغضها ونفس الهوى - وهو الحب والبغض الذي في ~~النفس - لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يملك وإنما يلام على اتباعه؛ كما قال ~~تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ثلاث منجيات: خشية الله في السر ~~والعلانية والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاث ~~مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه} . والحب والبغض يتبعه ذوق ~~عند وجود المحبوب والمبغض ووجد وإرادة؛ وغير ذلك فمن اتبع ذلك بغير أمر ~~الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؛ بل قد يصعد به الأمر إلى ~~أن يتخذ إلهه هواه واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في ~~الشهوات. فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين؛ كما قال ~~تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله} وقال تعالى: {ضرب لكم # PageV28P132 # مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم} ~~الآية؛ إلى أن قال: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} وقال تعالى: ~~{وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ~~بغير علم} الآية وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ~~وقال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير} وقال تعالى في الآية الأخرى: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما ~~جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} وقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم} . ولهذا كان من خرج ms8154 عن موجب الكتاب والسنة من العلماء ~~والعباد يجعل من أهل الأهواء؛ كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء وذلك إن ~~كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله ~~الذي بعث به رسوله؛ ولهذا قال تعالى في موضع: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ~~بغير علم} وقال في موضع آخر: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} . ~~فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه. ومقدار حبه # PageV28P133 # وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على ~~رسوله؛ بحيث يكون مأمورا بذلك الحب والبغض. لا يكون متقدما فيه بين يدي ~~الله ورسوله؛ فإنه قد قال: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ومن أحب أو ~~أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله. ~~ومجرد الحب والبغض هوى؛ لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله: ~~ولهذا قال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد} فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه ~~الذي بعث به رسوله. وهو السبيل إليه. وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى: {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله أخلصه وأصوبه. فإن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص: ~~أن يكون الله والصواب أن يكون على السنة. فالعمل الصالح لا بد أن يراد به ~~وجه الله تعالى؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ~~وحده؛ كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو كله للذي ~~أشرك} . # PageV28P134 # وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله ~~وله ms8155 خلق الخلق وهو حقه على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولا بد مع ~~ذلك أن يكون العمل صالحا؛ وهو ما أمر الله به ورسوله وهو الطاعة فكل طاعة ~~عمل صالح وكل عمل صالح طاعة وهو العمل المشروع المسنون؛ إذ المشروع المسنون ~~هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب وهو العمل الصالح وهو الحسن وهو البر ~~وهو الخير؛ وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والظلم. ولما كان ~~العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أصدق الأسماء حارث وهمام} فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية؛ لكن النية ~~المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل. والعمل ~~المحمود: الصالح؛ وهو المأمور به؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل ~~لأحد فيه شيئا. # وإذا كان هذا حد كل عمل صالح: فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن ~~يكون هكذا في حق نفسه ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه وكما قال ~~عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم # PageV28P135 # كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~{العلم إمام العمل والعمل تابعه} وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن ~~بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما تقدم وهذا هو الفرق بين أهل ~~الجاهلية وأهل الإسلام. فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما. ~~ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي. ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي ~~بالصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. ولا بد في ذلك من الرفق ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما كان الرفق في شيء إلا زانه؛ ولا كان ~~العنف في شيء إلا شانه وقال: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي ~~عليه ما لا يعطي على العنف.} ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على ms8156 الأذى؛ ~~فإنه لا بد أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح. ~~كما قال لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور} ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر - بالصبر كقوله لخاتم الرسل؛ بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة. فإنه ~~أول ما أرسل أنزلت عليه سورة {يا أيها المدثر} بعد أن أنزلت عليه سورة. ~~اقرأ التي بها نبئ # PageV28P136 # فقال: {يا أيها المدثر} {قم فأنذر} {وربك فكبر} {وثيابك فطهر} {والرجز ~~فاهجر} {ولا تمنن تستكثر} {ولربك فاصبر} فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق ~~بالأمر بالنذارة وختمها بالأمر بالصبر ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن ~~المنكر. فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر وقال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} ~~وقال تعالى: {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} {فاصبر كما صبر أولو ~~العزم من الرسل} {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} {واصبر وما صبرك إلا ~~بالله} {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . فلا بد من هذه الثلاثة: ~~العلم؛ والرفق؛ والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي؛ والرفق معه والصبر بعده ~~وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن ~~بعض السلف ورووه مرفوعا؛ ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: " لا يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به؛ فقيها فيما ينهى ~~عنه؛ رفيقا فيما يأمر به؛ رفيقا فيما ينهى عنه؛ حليما فيما يأمر به حليما ~~فيما ينهى عنه ". وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر مما يوجب صعوبة على كثير من النفوس؛ فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه؛ ~~وذلك مما يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو # PageV28P137 # أقل: فإن ترك الأمر الواجب معصية: فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها ~~كالمستجير من الرمضاء بالنار والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين ~~باطل إلى دين باطل؛ وقد يكون الثاني شرا من الأول: ms8157 وقد يكون دونه؛ وقد ~~يكونان سواء؛ فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب ~~هذا أعظم: وقد يكون ذنب هذا أعظم؛ وقد يكونان سواء. # ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به ~~في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب؛ فسيئات المصائب والجزاء من سيئات ~~الأعمال وأن الطاعة سبب النعمة فإحسان العمل سبب لإحسان الله قال تعالى: ~~{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} " وقال تعالى: {ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقال تعالى: {إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا ~~الله عنهم} وقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو ~~من عند أنفسكم} " وقال: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} وقال: {وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} وقال تعالى: {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} . # PageV28P138 # وقد أخبر سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من الأمم؛ كقوم نوح؛ وعاد؛ ~~وثمود؛ وقوم لوط؛ وأصحاب مدين؛ وقوم فرعون: في الدنيا. وأخبر بما يعاقبهم ~~به في الآخرة؛ ولهذا قال مؤمن آل فرعون: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب} {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد} {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} {يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} وقال تعالى: {كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر} وقال: {سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} وقال: ~~{ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} وقال: ~~{فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} . إلى قوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى ~~إنا منتقمون} . ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل ~~السيئات في الدنيا وما أعده لهم في الآخرة وقد يذكر في السورة وعد الآخرة ~~فقط؛ إذ عذاب ms8158 الآخرة أعظم؛ وثوابها أعظم؛ وهي دار القرار. وإنما يذكر ما ~~يذكره من الثواب والعذاب في الدنيا تبعا؛ كقوله في قصة يوسف: {وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين} {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال: {فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن # PageV28P139 # ثواب الآخرة} وقال: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} {الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون} وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وآتيناه أجره في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين} . وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة: ~~{والنازعات غرقا} {والناشطات نشطا} ثم قال: {يوم ترجف الراجفة} {تتبعها ~~الرادفة} فذكر القيامة مطلقا ثم قال: {هل أتاك حديث موسى} {إذ ناداه ربه ~~بالوادي المقدس طوى} {اذهب إلى فرعون إنه طغى} إلى قوله: {إن في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى} ثم ذكر المبدأ والمعاد مفصلا فقال: {أأنتم أشد خلقا أم السماء ~~بناها} . إلى قوله تعالى {فإذا جاءت الطامة الكبرى} . إلى قوله تعالى {فأما ~~من طغى} {وآثر الحياة الدنيا} {فإن الجحيم هي المأوى} {وأما من خاف مقام ~~ربه ونهى النفس عن الهوى} {فإن الجنة هي المأوى} إلى آخر السورة. وكذلك في ~~" المزمل " ذكر قوله: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا} {إن ~~لدينا أنكالا وجحيما} {وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} إلى قوله تعالى {كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} . كذلك في ~~" سورة الحاقة " ذكر قصص الأمم؛ كثمود وعاد وفرعون # PageV28P140 # ثم قال تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} {وحملت الأرض والجبال ~~فدكتا دكة واحدة} إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة والنار. وكذلك في سورة ن ~~والقلم؛ ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به ثم قال: ~~{كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} . كذلك في " سورة ~~التغابن " قال: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم} {ذلك بأنه كانت ms8159 تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} ثم قال: {زعم الذين كفروا أن ~~لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} . وكذلك في سورة " ق " ذكر حال المخالفين ~~للرسل؛ وذكر الوعد والوعيد في الآخرة. وكذلك في " سورة القمر " ذكر هذا ~~وهذا. كذلك في " آل حم " مثل حم غافر؛ والسجدة؛ والزخرف؛ والدخان وغير ذلك. ~~إلى غير ذلك مما لا يحصى. فإن التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل؛ كما ~~في صحيح # PageV28P141 # البخاري عن {يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي ~~فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني ~~مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه. فإنه يقرأ غير مؤلف قالت: ~~وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر ~~الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل ~~أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا ~~لقالوا: لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني ~~لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وما نزلت سورة البقرة ~~والنساء إلا وأنا عنده قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور.} وإذا ~~كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ~~ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم آخرون إنكارا ~~منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم؛ فيحصل التفرق والاختلاف والشر وهذا من أعظم ~~الفتن والشرور قديما وحديثا؛ إذ الإنسان ظلوم جهول والظلم والجهل أنواع ~~فيكون ظلم الأول وجهله من نوع وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع ~~آخر وآخر. # PageV28P142 # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة ~~وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها؛ ومن تبعهم من العامة من ~~الفتن: هذا أصلها؛ يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: التي هي ms8160 الأهواء ~~الدينية والشهوانية؛ وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا وذلك أن أسباب ~~الضلال والغي البدع في الدين والفجور في الدنيا وهي مشتركة: تعم بني آدم؛ ~~لما فيهم من الظلم والجهل؛ فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره؛ كالزنا بلواط ~~وغيره؛ أو شرب خمر؛ أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب؛ أو نحو ذلك. ~~ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة ~~أيضا ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها؛ لكن تريد أن يحصل لها ~~ما حصل له وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد. فهي تريد الاستعلاء على ~~الغير والاستئثار دونه؛ أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل؛ ~~ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن ~~غيرها بالشهوات؛ فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها؟ ~~فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي وأما الآخر فظلوم حسود. ~~وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله فما كان # PageV28P143 # جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال: إذا وقع فيها الاختصاص ~~حصل الظلم؛ والبخل والحسد. وأصلهما الشح كما في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم: أمرهم بالبخل ~~فبخلوا؛ وأمرهم بالظلم فظلموا؛ وأمرهم بالقطيعة فقطعوا} . ولهذا قال الله ~~تعالى في وصف الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين: {ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} أي: لا يجدون الحسد مما أوتي إخوانهم من ~~المهاجرين؛ {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ثم قال: {ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} . ورئي عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ويقول: رب ~~قني شح نفسي رب قني شح نفسي فقيل له في ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي فقد ~~وقيت البخل والظلم والقطيعة أو كما قال. فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس ~~يوجب البخل بمنع ما هو عليه؛ والظلم بأخذ مال الغير. ms8161 ويوجب قطيعة الرحم؛ ~~ويوجب الحسد؛ وهو: كراهة ما أختص به الغير والحسد فيه بخل وظلم؛ فإنه بخل ~~بما أعطيه غيره؛ وظلمه بطلب زوال ذلك عنه. فإذا كان هذا في جنس الشهوات ~~المباحة؛ فكيف بالمحرمة: # PageV28P144 # كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك؟ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان: ~~أحدهما: بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم؛ كما يقع في الأمور المباحة ~~الجنس. والثاني: بغضها لما في ذلك من حق الله. ولهذا كانت الذنوب ثلاثة ~~أقسام: أحدها: ما فيها ظلم الناس؛ كالظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق؛ والحسد ~~ونحو ذلك. والثاني: ما فيه ظلم الناس فقط؛ كشرب الخمر والزنا؛ إذا لم يتعد ~~ضررهما. والثالث: ما يجتمع فيه الأمران؛ مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس ~~يزني بها ويشرب بها الخمر؛ ومثل أن يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ~~ويضرهم؛ كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان وقد قال الله تعالى: {قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . # PageV28P145 # وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع ~~الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا ~~قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن ~~كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم ~~والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي ~~وقطيعة الرحم} فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة ~~وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن ~~لصاحبها في الآخرة من خلاق ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من ~~الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه ~~والحسد له؛ والتعدي عليه في حقه. وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات ~~القبيحة كالزنا ms8162 وأكل الخبائث. فهي قد تظلم من لا يظلمها؛ وتؤثر هذه الشهوات ~~وإن لم تفعلها؛ فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي ~~هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير وقد تصبر؛ ويهيج ذلك لها من بغض ذلك ~~الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك ولها حجة ~~عند نفسها من جهة العقل والدين؛ يكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين؛ وإن ~~أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب؛ والجهاد على ذلك من الدين. # PageV28P146 # والناس هنا ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم؛ فلا يرضون ~~إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه؛ فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من ~~الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكرا ~~- ينهى عنه ويعاقب عليه؛ ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده وصار فاعلا له ~~وشريكا فيه؛ ومعاونا عليه؛ ومعاديا لمن نهى عنه وينكر عليه. وهذا غالب في ~~بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه. وسببه: أن الإنسان ظلوم ~~جهول؛ فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين يرى قوما ينكرون على ~~المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم؛ فيرضى أولئك المنكرون ببعض الشيء ~~فينقلبون أعوانا له. وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه. وكذلك تراهم ~~ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ~~ذلك؛ أو يرضوه ببعض ذلك؛ فتراه قد صار عونا لهم. وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم ~~إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو ~~نظيره. وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما ~~عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا. وهؤلاء هم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس: # PageV28P147 # يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وقوم يجتمع فيهم هذا ~~وهذا؛ وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة ~~الطاعة وإرادة المعصية وربما غلب هذا ms8163 تارة وهذا تارة. وهذه القسمة الثلاثية ~~كما قيل: الأنفس ثلاث: أمارة؛ ومطمئنة؛ ولوامة. فالأولون هم أهل الأنفس ~~الأمارة التي تأمره بالسوء. والأوسطون هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل ~~فيها: {يا أيتها النفس المطمئنة} {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} {فادخلي في ~~عبادي} {وادخلي جنتي} . والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم ~~تلوم عليه؛ وتتلون: تارة كذا. وتارة كذا. وتخلط عملا صالحا وآخر سيئا. ~~ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء ~~بهما كما قال صلى الله عليه وسلم {اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر} ~~أقرب عهدا بالرسالة وأعظم إيمانا وصلاحا؛ وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في ~~الطمأنينة: لم تقع فتنة؛ إذ كانوا في حكم القسم الوسط. ولما كان في آخر ~~خلافة عثمان وخلافة علي كثر القسم الثالث؛ فصار فيهم شهوة وشبهة مع الإيمان ~~والدين؛ وصار ذلك في بعض الولاة # PageV28P148 # وبعض الرعايا ثم كثر ذلك بعد؛ فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم ~~تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين؛ واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في ~~الطرفين: وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنه مع الحق ~~والعدل ومع هذا التأويل نوع من الهوى؛ ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس؛ ~~وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى. فلهذا يجب على المؤمن أن ~~يستعين بالله؛ ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه: ويثبته على الهدى ~~والتقوى؛ ولا يتبع الهوى كما قال تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا ~~تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا ~~وربكم} . وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات ~~والعبادات. وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين. فإنهم يحتاجون ~~إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا ~~عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها: فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم فمع ~~وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم؛ كما هو الواقع؛ فيقوى ms8164 الداعي الذي ~~في نفس الإنسان وشيطانه؛ وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير. فكم ممن ~~لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره - لا سيما إن كان نظيره - # PageV28P149 # يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا؛ مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. ولهذا ~~كان المبتدئ بالخير والشر: له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة؛ من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا} وذلك ~~لاشتراكهم في الحقيقة. وأن حكم الشيء حكم نظيره. وشبه الشيء منجذب إليه. ~~فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن ~~كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه؛ ويبغضون من لا ~~يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم؛ ~~ومعاداتهم لمخالفيهم. وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ~~ويؤثرون من يشاركهم: إما للمعاونة على ذلك؛ كما في المتغلبين من أهل ~~الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم. وإما بالموافقة؛ كما في المجتمعين على شرب ~~الخمر؛ فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم وإما لكراهتهم امتيازه عنهم ~~بالخير: إما حسدا له على ذلك؛ لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم. وإما لئلا ~~يكون له عليهم حجة. وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه؛ أو بمن يرفع ذلك ~~إليهم؛ ولئلا يكونوا تحت منته وخطره # PageV28P150 # ونحو ذلك من الأسباب قال الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم ~~من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} وقال ~~تعالى في المنافقين: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} . وقال عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه ودت الزانية لو زنى النساء كلهن. والمشاركة قد ~~يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد وقد ~~يختارونها في النوع؛ كالزاني الذي يود ms8165 أن غيره يزني؛ والسارق الذي يود أن ~~غيره يسرق أيضا؛ لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها. وأما الداعي ~~الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر. فإن شاركهم ~~وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه؛ أولا ينتهي إلى حد الإكراه ~~ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ~~ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا ~~به. وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى. وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه. وهذه ~~حال غالب الظالمين القادرين. وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف ~~وأبلغ منه كما قال # PageV28P151 # تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} فإن داعي الخير أقوى؛ فإن الإنسان فيه ~~داع يدعوه إلى الإيمان والعلم؛ والصدق والعدل؛ وأداء الأمانة فإذا وجد من ~~يعمل مثل ذلك صار له داع آخر؛ لا سيما إذا كان نظيره؛ لا سيما مع المنافسة ~~وهذا محمود حسن. فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين ~~والصالحين؛ ويبغضه إذا لم يفعل: صار له داع ثالث؛ فإذا أمروه بذلك ووالوه ~~على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع. ولهذا يؤمر المؤمنون أن ~~يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات؛ كما يقابل الطبيب المرض بضده. فيؤمر ~~المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين: بفعل الحسنات. وترك السيئات مع وجود ما ~~ينفي الحسنات ويقتضي السيئات. وهذه أربعة أنواع. ويؤمر أيضا بإصلاح غيره ~~بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه؛ قال تعالى: {والعصر} {إن الإنسان ~~لفي خسر} {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ~~. وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو فكر الناس كلهم في سورة ~~(والعصر لكفتهم. وهو كما قال. فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون ~~إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا؛ ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر. وإذا ~~عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو # PageV28P152 # الدرجة وعظيم الأجر؛ كما {سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي ms8166 الناس أشد ~~بلاء؟ قال الأنبياء: ثم الصالحون؛ ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب ~~دينه. فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه. ~~ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة} وحينئذ ~~فيحتاج من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره: وذلك هو سبب الإمامة في الدين؛ كما ~~قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون} . فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيئ المحظور؛ ~~ويدخل في ذلك الصبر على فعل الأذى وعلى ما يقال؛ والصبر على ما يصيبه من ~~المكاره؛ والصبر عن البطر عند النعم: وغير ذلك من أنواع الصبر. ولا يمكن ~~العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذى به وهو اليقين؛ ~~كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {يا أيها الناس سلوا الله اليقين؛ والعافية؛ فإنه لم ~~يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله} . وكذلك إذا أمر غيره ~~يحسن أو أحب موافقته على ذلك؛ أو نهى # PageV28P153 # غيره عن شيء؛ فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده؛ من ~~حصول المحبوب واندفاع المكروه؛ فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من ~~الحلو؛ لا يمكن غير ذلك؛ ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب؛ حتى جعل ~~للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات. وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} . وقال تعالى: {وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة} فلا بد أن يصبر وأن يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم. ولهذا ~~يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة؛ وهي الإحسان إلى الخلق وبينهما وبين ~~الصبر تارة. ولا بد من الثلاثة: الصلاة؛ والزكاة؛ والصبر. لا تقوم مصلحة ~~المؤمنين إلا بذلك؛ في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم؛ لا سيما كلما قويت الفتنة ~~والمحنة؛ فالحاجة إلى ذلك تكون أشد؛ فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع ms8167 ~~بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به. ولهذا جميعهم يتمادحون ~~بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء في شعرهم. وكذلك ~~يتذامون بالبخل والجبن. والقضايا التي يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقا؛ ~~كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل؛ وذم الكذب والظلم. وقد قال {النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سأله الأعراب؛ حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه؛ فالتفت ~~إليهم # PageV28P154 # وقال: والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم؛ ثم ~~لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا} . لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد ~~والصفات؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولهذا جاء الكتاب ~~والسنة ب ### | ذم البخل والجبن؛ # ومدح الشجاعة والسماحة في سبيله دون ما ليس في سبيله؛ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع} . وقال: {من سيدكم يا ~~بني سلمة؟ فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل فقال: وأي داء أدوأ من ~~البخل؟} وفي رواية: {إن السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء ~~بن معرور} . وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهما إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال تقول: وإما أن تبخل عني ~~وأي داء أدوأ من البخل؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض. وفي صحيح مسلم عن ~~سلمان بن ربيعة قال: {قال عمر: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما فقلت: يا ~~رسول الله والله لغير هؤلاء أحق به منهم فقال: إنهم خيروني بين أن يسألوني ~~بالفحش وبين أن يبخلوني ولست بباخل يقول: إنهم يسألوني مسألة لا تصلح فإن ~~أعطيتهم وإلا قالوا: هو بخيل فقد خيروني بين أمرين مكرهين لا يتركوني من ~~أحدهما: الفاحشة والتبخيل. والتبخيل أشد؛ فأدفع # PageV28P155 # الأشد بإعطائهم} . والبخل جنس تحته أنواع: كبائر؛ وغير كبائر قال تعالى: ~~{ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم ms8168 القيامة} . وقال: {واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا} إلى قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} ~~{الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} وقال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون} . وقال: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون} {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} . وقال: {ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه} . وقال: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين ~~هم يراءون} {ويمنعون الماعون} . وقال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} {يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} الآية. وما في القرآن من الأمر بالإيتاء ~~والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل وكذلك ذمه للجبن كثير مثل قوله: ~~{ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير} . وقوله عن المنافقين: {ويحلفون بالله # PageV28P156 # إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو ~~مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} . وقوله: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} . ~~وقوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} . وما في القرآن من الحض على ~~الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له: كله ذم للجبن. ولما ~~كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم: بين سبحانه ~~أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك؛ فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ms8169 سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~قليل} {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ~~والله على كل شيء قدير} . وقال تعالى: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} . # PageV28P157 # وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين فقال: {لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى} . وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله؛ ومدحه في ~~غير آية من كتابه؛ وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه فقال: {كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} وقال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} ~~. {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله ~~مع الصابرين} . والشجاعة ليست هي قوة البدن وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف ~~القلب؛ وإنما هي قوة القلب وثباته. فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته ~~للقتال؛ وعلى قوة القلب وخبرته به. والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة؛ دون ~~التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم؛ ولهذا كان القوي ~~الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. حتى يفعل ما يصلح. فأما المغلوب حين غضبه ~~فليس بشجاع ولا شديد. وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر؛ فإنه لا بد منه. ~~والصبر صبران: صبر عند الغضب؛ وصبر عند المصيبة. كما قال الحسن: ما تجرع ~~عبد # PageV28P158 # جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب؛ وجرعة صبر عند المصيبة؛ وذلك لأن أصل ~~ذلك هو الصبر على المؤلم. وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم. ~~والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار ~~الحزن؛ ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند ms8170 استشعار القدرة ويصفر ~~عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز؛ ولهذا جمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب الذي لا يولد له قال: ~~ليس ذلك بالرقوب؛ ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال: ما ~~تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال فقال: ليس بذلك ولكن الصرعة ~~الذي يملك نفسه عند الغضب} فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند ~~الغضب قال الله تعالى في المصيبة: {وبشر الصابرين} {الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} الآية. وقال تعالى في الغضب: {وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} . وهذا الجمع بين صبر ~~المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة وصبر المصيبة كما في قوله ~~تعالى {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها # PageV28P159 # منه إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير} . وقال: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم} . وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال: # لا يفرحون إذا نالت سيوفهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # وكذلك قال حسان بن ثابت في صفة الأنصار: # لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع # وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يغلب فلا يبطر؛ ويغلب ~~فلا يضجر. ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود ~~بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم: {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما ~~قيل له: وقد بكى لما رأى إبراهيم في النزع أتبكي؟ أولم تنه عن البكاء؟ ~~فقال: إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير ~~شيطان. وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ms8171 ودعاء بدعوى الجاهلية} فجمع بين ~~الصوتين. # PageV28P160 # وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم {ليس منا من ~~لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية} . وقال: {أنا بريء من الحالقة ~~والصالقة والشاقة} . وقال: {ما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من ~~اليد واللسان فمن الشيطان} . وقال: {إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا ~~حزن القلب؛ ولكن يعذب بهذا أو يرحم - وأشار إلى لسانه وقال: من ينح عليه ~~فإنه يعذب بما نيح عليه} . واشترط على النساء في البيعة أن لا ينحن وقال: ~~{إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب ~~وسربالا من قطران} . وقال في الغلبة والمصائب والفرح: {إن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة؛ وليحد ~~أحدكم شفرته وليرح ذبيحته} . وقال: {إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان} . ~~وقال: {لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا} . إلى غير ذلك مما أمر به ~~في الجهاد من العدل وترك العدوان؛ اتباعا لقوله تعالى {ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ولقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} . ونهى عن لباس ~~الحرير وتختم الذهب؛ والشرب في آنية الذهب # PageV28P161 # والفضة؛ وإطالة الثياب؛ إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم ~~وذم الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف وجعل فيهم الخسف والمسخ. ~~وقد قال الله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} . وقال عن ~~قارون: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} . وهذه الأمور ~~الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب. وذلك أن ~~الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه: وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب الأول بمحبته ~~وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته. وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له ~~فرحا وسرورا وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن فهو محتاج عند ~~المحبة ms8172 والشهوة أن يصبر عن عدوانهما؛ وعند الغضب والنفرة أن يصبر عن ~~عدوانهما؛ وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه؛ وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع ~~منها فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين: الصوت الذي ~~يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فخورا؛ والصوت الذي يوجب ~~الجزع. وأما الصوت الذي يثير الغضب لله: كالأصوات التي تقال في الجهاد من ~~الأشعار المنشدة: فتلك لم تكن بآلات وكذلك أصوات الشهوة في الفرح؛ فرخص ~~منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف # PageV28P162 # في الأعراس والأفراح للنساء والصبيان. وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات ~~لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام الأربعة وهي التشبيب؛ وأشعار الغضب ~~والحمية؛ وهي الحماسة والهجاء. وأشعار المصائب كالمراثي وأشعار النعم ~~والفرح وهي المدائح. والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع؛ كما قال الله ~~تعالى: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} ولهذا ~~أخبر أنهم يتبعهم الغاوون والغاوي: هو الذي يتبع هواه بغير علم؛ وهذا هو ~~الغي؛ وهو خلاف الرشد. كما أن الضال الذي لا يعلم مصلحته هو خلاف المهتدي ~~قال الله سبحانه وتعالى: {والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~من بعدي} . فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة؛ إذ كان عدم هذين ~~مذموما على الإطلاق وأما وجودهما فبه تحصل مقاصد النفوس على الإطلاق؛ لكن ~~العاقبة في ذلك للمتقين. وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة ~~وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا؛ كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ~~ونجاته بالسفينة: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} إلى قوله: {فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين} . وقال: # PageV28P163 # {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ~~أن الله مع المتقين} . والفرقان: أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله؛ فإن ~~الله تعالى هو الذي ms8173 حمده زين وذمه شين؛ دون غيره من الشعراء والخطباء ~~وغيرهم؛ ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~حمدي زين وذمي شين قال له: " ذاك الله ". والله سبحانه حمد الشجاعة ~~والسماحة في سبيله؛ كما في الصحيح عن {أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله ~~الرجل يقاتل شجاعة؛ ويقاتل حمية؛ ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} . وقد قال سبحانه: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وذلك أن هذا هو المقصود ~~الذي خلق الخلق له؛ كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فكل ~~ما كان لأجل الغاية التي خلق لها الخلق كان محمودا عند الله وهو الذي يبقى ~~لصاحبه وهذه الأعمال الصالحات. ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله ~~بشجاعة وسماحة؛ فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة. ومن يعمل لغير الله ~~بشجاعة وسماحة؛ # PageV28P164 # فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق. ومن يعمل لله لكن ~~لا بشجاعة ولا سماحة؛ فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك. ومن لا ~~يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة؛ فهذا ليس له دنيا ولا آخرة. فهذه ~~الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن والفتن ~~الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي ~~للفتنة عندهم ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم وكل من هذين ~~الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه؛ وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه. وهذا ~~لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم ~~على الإيمان والعمل الصالح؛ كما قال الله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن ~~الله لقوي عزيز} {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} . وكما قال: {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وكما قال: ~~{كتب الله لأغلبن ms8174 أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} . وكما قال: {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} . # ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة: صار في الناس من يتعلل # PageV28P165 # لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال عن ~~المنافقين: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} الآية. ~~وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في {الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال: هل لك في نساء بني الأصفر؟ - ~~فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر عن النساء؛ وإني أخاف الفتنة بنساء بني ~~الأصفر. فائذن لي ولا تفتني} . وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت ~~الشجرة؛ واستتر بجمل أحمر؛ وجاء فيه الحديث: {أن كلهم مغفور له إلا صاحب ~~الجمل الأحمر فأنزل الله تعالى فيه: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا ~~في الفتنة سقطوا} } . يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن ~~بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو ~~يواقعه فيأثم؛ فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما ~~لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك. ~~وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء. فهذا وجه قوله: {ولا ~~تفتني} قال الله تعالى: {ألا في الفتنة سقطوا} يقول نفس إعراضه عن الجهاد ~~الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة ~~عظيمة قد سقط فيها # PageV28P166 # فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ ~~والله يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} . فمن ترك ~~القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه ~~من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد. فتدبر هذا؛ فإن ms8175 ~~هذا مقام خطر؛ فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون؛ ~~طلبا لإزالة الفتنة التي زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة؛ كالمقتتلين في ~~الفتنة الواقعة بين الأمة. وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي ~~يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا وهم قد ~~سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة المذكورة في " سورة براءة " دخل فيها الافتتان ~~بالصور الجميلة؛ فإنها سبب نزول الآية. وهذه حال كثير من المتدينين؛ يتركون ~~ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي ~~العليا؛ لئلا يفتنوا بجنس الشهوات؛ وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم ~~مما زعموا أنهم فروا منه وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور. ~~وهما متلازمان؛ وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما ~~جميعا أو تركهما جميعا: مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو # PageV28P167 # المال وشهوات الغي؛ فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ~~ونحو ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات. فالواجب عليه أن ينظر أغلب ~~الأمرين. فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما ~~يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة؛ وإن كان ترك المحظور أعظم أجرا لم ~~يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك؛ فذلك يكون بما يجتمع له من ~~الأمرين من الحسنات والسيئات؛ فهذا هذا. وتفصيل ذلك يطول. # وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ولا بد أن يأمر وينهى حتى ~~لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها؛ إما بمعروف وإما بمنكر؛ كما قال ~~تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته؛ والنهي ~~طلب الترك وإرادته ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل ~~نفسه ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك؛ فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته. ~~وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض وإذا اجتمع اثنان ms8176 فصاعدا فلا ~~بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر؛ ولهذا كان أقل الجماعة في ~~الصلاة اثنين؛ كما قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة؛ لكن لما كان ذلك اشتراكا ~~في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام # PageV28P168 # والآخر مأموم كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ~~وصاحبه: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما؛ وليؤمكما أكبركما} وكانا متقاربين ~~في القراءة. وأما الأمور العادية ففي السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~{لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم.} وإذا كان الأمر ~~والنهي من لوازم وجود بني آدم: فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ~~ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ويؤمر بالمعروف الذي أمر ~~الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله؛ وإلا فلا بد أن ~~يأمر وينهى. ويؤمر وينهى: إما بما يضاد ذلك؛ وإما بما يشترك فيه الحق الذي ~~أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا. ~~وهذا كما أن كل بشر فإنه متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته صالحة ~~وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله وهو ~~الباطل كما قال تعالى: {إن سعيكم لشتى} . وهذه الأعمال كلها باطلة من جنس ~~أعمال الكفار {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} وقال تعالى: ~~{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا # PageV28P169 # ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} . وقال: {وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} . وقد أمر الله في كتابه بطاعته وطاعة ~~رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين؛ كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . # وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس؛ وذلك يشترك فيه ~~أهل اليد والقدرة ms8177 وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: ~~العلماء؛ والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس؛ كما قال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ ~~قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكل ~~من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر ~~الله به وينهى عما نهى عنه وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة ~~الله؛ ولا يطيعه في معصية الله كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ~~تولى أمر المسلمين وخطبهم؛ فقال في خطبته: أيها الناس القوي فيكم الضعيف ~~عندي حتى آخذ منه الحق؛ # PageV28P170 # والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق؛ أطيعوني ما أطعت الله فإذا ~~عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. # فصل: # وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله؛ وأن ~~تكون موافقة للشريعة. فهذا في الأقوال والأفعال؛ في الكلم الطيب؛ والعمل ~~الصالح؛ في الأمور العلمية والأمور العبادية. ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إن أول ثلاثة تسجر بهم جهنم: رجل تعلم العلم وعلمه ~~وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس: هو عالم وقارئ. ورجل قاتل وجاهد ليقول ~~الناس: هو شجاع وجريء. ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس: جواد سخي} فإن هؤلاء ~~الثلاثة الذين يريدون الرياء والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين بعد النبيين ~~من الصديقين والشهداء والصالحين؛ فإن من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله ~~وعلمه لوجه الله كان صديقا؛ ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان ~~شهيدا ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا؛ ولهذا يسأل المفرط في ماله ~~الرجعة وقت الموت؛ كما قال ابن عباس: من أعطي مالا فلم يحج منه ولم يزك سأل ~~الرجعة وقت الموت وقرأ قوله تعالى {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم # PageV28P171 # الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ms8178 من الصالحين} . فهذه ~~الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها أن يكون ما يخبر به عن الله ~~واليوم الآخر وما كان وما يكون: حقا صوابا. وما يأمر به وينهى عنه كما جاءت ~~به الرسل عن الله. فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة؛ المتبع لكتاب ~~الله وسنة رسوله كما أن العبادات التي يتعبد العباد بها إذا كانت مما شرعه ~~الله وأمر الله به ورسوله: كانت حقا صوابا موافقا لما بعث الله به رسله. ~~وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل وإن كان ~~يسميه من يسميه علوما ومعقولات؛ وعبادات ومجاهدات؛ وأذواقا ومقامات. ويحتاج ~~أيضا أن يؤمر بذلك لأمر الله؛ وينهى عنه لنهي الله؛ ويخبر بما أخبر الله ~~به؛ لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل. كما تحتاج العبادة أن يقصد ~~بها وجه الله. فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية؛ أو لإظهار العلم ~~والفضيلة؛ أو لطلب السمعة والرياء: كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء. ~~ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال؛ وأهل العبادة ~~والحال. فكثيرا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف # PageV28P172 # الكتاب والسنة ووفاقها. وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها؛ ~~بل قد نهى عنها أو ما يتضمن مشروعا محظورا. وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا ~~مخالفا للقتال المأمور به؛ أو متضمنا لمأمور محظور. ثم كل من الأقسام ~~الثلاثة: المأمور؛ والمحظور؛ والمشتمل على الأمرين: قد يكون لصاحبه نية ~~حسنة؛ وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا. فهذه تسعة أقسام في هذه ~~الأمور؛ وفي الأموال المنفقة عليها من الأموال السلطانية: الفيء وغيره ~~والأموال الموقوفة؛ والأموال الموصى بها والمنذورة؛ وأنواع العطايا ~~والصدقات والصلات. وهذا كله من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح وآخر سيء. ~~والسيئ من ذلك قد يكون صاحبه مخطئا أو ناسيا مغفورا له. كالمجتهد المخطئ ~~الذي له أجر وخطؤه مغفور له وقد يكون صغيرا مكفرا باجتناب الكبائر وقد يكون ~~مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات؛ أو مكفرا بمصائب ms8179 الدنيا ونحو ذلك؛ ~~إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله ~~وحده بالعمل الصالح. وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد غيره ~~قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} . وقال تعالى: {شهد الله # PageV28P173 # أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم} {إن الدين عند الله الإسلام} . والإسلام يجمع معنيين: ~~أحدهما الاستسلام والانقياد؛ فلا يكون متكبرا. والثاني الإخلاص من قوله ~~تعالى {ورجلا سلما لرجل} فلا يكون مشركا وهو: أن يسلم العبد لله رب ~~العالمين كما قال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين} {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} . وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} {قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين} . والإسلام يستعمل لازما معدى بحرف اللام؛ مثل ما ذكر في هذه ~~الآيات؛ ومثل قوله تعالى {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون} ومثل قوله تعالى {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين} ومثل قوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا # PageV28P174 # وكرها وإليه يرجعون} ومثل قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا ~~لنسلم لرب العالمين} {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} . ويستعمل متعديا مقرونا ~~بالإحسان؛ كقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ms8180 نصارى ~~تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقوله: {ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا} فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين؛ وهو إسلام الوجه ~~لله مع الإحسان وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أثبتت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة ردا ~~لما زعم من زعمه أن لا يدخل الجنة إلا متهود أو متنصر. وهذان الوصفان - ~~وهما إسلام الوجه لله؛ والإحسان - هما الأصلان المتقدمان وهما: كون العمل ~~خالصا لله صوابا: موافقا للسنة والشريعة. وذلك أن إسلام الوجه لله هو متضمن ~~للقصد والنية لله؛ كما # PageV28P175 # قال بعضهم: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل # وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ: إسلام الوجه؛ وإقامة الوجه؛ كقوله تعالى: ~~{وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} . وقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها} وتوجيه الوجه كقول الخليل: {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . وكذلك كان {النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} } . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم مما يقول إذا أوى إلى فراشه: اللهم أسلمت نفسي ~~إليك ووجهت وجهي إليك} . فالوجه يتناول المتوجه والمتوجه إليه ويتناول ~~المتوجه نفسه كما يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي وجهة وناحية تقصد: وذلك أنهما ~~متلازمان. فحيث توجه الإنسان توجه وجهه؛ ووجهه مستلزم لتوجهه؛ وهذا في ~~باطنه وظاهره جميعا. فهذه أربعة أمور. والباطن هو الأصل والظاهر هو الكمال ~~والشعار فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر فإذا كان العبد قصده ~~ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح إرادته وقصده # PageV28P176 # فإذا كان مع ذلك محسنا ms8181 فقد اجتمع أن يكون عمله صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا وهو قول عمر رضي الله عنه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك ~~خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. والعمل الصالح هو الإحسان: وهو فعل الحسنات ~~وهو ما أمر الله به والذي أمر الله به هو الذي شرعه الله وهو الموافق لسنة ~~الله وسنة رسوله؛ فقد أخبر الله تعالى أنه من أخلص قصده لله وكان محسنا في ~~عمله فإنه مستحق للثواب سالم من العقاب. ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين ~~الأصلين؛ كقول الفضيل ابن عياض في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ~~قال: أخلصه وأصوبه فقيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا ~~كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل. وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. ~~وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال: لا يقبل قول وعمل إلا ~~بنية ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. ورويا عن الحسن البصري ~~مثله ولفظه: " لا يصلح " مكان يقبل. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون ~~مجرد القول كافيا فأخبر أنه لا بد من قول وعمل إذ الإيمان قول وعمل؛ لا بد ~~من هذين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وبينا أن مجرد تصديق القلب ~~واللسان # PageV28P177 # مع البغض والاستكبار لا يكون إيمانا - باتفاق المؤمنين - حتى يقترن ~~بالتصديق عمل. وأصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض ~~والاستكبار ثم قالوا: ولا يقبل قول وعمل إلا بنية وهذا ظاهر فإن القول ~~والعمل إذا لم يكن خالصا لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا ~~يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة؛ وهي الشريعة وهي ما أمر الله به ~~ورسوله؛ لأن القول والعمل والنية الذي لا يكون مسنونا مشروعا قد أمر الله ~~به: يكون بدعة ليس مما يحبه الله فلا يقبله الله؛ ولا يصلح: مثل أعمال ~~المشركين وأهل الكتاب. ولفظ ms8182 " السنة " في كلام السلف يتناول السنة في ~~العبادات وفي الاعتقادات وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في ~~الاعتقادات وهذا كقول ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء رضي الله عنهم ~~اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وأمثال ذلك. والحمد لله رب العالمين. ~~وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين. # PageV28P178 # وقال شيخ الإسلام بعد كلام سبق: # وأصل ذلك العلم؛ فإنه لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم. فصار الدين كله ~~العلم والعدل؛ وضد ذلك الظلم والجهل. قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا} ولما كان ظلوما جهولا - وذلك يقع من الرعاة تارة ومن ~~الرعية تارة ومن غيرهم تارة - كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ~~ظلم الأئمة وجورهم كما هو من أصول أهل السنة والجماعة وكما أمر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة عنه لما قال: {إنكم ستلقون بعدي ~~أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض} وقال: {من رأى من أميره شيئا يكرهه ~~فليصبر عليه} إلى أمثال ذلك. وقال: {أدوا إليهم الذي لهم واسألوا الله الذي ~~لكم} وانهوا عن قتالهم ما صلوا؛ وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود وهو توحيد ~~الله وعبادته ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة. وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم ~~بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور كما هو عادة ~~أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شر منه وتزيل العدوان بما هو أعدى منه؛ # PageV28P179 # فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه كما يصبر ~~عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي في مواضع ~~كثيرة كقوله: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} وقوله: ~~{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} وقوله: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} ~~. وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؛ ~~فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما ms8183 ~~يصاب من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن ~~مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ~~ويندرج في ذلك ولاة الأمور فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم كما ~~أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم لأن مصلحة الإمارة لا تتم ~~إلا بذلك. فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم ~~المصلحة إلا بذلك إذ كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه: فكذلك يجب على ~~الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا لم يكن في ترك الصبر مفسدة راجحة. ~~فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوق يجب عليه أداؤها كما ذكر بعضه في " ~~كتاب الجهاد والقضاء " وعليه أن يصبر للآخر ويحلم # PageV28P180 # عنه في أمور؛ فلا بد من السماحة والصبر في كل منهما كما قال تعالى: ~~{وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وفي الحديث {أفضل الإيمان السماحة ~~والصبر} ومن أسماء الله الغفور الرحيم. فبالحلم يعفو عن سيئاتهم وبالسماحة ~~يوصل إليهم المنافع فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة. فأما الإمساك عن ظلمهم ~~والعدل عليهم فوجوب ذلك أظهر من هذا فلا حاجة إلى بيانه والله أعلم. # فصل: # في مراتب الذنوب أما مراتبها في الآخرة فله موضع غير هذا؛ وإنما الغرض ~~هنا مراتبها في الدنيا: في الذم والعقاب. وقد ذكرت فيما قبل هذا أن الذنوب ~~التي فيها ظلم الغير والإضرار به في الدين والدنيا أعظم عقوبة في الدنيا ~~مما لم يتضمن ضرر الغير؛ وإن كان عقوبة هذا في الآخرة أكبر كما يعاقب ذوو ~~الجرائم من المسلمين بما لا يعاقب به أهل الذمة من الكافرين؛ وإن كان ~~الكافر أشد عذابا في الآخرة من المسلم. ويعاقب الثاني على عدالته مثل شارب ~~النبيذ متأولا. والبغاة المتأولين بما لا يعاقب به الفاسق المستسر بالذنب. ~~ويعاقب # PageV28P181 # الداعي إلى بدعة والمظهر للمنكر بما لا يعاقب به المنافق المستسر بنفاقه ~~من غير دعوة للغير. فهذه أمثلة في الكافر والفاسق وفي الفاسق والعدل وفي ~~المنافق ms8184 والمؤمن المظهر لبدعة أو ذنب. وبينت سبب ذلك؛ أن عقوبة هؤلاء من ~~باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا؛ بخلاف من لم يظلم إلا نفسه فإن ~~عقوبته إلى ربه. " وجماع الأمر " أن الذنوب كلها ظلم: فإما ظلم العبد لنفسه ~~فقط أو ظلمه مع ذلك لغيره؛ فما كان من ظلم الغير فلا بد أن يشرع من عقوبته ~~ما يدفع به ظلم الظالم عن الدين والدنيا كما قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} فجعل السبب المبيح لعقوبة الغير ~~التي هي قتاله: {بأنهم ظلموا} . وقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} فبين أن الظالم يعتدى ~~عليه: أي بتجاوز. الحد المطلق في حقه؛ وهو العقوبة وهذا عدوان جائز كما ~~قال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} . وقول بعضهم: إن ~~هذا ليس بعدوان في الحقيقة وإنما سماه عدوانا على سبيل المقابلة كما قالوا ~~مثل ذلك في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} . لا يحتاج إليه؛ فإن العدوان ~~المطلق هو مجاوزة الحد المطلق وهذا لا يجوز في حقه إلا إذا اعتدى فيتجاوز ~~الحد في حقه بقدر تجاوزه. # PageV28P182 # والسيئة اسم لما يسوء الإنسان؛ فإن المصائب والعقوبات تسمى سيئة في غير ~~موضع من كتاب الله تعالى. والظلم نوعان: تفريط في الحق وتعد للحد. فالأول ~~ترك ما يجب للغير مثل ترك قضاء الديون وسائر الأمانات وغيرها من الأموال. ~~والثاني الاعتداء عليه مثل القتل وأخذ المال وكلاهما ظلم؛ ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم ~~على مليء فليتبع} فجعل مجرد المطل الذي هو تأخير الأداء مع القدرة ظلما ~~فكيف بالترك رأسا. وقد قال تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم ~~فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ~~لهن وترغبون أن تنكحوهن} إلى قوله: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} . قالت ~~عائشة رضي الله عنها هي اليتيمة تكون في ms8185 حجر وليها فيريد أن يتزوجها بدون ~~أن يقسط لها في مهرها. فسمى الله تكميل المهر قسطا؛ وضده الظلم. وهذا في ~~الجملة ظاهر متفق عليه بين المسلمين: أن العدل قد يكون أداء واجب وقد يكون ~~ترك محرم وقد يجمع الأمرين وأن الظلم أيضا قد يكون ترك واجب وقد يكون فعل ~~محرم وقد يجمع الأمرين. فإذا عرف هذا؛ وقد عرف أن العدل والظلم يكون # PageV28P183 # في حق نفس الإنسان ويكون في حقوق الناس - كما تقدم وقد كتبت فيما تقدم من ~~" القواعد " وفي آخر " مسودة الفقه " كلاما كليا في أن جميع الحسنات تدخل ~~في العدل وجميع السيئات تدخل في الظلم - فإنه يتبين بهذا مسائل نافعة. ~~منها: أن أولي الأمر من المسلمين من العلماء والأمراء ومن يتبعهم على كل ~~واحد منهم حقوق للناس هي المقصودة الواجبة منه في مرتبته؛ وإن لم تكن ~~مطلوبة من غير ذلك النوع ولا واجبة عليه؛ إذ وجوبها عليه دون ذلك. وكذلك قد ~~يكون عليه محرمات حرمتها عليه مرتبته وإن لم تحرم على غير أهل تلك المرتبة ~~أو تحريمها عليهم أخف: مثال ذلك الجهاد فإنه واجب على المسلمين عموما على ~~الكفاية منهم؛ وقد يجب أحيانا على أعيانهم؛ لكن وجوبه على المرتزقة الذين ~~يعطون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد؛ بل هو واجب عليهم عينا؛ واجب بالشرع ~~وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد ~~وواجب بالعوض. فإنه لو لم يكن واجبا لا بشرع ولا ببيعة إمام: لوجب ~~بالمعاوضة عليه كما يجب العمل على الأجير الذي قبض الأجرة ويجب تسليم ~~المبيع على من قبض الثمن وهذا وجوب بعقد المعاوضة وبقبض العوض كما أن الأول ~~وجوب # PageV28P184 # بالشرع وبمجرد مبايعة الإمام وهو واجب أيضا من جهة ما في تركه من تغرير ~~المسلمين والضرر اللاحق لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له. فإن " المرتزقة ~~" ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم فاطمأن الناس إلى ذلك واكتفوا بهم ~~وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم، أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب إلى وكيله ~~وعامله فإذا فرط بعضهم وضيع ms8186 كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين؛ فإنهم ~~أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين في دينهم ودنياهم بما تركوه من القتال عن ~~المسلمين الواجب عليهم حتى لحق المسلمين من الضرر في دينهم ودنياهم: في ~~الأنفس والذرية والأموال ما لا يقدر قدره أحد. فظلم المقاتلة بترك الجهاد ~~عن المسلمين من أعظم ظلم يكون؛ بخلاف ما يلحق أحدهم من الضرر فإن ذاك ظلم ~~لنفسه. وكذلك ما يفعله من المعصية المختصة به - كشرب الخمر وفعل الفاحشة - ~~فإن هذا ظلم لنفسه مختص به فعقوبته على ترك الجهاد وذمه على ذلك أعظم بكثير ~~من ذمه وعقوبته على ذلك. وإذا لم يمكن جمع العقوبتين كانت العقوبة على ترك ~~الجهاد مقدمة على العقوبة على هذه المعاصي كما أن منفعة الجهاد له ~~وللمسلمين قد # PageV28P185 # تكون أعظم بكثير من منفعة ردعه عن الخمر والفاحشة إذا استسر بذلك ولم ~~يظلم به غيره؛ فيدفع هنا أعظم الفسادين باحتمال أدناهما. وفي مثل هذا قال ~~صلى الله عليه وسلم {إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق ~~لهم} ويذم أحد هؤلاء أو يزجر بما فيه من عجز عن الجهاد أو تفريط فيه ما لا ~~يفعل بغيره ممن ليس مرصدا للجهاد. وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة ~~الكتاب والسنة: صورة ومعنى؛ مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموما على ~~الكفاية منهم ومنه ما يجب على أعيانهم وهو علم العين الذي يجب على المسلم ~~في خاصة نفسه؛ لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه أو ~~رزقوا عليه أعظم من وجوبه على غيرهم؛ لأنه واجب بالشرع عموما. وقد يتعين ~~عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم؛ ويدخل في القدرة استعداد العقل وسابقة ~~الطلب ومعرفة الطرق الموصلة إليه من الكتب المصنفة والعلماء المتقدمين ~~وسائر الأدلة المتعددة والتفرغ له عما يشغل به غيرهم. ولهذا مضت السنة بأن ~~الشروع في العلم والجهاد يلزم كالشروع في الحج يعني أن ما حفظه من علم ~~الدين وعلم الجهاد ليس له # PageV28P186 # إضاعته لقول النبي صلى الله عليه وسلم ms8187 {من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله ~~وهو أجذم} رواه أبو داود. وقال: {عرضت علي أعمال أمتي - حسنها وسيئها - ~~فرأيت في مساوئ أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثم ينام عنها حتى ~~ينساها} وقال: {من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا} رواه مسلم. وكذلك الشروع ~~في عمل الجهاد. فإن المسلمين إذا صافوا عدوا أو حاصروا حصنا ليس لهم ~~الانصراف عنه حتى يفتحوه. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما ينبغي ~~لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه} . فالمرصدون ~~للعلم عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ~~ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك ~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها ~~فلعنهم اللاعنون حتى البهائم. كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته ~~ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف البحر والطير في جو السماء. # PageV28P187 # وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم. وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي ~~تمنع الثقة بأقوالهم. وتصرف القلوب عن اتباعهم وتقتضي متابعة الناس لهم ~~فيها؛ هي من أعظم الظلم ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من ~~أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن إظهار غير العالم - وإن كان فيه ~~نوع ضرر - فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق ويوجب ظهور ~~الباطل؛ فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد ~~ودفع العدو؛ ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة؛ لما في ذلك من الضرر العظيم ~~على المسلمين. فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد وترك ~~أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم ~~كلاهما ذنب عظيم؛ وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه مما هو مفوض إليهم؛ ~~فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه. وما ms8188 يظهرونه من ~~البدع والمعاصي التي تمنع قبول قولهم وتدعو النفوس إلى موافقتهم وتمنعهم ~~وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أشد ضررا للأمة وضررا ~~عليهم من إظهار غيرهم لذلك. ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن ~~الجندي # PageV28P188 # وفشله وتركه للجهاد ومعاونته للعدو: أكثر مما تستعظمه من غيره. وتستعظم ~~إظهار العالم الفسوق والبدع: أكثر مما تستعظم ذلك من غيره؛ بخلاف فسوق ~~الجندي وظلمه وفاحشته؛ وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن. ومثل ذلك ولاة ~~الأمور كل بحسبه من الوالي والقاضي؛ فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من ~~مصالح الأمة أو فعل ضد ذلك من العدوان عليهم: يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب ~~يخص أحدهم. # PageV28P189 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: في الولاية والعداوة # فإن المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض؛ والكفار أعداء الله وأعداء ~~المؤمنين. وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان ~~ونهى عن موالاة الكفار وبين أن ذلك منتف في حق المؤمنين وبين حال المنافقين ~~في موالاة الكافرين. فأما " موالاة المؤمنين " فكثيرة كقوله: {إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا} إلى قوله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون} وقوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} ~~إلى قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} وقال ~~تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين # PageV28P190 # آمنوا وكانوا يتقون} . وقال: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} إلى قوله: ~~{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} إلى آخر السورة وقوله: {لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور} وقال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وقال: ~~{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} وقال: {وإن ~~تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} وقال: {فإن الله عدو ~~للكافرين} وقال: {يا أيها ms8189 الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم} إلى قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} ~~{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} إلى قوله: # PageV28P191 # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} إلى ~~تمام الكلام. وقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ~~ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~لبئس ما كانوا يفعلون} {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} . ~~فذم من يتولى الكفار من أهل الكتاب قبلنا وبين أن ذلك ينافي الإيمان {بشر ~~المنافقين بأن لهم عذابا أليما} {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} إلى قوله: {سبيلا} ~~وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} {إن المنافقين في الدرك الأسفل ~~من النار ولن تجد لهم نصيرا} . وقال عن المنافقين: {وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} كما ~~قال عن الكفار المنافقين من أهل الكتاب: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا # PageV28P192 # آمنا وإذا خلا بعضهم إلى ms8190 بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون} وقال: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} نزلت فيمن تولى اليهود من المنافقين وقال: ~~{ما هم منكم} ولا من اليهود {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} {أعد الله لهم ~~عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله فلهم عذاب مهين} إلى قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم} وقال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم} إلى تمام القصة وقال: {إن الذين ارتدوا ~~على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم} {ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم} . وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم؛ ولهذا ~~ذكر في " سورة المائدة " أئمة المرتدين عقب النهي عن موالاة الكفار قوله: ~~{ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وقال: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون ~~في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين # PageV28P193 # لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا} . فذكر المنافقين والكفار المهادنين وأخبر أنهم يسمعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين ~~الذين لم يهادنوا كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال: ~~{وفيكم سماعون لهم} . وبعض الناس يظن أن المعنى: سماعون لأجلهم بمنزلة ~~الجاسوس؛ أي يسمعون ما يقول وينقلونه إليهم حتى قيل لبعضهم: أين في القرآن: ~~الحيطان لها آذان؟ قال: في قوله: {وفيكم سماعون لهم} وكذلك قوله. {سماعون ~~للكذب} أي ليكذبوا: أن اللام لام التعدية لا لام التبعية؛ وليس هذا معنى ~~الآيتين؛ وإنما المعنى فيكم من يسمع لهم أي يستجيب ms8191 لهم ويتبعهم. كما في ~~قوله: " سمع الله لمن حمده " استحباب الله لمن حمده أي قبل منه يقال: فلان ~~يسمع لفلان أي يستجيب له ويطيعه. وذلك أن المسمع وإن كان أصله نفس السمع ~~الذي يشبه الإدراك؛ لكن إذا كان المسموع طلبا: ففائدته وموجبه الاستجابة ~~والقبول. وإذا كان المسموع خبرا. ففائدته التصديق والاعتقاد فصار يدخل # PageV28P194 # مقصوده وفائدته في مسماه نفيا وإثباتا فيقال: فلان يسمع لفلان: أي يطيعه ~~في أمره أو يصدقه في خبره. وفلان لا يسمع ما يقال له: أي لا يصدق الخبر ولا ~~يطيع الأمر كما بين الله السمع عن الكفار في غير موضع كقوله: {ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} وقوله: {ولا يسمع الصم ~~الدعاء} وذلك لأن سمع الحق يوجب قبوله إيجاب الإحساس الحركة وإيجاب علم ~~القلب حركة القلب فإن الشعور بالملائم يوجب الحركة إليه والشعور بالمنافر ~~يوجب النفرة عنه فحيث انتفى موجب ذلك دل على انتفاء مبدئه؛ ولهذا قال ~~تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} . ولهذا جعل سمع ~~الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة أي يسمعون مجرد الأصوات سمع ~~الحيوان لا يسمعون ما فيها - من تأليف الحروف المتضمنة للمعاني - السمع ~~الذي لا بد أن يكون بالقلب مع الجسم؛ فقال تعالى: {سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه} يقول: هم يستجيبون {لقوم آخرين} وأولئك {لم يأتوك} وأولئك {يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه} يقولون لهؤلاء الذين أتوك: {إن أوتيتم هذا فخذوه وإن ~~لم تؤتوه فاحذروا} كما ذكروا في سبب نزول # PageV28P195 # الآية: أنهم قالوا في حد الزنا وفي القتل: اذهبوا إلى هذا النبي الأمي ~~فإن حكم لكم بما تريدونه فاقبلوه وإن حكم بغيره فأنتم قد تركتم حكم التوراة ~~أفلا تتركون حكمه. فهذا هو استماع المتحاكمين من أولئك الذين لم يأتوه؛ ولو ~~كانوا بمنزلة الجاسوس لم يخص ذلك بالسماع؛ بل يرون ويسمعون وإن كانوا قد ~~ينقلون إلى شياطينهم ما رأوه وسمعوه؛ لكن هذا من توابع ms8192 كونهم يستجيبون لهم ~~ويوالونهم. يبين ذلك أنه قال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} أي: لأسرعوا بينكم يطلبون الفتنة ~~بينكم ثم قال: وفيكم مستجيبون لهم إذا أوضعوا خلالكم؛ ولو كان المعنى وفيكم ~~من تجسس لهم: لم يكن مناسبا؛ وإنما المقصود: أنهم إذا أوضعوا بينكم يطلبون ~~الفتنة وفيكم من يسمع منهم: حصل الشر. وأما الجس فلم يكونوا يحتاجون إليه ~~فإنهم بين المؤمنين وهم يوضعون خلالهم. مما يبين ذلك أنه قال: {سماعون ~~للكذب أكالون للسحت} فذكر ما يدخل في آذانهم وقلوبهم من الكلام وما يدخل في ~~أفواههم وبطونهم من الطعام: غذاء الجسوم وغذاء القلوب فإنهما غذاءان # PageV28P196 # خبيثان: الكذب والسحت وهكذا من يأكل السحت من البرطيل ونحوه: يسمع الكذب ~~كشهادة الزور؛ ولهذا قال: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت} . فلما كان هؤلاء: يستجيبون لغير الرسول كما يستجيبون له إذا ~~وافق آراءهم وأهواءهم لم يجب عليه الحكم بينهم فإنهم متخيرون بين القبول ~~منه والقبول ممن يخالفه. فكان هو متخيرا في الحكم بينهم والإعراض عنهم. ~~وإنما يجب عليه الحكم بين من لا بد له منه من المؤمنين. # وإذا ظهر المعنى تبين فصل الخطاب في وجوب الحكم بين المعاهدين من أهل ~~الحرب: كالمستأمن والمهادن والذمي؛ فإن فيه نزاعا مشهورا بين العلماء. قيل: ~~ليس بواجب؛ للتخير. وقيل: بل هو واجب والتخيير منسوخ بقوله: {وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله} . قال الأولون: أما الأمر هنا أن يحكم بما أنزل الله ~~إذا حكم: فهو أمر بصفة الحكم؛ لا بأصله كقوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم ~~بالقسط} وقوله: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} . وهذا أصوب؛ فإن ~~النسخ لا يكون بمحتمل. فكيف بمرجوح. وقيل: يجب في مظالم العباد؛ دون غيرها. ~~والخلاف في ذلك مشهور في # PageV28P197 # مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة. وحقيقة الآية: إن كان مستجيبا لقوم ~~آخرين لم يأتوه لم يجب عليه الحكم بينهم كالمعاهد: من المستأمن وغيره الذي ~~يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم وكالذمي الذي إن ms8193 حكم له بما يوافق غرضه ~~وإلا رجع إلى أكابرهم وعلمائهم فيكون متخيرا بين الطاعة لحكم الله ورسوله ~~وبين الإعراض عنه. وأما من لم يكن إلا مطيعا لحكم الله ورسوله ليس عنه ~~مندوحة كالمظلوم الذي يطلب نصره من ظالمه وليس له من ينصره من أهل دينه. ~~فهذا: ليس في الآية تخيير. وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب ~~فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولى أن يوجب ذلك. وكذلك لو كان المتحاكم إلى ~~الحاكم والعالم: من المنافقين الذين يتخيرون بين القبول من الكتاب والسنة ~~وبين ترك ذلك لم يجب عليه الحكم بينهم. وهذا من حجة كثير من السلف الذين ~~كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ~~هذا الباب: من لا يكون قصده في استفتائه وحكومته الحق بل غرضه من يوافقه ~~على هواه كائنا من كان سواء كان صحيحا أو باطلا. فهذا سماع لغير ما بعث ~~الله به رسوله؛ فإن الله إنما بعث رسوله # PageV28P198 # بالهدى ودين الحق فليس على خلفاء رسول الله أن يفتوه ويحكموا له كما ليس ~~عليهم أن يحكموا بين المنافقين والكافرين المستجيبين لقوم آخرين لم ~~يستجيبوا لله ورسوله. # ومن جنس موالاة الكفار التي ذم الله بها أهل الكتاب والمنافقين: الإيمان ~~ببعض ما هم عليه من الكفر أو التحاكم إليهم دون كتاب الله كما قال تعالى: ~~{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} وقد عرف أن سبب نزولها شأن ~~كعب بن الأشرف - أحد رؤساء اليهود - لما ذهب إلى المشركين ورجح دينهم على ~~دين محمد وأصحابه. والقصة قد ذكرناها في " الصارم المسلول " لما ذكرنا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم " من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله ". ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب: {ولما جاءهم رسول من عند ~~الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ~~كأنهم لا يعلمون} ms8194 {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} الآية. فأخبر ~~أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب الله كما يفعله كثير من اليهود وبعض ~~المنتسبين إلى الإسلام من اتباعهم كتب السحرة - أعداء إبراهيم وموسى - من ~~المتفلسفة ونحوهم # PageV28P199 # وهو كإيمانهم بالجبت والطاغوت؛ فإن الطاغوت هو الطاغي من الأعيان والجبت: ~~هو من الأعمال والأقوال كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر والطاغوت ~~الشيطان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {العيافة والطيرة والطرق: من ~~الجبت} رواه أبو داود. وكذلك ما أخبر عن أهل الكتاب بقوله: {قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت} أي: ومن عبد الطاغوت فإن أهل الكتاب كان منهم من ~~أشرك وعبد الطواغيت. فهنا ذكر عبادتهم للطاغوت وفي " البقرة " ذكر اتباعهم ~~للسحر وذكر في " النساء " إيمانهم بهما جميعا: بالجبت والطاغوت. وأما ~~التحاكم إلى غير كتاب الله فقد قال: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} . والطاغوت ~~فعلوت من الطغيان. كما أن الملكوت فعلوت من الملك. والرحموت والرهبوت ~~والرغبوت. فعلوت من الرحمة # PageV28P200 # والرهبة والرغبة. والطغيان: مجاوزة الحد؛ وهو الظلم والبغي. فالمعبود من ~~دون الله إذا لم يكن كارها لذلك: طاغوت؛ ولهذا سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: {ويتبع من يعبد الطواغيت ~~الطواغيت} . والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق - ~~سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله ~~- هو طاغوت؛ ولهذا سمي من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت وسمى ~~الله فرعون وعادا طغاة وقال في صيحة ثمود: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} . ~~فمن كان من هذه الأمة مواليا للكفار: من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع ms8195 ~~الموالاة ونحوها: مثل إتيانه أهل الباطل واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم ~~الباطل: كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك؛ وذلك مثل متابعتهم في ~~آرائهم وأعمالهم؛ كنحو أقوال الصابئة وأفعالهم من الفلاسفة ونحوهم المخالفة ~~للكتاب والسنة؛ ونحو أقوال اليهود والنصارى وأفعالهم المخالفة للكتاب ~~والسنة؛ ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة. ومن ~~تولى أمواتهم أو أحياءهم بالمحبة والتعظيم والموافقة فهو منهم؛ كالذين ~~وافقوا أعداء إبراهيم الخليل: من الكلدانيين وغيرهم # PageV28P201 # من المشركين عباد الكواكب أهل السحر؛ والذين وافقوا أعداء موسى من فرعون ~~وقومه بالسحر. أو ادعى أنه ليس ثم صانع غير الصنعة ولا خالق غير المخلوق ~~ولا فوق السماوات إله كما يقوله الاتحادية وغيرهم من الجهمية. والذين ~~وافقوا الصائبة والفلاسفة فيما كانوا يقولونه في الخالق ورسله: في أسمائه ~~وصفاته والمعاد وغير ذلك. ولا ريب أن هذه الطوائف: وإن كان كفرها ظاهرا فإن ~~كثيرا من الداخلين في الإسلام. حتى من المشهورين بالعلم والعبادة والإمارة ~~قد دخل في كثير من كفرهم وعظمهم ويرى تحكيم ما قرروه من القواعد ونحو ذلك. ~~وهؤلاء كثروا في المستأخرين ولبسوا الحق - الذي جاءت به الرسل - بالباطل ~~الذي كان عليه أعداؤهم. والله تعالى: يحب تمييز الخبيث من الطيب والحق من ~~الباطل. فيعرف أن هؤلاء الأصناف: منافقون أو فيهم نفاق؛ وإن كانوا مع ~~المسلمين؛ فإن كون الرجل مسلما في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقا في ~~الباطن؛ فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر والقرآن قد بين صفاتهم ~~وأحكامهم. وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~عزة الإسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور الرسالة: فهم مع بعدهم عنهما أشد ~~وجودا لا سيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو المعارض لما جاءت به الرسل. # PageV28P202 # وسئل - رحمه الله -: # عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى؟ وماذا يشترط على الذي ~~يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط؟ وهل يدخل ترك السلام في الهجران أم ~~لا؟ وإذا بدأ المهجور الهاجر بالسلام هل يجب الرد ms8196 عليه أم لا؟ وهل يستمر ~~البغض والهجران لله عز وجل حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التي أبغضه وهجره ~~عليها؟ أم يكون لذلك مدة معلومة؟ فإن كان لها مدة معلومة فما حدها؟ أفتونا ~~مأجورين. # الجواب # فأجاب ### | : الهجر الشرعي نوعان: # أحدهما بمعنى الترك للمنكرات. والثاني بمعنى العقوبة عليها. # فالأول: هو المذكور في قوله تعالى {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين} . وقوله تعالى {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها # PageV28P203 # ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} . ~~فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس ~~عندهم. وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك. ~~بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم أو حضر بغير اختياره. ولهذا يقال: حاضر ~~المنكر كفاعله. وفي الحديث: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على ~~مائدة يشرب عليها الخمر} . وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل ~~المنكرات. كما قال صلى الله عليه وسلم {المهاجر من هجر ما نهى الله عنه} . ~~ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان. فإنه ~~هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله ~~به ومن هذا قوله تعالى {والرجز فاهجر} . النوع الثاني: الهجر على وجه ~~التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما {هجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون: الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم} حين ~~ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم يهجر من أظهر الخير # PageV28P204 # وإن كان منافقا فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير. والتعزير يكون لمن ظهر منه ~~ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم ~~والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ~~ظهر أنها بدع. وهذا حقيقة قول من قال ms8197 من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى ~~البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون. ~~فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن ~~الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من ~~المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم ~~إلى الله مع علمه بحال كثير منهم. ولهذا جاء في الحديث: {أن المعصية إذا ~~خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة} وذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب منه} . فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها؛ بخلاف الباطنة ~~فإن عقوبتها على صاحبها # PageV28P205 # خاصة. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ~~فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت ~~المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا. وإن ~~كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون ~~مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس ~~أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتألف قوما ويهجر آخرين. كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا ~~خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم ~~فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون ~~سواهم كثير فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم وهذا كما أن المشروع ~~في العدو القتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الأحوال ~~والمصالح. وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ولهذا ~~كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة ~~والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة وبين ما ليس # PageV28P206 # كذلك ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في ~~حصوله أوصل الطرق ms8198 إليه. وإذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي ~~أمر الله بها ورسوله. فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة ~~لأمره فتكون خالصة لله صوابا. فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به: ~~كان خارجا عن هذا. وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة ~~لله. والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ ~~يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} فلم يرخص في هذا ~~الهجر أكثر من ثلاث كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث. وفي ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تفتح أبواب الجنة كل اثنين ~~وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا؛ إلا رجلا كان بينه وبين أخيه ~~شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا} فهذا الهجر لحق الإنسان حرام وإنما ~~رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت. وكما رخص في ~~هجر الثلاث. فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه. # PageV28P207 # فالأول مأمور به والثاني منهي عنه؛ لأن المؤمنين إخوة وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا ~~تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم} وقال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الذي في السنن: {ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ~~إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن ~~تحلق الدين} . وقال في الحديث الصحيح: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر} . # وهذا لأن الهجر من " باب العقوبات الشرعية " فهو من جنس الجهاد في سبيل ~~الله. وهذا يفعل لأن تكون ms8199 كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. ~~والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإن كان هناك مؤمن فعليه أن ~~يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} إنما المؤمنون إخوة فجعلهم إخوة # PageV28P208 # مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن الفرق بين ~~هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب ~~موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ ~~فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب ~~لأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب ~~لأوليائه والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ~~ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق ~~من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات ~~الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ~~ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل ~~السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا ~~الناس لا مستحقا للثواب فقط ولا مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن ~~الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن # PageV28P209 # له في الشفاعة بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والله سبحانه وتعالى أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # في مسائل إسحاق بن منصور - وذكره الخلال في " كتاب السنة " في باب مجانبة ~~من قال: القرآن مخلوق - عن إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: من قال: القرآن ~~مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية. قلت: فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال: أهل ~~خراسان لا ms8200 يقوون بهم. وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية: لو تركنا ~~الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة ومع ما كان يعاملهم به في ~~المحنة: من الدفع بالتي هي أحسن ومخاطبتهم بالحجج يفسر ما في كلامه وأفعاله ~~من هجرهم والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم حتى هجر في زمن غير ما أعيان من ~~الأكابر وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم. # PageV28P210 # فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التي هي ~~ترك السيئات. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {المهاجر من هجر السيئات} ~~وقال: {من هجر ما نهى الله عنه} فهذا هجرة التقوى. وفي هجرة التعزير ~~والجهاد: هجرة الثلاثة الذين خلفوا وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم. ~~فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات. كما قال تعالى: ~~{وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} {وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون} فبين سبحانه أن ~~المتقين خلاف الظالمين وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات الله هم ~~المتقون. وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وإقامة الحدود وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما. وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط ~~بالقدرة؛ فلهذا اختلف حكم الشرع في نوعي الهجرتين: بين القادر والعاجز وبين ~~قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه كما يختلف الحكم بذلك في سائر ~~أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان. فإن كلما حرمه الله فهو ظلم؛ إما ~~في حق الله فقط وإما في حق عباده وإما فيهما. وما أمر به من هجر الترك ~~والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة # PageV28P211 # دينية راجحة على فعله وإلا فإذا كان في السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة ~~وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة؛ بل تكون سيئة؛ ~~وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة فالهجران قد يكون مقصوده ms8201 ترك سيئة ~~البدعة التي هي ظلم وذنب وإثم وفساد وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد ~~والنهي عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا. وليقوى الإيمان ~~والعمل الصالح عند أهله. فإن عقوبة الظالم تمنع النفوس عن ظلمه وتحضها على ~~فعل ضد ظلمه: من الإيمان والسنة ونحو ذلك. فإذا لم يكن في هجرانه انزجار ~~أحد ولا انتهاء أحد؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة ~~مأمورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون ~~بالجهمية. فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة وكان ~~مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر ~~القوي. وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة فلو ترك رواية الحديث عنهم لا ~~ندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم. فإذا تعذر إقامة الواجبات من ~~العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: ~~كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس. ولهذا كان ~~الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل. # PageV28P212 # وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم ~~المسئول حاله أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله فيكون بمنزلة قضايا الأعيان ~~الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت حكمها في نظيرها. فإن ~~أقواما جعلوا ذلك عاما فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به فلا ~~يجب ولا يستحب وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات. وآخرون ~~أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية؛ بل ~~تركوها ترك المعرض؛ لا ترك المنتهي الكاره أو وقعوا فيها وقد يتركونها ترك ~~المنتهي الكاره ولا ينهون عنها غيرهم ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق ~~العقوبة عليها فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابا أو ~~استحبابا فهم بين فعل المنكر أو ترك النهي عنه وذلك فعل ما نهوا عنه وترك ~~ما أمروا به. فهذا ms8202 هذا. ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. والله ~~سبحانه أعلم. # PageV28P213 # وسئل شيخ الإسلام: # عن مسلم بدرت منه معصية في حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته. فقالت طائفة ~~منهم: يستغفر الله ويصفح عنه ويتجاوز عن كل ما كان منه. وقالت طائفة أخرى: ~~لا تجوز أخوته ولا مصاحبته. فأي الطائفتين أحق بالحق؟ # فأجاب: # لا ريب أن من تاب إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه كما قال تعالى: {وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} وقال تعالى: ~~{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا} أي لمن تاب. وإذا كان كذلك وتاب الرجل فإن عمل عملا صالحا ~~سنة من الزمان ولم ينقض التوبة فإنه يقبل منه ذلك ويجالس ويكلم. وأما إذا ~~تاب ولم تمض عليه سنة فللعلماء فيه قولان مشهوران. منهم من يقول: في الحال ~~يجالس وتقبل شهادته. ومنهم من يقول: لا بد من مضي سنة كما فعل عمر بن ~~الخطاب بصبيغ بن عسل. وهذه من # PageV28P214 # مسائل الاجتهاد. فمن رأى أن تقبل توبة هذا التائب ويجالس في الحال قبل ~~اختباره: فقد أخذ بقول سائغ. ومن رأى أنه يؤخر مدة حتى يعمل صالحا ويظهر ~~صدق توبته فقد أخذ بقول سائغ. وكلا القولين ليس من المنكرات. # وقال الشيخ: # نهى الله عن إشاعة الفاحشة بقوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ~~في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} وكذلك أمر بستر الفواحش ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر ~~بستر الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الكتاب} . وقال: {كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين؛ والمجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح ~~يتحدث به} فما دام الذنب مستورا فمصيبته على صاحبه خاصة فإذا أظهر ولم ينكر ~~كان ضرره عاما فكيف إذا كان في ظهوره تحريك غيره إليه ولهذا أنكر الإمام ~~أحمد وغيره أشكال الشعر الغزلي الرقيق؛ لئلا ms8203 تتحرك النفوس إلى الفواحش ~~فلهذا أمر من ابتلي بالعشق أن يعف ويكتم فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: ~~{إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} والله أعلم. # PageV28P215 # وقال - رحمه الله -: # وأما تارك الصلاة ونحوه من المظهرين لبدعة أو فجور فحكم المسلم يتنوع كما ~~تنوع الحكم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق مكة وفي المدينة. ~~فليس حكم القادر على تعزيرهم بالهجرة حكم العاجز ولا هجرة من لا يحتاج إلى ~~مجالستهم كهجرة المحتاج. والأصل أن هجرة الفجار نوعان: هجرة ترك وهجرة ~~تعزير. أما الأولى فقد دل عليها قوله تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا} وقوله: ~~{وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} . ومن هذا الباب هجرة المسلم من دار ~~الحرب. فالمقصود بهذا أن يهجر المسلم السيئات ويهجر قرناء السوء الذين تضره ~~صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة. وأما " هجر التعزير " فمثل {هجر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا} وهجر عمر والمسلمين لصبيغ ~~فهذا من نوع العقوبات. فإذا كان يحصل # PageV28P216 # بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة. وإن كان يحصل بها من ~~الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن شارب الخمر هل يسلم عليه؟ # وهل إذا سلم رد عليه؟ وهل تشيع جنازته؟ وهل يكفر إذا شك في تحريمها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، من فعل شيئا من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك ~~فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان} فإن كان الرجل متسترا بذلك؛ وليس معلنا له أنكر عليه ~~سرا وستر عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ستر عبدا ستره الله في ~~الدنيا والآخرة} إلا أن يتعدى ضرره والمتعدي لا بد من كف عدوانه وإذا نهاه ~~المرء ms8204 سرا فلم ينته فعل ما ينكف به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في ~~الدين. وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية ولم # PageV28P217 # يبق له غيبة ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره فلا ~~يسلم عليه ولا يرد عليه السلام إذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير ~~مفسدة راجحة. وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتا كما هجروه حيا إذا ~~كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين فيتركون تشييع جنازته كما {ترك النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة على غير واحد من أهل الجرائم} وكما قيل لسمرة بن ~~جندب: إن ابنك مات (1) البارحة. فقال: لو مات لم أصل عليه: يعني لأنه أعان ~~على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه. وقد {ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ~~على قاتل نفسه} . وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد ~~الواجب حتى تاب الله عليهم. فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير. وأما من أنكر ~~تحريم شيء من المحرمات المتواترة كالخمر والميتة والفواحش أو شك في تحريمه ~~فإنه يستتاب ويعرف التحريم فإن تاب وإلا قتل وكان مرتدا عن دين الإسلام ولم ~~يصل عليه ولم يدفن بين المسلمين. PageV28P218 # و ### | سئل: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {لا غيبة لفاسق} # وما حد الفسق؟ ورجل شاجر رجلين: أحدهما شارب خمر أو جليس في الشرب أو آكل ~~حرام أو حاضر الرقص أو السماع للدف أو الشبابة: فهل على من لم يسلم عليه ~~إثم؟ . # فأجاب: # أما الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه مأثور عن ~~الحسن البصري أنه قال: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروا بما فيه يحذره الناس. ~~وفي حديث آخر: {من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له} . وهذان النوعان يجوز ~~فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء: # أحدهما: أن يكون الرجل مظهرا للفجور مثل الظلم والفواحش والبدع المخالفة ~~للسنة فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms8205 {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} رواه مسلم. وفي المسند والسنن عن {أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أيها # PageV28P219 # الناس إنكم تقرءون القرآن وتقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها ~~{يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه ~~أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وأن يهجر ~~ويذم على ذلك. فهذا معنى قولهم: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. بخلاف ~~من كان مستترا بذنبه مستخفيا فإن هذا يستر عليه؛ لكن ينصح سرا ويهجره من ~~عرف حاله حتى يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة. النوع الثاني: أن يستشار ~~الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده ويعلم أنه لا يصلح لذلك؛ فينصحه ~~مستشاره ببيان حاله كما ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم قالت ~~له فاطمة بنت قيس: قد خطبني أبو جهم ومعاوية فقال لها: أما أبو جهم فرجل ~~ضراب للنساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له} فبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~حال الخاطبين للمرأة. فهذا حجة لقول الحسن: أترغبون عن ذكر الفاجر اذكروه ~~بما فيه يحذره الناس فإن النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا فإذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم نصح المرأة في دنياها فالنصيحة في الدين أعظم. ~~وإذا كان الرجل يترك الصلوات ويرتكب المنكرات وقد عاشره # PageV28P220 # من يخاف أن يفسد دينه: بين أمره له لتتقى معاشرته. وإذا كان مبتدعا يدعو ~~إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ويخاف أن ~~يضل الرجل الناس بذلك: بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله. وهذا كله ~~يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع ~~الإنسان: مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على ~~الرئاسة فيتكلم ms8206 بمساوئه مظهرا للنصح وقصده في الباطن الغض من الشخص ~~واستيفاؤه منه فهذا من عمل الشيطان و {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى} بل يكون الناصح قصده أن الله يصلح ذلك الشخص وأن يكفي المسلمين ~~ضرره في دينهم ودنياهم ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه. ولا ~~يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة كما في الحديث أنه ~~قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها ~~الخمر} ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر فأمر بجلدهم فقيل له: إن ~~فيهم صائما. فقال: ابدءوا به أما سمعتم الله يقول: {وقد نزل عليكم في ~~الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ؟ بين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~أن الله جعل حاضر # PageV28P221 # المنكر كفاعله ولهذا قال العلماء: إذا دعي إلى وليمة فيها منكر كالخمر ~~والزمر لم يجز حضورها وذلك أن الله تعالى قد أمرنا بإنكار المنكر بحسب ~~الإمكان فمن حضر باختياره ولم ينكره فقد عصى الله ورسوله بترك ما أمره به ~~من بغض إنكاره والنهي عنه. وإذا كان كذلك فهذا الذي يحضر مجالس الخمر ~~باختياره من غير ضرورة ولا ينكر المنكر كما أمره الله هو شريك الفساق في ~~فسقهم فيلحق بهم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الغيبة هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه؟ وما حكم ذلك؟ ~~أفتونا بجواب بسيط؛ ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويستمد ~~كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل الكلام في هذا أن يعلم أن الغيبة هي كما ~~فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما {سئل عن الغيبة فقال: ~~هي ذكرك أخاك بما يكره قيل: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ ~~قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته} . ~~بين ms8207 صلى الله عليه وسلم الفرق بين الغيبة والبهتان وأن الكذب # PageV28P222 # عليه بهت له كما قال سبحانه: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن ~~نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} وقال تعالى: {ولا يأتين ببهتان يفترينه ~~بين أيديهن وأرجلهن} وفي الحديث الصحيح: {أن اليهود قوم بهت} . فالكذب على ~~الشخص حرام كله سواء كان الرجل مسلما أو كافرا برا أو فاجرا لكن الافتراء ~~على المؤمن أشد؛ بل الكذب كله حرام. ولكن تباح عند الحاجة الشرعية " ~~المعاريض " وقد تسمى كذبا؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنى وذلك المعنى ~~يريد أن يفهمه المخاطب فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض وإن كان ~~على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض وهي كذب باعتبار ~~الأفهام وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة. ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة: ~~أختي وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله {إني سقيم} } وهذه الثلاثة معاريض. ~~وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله ~~اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب؛ ولهذا قال من قال من # PageV28P223 # العلماء: إن ما رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو من هذا كما ~~في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس ~~الكاذب بالذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينوي خيرا} . ولم يرخص فيما ~~يقول الناس: إنه كذب؛ إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس وفي الحرب؛ وفي ~~الرجل يحدث امرأته. قال: فهذا كله من المعاريض خاصة. ولهذا نفى عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه أنه قال: ~~{الحرب خدعة} وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. ومن هذا الباب قول الصديق ~~في سفر الهجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يهديني السبيل. {وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة ms8208 بدر: نحن من ماء} وقوله ~~للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار أسره: إنه أخي. وعني أخوة ~~الدين وفهموا منه أخوة النسب فقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن كنت لأبرهم ~~وأصدقهم المسلم أخو المسلم} . والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرق بين الاغتياب وبين البهتان وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه ~~إذا كان صادقا فهو المغتاب وفي قوله صلى الله عليه وسلم {ذكرك أخاك بما # PageV28P224 # يكره} موافقة لقوله تعالى {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه} فجعل جهة التحريم كونه أخا أخوة الإيمان؛ ولذلك تغلظت ~~الغيبة بحسب حال المؤمن فكلما كان أعظم إيمانا كان اغتيابه أشد. ومن جنس ~~الغيبة الهمز واللمز؛ فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم كما في ~~الغيبة؛ لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف؛ بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة ~~والعنف كما قال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} أي يعيبك ويطعن عليك ~~وقال تعالى {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا يلمز بعضكم بعضا وقال: {هماز مشاء ~~بنميم} وقال: {ويل لكل همزة لمزة} . # إذا تبين هذا فنقول: ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين (أحدهما ~~ذكر النوع (والثاني ذكر الشخص المعين الحي أو الميت. أما الأول فكل صنف ذمه ~~الله ورسوله يجب ذمه؛ وليس ذلك من الغيبة كما أن كل صنف مدحه الله ورسوله ~~يجب مدحه وما لعنه الله ورسوله لعن كما أن من صلى الله عليه وملائكته يصلى ~~عليه. فالله تعالى ذم الكافر والفاجر والفاسق والظالم والغاوي والضال # PageV28P225 # والحاسد والبخيل والساحر وآكل الربا وموكله والسارق والزاني والمختال ~~والفخور والمتكبر الجبار وأمثال هؤلاء؛ كما حمد المؤمن التقي والصادق ~~والبار والعادل والمهتدي والراشد والكريم؛ والمتصدق والرحيم وأمثال هؤلاء. ~~{ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه} ~~والمحلل والمحلل له ولعن من عمل عمل قوم لوط. ولعن من أحدث حدثا أو آوى ~~محدثا ولعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ~~ومشتريها ms8209 وساقيها وشاربها وآكل ثمنها ولعن اليهود والنصارى حيث حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها ولعن الله الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من البينات من بعد ما بينه للناس وذكر لعنة الظالمين. والله هو ~~وملائكته يصلون على النبي ويصلون على الذين آمنوا. والصابر المسترجع عليه ~~صلاة من ربه ورحمة. والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير ويستغفر له ~~كل شيء حتى الحيتان والطير وأمر الله نبيه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين ~~والمؤمنات. فإذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه والنهي عن الشر ~~والتحذير منه: فلا بد من ذكر ذلك ولهذا {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغه أن أحدا فعل ما ينهى عنه يقول: ما بال رجال يشترطون # PageV28P226 # شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن ~~كان مائة شرط} {ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إني ~~لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده} {ما بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا ~~أفطر؟ ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام؟ ويقول الآخر: لا أتزوج النساء ~~ويقول الآخر: لا آكل اللحم؟ لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء ~~وآكل اللحم؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني} . وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم ~~والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة واللعن بغير الأسماء التي علق ~~الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل والمدائن والمذاهب والطرائق المضافة إلى ~~الأئمة والمشايخ؛ ونحو ذلك مما يراد به التعريف كما قال تعالى: {يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم} وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا ~~من كان تقيا} وقد قال صلى الله عليه وسلم {إن آل أبي فلان ليسوا لي ~~بأولياء؛ إنما وليي الله وصالح المؤمنين} وقال {ألا إن أوليائي المتقون حيث ~~كانوا ومن كانوا} وقال: {إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء. ~~الناس ms8210 رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي. # PageV28P227 # الناس من آدم وآدم من تراب} وقال: {إنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي ~~على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض: إلا بالتقوى} . فذكر ~~الأزمان والعدل بأسماء الإيثار والولاء والبلد والانتساب إلى عالم أو شيخ ~~إنما يقصد بها التعريف به ليتميز عن غيره فأما الحمد والذم والحب والبغض ~~والموالاة والمعاداة فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه ~~وسلطانه كتابه فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان ومن كان كافرا ~~وجبت معاداته من أي صنف كان قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} وقال تعالى: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} وقال تعالى: {لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء} وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا} وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} . ومن كان فيه إيمان ~~وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه # PageV28P228 # ومن البغض بحسب فجوره ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي ~~كما يقوله الخوارج والمعتزلة ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء ~~والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة ~~والمعاداة قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما ~~المؤمنون إخوة} فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي وقال تعالى: {أم نجعل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ~~وقد قال تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر} ms8211 فهذا الكلام في الأنواع. # وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع. منها المظلوم له أن ~~يذكر ظالمه بما فيه. إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما {قالت هند: يا ~~رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وولدي. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} ~~كما قال {صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته} وقال وكيع: عرضه ~~شكايته وعقوبته حبسه وقال تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء # PageV28P229 # من القول إلا من ظلم} وقد روي: أنها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه. ~~فإذا كان هذا فيمن ظلم بترك قراه الذي تنازع الناس في وجوبه وإن كان الصحيح ~~أنه واجب فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه أو ~~يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير؛ ~~وترك ذلك أفضل. ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم ~~كما في الحديث الصحيح عن {فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي صلى الله عليه ~~وسلم من تنكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال: أما معاوية فصعلوك ~~لا مال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء} وروي: {لا يضع عصاه عن عاتقه} ~~فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب. وكان هذا نصحا لها ~~- وإن تضمن ذكر عيب الخاطب. وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ~~ويوصي إليه ومن يستشهده؛ بل ومن يتحاكم إليه. وأمثال ذلك؛ وإذا كان هذا في ~~مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء ~~والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم؟ فلا ريب أن النصح في ذلك ~~أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV28P230 # {الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم} . وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل ~~الشورى: أمر فلانا ms8212 وفلانا فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل ~~الأمة - أمرا جعله مانعا له من تعيينه. وإذا كان النصح واجبا في المصالح ~~الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال ~~يحيى بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن ~~الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن ~~حنبل: أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت ~~أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم. ومثل أئمة البدع من أهل المقالات ~~المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان ~~حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: ~~الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام ~~وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا ~~أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد # PageV28P231 # في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء ~~وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله ~~لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل ~~الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا ~~وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} ~~وذلك أن الله يقول في كتابه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنه أنزل الحديد كما ذكره. فقوام الدين بالكتاب الهادي ~~والسيف الناصر {وكفى بربك هاديا ونصيرا} . والكتاب هو الأصل؛ ولهذا أول ما ~~بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب؛ ومكث بمكة لم يأمره بالسيف ms8213 حتى هاجر وصار ~~له أعوان على الجهاد. # وأعداء الدين نوعان: الكفار والمنافقون، وقد أمر الله نبيه # PageV28P232 # بجهاد الطائفتين في قوله: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} في آيتين ~~من القرآن. فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها ~~على الناس ولم تبين للناس: فسد أمر الكتاب وبدل الدين؛ كما فسد دين أهل ~~الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله. وإذا كان ~~أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين: قد التبس عليهم أمرهم حتى ~~ظنوا قولهم حقا؛ وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال ~~تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ~~وفيكم سماعون لهم} فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء؛ بل الفتنة بحال هؤلاء ~~أعظم فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين ~~التي تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم ~~وتعيينهم؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق؛ لكن قالوها ظانين ~~أنها هدى وأنها خير وأنها دين؛ ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها. ولهذا وجب ~~بيان حال من يغلط في الحديث والرواية ومن # PageV28P233 # يغلط في الرأي والفتيا ومن يغلط في الزهد والعبادة؛ وإن كان المخطئ ~~المجتهد مغفورا له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده. فبيان القول والعمل الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة واجب؛ وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله. ومن علم منه ~~الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإن الله غفر ~~له خطأه؛ بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما ~~أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن علم منه النفاق كما عرف ~~نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن أبي ~~وذويه وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة: عبد الله بن سبأ وأمثاله: مثل ~~عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب؛ فهذا يذكر بالنفاق. وإن ms8214 أعلن ~~بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه فلا يحل ~~للرجل أن يقفو ما ليس له به علم ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا ~~قاصدا بذلك وجه الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين ~~كله لله. فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثما. وكذلك ~~القاضي والشاهد والمفتي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {القضاة ثلاثة: ~~قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل ~~قضى للناس على جهل فهو في النار # PageV28P234 # ورجل علم الحق فقضى بخلاف ذلك فهو في النار} وقد قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} و " اللي " هو ~~الكذب و " الإعراض " كتمان الحق؛ ومثله ما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك ~~لهما في بيعهما؛ وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما} . ثم القائل في ذلك بعلم ~~لا بد له من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد كان ~~بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء. وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصا له الدين ~~كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل. وليس هذا ~~الباب مخالفا لقوله: {الغيبة ذكرك أخاك بما يكره} فإن الأخ هو المؤمن والأخ ~~المؤمن إن كان صادقا في إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق الذي يحبه الله ~~ورسوله وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه بل عليه أن يقوم بالقسط ويكون ~~شاهدا لله ولو على نفسه أو والديه أو أقربيه ومتى كره هذا الحق كان ناقصا ~~في إيمانه ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه فلم ms8215 يعتبر كراهته من الجهة ~~التي نقص منها إيمانه؛ إذ كراهته لما # PageV28P235 # لا يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله كما قال تعالى: {والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه} . ثم قد يقال: هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظا ~~ومعنى. وقد يقال: دخل في ذلك الذين خص منه كما يخص العموم اللفظي والعموم ~~المعنوي وسواء زال الحكم لزوال سببه أو لوجود مانعه فالحكم واحد. والنزاع ~~في ذلك يؤول إلى اللفظ؛ إذ العلة قد يعني بها التامة وقد يعني بها ~~المقتضية. والله أعلم وأحكم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب ~~بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع ~~المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب ~~المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم. # PageV28P236 # ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى. تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول: ليس ~~لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب؛ وإنما أخبركم ~~بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت. وربما ~~يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله؛ وإنما قصده استنقاصه وهضم لجانبه. ~~ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون ~~مخلوقا؛ وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه. ومنهم من يرفع غيره ~~رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت ~~وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده. أو يقول: فلان بليد الذهن قليل ~~الفهم؛ وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه. ومنهم من يحمله الحسد ~~على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. وإذا أثنى على شخص أزال ~~ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو في قالب حسد وفجور وقدح ~~ليسقط ذلك عنه. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره # PageV28P237 # باستهزائه ms8216 ومحاكاته واستصغار المستهزأ به. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب ~~التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت ومن فلان كيف وقع منه كيت ~~وكيت وكيف فعل كيت وكيت فيخرج اسمه في معرض تعجبه. ومنهم من يخرج الاغتمام ~~فيقول مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له فيظن من يسمعه أنه يغتم له ~~ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به ولو قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند ~~أعدائه ليشتفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ~~ولخلقه. ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب ~~أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر. والله المستعان. # PageV28P238 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج حيث ~~يكون مجمع الناس ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته وتخرج امرأته أيضا معه. ~~هل يجوز ذلك؟ وهل يقدح في عدالته؟ # فأجاب: # ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار؛ ~~إلا لموجب شرعي: مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا ~~بد فيه من حضوره أو يكون مكرها. فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته ~~تشاهد ذلك فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه. والله أعلم. # PageV28P239 # وسئل - رحمه الله -: # عن بلد " ماردين " هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم ~~بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد ~~أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق ~~وسبه به أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في " ماردين " أو ~~غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين ~~أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه. وإلا ~~استحبت ولم تجب. ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم ~~ويجب عليهم الامتناع من ذلك ms8217 بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة؛ ~~فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت. ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق؛ بل ~~السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها ~~بعض # PageV28P240 # أهل ماردين وغيرهم. وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان؛ ~~ليست " بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام؛ لكون جندها ~~مسلمين؛ ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار؛ بل هي قسم ثالث يعامل ~~المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه. # وقال - رحمه الله تعالى -: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين وولي أمر المؤمنين؛ نائب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أمته؛ بإقامة فرض الدين وسنته. أيده الله تأييدا ~~يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة ويقيم به جميع الأمور الباطنة ~~والظاهرة حتى يدخل في قول الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ~~وفي قوله صلى الله عليه وسلم {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ~~إمام عادل} إلى آخر الحديث وفي قوله صلى الله عليه وسلم: # PageV28P241 # {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء} . وقد استجاب الله الدعاء في السلطان فجعل فيه من الخير الذي ~~شهدت به قلوب الأمة ما فضله به على غيره. والله المسئول أن يعينه فإنه أفقر ~~خلق الله إلى معونة الله وتأييده قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا} الآية. وصلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ~~ونبيه وحمل الناس على ذلك فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة ~~أشياء: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا ~~أقام الصلاة ms8218 في مواقيتها جماعة - هو وحاشيته وأهل طاعته - وأمر بذلك جميع ~~الرعية وعاقب من تهاون في ذلك العقوبة التي شرعها الله فقد تم هذا الأصل ثم ~~إنه مضطر إلى الله تعالى فإذا ناجى ربه في السحر واستغاث به وقال: يا حي يا ~~قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث: أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا ~~الله قال الله تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد # PageV28P242 # تثبيتا} {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} {ولهديناهم صراطا مستقيما.} ~~ثم كل نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة. فمن أعظم العبادات سد ~~الفاقات وقضاء الحاجات ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف وهو: ~~الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والإحسان وأمر نوائب البلاد وولاة ~~الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة واجتنابهم حرمات الله والنهي عن المنكر ~~وهو: النهي عما نهى الله عنه ورسوله. وإذا تقدم السلطان - أيده الله - بذلك ~~في عامة بلاد الإسلام كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا ~~يعلمه إلا الله. والله يوفقه لما يحبه ويرضاه. # PageV28P243 # وقال شيخ الإسلام - رضي الله عنه وأرضاه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات والهدى وأنزل معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز؛ وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله؛ وأيده بالسلطان النصير ~~الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة؛ ومعنى القدرة والسيف للنصرة ~~والتعزير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة أخلص من ~~الذهب الإبريز وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا شهادة يكون صاحبها في حرز حريز. (أما بعد فهذه رسالة ~~مختصرة فيها جوامع من السياسة # PageV28P244 # الإلهية والآيات النبوية لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب ~~الله نصحه من ولاة الأمور كما قال النبي صلى ms8219 الله عليه وسلم فيما ثبت عنه ~~من غير وجه في صحيح مسلم وغيره: {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ~~ولاه الله أمركم} . وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله؛ وهي قوله ~~تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} . قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن ~~يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ونزلت ~~الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم؛ عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين ~~لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله فإذا ~~أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فإن تنازعوا في شيء ~~ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن لم تفعل ولاة الأمر ~~ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله؛ لأن ذلك من طاعة الله # PageV28P245 # ورسوله وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله. قال تعالى: {وتعاونوا ~~على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . وإذا كانت الآية قد ~~أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل: فهذان جماع السياسة العادلة ~~والولاية الصالحة. # فصل: # أما أداء الأمانات ففيه نوعان: # أحدهما الولايات: وهو كان سبب نزول الآية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة طلبها منه العباس. ليجمع له ~~بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية فدفع مفاتيح الكعبة إلى ~~بني شيبة. فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح ~~من يجده لذلك العمل قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ولي ms8220 من أمر المسلمين ~~شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله} . ~~وفي رواية: {من ولى رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله ~~منه فقد # PageV28P246 # خان الله ورسوله وخان المؤمنين} رواه الحاكم في صحيحه. وروى بعضهم أنه من ~~قول عمر: لابن عمر روي ذلك عنه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " من ولي ~~من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله ~~والمسلمين ". وهذا واجب عليه. فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من ~~نوابه على الأمصار؛ من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة ونحوهم ~~ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار وولاة الأموال: من ~~الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال ~~التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده؛ ~~وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمراء الحاج ~~والبرد والعيون الذين هم القصاد وخزان الأموال وحراس الحصون والحدادين ~~الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ونقباء العساكر الكبار والصغار ~~وعرفاء القبائل والأسواق ورؤساء القرى الذين هم " الدهاقين ". فيجب على كل ~~من ولي شيئا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل ~~موضع أصلح من يقدر عليه ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب؛ # PageV28P247 # بل يكون ذلك سببا للمنع؛ فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن ~~قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية؛ فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه} . ~~{وقال لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها ~~من غير مسألة أعنت عليها؛ وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها} أخرجاه في ~~الصحيحين وقال صلى الله عليه وسلم {من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ~~ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه؛ أنزل الله عليه ملكا يسدده} . رواه أهل ~~السنن. فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما ms8221 أو ولاء عتاقة ~~أو صداقة أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس: كالعربية والفارسية ~~والتركية والرومية؛ أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة؛ أو غير ذلك من ~~الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما؛ فقد خان الله ورسوله ~~والمؤمنين ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ثم قال: {واعلموا أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم} . فإن الرجل لحبه لولده أو ~~لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه؛ فيكون قد خان ~~أمانته؛ وكذلك قد يؤثره زيادة في # PageV28P248 # ماله أو حفظه؛ بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات. ~~فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة ~~هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده والمطيع لهواه يعاقبه الله ~~بنقيض قصده فيذل أهله ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة؛ أن بعض خلفاء ~~بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك فقال: أدركت عمر بن عبد ~~العزيز؛ قيل له: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم ~~فقراء لا شيء لهم - وكان في مرض موته - فقال: أدخلوهم علي؛ فأدخلوهم؛ وهم ~~بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال لهم: يا بني ~~والله ما منعتكم حقا هو لكم ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم؛ ~~وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين؛ وإما غير صالح فلا ~~أخلف له ما يستعين به على معصية الله قوموا عني. قال: فلقد رأيت بعض بنيه ~~حمل على مائة فرس في سبيل الله؛ يعني أعطاها لمن يغزو عليها. قلت: هذا وقد ~~كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد ~~الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى ~~أقصى اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا ms8222 يسيرا يقال: أقل من # PageV28P249 # عشرين درهما - قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه فأخذ كل واحد ~~منهم ستمائة ألف دينار؛ ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه - ~~وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما ~~قبله؛ ما فيه عبرة لكل ذي لب. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم ومثل {قوله لأبي ذر ~~رضي الله عنه في الإمارة: إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من ~~أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها} رواه مسلم. وروى البخاري في صحيحه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا ضيعت الأمانة ~~فانتظر الساعة. قيل يا رسول الله: وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير ~~أهله فانتظر الساعة} . وقد أجمع المسلمون على معنى هذا؛ فإن وصي اليتيم ~~وناظر الوقف ووكيل الرجل في ماله؛ عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح كما ~~قال الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} . ولم يقل إلا ~~بالتي هي حسنة. وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم؛ كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ # PageV28P250 # فالإمام الذي على الناس راع؛ وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت ~~زوجها وهي مسئولة عن رعيتها والولد راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته؛ ~~والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن ~~رعيته} . أخرجاه في الصحيحين وقال صلى الله عليه وسلم {ما من راع يسترعيه ~~الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة} رواه ~~مسلم. ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك ~~أيها الأجير؛ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها ~~الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها ~~الأجير. فقالوا قل ms8223 السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها ~~الأجير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت ~~أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها؛ فإن أنت هنأت جرباها وداويت مرضاها ~~وحبست أولاها على أخراها: وفاك سيدها أجرك وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو ~~مرضاها؛ ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها. وهذا ظاهر في الاعتبار؛ ~~فإن الخلق عباد الله والولاة نواب الله على عباده وهم وكلاء العباد على ~~نفوسهم؛ بمنزلة أحد الشريكين مع # PageV28P251 # الآخر؛ ففيهم معنى الولاية والوكالة؛ ثم الولي والوكيل متى استناب في ~~أموره رجلا وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه وباع السلعة بثمن وهو ~~يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن؛ فقد خان صاحبه لا سيما إن كان بين من ~~حاباه وبينه مودة أو قرابة فإن صاحبه يبغضه ويذمه ويرى أنه قد خانه وداهن ~~قريبه أو صديقه. # فصل: # إذا عرف هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود وقد لا يكون في موجوده ~~من هو أصلح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه وإذا فعل ~~ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب ~~في هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله؛ وإن اختل بعض ~~الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} ويقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال في الجهاد في سبيل ~~الله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} وقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فمن أدى الواجب ~~المقدور عليه فقد اهتدى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا # PageV28P252 # منه ما استطعتم} أخرجاه في الصحيحين؛ لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه ~~أو خيانة عوقب على ذلك. وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب فإن الولاية لها ~~ركنان: القوة والأمانة. كما قال تعالى: {إن خير من استأجرت ms8224 القوي الأمين} ~~وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام إنك اليوم لدينا مكين أمين وقال تعالى في ~~صفة جبريل: {إنه لقول رسول كريم} {ذي قوة عند ذي العرش مكين} {مطاع ثم ~~أمين} . والقوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة ~~القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها؛ فإن الحرب خدعة وإلى القدرة على ~~أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك؛ كما قال الله ~~تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلي ~~من أن تركبوا ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا} وفي رواية: {فهي نعمة ~~جحدها} رواه مسلم. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى ~~خشية الله وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا # PageV28P253 # وترك خشية الناس؛ وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على ~~الناس؛ في قوله تعالى {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} . ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة. فرجل ~~علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار. ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في ~~النار. ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة} رواه أهل السنن. والقاضي اسم ~~لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا أو نائبا أو ~~واليا؛ أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له حتى من يحكم بين الصبيان في ~~الخطوط. إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ظاهر. # فصل: # اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية ~~الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما ms8225 أعظم أمانة والآخر أعظم قوة؛ قدم ~~أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما # PageV28P254 # ضررا فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور ~~- على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا؛ كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين ~~يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ ~~فقال: إما الفاجر القوي فقوله للمسلمين وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح ~~الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. وروي ~~بأقوام لا خلاق لهم} . وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح ~~منه في الدين إذا لم يسد مسده. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل ~~خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم وقال: {إن خالد سيف سله الله على ~~المشركين} . مع أنه أحيانا قد كان يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى إنه - مرة - قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: {اللهم إني أبرأ إليك ~~مما فعل خالد} لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ولم ~~يكن يجوز ذلك وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة حتى وداهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وضمن أموالهم؛ ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان ~~أصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع تأويل. # PageV28P255 # كان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق؛ ومع هذا فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب ~~لنفسي: لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم} رواه مسلم. نهى أبا ذر عن ~~الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفا مع أنه قد روى: {ما أظلت الخضراء ولا أقلت ~~الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر} . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن ~~العاص في غزوة " ذات السلاسل - استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم - على من ~~هم أفضل ms8226 منه. وأمر أسامة بن زيد؛ لأجل طلب ثأر أبيه. كذلك كان يستعمل الرجل ~~لمصلحة راجحة مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم ~~والإيمان. وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ~~ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام وبدت منه ~~هفوات كان له فيها تأويل وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من ~~أجلها؛ بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه وأن غيره لم ~~يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن ~~يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة؛ وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن # PageV28P256 # يكون خلق نائبه يميل إلى اللين؛ ليعتدل الأمر. ولهذا كان أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل ~~خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأن خالدا كان شديدا كعمر ~~بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر؛ وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ~~ولاه؛ ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو معتدل؛ حقا قال النبي صلى الله عليه وسلم {أنا نبي الرحمة أنا نبي ~~الملحمة} وقال: {أنا الضحوك القتال} . وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: ~~{أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} . ولهذا لما ~~تولى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية واعتدل منهما ما ~~كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من لين ~~أحدها وشدة الآخر حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم {اقتدوا بالذين ~~من بعدي أبي بكر وعمر} . وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة ~~وغيرهم: ما برز به على عمر وسائر الصحابة ms8227 رضي الله عنهم أجمعين. وإذا كانت ~~الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين: مثل # PageV28P257 # حفظ الأموال ونحوها؛ فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة ~~فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. ~~وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين ~~المصلحتين؛ وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين ~~عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام. ~~ويقدم في ولاية القضاء: الأعلم الأورع الأكفأ؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر ~~أورع؛ قدم - فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى - الأورع؛ وفيما يدق حكمه ~~ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند ~~حلول الشهوات} . ويقدمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيدا تأييدا تاما من ~~جهة والي الحرب أو العامة. ويقدم الأكفأ. إن كان القضاء يحتاج إلى قوة ~~وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المطلق ~~يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا. بل كذلك كل وال للمسلمين فأي صفة من هذه ~~الصفات نقصت ظهر الخلل بسببه والكفاءة: إما بقهر ورهبة، # PageV28P258 # وإما بإحسان ورغبة وفي الحقيقة فلا بد منهما. وسئل بعض العلماء: إذا لم ~~يوجد من يولى القضاء؛ إلا عالم فاسق أو جاهل دين؛ فأيهما يقدم؟ فقال: إن ~~كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين. وإن كانت الحاجة إلى ~~العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين؛ فإن ~~الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة؛ ~~واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا أو يجوز أن يكون مقلدا أو ~~الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال. وبسط الكلام على ~~ذلك في غير هذا الموضع. ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح ~~الموجود ms8228 فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حقا يكمل في الناس ما لا بد ~~لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها؛ كما يجب على المعسر السعي في ~~وفاء دينه وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه وكما يجب ~~الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب ~~تحصيلها لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها. # PageV28P259 # فصل: # وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ~~ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب ~~على أكثر الملوك قصد الدنيا؛ دون الدين؛ قدموا في ولايتهم من يعينهم على ~~تلك المقاصد وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته؛ وقد كانت ~~السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم: هم أمراء الحرب ~~الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد؛ ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر في الصلاة قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها. وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على حرب كان هو الذي يؤمره للصلاة ~~بأصحابه وكذلك إذا استعمل رجلا نائبا على مدينة كما استعمل عتاب بن أسيد ~~على مكة وعثمان بن أبي العاص على الطائف وعليا ومعاذا وأبا موسى على اليمن ~~وعمرو بن حزم على نجران: كان نائبه هو الذي يصلي بهم ويقيم # PageV28P260 # فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب وكذلك خلفاؤه بعده ومن بعدهم من ~~الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد؛ ~~ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد ~~وكان إذا عاد مريضا يقول: {اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكأ لك عدوا} . ~~{ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال: يا معاذ إن أهم ~~أمرك عندي الصلاة} . وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب ms8229 إلى عماله: ~~" إن أهم أموركم عندي الصلاة؛ فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه ومن ضيعها ~~كان لما سواها من عمله أشد إضاعة " {. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال:} الصلاة عماد الدين {. فإذا أقام المتولي عماد الدين: فالصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات كما قال الله ~~تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} وقال ~~سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين} وقال لنبيه: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن ~~نرزقك والعاقبة للتقوى} وقال # PageV28P261 # تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون} {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} . فالمقصود الواجب ~~بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ~~ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. وهو ~~نوعان: قسم المال بين مستحقيه؛ وعقوبات المعتدين فمن لم يعتد أصلح له دينه ~~ودنياه ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: " إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم ~~كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيأكم "} . فلما تغيرت الرعية من وجه ~~والرعاة من وجه؛ تناقضت الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم ~~بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله؛ ~~فقد روي: {يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة} وفي مسند الإمام أحمد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أحب الخلق إلى الله إمام عادل ~~وأبغضهم إليه إمام جائر} وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ~~إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى ~~يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت # PageV28P262 # عيناه ms8230 ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه} . وفي صحيح مسلم ~~عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أهل ~~الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل ~~غني عفيف متصدق} . وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الساعي على ~~الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله} وقد قال الله تعالى - لما أمر بالجهاد ~~-: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} {وقيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك ~~في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} ~~أخرجاه في الصحيحين. فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي ~~العليا وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه وهكذا قال الله ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط} فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط ~~في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: # PageV28P263 # {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب} . فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد؛ ولهذا كان قوام الدين بالمصحف ~~والسيف. وقد روي {عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعني السيف - من عدل عن هذا - يعني ~~المصحف} - فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب وينظر ~~إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود ولي؛ فإذا كانت الولاية مثلا - ~~إمامة صلاة فقط؛ قدم من قدمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {يؤم القوم ~~أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في ~~السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ولا يؤمن ~~الرجل ms8231 الرجل في سلطانه ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه} رواه مسلم ~~فإذا تكافأ رجلان؛ وخفي أصلحهما أقرع بينهما كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين ~~الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان؛ متابعة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم {لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا ~~عليه لاستهموا} . فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر وبفعله - وهو ما ~~يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر - كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات ~~إلى أهلها. # PageV28P264 ### | فصل: # القسم الثاني من الأمانات: الأموال # كما قال تعالى في الديون: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~وليتق الله ربه} . ويدخل في هذا القسم: الأعيان والديون الخاصة والعامة: ~~مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل ~~الوقف ونحو ذلك وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات ~~النساء وأجور المنافع ونحو ذلك. وقد قال الله تعالى: {إن الإنسان خلق ~~هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا المصلين} {الذين ~~هم على صلاتهم دائمون} {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} إلى ~~قوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} أي لا ~~تخاصم عنهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا ~~تخن من خانك} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {المؤمن من أمنه المسلمون على ~~دمائهم وأمولهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما # PageV28P265 # نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله} . وهو حديث صحيح بعضه ~~في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم {من أخذ أموال ~~الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله} رواه ~~البخاري. وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق؛ ففيه تنبيه ~~على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم ms8232 كذلك أداء ~~العارية. وقد {خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال في خطبته: ~~العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم؛ إن الله قد أعطى ~~كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث} . وهذا القسم يتناول الولاة والرعية فعلى كل ~~منهما: أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه فعلى ذي السلطان ونوابه في ~~العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه. وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا ~~إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه؛ كذلك على الرعية الذين تجب عليهم ~~الحقوق؛ وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه فيكونون من ~~جنس من قال الله تعالى فيه: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} ثم بين سبحانه لمن تكون # PageV28P266 # بقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم} . ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق وإن كان ~~ظالما؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر جور الولاة فقال: {أدوا ~~إليهم الذي لهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم} . ففي الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كانت بنو إسرائيل ~~تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ~~ويكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: أوفوا ببيعة الأول فالأول؛ ثم أعطوهم ~~حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم} . وفيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا ~~تنكرونها قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم؛ ~~واسألوا الله حقكم} . وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم ~~المالك ملكه؛ فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ليسوا ms8233 ملاكا؛ كما قال رسول الله # PageV28P267 # صلى الله عليه وسلم {إني - والله - لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا؛ وإنما ~~أنا قاسم أضع حيث أمرت} . رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه. ~~فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره كما ~~يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله وكما يفعل ذلك الملوك الذين ~~يعطون من أحبوا ويمنعون من أبغضوا وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره ~~فيضعه حيث أمره الله تعالى. وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير ~~المؤمنين - لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى. فقال له عمر: ~~أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا منهم مالا وسلموه ~~إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ . ~~وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مال عظيم من الخمس؛ فقال: إن ~~قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء. فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة ~~إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت لرتعوا. وينبغي أن يعرف أن ~~أولي الأمر كالسوق ما نفق فيه جلب إليه؛ هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه. فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب إليه ذلك؛ وإن نفق ~~فيه الكذب والفجور # PageV28P268 # والجور والخيانة جلب إليه ذلك. والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله ~~ويضعه في حقه ولا يمنعه من مستحقه؛ وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا ~~بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك ولا يتركوا ~~حقك. # فصل: # الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة؛ ثلاثة أصناف: الغنيمة ~~والصدقة والفيء. فأما " الغنيمة " فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال ~~ذكرها الله في " سورة الأنفال " التي أنزلها في غزوة بدر وسماها أنفالا؛ ~~لأنها زيادة في أموال المسلمين فقال: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول} إلى قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ms8234 خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} الآية؛ وقال: {فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم} . وفي الصحيحين عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أعطيت خمسا لم ~~يعطهن نبي قبلي: نصرت # PageV28P269 # بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته ~~الصلاة فليصل؛ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان ~~النبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي ~~تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم} . ~~رواه أحمد في المسند عن ابن عمر واستشهد به البخاري. فالواجب في المغنم ~~تخميسه وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى؛ وقسمة الباقي بين الغانمين قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة. وهم الذين شهدوها ~~للقتال قاتلوا أو لم يقاتلوا. ويجب قسمها بينهم بالعدل فلا يحابى أحد لا ~~لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~يقسمونها. وفي صحيح البخاري: {أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى له فضلا ~~على من دونه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم؟} وفي مسند أحمد {عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله ~~الرجل يكون حامية القوم يكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم ~~سعد؛ وهل ترزقون وتنصرون # PageV28P270 # إلا بضعفائكم؟} . وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية ~~ودولة بني العباس لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر؛ لكن يجوز ~~للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كسرية تسرت من الجيش أو رجل صعد ~~حصنا عاليا ففتحه أو حمل على مقدم العدو فقتله فهزم العدو ونحو ذلك؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا ينفلون ms8235 لذلك. وكان ينفل السرية في ~~البداية الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. وهذا النفل؛ قال ~~العلماء: إنه يكون من الخمس. وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل ~~بعض الغانمين على بعض. والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس وإن كان فيه ~~تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية؛ لا لهوى النفس كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم ~~وعلى هذا فقد قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط وينفل الزيادة على ~~ذلك بالشرط مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا أو من جاءني برأس فله ~~كذا ونحو ذلك. وقيل: لا ينفل زيادة على الثلث ولا ينفله إلا بالشرط. وهذان ~~قولان لأحمد وغيره. كذلك - على القول الصحيح - # PageV28P271 # للإمام أن يقول: من أخذ شيئا فهو له؛ كما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قد قال ذلك في غزوة بدر. إذا رأى ذلك مصلحة راجحة على المفسدة. ~~وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ويقسمها لم يجز لأحد أن يغل منها شيئا {ومن ~~يغلل يأت بما غل يوم القيامة} فإن الغلول خيانة. ولا تجوز النهبة فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فإذا ترك الإمام الجمع والقسمة وأذن في الأخذ ~~إذنا جائزا: فمن أخذ شيئا بلا عدوان حل له بعد تخميسه وكل ما دل على الإذن ~~فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنا غير جائز: جاز للإنسان أن يأخذ ~~مقدار ما يصيبه بالقسمة متحريا للعدل في ذلك. ومن حرم على المسلمين جمع ~~الغنائم والحال هذه وأباح للإمام أن يفعل فيها ما يشاء: فقد تقابل القولان ~~تقابل الطرفين ودين الله وسط. والعدل في القسمة: أن يقسم للراجل سهم ~~وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه؛ هكذا قسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول ~~هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة؛ ولأن الفرس يحتاج إلى مئونة ms8236 نفسه وسائسه - ~~ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة راجلين - ومنهم من يقول: يسوى بين الفرس ~~العربي والهجين # PageV28P272 # في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يسهم له سهم واحد كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه. والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية - ويسمى ~~البرذون - وبعضهم يسميه التتري سواء كان حصانا أو خصيا ويسمى الأكديش أو ~~رمكة وهي الحجر؛ كان السلف يعدون للقتال الحصان لقوته وحدته وللإغارة ~~والبيات الحجر لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون وللسير الخصي لأنه ~~أصبر على السير. وإذا كان المغنوم مالا - قد كان للمسلمين قبل ذلك: من عقار ~~أو منقول وعرف صاحبه قبل القسمة - فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين. وتفاريع ~~المغانم وأحكامها: فيها آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في ~~بعض ذلك؛ وليس هذا موضعها؛ وإنما الغرض ذكر الجمل الجامعة. # فصل: # وأما الصدقات فهي لمن سمى الله تعالى في كتابه؛ فقد روي {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن رجلا سأله من الصدقة فقال: إن الله لم يرض في الصدقة ~~بقسم نبي ولا غيره؛ ولكن جزأها ثمانية أجزاء فإن # PageV28P273 # كنت من تلك الأجزاء أعطيتك} . فالفقراء والمساكين يجمعها معنى الحاجة إلى ~~الكفاية؛ فلا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب (والعاملين عليها) هم الذين ~~يجبونها ويحفظونها ويكتبونها ونحو ذلك. (والمؤلفة) قلوبهم فنذكرهم - إن شاء ~~الله تعالى - في مال الفيء. (وفي الرقاب) يدخل فيه إعانة المكاتبين وافتداء ~~الأسرى وعتق الرقاب. هذا أقوى الأقوال فيها. والغارمين هم الذين عليهم ديون ~~لا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيرا إلا أن يكونوا غرموه في ~~معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا. (وفي سبيل الله) وهم الغزاة الذين ~~لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم فيعطون ما يغزون به؛ أو تمام ما ~~يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة؛ والحج من سبيل الله كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم (وابن السبيل) هو المجتاز من بلد إلى بلد. # فصل: # وأما الفيء فأصله ما ذكره الله تعالى في سورة ms8237 الحشر التي أنزلها الله في ~~غزوة بني النضير بعد بدر من قوله تعالى {وما أفاء الله على رسوله منهم فما ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله # PageV28P274 # على من يشاء والله على كل شيء قدير} {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب} {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون} {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنا إنك رءوف رحيم} . فذكر سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار والذين جاءوا ~~من بعدهم على ما وصف فدخل في الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم ~~القيامة؛ كما دخلوا في قوله تعالى {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا ~~معكم فأولئك منكم} وفي قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} وفي قوله: {وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} . ومعنى قوله: {فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب} . أي ما # PageV28P275 # حركتم ولا سقتم خيلا ولا إبلا. ولهذا قال الفقهاء: إن الفيء هو ما أخذ من ~~الكفار بغير قتال؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال. وسمي فيئا؛ لأن ~~الله أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار؛ فإن الأصل أن الله تعالى ~~إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته. ~~فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا ~~بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين يعبدونه وأفاء إليهم ما يستحقونه ~~كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه ms8238 قبل ذلك؛ وهذا مثل ~~الجزية التي على اليهود والنصارى والمال الذي يصالح عليه العدو أو يهدونه ~~إلى سلطان المسلمين كالحمل الذي يحمل من بلاد النصارى ونحوهم؛ وما يؤخذ من ~~تجار أهل الحرب وهو العشر ومن تجار أهل الذمة إذا اتجروا في غير بلادهم وهو ~~نصف العشر. هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ. وما يؤخذ من أموال ~~من ينقض العهد منهم والخراج الذي كان مضروبا في الأصل عليهم وإن كان قد صار ~~بعضه على بعض المسلمين. ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التي ~~لبيت مال المسلمين: كالأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من ~~المسلمين وليس له وارث معين؛ وكالغصوب والعواري والودائع: # PageV28P276 # التي تعذر معرفة أصحابها؛ وغير ذلك من أموال المسلمين العقار والمنقول. ~~فهذا ونحوه مال المسلمين. وإنما ذكر الله تعالى في القرآن الفيء فقط؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارث معين ~~لظهور الأنساب في أصحابه وقد مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى أكبر ~~رجل من تلك القبيلة أي: أقربهم نسبا إلى جدهم وقد قال بذلك طائفة من ~~العلماء كأحمد في قول منصوص وغيره ومات رجل لم يخلف إلا عتيقا له فدفع ~~ميراثه إلى عتيقه وقال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. ودفع ميراث رجل ~~إلى رجل من أهل قريته وكان صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ~~ميراث الميت إلى من بينه وبينه نسب كما ذكرناه. ولم يكن يأخذ من المسلمين ~~إلا الصدقات وكان يأمرهم أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؛ كما ~~أمر الله به في كتابه. ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة؛ ديوان جامع على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه بل كان يقسم المال ~~شيئا فشيئا فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر المال واتسعت ~~البلاد وكثر الناس فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم؛ وديوان الجيش - في ~~هذا الزمان ms8239 - مشتمل على # PageV28P277 # أكثره؛ وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين. وكان للأمصار دواوين الخراج ~~والفيء وما يقبض من الأموال؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~يحاسبون العمال على الصدقات والفيء وغير ذلك. فصارت الأموال في هذا الزمان ~~وما قبله ثلاثة أنواع: نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع كما ~~ذكرناه ونوع يحرم أخذه بالإجماع كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت ~~المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث أو على حد ارتكبه وتسقط عنه ~~العقوبة بذلك وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقا. ونوع فيه اجتهاد وتنازع ~~كمال من له ذو رحم وليس بذي فرض ولا عصبة ونحو ذلك. وكثيرا ما يقع الظلم ~~منه الولاة والرعية: هؤلاء يأخذون ما لا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب كما قد ~~يتظالم الجند والفلاحون. وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب ويكنز ~~الولاة من مال الله ما لا يحل كنزه. وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه ~~قد يترك منها ما يباح أو يجب؛ وقد يفعل ما لا يحل. والأصل في ذلك: إن كل من ~~عليه مال يجب أداؤه؛ كرجل # PageV28P278 # عنده وديعة أو مضاربة أو شركة أو مال لموكله أو مال يتيم أو مال وقف أو ~~مال لبيت المال؛ أو عنده دين وهو قادر على أدائه؛ فإنه إذا امتنع من أداء ~~الحق الواجب: من عين أو دين؛ وعرف أنه قادر على أدائه؛ فإنه يستحق العقوبة ~~حتى يظهر المال أو يدل على موضعه. فإذا عرف المال وصبر على الحبس فإنه ~~يستوفي الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن ~~الإيفاء ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء ~~النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها؛ لما روى عمرو بن الشريد عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لي الواجد يحل عرضه وعقوبته} رواه أهل ~~السنن. وقال صلى الله عليه وسلم {مطل الغني ظلم} أخرجاه في الصحيحين و " ~~اللي " هو المطل: ms8240 والظالم يستحق العقوبة والتعزير. وهذا أصل متفق عليه: أن ~~كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق العقوبة؛ فإن لم تكن مقدرة بالشرع كان ~~تعزيرا يجتهد فيه ولي الأمر فيعاقب الغني المماطل بالحبس فإن أصر عوقب ~~بالضرب حتى يؤدي الواجب وقد نص على ذلك الفقهاء: من أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم ولا أعلم فيه خلافا. وقد روى البخاري في صحيحه ~~{عن ابن عمر رضي الله عنهما أن # PageV28P279 # النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء ~~والسلاح سأل بعض اليهود - وهو سعية عم حيي بن أخطب - عن كنز مال حيي بن ~~أخطب. فقال: أذهبته النفقات والحروب فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك ~~فدفع النبي صلى الله عليه وسلم سعية إلى الزبير فمسه بعذاب فقال: قد رأيت ~~حييا يطوف في خربة ههنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة} وهذا الرجل ~~كان ذميا والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق؛ وكذلك كل من كتم ما يجب إظهاره من ~~دلالة واجبة ونحو ذلك يعاقب على ترك الواجب. وما أخذه العمال وغيرهم من مال ~~المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم؛ كالهدايا التي ~~يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه هدايا العمال غلول. ~~وروى إبراهيم الحربي - في كتاب الهدايا - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {هدايا الأمراء غلول} وفي الصحيحين {عن أبي ~~حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من ~~الأزد؛ يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي ~~إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال الرجل نستعمله على العمل مما # PageV28P280 # ولانا الله؛ فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت ~~أمه. فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به ~~يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة ms8241 لها خوار أو ~~شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه؛ ثم قال: اللهم هل بلغت؟ اللهم ~~هل بلغت اللهم هل بلغت؟ ثلاثا} . # وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة ~~والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية؛ ولهذا شاطر عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة؛ وإنما شاطرهم ~~لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها وكان الأمر يقتضي ذلك؛ ~~لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية. فلما تغير الإمام والرعية كان الواجب على ~~كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه ويترك ما حرم عليه ولا يحرم عليه ~~ما أباح الله له. وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها؛ ~~ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم # PageV28P281 # فيكون من أخذ منهم عوضا على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب إليهم من هذا؛ ~~فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا ~~غيره؛ وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة وقضاء حوائجهم التي لا تتم ~~مصلحة الناس إلا بها: من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم وتعريفه بأمورهم ودلالته ~~على مصالحهم وصرفه عن مفاسدهم؛ بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة؛ كما ~~يفعل ذوو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم. ففي حديث هند بن أبي هالة ~~رضي الله عنه {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: أبلغوني حاجة من ~~لا يستطيع إبلاغها؛ فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها: ثبت ~~الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام} وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في ~~سننه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له عليها هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما ~~من أبواب الربا} وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: السحت أن يطلب الحاجة ms8242 للرجل فتقضى له فيهدى إليه هدية فيقبلها وروي ~~أيضا عن مسروق: أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها فأهدى له صاحبها وصيفا ~~فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من # PageV28P282 # رد عن مسلم مظلمة فرزأه عليها قليلا أو كثيرا فهو سحت؛ فقلت: يا أبا عبد ~~الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم قال: ذاك كفر. فأما إذا كان ~~ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه فلا ينبغي إعانة ~~واحد منهما إذ كل منها ظالم كلص سرق من لص وكالطائفتين المقتتلتين على ~~عصبيه ورئاسة؛ ولا يحل للرجل أن يكون عونا على ظلم؛ فإن التعاون نوعان: ~~الأول: تعاون على البر والتقوى: من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق ~~وإعطاء المستحقين؛ فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون ~~من أعوان الظلمة فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية؛ متوهما أنه ~~متورع. وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع إذ كل منهما كف وإمساك. ~~والثاني: تعاون على الإثم والعدوان كالإعانة على دم معصوم أو أخذ مال معصوم ~~أو ضرب من لا يستحق الضرب ونحو ذلك فهذا الذي حرمه الله ورسوله. نعم إذا ~~كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى أصحابها ككثير من الأموال ~~السلطانية؛ فالإعانة على صرف هذه # PageV28P283 # الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك: من ~~الإعانة على البر والتقوى؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال - إذا لم ~~يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم - أن يصرفها - مع التوبة إن ~~كان هو الظالم - إلى مصالح المسلمين. هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وأبي ~~حنيفة وأحمد وهو منقول عن غير واحد من الصحابة وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية ~~كما هو منصوص في موضع آخر وإن كان غيره قد أخذها فعليه هو أن يفعل بها ذلك ~~كذلك لو امتنع السلطان من ردها: كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها ~~أولى من تركها بيد من يضيعها على ms8243 أصحابها وعلى المسلمين. فإن مدار الشريعة ~~على قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} المفسر لقوله: {اتقوا الله حق ~~تقاته} وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم} أخرجاه في الصحيحين. وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها؛ ~~وتعطيل المفاسد وتقليلها فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت ~~أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناها: هو المشروع. والمعين على ~~الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه أما من # PageV28P284 # أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة: فهو وكيل ~~المظلوم؛ لا وكيل الظالم؛ بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له ~~إلى الظالم. مثال ذلك ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالم منه مالا فاجتهد في ~~دفع ذلك بمال أقل منه إليه أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع؛ فهو ~~محسن وما على المحسنين من سبيل. وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب ~~وغيرهم الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يطلب منهم؛ لا يتوكل ~~للظالمين في الأخذ. كذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو ~~مدينة فتوسط رجل منهم محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها بينهم على ~~قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء بل توكل لهم في الدفع ~~عنهم والإعطاء: كان محسنا؛ لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل ~~الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد وآخذا ممن يريد. وهذا من أكبر ~~الظلمة الذين يحشرون في توابيت من نار هم وأعوانهم وأشباههم ثم يقذفون في ~~النار. # PageV28P285 # فصل: # وأما المصارف: فالواجب أن يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح ~~المسلمين العامة: كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم المقاتلة: ~~الذين هم أهل النصرة والجهاد وهم أحق الناس بالفيء فإنه لا يحصل إلا بهم؛ ~~حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختص بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ ~~وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقا إلا ما خص به نوع ~~كالصدقات والمغنم. ms8244 ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم: كالولاة والقضاة ~~والعلماء والسعاة على المال: جمعا وحفظا وقسمة ونحو ذلك. حتى أئمة الصلاة ~~والمؤذنين ونحو ذلك. وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه: من سداد ~~الثغور بالكراع والسلاح وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس: ~~كالجسور والقناطر وطرقات المياه كالأنهار. ومن المستحقين: ذوو الحاجات؛ فإن ~~الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون # PageV28P286 # في غير الصدقات من الفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره ~~منهم من قال: يقدمون ومنهم من قال: المال استحق بالإسلام فيشتركون فيه كما ~~يشترك الورثة في الميراث. والصحيح أنهم يقدمون؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقدم ذوي الحاجات كما قدمهم في مال بني النضير وقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ليس أحد أحق بهذا المال من أحد؛ إنما هو الرجل وسابقته والرجل ~~وغناؤه والرجل وبلاؤه والرجل وحاجته. فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام: ~~الأول: ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. الثاني: من يغني عن المسلمين ~~في جلب المنافع لهم كولاة الأمور والعلماء الذين يجتلبون لهم منافع الدين ~~والدنيا. الثالث: من يبلي بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم كالمجاهدين في سبيل ~~الله من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم. الرابع: ذوو الحاجات. ~~وإذا حصل من هؤلاء متبرع فقد أغنى الله به؛ وإلا أعطي ما يكفيه أو قدر ~~عمله. إذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة # PageV28P287 # الرجل وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات أيضا فما زاد على ذلك لا ~~يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نظراؤه مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث. ~~ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه: من قرابة بينهما أو ~~مودة ونحو ذلك؛ فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه كعطية المخنثين من ~~الصبيان المردان: الأحرار والمماليك ونحوهم والبغايا والمغنين والمساخر ~~ونحو ذلك؛ أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم. لكن يجوز - بل ~~يجب - الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه وإن كان هو لا يحل ms8245 له أخذ ~~ذلك كما أباح الله تعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات وكما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه وهم ~~السادة المطاعون في عشائرهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الأقرع ~~بن حابس سيد بني تميم وعيينة بن حصن سيد بني فزارة وزيد الخير الطائي سيد ~~بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري سيد بني كلاب ومثل سادات قريش من ~~الطلقاء: كصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب وسهيل بن ~~عمرو والحارث بن هشام وعدد كثير. ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: # PageV28P288 # {بعث علي وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ~~وعيينة بن حصن الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري سيد بني كلاب وزيد الخير ~~الطائي سيد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار فقالوا: يعطي صناديد نجد ~~ويدعنا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني إنما فعلت ذلك لتأليفهم ~~فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس ~~فقال: اتق الله يا محمد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يتق الله ~~إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن ~~رجل من القوم في قتله ويرون أنه خالد بن الوليد فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل ~~الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ~~لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} . وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: {أعطى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن ~~حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ~~ذلك فقال عباس بن مرداس: # PageV28P289 # أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة ms8246 والأقرع # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع # وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة} رواه مسلم و " العبيد " ~~اسم فرس له. # والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم. فالكافر: إما أن يرجى بعطيته منفعة: ~~كإسلامه؛ أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المطاع يرجى. بعطيته ~~المنفعة أيضا كحسن إسلامه. أو إسلام نظيره أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا ~~لخوف أو النكاية في العدو. أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك. ~~وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل ~~الملوك؛ فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله كان من ~~جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وإن كان المقصود العلو في الأرض ~~والفساد كان من جنس عطاء فرعون؛ وإنما ينكره ذوو الدين الفاسد كذي الخويصرة ~~الذي أنكره على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه ما قال وكذلك حزبه ~~الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما قصد # PageV28P290 # به المصلحة من التحكيم ومحو اسمه وما تركه من سبي نساء المسلمين ~~وصبيانهم. وهؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأن معهم دينا ~~فاسدا لا يصلح به دنيا ولا آخرة كثيرا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن ~~والبخل؛ فإن كلاهما فيه ترك؛ فيشتبه ترك الفساد؛ لخشية الله تعالى بترك ما ~~يؤمر به من الجهاد والنفقة: جبنا وبخلا؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع} . قال الترمذي: حديث صحيح. كذلك قد ~~يترك الإنسان العمل ظنا أو إظهارا أنه ورع؛ وإنما هو كبر وإرادة للعلو؛ ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات} كلمة جامعة كاملة ~~فإن النية للعمل كالروح للجسد؛ وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس ~~والقمر قد وضع جبهته على الأرض فصورتهما واحدة؛ ثم هذا أقرب الخلق إلى الله ~~تعالى وهذا ms8247 أبعد الخلق عن الله. وقد قال الله تعالى: {وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة} . وفي الأثر {أفضل الإيمان: السماحة والصبر} . فلا تتم ~~رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء؛ والنجدة التي هي الشجاعة؛ ~~بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه [الله] ~~(1) الأمر ونقله إلى غيره؛ كما قال PageV28P291 # الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل} {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما ~~غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} وقال تعالى: {هاأنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم} وقد قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} ~~فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء والقتال الذي هو الشجاعة؛ وكذلك قال ~~الله تعالى في غير موضع: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.} وبين أن ~~البخل من الكبائر في قوله تعالى {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} وفي قوله: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} ~~الآية. وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه # PageV28P292 # جهنم وبئس المصير} وفي قوله تعالى {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون} . وهو كثير في الكتاب والسنة وهو مما اتفق عليه أهل ~~الأرض حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: " لا طعنة ولا جفنة " ويقولون: ~~" لا فارس الخيل ولا وجه العرب ". ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب ms8248 ~~عليهم حب العلو في الأرض والفساد فلم ينظروا في عاقبة المعاد ورأوا أن ~~السلطان لا يقوم إلا بعطاء وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير ~~حلها؛ فصاروا نهابين وهابين. وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس ~~إلا من يأكل ويطعم فإنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يطعم سخط عليه ~~الرؤساء وعزلوه؛ إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم ~~وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة ~~إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها. وفريق عندهم خوف من الله ~~تعالى ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق وفعل المحارم. فهذا حسن ~~واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك: أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من ~~الحرام فيمتنعون عنها مطلقا؛ وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل أو ضيق خلق ~~ينضم إلى ما معهم من الدين فيقعون أحيانا في ترك واجب يكون تركه # PageV28P293 # أضر عليهم من بعض المحرمات أو يقعون في النهي عن واجب يكون النهي عنه من ~~الصد عن سبيل الله. وقد يكونون متأولين. وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ~~ولا يتم إلا بالقتال فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج وهؤلاء لا تصلح ~~بهم الدنيا ولا الدين الكامل؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض ~~أمور الدنيا. وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطئوا ويغفر لهم قصورهم. ~~وقد يكونون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره ولا يرى أنه ~~يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا بمال ولا بنفع ويرى أن إعطاء المؤلفة ~~قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم. الفريق الثالث: الأمة الوسط وهم أهل ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم ~~القيامة وهو إنفاق المال والمنافع للناس - وإن كانوا رؤساء - بحسب الحاجة ~~إلى صلاح الأحوال ولإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها ms8249 الدين وعفته في ~~نفسه فلا يأخذ مالا يستحقه. فيجمعون بين التقوى والإحسان {إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون} ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا ولا يصلح الدين ~~والدنيا إلا # PageV28P294 # بهذه الطريقة. وهذا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى طعامه ولا يأكل هو ~~إلا الحلال الطيب ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأول فإن ~~الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف ويصلح به الناس في ~~دينهم ما لا يصلحون بالثاني؛ فإن العفة مع القدرة تقوي حرمة الدين وفي ~~الصحيحين {عن أبي سفيان بن حرب: أن هرقل ملك الروم سأله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة} . وفي ~~الأثر: {أن الله أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه السلام يا إبراهيم: أتدري لم ~~اتخذتك خليلا؟ لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ} . وهذا الذي ذكرناه في ~~الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع نظيره في الصبر والغضب الذي هو ~~الشجاعة ودفع المضار. فإن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم. ~~وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم. والثالث - وهو الوسط - الذي يغضب لربه ~~لا لنفسه كما في الصحيحين {عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيده: خادما له ولا امرأة. ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن ~~يجاهد في سبيل الله ولا # PageV28P295 # نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله فإذا انتهكت حرمات ~~الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله} . فأما من يغضب لنفسه لا لربه أو ~~يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره. فهذا القسم الرابع شر الحلق؛ لا يصلح بهم دين ~~ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة هم الذين قاموا بالواجبات ~~وتركوا الحرمات وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه ولا يأخذون إلا ما ~~أبيح لهم ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه ويعفون عن حقوقهم وهذه أخلاق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه ms8250 وهي أكمل الأمور. وكلما كان ~~إليها أقرب كان أفضل. فليجتهد المسلم في التقرب إليها بجهده ويستغفر الله ~~بعد ذلك من قصور. أو تقصيره بعد أن يعرف كمال ما بعث الله تعالى به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من الدين فهذا في قول الله سبحانه وتعالى: {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} والله أعلم. # PageV28P296 # فصل: # وأما قوله تعالى {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} فإن الحكم بين ~~الناس يكون في الحدود والحقوق وهما قسمان: فالقسم الأول: الحدود والحقوق ~~التي ليست لقوم معينين؛ بل منفعتها لمطلق المسلمين أو نوع منهم. وكلهم ~~محتاج إليها. وتسمى حدود الله وحقوق الله: مثل حد قطاع الطريق والسراق ~~والزناة ونحوهم ومثل الحكم في الأموال السلطانية والوقوف والوصايا التي ~~ليست لمعين. فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ولا بد للناس من إمارة: برة كانت أو فاجرة. فقيل: يا أمير ~~المؤمنين هذه البرة قد عرفناها. فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود ~~وتأمن بها السبل ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء. وهذا القسم يجب على ~~الولاة البحث عنه وإقامته من غير دعوى أحد به وكذلك تقام الشهادة فيه من ~~غير دعوى أحد به وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر ~~إلى مطالبة المسروق بما له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لكنهم متفقون ~~على أنه لا # PageV28P297 # يحتاج إلى مطالبة المسروق بالحد وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال؛ لئلا ~~يكون للسارق فيه شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والضعيف ~~ولا يحل تعطيله؛ لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما ولا تحل الشفاعة فيه. ومن ~~عطله لذلك - وهو قادر على إقامته - فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنا ~~قليلا. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حالت شفاعته دون ms8251 حد من حدود الله فقد ضاد ~~الله في أمره. ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع. ومن ~~قال في مسلم دين ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. قيل يا ~~رسول الله: وما ردغة الخبال؟ قال عصارة أهل النار} فذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الحكماء والشهداء والخصماء وهؤلاء أركان الحكم. وفي الصحيحين {عن ~~عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من ~~يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة ~~بن زيد فقال: يا أسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل ~~أنهم # PageV28P298 # كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ~~والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} . ففي هذه ~~القصة عبرة؛ فإن أشرف بيت كان في قريش بطنان؛ بنو مخزوم وبنو عبد مناف. ~~فلما وجب على هذه القطع بسرقتها - التي هي جحود العارية على قول بعض ~~العلماء أو سرقة أخرى غيرها على قول آخرين - وكانت من أكبر القبائل وأشرف ~~البيوت وشفع فيها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة غضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله وهو الشفاعة في الحدود ثم ~~ضرب المثل بسيدة نساء العالمين - وقد برأها الله من ذلك - فقال: {لو أن ~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} . وقد روي: أن هذه المرأة التي قطعت يدها ~~تابت وكانت تدخل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فيقضي حاجتها. فقد ~~روي: {إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة وإن لم يتب سبقته يده إلى ~~النار} . وروى مالك في الموطأ: أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه إلى عثمان رضي ~~الله عنه فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه ~~عنده فقال: " إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ". يعني ~~الذي يقبل الشفاعة. {وكان ms8252 صفوان بن # PageV28P299 # أمية نائما على رداء له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء لص ~~فسرقه فأخذه فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يده فقال: يا رسول ~~الله: أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أهبه له. فقال: فهلا قبل أن تأتيني به ثم ~~قطع يده} رواه أهل السنن يعني صلى الله عليه وسلم أنك لو عفوت عنه قبل أن ~~تأتيني به لكان فأما بعد أن رفع إلي فلا. فلا يجوز تعطيل الحد لا بعفو ولا ~~بشفاعة ولا بهبة ولا غير ذلك. ولهذا اتفق العلماء - فيما أعلم - على أن ~~قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم ~~يسقط الحد عنهم؛ بل تجب إقامته وإن تابوا فإن كانوا صادقين في التوبة كان ~~الحد كفارة لهم كان تمكينهم من ذلك من تمام التوبة - بمنزلة رد الحقوق إلى ~~أهلها؛ والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين. وأصل هذا في قوله ~~تعالى {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له ~~كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} فإن الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير ~~معه شفعا بعد أن كان وترا فإن أعانه على بر وتقوى كانت شفاعة حسنة وإن ~~أعانه على إثم وعدوان كانت شفاعة سيئة والبر ما أمرت به والإثم ما نهيت ~~عنه. وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. # PageV28P300 # وقد قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} {إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} فاستثنى التائبين قبل ~~القدرة عليهم فقط فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد؛ للعموم ~~والمفهوم والتعليل. هذا إذا كان قد ثبت بالبينة. فأما إذا كان بإقرار وجاء ~~مقرا بالذنب تائبا: فهذا فيه نزاع مذكور ms8253 في غير هذا الموضع. وظاهر مذهب ~~أحمد: أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة؛ بل إن طلب إقامة الحد عليه ~~أقيم وإن ذهب لم يقم عليه حد. وعلى هذا حمل {حديث ماعز بن مالك لما قال: ~~فهلا تركتموه} وحديث الذي قال " أصبت حدا فأقمه " مع آثار أخر. وفي سنن أبي ~~داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~{تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب} وفي سنن النسائي وابن ~~ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {حد يعمل ~~به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا} . وهذا لأن المعاصي ~~سبب لنقص الرزق والخوف من العدو كما يدل عليه الكتاب والسنة. فإذا # PageV28P301 # أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله تعالى فحصل الرزق والنصر. # ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو الشارب أو قاطع الطريق ونحوهم ~~مال تعطل به الحدود؛ لا لبيت المال ولا لغيره. وهذا المال المأخوذ لتعطيل ~~الحد سحت خبيث وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين: # أحدهما: تعطيل الحد والثاني: أكل السحت. فترك الواجب وفعل المحرم. قال ~~الله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يصنعون} وقال الله تعالى عن اليهود: {سماعون للكذب أكالون ~~للسحت} لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى البرطيل وتسمى أحيانا ~~الهدية وغيرها. ومتى أكل السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة ~~الزور وغيرها. وقد {لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ~~والرائش - الواسطة - الذي بينهما} رواه أهل السنن. وفي الصحيحين: {أن رجلين ~~اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا ~~بكتاب الله. فقال صاحبه - وكان أفقه منه - نعم يا رسول الله اقض بيننا ~~بكتاب الله وائذن لي. فقال: قل. فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل # PageV28P302 # هذا - يعني أجيرا - فزنى ms8254 بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت ~~رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على ~~امرأة هذا الرجم. فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المائة ~~والخادم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة ~~هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها. فسألها فاعترفت فرجمها} . ففي هذا الحديث ~~إنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بدفع المال إلى صاحبه وأمر بإقامة الحد ولم يأخذ المال للمسلمين: من ~~المجاهدين والفقراء وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ ~~أو غيرهم لا يجوز وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب ~~والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث. كثير مما يوجد ~~من فساد أمور الناس إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه وهذا من أكبر الأسباب ~~التي هي فساد أهل البوادي والقرى والأمصار: من الأعراب والتركمان والأكراد ~~والفلاحين وأهل الأهواء كقيس ويمن وأهل الحاضرة من رؤساء الناس وأغنيائهم ~~وفقرائهم وأمراء الناس ومقدميهم وجندهم وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط ~~قدره من القلوب وانحلال أمره فإذا ارتشى وتبرطل على تعطيل حد ضعفت نفسه أن ~~يقيم حدا آخر # PageV28P303 # وصار من جنس اليهود الملعونين. وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل سميت به ~~الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق كما يلقمه الحجر الطويل كما قد ~~جاء في الأثر: {إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوة} . وكذلك ~~إذا أخذ مال للدولة على ذلك مثل هذا السحت الذي يسمى التأديبات. ألا ترى أن ~~الأعراب المفسدين أخذوا لبعض الناس ثم جاءوا إلى ولي الأمر فقادوا إليه ~~خيلا يقدمونها له أو غير ذلك كيف يقوى طمعهم في الفساد وتنكسر حرمة الولاية ~~والسلطنة وتفسد الرعية؟ كذلك الفلاحون وغيرهم كذلك شارب الخمر إذا أخذ فدفع ~~بعض ماله: كيف يطمع الخمارون فيرجون إذا أمسكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم ~~فيأخذها ذلك الوالي سحتا لا يبارك فيها ms8255 والفساد قائم. وكذلك ذوو الجاه إذا ~~حموا أحدا أن يقام عليه الحد مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة ثم يأوي إلى ~~قرية نائب السلطان أو أميره فيحمى على الله ورسوله فيكون ذلك الذي حماه ممن ~~لعنه الله ورسوله فقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لعن الله من أحدث حدثا أو آوى ~~محدثا} . فكل من آوى محدثا من هؤلاء المحدثين # PageV28P304 # فقد لعنه الله ورسوله. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: {إن من ~~حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره} فكيف بمن منع ~~الحدود بقدرته ويده واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه لا سيما الحدود ~~على سكان البر؛ فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال سواء ~~كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي: سرا أو علانية فذلك جميعه محرم ~~بإجماع المسلمين وهو مثل تضمين الحانات والخمر فإن من مكن من ذلك أو أعان ~~أحدا عليه بمال يأخذه منه فهو من جنس واحد. والمال المأخوذ على هذا يشبه ما ~~يؤخذ من مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب وأجرة المتوسط في الحرام: الذي ~~يسمى القواد. قال النبي صلى الله عليه وسلم {ثمن الكلب خبيث ومهر البغي ~~خبيث وحلوان الكاهن خبيث} رواه البخاري. فمهر البغي الذي يسمى حدور القحاب. ~~وفي معناه ما يعطاه المخنثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور ~~بهم وحلوان الكاهن: مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار ~~المبشرة بزعمه ونحو ذلك. # وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه: كان ~~بمنزلة مقدم الحرامية الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة وبمنزلة القواد ~~الذي يأخذ ما يأخذه؛ ليجمع بين اثنين على فاحشة # PageV28P305 # وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط التي كانت تدل الفجار على ~~ضيفه التي قال الله تعالى فيها: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين} وقال تعالى: {فأسر ms8256 بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم} . فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب ~~قوم السوء الذين كانوا يحملون الخبائث وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة ~~على الإثم والعدوان وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه كان قد ~~أتى بضد المقصود مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك. وبمنزلة من ~~أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين. # يوضح ذلك أن ### | صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ # فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله ولا يتم ذلك إلا بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس قال ~~الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ~~. وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر} وقال تعالى عن بني إسرائيل: {كانوا لا يتناهون # PageV28P306 # عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} . وقال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا ~~به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون} . فأخبر الله تعالى أن العذاب لما نزل نجى الذين ينهون عن السوء ~~وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد. وفي الحديث الثابت: أن أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها ~~الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: {يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: {إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده} . وفي حديث آخر: {إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ~~ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة} . وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في ms8257 ~~حدود الله وحقوقه: مقصوده الأكبر: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~فالأمر بالمعروف: مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والصدق والأمانة وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة مع الأهل والجيران ونحو ذلك. فالواجب ~~على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره ويعاقب ~~التارك بإجماع المسلمين # PageV28P307 # فإن كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين وكذلك ~~يقاتلون على ترك الزكاة والصيام وغيرهما وعلى استحلال المحرمات الظاهرة ~~المجمع عليها كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك. فكل طائفة ~~ممتنعة من التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى ~~يكون الدين كله لله باتفاق العلماء. وإن كان التارك للصلاة واحدا فقد قيل: ~~إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا ~~امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهل يقتل كافرا أو ~~مسلما فاسقا؟ فيه قولان. وأكثر السلف على أنه يقتل كافرا وهذا كله مع ~~الإقرار بوجوبها أما إذا جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين وكذلك من جحد ~~سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التي يجب القتال عليها. فالعقوبة على ~~ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله وهو واجب على ~~الأمة بالاتفاق كما دل عليه الكتاب والسنة. وهو من أفضل الأعمال. {قال رجل: ~~يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: لا تستطيعه أو ~~لا تطيقه. قال: أخبرني به؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا ~~تفطر # PageV28P308 # وتقوم ولا تفتر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: فذلك الذي يعدل الجهاد في ~~سبيل الله} . وقال: {إن في الجنة لمائة درجة بين الدرجة إلى الدرجة كما بين ~~السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين نحو سبيله} كلاهما في الصحيحين. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه ~~الجهاد في سبيل الله} وقال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ms8258 ~~الصادقون} . وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم} . # فصل: # ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق: الذين يعترضون الناس بالسلاح في ~~الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة: من الأعراب والتركمان والأكراد ~~والفلاحين وفسقة الجند أو مردة الحاضرة # PageV28P309 # أو غيرهم قال الله تعالى فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} . وقد ~~روى الشافعي رحمه الله في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قطاع ~~الطريق -: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا ~~المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض ". وهذا قول ~~كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله. ~~ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم ~~يقتل: مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيها ويقطع من رأى قطعه مصلحة؛ وإن كان لم ~~يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال. كما أن منهم من يرى أنهم ~~إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر. فمن كان من ~~المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع ~~العلماء. ذكره ابن المنذر ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول؛ بخلاف ما لو قتل ~~رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو # PageV28P310 # ذلك من الأسباب الخاصة؛ فإن هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا وإن ms8259 ~~أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص. وأما المحاربون ~~فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام؛ بمنزلة السراق فإن قتلهم حدا ~~لله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل مثل ~~أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما والمقتول ذميا أو ~~مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل؛ لأنه ~~قتل للفساد العام حدا كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم. # وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه ~~والباقون له أعوان ورده له فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط والجمهور على أن ~~الجميع يقتلون ولو كانوا مائة وأن الردة والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن ~~الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين. ~~والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء. ولأن ~~المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته. والطائفة إذا انتصر بعضها ~~ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين. فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV28P311 # قال: {المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ~~ويرد متسريهم على قاعدهم} . يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت ~~مالا فإن الجيش يشاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوته تمكنت؛ لكن تنفل عنه ~~نفلا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم ~~الربع بعد الخمس فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس ~~وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية لأنها في مصلحة الجيش كما قسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر؛ لأنه كان قد بعثهما في ~~مصلحة الجيش فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهكذا ~~المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية؛ ~~كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. ms8260 قيل: يا رسول الله هذا ~~القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه} . أخرجاه في الصحيحين. ~~وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن ~~الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد وفي ذلك قوله تعالى {كتب ~~عليكم القصاص في القتلى} . # PageV28P312 # وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا - كما قد يفعله الأعراب كثيرا - ~~فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى عند أكثر العلماء: كأبي ~~حنيفة وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف} . تقطع اليد التي يبطش بها والرجل التي يمشي عليها وتحسم يده ورجله ~~بالزيت المغلي ونحوه؛ لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه وكذلك تحسم يد ~~السارق بالزيت. وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل؛ فإن الأعراب وفسقة الجند ~~وغيرهم إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع اليد والرجل ذكروا بذلك جرمه ~~فارتدعوا؛ بخلاف القتل فإنه قد ينسى؛ وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على ~~قطع يده ورجله من خلاف فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله. وأما إذا شهروا ~~السلاح ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا ثم أغمدوه أو هربوا وتركوا الحراب ~~فإنهم ينفون. فقيل: نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون في بلد. وقيل: هو ~~حبسهم. وقيل: هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك. والقتل ~~المشروع: هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أروح أنواع القتل وكذلك شرع ~~الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم # PageV28P313 # إذا قدر عليه على هذا الوجه. قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ~~وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته} رواه مسلم وقال: {إن أعف الناس قتلة أهل ~~الإيمان} . وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر ~~أمرهم وهو بعد القتل عند جمهور العلماء. ومنهم من قال: يصلبون ثم يقتلون ~~وهم مصلبون. وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف ms8261 حتى قال: يتركون على ~~المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل. # فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد {قال عمران بن ~~حصين رضي الله عنهما ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا ~~بالصدقة ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد ~~القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا إن يكونوا فعلوا ذلك ~~بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا} . والترك أفضل كما قال الله تعالى: {وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} {واصبر وما ~~صبرك إلا بالله} قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد ~~رضي الله عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم {لئن أظفرني الله بهم لأمثلن ~~بضعفي ما مثلوا بنا} فأنزل الله هذه الآية - وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة # PageV28P314 # مثل قوله: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} وقوله: {وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} وغير ذلك من الآيات ~~التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية - فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " بل نصبر " وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب ~~رضي الله عنه قال: {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية ~~أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من ~~المسلمين خيرا ثم يقول: اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ~~ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا} . # ولو شهروا السلاح في البنيان - لا في الصحراء - لأخذ المال فقد قيل: إنهم ~~ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا ~~استغاث بالناس. وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد. وهذا قول ~~مالك - في المشهور عنه - والشافعي وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة؛ ~~بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في ms8262 الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن ~~والطمأنينة ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم فإقدامهم عليه يقتضي شدة ~~المحاربة والمغالبة؛ ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر # PageV28P315 # لا يكون معه - غالبا - إلا بعض ماله. وهذا هو الصواب؛ لا سيما هؤلاء ~~المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر المنسر وكانوا يسمون ببغداد ~~العيارين ولو حاربوا بالعصا والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها: ~~فهم محاربون أيضا. وقد حكي عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد. وحكى ~~بعضهم الإجماع: على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل. وسواء كان فيه خلاف ~~أو لم يكن. فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ المال ~~بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع كما أن من قاتل المسلمين من ~~الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي ومن قاتل الكفار من المسلمين ~~بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصا فهو مجاهد في سبيل الله. وأما إذا كان ~~يقتل النفوس سرا لأخذ المال؛ مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل ~~فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إلى منزله من يستأجره ~~لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله وهذا يسمى القتل غيلة ويسميهم ~~بعض العامة المعرجين فإذا كان لأخذ المال فهل هم كالمحاربين أو يجري عليهم ~~حكم القود؟ فيه قولان للفقهاء. أحدهما: أنهم كالمحاربين لأن القتل بالحيلة ~~كالقتل مكابرة كلاهما لا يمكن الاحتراز منه؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه ~~لا # PageV28P316 # يدري به. والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال؛ وأن هذا المغتال يكون ~~أمره إلى ولي الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ ~~لأنه لا يدري به. واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان. ~~وقاتل علي رضي الله عنهما هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أو يكون أمرهم إلى ~~أولياء الدم - على قولين في مذهب أحمد وغيره - لأن في قتله فسادا عاما. # فصل: # وهذا كله إذا قدر عليهم. فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه ms8263 لإقامة الحد ~~بلا عدوان فامتنعوا عليه فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى ~~يقدر عليهم كلهم. ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا ~~وإن أفضى إلى ذلك؛ سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا. ويقتلون في القتال ~~كيفما أمكن: في العنق وغيره. ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم. فهذا ~~قتال وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع ~~الإسلام. # PageV28P317 # فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال وهلاك الحرث والنسل؛ ليس ~~مقصودهم إقامة دين ولا ملك. وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن أو ~~مغارة أو رأس جبل أو بطن واد ونحو ذلك: يقطعون الطريق على من مر بهم وإذا ~~جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في طاعة المسلمين والجماعة لإقامة ~~الحدود: قاتلوهم ودفعوهم؛ مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو ~~غيره من الطرقات أو الجبلية الذين يعتصمون برءوس الجبال أو المغارات؛ لقطع ~~الطريق. وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك ~~" النهيضة " فإنهم يقاتلون كما ذكرنا؛ لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار ~~إذا لم يكونوا كفارا ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس ~~بغير حق؛ فإن عليهم ضمانها فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم نعلم عين ~~الآخذ. وكذلك لو علم عينه؛ فإن الردء والمباشر سواء كما قلناه؛ لكن إذا عرف ~~عينه كان قرار الضمان عليه ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال فإن تعذر ~~الرد عليهم كان لمصالح المسلمين: من رزق الطائفة المقاتلة لهم وغير ذلك. بل ~~المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود ومنعهم من الفساد فإذا جرح ~~الرجل منهم جرحا مثخنا لم يجهز عليه حتى يموت # PageV28P318 # إلا أن يكون قد وجب عليه القتل. وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه إلا أن ~~يكون عليه حد أو نخاف عاقبته ومن أسر منهم أقيم عليه الحد الذي يقام على ~~غيره. ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها؛ وأكثرهم ~~يأبون ذلك. فأما إذا تحيزوا إلى ms8264 مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام ~~وأعانوهم على المسلمين. قوتلوا كقتالهم. # وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل ~~على الرءوس والدواب والأحمال ونحو ذلك فهذا مكاس عليه عقوبة المكاسين. وقد ~~اختلف الفقهاء في جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق؛ فإن الطريق لا ينقطع ~~به مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة حتى {قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الغامدية: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له} ويجوز للمظلومين - ~~الذين تراد أموالهم - قتال المحاربين بإجماع المسلمين. ولا يجب أن يبذل لهم ~~من المال لا قليل ولا كثير إذا أمكن قتالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو ~~شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد} . وهذا الذي تسميه الفقهاء " الصائل " ~~وهو الظالم بلا تأويل # PageV28P319 # ولا ولاية فإذا كان مطلوبه المال جاز دفعه بما يمكن فإذا لم يندفع إلا ~~القتال قوتل وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز وأما إذا كان مطلوبه ~~الحرمة - مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان أو يطلب من المرأة أو الصبي ~~المملوك أو غيره الفجور به؛ فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن ولو ~~بالقتال ولا يجوز التمكين منه بحال؛ بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه؛ ~~لأن بذل المال جائز وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز. وأما إذا كان ~~مقصوده قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه. وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء ~~في مذهب أحمد وغيره. وهذا إذا كان للناس سلطان فأما إذا كان - والعياذ ~~بالله - فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك فهل يجوز ~~للإنسان إذا دخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف أن يدفع عن نفسه في الفتنة أو ~~يستسلم فلا يقاتل فيها؟ على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره. فإذا ظفر ~~السلطان بالمحاربين الحرامية - وقد أخذوا الأموال التي للناس - فعليه أن ~~يستخرج ms8265 منهم الأموال التي للناس ويردها عليهم مع إقامة الحد على أبدانهم. ~~وكذلك السارق؛ فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبس ~~والضرب حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره أو الإخبار بمكانه ~~كما يعاقب كل ممتنع # PageV28P320 # عن حق وجب عليه أداؤه؛ فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته ~~إذا نشزت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى تؤديه. فهؤلاء أولى وأحرى. وهذه ~~المطالبة والعقوبة حق لرب المال فإن أراد هبتهم المال أو المصالحة عليه أو ~~العفو عن عقوبتهم فله ذلك؛ بخلاف إقامة الحد عليهم؛ فإنه لا سبيل إلى العفو ~~عنه بحال وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه. وإن كانت الأموال ~~قد تلفت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق. فقيل: يضمنونها لأربابها كما ~~يضمن سائر الغارمين. وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما. وتبقى مع ~~الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة. وقيل: لا يجتمع الغرم والقطع؛ وهو قول أبي ~~حنيفة رحمه الله. وقيل: يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار وهو قول مالك ~~رحمه الله. # ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب المحاربين وإقامة ~~الحد وارتجاع أموال الناس منهم ولا على طلب السارقين لا لنفسه ولا للجند ~~الذين يرسلهم في طلبهم؛ بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله فيخرج فيه ~~جند المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمى البيكار. وينفق على ~~المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة فإن كان لهم ~~إقطاع أو عطاء يكفيهم وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح من ~~الصدقات؛ # PageV28P321 # فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة مثل ~~التجار الذين قد يؤخذون فأخذ الإمام زكاة أموالهم وأنفقها في سبيل الله ~~كنفقة الذين يطلبون المحاربين جاز. ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف ~~فأعطى الإمام من الفيء والمصالح والزكاة لبعض رؤسائهم يعينهم على إحضار ~~الباقين أو لترك شره فيضعف الباقون ونحو ms8266 ذلك جاز وكان هؤلاء من المؤلفة ~~قلوبهم وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره وهو ظاهر الكتاب ~~والسنة وأصول الشريعة. ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية ~~ولا من يأخذ مالا من المأخوذين: التجار ونحوهم من أبناء السبيل؛ بل يرسل من ~~الجند الأقوياء الأمناء؛ إلا أن يتعذر ذلك فيرسل الأمثل فالأمثل. فإن كان ~~بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن ~~أو الظاهر حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم وأرضى المأخوذين ببعض ~~أموالهم أو لم يرضهم فهذا أعظم جرما من مقدم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعه ~~بدون ما يندفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون لهم. ~~فإن قتلوا قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثر ~~أهل # PageV28P322 # العلم. وإن أخذوا المال قطعت يده ورجله وإن قتلوا وأخذوا المال قتل وصلب ~~وعلى قول طائفة من أهل العلم يقطع ويقتل ويصلب. وقيل يخير بين هذين وإن كان ~~لم يأذن لهم؛ لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال وعطل بعض الحقوق والحدود. # ومن آوى محاربا أو سارقا أو قاتلا ونحوهم ممن وجب عليه حد أو حق لله ~~تعالى أو لآدمي ومنعه أن يستوفي منه الواجب بلا عدوان فهو شريكه في الجرم. ~~وقد لعنه الله ورسوله. روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لعن الله من أحدث حدثا أو آوى ~~محدثا} وإذا ظفر بهذا الذي آوى المحدث فإنه طلب منه إحضاره أو الإعلام به ~~فإن امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك الحدث كما ذكرنا ~~أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب. فمن وجب حضوره من النفوس والأموال ~~يعاقب من منع حضورها. ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق أو الرجل ~~المطلوب بحق وهو الذي يمنعه فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه. ولا ~~يجوز كتمانه. ms8267 فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب؛ بخلاف ما ~~لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل فإنه لا يحل الإعلام به لأنه من ~~التعاون على الإثم والعدوان؛ بل يجب الدفع عنه؛ لأن # PageV28P323 # نصر المظلوم واجب؛ ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قلت: يا رسول ~~الله أنصره مظلوما. فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه} ~~. وروى مسلم نحوه عن جابر وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه ~~قال: {أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا ~~بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار المقسم وإجابة الدعوة ~~ونصر المظلوم وإفشاء السلام ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب بالفضة وعن ~~المياثر وعن لبس الحرير والقسي والديباج والإستبرق} . فإن امتنع هذا العالم ~~به من الإعلام بمكانه جازت عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به لأنه امتنع من ~~حق واجب عليه لا تدخله النيابة. فعوقب كما تقدم ولا تجوز عقوبته على ذلك ~~إلا إذا عرف أنه عالم به. وهذا مطرد في ما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في ~~كل من امتنع من واجب من قول أو فعل وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على ~~غيره ولا عقوبة على جناية غيره حتى يدخل في قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم {ألا لا يجني جان إلا على نفسه} . ~~وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد # PageV28P324 # وجب على غيره وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال. أو يعاقب الرجل ~~بجريرة قريبه أو جاره من غير أن يكون هو قد أذنب لا بترك واجب ولا بفعل ~~محرم فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه وهو أن يكون قد ~~علم مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق أو يعلم مكان المال الذي قد ~~تعلق به حقوق المستحقين فيمتنع من الإعانة ms8268 والنصرة الواجبة عليه في الكتاب ~~والسنة والإجماع إما محاباة أو حمية لذلك الظالم كما قد يفعل أهل العصبية ~~بعضهم ببعض وإما معاداة أو بغضا للمظلوم. وقد قال الله تعالى: {ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} . وإما إعراضا - عن القيام ~~لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله - وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه كما يفعل ~~التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه الذين إذا قيل لهم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلوا إلى الأرض. وعلى كل تقدير فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق ~~العلماء. ومن لم يسلك هذه السبل عطل الحدود وضيع الحقوق وأكل القوي الضعيف. ~~وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين وقد # PageV28P325 # امتنع من تسليمه لحاكم عادل يوفي به دينه أو يؤدي منه النفقة الواجبة ~~عليه لأهله أو أقاربه أو مماليكه أو بهائمه. وكثيرا ما يجب على الرجل حق ~~بسبب غيره كما تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبه وكما تجب الدية على عاقلة ~~القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب ~~إحضاره وهو لا يحضره؛ كالقطاع والسراق وحماتهم؛ أو علم أنه خبير به وهو لا ~~يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار لئلا يتعدى عليه الطالب أو ~~يظلمه فهذا محسن. وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر ويجتمع شبهة وشهوة. ~~والواجب تمييز الحق من الباطل. وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل البادية ~~والحاضرة إذا استجار بهم مستجير أو كان بينهما قرابة أو صداقة فإنهم يرون ~~الحمية الجاهلية والعزة بالإثم والسمعة عند الأوباش: أنهم ينصرونه - وإن ~~كان ظالما مبطلا - على الحق المظلوم؛ لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناديهم ~~ويناويهم فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو عجزا؛ وهذا - ~~على الإطلاق - جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر ~~أنه إنما كان سبب كثير من حروب الأعراب كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر ~~وتغلب إلى نحو هذا وكذلك سبب دخول الترك والمغول دار الإسلام ms8269 # PageV28P326 # واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان: كان سببه نحو هذا. ومن أذل ~~نفسه لله فقد أعزها ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه فإن أكرم الخلق عند ~~الله أتقاهم ومن اعتز بالظلم: من منع الحق وفعل الإثم فقد أذل نفسه وأهانها ~~قال الله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} وقال تعالى عن ~~المنافقين: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} وقال الله تعالى في صفة ~~هذا الضرب: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام} {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل والله لا يحب الفساد} {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد} . وإنما الواجب على من استجار به مستجير - إن كان ~~مظلوما ينصره ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه؛ فطالما اشتكى الرجل وهو ~~ظالم؛ بل يكشف خبره من خصمه وغيره فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن ~~أمكن؛ إما من صلح أو حكم بالقسط وإلا فبالقوة. وإن كان كل منهم ظالما ~~مظلوما كأهل الأهواء من قيس ويمن # PageV28P327 # ونحوهم وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي أو كانا جميعا غير ~~ظالمين لشبهة أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما: سعى بينهما بالإصلاح أو ~~الحكم كما قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} . وقال تعالى: ~~{لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} . وقد روى أبو داود ~~في السنن {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر ~~الرجل قومه في الحق؟ ms8270 قال: لا. قال: ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في ~~الباطل} وقال: {خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم} . وقال: {مثل الذي ينصر ~~قومه بالباطل كبعير تردى في بئر فهو يجر بذنبه} . وقال: {من سمعتموه يتعزى ~~بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا} . وكل ما خرج عن دعوة الإسلام ~~والقرآن: من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية؛ بل ~~{لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين # PageV28P328 # وقال الأنصاري: يا للأنصار قال النبي صلى الله عليه وسلم أبدعوى الجاهلية ~~وأنا بين أظهركم؟} . وغضب لذلك غضبا شديدا. # فصل: # وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع قال الله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم} {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله ~~غفور رحيم} ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه أو بالإقرار تأخيره؛ لا ~~بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره؛ بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها؛ ~~فإن إقامة الحد من العبادات كالجهاد في سبيل الله. فينبغي أن يعرف أن إقامة ~~الحدود رحمة من الله بعباده؛ فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد؛ لا تأخذه ~~رأفة في دين الله فيعطله. ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات؛ ~~لإشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق؛ بمنزلة الوالد إذا أدب ولده؛ فإنه لو ~~كف عن تأديب ولده - كما تشير به الأم رقة ورأفة - لفسد الولد وإنما يؤدبه ~~رحمة به وإصلاحا لحاله؛ مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب وبمنزلة ~~الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم ~~وقطع # PageV28P329 # العروق بالفصاد ونحو ذلك؛ بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله ~~على نفسه من المشقة لينال به الراحة. فهكذا شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن ~~تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن ~~المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم وابتغى بذلك ms8271 وجه الله تعالى ~~وطاعة أمره: ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة ~~البشرية وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد. وأما إذا كان غرضه العلو ~~عليهم وإقامة رياسته ليعظموه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه ~~مقصوده. ويروى أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قبل أن يلي الخلافة ~~كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ~~ساسهم سياسة صالحة فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب فسأل أهل ~~المدينة عن عمر. كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه. قال: كيف ~~محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما ~~بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة قال: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه هذا ~~أمر من السماء. وإذا قطعت يده حسمت ويستحب أن تعلق في عنقه. فإن # PageV28P330 # سرق ثانيا: قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا ورابعا: ففيه قولان للصحابة ~~ومن بعدهم من العلماء أحدهما: تقطع أربعته في الثالثة والرابعة وهو قول أبي ~~بكر رضي الله عنه ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني أنه يحبس ~~وهو قول علي رضي الله عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى. وإنما تقطع ~~يده إذا سرق نصابا وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء من أهل ~~الحجاز وأهل الحديث وغيرهم كمالك والشافعي وأحمد ومنهم من يقول: دينار أو ~~عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق وفي الصحيحين {عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم} وفي ~~لفظ لمسلم {قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم} والمجن الترس. وفي ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا} وفي رواية لمسلم: {لا تقطع يد السارق إلا ~~في ربع دينار فصاعدا} . وفي رواية للبخاري قال: {اقطعوا في ربع دينار ولا ~~تقطعوا فيما هو ms8272 أدنى من ذلك} وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار ~~اثني عشر درهما. ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من حرز. فأما المال # PageV28P331 # الضائع من صاحبه والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط والماشية ~~التي لا راعي عندها ونحو ذلك فلا قطع فيه لكن يعزر الآخذ ويضاعف عليه الغرم ~~كما جاء به الحديث. وقد اختلف أهل العلم في التضعيف وممن قال به أحمد وغيره ~~قال رافع بن خديج: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا قطع في ثمر ~~ولا كثر} والكثر جمار النخل. رواه أهل السنن وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده رضي الله عنه قال: {سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل قال: معها حذاؤها ~~وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها. قال: فالضالة من ~~الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها: قال: فالحريسة ~~التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال. وما أخذ من عطنه ~~ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. قال: يا رسول الله: فالثمار ~~وما أخذ منها من أكمامها قال: من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه ~~شيء ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع ~~إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه ~~وجلدات نكال} . رواه أهل # PageV28P332 # السنن. لكن هذا سياق النسائي. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم {ليس ~~على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع} فالمنتهب الذي ينهب الشيء ~~والناس ينظرون والمختلس الذي يجتذب الشيء فيعلم به قبل أخذه وأما الطرار ~~وهو البطاط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها فإنه يقطع على ~~الصحيح. # فصل: # وأما الزاني: فإن كان محصنا فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك ms8273 الأسلمي ورجم الغامدية ورجم اليهوديين ~~ورجم غير هؤلاء ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء: هل يجلد قبل الرجم ~~مائة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وإن كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ~~بكتاب الله ويغرب عاما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان بعض ~~العلماء يرى وجوب التغريب. ولا يقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء ~~أو يشهد على نفسه أربع شهادات؛ عند كثير من العلماء أو أكثرهم. ومنهم من ~~يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة ولو أقر على نفسه ثم رجع # PageV28P333 # فمنهم من يقول: يسقط عنه الحد ومنهم من يقول: لا يسقط. والمحصن من وطئ - ~~وهو حر مكلف - لمن تزوجها نكاحا صحيحا في قبلها ولو مرة واحدة. وهل يشترط ~~أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ على قولين للعلماء. . وهل ~~تحصن المراهقة للبالغ؛ وبالعكس؟ فأما أهل الذمة فإنهم محصنون أيضا عند أكثر ~~العلماء كالشافعي وأحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين عند باب ~~مسجده وذلك أول رجم كان في الإسلام. واختلفوا في المرأة إذا وجدت حبلى ولم ~~يكن لها زوج ولا سيد ولم تدع شبهة في الحبل. ففيها قولان في مذهب أحمد ~~وغيره. قيل: لا حد عليها؛ لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة أو بتحمل. أو بوطء ~~شبهة. وقيل: بل تحد وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وهو الأشبه بأصول ~~الشريعة وهو مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات النادر لا يلتفت إليها ~~كاحتمال كذبها وكذب الشهود. # وأما اللواط فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا. وقد قيل: دون ذلك. ~~والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل. سواء ~~كانا محصنين أو غير محصنين؛ فإن أهل السنن رووا عن ابن # PageV28P334 # عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من وجدتموه يعمل ~~عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به} . وروى أبو داود عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما في البكر يوجد على اللوطية. قال: يرجم. ويروى عن علي بن أبي ms8274 ~~طالب رضي الله عنه نحو ذلك. ولم تختلف الصحابة في قتله؛ ولكن تنوعوا فيه. ~~فروي عن الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه وعن غيره قتله وعن بعضهم: أنه ~~يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم وقيل: يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا. ~~وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمى منه ويتبع بالحجارة كما ~~فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس. والرواية الأخرى قال: يرجم. ~~وعلى هذا أكثر السلف. قالوا لأن الله رجم قوم لوط وشرع رجم الزاني تشبيها ~~برجم قوم لوط فيرجم الاثنان سواء كانا حرين أو مملوكين أو كان أحدهما ~~مملوكا والآخر حرا إذا كانا بالغين فإن كان أحدهما غير بالغ عوقب بما دون ~~القتل ولا يرجم إلا البالغ. # PageV28P335 # فصل: # وأما حد الشرب: فإنه ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~المسلمين فقد روى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: ~~{من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب ~~الرابعة فاقتلوه} وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة هو وخلفاؤه والمسلمون ~~بعده. والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. وقيل: هو محكم. يقال: هو تعزير يفعله ~~الإمام عند الحاجة. وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب في الخمر ~~بالجريد والنعال أربعين. وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين وضرب عمر في ~~خلافته ثمانين. وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين} . فمن ~~العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين. ومنهم من يقول: الواجب أربعون والزيادة ~~يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر. أو كان الشارب ممن لا ~~يرتدع بدونها ونحو ذلك. # PageV28P336 # فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفي الأربعون. وهذا أوجه القولين ~~وهو قول الشافعي وأحمد. رحمهما الله في إحدى الروايتين عن أحمد. وقد كان ~~عمر رضي الله عنه - لما كثر الشرب - زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في ~~الزجر عنه فلو غرب الشارب مع ms8275 الأربعين لينقطع خبره أو عزله عن ولايته كان ~~حسنا؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات ~~في الخمر فعزله. والخمر التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بجلد شاربها كل شراب مسكر من أي أصل كان سواء كان من الثمار كالعنب ~~والرطب والتين. أو الحبوب كالحنطة والشعير. أو الطلول كالعسل. أو الحيوان ~~كلبن الخيل. بل لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم تحريم الخمر لم يكن عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء؛ لأنه لم يكن ~~بالمدينة شجر عنب وإنما كانت تجلب من الشام كان عامة شرابهم من نبيذ التمر ~~وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه ~~رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمر. وكانوا يشربون النبيذ الحلو ~~وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب # PageV28P337 # أي يطرح فيه والنبذ الطرح - ليحلو الماء لا سيما كثير من مياه الحجاز فإن ~~فيه ملوحة فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين؛ لأنه لا يسكر؛ كما يحل شرب ~~عصير العنب قبل أن يصير مسكرا؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن ~~ينبذوا هذا النبيذ في أوعية الخشب أو الجرى وهو ما يصنع من التراب أو القرع ~~أو الظروف المزفتة وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي تربط أفواهها بالأوكية؛ ~~لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبا خفيفا ولا يشعر الإنسان فربما شرب الإنسان ~~ما قد دبت فيه الشدة المطربة وهو لا يشعر فإذا كان السقاء موكى انشق الظرف ~~إذا غلا فيه النبيذ فلا يقع الإنسان في محذور وتلك الأوعية لا تنشق. وروي ~~عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية وقال: {كنت ~~نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا المسكر} فاختلف الصحابة ~~ومن بعدهم من العلماء. منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته فنهى عن ~~الانتباذ في الأوعية. ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ ms8276 في ~~الأوعية فسمع طائفة من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ ~~فاعتقدوا أنه المسكر فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب ~~والتمر. وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب. # PageV28P338 # والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب منه ~~قطرة واحدة لتداو أو غير تداو {فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر ~~يتداوى بها فقال: إنها داء وليست بدواء. وإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما ~~حرم عليها} . والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب؛ فإن وجدت منه ~~رائحة الخمر أو رئي وهو يتقيؤها ونحو ذلك. فقد قيل: لا يقام عليه الحد ~~لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلا بها أو مكرها ونحو ذلك. وقيل: ~~بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم ~~من الصحابة: كعثمان وعلي وابن مسعود؛ وعليه تدل سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الذي يصلح عليه الناس وهو مذهب مالك. وأحمد في غالب نصوصه ~~وغيرهما. والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يجلد صاحبها كما يجلد ~~شارب الخمر وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في ~~الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد والخمر أخبث؛ من جهة أنها تفضي إلى ~~المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وقد توقف ~~بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ورأى أن آكلها # PageV28P339 # يعزر بما دون الحد؛ حيث ظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج ولم نجد ~~للعلماء المتقدمين فيها كلاما وليس كذلك بل آكلوها ينشون عنها ويشتهونها ~~كشراب الخمر وأكثر وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها مع ما ~~فيها من المفاسد الأخرى: من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك. ~~ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة ~~أقوال: في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا ms8277 هو ~~الاعتبار الصحيح. وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها. وبكل ~~حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا ومعنى. {قال ~~أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما ~~باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد. والمزر وهو من الذرة والشعير ~~ينبذ حتى يشتد قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم ~~وخواتيمه. فقال: كل مسكر حرام} . متفق عليه في الصحيحين. وعن النعمان بن ~~بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن من الحنطة ~~خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر خمرا ومن العسل خمرا وأنا ~~أنهى عن كل مسكر} . رواه # PageV28P340 # أبو داود وغيره؛ ولكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفا عليه؛ أنه خطب به ~~على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " الخمر ما خامر العقل " وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل مسكر خمر وكل ~~مسكر حرام} وفي رواية: {كل مسكر خمر وكل خمر حرام} رواهما مسلم في صحيحه. ~~وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر ~~حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام} قال الترمذي حديث حسن. وروى ~~أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: {ما أسكر كثيره ~~فقليله حرام} . وصححه الحفاظ. وعن جابر رضي الله عنه {أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال لا: المزر فقال: ~~أمسكر هو؟ قال: نعم. فقال: كل مسكر حرام؛ إن على الله عهدا لمن شرب المسكر ~~أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق ~~أهل النار أو عصارة أهل النار} رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل مخمر خمر كل مسكر حرام} ms8278 رواه ~~أبو داود. والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة جمع رسول الله # PageV28P341 # صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ولم ~~يفرق بين نوع ونوع ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا؛ على أن الخمر قد ~~يصطبغ بها والحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب؛ فكل خمر يشرب ويؤكل والحشيشة ~~تؤكل وتشرب وكل ذلك حرام؛ وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها؛ لأنه إنما ~~حدث أكلها من قريب في أواخر المائة السادسة أو قريبا من ذلك كما أنه قد ~~أحدثت أشربة مسكرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكلها داخلة في الكلم ~~الجوامع من الكتاب والسنة. # فصل: # ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف ~~فإذا قذف الرجل محصنا بالزنا أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة والمحصن ~~هنا: هو الحر العفيف وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ وطئا كاملا في نكاح تام. # PageV28P342 # فصل: # وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة ~~الأجنبية أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة أو يقذف الناس ~~بغير الزنا أو يسرق من غير حرز ولو شيئا يسيرا أو يخون أمانته كولاة أموال ~~بيت المال أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا فيها وكالوكلاء ~~والشركاء إذا خانوا أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ~~ونحو ذلك أو يطفف المكيال والميزان أو يشهد بالزور أو يلقن شهادة الزور أو ~~يرتشي في حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته أو يتعزى ~~بعزاء الجاهلية أو يلبي داعي الجاهلية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات: ~~فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ~~ذلك الذنب في الناس وقلته. فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إذا ~~كان قليلا. وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في ~~عقوبته؛ بخلاف المقل من ذلك. وعلى حسب كبر الذنب وصغره؛ ms8279 فيعاقب من يتعرض ~~لنساء الناس وأولادهم بما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة # PageV28P343 # واحدة أو صبي واحد. وليس لأقل التعزير حد؛ بل هو بكل ما فيه إيلام ~~الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه ~~والإغلاظ له وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو ~~المصلحة كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه " الثلاثة الذين خلفوا " ~~وقد يعزر بعزله عن ولايته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون ~~بذلك؛ وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين كالجندي المقاتل إذا فر من ~~الزحف؛ فإن الفرار من الزحف من الكبائر وقطع أجره نوع تعزير له وكذلك ~~الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزيرا له وكذلك قد يعزر بالحبس ~~وقد يعزر بالضرب وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبا؛ كما روي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بمثل ذلك في شاهد الزور فإن الكاذب سود ~~الوجه فسود وجهه وقلب الحديث فقلب ركوبه. وأما أعلاه؛ فقد قيل: " لا يزاد ~~على عشرة أسواط ". وقال كثير من العلماء لا يبلغ به الحد. ثم هم على قولين: ~~منهم من يقول: " لا يبلغ به أدنى الحدود ": لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر ~~وهي الأربعون أو الثمانون ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد وهي # PageV28P344 # العشرون أو الأربعون. وقيل؛ بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد. ومنهم من ~~يقول: لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه وإن زاد على حد جنس آخر فلا يبلغ بالسارق من ~~غير حرز قطع اليد وإن ضرب أكثر من حد القاذف ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنا ~~حد الزاني وإن زاد على حد القاذف كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ~~رجلا نقش على خاتمه وأخذ بذلك من بيت المال فأمر به فضرب مائة ضربة ثم ضربه ~~في اليوم الثاني مائة ضربة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة ضربة. وروي عن ~~الخلفاء الراشدين ms8280 في رجل وامرأة وجدا في لحاف: " يضربان مائة ". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي جارية امرأته: إن كانت أحلتها له ~~جلد مائة وإن لم تكن أحلتها له: رجم وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره. ~~والقولان الأولان في مذهب الشافعي وغيره. وأما مالك وغيره فحكي عنه: أن من ~~الجرائم ما يبلغ به القتل. ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم ~~إذا تجسس للعدو على المسلمين فإن أحمد توقف في قتله وجوز مالك وبعض ~~الحنابلة - كابن عقيل - قتله ومنعه أبو حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة ~~كالقاضي أبي يعلى. # PageV28P345 # وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: قتل الداعية إلى البدع ~~المخالفة للكتاب والسنة وكذلك كثير من أصحاب مالك. وقالوا: إنما جوز مالك ~~وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض؛ لا لأجل الردة؛ وكذلك قد قيل في ~~قتل الساحر؛ فإن أكثر العلماء على أنه يقتل وقد روي {عن جندب رضي الله عنه ~~موقوفا ومرفوعا: إن حد الساحر ضربه بالسيف} رواه الترمذي. وعن عمر وعثمان ~~وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قتله. فقال بعض ~~العلماء: لأجل الكفر وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض. لكن جمهور هؤلاء ~~يرون قتله حدا. وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان ~~جنسه يوجب القتل كما يقتل من تكرر منه اللواط أو اغتيال النفوس لأخذ المال ~~ونحو ذلك. وقد يستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل: ~~بما رواه مسلم في صحيحه {عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن ~~يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه} وفي رواية: {ستكون هنات وهنات. فمن ~~أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان} . # PageV28P346 # وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد ~~في المسند {عن ديلم الحميري رضي الله عنه قال: ms8281 سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فقلت يا رسول الله: إنا بأرض نعالج بها عملا شديدا وأنا نتخذ ~~شرابا من القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. فقال: هل يسكر؟ قلت ~~نعم. قال: فاجتنبوه. قلت إن الناس غير تاركيه. قال: فإن لم يتركوه ~~فاقتلوهم} . وهذا لأن المفسد كالصائل. فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل ~~قتل. وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا ~~من الله كجلد الشارب والقاذف وقطع المحارب والسارق. والثاني العقوبة لتأدية ~~حق واجب وترك محرم في المستقبل كما يستتاب المرتد حتى يسلم فإن تاب؛ وإلا ~~قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها. فالتعزير ~~في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى ~~يؤدي الصلاة الواجبة أو يؤدي الواجب عليه والحديث الذي في الصحيحين. عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يجلد فوق عشرة # PageV28P347 # أسواط إلا في حد من حدود الله} قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد ~~بحدود الله ما حرم لحق الله؛ فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها ~~الفصل بين الحلال والحرام: مثل آخر الحلال وأول الحرام. فيقال في الأول: ~~{تلك حدود الله فلا تعتدوها} . ويقال في الثاني: {تلك حدود الله فلا ~~تقربوها} . وأما تسمية العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث. ومراد الحديث: أن ~~من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات. ~~والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط؛ فإن خيار الأمور ~~أوساطها قال علي رضي الله عنه " ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين " ولا يكون ~~الجلد بالعصي ولا بالمقارع ولا يكتفى فيه بالدرة؛ بل الدرة تستعمل في ~~التعزير. أما الحدود فلا بد فيها من الجلد بالسوط وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يؤدب بالدرة؛ فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط ولا تجرد ثيابه كلها؛ ~~بل ينزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ms8282 ذلك. ولا يربط إذا ~~لم يحتج إلى ذلك ولا يضرب وجهه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا ~~قاتل أحدكم # PageV28P348 # فليتق الوجه ولا يضرب مقاتله} فإن المقصود تأديبه لا قتله ويعطى كل عضو ~~حظه من الضرب كالظهر والأكتاف والفخذين ونحو ذلك. # فصل: # العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: ~~عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم. والثاني: عقاب الطائفة ~~الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال. فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء ~~الله ورسوله فكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله ~~الذي بعثه به فلم يستجب له؛ فإنه يجب قتاله {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله} . ولأن الله لما بعث نبيه وأمره بدعوة الخلق إلى دينه: لم يأذن له ~~في قتل أحد على ذلك ولا قتاله حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين ~~بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} ~~{الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع # PageV28P349 # وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز} {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} . ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم ~~القتال بقوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} . ~~وأكد الإيجاب وعظم أمر الجهاد في عامة السور المدنية وذم التاركين له ~~ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} . وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ms8283 في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون} وقال تعالى: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم} ~~{طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} {فهل عسيتم ~~إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} . فهذا كثير # PageV28P350 # في القرآن. وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في " سورة الصف " التي يقول فيها: ~~{يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} {تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة ~~في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر ~~المؤمنين} . وقوله تعالى {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} {خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم} . وقوله تعالى {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} . وقال ~~تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم # PageV28P351 # به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} . ~~فذكر ما يتولد من أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال. # والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا ~~كان أفضل ما تطوع به الإنسان وكان باتفاق العلماء أفضل من ms8284 الحج والعمرة ومن ~~الصلاة التطوع والصوم التطوع. كما دل عليه الكتاب والسنة حتى قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد} ~~وقال: {إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء ~~والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله} متفق عليه وقال: {من اغبرت قدماه في ~~سبيل الله حرمه الله على النار} رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم ~~{رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه. وإن مات أجري عليه ~~عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان} رواه مسلم وفي السنن: ~~{رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل} وقال صلى ~~الله عليه وسلم {عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت ~~تحرص في سبيل الله} قال الترمذي حديث حسن. وفي مسند الإمام # PageV28P352 # أحمد: {حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها} ~~وفي الصحيحين: {أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل ~~الله؟ قال: لا تستطيع. قال: أخبرني به؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن ~~تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر؟ قال لا. قال: فذلك الذي يعدل الجهاد} . وفي ~~السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: {إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد ~~في سبيل الله} . وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد ~~فيه. وهو ظاهر عند الاعتبار فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين ~~والدنيا ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة فإنه مشتمل من ~~محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر ~~والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال: على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. ~~والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائما. إما النصر والظفر ~~وإما الشهادة والجنة. فإن الخلق لا بد لهم من محيا وممات ففيه استعمال ~~محياهم ومماتهم # PageV28P353 # في غاية سعادتهم في الدنيا ms8285 والآخرة وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ ~~فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة ~~منفعتها فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى ~~يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهي أفضل الميتات. وإذا كان أصل ~~القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة ~~الله هي العليا فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من ~~أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى ~~والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله وإن ~~كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر؛ إلا النساء والصبيان؛ لكونهم ~~مالا للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا ~~إظهار دين الله كما قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم ~~{أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس. فقال: ما كانت ~~هذه لتقاتل} {وقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا} . ~~وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {لا تقتلوا شيخا فانيا ~~ولا # PageV28P354 # طفلا صغيرا ولا امرأة} . وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج ~~إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} . أي أن القتل ~~وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه فمن ~~لم يمنع المسلمين من إقامة دين لله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه؛ ولهذا ~~قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يعاقب بما لا ~~يعاقب به الساكت. وجاء في الحديث: {أن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا ~~صاحبها؛ ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة} . ولهذا أوجبت الشريعة قتال ~~الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم؛ بل إذا ms8286 أسر الرجل منهم في القتال ~~أو غير القتال مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة ~~فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته ~~بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء كما دل عليه الكتاب والسنة. وإن كان من ~~الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا. # فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون. # PageV28P355 # ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم إلا أن عامتهم لا ~~يأخذونها من العرب وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت من بعض شرائعه ~~الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله ~~كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي ~~الزكاة وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة ثم اتفقوا حتى قال عمر بن ~~الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ ~~وحسابهم على الله} ؟ فقال له أبو بكر: فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني ~~عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ~~قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال: فعلمت أنه ~~الحق. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج ~~ففي الصحيحين {عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام ~~يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم # PageV28P356 # من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم ~~القيامة} وفي رواية لمسلم {عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ms8287 صلى ~~الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى ~~قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو ~~عليهم لا تجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن ~~العمل} وعن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ~~{يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} ~~متفق عليه وفي رواية لمسلم: {يكون أمتي فرقتين فتخرج من بينهما مارقة يلي ~~فتلهم أولى الطائفتين بالحق} . فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي رضي ~~الله عنه لما حصلت الفرقة بين أهل العراق والشام وكانوا يسمون الحرورية. ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته وأن ~~أصحاب علي أولى الطائفتين بالحق ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين ~~الذين خرجوا من الإسلام وفارقوا الجماعة واستحلوا دماء من سواهم من ~~المسلمين وأموالهم. فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن # PageV28P357 # شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين. # وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي ~~الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة ~~والمستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات ~~ويؤدوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات: من ~~نكاح الأخوات وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ~~ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليهم بما يقاتلون عليه. فأما إذا بدءوا المسلمين فيتأكد قتالهم كما ذكرناه ~~في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق. وأبلغ الجهاد الواجب للكفار ~~والممتنعين عن بعض الشرائع كما نعي الزكاة والخوارج ونحوهم: يجب ابتداء ~~ودفعا. فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن ~~الباقين كان الفضل لمن قام به كما قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر} ms8288 الآية. فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين ~~فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين؛ لإعانتهم كما ~~قال الله تعالى: # PageV28P358 # {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} ~~وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم وسواء كان الرجل من ~~المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله ~~مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام ~~الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو ~~الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه ~~وسلم {يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} . فهذا دفع ~~عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار وذلك قتال اختيار للزيادة في ~~الدين وإعلائه ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها فهذا النوع من العقوبة هو ~~للطوائف الممتنعة. فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم فيجب ~~إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها من أداء الأمانات ~~والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك. فمن كان لا يصلي من جميع الناس: من ~~رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر بالصلاة فإن امتنع عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء ~~ثم أن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل فيستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهل يقتل ~~كافرا أو # PageV28P359 # مرتدا أو فاسقا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره. والمنقول عن أكثر ~~السلف يقتضي كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب. فأما من جحد الوجوب فهو كافر ~~بالاتفاق؛ بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعا ~~ويضربوه عليها لعشر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {مروهم ~~بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} وكذلك ما تحتاج ~~إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها. ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين ~~وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ~~{صلوا كما رأيتموني أصلي} رواه البخاري. ms8289 {وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر ~~فقال: إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي} . وعلى إمام الناس في ~~الصلاة وغيرها أن ينظر لهم فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم؛ بل ~~على كل إمام للصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد ~~الاقتصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر؛ وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم ~~في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ~~ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله؟ وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء ~~فأمر # PageV28P360 # الدين أهم وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى. ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين ~~الناس: صلاح للطائفتين دينهم ودنياهم؛ وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك ~~كله صلاح النية للرعية وإخلاص الدين كله لله والتوكل عليه. فإن الإخلاص ~~والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب ~~المنزلة من السماء. وقد روي {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض ~~مغازيه فقال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت الرءوس تندر ~~عن كواهلها} وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله {فاعبده وتوكل عليه} ~~وقوله تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} {وكان صلى الله عليه وسلم - إذا ذبح ~~أضحيته - يقول: اللهم منك ولك} . # وأعظم عون لولي الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها: الإخلاص لله ~~والتوكل عليه بالدعاء وغيره. وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. ~~الثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. الثالث: الصبر ~~على أذى الخلق وغيره من النوائب. ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا ~~كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} وكقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي # PageV28P361 # النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} ~~{واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . وقوله تعالى {فاصبر على ما يقولون ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} وكذلك في ms8290 " سورة ق ": {فاصبر ~~على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} . وقال تعالى: ~~{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} . ~~وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة ~~والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه ~~الأسماء الجامعة: يدخل في الصلاة ذكر الله تعالى ودعاؤه وتلاوة كتابه ~~وإخلاص الدين له والتوكل عليه. وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال ~~والنفع: من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج. ففي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل معروف صدقة} فيدخل فيه كل إحسان. ~~ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة. ففي الصحيحين: عن عدي بن حاتم رضي الله عنه ~~" قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس ~~بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر ~~أشأم منه فلا يرى # PageV28P362 # إلا شيئا قدمه فينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ~~ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة} . وفي السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك ~~إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقى} . وفي السنن {عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن} . وروي {عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم سلمة: يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير ~~الدنيا والآخرة} . وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ~~ومخالفة الهوى وترك الأشر والبطر كما قال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين} . وقال تعالى: ms8291 {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} . وقال تعالى: {ولا ~~تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي # PageV28P363 # هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} {وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} . وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} . قال الحسن البصري ~~رحمة الله عليه: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ألا ليقم ~~من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح. فليس حسن النية بالرعية ~~والإحسان إليهم: أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه فقد قال الله تعالى: ~~{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} . وقال تعالى ~~للصحابة: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} . ~~وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه؛ لكن ~~ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " أنه قال: {ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا ~~شانه} وقال صلى الله عليه وسلم {إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما ~~لا يعطي على العنف} . وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: والله إني ~~لأريد # PageV28P364 # أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها فاصبر حتى تجيء الحلوة ~~من الدنيا فأخرجها معها فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه. وهكذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. ~~{وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال: إن الصدقة ~~لا تحل لمحمد ولا لآل محمد} . فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء. {وتحاكم إليه ~~علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة فلم ms8292 يقض بها لواحد منهم؛ ولكن قضى بها لخالتها ~~ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال ~~لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا} . فهكذا ينبغي ~~لولي الأمر في قسمه وحكمه؛ فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر ما لا يصلح ~~بذله من الولايات والأموال والمنافع والأجور والشفاعة في الحدود وغير ذلك ~~فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن أو يردهم بميسور من القول ما لم يحتج إلى ~~الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه خصوصا من يحتاج إلى تأليفه وقد قال الله ~~تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} . وقال الله تعالى: {وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} إلى قوله: {وإما تعرضن عنهم # PageV28P365 # ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} . وإذا حكم على شخص فإنه ~~قد يتأذى فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة وهو ~~نظير ما يعطيه الطبيب للمريض؛ من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه وقد قال ~~الله لموسى عليه السلام - لما أرسله إلى فرعون -: {فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى} . {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنهما - لما بعثهما إلى اليمن -: يسرا ولا تعسرا وبشرا ~~ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا} . {وبال مرة أعرابي في المسجد فقام أصحابه ~~إليه فقال: لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله؛ ثم أمر بدلو من ماء فصب ~~عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين} ~~والحديثان في الصحيحين. وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ~~ورعيته؛ فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي ~~محتاجة إليها فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا ~~ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو # PageV28P366 # اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء فإن لم يأكل حتى مات ~~دخل النار؛ لأن العبادات لا ms8293 تؤدى إلا بهذا وما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب. ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها. ففي السنن ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {تصدقوا. ~~فقال رجل يا رسول الله عندي دينار. فقال تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. ~~قال: تصدق به على زوجتك. قال: عندي آخر. قال تصدق به على ولدك. قال: عندي ~~آخر. قال تصدق به على خادمك. قال عندي آخر. قال: أنت أبصر به} . وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم {دينار ~~أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ~~ودينار أنفقته على أهلك. أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك} . وفي صحيح ~~مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا ~~ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف؛ ~~وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من اليد السفلى} . وهذا تأويل قوله تعالى ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي الفضل. وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه ~~وأهله فرض عين؛ بخلاف # PageV28P367 # النفقة في الغزو والمساكين؛ فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية وإما ~~مستحب؛ وإن كان قد يصير متعينا إذا لم يقم غيره به؛ فإن إطعام الجائع واجب؛ ~~ولهذا جاء في الحديث: {لو صدق السائل لما أفلح من رده} ذكره الإمام أحمد ~~وذكر أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه. وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث ~~أبي ذر رضي الله عنه الطويل " عن النبي صلى الله عليه وسلم - الذي فيه من ~~أنواع العلم والحكمة - وفيه أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام {حق على ~~العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه ~~وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه وساعة ~~يخلو فيها بلذته فيما ms8294 يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات} ~~. فبين أنه لا بد من اللذات المباحة الجميلة فإنها تعين على تلك الأمور. ~~ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة؛ باستعمال ما ~~يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: ~~إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق. والله سبحانه إنما ~~خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يجتلبون ما ~~ينفعهم كما خلق الغضب ليدفعوا به # PageV28P368 # ما يضرهم وحرم من الشهوات ما يضر تناوله وذم من اقتصر عليها. # فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا ~~جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {في بضع أحدكم ~~صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ~~أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟ قالوا: بلى. قال: فلم تحتسبون ~~بالحرام ولا تحتسبون بالحلال} وفي الصحيحين {عن سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه ~~الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك} . والآثار ~~في هذا كثيرة. فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات ~~من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته والمنافق - لفساد قلبه ونيته - يعاقب على ~~ما يظهره من العبادات رياء فإن في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها ~~سائر الجسد ألا وهي القلب} . وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات ~~وترك المحرمات فقد شرع أيضا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير ~~والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن؛ مثل أن يبذل # PageV28P369 # لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح: من مال أو ثناء أو ~~غيره؛ ولهذا شرعت المسابقة بالخيل والإبل والمفاضلة ms8295 بالسهام وأخذ الجعل ~~عليها؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله ~~حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يسابق بين الخيل هو وخلفاؤه الراشدون ~~ويخرجون الأسباق من بيت المال وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم فقد {روي: أن ~~الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا ~~والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس} . # وكذلك الشر والمعصية: ينبغي حسم مادته وسد ذريعته ودفع ما يفضي إليه إذا ~~لم يكن فيه مصلحة راجحة. مثال ذلك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: {لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان} . وقال: {لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم} . ~~فنهى صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى ~~الشر. وروي {عن الشعبي: أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة فأجلسه خلف ظهره. وقال: إنما كانت ~~خطيئة داود النظر} وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يعس بالمدينة فسمع ~~امرأة تتغنى بأبيات تقول فيها: # PageV28P370 # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... هل من سبيل إلى نصر بن حجاج # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... هل من سبيل إلى نصر بن حجاج # فدعا به فوجده شابا حسنا فحلق رأسه فازداد جمالا فنفاه إلى البصرة لئلا ~~تفتتن به النساء. وروي عنه: أنه بلغه أن رجلا يجلس إليه الصبيان فنهى عن ~~مجالسته. فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال أو على النساء منع ~~وليه من إظهاره لغير حاجة أو تحسينه؛ لا سيما بترييحه في الحمامات وإحضاره ~~مجالس اللهو والأغاني؛ فإن هذا مما ينبغي التعزير عليه. وكذلك من ظهر منه ~~الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح ويفرق بينهما؛ فإن الفقهاء ~~متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع ~~الفسوق القادحة في الشهادة فإنه لا ms8296 يجوز قبول شهادته ويجوز للرجل أن يجرحه ~~بذلك وإن لم يره فقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر عليه بجنازة ~~فأثنوا عليها خيرا. فقال: وجبت وجبت. ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا ~~فقال: وجبت وجبت. فسألوه عن ذلك فقال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت ~~وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار. أنتم # PageV28P371 # شهداء الله في الأرض} . مع أنه {كان في زمانه امرأة تعلن الفجور. فقال: ~~لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه} . فالحدود لا تقام إلا بالبينة. ~~وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى المعاينة؛ ~~بل الاستفاضة كافية في ذلك وما هو دون الاستفاضة حتى أنه يستدل عليه ~~بأقرانه كما قال ابن مسعود: " اعتبروا الناس بأخدانهم ". فهذا لدفع شره مثل ~~الاحتراز من العدو. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " احترسوا من الناس ~~بسوء الظن ". فهذا أمر عمر مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن. # فصل: # وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس قال الله تعالى: {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون} {ولا تقربوا # PageV28P372 # مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد ~~الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} . وقال ~~تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} إلى قوله: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} ~~. وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ms8297 بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أول ما يقضى ~~بين الناس يوم القيامة في الدماء} . فالقتل ثلاثة أنواع: أحدها: العمد ~~المحض وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا سواء كان يقتل بحده ~~كالسيف ونحوه أو بثقله كالسندان وكوذين القصار؛ أو بغير ذلك كالتحريق ~~والتغريق والإلقاء من مكان شاهق والخنق؛ وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح ~~وغم الوجه حتى يموت وسقي السموم ونحو ذلك من الأفعال. فهذا إذا فعله وجب ~~فيه القود وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل؛ فإن أحبوا قتلوا # PageV28P373 # وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية. وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله قال ~~الله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} . قيل في التفسير: ~~لا يقتل غير قاتله. وروي عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {من أصيب بدم أو خبل - الخبل الجراح - فهو بالخيار ~~بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. أن يقتل أو يعفو أو يأخذ ~~الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا} . ~~رواه أهل السنن. قال الترمذي حديث حسن صحيح فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية ~~فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداء حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدا ولا ~~يكون أمره لأولياء المقتول. قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم} {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} . قال ~~العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ حتى يؤثروا أن يقتلوا ~~القاتل وأولياءه وربما لم يرضوا بقتل القاتل ms8298 بل يقتلون # PageV28P374 # كثيرا من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة فيكون القاتل قد اعتدى ~~في الابتداء وتعدى هؤلاء في الاستيفاء كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون ~~عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل ~~القاتل لكونه عظيما أشرف من المقتول فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول ~~يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل وربما خالف هؤلاء قوما واستعانوا ~~بهم وهؤلاء قوما فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك خروجهم عن ~~سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى فكتب الله علينا القصاص - وهو المساواة ~~والمعادلة في القتلى - وأخبر أن فيه حياة؛ فإنه يحقن دم غير القاتل من ~~أولياء الرجلين. وأيضا فإذا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل. وقد ~~روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المؤمنون تتكافأ دماؤهم ~~وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو ~~عهد في عهده} رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن فقضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي تتساوى وتتعادل - فلا يفضل ~~عربي على عجمي ولا قرشي أو هاشمي على غيره من # PageV28P375 # المسلمين. ولا حر أصلي على مولى عتيق ولا عالم أو أمير على أمي أو مأمور. ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود ~~فإنه كان بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة ~~والنضير وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء فتحاكموا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك وفي حد الزنا فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى ~~التحميم وقالوا إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجة وإلا فأنتم قد تركتم حكم ~~التوراة فأنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} إلى ms8299 قوله: {فإن جاءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} . إلى قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} . فبين سبحانه وتعالى أنه سوى بين ~~نفوسهم ولم يفضل منهم نفسا على أخرى كما كانوا يفعلونه إلى قوله {وأنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق # PageV28P376 # مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} إلى قوله: ~~{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . فحكم الله ~~سبحانه في دماء المسلمين أنها كلها سواء خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر ~~سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي وترك ~~العدل؛ فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها بعضا من الأخرى: دما أو مالا أو ~~تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق؛ فالواجب ~~في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر ~~الله به ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية وإذا أصلح مصلح ~~بينهما فليصلح بالعدل كما قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} . وينبغي أن يطلب العفو ~~من أولياء المقتول؛ فإنه أفضل لهم كما قال تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق ~~به فهو كفارة له} . {قال أنس رضي الله عنه ما رفع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV28P377 # أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو} . رواه أبو داود وغيره. وروى مسلم في ~~صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ms8300 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله ~~إلا رفعه الله} . وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ: هو في المسلم الحر مع ~~المسلم الحر. فأما الذمي فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم كما أن ~~المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار رسولا أو تاجرا ونحو ذلك ليس بكفء له ~~وفاقا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد. # والنوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ألا إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان في السوط والعصا مائة من الإبل منها ~~أربعون خلفة في بطونها أولادها} . سماه شبه العمد؛ لأنه قصد العدوان عليه ~~بالضرب؛ لكنه لا يقتل غالبا. فقد تعمد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. والثالث: ~~الخطأ المحض وما يجري مجراه: مثل أن يرمي صيدا أو هدفا: فيصيب إنسانا بغير ~~علمه ولا قصده. فهذا ليس فيه قود. وإنما فيه الدية والكفارة وهنا مسائل ~~كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم. # PageV28P378 # فصل: # والقصاص في الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة؛ ~~فإذا قطع يده اليمنى من مفصل فله أن يقطع يده كذلك. وإذا قلع سنه فله أن ~~يقلع سنه. وإذا شجه في رأسه أو وجهه فأوضح العظم فله أن يشجه كذلك. وإذا لم ~~تمكن المساواة: مثل أن يكسر له عظما باطنا أو يشجه دون الموضحة فلا يشرع ~~القصاص؛ بل تجب الدية المحدودة أو الأرش. وأما القصاص في الضرب بيده أو ~~بعصاه أو سوطه مثل أن يلطمه أو يلكمه أو يضربه بعصا ونحو ذلك: فقد قالت ~~طائفة من العلماء: إنه لا قصاص فيه؛ بل فيه التعزير لأنه لا تمكن المساواة ~~فيه. والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص ~~مشروع في ذلك وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الصواب. قال أبو فراس: خطب عمر بن الخطاب ms8301 رضي الله عنه ~~فذكر حديثا قال فيه: ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ~~ولا # PageV28P379 # ليأخذوا أموالكم؛ ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم. فمن فعل ~~به سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفسي بيده إذا لأقصنه منه فوثب عمرو بن ~~العاص فقال يا أمير المؤمنين: إن كان رجل من المسلمين أمر على رعية فأدب ~~رعيته أإنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده إذا لأقصنه منه وقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين ~~فتذلوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم. رواه الإمام أحمد وغيره. ومعنى هذا ~~إذا ضرب الوالي رعيته ضربا غير جائز. فأما الضرب المشروع فلا قصاص فيه ~~بالإجماع إذ هو واجب أو مستحب أو جائز. # فصل: # والقصاص في الأعراض مشروع أيضا: وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه ~~فله أن يفعل به كذلك وكذلك إذا شتمه: بشتمة لا كذب فيها. والعفو أفضل. قال ~~الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا ~~يحب الظالمين} {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV28P380 # {المستبان: ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم} . ويسمى هذا ~~الانتصار. والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح ~~أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك. فأما إن افترى عليه لم يحل له أن ~~يفتري عليه ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق ~~ولو لعن أباه أو قبيلته أو أهل بلده ونحو ذلك لم يحل له أن يتعدى على أولئك ~~فإنهم لم يظلموه. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ~~فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا. وقال: {اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى} . فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه؛ ms8302 لما يلحقه من ~~الأذى جاز الاقتصاص منه بمثله كالدعاء عليه بمثل ما دعاه؛ وأما إذا كان ~~محرما لحق الله تعالى كالكذب لم يجز بحال وهكذا قال كثير من الفقهاء: إذا ~~قتله بتحريق أو تغريق أو خنق أو نحو ذلك فإنه يفعل به كما فعل ما لم يكن ~~الفعل محرما في نفسه كتجريع الخمر واللواط به. ومنهم من قال: لا قود عليه ~~إلا بالسيف. والأول أشبه بالكتاب والسنة والعدل. # PageV28P381 # فصل: # وإذا كانت الفرية ونحوها لا قصاص فيها؛ ففيها العقوبة بغير ذلك. فمنه حد ~~القذف الثابت في الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم} . فإذا رمى الحر محصنا بالزنا واللواط فعليه حد القذف وهو ~~ثمانون جلدة وإن رماه بغير ذلك عوقب تعزيرا. وهذا الحد يستحقه المقذوف فلا ~~يستوفي إلا بطلبه باتفاق الفقهاء. فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء لأن ~~المغلب فيه حق الآدمي كالقصاص والأموال. وقيل: لا يسقط تغليبا لحق الله ~~لعدم المماثلة كسائر الحدود. وإنما يجب حد القذف إذا كان المقذوف محصنا وهو ~~المسلم الحر العفيف. فأما المشهور بالفجور فلا يحد قاذفه وكذلك الكافر ~~والرقيق؛ # PageV28P382 # لكن يعزر القاذف؛ إلا الزوج فإنه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت ولم ~~تحبل من الزنا. فإن حبلت منه وولدت فعليه أن يقذفها وينفي ولدها؛ لئلا يلحق ~~به من ليس منه. وإذا قذفها فإما أن تقر بالزنا وإما أن تلاعنه كما ذكره ~~الله في الكتاب والسنة. ولو كان القاذف عبدا فعليه نصف حد الحر وكذلك في ~~جلد الزنا وشرب الخمر؛ لأن الله تعالى قال في الإماء: {فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} . وأما إذا كان الواجب القتل أو قطع ~~اليد فإنه لا يتنصف. # فصل: # ومن الحقوق الأبضاع فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به من ~~إمساك بمعروف أو تسريح ms8303 بإحسان. فيجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر ~~حقوقه بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإن للمرأة على الرجل حقا في ماله وهو الصداق ~~والنفقة بالمعروف. وحقا في بدنه وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى منها ~~استحقت الفرقة بإجماع المسلمين وكذلك لو كان مجبوبا أو عنينا لا يمكنه ~~جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء. # PageV28P383 # وقد قيل: إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبيعي. والصواب: أنه واجب كما دل ~~عليه الكتاب والسنة والأصول. وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنه - لما رآه يكثر الصوم والصلاة -: إن لزوجك عليك حقا} ~~. ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف على ~~قدر قوته وحاجتها. كما تجب النفقة بالمعروف كذلك؛ وهذا أشبه. وللرجل عليها ~~أن يستمتع منها متى شاء ما لم يضر بها أو يشغلها عن واجب. فيجب عليها أن ~~تمكنه كذلك. ولا تخرج من منزله إلا بإذنه أو بإذن الشارع. واختلف الفقهاء ~~هل عليها خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ فقيل: يجب عليها. ~~وقيل: لا يجب. وقيل: يجب الخفيف منه. # فصل: # وأما الأموال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله مثل ~~قسم المواريث بين الورثة على ما جاء به # PageV28P384 # الكتاب والسنة. وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك. وكذلك في المعاملات ~~من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ~~ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض؛ فإن العدل فيها هو قوام ~~العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه ~~كل أحد بعقله كوجوب تسليم الثمن على المشتري وتسليم المبيع على البائع ~~للمشتري وتحريم تطفيف المكيال والميزان ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب ~~والخيانة والغش وأن جزاء القرض الوفاء والحمد. ومنه ما هو خفي جاءت به ~~الشرائع أو شريعتنا - أهل الإسلام - فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من ~~المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم: دقه وجله؛ مثل أكل المال ms8304 ~~بالباطل. وجنسه من الربا والميسر. وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة وبيع الطير في ~~الهواء والسمك في الماء والبيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصراة وبيع المدلس ~~والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ~~وما نهى عنه من أنواع المشاركات # PageV28P385 # الفاسدة. كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض. ومن ذلك ما قد تنازع فيه ~~المسلمون لخفائه واشتباهه فقد يرى هذا العقد والقبض صحيحا عدلا وإن كان ~~غيره يرى فيه جورا يوجب فساده وقد قال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} والأصل في هذا أنه ~~لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب ~~والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله ~~إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه ~~الله؛ بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله ~~وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. ~~اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته. # فصل: # لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فقال تعالى {فاعف عنهم واستغفر لهم # PageV28P386 # وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} وقد ~~روي {عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} . وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف ~~قلوب أصحابه وليقتدي به من بعده وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه ~~وحي: من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك فغيره - صلى الله عليه وسلم - ~~أولى بالمشورة. وقد أثنى الله ms8305 على المؤمنين بذلك في قوله: {وما عند الله ~~خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} . وإذا استشارهم فإن بين له بعضهم ~~ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ~~ذلك ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك وإن كان عظيما في الدين والدنيا. قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~. وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ~~ووجه رأيه فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به كما قال ~~تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه # PageV28P387 # إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} . # وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس فعلى ~~كل منهما أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله. ~~ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو ~~الواجب؛ وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو ~~غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ليس ~~له التقليد بكل حال وقيل: له التقليد بكل حال. والأقوال الثلاثة في مذهب ~~أحمد وغيره. وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب ~~الإمكان؛ بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك كل ذلك واجب مع ~~القدرة. فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. ولهذا أمر الله ~~المصلي أن يتطهر بالماء فإن عدمه أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو ~~جراحة أو غير ذلك تيمم صعيدا طيبا فمسح بوجهه ويديه منه. {وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائما. فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم ~~تستطع فعلى جنب} فقد أوجب الله فعل الصلاة ms8306 في الوقت على أي حال أمكن كما ~~قال تعالى: {حافظوا # PageV28P388 # على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} {فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} . فأوجب ~~الله الصلاة على الآمن والخائف والصحيح والمريض والغني والفقير والمقيم ~~والمسافر وخففها على المسافر والخائف والمريض كما جاء به الكتاب والسنة. ~~وكذلك أوجب فيها واجبات: من الطهارة والستارة واستقبال القبلة وأسقط ما ~~يعجز عنه العبد من ذلك. فلوا انكسرت سفينة قوم أو سلبهم المحاربون ثيابهم ~~صلوا عراة بحسب أحوالهم وقام إمامهم وسطهم؛ لئلا يرى الباقون عورته. ولو ~~اشتبهت عليهم القبلة اجتهدوا في الاستدلال عليها. فلو عميت الدلائل صلوا ~~كيفما أمكنهم كما قد روى أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين وذلك كله في قوله تعالى ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} . وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة ~~قال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقال تعالى: {وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج} . وقال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من # PageV28P389 # حرج} فلم يوجب ما لا يستطاع ولم يحرم ما يضطر إليه إذا كانت الضرورة بغير ~~معصية من العبد. # فصل: # يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ~~ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم ~~إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم} . رواه أبو داود من حديث أبي سعيد ~~وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم ~~أحدهم} فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض ms8307 ~~في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما ~~أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم. وإقامة ~~الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: {أن السلطان ظل الله في ~~الأرض} . # PageV28P390 # ويقال {ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان} . والتجربة ~~تبين ذلك. ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما - ~~يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} . ~~رواه مسلم. وقال: {ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ~~ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} . رواه أهل ~~السنن. وفي الصحيح عنه أنه قال: {الدين النصيحة الدين النصيحة الدين ~~النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم} . فالواجب اتخاذ الأمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ ~~فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات. وإنما يفسد فيها ~~حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها. وقد روى كعب بن مالك {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم ~~بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه} . قال الترمذي حديث حسن ~~صحيح. فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة # PageV28P391 # يفسد دينه مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وقد أخبر ~~الله تعالى عن الذي يؤتى كتابه بشماله أنه يقول: {ما أغنى عني ماليه} {هلك ~~عني سلطانيه} . وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون وجامع المال أن يكون ~~كقارون وقد بين الله تعالى في كتابه حال فرعون وقارون فقال تعالى: {أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم ms8308 أشد ~~منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} ~~وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين} . # فإن الناس أربعة أقسام: # القسم الأول: يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض وهو معصية الله ~~وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق. قال ~~الله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} وروى مسلم في صحيحه عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يدخل ~~الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من # PageV28P392 # في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي ~~حسنا ونعلي حسنا. أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا؛ إن الله جميل يحب الجمال الكبر ~~بطر الحق وغمط الناس} فبطر الحق دفعه وجحده. وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم ~~وهذا حال من يريد العلو والفساد. والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا ~~علو كالسراق والمجرمين من سفلة الناس. والقسم الثالث: يريدون العلو بلا ~~فساد كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس. وأما القسم ~~الرابع: فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا مع أنهم قد ~~يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} وقال: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} . فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولا وكم ممن جعل من ~~الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد؛ وذلك لأن إرادة العلو # PageV28P393 # على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ~~ونظيره تحته ظلم ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن ~~العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا ms8309 لنظيره وغير العادل منهم يؤثر أن يكون ~~هو القاهر ثم إنه مع هذا لا بد له - في العقل والدين - من أن يكون بعضهم ~~فوق بعض كما قدمناه كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: {وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم} وقال ~~تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} . فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في ~~سبيل الله. فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ~~ذلك في سبيله كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين أو ~~الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل ~~معصيته بالنية والعمل الصالح كما في الصحيحين {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم} . ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف [و] (1) ~~صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم: رأى كثير من الناس أن الإمارة ~~PageV28P394 # تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين ~~إلا به من ذلك. ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك؛ فأخذه معرضا عن الدين؛ ~~لاعتقاده أنه مناف لذلك وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل. لا في محل ~~العلو والعز. وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدين العجز عن تكميل الدين ~~والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء: استضعف طريقتهم واستذلها من رأى ~~أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها. وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من ~~انتسب إلى الذين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال وسبيل ~~من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل ~~المغضوب عليهم والضالين. الأولى للضالين النصارى والثانية للمغضوب عليهم ~~اليهود. وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين هي سبيل نبينا محمد صلى الله ms8310 عليه وسلم وسبيل ~~خلفائه وأصحابه ومن سلك سبيلهم. وهم {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات ~~تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك # PageV28P395 # الفوز العظيم} فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه؛ فمن ولي ~~ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وأقام ~~فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات: لم يؤاخذ بما ~~يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار. # ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من ~~النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير: لم ~~يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكره ~~الله تعالى. فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى ولطلب ~~ما عنده مستعينا بالله في ذلك؛ ثم الدنيا تخدم الدين كما قال معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من ~~الآخرة أحوج فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها ~~انتظاما وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا ~~على خطر. ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته ~~الدنيا وهي راغمة؛ ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته # PageV28P396 # وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له} . وأصل ذلك في ~~قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} {ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون} {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} . فنسأل الله العظيم ~~أن يوفقنا وسائر إخواننا وجميع المسلمين لما يحبه لنا ويرضاه من القول ~~والعمل فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله ms8311 على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم ~~الدين. # PageV28P397 # وكتب شيخ الإسلام إلى الملك الناصر بعد وقعة جبل كسروان بسبب فتوح الجبل: # بسم الله الرحمن الرحيم من الداعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين ومن ~~أيد الله في دولته الدين وأعز بها عباده المؤمنين وقمع فيها الكفار ~~والمنافقين والخوارج المارقين. نصره الله ونصر به الإسلام وأصلح له وبه ~~أمور الخاص والعام وأحيا به معالم الإيمان وأقام به شرائع القرآن وأذل به ~~أهل الكفر والفسوق والعصيان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد ~~إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير. ونسأله ~~أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما. أما بعد. فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده ~~وهزم الأحزاب وحده. وأنعم الله على السلطان وعلى المؤمنين في دولته نعما لم ~~تعهد في القرون الخالية. وجدد الإسلام في أيامه تجديدا # PageV28P398 # بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق أفضل ~~الأولين والآخرين الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رءوس المئين. والله ~~تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين ويتمها ~~بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين. وذلك: أن السلطان - أتم الله نعمته ~~- حصل للأمة بيمن ولايته وحسن نيته وصحة إسلامه وعقيدته وبركة إيمانه ~~ومعرفته وفضل همته وشجاعته وثمرة تعظيمه للدين وشرعته ونتيجة اتباعه كتاب ~~الله وحكمته: ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان ~~يقصده أكابر الأئمة العادلين: من جهاد أعداء الله المارقين من الدين وهم ~~صنفان: أهل الفجور والطغيان وذوو الغي والعدوان الخارجون عن شرائع الإيمان ~~طلبا للعلو في الأرض والفساد وتركا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم التتار ~~ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسك بالشهادتين أو ببعض سياسة ~~الإسلام. والصنف الثاني: أهل البدع المارقون وذوو الضلال المنافقون ~~الخارجون عن السنة والجماعة المفارقون للشرعة والطاعة مثل هؤلاء ms8312 # PageV28P399 # الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبل والجرد والكسروان. فإن ما من الله ~~به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام هو من عزائم الأمور التي أنعم الله ~~بها على السلطان وأهل الإسلام. وذلك: أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في ~~أمر الدنيا والدين. فإن اعتقادهم: أن أبا بكر وعمر وعثمان وأهل بدر وبيعة ~~الرضوان وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان وأئمة الإسلام ~~وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ومشايخ الإسلام وعبادهم وملوك ~~المسلمين وأجنادهم وعوام المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون ~~أكفر من اليهود والنصارى؛ لأنهم مرتدون عندهم والمرتد شر من الكافر الأصلي. ~~ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان. ولهذا لما قدم ~~التتار إلى البلاد وفعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد وأرسلوا إلى ~~أهل قبرص فملكوا بعض الساحل وحملوا راية الصليب وحملوا إلى قبرص من خيل ~~المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصي عدده إلا الله وأقيم سوقهم بالساحل ~~عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص وفرحوا بمجيء ~~التتار هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون مثل أهل جزين وما حواليها. وجبل ~~عامل ونواحيه. # PageV28P400 # ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية ظهر فيهم من الخزي ~~والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم ~~السلطان كان بينهم شبيه بالعزاء. كل هذا وأعظم منه عند هذه الطائفة التي ~~كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان إلى بلاد الإسلام وفي استيلاء هولاكو ~~على بغداد وفي قدومه إلى حلب وفي نهب الصالحية وفي غير ذلك من أنواع ~~العداوة للإسلام وأهله. لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر ~~مرتد. ومن استحل الفقاع فهو كافر. ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر. ومن ~~حرم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضى عنهم ~~أو عن جماهير الصحابة: فهو عندهم كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم ~~كافر. وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث أو ms8313 خمس. يزعمون أنه دخل السرداب ~~بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كل شيء. وهو حجة الله على أهل ~~الأرض. فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له. ولم يكن هذا ~~في الوجود قط. وعندهم من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: # PageV28P401 # إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو ~~كافر. ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن ~~الله يقلب قلوب عباده وأن الله خالق كل شيء فهو عندهم كافر. وعندهم أن من ~~آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو ~~عندهم كافر. هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم. مثل بني العود؛ فإنهم ~~شيوخ أهل هذا الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين ويفتونهم ~~بهذه الأمور. وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود ~~وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم ~~لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق. ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها ~~منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية؛ فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا ~~يظهرونه من النفاق ويبذلونه من البرطيل لمن يقصدهم. والمكان الذي لهم في ~~غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله؛ ولهذا كثر فسادهم فقتلوا ~~من النفوس وأخذوا من الأموال ما لا يعلمه إلا الله. # PageV28P402 # ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يضبط شره كل ليلة ~~تنزل عليهم منهم طائفة ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. كانوا ~~في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الجنايات ~~يرد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين ويقعون ~~بالرجل الصالح من المسلمين. فإما أن يقتلوه أو يسلبوه. وقليل منهم من يفلت ~~منهم بالحيلة. فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان وهمته في إقامة شرائع ~~الإسلام وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة ms8314 شرعية كما أمر الله ورسوله ~~بعد أن كشفت أحوالهم وأزيحت عللهم وأزيلت شبههم وبذل لهم من العدل والأنصاف ~~ما لم يكونوا يطمعون به وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه في قتال الحرورية المارقين الذين تواتر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم ونعت حالهم من وجوه متعددة. أخرج منها ~~أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن ~~حنيف وأبي ذر الغفاري ورافع بن عمرو وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال فيهم: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم # PageV28P403 # وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام ~~كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. لو يعلم الذين ~~يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل. ~~يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو ~~عليهم شر قتلى تحت أديم السماء. خير قتلى من قتلوه} . وأول ما خرج هؤلاء ~~زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة ~~والعبادة والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة؛ لكن كانوا خارجين عن سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعن جماعة المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه ~~عبد الله بن خباب وأغاروا على دواب المسلمين. وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة ~~وصياما. ولم نجد في جبلهم مصحفا ولا فيهم قارئا للقرآن؛ وإنما عندهم ~~عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وأباحوا بها دماء المسلمين. وهم مع ~~هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عدده إلا الله ~~تعالى. فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر ~~الخوارج مع أنه قتلهم جميعهم كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء # PageV28P404 # بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل: أنه لا ~~يقتل مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يغنم ms8315 لهم مالا ولا يسبي لهم ذرية. لأن ~~مثل أولئك لهم تأويل سائغ وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ. ومثل أولئك إنما ~~يكونون خارجين عن طاعة الإمام. وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسنته. وهم شر من التتار من وجوه متعددة؛ لكن التتر أكثر وأقوى. ~~فلذلك يظهر كثرة شرهم. وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم كما كان ~~في زمن قازان وهولاكو وغيرهما؛ فإنهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما ~~أخذوا من أموالهم. وأرضهم فيئا لبيت المال. وقد قال كثير من السلف: إن ~~الرافضة لا حق لهم من الفيء؛ لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار ~~{والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} فمن لم ~~يكن قلبه سليما لهم ولسانه مستغفرا لهم لم يكن من هؤلاء. وقطعت أشجارهم ~~{لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني النضير قطع أصحابه نخلهم ~~وحرقوه. فقال اليهود: هذا فساد. وأنت # PageV28P405 # يا محمد تنهى عن الفساد. فأنزل الله: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} } . وقد اتفق العلماء على ~~جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه. فليس ذلك بأولى من قتل ~~النفوس وما أمكن غير ذلك. فإن القوم لم يحضروا كلهم من الأماكن التي اختفوا ~~فيها وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قطعت الأشجار. وإلا كانوا يختفون ~~حيث لا يمكن العلم بهم. وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم؛ لأن التركمان إنما ~~قصدهم الرعي وقد صار لهم مرعى وسائر الفلاحين لا يتركون عمارة أرضهم ~~ويجيئون إليه. فالحمد لله الذي يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه ~~وأمره وإخلاء الجبل منهم وإخراجهم من ديارهم. وهم يشبهون ما ذكره الله في ~~قوله: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ms8316 ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار} {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار} {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق # PageV28P406 # الله فإن الله شديد العقاب} {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} . وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل ~~البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات ~~السلطان ويعز به أهل الإيمان. # فصل: # تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد وإقامة ~~الشريعة في البلاد؛ فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة ~~من يقتدون بهم وينتصرون لهم. وفي قلوبهم غل عظيم وإبطان معاداة شديدة لا ~~يؤمنون معها على ما يمكنهم. ولو أنه مباطنة العدو. فإذا أمسك رءوسهم الذين ~~يضلونهم - مثل بني العود - زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله. ويتقدم ~~إلى قراهم. وهي قرى متعددة بأعمال دمشق وصفد؛ وطرابلس؛ وحماة وحمص وحلب: ~~بأن يقام فيهم شرائع الإسلام. والجمعة والجماعة وقراءة القرآن ويكون لهم ~~خطباء ومؤذنون # PageV28P407 # كسائر قرى المسلمين وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية وتنشر فيهم المعالم ~~الإسلامية ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام. ~~فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جهال. وهؤلاء كانوا يعلموننا ~~ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين ومن قتل منكم فهو شهيد. ~~وفي هؤلاء خلق كثير لا يقرون بصلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة ولا يحرمون ~~الميتة والدم ولحم الخنزير ولا يؤمنون بالجنة والنار. من جنس الإسماعيلية ~~والنصيرية والحاكمية والباطنية وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع ~~المسلمين. فتقدم المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة ~~والجماعة وقراءة القرآن وتبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في قرى ~~هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية. وأبلغ الجهاد في سبيل الله. وذلك سبب ~~لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء ودخولهم في طاعة الله ورسوله وطاعة أولي ~~الأمر من المسلمين. وهو من ms8317 الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. ~~فإن ما فعلوه بالمسلمين في أرض " سيس " نوع من غدرهم الذي به ينصر الله ~~المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة # PageV28P408 # عظيمة ونصرة للإسلام جسيمة. قال ابن عباس: ما نقض قوم العهد إلا أديل ~~عليهم العدو. ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الإيمان ~~وللعدو من الخذلان ما ينصر الله به المؤمنين ويذل به الكفار والمنافقين. ~~والله هو المسئول أن يتم نعمته على سلطان الإسلام خاصة وعلى عباده المؤمنين ~~عامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # PageV28P409 # وكتب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # لما قدم العدو من التتار سنة تسع وتسعين وستمائة إلى حلب وانصرف عسكر مصر ~~وبقي عسكر الشام. بسم الله الرحمن الرحيم إلى من يصل إليه من المؤمنين ~~والمسلمين - أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأسبغ عليهم نعمه باطنة ~~وظاهرة ونصرهم نصرا عزيزا وفتح عليهم فتحا كبيرا وجعل لهم من لدنه سلطانا ~~نصيرا وجعلهم معتصمين بحبله المتين مهتدين إلى صراطه المستقيم - سلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد ~~أهل وهو على كل شيء قدير ونسأله أن يصلي على صفوته من خليقته وخيرته من ~~بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. أما بعد: فإن ~~الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا وجعله خاتم النبيين وسيد ولد آدم من الناس ~~أجمعين وجعل كتابه الذي أنزله # PageV28P410 # عليه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها وجعل أمته خير أمة ~~أخرجت للناس: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ فهم يوفون سبعين فرقة هم ~~خيرها وأكرمها على الله وقد أكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم ~~الإسلام دينا. فليس دين أفضل من دينهم الذي جاء به رسولهم ولا كتاب أفضل من ~~كتابهم ولا أمة ms8318 خيرا من أمتهم. بل كتابنا ونبينا وديننا وأمتنا أفضل من كل ~~كتاب ودين ونبي وأمة. فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم. {ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} واحفظوا هذه التي بها تنالون نعيم ~~الدنيا والآخرة واحذروا أن تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرا فتعرضون عن حفظ ~~هذه النعمة ورعايتها فيحيق بكم ما حاق بمن انقلب على عقبيه واشتغل بما لا ~~ينفعه من أمر الدنيا عما لا بد له منه من مصلحة دينه ودنياه فخسر الدنيا ~~والآخرة. فقد سمعتم ما نعت الله به الشاكرين والمنقلبين حيث يقول: {وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} . أنزل الله ~~سبحانه هذه الآية وما قبلها وما بعدها في غزوة أحد لما انكسر المسلمون مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، # PageV28P411 # وقتل جماعة من خيار الأمة " وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طائفة ~~يسيرة حتى خلص إليه العدو فكسروا رباعيته وشجوا وجهه وهشموا البيضة على ~~رأسه وقتل وجرح دونه طائفة من خيار أصحابه لذبهم عنه ونعق الشيطان فيهم: أن ~~محمدا قد قتل. فزلزل ذلك قلوب بعضهم حتى انهزم طائفة وثبت الله آخرين حتى ~~ثبتوا. وكذلك لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم فتزلزلت القلوب واضطرب حبل ~~الدين وغشيت الذلة من شاء الله من الناس حتى خرج عليهم الصديق رضي الله ~~عنها فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله ~~حي لا يموت وقرأ قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات ~~أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين} فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها الصديق رضي الله عنه فلا ~~يوجد من الناس إلا من يتلوها. وارتد بسبب موت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولما حصل لهم من الضعف جماعات ms8319 من الناس: قوم ارتدوا عن الدين بالكلية. وقوم ~~ارتدوا عن بعضه فقالوا: نصلي ولا نزكي. وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فآمنوا مع محمد # PageV28P412 # بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وغيرهما فقام إلى ~~جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المهاجرين والأنصار والطلقاء والأعراب ومن اتبعهم بإحسان الذين قال الله ~~عز وجل فيهم: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على أعقابهم الذين لم ~~يضروا الله شيئا. وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم ~~وسيعمل بها آخرون. فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين الذين يحبهم ~~الله عز وجل ورسوله؛ فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم الذين يخرجون عن ~~الدين ويأخذون بعضه ويدعون بعضه كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين الذين ~~خرجوا على أهل الإسلام وتكلم بعضهم بالشهادتين وتسمى بالإسلام من غير ~~التزام شريعته؛ فإن عسكرهم مشتمل على أربع طوائف: كافرة باقية على كفرها: ~~من الكرج والأرمن والمغول. وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الإسلام وانقلبت ~~على عقبيها: من العرب والفرس والروم وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرما عند الله # PageV28P413 # وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يجب ~~قتلهم حتما ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه لا يجوز أن يعقد لهم ذمة ولا ~~هدنة ولا أمان ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال ولا تؤكل ذبائحهم ~~ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون؛ مع بقائهم على الردة بالاتفاق. ويقتل من قاتل ~~منهم ومن لم يقاتل؛ كالشيخ الهرم والأعمى والزمن باتفاق العلماء. وكذا ~~نساؤهم عند الجمهور. والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان وهدنة ويجوز المن ~~عليه والمفاداة به إذا كان أسيرا عند الجمهور ويجوز إذا كان كتابيا أن يعقد ~~له ذمة ويؤكل طعامهم وتنكح نساؤهم ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو ~~عمل باتفاق العلماء. وكذلك ms8320 لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند ~~جمهور العلماء كما دلت عليه السنة. فالكافر المرتد أسوأ حالا في الدين ~~والدنيا من الكافر المستمر على كفره. وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة ما لا ~~يحصي عددهم إلا الله. فهذان صنفان. وفيهم أيضا من كان كافرا فانتسب إلى ~~الإسلام ولم يلتزم شرائعه؛ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت والكف ~~عن دماء # PageV28P414 # المسلمين وأموالهم والتزام الجهاد في سبيل الله وضرب الجزية على اليهود ~~والنصارى وغير ذلك. وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين كما قاتل الصديق ~~مانعي الزكاة؛ بل هؤلاء شر منهم من وجوه وكما قاتل الصحابة أيضا مع أمير ~~المؤمنين - علي رضي الله عنه - الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: {تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع ~~صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة} وقال: {لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا ~~عن العمل} وقال: {هم شر الخلق والخليقة شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى ~~من قتلوه} . فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم. أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتالهم وقاتلهم أمير المؤمنين علي وسائر الصحابة الذين معه ولم ~~يختلف أحد في قتالهم كما اختلفوا في قتال أهل البصرة والشام؛ لأنهم كانوا ~~يقاتلون المسلمين. فإن هؤلاء شر من أولئك من غير وجه وإن لم يكونوا مثلهم ~~في الاعتقاد؛ فإن معهم من يوافق رأيه في المسلمين رأي الخوارج. فهذه ثلاثة ~~أصناف. وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء. وهم قوم ارتدوا عن شرائع # PageV28P415 # الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه. فهؤلاء الكفار المرتدون ~~والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته: كلهم ~~يجب قتالهم بإجماع المسلمين حتى يلتزموا شرائع الإسلام وحتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله وحتى تكون كلمة الله - التي هي كتابه وما فيه من ms8321 أمره ~~ونهيه وخبره - هي العليا. هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم فكيف إذا استولوا ~~على أراضي الإسلام: من العراق وخراسان والجزيرة والروم فكيف إذا قصدوكم ~~وصالوا عليكم بغيا وعدوانا {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج ~~الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} ~~{ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} . واعلموا - ~~أصلحكم الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه ~~قال: {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم إلى قيام الساعة} وثبت أنهم بالشام. فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ~~ثلاث فرق: الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة ~~المخالفة وهم هؤلاء # PageV28P416 # القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة ~~وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا صحيحي الإسلام. فلينظر الرجل أيكون من ~~الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟ فما بقي قسم رابع. واعلموا ~~أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة قال الله ~~تعالى في كتابه: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} يعني: إما النصر ~~والظفر وإما الشهادة والجنة فمن عاش من المجاهدين كان كريما له ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يعطى الشهيد ست خصال يغفر له بأول قطرة من دمه ويرى مقعده من ~~الجنة ويكسى حلة من الإيمان ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين ويوقى فتنة ~~القبر ويؤمن من الفزع الأكبر} رواه أهل السنن. وقال صلى الله عليه وسلم {إن ~~في الجنة لمائة درجة. ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ~~أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله} فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة ~~في الجنة لأهل الجهاد. وقال صلى الله عليه وسلم {مثل المجاهد في سبيل الله ~~مثل الصائم ms8322 القائم القانت الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام} {وقال رجل: ~~أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعه. قال: # PageV28P417 # أخبرني به؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا ~~تفتر؟ قال: لا. قال: فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله} . وهذه الأحاديث ~~في الصحيحين وغيرهما. وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في ~~التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج وأفضل من الصوم التطوع وأفضل من ~~الصلاة التطوع. والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ~~وبيت المقدس حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه لأن أرابط ليلة في سبيل الله ~~أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. فقد اختار الرباط ليلة ~~على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة؛ لمعان منها أنهم كانوا مرابطين ~~بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو فمن أقام ~~فيه بنية دفع العدو فهو مرابط والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل} ~~رواه أهل السنن وصححوه. وفي صحيح مسلم " عن سلمان أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال {: رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات ~~مرابطا أجري عليه عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان} يعني منكرا ~~ونكيرا. فهذا في الرباط فكيف الجهاد. # PageV28P418 # وقال صلى الله عليه وسلم {لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه ~~عبد أبدا} وقال {من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار} فهذا ~~في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل فكيف بما هو أشق منه؛ كالثلج والبرد ~~والوحل. ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق كالحر ~~والبرد. فقال سبحانه وتعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا ~~أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا ms8323 لا تنفروا في الحر قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} وهكذا الذين يقولون: لا تنفروا في البرد ~~فيقال: نار جهنم أشد بردا. كما أخرجاه في الصحيحين من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها ~~بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من ~~زمهرير جهنم} فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حر جهنم ~~وبردها والمنافق يفر من حر الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها. ~~واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين وأن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون. والله سبحانه ~~وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن # PageV28P419 # عاقبته {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وهذا أمر قد ~~تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين. {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} {يغفر لكم ذنوبكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز ~~العظيم} {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} {يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت ~~طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} . واعلموا - أصلحكم ~~الله - أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرا أن أحياه إلى هذا الوقت ~~الذي يجدد الله فيه الدين ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين ~~والمجاهدين حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فمن ~~قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ms8324 فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم. فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي # PageV28P420 # حقيقتها منحة كريمة من الله وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة حتى ~~والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار - كأبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وغيرهم - حاضرين في هذا الزمان لكان من أفضل أعمالهم جهاد ~~هؤلاء القوم المجرمين. ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته وسفه ~~نفسه وحرم حظا عظيما من الدنيا والآخرة؛ إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى ~~كالمريض والفقير والأعمى وغيرهم وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز ~~بماله. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من جهز غازيا ~~فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا} ومن كان قادرا ببدنه وهو فقير ~~فليأخذ من أموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة أو صلة أو من ~~بيت المال أو غير ذلك؛ حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر رده ~~إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك أو كان بيده ودائع أو رهون أو عوار قد تعذر ~~معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله فإن ذلك مصرفها. ومن كان كثير الذنوب ~~فأعظم دوائه الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه ~~بقوله سبحانه وتعالى: {يغفر لكم ذنوبكم} . ومن أراد التخلص من الحرام ~~والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه فإن ذلك ~~طريق حسنة إلى # PageV28P421 # خلاصه مع ما يحصل له من أجر الجهاد. وكذلك من أراد أن يكفر الله عنه ~~سيئاته في دعوى الجاهلية وحميتها فعليه بالجهاد؛ فإن الذين يتعصبون للقبائل ~~وغير القبائل - مثل قيس ويمن وهلال وأسد ونحو ذلك - كل هؤلاء إذا قتلوا فإن ~~القاتل والمقتول في النار كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول ~~الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل ms8325 أخيه} أخرجاه ~~في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم {من قتل تحت راية عمية: يغضب لعصبية ~~ويدعو لعصبية فهو في النار} رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم {من تعزى ~~بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا فسمع أبي بن كعب رجلا يقول: ~~يا لفلان فقال: اعضض أير أبيك فقال: يا أبا المنذر؛ ما كنت فاحشا. فقال ~~بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم} . رواه أحمد في مسنده. ومعنى ~~قوله: {من تعزى بعزاء الجاهلية} يعني يعتزي بعزواتهم وهي الانتساب إليهم في ~~الدعوة مثل قوله: يا لقيس يا ليمن ويا لهلال ويا لأسد فمن تعصب لأهل بلدته ~~أو مذهبه أو طريقته أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من ~~الجاهلية حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه ~~وسنة رسوله. فإن # PageV28P422 # كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وربهم إله واحد لا إله إلا هو له ~~الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون. قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ~~{يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس رضي الله عنهما تبيض وجوه أهل ~~السنة والجماعة وتسود وجوه أهل الفرقة والبدعة. فالله؛ الله. عليكم ~~بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ يجمع الله ~~قلوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة. أعاننا الله ~~وإياكم على طاعته وعبادته وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته وآتانا وإياكم في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقانا عذاب النار وجعلنا وإياكم ممن رضي الله ~~عنه وأعد له ms8326 جنات النعيم إنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل. ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV28P423 # وقال - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ~~وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير ونسأله أن يصلي على صفوته من خليقته ~~وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. أما ~~بعد: فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده {ورد الله ~~الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا} والله تعالى يحقق لنا التمام بقوله: {وأنزل الذين ظاهروهم من ~~أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} ~~{وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء ~~قديرا} . # PageV28P424 # فإن هذه الفتنة التي ابتلي بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن ~~شريعة الإسلام: قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المغازي التي أنزل الله فيها كتبه وابتلى بها ~~نبيه والمؤمنين: مما هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا إلى يوم القيامة؛ فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي أو بالعموم ~~المعنوي. وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كما نالت ~~أولها. وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا. فنشبه ~~حالنا بحالهم ونقيس أواخر الأمم بأوائلها. فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه ~~بما كان للمؤمن من المتقدمين. ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما ~~كان للكافر والمنافق من المتقدمين كما قال تعالى لما قص قصة يوسف مفصلة ~~وأجمل قصص الأنبياء. ثم قال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا ms8327 يفترى} أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من ~~القصص المكذوبة كنحو ما يذكر في الحروب من السير المكذوبة. وقال تعالى لما ~~ذكر قصة فرعون: {فأخذه الله نكال الآخرة # PageV28P425 # والأولى} {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} وقال في سيرة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم مع أعدائه ببدر وغيرها: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره ~~من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} . وقال تعالى في محاصرته لبني ~~النضير: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار} . فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من ~~هذه الأمة وممن قبلها من الأمم. وذكر في غير موضع: أن سنته في ذلك سنة ~~مطردة وعادته مستمرة. فقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} ~~{ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} {سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا} . وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} . وأخبر سبحانه أن دأب الكافرين من المستأخرين كدأب ~~الكافرين من المستقدمين. # PageV28P426 # فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده. ودأب الأمم ~~وعاداتهم لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق الخافقين خبرها ~~واستطار في جميع ديار الإسلام شررها وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه وكشر ~~فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه وكاد فيه عمود الكتاب أن يجتث ويخترم. وحبل ~~الإيمان أن ينقطع ويصطلم. وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار. وأن يزول ~~هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار. وظن المنافقون والذين في قلوبهم ms8328 مرض أن ~~ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورا. وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم ~~أبدا وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بورا ونزلت فتنة تركت ~~الحليم فيها حيران وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران وتركت الرجل اللبيب ~~لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان ~~حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان. وميز الله فيها أهل البصائر ~~والإيقان من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان ورفع بها أقواما إلى ~~الدرجات العالية كما خفض بها أقواما إلى المنازل الهاوية وكفر بها عن آخرين ~~أعمالهم الخاطئة وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة ~~الكبرى. فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقي وسعيد كما يتفرقون كذلك # PageV28P427 # في اليوم الموعود وفر الرجل فيها من أخيه وأمه وأبيه؛ إذ كان لكل امرئ ~~منهم شأن يغنيه. وكان من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه لا يلوي على ماله ~~ولا ولده ولا عرسه. كما أن منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال. وآخر ~~فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال. وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع. وهم ~~درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى ~~إلا الإيمان والعمل الصالح والبر والتقوى. وبليت فيها السرائر. وظهرت ~~الخبايا التي كانت تكنها الضمائر. وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال ~~يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل. وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه ~~السبيلا. كما حمد ربه من صدق في إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا. وبان صدق ما ~~جاءت به الآثار النبوية من الأخبار بما يكون. وواطأتها قلوب الذين هم في ~~هذه الأمة محدثون كما تواطأت عليه المبشرات التي أريها المؤمنون وتبين فيها ~~الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ~~إلى يوم القيامة. حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين. ~~وآخر خاذل له. وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناس ما بين مأجور ms8329 ~~ومعذور. وآخر قد غره بالله الغرور. وكان هذا الامتحان تمييزا من الله ~~وتقسيما. {ليجزي الله الصادقين # PageV28P428 # بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما} . ~~ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرع له الجهاد إباحة له ~~أولا ثم إيجابا له ثانيا لما هاجر إلى المدينة وصار له فيها أنصار ينصرون ~~الله ورسوله فغزا بنفسه صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بدار الهجرة وهو نحو ~~عشر سنين: بضعا وعشرين غزوة. أولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك: أنزل الله ~~في أول مغازيه " سورة الأنفال " وفي آخرها " سورة براءة ". وجمع بينهما في ~~المصحف؛ لتشابه أول الأمر وآخره كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سئل عن ~~القران بين السورتين من غير فصل بالبسملة. وكان القتال منها في تسع غزوات. ~~فأول غزوات القتال: بدر وآخرها حنين والطائف. وأنزل الله فيها ملائكته كما ~~أخبر به القرآن ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول وإن تباعد ما بين ~~الغزوتين مكانا وزمانا؛ فإن بدرا كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة ~~ما بين المدينة ومكة شامي مكة وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. ~~وحنين واد قريب من الطائف شرقي مكة. ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم # PageV28P429 # غنائمها بالجعرانة واعتمر من الجعرانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهل ~~الطائف زحفا وصفوفا وإنما قاتلوه من وراء جدار. فآخر غزوة كان فيها القتال ~~زحفا واصطفافا: هي غزوة حنين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون ~~على صناديد الكفار. وقتل الله أشرافهم وأسر رءوسهم مع قلة المسلمين وضعفهم؛ ~~فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ليس معهم إلا فرسان وكان يعتقب الاثنان ~~والثلاثة على البعير الواحد. وكان عدوهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات في قوة ~~وعدة وهيئة وخيلاء. فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة وفيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فخرج إليهم النبي صلى الله عليه ms8330 وسلم ~~وأصحابه في نحو من ربع الكفار وتركوا عيالهم بالمدينة ثم ينقلوهم إلي موضع ~~آخر. وكانت أولا الكرة للمسلمين عليهم ثم صارت للكفار. فانهزم عامة عسكر ~~المسلمين إلا نفرا قليلا حول النبي صلى الله عليه وسلم منهم من قتل ومنهم ~~من جرح. وحرصوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى كسروا رباعيته وشجوا ~~جبينه وهشموا البيضة على رأسه. وأنزل الله فيها شطرا من سورة آل عمران من ~~قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} وقال فيها: {إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان # PageV28P430 # ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} وقال فيها: {ولقد ~~صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم ~~صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وقال فيها: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير} . وكان الشيطان قد نعق في الناس: أن محمدا قد قتل ~~فمنهم من تزلزل لذلك فهرب. ومنهم من ثبت فقاتل. فقال الله تعالى: {وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} . وكان هذا مثل ~~حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضي. وكانت هزيمة المسلمين في العام ~~الماضي بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة: من فساد النيات والفخر والخيلاء والظلم ~~والفواحش والإعراض عن حكم الكتاب والسنة وعن المحافظة على فرائض الله ~~والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم وكان عدوهم في أول ~~الأمر راضيا منهم بالموادعة والمسالمة شارعا في الدخول في الإسلام. # PageV28P431 # وكان مبتدئا في الإيمان والأمان وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير من أحكام ~~الإيمان. فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ~~ليمحص الله ms8331 الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من ~~البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الإسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به ~~النصر وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام. فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة ~~المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم - الذي هو على ~~الحال المذكورة - لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف. كما أن ~~نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة ~~على المؤمنين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقضي الله للمؤمن ~~قضاء إلا كان خيرا. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء فشكر الله كان ~~خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له} . فلما كانت حادثة المسلمين عام ~~أول شبيهة بأحد. وكان بعد أحد بأكثر من سنة - وقيل بسنتين - قد ابتلي ~~المسلمون عام الخندق. كذلك في هذا العام ابتلي المؤمنون بعدوهم كنحو ما ~~ابتلي المسلمون # PageV28P432 # مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الخندق وهي غزوة الأحزاب التي أنزل الله ~~فيها " سورة الأحزاب " وهي سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة التي نصر الله فيها ~~عبده صلى الله عليه وسلم وأعز فيها جنده المؤمنين وهزم الأحزاب - الذين ~~تحزبوا عليه - وحده بغير قتال؛ بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم. ذكر فيها ~~خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقه وحرمته وحرمة أهل بيته لما كان ~~هو القلب الذي نصره الله فيها بغير قتال. كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء. ~~وظهر فيها سر تأييد الدين كما ظهر في غزوة الخندق. وانقسم الناس فيها ~~كانقسامهم عام الخندق. # وذلك أن الله تعالى منذ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة ~~والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام: قسما مؤمنين وهم الذين آمنوا به ظاهرا ~~وباطنا. # وقسما كفارا وهم الذين أظهروا الكفر به. # وقسما منافقين وهم الذين آمنوا ظاهرا لا باطنا. ولهذا افتتح " سورة ~~البقرة " بأربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين. وثلاث عشرة ms8332 ~~آية في صفة المنافقين. وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب. ~~كما # PageV28P433 # دلت عليه دلائل الكتاب والسنة وكما فسره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشعبه. فمن النفاق ~~ما هو أكبر ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار؛ كنفاق عبد الله بن أبي ~~وغيره؛ بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه أو عدم اعتقاد ~~وجوب اتباعه أو المسرة بانخفاض دينه أو المساءة بظهور دينه. ونحو ذلك: مما ~~لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله. وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما زال بعده؛ بل هو بعده أكثر منه على عهده؛ لكون ~~موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودا ~~فوجوده فيما دون ذلك أولى. وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض ~~المنافقين ولا يعلم بعضهم كما بينه قوله: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} كذلك خلفاؤه بعده ~~وورثته: قد يعلمون بعض المنافقين ولا يعلمون بعضهم. وفي المنتسبين إلى ~~الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون في الخاصة والعامة. ويسمون " ~~الزنادقة ". وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر لكون ذلك لا # PageV28P434 # يعلم إذ هم دائما يظهرون الإسلام. وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة: من ~~المنجمين ونحوهم. ثم في الأطباء. ثم في الكتاب أقل من ذلك. ويوجدون في ~~المتصوفة والمتفقهة وفي المقاتلة والأمراء وفي العامة أيضا. ولكن يوجدون ~~كثيرا في نحل أهل البدع؛ لا سيما الرافضة. ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ~~ليس في أحد من أهل النحل. ولهذا كانت الخرمية والباطنية والقرامطة ~~والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم من المنافقين الزنادقة: منتسبة إلى الرافضة. ~~وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار؛ ~~لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام؛ بل يتركونهم وما هم عليه. وبعضهم إنما ~~ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا واستيلائهم على الأموال ms8333 واجترائهم ~~على الدماء والسبي؛ لا لأجل الدين. فهذا ضرب النفاق الأكبر. # وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها: مثل أن يكذب إذا حدث ~~ويخلف إذا وعد ويخون إذا اؤتمن أو يفجر إذا خاصم. ففي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ~~وإذا اؤتمن خان} وفي رواية صحيحة {وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم} وفي ~~الصحيحين # PageV28P435 # عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أربع من كن فيه ~~كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر} . ومن ~~هذا الباب: الإعراض عن الجهاد. فإنه من خصال المنافقين. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق} ~~رواه مسلم. وقد أنزل الله " سورة براءة " التي تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت ~~المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس قال: هي الفاضحة ما زالت تنزل ~~(ومنهم (ومنهم حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها. وعن المقداد بن ~~الأسود قال: هي " سورة البحوث " لأنها بحثت عن سرائر المنافقين. وعن قتادة ~~قال: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين. وعن ابن عباس قال: هي ~~المبعثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان. وعن ابن عمر: أنها المقشقشة. لأنها ~~تبرئ من مرض النفاق. يقال: تقشقش المريض إذا برأ: قال الأصمعي: وكان يقال ~~لسورتي الإخلاص: المقشقشتان؛ لأنهما يبرئان من النفاق. # PageV28P436 # وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك عام ~~تسع من الهجرة وقد عز الإسلام وظهر. فكشف الله فيها أحوال المنافقين ووصفهم ~~فيها بالجبن وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله والشح على ~~المال. وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل. قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع} حديث صحيح؛ ولهذا قد يكونان من الكبائر ~~الموجبة للنار ms8334 كما دل عليه قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله ~~من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} وقال ~~تعالى. {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} . وأما وصفهم بالجبن والفزع فقال ~~تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} {لو ~~يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} . فأخبر سبحانه أنهم ~~وإن حلفوا إنهم من المؤمنين فما هم منهم؛ ولكن يفزعون من العدو. ف {لو ~~يجدون ملجأ} يلجئون إليه من المعاقل والحصون التي يفر إليها من يترك الجهاد ~~أو (مغارات وهي جمع مغارة. ومغارات سميت بذلك لأن الداخل يغور فيها أي ~~يستتر؛ كما يغور الماء. أو مدخلا # PageV28P437 # وهو الذي يتكلف الدخول إليه إما لضيق بابه أو لغير ذلك. أي مكانا يدخلون ~~إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة (لولوا عن الجهاد {إليه وهم يجمحون} أي ~~يسرعون إسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح الذي إذا حمل لا يرده اللجام. ~~وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا وفيما قبلها من الحوادث ~~وبعدها. وكذلك قال في " سورة محمد " صلى الله عليه وسلم {فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم} أي فبعدا لهم {طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر ~~فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} وقال تعالى. {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك ~~هم الصادقون} فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد. وقال تعالى: {لا يستأذنك الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين} {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت ~~قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} . فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن ~~الرسول في ترك الجهاد؛ وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن فكيف بالتارك من غير ~~استئذان ومن ms8335 تدبر القرآن وجد نظائر هذا متضافرة على هذا المعنى. # PageV28P438 # وقال في وصفهم بالشح: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا ~~بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} ~~. فهذه حال من أنفق كارها فكيف بمن ترك النفقة رأسا وقال: {ومنهم من يلمزك ~~في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} وقال: ~~{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} . وقال في السورة: {يا أيها ~~الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم} {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} . فانتظمت هذه الآية ~~حال من أخذ المال بغير حقه أو منعه من مستحقه من جميع الناس؛ فإن الأحبار ~~هم العلماء والرهبان هم العباد. وقد أخبر أن كثيرا منهم يأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون - أي يعرضون ويمنعون. يقال: صد عن الحق صدودا وصد غيره صدا. ~~وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل: من وقف أو عطية على # PageV28P439 # الدين كالصلاة والنذور التي تنذر لأهل الدين ومن الأموال المشتركة كأموال ~~بيت المال ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين. ثم قال: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فهذا يندرج فيه من ~~كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله. والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل ~~الله سواء كان ملكا أو مقدما أو غنيا أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ما كنز ~~من المال الموروث والمكسوب فما كنز من الأموال المشتركة التي يستحقها عموم ~~الأمة - ومستحقها: مصالحهم - أولى وأحرى. # فصل: # فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق. فإذا قرأ الإنسان " سورة الأحزاب " ~~وعرف من المنقولات في الحديث والتفسير والفقه والمغازي: كيف كانت صفة ~~الواقعة التي نزل ms8336 بها القرآن ثم اعتبر هذه الحادثة بتلك: وجد مصداق ما ~~ذكرنا. وأن الناس انقسموا في هذه هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة. كما ~~انقسموا في تلك. وتبين له كثير من المتشابهات. # PageV28P440 # افتتح الله السورة بقوله: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين} وذكر في أثنائها قوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا} {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ثم قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك ~~إن الله كان بما تعملون خبيرا} {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} . فأمره ~~باتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة - التي هي سنته - وبأن يتوكل على ~~الله. فبالأولى يحقق قوله: {إياك نعبد} . وبالثانية يحقق قوله: {وإياك ~~نستعين} . ومثل ذلك قوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه ~~أنيب} . وهذا وإن كان مأمورا به في جميع الدين؛ فإن ذلك في الجهاد أوكد؛ ~~لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين؛ وذلك لا يتم إلا بتأييد قوي من ~~الله؛ ولهذا كان الجهاد سنام العمل وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة. ففيه ~~سنام المحبة كما في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} . ~~وفيه سنام التوكل وسنام الصبر؛ فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل؛ ~~ولهذا قال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} {الذين صبروا وعلى # PageV28P441 # ربهم يتوكلون} وقال {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} . ولهذا كان الصبر واليقين - ~~اللذين هما أصل التوكل - يوجبان الإمامة في الدين كما دل عليه قوله تعالى: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} . ولهذا ~~كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم. كما دل عليه قوله ~~تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع ~~سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل ~~وغيرهما: ms8337 إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق ~~معهم؛ لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} . وفي الجهاد ~~أيضا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا. وفيه أيضا: حقيقة ~~الإخلاص. فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة ولا في ~~سبيل المال ولا في سبيل الحمية وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله ~~لله ولتكون كلمة الله هي العليا. وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال ~~للمعبود كما قال # PageV28P442 # تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} . و (الجنة اسم للدار التي حوت كل ~~نعيم) . أعلاه النظر إلى الله إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله ~~صلى الله عليه وسلم {أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر} . فقد تبين بعض أسباب افتتاح هذه السورة بهذا. ثم إنه ~~تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} . كان ~~مختصر القصة: أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم وجاءوا ~~بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين. فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بني أسد ~~وأشجع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد. واجتمعت أيضا اليهود: من قريظة والنضير. ~~فإن بني النضير كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل ذلك كما ذكره ~~الله تعالى في " سورة الحشر ". فجاءوا في الأحزاب إلى قريظة وهم معاهدون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومجاورون له قريبا من # PageV28P443 # المدينة - فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد ودخلوا في الأحزاب. ~~فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة وهم بقدر المسلمين مرات متعددة. فرفع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة وهي مثل ~~الجواسق ولم ينقلهم إلى مواضع أخر. وجعل ظهرهم إلى سلع ms8338 - وهو الجبل القريب ~~من المدينة من ناحية الغرب والشام - وجعل بينه وبين العدو خندقا. والعدو قد ~~أحاط بهم من العالية والسافلة. وكان عدوا شديد العداوة لو تمكن من المؤمنين ~~لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات. وفي هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغول ~~وغيرهم من أنواع الترك ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى ~~الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين وهو بين الإقدام ~~والإحجام مع قلة من بإزائهم من المسلمين. ومقصودهم الاستيلاء على الدار ~~واصطلام أهلها. كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين. ودام الحصار ~~على المسلمين عام الخندق - على ما قيل - بضعا وعشرين ليلة. وقيل: عشرين ~~ليلة. وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر وكان أول # PageV28P444 # انصرافه راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه: يوم الاثنين ~~حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر ~~المحروسة. واجتمع بهم الداعي وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه ~~وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى الله ~~في قلوب عدوهم الروع والانصراف. وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة ~~بها صرف الله الأحزاب عن المدينة كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحا ~~وجنودا لم تروها} . وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على ~~خلاف أكثر العادات. حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك؛ ~~فإن لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله به العدو؛ ~~فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله. وهلك ~~أيضا منهم من شاء الله. وظهر فيهم وفي بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب ~~البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار ~~المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا: أعدونا في الثلج إلى ~~شعره ونحن قعود لا نأخذهم؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيدا للمسلمين لو ~~يصطادونهم؛ لكن في ms8339 تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة. # PageV28P445 # وقال الله في شأن الأحزاب: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} {هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا} . وهكذا هذا العام. جاء العدو من ناحيتي علو الشام ~~وهو شمال الفرات. وهو قبلي الفرات. فزاغت الأبصار زيغا عظيما وبلغت القلوب ~~الحناجر؛ لعظم البلاء؛ لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر ~~وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق. وظن الناس بالله الظنونا. هذا يظن أنه لا يقف ~~قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا ~~لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشام ما ~~بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن إنهم يأخذونها ثم ~~يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى ~~اليمن ونحوها. وهذا - إذا أحسن ظنه - قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها ~~عام هولاكو سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما ~~خرج ذلك العام. وهذا ظن خيارهم. وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار ~~النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية. وهذا قد استولى ~~عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل # PageV28P446 # يتفهم ولا لسان يتكلم. وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده ~~الإرادات؛ لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب. ولا يميز ~~في التحديث بين المخطئ والصائب. ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء؛ بل ~~إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها ~~الخفية ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية. فلذلك ~~استولت الحيرة على من كان متسما بالاهتداء وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان ~~بالحصباء. {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} . ابتلاهم الله ~~بهذا الابتلاء الذي يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم وزلزلوا بما يحصل ~~لهم من الرجفات ما استوجبوا به أعلى الدرجات. ms8340 قال الله تعالى: {وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} . وهكذا ~~قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية ~~وحزب الله المحدثون عنه. حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . فأما ~~المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم. # PageV28P447 # وأما الذين في قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة. فذكروا هنا وفي ~~قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة} ~~وفي قوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} . وذكر الله مرض القلب في مواضع. فقال ~~تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم} . والمرض ~~في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير ~~موت فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير أن يموت ~~القلب سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته. وذلك - كما ~~فسروه -: هو من ضعف الإيمان؛ إما بضعف علم القلب واعتقاده وإما بضعف عمله ~~وحركته. فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع؛ فإن أدواء ~~القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك كلها أمراض. وكذلك ~~الجهل والشكوك والشبهات التي فيه. وعلى هذا فقول: {فيطمع الذي في قلبه مرض} ~~هو إرادة الفجور وشهوة الزنا كما فسروه به. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV28P448 # {وأي داء أدوأ من البخل؟} . وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما شفاء العي السؤال} . وكان يقول في ~~دعائه: {اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء} . ولن ~~يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه كما ذكروا أن رجلا شكا إلى أحمد بن ~~حنبل خوفه من بعض الولاة فقال: لو صححت لم تخف أحدا. أي خوفك من أجل زوال ~~الصحة من قلبك. ولهذا أوجب الله على عباده أن لا ms8341 يخافوا حزب الشيطان؛ بل لا ~~يخافون غيره تعالى فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين} أي يخوفكم أولياءه. وقال لعموم بني إسرائيل تنبيها ~~لنا: {وإياي فارهبون} . وقال: {فلا تخشوا الناس واخشون} وقال: {لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} وقال تعالى: ~~{اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} . وقال: {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله} وقال: {الذين يبلغون رسالات # PageV28P449 # الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} وقال: {ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن ~~تخشوه} . فدلت هذه الآية - وهي قوله تعالى {إذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض} - على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء ~~الصادقة التي توجب أمن الإنسان: من الخوف حتى يظنوا أنها كانت غرورا لهم ~~كما وقع في حادثتنا هذه سواء. ثم قال تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل ~~يثرب لا مقام لكم فارجعوا} وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عسكر ~~بالمسلمين عند سلع وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام ~~لكم هنا؛ لكثرة العدو. فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مقام لكم على دين ~~محمد فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى ~~الاستئمان والاستجارة بهم. وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من ~~قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار. وقال ~~بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن ~~وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد # PageV28P450 # استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم. فهذه المقالات الثلاث قد قيلت ~~في هذه النازلة. كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في ~~قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض. ونفي ~~المقام بها ms8342 أبلغ من نفي المقام. وإن كانت قد قرئت بالضم أيضا. فإن من لم ~~يقدر أن يقوم بالمكان فكيف يقيم به؟ . قال الله تعالى: {ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} . وكان قوم ~~من هؤلاء المذمومين يقولون - والناس مع النبي صلى الله عليه وسلم عند سلع ~~داخل الخندق والنساء والصبيان في آطام المدينة -: يا رسول الله إن بيوتنا ~~عورة. أي مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل. - وأصل العورة: الخالي الذي ~~يحتاج إلى حفظ وستر. يقال: اعور مجلسك إذا ذهب ستره أو سقط جداره. ومنه ~~عورة العدو -. وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة تخشى عليها السراق. وقال قتادة: ~~قالوا: بيوتنا مما يلي العدو فلا نأمن على أهلنا فائذن لنا أن # PageV28P451 # نذهب إليها لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} لأن ~~الله يحفظها {إن يريدون إلا فرارا} فهم يقصدون الفرار من الجهاد ويحتجون ~~بحجة العائلة. وهكذا أصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة. صاروا يفرون من ~~الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر. ويقولون: ما مقصودنا ~~إلا حفظ العيال وما يمكن إرسالهم مع غيرنا. وهم يكذبون في ذلك. فقد كان ~~يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو. كما فعل المسلمون على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد. فكيف بمن ~~فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا ~~الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا} فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة ~~من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة - وهي الافتتان عن الدين بالكفر أو النفاق ~~- لأعطوا الفتنة. ولجئوها من غير توقف. وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا ~~العدو المنافق المجرم. ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن ~~شريعة الإسلام - وتلك فتنة عظيمة - لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في ~~العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا ما بين ترك واجبات ~~وفعل محرمات إما في ms8343 حق الله وإما في حق العباد. كترك الصلاة وشرب # PageV28P452 # الخمور وسب السلف وسب جنود المسلمين والتجسس لهم على المسلمين ودلالتهم ~~على أموال المسلمين وحريمهم. وأخذ أموال الناس وتعذيبهم وتقوية دولتهم ~~الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم إلى غير ذلك من أنواع الفتنة. ثم قال ~~تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله ~~مسئولا} وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا قديما وحديثا في هذه الغزوة. فإن ~~في العام الماضي وفي هذا العام: في أول الأمر كان من أصناف الناس من عاهد ~~على أن يقاتل ولا يفر ثم فر منهزما لما اشتد الأمر. ثم قال الله تعالى {قل ~~لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا} ~~فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل. فالفرار من الموت ~~كالفرار من الطاعون. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا وقع بأرض ~~وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه} والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف ~~" لن " ينفي الفعل في الزمن المستقبل. والفعل نكرة. والنكرة في سياق النفي ~~تعم جميع أفرادها. فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة ~~أبدا. وهذا خبر الله الصادق. فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره. # PageV28P453 # والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين فروا في هذا ~~العام لم ينفعهم فرارهم؛ بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب. ~~والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا حتى الموت الذي فروا منه ~~كثر فيهم. وقل في المقيمين. فما منع الهرب من شاء الله. والطالبون للعدو ~~والمعاقبون له لم يمت منهم أحد ولا قتل؛ بل الموت قل في البلد من حين خرج ~~الفارون. وهكذا سنة الله قديما وحديثا. ثم قال تعالى: {وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا} يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة ثم تموتون. ~~فإن الموت لا بد منه. وقد حكي عن بعض الحمقى أنه قال: ms8344 فنحن نريد ذلك ~~القليل. وهذا جهل منه بمعنى الآية. فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار ~~قليلا. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدا. ثم ذكر جوابا ثانيا. أنه لو كان ~~ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل. ثم ذكر جوابا ثالثا وهو أن الفار يأتيه ما ~~قضي له من المضرة ويأتي الثابت ما قضي له من المسرة. فقال: {قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا} . ونظيره: قوله في سياق آيات الجهاد: {أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} الآية وقوله: {يا أيها الذين آمنوا # PageV28P454 # لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله ~~يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} . فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة فكم ~~من حضر الصفوف فسلم وكم ممن فر من المنية فصادفته كما قال خالد بن الوليد - ~~لما احتضر - لقد حضرت كذا وكذا صفا وأن ببدني بضعا وثمانين ما بين ضربة ~~بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم. وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير. فلا ~~نامت أعين الجبناء. ثم قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا} . قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق ~~فيدخل المدينة فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك اجلس فلا تخرج. ويكتبون بذلك ~~إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة فإنا ننتظركم. يثبطونهم عن ~~القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بدا. فيأتون العسكر ليرى ~~الناس وجوههم. فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ. فقال: أنت ههنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي فقد أحيط ~~بك وبصاحبك. # PageV28P455 # فوصف المثبطين عن الجهاد - وهم صنفان - بأنهم إما أن يكونوا في بلد ms8345 ~~الغزاة أو في غيره فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو ~~بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد ~~الغزاة ليكونوا معهم بالحصون أو بالبعد. كما جرى في هذه الغزاة. فإن أقواما ~~في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو وأقواما بعثوا من ~~المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا قال الله تعالى فيهم: {ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم} أي بخلاء عليكم بالقتال معكم والنفقة في ~~سبيل الله. وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة. وهذه حال من ~~بخل على المؤمنين بنفسه وماله أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه الذي ~~يجريه بفعل غيره. فإن أقواما يشحون بمعروفهم وأقواما يشحون بمعروف الله ~~وفضله. وهم الحساد. ثم قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون ~~المغمى عليه وقت النزع. فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره ولا يطرف. فكذلك ~~هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل. {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} ويقال في ~~اللغة # PageV28P456 # " صلقوكم " وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه " الصالقة " وهي التي ~~ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: صلقه وسلقه - وقد قرأ طائفة من السلف بها؛ ~~لكنها خارجة عن المصحف - إذا خاطبه خطابا شديدا قويا. ويقال: خطيب مسلاق: ~~إذا كان بليغا في خطبته؛ لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير. كما قال ~~{بألسنة حداد أشحة على الخير} وهذا السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه: تارة ~~يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين ~~دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة ~~المنافقين للمؤمنين من الصحابة. وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا ~~بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا ~~لما أصابنا هذا. وتارة يقولون - أنتم مع قلتكم وضعفكم - تريدون أن تكسروا ~~العدو وقد غركم دينكم كما قال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض غر ms8346 هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} . وتارة ~~يقولون: أنتم مجانين لا. عقل لكم تريدون أن تهلكوا # PageV28P457 # أنفسكم والناس معكم. وتارة يقولون: أنواعا من الكلام المؤذي الشديد. وهم ~~مع ذلك أشحة على الخير أي حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال ~~قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم. يقولون: أعطونا فلستم ~~بأحق بها منا. فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق. وأما عند الغنيمة ~~فأشح قوم. وقيل: أشحة على الخير أي بخلاء به لا ينفعون لا بنفوسهم ولا ~~بأموالهم. وأصل الشح: شدة الحرص الذي يتولد عنه البخل والظلم: من منع الحق ~~وأخذ الباطل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم والشح؛ فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم. أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم ~~بالقطيعة فقطعوا} ؟ فهؤلاء أشحاء على إخوانهم أي بخلاء عليهم وأشحاء على ~~الخير أي حراص عليه. فلا ينفقونه. كما قال: {وإنه لحب الخير لشديد} . ثم ~~قال تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون ~~في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} . ~~فوصفهم بثلاثة أوصاف. # PageV28P458 # أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد. وهذه حال ~~الجبان الذي في قلبه مرض. فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف وتكذيب ~~خبر الأمن. الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم؛ ~~بل يكونون في البادية بين الأعراب يسألون عن أنبائكم: إيش خبر المدينة؟ ~~وإيش جرى للناس؟ . والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا ~~إلا قليلا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما ~~يعرفونه من أنفسهم ويعرفه منهم من خبرهم. ثم قال تعالى: {لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} . ~~فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو كما ابتلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلهم فيه أسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما ms8347 أصابه. فليتأسوا به في التوكل ~~والصبر ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها وإهانة له. فإنه لو كان كذلك ما ابتلي ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق؛ بل بها ينال الدرجات ~~العالية وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا. وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك # PageV28P459 # فيكون في حقه عذابا. كالكفار والمنافقين. ثم قال تعالى: {ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما} . قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة ~~البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب} فبين الله سبحانه - منكرا على من حسب خلاف ذلك ~~- أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم ب " البأساء ~~" وهي الحاجة والفاقة. و " الضراء " وهي الوجع والمرض. و " الزلزال " وهي ~~زلزلة العدو. فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم. قالوا: {هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله وصدق الله ورسوله} وعلموا أن الله قد ابتلاهم بالزلزال. وأتاهم ~~مثل الذين خلوا من قبلهم وما زادهم إلا إيمانا وتسليما لحكم الله وأمره. ~~وهذه حال أقوام في هذه الغزوة: قالوا ذلك. وكذلك قوله: {من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} أي عهده الذي عاهد الله عليه ~~فقاتل حتى قتل أو عاش. و " النحب " النذر والعهد. وأصله من النحيب. وهو # PageV28P460 # الصوت. ومنه: الانتحاب في البكاء وهو الصوت الذي تكلم به في العهد. ثم ~~لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء - ومن صدق في اللقاء فقد يقتل - ~~صار يفهم من قوله {قضى نحبه} أنه استشهد. لا سيما إذا كان النحب: نذر الصدق ~~في جميع المواطن؛ فإنه لا يقضيه إلا بالموت. وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد. ~~كما قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من ms8348 قضى ~~نحبه} أي أكمل الوفاء. وذلك لمن كان عهده مطلقا: بالموت أو القتل. {ومنهم ~~من ينتظر} قضاءه إذا كان قد وفى البعض فهو ينتظر تمام العهد. وأصل القضاء: ~~الإتمام والإكمال. {ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو ~~يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما} . بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ~~ليجزي الصادقين بصدقهم حيث صدقوا في إيمانهم كما قال تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون} . فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين وأخبر أنهم ~~هم الصادقون في قولهم: آمنا؛ لا من قال كما قالت الأعراب: آمنا والإيمان لم ~~يدخل في قلوبهم؛ بل انقادوا واستسلموا. وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما ~~أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم. فهذا حال الناس في الخندق وفي هذه الغزاة. # PageV28P461 # وأيضا فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة ليجزي الصادقين بصدقهم وهم ~~الثابتون الصابرون لينصروا الله ورسوله ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذمومين؛ فإن ~~منهم من ندم. والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وقد فتح ~~الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة. لا يغلقه حتى تطلع الشمس ~~من مغربها. # وقد ذكر أهل المغازي - منهم ابن إسحاق - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في الخندق: {الآن نغزوهم ولا يغزونا} فما غزت قريش ولا غطفان ولا اليهود ~~المسلمين بعدها؛ بل غزاهم المسلمون: ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة. كذلك - إن ~~شاء الله - هؤلاء الأحزاب من المغول وأصناف الترك ومن الفرس والمستعربة ~~والنصارى ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام: الآن نغزوهم ولا ~~يغزونا. ويتوب الله على من يشاء من المسلمين الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق ~~بأن ينيبوا إلى ربهم ويحسن ظنهم بالإسلام وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم. ~~فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولي الأبصار كما قال: {ورد الله ~~الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ms8349 خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا} . # PageV28P462 # فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا: ريح شديدة ~~باردة. وبما فرق به بين قلوبهم حتى شتت شملهم ولم ينالوا خيرا. إذ كان همهم ~~فتح المدينة والاستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة كما كان هم هذا العدو ~~فتح الشام والاستيلاء على من بها من المسلمين فردهم الله بغيظهم حيث أصابهم ~~من الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به ~~عليم. وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في ~~هذا العام حتى طلبوا الاستصحاء غير مرة. وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة ~~عظيمة. وفيه لله حكمة وسر فلا تكرهوه. فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب ~~قازان وجنوده حتى أهلكهم وهو كان فيما قيل: سبب رحيلهم. وابتلي به المسلمون ~~ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه. وكان مبدأ ~~رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي حلب: يوم الاثنين حادي عشر جمادى ~~الأولى يوم دخلت مصر عقيب العسكر واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين وألقى ~~الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه. فلما ثبت الله قلوب المسلمين ~~صرف العدو جزاء منه وبيانا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها ~~وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار. # PageV28P463 # وذكر أن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغول والكرج وألقى بينهم تباغضا ~~وتعاديا كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان وبين اليهود. كما ذكر ~~ذلك أهل المغازي. فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق. بل من ~~طالعها علم صحة ذلك كما ذكره أهل المغازي. مثل عروة بن الزبير والزهري ~~وموسى بن عقبة وسعيد بن يحيى الأموي ومحمد بن عائذ ومحمد بن إسحاق والواقدي ~~وغيرهم. ثم تبقى بالشام منهم بقايا سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم مضافا ~~إلى عسكر حماة وحلب وما هنالك. وثبت المسلمون بإزائهم. وكانوا أكثر من ~~المسلمين بكثير؛ لكن في ضعف شديد وتقربوا ms8350 إلى حماة وأذلهم الله تعالى فلم ~~يقدموا على المسلمين قط. وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم فلم ~~يوافقه غيره فجرت مناوشات صغار كما جرى في غزوة الخندق حيث قتل علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامري لما اقتحم الخندق هو ونفر ~~قليل من المشركين. كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرهم المسلمون مع كون العدو ~~المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين. وما من مرة إلا وقد كان ~~المسلمون مستظهرين عليهم. وساق المسلمون خلفهم في آخر # PageV28P464 # النوبات فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات. وبعضهم في جزيرة فيها. فرأوا ~~أوائل المسلمين فهربوا منهم وخالطوهم؛ وأصاب المسلمون بعضهم. وقيل: إنه غرق ~~بعضهم. وكان عبورهم وخلو الشام منهم في أوائل رجب بعد أن جرى - ما بين عبور ~~قازان أولا وهذا العبور - رجفات ووقعات صغار وعزمنا على الذهاب إلى حماة ~~غير مرة لأجل الغزاة؛ لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا. وثبت ~~بإزائهم المقدم الذي بحماة ومن معهم من العسكر ومن أتاه من دمشق وعزموا على ~~لقائهم ونالوا أجرا عظيما. وقد قيل: إنهم كانوا عدة كمانات؛ إما ثلاثة أو ~~أربعة. فكان من المقدر: أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقي في قلوب ~~عدوهم الرعب فيهربون لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل " تيزين " و " ~~الفوعة " و " معرة مصرين " وغيرها ما لم يكونوا وطئوه في العام الماضي. ~~وقيل: إن كثيرا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم؛ بسبب الرفض وأن عند ~~بعضهم فرامين منهم؛ لكن هؤلاء ظلمة ومن أعان ظالما بلي به. والله تعالى ~~يقول: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} . وقد ظاهروهم على ~~المسلمين: الذين كفروا من أهل الكتاب من # PageV28P465 # أهل " سيس " والإفرنج. فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم وهي ~~الحصون - ويقال للقرون: الصياصي - ويقذف في قلوبهم الرعب. وقد فتح الله تلك ~~البلاد. ونغزوهم إن شاء الله تعالى فنفتح أرض العراق وغيرها وتعلو كلمة ~~الله ويظهر دينه؛ فإن هذه الحادثة كان فيها ms8351 أمور عظيمة جازت حد القياس. ~~وخرجت عن سنن العادة. وظهر لكل ذي عقل من تأييد الله لهذا الدين وعنايته ~~بهذه الأمة وحفظه للأرض التي بارك فيها للعالمين - بعد أن كاد الإسلام أن ~~ينثلم وكر العدو كرة فلم يلو عن. . . (1) وخذل الناصرون فلم يلووا على. . . ~~وتحير السائرون فلم يدروا من. . . ولا إلى. . . وانقطعت الأسباب الظاهرة. ~~وأهطعت الأحزاب القاهرة وانصرفت الفئة الناصرة وتخاذلت القلوب المتناصرة ~~وثبتت الفئة الناصرة وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة واستنجزت من الله وعده ~~العصابة المنصورة الظاهرة ففتح الله أبواب سمواته لجنوده القاهرة وأظهر على ~~الحق آياته الباهرة وأقام عمود الكتاب بعد ميله وثبت لواء الدين بقوته ~~وحوله وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم ~~التلاق. فالله يتم هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان ~~ويجعل هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة وأساسا PageV28P466 # لإقامة الدعوة النبوية القويمة ويشفي صدور المؤمنين من أعاديهم ويمكنهم ~~من دانيهم وقاصيهم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما. # قال الشيخ رحمه الله كتبت أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده لما رجعت ~~من مصر في جمادى الآخرة وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد. ثم لما بقيت تلك ~~الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة وتحريض ~~الأمراء على ذلك حتى جاءنا الخبر بانصراف المتبقين منهم. فكتبته في رجب ~~والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # PageV28P467 # وسئل شيخ الإسلام تقي الدين: # عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي ~~طالب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته وأن الصحابة ظلموه ~~ومنعوه حقه وأنهم كفروا بذلك. فهل يجب قتالهم؟ ويكفرون بهذا الاعتقاد أم ~~لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن ms8352 ~~شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين ~~كله لله. فلو قالوا: نصلي ولا نزكي أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا ~~الجماعة أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم أو ~~لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه أو نعتقد أن اليهود ~~والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم ~~يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة # PageV28P468 # أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين أو غير ذلك من الأمور ~~المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما عليه جماعة ~~المسلمين. فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون مانعي ~~الزكاة وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية ~~وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام. وذلك لأن ~~الله تعالى يقول في كتابه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله} . فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين ~~كله لله. وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر وبعد ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله} فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد ~~حاربت الله ورسوله والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه قبله أوكد. ~~وقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} . # PageV28P469 # فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ~~ورسوله ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض ms8353 ~~فسادا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة؛ حتى أدخل ~~عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال ~~وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض ~~فسادا. وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله. ~~فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم. أولى بأن يكون ~~محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض فسادا من هؤلاء. كما أن الكافر الحربي ~~الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم: أولى بالمحاربة من ~~الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك. وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم: هو أولى بالمحاربة من الفاسق ~~وإن اتخذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله. كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة ~~المسلمين دينا تتقرب به إلى الله. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه ~~البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب. وبذلك مضت سنة ~~رسول الله # PageV28P470 # صلى الله عليه وسلم حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة وأمر بالصبر على جور ~~الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم وشهد لبعض المصرين من أصحابه على ~~بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته وأخبر عن ذي الخويصرة ~~وأصحابه - مع عبادتهم وورعهم - أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية. وقد قال تعالى في كتابه: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . فكل من خرج ~~عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله بنفسه المقدسة ~~أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما يشجر ~~بينهم من أمور الدين والدنيا وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه. ودلائل ~~القرآن على هذا الأصل كثيرة. وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنة خلفائه الراشدين. ms8354 ففي الصحيحين: عن أبي هريرة قال: " لما توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي ~~بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ~~ذلك عصموا مني دماءهم # PageV28P471 # وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} ؟ فقال أبو بكر: ألم يقل إلا ~~بحقها؟ فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا ~~أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق ". فاتفق أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال أقوام يصلون ويصومون إذا امتنعوا عن ~~بعض ما أوجبه الله عليهم من زكاة أموالهم. وهذا الاستنباط من صديق الأمة قد ~~جاء مصرحا به. ففي الصحيحين: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها} فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات. وهذا مطابق لكتاب الله. وقد تواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ~~ذكرها مسلم في صحيحه وأخرج منها البخاري غير وجه. وقال الإمام أحمد - رحمه ~~الله -: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. قال صلى الله عليه وسلم {يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه # PageV28P472 # مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم. يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على ~~لسان محمد لنكلوا عن العمل} . وفي رواية {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} ~~وفي رواية: {شر قتلى تحت أديم السماء. خير قتلى من ms8355 قتلوه} . وهؤلاء أول من ~~قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قاتلهم بحرورا لما خرجوا عن السنة والجماعة واستحلوا دماء ~~المسلمين وأموالهم؛ فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على ماشية ~~المسلمين. فقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وخطب الناس وذكر الحديث وذكر ~~أنهم قتلوا وأخذوا الأموال فاستحل قتالهم وفرح بقتلهم فرحا عظيما ولم يفعل ~~في خلافته أمرا عاما كان أعظم عنده من قتال الخوارج. وهم كانوا يكفرون ~~جمهور المسلمين حتى كفروا عثمان وعليا. وكانوا يعملون بالقرآن في زعمهم ولا ~~يتبعون سنة رسول صلى الله عليه وسلم التي يظنون أنها تخالف القرآن. كما ~~يفعله سائر أهل البدع - مع كثرة عبادتهم وورعهم. وقد ثبت عن علي في صحيح ~~البخاري وغيره من نحو ثمانين وجها أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو ~~بكر ثم عمر. وثبت عنه # PageV28P473 # أنه حرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية. وروي عنه بأسانيد جيدة ~~أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. وعنه ~~أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه. ~~وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك. وقال ~~عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل؛ لما ظن أنه من الخوارج: لو وجدتك محلوقا ~~لضربت الذي فيه عيناك. فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره قد أمر بعقوبة ~~الشيعة: الأصناف الثلاثة وأخفهم المفضلة. فأمر هو وعمر بجلدهم. والغالية ~~يقتلون باتفاق المسلمين وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره ~~مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال لهم: بيت صاد وبيت سين ومن دخل فيهم ~~من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع أو ينكرون القيامة أو ينكرون ظواهر ~~الشريعة: مثل الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام ويتأولون ذلك ~~على معرفة أسرارهم وكتمان أسرارهم وزيارة شيوخهم. ويرون أن الخمر حلال لهم ~~ونكاح ذوات المحارم حلال لهم. فإن ms8356 جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود ~~والنصارى. فإن لم يظهر عن أحدهم # PageV28P474 # ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار ومن أظهر ذلك ~~كان أشد من الكافرين كفرا. فلا يجوز أن يقر بين المسلمين لا بجزية ولا ذمة ~~ولا يحل نكاح نسائهم ولا تؤكل ذبائحهم؛ لأنهم مرتدون من شر المرتدين. فإن ~~كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون كما قاتل الصديق ~~والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب وإذا كانوا في قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا ~~بين المسلمين بعد التوبة وألزموا بشرائع الإسلام التي تجب على المسلمين. ~~وليس هذا مختصا بغالية الرافضة بل من غلا في أحد من المشايخ وقال: إنه ~~يرزقه أو يسقط عنه الصلاة أو أن شيخه أفضل من النبي أو أنه مستغن عن شريعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإن له إلى الله طريقا غير شريعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو أن أحدا من المشايخ يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما كان ~~الخضر مع موسى. وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين وقتل الواحد ~~المقدور عليه منهم. وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي ~~عنهما - أعني عمر وعليا - قتلهما أيضا. والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد # PageV28P475 # المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين. ~~فإن القتال أوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة وإن ~~كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به. وهذه النصوص ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج قد أدخل فيها العلماء ~~لفظا أو معنى من كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين؛ بل بعض هؤلاء شر من الخوارج الحرورية؛ ~~مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد في بشر أنه إله أو في غير ~~الأنبياء أنه نبي وقاتل على ذلك المسلمين: فهو شر من الخوارج الحرورية. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم ms8357 أول صنف من أهل ~~البدع خرجوا بعده؛ بل أولهم خرج في حياته. فذكرهم لقربهم من زمانه كما خص ~~الله ورسوله أشياء بالذكر لوقوعها في ذلك الزمان مثل قوله: {ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق} . وقوله: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه} ونحو ذلك. ومثل تعيين النبي صلى الله عليه وسلم قبائل من ~~الأنصار وتخصيصه أسلم وغفار وجهينة وتميما وأسدا وغطفان وغيرهم بأحكام؛ ~~لمعان قامت بهم وكل من وجدت فيه تلك المعاني ألحق بهم؛ لأن # PageV28P476 # التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم بالحكم؛ بل لحاجة المخاطبين إذ ذاك إلى ~~تعيينهم؛ هذا إذا لم تكن ألفاظه شاملة لهم. وهؤلاء الرافضة إن لم يكونوا ~~شرا من الخوارج المنصوصين فليسوا دونهم؛ فإن أولئك إنما كفروا عثمان وعليا ~~وأتباع عثمان وعلي فقط؛ دون من قعد عن القتال أو مات قبل ذلك. والرافضة ~~كفرت أبا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~من المتقدمين والمتأخرين. فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين ~~والأنصار العدالة أو ترضى عنهم كما رضي الله عنهم أو يستغفر لهم كما أمر ~~الله بالاستغفار لهم ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب وأبي ~~مسلم الخولاني وأويس القرني وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي ومثل مالك ~~والأوزاعي وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والثوري والشافعي وأحمد ~~بن حنبل وفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد ~~وسهل بن عبد الله التستري وغير هؤلاء. ويستحلون دماء من خرج عنهم ويسمون ~~مذهبهم مذهب الجمهور كما يسميه المتفلسفة ونحوهم بذلك # PageV28P477 # وكما تسميه المعتزلة مذهب الحشو والعامة وأهل الحديث. ويرون في أهل الشام ~~ومصر والحجاز والمغرب واليمن والعراق والجزيرة وسائر بلاد الإسلام أنه لا ~~يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم وأن المائعات التي عندهم من المياه والأدهان ~~وغيرها نجسة ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى. لأن أولئك عندهم ~~كفار أصليون ms8358 وهؤلاء. مرتدون وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي. ~~ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونون التتار على ~~الجمهور. وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكيزخان ملك الكفار إلى بلاد ~~الإسلام وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق؛ وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ~~ذلك بخبثهم ومكرهم؛ لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم. ~~وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه إلى مصر في ~~النوبة الأولى. وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين. وبهذا السبب ظهر ~~فيهم من معاونة التتار والإفرنج على المسلمين والكآبة الشديدة بانتصار ~~الإسلام ما ظهر وكذلك لما فتح المسلمون الساحل - عكة وغيرها - ظهر فيهم من ~~الانتصار للنصارى وتقديمهم على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم. وكل هذا ~~الذي وصفت بعض أمورهم وإلا فالأمر أعظم من ذلك. # PageV28P478 # وقد اتفق أهل العلم بالأحوال؛ أن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة ~~ممن ينتسب إليها وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل ~~القبلة: إنما هو من الطوائف المنتسبة إليهم. فهم أشد ضررا على الدين وأهله ~~وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة. ~~فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبا ولا أكثر تصديقا للكذب ~~وتكذيبا للصدق منهم وسيما النفاق فيهم أظهر منه في سائر الناس؛ وهي التي ~~قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم {آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا ~~وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} وفي رواية: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن ~~كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ~~وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} . وكل من جربهم يعرف اشتمالهم على ~~هذه الخصال؛ ولهذا يستعملون التقية التي هي سيما المنافقين واليهود ~~ويستعملونها مع المسلمين {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} ويحلفون ما ~~قالوا وقد قالوا ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين والله ورسوله أحق أن يرضوه. ~~وقد أشبهوا اليهود في أمور ms8359 كثيرة لا سيما السامرة من اليهود؛ فإنهم أشبه ~~بهم من سائر الأصناف: يشبهونهم في دعوى الإمامة في # PageV28P479 # شخص أو بطن بعينه والتكذيب لكل من جاء بحق غيره يدعونه وفي اتباع الأهواء ~~أو تحريف الكلم عن مواضعه وتأخير الفطر وصلاة المغرب وغير ذلك وتحريم ذبائح ~~غيرهم. ويشبهون النصارى في الغلو في البشر والعبادات المبتدعة وفي الشرك ~~وغير ذلك. وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين وهذه شيم ~~المنافقين. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وقال تعالى: ~~{ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} . وليس لهم عقل ولا نقل ولا دين ~~صحيح ولا دنيا منصورة وهم لا يصلون جمعة ولا جماعة - والخوارج كانوا يصلون ~~جمعة وجماعة - وهم لا يرون جهاد الكفار مع أئمة المسلمين ولا الصلاة خلفهم ~~ولا طاعتهم في طاعة الله ولا تنفيذ شيء من أحكامهم؛ لاعتقادهم أن ذلك لا ~~يسوغ إلا خلف إمام معصوم. ويرون أن المعصوم قد دخل في السرداب من أكثر من ~~أربعمائة وأربعين سنة. وهو إلى الآن لم يخرج ولا رآه أحد ولا علم أحدا دينا ~~ولا # PageV28P480 # حصل به فائدة بل مضرة. ومع هذا فالإيمان عندهم لا يصح إلا به ولا يكون ~~مؤمنا إلا من آمن به ولا يدخل الجنة إلا أتباعه: مثل هؤلاء الجهال الضلال ~~من سكان الجبال والبوادي أو من استحوذ عليهم بالباطل: مثل ابن العود ونحوه ~~ممن قد كتب خطه مما ذكرناه. من المخازي عنهم وصرح بما ذكرناه عنهم وبأكثر ~~منه. وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التي في الكتاب ~~والسنة وكل من آمن بقدر الله وقضائه: فآمن بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ~~وأنه خالق كل شيء. وأكثر محققيهم عندهم - يرون أن أبا بكر وعمر وأكثر ~~المهاجرين والأنصار وأزواج ms8360 النبي صلى الله عليه وسلم مثل عائشة وحفصة وسائر ~~أئمة المسلمين وعامتهم؛ ما آمنوا بالله طرفة عين قط؛ لأن الإيمان الذي ~~يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلا من أصله كما يقوله بعض علماء السنة. ومنهم ~~من يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لا بد أن ~~تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم؛ لأن وطء الكوافر حرام ~~عندهم. ومع هذا يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ~~المتواترة عنه عند أهل العلم مثل أحاديث البخاري ومسلم ويرون أن شعر شعراء ~~الرافضة: مثل الحميري وكوشيار الديلمي وعمارة اليمني خيرا # PageV28P481 # من أحاديث البخاري ومسلم. وقد رأينا في كتبهم من الكذب والافتراء على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وقرابته أكثر مما رأينا من الكذب في كتب ~~أهل الكتاب من التوراة والإنجيل. وهم مع هذا يعطلون المساجد التي أمر الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه فلا يقيمون فيها جمعة ولا جماعة ويبنون على القبور ~~المكذوبة وغير المكذوبة مساجد يتخذونها مشاهد. وقد لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من اتخذ المساجد على القبور ونهى أمته عن ذلك. وقال قبل أن يموت ~~بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك} . ويرون أن حج هذه المشاهد المكذوبة وغير ~~المكذوبة من أعظم العبادات حتى أن من مشايخهم من يفضلها على حج البيت الذي ~~أمر الله به ورسوله. ووصف حالهم يطول. فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل ~~الأهواء وأحق بالقتال من الخوارج. وهذا هو السبب فيما شاع في العرف العام: ~~أن أهل البدع هم الرافضة: فالعامة شاع عندها أن ضد السني هو الرافضي فقط ~~لأنهم أظهر معاندة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرائع دينه من سائر ~~أهل الأهواء. # PageV28P482 # وأيضا فالخوارج كانوا يتبعون القرآن بمقتضى فهمهم وهؤلاء إنما يتبعون ~~الإمام المعصوم عندهم الذي لا وجود له. فمستند الخوارج خير من مستندهم. ~~وأيضا فالخوارج لم يكن منهم ms8361 زنديق ولا غال وهؤلاء فيهم من الزنادقة ~~والغالية من لا يحصيه إلا الله. وقد ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان ~~من الزنديق: عبد الله بن سبأ؛ فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية وطلب أن ~~يفسد الإسلام كما فعل بولص النصراني الذي كان يهوديا في إفساد دين النصارى. ~~وأيضا فغالب أئمتهم زنادقة؛ إنما يظهرون الرفض. لأنه طريق إلى هدم الإسلام ~~كما فعلته أئمة الملاحدة الذين خرجوا بأرض أذربيجان في زمن المعتصم مع بابك ~~الخرمي وكانوا يسمون " الخرمية " و " المحمرة " " والقرامطة الباطنية " ~~الذين خرجوا بأرض العراق وغيرها بعد ذلك وأخذوا الحجر الأسود وبقي معهم ~~مدة. كأبي سعيد الجنابي وأتباعه. والذين خرجوا بأرض المغرب ثم جاوزوا إلى ~~مصر وبنوا القاهرة وادعوا أنهم فاطميون مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم ~~بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نسبهم متصل بالمجوس ~~واليهود واتفاق أهل العلم بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أبعد عن ~~دينه من اليهود والنصارى. بل الغالية الذين يعتقدون # PageV28P483 # إلهية علي والأئمة. ومن أتباع هؤلاء الملاحدة أهل دور الدعوة: الذين ~~كانوا بخراسان والشام واليمن وغير ذلك. وهؤلاء من أعظم من أعان التتار على ~~المسلمين باليد واللسان: بالمؤازرة والولاية وغير ذلك؛ لمباينة قولهم لقول ~~المسلمين واليهود والنصارى؛ ولهذا كان ملك الكفار هولاكو " يقرر أصنامهم. ~~وأيضا فالخوارج كانوا من أصدق الناس وأوفاهم بالعهد وهؤلاء من أكذب الناس ~~وأنقضهم للعهد. وأما ذكر المستفتي أنهم يؤمنون بكل ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم فهذا عين الكذب؛ بل كفروا مما جاء به بما لا يحصيه إلا الله: ~~فتارة يكذبون بالنصوص الثابتة عنه. وتارة يكذبون بمعاني التنزيل. وما ~~ذكرناه وما لم نذكره من مخازيهم يعلم كل أحد أنه مخالف لما بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن الله قد ذكر في كتابه من الثناء على الصحابة ~~والرضوان عليهم والاستغفار لهم ما هم كافرون بحقيقته. وذكر في كتابه من ~~الأمر بالجمعة والأمر بالجهاد وبطاعة أولي الأمر ما هم خارجون عنه. ms8362 وذكر في ~~كتابه من موالاة المؤمنين وموادتهم ومؤاخاتهم والإصلاح بينهم ما هم عنه ~~خارجون. وذكر في كتابه من النهي عن موالاة الكفار وموادتهم ما هم خارجون # PageV28P484 # عنه. وذكر في كتابه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وتحريم ~~الغيبة والهمز واللمز: ما هم أعظم الناس استحلالا له. وذكر في كتابه من ~~الأمر بالجماعة والائتلاف والنهي عن الفرقة والاختلاف ما هم أبعد الناس ~~عنه. وذكر في كتابه من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته واتباع ~~حكمه ما هم خارجون عنه. وذكر في كتابه من حقوق أزواجه ما هم براء منه. وذكر ~~في كتابه من توحيده وإخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون ~~عنه. فإنهم مشركون كما جاء فيهم الحديث لأنهم أشد الناس تعظيما للمقابر ~~التي اتخذت أوثانا من دون الله. وهذا باب يطول وصفه. وقد ذكر في كتابه من ~~أسمائه وصفاته ما هم كافرون به. وذكر في كتابه من قصص الأنبياء والنهي عن ~~الاستغفار للمشركين ما هم كافرون به. وذكر في كتابه من أنه على كل شيء قدير ~~وأنه خالق كل شيء وأنه ما شاء الله لا قوة إلا بالله: ما هم كافرون به. ولا ~~تحتمل الفتوى إلا الإشارة المختصرة. ومعلوم قطعا أن إيمان الخوارج بما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من إيمانهم. فإذا كان أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قد قتلهم ونهب عسكره ما في عسكرهم من الكراع ~~والسلاح والأموال فهؤلاء أولى أن يقاتلوا وتؤخذ أموالهم كما أخذ أمير ~~المؤمنين علي بن # PageV28P485 # أبي طالب أموال الخوارج. ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن ~~قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين: فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة ~~الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التي ~~يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن ~~نفس شريعة رسول الله صلى ms8363 الله عليه وسلم وسنته شرا من خروج الخوارج ~~الحرورية وليس لهم تأويل سائغ؛ فإن التأويل السائغ هو الجائز الذي يقر ~~صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب كتأويل العلماء المتنازعين في موارد ~~الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويل من ~~جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى. وتأويلهم شر تأويلات ~~أهل الأهواء. ولكن هؤلاء المتفقهة لم يجدوا تحقيق هذه المسائل في ~~مختصراتهم. وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم ~~قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية كمانعي الزكاة والخوارج ~~ونحوهم إلا من جنس قتال الخارجين على الإمام كأهل # PageV28P486 # الجمل وصفين. وهذا غلط؛ بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين ~~كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه والسنة والحديث والتصوف والكلام وغيرهم. وأيضا ~~فقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يشملهم وغيرهم؛ مثل ما ~~رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم الله: ~~{من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات: مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية ~~عمية؛ يغضب للعصبية ويقاتل للعصبية: فليس مني ومن خرج على أمتي يضرب برها ~~وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني} فقد ذكر صلى ~~الله عليه وسلم البغاة الخارجين عن طاعة السلطان وعن جماعة المسلمين وذكر ~~أن أحدهم إذا مات مات ميتة جاهلية؛ فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يجعلون ~~عليهم أئمة؛ بل كل طائفة تغالب الأخرى. ثم ذكر قتال أهل العصبية كالذين ~~يقاتلون على الأنساب مثل قيس ويمن وذكر أن من قتل تحت هذه الرايات فليس من ~~أمته ثم ذكر قتال العداة الصائلين والخوارج ونحوهم وذكر أن من فعل هذا فليس ~~منه. وهؤلاء جمعوا هذه الثلاثة الأوصاف وزادوا عليها. فإنهم خارجون عن ~~الطاعة والجماعة: يقتلون المؤمن والمعاهد لا يرون لأحد من ولاة # PageV28P487 # المسلمين طاعة سواء كان عدلا أو فاسقا؛ إلا لمن لا وجود له. وهم يقاتلون ~~لعصبية شر من عصبية ذوي الأنساب: وهي العصبية ms8364 للدين الفاسد؛ فإن في قلوبهم ~~من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في ~~قلب أحد. وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله: مستقدمهم ~~ومستأخرهم. وأمثلهم عندهم الذي لا يلعن ولا يستغفر. وأما خروجهم يقتلون ~~المؤمن والمعاهد: فهذا أيضا حالهم؛ مع دعواهم أنهم هم المؤمنون وسائر الأمة ~~كفار. وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن شريح قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {إنه ستكون هناة وهناة فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ~~فاضربوه بالسيف كائنا من كان وفي لفظ: فاقتلوه} وفي لفظ: {من أتاكم وأمركم ~~جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه} . وهؤلاء أشد ~~الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين؛ فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة سواء ~~كان عدلا أو فاسقا؛ ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها؛ بل أعظم أصولهم ~~عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور؛ كالخلفاء الراشدين والعلماء ~~المسلمين ومشايخهم؛ لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا ~~وجود له فما آمن # PageV28P488 # بالله ورسوله. وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل ~~الأهواء لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج؛ وذلك لأن ~~الخوارج الحرورية كانوا أول أهل الأهواء خروجا عن السنة والجماعة؛ مع وجود ~~بقية الخلفاء الراشدين وبقايا المهاجرين والأنصار وظهور العلم والإيمان ~~والعدل في الأمة وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة وسلطان القدرة؛ حيث أظهر ~~الله دينه على الدين كله بالحجة والقدرة. وكان سبب خروجهم ما فعله أمير ~~المؤمنين عثمان وعلي ومن معهما من الأنواع التي فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك ~~وجعلوا موارد الاجتهاد. بل الحسنات ذنوبا وجعلوا الذنوب كفرا ولهذا لم ~~يخرجوا في زمن أبي بكر وعمر لانتفاء تلك التأويلات وضعفهم. # ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف فلهذا كانت ~~البدعة الأولى أخف من الثانية والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى ~~وزيادة عليها. كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى ms8365 النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت أفضل. فالسنن ضد البدع فكل ما قرب منه صلى الله عليه وسلم مثل ~~سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما # PageV28P489 # تأخر كسيرة عثمان وعلي والبدع بالضد كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه ~~وأقربها من زمنه الخوارج. فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه؛ ولكن لم ~~يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ثم ~~ظهر في زمن علي التكلم بالرفض؛ لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل ~~الحسين رضي الله عنه بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن ~~الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~رفضته الرافضة فسموا " رافضة " واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم. ~~واتبعه آخرون فسموا " زيدية " نسبة إليه. ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ ~~التكلم ببدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة؛ كابن عمر وابن عباس ~~وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وواثلة بن الأسقع وغيرهم؛ ولم يصر لهم سلطان ~~واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك. ثم في أواخر عصر التابعين ظهر ~~التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد ~~المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون؛ فإنه أظهر التجهم ~~وامتحن الناس عليه وعرب كتب # PageV28P490 # الأعاجم: من الروم واليونانيين وغيرهم. وفي زمنه ظهرت " الخرمية ". وهم ~~زنادقة منافقون يظهرون الإسلام وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة والباطنية ~~والإسماعيلية. وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر. وصارت الرافضة ~~الإمامية في زمن بني بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء ~~المضلة: فيهم الخروج والرفض والقدر والتجهم. وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من ~~نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا الله. فهذا كله يبين أن فيهم ما ~~في الخوارج الحرورية وزيادات. وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون ~~اتباع القرآن بآرائهم ويدعون اتباع السنن التي يزعمون أنها تخالف القرآن. ~~والرافضة تنتحل اتباع أهل البيت وتزعم أن فيهم المعصوم الذي ms8366 لا يخفى عليه ~~شيء من العلم ولا يخطئ. لا عمدا ولا سهوا ولا رشدا. واتباع القرآن واجب على ~~الأمة؛ بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بعث به رسوله وكذلك أهل بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تجب محبتهم " وموالاتهم ورعاية حقهم. وهذان ~~الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فروى مسلم في صحيحه ~~عن {زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما ~~بين مكة والمدينة فقال: يا أيها الناس؛ إني تارك فيكم الثقلين} - وفي رواية ~~{أحدهما أعظم من الآخر - كتاب الله فيه الهدى # PageV28P491 # والنور} فرغب في كتاب الله " وفي رواية: {هو حبل الله من اتبعه كان على ~~الهدى ومن تركه كان على الضلالة وعترتي أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي ~~أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي} . فقيل لزيد بن أرقم: من ~~أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة: آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل ~~عقيل. والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا. وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: {والذي نفسي ~~بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي} وقد أمرنا الله بالصلاة على آل ~~محمد وطهرهم من الصدقة التي هي أوساخ الناس وجعل لهم حقا في الخمس والفيء ~~وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيح: {إن الله اصطفى بني إسماعيل ~~واصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من ~~قريش واصطفاني من بني هاشم فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا} . ولو ذكرنا ما ~~روي في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب فإن دلائل هذا كثيرة من ~~الكتاب والسنة. ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة ~~والقرابة وتبرءوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبي طالب ويفسقونه # PageV28P492 # وينتقصون بحرمة أهل البيت؛ مثل من كان يعاديهم على الملك أو يعرض عن ~~حقوقهم الواجبة أو ms8367 يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق. وتبرءوا من ~~الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين؛ ويكفرون عامة صالحي أهل ~~القبلة. وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك كما ذكرنا من أن ~~هؤلاء الرافضة المحاربين شر من الخوارج وكل من الطائفتين انتحلت إحدى ~~الثقلين؛ لكن القرآن أعظم. فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض؛ مع أن ~~كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ومخالفة لصحابته ~~وقرابته ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته. وقد تنازع ~~العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء وفي إجماع العترة هل ~~هو حجة يجب اتباعها؟ والصحيح أن كليهما حجة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ} وهذا حديث صحيح في السنن. وقال صلى الله عليه وسلم ~~{إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على ~~الحوض} رواه الترمذي وحسنه وفيه نظر. وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في ~~زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة. # PageV28P493 # والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من ~~الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبي صلى الله عليه وسلم على ~~قتالهم ورغب فيه. وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته. ثم ~~منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع ومنهم من يرى ~~أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم في معناهم. فإن الحديث ~~روي بألفاظ متنوعة ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ~~فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني ~~وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول ~~البرية لا يجاوز إيمانهم ms8368 حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية. فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم ~~القيامة} . وفي صحيح مسلم: " عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا ~~مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج. فقال علي: يا أيها الناس إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ~~ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى ~~صيامهم بشيء. يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم # PageV28P494 # لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لو ~~يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ~~ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه ~~شعرات بيض} . والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم ~~الحرام وأغاروا في سرح الناس. فسيروا على اسم الله. وذكر الحديث إلى آخره. ~~وفي مسلم أيضا " عن عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي رضي الله عنه أن ~~الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق ~~أريد بها باطل. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم ~~في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من أبغض ~~خلق الله إليه منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم ~~علي بن طالب قال: انظروا. فنطروا فلم يجدوا شيئا. فقال: ارجعوا فوالله ما ~~كذبت ولا كذبت - مرتين أو ثلاثا - ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين ~~يديه ". وهذه العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من ~~يخرج منهم ليسوا مخصوصين بأولئك القوم. فإنه قد أخبر # PageV28P495 # في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال. وقد اتفق ~~المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر. وأيضا ms8369 فالصفات التي ~~وصفها تعم غير ذلك العسكر؛ ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا مثل ما في ~~الصحيحين عن أبي سلمة وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن ~~الحرورية: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ قال: لا أدري؛ ~~ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يخرج في هذه الأمة - ولم يقل ~~منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو ~~حلوقهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه ~~إلى نصله إلى رصافه: فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء من الدم} اللفظ ~~لمسلم. وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد قال: {بينما النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي - وفي رواية أتاه ذو الخويصرة ~~رجل من بني تميم - فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم ~~أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه. ~~قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء # PageV28P496 # ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا ~~يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء. قد سبق الفرث والدم} . ~~وذكر ما في الحديث. فهؤلاء أصل ضلالهم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة ~~المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من ~~الرافضة ونحوهم ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا. ثم يرتبون على الكفر ~~أحكاما ابتدعوها. فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم. ~~في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام حتى مرقوا منه كما مرق السهم من ~~الرمية وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد: {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل ~~الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد} وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ~~ونحوهم؛ فإنهم يستحلون ms8370 دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما ~~يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين؛ لأن المرتد شر من غيره. وفي ~~حديث أبي سعيد: أن {النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته: ~~يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق. قال: هم شر الخلق أو من شر الخلق ~~تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق} وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو ~~الثدية؛ لأن هذا وصف لازم لهم. # PageV28P497 # وأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى ورواه ~~البخاري من حديث عبد الله بن عمر ورواه مسلم من حديث أبي ذر ورافع بن عمرو ~~وجابر بن عبد الله وغيرهم وروى النسائي {عن أبي برزة أنه قيل له: هل سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟ قال: نعم. سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأذني ورأيته بعيني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله؛ ولم يعط من وراءه شيئا. فقام ~~رجل من ورائه فقال: يا محمد؛ ما عدلت في القسمة - رجل أسود مطموم الشعر ~~عليه ثوبان أبيضان - فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال ~~له: والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني ثم قال: يخرج في آخر الزمان قوم ~~كأن هذا منهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع ~~الدجال. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم. هم شر الخلق والخليقة} وفي صحيح مسلم عن ~~عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن ~~بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر ~~الخلق والخليقة} . قال ابن الصامت: فلقيت # PageV28P498 # رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم بن عمرو الغفاري قلت: ما حديث سمعته من ~~أبي ذر ms8371 كذا وكذا؟ فذكرت له الحديث فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فهذه المعاني موجودة في أولئك القوم الذين قتلهم علي رضي الله ~~عنه وفي غيرهم. وإنما قولنا: إن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل ما يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار أي قاتل ~~جنس الكفار وإن كان الكفر أنواعا مختلفة. وكذلك الشرك أنواع مختلفة وإن لم ~~يكن الآلهة التي كانت العرب تعبدها هي التي تعبدها الهند والصين والترك؛ ~~لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه. وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في ~~معنى أولئك ويجب قتالهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما وجب قتال أولئك. ~~وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة وقد بينا أن خروج الرافضة ~~ومروقهم أعظم بكثير. # فأما ### | قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ # كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن ~~الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ~~ذلك ممن فيه # PageV28P499 # فساد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أينما لقيتموهم فاقتلوهم} ~~وقال: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} وقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتك ~~محلوقا لضربت الذي فيه عيناك. ولأن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله ~~بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض. ~~فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم ~~يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ولم ~~يكن إذ ذاك فيه فساد عام؛ ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا ~~خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ~~ولم يكن يتبين له أنهم هم. # وأما تكفيرهم وتخليدهم: ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران: وهما روايتان ~~عن أحمد. والقولان في الخوارج والمارقين ms8372 من الحرورية والرافضة ونحوهم. ~~والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به ~~الرسول كفر وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر ~~أيضا. وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع؛ لكن تكفير الواحد المعين منهم ~~والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه. فإنا ~~نطلق # PageV28P500 # القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله في ~~ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له. وقد بسطت هذه القاعدة في ~~" قاعدة التكفير ". ولهذا لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر الذي قال: ~~إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في اليم فوالله لأن قدر الله علي ليعذبني ~~عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين مع شكه في قدرة الله وإعادته؛ ولهذا لا ~~يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ~~ببادية بعيدة؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. وكثير من هؤلاء ~~قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك ~~فيطلق أن هذا القول كفر ويكفر متى قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها؛ دون ~~غيره. والله أعلم؟ . # ما تقول الفقهاء أئمة الدين: # في هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة وفعلوا ما اشتهر من ~~قتل المسلمين وسبي بعض الذراري والنهب لمن وجدوه من المسلمين وهتكوا حرمات ~~الدين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد لا سيما " بيت المقدس " وأفسدوا ~~فيه # PageV28P501 # وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم وأسروا من رجال ~~المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم. وادعوا مع ذلك التمسك ~~بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من اتباع أصل الإسلام ~~ولكونهم عفوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب وأيما كان فمن ~~أي الوجوه جوازه أو وجوبه؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ~~المتواترة؛ من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا ms8373 شرائعه وإن ~~كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر ~~الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم ~~بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما. فاتفق الصحابة رضي الله ~~عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق ~~والخليقة مع قوله: {تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم} فعلم أن ~~مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال. فالقتال ~~واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله # PageV28P502 # فالقتال واجب. فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو ~~الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ~~ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ~~ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها - التي ~~يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. ~~وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة ~~الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة - عند ~~من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر. هل تقاتل الطائفة الممتنعة على ~~تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال ~~عليها. وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على ~~الإمام أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه. فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ~~ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن # PageV28P503 # الإسلام؛ بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل ~~البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهروان: فكانت سيرته مع أهل البصرة ~~والشاميين ms8374 سيرة الأخ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك. وثبتت النصوص عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال ~~الخوارج؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإن النصوص دلت فيها ~~بما دلت والصحابة والتابعون اختلفوا فيها. على أن من الفقهاء الأئمة من يرى ~~أن أهل البغي الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ؛ لا ~~الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة وبين البغاة والتتار فرق ~~بين. فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فلا أعلم في ~~وجوب قتالهم خلافا. فإذا تقررت هذه القاعدة فهؤلاء القوم المسئول عنهم ~~عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين وعلى قوم منتسبين إلى ~~الإسلام - وهم جمهور العسكر - ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ويعظمون ~~الرسول وليس فيهم من يصلي إلا قليلا جدا وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة ~~والمسلم عندهم أعظم من غيره # PageV28P504 # وللصالحين من المسلمين عندهم قدر وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون ~~فيه؛ لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع ~~الإسلام أو أكثرها؛ فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه؛ بل من ~~قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله وكل من ~~خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين. فلا ~~يجاهدون الكفار ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار ولا ينهون أحدا من ~~عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك؛ بل الظاهر من سيرتهم أن ~~المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع في المسلمين والكافر ~~عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع. وكذلك أيضا عامتهم ~~لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم؛ إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم أي لا ~~يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطانا لا بمجرد ~~الدين. وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات؛ لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا ~~من الحج ولا غير ذلك. ولا ms8375 يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله؛ بل يحكمون بأوضاع ~~لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى. وإنما كان الملتزم لشرائع الإسلام ~~الشيزبرون وهو الذي أظهر من شرائع الإسلام ما استفاض عند الناس. وأما هؤلاء ~~فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه. # PageV28P505 # وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام ~~وعرف حقيقة أمرهم؛ فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان ~~أبدا. وإذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادي الذين لا يلتزمون ~~شريعة الإسلام يجب قتالهم وإن لم يتعد ضررهم إلى أهل الأمصار فكيف بهؤلاء. ~~نعم يجب أن يسلك في قتاله المسلك الشرعي من دعائهم إلى التزام شرائع ~~الإسلام إن لم تكن الدعوة إلى الشرائع قد بلغتهم كما كان الكافر الحربي ~~يدعى أولا إلى الشهادتين إن لم تكن الدعوة قد بلغته. فإن اتفق من يقاتلهم ~~على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة ~~رسوله وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو ~~يتعدى عليهم في بعض الأمور وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة ~~قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين ~~بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها. ولهذا كان ~~من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ ~~فإنه لا بد من أحد # PageV28P506 # أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ~~ضررا في الدين والدنيا وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع ~~الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو ~~الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء ~~الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. ms8376 وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم} فهذا ~~الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله ~~عليه وسلم {الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا ~~يبطله جور جائر ولا عدل عادل} وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم ~~القيامة} إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة من جميع ~~الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم ~~وفجارهم؛ بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة. هذا مع ~~إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه {سيلي أمراء ظلمة خونة فجرة. فمن صدقهم ~~بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه # PageV28P507 # ولا يرد علي الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني ~~وأنا منه. وسيرد علي الحوض} . فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى ~~عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم: علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام ~~المحض جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة ~~هي أولى بالإسلام منهم إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك واجتناب إعانة الطائفة ~~التي يغزو معها على شيء من معاصي الله؛ بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم ~~في معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذه طريقة خيار هذه ~~الأمة قديما وحديثا. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية ~~وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم وبين طريقة ~~المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا. ~~ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل. ~~والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ms8377 وسلم. # PageV28P508 # ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين وأعانهم على ~~بيان الحق المبين وكشف غمرات الجاهلين والزائغين: # في هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة وتكلموا بالشهادتين ~~وانتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر ~~فهل يجب قتالهم أم لا؟ وما الحجة على قتالهم؟ وما مذاهب العلماء في ذلك؟ ~~وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين: الأمراء وغيرهم؟ وما ~~حكم من قد أخرجوه معهم مكرها؟ وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى ~~العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك؟ وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون ~~والمقاتلون لهم مسلمون وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما. وفي قول من زعم ~~أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون؟ وما الواجب على جماعة المسلمين ~~من أهل العلم والدين وأهل القتال وأهل الأموال في أمرهم؟ أفتونا في ذلك ~~بأجوبة مبسوطة شافية فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين؛ بل على ~~أكثرهم. تارة لعدم العلم بأحوالهم. وتارة لعدم العلم بحكم الله # PageV28P509 # تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مثلهم. والله الميسر لكل خير بقدرته ~~ورحمته؛ أنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله؛ ~~واتفاق أئمة المسلمين. وهذا مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم. ~~والثاني معرفة حكم الله في مثلهم. فأما الأول فكل من باشر القوم يعلم حالهم ~~ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين. ~~ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم ~~بالشريعة الإسلامية فنقول: # كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب ~~قتالها باتفاق أئمة المسلمين؛ # وإن تكلمت بالشهادتين. فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس ~~وجب قتالهم حتى يصلوا. وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة. ~~وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق. وكذلك ms8378 إن امتنعوا ~~عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات ~~الشريعة. وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ~~ونحوها بحكم الكتاب والسنة. وكذلك # PageV28P510 # إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن ~~يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة ~~للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها؛ مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء ~~الله وآياته أو التكذيب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو ~~التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أو مقاتلة ~~المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال ~~هذه الأمور. قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله} فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين ~~كله لله. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} . وهذه ~~الآية نزلت في أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا لكن كانوا ~~يتعاملون بالربا. فأنزل الله هذه الآية وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقي من ~~الربا. وقال: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وقد قرئ (فأذنوا) ~~وآذنوا وكلا المعنيين صحيح. والربا # PageV28P511 # آخر المحرمات في القرآن وهو مال يؤخذ بتراضي المتعاملين. فإذا كان من لم ~~ينته عنه محاربا لله ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التي هي ~~أسبق تحريما وأعظم تحريما. وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأحاديث بقتال الخوارج وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث. قال الإمام ~~أحمد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم في صحيحه وروى ~~البخاري منها ثلاثة أوجه: حديث علي وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف. وفي ~~السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه ms8379 وسلم في صفتهم ~~{يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ~~أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم ~~القيامة؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} . وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب بمن معه من الصحابة واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها؛ لم ~~يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين. فإن الصحابة ~~كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا مع علي رضي الله عنه. وقوم ~~قاتلوا مع من قاتله. وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من ~~الطائفتين. وأما الخوارج # PageV28P512 # فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفي ~~الصحيح عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تمرق مارقة على حين ~~فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} . وفي لفظ {أدنى الطائفتين ~~إلى الحق} فبهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من ~~معاوية وأصحابه. وإن تلك المارقة التي مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى ~~الطائفتين؛ بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال هذه المارقة وأكد الأمر ~~بقتالها ولم يأمر بقتال إحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه؛ بل قد ثبت عنه ~~في الصحيح من حديث أبي بكرة أنه قال للحسن: {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله ~~به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين} فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله ~~به بين الطائفتين حين ترك القتال وقد بويع له واختار الأصلح وحقن الدماء مع ~~نزوله عن الأمر. فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن ويثني عليه بترك ~~ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه. والعلماء لهم في قتال من يستحق ~~القتال من أهل القبلة طريقان: منهم من يرى قتالا على يوم حروراء ويوم الجمل ~~وصفين كله من باب قتال أهل البغي وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة ~~وكذلك قتال ms8380 سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة كما ذكر ذلك من ذكره # PageV28P513 # من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم وهم متفقون ~~على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم عدول: فقالوا إن أهل البغي عدول مع ~~قتالهم وهم مخطئون خطأ المجتهدين في الفروع. وخالفت في ذلك طائفة كابن عقيل ~~وغيره فذهبوا إلى تفسيق أهل البغي وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغي ~~في زمنهم فرأوهم فساقا ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة في ذلك - وإنما يفسق ~~الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من ~~الخوارج والروافض وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة - ~~ولا يقولون إن أموالهم معصومة كما كانت وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه ~~وما أتلف في حال القتال لم يضمن حتى أن جمهور العلماء يقولون: لا يضمن لا ~~هؤلاء ولا هؤلاء كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر. ~~وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم في حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة؟ على وجهين: ~~في مذهب أحمد يجوز والمنع قول الشافعي والرخصة قول أبي حنيفة. واختلفوا في ~~قتل أسيرهم واتباع مدبرهم والتذفيف على جريحهم # PageV28P514 # إذا كان لهم فئة يلجئون إليها. فجوز ذلك أبو حنيفة ومنعه الشافعي وهو ~~المشهور في مذهب أحمد وفي مذهبه وجه: أنه يتبع مدبرهم في أول القتال. وأما ~~إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يذفف على جريح كما رواه سعيد وغيره ~~عن مروان بن الحكم قال: خرج صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف ~~على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن. فمن سلك هذه ~~الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغي المتأولين ويحكم فيهم بمثل ~~هذه الأحكام كما أدخل من أدخل في هذا الحكم مانعي الزكاة والخوارج. وسنبين ~~فساد هذا التوهم إن شاء الله ms8381 تعالى. والطريقة الثانية: إن قتال مانعي ~~الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن ~~جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو ~~مذهب أهل المدينة كمالك وغيره ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره. وقد نصوا على ~~الفرق بين هذا وهذا في غير موضع حتى في الأموال. فإن منهم من أباح غنيمة ~~أموال الخوارج وقد نص أحمد في رواية أبي طالب في حرورية كان لهم سهم في ~~قرية فخرجوا # PageV28P515 # يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم فيء للمسلمين فيقسم خمسه على ~~خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل الأمير الخراج على ~~المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين. فجعل ~~أحمد الأرض التي للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار. وبالجملة ~~فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به. فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا ~~وسيرة علي رضي الله عنه تفرق بين هذا وهذا. فإنه قاتل الخوارج بنص رسول ~~الله وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة. وأما القتال يوم صفين فقد ~~ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر. وقال في أهل الجمل وغيرهم: إخواننا ~~بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى الطائفتين. وأما الخوارج ففي ~~الصحيحين عن علي بن أبي طالب. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~{سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول ~~البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية. فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم ~~القيامة} . وفي صحيح مسلم عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذي # PageV28P516 # كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي: أيها الناس إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس ~~قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى ~~صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو ms8382 عليهم لا تجاوز صلاتهم ~~تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لو يعلم الجيش الذين ~~يصيبونهم ما قضي لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم ~~رجلا له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض} . قال ~~فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم ~~وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم ~~الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله. قال: فلما التقينا وعلى ~~الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا. فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم ~~من حقوتها فإني أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم ~~وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم. قال: وأقبل بعضهم على بعض وما أصيب من ~~الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم ~~يجدوه. فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض. قال: أخروهم. ~~فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه ~~عبيدة السلماني. فقال: يا أمير المؤمنين. الله الذي لا إله إلا # PageV28P517 # هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إي والله ~~الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له أيضا. فإن الأمة متفقون ~~على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا في تكفيرهم. على قولين مشهورين في ~~مذهب مالك وأحمد وفي مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم. ولهذا كان فيهم ~~وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى: أحدهما أنهم بغاة. والثاني ~~أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداء وقتل أسيرهم واتباع مدبرهم ومن قدر ~~عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل: كما أن مذهبه في مانعي الزكاة ~~إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين وهذا ~~كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي للخوارج ليس مثل ~~القتال يوم الجمل وصفين. فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا ~~كفارا كالمرتدين ms8383 عن أصل الإسلام وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره ~~وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين بل هم نوع ثالث. وهذا أصح ~~الأقوال الثلاثة فيهم. # PageV28P518 # وممن قاتلهم الصحابة - مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك - مانعي ~~الزكاة كما في الصحيحين " عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: يا ~~خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. فقال له أبو بكر: ألم يقل لك: ~~إلا بحقها. فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن ~~رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق ". وقد اتفق ~~الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ~~ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم ~~يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله. وقد حكي عنهم أنهم ~~قالوا: إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله: {خذ من أموالهم صدقة} وقد سقطت ~~بموته. وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الذين لا ينتهون عن شرب ~~الخمر. # وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم. فقد علم أن هؤلاء # PageV28P519 # القوم جازوا على الشام في المرة الأولى: عام تسعة وتسعين وأعطوا الناس ~~الأمان وقرءوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما ~~يقال إنه مائة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس ~~وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله حتى يقال إنهم ~~سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في ~~المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموي وغيره وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة ~~دكا. وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر ms8384 في عسكرهم ~~مؤذنا ولا إماما وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما ~~لا يعلمه إلا الله. ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق. إما ~~زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن وإما من هو من شر أهل البدع ~~كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم وأما من هو من أفجر الناس وأفسقهم. ~~وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق وإن كان فيهم من يصلي ويصوم ~~فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة. وهم يقاتلون على ملك ~~جنكسخان. فمن دخل في طاعتهم جعلوه # PageV28P520 # وليا لهم وإن كان كافرا ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار ~~المسلمين. ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار. بل غاية كثير ~~من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم عندهم كمن ~~يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا ~~إلى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون. فقال هذان ~~آيتان عظيمتان جاءا من عند الله محمد وجنكسخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر ~~مقدميهم إلى المسلمين أن يسوي بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم ~~وخاتم المرسلين وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرا وفسادا وعدوانا ~~من جنس بخت نصر وأمثاله. وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكسخان عظيما ~~فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح ويقولون إن ~~الشمس حبلت أمه وأنها كانت في خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها ~~حتى حبلت. ومعلوم عند كل ذي دين أن هذا كذب. وهذا دليل على أنه ولد زنا وأن ~~أمه زنت فكتمت زناها وادعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا وهم مع هذا ~~يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواه حتى # PageV28P521 # يقولوا لما عندهم من المال. هذا رزق جنكسخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم ~~وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه ms8385 لهم هذا الكافر الملعون المعادي لله ~~ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين. فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد ~~الإسلام أن يجعل محمدا صلى الله عليه وسلم بمنزلة هذا الملعون. ومعلوم أن ~~مسيلمة الكذاب كان أقل ضررا على المسلمين من هذا وادعى أنه شريك محمد في ~~الرسالة وبهذا استحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين. فكيف بمن كان ~~فيما يظهره من الإسلام يجعل محمدا كجنكسخان وإلا فهم مع إظهارهم للإسلام ~~يعظمون أمر جنكسخان على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن ولا يقاتلون أولئك ~~المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم. أولئك الكفار ~~يبذلون له الطاعة والانقياد ويحملون إليه الأموال ويقرون له بالنيابة ولا ~~يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الإمام للإمام. وهم ~~يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم ~~وبذل الأموال والدخول فيما وضعه لهم ذلك الملك الكافر المشرك المشابه ~~لفرعون أو النمروذ ونحوهما؛ بل هو أعظم فسادا في الأرض منهما. قال الله ~~تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم # PageV28P522 # ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} . وهذا الكافر علا في الأرض: يستضعف ~~أهل الملل كلهم من المسلمين واليهود والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل ~~الرجال وسبي الحريم وبأخذ الأموال وبهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. ~~ويرد الناس عما كانوا عليه من سنن الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما ~~ابتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية. فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون ~~دين أولئك الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة ~~الله ورسوله وموالاة المؤمنين والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية ~~لا بحكم الله ورسوله. وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام ~~كدين اليهود والنصارى وإن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة ~~عند المسلمين. ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح ~~دين المسلمين وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبادهم لا سيما ~~الجهمية من الاتحادية الفرعونية ونحوهم ms8386 فإنه غلبت عليهم الفلسفة. وهذا مذهب ~~كثير من المتفلسفة أو أكثرهم وعلى # PageV28P523 # هذا كثير من النصارى أو أكثرهم وكثير من اليهود أيضا؛ بل لو قال القائل: ~~إن غالب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما أبعد. وقد رأيت من ~~ذلك وسمعت ما لا يتسع له هذا الموضع. ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين ~~وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير ~~شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ~~ببعض الكتاب كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} . ~~واليهود والنصارى داخلون في ذلك وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ~~ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين. وهؤلاء أكثر وزرائهم ~~الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب فإنه كان يهوديا متفلسفا ~~ثم انتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف وضم إلى ذلك الرفض. ~~فهذا هو أعظم من عندهم من ذوي الأفلام وذاك أعظم من كان عندهم من ذوي ~~السيف. فليعتبر المؤمن بهذا. وبالجملة فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهي ~~داخلة في اتباع التتار؛ # PageV28P524 # لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين وأبعدهم عن اتباعه وأعظم الخلق ~~اتباعا للظن وما تهوى الأنفس. وقد قسموا الناس أربعة أقسام: يال وباع ~~وداشمند وطاط - أي صديقهم وعدوهم والعالم والعامي - فمن دخل في طاعتهم ~~الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم. ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من ~~أنبياء الله ورسله وأوليائه. وكل من انتسب إلى علم أو دين سموه " داشمند " ~~كالفقيه والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب ~~والكاتب والحاسب فيدرجون سادن الأصنام. فيدرجون في هذا من المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع ما لا يعلمه إلا الله ويجعلون أهل العلم والإيمان نوعا ~~واحدا. بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين ms8387 كالطوسي ~~وأمثاله هم الحكام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من المسلمين واليهود ~~والنصارى. وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم ~~شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان ~~حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والإلحاد والكفر بالله ~~ورسوله بحيث تكون موافقته للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة ~~والرافضة على ما يريدونه أعظم من غيره. # PageV28P525 # ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لا بد له منه لأجل من هناك من المسلمين. ~~حتى أن وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفا؛ مضمونه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رضي بدين اليهود والنصارى وأنه لا ينكر عليهم ولا يذمون ولا ~~ينهون عن دينهم ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام. واستدل الخبيث الجاهل ~~بقوله: {قل يا أيها الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد} {ولا أنا عابد ما عبدتم} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} {لكم دينكم ولي ~~دين} وزعم أن هذه الآية تقتضي أنه يرضى دينهم قال: وهذه الآية محكمة؛ ليست ~~منسوخة. وجرت بسبب ذلك أمور. ومن المعلوم أن هذا جهل منه. فإن قوله: {لكم ~~دينكم ولي دين} ليس فيه ما يقتضي أن يكون دين الكفار حقا ولا مرضيا له؛ ~~وإنما يدل على تبرئه من دينهم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذه ~~السورة: {إنها براءة من الشرك} كما قال في الآية الأخرى: {وإن كذبوك فقل لي ~~عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} فقوله: {لكم ~~دينكم ولي دين} كقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} وقد اتبع ذلك بموجبه ~~ومقتضاه حيث قال: {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} . ولو قدر ~~أن في هذه السورة ما يقتضي أنهم لم يؤمروا بترك دينهم فقد علم بالاضطرار من ~~دين # PageV28P526 # الإسلام بالنصوص المتواترة وبإجماع الأمة أنه أمر المشركين وأهل الكتاب ~~بالإيمان به وأنه جاءهم على ذلك وأخبر أنهم كافرون يخلدون في النار. وقد ~~أظهروا الرفض ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء ms8388 الراشدين وذكروا عليا ~~وأظهروا الدعوة للاثني عشر؛ الذين تزعم الرافضة أنهم أئمة معصومون وإن أبا ~~بكر وعمر وعثمان كفار وفجار ظالمون؛ لا خلافة لهم ولا لمن بعدهم. ومذهب ~~الرافضة شر من مذهب الخوارج المارقين؛ فإن الخوارج غايتهم تكفير عثمان وعلي ~~وشيعتهما. والرافضة تكفير أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور السابقين الأولين ~~وتجحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مما جحد به الخوارج وفيهم ~~من الكذب والافتراء والغلو والإلحاد ما ليس في الخوارج وفيهم من معاونة ~~الكفار على المسلمين ما ليس في الخوارج. والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه ~~يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين. والرافضة هم معاونون ~~للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين وهم كانوا من أعظم الأسباب في ~~دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام وكانوا من ~~أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين # PageV28P527 # وسبي حريمهم. وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة وقضيتهم في حلب مع ~~صاحب حلب: مشهورة يعرفها عموم الناس. وكذلك في الحروب التي بين المسلمين ~~وبين النصارى بسواحل الشام: قد عرف أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى ~~على المسلمين وأنهم عاونوهم على أخذ البلاد لما جاء التتار وعز على الرافضة ~~فتح عكة وغيرها من السواحل وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك ~~غصة عند الرافضة وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان ذلك عيدا ومسرة ~~عند الرافضة. ودخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من " النصيرية " و " ~~الإسماعيلية " وأمثالهم من الملاحدة " القرامطة " وغيرهم ممن كان بخراسان ~~والعراق والشام وغير ذلك. والرافضة جهمية قدرية وفيهم من الكذب والبدع ~~والافتراء على الله ورسوله أعظم مما في الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير ~~المؤمنين علي وسائر الصحابة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بل فيهم من ~~الردة عن شرائع الدين أعظم مما في مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر ~~الصديق والصحابة. ومن أعظم ما ذم به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قوله ~~فيهم: {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل ms8389 الأوثان} كما أخرجا في الصحيحين؛ عن ~~أبي سعيد قال: {بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV28P528 # بذهيبة فقسمها بين أربعة - يعني من أمراء نجد - فغضبت قريش والأنصار. ~~قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا. قال: إنما أتألفهم. فأقبل رجل غائر ~~العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق فقال: يا محمد اتق ~~الله. فقال: من يطع الله إذا عصيته أيأمنني الله على أهل الأرض ولا ~~تأمنوني؟ فسأله رجل قتله فمنعه. فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا - أو في عقب ~~هذا - قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من ~~الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ~~عاد} وفي لفظ في الصحيحين عن أبي سعيد قال {: بينما نحن عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما - أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم ~~- فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت ~~إن لم أكن أعدل فقال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دعه ~~فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن ~~لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله ~~فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا ~~يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم. آيتهم ~~رجل أسود إحدى # PageV28P529 # عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة. يخرجون على حين فرقة من الناس} قال ~~أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به ~~حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته. فهؤلاء ~~الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يقتلون ~~أهل الإسلام ms8390 ويدعون أهل الأوثان وذكر: أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس ~~والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين والرافضة ~~يعاونون الكفار على قتال المسلمين فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع ~~المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار فكانوا أعظم مروقا عن الدين من ~~أولئك المارقين بكثير كثير. وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج ~~والروافض ونحوهم إذا فارقوا جماعة المسلمين كما قاتلهم علي رضي الله عنه ~~فكيف إذا ضموا إلى ذلك من أحكام المشركين - كنائسا - وجنكسخان ملك ~~المشركين: ما هو من أعظم المضادة لدين الإسلام وكل من قفز إليهم من أمراء ~~العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ~~ارتد عنه من شرائع الإسلام. وإذا كان السلف # PageV28P530 # قد سموا مانعي الزكاة مرتدين - مع كونهم يصومون. ويصلون ولم يكونوا ~~يقاتلون جماعة المسلمين - فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا ~~للمسلمين مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله ~~المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله على أرض الشام ومصر في مثل هذا ~~الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه. أما الطائفة بالشام ~~ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام وهم من أحق الناس ~~دخولا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في ~~الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: {لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ~~لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة} وفي رواية لمسلم: {لا ~~يزال أهل الغرب} والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا الكلام بمدينته ~~النبوية فغربه ما يغرب عنها وشرقه ما يشرق عنها؛ فإن التشريق والتغريب من ~~الأمور النسبية؛ إذ كل بلد له شرق وغرب؛ ولهذا إذا قدم الرجل إلى ~~الإسكندرية من الغرب يقولون: سافر إلى الشرق وكان أهل المدينة يسمون أهل ~~الشام: أهل الغرب ويسمون أهل نجد والعراق: أهل الشرق كما في حديث ابن عمر ~~قال: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا وفي # PageV28P531 # رواية من ms8391 أهل نجد - ولهذا قال أحمد بن حنبل: " أهل الغرب " هم أهل الشام ~~- يعني هم أهل الغرب - كما أن نجدا والعراق أول الشرق وكل ما يشرق عنها فهو ~~من الشرق وكل ما يغرب عن الشام من مصر وغيرها فهو داخل في الغرب. وفي ~~الصحيحين: أن معاذ بن جبل قال: في الطائفة المنصورة: وهم بالشام. فإنها أصل ~~المغرب وهم فتحوا سائر المغرب كمصر والقيروان والأندلس وغير ذلك. وإذا كان ~~غرب المدينة النبوية ما يغرب عنها فالبيرة ونحوها على مسامتة المدينة ~~النبوية كما أن حران والرقة وسميساط ونحوها على مسامتة مكة فما يغرب عن ~~البيرة فهو من الغرب الذين وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم. وقد ~~جاء في حديث آخر في صفة الطائفة المنصورة {أنهم بأكناف البيت المقدس} وهذه ~~الطائفة هي التي بأكناف البيت المقدس اليوم. ومن يتدبر أحوال العالم في هذا ~~الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام: علما وعملا ~~وجهادا عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من ~~المشركين وأهل الكتاب ومغازيهم مع النصارى ومع المشركين من الترك ومع ~~الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم كالإسماعيلية ونحوهم من ~~القرامطة معروفة: معلومة قديما وحديثا. والعز الذي للمسلمين بمشارق الأرض ~~ومغاربها هو بعزهم ولهذا لما هزموا # PageV28P532 # سنة تسع وتسعين وستمائة دخل على أهل الإسلام من الذل والمصيبة بمشارق ~~الأرض ومغاربها ما لا يعلمه إلا الله. والحكايات في ذلك كثيرة ليس هذا ~~موضعها. وذلك أن سكان اليمن في هذا الوقت ضعاف عاجزون عن الجهاد أو مضيعون ~~له؛ وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة ~~لهؤلاء وملك المشركين لما جاء إلى حلب جرى بها من القتل ما جرى. وأما سكان ~~الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة وفيهم من البدع والضلال ~~والفجور ما لا يعلمه إلا الله وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون؛ ~~وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد فلو ~~ذلت هذه الطائفة ms8392 - والعياذ بالله تعالى - لكان المؤمنون بالحجاز من أذل ~~الناس؛ لا سيما وقد غلب فيهم الرفض وملك هؤلاء التتار المحاربين لله ورسوله ~~الآن مرفوض فلو غلبوا لفسد الحجاز بالكلية. وأما بلاد إفريقية فأعرابها ~~غالبون عليها وهم من شر الخلق؛ بل هم مستحقون للجهاد والغزو. وأما المغرب ~~الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك؛ ~~بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم. لو استولى التتار ~~على هذه البلاد لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس لا سيما والنصارى # PageV28P533 # تدخل مع التتار فيصيرون حزبا على أهل المغرب. فهذا وغيره مما يبين أن هذه ~~العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام وعزهم عز الإسلام ~~وذلهم ذل الإسلام. فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز ولا كلمة ~~عالية ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل منه. فمن قفز عنهم إلى ~~التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار؛ فإن التتار فيهم المكره وغير ~~المكره وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من ~~وجوه متعددة. منها أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ~~ذمة؛ بخلاف الكافر الأصلي. ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال؛ ~~بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يقتل عند أكثر ~~العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل ~~كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد. ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا ~~تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام. وإذا كانت الردة ~~عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرائعه أعظم من خروج ~~الخارج الأصلي عن شرائعه؛ ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار ويعلم أن ~~المرتدين الذين فيهم # PageV28P534 # من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم وهم بعد ~~أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من ms8393 ~~الفرس والعرب وغيرهم وبهذا يتبين أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر ~~من الترك الذين كانوا كفارا؛ فإن المسلم الأصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان ~~أسوأ حالا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن ~~قاتلهم الصديق. وإن كان المرتد عن بعض الشرائع متفقها أو متصوفا أو تاجرا ~~أو كاتبا أو غير ذلك فهؤلاء شر من الترك الذين لم يدخلوا في تلك الشرائع ~~وأصروا على الإسلام. ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين ما لا ~~يجدونه من ضرر أولئك وينقادون للإسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم من ~~انقياد هؤلاء الذين ارتدوا عن بعض الدين ونافقوا في بعضه وإن تظاهروا ~~بالانتساب إلى العلم والدين. وغاية ما يوجد من هؤلاء يكون ملحدا: نصيريا أو ~~إسماعيليا أو رافضيا. وخيارهم يكون جهميا اتحاديا أو نحوه فإنه لا ينضم ~~إليهم طوعا من المظهرين للإسلام إلا منافق أو زنديق أو فاسق فاجر. ومن ~~أخرجوه معهم مكرها فإنه يبعث على نيته. ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه ~~إذ لا يتميز المكره من غيره. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # PageV28P535 # {يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم. ~~فقيل يا رسول الله: إن فيهم المكره فقال: يبعثون على نياتهم} . والحديث ~~مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أخرجه أرباب الصحيح عن ~~عائشة وحفصة وأم سلمة. ففي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذ كانوا ببيداء من ~~الأرض خسف بهم. فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها. قال: يخسف به معهم؛ ~~ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته} وفي الصحيحين عن عائشة قالت: {عبث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في منامه. فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئا في منامك ~~لم تكن تفعله. فقال: العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت ms8394 برجل من قريش ~~وقد لجأ إلى البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسفت بهم. فقلنا: يا رسول الله ~~إن الطريق قد يجمع الناس. قال: نعم؛ فيهم المستنصر والمجنون وابن السبيل ~~فيهلكون مهلكا واحدا؛ ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله عز وجل على نياتهم} ~~وفي لفظ للبخاري عن عائشة قالت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يغزو ~~جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا ~~رسول كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال: يخسف بأولهم ~~وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم} # PageV28P536 # وفي صحيح مسلم عن حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {: سيعوذ ~~بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث إليهم ~~جيش يومئذ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم} . قال يوسف بن ماهك: ~~وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة. فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو ~~بهذا الجيش. فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكره ~~فيهم وغير المكره - مع قدرته على التمييز بينهم مع أنه يبعثهم على نياتهم ~~فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ~~ذلك بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه كما روي: {أن ~~العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسره المسلمون يوم ~~بدر: يا رسول الله إني كنت مكرها. فقال: أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك ~~فإلى الله} . بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا ~~بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين ~~وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا؛ فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو ~~لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء. ومن ~~قتل لأجل الجهاد الذي # PageV28P537 # أمر الله به ورسوله - هو في الباطن مظلوم - كان شهيدا وبعث على نيته ولم ~~يكن قتله ms8395 أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين. وإذا كان ~~الجهاد واجبا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله. فقتل من يقتل في صفهم من ~~المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا؛ بل قد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه. وليس له أن يقاتل؛ وإن قتل كما في ~~صحيح مسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنها ستكون ~~فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن: القاعد فيها خير من الماشي والماشي ~~فيها خير من الساعي. ألا فإذا نزلت - أو وقعت - فمن كان له إبل فليلحق ~~بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فقال ~~رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى ~~سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة. اللهم هل بلغت. اللهم هل ~~بلغت. اللهم هل بلغت. فقال رجل: يا رسول الله. أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي ~~إلى إحدى الصفين أو - إحدى الفئتين - فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني؟ ~~قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار} . # PageV28P538 # ففي هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة؛ بل أمر بما يتعذر معه ~~القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذي يقاتل به وقد دخل في ذلك المكره ~~وغيره. ثم بين أن المكره إذا قتل ظلما كان القاتل قد باء بإثمه وإثم ~~المقتول كما قال تعالى في قصة ابني آدم عن المظلوم: {إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} ومعلوم أن الإنسان ~~إذا صال صائل على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع؛ وإنما تنازعوا هل يجب ~~عليه الدفع بالقتال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: (إحداهما يجب الدفع عن ~~نفسه ولو لم يحضر الصف. و (الثانية يجوز لا الدفع عن نفسه. وأما الابتداء ~~بالقتال في الفتنة فلا يجوز بلا ريب. والمقصود أنه إذا ms8396 كان المكره على ~~القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل؛ بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل ~~مظلوما فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع ~~الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره ~~على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور ~~صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم فإنه لا ~~يجوز له قتله باتفاق المسلمين؛ وإن أكرهه بالقتل؛ فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ~~ذلك المعصوم أولى من العكس. # PageV28P539 # فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو؛ بل إذا فعل ذلك كان القود على ~~المكره والمكره جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه ~~وفي الآخر يجب القود على المكره فقط كقول أبي حنيفة ومحمد. وقيل: القود على ~~المكره المباشر كما روي ذلك عن زفر. وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل ~~القود ولم يوجبه. وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة ~~أصحاب الأخدود وفيها: {أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين} ~~ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه ~~أنهم يقتلونه؛ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. وقد بسطنا القول في هذه ~~المسألة في موضع آخر. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة ~~الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره: كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل ~~مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا ~~الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن ~~الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل وإن كان المال الذي يأخذه ~~قيراطا من دينار. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من ~~قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون حرمه فهو ~~شهيد} فكيف ms8397 # PageV28P540 # بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام المحاربين لله ورسوله الذين صولهم ~~وبغيهم أقل ما فيهم. فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع ~~وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين: في أنفسهم وأموالهم وحرمهم ودينهم. وكل ~~من هذه يبيح قتال الصائل عليها. ومن قتل دونها فهو شهيد فكيف بمن قاتل ~~عليها كلها وهم من شر البغاة المتأولين الظالمين. لكن من زعم أنهم يقاتلون ~~كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحا وضل ضلالا بعيدا؛ فإن أقل ~~ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به؛ ولهذا قالوا: إن ~~الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها. فأي شبهة ~~لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادا الخارجين عن شرائع ~~الدين. ولا ريب أنهم لا يقولون إنهم أقوم بدين الإسلام علما وعملا من هذه ~~الطائفة؛ بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام ~~منهم وأتبع له منهم. وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك وهم مع ~~ذلك ينذرون المسلمين بالقتال فامتنع أن يكون لهم شبهة بينة يستحلون بها ~~قتال المسلمين كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم حتى أن ~~الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال ويعظمون الرجل # PageV28P541 # ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب ويسبون حريمه ويعاقبونه بأنواع ~~العقوبات التي لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم والمتأول تأويلا دينيا ~~لا يعاقب إلا من يراه عاصيا للدين وهم يعظمون من يعاقبونه في الدين ويقولون ~~إنه أطوع لله منهم. فأي تأويل بقي لهم ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن ~~تأويلهم سائغا؛ بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة أوجه من تأويلهم. أما ~~الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن وإن ما خالفه من السنة لا يجوز العمل به. ~~وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه: {خذ من ~~أموالهم صدقة} وهذا خطاب لنبيه فقط فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا ~~يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له. والخوارج ms8398 لهم علم وعبادة وللعلماء معهم ~~مناظرات كمناظرتهم مع الرافضة والجهمية. وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال ~~المسلمين فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل. وقد خاطبني ~~بعضهم بأن قال: ملكنا ملك ابن ملك ابن ملك إلى سبعة أجداد وملككم ابن مولى. ~~فقلت له: آباء ذلك الملك كلهم كفار ولا فخر بالكافر؛ بل المملوك المسلم خير ~~من الملك الكافر قال الله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} . ~~فهذه وأمثالها حججهم. ومعلوم أن من كان مسلما وجب # PageV28P542 # عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبدا ولا يطيع الكافر وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي ~~كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ودين الإسلام} . إنما يفضل الإنسان ~~بإيمانه وتقواه؛ لا بآبائه؛ ولو كانوا من بني هاشم أهل بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن ~~عصاه ولو كان شريفا قرشيا وقد قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا فضل لعربي على عجمي ولا ~~لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. الناس ~~من آدم وآدم من تراب} . وفي الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: {إن آل ~~أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين} فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن موالاته ليست بالقرابة والنسب؛ بل بالإيمان والتقوى. ~~فإذا كان هذا في قرابة الرسول فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك وقد أجمع ~~المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان ~~والتقوى وإن كان الأول أسود حبشيا والثاني علويا أو عباسيا. # PageV28P543 # وسئل - رحمه الله ورضي عنه -: # عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون: إن فيهم من يخرج مكرها معهم ms8399 ~~وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب ~~بالكتاب والسنة؛ فإن الله يقول في القرآن: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله} والدين هو الطاعة فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير ~~الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله؛ ولهذا قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما ~~دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام؛ لكن امتنعوا من ترك الربا. فبين ~~الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا. والربا هو آخر ما ~~حرمه الله وهو مال يؤخذ برضا صاحبه. فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب ~~جهادهم فكيف بمن يترك كثيرا من شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار. # PageV28P544 # وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض ~~واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها إذا تكلموا بالشهادتين ~~وامتنعوا عن الصلاة والزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن ~~الحكم بينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات ~~المحارم أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق أو الربا أو الميسر أو عن ~~الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع ~~الإسلام فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله. وقد ثبت في الصحيحين ~~أن عمر لما ناظر أبا بكر في مانعي الزكاة قال له أبو بكر: كيف لا أقاتل من ~~ترك الحقوق التي أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم كالزكاة وقال له: فإن ~~الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد ~~شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وقد ثبت في الصحيح من غير ms8400 وجه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم: {يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم: يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم # PageV28P545 # فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد} . وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء. وأول من ~~قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما زال المسلمون ~~يقاتلون في صدر خلافة بني أمية وبني العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة وكان ~~الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم. فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم. والتتار ~~وأشباههم أعظم خروجا عن شريعة الإسلام من مانعي الزكاة والخوارج من أهل ~~الطائف الذين امتنعوا عن ترك الربا. فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين ~~الإسلام وحيث وجب قتالهم قوتلوا وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين. كما ~~قال العباس لما أسر يوم بدر: يا رسول الله إني خرجت مكرها. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله} . وقد اتفق ~~العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على ~~المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون؛ وإن أفضى ذلك إلى قتل ~~المسلمين الذين تترسوا بهم. وإن # PageV28P546 # لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين ~~قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك ~~الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا. فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل ~~من المسلمين يكون شهيدا ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة ~~الإسلام كان شهيدا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم. ~~فقيل: يا رسول الله وفيهم المكره. فقال: يبعثون على نياتهم} فإذا كان ~~العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير ~~المكره فكيف ms8401 بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين كما قال تعالى: ~~{قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا} . ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز. فإذا ~~قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين وكانوا هم على نياتهم فمن ~~كان مكرها لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة فإذا قتل ~~لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين. وأما ~~إذا هرب أحدهم فإن من الناس من يجعل قتالهم بمنزلة قتال البغاة المتأولين. # PageV28P547 # وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة. فهل يجوز اتباع مدبرهم وقتل أسيرهم ~~والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين. فقيل: لا يفعل ذلك؛ لأن ~~منادي علي بن أبي طالب نادى يوم الجمل لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا ~~يقتل أسير. وقيل: بل يفعل ذلك؛ لأنه يوم الجمل لم يكن لهم طائفة ممتنعة. ~~وكان المقصود من القتال دفعهم فلما اندفعوا لم يكن إلى ذلك حاجة؛ بمنزلة ~~دفع الصائل. وقد روي: أنه يوم الجمل وصفين كان أمرهم بخلاف ذلك. فمن جعلهم ~~بمنزلة البغاة المتأولين جعل فيهم هذين القولين. والصواب أن هؤلاء ليسوا من ~~البغاة المتأولين؛ فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلا وإنما هم من جنس ~~الخوارج المارقين ومانعي الزكاة وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممن قوتلوا ~~على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام. وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من ~~الفقهاء؛ فإن المصنفين في " قتال أهل البغي " جعلوا قتال مانعي الزكاة ~~وقتال الخوارج وقتال علي لأهل البصرة وقتاله لمعاوية وأتباعه: من قتال أهل ~~البغي وذلك كله مأمور به وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس وقد ~~غلطوا؛ بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة النبوية؛ ~~كالأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل # PageV28P548 # وغيرهم: أنه يفرق بين هذا وهذا. فقتال علي للخوارج ثابت بالنصوص الصريحة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين وأما القتال ms8402 " يوم صفين " ~~ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة؛ بل صد عنه أكابر الصحابة؛ مثل سعد بن أبي ~~وقاص ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم. ولم يكن بعد ~~علي بن أبي طالب في العسكرين مثل سعد بن أبي وقاص. والأحاديث الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي أنه كان يجب الإصلاح بين تينك الطائفتين؛ ~~لا الاقتتال بينهما كما ثبت عنه في صحيح البخاري أنه خطب الناس والجيش معه ~~فقال: {إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين} ~~فأصلح الله بالحسن بين أهل العراق وأهل الشام: فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم الإصلاح به من فضائل الحسن مع أن الحسن نزل عن الأمر وسلم الأمر إلى ~~معاوية. فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم ~~يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم على ترك ما أمر به وفعل ما لم يؤمر به ولا ~~مدحه على ترك الأولى وفعل الأدنى. فعلم أن الذي فعله الحسن هو الذي كان ~~يحبه الله ورسوله؛ لا القتال. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يضعه وأسامة على فخذيه ويقول: {اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب # PageV28P549 # من يحبهما} وقد ظهر أثر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما ~~بكراهتهما القتال في الفتنة؛ فإن أسامة امتنع عن القتال مع واحدة من ~~الطائفتين وكذلك الحسن كان دائما يشير على علي بأنه لا يقاتل ولما صار ~~الأمر إليه فعل ما كان يشير به على أبيه. رضي الله عنهم أجمعين. وقد ثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {تمرق مارقة على حين فرقة من ~~المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق} فهذه المارقة هم الخوارج وقاتلهم ~~علي بن أبي طالب. وهذا يصدقه بقية الأحاديث التي فيها الأمر بقتال الخوارج ~~وتبين أن قتلهم مما يحبه الله ورسوله وأن الذين قاتلوهم مع علي أولى بالحق ~~من معاوية وأصحابه مع كونهم أولى بالحق. فلم يأمر النبي صلى الله ms8403 عليه وسلم ~~بالقتال لواحدة من الطائفتين كما أمر بقتال الخوارج؛ بل مدح الإصلاح ~~بينهما. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة القتال في الفتن ~~والتحذير منها. من الأحاديث الصحيحة ما ليس هذا موضعه كقوله: {ستكون فتن ~~القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من ~~الساعي} وقال: {يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ~~ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن} . # PageV28P550 # فالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين وطوائف المسلمين مع أن كل ~~واحدة من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام. مثل ما كان أهل الجمل وصفين؛ ~~وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت. وأما قتال الخوارج ومانعي الزكاة وأهل ~~الطائف الذين لم يكونوا يحرمون الربا فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا في الشرائع ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة فلا ~~ريب أنه يجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم والإجهاز على جريحهم؛ فإن هؤلاء إذا ~~كانوا مقيمين ببلادهم على ما هم عليه فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم في ~~بلادهم لقتالهم حتى يكون الدين كله لله. فإن هؤلاء التتار لا يقاتلون على ~~دين الإسلام؛ بل يقاتلون الناس حتى يدخلوا في طاعتهم فمن دخل في طاعتهم ~~كفوا عنه وإن كان مشركا أو نصرانيا أو يهوديا ومن لم يدخل كان عدوا لهم وإن ~~كان من الأنبياء والصالحين. وقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا أعداءه ~~الكفار ويوالوا عباده المؤمنين. فيجب على المسلمين من جند الشام ومصر ~~واليمن والمغرب جميعهم أن يكونوا متعاونين على قتال الكفار وليس لبعضهم أن ~~يقاتل بعضا بمجرد الرياسة والأهواء. فهؤلاء التتار أقل ما يجب عليهم أن ~~يقاتلوا من يليهم من الكفار وأن يكفوا عن قتال من يليهم من المسلمين ~~ويتعاونون هم وهم على # PageV28P551 # قتال الكفار. وأيضا لا يقاتل معهم غير مكره إلا فاسق أو مبتدع أو زنديق ~~كالملاحدة القرامطة الباطنية وكالرافضة السبابة وكالجهمية المعطلة من ~~النفاة الحلولية ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدين من هو شر ms8404 ~~منهم؛ فإن التتار جهال يقلدون الذين يحسنون به الظن وهم لضلالهم وغيهم ~~يتبعونه في الضلال الذي يكذبون به على الله ورسوله ويبدلون دين الله ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق. ولو وصفت ما أعلمه من ~~أمورهم لطال الخطاب. وبالجملة فمذهبهم ودين الإسلام لا يجتمعان ولو أظهروا ~~دين الإسلام الحنيفي الذي بعث رسوله به لاهتدوا وأطاعوا: مثل الطائفة ~~المنصورة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: {لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم ~~الساعة} وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {لا يزال أهل الغرب ظاهرين} وأول ~~الغرب ما يسامت البيرة ونحوها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا ~~الكلام وهو بالمدينة النبوية فما يغرب عنها فهو غرب كالشام ومصر. وما شرق ~~عنها فهو شرق كالجزيرة والعراق. وكان السلف يسمون أهل الشام " أهل المغرب ~~". ويسمون أهل العراق " أهل المشرق ". وهذه الجملة التي ذكرتها فيها # PageV28P552 # من الآثار والأدلة الشرعية ما هو مذكور في غير هذا الموضع. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ثم أجمعوا على رجل ~~واختلفت أقوالهم فيه. فمنهم من يزعم أنه إله ومنهم من يزعم أنه نبي مرسل ~~ومنهم من ادعى أنه محمد بن الحسن - يعنون المهدي - وأمروا من وجده بالسجود ~~له وأعلنوا بالكفر بذلك وسب الصحابة وأظهروا الخروج عن الطاعة وعزموا على ~~المحاربة. فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلتهم؟ وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع ~~الإسلام؛ فإن النصيرية من أعظم الناس كفرا بدون اتباعهم لمثل هذا الدجال ~~فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال. وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة: تقتل ~~مقاتلتهم وتغنم أموالهم. وسبي الذرية فيه نزاع؛ لكن أكثر العلماء على أنه ~~تسبى الصغار من أولاد المرتدين وهذا هو الذي دلت عليه سيرة الصديق في قتال ~~المرتدين. وكذلك قد تنازع العلماء في ms8405 استرقاق المرتدة: فطائفة تقول: إنها ~~تسترق # PageV28P553 # كقول أبي حنيفة. وطائفة تقول لا تسترق كقول الشافعي وأحمد. والمعروف عن ~~الصحابة هو الأول وأنه تسترق منه المرتدات نساء المرتدين؛ فإن الحنفية التي ~~تسرى بها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أم ابنه محمد بن الحنفية من سبي ~~بني حنيفة المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والصحابة ~~لما بعث خالد بن الوليد في قتالهم. و " النصيرية " لا يكتمون أمرهم؛ بل هم ~~معروفون عند جميع المسلمين لا يصلون الصلوات الخمس ولا يصومون شهر رمضان؛ ~~ولا يحجون البيت ولا يؤدون الزكاة ولا يقرون بوجوب ذلك ويستحلون الخمر ~~وغيرها من المحرمات ويعتقدون أن الإله علي بن أبي طالب ويقولون: # نشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين # ولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين # ولا طريق إليه إلا ... سلمان ذو القوة المتين # وأما إذا لم يظهروا الرفض وأن هذا الكذاب هو المهدي المنتظر وامتنعوا؛ ~~فإنهم يقاتلون أيضا؛ لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون الذين قاتلهم ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر رسول الله # PageV28P554 # صلى الله عليه وسلم وكما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه. فهؤلاء يقاتلون ما داموا ممتنعين ولا تسبى ذراريهم ولا تغنم ~~أموالهم التي لم يستعينوا بها على القتال. وأما ما استعانوا به على قتال ~~المسلمين من خيل وسلاح وغير ذلك ففي أخذه نزاع بين العلماء. وقد روي عن علي ~~بن أبي طالب أنه نهب عسكره ما في عسكر الخوارج. فإن رأى ولي الأمر أن ~~يستبيح ما في عسكرهم من المال كان هذا سائغا. هذا ما داموا ممتنعين. فإن ~~قدر عليهم؛ فإنه يجب أن يفرق شملهم وتحسم مادة شرهم وإلزامهم شرائع الإسلام ~~وقتل من أصر على الردة منهم. وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرا منه وهو ~~المنافق الذي تسميه الفقهاء " الزنديق ": فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن ~~تاب كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه وأحد القولين في مذهب ~~أبي حنيفة ms8406 والشافعي. ومن كان داعيا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله ~~قتل أيضا؛ وإن أظهر التوبة وإن لم يحكم بكفره كأئمة الرفض الذين يضلون ~~الناس كما قتل المسلمون غيلان القدري والجعد بن درهم وأمثالهما من الدعاة. ~~فهذا الدجال يقتل مطلقا. والله أعلم. # PageV28P555 # وسئل الشيخ: # عن قوم ذوي شوكة مقيمين بأرض وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات وليس عندهم ~~مسجد ولا أذان ولا إقامة وإن صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة. ولا يؤدون ~~الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشي والزروع. وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا ~~وينهبون مال بعضهم بعضا ويقتلون الأطفال وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ ~~الأموال لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحرم ولا غيرها وإذا أسر بعضهم ~~بعضا باعوا أسراهم للإفرنج. ويبيعون رقيقهم من الذكور والإناث للإفرنج ~~علانية ويسوقونهم كسوق الدواب. ويتزوجون المرأة في عدتها. ولا يورثون ~~النساء. ولا ينقادون لحاكم المسلمين. وإذا دعي أحدهم إلى الشرع قال: إنا ~~الشرع. إلى غير ذلك. فهل يجوز قتالهم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم ~~في الإسلام مع ما ذكر؟ # فأجاب: # نعم، يجوز؛ بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ~~ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة # PageV28P556 # المتواترة؛ مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة ~~المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه أو عن صيام ~~شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم أو لا ~~يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله كما قال أبو بكر الصديق ~~وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة وكما قاتل علي بن أبي طالب ~~وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج الذين قال فيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~يوم القيامة} وذلك بقوله ms8407 تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله} وبقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} . ~~والربا آخر ما حرمه الله ورسوله فكيف بما هو أعظم تحريما. ويدعون قبل ~~القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإن التزموها استوثق منهم ولم يكتف منهم ~~بمجرد الكلام. كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد إن أذلهم وقال: اختاروا؛ إما ~~الحرب المجلية وإما السلم المخزية وقال: أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم # PageV28P557 # المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزع منكم ~~الكراع - يعني الخيل والسلاح - حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون أمرا بعد. فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل ~~إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام ويقيم بهم الصلوات وما ينتفعون به من شرائع ~~الإسلام. وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين ويجعلهم في ~~جماعة المسلمين. وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به ويمنعون من ~~ركوب الخيل. وإما أنهم يضعوه حتى يستقيموا؛ وإما أن يقتل الممتنع منهم من ~~التزام الشريعة. وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع ~~الإسلام الظاهرة المتواترة وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فيم استقر إطلاقه من الملوك المتقدمين وإلى الآن: من وجوه البر والقربات ~~على سبيل المرتب للمرتزقين من الفقراء والمساكين على اختلاف أحوالهم. فمنهم ~~الفقير الذي لا مال له. ومنهم من له عائلة كثيرة يلزمه نفقتهم وكسبه لا ~~يقوم بكلفتهم. ومنهم المنقطع إلى الله تعالى الذي ليس له سبب يتسبب به [و] ~~(1) لا يحسن صنعة يصنعها. ومنهم العاجز عن PageV28P558 # الحركة لكبر أو ضعف. ومنهم الصغير دون البالغ والنساء الأرامل وذوو ~~العاهات. ومنهم المشتغلون بالعلم الشريف وقراءة القرآن ومن للمسلمين بهم ~~نفع عام وله في بيت المال نصيب. ومنهم أرباب الزوايا والربط ms8408 المتجردون ~~للعبادة وتلقي الواردين: من الفقهاء وأهل العلم وغيرهم من أبناء السبيل. ~~ومنهم أيتام المستشهدين في سبيل الله تعالى من أولاد الجند وغيرهم ممن لم ~~يخلف له ما يكفيه وممن يسأل إحياء الموات فأحياها أو استصلح أحراسا عالية ~~لتكون له مستمرة بعد إصلاحها فاستخرجها في مدة سنين عديدة واستقرت عليه على ~~جاري العوائد في مثل ذلك. فهل تكون هذه الأسباب التي اتصفوا بها مسوغة لهم ~~تناول ما نالوه من ذلك وأطلقه لهم ملوك الإسلام ونوابهم على وجه المصلحة ~~واستقر بأيديهم إلى الآن أم لا؟ وما حكم من ينزلهم بعدم الاستحقاق مع وجود ~~هذه الصفات وتقرب إلى السلطان بالسعي بقطع أرزاقهم المؤدي إلى تعطيل ~~الزوايا ومعظم الزوايا والربط التي يرتفق بها أبناء السبيل وغيرهم من ~~المجردين ويقوم بها شعار الإسلام. هل يكون بذلك آثما عاصيا أم لا؟ وهل يجب ~~أن يكلف هؤلاء إثبات استحقاقهم مع كون ذلك مستقرا بأيديهم من قبل أولي ~~الأمر. ولو كلفوا ذلك: فهل يتعين عليهم إثباته عند حاكم بعينه # PageV28P559 # غريب من بلادهم متظاهر بمنافرتهم مع وجود عدة من الحكام غيره في بلادهم ~~أو لا؟ وما حكم من عجز منهم عن الإثبات لضعفه عن إقامة البينة الشرعية؟ لما ~~غلب عليه الحال من أن شهود هذا الزمان لا يؤدون شهادة إلا بأجرة ترضيهم وقد ~~يعجز الفقير عن مثلها وكذلك النسوة اللاتي لا يعلم الشهود أحوالهن غالبا. ~~وإذا سأل الإمام حاكما عن استحقاق من ذكر. فأجاب بأنه لا يستحق من هؤلاء ~~المذكورين ومن يجري مجراهم إلا الأعمى والمكسح والزمن لا غير واضرب عما ~~سواهم من غير اطلاع على حقيقة أحوالهم. هل يكون بذلك آثما عاصيا أم لا؟ وما ~~الذي يجب عليه في ذلك؟ وإذا سأله الإمام عن الزوايا والربط. هل يستحق من هو ~~بها ما هو مرتب لهم. فأجاب بأن هذه الزوايا والربط دكاكين ولا شك أن فيهم ~~الصلحاء والعلماء وحملة الكتاب العزيز والمنقطعين إلى الله تعالى. هل يكون ~~مؤذيا لهم بذلك أم لا؟ وما حكم هذا القول المطلق فيهم ms8409 - مع عدم المعرفة ~~بجميعهم والاطلاع على حقيقة أحوالهم بالكلية إذا تبين سقوطه وبطلانه - هل ~~تسقط بذلك روايته وما عداها من أخباره أم لا؟ وهل للمقذوفين الدعوى عليه ~~بهذا الطعن عليهم المؤدي عند الملوك إلى قطع أرزاقهم وأن يكلفوه إثبات ذلك. ~~وإذا عجز عن إثباته فهل لهم مطالبته # PageV28P560 # بمقتضاه أم لا؟ وإذا عجز عن ثبوت ذلك هل يكون قادحا في عدالته وجرحه: ~~ينعزل بها عن المناصب الدينية أم لا؟ ومن كانت هذه صفته لهذه الطائفة وهم ~~له في غاية الكراهة هل يجوز أن يؤم بهم وقد جاء: {لا يؤم الرجل قوما أكثرهم ~~له كارهون} ؟ ؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسائل تحتاج إلى تقرير أصل جامع في أموال ~~بيت المال مبني على الكتاب والسنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاؤه الراشدون كما قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وولاة الأمر بعده أشياء: الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة ~~الله وقوة على طاعة الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها؛ من ~~اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل ~~المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم {أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة} . ~~والواجب على ولاة الأمور وغيرهم من المسلمين العمل من ذلك # PageV28P561 # بما عليهم كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه} . ونحن نذكر ذلك مختصرا فنقول: الأموال التي لها أصل في كتاب ~~الله التي يتولى قسمها ولاة الأمر ثلاثة: " مال المغانم ". وهذا لمن شهد ~~الوقعة؛ إلا الخمس فإن مصرفه ما ذكره الله في قوله: {واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه ms8410 وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن ~~كنتم آمنتم بالله} و " المغانم " ما أخذ من الكفار بالقتال. فهذه المغانم ~~وخمسها. و " الثاني الفيء ". وهو الذي ذكره الله تعالى في " سورة الحشر " ~~حيث قال: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~ومعنى قوله: {فما أوجفتم} أي ما حركتم ولا أعملتم ولا سقتم. يقال وجف ~~البعير يجف وجوفا وأوجفته: إذا سار نوعا من السير. فهذا هو الفيء الذي ~~أفاءه الله على رسوله وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيل ولا ركاب وذلك ~~عبارة عن # PageV28P562 # القتال أي ما قاتلتم عليه. فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة وما لم يقاتلوا ~~عليه فهو فيء؛ لأن الله أفاءه على المسلمين؛ فإنه خلق الخلق لعبادته وأحل ~~لهم الطيبات ليأكلوا طيبا ويعملوا صالحا. والكفار عبدوا غيره فصاروا غير ~~مستحقين للمال. فأباح للمؤمنين أن يعبدوه وأن يسترقوا أنفسهم وأن يسترجعوا ~~الأموال منهم. فإذا أعادها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت أي رجعت إلى ~~مستحقيها. وهذا الفيء يدخل فيه جزية الرءوس التي تؤخذ من أهل الذمة ويدخل ~~فيه ما يؤخذ منهم من العشور؛ وأنصاف العشور وما يصالح عليه الكفار من المال ~~كالذي يحملونه وغير ذلك. ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفا من المسلمين ~~كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها " سورة الحشر " وقال: {هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} ~~{ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار} وهؤلاء أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يسكنون شرقي المدينة ~~النبوية فأجلاهم بعد أن حاصرهم وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله. # PageV28P563 # وذكر مصارف الفيء بقوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا ms8411 يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب} {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} ~~{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم} فهؤلاء المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ~~ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني من أصحاب أحمد وغيرهم: أن من ~~سب الصحابة لم يكن له في الفيء نصيب. ومن الفيء ما ضربه عمر رضي الله عنه ~~على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها؛ كأرض مصر وأرض العراق - إلا شيئا ~~يسيرا منها - وبر الشام وغير ذلك. فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير ~~الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإنما يرى تخميسه الشافعي وبعض # PageV28P564 # أصحاب أحمد وذكر ذلك رواية عنه قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل ~~الشافعي أن في الفيء خمسا كخمس الغنيمة. وهذا الفيء لم يكن ملكا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: ~~كان ملكا له. وأما مصرفه بعد موته؛ فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق ~~الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار؛ فإن تقويتهم تذل الكفار فيؤخذ منهم ~~الفيء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة؟ على ~~قولين للشافعي ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب ~~أبي حنيفة ومالك: أنه لا يختص به المقاتلة؛ بل يصرف في المصالح كلها. وعلى ~~القولين: يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء؛ فإن الشافعي قال: ينبغي ~~للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة وهو من بلغ ويحصي الذرية وهي من ms8412 ~~دون ذلك والنساء. إلى أن قال: ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم ويعطي ~~الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. قال: والعطاء من الفيء لا يكون إلا لبالغ ~~يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنه ليس للمماليك في العطاء ~~حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفيء شيء وضعه ~~الإمام في أهل الحصون والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما # PageV28P565 # يقوى به المسلمون. فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم ~~بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزق العمال ~~والولاة وكل من قام بأمر الفيء: من وال وحاكم وكاتب وجندي ممن لا غنى لأهل ~~الفيء عنه. وهذا مشكل مع قوله: إنه لا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ~~ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأنه للمجاهدين. وهذا إذا كان ~~للمصالح فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين وكولاة ~~أمورهم: من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن ~~ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم. ويصرف منه في سداد ثغورهم ~~وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضا ويبدأ فيه ~~بالأهم فالأهم: فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي ~~الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد ~~والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال أصحاب أبي حنيفة يصرف في المصالح ما يسد ~~به الثغور من القناطر والجسور ويعطي قضاة المسلمين ما يكفيهم ويدفع منه ~~أرزاق المقاتلة وذوو الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها. وما فضل عن # PageV28P566 # منافع المسلمين قسم بينهم؛ لكن مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد: أنه ليس ~~للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات ~~المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال أعطا منهم عامة ~~المسلمين فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيهم ~~وفقيرهم؛ لكن كان ms8413 أهل الديوان نوعين: مقاتلة وهم البالغون. وذرية وهم ~~الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال؛ ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء ~~على الأغنياء الذين لا منفعة فيهم فلا يعطى غني شيئا حتى يفضل عن الفقراء. ~~هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي - ~~كما تقدم - تخصيص الفقراء بالفاضل. وأما " المال الثالث " فهو الصدقات التي ~~هي زكاة أموال المسلمين: زكاة الحرث وهي العشور وأنصاف العشور: المأخوذة من ~~الحبوب والثمار. وزكاة الماشية وهي الإبل والبقر والغنم. وزكاة التجارة. ~~وزكاة النقدين. فهذا المال مصرفه ما ذكره الله تعالى في قوله: {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} وفي ~~السنن: {أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل أن يعطيه شيئا من الصدقات. # PageV28P567 # فقال: إن الله لم يرض في الصدقات بقسمة نبي ولا غيره؛ ولكن جزأها ثمانية ~~أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك} . وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز ~~أن يخرج بالصدقات عن الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية كما دل على ~~ذلك القرآن. إذا تبين هذا الأصل. فنذكر أصلا آخر ونقول: أموال بيت المال في ~~مثل هذه الأزمنة هي أصناف: صنف منها هو من الفيء أو الصدقات أو الخمس. فهذا ~~قد عرف حكمه. وصنف صار إلى بيت المال بحق من غير هذه. مثل من مات من ~~المسلمين ولا وارث له. ومن ذلك ما فيه نزاع ومنه ما هو متفق عليه. وصنف قبض ~~بغير حق أو بتأويل يجب رده إلى مستحقه إذا أمكن وقد تعذر ذلك. مثل ما يؤخذ ~~من مصادرات العمال وغيرهم الذين أخذوا من الهدايا وأموال المسلمين ما لا ~~يستحقونه فاسترجعه ولي الأمر منهم أو من تركاتهم ولم يعرف مستحقه. ومثل ما ~~قبض من الوظائف المحدثة وتعذر رده إلى أصحابه وأمثال ذلك. فهذه الأموال ~~التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلا هي مما يصرف في مصالح ~~المسلمين عند أكثر العلماء. ms8414 وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب ~~التائب والخائن التائب والمرابي التائب ونحوهم ممن صار بيده مال لا يملكه ~~ولا يعرف صاحبه؛ فإنه # PageV28P568 # يصرفه إلى ذوي الحاجات ومصالح المسلمين. إذا تبين هذان الأصلان. فنقول: ~~من كان من ذوي الحاجات: كالفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل فهؤلاء ~~يجوز؛ بل يجب أن يعطوا من الزكوات ومن الأموال المجهولة باتفاق المسلمين. ~~وكذلك يعطوا من الفيء مما فضل من المصالح العامة التي لا بد منها عند أكثر ~~العلماء كما تقدم. سواء كانوا مشتغلين بالعلم الواجب على الكفاية أو لم ~~يكونوا وسواء كانوا في زوايا أو ربط أو لم يكونوا؛ لكن من كان مميزا بعلم ~~أو دين كان مقدما على غيره. وأحق هذا الصنف من ذكرهم الله بقوله: {للفقراء ~~الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء ~~من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} فمن كان ما هو مشغول به ~~من العلم والدين الذي أحصر به في سبيل الله قد منعه الكسب فهو أولى من ~~غيره. ويعطى قضاة المسلمين وعلماؤهم منه ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق ~~المقاتلة وذراريهم لا سيما من بني هاشم الطالبيين والعباسيين وغيرهم؛ فإن ~~هؤلاء يتعين إعطاؤهم من الخمس والفيء والمصالح؛ لكون الزكاة محرمة عليهم. ~~والفقير الشرعي المذكور في الكتاب والسنة الذي يستحق من الزكاة والمصالح ~~ونحوهما ليس هو الفقير الاصطلاحي الذي يتقيد بلبسة # PageV28P569 # معينة وطريقة معينة؛ بل كل من ليس له كفاية تكفيه وتكفي عياله فهو من ~~الفقراء والمساكين. # وقد تنازع العلماء: هل الفقير أشد حاجة أو المسكين؟ أو الفقير من يتعفف ~~والمسكين من يسأل؟ على ثلاثة أقوال لهم. واتفقوا على أن من لا مال له وهو ~~عاجز عن الكسب فإنه يعطى ما يكفيه سواء كان لبسه لبس الفقير الاصطلاحي أو ~~لباس الجند والمقاتلة أو لبس الشهود أو لبس التجار أو الصناع أو الفلاحين ~~فالصدقة لا يختص بها صنف من هذه الأصناف؛ بل كل من ليس له كفاية تامة من ~~هؤلاء: مثل الصانع الذي ms8415 لا تقوم صنعته بكفايته والتاجر الذي لا تقوم تجارته ~~بكفايته والجندي الذي لا يقوم إقطاعه بكفايته. والفقير والصوفي الذي لا ~~يقوم معلومه من الوقف بكفايته والشاهد والفقيه الذي لا يقوم ما يحصل له ~~بكفايته وكذلك من كان في رباط أو زاوية وهو عاجز عن كفايته. فكل هؤلاء ~~مستحقون. ومن كان من هؤلاء كلهم مؤمنا تقيا كان لله وليا؛ فإن أولياء الله: ~~{لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {الذين آمنوا وكانوا يتقون} من أي صنف كانوا ~~من أصناف القبلة. ومن كان من هؤلاء منافقا أو مظهرا لبدعة تخالف الكتاب ~~والسنة من بدع الاعتقادات والعبادات؛ فإنه مستحق للعقوبة. ومن عقوبته أن ~~يحرم حتى يتوب. # PageV28P570 # وأما من كان زنديقا كالحلولية والمباحية ومن يفضل متبوعه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن يعتقد أنه لا يجب عليه في الباطن اتباع شريعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو أنه إذا حصلت له المعرفة والتحقيق سقط عنه الأمر ~~والنهي أو أن العارف المحقق يجوز له التدين بدين اليهود والنصارى ولا يجب ~~عليه الاعتصام بالكتاب والسنة وأمثال هؤلاء؛ فإن هؤلاء منافقون زنادقة وإذا ~~ظهر على أحدهم فإنه يجب قتله باتفاق المسلمين وهم كثيرون في هذه الأزمنة. ~~وعلى ولاة الأمور مع إعطاء الفقراء؛ بل والأغنياء: بأن يلزموا هؤلاء باتباع ~~الكتاب والسنة وطاعة الله ورسوله ولا يمكنوا أحدا من الخروج من ذلك ولو ~~ادعى من الدعاوى ما ادعاه ولو زعم أنه يطير في الهواء أو يمشي على الماء. ~~ومن كان من الفقراء الذين لم تشغلهم منفعة عامة للمسلمين عن الكسب قادرا ~~عليه لم يجز أن يعطى من الزكاة عند الشافعي وأحمد. وجوز ذلك أبو حنيفة. وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب} ولا ~~يجوز أن يعطى من الزكاة من يصنع بها دعوة وضيافة للفقراء ولا يقيم بها ~~سماطا؛ لا لوارد ولا غير وارد؛ بل يجب أن يعطي ملكا للفقير المحتاج؛ بحيث ~~ينفقها على نفسه وعياله في بيته إن شاء ويقضي منها ms8416 ديونه ويصرفها # PageV28P571 # في حاجاته. وليس في المسلمين من ينكر صرف الصدقات وفاضل أموال المصالح ~~إلى الفقراء والمساكين. ومن نقل عنه ذلك فإما أن يكون من أجهل الناس بالعلم ~~وإما أن يكون من أعظم الناس كفرا بالدين؛ بل بسائر الملل والشرائع أو يكون ~~النقل عنه كذبا أو محرفا. فإما من هو متوسط في علم ودين فلا يخفى عليه ذلك ~~ولا ينهى عن ذلك. ولكن قد اختلط في هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق ~~والباطل. فأقوام كثيرون من ذوي الحاجات والدين والعلم لا يعطى أحدهم كفايته ~~ويتمزق جوعا وهو لا يسأل ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه. وأقوام كثيرون ~~يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وقوم لهم رواتب أضعاف ~~حاجاتهم. وقوم لهم رواتب مع غناهم وعدم حاجاتهم. وقوم ينالون جهات كمساجد ~~وغيرها فيأخذون معلومها ويستثنون من يعطون شيئا يسيرا. وأقوام في الربط ~~والزوايا يأخذون مالا يستحقون ويأخذون فوق حقهم ويمنعون من هو أحق منهم حقه ~~أو تمام حقه. وهذا موجود في مواضع كثيرة. ولا يستريب مسلم أن السعي في ~~تمييز المستحق من غيره وإعطاء الولايات والأرزاق من هو أحق بها والعدل بين ~~الناس في ذلك # PageV28P572 # وفعله بحسب الإمكان: هو من أفضل أعمال ولاة الأمور؛ بل ومن أوجبها عليهم؛ ~~فإن الله يأمر بالعدل والإحسان والعدل واجب على كل أحد في كل شيء. وكما أن ~~النظر في الجند المقاتلة والتعديل بينهم؛ وزيادة من يستحق الزيادة ونقصان ~~من يستحق النقصان وإعطاء العاجز عن الجهاد من جهة أخرى: هو من أحسن أفعال ~~ولاة الأمور وأوجبها فكذلك النظر في حال سائر المرتزقين من أموال الفيء ~~والصدقات والمصالح والوقوف والعدل بينهم في ذلك وإعطاء المستحق تمام كفايته ~~ومنع من دخل في المستحقين وليس منهم من أن يزاحمهم في أرزاقهم. وإذا ادعى ~~الفقر من لم يعرف بالغنى وطلب الأخذ من الصدقات فإنه يجوز للإمام أن يعطيه ~~بلا بينة بعد أن يعلمه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب؛ {فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سأله رجلان من ms8417 الصدقة فلما رآهما جلدين صعد فيها النظر ~~وصوبه. فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب} . وأما ~~إن ذكر أن له عيالا. فهل يفتقر إلى بينة؟ فيه قولان للعلماء مشهوران: هما ~~قولان في مذهب الشافعي وأحمد. وإذا رأى الإمام قول من يقول فيه: يفتقر إلى ~~بينة. فلا نزاع بين العلماء أنه لا يجب أن تكون البينة من الشهود المعدلين؛ ~~بل يجب أنهم لم يرتزقوا # PageV28P573 # على أداء الشهادة فترد شهادتهم إذا أخذوا عليها رزقا لا سيما مع العلم ~~بكثرة من يشهد بالزور؛ ولهذا كانت العادة أن الشهود في الشام المرتزقة ~~بالشهادة لا يشهدون في الاجتهاديات كالأعشار والرشد والعدالة والأهلية ~~والاستحقاق ونحو ذلك؛ بل يشهدون بالحسيات كالذي سمعوه ورأوه؛ فإن الشهادة ~~بالاجتهاديات يدخلها التأويل والتهم فالجعل يسهل الشهادة فيها بغير تحر؛ ~~بخلاف الحسيات؛ فإن الزيادة فيها كذب صريح لا يقدم عليه إلا من يقدم على ~~صريح الزور. وهؤلاء أقل من غيرهم؛ بل إذا أتى الواحد من هؤلاء بمن يعرف ~~صدقه من جيرانه ومعارفه وأهل الخبرة الباطنة به قبل ذلك منهم. وإطلاق القول ~~بأن جميع من بالربط والزوايا غير مستحقين باطل ظاهر البطلان. كما أن إطلاق ~~القول بأن كل من فيهم مستحق لما يأخذه هو باطل أيضا فلا هذا ولا هذا؛ بل ~~فيهم المستحق الذي يأخذ حقه. وفيهم من يأخذ فوق حقه. وفيهم من لا يعطى إلا ~~دون حقه. وفيهم غير المستحق. حتى إنهم في الطعام الذي يشتركون فيه يعطى ~~أحدهم أفضل مما يعطى الآخر وإن كان أغنى منه؛ خلاف ما جرت عادة أهل العدل ~~الذين يسوون في الطعام بالعدل كما يعمل في رباطات أهل العدل. وأمر ولي ~~الأمر هؤلاء بجميع ما ذكر هو من أفضل العبادات وأعظم الواجبات. # PageV28P574 # وما ذكر عن بعض الحكام: من أنه لا يستحق من هؤلاء إلا الأعمى والمكسح ~~والزمن. قول لم يقله أحد من المسلمين ولا يتصور أن يقول هذا حاكم ممن جرت ~~العادة بأن يتولى الحكم. اللهم إلا أن يكون من أجهل الناس أو ms8418 أفجرهم. ~~فمعلوم أن ذلك يقدح في عدالته وأنه يجب أن يستدل به على جرحه كما أنه إن ~~كان الناقل لهذا عن حاكم قد كذب عليه فينبغي أن يعاقب على ذلك عقوبة تردعه ~~وأمثاله من المفترين على الناس. وعقوبة الإمام للكذاب المفتري على الناس ~~والمتكلم فيهم وفي استحقاقهم لما يخالف دين الإسلام: لا يحتاج إلى دعواهم؛ ~~بل العقوبة في ذلك جائزة بدون دعوى أحد كعقوبته لمن يتكلم في الدين بلا ~~علم: فيحدث بلا علم ويفتي بلا علم وأمثال هؤلاء يعاقبون. فعقوبة كل هؤلاء ~~جائزة بدون دعوى. فإن الكذب على الناس والتكلم في الدين وفي الناس بغير حق: ~~كثير في كثير من الناس. فمن قال: إنه لا يستحق إلا الأعمى والزمن والمكسح. ~~فقد أخطأ باتفاق المسلمين. وكذلك من قال: إن أموال بيت المال على اختلاف ~~أصنافها مستحقة لأصناف: منهم الفقراء وإنه يجب على الإمام إطلاق كفايتهم من ~~بيت المال: فقد أخطأ؛ بل يستحقون من الزكوات بلا ريب. وأما من الفيء ~~والمصالح فلا يستحقون إلا ما فضل عن # PageV28P575 # المصالح العامة - ولو قدر أنه لم يحصل لهم من الزكوات ما يكفيهم وأموال ~~بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة كان إعطاء العاجز منهم عن الكسب فرضا ~~على الكفاية. فعلى المسلمين جميعا أن يطعموا الجائع ويكسوا العاري ولا ~~يدعوا بينهم محتاجا. وعلى الإمام أن يصرف ذلك من المال المشترك الفاضل من ~~المصالح العامة التي لا بد منها. وأما من يأخذ بمصلحة عامة فإنه يأخذ مع ~~حاجته باتفاق المسلمين. وهل له أن يأخذ مع الغني - كالقاضي والشاهد والمفتي ~~والحاسب والمقري والمحدث إذا كان غنيا؟ فهل له أن يرتزق على ذلك من بيت ~~المال مع غناه؟ - قولان مشهوران للعلماء. وكذلك قول القائل: إن عناية ~~الإمام بأهل الحاجات تجب أن تكون فوق عنايته بأهل المصالح العامة التي لا ~~بد للناس منها في دينهم ودنياهم كالجهاد والولاية والعلم: ليس بمستقيم ~~لوجوه: أحدها: أن العلماء قد نصوا على أنه يجب في مال الفيء والمصالح أن ~~يقدم أهل المنفعة العامة. وأما مال الصدقات ms8419 فيأخذه نوعان: نوع يأخذ بحاجته: ~~كالفقراء والمساكين والغارمين لمصلحة أنفسهم وابن السبيل. وقوم يأخذون ~~لمنفعتهم: كالعاملين والغارمين في إصلاح ذات البين. كمن فيه نفع عام: ~~كالمقاتلة وولاة أمورهم وفي سبيل # PageV28P576 # الله. وليس أحد الصنفين أحق من الآخر بل لا بد من هذا وهذا. الثاني: أن ~~ما يذكره كثير من القائمين بالمصالح من الجهاد والولايات والعلم من فساد ~~النية معارض بما يوجد في كثير من ذوي الحاجات من الفسق والزندقة. وكما أن ~~من ذوي الحاجات صالحين أولياء لله ففي المجاهدين والعلماء أولياء لله ~~وأولياء الله هم المؤمنون المتقون؛ من أي صنف كانوا. ومن كان من أولياء ~~الله من أهل الجهاد والعلم كان أفضل ممن لم يكن من هؤلاء. فإن سادات أولياء ~~الله من المهاجرين والأنصار كانوا كذلك. وقول القائل اليوم في زماننا كثير ~~من المجاهدين والعلماء إنما يتخذون الجهاد والقتال والاشتغال بالعلم معيشة ~~دنيوية يحامون بها عن الجاه والمال وأنهم عصاة بقتالهم واشتغالهم مع انضمام ~~معاص ومصائب أخرى لا يتسع الحال لها. والمجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ~~والمعلم ليكون التعلم محض التقرب: قليل الوجود أو مفقود. فلا ريب أن ~~الإخلاص واتباع السنة فيمن لا يأكل أموال الناس أكثر ممن يأكل الأموال ~~بذلك؛ بل والزندقة. . . نعارضه بما هو أصدق منه وهو أن يقال: كثير من أهل ~~الربط والزوايا والمتظاهرين للناس بالفقر إنما يتخذون ذلك معيشة دنيوية هذا ~~مع انضمام كفر وفسوق ومصائب لا يتسع الحال لقولها؛ بمثل دعوى الحلول ~~والاتحاد في # PageV28P577 # العباد أكثر منها في أهل العلم والجهاد. وكذلك التقرب إلى الله بالعبادات ~~البدعية. ومعلوم أنه في كل طائفة بار وفاجر وصديق وزنديق. والواجب موالاة ~~أولياء الله المتقين من جميع الأصناف وبغض الكفار والمنافقين من جميع ~~الأصناف والفاسق الملي يعطى من الموالاة بقدر إيمانه ويعطى من المعاداة ~~بقدر فسقه؛ فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الفاسق الملي له الثواب والعقاب ~~إذا لم يعف الله عنه. وأنه لا بد أن يدخل النار من الفساق من شاء الله وإن ~~كان لا يخلد في ms8420 النار أحد من أهل الإيمان. بل يخلد فيها المنافقون كما يخلد ~~فيها المتظاهرون بالكفر. الوجه الثالث أن يقال: غالب الذين يأخذون لمنفعة ~~المسلمين من الجند وأهل العلم ونحوهم محاويج أيضا؛ بل غالبهم ليس له رزق ~~إلا العطاء. ومن يأخذ للمنفعة والحاجة أولى ممن يأخذ بمجرد الحاجة. الوجه ~~الرابع أن يقال: العطاء إذا كان لمنفعة المسلمين لم ينظر إلى الآخذ هل هو ~~صالح النية أو فاسدها. ولو أن الإمام أعطى ذوي الحاجات العاجزين عن القتال ~~وترك إعطاء المقاتلة حتى يصلحوا نياتهم لأهل الإسلام لاستولى الكفار على ~~بلاد الإسلام؛ فإن تعليق العطايا # PageV28P578 # في القلوب متعذر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله ليؤيد هذا ~~الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم} وقال: {إني لأعطي رجالا وأدع ~~رجالا والذين أدع أحب إلي من الذين أعطي. أعطي رجالا لما في قلوبهم من ~~الهلع والجزع وأكل رجالا لما في قلوبهم من الغنى والخير} وقال: {إني لأعطي ~~أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا. قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال ~~يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل} . ولما كان عام حنين قسم غنائم ~~حنين بين المؤلفة قلوبهم من أهل نجد والطلقاء من قريش كعيينة بن حصن ~~والعباس بن مرداس والأقرع بن حابس وأمثالهم. وبين سهيل بن عمرو وصفوان بن ~~أمية وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب وابنه معاوية وأمثالهم من ~~الطلقاء الذين أطلقهم عام الفتح ولم يعط المهاجرين والأنصار شيئا. أعطاهم ~~ليتألف بذلك قلوبهم على الإسلام وتأليفهم عليه مصلحة عامة للمسلمين. والذين ~~لم يعطهم هم أفضل عنده وهم سادات أولياء الله المتقين وأفضل عباد الله ~~الصالحين بعد النبيين والمرسلين والذين أعطاهم منهم من ارتد عن الإسلام قبل ~~موته وعامتهم أغنياء لا فقراء. فلو كان العطاء للحاجة مقدما على العطاء ~~للمصلحة العامة لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأغنياء السادة ~~المطاعين في عشائرهم ويدع عطاء من عنده من # PageV28P579 # المهاجرين والأنصار الذين هم أحوج منهم وأفضل. وبمثل هذا طعن الخوارج على ms8421 ~~النبي صلى الله عليه وسلم. {وقال له أولهم: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل ~~وقال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. حتى قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال له ~~بعض الصحابة: دعني أضرب عنق هذا. فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن ~~لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} وفي ~~رواية: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} . وهؤلاء خرجوا على عهد أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتل الذين قاتلوه جميعهم مع كثرة ~~صومهم وصلاتهم وقراءتهم. فأخرجوا عن السنة والجماعة. وهم قوم لهم عبادة ~~وورع وزهد؛ لكن بغير علم. فاقتضى ذلك عندهم أن العطاء لا يكون إلا لذوي ~~الحاجات وأن إعطاء السادة المطاعين الأغنياء لا يصلح لغير الله بزعمهم. ~~وهذا من جهلهم؛ فإن العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين الله. فكلما كان لله ~~أطوع ولدين الله أنفع كان العطاء فيه أولى. وعطاء # PageV28P580 # محتاج إليه في إقامة الدين وقمع أعدائه وإظهاره وإعلائه أعظم من إعطاء من ~~لا يكون كذلك وإن كان الثاني أحوج. وقول القائل أن هذه القيود على مذهب ~~الشافعي دون مذهب مالك وما نقله من مذهب عمر. فهذا يحتاج إلى معرفة بمذاهب ~~الأئمة في ذلك وسيرة الخلفاء في العطاء. وأصل ذلك أن الأرض إذا فتحت عنوة ~~ففيها للعلماء ثلاثة أقوال. أحدها - وهو مذهب الشافعي - أنه يجب قسمها بين ~~الغانمين إلا أن يستطيب أنفسهم فيقفها وذكر في " الأم " أنه لو حكم حاكم ~~بوقفها من غير طيب أنفسهم نقض حكمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ~~بين الغانمين؛ لكن جمهور الأئمة خالفوا الشافعي في ذلك ورأوا أن ما فعله ~~عمر بن الخطاب من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئا حسن جائز وأن ms8422 عمر حبسها ~~بدون استطابة أنفس الغانمين. ولا نزاع أن كل أرض فتحها عمر بالشام عنوة. ~~والعراق ومصر وغيرها لم يقسمها عمر بين الغانمين وإنما قسم المنقولات لكن ~~قال مالك وطائفة - وهو القول الثاني - أنها مختصة بأهل الحديبية. وقد صنف ~~إسماعيل بن إسحاق إمام المالكية في ذلك بما نازع به الشافعي في هذه المسألة ~~وتكلم على حججه. وعن الإمام أحمد كالقولين؛ لكن المشهور في مذهبه هو القول # PageV28P581 # الثالث وهو مذهب الأكثرين؛ أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي عبيد: وهو أن ~~الإمام يفعل فيها ما هو أصلح للمسلمين من قسمها أو حبسها؛ فإن رأى قسمها ~~كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فعل وإن رأى أن يدعها فيئا للمسلمين ~~فعل كما فعل عمر وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل بنصف خيبر وأنه ~~قسم نصفها وحبس نصفها لنوائبه وأنه فتح مكة عنوة ولم يقسمها بين الغانمين. ~~فعلم أن أرض العنوة يجوز قسمها ويجوز ترك قسمها. وقد صنف في ذلك مصنفا ~~كبيرا. إذا عرف ذلك: فمصر هي مما فتح عنوة ولم يقسمها عمر بين الغانمين كما ~~صرح بذلك أئمة المذاهب: من الحنفية والمالكية والحنبلية والشافعية؛ لكن ~~تنقلت أحوالها بعد ذلك كما تنقلت أحوال العراق. فإن خلفاء بني العباس نقلوه ~~إلى المقاسمة بعد المخارجة وهذا جائز في أحد قولي العلماء. وكذلك مصر رفع ~~عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها وصارت الرقبة للمسلمين. وهذا جائز في ~~أحد قولي العلماء. وأما مذهب عمر في الفيء فإنه يجعل لكل مسلم فيه حقا؛ ~~لكنه يقدم الفقراء وأهل المنفعة كما قال عمر رضي الله عنه ليس أحد أحق بهذا ~~المال من أحد إنما هو الرجل وبلاؤه والرجل وغناؤه # PageV28P582 # والرجل وسابقته والرجل وحاجته. فكان يقدم في العطاء بهذه الأسباب وكانت ~~سيرته التفضيل في العطاء بالفضائل الدينية. وأما أبو بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - فسوى بينهم في العطاء إذا استووا في الحاجة وإن كان بعضهم أفضل في ~~دينه. وقال: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما هذه الدنيا ms8423 بلاغ. وروي ~~عنه أنه قال: استوى فيهم إيمانهم - يعني أن حاجتهم إلى الدنيا واحدة - ~~فأعطيهم لذلك؛ لا للسابقة والفضيلة في الدين؛ فإن أجرهم يبقى على الله. ~~فإذا استووا في الحاجة الدنيوية سوى بينهم في العطاء. ويروى أن عمر في آخر ~~عمره قال: لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس ببانا واحدا. أي: ماية واحدة. أي: ~~صنفا واحدا. وتفضيله كان بالأسباب الأربعة التي ذكرها: الرجل وبلاؤه وهو ~~الذي يجتهد في قتال الأعداء. والرجل وغناؤه. وهو الذي يغني عن المسلمين في ~~مصالحهم لولاة أمورهم ومعلميهم وأمثال هؤلاء. والرجل وسابقته. وهو من كان ~~من السابقين الأولين؛ فإنه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم. والرجل وفاقته. ~~فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء وهذا ظاهر؛ فإنه مع وجود المحتاجين كيف ~~يحرم بعضهم ويعطي لغني لا حاجة له ولا منفعة به؛ لا سيما إذا ضاقت أموال ~~بيت المال عن إعطاء كل المسلمين غنيهم وفقيرهم. فكيف يجوز أن يعطي الغني ~~الذي # PageV28P583 # ليس فيه نفع عام ويحرم الفقير المحتاج بل الفقير النافع. وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه أعطى من أموال بني النضير وكانت للمهاجرين ~~لفقيرهم ولم يعط الأنصار منها شيئا لغناهم؛ إلا أنه أعطى بعض الأنصار ~~لفقره} . وفي السنن: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه مال أعطى ~~الآهل قسمين والعزب قسما} فيفضل المتأهل على المتعزب؛ لأنه محتاج إلى نفقة ~~نفسه ونفقة امرأته. والحديث رواه أبو داود وأبو حاتم في صحيحه والإمام أحمد ~~في رواية أبي طالب وقال حديث حسن ولفظه عن عوف بن مالك {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى ~~العزب حظا} . وحديث عمر رواه أحمد وأبو داود. ولفظ أبي داود عن مالك بن أوس ~~بن الحدثان قال: ذكر عمر يوما الفيء فقال: ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم وما ~~أحد منا بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله. الرجل وقدمه ~~والرجل وبلاؤه والرجل وغناؤه والرجل ms8424 وحاجته. ولفظ أحمد قال: كان عمر يحلف ~~على أيمان ثلاث: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد وما أنا أحق به من أحد ~~ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا ~~ولكنا على منازلنا من كتاب الله. فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل # PageV28P584 # وقدمه والرجل وغناؤه في الإسلام والرجل وحاجته. والله لئن بقيت لهم ~~لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه في هذا المال وهو يرعى مكانه ". فهذا كلام ~~عمر الذي يذكر فيه بأن لكل مسلم حقا. يذكر فيه تقديم أهل الحاجات. ولا ~~يختلف اثنان من المسلمين أنه لا يجوز أن يعطي الأغنياء الذين لا منفعة لهم ~~ويحرم الفقراء؛ فإن هذا مضاد لقوله تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم} فإذا جعل الفيء متداولا بين الأغنياء فهذا الذي حرمه الله ورسوله ~~وهذه الآية في نفس الأمر. وأما نقل الناقل مذهب مالك بأن في " المدونة " ~~وجزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا. فهو عند ~~مالك جزية. والجزية عنده فيء. قال: ويعطى هذا الفيء أهل كل بلد افتتحوها ~~عنوة أو صالحوا عليها فيقسم عليهم ويفضل بعض الناس على بعض من الفيء ويبدأ ~~بأهل الحاجة حتى يغنوا منه ولا يخرج إلى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل ~~إليهم بعد أن يعطي أهله منه ما يغنيهم؛ عن الاحتياج. وقال أيضا: قال مالك: ~~وأما جزية الأرض فما أدري كيف كان يصنع فيها إلا أن عمر قد أقر الأرض فلم ~~يقسمها بين الذين افتتحوها. وأرى لمن ينزل ذلك أن يكشف عنه # PageV28P585 # من يرضاه فإن وجد عالما يستفتيه وإلا اجتهد هو ومن بحضرته رأسا. وأما ~~إحياء الموات فجائز بدون إذن الإمام في مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ~~ومحمد. واشترط أبو حنيفة أن يكون بإذن الإمام. وقال مالك: إن كان بعيدا عن ~~العمران بحيث لا تباح الناس فيه لم يحتج إلى إذنه وإن كان مما قرب من ~~العمران ويباح الناس فيه افتقر إلى إذنه. لكن إن كان ms8425 الإحياء في أرض ~~الخراج. فهل يملك بالأحياء ولا خراج عليه أو يكون بيده وعليه الخراج على ~~قولين للعلماء. هما روايتان عن أحمد. وأما من قتل أو مات من المقاتلة فإنه ~~ترزق امرأته وأولاده الصغار. وفي مذهب أحمد والشافعي في أحد قوليه وغيرهما ~~فينفق على امرأته حتى تتزوج وعلى ابنته الصغيرة حتى تتزوج وعلى ابنه الصغير ~~حتى يبلغ. ثم يجعل من المقاتلة إن كان يصلح للقتال؛ وإلا إن كان من أهل ~~الحاجة والذين يعطون من الصدقة وفاضل الفيء والمصالح: أعطي له من ذلك وإلا ~~فلا. # PageV28P586 # وقال - رحمه الله -: # إذا كان بيت المال مستقيما أمره؛ بحيث لا يوضع ماله إلا في حقه ولا يمنع ~~من مستحقه. فمن صرف بعض أعيانه أو منافعه في جهة من الجهات التي هي مصارف ~~بيت المال؛ كعمارة طريق ونحو ذلك بغير إذن الإمام فقد تعدى بذلك؛ إذ ولايته ~~إلى الإمام ثم الإمام يفعل الأصلح فإن كان نقض ذلك أصلح للمسلمين نقض ~~التصرف وإن كان الأصلح إقراره أقره. وكذلك إن تصرف في ملك الوقف واليتيم ~~بغير إذن الناظر تصرفا من جنس التصرف المشروع كأن يعمر بأعيان ماله حانوتا ~~أو دارا في عرصة الوقف أو اليتيم. وأما إذا كان أمر بيت المال مضطربا. فقال ~~الفقهاء: من صرف بعض أعيانه أو منافعه في جهة بعض المصالح من غير أن يكون ~~متهما في ذلك التصرف؛ بل كان التصرف واقعا على جهة المصلحة. فإنه لا ينبغي ~~للإمام نقض التصرف ولا تضمين المتصرف؛ مع أنه لا تجوز معصية الإمام برا كان ~~أو فاجرا؛ إلا أن يأمره بمعصية الله. وحكمه أو قسمه إذا وافق الحق نافذ: ~~برا كان أو فاجرا. وأما إذا تصرف # PageV28P587 # الرجل تصرفا يتهم فيه. مثل أن يقبض المال لنفسه متأولا: إن لي حقا في بيت ~~المال وإني لا أعطي حقي. فهذا. . . (1) . # وسئل - رحمه الله -: # عن أقوام لهم أملاك إرث من آبائهم وأجدادهم وهي للسلطان مقاسمة الثلث ثلث ~~المغل. وأن شخصا ضامنا اشترى ما يخص السلطان من الثلث وأخذ الملك الذي لهم ms8426 ~~جميعه باليد القوية. فهل له ذلك أم لا؟. # فأجاب: # ليس له أن ينزع أملاك الناس التي بأيديهم بما ذكر. ولا يجوز رفع أيدي ~~المسلمين الثابتة على حقوقهم بما ذكر؛ إذ الأرض الخراجية كالسواد وغيره ~~نقلت من المخارجة إلى المقاسمة كما فعل أبو جعفر المنصور بسواد العراق ~~وأقرت بيد أهلها. وهي تنتقل عن أهلها إلى ذريتهم وغير ذريتهم بالإرث ~~والوصية والهبة وكذلك البيع في أصح قولي العلماء؛ إذ حكمها بيد المشتري ~~كحكمها بيد البائع وليس هذا تبعا للوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما ~~غلط في ذلك من منع بيع أرض السواد معتقدا أنها كالوقف الذي لا يجوز ~~PageV28P588 # بيعه مع أنه يجوز أن يورث ويوهب؛ إذ لا خلاف في هذا. بل ينبغي أن يبيع ما ~~لبيت المال من هذه الأرضين. وما لبيت المال من المقاسمة الذي هو بمنزلة ~~الخراج. وقيل: لاتباع لما فيه من إضاعة حقوق المسلمين. # وسئل: # إذا دخل التتار الشام ونهبوا أموال النصارى والمسلمين ثم نهب المسلمون ~~التتار وسلبوا القتلى منهم. فهل المأخوذ من أموالهم وسلبهم حلال أم لا؟ # فأجاب: # كل ما أخذ من التتار يخمس ويباح الانتفاع به. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل فقير ملازم الصلوات الخمس غريب. فهل إذا حصل له من السلطان راتب ~~يتقوت به ويستغني عن السؤال يكون مأثوما؟ وهل يحصل له المسامحة؟ . # الجواب # فأجاب: نعم، إذا أعطى ولي الأمر لمثل هذا ما يكفيه من أموال # PageV28P589 # بيت المال كان ذلك جائزا. ومال الديوان الإسلامي ليس كله ولا أكثره ~~حراما. حتى يقال فيه ذلك. بل فيه من أموال الصدقات والفيء وأموال المصالح ~~ما لا يحصيه إلا الله وفيه ما هو حرام أو شبهة فإن علم أن الذي أعطاه من ~~الحرام لم يكن له أخذ ذلك وإن جهل الحال لم يحرم عليه ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أعطاه ولي الأمر إقطاعا وفيه شيء من المكوس. فهل يجوز له الأكل ~~منها أو يقطعها لأجناده أو يصرفها في علف خيوله وجامكية الغلمان؟ . # فأجاب: # الحمد ms8427 لله، أما المال المأخوذ من الجهات فلا يخلو عن شبهة وليس كله حراما ~~محضا؛ بل فيه ما هو حرام وفيه ما يؤخذ بحق وبعضه أخف من بعض. فما على ~~الساحل وإقطاعه أخف مما على بيع العقار ونحو ذلك من السلع ومما على سوق ~~الغزل ونحوه. فإن هذا لا شبهة فيه فإنه ظلم بين. وكذلك ضمان الإفراج فإنه ~~قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة وإما من المناكح المباحة فهذا ظلم وذلك ~~إعانة على الفواحش التي # PageV28P590 # تسمى " مغاني العرب " ونحو ذلك. فإن هذا فيه ضمان الحانة في بعض الوجوه. ~~فهذا أقبح ما يكون بخلاف ساحل القبلة فإنه قد يظلم فيه كثير من الناس. لكن ~~أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه إذا أمر السلطان أن ~~يؤخذ منها بعض الزيادة لم يكن هذا ظلما وإقطاعه أصلها زكاة لكن زيد فيها ~~ظلم. وإذا كان كذلك فمن كان في إقطاعه شيء من ذلك فليجعل الحلال الطيب ~~لأكله وشربه ثم الذي للناس ثم الذي يليه يجعل لعلف الجمال ويكون علف الخيل ~~أطيب منها فإنها أشرف ويعطي الذي يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم. ~~فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} فعلى كل إنسان أن يتقي الله ما ~~استطاع وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان فإن الله بعث الرسل ~~بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. # PageV28P591 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الأموال التي يجهل مستحقها مطلقا أو مبهما. # الجواب # فإن هذه عامة النفع؛ لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها ~~محرمة لحق الغير؛ إما لكونها قبضت ظلما كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة ~~والغلول. وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر ولا يعلم عين المستحق ~~لها. وقد يعلم أن المستحق أحد رجلين ولا يعلم عينه؛ كالميراث الذي يعلم أنه ~~لإحدى الزوجين الباقية دون المطلقة والعين التي يتداعاها اثنان فيقربها ذو ~~اليد لأحدهما. فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه ~~الأموال لأولى الناس بها. ومذهب الشافعي أنها تحفظ مطلقا ms8428 ولا تنفق بحال ~~فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعواري والودائع: إنها تحفظ حتى يظهر ~~أصحابها كسائر الأموال الضائعة. ويقول في العين التي عرفت لأحد رجلين: يوقف ~~الأمر حتى يصطلحا. ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن ~~أصحابه في المصالح: # PageV28P592 # كالصدقة على الفقراء وفيما استبهم مالكه القرعة عند أحمد والقسمة عند أبي ~~حنيفة. ويتفرع على هذه القاعدة ألف من المسائل النافعة الواقعة. وبهذا يحصل ~~الجواب عما فرضه أبو المعالي في كتابه " الغياثي " وتبعه من تبعه: إذا طبق ~~الحرام الأرض ولم يبق سبيل إلى الحلال فإنه يباح للناس قدر الحاجة من ~~المطاعم والملابس والمساكن والحاجة أوسع من الضرورة. وذكر أن ذلك يتصور إذا ~~استولت الظلمة من الملوك على الأموال بغير حق وبثتها في الناس وإن زمانه ~~قريب من هذا التقدير فكيف بما بعده من الأزمان. وهذا الذي قاله فرض محال لا ~~يتصور؛ لما ذكرته من هذه " القاعدة الشرعية ": فإن المحرمات قسمان: محرم ~~لعينه كالنجاسات: من الدم والميتة. ومحرم لحق الغير وهو ما جنسه مباح: من ~~المطاعم والمساكن والملابس والمراكب والنقود وغير ذلك. وتحريم هذه جميعها ~~يعود إلى الظلم فإنها إنما تحرم لسببين: (أحدهما قبضها بغير طيب نفس صاحبها ~~ولا إذن الشارع. وهذا هو الظلم المحض؛ كالسرقة والخيانة والغصب الظاهر. ~~وهذا أشهر الأنواع بالتحريم. # PageV28P593 # والثاني قبضها بغير إذن الشارع وإن أذن صاحبها وهي العقود والقبوض ~~المحرمة كالربا والميسر ونحو ذلك. والواجب على من حصلت بيده ردها إلى ~~مستحقها فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم وقد دل على ذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في اللقطة: {فإن وجدت صاحبها فارددها إليه وإلا فهي مال ~~الله يؤتيه من يشاء} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن اللقطة التي عرف ~~أنها ملك لمعصوم وقد خرجت عنه بلا رضاه إذا لم يوجد فقد آتاها الله لمن ~~سلطه عليها بالالتقاط الشرعي. وكذلك اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث ~~له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين مع أنه لا بد في غالب الخلق ms8429 أن يكون ~~له عصبة بعيد؛ لكن جهلت عينه ولم ترج معرفته. فجعل كالمعدوم. وهذا ظاهر ولا ~~دليلان قياسيان قطعيان كما ذكرنا من السنة والإجماع. فإن ما لا يعلم بحال ~~أولا يقدر عليه بحال هو في حقنا بمنزلة المعدوم فلا نكلف إلا بما نعلمه ~~ونقدر عليه. وكما أنه لا فرق في حقنا بين فعل لم نؤمر به وبين فعل أمرنا به ~~جملة عند فوت العلم أو القدرة - كما في حق المجنون والعاجز - كذلك لا فرق ~~في حقنا بين مال لا مالك له أمرنا بإيصاله إليه وبين ما أمرنا بإيصاله إلى ~~مالكه جملة؛ إذا فات العلم به أو القدرة # PageV28P594 # عليه. والأموال كالأعمال سواء. وهذا النوع إنما حرم لتعلق حق الغير به ~~فإذا كان الغير معدوما أو مجهولا بالكلية أو معجوزا عنه بالكلية سقط حق ~~تعلقه به مطلقا كما يسقط تعلق حقه به إذا رجي العلم به أو القدرة عليه إلى ~~حين العلم والقدرة كما في اللقطة سواء كما نبه عليه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: {فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء} فإنه لو عدم ~~المالك انتقل الملك عنه بالاتفاق فكذلك إذا عدم العلم به إعداما مستقرا ~~وإذا عجز عن الإيصال إليه إعجازا مستقرا. فالإعدام ظاهر والإعجاز مثل ~~الأموال التي قبضها الملوك - كالمكوس وغيرها - من أصحابها وقد تيقن أنه لا ~~يمكننا إعادتها إلى أصحابها فإنفاقها في مصالح أصحابها من الجهاد عنهم أولى ~~من إبقائها بأيدي الظلمة يأكلونها وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة ~~كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة. والدليل الثاني " القياس " - مع ما ~~ذكرناه من السنة والإجماع - أن هذه الأموال لا تخلو إما أن تحبس وإما أن ~~تتلف وإما أن تنفق. فأما إتلافها فإفساد لها {والله لا يحب الفساد} وهو ~~إضاعة لها # PageV28P595 # والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال؛ وإن كان في مذهب أحمد ~~ومالك تجويز العقوبات المالية: تارة بالأخذ. وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد ~~في متاع الغال وكما يقوله أحمد ومن يقوله ms8430 من المالكية في أوعية الخمر ومحل ~~الخمار وغير ذلك. فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانا كالعقوبة بإتلاف ~~بعض النفوس أحيانا. وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من ~~المصلحة ما شرع له ذلك كما في إتلاف النفس والطرف وكما أن قتل النفس يحرم ~~إلا بنفس أو فساد كما قال تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض} ~~وقالت الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فكذلك إتلاف المال ~~إنما يباح قصاصا أو لإفساد مالكه كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس الذي ~~لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا بغير خلاف. وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا. ~~ولهذا لم أعلم أحدا من الناس قال: إن الأموال المحترمة المجهولة المالك ~~تتلف وإنما يحكى ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة: أنه ألقى شيئا من ماله ~~في البحر أو أنه تركه في البر ونحو ذلك. فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق ~~الورع؛ لا صواب العمل. وإما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة؛ بل مع ~~العلم أنه لا # PageV28P596 # يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على إيصالها إليه فهذا مثل إتلافها؛ فإن ~~الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها وهذا تعطيل أيضا؛ بل هو ~~أشد منه من وجهين: # أحدهما أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به. # الثاني أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من ~~الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق فيكون حبسها إعانة للظلمة ~~وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة؛ فيكون قد منعها أهل الحق وأعطاها أهل ~~الباطل ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا؛ فإن من وضع إنسانا بمسبعة فقد قتله ~~ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي ~~عليها من الظلمة فقد أعطاهموها. فإذا كان إتلافها حراما وحبسها أشد من ~~إتلافها تعين إنفاقها وليس لها مصرف معين فتصرف في جميع جهات البر والقرب ~~التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق ms8431 لعبادته وخلق لهم الأموال ~~ليستعينوا بها على عبادته فتصرف في سبيل الله. والله أعلم. # PageV28P597 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له حق في بيت المال إما لمنفعة في الجهاد أو لولايته فأحيل ببعض ~~حقه على بعض المظالم. # فأجاب: # لا تستخرج أنت هذا ولا تعن على استخراجه فإن ذلك ظلم لكن اطلب حقك من ~~المال المحصل عندهم وإن كان مجموعا من هذه الجهة وغيرها لأن ما اجتمع في ~~بيت المال ولم يرد إلى أصحابه فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين أولى من ~~صرفه فيما لا ينفع أصحابه أو فيما يضره - وقد كتبت نظير هذه المسألة في غير ~~هذا الموضع - وأيضا فإنه يصير مختلطا فلا يبقى محكوما بتحريمه بعينه مع كون ~~الصرف إلى مثل هذا واجبا على المسلمين. فإن الولاة يظلمون تارة في استخراج ~~الأموال وتارة في صرفها فلا تحل إعانتهم على الظلم في الاستخراج ولا أخذ ~~الإنسان ما لا يستحقه. وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد من الاستخراج والصرف ~~فلمسائل الاجتهاد. وأما ما لا يسوغ فيه اجتهاد من الأخذ والإعطاء فلا ~~يعاونون # PageV28P598 # لكن إذا كان المصروف إليه مستحقا بمقدار المأخوذ جاز أخذه من كل مال يجوز ~~صرفه كالمال المجهول مالكه إذا وجب صرفه. فإن امتنعوا من إعادته إلى مستحقه ~~فهل الأولى إقراره بأيدي الظلمة أو السعي في صرفه في مصالح أصحابه ~~والمسلمين إذا كان الساعي في ذلك ممن يكره أصل أخذه ولم يعن على أخذه بل ~~سعى في منع أخذه؟ فهذه مسألة حسنة ينبغي التفطن لها وإلا دخل الإنسان في ~~فعل المحرمات أو في ترك الواجبات. فإن الإعانة على الظلم من فعل المحرمات. ~~وإذا لم تمكن الواجبات إلا بالصرف المذكور كان تركه من ترك الواجبات. وإذا ~~لم يمكن إلا إقراره بيد الظالم أو صرفه في المصالح كان النهي عن صرفه في ~~المصالح إعانة على زيادة الظلم التي هي إقراره بيد الظالم. فكما يجب إزالة ~~الظلم يجب تقليله عند العجز عن إزالته بالكلية. فهذا أصل عظيم والله أعلم. ~~وأصل آخر وهو أن الشبهات ms8432 ينبغي صرفها في الأبعد عن المنفعة فالأبعد كما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام بأن يطعمه الرقيق والناضح فالأقرب ~~ما دخل في الطعام والشراب ونحوه ثم ما ولى الظاهر من اللباس ثم ما ستر مع ~~الانفصال من البناء ثم ما عرض من الركوب ونحوه. فهكذا ترتيب الانتفاع ~~بالرزق وكذلك أصحابنا يفعلون. # PageV28P599 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أهدى إلى ملك عبدا ثم إن المهدى إليه مات وولي مكانه ملك آخر فهل ~~يجوز له عتق ذلك. # فأجاب: # الأرقاء الذين يشترون بمال المسلمين كالخيل والسلاح الذي يشترى بمال ~~المسلمين أو يهدى لملوك المسلمين. من أموال بيت المال فإذا تصرف فيهم الملك ~~الثاني بعتق أو إعطاء فهو بمنزلة تصرف الأول له. وهل بالإعتاق والإعطاء ~~ينفذ تصرف الثاني كما ينفذ تصرف الأول؟ نعم. وهذا مذهب الأئمة كلهم. والله ~~أعلم. # وسئل: # عمن سبي من دار الحرب دون البلوغ واشتراه النصارى وكبر الصبي وتزوج وجاءه ~~أولاد نصارى ومات هو وقامت البينة أنه أسر دون البلوغ لكنهم ما علموا من ~~سباه هل السابي له كتابي أم مسلم. فهل يلحق أولاده بالمسلمين أم لا؟ # PageV28P600 # فأجاب: أما إن كان السابي له مسلما حكم بإسلام الطفل وإذا كان السابي له ~~كافرا أو لم تقم حجة بأحدهما لم يحكم بإسلامه وأولاده تبع له في كلا ~~الوجهين. والله أعلم. # وقال قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أحمد ابن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته ومن تحوط به عنايته من رؤساء ~~الدين وعظماء القسيسين والرهبان والأمراء والكتاب وأتباعهم. سلام على من ~~اتبع الهدى. أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو إله إبراهيم ~~وآل عمران. ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين وأنبيائه المرسلين. ويخص ~~بصلاته وسلامه أولي العزم الذين هم سادة الخلق وقادة الأمم. الذين خصوا ~~بأخذ الميثاق وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. كما سماهم الله تعالى ~~في كتابه فقال عز وجل: {شرع لكم من # PageV28P601 # الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ms8433 به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} وقال تعالى: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا} {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما} ونسأله ~~أن يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين وخطيبهم إذا وفدوا على ربهم ~~وإمامهم إذا اجتمعوا شفيع الخلائق يوم القيامة نبي الرحمة ونبي الملحمة ~~الجامع محاسن الأنبياء الذي بشر به عبد الله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى ~~الصديقة الطاهرة البتول التي لم يمسها بشر قط مريم ابنة عمران " ذلك مسيح ~~الهدى عيسى ابن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة المقرب عند الله المنعوت ~~بنعوت الجمال والرحمة لما أنجر بنو إسرائيل فيما بعث به موسى من نعت الجلال ~~والشدة - وبعث الخاتم الجامع بنعت الكمال؛ المشتمل على الشدة على الكفار ~~والرحمة بالمؤمنين. والمحتوي على محاسن الشرائع والمناهج التي كانت قبله ~~صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وعلى من تبعهم إلى يوم القيامة. أما بعد: فإن ~~الله خلق الخلائق بقدرته وأظهر فيهم آثار مشيئته # PageV28P602 # وحكمته ورحمته وجعل المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم به هو عبادته. وأصل ~~ذلك هو معرفته ومحبته. فمن هداه الله صراطه المستقيم آتاه رحمة وعلما ~~ومعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ورزقه الإنابة إليه والوجل لذكره ~~والخشوع له والتأله له: فحن إليه حنين النسور إلى أوكارها. وكلف بحبه تكلف ~~الصبي بأمه لا يعبد إلا إياه رغبة ورهبة ومحبة وأخلص دينه لمن الدنيا ~~والآخرة له رب الأولين والآخرين. مالك يوم الدين. خالق ما تبصرون وما لا ~~تبصرون عالم الغيب والشهادة الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. ~~لم يتخذ من دونه أندادا كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولم يشرك بربه أحدا ولم يتخذ من دونه وليا ولا ~~شفيعا؛ لا ملكا ولا نبيا ولا صديقا؛ فإن كل من في السموات ms8434 والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا. فهنالك ~~اجتباه مولاه واصطفاه وآتاه رشده. وهداه لما اختلف فيه من الحق بإذنه؛ فإنه ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام ~~وقبل نوح عليه السلام على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو ~~البشر - عليه السلام - حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان - بدعة من تلقاء # PageV28P603 # أنفسهم - لم ينزل الله بها كتابا ولا أرسل بها رسولا؛ بشبهات زينها ~~الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة. والفلسفة الحائدة. قوم منهم زعموا أن ~~التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية. وقوم ~~اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين. وقوم جعلوها لأجل ~~الأرواح السفلية من الجن والشياطين. وقوم على مذاهب أخر. وأكثرهم لرؤسائهم ~~مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون. فابتعث الله نبيه نوحا عليه السلام يدعوهم ~~إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه؛ وإن زعموا أنهم ~~يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء. فمكث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما فلما أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن دعا ~~عليهم فأغرق الله تعالى أهل الأرض بدعوته وجاءت الرسل بعده تترى. إلى أن عم ~~الأرض دين الصابئة والمشركين؛ لما كانت النماردة والفراعنة ملوك الأرض شرقا ~~وغربا. فبعث الله تعالى إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية: ~~إبراهيم خليل الرحمن. فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص. ونهاهم عن عبادة ~~الكواكب والأصنام وقال: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين} وقال لقومه: # PageV28P604 # {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} {أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين} {الذي خلقني فهو يهدين} {والذي هو يطعمني ويسقين} {وإذا مرضت فهو ~~يشفين} {والذي يميتني ثم يحيين} {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ~~وقال إبراهيم عليه السلام ومن معه لقومهم: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ms8435 حتى تؤمنوا ~~بالله وحده} . فجعل الله الأنبياء والمرسلين من أهل بيته وجعل لكل منهم ~~خصائص ورفع بعضهم فوق بعض درجات. وآتى كلا منهم من الآيات ما آمن على مثله ~~البشر. فجعل لموسى العصا حية حتى ابتلعت ما صنعت السحرة الفلاسفة من الحبال ~~والعصي وكانت شيئا كثيرا وفلق له البحر حتى صار يابسا والماء واقفا حاجزا ~~بين اثني عشر طريقا على عدد الأسباط وأرسل معه القمل والضفادع والدم وظلل ~~عليه وعلى قومه الغمام الأبيض يسير معهم وأنزل عليهم صبيحة كل يوم المن ~~والسلوى وإذا عطشوا ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد ~~علم كل أناس مشربهم. وبعث بعده أنبياء من بني إسرائيل: منهم من أحيا الله ~~على يده الموتى. ومنهم من شفى الله على يده المرضى. ومنهم من أطلعه على ما ~~شاء من غيبه. ومنهم من سخر له المخلوقات. ومنهم من بعثه # PageV28P605 # بأنواع المعجزات. وهذا مما اتفق عليه جميع أهل الملل وفي الكتب التي ~~بأيدي اليهود والنصارى والنبوات التي عندهم وأخبار الأنبياء عليهم السلام ~~مثل شعياء وأرمياء ودانيال وحبقوق وداود وسليمان وغيرهم وكتاب " سفر الملوك ~~" وغيره من الكتب: ما فيه معتبر. وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية عاصية: تارة ~~يعبدون الأصنام والأوثان. وتارة يعبدون الله. وتارة يقتلون النبيين بغير ~~الحق. وتارة يستحلون محارم الله بأدنى الحيل. فلعنوا أولا على لسان داود؛ ~~وكان من خراب بيت المقدس ما هو معروف عند أهل الملل كلهم. ثم بعث الله ~~المسيح ابن مريم رسولا قد خلت من قبله الرسل وجعله وأمه آية للناس؛ حيث ~~خلقه من غير أب؛ إظهارا لكمال قدرته وشمول كلمته حيث قسم النوع الإنساني ~~الأقسام الأربعة. فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى. وخلق زوجه حواء من ذكر بلا ~~أنثى. وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر. وخلق سائرهم من الزوجين الذكر ~~والأنثى. وآتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته: فأحيا الموتى ~~وأبرأ الأكمه والأبرص وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ودعا ~~إلى الله ms8436 وإلى عبادته متبعا سنة # PageV28P606 # إخوانه المرسلين مصدقا لمن قبله ومبشرا بمن يأتي بعده. وكان بنو إسرائيل ~~قد عتوا وتمردوا وكان غالب أمره اللين والرحمة والعفو والصفح وجعل في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة وجعل منهم قسيسين ورهبانا. فتفرق الناس في المسيح ~~عليه السلام ومن اتبعه من الحواريين ثلاثة أحزاب: قوم كذبوه وكفروا به ~~وزعموا أنه ابن بغي ورموا أمه بالفرية ونسبوه إلى يوسف النجار وزعموا أن ~~شريعة التوراة لم ينسخ منها شيء وأن الله لم ينسخ ما شرعه بعد ما فعلوه ~~بالأنبياء وما كان عليهم من الآصار في النجاسات والمطاعم. وقوم غلوا فيه ~~وزعموا أنه الله أو ابن الله وأن اللاهوت تدرع الناسوت وأن رب العالمين نزل ~~وأنزل ابنه ليصلب ويقتل؛ فداء لخطيئة آدم عليه السلام وجعلوا الإله الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. قد ولد واتخذ ولدا؛ وأنه ~~إله حي عليم قدير جوهر واحد ثلاثة أقانيم وأن الواحد منها أقنوم الكلمة وهي ~~العلم [و] (1) هي تدرعت الناسوت البشري مع العلم بأن أحدهما لا يمكن ~~انفصاله عن الآخرين؛ إلا إذا جعلوه ثلاثة إلهات متباينة. وذلك ما لا ~~يقولونه. PageV28P607 # وتفرقوا في التثليث والاتحاد تفرقا وتشتتوا تشتتا؛ لا يقر به عاقل. ولم ~~يجئ نقل إلا كلمات متشابهات في الإنجيل وما قبله من الكتب قد بينتها كلمات ~~محكمات في الإنجيل وما قبله كلها تنطق بعبودية المسيح وعبادته لله وحده ~~ودعائه وتضرعه. ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسوله كما قال خاتم ~~النبيين والمرسلين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله} وقال: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ~~فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله} كان أمر الدين توحيد الله والإقرار ~~برسله. ولهذا كان الصابئون والمشركون كالبراهمة ونحوهم من منكري النبوات ~~مشركين بالله في إقرارهم وعبادتهم وفاسدي الاعتقاد في رسله. فأرباب التثليث ~~في الوحدانية والاتحاد في الرسالة قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بين ms8437 ~~بفطرة الله التي فطر الناس عليها وبكتب الله التي أنزلها. ولهذا كان عامة ~~رؤسائهم - من القسيسين والرهبان وما يدخل فيهم من البطارقة والمطارنة ~~والأساقفة - إذا صار الرجل منهم فاضلا مميزا فإنه ينحل عن دينه ويصير ~~منافقا لملوك أهل دينه وعامتهم # PageV28P608 # رضي بالرياسة عليهم وبما يناله من الحظوظ؛ كالذي كان لبيت المقدس الذي ~~يقال له " ابن البوري " والذي كان بدمشق الذي يقال لا " ابن القف " والذي ~~بقسطنطينية وهو " البابا " عندهم وخلق كثير من كبار الباباوات والمطارنة ~~والأساقفة لما خاطبهم قوم من الفضلاء أقروا لهم بأنهم ليسوا على عقيدة ~~النصارى؛ وإنما بقاؤهم على ما هم عليه لأجل العادة والرياسة كبقاء الملوك ~~والأغنياء على ملكهم وغناهم ولهذا تجد غالب فضلائهم إنما همة أحدهم نوع من ~~العلم الرياضي. كالمنطق والهيئة والحساب والنجوم؛ أو الطبيعي كالطب ومعرفة ~~الأركان أو التكلم في الإلهي على طريقة الصابئة الفلاسفة الذين بعث إليهم ~~إبراهيم الخليل عليه السلام قد نبذوا دين المسيح والرسل الذين قبله وبعده ~~وراء ظهورهم وحفظوا رسوم الدين لأجل الملوك والعامة. وأما الرهبان فأحدثوا ~~من أنواع المكر والحيل بالعامة ما يظهر لكل عاقل؛ حتى صنف الفضلاء في حيل ~~الرهبان كتبا: مثل النار التي كانت تصنع بقمامة. يدهنون خيطا دقيقا بسندروس ~~ويلقون النار عليه بسرعة فتنزل. فيعتقد الجهال أنها نزلت من السماء ~~ويأخذونها إلى البحر وهي صنعة ذلك الراهب يراه الناس عيانا وقد اعترف هو ~~وغيره أنهم يصنعونها. وقد اتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا تجوز ~~عبادة الله # PageV28P609 # تعالى بشيء ليس له حقيقة. وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن المسيح وغيره ~~من المعجزات من جنس النار المصنوعة. وكذلك حيلهم في تعليق الصليب وفي بكاء ~~التماثيل التي يصورونها على صورة المسيح وأمه وغيرهما ونحو ذلك: كل ذلك ~~يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى وأن جميع أنبياء الله وصالحي عباده برآء من كل ~~زور وباطل وإفك كبراءتهم من سحر سحرة فرعون. ثم إن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة ~~التي يعبدون الله بها فناقضوا الأولين من اليهود فيها؛ ms8438 مع أنهم يأمرون ~~بالتمسك بالتوراة؛ إلا ما نسخه المسيح. قصر هؤلاء في الأنبياء حتى قتلوهم. ~~وغلا هؤلاء فيهم حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم. وقال أولئك: إن الله لا يصلح ~~له أن يغير ما أمر به فيفسخه؛ لا في وقت آخر ولا على لسان نبي آخر. وقال ~~هؤلاء: بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاءوا ويحرمون ما رأوا ومن أذنب ~~ذنبا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات وغفروا له. ومنهم من يزعم أنه ينفخ في ~~المرأة من روح القدس فيجعل البخور قربانا. وقال أولئك: حرم علينا أشياء ~~كثيرة. وقال هؤلاء: ما بين البقة والفيل حلال: كل ما شئت ودع ما شئت. وقال ~~أولئك: النجاسات مغلظة؛ حتى إن الحائض لا يقعد معها ولا يؤكل معها. وهؤلاء ~~يقولون: ما عليك شيء نجس ولا يأمرون بختان ولا غسل من # PageV28P610 # جنابة ولا إزالة نجاسة؛ مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة ~~التوراة. ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون؛ وإنما ~~ابتدعها قسطنطين أو غيره. وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه وبمنام ~~زعم أنه رآه. وأما المسيح والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك. والدين الذي ~~يتقرب العباد به إلى الله لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله ~~وأنبيائه؛ وإلا فالبدع كلها ضلالة وما عبدت الأوثان إلا بالبدع. وكذلك ~~إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون. وبالجملة ~~فعامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها لم ينزل بها الله كتابا ولا ~~بعث بها رسولا؛ لكن فيهم رأفة ورحمة وهذا من دين الله؛ بخلاف الأولين؛ فإن ~~فيهم قسوة ومقتا وهذا مما حرمه الله تعالى لكن الأولون لهم تمييز وعقل مع ~~العناد والكبر. والآخرون فيهم ضلال عن الحق وجهل بطريق الله. # PageV28P611 # ثم إن هاتين الأمتين تفرقتا أحزابا كثيرة في أصل دينهم واعتقادهم في ~~معبودهم ورسولهم. هذا يقول: إن جوهر اللاهوت والناسوت صارا جوهرا واحدا ~~وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا. وهم اليعقوبية. وهذا يقول: بل هما جوهران ~~وطبيعتان وأقنومان. وهم النسطورية. وهذا يقول ms8439 بالاتحاد من وجه دون وجه وهم ~~الملكانية. وقد آمن جماعات من علماء أهل الكتاب قديما وحديثا وهاجروا إلى ~~الله ورسوله وصنفوا في كتب الله من دلالات نبوة النبي خاتم المرسلين وما في ~~التوراة والزبور والإنجيل من مواضع لم يدبروها وكذلك الحواريون. فلما اختلف ~~الأحزاب من بينهم هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فبعث ~~النبي الذي بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء داعيا إلى ملة إبراهيم ودين ~~المرسلين قبله وبعده وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين كله لله ~~وطهر الأرض من عبادة الأوثان ونزه الدين عن الشرك: دقه وجله؛ بعد ما كانت ~~الأصنام تعبد في أرض الشام وغيرها في دولة بني إسرائيل ودولة الذين قالوا: ~~إنا نصارى. وأمر بالإيمان بجميع كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان. وبجميع أنبياء الله من آدم إلى محمد. قال الله تعالى: ~~{وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل # PageV28P612 # بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} {قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} {فإن ~~آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم ~~الله وهو السميع العليم} {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} ~~. وأمر الله ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل فقال تعالى: {قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون} وقال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب} وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا يأمركم أن تتخذوا ms8440 الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . وأمره أن تكون صلاته وحجه إلى بيت ~~الله الحرام الذي بناه خليله إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء. وجعل ~~أمته وسطا فلم يغلوا في # PageV28P613 # الأنبياء كغلو من عدلهم بالله. وجعل فيهم شيئا من الإلهية وعبدهم وجعلهم ~~شفعاء. ولم يجفوا جفاء من آذاهم واستخف بحرماتهم وأعرض عن طاعتهم؛ بل عزروا ~~الأنبياء - أي عظموهم ونصروهم - وآمنوا بما جاءوا به وأطاعوهم واتبعوهم ~~وائتموا بهم وأحبوهم وأجلوهم ولم يعبدوا إلا الله فلم يتكلوا إلا عليه ولم ~~يستعينوا إلا به مخلصين له الدين حنفاء. وكذلك في الشرائع. قالوا ما أمرنا ~~الله به أطعناه وما نهانا عنه انتهينا وإذا نهانا عما كان أحله - كما نهى ~~بني إسرائيل عما كان أباحه ليعقوب - أو أباح لنا ما كان حراما - كما أباح ~~المسيح بعض الذي حرم الله على بني إسرائيل - سمعنا وأطعنا. وأما غير رسل ~~الله وأنبيائه فليس لهم أن يبدلوا دين الله ولا يبتدعوا في الدين ما لم ~~يأذن به الله. والرسل إنما قالوا تبليغا عن الله؛ فإنه سبحانه له الخلق ~~والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . وتوسطت هذه الأمة ~~في الطهارة والنجاسة. وفي الحلال والحرام وفي الأخلاق. ولم يجردوا الشدة ~~كما فعله الأولون ولم يجردوا الرأفة # PageV28P614 # كما فعله الآخرون بل عاملوا أعداء الله بالشدة وعاملوا أولياء الله ~~بالرأفة والرحمة وقالوا في المسيح ما قاله سبحانه وتعالى وما قاله المسيح ~~والحواريون؛ لا ما ابتدعه الغالون والجافون. وقد أخبر الحواريون عن خاتم ~~المرسلين أنه يبعث من أرض اليمن وأنه يبعث بقضيب الأدب وهو السيف. وأخبر ~~المسيح أنه يجيء بالبينات والتأويل. وأن المسيح جاء بالأمثال. وهذا باب ~~يطول شرحه. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله لما بلغني ما عنده من ~~الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي ~~شاكرا من الملك: من رفقه ولطفه وإقباله عليه وشاكرا من القسيسين ونحوهم. ms8441 ~~ونحن قوم نحب الخير لكل أحد ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة؛ فإن ~~أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه وبذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين ولا ~~نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه؛ فإنه لا بد للعبد من لقاء ~~الله ولا بد أن الله يحاسب عبده كما قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين} . وأما الدنيا فأمرها حقير وكبيرها صغير. وغاية أمرها ~~يعود إلى الرياسة والمال. وغاية ذي الرياسة أن يكون كفرعون الذي أغرقه # PageV28P615 # الله في اليم انتقاما منه. وغاية ذي المال أن يكون كقارون الذي خسف الله ~~به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. لما آذى نبي الله موسى. وهذه ~~وصايا المسيح ومن قبله ومن بعده من المرسلين كلها تأمر بعبادة الله والتجرد ~~للدار الآخرة والإعراض عن زهرة الحياة الدنيا. ولما كان أمر الدنيا خسيسا ~~رأيت أن أعظم ما يهدى لعظيم قومه المفاتحة في العلم والدين: بالمذاكرة فيما ~~يقرب إلى الله. والكلام في الفروع مبني على الأصول. وأنتم تعلمون أن دين ~~الله لا يكون بهوى النفس ولا بعادات الآباء وأهل المدنية وإنما ينظر العاقل ~~فيما جاءت به الرسل وفي ما اتفق الناس عليه وما اختلفوا فيه ويعامل الله ~~تعالى بينه وبين الله تعالى بالاعتقاد الصحيح والعمل الصالح وإن كان لا ~~يمكن الإنسان أن يظهر كل ما في نفسه لكل أحد: فينتفع هو بذلك القدر. وإن ~~رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها وقد ~~كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا؛ لكن إذا رأيت من ~~الملك ما فيه رضى الله ورسوله عاملته بما يقتضيه عمله؛ فإن الملك وقومه ~~يعلمون أن الله قد أظهر من معجزات # PageV28P616 # رسله عامة ومحمد خاصة: ما أيد به دينه وأذل الكفار والمنافقين. ولما قدم ~~مقدم المغول غازان وأتباعه إلى دمشق وكان قد انتسب إلى الإسلام؛ لكن لم يرض ~~الله ورسوله والمؤمنون بما فعلوه؛ حيث لم يلتزموا دين الله وقد اجتمعت به ms8442 ~~وبأمرائه وجرى لي معهم فصول يطول شرحها؛ لا بد أن تكون قد بلغت الملك؛ ~~فأذله الله وجنوده لنا حتى بقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا. وكأن ~~معهم صاحب سيس مثل أصغر غلام يكون حتى كان بعض المؤذنين الذين معنا يصرخ ~~عليه ويشتمه وهو لا يجترئ أن يجاوبه حتى إن وزراء غازان ذكروا ما ينم عليه ~~من فساد النية له وكنت حاضرا لما جاءت رسلكم إلى ناحية الساحل وأخبرني ~~التتار بالأمر الذي أراد صاحب سيس أن يدخل بينكم وبينه فيه حيث مناكم ~~بالغرور وكان التتار من أعظم الناس شتيمة لصاحب سيس وإهانة له؛ ومع هذا ~~فإنا كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم. وقد عرف النصارى كلهم ~~أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلو شاه وخاطبت ~~مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين. قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس ~~فهؤلاء لا يطلقون. فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم ~~أهل ذمتنا؛ فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة # PageV28P617 # ولا من أهل الذمة. وأطلقنا من النصارى من شاء الله. فهذا عملنا وإحساننا ~~والجزاء على الله. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد ~~إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم؛ كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر ~~حياته: {الصلاة وما ملكت أيمانكم} قال الله تعالى في كتابه: {ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} . ومع خضوع التتار لهذه الملة ~~وانتسابهم إلى هذه الملة؛ فلم نخادعهم ولم ننافقهم؛ بل بينا لهم ما هم عليه ~~من الفساد والخروج عن الإسلام الموجب لجهادهم وأن جنود الله المؤيدة ~~وعساكره المنصورة المستقرة بالديار الشامية والمصرية: ما زالت منصورة على ~~من ناوأها. مظفرة على من عاداها. وفي هذه المدة لما شاع عند العامة أن ~~التتار مسلمون أمسك العسكر عن قتالهم فقتل منهم بضعة عشر ألفا ولم يقتل من ~~المسلمين مائتان. فلما انصرف العسكر إلى مصر وبلغه ما عليه هذه الطائفة ~~الملعونة من الفساد وعدم الدين: خرجت جنود الله وللأرض ms8443 منها وئيد قد ملأت ~~السهل والجبل؛ في كثرة وقوة وعدة وإيمان وصدق. قد بهرت العقول والألباب. ~~محفوفة بملائكة الله التي ما زال يمد بها الأمة الحنيفية المخلصة لبارئها: ~~فانهزم العدو بين أيديها ولم يقف لمقابلتها. ثم أقبل العدو ثانيا فأرسل ~~عليه من # PageV28P618 # العذاب ما أهلك النفوس والخيل وانصرف خاسئا وهو حسير وصدق الله وعده ونصر ~~عبده. وهو الآن في البلاء الشديد والتعكيس العظيم والبلاء الذي أحاط به. ~~والإسلام في عز متزايد وخير مترافد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: ~~{إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها} . ~~وهذا الدين في إقبال وتجديد. وأنا ناصح للملك وأصحابه - والله الذي لا إله ~~إلا هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والفرقان. ويعلم الملك أن وفد نجران - ~~وكانوا نصارى كلهم فيهم الأسقف وغيره - لما قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودعاهم إلى الله ورسوله وإلى الإسلام: خاطبوه في أمر المسيح وناظروه ~~فلما قامت عليهم الحجة جعلوا يراوغون فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى ~~المباهلة كما قال: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين} . فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استشوروا ~~بينهم فقالوا: تعلمون أنه نبي وأنه ما باهل أحد نبيا فأفلح. فأدوا إليه ~~الجزية ودخلوا في الذمة واستعفوا من المباهلة. وكذلك بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم كتابه إلى قيصر الذي كان ملك النصارى بالشام والبحر إلى ~~قسطنطينية وغيرها وكان ملكا # PageV28P619 # فاضلا. فلما قرأ كتابه وسأل عن علامته: عرف أنه النبي الذي بشر به المسيح ~~وهو الذي كان وعد الله به إبراهيم في ابنه إسماعيل وجعل يدعو قومه النصارى ~~إلى متابعته وأكرم كتابه وقبله ووضعه على عينيه وقال: وددت أني أخلص إليه ~~حتى أغسل عن قدميه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه. وأما النجاشي ملك ~~الحبشة النصراني؛ فإنه لما بلغه خبر النبي صلى ms8444 الله عليه وسلم من أصحابه ~~الذين هاجروا إليه: آمن به وصدقه وبعث إليه ابنه وأصحابه مهاجرين. وصلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليه لما مات. ولما سمع سورة {كهيعص} بكى. ولما ~~أخبروه عما يقولون في المسيح قال: والله ما يزيد عيسى على هذا مثل هذا ~~العود. وقال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وكانت سيرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من النصارى ~~صار من أمته له ما لهم وعليه ما عليهم. وكان له أجران: أجر على إيمانه ~~بالمسيح وأجر على إيمانه بمحمد. ومن لم يؤمن به من الأمم فإن الله أمر ~~بقتاله كما قال في كتابه: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . # PageV28P620 # فمن كان لا يؤمن بالله بل يسب الله ويقول: إنه ثالث ثلاثة وأنه صلب. ولا ~~يؤمن برسله؛ بل يزعم أن الذي حمل وولد وكان يأكل ويشرب ويتغوط وينام: هو ~~الله وابن الله. وأن الله أو ابنه حل فيه وتدرعه ويجحد ما جاء به محمد خاتم ~~المرسلين ويحرف نصوص التوراة والإنجيل؛ فإن في الأناجيل الأربعة من التناقض ~~والاختلاف بين ما أمر الله به وأوجبه ما فيها ولا يدين الحق. ودين الحق هو ~~الإقرار بما أمر الله به وأوجبه من عبادته وطاعته ولا يحرم ما حرم الله ~~ورسوله؛ من الدم والميتة ولحم الخنزير الذي ما زال حراما من لدن آدم إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم ما أباحه نبي قط؛ بل علماء النصارى يعلمون أنه ~~محرم وما يمنع بعضهم من إظهار ذلك إلا الرغبة والرهبة. وبعضهم يمنعه العناد ~~والعادة ونحو ذلك. ولا يؤمنون باليوم الآخر؛ لأن عامتهم وإن كانوا يقرون ~~بقيامة الأبدان؛ لكنهم لا يقرون بما أخبر الله به من الأكل والشرب واللباس ~~والنكاح والنعيم والعذاب في الجنة والنار؛ بل غاية ما يقرون به من النعيم ms8445 ~~السماع والشم. ومنهم متفلسفة ينكرون معاد الأجساد وأكثر علمائهم زنادقة وهم ~~يضمرون ذلك ويسخرون بعوامهم؛ لا سيما بالنساء والمترهبين منهم: بضعف ~~العقول. فمن هذا حاله فقد أمر الله رسوله بجهاده حتى يدخل في دين الله أو ~~يؤدي الجزية وهذا دين محمد صلى الله عليه وسلم. ثم المسيح لم يأمر بجهاد؛ ~~لا سيما بجهاد الأمة # PageV28P621 # الحنيفية ولا الحواريون بعده. فيا أيها الملك كيف تستحل سفك الدماء وسبي ~~الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسله. ثم أما يعلم الملك أن بديارنا ~~من النصارى أهل الذمة والأمان ما لا يحصي عددهم إلا الله ومعاملتنا فيهم ~~معروفة فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو ~~مروءة ولا ذو دين لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته؛ فإن أبا العباس ~~شاكر للملك ولأهل بيته كثيرا معترفا بما فعلوه معه من الخير وإنما أقول عن ~~عموم الرعية. أليس الأسرى في رعية الملك أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء ~~توصي بالبر والإحسان. فأين ذلك. ثم إن كثيرا منهم إنما أخذوا غدرا والغدر ~~حرام في جميع الملل والشرائع والسياسات فكيف تستحلون أن تستولوا على من أخذ ~~غدرا أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا وتكونون مغدورين والله ~~ناصرهم ومعينهم؛ لا سيما في هذه الأوقات والأمة قد امتدت للجهاد. واستعدت ~~للجلاد. ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته وقد تولى الثغور الساحلية ~~أمراء ذوو بأس شديد وقد ظهر بعض أثرهم وهم في ازدياد. ثم عند المسلمين من ~~الرجال الفداوية الذين يغتالون الملوك في # PageV28P622 # فرشها وعلى أفراسها: من قد بلغ الملك خبرهم؛ قديما وحديثا. وفيهم ~~الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم ولا يخيب طلباتهم الذين يغضب الرب ~~لغضبهم ويرضى لرضاهم. وهؤلاء التتار مع كثرتهم وانتسابهم إلى المسلمين لما ~~غضب المسلمون عليهم أحاط بهم من البلاء ما يعظم عن الوصف. فكيف يحسن أيها ~~الملك بقوم يجاورون المسلمين من أكثر الجهات أن يعاملوهم هذه المعاملة التي ~~لا يرضاها عاقل؛ لا مسلم ولا معاهد. هذا وأنت تعلم أن المسلمين ms8446 لا ذنب لهم ~~أصلا؛ بل هم المحمودون على ما فعلوه؛ فإن الذي أطبقت العقلاء على الإقرار ~~بفضله هو دينهم حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من ~~هذا الدين. فقد قامت البراهين على وجوب متابعته. ثم هذه البلاد ما زالت ~~بأيديهم الساحل؛ بل وقبرص أيضا ما أخذت منهم إلا من أقل من ثلاثمائة سنة ~~وقد وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم ~~القيامة. فما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم رب ~~العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامهم ~~فينالوا منها ما نالوا من غيرها ونحن إذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح ~~عاملناهم بالحسنى وإلا فمن بغي عليه لينصرنه الله. # PageV28P623 # وأنت تعلم أن ذلك من أيسر الأمور على المسلمين. وأنا ما غرضي الساعة إلا ~~مخاطبتكم بالتي هي أحسن والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق وفعل ما ~~يجب. فإن كان عند الملك من يثق بعقله ودينه فليبحث معه عن أصول العلم ~~وحقائق الأديان ولا يرضى أن يكون من هؤلاء النصارى المقلدين الذين لا ~~يسمعون ولا يعقلون؛ إن هم إلا كالأنعام؛ بل هم أضل سبيلا. وأصل ذلك أن ~~تستعين بالله وتسأله الهداية وتقول: اللهم أرني الحق حقا وأعني على اتباعه. ~~وأرني الباطل باطلا وأعني على اجتنابه ولا تجعله مشتبها علي فأتبع الهوى ~~فأضل. وقل اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون: اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. والكتاب لا ~~يحتمل البسط أكثر من هذا؛ لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا ~~والآخرة وهما شيئان. (أحدهما له خاصة وهو معرفته بالعلم والدين وانكشاف ~~الحق وزوال الشبهة وعبادة الله كما أمر. فهذا خير له من ملك الدنيا ~~بحذافيرها. وهو الذي بعث به المسيح وعلمه الحواريين. (الثاني له وللمسلمين ~~وهو مساعدته للأسرى الذين في بلاده ms8447 وإحسانه إليهم وأمر رعيته بالإحسان ~~إليهم # PageV28P624 # والمعاونة لنا على خلاصهم؛ فإن في الإساءة إليهم دركا على الملك في دينه ~~ودين الله تعالى ودركا من جهة المسلمين وفي المعاونة على خلاصهم حسنة له في ~~دينه ودين الله تعالى وعند المسلمين؛ وكان المسيح أعظم الناس توصية بذلك. ~~ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوما غدرا أو غير غدر ولم يقاتلوهم ~~والمسيح يقول: " من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن أخذ رداءك ~~فأعطه قميصك " وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده ~~المسلمين؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص سيما وعامة هؤلاء ~~الأسرى قوم فقراء وضعفاء ليس لهم من يسعى فيهم. وهذا أبو العباس مع أنه من ~~عباد المسلمين وله عبادة وفقر وفيه مشيخة ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه ~~إلا بالشدة. ودين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير والضعيف. فالملك أحق أن ~~يساعد على ذلك من وجوه كثيرة؛ لا سيما والمسيح يوصي بذلك في الإنجيل ويأمر ~~بالرحمة العامة والخير الشامل كالشمس والمطر. والملك وأصحابه إذا عاونونا ~~على تخليص الأسرى والإحسان إليهم كان الحظ الأوفر لهم في ذلك في الدنيا ~~والآخرة. أما في الآخرة فإن الله يثيب على ذلك ويأجر عليه وهذا مما لا ريب ~~فيه عند العلماء المسيحيين # PageV28P625 # الذين لا يتبعون الهوى؛ بل كل من اتقى الله وأنصف علم أنهم أسروا بغير حق ~~لا سيما من أخذ غدرا والله تعالى لم يأمر المسيح ولا أحدا من الحواريين ولا ~~من اتبع المسيح على دينه؛ لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم. وكيف وعامة ~~النصارى يقرون بأن محمدا رسول الأميين فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين اتبعوا ~~رسولهم. فإن قال قائل: هم قاتلونا أول مرة. قيل: هذا باطل فيمن غدرتم به ~~ومن بدأتموه بالقتال. وأما من بدأكم منهم فهو معذور لأن الله تعالى أمره ~~بذلك ورسوله بل المسيح والحواريون أخذ عليهم المواثيق بذلك ولا يستوي من ~~عمل بطاعة الله ورسله ودعا إلى عبادته ودينه وأقر بجميع ms8448 الكتب والرسل وقاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله ومن قاتل في هوى نفسه ~~وطاعة شيطانه على خلاف أمر الله ورسله. وما زال في النصارى من الملوك ~~والقسيسين والرهبان والعامة من له مزية على غيره في المعرفة والدين؛ فيعرف ~~بعض الحق وينقاد لكثير منه ويعرف من قدر الإسلام وأهله ما يجهله غيره ~~فيعاملهم معاملة تكون نافعة له في الدنيا والآخرة. ثم في فكاك الأسير وثواب ~~العتق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو معروف لمن طلبه فمهما عمل الملك ~~معهم وجد ثمرته. # PageV28P626 # وأما في الدنيا فإن المسلمين أقدر على المكافأة في الخير والشر من كل أحد ~~ومن حاربوه فالويل كل الويل له والملك لا بد أن يكون سمع السير وبلغه أنه ~~ما زال في المسلمين النفر القليل منهم من يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى ~~وغيرهم فكيف إذا كانوا أضعافهم وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر ~~وحديثه: مثل أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف أكثرهم ~~فارس. وما زال المرابطون بالثغور مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم ~~يدخلون بلاد النصارى فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم ~~وكثرة جيوشهم وبأس مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى ~~واعتقادهم أن الجهاد أفضل الأعمال المطوعة وتصديقهم بما وعدهم نبيهم حيث ~~قال: {يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه. ويرى مقعده في ~~الجنة. ويكسى حلة الإيمان. ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين. ويوقى ~~فتنة القبر. ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة} . ثم إن في بلادهم من ~~النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين؛ فإن فيهم من رءوس النصارى من ليس في ~~البحر مثلهم إلا قليل. وأما أسراء المسلمين فليس فيهم من يحتاج إليه ~~المسلمون ولا من ينتفعون به وإنما نسعى في تخليصهم لأجل الله تعالى رحمة ~~لهم وتقربا إليه يوم يجزي # PageV28P627 # الله المصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث ~~محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه؛ فلذلك كاتبت ms8449 الملك لما ~~بلغتني رغبته في الخير وميله إلى العلم والدين وأنا من نواب المسيح وسائر ~~الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه وطلب الخير لهم؛ فإن أمة محمد خير أمة ~~أخرجت للناس يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويدعونهم إلى الله ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم. وإن كان ~~الملك قد بلغه بعض الأخبار التي فيها طعن على بعضهم أو طعن على دينهم؛ فإما ~~أن يكون المخبر كاذبا أو ما فهم التأويل وكيف صورة الحال. وإن كان صادقا عن ~~بعضهم بنوع من المعاصي والفواحش والظلم: فهذا لا بد منه في كل أمة؛ بل الذي ~~يوجد في المسلمين من الشر أقل مما في غيرهم بكثير والذي فيهم من الخير لا ~~يوجد مثله في غيرهم. والملك وكل عاقل يعرف أن أكثر النصارى خارجون عن وصايا ~~المسيح والحواريين ورسائل بولص وغيره من القديسين؛ وإن كان أكثر ما معهم من ~~النصرانية شرب الخمر وأكل الخنزير وتعظيم الصليب ونواميس مبتدعة ما أنزل ~~الله بها من سلطان وأن بعضهم يستحل بعض ما حرمته الشريعة النصرانية. هذا ~~فيما يقرون له. وأما # PageV28P628 # مخالفتهم لما لا يقرون به فكلهم داخل في ذلك. بل قد ثبت عندنا عن الصادق ~~المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم {أن المسيح عيسى ابن مريم ينزل عندنا ~~بالمنارة البيضاء في دمشق واضعا كفيه على منكبي ملكين فيكسر الصليب ويقتل ~~الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل من أحد إلا الإسلام ويقتل مسيح الضلالة ~~الأعور الدجال الذي يتبعه اليهود ويسلط المسلمون على اليهود حتى يقول الشجر ~~والحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله. وينتقم الله للمسيح ابن مريم مسيح ~~الهدى من اليهود ما آذوه وكذبوه لما بعث إليهم} . وأما ما عندنا في أمر ~~النصارى وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم وتسليطه عليهم: فهذا ~~مما لا أخبر به الملك؛ لئلا يضيق صدره؛ ولكن الذي أنصحه به أن كل من أسلف ~~إلى المسلمين خيرا ومال إليهم كانت عاقبته معهم حسنة بحسب ما فعله من ~~الخير؛ فإن ms8450 الله يقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} . والذي أختم به الكتاب الوصية بالشيخ أبي العباس وبغيره من ~~الأسرى والمساعدة لهم والرفق بمن عندهم من أهل القرآن والامتناع من تغيير ~~دين واحد منهم وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله. ونحن نجزي الملك على ذلك ~~بأضعاف ما في نفسه. والله يعلم أني قاصد للملك الخير؛ لأن الله تعالى أمرنا ~~بذلك وشرع لنا أن نريد الخير لكل # PageV28P629 # أحد ونعطف على خلق الله وندعوهم إلى الله وإلى دينه وندفع عنهم شياطين ~~الإنس والجن. والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله ~~المصلحة وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله ويختم له بخاتمة ~~خير. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على أنبيائه المرسلين. ولا سيما محمد ~~خاتم النبيين والمرسلين والسلام عليهم أجمعين. # و ### | سئل: # هل المدينة من الشام؟ # فأجاب: # مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من الحجاز باتفاق أهل العلم ولم يقل أحد ~~من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام وإنما يقول هذا جاهل ~~بحد الشام والحجاز جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم. ولكن يقال ~~المدينة شامية ومكة يمانية: أي المدينة أقرب إلى الشام ومكة أقرب إلى اليمن ~~وليست مكة من اليمن ولا المدينة من الشام. وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - ~~فأخرجهم عمر # PageV28P630 # بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه ~~البلاد؛ ولم يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى ~~بالأردن وفلسطين وغيرهما كما أقرهم بدمشق وغيرها. وتربة الشام تخالف تربة ~~الحجاز كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان. فإن ~~الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. فما ~~كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلى وتبوك ونحوهما: ~~فهو من أرض الحجاز. والله أعلم. # PageV28P631 # ما تقول السادة ms8451 العلماء أئمة الدين: # في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور إذا ادعى ~~أهل الذمة أنها أغلقت ظلما وأنهم يستحقون فتحها وطلبوا ذلك من ولي الأمر ~~أيده الله تعالى ونصره فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟ . وإذا ~~قالوا: إن هذه الكنائس كانت قديمة من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - وغيره من خلفاء المسلمين وأنهم يطلبون أنهم يقرون على ما ~~كانوا عليه في زمن عمر وغيره وأن إغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين. فهل ~~هذا القول مقبول منهم أو مردود؟ . وإذا ذهب أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد ~~الحرب من رسول أو غيره فسألوه أن يسأل ولي الأمر في فتحها أو كاتبوا ملوك ~~الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين. فهل لأهل الذمة ذلك؟ وهل ينتقض ~~عهدهم بذلك أم لا؟ وإذا قال قائل: أنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ~~ضرر # PageV28P632 # إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى والمساجد وإما بقطع متاجرهم عن ديار ~~الإسلام وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح ~~المسلمين ونحو ذلك فهل هذا القول صواب أو خطأ؟ بينوا ذلك مبسوطا مشروحا. ~~وإذا كان في فتحها تغير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ وحصول ~~الفتنة والفرقة بينهم وتغير قلوب أهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين: ~~على ولاة الأمور؛ لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما ~~يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك. وهذا فيه ~~تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم حتى إنهم يدعون الله تعالى على من ~~تسبب في ذلك وأعان عليه. فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك؟ . ومن أشار ~~عليه بذلك هل يكون ناصحا لولي أمر المسلمين أم غاشا؟ . وأي الطرق هو الأفضل ~~لولي الأمر أيده الله تعالى إذا سلكه نصره الله تعالى على أعدائه. بينوا ~~لنا ذلك وأبسطوه بسطا شافيا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ms8452 النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ~~ورضي الله عن الصحابة المكرمين # PageV28P633 # وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا ~~كذب مخالف لإجماع المسلمين؛ فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: ~~مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة. كسفيان الثوري ~~والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين رضي الله ~~عنهم أجمعين متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة؛ كأرض مصر ~~والسواد بالعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدا في ذلك ومتبعا في ذلك لمن يرى ~~ذلك لم يكن ذلك ظلما منه؛ بل تجب طاعته في ذلك ومساعدته في ذلك ممن يرى ~~ذلك. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كانوا ناقضين العهد وحلت بذلك دماؤهم ~~وأموالهم. وأما قولهم: إن هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها. فهذا أيضا من ~~الكذب؛ فإن من العلم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه بأكثر من ثلاثمائة سنة بنيت بعد بغداد وبعد البصرة؛ والكوفة وواسط. وقد ~~اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن # PageV28P634 # لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة؛ مثل ما فتحه المسلمون صلحا وأبقوا لهم ~~كنائسهم القديمة؛ بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا ~~يحدثوا كنيسة في أرض الصلح فكيف في مدائن المسلمين بل إذا كان لهم كنيسة ~~بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها فإن لهم أخذ ~~تلك الكنيسة؛ لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بغير عهد؛ فإن في سنن أبي ~~داود بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {لا تصلح قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم} . والمدينة التي يسكنها ~~المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن ~~يظهر فيها شيء من شعائر الكفر؛ لا كنائس؛ ms8453 ولا غيرها؛ إلا أن يكون لهم عهد ~~فيوفى لهم بعهدهم. فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها لكان ~~للمسلمين أخذها؛ لأن الأرض عنوة فكيف وهذه الكنائس محدثة أحدثها النصارى ~~فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنة على غير شريعة الإسلام؛ وكانوا ~~يظهرون أنهم رافضة وهم في الباطن: إسماعيلية ونصيرية وقرامطة باطنية كما ~~قال فيهم الغزالي - رحمه الله تعالى - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم: ~~ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم ~~وملوكهم وعامتهم من # PageV28P635 # الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم: على أنهم كانوا خارجين عن ~~شريعة الإسلام وأن قتالهم كان جائزا؛ بل نصوا على أن نسبهم كان باطلا وأن ~~جدهم كان عبيد الله بن ميمون القداح لم يكن من آل بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وصنف العلماء في ذلك مصنفات. وشهد بذلك مثل الشيخ أبي الحسن ~~القدوري إمام الحنفية والشيخ أبي حامد الإسفرائيني إمام الشافعية ومثل ~~القاضي أبي يعلى إمام الحنبلية ومثل أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية. ~~وصنف القاضي أبو بكر ابن الطيب فيهم كتابا في كشف أسرارهم وسماه " كشف ~~الأسرار وهتك الأستار " في مذهب القرامطة الباطنية. والذين يوجدون في بلاد ~~الإسلام من الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأمثالهم من أتباعهم. وهم الذين ~~أعانوا التتار على قتال المسلمين وكان وزير هولاكو " النصير الطوسي من ~~أئمتهم. وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم ثم الرافضة بعدهم. ~~فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة ويوالون التتار ويوالون ~~النصارى. وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة حتى صارت الرافضة ~~تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم وغلمان السلطان وغيرهم من الجند ~~والصبيان. وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن وإذا انتصر ~~التتار على المسلمين أقاموا # PageV28P636 # الفرح والسرور. وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة وقتل أهل ~~بغداد. ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب ~~التتار حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ونهى الناس عن قتالهم. وقد ~~عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل ms8454 مع أعداء الدين. ولما كانوا ملوك ~~القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديا ومرة نصرانيا أرمينيا وقويت النصارى بسبب ~~ذلك النصراني الأرميني وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة ~~المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب. وفي ~~أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح ~~الدين. وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس وغلبوا من الفرنج؛ فإنهم منافقون ~~وأعانهم النصارى والله لا ينصر المنافقين الذين هم يوالون النصارى فبعثوا ~~إلى نور الدين يطلبون النجدة فأمدهم بأسد الدين وابن أخيه صلاح الدين. فلما ~~جاءت الغزاة المجاهدون إلى ديار مصر قامت الرافضة مع النصارى فطلبوا قتال ~~الغزاة المجاهدين المسلمين وجرت فصول يعرفها الناس حتى قتل صلاح الدين ~~مقدمهم شاور. ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام والسنة والجماعة ~~وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالبخاري # PageV28P637 # ومسلم ونحو ذلك. ويذكر فيها مذاهب الأئمة ويترضى فيها عن الخلفاء ~~الراشدين؛ وإلا كانوا قبل ذلك من شر الخلق. فيهم قوم يعبدون الكواكب ~~ويرصدونها وفيهم قوم زنادقة دهرية لا يؤمنون بالآخرة ولا جنة ولا نار ولا ~~يعتقدون وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وخير من كان فيهم الرافضة ~~والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى القبلة. فبهذا السبب وأمثاله كان إحداث ~~الكنائس في القاهرة وغيرها وقد كان في بر مصر كنائس قديمة؛ لكن تلك الكنائس ~~أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كانوا كلهم نصارى ولم ~~يكونوا مسلمين؛ وإنما كان المسلمون الجند خاصة وأقروهم كما أقر النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهود على خيبر لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين وكان ~~المسلمون مشتغلين بالجهاد. ثم إنه بعد ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر كما ~~أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {أخرجوا اليهود والنصارى من ~~جزيرة العرب} حتى لم يبق في خيبر يهودي. وهكذا القرية التي يكون أهلها ~~نصارى وليس عندهم مسلمون ms8455 ولا مسجد للمسلمين فإذا أقرهم المسلمون على ~~كنائسهم التي فيها جاز ذلك كما فعله المسلمون: وأما إذا سكنها المسلمون # PageV28P638 # وبنوا بها مساجدهم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تصلح قبلتان ~~بأرض} وفي أثر آخر: {لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب} . والمسلمون قد كثروا ~~بالديار المصرية وعمرت في هذه الأوقات حتى صار أهلها بقدر ما كانوا في زمن ~~صلاح الدين مرات متعددة وصلاح الدين وأهل بيته ما كانوا يوالون النصارى ولم ~~يكونوا يستعملون منهم أحدا في شيء من أمور المسلمين أصلا؛ ولهذا كانوا ~~مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد؛ وإنما قويت شوكة النصارى ~~والتتار بعد موت العادل أخي صلاح الدين حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن ~~المسلمين وحدث حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله تعالى يقول: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} وقال ~~الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} . فكان ولاة الأمور الذين ~~يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ~~ونحوهما: مؤيدين منصورين. وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين. وإنما ~~كثرت الفتن بين المسلمين وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل # PageV28P639 # النصارى مع ولاة الأمور بالديار المصرية؛ في دولة المعز ووزارة الفائز ~~وتفرق البحرية وغير ذلك. والله تعالى يقول في كتابه: {ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم الغالبون} وقال ~~تعالى في كتابه: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم} وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تزال طائفة من ~~أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة} . ~~وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام وأعظم جهادا ~~لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله: ms8456 أعظم نصرة وطاعة وحرمة: من عهد أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإلى الآن. وقد أخذ المسلمون منهم ~~كنائس كثيرة من أرض العنوة بعد أن أقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز ~~وغيره من الخلفاء وليس في المسلمين من أنكر ذلك. فعلم أن هدم كنائس العنوة ~~جائز؛ إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين. فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة ~~المسلمين ونحو ذلك من الأسباب كما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن إجلاء ~~اليهود حتى أجلاهم عمر بن الخطاب # PageV28P640 # رضي الله عنه. وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب ~~ولا يخبروهم بشيء من أخبار المسلمين ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولي أمر ~~المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق ~~المسلمين وفي أحد القولين يكون قد نقض عهده وحل دمه وماله. ومن قال إن ~~المسلمين يحصل لهم ضرر إن لم يجابوا إلى ذلك لم يكن عارفا بحقيقة الحال؛ ~~فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام وكان ذلك أعظم المصائب عليهم وقد ألزموهم ~~بلبس الغيار وكان ذلك من أعظم المصائب عليهم؛ بل التتار في بلادهم خربوا ~~جميع كنائسهم وكان نوروز رحمه الله تعالى قد ألزموهم بلبس الغيار وضرب ~~الجزية والصغار. . . فكان ذلك من أعظم المصائب عليهم ومع هذا لم يدخل على ~~المسلمين بذلك إلا كل خير؛ فإن المسلمين مستغنون عنهم وهم إلى ما في بلاد ~~المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم لا ~~تقوم إلا بما في بلاد المسلمين والمسلمون ولله الحمد والمنة أغنياء عنهم في ~~دينهم ودنياهم. فأما نصارى الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم ~~لحاجتهم إليهم وإنما يتركونهم خوفا من التتار. فإن المسلمين عند التتار أعز ~~من النصارى وأكرم ولو قدر أنهم # PageV28P641 # قادرون على من عندهم من المسلمين فالمسلمون أقدر على من عندهم من ~~النصارى. والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة وغيرهم من علماء ~~النصارى ورهبانهم ممن ms8457 يحتاج إليهم أولئك النصارى وليس عند النصارى مسلم ~~يحتاج إليه المسلمون ولله الحمد مع أن فكاك الأسارى من أعظم الواجبات وبذل ~~المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات وكل مسلم يعلم أنهم لا يتجرون ~~إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم؛ لا لنفع المسلمين ولو منعهم ملوكهم من ذلك ~~لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة فإنهم أرغب الناس في المال ولهذا ~~يتقامرون في الكنائس. وهم طوائف مختلفون وكل طائفة تضاد الأخرى. ولا يشير ~~على ولي أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو تقوية ~~أمرهم - بوجه من الوجوه - إلا رجل منافق يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن ~~أو رجل له غرض فاسد مثل أن يكونوا برطلوه ودخلوا عليه برغبة أو رهبة أو رجل ~~جاهل في غاية الجهل لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان ~~المسلمين على أعدائه وأعداء الدين؛ وإلا فمن كان عارفا ناصحا له أشار عليه ~~بما يوجب نصره وثباته وتأييده واجتماع قلوب المسلمين عليه ومحبتهم له ودعاء ~~الناس له في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا كله # PageV28P642 # إنما يكون بإعزاز دين الله وإظهار كلمة الله وإذلال أعداء الله تعالى. ~~وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل؛ كيف مكنهم الله ~~وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء؛ لما قاموا من ذلك بما قاموا به. ~~وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله الله تعالى وكبته. وليس المسلمون ~~محتاجين إليهم ولله الحمد. فقد كتب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إلى ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: " إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم ~~خراج الشام إلا به " فكتب إليه: " لا تستعمله ". فكتب: " إنه لا غنى بنا ~~عنه " فكتب إليه عمر " لا تستعمله " فكتب إليه " إذا لم نوله ضاع المال " ~~فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - " مات النصراني والسلام ". وثبت في الصحيح ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مشركا لحقه ليقاتل معه فقال له: إني لا ~~أستعين بمشرك} وكما أن استخدام الجند المجاهدين إنما يصلح إذا كانوا ms8458 مسلمين ~~مؤمنين: فكذلك الذين يعاونون الجند في أموالهم وأعمالهم إنما تصلح بهم ~~أحوالهم إذا كانوا مسلمين مؤمنين وفي المسلمين كفاية في جميع مصالحهم ولله ~~الحمد. ودخل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه على عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - # PageV28P643 # - رضي الله عنه - فعرض عليه حساب العراق فأعجبه ذلك وقال: " ادع كاتبك ~~يقرؤه علي " فقال: " إنه لا يدخل المسجد " قال: " ولم؟ " قال: " لأنه ~~نصراني " فضربه عمر - رضي الله عنه - بالدرة فلو أصابته لأوجعته ثم قال: لا ~~تعزوهم بعد أن أذلهم الله ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله ولا تصدقوهم بعد ~~أن أكذبهم الله. والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية ~~لله ولرسوله ولعباده المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء عباده ~~المؤمنين وقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الصالحة هي العسكر الذي لا يغلب والجند ~~الذي لا يخذل فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة كما أخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ~~وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} {ها أنتم أولاء ~~تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} ~~{إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود # PageV28P644 # والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ~~أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} {يا أيها الذين آمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف ms8459 يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} {ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} . وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة ~~لأولي الألباب فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل ~~الذمة من كان له عز ومنعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أقوام من ~~المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان وفيهم منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون ~~الكفر: مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين وأمثاله وكانوا يخافون أن تكون ~~للكفار دولة فكانوا يوالونهم ويباطنونهم. قال الله تعالى: {فترى الذين في ~~قلوبهم مرض} أي نفاق وضعف إيمان {يسارعون فيهم} # PageV28P645 # أي في معاونتهم {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} فقال الله تعالى: {فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا} أي هؤلاء المنافقون الذين ~~يوالون أهل الذمة {على ما أسروا في أنفسهم نادمين} {ويقول الذين آمنوا ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا ~~خاسرين} . فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين ~~يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أخذ ~~جماعة من المسلمين في بلاد التتار وسبي وغير ذلك؛ بمطالعة أهل الذمة لأهل ~~دينهم. ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم: # كل العداوات ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين # ولهذا وغيره منعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين أو على مصلحة من يقويهم ~~أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين؛ بل استعمال من هو دونهم في ~~الكفاية أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم والقليل من الحلال يبارك فيه ~~والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى. والله أعلم وصلى الله على محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # PageV28P646 # و ### | سئل: # عن نصراني قسيس بجانب داره ساحة بها كنيسة خراب # لا سقف لها ولم يعلم أحد ms8460 من المسلمين وقت خرابها. فاشترى القسيس الساحة ~~وعمرها وأدخل الكنيسة في العمارة وأصلح حيطانها وعمرها وبقي يجمع النصارى ~~فيها وأظهروا شعارهم وطلبه بعض الحكام فتقوى واعتضد ببعض الأعراب وأظهر ~~الشر. # فأجاب: # ليس له أن يحدث ما ذكره من الكنيسة وإن كان هناك آثار كنيسة قديمة ببر ~~الشام فإن بر الشام فتحه المسلمون عنوة وملكوا تلك الكنائس؛ وجاز لهم ~~تخريبها باتفاق العلماء وإنما تنازعوا في وجوب تخريبها. وليس لأحد أن ~~يعاونه على إحداث ذلك ويجب عقوبة من أعانه على ذلك. وأما المحدث لذلك من ~~أهل الذمة فإنه في أحد قولي العلماء ينتقض عهده ويباح دمه وماله؛ لأنه خالف ~~الشروط التي شرطها عليهم المسلمون وشرطوا عليهم أن من نقضها فقد حل لهم ~~منها ما يباح من أهل الحرب. والله أعلم. # PageV28P647 # وقال - رحمه الله -: # في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} قد قيل: إنها ما أمر ~~الله به ورسوله. فإن هذه الآية كتبها النبي صلى الله عليه وسلم في أول ~~الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم لما بعثه عاملا على نجران وكتاب عمرو فيه ~~الفرائض والديات والسنن الواجبة بالشرع. وقوله للمؤمنين: {واذكروا نعمة ~~الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} وقد ذكر أهل ~~التفسير أن سبب نزولها مبايعته للأنصار ليلة العقبة فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم واثقهم على ما هو واجب بأمر الله من السمع له والطاعة وذكرهم ~~الله ذلك الميثاق ليوفوا به مع أنه لم يوجب إلا ما كان واجبا بأمر الله. ~~وهذه الآية أمرهم فيها بذكر نعمته عليهم وذكر ميثاقه. فذكر سببي الوجوب؛ ~~لأن الوجوب الثابت بالشرع ثابت بإيجاب الربوبية وهي إنعامه عليهم؛ ولهذا ~~جاء في الحديث: {أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه} . ولهذا كان عادة ~~المصنفين في " أصول الدين " أول ما يذكرون أول نعمة أنعمها الله على عباده ~~وأول ما وجب على عباده ويذكرون # PageV28P648 # " مسألة وجوب شكر المنعم " هل وجب مع الشرع بالعقل أم لا ولهذا كانت ~~طريقة القرآن تذكير العباد بآلاء الله ms8461 عليهم فإن ذلك يقتضي شكرهم له وهو ~~أداء الواجبات الشرعية. وقوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ~~وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا} الآية. إلى قوله: {فبما ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} والميثاق على ما هو واجب عليهم ~~من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل وتعزيرهم. وقد أخبر أنه ~~بنقضهم ميثاقهم لعناهم وأقسى قلوبهم؛ لا بمجرد المعصية للأمر فكان في هذا ~~أن عقوبة هذه الواجبات الموثقة بالعهود من جهة النقض أوكد. وقوله: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به} والأمر فيهم ~~كذلك. وقوله تعالى {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} {فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون} فإن كونه في الصالحين # PageV28P649 # واجب والصدقة المفروضة واجبة وقد روي أنها هي المنذورة. وهذا نص في أنه ~~يجب بالنذر ما كان واجبا بالشرع فإذا تركه عوقب لإخلاف الوعد الذي هو النذر ~~فإن النذر وعد مؤكد هكذا نقل عن العرب وهذه الآية تسمى النذر وعدا. وقوله: ~~{لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما ~~آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل} ورده إلى أبيه كان واجبا عليهم بلا ~~موثق. ومن الحرب المباحة دفع الظالم عن النفوس والأموال والأبضاع المعصومة. ~~وإنما جاءت الرخصة في السلم والحرب خاصة لأن هذين الموطنين مبناهما على ~~تأليف القلوب وتنفيرها فإذا تألفت فهي المسالمة وإذا تنافرت فهي المحاربة ~~والتأليف والتنفير يحصل بالتوهمات كما يحصل بالحقائق؛ ولهذا يؤثر قول الشعر ~~في التأليف والتنفير بحيث يحرك النفوس شهوة ونفرة تحريكا عظيما وإن لم يكن ~~الكلام منطبقا على الحق؛ لكن لأجل تخييل أو تمثيل. فلما كانت المسالمة ~~والمحاربة الشرعية يقوم فيها التوهم لما لا حقيقة له مقام توهم ما له حقيقة ms8462 ~~ولم يكن في المعارض إلا الإيهام بما لا حقيقة له والناطق لم يعن إلا الحق ~~صار ذلك حقا وصدقا عند المتكلم وموهما للمستمع توهما يؤلفه تأليفا يحبه ~~الله ورسوله أو ينفره تنفيرا يحبه الله ورسوله بمنزلة تأليفه وتنفيره ~~بالأشعار التي فيها تخييل وتمثيل وبمنزلة # PageV28P650 # الحكايات التي فيها الأمثال المضروبة. فإن الأمثال المنظومة والمنثورة ~~إذا كانت حقا مطابقا فهي من الشعر الذي هو حكمة وإن كان فيها تشبيهات شديدة ~~وتخييلات عظيمة أفادت تأليفا وتنفيرا. # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # في شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم ~~الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وعليه العمل عند ~~أئمة المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} وقوله صلى الله عليه وسلم ~~{اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر} لأن هذا صار إجماعا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه ~~من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذه الشروط مروية من وجوه ~~مختصرة ومبسوطة. منها ما رواه # PageV28P651 # سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال: كتب عمر رضي الله عنه ~~حين صالح نصارى الشام كتابا وشرط عليهم فيه: أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما ~~حولها ديرا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب ولا يجددوا ما خرب ولا ~~يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يأووا ~~جاسوسا ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ~~ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن ~~يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من ~~لباسهم: من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتكنوا بكناهم ولا ~~يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ms8463 ولا يتخذوا شيئا من سلاحهم ولا ينقشوا ~~خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رءوسهم وأن يلزموا ~~زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبا ولا ~~شيئا من كتبهم في شيء من طريق المسلمين ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا ~~يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في ~~شيء في حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا ~~يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين. فإن ~~خالفوا شيئا مما اشترط عليهم فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم # PageV28P652 # ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. وأما ما يرويه بعض العامة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " من آذى ذميا فقد آذاني " فهذا كذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من أهل العلم. وكيف ذلك وأذاهم قد يكون بحق ~~وقد يكون بغير حق بل قد قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} فكيف يحرم أذى الكفار ~~مطلقا؟ وأي ذنب أعظم من الكفر؟ . ولكن في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية ~~- رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله لم يأذن لكم ~~أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب أبشارهم ولا أكل ثمارهم إذا ~~أعطوكم الذي عليهم} وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أذلوهم ولا ~~تظلموهم. وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ألا من ظلم معاهدا ~~أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس. فأنا حجيجه ~~يوم القيامة} . وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - قال: قال # PageV28P653 # رسول الله صلى الله عليه وسلم {ليس على مسلم جزية ولا تصلح قبلتان ms8464 بأرض} ~~. وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتبوعة وغيرها في ~~كتبهم واعتمدوها؛ فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة بالتميز عن ~~المسلمين في لباسهم وشعورهم وكناهم وركوبهم: بأن يلبسوا أثوابا تخالف ثياب ~~المسلمين: كالعسلي والأزرق والأصفر والأدكن ويشدوا الخرق في قلانسهم ~~وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم. وقد أطلق طائفة من العلماء أنهم يؤخذون ~~باللبس وشد الزنانير جميعا ومنهم من قال: هذا يجب إذا شرط عليهم. وقد تقدم ~~اشتراط عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذلك عليهم جميعا حيث قال: ولا ~~يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا غيرها: من عمامة ولا ~~نعلين. إلى أن قال: ويلزمهم بذلك حيث ما كانوا ويشدوا الزنانير على ~~أوساطهم. وهذه الشروط ما زال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور ~~المسلمين كما جدد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - في خلافته وبالغ في ~~اتباع سنة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - # PageV28P654 # حيث كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله تعالى ~~بها على غيره من الأئمة وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا ~~بهدم الكنائس التي ينبغي هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي ~~وجوب هدمها قولان: ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت. ولو ~~أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ~~ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد بتلك البقاع بحيث بنيت فيها المساجد: فلا ~~يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا ~~يجتمع قبلتان بأرض} ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون - رضي الله عنهم - أن لا ~~يظهروا شعائر دينهم. وأيضا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز ~~أن تحبس على الديارات والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم ~~إلينا لم نحكم بصحة الوقف. فكيف بحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي ~~يشرك فيها بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب. وكان من سبب إحداث هذه ms8465 ~~الكنائس وهذه الأحباس عليها # PageV28P655 # شيئان. " أحدهما ": أن بني عبيد القداح - الذين كان ظاهرهم الرفض وباطنهم ~~النفاق - يستوزرون تارة يهوديا وتارة نصرانيا واجتلب ذلك النصراني خلقا ~~كثيرا وبنى كنائس كثيرة. " والثاني ": استيلاء الكتاب من النصارى على أموال ~~المسلمين فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاءون. والله أعلم. وصلى الله على ~~محمد. # وقال الشيخ - رحمه الله -: # تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد ~~متظاهرة. لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال ولا تدور لهم في خيال. والحمد لله ~~حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. إلى أن قال: والحق دائما ~~في انتصار وعلو وازدياد والباطل في انخفاض وسفال ونفاد. وقد أخضع الله رقاب ~~الخصوم وأذلهم غاية الذل وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ما يطول وصفه. ~~ونحن - ولله الحمد - قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام ~~والسنة وانقماع الباطل والبدعة وقد دخلوا في ذلك كله وامتنعنا حتى يظهروا ~~ذلك إلى الفعل. فلم نثق لهم بقول # PageV28P656 # ولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم. حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا ~~ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو ~~سيئاتهم. وقد أمد الله من الأسباب التي فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر ~~والبدعة: بأمور يطول وصفها في كتاب. وكذلك جرى من الأسباب التي هي عز ~~الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم شوكة ~~وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل كبير من الناس فلطف الله باستعمالنا في ~~بعض ما أمر الله به ورسوله. وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين. وتأليف ~~قلوبهم وقيامهم على اليهود والنصارى وذل المشركين وأهل الكتاب مما هو من ~~أعظم نعم الله على عباده المؤمنين. ووصف هذا يطول. وقد أرسلت إليكم كتابا ~~أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي. فترسلون ~~ذلك إن شاء الله تعالى وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي فإنه ~~يقلب الكتب ويخرج المطلوب. وترسلون أيضا من ms8466 تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط ~~القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلدا وإلا فمن أوله مجلدا ~~أو مجلدين أو ثلاثة. وذكر كتبا يطلبها منهم. # PageV28P657 # ما تقول السادة العلماء: (*) # في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم ~~المألوف وذلك أن السلطان ألزمهم بتغيير عمائمهم وأن تكون خلاف عمائم ~~المسلمين فحصل بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه ~~السفهاء والرعاع وآذوهم غاية الأذى وطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم. ~~فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول ~~التمييز بعلامة يعرفون بها؟ وهل ذلك مخالف للشرع أم لا؟ . # قال ابن القيم: # فأجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن للإمام إعادتهم إلى ~~ما كانوا عليه. قال شيخنا: فجاءتني الفتوى. فقلت: لا تجوز إعادتهم ويجب ~~إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين. فذهبوا ثم غيروا الفتيا ثم ~~جاءوا بها في قالب آخر فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا ثم أتوا بها في قالب ~~آخر فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب. قال ابن القيم: ثم ~~ذهب شيخ الإسلام إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون فأطبق ~~القوم على إبقائهم. ولله الحمد والمنة. PageV28P658 # و ### | سئل: # عن الرهبان الذين يشاركون الناس في غالب الدنيا: # فيتجرون ويتخذون المزارع وأبراج الحمام وغير ذلك من الأمور التي يتخذها ~~سائر الناس فيما هم فيه الآن. وإنما ترهب أحدهم في اللباس وترك النكاح وأكل ~~اللحم والتعبد بالنجاسة ونحو ذلك. وقد صار من يريد إسقاط الجزية من النصارى ~~يترهب هذا الترهب لسقوط الجزية عنه ويأخذون من الأموال المحبوسة والمنذورة ~~ما يأخذون. فهل يجوز أخذ الجزية من هؤلاء أم لا؟ وهل يجوز إسكانهم بلاد ~~المسلمين مع رفع الجزية عنهم أم لا؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، الرهبان الذين تنازع العلماء في قتلهم وأخذ الجزية منهم: هم ~~المذكورون في الحديث المأثور عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ms8467 أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه ~~أميرا على فتح الشام فقال له في وصيته: وستجدون أقواما قد # PageV28P659 # حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم وما حبسوا أنفسهم له وستجدون أقواما قد ~~فحصوا عن أوساط رءوسهم فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف وذلك بأن الله يقول: ~~{فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} . وإنما نهى عن قتل ~~هؤلاء؛ لأنهم قوم منقطعون عن الناس محبوسون في الصوامع يسمى أحدهم حبيسا لا ~~يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا ولا يخالطونهم في ~~دنياهم؛ ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به. فتنازع العلماء في قتلهم ~~كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى والزمن ~~والشيخ الكبير ونحوه؛ كالنساء والصبيان. فالجمهور يقولون: لا يقتل إلا من ~~كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة وإلا كان كالنساء والصبيان. ~~ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل وإنما استثنى النساء ~~والصبيان؛ لأنهم أموال. وعلى هذا الأصل ينبني أخذ الجزية. وأما الراهب الذي ~~يعاون أهل دينه بيده ولسانه: مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال أو ~~نوع من التحضيض: فهذا يقتل باتفاق العلماء إذا قدر عليه وتؤخذ منه الجزية ~~وإن كان حبيسا منفردا في متعبده. فكيف بمن هم كسائر النصارى في معايشهم ~~ومخالطتهم الناس واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات؛ # PageV28P660 # واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم وإنما تميزوا على غيرهم بما يغلظ كفرهم ~~ويجعلهم أئمة في الكفر مثل التعبد بالنجاسات وترك النكاح واللحم واللباس ~~الذي هو شعار الكفر لا سيما وهم الذين يقيمون دين النصارى بما يظهرونه من ~~الحيل الباطلة التي صنف الفضلاء فيها مصنفات ومن العبادات الفاسدة وقبول ~~نذورهم وأوقافهم. والراهب عندهم شرطه ترك النكاح فقط وهم مع هذا يجوزون أن ~~يكون بتركا وبطرقا وقسيسا وغيرهم من أئمة الكفر الذين يصدرون عن أمرهم ~~ونهيهم؛ ولهم أن يكتسبوا الأموال كما لغيرهم مثل ذلك. فهؤلاء لا يتنازع ~~العلماء في أنهم من أحق ms8468 النصارى بالقتل عند المحاربة وبأخذ الجزية عند ~~المسالمة وأنهم من جنس أئمة الكفر الذين قال فيهم الصديق رضي الله عنه ما ~~قال وتلا قوله تعالى {فقاتلوا أئمة الكفر} . ويبين ذلك أنه سبحانه وتعالى ~~قد قال: {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله} وقد قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون} . فهل يقول عالم: إن أئمة الكفر الذين يصدون عوامهم عن سبيل # PageV28P661 # الله ويأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بأن يتخذوا أربابا من دون الله: ~~لا يقاتلون ولا تؤخذ منهم الجزية؛ مع كونها تؤخذ من العامة الذين هم أقل ~~منهم ضررا في الدين وأقل أموالا. لا يقوله من يدري ما يقول. وإنما وقعت ~~الشبهة لما في لفظ الراهب من الإجمال والاشتراك وقد بينا أن الأثر الوارد ~~مقيد مخصوص وهو يبين المرفوع في ذلك. وقد اتفق العلماء على أن علة المنع هو ~~ما بيناه. فهؤلاء الموصوفون تؤخذ منهم الجزية بلا ريب ولا نزاع بين أئمة ~~العلم فإنه ينتزع منهم ولا يحل أن يترك شيء من أرض المسلمين التي فتحوها ~~عنوة وضرب الجزية عليها؛ ولهذا لم يتنازع فيه أهل العلم: من أهل المذاهب ~~المتبوعة: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: أن أرض مصر كانت ~~خراجية وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم؛ حيث قال صلى الله ~~عليه وسلم {منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت ~~مصر إردبها ودرهمها وعدتم من حيث بدأتم} لكن المسلمون لما كثروا نقلوا أرض ~~السواد في أوائل الدولة العباسية من المخارجة إلى المقاسمة ولذلك نقلوا مصر ~~إلى أن استغلوها هم كما هو الواقع اليوم ولذلك رفع عنها الخراج. ومثل هذه ~~الأرض لا يجوز باتفاق المسلمين أن تجعل حبسا على # PageV28P662 # مثل هؤلاء يستغلونها بغير عوض. فعلم أن انتزاع هذه الأرضين منهم واجب ~~باتفاق علماء المسلمين؛ وإنما استولوا عليها بكثرة المنافقين من المنتسبين ~~إلى ms8469 الإسلام في الدولة الرافضية واستمر الأمر على ذلك وبسبب كثرة الكتاب ~~والدواوين منهم ومن المنافقين: يتصرفون في أموال المسلمين بمثل هذا كما هو ~~معروف من عمل الدواوين الكافرين والمنافقين. ولهذا يوجد لمعابد هؤلاء ~~الكفار من الأحباس ما لا يوجد لمساجد المسلمين ومساكنهم: للعلم والعبادة؛ ~~مع أن الأرض كانت خراجية باتفاق علماء المسلمين. ومثل هذا لا يفعله من يؤمن ~~بالله ورسوله وإنما يفعله الكفار والمنافقون ومن لبسوا عليه ذلك من ولاة ~~أمور المسلمين. فإذا عرف ولاة أمور المسلمين الحال عملوا في ذلك ما أمر ~~الله به ورسوله. والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله على محمد. # PageV28P663 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يهودي معه كتاب يدعي أنه خط علي بن أبي طالب يمتنع به عن الجزية ~~وله مدة لم يعطها. # فأجاب: # كل كتاب تدعيه اليهود بإسقاط الجزية من علي أو غيره فهو كذب يستحقون ~~العقوبة عليه مع أخذ الجزية منهم وتؤخذ منه الجزية الماضية. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن اليهود والنصارى إذا اتخذوا خمورا. هل يحل للمسلم إراقتها عليهم وكسر ~~أوانيهم وهجم بيوتهم لذلك أم لا؟ وهل يجوز هجم بيوت المسلمين إذا علم أو ظن ~~أن بها خمرا؛ من غير أن يظهر شيء من ذلك؛ لتراق وتكسر الأواني ويتجسس على ~~مواضعه أم لا؟ وهل يحرم على الفاعل ذلك أم لا؟ إذا كان مأمورا من جهة ~~الإمام بذلك؟ أم يكون معذورا بمجرد الأمر دون الإكراه؟ . وإذا # PageV28P664 # خشي من مخالفة الأمر وقوع محذور به فهل يكون عذرا له أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما أهل الذمة فإنهم وإن أقروا على ما يستحقون به في دينهم ~~فليس لهم أن يبيعوا المسلم خمرا ولا يهدونها إليه ولا يعاونوه عليها بوجه ~~من الوجوه فليس لهم أن يعصروها لمسلم ولا يحملوها له ولا يبيعوها من مسلم ~~ولا ذمي. وهذا كله مما هو مشروط عليهم في عقد الذمة ومتى فعلوا ذلك استحقوا ~~العقوبة التي تردعهم وأمثالهم عن ذلك. وهل ينتقض عهدهم بذلك وتباح دماؤهم ~~وأموالهم؟ على قولين في مذهب ms8470 الإمام أحمد وغيره. وكذلك ليس لهم أن يستعينوا ~~بجاه أحد ممن يخدمونه أو ممن أظهر الإسلام منهم. أو غيرهما على إظهار شيء ~~من المنكرات؛ بل كما تجب عقوبتهم تجب عقوبة من يعينهم بجاهه أو غير جاهه ~~على شيء من هذه الأمور. وإذا شرب الذمي الخمر. فهل يحد على ثلاثة أقوال ~~للفقهاء. قيل: يحد. وقيل: لا يحد. وقيل يحد إن سكر. وهذا إذا أظهر ذلك بين ~~المسلمين وأما ما يختفون به في بيوتهم من غير ضرر بالمسلمين بوجه من الوجوه ~~فلا يتعرض لهم. وعلى هذا فإذا كانوا لا ينتهون عن إظهار الخمر أو معاونة ~~المسلمين عليها أو بيعها وهديها للمسلمين إلا بإراقتها # PageV28P665 # عليهم فإنها تراق عليهم؛ مع ما يعاقبون به؛ إما بما يعاقب به ناقض العهد ~~وإما بغير ذلك. # و ### | سئل: # عن اليهود بمصر من أمصار المسلمين وقد كثر منهم بيع الخمر # لآحاد المسلمين وقد كثرت أموالهم من ذلك وقد شرط عليهم سلطان المسلمين أن ~~لا يبيعوها للمسلمين ومتى فعلوا ذلك حل منهم ما يحل من أهل الحرب. فماذا ~~يستحقون من العقوبة؟ وهل للسلطان أن يأخذ منهم الأموال التي اكتسبوها من ~~بيع الخمر أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، يستحقون على ذلك العقوبة التي تردعهم وأمثالهم عن ذلك وينتقض ~~بذلك عهدهم في أحد قولي العلماء في مذهب أحمد وغيره. وإذا انتقض عهدهم حلت ~~دماؤهم وأموالهم وحل منهم ما يحل من المحاربين الكفار وللسلطان أن يأخذ ~~منهم هذه الأموال التي قبضوها من أموال المسلمين بغير حق ولا يردها إلى من ~~اشترى منهم الخمر فإنهم إذا علموا أنهم ممنوعين من شرب الخمر وشرائها ~~وبيعها فاشتروها كانوا بمنزلة من يبيع الخمر من المسلمين ومن باع خمرا لم ~~يملك ثمنه. فإذا كان المشتري قد أخذ الخمر فشربها لم # PageV28P666 # يجمع له بين العوض والمعوض؛ بل يؤخذ هذا المال فيصرف في مصالح المسلمين ~~كما قيل في مهر البغي وحلوان الكاهن وأمثال ذلك مما هو عوض عن عين أو منفعة ~~محرمة إذا كان العاصي قد استوفى العوض. وهذا بخلاف ms8471 ما لو باع ذمي لذمي خمرا ~~سرا فإنه لا يمنع من ذلك. وإذا تقابضا جاز أن يعامله المسلم بذلك الثمن ~~الذي قبضه من ثمن الخمر كما قال عمر رضي الله عنه ولوهم بيعها وخذوا منهم ~~أثمانها؛ بل أبلغ من ذلك أنه يجوز للإمام أن يخرب المكان الذي يباع فيه ~~الخمر كالحانوت والدار كما فعل ذلك عمر بن الخطاب حيث أخرب حانوت رويشد ~~الثقفي وقال: إنما أنت فويسق لست برويشد وكما أحرق علي بن أبي طالب قرية ~~كان يباع فيها الخمر. وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء. # PageV28P667 # و ### | سئل: # عن يهودي قال: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب يتعصبون علينا # وكان قد خاصمه بعض المسلمين. # فأجاب - رحمه الله -: # إذا كان أراد بشتمه طائفة معينة من المسلمين فإنه يعاقب على ذلك عقوبة ~~تزجره وأمثاله عن مثل ذلك وأما إن ظهر منه قصد العموم فإنه ينتقض عهده بذلك ~~ويجب قتله. PageV28P668 # الجزء التاسع والعشرون # كتاب الفقه # الجزء التاسع: البيع # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها فنذكر فيها قواعد ~~جامعة عظيمة المنفعة؛ فإن القول فيها كالقول في العبادات. فمن ذلك " صفة ~~العقود " فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التي قد ~~يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك البيع والإجارة والهبة ~~والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك. وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في مذهب ~~أحمد - يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل، كالبيع والوقف ويكون تارة ~~رواية مخرجة، كالهبة والإجارة. ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند ~~العجز عنها كما في إشارة الأخرس ويقيمون أيضا الكتابة في مقام العبارة عند ~~الحاجة # PageV29P005 # وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها كما في ~~الهدي إذا عطب دون محله فإنه ينحر ثم يضمخ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة ~~للناس، ومن أخذه ملكه وكذلك الهدية ونحو ذلك. لكن ms8472 الأصل عندهم هو اللفظ؛ ~~لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله: {إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} وقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} والمعاني التي في النفس ~~لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من ~~المعاطاة ونحوها تحتمل وجوها كثيرة؛ ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في ~~المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات. القول الثاني: إنها تصح بالأفعال ~~فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف في مثل من بنى مسجدا ~~وأذن للناس في الصلاة فيه أو سبل أرضا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها ~~للناس وكبعض أنواع الإجارة: كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ~~ركب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال ~~الدالة عليها لفسدت أمور الناس؛ ولأن الناس من لدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ؛ بل بالفعل ~~الدال على المقصود وهذا هو الغالب على أصول # PageV29P006 # أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي بخلاف المعاطاة في ~~الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به العرف. القول الثالث: إنها ~~تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عده الناس بيعا وإجارة ~~فهو بيع وإجارة؛ وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد ~~عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس لذلك حد مستمر؛ لا في ~~شرع ولا في لغة. بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم. فإن لفظ ~~البيع والإجارة في لغة العرب ليس هو اللفظ الذي في لغة الفرس أو الروم أو ~~الترك أو البربر أو الحبشة؛ بل قد تختلف أنواع اللغة الواحدة ولا يجب على ~~الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم التعاقد ~~بغير ما يتعاقد به غيرهم؛ إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم وإن كان ~~قد يستحب بعض الصفات ms8473 وهذا هو الغالب على أصول مالك، وظاهر مذهب أحمد. ولهذا ~~يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا؛ وإن كان قد # PageV29P007 # وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر؛ بأن يقول: خذ هذا لله فيأخذه. أو ~~يقول: أعطني خبزا بدرهم فيعطيه. أو لم يوجد لفظ من أحدهما؛ بأن يضع الثمن ~~ويقبض جرزة البقل أو الحلواء أو غير ذلك. كما يتعامل به غالب الناس، أو يضع ~~المتاع ليوضع له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما يجلبه التجار ~~على عادة بعض أهل المشرق. فكل ما عده الناس بيعا فهو بيع، وكذلك في الهبة ~~مثل الهدية، ومثل تجهيز الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت ~~العادة جارية بأنه عطية لا عارية. وكذلك الإجارات: مثل ركوب سفينة الملاح ~~المكاري وركوب دابة الجمال؛ أو الحمار أو البغال المكاري على الوجه المعتاد ~~أنه إجارة ومثل الدخول إلى حمام الحمامي: يدخلها الناس بالأجرة ومثل دفع ~~الثوب إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواء يطبخ ~~أو يشوي للآخر سواء شوى اللحم مشروحا أو غير مشروح. حتى اختلف أصحابه هل ~~يقع الخلع بالمعاطاة مثل أن تقول اخلعني بهذه الألف أو بهذا الثوب فيقبض ~~العوض على الوجه المعتاد أنه رضي منه بالمعاوضة فذهب العكبريون: كأبي حفص ~~وأبي علي بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح وذكروا من كلام أحمد ومن كلام غيره # PageV29P008 # من السلف من الصحابة والتابعين ما يوافق قولهم، ولعله هو الغالب على ~~نصوصه؛ بل قد نص على أن الطلاق يقع بالفعل والقول، واحتج على أنه يقع ~~بالكتاب بقول النبي صلى الله عليه وسلم " {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به} قال: وإذا كتب فقد عمل. وذهب البغداديون ~~الذين كانوا في ذلك الوقت كأبي عبد الله بن حامد ومن اتبعهم كالقاضي أبي ~~يعلى ومن سلك سبيله: أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام وذكروا من كلام أحمد ما ~~اعتمدوه في ذلك؛ بناء على ms8474 أن الفرقة فسخ النكاح والنكاح يفتقر إلى لفظ، ~~فكذلك فسخه. وأما النكاح: فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي ~~الخطاب وعامة المتأخرين: إنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله ~~الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكناية لأن الكناية تفتقر إلى نية ~~والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة. ومنعوا من ~~انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك. وقال أكثر ~~هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنه لا ينعقد إلا بلفظ العربية لمن ~~يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان، وإن قدر على ~~تعلمها ففيه وجهان؛ # PageV29P009 # بناء على أنه مختص بهذين اللفظين وأن فيه شوب التعبد. وهذا - مع أنه ليس ~~منصوصا عن أحمد - فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصا ~~في ذلك وإنما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث: إذا وهبت نفسها لرجل فليس ~~بنكاح؛ فإن الله تعالى قال: {خالصة لك من دون المؤمنين} وهذا إنما هو نص ~~على منع ما كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وهو النكاح بغير مهر؛ بل ~~قد نص أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت ~~عتقك صداقك. وبقوله: جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من ~~جواباته. فاختلف أصحابه فأما أبو عبد الله بن حامد: فطرد قياسه وقال: لا بد ~~مع ذلك من أن يقول: تزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا ~~بهاتين الصيغتين. وأما القاضي أبو يعلى وغيره: فجعلوا هذه الصورة مستثناة ~~من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأن ذلك من صور الاستحسان. وذكر ابن ~~عقيل قولا في المذهب: أنه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؛ لنص أحمد بهذا. ~~وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله. ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه. فإن أصحاب ~~مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؟ على # PageV29P010 # قولين. والمنصوص عنه إنما هو منع ما اختص به النبي صلى ms8475 الله عليه وسلم من ~~هبة البضع بغير مهر. قال ابن القاسم: وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا ~~أحفظه عن مالك. فهو عندي جائز. وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ~~ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما؛ فإن الحكم مبني على مقدمتين: ~~إحداهما: أن ما سوى ذلك كناية وأن الكناية تفتقر إلى النية، ومذهبهما ~~المشهور: أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية؛ ~~ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح. ~~ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة: من اجتماع الناس لذلك والتحدث ~~بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك: ملكتكها لك بألف درهم. علم الحاضرون ~~بالاضطرار أن المراد به الإنكاح. وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا ~~عقده: إملاكا وملاكا، ولهذا روى الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم لخاطب ~~الواهبة - الذي التمس فلم يجد خاتما من حديد - رووه تارة: " {أنكحتكها بما ~~معك من القرآن} وتارة: " ملكتكها " وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يثبت عنه أنه اقتصر على " ملكتكها "؛ بل إما أنه قالهما جميعا أو قال ~~أحدهما؛ لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء # PageV29P011 # رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا. ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في ~~غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية؛ إذ النكاح يصح من ~~الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة. ومعلوم أن العتق ~~لا يتعين له لفظ؛ لا عربي ولا عجمي. وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين ~~لها لفظ عربي بالإجماع ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم ~~المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تكره ~~العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية ~~لغير حاجة: لكان متوجها كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على ~~كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة. وقد ذكرنا هذه ms8476 المسألة في ~~غير هذا الموضع. وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أحمد؛ كالقاضي أبي ~~يعلى وابن عقيل والمتأخرين: أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم. فما ~~اعتقدوه نكاحا بينهم جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم ~~يكن حينئذ مشتملا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يجز الإقرار ~~عليه حتى قالوا: لو قهر حربي حربية فوطئها # PageV29P012 # أو طاوعته واعتقداه نكاحا أقرا عليه وإلا فلا. ومعلوم أن كون القول أو ~~الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر وإنما اختص المسلم ~~بأن الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح، كما قال تعالى: {محصنين غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان} وقال: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} ~~فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن ~~التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته، ولهذا ~~جاء في الأثر: " {المرأة لا تزوج نفسها} فإن البغي هي التي تزوج نفسها وأمر ~~فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعا: ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في ~~مذهب أحمد. ومن اقتصر على الإشهاد علله بأن به يحصل الإعلان المميز له عن ~~السفاح وبأنه يحفظ النسب عند التجاحد. فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في ~~الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة. فأما التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ~~ولا نظر. وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل ~~على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي ~~تعرفها القلوب. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: # PageV29P013 # {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقال: {وأنكحوا الأيامى منكم} وقال: ~~{وأحل الله البيع} وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ~~وقال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وقال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن} وقال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} - إلى قوله - {إلا ~~أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا ~~إذا ms8477 تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} وقال: {مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} وقال: {يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات} . وقال: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعف لهم} . وقال: {فتحرير رقبة} . وقال: {فطلقوهن لعدتهن} . وقال: ~~{فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} . إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها ~~هذه العقود: إما أمرا وإما إباحة والمنهي فيها عن بعضها كالربا؛ فإن ~~الدلالة فيها من وجوه: أحدها: أنه اكتفى بالتراضي في البيع في قوله: {إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم} وبطيب النفس في التبرع في قوله {فإن طبن # PageV29P014 # لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} فتلك الآية في جنس المعاوضات، ~~وهذه الآية في جنس التبرعات ولم يشترط لفظا معينا ولا فعلا معينا يدل على ~~التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم ~~وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة. والعلم به ضروري في ~~غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بهما ~~بدلالة القرآن. وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ~~ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا؛ فإن جحد ~~الضروريات قد يقع كثيرا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة ~~بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها؛ ولهذا قلنا: إن الأخبار ~~المتواترة يحصل بها العلم حيث لا تواطؤ على الكذب؛ لأن الفطر السليمة لا ~~تتفق على الكذب. فأما مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب. ~~الوجه الثاني: أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها ~~أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس ~~والقمر والبر والبحر والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع ms8478 كالمؤمن والكافر ~~والمنافق وكالصلاة والزكاة # PageV29P015 # والصيام والحج. وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى ~~عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم " {من ابتاع طعاما ~~فلا يبعه حتى يقبضه} . ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد ~~الشارع لها حدا؛ لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة ~~والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ~~ذلك: من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة؛ بل قد قيل: إن هذا القول مما ~~يخالف الإجماع القديم وإنه من البدع. وليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال: ~~إن أهل اللغة يسمون هذا بيعا ولا يسمون هذا بيعا حتى يدخل أحدهما في خطاب ~~الله ولا يدخل الآخر؛ بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا: ~~دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعا، والأصل بقاء اللغة وتقريرها؛ لا نقلها ~~وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف ~~الناس وعاداتهم. فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة. الوجه ~~الثالث: أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها ~~دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن ~~العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما ~~العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما # PageV29P016 # يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه ~~وتعالى. وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورا ~~بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة وما لم يثبت من ~~العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من ~~فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ~~ما شرعه الله تعالى. وإلا دخلنا في معنى قوله: {أم لهم ms8479 شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} . والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ~~ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا} ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما ~~لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى {وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ~~فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما ~~يحكمون} {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} {وقالوا هذه ~~أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا ~~يذكرون اسم # PageV29P017 # الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون} فذكر ما ابتدعوه من ~~العبادات ومن التحريمات، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال {: قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء ~~فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا} . وهذه " قاعدة عظيمة نافعة ". وإذا كان كذلك. فنقول: ~~البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في ~~معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات ~~بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ~~ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. ~~وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. ~~كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. وإن كان بعض ذلك قد ~~يستحب أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على ~~الإطلاق الأصلي. وأما السنة والإجماع: فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والتابعين من ms8480 أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات: # PageV29P018 # علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين. والآثار في ذلك ~~كثيرة ليس هذا موضعها، إذ الغرض التنبيه على القواعد. وإلا فالكلام في ~~أعيان المسائل له موضع غير هذا. فمن ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بنى مسجده والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته ولم يأمر أحدا أن ~~يقول: وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ؛ بل قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة} فعلق الحكم بنفس ~~بنائه، وفي الصحيحين: {أنه لما اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب ~~قال: هو لك يا عبد الله بن عمر} ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول. وكان يهدي ~~ويهدى له، فيكون قبض الهدية قبولها. ولما نحر البدنات قال: " {من شاء ~~اقتطع} مع إمكان قسمتها. فكان هذا إيجابا وكان الاقتطاع هو القبول. وكان ~~يسأل فيعطي أو يعطي من غير سؤال فيقبض المعطى. ويكون الإعطاء هو الإيجاب ~~والأخذ هو القبول: في قضايا كثيرة جدا؛ ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ولا ~~يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة كما في إعطائه للمؤلفة قلوبهم وللعباس وغيرهم. ~~وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ونحوها ~~من المدلسات. # PageV29P019 # وأيضا: فإن التصرفات جنسان: عقود وقبوض. كما جمعهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: " {رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى ~~سمحا إذا اقتضى} ويقول الناس: البيع والشراء والأخذ والعطاء. والمقصود من ~~العقود: إنما هو القبض والاستيفاء؛ فإن المعاقدات تفيد وجوب القبض أو ~~جوازه؛ بمنزلة إيجاب الشارع. ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود بمنزلة فعل ~~المأمور به في الشرعيات. والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد كالعقد، وتتعلق به ~~أحكام شرعية كما تتعلق بالقبض، فإذا كان المرجع في القبض إلى عرف الناس ~~وعاداتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات: فكذلك ~~العقود، وإن حررت عبارته. قلت: أحد نوعي التصرفات، فكان المرجع ms8481 فيه إلى ~~عادة الناس كالنوع الآخر. ومما يلتحق بهذا: أن الإذن العرفي في الإباحة أو ~~التمليك أو التصرف بطريق الوكالة: كالإذن اللفظي. فكل واحد من الوكالة ~~والإباحة ينعقد بما يدل عليها من قول وفعل والعلم برضى المستحق يقوم مقام ~~إظهاره للرضى. وعلى هذا يخرج مبايعة النبي # PageV29P020 # صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن عفان بيعة الرضوان وكان غائبا وإدخاله ~~أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون استئذانهما؛ لعلمه أنهما ~~راضيان بذلك. ولما دعاه صلى الله عليه وسلم اللحام سادس ستة: اتبعهم رجل ~~فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي. وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصري: أن ~~أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه قال: ذكرتموني أخلاق قوم قد مضوا. ~~وكذلك معنى قول أبي جعفر: إن الإخوان من يدخل أحدهم يده في جيب صاحبه. ~~فيأخذ منه ما شاء. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن استوهبه كبة شعر " ~~{أما ما كان لي ولبني عبد المطلب: فقد وهبته لك} . وكذلك إعطاؤه المؤلفة ~~قلوبهم عند من يقول: إنه أعطاهم من أربعة الأخماس. وعلى هذا خرج الإمام ~~أحمد بيع حكيم بن حزام وعروة بن الجعد لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار؛ فإن التصرف بغير ~~استئذان خاص: تارة بالمعاوضة وتارة بالتبرع وتارة بالانتفاع مأخذه: إما إذن ~~عرفي عام أو خاص. # PageV29P021 # فصل: # القاعدة الثانية في العقود حلالها وحرامها # والأصل في ذلك: أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل. وذم ~~الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وذم اليهود على أخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل. وهذا يعم كل ما يؤكل ~~بالباطل في المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق. ~~وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا ~~والميسر. فذكر ### | تحريم الربا # الذي هو ضد الصدقة في آخر " سورة البقرة " " وسورة آل عمران " " والروم " ~~" والمدثر ". وذم اليهود عليه في " سورة النساء " وذكر تحريم الميسر في " ~~سورة ms8482 المائدة ". ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله في ~~كتابه. فنهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. كما رواه مسلم وغيره عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه. والغرر: هو المجهول العاقبة. فإن بيعه من الميسر الذي ~~هو القمار. وذلك: أن العبد إذا أبق # PageV29P022 # أو الفرس أو البعير إذا شرد؛ فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة ~~فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير. فإن حصل له قال البائع: قمرتني وأخذت ~~مالي بثمن قليل وإن لم يحصل قال المشتري: قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض ~~فيفضي إلى مفسدة الميسر: التي هي إيقاع العداوة والبغضاء مع ما فيه من أكل ~~المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم. ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء. ومن ~~نوع الغرر ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة ~~والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع ~~الملامسة والمنابذة ونحو ذلك: كله من نوع الغرر. وأما الربا: فتحريمه في ~~القرآن أشد ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ~~وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه. وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم ~~بظلمهم وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل. وأخبر ~~سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات. وكلاهما أمر مجرب عند الناس. # PageV29P023 # وذلك: أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا ~~حالة بألف ومائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف. وإنما يأخذ المال ~~بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ~~بخلاف الميسر، فإن المظلوم فيه غير مفتقر ولا هو محتاج إلى العقد. وقد تخلو ~~بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها والربا ms8483 ~~فيه ظلم محقق للمحتاج، ولهذا كان ضد الصدقة، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى ~~أوجب عليهم إعطاء الفقراء؛ فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا ~~تتم إلا بذلك، فإذا أربى معه فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه ~~وظلمه زيادة أخرى والغريم محتاج إلى دينه. فهذا من أشد أنواع الظلم؛ ~~ولعظمته لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكله وهو الآخذ وموكله وهو المحتاج ~~المعطى للزيادة وشاهديه وكاتبه لإعانتهم عليه. ثم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها إلى الفساد المحقق - كما حرم ~~قليل الخمر؛ لأنه يدعو إلى كثيرها - مثل ربا الفضل؛ فإن الحكمة فيه قد تخفى ~~إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين؛ إلا لاختلاف الصفات. مثل: كون الدرهم ~~صحيحا، والدرهمين مكسورين أو كون الدرهم مصوغا أو من نقد نافق ونحو ذلك؛ ~~ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية # PageV29P024 # وغيرهما فلم يروا به بأسا حتى أخبرهم الصحابة الأكابر - كعبادة بن الصامت ~~وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل. # وأما الغرر: فإنه ثلاثة أنواع. إما المعدوم كحبل الحبلة وبيع السنين. ~~وإما المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق. # وإما المجهول المطلق أو المعين المجهول جنسه أو قدره، كقوله: بعتك عبدا ~~أو بعتك ما في بيتي أو بعتك عبيدي. فأما المعين المعلوم جنسه وقدره المجهول ~~نوعه أو صفته كقوله: بعتك الثوب الذي في كمي أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك ~~- ففيه خلاف مشهور. وتغلب مسألة بيع الأعيان الغائبة وعن أحمد فيه ثلاث ~~روايات إحداهن: لا يصح بيعه بحال كقول الشافعي في الجديد. والثانية: يصح ~~وإن لم يوصف وللمشتري الخيار إذا رآه كقول أبي حنيفة، وقد روي عن أحمد: لا ~~خيار له. والثالثة - وهي المشهورة - أنه يصح بالصفة ولا يصح بدون الصفة ~~كالمطلق الذي في الذمة. وهو قول مالك. ومفسدة الغرر أقل من الربا؛ فلذلك ~~رخص فيما تدعو إليه # PageV29P025 # الحاجة منه؛ فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار ms8484 جملة ~~وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس. ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع وإن ~~لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردا، وكذلك ~~اللبن عند الأكثرين. وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها؛ فإنه يصح مستحق ~~الإبقاء كما دلت عليه السنة وذهب إليه الجمهور. كمالك والشافعي وأحمد. وإن ~~كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد. وجوز النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا باع نخلا قد أبرت: أن يشترط المبتاع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة ~~قبل بدو صلاحها؛ لكن كل وجه البيع للأصل. فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ~~ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره. ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في ~~بيعها بالخرص، ولم يجوز المفاضلة المتيقنة؛ بل سوغ المساواة بالخرص في ~~القليل الذي تدعو إليه الحاجة وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دون النصاب. ~~على اختلاف القولين للشافعي وأحمد وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب، ~~إذا تبين ذلك، فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره؛ # PageV29P026 # فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع. ~~كما كان يقال: عطاء أفقه الناس في المناسك وإبراهيم أفقههم في الصلاة ~~والحسن أجمعهم لذلك كله. ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما ~~فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في ~~الأغلب؛ فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد؛ لما تقدم من شدة ~~تحريمه وعظم مفسدته ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق حتى يمنعا الذريعة ~~المفضية إليه وإن لم تكن حيلة وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما لا ~~يختلف قول أحمد فيه؛ أو لا يقوله؛ لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل ~~كلها. # وجماع الحيل نوعان: إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا ~~إلى العقد عقدا ليس بمقصود. فالأول مسألة " مد عجوة " وضابطها: أن يبيع ~~ربويا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما ما ms8485 ليس من جنسه مثل أن يكون غرضهما بيع ~~فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر حتى يبيع ألف ~~دينار في منديل بألفي دينار. فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا ~~حرمت مسألة " مد عجوة " بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما وإنما يسوغ مثل ~~هذا من جوز الحيل من الكوفيين وإن # PageV29P027 # كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا. وأما إن كان كلاهما مقصودا كمد عجوة ~~ودرهم بمد عجوة ودرهم أو مدين أو درهمين، ففيه روايتان عن أحمد، والمنع قول ~~مالك والشافعي. والجواز: قول أبي حنيفة وهي مسألة اجتهاد. وأما إن كان ~~المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي كبيع شاة ذات صوف أو لبن بصوف أو ~~لبن: فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز. والنوع الثاني من الحيل: أن يضما إلى ~~العقد المحرم عقدا غير مقصود مثل أن يتواطآ على أن يبيعه الذهب بخرزه ثم ~~يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب أو يواطئا ثالثا على أن يبيع أحدهما ~~عرضا ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابي ثم يبيعه المرابي لصاحبه. وهي ~~الحيلة المثلثة أو يقرن بالقرض محاباة: في بيع أو إجارة أو مساقاة ونحو ذلك ~~مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين أو يكريه دارا تساوي ~~ثلاثين بخمسة ونحو ذلك. فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم ~~الله من أجلها الربا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله ~~بن عمرو أنه قال: " {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا # PageV29P028 # ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك} قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو من ~~جنس حيل اليهود، فإنهم إنما استحلوا الربا بالحيل ويسمونه المشكند وقد ~~لعنهم الله على ذلك. وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ~~فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل} وفي الصحيحين عنه أنه قال: " {لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم ms8486 الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها} وفي السنن عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {من أدخل فرسا بين فرسين - وهو لا يأمن أن يسبق ~~- فليس قمارا ومن أدخل فرسا بين فرسين - وقد أمن أن يسبق - فهو قمار} وقال ~~صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده: " {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن ~~يستقيله} . # ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة ذكرنا ~~منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ~~كيمين أيوب وحديث تمر خيبر ومعاريض # PageV29P029 # السلف، وذكرنا جواب ذلك. ومن ذرائع ذلك: " مسألة العينة " وهو أن يبيعه ~~سلعة إلى أجل ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك. فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ ~~لأنها حيلة. وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " {إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ~~وتركتم الجهاد في سبيل الله: أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ~~تراجعوا دينكم} . وإن لم يتواطآ فإنهما يبطلان البيع الثاني سدا للذريعة. ~~ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ: ففيه روايتان عن أحمد وهو أن ~~يبيعه حالا ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا. وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه. ~~ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها. ~~فهذا يسمى: " التورق ". ففي كراهته عن أحمد روايتان. والكراهة قول عمر بن ~~عبد العزيز ومالك فيما أظن؛ بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة أو غرضه ~~الانتفاع أو القنية فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق. ففي الجملة: أهل ~~المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود ~~الشريعة وأصولها. وقولهم في ذلك هو # PageV29P030 # الذي يؤثر مثله عن الصحابة وتدل عليه معاني الكتاب والسنة. وأما الغرر: ~~فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أما الشافعي: فإنه ~~يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا ms8487 يدخله غيره من الفقهاء؛ مثل الحب ~~والثمر في قشره الذي ليس بصوان: كالباقلاء والجوز واللوز في قشره الأخضر ~~وكالحب في سنبله فإن القول الجديد عنده: أن ذلك لا يجوز مع أنه قد اشترى في ~~مرض موته باقلاء أخضر فخرج ذلك له قولا واختاره طائفة من أصحابه كأبي سعيد ~~الإصطخري، وروي عنه أنه ذكر له: أن النبي صلى الله عليه وسلم " {نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد} فدل على جواز بيعه بعد اشتداده وإن كان في سنبله. فقال: إن ~~صح هذا أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا، وكذلك ذكر أنه رجع عن القول ~~بالمنع. قال ابن المنذر: جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة وعبيد الله بن ~~الحسن وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي. وقال الشافعي مرة لا يجوز ~~ثم بلغه حديث ابن عمر فرجع عنه وقال به. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا ~~يعدل عن القول به. وذكر بعض أصحابه له قولين وإن الجواز هو القديم. حتى منع # PageV29P031 # من بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة متأولا أن بيع الغائب غرر وإن وصف ~~حتى اشترط فيما في الذمة - كدين السلم - من الصفات وضبطها ما لم يشترطه ~~غيره. ولهذا يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا ~~القول. وقاس على بيع الغرر جميع العقود؛ من التبرعات والمعاوضات فاشترط في ~~أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة وصلح أهل الهدنة وجزية أهل الذمة: ما ~~اشترطه في البيع عينا ودينا؛ ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز ~~مثله في البيع وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها أو يشترط لها ~~شروط أخر. وأما أبو حنيفة: فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين ويجوز ~~إجارة الأجير بطعامه وكسوته ويجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة مهر المثل. ~~ويجوز بيع الأعيان الغائبة بلا صفة مع الخيار؛ لأنه يرى وقف العقود؛ لكنه ~~يحرم المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا. والشافعي يجوز بيع ~~بعض ذلك ويحرم أيضا كثيرا من الشروط في البيع ms8488 والإجارة والنكاح وغير ذلك ~~مما يخالف مطلق العقد. وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك ويجوز من الوكالات والشركات ~~ما لا يجوزه الشافعي حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق. # PageV29P032 # وقال الشافعي: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا. ~~فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول ~~أبي حنيفة في ذلك. وأما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا. فيجوز بيع هذه ~~الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود حتى ~~يجوز بيع المقاثي جملة وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل ونحو ذلك. ~~وأحمد قريب منه في ذلك فإنه يجوز هذه الأشياء ويجوز - على المنصوص عنه - أن ~~يكون المهر عبدا مطلقا أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا تزيد جهالته على ~~مهر المثل، وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق كأبي الخطاب. ~~ومنهم من يوافق الشافعي. فلا يجوز في المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما ~~يجوز في المبيع كأبي بكر عبد العزيز: ويجوز - على المنصوص عنه - في فدية ~~الخلع أكثر من ذلك حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر كقول مالك مع ~~اختلاف في مذهبه ليس هذا موضعه لكن المنصوص عنه: أنه لا يجوز بيع المغيب في ~~الأرض كالجزر ونحوه إلا إذا قلع. وقال: # PageV29P033 # هذا الغرر شيء ليس يراه كيف يشتريه؟ والمنصوص عنه: أنه لا يجوز بيع ~~القثاء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة ولا يباع من المقاثي ~~والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة كقول أبي ~~حنيفة والشافعي؛ لأن ذلك غرر، وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. ثم اختلف ~~أصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك. ~~كقول الشافعي وأبي حنيفة. وقال الشيخ أبو محمد: إذا كان مما يقصد فروعه ~~وأصوله كالبصل المبيع أخضر والكراث والفجل أو كان المقصود فروعه. فالأولى ~~جواز بيعه؛ لأن المقصود منه ظاهر. فأشبه الشجر والحيطان ويدخل ما ms8489 لم يظهر ~~في المبيع تبعا، وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض؛ لأن ~~الحكم للأغلب وإن تساويا لم يجز أيضا لأن الأصل اعتبار الشرط وإنما سقط في ~~الأقل التابع. وكلام أحمد يحتمل وجهين. فإن أبا داود قال. قلت لأحمد: بيع ~~الجزر في الأرض؟ قال: لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه. هذا الغرر شيء ليس ~~يراه. كيف يشتريه؟ فعلل بعدم الرؤية. فقد يقال: إن لم ير كله لم يبع. وقد ~~يقال: رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت على الباقي # PageV29P034 # كرؤية وجه العبد. وكذلك اختلفوا في المقاثي إذا بيعت بأصولها. كما هو ~~العادة غالبا، فقال قوم من المتأخرين: يجوز ذلك؛ لأن بيع أصول الخضراوات. ~~كبيع الشجر وإذا باع الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز، فكذلك هذا. ~~وذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال المتقدمون: لا يجوز بحال وهو ~~معنى كلامه ومنصوصه. وهو إنما نهى عما يعتاده الناس وليست العادة جارية في ~~البطيخ والقثاء والخيار أن يباع دون عروقه. والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع ~~عنده؛ فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الشجر الذي ~~عليه ثمر لم يبد صلاحه: أنه إن كان الأصل هو مقصوده الأعظم جاز. وأما إن ~~كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة: لم يجز. وكذلك إذا اشترى أرضا ~~وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه فإن كانت الأرض هي المقصود: جاز دخول ~~الثمر والزرع معها تبعا. وإن كان المقصود هو الثمر والزرع فاشترى الأرض ~~لذلك: لم يجز. وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر فمعلوم أن المقصود من ~~المقاثي والمباطخ إنما هو الخضراوات دون الأصول التي ليس لها إلا قيمة ~~يسيرة بالنسبة إلى الخضر. وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين: # PageV29P035 # أحدهما: كما في جواز بيع المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما ~~لم يره. ولا شك أنه ظاهر فإن المنع إنما يكون على قولنا: لا يصح بيع ما لم ~~يره. فإذا صححنا بيع الغائب فهذا ms8490 من الغائب. والثاني: أنه يجوز بيعها مطلقا ~~كمذهب مالك إلحاقا لها بلب الجوز. وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره ~~لوجهين: أحدهما: أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على ~~حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه. والمرجع في كل شيء ~~إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما ~~يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى. الثاني: أن هذا مما تمس ~~حاجة الناس إلى بيعه؛ فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم؛ ~~فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه. وإن قلعوه جملة فسد ~~بالقلع. فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر. وأحمد ~~وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة ~~المشتري إلى أكل الرطب أو البائع إلى أكل التمر، فحاجة البائع هنا أوكد ~~بكثير. وسنقرر ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV29P036 # وكذلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث: جواز بيع المقاثي باطنها ~~وظاهرها. وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها كما يجوز بالاتفاق ~~إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة: أن يباع جميع ثمرها. وإن كان فيها ما لم ~~يصلح بعد. وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا: إنه لا ~~يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت ~~بغيرها في يوم واحد لأن البسرة تصفر في يومها. وهذا بعينه موجود في ~~المقثاة. وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما ~~يحدث من الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود؛ وإنما يكون ذلك ~~للمشتري؛ لأنه موجود في ملكه. والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا ~~العذر؛ لأنه يجب على البائع سقي الثمرة ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق ~~العقد ولو لم يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به يوجد؛ فإن ~~الواجب على البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد؛ لا ما كان ms8491 من ~~موجبات الملك. # وأيضا: فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في # PageV29P037 # حديقة من الحدائق هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها؟ على ~~روايتين: أشهرهما عنه. أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه. وهي اختيار قدماء ~~أصحابه. كأبي بكر وابن شاقلاء. والرواية الثانية: يكون بدو الصلاح في البعض ~~صلاحا للجميع وهي اختيار أكثر أصحابه. كابن حامد والقاضي ومن تبعهما. ثم ~~المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال: إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه غير ~~بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ، فمنهم من فرق بين صلاح القليل ~~والكثير كالقاضي أخيرا وأبي حكيم النهرواني وأبي البركات وغيرهم ممن قصر ~~الحكم بما إذا غلب الصلاح، ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير كأبي ~~الخطاب وجماعات. وهو قول مالك والشافعي والليث. وزاد مالك فقال: يكون صلاحا ~~لما جاوره من الأقرحة. وحكوا ذلك رواية عن أحمد. واختلف هؤلاء: هل يكون ~~صلاح النوع - كالبرني من الرطب - صلاحا لسائر أنواع الرطب؟ على وجهين في ~~مذهب الشافعي وأحمد. # أحدهما المنع وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد. # والثاني الجواز وهو قول أبي الخطاب. وزاد الليث على هؤلاء فقال: # PageV29P038 # صلاح الجنس - كالتفاح واللوز - يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار. ومأخذ من ~~جوز شيئا من ذلك: أن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن بيع بعض ذلك دون بعض يفضي ~~إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي. وهذه علة من فرق بين البستان الواحد ~~والبساتين. ومن سوى بينهما قال: المقصود الأمن من العاهة، وذلك يحصل بشروع ~~الثمر في الصلاح. ومأخذ من منع ذلك: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{حتى يبدو صلاحها} يقتضي بدو صلاح الجميع. والغرض من هذه المذاهب: أن من ~~جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح في بعضه فقياس قوله: جواز بيع ~~المقثاة إذا بدا صلاح بعضها. والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة؛ ~~فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر؛ إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق ~~البطيخات والقثاءات والخيارات وتمييز اللقطة ms8492 عن اللقطة لو لم يشق فإنه أمر ~~لا ينضبط؛ فإن اجتهاد الناس في ذلك متفاوت. والغرض من هذا: أن أصول أحمد ~~تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل كما قد روي عنه في بعض الجوابات أو قد ~~خرجه أصحابه على أصوله. # PageV29P039 # وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في ~~المسألة الواحدة قولان في وقتين فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل ~~قولان في وقتين. فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ويجيب في بعض الأفراد ~~بجواب آخر في وقت آخر. وإذا كانت الأفراد مستوية وكان له فيها قولان. فإن ~~لم يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد فقوله فيها واحد بلا خلاف وإن كان مما ~~قد يذهب إليه مجتهد فقالت طائفة منهم أبو الخطاب: لا يخرج. وقال الجمهور - ~~كالقاضي أبي يعلى - يخرج الجواب إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما ~~اقتضته أصوله. ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين وإن لم يعلم هل ~~هو ممن يفرق أم لا. وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما فإن كان سبب ~~الفرق مأخذا شرعيا: كان الفرق قولا له. وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو ~~حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ~~ذلك فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم ~~يعلمه العالم؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~" {أنتم أعلم بأمر دنياكم. فأما ما كان من أمر دينكم فإلي} . وهذا الاختلاف ~~في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا # PageV29P040 # أيضا؛ لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات. فإذا كان في وقت قد ~~قال: إن هذا حرام. وقال في وقت آخر فيه أو في مثله: إنه ليس بحرام أو قال ~~ما يستلزم أنه ليس بحرام - فقد تناقض قولاه وهو مصيب في كليهما عند من ~~يقول: إن كل مجتهد مصيب وإنه ليس لله في الباطن حكم على ms8493 المجتهد غير ما ~~اعتقده. وأما الجمهور الذين يقولون: إن لله حكما في الباطن علمه العالم في ~~إحدى المقالتين ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها وعدم علمه به مع اجتهاده ~~مغفور له مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه. ولهذا يشبه بعضهم ~~تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء مع الفرق ~~بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله: باطنا وظاهرا؛ ~~بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين. هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله مع علمه ~~بتقواه وسلوكه الطريق الراشد. وأما أهل الأهواء والخصومات: فهم مذمومون في ~~مناقضاتهم؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ولا حسن قصد لما يجب قصده. وعلى هذا ~~فلازم قول الإنسان نوعان: # PageV29P041 # أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه؛ فإن لازم الحق حق ~~ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، ~~وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة: من هذا الباب. والثاني: لازم قوله ~~الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه؛ إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض. وقد ثبت ~~أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين. ثم إن عرف من حاله: أنه يلتزمه ~~بعد ظهوره له فقد يضاف إليه؛ وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له ~~فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا ~~يلزمه. وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس ~~بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه ~~له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله. وإن كان متناقضا. وهو الفرق بين ~~اللازم الذي يجب التزامه مع ملزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه. ~~فإذا عرف هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها. وهذا متوجه ~~في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها. فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن ~~يضاف إليه اللازم بحال؛ ms8494 وإلا # PageV29P042 # لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لكونه ~~ملتزما لرسالته فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول؛ وإن كان لازما له: ظهر ~~الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه. ولا يلزم من كونه نص على ~~الحكم نفيه للزوم ما يلزمه لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين. وسبب الفرق ~~بين أهل العلم وأهل الأهواء - مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: - أن ~~العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد وهو مأمور في الظاهر ~~باعتقاد ما قام عنده دليله وإن لم يكن مطابقا؛ لكن اعتقادا ليس بيقيني كما ~~يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل وإن كانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا ~~وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر، فيعتقد ما ~~دل عليه ذلك وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا. فالاعتقاد المطلوب هو الذي ~~يغلب على الظن مما يؤمر به العباد وإن كان قد يكون غير مطابق وإن لم يكونوا ~~مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط. فإذا اعتقد العالم اعتقادين ~~متناقضين في قضية أو قضيتين مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من ~~الكتاب والحكمة: عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا؛ بخلاف أصحاب ~~الأهواء. فإنهم {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} ويجزمون بما يقولونه ~~بالظن والهوى # PageV29P043 # جزما لا يقبل النقيض مع عدم العلم بجزمه، فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده ~~لا باطنا ولا ظاهرا. ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ويجتهدون اجتهادا لم ~~يؤمروا به، فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه ~~فكانوا ظالمين شبيها بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيها بالضالين. فالمجتهد ~~الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق. وقد سلك طريقه. وأما متبع ~~الهوى المحض: فهو من يعلم الحق ويعاند عنه. وثم قسم آخر - وهو غالب الناس - ~~وهو أن يكون له هوى فيه شبهة فتجتمع الشهوة والشبهة؛ ولهذا جاء في حديث ~~مرسل عن النبي صلى الله ms8495 عليه وسلم أنه قال: " {إن الله يحب البصر النافذ ~~عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات} . فالمجتهد المحض ~~مغفور له ومأجور. وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب. وأما المجتهد الاجتهاد ~~المركب من شبهة وهوى: فهو مسيء. وهم في ذلك على درجات حسب ما يغلب وبحسب ~~الحسنات الماحية. # PageV29P044 # وأكثر المتأخرين - من المنتسبين إلى فقه أو تصوف - مبتلون بذلك. وهذا ~~القول الذي دلت عليه أصول مالك وأصول أحمد وبعض أصول غيرهما: هو أصح ~~الأقوال. وعليه يدل غالب معاملات السلف. ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم ~~إلا به وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا: فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ~~ما حرمه الله. فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وإما أن ~~يحتال. وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدا التزم مذهبه في ~~تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك. ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول ~~بالحيلة التي يذكرونها. فمن المحال: أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون ~~إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها. وإنما هي من جنس اللعب. # ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين: إما ذنوب ~~جوزوا عليها بتضييق في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل فلم ~~تزدهم الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود كما قال تعالى: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} وهذا الذنب ذنب عملي. ~~وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد ~~إلى الاستحلال بالحيل. وهذا من خطأ الاجتهاد؛ وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما ~~أحل # PageV29P045 # له وأدى ما وجب عليه؛ فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدا. فإنه ~~سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج وإنما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم ~~بالحنيفية السمحة. فالسبب الأول: هو الظلم. والسبب الثاني: هو عدم العلم. ~~والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا} ms8496 . وأصل هذا: أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من ~~الأعيان: كالدم والميتة ولحم الخنزير؛ أو من التصرفات: كالميسر والربا وما ~~يدخل فيهما من بيوع الغرر وغيره؛ لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله ~~عليها ورسوله بقوله سبحانه: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ~~فأخبر سبحانه: أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء سواء كان ميسرا بالمال أو ~~باللعب؛ فإن المغالبة بلا فائدة وأخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك. ~~وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: " {كان ~~الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار، فإذا جد ~~الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر دمان، أصابه مراض أصابه ~~قشام: عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما كثرت ~~عنده الخصومة في ذلك -: فأما لا فلا تبايعوا حتى يبدو # PageV29P046 # صلاح الثمر كالمشورة لهم يشير بها لكثرة خصومتهم واختلافهم} وذكر خارجة ~~بن زيد: " {أن زيدا لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأحمر ~~من الأصفر} رواه البخاري تعليقا وأبو داود إلى قوله: " خصومتهم ". وروى ~~أحمد في المسند عنه قال: " {قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن ~~نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خصومة. فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن هؤلاء ابتاعوا الثمار يقولون: أصابها ~~الدمان والقشام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تبايعوها حتى يبدو ~~صلاحها} . فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: ما أفضت ~~إليه من الخصام. وهكذا بيوع الغرر. وقد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها في الصحيحين من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس. وفي مسلم من ~~حديث أبي هريرة وفي حديث أنس تعليله ففي الصحيحين عن أنس: " {أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى ms8497 تزهى قيل: وما تزهى؟ قال: حتى ~~تحمر أو تصفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إذا منع الله الثمرة ~~بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟} وفي رواية " {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~بيع الثمر حتى يزهو فقلنا لأنس: ما زهوها. قال: تحمر # PageV29P047 # أو تصفر أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟} قال أبو مسعود ~~الدمشقي: جعل مالك والدراوردي قول أنس: " {أرأيت إن منع الله الثمرة} من ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم أدرجاه فيه: ويرون أنه غلط. فهذا التعليل - ~~سواء كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو كلام أنس - فيه بيان أن في ~~ذلك أكلا للمال بالباطل حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض مضمون. وإذا كانت ~~مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل: ~~فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها كما أن ~~السباق بالخيل والسهام والإبل. لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض. وإن لم ~~يجز غيره بعوض. وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة فهو ~~باطل وإن كان فيه منفعة - وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " ~~{كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته ~~امرأته فإنهن من الحق} - صار هذا اللهو حقا. ومعلوم أن الضرر على الناس ~~بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض وأكل مال ~~بالباطل؛ لأن الغرر فيها # PageV29P048 # يسير كما تقدم. والحاجة إليها ماسة. والحاجة الشديدة يندفع بها يسير ~~الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها ~~حاجة راجحة أبيح المحرم؛ فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ولهذا لما كانت ~~الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح أباح ~~الشرع ذلك وقاله جمهور العلماء. كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى. ولهذا ~~كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث: أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة كانت ~~من ضمان البائع. ms8498 كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " {لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك ~~أن تأخذ منه شيئا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟} . وفي رواية لمسلم عنه: " ~~{أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ب ### | وضع الجوائح} . # والشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث - وإنما بلغه حديث لسفيان ~~بن عيينة فيه اضطراب - أخذ في ذلك بقول الكوفيين: إنها تكون من ضمان ~~المشتري؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض؛ لأن التخلية بين المشتري وبينه قبض. ~~وهذا على أصل الكوفيين أمشى؛ لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر وإنما ~~موجب العقد عندهم: القبض الناجز بكل حال. وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه ~~مع # PageV29P049 # أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك. مع أني لا أعلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون من مال ~~البائع وينفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا. ولو لم يكن فيه سنة لكان ~~الاعتبار الصحيح يوافقه وهو ما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ~~{بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من ~~جذاذها عند كمالها ونضجها لا عند العقد كما أن المستأجر إنما يتمكن من ~~استيفاء المنفعة شيئا فشيئا. فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين ~~المؤجرة قبل التمكن من استيفاء المنفعة وفي الإجارة يتلف من ضمان المؤجر ~~بالاتفاق. فكذلك في البيع. وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك ~~المنفعة وأن المشتري لم يملك الإبقاء. وهذا الفرق لا يقول به الشافعي ~~وسنذكر أصله. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو ~~صلاحها. وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~{لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة} وفي لفظ لمسلم عنه: " ~~{نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن السنبل ms8499 حتى يبيض ويأمن العاهة: نهى البائع ~~والمشتري} وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " {نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض} . # PageV29P050 # فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما. فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة ~~يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد وليس المقصود الأمن من العاهات ~~النادرة. فإن هذا لا سبيل إليه؛ إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة ~~الذين {أقسموا ليصرمنها مصبحين} {ولا يستثنون} وما ذكره في " سورة يونس " ~~في قوله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} وإنما ~~المقصود ذهاب العاهة التي يتكرر وجودها وهذه إنما تصيب الزرع قبل اشتداد ~~الحب وقبل ظهور النضج في الثمر؛ إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما ~~قبله ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين ~~كمال الصلاح. وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر؛ لأنه لا يكمل ~~جملة واحدة. وإيجاب قطعه على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر. فتبين أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على ~~مفسدة الغرر اليسير كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه ~~وسلم وعلمها أمته. ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه غير ناظر إلى ما ~~يعارض علته من المانع الراجح: أفسد كثيرا من أمر الدين وضاق عليه عقله ~~ودينه. # PageV29P051 # وأيضا: ففي صحيح مسلم عن أبي رافع: " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي ~~الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء} . ففي هذا ~~دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ms8500 ونحوه كما ~~عليه فقهاء الحجاز والحديث خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ذلك لأن ~~القرض موجبه رد المثل والحيوان ليس بمثلي وبناء على أن ما سوى المكيل ~~والموزون لا يثبت في الذمة عوضا عن مال. وفيه دليل على أنه يثبت مثل ~~الحيوان تقريبا في الذمة كما هو المشهور من مذاهبهم؛ خلافا للكوفيين ووجه ~~في مذهب أحمد أنه يثبت بالقيمة. وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود ~~عليه: هو التقريب وإلا فيعز وجود حيوان مثل ذلك الحيوان. لا سيما عند ~~القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي وأنه مضمون في الغصب والإتلاف بالقيمة. ~~وأيضا: فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ وفيه روايتان ~~عن أحمد. إحداهما: يجوز كقول مالك. وحديث جابر الذي في الصحيح يدل عليه. # PageV29P052 # وأيضا: فقد دل الكتاب في قوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} والسنة في حديث بروع بنت واشق وإجماع ~~العلماء: على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق. وتستحق مهر المثل إذا دخل ~~بها بإجماعهم وإذا مات عند فقهاء الحديث وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع ~~بنت واشق وهو أحد قولي الشافعي. ومعلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود فلو ~~كان التحديد معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه وكما رواه أحمد في المسند ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه " {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~استئجار الأجير حتى يبين له أجره وعن بيع اللمس والنجش وإلقاء الحجر} فمضت ~~الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر وإن الإجارة لا تجوز إلا مع تبيين ~~الأجر فدل على الفرق بينهما. وسببه: أن المعقود عليه في النكاح - وهو منافع ~~البضع - غير محدودة؛ بل المرجع فيها إلى العرف؛ فكذلك عوضه الآخر لأن المهر ~~ليس هو المقصود وإنما هو نحلة تابعة، فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع ~~قبل بدو صلاحه. وكذلك لما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخيرهم بين السبي وبين المال فاختاروا السبي وقال لهم: ms8501 " {إني قائم فخاطب ~~الناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله # PageV29P053 # صلى الله عليه وسلم على المسلمين ونستشفع بالمسلمين على رسول الله. وقام ~~فخطب الناس فقال: إني قد رددت على هؤلاء سبيهم فمن شاء طيب ذلك ومن شاء ~~فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا} فهذا معاوضة عن ~~الإعتاق كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة إلى أجل متفاوت غير محدود. وقد ~~روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر " {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على ~~أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء ~~والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا ~~يغيبوا شيئا. فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد} فهذا مصالحة على مال متميز ~~غير معلوم. وعن ابن عباس قال: " {صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~نجران على ألفي حلة: النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين ~~وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف ~~السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد ~~أو غارة} رواه أبو داود. فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة # PageV29P054 # الجنس غير موصوفة بصفات السلم. وكذلك كل عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح ~~مطلقة غير موصوفة عند شرط قد يكون وقد لا يكون. فظهر بهذه النصوص أن العوض ~~عما ليس بمال - كالصداق والكتابة والفدية في الخلع والصلح عن القصاص ~~والجزية والصلح مع أهل الحرب - ليس بواجب أن يعلم الثمن والأجرة. ولا يقاس ~~على بيع الغرر كل عقد على غرر؛ لأن الأموال إما أنها لا تجب في هذه العقود ~~أو ليست هي المقصود الأعظم منها. وما ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم ~~يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع بل يكون إيجاب التحديد في ذلك فيه من ~~العسر والحرج المنفي شرعا ما يزيد على ضرر ms8502 ترك تحديده. # فصل: # ومما تمس الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة ومن مسائل بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه: ما قد عمت به البلوى في كثير من بلاد الإسلام أو أكثرها لا سيما ~~دمشق. وذلك أن الأرض تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع وربما اشتملت مع ~~ذلك على مساكن # PageV29P055 # فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزرعها أو يسكنها مع ذلك. فهذا - ~~إذا كان فيها أرض وغراس - مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن ذلك لا يجوز بحال وهو قول الكوفيين والشافعي وهو المشهور من مذهب أحمد ~~عند أكثر أصحابه. والقول الثاني: يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض ~~الثلثين أو أكثر؛ وكذلك إذا استكرى دارا فيها نخلات قليلة أو شجرات عنب ~~ونحو ذلك. وهذا قول مالك وعن أحمد كالقولين. قال الكرماني: قيل لأحمد: ~~الرجل يستأجر الأرض فيها نخلات؟ قال: أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر ~~وكأنه لم يعجبه أظنه: إذا أراد الشجر فلم أفهم عن أحمد أكثر من هذا. وقد ~~تقدم عنه فيما إذا باع ربويا بجنسه معه من غير جنسه إذا كان المقصود الأكبر ~~هو غير الجنس كشاة ذات صوف أو لبن بصوف أو لبن روايتان. وأكثر أصوله على ~~الجواز كقول مالك؛ فإنه يقول: إذا ابتاع عبدا وله مال وكان مقصوده العبد: ~~جاز؛ وإن كان المال مجهولا أو من جنس الثمن. ولأنه يقول: إذا ابتاع أرضا أو ~~شجرا فيها ثمر أو زرع لم يدرك: يجوز إذا كان مقصوده # PageV29P056 # الأرض والشجر. وهذا في البيع نظير مسألتنا في الإجارة فإن ابتياع الأرض ~~بمنزلة اشترائها. واشتراء النخل ودخول الثمرة التي لم تأمن العاهة في البيع ~~تبعا للأصل: بمنزلة دخول ثمر النخلات والعنب في الإجارة تبعا. وحجة ~~الفريقين في المنع: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن بيع ~~السنين وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه. كما أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر: " ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى ms8503 ~~البائع والمبتاع} . وفيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " {نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح. قيل: وما تشقح؟ قال: ~~تحمار أو تصفار ويؤكل منها} . وفي رواية لمسلم: أن هذا التفسير من كلام ~~سعيد بن المثنى المحدث عن جابر. وفي الصحيحين عن جابر قال: " {نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة} وفي رواية ~~لهما: " وعن بيع السنين " بدل " المعاومة " وفيهما أيضا عن زيد بن أبي ~~أنيسة عن عطاء عن جابر: " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشتري النخل حتى يشقه} والإشقاه: # PageV29P057 # أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء. والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من ~~الطعام معلوم. والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من التمر. والمخابرة: الثلث ~~أو الربع وأشباه ذلك. قال زيد: قلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم " وفيهما عن أبي البختري. قال: سألت ابن عباس ~~عن بيع النخل. فقال: " {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى ~~يأكل منه أو يؤكل وحتى يوزن. فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحرز} وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " {ولا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ولا تتابعوا التمر بالتمر} . ~~وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز. ~~قالوا: فإذا أكراه الأرض والشجر فقد باعه الثمر قبل أن يخلق، وباعه سنة أو ~~سنتين. وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم من منع منه مطلقا ~~طرد العموم والقياس. ومن جوزه إذا كان قليلا قال: الغرر اليسير يحتمل في ~~العقود كما لو ابتاع النخل وعليها ثمر لم يؤبر أو أبر ولم يبد صلاحه، فإنه ~~يجوز وإن لم يجز إفراده بالعقد. وهذا متوجه جدا على أصل الشافعي وأحمد ~~وغيرهما من فقهاء # PageV29P058 # الحديث ولكن لا يتوجه ms8504 على أصل أبي حنيفة؛ لأنه لا يجوز ابتياع الثمر بشرط ~~البقاء ويجوز ابتياعه قبل بدو صلاحه. وموجب العقد: القطع في الحال فإذا ~~ابتاعه مع الأصل. فإنما استحق إبقاءه؛ لأن الأصل ملكه، وسنتكلم إن شاء الله ~~على هذا الأصل. وذكر أبو عبيد: أن المنع من إجارة الأرض التي فيها شجر ~~كثير: إجماع. والقول الثالث: أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر ودخول ~~الشجر في الإجارة مطلقا. وهذا قول ابن عقيل وإليه مال حرب الكرماني وهذا ~~القول كالإجماع من السلف وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه. فقد ~~روى سعيد بن منصور - ورواه عنه حرب الكرماني في مسائله - قال حدثنا عباد بن ~~عباد عن هشام بن عروة عن أبيه: " أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم ~~فدعا عمر غرماءه فقبلهم أرضه سنين وفيها النخل والشجر ". وأيضا: فإن عمر بن ~~الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد وغيرها. فأقر الأرض التي فيها النخل ~~والعنب في أيدي أهل الأرض وجعل على كل جريب من أجربة الأرض السوداء ~~والبيضاء خراجا # PageV29P059 # مقدرا. والمشهور: أنه جعل على جريب العنب: عشرة دراهم وعلى جريب النخل: ~~ثمانية دراهم. وعلى جريب الرطبة: ستة دراهم وعلى جريب الزرع: درهما وقفيزا ~~من طعام. والمشهور عند مالك والشافعي وأحمد: أن هذه المخارجة تجري مجرى ~~المؤاجرة. وإنما لم يؤقته لعموم المصلحة. وإن الخراج أجرة الأرض. فهذا ~~بعينه إجارة الأرض السوداء التي فيها شجر وهو مما أجمع عليه عمر والمسلمون ~~في زمانه وبعده ولهذا تعجب أبو عبيد في " كتاب الأموال " من هذا. فرأى أن ~~هذه المعاملة تخالف ما علمه من مذاهب الفقهاء. وحجة ابن عقيل: أن إجارة ~~الأرض جائزة. والحاجة إليها داعية ولا يمكن إجارتها إذا كان فيها شجر إلا ~~بإجارة الشجر وما لا يتم الجائز إلا به فهو جائز. لأن المستأجر لا يتبرع ~~بسقي الشجر وقد لا يساقي عليها. وهذا كما أن مالكا والشافعي كان القياس ~~عندهما أنه لا تجوز المزارعة. فإذا ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا ~~المزارعة في ذلك البياض ms8505 تبعا للمساقاة فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث كما ~~قال في بيع الشجر تبعا للأرض وكذلك الشافعي يجوزه إذا كان البياض قليلا # PageV29P060 # لا يمكن سقي النخل إلا بسقيه وإن كان كثيرا والنخل قليلا ففيه لأصحابه ~~وجهان. هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد وسوى بينهما في الجزء المشروط ~~كالثلث أو الربع فأما إن فاضل بين الجزأين. ففيه وجهان لأصحابه. وكذلك إن ~~فرق بينهما في عقدين وقدم المساقاة ففيه وجهان. فأما إن قدم المزارعة لم ~~تصح المزارعة وجها واحدا. فقد جوز المزارعة التي لا تجوز عندهما تبعا ~~للمساقاة. فكذلك يجوز إجارة الشجر تبعا لإجارة الأرض. وقول ابن عقيل هو ~~قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك؛ ولأن المانعين من هذا: هم بين محتال ~~على جوازه أو مرتكب لما يظن أنه حرام أو ضار ومتضرر. فإن الكوفيين احتالوا ~~على الجواز: تارة بأن يؤجر الأرض فقط ويبيحه ثمر الشجر كما يقولون في بيع ~~الثمرة قبل بدو صلاحها يبيعه إياها مطلقا أو بشرط القطع بجميع الأجرة ~~ويبيحه إبقاءها. وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة والثوري وغيرهما. وتارة ~~بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة ويساقيه على الشجر بالمحاباة؛ مثل أن يساقيه ~~على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك. وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز ~~المساقاة كأبي يوسف ومحمد # PageV29P061 # والشافعي في القديم. فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال وكذلك الشافعي إنما ~~يجوزها في الجديد في النخل والعنب. فقد اضطروا في هذه المعاملة إلى أن تسمى ~~الأجرة في مقابلة منفعة الأرض ويتبرع له إما بإعراء الشجر وإما بالمحاباة ~~في مساقاتها. ولفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف في إبطال الحيل ~~من أصحاب الإمام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل - أعني حيلة المحاباة ~~في المساقاة - والمنصوص عن أحمد وأكثر أصحابه: إبطال هذه الحيلة بعينها ~~كمذهب مالك وغيره. والمنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا؛ لما روى عبد الله ~~بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في ~~بيع ms8506 ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك} رواه الأئمة الخمسة: أحمد ~~وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. فنهى ~~صلى الله عليه وسلم عن أن يجمع بين سلف وبيع. فإذا جمع بين سلف وإجارة فهو ~~جمع بين سلف وبيع أو مثله. وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة مثل: الهبة ~~والعارية والعرية والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك: هي مثل القرض. ~~فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع؛ لأن ذلك # PageV29P062 # التبرع إنما كان لأجل المعاوضة؛ لا تبرعا مطلقا، فيصير جزءا من العوض ~~فإذا اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين؛ فإن من أقرض رجلا ~~ألف درهم وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف: لم يرض بالإقراض إلا بالثمن ~~الزائد للسلعة والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي ~~اقترضها، فلا هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضا محضا؛ بل الحقيقة: أنه ~~أعطاه الألف والسلعة بألفين فهي مسألة " مد عجوة " فإذا كان المقصود أخذ ~~ألف بأكثر من ألف: حرم بلا تردد وإلا خرج على الخلاف المعروف، وهكذا من ~~اكترى الأرض التي تساوي مائة بألف وأعراه الشجر أو رضي من ثمرها بجزء من ~~ألف جزء. فمعلوم بالاضطرار: أنه إنما تبرع بالثمرة لأجل الألف التي أخذها ~~وأن المستأجر إنما بذل الألف لأجل الثمرة فالثمرة هي جل المقصود المعقود ~~عليه أو بعضه فليست الحيلة إلا ضربا من اللعب والإفساد؛ وإلا فالمقصود ~~المعقود عليه ظاهر. والذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه ~~الحيلة هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدوا أنهم فاعلون ~~للمحرم كما رأينا عليه أكثر الناس. وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول ~~الثمار الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر # PageV29P063 # والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله. وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان ~~فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي به شريعة قط ~~فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما ms8507 جعل عليكم في الدين من حرج} وقال تعالى: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف ~~عنكم} وفي الصحيحين " {إنما بعثتم ميسرين} " {يسروا ولا تعسروا} " {ليعلم ~~اليهود أن في ديننا سعة} فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو ~~منتف شرعا. والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط؛ ~~لما فيه من الفساد الذي لا يطاق. فعلم أنه ليس بحرام؛ بل هو أشد من الأغلال ~~والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله ~~تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقوله: {فمن اضطر في مخمصة ~~غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ~~ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم؛ لأنهم في ~~معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية ~~اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال # PageV29P064 # في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة ويباح له ما يزيل ~~ضرورته، فتباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم ~~لنفسه المحتال وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} وقوله ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم} الآية. وهذه ~~قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله عليها. وهذا القول المأثور عن السلف ~~الذي اختاره ابن عقيل: هو قياس أصول أحمد وبعض أصول الشافعي وهو الصحيح إن ~~شاء الله تعالى؛ لوجوه متعددة؛ بعد الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا ~~وعقلا؛ فإن دلالة هذه إنما تتم بعد الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول. ~~الوجه الأول: ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير. فإنه قبل الأرض ~~والشجر ms8508 الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء. وهذا عين مسألتنا ولا يحمل ذلك ~~على أن النخل والشجر كان قليلا. فإنه من المعلوم أن حيطان أهل المدينة كان ~~الغالب عليها الشجر وأسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم. فبعيد ~~أن يكون الغالب على حائطه الأرض البيضاء. ثم هذه القصة لا بد أن تشتهر ولم ~~يبلغنا أن أحدا أنكرها، فيكون إجماعا. وكذلك ما ضر به من الخراج على # PageV29P065 # السواد؛ فإن تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من منفعة الأرض ~~والشجر كما يسمي الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها خراجا إذا كان على كل ~~شجرة شيء معلوم ومنه قوله: {أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير} . ومنه خراج ~~العبد؛ فإنه عبارة عن ضريبة يخرجها لسيده من ماله، فمن اعتقد أنه أجرة وجب ~~عليه أن يعتقد جواز مثل هذا؛ لأنه ثابت بإجماع الصحابة. ومن اعتقد أنه ثمن ~~أو عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه غيره. وإنما جوزه الصحابة - ولا ~~نظير له - لأجل الحاجة الداعية إليه والحاجة إلى ذلك موجودة في كل أرض فيها ~~شجر كالأرض المفتتحة سواء. فإنه إن قيل: يمكن المساقاة أو المزارعة. قيل: ~~وقد كان يمكن عمر المساقاة أو المزارعة كما فعل في أثناء الدولة العباسية؛ ~~إما في خلافة المنصور وإما بعده؛ فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى ~~المقاسمة التي هي المساقاة والمزارعة. وإن قيل: إنه يمكن جعل الكراء بإزاء ~~الأرض والتبرع بمنفعة الشجر أو المحاباة فيها. قيل: وقد كان يمكن عمر ذلك. ~~فالقدر المشترك بينهما ظاهر. # وأيضا: فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر # PageV29P066 # تكرى؛ بل هذا غالب على أموال أهل الأمصار. ونعلم أن السلف لم يكونوا كلهم ~~يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم ونعلم أن المساقاة والمزارعة قد لا تتيسر ~~في كل وقت؛ لأنها تفتقر إلى عامل أمين وما كل أحد يرضى بالمساقاة ولا كل من ~~أخذ الأرض يرضى بالمشاركة. فلا بد أن يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ~~ذات الشجر. ومعلوم أن ms8509 الاحتيال بالتبرع أمر نادر لم يكن السلف من الصحابة ~~والتابعين يفعلونه. فلم يبق إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل عمر رضي الله ~~عنه بمال أسيد بن الحضير وكما يفعله غالب المسلمين من تلك الأزمنة وإلى ~~اليوم. فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الإجارة ولا أنهم أمروا بحيلة ~~التبرع - مع قيام المقتضي لفعل هذه المعاملة - علم قطعا أن المسلمين كانوا ~~يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين. فيكون فعلها كان إجماعا منهم. ~~ولعل الذين اختلفوا في كراء الأرض البيضاء والمزارعة عليها لم يختلفوا في ~~كراء الأرض السوداء ولا في المساقاة؛ لأن منفعة الأرض ليس فيها طائل ~~بالنسبة إلى منفعة الشجر. فإن قيل: فقد قال حرب الكرماني: سئل أحمد عن ~~تفسير # PageV29P067 # حديث ابن عمر: " القبالات ربا " قال: هو أن يتقبل القرية فيها النخل ~~والعلوج. قيل له: فإن لم يكن فيها نخل وهي أرض بيضاء؟ قال: لا بأس؛ إنما هو ~~الآن مستأجر: قيل: فإن فيها علوجا؟ قال: فهذا هو القبالة المكروهة. قال ~~حرب: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن جبلة سمع ابن عمر ~~يقول: " القبالات ربا ". قيل: الربا فيما يجوز تأجيله إنما يكون في الجنس ~~الواحد لأجل الفضل. فإذا قيل في الأجرة أو الثمن أو نحوهما: أنه ربا مع ~~جواز تأجيله. فلأنه معاوضة بجنسه متفاضلا لأن الربا إما ربا النساء وذلك لا ~~يكون إلا فيما يجوز تأجيله وإما ربا الفضل وذلك لا يكون إلا في الجنس ~~الواحد. فإذا انتفى ربا النساء الذي هو التأخير لم يبق إلا ربا الفضل الذي ~~هو الزيادة في الجنس الواحد. وهذا يكون إذا كان التقبل بجنس مغل الأرض مثل: ~~أن يقبل الأرض التي فيها نخل يتمر. فيكون مثل المزابنة. وهذا مثل اكتراء ~~الأرض بجنس الخارج منها إذا كان مضمونا في الذمة مثل: أن يكتريها ليزرع ~~فيها حنطة بحنطة معلومة. ففيه روايتان عن أحمد. إحداهما: أنه ربا كقول ~~مالك. وهذا مثل القبالة التي كرهها ابن عمر؛ لأنه ضمن الأرض للحنطة بحنطة ~~معلومة فكأنه ms8510 ابتاع حنطة بحنطة تكون أكثر أو أقل فيظهر الربا. # PageV29P068 # فالقبالات التي ذكر ابن عمر أنها ربا: أن يضمن الأرض التي فيها النخل ~~والفلاحون بقدر معين من جنس مغلها مثل أن يكون لرجل قرية فيها شجر وأرض ~~وفيها فلاحون يعملون له تغل له ما تغل من الحنطة والتمر بعد أجرة الفلاحين ~~أو نصيبهم فيضمنها رجل منه بمقدار معلوم من الحنطة والتمر ونحو ذلك. فهذا ~~مظهر تسميته بالربا. فأما ضمان الأرض بالدراهم والدنانير فليس من باب الربا ~~بسبيل. ومن حرمه فهو عنده من باب الغرر. ثم إن أحمد لم يكره ذلك إذا كانت ~~أرضا بيضاء لأن الإجارة عنده جائزة وإن كانت الأجرة من جنس الخارج على إحدى ~~الروايتين؛ لأن المستأجر يعمل في الأرض بمنفعته وماله فيكون المغل بكسبه؛ ~~بخلاف ما إذا كان فيها العلوج وهم الذين يعالجون العمل. فإنه لا يعمل فيها ~~شيئا لا بمنفعته ولا بماله بل العلوج يعملونها. وهو يؤدي القبالة ويأخذ ~~بدلها. فهو طلب الربح في مبادلة المال من غير صناعة ولا تجارة وهذا هو ~~الربا. ونظير هذا ما جاء عن ابن عمر أنه ربا، وهو اكتراء الحمام والطاحون ~~والفنادق ونحو ذلك مما لا ينتفع المستأجر به فلا يتجر فيه ولا يصطنع فيه. ~~وإنما يكتريه ليكريه فقط، فقد قيل: هو ربا. والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل ~~النخل ولا لأجل الأرض إذا # PageV29P069 # كانت بغير جنس المغل وإنما كانت ربا لأجل العلوج. وهذه الصورة لا حاجة ~~إليها؛ فإن العلوج يقومون بها، فتقبيلها لآخر مراباة له؛ ولهذا كرهها أحمد ~~وإن كانت بيضاء إذا كان فيها العلوج. وقد استدل حرب الكرماني على المسألة ~~بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو ~~زرع على أن يعمروها من أموالهم. وذلك أن هذا في المعنى إكراء للأرض منهم ~~ببعض ما يخرج منها مع إكراء الشجر بنصف ثمره. فيقاس عليه إكراء الأرض ~~والشجر بشيء مضمون؛ لأن إعطاء الثمر لو كان بمنزلة بيعه لكان إعطاء بعضه ~~بمنزلة بيعه. وذلك لا ms8511 يجوز. وهذه المسألة لها أصلان: الأصل الأول: أنه متى ~~كان بين الشجر أرض أو مساكن دعت الحاجة إلى كرائهما جميعا فيجوز لأجل ~~الحاجة، وإن كان في ذلك غرر يسير؛ لا سيما إن كان البستان وقفا أو مال ~~يتيم؛ فإن تعطيل منفعته لا يجوز وإكراء الأرض أو المسكن وحده لا يقع في ~~العادة ولا يدخل أحد في إجارته على ذلك. وإن اكتراه اكتراه بنقص كثير عن ~~قيمته. وما لا يتم المباح إلا به فهو مباح. فكل ما يثبت إباحته بنص أو ~~إجماع وجب إباحة لوازمه إذا لم يكن في تحريمها نص ولا إجماع. وإن قام دليل ~~يقتضي تحريم لوازمه وما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فهو حرام، فهنا ~~يتعارض الدليلان. وفي مسألتنا قد ثبت إباحة # PageV29P070 # كراء الأرض بالسنة واتفاق الفقهاء المتبوعين؛ بخلاف دخول كراء الشجر؛ فإن ~~تحريمه مختلف فيه ولا نص عليه. وأيضا: فمتى أكريت الأرض وحدها وبقي الشجر ~~لم يكن المكتري مأمونا على الثمر فيفضي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة. ~~كما إذا بدا الصلاح في نوع واحد ويخرج على هذا القول مثل قول الليث بن سعد: ~~إذا بدا الصلاح في جنس - وكان في بيعه متفرقا ضرر - جاز بيع جميع الأجناس؛ ~~لتعسر تفريق الصفقة ولأنه إذا أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يجد من يشتري ~~الثمرة إذا كانت الأرض والمساكن لغيره إلا بنقص كثير. ولأنه إذا أكرى الأرض ~~فإن شرط عليه سقي الشجر - والسقي من جملة المعقود عليه - صار المعوض عوضا. ~~وإن لم يشرط عليه السقي فإذا سقاها - إن ساقاه عليها - صارت الإجارة لا تصح ~~إلا بمساقاة. وإن لم يساقه لزم تعطيل منفعة المستأجر فيدور الأمر بين أن ~~تكون الأجرة بعض المنفعة أو لا تصح الإجارة إلا بمساقاة أو بتفويت منفعة ~~المستأجر. ثم إن حصل للمكري جميع الثمرة أو بعضها: ففي بيعها - مع أن الأرض ~~والمساكن لغيره - نقص للقيمة في مواضع كثيرة. فيرجع الأمر إلى أن الصفقة ~~إذا كان في تفريقها ضرر جاز الجمع بينهما في المعاوضة وإن لم ms8512 يجز إفراد كل ~~منهما؛ لأن حكم الجمع يخالف # PageV29P071 # حكم التفريق. ولهذا وجب عند أحمد وأكثر الفقهاء على أحد الشريكين إذا ~~تعذرت القسمة: أن يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه إن كان المشترك منفعة؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ~~ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل. فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد ~~عتق عليه ما عتق} أخرجاه في الصحيحين. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتقويم العبد كله وبإعطاء الشريك حصته من القيمة. ومعلوم أن قيمة حصته ~~منفردة دون حصته من قيمة الجميع. فعلم أن حقه في نصف النصف. وإذا استحق ذلك ~~بالإعتاق فبسائر أنواع الإتلاف أولى؛ وإنما يستحق بالإتلاف ما يستحق ~~بالمعاوضة. فعلم أنه يستحق بالمعاوضة نصف القيمة وإنما يمكن ذلك عند بيع ~~الجميع. فتجب قسمة العين حيث لا ضرر فيها. فإن كان فيها ضرر قسمت القيمة. ~~فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع نصيبه لما في التفريق من نقص قيمة شريكه ~~فلأن يجوز بيع الأمرين جميعا - إذا كان في تفريقهما ضرر - أولى؛ ولذلك جاز ~~بيع الشاة مع اللبن الذي في ضرعها. وإن أمكن تفريقهما بالحلب وإن كان بيع ~~اللبن وحده لا يجوز. وعلى هذا الأصل: فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة # PageV29P072 # كمنفعة أرض للزرع أو بناء للسكن. وأما إن كان المقصود هو الثمر فقط؛ ~~ومنفعة الأرض أو المسكن ليست جزءا من المقصود؛ وإنما أدخلت لمجرد الحيلة ~~كما قد يفعل في مسائل " مد عجوة " لم يجئ هذا الأصل. " الأصل الثاني ": أن ~~يقال: إكراء الشجر للاستثمار يجري مجرى إكراء الأرض للازدراع واستئجار ~~الظئر للرضاع. وذلك: أن الفوائد التي تستخلف مع بقاء أصولها تجري مجرى ~~المنافع وإن كانت أعيانا وهي ثمر الشجر ولبن الآدميات والبهائم والصوف ~~والماء العذب: فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله بدله مع بقاء الأصل ~~كالمنافع سواء. ولهذا جرت في الوقف والعارية والمعاملة بجزء من النماء مجرى ~~المنفعة؛ فإن الوقف لا يكون ms8513 إلا فيما ينتفع به مع بقاء أصله. فإذا جاز وقف ~~الأرض البيضاء أو الرباع لمنفعتها فكذلك وقف الحيطان لثمرتها ووقف الماشية ~~لدرها وصوفها ووقف الآبار والعيون لمائها؛ بخلاف ما يذهب بالانتفاع كالطعام ~~ونحوه فلا يوقف. وأما " باب العارية " فيسمون إباحة الظهر إفقارا يقال: ~~أفقره الظهر. وما أبيح لبنه: منيحة. وما أبيح ثمره: عرية وغير ذلك عارية ~~وشبهوا ذلك بالقرض الذي ينتفع به المقترض ثم يرد مثله. ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {منيحة لبن أو منيحة ورق} # PageV29P073 # فاكتراء الشجر لأن يعمل عليها ويأخذ ثمرها بمنزلة استئجار الظئر لأجل ~~لبنها. وليس في القرآن إجارة منصوصة إلا إجارة الظئر في قوله سبحانه {فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} . ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الإجارة لا تكون إلا ~~على منفعة ليست عينا ورأى جواز إجارة الظئر قال: المعقود عليه هو وضع الطفل ~~في حجرها واللبن دخل ضمنا وتبعا كنقع البئر. وهذا مكابرة للعقل والحس؛ فإنا ~~نعلم بالاضطرار أن المقصود بالعقد هو اللبن كما ذكره الله بقوله: {فإن ~~أرضعن لكم} وضم الطفل إلى حجرها: إن فعل فإنما هو وسيلة إلى ذلك. وإنما ~~العلة ما ذكرته: من أن الفائدة التي تستخلف مع بقاء أصلها تجري مجرى ~~المنفعة. وليس من البيع الخاص؛ فإن الله لم يسم العوض إلا أجرا لم يسمه ~~ثمنا وهذا بخلاف ما لو حلب اللبن فإنه لا يسمي المعاوضة عليه حينئذ إلا ~~بيعا لأنه لم يستوف الفائدة من أصلها. كما يستوفي المنفعة من أصلها. فلما ~~كان للفوائد العينية التي يمكن فصلها عن أصلها حالان: حال تشبه فيه المنافع ~~المحضة وهي حال اتصالها واستيفائها واستيفاؤه كاستيفاء المنفعة. وحال تشبه ~~فيه الأعيان المحضة وهي حال انفصالها وقبضها كقبض الأعيان. فإذا كان صاحب ~~الشجر هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى تصلح الثمرة؛ فإنما يبيع ثمرة محضة ~~كما لو كان هو الذي يشق الأرض # PageV29P074 # ويبذرها ويسقيها حتى يصلح الزرع فإنما يبيع زرعا محضا وإن كان المشتري هو ~~الذي يجد ويحصد كما لو باعها على الأرض وكان المشتري ms8514 هو الذي ينقل ويحول؛ ~~ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في النهي عن بيع الحب حتى يشتد ~~وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؛ فإن هذا بيع محض للثمرة والزرع. وأما إذا ~~كان المالك يدفع الشجرة إلى المكتري حتى يسقيها ويلقحها ويدفع عنها الأذى ~~فهو بمنزلة دفعه الأرض إلى من يشقها ويبذرها ويسقيها؛ ولهذا سوى بينهما في ~~المساقاة والمزارعة فكما أن كراء الأرض ليس ببيع لزرعها فكذلك كراء الشجرة ~~ليس ببيع لثمرها؛ بل نسبة كراء الشجر إلى كراء الأرض كنسبة المساقاة إلى ~~المزارعة. هذا معاملة بجزء من النماء وهذا كراء بعوض معلوم. فإذا كانت هذه ~~الفوائد قد ساوت المنافع في الوقف لأصلها وفي التبرعات بها وفي المشاركة ~~بجزء من نمائها وفي المعاوضة عليها بعد صلاحها: فكذلك تساويها في المعاوضة ~~على استفادتها وتحصيلها. ولو فرق بينهما بأن الزرع إنما يخرج بالعمل؛ بخلاف ~~الثمر فإنه يخرج بلا عمل: كان هذا الفرق عديم التأثير؛ بدليل المساقاة ~~والمزارعة، وليس بصحيح؛ فإن للعمل تأثيرا في الإثمار؛ كما له تأثير في ~~الإنبات ومع عدم العمل عليها قد تعدم الثمرة وقد تنقص؛ فإن # PageV29P075 # من الشجر ما لو لم يسق لم يثمر ولو لم يكن للعمل عليه تأثير أصلا: لم يجز ~~دفعه إلى عامل بجزء من ثمره ولم يجز في مثل هذه الصورة إجارته قبل بدو ~~صلاحه؛ فإنه بيع محض للثمرة؛ لا إجارة للشجر، ويكون كمن أكرى أرضه لمن يأخذ ~~منها ما ينبته الله بلا عمل أحد أصلا قبل وجوده. فإن قيل: المقصود بالعقد ~~هنا غرر؛ لأنه قد يثمر قليلا وقد يثمر كثيرا. يقال: ومثله في إكراء الأرض؛ ~~فإن المقصود بالعقد غرر أيضا على هذا التقدير؛ فإنها قد تنبت قليلا وقد ~~تنبت كثيرا. وإن قيل: المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع لا نفس الزرع ~~النابت. قيل: والمعقود عليه هنا: التمكن من الاستثمار؛ لا نفس الثمر ~~الخارج، ومعلوم أن المقصود فيهما إنما هو الزرع والثمر. وإنما يجب العوض ~~بالتمكن من تحصيل ذلك. كما أن المقصود باكتراء الدار إنما ms8515 هو السكنى وإن ~~وجب العوض بالتمكن من تحصيل ذلك. فالمقصود في اكتراء الأرض للزرع: إنما هو ~~نفس الأعيان التي # PageV29P076 # تحصد ليس كاكترائها للسكنى أو البناء فإن المقصود هناك نفس الانتفاع بجعل ~~الأعيان فيها. وهذا بين عند التأمل لا يزيده البحث عنه إلا وضوحا. فظهر به ~~أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة قبل زهوها وبيع ~~الحب قبل اشتداده ليس هو - إن شاء الله - إكراؤها لمن يحصل ثمرتها وزرعها ~~بعمله وسقيه ولا هذا داخل في نهيه لفظا ولا معنى. يوضح ذلك: أن البائع ~~لثمرتها عليه تمام سقيها والعمل عليها حتى يتمكن المشتري من الجذاذ كما على ~~بائع الزرع تمام سقيه حتى يتمكن المشتري من الحصاد؛ فإن هذا من تمام ~~التوفية ومئونة التوفية على البائع كالكيل والوزن. وأما المكري لها لمن ~~يخدمها حتى تثمر فهو كمكري الأرض لمن يخدمها حتى تنبت؛ ليس على المكري عمل ~~أصلا. وإنما عليه التمكين من العمل الذي يحصل به الثمر والزرع. لكن يقال: ~~طرد هذا: أن يجوز إكراء البهائم لمن يعلفها ويسقيها ويحتلب لبنها. قيل: إذا ~~جوزنا على إحدى الروايتين أن تدفع الماشية إلى من # PageV29P077 # يعلفها ويسقيها بجزء من درها ونسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها لدرها ~~ونسلها بشيء مضمون. وإن قيل: فهلا جاز إجارتها لاحتلاب لبنها كما جاز إجارة ~~الظئر؟ . قيل: إجارة الظئر أن ترضع بعمل صاحبها للغنم لأن الظئر هي التي ~~ترضع الطفل فإذا كانت هي التي توفي المنفعة فنظيره: أن يكون المؤجر هو الذي ~~يوفي منفعة الإرضاع. وحينئذ فالقياس: جوازه. ولو كان لرجل غنم فاستأجر غنم ~~رجل ليرضعها لم يكن هذا ممتنعا. وأما إن كان المستأجر هو الذي يحلب اللبن ~~أو هو الذي يستوفيه. فهذا مشتر للبن، ليس مستوفيا لمنفعة ولا مستوفيا للعين ~~بعمل. وهو شبيه باشتراء الثمرة. واحتلابه كاقتطافها. وهو الذي نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " {لا يباع لبن في ضرع} بخلاف ما لو ~~استأجرها لأن يقوم عليها ويحتلب لبنها فهذا نظير اكتراء الأرض ms8516 والشجر. # PageV29P078 # فصل: # هذا إذا أكراه الأرض والشجر أو الشجرة وحدها لأن يخدمها ويأخذ الثمرة ~~بعوض معلوم. فإن باعه الثمرة فقط وأكراه الأرض للسكنى: فهنا لا يجيء إلا ~~الأصل الأول المذكور عن ابن عقيل وبعضه عن مالك وأحمد في إحدى الروايتين ~~إذا كان الأغلب هو السكنى. وهو أن الحاجة داعية إلى الجمع بينهما. فيجوز في ~~الجمع ما لا يجوز في التفريق كما تقدم من النظائر. وهذا إذا كان كل واحد من ~~السكنى والثمرة مقصودا له كما يجري في حوائط دمشق؛ فإن البستان يكترى في ~~المدة الصيفية للسكنى فيه وأخذ ثمره من غير عمل على الثمرة أصلا؛ بل العمل ~~على المكري المضمن. وعلى ذلك الأصل: فيجوز وإن كان الثمر لم يطلع بحال سواء ~~كان جنسا واحدا أو أجناسا متفرقة كما يجوز مثل ذلك في القسم الأول. فإنه ~~إنما جاز لأجل الجمع بينه وبين المنفعة. وهو في الحقيقة جمع بين بيع وإجارة ~~بخلاف القسم الأول؛ فإنه قد يقال: هو إجارة؛ لأن مئونة توفية الثمر هنا على ~~المضمن وبعمله يصير ثمرا: # PageV29P079 # بخلاف القسم الأول؛ فإنه إنما يصير مثمرا بعمل المستأجر؛ ولهذا يسميه ~~الناس ضمانا إذ ليس هو بيعا محضا ولا إجارة محضة فسمي باسم الالتزام العام ~~في المعاوضات وغيرها وهو الضمان كما يسمي الفقهاء مثل ذلك في قوله: ألق ~~متاعك في البحر وعلي ضمانه. وكذلك يسمى القسم الأول ضمانا أيضا لكن ذاك ~~يسمى إجارة. وهذا إذا سمي إجارة أو اكتراء: فلأن بعضه إجارة أو اكتراء وفيه ~~بيع أيضا. فأما إن كانت المنفعة ليست مقصودة أصلا وإنما جاءت لأجل جذاذ ~~الثمرة مثل أن يشتري عنبا أو بلحا ويريد أن يقيم في الحديقة لقطافه: فهذا ~~لا يجوز قبل بدو صلاحه؛ لأن المنفعة إنما قصدت هنا لأجل الثمر فلا يكون ~~الثمر تابعا لها ولا يحتاج إلى إجارتها إلا إذا جاز بيع الثمر؛ بخلاف القسم ~~الذي قبله؛ فإن المنفعة إذا كانت مقصودة احتاج إلى استئجارها واحتاج مع ذلك ~~إلى اشتراء الثمرة فاحتاج إلى الجمع؛ لأن المستأجر لا يمكنه ms8517 إذا استأجر ~~المكان للسكنى أن يدع غيره يشتري الثمرة؛ ولا يتم غرضه من الانتفاع إلا أن ~~يكون له ثمرة يأكلها؛ فإن مقصوده الانتفاع بالسكنى في ذلك المكان والأكل من ~~الثمر الذي فيه. ولهذا إذا كان المقصود الأعظم هو السكنى وإنما الشجر قليل ~~مثل أن يكون في الدار نخلات أو عريش عنب ونحو ذلك فالجواز هنا مذهب مالك ~~وقياس أكثر نصوص أحمد وغيره. # PageV29P080 # وإن كان المقصود مع السكنى التجارة في الثمر وهو أكثر من منفعة السكنى: ~~فالمنع هنا أوجه منه في التي قبلها كما فرق بينهما مالك وأحمد. وإن كان ~~المقصود السكنى والأكل: فهو شبيه بما لو قصد السكنى والشرب من البئر. وإن ~~كان ثمن المأكول أكثر: فهنا الجواز فيه أظهر من التي قبلها ودون الأولى على ~~قول من يفرق. وأما على قول ابن عقيل المأثور عن السلف: فالجميع جائز كما ~~قررناه لأجل الجمع. فإن اشترط مع ذلك أن يحرث له المضمن مقثاة: فهو كما لو ~~استأجر أرضا من رجل للزرع على أن يحرثها المؤجر. فقد استأجر أرضه واستأجر ~~منه عملا في الذمة. وهذا جائز كما لو استكرى منه جملا أو حمارا على أن يحمل ~~المؤجر للمستأجر عليه متاعه. وهذه إجارة عين وإجارة على عمل في الذمة؛ إلا ~~أن يشترط عليه أن يكون هو الذي يعمل العمل فيكون قد استأجر عينين. ولو لم ~~تكن السكنى مقصودة وإنما المقصود ابتياع ثمرة في بستان ذي أجناس والسقي على ~~البائع: فهذا عند الليث يجوز وهو قياس القول الثالث الذي ذكرناه عن أصحابنا ~~وغيرهم وقررناه؛ لأن الحاجة إلى الجمع بين الجنسين كالحاجة إلى الجمع بين ~~بيع الثمرة والمنفعة وربما كان أشد فإنه قد لا يمكن بيع كل جنس عند بدو ~~صلاحه، فإنه في كثير من الأوقات لا يحصل ذلك وفي بعضها إنما يحصل بضرر ~~كثير. # PageV29P081 # وقد رأيت من يواطئ المشتري على ذلك ثم كلما صلحت ثمرة يقسط عليها بعض ~~الثمن. وهذا من الحيل الباردة التي لا تخفى حالها كما تقدم، وما يزال ~~العلماء والمؤمنون ذوو ms8518 الفطر السليمة ينكرون تحريم مثل هذا مع أن أصول ~~الشريعة تنافي تحريمه؛ لكن ما سمعوه من العمومات اللفظية والقياسية التي ~~اعتقدوا شمولها لمثل هذا مع ما سمعوه من قول العلماء الذين يدرجون هذا في ~~العموم: هو الذي أوجب ما أوجب. وهو قياس ما قررناه من جواز بيع المقثاة ~~جميعها بعد بدو صلاحها؛ لأن تفريق بعضها متعسر أو متعذر كتعسر تفريق ~~الأجناس في البستان الواحد وإن كانت المشقة في المقثاة أوكد؛ ولهذا جوزها ~~من منع الأجناس كمالك. فإن قيل: هذه الصورة داخلة في عموم نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؛ بخلاف ما إذا أكراه الأرض ~~والشجر ليعمل عليه فإنه - كما قررتم - ليس بداخل في العموم لأنه إجارة لمن ~~يعمل لا بيع لعين وأما هذا فبيع للثمرة فيدخل في النهي. فكيف تخالفون ~~النهي؟ قلنا: الجواب عن هذا كالجواب عما يجوز بالسنة والإجماع من ابتياع ~~الشجر مع ثمرة الذي لم يبد صلاحه وابتياع الأرض مع زرعها الذي لم يشتد حبه؛ ~~وما نصرناه من ابتياع المقاثي مع أن بعض # PageV29P082 # خضرها لم يخلق. وجواب ذلك كله بطريقين: أحدهما: أن يقال: إن النهي لم ~~يشمل بلفظه هذه الصورة؛ لأن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر: انصرف ~~إلى البيع المعهود عند المخاطبين وما كان مثله؛ لأن لام التعريف تنصرف إلى ~~ما يعرفه المخاطبون. فإن كان هناك شخص معهود أو نوع معهود انصرف الكلام ~~إليه كما انصرف اللفظ إلى الرسول المعين في قوله تعالى {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} وفي قوله: {فعصى فرعون الرسول} أو إلى ~~النوع المخصوص: نهيه عن بيع الثمر، فإنه لا خلاف بين المسلمين: أن المراد ~~بالثمر هنا الرطب دون العنب وغيره وإن لم يكن معهود شخصي ولا نوعي انصرف ~~إلى العموم. فالبيع المذكور للثمر هو بيع الثمر الذي يعهدونه دخل كدخول ~~القرن الثاني والقرن الثالث فيما خاطب به الرسول أصحابه. ونظير هذا: ما ~~ذكره أحمد في " {نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ms8519 بول الرجل في الماء ~~الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه} فحمله على ما كان معهودا على عهده من ~~المياه الدائمة كالآبار والحياض التي بين مكة والمدينة. فأما المصانع ~~الكبار التي لا يمكن نزحها التي أحدثت بعده فلم يدخله في العموم لوجود ~~الفارق المعنوي وعدم # PageV29P083 # العموم اللفظي. ويدل على عدم العموم في مسألتنا: أن في الصحيحين عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الثمار حتى تزهو: قيل: وما تزهو؟ . قال: تحمر وتصفر} وفي لفظ مسلم: " {نهى ~~عن بيع الثمر حتى يزهو} . ولفظ مسلم: " {نهى عن بيع ثمر النخل حتى يزهو} . ~~ومعلوم أن ذلك: هو ثمر النخل كما جاء مقيدا؛ لأنه هو الذي يزهو فيحمر أو ~~يصفر وإلا فمن الثمار ما يكون نضجها بالبياض؛ كالتوت والتفاح والعنب الأبيض ~~والإجاص الأبيض الذي يسميه أهل دمشق الخوخ والخوخ الأبيض الذي يسمى الفرسك ~~ويسميه الدمشقيون الدراق أو باللين بلا تغير لون كالتين ونحوه. ولذلك جاء ~~في الصحيحين عن جابر قال: " {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة ~~حتى تشقح. قيل: وما تشقح؟ قال: تحمار أو تصفار ويؤكل منها} وهذه الثمرة هي ~~الرطب وكذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " {لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ولا تبتاعوا ~~التمر بالتمر} والتمر الثاني هو الرطب بلا ريب. فكذلك الأول؛ لأن اللفظ ~~واحد. وفي صحيح مسلم أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {لا ~~تبتاعوا # PageV29P084 # الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة} وقال " {بدو صلاحه: حمرته أو ~~صفرته} فهذه الأحاديث التي فيها لفظ " الثمر ". وأما غيرها فصريح في النخل ~~كحديث ابن عباس المتفق عليه: " {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~النخل حتى يأكل منه أو يؤكل منه} . وفي رواية لمسلم عن ابن عمر: " {أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى ms8520 يبيض ~~ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري} . والمراد بالنخل ثمره بالاتفاق؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم قد جوز اشتراء النخل المؤبر مع اشتراط المشتري لثمرته. ~~فهذه النصوص ليست عامة عموما لفظيا في كل ثمرة في الأرض وإنما هي عامة لفظا ~~لكل ما عهده المخاطبون وعامة معنى لكل ما كان في معناه. وما ذكرنا عدم ~~تحريمه ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معناه فلم يتناوله دليل الحرمة. فيبقى ~~على الحل. وهذا وحده دليل على عدم التحريم وبه يتم ما نبهنا عليه أولا: من ~~أن الأدلة النافية للتحريم من الأدلة الشرعية والاستصحابية تدل على ذلك؛ ~~لكن بشرط نفي الناقل المغير وقد بينا انتفاءه. الطريق الثاني: أن نقول: وإن ~~سلمنا العموم اللفظي؛ لكن ليست # PageV29P085 # هي مرادة؛ بل هي مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التي تخص مثل هذا العموم؛ ~~فإن هذا العموم مخصوص بالسنة والإجماع في الثمر التابع لشجره حيث قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {من ابتاع نخلا لم يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط ~~المبتاع} أخرجاه من حديث ابن عمر، فجعلها للمبتاع إذا اشترطها بعد التأبير. ~~ومعلوم أنها حينئذ لم يبد صلاحها ولا يجوز بيعها مفردة، والعموم المخصوص ~~بالنص أو الإجماع: يجوز أن يخص منه صور في معناه عند جمهور الفقهاء من سائر ~~الطوائف. ويجوز أيضا تخصيصه بالإجماع وبالقياس القوي. وقد ذكرنا من آثار ~~السلف ومن المعاني ما يخص مثل هذا لو كان عاما أو بالاشتداد بلا تغير لون ~~كالجوز واللوز، فبدو الصلاح في الثمار متنوع تارة يكون بالرطوبة بعد اليبس، ~~وتارة باليبس بعد الرطوبة وتارة بلينه. وتارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو ~~بياض. وتارة لا يتغير. وإذا كان قد نهى عن بيع الثمر حتى يحمر أو يصفر: علم ~~أن هذا اللفظ لم يشمل جميع أصناف الثمار وإنما يشمل ما تأتي فيه الحمرة ~~والصفرة وقد جاء مقيدا: أنه النخل. فتدبر ما ذكرناه في هذه المسألة فإنه ~~عظيم المنفعة في هذه القضية التي عمت بها البلوى وفي نظائرها وانظر في عموم ~~كلام الله ms8521 عز وجل ورسوله لفظا ومعنى حتى تعطيه حقه. وأحسن ما تستدل به # PageV29P086 # على معناه: آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده فإن ضبط ذلك يوجب ~~توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة المذكورة في قوله تعالى ~~{يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} . وأما نهيه صلى الله عليه وسلم ~~عن المعاومة الذي جاء مفسرا في رواية أخرى: بأنه بيع السنين فهو - والله ~~أعلم - مثل نهيه عن بيع حبل الحبلة إنما نهى أن يبتاع المشتري الثمرة التي ~~يستثمرها رب الشجرة. وأما اكتراء الأرض والشجرة حتى يستثمرها: فلا يدخل هذا ~~في البيع المطلق وإنما هو نوع من الإجارة. ونظير هذا: ما تقدم من حديث جابر ~~في الصحيح من أنه " {نهى عن كراء الأرض} وأنه " {نهى عن المخابرة} " وأنه " ~~{نهى عن المزارعة} وأنه قال: " {لا تكروا الأرض} فإن المراد بذلك: الكراء ~~الذي كانوا يعتادونه كما جاء مفسرا وهي المخابرة والمزارعة التي كانوا ~~يعتادونها فنهاهم عما كانوا يعتادونه من الكراء والمعاومة الذي يرجع حاصله ~~إلى بيع الثمرة قبل أن تصلح وإلى المزارعة المشروط فيها جزء معين. وهذا نهي ~~عما فيه مفسدة راجحة. هذا نهي عن الغرر في جنس # PageV29P087 # البيع وذاك نهي عن الغرر في جنس الكراء العام الذي يدخل فيه المساقاة ~~والمزارعة وقد بين في كل منهما أن هذه المبايعة وهذه المكاراة كانت تفضي ~~إلى الخصومة والشنآن. وهو ما ذكره الله في حكمة تحريم الميسر بقوله تعالى: ~~{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} . # فصل: # ومن القواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه: أنواع من ~~الإجارات والمشاركات؛ كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك. فذهب قوم من الفقهاء ~~إلى أن المساقاة؛ والمزارعة حرام باطل؛ بناء على أنها نوع من الإجارة؛ ~~لأنها عمل بعوض والإجارة لا بد أن يكون الأجر فيها معلوما؛ لأنها كالثمن. ~~ولما روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم " {نهى عن استئجار ~~الأجير حتى ms8522 يبين له أجره وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر} والعوض في ~~المساقاة والمزارعة مجهول؛ لأنه قد يخرج الزرع والثمر قليلا وقد يخرج كثيرا ~~وقد يخرج على صفات ناقصة وقد لا يخرج فإن منع الله الثمرة كان استيفاء عمل ~~العامل باطلا. وهذا قول أبي # PageV29P088 # حنيفة. وهو أشد الناس قولا بتحريم هذا. وأما مالك والشافعي فالقياس ~~عندهما ما قاله أبو حنيفة إدخالا لذلك في الغرر؛ لكن جوزا منه ما تدعو إليه ~~الحاجة. فجوز مالك والشافعي في القديم: المساقاة مطلقا؛ لأن كراء الشجر لا ~~يجوز؛ لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه؛ والمالك قد يتعذر عليه سقي شجره ~~وخدمته فيضطر إلى المساقاة؛ بخلاف المزارعة فإنه يمكنه كراء الأرض بالأجر ~~المسمى فيغنيه ذلك عن المزارعة عليه تبعا لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في ~~المساقاة تبعا؛ فإذا كان بين الشجر بياض قليل جازت المزارعة عليه تبعا ~~للمساقاة. ومذهب مالك: أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد. فإن شرطاه ~~بينهما جاز. وهذا إذا لم يتجاوز الثلث. والشافعي لا يجعله للعامل؛ لكن ~~يقول: إذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه جازت المزارعة عليه. ولأصحابه في ~~البياض إذا كان كثيرا أكثر من الشجر وجهان. وهذا إذا جمعهما في صفقة واحدة؛ ~~فإن فرق بينهما في صفقتين فوجهان: # PageV29P089 # أحدهما: لا يجوز بحال لأنه إنما جاز تبعا فلا يفرد بعقد. و " الثاني ": ~~يجوز إذا ساقى ثم زارع؛ لأنه يحتاج إليه حينئذ. وأما إذا قدم المزارعة لم ~~يجز وجها واحدا. وهذا إذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا كالثلث أو الربع ~~فإن فاضل بينهما ففيه وجهان. وروي عن قوم من السلف - منهم: طاوس والحسن ~~وبعض الخلف -: المنع من إجارتها بالأجرة المسماة وإن كانت دراهم أو دنانير. ~~روى حرب عن الأوزاعي أنه سئل: هل يصلح اكتراء الأرض؟ فقال: اختلف فيه ~~فجماعة من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار والدرهم بأسا. وكره ذلك ~~آخرون منهم. وذلك؛ لأنه في معنى بيع الغرر؛ لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء ~~على ما يحصل له من الزرع؛ وقد لا ينبت الزرع ms8523 فيكون بمنزلة اكتراء الشجر ~~للاستثمار. وقد كان طاوس يزارع ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من المؤاجرة ~~لأن المتعاملين في المزارعة إما أن يغنما جميعا أو يغرما جميعا فتذهب منفعة ~~بدن هذا وبقره ومنفعة أرض هذا. وذلك أقرب إلى العدل من أن يحصل أحدهما على ~~شيء مضمون ويبقى الآخر تحت الخطر؛ إذ المقصود بالعقد هو الزرع؛ لا القدرة ~~على حرث الأرض وبذرها وسقيها. # PageV29P090 # وعذر الفريقين - مع هذا القياس - ما بلغهم من الآثار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض؛ كحديث رافع بن خديج وحديث ~~جابر. فعن نافع " {أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية ثم حدث عن رافع ~~بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع فذهب ابن عمر ~~إلى رافع فذهبت معه فسأله؟ فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كراء ~~المزارع فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشيء ~~من التبن} أخرجاه في الصحيحين وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: " {حتى بلغه في ~~آخر خلافة معاوية: أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فدخل عليه وأنا معه فسأله. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينهى عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد فكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم ~~رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها} وعن سالم بن عبد ~~الله بن عمر " {أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج ~~الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض فلقيه عبد الله فقال: يا ابن خديج ماذا ~~تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج ~~لعبد الله: سمعت عمي # PageV29P091 # وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أهل الدار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى ms8524 عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الأرض تكرى ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه فترك كراء الأرض} رواه مسلم. وروى البخاري ~~قول عبد الله الذي في آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير: ~~" {لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا، فقلت: ~~وما ذاك؟ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق. قال: دعاني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ فقلت: نؤاجرها يا رسول ~~الله على الربع أو على الأوسق من التمر والشعير. قال: فلا تفعلوا ازرعوها ~~أو أزرعوها أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعا وطاعة} أخرجاه في الصحيحين. ~~وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه} أخرجاه وعن جابر بن عبد ~~الله قال: " {كانوا يزرعونها بالثلث والربع فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. فإن لم يفعل فليمسك أرضه} ~~أخرجاه وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: " {كنا في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات، فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك. فقال: # PageV29P092 # من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه. فإن لم يمنحها ~~فليمسكها} وفي رواية في الصحيح " ولا يكريها ". وفي رواية في الصحيح " {نهى ~~عن كراء الأرض} . وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال: " {نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة} وفي رواية في ~~الصحيحين عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر: " {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشتري النخل حتى يشقه} ~~والإشقاه: أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء. ms8525 والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل ~~من الطعام معلوم. والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من التمر والمخابرة: ~~الثلث والربع وأشباه ذلك. قال زيد: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابرا ~~يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم ". فهذه الأحاديث قد ~~يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة؛ لأنه نهي عن كرائها والكراء ~~يعمها؛ لأنه قال: " {فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن لم يفعل فليمسكها} فلم ~~يرخص إلا في أن يزرعها أو يمنحها لغيره ولم يرخص في المعاوضة عنها؛ لا ~~بمؤاجرة ولا بمزارعة. ومن يرخص في المزارعة - دون المؤاجرة - يقول: الكراء ~~هو # PageV29P093 # الإجارة أو المزارعة الفاسدة التي كانوا يفعلونها؛ بخلاف المزارعة ~~الصحيحة التي ستأتي أدلتها التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل بها ~~أهل خيبر وعمل بها الخلفاء الراشدون بعده، وسائر الصحابة. يؤيد ذلك: أن ابن ~~عمر الذي ترك كراء الأرض لما حدثه رافع كان يروي حديث أهل خيبر رواية من ~~يفتي به؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة ~~والمخابرة والمعاومة، وجميع ذلك من أنواع الغرر. والمؤاجرة أظهر في الغرر ~~من المزارعة كما تقدم. ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم ~~في صحيحه عن ثابت بن الضحاك: " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المزارعة وأمر بالمؤاجرة. وقال: لا بأس بها} فهذا صريح في النهي عن ~~المزارعة والأمر بالمؤاجرة؛ ولأنه سيأتي عن رافع بن خديج - الذي روى الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم - {أنه لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~كرائها بشيء معلوم مضمون وإنما نهاهم عما كانوا يفعلونه من المزارعة} . ~~وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم - كأحمد بن # PageV29P094 # حنبل وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن ~~أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة زهير بن حرب وأكثر فقهاء ~~الكوفيين. كسفيان الثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ~~صاحبي أبي حنيفة والبخاري صاحب الصحيح وأبي داود وجماهير ms8526 فقهاء الحديث من ~~المتأخرين؛ كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم وأهل الظاهر وأكثر ~~أصحاب أبي حنيفة - إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعا لسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف وعمل جمهور ~~المسلمين. وبينوا معاني الأحاديث التي يظن اختلافها في هذا الباب. فمن ذلك ~~معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر هو وخلفاؤه من بعده إلى أن ~~أجلاهم عمر. فعن ابن عمر قال: " {عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع} أخرجاه، وأخرجا أيضا عن ابن عمر " ~~{أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ~~ولهم شطر ما خرج منها} . هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: " {لما افتتحت خيبر ~~سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم فيها على أن يعملوها ~~على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع. فقال رسول الله # PageV29P095 # صلى الله عليه وسلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا. وكان الثمر على السهمان ~~من نصف خيبر. فيأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس} . وفي رواية مسلم ~~عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " {أنه دفع إلى يهود ~~خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم وللرسول صلى الله عليه ~~وسلم شطر ثمرها} وعن ابن عباس " {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ~~خيبر أهلها على النصف: نخلها وأرضها} رواه الإمام أحمد وابن ماجه وعن طاوس: ~~" أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع، فهو يعمل به إلى يومك هذا " رواه ابن ~~ماجه. وطاوس كان باليمن وأخذ عن أصحاب معاذ الذين باليمن من أعيان ~~المخضرمين وقوله " وعمر وعثمان " أي: كنا نفعل كذلك على عهد عمر وعثمان ~~فحذف الفعل لدلالة الحال عليه؛ لأن المخاطبين كانوا يعلمون أن معاذا خرج من ~~اليمن في خلافة الصديق وقدم ms8527 الشام في خلافة عمر ومات بها في خلافته. قال ~~البخاري في صحيحه: وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر يعني الباقر - " ما ~~بالمدينة دار هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع " قال: " وزارع علي وسعد بن ~~مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل ~~عمر وآل علي وابن سيرين. وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من # PageV29P096 # عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ". وهذه الآثار التي ذكرها ~~البخاري قد رواها غير واحد من المصنفين في الآثار. فإذا كان جميع المهاجرين ~~كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ~~ذلك منكر: لم يكن إجماع أعظم من هذا؛ بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا. ~~لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء. وقد تأول من أبطل المزارعة ~~والمساقاة ذلك بتأويلات مردودة. مثل أن قال كان اليهود عبيدا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين. فجعلوا ذلك مثل الخارجة بين العبد وسيده. ومعلوم ~~بالنقل المتواتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم ولم يسترقهم حتى ~~أجلاهم عمر ولم يبعهم ولا مكن أحدا من المسلمين من استرقاق أحد منهم. ومثل ~~أن قال: هذه معاملة مع الكفار. فلا يلزم أن تجوز مع المسلمين. وهذا مردود؛ ~~فإن خيبر قد صارت دار إسلام وقد أجمع المسلمون على أنه يحرم في دار الإسلام ~~بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة. ثم ~~إنا قد ذكرنا أن # PageV29P097 # النبي صلى الله عليه وسلم عامل بين المهاجرين والأنصار وأن معاذ بن جبل ~~عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم على ذلك وأن الصحابة كانوا يعاملون ~~بذلك. والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك مع عمومات الكتاب والسنة المبيحة أو ~~النافية للحرج ومع الاستصحاب وذلك من وجوه. أحدها: أن هذه المعاملة مشاركة؛ ~~ليست مثل المؤاجرة المطلقة؛ فإن النماء الحادث يحصل من منفعة ms8528 أصلين: منفعة ~~العين التي لهذا كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا كأرضه وشجره كما تحصل ~~المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان ~~المسلمين من قوتهم ونصرهم؛ بخلاف الإجارة. فإن المقصود فيها هو العمل أو ~~المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو خياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد فإذا ~~وفاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ~~ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطا كما يشترط مثل ذلك ~~في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده: هو مثل منفعة أرض ~~المالك وشجره. ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر وإنما مقصودهما ~~جميعا: ما يتولد من اجتماع المنفعتين. فإن حصل نماء اشتركا فيه. وإن لم ~~يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته فيشتركان في المغنم وفي المغرم كسائر # PageV29P098 # المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التي لهم. وهذا جنس من التصرفات ~~يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة وما فيه من شوب المعاوضة من ~~جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة. فإن التصرفات العدلية في الأرض جنسان: ~~معاوضات ومشاركات. فالمعاوضات: كالبيع والإجارة. والمشاركات: شركة الأملاك ~~وشركة العقد. ويدخل في ذلك اشتراك المسلمين في مال بيت المال واشتراك الناس ~~في المباحات، كمنافع المساجد والأسواق المباحة والطرقات وما يحيا من الموات ~~أو يوجد من المباحات واشتراك الورثة في الميراث واشتراك الموصى لهم ~~والموقوف عليهم في الوصية والوقف واشتراك التجار والصناع شركة عنان أو ~~أبدان ونحو ذلك وهذان الجنسان هما منشأ الظلم. كما قال تعالى عن داود عليه ~~السلام {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم} . والتصرفات الأخر هي الفضيلة: كالقرض والعارية ~~والهبة والوصية. وإذا كانت التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو ~~مشاركة. فمعلوم قطعا: أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة ليسا ~~من جنس المعاوضة المحضة والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال ~~بالباطل. وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر؛ لأنه إن لم ms8529 # PageV29P099 # ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر؛ إذ هو لم يستوفها ولا ~~ملكها بالعقد ولا هي مقصودة؛ بل ذهبت منفعة بدنه كما ذهبت منفعة أرض هذا ~~ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئا؛ بخلاف ~~بيوع الغرر وإجارة الغرر؛ فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئا والآخر يبقى تحت ~~الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما. وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات ~~التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم ألبتة لا في غرر ولا في ~~غير غرر. ومن تأمل هذا تبين له مأخذ هذه الأصول. وعلم أن جواز هذه أشبه ~~بأصول الشريعة وأعرف في العقول وأبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض؛ بل ~~ومن جواز كثير من البيوع والإجارات المجمع عليها حيث هي مصلحة محضة للخلق ~~بلا فساد. وإنما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما ~~فهموه من الآثار: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول؛ لما فيها ~~من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيرا كعمل الشريكين في ~~المال المشترك وعمل الشريكين في شركة الأبدان وكاشتراك الغانمين في المغانم ~~ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى نعم لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر ~~لا يتولد من عمله: كان هذا إجارة. # PageV29P100 # الوجه الثاني: أن هذه من جنس المضاربة. فإنها عين تنمو بالعمل عليها فجاز ~~العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير والمضاربة جوزها الفقهاء كلهم ~~اتباعا لما جاء فيها عن الصحابة رضي الله عنهم مع أنه لا يحفظ فيها بعينها ~~سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد كان أحمد يرى أن يقيس المضاربة على ~~المساقاة والمزارعة لثبوتها بالنص فتجعل أصلا يقاس عليه وإن خالف فيهما من ~~خالف. وقياس كل منهما على الآخر صحيح. فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه ~~أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما. فإن قيل: الربح في المضاربة ليس من عين ~~الأصل؛ بل الأصل يذهب ويجيء بدله. فالمال ms8530 المقسم حصل بنفس العمل؛ بخلاف ~~الثمر والزرع فإنه من نفس الأصل. قيل: هذا الفرق فرق في الصورة وليس له ~~تأثير شرعي، فإنا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة ~~بدن العامل ومنفعة رأس المال؛ ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ~~ويقتسمان الربح كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست ~~إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا. ولهذا ~~فالمضاربة التي تروونها عن عمر: إنما حصلت بغير عقد لما # PageV29P101 # أقرض أبو موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فحملاه إلى أبيهما. ~~فطلب عمر جميع الربح لأنه رأى ذلك كالغصب حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من ~~المسلمين والمال مشترك وأحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن ~~الآخر فهو كالغاصب في نصيب الشريك وقال له ابنه عبد الله: " {الضمان كان ~~علينا فيكون الربح لنا} فأشار عليه بعض الصحابة بأن يجعله مضاربة. وهذه ~~الأقوال الثلاثة في مثل هذه المسألة موجودة بين الفقهاء - وهي ثلاثة أقوال ~~في مذهب أحمد وغيره - هل يكون ربح من اتجر بمال غيره بغير إذنه لرب المال ~~أو للعامل أو لهما؟ على ثلاثة أقوال. وأحسنها وأقيسها: أن يكون مشتركا ~~بينهما؛ كما قضى به عمر؛ لأن النماء متولد عن الأصلين. وإذا كان أصل ~~المضاربة الذي قد اعتمدوا عليه راعوا فيه ما ذكرناه من الشركة، فأخذ مثل ~~الدراهم يجري مجرى عينها؛ ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~بعده القرض منيحة؛ يقال: منيحة ورق. ويقول الناس: أعرني دراهمك. يجعلون رد ~~مثل الدراهم مثل رد عين العارية والمقترض انتفع بها وردها. وسموا المضاربة ~~قراضا؛ لأنها في المقابلات نظير القرض في التبرعات. ويقال أيضا: لو كان ما ~~ذكروه من الفرق مؤثرا لكان اقتضاؤه # PageV29P102 # لتجويز المزارعة دون المضاربة أولى من العكس؛ لأن النماء إذا حصل مع بقاء ~~الأصلين كان أولى بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما. وإن قيل: الزرع نماء ~~الأرض دون البدن. فقد يقال: والربح نماء العامل دون الدراهم ms8531 أو بالعكس. وكل ~~هذا باطل؛ بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ~~ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد. ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقا ~~فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة؛ لأن المؤاجرة المقصود فيها هو ~~العمل ويشترط أن يكون معلوما والأجرة مضمونة في الذمة أو عين معينة. وهنا ~~ليس المقصود إلا النماء ولا يشترط معرفة العمل والأجرة ليست عينا ولا شيئا ~~في الذمة وإنما هي بعض ما يحصل من النماء؛ ولهذا متى عين فيها شيء معين فسد ~~العقد كما تفسد المضاربة إذا شرطا لأحدهما ربحا معينا أو أجرة معلومة في ~~الذمة. وهذا بين في الغاية. فإذا كانت بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة جدا ~~والفرق الذي بينهما وبين المضاربة ضعيف والذي بينه وبين المؤاجرة فروق غير ~~مؤثرة في الشرع والعقل وكان لا بد من إلحاقها بأحد الأصلين فإلحاقها بما هي ~~به أشبه أولى وهذا أجلى من أن يحتاج فيه إلى إطناب. الوجه الثالث: أن نقول: ~~لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص. # PageV29P103 # فإنها على ثلاث مراتب. " أحدها ": أن يقال: لكل من بذل نفعا بعوض. فيدخل ~~في ذلك المهر. في قوله تعالى {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} . وسواء ~~كان العمل هنا معلوما أو مجهولا وكان الآخر معلوما أو مجهولا لازما أو غير ~~لازم. " المرتبة الثانية ": الإجارة التي هي جعالة وهو أن يكون النفع غير ~~معلوم لكن العوض مضمونا؟ فيكون عقدا جائزا غير لازم مثل أن يقول: من رد علي ~~عبدي فله كذا. فقد يرده من بعيد أو قريب. " الثالثة ": الإجارة الخاصة. وهي ~~أن يستأجر عينا أو يستأجره على عمل في الذمة؛ بحيث تكون المنفعة معلومة. ~~فيكون الأجر معلوما والإجارة لازمة. وهذه الإجارة التي تشبه البيع في عامة ~~أحكامه. والفقهاء المتأخرون إذا أطلقوا الإجارة أو قالوا " باب الإجارة " ~~أرادوا هذا المعنى. فيقال: المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من ~~المشاركات على نماء يحصل من قال: هي إجارة بالمعنى الأعم أو العام فقد صدق. ~~ومن قال: هي إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. وإذا ms8532 كانت إجارة # PageV29P104 # بالمعنى العام التي هي الجعالة. فهنالك إن كان العوض شيئا مضمونا من عين ~~أو دين فلا بد أن يكون معلوما وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن ~~يكون جزءا شائعا فيه كما لو قال الأمير في الغزو: من دلنا على حصن كذا فله ~~منه كذا فحصول الجعل هناك مشروط بحصول المال مع أنه جعالة محضة لا شركة ~~فيه. فالشركة أولى وأحرى. ويسلك في هذا طريقة أخرى. فيقال: الذي دل عليه ~~قياس الأصول: أن الإجارة الخاصة يشترط فيها أن لا يكون العوض غررا قياسا ~~على الثمن. فأما الإجارة العامة التي لا يشترط فيها العلم بالمنفعة: فلا ~~تشبه هذه الإجارة؛ لما تقدم فلا يجوز إلحاقها بها، فتبقى على الأصل المبيح. ~~فتحرير المسألة: أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالإجارة. فإن ~~أراد الخاصة: لم يصح. وإن أراد العامة: فأين الدليل على تحريمها إلا بعوض ~~معلوم؟ فإن ذكر قياسا بين له الفرق الذي لا يخفى على غير فقيه فضلا عن ~~الفقيه ولن يجد إلى أمر يشمل مثل هذه الإجارة سبيلا. فإذا انتفت أدلة ~~التحريم ثبت الحل. ويسلك في هذا طريقة أخرى. وهو قياس العكس. وهو أن # PageV29P105 # يثبت في الفرع نقيض حكم الأصل لانتفاء العلة المقتضية لحكم الأصل. فيقال: ~~المعنى الموجب لكون الأجرة يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة ~~ونحوها؛ لأن المقتضي لذلك أن المجهول غرر. فيكون في معنى بيع الغرر المقتضي ~~في أكل المال بالباطل أو ما يذكر من هذا الجنس. وهذه المعاني منتفية في ~~الفرع. فإذا لم يكن للتحريم موجب إلا كذا - وهو منتف - فلا تحريم. وأما ~~الأحاديث - حديث رافع بن خديج وغيره -: فقد جاءت مفسرة مبينة لنهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن نهيا عما فعل هو والصحابة في عهده وبعده بل ~~الذي رخص فيه غير الذي نهى عنه. فعن رافع بن خديج قال: " {كنا أكثر أهل ~~المدينة مزدرعا كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض. قال: مما ~~يصاب ذلك وتسلم ms8533 الأرض ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك؟ فنهينا. فأما الذهب ~~والورق فلم يكن يومئذ} ". رواه البخاري. وفي رواية له. قال: " {كنا أكثر ~~أهل المدينة حقلا. وكان أحدنا يكري أرضه. فيقول: هذه القطعة لي. وهذه لك. ~~فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم} ". وفي ~~رواية له: " {فربما أخرجت هذه كذا ولم تخرج ذه فنهينا عن ذلك. ولم ننه عن ~~الورق} ". وفي صحيح مسلم عن رافع قال: " {كنا أكثر أهل # PageV29P106 # الأنصار حقلا. وكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه. فربما أخرجت هذه ~~ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك. وأما الورق فلم ينهنا} " وفي مسلم أيضا عن ~~{حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: ~~لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ~~ويهلك هذا ويسلم هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا. فلذلك زجر الناس عنه. ~~فإما شيء معلوم مضمون فلا بأس به} . فهذا رافع بن خديج - الذي عليه مدار ~~الحديث - يذكر أنه لم يكن لهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كراء ~~إلا بزرع مكان معين من الحقل. وهذا النوع حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة ~~وحرموا نظيره في المضاربة. فلو اشترط ربح ثوب بعينه لم يجز. وهذا الغرر في ~~المشاركات نظير الغرر في المعاوضات. وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات ~~والمقابلات هو التعادل من الجانبين. فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها ~~الظلم فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه وجعله محرما على عباده. فإذا ~~كان أحد المتبايعين إذا ملك الثمن وبقي الآخر تحت الخطر: لم يجز - ولذلك ~~حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الثمر قبل بدو صلاحه - # PageV29P107 # فكذلك هذا إذا اشترطا لأحد الشريكين مكانا معينا خرجا عن موجب الشركة؛ ~~فإن الشركة تقتضي الاشتراك في النماء. فإذا انفرد أحدهما بالمعين لم يبق ~~للآخر فيه نصيب ms8534 ودخله الخطر ومعنى القمار كما ذكره رافع في قوله: " {فربما ~~أخرجت هذه ولم تخرج هذه} " فيفوز أحدهما ويخيب الآخر. وهذا معنى القمار. ~~وأخبر رافع " أنه لم يكن لهم كراء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~هذا " وأنه إنما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة ومعنى القمار. وأن النهي ~~إنما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود؛ لا إلى ما تكون فيه الأجرة مضمونة في ~~الذمة. وسأشير إن شاء الله إلى مثل ذلك في نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها ورافع أعلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أي شيء وقع؟ وهذا - ~~والله أعلم - هو الذي انتهى عنه عبد الله بن عمر فإنه قال: لما حدثه رافع: ~~" {قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وبشيء من التبن} " فبين ~~أنهم كانوا يكرون بزرع مكان معين وكان ابن عمر يفعله؛ لأنهم كانوا يفعلونه ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغه النهي. يدل على ذلك: أن ابن عمر ~~كان يروي حديث معاملة خيبر دائما ويفتي به ويفتي بالمزارعة على الأرض ~~البيضاء وأهل بيته أيضا بعد حديث رافع. فروى حرب الكرماني قال: حدثنا إسحاق ~~بن إبراهيم # PageV29P108 # بن راهويه حدثنا معتمر بن سليمان سمعت كليب بن وائل قال: أتيت ابن عمر ~~فقلت: أتاني رجل له أرض وماء وليس له بذر ولا بقر فأخذتها بالنصف فبذرت ~~فيها بذري وعملت فيها ببقري فناصفته؟ قال: حسن. وقال: حدثنا ابن أخي حزم ~~حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سعيد بن عبيد. سمعت سالم بن عبد الله - وأتاه رجل ~~- فقال: الرجل منا ينطلق إلى الرجل فيقول: أجيء ببذري وبقري وأعمل أرضك فما ~~أخرج الله منه فلك منه كذا ولي منه كذا؟ قال: لا بأس به ونحن نصنعه. وهكذا ~~أخبر أقارب رافع. ففي البخاري عن رافع قال: حدثني عمومتي أنهم كانوا يكرون ~~الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء أو بشيء ~~يستثنيه صاحب الأرض. فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم ms8535 عن ذلك. فقيل لرافع: ~~فكيف بالدينار والدرهم؟ فقال: ليس به بأس بالدينار والدرهم. وكان الذي نهى ~~عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجزه لما فيه من ~~المخاطرة. وعن أسيد بن ظهير قال: " {كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها ~~بالثلث والربع والنصف. ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما سقى الربيع. كان ~~العيش إذ ذاك شديدا وكان يعمل فيها بالحديد وما شاء الله ويصيب منها منفعة. ~~فأتانا رافع بن خديج فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV29P109 # ينهاكم عن الحقل ويقول: من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو ليدع} " رواه ~~أحمد وابن ماجه. وروى أبو داود قول النبي صلى الله عليه وسلم زاد أحمد " ~~{وينهاكم عن المزابنة} . والمزابنة: أن يكون الرجل له المال العظيم من ~~النخل فيأتيه الرجل فيقول: أخذته بكذا وكذا وسقا من تمر. والقصارة ما سقط ~~من السنبل ". وهكذا أخبر سعد بن أبي وقاص وجابر. فأخبر سعد: {أن أصحاب ~~المزارع في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرون مزارعهم بما ~~يكون على السواقي من الزرع وما سعد بالماء مما حول البئر. فجاءوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاختصموا في ذلك فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يكروا بذلك وقال: اكروا بالذهب والفضة} رواه أحمد وأبو داود والنسائي. ~~فهذا صريح في الإذن بالكراء بالذهب والفضة وإن النهي إنما كان عن اشتراط ~~زرع مكان معين. وعن جابر رضي الله عنه قال " {كنا نخابر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنصيب من القصري ومن كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو فليدعها} " رواه مسلم. ~~فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رووا عنه النهي قد أخبروا ~~بالصورة التي نهى عنها والعلة التي نهي من أجلها. وإذا # PageV29P110 # كان قد جاء في بعض طرق الحديث: {أنه نهى عن كراء المزارع} مطلقا فالتعريف ~~للكراء المعهود بينهم. وإذا قال لهم النبي صلى ms8536 الله عليه وسلم " {لا تكروا ~~المزارع} " فإنما أراد الكراء الذي يعرفونه كما فهموه من كلامه وهم أعلم ~~بمقصوده. وكما جاء مفسرا عنه: " أنه رخص في غير ذلك الكراء " ومما يشبه ذلك ~~ما قرن به النهي من المزابنة ونحوها. واللفظ - وإن كان في نفسه مطلقا - ~~فإنه إذا كان خطابا لمعين في مثل الجواب عن سؤال أو عقب حكاية حال ونحو ~~ذلك: فإنه كثيرا ما يكون مقيدا بمثل حال المخاطب. كما لو قال المريض ~~للطبيب: إن به حرارة. فقال له: لا تأكل الدسم. فإنه يعلم أن النهي مقيد ~~بتلك الحال. وذلك: أن اللفظ المطلق إذا كان له مسمى معهود أو حال يقتضيه: ~~انصرف إليه. وإن كان نكرة كالمتبايعين إذا قال أحدهما: بعتك بعشرة دراهم ~~فإنها مطلقة في اللفظ ثم لا ينصرف إلا إلى المعهود من الدراهم. فإذا كان ~~المخاطبون لا يتعارفون بينهم لفظ " الكراء " إلا لذلك الذي كانوا يفعلونه ~~ثم خوطبوا به: لم ينصرف إلا إلى ما يعرفونه. وكان ذلك من باب التخصيص ~~العرفي كلفظ " الدابة " إذا كان معروفا بينهم أنه الفرس أو ذوات الحافر. ~~فقال: لا تأتني بدابة: لم ينصرف هذا المطلق إلا إلى ذلك. ونهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان مقيدا # PageV29P111 # بالعرف والسؤال وقد تقدم ما في الصحيحين عن رافع بن خديج وعن ظهير بن ~~رافع قال: " {دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعون ~~بمحاقلكم؟ قلت نؤاجرها بما على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير قال: ~~لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها} ". فقد صرح بأن النهي وقع عما ~~كانوا يفعلونه وأما المزارعة المحضة: فلم يتناولها النهي ولا ذكرها رافع ~~وغيره فيما يجوز من الكراء؛ لأنها - والله أعلم - عندهم جنس آخر غير الكراء ~~المعتاد؛ فإن الكراء اسم لما وجب فيه أجرة معلومة إما عين وإما دين. فإن ~~كان دينا في الذمة مضمونا فهو جائز. وكذلك إن كان عينا من غير الزرع وأما ~~إن كان عينا من الزرع لم يجز. # فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع ms8537 فليس هو الكراء المطلق؛ بل هو ~~شركة محضة. إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض بجزء من الزرع بأولى من جعل ~~المالك مكتريا للعامل بالجزء الآخر؛ وإن كان من الناس من يسمي هذا كراء ~~أيضا. فإنما هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم بيانه. فأما الكراء الخاص ~~الذي تكلم به رافع وغيره فلا ولهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء الجائز ~~وبين النوع الآخر الذي نهوا عنه ولم يتعرض للشركة لأنها جنس آخر. # PageV29P112 # بقي أن يقال: فقول النبي صلى الله عليه وسلم " {من كانت له أرض فليزرعها ~~أو ليمنحها أخاه وإلا فليمسكها} " أمر - إذا لم يفعل واحدا من الزرع ~~والمنيحة - أن يمسكها. وذلك يقتضي المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما ~~تقدم. فيقال: الأمر بهذا أمر ندب واستحباب؛ لا أمر إيجاب أو كان أمر إيجاب ~~في الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد. وهذا كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية قال في الآنية التي كانوا ~~يطبخونها فيها: " {أهريقوا ما فيها واكسروها} ". وقال صلى الله عليه وسلم ~~في آنية أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني: " {إن وجدتم غيرها فلا ~~تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء} " وذلك لأن النفوس إذا ~~اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا بترك ما يقاربها من ~~المباح. كما قيل: " لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام ~~حاجزا من الحلال " كما أنها أحيانا لا تترك المعصية إلا بتدريج؛ لا تتركها ~~جملة. فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة. ولهذا يوجد في سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة: الرخصة له في أشياء يستغني بها عن ~~المحرم ولمن وثق بإيمانه وصبره: النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في ~~فعل الأفضل. ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه # PageV29P113 # وصبره - من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي ~~بكر الصديق - ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة ms8538 من ~~ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته. ثم قال: " يذهب أحدكم فيخرج ماله ثم ~~يجلس كلا على الناس ". يدل على ذلك: ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ~~ثابت بن الضحاك: " {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة. وأمر ~~بالمؤاجرة. وقال: لا بأس بها} " وما ذكرناه من رواية سعد بن أبي وقاص: " ~~{أنه نهاهم أن يكروا بزرع موضع معين وقال: اكروا بالذهب والفضة} " وكذلك ~~فهمته الصحابة. فإن رافع بن خديج قد روى ذلك وأخبر أنه: لا بأس بكرائها ~~بالذهب والفضة. وكذلك فقهاء الصحابة: كزيد بن ثابت وابن عباس. ففي الصحيحين ~~عن عمرو بن دينار. قال: قلت. لطاوس: " {لو تركت المخابرة؟ فإنهم يزعمون أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. قال: أي عمرو إني أعطيهم وأعينهم وإن ~~أعلمهم أخبرني - يعني ابن عباس - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه؛ ~~ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما} " وعن ~~ابن عباس أيضا: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم المزارعة؛ # PageV29P114 # ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض} . رواه مسلم مجملا والترمذي. وقال: حديث ~~حسن صحيح. وقد أخبر طاوس عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~دعاهم إلى الأفضل وهو التبرع قال: {وأنا أعينهم وأعطيهم} وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالرفق الذي منه واجب وهو ترك الربا والغرر. ومنه مستحب ~~كالعارية والقرض. ولهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب الإحسان كان ~~المسلم أحق به فقال: " {لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه ~~خرجا معلوما} " وقال: {من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو ~~ليمسكها} " فكان الأخ هو الممنوح. ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الإخوان ~~عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنحهم؛ لا سيما والتبرع إنما يكون عن ~~فضل غنى. فمن كان محتاجا إلى منفعة أرضه لم يستحب له المنيحة كما كان ~~المسلمون محتاجين إلى منفعة أرض خيبر وكما ms8539 كان الأنصار محتاجين في أول ~~الإسلام إلى أرضهم حيث عاملوا عليها المهاجرين. وقد توجب الشريعة التبرع ~~عند الحاجة كما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل ~~الدافة التي دفت؛ ليطعموا الجياع؛ لأن إطعامهم واجب. فلما كان المسلمون ~~محتاجين إلى منفعة الأرض وأصحابها أغنياء عنها نهاهم عن المعاوضة # PageV29P115 # ليجودوا بالتبرع ولم يأمرهم بالتبرع عينا كما نهاهم عن الادخار. فإن من ~~نهى عن الانتفاع بماله جاد ببذله؛ إذ لا يترك بطالا وقد ينهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بل الأئمة عن بعض أنواع المباح في بعض الأحوال. لما في ذلك ~~من منفعة المنهي؛ كما نهاهم في بعض المغازي. . . (1) وأما ما رواه جابر عن ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة: فهذه هي المخابرة التي نهى عنها. ~~واللام لتعريف العهد. ولم تكن المخابرة عندهم إلا ذلك. يبين ذلك ما في ~~الصحيح عن {ابن عمر قال: كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى كان عام أول، فزعم ~~رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه من أجله} " فأخبر ابن ~~عمر أن رافعا روى النهي عن الخبر. وقد تقدم معنى حديث رافع. قال أبو عبيد: ~~الخبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة. والمخابرة: المزارعة بالنصف والثلث ~~والربع وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول: لهذا سمي الأكار خبيرا؛ لأنه يخابر ~~على الأرض والمخابرة: هي المؤاكرة. وقد قال بعضهم: أصل هذا من خيبر؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها في أيديهم على النصف فقيل: خابرهم أي ~~عاملهم في خيبر. وليس هذا بشيء؛ فإن معاملته بخيبر لم ينه عنها قط ~~PageV29P116 # بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته. وإنما روى حديث المخابرة رافع بن ~~خديج وجابر. وقد فسرا ما كانوا يفعلونه. والخبير: هو الفلاح سمي بذلك لأنه ~~يخبر الأرض. وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة. ~~فقالوا: " المخابرة " هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل و " ~~المزارعة " على أن يكون البذر من المالك. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى ms8540 عن المخابرة؛ لا المزارعة. وهذا أيضا ضعيف فإنا قد ذكرنا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما في الصحيح من أنه " نهى عن المزارعة " كما " نهى عن ~~المخابرة " وكما " نهى عن كراء الأرض " وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة ~~لموضع نهيه وغير موضع نهيه وإنما اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفي ~~لفظا وفعلا ولأجل القرينة اللفظية وهي لام العهد وسؤال السائل؛ وإلا فقد ~~نقل أهل اللغة: أن المخابرة هي المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك. # فصل: # والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك. وقالوا: ~~هذه هي المزارعة. فأما إن كان البذر من العامل لم # PageV29P117 # يجز. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه وأصحاب مالك ~~والشافعي حيث يجوزون المزارعة. وحجة هؤلاء: قياسها على المضاربة وبذلك احتج ~~أحمد أيضا. قال الكرماني: قيل لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: رجل دفع ~~أرضه إلى الأكار على الثلث أو الربع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب ~~الأرض والبقر والحديد والعمل من الأكار يذهب فيه مذهب المضاربة. ووجه ذلك: ~~أن البذر هو أصل الزرع كما أن المال هو أصل الربح فلا بد أن يكون البذر ممن ~~له الأصل ليكون من أحدهما العمل ومن الآخر الأصل. والرواية الثانية عنه: لا ~~يشترط ذلك؛ بل يجوز أن يكون البذر من العامل وقد نقل عنه جماهير أصحابه - ~~أكثر من عشرين نفسا - أنه يجوز أن يكري أرضه بالثلث أو الربع كما عامل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر. فقالت طائفة من أصحابه - كالقاضي أبي ~~يعلى - إذا دفع أرضه لمن يعمل عليها ببذره بجزء من الزرع للمالك فإن كان ~~على وجه الإجارة جاز وإن كان على وجه المزارعة لم يجز وجعلوا هذا التفريق ~~تقريرا # PageV29P118 # لنصوصه؛ لأنهم رأوا في عامة نصوصه صرائح كثيرة جدا في جواز كراء الأرض ~~بجزء من الخارج منها ورأوا أن هذا هو ظاهر مذهبه عندهم من أنه لا يجوز في ~~المزارعة أن يكون البذر من المالك كالمضاربة. ففرقوا ms8541 بين باب المزارعة ~~والمضاربة وباب الإجارة. وقال آخرون - منهم أبو الخطاب - معنى قوله في ~~رواية الجماعة: يجوز كراء الأرض ببعض الخارج منها. أراد به: المزارعة ~~والعمل من الأكار. قال أبو الخطاب ومتبعوه: فعلى هذه الرواية: إذا كان ~~البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج منها وإن كان من صاحب الأرض: ~~فهو مستأجر للعامل بما شرط له. قال: فعلى هذا ما يأخذه صاحب البذر يستحقه ~~ببذره وما يأخذه من الأجرة يأخذه بالشرط. وما قاله هؤلاء من أن نصه على ~~المكاري ببعض الخارج هو المزارعة على أن يبذر الأكار: هو الصحيح ولا يحتمل ~~الفقه إلا هذا أو أن يكون نصه على جواز المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز ~~المزارعة بطريق الأولى. وجواز هذه المعاملة مطلقا هو الصواب الذي لا يتوجه ~~غيره أثرا ونظرا. وهو ظاهر نصوص أحمد المتواترة عنه واختيار طائفة من ~~أصحابه. والقول الأول - قول من اشترط أن يبذر رب الأرض وقول # PageV29P119 # من فرق بين أن يكون إجارة أو مزارعة - هو في الضعف نظير من سوى بين ~~الإجارة الخاصة والمزارعة أو أضعف. أما بيان نص أحمد: فهو أنه إنما جوز ~~المؤاجرة ببعض الزرع استدلالا بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل ~~خيبر ومعاملته لهم إنما كانت مزارعة؛ لم تكن بلفظ الإجارة. فمن الممتنع أن ~~أحمد لا يجوز ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا بلفظ إجارة ويمنع فعله ~~باللفظ المشهور. وأيضا فقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شارط أهل خيبر على أن يعملوها من أموالهم} كما تقدم ولم يدفع إليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذرا فإذا كانت المعاملة التي فعلها النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما كانوا يبذرون فيها من أموالهم فكيف يحتج بها أحمد على ~~المزارعة ثم يقيس عليها إذا كانت بلفظ الإجارة ثم يمنع الأصل الذي احتج به ~~من المزارعة التي بذر فيها العامل والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال ~~لليهود: {نقركم فيها ما أقركم الله} " لم يشترط مدة معلومة حتى يقال: ms8542 كانت ~~إجارة لازمة؛ لكن أحمد حيث قال: - في إحدى الروايتين - إنه يشترط كون البذر ~~من المالك. فإنما قاله متابعة لمن أوجبه قياسا على المضاربة وإذا أفتى ~~العالم بقول لحجة ولها معارض راجح لم يستحضر حينئذ ذلك المعارض # PageV29P120 # الراجح ثم لما أفتى بجواز المؤاجرة بثلث الزرع استدلالا بمزارعة خيبر فلا ~~بد أن يكون في خيبر كان البذر عنده من العامل وإلا لم يصح الاستدلال. فإن ~~فرضنا أن أحمد فرق بين المؤاجرة بجزء من الخارج وبين المزارعة ببذر العامل ~~كما فرق بينهما طائفة من أصحابه فمستند هذا الفرق ليس مأخذا شرعيا. فإن ~~أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات؛ كما يراه طائفة من ~~أصحابه الذين يجوزون هذه المعاملة بلفظ الإجارة ويمنعونها بلفظ المزارعة ~~وكذلك يجوزون بيع ما في الذمة بيعا حالا بلفظ البيع ويمنعونه بلفظ السلم؛ ~~لأنه يصير سلما حالا ونصوص أحمد وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه في مسألة ~~صيغ العقود؛ فإن الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني لا بما يحمل ~~على الألفاظ كما تشهد به أجوبته في الأيمان والنذور والوصايا وغير ذلك من ~~التصرفات وإن كان هو قد فرق بينهما كما فرق طائفة من أصحابه فيكون هذا ~~التفريق رواية عنه مرجوحة كالرواية المانعة من الأمرين. وأما الدليل على ~~جواز ذلك: فالسنة والإجماع والقياس. أما السنة: فما تقدم من معاملة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر على أن يعتملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم ~~بذرا وكما عامل الأنصار المهاجرين على أن البذر من عندهم قال حرب الكرماني: # PageV29P121 # حدثنا محمد بن نصر حدثنا حسان بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن يحيى عن ~~إسماعيل بن حكيم: أن عمر بن الخطاب أجلى أهل نجران وأهل فدك وأهل خيبر ~~واستعمل يعلى بن منية فأعطى العنب والنخل على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث ~~وأعطى البياض - يعني بياض الأرض - على إن كان البر والبقر والحديد من عند ~~عمر فلعمر الثلثان ولهم الثلث وإن كان منهم فلعمر الشطر ولهم الشطر. فهذا ~~عمر رضي الله عنه ms8543 ويعلى بن منية عامله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد عمل في خلافته بتجويز كلا الأمرين: أن يكون البذر من رب الأرض وأن يكون ~~من العامل. وقال حرب: حدثنا أبو معن حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن الحارث بن ~~حصيرة الأزدي عن صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع بن محارب قال: جاء رجل إلى ~~علي بن أبي طالب فقال: إن فلانا أخذ أرضا فعمل فيها وفعل. فدعاه فقال: ما ~~هذه الأرض التي أخذت؟ فقال: أرض أخذتها أكري أنهارها وأعمرها وأزرعها. فما ~~أخرج الله من شيء فلي النصف وله النصف فقال: لا بأس بهذا. فظاهره: أن البذر ~~من عنده ولم ينهه علي عن ذلك ويكفي إطلاق سؤاله وإطلاق علي الجواب. وأما ~~القياس: فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة ليست # PageV29P122 # من الإجارة الخاصة. وإن جعلت إجارة فهي من الإجارة العامة التي تدخل فيها ~~الجعالة والسبق والرمي. وعلى التقديرين: فيجوز أن يكون البذر منهما؛ وذلك ~~أن البذر في المزارعة ليس من الأصول التي ترجع إلى ربها؛ كالثمن في ~~المضاربة؛ بل البذر يتلف كما تتلف المنافع؛ وإنما ترجع الأرض أو بدن البقرة ~~والعامل. فلو كان البذر مثل رأس المال لكان الواجب أن يرجع مثله إلى مخرجه ~~ثم يقتسمان الفضل؛ وليس الأمر كذلك بل يشتركان في جميع الزرع. فظهر أن ~~الأصول فيها من أحد الجانبين هي الأرض بمائها وهوائها وبدن العامل والبقر ~~وأكثر الحرث والبذر يذهب كما تذهب المنافع. وكما تذهب أجزاء من الماء ~~والهواء والتراب فيستحيل زرعا. والله سبحانه يخلق الزرع من نفس الحب ~~والتراب والماء والهواء كما يخلق الحيوان من ماء الأبوين بل ما يستحيل في ~~الزرع من أجزاء الأرض أكثر مما يستحيل من الحب والحب يستحيل فلا يبقى بل ~~يفلقه الله ويحيله كما يحيل أجزاء الماء والهواء وكما يحيل المني وسائر ~~مخلوقاته من الحيوان. والمعدن والنبات. ولما وقع ما وقع من رأي كثير من ~~الفقهاء: اعتقدوا أن الحب والنوى في الزرع والشجر: هو الأصل والباقي تبع ~~حتى قضوا ms8544 في مواضع بأن يكون الزرع والشجر لرب النوى والحب مع قلة قيمته ~~ولرب # PageV29P123 # الأرض أجرة أرضه والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قضى بضد هذا حيث قال: ~~{من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته} فأخذ أحمد ~~وغيره من فقهاء الحديث بهذا الحديث. وبعض من أخذ به يرى أنه خلاف القياس ~~وأنه من صور الاستحسان وهذا لما انعقد في نفسه من القياس المتقدم وهو أن ~~الزرع تبع للبذر والشجر تبع للنوى. وما جاءت به السنة هو القياس الصحيح ~~الذي تدل عليه الفطرة؛ فإن إلقاء الحب في الأرض بمنزلة إلقاء المني في ~~الرحم سواء؛ ولهذا سمى الله النساء حرثا في قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم} ~~كما سمى الأرض المزروعة حرثا والمغلب في ملك الحيوان إنما هو جانب الأم. ~~ولهذا تبع الولد الآدمي أمه في الحرية والرق دون أبيه ويكون جنين البهيمة ~~لمالك الأم دون مالك الفحل الذي نهي عن عسبه؛ وذلك لأن الأجزاء التي ~~استمدها من الأم أضعاف الأجزاء التي استمدها من الأب. وإنما للأب حق ~~الابتداء فقط ولا ريب أنه مخلوق منهما جميعا. وكذلك الحب والنوى؛ فإن ~~الأجزاء التي خلق منها الشجر والزرع أكثرها من التراب والماء والهواء وقد ~~يؤثر ذلك في الأرض فتضعف بالزرع فيها؛ لكن لما كانت هذه الأجزاء تستخلف ~~دائما - فإن الله سبحانه لا يزال يمد الأرض بالماء والهواء وبالتراب إما ~~مستحيلا من غيره وإما بالموجود ولا يؤثر في الأرض نقص الأجزاء الترابية ~~شيئا إما للخلف بالاستحالة وإما للكثرة - # PageV29P124 # ولهذا صار يظهر أن أجزاء الأرض في معنى المنافع بخلاف الحب والنوى الملقى ~~فيها؛ فإنه عين ذاهبة غير مستخلفة ولا يعوض عنها. لكن هذا القدر لا يوجب أن ~~يكون البذر هو الأصل فقط؛ فإن العامل هو وبقره لا بد له مدة العمل من قوت ~~وعلف يذهب أيضا ورب الأرض لا يحتاج إلى مثل ذلك؛ ولذلك اتفقوا على أن البذر ~~لا يرجع إلى ربه كما يرجع في القراض ولو جرى عندهم مجرى الأصول ms8545 لرجع. فقد ~~تبين أن هذه المعاملة اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية وهي الأرض وبدن ~~العامل والبقر والحديد. ومنافع فانية. وأجزاء فانية أيضا وهي البذر وبعض ~~أجزاء الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره. فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع ~~الفانية سواء فتكون الخيرة إليهما فيمن يبذل هذه الأجزاء ويشتركان على أي ~~وجه شاءا. ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع ~~الغرر أو الربا وأكل المال بالباطل. ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات ~~التي تشبه المساقاة والمزارعة مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى ~~من يعمل عليها والأجرة بينهما. # فصل: # وهذا الذي ذكرناه من الإشارة إلى حكمة بيع الغرر وما يشبه # PageV29P125 # ذلك يجمع اليسر في هذه الأبواب. فإنك تجد كثيرا ممن تكلم في هذه الأمور ~~إما أن يتمسك بما بلغه من ألفاظ يحسبها عامة أو مطلقة أو بضرب من القياس ~~المعنوي أو الشبهي. فرضي الله عن أحمد حيث يقول: ينبغي للمتكلم في الفقه أن ~~يجتنب هذين الأصلين: المجمل والقياس. وقال أيضا أكثر ما يخطئ الناس من جهة ~~التأويل والقياس. ثم هذا التمسك يفضي إلى ما لا يمكن اتباعه ألبتة. ومن هذا ~~الباب: بيع الديون دين السلم وغيره وأنواع من الصلح والوكالة وغير ذلك. ~~ولولا أن الغرض ذكر قواعد كلية تجمع أبوابا لذكرنا أنواعا من هذا. # فصل: # القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح ~~منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا. والذي يمكن ضبطه فيها قولان: # أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلا ما ~~ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على ~~هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول # PageV29P126 # طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه ~~لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على ~~نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى ~~العقد ms8546 ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. أما أهل الظاهر فلم يصححوا ~~لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه ~~أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك طردا جاريا؛ لكن خرجوا في ~~كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم. وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه ~~لا يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها في المطلق. وإنما يصحح الشرط في ~~المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع ~~خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بيع العين المؤجرة. ~~وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنما جوز الإجارة ~~المؤخرة؛ لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة أو عتق ~~العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر ~~وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطا أصلا لأن النكاح ~~عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا ~~يبطل بالشروط # PageV29P127 # الفاسدة مطلقا. وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده ~~موضع استحسان. والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل؛ ~~لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا ~~استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع حتى منع الإجارة ~~المؤخرة؛ لأن موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضا ما فيه منع ~~المشتري من التصرف المطلق إلا العتق؛ لما فيه من السنة والمعنى؛ لكنه يجوز ~~استثناء المنفعة بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع ~~الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض ~~الشروط دون بعض ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا ~~يتسرى ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على ~~الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار ~~وانفساخه بالشروط التي تنافيه ms8547 كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف ~~فساد المهر ونحوه. وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه ~~الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث ~~كاستثناء البائع منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها # PageV29P128 # ولا يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى ~~العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين. وذلك أن نصوص أحمد ~~تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في ~~الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في ~~الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض. وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل ~~الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار ~~الصحابة ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. ~~وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عن {عائشة رضي ~~الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام ~~أوقية فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. ~~فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس. فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون ~~لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذيها واشترطي لهم ~~الولاء. فإنما الولاء لمن أعتق. # PageV29P129 # ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ~~ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق ~~وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق} وفي رواية للبخاري: {اشتريها ~~فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا، فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط} . وفي ~~لفظ: {شرط الله أحق وأوثق} ". وفي الصحيحين عن عبد ms8548 الله بن عمر: " {أن ~~عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على ~~أن ولاءها لنا؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لا يمنعك ~~ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق} . وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~{أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها، فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، ~~فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء ~~لمن أعتق} . ولهم من هذا الحديث حجتان. إحداهما: قوله: {ما كان من شرط ليس ~~في كتاب الله فهو باطل} ". فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في # PageV29P130 # الإجماع: فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع. فإنه ~~في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع. ومن قال بالقياس - ~~وهو الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو ~~بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله. والحجة الثانية: أنهم ~~يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء؛ لأن العلة ~~فيه: كونه مخالفا لمقتضى العقد. وذلك: لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع. ~~فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة ~~القاعدة. وهي أن العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير ~~للمشروع؛ ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون ~~أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط ~~الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ~~ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ . وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم} وقوله: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} . ~~قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود الله وزيادة # PageV29P131 # في الدين. وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم ~~أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع المشركين عام الحديبية أو ms8549 قالوا: هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي ~~في كتاب الله. واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ~~ليلى وشريك: {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط} وقد ذكره جماعة ~~من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد ~~وغيره من العلماء. وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع ~~الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ~~ونحوه كاشتراط كون العبد كاتبا أو صانعا أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ~~ونحو ذلك: شرط صحيح. # القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ~~ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا عند من يقول به. ~~وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن ~~أحمد أكثر تصحيحا # PageV29P132 # للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه. وعامة ما يصححه ~~أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس؛ لكنه لا يجعل ~~حجة الأولين مانعا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو ~~لم يرد به نص. وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في ~~معناه قياسا عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه أو ~~يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه ~~عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ~~ثلاث مطلقا فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط ~~الخيار في النكاح أيضا. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد ~~استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على ~~مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه ~~بالشرط ms8550 والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء ~~الله. فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ~~ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك # PageV29P133 # الغير اتباعا لحديث جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ~~ظهره إلى المدينة. ويجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو ~~حياة السيد أو غيرهما اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه ~~خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش. ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق ~~أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره ~~وإن لم ترض المرأة؛ كأنه أعتقها واستثنى منفعة البضع؛ لكنه استثناها ~~بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة. ويجوز أيضا ~~للواقف إذا وقف شيئا أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته. كما ~~روي عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. وروي فيه حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. ويجوز أيضا - على ~~قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع ~~والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق ~~أو بتمليك بعوض كالبيع. أو بغير عوض كالهبة. # PageV29P134 # ويجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن أحق الشروط أن توفوا ~~به: ما استحللتم به الفروج} ومن قال بهذا الحديث قال: إنه يقتضي أن الشروط ~~في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في ~~البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق ~~فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق ~~فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى. ويجوز - على الرواية ~~المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه ms8551 - أن يشترط كل واحد من الزوجين ~~في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته. وهو من ~~أشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها ~~وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة ~~وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالا فظهر بخلاف ما ~~ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط ~~الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ فيه عنه روايتان. ~~إحداهما: نعم كنكاح الشغار. # PageV29P135 # وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي ~~حنيفة والشافعي. وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا ~~في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه ~~لا يجوزون من ذلك إلا العتق. وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ~~ففي جامع الخلال عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى ~~بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال: لا ~~بأس به. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: ~~إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به ~~ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأن ابن مسعود قال لرجل: لا ~~تقربنها ولأحد فيها شرط. وقال حنبل: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد ~~بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن مسعود اشترى ~~جارية من امرأته وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ~~ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب. فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: ~~قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا. والشرط الواحد في البيع جائز إلا أن ~~عمر كره لابن مسعود # PageV29P136 # أن يطأها؛ لأنه شرط لامرأته الذي ms8552 شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال ~~الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ ~~فكأنه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن؟ فلا ~~يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود. فقد نص ~~في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى البائع ~~بالثمن الأول كالمقايلة. وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا ~~الشرط وربما تأولوا قوله: " جائز " أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأن ~~مراده " الشرط " أيضا. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود ~~وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ~~ولا يهبه أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة ~~في أخبار عثمان: أنه اشترى من صهيب دارا وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من ~~بعده. وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكما جاز بالإجماع ~~استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز أيضا استثناء ~~بعض التصرفات. وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: # PageV29P137 # أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقا؟ فإن أراد الأول: فكل ~~شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنما المحذور: أن ينافي مقصود ~~العقد كاشتراط الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد. فأما إذا شرط ما ~~يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة ~~والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي. أما الكتاب: فقال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} والعقود هي العهود. وقال ~~تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا} وقال تعالى: ~~{وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} وقال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله ~~من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا} فقد أمر سبحانه بالوفاء ~~بالعقود وهذا عام وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله ms8553 وبالعهد. وقد دخل في ذلك ما ~~عقده المرء على نفسه بدليل قوله: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} فدل على ~~أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ~~ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع إنما أمر بالوفاء به؛ ولهذا قرنه ~~بالصدق في قوله {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا} لأن ~~العدل في القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر والوفاء بالعهد يكون في القول ~~المتعلق بالمستقبل كما # PageV29P138 # قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} {فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} ~~وقال سبحانه: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} قال المفسرون - ~~كالضحاك وغيره - تساءلون به: تتعاهدون وتتعاقدون. وذلك: لأن كل واحد من ~~المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ~~ذلك وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم ~~المخلوقة: كالرحم والمكسوبة: كالعقود التي يدخل فيها الصهر وولاية مال ~~اليتيم ونحو ذلك. وقال سبحانه: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} ~~{ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم} والأيمان: جمع يمين وكل عقد فإنه يمين. قيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا ~~يعقدونه بالمصافحة باليمين يدل على ذلك: قوله {إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # PageV29P139 # وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا ms8554 يعلمون} {كيف ~~يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ~~فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} {كيف وإن يظهروا ~~عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} والإل: هو القرابة. والذمة: العهد - ~~وهما المذكوران في قوله: {تساءلون به والأرحام} - إلى قوله {لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة} فذمهم الله على قطيعة الرحم ونقض الذمة. إلى قوله {وإن ~~نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم} وهذه نزلت في كفار مكة لما صالحهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عام الحديبية. ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة. ~~وأما قوله سبحانه {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ~~فتلك عهود جائزة؛ لا لازمة فإنها كانت مطلقة. وكان مخيرا بين إمضائها ~~ونقضها. كالوكالة ونحوها. ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الهدنة ~~لا تصح إلا مؤقتة: فقوله - مع أنه مخالف لأصول أحمد - يرده القرآن وترده ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر المعاهدين فإنه لم # PageV29P140 # يوقت معهم وقتا. فأما من كان عهده موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله {إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} وقال: {إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب ~~المتقين} وقال {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} فإنما أباح ~~النبذ عند ظهور إمارات الخيانة؛ لأن المحذور من جهتهم وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} الآية. وجاء أيضا في صحيح مسلم عن أبي ~~موسى الأشعري " إن في القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت كبراءة: يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها ~~يوم القيامة وقال تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} في سورتي ~~المؤمنون والمعارج وهذا من صفة المستثنين من الهلع المذموم بقوله: {إن ~~الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} ms8555 {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا ~~المصلين} {الذين هم على صلاتهم دائمون} {والذين في أموالهم حق معلوم} ~~{للسائل والمحروم} {والذين يصدقون بيوم الدين} {والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون} {إن عذاب ربهم غير مأمون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} # PageV29P141 # {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون} وهذا يقتضي وجوب ذلك؛ لأنه لم يستثن من المذموم إلا من اتصف بجميع ~~ذلك؛ ولهذا لم يذكر فيها إلا ما هو واجب وكذلك في سورة المؤمنين قال في ~~أولها: {أولئك هم الوارثون} {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} فمن لم ~~يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين؛ لأن ظاهر الآية الحصر؛ فإن إدخال ~~الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر بالحصر ومن لم يكن من وارثي الجنة كان معرضا ~~للعقوبة؛ إلا أن يعفو الله عنه؛ وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته: هي ~~الوفاء به. ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضد ذلك صفة المنافق في قوله: {إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ~~وإذا خاصم فجر} وعنه {على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب} " وما ~~زالوا يوصون بصدق الحديث وأداء الأمانة. وهذا عام. وقال تعالى: {وما يضل به ~~إلا الفاسقين} {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل} فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته؛ لأن الواجب ~~إما بالشرع وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره. وقال أيضا: {الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} {والذين يصلون # PageV29P142 # ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} {والذين صبروا ~~ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون ~~بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار} {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} {سلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار} {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ms8556 ويقطعون ~~ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} ~~وقال: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} وقال {ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} وقال تعالى: {ومن ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين} وقال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم} . وقال # PageV29P143 # تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تشكرون} . والأحاديث في هذا كثيرة مثل ما في الصحيحين عن عبد ~~الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. حتى يدعها: ~~إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر} " وفي الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ينصب لكل غادر ~~لواء يوم القيامة} وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة} . وفي رواية: {لكل غادر لواء ~~يوم القيامة يعرف به بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة} وفي ~~صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى ms8557 الله. وفيمن معه من ~~المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، ~~اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك ~~من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف ~~عنهم -} الحديث ". # PageV29P144 # فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول. وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي ~~سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم " هل يغدر؟ ~~فقال: لا يغدر ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني ~~كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة. وقال هرقل في جوابه: سألتك: هل يغدر؟ ~~فذكرت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر " فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين. وفي ~~الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أحق ~~الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج} فدل على استحقاق الشروط ~~بالوفاء وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها. وروى البخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قال الله تعالى: ثلاثة أنا ~~خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر. ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه ورجل ~~استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره} " فذم الغادر. وكل من شرط شرطا ثم ~~نقضه فقد غدر. فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط ~~والمواثيق # PageV29P145 # والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة ~~والتشديد على من يفعل ذلك. ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه ~~الشرع: لم يجز أن يأمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا كما أن قتل ~~النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن يؤمر ~~بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح؛ بخلاف ما كان جنسه واجبا كالصلاة ~~والزكاة فإنه يؤمر به مطلقا. وإن كان لذلك شروط وموانع. فينهى عن الصلاة ~~بغير طهارة وعن ms8558 الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك. وكذلك الصدق في الحديث ~~مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض ويجب السكوت أو التعريض. وإذا ~~كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط؛ ~~إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. ومقصود العقد: ~~هو الوفاء به. فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها ~~الصحة والإباحة. وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال حدثنا ~~كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: # PageV29P146 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل ~~حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم} . وكثير بن زيد قال يحيى بن معين ~~في رواية: هو ثقة. وضعفه في رواية أخرى. وقد روى الترمذي والبزار من حديث ~~كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: {الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل ~~حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما} " قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح وروى ابن ماجه منه اللفظ الأول؛ لكن كثير بن عمرو ~~ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه في المسند؛ فلم يحدث به. فلعل تصحيح ~~الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {الناس على شروطهم ما وافقت الحق} وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد ~~منها ضعيفا - فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا. وهذا المعنى هو الذي يشهد ~~له الكتاب والسنة وهو حقيقة المذهب؛ فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه ~~الله ولا يحرم ما # PageV29P147 # أباحه الله. فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله. وكذلك ليس له أن يسقط ~~ما أوجبه الله؛ وإنما المشترط له أن يوجب الشرط ما لم ms8559 يكن واجبا بدونه. ~~فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما وعدم الإيجاب ليس نفيا ~~للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضا للشرع وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ~~ما لم يكن واجبا؛ فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم ~~يكن واجبا ويباح أيضا لكل منهما ما لم يكن مباحا ويحرم على كل منهما ما لم ~~يكن حراما. وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين. وكذلك إذا اشترط صفة في ~~المبيع أو رهنا أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها؛ فإنه يجب ويحرم ~~ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك. وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن ~~الأصل فساد الشروط قال: لأنها إما أن تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ~~ساقطا أو تسقط واجبا وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع. وقد وردت شبهة عند بعض ~~الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض وليس كذلك؛ بل كل ما كان حراما بدون ~~الشرط: فالشرط لا يبيحه كالربا وكالوطء في ملك الغير وكثبوت الولاء لغير ~~المعتق؛ فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو ملك يمين فلو أراد رجل أن ~~يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك؛ بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز وكذلك ~~الولاء # PageV29P148 # فقد " {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته} " وجعل ~~الله الولاء كالنسب يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد. وقال صلى الله عليه ~~وسلم {من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا} وأبطل الله ما كانوا عليه ~~في الجاهلية من تبني الرجل ابن غيره أو انتساب المعتق إلى غير مولاه. فهذا ~~أمر لا يجوز فعله بغير شرط فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما. وأما ما كان ~~مباحا بدون الشرط: فالشرط يوجبه كالزيادة في المهر والثمن والمثمن والرهن ~~وتأخير الاستيفاء. فإن الرجل له أن يعطي المرأة وله أن يتبرع بالرهن ~~وبالإنظار ونحو ذلك فإذا شرطه صار ms8560 واجبا وإذا وجب فقد حرمت المطالبة التي ~~كانت حلالا بدونه؛ لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط فإن الشارع لم ~~يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره. وأما ~~ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا فإذا حوله الشرط عن تلك الحال ~~لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة ولم ~~يحرمه مطلقا: لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله وإن كان بدون الشرط يستصحب ~~حكم الإباحة # PageV29P149 # والتحريم؛ لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب وبين ثبوته بمجرد ~~الاستصحاب. فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام ~~الشارع. وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضي الله عنه ### | مقاطع الحقوق عند الشروط. # وأما الاعتبار فمن وجوه: أحدها: أن العقود والشروط من باب الأفعال ~~العادية. والأصل فيها عدم التحريم فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل ~~على التحريم. كما أن الأعيان: الأصل فيها عدم التحريم. وقوله تعالى {وقد ~~فصل لكم ما حرم عليكم} عام في الأعيان والأفعال؛ وإذا لم تكن حراما لم تكن ~~فاسدة لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة. ~~وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله ~~بعينه وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة وأن انتفاء دليل التحريم دليل ~~على عدم التحريم. فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم ~~التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا كالأعيان التي لم تحرم. # PageV29P150 # وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة ~~والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه ~~يستدل أيضا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمى ذلك حلالا أو ~~عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم؛ فإن ما ذكره الله تعالى في ~~القرآن من ذم الكافر على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان ومنه ~~ما سببه تحريم الأفعال. ms8561 كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف ~~فيها إذا لم يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري إلا أن يعيره أحمسي ثوبه ويحرمون ~~عليه الدخول تحت سقف كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها ~~إذا كانت مجبية ويحرمون الطواف بالصفا والمروة وكانوا مع ذلك قد ينقضون ~~العهود التي عقدوها بلا شرع. فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها ~~بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم. فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم ~~تكن محرمة وإن لم يثبت حلها بشرع خاص كالعهود التي عقدوها في الجاهلية ~~وأمروا بالوفاء بها وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا ~~يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما حرمه الله. لأن الله ذم المشركين ~~الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه الله فإذا ~~حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل # PageV29P151 # شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله؛ بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم ~~يأذن به الله؛ فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين ما لم يأذن به. فلا يشرع ~~عبادة إلا بشرع الله ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله والعقود في المعاملات ~~هي من العادات يفعلها المسلم والكافر. وإن كان فيها قربة من وجه آخر. فليست ~~من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع. كالعتق والصدقة. فإن قيل: العقود ~~تغير ما كان مشروعا؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا على حال فعقد ~~عقدا أزاله عن تلك الحال: فقد غير ما كان مشروعا؛ بخلاف الأعيان التي لم ~~تحرم. فإنه لا تغير في إباحتها. فيقال: لا فرق بينهما. وذلك أن الأعيان إما ~~أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون. فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا ~~يغيرها وهو من باب العقود. وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه: هو ~~فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة العقود. وأيضا فإنها قبل الذكاة محرمة. ~~فالذكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد ms8562 على المال. فكما أن أفعالنا في ~~الأعيان من الأخذ والذكاة: الأصل فيها الحل وإن غير حكم العين. فكذلك ~~أفعالنا في الأملاك بالعقود # PageV29P152 # ونحوها: الأصل فيها الحل. وإن غيرت حكم الملك له. وسبب ذلك: أن الأحكام ~~الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح نحن ~~أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا لم يثبته ~~ابتداء. كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة. فإذا كنا نحن ~~المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه: لم يحرم علينا رفعه فمن ~~اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره؛ لإثباته سبب ذلك وهو الملك ~~الثابت بالبيع. وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته على ~~أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه. كمن أعطى رجلا مالا: فالأصل أن لا ~~يحرم عليه التصرف فيه. وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ما لم يمنع ~~منه مانع. وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام الجزئية ~~- من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو - لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا ~~وإنما شرعها شرعا كليا مثل قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقوله: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} . وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد هذا البيع ~~المعين أو لم يوجد. فإذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا. فهذا المعين سببه # PageV29P153 # فعل العبد. فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته ~~الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع لفعل ~~العبد سببه فقط لا أن الشارع أثبته ابتداء. وإنما توهم بعض الناس أن رفع ~~الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام؛ وليس كذلك؛ فإن الحكم المطلق لا ~~يزيله إلا الذي أثبته وهو الشارع. وأما هذا المعين فإنما ثبت لأن العبد ~~أدخله في المطلق فإدخاله في المطلق إليه فكذلك إخراجه. إذ الشارع لم يحكم ~~عليه في المعين ms8563 بحكم أبدا مثل أن يقول: هذا الثوب بعه أو لا تبعه أو هبه أو ~~لا تهبه وإنما حكم على المطلق الذي إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين. ~~فتدبر هذا وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله في ~~المطلق وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد. ~~وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها ~~لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل على أن الوفاء بها من ~~الواجبات التي اتفقت عليها الملل؛ بل والعقلاء جميعهم. وقد أدخلها في ~~الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم ~~الشارع والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذا ولإيجاب العقل أيضا. # PageV29P154 # وأيضا فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين. وموجبها هو ما أوجباه على ~~أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} فعلق ~~جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه. فدل على أنه سبب له وهو حكم ~~معلق على وصف مشتق مناسب. فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم. وإذا كان ~~طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات: قياسا عليه بالعلة ~~المنصوصة التي دل عليها القرآن. وكذلك قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح ~~للتجارة. وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس المتبرع ~~بتبرع: ثبت حله بدلالة القرآن؛ إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة ~~في الخمر ونحو ذلك. وأيضا فإن العقد له حالان: حال إطلاق وحال تقييد. ففرق ~~بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود. فإذا قيل: هذا شرط ينافي ~~مقتضى العقد فإن أريد به: ينافي العقد المطلق. فكذلك كل شرط زائد. وهذا لا ~~يضره وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد: احتاج إلى دليل على ms8564 ذلك؛ ~~وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد. # PageV29P155 # فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره وشرط فيه ما ينافي ذلك ~~المقصود، فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه فلا يحصل شيء. ~~ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق؛ بل هو مبطل للعقد عندنا. والشروط الفاسدة قد ~~تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع مثل اشتراط الولاء لغير المعتق؛ فإن هذا ~~لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده فإن مقصوده الملك والعتق قد يكون مقصودا ~~للعقد. فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا. فثبوت الولاء لا ينافي مقصود ~~العقد وإنما ينافي كتاب الله وشرطه. كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد ~~كان العقد لغوا. وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله. ~~فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا اشتمل على ما حرمه الله ~~ورسوله فلا وجه لتحريمه بل الواجب حله؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه ~~إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه؛ فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه. ~~ولم يثبت تحريمه فيباح؛ لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج. وأيضا فإن ~~العقود والشروط لا تخلو إما أن يقال: لا تحل ولا تصح إن لم يدل على حلها ~~دليل شرعي خاص من نص أو إجماع أو # PageV29P156 # قياس عند الجمهور. كما ذكرناه من القول الأول أو يقال: لا تحل وتصح حتى ~~يدل على حلها دليل سمعي وإن كان عاما. أو يقال: تصح ولا تحرم إلا أن يحرمها ~~الشارع بدليل خاص أو عام. والقول الأول: باطل؛ لأن الكتاب والسنة دلا على ~~صحة العقود والقبوض التي وقعت في حال الكفر وأمر الله بالوفاء بها إذا لم ~~يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم. فقال سبحانه في آية الربا: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ما ~~بقي لهم من الربا في الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد ms8565 الربا؛ بل مفهوم ~~الآية - الذي اتفق العمل عليه - يوجب أنه غير منهي عنه؛ وكذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد ~~المقبوض. وقال صلى الله عليه وسلم {أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما ~~قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام} " وأقر الناس على ~~أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية ولم يستفصل أحدا: هل عقد به في عدة أو غير ~~عدة؟ بولي أو بغير ولي؟ بشهود أو بغير شهود؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا ~~بفراق امرأته إلا أن يكون السبب المحرم موجودا حين الإسلام كما {أمر غيلان ~~بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن} ~~وكما {أمر فيروز الديلمي # PageV29P157 # الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى} . وكما أمر ~~الصحابة من أسلم من المجوس " أن يفارقوا ذوات المحارم ". ولهذا اتفق ~~المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم ~~تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع. ولو كانت ~~العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن ~~أهله مستمسكين فيه بشرع. فإن قيل: فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على ~~أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله: مضت ولم ~~يؤمروا باستئنافها؛ لأن الإسلام يجب ما قبله فليس ما عقدوه بغير شرع بدون ~~ما عقدوه مع تحريم الشرع وكلاهما عندكم سواء. قلنا: ليس كذلك؛ بل ما عقدوه ~~مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض وأما إذا أسلموا قبل التقابض ~~فإنه يفسخ؛ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ؛ لا قبل القبض ولا بعده ~~ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في النكاح القبض بل سووا بين ~~الإسلام قبل الدخول وبعده؛ لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه وإن لم ~~يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها. كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما وإن ms8566 كان ~~بغير نكاح. فلما كان كل واحد من العقد والوطء مقصودا في نفسه - وإن لم ~~يقترن بالآخر - أقرهم # PageV29P158 # الشارع على ذلك؛ بخلاف الأموال؛ فإن المقصود بعقودها هو التقابض فإذا لم ~~يحصل التقابض لم يحصل مقصودها فأبطلها الشارع؛ لعدم حصول المقصود. فتبين ~~بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم؛ لأنه ~~لا يصححه إلا بتحليل. وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم ~~يكونوا يعلمون لا تحريمها ولا تحليلها. فإن الفقهاء جميعهم - فيما أعلمه - ~~يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها ~~لا باجتهاد ولا بتقليد. ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد أن ~~الشارع أحله. فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود: لم يصح عقد إلا ~~بعد ثبوت إذنه كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد فإنه آثم وإن كان قد صادف ~~الحق. وأما إن قيل: لا بد من دليل شرعي يدل على حلها سواء كان عاما أو خاصا ~~فعنه جوابان: " أحدهما " المنع كما تقدم. " والثاني " أن نقول: قد دلت ~~الأدلة الشرعية العامة على حل العقود والشروط جملة إلا ما استثناه الشارع. ~~وما عارضوا به سنتكلم عليه إن شاء الله. فلم يبق إلا # PageV29P159 # القول الثالث وهو المقصود. وأما قوله صلى الله عليه وسلم {من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} ~~فالشرط يراد به المصدر تارة والمفعول أخرى. وكذلك الوعد والخلف. ومنه ~~قولهم: درهم ضرب الأمير والمراد به هنا - والله أعلم - المشروط؛ لا نفس ~~المتكلم. ولهذا قال: {وإن كان مائة شرط} أي: وإن كان مائة مشروط وليس ~~المراد تعديد التكلم بالشرط. وإنما المراد تعديد المشروط. والدليل على ذلك ~~قوله: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط ~~الله أوثق منه. وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه؛ بأن ~~يكون المشروط مما حرمه الله تعالى. وأما إذا كان المشروط ms8567 مما لم يحرمه الله ~~فلم يخالف كتاب الله وشرطه حتى يقال: " {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} ~~فيكون المعنى: من اشترط أمرا ليس في حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير ~~واسطة: فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى ~~يصح اشتراطه ويجب بالشرط ولما لم يكن في كتاب الله أن الولاء لغير المعتق ~~أبدا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطا ليس في كتاب ~~الله. # PageV29P160 # فانظر إلى المشروط إن كان فعلا أو حكما. فإن كان الله قد أباحه: جاز ~~اشتراطه ووجب. وإن كان الله تعالى لم يبحه: لم يجز اشتراطه: فإذا شرط الرجل ~~أن لا يسافر بزوجته. فهذا المشروط في كتاب الله لأن كتاب الله يبيح أن لا ~~يسافر بها. فإذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله. فمضمون ~~الحديث: أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال: ليس في كتاب ~~الله: أي: ليس في كتاب الله نفيه كما قال {سيكون أقوام يحدثونكم بما لم ~~تعرفوا أنتم ولا آباؤكم} أي: بما تعرفون خلافه. وإلا فما لا يعرف كثير. ثم ~~نقول: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم العقود والشروط التي لم يبحها ~~الشارع تكون باطلة بمعنى: أنه لا يلزم بها شيء لا إيجاب ولا تحريم فإن هذا ~~خلاف الكتاب والسنة. بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام؛ فإن ~~الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه وسماه منكرا من القول وزورا ثم إنه ~~أوجب به على من عاد: الكفارة ومن لم يعد: جعل في حقه مقصود التحريم من ترك ~~الوطء وترك العقد. وكذا النذر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر ~~كما ثبت ذلك عنه من حديث أبي هريرة وابن عمر وقال: {إنه لا يأتي بخير} ثم ~~أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في # PageV29P161 # قوله صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي ~~الله فلا يعصه} ms8568 . فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم. نعم لا يكون ~~سببا لإباحة كما أنه لما نهى عن بيع الغرر وعن عقد الربا وعن نكاح ذوات ~~المحارم ونحو ذلك: لم يستفد المنهي بفعله لما نهى عنه الاستباحة؛ لأن ~~المنهي عنه معصية. والأصل في المعاصي: أنها لا تكون سببا لنعمة الله ~~ورحمته. والإباحة من نعمة الله ورحمته وإن كانت قد تكون سببا للإملاء ولفتح ~~أبواب الدنيا؛ لكن ذلك قدر ليس بشرع؛ بل قد يكون سببا لعقوبة الله تعالى. ~~والإيجاب والتحريم قد يكون عقوبة كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} وإن كان قد يكون رحمة أيضا كما جاءت شريعتنا ~~الحنيفية. والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما ~~لم يؤذن فيه إذن خاص: فهو عقد حرام وكل عقد حرام فوجوده كعدمه وكلا ~~المقدمتين ممنوعة كما تقدم. وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية - إن كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن الشروط التي لم يبحها الله وإن كان لا ~~يحرمها # PageV29P162 # باطلة. - فنقول: قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة ~~على وجوب الوفاء بالعهود والشروط عموما وأن المقصود هو وجوب الوفاء بها. ~~وعلى هذا التقدير فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون مباحة؛ فإنه إذا وجب ~~الوفاء بها لم تكن باطلة وإذا لم تكن باطلة كانت مباحة. وذلك لأن قوله: ~~{ليس في كتاب الله} " إنما يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه ~~فإن ما دل كتاب الله على إباحته بعمومه فإنه في كتاب الله؛ لأن قولنا: هذا ~~في كتاب الله يعم ما هو فيه بالخصوص وبالعموم. وعلى هذا معنى قوله تعالى ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} وقوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء} وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} على قول من جعل الكتاب ~~هو القرآن. وأما على قول من جعله اللوح المحفوظ: فلا يجيء ههنا. يدل على ~~ذلك: أن الشرط الذي ثبت ms8569 جوازه بسنة أو إجماع: صحيح بالاتفاق فيجب أن يكون ~~في كتاب الله. وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر ~~باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين. فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار. لأن ~~جامع الجامع جامع ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار. # PageV29P163 # يبقى أن يقال على هذا الجواب: فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط ~~عموما فشرط الولاء داخل في العموم. فيقال: العموم إنما يكون دالا إذا لم ~~ينفه دليل خاص؛ فإن الخاص يفسر العام. وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن هبته وقوله: {من ادعى إلى غير أبيه أو ~~تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} . ودل الكتاب ~~على ذلك بقوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} . فأوجب علينا دعاءه لأبيه الذي ~~ولده دون من تبناه وحرم التبني. ثم أمر عند عدم العلم بالأب بأن يدعي أخا ~~في الدين ومولى كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: أنت ~~أخونا ومولانا} ". وقال صلى الله عليه وسلم {إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت ~~أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس.} فجعل ~~سبحانه الولاء نظير النسب وبين سبب الولاء في قوله: # PageV29P164 # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} فبين أن سبب الولاء هو ~~الإنعام بالإعتاق كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد. فإذا كان قد حرم ~~الانتقال عن المنعم بالإيلاد. فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالإعتاق؛ ~~لأنه في معناه فمن اشترط على المشتري أن يعتق ويكون الولاء لغيره: فهو كمن ~~اشترط على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره. وإلى هذا المعنى أشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إنما الولاء لمن أعتق} . وإذا كان ms8570 كتاب ~~الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه: لم يدخل في العهود التي ~~أمر الله بالوفاء بها؛ لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه فهذا هذا مع أن الذي ~~يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى الأول وهو ~~إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله. والتحذير: من اشتراط شيء لم يبحه الله. ~~فيكون المشروط قد حرمه؛ لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه؛ أو من ~~اشتراط ما ينافي كتاب الله بدليل قوله: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق.} # فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط جملة وصحتها أصلان: الأدلة ~~الشرعية العامة والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرم. فلا ~~يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع # PageV29P165 # المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة: هل ورد ~~من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟ . أما إذا كان المدرك الاستصحاب ~~ونفي الدليل الشرعي: فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أنه ~~لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن ~~الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك؛ فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه ~~الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب. فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع ~~لمن هو من أهل ذلك. وأما إذا كان المدرك هو النصوص العامة: فالعام الذي ~~كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك ~~المسألة: هل هي من المستخرج أو من المستبقي؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما ~~اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه: ~~هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له؟ فقد اختلف ~~في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر ~~نصوصه: على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث ~~عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم. وهذا هو الصحيح الذي ~~اختاره ms8571 أبو الخطاب وغيره؛ فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن # PageV29P166 # انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه. فإذا غلب على الظن انتفاء ~~معارضه غلب على الظن مقتضاه. وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر ~~العمومات إلا بعد البحث عن المعارض سواء جعل عدم المعارض جزءا من الدليل ~~فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة - كما يختاره من لا يقول بتخصيص ~~الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم - أو جعل المعارض المانع من الدليل ~~فيكون الدليل هو الظاهر لكن القرينة مانعة لدلالته كما يقوله من يقول ~~بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم وإن كان الخلاف في ذلك إنما يعود ~~إلى اعتبار عقلي أو إطلاق لفظي أو اصطلاح جدلي لا يرجع إلى أمر علمي أو ~~فقهي. فإذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة ~~لحلها: مخصوصة بجميع ما حرمه الله ورسوله من العقود والشروط فلا ينتفع بهذه ~~القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع فهي ~~بأصول الفقه - التي هي الأدلة العامة - أشبه منها بقواعد الفقه التي هي ~~الأحكام العامة. نعم من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة ~~خلافية أو حادثة انتفع بهذه القاعدة. فنذكر من أنواعها قواعد حكمية مطلقة. # PageV29P167 # فمن ذلك: ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع ~~والخلع أو تبرع كالوقف والعتق - أن يستثني بعض منافعها فإن كان مما لا يصلح ~~فيه الغرر - كالبيع - فلا بد أن يكون المستثنى معلوما؛ لما روى البخاري ~~وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال: {بعته - يعني بعيره - من النبي ~~صلى الله عليه وسلم واشترطت حملانه إلى أهلي} " فإن لم يكن كذلك كالعتق ~~والوقف فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش سيده أو عاش فلان ويستثني غلة ~~الوقف ما عاش الواقف. ومن ذلك: أن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق ~~العبد: صح ذلك في ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما؛ لحديث بريرة وإن كان ~~عنهما قول بخلافه. ثم هل يصير العتق ms8572 واجبا على المشتري كما يجب العتق ~~بالنذر بحيث يفعله الحاكم إذا امتنع أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من ~~العتق كما يملك الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع؟ على وجهين في ~~مذهبهما. ثم الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس؛ لما ~~فيه من منع المشتري من التصرف في ملكه بغير العتق وذلك مخالف لمقتضى العقد ~~فإن مقتضاه الملك الذي يملك صاحبه التصرف مطلقا. # PageV29P168 # قالوا: وإنما جوزته السنة؛ لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في ~~غيره؛ ولذلك أوجب فيه السراية مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره ~~وإذا كان مبناه على التغليب والسراية والنفوذ في ملك الغير لم يلحق به غيره ~~فلا يجوز اشتراط غيره. وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود ~~صحيح وإن كان فيه منع من غيره. قال ابن القاسم قيل لأحمد: الرجل يبيع ~~الجارية على أن يعتقها؟ فأجازه. فقيل له: فإن هؤلاء - يعني أصحاب أبي حنيفة ~~- يقولون: لا يجوز البيع على هذا الشرط. قال: لم لا يجوز؟ قد اشترى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعير جابر واشترط ظهره إلى المدينة واشترت عائشة بريرة ~~على أن تعتقها فلم لا يجوز هذا؟ قال: وإنما هذا شرط واحد. والنهي إنما هو ~~عن شرطين. قيل له: فإن شرط شرطين أيجوز؟ قال: لا يجوز. فقد نازع من منع منه ~~واستدل على جوازه باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ظهر البعير لجابر ~~وبحديث بريرة وبأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن شرطين في بيع مع ~~أن حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع. وهو نقص لموجب العقد المطلق ~~واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد المطلق. فعلم أنه لا ~~يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك # PageV29P169 # واستدلاله بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله ولو كان العتق على ~~خلاف القياس لما قاسه على غيره ولا استدل عليه بما يشمله وغيره. وكذلك قال ~~أحمد بن الحسين بن ms8573 حسان: سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكا واشترط: هو حر ~~بعد موتي؟ قال: هذا مدبر فجوز اشتراط التدبير بالعتق. ولأصحاب الشافعي في ~~شرط التدبير خلاف. صحح الرافعي أنه لا يصح. وكذلك جوز اشتراط التسري: فقال ~~أبو طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية بشرط أن يتسرى بها تكون نفيسة يحب ~~أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال لا بأس به. فلما كان التسري لبائع ~~الجارية فيه مقصود صحيح جوزه. وكذلك جوز أن يشترط بائع الجارية ونحوها على ~~المشتري أنه لا يبيعها لغير البائع وأن البائع يأخذها إذا أراد المشتري ~~بيعها بالثمن الأول كما رووه عن عمر وابن مسعود وامرأته زينب. وجماع ذلك: ~~أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه يملكان اشتراط الزيادة ~~عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من باع نخلا قد أبرت فثمرتها ~~للبائع إلا أن يشترط المبتاع} # PageV29P170 # فجوز للمشتري اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق وهو جائز بالإجماع. ~~ويملكان اشتراط النقص منه بالاستثناء كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{عن الثنيا إلا أن تعلم} " فدل على جوازها إذا علمت. وكما استثنى جابر ظهر ~~بعيره إلى المدينة. وقد أجمع المسلمون فيما أعلمه على جواز ### | استثناء الجزء الشائع. # مثل أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها واستثناء الجزء المعين إذا أمكن ~~فصله بغير ضرر. مثل أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها أو الثياب أو ~~العبيد أو الماشية التي قد رأياها إلا شيئا منها قد عيناه. واختلفوا في ~~استثناء بعض المنفعة كسكنى الدار شهرا أو استخدام العبد شهرا أو ركوب ~~الدابة مدة معينة أو إلى بلد بعينه مع اتفاق الفقهاء المشهورين وأتباعهم ~~وجمهور الصحابة: على أن ذلك قد ينفع كما إذا اشترى أمة مزوجة، فإن منفعة ~~بضعها التي يملكها الزوج لم تدخل في العقد كما اشترت عائشة بريرة وكانت ~~مزوجة. لكن هي اشترتها بشرط العتق فلم تملك التصرف فيها إلا بالعتق والعتق ~~لا ينافي نكاحها. فلذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما - وهو ms8574 ممن روى حديث ~~بريرة - يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة؛ تأويلا لقوله تعالى ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قالوا: # PageV29P171 # فإذا ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها يمينه. فتباح له ولا يكون ~~ذلك إلا بزوال ملك الزوج. واحتج بعض الفقهاء على ذلك: بحديث بريرة فلم يرض ~~أحمد هذه الحجة؛ لأن ابن عباس رواه وخالفه. وذلك - والله أعلم - لما ذكرته ~~من أن عائشة لم تملك بريرة ملكا مطلقا. ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة ~~على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك فيها - ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ~~ذلك وكان مالكها معصوم الملك - لم يزل عنها ملك الزوج وملكها المشتري ~~ونحوه: إلا منفعة البضع. ومن حجتهم: أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك ~~الزوج لم يمكنه ذلك فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه ولا يكون ~~الملك الثابت للمشتري أتم من ملك البائع والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء ~~على حقه؛ بخلاف المسبية فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه؛ لكون أهل الحرب تباح ~~دماؤهم وأموالهم. وكذلك ما ملكوه من الأبضاع. وكذلك فقهاء الحديث وأهل ~~الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ثمره - كالنخل المؤبر - فثمره ~~للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه فيكون البائع قد استثنى منفعة الشجر ~~إلى كمال الصلاح. # PageV29P172 # وكذلك بيع العين المؤجرة - كالدار والعبد - عامتهم يجوزه ويملكه المشتري ~~دون المنفعة التي للمستأجر. وكذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يجوزون استثناء ~~بعض منفعة العقد كما في صور الوفاق. كاستثناء بعض أجزائه معينا ومشاعا ~~وكذلك يجوز استثناء بعض أجزائه معينا إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع ~~الشاة واستثناء بعضها: سواقطها من الرأس والجلد والأكارع. وكذلك الإجارة؛ ~~فإن العقد المطلق يقتضي نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان كما ~~لو استأجر أرضا للزرع أو حانوتا للتجارة فيه أو صناعة أو أجيرا لخياطة أو ~~بناء ونحو ذلك. فإنه لو زاد على موجب العقد المطلق؛ أو نقص منه: فإنه يجوز ~~بغير خلاف أعلمه في النكاح فإن ms8575 العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق ~~الذي يقتضيه العرف حيث شاء ومتى شاء فينقلها إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ~~ضرر إلا ما استثني من الاستمتاع المحرم أو كان فيه ضرر فإن العرف لا يقتضيه ~~ويقتضي ملكا للمهر الذي هو مهر المثل وملكها للاستمتاع في الجملة فإنه لو ~~كان مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف والفقهاء المشاهير ولو آلى ~~منها ثبت لها فراقه إذا لم يفئ بالكتاب والإجماع وإن كان من الفقهاء من لا ~~يوجب عليه الوطء وقسم الابتداء؛ بل يكتفي بالباعث الطبيعي كمذهب أبي حنيفة # PageV29P173 # والشافعي ورواية عن أحمد؛ فإن الصحيح من وجوه كثيرة: أنه يجب عليه الوطء ~~كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار. وقيل: يتقدر الوطء ~~الواجب بمرة في كل أربعة أشهر اعتبارا بالإيلاء. ويجب أن يطأها بالمعروف. ~~كما ينفق عليها بالمعروف؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره. والصحيح الذي يدل ~~عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف: أن ما يوجبه العقد لكل واحد من ~~الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ~~ليس بمقدر؛ بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله ~~تعالى {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} والسنة في مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم لهند {: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} وإذا تنازع الزوجان فيه فرض ~~الحاكم ذلك باجتهاده. كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة ومن ~~قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير الشافعي النفقة؛ إذ كلاهما ~~تحتاجه المرأة ويوجبه العقد. وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء بعيد عن ~~معاني الكتاب والسنة والاعتبار. والشافعي إنما قدره طردا للقاعدة التي ~~ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على المنع من بيع الغرر ~~فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة: طردا لذلك. # PageV29P174 # وقد تقدم التنبيه على هذا الأصل. وكذلك يوجب العقد المطلق: سلامة الزوج ~~من الجب والعنة عند عامة الفقهاء. وكذلك يوجب عند الجمهور: سلامتها من ~~موانع الوطء كالرتق وسلامتها من الجنون والجذام ms8576 والبرص. وكذلك سلامتهما من ~~العيوب التي تمنع كماله كخروج النجاسات منه أو منها ونحو ذلك في أحد ~~الوجهين في مذهب أحمد وغيره؛ دون الجمال ونحو ذلك. وموجبه: كفاءة الرجل ~~أيضا دون ما زاد على ذلك. ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة ~~كالمال والجمال والبكارة ونحو ذلك: صح ذلك وملك المشترط الفسخ عند فواته في ~~أصح الروايتين عن أحمد وأصح وجهي الشافعي وظاهر مذهب مالك. والرواية ~~الأخرى: لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين. وفي شرط النسب على هذه ~~الرواية وجهان سواء كان المشترط هو المرأة في الرجل أو الرجل في المرأة. بل ~~اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم. وما ~~ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك: لا أصل له. وكذلك لو اشترط نقص الصفة ~~المستحقة بمطلق العقد مثل أن يشترط الزوج أنه مجبوب أو عنين أو المرأة أنها ~~رتقاء أو مجنونة # PageV29P175 # صح هذا الشرط باتفاق الفقهاء فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب ~~العقد واختلفوا في شرط الزيادة عليه في هذا الموضع كما ذكرته لك. فإن مذهب ~~أبي حنيفة: أنه لا يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح. وأما المهر: ~~فإنه لو زاد على مهر المثل أو نقص عنه جاز بالاتفاق. وكذلك يجوز أكثر السلف ~~- أو كثير منهم - وفقهاء الحديث ومالك - في إحدى الروايتين - أن ينقص ملك ~~الزوج فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من دارها وأن يزيدها على ما ~~تملكه بالمطلق فيؤخذ عليه نفسه أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى وعند طائفة من ~~السلف وأبي حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى: لا يصح هذا الشرط؛ ~~لكنه له عند أبي حنيفة والشافعي أثر في تسمية المهر. والقياس المستقيم في ~~هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث: أن اشتراط الزيادة ~~على مطلق العقد واشتراط النقص: جائز؛ ما لم يمنع منه الشرع. فإذا كانت ~~الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها والنقص من ذلك على ما ذكرت ms8577 ~~فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك. فإذا شرط على المشتري ~~أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو أن يقضي بالعين دينا ~~عليه # PageV29P176 # لمعين أو غير معين أو أن يصل به رحمه أو نحو ذلك: فهو اشتراط تصرف مقصود. ~~ومثله التبرع المفروض والتطوع. وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق ~~من الفضل الذي يتشوفه الشارع: فضعيف. فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه. فإن ~~صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق كما نص عليه أحمد؛ فإن {ميمونة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت جارية لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لو تركتيها لأخوالك لكان خيرا لك} ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت ~~الوصية لهم أولى من الوصية بالعتق. وما أعلم في هذا خلافا. وإنما أعلم ~~الاختلاف في وجوب الوصية لهم. فإن فيه عن أحمد روايتين: إحداهما: تجب. كقول ~~طائفة من السلف والخلف؛ والثانية: لا تجب كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم. ولو ~~وصى لغيرهم دونهم: فهل ترد تلك الوصية على أقاربه دون الموصى له أو يعطي ~~ثلثها للموصى له وثلثاها لأقاربه كما تقسم التركة بين الورثة والموصى له؟ ~~على روايتين عن أحمد. وإن كان المشهور عند أكثر أصحابه: هو القول بنفوذ ~~الوصية. فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد ~~الفضيلة. وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله ~~من زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي فاشترط عليه # PageV29P177 # وفاء دينه من ذلك المبيع أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي ~~عليه من الثمن ونحو ذلك فهذا أوكد من اشتراط العتق. وأما السراية فإنما ~~كانت لتكميل الحرية. وقد شرع مثل ذلك في الأموال وهو حق الشفعة. فإنها شرعت ~~لتكميل الملك للشفيع لما في الشركة من الضرر، ونحن نقول: شرع ذلك في جميع ~~المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة. فإن أمكن قسمة العين وإلا قسمنا ثمنها ~~إذا طلب أحدهما ذلك. فتكميل العتق نوع من ms8578 ذلك؛ إذ الشركة تزول بالقسمة تارة ~~وبالتكميل أخرى. وأصل ذلك: أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في ~~الرقبة بمنزلة القدرة الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا ~~كما يثبت ذلك حسا؛ ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا - كما أن القدرة تتنوع ~~أنواعا - فالملك التام يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة ويورث عنه. ~~ويملك التصرف في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك ثم قد يملك ~~الأمة المجوسية أو المحرمات عليه بالرضاع فلا يملك منهن الاستمتاع ويملك ~~المعاوضة عليه بالتزويج بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا وقد يملك أم الولد ~~ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين. ويملك وطأها ~~واستخدامها باتفاقهم. وكذلك يملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة # PageV29P178 # عند أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. ويملك المرهون ويجب عليه مئونته ~~ولا يملك فيه من التصرف ما يزيل حق المرتهن لا ببيع ولا هبة. وفي العتق ~~خلاف مشهور. والعبد المنذور عتقه والهدي والمال الذي قد نذر الصدقة بعينه ~~ونحو ذلك مما استحق صرفه إلى القربة: قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم: هل يزول ملكه عنه بذلك أم لا؟ وكلا القولين خارج عن قياس الملك ~~المطلق. فمن قال: لم يزل ملكه عنه - كما قد يقوله أكثر أصحابنا - فهو ملك ~~لا يملك صرفه إلا إلى الجهة المعينة بالإعتاق أو النسك أو الصدقة. وهو نظير ~~العبد المشترى بشرط العتق أو الصدقة أو الصلة أو الفدية المشتراة بشرط ~~الإهداء إلى الحرم. ومن قال: زال ملكه عنه؛ فإنه يقول: هو الذي يملك عتقه ~~وإهداءه والصدقة به. وهو أيضا خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع. ~~وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين: هل يصير الموقوف ملكا لله أو ~~ينتقل إلى الموقوف عليه أو يكون باقيا على ملك الواقف؟ على ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره. وعلى كل تقدير: فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك ~~في البيع والهبة. وكذلك ملك الموهوب له حيث يجوز للواهب الرجوع # PageV29P179 # كالأب إذا وهب ms8579 لابنه عند فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد: نوع مخالف لغيره ~~حيث سلط غير المالك على انتزاعه منه وفسخ عقده. ونظيره: سائر الأملاك في ~~عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه كالمبيع بشرط عند من يقول: انتقل إلى ~~المشتري كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما وكالمبيع إذا أفلس المشتري بالثمن ~~عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز، وكالمبيع الذي ظهر فيه عيب أو فوات صفة عند ~~جميع المسلمين. فههنا في المعاوضة والتبرع يملك العاقد انتزاعه وملك الأب ~~لا يملك انتزاعه وجنس الملك يجمعهما. وكذلك ملك الابن في مذهب أحمد وغيره. ~~من فقهاء الحديث الذين اتبعوا فيه معنى الكتاب وصريح السنة. وطوائف من ~~السلف يقولون: هو مباح للأب مملوك للابن؛ بحيث يكون للأب كالمباحات التي ~~تملك بالاستيلاء وملك الابن ثابت عليه بحيث يتصرف فيه تصرفا مطلقا. فإذا ~~كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه: لم ~~يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له ~~ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه. والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما ~~فيه فساد راجع أو محض. فإذا لم يكن فيه فساد أو كان فساده مغمورا بالمصلحة ~~لم يحظره أبدا. # PageV29P180 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # العقود التي فيها نوع معاوضة - وهي غالب معاملات بني آدم التي لا يقومون ~~إلا بها - سواء كانت مالا بمال. كالبيع أو كانت منفعة بمال كالإجارة ~~والجعالة وقد يدخل في المسألة: الإمارة والتجنيد ونحو ذلك من الولايات. أو ~~كانت منفعة بمنفعة كالتعاون والتناصر ونحو ذلك. تنقسم أربعة أقسام: فإنها ~~إما أن تكون مباحة من الجانبين. كالبيع والإجارة والتعاون على البر ~~والتقوى. وإما أن تكون حراما من الجهتين كبيع الخمر بالخنزير والاستئجار ~~على الزنا بالخمر وعلى شهادة الزور بشهادة الزور كما كان بعض الحكام يقول ~~عن طائفة من الرؤساء: يتقارضون شهادة الزور وشبهه بمبادلة القروض. وإما أن ~~يكون مباحا من إحدى الجهتين حراما من الأخرى. وهذا القسم ينبغي لأهل ~~الإسلام أن يعلموه؛ فإن الدين والدنيا ms8580 لا تقوم إلا به. # PageV29P181 # وأما القسم الأول وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف. وأما الثالث فتقوم به ~~الدنيا الفاجرة والدين المبتدع. وأما الدين المشروع والدنيا السالمة فلا ~~تقوم إلا بالثالث: مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم لجلب منفعتهم أو دفع مضرتهم ~~ورشوة الولاة لدفع الظلم أو تخليص الحق؛ لا لمنع الحق وإعطاء من يتقى شر ~~لسانه أو يده من شاعر أو ظالم أو قاطع طريق أو غير ذلك. وإعطاء من يستعان ~~به على البر والتقوى من أعوان وأنصار وولاة وغير ذلك. وأصله في الكتاب ~~والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين: أن الله جعل للمؤلفة قلوبهم حقا في الصدقات ~~التي حصر مصارفها في كتابه وتولى قسمها بنفسه وكان هذا تنبيها على أنهم ~~يعطون من المصالح - ومن الفيء على القول الصحيح - التي هي أوسع مصرفا من ~~الزكاة؛ فإن كل من جاز أن يعطى من الصدقة أعطي من المصالح ولا ينعكس؛ لأن ~~آخذ الصدقة إما أن يأخذ لحاجته أو لمنفعته وكلا الأمرين يؤخذ منهما ~~للمصالح؛ بل ليست المصالح إلا ذلك، والمؤلفة قلوبهم هم من أهل المنفعة ~~الذين هم أحق بمال المصالح والفيء. ولهذا أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الفيء والمغانم كما # PageV29P182 # فعله بالذهيبة التي بعث بها علي من اليمن. وكما فعل في مغانم حنين حيث ~~قسمها بين رؤساء قريش وأهل نجد وقال: {إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي ~~منهم. أعطي رجالا لما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل ~~الله في قلوبهم من الغنى والخير} وقال: {إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها ~~يتأبطها نارا. قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم قال: يأبون إلا أن يسألوني ~~ويأبى الله لي البخل} . وقال: {والذي نفسي بيده ما من رجل يسألني المسألة ~~فتخرج له المسألة ما لم نكن نريد أن نعطيه إياه فيبارك له فيه} " أو كلاما ~~هذا معناه. وهذا القسم يشتمل على الأقسام الثلاثة: أما المال بالأعيان فمنه ~~افتكاك الأسرى والأحرار من أيدي الكفار والغاصبين؛ فإن المسلم الحر قد ~~يستولي عليه الكفار ms8581 وقد يستولي عليه الفجار؛ إما باستعباده ظلما أو بعتقه ~~وجحود عتقه. وإما باستعماله بغير اختياره ولا إذن الشارع: مثل من يسخر ~~الصناع كالخياطين والفلاحين بغير حق. وإما بحبسه ظلما وعدوانا فكل آدمي قهر ~~آدميا بغير حق ومنعه عن التصرف. فالقاهر يشبه الآسر والمقهور يشبه الأسير ~~وكذلك القهر بحق أسير. قال {النبي صلى الله عليه وسلم للغريم الذي لزم ~~غريمه: ما فعل أسيرك؟} . # PageV29P183 # وإذا كان الاستيلاء على الأموال إذا لم يكن بحق فهو غصب وإن دخل في ذلك ~~الخيانة والسرقة فكذلك الاستيلاء على النفوس بغير حق أسر. وإن دخل فيه ~~استيلاء الظلمة من أهل القبلة. وكذلك افتكاك الأنفس الرقيقة من يد من يتعدى ~~عليها ويظلمها فإن الرق المشروع له حد فالزيادة عليه عدوان. ويدخل في ذلك ~~افتكاك الزوجة من يد الزوج الظالم؛ فإن النكاح رق كما دل عليه الكتاب ~~والسنة قال الله تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في النساء: {إنهن عندكم عوان} . وقال عمر: النكاح رق فلينظر أحدكم عند ~~من يرق كريمته. وكذلك افتكاك الغلام والجارية من يد الظالم كالذي يمنعه ~~الواجب ويفعل معه المحرم. ومنه افتكاك الأموال من أيدي الغاصبين لها ظلما ~~أو تأويلا كالمال المغصوب والمسروق وغيرهما إذا دفع للظالم شيء حتى يرده ~~على صاحبه. وسواء كان الدفع في كلا القسمين دفعا للقاهر حتى لا يقهر ولا ~~يستولي كما يهادن أهل الحرب عند الضرورة بمال يدفع إليهم أو استنقاذا من ~~القاهر بعد القهر والاستيلاء. # PageV29P184 # وقال - رحمه الله -: # قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك # فصل: بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض أو بطريق التبرع ينقسم ~~إلى واجب ومستحب: وواجبها ينقسم إلى فرض على العين وفرض على الكفاية. فأما ~~ما يجب من التبرعات - مالا ومنفعة - فله موضع غير هذا. وجماع الواجبات ~~المالية بلا عوض أربعة أقسام مذكورة في الحديث المأثور: {أربع من فعلهن فقد ~~برئ من البخل: من آتى الزكاة وقرى الضيف ووصل الرحم وأعطى في النائبة} . ~~ولهذا كان حد البخيل: من ترك ms8582 أحد هذه الأربعة في أصح القولين لأصحابنا ~~اختاره أبو بكر وغيره. فالزكاة هي الواجب الراتب التي تجب بسبب المال ~~بمنزلة # PageV29P185 # الصلاة المفروضة وأما الثلاثة فوجوبها عارض فقري الضيف واجب عندنا ونص ~~عليه الشافعي وصلة الأرحام واجبة بالإجماع كنفقة الأقارب وحمل العاقلة وعتق ~~ذي الرحم المحرم. وإنما الاختلاف فيمن تجب صلته وما مقدار الصلة الواجبة. ~~وكذلك الإعطاء في النائبة مثل الجهاد في سبيل الله وإشباع الجائع وكسوة ~~العاري. وقد نص أحمد على أنه لو صدق السائل لما أفلح من رده. وأما الواجبات ~~المنفعية بلا عوض: فمثل تعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصر ~~المظلوم وهي كثيرة جدا. وعامة الواجب في منافع البدن ويدخل فيها الأحاديث ~~الصحيحة من حديث أبي ذر وأبي موسى وغيرهما {على كل سلامى من ابن آدم صدقة} ~~". وتدخل أيضا في مطلق الزكاة والنفقة في مثل قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} ~~كما نقل مثل ذلك عن السلف: الحسن البصري وغيره. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {كل معروف صدقة} " ويروى ما تصدق عبد بصدقة أعظم من موعظة يعظ بها ~~أصحابا له؛ فيتفرقون وقد نفعهم الله بها ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعه. ~~وأما المنافع المالية وهو كمن اضطر إلى منفعة مال الغير كحبل ودلو يستقي به ~~ماء يحتاج إليه وثوب يستدفئ به من البرد ونحو ذلك فيجب بذله؛ لكن هل يجب ~~بذله مجانا أو بطريق التعوض # PageV29P186 # كالأعيان؟ فيه وجهان. وحجة التبرع متعددة. كقوله تعالى: {ويمنعون ~~الماعون} ففي سنن أبي داود عن ابن مسعود قال: كنا نعده عارية القدر والدلو ~~والفأس. وكذلك إيجاب بذل منفعة الحائط للجار إذا احتاج إليه على أصلنا ~~المتبع؛ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من المواضع. ففي ~~الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفعته أو منفعة البدن بلا عوض له تفصيل ~~في موضع آخر. ولو كان كثير من المتفقهة مقصرين في علمه بحيث قد ينفون وجوب ~~ما صرحت الشريعة بوجوبه. ويعتقد الغالط منهم {أن لا حق في المال سوى ~~الزكاة} " أن ms8583 هذا عام؛ ولم يعلم أن الحديث المروي في الترمذي عن فاطمة {: ~~إن في المال حقا سوى الزكاة} . ومن قال بالأول: أراد الحق المالي الذي يجب ~~بسبب المال فيكون راتبا وإلا فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله ~~قد أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضع: مثل الجهاد بالمال ~~عند الحاجة والحج بالمال ونفقة الزوجة والأقارب والمماليك من الآدميين ~~والبهائم. ومثل ما يجب من الكفارات من عتق وصدقة # PageV29P187 # وهدي كفارات الحج وكفارات الأيمان والقتل وغيرها. وما يجب من وفاء النذور ~~المالية إلى أمثال ذلك؛ بل المال مستوعب بالحقوق الشرعية الراتبة أو ~~العارضة بسبب من العبد أو بغير سبب منه. وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة. ~~وإنما الغرض هنا ما يجب من المعاوضات: مثل المبايعة والمؤاجرة وما يشبه ~~ذلك. ومثل المشاركات: كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك. فإن هذا كثيرا ما يغلط ~~فيه الغالطون لما استقر في الشريعة أن الظلم حرام وأن الأصل أن هذه العقود ~~لا تجوز إلا بالتراضي إلا في مواضع استثناها الشارع وهو الإكراه عليها بحق: ~~صار يغلط فريقان: قوم يجعلون الإكراه على بعضها إكراها بحق وهو إكراه ~~بباطل. وقوم يجعلونه إكراها بباطل وهو بحق. وفيها ما يكون إكراها بتأويل حق ~~فيدخل في قسم المجتهدات؛ إما الاجتهادات المحضة أو المشوبة بهوى وكذلك ~~المعاوضات. ونحن نعلم قطعا أنه إذا كان إيتاء المال أو المنفعة بلا عوض ~~واجبا بالشريعة في مواضع كثيرة جدا؛ لأسباب اقتضت الإيجاب الشرعي وليس ذلك ~~من الظلم الذي هو أخذ حق الغير بغير حق # PageV29P188 # فلأن يكون إيتاء المال والمنفعة بعوض واجبا في مواضع أولى وأحرى؛ بل ~~إيجاب المعاوضات أكثر من إيجاب التبرعات وأكبر. فهو أوسع منه قدرا وصفة. ~~ولعل من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها بلا ~~ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب المال ~~المكافية لحاجة المعتاض فرب المال أولى؛ فإن الضرر لا يزال بالضرر والرجل ~~أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين. " وابدأ بنفسك ms8584 ثم بمن تعول ". ~~وهذه قاعدة حسنة مناسبة ولها شواهد كثيرة في الشريعة. وأنا أذكر منها ~~بتيسير الله تعالى. وجماع المعاوضات أربعة أنواع: معاوضة مال بمال: كالبيع. ~~وبذل مال بنفع كالجعالة. وبذل منفعة بمال كالإجارة وبذل نفع بنفع ~~كالمشاركات من المضاربة ونحوها فإن هذا بذل نفع بدنه وهذا بذل نفع ماله. ~~وكالتعاون والتناصر ونحو ذلك. وبالجملة فوجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا ~~والدين؛ إذ الإنسان لا ينفرد بمصلحة نفسه بل لا بد له من الاستعانة ببني ~~جنسه فلو لم يجب على بني آدم أن يبذل هذا لهذا ما يحتاج إليه وهذا لهذا ما # PageV29P189 # يحتاج إليه لفسد الناس وفسد أمر دنياهم ودينهم فلا تتم مصالحهم إلا ~~بالمعاوضة وصلاحها بالعدل الذي أنزل الله له الكتب وبعث به الرسل. فقال ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط} . ولا ريب أن النفوس مجبولة على بذل المعاوضة لحاجتها إليها ~~فالشارع إذا بذل ما يحتاج إليه بلا إكراه لم يشرع الإكراه ورد الأمر إلى ~~التراضي في أصل المعاوضة وفي مقدار العوض. وأما إذا لم يبذل فقد يوجب ~~المعاوضة تارة وقد يوجب عوضا مقدرا تارة. وقد يوجبهما جميعا وقد يوجب ~~التعويض لمعين أخرى. مثال الأول: من عليه دين فطولب به وليس له إلا عرض ~~فعليه أن يبيعه ليوفيه الدين فإن وفاء الدين واجب ولا يتم إلا بالبيع وما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وللحاكم أن يكرهه على بيع العرض في وفاء ~~دينه وله أن يبيع عليه إذا امتنع؛ لأنه حق وجب عليه فقبل النيابة فقام ذو ~~السلطان فيهم مقامه كما يقوم في توفية الدين وتزويج الأيم من كفئها إذا ~~طلبته وغير ذلك وكما يقبض الزكاة من ماله وسواء كان الدين الذي عليه برضا ~~الغريم كثمن مبيع وبدل قرض أو بغير رضاه كقيم المتلفات وأروش الجنايات. # PageV29P190 # ومن ذلك ضمان المغصوب إذا تعذر رد عينه ومن المغصوب الأمانات إذا خان ~~فيها ومن الأمانات ما اؤتمن عليه من مال المسلمين كالعمال على الفيء ~~والزكاة والصدقات ms8585 الموقوفة ومال اليتيم ومال الموكل كالشريك والمضارب ~~ونحوهما. ومال الفيء إذا خانوا فيها. وتعذر رد عين المال وكذلك بيع ماله ~~لأداء ما يجب عليه من النفقات الواجبة لزوجته أو ولده أو نفسه. وبالجملة ~~فكل من وجب عليه أداء مال إذا لم يمكن أداؤه إلا بالبيع صار البيع واجبا ~~يجبر عليه ويفعل بغير اختياره. ومثال الثاني: المضطر إلى طعام الغير إذا ~~بذله له بما يزيد على القيمة؛ فإن له أن يأخذه بقيمة المثل فإنه يجب عليه ~~أن يبيعه وأن يكون بيعه بقيمة المثل فإذا امتنع منهما أجبر عليهما وإن بذل ~~أحدهما أجبر الآخر. والمسألة مذكورة في " كتاب الأطعمة " حتى إنه لو امتنع ~~عن بذل الطعام فله أن يقاتله عليه؛ لأنه بمنزلة المقاتل عن نفسه. ولهذا ~~نضمنهم ديته لو مات كما روي أن رجلا استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات فضمنهم ~~عمر ديته وأخذ به أحمد فإنه إذا وجب إطعام المضطر بلا عوض عند عجزه عنه ~~فلأن يجب بالمعاوضة أولى وأحرى وهكذا إذا اضطر الناس ضرورة عامة وعند أقوام ~~فضول أطعمة # PageV29P191 # مخزونة فإنه يجب عليهم بيعها وعلى السلطان أن يجبرهم على ذلك أو يبيعها ~~عليهم؛ لأنه فعل واجب عليهم يقبل النيابة فيجب إلزامهم بما وجب عليهم شرعا ~~وهو حق للمسلمين عندهم فيجب استنقاذه منهم. وهكذا كل ما اضطر الناس إليه: ~~من لباس وسلاح وغير ذلك مما يستغني عنه صاحبه فإنه يجب بذله بثمن المثل. ~~وقد كتبت قبل هذا حديث سمرة بن جندب في صاحب النخلة لما أمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم ببيعها فلم يفعل وذكرت ما فيه من وجوب المعاوضة التي يحتاج ~~إليها المبتاع من غير ضرر البائع. ولهذا نهى الشارع عن الاحتكار الذي يضر ~~الناس في قوله صلى الله عليه وسلم {لا يحتكر إلا خاطئ} " رواه مسلم. وغير ~~ذلك. والمحتكر مشتر متجر؛ لكن لما كان يشتري ما يضر الناس. ولا يحتاج إليه ~~حرم عليه والبيع والشراء في الأصل جائزان غير واجبين؛ لكن لحاجة الناس يجب ~~البيع تارة ويحرم الشراء أخرى. ms8586 هذا في نفس العقد. وأما في مقدار الثمن ~~فنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يبيع حاضر لباد لما فيه من إضرار المشتري ~~إذا توكل الحاضر للقادم بسلعته في البيع مع حاجة الناس إليها وقد يستدل ~~بذلك على # PageV29P192 # وجوب بيعها بثمن المثل؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم {دعوا الناس يرزق ~~الله بعضهم من بعض} . وهكذا بيع أحد الشريكين من الآخر في ما لا ينقسم؛ فإن ~~الشريك محتاج إلى البيع؛ ليأخذ نصيبه ولا ضرر على الآخر فيه. وكذلك تقويمه ~~ملك الشريك إذا أعتق الشريك نصيبه فإن العتق يحتاج إلى تكميل لما في تبعيض ~~العتق من الضرر من غير ضرر على البائع في بيع نصيبه أو فيه ضرر دون الحاجة ~~إلى تكميل العتق. وهكذا فيمن تعلق حق الغير بماله كمن له في ملك الغير عرق ~~محترم من غراس أو بناء أو بئر كالمشتري إذا أخذ الشقص بالشفعة والبائع إذا ~~رد عليه المبيع بعيب وكان الثمن عقارا وكالمستعير والمستأجر إذا انقضت ~~المدة فإن لرب الأرض أن يبتاع ذلك بقيمته إذا لم يقلعه صاحبه أو يبقيه ~~بأجرة المثل وكلاهما معاوضة: إما على العين أو على منفعة أرضه. وكذلك ~~إجبارنا لأحد الشريكين على الكري مع الآخر أو العمارة معه هو إجبار على ~~المعاوضة؛ فإن العمارة تتضمن ابتياع أعيان واستئجار عمال فهي إجبار على ~~شراء وإجارة؛ لأن الشريك محتاج إلى ذلك ولا ضرر على الباذل في ذلك فتجب ~~عليه المعاوضة معه. تارة لأجل القسمة. وتارة لبقاء الشركة. وعلى هذا فإذا ~~احتاج المسلمون إلى # PageV29P193 # الصناعات: كالفلاحة والنساجة والبناية: فعلى أهلها بذلها لهم بقيمتها كما ~~عليهم بذل الأموال التي يحتاج إليها بقيمتها؛ إذ لا فرق بين بذل الأموال ~~وبذل المنافع؛ بل بذل المنافع التي لا يضر بذلها أولى بالوجوب معاوضة ويكون ~~بذل هذه فرضا على الكفاية. وقد ذكر طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم: أن ~~أصول الصناعات كالفلاحة والحياكة والبناية: فرض على الكفاية. والتحقيق: ~~أنها فرض عند الحاجة إليها؛ وأما مع إمكان الاستغناء عنها فلا تجب. وهذه ms8587 ~~حكينا بيعها؛ فإن من يوجبها إنما يوجبها بالمعاوضة؛ لا تبرعا. فهو إيجاب ~~صناعة بعوض؛ لأجل الحاجة إليها. وقولي عند الحاجة. فإن المسلمين قد يستغنون ~~عن الصناعة بما يجلبونه أو يجلب إليهم من طعام ولباس. والأصل أن إعانة ~~الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى أمر واجب. وللإمام أن يلزم ~~بذلك ويجبر عليه؛ ولا يكون ذلك ظلما بل إيجاب الشارع للجهاد الذي فيه ~~المخاطرة بالنفس والمال لأجل هداية الناس في دينهم: أبلغ من هذا كله. فإذا ~~كانت الشجاعة التي يحتاج المسلمون إليها والكرم الذي يحتاج المسلمون إليه ~~واجبا فكيف بالمعاوضة التي يحتاج المسلمون إليها. ولكن أكثر الناس يفعلون ~~هذا بحكم العادات والطباع وطاعة # PageV29P194 # السلطان غير مستشعرين ما في ذلك من طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر ~~فيما أمر الله بطاعتهم فيه. ولهذا يعدون ذلك ظلما وعناء ولو علموا أنه طاعة ~~لله احتسبوا أجره وزالت الكراهة ولو علموا الوجوب الشرعي لم يعدوه ظلما. ~~وكذلك إذا احتاجوا إلى القتال والجهاد بالنفس وبذلوا أموالا من بيت المال ~~أو من غيره؛ فإن الجهاد وإن كان فيه مخاطرة بالنفس ويخاف فيه الضرر؛ لكنه ~~واجب بالشرع إذا بذل للإنسان المال؛ فإن مصلحة الدين لا تتم إلا بوجوبه ~~وعلى الإنسان أن يجاهد بمال نفسه فإذا بذل له المال كان أولى بالوجوب. فمن ~~كان من أهل صناعات القتال: رميا وضربا وطعنا وركوبا وجب عليه ذلك وأجبر ~~عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " {وإذا استنفرتم فانفروا.} ولهذا ~~قال الفقهاء: إنه يجب عينا إذا أمر به الإمام وكذلك إذا احتاج المجاهدون ~~إلى أهل الصناعات والتجارات كصناع الطعام واللباس والسلاح ومصالح الخيل ~~وغير ذلك وطلبت منهم تلك الصناعة بعوضها وجب بذلها وأجبروا عليها. وكذلك ~~التجار فيما يحتاج إليه في الجهاد: عليهم بيع ذلك وإذا # PageV29P195 # احتاج العسكر إلى خروج قوم تجار فيه لبيع ما لا يمكن العسكر حمله من طعام ~~ولباس وسلاح ونحو ذلك. فالتجارة كالصناعة. والعسكر بمنزلة قوم في بلد فكما ~~يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة التي ms8588 لا ضرر فيها فإن ذلك ~~واجب في العسكر. وكما للإمام أن يوجب الجهاد على طائفة ويأمرهم بالسفر إلى ~~مكان لأجله فله أن يأمر بما يعين على ذلك ويأمر قوما بتعلم العلم ويأمر ~~قوما بالولايات. والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير ~~العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد. # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # أقوال المكره بغير حق لغو عندنا: مثل كفره وطلاقه وبيعه وشرائه. فإذا ~~أكره البيعان على العقد فهو باطل وإذا أكرها على التقابض فهذا إكراه على ~~الأفعال لا على الأقوال فيكون كل منهما # PageV29P196 # قد قبض وأقبض مكرها فعلى كل منهما أن يرد ما قبضه إلى الآخر إذا أمكنه؛ ~~لأنه مقبوض بغير حق وإن كان القابض مكرها. فإن تلف المال المقبوض بالإكراه ~~تحت يد القابض فإن كان قد أتلفه بفعله أو بتفريطه أو بعدوانه فهو ضامن؛ لأن ~~غايته أن تكون يده يد أمانة ويد الأمانة إذا أتلفت شيئا أو تلف بتفريطها أو ~~عدوانها ضمنته كيد المستأجر والمودع والمضارب والوكيل. وإن تلف بغير تفريط ~~منه: فهل تكون يده يد ضمان؛ لأنه قبض مال الغير بغير إذنه لدفع الضرر عنه؟ ~~أو يد أمانة؛ لأنه قبضه قبضا غير محرم؟ فنقول: تلفه تحت يد المكره بمنزلة ~~إتلافه كرها وفيه خلاف. وهو يشبه العارية من بعض الوجوه؛ فإن المستعير قبض ~~المال لنفعه كما أن المكره قبضه لدفع الضرر عن نفسه وهذا قبضه بإذن المالك ~~وهذا قبضه بإذن الشارع فإن كان المكره القابض قد أخذ منه وفاء عن دين فهنا ~~يكون ضامنا له لأنه مصروف في منفعته كمن اضطر إلى طعام الغير فأخذه ليأكله. # PageV29P197 # وسئل - رحمه الله -: # عن جماعة صودروا وأخذت أموالهم ثم أكرهوا وأجبروا على بيع أعيان من عقار ~~ومواش وبساتين فباعوها والأعيان المذكورة بعضها ملك أولاد البائعين وبعضها ~~وقف وبعضها ملك الغير ووضع المشتري يده عليها وحازها وخاف البائعون على ~~إتلاف صورة الأعيان وليس لهم قدرة على انتزاعها من يده فاشتروها صورة ~~ليعرفوا بقاءها ويحرزوها بثمن معين إلى أجل ms8589 معلوم فلما آن الأجل طالبهم ~~بالثمن: فهل يكون البيع منهم باطلا بحكم الإكراه؟ وبيع مال الغير أم لا؟ ~~وهل مشتراهم منه وإقرارهم بالملك مثبت له بصحة الملك؟ . # فأجاب: # إذا بذل البائع - والحال هذه - للمشتري فما أداه من الثمن وامتنع المشتري ~~من الإيفاء بذلك وطلب ما كتب على البائع من الثمن المؤجل فإن المشتري ظالم ~~عاص يستحق العقوبة؛ فإن هذه المعاملة لو كانت بطيب نفس البائع وقد اتفقا ~~على أن لا تباع منه الأعيان بتقديم بيعه إياها إلى أجل بأكثر من ذلك # PageV29P198 # الثمن كانت معاملة باطلة ربوية عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأكثر ~~أئمة المسلمين فكيف والبائع مكره وبيع المكره بغير حق بيع غير لازم باتفاق ~~المسلمين فلو قدر مع ذلك أن المشتري أكره على الشراء منه وأداه الثمن عنه ~~فأعطاه البائع الثمن الذي أداه عنه لوجب تسليم المبيع إليه باتفاق ~~المسلمين. فكيف والمشتري لم يكره على الشراء والبائع قد بذل له الثمن الذي ~~أداه عنه فليس للمشتري والحالة هذه مطالبته بزيادة على ذلك باتفاق الأئمة ~~ولا مطالبته برد الأعيان التي كانت ملكه. وهي الآن بيده على ما ذكر. # وسئل: # عن رجل ماتت أمه وورث منها دارا ولم يكن لها فيها شريك وأن إنسانا ظلم ~~والده وأجبره حتى كاتبه على الدار أو باعها. فهل يجوز ذلك؟ أم ترجع الدار ~~إلى مالكها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا أكره بغير حق على بيع الدار لم يصح البيع وترد الدار إلى ~~مالكها ويرد على المشتري الثمن الذي أخذ منه والله أعلم. # PageV29P199 # وسئل: # عن حبس على جماعة وهو مثبوت بالعدول وفي الدار ساكن له يد قوية على ~~الورثة وألزموه إلى أن باعوه غصبا باليد القوية فإذا شهدت الشهود بصحة ~~الوقف ينزع من الغاصب أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بيع المكره بغير حق لا يصح وبيع الوقف الصحيح اللازم لا يصح ~~ومن علم شيئا شهد به والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # فإذا أكره السلطان أو اللصوص أو غيرهم رجلا على أداء مال بغير حق وأكره ms8590 ~~رجلا آخر على إقراضه أو الابتياع منه وأدى الثمن عنه أو إليه ليأخذوهم من ~~المقترض والبائع سواء كان الإكراه على إقباض المكره ثم الأخذ منه أو على ~~الأداء عنه فقط: # PageV29P200 # فهذه المسألة ونحوها تقع كثيرا وفيها وجهان: كما لو أخذ السلطان من أحد ~~المختلطين في الماشية زيادة على الواجب عنهما بلا تأويل. أحدهما: أن تلك ~~الزيادة تذهب من مالكها وليس على الآخر شيء منها وإن كان السلطان أخذها ~~عنها؛ لأن الظالم ظلم هذا بأخذ ماله ونواه عن الآخر وهو ليس وليا للآخر ولا ~~وكيلا عنه حتى تصح نيته ومجرد النية المحرمة لا يوجب ثبوت المال في ذمة ~~المأخوذ عنه. ولازم هذا القول أن أحد الشريكين في العقار والمنقول إذا أخذ ~~السلطان ونوابه الوظائف الظلمية على المال أو أخذ قطاع الطريق من التجار عن ~~المال الذي معهم شيئا من أحد الشريكين؛ لأن المقبوض إذا كان من عين المال ~~فإن أحد الشريكين لم يرجع على الآخر بنصيبه. وعلى هذا فلو كان المعطي وكيلا ~~أو وليا كناظر الوقف ووصي اليتيم فيلزم إذا لم يكن ما أخذ منه من عين المال ~~أن يكون من ضمانه؛ لكن هذا إنما يلزم إذا لم يكن الدفع لحفظ المال بل كان ~~الدفع لأنه أكره على الأداء. فأما إذا لم يمكن حفظ المال إلا بما دفعه عنه ~~فهذا التصرف لحفظ المال وهو بمنزلة إعطاء الخفارة لحفظه وإعطاء النواطير ~~لدفع اللصوص والسباع. وأيضا فالولي والوكيل مأذون لهما عرفا في مثل هذا ~~الدفع؛ فإنه # PageV29P201 # لم يتوكل على أنه يضرب ويحبس على مال يؤدي عن المال فيتضرر ولا يؤديه؛ ~~بخلاف ما يوجد من الأجنبي؛ لكن هذا الدليل بعينه وارد في أحد الشريكين. فإن ~~كلاهما وكيل الآخر في شركة العقود. وأيضا فيفرق بين الكلف النوابية ~~السلطانية وبين المظالم العارضة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل سير على يد رجل قماشا ليسلمه لولده بالقاهرة فلم يسلمه وباعه ~~المسير على يده وتصرف فيه وباعه على غير بزاز بغير النقد وبغير إذن صاحب ~~القماش له في ذلك. ms8591 فهل يكون ذلك تفريطا؟ وهل إذا فرط تلزمه قيمته؟ وهل يكون ~~القول في تلفه قول صاحب القماش؟ أو قول المسير على يده؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # إذا تصرف فيه بغير إذن صاحبه كان ظالما وكان ضامنا له فإن فات فعليه ~~قيمته وإن قال المودع أمرتني ببيعه وقال المودع لم آمرك ببيعه بل بتسليمه ~~إلى ولدي. فهذا فيه نزاع؛ لكن إن باعه بيعا خارجا عن البيع المعروف مثل أن ~~يبيعه إلى أجل أو بغير النقد - نقد البلد - أو يبيعه لمن هو جاهل أو مفلس ~~ونحو ذلك: فهو ضامن لما يتلف من الثمن بكل حال. # PageV29P202 # وكذلك إذا باعه بدون قيمة المثل وسلم المبيع فهو ضامن للنقص. والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة ملكت لولدها ملكا وباعه ثم بعد البيع ملكت الثاني وكتب على ~~الأول حجة أن ماله في الملك شيء بعد أن باعه فهل يلزم الأول رد الملك ~~للثاني أو الأول صحيح؟ . # فأجاب: # إذا كان قد باعه بيعا صحيحا لازما فقد خرج عن ملكه ولم يصح بعد ذلك ~~تمليكها والملك باق على ملك المشتري والله أعلم. # وسئل: # عن رجل له زوجة لها ملك فسرق الزوج كتب الملك وباعه ثم توفيت؟ . # فأجاب: # بيع الملك بغير إذن مالكه ولا ولاية عليه: بيع # PageV29P203 # باطل، والواجب أن يرد إلى المشتري ما أعطاه من الثمن ويرد إلى المالك ~~ملكه. # وقال: # فصل: # الذي يكره من شراء الأرض الخراجية إنما كان لأن المشتري يشتريها فيرفع ~~الخراج عنها وذلك إسقاط لحق المسلمين كما كانوا أحيانا يقطعون بعضها لبعض ~~المحاربين إقطاع تمليك؛ لا إقطاع استغلال كإقطاع الموات، فهذا الانتفاع ~~والإقطاع يسقط حق المسلمين من الرقبة والمنفعة والخلفاء أخذوه من الغزاة ~~لتكون منفعته دائمة للمسلمين فإذا قطعت منفعته عن المسلمين صار ظلما لهم؛ ~~بمنزلة من غصب طريق المسلمين أو بنى في منى ونحوها من المنافع المشتركة بين ~~المسلمين على التأبيد. فأما إذا اشتراها وعليه من الخراج ما على البائع فهو ~~كما لو ولاه إياها بلا حق وكما لو ورثها؛ فإن الإرث مجمع عليه: أن ms8592 الوارث ~~أحق بها بالخراج؛ وذلك لأن إعطاءها لمن أعطيته بالخراج قد قيل: # PageV29P204 # إنه بيع بالثمن المقسط الدائم كما يقوله بعض الكوفيين. وقد قيل: إنه ~~إجارة بالأجرة المقسطة المؤبدة المدة كما يقوله أصحابنا والمالكية ~~والشافعية وكلا القائلين خرج في قوله عن قياس البيوع والإجارات. والتحقيق: ~~أنها معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع ومن الإجارة تشبه في خروجها ~~عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق أو إلقاء الزبالة أو وضع الجذع ~~ونحو ذلك بعوض ناجز فإنه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها وإنما ملك هذه ~~المنفعة مؤبدة. وكذلك وضع الخراج لو كان إجارة محضة وكان عمر وغيره قد ~~تركوا الأرض للمسلمين وأكروها؛ لكان ينبغي إكراء المساكن أيضا؛ لأنها ~~للمسلمين إذا فتحت عنوة. ولكان قد ظلم المسلمين؛ فإن كراء الأرض يساوي ~~أضعاف الخراج. ولكان على المشهور عندهم لا يستحق الآخذ إلا ما في الأرض من ~~الشجر القائمة من النخيل والأعناب وغير ذلك كمن استأجر أرضا فيها غراس. ~~ولكان دفعها مساقاة ومزارعة - كما فعل المنصور والمهدي في أرض السواد - ~~أنفع للمسلمين اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر؛ فإنه لا فرق ~~إلا أن ملاك خيبر معينون وملاك أرض العنوة العمرى مطلقون وإلا فيجوز كذلك ~~أن يؤاجر ويجوز له في الأرض الموقوفة أن يعامل مساقاة ومزارعة. # PageV29P205 # وأما بيعها: فلو كان كذلك لباع المساكن أيضا. ولا بيع يكون الثمن مؤبدا ~~إلى يوم القيامة فالمستخرج أصل دلت عليه السنة والإجماع فلا يقاس بغيره - ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت ~~الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها} . واتفق الصحابة مع عمر ~~على فعله. يوضح ذلك أن أصل الخراج في قوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى} فإن هذا فرق بين العقار والمنقول ومع هذا فقد أضاف القرى إليهم فعلم ~~اختصاصهم بها. وإذا كان كذلك فلو أخذه ذمي من الذمي الأول بالخراج وعاوضه ~~على ذلك عوضا لم يكن في ذلك ضرر أصلا فلا وجه لمنعه؛ لأنه إن قيل: إنه ms8593 وقف ~~فهذا لا يخرجه بهذه المعاوضة عن أن يكون وقفا؛ بل مستحق أهل الوقف باق كما ~~كان وبيع الوقف إنما منع منه لإزالة حق أهل الوقف. وهذا لا يزول؛ بل هو ~~بمنزلة إجارة أرض الوقف بأكثر مما استأجرها فكأنه قال: أكريتك هذه الأرض ~~بما علي من الخراج وبالزيادة التي تعجلها إلي؛ ولهذا ينتقل إلى ورثة من هي ~~في يده؛ والوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث فإذا جاز انتقاله بالإرث على صفة ~~ما كان - والهبة مثله - فكذلك المعاوضة سواء سميت بيعا أو إجارة. ولهذا جوز ~~أحمد إصداق الأرض الخراجية وما جاز # PageV29P206 # أن يكون صداقا جاز أن يكون ثمنا وأجرة. وما كان ثمنا كان مثمنا. فهذا باب ~~ينبغي تأمله. يبقى إذا أخذه المسلم: هل يكره لما فيه من الصغار أو لما فيه ~~من الاشتغال عن الجهاد بالحراثة. فهذه مواضع أخر - غير كونه وقفا - تختلف ~~باختلاف المصالح والأوقات كما {أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود ~~على خيبر لقلة المسلمين فلما كثر المسلمون أجلاهم عمر بأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصار المسلمون يعمرونها} فكذلك الأرض الخراجية إذا كثر المسلمون ~~كان استيلاؤهم عليها بالخراج أنفع لهم من أن يبقوا فقراء محاويج والكفار ~~يستغلون الأرض بالخراج اليسير؛ فإنهم كانوا زمن عمر قليلا وأهل الذمة ~~كثيرا. وقد يعكس الأمر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم على خيبر ثم ~~عمرها المسلمون لما كثر المسلمون وتضرروا ببقاء أهل الذمة في أرض العرب ~~فكان المعنى ضرر المسلمين بأهل الذمة واكتفاء المسلمين بالمسلمين. فكيف إذا ~~احتاج المسلمون إلى الأرض الخراجية؛ وتضرروا ببقائها في أيدي أهل الذمة ~~فرأى من احتاج من المسلمين أن يعاوض الذمي عنها ويقوم مقامه فيها. فإن كان ~~المؤدى أجرة فهو أحق باستئجار أرض المسلمين وعمارتها وإن كان ثمنا فهو أحق ~~باشترائها # PageV29P207 # وإن كان عوضا ثالثا فهو به أحق أيضا. ومتى كثر المسلمون لم يبق صغار ولا ~~جزية وإنما كان فيه صغار وجزية في الزمن المتقدم كما لو أسلم الذمي الذي هو ~~مستول ms8594 عليها فإنها تبقى بيده مؤديا لخراجها وسقط عنه جزية جمجمته فكيف يقاس ~~هذا بهذا. وإذا جاز أن تبقى بيده بعد إسلامه فما المانع من أن يدفعها إلى ~~مسلم غيره بعوض أو غيره والمسلم لا صغار عليه بحال فلو كان المانع كونها ~~صغارا لم يجامع الإسلام كجزية الرأس. ولا يقال: هي كالرق تمنعه الإسلام ~~ابتداء ولا تمنع دوامه لأن الرق قهرناهم عليه بغير اختيارهم لم نعاوضهم ~~عليه فكذلك جزية الرأس لا نمكنهم من المقام بالأرض الإسلامية إلا بها فهي ~~نوع من الرق لثبوتها بغير اختيار المسترق. وأما الخراج فإنما يثبت برضى ~~المخارج واختياره ولو لم يقبل الأرض منا لم ندفعها إليه؛ بمنزلة المساقاة ~~والمزارعة التي عامل النبي صلى الله عليه وسلم بها أهل خيبر سواء: هناك كان ~~العوض جزءا من الزرع وهنا العوض مسمى معلوم. وهناك لا يستحق شيئا إلا إذا ~~زرعوا وهنا يستحق إذا أمكنهم الزرع. فنظيره أن العامل في المزارعة يعامل ~~غيره بأقل من الجزء الذي استحقه؛ إذ أن المضارب يدفع المال مضاربة لكن هذا ~~يتوقف على إذن المالك لتعيين المستحق. # PageV29P208 # وبالجملة فالموانع من كونها وقفا ينظر فيها. أما جهة الوقف فلا يتوجه ~~كونها مانعا على أصول الشريعة أبدا. وأما التعليل بالاشتغال بالحراثة عن ~~الجهاد فهذا عام في جميع الأرضين؛ عشريها وخراجيها وذاك شيء آخر. # فصل: # ونظير ذلك مكة: فإنه لا ريب أنها فتحت عنوة ومن قال: إنها فتحت صلحا ~~فاستقر ملك أصحابها عليها؛ ليجوز لهم ما يجوز في سائر أراضي الصلح من البيع ~~وغيره كما يقوله الشافعي: فقوله ضعيف؛ لوجوه كثيرة من المنقولات. وأيضا ~~فإنه لا يجوز مثل ذلك فإنه لو صالح الإمام قوما من المشركين بغير جزية ولا ~~خراج لم يجز إلا للحاجة " كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ~~". أما إذا فتحنا الأرض فتح صلح وأهلها مشركون من غير أهل الجزية. فإنه لا ~~يجوز إقرارهم بغير جزية بإجماع المسلمين. وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل في العام القابل # PageV29P209 # لما حج أبو بكر ms8595 لمن لم يسلم منهم أجل أربعة أشهر وإلا جعله محاربا يستبيح ~~دمه وماله ولو كان قد فتحها صلحا لم يجز نقض ذلك. وأيضا فإنه استباح قتل ~~جماعة سماهم. . . (1) ولكن فتحها عنوة وأمن من ترك القتال منهم فقد أمنه ~~على نفسه وماله؛ إلا نفرا استثناهم وكان قد أرسل بهذا الأمان مع أبي سفيان ~~فمنهم من قبله فانعقد له. ومنهم من لم يقبل فحارب أو هرب. والأمان لا يثبت ~~إلا بقبول المؤمن كالهدنة. وأما من لم يترك القتال فلم يؤمنه بحال؛ لكن خص ~~وعم في ألفاظ الأمان. والمقصود واحد. فإن قوله: {من دخل المسجد فهو آمن: ~~ومن دخل داره فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن} كلها ألفاظ معناها من استسلم فلم يقاتل فهو آمن ولهذا سماهم الطلقاء ~~كأنه أسرهم ثم أطلقهم كلهم. . . (2) # وقالت الحنفية: لما فتحها عنوة ولم يقسمها بل أقرها في يد أهلها صار هذا ~~أصلا في أرض العنوة أنه يجوز إقرارها في يد أهلها. قالوا هم وأصحابنا ~~وغيرهم في أحد التعليلين: ولهذا لم يجز بيعها وإجارتها؛ لكونها فتحت عنوة ~~ولم تقسم كسائر أرض العنوة وربما يقولون: صار إنزال أهل مكة للناس عندهم هو ~~الخراج المضروب PageV29P210 # عليهم. وأما من قال من أصحابنا إن الخراج يضرب على مزارعها فقد علم ~~بالنقل المتواتر فساد قوله مع إجرائه لقياسه. وهذا التعليل ضعيف لوجوه: ~~أحدها: أن أرض العنوة تجوز إجارتها بالإجماع وبيوت مكة أحسن ما فيها أنه لا ~~تجوز إجارتها بل يجب بذلها للمحتاج بغير عوض فهذا الذي يدل عليه الكتاب ~~والسنة والآثار والقياس. وأما المنع من بيعها ففيه نظر فلو كان المانع كون ~~فتحها عنوة لما منع إجارتها. الثاني: أن أرض العنوة إنما يمنع من بيع ~~مزارعها. فأما المساكن فلا يمنع ذلك فيها؛ بل هي لأصحابها. ومكة إنما منعوا ~~من المعاوضة في رباعها التي لا منع منها في أرض العنوة وهذا برهان ظاهر على ~~الفرق. الثالث: أن مزارع مكة ما علمت أحدا من أصحابنا ولا غيرهم ms8596 منع بيعها ~~أو إجارتها وإنما الكلام في الرباع وهي المساكن لا المزارع. فأين هذا من ~~هذا. الرابع: أن تلك الديار كانت للمهاجرين وقد طلبوا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم إعادتها إليهم فلم يفعل فلو كانت كسائر العنوة # PageV29P211 # لكان قد أعادها إلى أصحابها؛ لأن الأرض إذا كانت للمسلمين واستولى عليها ~~الكفار ثم استنقذناها وعرف صاحبها قبل القسمة أعيدت إليه. والخامس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لشيء من أموالهم لا منقولها ولا عقارها ~~ولا إلى أحد من ذراريهم ولو أجرى عليها أحكام غيرها من العنوة لغنم ~~المنقولات والذرية؛ بل الصواب أن المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر التي ~~يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين. كما قال الله تعالى: {سواء ~~العاكف فيه والباد} . فالساكنون بها أحق بما احتاجوا إليه؛ لأنهم سبقوا إلى ~~المباح. كمن سبق إلى مباح من مسجد أو طريق أو سوق وأما الفاضل فعليهم بذله؛ ~~لأنه إنما لهم أن يبنوا بهذا الشرط؛ لكن العرصة مشتركة في الأصل. وصار هذا ~~بمنزلة من بنى بيتا من رباط أو مدرسة أو نحو ذلك: له اختصاص بسكنه وليس له ~~المعاوضة عليه. أو من بنى بيتا في جنابات السبيل أو في دار الرباط التي ~~تكون بالثغور ونحو ذلك مما تكون الأرض فيه مشتركة المنفعة للحج أو للجهاد ~~أو للمرور في الطرقات أو التعلم؛ أو التعبد ونحو ذلك. فإذا قال: البناء لي ~~قيل له: والعرصة ليست لك وأعيان الحجر ليس لك؛ بل لك # PageV29P212 # التأليف أو التأليف والأنقاض. فما ليس لك لا يجوز أن تعاوض عنه وما هو لك ~~قد اعتضت عنه ببقائك في الانتفاع بالعرصة. أو لأن المكي لما صار الناس ~~يهدون إليهم الهدايا وتجب عليهم قسمتها فيهم صار يجب على المكيين إنزال ~~الناس في منازلهم مقابلة للإحسان بالإحسان فصاحب الهدي له أن يأكل منه - ~~مثلا - حيث يجوز ويعطي من شاء ولا يعتاض عنه وكذلك صاحب المنزل يسكنه ~~ويسكنه ولا يعتاض عنه. وهذا المعنى الذي ذكرناه قد يكون هو السبب الموجب ~~لإبقائها ms8597 بيد أربابها من غير خراج مضروب عليهم أصلا؛ لأن للمقيمين بمكة حقا ~~وعليهم حق؛ ليست كغيرها من الأمصار ومن هنا يصير التعليل بفتحها عنوة ~~مناسبا لمنع إجارتها - كما ذكرناه - لا إلحاقا لها بسائر أرض العنوة. فإن ~~قيل: فالأرض إذا فتحت عنوة يجوز أمان أهلها على أنفسهم وأموالهم كذلك. قيل: ~~نعم يجوز قبل الاستيلاء أن يؤمن من ترك القتال على نفسه وماله؛ لما فيه من ~~الانتفاع بترك قتاله وهو أمان بشرط؛ بل إذا جوزنا السبي على الأسير بعد ~~الأسر للمصلحة كيف لا نجوز ذلك قبل الأسر. # PageV29P213 # وهنا زيادة الأمان على ماله؛ لأن ذلك قبل الاستيلاء كما لو نزلوا على حكم ~~حاكم فإنه من أسلم منهم قبل الحكم عصم دمه وماله؛ لأنه لم يتم القهر. فإن ~~دخوله مكة؛ كان قبل الظهر ودخلها قهرا. وبهذا التحرير تظهر الشبهة التي ~~أوجبت كلا من القولين. وأما بعد القهر فيجوز أن يمن على المقهورين وتدفع ~~إليهم الأرض مخارجة فالذين حاربوا بمكة أو هربوا ثم أمنهم بعد قهرهم ~~والقدرة عليهم هذا جائز في أنفسهم كالمن ولهذا سماهم الطلقاء وأما في ~~أموالهم فالأرض قد ذكرت سبب ذلك فيها. وأما المنقول والذرية. . . (1) . # وسئل: # عن مقطع له ماء داخل إقطاعه. ويقصد بيعه لمقطع آخر وإجراءه في بلده فهل ~~يجوز للمشتري أن يشتري الماء؟ وهل يجوز للبائع أن يبيع الماء الداخل في ~~إقطاعه ويجريه في بلد المشتري؟ . # فأجاب: # إذا كان الماء محبوسا عليه في الإقطاع مثل أن تكون الأرض بمائها محبوسة ~~عليه بألف درهم وبدون تحبيس عليه بخمسمائة PageV29P214 # درهم وهو يريد تعطيل ما يستحقه من الزرع وبيعه لغيره؛ يسقي به في أرضه ~~فإن هذا يجوز بيعه؛ بخلاف الماء الذي يجري في ملكه بلا عوض مثل أن يحيي ~~أرضا وفيها عين جارية. فإن في جواز بيع مثل هذا الماء قولين للعلماء هما ~~روايتان عن أحمد: إحداهما يجوز بيعه وهو مذهب الشافعي ومالك. والثانية لا ~~يجوز. وهو مذهب أبي حنيفة وهو المشهور عن أحمد. وأما الماء الذي يكون ~~بالأرض المباحة والكلأ الذي يكون ms8598 بها فهذا لا يجوز بيعه باتفاق العلماء. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له عين ماء جارية إذا باع منها أصبع ماء أو نحوه هل يجوز مع أنه ~~غير مرئي بل ينبع شيئا فشيئا؟ . # فأجاب: # أما من يملك ماء نابعا مثل أن يملك بئرا محفورة. في ملكه - ويدخل في لفظ ~~البئر: ما ينصب عليه الدولاب وما لا ينصب أو يملك عين ماء في أرض مملوكة له ~~- فهذا يجوز له أن يبيع البئر # PageV29P215 # والعين جميعا ويجوز أن يبيع بعضها مشاعا على أصبع وأصبعين - من أربعة ~~وعشرين - كما يباع مع البستان والدار ما له من الماء مثل أصبع وأصابع: من ~~قناة كذا وإن كان أصل تلك القناة في الأرض المياه فكيف إذا كان أصل الماء ~~في ملكه فهذا مما لا أعلم فيه نزاعا. وإن كانت العين تنبع شيئا فشيئا فإنه ~~ليس من شرط المبيع أن يرى جميع المبيع؛ بل يرى ما جرت العادة برؤيته. وأما ~~ما يتجدد: مثل المنافع ونقع البئر فهذا لا يشترط أحد رؤيته لا في بيع ولا ~~إجارة. وإنما تنازع العلماء لو باع الماء بدون القرار هل يصح بيعه لكونه ~~يملك أو لا يصح لكونه لا يملك؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد ~~وأكثر العلماء على جواز بيعه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وهو منصوص للشافعي؛ ~~بل نص على أن الماء مملوك. وتنازعوا فيما إذا باع الأرض ولم يذكر الماء: هل ~~يدخل أم لا؟ وأما بيع البئر والعين بكمالها أو بيع جزء منها: فما علمت فيه ~~تنازعا إذا كانت الأرض مملوكة. وقد {ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى شراء ~~بئر رومة من مالكها اليهودي فاشترى عثمان بن عفان # PageV29P216 # نصفها وحبسه على المسلمين وكان دلوه منها كدلو واحد من المسلمين ثم لما ~~رأى اليهودي ذلك باعه النصف الآخر فاشتراه عثمان وجعل البئر كلها حبسا على ~~المسلمين} . وهذا الحديث مما احتج به الفقهاء على عدة مسائل؛ مثل وقف ~~المشاع وتكلم الفقهاء في مثل ذلك. هل فيه شفعة؟ فأكثر الفقهاء على ms8599 أن فيه ~~الشفعة كأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو أحد القولين في مذهب ~~مالك واختاره ابن سريج من أصحاب الشافعي ولكن المشهور عن الشافعي أنه لا ~~شفعة فيه وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها كثير من أصحابه. والأظهر وجوب ~~الشفعة في ذلك. والمقصود هنا أنهم اتفقوا على جواز بيع ذلك وجواز هبة ذلك ~~أظهر من جواز بيعه. # وسئل: # عن رجلين لهما إقطاع في بلد فاختصما في بيع النبات الذي يطلع من عند ~~الله، فزعم أحدهما: أنه مثل النبات البري لا يجوز بيعه؛ لأنه ما هو ملكه. ~~فقال له الآخر: بل يجوز؛ لأن السلطان أقطعه لي فهو ملكي ويجوز لي أن أبيع ~~كل ما في حصتي وفي قرعتي. هل # PageV29P217 # هما مصيبان؟ أم مخطئان؟ وما مذاهب الأئمة في ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما النبات الذي ينبت بغير فعل الآدمي كالكلأ الذي أنبته الله ~~في ملك الإنسان أو فيما استأجره ونحو ذلك. فهذا لا يجوز بيعه في مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد في المشهور عنه وهو قول بعض أصحاب مالك والشافعي؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار} . ~~ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد ما ينبت في الأرض المباحة فقط؛ ~~لأن الناس يشتركون في كل ما ينبت في الأرض المباحة من جميع الأنواع: من ~~المعادن الجارية؛ كالقير والنفط. والجامدة: كالذهب والفضة والملح وغير ذلك ~~فعلم أنه أراد ما ينبت في أرض الإنسان. وأيضا فقد ثبت في صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ~~يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل ~~فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله يداك ورجل بايع ~~إماما لا يبايعه إلا للدنيا إن أعطاه رضي وإن منعه سخط ورجل حلف على سلعة ~~بعد العصر كاذبا لقد أعطى بها أكثر مما # PageV29P218 # أعطى} . فهذا توعده الله بالعذاب؛ لكونه ms8600 منع فضل ما لم تعمل يداه والكلأ ~~الذي ينبت بغير فعله لم تعمله يداه. والمشهور من مذهب الشافعي جواز بيع ذلك ~~وهو المشهور من مذهب مالك في الأرض التي جرت عادة صاحبها بالانتفاع بها ~~فأما الأرض البور التي لا يحرثها فلأصحابه فيها نزاع جوز ذلك ابن القاسم ~~ومنعه غيره. وأما إذا كان صاحبها قصد ترك زرعها لينبت فيها الكلأ فبيع هذا ~~أسهل من بيع غيره؛ لأن هذا بمنزلة استنباته. # وقال في جواب له أيضا: # وأما قوله ### | : {الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار} . # فهو حديث معروف رواه أهل السنن وقد اتفق المسلمون على أن الكلأ النابت في ~~الأرض المباحة مشترك بين الناس فمن سبق إليه فهو أحق به وأما النابت في ~~الأرض المملوكة فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجا إليه فهو أحق به وإن كان ~~مستغنيا عنه ففيه قولان مشهوران لأهل العلم. وأكثرهم يجوزون أخذه بغير عوض؛ ~~لهذا الحديث ويجوزون رعيه بغير عوض. # PageV29P219 # وكذلك الماء إن كان نابعا في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس وإن كان ~~نابعا في ملك رجل فعليه بذل فضله لمن يحتاج إليه للشرب للآدميين والدواب ~~بلا عوض؛ لهذا الحديث ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ثلاثة ~~لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل ~~على فضل ماء يمنعه ابن السبيل، يقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت ~~فضل ما لم تعمل يداك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ~~رضي وإن منعه منها سخط ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله ~~إلا هو لقد أعطيت بها كذا وكذا} الحديث. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن قوم ينقلون النحل من بلد إلى بلد # فهل يحل لأهل البلد أن يأخذوا منهم أجرة ما جنته النحل عندهم؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا حق على أهل النحل لأهل الأرض التي يجنى منها فإن ذلك لا ~~ينقص من ملكهم شيئا؛ ولكن العسل من الطلول التي هي من ms8601 المباحات وعلى صاحب ~~النحل العشر يصرفه إلى # PageV29P220 # مستحقه عند كثير من العلماء كأبي حنيفة وغيرهم لما روي في ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذه الطلول يجمعها أحق بالبذل من الكلأ؛ فإن ~~هذه الطلول لا يمكن أن يجمعها إلا النحل؛ لكن إذا كانت لصاحب الأرض فنحله ~~أحق بالجناء في أرضه. فإذا كان جنى تلك النحل تضربه فله المنع من ذلك والله ~~أعلم. # وسئل: # عن امرأة لها ملك غائب عنها ولم تره وعلمته بالصفة ثم باعته لمن رآه فهل ~~يصح هذا البيع؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا علمته بالصفة صح بيعها: وكذلك لو رآه وكيلها في البيع صح ~~البيع أيضا وإن لم تره ولا وصف لها. # وسئل: # عن رجل يحتاج لقرض؛ وكان عند شخص فول فتبايعا عليه ولم يره المشتري وكتب ~~الحجة ثم وجده مسوسا؟ . # PageV29P221 # فأجاب: إذا لم ير المبيع ولم يوصف له: فالبيع باطل وعليه رده بمثله أو ~~قيمته. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يريد أن يبيع روحه؟ وله عائلة. هل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما البيع الشرعي: فالحر المسلم لا يمكن بيعه ولكن إذا انضم ~~إلى بعض الملوك أو الأمراء متسميا باسم مملوكه وذلك الملك أو الأمير يجعله ~~من مماليكه الذين يعتقهم لا يتملكه تملك الأرقاء فهذا شبه ملك السيد الأول. ~~وهذا الذي يفعله هؤلاء إنما هو بيع عادي وإطلاق عادي إذ أكثر المماليك ملك ~~لبيت المال وولاؤهم للمسلمين؛ ولكن من غلب أضيفوا إليه كما تضاف إليه ~~الأموال ونحو ذلك ولا بأس على الإنسان أن ينضاف إلى من يعطيه حقه من بيت ~~مال المسلمين كما أضيف إلى غيره وعليهم أن يطيعوا من ولاه الله أمرهم في ~~طاعة الله ولا يطيعوا أحدا في معصية الله فالملك يشبه الملك والله أعلم. # PageV29P222 # وسئل - رحمه الله -: # عن مملوك لشخص مسلم مقيم في بلاد التتر ثم إن المملوك هرب من عند أستاذه ~~من تلك البلاد وجاء إلى بلاد الشام وهو في الرق والآن المملوك يختار البيع. ~~فهل يجوز لأحد أن يبيعه ليحفظ ms8602 ثمنه لأستاذه ويوصل ذلك إليه أم لا؟ # فأجاب: # نعم، يجوز إذا كان في رجوعه إلى تلك البلاد ضرر عليه في دينه أو دنياه؛ ~~فإنه يباع في هذه البلاد بدون إذن أستاذه والله أعلم. # وسئل: # عن شخص من الكفار في بلاد الكفار كان عليه دين باع نفسه لشخص مسلم وقبض ~~الثمن وأوفى به دينه وباع ابنته أيضا ورضوا بالرق وخسر عليهم التاجر المسلم ~~كلفة الطريق والنفقة والكسوة حتى وصلوا إلى بلاد الإسلام. فهل يجوز بيعهم ~~وشراؤهم؟ # PageV29P223 # فأجاب: # إذا دخل المسلم إلى دار الحرب بغير أمان فاشترى منهم أولادهم وخرج بهم ~~إلى دار الإسلام كانوا ملكا له باتفاق الأئمة وله أن يبيعهم للمسلمين ويجوز ~~أن يشتروا منه ويستحق على المشتري جميع الثمن. وكذلك إذا باع الحربي نفسه ~~للمسلم وخرج به فإنه يكون ملكه بطريق الأولى والأحرى؛ بل لو أعطوه أولادهم ~~بغير ثمن وخرج بهم ملكهم فكيف إذا باعوه ذلك. وكذلك لو سرق أنفسهم أو ~~أولادهم أو قهرهم بوجه من الوجوه؛ فإن نفوس الكفار المحاربين وأموالهم ~~مباحة للمسلمين فإذا استولوا عليها بطريق مشروع ملكوها. وإنما تنازع ~~العلماء في إذا كان مستأمنا: فهل له أن يشتري منهم أولادهم؟ على قولين في ~~مذهب أبي حنيفة ومالك. وأحمد في رواية: أنه يجوز الشراء منهم حتى قال أبو ~~حنيفة وأحمد في رواية منصوصة عنه: أنه إذا هادن المسلمون أهل بلد وسباهم من ~~باعهم للمسلمين جاز الشراء منه وخالفه في ذلك مالك والشافعي في الرواية ~~الأخرى. وكذلك لو قهر أهل الحرب بعضهم بعضا أو وهب بعضهم بعضا # PageV29P224 # أو اشترى بعضهم بعضا أو سرقهم وباعهم أو وهبهم للمسلمين تملكوهم كما ~~يملكهم المسلمون إذا ملكوهم بالقهر. # وسئل: # عن رجل اشترى عبدا فأقام في خدمته مدة سنين ثم قصد المولى بيعه فادعى أنه ~~حر وكان حال البيع اعترف بالرق. فهل يجب أخذ ثمنه من الذي باعه؟ وهل يعتق ~~على مولاه؟ . # فأجاب: # إذا ثبت أنه كان حرا فإنه يجب تغريمه للذي باعه وتغريره؛ لكونه أقر له ~~بالرق، وللمشتري أن يطالب بالثمن من ms8603 الذي قبضه منه وله أن يطلبه من هذا ~~الآخذ الذي غره. # وسئل - رحمه الله -: # عن بيع الجوز واللوز والبندق والفستق والفول والحمص ذوات القشور: هل يصح ~~بيعه على مذهب الشافعي؟ وهل يصح على مذهبه البيع والشراء من غير تلفظ ~~بالمعاقدة؟ واللفت والجوز والقلقاس هل يصح بيعه وهو في الأرض مغيب أم لا؟ # PageV29P225 # فأجاب: # الحمد لله، أما مذهب الشافعي المنصوص عنه فإنه لا يجوز هذه البيوع؛ لكن ~~جمهور العلماء على خلاف ذلك وهو الصحيح. أما الأولى فمذهب الثلاثة أنه يصح ~~- مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم - وقد حكى ذلك قولا للشافعي؛ فإنه في ~~مرض موته اشترى الباقلا الأخضر وهو الذي عليه العمل من عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والتابعين في جميع الأعصار والأمصار. وقد {نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع العنب حتى يسود} فدل ذلك على ~~جواز بيع الحب بعد اشتداده وإن كان في سنبله وعلى قول من يمنع بيع الباقلا ~~في قشره لا يجوز ذلك؛ ولهذا عد الطرسوسي وغيره المنع من بيع الباقلا من ~~البدع المحدثة فإنه لا يعرف عن أحد من السلف أنه منع ذلك. وحجة المانع: ~~{نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر} فظنوا أن هذا مجهول؛ وليس ~~الأمر كذلك؛ فإن هذه الأعيان تعرف كما يعرف غيرها من المبيعات التي يستدل ~~برؤية بعضها على جميعها. وكذلك المشهور من مذهب الشافعي أنه لا بد في ~~العقود من الصيغ فلا يصح بيع المعاطاة لكن الجمهور يخالفون هذا. فمذهب مالك ~~أن كل ما عده الناس بيعا فهو بيع فيجوز بيع المعاطاة في القليل # PageV29P226 # والكثير وكذلك ظاهر مذهب أحمد. ومذهب أبي حنيفة تجويز ذلك في المحقرات ~~وهو قول آخر في مذهب أحمد وقول طائفة من أصحاب الشافعي. وأيضا إن العقود ~~يرجع فيها إلى عرف الناس. فما عده الناس بيعا أو إجارة أو هبة: كان بيعا ~~وإجارة وهبة؛ فإن هذه الأسماء ليس لها حد في اللغة والشرع. وكل اسم ليس له ~~حد ms8604 في اللغة والشرع فإنه يرجع في حده إلى العرف. وأما بيع المغيبات في ~~الأرض كالجزر واللفت والقلقاس: فمذهب مالك أنه يجوز؛ وهو قول في مذهب أحمد. ~~ومذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المعروف عنه أنه لا يجوز والأول أصح وهو ~~أنه يجوز بيعها فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره دلهم ~~ذلك على سائرها. وأيضا فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع والشارع لا يحرم ~~ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ~~ذلك كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض ~~المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء ~~قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير ~~بالخرص مقام التقدير بالكيل # PageV29P227 # عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر - وهذه " ~~قاعدة الشريعة " وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم ~~الفسادين بالتزام أدناهما - وبيع ما يكون قشره صونا له كالعنب والرمان ~~والموز والجوز واللوز في قشره الواحد جائز باتفاق الأئمة. # وسئل: # عن رجل اشترى من رجل ستة وعشرين فدان قلقاس بتسعة آلاف درهم وأمضى له ~~البيع في ذلك فقلع المشتري من القلقاس المذكور ثم بعد ذلك جاء رجل آخر زاد ~~عليه ألف درهم فقبل الزيادة وطرد المشتري الأول ثم زاد المشتري الأول على ~~الثاني خمسمائة وتسلم القلقاس وقلع منه مركبا وباعها وأورد له ثمنها ثم بعد ~~ذلك زاد عليه فطرده وكتب القلقاس على الذي زاد عليه: فهل يصح شراء الأول؟ ~~أو الثاني؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا الذي فعله البائع غير جائز بإجماع المسلمين بل يستحق ~~العقوبة البليغة؛ فإن بيع القلقاس ونحوه من المغيبات في الأرض كالجزر ~~واللفت ونحو ذلك. إما أن يكون جائزا على أحد # PageV29P228 # قولي العلماء كمالك وقول في مذهب أحمد وغيرهما. وإما أن لا يكون جائزا ~~على قول أبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد. فإن كان ms8605 جائزا كان البيع ~~الثاني حراما مع الأول وهذا البائع لم يترك البيع الأول لكونه معتقدا ~~تحريمه؛ لكن لأجل بيعه للثاني ومثل هذا حرام بإجماع المسلمين. والصحيح أن ~~بيع القلقاس جائز ولا يحل قبول الزيادة فيكون للمشتري الأول. ومن قال: إنه ~~باطل قال: ليس للبائع إلا ثمن المثل فيما أخذ منه أو الأقل من قيمة المثل. # وسئل: # عمن هاجر من بلد التتر ولم يجد مركوبا فاشترى من التتر ما يركب به: فهل ~~عليه الثمن بعد هجرته إلى دار الإسلام؟ . # فأجاب: # نعم إذا اشترى منهم فعليه أن يعطي الثمن لمن باعه وإن كان تتريا والله ~~أعلم. # PageV29P229 # وسئل: # عن تاجر رسم له بتوقيع سلطاني بالمسامحة بأن لا يؤخذ منه شيء على متجره ~~فتاجر سفرة فباع التوقيع الذي بيده لتاجر آخر؛ لأجل الإطلاق الذي فيه. فهل ~~يصح بيع ما في التوقيع؟ ثم إن المشتري للتوقيع بطل سفره ولم ينتفع فهل ~~يلزمه أداء الثمن؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا البيع ليس مقصوده بيع الورقة؛ فإن قيمتها ~~يسيرة؛ بل لا تقصد بالبيع أصلا؛ وإنما مقصوده أن الوظيفة التي كان يأخذها ~~نواب السلطان تسقط عنه الحقوق ويأخذ هذا البائع بعضها أو عوضها منه؛ لأن ~~البائع كانت تسقط عنه. وهذا يشبه ما يطلق من بيت المال بشرط أن يكون إطلاقا ~~لمن وفد على السلطان أو خرج بريدا أو غير ذلك. وهذا إنما يعطاه إذا عمل ذلك ~~العمل فإذا لم يخرج ولا عوضه لم يعطه. وإذا كان كذلك فإذا كان هذا للعارض ~~لا هو ولا صاحب التوقيع لم يطلق له شيء. وحينئذ فلا يستحق على المشتري شيئا ~~وليس ما # PageV29P230 # ذكر لازما حتى يجب بمجرد العقد؛ بل غايته إن قيل بالجواز كان جائزا ~~والحالة هذه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل باع سلعة مثل ما يبيع الناس ثم بعد طلب منه أكثر من ذلك والسلعة ~~تالفة وهي من ذوات الأمثال. فهل له الرجوع بمثلها مع وجود المثل؟ . # فأجاب: # ليس له مطالبته بزيادة على السعر الواقع وقت القبض وهو ثمن المثل؛ ms8606 لكن ~~يطلب سعر الوقت وهو قيمة المثل؛ وذلك أن في صحة هذا العقد روايتان: ~~إحداهما: يصح كما يصح مثل ذلك في الإجارة إذا دفع الطعام إلى من يطبخ ~~بالأجرة وإذا دخل الحمام أو ركب السفينة. فعلى هذا العقد صحيح والواجب ~~المسمى. والثانية: أن العقد فاسد فيكون مقبوضا بعقد فاسد وقد يقال: إنه ~~يضمن بالمثل إن كان مثليا وإلا بالقيمة كما يضمن المغصوب وهذا قول طائفة من ~~أصحابنا وغيرهم كالشافعية لكن هنا قد تراضوا # PageV29P231 # بالبدل الذي هو القيمة كما تراضوا في مهر المثل على أقل منه أو أكثر. ~~ونظيره أن يصطلحا حيث يجب المثل أو القيمة على شيء مسمى فيجب ذلك المسمى؛ ~~لأن الحق لهما لا يعدوهما. ونظير هذا: قول أصحاب أحمد في المشاركة الفاسدة. ~~يظهر أثره في الحل وعدمه لا في تعيين ما تراضيا عليه كما لا يظهر أثره في ~~الضمان؛ بل ما ضمن بالصحيح ضمن بالفاسد وما لا يضمن بالصحيح لا يضمن ~~بالفاسد فإذا استويا في أصل الضمان. فكذلك في قدره. وهذه نكتة حسنة لمن ~~تدبرها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أخذ سنة الغلاء غلة وقال له: قاطعني فيها قال له: حتى يستقر السعر ~~وصبر أشهرا وحضر فأخذ حظه بمائة وخمسين إردبا فهل له ثمن أو غلة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، الصحيح في هذه المسألة أن له ما تراضيا وهو المائة والخمسون. ~~سواء قيل: إن الواجب كان أولا هو السعر على أحد قولي العلماء وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد أن البيع بالسعر صحيح. أو قيل: إن البيع كان باطلا وأن ~~الواجب رد البدل فإنهما إذا اصطلحا # PageV29P232 # عن البدل بقيمته - وقت الاصطلاح - جاز الصلح ولزم. كما أن الزوجين إذا ~~اصطلحا على قدر مهر المثل أو أقل أو أكثر جاز ذلك سواء كان هناك مسمى صحيح ~~أو لم يكن. ولا يقال: القابض كان يظن أن الواجب عليه القيمة فالواجب إنما ~~هو رد المثل. لا يقال هذا فيه نزاع. وأكثر العلماء يقولون: إذا قبضت العين ~~وتصرف فيها لم يكن الواجب رد ms8607 الثمن إما بناء على صحة العقد وإما بناء على ~~أن المقبوض بالعقد الفاسد يملك بقول أبي حنيفة ويملك إذا مات بقول مالك ~~وإذا كان فيه نزاع فإذا اصطلحا على ذلك كان الصلح في موارد نزاع العلماء ~~وهو صلح لازم. # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز بيع المشاع؟ . # فأجاب: # يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل قوله الذي في صحيح مسلم: {أيما رجل كان له شرك في أرض أو ~~ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ~~فإن باع # PageV29P233 # قبل أن يؤذنه فهو أحق به بالثمن} . وكذلك يضمن بالإتلاف وما هو في معنى ~~الإتلاف كالسراية في العتق كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم ~~عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط؛ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد} . وإذا ~~باع الشقص المشاع وقبضه أو لم يقبضه فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك ~~باق في النصف الآخر وإن لم يتصرف بأنواع التصرفات الجائزة في المال المشترك ~~فللمشتركين أن يتهايآ فيه بالمكان أو بالزمان. فيسكن هذا بعضه وهذا بعضه ~~وبالزمان يبدأ هذا شهرا ويبدأ هذا شهرا ولهما أن يؤجراه ولأحدهما أن يؤجره ~~من الآخر ومن امتنع منهما من المؤاجرة أجبر عليها عند جمهور العلماء إلا ~~الشافعي وفي الإجبار على المهايأة أقوال ثلاثة معروفة. # PageV29P234 # وسئل: # عن رجل له شريك في خيل وباع الشريك الخيل لمن لا يقدر رفيقه على تخليصها ~~بغير إذن الشريك. فهل يلزمه القبض؟ # فأجاب: # إذا باع نصيبه. وسلم الجميع إلى المشتري. وتعذر على الشريك الانتفاع ~~بنصيبه كان ضامنا لنصيب الشريك فإما أن يمكنه من نصيبه وإما أن يضمنه لا ~~بقيمته. # وسئل: # عن شركة في ملك بشهادة شهود بينهم ثم إن بعض الشركة باع الملك جميعه ~~بشهادة أحد الشهود بالشركة. فهل يصح البيع في ملكه ويبطل ms8608 في الباقي؟ أو ~~يبطل الجميع؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما بيع نصيب الغير فلا يصح إلا بولاية أو وكالة وإذا لم يجزه ~~المستحق بطل باتفاق الأئمة؛ لكن يصح البيع في نصيبه خاصة في أحد قولي ~~العلماء بقسطه من الثمن وللمشتري # PageV29P235 # الخيار في فسخ البيع أو إجازته. وإن كان المكان مما يقسم بلا ضرر فله ~~إلزام الشريك بالقسمة. وإن كان مما لا يقسم إلا بضرر فله المطالبة ببيع ~~الجميع ليقتسما الثمن. وإذا كان الشاهد يعلم أن البائع ظالم وشهد على بيعه ~~معونة على ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان والمعاونة بالشهادة على العقود ~~المحرمة لا تجوز. بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله ~~آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه} وقال: {إني لا أشهد على جور} فمن فعل ذلك ~~مصرا عليه قدح في عدالته. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز بيع الكرم لمن يعصره خمرا إذا اضطر صاحبه إلى ذلك؟ # فأجاب: # لا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمرا؛ بل قد لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من يعصر العنب لمن يتخذه خمرا فكيف بالبائع له الذي هو أعظم معاونة. ~~ولا ضرورة إلى ذلك فإنه إذا لم يمكن بيعه رطبا ولا تزبيبه فإنه يتخذه خلا ~~أو دبسا ونحو ذلك. # PageV29P236 # وسئل - رحمه الله -: # عن شراء الجفان؛ لعصير الزيت أو للوقيد أو لهما؟ # فأجاب: # بيع الزيت جائز وإن لم يعلم مقدار زيته كما يجوز بيع حب القطن والزيتون ~~ونحوهما من المنعصرات والمبيعات مجازفة وسواء اشتراه للعصير أو للوقيد؛ لكن ~~لا يجوز للعاصر أن يغش صاحبه. وإذا كان قد اشترط أن تكون الجفنة أجرة لرب ~~المعصرة بحيث قد واطأ عليه العاصر على أن يبقي فيها زيتا له كان هذا غشا ~~حراما وحرم شراؤه للزيت. # وسئل: # عن رجل له دكان مستأجرة بخمسة وعشرين كل شهر وله فيها عدة وقماش فجاء ~~إنسان فقال: أنا أستأجر هذه الدكان بخمسة وأربعين وأقعد بالعدة والقماش ~~أبيع فيه وأشتري. فهل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: # هذا ms8609 قد جمع بين بيع وإجارة معا وذلك جائز في أظهر قولي العلماء. والله ~~أعلم. # PageV29P237 # وسئل - رحمه الله -: # عمن ضمن من ولاة الأمور أن لا يباع صنف من الأصناف إلا من عنده وذلك ~~الصنف لا يوجد إلا عنده في تلك البقعة ويوجد في الأماكن القريبة من نواحي ~~تلك البقعة؛ بحيث تكون المسافة ما بين مصر والقاهرة. فهل يجوز الابتياع من ~~هذا المحتكر أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما هو نفسه فلا يحل له أن يفعل من وجهين: من جهة أنه يمنع ~~غيره من البيع الحلال. ومن جهة أنه يضطر الناس إلى الشراء منه حتى يشتروا ~~ما يريد فيظلمهم بزيادة الثمن. وأما ما يشتري منه فإن كان قد اشتراه بمال ~~له حلال لم يحرم شراؤه منه؛ لأن المشتري هو المظلوم ومن اشترى لم يأثم ولا ~~يحرم ما أخذه لظلم البائع له؛ فإن مثل هذا إنما يحرم على الظالم لا على ~~المظلوم. وأما إن كان اشترى ما اشتراه بما ظلمه من الأموال كان ذلك مغصوبا ~~محضا كالشراء من الغاصب فحكم هذا ظاهر. # PageV29P238 # وأما إن كان أصل ماله حلالا ولكن ربح فيه بهذه المعيشة حتى زاد فهذا قد ~~صار شبهة بقدر ما خالطه من أموال الناس فلا يقال: هو حرام. ولا يقال: حلال ~~محض؛ لكن إن كان الغالب عليه الحلال جاز الشراء منه وتركه ورع. وأما إن كان ~~الغالب الحرام: فهل الشراء منه حلال أو حرام؟ على وجهين. ولا ريب أن الربح ~~الذي يحصل له بعضه يستحقه وهو ما يستحقه مثله؛ فإن ماله الذي قبض منه لو ~~قبض بعقد فاسد لوجب له مثله أو قيمة مثله والمشترون يأخذون سلعته فله عليهم ~~مثلها أو قيمة مثلها. ثم إن أهل الضمان يأخذون منه بعض ما ظلمه؛ فإن ~~الحانوت يكون شراؤه عشرين فيلزمونه بخمسين؛ لأجل الضمان فتلك الثلاثون حرام ~~عليهم وهي قد أخذت منه. وأما ما يبقى له من الزيادة المحرمة فهاتيك التي ما ~~له ومع الحاجة وتعدل غيره بكون الرخصة أقوى. والله أعلم. # PageV29P239 # وسئل: # عن الأعيان ms8610 المضمنة من الحوانيت. كالشيرج وغيره من الأطعمة وغيرها وهي أن ~~إنسانا يضمن بيع شيء من الأشياء وحده بشرط أن لا يبيع غيره شيئا من ذلك. ~~فيقول: عندي كذا وكذا كل شهر لمالك حانوت أو خان أو موضع آخر على أن أشتري ~~وأبيع فيه شيئا لا يبيعه غيري أو أعمل كذا وكذا - يعني شيئا يذكره - على أن ~~غيري لا يعمل مثله. فهل يجوز الشراء من هذا الإنسان من هذه الأعيان التي ~~يبيعها مع التمكن من مشتري غيرها من جنسها أم لا؟ وهل يجوز استعمال شيء ~~منها بالأعيان باعتبار مشقة عند تحصيل غير ذلك الشيء أم لا؟ سواء كانت ~~الضرورة داعية إلى ذلك الاستعمال أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما مع الغنى عن الاشتراء منه فينبغي أن لا يشتري منه؛ فإنه ~~ظالم بمنع غيره ولو لم يكن في ماله شبهة فمجانبته وهجره أولى بحسب الإمكان. ~~[وأما الشراء منه - لا سيما مع الحاجة - فلا يحكم بتحريمه] (*) . ولا ~~PageV29P240 # يحكم بتحريمه إذا اشترى مع إمكان الشراء من غيره؛ ولكن مع الحاجة لا يكره ~~الشراء منه فإن هذا له مال يشتري به ويبيع؛ لكن إذا منع غيره واحتاج الناس ~~إلى الشراء منه باعهم بأغلى من السعر فظلمهم. وغايته أن يكون بمنزلة ما ~~يضعه الظلمة على الناس من البضائع بأكثر من قيمته فيشترونه مكرهين فإن هذا ~~لا يحرم على المشتري ما اشتراه؛ ولكن يحرم على البائع ما أخذه بغير حق؛ لكن ~~قد يقال إن هذا قد اختلط بماله من تلك الزيادات المحرمة فصار في ماله شبهة. ~~فيقال أولا: من غلب على ماله الحلال جازت معاملته كما ذكره أصحاب الشافعي ~~وأحمد. وإن غلب الحرام: فهل معاملته محرمة أو مكروهة؟ على وجهين. ثم يقال: ~~تلك الزيادات ليس لها مستحق معين يعرف والواجب عند جمهور العلماء فيما لا ~~يعرف مالكه أن يصرف في مصالح المسلمين وهذا إنما منعناه من الزيادة؛ لئلا ~~يظلم الناس فلو جعلنا ما يشتريه الناس منه حراما لكنا قد زدنا الضرر على ~~الناس إذا احتاجوا أن يشتروا ms8611 منه بأكثر من القيمة والذي اشتروه حرام وهم لا ~~يطيقون الشراء من غيره وهذا لا يجوز أن يقال؛ بل يجوز الشراء من مثل هذا ~~والمشتري منه لم يظلم أحدا فإن ما اشتراه قد أعطاه عوضه وزيادة والمستحق ~~للعوض هو المستحق لما معه من المال فإذا كان المستحق # PageV29P241 # لذلك جماعة من المسلمين أو معينا منهم فهو نفسه قد ظلم أولئك جميعهم بما ~~أخذه منهم بغير حق. وأما المشتري منه الذي أعطاه العوض وزيادة فلم يظلم ~~أحدا. وهذا بين إذا كان ماله مختلطا بعضه ببعض لا يتميز منه ما أخذه حراما؛ ~~فإن حق المظلومين ثبت في ذمته وهذه الأعيان التي في يده لا يستحقها بعينها ~~المظلومون فمعاوضته عليها جائزة وعليه أن يعطي المظلوم ما أخذه بغير حق. ~~وبهذا أفتى في مثل هذا من شاء الله من العلماء وهذا كسائر من عليه دين ~~للناس وهو ظالم بمطله للغرماء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مطل ~~الغني ظلم} . ثم مع هذا إذا عاوض على ما في يده بمعاوضة المثل وزيادة جاز ~~باتفاق العلماء ولم يكره الشراء منه ولكنه لو تبرع تبرعا يتعذر معه أداء ~~الدين الواجب ففي نفوذ تبرعه قبل الحجر عليه قولان للعلماء؛ لكن يقال هذا ~~الظالم لما أخذ الزيادة واشترى بها فقد تعلق حق المظلوم بما اشتراه بماله؛ ~~بخلاف الدين الذي حصل برضا الغريم؛ فإن صاحبه لا حق له في غير مال المدين. ~~فيقال: هذا ينبني على أصول: أحدها: إن الدراهم التي أخذها زيادة بغير حق هل ~~يتعين حق صاحبها فيها أو للغاصب أن يعطيه من حيث شاء. # PageV29P242 # وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض حتى في ~~الغصب والوديعة؟ ؟ فقيل: تتعين مطلقا كقول الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين. وقيل: لا تتعين مطلقا كقول ابن قاسم. وقيل: تتعين في الغصب ~~والوديعة؛ دون العقد كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى فإذا خلط ~~المغصوب بمثله على وجه لا يتميز كما تخلط الأدهان والألبان والحبوب وغيرها ~~فهل يكون الخلط كالإتلاف حيث ms8612 يبقى حق المظلوم في الذمة فيعطيه الظالم من ~~حيث شاء؟ أو حقه باق في العين فله أن يأخذ من عين الخلط بالقسمة؟ فيه وجهان ~~في مذهب الشافعي وأحمد. ومعلوم أن تلك الدراهم الزائدة ليست متعينة سواء ~~اشترى منه دراهم في الذمة أو منفعة؛ فإن المظلوم أخذ منه القدر الزائد على ~~عوض المثل وليس هو متعينا ولو كان متعينا ثم خلطه بما لا يتميز منه سقط حقه ~~من التعيين في أحد القولين فكيف إذا لم يكن متعينا في الأصل؟ فعلى قول كثير ~~من العلماء ليس حقه إلا في ذمة الظالم. وهذا نظير قول من يقول: إن المضارب ~~والمودع إذا مات ولم يعين الوديعة والمضاربة صارت دينا في ذمته ولم يجعلوا ~~لصاحب المال حقا في عين التركة؛ فإن تفريط المودع حين لم يميز الوديعة من ~~غيرها موجب لضمانه؛ لكن هؤلاء أسقطوا حق المالك من عين مال الميت فلم # PageV29P243 # يقدموه بعين ماله على الغرماء؛ بل جعلوه غريما من الغرماء وإن كان عين ~~ماله مختلطا. والظلم يكون بترك الواجب وفعل المحرم. فترك المودع ما يجب ~~عليه من التمييز ظلم منه. وهذا القول - وهو سقوط حق المالك من العين - وإن ~~كنا لا ننصره لكن المقصود بيان مأخذ هذه المسألة على أصول العلماء؛ ولهذا ~~لما فرع هذه المسألة من فرعها من المالكية بنوا الأمر على أن حق المظلوم ~~تعلق بالذمة دون العين. # والأصل الثاني: أن الظالم في العادة إنما يشتري في الذمة ثم ينفذ عين ~~المال وفي صحة مثل هذا قولان معروفان للعلماء. # الأصل الثالث: أن نسلم أن ### | حق المظلوم يتعلق بعين مال الظالم # وإن فاتت العين لكون هذا بدل ماله. وهذا القول الذي نزعه وهو أن يخير ~~المظلوم بين المطالبة بشطر حقه وبين أن يكون حقه متعلقا بعين المال ويكون ~~ما يزيد من المال من نماء وربح وغيره له المطالبة به؛ لكن يقال على هذا: ~~المظلوم ليس له إلا قدر حقه وأما الزيادة الثانية التي حصلت بتصرف الظالم ~~فهي مبنية على وقف العقود. فمن قال: ms8613 إن العقود لا توقف يقول: ما قبضه ~~البائع الظالم من المشتري لم يملكه؛ لأنه قبضه بعقد فاسد والثمن الذي أداه ~~وقد غصبه هو # PageV29P244 # في ذمته فيكون عليه دون الناس الذين ظلمهم وما في يده لا يملكه؛ بل هو ~~لأناس مجهولين لا يعرفهم. ولا يتصرف في مالهم إلا بإذنهم. وعلى هذا ففيه ~~قولان: قيل: إن ولي الأمر كالحاكم وغيره ممن له ولاية التصرف على الغائبين ~~يقضي الديون التي وجبت عليهم للبائع بالأموال التي في يده لهم. وقيل: إن ~~البائع له أن يستوفي دينه الذي عليهم مما لهم في يده من المال ولا يحتاج ~~إلى استئذان حاكم وهذا أصح؛ فإن المعلوم لصاحبه أن يستوفيه من مال من هو ~~عليه ولا يحتاج إلى إذن الحاكم كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للضيف ~~المظلوم أن يأخذ حقه من زرع المضيف بغير إذنه وكما أمر المرأة أن تأخذ ما ~~يكفيها وولدها بالمعروف بلا إذن الزوج؛ لكن إذا كان الحق مجحودا. فقد قال: ~~{أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك} فكيف إذا كان الإنسان قد باع ~~غيره سلعة بيعا فاسدا وقبض منه الثمن فله أن يستوفي منه من هذه السلعة ~~بطريق الأولى والأحرى. وأما على قول جمهور العلماء القائلين بوقف العقود ~~حتى توفي التبرعات عند الحاجة فيقولون من بيده مال غصب أو وديعة أو عارية ~~وهو لا يعلم عين مالكه يتصدق به عنه وهذا قول مالك وأبي # PageV29P245 # حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم؛ ولكن لصاحبه إذا ظهر أن لا ينفذ ذلك. وأما ~~المعاوضة على ذلك فليس لصاحبه إذا عرف أن يردها؛ بل تثبت الولاية على ~~المعاوضة شرعا للحاجة كما لو مات رجل في موضع ليس فيه وصي ولا وارث ولا ~~حاكم فإن رفقته في السفر تثبت لهم الولاية على ماله فيحفظونه ويبيعون ما ~~يرون بيعه مصلحة وينفذ هذا البيع ولهم أن يقبضوا ما باعوه ولا يقف ذلك على ~~إجازة الورثة وليس هذا من التصرف الفضولي؛ بل هو يعرف بولاية شرعية للحاجة ~~كما ثبت لهم ms8614 ولاية غسله وتكفينه من ماله ودفنه وغير ذلك؛ فإن المؤمنين ~~بعضهم أولياء بعض. وإذا عرف هذا فالبائع الذي باع ما اشتراه بتلك الزيادة ~~وقبض الثمن من المشتري إذا قيل: البيع فاسد لا يقف على الإجازة ولا على ~~المشتري رد ما قبض منه وعليه رد ما قبض من الثمن فإذا تعذر رد المشتري ما ~~قبض كان له أن يأخذ نظير ذلك. وقد يكون أكثر من الثمن وأقل والغالب أنه ~~مثله. وكذلك ما اشتراه: تلك الزيادة عليه ردها إلى صاحبه وعلى صاحبه رد ~~الزيادة إلى صاحبها فقابض الزيادة الظلمية إذا لم يردها كان للمظلوم # PageV29P246 # الأول أن يأخذ من ماله الذي صار بيد البائع نظير ذلك وقابضها الذي باع ~~بها ماله إذا لم يرد ماله كان له أن يأخذ بقدره من تلك الزيادة. وهذا ~~احتمال كل من تبايعا بيعا فاسدا وتقابضاه إذا قيل: أن المقبوض بالعقد ~~الفاسد لا يملك فكل منهما له عند الآخر ما قبضه الآخر منه وللآخر عنده ما ~~قبضه منه. فإذا تعذر الرد كان له أن يأخذ قدر حقه سواء كان من جنس الحق أو ~~من غير جنسه. وعلى هذا فما صار بيد هذا الضامن الظالم من الزيادات الظلمية ~~من أموال المشترين المختلطة التي لا تتميز: إذا اشترى بها شيئا وأقبض ~~المشترين ملك الزيادة وقبض ما اشتراه كان ما حصل بيده من أموالهم بإزاء ما ~~قبضوه من الزيادة إلى مستحقها فلا يكون الشراء منه بثمن المثل حراما فكيف ~~من اشترى منه بزيادة؛ بخلاف ما يؤخذ منه تبرعا فهذا فيه كلام آخر ليس هذا ~~موضعه. فإن ابن مسعود سئل عن رجل يعامل بالربا إذا أضاف غيره. فقال ابن ~~مسعود: كل فإن مهناه لك وحسابه عليه. وهذا للعلماء فيه كلام وليس هذا ~~موضعه. وينبني على هذا أصول متعددة. منها المقبوض بالعقد الفاسد هل يملك أو ~~لا يملك؟ . ومنها إذا تصرف في العين تصرفا يمنع ردها بعينها فهل ينتقل الحق ~~إلى ذمته؟ أو هو باق في ماله الذي اختلط به العين والذي عاوض ms8615 # PageV29P247 # به عن العين؟ وغير ذلك من المسائل. وأما إذا قلنا بوقف العقود - لا سيما ~~مع تعذر الاستئذان كما هو مذهب الثلاثة - فالأمر في ذلك أظهر. فإن العادة ~~الغالبة أن الناس يرضون ببيع مثل هذه الأموال التي أعدوها للبيع بالزيادة؛ ~~بخلاف ما أعدوه للقنية. وأيضا فالمظلوم وإن كان له في هذا المال حق قليل ~~بسبب الزيادة التي ظلمها فبعضه لصاحب الحانوت الظالم ولا يتميز هذا عن هذا ~~ومثل هذا إذا طلب أحد الشريكين بيعه أجبر الممتنع على البيع لأجل شريكه فمن ~~كان بينهما مال لا يقبل القسمة - كحيوان - إذا طلب أحد الشريكين بيعها ~~وقسمة الثمن أجبر الآخر على ذلك عند جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأبي ~~حنيفة وأحمد؛ وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع؛ لأن حق الشريك في نصف قيمة ~~الجميع لا في قيمة النصف. بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: {من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم ~~عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط. فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد: وإلا ~~فقد عتق منه ما عتق} فجعل حق الشريك في نصف قيمة الجميع وأمر بتقويم جميع ~~العبد لا بتقويم حصة الشريك فقط. # PageV29P248 # فإذا كان كذلك فمعلوم أن الزيادة الظلمية لا تتميز عن المزيد ولا يمكن ~~القسمة بينهما إلا بقسمة العين أو قسمة بدلها والعين قد تعذر ردها فتعين ~~قيمة بدلها. فدل على أنه يجوز أن يعاوض صاحب الحانوت على ما في يده من ~~الأموال وعليه أن يعطي الشركاء المظلومين حقوقهم. وأنه إما أن يقال: أن حق ~~المظلومين في ذمته فقط أو أنها متعلقة بالأعيان مع جواز المعاوضة لتوفية ~~حقوقهم؛ إذ لا سبيل إلى توفية حقوقهم بالعدل إلا مع ذلك وعلى هذا فالمشترون ~~تسلموا ما اشتروه شراء حلالا جائزا. وعلى هذا أدلة أخرى تبين أن الناس ~~المشترين لم يظلموا أحدا إذا اشتروا وإن شراءهم جائز وأن منع الناس من ~~الشراء من هؤلاء ظلم مضاعف لم يأمر الله به ولا ms8616 رسوله. وعلى هذا فمع الحاجة ~~إلى الشراء منه لا يكره الشراء منه فضلا عن أن يحرم. وأما إذا قدر أن الذي ~~باعه عين المعقود فهذا ينبني على وقف العقود وعلى التصرف في مال المالك ~~المجهول بغير إذنه للمصلحة وأكثر العلماء على القول بوقفها؛ لا سيما عند ~~الحاجة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وكذلك أحمد عند الحاجة: مثل أن يتعذر ~~استئذان المالك لعدم العلم به وفي ذلك بدون الحاجة روايتان. واختار الخرقي ~~القول بوقفها كمذهب مالك وأبي حنيفة وهو قول الشافعي فيكون # PageV29P249 # تصرفه في مال الغير موقوفا على إجازته إذا أمكن استئذانه. وأما المجهول ~~الذي لا يعرف فلا يفتقر ذلك إلى استئذانه؛ بل ينفذ التصرف له بالمصلحة. ولو ~~عرف بعد ذلك لم يكن له رد المعاوضات وإنما له رد التبرعات كصاحب اللقطة. ~~وقد عرف من حيث العادة أن أرباب مثل هذه الأموال المسئول عنها ليس لهم غرض ~~في شيء بعينه. ولا يكره أحدهم أن تباع سلعته بزيادة فإنهم يختارون بيع ~~المشتري؛ ولكن البائع هو الذي ظلمهم وهو هنا لما لم يعرف المالك جاز التصرف ~~بالعقد والقبض؛ بخلاف ما إذا عرف المالك فإنه لا بد من استئذانه في القبض ~~باتفاق العلماء. وهذا كاللقطة التي لا يعرف مالكها. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {فهو مال الله يؤتيه من يشاء} فإذا تصدق بها الملتقط كان ذلك ~~موقوفا على إجازة المالك إذا عرف عند جمهور العلماء وقبل أن يعرف يكون ~~التصدق نافذا غير موقوف؛ ولكن الملتقط البائع ليس بظالم وهنا البائع ظالم؛ ~~لكن المشتري ليس بظالم والمال لا يمكن إتلافه وهو بيد البائع الظالم فأخذ ~~الشراء له بالزيادة حرام للمالك المجهول فالشارع ينفذ الملك لمصلحة المشتري ~~والمالك المجهول المظلوم؛ إن كان البائع ظالما. كما لو قدر أن ناظر الوقف ~~ووصي اليتيم والمضارب والشريك # PageV29P250 # خانوا ثم تصرفوا مع ذلك فلا بد من تصحيح تصرفهم في حق المشتري منهم وحق ~~رب المال وإلا فلو أبطل ذلك فسد عامة أموال الناس التي يتصرف فيها بحكم ~~الولاية والوكالة؛ ms8617 لغلبة الخيانة على الأولياء والوكلاء؛ لا سيما ويدخل في ~~ذلك من تصرفات ولاة الأمور ما لا يمكن إبطاله - والشريعة جاءت بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها - فلا يجوز لأحد رعاية حق مجهول ~~في عين حصل عنها بدل خير له. منها أن يحرم عليه وعلى المشترين أموالهم فإن ~~هذا بمنزلة من يهدم مصرا ويبني قصرا. وبسط هذه المسألة وتوابعها له مكان ~~آخر قد ذكر في ذلك من الشواهد وكلام العلماء والصحابة والتابعين ما لا يتسع ~~له هذا الموضع. # PageV29P251 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل هذه الأشياء المطعومات التي يؤخذ عليها المكس وهي مضمنة أو محتكرة هل ~~يحرم على من يشتري منها شيئا ويأكل منها؟ وإن عامل رجل لإنسان كل ماله حرام ~~مثل ضامن المكس أو من ليس له مال سوى المكس فهل يفسق بذلك. # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا كان الرجل يبيع سلعته من طعام أو غيره وعليهما وظيفة ~~تؤخذ من البائع أو المشتري. فهذا لا يحرم السلعة ولا الشراء؛ لا على بائعها ~~ولا على مشتريها ولا شبهة في ذلك أصلا. وكذلك إذا كان المأخوذ بعض السلعة ~~مثل أن يأخذوا من الشاة المذبوحة سواقطها أو من الحبوب والثمار بعضها ومن ~~ظن في ذلك شبهة فهو مخطئ فإن هذا المال المأخوذ ظلما سواء أخذ من البائع أو ~~من المشتري لا يوجب وقوع الشبهة فيما بقي من المال وكما لو ظلم الرجل وأخذ ~~بعض ماله فإن ذلك لا يوجب وقوع الشبهة فيما بقي من ماله. وهذه الوظائف ~~الموضوعة بغير أصل شرعي: منها ما يكون موضوعا # PageV29P252 # على البائع مثل سوق الدواب ونحوه. فإذا باع سلعته بمال فأخذ منه بعض ذلك ~~الثمن كان ذلك ظلما له وباقي ماله حلال له والمشتري اشترى بماله وربما يزاد ~~عليه في الثمن لأجل الوظيفة فيكون منه زيادة. فبأي وجه يكون فيما اشتراه ~~شبهة؟ وإن كانت الوظيفة تؤخذ من المشتري فيكون قد أدى الثمن للبائع ~~والزيادة لأجل تلك الكلفة السلطانية ولا شبهة في ذلك؛ لا على البائع ولا ~~على المشتري؛ لأن ms8618 المنافع لم تؤخذ إلا بما يستحقه والمشتري قد أدى الواجب ~~وزيادة. وإذا قيل: هذا في الحقيقة ظلم للبائع؛ لأنه هو المستحق جميع الثمن. ~~قيل: هب أن الأمر كذلك؛ ولكن المشتري لم يظلمه وإنما ظلمه من أخذ ماله كما ~~لو قبض البائع جميع الثمن ثم أخذت منه الكلفة السلطانية. وفي الحقيقة ~~فالكلفة تقع عليهما؛ لأن البائع إذا علم أن عليه كلفة زاد في الثمن ~~والمشتري إذا علم أن عليه كلفة نقص من الثمن فكلاهما مظلوم بأخذ الكلفة وكل ~~منهما لم يظلم أحدا فلا يكون في مالهما شبهة من هذا الوجه فما يبيعه ~~المسلمون إذا كان ملكا لهم لم يكن في ذلك شبهة بما يؤخذ منهم في الوظائف. ~~وأما إذا ضمن الرجل نوعا من السلع على أن لا يبيعها إلا هو # PageV29P253 # فهذا ظالم من وجهين: من جهة أنه منع غيره من بيعها وهذا لا يجوز. ومن جهة ~~أنه يبيعها للناس بما يختار من الثمن فيغليها وهؤلاء نوعان. منهم من يستأجر ~~حانوتا بأكثر من قيمتها إما لمقطع وإما لغيره على أن لا يبيع في المكان إلا ~~هو أو يجعل عليه مالا يعطيه لمقطع أو غيره بلا استئجار حانوت ولا غير ذلك ~~وكلاهما ظالم فإن الزيادة التي يزيدها في الحانوت لأجل منع الثاني من البيع ~~هو بمنزلة الضامن المنفرد. والنوع الثاني: أن لا يكون عليهم ضمان؛ لكن ~~يلتزمون بالبيع للناس كالطحانين والخبازين ونحوهم ممن ليس لهم وظيفة؛ لكن ~~عليه أن يبيع كل يوم شيئا مقدرا ويمنعون من سواهم من البيع؛ ولهذا جاز ~~التسعير على هؤلاء وإن لم يجز التسعير في الإطلاق. فإن هؤلاء قد أوجبت ~~عليهم المبايعة لهذا الصنف ومنع من ذلك غيرهم فلو مكنوا أن يبيعوا بما ~~أرادوا كان ظلما للمساكين؛ بخلاف ما إذا كان الناس كلهم متمكنين من ذلك ~~فإنه يكون كما في السنن عن أنس قال: {غلا السعر على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سعر لنا فقال: إن الله هو المسعر القابض ~~الباسط الرازق وإني لأرجو ms8619 أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في مال} . # PageV29P254 # وأما في الصورة: فإذا كانوا قد ألزموا بالمبايعة لم يجز أن يلزموا بأن ~~يبيعوا بدون ثمن المثل؛ لأن ذلك ظلم لهم وإذا كان غيرهم قد منع من المبايعة ~~لم يجز أن يمكنوا أن يبيعوا بما اختاروا؛ فإن ذلك ظلم للناس. يبقى أن يقال: ~~فهل يجوز التزامهم بمثل ذلك على هذا الوجه على أن يكونوا هم البائعين لهذا ~~الصنف دون غيرهم وأن لا يبيعوه إلا بقيمة المثل من غير مكس يوضع عليهم؟ فهل ~~يجوز للإمام أن يفعل بهم ذلك أم يجب عليه أن لا يترك أحدا يفعل ذلك؟ . قيل: ~~أما إذا اختاروا أن يقوموا بما يحتاج الناس إليه من تلك المبيعات وأن لا ~~يبيعوها إلا بقيمة المثل على أن يمنع غيرهم من البيع ومن اختار أن يدخل ~~معهم في ذلك مكن فهذا لا يتبين تحريمه بل قد يكون في هذا مصلحة عامة للناس ~~وهذا يشبه ما نقل عن عمر في التسعير وأنه قال: إن كنت تبيع بسعر أهل ~~الأسواق وإلا فلا تبع. فإن مصلحة الناس العامة في ذلك أن يباعوا بما ~~يحتاجون إليه وأن لا يباعوا إلا بقيمة المثل وهذان مصلحتان جليلتان. ~~والباعة إذا اختاروا ذلك لم يكونوا قد أكرهوا عليه فلا ظلم عليهم وغيرهم من ~~الناس لم يمنع من البيع إلا إذا دخل في هذه # PageV29P255 # المصلحة العامة بأن يشاركهم فيما يقومون به بقيمة المثل فيكون الغير قد ~~منع أن يبيع سلعة بأكثر من ثمن المثل وأن لا يبيعها إلا إذا التزم أن يبيع ~~لواحد منهم. وقد يكون عاجزا عن ذلك. وقد يقال: هذان نوعان من الظلم: إلزام ~~الشخص أن يبيع وأن يكون بيعه بثمن المثل وفي هذا فساد. وحينئذ فإن كان أمر ~~الناس صالحا بدون هذا لم يجز احتمال هذا الفساد بلا مصلحة راجحة وأما إن ~~كان بدون هذا لا يحصل للناس ما يكفيهم من الطعام ونحوه أو لا يلقون ذلك إلا ~~بأثمان مرتفعة وبذلك يحصل ما يكفيهم بثمن المثل. فهذه ms8620 المصلحة العامة يغتفر ~~في جانبها ما ذكر من المنع. # وأما إذا ألزم الناس بذلك فهذا فيه تفصيل؛ فإن الناس إذا اضطروا إلى ما ~~عند الإنسان من السلعة والمنفعة وجب عليه أن يبذل لهم بقيمة المثل ومنعه أن ~~لا يبيع سلعة حتى يبيع مقدارا معينا. وتفصيل هذه المسائل ليس هذا موضعه. ~~إذا تبين ذلك: فالذي يضمن كلفة من المكلف على أن لا يبيع السلعة إلا هو ~~ويبيعها بما يختار لا ريب أنه من جنس ظلم الكلف السلطانية من الوجهين ~~اللذين تقدما؛ ولهذا كره من كره معاملة هذا لأجل الشبهة التي في ماله. فإنه ~~إذا كان لا يبيع إلا هو بما يختار صار كأنه يكره الناس على الشراء منه بما ~~يختاره فيأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم # PageV29P256 # وتلك الشبهة قد اختلطت بماله فيصير في ماله شبهة من هذا الوجه؛ فلهذا كره ~~من كره معاملتهم. وهذا سبيل أهل الورع الذين لا يأكلون من الشواء المضمن ~~ونحو ذلك: فإنهم إنما تورعوا عما كان بهذه المثابة وهو أن يكون بحيث لا ~~يشوي إلا هو ولا يبيع الشواء إلا هو بما يختاره ولا يبيع الملح إلا هو بما ~~يختاره والملح ليست كغيرها فإن الملح في الأصل هو من المباحات التي يشترك ~~فيها المسلمون كالسمك وغيره من المباحات إذا لم يمكن من أخذها إلا واحد ~~بضمان عليه والذي يشتريها منه بماله لا يحرم؛ لأن هذا المشتري لم يظلم فيه ~~أحدا؛ بل لو أخذها من الأصل كان له ذلك ولو استأجر هذا أو غيره ليأخذها له ~~من موضعها المشترك كان ذلك جائزا ولو كانت مشتركة بين المسلمين لكانت تكون ~~أرخص وكان المشتري يأخذها بدون ما أعطاه الضامن فهذا الضامن يظلم المشتري ~~وغيره. وأما المشترون منه فهم لا يظلمون أحدا ولم يشتروا منه شيئا ملكه ~~بماله فإنما حرم عليه من الظلم من ترك ملكه لا يفوته ولم يظلم فيه أحدا؛ ~~لأنها في الأصل مباحة والمسلمون الذين يشترونها هم المظلومون فإنه لولا ~~الظلم لتمكنوا من أخذها بدون الثمن فإذا ظلموا ms8621 وأخذ منهم أكثر مما عليهم لم ~~يكن ذلك محرما عليهم لما كان # PageV29P257 # مباحا لهم. إذ الظلم إنما يوجب التحريم على الظالم لا على المظلوم. ألا ~~ترى أن المدلس والغاش ونحوهما إذا باعوا غيرهم شيئا مدلسا لم يكن ما يشتريه ~~المشتري حراما عليه؛ لأنه أخذ منه أكثر مما يجب عليه وإن كانت الزيادة التي ~~أخذها الغاش حراما عليه. # وأمثال هذا كثير في الشريعة؛ فإن التحريم في حق الآدميين إذا كان من أحد ~~الجانبين لم يثبت في الجانب الآخر كما لو اشترى الرجل ملكه المغصوب من ~~الغاصب فإن البائع يحرم عليه أخذ الثمن والمشتري لا يحرم عليه أخذ ملكه ولا ~~بذل ما بذله من الثمن؛ ولهذا قال العلماء: يجوز رشوة العامل لدفع الظلم لا ~~لمنع الحق وإرشاؤه حرام فيهما وكذلك الأسير والعبد المعتق. إذا أنكر سيده ~~عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله يجوز له بذله وإن لم يجز للمستولي عليه ~~بغير حق أخذه. وكذلك المرأة المطلقة ثلاثا إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه ~~بطريق الخلع في الظاهر كان حراما عليه ما بذلته ويخلصها من رق استيلائه؛ ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها ~~يتلظاها نارا قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ~~ويأبى الله لي البخل} . ومن ذلك قوله: {ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة} . ~~فلو # PageV29P258 # أعطى الرجل شاعرا أو غير شاعر؛ لئلا يكذب عليه بهجو أو غيره أو لئلا يقول ~~في عرضه ما يحرم عليه قوله كان بذله لذلك جائزا وكان ما أخذه ذلك لئلا ~~يظلمه حراما عليه؛ لأنه يجب عليه ترك ظلمه. والكذب عليه بالهجو من جنس ~~تسمية العامة: " قطع مصانعه " وهو الذي يتعرض للناس وإن لم يعطوه اعتدى ~~عليهم بأن يكون عونا عليهم في الإثم والعدوان أو بأن يكذب عليهم وأمثال ~~ذلك. فكل من أخذ المال لئلا يكذب على الناس أو لئلا يظلمهم كان ذلك خبيثا ~~سحتا؛ لأن الظلم والكذب حرام عليه فعليه أن يتركه بلا عوض ms8622 يأخذه من المظلوم ~~فإذا لم يتركه إلا بالعوض كان سحتا. # فالمباحات التي يشترك فيها المسلمون في الأصل: كالصيود البرية والبحرية ~~والمباحات النابتة في الأرض والمباحة من الجبال والبراري ونحو ذلك كالمعادن ~~وكالملح وكالأطرون وغيرها إذا حجرها السلطان وأمر أن لا يأخذها إلا نوابه ~~وأن تباع للناس لم يحرم عليهم شراؤها؛ لأنهم لا يظلمون فيها أحدا ولأنهم هم ~~المظلومون بحجرها عليهم فكيف يحرم عليهم أن يشتروا ما لهم أن يأخذوه بلا ~~عوض؛ فإن نواب السلطان لا يستخرجونها إلا بأثمانها التي أخذوها ظلما أو نحو ~~ذلك من الظلم. قيل: تلك الأموال أخذت من المسلمين ظلما والمسلمون هم # PageV29P259 # المظلومون فقد منعوا حقوقهم من المباحات إلا بما يؤخذ منهم يستخرج ببعضه ~~تلك المباحات والباقي يؤخذ وذلك لا يحرم عليهم ما كان حلالا لهم وهذا ظاهر ~~فيما كان الظلم فيه مناسبا مثل أن يباع كل مقدار بثمن معين ويؤخذ من تلك ~~الأثمان ما يستخرج به تلك المباحات وهنا لا شبهة على المشتري أصلا؛ فإن ما ~~استخرجت به المباحات هو حقهم أيضا. فهو كما لو غصب رجل بيت رجل وأمر غلمان ~~المالك أن يطبخوا مما في بيته طعاما فإن ذلك لا يحرم على المغصوب؛ لأنه ~~يملك الأعيان والمنافع وليس في ذلك إلا أن يكون التصرف وقع بغير وكالة منه ~~ولا ولاية عليه وهذا لا يحرم ماله؛ بل ولا بذل ماله باتفاق المسلمين. وإن ~~كان ما يستخرج به تلك المباحات بدون المعاملة بالأموال السلطانية المشتركة. # وأما إذا استخرج نواب السلطان بغير حق من يستخرج تلك المباحات فهذا ~~بمنزلة أن يغصب من يطبخ له طعاما أو ينسج له ثوبا وبمنزلة أن يطبخ الطعام ~~بحطب مغصوب وأمثال ذلك مما تكون العين فيه مباحة؛ لكن وقع الظلم في تحويلها ~~من حال إلى حال. فهذا فيه شبهة وطريق التخلص منها أن ينظر النفع الحاصل في ~~تلك العين بعمل المظلوم فيعطي المظلوم أجره وإن تعذر معرفة المظلوم تصدق به ~~عنه؛ فإن هذا غايته أن يكون قد اختلط حلال وحرام؛ ولو اختلطت الأعيان ms8623 التي ~~يملكها بالأثمان التي # PageV29P260 # غصبها وأخذها حراما مثل أن تختلط دراهمه ودنانيره بما غصبه من الدراهم ~~والدنانير واختلط حبه أو ثمره أو دقيقه أو خله أو ذهبه بما غصبه من هذه ~~الأنواع فإن هذا الاختلاط لا يوجب تحريم ماله عليه؛ لأن المحرمات نوعان. ~~محرم لوصفه وعينه كالدم والميتة ولحم الخنزير. فهذا إذا اختلط بالمائع وظهر ~~فيه طعم الخبث أو لونه أو ريحه حرم. ومحرم لكسبه كالنقدين والحبوب والثمار ~~وأمثال ذلك. فهذه لا تحرم أعيانها تحريما مطلقا بحال ولكن تحرم على من ~~أخذها ظلما أو بوجه محرم فإذا أخذ الرجل منها شيئا وخلطه بماله فالواجب أن ~~يخرج من ذلك القدر المحرم وقدر ماله حلال له. ولو أخرج مثله من غيره؟ ففيه ~~وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: أن الاختلاط كالتلف فإذا أخرج مثله ~~أجزأ. والثاني: أن حق المظلوم يتعلق بالعين مع الخلط فلا بد أن يخرج قدر حق ~~المظلوم من ذلك المال المختلط. إذا تبين هذا فإذا كان أثر عمل المظلوم ~~قائما بالعين؛ مثل طبخه أو نسجه ونحو ذلك؛ فإنما يستحق قيمة ذلك النفع فإذا ~~أعطى المظلوم # PageV29P261 # قيمة ذلك النفع أخذ حقه فلا يبقى لصاحب العين شريك فلا يحرم عليه. وأما ~~إذا لم يعرف المظلوم فإنه يتصدق به عنه عند جمهور العلماء كما لو حصل بيده ~~أثمان من غصوب وعوار وودائع لا يعرف أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم؛ لأن ~~المجهول كالمعدوم في الشريعة والمعجوز عنه كالمعدوم؛ ولهذا {قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في اللقطة: فإن جاء صاحبها فأدها إليه وإلا فهي مال الله ~~يؤتيه من يشاء} . فإذا كان في اللقطة التي تحرم بأنها سقطت من مالك لما ~~تعذر معرفة صاحبها جعلها النبي صلى الله عليه وسلم للملتقط - ولا نزاع بين ~~المسلمين في جواز صدقته بها وإنما تنازعوا في جواز تملكه لها مع الغنى ~~والجمهور على جواز ذلك - فكيف ما يجهل فيه ذلك. وفي هذه المسألة آثار ~~معروفة مثل حديث عبد الله بن مسعود لما اشترى جارية ثم خرج ليوفي البائع ms8624 ~~الثمن فلم يجده فجعل يطوف على المساكين ويقول: اللهم هذه عن صاحب الجارية ~~فإن رضي فقد برئت ذمتي وإن لم يرض فهو عني وله علي مثلها يوم القيامة. ~~وحديث الرجل الذي غل من الغنيمة في غزوة قبرص وجاء إلى معاوية يرد إليه ~~المغلول فلم يأخذه فاستفتى بعض التابعين فأفتاه بأن يتصدق بذلك عن الجيش ~~ورجع إلى معاوية فأخبره فاستحسن ذلك؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} . والمال # PageV29P262 # الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده إليه فيصرف في مصالح المسلمين ~~والصدقة من أعظم مصالح المسلمين. وهذا أصل عام في كل مال جهل مالكه بحيث ~~يتعذر رده إليه. كالمغصوب والعواري والودائع تصرف في مصالح المسلمين على ~~مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. وإذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير ~~أخذها؛ لأن المعطي هنا إنما يعطيها نيابة عن صاحبها؛ بخلاف من تصدق من غلول ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {لا يقبل الله صلاة ~~بغير طهور ولا صدقة من غلول} . فهذا الذي يحوز المال ويتصدق به. مع إمكان ~~رده إلى صاحبه أو يتصدق صدقة متقرب كما يتصدق بماله فالله لا يقبل ذلك منه ~~وأما ذاك فإنما يتصدق به صدقة متحرج متأثم فكانت صدقته بمنزلة أداء الدين ~~الذي عليه وأداء الأمانات إلى أصحابها وبمنزلة إعطاء المال للوكيل المستحق ~~ليس هو من الصدقة الداخلة في قوله: {ولا صدقة من غلول} . # PageV29P263 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن مدينة لا يذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها وكوارعها مكسا ~~ثم يضع ذلك ويبيعه في الأسواق وفي المدينة من لا يمتنع من شراء ذلك وأكله ~~من أهل المدينة وغيرهم وليس يباع في المدينة رءوس وكوارع وأسقاط إلا على ~~هذا الحكم ولا يمكن غير ذلك. فهل يحرم شراء ذلك وأكله والحالة هذه؟ أم لا؟. # فأجاب: # هذه حكمها حكم ما يأخذه الملوك من الكلف التي يضربونها على الناس؛ فإن ~~هذه في الحقيقة تؤخذ من أموال أصحاب الغنم الذين يبيعونها للقصابين وغيرهم؛ ms8625 ~~فإن المشتري يحسب أنه يؤخذ من السواقط فيسقط من الثمن بحسب ذلك. وهكذا جميع ~~ما يؤخذ من الكلف فإنها وإن كانت تؤخذ من المشتري فهي في الحقيقة من مال ~~البائع وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة. ومنها ما هو ظلم محض ولكن تعذر ~~معرفة أصحابه ورده إليهم فوجب صرفه في مصالح المسلمين. وولاية بيعها وصرفها ~~لهم. فالمشتري لذلك منهم إذا أعطاهم الثمن لم يكن بمنزلة اشتراء المغصوب # PageV29P264 # المحض الذي لا تأويل فيه ولا شبهة وليس لصاحبه ولاية بيعه حتى يقال: إنه ~~فعل محرما يفسق بالإصرار عليه. وفي المنع من شرائها إضرار بالناس وإفساد ~~للأموال من غير منفعة تعود على المظلوم. والمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن ~~الذي قبضه إن شاء وبنظير ماله والتورع عن هذا من التورع عن الشبهات ولا ~~نحكم بأنها حرام محض ومن اشتراها وأكلها لم يجب الإنكار عليه ولا يقال إنه ~~فعل محرما لا تأويل فيه. فإن طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز ~~وضع أصل هذه الوظائف. كما فعل ذلك أبو المعالي الجويني في كتابه " غياث ~~الأمم " وكما ذكر ذلك بعض الحنفية. وما قبض بتأويل فإنه يسوغ للمسلم أن ~~يشتريه ممن قبضه وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرم كالذمي إذا باع ~~خمرا وأخذ ثمنه جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن وإن كان المسلم لا يجوز ~~له بيع الخمر كما قال عمر بن الخطاب: ولوهم بيعها وخذوا أثمانها. وهذا كان ~~سببه أن بعض عماله أخذ خمرا في الجزية وباع الخمر لأهل الذمة فبلغ ذلك عمر ~~فأنكر ذلك. وقال: ولوهم بيعها وخذوا أثمانها. وهذا ثابت عن عمر وهو مذهب ~~الأئمة. وهكذا من عامل معاملة يعتقد جوازها في مذهبه وقبض المال # PageV29P265 # جاز لغيره أن يشتري ذلك المال منه وإن كان لا يرى جواز تلك المعاملة. ~~فإذا قدر أن الوظائف قد فعلها من يعتقد جوازها؛ لإفتاء بعض الناس له بذلك ~~أو اعتقد أن اعتقاد أخذ هذا المال وصرفه في الجهاد وغيره من المصالح جائز ~~جاز لغيره أن ms8626 يشتري ذلك المال منه وإن كان لا يعتقد جواز أصل القبض. وعلى ~~هذا فمن اعتقد أن لولاة الأمر فيما فعلوه تأويلا سائغا جاز أن يشتري ما ~~قبضوه وإن كان هو لا يجوز ما فعلوه مثل أن يقبض ولي الأمر من الزكاة قيمتها ~~فيشتري منها ومثل أن يصادر بعض العمال مصادرة يعتقد جوازها أو مثل أن يرى ~~الجهاد وجب على الناس بأموالهم وأن ما أخذوه من الوظائف هو من المال الذي ~~يجوز أخذه وصرفه في الجهاد وغير ذلك من التأويلات التي قد تكون خطأ ولكنها ~~مما قد ساغ فيه الاجتهاد. فإذا كان قبض ولي الأمر المال على هذا الوجه جاز ~~شراؤه منه وجاز شراؤه من نائبه الذي أمره أن يقبضه وإن كان المشتري لا يسوغ ~~قبضه والمشتري لم يظلم صاحبه فإنه اشتراه بماله ممن قبضه قبضا يعتقد جوازه. ~~وإن كان على هذا الوجه فشراؤه حلال في أصح القولين؛ وليس من الشبهات؛ فإنه ~~إذا جاز أن يشتري من الكفار ما قبضوا بعقود يعتقدون جوازها - وإن كانت ~~محرمة في دين المسلمين - فلأن # PageV29P266 # يجوز أن يشتري من المسلم ما قبضه بعقد يعتقد جوازه - وإن كنا نراه محرما ~~- بطريق الأولى والأحرى؛ فإن الكافر تأويله المخالف لدين الإسلام باطل قطعا ~~بخلاف تأويل المسلم. ولهذا إذا أسلموا وتحاكموا إلينا وقد قبضوا أموالا ~~بعقود يعتقدون جوازها: كالربا وثمن الخمر والخنزير لم تحرم عليهم تلك ~~الأموال. كما لا تحرم معاملتهم فيها قبل الإسلام؛ لقوله تعالى {اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا} . ولم يحرم ما قبضوه. وهكذا من كان قد عامل معاملات ~~ربوية يعتقد جوازها ثم تبين له أنها لا تجوز وكانت من المعاملات التي تنازع ~~فيها المسلمون فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملة على الصحيح. الوجه ~~الثاني: أن ما قبضه الملوك ظلما محضا: إذا اختلط بمال بيت المال وتعذر رده ~~إلى صاحبه فإنه يصرف في مصالح المسلمين؛ فإن المجهول كالمعدوم فما عرف أنه ~~قبض ظلما ولم يعرف صاحبه: صرف في المصالح وما قبض من بيت المال ms8627 المختلط ~~حلاله بحرامه لم يحكم بأنه حرام؛ فإن الاختلاط إذا لم يتميز المال يجري ~~مجرى الإتلاف وصاحبه يستحق عوضه من بيت المال. فمن قبض ثمن مبيع من مال بيت ~~المال المختلط جاز له ذلك في أصح الأقوال؛ والله أعلم. # PageV29P267 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن هذه الأغنام التي تباع فيؤخذ مكسها من القصابين فيحتجر عليهم في ~~الذبيحة في موضع واحد ويؤخذ منهم أجرة الذبح ثم بعد ذلك يؤخذ سواقطها مكسا ~~ثانيا مضمنا ثم تطبخ وتباع. فهل هي حرام على من اشتراها للأكل أم لا؟ وهل ~~هذا التكسب فيها حرام؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها نزاع: فمن الناس من يقول: هذا مال أخذ من ~~صاحبه بغير حق وبيع بلا ولاية ولا وكالة فلم يصح بيعه؛ بل هو باق على ملك ~~صاحبه وقد طبخ هذا وبيع بغير إذنه فلا يجوز شراؤه. ومنهم من يقول: هذا مال ~~ولاة الأمور؛ إما متأولين أو متعمدين للظلم وإذا لم يردوه إلى أصحابه كانت ~~المصلحة بيعه؛ لأن حبسه حتى يفسد ضرر لا يأمر به الشارع ولو بيع المال بغير ~~إذن صاحبه كان بيعه موقوفا على إجازة المالك عند أكثر العلماء وما باعه # PageV29P268 # ولاة الأمر فلهم من الولاية على الأموال المجهولة التي قبضها نوابهم ما ~~ليس لغيرهم وقد تعذر بعد القبض معرفة مالك كل رأس والمصلحة بيعها وقسمة ~~الأثمان بين المستحقين فإن باعوها ولم يقسموا أثمانها لم يكن على المشتري ~~إثم؛ وإنما الإثم على من يمنع أصحابها أثمانها. كما لو باع ولي اليتيم ~~وناظر الوقف وولي بيت المال ولم يصرف الثمن إلى المستحقين فالإثم عليه؛ لا ~~على الذي اشترى منه. ثم الذين اشتروها وإن كان الشراء فاسدا أخذت منهم ~~أثمانها فهم يستحقون أثمانها التي أدوها وقد نص غير واحد من العلماء كأحمد ~~وغيره على أن من اشترى شيئا فظهر له أنه مغصوب ولم يعرف مالكه فإن له أن ~~يبيعه ويأخذ ثمنه؛ ولكن يتصدق بالربح. والطباخون الذين اشتروا الرءوس وقد ~~تعذر ردها: لهم أن يبيعوها ويأخذوا ms8628 نظير أثمانها؛ إن لم يكن البيع الأول ~~صحيحا وحينئذ فيكون الشراء صحيحا وقد أجازوا البيع فيجوز على قول أكثر ~~العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه. فهذه عدة مآخذ يحتج ~~بها من يجوز الشراء. فمن اشتراها واتبع هؤلاء لم ينكر عليه ومن قامت عنده ~~شبهة أو اعتقد التحريم فامتنع من شرائها لم ينكر عليه. ولا يمكن القطع ~~بتحريم مثل هذا؛ # PageV29P269 # فإن كثيرا لا بد للمسلمين منه هو من هذا الباب يحتجر عليه ولاة الأمور ~~يبيعونه للناس. ولا يمكن للناس أخذه إلا من أولئك. ومن هذا ما يكون من ~~المباحات: كالملح والأطرون وغير ذلك. ومنه ما يكون من المملوكات. كالصوف ~~والجلود والشعر كما يبيعونه من أموال من يصادرونه والناس يحتاجون إليه. ومن ~~ذلك ما يقبض بحق. ومنه ما يقبض بتأويل. ومنه ما يقبض ظلما محضا؛ لكن جميع ~~ذلك يرد إلى أصحابه؛ بل قد يتعذر رده إلى أصحابه؛ إما لجهلهم وإما لعجزه عن ~~رده إليهم. والمجهول والمعجوز عنه سقط التكليف به وإما لإجبار المسلمين على ~~الظلم. وعلى كل التقديرين فبيعه خير لصاحبه وللمسلمين من أن يترك فيفسد ولا ~~ينتفع به أحد. وحينئذ فإذا كان الأصلح على هذا التقدير بيعه كان للمشتري أن ~~يشتريه ويكون حلالا له والمشتري لم يظلم أحدا؛ فإنه أدى الثمن. والمظلوم في ~~نفس الأمر يستحق الثمن إذا كانت المصلحة له بيعه كما يباع مال الغائب حتى ~~لو أن رجلا مات بمكان ليس فيه ولي أمر: فقال جمهور العلماء: لرفقته ولاية ~~قبض ذلك وبيعه. وكذلك من عنده أموال مغصوبة وعوار وودائع لا يعرف أصحابها: ~~فمذهب الجمهور. مالك وأبي حنيفة وأحمد أنها يجوز بيعها إذا كانت المصلحة ~~تقتضي ذلك ويجوز شراؤها. # PageV29P270 # وأصل هذا أن الله جل وعز بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها بحسب الإمكان ~~وتقديم خير الأمرين بتفويت أدناهما. والله سبحانه حرم الظلم على عباده ~~وأوجب العدل فإذا قدر ظلم وفساد ولم يمكن دفعه كان الواجب تخفيفه وتحري ~~العدل والمصلحة بحسب الإمكان. والله حرم الظلم فيما يشترك فيه الناس ms8629 من ~~المباحات وفي الأموال المملوكة لما في ذلك من الضرر على المستحقين. فلو ~~قيل: إن هذه الأموال لا تشترى وأنه لا يحل لأحد أن ينتفع بملح ولا جلود ولا ~~رءوس ولا شعور ولا أصواف وغير ذلك مما يباع على هذا الوجه؛ كان المنع من ~~ذلك من أعظم ضرر على المسلمين وفساد في الدين والدنيا من أن يقال: بل حق ~~المظلوم عند الظالم الذي قبض ثمنها والمشتري اشتراها بحق فتحل له فإنه إذا ~~قيل هذا كان فيه جبر حق المظلوم بإحالته على الظالم وجبر حق عموم الخلق ~~بتمكينهم من الانتفاع بها بالأثمان؛ لا سيما وقد عرف أن أصحاب تلك الرءوس ~~ونحوها في نفس الأمر لا يكرهون بيعها إذ لا مصلحة لهم في إفسادها فإذا بيعت ~~فقد فعل ما يختارون فعله وما يرضونه؛ لكنهم لا يرضون أن تؤخذ أثمانها منهم؛ ~~بل يرضون أن تدفع إليهم الأثمان. وحينئذ فهم راضون بقبض المشتري لها ~~وانتفاعهم بها؛ ولكن لا يرضون عمن باعها إلا بأن يعطيهم الثمن فيكون هو ~~وحده # PageV29P271 # ظلمهم لم يظلمهم المشتري فتكون له حلالا. والكلام في هذه المسألة مبسوط ~~في غير هذا الموضع. ونكتة المنع أن المحرم لها يقول: بيعت بغير إذن ولا ~~وكالة ولا ولاية. وهذا ممنوع؛ بل يقال: هم يرضون بيعها وقد أذنوا في ذلك؛ ~~ولكن لم يرضوا أن تؤخذ الأثمان. كما لو قدر أن شخصا أذن لشخص فباع وأخذ ~~الثمن لنفسه فالمالك راض بالبيع؛ دون قبضه الثمن له. ولو قدر أن المالك لم ~~يأذن في البيع فمصلحته في الشرع تقتضي أن يباع فهذا خير من أن يفسد ولا ~~يمكن أن يباع إلا على هذا الوجه وأن يباع ويقبض الثمن - كائنا من كان - خير ~~من أن يفسد؛ فإنه حينئذ يمكن مطالبة البائع بالثمن مع انتفاع الناس بها وهو ~~خير من مطالبة الغاصب بالقيمة مع فسادها. والكلام في مثل هذا يطول. والله ~~أعلم بالصواب. # وسئل - رحمه الله -: # عن الذين غالب أموالهم حرام مثل المكاسين وأكلة الربا وأشباههم. ومثل ~~أصحاب الحرف المحرمة كمصوري ms8630 الصور والمنجمين ومثل أعوان الولاة. فهل يحل ~~أخذ طعامهم بالمعاملة؟ أم لا؟ . # PageV29P272 # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة؛ لا يحكم ~~بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم إعطاؤه. ولا يحكم بالتحليل إلا إذا ~~عرف أنه أعطاه من الحلال. فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم ~~المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب. قيل بحل المعاملة. وقيل: بل هي محرمة. ~~فأما المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال؛ إلا أن يعرف الكره من وجه ~~آخر. وذلك أنه إذا باع ألفا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان ~~في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال؛ بل له أن يأخذ قدر الحلال كما ~~لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر فإنه يقسم بين ~~الشريكين. وكذلك من اختلط بماله: الحلال والحرام أخرج قدر الحرام والباقي ~~حلال له والله أعلم. # و ### | سئل: # عما يأكله رؤساء القرى وشيوخ الحارات. # هل هو حلال؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان الرئيس يظلم الناس فما يأخذه ظلما من الناس فهو حرام. وما كان ~~ملكا له أو مكتسبا بطريق شرعي فهو مباح. وشيخ الحارة إذا أخذ أجرته على ~~الحراسة بالمعروف ولم يتعد على الناس، فأجرته حلال. # PageV29P273 # وسئل: # عن رجل فامي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به المنقطعين وغيرهم ~~ويجبون من المساكين والأرامل فيعطوه هل يكون حلالا؟ أم حراما؟ . # فأجاب: # إذا اشتروا منهم شيئا وأعطوهم ثمنه من مال يعلمون أنه مغصوب - أخذ من ~~أصحابه ظلما - لم يكن لهم أن ينتفعوا به؛ لكن هذا المال إذا اشترى لهم به ~~ما يطلبونه منهم لم يكن عليهم شيء إذا كانوا المكرهين على ذلك، فينبغي لمن ~~يتقي أن يظلم وأن يظلم: أن يشتري للظلمة بأموالهم ما يطلبونه منه لا ليظلم ~~غيره ولا يكون هو مظلوما وهو مكره على هذا العمل. ومع هذا فالمال الذي ~~جمعوه من الناس وقد تعذر رده على صاحبه إذا أعطوه الفامي عوضا عما أخذوه ~~منه بغير اختياره فهو أحق به ممن ms8631 يعطاه بغير معاوضة والظالم في الحقيقة هو ~~الذي أخذ الأموال بغير حق لا من أخذ عوض ماله من مال لا يعلم له مستحقا ~~معينا والله تعالى أعلم. # PageV29P274 # و ### | سئل: # عن معاملة التتار: # هل هي مباحة لمن يعاملونه؟ # فأجاب: # أما معاملة التتار فيجوز فيها ما يجوز في أمثالهم ويحرم فيها ما يحرم من ~~معاملة أمثالهم فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع ~~من مواشي التركمان والأعراب والأكراد وخيلهم. ويجوز أن يبيعهم من الطعام ~~والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم. فأما إن باعهم وباع غيرهم ما يعينهم ~~به على المحرمات. كالخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالا محرما فهذا لا يجوز. ~~قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه لعن في الخمر ~~عشرة: لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها ~~وساقيها وشاربها وآكل ثمنها} فقد لعن العاصر وهو إنما يعصر عنبا يصير عصيرا ~~والعصير حلال يمكن أن يتخذ خلا ودبسا وغير ذلك. # PageV29P275 # وإن كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فتلك لا ~~يجوز اشتراؤها لمن يتملكها؛ لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في ~~مصارفها الشرعية فتعاد إلى أصحابها إن أمكن وإلا صرفت في مصالح المسلمين ~~جاز هذا. وإذا علم أن في أموالهم شيئا محرما لا تعلم عينه فهذا لا يحرم ~~معاملتهم كما إذا علم أن في السوق ما هو مغصوب أو مسروق ولم يعلم عينه ~~والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون محرما لعينه. ~~كالميتة والأخت من الرضاعة. فهذا إذا اشتبه بما لا يحصر لم يحرم مثل أن ~~يعلم أن في البلدة الفلانية أختا له من الرضاعة ولا يعلم عينها أو فيها من ~~يبيع ميتة لا يعلم عينها فهذا لا يحرم عليه النساء ولا اللحم. وأما إذا ~~اشتبهت أخته بأجنبية أو المذكى بالميت حرما جميعا. والثاني: ما حرم لكونه ~~أخذ غصبا والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر ms8632 فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره ~~لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى ~~مستحقه؛ مثل اللص الذي أخذ أموال الناس فخلطها أو أخذ حنطة الناس أو دقيقهم ~~فخلطه فإنه يقسم بينهم على قدر الحقوق. # PageV29P276 # وإذا علم أن في البلد شيئا من هذا لا يعلم عينه لم يحرم على الناس الشراء ~~من ذلك البلد؛ لكن إذا كان أكثر مال الرجل حراما هل تحرم معاملته؟ أو تكره؟ ~~على وجهين وإن كان الغالب على ماله الحلال لم تحرم معاملته؛ لكن قد قيل: ~~إنه من المشتبه الذي يستحب تركه. والله أعلم. # وقال: # فصل: # قد ذكرت في غير موضع: أن المحرمات في الشريعة ترجع إلى الظلم إما في حق ~~الله تعالى وإما في حق العبد وإما في حقوق العباد، وكلما كان ظلما في حق ~~العباد فهو ظلم العبد لنفسه؛ ولا ينعكس فجميع الذنوب تدخل في ظلم العبد ~~نفسه. وأول من اعترف بهذا أبو البشر لما تلقى من ربه الكلمات فقال: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} فكان في هذه ~~الكلمات اعترافه بذنبه وطلبه ربه على وجه الافتقار والمغفرة والرحمة. ~~فالمغفرة إزالة السيئات والرحمة إنزال # PageV29P277 # الخيرات فهذا ظلم لنفسه ليس فيه ظلم لغيره. وقال موسى عليه السلام لما ~~ذكر الذي هو من عدوه {فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} ~~{قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له} فاعترف بظلمه نفسه فيما كان من ~~جناية على غيره لم يؤمر بها. وقال يونس عليه السلام {لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين} وفي الصحيح {الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر أن يدعو به في صلاته: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم} فهذا الدعاء مطابق لدعاء آدم في الاعتراف بظلم النفس ومسألة ~~المغفرة والرحمة. {وكان النبي صلى الله عليه ms8633 وسلم إذا استوى على الدابة: ~~فحمد وسبح وكبر قال: لا إله إلا أنت سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم يضحك} ~~وهو محفوظ من حديث علي بن أبي طالب. وإذا كان كذلك فالظلم نوعان: تفريط في ~~الحق وتعد للحد كما قد قررت ذلك في غير موضع؛ فإن ترك الواجب ظلم كما أن ~~فعل المحرم ظلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم {مطل الغني ظلم} متفق عليه. ~~فأخبر أن المطل - وهو تأخير الوفاء - ظلم فكيف بتركه # PageV29P278 # وقد قررت في غير هذا الموضع أن أداء الواجب أعظم من ترك المحرم وأن ~~الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية فيكون جنس الظلم بترك الحقوق ~~الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود. وقررت أيضا أن الورع المشروع هو ~~أداء الواجب وترك المحرم ليس هو ترك المحرم فقط وكذلك التقوى اسم لأداء ~~الواجبات وترك المحرمات. كما بين الله حدها في قوله: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب} - إلى قوله - {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} . ومن هنا يغلط كثير من الناس فينظرون ما في الفعل أو المال من ~~كراهة توجب تركه ولا ينظرون ما فيه من جهة أمر يوجب فعله. مثال ذلك ما سئل ~~عنه أحمد: عن رجل ترك مالا فيه شبهة وعليه دين فسأله الوارث هل يتورع عن ~~ذلك المال المشتبه؟ فقال له أحمد: أتترك ذمة أبيك مرتهنة ذكرها أبو طالب ~~[وابن حامد] (*) . وهذا عين الفقه؛ فإن قضاء الدين واجب والغريم حقه متعلق ~~بالتركة فإن لم يوف الوارث الدين وإلا فله استيفاؤه من التركة فلا يجوز ~~إضاعة التركة المشتبهة التي تعلق بها حق الغريم ولا يجوز أيضا إضرار الميت ~~بترك ذمته مرتهنة. ففي الإعراض عن التركة إضرار الميت وإضرار المستحق وهذان ~~ظلمان محققان بترك واجبين. وأخذ المال المشتبه PageV29P279 # يجوز أن يكون فيه ضرر المظلوم. فقال أحمد للوارث: أبرئ ذمة أبيك. فهذا ~~المال المشتبه خير من تركها مرتهنة بالأعراض. وهذا الفعل واجب على الوارث ~~وجوب عين إن لم يقم غيره فيه مقامه أو وجوب كفاية ms8634 أو مستحب استحبابا مؤكدا ~~أكثر من الاستحباب في ترك الشبهة؛ لما في ذلك من المصلحة الراجحة. وهكذا ~~جميع الخلق عليهم واجبات: من نفقات أنفسهم وأقاربهم وقضاء ديونهم وغير ذلك. ~~فإذا تركوها كانوا ظالمين ظلما محققا. وإذا فعلوها بشبهة لم يتحقق ظلمهم. ~~فكيف يتورع المسلم عن ظلم محتمل بارتكاب ظلم محقق ولهذا قال سعيد بن ~~المسيب: لا خير فيمن لا يحب المال: يعبد به ربه ويؤدي به أمانته ويصون به ~~نفسه ويستغني به عن الخلق. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء ~~والغارم يريد الوفاء} فذكر في هذا الحديث ما يحتاج إليه المؤمن: عفة فرجه؛ ~~وتخليص رقبته وبراءة ذمته. فأخبر أن هذه الواجبات من عبادة الله وقضاء ~~الديون؛ وصيانة النفس والاستغناء عن الناس. لا تتمم إلا بالمال. وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب. ومن لا يحب أداء مثل هذا الواجب العظيم الذي لا ~~يقوم الدين إلا به فلا خير فيه. فهذه ملة ولها تفاصيل كثيرة، والله أعلم. # PageV29P280 # وقال رحمه الله بعد كلام سبق: # وأصل المسألة: أن ### | النهي يدل على أن المنهي عنه فساده راجح على صلاحه # ولا يشرع التزام الفساد ممن يشرع له دفعه. وأصل هذا أن كل ما نهى الله ~~عنه وحرمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى فإن الحرام لا يكون صحيحا ~~نافذا كالحلال يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما ~~يحصل به. وهذا معنى قولهم: النهي يقتضي الفساد وهذا مذهب الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأئمة المسلمين وجمهورهم. وكثير من المتكلمين من المعتزلة ~~والأشعرية؛ يخالف في هذا لما ظن أن بعض ما نهى عنه ليس بفاسد كالطلاق ~~المحرم والصلاة في الدار المغصوبة ونحو ذلك. قال: لو كان النهي موجبا ~~للفساد لزم انتقاض هذه العلة فدل على أن الفساد حصل بسبب آخر غير مطلق ~~النهي. وهؤلاء لم يكونوا من أئمة الفقه العارفين بتفصيل أدلة الشرع. فقيل ~~لهم: بأي شيء يعرف ms8635 أن العبادة فاسدة والعقد فاسد؟ قالوا: بأن يقول الشارع: ~~هذا صحيح وهذا فاسد. وهؤلاء لم يعرفوا أدلة # PageV29P281 # الشرع الواقعة؛ بل قدروا أشياء قد لا تقع وأشياء ظنوا أنها من جنس كلام ~~الشارع وهذا ليس من هذا الباب. فإن الشارع لم يدل الناس قط بهذه الألفاظ ~~التي ذكروها ولا يوجد في كلامه: شروط البيع والنكاح: كذا وكذا. ولا هذه ~~العبادة والعقد صحيح أو ليس بصحيح ونحو ذلك مما جعلوه دليلا على الصحة ~~والفساد؛ بل هذه كلها عبارات أحدثها من أحدثها من أهل الرأي والكلام. وإنما ~~الشارع دل الناس بالأمر والنهي والتحليل والتحريم وبقوله في عقود: " هذا لا ~~يصلح " علم أنه فساد كما قال في بيع مدين بمد تمرا: " لا يصلح " والصحابة ~~والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي ~~كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن وكذلك ~~فساد عقد الجمع بين الأختين. ومنهم من توهم أن التحريم فيها تعارض فيه نصان ~~فتوقف. وقيل: إن بعضهم أباح الجمع. وكذلك نكاح المطلقة ثلاثا استدلوا على ~~فساده بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} . ~~وكذلك الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه فهو من الفساد ليس ~~من الصلاح. فإن الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح. # PageV29P282 # ولا ينهى عما يحبه. وإنما ينهى عما لا يحبه فعلموا أن المنهي عنه فاسد؛ ~~ليس بصالح. وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته وقد علموا أن مقصود ~~الشرع رفع الفساد ومنعه؛ لا إيقاعه والإلزام به. فلو ألزموا موجب العقود ~~المحرمة لكانوا مفسدين غير مصلحين والله لا يصلح عمل المفسدين. وقوله: ~~{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} أي: لا تعملوا بمعصية الله تعالى فكل من ~~عمل بمعصية الله فهو مفسد والمحرمات معصية لله فالشارع ينهى عنه ليمنع ~~الفساد ويدفعه ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص ~~ولا إجماع. فالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة: فيهما نزاع وليس على ~~الصحة ms8636 نص يجب اتباعه فلم يبق مع المحتج بهما حجة. لكن من البيوع ما نهي عنه ~~لما فيها من ظلم أحدهما للآخر كبيع المصراة والمعيب وتلقي السلع والنجش ~~ونحو ذلك؛ ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال؛ بل ~~جعلها غير لازمة والخيرة فيها إلى المظلوم إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها ~~فإن الحق في ذلك له والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله كما نهى عن ~~الفواحش؛ بل هذه إذا علم المظلوم بالحال في ابتداء العقد مثل أن يعلم ~~بالعيب والتدليس والتصرية ويعلم السعر إذا كان قادما بالسلعة ويرضى بأن # PageV29P283 # يغبنه المتلقي جاز ذلك فكذلك إذا علم بعد العقد إن رضي جاز وإن لم يرض ~~كان له الفسخ. وهذا يدل على أن العقد يقع غير لازم بل موقوفا على الإجازة ~~إن شاء أجازه صاحب الحق وإن شاء رده. وهذا متفق عليه في مثل بيع المعيب مما ~~فيه الرضا بشرط السلامة من العيب فإذا فقد الشرط بقي موقوفا على الإجازة ~~فهو لازم إن كان على صفة وغير لازم إن كان على صفة. وأما إذا كان غير لازم ~~مطلقا بل هو موقوف على رضى المجيز فهذا فيه نزاع. وأكثر العلماء يقولون ~~بوقف العقود وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما وعليه أكثر نصوص أحمد وهو ~~اختيار القدماء من أصحابه، كالخرقي وغيره كما هو مبسوط في موضعه. إذ ~~المقصود هنا أن هذا النوع يحسب طائفة من الناس أنه من جملة ما نهي عنه. ثم ~~تقول طائفة أخرى؛ وليس بفاسد. فالنهي يجب أن يقتضي الفساد. ويقول طائفة ~~أخرى: بل هذا فساد. فمنهم من أفسد بيع النجش إذا نجش البائع أو واطأ. ومنهم ~~من أفسد نكاح الخاطب إذا خطب على خطبة أخيه وبيعه على بيعه. ومنهم من أفسد ~~بيع المعيب المدلس. فلما عورض بالمصراة توقف. ومنهم من صحح # PageV29P284 # نكاح الخاطب على خطبة أخيه مطلقا وبيع النجش بلا خيار. والتحقيق: أن هذا ~~النوع لم يكن النهي فيه لحق الله، كنكاح المحرمات والمطلقة ثلاثا وبيع ~~الربا؛ بل ms8637 لحق الإنسان؛ بحيث لو علم المشتري أن صاحب السلعة ينجش. ورضي ~~بذلك جاز. وكذلك إذا علم أن غيره ينجش. وكذلك المخطوبة متى أذن الخاطب ~~الأول فيها جاز. ولما كان النهي هنا لحق الآدمي: لم يجعله الشارع صحيحا ~~لازما. كالحلال؛ بل أثبت حق المظلوم وسلطه على الخيار. فإن شاء أمضى وإن ~~شاء فسخ. فالمشتري مع النجش إن شاء رد المبيع فحصل بهذا مقصوده. وإن شاء ~~رضي به إذا علم بالنجش. فأما كونه فاسدا مردودا وإن رضي به: فهذا لا وجه ~~له. وكذلك في الرد بالعيب والمدلس والمصراة. وغير ذلك. وكذلك المخطوبة إن ~~شاء هذا الخاطب أن يفسخ نكاح هذا المعتدي عليه ويتزوجها برضاه؛ فله ذلك، ~~وإن شاء أن يمضي نكاحها فله ذلك، وهو إذا اختار فسخ نكاحها عاد الأمر إلى ~~ما كان. إن شاءت نكحته وإن شاءت لم تنكحه؛ إذ مقصوده حصل بفسخ نكاح الخاطب. ~~وإذا قيل: هو غير قلب المرأة علي. قيل: إن شئت عاقبناه على هذا؛ بأن نمنعه ~~من نكاح تلك المرأة، فيكون هذا قصاصا لظلمه إياك. وإن شئت عفوت # PageV29P285 # عنه فأنفذنا نكاحه. وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة والذبح بآلة مغصوبة. ~~وطبخ الطعام بحطب مغصوب. وتسخين الماء بوقود مغصوب؛ كل هذا إنما حرم لما ~~فيه من ظلم الإنسان. وذلك يزول بإعطاء المظلوم حقه. فإذا أعطاه ما أخذه من ~~منفعة ماله أو من أعيان ماله: فأعطاه كري الدار وثمن الحطب وتاب هو إلى ~~الله تعالى من فعل ما نهاه عنه فقد برئ من حق الله وحق العبد وصارت صلاته ~~كالصلاة في مكان مباح. والطعام كالطعام بوقود مباح؛ والذبح بسكين مباحة. ~~وإن لم يفعل ذلك كان لصاحب السكين أجرة ذبحه. ولا تحرم الشاة كلها؛ لأجل ~~هذه الشبهة. وهذا إذا كان أكل الطعام ولم يوفه ثمنه؛ كان بمنزلة من أخذ ~~طعاما لغيره فيه شركة: ليس فعله حراما ولا هو حلالا محضا فإن نضج الطعام ~~لصاحب الوقود فيه شركة. وكذلك الصلاة يبقى عليه إثم الظلم ينقص من صلاته ~~بقدره ولا تبرأ ذمته كبراءة ms8638 من صلى صلاة تامة ولا يعاقب كعقوبة من لم يصل؛ ~~بل يعاقب على قدر ذنبه. وكذلك آكل الطعام يعاقب على قدر ذنبه. والله تعالى ~~يقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . # PageV29P286 # وإنما قيل في الصلاة في الثوب النجس وبالمكان: يعيد؛ بخلاف هذا؛ لأنه ~~هناك لا سبيل له إلى براءة ذمته إلا بالإعادة وهنا يمكنه ذاك بأن يرد أرض ~~المظلوم؛ لكن الصلاة في الثوب الحرير هي من ذلك القسم: الحق فيها لله؛ لكن ~~نهي عن ذلك في الصلاة وفي غير الصلاة؛ لم ينه عنه في الصلاة فقط. وقد تنازع ~~الفقهاء في مثل هذا. فمنهم من يقول: النهي هنا لمعنى في غير المنهي عنه ~~وكذلك يقولون في الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والطلاق في الحيض ~~والبيع وقت النداء ونحو ذلك. وهذا الذي قالوه لا حقيقة له؛ فإنه إن عنى ~~بذلك أن نفس البيع اشتمل على تعطيل الصلاة ونفس الصلاة اشتملت على الظلم ~~والفخر والخيلاء ونحو ذلك مما نهي عنه كما اشتملت الصلاة في الثوب النجس ~~على ملابسة الرجس الخبيث: فهذا غير صحيح. وإن أرادوا بذلك أن ذلك المعنى لا ~~يختص بالصلاة؛ بل هو مشترك بين الصلاة وغيرها: فهذا صحيح؛ فإن البيع وقت ~~النداء لم ينه عنه إلا لكونه شاغلا عن الصلاة وهذا موجود في غير البيع لا ~~يختص بالبيع. لكن هذا الفرق لا يجيء في طلاق الحائض؛ فإنه ليس هناك معنى ~~مشترك وهم يقولون: إنما نهي عنه لإطالة العدة وذلك خارج عن الطلاق. فيقال: ~~وغير ذلك من المحرمات كذلك إنما نهي عنها لإفضائها # PageV29P287 # إلى فساد خارج عنها. فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم ~~والقطيعة أمر خارج عن النكاح. والخمر والميسر حرما وجعلا رجسا من عمل ~~الشيطان؛ لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة والبغضاء وهو أمر ~~خارج عن الخمر والميسر. والربا حرام؛ لأن ذلك يفضي إلى أكل المال بالباطل ~~وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا. فكل ما نهى الله ms8639 عنه لا بد أن يشتمل ~~على معنى فيه يوجب النهي ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلا بل ~~لمعنى أجنبي عنه؛ فإن هذا من جنس عقوبة الإنسان بذنب غيره والشرع منزه عنه؛ ~~لكن في الأشياء ما ينهى عنه لسد الذريعة فهو مجرد عن الذريعة لم يكن فيه ~~مفسدة كالنهي عن الصلاة في أوقات النهي قبل طلوع الشمس وغروبها ونحو ذلك ~~وذلك لأن هذا الفعل اشتمل على مفسدة؛ لإفضائه إلى التشبه بالمشركين. وهذا ~~معنى فيه. ثم من هؤلاء - الذين قالوا: إن النهي قد يكون لمعنى في المنهي ~~عنه وقد يكون لمعنى في غيره - من قال: إنه قد يكون لوصف في الفعل؛ لا في ~~أصله. فيدل على صحته كالنهي عن صوم يومي العيدين قالوا: هو منهي عنه لوصف ~~العيدين؛ لا لجنس الصوم فإذا صام صح؛ لأنه سماه صوما. # PageV29P288 # فيقال لهم: وكذلك الصوم في أيام الحيض وكذلك الصلاة بلا طهارة وإلى غير ~~القبلة: جنس مشروع؛ وإنما النهي لوصف خاص: وهو الحيض والحدث واستقبال غير ~~القبلة. ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول لا تأثير في الشرع؛ فإنه إذا قيل: ~~الحيض والحدث صفة في الحائض والمحدث وذلك صفة في الزمان. قيل: والصفة في ~~محل الفعل - زمانه ومكانه - كالصفة في فاعله؛ فإنه لو وقف بعرفة في غير ~~وقتها أو غير عرفة لم يصح وهو صفة في الزمان والمكان. وكذلك لو رمى الجمار ~~في غير أيام منى أو المرمي وهو صفة في الزمان والمكان. واستقبال غير القبلة ~~هو لصفة في الجهة لا فيه ولا يجوز ولو صام بالليل لم يصح وإن كان هذا ~~زمانا. فإذا قيل: الليل ليس بمحل للصوم شرعا. قيل: ويوم العيد ليس بمحل ~~للصوم شرعا كما أن زمان الحيض ليس بمحل للصوم شرعا فالفرق لا بد أن يكون ~~فرقا شرعيا فيكون معقولا ويكون الشارع قد جعله مؤثرا في الحكم بحيث علق به ~~الحل أو الحرمة الذي يختص بأحد الفعلين. وكثير من الناس يتكلم بفروق لا ~~حقيقة لها ولا تأثير له ms8640 في الشرع أو يمنع تأثيره في الأصل. وذلك أنه قد ~~يذكر وصفا يجمع به بين الأصل والفرع ولا يكون ذلك الوصف مشتركا بينهما؛ بل # PageV29P289 # قد يكون منفيا عنهما أو عن أحدهما. وكذلك المفرق قد يفرق بوصف يدعي ~~انتقاضه بإحدى الصورتين وليس هو مختصا بها بل هو مشترك بينها وبين الأخرى ~~كقولهم: النهي لمعنى في المنهي عنه وذلك لمعنى في غيره أو ذاك لمعنى في ~~وصفه دون أصله. ولكن قد يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة والعقد وقد يكون ~~لمعنى مشترك بينها وبين غيرها كما ينهى المحرم عما يختص بالإحرام مثل حلق ~~الرأس ولبس العمامة وغير ذلك من الثياب المنهي عنها وينهى عن نكاح امرأته ~~وينهى عن صيد البر وينهى مع ذلك عن الزنا والظلم للناس فيما ملكوه من ~~الصيد. وحينئذ فالنهي لمعنى مشترك أعظم؛ ولهذا لو قتل المحرم صيدا مملوكا ~~وجب عليه الجزاء لحق الله ووجب عليه البدل لحق المالك. ولو زنى لأفسد ~~إحرامه كما يفسد بنكاح امرأته ويستحق حد الزنا مع ذلك. وعلى هذا فمن لبس في ~~الصلاة ما يحرم فيها وفي غيرها كالثياب التي فيها خيلاء وفخر؛ كالمسبلة ~~والحرير كان أحق ببطلان الصلاة من الثوب النجس وفي الحديث الذي في السنن: ~~{إن الله لا يقبل صلاة مسبل} . والثوب النجس فيه نزاع وفي قدر النجاسة نزاع ~~والصلاة في الحرير للرجال من غير حاجة حرام بالنص والإجماع. وكذلك البيع ~~بعد النداء إذا كان قد نهي عنه وغيره يشغل عن # PageV29P290 # الجمعة؛ كان ذلك أوكد في النهي وكل ما شغل عنها فهو شر وفساد لا خير فيه. ~~والملك الحاصل بذلك كالملك الذي لم يحصل إلا بمعصية الله وغضبه ومخالفته ~~كالذي لا يحصل إلا بغير ذلك من المعاصي؛ مثل الكفر والسحر والكهانة ~~والفاحشة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {حلوان الكاهن خبيث ومهر البغي ~~خبيث} فإذا كانت السلعة لا تملك إن لم تترك الصلاة المفروضة كان حصول الملك ~~بسبب ترك الصلاة كما أن حصول الحلوان والمهر بالكهانة والبغاء؛ وكما لو قيل ~~له: إن ms8641 تركت الصلاة اليوم أعطيناك عشرة دراهم، فإن ما يأخذه على ترك الصلاة ~~خبيث كذلك ما يملك بالمعاوضة على ترك الصلاة خبيث. ولو استأجر أجيرا بشرط ~~أن لا يصلي كان هذا الشرط باطلا وكان ما يأخذه عن العمل الذي يعمله بمقدار ~~الصلاة خبيثا مع أن جنس العمل بالأجرة جائز كذلك جنس المعاوضة جائز؛ لكن ~~بشرط أن لا يتعدى عن فرائض الله. وإذا حصل البيع في هذا الوقت وتعذر الرد ~~فله نظير ثمنه الذي أداه ويتصدق بالربح والبائع له نظير سلعته ويتصدق ~~بالربح إن كان قد ربح ولو تراضيا بذلك بعد الصلاة لم ينفع؛ فإن النهي هنا ~~لحق الله تعالى فهو كما لو تراضيا بمهر البغي وهناك يتصدق به على # PageV29P291 # أصح القولين؛ لا يعطى للزاني. وكذلك في الخمر ونحو ذلك مما أخذ صاحبه ~~منفعة محرمة فلا يجمع له العوض والمعوض؛ فإن ذلك أعظم إثما من بيعه. وإذا ~~كان لا يحل أن يباع الخمر بالثمن فكيف إذا أعطى الخمر وأعطى الثمن وإذا كان ~~لا يحل للزاني أن يزني وإن أعطى فكيف إذا أعطى المال والزنا جميعا بل يجب ~~إخراج هذا المال كسائر أموال المصالح المشتركة فكذلك هنا إذا كان قد باع ~~السلعة وقت النداء بربح وأخذ سلعته فإن فاتت تصدق بالربح ولم يعطه للمشتري ~~فيكون أعانه على الشراء. والمشتري يأخذ ثمنه ويعيد السلعة فإن باعها بربح ~~تصدق به ولم يعطه للبائع فيكون قد جمع له بين ربحين. وقد تنازع الفقهاء في ~~المقبوض بالعقد الفاسد هل يملك؟ أو لا يملك؟ أو يفرق بين أن يفوت أو لا ~~يفوت كما هو مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم. # PageV29P292 # وسئل: # عن الرجل يشتري سلعة بمال حلال ولم يعلم أصل السلعة هل هو حرام؟ أو حلال؟ ~~ثم كانت حراما في الباطن هل يأثم أم لا؟ . # فأجاب: # متى اعتقد المشتري أن الذي مع البائع ملكه فاشتراه منه على الظاهر لم يكن ~~عليه إثم في ذلك. وإن كان في الباطن قد سرقه البائع لم يكن على المشتري إثم ~~ولا ms8642 عقوبة؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة. والضمان والدرك على الذي غره ~~وباعه. وإذا ظهر صاحب السلعة فيما بعد ردت إليه سلعته ورد على المشتري ثمنه ~~وعوقب البائع الظالم؛ فمن فرق بين من يعلم ومن لا يعلم فقد أصاب ومن لا ~~أخطأ. والله أعلم. # PageV29P293 # وقال رحمه الله # فصل: # حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما {أمرهم بشق ظروف الخمر وكسر دنانها} ~~دليل على إحدى الروايتين في جواز إتلاف ذلك عند الإنكار وأن الظرف يتبع ~~المظروف. ومثله ما ثبت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب: أنهما أمرا ~~بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر وقد نص أحمد على ذلك. ومثله إتلاف الآلة ~~التي يقوم بها صورة التأليف المحرم وهي آلات اللهو؛ فإن هذه العقوبات ~~المالية ثابتة بالسنة وسيرة الخلفاء. ومن قال: إنها منسوخة فما معه دليل ~~على ذلك. وقد احتج بعضهم: {بأنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنهم قد طبخوا ~~لحوم الحمر. قال لهم: أريقوها واكسروا القدور. قالوا: أفلا نريقها ونغسل ~~القدور؟ قال: افعلوا} قالوا: فلعلهم لو استأذنوه في أوعية الخمر لقال ذلك. ~~فأجيب بجوابين: # PageV29P294 # أحدهما ": أن دفع الشريعة بمثل هذه التقديرات لا تجوز فإنا إذا سوغنا ~~فيما أمر به أو نهى عنه أنه لو روجع لنسخ ذلك: لجاز رفع كثير من الشريعة ~~بمثل هذه الخيالات. مثل أن يقال: لو روجع الرب في نقص الصلاة عن خمس لنقصها ~~ولو ولو. . . ويقال: هذا باطل من وجهين: " أحدهما ": أنا لا نعلم أنه لو ~~روجع لفعل وثبوت ذلك في صورة لا يوجب ثباته في سائر الصور؛ إلا بتقدير ~~المساواة من كل وجه وانتفاء الموانع وهذا غير معلوم. " الثاني ": أنه لو ~~فرض أنه لو كان لكان لكن لم يكن وإذا كان النسخ معلقا بسؤالهم ولم يسألوا ~~لم يقع النسخ. كما أن ابتداء الإيجاب والتحريم قد يكون معلقا بسؤالهم. كما ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} . ~~وقال صلى الله عليه وسلم {إنما هلك من كان قبلكم ms8643 بكثرة سؤالهم واختلافهم ~~على أنبيائهم} وقال: {إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم ~~يحرم فحرم من أجل مسألته} . {وقال في الحج لما سألوه: أفي كل عام؟ فقال: لو ~~قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما قمتم به} {وقال في قيام رمضان: إنما منعني أن ~~أخرج إليكم خشية أن يفترض عليكم فلا تقوموا} . فقد بين # PageV29P295 # النبي صلى الله عليه وسلم أن السؤال والعمل قد يكون سببا لابتداء الحكم ~~من وجوب أو تحريم. ثم إذا لم يكن السبب فلم يكن الوجوب والتحريم لم يثبت ~~بعد موته صلى الله عليه وسلم وكذلك قد يكون سببا لرفع حكم من وجوب أو تحريم ~~ثم إذا لم يوجد السبب لم يرتفع الحكم بعد موته. وليس من هذا قول عائشة: لو ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع النساء بعده لمنعهن المسجد كما ~~منعت نساء بني إسرائيل. فإن عائشة كانت أتقى لله من أن تسوغ رفع الشريعة ~~بعد موته وإنما أرادت أن النبي صلى الله عليه وسلم لو رأى ما في خروج بعض ~~النساء من الفساد لمنعهن الخروج تريد بذلك أن قوله: {لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله} وإن كان مخرجه على العموم فهو مخصوص بالخروج الذي فيه فساد كما ~~قال أكثر الفقهاء: إن الشواب التي في خروجهن فساد يمنعهن. فقصد بذلك تخصيص ~~اللفظ الذي ظاهره أنها علمت من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأذن ~~في مثل هذا الخروج لا أنها قصدت منع النساء مطلقا. فإنه ليس كل النساء ~~أحدثن وإنما قصدت منع المحدثات. " الجواب الثاني ": أن هذا الحديث الوارد ~~في أوعية لحوم الحمر حجة أيضا في المسألة فإنه أمر أولا بتكسير الأوعية ثم ~~لما استأذنوه # PageV29P296 # في الغسل أذن فيه فعلم بذلك أن الكسر لا يجب وليس فيه أنه لا يجوز؛ بل ~~يقال: يجوز الأمران. الكسر والغسل. وكذلك يقال في أوعية الخمر: إنه يجوز ~~إتلافها ويجوز تطهيرها فإذا كان الأصلح الإتلاف أتلفت ولو أن صاحب أوعية ~~الخمرة والملاهي طهر ms8644 الأوعية وغسل الآلات لجاز بالاتفاق؛ لكن إذا أظهر ~~المنكر حتى أنكر عليه فإنه يستحق العقوبة بالإتلاف. والصحابة رضي الله عنهم ~~لم يكونوا علموا التحريم فأسقط عنهم الإتلاف لذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يتجر في الأقباع: هل يجوز له بيع القبع المرعزي وشراؤه والاكتساب ~~منه وما يجري مجراه من الحرير الصامت؟ أو يحرم عليه لكون القبع لبس الرجال ~~دون النساء؟ وهل يجوز للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ أو اليهود ~~والنصارى ومن يجري مجراهم؟ أو يحرم جميع ذلك؟ وهل يجوز لمن يتجر في هذا ~~الصنف وغيره أن يبيع لأهل البادية والنساء والصبيان ممن يجهل القيمة ما ~~ثمنه درهم بدرهمين أو قريب منها مع علمه أن الذي يشتريه لو # PageV29P297 # احتاج إلى ثمنه في بقية يومه لم يصل إلى الدرهم الذي هو أصل ثمنه بل أقل ~~منه أو يحرم عليه ذلك؟ وما القدر الذي يجوز من الكسب فيما يباع مساومة وهل ~~هو الثلث أو أقل منه أو أكثر؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما أقباع الحرير: فيحرم لبسها على الرجال ~~والنساء أما على الرجال فلأنها حرير ولبس الحرير حرام على الرجال بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإجماع العلماء؛ وإن كان مبطنا بقطن أو كتان. وأما ~~على النساء؛ فلأن الأقباع من لباس الرجال وقد {لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء} . وأما ### | لباس الحرير للصبيان # الذين لم يبلغوا. ففيه قولان مشهوران للعلماء؛ لكن أظهرهما أنه لا يجوز؛ ~~فإن ما حرم على الرجال فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير؛ بل عليه أن يأمره ~~بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضربه عليها إذا بلغ عشرا فكيف يحل له أن يلبسه ~~المحرمات. وقد رأى عمر بن الخطاب على صبي للزبير ثوبا من حرير فمزقه وقال: ~~لا تلبسوهم الحرير. وكذلك ابن عمر مزق ثوب حرير كان على ابنه وما حرم لبسه ~~لم تحل صناعته ولا بيعه لمن يلبسه من # PageV29P298 # أهل التحريم. ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم. ms8645 فلا يحل للرجل أن يكتسب ~~بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان وهذه ~~مثل الإعانة على الفواحش ونحوها. وكذلك لا يباع الحرير لرجل يلبسه من أهل ~~التحريم. وأما إذا بيع الحرير للنساء فيجوز. وكذلك إذا بيع لكافر؛ فإن عمر ~~بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك. ~~وأما البيع فلا يجوز أن يباع لمسترسل إلا بالسعر الذي يباع به غيره لا يجوز ~~لأحد استرساله أن يغبن من الربح غبنا يخرج عن العادة. وقدر ذلك بعض العلماء ~~بالثلث وآخرون بالسدس وبعضهم قالوا: يرجع في ذلك إلى عادة الناس مما جرت به ~~عادتهم من الربح على المماكسين ما يربحونه على المسترسل. والمسترسل قد فسر ~~بأنه الذي لا يماكس بل يقول: خذ وأعطني. وبأنه الجاهل بقيمة المبيع فلا ~~يغبن غبنا فاحشا لا هذا ولا هذا. وفي الحديث {غبن المسترسل ربا} . ومن علم ~~أنه يغبنهم استحق العقوبة؛ بل يمنع من الجلوس في سوق المسلمين حتى يلزم ~~طاعة الله ورسوله وللمغبون أن يفسخ البيع فيرد عليه السلعة ويأخذ منه ~~الثمن. وإذا تاب هذا الغابن # PageV29P299 # الظالم ولم يمكنه أن يرد إلى المظلومين حقوقهم فليتصدق بمقدار ما ظلمهم ~~عنهم؛ لتبرأ ذمته من ذلك. وبيع المساومة إذا كان مع أهل الخبرة بالأسعار ~~التي يشترون بها السلع في غالب الأوقات فإنهم يباع غيرهم كما يباعون فلا ~~يربح على المسترسل أكثر من غيره. وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند ~~هذا الشخص. ينبغي له أن يربح عليه مثل ما يربح على غير المضطر؛ فإن في ~~السنن {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر} ولو كانت الضرورة ~~إلى ما لا بد منه: مثل أن يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس؛ فإنه ~~يجب عليه أن لا يبيعهم إلا بالقيمة المعروفة بغير اختياره ولا يعطوه زيادة ~~على ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل باع قمحا بثمن مؤجل فلما حل الأجل لم يكن عند ms8646 المدين إلا قمحا. ~~فهل له أن يأخذ منه قمحا؟ # فأجاب: # نعم يجوز له أن يأخذ منه قمحا وليس ذلك ربا عند # PageV29P300 # جمهور العلماء: كأبي حنيفة والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد. وإذا كان أخذ ~~القمح أرفق بالمدين من أن يكلفه بيعه وإعطاء الدراهم فالأفضل للغريم أخذ ~~القمح والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى غلة بدرهم معين إلى أجل وعند نهاية الأجل قصد صاحب الدين ~~أخذ ماله فلم يجد شيئا إلا غلة قيمتها بالسعر في ذلك الوقت وتعينت بالدراهم ~~عن براءة الذمة فهل يجوز لصاحب الدين أن يأخذ الغلة بالسعر الواقع؟ # فأجاب: # هذه المسألة فيها قولان: مثل أن يبيع حنطة إلى أجل ثم يأخذ عن الثمن حنطة ~~فعند مالك وأحمد لا يصح هذا؛ وعند أبي حنيفة والشافعي لا بأس به وهو قول ~~بعض أصحاب أحمد. # وسئل: # عن رجل له في ذمة رجل دين وللمديون ولد فقال ولد المديون لرب الدين: بعني ~~سلعة إلى أجل وأنا أبيعها بالدراهم الحاضرة # PageV29P301 # ويوفي ما على والده؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان مقصود المشتري الدراهم وغرضه أن يشتري السلعة إلى أجل ~~ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذه تسمى " مسألة التورق " لأن غرضه الورق لا السلعة. ~~وقد اختلف العلماء في كراهته فكرهه عمر بن عبد العزيز وطائفة من أهل ~~المدينة: من المالكية وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد ورخص فيه آخرون ~~والأقوى كراهته. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل عليه دين ويحتاج إلى بضاعة أو حيوان لينتفع به أو يتجر فيه ~~فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده. هل للمطلوب منه أن يشتريه ثم يدينه منه ~~إلى أجل؟ وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل ~~الشراء؟ . # فأجاب: # من كان عليه دين فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه وإن كان معسرا وجب ~~إنظاره ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها. وأما البيع إلى أجل ابتداء ~~فإن كان قصد المشتري الانتفاع بالسلعة # PageV29P302 # والتجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح. وأما إن كان ms8647 مقصوده الدراهم ~~فيشتري بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا مذموم منهي عنه في ~~أظهر قولي العلماء. وهذا يسمى " التورق " قال عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنها التورق أخية الربا. # وسئل: # عمن طلب من إنسان سلعة تساوي خمسة عشر قال: إنه ما يعطى إلا بثمانية ~~وعشرين فهل يجوز للآخذ أن يأخذ مع علمه بالزيادة؟ . # فأجاب: # إن كان المشتري محتاجا إلى الدراهم فاشتراها ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا ~~يسمى " التورق " وإن كان المشتري غرضه أخذ الورق فهذا مكروه في أظهر قولي ~~العلماء كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا. وقال ابن عباس: إذا ~~قومت بنقد ثم بعت بنسيئة: فتلك دراهم بدراهم وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. # PageV29P303 # وسئل: # عن تاجرين عرضت عليهما سلعة للبيع فرغب في شرائها كل واحد منهما فقال ~~أحدهما للآخر أشتريها شركة بيني وبينك وكانت نيته أن لا يزيد عليه في ثمنها ~~وينفرد فيها فرغب في الشركة لأجل ذلك فاشتراها أحدهما ودفع ثمنها من مالهما ~~على السوية. فهل يصح هذا البيع والحالة هذه؟ أو يكون في ذلك دلسة على ~~بائعها والحالة هذه؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا كان في السوق من يزايدهما ولكن أحدهما ترك مزايدة ~~صاحبه خاصة لأجل مشاركته له: فهذا لا يحرم؛ فإن باب المزايدة مفتوح وإنما ~~ترك أحدهما مزايدة الآخر؛ بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق على أن لا يزايدوا ~~في سلع هم محتاجون لها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها ويتقاسمونها بينهم فإن ~~هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقي السلع إذا باعها مساومة؛ فإن ذلك فيه ~~من بخس الناس ما لا يخفى والله أعلم. # PageV29P304 # وسئل - رحمه الله -: # عن سماسرة في فندق من جملتهم ثلاثة يشترون من يد بعضهم لبعض ثم إنهم ~~يزيدون في الشراء ويقسمون الفائدة، فهل يجوز ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا يجوز للدلال - الذي هو وكيل البائع في المناداة - أن يكون ~~شريكا لمن يزيد بغير علم البائع؛ فإن هذا يكون هو الذي يزيد ويشتري في ~~المعنى. وهذا خيانة للبائع ومن ms8648 عمل مثل هذا لم يجب أن يزيد أحد عليه ولم ~~ينصح البائع في طلب الزيادة وإنهاء المناداة. وإذا تواطأ جماعة على ذلك ~~فإنهم يستحقون التعزير البليغ الذي يردعهم وأمثالهم عن مثل هذه الخيانة ومن ~~تعزيرهم أن يمنعوا من المناداة، حتى تظهر توبتهم. والله أعلم. # PageV29P305 # وسئل - رحمه الله -: # عن معسر تداين من رجل قمحا بأضعاف قيمته ولم يتغير سعره من مدة ما ~~استدانه وإلى أجل استحقاقه عليه أدانه إياه ووصفه له بصفة. وذكر له أنه ~~يساوي ستة عشر كل إردب. وكتب حجة. ووقع الاتفاق بينهما على أن كل إردب ~~باثنين وثلاثين. باعه المديون ببينة وإشهاد باثني عشر درهم الإردب؛ بخلاف ~~ما وصفه المستدين. وقد استحق الأجل. وعسر المديون في طلب ما عليه. فهل ~~يطالب المديون بقيمة المثل؟ أو بما كتب عليه؟ أو بقمح مثل قمحه؟ . # فأجاب: # أما المعسر فلا يجوز مطالبته بما أعسر عنه وإن كان حقا واجبا وجب إنظاره ~~به. وإن كان معاملة ربوية لم يجز أن يطالب إلا برأس ماله. وبيع العين ~~الغائبة بغير صفة بيع باطل يجب فيه رد المبيع أو رد بدله. ولا يستحق فيه ~~الثمن المسمى. فكيف إذا قال: هذا يساوي الساعة كذا وكذا وأنا أبيعكه بكذا. ~~أكثر منه إلى أجل؟ فهذا ربا. كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - إذا قومت ~~نقدا وبعت نقدا فلا بأس وإذا قومت نقدا وبعت إلى أجل # PageV29P306 # فتلك دراهم بدراهم. وهذا قوم نقدا وباع إلى أجل. وإذا كان المشتري قد فسخ ~~البيع لفوات الصفة ولم يمكنه رد المبيع إلى البائع بعينه ولا حفظه بعينه ~~عند أحد فباعه وحفظ له ثمنه لم يجب عليه غير ذلك الثمن. إذا كان قد باعه ~~بثمن مثله. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل مراب خلف مالا وولدا وهو يعلم بحاله. فهل يكون المال حلالا للولد ~~بالميراث؟ أم لا؟ . # فأجاب: # أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن ~~أمكن وإلا تصدق به. والباقي لا يحرم عليه؛ لكن القدر المشتبه يستحب له ms8649 ~~تركه. إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال. وإن كان الأب قبضه ~~بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء. جاز للوارث الانتفاع به. ~~وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما جعل ذلك نصفين. # PageV29P307 # وسئل: # عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ . # فأجاب: # يخرج قدر الحرام بالميزان. فيدفعه إلى صاحبه. وقدر الحلال له. وإن لم ~~يعرفه وتعذرت معرفته: تصدق به عنه. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة كانت مغنية. واكتسبت في جهلها مالا كثيرا. وقد تابت وحجت إلى ~~بيت الله تعالى: وهي محافظة على طاعة الله. فهل المال الذي اكتسبته من حل ~~وغيره؛ إذا أكلت وتصدقت منه؛ تؤجر عليه؟ . # فأجاب: # المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها. وإنما حرمت بالقصد. ~~مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا. أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها. فهذا ~~يفعله بالعوض؛ لكن لا يطيب له أكله. # PageV29P308 # وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة: كمهر البغي وثمن الخمر. فهنا لا ~~يقضى له به قبل القبض. ولو أعطاه إياه لم يحكم برده؛ فإن هذا معونة لهم على ~~المعاصي: إذا جمع لهم بين العوض والمعوض. ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ~~ونحوهما؛ لكن يصرف في مصالح المسلمين. فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار ~~وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم فإن كان يقدر ~~يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال وإن اقترضوا منه ~~شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن. وأما إذا تصدق به لاعتقاده ~~أنه لا يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك وأما إن تصدق به كما يتصدق ~~المالك بملكه فهذا لا يقبله الله - إن الله لا يقبل إلا الطيب - فهذا خبيث ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {مهر البغي خبيث} . # و ### | سئل: # عن الجهات بالزكاة والضمان بالأسواق # وغيرها إذا أجراهم # PageV29P309 # السلطان في أقطاع الجند: حلال؟ أم حرام؟ . # فأجاب: # أما إذا كان الرجل محتاجا. والجهة فيها حلال ms8650 وحرام أو فيها شبهة فينبغي ~~لصاحبها إذا أخذها ولا بد أن يصرفها في الأمور البرانية مثل علف دابته ~~والكلف السلطانية ونحو ذلك. وإذا تصدق بها على الفقراء أو نوى الصدقة بها ~~عمن يستحقها كان ذلك حسنا والله أعلم. # وسئل: # عن رجل له إقطاع بالأطرون وكان عادة المسلمين أن يشتري الأطرون الصعاليك ~~ويبيعوه كل رطل بثلاثة فلوس ولما كان زمان بيبرس جاء شخص ضمن الأطرون أن لا ~~يبيع أحد ولا يشتري إلا من تحت يد الضامن بثلاثة وعشرين درهما القنطار فهل ~~هو حلال؟ أم حرام؟ # فأجاب: # من كان الأطرون قد أخذه بحق لم يجز لأحد أن يكره أحدا على الشراء منه ولا ~~يمنعه أن يشتري من غيره؛ بل إذا أخذه بحق وباعه كما تباع سلع المسلمين بذلك ~~جاز. # PageV29P310 # وسئل الشيخ الإمام العالم العامل شيخ الإسلام وقطب الأئمة الأعلام ومن ~~عمت بركاته أهل العراقين والشام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي متع الله المسلمين ببركاته ~~وكان بالديار المصرية: # عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن ~~وجوده في هذا الزمان. فقيل له: لم ذلك؟ فذكر: إن وقعة المنصورة لم تقسم ~~الغنائم فيها واختلطت الأموال بالمعاملات بها. فقيل له: إن الرجل يؤجر نفسه ~~لعمل من الأعمال المباحة ويأخذ أجرته حلال. فذكر إن الدرهم في نفسه حرام. ~~فقيل له: كيف قبل الدرهم التغير أولا فصار حراما بالسبب الممنوع ولم يقبل ~~التغير فيكون حلالا بالسبب المشروع فما الحكم في ذلك؟ ؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد الله، هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا ~~الزمان غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الإسلام؛ فإن مثل هذه المقالة كان ~~يقولها بعض أهل # PageV29P311 # البدع وبعض أهل الفقه الفاسد وبعض أهل النسك الفاسد فأنكر الأئمة ذلك حتى ~~الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة. وجاء رجل من النساك ~~فذكر له شيئا من هذا فقال: انظر ms8651 إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين. وقال: ~~بلغني أن بعض هؤلاء. يقول: من سرق لم تقطع يده؛ لأن المال ليس بمعصوم ومثل ~~هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر بناء على هذه الشبهة ~~الفاسدة وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود الفاسدة ~~ولم يتميز الحلال من الحرام. ووقعت هذه الشبهة عند طائفة من مصنفي الفقهاء ~~فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة وطائفة لما رأت مثل هذا ~~الحرج سدت باب الورع. فصاروا نوعين: المباحية لا يميزون بين الحلال ~~والحرام؛ بل الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموه؛ لأنهم ظنوا مثل هذا ~~الظن الفاسد وهو أن الحرام قد طبق الأرض ورأوا أنه لا بد للإنسان من الطعام ~~والكسوة فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكن. فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع ~~الفاسد كيف أورث الانحلال عن دين الإسلام # PageV29P312 # وهؤلاء يحكون في الورع الفاسد حكايات بعضها كذب ممن نقل عنه وبعضها غلط. ~~كما يحكون عن الإمام أحمد: أن ابنه صالحا لما تولى القضاء لم يكن يخبز في ~~داره وأن أهله خبزوا في تنوره فلم يأكل الخبز فألقوه في دجلة فلم يكن يأكل ~~من صيد دجلة. وهذا من أعظم الكذب والفرية على مثل هذا الإمام ولا يفعل مثل ~~هذا إلا من هو من أجهل الناس أو أعظمهم مكرا بالناس واحتيالا على أموالهم ~~وقد نزهه الله عن هذا وهذا. وكل عالم يعلم أن ابنه لم يتول القضاء في حياته ~~وإنما تولاه بعد موته؛ ولكن كان الخليفة المتوكل قد أجاز أولاده وأهل بيته ~~جوائز من بيت المال فأمرهم أبو عبد الله أن لا يقبلوا جوائز السلطان ~~فاعتذروا إليه بالحاجة فقبلها من قبلها منهم فترك الأكل من أموالهم ~~والانتفاع بنيرانهم في خبز أو ماء؛ لكونهم قبلوا جوائز السلطان. وسألوه عن ~~هذا المال: أحرام هو؟ فقال: لا. فقالوا أنحج منه؟ فقال: نعم وبين لهم أنه ~~إنما امتنع منه لئلا يصير ذلك سببا إلى أن يداخل الخليفة فيما يريد كما قال ~~النبي صلى ms8652 الله عليه وسلم {خذ العطاء ما كان عطاء فإذا كان عوضا عن دين ~~أحدكم فلا يأخذه} ولو ألقي في دجلة الدم والميتة ولحم الخنزير وكل حرام في ~~الوجود لم يحرم صيدها ولم تحرم. ومن الناس من آل به الإفراط في الورع إلى ~~أمر اجتهد فيه # PageV29P313 # فيثاب على حسن قصده؛ وإن كان المشروع خلاف ما فعله. مثل من امتنع من أكل ~~ما في الأسواق ولم يأكل إلا ما ينبت في البراري ولم يأكل من أموال ~~المسلمين؛ وإنما يأكل من أموال أهل الحرث وأمثال ذلك مما يكون فاعله حسن ~~القصد ولا فيما فعل تأويل؛ لكن الصواب المشروع خلاف ذلك؛ فإن الله سبحانه ~~خلق الخلق لعبادته وأمرهم بذلك وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ~~فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد ~~يده إلى السماء. يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى ~~يستجاب لذلك} فقد بين صلى الله عليه وسلم أن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين من أكل الطيبات. كما أمرهم بالعمل الصالح والعمل الصالح لا يمكن ~~إلا بأكل وشرب ولباس. وما يحتاج إليه العبد من مسكن ومركب وسلاح يقاتل به ~~وكراع يقاتل عليه وكتب يتعلم منها وأمثال ذلك مما لا يقوم ما أمر الله به ~~إلا به وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا كان القيام بالواجبات فرضا ~~على جميع العباد وهي لا تتم إلا بهذه الأموال فكيف يقال: إنه قليل؛ بل هو ~~كثير غالب؛ بل هو # PageV29P314 # الغالب على أموال الناس. ولو كان الحرام هو الأغلب والدين لا يقوم في ~~الجمهور إلا به للزم أحد أمرين: إما ترك الواجبات من أكثر الخلق. وإما ~~إباحة الحرام لأكثر الخلق وكلاهما باطل. و " الورع " من قواعد الدين ففي ~~الصحيح عن ms8653 النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الحلال ~~بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك ~~الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ~~حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا ~~وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ~~ألا وهي القلب} . وفي الحديث الآخر: {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} {ورأى ~~تمرة ساقطة فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها} . وهذا مبسوط ~~في غير هذا الموضع. # وهذا يتبين بذكر أصول: " أحدها ": أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه ~~حرام كان حراما؛ إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو ~~قياس مرجح لذلك وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول. ومن الناس # PageV29P315 # من يكون نشأ على مذهب إمام معين أو استفتى فقيها معينا أو سمع حكاية عن ~~بعض الشيوخ فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك وهذا غلط ولهذا نظائر. # منها " مسألة المغانم " فإن السنة أن تجمع وتخمس وتقسم بين الغانمين ~~بالعدل. وهل يجوز للإمام أن ينفل من أربعة أخماسها؟ فيه قولان. فمذهب فقهاء ~~الثغور وأبي حنيفة وأحمد وأهل الحديث أن ذلك يجوز لما في السنن: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع بعد الخمس ونفل في رجعته الثلث بعد ~~الخمس} وقال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي: لا يجوز ذلك؛ بل يجوز عند مالك ~~التنفيل من الخمس ولا يجوز عند الشافعي إلا من خمس الخمس. كان أحمد يعجب من ~~سعيد بن المسيب ومالك كيف لم تبلغهما هذه السنة مع وفور علمهما. وقد ثبت في ~~الصحيحين {عن ابن عمر أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ~~قبل نجد فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا} ومعلوم أن السهم ~~إذا كان اثني عشر بعيرا لم ms8654 يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه لكل واحد بعير؛ فإن ~~ذلك لا يكون إلا إذا كان السهم أربعة وعشرين بعيرا. وكذلك إذا فضل الإمام ~~بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV29P316 # سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم راجل وفارس فإن ذلك يجوز في أصح قولي ~~العلماء. ومنهم من لا يجيزه كما تقدم. وكذلك إذا قال الإمام: من أخذ شيئا ~~فهو له ولم تقسم الغنائم. فهذا جائز في أحد قولي العلماء وهو ظاهر مذهب ~~أحمد ولا يجوز في القول الآخر وهو المشهور من مذهب الشافعي وفي كل من ~~المذهبين خلاف. وعلى مثل هذا الأصل تنبني " الغنائم في الأزمان المتأخرة " ~~مثل الغنائم التي كان يغنمها السلاجقة الأتراك والغنائم التي غنمها ~~المسلمون من النصارى من ثغور الشام ومصر؛ فإن هذه أفتى بعض الفقهاء - كأبي ~~محمد الجويني والنواوي - أنه لا يحل لمسلم أن يشتري منها شيئا ولا يطأ منها ~~فرجا ولا يملك منها مالا ولزم من هذا القول من الفساد ما الله به عليم. ~~فعارضهم أبو محمد بن سباع الشافعي فأفتى: أن الإمام لا يجب عليه قسمة ~~المغانم بحال ولا تخميسها وأن له أن يفضل الراجل وأن يحرم بعض الغانمين ~~ويخص بعضهم وزعم أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي ذلك. وهذا القول ~~خلاف الإجماع والذي قبله باطل ومنكر أيضا فكلاهما انحراف. والصواب في مثل ~~هذه أن الإمام إذا قال: من أخذ شيئا فهو له. # PageV29P317 # فإن قيل بجواز ذلك فمن أخذ شيئا ملكه وعليه تخميسه؛ وإن كان الإمام لم ~~يقل ذلك ولم يهبهم المغانم؛ بل أراد منها ما لا يسوغ بالاتفاق. أو قيل: إنه ~~يجب عليه أن يقسم بالعدل ولا يجوز له الإذن بالانتهاب. فهنا المغانم مال ~~مشترك بين الغانمين؛ ليس لغيرهم فيها حق. فمن أخذ منها مقدار حقه جاز له ~~ذلك. وإذا شك في ذلك: فإما أن يحتاط ويأخذ بالورع المستحب. أو يبني على ~~غالب ظنه. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. كذلك " المزارعة ms8655 " على أن يكون ~~البذر من العامل التي يسميها بعض الناس المخابرة. وقد تنازع فيها الفقهاء؛ ~~لكن ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة جوازها؛ فإنه عامل أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم. # وأما نهيه عن المخابرة: فقد جاء مفسرا في الصحيح؛ فإن المراد به أن يشترط ~~للمالك زرع بقعة بعينها. وكذلك كراء الأرض بجزء من الخارج منها. فجوزه أبو ~~حنيفة والشافعي وأحمد: في المشهور عنه. ونهى عنه مالك وأحمد في رواية. ~~ونظائر ذلك كثيرة. فهذا بين. # الأصل الثاني: أن المسلم إذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقبض المال جاز ~~لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال. وإن لم يعتقد جواز تلك ~~المعاملة؛ فإنه قد ثبت أن عمر بن الخطاب # PageV29P318 # رضي الله عنه رفع إليه أن بعض عماله يأخذ خمرا من أهل الذمة عن الجزية ~~فقال قاتل الله فلانا أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {قاتل ~~الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها} . ثم قال ~~عمر: ولوهم بيعها وخذوا منهم أثمانها. فأمر عمر أن يأخذوا من أهل الذمة ~~الدراهم التي باعوا بها الخمر؛ لأنهم يعتقدون جواز ذلك في دينهم. ولهذا قال ~~العلماء: إن الكفار إذا تعاملوا بينهم بمعاملات يعتقدون جوازها وتقابضوا ~~الأموال ثم أسلموا كانت تلك الأموال لهم حلالا وإن تحاكموا إلينا أقررناها ~~في أيديهم سواء تحاكموا قبل الإسلام أو بعده. وقد قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ~~ما بقي في الذمم من الربا ولم يأمرهم برد ما قبضوه لأنهم كانوا يستحلون ~~ذلك. # والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل الربوية التي يفتي بها من ~~يفتي من أصحاب أبي حنيفة وأخذ ثمنه أو زارع على أن البذر من العامل أو أكرى ~~الأرض بجزء من الخارج منها ونحو ذلك وقبض المال جاز لغيره من المسلمين أن ~~يعامله في ذلك المال وإن لم ms8656 يعتقد جواز تلك المعاملة بطريق الأولى والأحرى ~~ولو أنه تبين له فيما بعد رجحان التحريم لم يكن عليه إخراج المال الذي كسبه # PageV29P319 # بتأويل سائغ؛ فإن هذا أولى بالعفو والعذر من الكافر المتأول ولما ضيق بعض ~~الفقهاء هذا على بعض أهل الورع ألجأه إلى أن يعامل الكفار ويترك معاملة ~~المسلمين. ومعلوم أن الله ورسوله لا يأمر المسلم أن يأكل من أموال الكفار ~~ويدع أموال المسلمين؛ بل المسلمون أولى بكل خير والكفار أولى بكل شر. # الأصل الثالث: أن الحرام نوعان: حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير. ~~فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة وغير طعمه أو لونه أو ريحه ~~حرمه. وإن لم يغيره ففيه نزاع ليس هذا موضعه. والثاني الحرام لكسبه: ~~كالمأخوذ غصبا أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه فلو غصب الرجل ~~دراهم أو دنانير أو دقيقا أو حنطة أو خبزا وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع ~~لا على هذا ولا على هذا؛ بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه ويأخذ هذا قدر ~~حقه وهذا قدر حقه وإن كان قد وصل إلى كل منهما عين مال الآخر؛ الذي أخذ ~~الآخر نظيره. وهل يكون الخلط كالإتلاف؟ فيه وجهان في مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما. أحدهما: أنه كالإتلاف فيعطيه مثل حقه من أين أحب. # PageV29P320 # والثاني أن حقه باق فيه. فللمالك أن يطلب حقه من المختلط فهذا أصل نافع؛ ~~فإن كثيرا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال ~~حرم الجميع فهذا خطأ؛ وإنما تورع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة وأما مع ~~الكثرة فما أعلم فيه نزاعا. # الأصل الرابع: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند ~~جماهير العلماء كمالك وأحمد وغيرهما فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عوار أو ~~ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم أو يصرفها في ~~مصالح المسلمين أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها في مصالح المسلمين المصالح ~~الشرعية. ومن الفقهاء من يقول: توقف أبدا حتى يتبين أصحابها؟ ms8657 والصواب ~~الأول. فإن حبس المال دائما لمن لا يرجى لا فائدة فيه؛ بل هو تعرض لهلاك ~~المال واستيلاء الظلمة عليه. وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل ~~بيته ليأتي بالثمن فخرج فلم يجد البائع فجعل يطوف على المساكين ويتصدق ~~عليهم بالثمن ويقول: اللهم عن رب الجارية فإن قبل فذاك وإن لم يقبل فهو لي ~~وعلي له مثله يوم القيامة. وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة وتاب ~~بعد تفرقهم أن يتصدق بذلك عنهم ورضي بهذه الفتيا الصحابة والتابعون الذين ~~بلغتهم كمعاوية وغيره من أهل الشام وهذا يبين: # PageV29P321 # الأصل الخامس: وهو الذي يكشف سر المسألة وهو أن المجهول في الشريعة ~~كالمعدوم والمعجوز عنه؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} فالله إذا أمرنا بأمر كان ذلك ~~مشروطا بالقدرة عليه والتمكن من العمل به. فما عجزنا عن معرفته أو عن العمل ~~به سقط عنا؛ ولهذا {قال صلى الله عليه وسلم في اللقطة: فإن جاء صاحبها ~~فأداها إليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء} فهذه اللقطة كانت ملكا لمالك ~~ووقعت منه فلما تعذر معرفة مالكها قال النبي صلى الله عليه وسلم {هي مال ~~الله يؤتيه من يشاء} فدل ذلك على أن الله شاء أن يزيل عنها ملك ذلك المالك ~~ويعطيها لهذا الملتقط الذي عرفها سنة. ولا نزاع بين الأئمة أنه بعد تعريف ~~السنة يجوز للملتقط أن يتصدق بها. وكذلك له أن يتملكها إن كان فقيرا. وهل ~~له التملك مع الغنى؟ . فيه قولان مشهوران. ومذهب الشافعي وأحمد أنه يجوز ~~ذلك. وأبو حنيفة لا يجوزه. ولو مات رجل ولم يعرف له وارث صرف ماله في مصالح ~~المسلمين وإن كان في نفس الأمر له وارث غير معروف حتى لو تبين الوارث يسلم ~~إليه ماله وإن كان قبل تبينه يكون صرفه إلى من يصرفه جائزا # PageV29P322 # وأخذه له غير حرام مع ms8658 كثرة من يموت وله عصبة بعد لم تعرف. وإذا تبين هذا ~~فيقال: ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض ~~إن عرفه المسلم اجتنبه. فمن علمت أنه سرق مالا أو خانه في أمانته أو غصبه ~~فأخذه من المغصوب قهرا بغير حق لم يجز لي أن آخذه منه؛ لا بطريق الهبة ولا ~~بطريق المعاوضة ولا وفاء عن أجرة ولا ثمن مبيع ولا وفاء عن قرض فإن هذا عين ~~مال ذلك المظلوم. وأما إن كان ذلك المال قبضه بتأويل سائغ في مذهب بعض ~~الأئمة جاز لي أن أستوفيه من ثمن المبيع والأجرة والقرض وغير ذلك من ~~الديون. وإن كان مجهول الحال فالمجهول كالمعدوم والأصل فيما بيد المسلم أن ~~يكون ملكا له إن ادعى أنه ملكه أو يكون وليا عليه؛ كناظر الوقف وولي اليتيم ~~وولي بيت المال. أو يكون وكيلا فيه. وما تصرف فيه المسلم أو الذمي بطريق ~~الملك أو الولاية جاز تصرفه. فإذا لم أعلم حال ذلك المال الذي بيده بنيت ~~الأمر على الأصل ثم إن كان ذلك الدرهم في نفس الأمر قد غصبه هو ولم أعلم ~~أنا كنت جاهلا بذلك والمجهول كالمعدوم فليس أخذي لثمن المبيع وأجرة العمل ~~وبدل القرض بدون أخذي اللقطة؛ فإن اللقطة أخذتها بغير # PageV29P323 # عوض ثم لم أعلم مالكها وهذا المال لا أعلم له مالكا غير هذا وقد أخذته ~~عوضا عن حقي فكيف يحرم هذا علي لكن إن كان ذلك الرجل معروفا - بأن في ماله ~~حراما - ترك معاملته ورعا. وإن كان أكثر ماله حراما ففيه نزاع بين العلماء. ~~وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلا ومن ترك معاملته ورعا كان قد ~~ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. وبهذا يتبين الحكم في سائر ~~الأموال؛ فإن هذا الغالط يقول: إن هذه اللحوم والألبان التي تؤكل قد تكون ~~في الأصل قد نهبت أو غصبت. فيقال: المجهول كالمعدوم فإذا لم نعلم كان ذلك ~~في حقنا كأنه لم يكن وهذا لأن الله إنما حرم المعاملات ms8659 الفاسدة لما فيها من ~~الظلم؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} ~~والغصب وأنواعه والسرقة والخيانة داخل في الظلم. وإذا كان كذلك فهذا ~~المظلوم الذي أخذ ماله بغير حق ببيع أو أجرة وأخذ منه والمشتري لا يعلم ~~بذلك ثم ينقل من المشتري # PageV29P324 # إلى غيره ثم إلى غيره ويعلم أن أولئك لم يظلموه وإنما ظالمه من اعتدى ~~عليه؛ ولكن لو علم بهم فهل له مطالبتهم بما لم يلتزموا ضمانه؟ على قولين ~~للعلماء. أصحهما أنه ليس له ذلك. مثال ذلك: أن الظالم إذا أودع ماله عند من ~~لا يعلم أنه غاصب فتلفت الوديعة فهل للمالك أن يطالب المودع؟ على قولين: ~~أصحهما أنه ليس له ذلك ولو أطعم المال لضيف لم يعلم بالظلم ثم علم المالك ~~فهل له مطالبة الضيف؟ على قولين: " أحدهما " ليس له مطالبته. ومن قال: إن ~~له مطالبته لا يقول إن أكله حرام؛ بل يقول: لا إثم عليه في أكله؛ وإنما ~~عليه أداء ثمنه بمنزلة ما اشتراه. وصاحب القول الصحيح يقول: لا إثم عليه في ~~أكله ولا غرم عليه لصاحبه بحال وإنما الغرم على الغاصب الظالم الذي أخذه ~~منه بغير حق. فإذا نظرنا إلى مال معين بيد إنسان لا نعلم أنه مغصوب ولا ~~مقبوض قبضا لا يفيد المالك واستوفيناه منه أو اتهبناه منه أو استوفيناه عن ~~أجرة أو بدل قرض لا إثم علينا في ذلك بالاتفاق. وإن كان في نفس الأمر قد ~~سوقه أو غصبه ثم إذا علمنا فيما بعد أنه مسروق فعلى أصح القولين لا يجب ~~علينا إلا ما التزمناه بالعقد أي لا يستقر علينا إلا ضمان ما التزمناه ~~بالعقد فلا يستقر علينا ضمان ما أهدى أو وهب، ولا ضمان أكثر من الثمن، ~~وكذلك الأجرة # PageV29P325 # وبدل القرض إذا كنا قد تصرفنا فيها لم يستقر علينا ضمان بدله. لكن تنازع ~~الفقهاء هنا ms8660 في " مسألة " وهي أنه: هل للمالك تضمين هذا المغرور الذي تلف ~~المال تحت يده ثم يرجع إلى الغار بما غرمه بغرور؟ أم ليس له مطالبة المغرور ~~إلا بما يستقر عليه ضمانه؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. ومثل هذا لو ~~غصب رجل جارية فاشتراها منه إنسان واستولدها أو وهبه إياها فقد اتفق ~~الصحابة والأئمة على أن أولادها من المغرور يكونون أحرارا؛ لأن الواطئ لا ~~يعلم أنها مملوكة لغيره؛ بل اعتقد أنها مملوكته مع اتفاقهم أن الولد يتبع ~~أمه في الحرية والرق ويتبع أباه في النسب والولاء ومع هذا فجعلوا ابنه حرا ~~لكون الوالد لم يعلم والمجهول كالمعدوم. وأوجبوا لسيد الجارية بدل الولد؛ ~~لأنه كان يستحقه لولا الغرور فإذا خرجوا عن ملكه بغير حق كان له بدلهم ~~وأوجبوا له مهر أمة. وقالوا في أصح القولين: أن هذا يلزم الغار الظالم الذي ~~غصب الجارية وباعها؛ لا يلزم المغرور المشتري إلا ما التزمه بالعقد وهو ~~الثمن فقط. ثم هل لصاحبها أن يطالب المغرور بفداء الولد والمهر ثم يرجع به ~~المغرور على الغار الظالم؟ أم ليس له إلا مطالبة الغار الظالم؟ على قولين: ~~هما روايتان عن أحمد. ولا نزاع بين الأمة أن وطأه ليس بحرام وأن ولده ولد ~~رشدة لا ولد عنه. فهو ولد حلال لا ولد # PageV29P326 # زنا وكذلك في سائر هذه الصور لم يتنازعوا أنه لا إثم على الآكل ولا على ~~اللابس ولا على الواطئ الذي لم يعلم. وإنما تنازعوا في الضمان؛ لأن الضمان ~~من باب العدل الواجب في حقوق الآدميين وهو يجب العمد والخطأ: {وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} فقاتل النفس خطأ لا يأثم ولا يفسق بذلك؛ ~~ولكن عليه الدية كذلك من أتلف مالا مغصوبا خطأ فعليه بدله ولا إثم عليه فقد ~~تبين أن الإثم منتف مع عدم العلم. # وحينئذ فجميع الأموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى التي لا يعلم ~~بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة ms8661 أو مقبوضة قبضا لا يجوز معه معاملة القابض ~~فإنه يجوز معاملتهم فيها بلا ريب ولا تنازع في ذلك بين الأئمة أعلمه. # ومعلوم أن غالب أموال الناس كذلك والقبض الذي لا يفيد الملك هو الظلم ~~المحض فأما المقبوض بعقد فاسد كالربا والميسر؛ ونحوهما فهل يفيد الملك؟ على ~~ثلاثة أقوال للفقهاء: " أحدها " أنه يفيد الملك، وهو مذهب أبي حنيفة. " ~~والثاني " لا يفيده وهو مذهب الشافعي وأحمد في المعروف # PageV29P327 # من مذهبه. " والثالث " أنه إن فات أفاد الملك وإن أمكن رده إلى مالكه ولم ~~يتغير في وصف ولا سعر لم يفد الملك وهو المحكي عن مذهب مالك. وهذه الأمور ~~والقواعد قد بسطناها في غير هذا الجواب؛ ولكن نبهنا على قواعد شريفة تفتح ~~باب الاشتباه في هذا الأصل؛ الذي هو أحد أصول الإسلام كما قال الإمام أحمد ~~وغيره: إن أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث: قوله: {الحلال بين والحرام ~~بين} وقوله: {إنما الأعمال بالنيات} وقوله: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد} . فإن الأعمال إما مأمورات وإما محظورات والأول فيه ذكر المحظورات ~~والمأمورات أما قصد القلب وهو النية وأما العمل الظاهر وهو المشروع الموافق ~~للسنة كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال: ~~أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. فتبين ~~أن ما ذكره هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر ولا يمكن وجوده في هذا ~~الزمان: قوله خطأ مخالف للإجماع؛ بل # PageV29P328 # الحلال هو الغالب على أموال الناس وهو أكثر من الحرام وهذا القول قد ~~يقوله طائفة من المتفقهة المتصوفة وأعرف من قاله من كبار المشايخ بالعراق ~~ولعله من أولئك انتقل إلى بعض شيوخ مصر. ثم الذي قال ذلك لم يرد أن يسد باب ~~الأكل؛ بل قال: الورع حينئذ لا سبيل إليه. ثم ذكر ما ms8662 يأتي فيما يفعل ويترك. ~~لم يحضرني الآن. فليتدبر العاقل وليعلم أنه من خرج عن القانون النبوي ~~الشرعي المحمدي الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ~~احتاج إلى أن يضع قانونا آخر متناقضا يرده العقل والدين؛ لكن من كان مجتهدا ~~امتحن بطاعة الله ورسوله فإن الله يثيبه على اجتهاده ويغفر له خطأه: {ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} . # وما ذكره: من أن وقعة المنصورة لما لم تقسم فيها المغانم واختلطت فيها ~~المغانم دخلت الشبهة. الجواب عنه من كلامين: أحدهما أن يقال: الذي اختلط ~~بأموال الناس من الحرام المحض كالغصب الذي يغصبه القادرون من الولاة ~~والقطاع. أو أهل الفتن وما يدخل في ذلك من الخيانة في المعاملات أكثر من ~~ذلك بكثير؛ # PageV29P329 # لا سيما في هذه البلاد المصرية؛ فإنها أكثر من الشام والمغرب ظلما كظلم ~~بعضهم بعضا في المعاملات بالخيانة والغش وجحد الحق ولكثرة ما فيها من ظلم ~~قطاع الطريق والفلاحين والأعراب ولكثرة ما فيها من الظلم الموضوع من ~~المتولين بغير حق فإحالة التحريم على هذا الأمر أولى من إحالته على ~~المغانم. الثاني أن تلك المغانم قد ذكرنا مذهب الفقهاء فيها وبينا أن ~~الصحيح أن الإمام إذا أذن في الأخذ من غير قسم جاز. وأنه إذا لم يجز فمن ~~أخذ مقدار حقه جاز وأن من أخذ أكثر من حقه وتعذر رده على أصحابه لعدم العلم ~~بهم فإنه يتصدق به عنهم. وأنه لو لم يتصدق به عنهم وتصرف فيه فمتى وصل إليه ~~منه شيء لم يعلم بحاله لم يكن محرما عليه ولا عليه فيه إثم. وهذا الحكم جاز ~~في سائر الغصوب المذكورة. وتبين بما ذكرناه أن من آجر نفسه أو دوابه أو ~~عقاره أو ما يتعلقه وأخذ الثمن والأجرة لم يحرم عليه. سواء علم ذلك الثمن ~~والأجرة حلالا للمالك أو لم يعلم حاله بأن كان مستورا وإن علم أنه غصب تلك ~~الدراهم أو سرقها أو قبضها بوجه لا يبيح ms8663 أخذها به لم يجز أخذها عن ثمنه ~~وأجرته مع أن هذا فيه نزاع بين الفقهاء تضيق هذه الورقة عن بسطه. # PageV29P330 # وأما قول القائل: الدرهم كيف قبل التغير وصار حراما بالسبب الممنوع ولم ~~يقبل التغير فيصير حلالا بالسبب المشروع. فيقال له: بل قبل التغير فيما حرم ~~لوصفه؛ لا بما حرم لكسبه. فالأول مثل الخمر فإنها لما كانت عصيرا لم تصر ~~حلالا طاهرا فلما تخمرت كانت حراما نجسا؛ فإذا تخللت بفعل الله من غير قصد ~~لتخليلها كانت خل خمر حلالا طاهرا باتفاق العلماء؛ وإنما تنازعوا فيما إذا ~~قصد تخليلها. وتنازعوا في سائر النجاسات كالخنزير إذا صار ملحا والنجاسة ~~إذا صارت رمادا. فقيل: لا يطهر كقول الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد. و " الثاني " مثل المال المغصوب هو حرام؛ لأنه قبض بالظلم فإذا قبض ~~بحق أبيح: مثل أن يأذن فيه المالك للغاصب أو يهبه إياه أو يبيعه منه أو ~~يقبضه المالك أو وليه أو وكيله. ثم الغاصب إذا أعطاه لمن لا يعلم أنه مغصوب ~~كان قبضه بحق؛ لأن الله لم يكلفه ما لا يعلم كذلك بين قبضه من القابض بحق. ~~وقد تقدم الكلام في الضمان. والله أعلم. # PageV29P331 ### | باب الشروط في البيع # سئل - رحمه الله -: # عن رجل مسلم اشترى جارية كتابية وشرط له البائع أنها طباخة جيدة، وأنها ~~تصنع الخمر والنبيذ فهل يصح؟. # فأجاب: # اشتراط كونها تصنع الخمر والنبيذ شرط باطل باتفاق المسلمين والعقد مع ذلك ~~فاسد. أما على قول من يقول: إن الشرط الفاسد يفسد العقد كما هو المشهور من ~~مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين فظاهر. وأما على ~~القول الآخر فإنه لو باعها بدون شرط لم يجز أن يشتري الجارية؛ لأجل كونها ~~تصنع الخمر كما لا يجوز أن يشتري عينا ليعصي الله بها مثل أن يشتري عصيرا ~~ليعمله خمرا ويشتري سلاحا ليقاتل المسلمين: في أصح قولي العلماء كما هو ~~مذهب مالك وأحمد # PageV29P332 # وغيرهما كما قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} . # وسئل: # عن رجل ms8664 اشترى من رجل دارا بألف درهم وهي تساوي ألفي درهم ثم إن المشتري ~~أجر البائع الدار مدة من الشهور بدراهم معلومة في تاريخه على الفور وهو ~~بينهما بيع أمانة في الباطن. هل يصح هذا العقد على هذا الحكم؟ وهل يلزم ~~البائع الأصلي مبلغ مدة الإجارة؟ أم لا؟ وقد ورد في الحديث أنه روي عن أبي ~~بن كعب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم {عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه نهى عن قرض جر منفعة} وهل ذلك من نوع ذلك أم لا؟ وهل جاء في الحديث {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسلف من رجل بكرا فجاءته إبل الصدقة فأمرني ~~أن أقضي الرجل بكرا فقلت لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء} وهل ذلك من الأحاديث ~~الصحاح أم لا؟ . # فأجاب: # إذا كان المقصود أن يأخذ أحدهما من الآخر دراهم # PageV29P333 # وينتفع المعطي بعقار الآخر مدة مقام الدراهم في ذمته فإذا أعاد الدراهم ~~إليه أعاد إليه العقار فهذا حرام بلا ريب وهذا دراهم بدراهم مثلها ومنفعة ~~الدار وهو الربا البين، وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة ~~على قرضه كان ذلك حراما وكذلك إذا تواطأ على ذلك في أصح قولي العلماء وقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في ~~بيع ولا ربح ما لم يضمن. ولا بيع ما ليس عندك} حرم النبي صلى الله عليه ~~وسلم الجمع بين السلف والبيع؛ لأنه إذا أقرضه وباعه: حاباه في البيع لأجل ~~القرض وكذلك إذا آجره وباعه. وما يظهرونه من بيع الأمانة الذي يتفقون فيه ~~على أنه إذا جاءه بالثمن أعاد إليه المبيع هو باطل باتفاق الأئمة سواء شرطه ~~في العقد أو تواطأ عليه قبل العقد على أصح قولي العلماء والواجب في مثل هذا ~~أن يعاد العقار إلى ربه والمال إلى ربه ويعزر كل من الشخصين إن كانا علما ~~بالتحريم. والقرض ms8665 الذي يجر منفعة قد ثبت النهي عنه عن غير واحد من الصحابة ~~الذين ذكرهم السائل وغيرهم: كعبد الله بن سلام وأنس بن مالك وروي ذلك ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه وغيره. وفي صحيح ~~البخاري عن عبد الله بن سلام: " إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا أقرضت رجلا ~~قرضا فأهدى لك حمل تبن أو حمل # PageV29P334 # قت فاحسبه له من قرضه " وقال رجل لابن عباس: إني أقرضت سماكا عشرين درهما ~~فأهدى لي سمكة فقومتها ثلاثة عشر درهما فقال لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم. ~~وحديث البكر حديث صحيح. فإذا وفاه المقرض خيرا من قرضه بلا مواطأة جاز ذلك ~~وإن وفاه أكثر من قرضه، ففيه قولان للعلماء. وذلك لأن هذا زيادة بعد وفاء ~~القرض؛ بخلاف ما إذا أهدى إليه قبل الوفاء فإنه إذا لم يحسبه من القرض كان ~~القرض باقيا في ذمته على أن يأخذه مع الهدية والهدية إنما كانت بسبب القرض. ~~وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ~~ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي أفلا قعد في بيت أبيه أو أمه ~~فينظر أيهدى إليه؟ أم لا؟} . فبين أن الهدية إذا كانت بسبب ألحقت به؛ فلهذا ~~كان المأثور عن الصحابة وجمهور الأئمة: أن الهدية قبل الوفاء تحسب لصاحبها؛ ~~بخلاف زيادة الصفة في الوفاء. وأما صورته: وهو أن يتواطآ على أن يبتاع منه ~~العقار بثمن ثم يؤجره إياه إلى مدة وإذا جاءه بالثمن أعاد إليه العقار. ~~فهنا المقصود إن المعطي شيئا أدى الأجرة مدة بقاء المال في ذمته ولا فرق ~~بين أخذ المنفعة وبين عوض المنفعة الجميع حرام. # PageV29P335 # وهذا وإن كان قد رخص فيه طائفة من الفقهاء بناء على أن ذلك لم يشترط في ~~العقد وأن المواطأة والنية لا تؤثر في العقود. فالصواب الذي عليه الكتاب ~~والسنة واتفق عليه الصحابة وهو قول أكثر الأئمة: تحريم مثل ذلك. وأن النيات ~~معتبرة في العقود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما ms8666 الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى} والشرط المتقدم كالمقارن له. وقد عاتب الله من أسقط ~~الواجبات واستحل المحرمات: بالحيل والمخادعات كما ذكر ذلك في سورة " ن " ~~وفي قصة أهل السبت وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا ~~ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل} . وقال أيوب ~~السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان ~~أهون علي. ودلائل هذا مبسوطة في كتاب كبير. # PageV29P336 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين - رحمه الله تعالى -: # فصل: # في {قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: ابتاعيها واشترطي لهم الولاء ~~فإنما الولاء لمن أعتق} . فإن هذا أشكل على كثير من الناس حتى إن منهم من ~~قال: انفرد به هشام دون الزهري وظن ذلك علة فيه. والحديث في الصحيحين لا ~~علة فيه. ومنهم من قال: " اشترطي لهم ": بمعنى عليهم. قالوا: ومثله قوله ~~تعالى {ولهم اللعنة} أي عليهم اللعنة. ونقل هذا حرملة عن الشافعي. ونقل عن ~~المزني وهو ضعيف. أما أولا: فإن قوله: " اشترطي لهم " صريح في معناه واللام ~~للاختصاص وأما قوله: (ولهم اللعنة فمثل قوله: (لهم العذاب و (لهم خزي وهو ~~معنى صحيح؛ ليس المراد أنهم يملكون اللعنة؛ # PageV29P337 # بل هنا إذا قيل: (ولهم اللعنة) والمراد أنهم يجزون بها وإذا قيل: عليهم ~~فالمراد الدعاء عليهم باللعنة فالمعنيان مفترقان. وقد يراد بقوله: " عليهم ~~" الخبر: أي وقعت عليهم فحرف الاستعلاء غير ما أفاده حرف الاختصاص وإن كانا ~~يشتركان في أن أولئك ملعونون. وقوله: " اشترطي لهم " مباين لمعنى اشترطي ~~عليهم فكيف يفسر معنى اللفظ بمعنى ضده وأيضا فعائشة قد كانت اشترطت ذلك ~~عليهم وقالت: " إن شاءوا عددتها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فامتنعوا ". ~~وأيضا فإن ثبوت الولاء للمعتق لا يحتاج إلى اشتراطه؛ بل هو إذا أعتق كان ~~الولاء له سواء شرط ذلك على البائع أو لم يشرط. يبقى حمل الحديث على أن هذا ~~يشعر بأن الولاء إنما يصير لهم إذا شرطته وهذا باطل. ومن تدبر الحديث تبين ~~له قطعا أن ms8667 الرسول لم يرد هذا. وأما ما دل عليه الحديث: فأشكل عليهم من ~~جهتين. من جهة أن الرسول كيف يأمر بالشرط الباطل. والثاني من جهة أن الشرط ~~الباطل كيف لا يفسد العقد. وقد أجاب طائفة بجواب ثالث ذكره أحمد وغيره. وهو ~~أن # PageV29P338 # القوم كانوا قد علموا أن هذا الشرط منهي عنه فأقدموا على ذلك بعد نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان وجود اشتراطهم كعدمه وبين لعائشة أن اشتراطك ~~لهم الولاء لا يضرك فليس هو أمرا بالشرط؛ لكن إذنا للمشتري في اشتراطه إذا ~~أبى البائع أن يبيع إلا به وإخبارا للمشتري أن هذا لا يضره ويجوز للإنسان ~~أن يدخل في مثل ذلك. فهو إذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك وإذن في ~~الدخول معهم في اشتراطه لعدم الضرر في ذلك ونفس الحديث صريح في أن مثل هذا ~~الشرط الفاسد لا يفسد العقد. وهذا هو الصواب. وهو قول ابن أبي ليلى وغيره ~~وهو مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه. وإنما استشكل الحديث من ظن أن الشرط ~~الفاسد يفسد العقد وليس كذلك؛ لكن إن كان المشترط يعلم أنه شرط محرم لا يحل ~~اشتراطه فوجود اشتراطه كعدمه؛ مثل هؤلاء القوم. فيصح اشتراء المشتري ويملك ~~المشتري وبلغو هذا الشرط الذي قد علم البائع أنه محرم لا يجوز الوفاء به. ~~وأما أولئك القوم فإن كانوا قد علموا بالنهي قبل استفتاء عائشة فلا شبهة. ~~لكن ليس في الحديث ما يدل عليه؛ بل فيه {أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ~~عشية فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ~~ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط} وهذا كان عقب استفتاء عائشة ~~وقد علم أولئك # PageV29P339 # بهذا بلا ريب وكان عقد عائشة معهم بعد هذا الإعلام من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فإما أن يكونوا تابوا عن هذا الشرط أو أقدموا عليه مع العلم ~~بالتحريم. وحينئذ فلا يضر اشتراطه. هذا هو الذي يدل عليه الحديث وسياقه. ~~ولا إشكال فيه ولله الحمد ms8668 والمنة. وأما إن كان المشترط لمثل هذا الشرط ~~الباطل جاهلا بالتحريم ظانا أنه شرط لازم، فهذا لا يكون البيع في حقه لازما ~~ولا يكون أيضا باطلا. وهذا ظاهر مذهب أحمد؛ بل له الفسخ إذا لم يعلم أن هذا ~~الشرط لا يجب الوفاء به؛ فإنه إنما رضي بزوال ملكه بهذا الشرط فإذا لم يحصل ~~له فملكه له إن شاء وإن شاء أن ينفذ البيع أنفذه كما لو ظهر بالمبيع عيب ~~وكالشروط الصحيحة إذا لم يوف له بها إذا باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأت به ~~فله الفسخ وله الإمضاء. والقول بأن البيع باطل في مثل هذا ضعيف مخالف ~~للأصول؛ بل هو غير لازم يتسلط فيه المشتري على الفسخ كالمشتري للمعيب ~~وللمصراة ونحوهما؛ فإن حقه مخير بتمكينه من الفسخ. وقد قيل في مذهب أحمد: ~~إن له أرش ما نقص من الثمن بإلغاء هذا الشرط كما قيل مثل ذلك في المعيب وهو ~~أشهر الروايتين عنه. والرواية الأخرى لا يستحق إلا الفسخ؛ وإنما له الأرش ~~بالتراضي أو عند تعذر الرد كقول جمهور الفقهاء. وهذا أصح؛ فإنه كما أن ~~المشترط لم يرض إلا # PageV29P340 # بالشرط فلا يلزم البيع بدونه؛ بل له الخيار فكذلك الآخر لم يرض إلا ~~بالثمن المسمى وإن كان رضي به مع الشرط فإذا ألغى الشرط وصار الولاء له فهو ~~لم يرض بأكثر من الثمن في هذه الصورة بل إن شاء فسخ البيع فلا يلزم ~~بالزيادة؛ بل إذا أعطى الثمن فإن شاء الآخر قبل وأمضى وإن شاء فسخ البيع ~~وإن تراضيا بالأرش جاز لكن لا يلزم به واحد منهما إلا برضاه فإنه معاوضة عن ~~الجزء الفائت. وهكذا يقال في نظائر هذا: مثل الصفقة إذا تفرقت. وقيل: يصح ~~البيع في الحلال بقسطه من الثمن كما هو ظاهر مذهب أحمد فإن الذي تفرقت عليه ~~له الفسخ إذا كان لم يرض ببيع هذا بقسطه إلا مع ذلك. # وأصل العقود أن العبد لا يلزمه شيء إلا بالتزامه أو بإلزام الشارع له. ~~فما التزمه فهو ما عاهد عليه ms8669 فلا ينقض العهد ولا يغدر. وما أمره الشارع به ~~فهو مما أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه كما أوجب عليه أن يصل ما ~~أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالكتب والرسل ومن صلة الأرحام؛ ولهذا يذكر ~~الله في كتابه هذا وهذا كقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} ~~{والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} . # PageV29P341 # فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله به وما عاهد عليه الإنسان فقد ~~التزمه فعليه أن يوفي بعهد الله ولا ينقض الميثاق. إذا لم يكن ذلك مخالفا ~~لكتاب الله. فمن اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله؛ مثل أن يريد به أن يستحل ما ~~حرم الله كالذي يبيع الأمة أو يعتقها ويشرط وطأها بعد خروجها من ملكه أو ~~يبيع غيره مملوكا ويشرط أن يكون ولاؤه له لا للمعتق أو يزوج أمته أو قرابته ~~ويشرط أن يكون النسب لغير الأب أو يكون النسب له فالله قد أمر أن يدعى ~~الولد لأبيه والولاء لحمة كلحمة النسب، فمن ادعي إلى غير أبيه أو تولى غير ~~مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن بيع الولاء وعن هبته} . ولهذا كان عند ~~جمهور العلماء لا يورث أيضا؛ ولكن يورث به كالنسب ويكون الولاء للكبر. فقد ~~تبين أن الحديث حق كما جاء والله أعلم. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن أحق ~~الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} وهذا يبين أن الوفاء بالشروط في ~~النكاح أولى منها في البيع؛ ولهذا قال كثير من السلف والخلف: إنه إذا اشترط ~~شرطا مخالفا لكتاب الله: مثل أن يشترط أن يتزوجها بلا مهر أو بمهر محرم ~~فهذا نكاح باطل كنكاح الشغار وغيره. وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين. # PageV29P342 # وقد {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار} وأبطله الصحابة؛ ~~فإنهم أشغروا النكاح عن مهر. هذا هو العلة في ms8670 نصوص أحمد المشهورة عنه وهو ~~قول مالك وغيره. وعند طائفة من أصحابه: العلة ما قاله الشافعي وهو التشريك ~~في البضع. والأول أصح. وهذا لا معنى له؛ فإن البضع لم يحصل فيه اشتراك؛ بل ~~كل من الزوجين ملك بضع امرأة بلا شركة وإن كان قد جعل صداقها بضع الأخرى ~~فالمرأة الحرة لم تملك بضع المرأة ولا يمكن هذا؛ فإن امرأة لا تتزوج امرأة؛ ~~ولكن جعلت لوليها ما تستحقه من المهر فوليها هو الذي ملك البضع وجعل صداقها ~~ملك وليها البضع وهي لم تملك شيئا؛ فلهذا كان شغارا. والمكان الشاغر ~~الخالي. وشغرت هذه الجهة أي خلت. ومن أصدقت شيئا ولم يحصل لها ما أصدقته لم ~~يكن النكاح لازما وأعطيت بدله كما في البيع وأولى: {فإن أحق الشروط أن ~~توفوا به ما استحللتم به الفروج} . ومن التزمت بالنكاح من غير أن تحصل ما ~~رضيته فقد التزمت بالنكاح الذي لم ترض به وهذا خلاف الكتاب والسنة. وإذا ~~كان مثل هذا لا يجوز في البيع فإنه لا يجوز في النكاح أولى. والشارع لم ~~يلزمها النكاح على هذا الوجه ولا هي التزمته وإنما يجب على الإنسان ما يجب ~~بإلزام الشارع أو بالتزامه وكلاهما منتف فلا معنى # PageV29P343 # لالتزامها بنكاح لم ترض به. وقول من قال: المهر ليس بمقصود: كلام لا ~~حقيقة له؛ فإنه ركن في النكاح وإذا شرط فيه كان أوكد من شرط الثمن؛ لقوله: ~~{إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} . والأموال تباح بالبدل ~~والفروج لا تستباح إلا بالمهور؛ وإنما ينعقد النكاح بدون فرضه وتقريره؛ لا ~~مع نفيه. والنكاح المطلق ينصرف إلى مهر المثل وكذلك البيع على الصحيح - وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد - ينعقد بالسعر فلا فرق كما قد بسط في مواضع. والذي ~~يثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن النكاح ينعقد بدون فرض المهر. أي بدون ~~تقديره؛ لا أنه ينعقد مع نفيه؛ بل قد قال تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} لما جوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن ms8671 يتزوج ~~بلا مهر فرض عليهم أن لا يتزوجوا بلا مهر. وكذلك دل عليه القرآن في غير ~~موضع فلا بد من مهر مسمى مفروض أو مسكوت عن فرضه ثم إن فرض ما تراضيا به ~~وإلا فلها مهر نسائها كما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق. وأين هذا من هذا والناس دائما يتناكحون مطلقا وقد تراضوا بالمهر ~~المعتاد في مثل ذلك وهو مهر المثل كما يتبايعون دائما وقد تراضوا بالسعر ~~الذي يبيع به البائع في # PageV29P344 # مثل تلك الأوقات كما يشترون الخبز والأدم والفاكهة واللحم وغير ذلك من ~~الخباز واللحام والفومي وغير ذلك وقد رضوا أن يعطيهم ثمن المثل وهو السعر ~~الذي يبيع به للناس وهو ما ساغ به مثل تلك السلعة في ذلك المكان والزمان ~~وهذا البيع صحيح نص عليه أحمد وإن كان في مذهبه نزاع فيه. # فصل: # وأصل الدين: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حرام إلا ما حرمه ~~الله ورسوله ولا مكروه إلا ما كرهه الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ~~ورسوله ولا مستحب إلا ما أحبه الله ورسوله. فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ولهذا أنكر الله ~~على المشركين وغيرهم ما حللوه أو حرموه أو شرعوه من الدين بغير إذن من ~~الله. والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء؛ كإيجابه الإيمان ~~والتوحيد على كل أحد. وقد يوجبه؛ لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه ولولا ~~ذلك لم يوجبه؛ كالوفاء بالنذر للمستحبات. وبما التزمه في العقود المباحة: ~~كالبيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك إذا لم يكن # PageV29P345 # واجبا. وقد يوجبه للأمرين كمبايعة الرسول على السمع والطاعة له وكذلك ~~مبايعة أئمة المسلمين وكتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله. ~~ونفس التزام شرائع الإسلام من هذا الباب. فإن المؤمن التزمها بالإيمان ~~وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فإن هذه الشهادة توجب عليه ~~الوفاء بموجبها وهو تصديق الرسول فيما أتى ms8672 به عن الله وطاعته فيما أوجبه ~~وأمر به؛ لأنه قد بلغ عن الله أن طاعته طاعته ومعصيته معصيته. وهذه الأصول ~~مبسوطة في مواضع. والمقصود هنا: أنه إذا كان أصل الشرع أنه لا يلزمه إلا ~~بإلزام الشارع له أو بالتزامه إياه. فإذا تنازع الفقهاء في فرع من فروع هذا ~~الأصل رد إليه. ومن الفقهاء من يوفي به. ومنهم من لا يوفي به؛ بل ينقضه في ~~كثير من المسائل وإن كان الغالب عليه الوفاء به في أكثر المسائل ومن ذلك " ~~مسائل النكاح والشروط فيه ". فإن القاعدة أيضا: أن الأصل في الشروط الصحة ~~واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه. وقد قيل: بل الأصل فيها عدم الصحة إلا ~~ما دل الدليل على صحته؛ لحديث عائشة. والأول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة ~~قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود وذم الغدر # PageV29P346 # والنكث؛ ولكن إذا لم يكن المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه فإذا كان ~~المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه كان الشرط باطلا. وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ~~كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} . فإن قوله: " من اشترط شرطا " أي مشروطا ~~وقوله: " ليس في كتاب الله " أي ليس المشروط في كتاب الله فليس هو مما ~~أباحه الله كاشتراط الولاء لغير المعتق والنسب لغير الوالد وكالوطء بغير ~~ملك يمين ولا نكاح ونحو ذلك مما لم يبحه الله بحال. ومن ذلك تزوج المرأة ~~بلا مهر ولهذا قال: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} . وهذا إنما يقال: إذا ~~كان المشروط يناقض كتاب الله وشرطه فيجب تقديم كتاب الله وشرطه ويقال: ~~{كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} . وأما إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص ~~الله على حله؛ بل سكت عنه؛ فليس هو مناقضا لكتاب الله وشرطه حتى يقال: ~~{كتاب الله أحق وشرطه أوثق} فقوله: {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله} أي ~~مخالفا لكتاب الله. وسواء قيل: المراد من الشرط المصدر أو المفعول. فإنه ~~متى ms8673 خالف أحدهما كتاب الله خالفه الآخر؛ بخلاف ما سكت عنه، فهذا أصل. # PageV29P347 # والأصل الثاني: أن الشرط المخالف لكتاب الله إذا لم يرضيا إلا به فقد ~~التزما ما حرمه الله. فلا يلزم كما لو نذر المعصية. وسواء كانا عالمين أو ~~جاهلين وإن اشترطه أحدهما على الآخر يعتقد جوازه فلم يرض إلا به فلا يلزمه ~~العقد إلا أن يكون التزمه لله فيلزمه ما كان لله؛ دون ما لم يكن: كالنذر ~~والوقف والوصية وغير ذلك مما تتفرق فيه الصفقة. وإن عرف أنه حرام وشرطه فهو ~~كشرط أهل بريرة: شرطه باطل ولا يبطل العقد. ولا فرق في ذلك بين النكاح ~~والبيع وغير ذلك من العقود. فمن الفقهاء من أبطل شروطا كثيرة في النكاح بلا ~~حجة. ثم الشرط الباطل في النكاح قالوا: يبطل ويصح النكاح بدونه والمشترط ~~للنكاح لم يرض إلا به والشروط في النكاح أوكد منها في البيع؛ لقوله صلى ~~الله عليه وسلم {إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} . ~~فلزمهم من مخالفة النصوص في مواضع كثيرة وإلزام الخلق بشيء لم يلتزموه ولا ~~ألزمهم الله به. فأوجبوا على الناس ما لم يوجبه الله ورسوله. ثم قد يتوسعون ~~في الطلاق الذي يبغضه الله فيحرمون على الناس ما لم يحرمه الله ورسوله ثم ~~يبيحون ذلك بالعقود المشروطة فيها الشروط الفاسدة فيحللون ما لم يحلله الله ~~ورسوله. مثال ذلك: أن شرط التحليل في العقد شرط حرام باطل بالاتفاق. # PageV29P348 # إذا شرط أنه يطلقها إذا أحلها وكذلك شرط الطلاق بعد أجل مسمى. فشرط ~~الطلاق في النكاح إذا مضى الأجل أو بعد التحليل شرط باطل بالاتفاق مع القول ~~بتحريم المتعة فإن الله لم يبح النكاح إلى أجل ولم يبح نكاح المحلل. فقال ~~طائفة من الفقهاء: يصح العقد ويبطل الشرط كما يقوله أبو حنيفة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين. ويكون العقد لازما. ثم كثير من هؤلاء فرق بين ~~التوقيت وبين الاشتراط. فقالوا: إذا قال: تزوجتها إلى شهر؛ فهو نكاح متعة ~~وهو باطل. وطرد بعضهم القياس. وهو قول زفر ms8674 وخرج وجها في مذهب أحمد أنه يصح ~~العقد؛ ويلغو التوقيت كما قالوا يلغو الشرط. ولو قال في نكاح التحليل: على ~~أنك إذا أحللتها طلقها فهو شرط كما لو قال في المتعة: على أنه إذا انقضى ~~الأجل طلقها. وإن قال: فلا نكاح بينكما. فقيل: فيه قولان للشافعي وغيره ~~قيل: يلحق بالشرط الفاسد فيصح النكاح. وقيل: بالتوقيت فيبطل النكاح. ولو ~~شرط الخيار في النكاح، ففيه ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات عن أحمد. قيل: يصح ~~العقد والشرط. وقيل: يبطلان. وقيل: يصح العقد دون الشرط. فالأظهر في هذا ~~الشرط أنه يصح. وإذا قيل: ببطلانه لم يكن العقد لازما بدونه؛ فإن الأصل في ~~الشرط الوفاء وشرط الخيار مقصود صحيح لا سيما في النكاح. وهذا يبنى # PageV29P349 # على أصل. وهو: أن شرط الخيار في البيع: هل الأصل صحته أو الأصل بطلانه؛ ~~لكن جوز ثلاثا على خلاف الأصل؟ فالأول قول أئمة الفقهاء: مالك وأحمد وابن ~~أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد. والثاني قول أبي حنيفة والشافعي؛ ولهذا أبطلا ~~الخيار في أكثر العقود: النكاح وغيره. وكذلك تعليق النكاح على شرط فيه ~~ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد. وأصحاب الشافعي وأحمد يفرقون في ~~النكاح بين شرط يرفع العقد كالطلاق وبين غيره: مثل اشتراط عدم المهر أو عدم ~~الوطء أو عدم القسم وفي مذهب أحمد خلاف في شرط عدم المهر ونحوه. والصواب أن ~~كل شرط: فإما أن يكون مباحا فيكون لازما يجب الوفاء به وإذا لم يوف به ثبت ~~الفسخ كاشتراط نوع أو نقد في المهر. ولا يجوز أن يجعل النكاح لازما مع عدم ~~الوفاء؛ بل يخير المشترط بين إمضائه وبين الفسخ كالشروط في البيع وكالعيب. ~~فإنه يرد بالعيب في البيع بالاتفاق وكذلك في النكاح عند الجمهور. قال طائفة ~~من المدنيين وغيرهم لا ترد الحرة بعيب وقالوا: النكاح لا يقبل الفسخ فلم ~~يجوزوا فسخه بعيب ولا شرط. ثم هم وسائر المسلمين يوجبون في الإيلاء على ~~المولي إما الفيأة وإما الطلاق. وهم يقولون: # PageV29P350 # يقع الطلاق عقب انقضاء المدة إذا لم يفئ وإذا ms8675 كان الزوج عنينا أو مجبوبا ~~فعامتهم على أن لها الفسخ: لكن قالوا: المرأة لا يمكنها الطلاق. والجمهور ~~على ثبوت الخيار بالجنون والجذام والبرص كما قاله عمر بن الخطاب ثم خص ~~الفسخ كثير منهم بما يمنع النكاح كما أبطلوا النكاح بالشرط الذي يرفع ~~العقد. وتفصيل هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن مقتضى الأصول والنصوص: أن ~~الشرط يلزم؛ إلا إذا خالف كتاب الله. وإذا كان لازما لم يلزم العقد بدونه. ~~فالمسلمون كلهم يجوزون أن يشترط في المهر شيئا معينا: مثل هذا العبد وهذه ~~الفرس وهذه الدار؛ لكن يقولون: إذا تعذر تسليم المهر لزم بدله فلم يملك ~~الفسخ وإن كان المنع من جهته. وهذا ضعيف مخالف للأصول فإن لم يقل بامتناع ~~العقد فقد يتعذر تسليم العقد فلا أقل من أن تمكن المرأة من الفسخ؛ فإنها لم ~~ترض وتبح فرجها إلا بهذا فإذا تعذر فلها الفسخ. وهم يقولون: المهر ليس هو ~~المقصود الأصلي. فيقال: كل شرط فهو مقصود والمهر أوكد من الثمن؛ لكن هنا ~~الزوجان معقود عليهما وهما عاقدان بخلاف البيع فإنهما عاقدان غير معقود ~~عليهما وهذا يقتضي أنه إذا فات فالمرأة مخيرة بين الفسخ وبين المطالبة ~~بالبدل كالعيوب في البيع لكون المعقود عليه - وهما الزوجان - باقيين ~~فالفائت جزء من المعقود عليه فهو كالعيب الحادث # PageV29P351 # في السلعة قبل التمكن من القبض: يوجب الفسخ ولا يبطل العقد. هذا مقتضى ~~الأصول والنصوص والقياس. وإن كان الشرط باطلا ولم يعلم المشترط ببطلانه لم ~~يكن العقد لازما؛ بل إن رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ. هذا هو الأصل وأما ~~إلزامه بعقد لم يرض به ولا ألزمه الشارع أن يعقده، فهذا مخالف لأصول الشرع ~~ومخالف للعدل الذي أنزل الله به الكتاب وأرسل به الرسل. وهم جعلوا الأصل أن ~~الحرة لا ترد بعيب. قالوا: فلا يفسخ النكاح بفوات الشرط؛ لأنهما من جنس ~~واحد وقالوا: يصح النكاح بلا تقدير مهر فيصح مع نفي المهر فيصح مع كل ~~الشروط الفاسدة. وأما صحته بدون فرض المهر؛ فهذا ثابت بالكتاب والسنة ~~والإجماع؛ لكن ms8676 إذا اعتقد عدم وجوب المهر فإن المهر المطلق مهر المثل وأما ~~مع نفيه: ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. والقول بالبطلان قول أكثر السلف ~~كما في مذهب مالك وغيره. وهو الصواب لدلالة الكتاب والسنة عليه وحديث ~~الشغار. قالوا فثبت الفرق بين النكاح والبيع من هاتين الجهتين: عدم الفسخ ~~بفوات الشرط الصحيح والصحة مع الشرط الفاسد. فيقال: # PageV29P352 # أما عدم الفسخ بفوات الشرط الصحيح وقول من قال: لا ترد الحرة بعيب، فهذا ~~ليس له أصل في كلام الشارع ألبتة؛ بل متى كان الشرط صحيحا وفات: فلمشترطه ~~الفسخ، ثم الشرط المتقدم على العقد هل هو كالمقارن له؟ فيه قولان. والصحيح ~~أنه كالمقارن وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك ووجه في مذهب الشافعي يخرج من السر ~~والعلانية وأحمد يوجب ما سمى في العلانية وإن كان دون ما اتفق عليه في السر ~~لكن يوجب ذلك ظاهرا ويأمرهم أن يوفوا بما شرطوا له فعلى هذا لم يحكم بالسر ~~لعدم ثبوته وإن ثبت حكم به. وإن قيل: لا يحكم به مطلقا فلأنهم أظهروا خلاف ~~ما أبطنوه والنكاح مبناه على الإعلان لا على الإسرار وهذا بخلاف شرط لم ~~يظهروا ما يناقضه في النكاح والبيع وغيرهما فهذا يجب الوفاء به عنده وهو ~~يؤثر في العقد. والشافعي إذا قال في النكاح: إنه يؤخذ بالسر ففي غيره أولى. ~~وأما صحته مع الشرط الفاسد: فالأصل فيه عدم تقدير المهر وليس هذا شرطا ~~فاسدا؛ بدليل أن الشرط الفاسد لا يحل اشتراطه وهذا النكاح حلال فلو تزوجها ~~ولم يفرض مهرا؛ لكن على عادة الناس أنه لا بد لها من مهر؛ إما أن يتراضيا ~~وإما أن يكون لها مهر نسائها، فهذا النكاح حلال ليس فيه شرط فاسد. فمن ذينك ~~القياسين # PageV29P353 # الفاسدين فرقوا بين النكاح والبيع وألزموا الناس بنكاح لم يرضوا به وإن ~~شرطوا فيه شرطا صحيحا كما ألزموا الرجل بنكاح المرأة المعيبة وهو لم يرض ~~بنكاح معيبة. فإن قيل: فلم فرق بين عيوب الفرج وغيرها؟ قيل: قد علم أن عيوب ~~الفرج المانعة من الوطء لا يرضى ms8677 بها في العادة؛ فإن المقصود بالنكاح الوطء؛ ~~بخلاف اللون والطول والقصر ونحو ذلك مما ترد به الأمة؛ فإن الحرة لا تقلب ~~كما تقلب الأمة والزوج قد رضي رضا مطلقا وهو لم يشرط صفة فبانت بدونها. فإن ~~شرط ففيه قولان في مذهب الشافعي وأحمد. والصواب أنه له الفسخ وكذا بالعكس ~~وهو مذهب مالك والشرط إنما يثبت لفظا أو عرفا وفي البيع دل العرف على أنه ~~لم يرض إلا بسليم من العيوب وكذلك في النكاح لم يرض بمن لا يمكن وطؤها ~~والعيب الذي يمنع كمال الوطء - لا أصله - فيه قولان في مذهب أحمد وغيره ~~وأما ما يمكن معه الوطء وكمال الوطء فلا تنضبط فيه أغراض الناس. والشارع قد ~~أباح بل أحب له النظر إلى المخطوبة وقال: {إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة ~~امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما} . {وقال لمن خطب امرأة من ~~الأنصار: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا} وقوله: {أحرى أن يؤدم ~~بينهما} يدل على أنه إذا # PageV29P354 # عرفها قبل النكاح دام الود. وأن النكاح يصح وإن لم يرها فإنه لم يعلل ~~الرؤية بأنه يصح معه النكاح. فدل على أن الرؤية لا تجب وأن النكاح يصح ~~بدونها وليس من عادة المسلمين ولا غيرهم أن يصفوا المرأة المنكوحة بذلك؛ ~~بخلاف البيع؛ فإنه إما أن لا يصح وإما أن يملك خيار الرؤية. وإن كان قد ذكر ~~في مذهب أحمد رواية ضعيفة أنه يصح بلا رؤية ولا صفة ولا يثبت خيار. وهذا ~~الفرق إنما هو للفرق بين النساء والأموال: أن النساء يرضى بهن في العادة ~~على الصفات المختلفة والأموال لا يرضى بها على الصفات المختلفة؛ إذ المقصود ~~بها التمول وهو يختلف باختلاف الصفات والمقصود بالنكاح المصاهرة والاستمتاع ~~وذلك يحصل مع اختلاف الصفات. فهذا فرق شرعي معقول في عرف الناس. أما إذا ~~عرف أنه لم يرض لاشتراطه صفة فبانت بخلافها وبالعكس فإلزامه بما لم يرض به ~~مخالف للأصول. ولو قال: ظننتها أحسن مما هي أو ما ظننت فيها هذا ونحو ذلك. ms8678 ~~كان هو المفرط حيث لم يسأل عن ذلك ولم يرها ولا أرسل من رآها. وليس من ~~الشرع ولا العادة أن توصف له في العقد كما توصف الإماء في السلم؛ فإن الله ~~صان الحرائر عن ذلك وأحب سترهن؛ ولهذا نهيت المرأة أن تعقد نكاحا فإذا كن ~~لا يباشرن العقد فكيف يوصفن؟ وأما الرجل فأمره ظاهر # PageV29P355 # يراه من يشاء فليس فيه عيب يوجب الرد والمرأة إذا فرط الزوج فالطلاق ~~بيده. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ابتاع عبدا بشرط الإبراء من سائر العيوب خلا الإباق فلما ابتاعه ~~هرب عنه فما يلزم البائع؟ . # فأجاب: # إن كان مقرا بالإباق قبل البيع فهذا عيب يستحق الرد. وإذا كان البائع قد ~~كتم هذا العيب حتى أبق عند المشتري فإن المشتري في أحد القولين يطالبه ~~بجميع الثمن كما هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ بل هو المنصوص. # PageV29P356 ### | باب الخيار # سئل - رحمه الله -: # عن رجلين تبايعا عينا وشرطا لكل واحد منهما فسخ البيع وإمضاءه في مدة ~~معتبرة شرعا. فهل يعتبر الخيار في الإمضاء والفسخ؟ أو في الفسخ دون ~~الإمضاء؟ ويكون ذكر الإمضاء لغوا أو لا يعتبران معا؟ فإن قيل: إن ذكر ~~الإمضاء لغو فلا كلام. وإن قيل: إنهما يعتبران ولكل من اللفظين أثر في ~~الحكم فإذا اختار أحدهما الإمضاء والآخر الفسخ فهل القول قول من اختار ~~الفسخ؛ أو السابق منهما؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا كان الأمر كما ذكر واختار أحدهما فسخ البيع ~~فله فسخه بدون رضا الآخر ولو سبق الآخر بالإمضاء. والإمضاء المقرون بالفسخ ~~يقصد به ترك الفسخ: أي لكل منهما أن يفسخه وأن لا يفسخه؛ فإنه إذا لم ~~يفسخاه إلى انقضاء المدة لا يقصد به التزام الآخر بالعقد لأن تفسيره بذلك ~~ينافي أن # PageV29P357 # يكون للآخر الفسخ وهو قد جعل لكل منهما الفسخ. وإن أراد بإمضائه: إمضاءه ~~هو العقد بمعنى إسقاط حقه من الخيار كان ذلك صحيحا؛ ولكن إذا سقط خياره لم ~~يسقط خيار الآخر؛ ولكن المعنى المعروف في مثل هذه العبارة: أن ms8679 لكل منهما أن ~~يفسخه وأن لا يفسخه. وإذا لم يفسخه فقد أمضاه. ونظير هذا قوله تعالى {وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} فإن التسريح ~~هو ترك الإمساك؛ بحيث لا يحبسها. ولا يحتاج التسريح إلى إحداث طلاق كذلك ~~إمضاء العقد لا يحتاج إلى إحداث إمضاء. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أعطى نطعا لدلال يبيعه فنادى عليه الدلال فزاد نصف درهم فراح ~~الدلال إلى نائب الحسبة فقال له: هذا صاحب النطع زاد فيه نصف درهم فطلبه ~~وقيل له ذلك فأنكر وحلف بالطلاق - خوفا على نفسه وإزالة مما في صدور من ~~سمعه - وأنه حلف أنه ما فعله فهل يقع به الطلاق؟ # فأجاب: # المالك إذا زاد في السلعة كان ظالما ناجشا وهو شر # PageV29P358 # من التاجر الذي ليس بمالك وهو الذي يزيد في السلعة ولا يقصد شراءها؛ ~~ولهذا لو نجش أجنبي لم يبطل البيع وأما البائع إذا ناجش أو واطأ من ينجش ~~ففي بطلان البيع قولان في مذهب أحمد وغيره. ومثل هذا ينبغي تعزيره على ~~أمرين: على نجشه وعلى حلفه بالطلاق يمينا فاجرة وليس فعله المحرم عذرا له ~~في اليمين الفاجرة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن يسوم السلعة بثمن كثير ويبيعها بأزيد من القيمة المعتادة وقد يكون ~~المشتري جاهلا بالقيمة: هل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: # أما إذا كان المشتري مسترسلا - وهو الجاهل بقيمة المبيع - لم يجز للبائع ~~أن يغبنه غبنا يخرج عن العادة؛ بل عليه أن يبيعه بالقيمة المعتادة أو قريب ~~منها. فإن غبنه غبنا فاحشا فللمشتري الخيار في فسخ البيع وإمضائه. فقد روي ~~في الحديث: {غبن المسترسل ربا} . وثبت في الصحاح: {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن تلقي الجلب حتى يهبط به السوق. وأثبت الخيار للبائع إذا هبط} ~~وذلك لأن البائع قبل أن يهبط السوق يكون جاهلا بقيمة السلع فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن أن يخرج المشتري إليه ويبتاع منه؛ لما في ذلك من تغريره ~~والتدليس. وأثبت له الخيار إذا علم بحقيقة الحال. # PageV29P359 # فهكذا كل ms8680 من كان جاهلا بالقيمة لا يجوز تغريره والتدليس عليه: مثل أن ~~يسام سوما كثيرا خارجا عن العادة ليبذل ما يقارب ذلك؛ بل يباع البيع ~~المعروف غير المنكر. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن بيع المسترسل؟ # فأجاب: # أما البيع فلا يجوز أن يباع المسترسل إلا بالسعر الذي يباع به غيره لا ~~يجوز لأحد استرسل إليه أن يغبن في الربح غبنا يخرج عن العادة. وقد قدر ذلك ~~بعض العلماء بالثلث. وبعضهم بالسدس. وآخرون قالوا: يرجع في ذلك إلى عادة ~~الناس فما جرت به عادتهم من الربح على المماكسين: يربحونه على المسترسل. ~~والمسترسل قد فسر بأنه الذي لا يماكس بل يقول: خذ أعطني وبأنه الجاهل بقيمة ~~المبيع فلا يغبن غبنا فاحشا لا هذا ولا هذا وفي الحديث {غبن المسترسل ربا} ~~. ومن علم منه أنه يغبنهم فإنه يستحق العقوبة؛ بل يمنع من الجلوس في سوق ~~المسلمين حتى يلتزم طاعة الله ورسوله وللمغبون أن يفسخ البيع فيرد السلعة ~~ويأخذ الثمن وإذا تاب هذا الغابن الظالم ولم يمكنه أن يرد إلى المظلومين ~~حقوقهم فليتصدق بمقدار ما ظلمهم به وغبنهم؛ # PageV29P360 # لتبرأ ذمته بذلك من ذلك. و " بيع المساومة " إذا كان مع أهل الخبرة ~~بالأسعار التي يشترون بها السلع في غالب الأوقات فإنه يباع غيرهم كما ~~يباعون فلا يربح على المسترسل أكثر من غيره وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته ~~إلا عند هذا الشخص ينبغي أن يربح عليه مثل ما يربح على غير المضطر؛ فإن في ~~الساق: {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر} ولو كانت الضرورة ~~إلى ما لا بد منه؛ مثل لو يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس فإنه ~~يجب عليه أن لا يبيعهم إلا القيمة المعروفة ولهم أن يأخذوا ذلك منه بالقيمة ~~المعروفة بغير اختياره ولا يعطوه زيادة على ذلك. والله أعلم. # وقال: # فصل: # وبيع المغشوش الذي يعرف قدر غشه إذا عرف المشتري بذلك ولم يدلسه على غيره ~~جائز كالمعاملة بدراهمنا المغشوشة. وأما إذا كان قدره مجهولا كاللبن الذي ~~يخلط بالماء ms8681 ولا يقدر قدر الماء: فهذا منهي عنه. وإن علم المشتري أنه ~~مغشوش. # PageV29P361 # ومن باع مغشوشا لم يحرم عليه من الثمن إلا مقدار ثمن الغش فعليه أن يعطيه ~~لصاحبه أو يتصدق به عنه إن تعذر رده مثل من يبيع معيبا مغشوشا بعشرة وقيمته ~~لو كان سالما عشرة وبالعيب قيمته ثمانية. فعليه إن عرف المشتري أن يدفع ~~إليه الدرهمين إن اختار وإلا رد إليه المبيع وإن لم يعرفه تصدق عنه ~~بالدرهمين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم يعملون عبيا يدخلون فيه صوفا لا ينتفع به يسمونه " السلاقة " ~~فيخلطونه بمشاق الكتان تدليسا منهم ويبيعونه على أنه صوف جيد وربما عرفه ~~التاجر؛ لكن التاجر يكتم ذلك على المشتري فما يجب على صانعه؟ وهل يتجر فيه ~~ويكتمه عن مشتريه؟ وما حكمه في نفس عمله؟ وما يجب على من عمل ذلك من ~~المسلمين. وما يجب على ولاة الأمور في ذلك إذا كانوا يخلطون المشاق في ~~الصوف الأبيض وقد نهوا عن ذلك غير مرة ويعودوا إليه؟ # فأجاب: # الحمد الله ليس للصانع أن يصنع ذلك ولا للبائع أن يبيعه ولو علم المشتري ~~أن فيه عيبا فإن مقدار الغش غير معلوم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {أنه نهى أن يشاب # PageV29P362 # اللبن بالماء للبيع} بخلاف الشرب فإذا خلط اللبن بالماء للشرب جاز وأما ~~للبيع فلا ولو علم المشتري أنه مخلوط بالماء لأن المشتري لا يعلم مقدار ~~الخلط فيبقى البيع مجهولا وهو غرر. وهكذا كلما كان من المغشوش الذي لا يعلم ~~قدر غشه فإنه ينهى عن بيعه وعن عمله لمن يبيعه وكذلك خلط المشاق بالصوف ~~الأبيض وكل ما كان من الغش في المطاعم والملابس وغير ذلك إذا لم يعلم مقدار ~~الغش فإنه ينهى عن ذلك. وقد أفتى طائفة من العلماء من أصحاب مالك وأحمد ~~وغيرهما: أن من صنع مثل هذا فإنه يجوز أن يعاقب بتمزيق الثوب الذي غشه ~~والتصدق بالطعام الذي غشه كما شق النبي ظروف الخمر وكسر دنانها وكما أمر ~~عمر وعلي - رضي الله عنهما - بتحريق ms8682 المكان الذي يباع فيه الخمر وقد نص ~~عليه أحمد وغيره وكما {أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن ~~يحرق الثوبين المعصفرين} رواه مسلم في صحيحه. وكما حرق موسى عليه السلام ~~العجل ولم يعده إلى أهله وكما تكسر آلات الملاهي، ونظائر هذه متعددة، وهي ~~مبنية على أن العقوبات في الأموال تتبع حيث جاءت بها الشريعة كالعقوبات ~~بالأبدان. وادعى طائفة من العلماء أن ذلك منسوخ ولا حجة معهم بذلك أصلا ~~فكما أن البدن إذا قام به الفجور قد يتلف فالمال الذي قام # PageV29P363 # به صنعة الفجور - مثل الأصنام المنحوتة - يجوز تكسيرها وتحريقها كما حرق ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام كذلك من صنع صنعة محرمة من طعام أو لباس ~~ونحو ذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن دار لرجل باع ثلثها لزيد ثم باع الباقي لعمرو - من ملكه: الثلث ~~والثلثين بالوكالة عن زيد وتوفي زيد - ومن حقوقها قناة ظهرت مستحقة النقل ~~والإزالة بحكم تعدى ضررها للغير وتعذر الرد لإحداث زيادة كثيرة من البناء. ~~فهل يجب أرش القناة على البائع لعمرو؟ وإذا وجب: فهل يطلب بأرش الحصة التي ~~باعها بالوكالة عن المشتري منه؟ أم يختص الطلب بما باعه عن نفسه؟ # فأجاب: # الأرش الواجب بسبب العيب في الثمن - إن كان الثمن لم يقبضه المشتري - سقط ~~من الثمن قدر الأرش. وإن كان قبضه للبائع أو وكيله فله أن يطالب البائع ~~بالأرش. ثم الوكيل إن ضمن عهدة المبيع أو لم يسم موكله في العقد فهو ضامن ~~للأرش فيجوز مطالبته به. وإن سماه في العقد ولم يضمن العهدة فهل يكون ضامنا ~~لذلك؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره. والله أعلم. # PageV29P364 # وسئل - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # عن دار بين شخصين باعها أحدهما عن نفسه وعن شريكه بالوكالة لشخص آخر ثم ~~إن المشتري بنى فوق ما اشتراه بناء كبيرا ومن حقوقه قناة ملاصقة جدار تربة ~~فندت الجدار وسرت النداوة إلى القبر فرفع ملاك التربة المشتري للحسبة فشهدت ~~البينة أرباب الخبرة بتندية الجدار ووصول ذلك إلى القبر ms8683 وأن القناة محدثة ~~على الجدار وأنه ضرر يجب إزالتها من مكانها فألزم المشتري بنقلها. فهل ما ~~أحدثه المشتري من البناء والهدم يمنع الرد؟ أم لا؟ وإذا منع فهل يثبت ~~الأرش؟ وإذا ثبت: فهل هو على الفور يسقط بتأخيره؟ أم على التراخي فلا يسقط ~~بالتأخير؟ وما ألزم بهدمه وهدمه هل يسقط أرشه أم لا؟ وإن قيل: إنه على ~~الفور فأشهد على نفسه بطلب الأرش ثم تصرف بعد ذلك الأشهاد فهل يسقط أم لا؟ ~~وإذا كان له ذلك. فتكون المطالبة للوكيل بما باعه من ملكه وملك موكله أم ~~ملكه فقط؟ ؟ # فأجاب: # أما القناة إذا كانت محدثة حيث لا يجوز إحداثها فإنه يلزم محدثها بإزالة ~~ما لا يجوز إحداثه. والمشتري إن لم يعلم بذلك بل # PageV29P365 # اعتقد أن هذا حق للملك لا يجوز إزالته فتبين الأمر بخلاف ذلك: كان هذا ~~عيبا. فإذا بنى في العقار قبل علمه بالعيب ثم علم أنه عيب فليس إلا الأرش ~~دون الرد في أحد قولي العلماء: كأبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه. وفي ~~الأخرى - وهو قول مالك - لا الرد أيضا. ويكون شريكا للبائع بما أحدثه من ~~الزيادة فيه. ولا يلزم بالهدم مجانا؛ لأنه بنى بحق. وخيار الرد بالعيب على ~~التراخي عند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبهما ولهما ~~قول - كمذهب الشافعي - أنه على الفور. فإذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو ~~فعل سقط خياره بالاتفاق. فإذا بنى بعد علمه بالعيب سقط خياره. وأما إذا ~~أشهد بطلب الأرش استحقه كان له أن يطالب به بعد ذلك ولا يسقط الأرش بتصرفه. ~~والبائع يطالب بالدرك من أرش أو رد فيما باعه من ملكه. وأما إذا باعه من ~~ملك موكله فإن كان لم يسمه في البيع طولب أيضا بدرك المبيع وإن كان سماه ~~فهل يجوز مطالبته؟ ويكون ضامنا لعهدة المبيع؟ على قولين للعلماء هما ~~روايتان عن أحمد. # PageV29P366 # وأما إن كان المشتري ألزم بالأرش؛ لأجل القناة المحدثة التي لا يجوز ~~إحداثها. فله أن يطالب البائع الغار له بأرش ms8684 ما لزمه بغرره. # وسئل - رحمه الله -: # عن أناس يتعانون خروج المياه مثل ماء الورد وغيره؛ ثم إنهم يأخذون حرقان ~~الورد وينقعونه ويستخرجوه عن العادة وكذلك النينوفر ينقعونه يابسا فهل يجوز ~~لهم أن يفعلوا ذلك ويبيعوه؟ . # فأجاب: # لا يجوز خلط الماء الأول بالماء الثاني لمن يريد بيعه ولو علم بذلك ~~المشترون كما روي {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يشاب اللبن ~~بالماء للبيع ولا بأس به للشرب} فإن هذه المائعات إذا شيبت لم يعرف مقدار ~~ما يدخلها من الغش. وعلى ولي الأمر عقوبة من يفعل ذلك وسلوك طريق يمتنعون ~~بها عن الغش. # PageV29P367 # وسئل شيخ الإسلام: # عن عمل " الكيمياء " هل تصح بالعقل أو تجوز بالشرع؟ # فأجاب: # الحمد لله، ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع الجواهر ~~والطيب وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك؛ مثل ما يصنعونه من ~~اللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وماء الورد وغير ذلك: فهذا كله ليس مثل ما ~~يخلقه الله من ذلك؛ بل هو مشابه له من بعض الوجوه ليس هو مساويا له في الحد ~~والحقيقة. وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين الذين ~~يعلمون حقيقة ذلك. ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطل في ~~العقل والدين. وحقيقة " الكيمياء " إنما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في ~~العقل والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ~~فهو سبحانه لم يخلق شيئا يقدر العباد أن يصنعوا مثل ما خلق وما # PageV29P368 # يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن يصنعوا طعاما ~~مطبوخا ولباسا منسوجا وبيوتا مبنية وهو لم يخلق لهم مثل ما يصنعونه من ~~المطبوخات والمنسوجات والبيوت المبنية. وما خلقه الله سبحانه من أنواع ~~الحيوان والنبات والمعدن كالإنسان والفرس والحمار والأنعام والطير والحيتان ~~فإن بني آدم لا يقدرون أن يصنعوا مثل هذه الدواب. وكذلك الحنطة والشعير ~~والباقلا واللوبيا والعدس والعنب والرطب وأنواع الحبوب والثمار لا يستطيع ~~الآدميون أن يصنعوا ms8685 مثل ما يخلقه الله سبحانه وتعالى. وإنما يشبهونه ببعض ~~هذه الثمار كما قد يصنعون ما يشبه الحيوان حتى يصوروا الصورة كأنها صورة ~~حيوان. وكذلك المعادن. كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص: لا يستطيع ~~بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله؛ وإنما غايتهم أن يشبهوا من بعض ~~الوجوه فيصفرون وينقلون. مع اختلاف الحقائق؛ ولهذا يقولون: تعمل تصفيرة؟ ~~ويقولون نحن صباغون. وهذه " القاعدة " التي يدل عليها استقراء الوجود: من ~~أن المخلوق لا يكون مصنوعا والمصنوع لا يكون مخلوقا: هي ثابتة عند المسلمين ~~وعند أوائل المتفلسفة الذين تكلموا في الطبائع وتكلموا في الكيمياء وغيرها؛ ~~فإن الله قال في كتابه: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه # PageV29P369 # فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} وفي الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروي عن الله أنه قال: {ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ~~فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة} . وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لعن المصورين} وقال: {من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ} ~~وقال: {إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله} . وهذا ~~التصوير ليس فيه تلبيس وغش فإن كل أحد يعلم أن صورة الحيوان المصورة ليست ~~حيوانا. ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان فيجوز تصوير ~~صورة الشجر والمعادن في الثياب والحيطان ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ} ولهذا قال ابن ~~عباس للمستفتي الذي استفتاه: صور الشجر وما لا روح فيه. وفي السنن {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل قال له في الصورة: مر بالرأس فليقطع} ~~ولهذا نص الأئمة على ذلك وقالوا: الصورة هي الرأس لا يبقى فيها روح فيبقى ~~مثل الجمادات. وهذا التصوير ليس فيه غش ولا تلبيس؛ فإن كل أحد يفرق بين ~~المصور وبين المخلوق. وأما الكيمياء: فإنه يشبه فيها المصنوع بالمخلوق وقصد ~~أهلها إما # PageV29P370 # إن تجعل هذا كهذا فينفقونه ويعاملون به الناس وهذا من ms8686 أعظم الغش وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه مر برجل يبيع طعاما فأدخل يده ~~فيه فوجده مبلولا. فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: يا رسول الله أصابته ~~السماء - يعني المطر - فقال هلا وضعت هذا على وجهه من غشنا فليس منا} ~~وقوله: {من غشنا فليس منا} كلمة جامعة في كل غاش. وأهل الكيمياء من أعظم ~~الناس غشا؛ ولهذا لا يظهرون الناس إذا عاملوهم أن هذا من الكيمياء ولو ~~أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم إلا من يريد غشهم. وقد قال الأئمة: إنه لا ~~يجوز بيع المغشوش الذي لا يعلم مقدار غشه وإن بين للمشتري أنه مغشوش. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن أن يشاب اللبن بالماء للبيع ~~وأرخص في ذلك للشرب} وبيع المغشوش لمن لا يتبين له أنه مغشوش حرام بالإجماع ~~والكيمياء لا يعلم مقدار الغش فيها فلا يجوز عملها ولا بيعها بحال. مع أن ~~الناس إذا علموا أن الذهب والفضة من الكيمياء لم يشتروه. ولو قيل لهم: إنه ~~يثبت على الروباص أو غير ذلك بل القلوب مفطورة على إنكار ذلك. والولاة ~~ينكرون على من يجدونه يعمل ذلك ولو كان أحدهم ممن يعمل ذلك في الباطن ~~فيحتاج أن ينكره في الظاهر؛ # PageV29P371 # لأنه منكر في فطر الآدميين ولا تجد من يعاني ذلك إلا مستخفيا بذلك أو ~~مستعينا بذي جاه وعلى أصحابه من الذلة والصغار وسواد الوجوه: ما على أهل ~~الفرية والكذب والتدليس. كما قال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} . قال أبو قلابة: ~~هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة وهؤلاء أهل فرية وغش وتدليس في ~~الدين وكلاهما من المفترين. وأما القدماء فقد قالوا: إن الصناعة لا تعمل ~~عمل الطبيعة وأخبروا أن المصنوع لا يكون كالمطبوع ولهذا كان المصنفون منهم ~~في الكيمياء إذا حققوا قالوا: لما كان المقصود بها إنما هو التشبيه فالطريق ~~في التشبيه كذا وكذا. فيسلكون الطرق ms8687 التي يحصل بها التشبيه وهي مع تنوعها ~~وكثرتها ووصول جماعات إليها واتفاقهم فيها: عسرة على أكثر الخلق كثيرة ~~الآفات والمنقطع عن الوصول أضعاف الواصلين مع كثرتهم فجماهير من يطلب ~~الكيمياء لا يصل إلى المصنوع الذي هو مغشوش باطل طبعا محرم شرعا؛ بل هم ~~يطلبون الباطل الحرام ويتمنوه ويتحاكون فيه الحكايات ويطالعون فيه المصنفات ~~وينشدون فيه الأشعار ولا يصلون إلى حقيقة الكيمياء - وهو المغشوش - بمنزلة ~~اتباع المنتظر الذي في السرداب واتباع رجال الغيب الذين لا يراهم # PageV29P372 # أحد من الناس وأمثال هؤلاء الذين يطلبون ما لا حقيقة له معتقدين وجوده ~~ويموتون وهم لم يصلوا إليه وإن وصلوا إلى من يدعي لقاءه من الكذابين. وكذلك ~~طلاب الكيمياء الذين يقال لهم: " الحدبان " لكثرة انحنائهم على النفخ في ~~الكير أكثرهم لا يصلون إلى الحرام ولا ينالون المغشوش وأما خواصهم فيصلون ~~إلى الكيمياء وهي محرمة باطلة لكنها على مراتب. منها ما يستحيل بعد بضع ~~سنين ومنها ما يستحيل بعد ذلك؛ لكن المصنوع يستحيل ويفسد ولو بعد حين؛ ~~بخلاف الذهب المعدني المخلوق فإنه لا يفسد ولا يستحيل؛ ولهذا ذكروا أن محمد ~~بن زكريا الرازي المتطبب - كان من المصححين للكيمياء - عمل ذهبا وباعه ~~للنصارى فلما وصلوا إلى بلادهم استحال فردوه عليه ولا أعلم في الأطباء من ~~كان أبلغ في صناعة الكيمياء منه. وأما الفلاسفة الذين هم أحذق في الفلسفة ~~منه مثل يعقوب بن إسحاق الكندي وغيره. فإنهم أبطلوا الكيمياء وبينوا فسادها ~~وبينوا الحيل الكيماوية. ولم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من ~~علماء الدين ولا من مشايخ المسلمين ولا من الصحابة ولا من التابعين لهم # PageV29P373 # بإحسان. وأقدم من رأينا ويحكي عنه شيئا في الكيمياء خالد بن يزيد بن ~~معاوية وليس هو ممن يقتدي به المسلمون في دينهم ولا يرجعون إلى رأيه فإن ~~ثبت النقل عنه فقد دلس عليه كما دلس على غيره. وأما جابر بن حيان صاحب ~~المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهول لا يعرف وليس له ذكر بين أهل العلم ~~ولا بين أهل الدين وهؤلاء لا ms8688 يعدون أحد أمرين: إما أن يعتقد أن الذهب ~~المصنوع كالمعدني - جهلا وضلالا - كما ظنه غيرهم. وإما أن يكون علم أنه ليس ~~مثله ولكنه لبس ودلس فما أكثر من يتحلى بصناعة الكيمياء. لما في النفوس من ~~محبة الذهب والفضة حتى يقول قائلهم: لو غنى بها مغن لرقص الكون. وعامتهم ~~يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ويظهرون للطماع أنهم ~~يعملون الكيمياء حتى يأكلوا ماله ويفسدوا حاله وحكاياتهم في هذا الباب عند ~~الناس أشهر من أن تحتاج إلى نقل مستقر تدل على أن أهل الكيمياء يعاقبون ~~بنقيض قصدهم فتذهب أموالهم - حيث طلبوا زيادة المال بما حرمه الله - بنقص ~~الأموال كما قال الله تعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} . والكيمياء ~~أشد تحريما من الربا. قال القاضي أبو يوسف. من طلب المال بالكيمياء أفلس ~~ومن طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غرائب الحديث كذب. ويروى هذا الكلام ~~عن مالك والشافعي # PageV29P374 # رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال لي رأس من رؤوسهم لما نهيته عنها وبينت له ~~فسادها وتحريمها - ولما ظهرت عليه الحجة: أخذ يستعفي عن المناظرة ويذكر أنه ~~منقطع بالجدال وقال فيما قال -: النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف ~~الكيمياء فقلت له: كذب؛ بل هو مستلزم للكفر فإن الله قال في كتابه {ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} وهذه الآية نزلت بالإجماع في غزوة تبوك ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حض فيها الناس على الصدقة حتى {جاء رجل ~~بناقة مخطومة مزمومة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك بها سبعمائة ناقة ~~مخطومة مزمومة} وجاء أبو عقيل بصاع فطعن فيه بعض المنافقين وقال فيها: كان ~~الله غنيا عن صاع هذا وجاء آخر بصرة كادت يده تعجز عن حملها فقالوا: هذا ~~مراء. فأنزل الله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} ~~{وجاء ms8689 عثمان بن عفان بألف ناقة فأعوزت خمسين فكملها بخمسين فرس فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم} وصارت هذه من مناقبه ~~المشهورة فيقال مجهز جيش العسرة. # PageV29P375 # وقد قال الله: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} إلى قوله: {ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} . وقد قيل: إنهم طلبوا أن يحملهم على ~~النعال. وسواء أريد بالنعال النعال التي تلبس أو الدواب التي تركب فقد أخبر ~~الله على نبيه أنه قال لهم: {لا أجد ما أحملكم عليه} وقد كان هو يحض الناس ~~على الإنفاق غاية الحض. فلو كانت الكيمياء حقا مباحا وهو يعلمها لكان من ~~الواجب أن يعمل منها ما يجهز به الجيش فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب ومن نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقد نسبه إلى ما نزهه الله ~~عنه. وأيضا فإن علماء الأمة لم يوجب أحد منهم في الكيمياء حقا؛ لا خمسا ولا ~~زكاة ولا غير ذلك وقد اتفقوا على أن في الركاز الخمس كما ثبت ذلك في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والركاز الذي لا ريب فيه؛ هو دفن ~~الجاهلية. وهي الكنوز المدفونة في الأرض كالمعادن. فأهل الحجاز لا يجعلونها ~~من الركاز وهو مذهب أحمد وغيره وأهل العراق يجعلونها من الركاز ومن العلماء ~~من يفرق بين أن يوجد المال جملة وبين أن لا يوجد. وللشافعي فيها أقوال ~~معروفة وجمهور العلماء يوجبون في المعدن حقا؛ إما الزكاة وإما الخمس. # PageV29P376 # ولو كانت الكيمياء حقا حلالا لكان الواجب فيها أعظم من الخمس وأعظم من ~~الزكاة فإنها ذهب عظيم بسعي يسير أيسر من استخراج المعادن والركاز؛ لكن هي ~~عند علماء الدين من الغش الباطل المحرم الذي لا يحل عمله ولا اتخاذه مالا ~~فضلا عن أن يوجبوا فيها ما يجب في المال الحلال. وقال لي المخاطب فيها: فإن ~~موسى صلى الله عليه ms8690 وسلم كان يعمل الكيمياء. قلت له: هذا كذب لم ينقل هذا ~~عن موسى أحد من علماء المسلمين ولا علماء أهل الكتاب؛ بل قد ذكروا عنهم أن ~~موسى كان له عليهم حق يأكل منه ولو كان يعمل الكيمياء لكان يأكل منها. قال: ~~فإن قارون كان يعمل الكيمياء قلت: وهذا أيضا باطل؛ فإنه لم يقله عالم معروف ~~وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يسمي. وفي تفسير الثعلبي الغث ~~والسمين فإنه حاطب ليل ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك ~~اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون والله سبحانه قال: ( ~~{وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} فأخبر أنه آتاه ~~من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة والكنوز إما أن يكون هو ~~كنزها كما قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية # PageV29P377 # وإما أن يكون اطلع على كنائز مدفونة وهو الركاز وهذا لا ريب أنه موجود. ~~ثم إنه مات هذا الرجل وكان خطيبا بجامع فلم يشهد جنازته من جيرانه وغيرهم ~~من المسلمين إلا أقل من عشرة وكان يعاني السحر والسيميا وكان يشتري كتبا ~~كثيرة من كتب العلم فشهدت بيع كتبه لذلك فقام المنادي ينادي على " كتب ~~الصنعة " وكانت كثيرة يعني كتب الكيمياء؛ فإنهم يقولون: هي علم الحجر ~~المكرم وهي علم الحكمة ويعرفونها بأنواع من العبارات وكان المتولي لذلك من ~~أهل السيف والديوان شهودا فقلت لولي الأمر لا يحل بيع هذه الكتب؛ فإن الناس ~~يشترونها فيعملون بما فيها فيقولون: هؤلاء " زغلية " فيقطعون أيديهم. وإذا ~~بعتم هذه الكتب تكونون قد مكنتموهم من ذلك وأمرت المنادي فألقاها ببركة ~~كانت هناك فألقيت حتى أفسدها الماء ولم يبق يعرف ما فيها. ومما يوضح ذلك: ~~أن الكيمياء لم يعملها رجل له في الأمة لسان صدق لا عالم متبع ولا شيخ ~~يقتدى به ولا ملك عادل ولا وزير ناصح وإنما يفعلها شيخ ضال مبطل مثل ابن ~~سبعين وأمثاله أو مثل بني عبيد. أو ملك ظالم أو رجل فاجر. وإن التبس ms8691 أمرها ~~على بعض أهل العقل والدين فغالبهم ينكشف لهم أمرها في الآخر ولا # PageV29P378 # يستطيعون عملها صيانة من الله لهم لحسن قصدهم وما أعلم أن رجلا من خيار ~~المسلمين أنفق منها أو أكل منها. وما يذكره بعض الناس أن أولياء الله ~~يعملون بها. فهذا لا يعدو ما يقوله أحد أمرين: إما أن يكون كذبا. وإما أن ~~يكون قد ظن من يعملها أنه من أولياء الله المخصوصين بمثل هذه الكرامة فهذا ~~جهل؛ فإن الكيمياء يعملها المشرك واليهودي والنصراني والفاجر والمبتدع لا ~~يختص بها أولياء الله؛ بل لا يعرف ولي ثابت الولاية يعملها ومن ذكرها ممن ~~يدعي أنه من الأولياء مثل صاحب " الفصوص " وأمثال هؤلاء فهؤلاء في كلامهم ~~في الدين من الخطأ والضلال أعظم مما في كلامهم في الكيمياء فإذا كان كلامهم ~~في التوحيد والنبوة واليوم الآخر فيه من الضلال ما هو مخالف لكتاب الله ~~وسنة رسوله وإجماع المسلمين؛ بل ما لم يقله اليهود والنصارى فكيف يكون ~~كلامهم في الكيمياء؟ . ثم من اغتر بما ذكره صاحب " كتاب السعادة " فيه " ~~وفي " كتاب جواهر القرآن " وأمثالهما من الكتب: ففي هذه الكتب من الكلام ~~المردود والمخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ما لا يخفى على ~~عالم بذلك. وقد رد علماء المسلمين ما في هذه الكتب من أقوال المتفلسفة ~~وأشباهها من الضلال المخالف للكتاب والسنة. ومن الناس من يطعن في نقل هذه ~~الكتب عمن أضيفت إليه ويقول: إنه كذب # PageV29P379 # عليه في نسبة هذه الكتب إليه. ومنهم من يقول: بل قد رجع عن ذلك؛ فإنه قد ~~ثبت عنه في غير موضع نقيض ما يقوله في هذه الكتب ومات على مطالعة البخاري ~~ومسلم. نعم خرق العادات للأولياء جائز مثل أن يصير النبات ذهبا. وذلك مما ~~لا يكون طريقه طريق الكيمياء المعمولة بالمعالجات الطبيعية وبين هذين من ~~الفرق ما بين عصا موسى وعصي السحرة فإن تلك كانت حية تسعى وتلك يخيل إليه ~~من سحرهم أنها تسعى. وبالجملة: فإذا كان طائفة من المنتسبين إلى العلم ~~والعبادة اعتقدوا أن علم الكيمياء ms8692 حق وحلال: فهذا لا يفيد شيئا؛ فإن قول ~~طائفة من العلماء والعباد خالفهم من هو أكبر منهم وأجل عند الأمة لا يحتج ~~به إلا أحمق؛ فإنه إن كان التقليد حجة فتقليد الأكبر الأعلم الأعبد أولى. ~~وإن لم يكن حجة لم ينفعه ذكره لهؤلاء. وعلى التقديرين فلا يفيد هذا شيئا. ~~ويكفيه أن خيار هذه الأمة من القرون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم الذين يلونهم لم يدخلوا في شيء من هذا إذ لو كانت حلالا ~~لدخلوا فيها كما دخلوا في سائر المباحات؛ فإنهم كانوا يكتسبون الأموال ~~بالوجوه واكتساب المال مع إنفاقه في طاعة الله عمل صالح. وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {على كل مسلم صدقة. قالوا: فمن لم ~~يجد قال: # PageV29P380 # يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع قال: يعين صانعا أو ~~يصنع لأخرق. قالوا: فإن لم يستطع قال: يكف نفسه عن الشر فإنها صدقة يتصدق ~~بها على نفسه} . ومما يوضح الأمر في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى خلق ~~الأشياء أجناسا وأصنافا وأنواعا تشترك في شيء ويمتاز بعضها عن بعض بشيء كما ~~أن الدواب تشترك في أنها تحس وتتحرك بالإرادة فهذا لازم لها كلها؛ ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {أصدق الأسماء حارث وهمام} . إذ كل إنسان لا ~~بد له من حرث وهو كسبه وعمله. ولا بد له من هم هو مبدأ إرادته ويمتاز بعض ~~الدواب عن بعض بما يفصل بينه وبين غيره. فهذه الخواص الفاصلة مختصة كما أن ~~الصفات المشتركة عامة وهذا كالنطق للإنسان والصهيل للفرس والرغاء للبعير ~~والنهيق للحمار وأمثال ذلك. كذلك النباتات تشترك مع الدواب في أنها تنمى ~~وتغذى؛ ولكن ليس للنبات حس ولا إرادة تتحرك بها والمعدن مشارك في بعض ذلك. ~~وقد علم أن هذه الأصناف - التي تسمى الأنواع التي يفضل بعضها عن بعض بهذه ~~الخواص الفاضلة - إذا تقومت بهذه الفضول الخواص لم يكن لبشر أن يجعلها من ~~أنواع أخر ولا أن يجعل ذلك ms8693 الفضل ويلبسها فضلا آخر فلا يمكنه أن يجعل ~~الحنطة شعيرا ولا # PageV29P381 # الفرس حمارا ولا الحمار ثورا. وكذلك لا يمكنه أن يجعل الفضة ذهبا ولا ~~النحاس فضة وأمثال ذلك. وإنما غايته يشبه وجوده ويدلس. ومن زعم من ~~الكيماوية أن الفضة ذهب لم يستكمل نضجه فقد كذب؛ بل لهذا معدن ولهذا معدن ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه قيل له: أي الناس ~~أكرم؟ فقال: أتقاهم. فقالوا: لسنا نسألك عن هذه؛ فقال: يوسف نبي الله. ابن ~~يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله. فقالوا: لسنا ~~نسألك عن هذا. فقال: أفعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة} فكما أن قريشا ليس أصلها أصل تميم وعدنان ليس أصلها أصل قحطان ~~والعرب ليس أصلها أصل العجم فكذلك ليس أصل الذهب أصل الفضة ولا أصل الفضة ~~أصل الذهب وإن قدر أن معدن الذهب يكون فيه فضة كما يكون في معدن الفضة نحاس ~~فكذلك خبث المعادن. ومعلوم أن المستخرج من المعدن لا بد من تصفيته من خبثه ~~والناس يعلمون ما شاء الله من معادن الفضة لا يخرج منها ذهب. ولو كانت ~~الفضة إذا أكمل طبخها صارت ذهبا لكان يخرج من معادن الفضة ذهب؛ إلا أن ~~يقال: ليس من طبيعة ذلك المعدن حرارة طبخها. فيقال: هذا أيضا مما يبطل قول ~~الكيماوية؛ وذلك أن الله سبحانه يخلق # PageV29P382 # الذهب في معادن بحرارة ورطوبة ويخلقها في المعدن كما يخلق الأجنة في بطون ~~الأرحام وكما يخلق في الحرث من الأشجار والزرع بحرارة يخلقها وما يخلق به ~~من الحرارة التي أودعها في تلك الأجسام لا تقوم مقامه حرارة النار التي ~~نصنعها نحن. وبالجملة فاستقراء هذين الأصلين - أن المخلوق لا يكون مصنوعا ~~والمصنوع لا يكون مخلوقا وأن الأنواع المفضلة بخواصها لا يمكن أن ينقل منها ~~نوع إلى نوع آخر - يظهر ذلك بالعقل والدلالة الشرعية المستنبطة من الكتاب ~~والسنة والإجماع أيضا في ذلك ثم ما فطر الله عليه عباده - وسوى بين بلاده - ~~من إنكار ذلك ms8694 وعقوبة فاعليه في الجملة ظاهرة وإن فعله بعضهم باطنا. ثم إن ~~الذين يصنعون الكيمياء ويدعون أنها حق حلال لو بيع لأحدهم ذهب وقيل له: هو ~~من عمل الكيمياء لم يشتره كما يشتري المعدني وإن صنع به كما يصنع بذهبه ~~الذي يعلمه من الاعتبار؛ بل قد جبلت قلوب الناس على أن من فعل هذا نسبوه ~~إلى الغش والزغل والتمويه والناس شهداء الله في الأرض. وأيضا فإن فضلاء أهل ~~" الكيمياء " يضمون إليها الذي يسمونه السيميا كما كان يصنع ابن سبعين ~~والسهروردي المقتول والحلاج # PageV29P383 # وأمثالهم. وقد علم أنه محرم بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة؛ بل أكثر ~~العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله. وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان وحفصة بنت عمر وعبد الله بن عمر وجندب بن عبد الله وروي ذلك ~~مرفوعا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: {ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى} . وقال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد ~~إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له ~~في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} فبين سبحانه ~~أن طلاب السحر يعلمون أن صاحبه ما له في الآخرة من خلاق: أي من نصيب ولكن ~~يطلبون به الدنيا: من الرئاسة والمال. {ولو أنهم آمنوا واتقوا} لحصل لهم من ~~ثواب الله في الدنيا والآخرة ما هو خير لهم مما يطلبونه. ولهذا تجد الذين ~~يدخلون في السحر ودعوة الكواكب # PageV29P384 # وتسبيحاتها فيخاطبونها يسجدون لها إنما مطلوب أحدهم المال والرئاسة فيكفر ~~ويشرك بالله؛ لأجل ما يتوهمه من حصول رئاسة ومال ولا يحصل له إلا ما يضره ~~ولا ينفعه كما يدل عليه استقراء أحوال ms8695 العالم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه عد من الكبائر الإشراك بالله والسحر وقتل النفس ~~والربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وغير ذلك من ~~أنواع السحر. وأصنافه متنوعة. وإنما المقصود هنا: أنك تجد " السيميا " التي ~~هي من السحر كثيرا ما تقترن بالكيمياء. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن ~~السحر من أعظم المحرمات فإذا كانت الكيمياء تقرن به كثيرا ولا تقترن بأهل ~~العلم والإيمان: علم أنها ليست من أعمال أهل العلم والإيمان؛ بل من أعمال ~~أهل الكفر والفسوق والعصيان. وهذا كله فيمن وصل إلى الكيمياء وعملها وقدر ~~على أن ينفق منها ولا ينكر عليه وأكثر الطالبين لها لم يتوصلوا إلى ذلك ولم ~~يقدروا عليه ومن وصل منهم إلى ذلك مرة تعذر عليه في غالب الأوقات مع حصول ~~المفسدات. ومن استقرأ أحوال طالبيها وجد تحقيق ما قاله الأئمة حيث قالوا: # PageV29P385 # من طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب العلم بالكلام تزندق ومن طلب غرائب ~~الحديث كذب. وكم أنفقوا فيها من الأموال وكم صحبوا بها من الرجال وكم ~~أكثروا فيها من القيل والقال وكم علقوا بها الأطماع والآمال وكم سهروا فيها ~~من الليالي ولم يظفروا إلا بخسارة الدنيا والدين ونقص العقل والعلم ونصب ~~العرض والذل والصغار والحاجة والإقتار وكثرة الهموم والأحزان وصحبة شرار ~~الأقران والاشتغال عما ينفعهم في المعاش والمعاد والإعراض عما ينفع في ~~الآخرة من الزاد. لا سيما وهي كثيرا ما تقود أصحابها إلى أنواع المعاصي ~~والفسوق؛ إذ طالبها يبغيها بغية العاشق للمعشوق؛ بل قد تؤول إلى الكفر ~~بالرحمن والإعراض عن الإيمان والقرآن والدخول في أضاليل المشركين وعباد ~~الأوثان وهو خسارة الدنيا والدين لم يحصل إلا على طمع كاذب كالبرق الخالب ~~والسراب الذي {يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب} فهم في ذلك بمنزلة من يظن في أهل الكفر من ~~القسيسين والرهبان أنهم من عباد الله أهل الإيمان أو من يظن في أهل البدع ~~والكذب والتلبيس ms8696 أنهم من أولياء الله الذين {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~{الذين آمنوا وكانوا يتقون} {لهم البشرى في الحياة الدنيا # PageV29P386 # وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} . بل كثير منهم ~~يظن في المتنبئ الكذاب: كمسيلمة والعنسي ونحوهما أنهم بمنزلة الأنبياء ~~الصادقين؛ كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. صلوات الله عليهم أجمعين. واشتباه ~~الحق بالباطل واشتباه النبي بالمتنبئ والمتكلم بعلم بالمتكلم بجهل والولي ~~الصادق بالمرائي الكاذب: هو كاشتباه الذهب المعدني بالذهب المصنوع وقد فرق ~~الله بين الحق والباطل وإنما اهتدى للفرق التام أهل العلم والإيمان من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. الذين قال الله فيهم: {كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} . وهي الأمة الوسط الذين هم شهداء الله في الأرض على ~~خلقه في الحق وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. جعلنا الله ~~وسائر إخواننا من أتباعهم والمقتدين بهم وحشرنا في زمرتهم بمنه وفضله. ومن ~~أعظم حجج " الكيماوية ": استدلالهم بالزجاج قالوا: # PageV29P387 # فإن الزجاج معمول من الرمل والحصى ونحو ذلك فقاسوا على ذلك ما يعملونه من ~~الكيمياء وهذه حجة فاسدة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يخلق للناس زجاجا؛ لا في ~~معدن ولا في غيره؛ وإنما الزجاج من قسم المصنوعات كالآجر والفخار ونحوهما ~~مما يطبخ في النار. وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى جعل لبني آدم قدرة على ~~أن يعملوا أنواعا من المطاعم والملابس والمساكن وكذلك جعل لهم قدرة على ما ~~يصنعونه من الآنية من الفخار والزجاج ونحو ذلك؛ ولم يخلق لهم سبيلا على أن ~~يصنعوا مثل ما خلق الله. وإذا تبين أن الزجاج من قسم المصنوعات دون ~~المخلوقات ليس فيه ما يشتبه المصنوع بالمخلوق بطلت حجة الكيمياء. فإن أصل ~~المخلوقات التي خلقها الله لا يمكن البشر أن يصنعوا ms8697 مثلها ولا يمكنهم نقل ~~نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى نوع آخر مخلوق. وهذا مطرد لا ~~ينقض. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل باع ملكا وعقارا ثم خرج مستحقا. فهل يحاسب المشتري بالثمن من أجرة ~~المبيع إذا كان له أجرة؟ وهل يتوقف استحقاق # PageV29P388 # الأجرة على انتفاع المشتري بالبيع؟ أم لا؟ وهل يرجع المشتري على البائع ~~بما يجب عليه في الشرع من الأجرة للمبيع مدة مقامه في يده أو بالثمن الذي ~~دفعه؟ . # فأجاب: # إذا كان المشتري عالما بالغصب فهو ظالم ضامن للمنفعة سواء انتفع بها أو ~~لم ينتفع وإن لم يعلم فقرار الضمان على البائع الظالم وإذا انتزع المبيع من ~~يد المشتري فله أن يطالب بالثمن الذي قبضه. وإن أخذ منه الأجرة وهو مغرور ~~رجع بها على البائع الغار. والله أعلم. # وسئل: # عمن يقول: أن " السيميا " و " الكيمياء " علمان من علوم الأنبياء ~~والأولياء. ويروي بعضهم في الكيمياء - وهو الفضة الخدماء أو الخدمة - من ~~أسفاها أكل الحلال " ونحو ذلك؟ . # فأجاب: # وأما من قال. إن " السيميا والكيمياء " من علوم الأنبياء والأولياء فكاذب ~~مفتر؛ لم يعرف عن نبي من الأنبياء أنه تكلم لا في هذا ولا في هذا ولا عن ~~ولي مقبول عند الأمة. أما " السيميا " فإنها من السحر {ولا يفلح الساحر حيث ~~أتى} # PageV29P389 # ولا ريب أن السحرة قد يشتبهون بالأنبياء والأولياء ويأتون ما يظن أن ~~يضاهي ما تأتي به الأنبياء كما أتى سحرة فرعون بما يضاهون به معجزة موسى ~~{فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} - إلى قوله - {ساجدين} . وأما " ~~الكيمياء " فهو المشبه بالذهب والفضة المخلوقين. والكيمياء لا تختص بهذين؛ ~~بل تصنع كيمياء الجواهر: كاللؤلؤ والزبرجد. وكيمياء المشمومات: كالمسك ~~والعنبر والورد وكيمياء المطعومات. وهي باطلة طبعا محرمة شرعا فإنه قد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من غشنا فليس منا} . " ~~والكيمياء " من الغش؛ فإن الله لم يخلق شيئا إلا بقدر والخلق لا يصنعون مثل ~~ما خلق الله تعالى. قال الله تعالى: {أم جعلوا لله شركاء ms8698 خلقوا كخلقه} . ~~وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: {ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ ~~فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة} . والفلاسفة يقولون: إن الصناعة لا تعمل ~~عمل الطبيعة: يعني أن المصنوع من الذهب والفضة وغيرهما لا يكون مثل المطبوع ~~الذي خلق بالقوة الطبيعية السارية في الأجسام ولهذا لا يوجد من المخلوقات ~~ما صنع الخلق مثله وما يصنعه الخلق لم يخلق لهم مثله فهم يطحنون # PageV29P390 # الطعام وينسجون الثياب ويبنون البيوت ولم يخلق لهم مثل ذلك. وكذلك الزجاج ~~يصنعونه من الرمل والحصى ولم يخلق مثله. وهذا مما احتج به الكيماوية على ~~صحة الكيمياء وهي حجة باطلة لما ذكر فإنه لو خلق زجاج وصنع زجاج مثله: لكان ~~في هذا حجة وليس الأمر كذلك. وجماهير العقلاء من الأولين والآخرين الذين ~~تكلموا بعلم في هذا الباب يعلمون أن الكيمياء مشبه وأن الذهب المخلوق من ~~المعادن ما يمكن أن يصنع مثله؛ بل ولا يصنع وكل ينكشف قريبا أو بعيدا ولكن ~~منه ما هو شديد الشبه ومنه ما هو أبعد شبها منه. وقد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع. # وسئل: # عن رجل اشترى عبدا سليما من العيب ثم باعه كذلك فسرق العبد من المشتري ~~الثاني مبلغا وأبق. فهل يرجع بالثمن على البائع الأول؟ أو الثاني؟ أو ~~بالأرش. أم لا؟ . # فأجاب: # للمشتري أن يطالب بالأرش بلا نزاع بين العلماء ومعنى # PageV29P391 # ذلك: أن يقوم العبد ولا عيب فيه ويقوم وبه هذان العيبان فما نقص من ~~القيمة نقص من الثمن بحسابه فإذا كانت قيمته سليما أربعمائة وقيمته معيبا ~~مائتان: حط عنه نصف الثمن. وهل يرجع بالثمن كله على السيد الذي دلس العيب؟ ~~فهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء. فمذهب مالك وأحمد في أنص الروايتين عنه ~~أنه يرجع عليه بالثمن كله. وقد ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد في القول ~~الآخر يرجع عليه - بذلك. # وسئل: # عن رجل اشترى جارية فبانت عاشقة في سيدها الذي باعها. وباعها الثاني ~~لثالث. فهل للثالث أن يردها على الثاني؟ وهل يردها الثاني على الأول؟ أم ~~لا؟ ms8699 . # فأجاب: # نعم هذا عيب ينقص القيمة في العادة نقصا بينا فإذا ثبت ولم يعلم به ~~المشتري كان له أن يردها على بائعه المشتري الثاني وإذا كان المشتري الثاني ~~لم يعلم العيب فله أن يردها على البائع الأول. والله أعلم. # PageV29P392 # وسئل: # عن رجل اشترى جارية صحيحة سالمة فهربت من يوم ابتاعها من غير ضرب ولا ~~إجحاف. فهل للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن قبل حضور الجارية ووجودها أم ~~لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إن كانت الجارية معروفة بالإباق قبل ذلك وكتم البائع هذا ~~العيب وأبقت عند المشتري فللمشتري أن يطالب البائع بالثمن في أصح قولي ~~العلماء كما هو مذهب مالك وأحمد في المنصوص عنه من القولين. وفي القول ~~الآخر يطالب بالأرش. وإن لم تكن أبقت قبل ذلك ولكن أبقت بسبب ما فعل بها ~~المشتري فلا شيء على البائع. وإذا حدث به عيب إباق أو غيره بعد القبض فلا ~~رد له عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مالك فيقول: له الرد بذلك إلى ~~تمام ثلاثة أيام وما بعد ذلك إلى سنة وله الرد بالجنون والجذام والبرص. ~~والله أعلم. # PageV29P393 # وسئل: # عن دابة لم يعلم أحد المتبايعين بها عيبا فمكثت عنده مقدار شهر ثم وجد ~~بها عيبا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا ظهر بها عيب قديم قبل البيع ولم يكن علم به فله أن يردها ~~بذلك العيب؛ ما لم يظهر منه ما يدل على الرضا به. # وسئل: # عن رجل باع قمحا فبذره فتلف فطلب المشتري من البائع خراج الأرض. فهل يجب ~~على البائع ذلك؟ وهل للمشتري أن يطالبه بذلك؟ وإذا ادعى المشتري أن العيب ~~كان من البائع؟ . # فأجاب: # إذا باعه وسلم إليه المبيع ثم تلف بعد ذلك عند المشتري أو بذره المشتري ~~فتلف: فلا ضمان على البائع بل يستحق جميع الثمن إلا أن يكون به عيب أو ~~تدليس ونحو ذلك. # PageV29P394 # وإن ادعى المشتري أن تلفه بسبب عيب كان فيه وكان ذلك القمح قد اشترى منه ~~غير هذا المشتري وشهدوا أنه سليم من العيب لم يقبل قول ms8700 المشتري وإن لم يكن ~~للبائع بينة فالقول قوله مع يمينه إذا لم يقم المشتري بينة. وأيضا فإذا قال ~~أهل الخبرة: إن المعيب لا ينبت النبات المعتاد. وهذا قد نبت النبات المعتاد ~~ثم هاف: كان حجة للبائع. # و ### | سئل: # عن رجل باع زوجته دارا بيع أمانة # بأربعمائة درهم وقد استوفت الدراهم من الأجرة فهل يجوز لها أخذ شيء آخر ~~وقد أخذت الأربعمائة؟ فهل يحرم عليها؟ # فأجاب: # الحمد لله وحده، المقصود بهذا وأمثاله أن يعطيه المال ويستغل العقار عن ~~منفعة المال فما دام المال في ذمة الآخذ فإنه يستغل العقار وإذا رد عليه ~~المال أخذ العقار وهذا على هذا الوجه لا يجوز باتفاق المسلمين. وإن قصدا ~~ذلك وأظهرا صورة بيع لم يجز على أصح قولي العلماء أيضا. ومن صحح ذلك فلا بد ~~أن يكون بيعه شرعيا فإذا شرط أنه # PageV29P395 # إذا جاء بالثمن أعاد إليه العقار: كان هذا بيعا باطلا. والشرط المقدم على ~~العقد كالمقارن له في أصح قولي العلماء. وحينئذ فما حصل للمرأة من الأجرة ~~بعد أن علمت التحريم تحسبه من رأس المال وما قبضته قبل ذلك: فهو على الخلاف ~~المذكور وإن اصطلحا على ذلك فهو أحسن. وما قبضته بعقد مختلف تعتقد صحته لم ~~يجب عليها رده في أصح القولين. # وسئل: # عن رجل طلب من إنسان أن يقرضه دراهم وللرجل كرم فامتنع إلا أن يبيعه ~~الكرم بمائة درهم وأنه إذا جاء بالدراهم أعاد إليه الكرم فباعه الكرم بهذا ~~الشرط ولم يذكر الشرط في العقد ثم بعد العقد قال المشتري لجماعة شهود: ~~اشهدوا على أنه متى جاء هذا بدراهمي أعدت إليه كرمه. فهل يكون هذا البيع ~~صحيحا أم لا؟ وهل يجب على المشتري القيام بما شرطه على نفسه في إعادة ~~الكرم؟ وإذا مكر المشتري بالبائع. هل يجوز له ذلك؟ # فأجاب: # ليس هذا بيعا لازما؛ بل عليه أن يرد عليه كرمه إذا أعطاه دراهمه ولا يحل ~~له أن يمكر به. # PageV29P396 # وسئل: # عن امرأة اشترت خرقة تخيطها ثم بعد ذلك وجدتها خامية وفيها فزور فهل ms8701 تلزم ~~التاجر إن ردتها إليه؟ # فأجاب: # لها أن تطالبه بأرش العيب القديم وإذا كان قد نقص بما أحدثته فيه من ~~العيب كان لها الرد مع أرش العيب الحادث في أصح قولي العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل باع ملكا لابنة تحت حجره بألف وثمانين - بيع أمانة - وهو يساوي ~~أربعة آلاف درهم وشهدت الشهود وذكروا في المكتوب أن ابنة البائع أذنت في ~~البيع ولم يكن الشهود حضروها ولا لها جلية عندهم. فهل يصح هذا البيع؟ # فأجاب: # الحمد لله، بيع الأمانة بيع باطل والواجب رد العوض وبيع الأب مثله هذا ~~الغبن العظيم لا يجوز والمحجور عليها لا يصح # PageV29P397 # إذنها والإشهاد عليها بالإذن في مثل ذلك بل إذا عرف ذلك فسخ البيع بكل ~~حال. # وسئل - رحمه الله -: # هل ذكر أحد من العلماء أن المشتري الأول إذا لم يجز له التصرف فيها قبل ~~القبض فتلفت يكون ضامنا لها؟ أو أن جواز التصرف والضمان متلازمان طردا ~~وعكسا؟ فالنزاع في ذلك مشهور؟ # فأجاب: # القولان في مذهب أحمد: وهو طريقة القاضي وأصحابه. والمتأخرون من أصحاب ~~أحمد مع أبي حنيفة والشافعية يقولون بتلازم التصرف والضمان فعندهم أن ما ~~دخل في ضمان المشتري جاز تصرفه فيه وما لم يدخل في ضمانه لم يجز تصرفه فيه؛ ~~ولهذا طرد الشافعي ذلك في بيع الثمار على الشجر فلم يقل بوضع الجوائح. بناء ~~على أن المشتري إذا قبضها وجاز تصرفه فيها صار ضمانها عليه. والقول الثاني: ~~في مذهب أحمد الذي ذكره الخرقي وغيره من المتقدمين وعليه تدل أصول أحمد: أن ~~الضمان والتصرف لا يتلازمان؛ ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن الثمار إذا تلفت ~~قبل تمكن المشتري # PageV29P398 # من جذاذها. كانت من ضمان البائع مع أن ظاهر مذهبه أنه يجوز للمشتري ~~التصرف فيها بالبيع وغيره فجوز تصرفه فيها مع كون ضمانها على البائع. وقد ~~ثبت بالسنة أن الثمار من ضمان البائع كما في صحيح مسلم عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك ~~أن ms8702 تأخذ من ثمنها شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق} . ولكن الرواية ~~الأخرى عنه في منع التصرف في هذه الثمار يرافق الطريقة الأولى. ومن الحجة ~~لهذه الطريقة: أن منافع الإجارة مضمونة على المؤجر قبل الاستيفاء بمعنى ~~أنها إن تلفت بآفة سماوية كموت الدابة وتعطلت المنافع كانت من ضمان المؤجر ~~لأنها تلفت قبل التمكن من استيفائها مع أنه يجوز للمستأجر التصرف فيها حتى ~~بالبيع في ظاهر المذهب وإن كان عنه رواية أخرى لا يؤجرها بأكثر من الأجرة ~~إذا لم يحدث فيها زيادة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن وهي مذهب أبي حنيفة. وأبو ~~حنيفة عنده أن المنافع لا تملك بالعقد وإنما تملك بالاستيفاء شيئا فشيئا. ~~وأحمد في المشهور عنه هو وغيره يجوزون إجارتها بأكثر من الأجرة ويقولون: ~~هذا ليس ربحا لم يضمن؛ لأن هذه المنافع مضمونة على # PageV29P399 # المشتري بمعنى أنه لو تركها مع القدرة على استيفائها فلم يستوفها كانت من ~~ضمانه؛ وإنما تكون مضمونة على البائع إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها ~~ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد في (باب الضمان ضمان العقد - الفرق بين ما يتمكن ~~من قبضه وما لم يتمكن ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره. ومن ذلك أن الخرقي ~~وغيره يقولون: إن الصبرة المتعينة المبيعة جزافا تدخل في ضمان المشتري ~~بالعقد ولا يجوزون للمشتري بيعها حتى ينقلها لحديث ابن عمر وابن عمر روى ~~الحكمين جميعا. قال من السنة: أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ملك ~~المبتاع وقال ما رواه البخاري عنه: {كنا نبتاع الطعام جزافا فنهينا أن ~~نبيعه في مكانه حتى ننقله إلى رحالنا} فقد جاز التصرف حيث يكون الضمان على ~~البائع كما في الثمار ومنع التصرف حيث يكون الضمان على المشتري كالصبرة من ~~الطعام فثبت عدم التلازم بينهما. ومن حجة هذا القول أنه ليس كل ما دخل في ~~ضمان المشتري يجوز تصرفه فيه بدليل المقبوض قبضا فاسدا والمقبوض في قبض ~~فاسد. أما الأول فلو اشترى قفيزا من صبرة أو رطلا من زبرة ونحو ذلك مما ~~يشترط ms8703 في إقباضه الكيل أو الوزن: فقبض الصبرة كلها أو الزبرة كلها فإن هذا ~~قبض فاسد لا يبيح له التصرف إلا بتميز ملكه # PageV29P400 # عن ملك البائع؛ ومع هذا فلو تلفت تحت يده كانت مضمونة. وأيضا فليس ~~المشتري ممنوعا من جميع التصرفات؛ بل السنة إنما جاءت في البيع خاصة ولو ~~أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح إجماعا. وقد تنازع الناس في الهبة ~~وغيرها. وقد تنازع الناس في غلة الطعام المبيع قبل النهي عن قبضه فإنه هو ~~الذي ثبت في النصوص واتفق عليه العلماء. وكذلك اختلفوا في تفريع هذا الأصل. ~~وأصول الشريعة توافق هذه الطريقة فليس كل ما كان مضمونا على شخص كان له ~~التصرف فيه: كالمغصوب والعارية. وليس كل ما جاز التصرف فيه كان مضمونا على ~~المتصرف؛ كالمالك: له أن يتصرف في المغصوب والمعار فيبيع المغصوب من غاصبه ~~وممن يقدر على تخليصه منه وإن كان مضمونا على الغاصب كما أن الضمان بالخراج ~~فإنما هو فيما اتفق ملكا ويدا. وأما إذا كان الملك لشخص واليد لآخر؛ فقد ~~يكون الخراج للمالك والضمان على القابض. وأيضا فبيع الدين ممن هو عليه جائز ~~في ظاهر مذهب أحمد والشافعي وكذلك أبو حنيفة. وعند مالك يجوز بيعه ممن ليس ~~هو عليه وهو رواية عن أحمد؛ مع أن الدين ليس مضمونا على المالك. وأيضا ~~فالبائع إذا مكن المشتري من القبض: فقد قضى ما عليه؛ # PageV29P401 # وإنما المشتري هو المفرط بترك القبض فيكون الضمان عليه؛ بخلاف ما إذا لم ~~يمكنه من القبض: بأن لا يوفيه التوفية المستحقة؛ فلا يكيله ولا يزنه ولا ~~يعده فإنه هنا بمنزلة ما لم يوفه إياه من الدين. وإذا لم يفعل البائع ما ~~يجب عليه من التوفية؛ كان هو المفرط فكان الضمان عليه؛ إذ التفريط يناسب ~~الضمان. وأما حل التصرف وحرمته فله أسباب أخر: فقد يكون السبب التمكن من ~~التسليم حتى لا يشابه بيع الغرر. وإذا لم ينقله من مكانه: فقد ينكر البائع ~~البيع ويفضي إلى النزاع. وقد لا يمكنه البائع من التسليم كما اشترط في ms8704 ~~الرهن القبض؛ لأن مقصوده استيفاء الحق من المرهون عند تعذر استيفاء الحق من ~~الراهن. وهذا إنما يتم بأن يكون قابضا للرهن؛ بخلاف ما إذا كان بيد الراهن ~~فإنه يحول بينهما. وقد يكون سبب ذلك أن المقصود بالعقود هو التقابض وبالقبض ~~يتم العقد ويحصل مقصوده؛ ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا إلينا وقد تعاقدوا ~~عقودا يجوزونها وتقابضوها: لم نفسخها؛ وإن كانت محرمة في دين المسلمين وإن ~~كان قبل التقابض نقضناها؛ لئلا يفضي إلى الإذن بعد الاسم في قبض محرم. ~~فالبيع قبل قبضه لم يتم ملك المشتري عليه؛ # PageV29P402 # بل هو يتعرض للآفات شرعا وكونا فكان بيعها قبل القبض من جنس بيع الغرر؛ ~~ولهذا نهى عن بيع المغانم قبل القبض ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع ما ليس عنده؛ لعدم تمكنه من القبض الواجب عليه بالعقد. وإن كان من ~~الناس من يجعل الحديث متناولا للدين والعين ويجعل التسليم مستثنى منه. ~~ومنهم من يخصه بالعين ويفسره ببيع عين لم يملكها ويجعل معنى " ما ليس عندك ~~": ما ليس في ملكك. ومنهم من يحمله على الملك واليد جميعا أو يشترط في ~~المبيع أن يكون مملوكا مقبوضا فلا يجوز بيع المملوك الذي لا يتمكن من ~~تسليمه وهو من بيع الغرر: كالعبد الآبق والفرس الشارد. وهذا حجة من منع بيع ~~الدين ممن ليس عليه. قال: لأنه غرر ليس بمقبوض. ومن جوزه قال: بيعه ~~كالحوالة عليه وكبيع المودع والمعار فإنه مقبوض حكما؛ ولهذا جوزنا بيع ~~الثمار. وظاهر مذهب أحمد أنه إذا اشترى ثمرة بادية الصلاح وقبض ثمنها فإنها ~~تكون من ضمان البائع؛ لأن عليه القبض إلى كمال الجذاذ والمشتري لم يتمكن من ~~جذاذها ولكن جاز تمكنه منها إذا خلى بينه وبينها: بجعل التصرف. وقبضها ~~التخلية وجعل في الضمان قبضها التمكن من الانتفاع الذي هو المقصود بالعقد. ~~ولغموض مأخذ هذه المسائل كثر تنازع الفقهاء فيها ولم يطرد إلى التوهم فيها ~~قياس كما تراه. # PageV29P403 # وكثير منهم لا يلحظ فيها معنى؛ بل يتمسك فيها بظاهر النصوص وكل منهما قد ~~يتناقض ms8705 فيها؛ لكن قد جعل على حمل المذاهب فيها والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى صبرة مجازفة ثم تلفت على ملك المشتري قبل قبضها ثم باعها ~~قبل قبضها من غير أن يعلم تلفها. فإذا قلنا: إن المشتري الأول لم يجز له ~~بيعها قبل قبضها. فتلفت. فهل هي من ماله؟ أو من مال البائع الأول؟ وهل ذكر ~~أحد من العلماء: أن المشتري الأول إذا لم يجز له التصرف فيها قبل القبض ~~فتلفت يكون ضامنا لها أو أن جواز التصرف والضمان متلازمان طردا وعكسا؟ # فأجاب: # الحمد الله، أما في هذه الصورة فالبيع باطل بالاتفاق إذا تلف المبيع وقت ~~العقد سواء باعها بالصفة أو بغير الصفة أو باعها برؤية سابقة على العقد؛ بل ~~في مثل هذه الصورة لو تلفت بعد العقد وقبل وجودها على الصفة أو الرؤية ~~الأولى لا يفسخ البيع. فأما إذا تبين أنها كانت تالفة حين العقد فالبيع ~~باطل بلا ريب. وأما ضمانها فظاهر مذهب مالك وأحمد أن التلف من ضمان # PageV29P404 # المشتري؛ لما احتج به من حديث الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ~~قال: " مضت السنة إن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري " إذ ~~ظاهر مذهب أحمد أن ما كان متعينا بالعقد لا يحتاج إلى توفية بكيل أو وزن ~~ونحوهما؛ بحيث يكون المشتري قد تمكن من قبضه فهو من ضمانه: قبضه أو لم ~~يقبضه. وأما مذهب أبي حنيفة والشافعي: فإنها من ضمان البائع وهي الرواية ~~الأخرى عن أحمد واختارها أبو محمد؛ لكن الصواب في ذلك متنوع. فمذهب أبي ~~حنيفة لا يدخل المبيع كله في ضمان المشتري إلا بالقبض؛ إلا العقار. وعند ~~الشافعي العقار وغيره سواء وهو رواية عن أحمد. وعن أحمد رواية بالفرق بين ~~المكيل والموزون وغيرهما. ورواية بالفرق بين الطعام وغيره. ورواية بالفرق ~~بين المطعوم: المكيل الموزون وغيره. وهذا في القبض عنه كالروايات في الربا. # PageV29P405 # وقال - رحمه الله -: ### | فصل: في المقبوض بعقد فاسد # أصله أن العقد الصحيح يوجب على كل من المتعاقدين ما اقتضاه ms8706 العقد مثل ما ~~يوجب التقابض: في البيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك من المعاوضات اللازمة ~~فإن لزومها يقتضي وجوب الوفاء بها وتحريم نقضها. وأما " العقود الجائزة " ~~من الوكالات بأنواعها والمشاركات بأصنافها فإنها لا توجب الوفاء مطلقا؛ إذ ~~العقد ليس بلازم يجب الوفاء به؛ بل هو جائز مباح وصاحبه مخير بين إمضائه ~~وفسخه وإذا فسخه كان نقضا له؛ لكن ما دام العقد موجودا فعليه الوفاء بموجبه ~~من حفظ المال؛ فإنه عقد أمانة. وأما تحريم العدوان كالخيانة فذاك واجب ~~بالشرع لا بالعقل إذ يحرم عليه العدوان في مال من ائتمنه وغيره؛ لكن العقد ~~أوجب ذلك أيضا وزاده توكيدا. # PageV29P406 # وأما وجوب التصرف عليه بحيث يكون العامل: في المضاربة والمزارعة ~~والمساقاة إذا ترك التصرف الذي اقتضاه العقد: مفرطا فهذا هو الظاهر؛ فإن ~~العقد وإن كان جائزا فما دام موجودا فله موجبان: الحفظ بمنزلة الوديعة ~~والتصرف الذي اقتضاه العقد. وهذا قياس مذهبنا؛ لأنا نوجب على أحد الشريكين ~~من المعاوضة بالبيع والعمارة ما يحتاج إليه الآخر في العرف: مثل عمارة ما ~~استهدم. هذا في شركة الأملاك فكذلك في شركة العقود؛ فإن مقصودها هو التصرف. ~~فترك التصرف في المضاربة والمساقاة والمزارعة قد يكون أعظم ضررا من ترك ~~عمارة المكان المستهدم في شركة الأملاك. ومن ترك بيع العين والمنفعة ~~المشتركة؛ لأنه هناك يمكن الشريك أن يبيع نصيبه وهنا غره وضيع عليه منفعة ~~ماله فإذا كان العقد فاسدا لم يثبت جميع مقتضاه من وجوب التقابض والتصرف ~~وحل التصرف والانتفاع ونحو ذلك فإذا اتصل به القبض فهو قبض مأذون فيه بعقد ~~فليس مثل قبض الغاصب الذي هو بغير إذن؟ ولهذا قال الفقهاء: ما ضمن بالقبض ~~في العقد الصحيح ضمن بالقبض في العقد الفاسد كالمبيع والمؤجر. وما لم يضمن ~~بالقبض في العقد الصحيح لا يضمن بالقبض في العقد الفاسد كالأمانات: من ~~المضاربة والشركة ونحوها؛ لوجود الإذن. ولهذا تنازع العلماء في حصول الملك ~~بالقبض فيه وفيما يستحقه # PageV29P407 # من العوض هل هو المسمى. أو عوض المثل أو نحو ذلك. وذلك أن الفرق بينهما ~~من ms8707 وجهين: أحدهما: أن ذلك قبض بغير إذن المالك وهذا قبض بإذن المالك. ~~الثاني: أن هذا قبض اقتضاه عقد وإن كان فيه فساد وذاك قبض لم يقتضه عقد ~~بحال؛ ولهذا نوجب في ظاهر المذهب المسمى في النكاح الفاسد وفي المضاربة ~~الفاسدة ونحوها على أحد القولين. فإن كان المقبوض به موجودا وأراد الرد رده ~~وإن كان فائتا رد مثله إذا أمكن. فإذا تعذر رد العين أو المثل فلا بد من رد ~~عوض مثل أن يكون المبيع ليس من ذوات الأمثال؛ بل من ذوات القيم ومثل ~~المنافع المستوفاة بالإجارة الفاسدة ومثل عمل العامل في المشاركة الفاسدة: ~~من المساقاة والمضاربة ونحوها. فمن أصحابنا من يوجب رد القيمة في هذه ~~الصورة كقول الشافعي بناء على أن المستحق رد العين أو المنفعة وقد تعذر ~~عينه ومثله فينقل إلى القيمة كما لو ضمنت بالإتلاف أو الغصب. وطرد الشافعي ~~هذا في المسمى الفاسد في النكاح والمغصوب: فأوجب مهر المثل؛ بناء على أنه ~~كان يجب رد البضع لفساد التسمية فلما لم يمكن رده رد بدله وهو مهر المثل ~~وخالفه بعض أصحابه. # PageV29P408 # والجمهور من أصحابنا وغيرهم وسائر العلماء أوجبوا بدل المهر المسمى مثله ~~أو قيمته؛ لا بدل البضع وهو الصواب قطعا؛ لأن النكاح هنا لم يفسد فلم يجب ~~رد المستحق به وهو البضع وإذا لم يجب رد البضع لم يجب رد بدله؛ بل الواجب ~~هو إعطاء المسمى إن أمكن وإلا فبدله فكان بدل المسمى هو الواجب وهو أقرب ~~إلى ما تراضوا به من بدل البضع وفي سائر العقود إذا فسدت توجب رد العين أو ~~بدلها. وظاهر كلام أحمد أن الواجب في المشاركة - مثل المضاربة ونحوها - ~~المسمى أيضا: كالنكاح الفاسد على ظاهر المذهب. وهذا القول أقوى. بل الصواب ~~أنه لا يجب في الفاسد قيمة العين أو المنفعة مطلقا وذلك لأن العين لو أمكن ~~ردها أو رد مثلها لكان ذلك هو الواجب؛ لأن العقد لما انتفى وجب إعادة كل حق ~~إلى مستحقه والمثل يقوم مقام العين. أما إذا كان الحق قد فات ms8708 مثل الوطء في ~~النكاح الفاسد والعمل في المؤاجرات والمضاربات والغبن في المبيع: فالقيمة ~~ليست مثلا له. وإنما تجب في بعض المواضع: كالمتلف والمغصوب الذي تعذر مثله؛ ~~للضرورة؛ إذ ليس هناك شيء يوجد أقرب إلى الحق من القيمة فكان ذلك هو العدل ~~الممكن كما قلنا مثل ذلك في القصاص # PageV29P409 # ودية الخطأ وأرش الجراح. واعتبرنا القيمة بتقويم الناس؛ إذ ليس هناك ~~متعاقدان تراضيا بشيء. وأما هنا فقد تراضيا بأن يكون المسمى بدلا عن العين ~~أو المنفعة والناس يرضون لها ببدل آخر فكان اعتبار تراضيهما أولى من اعتبار ~~رضا الناس. فإن قيل: هما إنما تراضيا بهذا البدل في ضمن صحة العقد؛ ووجوب ~~موجباته وذلك منتف هنا؟ قيل: والناس إنما يجعلون هذا قيمة في ضمن عقد صحيح ~~له موجباته فلما تعذر العقد هنا قدرنا وجود عقد يعرف به البدل الواجب فيه ~~فتقدير عقدهما الذي عقداه أولى من تقدير ما لم يوجد بحال ولا رضيا به ولم ~~يعقده غيرهما. فإذا كان لا بد من التقدير والتقريب فما كان أشبه بالواقع ~~كان أولى بالتقدير وأقرب إلى الصواب. فتبين بهذا أن إيجاب مهر المثل في ~~النكاح الفاسد إنما هو شبيه لها بمن يتزوج من أمثالها نكاحا صحيحا لازما ~~فتحتاج فيه إلى شيئين: إلى تقدير مثلها وتقدير نكاح صحيح فيه مسمى. فقسناها ~~على أمثالها وقسنا فاسدها على صحيح أولئك وهذا في غاية البعد وإذا أوجبنا ~~المسمى في الفاسد قسنا فاسدها بصحيحها وهي إلى نفسها أقرب من غيرها إليها. ~~ثم عقدهما الفاسد وعقدهما الصحيح أقرب من عقدهما الفاسد إلى عقد غيرهما ~~الصحيح. وأما إذا كان وطئ بشبهة بلا نكاح فهنا يوجب مهر مثلها. # PageV29P410 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: قاعدة في المقبوض بعقد فاسد. # وذلك أنه لا يخلو: إما أن يكون العاقد يعتقد الفساد ويعلمه أو لا يعتقد ~~الفساد. فالأول يكون بمنزلة الغاصب؛ حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه؛ لكنه ~~لشبهة العقد وكون القبض عن التراضي هل يملكه بالقبض أو لا يملكه؟ أو يفرق ~~بين أن يتصرف ms8709 فيه أو لا يتصرف؟ هذا فيه خلاف مشهور في الملك. هل يحصل ~~بالقبض في العقد الفاسد؟ . وأما إن كان العاقد يعتقد صحة العقد: مثل أهل ~~الذمة فيما يتعاقدون بينهم من العقود المحرمة في دين الإسلام؛ مثل بيع ~~الخمر والربا والخنزير؛ فإن هذه العقود إذا اتصل بها القبض قبل الإسلام ~~والتحاكم إلينا أمضيت لهم ويملكون ما قبضوه بها بلا نزاع؛ لقوله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم # PageV29P411 # مؤمنين} فأمر بترك ما بقي. وإن أسلموا أو تحاكموا قبل القبض فسخ العقد ~~ووجب رد المال إن كان باقيا أو بدله إن كان فائتا. والأصل فيه قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} - ~~إلى قوله - {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} أمر الله تعالى برد ما بقي من ~~الربا في الذمم ولم يأمر برد ما قبضوه قبل الإسلام وجعل لهم مع ما قبضوه ~~قبل الإسلام رءوس الأموال. فعلم أن المقبوض بهذا العقد قبل الإسلام يملكه ~~صاحبه أما إذا طرأ الإسلام وبينهما عقد ربا فينفسخ وإذا انفسخ من حين ~~الإسلام استحق صاحبه ما أعطاه من رأس المال ولم يستحق الزيادة الربوية التي ~~لم تقبض ولم يجب عليه من رأس المال ما قبضه قبل الإسلام؛ لأنه ملكه بالقبض ~~في العقد الذي اعتقد صحته وذلك العقد أوجب ذلك القبض فلو أوجبناه عليه لكنا ~~قد أوجبنا عليه رده وحاسبناه به من رأس المال الذي استحق المطالبة به وذلك ~~خلاف ما تقدم. وهكذا كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير: ~~مثل المعاملات الربوية التي يبيحها مجوزو الحيل. ومثل بيع النبيذ المتنازع ~~فيه عند من يعتقد صحته. ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من يجوز بعضها؛ ~~فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة # PageV29P412 # لم تنقض بعد ذلك؛ لا بحكم ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد. وأما إذا تحاكم ~~المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل التقابض أو استفتياه إذا تبين ms8710 لهما ~~الخطأ فرجع عن الرأي الأول فما كان قد قبض بالاعتقاد الأول أمضي. وإذا كان ~~قد بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربوية: أسقطت الزيادة ورجع إلى رأس ~~المال. ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول كأهل الذمة ~~وأولى لأن ذلك الاعتقاد باطل قطعا. # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # إذا كان إيجاب المسمى أو مثله أقرب إلى التسوية في الفاسد الذي يتعذر ~~رده: رد المقبوض أو مثله من إيجاب مثل العوض المسمى في العقد على مثال هذا ~~المضمون. فنقول: المثل من فاسد فسد مثله فليس المؤجل مثل الحال ولا أحد ~~النوعين مثل الآخر فلو أسلم إليه دراهم في شيء سلما ولم # PageV29P413 # يتغير سعره وقلنا: هو سلم. فإن رد إليه رأس ماله في الحال أو مثله فهذا ~~هو الواجب. وأما إذا أخره إلى حين حلول السلم ثم أراد رد مثل رأس ماله: ~~فليس هذا مثلا له. فإذا أوجبنا المسلم فيه بقيمته وقت الإسلاف كان أقرب إلى ~~العدل فإنهما تراضيا أن يأخذ بهذه الدراهم من المسلم فيه لا من غيره؛ لكن ~~لم يتفقا على القدر فردهما إلى القيمة العادلة هو الواجب بالقياس؛ فإن قبض ~~الثمن قبل قبض المثمن. ولو اشترى سلعة لم يقطع فيها وقلنا هو بيع فاسد فإذا ~~تعذر رد العين ومثلها: ردت القيمة بالسعر وقت القبض فكما أوجبنا هنا قيمة ~~المقبوض من العوض نوجب هناك قيمة المقبوض من الدراهم. ونظيرها من كل وجه: ~~أن يكون المبيع مكيلا أو موزونا لم يقطع ثمنه؛ لكنه مؤجل إلى حول فحين يحل ~~الأجل إن رد حنطة مثلا لم يكن مثلا لتلك المقبوضة؛ لاختلاف القيمة فإعطاء ~~قيمة المقبوض وقت قبض السلعة مؤجلا إلى حين قبض الثمن أشبه بالعدل. فهذا في ~~الثمن والمثمن سواء. والأصل فيه أن كل ما كان أقرب إلى ما تعاقدا عليه ~~وتراضيا به؛ كان أولى بالاستحقاق مما لم يتعاقدا عليه ولم يتراضيا به وأن # PageV29P414 # المضمون بالغصب والإتلاف إذا لم يكن مثليا فإنه يقدر بالقيمة لا بالعقود ms8711 ~~فتقدير المضمون بذلك العقد أولى من تقديره بالمضمون بعقد آخر؛ لكن هذه ~~المسألة " مسألة الحلول والتأجيل " مبنية على أصل آخر وهو أن اختلاف ~~الأسعار يؤثر في التماثل وهذا مذكور في موضعه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عاقد رجلا بثغر الإسكندرية على غلة ذكر أنها مودعة في ناحية ~~ببيروت وأعطاه الثمن وأرسل وكيله ليسلم ذلك للمشتري فلم يجد الغلة؛ بل ~~وجدها تحت الحوطة كل ذلك بعد أن أشهد المشتري على نفسه أنه تسلم الغلة ~~المذكورة. فهل يجوز لهذا البائع تأخير ما قبضه من الثمن؟ وهل له في ذلك ~~شبهة ويعطي البائع بتأخير الثمن عمن سلمه بعد المطالبة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا لم يجد المبيع الغائب أو وجده ولم يتمكن من ~~قبضه فله فسخ البيع إن كانت العين مغصوبة. وإن تلفت انفسخ البيع ووجب على ~~البائع أن يرد عليه الثمن إذا طلبه المشتري ولا ينفعه إشهاد المشتري عليه ~~بالقبض إذا كان قد أشهد # PageV29P415 # قبل القبض وإن قامت عليه بينة بالإقرار وكان الإقرار صحيحا: فله تحليف ~~البائع أن باطن الإقرار كظاهره في أصح قولي العلماء. وأما إذا علم كذب ~~الإقرار بأن يكون قد أقر بالقبض قبل التمكن منه لم يصح هذا الإقرار كله - ~~إذا صح بيع الغائب بأن يبيعه بالصفة على مذهب مالك وأحمد في المشهور. وأما ~~من أبطل بيعه مطلقا كالشافعي وأحمد في رواية فالبيع باطل من أصله وأبو ~~حنيفة يصححه مطلقا وأحمد في رواية؛ لكن له الخيار عند الرؤية بكل حال وبكل ~~حال فالأئمة متفقون على أن على البائع دفع الثمن إذا طلبه المشتري والحالة ~~هذه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن باع بيعا وجحد البيع وأشهد المشتري على نفسه بالفسخ فما الحكم في ~~ذلك؟ # فأجاب: # إذا جحد البيع وفسخه المشتري كذلك لم يكن للبائع إلزام المشتري ثانيا ~~بالقبض. والله أعلم. # PageV29P416 # وسئل: # عن رجل اشترى ملكا بثمن معين. ودفع الثمن بمحضر شهود كتاب التبايع وثبت ~~الكتاب وحكم به حكام المسلمين الأربعة ثم استحق الملك المشترى ms8712 مستحق غير ~~البائع وأثبت استحقاقه بذلك الشرع ورفع يد المشتري عما اشتراه منه والرجل ~~يومئذ غائب فوق مسافة القصر وله أملاك حاضرة وأموال. فهل إذا طلب الرجل ~~المذكور من الحاكم الذي ببلد المشتري الذي حكم له على الغائب بنظير ما قبض ~~الغائب من الرجل المشتري من ثمن المبيع يجيبه إلى ذلك والحالة هذه؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا ظهر المبيع مستحقا فللمشتري أن يرجع بالثمن على من ~~قبضه منه أو ببدله. فإذا كان القابض منه غائبا حكم عليه إذا قامت الحجة ~~وسلم إلى المحكوم له حقه من مال الغائب مع بقائه على حجته. والله أعلم. # PageV29P417 ### | باب الربا # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن تحريم الربا وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم؛ ليتوصلوا بها إلى ~~الربا وإذا حل الدين يكون المديون معسرا فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة ~~مال وما يلزم ولاة الأمور في هذا وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما ~~زاد في معاملة الربا؟ # فأجاب: # المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع. وقد {لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ولعن المحلل والمحلل له} قال ~~الترمذي حديث صحيح. فالاثنان ملعونان. وإن كان أصل الربا في الجاهلية: أن ~~الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي؟ أم ~~تربي؟ . فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال. # PageV29P418 # والأصل واحد. وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين. وأما إذا كان هذا هو ~~المقصود ولكن توسلوا بمعاملة أخرى؛ فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين ~~وأما الصحابة فلم يكن بينهم نزاع أن هذا محرم فإنما الأعمال بالنيات ~~والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة. والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر ~~المحتاجين وأكل المال بالباطل وهو موجود في المعاملات الربوية. وأما إذا حل ~~الدين وكان الغريم معسرا: لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا ~~بمعاملة ولا غيرها؛ بل يجب إنظاره وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة ~~إلى ms8713 القلب لا مع يساره ولا مع إعساره. والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير ~~المتعاملين بالمعاملة الربوية: بأن يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال. ~~ويسقطوا الزيادة الربوية فإن كان معسرا وله مغلات يوفى منها وفي دينه منها ~~بحسب الإمكان والله أعلم. # PageV29P419 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: ### | فصل: فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب # قال الله تعالى في الربا: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون} . وقد بسط الكلام على هذا في موضعه. وقد قال تعالى لما ذكر الخلع ~~والطلاق فقال في الخلع: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} - إلى قوله - {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} وقال ~~تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن ~~يتعد # PageV29P420 # حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} {فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا ~~الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن ~~الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} . فالطلاق المحرم: كالطلاق في ~~الحيض وفي طهر قد أصابها فيه. حرام بالنص والإجماع وكالطلاق الثلاث عند ~~الجمهور وهو تعد لحدود الله وفاعله ظالم لنفسه كما ذكر الله تعالى: {ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} . والظالم لنفسه إذا تاب تاب الله عليه؛ ~~لقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} ~~فهو إذا استغفره غفر له ورحمه وحينئذ ms8714 يكون من المتقين. فيدخل في قوله: {ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} . والذين ألزمهم عمر ومن ~~وافقه بالطلاق المحرم كانوا عالمين بالتحريم وقد نهوا عنه فلم ينتهوا فلم ~~يكونوا من المتقين فهم ظالمون لتعديهم الحدود مستحقون للعقوبة. ولذلك قال ~~ابن عباس لبعض المستفتين: إن عمك لم يتق الله فلم يجعل له فرجا ولا مخرجا. ~~ولو اتقى الله # PageV29P421 # لجعل له فرجا ومخرجا. وهذا إنما يقال لمن علم أن ذلك محرم وفعله. فأما من ~~لا يعلم بالتحريم فإنه لا يستحق العقوبة ولا يكون متعديا فإنه إذا عرف أن ~~ذلك محرم تاب من عوده إليه والتزم ألا يفعله. والذين كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يجعل ثلاثتهم واحدة في حياته كانوا يتوبون وكذلك من طلق في الحيض ~~كما طلق ابن عمر فكانوا يتوبون فيصيرون متقين ومن لم يتب فهو الظالم لنفسه ~~كما قال: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} . ~~فحصر الظلم فيمن لم يتب فمن تاب فليس بظالم فلا يجعل متعديا لحدود الله بل ~~وجود قوله كعدمه ومن لم يتب فهو محل اجتهاد. فعمر عاقبهم بالإلزام ولم يكن ~~هناك تحليل فكانوا لاعتقادهم أن النساء يحرمن عليهم لا يقعون في الطلاق ~~المحرم فانكفوا بذلك عن تعدي حدود الله. فإذا صاروا يوقعون الطلاق المحرم ~~ثم يردون النساء بالتحليل المحرم: صاروا يفعلون المحرم مرتين ويتعدون حدود ~~الله مرتين؛ بل ثلاثا؛ بل أربعا؛ لأن طلاق الأول كان تعديا لحدود الله وذلك ~~نكاح المحلل لها ووطؤه لها قد صار بذلك ملعونا هو # PageV29P422 # والزوج الأول. فقد تعديا حد الله هذا مرة أخرى وذاك مرة. والمرأة ووليها ~~لما علموا بذلك وفعلوه كانوا متعدين لحدود الله فلم يحصل بالالتزام في هذه ~~الحال انكفاف عن تعدي حدود الله؛ بل زاد التعدي لحدود الله فترك التزامهم ~~بذلك - وإن كانوا ظالمين غير تائبين - خير من إلزامهم به. فذلك الزنا يعود ~~إلى تعدي حدود الله مرة بعد مرة. وإذا قيل: فالذي استفتى ابن عباس ونحوه ms8715 لو ~~قيل له: تب. لتاب ولهذا كان ابن عباس يفتي أحيانا بترك اللزوم كما نقل عنه ~~عكرمة وغيره. وعمر ما كان يجعل الخلية والبرية إلا واحدة رجعية. ولما قال. ~~قال عمر (1) : {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} . ~~وإذا كان الإلزام عاما ظاهرا كان تخصيص البعض بالإعانة نقضا لذلك ولم يوثق ~~بتوبته. فالمراتب أربعة. أما إذا كانوا يتقون الله ويتوبون فلا ريب أن ترك ~~الإلزام - كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر - خير. وإن ~~كانوا لا ينتهون إلا بإلزام فينتهون حينئذ ولا يوقعون المحرم PageV29P423 # ولا يحتاجون إلى تحليل. فهذا هو الدرجة الثانية التي فعلها فيهم عمر. ~~والثالثة: أن يحتاجوا إلى التحليل المحرم فهنا ترك الإلزام خير. والرابعة: ~~أنهم لا ينتهون بل يوقعون المحرم ويلزمون به بلا تحليل. فهنا ليس في ~~إلزامهم به فائدة إلا آصار وأغلال لم توجب لهم تقوى الله وحفظ حدوده؛ بل ~~حرمت عليه نساؤهم وخربت ديارهم فقط. والشارع لم يشرع ما يوجب حرمة النساء ~~وتخريب الديار؛ بل ترك إلزامهم بذلك أقل فسادا وإن كانوا أذنبوا فهم مذنبون ~~على التقديرين؛ لكن تخريب الديار أكثر فسادا والله لا يحب الفساد. وأما ترك ~~الإلزام فليس فيه إلا أنه أذنب ذنبا بقوله ولم يتب منه. وهذا أقل فسادا من ~~الفساد الذي قصد الشارع دفعه ومنعه بكل طريق. # وسئل: # عما إذا أبدل قمحا بقمح؟ . # فأجاب: # إذا أبدل قمحا بقمح كيلا بكيل مثلا بمثل: جاز. وإن كان بزيادة لم يجز. # PageV29P424 # وسئل: # عن امرأة باعت أسورة ذهب بثمن معين إلى أجل معين هل يجوز؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا بيعت بذهب أو فضة إلى أجل لم يجز ذلك باتفاق الأئمة؛ بل يجب رد ~~الأسورة إن كانت باقية أو رد بدلها إن كانت فائتة. والله أعلم. # وسئل: # هل يجوز بيع الحياصة بنسيئة بزائد عن ثمنها؟ . # فأجاب: # أما الحياصة التي فيها ذهب أو فضة فلا تباع إلى أجل بفضة أو ذهب؛ لكن ~~تباع بعرض إلى أجل. والله أعلم. # PageV29P425 # وسئل: ms8716 # عن حديث: {رخص في العرايا أن تباع بخرصها} فما خرصها؟ و {نهى عن بيع ~~المصراة والمحفلة} ؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما " المصراة والمحفلة " فهي البهيمة - من الإبل والغنم ~~وغيرهما - تترك حتى يجتمع اللبن في ضرعها أياما ثم تباع يظن المشتري أنها ~~تحلب كل يوم مثل ذلك. فهذا من التدليس والغش وقد حرمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم عموما وخصوصا وجعل للمشتري الخيار ثلاثا إذا حلبها؛ إن رضيها أمسكها ~~وإن سخطها ردها ورد عوض اللبن الذي كان موجودا وقت العقد وجعل صلى الله ~~عليه وسلم عوضه صاعا من تمر. وأما بيع الغرر الذي لا يمكن البائع تسليمه ~~مثل أن يبيع عبده الآبق وبعيره أو فرسه الشارد أو طيره الذي خرج من قفصه أو ~~من حبله ونحو ذلك. فإن بيع مثل هذه الأمور من " باب المخاطرة والقمار " فإن ~~المبيع إن قدر عليه كان المشتري قد قمر البائع حيث أخذ ماله بدون قيمته وإن ~~لم يقدر عليه كان البائع قد قمر المشتري # PageV29P426 # وفي كل منهما أكل مال الآخر بالباطل. وشر من ذلك أن يبيعه ما في بطن ~~الدابة وكذلك إذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها فهذه من أنواع الغرر. وقد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها عموما وخصوصا. وكل ذلك من الميسر الذي حرمه ~~الله في القرآن. وكذلك بيع الحصاة مثل أن يقول: بعتك من هذه الأرض إلى حيث ~~تبلغ هذه الحصاة أو بعتك - من هذه الثياب؟ أو الشياه أو الغلمان أو غيره - ~~ما تقع عليه هذه الحصاة فيكون المبيع مجهول القدر أو العين أو الوصف. وأما ~~" العرايا " فإن النبي صلى الله عليه وسلم استثناها مما نهى عنه من ~~المزابنة؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة. " ~~والمزابنة " أن يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر. و " المحاقلة " أن ~~يشتري الحنطة في سنبلها بخرصها من الحنطة. والخرص هو الحزر والتقدير. ~~فيقال: كم في هذه النخلة؟ فيقال: خمسة أوسق فيقال: اشتريته بخمسة أوسق. أو ~~كم في هذا الحقل من البر فيقال: ms8717 خمسة أوسق فيقال: اشتريته بخمسة أوسق. وهذا ~~الحكم عام في كل ما يباع إلا بقدره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا ~~تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا # PageV29P427 # الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الحنطة بالحنطة إلا مثلا بمثل ولا ~~تبيعوا الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا ~~بمثل ولا تبيعوا الملح بالملح إلا مثلا بمثل} . ونهى صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى. فإذا بيعت هذه الأموال ~~بمثلها جزافا لم يجز ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعها إلا ~~متماثلة فإذا لم يعلم التماثل لم يجز البيع ولهذا يقول الفقهاء: الجهل ~~بالتساوي كالعلم بالتفاضل. والتماثل يعلم بالكيل والوزن. وأما الخرص: فهو ~~ظن وحسبان يقدر به عند الحاجة والضرورة فأما مع إمكان الكيل والوزن فلا. ~~فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة؛ لأنهم يحزرون من غير ~~حاجة وأباح ذلك في العرايا لأجل الحاجة؛ لأن المشتري يحتاج إلى أكل الرطب ~~بالتمر خرصا؛ لأجل حاجته إلى ذلك. ورخص في ذلك في القليل الذي تدعو إليه ~~الحاجة وهو ما دون النصاب وهو ما دون خمسة أوسق. وكذلك يجوز لحاجة البائع ~~إلى البيع. كما قد بسط ذلك في موضعه. ولفظ " العرايا " معناه في اللغة هي ~~النخلات التي يعيرها الرجل لغيره: أي يعطيه إياها ليأكل ثمرها ثم يعيدها ~~إليه كما قال الشاعر يمدح فيه بالكرم: # PageV29P428 # فليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح # وهذا كما يقال للماشية " المنيحة ": مثل أن يعطيه الناقة أو الشاة ليشرب ~~لبنها ثم يعيدها إليه وهو من جنس العارية. وهو أن يعيره داره ليسكنها ثم ~~يعيدها إليه. ومنه أفقار الظهر: وهو أن يعطيه دابته ليركب فقارها ثم يعيدها ~~إليه. فهذا أصل هذه اللفظة؛ لكن حكم العرايا هل هو مخصوص بما كان موهوبا ~~للمشتري؟ أو عام في ذلك وفي غيره؟ فيه قولان للعلماء. والأول قول مالك. ~~والثاني قول الشافعي وفي مذهب ms8718 أحمد القولان. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل اشترى قمحا بثمن معلوم إلى وقت معلوم ثم إنه ما حصل لصاحب القمح ~~شيء ثم داره عقدا وارتهن عليه ملكا وأنه أخذ ذلك بيعا وشراء بذلك العقد فهل ~~البيع جائز؟ . # فأجاب: # إذا اشترى قمحا بثمن إلى أجل ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم ~~يجز؛ فإن هذا بيع دين بدين. وكذلك # PageV29P429 # إن احتال على أن يزيده في الثمن ويزيده ذلك في الأجل بصورة يظهر رباها لم ~~يجز ذلك ولم يكن له عنده إلا الدين الأول. فإن هذا هو الربا الذي أنزل الله ~~فيه القرآن؛ فإن الرجل يقول لغريمه عند محل الأجل تقضي أو تربي فإن قضاه ~~وإلا زاده هذا في الدين وزاده هذا في الأجل فحرم الله ورسوله ذلك وأمر ~~بقتال من لم ينته. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اضطر إلى قرضه دراهم فلم يجد من يقرضه إلا رجل يأخذ الفائدة فيأتي ~~السوق يشتري له بضاعة بخمسين ويبيعها له بربح معين إلى مدة معينة فهل هي ~~قنطرة الربا؟ . # فأجاب: # إذا اشترى له بضاعة وباعها له فاشتراها منه أو باعها للثالث صاحبها الذي ~~اشتراها المقرض منه فهذا ربا. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والتابعين في تحريم ذلك كثيرة: مثل حديث عائشة لأم ولد زيد بن ~~أرقم قالت لها: يا أم المؤمنين إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء ~~بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه بستمائة نقدا. فقالت عائشة: بئس # PageV29P430 # ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم أجد إلا ~~رأس مالي؟ فقالت عائشة: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره ~~إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . وعن أنس بن مالك ~~أنه سئل عن مثل ذلك. فقال: هذا ما حرم الله. وأما الذي لم يعد إلى البائع ~~بحال ms8719 بل باعها المشتري من مكان آخر لجاره فهذا يسمى " التورق " وقد تنوزع ~~في كراهته. فكرهه عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - ~~في إحدى الروايتين. وقال عمر بن عبد العزيز. التورق آخية الربا: أي أصل ~~الربا. وهذا القول أقوى. # وسئل: # عن رجل طلب من إنسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتي درهم فباعه فرسا أو ~~قماشا بألف درهم واشتراه منه بألف ومائتي درهم إلى أجل معلوم فهل يجوز ذلك؟ ~~. # فأجاب: # لا يحل له ذلك؛ بل هو ربا باتفاق الصحابة وجمهور # PageV29P431 # العلماء كما دلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. سئل ابن عباس ~~رضي الله عنه عن رجل باع حريرة ثم ابتاعها لأجل زيادة درهم فقال: دراهم ~~بدراهم دخلت بينهما حريرة وسئل عن ذلك أنس بن مالك فقال: هذا مما حرم الله ~~ورسوله. وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم في نحو ذلك بئس ما شريت وبئس ما ~~اشتريت أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~أن يتوب. فمتى كان مقصود المتعامل دراهم بدراهم إلى أجل - فإنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى - فسواء باع المعطي الأجل أو باع الأجل ~~المعطى ثم استعاد السلعة. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} وفيه أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إذا تبايعتم بالعينة؛ واتبعتم أذناب البقر وتركتم ~~الجهاد في سبيل الله أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى ~~دينكم} وهذا كله في بيع العينة وهو بيعتان في بيعة. وقال صلى الله عليه ~~وسلم. {لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ~~ليس عندك} قال الترمذي: حديث صحيح. فحرم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع ~~الرجل # PageV29P432 # شيئا ويقرضه مع ذلك؛ فإنه يحابيه في البيع لأجل القرض حتى ينفعه فهو ربا. ~~وهذه الأحاديث ms8720 وغيرها تبين أن ما تواطأ عليه الرجلان بما يقصدان به دراهم ~~بدراهم أكثر منها إلى أجل فإنه ربا سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض ~~وما أشبه ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تداين دينا فدخل به السوق فاشترى شيئا بحضرة الرجل ثم باعه عليه ~~بفائدة هل يجوز ذلك؟ أم لا؟. # فأجاب: # الحمد لله، هذا على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون بينهم مواطأة لفظية أو ~~عرفية على أن يشتري السلعة من رب الحانوت فهذا لا يجوز. والثاني: أن ~~يشتريها منه على أن يعيدها إليه. فهذا أيضا لا يجوز فقد دخلت أم ولد زيد بن ~~أرقم على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى ~~العطاء بثمانمائة درهم نسيئة ثم ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة: ~~بئس ما شريت وبئس # PageV29P433 # ما اشتريت أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا أن يتوب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من باع بيعتين في بيعة فله ~~أوكسهما أو الربا} وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما ~~حريرة. وقال أنس بن مالك: هذا مما حرم الله ورسوله. والوجه الثالث: أن ~~يشتري السلعة سرا ثم يبيعها للمستدين بيانا فيبيعها أحدهما فهذه تسمى " ~~التورق "؛ لأن المشتري ليس غرضه في التجارة ولا في البيع ولكن يحتاج إلى ~~دراهم فيأخذ مائة ويبقى عليه مائة وعشرون مثلا. فهذا قد تنازع فيه السلف ~~والعلماء. والأقوى أيضا أنه منهي عنه كما قال عمر بن عبد العزيز ما معناه: ~~أن التورق أصل الربا؛ فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل لما ~~في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل وهذا المعنى موجود في هذه الصورة ~~وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. وإنما الذي أباحه الله البيع ~~والتجارة وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها. فأما إذا كان قصده مجرد ~~الدراهم بدراهم أكثر منها: فهذا لا خير فيه. والله ms8721 أعلم. # PageV29P434 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ويجعل سلفا على حرير فإذا جاء ~~الأجل وأعسر المديون عن وفائه قال له: عاملني فيأخذ رب الحرير من عنده ~~ويقول للمديون: اشتريت من هذا الحرير بمائة وتسعين إلا أنه يأتيه على حساب ~~كل مائة بمائة وأربعين. وإذا قبضه المديون منه قال: أوفني هذا الحرير عن ~~السلف الذي لي عندك. وإذا جاءت السنة الثانية طالبه بالدراهم المذكورة ~~فأعسرت عليه أو بعضها. قال: عاملني فيحسب المتبقي والأصل ويجعل ذلك سلفا ~~على حرير. فما يجب على هذا الرجل؟ # فأجاب: # هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن. فإنه كان يكون للرجل على الرجل ~~الدين فيأتي إليه عند محل الأجل فيقول: إما أن تقضي وإما أن تربي فإن وفاه ~~وإلا زاده المدين في الدين وزاده الغريم في الأجل حتى يتضاعف المال. فأنزل ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم # PageV29P435 # رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} . ~~وهذه المعاملة التي يفعلها مثل هذا المربي: مقصودها مقصود أولئك المشركين ~~المربين؛ لكن هذا أظهر صورة المعاملة وهذا لا ينفعه باتفاق أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإن هذا المربي يبيعه ذلك الحرير إلى أجل؛ ليوفيه إياه عن ~~دينه فهو بمنزلة أن يبيعه إياه إلى أجل ليشتريه بأقل من ذلك؛ وقد سئل ابن ~~عباس عن مثل هذا فقال: هذا حرام حرمه الله ورسوله. وسألت أم ولد زيد بن ~~أرقم عائشة أم المؤمنين عن مثل هذا فقالت: إني بعت من زيد غلاما إلى العطاء ~~بثمانمائة درهم ثم ابتعته بستمائة فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما ~~بعت. أخبري زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~يتوب. قالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالي. فقالت عائشة: ~~{فمن جاءه موعظة من ربه ms8722 فانتهى فله ما سلف} . وفي السنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} . وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يحل سلف وبيع} فنهى أن يبيع ويقرض ~~ليحابيه في البيع؛ لأجل القرض. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: {إنما الأعمال ~~بالنيات} فهذان المتعاملان إن كان قصدهما أخذ # PageV29P436 # دراهم بدراهم إلى أجل فبأي طريق توصل إلى ذلك كان حراما؛ لأن المقصود ~~حرام لا يحل قصده؛ بل قد نهى السلف عن كثير من ذلك سدا للذرائع: لئلا يفضي ~~إلى هذا المقصود. وهذا المربي لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو ~~نظيره. فأما الزيادات فلا يستحق شيئا منها؛ لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل ~~فإنه يعفى عنه. وأما ما بقي له في الذمم فهو ساقط؛ لقوله: {وذروا ما بقي من ~~الربا} والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أراد الاستدانة من رجل فقال أعطيك كل مائة بكسب كذا وتبايعا ~~بينهما شيئا من عروض التجارة فلما استحق الدين طلبه بالدين فعجز عنه. فقال: ~~اقلب علي الدين بكسب كذا وكذا في المائة وتبايعا بينهما عقارا وفي آخر كل ~~سنة يفعل معه مثل ذلك وفي جميع المبايعات غرضهم الحلال فصار المال عشرة ~~آلاف درهم. فهل يحل لصاحب الدين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة ~~الطويلة؟ وهل لولي الأمر إنكار ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # قول القائل لغيره: أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا # PageV29P437 # حرام وكذا إذا حل الدين عليه وكان معسرا فإنه يجب إنظاره ولا يجوز إلزامه ~~بالقلب عليه باتفاق المسلمين. وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من ~~المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ~~ربوية. والواجب رد المال المقبوض فيها إن كان باقيا وإن كان فانيا رد مثله ~~ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك. وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات ~~الربوية وعقوبة من يفعلها ورد الناس فيها إلى رءوس أموالهم؛ دون الزيادات؛ ~~فإن هذا من الربا الذي حرمه ms8723 الله ورسوله. وقد قال تعالى: {اتقوا الله وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} {وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} . # وسئل: # عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر فاشترى له ~~بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه. فهل تصح هذه ~~المعاملة؟ # PageV29P438 # فأجاب: لا تجوز هذه المعاملة؛ بل إن كان الغريم معسرا فله أن ينتظره. ~~وأما المعاملة التي يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا ~~بينهما صاحب الحانوت. والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا ~~يطالب بالزيادة التي لم يقبضها. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن " العينة ": هل هي جائزة في دين الإسلام؟ أم لا؟ وهل يجوز لأحد أن ~~يقلد فيها بعض من رأى جوازها من الفقهاء أم يجب عليه أن يحتاط لدينه ويتبع ~~النصوص الواردة في ذلك ومن تاب من " مسألة العينة " المذكورة: هل يحل له ما ~~ربحه بطريقها؟ أم يجب عليه إخراج الربح ورده إلى أربابه إن قدر أو التصدق ~~بذلك؟ فإن عاد إليها مقلدا بعد العلم ببطلانها: هل يجوز له ذلك؟ أم لا؟ ~~وكذلك ما تقولون في " مسألة الثلاثية "؟ و " مسألة التورق "؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجل والمعطي ~~يقصد إعطاءه ذلك. فهذا ربا لا ريب في تحريمه وإن تحيلا على ذلك بأي طريق ~~كان؛ فإنما الأعمال بالنيات # PageV29P439 # وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فإن هذين قد قصدا الربا الذي أنزل الله في تحريمه ~~القرآن وهو الربا الذي أنزل الله فيه قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} {وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة} ms8724 . وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين ~~فيأتيه عند محل الأجل فيقول له: إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضاه وإلا ~~زاده المدين في المال وزاده الغريم في الأجل فيكون قد باع المال بأكثر منه ~~إلى أجل فأمرهم الله إذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال وأهل الحيل ~~يقصدون ما تقصده أهل الجاهلية؛ لكنهم يخادعون الله ولهم طرق: أحدها: أن ~~يبيعه السلعة إلى أجل ثم يبتاعها بأقل من ذلك نقدا كما قالت أم ولد زيد بن ~~أرقم لعائشة: إني بعت من زيد غلاما إلى العطاء بثمانمائة وابتعته بستمائة ~~نقدا. فقالت لها عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أنه قد أبطل ~~جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب قالت: يا أم المؤمنين ~~أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فقرأت عائشة: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله} . # PageV29P440 # وقيل لابن عباس: رجل باع حريرة إلى أجل ثم ابتاعها بأقل من ذلك؟ فقال: ~~دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة. وسئل أنس بن مالك عن نحو ذلك فقال: هذا ~~مما حرمه الله ورسوله. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} وهؤلاء قد باعوا بيعتين في بيعة. ~~وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه ~~متاعا بقدر المال فاشتراه المعطي ثم باعه الآخذ إلى أجل ثم أعاده إلى صاحب ~~الحانوت بأقل من ذلك. فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجعل فهذا أيضا من ~~الربا الذي لا ريب فيه. وكذلك إذا ضما إلى القرض محاباة في بيع أو إجارة أو ~~غير ذلك مثل أن يقرضه مائة ويبيعه سلعة تساوي خمسمائة أو يؤجره حانوتا ~~يساوي كراه مائة بخمسين فهذا أيضا من الربا ومن رواية الترمذي وغيره عن عبد ~~الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل سلف وبيع ولا ~~شرطان ms8725 في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك} قال الترمذي: حديث ~~صحيح. فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم السلف - وهو القرض - مع البيع. ~~والأصل في هذا الباب أن الشراء على ثلاثة أنواع: # PageV29P441 # أحدها: أن يشتري السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللباس ~~والركوب والسكنى ونحو ذلك. فهذا هو البيع الذي أحله الله. والثاني: أن ~~يشتريها من يقصد أن يتجر فيها إما في ذلك البلد وإما في غيره فهذه هي ~~التجارة التي أباحها الله. والثالث: أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا؛ بل ~~مقصوده دراهم لحاجته إليها. وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضا أو سلما فيشتري ~~سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا هو " التورق " وهو مكروه في أظهر قولي ~~العلماء وهذا إحدى الروايتين عن أحمد؛ كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق ~~أخية الربا. وقال ابن عباس: إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس به وإذا ~~استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم. ومعنى كلامه إذا استقمت؛ إذا ~~قومت. يعني: إذا قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى أجل فإنما مقصودك دراهم ~~بدراهم هكذا " التورق " يقوم السلعة في الحال ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ~~ذلك. وقد يقول لصاحبه: أريد أن تعطيني ألف درهم فكم تربح؟ فيقول: مائتين أو ~~نحو ذلك. أو يقول: عندي هذا المال يساوي ألف # PageV29P442 # درهم أو يحضران من يقومه بألف درهم ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل فهذا مما ~~نهي عنه في الصحيح. وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت ~~فيها الأمة كهذه المعاملات المسئول عنها وغيرها وكان متأولا في ذلك ومعتقدا ~~جوازه لاجتهاد أو تقليد أو تشبه ببعض أهل العلم أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم ~~ونحو ذلك. فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها وإن تبين ~~لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأن الذي أفتاهم أخطأ. فإنهم قبضوها ~~بتأويل فليسوا أسوأ حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل. فإن الكفار إذا ~~تبايعوا بينهم خمرا أو خنزيرا وهم ms8726 يعتقدون جواز ذلك وتقابضوا من الطرفين أو ~~تعاملوا بربا صريح يعتقدون جوازه وتقابضوا من الطرفين ثم أسلموا ثم تحاكموا ~~إلينا: أقررناهم على ما بأيديهم وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك. كما ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين} فأمرهم بترك ما بقي لهم في الذمم ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه. وكان ~~بعض نواب عمر بالعراق يأخذ من أهل الذمة الجزية خمرا ثم يبيعها لهم فكتب ~~إليه عمر ينهاه عن ذلك. وقال: إن رسول # PageV29P443 # الله صلى الله عليه وسلم قال: {لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها وأكلوا أثمانها} ولكن ولوهم بيعها وخذوا أثمانها. فنهاهم عمر عن ~~بيع الخمر وقال ولو أبيعها الكفار. فإذا باعوها هم لأهل دينهم وقبضوا ~~أثمانها جاز للمسلمين أن يأخذوا ذلك الثمن منهم؛ ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه ~~الإسلام فهو على قسم الإسلام} . بل أكثر العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة ~~يقولون بما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه ~~الراشدين وهو: أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين ~~بالمحاربة ثم أسلموا بعد ذلك أو عاهدوا فإنها تقر بأيديهم كما أقر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيد المشركين ما كانوا أخذوه من أموال المسلمين حال ~~الكفر؛ لأنهم لم يعتقدوا تحريم ذلك وقد أسلموا والإسلام يجب ما قبله فإنما ~~غفر لهم بالإسلام ما تقدم من الكفر والأعمال صاروا مكتسبين لها بما لا ~~يأثمون به. وإذا كان الأمر كذلك: فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله ~~من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التي يفتي فيها بعض العلماء إذا أقبض ~~بها أموال وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك: لم يحرم ~~عليهم ما قبضوه بالتأويل كما لم يحرم على الكفار بعد الإسلام # PageV29P444 # ما اكتسبوه في حال الكفر بالتأويل ويجوز لغيرهم من المسلمين الذين ~~يعتقدون تحريم ذلك أن يعاملوهم فيه؛ كما يجوز للمسلم ms8727 أن يعامل الذمي فيما ~~في يده من ثمن الخمر وغيره؛ لكن عليهم إذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه ~~المعاملات الربوية ولا يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن يفتي بالجواز تقليدا ~~لبعض العلماء؛ فإن تحريم هذه المعاملات ثابت بالنصوص والآثار ولم يختلف ~~الصحابة في تحريمها وأصول الشريعة شاهدة بتحريمها. والمفاسد التي لأجلها ~~حرم الله الربا موجودة في هذه المعاملات مع زيادة مكر وخداع وتعب وعذاب. ~~فإنهم يكلفون من الرؤية والصفة والقبض وغير ذلك من أمور يحتاج إليها في ~~البيع المقصود وهذا البيع ليس مقصودا لهم وإنما المقصود أخذ دراهم بدراهم ~~فيطول عليهم الطريق التي يؤمرون بها فيحصل لهم الربا فهم من أهل الربا ~~المعذبين في الدنيا قبل الآخرة وقلوبهم تشهد بأن هذا الذي يفعلونه مكر ~~وخداع وتلبيس؛ ولهذا قال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ~~فلو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي. والكلام على هذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع وقد صنفت كتابا كبيرا في هذا. والله أعلم. # PageV29P445 # وسئل: # عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن ~~حالا. هل يجوز؟ أم لا؟ . # فأجاب: # أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه ~~تسمى " مسألة العينة " وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد وغيرهم. وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك. فإن ~~ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل. فقال: دراهم بدراهم ~~دخلت بينهما حريرة. وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال: إذا استقمت بنقد ثم بعت ~~بنسيئة فتلك دراهم بدراهم. فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى ~~أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم والأعمال بالنيات. وهذه تسمى " التورق ". ~~فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها. وتارة يشتريها # PageV29P446 # ليتجر بها فهذان جائزان باتفاق المسلمين. وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ ~~دراهم فينظر كم تساوي نقدا فيشتري بها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد ~~فمقصوده الورق ms8728 فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء كما نقل ذلك عن عمر بن عبد ~~العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن ~~أرقم لما قالت لها: إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة ~~وبعته منه بستمائة. فقالت عائشة: بئس ما بعت وبئس ما اشتريت. أخبري زيدا أن ~~جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل إلا أن يتوب. قالت: يا أم ~~المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فقالت لها عائشة: {فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} . وفي السنن عن {النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: لمن باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} وهذا إن ~~تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع فما له إلا الأوكس وهو الثمن الأقل أو الربا. ~~وأصل هذا الباب: أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فإن كان قد نوى ~~ما أحله الله فلا بأس وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فإن له ما نوى. ~~والشرط بين الناس # PageV29P447 # ما عدوه شرطا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعا والإجارة بينهم ما عدوه ~~إجارة وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا؛ فإن الله ذكر البيع والنكاح ~~وغيرهما في كتابه ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه. والأسماء ~~تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة باللغة ~~كالشمس والقمر والبر والبحر وتارة بالعرف كالقبض والتفريق. وكذلك العقود ~~كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك فما تواطأ الناس على شرط وتعاقدوا ~~فهذا شرط عند أهل العرف. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل دين رجلا شعيرا بستين درهم - الغرارة - إلى وقت معلوم فلما جاء ~~وقت الأجل طالبه فقال المديون: ما أعطيك غير شعير وكان الشعير يساوي ثلاثين ~~درهما - الغرارة - فهل له أن يأخذ شعيرا؟ أم لا؟ . # فأجاب: # هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء فمذهب الفقهاء السبعة # PageV29P448 # ومالك وأحمد في المنصوص عنه؛ أن ذلك لا يجوز. فمن ms8729 باع مالا ربويا كالحنطة ~~والشعير وغيرهما إلى أجل لم يجز أن يعتاض عن ثمنه بحنطة أو شعير أو غير ذلك ~~مما لا يباع به نسيئة؛ لأن الثمن لم يقبض فكأنه قد باع حنطة أو شعيرا بحنطة ~~أو شعير إلى أجل متفاضلا وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: هذا يجوز وهو اختيار أبي محمد المقدسي من أصحاب أحمد؛ لأن البائع ~~إنما يستحق الثمن في ذمة المشتري وبه اشترى فأشبه ما لو قبضه ثم اشترى من ~~غيره وأما إن باع ما عند المشتري من حنطة أو شعير واستوفى حقه من الثمن ~~فذلك جائز بلا ريب وإذا كان البائع قد أخذ الحنطة أو الشعير بدون قيمته ~~فذلك أخف والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى أربع أرادب قمح بمائة درهم إلى أجل معلوم فعند استحقاق ~~المائة وجده يبيع القمح بعشرة دراهم كل إردب. فهل يجوز أن يأخذ بالمائة ~~عشرة أرادب قمح؟ أو فول؟ أو شعير؟ من الحبوب؟ . # PageV29P449 # فأجاب: هذه المسألة فيها نزاع مشهور؛ إذا باعه حنطة أو شعيرا أو نحوهما ~~من الربويات إلى أجل واعتاض عن ثمن ذلك حنطة أو شعيرا أو نحوهما مما لا ~~يباع بالأول نسئا. فعند مالك وأحمد وغيرهما أن ذلك لا يجوز وعند أبي حنيفة ~~والشافعي أنه يجوز وهو قول بعض أصحاب أحمد. # وسئل: # عمن يبيع فضة خالصة بفضة مغشوشة: الدرهم بدرهم ونصف؟ . # فأجاب: # لا يجوز بيع الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل. وإذا كان الغش الذي في الفضة لا ~~يقصد بالفضة جاز. وأما إن كانت الفضة أكثر من الفضة لم يجز لا سيما إن كانت ~~الفضة التي في المغشوش أكثر من الخالصة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ~~والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. # PageV29P450 # وسئل: # عن بيع الفضة بالفضة المغشوشة متفاضلا؟ . # فأجاب: # إذا كانت الفضة الخالصة في أحدهما بقدر الفضة الخالصة في الأخرى وهي ~~المقصودة والنحاس يذهب. وقد علم قدر ذلك بالتحري والاجتهاد. فهذا يجوز في ~~أحد قولي العلماء. وكذلك إذا كانت الفضة المفردة أكثر من الفضة المغشوشة ms8730 ~~بشيء يسير بقدر النحاس: فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء. وأما إذا كانت ~~الفضة المغشوشة أكثر من المفردة فإنه لا يجوز. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع العلم بأن التفاوت ~~بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب؛ بل فضة هذه الدراهم أكثر. هل تجوز ~~المقابضة بينهما أم لا؟ . # PageV29P451 # فأجاب: هذه المقابضة تجوز في أظهر قولي العلماء والجواز فيه له مأخذان؛ ~~بل ثلاثة: أحدها: أن هذه الفضة معها نحاس وتلك فضة خالصة والفضة المقرونة ~~بالنحاس أقل. فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من الدراهم الخالصة ~~فالفضة التي في المائة أقل من سبعين. فإذا جعل زيادة الفضة بإزاء النحاس ~~جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوزون مسألة " مد عجوة " كما هو مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. وهو أيضا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه ~~إذا كان الربوي تبعا لغيره كما إذا باع شاة ذات لبن بلبن ودارا مموهة ~~بالذهب بذهب والسيف المحلى بفضة بفضة أو ذهب ونحو ذلك. والذين منعوا من ~~مسألة " مد عجوة " - وهو بيع الربوي بجنسه إذا كان معهما أو مع أحدهما من ~~غير جنسه - قد علله طائفة منهم - من أصحاب الشافعي وأحمد - بأن الصفقة إذا ~~اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة وهذه علة ضعيفة؛ فإن ~~الانقسام: إذا باع شقصا مشفوعا وما ليس بمشفوع - كالعبد والسيف والثوب - ~~إذا كان لا يحل: عاد الشريك إلى الآخذ بالشفعة. فأما انقسام الثمن بالقيمة ~~لغير حاجة فلا دليل عليه. # PageV29P452 # والصحيح عند أكثرهم كون ذلك ذريعة إلى الربا بأن يبيع ألف درهم في كيس ~~بألفي درهم ويجعل الألف الزائدة في مقابلة الكيس كما يجوز ذلك من يجوزه من ~~أصحاب أبي حنيفة. والصواب في مثل هذا أنه لا يجوز؛ لأن المقصود بيع دراهم ~~بدراهم متفاضلة فمتى كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق فإنما ~~الأعمال بالنيات. وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي؛ بل يخرص خرصا؛ مثل ~~{القلادة التي بيعت يوم حنين وفيها خرز ms8731 معلق بذهب فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تباع حتى تفصل} فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ~~ذلك الذهب المفرد فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل؛ ~~لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون فيكون قد باع ذهبا ~~بذهب مثله وزيادة خرز وهذا لا يجوز. وإذا علم الأخذ. فإذا كان المقصود بيع ~~دراهم بدراهم مثلها وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة ~~بالمغشوشة؛ بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط؛ لم يكن في هذا من مفسدة ~~الربا شيء إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها ولا هو بما يحتمل أن # PageV29P453 # يكون فيه ذلك فيجوز التفاوت. المأخذ الثاني: مأخذ من يقول: يجوز بيع ~~الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك إذا تعذر الكيل ~~أو الوزن كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها كما مضت ~~به السنة في جواز بيع الرطب بالتمر خرصا؛ لأجل الحاجة. ويجوز ذلك في كل ~~الثمار في أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره. وفي الثاني لا يجوز وفي الثالث ~~يجوز في العنب والرطب خاصة كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي. وكما يقول ~~نظير ذلك مالك وأصحابه في بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة كما يجوز ~~بيع الخبز بالخبز على وجه التحري وجوزوا بيع اللحم باللحم على وجه التحري ~~في السفر. قالوا: لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ولا ميزان عندهم فيجوز كما جازت ~~العرايا. وفرقوا بين ذلك وبين الكيل؛ فإن الكيل ممكن ولو بالكف. وإذا كانت ~~السنة قد مضت بإقامة التحري والاجتهاد مقام العلم بالكيل أو الوزن عند ~~الحاجة. فمعلوم أن الناس يحتاجون إلى بيع هذه الدراهم المغشوشة بهذه ~~الخالصة وقد عرفوا مقدار ما فيها من الفضة # PageV29P454 # بأخبار أهل الضرب وأخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه الدراهم وعرف قدر ~~ما فيها من الفضة فلم يبق في ذلك جهل مؤثر؛ بل العلم بذلك أظهر من العلم ~~بالخرص ms8732 أو نحو ذلك وهم إنما مقصودهم دراهم بدراهم بقدر نصيبهم؛ ليس مقصودهم ~~أخذ فضة زائدة. ولو وجدوا من يضرب لهم هذه الدراهم فضة خالصة من غير ~~اختيارهم بحيث تبقى في بلادهم لفعلوا ذلك وأعطوه أجرته. فهم ينتفعون بما ~~يأخذونه من الدراهم الخالصة ولا يتضررون بذلك. وكذلك أرباب الخالصة إذا ~~أخذوا هذه الدراهم: فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون. وهذا " مأخذ ثالث " يبين ~~الجواز وهو: أن الربا إنما حرم لما فيه من أخذ الفضل وذلك ظلم يضر المعطي ~~فحرم لما فيه من الضرر. وإذا كان كل من المتقابضين مقابضة أنفع له من كسر ~~دراهمه وهو إلى ما يأخذه محتاج؛ كان ذلك مصلحة لهما هما يحتاجان إليها ~~والمنع من ذلك مضرة عليهما. والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ويوجب ~~المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع. وهذا كما أن من أخذ " ~~السفتجة " من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر مثل أن ~~يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر. والمقترض له دراهم في ذلك البلد ~~وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه في بلد دراهم المقرض ويكتب # PageV29P455 # له سفتجة - أي ورقة - إلى بلد دراهم المقترض فهذا يجوز في أصح قولي ~~العلماء. وقيل: ينهى عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض إذا جر منفعة كان ربا ~~والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى ~~بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض. والشارع لا ينهى عما ينفع ~~الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه؛ وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم ~~الله عنه. والله أعلم. # وسئل: # عمن اشترى الفلوس: أربعة عشر قرطاسا بدرهم ويصرفها ثلاثة عشر بدرهم هل ~~يجوز؟ . # فأجاب: # إذا كان يصرفها للناس بالسعر العام جاز ذلك وإن اشتراها رخيصة. وأما من ~~باع سلعة بدراهم فإنه لا يجب عليه أن يقتضي عن شيء منها فلوسا إلا ~~باختياره. وكذلك من اشتراها بدراهم فعليه أن يوفيها دراهم فإن تراضيا على ~~التعويض عن الثمن؛ أو بعضه بفلوس بالسعر ms8733 الواقع جاز. والله أعلم. # PageV29P456 # وسئل: # عن الفلوس وبيع بعضها ببعض متفاضلا وصرفها بالدراهم من غير تقابض في ~~الحال ودافع الدرهم يأخذ ببعضه فلوسا وببعضه قطعة من فضة. # فأجاب: # إذا دفع الدرهم فقال: أعطني بنصفه فضة وبنصفه فلوسا. وكذلك لو قال: أعطني ~~بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافا أو دراهم خفافا؛ فإنه يجوز سواء كانت ~~مغشوشة أو خالصة. ومن الفقهاء من يكره ذلك ويجعله من باب " مد عجوة " لكونه ~~باع فضة ونحاسا بفضة ونحاس. وأصل مسألة " مد عجوة " أن يبيع مالا ربويا ~~بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: ~~أحدها: المنع مطلقا كما هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد. والثاني: الجواز ~~مطلقا كقول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد. # PageV29P457 # والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا أو لا يكون ~~وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه. فإذا باع تمرا في نواه بنوى أو تمرا ~~منزوع النوى. أو شاة فيها لبن بشاة ليس فيها لبن أو بلبن ونحو ذلك. فإنه ~~يجوز عندهما؛ بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل؛ فإن هذا ~~لا يجوز. فمن كان قصده بيع الربوي بجنسه متفاضلا لم يجز وإن كان تبعا غير ~~مقصود جاز. ومالك رحمه الله يقدر ذلك بالثلث. وهكذا إذا باع حنطة فيها شعير ~~يسير بحنطة فيها شعير يسير فإن ذلك يجوز عند الجمهور. وكذلك إذا باع ~~الدراهم التي فيها غش بجنسها. فإن الغش غير مقصود والمقصود بيع الفضة ~~بالفضة وهما متماثلان. وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة يقول من يكرهه: ~~إنه بيع فضة ونحاس بنحاس. والصحيح الذي عليه الجمهور أن هذا كله جائز. # PageV29P458 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة: هل يشترط فيها الحلول والتقابض كصرف ~~الدراهم بالدنانير؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد: إحداهما لا بد من ~~الحلول والتقابض؛ فإن هذا من جنس الصرف؛ فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان ~~فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفا. والثانية لا يشترط الحلول ms8734 والتقابض فإن ذلك ~~معتبر في جنس الذهب والفضة سواء كان ثمنا أو كان صرفا أو كان مكسورا؛ بخلاف ~~الفلوس. ولأن الفلوس هي في الأصل من " باب العروض " والثمنية عارضة لها. ~~وأيضا هذا مبني على الأصل الآخر وهو أن بيع النحاس متفاضلا هل يجوز؟ على ~~قولين معروفين فيه وفي سائر الموزونات: كالحديد بالحديد والرصاص بالرصاص ~~والقطن بالقطن والكتان بالكتان # PageV29P459 # والحرير بالحرير: أحدهما: لا يجوز بيع الجنس بجنسه متفاضلا وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأصحابه وأحمد في أشهر الروايتين عنه. والثاني: أن ذلك جائز وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى اختارها طائفة من أصحابه. ومن قال ~~بالتحريم اختلفوا في المعمول من ذلك: كثياب القطن والكتان والأسطال وقدور ~~النحاس وغير ذلك. هل يجري فيه الربا؟ على ثلاثة أقوال: أصحها الفرق بين ما ~~يقصد وزنه بعد الصنعة - كثياب الحرير والأسطال ونحوهما - وبين ما لا يقصد ~~وزنه: كثياب القطن والكتان والإبر وغيرها. وعلى هذا فالفلوس يجري فيها ~~الربا عند من يقول إن معمول النحاس يجري فيه ومن اعتبر قصد الوزن لم يجر ~~الربا فيها عنده لأنه لا يقصد وزنها في العادة وإنما تنفق عددا. لكن من قال ~~هي أثمان. فهل يجري فيها الربا من هذه الجهة؟ على وجهين لهم. وكذلك فيها ~~وجهان في وجوب الزكاة فيها وفي إخراجها عن الزكاة وغير ذلك. والوجهان في ~~مذهب أحمد وغيره. # PageV29P460 # وسئل: # عن رجل قال لإنسان: أعطني بهذه الدراهم أنصافا قال له: ما يجوز. فهل يجوز ~~ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه فيها نزاع بين العلماء؛ لكن الأكثرون على جواز ذلك؛ كأبي ~~حنيفة ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه. فإن المسألة التي نقلتها الفقهاء مسألة " ~~مد عجوة " على ثلاثة أقسام: يجمعها أنه بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما ~~من غير جنسهما. القسم الأول: أن يكون المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلا ويضم ~~إلى الأقل غير الجنس حيلة مثل أن يبيع ألفي دينار بألف دينار في منديل أو ~~قفيز حنطة بقفيز وغرارة ونحو ذلك. فإن الصواب مثل هذا القول بالتحريم كما ms8735 ~~هو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وإلا فلا يعجز أحد في ربا الفضل أن يضم إلى ~~القليل شيئا من هذا. القسم الثاني: أن يكون المقصود بيع غير ربوي مع ربوي ~~وإنما دخل الربوي ضمنا وتبعا كبيع شاة ذات صوف ولبن بشاة ذات # PageV29P461 # صوف ولبن أو سيف فيه فضة يسيرة بسيف أو غيره أو دار مموهة بذهب بدار ونحو ~~ذلك. فهنا الصحيح في مذهب مالك وأحمد جواز ذلك. وكذلك لو كان المقصود بيع ~~الربوي بغير الربوي مثل بيع الدار والسيف ونحوهما بذهب أو بيعه بجنسه وهما ~~متساويان. ومسألة الدراهم المغشوشة في زماننا من هذا الباب؛ فإن الفضة التي ~~في أحد الدرهمين كالفضة التي في الدرهم الآخر. وأما النحاس فهو تابع غير ~~مقصود. ولهذا كان الصحيح جواز ذلك؛ بخلاف القسم الثالث وهو ما إذا كان ~~كلاهما مقصودا: مثل بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم أو مدين أو درهمين أو ~~بيع دينار بنصف دينار وعشرة دراهم أو بيع عشرة دراهم ورطل نحاس بعشرة دراهم ~~ورطل نحاس فمثل هذه فيها نزاع مشهور. فأبو حنيفة يجوز ذلك والشافعي يحرمه. ~~وعن أحمد روايتان. ولمالك تفصيل بين الثلث وغيره. # PageV29P462 # وسئل - رحمه الله -: # عن الذهب المخيش إذا علم مقدار ما فيه من الفضة والذهب فهل يجوز بيعه ~~بأحدهما إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا على ثلاثة أنواع: أحدها أن يكون المقصود بيع فضة بفضة ~~متفاضلا أو بيع ذهب بذهب متفاضلا ويضم إلى الأنقص من غير جنسه حيلة فهذا لا ~~يجوز أصلا. والثاني أن يكون المقصود بيع أحدهما وبيع عرض بأحدهما وفي العرض ~~ما ليس مقصودا: مثل بيع السلاح بأحدهما وفيه حلية يسيرة أو بيع عقار ~~بأحدهما وفي سقفه وحيطانه كذلك مثل بيع غنم ذات صوف بصوف وذات لبن بلبن ~~فهذا يجوز عند أكثر العلماء وهو الصواب. وبيع الفضة المخيشة بذهب يذهب عند ~~السبك بفضة مثله هو من هذا الباب؛ فإذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب ~~أو بيعت # PageV29P463 # بذهب مقبوض جاز ذلك وإذا ms8736 بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لأجل ~~الصناعة لم يجز. والثالث أن يكون كلا الأمرين مقصودا: مثل أن يكون على ~~السلاح ذهب أو فضة كثير؛ فهذا إذا كان معلوم المقدار وبيع بأكثر من ذلك: ~~ففيه نزاع مشهور. والأظهر أنه جائز. وإذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب ~~أو بيعت بذهب مغشوش جاز ذلك وإذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لم ~~يجز. والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # فصل: # وأما بيع الدراهم النقرة التي تكون فضتها نحو الثلثين بالدراهم السود ~~التي يكون فضتها نحو الربع أو أقل أو أكثر فهذه مما تتعلق بمسألة " مد عجوة ~~". وجماعها أن يبيع ربويا معه غيره بجنس ذلك الربوي والناس فيها بين طرفي ~~التحريم والتحليل وبين متوسط. # PageV29P464 # فإذا كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا وقد أدخل الغير حيلة كمن يبيع ~~ألفي درهم بألف درهم في منديل أو قفيزي حنطة بقفيز في زنبيل: فهذا لا ريب ~~في تحريمه. كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وإن كان المقصود هو البيع ~~الجائز وما فيه من مقابلة ربوي بربوي هو داخل على وجه التبع كبيع الغنم ~~بالغنم وفي كل منهما لبن وصوف أو بيع غنم ذات لبن بلبن وبيع دار مموهة بذهب ~~وبيع الحلية الفضية بذهب وعليهما ذهب يسير موهت به ونحو ذلك. فهذا الصواب ~~فيه أنه جائز كما هو المشهور من مذهب أحمد وغيره كما جاز دخول الثمرة قبل ~~بدو صلاحها في البيع تبعا وقد جاء مع ذلك الحديث الذي رواه مسلم مرفوعا كما ~~رواه سالم عن أبيه ورواه نافع عن ابن عمر مرفوعا: {من باع عبدا له وله مال ~~فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع} . وأما إن كان كلا الصنفين مقصودا ~~ففيهما النزاع المشهور. ومنهم من منعه؛ إما لكونه ذريعة إلى الربا وإما ~~لكون الصفقة المشتملة على عوضين مختلفين ينقسم الثمن عليهما بالقيمة وهو ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه. # PageV29P465 # ومنهم من جوزه كمذهب أبي حنيفة وغيره. والرواية الأخرى عن أحمد: إذا كان ~~المفرد أكثر من الذي معه ms8737 غيره. إذا عرف ذلك: فبيع النقرة المغشوشة بالنقرة ~~المغشوشة جائز على الصحيح كبيع الشاة اللبون باللبون إذا تماثلا في الصفة ~~أو النحاس. وأما بيع النقرة بالسوداء إذا لم يقصد به فضة بفضة متفاضلا فإن ~~النحاس الذي في السوداء مقصود وهي قرينة بين النقرة والفلوس فهذه تخرج على ~~النزاع المشهور في مسألة " مد عجوة " إذ قد باع فضة ونحاسا بفضة ونحاس ~~مقصودين والأشبه الجواز في ذلك وفي سائر هذا الباب إذا لم يشتمل على الربا ~~المحرم. والأصل حمل العقود على الصحة والحاجة داعية إلى ذلك وحديث الخرز ~~المعلقة بالذهب لم يعلم كون الذهب المفرد أكثر من الذي مع الخرز والتقويم ~~في العوضين المختلفين كان للحاجة. هذا إن كان النحاس ينتفع به إذا تخلص من ~~الفضة؛ فإن كان لا ينتفع به؛ فذلك كبيع الفضة بالفضة يعتبر فيه التماثل ~~ويلغى فيه ما لا خبرة للناس بمقدار الفضة. والله أعلم. # PageV29P466 # و ### | سئل: # عن جماعة تبيع بدراهم وتوفي عن بعضها فلوسا # محاباة ثم تخبر عن الثمن بالثمن المسمى؟ . # فأجاب: # ليس لهم أن يوفوا فلوسا إلا برضا البائع وإذا أوفوا فلوسا فليس لهم أن ~~يوفوها إلا بالسعر الواقع كما {أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ~~عمر لما قال له: إنا نبيع بالذهب ونقتضي الورق ونبيع بالورق ونقتضي الذهب ~~فقال: لا بأس به بسعر يومه إذا افترقتما وليس بينكما شيء} . وحينئذ فتخيير ~~الثمن على التقدير سواء؛ وذلك لأن هذا ربح فيما لم يضمن. وعلى هذا التقدير ~~فجميع الديون والاعتياض عنها سواء؛ لأن التقديرين يجريان مجرى واحدا، ~~فاستيفاء أحدهما عن الآخر كاستيفاء أحدهما عن نفسه فلا يكون ذلك من باب ~~المعاوضة فلا تجوز فيه الزيادة بالشرط كما لا يجوز في القرض ونحوه مما يوجب ~~المماثلة. فإذا اتفقا على أن يوفي أحدهما أكثر من قيمته: كان كالاتفاق # PageV29P467 # على أن يوفي عنه أكثر منه من جنسه؛ بخلاف الزيادة من غير شرط. وعلى هذا ~~فالفلوس النافقة قد يكون فيها شوب أقوى من الأثمان فتوفيتها عن أحد النقدين ~~كتوفية ms8738 أحدهما عن صاحبه: فيه العلتان؛ لحديث ابن عمر. يحسبها بنقدين في ~~الحكم ويقتصر به عن الأثمان. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الفلوس تشترى نقدا بشيء معلوم وتباع إلى أجل بزيادة فهل يجوز ذلك؟ أم ~~لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين العلماء وهو صرف الفلوس ~~النافقة بالدراهم هل يشترط فيها الحلول؟ أم يجوز فيها النسأ؟ على قولين ~~مشهورين هما قولان في مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل: أحدهما: وهو منصوص ~~أحمد وقول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة؛ أنه لا يجوز. وقال مالك: ~~وليس بالحرام البين. والثاني: وهو قول الشافعي وأبي حنيفة في الرواية ~~الأخرى # PageV29P468 # وابن عقيل من أصحاب أحمد: أنه يجوز. ومنهم من يجعل نهي أحمد للكراهة؛ ~~فإنه قال: هو يشبه الصرف. والأظهر المنع من ذلك؛ فإن الفلوس النافقة يغلب ~~عليها حكم الأثمان وتجعل معيار أموال الناس. ولهذا ينبغي للسلطان أن يضرب ~~لهم فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم؛ من غير ظلم لهم. ولا يتجر ذو ~~السلطان في الفلوس أصلا؛ بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتجر فيه ولا بأن يحرم ~~عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها؛ بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ~~ربح فيه؛ للمصلحة العامة ويعطي أجرة الصناع من بيت المال. فإن التجارة فيها ~~باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل؛ فإنه إذا حرم المعاملة ~~بها حتى صارت عرضا وضرب لهم فلوسا أخرى: أفسد ما عندهم من الأموال بنقص ~~أسعارها فيظلمهم فيها وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها. وأيضا فإذا اختلفت ~~مقادير الفلوس: صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارا فيصرفونها وينقلونها ~~إلى بلد آخر ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس وفي السنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس} فإذا ~~كانت مستوية المقدار بسعر النحاس ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس ~~الكاسدة ليضربها فلوسا ويتجر بذلك: حصل بها المقصود # PageV29P469 # من الثمنية. وكذلك الدراهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم {نهى عن بيع ms8739 ~~الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين} {ونهى عن صرف الدراهم بالدنانير، ~~إلا يدا بيد} وتحريم النسأ متفق عليه بين الأمة. وتحريم التفاضل يدا بيد قد ~~ثبت فيه أحاديث صحيحة وقال به جمهور الأمة ولكن لله ولرسوله في الشريعة من ~~الحكمة البالغة والنعمة التامة والرحمة العامة؛ ما قد يخفى على كثير من ~~العلماء. وقد اختلفوا في كثير من " مسائل الربا " قديما وحديثا. واختلفوا ~~في تحريم التفاضل في الأصناف الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر ~~والملح: هل هو التماثل؟ وهو الكيل والوزن. أو هو الثمنية والطعم أو هو ~~الثمنية والتماثل مع الطعم والقوت وما يصلحه؟ أو النهي غير معلل والحكم ~~مقصور على مورد النص؟ على أقوال مشهورة. و " الأول " مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~في أشهر الروايات عنه. و " الثاني " قول الشافعي وأحمد في رواية. و " ~~الثالث " قول أحمد في رواية ثالثة اختارها أبو محمد وقول مالك قريب من هذا ~~وهذا القول أرجح من غيره. و " الرابع " قول داود وأصحابه ويروى عن قتادة. ~~ورجح ابن عقيل هذا القول في مفرداته وضعف # PageV29P470 # الأقوال المتقدمة. وفيها قول شاذ: أن العلة المالية وهو مخالف للنصوص ~~ولإجماع السلف. والاتحاد في الجنس شرط على كل قول من ربا الفضل. والمقصود ~~هنا: الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم. والأظهر أن العلة في ~~ذلك هو الثمنية؛ لا الوزن كما قاله جمهور العلماء ولا يحرم التفاضل في سائر ~~الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان. ومما يدل على ذلك اتفاق ~~العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات وهذا بيع موزون بموزون إلى ~~أجل فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا. والمنازع يقول: جواز هذا استحسان وهو ~~نقيض للعلة. ويقول: إنه جوز هذا للحاجة؛ مع أن القياس تحريمه فيلزمه أن ~~يجعل العلة الربا بما ذكره. وذلك خلاف قوله، وتخصيص العلة الذي قد سمي ~~استحسانا إن لم يبين دليل شرعي يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة واختصاص ~~صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع والأحاديث وإلا كانت ~~العلة فاسدة. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف ms8740 مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان ~~أن تكون معيارا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا # PageV29P471 # يقصد الانتفاع بعينها. فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي ~~تناقض مقصود الثمنية واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من ~~التوسل بها إلى تحصيل المطالب؛ فإن ذلك إنما يحصل بقبضها. لا بثبوتها في ~~الذمة؛ مع أنها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل. فإذا ~~صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل. كما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {نهى عن ### | بيع الكالئ بالكالئ} # وهو المؤخر بالمؤخر ولم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ~~ثابت في الذمة يسقط؛ فإن هذا الثاني يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين ولهذا ~~كان هذا جائزا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك وأبي حنيفة؛ وغيرهما؛ بخلاف ~~ما إذا باع دينا يجب في الذمة ويشغلها بدين يجب في الذمة كالمسلم إذا أسلم ~~في سلعة ولم يقبضه رأس المال فإنه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم وفي ذمة ~~المسلف رأس المال ولم ينتفع واحد منهما بشيء. ففيه شغل ذمة كل واحد منهما ~~بالعقود التي هي وسائل إلى القبض وهو المقصود بالعقد. كما أن السلع هي ~~المقصودة بالأثمان فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل كما لا يباع كالئ بكالئ؛ لما ~~في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية ومقصود العقود؛ بخلاف كون ~~المال موزونا ومكيلا؛ فإن هذا صفة لما # PageV29P472 # به يقدر ويعلم قدره. ولأن في ذلك معنى يناسب تحريم التفاضل فيه. فإذا ~~قيل: المكيلات والموزونات متماثلة وعلة التحريم نفي التماثل. قيل: العاقل ~~لا يبيع شيئا بمثله إلى أجل ولكن قد يقرض الشيء. ليأخذ مثله بعد حين. ~~والقرض هو تبرع من جنس العارية كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم {منيحة ~~ورق أو منيحة ذهب} . فالمال إذا دفع إلى من يستوفي منفعته مدة ثم يعيده إلى ~~صاحبه كان هذا تبرعا من صاحبه بنفعه تلك المدة وإن ms8741 كان لكل نوع اسم خاص. ~~فيقال في النخلة: عارية ويقال فيما يشرب لبنه منيحة. ثم قد يعيد إليه عين ~~المال إن كان مقصودا وإلا أعاد مثله. والدراهم لا تقصد عينها فإعادة ~~المقترض نظيرها كما يعيد المضارب نظيرها. وهو رأس المال. ولهذا سمي قرضا ~~ولهذا لم يستحق المقرض إلا نظير ماله وليس له أن يشترط الزيادة عليه في ~~جميع الأموال باتفاق العلماء. والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته كما يستحق ~~مثله في الغصب والإتلاف ومثل هذا لا يبيعه عاقل وإنما يباع الشيء بمثله ~~فيما إذا اختلفت الصفة. والشارع طلب إلغاء الصفة في الأثمان فأراد أن تباع ~~الدراهم بمثل وزنها ولا ينظر إلى اختلاف الصفات مع خفة وزن كل درهم. كما ~~يفعله من يطلب دراهم خفافا إما ليعطيها للظلمة وإما ليقضي بها # PageV29P473 # وأما لغير ذلك فيبدل أقل منها عددا وهو مثلها وزنا فيريد المربي أن لا ~~يعطيه ذلك إلا بزيادة في الوزن فهذا إخراج الأثمان عن مقصودها وهذا مما ~~حرمه النبي صلى الله عليه وسلم بلا ريب بخلاف مواضع تنازع العلماء فيها ليس ~~هذا موضع تفصيلها. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن يبخس المكيال والميزان؟ # فأجاب: # أما بخس المكيال والميزان فهو من الأعمال التي أهلك الله بها قوم شعيب ~~وقص علينا قصتهم في غير موضع من القرآن؛ لنعتبر بذلك. والإصرار على ذلك من ~~أعظم الكبائر وصاحبه مستوجب تغليظ العقوبة وينبغي أن يؤخذ منه ما بخسه من ~~أموال المسلمين على طول الزمان ويصرف في مصالح المسلمين إذا لم يمكن إعادته ~~إلى أصحابه. والكيال والوزان الذي يبخس الغير: هو ضامن محروم مأثوم، وهو من ~~أخسر الناس صفقة إذ باع آخرته بدنيا غيره. ولا يحل أن يجعل بين الناس كيالا ~~أو وزانا يبخس أو يحابي كما لا يحل أن يكون بينهم مقوم يحابي بحيث يكيل أو ~~يزن أو يقوم لمن يرجوه أو يخاف من شره أو يكون له جاه ونحوه بخلاف ما يكيل ~~أو يزن # PageV29P474 # أو يقوم لغيرهم أو يظلم من يبغضه ويزيد ms8742 من يحبه. قال الله تعالى: {وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن ~~تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} . والله أعلم. # PageV29P475 ### | باب بيع الأصول والثمار # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله ورضي عنه -: # عن رجل اشترى دارا ولم يكن لها بروز ثم إنه هدمها وعمرها وأحدث بروزا ~~وسلما وبابا في زقاق غير نافذ فخاف من الدعوى عليه والأيمان بالله تعالى: ~~أنه ما أحدث في هذه الدار شيئا، فملكها للغير وذكر أنه باعها بالمهلة وعمل ~~هذا البيع أحبولة ومواطأة حتى يضيع الحق، فهل تلزم اليمين لمن أحدث وباع؟ ~~أم تلزم الذي اشترى وهو لم يحدث شيئا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بيعها لا يسقط الدعوى ولا اليمين الواجبة بالدعوى وصاحب الحق ~~له أن يدعي على المشتري المستولي على ما أحدث ليزال الإحداث، وله أن يدعي ~~على البائع المحدث له الممكن له المشتري من الاستيلاء فعلى أيهما ادعى صحت ~~دعواه. # PageV29P476 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل بنى دارا عالية وسافلة وأجرى العالية على السافلة ثم باعها في ~~صفقتين لاثنين ولم يذكر لمشتري السفلى أن عليه حق ماء وقد تضرر؟ . # فأجاب: # أما البيع فيقع على الصورة الواقعة؛ لكن إذا لم يعلم المشتري أن على سطحه ~~حقا لغيره، فله الفسخ أو الأرش. # وسئل: # عن رجل باع زرعا أخضر قبل أن يدرك. هل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء. وإن اشتراه بشرط القطع ~~جاز بالاتفاق، وإن باعه مطلقا لم يجز عند جماهير العلماء؛ فإن {النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد والعنب حتى يسود} . # PageV29P477 # وسئل - رحمه الله -: # عن ملك بستان شجره مختلف منه ما يبدو صلاحه كالمشمش، ومنه ما يتأخر بدو ~~صلاحه: كالرمان، ومنه ما يبدو صلاحه بينهما كالعنب والتين والرطب وأنتم لا ~~تصححون البيع ms8743 إلا بعد بدو الصلاح. فكيف يمكن الاحتياط الشرعي مع هذا ~~الاختلاف في بدو الصلاح بتقدمه وتأخره وتوسطه، فإن باع مثلا المشمش عند ~~صلاحه ولم تجوزوا بيع العنب حيث هو في ذلك الوقت حصرم على ما لم يكن لهم. ~~أفتونا؟ . # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يضمن ~~البستان ضمانا بحيث يكون الضامن هو الذي يزرع أرضه ويسقي شجره كالذي يستأجر ~~الأرض. والأخرى إنما يكون اشترى مجرد الثمرة؛ بحيث يكون مؤنة السقي ~~والإصلاح على البائع دون المشتري والمشتري ليس له إلا الثمرة ولا مؤنة ~~عليه. # PageV29P478 # فأما " الصورة الأولى " فللعلماء فيها ثلاثة أقوال. أحدها أنها داخلة في ~~النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. وعلى هذا فمنهم من يحتال على ذلك ~~بإجارة الأرض والمساقاة على الشجر كما يذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي وبعض أصحاب أحمد: منهم القاضي أبو يعلى في " كتاب إبطال ~~الحيل " والمنصوص عن أحمد بطلان هذه الحيل وهو مذهب مالك وغيره وكثير من ~~الصور تكون باطلة بالإجماع. والقول الثاني يفرق بين أن تكون الأرض كثيرة أو ~~قليلة فإن كانت الأرض البيضاء أكثر من الثلثين والشجر أقل من الثلث: جاز ~~إجارة الأرض ودخل فيها بيع الثمر ضمنا وتبعا وهذا قول مالك. وفي وقف الثلث ~~قولان. الثالث جواز ذلك مطلقا سواء كانت الأرض أقل أو أكثر وهذا قول طائفة ~~من السلف والخلف منهم ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد وغيره وهذا هو المأثور ~~عن الصحابة، فإنه قد روى حرب الكرماني وأبو زرعة الدمشقي وغيرهما بإسناد ~~ثابت: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبل حديقة أسيد بن حضير - لما مات ~~- ثلاث سنين وتسلف القبالة ووفى بها دينا كان على أسيد. ومثل # PageV29P479 # هذه القصة لا بد أن تنتشر ولم ينكرها أحد. وأيضا فإنه وضع الخراج على أرض ~~الخراج - والأعيان والخراج أجرة: في مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور - ~~والأرض ذات شجر فأجر الجميع وهذا القول أصح الأقوال وبه ترك الخراج عن ~~المسلمين ms8744 في مثل ذلك وله مأخذان: أحدهما أنه لا بد من إجارة الأرض وذلك لا ~~يمكن إلا مع الشجر فجاز للحاجة لعدم إمكان التبعيض كما أنه إذا بدا بعض ثمر ~~الشجر جاز بيع جميعها اتفاقا؛ بل إذا بدا الصلاح في شجرة كان صلاحا لذلك ~~النوع في تلك الحديقة عند جماهير العلماء وفي سائر البساتين نزاع وذلك أنه ~~يدخل في الفرد والعقود تبعا ما لا يدخل استقلالا كما يدخل أساس الحيطان ~~ودواخلها وعمل الحيوانات وما يدخل من الزيادة بعد بدو الصلاح وكما ثبت عنه ~~في الصحيحين أنه قال: {من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط ~~المبتاع} . وإذا اشترط المبتاع الثمر المؤبر جاز بالنص والإجماع وهو ثمر لم ~~يبد صلاحه جاز بيعه تبعا لغيره وغير ذلك. ويجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها ~~كما جاز بيع العرايا بالتمر وكما جوز من جوز المضاربة والمساقاة والمزارعة ~~تبعا، ومن القياس عنده أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك عنده إجارة كما # PageV29P480 # هو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. ومن جعل ذلك مشاركة وجعلها أصلا آخر ~~يجوز ذلك نصا؛ لا قياسا وليس هو مخالفا للقياس كما هو مذهب جمهور السلف ~~وطوائف من الخلف من أصحاب أبي حنيفة كصاحبيه ومن أصحاب الشافعي كالخطابي ~~وغيره وهو مذهب أحمد وغيره فهنا أتم نظرا. والمأخذ الثاني: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها كما نهى عن بيع الحب ~~قبل اشتداده وعن بيع العنب حتى يسود ثم إنه يجوز مع ذلك عند الأئمة الأربعة ~~إجارة الأرض لمن يعمل عليها حتى ينبت الزرع وليس ذلك تبعا للحب وكذلك تقبيل ~~الشجر لمن يعمل عليها حتى تثمر ليس هو تبعا للثمرة. ألا ترى أن المزارعة ~~على الأرض بجزء من الأرض كالمساقاة على الشجر بجزء من الثمر وأن إعارة ~~الأرض كإعارة الشجر وأن انتفاع أهل الوقف بزرع الأرض كانتفاعهم بثمر الشجر، ~~فالثمرة - وإن كانت أعيانا - فإنها تجري مجرى الفوائد والنفع في الوقف ~~والمضاربة والمساقاة؛ لأنه يستخلف بدلها كما ms8745 أن استرضاع الظئر لما كان ~~مستخلفا بدله جرى مجرى النفع؛ ولهذا في باب بيع الثمر بعد بدو صلاحه إنما ~~تكون مؤنة كمال الصلاح على البائع. وأما القبالة التي فعلها عمر: فإنما ~~يقوم فيها بسقي الشجر ومؤنة حصول الثمر المتقبل فلا # PageV29P481 # يقاس هذا بهذا. ويعلم أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى ~~يبدو صلاحه لم يتناول هذه القبالة بلا ريب. ثم إن قدر أن الشجر لم يطلع أو ~~تلف بعد إطلاعه بدون تفريط المتقبل؛ كان بمنزلة تعطل المنفعة في الإجارة ~~وهو لا يستحق أجرة إلا إذا تمكن المستأجر من الانتفاع. الصورة الثانية: أن ~~يكون المشتري مجرد الثمرة فقط ومؤنة السقي على البائع فهذه المسألة إذا كان ~~البستان مشتملا على أنواع ففيها أيضا قولان: أحدهما - وهو قول الليث بن سعد ~~- أنه يجوز بيع جميع البستان إذا صلح نوع منه كما يجوز بيع النوع جميعه إذا ~~بدا صلاح بعضه؛ وذلك لأن التفريق فيه ضرر عظيم وذلك لأن المشتري للنوع قد ~~يتفق في النوع الآخر وقد لا يتفق من يشتري نوعا دون نوع وهذا القول أقوى من ~~القول الثاني وهو المنع مطلقا كما هو المشهور والجواز هنا بمجرد الحاجة ~~وذلك أن بيع المزابنة أعظم من بيع الثمر قبل بدو صلاحه فإنه بيع ربوي بجنسه ~~خرصا. والربا أعظم من الغرر لا سيما ونهيه عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ~~قد خص منه مواضع كما خص بيعه مع الشجر. فعلم أن النهي لم يتناول بيعه مع ~~غيره مطلقا؛ بل قد يقال: إنما # PageV29P482 # نهي عنه مفردا كما نهي عن الذهب والحرير مفردا ويباح مع غيره ما لا يباح ~~مفردا؛ ولأنه بيع رطب بجنسه الربوي يابسا وهذا محرم بالنص أيضا كما هو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وقد جاز من دخول المعدوم في بيع الثمرة ما لم يثبت ~~نظيره في المزابنة. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرخص في العرايا ~~استثناء من المزابنة للحاجة فلأن يجوز بيع النوع تبعا للنوع مع أن الحاجة ms8746 ~~إلى ذلك أشد وأولى ولا يلزم من منعه مفردا منعه مضموما. ألا ترى أن الحمل ~~لا يجوز إفراده بالبيع وبيع الحيوان الحامل جائز بالإجماع وإن اشترط كونه ~~حاملا، ونظائره كثيرة في الشريعة. وسر الشريعة في ذلك كله: أن الفعل إذا ~~اشتمل على مفسدة منع منه إلا إذا عارضها مصلحة راجحة كما في إباحة الميتة ~~للمضطر. وبيع الغرر نهى عنه لأنه من نوع الميسر الذي يفضي إلى أكل المال ~~بالباطل فإذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك أباحه دفعا لأعظم الفسادين باحتمال ~~أدناهما. والله أعلم. # PageV29P483 # وقال الشيخ - رحمه الله -: # فصل: # وأما بيع المقاثي كالبطيخ والخيار والقثاء ونحو ذلك: فإنه وإن كان من ~~العلماء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد من قال: لا يباع إلا لقطة لقطة ~~جعلا ذلك من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحه. والصحيح أنه يجوز بيعها بعروقها ~~جملة كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وهو مذهب مالك وغيره؛ ~~لكن هذا القول له مأخذان. أحدهما: أن العروق كأصول الشجر. فبيع الخضراوات ~~بعروقها قبل بدو صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بدو صلاحه يجوز تبعا. وهذا ~~مأخذ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وإن كان هذا على خلاف أصوله. والمأخذ ~~الثاني: - وهو الصحيح - أن هذه لم تدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم بل ~~تصح مع العقود الذي هو اللقطة # PageV29P484 # الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقثاة وإن كانت تلك معدومة لم ~~توجد؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ولا يمكن بيعها إلا كذلك وبيعها لقطة لقطة ~~متعذر أو متعسر لعدم التمييز وكلاهما منتف شرعا والشريعة استقرت على أن ما ~~يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدوما كالمنافع وأجر الثمر الذي لم يبد ~~صلاحه مع الأصل والذي بدا صلاحه مطلقا. وأيضا فإنهم يقولون: هذه معلومة في ~~العرف والعادة كالعلم بالثمار وتلفها بعد ذلك كتلف الثمار بالجائحة وتلف ~~منافع الإجارة من جنسه. وثبت بالنص أن الجوائح توضع بلا محذور في ذلك أصلا ~~بل المنع من بيع ذلك من الفساد ms8747 والله لا يحب الفساد، وإن كان بيع ذلك قد ~~يفضي إلى نوع من الفساد فالفساد في تحريم ذلك أعظم فيجب دفع أعظم الفسادين ~~باحتمال أدناهما إذ ذلك قاعدة مستقرة في الشريعة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له سواقي يزرع فيها: اللفت والجزر والفجل والقصب والقلقاس فهل ~~يجوز بيعه في الأرض؟ . # فأجاب: # أما بيع القصب ونحوه سواء بيع على أن يقلع أو يقطع من مكان معروف في ~~العادة وإن كان مغطى بورقه فإن هذا الغطاء # PageV29P485 # لا يمنع صحة البيع كبيع الحب في سنبله وكبيع الجوز واللوز في قشريه؛ فإن ~~بيع جميع هذا جائز عند جماهير المسلمين الأولين والآخرين كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد وقول في مذهب الشافعي وهو عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى هذا الزمان ~~في جميع الأعصار والأمصار. وقد دل على هذا {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع العنب حتى يسود} فإن هذا يدل على جواز ~~بيعه بعد اشتداده كما دل نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على جواز البيع ~~بعد بدو الصلاح. وأيضا فإن هذا ليس من بيع الغرر فإنه معلوم في العادة. ~~وأما بيع الجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحو ذلك ففيه قولان مشهوران: ~~أحدهما: لا يجوز حتى يقلع؛ بناء على أنه مغيب لم ير ولم يوصف؛ كسائر ~~الأعيان الغائبة التي لم تر ولم توصف. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ~~والمشهور من مذهب أحمد. والثاني: أنه يجوز بيعه إذا رأى ما ظهر منه على ~~الوجه المعروف وهذا قول مالك وقول في مذهب أحمد. وهذا أصح القولين وعليه ~~عمل المسلمين قديما وحديثا ولا تتم مصلحة الناس إلا بهذا؛ فإن تأخير بيعه ~~إلى حين قلعه يتعذر تارة ويتعسر أخرى ويفضي إلى # PageV29P486 # فساد الأموال. وأما كون ذلك مغيبا فيكون غررا: فليس كذلك؛ بل إذا رئي من ~~المبيع ما يدل على ما لم ير جاز البيع باتفاق المسلمين: في مثل بيع العقار ~~والحيوان. وكذلك ما يحصل الحرج بمعرفة جميعه يكتفى برؤية ما يمكن منه ms8748 كما ~~في بيع الحيطان. وما مأكوله في جوفه والحيوان الحامل وغير ذلك فالصواب جواز ~~بيع مثل هذا. والله أعلم. # وسئل: # عن بيع ما في بطن الأرض من اللفت والجزر والقلقاس ونحوه: هل يجوز أم لا. # فأجاب: # أما بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه كاللفت والجزر والقلقاس والفجل ~~والثوم والبصل وشبه ذلك ففيه قولان للعلماء. أحدهما: أنه لا يجوز كما هو ~~المشهور عن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. قالوا: لأن هذه أعيان غائبة لم تر ~~ولم توصف فلا يجوز بيعها كغيرها من الأعيان الغائبة؛ وذلك داخل في نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV29P487 # عن بيع الغرر. والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب ~~مالك وغيره وهو قول في مذهب أحمد وغيره وهذا القول هو الصواب لوجوه. منها: ~~أن هذا ليس من الغرر؛ بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على المغيب ~~في الأرض كما يستدلون بما يظهر من العقار من ظواهره على بواطنه وكما ~~يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه. ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك ~~والمرجع في ذلك إليهم. والثاني: أن العلم في جميع المبيع يشترط في كل شيء ~~بحسبه فما ظهر بعضه وخفي بعضه وكان في إظهار باطنه مشقة وحرج: اكتفي ~~بظاهره؛ كالعقار فإنه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان وكذلك الحيوان ~~وكذلك أمثال ذلك. الثالث: أنه ما احتيج إلى بيعه فإنه يوسع فيه ما لا يوسع ~~في غيره؛ فيبيحه الشارع للحاجة مع قيام السبب الخاص كما أرخص في بيع ~~العرايا بخرصها وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة ولم يجعل ذلك من ~~المزابنة التي نهي عنها: فإن المزابنة بيع المال بجنسه مجازفة إذا كان # PageV29P488 # ربويا بالاتفاق وإن كان غير ربوي فعلى قولين وكذلك رخص النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ابتياع الثمر بعد بدو صلاحه بشرط التبقية مع أن إتمام الثمر ~~لم يخلق بعد ولم ير. فجعل ما لم يوجد ولم يخلق ولم يعلم تابعا لذلك والناس ~~محتاجون إلى بيع هذه النباتات في ms8749 الأرض. ومما يشبه ذلك بيع المقاثي كمقاثي ~~البطيخ والخيار والقثاء وغير ذلك فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول: ~~لا يجوز بيعها إلا لقطة لقطة. وكثير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد ~~وغيرهما قالوا: إنه يجوز بيعها مطلقا على الوجه المعتاد وهذا هو الصواب فإن ~~بيعها لا يمكن في العادة إلا على هذا الوجه وبيعها لقطة لقطة إما متعذر ~~وإما متعسر؛ فإنه لا يتميز لقطة عن لقطة؛ إذ كثير من ذلك لا يمكن التقاطه ~~ويمكن تأخيره. فبيع المقثاة بعد ظهور صلاحها كبيع ثمرة البستان بعد بدو ~~صلاحها وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد ولم ير؛ ولهذا إذا بدا صلاح بعض ~~الشجرة كان صلاحا لباقيها باتفاق العلماء ويكون صلاحها صلاحا لسائر ما في ~~البستان من ذلك النوع في أظهر قولي العلماء. وقول جمهورهم: بل يكون صلاحا ~~لجميع ثمرة البستان التي جرت العادة بأن يباع جملة في أحد قولي العلماء. ~~وهذه المسائل وغيرها مما ذكرنا في هذا الجواب مبسوطة في غير هذا الموضع. # PageV29P489 # وسئل - رحمه الله -: # عن بيع قصب السكر والقلقاس واللفت والجزر ونحو ذلك وهو قائم في الأرض وفي ~~بيع البطيخ ونحوه من المقاثي؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما بيع قصب السكر فلا شبهة فيه إلا ما يذكر من ~~كونه في قشره الذي يكون صونا له فبيعه كبيع الجوز واللوز والباقلا في قشريه ~~وبيع ذلك جائز عند جماهير علماء المسلمين وهو قول سلف الأمة وعملها المتصل ~~من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الزمان ولا تتم مصلحة ~~الناس إلا بذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وقول في مذهب ~~الشافعي فإنه لما مرض أمر أن يشترى له باقلا أخضر وذلك في مرض موته فهو ~~متأخر عن نهيه الذي في كتبه. وقد دل على ذلك أنه {صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد} وذلك يدل على جواز بيع ذلك ~~بعد اسوداده واشتداده فيدل على جواز بيع ms8750 الحب في سنبله # PageV29P490 # وهو من صور النزاع كالباقلا في قشريه. والذي كره بيع ذلك يظنه من الغرر ~~الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك؛ لوجهين: ~~أحدهما: أن المشترين يعلمون ذلك كما يعلمون كثيرا من المبيعات المتفق على ~~جواز بيعها؛ بل علمهم بذلك أقوى من علمهم بكثير منها. والثاني: أنه لو فرض ~~أن في ذلك جهلا فالشريعة استقرت على ما يحتاج إلى بيعه مع الغرر؛ ولهذا أذن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال ~~الصلاح. ثم إنه بعد ذلك أمر بوضع الجوائح إذا أصابتها. وأيضا فإنه أذن في ~~بيع العقار بقوله صلى الله عليه وسلم {من كان له شرك في أرض أو ربعة أو ~~حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك} . وقد ~~أجمع المسلمون على جواز بيع العقار مع أن أساس الحيطان وداخلها مغيب. وكذلك ~~أذن في بيع الثمار قبل بدو صلاحها تبعا للأصل بقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه: {من باع نخلا مؤبرا فثمرتها للبائع إلا أن يشترط ~~المبتاع} وذلك أن بيع الغرر نهى عنه لما فيه من الميسر والقمار المتضمن ~~لأكل المال بالباطل. فإذا # PageV29P491 # كان في بعض الصور من فوات الأموال وفسادها ونقصها على أصحابها بتحريم ~~البيع أعظم مما فيها مع حله لم يجز دفع الفساد القليل بالتزام الفساد ~~الكثير؛ بل الواجب ما جاءت به الشريعة وهو تحصيل أعظم الصلاحين بتفويت ~~أدناهما ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما والفتيا لا تحتمل البسط أكثر ~~من هذا. # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما بيع القلقاس والجزر واللفت ونحو ذلك فهو جائز عند طوائف من أهل ~~العلم وهو مذهب مالك وقول في مذهب الإمام أحمد وإن كان المشهور عنه - كمذهب ~~أبي حنيفة والشافعي - أنه لا يجوز. والقول الأول هو الصواب؛ فإن الأصل ~~المتفق عليه بين العلماء في ذلك كون المبيع معلوما العلم المعتبر في المبيع ~~فنهى النبي صلى ms8751 الله عليه وسلم عن بيع الغرر يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة ~~بذلك. وأهل الخبرة يقولون: إنهم يعلمون ذلك في حال كونه في الأرض بحيث يخرج ~~عن كونه غررا؛ ويستدلون على ذلك بما يقلعونه منه كما يعلم # PageV29P492 # المبيع المنفصل عن الأرض برؤية بعضه إذا كان متشابه الأجزاء. ثم إن ظهر ~~الخفي دون الظاهر بما لم تجربه العادة: كان ذلك إما غبنا وإما تدليسا. بل ~~أهل الخبرة يقولون: إنهم يعلمون ذلك أكثر مما يعلمون كثيرا من المنفصل. ~~وكون المبيع معلوما أو غير معلوم لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم؛ بل يؤخذ عن ~~أهل الخبرة بذلك الشيء؛ وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام ~~بأدلتها. وقد قال الله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} والإيمان بالشيء مشروط ~~بقيام دليل يدل عليه، فعلم أن الأمور الغائبة عن المشاهدة قد تعلم بما يدل ~~عليها فإذا قال أهل الخبرة: إنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك دون ~~من لم يشاركهم في ذلك وإن كان أعلم بالدين منهم. كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم في تأبير النخل: {أنتم أعلم بدنياكم. فما كان من أمر دينكم ~~فإلي} . ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة كما يترتب على ~~التقويم والقيامة والخرص وغير ذلك. # PageV29P493 # وسئل: # عن إنسان عاقد إنسانا على قصب وقلقاس وهو تحت الأرض قبل إدراكه فعند ~~إدراكه غرق وقد طلب منه ثمنه بلا مكاتبة ولا تسليم فما يجب في ذلك؟ # الجواب # فأجاب: ما تلف من ذلك فهو من ضمان البائع سواء كان البيع صحيحا أو فاسدا ~~كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن بعت من ~~أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك من ثمنها شيء بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه؟} . # PageV29P494 ### | باب السلم # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن السلم في الزيتون هل يجوز؟ # فأجاب: # وأما السلم في الزيتون وأمثاله من المكيلات والموزونات فيجوز وما علمت ~~بين الأئمة في ذلك نزاعا ولكن النزاع فيما إذا أسلم ms8752 في غير المكيل والموزون ~~كالحيوان ونحوه. وفيه عن أحمد روايتان أشهرهما جواز ذلك وهو قول مالك ~~والشافعي. والثانية لا يجوز كقول أبي حنيفة. # وسئل: # عن رجل عنده قمح قيمته وزن ثمانية عشر درهما. باعه إلى أجل بخمسة وعشرين ~~هل يجوز؟ والسلم في الغلة حلال أم حرام؟ # فأجاب: # أما السلف فإنه جائز بالإجماع. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم # PageV29P495 # إلى أجل معلوم} . وأما إذا قوم السلعة بقيمة حالة وباعها إلى أجل بأكثر ~~من ذلك فهذا منهي عنه في أصح قولي العلماء كما قال ابن عباس: إذا استقمت ~~بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم ~~بدراهم. ومعنى قوله: استقمت. أي قومت والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة تشتري قماشا بثمن حال وتبيعه بزائد الثلث إلى أجل معلوم، فهل ~~هذا ربا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا كان المشتري يشتريها لينتفع بها أو يتجر بها ~~- لا يشتريها ليبيعها ويأخذ ثمنها لحاجته إليه - فلا بأس بذلك لكن ينبغي ~~إذا كان المشتري محتاجا أن يربح عليه الربح الذي جرت به العادة، والله ~~أعلم. # و ### | سئل: # هل يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل؟ # فأجاب: # يجوز بيع شاة بشاة إلى أجل. # PageV29P496 # وسئل: # عن رجل يشتري عش الحمامات ويقدم الفضة على عش السنة كلها ونص عند الشهود ~~على أرادب معلومة وليس ثم كيلا أصلا؛ بل يفعل ذلك ليصح السلم وكان العادة ~~إذا تحصل منه شيء جعل في وعائه وختم عليه كله وبيع فهل هذا صحيح؟ أم لا؟ # فأجاب: # هذه المسألة مبنية على أصلين: " أحدهما " أن هذا المنعقد من الدخان هل هو ~~طاهر أو نجس؟ في ذلك تفصيل ونزاع، وإن كان الوقود طاهرا كوقود الأفران ~~وكالوقود الطاهر للحمام فذلك المنعقد طاهر وإن كان الوقود بنجاسة فهل يكون ~~هذا المنعقد طاهرا؟ على قولين للعلماء، وكذلك في كل نجاسة استحالت كالرماد ~~والقصرمل والجرسيف ونحو ذلك وإن كان مستحيلا عن نجاسة فهذا نجس في مذهب ~~الشافعي وأحد ms8753 القولين في مذهب مالك وأحمد وهو ظاهر في مذهب أبي حنيفة. ~~والقول الآخر في مذهب مالك وأحمد أنه طاهر وهذا القول # PageV29P497 # أقوى في دلالة الكتاب والسنة والقياس. فإنهم اتفقوا على أن الخمر إذا ~~انقلبت خلا بفعل الله تعالى كانت طاهرة وهذا لم يتناوله لفظ التحريم ولا ~~معناه فلا يكون محرما نجسا. فمن قال: إنه طاهر جوز بيعه ومنهم من يجوز بيعه ~~مع نجاسته والخلاف فيه مشهور في " مسألة السرجين النجس ". و " الأصل الثاني ~~": أنه إذا جاز بيعه فلا يقال يباع على الوجه المشروع ولا ريب أنه يجوز ~~السلف فيه وليس السؤال عن بيعه معينا حتى يشترط الرؤية ونحوها؛ لكن إذا ~~أسلف فيه فلا بد أن يسلف في قدر معلوم إلى أجل معلوم وأن يقبض رأس المال في ~~المجلس وغير ذلك من شروط السلم. فإذا كانوا قد أظهروا صورة السلم وكان ~~المسلم يقبض ما تحصل وهو المقصود في الباطن سواء كان أكثر من المقدار أو ~~أقل: فهذا عقد باطل يجب النهي عنه ومنع فاعله. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل محتاج إلى تاجر عنده قماش فقال: أعطني هذه القطعة # PageV29P498 # فقال التاجر مشتراها بثلاثين وما أبيعها إلا بخمسين إلى أجل فهل يجوز ~~ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل ~~والشرب واللبس والركوب وغير ذلك. والثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها ~~فهذان نوعان جائزان بالكتاب والسنة والإجماع. كما قال تعالى: {وأحل الله ~~البيع} وقال تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لكن لا بد من مراعاة ~~الشروط الشرعية فإذا كان المشتري مضطرا لم يجز أن يباع إلا بقيمة المثل مثل ~~أن يضطر الإنسان إلى مشترى طعام لا يجده إلا عند شخص فعليه أن يبيعه إياه ~~بالقيمة قيمة المثل. وإن لم يبعه إلا بأكثر فللمشتري أن يأخذه بغير اختياره ~~بقيمة المثل وإذا أعطاه إياه لم يجب عليه إلا قيمة المثل وإذا باعه إياه ~~بالقيمة إلى ذلك الأجل فإن الأجل يأخذ قسطا من الثمن. النوع الثالث ms8754 أن يكون ~~المشتري إنما يريد به دراهم مثلا ليوفي بها دينا واشترى بها شيئا فيتفقان ~~على أن يعطيه مثلا المائة بمائة وعشرين إلى أجل فهذا كله منهي عنه فإن ~~اتفقا على أن يعيد # PageV29P499 # السلعة إليه؛ فهو " بيعتان في بيعة ". وإن أدخلا ثالثا يشتري منه السلعة ~~ثم تعاد إليه فكذلك وإن باعه وأقرضه فكذلك وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وإن كان المشتري يأخذ السلعة فيبيعها في موضع آخر: يشتريها بمائة ~~ويبيعها بسبعين لأجل الحاجة إلى دراهم. فهذه تسمى: " مسألة التورق " وفيها ~~نزاع بين العلماء والأقوى أيضا أنه منهي عنها وأنها أصل الربا كما قال ذلك ~~عمر بن عبد العزيز. وغيره. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يخرج على القمح والشعير والفول والحمص ونحو ذلك وإذا جاء أوان ~~أخذه باعه للذي هو عنده بسعر ما يسوى من قبل أن يقبضه منه. فهل هذا حلال أم ~~حرام؟ وما عليه فيما مضى من السنين؟ وما كان يفعله؟ # فأجاب: # هذا يسمى " السلم " و " السلف " ولا يجوز بيع هذا الدين الذي هو دين ~~السلم قبل قبضه لا من المستلف ولا من غيره في مذهب الأئمة الأربعة؛ بل هذا ~~يدخل فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيع ما لم يقبض. وقد ~~يدخل في ربح ما لم يضمن # PageV29P500 # أيضا وإذا وقع هذا البيع فهو فاسد ولا يستحق هذا البائع السلف إلا دين ~~السلم؛ دون ما جعله عوضا عنه. وعليه أن يرد هذا العوض إن كان قبضه ويطالب ~~بدين السلم. فإن تعذر ذلك مثل أن يطول الزمان أو لا يعرف ذلك ونحو ذلك ~~فليأخذ بقدر دين السلم من تلك الأعواض وليتصدق بالربح فإنه إذا أخذ مثل دين ~~السلم فقد أخذ قدر حقه من ذلك المال والزيادة ربح ما لم يضمن وهي لا تحل له ~~فليتصدق بها عن أصحابها وإن كان لم يربح شيئا وإنما باعه المستلف بسعره لم ~~يكن عليه إخراج ماله # وسئل # عن رجل عنده فرس شراه بمائة وثمانين درهما فطلبه منه ms8755 إنسان بثلاثمائة ~~درهم إلى مدة ثلاثة شهور فهل يحل ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الذي يشتريه لينتفع به أو يتجر به فلا بأس ببيعه إلى ~~أجل؛ لكن المحتاج لا يربح عليه إلا الربح المعتاد لا يزيد عليه لأجل ~~ضرورته. وأما إن كان محتاجا إلى دراهم فاشتراه ليبيعه في الحال ويأخذ ثمنه ~~فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء. # PageV29P501 # وسئل: # عن شخص عنده صنف. دفع له فيه رجل ألفين ومائة بالوزن ودفع له آخر ألفين ~~وسبعمائة إلى أجل معلوم أثناء الحول؟ # فأجاب: # إن كان الذي يشتريها إلى أجل يشتريها ليتجر فيها أو ينتفع بها: جاز ~~للبائع أن يبيعها إن شاء بالنقد وإن شاء إلى أجل وإن كان المشتري مقصوده ~~الدراهم وهو يريد أن يبيعها إذا اشتراها ويأخذ الدراهم فهذا يسمى: " التورق ~~" وهو مكروه في أظهر قولي العلماء. # PageV29P502 # وسئل: # عن رجل أسلف خمسين درهما في رطل حرير إلى أجل معلوم ثم جاء الأجل فتعذر ~~الحرير فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير؟ أو يأخذ عوضه أي شيء كان؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: لا يجوز ~~الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافعي وأبي حنيفة لما روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره} وهذه الرواية هي ~~المعروفة عند متأخري أصحاب الإمام أحمد وهي التي ذكرها الخرقي وغيره. ~~والقول الثاني: يجوز ذلك كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الأعيان ~~وهو مذهب مالك. وقد نص أحمد على هذا في غير موضع وجعل دين السلم كغيره من ~~المبيعات. فإذا أخذ عوضا غير مكيل ولا موزون بقدر دين السلم حين الاعتياض ~~لا بزيادة على ذلك أو أخذ من نوعه بقدره: مثل أن يسلم في حنطة فيأخذ # PageV29P503 # شعيرا بقدر الحنطة أو يسلم في حرير فيأخذ عنه عوضا من خيل، أو بقر أو غنم ~~فإنه يجوز. وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب - كابن أبي موسى والسامري صاحب ~~المستوعب - لكن في بعض الصور ms8756 كما قال في " المستوعب ": ومن أسلم في شيء لم ~~يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين وفي الأخرى يجوز وأن يأخذ ~~ما دون الحنطة من الحبوب كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا ~~بقيمتها نص عليه. قال في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيرا ~~فلا بأس وهو دون حقك ولا تأخذ مكان الشعير حنطة. وأما المطلعون على نصوص ~~أحمد فذكروا ما هو أعم من ذلك وأنه يجوز الاعتياض عن دين السلم بغير المكيل ~~والموزون مطلقا كما ذكر ذلك أبو حفص العكبري في مجموعه ونقله عنه القاضي ~~أبو يعلى بخطه فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل ~~كيله مما هو دونه في الجودة جاز. وكذلك إن أخذ قيمته مما لا يكال ولا يوزن ~~كيف شاء. نقل ابن القاسم عن أحمد: قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم ~~فيه ووجد غيره من جنسه يأخذه؟ قال: نعم إذا كان دون الشيء الذي له قلت ~~فإنما أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال: فيأخذ مكانه سلتي أو قفيز شعير بكيلة ~~واحدة # PageV29P504 # لا يزداد وإن كان فوقه فلا يأخذ وذكر حديث ابن عباس رواه طاوس عن ابن ~~عباس: إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فخذ عوضا بأنقص منه ~~ولا تربح مرتين. ونقل أيضا أحمد بن أصرم سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى ~~أجل؟ فإذا جاء الأجل يشتري منه عقارا أو دارا. فقال: نعم يشتري منه ما لا ~~يكال ولا يوزن. وقال حرب الكرماني: سألت أحمد قلت: رجل أسلف رجلا دراهم في ~~بر فلما حل الأجل لم يكن عنده فقال قوم: الشعير بالدراهم فخذ من الشعير. ~~قال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر، أو أنقص. قلت: إذا كان البر ~~عشرة أجربة أيأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال: نعم. وكذلك نقل غير هؤلاء عن ~~أحمد وهذه الرواية أكثر في نصوص أحمد وهي أشبه ms8757 بأصوله فإن علته في منع بيع ~~دين السلم كونه مبيعا فلا يباع قبل القبض، وأحمد في ظاهر مذهبه لا يمنع من ~~البيع قبل القبض مطلقا؛ بل له فيه تفصيل وأقوال معروفة، ولذلك فرق بين ~~البيع من البائع وغيره. وكذلك مذهب مالك يجوز بيع المسلم فيه إذا كان عوضا ~~من بائعه بمثل ثمنه وأقل. ولا يجوز بأكثر ولا يجوز ذلك في الطعام. وقال ابن ~~المنذر: ثبت أن ابن عباس قال: إذا أسلفت في شيء # PageV29P505 # فحل الأجل فإن وجدت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا بأنقص منه. وهذا ابن عباس ~~لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه} ~~قال: ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام. وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في " ~~مغنيه ". لما ذكر قول الخرقي: وبيع المسلم فيه من بائعه أو غيره قبل قبضه ~~فاسد. قال أبو محمد: بيع المسلم قبل قبضه لا يعلم في تحريمه خلاف. فقال ~~رحمه الله بحسب ما علمه؛ وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف ~~كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه وهذا أيضا إحدى الروايتين ~~عند أحمد نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه كما نص على بيع دين ~~السلم ممن هو عليه وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته وإن كان ~~ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه. وهذا القول أصح وهو قياس أصول أحمد؛ ~~وذلك لأن دين السلم مبيع وقد تنازع العلماء في جواز بيع المبيع قبل قبضه ~~وبعد التمكن من قبضه وفي ضمان ذلك فالشافعي يمنعه مطلقا ويقول: هو من ضمان ~~البائع، وهو رواية ضعيفة عن أحمد. وأبو حنيفة يمنعه إلا في العقار ويقول: ~~هو من ضمان البائع. وهؤلاء يعللون المنع # PageV29P506 # بتوالي الضمانين. وأما مالك وأحمد في المشهور عنه وغيرهما فيقولون: ما ~~تمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد - كالعبد والفرس ونحو ذلك - فهو ~~من ضمان المشتري. على تفصيل لهم ms8758 ونزاع في بعض المتعينات؛ لما رواه أحمد ~~وغيره عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه قال: " مضت السنة أن ما أدركته ~~الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري " فظاهر مذهب أحمد: أن الناقل ~~للضمان إلى المشتري هو التمكن من القبض؛ لا نفس القبض. فظاهر مذهبه أن جواز ~~التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا مبنيا عليه؛ بل قد يجوز التصرف فيه حيث ~~يكون من ضمان البائع كما ذكر في الثمرة ومنافع الإجارة وبالعكس كما في ~~الصبرة المعينة. وقد ذكر الخرقي في " مختصره " هذا وهذا فقال: إذا اشترى ~~الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع. وقال ~~الأصحاب: لا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الإجارة ثم ~~قال الخرقي: وإذا وقع البيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه فهو ~~من مال البائع وهذا عند جمهور الأصحاب ما بيع بالكيل والوزن والعدد سواء ~~كان متعينا أو غير متعين. ثم قال الخرقي: ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم ~~يجز بيعه # PageV29P507 # حتى يقبضه. ففرق بين ما يحتاج إلى القبض وما لا يحتاج فما لا يحتاج يكفي ~~فيه التمكن كالمودع. ثم قال: ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها ~~فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية فلا يبيعها حتى ينقلها؟ وهذا ~~كله منصوص أحمد لكن في ذلك نزاع بين الأصحاب وروايات ليس هذا موضعها. ~~والمقصود هنا: أن في ظاهر مذهب أحمد قد يكون المبيع مضمونا على البائع ~~ويجوز للمشتري بيعه في ظاهر المذهب كالثمر إذا بيع بعد بدو صلاحه فإنه في ~~مذهب مالك وأحمد من ضمان البائع وهو قول معلق للشافعي لما رواه مسلم في ~~صحيحه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا بعت من أخيك ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير ~~حق} . ومع هذا فيجوز في أصح الروايتين عن أحمد للمشتري أن يبيع هذا الثمر ~~مع أنه من ضمان البائع وهذا ms8759 كما يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل ~~الأجرة بلا نزاع. وإن كانت المنافع مضمونة على البائع. ولكن إذا أجرها ~~بزيادة من غير إحداث زيادة ففيه روايتان: " إحداهما " يجوز كقول الشافعي. " ~~والثانية " لا يجوز كقول # PageV29P508 # أبي حنيفة؛ لأنه ربح ما لم يضمن والنبي صلى الله عليه وسلم {نهى عن ربح ~~ما لم يضمن} قال الترمذي: حديث صحيح. والقول الأول أصح؛ لأن المشتري لو عطل ~~المكان الذي اكتراه. وقبضه لتلفت منافعه من ضمانه ولكن لو انهدمت الدار ~~لتلفت من مال المؤجر. وهذه المسائل مبسوطة في موضعها. والمقصود هنا. أن أصل ~~أحمد ومالك جواز التصرف وأنه يوسع في البيع قبل انتقال الضمان إلى المشتري؛ ~~بخلاف أبي حنيفة والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد فإن البيع لا يجوز على ~~أصلهما إلا إذا انتقل الضمان إلى المشتري وصار المبيع مضمونا عليه قالوا: ~~لئلا يتوالى الضمانان؛ فإن المبيع يكون مضمونا قبل القبض على البائع الأول؛ ~~فإذا بيع قبل أن يضمنه المشتري صار مضمونا عليه فيتوالى عليه الضمانان. ~~وعلى قول مالك وأحمد المشهور عنه: هذا مأخذ ضعيف لا محذور فيه؛ فإن المبيع ~~إذا تلف قبل التمكن من قبضه. كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من ~~المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان هذا. وإذا عرف هذا: ~~فعلى قول هؤلاء يمنع من بيع دين السلم؛ لأنه لم يضمنه المسلف فإنه لا يضمنه ~~إلا بالقبض فلا يبيع ما لم يضمن. وعلى # PageV29P509 # قول مالك وأحمد في المشهور عنه: يجوز ذلك كما ثبت ذلك عن ابن عباس؛ ولكن ~~لا يجوز بربح؛ بل لا يباع إلا بالقيمة؛ لئلا يربح المسلف فيما لا يضمن وقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن ربح ما لم يضمن} . والدليل على ~~ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالنقيع - والنقيع بالنون: هو سوق ~~المدينة. والبقيع بالباء هو مقبرتها. قال: - كنا نبيع بالذهب ونقضي الورق ~~ونبيع بالورق ms8760 ونقضي الذهب. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا ~~بأس إذا كان بسعر يومه إذا تفرقتما وليس بينكما شيء} . فقد جوز النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون ~~على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز ~~بيعه وإن كان مضمونا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما ~~لم يضمن. وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون إنما ~~يعتاض عنه بسعر يومه؛ لئلا يكون ربحا فيما لا يضمن وهكذا ذكر الإمام أحمد ~~عن ابن عباس لما أجاب في السلم أن قال إذا أسلمت # PageV29P510 # في شيء فجاء الأجل ولم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح ~~مرتين. وكذلك مذهب مالك يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما أجاب به أحمد ~~ونقله عن ابن عباس. ومالك استثنى الطعام؛ لأن من أصله أن بيع الطعام قبل ~~قبضه لا يجوز وهي رواية عن أحمد وأحمد فرق بين أن يبيع المكيل والموزون ~~بمكيل وموزون أو غير ذلك. فإن باعه بغير ذلك: مثل أن يعتاض عن المكيل ~~والموزون كالحنطة والشعير الذي أسلم فيه بخيل أو بقر فإنه جوز هذا كما جوزه ~~مالك وقبلهما ابن عباس. إذا كان بسعر يومه. وأما إذا اعتاض عنه بمكيل أو ~~موزون مثل أن يعتاض عن الحنطة بشعير كرهه؛ إلا إذا كان بقدره؛ فإن بيع ~~المكيل بالمكيل والموزون بالموزون؛ يشترط فيه الحلول والتقابض. ولهذا لا ~~يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد ولا بيع الذهب بالفضة إلا يدا بيد. ~~والمسلم لم يقبض دين المسلم فكره هذا كما يكره هو في إحدى الروايتين ~~والشافعي في أحد القولين: بيع الدين ممن هو عليه مطلقا على أنه باع ما لم ~~يضمنه ولم يقبضه. والصواب الذي عليه جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب الشافعي # PageV29P511 # وأحمد: أنه ms8761 يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين؛ ~~لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض؛ لئلا يكون ربا. ~~وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة. وإن باعه بغيرهما ففيه وجهان: أحدهما لا ~~يشترط كما لا يشترط في غيرهما. والثاني يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع ~~الدين بالدين ومالك لم يجوز بيع دين السلم إذا كان طعاما؛ لأنه بيع. وأحمد ~~جوز بيعه وإن كان طعاما أو مكيلا أو موزونا من بائعه إذا باعه بغير مكيل أو ~~موزون؛ لأن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين وأما ما في ~~الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء. وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا ~~حدوث ملك له فلا يقاس هذا بهذا. فإن البيع المعروف هو أن يملك المشتري ما ~~اشتراه وهنا لم يملك شيئا: بل سقط الدين من ذمته. وهذا لو وفاه ما في ذمته ~~لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم بل يقال: وفاه حقه؛ بخلاف ما لو باعه دراهم ~~معينة بدراهم معينة؛ فإنه بيع فلما كان في الأعيان إذا باعها بجنسها لم يكن ~~بيعا فكذلك إذا أوفاها من غير جنسها لم يكن بيعا. بل هو إيفاء فيه معنى ~~المعاوضة. # PageV29P512 # ولهذا لو حلف ليقضينه حقه في غد فأعطاه عوضا بر في يمينه في أصح الوجهين ~~فنهيه عن بيع الطعام قبل قبضه يريد به بيعه من غير البائع فيه نزاع. وذلك ~~أن من علله بتوالي الضمان يطرد النهي وأما من علل النهي بتمام الاستيفاء ~~وانقطاع علق البائع حتى لا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى ~~المشتري قد ربح فيه فهو يعلل بذلك في الصبرة قبل نقلها وإن كانت مقبوضة ~~وهذه العلة منتفية في بيعه من البائع. وأيضا فبيعه من البائع يشبه الإقالة ~~وفي أحد قولي العلماء تجوز الإقالة فيه قبل القبض. والإقالة هل هي فسخ أو ~~بيع؟ على قولين هما روايتان عن أحمد فإذا قلنا: هي فسخ لم يجز إلا بمثل ~~الثمن. ms8762 وإذا قلنا هي بيع ففيه وجهان ودين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع. ~~فعلم أن الأمر في دين السلم أخف منه في بيع الأعيان: حيث كان الأكثرون لا ~~يجوزون بيع المبيع لبائعه قبل التمكن من قبضه ويجوزون الإقالة في دين ~~السلم. والاعتياض عنه يجوز كما تجوز الإقالة؛ لكن إنما يكون إقالة إذا أخذ ~~رأس ماله أو مثله وإن كان مع زيادة أما إذا باعه بغير ذلك فليس إقالة بل هو ~~استيفاء في معنى البيع لما لم يقبض. وأحمد جوز بيع دين السلم من المستسلف؛ ~~اتباعا لابن عباس وابن # PageV29P513 # عباس يقول: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه} ~~ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام، فابن عباس لا يجوز البيع قبل القبض ~~وجوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، ولم يفرق ابن عباس بين الطعام ~~وغيره ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو ~~عليه وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه؛ بل ليس هنا قبض؛ لكن يسقط عنه ما في ~~ذمته فلا فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه وهذا من فقه ابن عباس. ومالك ~~جعل هذا بمنزلة بيع المعين من الأجنبي فمنع بيع الطعام المسلف فيه من ~~المستلف وأحمد لم يجعله كبيع الطعام قبل القبض من الأجنبي كما قال مالك؛ بل ~~جوزه بغير المكيل والموزون كما أجازه ابن عباس. وأما بالمكيل والموزون ~~فكرهه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذا كان لم توجد حقيقة ~~التقابض من الطرفين. وأما إذا أخذ عنه من جنسه بقدر مكيله ما هو دونه ~~فجوزه؛ لأن هذا من الاستيفاء من الجنس؛ لا من باب البيع كما يستوفي عن ~~الجيد بالرديء. والحنطة والشعير قد يجريان مجرى الجنس الواحد؛ ولهذا في ~~جواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا روايتان: # إحداهما: المنع كقول مالك. # PageV29P514 # والثانية: الجواز كقول أبي حنيفة والشافعي، وهذه الكراهة من أحمد في ~~المكيل والموزون بمكيل أو موزون؛ قد يقال هي على سبيل التنزيه. أو ms8763 يكون إذا ~~أخر القبض. وهذا الثاني أشبه بأصول أحمد ونصوصه وهو موجب الدليل الشرعي؛ ~~وذلك أنه إذا باع المكيل بمكيل أو الموزون بموزون اشترط فيه الحلول ~~والتقابض، فإن باع أحدهما بالآخر فعنه في ذلك روايتان. وهذا بناء على أن ~~العلة في الأصناف الستة هي التماثل وهو مكيل جنس أو موزون جنس. فإن العلماء ~~متفقون على أن بيع الذهب بالفضة نسيئة لا يجوز وكذلك بيع البر والتمر. ~~والشعير والملح بعضه ببعض نساء لا يجوز. فمن جعل العلة التماثل - وهو الكيل ~~والوزن أو الطعم أو مجموعهما - حرم النساء فيما جمعهما علة واحدة. وهذه ~~الأقوال هي روايات عن أحمد. فالتماثل وهو مكيل جنس أو موزون جنس: هو ~~المشهور عنه وهو مذهب أبي حنيفة. والطعم: وهو مذهب الشافعي. ومجموعهما قول ~~ابن المسيب وغيره. وأحد قولي الشافعي وهو اختيار الشيخ أبي محمد المقدسي. ~~ومذهب مالك قريب من هذا وهو القوت وما يصلحه. وإذا كان كذلك: فدين السلم ~~وغيره من الديون إذا عوض عنه بمكيل وجب قبضه في مجلس التعويض. وكذلك ~~الموزون إذا عوض # PageV29P515 # عنه بموزون: مثل أن يعوض عن الحرير بقطن أو كتان. فإذا بيع المكيل ~~بالمكيل بيعا مطلقا بحيث لا يقبض العوض في المجلس لم يجز؛ بخلاف ما إذا بيع ~~بحيوان أو عقار؛ فإن هذا لا يشترط قبضه في المجلس في أصح الوجهين وهو ~~المنصوص عنه، فكلام أحمد يخرج على هذا. ونهيه عن البيع يحمل على هذا. ولهذا ~~قال: إذا حل الأجل يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن. فأطلق الإذن في ذلك؛ ~~بخلاف المكيل والموزون فإنه لا يشتري مطلقا؛ بل يقبض في المجلس كما إذا بيع ~~بعين. يدل على ذلك أن أحمد اتبع قول ابن عباس في ذلك. وابن عباس قال: إذا ~~أسلمت في شيء فجاء الأجل ولم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص ولا تربح ~~مرتين. فإنما نهاه عن الربح فيه: بأن يبيعه دين السلم بأكثر مما يساوي وقت ~~الاستيفاء؛ ولهذا أحمد منع إذا استوفى عنه مكيلا - كالشعير - أن يكون ~~بزيادة. ms8764 ولم يفرق ابن عباس بين أن يبيعه بمكيل أو موزون وبين أن يبيعه ~~بغيرهما. وليس هذا من ربا الفضل فيقال: إن ابن عباس يجيز ربا الفضل؛ بل بيع ~~الذهب بالفضة إلى أجل حرام بإجماع المسلمين وكذلك بيع الحنطة بالشعير إلى ~~أجل. وهذا قياس مذهب أحمد وغيره؛ فإن ما في الذمة مقبوض فإذا كان مكيلا أو ~~موزونا وباعه بمكيل أو موزون ولم يقبضه فقد باع مكيلا بمكيل ولم يقبضه وأما ~~إذا قبضه فهذا جائز. # PageV29P516 # وقد ثبت في مذهب أحمد أنه إذا باع بذهب جاز أن يأخذ عنه ورقا وإذا باع ~~بورق جاز أن يأخذ عنه ذهبا في المجلس كما في حديث ابن عمر وهذا أخذ عن ~~الموزون بالموزون. فإذا جاز ذلك في الثمن جاز في المثمن ليس بينهما فرق إلا ~~على قول من يقول: هذا مبيع لم يقبض فلا يجوز بيعه. وقد ظهر فساد هذا المأخذ ~~في السلم. وابن عباس الذي منع هذا جوز هذا وأن بيع دين السلم من بائعه ليس ~~فيه محذور أصلا كما في بيعه من غير بائعه؛ لا بتوالي الضمان ولا غير ذلك. ~~وأما احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله صلى الله عليه وسلم {من أسلف في ~~شيء فلا يصرفه إلى غيره} فعنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف. والثاني: ~~المراد به أن لا يجعل السلف سلما في شيء آخر. فيكون معناه النهي عن بيعه ~~بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين. ولهذا قال: {لا يصرفه إلى ~~غيره} أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر. ومن اعتاض عنه بغيره قابضا ~~للعوض لم يكن قد جعله سلما في غيره. وبسط هذه المسائل لا يحتمله هذا ~~الجواب. لكن الرخصة في هذا الباب ثابتة عن ابن عباس وهي مذهب # PageV29P517 # مالك. وأحمد رخص فيه أكثر من مالك. وما ذكره الخرقي وغيره قد قيل: إنه ~~رواية أخرى كما ذكره ابن أبي موسى وغيره رواية عن أحمد. والصواب أن هذا ~~جائز لا دليل على تحريمه. والله أعلم. # وسئل: ms8765 # عن الرجل يسلم في شيء فهل له أن يأخذ من المسلم إليه غيره. كمن أسلم في ~~حنطة؟ فهل له أن يأخذ بدلها شعيرا سواء تعذر المسلم فيه أم لا؟ # فأجاب: # إذا أسلم في حنطة فاعتاض عنها شعيرا ونحو ذلك: فهذه فيها قولان للعلماء: ~~أحدهما: أنه لا يجوز الاعتياض عن السلم بغيره كما هو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: يجوز الاعتياض عنه في ~~الجملة إذا كان بسعر الوقت أو أقل. وهذا هو المروي عن ابن عباس حيث جوز إذا ~~أسلم في شيء أن يأخذ عوضا بقيمته ولا يربح مرتين. وهو الرواية الأخرى عن ~~أحمد حيث يجوز أخذ الشعير عن الحنطة إذا لم يكن أغلى من # PageV29P518 # قيمة الحنطة. وقال: بقول ابن عباس في ذلك. ومذهب مالك يجوز الاعتياض عن ~~الطعام والعرض بعرض. والأولون احتجوا بما في السنن. عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره} قالوا: وهذا يقتضي أن ~~لا يبيع دين السلم لا من صاحبه ولا من غيره. والقول الثاني أصح وهو قول ابن ~~عباس ولا يعرف له في الصحابة مخالف؛ وذلك لأن دين السلم دين ثابت فجاز ~~الاعتياض عنه كبدل القرض وكالثمن في المبيع؛ ولأنه أحد العوضين في البيع ~~فجاز الاعتياض عنه، كالعوض الآخر. وأما الحديث ففي إسناده نظر وإن صح ~~فالمراد به أنه لا يجعل دين السلم سلفا في شيء آخر؛ ولهذا قال: {فلا يصرفه ~~إلى غيره} أي لا يصرفه إلى سلف آخر. وهذا لا يجوز لأنه يتضمن الربح فيما لم ~~يضمن وكذلك إذا اعتاض عن ثمن المبيع والقرض فإنما يعتاض عنه بسعره كما في ~~السنن عن {ابن عمر أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نبيع ~~الإبل بالنقيع بالذهب ونقبض الورق ونبيع بالورق ونقبض الذهب. فقال: لا بأس ~~إذا كان بسعر يومه إذا افترقتما وليس بينكما شيء} فيجوز الاعتياض بالسعر ~~لئلا يربح فيما لم يضمن. فإن قيل فدين السلم يتبع ذلك فنهي عن ms8766 بيع ما لم ~~يقبض. قيل: النهي إنما كان في الأعيان لا في الديون. # PageV29P519 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # عوض المثل كثير الدوران في كلام العلماء - وهو أمر لا بد منه في العدل ~~الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة فهو ركن من أركان الشريعة مثل قولهم: ~~قيمة المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل ونحو ذلك. كما في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم ~~عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد} . وفي ~~حديث أنه قضى في بروع بنت واشق بمهر مثلها لا وكس ولا شطط - يحتاج إليه ~~فيما يضمن بالإتلاف من النفوس والأموال والأبضاع والمنافع وما يضمن بالمثل ~~من الأموال والمنافع وبعض النفوس. وما يضمن بالعقود الفاسدة والصحيحة أيضا؛ ~~لأجل الأرش في النفوس والأموال. # PageV29P520 # ويحتاج إليه في المعاوضة للغير مثل معاوضة الولي للمسلمين ولليتيم وللوقف ~~وغيرهم. ومعاوضة الوكيل كالوكيل في المعاوضة والشريك والمضارب ومعاوضة من ~~تعلق بماله حق الغير كالمريض. ويحتاج إليه فيما يجب شراؤه لله تعالى كماء ~~الطهارة وسترة الصلاة وآلات الحج أو للآدميين: كالمعاوضة الواجبة مثل. ~~ومداره على القياس والاعتبار للشيء بمثله. وهو نفس العدل ونفس العرف الداخل ~~في قوله: {يأمرهم بالمعروف} وقوله: {وأمر بالعرف} وهذا متفق عليه بين ~~المسلمين؛ بل بين أهل الأرض؛ فإنه اعتبار في أعيان الأحكام لا في أنواعها. ~~وهو من معنى القسط الذي أرسل الله له الرسل وأنزل له الكتب. وهو مقابلة ~~الحسنة بمثلها؛ والسيئة بمثلها كما قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان} وقال: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وقال: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} وقال: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به} . لكن مقابلة الحسنة بمثلها عدل واجب والزيادة إحسان مستحب # PageV29P521 # والنقص ظلم محرم ومقابلة السيئة بمثلها عدل جائز والزيادة محرم والنقص ~~إحسان مستحب فالظلم للظالم والعدل ms8767 للمقتصد والإحسان المستحب للسابق ~~بالخيرات. والأمة ثلاثة: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات. وكثيرا ما ~~يشتبه على الفقهاء ويتنازعون في حقيقة عوض المثل في جنسه ومقداره في كثير ~~من الصور؛ لأن ذلك يختلف لاختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال والأعواض ~~والمعوضات والمتعاوضين. فنقول: " عوض المثل " هو مثل المسمى في العرف وهو ~~الذي يقال له: السعر والعادة فإن المسمى في العقود نوعان: نوع اعتاده الناس ~~وعرفوه فهو العوض المعروف المعتاد. ونوع نادر؛ لفرط رغبة أو مضارة أو ~~غيرهما. ويقال فيه ثمن المثل ويقال فيه المثل؛ لأنه بقدر مثل العين ثم يقوم ~~بثمن مثلها. فالأصل فيه اختيار الآدميين وإرادتهم ورغبتهم. ولهذا قال كثير ~~من العلماء: قيمة المثل ما يساوي الشيء في نفوس ذوي الرغبات. ولا بد أن ~~يقال: في الأمر المعتاد. فالأصل فيه إرادة الناس ورغبتهم. وقد علم بالعقول ~~أن حكم الشيء حكم مثله وهذا من العدل والقياس والاعتبار وضرب المثل الذي ~~فطر الله عباده عليه # PageV29P522 # فإذا عرف أن إرادتهم المعروفة للشيء بمقدار علم أن ذلك ثمن مثله وهو ~~قيمته وقيمة مثله؛ لكن إن كانت تلك الرغبة والإرادة لغرض محرم، كصنعة ~~الأصنام والصلبان. ونحو ذلك. كان ذلك العوض محرما في الشرع. فعوض المثل في ~~الشريعة يعتبر بالمسمى الشرعي وهو: أن تكون التسمية شرعية وهي المباحة. ~~فأما التسمية المحظورة إما لجنسها: كالخمر والخنزير. وإما لمنفعة محرمة في ~~العين: كالعنب لمن يعصره خمرا أو الغلام لمن يفجر به. وإما لكونه تسمية ~~مباهاة ورياء لا يقصد أداؤها. أو فيها ضرر بأحد المتعاقدين كالمهور التي لا ~~يقصد أداؤها وهي تضر الزوج إلى أجل كما يفعله جفاة الأعراب والحاضرة ونحو ~~ذلك؛ فإن هذا ليس بتسمية شرعية فليس هو ميزانا شرعيا يعتبر به المثل حيث لا ~~مسمى. فتدبر هذا فإنه نافع خصوصا في هذه الصدقات الثقيلة المؤخرة التي قد ~~نهى الله عنها ورسوله؛ فإن من الفقهاء من يعتبرها في مثل كون الأيم لا تزوج ~~إلا بمهر مثلها فيرى ترك ما نهى الله عنه خلافا للشريعة؛ بناء على أنه مهر ~~المثل حتى ms8768 في مثل تزويج الأب ونحوه فهذا أصل. . . (1) إذا عرف ذلك فرغبة ~~الناس كثيرة الاختلاف والتنوع فإنها PageV29P523 # تختلف بكثرة المطلوب وقلته. فعند قلته يرغب فيه ما لا يرغب فيه عند ~~الكثرة. وبكثرة الطلاب وقلتهم؛ فإنما كثر طالبوه يرتفع ثمنه؛ بخلاف ما قل ~~طالبوه. وبحسب قلة الحاجة وكثرتها وقوتها وضعفها فعند كثرة الحاجة وقوتها ~~ترتفع القيمة ما لا ترتفع عند قلتها وضعفها. وبحسب المعاوض. فإن كان مليا ~~دينا: يرغب في معاوضته بالثمن القليل الذي لا يبذل بمثله لمن يظن عجزه أو ~~مطله أو جحده. والملي المطلق عندنا: هو الملي بماله وقوله وبدنه. هكذا نص ~~أحمد. وهذا المعنى وإن كان الفقهاء قد اعتبروه في مهر المثل فهو يعتبر أيضا ~~في ثمن المثل وأجرة المثل. وبحسب العوض فقد يرخص فيه إذا كان بنقد رائج ما ~~لا يرخص فيه إذا كان بنقد آخر دونه في الرواج: كالدراهم والدنانير بدمشق في ~~هذه الأوقات؛ فإن المعاوضة بالدراهم هو المعتاد. وذلك أن المطلوب من العقود ~~هو التقابض من الطرفين فإذا كان الباذل قادرا على التسليم موفيا بالعهد كان ~~حصول المقصود بالعقد معه؛ بخلاف ما إذا لم يكن تام القدرة أو تام الوفاء. ~~ومراتب القدرة والوفاء تختلف وهو الخير المذكور في قوله: {فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} قالوا: قوة على الكسب ووفاء للعهد. # PageV29P524 # وهذا يكون في البائع وفي المشتري وفي المؤجر والمستأجر والناكح والمنكوحة ~~فإن المبيع قد يكون حاضرا وقد يكون غائبا فسعر الحاضر أقل من سعر الغائب ~~وكذلك المشتري قد يكون قادرا في الحال على الأداء؛ لأن معه مالا وقد لا ~~يكون معه لكنه يريد أن يقترض أو يبيع السلعة فالثمن مع الأول أخف. وكذلك ~~المؤجر قد يكون قادرا على تسليم المنفعة المستحقة بالعقد بحيث يستوفيها ~~المستأجر بلا كلفة وقد لا يتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة إلا بكلفة؛ ~~كالقرى التي ينتابها الظلمة من ذي سلطان أو لصوص أو تنتابها السباع فليست ~~قيمتها كقيمة الأرض التي لا تحتاج إلى ذلك: بل من العقار ما لا يمكن أن ~~يستوفي منفعته ms8769 إلا ذو قدرة يدفع الضرر من منفعته لأعوانه وأنصاره أو يستوفي ~~غيره منه منفعة يسيرة وذو القدرة يستوفي كمال منفعته لدفع الضرر عنه. وعلى ~~هذا يختلف الانتفاع بالمستأجر بل والمشتري والمنكوح وغير ذلك، فينتفع به ذو ~~القدرة أضعاف ما ينتفع به غيره؛ لقدرته على جلب الأسباب التي بها يكثر ~~الانتفاع وعلى دفع الموانع المانعة من الانتفاع فإذا كان كذلك لم يكن كثرة ~~الانتفاع بما أقامه من الأسباب ودفعه من الموانع موجبا لأن يدخل ذلك ~~التقويم إلا إذا فرض مثله فقد تكون الأرض تساوي أجرة قليلة لوجود الموانع ~~من المعتدين أو السباع أو لاحتياج استيفاء المنفعة إلا قوة ومال. # PageV29P525 # وسئل: # عن رجل له عند رجل مائة وثمانون فقال له رجل: تبيعها بمائة وخمسين، فهل ~~يجوز ذلك؟ # فأجاب: الحمد لله. إن كانت مؤجلة فباعها بأقل منها حالة فهذا ربا وإن ~~كانت حالة فأخذ البعض وأبرأه من البعض فأجره على الله وقد أحسن. # وسئل: # عن دين سلم حل فلم يكن عند المستسلف وفاء فقال: بعنيه بزيادة على الثمن ~~الأول؟ # فأجاب: # لا يجوز بيع دين السلم قبل قبضه ولا بيع الدين بالدين: فهذا حرام من ~~وجهين. ومن وجه ثالث: أنه إن كان باعه الدراهم بالدراهم مثل من باع ربا ~~نسيئة لم يجز أن يعتاض عن ثمنه # PageV29P526 # بما لا يباع به نسيئة كذلك من اشترى دينا بنسيئة لم يجز أن يعتاض عنه بما ~~لا يباع بثمنه نسيئة. والله أعلم. وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل يتدين ثم يعسر ويموت هل يطالب به؟ # فأجاب: # نعم يستوفيه صاحبه فإن الدين لا بد من وفائه ولهذا ثبت في الصحيح: {أن ~~الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين} . # PageV29P527 ### | باب القرض # سئل شيخ الإسلام: # عن رجل أقرض لرجل ألف درهم فطالبه فقال: أنا معسر أنا أشتري منك صنفا ~~بزائد إلى أن تصبر ستة شهور فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل سلف وبيع} فإذا ~~باعه وأقرضه كان ذلك مما حرمه الله ورسوله. ms8770 وكلاهما يستحق التعزير إذا كان ~~قد بلغه النهي ويجب رد القرض والسلعة إلى صاحبها فإذا تعذر ذلك لم يكن له ~~إلا بدل القرض وإلا بدل السلعة قيمة المثل ولا يستحق الزيادة على ذلك. ~~والله أعلم. # PageV29P528 # وسئل: # عن إنسان يريد أن يأخذ من إنسان دراهم قرضا يعمر بها ملكه يشتري بها أرضا ~~إلى مدة سنة وبلا كسب ما يعطى أحد ماله فكيف العمل في مكسبه حتى يكون بطريق ~~الحل. # فأجاب: # الحمد لله، له طريق بأن يكري الملك أو بعضه يتسلفها ويعمر بالأجرة. وإذا ~~كان بعض الملك خرابا واشترط على المستأجر عمارة موصوفة جاز ذلك فهذا طريق ~~شرعي يحصل به مقصود هذا وهذا. وأما إذا تواطآ على أن يعطيه دراهم بدراهم ~~إلى أجل وتحيلا على ذلك ببعض الطرق لم يبارك الله لا لهذا ولا لهذا: مثل أن ~~يبيعه بعض الملك بيع أمانة على أنه يشتري منه الملك فيما بعد بأكثر من ~~الثمن فهذا من الربا الذي حرمه الله ورسوله. وإن كان عند المعطي سلعة يحتاج ~~إليها الآخذ كرضاض يعمر به الحمام جاز أن يشتري السلعة إلى أجل بما يتفقان ~~عليه من الربح؛ لكن لا ينبغي للبائع أن يربح على المشتري إلا ما جرت به ~~العادة في مثل ذلك؟ . # PageV29P529 # وسئل: # عمن أقرض رجلا قرضا وامتنع أن يوفيه إياه إلا في بلد آخر محتاج فيه ~~المقرض إلى سفر وحمل، فهل عليه كلفة سفر؟ . # فأجاب: # يجب على المقترض أن يوفي المقرض في البلد الذي اقترض فيه ولا يكلفه شيئا ~~من مؤنة السفر والحمل. فإن قال: ما أوفيك إلا في بلد آخر غير هذا: كان عليه ~~ضمان ما ينفقه بالمعروف. # وسئل: # عما إذا أقرض رجل رجلا دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر فهل يجوز ذلك؟ أم ~~لا؟ # فأجاب: # إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر: مثل أن يكون المقرض غرضه حمل ~~الدراهم إلى بلد آخر والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم ~~في بلد المقرض فيقترض منه ويكتب له " سفتجة " أي: ورقة ms8771 إلى بلد المقترض ~~فهذا يصح في # PageV29P530 # أحد قولي العلماء. وقيل: نهي عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض إذا جر منفعة ~~كان ربا والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل ~~دراهمه إلى ذلك البلد وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن ~~خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهى عما ينفعهم ~~ويصلحهم وإنما ينهى عما يضرهم. # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز قرض الدراهم المغشوشة، ويأخذها عددا؟ # فأجاب: # يجوز قرض الدراهم المغشوشة إذا كانت متساوية الغش: مثل دراهم الناس التي ~~يتعاملون بها. وكذلك إذا كان الغش متفاوتا يسيرا فالصحيح أنه يجوز قرضها ~~بالدراهم التي يقال عيارها سبعون وعيار غيرها تسعة وستون. والصحيح أنه يجوز ~~قرض الحنطة وغيرها من الحبوب وإن كانت مغشوشة بالتراب والشعير فإن " باب ~~القرض " أسهل من " باب البيع ". ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عددا وقرض ~~الخمير # PageV29P531 # وإن كان لا يجوز عددا. ويجوز في القرض أن يرد خيرا مما اقترض بغير شرط ~~كما {استلف النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا ورد خيرا منه. وقال: خير الناس ~~أحسنهم قضاء} . وكذلك يجوز قرض البيض ونحوه من المعدودات في أصح قولي ~~العلماء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض حيوانا والحيوان أكثر اختلافا ~~من البيض. # وسئل: # عن جندي له إقطاع ويجيء إلي عند فلاحيه فيطعموه هل يأكل؟ # فأجاب: # إذا أكل وأعطاهم عوض ما أكل فلا بأس، والله أعلم. # وسئل: # عن معلم له دين عند صانع يستعمله لأجله يأكل من أجرته؟ # فأجاب: # لا يجوز للأستاذ أن ينقص الصانع من أجرة مثله؛ لأجل ماله عنده من القرض ~~فإن فعل ذلك برضاه كان مرابيا ظالما عاصيا مستحقا للتعزير وليس له أن يعسفه ~~في اقتضاء دينه. # PageV29P532 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له إقطاع أرض يعمل له أربعمائة إردب فأعطى الفلاحين قوة تقارب ~~مائتي إردب فيسجلوه بسبعمائة درهم فهل ذلك ربا؟ # فأجاب: # الحمد لله، كل قرض جر منفعة فهو ربا؛ مثل أن يبايعه أو يؤاجره ويحابيه في ~~المبايعة والمؤاجرة لأجل ms8772 قرضه. قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا يحل سلف ~~وبيع} . فإنه إذا أقرضه مائة درهم وباعه سلعة تساوي مائة بمائة وخمسين كانت ~~تلك الزيادة ربا. وكذلك إذا أقرضه مائة درهم واستأجره بدرهمين كل يوم أجرته ~~تساوي ثلاثة؛ بل ما يصنع كثير من المعلمين بصنائعهم يقرضونهم ليحابوهم في ~~الأجرة فهو ربا. وكذلك إذا كانت الأرض أو الدار أو الحانوت تساوي أجرتها ~~مائة درهم فأكراها بمائة وخمسين؛ لأجل المائة التي أقرضها إياه فهو ربا. ~~وأما " القوة " فليست قرضا محضا؛ فإنه يشترط عليه فيها أن # PageV29P533 # يبذرها في الأرض وإن كان عاملا وإن كان مستأجرا. فكأنه أجره أرضا يقويها ~~بالأجرة المسماة فإذا انقضت الإجارة استرجع الأرض ونظيره القوة. وهذا فيه ~~نزاع بين العلماء. منهم من يقول: المنفعة هنا مشتركة بين المقرض والمقرض: ~~فإن المقرض له غرض في عمارة أرضه مثل " السفتجة " وهو أن يقرضه ببلد ~~ليستوفي في بلد آخر فيربح المقرض خطر الطريق ومئونة الحمل ويربح المقرض ~~منفعة الاقتراض. وكذلك " القوة " ليس مقصود المقوي يأخذ زيادة على قوته؛ بل ~~محتاج إلى إجارة أرضه وذلك محتاج إلى استئجارها فلا تتم مصلحتها إلا بقوة ~~من المؤجر لحاجة المستأجر، وفي التحقيق ليس المقصود بالقوة القرض بل تقويته ~~بالبذر كما لو قواه بالبقر. ومنهم من يجعله من باب القرض الذي يجر منفعة ~~إنما القوة من تمام منفعة الأرض كما لو كان مع الأرض بقر ليحرث عليها فيكون ~~قد أجر أرضا وبقرا: فهذا جائز بلا ريب ولكن القوة نفسها لا تبقى ولكن يرجع ~~في نظيرها كما يرجع في المضاربة في نظير رأس المال. فلهذا منع من منع من ~~العلماء من ذلك؛ لأن الإجارة ترجع نفس العين فيها إلى المؤجر والمستأجر قد ~~استوفى المنفعة. ومثل هذا لا يجوز في # PageV29P534 # القرض فإنه لا يجب فيه إلا رد المثل بلا زيادة. ولو أجره حنطة أو نحوها ~~لينتفع بها ثم يرد إليه مثلها مع الأجرة: فهذا هو القرض المشروط فيه زيادة ~~على المثل. وهذا النزاع إذا أكراه بقيمة المثل وأقرضه القوة ونحوها ms8773 مما ~~يستعين به المكتري كما لو أكراه حانوتا ليعمل فيه صناعة أو تجارة وأقرضه ما ~~يقيم به صناعته أو تجارته. فأما إن أكراه بأكثر من قيمة المثل لأجل القرض ~~فهذا لا خير فيه؛ بل هو القرض الذي يجر الربا. # PageV29P535 ### | باب الرهن # سئل - رحمه الله -: # عن رجل أرهن داره عند رجل على مال إلى أجل، فحل الأجل وهو عاجز فقال ~~المرتهن: بعني الدار بشرط إن وفيتني أخذتها بالثمن وإن سكنتها لم آخذ منك ~~أجرة فهل البيع صحيح؟ وقد عمر المشتري فوقها بناء، فما حكمه؟ # فأجاب: # ليس هذا بيعا صحيحا؛ بل تعاد الدار إلى صاحبها ويوفي الدين المستحق، ~~والعمارة التي عمرها المشتري تحسب له، والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له نصف بستان والباقي لرجل آخر واستعار من شريكه نصفه ليرهنه بدين ~~إلى أجل وعرفه مقدار الدين والأجل فأعاره ورهن البستان عند صاحب الدين ثم ~~إنه فك نصيبه وباعه لصاحب الدين بثمن معلوم وتقاصا فهل له ذلك؟ وهل يبقى ~~نصيب # PageV29P536 # المعير مرهونا على باقي الدين؟ أم له الرجوع في كل وقت؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز للمدين أن يبيع نصيبه لوفاء دينه كما ذكروا وإذا ~~باعه وكان مما تجب فيه الشفعة فللشريك أخذه بالشفعة. وأما نصيب المعير ~~فيبقى مرهونا على باقي الدين كما كان قبل ذلك وليس للمعير الرجوع في مثل ~~هذه العارية؛ لتعلق حق المرتهن بها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عنده رهن على مبلغ إلى مدة معلومة فلما انقضى الأجل دفع إلى رب ~~الدين حقه إلا مائة ثم قطعت القبالة الأولى وكتب بالمائة درهم حجة ولم يعد ~~فيه ذكر الرهن، فهل لهذه المائة الباقية بالرهن المذكور تعلق؟ # فأجاب: # إذا أوفى الغريم بعض الدين وبقي بعضه فالرهن باق بما بقي من الحق إلا أن ~~يحصل ما يوجب فكاكه: مثل فك المرتهن له ونحو ذلك. # PageV29P537 # وسئل: # عن رجل أرهن داره ثم أشهد على نفسه أنه عوض امرأته بالدار عن حقها من مدة ~~عشر سنين فهل يبطل الرهن؟ وهل يجوز ms8774 للمرتهن أن يؤجر الدار؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يقبل إقرار الراهن بما يبطل الرهن وإن قيل: ~~إنه إذا أقر بالرهن فللمقر له أن يبطله بموجب إقراره بلا ريب لأنه إذا أقر ~~أن الرهن كان ملكا لغيره وأنه رهنه بدون إذنه لم يبطل الرهن بمجرد ذلك، ~~والله أعلم. # وسئل: # عمن له على شخص دين وأرهن عليه رهنا والدين حال ورب الدين محتاج إلى ~~دراهمه، فهل يجوز له بيع الرهن؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان أذن له في بيعه جاز وإلا باع الحاكم إن أمكن ووفاه حقه منه، ومن ~~العلماء من يقول: إذا تعذر ذلك دفعه إلى ثقة يبيعه ويحتاط بالإشهاد على ذلك ~~ويستوفي حقه منه، والله أعلم. # PageV29P538 # وسئل: # عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص فرهنه عند غيره فعدم الرهن فحلف ~~صاحب الرهن إن لم يأته به لم يستعمله معتقدا أنه لم يعدم ثم تبين له عدمه، ~~فهل يحنث إذا استعمله؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان حين حلف معتقدا أن الرهن باق بعينه لم يعدم فحلف ~~ليحضره لم يحنث والحالة هذه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رهن عند رجل على مبلغ إلى مدة وقد انقضت المدة ثم إنه أرهنه بإذن ~~مالكه على المبلغ عند إنسان آخر وقد طلب الراهن الثاني ما على الرهن وحبس ~~لأجله ولم يكن له ما يستفكه، فهل يجوز بيعه؟ أم لا؟ # فأجاب: # نعم يجوز بيع الرهن لاستيفاء الحق منه والحالة هذه؛ لا سيما وقد أذن ~~الراهن الأول في الرهن على الدين فيجوز بيعه # PageV29P539 # حينئذ لاستيفاء هذا الحق منه فإذا أمكن بيعه واستيفاء الحق منه لم يجز ~~حبس الغريم والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة أسرت ولها ملك وزوج وأخ فأرهنوا ملكها على دراهم لأجل فكاكها ~~وراح أخوها بالدراهم في طلبها فوجدها حصلت بلا ثمن فرجعت إلى بلدها وتخلف ~~أخوها في حوائجه فلما وصلت ووجدت ملكها مرهونا على الدراهم فقالت: يرهن ~~مالي بغير أمري؟ وأنكرت أن أخاها سلم إليها شيئا من الدراهم، فهل يلزمها ms8775 ~~الرهن؟ أم لا؟ # فأجاب: # لا شيء عليهم والحالة هذه بل يعاد إليها ما قبضه أخوها ويفك الرهن على ~~ملكها والله أعلم. # PageV29P540 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أقرض عمه خمسة آلاف درهم ثم إن ابن عمه تدين دراهم من ناس آخرين ~~واشترى خمسة غلمان وجارية وكتب مكتوبا أن الخمسة الغلمان دون الجارية رهن ~~عند أصحاب الدين ثم إنه باع الغلمان وأوصلهما لمن كانوا رهنا عنده ثم إن ~~صاحب الخمسة آلاف اشترى الجارية بالدين الذي له عليه فمسكوه أصحاب الدين ~~الذين أخذوا ثمن الغلمان؛ ليأخذوها من دينهم أيضا. فهل لهم ذلك؟ أم لا؟ وهو ~~لم يكن ضامنا ولا كفيلا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم تكن الجارية مرهونة عند أهل الدين الثاني: لم يكن لأهل ~~هذا الدين اختصاص بها دون بقية الغرماء باتفاق المسلمين، فكيف يكون إذا كان ~~قد وفاها من الدين الذي لغيرهم؛ فإن العدل في الوفاء بين الغرماء بعد الحجر ~~على المفلس واجب باتفاق الأئمة، وأما قبل الحجر ففيه نزاع. # PageV29P541 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له دين على إنسان فوجد ولده راكبا على فرس فأخذ الفرس منه فحضر ~~المديون إلى صاحب الفرس فطالبه صاحب الدين بدينه فقال له: خذ هذه الفرس ~~عندك حتى أوفيك دينك فقال له صاحب الدين: لي عندك فضة مالي عندك فرس وهذا ~~حيوان والموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى فقال له المديون: أبرأك الله ~~من هذه الفضة فمهما حدث كان في دركي فقعدت عند صاحب الدين أياما يعلفها ~~ويسقيها ولا يركبها فأسقطت الفرس ميتة لم تستهل بقضاء الله وقدره فجاء رجل ~~آخر غير المديون ادعى أن الفرس له وطالب بسقط الفرس. فقال صاحب الدين: أنا ~~لا أعرفك ولا لك معي كلام وأحلف لك أني ما ركبت الفرس ولا ركبها أحد عندي ~~ولا ضربتها. فهل يجب على صاحب الدين؟ أو على الذي أرهن الفرس قيمة السقط أم ~~لا؟ وكم يكون قيمة السقط؟ # فأجاب: # إذا قبضت الفرس من مالكها بغير حق فله ضمان ما نقصت وهو تفاوت ما بين ms8776 ~~القيمات فإن كان المستولي عليها غاصبا متعديا # PageV29P542 # فقرار الضمان عليه وإن كان مغرورا ولم يتلف بسبب منه فقرار الضمان على ~~الأول الذي غره وضمن له الدرك، والله أعلم. # وسئل: # عن رجل تحت يده رهن على دين ثم باعه مالكه فأراد المرتهن أن يثبت عقد ~~الرهن ويفسخ البيع فعلى من يدعي؟ # فأجاب: # بيع الرهن اللازم بدون إذن المرتهن لا يجوز وللمرتهن أن يطلب دينه من ~~الراهن المدين إن كان قد حل وله أن يطلب عود الرهن أو استيفاء حقه منه، وإن ~~شاء طالب البائع له، وإن شاء طالب المشتري له لكن؛ المشتري إن كان مغرورا ~~فقرار الضمان على البائع يجب عليه ضمان أجرة المبيع، وإن كان عالما بصورة ~~الحال فهو ظالم عليه ضمان المنفعة. # PageV29P543 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أرهن حياصة فاستعملها المرتهن فقطع سيرها وعدم طليها؟ # فأجاب: # إن كانت نقصت باستعمال المرتهن فعليه ضمان ما نقص بالاستعمال والله ~~سبحانه أعلم. # PageV29P544 ### | باب الضمان # سئل - رحمه الله -: # عن رجل ضامن معينا وقد طلبه غريمه بالمال ولم يكن للضامن مقدرة وقد ادعى ~~غريمه عليه وادعى الإعسار، فهل يحتاج إلى بينة؟ أو القول قوله مع يمينه؟ # فأجاب: # إذا كان الضامن لم يعرف له مال قبل ذلك وادعى الإعسار فالقول قوله مع ~~يمينه في ذلك ولا يحتاج إلى إقامة بينة، وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما وهو قول طائفة من الحنفية فيما ذكروه عن مذهب أبي حنيفة. ~~وحكى منع ذلك أيضا بل هو حقيقة مذهبه فإنه لا يحوجه إلى بينة إذا تبين أن ~~الحال على ما ذكروا، والله أعلم. # PageV29P545 # وسئل: # عن رجل ضمن آخر بدين في الذمة بغير إذنه فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # نعم يصح ضمان ما في الذمة بغير إذن المضمون عنه ويطالب المستحق للضامن. ~~لكن إذا قضاه بغير إذن الغريم. فهل له أن يرجع بذلك على المدين؟ فيه قولان ~~للعلماء. قيل: يرجع وهو قول مالك وأحمد في المشهور عنه. وقيل: لا يرجع وهو ~~قول أبي حنيفة؟ والشافعي، والله أعلم. # وسئل ms8777 - رحمه الله -: # عن رجل تحت حجر والده وضمن بغير رضا والده ضمن أقواما مستأجرين بستانا ~~أربع سنين وتفاصلوا من الإجارة التي ضمنهم وقد فضل عليهم شيئا كتب عليهم به ~~حجة بغير الإجارة وقد طلب الضامن لهم، فهل يجوز طلبه بعد فسخ الإجارة؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان ضمنهم ضمانا شرعيا بما عليهم من # PageV29P546 # الدين فلصاحب الحق أن يطالب الضامن بذلك الحق أو بما بقي منه وليس له أن ~~يطالب بغير ما ضمنه. وإن كان تحت حجر أبيه لم يصح ضمانه، وللضامن أن يطلب ~~الغرماء إذا طلب. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ضمن أملاكا في ذمته وقد استحقت ولم يكن معه دراهم وله موجود ملك ~~يحرز القيمة وزيادة فهل لصاحب الدين أن يعتقل الضامن قبل بيع الموجود؟ أم ~~لا؟ وإذا اعتقل الضامن وسأل خروجه مع ترسيم أو تسليم الملك لمن يبيعه حتى ~~يستوفي الغريم؟ # فأجاب: # إذا بذل بيع ماله على الوجه المعروف لم يجز عقوبته بحبس ولا غيره؛ فإن ~~العقوبة إما أن تكون على ترك واجب أو فعل محرم وهو إذا بذل ما عليه من ~~الوفاء لم يكن قد ترك واجبا؛ لكن إن خاف الغريم أن يغيب أو لا يفي بما ~~عليه؛ فله أن يحتاط عليه؛ إما بملازمته وإما بعائن في وجهه. والترسيم عليه ~~ملازمة. ومتى اعتقله الحاكم ثم بذل بيع ماله وسأل التمكين من ذلك يمكنه من ~~ذلك؛ إما أن يخرج مع ترسيم وإما أن يوكل من يبيع # PageV29P547 # الملك ويسلمه إذا لم يمكن ذلك إلا بخروجه. ففي الجملة لا تجوز عقوبته ~~بحبس مع عدم تركه الواجب؛ لكن يحتاط بالملازمة. # وسئل: # عن ضامن على أن دواب قوم تنزل في خان البراة وله على الناس وظيفة على ~~نزولهم وعلفهم، فزاد في الوظيفة؟ # فأجاب: # ليس للضامن؛ لا في الشريعة النبوية ولا في السياسة السلطانية تغيير ~~القاعدة المتقدمة ولا أن يحدث على الناس ما لم يكن عليهم موضوعا بأمر ولاة ~~الأمور؛ بل الواجب منه من ذلك وعقوبته عليه واسترجاع ما قبضه من أموال ~~الناس ms8778 بغير إذن. وأما حكم الشريعة، فإنه ينزل صاحب الدابة حيث أحب ما لم ~~تكن مفسدة شرعية ويعلفها هو ولا يجبر على أن يكتري لها أو يشتري من أحد ولو ~~أكره على ذلك فلا يجوز أن يؤخذ منه زيادة على ثمن المثل؛ بل أخذ الزيادة ~~بمنزلة لحم الخنزير الميت حرام من وجهين، والله أعلم. # PageV29P548 # وسئل - رحمه الله -: # عمن يكتب ضمان الأسواق وغيرها من الكتابة التي لا تجوز في الشرع هل على ~~الكاتب إثم؟ فإنه يكتب ويشهد على من حضر بما يرضى فإن كان لا يجوز فإن ~~الكتاب لا يخلون من ذلك، فهل يأثمون بذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # ضمان السوق وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون وما يقبضه من ~~الأعيان المضمونة ضمان صحيح وهو ضمان ما لم يجب وضمان المجهول وذلك جائز ~~عند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وقد دل عليه الكتاب ~~كقوله: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} . والشافعي يبطله فيجوز للكاتب ~~والشاهد أن يكتبه ويشهد عليه ولو لم ير جوازه؛ لأنه من مسائل الاجتهاد وولي ~~الأمر يحكم بما يراه من القولين. # PageV29P549 # وسئل: # عمن ضمن رجلا ضمان السوق بإذنه فطلب منه فهرب حتى عجز عن إحضاره وغرم ~~بسبب ذلك أموالا فهل له أن يرجع عليه بما خسره في ذلك؟ # فأجاب: # له الرجوع فيما أنفقه بسبب ضمانه إذا كان ذلك بالمعروف. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ضمن رجلا في الذمة على مبلغ وعند استحقاق المبلغ مسك الغريم ~~الضامن واعتقله في السجن فطلب الغريم صاحب الدين فأخذه واعتقله وبقي الضامن ~~والمضمون في الحبس، فهل يجوز اعتقال الضامن؟ # فأجاب: # مذهب أبي حنيفة ومحمد والشافعي والإمام أحمد أن للغريم أن يطلب من شاء ~~منهما فإذا استوفى لم يكن له مطالبة، وله أن يطالبهما جميعا. # PageV29P550 # و ### | سئل: # عمن طلب بمال على ولده فتغيب الولد # فطلب من جهة والده؟ . # فأجاب: # إذا لم يكن ضامنا ولده ولا له عنده مال لم تجز مطالبته بما عليه. لكن إن ~~أمكن الوالد ms8779 معاونة صاحب الحق على إحضار ولده بالتعريف بمكانه ونحوه لزمه ~~ذلك وإلا فلا شيء عليه. ولا تحل مطالبته بشيء من جهته، وعلى ولي الأمر كف ~~العدوان عنه. # وسئل: # عن كاتب عند أمير واقترض الأمير من إنسان فألزمه الأمير بالغصب أن يضمن ~~في ذمته وضمنه والكاتب تحت الحجر من والده، فهل يلزمه ما ضمنه؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا ثبت أنه ضامن بإقرار وبينة أو خطه: لزمه ما ضمنه؛ فإن {النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى أن الزعيم غارم} . فإن ثبت أنه كان محجورا عليه غير ~~مستقل بالتصرف لنفسه: لم يصح ضمانه؛ # PageV29P551 # ولكن لا يفسد العقد بمجرد دعواه الحجر. وإن قال: إن المضمون له يعلم أني ~~كنت محجورا علي فله تحليفه وكذلك إذا ادعى الإكراه فله تحليف المضمون له. # وسئل - رحمه الله -: # عن ضامن يطلب منه السلطان على الأفراح التي يحصل فيها بعض المنكرات: من ~~غناء النساء الحرائر للرجال الأجانب ونحوه، فإن أمر السلطان بإبطال ذلك ~~الفعل أبطله وطالب الضامن بالمال الذي لم يلتزمه إلا على ذلك الفعل؛ لأن ~~عقد الضمان وجب لذلك الفعل والمضمون عنه يعتقد أن ذلك لم يدخل في الضمان ~~والضامن يعتقد دخوله؛ لجريان عادة من تقدمه من الضمان به وأن الضمان وقع ~~على الحالة والعادة المتقدمة. # فأجاب: # ظلم الضامن بمطالبته بما لا يجب عليه بالعقد الذي دخل فيه، وإن كان محرما ~~أبلغ تحريما من غناء الأجنبية للرجال؛ لأن الظلم من المحرمات العقلية ~~الشرعية وأما هذا الغناء فإنما نهي عنه لأنه قد يدعو إلى الزنا كما حرم ~~النظر إلى الأجنبية؛ ولأن فيه خلافا شاذا؛ ولأن غناء الإماء الذي يسمعه ~~الرجل قد كان الصحابة يسمعونه في # PageV29P552 # العرسات كما كانوا ينظرون إلى الإماء لعدم الفتنة في رؤيتهن وسماع ~~أصواتهن فتحريم هذا أخف من تحري الظلم فلا يدفع أخف المحرمين بالتزام ~~أشدهما. وأما غناء الرجال للرجال فلم يبلغنا أنه كان في عهد الصحابة. يبقى ~~غناء النساء للنساء في العرس وأما غناء الحرائر للرجال بالدف فمشروع في ~~الأفراح كحديث الناذرة وغناها مع ذلك. ms8780 ولكن نصب مغنية للنساء والرجال: هذا ~~منكر بكل حال؛ بخلاف من ليست صنعتها وكذلك أخذ العوض عليه، والله أعلم. # وسئل: # عن رجل ضمن في الذمة وهو من المضمون والضامن متزوج ابنة المضمون فأقام ~~الضامن في السجن خمسة أشهر وأنفق ثلاثمائة درهم، فهل يلزم المضمون النفقة ~~التي أنفقها في مدة الاعتقال؟ . # فأجاب: # نعم ما ألزم الضامن بسبب عدوان المضمون؛ مثل أن يكون قادرا على الوفاء ~~فيغيب حتى أمسك الغريم للضامن وغرمه ما غرمه؛ كان له أن يرجع بذلك على ~~المضمون الذي ظلمه. # PageV29P553 # وسئل - رحمه الله -: # عن جماعة ضمنوا شخصا لرجل وكان الضامن ضامنا وجه المضمون في حبس الشرع، ~~فهل يلزمهم بإحضاره إلى بيته؟ . # فأجاب: # إذا سلمه إليه في حبس الشرع برئ بذلك ولم يلزمه إخراجه من الحبس له؛ لكن ~~المضمون له يطلب حقه منه ويستوفيه بحكم الشرع حينئذ وإن كان في الحبس ~~وللحاكم أن يخرجه من الحبس حتى يحاكم غريمه ثم يعيده إليه. ولا يلزمه ~~إحضاره إليه وهو في حبس الشرع عند أحد من أئمة المسلمين. وأجاب أيضا: إذا ~~سلمه ضامن الوجه الذي ضمنوه ضمان إحضار في حبس الشرع؛ فقد برئوا من الضمان ~~وكان لأهل الحق الذي عليه أن يستوفوا حقهم منه حينئذ وإن احتاجوا إلى ~~الدعوى عليه مكنوا من إخراجه إلى مجلس الحكم والدعوى عليه. هذا مذهب أئمة ~~المسلمين كمالك وأحمد وغيرهما. # PageV29P554 # وسئل: # عن جمال ربط جماله في الربيع ولكل مكان خفراء ثم سرق من الجمال جمل ولم ~~يكن أحد من الخفراء حاضرا بائنا، فهل يلزمه شيء؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانوا مستأجرين على حفظهم فعليهم الضمان بما تلف ~~بتفريطهم، والله أعلم. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن صبي مميز استدان دينا وكفله أبوه وثلاثة أخر بإذنه ثم غاب أبوه فطلب ~~صاحب الدين من أحد الكفلاء المال وألزمه بوزنه، فهل لهذا الذي وزن المال أن ~~يرجع بما وزنه على الصبي أو على مال أبيه الغائب وعلى رفاقه في الكفالة أم ~~يروح ما وزنه مجانا؟ . # فأجاب: # له أن يرجع على ms8781 من كفله؛ فإن كفالة أبيه له تقتضي # PageV29P555 # أنه تصرف بإذن أبيه فيلزمه الدين وتصح كفالته. وإن كان في الباطن قد ~~استدان لأبيه ولكن أبوه أمره فالاستدانة للأب وإلا فله تحليف الأب أن ~~الاستدانة لم تكن له. # وسئل أبو العباس: # عمن سلم غريمه إلى السجان ففرط فيه حتى هرب؟ . # فأجاب: # إن السجان ونحوه ممن هو وكيل على بدن الغريم؛ بمنزلة الكفيل للوجه عليه ~~إحضار الخصم فإن تعذر إحضاره - كما لو لم يحضر المكفول - يضمن ما عليه ~~عندنا وعند مالك. # PageV29P556 ### | باب الحوالة # سئل - رحمه الله -: # عمن أحال بدين على صداق حال ثم إن المحيل قبض الدين من المحال عليه. فهل ~~تصح الحوالة بذلك؟ وهل يكون هذا القبض صحيحا مبرئا لذمة المحال عليه؟ وهل ~~للمحال مطالبة المحيل القابض لما قبضه ويرجع؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم تصح الحوالة بشروطها وليس للمحيل له قبض المحال به بعد ~~الحوالة ولا تبرأ ذمة المحال عليه بالإقباض لها إلا أن يكون بأمر المحال. ~~وللمحتال أن يطلب كل واحد من المحال عليه ليعاد منه في ذمته ومن القابض ~~دينه بغير إذنه. وإن كان قبض الغاصب بغير حق؛ بمنزلة غصب المشاع فإن ~~التعيين بالغصب كالقسمة فما له أن يطالب الغاصب بالقسمة. وللمحتال عليه أن ~~يرجع على المحيل بما قبضه منه بغير حق؛ لكن للخصم تحليف المقر له؛ أن باطن ~~هذا الإقرار كظاهره، والله أعلم. PageV29P557 # الجزء الثلاثون # كتاب الصلح إلى الوقف # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عن رجل اشترى دارا ولها بابان. كل باب في زقاق غير نافذ وأحدهما مسدود ~~والكتب تشهد بالبابين والمسدود هو الباب الأصلي في صدر الزقاق؛ فأراد أن ~~يفتح الباب. فهل له أن يفتحه؟ ؟ . # فأجاب: # إذا اشترى دارا بحقوقها وكان ذلك الباب الذي سد من حقوقها فله أن يفتحه ~~كما كان أولا. إلا أن يكون هذا الحق مستثنى من المبيع لفظا أو عرفا. # وسئل - رحمه الله -: # عن دارين بينهما شارع فأراد صاحب أحد الدارين أن يعمر على داره غرفة تفضي ms8782 ~~إلى سد الفضاء عن الدار الأخرى. فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ . # PageV30P005 # فأجاب: إن كان في ذلك إضرار بالجار مثل أن يشرف عليه فإنه يلزم ما يمنع ~~مشارفته الأسفل فإذا لم يكن فيه ضرر على الجار بأن يبني ما يمنع الإشراف ~~عليه أو لا يكون فيه إشراف عليه لم يمنع من البناء. # وسئل: # عن رجل اشترى دارا وهي تشرف إلى طريق المارة ثم إنه أراد أن يزيد فيها. ~~فاشترى من وكيل بيت المال من جانب الطريق أذرعا معلومة وأقام حائطا فيما ~~اشتراه وأراد أن يعمل على طريق المسلمين ساباطا ليبني عليه دارا. فهل يجوز ~~ذلك؟ أم لا؟ وهل يصح بيع الأرض المبتاعة من وكيل بيت المال التي في طريق ~~المسلمين؟ أم لا؟ وهل يفسق الشاهد الذي يشهد بها لبيت المال أم لا؟ وإذا ~~ادعى الثاني أن بناءه لم يضر بالمسلمين هل يسمع ذلك منه؟ وما الضرر الذي ~~لأجله يمنع البناء على الطريق؟ وهل يجوز لحاكم المسلمين تمكينه من ذلك على ~~هذه الصفة المشروحة. أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا يجوز بيع شيء من طريق المسلمين النافذ وليس لوكيل بيت ~~المال بيع ذلك سواء كانت الطريق واسعة أو # PageV30P006 # ضيقة وليس مع الشاهد علم ليس مع سائر الناس اللهم إلا أن يشهد أن هذه ~~لبيت المال مثل أن تكون ملكا لرجل فانتقلت عنه إلى بيت المال وأدخلت في ~~الطريق بطريق الغصب. وأما شهادته أنها لبيت المال بمجرد كونها طريقا فهذا ~~إن أراد أن الطريق المشتركة حق للمسلمين لم يسوغ ذلك بيعها وإن أراد أنها ~~ملك لبيت المال يجوز بيعها كما يباع بيت المال فهذه شهادة زور يستحق صاحبها ~~العقوبة التي تردعه وأمثاله. وليس للحاكم أن يحكم بصحة هذا البيع. # وسئل - رحمه الله -: # عن بيتين: أحدهما شرقي الآخر والدخول إلى أحدهما من تحت ميزاب الآخر من ~~سلم وذلك من قديم. فهل لصاحب البيت الذي سلمه ومجراه تحت الميزاب الآخر أن ~~يمنع هذا الميزاب أن يجري على هذا السلم لأجل الضرر الذي يلحقه؟ أم لا؟ ms8783 # فأجاب: # ليس له أن يمنع صاحب الحق القديم من حقه. والله أعلم. # PageV30P007 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أحدث بنيانا ورواشنا على باب الطبقات عليه من حيث يكشف حريم جاره ~~وطبق عليه باب مطلعه من حيث لا يقدر ينزل طبق العجين ولا يطلع قربة سقاء؟ # فأجاب: # ليس للجار أن يحدث في الطريق المشترك الذي لا ينفذ شيئا بغير إذن رفيقه ~~ولا شركائه ولا أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره. وإذا فعل ذلك فللشريك إزالة ~~ضرره قبل البيع وبعده؛ لكن إذا أزيل قبل البيع لم يعد وبعد البيع فللمشتري ~~فسخ البيع لأجل هذا النقص. # و ### | سئل: # عن رجل اشترى حوانيت أرضا وبنى من مدة عشرين سنة وفوقهم علو # فحضر من ادعى أن العلو ملكه ولم يصدقه مالك الحوانيت على صحة ملكه وأنشأ ~~على العلو عمارة جديدة فهل يلزمه # PageV30P008 # هدم ما أنشأ مستجدا؟ # فأجاب: # إذا كانت يده على العلو وصاحب السفل لا يدعي أنه له فهو لصاحب اليد حتى ~~يقيم غيره حجة أنه له. وأما ما أنشأه من العمارة الجديدة فليس له ذلك؛ إلا ~~أن يكون ذلك من حقوق ملكه. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل اشترى طبقة ولم يكن يروز ثم عمرها وأحدث روشنا على جيرانه في زقاق ~~ليس نافذا وادعى أن فيه بابا شرقي الظاهرية فهل له أن يحدث الروشن؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس له أن يحدث في الدرب الذي لا ينفذ روشنا ~~باتفاق الأئمة فإنهم لم يتنازعوا في ذلك؛ لكن تنازعوا في جواز إحداثه في ~~الدرب النافذ وفي ذلك نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. وأما الدرب الذي لا ينفذ ~~فلا نزاع فيه سواء كان له باب إلى مدرسة أو لم يكن فإنه ليس بنافذ. وإذا ~~ادعى أن له فيه حق روشن لم يقبل قوله بغير حجة لكن له تحليف الجيران الذين ~~تنازعوا فيه على نفي استحقاقه لذلك. والله أعلم. # PageV30P009 # وسئل - رحمه الله -: # عمن له دار وبينهم طريق ونزل على أحدهم بأن كان ساباطا ولم يتضرر الجار ~~والمار وقصد ms8784 أحد الجيران أن يساويه بالبروز ويخرج عن جيرانه [في] (1) ~~الطريق ويضر بالجار؟ # فأجاب: # أما الساباط ونحوه إذا كان مضرا فلا يجوز باتفاق العلماء وكذلك لا يجوز ~~لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئا من أجزاء البناء حتى إنه ينهى عن تجصيص ~~الحائط من خارج إلا أن يدخل حده بمقدار غلظ الجص. وأما إذا كان الساباط ~~ونحوه لا يضر بالطريق ففيه نزاع مشهور بين العلماء. قيل: يجوز كقول ~~الشافعي. وقيل: لا يجوز كأحد القولين في مذهب أحمد ومالك. وقيل: يجوز بإذن ~~الإمام كالقول الأخير. وقيل: إن منعه بعض العامة امتنع كما هو مذهب أبي ~~حنيفة. والله أعلم. PageV30P010 # و ### | سئل: # عن زقاق غير نافذ وفيه جماعة سكان # وفيهم شخص له دار. فهل له أن يفتح بابا غير بابه الأصلي؟ # فأجاب: # ليس له أن يفتح في الدرب الذي لا ينفذ بابا يكون أقرب إلى آخر الدرب من ~~بابه الأصلي؛ إلا بإذن المشاركين له في الاستطراق في ذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل عمر حوانيت وبجنبها خربة لإنسان فهل لصاحب الدار أن يفتح مشرعا من ~~الخربة؟ أم لا؟ # فأجاب: # ليس له أن يفتح مشرعا - يعني بابا في درب غير نافذ - إلا بإذن أهله؛ إلا ~~أن يكون له فيه حق الاستطراق. والله أعلم. # PageV30P011 # و ### | سئل: # عن ملك مشترك بين مسلم وذمي # فهدماه إلى آخره. فهل يجوز تعليته على ملك جارهما المسلم؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس لهما تعليته على ملك المسلم فإن تعلية الذمي على المسلم ~~محظورة وما لا يتم اجتناب المحظور إلا باجتنابه فهو محظور. كما في مسائل ~~اختلاط الحرام بالحلال كما لو اختلط بالماء والمائعات نجاسة ظاهرة ~~وكالمتولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع والعسبار والبغل وكما في " مسائل ~~الاشتباه " أيضا: مثل أن تشتبه أخته بأجنبية والمذكى بالميت فإنه لما لم ~~يمكن اجتناب المحظورات إلا باجتناب المباح في الأصل؛ وجب اجتنابهما جميعا ~~كما أن ما لا يتم الواجب إلا بفعله ففعله واجب. وإنما ذاك إذا كان ليس شرطا ~~في الوجوب وهو مقدور للمكلف ms8785 وهنا لا يمكن منع الذمي من تعلية بنائه على ~~المسلم إلا أن يمنع شريكه فيجب منعهما وليس في منع المسلم من تعلية بنائه ~~على مسلم تعلية كافر على مسلم بخلاف ما إذا أمكن الشريك من التعلية فإنه ~~يكون # PageV30P012 # في ذلك علو للكافر على المسلم وذلك لا يجوز وإذا عليا البناء وجب هدمه. ~~ولا يجوز لمسلم أن يجعل جاه المسلم ذريعة لرفع كافر على مسلم. ومن شارك ~~الكافر أو استخدمه وأراد بجاه الإسلام أن يرفع على المسلمين فقد بخس ~~الإسلام واستحق أن يهان الإهانة الإسلامية. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن بستان مشترك حصلت فيه القسمة # فأراد أحد الشريكين أن يبني بينه وبين شريكه جدارا فامتنع أن يدعه يبني ~~أو يقوم معه على البناء. # فأجاب: # إنه يجبر على ذلك ويؤخذ الجدار من أرض كل منهما بقدر حقه. # PageV30P013 # وسئل: # عن بستان بين شريكين ثم قسماه فأراد أحدهما أن يبني حائطه بينه وبين ~~شريكه فامتنع الشريك أن يخليه يبني في أرضه، وعلى من غرامة البناء؟ # فأجاب: # يجبر الممتنع أن يبني الجدار في الحقين من الشريكين جميعا إذا كانا ~~محتاجين إلى السترة. # وسئل أيضا: # فلو كانت المسألة بحالها فإن امتنع أحدهما أن يبني مع شريكه وبناه أحدهما ~~بماله لكنه وضع بعض أساسه من سهم هذا وبعضه من سهم هذا فهل له أن يمنع الذي ~~لم يبن معه أن ينتفع بالجدار؟ مثل أن يضع جاره عليه شيئا أو يبني عليه أم ~~لا؟ # فأجاب: # لو كان الجدار مختصا بأحدهما لم يكن له أن يمنع جاره من الانتفاع بما ~~يحتاج إليه الجار ولا يضر بصاحب الجدار، والله أعلم. # PageV30P014 # وسئل: # عن رجل اشترى من بيت المال بمصر شراء صحيحا شرعيا وبنى فتعرض له إنسان ~~ومنعه من البناء فهل له ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا بنى في ملكه بناء لم يتعد به على الجار؛ لكن يخاف أن يسكن ~~في البناء الجديد ناس آخرون فينقص كراء الأول لم يكن له منعه لأجل ذلك. بلا ~~نزاع بين العلماء. # وسئل: # عن رجل له ms8786 ملك وهو واقع فأعلموه بوقوعه فأبى أن ينقضه ثم وقع على صغير ~~فهشمه هل يضمن؟ أو لا؟ # فأجاب: # هذا يجب الضمان عليه في أحد قولي العلماء؛ لأنه مفرط في عدم إزالة هذا ~~الضرر والضمان على المالك الرشيد الحاضر أو وكيله إن كان غائبا أو وليه إن ~~كان محجورا عليه. # PageV30P015 # ووجوب الضمان في مثل هذا هو مذهب أبي حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن ~~أحمد وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. والواجب نصف الدية والأرش في ما لا ~~تقدير فيه ويجب ذلك على عاقلة هؤلاء إن أمكن؛ وإلا فعليهم في أصح قولي ~~العلماء. # وقال - رحمه الله -: # إذا احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره ولا ضرر فله ذلك وعنه لربها (1) ~~منعه كما لو استغنى عنه أو عن إجرائه فيها. قال: ولو كان لرجل نهر يجري في ~~أرض مباحة فأراد جار النهر أن يعرضه إلى أرضه أو بعضه ولا ضرر فيه إلا ~~انتفاعه بالماء كما لو كان ينتفع به في مجراه. ولكنه يسهل عليه الانتفاع ~~به. فأفتيت بجواز ذلك وأنه لا يحل منعه؛ فإن المرور في الأرض. كما أنه ~~ينتفع به صاحب الماء فيكون حقا له فإنه ينتفع به صاحب الأرض أيضا. كما في ~~حديث عمر. فهو هنا انتفع بإجراء مائه كما أنه هناك انتفع بأرضه. # ونظيرها ### | لو كان لرب الجدار مصلحة في وضع الجذوع عليه # من PageV30P016 # غير ضرر الجذوع. وعكس مسألة إمرار الماء: لو أراد أن يجري في أرضه من ~~بقعة إلى بقعة ويخرجه إلى أرض مباحة أو إلى أرض جار راض من غير أن يكون على ~~رب الماء ضرر؛ لكن ينبغي أن يملك ذلك؛ لأنه يستحق شغل المكان الفارغ. فكذلك ~~تفريغ المشغول. والضابط أن الجار. إما أن يريد إحداث الانتفاع بمكان جاره ~~أو إزالة انتفاع الجار الذي ينفعه زواله ولا يضر الآخر. ومن أصلنا أن ~~المجاورة توجب لكل من الحق ما لا يجب للأجنبي ويحرم عليه ما لا يحرم ~~للأجنبي. فيبيح الانتفاع بملك الجار الخالي عن ضرر الجار ويحرم الانتفاع ~~بملك ms8787 المنتفع إذا كان فيه إضرار. # فصل: # وإذا قلنا: بإجراء مائه على إحدى الروايتين. فاحتاج أن يجري ماءه في طريق ~~مياه مثل أن يجري مياه سطوحه وغيرها في قناة لجاره أو يسوق في قناة غدير ~~ماء ثم يقاسمه جاز. # PageV30P017 ### | باب الحجر # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عسفه إنسان على دين يريد حبسه وهو معسر. فهل القول قوله في أنه ~~معسر؟ أو يلزم بإقامة البينة في ذلك؟ . # فأجاب: # إذا كان الدين لزمه بغير معاوضة كالضمان ولم يعرف له مال قبل ذلك فالقول ~~قوله مع يمينه في الإعسار. والله أعلم. # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل مسلم اشترى من ذمي عقارا ثم رمى نفسه عليه واشترى منه قسطين ~~والتزم يمينا شرعية الوفاء إلى شهر. فهل على أحد أن يعلمه حيلة وهو قادر؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الغريم قادرا على الوفاء لم يكن لأحد أن يلزم رب ~~الدين بترك مطالبته ولا يطلب منه حيلة لا حقيقة لها # PageV30P018 # لأجل ذلك. مثل أن يقبض منه ثم يعيد إليه غير حقيقة استيفاء. وإن كان ~~معسرا وجب إنظاره. واليمين المطلقة محمولة على حال القدرة؛ لا على حال ~~العجز. والله أعلم. # وسئل: # عمن ترك بعد موته كرما ودارا وعليه دين يستوعب ذلك كله وله من الورثة: ~~زوجة وبنت والسلطان. . . (1) فطلب أرباب الدين من الورثة بيع الملك فهل ~~يلزم الورثة البيع؟ أو الحاكم؟ . # فأجاب: # إن باع الورثة ووفوا من الثمن جاز. وإن سلموه للغرماء فباعه الغرماء ~~واستوفوا ديونهم جاز. وإن طلبوا من الحاكم أن يقيم لهم أمينا يتولى ذلك ~~جاز. وإن أقاموا هم أمينا يتولى ذلك جاز. وإذا سلم الورثة ذلك إلى الغرماء ~~لم يجب على الورثة أن يتولوا البيع. والله أعلم. PageV30P019 # و ### | سئل: # عن رجل باع قماشا لإنسان تاجر # وكسب فيه شيئا معينا وقسط عليه الثمن والمديون يطلب السفر ولم يقم له ~~كافلا. فهل لصاحب المال أن يمنعه من السفر. أم لا؟ . # فأجاب: # إن كان الدين حالا وهو قادر على وفائه فله أن يمنعه من السفر قبل ~~استيفائه. ms8788 وكذلك إن كان مؤجلا ومحله قبل قدوم المدين فله أن يمنعه من السفر ~~حتى يوثق برهن يحفظ المال أو كفيل. وإن كان الدين لا يحل إلا بعد قدوم ~~المدين؛ ففيه نزاع بين العلماء. والله أعلم. # PageV30P020 # وسئل - رحمه الله -: # عمن أعتق عبدا وهو محتاج وعليه ديون وماله جدة. فهل يجوز له أن يبيعه ~~ويوفي به دينه؟ . # فأجاب: # إن كان حين أعتقه موسرا ليس عليه دين أو عليه دين له وفاء غير العبد: فقد ~~عتق ولا رجوع فيه وإن كان حين أعتقه عليه دين يحيط بماله: ففي صحته نزاع ~~بين العلماء. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل ادعى على غريم له عند الحاكم # فاعترف له بدينه وبالقدرة والملاءة فاعتقله الحاكم وحجر عليه عقيب ذلك. ~~ثم إن المعتقل أراد إثبات إعساره عند حاكم آخر؛ فهل له ذلك؟ . # فأجاب: # لا تقبل دعوى إعساره بعد الاعتراف بالقدرة وبعد الحجر عليه إذا لم يبين ~~السبب الذي أزال الملاءة ويكون ذلك ممكنا في العادة كحرق الدار التي فيها ~~متاعه ونحوه؛ وليس له طلب إتمام الحكم في ذلك. # PageV30P021 # وأن يدعي ذلك ويثبته عند غير الحاكم الذي حبسه وحجر عليه بدون إذنه. ~~والله أعلم. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل استدان من التجار أموالا وطولب بها وامتنع من الوفاء مع القدرة ~~على ذلك واعتقلوه بحكم الشرع. فهل يجوز للحاكم عقوبته حتى يوفي ما عليه؟ ~~وماذا حكم الشرع فيه؟ . # فأجاب: # إذا امتنع مما يجب عليه من إظهار ماله والتمكين من توفية الناس جميع ~~حقوقهم وكان ماله ظاهرا واحتيج إلى التوفية إلى فعل منه وامتنع منه وأصر ~~على الحبس: فإنه يعاقب بالضرب حتى يقوم بالواجب عليه في ذلك في مذهب عامة ~~الفقهاء. وقد صرح بذلك أصحاب مالك والشافعي من العراقيين والخراسانيين ~~وأصحاب الإمام أحمد وغيرهم. ولا نعلم في ذلك نزاعا بل كرروا هذه المسألة في ~~غير موضع من كتبهم؛ فإنهم مع ذكرهم لها في موضعها المشهور ذكروها في غيره ~~كما ذكروها في (باب نكاح الكفار) وجعلوها أصلا قاسوا عليه إذا أسلم ms8789 الكافر ~~وتحته أكثر من أربع نسوة وامتنع من الاختيار # PageV30P022 # قالوا: يضرب حتى يختار؛ لأنه امتنع من فعل وجب عليه ويضرب حتى يقوم به ~~كما لو امتنع من أداء الدين الواجب عليه فإنه يضرب حتى يؤديه. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه في الصحيحين: {مطل الغني ~~ظلم} . والظالم مستوجب للعقوبة. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{لي الواجد يحل عرضه وعقوبته} " اللي: المطل والواجد: القادر. فقد أباح ~~النبي صلى الله عليه وسلم من القادر الماطل عرضه. وقد اتفق العلماء على أن ~~التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. والمعاصي تنقسم إلى ترك ~~مأمور وفعل محظور. فإذا كانت العقوبة على ترك الواجب - كعقوبة هذا وأمثاله ~~من تاركي الواجب - عوقب حتى يفعله؛ ولهذا قال العلماء الذين ذكروا هذه ~~المسألة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: أنه يضرب مرة بعد أخرى. حتى ~~يؤدي. ثم منهم من قدر ضربه في كل مرة بتسعة وثلاثين سوطا. ومنهم من لم ~~يقدره؛ بناء على أن التعزير هل هو مقدر؟ أم ليس بمقدر؟ للحاكم أن يعزره على ~~امتناعه عقوبة لما مضى وله أيضا أن يعاقبه حتى يتولى الوفاء الواجب عليه ~~وليس على الحاكم أن يتولى هو بيع ماله ووفاء الدين. # PageV30P023 # وإن كان ذلك جائزا للحاكم؛ لكن متى رأى أن يلزمه هو بالبيع والوفاء زجرا ~~له ولأمثاله عن المطل أو لكون الحاكم مشغولا عن ذلك بغيره أو لمفسدة تخاف ~~من ذلك كانت عقوبته بالضرب حتى يتولى ذلك. فإن قال: إن في بيعه بالنقد في ~~هذا الوقت علي خسارة؛ ولكن أبيعه إلى أجل وأحيلكم به. وقال الغرماء: لا ~~نحتال؛ لكن نحن نرضى أن يباع إلى هذا الأجل وأن يستوفي ويوفي. وما ذهب على ~~المشتري كان من ماله. فإنه يجاب الغرماء إلى ذلك. وللحاكم أن يبيعه ويقيم ~~من يستوفي ويوفي مع عقوبته على ترك الواجب. وللغرماء أن يطلبوا تعجيل بيع ~~ما يمكن بيعه نقدا إذا بيع بثمن المثل. ويجب عليه الإجابة إلى ms8790 ذلك. وللحاكم ~~أن يفعله كما تقدم وأن يعاقبه على ترك الواجب. والله أعلم. # وسئل: # عمن عليه دين فلم يوفه حتى طولب به عند الحاكم وغيره وغرم أجرة الرحلة. ~~هل الغرم على المدين؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الذي عليه الحق قادرا على الوفاء # PageV30P024 # ومطله حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المماطل؛ ~~إذا غرمه على الوجه المعتاد. # و ### | سئل: # عمن حبس بدين وليس له وفاء إلا رهن # عند الغريم فهل يمهل ويخرج إلى أن يبيعه؟ . # فأجاب: # إذا لم يكن له وفاء غير الرهن وجب على الغريم إمهاله حتى يبيعه فمتى لم ~~يمكن بيعه إلا بخروجه أو كان في بيعه في الحبس ضرر عليه وجب إخراجه ليبيعه ~~ويضمن عليه أو يمشي الغريم أو وكيله إليه. # و ### | سئل: # عن رجل عليه دين حال وله ملك لا تفضل فضلة # عن نفقته ونفقة عياله وإذا أراد بيعه لم يتهيأ إلا بدون ثمن مثله. فهل ~~يلزمه بيعه بدون ثمن مثله؟ وإذا لم يلزمه بيعه فهل يقسط الدين عليه على قدر ~~حاله؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا يباع إلا بثمن المثل المعتاد غالبا في ذلك البلد؛ إلا أن # PageV30P025 # تكون العادة تغيرت تغيرا مستقرا فيكون حينئذ ثمن المثل قد نقص فيباع بثمن ~~المثل المستقر وإذا لم يجب بيعه فعلى الغريم الإنظار إلى وقت السعة أو ~~الميسرة وله أن يطلب منه كل وقت ما يقدر عليه وهو التقسيط. # وسئل - رحمه الله -: # عن قزاز أسلمت له امرأة شقتي غزل فهرب وختم على دكانه فاشتكت صاحبة ~~الشقتين على غزلها فرسم الوالي أن يفتح الدكان وكل من لقي شيئا من رحله ~~يأخذه وبقيت الشقة الواحدة على النول فجاء إنسان موقع فذكر أن له عند ~~القزاز قليل غزل فاشتكى إلى القاضي فرسم له أن يأخذ شقة المرأة ويقسم على ~~أصحاب الأمانات وأنظر حال المرأة. # فأجاب: # ما كان في حانوت المفلس من الأمانات مثل الثياب الذي ينسجها للناس والغزل ~~وغير ذلك فإنها لأصحابها باتفاق المسلمين لا تعطى لغير ms8791 صاحبها. وإذا كان قد ~~أخذ للناس غزلا ولم يوجد عين الغزل لم يجز لصاحب الغزل أن يأخذ مال غيره ~~بدلا عن ماله بل إذا أقرض فيها كانت في ذمته وكذلك ما أعطاه من الأجرة ولم ~~يوف العمل؛ فإنها # PageV30P026 # دين في ذمته. والديون التي في ذمته لا توفى من أعيان أموال الناس باتفاق ~~العلماء. ومن أقام من الناس بينة بأن هذا عين ماله أخذه وإن لم يقم أحد ~~بينة وكان الرجل خائفا قد علم أن الذي ينسجه ليس هو له وإنما هو للناس لم ~~يوف ديونه من تلك الأموال. ولا يجوز أن يعطى بعض الغزل بدعواه دون بعض بل ~~يجب أن يعدل في ذلك بين الغرماء. وإن أقام واحد شاهدا وحلف مع شاهده حكم له ~~بذلك وإن تعذر ما يعرف به مال هذا ومال هذا إلا علامات مميزة؛ مثل اسم كل ~~واحد على متاعه: عمل بذلك. وإن تعذر ذلك كله أقرع بين المدعين فمن خرجت ~~قرعته على عين أخذها مع يمينه. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم القرعة في مثل هذا. والله أعلم. # وسئل: # عمن عليه دين ولم يكن قادرا على وفاء دينه وثبت أنه ما حصل معه شيء أوفاه ~~وله والد له مال ولم يوف عنه شيئا. ويريد والده أن يأخذه معه إلى الحج. فهل ~~يسقط عنه الفرض الذي عليه بحكم # PageV30P027 # الدين الذي عليه وأن ما معه شيء يحج به إلا والده؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم متى حج به أبوه من ماله جاز ذلك ويسقط عنه الفرض باتفاق ~~العلماء. وتنازعوا: هل يجب عليه الحج إذا بذل له أبوه المال؟ والخلاف في ~~ذلك مشهور. والفرض يسقط عنه سواء ملكه أبوه مالا أو أنفق عليه وأركبه من ~~غير تمليك. فإن كان عليه دين فمتى أذن له الغرماء في السفر للحج فلا ريب في ~~جواز السفر - وإن منعوه من السفر ليقيم ويعمل ويوفيهم كان لهم ذلك وكان ~~مقامه ليكتسب ويوفي الغرماء أولى به وأوجب عليه من الحج - وكان لهم ms8792 منعه من ~~الحج ولا يحل لهم أن يطالبوه إذا علموا إعساره. ولا يمنعوه الحج. لكن إن ~~قال الغرماء: نخاف أن يحج فلا يرجع فنريد أن يقيم كفيلا ببدنه توجه ~~مطالبتهم بهذا فإن حقوقهم باقية ولكنه عاجز عنها. ولو كان قادرا على الوفاء ~~والدين حال كان لهم منعه بلا ريب. وكذلك لو كان مؤجلا يحل قبل رجوعه فلهم ~~منعه حتى يوثق برهن أو كفيل وهناك حتى يوفي أو يوثق. وأما إن كان لا يحل ~~إلا بعد رجوعه والسفر آمن ففي منعهم # PageV30P028 # له قولان معروفان هما روايتان عن أحمد. وإن كان السفر مخوفا كالجهاد فلهم ~~منعه إذا تعين عليه وإذا تمكن الغرماء من استيفاء حقوقهم فلهم تخليته عند ~~جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وعن أبي حنيفة: لهم ملازمته وهذا في ~~المقام فإذا أراد المعسر أن. . . (1) كان فيه نزاع والله أعلم. ### | سئل: # عن رجل عليه دين وتلف ماله وله بينة # عادلة تشهد له بتلف ماله؛ لكنها لا تدري: هل تجدد له مال بعد ذلك؟ أم لا؟ ~~فهل القول قوله مع يمينه في الإعسار؟ أم يحتاج إلى بينة؟ # فأجاب: # إذا قال: لم يحدث لي بعد تلف مالي شيء فالقول قوله مع يمينه في ذلك: في ~~مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، والله أعلم. PageV30P029 # وسئل - رضي الله عنه -: # عن رجل طحان له على رجل مسطور من مدة تزيد على عشر سنين واستوفى أكثره ~~ولم يذكر أن تأخر له منه إلا دون المائة ثم إن صاحب المسطور أتى بمماليك من ~~جهة أمير وأخذوا له رأسي خيل من غير رهن شرعي ولا دعوى عند حاكم ولا أذن ~~لهم في ذلك واستعملهما من مدة ثمانية أشهر ثم ادعى عدمهم. فهل له أن يطالب ~~بأجرة استعمالهم عن هذه المدة المذكورة وقيمة أثمانها؟ وهل القول قوله في ~~القيمة أو قول مالكهما في الأجرة والثمن؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا لم يكن بقي له من الدين إلا مائة وكانت قيمة ~~الرأسين أكثر من مائة درهم: كان هذا المتولي ضامنا لما زاد على ms8793 قدر حقه. ~~وعليه أجرة ذلك لاستيلائه. والقول في قيمتهما قول الضامن وهو الغاصب إلا أن ~~يعرف صفتهما وأن قيمتهما أكثر من ذلك أو تقوم بينة - ولو شاهد ويمين المدعي ~~- بالقيمة. وأما مقدار حقه فيقاص به ما له على المدين. # PageV30P030 # و ### | سئل: # عن رجل مديون ولرجل معه معاملة في بضاعة # سبع سنين وصار له عنده خمسمائة درهم. أوفى منها ثلاثمائة وتحت يده دار ~~رهنا وقد رفعه إلى الحاكم. فقال المدين: يصبر علي ثمانية أيام أوفيه فما ~~فعل يمهله. فهل يجوز أن يحبسه؟ # فأجاب: # إذا كان للرجل سلعة فطلب أن يمهل حتى يبيعها ويوفيه من ثمنها: أمهل بقدر ~~ذلك. وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه باقتراض أو نحوه وطلب ألا يرسم ~~عليه حتى يفعل ذلك؛ وجبت إجابته إلى ذلك ولم يجز منعه من ذلك بحبسه، والله ~~أعلم. # وسئل: # عن رجل عليه دين لجماعة وأعسر عن المبلغ واتفقوا جميعهم على أنهم يمهلوه ~~ويخرجوه وكان قد بقي له بقية مال على أنه يعمل فيه ويوفيهم ففعلوا ذلك؛ إلا ~~رجل واحد منهم أبى أن يفعل # PageV30P031 # ذلك بعد اتفاق الجماعة معه. فهل له أن يأخذ دون الجماعة الذي له؟ أم لا؟ # فأجاب: # ليس له بعد رضاه معهم بإنظارهم أن يختص باستيفاء ماله حالا دونهم على ~~مذهب من يقول: إن الحال يتأجل كمالك وأحمد في قول. وعلى مذهب من يقول: لا ~~يتأجل كالشافعي وأحمد في قول. أو من يقول يتأجل في المعاوضات دون التبرعات ~~كأبي حنيفة وأحمد في رواية. ولا فرق في مذهب أحمد ومالك وغيرهما بين أن ~~يكون قد اتفق معهم على التأجيل إلى أجل معين أو يقسطه أقساطا. أو اتفق معهم ~~على أن يفعلوا ذلك فيما بعد: ليس له أن يغدر بهم ويمكر بهم؛ بل لو قدر أن ~~التأجيل لم يلزم فإنهم مشتركون جميعهم في الاستيفاء من ذلك المتبقي مع ~~الغريم. # و ### | سئل: # عن رجل عليه دين وله مدة في الاعتقال # ولا موجود له غير عمل يده. فهل يحل لأصحاب الدين ضربه أو اعتقاله ms8794 أو ~~الصبر عليه. ويأخذوا قليلا قليلا على قدر عمله؟ # فأجاب: # لا يحل اعتقاله ولا ضربه والحالة هذه؛ بل الواجب تمكينه حتى يعمل ما يوفي ~~دينه بحسب الإمكان، والله أعلم. # PageV30P032 # و ### | سئل: # عن رجل عليه دين من ضمان وليس له وفاء # إلا من شغله ويريد يذهب معلما فيحصل شيئا ويقيم له ضامن وجه بحضوره. فهل ~~يجوز حبسه؟ أم يمكن من ذلك؟ وإن ادعى الغريم أنه قادر على وفاء الضمان ~~وادعى هو العجز فهل القول قول الغريم. وهل يحتاج إلى أن يقيم بينة؟ # فأجاب: # بل يجب تمكينه من إيفاء الدين على الوجه الذي يمكنه ولا يجوز حبسه إن قام ~~بذلك وإذا ادعى الإعسار وعرف له مال لم تقبل دعوى الإعسار إلا ببينة. وإن ~~لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه دون قول غريمه. وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد. وكذلك مذهب مالك نحو من ذلك. وقد حكاه طائفة عن أبي حنيفة. # PageV30P033 # و ### | سئل: # عن رجل عليه دين وادعى عليه عند الحاكم # ورسم عليه فقال: أقعد في الترسيم حتى أبيع مالي وأوفي الدين فقال الغريم: ~~لا بد من حبسك. فهل يجوز حبسه؟ أم يلزمه حتى يبيع ويوفي دينه؟ # فأجاب: # بل إذا طلب أن يمكن من بيع ما يوفي دينه وجب تمكينه من ذلك ولم يجب حبسه ~~العائق له عن ذلك. وهذا باتفاق المسلمين. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل معسر - وله عائلة وخشي من صاحب الدين أن يعتقله # ويضيع هو وعائلته ونوى أنه إذا وسع الله عليه أعطاه دينه - إذا أنكره في ~~ساعة وحلف: هل عليه إثم أم لا؟ # فأجاب: # لا يحل له أن يجحد حقه ولا يحلف أنه لا شيء عليه؛ بل عليه أن يقر بحقه ~~ويذكر عسرته ويستغفر الله تعالى. {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب} . والله أعلم. # PageV30P034 # وسئل: # عن رجل له مملوك وطلب بعض الظلمة شراءه فخاف أنه لا يعطيه ثمنه فقال: هذا ~~متى بعته ثمنه علي حرام وعليه دين. فهل يبيعه ويوفي ثمنه؟ # فأجاب: # نعم ms8795 يجوز له بيعه ويوفي الناس حقوقهم. فإن قصد بقوله: ثمنه علي حرام أن ~~ثمنه لا يبقى عنده بل أوفيه الغرماء فلا شيء عليه. وإن قصد تحريم الثمن. ~~فقيل: عليه كفارة يمين. كمذهب أحمد وأبي حنيفة. وقيل: لا شيء عليه كمذهب ~~مالك والشافعي. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل مديون وله بالقرافة مالك وباع منه نصفه بيع أمانة وله بهذا بينة ~~وأشهره المشتري كل شهر بسعيه ونصف من تاريخ المبيع وأن مداينا آخر اشتكاه ~~وضيق عليه باليد القوية حتى أخذ بقية الذي باع بها في الأول وبقي الملك في ~~قبضة الثاني؟ # PageV30P035 # فأجاب: # أما بيع الأمانة الذي مضمونه اتفاقهما على أن البائع إذا جاءه بالثمن ~~أعاد عليه ملكه ذلك ينتفع به المشتري بالإجارة والسكن ونحو ذلك: هو بيع ~~باطل باتفاق العلماء إذا كان الشرط مقترنا بالعقد. وإذا تنازعوا في الشرط ~~المقدم على العقد: فالصحيح أنه باطل بكل حال ومقصودهما إنما هو الربا ~~بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدراهم هي الربح. والواجب هو رد المبيع إلى ~~صاحبه البائع وأن يرد البائع على المشتري ما قبضه منه؛ لكن يحسب له منه ما ~~قبضه المشتري من المال الذي سموه أجرة، والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل في الرق يبيع ويشتري لأستاذه # وأستاذه يبيع ويشتري باسم المملوك وقد وجب على أستاذه دين. فهل يطلب به ~~المملوك؟ أو المالك؟ # فأجاب: # الحمد لله، الدين على السيد يوفى من ماله وما كان بيد العبد هو من ماله ~~يوفى به دينه ويباع أيضا في وفاء دينه. وإن كتم العبد شيئا من المال الذي ~~للسيد بيده عوقب حتى يظهره فيوفى منه دينه، والله أعلم. # PageV30P036 # وسئل: # عن رجل عليه دين ثم إن صاحب الدين اعتقله وإن المديون فقير لا مال له ~~وانتقلت إليه منافع بستان من جهة وقف شرعي لا يتحصل من ريعه مقدار وفاء ~~الدين المدة المذكورة إلى حين وفاء الدين؟ . # فأجاب: # إن كان معسرا لم يجز حبسه ولا مطالبته؛ بل يجب إنظاره إلى الميسرة. وإذا ~~لم يكن له ما يوفي الدين ms8796 إلا منافع الوقف عليه: استوفى الدين من أجرة منافع ~~الوقف بحسب الإمكان. فإن ظهر له مال سوى ذلك استوفى منه ما أمكن، والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن عليه حق وامتنع هل يجب إقراره بالعقوبة؟ # فأجاب: # حكم الشريعة: أن من وجب عليه حق وهو قادر على أدائه وامتنع من أدائه فإنه ~~يعاقب بالضرب والحبس مرة بعد مرة حتى # PageV30P037 # يؤدي سواء كان الحق دينا عليه أو وديعة عنده أو مال غصب أو عارية أو مالا ~~للمسلمين أو كان الحق عملا: كتمكين المرأة زوجها من الاستمتاع بها وعمل ~~الأجير ما وجب عليه من المنفعة. وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع قال ~~الله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} ~~. فأباح الله سبحانه للرجل أن يضرب المرأة إذا امتنعت من الحق الواجب عليها ~~من المباشرة وفراش زوجها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {مطل الغني ظلم} " ~~أخرجاه في الصحيحين. وقال: {لي الواجد يحل عرضه وعقوبته} " رواه أهل السنن. ~~واللي: هو المطل والواجد: هو القادر. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن مطل ~~الغني ظلم وأن ذلك يحل عرضه وعقوبته فثبت أن عقوبة المماطل مباحة. وروى ~~البخاري في صحيحه {أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على الصفراء ~~والبيضاء والسلاح وسأل عم حيي بن أخطب عن كنزه فقال: يا محمد أذهبته ~~النفقات فقال للزبير: دونك هذا فأخذه الزبير فمسه بشيء من العذاب. فقال: ~~رأيته يأتي إلى هذه الخربة وكان في جلد ثور} . لما علم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن هذا الرجل الذي يعلم مكان المال الذي يستحقه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، # PageV30P038 # وقد أخفاه أمر الزبير بعقوبته حتى دلهم على المال ومن كتم ماله أولى ~~بالعقوبة وقد ذكر هذه المسألة الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~ولا أعلم فيه خلافا. وقد ذكروا بأن الممتنع من أداء الواجب من الدين وغيره ~~إذا أصر على الامتناع فإنه يعاقب ويضرب مرة بعد مرة حتى يؤديه ولا يقتصر ~~على ضربه مرة؛ بل يفرق عليه ms8797 الضرب في أيام متعددة حتى يؤدي. وقد أجمع ~~العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة والمعاصي ~~فرعان: ترك واجب وفعل محرم. فمن ترك أداء الواجب مع القدرة عليه فهو عاص ~~مستحق للعقوبة والتعزير والله سبحانه أعلم. # وسئل: # عن رجل أحضر إلى منزله شهودا فقال: اشهدوا على أن ابنتي فلانة رشيدة ~~جائزة التصرف لا حجر عليها وهي ذات زوج وأولاد بحضور زوجها وأحد إخوتها ~~ووالدتها وكرر ذلك مرات. فلما انصرف شهوده قال أخوها للشهود: الرشد لا ~~تشهدوا به ثم بعد أيام حضر والدها وأخوها وقال: والدها أنا قد رجعت عن ~~ترشيدها # PageV30P039 # فهل يصح ذلك؟ أم لا؟ وهل له الرجوع بغير مستند شرعي؟ # فأجاب: # ليس للشهود أن يلتفتوا إلى كلام أخيها ولا غيره والامتناع من الشهادة؛ بل ~~عليهم أن يقيموا الشهادة لله كما أمر الله ورسوله وليس لأبيها أن يرجع عما ~~أمر به من رشدها؛ بل إن ثبت أنه حدث عليها سفه يوجب الحجر عليها لم يكن ~~الحجر عليها لأبيها؛ بل لولي الأمر ولو لم يقر الأب برشدها فمتى صارت رشيدة ~~زال الحجر عنها سواء رشدها أو لم يرشدها وسواء حكم بذلك حاكم أو لم يحكم ~~وإن نوزعت في الرشد فشهد شاهدان أنها رشيدة قبلت شهادتهما ولم يلتفت إلى ~~الأب ولا غيره. وإذا تصرفت مدة وشهد الشاهد أنها كانت رشيدة في مدة التصرف: ~~كان تصرفها صحيحا وإن كان الأب يدعي أنها كانت تحت حجره، والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة تحت الحجر وقد شهد لها بالرشد بينة عادلة ليسوا محارمها. هل ~~يقبل ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # نعم إذا شهدت بينة عادلة برشدها حكم لها بذلك وإن لم يكونوا أقارب؛ فإن ~~العدالة والرشد ونحو ذلك قد تعلم بالاستفاضة كما يعلم المسلمون رشد أمهات ~~المؤمنين والنسوة المشهورات، والله أعلم. # PageV30P040 # وسئل: # عن رجل له بنت أرملة وعقد عقدها وتلفظ للشهود برشدها فلما تيقنت البنت ~~بذلك اختارت أن تكون تحت حجر أبيها وما اختارت الرشد. فهل لأبيها أن يفسخ ~~الرشد؟ أم ms8798 لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، بعد أن تصير رشيدة لا يمكن أن تكون تحت الحجر؛ لكن لها ألا ~~تتصرف في مالها إلا بإذن أبيها فإن قالت: أنا لا أتصرف إلا بإذن أبي كان ~~لها ذلك إذا لم يكن التصرف واجبا عليها. # وسئل: # عن رجل خلف ولدا ذكرا وابنتين غير مرشدتين وأن البنت الواحدة تزوجت بزوج ~~ووكلت زوجها في قبض ما تستحقه من إرث والدها والتصرف فيه. فهل للأخ المذكور ~~الولاية عليها؟ وهل يطلب الزوج بما قبضه وما صرفه لمصلحة اليتيمة؟ . # PageV30P041 # فأجاب: # للأخ الولاية من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعلت ما لا ~~يحل لها نهاها عن ذلك. وأما الحجر عليها إن كانت سفيهة فلوصيها إن كان لها ~~وصي الحجر عليها وإلا فالحاكم يحجر عليها ولأخيها أن يرفع أمرها إلى ~~الحاكم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له ولد عمره سبع سنين وأن رجلا أركبه دابة بغير إذن الوالد ولا ~~أعلمه فرفست الدابة الصغير ورمته وهربت منه فاشتكى الرجل أبا الصغير وكتب ~~عليه حجة غصب نحو الدابة. فهل يضمن الوالد شيئا؟ . # الجواب # فأجاب: # إذا لم يكن الوالد له سبب في هذه القضية لم يكن عليه شيء ولا يلزمه شيء ~~من الحجة التي كتبت عليه كرها؛ فإن صاحب الدابة هو الذي أمر الصغير بركوبها ~~من غير سعي الوالد. # PageV30P042 # وسئل - رحمه الله -: # عمن اشترى لليتيم من بيت المال بغبطة لبيت المال ولم يظهر غبطة لليتيم ~~فهل يصح الشراء؟ وهل يضمن الوصي الزيادة. # فأجاب: # إن اشترى لليتيم بثمن المثل أو بزيادة للمصلحة جاز وإن اشترى بزيادة لا ~~يتغابن الناس لمثلها كان عليه ضامن ما أداه من الزيادة الفاحشة. وغبطة بيت ~~المال لا تؤثر فإن هذا في صورة لا حقيقة له. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل معتقل في سجن السلطان وهو خائف # على نفسه وطولب بدين شرعي عليه ثم أشهد عليه في حال اعتقاله أن جميع ما ~~يملكه من العقار ملك لزوجته وصدقته على ذلك. فهل يجوز إقراره بذلك وينفذ في ~~جميع ماله أو ms8799 يختص هذا الإقرار بالثلث؟ ويبقى الثلثان موقوفان على إجازة ~~الورثة أم لا؟ وإذا كانت له ابنة صغيرة # PageV30P043 # فقيرة هل ينفق عليها من ريع هذا العقار والحالة هذه؟ . # فأجاب: # إذا كان عليه حقوق شرعية فتبرع بملكه بحيث لا يبقى لأهل الحقوق ما ~~يستوفونه بهذا التمليك: فهو باطل في أحد قولي العلماء كما هو مذهب مالك ~~والإمام أحمد في إحدى الروايتين: من جهة أن قضاء الدين واجب ونفقة الولد ~~واجبة. فيحرم عليه أن يدع الواجب ويصرفه فيما لا يجب فيرد هذا التمليك ~~ويصرفه فيما يجب عليه من قضاء دينه ونفقة ولده. وأما إن كان الملك مستحقا ~~لغيره أو فيه ما يستحقه غيره لم يصح صرفه في حق الغير إلا بولاية أو وكالة ~~وإذا كان الإشهاد فيما يملكه ملكه لزوجته لم يدخل في ذلك ما لا يملكه. # وسئل - رحمه الله -: # عمن ولي على مال يتامى. وهو قاصر فما الحكم في ولايته؟ وأجرته؟ . # فأجاب: # لا يجوز أن يولى على مال اليتامى إلا من كان قويا خبيرا بما ولي عليه ~~أمينا عليه. # PageV30P044 # والواجب إذا لم يكن الولي بهذه الصفة أن يستبدل به من يصلح ولا يستحق ~~الأجرة المسماة لكن إذا عمل اليتامى عملا يستحق أجرة مثله كان كالعمل في ~~سائر العقود الفاسدة. # و ### | سئل: # عمن زوج ابنته لرجل ولها في صحبته سنين # فجاء والدها يطلب شيئا لمصالحها فقال الزوج أنا محجور علي وما ذكر في ~~الكتاب تحت الحجر؟ . # فأجاب: # لا يقبل بمجرد قوله في أنه محجور عليه بل الأصل صحة التصرف وعدم الحجر ~~حتى يثبت. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة ورزق منها ولدا وأراد والد الزوجة المذكورة أن يضع يده ~~على مال ابنته يتصرف فيه لنفسه فمنعته من ذلك فادعى أنها تحت الحجر فهل ~~تقبل منه هذه الدعوى. وهي لم يصدر منها سفه يحجر عليها؟ وهل لها منعه من ~~التصرف في مالها؟ . # PageV30P045 # فأجاب: ليس لأبيها أن يتصرف لنفسه بل إذا كان متصرفا في مالها لنفسه كان ~~ذلك قادحا في أهليته ومنع ms8800 من الولاية عليها كالحجر. وأما إن كان أهلا ~~للولاية وإنما يتصرف لها بما فيه الحظ لها لا له وليس له الولاية عليها إلا ~~بشرط دوام السفه فإنها إذا رشدت زال حجرها بغير اختياره. وإذا أقامت بينة ~~برشدها حكم برفع ولايته عنها ولها عليه اليمين أنه لا يعلم رشدها إذا طلب ~~ذلك ولم يقم بينة. والله أعلم. # وسئل: # عن زوجة لرجل ادعت أنها تحت الحجر ولم يكن الزوج يعلم بذلك ثم طلقها ~~وأبرأته ثم تزوجت برجل آخر ثم ادعى على الأول بالصداق لكونها تحت الحجر. ~~فهل يقبل ذلك؟ . # فأجاب - رحمه الله -: # لا يقبل بمجرد دعواها أنها تحت الحجر بل إذا كانت تتصرف تصرف الرشيد فهي ~~رشيدة نافذة البيوع ولو كانت تحت الحجر فإذا أقامت بينة أنها رشيدة فقد تم ~~تبرعها، والله أعلم. # PageV30P046 # وسئل - رحمه الله -: # عمن اعترف بمال لأيتام وأعطى خطه ثم إن اليتيم الواحد طالبه فأنكر عند ~~الحاكم وحلف أنه لا يستحق عليه شيئا ثم إنه بعد ذلك طلب من اليتيم الإبراء ~~وهو مريض. فهل يصح إبراؤه وهو مريض؟ . # فأجاب: # لا يصح هذا الإبراء في نفس الأمر ما دام المدعى عليه جاحدا للحق. # وسئل: # عمن دفع مال يتيم إلى عامل يشتري به ثمرة مضاربة ومعه آخر أمينا عليه وله ~~النصف ولكل منهما الربع فخسر المال وانفرد العامل بالعمل لتعذر الآخر وكانت ~~للشركة بعد تأبير الثمرة وأفتى بعضهم بفسادها وأن على العامل وولي اليتيم ~~ضمان ما صرف من ماله؟ . # فأجاب: # هذه الشركة في صحتها خلاف والأظهر صحتها. وسواء كانت صحيحة أو فاسدة. فإن ~~كان ولي اليتيم فرط فيما # PageV30P047 # فعله ضمن وأما إذا فعل ما ظاهره المصلحة فلا ضمان عليه لجناية من عامله. ~~وأما العامل فإن خان أو فرط فعليه الضمان وإلا فلا ضمان عليه ولو كان العقد ~~فاسدا كان ما يضمن بالعقد الصحيح يضمن بالفاسد وما لا يضمن بالعقد الصحيح ~~لا يضمن بالعقد الفاسد. وعلى كل منهما اليمين في نفي الجناية والتفريط. # وسئل - رحمه الله -: # عن أيتام تحت الحجر الشريف: ثم ms8801 إن التتار أسروهم سنة شقحب وهم صغار فوشى ~~بعض الناس إلى ولاة الأمر في أخذ مالهم ولهم وارث ذو رحم وعصبات فلما بلغ ~~الورثة ذلك أثبتوا محضرا على تقدير عدمهم وأنهم وراثهم. فهل يحل لأحد أن ~~يتعرض لأخذه مع علمه ذلك وأن ينتظر لغيبتهم؟ وهل يأثم المتخذ ذلك مع علمه ~~بذلك؟ # فأجاب: # ليس لأحد غير الورثة أن يأخذ هذا الملك؛ لكن ينفق منه النفقة الواجبة على ~~ربه مثل نفقة ولده ويقضي منه ديونه. وإذا حكم بموته فهو للوارث وفي المدة ~~التي ينتظرون إليها نزاع بين العلماء: من العلماء من يقدرها. ومنهم من ~~يقول: يرجعون في ذلك إلى الحاكم. # PageV30P048 # ومنهم من يحدث في ذلك ليصرف المال إلى غير مستحقه فإنه آثم في ذلك باتفاق ~~الأئمة والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن عنده يتيم وله مال تحت يده وقد رفع كلفة اليتيم عن ماله وينفق عليه ~~من عنده. فهل له أن يتصرف في ماله بتجارة أو شراء عقار مما يزيد المال ~~وينميه بغير إذن الحاكم؟ # فأجاب: # نعم يجوز له ذلك بل ينبغي له ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان وصيا وإن ~~كان غير وصي وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العالم العادل يحفظه ~~ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك. وإن كان في استئذانه إضاعة المال ~~مثل أن يكون الحاكم أو نائبه فاسقا أو جاهلا أو عاجزا أو لا يحفظ أموال ~~اليتامى حفظه المستولي عليه وعمل فيه المصلحة من غير استئذان الحاكم. # PageV30P049 # وسئل: # عن رجل توفي - إلى رحمة الله تعالى - وخلف ثلاثة أولاد وملكا وكان فيهم ~~ولد كبير وقد هدم بعض الملك وأنشأ وتزوج فيه ورزق فيه أولادا والورثة ~~بطالون فلما طلبوا القسمة قصد هدم البناء؟ # فأجاب: # أما العرصة فحقهم فيها باق. وأما البناء فإن كان بناه كله من ماله دون ~~الأول فله أخذه؛ ولكن عليه ضمان البناء الأول الذي كان لهم. وإن كان أعاده ~~بالإرث الأول فهي لهم. # وسئل - رحمه الله -: # عن كسوة الصبيان في الأعياد وغيرها الحرير. هل يجوز ms8802 لولي اليتيم أن يلبسه ~~الحرير؟ أم لا؟ وإذا فعل ذلك هل يأثم. أم لا؟ وكذلك تمويه أقباعهم بالذهب ~~هل يجوز؟ أم لا؟ # PageV30P050 # فأجاب: الحمد لله. ليس لولي اليتيم إلباسه الحرير في أظهر قولي العلماء. ~~كما ليس له إسقاؤه الخمر وإطعامه الميتة. فما حرم على الرجال البالغين فعلى ~~الولي أن يجنبه الصبيان. وقد مزق عمر بن الخطاب حريرا رآه على ابن الزبير ~~وقال: لا تلبسوهم الحرير. وكذلك ما يحرم على الرجال من الذهب. وأما نسبة ~~الولي إلى البخل فيدفع ذلك بأن يكسوه من المباح ما يحصل به التجمل في ~~الأعياد وغيرها كالمقاطع الإسكندرانية وغيرها مما يحصل به التجمل والزينة ~~ودفع البخل من غير تحريم. ومن وضح له الحق ليس له أن يعدل عنه إلى سواه ولا ~~يجب على أحد أن يتبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى ~~عنه ويحلله ويحرمه والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن وصي له أملاك. ووليه في بلاد التتار وقد باع أملاكه برأي منه إلى الذي ~~اشترى منه بغير نداء ولا إشهاد ولا حكم أحد. فهل يصح البيع؟ # فأجاب: # إذا باع قبل أن يرشد فبيعه باطل؛ لا سيما إن كان # PageV30P051 # قد باع بالغبن الفاحش. فإن ادعى المشتري أنه كان رشيدا وقامت البينة ~~بسفهه حكم ببطلان البيع. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن أمير يعامل الناس ويتكل على حسابه. # فهل إذا أهمل ولم يكتبه يكون في ذمته؟ وأن الأمير لم يتحقق أن عليه في ~~ذمته شيئا؛ لكن يتكل على دفتر العامل؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان قد اجتهد في استعمال ذلك وله كاتب وهو ثقة خبير يجتهد ~~في حفظ أموال الناس: لم يكن في ذمته شيء. فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. ~~وإن كان قد فرط في استعمال الكاتب؛ بأن يكون خائنا أو عاجزا: كان عليه درك ~~بما ذهب من حقوق الناس بتفريطه. والله أعلم. # PageV30P052 # وسئل - رحمه الله -: # عن الوكلاء على قرى الزرع قد قدر لهم على كل فدان شيء من القمح ms8803 وغيره ~~ومئونتهم على الفلاحين وله على الجند دراهم معلومة؟ # فأجاب: # إن كان الوكيل لا يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها ~~المقطع فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين. وأما الذي أخذ أجرة عمله فقد أخذ ما ~~يستحق فلا يحرم عليه ذلك. فإن كان الوكيل قد أعطى المقطع من الضريبة ما ~~يزيد على أجرة مثله ولم يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله جاز ذلك. والله أعلم. # PageV30P053 ### | باب الوكالة # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل وكل رجلا في قبض ديون له ثم صرفه وطالبه بما بقي عليه ثم إن ~~الوكيل المتصرف كتب مبارأة بينه وبين من عليه الدين بغير أمر الموكل. فهل ~~يصح الإبراء؟ # فأجاب: # إن لم يكن في وكالته إثبات ما يقتضي أنه مأذون له في الإبراء لم يصح ~~إبراؤه من دين هو ثابت للموكل وإن كان أقر بالإبراء قبل إقراره فيما هو ~~وكيل فيه: كالتوكيل بالقبض إذا أقر بذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل يوكل الدلال في أن يشتري له سلعة فيشتريها له ويأخذ من البائع ~~جعلا على أن باعها له بذلك الثمن؟ # PageV30P054 # فأجاب: لا يجوز ذلك؛ لأنه يشتريها لموكله بأكثر من قيمتها فيزيد البائع ~~على الربح المعتاد إذا اشتراها بتخبير الثمن فيكون ذلك غشا لموكله. هذا إذا ~~حصل مواطأة من البائع أو عرف بذلك. وأما لو وهبه البائع ذلك من غير أن يكون ~~قد تقدم شعوره. فهذه مذكورة في غير هذا الموضع. # و ### | سئل: # عن وكيل آجر أرض موكله بناقص عن شركته؟ # فأجاب: # إذا أجرها بنصف أجرة المثل كان الوكيل ضامنا للنقص. وهل للمالك إبطال ~~الإجارة؟ فيه نزاع بين العلماء. # و ### | سئل: # عن جماعة من الجند استأجروا وكيلا على إقطاعهم # وأمروه أن يخرج إلى ذلك الإقطاع. ويسجل بالقيمة فواطأ الوكيل أصحابه ~~ووافق المزارعين على رأيهم وسجل بدون القيمة الجاري بها العادة فهل يجوز ~~تصرفه فيما لم يؤذن له فيه؛ لأجل ما بيده من الوكالة الشرعية؟ # PageV30P055 # فأجاب: # إذا أجر بدون أجرة المثل وسلم الأرض إليهم فهو ظالم معتد ولأرباب الأرض ms8804 ~~أن يضمنوه تمام أجرة المثل؛ لأنه سلم أرضهم إلى من يتمتع بها. وأما ~~المستأجرون إن كانوا علموا أنه ظالم وأنه حاباهم فلأصحاب الأرض تضمينهم ~~أيضا إن كانوا استوفوا المنفعة. ولهم منعهم من الزرع إن كانوا لم يزرعوا؛ ~~فإن الإجارة حينئذ باطلة. وإن كانوا لم يعلموا بل المؤجر عرفهم فهل لأصحاب ~~الأرض تضمينهم؟ على قولين للعلماء. وإذا ضمنوهم. فهل لهم الرجوع على هذا ~~الغار بما لم يلزموا ضمانه بالعقد؟ على قولين أيضا. والثالث في مذهب أحمد ~~وغيره من العلماء. # وسئل - رضي الله عنه -: # عن امرأة وكلت أخاها في المطالبة بحقوقها كلها والدعوى لها وفي فسخ ~~نكاحها من زوجها وثبت ذلك عند الحاكم ثم ادعى الوكيل عند الحاكم المذكور ~~بنفقة موكلته وكسوتها على زوجها المذكور واعترف أنه عاجز عن ذلك ومضى على ~~ذلك مدة وأحضره مرارا إلى الحاكم وهو مصر على الاعتراف بالعجز فطلب الوكيل ~~من الحاكم المذكور أن يمكنه من فسخ نكاح موكلته من زوجها فمكنه من ذلك ففسخ ~~الوكيل # PageV30P056 # نكاح موكلته من زوجها المذكور بحضور الزوج بعد أن أمهل المهلة الشرعية ~~قبل الفسخ. فهل يصح الفسخ؟ وتقع الفرقة بين الزوجين بتمكين الحاكم الوكيل ~~المذكور من فسخ نكاح موكلته والحالة هذه أم لا؟ أو يشترط حكم الحاكم بصحة ~~الفسخ؟ # فأجاب: # إذا فسخ الوكيل المأذون له في فسخ النكاح بعد تمكين الحاكم له من الفسخ ~~صح فسخه ولم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحة الفسخ في مذهب مالك والشافعي وأحمد ~~وغيرهم. ولكن الحاكم نفسه إذا فعل فعلا مختلفا فيه من عقد وفسخ كتزويج بلا ~~ولي وشراء عين غائبة ليتيم ثم رفع إلى حاكم لا يراه. فهل له نقضه قبل أن ~~يحكم به؟ أو يكون فعل الحاكم حكما؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد. و ### | الفسخ للإعسار # جائز في مذهب الثلاثة. والحاكم ليس هو فاسخا وإنما هو الآذن في الفسخ ~~والحاكم بجوازه كما لو حكم لرجل بميراث وأذن له في التصرف أو حكم لرجل بأنه ~~ولي في النكاح وأذن له في عقده أو ms8805 حكم لمشتر بأن له فسخ البيع لعيب ونحوه ~~ففي كل موضع حكم لشخص باستحقاق العقد أو الفسخ صح بلا نزاع في مثل هذا. ~~وإنما النزاع فيما إذا كان هو العاقد أو الفاسخ. ومع هذا # PageV30P057 # فالصحيح أنه لا يحتاج عقده وفسخه إلى حكم حاكم فيه. وهذا كله لو رفع مثل ~~هذا إلى حاكم حنفي لا يرى الفسخ بالإعسار. فأما إن كان الحاكم الثاني ممن ~~يرى ذلك. كمن يعتقد مذهب مالك والشافعي والإمام أحمد لم يكن له نقض هذا ~~الفسخ باتفاق الأئمة. والعلماء الذين اشترطوا في فسخ النكاح بعيب أو إعسار ~~ونحو ذلك من صور النزاع أن يكون بحكم حاكم - وفرقوا بين ذلك وبين فسخ ~~المعتقة تحت عبد قالوا: لأن هذا فسخ مجمع عليه فلا يفتقر إلى حاكم وذلك فسخ ~~مختلف فيه. وسببه أيضا يدخله الاجتهاد؛ بخلاف العتق فإنه سبب ظاهر معلوم ~~فاشترطوا أن يكون الفسخ بحكم حاكم - لم يشترطوا أن يكون الحاكم قد حكم بصحة ~~الفسخ بعد وقوعه؛ إذ هذا ليس من خصائص هذه المسائل؛ بل كل تصرف متنازع فيه ~~إذا حكم الحاكم بصحته لم يكن لغيره نقضه إذا لم يخالف نصا ولا إجماعا. فلو ~~كان المعتبر هنا الحكم بعده لم يحتج إلى حكم الحاكم ابتداء؛ بل كل مستحق له ~~أن يفسخه. ثم حكم الحاكم يمنع غيره من إبطال الفسخ كما لو عقد عقدا مختلفا ~~فيه وحكم الحاكم بصحته. وهذا بين لمن عرف ما قاله الفقهاء في هذا. والله ~~أعلم. # PageV30P058 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وكل رجلا في عمارة إقطاعه ببيت فسجل طينه بالقيمة العادلة على ~~الوجه المعتاد بالناحية ويراعي الغبطة والمصلحة لموكله فاتفق المزارعون ~~وخدعوا الوكيل لكونه غريبا من الناحية عادم الخبرة والمعرفة بمواريها ~~وخواصها فسجلوا منه الطين بأقل من القيمة العادلة المعتادة من نسبة الشركة ~~المقطعين بالناحية التي بينهم الطين بالسوية دون الفرط الكثير والغبن ~~الفاحش. فهل يجوز للمقطع أن يطالب المزارعين بالخراج على القيمة العادلة ~~أسوة شركائه المقطعين بالناحية؟ . # فأجاب: # إذا وكله في أن يسجله وكالة مطلقة أو ms8806 قال: سجله أسوة أمثاله فسواء أطلق ~~الوكالة أو قيدها بأسوة أمثاله؛ ليس له أن يسجله إلا بقيمة المثل كنظرائه ~~فإن فرط الوكيل بحيث سجله بدون الأجرة المعروفة وسلم الأرض إلى المستأجر ~~كان له مطالبة الوكيل بما نقص. وإذا كان المسجل قد قال للوكيل: هذه الأجرة ~~هي أسوة الناس ثم تبين # PageV30P059 # كذبه فهنا يطالب المسجل بتمام الأجرة إن كان قد زرع الأرض. ولكل واحد من ~~الوكيل والموكل أن يطالب. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن وكل وكيلا في بيع دار وفي قبض الثمن والتسليم والمكاتبة والإشهاد على ~~الترسيم المعتاد فباع الوكيل الدار لشخص وقبض الثمن وثبت التبايع وحكم حاكم ~~بصحته واستمرت الدار في يد المشتري مدة ثم وقفها وشهد وحكم حاكم بصحة الوقف ~~في يد المشتري أولا وآخرا ثلاث سنين وموكل البائع عالم بذلك كله ولم يبد ~~فيه مطعنا ثم بعد هذه المدة ادعى الموكل أنه عزل الوكيل قبل صدور البيع؛ ~~ولم يعلم وأقام بذلك بينة في بلد آخر وحكم بها حاكم من غير دعوى على ~~المشتري ولا وكيله ولا من بيده شيء من ريع العين المنتفعة. فهل يصح هذا ~~الحكم ويبطل البيع؟ وهل يجب على المشتري أجرة المثل أو يكون انتفاعه شبهة؟ ~~وهل يجب على الوكيل البائع إعادة الثمن؟ وإذا أقام الوكيل البائع بينة ~~بوصول الثمن إلى موكله هل يكون ذلك رضى منه؟ وهل يفسق الموكل في ادعاء عزل ~~الوكيل بعد ثلاث سنين وسكوته عن ذلك وغروره للمشتري ووصول الثمن إليه؟ . # PageV30P060 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة أولا مبنية على عزل الوكيل: هل ينعزل ~~قبل بلوغ العزل له؟ على قولين مشهورين للعلماء. أحدهما: لا ينعزل حتى يعلم. ~~وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وقول الشافعي وأحد القولين في ~~مذهب مالك بل أرجحهما. فعلى هذا تصرف الوكيل قبل العلم صحيح نافذ. وثبوت ~~عزله قبل التصرف لا يقدح في تصرفه قبل العلم فيصح البيع والوقف الواقع على ~~الوجه المشروع ولا يبطل ذلك ولا حكم الحاكم به. والقول الثاني: أنه ms8807 ينعزل ~~قبل العلم وهو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وهو مذهب ~~مالك في إحدى الروايتين. فعلى هذا لا تقبل مجرد دعواه العزل بعد التصرف ~~وإذا أقام بذلك بينة ببلد آخر وحكم به حاكم كان ذلك حكما على الغائب والحكم ~~على الغالب إذا قيل بصحته فهو يصح مع بقاء كل ذي حجة على حجته وللمحكوم ~~عليه أن يقدح في الحكم والشهادة بما يسوغ قبوله: إما الطعن في الشهود أو ~~الحكم أو غير ذلك: مثل أن يكون الحاكم الذي حكم بالعزل لا يرى العزل قبل ~~العلم. ولكن ليس عليه أن يقبل البينة الشاهدة بالعزل فاسقة أو متهمة بشيء ~~يمنع قبول الشهادة. ثم الحاكم الذي حكم بصحة البيع والوقف إن كان ممن لا ~~يرى عزل الوكيل قبل العلم وقد بلغه ذلك كان حكمه نافذا لا يجوز # PageV30P061 # نقضه بحال؛ بل الحكم الناقض له مردود. وإن كان لم يعلم ذلك. أو مذهبه عدم ~~الحكم بالصحة إذا ثبت كان وجود حكمه كعدمه. والحاكم الثاني إذا لم يعلم بأن ~~العزل قبل العلم أو علم بذلك وهو لا يراه أو رآه وهو لا يرى نقض الحكم ~~المتقدم وما ذكر من علم موكل الوكيل البائع بما جرى وسكوته: كان وجود حكمه ~~كعدمه واستيثاق الحكم في القصة وقبض الثمن من الوكيل دليل في العادة على ~~الإذن في البيع والشراء وبقاء الوكالة إذا لم يعارض ذلك معارض راجح. وأكثر ~~العلماء يقبلون مثل هذه الحجة ويدفعون بها دعوى الموكل للعزل؛ ليبطل البيع؛ ~~لا سيما مع كثرة شهود الزور. ولو حكم ببطلان الوقف لم يجب على الوكيل ولا ~~على المشتري ضمان ما استوفاه من المنفعة؛ فإن كان الوكيل والمشتري مغرورين ~~غرهما الموكل لعدم إعلامه بالعزل فالتفريط جاء من جهته فلا يضمن له ~~المنفعة. وإذا أنكر الموكل قبض الثمن ولم يقم عليه بينة به فإن كان الوكيل ~~بلا جعل قبل قوله على الموكل؛ لأنه أمينه كما يقبل قول المودع في رد ~~الوديعة إلى مالكها. وإن كان بجعل ففيه قولان مشهوران للعلماء ms8808 ولكن لا يقبل ~~قول الوكيل على المشتري. فإن كان البيع باقيا # PageV30P062 # فلا كلام وإن كان البيع مفسوخا فلهم أن يطالبوا الوكيل بالثمن والوكيل ~~يرجع على الموكل. # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل وكيل باع لموكله حصته من حانوت ثم إن المشتري وقف تلك الحصة وثبت ~~البيع والوقف وحكم بصحة الوقف وبعد ذلك ثبت أن الوكيل كان معزولا بتاريخ ~~متقدم على بيعه محكوما بصحة عزله. فهل يتبين بطلان البيع والوقف؟ أم هما ~~صحيحان؟ وإذا بان البطلان. فهل للموكل الرجوع بأجرة تلك الحصة مدة مقامها ~~في يد المشتري الواقف لها؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة فيها نزاع مشهور وهو: أن الوكيل إذا ~~مات موكله أو عزله ولم يعلم بذلك حتى تصرف فهل ينعزل قبل العلم؟ على ثلاثة ~~أقوال لأهل العلم في مذهب الشافعي والإمام أحمد وغيرهما: أحدها: أنه ينعزل ~~قبل العلم وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وقول في مذهب ~~مالك. فعلى هذا يتبين بطلان البيع؛ لكن على هذا لا ضمان على الوكيل؛ لأنه ~~لم يفرط وأما المشتري فهو # PageV30P063 # مغرور أيضا إذا لم يعلم. وفي تضمينه نزاع في مذهب أحمد وغيره وأحد قولي ~~الشافعي. وهذا الغار لا ضمان عليه ولا يضمن واحد منهما ولم يرجع على الغار ~~في أشهر قولي الشافعي والإمام أحمد في رواية. فعلى هذا يضمن المشتري ولا ~~يرجع على أحد. والقول الثاني: أنه ينعزل بالموت ولا ينعزل بالعزل حتى يعلم ~~وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور في مذهب مالك وأحد الأقوال في مذهب الشافعي ~~والإمام أحمد. فعلى هذا تصرفه قبل العلم صحيح. فيصح البيع إذا لم يكن الرجل ~~عالما بالعزل فأما إن تصرف بعد علمه بالعزل لم يكن تصرفه لازما باتفاق ~~المسلمين؛ بل يكون بمنزلة تصرف الفضولي وهو مردود في مذهب الشافعي والإمام ~~أحمد في المشهور عنه. وموقوف على الإجازة في مذهب أبي حنيفة والرواية ~~الأخرى عن الإمام أحمد وحكي عن مالك. فمتى لم يجزه المستحق بطل بالإجماع. ~~والقول الثالث: أنه لا ينعزل في ms8809 الموضعين قبل العلم كقول الشافعي والإمام ~~أحمد رضي الله عنهما. والحكم فيه كما تقدم. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV30P064 # وسئل شيخ الإسلام: # عمن وكل رجلا في بيع سلعة فباعها إلى أجل وتوى بعض الثمن. فهل يطالب ~~المالك بقيمتها حالة أو بمثل الثمن المؤجل. وهو أكثر؟ . # فأجاب: # إذا لم يكن قد أذن له في البيع إلى أجل فالمالك مخير بين أن يطالب البائع ~~بقيمتها بنقد وبين أن يطالب بالثمن المؤجل جميعه ويحسب المنكسر على صاحب ~~السلعة؛ لأن تصرفه بدون إذن كتصرف غاصب. والغاصب إذا تلفت العين عنده إلى ~~بدل كان للمالك الخيرة بين المطالبة وبين البدل المطلق وهو المثل أو القيمة ~~وبين البدل المعين. وهذا يكون حيث لم يعرف المشتري بالغصب فلا يثبت عليه ~~إلا الثمن المسمى وإذا قلنا بوقف العقود على الإجازة: إذا لم يثبت الإجازة ~~واصطلحا على الثمن وتراضيا به صح الصلح عن بدل المتلف بأكثر من قيمته من ~~ضمانه كما لو اتفقا على فرض المهر في مسألة التفويض. # PageV30P065 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الأمراء الذين يطلبون ما يحتاجون إليه من القماش وغيره من الأسواق ~~فيأخذون ما أعجبهم من ذلك ويكتب الأمير لصاحبه خطا بذلك أو ينزله ونوابه في ~~دفتره ويقترضون من أصحابهم دراهم وكل ذلك بغير حجج تكتب ولا إشهاد وهذه ~~عادتهم. وإذا توفي الأمير وعلم ديوانه وأستاداره بحقوق الناس. فهل يحل لهم ~~منعهم؟ أو مطلهم أم يلزمهم دفع حقوقهم التي علموها من التركة. والحالة هذه؟ ~~. # فأجاب: # بل كل ما وجد بخط الأمير أو أخبر به كاتبه أو لفظ وكيله في ذلك مثل كاتبه ~~وأستاداره فإنه يجب العمل بذلك. فإن إقرار الوكيل على موكله فيما وكله فيه ~~مقبول؛ لأنه أمينه وخط الميت كلفظه في الوصية والإقرار ونحوهما. ومع ذلك لا ~~يحتاج أصحاب الحقوق إلى بينة. وتكليفهم البينة إضاعة للحقوق وتعذيب للأموات ~~ببقائهم مرتهنين بالذنوب ففيه ظلم للأموات # PageV30P066 # والأحياء؛ لا سيما في المعاملات التي لم تجر العادة فيها بالإشهاد فتكليف ~~البينة في ذلك خروج عن العدل المعروف. والله أعلم. # وسئل: ms8810 # عن رجل متحدث لأمير في تحصيل أمواله. فهل يكون له العشر فيما حصله المقرر ~~عن الوكالة عن كل ألف درهم مائة درهم؟ وهل له أن يتناول ذلك في حال حياته ~~ومماته وبإذنه أو غير إذنه؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كان الأمير قد وكله بالعشر أو وكله توكيلا ~~مطلقا على الوجه المعتاد الذي يقتضي في العرف أن له العشر فله ذلك؛ فإنه ~~يستحق العشر بشرط لفظي أو عرفي. والاستئجار: كاستئجار الأرض للزراعة بجزء ~~من زرعها وهي مسألة " قفيز الطحان ". ومن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أنه نهى عن قفيز الطحان} فقد غلط. واستيفاء المال بجزء مشاع منه جائز في ~~أظهر قولي العلماء وإن كان قد عمل له على أن يعطيه عوضا؛ ولم يبين له ذلك ~~فله أيضا أجرة المثل الذي جرت به العادة فإن استحق عليه شيئا فله أن # PageV30P067 # يستوفيه مطلقا من تركته وبدون إذنه وإن لم يستحقه عليه لم يجز أن يأخذ ~~شيئا إلا بإذنه. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل وكل رجلا وكالة مطلقة؛ # بناء على أنه لا يتصرف إلا بالمصلحة والغبطة فأجر له أرضا تساوي إجارتها ~~عشرة آلاف بخمسة آلاف. فهل تصح هذه الإجارة؟ أم لا؟ وإذا صحت هل يلزم ~~الوكيل التفاوت؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس له أن يؤجرها بمثل هذا الغبن وله أن يضمن الوكيل المفرط ~~ما فوته عليه. وأما صحة الإجارة: فأكثر الفقهاء يقولون: إجارة باطلة كما هو ~~مذهب الشافعي وأحمد في أحد القولين لكن إذا كان المستأجر مغرورا لم يعلم ~~بحال الوكيل مثل أن يظن أنه مالك عالم بالقيمة فله أن يرجع على من غره بما ~~يلزمه في أصح قولي العلماء. وزرعه زرع محترم لا يجوز قطعه مجانا؛ بل ينزل ~~بأجرة المثل بما لا يتغابن الناس به. فهنا هو ظالم وزرعه زرع غاصب. وهل ~~للمالك قلعه مجانا؟ على قولين مشهورين للعلماء. وهل يملكه # PageV30P068 # بنفقته؟ على قولين أيضا. وظاهر مذهب أحمد أن له تملكه بنفقته. وأما ~~إبقاؤه بأجرة المثل فيملكه بالاتفاق. وإذا ms8811 ادعى على المستأجر أنه عالم ~~بالحال فأنكر فالقول قوله مع يمينه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وكل غلامه في إيجار حانوت لشخص ثم إن المستأجر أجره لشخص فهل ~~للوكيل أن يقبل الزيادة في أجرة الحانوت؟ أم لا؟ وهل له مطالبة المستأجر ~~الثاني؟ أم لا؟ وإذا غصب المستأجر الثاني وأخذ منه الأجرة فهل للمستأجر أن ~~يستعيد منه؟ أم لا؟ وإذا كان هذا الغلام يتصرف لهذا الموكل بإيجار حوانيته ~~وقبض الأجرة ويدعي بذلك عند القضاة لموكله وسيده يعلم بذلك كله ويقره عليه: ~~فهل يقبل قوله إنه لم يوكله؟ وإذا أكره الموكل المستأجر الثاني على غير ~~الإجارة الأولى. فهل تصح هذه الإجارة الثانية أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس للموكل - والحالة هذه - أن يؤجر الحانوت لأحد ~~لا بزيادة ولا غير زيادة ولا للمستأجر الأول ذلك وليس للموكل مطالبة ~~المستأجر الثاني وإذا أخذ منه الأجرة # PageV30P069 # غصبا فله استرجاع ذلك منه ولا يقبل قوله في إنكار الوكالة مع كونه يتصرف ~~له تصرف الوكلاء مع علمه بذلك وكونه معروفا بأنه وكيله بين الناس حتى لو ~~قدر أنه لم يوكله - والحالة هذه - فتفريطه وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان. ~~والإجارة الثانية التي أكره الموكل عليها المستأجر الثاني باطلة. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم أرسلوا قوما في مصالح لهم ويعطونهم نفقة. فهل يحل لهم أكل ذلك؟ ~~واستدانة تمام نفقتهم ومخالطتهم؟ . # فأجاب: # إذا أعطاهم الذين بعثوهم ما ينفقونه جاز ذلك وعليهم تمام نفقتهم ما داموا ~~في حوائجهم ويجوز مخالطتهم. # PageV30P070 # وسئل - رحمه الله -: # عن نوبة الوكلاء لحفظ الغلال على الفلاحين. هل هي حلال؟ # فأجاب: # إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح فله أجرته عليها فإذا كانت ~~المؤنة التي يأخذها من الفلاح بقدر حقه عليه فلا بأس بذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل وكل رجلا في شراء ولم يوكله في الإقالة فأقال. هل تصح؟ . # فأجاب: # إذا وكل الإنسان وكيلا في شراء شيء ولم يوكله في الإقالة؛ لم يكن للوكيل ~~الإقالة ولا تنفذ إقالته بدون إذن الموكل باتفاق العلماء. ms8812 والله أعلم. # PageV30P071 # وسئل - رحمه الله -: # عن وكيل في مبلغ لوالده يجبي الديون التي له على الناس فإذا جاء إلى أحد ~~قال: إني وقعته لأبيك ثم قال: إن أبريتني وصالحتني على شيء وقع الاتفاق ~~بيني وبينك ثم صالحه من جملة ألف بثلاثمائة درهم. ثم أقر بالدين بعد الصلح ~~وأخذ بيده الإبراء فهل تجوز دعواه عليه بعد إقراره والشهود على رب الدين ~~بالإبراء؟ أم لا؟ # فأجاب: # الوكيل في الاستيفاء لا يصح إبراؤه ولا مصالحته على بعض الحق ولو كان ~~وكيلا في ذلك. ثم إن الغريم إذا جحد الحق حتى صولح كان الصلح في حقه باطلا ~~ولم تبرأ ذمته وإذا كان المدعي إنما صالحه خوفا من ذهاب جميع الحق فهو مكره ~~على ذلك فلا يصح صلحه وله أن يطالبه بالحق بعد ذلك إذا أقر به أو قامت به ~~بينة. # PageV30P072 ### | باب الشركة # سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: # عن جماعة اشتركوا شركة الأبدان بغير رضا بعضهم وعملوا عملا مجتمعين فيه ~~وعملا متفرقين فيه. فهل تصح هذه الشركة؟ وما يستحق كل منهم من أجرة ما عمل؟ ~~وهل يجوز لمن لا عمل له أن يأخذ أجرة عن عمل غيره بغير رضا من عمل؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # شركة الأبدان التي تنازع الفقهاء فيها نوعان: # أحدهما: أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما كأهل الصناعات من ~~الخياطة والنجارة والحياكة ونحو ذلك الذين تقدر أجرتهم بالعمل لا بالزمان - ~~ويسمى الأجير المشترك - ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم ~~غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته كديون الأعيان؛ ليس واجبا على ~~عينه # PageV30P073 # كالأجير الخاص. فهؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد. وذلك عندهم بمنزلة " شركة الوجوه " وهو أن يشتري أحد الشريكين بجاهه ~~شيئا له ولشريكه كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه. قالوا: وهذه الشركة ~~مبناها على الوكالة فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه بالوكالة. ~~ولم يجوزها الشافعي بناء على أصله وهو أن مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد ~~وإنما تكون الشركة ms8813 شركة الأملاك خاصة فإذا كانا شريكين في مال كان لهما ~~نماؤه وعليهما غرمه ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ولا ~~يجوزها إلا مع خلط المالين ولا يجعل الربح إلا على قدر المالين. والجمهور ~~يخالفونه في هذا ويقولون: الشركة نوعان: " شركة أملاك " و " شركة عقود ". ~~وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك كما أن شركة الأملاك لا تفتقر ~~إلى شركة العقود وإن كانا قد يجتمعان. والمضاربة شركة عقود بالإجماع ليست ~~شركة أملاك؛ إذ المال لأحدهما والعمل للآخر وكذلك المساقاة والمزارعة وإن ~~كان من الفقهاء من يزعم أنها من باب الإجارة؛ وأنها خلاف القياس. # PageV30P074 # فالصواب أنها أصل مستقل وهي من باب المشاركة لا من باب الإجارة الخاصة ~~وهي على وفق قياس المشاركات. ولما كان مبنى الشركة على هذا الأصل تنازعوا ~~في الشركة في اكتساب المباحات؛ بناء على جواز التوكل فيها فجوز ذلك أحمد ~~ومنعه أبو حنيفة. واحتج أحمد بحديث سعد وعمار وابن مسعود. وقد يقال: هذه من ~~النوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه أبدانهما ودابتيهما: إجارة خاصة. ~~ففي هذه الإجارة قولان مرويان والبطلان مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب ~~أحمد: كأبي الخطاب والقاضي في أحد قوليه. وقال: هو قياس المذهب؛ بناء على ~~أن شركة الأبدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك على كسب المباح: ~~كالاصطياد والاحتطاب؛ لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر ~~شيء وإنما كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ماشيتهما وتراث بساتينهما ونحو ~~ذلك. ومن جوزه قال: هو مثل الاشتراك في اكتساب المباحات؛ لأنه لم يثبت هناك ~~في ذمة أحدهما عمل؛ ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه. ~~كذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل: هو له ولشريكه. ~~والعمل الذي يعمل عن # PageV30P075 # نفسه وعن شريكه. وهذا القول أصح لا سيما على قول من يجوز شركة العنان مع ~~عدم اختلاط المالين ومع اختلاف الجنسين. وقد قال تعالى: {أوفوا بالعقود} ~~وقال النبي صلى الله عليه ms8814 وسلم " {المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما ~~أو حرم حلالا} وأظن هذا قول مالك. وأما اشتراك الشهود فقد يقال: من مسألة " ~~شركة الأبدان " التي تنازع الفقهاء فيها؛ فإن الشهادة لا تثبت في الذمة ولا ~~يصح التوكل فيها حتى يكون أحد الشريكين متصرفا لنفسه بحكم الملك ولشريكه ~~بحكم الوكالة والعوض في الشهادة من باب الجعالة؛ لا من باب الإجارة ~~اللازمة؛ فإنما هي اشتراك في العقد؛ لا عقد الشركة؛ بمنزلة من يقول لجماعة: ~~ابنوا لي هذا الحائط ولكم عشرة أو إن بنيتموه فلكم عشرة أو إن خطتم هذا ~~الثوب فلكم عشرة. أو إن رددتم عبدي الآبق فلكم عشرة. وإن لم يقدر الجعل - ~~وقد علم أنهم يعملون بالجعل: مثل حمالين يحملون مال تاجر متعاونين على ذلك ~~- فهم يستحقون جعل مثلهم عند جمهور العلماء: أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ~~كما يستحقه الطباخ الذي يطبخ بالأجرة والخباز الذي يخبز بالأجرة والنساج ~~الذي ينسج بالأجرة والقصار الذي يقصر بالأجرة وصاحب الحمام # PageV30P076 # والسفينة والعرف الذي جرت عادته بأن يستوفى منفعته بالأجر. فهؤلاء ~~يستحقون عوض المثل عند الإطلاق. فكذلك إذا استعمل جماعة في أن يشهدوا عليه ~~ويكتبوا خطوطهم بالشهادة يستحقون الجعل فهو بمنزلة استعماله إياهم في نحو ~~ذلك من الأعمال إذا قيل: إنهم يستحقون الجعل فيستحقون جعل مثلهم على قدر ~~أعمالهم فإن كانت أعمالهم ومنافعهم متساوية استحقوا الجعل بالسواء والصواب ~~أن هذا الذي قاله هذا القائل صحيح إذا لم يتقدم منهم شركة. فأما إذا ~~اشتركوا فيما يكتسبونه بالشهادة فهو كاشتراكهم فيما يكتسبونه بسائر ~~الجعالات والإجارات. ثم الجعل في الشهادة قد يكون على عمل في الذمة وللشاهد ~~أن يقيم مقامه من يشهد للجاعل. فهنا تكون شركة صحيحة عند كل من يقول بشركة ~~الأبدان وهم الجمهور: أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. وهو الصحيح الذي يدل ~~عليه الكتاب والسنة والاعتبار. إلا أن يكون الجعل على أن يشهد الشاهد بعينه ~~فيكون فيها القولان المتقدمان. والصحيح أيضا جواز الاشتراك في ذلك كما هو ~~قول مالك في أصح القولين؛ لكن ليس لأحد الشريكين ms8815 أن يدع # PageV30P077 # العمل ويطلب مقاسمة الآخر؛ بل عليه أن يعمل ما أوجبه العقد لفظا أو عرفا. ~~وأما إذا أكرههم القضاة على هذه الشركة بغير اختيارهم فهذا ليس من باب ~~الإكراه على العقود بغير حق؛ لأن القضاة هم الذين يأذنون لهم في الارتزاق ~~بالشهادة وذلك موقوف على تعديلهم؛ ليس بمنزلة الصناع الذين يكتسبون بدون ~~إذن ولي الأمر وإذا كان للقضاة أمر في ذلك جاز أن يكون لهم في التشريك ~~بينهم فإنه لا بد من قعود اثنين فصاعدا ولا بد من اشتراكهما في الشهادة؛ إذ ~~شهادة واحد لا تحصل مقصود الشهادة. وإذا كان كذلك فالواجب أن يراعى في ذلك ~~موجب العدل بينهم فلا يمتنع أحدهم عن عمل هو عليه ولا يختص أحدهم بشيء من ~~الرزق الذي وقعت الشركة عليه سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين. والله سبحانه ~~أعلم. # PageV30P078 # وسئل - رحمه الله -: # عمن ولي أمرا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز " شركة الأبدان " فهل يجوز ~~له منع الناس؟ . # فأجاب: # ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس ~~معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك؛ لا سيما ~~وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة ~~الأمصار. وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ~~ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل؛ ولهذا لما ~~استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على " موطئه " في مثل هذه المسائل منعه ~~من ذلك. وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار ~~وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: ~~لا تسمه " كتاب الاختلاف " ولكن سمه " كتاب السنة ". # PageV30P079 # ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة. ~~وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا ms8816 اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا ~~اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير ~~مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. ولهذا قال العلماء ~~المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن ~~مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه ~~فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ~~ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل ~~تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشرته وفي بيع المقاثي جملة واحدة ~~وبيع المعاطاة والسلم الحال واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه ~~إذا لم تغيره والتوضؤ من مس الذكر والنساء وخروج النجاسات من غير السبيلين ~~والقهقهة وترك الوضوء من ذلك والقراءة بالبسملة سرا أو جهرا وترك ذلك. ~~وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك وبيع الأعيان الغائبة ~~بالصفة وترك ذلك. والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين أو المرفقين والتيمم ~~لكل صلاة أو # PageV30P080 # لوقت كل صلاة أو الاكتفاء بتيمم واحد وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على ~~بعض أو المنع من قبول شهادتهم. ومن هذا الباب الشركة بالعروض وشركة الوجوه ~~والمساقاة على جميع أنواع الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء؛ فإن هذه ~~المسائل من جنس شركة الأبدان؛ بل المانعون من هذه المشاركات أكثر من ~~المانعين من مشاركة الأبدان ومع هذا فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى ~~اليوم في جميع الأعصار والأمصار يتعاملون بالمزارعة والمساقاة ولم ينكره ~~عليهم أحد ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا ~~يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها. ولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا ~~تجوز ثم يفرع على القول بجوازها ويقول: إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع؛ ~~ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب ~~الشافعي وغيره. # PageV30P081 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل شارك قوما ms8817 في متجر بغير رأس مال وقد ذكر بعض الشركاء أن المال ~~غرم. فهل يلزم المذكور غرامة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا اشتركوا على أن بعضهم يعمل ببدنه كالمضارب ~~وبعضهم بماله أو بماله وبدنه وتلف المال أو بعضه من غير عدوان ولا تفريط من ~~العامل ببدنه لم يكن عليه ضمان شيء من المال سواء كانت المضاربة صحيحة أو ~~فاسدة باتفاق العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل عنده قماش كثير فطلب رجل تاجر سفار أن يأخذ ذلك القماش على أن ~~يشتري النصف مشاعا ويبقي النصف الآخر لصاحبه يشتركان فيه شركة عنان ويكون ~~لهذا نصف الربح ولهذا نصف الربح وأخبره برأس المال وزاد عليه من الجانبين ~~زيادة اتفقا # PageV30P082 # عليها واتفقا على أن يسافر إلى الديار المصرية ثم يعود إلى دمشق وإذا لم ~~يصلح له البيع بدمشق يسافر إلى العراق والعجم وكتب وثيقة بالشركة: أن المال ~~جميعه بيد هذا المشتري يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي. وكتبا أن الشركة كانت ~~بدراهم ولا يمكن إلا بما ذكر ثم لما قدما إلى الإسكندرية فتشاجرا فطلب صاحب ~~القماش منه الثمن وألزمه بأن يقسم القماش ويبيعه هنا بخسارة ويوفيه الثمن. ~~فهل هذا البيع الذي اتفقا عليه بشرط الشركة صحيح؟ أم هو بيع فاسد؟ وهل له ~~إذا كان شريكا أن يجعله هو الذي يقبض المال ويبيع ويشتري ويأخذ ويعطي. فإذا ~~كان البيع فاسدا فليس له إلا عين ماله وقد عمل هذا العامل فيه على أن له ~~نصف الربح. فهل له المطالبة بنصف الربح أم لا؟ وهل له بعد عمل هذا العامل ~~وانتقال القماش من الشام إلى الإسكندرية أن يأخذ القماش ويذهب عمله وسعيه ~~فيه؟ أم له المطالبة بأجرة عمله؟ أم بربح مثله؟ أفتونا. # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، هذه المعاملة فاسدة من وجوه: منها الجمع بين البيع والشركة؛ ~~فإن ذلك لا يجوز. وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن يشرط مع البيع عقدا ~~مثل هذا فلا يجوز أن يبيعه على أن يقرضه وكذلك لا يجوز أن يؤجره ms8818 على أن ~~يساقيه أو يشاركه على أن يقترض منه ولا أن يبيعه على أن يبتاع منه ونحو # PageV30P083 # ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل سلف وبيع ولا ~~شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك} " كذلك " {نهى عن ~~بيعتين في بيعة} " وذلك أنه إذا باعه أو أجره مع القرض فإنه يحابيه في ذلك؛ ~~لأجل القرض والقرض موجبه رد المثل فقط فمتى اشترط زيادة لم تجز بالاتفاق. ~~وكذلك المبايعة والمشاركة مبناها على العدالة من الجانبين. ولهذا لا يجوز ~~أن يشترط اختصاص أحدهما بربح سلعة معين ولا بمقدار من الربح ولا تخصيص ~~أحدهما بالضمان ومتى بايعه على أن يشاركه فإنه يحابيه؛ إما في الشركة بأن ~~يختص بالعمل وإما في البيع بزيادة الثمن ونحو ذلك فتخرج العقود عن العدل ~~الذي مبناها عليه. وأيضا ففي اشتراط المشاركة إلزام المشتري بتصرف خاص ~~ومنعه بما يوجبه العقد المطلق. ومثل هذا ممنوع على الإطلاق عند بعض الفقهاء ~~وعند بعضهم إنما يسوغه في مثل اشتراط عتق المبيع أو وقفه عند من يقول به أو ~~غير ذلك مما فيه مصلحة خالية عن مفسدة راجحة؛ بخلاف ما إذا تضمن ترك العدل؛ ~~فإنه لا يجوز وفاقا. ومن وجه آخر: أن مثل هذه المعاملة إنما مقصودهما في ~~العادة # PageV30P084 # المضاربة بالمال على أن يكون الربح بينهما لكن قد يريد رب المال أن يجعل ~~نصف المال في ضمان العامل وهذا لا يجوز وفاقا لأن الخراج بالضمان وإذا ~~اجتمع البيع والشركة بطلت الشركة وفاقا فيحتال على ذلك بأن يبيع العامل نصف ~~المال؛ ولهذا يجعل المال كله في يده ولو كان المقصود محض الشركة لصنعا كما ~~يصنع شريكا العنان مع كون المال في أيديهما. وهذا " وجه ثالث " فتبطل ~~الشركة وهو اتفاقهما على أن يكون المال بيد أحد الشريكين فقط. وأما كون هذه ~~شركة عرض فهذا فيه نزاع؛ لكن الإقرار المكذب المخالف للواقع حرام قادح في ~~الدين. وإذا كان كذلك فالمال باق على ملك صاحبه ولو ms8819 كان شريكا لم يكن له أن ~~يجعل الشريك الآخر هو الذي يتولى العقود والقبوض دونه فإن هذا إنما يكون في ~~المضاربة؛ لا في شركة العنان. وإذا كان البيع فاسدا لم يكن له المطالبة ~~بالثمن المسمى لكن إن تعذر رد العين رد القيمة وإن كان قد عمل فيها المشتري ~~الشريك فله ربح مثله في نصيب الشريك؛ فإن الفقهاء متنازعون فيما فسد من ~~المشاركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إذا عمل فيها العامل هل يستحق أجرة ~~المثل؟ أو يستحق قسط مثله من الربح؟ على قولين: أظهرهما الثاني. وهو قول ~~ابن القاسم والعوض في العقود الفاسدة هو نظير ما يجب في الصحيح عرفا وعادة ~~كما يجب في # PageV30P085 # البيع والإجارة الفاسدة ثمن المثل وأجرة المثل وفي الجعالة الفاسدة جعل ~~المثل. ومعلوم أن الصحيح من هذه المشاركات إنما يجب فيه قسطه من الربح إن ~~كان لا أجرة مقدرة وكذلك النصيب الذي اشتراه إن قيل: يجب رد عينه مع ارتفاع ~~قيمته كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي والإمام أحمد. وللعامل المشتري ~~أن يطلب إما أجرة عمله. وإما قسط مثله من الربح. على اختلاف القولين. وأما ~~إن قيل: إنه بعد قبضه والتصرف فيه ليس عليه إلا رد القيمة - كما يقوله من ~~يقوله من أصحاب أبي حنيفة ومالك - فالحكم فيه ظاهر. وبكل حال لا يجب عليه ~~رد الزيادة التي زيدت على قيمة المثل - والحالة هذه - بالاتفاق والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل دفع مالا مضاربة ومات فعمل فيه العامل بعد موته بغير إذن الورثة. ~~فهل تنفسخ المضاربة؟ وما حكم الربح بعد موت المالك؟ # PageV30P086 # فأجاب: # نعم تنفسخ المضاربة بموت المالك ثم إذا علم العامل بموته وتصرف بلا إذن ~~المالك لفظا أو عرفا ولا ولاية شرعية فهو غاصب. وقد اختلف العلماء في الربح ~~الحاصل في هذا: هل هو للمالك فقط كنماء الأعيان؟ أو للعامل فقط؟ لأن عليه ~~الضمان أو يتصدقان به لأنه ربح خبيث؟ أو يكون بينهما؟ على أربعة أقوال: ~~أصحها الرابع. وهو أن الربح بينهما كما يجري به العرف ms8820 في مثل ذلك وبهذا حكم ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيما أخذه بنوه من مال بيت ~~المال فاتجروا فيه بغير استحقاق فجعله مضاربة وعليه اعتمد الفقهاء في " باب ~~المضاربة "؛ لأن الربح نماء حاصل من منفعة بدن هذا ومال هذا: فكان بينهما ~~كسائر النماء الحادث من أصلين والحق لهما لا يعدوهما ولا وجه لتحريمه ~~عليهما ولا لتخصيص أحدهما به. وإيجاب قسط مثله من الربح أصح من قول من يوجب ~~أجرة المثل؛ فإن المال قد لا يكون له ربح وقد تكون أجرته أضعاف ربحه ~~وبالعكس. وليس المقصود من هذه المشاركات العمل حتى يستحق عليه أجرة ولا هي ~~عقد إجارة؛ وإنما هي أصل مستقل وهي نوع من المشاركات لا من المؤاجرات حتى ~~يبطل فيها ما يبطل فيها فمن أوجب فيها ما لا يجب فيها: فقد غلط. وإن كان ~~جرى بين العامل والورثة من الكلام ما يقتضي في # PageV30P087 # العرف أن يكون إبقاء لعقد المضاربة استحق المسمى له من الربح وكان ذلك ~~مضاربة مستحقة. وإذا أقر بالربح لزمه ما أقر به. فإن ادعى بعد ذلك غلطا لا ~~يعذر في مثله لم يقبل قوله. وإن كان يعذر في مثله ففي قبوله خلاف مشهور ~~وليس له أن يدفع المال إلى غيره إلا بإذن المالك أو الشارع. ومتى فعل كان ~~ضامنا للمال؛ سواء كان دفعه بعقد صحيح؛ أو فاسد. فما ضمنه بالعقد الصحيح ~~ضمن بالفاسد. وما لم يضمن بالصحيح لم يضمن بالفاسد. وأما إن كان المال غصبا ~~فهو ضامن بكل حال ومتى فرط العامل في المال أو اعتدى فعليه ضمانه. وكذلك ~~العامل الثاني إذا جحد الحق أو كتم المال الواجب عليه أو طلب التزامهم ~~إجارة لغير مسوغ شرعي أثم بذلك. وعلى ولي الأمر إيصال الحقوق إلى مستحقيها. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل دفع لرجل مالا على سبيل القراض ثم ظهر بعد ذلك على المدفوع له ~~المال دين بتاريخ متقدم على القراض. فهل يجوز له أن يعطي لأرباب الدين شيئا ~~من هذا المال؟ أم ms8821 لا؟ وإذا ادعى أنه لم يقبض من مال القراض شيئا أو عدم أو ~~وقع فيه تفريط بغير سبب # PageV30P088 # ظاهر يقبل هذا القول؟ أم لا؟ # فأجاب: # لا يجوز أن يوفي من مال هذا القراض شيئا من الدين الذي يكون على العامل؛ ~~إلا أن يختار رب المال؛ فإن ادعى ما يخالف العادة لم يقبل بمجرد قوله. # و ### | سئل: # عن مضارب رفعه صاحب المال إلى الحاكم # وطلب منه جميع المال وحكم عليه الحاكم بذلك فدفع إليه البعض وطلب منه ~~الإنظار بالباقي فأنظره وضمن على وجهه فسافر المضارب عن البلد مدة. فهل ~~تبطل الشركة برفعه إلى الحاكم وحكم الحاكم عليه بدفع المبلغ وإنظاره؟ وهل ~~يضمن في ذمته؟ # فأجاب: # تنفسخ الشركة بمطالبته المذكورة ويضمن المال في ذمته بالسفر المذكور؛ ~~بتأخير التسليم مع الإمكان عن وقت وجوبه. # PageV30P089 # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز للعامل في القراض أن ينفق على نفسه من مال المقارض حضرا أو سفرا؟ ~~وإذا جاز. هل يجوز أن يبسط لذيذ الأكل. والتنعمات منه؟ أم يقتصر على كفايته ~~المعتادة؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كان بينهما شرط في النفقة جاز ذلك. وكذلك إن ~~كان هناك عرف وعادة معروفة بينهم وأطلق العقد فإنه يحمل على تلك العادة. ~~وأما بدون ذلك فإنه لا يجوز ومن العلماء من يقول: له النفقة مطلقا وإن لم ~~يشترط كما يقوله أبو حنيفة ومالك والشافعي في قول. والمشهور أن لا نفقة ~~بحال ولو شرطها. وحيث كانت له النفقة فليس له النفقة إلا بالمعروف وأما ~~البسط الخارج عن المعروف فيكون محسوبا عليه. # PageV30P090 # وسئل - رحمه الله -: # عن اثنين اشتركا: من أحدهما دابة ومن الآخر دراهم. جعلا ذلك بينهما على ~~ما قسم الله تعالى من ربح كان بينهما ثم ربحا. فما الحكم؟ # فأجاب: # ينظر قيمة البهيمة فتكون هي والدراهم رأس المال وذلك مشترك بينهما؛ لأن ~~عندنا أن الشركة والقسمة تصح بالأقوال لا تفتقر إلى خلط المالين ولا إلى ~~تمييزهما ويثبت الملك مشتركا بعقد الشركة كما يتميز بعقد القسمة والمحاسبة ~~فما ربحا كان بينهما وإذا ms8822 تقاسما بيعت الدابة واقتسما ثمنها مع جملة المال. ~~وهذا إذا صححنا الشركة بالعروض ظاهر وأما إذا أبطلناها فحكم الفاسد حكم ~~الصحيح في الضمان وعدمه وصحة التصرف وفساده وإنما يفترقان في الحل وفي ~~مقدار الربح على أحد القولين. فظاهر مذهب أحمد على ما اشترطا وعلى القول ~~الآخر يكون الربح تبعا للمال ويكون للآخر أجرة المثل والأصح في هذا أن له ~~ربح المثل والأقوال ثلاثة. # PageV30P091 # وسئل: # عن شريكين في فرس. لا يتبايعان ولا يشتريان ولا يكون عند أحدهما مشاهرة ~~والفرس تضيع بينهما وأن أحدهما أعارها بغير إذن شريكه فهلكت. هل تلزم ~~الشريك الذي أعار نصيب شريكه؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا لم يتفقا أن تكون عند أحدهما ولا عند ثالث يختارانه لها ولا طلب ~~أحدهما مفاضلة الآخر فيها: تباع جميع الفرس ويقسم ثمنها بينهما والله أعلم. # وسئل: # عن رجلين بينهما شركة في فرس. فأذن أحدهما للآخر في سيره؛ لئلا يضر به ~~الوقوف ولم يأذن له في سوقه وأركب غيره فحصل له بذلك مرض. فهل يلزمه إن ~~مات؟ أو يلزمه أرشه بالنقص؟ وهل يلزمه ما يحتاج إليه من دواء؟ والشريك ~~محجور عليه من جهة الحاكم # PageV30P092 # وهو رشيد في تصرفه؛ غير أن المانع من ذلك بينة تشهد له وإذا كان الأمر ~~كذلك: فهل لشريكه أن يأخذ من ماله قيمته؟ # الجواب # فأجاب: # إذا كان الشريك قد اعتدى ففعل ما لم تأذن به الشريعة ولا المالك؛ لا لفظا ~~ولا عرفا فهو ضامن لما تلف بجنايته وإن كان محجورا عليه فإن كانت الجناية ~~نقصت الفرس ضمن النقص وإن وجب بتلف الفرس ضمنه جميعه. # وسئل: # عن زيد وعمرو مشتركان في فرس وأخذ زيد الفرس وساقها غير العادة بغير إذن ~~عمرو ثم بعد ذلك حصل للفرس ضعف فماتت تحت يد زيد؟ # فأجاب: # نعم إذا اعتدى الشريك عليها فتلفت بسبب عدوانه ضمن نصيب شريكه. والله ~~أعلم. # PageV30P093 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل شارك شخصا في بقرة وكانت عند أحدهما يستعملها ويعلفها وطلبها ~~شريكه يفاضله فيها فأبى فادعى ثلثي البقرة ومنع المفاضلة؟ . # فأجاب: ms8823 # الحمد لله رب العالمين، عليه أن يفاضله فيها وإذا طلب أحد الشريكين بيعها ~~بيعت عليهما واقتسما الثمن وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والإمام أحمد وغيرهم. ~~وإذا كان الشريك يأخذ اللبن وكان اللبن بقدر العلف سواء فلا شيء عليه وإن ~~كان انتفاعه بها أكثر من العلف أعطى شريكه نصيبه من الفضل. والله أعلم. # PageV30P094 # و ### | سئل: # عن راع كان معه غنم خلطا # واحتاجت إلى نفقة فباع بعضها وأنفقه على الباقي. وكان المبيع مال بعضهم. ~~فمنهم من لم يبق من غنمه شيء. ومنهم من بقي له قليل. ومنهم كثير. فهل ~~يقتسمون على قدر رءوس الأموال؟ أم كل من بقي له شيء يأخذه؟ # فأجاب - رحمه الله -: # بل يقتسمون الباقي على قدر رءوس الأموال أو يغرم أرباب الباقي ما أنفق ~~عنهم وهو قيمة ما باعه. # وسئل - رحمه الله -: # عن شريكين بينهم خيل وكان عند أحدهما فرس فماتت بقضاء الله وقدره وعمل ~~بموتها محضرا؟ # فأجاب: # إذا كان أحد الشريكين قد سلمها إلى الآخر وتلفت تحت يده من غير تفريط منه ~~ولا عدوان فلا ضمان عليه. # PageV30P095 # وسئل: # عن رجل له شريك في فرس وهي تحت يد الشريك برضاه فوقع على البلد أمر من ~~السلطنة وأخذت الفرس مع خيل أخر وقماش وقد قصد الشريك أن يضمن شريكه. فهل ~~له ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان فلا ضمان عليه بما ذكر. ~~والقول قوله مع يمينه في نفي التفريط والعدوان والحالة هذه. # و ### | سئل: # عن رجل بينه وبين رجل شركة في بستان # وأنه استأجر منه نصيبه بإجارة شرعية وأن الشريك الذي استأجر تعدى وقطع من ~~أخشاب البستان شيئا له ثمر يغل بغير إذن المالك وهو حاضر واستعمل منها ~~بواقي وأحطابا لغرضه. فهل عليه الرجوع بما تعدى عليه؟ وهل للمالك أن يمسك ~~أعوانه الذين تولوا قطع الخشب أم لا؟ # فأجاب: # ليس له أن يأخذ نصيب شريكه ما لم يستحقه بعقد # PageV30P096 # الإجارة وما أخذه بذلك فعليه ضمانه لشريكه يضمن له نصيبه. وللمالك أن ~~يطالب بالضمان من باشر ms8824 الأخذ ولا أن يطالب الشريك الآمر لهم فيأخذ حقه من ~~أيهم شاء. والله أعلم. # وسئل: # عن جماعة شهود اشتركوا فعمل بعضهم أكثر من بعض. فهل يستحق الجماعة ~~الجعالة بالسوية أو يستحقونها على قدر أعمالهم؟ # فأجاب: # موجب عقد الشركة المطلقة التساوي في العمل والأجر. فإن عمل بعضهم أكثر ~~تبرعا بالزيادة ساووه في الأجر وإن لم يكن متبرعا طالبهم؛ إما بما زاد في ~~العمل وإما بإعطائه زيادة في الأجرة بقدر عمله. وإن اتفقوا على أن يشترطوا ~~له زيادة جاز. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن جماعة دلالين مشتركين في بيع السلع. هل يقدح ذلك في دينهم؟ وهل لولي ~~الأمر - أعزه الله - منعهم من غير أن يظهر عليهم غش أو تدليس؟ # PageV30P097 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما إذا كان التاجر الذي يسلم ماله إلى الدلال قد ~~علم أنه يسلمه إلى غيره من الدلالين ورضي بذلك لم يكن بذلك بأس بلا ريب؛ ~~فإن الدلال وكيل التاجر. والوكيل له أن يوكل غيره كالموكل باتفاق العلماء. ~~وإنما تنازعوا في جواز توكيله بلا إذن الموكل. على قولين مشهورين للعلماء. ~~وعلى هذا تنازعوا في شركة الدلالين؛ لكونهم وكلاء. فبنوا ذلك على جواز ~~توكيل الوكيل. وإذا كان هناك عرف معروف أن الدلال يسلم السلعة إلى من ~~يأتمنه كان العرف المعروف كالشرط المشروط ولهذا ذهب جمهور أئمة المسلمين: ~~كمالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم إلى جواز " شركة الأبدان " كما قال ابن ~~مسعود: اشتركت أنا وسعد بن أبي وقاص وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم ~~أجئ أنا وعمار بشيء. و " شركة الأبدان " في مصالح المسلمين في عامة الأمصار ~~وكثير من مصالح المسلمين لا ينتظم بدونها. كالصناع المشتركين في الحوانيت؛ ~~من الدلالين وغيرهم؛ فإن أحدهم لا يستقل بأعمال الناس فيحتاج إلى معاون ~~والمعاون لا يمكن أن تقدر أجرته وعمله كما لا يمكن مثله ذلك في المضاربة؛ ~~ونحوها فيحتاجون إلى الاشتراك. # PageV30P098 # وجمهور العلماء يجعلون الشركة عقدا قائما بنفسه في الشريعة يوجب لكل من ~~الشريكين بالعقد ما لا يستحقه بدون العقد كما في المضاربة ms8825 ومنهم من لا يجعل ~~شركة إلا شركة الأملاك فقط وما يتبعها من العقود فيمنع عامة المشاركات التي ~~يحتاج الناس إليها كالتفاضل في الربح مع التساوي في المال وشركة الوجوه ~~والأبدان وغير ذلك؛ ولكن قول الجمهور أصح. وإذا اشترك اثنان كان كل منهما ~~يتصرف لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم الوكالة. فما عقده من العقود عقده ~~لنفسه ولشريكه. وما قبضه قبضه لنفسه ولشريكه. وإذا علم الناس أنهم شركاء ~~ويسلمون إليهم أموالهم جعلوا ذلك إذنا لأحدهم أن يأذن لشريكه وليس لولي ~~الأمر المنع في مثل العقود والقبوض التي يجوزها جمهور العلماء ومصالح الناس ~~وقف عليها مع أن المنع من جميعها لا يمكن في الشرع وتخصيص بعضها بالمنع ~~تحكم. والله أعلم. # وسئل: # عن تخبير الشراء مرابحة ولم يبين للمشتري أنه بالنسيئة فهل يحل ذلك؟ أم ~~يحرم؟ . # PageV30P099 # فأجاب: # أما البيع بتخبير الثمن فهو جائز سواء كان مرابحة أو مواضعة أو تولية أو ~~شركة؛ لكن لا بد أن يستوي علم البائع والمشتري في الثمن. فإذا كان البائع ~~قد اشتراه إلى أجل فلا بد أن يعلم المشتري ذلك فإن أخبره بثمن مطلق ولم ~~يبين له أنه اشتراه إلى أجل فهذا جائر ظالم. وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن ~~صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما} . # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تاجر في حانوت، اشترى قطعة قماش بأحد عشر وربع وبعد ما اشتراها ~~جاءه رجل وأخبره أنه اشتراها بأحد عشر وربع وكسب نصفا فأخذها المشتري ~~وتفارقا بالأبدان وبعد ساعة جاء المشتري وغصبه بردها وامتنع التاجر ولم ~~يبين الفائدة فأبى المشتري فتنازعا على الفائدة. فقال المشتري: خذ مني ربعا ~~وثمنا فقال التاجر للمشتري: ابتعني بأحد عشر ونصف فقال: عبارة نعم. فهل ~~يجوز أن يخبر بهذا الربع الزائد على المشتري الأول؟ ويحل له ذلك في وجه من ~~الوجوه؟ . # فأجاب: # ليس لصاحب السلعة أن يخبر بأنه اشتراها بذلك من غير # PageV30P100 # بيان الحال؛ ms8826 بل إن أراد أن يخبر بذلك فليبين أن المشتري لها أعادها إليه ~~بنصف الربح؛ فإن هذا سواء كان بيعا أو إقالة ليس هو عند الناس بمنزلة الذي ~~يشتري سرا مطلقا؛ لا سيما إن كان أكرهه على أخذها منه. فإن من اشترى سلعة ~~على وجه الإكراه لم يكن له أن يخبر بالثمن من غير بيان الحال باتفاق ~~العلماء؛ إذ هذا من نوع الخيانة. وقد تنازع العلماء فيما إذا باعها بربح ثم ~~وجدها تباع في السوق فاشتراها هل عليه أن يسقط الأول من الثمن الثاني؟ أو ~~يخبر بالحال؟ أو ليس عليه ذلك؟ على قولين. والأول قول أبي حنيفة وأحمد ~~وغيرهما. فإذا كان في مثل هذه الصورة فكيف إذا قال فيها بدون الثمن؟ وكيف ~~إذا كان كذلك على وجه الإكراه له؟ والبيع بتخبير الثمن أصله الصدق والبيان ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا ~~وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما} ". فما كان من ~~الأمور التي إذا اطلع المشتري عليها لم يشتر بذلك الثمن؛ كان كتمانه خيانة. ~~والله أعلم. # PageV30P101 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى عشرة أزواج متاع جملة واحدة وأخبر بزوج على حكم ما اشتراه ~~وقسم الثمن على الأزواج لا زائد ولا ناقص. هل ذلك حلال؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إن أخبر بالاشتراء على وجهه فيذكر أنه اشتراها مع غيرها وأنه ~~قسط الثمن على الجميع فجاء قسط هذا كذا وهذا كذا فإن هذا حقيقة الصدق ~~والبيان. وقد قال صلى الله عليه وسلم {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن ~~صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما} والله ~~تعالى أعلم. # PageV30P102 ### | باب المساقاة # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # قد ذكرت فيما تقدم من القواعد التي فيها قواعد فقيهة ما جاء به الكتاب ~~والسنة من قيام الناس بالقسط وتناول ذلك للمعاملات: التي هي المعاوضات ~~والمشاركات وذكرت أن " المساقاة والمزارعة والمضاربة " ونحو ذلك نوع من ~~المشاركات وبينت بعض ما ms8827 دخل من الغلط على من اعتقد أن ذلك من المعاوضات ~~كالبيع والإجارة حتى حكم فيها أحكام المعاوضات. وبينت جواز المزارعة ببذر ~~من المالك أو من العامل كما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والقياس الجلي وبينت أن حديث رافع بن خديج وغيره في النهي عن المخابرة وعن ~~كراء الأرض أن ما معناه: ما كانوا يفعلونه من اشتراط زرع بقعة معينة لرب ~~الأرض # PageV30P103 # كما بينه رافع بن خديج في الصحيحين أيضا. ومن سمى المعاملة ببذر من ~~المالك مزارعة ومن العامل مخابرة: فهو قول لا دليل عليه؛ بمنزلة الأسماء ~~التي سماها هؤلاء وآباؤهم لم ينزل الله بها سلطانا. فإن في صحيح البخاري عن ~~ابن عمر {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ~~من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم} . والمخابرة المنهي عنها لم يكن ~~فيها بذر من العامل. والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط لرب الأرض فيها زرع ~~مكان بعينه والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد - وهو في البخاري - أن الذي ~~نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال ~~والحرام علم أنه حرام أو كما قال. وذلك لأن المشاركة والمعاملة تقتضي العدل ~~من الجانبين فيشتركان في المغنم والمغرم بعد أن يسترجع كل منهما أصل ماله ~~فإذا اشترط لأحدهما زرع معين كان فيه تخصيصه بذلك وقد لا يسلم غيره فيكون ~~ظلما لأحد الشريكين وهو من الغرر والقمار أيضا. ففي معنى ذلك ما قاله ~~العلماء وما أعلم فيه مخالفا: أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما ثمرة شجرة ~~بعينها ولا مقدارا محدودا من الثمر وكذلك لا # PageV30P104 # يشترط لأحدهما زرع مكان معين ولا مقدارا محدودا من نماء الزرع وكذلك لا ~~يشترط لأحدهما ربح سلعة بعينها ولا مقدارا محدودا من الربح. فأما اشتراط ~~عود مثل رأس المال فهو مثل اشتراط عود الشجر والأرض. وفي اشتراط ms8828 عود مثل ~~البذر كلام ذكرته في غير هذا الموضع فإذا كان هذا في تخصيص أحدهما بمعين أو ~~مقدار من النماء حتى يكون مشاعا بينهما؛ فتخصيص أحدهما بما ليس من النماء ~~أولى: مثل أن يشترط أحدهما على الآخر أن يزرع له أرضا أخرى أو يبضعه بضاعة ~~يختص ربها بربحها أو يسقي له شجرة أخرى ونحو ذلك مما قد يفعله كثير من ~~الناس. فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه في قالب آخر فيضاربه ~~ويبضعه بضاعة أو يعامله على شجر وأرض ويستعمله في أرض أخرى أو في إعانة ~~ماشية له أو يشترط استعارة دوابه أو غير ذلك؛ فإن هذا لا يجوز شرطه بلا ~~نزاع أعلمه بين العلماء. فإنه في معنى اشتراط بمعين أو بقدر من الربح؛ لأنه ~~إذا اشترط منفعته أو منفعة ماله اختص أحدهما باستيفاء هذه المنفعة وقد لا ~~يحصل نماء أو يحصل دون ما ظنه فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل وقامره ~~وراباه فإن فيه ربا وميسرا. # PageV30P105 # فإن تواطآ على ذلك قبل العقد فهو كالشرط في العقد على ما قررناه في " ~~كتاب بطلان التحليل ": إن الشرط المتقدم على العقد كالمقارن له. فإن تبرع ~~أحدهما بهدية إلى الآخر مثل أن يهدي العامل في المضاربة إلى المالك شيئا أو ~~يهدي الفلاح غنما أو دجاجا أو غير ذلك: فهذا بمنزلة إهداء المقترض من ~~المقرض يخير المالك فيها بين الرد وبين القبول والمكافأة عليها بالمثل وبين ~~أن يحسبها له من نصيبه من الربح إذا تقاسما كما يحسبه من أصل القرض. وهذا ~~ينازعنا فيه بعض الناس. ويقول متبرع بالإهداء؛ وليس كذلك؛ بل إنما أهداه ~~لأجل المعاملة التي بينهما من القرض والمعاوضة ونحو ذلك كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث {العامل الأزدي ابن اللتبية لما قال: هذا لكم وهذا ~~أهدي إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلا قعد في بيت أبيه وأمه. فينظر ~~أيهدى إليه أم لا} " وثبت عن عدد من الصحابة كعبد الله بن مسعود وعبد الله ~~بن سلام وعبد ms8829 الله بن عباس وأنس وغيرهم: أنهم أمروا المقرض الذي قبل الهدية ~~أن يحسبها من قرضه. وهذا ظاهر في الاعتبار فإنه إذا قبل الهدية قبل ~~الاستيفاء فقد # PageV30P106 # دخل معه على أن يأخذ الهدية وبدل القرض عوضا عن القرض وهذا عين الربا؛ ~~فإن القرض لا يستحق به إلا مثله. ولو قال له وقت القرض: أنا أعطيك مثله ~~وهذه الهدية: لم يجز بالإجماع. فإذا أعطاه قبل الوفاء الهدية التي هي من ~~أجل القرض على أن يوفيه معها مثل القرض كان ذلك معاقدة على أخذ أكثر من ~~الأصل؛ ولهذا لو أهدى إليه على العادة الجارية بينهما قبل القرض لم يكن ~~كذلك. يبين ذلك أنه بقبول الهدية يريد أن ينظره لأجلها فيصير بمائة والهدية ~~بمائة إلى أجل وهذا عين الربا؛ بخلاف المائة بمائة مثلها في الصفة. ولو شرط ~~فيها الأجل؛ فإن هذا تبرع محض ليس بمعاوضة؛ إذ العاقل لا يبيع الشيء بما ~~يساويه من كل وجه إلى أجل وإنما يفعل ذلك عند اختلاف الصفة كبيع الصحاح ~~بالمكسرة ونقد بنقد آخر إلى أجل وذلك لا يجوز باتفاق المسلمين. وهكذا الأمر ~~في المشاركة: فإنه إذا قبل هدية العامل ونفعه الذي إنما بذله لأجل المضاربة ~~والمزارعة بلا عوض مع اشتراطه النصيب من الربح: كان هذا القبول على هذا ~~القول معاقدة على أن يأخذ مع النصيب الشائع شيئا غيره؛ بمنزلة زرع مكان ~~معين. وقد لا يحصل ربح فيكون العامل مقهورا مظلوما؛ ولهذا يطلب العامل بدل ~~هديته ويحتسب بها على المالك فإن لم يعوضه عنها وإلا خانه في المال: أصله # PageV30P107 # وربحه كما يجري مثل ذلك بين المزارع والفلاح؛ فإن الفلاح يخونه ويظلمه ~~لما يزعم أن المزارع يختص به من ماله ونحوه: كأخذ الهدايا. وأكله هو ودوابه ~~من ماله مدة بغير حق فيقرض السنبل قبل الحصاد ويترك الحب في القصب والتبن ~~وفي عفارة البيدر ويسرق منه ويحتال على السرقة بكل وجه والمزارع يظلمه في ~~بدنه بالضرب والاستخدام وفي ماله بالاستنفاق الذي لا يستحقه ويرى أن هذا ~~بإزاء ما اختانه من ماله. ms8830 وكذلك يجري بين مالك المال والعامل: العامل يرى ~~أنه يأخذ نفعه وماله فإنه لا بد له من هدايا ومن بضائع معه يتجر له فيها ~~فيخصه بالربح لأجل المضاربة فيريد أن يعتاض عن نفعه وماله فيخون في المال ~~والربح ويكذب ويكتم والمالك يرى أن العامل يخون في المال والربح ويخرج من ~~ماله بالإنفاق على مال له آخر أو بالإهداء إلى أصدقائه ونحو ذلك مما ليس ~~نفعه لأجل المضاربة فيطالبه بالهدايا ونحو ذلك. حتى إن من العمال من لا ~~يهدي إلا لعلمه بأن المالك يطلب ذلك ويؤثره فيتقي بذلك شره وظلمه. وتفضي ~~هذه المعاملات إلى المخاصمة والعداوة والظلم في النفوس والأعراض والأموال. ~~وسبب ذلك اختصاص أحدهما بشيء خارج عن النصيب المشاع من النماء فإن هذا خروج ~~عن العدل الواجب # PageV30P108 # في المشاركات. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {أفلا قعد في بيت أبيه ~~وأمه. فينظر أيهدى إليه. أم لا؟} يتناول هذه المعاني جميعها فإن الهدية إذا ~~كانت لأجل سبب من الأسباب كانت مقبوضة بحكم ذلك السبب كسائر المقبوض به؛ ~~فإن العقد العرفي كالعقد اللفظي. ومن أهدي له لأجل قرض أو إقراض كانت ~~الهدية كالمال المقبوض بعقد القرض والقراض إذا لم يحصل عنها مكافأة. وهذا ~~أصل عظيم يدخل بسبب إهماله من الظلم والفساد شيء عظيم. # فصل # وكما قلنا في المقبوض: إنه قبل الوفاء ليس له أن يأخذ منه مالا ولا نفعا ~~قبل الوفاء بغير عوض مثله؛ لما فيه من الربا فالإهداء والإعارة من نوع ~~فكذلك في المضاربة والمزارعة؛ متى أخذ رب المال مالا أو نفعا قبل الاقتسام ~~التام لم يجز إلا بعوض مثله: مثل استخدام العامل والفلاح في غير موجب عقد ~~المشاركة أو الانتفاع بماله أو غير ذلك إلا أن يحتسب له ذلك كله والله ~~سبحانه أعلم. ولهذا تنازع الفقهاء. لو أعطاه عرضا فقال: بعه وضارب بثمنه. # PageV30P109 # فقيل: لا يجوز؛ لأن المالك يختص بمنفعته قبل المضاربة فهو كما لو شرط ~~عليه بيع سلعة أخرى. وقيل: يجوز؛ لأن هذا البيع مقصوده مقصود المضاربة ~~فأشبه البيع ms8831 الحاصل بعد العقد والمال أمانة بيده في الموضعين وليس للمالك ~~منفعة يختص بها زائدة على مقصود المضاربة. وفي المسألة نظر. # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # وأما " المزارعة ": فإذا كان البذر من العامل أو من رب الأرض. أو كان من ~~شخص أرض ومن آخر بذر ومن ثالث العمل ففي ذلك روايتان عن أحمد. والصواب أنها ~~تصح في ذلك كله. وأما إذا كان البذر من العامل فهو أولى بالصحة مما إذا كان ~~البذر من المالك. {فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على أن ~~يعمروها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع} ". رواه البخاري وغيره. ~~وقصة أهل خيبر هي الأصل في جواز " المساقاة والمزارعة " وإنما كانوا يبذرون ~~من أموالهم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV30P110 # يعطيهم بذرا من عنده وهكذا خلفاؤه من بعده: مثل عمر وسعد بن أبي وقاص ~~وعبد الله بن مسعود وغير واحد من الصحابة. كانوا يزارعون ببذر من العامل. ~~وقد نص الإمام أحمد في رواية عامة أصحابه في أجوبة كثيرة جدا على أنه يجوز ~~أن يؤجر الأرض ببعض ما يخرج منها واحتج على ذلك بقصة أهل خيبر وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عاملهم عليها ببعض الخارج منها. وهذا هو معنى إجارتها ~~ببعض الخارج منها إذا كان البذر من العامل؛ فإن المستأجر هو الذي يبذر ~~الأرض وفي الصورتين للمالك بعض الزرع. ولهذا قال من حقق هذا الموضع من ~~أصحابه كأبي الخطاب وغيره: إن هذا مزارعة على أن البذر من العامل. وقالت ~~طائفة من أصحابه كالقاضي وغيره: بل يجوز هذا العقد بلفظ الإجارة ولا يجوز ~~بلفظ المزارعة؛ لأنه نص في موضع آخر: أن المزارعة يجب أن يكون فيها البذر ~~من المالك. وقالت طائفة ثالثة: بل يجوز هذا مزارعة ولا يجوز مؤاجرة؛ لأن ~~الإجارة عقد لازم؛ بخلاف المزارعة في أحد الوجهين؛ ولأن هذا يشبه قفيز ~~الطحان. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن قفيز # PageV30P111 # الطحان} وهو: أن يستأجر ليطحن الحب بجزء من الدقيق. ms8832 والصواب: هو الطريقة ~~الأولى؛ فإن الاعتبار في العقود بالمعاني والمقاصد؛ لا بمجرد اللفظ. هذا ~~أصل أحمد وجمهور العلماء وأحد الوجهين في مذهب الشافعي؛ ولكن بعض أصحاب ~~أحمد قد يجعلون الحكم يختلف بتغاير اللفظ كما قد يذكر الشافعي ذلك في بعض ~~المواضع وهذا كالسلم الحال في لفظ البيع والخلع بلفظ الطلاق والإجارة بلفظ ~~البيع ونحو ذلك مما هو مبسوط في موضعه. وأما من قال: إن المزارعة يشترط ~~فيها أن يكون البذر من المالك فليس معهم بذلك حجة شرعية ولا أثر عن ~~الصحابة؛ ولكنهم قاسوا ذلك على المضاربة. قالوا: كما أنه في المضاربة يكون ~~العمل من شخص والمال من شخص فكذلك المساقاة والمزارعة يكون العمل من واحد ~~والمال من واحد والبذر من رب المال. وهذا قياس فاسد؛ لأن المال في المضاربة ~~يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فنظيره الأرض أو الشجر يعود إلى صاحبه ~~ويقتسمان الثمر والزرع وأما البذر فإنهم لا يعيدونه إلى صاحبه؛ بل يذهب بلا ~~بدل كما يذهب عمل العامل وعمل بقره بلا بدل؛ فكان من جنس النفع لا من جنس ~~المال وكان اشتراط كونه من العامل أقرب في القياس مع موافقة هذا المنقول عن ~~الصحابة رضي الله عنهم فإن منهم من كان يزارع والبذر من # PageV30P112 # العامل وكان عمر يزارع على أنه إن كان البذر من المالك فله كذا وإن كان ~~من العامل فله كذا. ذكره البخاري. فجوز عمر هذا. وهذا هو الصواب. وأما ~~الذين قالوا: لا يجوز ذلك إجارة لنهيه عن قفيز الطحان فيقال: هذا الحديث ~~باطل لا أصل له وليس هو في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا رواه إمام من ~~الأئمة والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة ولا خباز يخبز ~~بالأجرة. وأيضا فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~مكيال يسمى القفيز وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم ~~الخراج فالعراق لم يفتح على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا وغيره مما ~~يبين أن هذا ليس من كلام ms8833 النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما هو من كلام بعض ~~العراقيين الذين لا يسوغون مثل هذا؛ قولا باجتهادهم. والحديث ليس فيه نهيه ~~عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق؛ بل عن شيء مسمى: وهو القفيز وهو من المزارعة ~~لو شرط لأحدهما زرعه بقعة بعينها أو شيئا مقدرا كانت المزارعة فاسدة. وهذا ~~هو المزارعة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم في # PageV30P113 # حديث رافع بن خديج في حديثه المتفق عليه: {أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض ~~زرع بقعة بعينها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك} ". وقد بسط الكلام ~~على هذه المسائل في غير هذا الموضع. وبين أن المزارعة أحل من المؤاجرة ~~بأجرة مسماة. وقد تنازع المسلمون في الجميع؛ فإن المزارعة مبناها على ~~العدل: إن حصل شيء فهو لهما وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان. وأما ~~الإجارة فالمؤجر يقبض الأجرة والمستأجر على خطر: قد يحصل له مقصوده وقد لا ~~يحصل؛ فكانت المزارعة أبعد عن المخاطرة من الإجارة؛ وليست المزارعة مؤاجرة ~~على عمل معين حتى يشترط فيها العمل بالأجرة؛ بل هي من جنس المشاركة: ~~كالمضاربة ونحوها. وأحمد عنده هذا الباب هو القياس. # ويجوز عنده أن يدفع الخيل والبغال والحمير والجمال إلى من يكاري عليها ~~والكراء بين المالك والعامل وقد جاء في ذلك أحاديث في سنن أبي داود وغيره. ~~ويجوز عنده أن يدفع ما يصطاد به: الصقر والشباك والبهائم وغيرها إلى من ~~يصطاد بها وما حصل بينهما. ويجوز عنده أن يدفع الحنطة إلى من يطحنها وله ~~الثلث أو الربع. وكذلك الدقيق إلى من يعجنه والغزل إلى من ينسجه والثياب ~~إلى من يخيطها بجزء في الجميع من النماء. وكذلك الجلود إلى من يحذوها نعالا ~~وإن حكي عنه في ذلك خلاف. وكذلك يجوز عنده - في أظهر # PageV30P114 # الروايتين - أن يدفع الماشية إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها ~~ويدفع دود القز والورق إلى من يطعمه ويخدمه وله جزء من القز. وأما قول من ~~فرق بين المزارعة والإجارة بأن الإجارة عقد لازم؛ بخلاف المزارعة فيقال ms8834 له: ~~هذا ممنوع؛ بل إذا زارعه حولا بعينه فالمزارعة عقد لازم كما تلزم إذا كانت ~~بلفظ الإجارة والإجارة قد لا تكون لازمة كما إذا قال: آجرتك هذه الدار كل ~~شهر بدرهمين؛ فإنها صحيحة في ظاهر مذهب أحمد وغيره وكلما دخل شهر فله فسخ ~~الإجارة. والجعالة في معنى الإجارة وليست عقدا لازما. فالعقد المطلق الذي ~~لا وقت له لا يكون لازما وأما المؤقت فقد يكون لازما. # فصل: # وأما إجارة الأرض بجنس الطعام الخارج منها: كإجارة الأرض لمن يزرعها حنطة ~~أو شعيرا بمقدار معين من الحنطة والشعير: فهو أيضا جائز في أظهر الروايتين ~~عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وفي الأخرى ينهى عنه كقول مالك. # PageV30P115 # قالوا: لأن المقصود بالإجارة هو الطعام فهو في معنى بيعه بجنسه. وقالوا: ~~هو من المخابرة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في معنى ~~المزابنة؛ لأن المقصود بيع الشيء بجنسه جزافا. والصحيح قول الجمهور؛ لأن ~~المستحق بعقد الإجارة هو الانتفاع بالأرض؛ ولهذا إذا تمكن من الزرع ولم ~~يزرع وجبت عليه الأجرة والطعام إنما يحصل بعمله وبذره. وبذره لم يعطه إياه ~~المؤجر فليس هذا من الربا في شيء. ونظير هذا: أن يستأجر قوما ليستخرجوا له ~~معدن ذهب أو فضة أو ركازا من الأرض بدراهم أو دنانير فليس هذا كبيع الدراهم ~~بدراهم. وكذلك من استأجر من يشق الأرض ويبذر فيها ويسقيها بطعام من عنده ~~وقد استأجره على أن يبذر له طعاما. فهذا مثل ذلك. والمخابرة التي نهى عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد فسرها رافع راوي الحديث بأنها المزارعة التي ~~يشترط فيها لرب الأرض زرع بقعة بعينها؛ ولكن من العلماء من جعل المزارعة ~~كلها من المخابرة كأبي حنيفة. ومنهم من قال: المزارعة على الأرض البيضاء من ~~المخابرة كالشافعي. ومنهم من قال: المزارعة على أن يكون البذر من العامل من ~~المخابرة. ومنهم من قال: كراء الأرض بجنس الخارج منها من # PageV30P116 # المخابرة كمالك. والصحيح أن المخابرة المنهي عنها كما فسرها به رافع بن ~~خديج وكذلك قال الليث ms8835 بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيء إذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه محرم. وهذا مذهب عامة ~~فقهاء الحديث: كأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم حرم أشياء داخلة فيما حرمه الله في كتابه؛ فإن الله حرم في ~~كتابه الربا والميسر وحرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الغرر فإنه من نوع ~~الميسر وكذلك بيع الثمار قبل بدو صلاحها وبيع حبل الحبلة. وحرم صلى الله ~~عليه وسلم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل وغير ذلك مما يدخل ~~في الربا. فصار بعض أهل العلم يظنون أنه دخل في العام أو علته العامة أشياء ~~وهي غير داخلة في ذلك. كما أدخل بعضهم ضمان البساتين حولا كاملا أو أحوالا ~~لمن يسقيها ويخدمها حتى تثمر فظنوا أن هذا من باب بيع الثمار قبل بدو ~~صلاحها فحرموه؛ وإنما هذا من باب الإجارة: كإجارة الأرض. فلما نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد وجوز إجارة الأرض لمن يعمل عليها حتى تنبت. وكذلك نهى عن بيع ~~الثمار قبل بدو صلاحها ولم ينه أن تضمن لمن يخدمها حتى تثمر ويحصل الثمر ~~بخدمته على ملكه وبائع الثمر # PageV30P117 # والزرع عليه سقيه إلى كمال صلاحه خلاف المؤجر فإنه ليس يسقي ما للمستأجر ~~من ثمر وزرع؛ بل سقي ذلك على الضامن المستأجر. وعمر بن الخطاب ضمن حديقة ~~أسيد بن الحضير ثلاث سنين وتسلف كراءها فوفى به دينا كان عليه. ونظائر هذا ~~الباب كثيرة. # و ### | سئل: # هل تصح المزارعة # أم لا؟ وإذا فرط المزارع في نصف فدان فحلف رب الأرض بالطلاق الثلاث ~~ليأخذن عوضه من الزرع الطيب؟ # فأجاب: # الحمد لله، المزارع بثلث الزرع أو ربعه أو غير ذلك من الأجزاء الشائعة: ~~جائز بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين وهو قول محققي الفقهاء. وإذا كان العامل قد فرط حتى فات ~~بعض المقصود فأخذ المالك مثل ذلك من أرض أخرى وجعل ذلك له ms8836 بحيث لا يكون فيه ~~عدوان لم يحنث في يمينه ولا حنث عليه. والله أعلم. # PageV30P118 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل سلم أرضه إلى رجل ليزرعها ويكون الزرع بينهما بالسوية والبذر من ~~الزارع؛ لا من رب الأرض. فهل يجوز ذلك ويكون بينهما شركة؟ أو لا يجوز؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا جائز في أصح قولي العلماء وبه مضت سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وغيرهم من أصحابه. فإنه قد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها: من زرع وثمر. على أن يعمروها ~~من أموالهم. فهذه مشاطرة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والبذر من ~~العامل لا من رب الأرض. وكذلك كان أصحابه بعده يفعلون: مثل آل أبي بكر وآل ~~علي بن أبي طالب ومثل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. والذين خالفوا ~~ذلك لهم مأخذان ضعيفان: أحدهما: أنهم ظنوا أن المزارعة مثل المؤاجرة وليست ~~من باب # PageV30P119 # المؤاجرة؛ فإن المؤاجرة يقصد منها عمل العامل ويكون العمل معلوما؛ بل ~~يشتركان هذا بمنفعة أرضه وهذا بمنفعة بدنه وبقره كسائر الشركاء. وأما ما ~~نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة فقد جاء مفسرا في الصحيح ~~أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة؛ فلهذا نهى عنها. ومن اشترط ~~أن يكون البذر من المالك فإنه شبهها بالمضاربة التي يشترط أن يكون المال من ~~أحدهما والعمل من الآخر وظن أن البذر يكون من رب الأرض وكلاهما مال. وهذا ~~غلط؛ فإن رأس المال يعود في هذه العقود إلى صاحبه كما يعود رأس المال في ~~المضاربة والأرض في المزارعة والأرض والشجر في المساقاة. والعامل إذا بذر ~~البذر وأماته فلم يأخذ مثله صار البذر يجري مجرى المنافع التي لا يرجع ~~بمثلها ومن اشترط أن يكون البذر من المالك ولا يعود فيه فقوله في غاية ~~الفساد؛ فإنه لو كان كرأس المال لوجب أن يرجع في نظيره كما يقول مثل ذلك في ~~المضاربة # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له أرض ms8837 مزروعة وغيرها وجاء من يزرعها له مشاطرة والبذر وسائر ما ~~يلحق الزرع من الأجر حتى إذا أخذ الحصادون # PageV30P120 # شيئا أخذ صاحب الأرض مثله ونصف التبن أيضا. فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، المزارعة على الأرض بشطر ما يخرج منها جائز سواء كان البذر من ~~رب الأرض أو من العامل. وهذا هو الصواب الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين. فإن {النبي صلى الله عليه وسلم عامل ~~أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم} وهذا ~~مذهب أكثر الصحابة والتابعين. وجواز المزارعة على الأرض البيضاء هو مذهب ~~الثوري وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وأبي يوسف ومحمد والمحققين من أصحاب ~~الشافعي العلماء بالحديث وبعض أصحاب مالك وغيرهم. وكذلك يجوز على أصح ~~القولين في مذهب أحمد وغيره أن يكون البذر من العامل كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع أهل خيبر وتشبيه ذلك بمال المضاربة فاسد؛ فإن البذر لا ~~يعود إلى باذره كما يعود مال المالك. والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المخابرة هو أنهم كانوا يعاملون ويشترطون للمالك منفعة معينة من ~~الأرض وهذا # PageV30P121 # باطل بالاتفاق. كما لو اشترط دراهم مقدرة في المضاربة أو ربح صنف بعينه ~~من السلع. والمساقاة والمزارعة والمضاربة ليست من أنواع الإجارة التي يشترط ~~فيها تقدير العمل والأجرة فإن تلك يكون المقصود فيها العمل؛ وإنما هي من ~~جنس المشاركة فإنهما يشتركان بمنفعة بدن هذا ومنفعة مال هذا وهما مشتركان ~~في المغنم والمغرم. وكان آل أبي بكر يزارعون وآل عمر يزارعون وآل ابن مسعود ~~يزارعون وهذا عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى اليوم. وهي كانت فيهم أظهر من ~~كراء الأرض بالدراهم والدنانير فإنها أبعد عن الظلم والغرور وأقرب إلى ~~العدل الذي ثبتت عليه المعاملات. وأما مؤنة الحصادين فعلى من اشترطاه؛ إن ~~اشترطا المؤنة عليهما فهي عليهما وإن شرطاها على أحدهما فهي عليه وفي ~~الإطلاق نزاع. ولهما اقتسام الحب والتبن والله أعلم. ms8838 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر أرضا بجزء من زرعها وتسلمها ولم يزرعها. فهل للمالك عليه ~~أجرة المثل؟ . # PageV30P122 # فأجاب: # الحمد لله، هذه مختلف في صحتها. وظاهر المذهب عندنا صحتها ثم سواء سميت ~~إجارة أو مزارعة: فأحمد يصححها في غالب نصوصه وسماها إجارة وقال أبو الخطاب ~~وغيره: هي المزارعة ببذر العامل. وأما القاضي وغيره فصححوها وأبطلوا ~~المزارعة ببذر من العامل. وإذا كانت صحيحة ضمنت بالمسمى الصحيح. وهنا ليس ~~هو في الذمة فينظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه. وإذا جعلناها ~~مزارعة وصححناها فينبغي أن تضمن بمثل ذلك؛ لأن المعنى واحد وإن أفسدناها ~~وسميناها إجارة ففي الواجب قولان: أحدهما: أجرة المثل وهو ظاهر قول أصحابنا ~~وغيرهم. والثاني: قسط المثل وهذا هو التحقيق. وأجاب بعض الناس: أن هذه ~~إجارة فاسدة فيجب بالقبض فيها أجرة المثل. # PageV30P123 # وسئل - رضي الله عنه -: # عما إذا كان من أحدهما أرض ومن آخر حب. إلخ؟ # فأجاب: # وكذلك إذا تعاملا بأن يكون من رجل أرض ومن آخر حب أو بقر أو من رجل ماء ~~ومن رجل حب وعنب ففيه قولان هما روايتان عن أحمد. والأظهر جواز ذلك. وكذلك ~~إذا استأجره ليطحن له طحينا بثلثه أو ربعه. أو يخبز له رغيفا بثلثه أو ~~ربعه. أو يخيط له ثيابا بثلثها أو ربعها. أو يسقي له زرعا بثلثه أو ربعه. ~~أو يقطف له ثمرا بثلثه أو ربعه فهذا ومثله جائز في ظاهر مذهب أحمد وغيره. ~~وكذلك إذا أعطاه ماءه ليسقي به قطنه أو زرعه ويكون له ربعه أو ثلثه. فإن ~~هذا جائز أيضا. سواء كان الماء من هذا. وهذا من جنس المشاركة؛ لا من جنس ~~الإجارة وهو بمنزلة المساقاة؛ والمزارعة. والصحيح الذي عليه فقهاء الحديث: ~~أن المزارعة جائزة سواء كان البذر من المالك أو من العامل أو منهما. وسواء ~~كانت # PageV30P124 # أرضا بيضاء أو ذات شجر وكذلك المساقاة على جميع الأشجار. ومن منع ذلك ظن ~~أنه إجارة بعوض مجهول وليس كذلك بل هو مشاركة كالمضاربة والمضاربة على وفق ~~القياس لا على خلافه فإنها ms8839 ليست من جنس الإجارة بل من جنس المشاركات كما ~~بسط الكلام على هذا في موضعه. # وسئل - رحمه الله -: # عمن رابع رجلا. صورتها: أن الأرض لواحد ومن آخر البقر والبذر ومن المرابع ~~العمل. على أن لرب الأرض النصف ولهذين النصف للمرابع ربعه فبقي في الأرض ~~فما نبت ونبت في العام الثاني من غير عمل؟ # فأجاب: # إن كان هذا من الأرض ومن الحب المشترك ففيه قولان: " أحدهما " أنه لصاحب ~~الأرض فقط. و " الثاني " يقسم بينهم على قدر منفعة الأرض والحب. وهذا أصح ~~القولين. # PageV30P125 # وسئل: # عن رجل له أرض أعطاها لشخص مغارسة بجزء معلوم وشرط عليه عمارتها فغرس بعض ~~الأرض وتعطل ما في الأرض من الغرس. فهل يجوز قلع المغروس؟ أم لا؟ وهل ~~للحاكم أن يلزمهم بقلعه؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا لم يقوموا بما شرط عليهم كان لرب الأرض الفسخ ~~وإذا فسخ العامل أو كانت فاسدة فلرب الأرض أن يتملك نصيب الغارس بقيمته إذا ~~لم يتفقا على قلعه. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل غرس غراسا في أرض بإذن مالكها ثم توفي مالكها عنها وخلف ورثة ~~فوقفوا الأرض على معينين فتشاجر الموقوف عليهم وصاحب الغراس على الأجرة ~~فماذا يلزم صاحب الأرض؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الغراس قد غرس بإذن المالك # PageV30P126 # بإعارة أو بإجارة وانقضت مدته أو كانت مطلقة فعلى صاحب الغراس أجرة المثل ~~تقوم الأرض بيضاء لا غراس فيها ثم تقوم وفيها ذلك الغراس فما بلغ فهو أجرة ~~المثل والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن جندي أقطع له السلطان إقطاعا وهو خراج أرض وتلك الأرض كانت مقطعة ~~لجندي - توفي إلى رحمة الله تعالى - بعد أن زرعها ببذره وبقره فحكم له ~~الديواني السلطاني أن يأخذ شطر الزرع وورثة المتوفى شطره بعد أن يأخذ من ~~جملة الزرع نصف العشر ثم يدفع لورثة المتوفى المزارع ربع الشطر الذي له؛ ~~لأن السلطان يأخذ لورثة المتوفى ربع الخراج وله ثلاثة أرباعه. فهل تجوز هذه ~~القسمة ويجوز أخذ الخراج على هذه الصورة. وإذا لم يكن ms8840 ذلك جائزا فكيف يكون ~~الحكم فيه على مقتضى الشرع الشريف؟ ثم إن أهل الديوان أمروه أن يأخذ من ~~ورثته بذر هذه الأرض في السنة الآتية تكون عنده قرضا بحجة برسم عمارة ~~الإقطاع ويعيده لهم على سنتين. فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # هذا الإقطاع ليس إقطاعا بمجرد خراج الأرض كما ظنه السائل بل هو إقطاع ~~استغلال؛ فإن الإقطاع نوعان: إقطاع تمليك # PageV30P127 # كما يقطع الموات لمن يحييه بتملكه. وإقطاع استغلال: وهو إقطاع منفعة ~~الأرض لمن يستغلها إن شاء أن يزرعها وإن شاء أن يؤجرها. وإن شاء أن يزارع ~~عليها. وهذا الإقطاع هو من هذا الباب؛ فإن المقطعين لم يقطعوا مجرد خراج ~~واجب على شيء من الأرض بيده كالخراج الشرعي الذي ضربه أمير المؤمنين عمر ~~على بلاد العنوة وكالأحكار التي تكون في ذمة من استأجر عقارا لبيت المال ~~فمن أقطع ذلك فقد أقطع خراجا. وأما هؤلاء فأقطعوا المنفعة. وإذا عرف هذا. ~~فإذا انفسخ الإقطاع في أثناء الأمر؛ إما لموت المقطع وإما لغيره وأقطع ~~لغيره: كانت المنفعة الحادثة للمقطع الثاني دون الأول؛ بحيث لو كان المقطع ~~الأول قد أجر الأرض المقطعة ثم انفسخ إقطاعه انفسخت تلك الإجارة كما تنفسخ ~~إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين. وإذا ~~كان كذلك فإن كان الإقطاع انتقل في نصف المدة. كان للثاني نصف المنفعة وإن ~~كان في ريعها الماضي كان له ريع المنفعة فإن كان أهل الديوان أعطوا الثاني ~~ثلاثة أرباع المنفعة المستحقة بالإقطاع والأول الربع؛ لكون الثاني قام ~~بثلاثة الأرباع بمائة استحق الإقطاع. # PageV30P128 # مثل أن يخدم ثلاثة أرباع المدة المستوفية للمنفعة فقد عدلوا في ذلك. ثم ~~إن المقطع الأول لما ازدرعه بعمله وبذره وبقره وصار بعض المنفعة مستحقا ~~لغيره صار مزدرعا في أرض الغير؛ لكن ليس هو غاصبا يجوز إتلاف زرعه؛ بل زرعه ~~زرع محترم كالمستأجر. وأولى. فهنا للفقهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون ~~الزرع للمزدرع وعليه أجرة المثل لمنفعة الثاني. والثاني: أن يكون الزرع لرب ~~الأرض وعليه ما أنفقه الأول ms8841 على زرعه. وهذان القولان معروفان. فمن زرع في ~~أرض غيره بغير إذنه: هل الزرع للمزدرع؟ أو لرب الأرض يأخذه ويعطيه نفقته؟ ~~كما في السنن عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من زرع في ~~أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته} على القولين. ~~والمسألة معروفة. وهذا الثاني مذهب أحمد وغيره. والأول مذهب الشافعي وغيره. ~~والمزدرع في صورة السؤال ليس غاصبا؛ لكن بمنزلة أنه مما يعد زرع في أرض ~~الغير بغير إذنه فهو كما لو اتجر في مال يظنه لنفسه فبان أنه لغيره. وفي ~~هذه المسألة " قول ثالث " هو الذي حكم به أهل الديوان. # PageV30P129 # وهو الذي قضى به عمر بن الخطاب في نظير ذلك وهو أصح الأقوال؛ فإنه كان قد ~~اجتمع عند أبي موسى الأشعري مال للمسلمين يريد أن يرسله إلى عمر فمر به ~~ابنا عمر. فقال: إني لا أستطيع أن أعطيكما شيئا؛ ولكن عندي مال أريد حمله ~~إليه فخذاه اتجرا به وأعطوه مثل المال فتكونان قد انتفعتما والمال حصل عنده ~~مع ضمانكما له. فاشتريا به بضاعة فلما قدما إلى عمر قال: أكل العشر أقرهم ~~مثل ما أقركما فقالا: لا فقال ضعا الربح كله في بيت المال فسكت عبد الله. ~~وقال له عبيد الله: أرأيت لو ذهب هذا المال أما كان علينا ضمانه؟ فقال بلى ~~قال: فكيف يكون الربح للمسلمين والضمان علينا فوقف عمر. فقال له الصحابة: ~~اجعله مضاربة بينهما وبين المسلمين لهما نصف الربح وللمسلمين النصف فعمل ~~عمر بذلك. وهذا أحسن الأقوال التي تنازعها الفقهاء في مسألة التجارة ~~بالوديعة وغيرها من مال الغير فإن فيها أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره هل ~~الربح لبيت المال بناء على أنه. . . (1) المال؟ أو الربح للعامل؛ لأن الملك ~~حصل له باشتراء الأعيان في الذمة ويتصدقان بالربح؛ لأنه خبيث أو يقتسما ~~بينهما. كالمضاربة. وهذا الرابع الذي فعله عمر وعليه اعتمد من اعتمد من ~~الفقهاء في PageV30P130 # جواز المضاربة. ومسألة المزارعة كذلك أيضا فإن هذا ازدراع في الأرض يظنها ms8842 ~~لنفسه فتبين أنها أو بعضها لغيره فجعل الزرع بينهما مزارعة. والمزارعة ~~المطلقة تكون مشاطرة لهذا نصف الزرع ولهذا نصفه؛ فلهذا جعل للأول نصف الزرع ~~كالعامل في المزارعة ويجعل النصف الثاني للمنفعة المقطعة. والأول قد استحق ~~ربعها فيجعل له النصف وربع النصف؛ بناء على ما ذكر. والثاني ثلاثة أرباع ~~النصف. وهذا أعدل الأقوال في مثل هذه المسألة؛ بل حقيقة الأمر أن المقطع ~~الثاني مخير: إن شاء أن يطالب من ازدرع في أرضه بأجرة المثل وإن شاء أن ~~يجعلها مزارعة كما يخير ابتداء. وأما إذا قيل: بأن له أخذ الزرع وعليه نفقة ~~الأول فهذا أبلغ. وقد تضمن هذا الجواب أن المزارعة يجوز أن يكون البذر فيها ~~من العامل وهذا هو الصواب المقطوع به وإن سماه بعض الفقهاء مخابرة فإنه قد ~~ثبت في الصحيح: " {أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج ~~من الأرض من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم} وكذلك أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جوزوا ذلك كما كانوا يزارعون كآل أبي بكر وآل عمر وآل ~~علي بن أبي طالب وغيرهم. # PageV30P131 # والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة إنما كانوا يعملونه ~~وهو أن يشترطوا لرب الأرض زرع بقعة بعينها فهذا هو المنهي عنه كما جاء ~~مفسرا في الحديث الصحيح. وأما القوة التي تجعل في الأرض فإنها ليست قرضا ~~محضا كما يظنه بعض الناس. فإن القرض المطلق هو بما يملكه المقترض فيتصرف ~~فيه كما شاء. وهذه القوة مشروطة على من يقبضها أن يبذرها في الأرض ليس له ~~التصرف فيها بغير ذلك فقد جعلت قوة في الأرض ينتفع [بها] (1) كل من يستعمل ~~الأرض من مقطع وعامل إذ مصلحة الأرض لا تقوم إلا بها كما لو كان في الأرض ~~صهريج ماء ينتفع به ولهذا يقال: من دخل على قوة خرج على نظيرها. وإذا كان ~~الصهريج ملآن ماء عند دخولك فاملأه عند خروجك. وحقيقة الأمر أن للسلطان أن ~~يشترط على المقاطعة أن يتركوا في الأرض ms8843 قوة وهذا من المصلحة وإذا كان الأول ~~قد ترك فيها قوة والثاني محتاج إليها فرأى من ولي من ولاة الأمر أن يجعل ~~عطاءها للأول بقسطه بحسب المصلحة كان ذلك جائزا. وإذا جرت العادة بأن من ~~دخل على قوة خرج على نظيرها ومن أعطى قوة من عنده استوفاها مؤجلة: كان ~~إقطاع ولي الأمر لهذا PageV30P132 # الشرط وذلك جائز؛ فإن الزرع إنما ملكه بالإقطاع وأورث الأول ما استحقه ~~قبل الموت. وأما نصف العشر المذكور فلم يذكر وجهه حتى يفتى به. وإقطاع ولي ~~الأمر هو بمنزلة قسمته بيت مال المسلمين ليست قسمة الإمام للأموال ~~السلطانية كالفيء بمنزلة قسمة المال بين الشركاء المعينين؛ فإن المال ~~المشترك بين الشركاء المعينين كالميراث يقسم بينهم على صنف منه إن كان قبل ~~القسمة وإلا بيع وقسم ثمنه عند أكثر الفقهاء. كمالك وأحمد وأبي حنيفة. ~~وتعدل السهام بالأجزاء إن كانت الأموال متماثلة: كالمكيل والموزون. وتعدل ~~بالتقويم إن كانت مختلفة كأجزاء الأرض. وإن كانت من المعدودات كالإبل ~~والبقر والغنم قسمت أيضا على الصحيح وعدلت بالقسمة. وأما الدور المختلفة ~~ففيها نزاع وليس لأحد الشريكين أن يختص بصنف وأما أموال الفيء فللإمام أن ~~يخص طائفة بصنف وطائفة بصنف. بل وكذلك في المغانم على الصحيح ولو أعطى ~~الإمام طائفة إبلا وطائفة غنما جاز. وهل يجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين ~~لزيادة منفعة؟ على قولين للعلماء: أصحهما الجواز. كما ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم {أنه نفل في بدايته الربع بعد الخمس وفي رجعته الثلث بعد ~~الخمس} " وثبت عنه أنه نفل سلمة بن الأكوع وغيره. # PageV30P133 # وأما مال الفيء فيستحق بحسب منفعة الإنسان للمسلمين وبحسب الحاجة أيضا ~~والمقاتلة أحق به وهل هو مختص بهم؟ على قولين. وإذا قسم بين المقاتلة فيجب ~~أن يقسم بالعدل كما يجب العدل على كل حاكم وكل قاسم؛ لكن إذا قدر أن القاسم ~~أو الحاكم ليس عدلا لم تبطل جميع أحكامه وقسمه على الصحيح الذي كان عليه ~~السلف فإن هذا من الفساد الذي تفسد به أمور الناس؛ فإنه قد ثبت عن النبي ms8844 ~~صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة التي يأمر فيها بطاعة ولاة الأمور ~~مع جورهم ما يبين أنهم إذا أمروا بالمعروف وجبت طاعتهم وإن كانوا ظالمين. ~~فإذا حكم حكما عادلا وقسم قسما عادلا: كان هذا من العدل الذي تجب طاعتهم ~~فيه. فالظالم لو قسم ميراثا بين مستحقيه بكتاب الله كان هذا عدلا بإجماع ~~المسلمين. ولو قسم مغنما بين غانميه بالحق كان هذا عدلا بإجماع المسلمين. ~~ولو حكم لمدع ببينة عادلة لا تعارض كان هذا عدلا. والحكم أمر ونهي وإباحة ~~فيجب طاعته فيه. هذا إذا كانت القسمة عادلة. فأما إذا كان في القسمة ظلم؛ ~~مثل أن يعطي بعض الناس فوق ما يستحق وبعضهم دون ما يستحق: فهذا هو ~~الاستيثار الذي ذكره # PageV30P134 # النبي صلى الله عليه وسلم. حيث قال: {على المسلم السمع والطاعة في عسره ~~ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه ما لم يؤمر بمعصية} وفي الصحيحين عن {عبادة ~~بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في ~~عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن ~~نقول - أو نقوم - بالحق. حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم} . ومعلوم ~~أن هذا ما زال في الإسلام من ولاة الأمور ومن دخل في هذه الأمور وإنما ~~يستثنى في الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم. فإذا كان ذلك كذلك. فالمعطى إذا ~~أعطي قدر حقه أو دون حقه: كان له ذلك بحكم قسمة هذا القاسم كما لو قسم ~~الميراث وأعطى بعض الورثة حقه كان ذلك بحكم هذا القاسم وكما لو حكم لمستحق ~~بما استحقه كان له أن يأخذ ذلك بموجب هذا الحكم. وليس لقائل أن يقول: أخذه ~~بمجرد الاستيلاء كما لو لم يكن حاكم ولا قاسم فإنه على نفوذ هذه المقالة ~~تبطل الأحكام والأعطية التي فعلها ولاة الأمور جميعهم؛ غير الخلفاء. وحينئذ ~~فتسقط طاعة ولاة الأمور؛ إذ لا فرق بين حكم وقسم وبين عدمه. وفي هذا القول ~~من الفساد في العقل والدين ما لا يخفى على ذي لب؛ فإنه ms8845 لو فتح هذا الباب ~~أفضى من الفساد إلى ما هو أعظم من ظلم الظالم ثم كان كل واحد يظن # PageV30P135 # أن ما يأخذه قدر حقه وكل واحد إنما يشهد استحقاق نفسه دون استحقاق بقية ~~الناس وهو لا يعلم مقدار الأموال المشتركة. وهل يجعل له منها بالقيمة هذا ~~أو أقل؟ والإنسان ليس له أن يكون حاكما لنفسه ولا شاهدا لنفسه فكيف يكون ~~قاسما لنفسه؟ . ومعلوم عند كل أحد أن دخول الشركاء تحت قاسم غيرهم ودخول ~~الخصماء تحت حاكم غيرهم ولو كان ظالما أو جاهلا أولى من أن يكون كل خصم ~~حاكما لنفسه وكل شريك قاسما لنفسه فإن الفساد في هذا أعظم من الفساد في ~~الأول. والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~ورجحت خير الخيرين بتفويت أدناهما وهذا من فوائد نصب ولاة الأمور. ولو كان ~~على ما يظنه الجاهل لكان وجود السلطان كعدمه وهذا لا يقوله عاقل فضلا عن أن ~~يقوله مسلم؛ بل قد قال العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة ~~بلا سلطان. وما أحسن قول عبد الله بن المبارك: # لولا الأئمة لم يأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا # وأصل هذه المسألة مبسوط بسطا تاما في غير هذا الموضع وإنما نبهنا على قدر ~~ما يعرف به مقصود الجواب. والله أعلم. # PageV30P136 # و ### | سئل: # عن قرية كانت جارية في إقطاع رجل # وأخذت ثم أقطعت لاثنين بعد أن زرع فلاحوها أراضيها من غلة المقطع الأول ~~ثم طلب أحد المقطعين المستجدين أن يقسم حصته من زرعه. فهل يجوز ذلك وهل تصح ~~القسمة؟ وهل يجب استمرار الناحية مشاعا إلى حيث يقسم المغل. ويتناول كل ذي ~~حق حقه من جميع المغل؟ أو يقسم قبل إدراك المغل؟ . # فأجاب: # إن لم تنقص حصة الشركاء لا في الأرض ولا في الزرع فعليهم إجابة طالب ~~القسمة التي ليس فيها ضرر عليهم وإن كان في ذلك ضرر بنقص قسمة أنصبائهم لم ~~يرفع الضرر بالضرر؛ بل إن أمكن انقسام عوض المقسوم من غير ضرر فعل. # PageV30P137 # و ### | سئل: # عن ms8846 صاحب إقطاع. # هل له أن يأخذ من الزرع جزءا معينا؟ . وهل له إذا شاطره بجزء مشاع وعلم ~~أنهم قد حابوه أن يأخذ زائدا على ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، تجوز المزارعة بجزء شائع سواء كان أقل من النصف أو أكثر من ~~النصف. ولا فرق عند الأئمة الأربعة ونحوهم: أن يزارع بالنصف أو الثلث أو ~~الثلثين ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة كثلاثة أخماس وخمسين. وقد ثبت جواز ~~المزارعة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة باتفاق الصحابة وهي ~~أعدل من التسجيل وإذا شرط عليه نصف الزرع فأخذوا زائدا على ذلك فله أن يأخذ ~~منهم بقدر الزائد. # PageV30P138 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل معه دراهم حرام فدفعها إلى والده وأخذ منه عوضها من دراهمه الحلال ~~واشترى منها شيئا يعود منه منفعة؛ إما نتاج الإبل والغنم وإما زرع أرض ~~واستعملها. هل هي حرام؟ أم لا؟ # فأجاب: # متى اعتاض عن الحرام عوضا بقدره فحكم البدل حكم المبدل منه فإن كان قد ~~نمى بفعله نماء من ربح أو كسب أو غير ذلك ففيه خلاف بين العلماء. وأعدل ~~الأقوال أن يقسم النماء بين منفعة المال وبين منفعة العامل؛ بمنزلة ~~المضاربة. كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المال الذي اتجر منه ~~أولاده من بيت المال وهكذا كل نماء بين أصلين. إذا بيع الأصل. وأجاب أيضا: ~~أعدل الأقوال في هذه المسألة وشبهها أن يقسط الزرع الحادث من منفعة الأرض ~~والبذر والعامل والبقر على هذه الأصول فيكون قسط الحرام لمن يجب صرفه إليه ~~وقسط الحلال لمن يستحقه كسائر الحادث عن الأصول المشتركة. # PageV30P139 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له إقطاع من السلطان فزرعها لفلاح مشاطرة: هل يجوز الإشهاد ~~بينهما؟ أو أن بعض العدول امتنع من الإشهاد بينهما. وهل إذا اشترط على ~~الفلاح. مثل دجاج أو خراق أو نحو ذلك من سائر الأصناف مع رضا الفلاح بذلك. ~~هل يجوز؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، دفع الأرض الملك والإقطاع أو غيرها إلى من يعمل فيها بشطر ~~الزرع فيه ms8847 قولان للعلماء؛ لكن الصواب المقطوع به أن ذلك جائز؛ فإن ذلك ~~إجماع من الصحابة: آل أبي بكر وآل عمر وآل علي وعبد الله بن مسعود وسعد بن ~~أبي وقاص وغيرهم وهو عمل المسلمين من عهد نبيهم. والرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم ينه عن ذلك؛ وإنما نهى عما إذا اشترط لرب المال زرع بقعة بعينها؛ ~~بل قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع. وقد ثبت عنه في الصحيح ~~أنه شرط عليهم أن يعمروها من أموالهم. ولهذا كان الصواب أنها تجوز وإن كان ~~البذر من العامل؛ بل # PageV30P140 # هذه المعاملة أحل من دفع الأرض بالمؤاجرة؛ فإن كلاهما مختلف فيه والإجارة ~~أقرب إلى الغرر؛ لأن المؤجر يأخذ الأجرة والمستأجر لا يدري: هل يحصل له ~~مقصوده أم لا؟ بخلاف المشاطرة؛ فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم إن أنبت ~~الله زرعا كان لهما وإن لم ينبت كان عليهما ومنفعة أرض هذا كمنفعة بذر هذا ~~كما في المضاربة. ولا يجوز في المشاطرة أن يشترط على العامل شيء معين لا ~~دجاج ولا غيره. وأما الشهادة على ذلك فإنها جائزة ولو كان الشاهد ممن لا ~~يجيزها؛ لأنه عنده مختلف فيه والشاهد يشهد بما جرى؛ لا سيما والمحققون من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي على تجويزها كما هو مذهب فقهاء أهل الحديث. # و ### | سئل: # عن مقطع يجمع غلته من الفلاحين # وفيها غلة نظيفة وغلة علثة في أيام القسم وخلطها إلى أيام البذر ثم فرقها ~~عليهم خلال ذلك؟ # فأجاب: # إذا كانت حنطة بعضهم خيرا من حنطة بعض فليس له أن يخلط ذلك وإن كانت ~~الحنطة سواء وقد احتاج إلى الخلط فلا بأس. # PageV30P141 # وسئل - رحمه الله -: # عن جندي له أرض خالية. فقال له فلاح: أنا أزرع لك هذه الأرض والثلثان لي ~~والثلث لك على أن يقوم للجندي بالثلث المذكور بخراج معين وشرط له ذلك ثم إن ~~الجندي أعطى الفلاح المذكور وسق بزر كتان يزرعه في تلك الأرض المذكورة ~~وتوفي الجندي قبل إدراك المغل فاستولى الفلاح على جميع الزرع ومنع ms8848 الورثة ~~المبلغ المعين. فهل له ذلك؟ والشرط بغير مكتوب؟ # فأجاب: # ما يستحقه الجندي من خراج أو مقاسمة أو غير ذلك فإنه ينتقل إلى ورثته ~~وسواء كان الشرط بمكتوب أو غير مكتوب. ومتى شهد شاهد عدل أو مزكى وحلف ~~المدعي مع الشاهد حكم له بذلك. # PageV30P142 # و ### | سئل: # عن رجل لم يكن فلاحا ولا له عادة بزرع. # فهل يجوز لأحد أن يزارعه من غير اختياره؟ أم لا؟ # فأجاب: # ليس لأحد أن يكرهه على فلاحة لم تجب عليه فإن ذلك ظلم والله تعالى يقول ~~فيما رواه عنه رسوله: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا} ". بل مثل هذا لا يجوز إكراهه لا في الشريعة المطهرة ~~ولا في العادة السلطانية. # وسئل: # عمن يزرع في أرض مشتركة بغير إذن الشركاء ولا أعلمهم؟ # فأجاب: # إذا كانت العادة جارية: بأن من يزرع فيها يكون له نصيب معلوم ولرب الأرض ~~نصيب فإنه يجعل ما زرعه في مقدار أنصباء شركائه مقاسمة بينهم على الوجه ~~المعتاد. والله أعلم. # PageV30P143 # وسئل: # عمن زارع بعض الشركاء في الأرض المشاعة في قدر حقه إذا امتنع الآخرون من ~~الزرع؟ # فأجاب: # إذا امتنع بعض الشركاء عن الإنفاق الذي يحتاج إليه الزرع جاز لبعضهم أن ~~يزرع في مقدار نصيبه ويختص بما زرعه في قدر نصيبه والله أعلم. # و ### | سئل: # عن أرض مشتركة بين اثنين: طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه # فأذن ثم تغيب فزرع الأول في أقل من حقه فطلب الأول أجرته؟ # فأجاب: # إذا طلب أحد الشريكين من الآخر أن يزرع معه أو يهايئه وامتنع الآخر من ~~ذلك فللأول أن يزرع في مقدار حقه ولا أجرة عليه في ذلك للشريك؛ لأنه تارك ~~لما وجب عليه والأول # PageV30P144 # مستوف لما هو حقه. وهو نظير أن يكون بينهما دار فيها بنيان فيسكن فيها ~~أحدهما عند امتناع الأول مما وجب عليه. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة دفعت إلى إنسان مبلغ دراهم ليزرع شركة وقد ذكر أنه زرع ثم بعد ~~ذلك دفع إليها أربعين وذكر أنه ms8849 من الكسب ورأس المال باق ثم دفع لها خمسين ~~درهما وقال: هذا من جملة مالك وبقي من الدراهم مائة خارجا عن الكسب فطلبتها ~~منه فقال: الأربعون من جملة المائة ولم يبق لك سوى ستين فهل لها أن تأخذ ~~المبلغ وما تكسب شيئا؟ # فأجاب: # إذا دفعت إليه المال مضاربة وأعطاها شيئا وقال: هذا من الربح كان لها ~~المطالبة بعد هذا برأس المال. ولم يقبل قوله: إن تلك الزيادة كانت من رأس ~~المال. والله أعلم. # PageV30P145 # وسئل - رحمه الله -: # عن قرية وقف على جهتين مشاعة بينهما. فصرف العامل على إحدى الجهتين إلى ~~فلاحيها قدرا معلوما من القمح وغيره برسم الزراعة. فزرعه الفلاحون في الأرض ~~المشتركة ولم يصرفوا بجهة أخرى شيئا وقد طلب أرباب الجهة الأخرى مشاركتهم ~~فيما حصل من البذر الذي صرفه العامل إلى الفلاحين. فهل لهم ذلك؟ أم لا؟ وهل ~~القول قول العامل فيما صرفه وادعى أنه مختص بإحدى الجهتين؟ أم لا؟ وإذا ~~اختص الريع بإحدى الجهتين. هل يجوز لأحد منازعتهم؟ أم لا؟ # فأجاب: # ليس لأرباب الجهة الأخرى مشاركة أرباب البذر كما يشاركونهم لو بذروا؛ لكن ~~إذا لم يمكن الفلاحين البذر وحده لشيوع الأرض وامتناع الشركاء من المقاسمة ~~والمعاونة. فالزرع كله لرب البذر إذا زرع في قدر ملكه المشاع وإن جعل ما ~~زرع في نصيب التارك مزارعة من أرباب البذر بالمبذور من الآخر من الأرض ~~والعمل للعامل ويقسم الزرع بينهم كما لو اشتركا في هذا على ما جرى به العرف ~~في مثل ذلك؛ إذ العامل ليس بغاصب؛ بل مأذون له عرفا في الازدراع. # PageV30P146 # و ### | سئل: # عن رجل شارك في قطعة أرض ليزرعها فأخر # تحضيرها عن وقت استحقاقه تفريطا منه فنقصت بسبب ذلك مقدار النصف. فهل ~~للشريك النقص بسبب ما فرط؟ # فأجاب: # إذا كان الشريك قد فرط في مال شريكه مثل أن يبذره في غير الوقت الذي يبذر ~~مثله أو في أرض ليست على الوصف الذي اتفقا عليه ونحو ذلك. كان من ضمان ~~شريكه وأقل ما عليه مثل رأس المال. والله أعلم # و ms8850 ### | سئل: # عن عامل لرب الأرض فيها حب من العام الماضي # يسمى الزريع عامله على سقيه على أن يكون الثلث بينهما؟ # فأجاب: # أن هذه معاملة صحيحة ويستحق العامل ما شرط له إذا كان المقصود حصول الزرع ~~بعمله سواء كان العمل قليلا أو كثيرا. والله أعلم. # PageV30P147 # وسئل - رحمه الله -: # عمن له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها؟ # فأجاب: # له قيمتها بعد الفسخ حتى يحكم بلزومها أو عدمه؛ وليس كعامل المساقاة؛ ~~لعدم الجامع بينهما. والفرق أن المعقود عليه في المساقاة الثمرة وهي ~~معدومة؛ لا العمل فإذا أعرض عن المعقود قبل وجوده لم يستحق منه شيئا وبهذا ~~صرح الأصحاب: بأنه بعد وجود الثمرة على استحقاق نصيبه فيها ويلزمه تمام ~~العمل. وفي الشركة المعقود عليه المال والعمل: فالمال لا بد من وجوده ~~والعمل إن وجد بعضه استحق مع الفساد ولفسخ مؤجر أجرة عمله. # PageV30P148 # و ### | سئل: # عن رجل يزرع من كسبه على بقرة بأرض السلطان # أو بأرض مقطع ويدفع العشر على الذي له والذي للمقطع. فهل يحل له أن يسرق ~~من وراء المقطع شيئا؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان الفلاح مزارعا: مثل أن يعمل بالثلث أو الربع أو النصف فليس عليه ~~أن يعشر إلا نصيبه وأما نصيب المقطع فعشره عليه. ومن قال: إن العشر جميعه ~~على الفلاح والمقطع يستحق نصيبه من الزرع فقد خالف إجماع المسلمين؛ ولكن ~~للعلماء في المزارعة قولان: أحدهما: أنها باطلة وأن الزرع جميعه لصاحب ~~البذر وعليه العشر جميعه ولرب الأرض قيمة الأرض فمن كان من المقطعين يرى ~~العشر كله على الفلاح فتمام قوله أن يعطيه الزرع كله ويطالبه بقيمة الأرض. ~~والقول الثاني - وهو الصحيح الذي مضت به سنة رسول الله # PageV30P149 # صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وعليه العمل - أن المزارعة ~~صحيحة. فعلى هذا يكون للمقطع نصيبه وعليه زكاة نصيبه وللفلاح نصيبه وعليه ~~زكاته. فإذا كانوا يلزمون الفلاح بالعشر الواجب على الجندي فيؤدي العشر على ~~الجندي من مال الجندي كما يظهر ذلك. فإن هذا حق بين لا نزاع فيه بين ~~العلماء؛ ليس ms8851 حقا خفيا ولا يمكن الجندي جحده. كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهند {خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} " فإن وجوب النفقة للزوجة وللولد ~~حق ظاهر لا يمكن أبا سفيان جحده. وهذا مثل قوله: {أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك} وفي رواية {إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا ~~أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء. أفنأخذه؟ فقال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك} لأن الحق هنا خفي لا يفوته الظلم. فإذا أخذ شيئا من غير ~~استحقاق ظاهر كان خيانة. والله سبحانه أعلم. # PageV30P150 ### | باب الإجارة # سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: # عن رجل أجر رجلا أرضا فيها شجر مثمر بأجرة معلومة مدة معلومة وبياضا لا ~~تساوي الأجرة وإنما الأجرة بعضها يوازي البياض وبعضها في مقابلة الثمرة ~~وكتبا كتاب الإجارة بعقد الإجارة على الأرض مساقاة على الشجر المثمر. فهل ~~يصح ذلك؟ أم لا؟ وإذا صح: فهل يدخل أشجار الجوز المثمر مع كونه مثمرا جميع ~~ما له ثمرة؟ فهل للمؤجر أن يخصص البعض دون البعض مع كونه مثمرا؟ أم لا؟ وهل ~~إذا كان عقد المساقاة بجزء من الثمرة مما تعم به البلوى ورأى بعض الحكام ~~جوازه فهل لغيره من الحكام إبطاله؟ أم لا؟ . # فأجاب: # ضمان البساتين التي فيها أرض وشجر عدة سنين هو الصحيح الذي اختاره ابن ~~عقيل وغيره. وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة لأسيد بن ~~الحضير بعد موته ثلاث سنين ووفى بالضمان دينه. وهذه كثيرة لا تحتمل الفتيا ~~تقريرها. # PageV30P151 # فهذه الضمانات التي لبساتين دمشق الشتوية التي فيها أرض وشجر ضمانات ~~صحيحة وإن كان قد كتب في المكتوب إجارة الأرض والمساقاة على الشجر فالمقصود ~~الذي اتفقا عليه هو الضمان المذكور والعبرة في العقود بالشروط التي اتفق ~~عليها المتعاقدان والمقاصد معتبرة. فإذا العقد الذي نهى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هو بيع الثمر المجرد كما تباع ~~الكروم في دمشق بحيث يكون السعي ms8852 والعمل على البائع والضمانات شبيهة ~~بالمؤاجرات. # وسئل: # عمن أجر بياضا مبلغها أربعة أسهم من مزرعة البستان والمقصبة المستديرة: ~~فهل يجوز إيجاره المقصبة في إيجار بياض الأرض لحصته المذكورة؟ # فأجاب: # يجوز إجارة منبت القصب ليزرع فيها المستأجر قصبا وكذلك إجارة المقصبة ~~ليقوم عليها المستأجر ويسقيها فمنبت العروق التي فيها بمنزلة من يسقي الأرض ~~لينبت له فيها الكلأ بلا بذر. # PageV30P152 # و ### | سئل: # عن رجل سجل أرضا ليزرعها أول سنة كتانا # وثاني سنة فولا فقصد المؤجر أن يأخذ زائدا: كونه زرعها كتانا فما يجب ~~عليه؟ . # فأجاب: # إن استأجرها على أن يزرع فيها نوعا من الحبوب لم يكن له أن يزرع ما هو ~~أشد ضررا وإذا زرع ما هو أشد ضررا كان للمؤجر مطالبته بالقيمة وإن استأجرها ~~ليزرع فيها ما شاء فله ذلك ولا شيء على المستأجر إذا زرع فيها ما شاء. ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل استأجر أرض بستان # وساقاه على الشجر ثم إن الآخر قطع بعض الشجر الذي يثمر. فهل يجوز له أن ~~يقطعها قبل فراغ الإجارة؟ وهل يلزم قيمة ثمرتها للمستأجر؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا قطعها نقص من العوض المستحق بقدر ما نقص من المنفعة التي ~~يستحقها المستأجر. وهذا وإن كان في اللفظ إجارة # PageV30P153 # الأرض ومساقاة الشجر فهو في المعنى المقصود عوض عن الجميع؛ فإن المستأجر ~~لم يبذل العوض إلا ليحصل له مع زرع الأرض ثمر الشجر. وقد تنازع العلماء في ~~صحة هذا العقد. وسواء قيل بصحته أو فساده فما ذهب من الشجر ذهب ما يقابله ~~من العوض سواء كان بقطع المالك أو بغير قطعه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن استأجر أرض بستان من مشارف الأجناس مدة ثم توفي المستأجر وخلف أولادا ~~والأجرة مقسطة: في كل سنة عشرون درهما وقد طلب من أولاد المستأجر المتوفى ~~تعجيل الأجرة بكمالها. فهل يلزم الأولاد جميع الإجارة؟ أو يأخذ منهم على ~~أقساطها في كل سنة؟ . # فأجاب: # لا يجب على أولاده تعجيل جميع الأجرة - والحال هذه - لكن إذا لم يثق أهل ~~الأرض بذمتهم فلهم ms8853 أن يطالبوهم بمن يضمن لهم الأجرة في أقساطها. وهذا على ~~قول من يقول: إن الدين المؤجل لا يحل بموت من هو عليه ظاهر. وأما على قول ~~من يقول: إنه يحل عليه. . . (1) ، وكذلك هنا على PageV30P154 # الصحيح من قولي العلماء؛ لأن الوارث الذي ورث المنفعة عليه أجرة تلك ~~المنفعة التي استوفاها؛ بحيث لو كان على الميت ديون لم يكن للوارث أن يختص ~~بمنفعة ويزاحم أهل الديون بالأجرة؛ بناء على أنها من الديون التي على الميت ~~كما لو كان الدين ثمن مبيع نافذ؛ بمنزلة أن تنتقل المنفعة إلى مشتر أو متهب ~~مثل أن يبيع الأرض أو يهبها أو يورث فإن الأرض من حين الانتقال تلزم ~~المشتري والمتهب والولد: في أصح قولي العلماء كما عليه عمل المسلمين؛ فإنهم ~~يطالبون المشتري والوارث بالحكر قسطا لا يطالبون الحكر جميعه من البائع. أو ~~تركة الميت؛ وذلك لأن المنافع لا تستقر الأجرة إلا باستيفائها فلو تلفت ~~المنافع قبل الاستيفاء سقطت الأجرة بالاتفاق. ولهذا كان مذهب أبي حنيفة ~~وغيره أن الأجرة لا تملك بالعقد؛ بل بالاستيفاء ولا تملك المطالبة إلا شيئا ~~فشيئا ولهذا قال: إن الإجارة تنفسخ بالموت. والشافعي وأحمد وإن قالا: تملك ~~بالعقد وتملك المطالبة إذا سلم العين فلا نزاع أنها لا تجب إلا باستيفاء ~~المنفعة ولا نزاع في سقوطها بتلف المنافع قبل الاستيفاء. ولا نزاع أنها إذا ~~كانت مؤجلة لم تطلب إلا عند محل الأجل. فإذا خلف الوارث ضامنا وتعجل الأجل ~~الذي لم يجب إلا مؤخرا مع تأخير استيفاء حقه من المنفعة كان هذا ظلما له ~~مخالفا للعدل الذي هو # PageV30P155 # مبنى المعاوضة وإذا لم يرض الوارث بأن تجب عليه الأجرة وقال المؤجر أنا ~~ما أسلم إليك المنفعة لتستوفي حقه منها فأوجبنا عليه أداء الأجرة حالة من ~~التركة مع تأخر المنفعة: تبين ما في ذلك من الحيف عليه. وأما إذا كان ~~المؤجر وقفا ونحوه. فهنا ليس للناظر تعجيل الأجرة كلها بل لو شرط ذلك لم ~~تجز؛ لأن المنافع المستقبلة إذا لم يملكها وإنما يملك أجرتها ما يحدث في ms8854 ~~المستقبل فإذا تعجلت من غير حاجة إلى عمارة كان ذلك أخذا لما لم يستحقه ~~الموقوف عليه الآن. وأجاب: لا يلزم تعجيل الأجرة في أصح قولي العلماء؛ لا ~~سيما إذا كان المستأجر حبسا فإن تعجيل الأجرة في الحبس لا يجوز إلا لعمارة ~~ونحوها؛ لأن منافع الحبس يستحقها الموقوف عليه طبقة بعد طبقة. وكل قوم ~~يستحقون أجرة المنافع الحادثة في زمانهم فإن تسلفوا منفعة المستقبل كانوا ~~قد أخذوا عوض ما لم يستحقوه من الوقف وهذا لا يجوز؛ لكن إذا طلب أهل المال ~~من ورثة المستأجر ضمينا بالأجرة فلهم ذلك. ويبقى المال في ذمة الورثة مع ~~ضامن خبير لأهل الوقف من يسكنه مع أنه لو لم يكن وقفا لم يحل بموت المدين. ~~وكذلك على قول من يقول بحلوله في أظهر قوليهم؛ إذ يفرقون بين الإجارة ~~وغيرها كما يفرقون في الأرض المحتكرة إذا بيعت أو # PageV30P156 # ورثت فإن الحكر يكون على المشتري والوارث وليس لهم أخذه من البائع وتركة ~~الميت: في أظهر قوليهم. # وسئل: # عن رجل استأجر بستانا مدة عشر سنين وقام بقبض مبلغ الأجرة ثم توفي ~~لانقضاء خمس سنين من المدة وبقي في الإجارة خمس سنين وله ورثة وأقاموا ورثة ~~المتوفى بعد مدة سنة من وفاته. فهل يجوز للمالك فسخ الإجارة على الأيتام؟ ~~أم لا؟ . # فأجاب: # ليس للمؤجر فسخ الإجارة بمجرد موت المستأجر عند جماهير العلماء؛ لكن منهم ~~من قال: إن الأجرة على المستأجر تحل بموته وتستوفى من تركته فإن لم يكن له ~~تركة فله فسخ الإجارة. ومنهم من يقول: لا تحل الأجرة إذا وثق الورثة برهن ~~أو ضمين يحفظ الأجرة؛ بل يوفونه كما كان يوفيها الميت وهذا أظهر القولين. ~~والله أعلم. # PageV30P157 # وسئل - رحمه الله -: # عن أقوام ساكنين بقرية من قرى الفيوم والقرية قريبة من الجبل يرى فيها ~~بعض السنين النصف فلما كان في هذه السنة كتب على المشايخ إجارة البلدي مدة ~~ثلاث سنين قبل خلو الأرض من الإجارة الماضية وقبل فراغ الأرض من الزرع. فهل ~~تصح هذه الإجارة؟ . # فأجاب: # أما إذا كانوا مكرهين ms8855 على الإجارة بغير حق لم تصح الإجارة ولم تلزم بلا ~~نزاع بين الأئمة. وأما لو كانوا استأجروها مختارين أو مكرهين بحق وكانت حين ~~الإجارة في إجارة آخرين فهذه تسمى الإجارة المضافة. كما عليه المسلمون في ~~غالب الأعصار والأمصار إذ لا محذور فيها يبطل الإجارة كعقد البيع فلا فرق ~~بين أن تكون المنفعة على العقد أو لا تكون. وكون المستأجر لا يقبض عقيب ~~العقد لا يضر فإن القبض يتبع موجب العقد ومقتضاه فإن اقتضى القبض عقيبه وجب ~~قبضه عقيبه وإن اقتضى تأخر القبض وجب القبض حين أوجبه العقد؛ إذ المقبوض # PageV30P158 # في العقد ليس مما أوجبه الشارع على صفة معينة؛ بل المرجع في ذلك إلى ما ~~أوجبا في العقد. ولهذا لو باع نخلا لم تؤبر كان الثمر للبائع عند مالك ~~والشافعي والإمام أحمد كما دلت عليه السنة وكان للبائع أن يدخل لأجل ثمره. ~~وإن كان ذلك ينافي القبض التام: فلو باع أمة مزوجة كانت منفعة البضع على ~~ملك الزوج لم تدخل فيما يقبضه المشتري لنفسه باتفاق الأئمة الأربعة وكذلك ~~العين المؤجرة عند أكثر العلماء؛ فلهذا صح عند طوائف منهم استيفاء منفعة ~~العين في البيع والهبة والوقف والعتق وغير ذلك. كما اقتضى حديث. . . (1) ~~كما هو مذهب مالك وأحمد. ولهذا لو أقبض العين المؤجرة كانت في المنفعة مع ~~خراج تصرف المستأجر فيها باقية على ضمان المؤجر فلو تلفت بآفة سماوية كانت ~~من ضمانه باتفاق المسلمين. وكذلك يقول مالك وأحمد وغيرهما في بيع الثمار ~~إذا أصابتها جائحة. وبالجملة فلا يحرم من العقود إلا ما حرمه نص أو إجماع ~~أو قياس في معنى ما دل على النص أو الإجماع فكل ذلك منتف في الإجارة ~~المضافة وإذا استأجر الأرض وفيها زرع للغير فإنه يبقى لصاحبه بأجرة المثل ~~كما تبقى لو لم يؤجر الأرض. والله أعلم. PageV30P159 # و ### | سئل: # عن رجل استأجر حانوتا # وقد جاء إنسان زاد عليه في الحوانيت فقدمه. فهل تفسخ إجارة المستأجر ~~الحانوت الواحد؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، إذا استأجرها من المالك أو وكيله أو ms8856 وليه لم يكن لأحد أن يقبل ~~عليه زيادة ولا يخرجه قبل انقضاء مدته وإن لم يكن بينهما كتاب ولا شهود بل ~~من قال: اذهب اكتب عليك إجارة فأشهد عليه المستأجر بالإجارة ومكنه المؤجر ~~من السكنى فهذه إجارة لازمة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل زاد على قوم في بيت ليسكن فيه. # فهل يأثم بذلك؟ وهل يجب تعزيره على ذلك؟ . # فأجاب: # قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل لمسلم ~~أن يسوم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه} فإذا # PageV30P160 # كان المؤجر قد ركن إلى شخص ليؤجره لم يجز لغيره الزيادة عليه. فكيف إذا ~~كان ساكنا في المكان مستمرا فمن فعل ذلك استحق التعزير والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل استأجر دارا بجواره رجل سوء # فراح المستأجر إلى المؤجر وقال له: ما أرتضي به أن يكون جواري إما أن ~~تنقله أو تعطيني أجرتي. فقال له: أنا أنقله في هذا النهار فحلف المستأجر ~~بالطلاق الثلاث متى لم ينتقل الجار في هذا النهار وإلا ما أسكن الدار فلم ~~ينقل المستأجر من الدار فطلب الإجارة فلم يعطه الإجارة؟ . # فأجاب: # إذا كان الأمر على ما ذكر فمثل هذا عيب في العقار وإذا لم يعلم به ~~المستأجر حال العقد فله أن يفسخ الإجارة ولا أجرة عليه من حين الفسخ. والله ~~أعلم. # PageV30P161 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له ملك يستحق كراه خمسة دراهم يعطي المكترين دراهم تقوية ويزيدون ~~في الكري. هل يجوز ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا أقرضه عشرة على أن يكتري منه حانوته بأجرة أكثر من المثل. لم يجز هذا ~~باتفاق المسلمين؛ بل لو قرر بينهما من غير شرط كان ذلك باطلا منهيا عنه عند ~~أكثر العلماء. (كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس ~~عندك} قال الترمذي: حديث صحيح) (*) . فنهى صلى الله عليه وسلم أن يبيعه ~~ويقرضه؛ ms8857 لأنه يحابيه في البيع لأجل القرض فكيف إذا شارطه مع القرض أن ~~يستأجر ويحابيه وليس عنده وإن كان الغريم معسرا أنظر إلى ميسرة. قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين} {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن ~~PageV30P162 # تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} . # وسئل: # عن جندي له قطاع فألزمه إنسان أن يؤجره فآجره على سبيل الغصب بمائتي درهم ~~ثم أظهر أنه يساوي أربعة آلاف درهم فهل يصح هذا الإيجار؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان قد أكرهه بغير حق على الإجارة لم يصح وإن كان قد دلس ~~عليه فله فسخ الإجارة والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن جبى لإنسان دراهم # كل ألف بستة دراهم وعرف الناس وعادتهم اثنا عشر درهما وقد غرم فيها ~~بجبايتها. وهو مغرور بالشرط؟ # فأجاب: # إذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر وغره حتى استأجر بدون قيمة المثل مما ~~لا يتغابن الناس بمثله فله أن يطالبه بأجرة المثل. # PageV30P163 # وسئل: # عن رجل أجر رجلا عقارا مدة وفي أواخر المدة زاد رجل في أجرتها فأجره ~~فعارضه المستأجر الأول. وقال: هذه في إجارتي. هل له ذلك؟ # فأجاب: # إذا كان قد أجر المدة التي تكون بعد إجارة الأول لم يكن للأول اعتراض ~~عليه في ذلك والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له حوانيت وبها أقوام ساكنون من غير إجارة من المالك وفي هذا ~~الوقت زاد أقوام على الساكنين بالحوانيت زيادة متضاعفة فهل يجوز للمالك ~~إجارتهم؛ وقبول الزيادة؟ # الجواب # فأجاب: إن كانوا غاصبين ظالمين قد سكنوا المكان بغير إذن المالك فإخراج ~~مثل هؤلاء لا يحتاج إلى زيادة؛ بل يجب عليهم أن يخرجوا قبل حصول الزيادة ~~وللمالك أن يخرجهم قبل الزيادة. ولا # PageV30P164 # يحل للمالك أن يطالبهم بأجرة مسماة؛ بل ms8858 إنما عليهم أجرة المثل. وإن كان ~~المؤجر ناظر وقف أو يتيم: كان بإقراره لهم مع إمكان إخراجهم ظالما معتديا. ~~وذلك يقدح في عدالته وولايته. وأما إن سكنوا على الوجه الذي جرت به العادة ~~في سكنى المستأجرين مثل أن يجيء إلى المالك فيقول: أجرني المكان الفلاني ~~بكذا. فيقول: اذهب فأشهد عليك ويشهد على نفسه المستأجر دون المؤجر ويسلم ~~إليه المكان. وإذا أراد الساكن أن يخرج لم يمكنه صاحب المكان فهذه إجارة ~~شرعية. ومن قال: إن هذه ليست إجارة شرعية وليس للساكن أن يخرج إلا بإذن ~~المالك والمالك يخرجه متى شاء فقد خالف إجماع المسلمين؛ فإن الإجارة إن ~~كانت شرعية فهي لازمة من الطرفين وإن كانت باطلة فهي باطلة من الطرفين ومن ~~جعلها لازمة من جانب المستأجر جائزة من جانب المؤجر فقد خالف إجماع ~~المسلمين. ومتى كان المؤجر ناظر وقف أو مال يتيم يسلمه إلى الساكن وأمره أن ~~يكتب عليه إجارة وطالبه بمكتوب الإجارة والأجرة المسماة وقال مع هذا: إني ~~لم أؤجره إجارة شرعية: كان ذلك قادحا في عدالته وولايته فإن الفقهاء لهم في ~~الإجارة الشرعية قولان: # PageV30P165 # أحدهما: أنها تنعقد بما يعده الناس إجارة حتى لو دفع طعامه إلى طباخ يطبخ ~~بالأجرة أو ثيابه إلى غسال يغسل بالأجرة أو نساج أو خياط أو نحوهم من ~~الصناع الذين جرت عادتهم أنهم يصنعون بالأجرة يستحقون أجرة المثل. وكذلك لو ~~دخل حماما أو ركب سفينة أو دابة. كما جرت العادة بالركوب على الدواب ~~والمراكب المعدة للكري فإنه يستحق أجرة المثل. فكيف إذا قال: أجرني بكذا؟ ~~فقال: اذهب فاكتب إجارة فكتبها وسلم إليه المكان: فهذه إجارة شرعية عند ~~هؤلاء. وهذا قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والإمام أحمد وغيرهم. ~~والقول الثاني: أنه لا بد من الصفة في ذلك. كما قيل مثل ذلك في البيع. كما ~~يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي فمن كان يعتقد هذا فعليه ألا يوجب أجرا ~~إلا على هذا الوجه فمن اعتقد أن الأجرة لا تصح إلا على هذا الوجه وأجره على ms8859 ~~الوجه المعتاد وسلم المكان وطالب بالأجرة المسماة ثم عند الزيادة يدعي عدم ~~الإجارة لم يقبل منه فإن هذا ظلم فإنه إذا التزم مذهبا كان عليه أن يلتزمه ~~له وعليه. وأما أن يكون عند الذي له يعتقد صحة الإجارة وعند الذي عليه ~~يعتقد فسادها فهذا غير مقبول ولا سائغ بإجماع المسلمين. ومن أصر على مثل ~~ذلك فهو ظالم باتفاق المسلمين؛ بل هو فاسق مردود الشهادة والولاية. # PageV30P166 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مستأجر أرضا بجواره فلما سافر اشترى إنسان الدار التي بجوار الأرض ~~الذي هو مستأجرها فبناها وأدخلها في داره. فما يجب؟ # فأجاب: (*) # ليس له أن يستولي على الأرض المستأجرة مع غيرها ولا يدخلها في داره؛ بل ~~هو بذلك غاصب ظالم. والمستأجر بالخيار بين أن يفسخ الإجارة بهذا السبب؛ ~~وتسقط عنه الأجرة. وبين أن يمضي في الإجارة ويطالب الغاصب بأجرة ما انتفع ~~به من الأرض وهو مخير بين أن يبقى بناؤه فيها وبين أن ينزله إن كان مما دخل ~~في عقد إجارته فإن لم يدخل في عقد إجارته لم يتصرف فيها إلا بإذن المالك. ~~والله أعلم. PageV30P167 # وسئل: # عن رجل وكل رجلا على أنه يستأجر له ويؤجر عنه ويبيع عنه ويبتاع له. ~~فاستأجر لموكله حصة بقرية مدة معلومة إجارة صحيحة لازمة فقايله مدة الإيجار ~~من غير أن يكون الموكل وكله في المقايلة. فهل هذه المقايلة صحيحة؟ وهل ~~الإيجار باق على أصله الصحيح يستحقه للموكل؟ ويستحق المؤجر الإجارة والحال ~~هذه؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا تعذر استيفاء المستأجر الأجرة التي يستحقها فله فسخ ~~الإجارة كما إذا تعذر استيفاء المشتري الثمن إذا طلب الفسخ والحال هذه ~~وإجارة المستأجر للوكيل قد كان فعل ما وجب عليه وليس هذا من المقايلة ~~الجائزة التي تفتقر إلى إذن الموكل. والله أعلم. # PageV30P168 # وسئل: # عن جماعة بيدهم إقطاع وفي الإقطاع أرض عاطلة وأذنوا لشخص أن يؤجرها؛ ~~فأجرها مدة ثلاثين سنة ولم يشاور الوكيل المقطعين على الثلاثين سنة فهل ~~تجوز هذه الإجارة؟ أم لا؟ # فأجاب: # لا تصح هذه الإجارة إلا إذا كانت بإذن ms8860 المقطعين أو ما يقتضي الإذن فيها. ~~فأما مجرد الإذن في الإجارة مطلقا الذي يقتضي في العرف سنة أو سنتين أو نحو ~~ذلك فلا يفهم منه الإذن في هذه المدة الطويلة فلا تصح الإجارة بمجرده. # وسئل: # عن رجل بيده إقطاع يشهد به منشوره وأنه ضمن بعض نواحي الإقطاع لمن يزرعها ~~وينتفع بها مدة معينة ثم انتقل الإقطاع الذي بيده إلى غيره. فهل يصح ~~الإيجار الأول؟ وهل إذا صح يصح الإيجار على المقطع الثاني أو يفسخ؟ وهل ~~للمقطع أن يمنع المؤجرين الانتفاع؟ # PageV30P169 # فأجاب: الحمد لله. نعم يصح الإيجار الأول؛ لكن إن شاء المقطع الثاني ~~أمضاه؛ بل من حين أقطعها صارت له فإن شاء أجرها لذلك المستأجر وإن شاء لم ~~يؤجره. فإن كان للمستأجر فيها زرع أبقاه بأجرة المثل إلى حين كماله وإن لم ~~يكن فيها لا عين ولا منفعة فلا شيء له. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له إقطاع فحضر إليه شخص وطلب إيجار الطين منه فأجره طينه للشخص ~~المذكور من غير أن يكشف طينه وسأل عنه وكان المستأجر ذكر للآخر إن لم تؤجر ~~طينك وإلا يبور فخشي الجندي من بوران الطين فأجره من غير أن يكشف ثم حضر ~~شخص آخر من أهل الناحية وعرف الجندي أن المستأجر استأجر طينك بدون القيمة ~~فإن الشركة طينهم مسجل بأكثر من هذه القيمة. فهل يجوز للجندي أن يفسخ ~~الإجارة المكتبية؟ ويؤجر لغيره بقيمته سنة؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر: مثل أن يكون قد أخبره ~~عنه بما ينقص قيمته ولم يكن الأمر كذلك فللمؤجر فسخ الإجارة. # PageV30P170 # وكذلك إن أخبره بأنه ليس هناك من يستأجره وكان له هناك طلاب وأمثال ذلك. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن جندي استأجر طينا من أمير وانتقل عن الإقطاع واختار المستأجر الفسخ عن ~~الإجارة وجاء الأمير المستجد وطلب منه التحضير. فهل يلزمه ذلك؟ # فأجاب: # إذا انتقل الإقطاع إلى آخر انفسخت الإجارة من حين انتقاله؛ فإن المنفعة ~~الحادثة بعد ذلك لم تكن ملكا للأول ولا ms8861 للثاني. والمقطع إن شاء يؤجر وإن ~~شاء لا يؤجر والمستأجر إن شاء استأجر منه وإن شاء لا يستأجر منه. ليس لواحد ~~منهما إلزام الآخر لا بإجارة ولا له إلزامه بتحضير. # PageV30P171 # و ### | سئل: # عن رجل استأجر أرضا ثم حدثت مظلمة # على البلد وطلبوا منه أن يغرم في المظلمة. فهل يلزم المستأجر شيء؟ أم لا؟ # فأجاب: # المظالم لا تلزم هذا ولا هذا. لكن إذا وضعت على الزرع أخذت من رب الزرع ~~وإن وضعت على العقار أخذت من العقار إذا لم يشترط على المستأجر فإذا كان ما ~~اشترط لم يدخل فيما اشترط على المستأجر وقد وضع على العقار دون الزرع أخذت ~~من رب الأرض وإن وضع على الزرع أخذ من المستأجر؛ وإن وضع مطلقا رجع في ذلك ~~إلى العادة في مثله. # وسئل - رضي الله عنه -: # عن أمير دخل على بلد وهي مستأجرة لشيخها وبعض الأرض مشغولة بزراعة أقصاب ~~والأقصاب مستمرة في عقد إيجار المستأجر من قبل دخول الأمير على الإقطاع ~~وإلى حين انفصاله. فهل إذا # PageV30P172 # كانت أرض الأقصاب مستمرة في عقد إيجار المستأجر قبل الدخول وإلى حين ~~الخروج يبطل حكم الإيجار؟ أو يستمر حكمه؟ # فأجاب: # إيجار المقطع للأرض يصح وله أن يؤجرها لمن يزدرعها قصبا وغير قصب. وكذلك ~~للمستأجر منه أن يؤجرها لغيره بحكم ما استأجرها. وإذا مات ذلك المقطع أو ~~أقطع إقطاعه فالمقطع الثاني لا يلزمه إجارة الأول وليس له أن يقلع ما ~~للمستأجر فيها من الزرع والقصب مجانا؛ بل هو مخير إن شاء أن يبقى زرعه ~~وقصبه بأجرة مستأنفة بمثل الأجرة الأولى أو أقل أو أكثر كما يتراضيان به؛ ~~لكن ليس له أن يلزم المستأجر بأكثر من أجرة المثل. وإذا استأجرها صاحب ~~القصب والزرع صحت الإجارة؛ فإنه يتمكن من الانتفاع بها؛ ولو استأجرها غيره ~~جاز على الصحيح وقام غيره فيها مقام المؤجر إن شاء أن يبقى زرعه وقصبه ~~بأجرة المثل وإن شاء أن يؤجره إياها برضاه. والله أعلم. # PageV30P173 # وسئل - رحمه الله -: # عمن له قيراط في بلد فأجره لشخص بمائة إردب وستين ms8862 إردبا؛ بناقص عن الغير ~~بثمانين إردبا وذلك قبل أن يشمله الري. فهل تصح الإجارة قبل شمول الري؟ وهل ~~له أن يطلب القيمة؟ # فأجاب: # إذا كانت هذه البلاد مما تروى غالبا صحت إجارتها عند عامة الفقهاء قبل أن ~~يروى؛ وإنما النزاع في مذهب الشافعي. فظاهر مذهبه جواز إجارة ذلك. كمذهب ~~سائر الأئمة. وما يوجد في بعض كتبه من إطلاق العقد قد فسره أئمة مذهبه رضي ~~الله عنهم. وما زالت أرض مصر تؤجر قبل شمول الري في أعصار السلف والأئمة ~~وليس فيهم من أنكر بسبب تأخره. وإذا طلب الزيادة فليس له إلا الأجرة ~~المسماة وإن كان غره فذاك شيء آخر ليبينه السائل حتى يجاب عنه. # PageV30P174 # و ### | سئل: # عن شخص أجر أرضا جارية في إقطاعه مدة # ثم إن المستأجر تسلم الأرض وتسلم المؤجر بعض الأجرة وأخذ ما دفعه من ~~الأجرة إلى المؤجر وقطع الإجارة ثم إنه ذكر بأنه حرث بعض الأرض فألزم ~~المؤجر بأجرة الحراثة. فهل يستحق المؤجر مثل أجرة الحرث بمجرد قول ~~المستأجر؟ أم لا؟ وهل يفسخ المؤجر بغير مستند شرعي؟ . # فأجاب: # أما إذا كان المستأجر فسخ الإجارة بعد استيلائه على الأرض فإن كانا قد ~~تقايلا الإجارة أو فسخها بحق: فعليه من الأجرة بقدر ما استولى على الأرض ~~وله قيمة حرثه بالمعروف. # وسئل - رحمه الله -: # عن ناظر وقف أو مال يتيم: هل يجوز له أن يسلم المكان من الوقف أو مال ~~اليتيم لمن يسكنه بغير إجارة شرعية؟ وإذا أشهد أحد على نفسه أنه استأجر من ~~مباشر الوقف مكانا معينا مدة معينة # PageV30P175 # بأجرة مسماة وسلم الإجارة للمباشر وتسلم منهم المكان وسكنه مدة وطالبوه ~~بالأجرة المسلمة. فهل للناظر أن يجعل هذه الإجارة لازمة من جهة المستأجر ~~غير لازمة من جهة نفسه ونوابه؟ يمنع بها المستأجر من الخروج إذا أراد ~~الخروج ويطالبه بالأجرة المسماة فيها وتقبل عليه الزيادة متى حصلت ممن زاد ~~عليه وإذا لم يكن ذلك جائزا وأصر الناظر على ذلك: هل يكون ذلك قادحا في ~~عدالته وولايته؟ وهل يجب عليه أن يؤجر الوقف ms8863 أو مال اليتيم إجارة صحيحة؟ أم ~~لا؟ . # فأجاب: # ليس له تسليم الوقف ولا مال اليتيم ولا غيرهما مما يتصرف فيه بحكم ~~الولاية إلا بإجارة شرعية لا يجوز تسليمه إليه بإجارة فاسدة؛ بل وكذلك ~~الوكيل مع موكله ليس له أن يسلم ما وكل في إجارته إلا بإجارة شرعية وليس ~~للناظر أن يجعل الإجارة لازمة من جهة المستأجر جائزة من جهة المؤجر فإن هذا ~~خلاف إجماع المسلمين بل إن كان ممن يعتقد صحة الإجارة والبيع ونحوهما بما ~~جرت به العادة - كما هو قول الجمهور - جاز له أن يسلمه بما هو إجارة في ~~العرف وإن كان لا يرى صحة البيع والإجارة ونحوهما إلا باللفظ كان عليه ألا ~~يسلمها إلا إذا أجرها كذلك كان عليه ألا يسلم ما باعه من مال اليتيم وغيره ~~إلا إذا باعه بيعا شرعيا. فمن اعتقد جواز بيع المعاطاة سلمه بهذا البيع. ~~وهذا هو القول # PageV30P176 # الذي عليه جمهور الأئمة وعليه عمل المسلمين من عهد نبيهم وإلى اليوم. ومن ~~كان يعتقد أنه لا يصح بيع وأنه لا بد من الصيغة من الجانبين: لم يكن له مع ~~وجود هذا الاعتقاد أن يسلم مال اليتيم إلا بعقد صحيح كالإجارة والبيع ~~ونحوهما من العقود التي يجوزها الجمهور بدون اللفظ وبعض العلماء لا يجوزها ~~إلا باللفظ: يجب فيها على كل من اعتقد أن يعمل بموجب اعتقاده له وعليه؛ ليس ~~لأحد أن يعتقد أحد القولين فيها له والقول الآخر فيها عليه كمن يعتقد أنه ~~إذا كان جارا استحق شفعة الجوار وإذا كان مشتريا لم يجب عليه شفعة الجار. ~~أو إذا كان من الإخوة للأم - في المسألة المشركة الحمارية - يسقط ولد ~~الأبوين وإذا كان هو من الإخوة للأبوين استحق مشاركة ولد الأم وإذا كان هو ~~المدعي قضي له برد اليمين وإذا كان هو الطالب حكم له بشاهد ويمين وأمثال ~~ذلك كثير. فليس لأحد أن يعتقد في مسألة نزاع مثل هذا باتفاق المسلمين. فإن ~~مضمون هذا أن يحلل لنفسه ما يحرمه على مثله ويحرم على مثله ما يحلله ms8864 لنفسه ~~ويوجب على غيره - الذي هو مثله - ما لا يوجبه على نفسه ويوجب لنفسه على ~~غيره ما لا يوجبه لمثله. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ بل ومن كل دين؛ ~~أن هذا لا يجوز ومن اعتقد جواز هذا فهو كافر؛ بل من اعتقد صحة # PageV30P177 # بيع المعاطاة ونحوه من الإجارات التي يعدها أهل العرف بيعا وإجارة: اعتقد ~~أن هذا العقد صحيح منه ومن غيره. ومن اعتقده باطلا: اعتقده منه ومن غيره. ~~فالمؤجر الناظر إن اعتقد أحد القولين التزمه له وعليه. فإن اعتقد بطلان هذا ~~العقد لم يجز له أن يسلم المؤجر ولا يطالب بالأجرة المسماة ولا [يمنع] (1) ~~المستأجرين من الخروج. وكان بمنزلة من سلم العين إلى الغاصب فما تلف تحت يد ~~المستولي كان عليه ضمانه كما لو سلم ماله بعقد فاسد يعتقد هو فساده وإن ~~اعتقد صحة هذا العقد كان له تسليم العين والمطالبة بالأجرة المسماة ولم يكن ~~له أن يقبل زيادة على المستأجر ولا يخرجه قبل انقضاء الأجرة من غير سبب ~~شرعي يوجب الفسخ. ومتى أصر الناظر على أن يجعله فاسدا بالنسبة إلى المستأجر ~~صحيحا بالنسبة إليه غير لازم بالنسبة إلى المستأجر؛ فإنه ظالم جائر وذلك ~~قادح في ولايته وعدالته. وعليه أن يؤجر ما يؤجره إجارة صحيحة وليس له ~~باتفاق المسلمين أن يؤجر إجارة يعلم أنها غير صحيحة. والله أعلم. ~~PageV30P178 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عليه حصة وقف وعليه دين لشخص فأجره الضيعة وقاصه بدينه المذكور ~~عليه ثلاث سنين وهو شرط مذهب الواقف وعليه دين آخر لرجل آخر فاعتقله في حبس ~~السياسة مدة إلى أن هلك من السجن وحلف أنه ما يخرجه حتى يضمنه الحصة فما ~~وجد من الحبس والتهديد ضمنه الحصة المذكورة وهو ضامن حصة أخرى فاستولى ~~عليها من أول المدة ومدة الإيجار خمس سنين ومبلغ الدين واحد. فهل يعمل ~~بالإيجارة الأولى التي هي شرط الواقف وأغلى قيمة؟ أم بالثانية التي هي كره ~~وإجبار ودون القيمة وغير شرط الواقف؟ وإذا كان قد أخذ منها مغلات يرجع على ~~المستأجر الأول أم ms8865 لا؟ وإذا كان قد فرغ مدة الأول لمن يكون ولاية الإيجار؟ ~~. # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان قد أجره إجارة صحيحة كانت إجارته تلك المدة أو بعضها ~~قبل انقضاء مدة هذه الإجارة إجارة باطلة سواء كانت باختيار المؤجر أو كان ~~قد أكره عليها وكان هذا المستأجر ظالما بوضع يده عليها واستغلالها وكان ~~للمستأجر الأول الخيار بين أن يفسخ # PageV30P179 # الإجارة وتسقط عنه الأجرة من حين الفسخ وبين أن يضمنها فيؤدي الأجرة ~~ويطالب هذا الظالم بعوض المنفعة. # و ### | سئل: # عن دار وقف على صغير ورجل بالغ # وقد أجرها أبو الواقف بالإكراه والإجبار من رجل له جاه منذ أربعين سنة. ~~فهل تصح إجارة الأب على ابنه البالغ؟ وقد رآه مكرها وعليه الترسيم فأراد ~~الابن خلاصه من يد الظالم الذي أكره على الإيجار فأشهد على نفسه بإمضاء ~~الإجارة فهل يصح هذا الإشهاد؟ وهل تصح إجارة أربعين سنة؟ . # فأجاب: # إذا أكره على الإيجار بغير حق أو أكره بغير حق على تنفيذها: لم يصح؛ فإن ~~المكره بغير حق لا يلزم بيعه ولا إجارته ولا إنفاذه باتفاق المسلمين. وأما ~~إجارة الوقف هذه المدة ففيها نزاع بين العلماء كما في مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي. # PageV30P180 # وسئل - رحمه الله -: # عن أيتام لهم نصيب في ملك فأجره الوصي للشركة مدة ثلاث سنين بدون قيمة ~~المثل. فما الحكم؟ . # فأجاب: # الحمد لله، متى أجره الوصي بدون أجرة المثل كان ضامنا لما فوته على ~~اليتيم ولم تكن الإجارة لازمة لليتيم بعد رشده؛ بل هي باطلة منفسخة في أحد ~~قولي العلماء. وفي الآخر له أن يفسخها. ثم إن كان المستأجر لم يعلم تحريم ~~ما فعله الوصي كان له أن يضمنه ما لم يلتزم ضمانه وإن علم استقر الضمان ~~عليه؛ بل لو أجره بأجرة المثل. مثل هذه المدة التي يعلم الوصي أنه يبلغ في ~~أثنائها؛ فأكثر العلماء يجوزون لليتيم الفسخ. والله أعلم. # PageV30P181 # وسئل: # عن رجل استأجر ثم أحدث بعد حماما بجانب الدار يحصل من الماء الناموس ~~وزوجته أسقطت من رائحة الدخان. فهل يفسخ الإجارة؟ . # فأجاب: # إذا لم ms8866 يكن المستأجر يعلم بأن هذه الحمام إذا أدير يحصل من إدارته الضرر ~~الذي ينقص قيمة المنفعة في العادة فله فسخ الإجارة. والقول قوله في عدم ~~العلم مع يمينه. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن إقطاع مسجل تقاوي على المقطع # كل فدان بثلاثة أرادب وثلاثة دراهم. والبقر من المستأجرين. هل يجوز ذلك؟ ~~أم لا؟ . # فأجاب: # إذا كانت الضريبة ومؤجرها يؤجرها بها سواء كان الفلاح يقترض أو لم يكن. ~~ولم يرد الضريبة لأجل القوة فهذا جائز؛ فإن القرض لم يجر به منفعة وإن كان ~~بعض العلماء كره ذلك وجعله من القرض الذي يجر منفعة؛ إذ بالقوة يستأجرها ~~الفلاح لكن هذه منفعة # PageV30P182 # للاثنين وإذا لم يزد الأجرة لأجل القوة فقد أحسن. ولا فرق بين أن يسمى ~~إجارة أو مسجلا فالجميع سواء. # و ### | سئل: # عمن استأجر أجيرا يعمل في بستان # فترك العمل حتى فسد بعض البستان. فهل يستحق الأجرة؟ أو يضمن؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا ريب أنه إذا ترك العمل المشروط عليه لم يستحق الأجرة وإن عمل بعضه ~~أعطي من الأجرة بقدر ما عمل وإذا تلف شيء من المال بسبب تفريطه كان عليه ~~ضمان ما تلف بتفريطه. والتفريط هو ترك ما يجب عليه من غير عذر. # وسئل: # عن دابة: أيما أفضل ينقل الناس بلا أجرة أو يأخذ الأجرة ويتصدق بها؟ . # فأجاب: # إن كانوا فقراء فتركه لهم أفضل وإن كانوا أغنياء وهنالك محتاج فأخذه لأجل ~~المحتاج أفضل. # PageV30P183 # وسئل - رحمه الله -: # عمن أجر أراضي بيت المال لأقوام معينين في إيجار كل واحد في إجارة قدر ~~معلوم بدرهم معلوم وزرعت الأراضي أنشابا وأن الأراضي المستأجرة فيها زائد ~~مع المستأجر بخارج عما يشهد به الإيجار. فهل يجوز اعتبار الأراضي وإخراج ~~الزائد لبيت المال؟ . # فأجاب: # ما زرعوه زائدا عما يستحقونه بالإجارة فزرعهم بأجرة المثل فمتى استعملوا ~~الزائد كان عليهم أجرة المثل باتفاق المسلمين. وإن لم يستعملوه: فهل لرب ~~الأرض قلعه بما أنفقوه؟ على قولين مشهورين للعلماء. وإن اختار إبقاءه ~~والمطالبة بأجرة المثل: فله ذلك بالاتفاق. # PageV30P184 # وسئل - رحمه الله -: # عمن استأجر ms8867 مكانا من مباشريه مدة معينة بأجرة معينة ولو أراد الإقالة ما ~~أقالوه إلا بانقضاء المدة. فهل لهم أن يقبلوا عليه زيادة قبل أن تنقضي مدة ~~الإجارة؟ . # فأجاب: # إن كانت صحيحة فهي لازمة من الطرفين باتفاق المسلمين وليس للمؤجر أن يخرج ~~المستأجر؛ لأجل زيادة حصلت عليه والحال هذه. ولا يقبل عليه زيادة والحال ~~هذه باتفاق الأئمة. وإن كانت الإجارة فاسدة لم يجز لناظر الوقف أن يمكن ~~المستأجر من تسلم المكان بمثل هذه الإجارة ولا له أن يمنعه من الخروج إذا ~~أراد ولا يملك أن يطالبه بالأجرة المسماة في العقد وكان دخول الناظر في مثل ~~ذلك قادحا في عدالته وولايته؛ فإنه يجب عليه باتفاق الأئمة أن لا يؤجر ~~المكان إلا إجارة صحيحة في الشرع ويجب عليه باتفاق الأئمة إذا أجره كذلك أن ~~لا يقبل الزيادة على المستأجر ولا يخرجه لأجلها. وأما الذي زاد على ~~المستأجر. فلو زاد عليه بعد ركون المؤجر # PageV30P185 # إلى إجارته لكان قد سام على سوم أخيه ولو زاد عليه بعد العقد وإمكان ~~الفسخ فهو مثل الذي يبيع على بيع أخيه. وكلاهما حرام بنص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو مذهب الأئمة الأربعة فكيف إذا زاد عليه مع وجود الإجارة ~~الشرعية فإن هذا الزائد عاص آثم ظالم مستحق للتعزير والعقوبة ومن أعانه على ~~ذلك فقد أعانه على الإثم والعدوان وإشهاد المستأجر على نفسه دون إشهاد ~~المؤجر لا أثر له في ذلك فإن العقد لا يفتقر إلى إشهاد؛ بل يصح بدون ~~الشهادة. وقول الناظر له: أشهد على نفسك مع إشهاد المستأجر هو إجارة شرعية؛ ~~بل بعد قول الناظر له: أشهد على نفسك ليس لأحد أن يزيد عليه وعلى الناظر ~~ألا يؤجرها حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد عليه وعليه أن يشهر ~~المكان عند أهل الرغبات الذين جرت العادة باستئجارهم مثل ذلك المكان فإذا ~~فعل ذلك فقد آجره المثل وهي الإجارة الشرعية. فإن حاباه بعض أصدقائه أو بعض ~~من له عنده يد أو غيرهم: فأجره بدون أجرة المثل ms8868 كان ظالما ضامنا لما نقص ~~أهل الوقف من أجرة المثل. ولو تغيرت أسعار العقار بعد الإجارة الشرعية لم ~~يملك الفسخ بذلك فإن هذا لا ينضبط ولا يدخل في التكليف. والمنفعة بالنسبة ~~إلى الزمان قد تكون مختلفة لا مماثلة. فتكون قيمتها في الشتاء # PageV30P186 # أكثر من قيمتها في الصيف وبالعكس. ومن استأجره حولا فإنه يحتمل الزيادة ~~في زمان بعض الكري لأجل ما يحصل من ارتفاعه في الزمان الآخر فليس لأحد أن ~~يزيد عليه من ارتفاع سعر ذلك المكان ولو قدر أن الإجارة انفسخت في بعض ~~الأزمنة لبسطت القيمة في مثل ذلك بالقيمة لا بأجزاء الزمان. فيقال: كم ~~قيمته في وقت الصيف؟ ويقسم الأجرة على وقت القيمة ويحسب لكل زمان من الأجرة ~~بقدر قيمته. والواجب على الناظر أن يفعل مصلحة الوقف في إجارة المكان ~~مسانهة أو مشاهرة أو موايمة. فإن كانت المصلحة أن يؤجره يوما فيوما وكلما ~~مضى يوم تمكن المستأجر من الإخلاء والمؤجر من أمره به فعل ذلك. وإن كانت ~~المصلحة أن يؤجره مشاهرة وعند رأس الشهر يتمكن المستأجر من الإخلاء والمؤجر ~~من أمره به فعل ذلك. وأما إن كانت المصلحة مسانهة فقد فعل ما عليه وليس له ~~أن يخرجه قبل انقضاء مدة الإجارة؛ لأجل الزيادة. وما ذكره بعض متأخري ~~الفقهاء من أصحاب الشافعي والإمام أحمد من التفريق بين أن تكون الزيادة ~~بقدر الثلث أو أقل فهو قول مبتدع لا أصل له عن أحد من الأئمة؛ لا الشافعي ~~ولا أحمد ولا غيرهما؛ لا في الوقف ولا في غيره. # PageV30P187 # وسئل - رحمه الله -: # عمن استأجر حانوتا من مباشري الأوقاف مدة معينة بأجرة معينة وتسلم ~~الحانوت وانتفع به وقبضوا منه ما استحق لهم من الأجرة ولو أراد الإقالة ما ~~أقالوه إلا بانقضاء المدة. فهل لهم أن يقبلوا عليه زيادة ممن زاد عليه قبل ~~أن تنقضي مدة إجارته؟ أم لا؟ # فأجاب: # ليس لهم أن يقبلوا الزيادة عليه - والحال هذه - سواء كان هذا وقفا أو ملك ~~يتيم أو غير ذلك. ومن استجاز أن يقبل الزيادة ولا يمكن ms8869 المستأجر الخروج إذا ~~أراد: فقد خالف إجماع المسلمين؛ فإن الإجارة إن كانت فاسدة أو غير جائزة: ~~كان لكل من المؤجر والمستأجر تركها. وإن كانت صحيحة لازمة لم يكن لواحد ~~منهما فسخها بغير سبب يوجب ذلك لأجل الزيادة ونحوها. فأما أن تجعل جائزة من ~~جانب المؤجر؛ لازمة من جانب المستأجر: فهذا خلاف إجماع المسلمين. وأيضا فإن ~~زعم الناظر أنه لم يؤجر هذا المكان أو أجره إجارة فاسدة: كان ذلك قادحا في ~~نظره وعدالته؛ لأنه إقرار منه بأنه يسلم # PageV30P188 # العين الموقوفة إلى من لا يجوز تسليمها إليه وتمكينه بغير أجرة مسماة؛ ~~ولا نزاع أن الناظر ليس له ذلك. وأيضا فإن هذا إقرار منه بأن المستأجر لا ~~تجب عليه الأجرة المسماة؛ وإنما يجب عليه أجرة المثل. وأجرة المثل كثيرا ما ~~تكون دون المسماة فيكون ذلك إقرارا على نفسه بأنه ضامن لما فوته على أهل ~~الوقف. ولو ادعى الناظر أن الإجارة كانت فاسدة وادعى المستأجر أنها صحيحة ~~لكان القول قول من يدعي الصحة؛ إذ الأصل في عقود المسلمين الصحة؛ والله ~~أعلم. # وسئل - رضي الله عنه -: # عن رجل وزان بالقبان ويأخذ أجرته ممن يزن له. فهل يجوز له ذلك؟ وهل ~~الأجرة حلال؟ أم حرام؟ # فأجاب: # الحمد لله، الوزن بالقبان الصحيح كالوزن بسائر الموازين إذا وزن الوازن ~~بهذه الآلات الصحيحة بالقسط جاز وزنه وإن كانت الآلة فاسدة والوازن باخسا ~~كان من الظالمين المعتدين. وإذا وزن بالعدل وأخذ أجرته ممن عليه الوزن: جاز ~~ذلك. # PageV30P189 # و ### | سئل: # عن رجل يختم القماش # وهو ساكن عنده رجل فإذا ادعى الرجل أن الأجرة من غير كسبه. هل يجوز أن ~~يأخذها؟ # فأجاب: # أما إذا كان له جهة أخرى حلال وذكر أنه يعطي الأجرة منها، وغلب على الظن ~~صدقه [جاز] (1) أن يأخذ وإن لم يغلب على الظن كذبه جاز تصديقه في ذلك إذا ~~لم يعرف كذبه. # وسئل - رحمه الله -: # عن أجرة الحجام. هل هي حرام؟ وهل ينجس ما يصنعه بيده للمأكل؟ وهل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام أجره؟ وما جاء فيه ms8870 من التحريم؟ وهل ورد في ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {شفاء أمتي في ثلاث: آية من ~~كتاب الله أو لعقة من عسل أو كأس من حجام} " فكيف حرم هذا ووصف بالتداوي ~~هنا وجعله شفاء PageV30P190 # فأجاب: # الحمد لله، أما يده إذا لم يكن فيها نجاسة فهي كسائر أيدي المسلمين ولا ~~يضرها تلويثها بالدم إذا غسلها كما لا يضرها تلوثها بالخبث حال الاستنجاء ~~إذا غسلها بعد ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: {احتجم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره} ولو كان سحتا لم يعطه إياه. وفي ~~الصحيحين عن {أنس - وسئل عن كسب الحجام - قال: احتجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم أهله فخففوا عنه} ولا ~~ريب أن الحجام إذا حجم يستحق أجرة حجمه عند جماهير العلماء وإن كان فيه قول ~~ضعيف بخلاف ذلك. وقد أرخص النبي صلى الله عليه وسلم له أن يعلفه ناضحه ~~ويطعمه رقيقه كما في حديث {محصن أن أباه استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خراج الحجام فأبى أن يأذن له فلم يزل به حتى قال: أطعمه رقيقك ~~واعلفه ناضحك} رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه وغيره. واحتج بهذا أكثر ~~العلماء أنه لا يحرم. وإنما يكره للحر تنزيها. قالوا: لو كان حراما لما ~~أمره أن يطعمه رقيقه؛ لأنهم متعبدون # PageV30P191 # ومن المحال أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعم رقيقه حراما. ومنهم ~~من قال: بل يحرم؛ لما روى مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج - رضي الله عنهما ~~- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ~~ومهر البغي خبيث} " وفي الصحيحين عن {ابن أبي جحيفة قال: رأيت أبي اشترى ~~حجاما فأمر بمحاجمه فكسرت فسألته عن ذلك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن ثمن الدم} . قال هؤلاء: فتسميته خبيثا يقتضي تحريمه كتحريم مهر ~~البغي وحلوان الكاهن. قال ms8871 الأولون: قد ثبت عنه أنه قال: " {من أكل من هذين ~~الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا} " فسماهما خبيثتين بخبث ريحهما ~~وليستا حراما. وقال: " {لا يصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين} أي: البول ~~والغائط. فيكون تسميته خبيثا لملاقاة صاحبه النجاسة؛ لا لتحريمه؛ بدليل أنه ~~أعطى الحجام أجره وأذن له أن يطعمه الرقيق والبهائم. ومهر البغي وحلوان ~~الكاهن لا يستحقه ولا يطعم منه رقيق ولا بهيمة. وبكل حال فحال المحتاج إليه ~~ليست كحال المستغني عنه كما قال السلف: كسب فيه بعض الدناءة خير من مسألة ~~الناس. ولهذا لما تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه: # PageV30P192 # كان فيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره: أعدلها أنه يباح للمحتاج ~~قال أحمد: أجرة التعليم خير من جوائز السلطان وجوائز السلطان خير من صلة ~~الإخوان. وأصول الشريعة كلها مبنية على هذا الأصل أنه يفرق في المنهيات بين ~~المحتاج وغيره كما في المأمورات. ولهذا أبيحت المحرمات عند الضرورة لا سيما ~~إذا قدر أنه يعدل عن ذلك إلى سؤال الناس. فالمسألة أشد تحريما؛ ولهذا قال ~~العلماء: يجب أداء الواجبات وإن لم تحصل إلا بالشبهات كما ذكر أبو طالب ~~وأبو حامد: أن الإمام أحمد سأله رجل قال: إن ابنا لي مات وعليه دين وله ~~ديون أكره تقاضيها. فقال له الإمام أحمد: أتدع ذمة ابنك مرتهنة؟ يقول: قضاء ~~الدين واجب وترك الشبهة لأداء الواجب هو المأمور. ولهذا اتفق العلماء على ~~أنه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة وتنازعوا في الرزق عند عدم الحاجة وأصل ~~ذلك في كتاب الله في قوله في ولي اليتيم: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف} فهكذا يقال في نظائر هذا؛ إذ الشريعة مبناها على ~~تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. والورع ترجيح خير الخيرين ~~بتفويت أدناهما ودفع شر الشرين وإن حصل أدناهما. وقد جاء في الحجامة أحاديث ~~كثيرة. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV30P193 # أنه قال: {شفاء أمتي في ثلاث: شربة عسل أو شرطة محجم. أو كية نار وما أحب ~~أن ms8872 أكتوي} والتداوي بالحجامة جائز بالسنة المتواترة وباتفاق العلماء. # و ### | سئل: # عن امرأة منقطعة أرملة. # ولها مصاغ قليل تكريه وتأكل كراه. فهل هو حلال؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا جائز عند أبي حنيفة والشافعي وغيرهما من أهل ~~العلم. وقد كرهه مالك وأحمد وأصحاب مالك وكثير من أصحاب أحمد. وهذه كراهة ~~تنزيه لا كراهة تحريم. وهذا إذا كانت بجنسه وأما بغير جنسه فلا بأس. فهذه ~~المرأة إذا أكرته وأكلت كراه لحاجتها لم تنه عن ذلك؛ لكن عليها الزكاة عند ~~أكثر العلماء. كأبي حنيفة ومالك والإمام أحمد. وهذا إن أكرته لمن تزين ~~لزوجها أو سيدها أو لمن يحضر به حضورا مباحا مثل أن يحضر عرسا يجوز حضوره. ~~فأما إن أكرته لمن تزين به للرجال الأجانب فهذا لا يجوز. # PageV30P194 # وأما إن أكرته لمن تزين به لفعل الفاحشة فهذا أعظم من أن تسأل عنه. قال ~~الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . ~~ولا يجوز أن يعان أحد على الفاحشة ولا غيرها من المعاصي؛ لا بحلية ولا لباس ~~ولا مسكن ولا دابة ولا غير ذلك؛ لا بكرى ولا بغيره. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الشماعين الذين يكرون الشمع. ثم إنهم يزنونه. أولا فإذا رجع وزنوه ~~ثانيا وأخذوا نقصه. فهل يكره ذلك؟ وإذا كسر الشمع فهل يلزم الذي اكتراه؟ أم ~~لا؟ # فأجاب: # أما الشمع إذا أعطاه لمن يوقده وقال: كلما نقص منه أوقية بكذا فإن هذا ~~جائز. وليس هذا من باب الإجارات ولا باب البيع اللازم؛ فإن البيع اللازم لا ~~بد أن يكون المبيع فيه معلوما؛ بل هذا معاوضة جائزة لا لازمة. كما لو قال: ~~اسكن في هذه الدار كل يوم بدرهم ولم يوقت أجلا فإن هذا جائز في أظهر قولي ~~العلماء. فمسألة الأعيان نظير هذه المسألة في المنافع وهو إذن في الإتلاف # PageV30P195 # على وجه الانتفاع بعرض كما لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه؛ فإن ~~هذا جائز بلا ريب؛ لأن ذلك مما ينتفع به ملتزم الثمن للتخفيف ms8873 كما ينتفع ~~بلزوم الثمن هنا فإيقاد الشمع بالكراء جائز إذا علم توقيده؛ لكن لا بد أن ~~يكون الإيقاد في أمر مباح لا محظور. # وسئل - رحمه الله -: # عن زركشي استعمل عنده منديل فلما فرغ أذنوا له في غسله فعدت عليه أمة ~~الصانع في صقل الذهب فتقرض المنديل. فهل يجب عليه غرامة المنديل؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانت الأمة قد جنت على المنديل فالجناية تتعلق برقبتها ~~فعلى مالكها إما أرش الجناية وإما تسليمها لتستوفى الجناية من رقبتها وسواء ~~كانت الجناية منها أو من سيدها أو غيرهما فليس على الجاني ما أنفقوا على ~~المنديل وليس به هذا القرض ويقوم به بعد حصوله فيضمنون ما نقصت القيمة وأن ~~تراضوا بأن يأخذ الصانع المنديل ويعطيهم قيمته التي تساوي في السوق قبل ~~القرض جاز ذلك وليس عليه أن يعطيهم جديدا خيرا منه. # PageV30P196 # وسئل - رحمه الله -: # عن إجارة الجواميس يستأجرها عاما واحدا مطلقا وغرضه لبنها ويستعملها ~~لذلك. وإنما جعلوه مطلقا أنه يستعملها والقصد اللبن. والغنم أيضا هل تجوز ~~إجارتها للبن؟ وهل يجوز أن تعطى لمن يرعاها بصوفها ولبنها؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والعلماء وكذلك في ~~اشتراء اللبن مدة مقدارا معينا من ذلك اللبن يأخذه أقساطا من هذه الماشية. ~~والمنع من ذلك هو المعروف في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. قال هؤلاء: ~~هذا بيع ما لم ير ولم يوصف بل بيع معدوم لم يوجد. والإجارة إنما تكون على ~~المنافع دون الأعيان وهذه أعيان. وقال هؤلاء: إجارة الظئر للرضاع على خلاف ~~القياس جازت للحاجة. وتنازع هؤلاء في هذه الإجارة. فقيل: إن المعقود عليه ~~هو الخدمة والرضاع تابع وهذا قول ابن عقيل وغيره. وقيل: بل # PageV30P197 # المعقود عليه هو المقصود بالعقد وهو اللبن. وهو قول القاضي أبي يعلى ~~وغيره. وأما الرخصة في ذلك في الجملة: فهو مذهب مالك وغيره. وهؤلاء قد ~~يسمون إجارة الظئر للرضاع تبعا للبن؛ لأن الظئر تبع اللبن الذي لم يخلق ~~بعد؛ بناء على أنه عقد على الأعيان والعقد على ms8874 العين هو من باب البيوع ~~والنزاع في ذلك لفظي؛ فإنها داخلة في مسمى البيع العام المتناول للأعيان ~~والمنافع والموجود والمعدوم وليست داخلة في مسمى البيع الخاص الذي يختص ~~بالموجود من الأعيان. وكذلك السلف تنازعوا: هل هو من البيع؟ على القولين. ~~وهل يكون بلفظ البيع سلفا؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره. حتى قال من لم ~~يجعله بيعا: إن السلف الحال يجوز بلفظ البيع؛ دون لفظ السلم. والصحيح أن ~~العقود إنما يعتبر فيها معانيها لا بمجرد اللفظ. والصواب: أن الإجارة ~~المسئول عنها جائزة؛ فإن الأدلة الشرعية الدالة على الجواز بعوضها ~~ومقايستها تتناول هذه الإجارة وليس من الأدلة ما ينفي ذلك؛ فإن قول القائل: ~~إن إجارة الظئر على خلاف القياس؛ كلام فاسد. فإنه ليس في كتاب الله إجارة ~~منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة كما قال تعالى: {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن # PageV30P198 # أجورهن} وقال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} . والسنة وإجماع ~~الأمة دلا على جوازها وإنما تكون مخالفة للقياس لو عارضها قياس نص آخر وليس ~~في سائر النصوص وأقيستها ما يناقض هذه. وقول القائل: الإجارة إنما تكون على ~~المنافع دون الأعيان: ليس هو قولا لله ولا لرسوله ولا الصحابة ولا الأئمة؛ ~~وإنما هو قول قالته طائفة من الناس. فيقال لهؤلاء: لا نسلم أن الإجارة لا ~~تكون إلا على المنافع فقط؛ بل الإجارة تكون على ما يتجدد ويحدث ويستخلف ~~بدله مع بقاء العين كمياه البئر وغير ذلك سواء كان عينا أو منفعة كما أن ~~الموقوف يكون ما يتجدد وما تحدث فائدته شيئا بعد شيء سواء كانت الفائدة ~~منفعة أو عينا كالتمر واللبن والماء النابع. وكذلك العارية. وهو عما يكون ~~الانتفاع بما يحدث ويستخلف بدله. يقال: أفقر الظهر وأعرى النخلة ومنح ~~الناقة فإذا منحه الناقة يشرب لبنها ثم يردها أو أعراه نخلة يأكل ثمرها ثم ~~يردها وهو مثل أن يفقره ظهرا يركبه ثم يرده. وكذلك إكراء المرأة أو طير أو ~~ناقة أو بقرة أو شاة يشرب # PageV30P199 # لبنها مدة معلومة فهو مثل أن يكون ms8875 دابة يركب ظهرها مدة معلومة. وإذا ~~تغيرت العادة في ذلك كان تغير العادة في المنفعة يملك المستأجر؛ إما الفسخ ~~وإما الأرش. وكذلك إذا أكراه حديقة يستعملها حولا أو حولين كما فعل عمر بن ~~الخطاب لما قبل حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين وأخذ المال وقضى به دينا ~~كان عليه. وإذا كان المستأجر هو الذي يقوم على هذه الدواب فهو إجارة وهو ~~أولى بالجواز من إجارة الظئر. وأما إذا كان صاحب الماشية هو الذي يعلفها ~~ويسقيها ويؤويها وطالب اللبن لا يعرف إلا لبنها وقد استأجرها ترضع سخالا له ~~فهو مثل إجارة الظئر. وإذا كان ليأخذ اللبن هو فهو يشبه إجارة الظئر للرضاع ~~المطلق؛ لا لإرضاع طفل معين. وهذا قد يسمى بيعا ويسمى إجارة. وهو نزاع ~~لفظي. وإذا قيل: هو بيع معدوم. قيل: نعم وليس في أصول الشرع ما ينهى عن بيع ~~كل معدوم؛ بل المعدوم الذي يحتاج إلى بيعه وهو معروف في العادة: يجوز بيعه ~~كما يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها؛ فإن ذلك يصح عند جمهور العلماء. كما ~~دلت عليه السنة مع أن الأجزاء التي تخلق بعد معدومة وقد دخلت في العقد. ~~وكذلك # PageV30P200 # يجوز بيع المقاثي وغيرها على هذا القول. والله أعلم. والحمد لله. # وسئل: # عن مريض طلب من رجل أن يطببه وينفق عليه ففعل. فهل للمنفق أن يطالب ~~المريض بالنفقة؟ . # فأجاب: # إن كان ينفق طالبا للعوض لفظا أو عرفا فله المطالبة بالعوض. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل ضرير كتبت عليه إجارة. # فهل تصح إجارته؟ . # فأجاب: # يصح استئجار الأعمى واشتراؤه عند جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة ~~والإمام أحمد في المشهور عنه. ولا بد أن يوصف له المبيع والمستأجر. فإن ~~وجده بخلاف الصفة فله الفسخ. # PageV30P201 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ليس له ما يكفيه. وهو يصلي بالأجرة. فهل يجوز ذلك؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الاستئجار على الإمامة لا يجوز في المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك ~~والإمام أحمد. وقيل: يجوز وهو مذهب الشافعي ورواية عن الإمام أحمد وقول في ~~مذهب مالك. ms8876 والخلاف في الأذان أيضا؛ لكن المشهور من مذهب مالك أن الاستئجار ~~يجوز على الأذان وعلى الإمامة معه. لا منفردة. وفي الاستئجار على هذا ونحوه ~~كالتعليم قول ثالث في مذهب أحمد وغيره: أنه يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون ~~الحاجة. والله أعلم. # PageV30P202 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل توفي وأوصى أن يصلى عنه بدراهم؟ . # فأجاب: # صلاة الفرض لا يفعلها أحد عن أحد لا بأجرة ولا بغير أجرة باتفاق الأئمة؛ ~~بل لا يجوز أن يستأجر أحدا ليصلي عنه نافلة باتفاق الأئمة؛ لا في حياته ولا ~~في مماته. فكيف من يستأجر ليصلى عنه فريضة. وإنما تنازع العلماء فيما إذا ~~صلى نافلة بلا أجرة وأهدى ثوابها إلى الميت. هل ينفعه ذلك؟ فيه قولان ~~للعلماء. ولو نذر الميت أن يصلي فمات. فهل تفعل عنه الصلاة المنذورة؟ على ~~قولين هما روايتان عن الإمام أحمد. لكن هذه الدراهم التي أوصى بها يتصدق ~~بها عنه ويخص بالصدقة أهل الصلاة فيكون للميت أجر. وكل صلاة يصلونها ~~ويستعينون عليها بصدقته فيكون له منها نصيب من غير أن ينقص من أجر المصلي ~~شيء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من فطر صائما فله مثل أجره} وقال: ~~{من جهز غازيا فقد غزا} ". # PageV30P203 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل من أهل العلم قصد لأن يقرأ عليه شيء من أحاديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وغيرها من العلوم الشرعية فامتنع من إقرائها إلا بأجرة. فقيل له: ~~قد روي من هدي السلف وأئمة الهدى تعليم العلم ابتغاء لوجه الله الكريم ما ~~لا خفاء به على عاقل وهذا مما لا ينبغي. فقال: أقرئ العلم بغير أجرة يحرم ~~علي ذلك فكلامه صحيح؟ أم باطل؟ وهل هو جاهل بقوله إنه معذور. وهل يجوز له ~~أخذ الأجرة على تعليم العلم النافع؟ أم يكره له ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله، أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها ~~إلى الله وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هذا مما يخفى على أحد ~~ممن نشأ بديار الإسلام. والصحابة والتابعون ms8877 وتابعو التابعين وغيرهم من ~~العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه إنما كانوا يعلمون ~~بغير أجرة. ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلا. فإن العلماء ورثة الأنبياء ~~وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما # PageV30P204 # وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر. والأنبياء رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين إنما كانوا يعلمون العلم بغير أجرة. كما قال نوح عليه ~~السلام {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} وكذلك قال ~~هود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم. وكذلك قال خاتم الرسل: {قل ما أسألكم عليه من ~~أجر وما أنا من المتكلفين} وقال: {قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا} . وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم ~~يتنازع العلماء في أنه عمل صالح فضلا عن أن يكون جائزا؛ بل هو من فروض ~~الكفاية؛ فإن تعليم العلم الذي بينه فرض على الكفاية كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {بلغوا عني ولو آية} وقال: {ليبلغ الشاهد ~~الغائب} . وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث ~~والفقه. على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. إحداهما - وهو مذهب أبي ~~حنيفة وغيره - أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك. والثانية - وهو قول الشافعي ~~- أنه يجوز الاستئجار. وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة؛ ~~دون الغنى كما قال تعالى في ولي اليتيم: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن # PageV30P205 # كان فقيرا فليأكل بالمعروف} . ويجوز أن يعطى هؤلاء من مال المسلمين على ~~التعليم كما يعطى الأئمة والمؤذنون والقضاة وذلك جائز مع الحاجة. وهل يجوز ~~الارتزاق مع الغنى؟ على قولين للعلماء. فلم يقل أحد من المسلمين أن عمل هذه ~~الأعمال بغير أجر لا يجوز. ومن قال: إن ذلك لا يجوز؛ فإنه يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل؛ لكن إن أراد أنه فقير متى علم بغير أجر عجز عن الكسب لعياله ~~والكسب لعياله واجب عليه متعين فلا يجوز له ترك الواجب المتعين لغير متعين ~~واعتقد ms8878 مع ذلك جواز التعليم بالأجرة مع الحاجة أو مطلقا؛ فهذا متأول في ~~قوله لا يكفر بذلك ولا يفسق باتفاق الأئمة؛ بل إما أن يكون مصيبا أو مخطئا. ~~ومأخذ العلماء في (عدم جواز الاستئجار على هذا النفع: أن هذه الأعمال يختص ~~أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن والحديث والفقه والإمامة ~~والأذان؛ لا يجوز أن يفعله كافر: ولا يفعله إلا مسلم؛ بخلاف النفع الذي ~~يفعله المسلم والكافر: كالبناء والخياطة والنسج ونحو ذلك. وإذا فعل العمل ~~بالأجرة لم يبق عبادة لله فإنه يبقى مستحقا بالعوض معمولا لأجله. والعمل ~~إذا عمل للعوض لم يبق # PageV30P206 # عبادة: كالصناعات التي تعمل بالأجرة. فمن قال: لا يجوز الاستئجار على هذه ~~الأعمال قال: إنه لا يجوز إيقاعها على غير وجه العبادة لله. كما لا يجوز ~~إيقاع الصلاة والصوم والقراءة على غير وجه العبادة لله والاستئجار يخرجها ~~عن ذلك. ومن جوز ذلك قال: إنه نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه: ~~كسائر المنافع. قال: وإذا كانت لا عبادة في هذه الحال لا تقع على وجه ~~العبادة فيجوز إيقاعها على وجه العبادة وغير وجه العبادة؛ لما فيها من ~~النفع. ومن فرق بين المحتاج وغيره - وهو أقرب - قال: المحتاج إذا اكتسب بها ~~أمكنه أن ينوي عملها لله ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة؛ فإن الكسب ~~على العيال واجب أيضا فيؤدي الواجبات بهذا؛ بخلاف الغني لأنه لا يحتاج إلى ~~الكسب فلا حاجة تدعوه أن يعملها لغير الله؛ بل إذا كان الله قد أغناه وهذا ~~فرض على الكفاية: كان هو مخاطبا به وإذا لم يقم إلا به كان ذلك واجبا عليه ~~عينا. والله أعلم. # PageV30P207 # وسئل - رحمه الله -: # عمن اكترى دارا لمرضاة نفسه. هل يجوز له أن يكري؟ . # فأجاب: # إن اكترى منفعة لفعل محرم: مثل الغناء والزنا وشهادة الزور وقتل المعصوم: ~~كان كراه محرما. وكذلك إن أكراها لفعل ما وجب عليه: مثل أن يتعين عليه ~~شهادة بحق أو فتيا في مسألة أو قضاء في حكومة أو جهاد متعين؛ فإن هذا الكرى ~~لا ms8879 يجوز. وإن كان لفعل يختص بأهل القربات كالكرى لإقراء القرآن والعلم ~~والإمامة والأذان والحج عن غيره والجهاد الذي لم يتعين: فهذا فيه خلاف بين ~~العلماء. وإن كان الكرى لعمل. كالخياطة والنجارة. والبناء جاز بالاتفاق. # PageV30P208 # وقال - رحمه الله -: ### | فصل: # الاستئجار على منفعة محرمة: # كالزنا واللواط والغناء وحمل الخمر وغير ذلك: باطل؛ لكن إذا استوفى تلك ~~المنفعة ومنع العامل أجرته كان غدرا وظلما أيضا. وقد استوفيت مسألة ~~الاستئجار لحمل الخمر في كتاب " الصراط المستقيم " بينت أن الصواب منصوص ~~أحمد: أنه يقضى له بالأجرة وأنها لا تطيب له. إما كراهة تنزيه أو تحريم لكن ~~هذه المسألة فيما كان جنسه مباحا كالحمل بخلاف الزنا. ولا ريب أن مهر البغي ~~خبيث وحلوان الكاهن خبيث والحاكم يقضي بعقوبة المستأجر المستوفي للمنفعة ~~المحرمة فتكون عقوبته له عوضا عن الأجر. فأما فيما بينه وبين الله. فهل ~~ينبغي له أن يعطيه ذلك؟ وإن كان لا يحل الأخذ لحق الله. فهذا متقوم. وإن لم ~~يجب عليه ذلك كان في ذلك درك لحاجته؛ أنه يفعل المحرم ويعذر ولا يعاقبه في ~~الآخرة إلا # PageV30P209 # على فعل المحرم لا على الغدر والظلم. وهذا البحث يتصل بالبحث في أحكام ~~سائر العقود الفاسدة وقبوضها. # وسئل - رحمه الله -: # عمن استعمل كتابا مذهبا مكتوبا وأعطى أجرته وتسلمه الذي استعمله وجلده ~~وغاب به أربعين يوما ثم أتى به إلى الصانع الذي تولى كتابته وتذهيبه وقال ~~له: أعطني ما تسلمته مني من الأجرة فإني واسطة. فهل يجوز له أن يكرهه على ~~رده؟ وإعادة ما أعطاه من الأجرة؟ . # فأجاب: # إذا استأجره لعمل من الأعمال التي تجوز الإجارة عليها وأعطاه أجرته مع ~~توفية المستأجر عمله لم يجب عليه أن يرد عليه الأجرة؛ بل إن لم يسم موكله ~~في عقد الإجارة كان ضامنا للأجرة بلا ريب. وإن سماه: فهل يكون ضامنا ~~للأجرة؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد. فلو لم يعطه الأجرة كان ~~للأجير أن يطالبه بها فكيف إذا أعطاه إياها؟ بل إن كان أعطى الأجرة من مال ~~موكله وإلا فللوكيل مطالبة ms8880 الموكل بالأجرة التي أداها عنه. والله أعلم. # PageV30P210 # وسئل - رحمه الله -: # عن إنسان جاءه سائل في صورة مشبب. فشبب. فأعطاه شيئا فكان إنسان حاضرا ~~فقال للمعطى: تحرم عليه هذه العطية على هذه الصورة؛ لكون الشبابة وسيلة: ~~فقال: ما أعطيته إلا لكونه فقيرا وبعد هذا لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان ~~جائزا؛ فإنه قد أباح بعضهم سماع الشبابة واستدل على ذلك بأن {النبي صلى ~~الله عليه وسلم عبر على راع ومعه ابن عباس أو غيره. وكان الراعي يشبب فسد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه بإصبعيه وصار يسأل الذي كان معه: هل تسمع ~~صوت الشبابة؟ فما زال كذلك حتى أخبره أنه لم يسمعها ففتح أذنيه} . وقال: لو ~~كان سماع الشبابة حراما؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان معه بسد ~~أذنيه كما فعل أو نهى الراعي عن التشبيب وهذا دليل الإباحة في حق غير ~~الأنبياء. فهل هذا الخبر صحيح؟ وهل هذا الدليل موافق للسنة؟ أم لا؟ # فأجاب: # أما نقل هذا الخبر عن ابن عباس فباطل؛ لكن قد رواه أبو داود في السنن ~~{أنه كان مع ابن عمر - فمر براع معه زمارة # PageV30P211 # فجعل يقول: أتسمع يا نافع؟ فلما أخبره أنه لا يسمع رفع إصبعيه من أذنيه ~~وأخبره أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ففعل مثل ذلك} وقال أبو داود ~~لما روى هذا الحديث: هذا حديث منكر. وقد رواه أبو بكر الخلال من وجوه ~~متعددة يصدق بعضها بعضا. فإن كان ثابتا فلا حجة فيه لمن أباح الشبابة لا ~~سيما ومذهب الأئمة الأربعة أن الشبابة حرام. ولم يتنازع فيها من أهل ~~المذاهب الأربعة إلا متأخري الخراسانيين من أصحاب الشافعي؛ فإنهم ذكروا ~~فيها وجهين. وأما العراقيون - وهم أعلم بمذهبه - فقطعوا بالتحريم كما قطع ~~به سائر المذاهب. وبكل حال فهذا وجه ضعيف في مذهبه. وقد قال الشافعي: ~~الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وقال أيضا: ~~خلفت في بغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسمونه " التغبير " يصدون به الناس عن ~~القرآن. وآلات الملاهي ms8881 لا يجوز اتخاذها ولا الاستئجار عليها عند الأئمة ~~الأربعة. فهذا الحديث إن كان ثابتا فلا حجة فيه على إباحة الشبابة؛ بل هو ~~على النهي عنها أولى من وجوه: أحدها: أن المحرم هو الاستماع لا السماع ~~فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه؛ بل ~~كان مجتازا # PageV30P212 # بطريق فسمع ذلك لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين. ولو جلس واستمع إلى ذلك ~~ولم ينكره لا بقلبه ولا بلسانه ولا يده: كان آثما باتفاق المسلمين كما قال ~~تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون} وقال تعالى: {وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} فجعل القاعد المستمع من غير ~~إنكار بمنزلة الفاعل. ولهذا يقال: المستمع شريك المغتاب. وفي الأثر: من شهد ~~المعصية وكرهها كان كمن غاب عنها ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهدها. فإذا ~~شهدها لحاجة أو لإكراه أنكرها بقلبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان} . فلو كان الرجل مارا فسمع القرآن من غير أن يستمع إليه ~~لم يؤجر على ذلك؛ وإنما يؤجر على الاستماع الذي يقصد كما قال تعالى: {وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وقال لموسى: {فاستمع لما ~~يوحى} . # PageV30P213 # فإذا عرف أن الأمر والنهي والوعد والوعيد يتعلق بالاستماع؛ لا بالسماع ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر كان مارا مجتازا لم يكن مستمعا وكذلك ~~كان ابن عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم ونافع مع ابن عمر: كان سامعا لا ~~مستمعا. فلم يكن عليه سد أذنه. الوجه الثاني: أنه إنما سد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أذنيه مبالغة في التحفظ حتى لا ms8882 يسمع أصلا. فتبين بذلك أن ~~الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع وإن لم يكن في السماع إثم ولو كان ~~الصوت مباحا لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح؛ بل سد أذنيه لئلا يسمعه وإن ~~لم يكن السماع محرما دل على أن الامتناع من الاستماع أولى. فيكون على المنع ~~من الاستماع أدل منه على الإذن فيه. الوجه الثالث: أنه لو قدر أن الاستماع ~~لا يجوز فلو سد هو ورفيقه آذانهما لم يعرفا متى ينقطع الصوت فيترك المتبوع ~~سد أذنيه. الرابع: أنه لم يعلم أن الرفيق كان بالغا؛ أو كان صغيرا دون ~~البلوغ. والصبيان يرخص لهم في اللعب ما لا يرخص فيه للبالغ. الخامس: أن ~~زمارة الراعي ليست مطربة كالشبابة التي يصنع غير الراعي فلو قدر الإذن فيها ~~لم يلزم الإذن في الموصوف وما يتبعه من الأصوات التي تفعل في النفوس فعل ~~حمي الكؤوس. # PageV30P214 # السادس: أنه قد ذكر ابن المنذر اتفاق العلماء على المنع من إجارة الغناء ~~والنوح فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال النائحة والمغنية ~~كره ذلك الشعبي والنخعي ومالك. وقال أبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد: لا ~~تجوز الإجارة على شيء من الغناء والنوح وبه نقول. فإذا كان قد ذكر إجماع من ~~يحفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة والمغنية. والغناء للنساء ~~في العرس والفرح جائز. وهو للرجل إما محرم؛ وإما مكروه. وقد رخص فيه بعضهم ~~فكيف بالشبابة التي لم يبحها أحد من العلماء لا للرجال ولا للنساء؛ لا في ~~العرس ولا في غيره وإنما يبيحها من ليس من الأئمة المتبوعين المشهورين ~~بالإمامة في الدين. فقول القائل: لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان جائزا. قول ~~باطل مخالف لمذاهب أئمة المسلمين لو كان التشبيب من الباطل المباح فكيف وهو ~~من الباطل المنهي عنه وهذا يظهر " بالوجه السابع ": وهو أنه ليس كل ما جاز ~~فعله جاز إعطاء العوض عليه. ألا ترى أن في الحديث المشهور عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لا سبق ms8883 إلا في خف أو حافر أو نصل} فقد نهى عن ~~السبق في غير هذه # PageV30P215 # الثلاثة. ومع هذا فالمصارعة قد تجوز. كما صارع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ركانة بن عبد يزيد. وتجوز المسابقة بالأقدام كما سابق النبي صلى الله عليه ~~وسلم عائشة وكما أذن لسلمة بن الأكوع في المسابقة في غزوة الغابة وذي قرد. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه ~~بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنهن من الحق} وهذا اللهو الباطل من ~~أكل المال به كان أكلا بالباطل ومع هذا فيرخص فيه كما يرخص للصغار في اللعب ~~وكما {كانت صغيرتان من الأنصار تغنيان أيام العيد في بيت عائشة والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يستمع إليهن ولا ينهاهن. ولما قال أبو بكر: أمزمار ~~الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا} فدل بذلك على أنه ~~يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد وإن كان الرجال لا يفعلون ذلك. ~~ولا يبذل المال في الباطل. فقد تبين أن المستدل بهذا الحديث على جواز ذلك ~~وجواز إعطاء الأجرة عليه: مخطئ من هذه الوجوه لو كان الحديث صحيحا فكيف ~~وفيه ما فيه. # PageV30P216 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # وإذا آجر الأرض أو الرباع كالدور والحوانيت والفنادق وغيرها إجارة كانت ~~لازمة من الطرفين لا تكون لازمة من أحد الطرفين جائزة من الطرف الآخر؛ بل ~~إما أن تكون لازمة منهما أو تكون جائزة غير لازمة منهما عند كثير من ~~العلماء. كما لو استكراه كل يوم بدرهم ولم يوقت أجلا فهذه الإجارة جائزة ~~غير لازمة في أحد قولي العلماء. فكلما سكن يوما لزمته أجرته وله أن يسكن ~~اليوم الثاني وللمؤجر أن يمنعه سكنى اليوم الثاني. وكذلك إذا كان أجل الشهر ~~بكذا أو كل سنة بكذا ولم يؤجلا أجلا. وأما إذا كانت لازمة من الطرفين فإذا ~~كان ms8884 المستأجر لا يمكنه # PageV30P217 # الخروج قبل انقضاء المدة لم يكن للمؤجر أن يخرجه قبل انقضاء المدة لا ~~لأجل زيادة حصلت عليه في أثناء المدة ولا لغير زيادة سواء كانت العين وقفا ~~أو طلقا. وسواء كانت ليتيم أو لغير يتيم. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ~~من أئمة المسلمين. لم يقل أحد من الأئمة أن الإجارة المطلقة تكون لازمة من ~~جانب المستأجر غير لازمة من جانب المؤجر؛ في وقف أو مال يتيم ولا غيرهما. ~~وإن شذ بعض المتأخرين فحكى نزاعا في بعض ذلك فذلك مسبوق باتفاق الأئمة ~~قبله. والله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود وأمر بالوفاء بالعهد وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته} ~~وقال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة ~~من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم ~~فجر} . وإذا قال الناظر للطالب: أكتب عليك إجارة واسكن فقد أجره فإن لم يكن ~~أجره لم يحل له أن يسلم إليه العين فإنه يكون قد سلم الوقف ومال اليتيم إلى ~~ما لا يجوز تسليمه فيكون ظالما ضامنا. ولو لم يستأجر لكان له أن يخرج إذا ~~شاء ولكان غاصبا لا تجب عليه الأجرة المسماة؛ بل أجرة المثل لما انتفع به ~~في أحد قولي العلماء. وعلى قول من لا يضمن منافع الغصب لا يجب # PageV30P218 # عليه شيء. وغاية ما يقال: إنه قبضها بإجارة فاسدة ولو كان كذلك لكان له ~~أن يخرج إذا شاء؛ بل كان يجب عليه أن يرد العين على المؤجر كالمقبوض بالعقد ~~الفاسد؛ بل يجب عليه المسمى أو أجرة المثل في أحد قولي العلماء. وفي الآخر ~~يجب أقل الأمرين من المسمى أو أجرة المثل. فلا يجوز قبول الزيادة لا في وقف ~~أو مال يتيم وغيرهما إلا حيث لا تكون الإجارة لازمة وذلك حيث يكون المستأجر ~~متمكنا من الخروج ورد العقار إليهم إذا شاء وهو الذي يسميه العامة الإخلاء ~~والإغلاق. فإذا كان ms8885 متمكنا من الإخلاء والإغلاق كان المؤجر أيضا متمكنا من ~~أن يخرجه ويؤجره لغيره وإن لم يقع عليه زيادة ويجب أن يعمل ما يراه من ~~المصلحة. # PageV30P219 # وسئل - رحمه الله -: # عن ضمان البساتين والأرض التي فيها النخل أو الشجر غير النخل قبل أن يبدو ~~صلاحه. هل يجوز ضمان السنة أو السنتين؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال؛ ~~بناء على أن هذا داخل فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. من بيع ~~الثمرة قبل أن يبدو صلاحها فلا يجوز كما لا يجوز في غير الضمان؛ مثلا أن ~~يشتري ثمرة مجردة بعد ظهورها وقبل بدو صلاحها؛ بحيث يكون على البائع مؤنة ~~سقيها وخدمتها إلى كمال الصلاح. وهذا القول هو المعروف في مذهب الشافعي ~~وأحمد وهو منقول عن نصه. ومذهب أبي حنيفة في ذلك أشد منعا. وتنازع أصحاب ~~هذا القول. هل يجوز الاحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ويساقي على الشجر بجزء ~~يسير؟ على قولين. فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز. وذكر القاضي أبو يعلى في ~~كتاب " إبطال الحيل ": # PageV30P220 # أنه يجوز. وهو المعروف عند أصحاب الشافعي. وهذه الحيلة قد تعذرت على أصل ~~مصححي الحيل وهي باطلة من وجوه: منها أن الأمكنة كثيرة منها ما يكون وقفا ~~أو يكون ليتيم ونحوه ممن يتصرف في ماله بحكم الولاية والمساقاة على ذلك ~~بجزء يسير لا يجوز واشتراط أحد العقدين من الآخر لا يصح. ومنها أن الفساد ~~الذي من أجله نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها مثل كون ذلك غررا من جنس ~~القمار وأنه يفضي إلى الخصومات والعداوات التي هي من المفاسد التي حرم ~~القمار لأجلها ونحو ذلك يوجد في مثل هذه المعاملات أكثر مما يوجد عند مجرد ~~بيع الثمر قبل بدو صلاحه؛ فإنه قد علم أن المتقبل لذلك لم يبذل ماله إلا ~~بإزاء ما يحصل له من منفعة الأرض والشجر؛ لا سيما إذا كانت منفعة الشجر هي ~~الأغلب: كالحدائق والبساتين التي يكون غالبها شجرا أو ms8886 بياضها قليلا. فهنا ~~إذا منع الله الثمرة وطولب الضامن بجميع الأجرة كان في ذلك من أكل المال ~~بالباطل ومن الخصومات والشر ما لا خفاء به. ومنها أن استئجار الأرض التي ~~تساوي مائة درهم بألف درهم هو من أفعال السفهاء المستحقين للحجر وكذلك ~~المساقاة على الشجر بجزء # PageV30P221 # من ألف جزء لربها هو من أفعال السفهاء التي يستحق عليها الحجر. فمن فعل ~~ذلك وجب على ولاة الأمر الحجر عليه فضلا عن إمضاء العقد والحكم بصحته. ولو ~~قيل: إن له محاباة في هذا العقد لما يحصل من محاباة الآخر له في العقد. قيل ~~له: إن كان هذا مستحقا لزم أن يكون أحد العقدين شرطا في الآخر وإن لم يكن ~~مستحقا كان محابيا في هذا العقد وليس محاباة للآخر في ذلك العقد. وهذا إنما ~~ينفع إذا حصل التقابض فلو حابا رجلا في سلعة وحاباه آخر في أخرى وتقابضا ~~فقد يقال: إن الغرض يحصل بذلك؛ إما في مثل هذا وإما في مثل هذا والثمر قد ~~يحصل وقد لا يحصل وذاك له أن يطالبه بجميع الأجرة وإن لم يحصل الثمر فليس ~~هذا من أفعال الرشد بل من أفعال السفهاء المستحقين للحجر؛ لا سيما إن كان ~~المتصرف من لا يملك التبرع: كناظر الوقف واليتيم؛ فإنه يقول له: إنه يجب ~~علي مطالبتك بجميع الأجرة حصلت الثمرة أو لم تحصل. فهل يدخل رشيد في مثل ~~هذا فيبذل ألف درهم في قيمة أرض تساوي مائة درهم طمعا في أن يسلم الثمرة ~~وتحصل له والأجرة عليه حصلت الثمرة أو لم تحصل؟ ولو فعل هذا. فهل هذا إلا ~~دخول في نفس ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV30P222 # فإن في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن بيع ~~الثمار قبل أن يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري} . وهذا المستأجر إذا بذل ~~ماله لتحصل له الثمرة هو في معنى المشتري الذي نهاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على قولهم فكيف يبذل ماله في مثل ذلك. والأدلة ms8887 على فساد مثل هذه ~~المعاملة كثيرة قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع. وليس الفقيه من عمد إلى ~~ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم دفعا لفساد يحصل لهم فعدل عنه إلى ~~فساد أشد منه فإن هذا بمنزلة المستجير من الرمضاء بالنار. وهذا يعلم من ~~قاعدة إبطال الحيل فإن كثيرا منها يتضمن من الفساد والضرر أكثر مما في ~~إتيان المنهي عنه ظاهرا كما قال أيوب السختياني: يخادعون الله. كأنما ~~يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي. ولهذا يوجد في نكاح ~~التحليل من الفساد أعظم مما يوجد في نكاح المتعة؛ إذ المتمتع قاصد للنكاح ~~إلى وقت والمحلل لا غرض له في ذلك فكل فساد نهي عنه المتمتع فهو في التحليل ~~وزيادة؛ ولهذا تنكر قلوب الناس التحليل أعظم مما تنكر المتعة. والمتعة ~~أبيحت أول الإسلام # PageV30P223 # وتنازع السلف في بقاء الحل. ونكاح التحليل لم يبح قط ولا تنازع السلف في ~~تحريمه. ومن شنع على الشيعة بإباحة المتعة مع إباحته للتحليل فقد سلطهم على ~~القدح في السنة كما تسلطت النصارى على القدح في الإسلام بمثل إباحة ~~التحليل. حتى قالوا: إن هؤلاء قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل ~~له حتى تزني. وذلك أن نكاح التحليل سفاح كما سماه الصحابة بذلك. والقول ~~الثاني: في أصل المسألة أنه إن كان منفعة الأرض هو المقصود والشجر تبع جاز ~~أن تؤجر الأرض ويدخل في ذلك الشجر تبعا. وهذا مذهب مالك وهو يقدر التابع ~~بقدر الثلث. وصاحب هذا القول يجوز بيع الثمر قبل بدو الصلاح ما يدخل ضمنا ~~وتبعا كما جاز إذا ابتاع ثمرة بعد أن تؤبر أن يشترط المبتاع ثمرتها كما ثبت ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمبتاع هنا قد اشترى الثمر قبل ~~بدو صلاحه؛ لكن تبعا للأصل. وهذا جائز باتفاق العلماء فيقيس ما كان تبعا في ~~الإجارة على ما كان تبعا في البيع. والقول الثالث: أنه يجوز ضمان الأرض ~~والشجر جميعا وإن كان الشجر أكثر. وهذا قول ابن ms8888 عقيل وهو المأثور عن أمير # PageV30P224 # المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فإنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وأخذ ~~القبالة فوفى بها دينه. روى ذلك حرب الكرماني صاحب الإمام أحمد في مسائله ~~المشهورة عن أحمد ورواه أبو زرعة الدمشقي وغيرهما وهو معروف عن عمر. ~~والحدائق التي بالمدينة يغلب عليها الشجر. وقد ذكر هذا الأثر عن عمر بعض ~~المصنفين من فقهاء ظاهرية المغرب وزعم أنه خلاف الإجماع وليس بشيء؛ بل ~~ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب؛ فإن عمر فعل ذلك بالمدينة النبوية بمشهد ~~من المهاجرين والأنصار وهذه القضية في مظنة الاشتهار ولم ينقل عن أحد أنه ~~أنكرها وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن فعله عمر كما أنكر عليه عمران بن ~~حصين وغيره ما فعله من متعة الحج؛ وإنما هذه القضية بمنزلة توريث عثمان بن ~~عفان لامرأة عبد الرحمن بن عوف التي بتها في مرض موته وأمثال هذه القضية. ~~والذي فعله عمر بن الخطاب هو الصواب. وإذا تدبر الفقيه أصول الشريعة تبين ~~له أن مثل هذا المال ليس داخلا فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ~~يظهر بأمور: أحدها أن يقال: معلوم أن الأرض يمكن فيها الإجارة ويمكن فيها ~~بيع حبها قبل أن يشتد. ثم النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن بيع الحب ~~حتى يشتد لم يكن ذلك نهيا عن إجارة الأرض # PageV30P225 # وإن كان مقصود المستأجر هو الحب؛ فإن المستأجر هو الذي يعمل في الأرض حتى ~~يحصل له الحب؛ بخلاف المشتري فإنه يشتري حبا مجردا وعلى البائع تمام خدمته ~~حتى يتحصل فكذلك نهيه عن بيع العنب حتى يسود ليس نهيا عمن يأخذ الشجر فيقوم ~~عليها ويسقيها حتى تثمر؛ وإنما النهي لمن اشترى عنبا مجردا وعلى البائع ~~خدمته حتى يكمل صلاحه كما يفعله المشترون للأعناب التي تسمى الكروم؛ ولهذا ~~كان هؤلاء لا يبيعونها حتى يبدو صلاحها؛ بخلاف التضمين. الوجه الثاني: أن ~~المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر وكلاهما جائز عند فقهاء الحديث؛ ~~كالإمام أحمد وغيره مثل ابن خزيمة وابن ms8889 المنذر. وعند ابن أبي ليلى وأبي ~~يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعد وغيرهم من الأئمة جائزة كما دل على جواز ~~المزارعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع أصحابه من بعده والذين ~~نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة فتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا يجوز. ~~وأبو حنيفة طرد قياسه فلم يجوزها بحال. وأما الشافعي فاستثنى ما تدعو إليه ~~الحاجة كالبياض إذا دخل تبعا للشجر في المساقاة وكذلك مالك؛ لكن يراعى ~~القلة والكثرة على أصله. وهؤلاء جعلوا المضاربة أيضا خارجة عن القياس ظنا ~~أنها من # PageV30P226 # باب الإجارة بعوض مجهول وأنها جوزت للحاجة؛ لأن صاحب النقد لا يمكنه ~~إجارتها. والتحقيق: أن هذه المعاملات هي من باب المشاركات. والمزارعة ~~مشاركة؛ هذا يشارك بنفع بدنه وهذا بنفع ماله وما قسم الله من ربح كان ~~بينهما كشريكي العنان؛ ولهذا ليس العمل فيها مقصودا ولا معلوما كما يقصد ~~ويعلم في الإجارة ولو كانت إجارة لوجب أن يكون العمل فيها معلوما؛ لكن إذا ~~قيل: هي جعالة كان أشبه؛ فإن الجعالة لا يكون العمل فيها معلوما وكذلك هي ~~عقد جائز غير لازم؛ ولكن ليست جعالة أيضا؛ فإن الجعالة يكون المقصود ~~لأحدهما من غير جنس مقصود الآخر. هذا يقصد رد آبقه أو بناء حائطه وهذا يقصد ~~الجعل المشروط. والمساقاة والمزارعة والمضاربة هما يشتركان في جنس المقصود ~~وهو الربح مستويان في المغنم والمغرم إن أخذ هذا أخذ هذا وإن حرم هذا حرم ~~هذا. ولهذا وجب أن يكون المشروط لأحدهما جزءا مشاعا من الربح من جنس ~~المشروط للآخر وأنه لا يجوز أن يكون مقدرا معلوما فعلم أنها من باب ~~المشاركة كما في شركة العنان فإنهما يشتركان في الربح ولو شرط مال مقدر من ~~الربح أو غيره: لم يجز. وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المخابرة كما جاء ذلك # PageV30P227 # مفسرا في صحيح مسلم. وغيره عن رافع بن خديج أنهم كانوا يكرون الأرض ~~ويشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها. كما تنبت الماذيانات والجداول فربما ~~سلم ms8890 هذا ولم يسلم هذا. ولهذا قال الليث بن سعد: أن الذي نهى عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المخابرة أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم ~~أنه لا يجوز. وهذا من فقه الليث الذي قال فيه الشافعي: كان الليث أفقه من ~~مالك. فإنه بين أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم موافق لقياس ~~الأصول؛ لما فيه من أن يشترط لأحد الشريكين شيء معين من الربح. والشركة ~~حقها العدل بين الشريكين فيما لهما من المغنم وعليهما من المغرم. فإذا خرجت ~~كان ظلما محرما. وأين من يجعل ما جاءت به السنة موافقا للأصول إلى من يجعل ~~ما جاءت به السنة مخالفا للأصول. ومن أعطى النظر حقه علم أن ما جاءت به ~~السنة من النهي عن هذه المخابرة ومن معاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ~~ثمر وزرع بدون هذا الشرط وما عمل به الصحابة من المضاربة: كل ذلك على وفق ~~القياس. وأن هذا من جنس المشاركات لا من جنس المؤجرات. وإذا كان كذلك ~~فنقول: معلوم أنه إذا ساقاه على الشجر بجزء من الثمرة كان كما إذا زارعه # PageV30P228 # على الأرض بجزء من الزرع وضاربه على النقد بجزء من الربح فقد جعلت الثمرة ~~من باب النماء والفائدة الحاصلة ببدن هذا ومال هذا. والذي نهى عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بيع الثمرة ليس للمشتري عمل في حصوله أصلا؛ بل العمل ~~كله على البائع فإذا استأجر الأرض والشجر حتى حصل له ثمر وزرع. كان كما إذا ~~استأجر الأرض حتى يحصل له الزرع. الوجه الثالث: أن الثمرة تجري مجرى ~~المنافع والفوائد في الوقف والعارية ونحوهما فيجوز أن يقف الشجر لينتفع أهل ~~الوقف بثمرها كما يقف الأرض لينتفعوا بمغلها ويجوز إعراء الشجر كما يجوز ~~إفقار الظهر وعارية الدار ومنيحة اللبن. وهذا كله تبرع بنماء المال ~~وفائدته؛ فإن من دفع عقاره إلى من يسكنه كان بمنزلة من دفع دابته إلى من ~~يركبها وبمنزلة من دفع شجره إلى من يستثمرها وبمنزلة من ms8891 دفع أرضه إلى من ~~يزرعها وبمنزلة من دفع الناقة والشاة إلى من يشرب لبنها. فهذه الفوائد تدخل ~~في عقود التبرع سواء كان الأصل محبسا كالوقف أو غير محبس. وتدخل أيضا في ~~عقود المشاركات فكذلك تدخل في عقود المعاوضات. فإن قيل: إن هذا يقتضي أن ~~الأعيان معقود عليها في الإجارة والإجارة إنما هي عقد على المنافع لا على ~~الأعيان وإنما جازت إجارة الظئر على خلاف القياس. قيل: الجواب من وجهين. # PageV30P229 # أحدهما: أن تقبيل الأرض والشجر ليس هو عقدا على عين وإنما هو بمنزلة ~~إجارة الأرض للازدراع فالعين هي مقصود المستأجر؛ فإنه إنما استأجر الأرض ~~ليحصل له الزرع؛ لكن العقد ورد على المنافع التي هي شبه هذه الأعيان. الوجه ~~الثاني: أن يقال لا نسلم أن إجارة الظئر على خلاف القياس وكيف يقال: وليس ~~في القرآن إجارة منصوصة في شريعتنا إلا إجارة الظئر بقوله تعالى: {فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} . وإنما ظن من ظن أنها خلاف القياس حيث توهم أن ~~الإجارة لا تكون إلا على منفعة وليس الأمر كذلك؛ بل الإجارة تكون على كل ما ~~يستوفى مع بقاء أصله سواء كانت عينا أو منفعة. فلما كان لبن الظئر يستوفى ~~مع بقاء الأصل ونقع البئر يستوفى مع بقاء الأصل: جازت الإجارة عليه كما ~~جازت على المنفعة؛ فإن هذه الأعيان يحدثها الله شيئا بعد شيء وأصلها باق ~~كما يحدث الله المنافع شيئا بعد شيء وأصلها باق؛ ولهذا جاز وقف هذه الأصول ~~لاستثناء هذه الفوائد أعيانها ومنافعها. فإن قيل: فهذا يقتضي جواز إجارة ~~الحيوان لشرب لبنه. قيل: وفي هذه المسألة نزاع بين الفقهاء أيضا. والمزارعة ~~إنما تكون بدليل # PageV30P230 # شرعي نص أو إجماع أو قياس ونحوه وأما مسائل النزاع إذا عورض فنجيب عنها ~~بجواب عام: وهو إن كان ما ذكرناه من الدليل موجبا لصحة هذه الإجارة لزم طرد ~~الدليل والعمل بذلك. وإن لم يكن موجبا لم يكن نقصا. والدليل الذي يقال: إنه ~~مفسد لهذه الإجارة. إن أمكن الجمع بينه وبين ما ذكر من الدليل فلا منافاة ~~وإلا ms8892 فما ذكرناه راجح؛ إذ المنافع إنما يستند منعها إلى جنس ما يذكره في ~~مورد النزاع هنا. فإن قيل: إن ابن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعا؛ لأجل ~~الحاجة وأنه سلك مسلك مالك؛ لكن مالك اعتبر القلة في الشجر وابن عقيل عمم ~~فإن الحاجة داعية إلى إجارة الأرض البيضاء التي فيها شجر وإفرادها عنها ~~بالإجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فجوز دخولها في الإجارة كما جوز ~~الشافعي دخول الأرض مع الشجر تبعا في باب المساقاة. ومن حجة ابن عقيل: أن ~~غاية ما في ذلك جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه تبعا لغيره لأجل الحاجة وهذا ~~يجوز بالنص والإجماع فيما إذا باع شجرا وعليها ثمر باد بما يشترطه المبتاع ~~فإنه اشترى شجرا وثمرا قبل بدو صلاحه وما ذكرتموه يقتضي أن جواز هذا هو ~~القياس وأنه جائز بدون الحاجة حتى مع الانفراد. # PageV30P231 # قيل: هذا زيادة توكيد؛ فإن هذه المسألة لها مأخذان أحدهما: أن يسلم أن ~~الأصل يقتضي المنع لكن يجوز ذلك لأجل الحاجة. كما في نظائره. والثاني: أن ~~يمنع هذا ويقال: لا نسلم أن الأصل يقتضي المنع؛ بل الدليل لا يتناول مثل ~~هذه الصورة؛ لا لفظا ولا معنى. أما لفظا فإن هذا لم يبع ثمرة قبل بدو ~~صلاحها ولو كان قد باع لكان عليه مؤنة التوفية كما لو باعها بعد بدو صلاحها ~~فإن مؤنة التوفية عليه أيضا فإن المسلمين اتفقوا على ما فعله أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه من ضرب الخراج على السواد وغيره من الأرض التي ~~فتحت عنوة سواء قيل: إنه يجب في الأرض التي فتحت عنوة أو تجعل فيئا كما ~~قاله مالك وهو رواية عن أحمد. أو قيل: إنه يجب قسمتها بين الغانمين كما ~~قاله الشافعي وهو رواية عن الإمام. أو قيل: يخير الإمام فيها بين هذا وهذا ~~كما هو مذهب أبي حنيفة والثوري وأبي عبيد ونحوهم. وهو ظاهر مذهب الإمام ~~أحمد. فإن الشافعي يقول: إن عمر استطاب أنفس الغانمين حتى جعلها فيئا وضرب ~~الخراج عليها ms8893 فاتفق المسلمون في الجملة على أن وضع الخراج على أرض العنوة ~~جائز إذا لم يكن فيه ظلم للغانمين. # PageV30P232 # ثم الخراج عند أكثرهم أجرة الأرض وأنه لم يقدر مدة الإجارة لعموم مصلحتها ~~والخراج ضريبة على الأرض التي فيها شجر والأرض البيضاء. وضرب على جريب ~~النخل مقدارا وعلى جريب الكرم مقدارا. وهذا بعينه إجارة للأرض مع الشجر؛ ~~فإن كان جواز هذا على وفق القياس فهو المطلوب. وإن كان جواز ذلك لحاجة ~~داعية إلى ذلك؛ فإن الناس لهم بساتين فيها مساكن ولها أجور وافرة فإن ~~دفعوها إلى من يعملها مساقاة ومزارعة: تعطلت منفعة المساكن عليها كما في ~~أرض دمشق ونحوها. ثم قد يكون وقفا أو ليتيم ونحو ذلك. فكيف يجوز تعطيل ~~منفعة المسكن المبنية في تلك الحدائق. وقد تكون منفعة المسكن هي أكثر ~~المنفعة ومنفعة الشجر والأرض تابعة فيحتاجون إلى إجارة تلك المساكن ولا ~~يمكن أن تؤجر دون منفعة الأرض والشجر؛ فإن العامل إذا كان غير الساكن تضرر ~~هذا وهذا تضرر: ببناء المساكن ويبقى ممنوعا من الانتفاع بالثمر والزرع هو ~~وعياله مع كونه عندهم ويتضررون بدخول العامل عليهم في دارهم والعامل أيضا ~~لا يبقى مطمئنا إلى سلامة ثمره وزرعه؛ بل يخاف عليها في مغيبه. وما كل ساكن ~~أمينا ولو كان أمينا لم تؤمن الضيفان والصبيان والنسوان. وكل هذا معلوم. ~~فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة وهي بيع # PageV30P233 # الرطب بالتمر؛ لما في ذلك من بيع الربوي بجنسه مجازفة - وباب الربا أشد ~~من باب الميسر - ثم إنه أرخص في العرايا أن تباع بخرصها؛ لأجل الحاجة وأمر ~~رجلا أن يبيع شجرة له في ملك الغير لتضرره بذلك لدخوله عليه أو يهبها له ~~فلما لم يفعل أمر بقلعها. فأوجب عليه المعاوضة لرفع الضرر عن مالك العقار ~~كما أوجب للشريك أن يأخذ الشقص بثمنه رفعا لضرر المشاركة والمقاسمة. فكيف ~~إذا كان الضرر ما ذكر. ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ~~وتعطيل المفاسد وتقليلها وأمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما وبدفع ~~شر الشرين باحتمال ms8894 أدناهما. والفساد في ذلك أعظم مما ذكرنا من حصول ضرر ما ~~لأحد المتعوضين فإن هذا ضرر كثير محقق وذاك إن حصل فيه ضرر فهو قليل مشكوك ~~فيه. وأيضا فالمساقاة والمزارعة تعتمد أمانة العامل وقد يتعذر ذلك كثيرا ~~فيحتاج الناس إلى المؤاجرة التي فيها مال مضمون في الذمة؛ ولهذا يعدل كثير ~~من الناس في كثير من الأمكنة والأزمنة عن المزارعة إلى المؤاجرة؛ لأجل ذلك ~~ومعلوم أن الشريعة توجب ما توجبه بحسب الإمكان وتشترط في العبادات والعقود ~~ما تشترطه بحسب الإمكان؛ ولهذا جاز أن ينفذ من ولي الأمر - مع فجوره - من ~~ولايته وقسمته # PageV30P234 # وحكمه ما يسوغ وإن كان ولي الأمر يجب فيه أن يكون عدلا إذا أمكن ذلك بلا ~~مفسدة راجحة. وكذلك أئمة الصلاة إذا لم تمكن الصلاة إلا خلف الفاجر. فإذا ~~لم يمكن دفع الأرض إلا إلى فاجر وائتمانه عليها يوجب الفساد؛ احتيج إلى أن ~~تدفع إليه مؤاجرة. فهذا وجه من وجوه جواز المؤاجرة. وأيضا فقد لا يتفق من ~~يأخذها مشاركة كالمساقاة أو المزارعة؛ فإن لم تدفع مؤاجرة وإلا تعطلت وتضرر ~~أهلها وإن كانوا فقراء. وليس في هذا من الفساد إلا إمكان نقص الثمر عن ~~الوجه المعتاد فيبقى ذلك مخاطرة. وهذا القدر ينجبر بما يجعل للمستأجر من ~~جبران ذلك كما أن الإجارة الجائزة إذا تلفت فيها المنفعة سقطت الأجرة التي ~~تقابلها وكذلك لو نقصت - على الصحيح - فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقص من ~~المنفعة فقد ثبت في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ~~وقال: إذا بعت من أخيك بيعا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك ~~شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق} وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما. وذلك ~~لأن الثمرة قبضت ولم تقبض قبضا تاما بحيث يتمكن القابض من جذاذها كما أن ~~المستأجر إذا قبض العين لم يحصل القبض التام الذي يتمكن به من استيفاء جميع ~~المنفعة فإذا تلفت المنفعة قبل # PageV30P235 # تمكنه من استيفائها سقطت الأجرة فكذلك إذا تلفت الثمرة قبل ms8895 التمكن من ~~الجذاذ سقط الثمن. فهنا المستأجر للبستان إذا قدر أنه حصلت آفة منعت الأرض ~~عن المنفعة المعتادة - كما لو نقص ماء المطر والأنهار حتى نقصت المنفعة عن ~~الوجه المعتاد؛ لأن المعقود عليه لا بد أن يبقى على الذي يمكن استيفاء ~~المنفعة المقصودة منه فإذا خرج عن هذه الحال - كان للمستأجر إما الفسخ وإما ~~الأرش؛ وليس من باب وضع الجائحة في الممتنع. كما في الثمر المشترى بل هو من ~~باب تلف المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها. وهنا المستأجر للبستان ~~كالمستأجر للأرض سواء بسواء. إنما يتسلم الأصول وهو الذي يقوم عليها حتى ~~يشتد الزرع ويبدو صلاح الثمر كما يقوم على ذلك العامل في المساقاة ~~والمزارعة فإن جاز أن يقال: إن هذا مشتر للثمرة فليقل إن المستأجر مشتر ~~للزرع وإن العامل في المساقاة والمزارعة والمضاربة مشتر لما يحصل من النماء ~~فإذا كان هذا لا يدخل في مسمى البيع امتنع شمول العموم له لفظا ويمتنع ~~إلحاقه من جهة القياس أو شمول العموم المعنوي له؛ لأن الفرق بينهما في غاية ~~الظهور؛ فإن إلحاق هذه الإجارة للأرض لاشتراكهما في المساقاة والمزارعة وفي ~~المضاربة والوقف وغير ذلك مما يجعل حكم أحدهما حكم الآخر: أولى من إلحاقها ~~بالبيع كما تقدم. # PageV30P236 # وكل من نظر في هذا نظرا صحيحا سليما تبين له أن هذا من باب الإجارات ~~والقبالات التي تسمى الضمانات. كما تسميه العامة ضمانا وكما سماه السلف ~~قبالة؛ ليس هو من باب المبايعات. وأحكام البيع منتفية في هذا من كون مؤنة ~~التوفية على البائع وكل ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع ~~المعدومات: مثل نهيه عن بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة وهو بيع ما في ~~أصلاب الفحول وأرحام الإناث ونتاج النتاج. ونهيه عن بيع السنين. وهو ~~المعاومة وأمثال ذلك إنما هو أن يشتري المشتري تلك الأعيان التي لم تخلق ~~بعد وأصولها يقوم عليها البائع فهو الذي يستنتجها ويستثمرها ويسلم إلى ~~المشتري ما يحصل من النتاج والثمرة وهذا هو الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه. ~~وهذا على ms8896 تفسير الجمهور في " حبل الحبلة " أنه بيع نتاج النتاج فإنه يكون ~~إبطاله لجهالة الأجل وهذه البيوع التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ~~هي من باب القمار الذي هو ميسر وذلك أكل مال بالباطل وأصحاب هذه الأصول ~~يمكنهم تأخير البيع إلى أن يخلق الله ما يخلقه من هذه الثمار والأولاد ~~وإنما يفعلون هذا مخاطرة ومباختة. والتجارات بضمان البستان لمن يقوم عليه ~~كضمان الأرض لمن يقوم عليها فيزدرعها واحتكار الأرض لمن يبني فيها ويغرس ~~فيها ونحو ذلك. # PageV30P237 # وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من ~~استيفائها فإنه لا تجب أجرة ذلك مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من ~~الانتفاع وكذلك المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه؛ مثل أن يشتري قفيزا من ~~صبرة فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز كان ذلك من ضمان البائع بلا نزاع؛ ~~لكن تنازعوا في تلفه بعد التمكن من القبض. وقبل القبض؛ كمن اشترى معيبا ~~ومكن من قبضه. وفيه قولان مشهوران. أحدهما: أنه لا يضمنه كقول مالك وأحمد ~~في المشهور عنه؛ لقول ابن عمر: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا ~~فهو من مال المشتري. والثاني: يضمنه كقول أبي حنيفة والشافعي؛ لكن أبو ~~حنيفة يستثني العقار. ومع هذا فمذهبه أن التخلية قبض كقول أحمد في إحدى ~~الروايتين. فيتقارب مذهبه ومذهب مالك وأحمد: أن ما يتلف من ضمان البائع لما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا بعت من أخيك ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه بغير حق؟} . ومذهب الشافعي المشهور عنه يكون من ضمان المشتري. إذا تلف # PageV30P238 # بعد القبض. وأما أبو حنيفة فمذهبه أن التبقية ليست من مقتضى العقد ولا ~~يجوز اشتراطها. والأولون يقولون: قبض هذا بمنزلة قبض المنفعة في الإجارات ~~وذلك ليس بقبض تام ينقل الضمان؛ لأن القابض لم يتمكن من استيفاء المقصود. ~~وهذا طرد أصلهم في أن المعتبر هو القدرة على الاستيفاء ms8897 المقصود بالعقد ~~ولهذا يقولون: لو أن المشتري فرط في قبض الثمرة بعد كمال صلاحها حتى تلفت ~~كانت من ضمانه كما لو فرط في قبض المعين حتى تلف. وهذا ظاهر في المناسبة ~~والتأثير؛ فإن البائع إذا لم يكن منه تفريط فيما يجب عليه وإنما التفريط من ~~المشتري: كان إحالة الضمان على المفرط أولى من إحالته على من قام بما يجب ~~عليه ولم يفرط؛ ولهذا اتفقوا على مثل ذلك في الإجارة؛ فإن المستأجر لو فرط ~~في استيفاء المنافع حتى تلفت كانت من ضمانه. ولو تلفت بغير تفريط كانت من ~~ضمان المؤجر. وفي الإجارة إذا لم يتمكن المستأجر من ازدراع الأرض لآفة حصلت ~~لم تكن عليه الأجرة. وإن نبت الزرع ثم حصلت آفة سماوية قبل التمكن من حصاده ~~ففيه نزاع. ومن فرق بينه وبين الثمر والمنفعة قال: الثمرة هي المعقود عليها ~~وكذلك المنفعة. وهنا الزرع ليس بمعقود عليه؛ بل المعقود عليه المنفعة وقد ~~استوفاها؛ ومن سوى بينهما قال: المقصود بالإجارة هو الزرع فإذا # PageV30P239 # حالت الآفة السماوية بينه وبين المقصود بالإجارة كان قد تلف المقصود ~~بالعقد قبل التمكن من قبضه والمؤجر وإن لم يعاوض على زرع فقد عاوض على ~~المنفعة التي يتمكن بها من حصول الزرع فإذا حصلت الآفة السماوية المفسدة ~~للزرع قبل التمكن من حصاده لم تسلم المنفعة المعقود عليها بل تلفت قبل ~~التمكن من الانتفاع. ولا فرق بين تعطل منفعة الأرض في أول المدة أو في ~~آخرها؛ إذا لم يتمكن من استيفائها بشيء من المنفعة. ومعلوم أن الآفة ~~السماوية إذا فقد الزرع مطلقا؛ بحيث لا يمكن الانتفاع بالأرض مع تلك الآفة ~~فلا فرق بين تقدمها وتأخرها. وعلى هذا تنبني مسألة " ضمان الحدائق " والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن تضمين البساتين قبل إدراك الثمرة هل يجوز أم لا؟ . # فأجاب: # أما تضمين حديقته أو بستانه الذي فيه النخيل والأعناب وغير ذلك من ~~الأشجار لمن يقوم عليها ويزرع أرضها بعوض معلوم: فمن العلماء من نهى عن ذلك ~~واعتقد أنه داخل في نهي النبي صلى الله ms8898 عليه وسلم عن بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحها. # PageV30P240 # ثم من هؤلاء من جوز ذلك إذا كان البياض هو المقصود والشجر تابع كما يذكر ~~عن مالك. ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ويساقي على ~~الشجر بجزء من الخارج منه؛ ولكن هذا إن شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم ~~يصح وإن لم يشترطا كان لرب البستان أن يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون ~~المساقاة. وأكثر مقصود الضامن هو الثمر وهي جزء كبير من مقصوده. وقد يكون ~~المكان وقفا ومال يتيم فلا تجوز المحاباة في مساقاته. وهذه الحيلة وإن كان ~~القاضي أبو يعلى ذكرها في كتاب " إبطال الحيل " موافقة لغيره فالمنصوص عن ~~أحمد أنها باطلة. وقد بينا بطلان الحيل - التي يكون ظاهرها مخالفا لباطنها ~~ويكون المقصود بها فعل ما حرم الله ورسوله كالحيل على الربا وعلى إسقاط ~~الشفعة وغير ذلك - بالأدلة الكثيرة في غير هذا الموضع. ومن العلماء من جوز ~~الضمان للأرض والشجر مطلقا وإن كان الشجر مقصودا كما ذكر ذلك ابن عقيل وهذا ~~القول أصح وله مأخذان. أحدهما: أنه إذا اجتمع الأرض والشجر فتجوز الإجارة ~~لهما جميعا لتعذر التفريق بينهما في العادة. # PageV30P241 # والمأخذ الثاني: أن هذه الصورة لم تدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن رب الأرض لم يبع ثمره بلا أجر أصلا والفرق بينهما من وجوه: أحدهما: أنه ~~لو استأجر الأرض جاز ولو اشترى الزرع قبل اشتداد الحب بشرط البقاء لم يجز ~~فكذلك يفرق في الشجر. الثاني: أن البائع عليه السقي وغيره مما فيه صلاح ~~الثمرة حتى يكمل صلاحها وليس على المشتري شيء من ذلك. وأما الضامن ~~والمستأجر فإنه هو الذي يقوم بالسقي والعمل حتى تحصل الثمرة والزرع فاشتراء ~~الثمرة اشتراء للعنب والرطب فإن البائع عليه تمام العمل حتى يصلح؛ بخلاف من ~~دفع إليه الحديقة وكان هو القائم عليها. الثالث: أنه لو دفع البستان إلى من ~~يعمل عليه بنصف ثمره وزرعه كان هذا مساقاة ومزارعة فاستحق نصف الثمر والزرع ~~بعمله وليس هذا اشتراء للحب والثمرة. ms8899 الرابع: أنه لو أعار أرضه لمن يزرعها ~~أو أعطى شجرته لمن يستغلها ثم يدفعها إليه كان هذا من جنس العارية؛ لا من ~~جنس هبة الأعيان. الخامس: أن ثمرة الشجر من مغل الوقف كمنفعة الأرض ولبن # PageV30P242 # الظئر. واستئجار الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع. واللبن لما كان ~~يحدث شيئا بعد شيء صح عقد الإجارة عليه كما يصح على المنافع وإن كانت ~~أعيانا ولهذا يجوز للمالك إجارة الماشية للبنها. فإجارة البستان لمن يستغله ~~بعمله هو من هذا الباب ليس هو من باب الشراء. وإذا قيل: إن في ذلك غررا. ~~قيل: هو كالغرر في الإجارة؛ فإنه إذا استأجر أرضا ليزرعها فإنما مقصوده ~~الزرع وقد يحصل وقد لا يحصل وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد ~~ابن حضير بعد موته ثلاث سنين وأخذ الضمان فصرفه في دينه ولم ينكر ذلك عليه ~~أحد من الصحابة. وأيضا: فإن أرض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمر إليهم ~~وفيها النخيل والأعناب لمن يعمل عليها بالخراج وهذه إجارة عند أكثر ~~العلماء. # وسئل: # عن ضمان بساتين وأنهم لما سمعوا بقدوم العدو المخذول دخلوا إلى المدينة ~~وغلقت أبواب المدينة ولم يبق لهم سبيل إلى البساتين ونهب زرعهم وغلتهم. فهل ~~لهم الإجاحة في ذلك؟ . # PageV30P243 # فأجاب: الخوف العام الذي يمنع من الانتفاع هو من الآفات السماوية وإذا ~~تلفت الزروع بآفة سماوية: فهل توضع الجائحة فيه كما توضع في الثمرة؟ كما نص ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم حيث قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إذا بعت أخاك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ ~~من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} اختلفوا في الزرع إذا ~~تلف قبل تمكن المستأجر من حصاده هل توضع فيه الجائحة؟ على قولين. أشبههما ~~بالمنصوص والأصول أنها توضع. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن ضمان الإقطاع. # هل هو صحيح؟ أم لا؟ . # فأجاب: # ضمان الإقطاع صحيح لا نعلم أحدا من علماء المسلمين الذين يفتى بقولهم ~~قال: إنه باطل. ولا ms8900 نعلم أحدا من العلماء المنصفين قال: إنه باطل. إلا ما ~~بلغنا عن بعض الناس حكي فيه خلافا: قول بالجواز. وقول بالمنع. وقول إنه ~~يجوز سنة فقط. وما زال المسلمون يضمنونه ولم يفت أحد بتحريمه إلا بعض أهل ~~هذا الزمان لشبهة عرضت لهم؛ لكونهم اعتقدوا أن المقطع بمنزلة # PageV30P244 # المستعير وغفلوا عن كون المنافع مستحقة لأهل الإقطاع لا مبذولة؛ بمنزلة ~~استحقاق أهل البطون للوقف. وإن جاز انفساخ الإجارة بموت الموقوف عليه عند ~~من يقول به. والسلطان قاسم لا معين. وقسمته للمنافع كقسمة الأموال. وغفلوا ~~عن كون السلطان المقطع أذن في الانتفاع بالمقطع استغلالا وإيجارا. ولو أذن ~~المعير في الإجارة جازت وفاقا فكيف الإقطاع والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مستأجر نصف بستان مشاعا غير مقسوم وقد تهدمت الحيطان فاتفق ~~المستأجر للنصف وصاحب النصف الآخر على العمارة وتقاسما الحيطان ليبني كل ~~منهما ما اقتسماه فعمر المستأجر نصيبه وامتنع الآخر حتى سرق أكثر الثمرة. ~~وامتنع من السقي أيضا حتى تلف أكثر الثمرة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا لم يفعل ما اتفقا عليه حتى تلف شيء من الثمرة بسبب ~~إهمال ذلك فعليه ضمان ما تلف من نصيب شريكه. وأما إذا امتنع ابتداء من ~~العمارة والسقي معه فإنه يجبر على ذلك في أصح قولي العلماء. وفي الآخر لا ~~يجبر؛ لكن للآخر أن يعمر ويسقي. # PageV30P245 # ويمنع من لم يعمر ويسق أن ينتفع بما يحصل من ماله. ومن أصر على ترك ~~الواجب قدح ذلك في عدالته. # و ### | سئل: # عن إجارة الوقف. # هل تجوز سنين؟ وكل سنة بذاتها؟ وإذا قطع المستأجر من الوقف أشجارا هل ~~تلزمه القيمة؟ أم لا؟ وإذا شرى الوقف بدون القيمة ما يجب عليه؟ . # فأجاب: # إن كان الوقف على جهة عامة جازت إجارته بحسب المصلحة ولا يتوقت ذلك بعدد ~~عند أكثر العلماء. وما قطعه المستأجر فعليه ضمانه ولا يجوز للموقوف عليه ~~بيع الوقف؛ بل عليه رد الثمن على المشتري والوقف على حاله. # PageV30P246 # وسئل - رحمه الله -: # عن أمير دخل على إقطاع وجد فيه فلاحا مستأجرا إقطاعه ms8901 بأجرة واستقر الفلاح ~~المذكور مستأجرا إقطاعه إلى حين انقضائه ثم انتقل الإقطاع إلى غيره فوجد ~~المقطع المستجد الفلاح بور بعض الأرض المستأجرة فطالب المقطع المنفصل بخراج ~~البور وادعى أن الإيجار المكتتب على الفلاح إجارة باطلة بحكم أن بعض الأرض ~~كانت مشغولة هل يبطل حكم الإيجار؟ أو يصح؟ وهل يلزم البور للمستأجر؟ أم لا؟ ~~. # فأجاب: # ليس للمقطع الثاني أن يطالب المقطع المنفصل بما بور كما ليس له أن يطالبه ~~بما زرع فإن حقه على المستأجر الذي أجر الأرض وسلمت إليه سواء زرع الأرض أو ~~لم يزرعها. ولكن المقطع مخير إن شاء طالبه بالأجرة التي رضي بها الأول وإن ~~شاء طالبه بأجرة المثل لما تسلمه من المنفعة وإجارة الأرض لمن يزرع فيها ~~زرعا وقصبا جائزة لكن المقطع الثاني له أن يمضيها وله أن لا يمضيها ولو قدر ~~أن الأول آجره إياها إجارة فاسدة وسلم إليه الأرض قبل إقطاع الثاني لكان ~~على المستأجر ضمان الأرض كلها للمقطع # PageV30P247 # الثاني الذي يستحق منفعة الأرض سواء زرعها أو لم يزرعها؛ لأن ما ضمن ~~بالقبض في العقد الصحيح ضمن بالقبض في العقد الفاسد كما لو قبض المبيع قبضا ~~فاسدا فإن عليه ضمانه. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن أجناد لهم أرض. # فآجروها لقوم فلاحين بغلة معينة ودراهم معينة وصيافة ليزرعوها أو ينتفعوا ~~بها مدة سنة كاملة وأن الأجناد قبل انقضاء السنة عدوا على أغنام الفلاحين ~~وأخذوا عن المراعي جملة دراهم قبل انقضاء مدة الإجارة غصبا باليد القوية. ~~فهل ما يناله الأجناد حلال؟ أم حرام؟ . # فأجاب: # إن كان بينهما إجارة شرط فيها شروط سائغة: مثل أن يشترط المستأجر أن ~~ينتفع بجميع ما في الأرض حتى في الكلأ المباح وأعقاب الزرع وغير ذلك فهذا ~~شرط لازم يجب العمل به وكذلك إن لم يذكر هذا في الإجارة؛ لكن كانت الإجارة ~~مطلقة. وهذه هي العادة؛ فإن الإجارة المطلقة تحمل على المنفعة المعتادة. ~~فإذا كانت المنفعة تتناول بذلك تناولته الإجارة المطلقة فما تناوله لفظ ~~الإجارة أو العرف المعتاد كان للمستأجر. # PageV30P248 # وأما إن كانت ms8902 العادة أن الإجارة المطلقة لا تتناول الكلأ المباح لم تدخل ~~في الإجارة المطلقة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر لرجل أرضا بطريق شرعية مدة معينة ثم إن المستأجر له توفي ~~وإن الوكيل لما استأجر هذه المدة قدم للمؤجر حق سنة على يد وكيله وإن صاحب ~~الأرض ادعى على وارث المستأجر له فطلبوا منه تثبيت وكالة المستأجر الوكيل. ~~فهل يجب على المدعي إثبات الوكالة بعد القبض منه حق سنة وأنه هو الذي استغل ~~هذه الأرض المستأجرة دون الوكيل؟ . # فأجاب: # إذا كان الذي ادعى عليه أن الأرض استؤجرت له قد استغل الأرض فقد وجب ضمان ~~المنفعة التي استوفاها سواء استؤجرت أو لم تستأجر وإذا لم يعترف أنه ~~استوفاها بطريق الإجارة ولا بإذن المالك والحالة هذه فهو غاصب يستحق تعزيره ~~وعقوبته تعزيرا يمنعه وأمثاله من المعتدين عن ظلم الخلق وجحد الحق. وهذا ~~كله إذا لم يكن مما ذكر وما لم يذكر ما يدل على الإجارة حتى لو ادعى ~~المزدرع أنه إنما زرع بطريق العارية وقال # PageV30P249 # رب الأرض: بل بطريق الإجارة. فالقول قول رب الأرض كما نص عليه الأئمة ~~مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. وللشافعي قول في مسألة الدابة إذا تنازعا ~~فقال: أعرتني وقال المالك: بل أكريتك فقال في هذه المسألة: القول قول ~~الراكب. فمن أصحابه من سوى بين الصورتين. والمذهب فيهما أن القول قول ~~المالك. ومنهم من فرق وقال: الدابة يسمح في العادة بأن تعار؛ بخلاف الأرض؛ ~~ولهذا قال مالك في رواية: إن القول قول المالك إلا أن يكون مثله لا يكري ~~الدواب وكذلك قال أبو حنيفة في الدابة: القول قول الراكب. وهو قول في مذهب ~~الإمام أحمد. وبالجملة: فالصواب الذي عليه الجمهور في مسألة الأرض أن القول ~~قول المالك فيستحق المطالبة بالأجرة في هذه الصورة؛ لكن هل يطالب بالأجرة ~~التي ادعاها أو بأجرة المثل؟ أو بالأقل منهما؟ على ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره. # PageV30P250 # و ### | سئل: # عن فلاح حرث أرضا # ولم يزرعها ثم زرعها غيره. فهل يستحق الإجارة والمقاسمة؟ أم لا؟ ms8903 . # فأجاب: # إذا كانت الأرض مقاسمة: لرب الأرض سهم وللفلاح سهم فإنه يقسم نصيب الفلاح ~~بين الحارث والزارع على مقدار ما بذلاه من نفع ومال: والله أعلم. # وسئل: # عن رجل استأجر من ثلاثة نفر قطعة أرض وبئر ماء معين بأجرة معلومة وزرعها ~~إنسان ثم إنه باع النصف من الإنسان المذكور لأحد المؤجرين وبقي على ملكه ~~النصف من الإنسان المذكور ودفع الأجرة للآخرين المذكورين عن حصتهما خاصة ~~ولم يدفع للمشتري من الأجرة المذكورة. وعند وفاته أشهد أن جميع ما يخص ~~المشتري من الأجرة المذكورة باق في ذمته على حكمه ولم يخلف سوى # PageV30P251 # نصف الإنسان وعليه الأجرة المذكورة وعليه صداق زوجته. فهل له أن يأخذ ~~أسوة الشركاء أو يحاصصهم. ينظر ماله بحكم غيره؟ أفتونا. # فأجاب: # الأجرة التي كان يستحقها أحد المؤجرين على المستأجر باقية في ذمته؛ ولو ~~لم يقر ببقائها. فإذا أقر ببقائها: كان هذا مؤكدا؛ لكن لغرمائه عليه اليمين ~~أنه لم يبر المستأجر من هذه الأجرة لا بوفاء ولا إبراء ولا غير ذلك؛ لكن من ~~حين انتقلت لإنسان فلشركائه مطالبته بحقهم من الأجرة من حين انتقلت إليه. ~~وهذه الأجرة دين من الديون يحاص بها سائر الغرماء. # و ### | سئل: # عن رجل أقطع فدان طين وتركه بديوان الأحباس # فزرعه ثم مات الجندي فترك عليه غيره فمنع من ذلك فأخذ توقيع السلطان ~~المطلق له بأن يجري على عادته فمنعه وقد زرعه. فهل له أجرة الأرض؟ أم ~~الزرع؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان المقطع أعطاه إياه من إقطاعه وخرج من ديوان الإقطاع ~~إلى ديوان الأحباس الذي لا يقطع وأمضى ذلك. # PageV30P252 # فليس للمقطع الثاني انتزاعه. وأما إن كان المقطع الأول تبرع له به من ~~إقطاعه وللمقطع الثاني أن يتبرع وألا يتبرع: فالأمر موكول للثاني والزرع ~~لمن زرعه ولصاحب الأرض أجرة المثل من حين أقطع إلى حين كمال الانتفاع. وأما ~~قبل إقطاعه فالمنفعة كانت للأول المتبرع؛ لا للثاني. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن راعي أبقار سرح بالأبقار ليسقيها من مورد جرت العادة بسقي الأبقار ~~منها فعند فراغ ms8904 سقي الأبقار لحق إحدى الأبقار مرض من جهة الله تعالى فسقطت ~~في الماء فتسبب الناس في إقامتها فلم تقم فجروها إلى البر لتقوم فلم تقم ~~ولم يكن بها ضرب ولا غيره فحضر وكيل مالكها وجماعة من الناس وشاهدوا ما ~~أصابها ورأوا ذبحها مصلحة فذبحوها: فهل يلزم الراعي قيمتها؟ # فأجاب: # لا يلزم الراعي شيء إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان؛ بل إن كان الأمر كما ~~ذكروا لا يلزم أيضا من ذبحها شيء فإنهم قد أحسنوا فيما فعلوا؛ فإن ذبحها ~~خير من تركها حتى تموت. وقد فعل مثل هذا راع على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم ينكر # PageV30P253 # النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا بين أنه ضامن. وهو نظير خرق صاحب موسى ~~السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة؛ فإن ذلك خير لهم من ذهابها بالكلية ومثل ~~هذا لو رأى الرجل مال أخيه المسلم يتلف بمثل هذا فأصلحه بحسب الإمكان كان ~~مأجورا عليه وإن نقصت قيمته فناقص خير من تالف فكيف إذا كان مؤتمنا كالراعي ~~ونحوه؟ # و ### | سئل: # عن رجل يكون راعي إبل أو غنم # ثم إن بعض الماشية تمرض أو يتسبب لها أمر فيدركه الموت - أو غير راع - ثم ~~إنه يذكي تلك الدابة خشية الهلاك على صاحبها فهل يضمن ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا أدركها الموت فينبغي للراعي أن يذكيها ويحسن في ذلك فإن ذلك خير من ~~أن تموت حتف أنفها ولا ضمان عليه في ذلك والله أعلم. # PageV30P254 # وسئل: # عن راعي غنم تسلم غنما وسلمها لصبيه وهو عمره اثنتا عشر سنة فسرح الغنم ~~فذهب منها رأسان. فهل تلزم الصبي الأجير؟ أم الراعي الأصلي؟ # فأجاب: # يجب ذلك على الذي يسلمها إلى الصبي بغير إذن أصحابها. # وسئل: # عن ضمان بساتين بدمشق وأن الجيش المنصور لما كسر العدو وقدم إلى دمشق ~~ونزل في البساتين رعى زرعهم وغلالهم فاستهلكت الغلال بسبب ذلك. فهل لهم ~~الإجاحة في ذلك؟ # فأجاب: # إتلاف الجيش الذي لا يمكن تضمينه هو من الآفات السماوية؛ كالجراد. وإذا ~~تلف الزرع بآفة سماوية ms8905 قبل تمكن الآخر من حصاده فهل توضع فيه الجائحة كما ~~توضع في الثمر المشترى؟ على قولين للعلماء. أصحهما - وأشبههما بالكتاب ~~والسنة والعدل - وضع الجائحة. # PageV30P255 # وسئل - رحمه الله -: # عمن قال: أضمنه بكذا وإن أكله الجراد مثلا؟ # فأجاب: # إن هذا الشرط فاسد فإنه شرط غرر وقمار وإذا كان مع الشرط قد ضمنه بعوض ~~كان ذلك دون عوض المثل إذا خلا من الشرط. وحينئذ يفرق بين صحة العقد وفساده ~~على المشهور. فإذا كان العقد فاسدا كان الواجب رد المقبوض به أو قيمته. وإن ~~كان صحيحا زيد على نصيب الباقي من المسمى بقدر قيمته ما بين القيمة مع ~~الشرط والقيمة مع عدمه. فإذا كان المسمى مثلا ألفا والباقي ثلث الثمرة: كان ~~نصيبه ثلث ما بقي من الألف فينظر قيمة الجميع بالشرط فيأخذ تسعمائة. . . ~~(1) ألف ومائتان فيزاد على المسمى ونصيبه ثلثه. والله أعلم. PageV30P256 # وسئل - رحمه الله -: # عمن استأجر أرضا فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع. هل توضع الجائحة؟ # فأجاب: # أما إذا استأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق ~~العلماء؛ بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ في الأظهر. وأما إذا نقصت ~~المنفعة فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة نص على هذا أحمد بن حنبل ~~وغيره. فيقال: كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال: ألف درهم. ~~ويقال كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال: خمسمائة درهم. فيحط عن ~~المستأجر نصف الأجرة المسماة فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل ~~التمكن من استيفائها فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه. وكذلك ~~لو أصاب الأرض جراد أو نار أو جائحة أتلف بعض الزرع فإنه ينقص من الأجرة ~~بقدر ما نقص من المنفعة. وأما ما تلف من الزرع فهو من ضمان مالكه لا يضمنه ~~له رب # PageV30P257 # الأرض باتفاق العلماء. ولما رأى بعض العلماء اتفاق العلماء على هذا ظن ~~أنهم متفقون على أنه لا ينقص من الأجرة المسماة بقدر ما نقص من المنفعة ولم ~~يميز بين كون المنفعة مضمونة على ms8906 المؤجر حتى تنقضي المدة؛ بخلاف الزرع ~~نفسه. فإنه ليس مضمونا عليه. وقد اتفق العلماء على أنه لو نقصت المنفعة ~~المستحقة بالعقد كان للمستأجر الفسخ كما لو استأجر طاحونا أو حماما أو ~~بستانا له ماء معلوم فنقص ذلك الماء نقصا فاحشا عما جرت به العادة؛ بخلاف ~~الجائحة في بيع الثمار فإن فيها نزاعا مشهورا. فلو اشترى ثمرا قبل بدو ~~صلاحه فأصابته جائحة كان من ضمان البائع؛ في مذهب مالك وأحمد. وهو قول ~~الشافعي الذي علقه على صحة الخبر وقد صح الخبر في صحيح مسلم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك ~~أن تأخذ من مال أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} . واشترط مالك ~~أن يكون كثيرا فوق الثلث وهو رواية عن أحمد. وظاهر مذهبه وضع القليل ~~والكثير. والمسألة لا تجيء على قول أبي حنيفة؛ فإنه لا يفرق بين ما قبل بدو ~~الصلاح وما بعده؛ بل يوجب العقد عند القطع في الحال مطلقا ولو شرط التبقية ~~ولو بعد بدو الصلاح لم يجز. والثلاثة يفرقون بين ما قبل بدو الصلاح وما # PageV30P258 # بعده. كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. وأما ضمان البساتين عاما أو ~~أعواما ليستغلها الضامن بسقيه وعمله كالإجارة ففيها نزاع. وكذلك إذا بدا ~~الصلاح في جنس من الثمر كالتوت فهل يباع جميع البستان؟ فيه نزاع. والأظهر ~~جواز هذا وهذا. كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل يكتري أرضا للزرع فتصيبه آفة فيهلك فهل فيه جائحة؟ أم لا؟ # فأجاب: # أما إذا اكترى أرضا للزرع فأصابته آفة. فهذه " مسألة وضع الجوائح في ~~الثمر " فإن اشترى ثمرا قد بدا صلاحه فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه ~~فإنه يتلف من ضمان البائع عند فقهاء المدينة. كمالك وغيره. وفقهاء الحديث ~~كأحمد وغيره. وهو قول معلق للشافعي؛ فإن الشافعي علق القول بصحة الحديث. ~~والحديث قد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV30P259 # {إذا بعت ms8907 من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك ~~شيئا. بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} . والاعتبار يؤيد هذا القول فإن ~~المبيع تلف قبل تمكن المشتري من قبضه فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة ~~قبل التمكن من استيفائها. فإذا قيل: هذه الثمرة تلفت بعد القبض قبل قبض ~~الثمرة التي لم يكمل صلاحها من جنس قبض المنافع؛ فإن المقصود إنما هو ~~جذاذها بعد كمال الصلاح؛ ولهذا إذا شرط المشتري في قبضها بعد كمال الصلاح ~~كانت من ضمانه. وقد تنازع الفقهاء هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ؟ على ~~قولين هما روايتان عن أحمد: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه بيع للمبيع قبل قبضه إذ ~~لو كانت مقبوضة لكانت من ضمانه. والثاني: يجوز بيعها وهو الصحيح؛ لأنه ~~قبضها القبض المبيح للتصرف وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان كقبض العين ~~المؤجرة فإنه إذا قبضها جاز له التصرف في المنافع وإن كانت إذا تلفت تكون ~~من ضمان المؤجر؛ لكن تنازع الفقهاء: هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها ~~به؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد. # PageV30P260 # قيل: يجوز كقول الشافعي. وقيل: لا يجوز كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح ~~فيما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها. وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز وإلا ~~فلا. والأول أصح؛ لأنها مضمونة عليه بالقبض بمعنى أنه إذا لم يستوفها تلفت ~~من ضمانه لا من ضمان المؤجر كما لو تلف الثمر بعد بدو صلاحه والتمكن من ~~جذاذه؛ ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ضمان المؤجر؛ ~~لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها فيفرق بين ما قبل التمكن وبعده. # فصل: # وأما إذا استأجر أرضا للازدراع فأصابتها آفة فإذا تلف الزرع بعد تمكن ~~المستأجر من أخذه مثل أن يكون في البيدر فيسرقه اللص أو يؤخر حصاده عن ~~الوقت حتى يتلف. فهنا يجب على المستأجر الأجرة. وأما إذا كانت الآفة مانعة ~~من الزرع فهنا لا أجرة عليه بلا نزاع. وأما إذا نبت الزرع ولكن الآفة ms8908 منعته ~~من تمام صلاحه مثل # PageV30P261 # نار أو ريح أو برد أو غير ذلك مما يفسده بحيث لو كان هناك زرع غيره ~~لأتلفته. فهنا فيه قولان: أظهرهما: أن يكون من ضمان المؤجر؛ لأن هذه الآفة ~~أتلفت المنفعة المقصودة بالعقد؛ لأن المقصود بالعقد المنفعة التي يثبت بها ~~الزرع حتى يتمكن من حصاده فإذا حصل للأرض ما يمنع هذه المنفعة مطلقا بطل ~~المقصود بالعقد قبل التمكن من استيفائه. ومثل هذا لو كانت الأرض سبخة فتلف ~~الزرع أو كانت إلى جانب بحر أو نهر فأتلف الماء تلك الأرض قبل كمال الزرع ~~ونحو ذلك. ففي هذه الصور كلها تتلف من ضمان المؤجر. وليس على المستأجر أجرة ~~ما تعطل الانتفاع به. كما لو ماتت الدابة المستأجرة أو انقطع الماء ولم ~~يمكن الانتفاع بها في شيء من المنفعة المقصودة بالعقد وأمثال هذه الصور. ~~وليس هذا مثل أن يسرق ماله أو يحترق من الدار؛ فإن المنفعة المقصودة بالعقد ~~لم تتغير فإنه يمكن أن ينتفع بها هو وغيره؛ بأن يحفظها من اللص أو الحريق. ~~ونظير ذلك أن يتلف المال الذي اكترى الدابة لحمله؛ فإن الأجرة عليه؛ بخلاف ~~ما إذا كانت الآفة مانعة من الانتفاع مطلقا له ولغيره؛ فإن هذا بمنزلة موت ~~الدابة واحتراق الدار المؤجرة. ونظير سرقة # PageV30P262 # متاعه من الدار: أن يسرق سارق زرعه. وأما إذا جاء جيش عام فأفسد الزرع ~~فهذه آفة سماوية؛ فإن هذا لا يمكن تضمينه؛ ولا الاحتراز منه. ونظيره أن ~~يجيء جيش عام فيخرج الناس من مساكنهم التي يسكنونها. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما. # فصل: # في " وضع الجوائح " في المبايعات والضمانات والمؤاجرات مما تمس الحاجة ~~إليه. وذلك داخل في " قاعدة تلف المقصود المعقود عليه قبل التمكن من قبضه ~~". # PageV30P263 # قال الله تعالى في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون ms8909 تجارة عن تراض منكم} وقال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ~~وأنتم تعلمون} وقال تعالى - فيما ذم به بني إسرائيل - {فبما نقضهم ميثاقهم} ~~- إلى قوله - {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} . ~~ومن أكل أموال الناس بالباطل أخذ أحد العوضين بدون تسليم العوض الآخر؛ لأن ~~المقصود بالعهود والعقود المالية هو التقابض فكل من العاقدين يطلب من الآخر ~~تسليم ما عقد عليه؛ ولهذا قال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به} أي ~~تتعاهدون وتتعاقدون وهذا هو موجب العقود ومقتضاها؛ لأن كلا من المتعاقدين ~~أوجب على نفسه بالعقد ما طلبه الآخر وسأله منه. فالعقود موجبة للقبوض؛ ~~والقبوض هي المسئولة المقصودة المطلوبة؛ ولهذا تتم العقود بالتقابض من ~~الطرفين حتى لو أسلم الكافران بعد التقابض في العقود التي يعتقدون صحتها أو ~~تحاكما إلينا لم نتعرض لذلك لانقضاء العقود بموجباتها؛ ولهذا نهي عن بيع ~~الكالئ بالكالئ؛ لأنه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ~~ولا لهما؛ ولهذا حرم الله الميسر الذي منه بيع الغرر. ومن الغرر ما يمكنه ~~قبضه # PageV30P264 # وعدم قبضه: كالدواب الشاردة؛ لأن مقصود العقد - وهو القبض - غير مقدور ~~عليه. ولهذا تنازع العلماء في " بيع الدين على الغير " وفيه عن أحمد ~~روايتان وإن كان المشهور عند أصحابه منعه. وبهذا وقع التعليل في بيع الثمار ~~قبل بدو صلاحها كما في الصحيحين عن أنس بن مالك: {أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه} وفي لفظ أنه: {نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن النخل حتى ~~يزهو؟ قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار ويصفار} وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {نهى عن بيع الثمر حتى تزهو فقلت لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر ~~أرأيت إن منع الله الثمر بم تستحل مال أخيك؟} وهذه ms8910 ألفاظ البخاري. وعند ~~مسلم {نهى عن بيع ثمر النخل حتى يزهو وعنده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟} قال أبو مسعود الدمشقي: ~~جعل مالك والدراوردي قول أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة - من حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم. أدرجاه فيه ويرون أنه غلط. # PageV30P265 # وفيما قاله أبو مسعود نظر. وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين ليس فيه ~~نزاع وهو من الأحكام التي يجب اتفاق الأمم والملل فيها في الجملة؛ فإن مبنى ~~ذلك على العدل والقسط الذي تقوم به السماء والأرض وبه أنزل الله الكتب ~~وأرسل الرسل كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} . وذلك أن المعاوضة كالمبايعة ~~والمؤاجرة مبناها على المعادلة والمساواة من الجانبين لم يبذل أحدهما ما ~~بذله إلا ليحصل له ما طلبه. فكل منهما آخذ معط طالب مطلوب. فإذا تلف ~~المقصود بالعقد المعقود عليه قبل التمكن من قبضه - مثل تلف العين المؤجرة ~~قبل التمكن من قبضها وتلف ما بيع بكيل أو وزن قبل تمييزه بذلك وإقباضه ونحو ~~ذلك - لم يجب على المؤجر أو المشتري أداء الأجرة أو الثمن. ثم إن كان التلف ~~على وجه لا يمكن ضمانه - وهو التلف بأمر سماوي - بطل العقد ووجب رد الثمن ~~إلى المشتري إن كان قبض منه وبرئ منه إن لم يكن قبض. وإن كان على وجه يمكن ~~فيه الضمان وهو أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه فللمشتري الفسخ لأجل تلفه قبل ~~التمكن من قبضه وله الإمضاء لإمكان مطالبة المتلف. فإن # PageV30P266 # فسخ كانت مطالبة المتلف للبائع وكان للمشتري مطالبة البائع بالثمن إن كان ~~قبضه وإن لم يفسخ كان عليه الثمن وله مطالبة المتلف؛ لكن المتلف لا يطالب ~~إلا بالبدل الواجب بالإتلاف والمشتري لا يطالب إلا بالمسمى الواجب بالعقد. ~~ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن المتلف إما أن يكون هو البائع أو ~~المشتري أو ثالثا أو يكون بأمر سماوي فإن كان هو المشتري فإتلافه كقبضه ~~يستقر به ms8911 العوض. وإن كان بأمر سماوي انفسخ العقد. وإن كان ثالثا فالمشتري ~~بالخيار. وإن كان المتلف هو البائع فأشهر الوجهين أنه كإتلاف الأجنبي. ~~والثاني أنه كالتلف السماوي. وهذا الأصل مستقر في جميع المعاوضات إذا تلف ~~المعقود عليه قبل التمكن من القبض تلفا لا ضمان فيه انفسخ العقد وإن كان ~~فيه الضمان كان في العقد الخيار. وكذلك سائر الوجوه التي يتعذر فيها حصول ~~المقصود بالعقد من غير إياس: مثل أن يغصب المبيع أو المستأجر غاصب أو يفلس ~~البائع بالثمن أو يتعذر فيها ما تستحقه الزوجة من النفقة والمتعة والقسم أو ~~ما يستحقه الزوج من المتعة ونحوها ولا ينتقض هذا بموت أحد الزوجين؛ لأن ذلك ~~تمام العقد ونهايته ولا بالطلاق قبل الدخول؛ لأن نفس حصول الصلة بين ~~الزوجين أحد مقصودي العقد؛ ولهذا ثبتت به حرمة المصاهرة في غير الربيبة. # PageV30P267 # فصل: # والأصل في أن تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد: ~~من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ ~~منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟} وفي رواية أخرى: {أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح} . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الحديث الصحيح أنه إذا باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه ~~شيئا. ثم بين سبب ذلك وعلته فقال: {بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟} وهذا دلالة ~~على ما ذكره الله في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل وأنه إذا تلف المبيع ~~قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق؛ بل بالباطل وقد ~~حرم الله أكل المال بالباطل؛ لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به ~~السماء والأرض. وهذا الحديث أصل في هذا الباب. # PageV30P268 # والعلماء وإن تنازعوا في حكم هذا الحديث - كما سنذكره واتفقوا على أن تلف ~~المبيع قبل التمكن من ms8912 القبض يبطل العقد ويحرم أخذ الثمن - فلست أعلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا صريحا في هذه القاعدة وهي: " أن تلف ~~المبيع قبل التمكن من القبض يبطل العقد " غير هذا الحديث. وهذا له نظائر ~~متعددة قد ينص النبي صلى الله عليه وسلم نصا يوجب قاعدة ويخفى النص على بعض ~~العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة ويتنازعوا فيما لم ~~يبلغهم فيه النص: مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة ~~والمزارعة. وهما ثابتان بالنص والمضاربة ليس فيها نص وإنما فيها عمل ~~الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلا بالنص ويفرعون ~~عليه - لا ينازعون في الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه - ويتولد من ~~ذلك ظهور الحكم المجمع عليه؛ لهيبة الاتفاق في القلوب وأنه ليس لأحد خلافه. ~~وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص. وقد يكون حكمه أقوى من المتفق عليه. وإن ~~خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع # PageV30P269 # من قوته في نفس الأمر حتى يقطع به من ظهر له مدركه. ووضع الجوائح من هذا ~~الباب فإنها ثابتة بالنص وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة ~~والتابعين وبالقياس الجلي والقواعد المقررة؛ بل عند التأمل الصحيح ليس في ~~العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق. وذلك أن القول به هو مذهب أهل ~~المدينة قديما وحديثا وعليه العمل عندهم من لدن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى زمن مالك وغيره وهو مشهور عن علمائهم: كالقاسم بن محمد ويحيى بن ~~سعيد القاضي ومالك وأصحابه وهو مذهب فقهاء الحديث: كالإمام أحمد وأصحابه ~~وأبي عبيد والشافعي في قوله القديم. وأما في القول الجديد فإنه علق القول ~~به على ثبوته؛ لأنه لم يعلم صحته فقال رضي الله عنه لم يثبت عندي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده ولو كنت قائلا ~~بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. فقد أخبر أنه إنما لم يجزم به؛ لأنه لم ~~يعلم صحته. وعلق القول به على ms8913 ثبوته فقال: لو ثبت لم أعده. والحديث ثابت ~~عند أهل الحديث لم يقدح فيه أحد من علماء الحديث؛ بل صححوه ورووه في الصحاح ~~والسنن رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد. فظهر وجوب القول به # PageV30P270 # على أصل الشافعي أصلا. وأما أبو حنيفة فإنه لا يتصور الخلاف معه في هذا ~~الأصل على الحقيقة؛ لأن من أصله: أنه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وبعده ~~ومطلق العقد عنده وجوب القطع في الحال. ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح لم ~~يصح عنده؛ بناء على ما رآه من أن العقد موجب التقابض في الحال فلا يجوز ~~تأخيره؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فإذا تلف الثمر عنده بعد البيع ~~والتخلية فقد تلف بعد وجوب قطعه كما لو تلف عند غيره بعد كمال صلاحه. وطرد ~~أصله في الإجارة فعنده لا يملك المنافع فيها إلا بالقبض شيئا فشيئا لا تملك ~~بمجرد العقد وقبض العين؛ ولهذا يفسخها بالموت وغيره. ومعلوم أن الأحاديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في التفريق بين ما بعد بدو الصلاح وقبل ~~بدوه كما عليه جماهير العلماء حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الثمار. حتى يبدو صلاحها وذلك ثابت في الصحاح من حديث ابن عمر وابن عباس ~~وجابر وأنس وأبي هريرة. فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ببيع الثمار بعد بدو ~~صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ظهر النزاع معه. والذين ينازعون في وضع ~~الجوائح لا ينازعون في أن المبيع إذا # PageV30P271 # تلف قبل التمكن من القبض يكون من ضمان البائع؛ بل الشافعي أشد الناس في ~~ذلك قولا؛ فإنه يقول: إذا تلف قبل القبض كان من ضمان البائع في كل مبيع ~~ويطرد ذلك في غير البيع. وأبو حنيفة يقول به في كل منقول. ومالك وأحمد ~~القائلان بوضع الجوائح يفرقان بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة وما لم يمكن ~~قبضه؛ لما روى البخاري من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: " مضت ~~السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا فهو ms8914 من مال المشتري ". وأما النزاع ~~في أن تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن من القبض أم لا؟ فإنهم ~~يقولون: هذا تلف بعد قبضه؛ لأن قبضه حصل بالتخلية بين المشتري وبينه؛ فإن ~~هذا قبض العقار وما يتصل به بالاتفاق؛ ولأن المشتري يجوز تصرفه فيه بالبيع ~~وغيره وجواز التصرف يدل على حصول القبض؛ لأن التصرف في المبيع قبل القبض لا ~~يجوز فهذا سر قولهم. وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها. مثل ما رواه ~~مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: {أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا ~~عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لغرمائه: خذوا ما # PageV30P272 # وجدتم وليس لكم إلا ذلك} ومثل ما روي في الصحيحين {أن امرأة أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة ~~فسأله أن يضع عنه فتألى ألا يفعل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم تألى أن ~~لا يفعل خيرا} . ولا دلالة في واحد من الحديثين. أما الأول: فكلام مجمل ~~فإنه حكى أن رجلا اشترى ثمارا فكثرت ديونه فيمكن أن السعر كان رخيصا فكثر ~~دينه لذلك. ويحتمل أنها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح أو حوزها إلى الجرين ~~أو إلى البيت أو السوق. ويحتمل أن يكون هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل ~~بدو صلاحها. ولو فرض أن هذا كان مخالفا لكان منسوخا؛ لأنه باق على حكم ~~الأصل وذاك ناقل عنه وفيه سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين. وأما ~~الحديث الثاني فليس فيه إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم {تألى ألا يفعل ~~خيرا} والخير قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا ولم يحكم عليه لعدم مطالبة ~~الخصم وحضور البينة أو الإقرار ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح. وقد اعترض ~~بعضهم على حديث الجوائح بأنه محمول على بيع الثمر قبل بدو صلاحه ms8915 كما في ~~حديث أنس. وهذا باطل لعدة أوجه. # PageV30P273 # أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها ~~جائحة} والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح. # والثاني أنه أطلق بيع الثمرة ولم يقل قبل بدو صلاحها. فأما تقييده ببيعها ~~قبل بدو صلاحها فلا وجه له. # الثالث أنه قيد ذلك بحال الجائحة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه لا يجب فيه ~~ثمن بحال. (الرابع أن ### | المقبوض بالعقد الفاسد مضمون # فلو كان الثمر على الشجر مقبوضا لوجب أن يكون مضمونا على المشتري في ~~العقد الفاسد. وهذا الوجه يوجب أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع ~~الصحيح كما توضع في البيع الفاسد؛ لأن ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد وما ~~لا يضمن في الصحيح لا يضمن في الفاسد. وأما قولهم: إنه تلف بعد القبض ~~فممنوع بل نقول: ذلك تلف قبل تمام القبض وكماله؛ بل وقبل التمكن من القبض؛ ~~لأن البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر حتى لو ترك ذلك لكان مفرطا ولو ~~فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية فالمشتري إنما عليه أن يقبضه ~~على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون تمام التسلم. وذلك # PageV30P274 # أحد طرفي القبض. ولم يقدر المشتري إلا على ذلك. وإنما على المشتري أن ~~يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي اقتضاه العقد سواء كان القبض ~~مستعقبا للعقد أو مستأخرا. وسواء كان جملة أو شيئا فشيئا. ونحن نطرد هذا ~~الأصل في جميع العقود فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد؛ بل القبض يجب ~~وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد؛ لفظا وعرفا؛ ولهذا يجوز استثناء بعض منفعة ~~المبيع مدة معينة وإن تأخر بها القبض على الصحيح كما يجوز بيع العين ~~المؤجرة ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع وإن تأخر معه كمال القبض. ~~ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد. وسر ذلك أن القبض هو موجب العقد فيجب ~~في ذلك ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما؛ ولهذا ~~قلنا ms8916 إن شرطا تعجيل القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع فإن ~~المسلمين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. وإن أطلقا فالعرف ~~تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح. وأما استدلالهم بأن القبض هو ~~التخلية فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في ~~الشرع. وقبض ثمر الشجر # PageV30P275 # لا بد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح؛ بخلاف قبض مجرد ~~الأصول. وتخلية كل شيء بحسبه. ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة. وأما ~~استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع فعن أحمد في هذه المسألة روايتان: # إحداهما لا يجوز بيعه ما دام مضمونا على البائع؛ لأنه بيع ما لم يقبض فلا ~~يجوز. وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل. # والرواية الثانية يجوز التصرف. وعلى هذه الرواية فذلك بمنزلة منافع ~~الإجارة بأنها لو تلفت قبل الاستيفاء كانت من ضمان المؤجر بالاتفاق ومع هذا ~~فيجوز التصرف فيها قبل القبض وذلك لأنه في الموضعين حصل الإقباض الممكن ~~فجاز التصرف فيه باعتبار التمكن ولم يدخل في الضمان؛ لانتفاء كماله وتمامه ~~الذي به يقدر المشتري والمستأجر على الاستيفاء وعلى هذا فعندنا لا ملازمة ~~بين جواز التصرف والضمان؛ بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا. وقد يحصل ~~الضمان بلا جواز تصرف كما في المقبوض قبضا فاسدا كما لو اشترى قفيزا من ~~صبرة فقبض الصبرة كلها وكما في الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين. ~~اختارها الخرقي. وقد يحصلان جميعا. وقد لا يحصلان جميعا. # PageV30P276 # ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان؛ لما في ذلك ~~من ربح ما لم يضمن. ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة ~~فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير ~~الروايتين في إيجار العين المؤجرة. ولو قيل في الثمار: إنما يمنع من ~~الزيادة على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك. وبهذا الكلام يظهر ~~المعنى في المسألة وإن ذلك تلف قبل التمكن من القبض المقصود بالعقد فيكون ~~مضمونا على البائع كتلف ms8917 المنافع قبل التمكن من قبضها؛ وذلك لأن التخلية ~~ليست مقصودة لذاتها وإنما مقصودها تمكن المشتري من قبض المبيع والثمر على ~~الشجر ليس بمحرز ولا مقبوض؛ ولهذا لا قطع فيه. ولا المقصود بالعقد كونه على ~~الشجر؛ وإنما المقصود حصاده وجذاذه ولهذا وجب على البائع ما به يتمكن من ~~جذاذه وسقيه والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه وإن كانت معدومة كما ~~تدخل المنافع في الإجارة وإن كانت معدومة. فكيف يكون المعدوم مقبوضا قبضا ~~مستقرا موجبا لانتقال الضمان؟. # PageV30P277 # فصل: # وعلى هذا الأصل تتفرع المسائل. فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن ~~معها تضمين أحد: مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك ~~كما لو تلف بها غير هذا المبيع. فإن أتلفها آدمي يمكن تضمينه أو غصبها غاصب ~~فقال أصحابنا كالقاضي وغيره: هي بمنزلة إتلاف المبيع قبل التمكن من قبضه ~~يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما تقدم. وإن أتلفها من الآدميين من لا ~~يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها: فخرجوا فيه وجهين: # أحدهما: ليست جائحة لأنها من فعل آدمي. # والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنها جائحة وهو مذهب مالك. كما قلنا مثل ~~ذلك في منافع الإجارة لأن المأخذ إنما هو إمكان الضمان؛ ولهذا لو كان ~~المتلف جيوش الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية. والجيوش واللصوص ~~وإن فعلوا ذلك ظلما ولم يمكن تضمينهم: فهم بمنزلة البرد في المعنى. ولو ~~كانت الجائحة قد عيبته ولم تتلفه فهو كالعيب # PageV30P278 # الحادث قبل التمكن من القبض وهو كالعيب القديم يملك به أو الأرش حيث يقول ~~به. وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من قبضه فلا فرق بين قليل ~~الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين. وهي قول الشافعي وأبي عبيدة وغيرهما من ~~فقهاء الحديث؛ لعموم الحديث والمعنى. والثانية أن الجائحة الثلث فما زاد ~~كقول مالك؛ لأنه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير ~~الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ~~ذلك؛ لأن النبي صلى الله ms8918 عليه وسلم قال: {الثلث والثلث كثير} . وعلى ~~الرواية الأولى يقال: الفرق مرجعه إلى العادة فما جرت العادة بسقوطه أو أكل ~~الطير أو غيره له فهو مشروط في العقد والجائحة ما زاد على ذلك؛ وإذا زادت ~~على العادة وضعت جميعها وكذلك إذا زادت على الثلث وقلنا بتقديره فإنها توضع ~~جميعها. وهل الثلث مقدر بثلث القيمة أو ثلث المقدار؟ على وجهين. وهما قولان ~~في مذهب مالك. # PageV30P279 # فصل: # والجوائح موضوعة في جميع الشجر عند أصحابنا وهو مذهب مالك. وقد نقل عن ~~أحمد أنه قال: إنما الجوائح في النخل وقد تأوله القاضي على أنه أراد إخراج ~~الزرع والخضر من ذلك ويمكن أنه أراد أن لفظ الجوائح الذي جاء به الحديث هو ~~في النخل وباقي الشجر ثابتة بالقياس لا بالنص؛ فإن شجر المدينة كان النخل. ~~وأما الجوائح فيما يبتاع من الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضي وغيره. (أحدهما ~~لا جائحة فيها. قال القاضي: وهذا أشبه لأنها لا تباع إلا بعد تكامل صلاحها ~~وأوان جذاذها؛ بخلاف الثمرة فإن بيعها جائز بمجرد بدو الصلاح ومدته تطول. ~~وعلى هذا الوجه حمل القاضي كلام أحمد: إنما الجوائح في النخل - يعني لما ~~كان ببغداد - وقد سئل عن جوائح الزرع فقال: إنما الجوائح في النخل. وكذلك ~~مذهب مالك أنه لا جائحة في الثمرة إذا يبست والزرع لا جائحة فيه كذلك لأنه ~~إنما يباع يابسا وهذا قول من لا يضع الجوائح في الثمر. كأبي حنيفة والشافعي ~~في القول الجديد المعلق. (والوجه الثاني فيها الجائحة كالثمرة. وهذا هو ~~الذي قطع به # PageV30P280 # غير واحد من أصحابنا كأبي محمد لم يذكروا فيه خلافا ولم يفرقوا بين ذلك ~~وبين الثمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم {نهى عن بيع العنب حتى يسود ~~وبيع الحب حتى يشتد} فبيع هذا بعد اسوداده كبيع هذا بعد اشتداده. ومن حين ~~يشتد إلى حين يستحصد مدة قد تصيبه فيها جائحة. ومن أصحابنا من قال: ما تكرر ~~حمله كالقثاء والخيار ونحوهما من الخضر والبقول وغيرهما فهو كالشجر وثمره ~~كثمره في ذلك؛ لصحة بيع ms8919 أصوله صغارا كانت أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة. # فصل: # هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جذاذها. فإن تركها إلى حين الجذاذ ~~فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا. ونقل عن مالك أنها تكون من ضمان المشتري. ~~وللشافعي قولان؛ وذلك لأنه لم يبق على البائع شيء من التسليم والمشتري لم ~~يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام فإن تأخيرها إلى هذا الحين من موجب العقد. ~~فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشتري وعدم تفريطه والمنازع راعى تسليم البائع ~~وتمكينه. وأما إن تركها حتى تجاوز وقت نقلها وتكامل بلوغها ثم تلفت: # PageV30P281 # ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون من ضمان البائع أيضا لعدم كمال ~~قبض المشتري وهو الذي قطع به القاضي في المجرد وابن عقيل وأكثر الأصحاب وهو ~~مذهب مالك والشافعي؛ لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر؛ دون ~~ما إذا عاقه مرض أو مانع. وأما غيره فذهبوا إلى الوجه الثالث وهو عدم ~~اعتبار إمكان الرفع والجد. قال ابن عقيل: هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا. وهو ~~كما قال؛ فإن هذه الثمرة بمنزلة المنفعة في الإجارة. ولو حال بين المستأجر ~~وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه لم تسقط عنه الأجرة؛ بخلاف العام فإنه ~~يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة. # فصل: # هذا إذا اشترى الثمرة والزرع فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل ~~التأبير واشترط الثمر فلا جائحة في ذلك عند أصحابنا ومالك وغيرهما. ولذلك ~~احترز الخرقي من هذه الصورة فقال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت ~~بجائحة من السماء رجع بها على البائع وذلك لأنه هنا حصل القبض الكامل بقبض ~~الأصل؛ ولهذا لا يجب # PageV30P282 # على البائع سقي ولا مئونة أصلا؛ فإن المبيع عقار والعقار قبض بالتخلية ~~والثمر دخل ضمنا وتبعا فإذا جاز بيعه قبل صلاحه جاز هنا تبعا. ولو بيع ~~مقصودا لم يجز بيعه قبل صلاحه. # فصل: # هذا الكلام في البيع المحض للثمر والزرع. وأما الضمان والقبالة وهو أن ~~يضمن الأرض والشجر جميعا بعوض واحد لمن يقوم على الشجر ms8920 والأرض ويكون الثمر ~~والزرع له: فهذا العقد فيه ثلاثة أقوال: (أحدها أنه باطل وهذا القول منصوص ~~عن أحمد وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ بناء على أنه في ذلك تبعا للثمر قبل ~~بدو صلاحه. # والثاني يجوز إذا كانت الأرض هي المقصودة والشجر تابع لها؛ بأن يكون شجرا ~~قليلا. وهذا قول مالك. # والثالث جواز ذلك مطلقا قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم منهم ابن عقيل. ~~وهذا هو الصواب؛ لأن إجارة الأرض جائزة ولا يمكن ذلك إلا بإدخال الشجر في ~~العقد فجاز للحاجة تبعا وإن كان في ذلك بيع ثمر قبل بدو صلاحه إذا بيع مع ~~الأصل؛ ولأن ذلك ليس ببيع # PageV30P283 # للثمر؛ لأن الضامن هنا هو الذي يسقي الشجر ويزرع الأرض فهو في الشجر ~~بمنزلة المستأجر في الأرض. والمبتاع للثمر بمنزلة المشتري للزرع فلا يصح ~~إلحاق أحدهما بالآخر ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن ~~الحضير ثلاث سنين بعد موته وأخذ القبالة فوفى بها دينه. رواه حرب الكرماني ~~في مسائله وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه بإسناد صحيح. ولأن عمر بن الخطاب ~~ضرب الخراج باتفاق الصحابة على الأرض التي فيها شجر نخل وعنب وجعل للأرض ~~قسطا وللشجر قسطا. وذلك إجارة عند أكثر من ينازعنا في هذه المسألة وهو ضمان ~~لأرض وشجر. وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في " القواعد الفقهية ". والغرض ~~هنا " مسألة وضع الجوائح " فإذا قلنا: لا يصح هذا العقد فكيف الطريق في ~~المعاملة؟ قيل: إنه يؤجر الأرض ويساقي على الشجر فيها وهذا قول طائفة من ~~أصحاب الشافعي وغيرهم. وهو قول القاضي أبي يعلى في كتاب " إبطال الحيل " ~~والمنصوص عن أحمد إبطال هذه الحيلة وهو الصواب كما قررنا في " كتاب إبطال ~~الحيل " فساد ذلك من وجوه كثيرة. منها أنه إن جعل أحد العقدين شرطا في ~~الآخر لم يصح وإن عقدهما عقدين مفردين لم تجز له هذه المحاباة في مال ~~موليه؛ كالوقف # PageV30P284 # ومال اليتيم ونحوهما؛ ولا مال موكله الغائب ونحوه. ومنها أنه قد علم أن ~~إعطاء العوض العظيم من الضامن لم ms8921 يكن لأجل منفعة الأرض التي قد لا تساوي ~~عشر العوض؛ وإنما هو لأجل الثمرة وكذلك المالك قد علم أنه لم يشترط لنفسه ~~من الثمرة شيئا وهو لا يطالب بذلك القدر النزر الذي لا قيمة له وإنما جعل ~~الثمرة جميعها للضامن. وفي الجملة: فهذا العقد إما أن يصح على الوجه ~~المعروف بين الناس وإما أن لا يصح بحال؛ لكن الثاني فيه فساد عظيم لا ~~تحتمله الشريعة فتعين الأول. وأما هذه الحيلة فيعرف بطلانها بأدنى نظر. ~~فعلى هذا إذا حصلت جائحة في هذا الضمان فإن قلنا: العقد فاسد فيكون قد ~~اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها وقد خلى بينه وبينها وتلفت قبل كمال الصلاح أو ~~لم تطلع. وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمر قبل ~~بدو صلاحه لقوله: {أرأيت إن منع الله الثمرة} أو قال: {أرأيت إن لم يثمرها ~~الله فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟} وإذا أصابتها جائحة منعت كمال ~~صلاحها وأفسدتها: فقد منع الله الثمرة فيجب ألا يأخذ مال أخيه بغير حق. ومن ~~قال: إن الثمرة تضمن بالقبض في العقد الصحيح فيلزمه أن # PageV30P285 # يقول: إنها تضمن بالقبض في العقد الفاسد فإذا تلفت هنا تكون من ضمانه؛ ~~لأن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون على المشتري؛ لكن يجب أن يضمنوا قيمتها ~~حين تلفت وقد يكون تلفها في أوائل ظهورها وقيمتها قليلة وقد يكون بعد بدو ~~صلاحها وهذا مما يلزمهم فيه إلزاما قويا وهو أنه إذا اشتراها بعد بدو ~~صلاحها مستحقة التبقية فكثير من أجزائها وصفاتها لم يخلق بعد فإذا تلفت ~~بجائحة ولم نضع عنه الجائحة فيجب أن لا يضمن إلا ما قبضه دون ما لم يخلق ~~بعد ولم يقبضه فيجب أن ينظر قيمتها حين أصابتها الجائحة فينسب ذلك إلى ~~قيمتها وقت بدو الصلاح فيضمن من الثمن بقدر ذلك بمنزلة من قبض بعض المبيع ~~وبعض منفعة الإجارة دون بعض فإنه يضمن ما قبضه دون ما لم يقبضه بعد. فأما ~~أن يجعل الأجزاء والصفات المعدومة التي لم تخلق بعد ms8922 من ضمانه وهي لم توجد ~~فهذا خلاف أصول الإسلام وهو ظلم بين لا وجه له. ومن قاله فعليه أن يقول: ~~إنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة ~~منعت الطلع أن يضمن الثمن جميعه للبائع وهذا خلاف النص والإجماع. ويلزمه أن ~~يقول: إنه لو بدا صلاحها في العقد الفاسد وتلفت بآفة سماوية أن يضمن جميع ~~الثمرة كما يضمنها عنده بالعقد الصحيح فإن ما ضمن بالقبض في أحدهما # PageV30P286 # ضمن بالقبض في الآخر إلا أنه يضمن هنا بالمسمى وهناك بالبدل. وهذه حجة ~~قوية لا محيص عنها فإنه إن جعل ما لم يخلق من الأجزاء مقبوضا لزمه أن يضمن ~~في العقد الفاسد وإن جعله غير مقبوض لزمه ألا يضمن في العقد الصحيح. والأول ~~باطل قطعا مخالف للنص والإجماع. ومن قال من الكوفيين: إن المعقود عليه هو ~~ما وجد فقط وهو المقبوض فقد سلم من هذا التناقض؛ لكن لزمه مخالفة النصوص ~~المستفيضة ومخالفة عمل المسلمين قديما وحديثا ومخالفة الأصول المستقرة ~~ومخالفة العدل الذي به تقوم السماء والأرض كما هو مقرر في موضعه. وهذا ~~كالحجج القاطعة على وجوب وضع الجوائح في العقود الصحيحة والفاسدة ووضعها في ~~العقد الفاسد أقوى. وأما إذا جعلنا الضمان صحيحا فإنا نقول بوضع الجوائح ~~فيه. كما نقوله في الشراء وأولى أيضا وأما من يصحح هذه الحيلة ويرى العقد ~~صحيحا فقد يقول: أنت مساق والمساقاة ليس فيها جائحة فيبنى هذا على وضع ~~الجوائح في المساقاة. # PageV30P287 # فصل: # وأما الجوائح في الإجارة فنقول: لا نزاع بين الأئمة أن منافع الإجارة إذا ~~تعطلت قبل التمكن من استيفائها سقطت الأجرة لم يتنازعوا في ذلك كما تنازعوا ~~في تلف الثمرة المبيعة. لأن الثمرة هناك قد يقولون: قبضت بالتخلية وأما ~~المنفعة التي لم توجد فلم تقبض بحال. ولهذا نقل الإجماع على أن العين ~~المؤجرة إذا تلفت قبل قبضها بطلت الإجارة وكذلك إذا تلفت عقب قبضها وقبل ~~التمكن من الانتفاع؛ إلا خلافا شاذا حكوه عن أبي ثور؛ لأن المعقود عليه تلف ~~قبل قبضه ms8923 فأشبه تلف المبيع بعد القبض جعلا لقبض العين قبضا للمنفعة. وقد ~~يقال: هو قياس قول من يقول بعدم وضع الجوائح؛ لكن يقولون: المعقود عليه هنا ~~المنافع وهي معدومة لم تقبض؛ وإنما قبضها باستيفائها أو التمكن من ~~استيفائها؛ وإنما جعل قبض العين قبضا لها في انتقال الملك والاستحقاق وجواز ~~التصرف. فإذا تلفت العين فقد تلفت قبل التمكن من استيفاء المنفعة فتبطل ~~الإجارة. وهذا يلزمهم مثله في الثمرة باعتبار ما لم يوجد من أجزائها. # PageV30P288 # والأصول في الثمرة كالعين في المنفعة وعدم التمكن من استيفاء المقصود ~~بالعقد موجود في الموضعين. فأبو ثور طرد القياس الفاسد كما طرد الجمهور ~~القياس الصحيح في وضع الجوائح وإبطال الإجارة. وإن تلفت العين في أثناء ~~المدة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة دون ما مضى. وفي انفساخها في ~~الماضي خلاف شاذ. وتعطل بعض الأعيان المستأجرة يسقط نصيبه من الأجرة كتلف ~~بعض الأعيان المبيعة؛ مثل موت بعض الدواب المستأجرة وانهدام بعض الدور. ~~وتعطل المنفعة يكون بوجهين: (أحدهما تلف العين كموت العبد والدابة ~~المستأجرة. # والثاني زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع ~~غرقت أو انقطع ماؤها. فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا فرق ~~بينهما عند أحد من العلماء. وإن زال بعض نفعها المقصود وبقي بعضه مثل أن ~~يمكنه زرع الأرض بغير ماء ويكون زرعا ناقصا وكان الماء ينحسر عن الأرض التي ~~غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو نشوء الزرع: ملك فسخ الإجارة؛ فإن ذلك ~~كالعيب في البيع - ولم تبطل به الإجارة. وفي إمساكه بالأرش قولان في ~~المذهب. وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع # PageV30P289 # به كما قال الخرقي. فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه ~~العقد لزمه من الأجرة بمقدار مدة انتفاعه. وإذا بقي من المنفعة ما ليس هو ~~المقصود بالعقد مثل أن ينقطع الماء عن الأرض المستأجرة للزرع ويمكن ~~الانتفاع بها بوضع حطب ونصب خيمة وكذلك الدار المتهدمة يمكن نصب خيمة ms8924 فيها ~~والأرض التي غرقت يمكن صيد السمك منها: فهل تبطل الإجارة هنا؟ أو يكون هذا ~~كالنقص الذي يملك به الفسخ؟ على وجهين: # أحدهما تبطل. وهو قول أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي في صورة ~~الهدم؛ لأن هذه المنفعة لما لم تكن هي المقصودة بالعقد كان وجودها وعدمها ~~سواء. # والثاني يملك الفسخ. وهو نص الشافعي في صورة انقطاع الماء. وقد اختاره ~~القاضي وابن عقيل في بعض المواضع. والأول اختاره غيرهما من الأصحاب. # PageV30P290 # فصل: # (إذا تبين هذا فإذا استأجر أرضا للزرع فقد ينقطع الماء عنها أو تغرق قبل ~~الزرع. [وقد ينقطع الماء عنها أو تغرق] أو يصيب الزرع آفة بعد زرعها وقبل ~~وقت الحصاد فما الحكم في هذه المسائل؟) (*) . # المنصوص عن أحمد والأصحاب وغيرهم في انقطاع الماء: أن انقطاعه بعد الزرع ~~كانقطاعه قبله إن حصل معه بعض المنفعة وجب من الأجرة بقسط ذلك وإن تعطلت ~~المنفعة كلها فلا أجرة. قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله: عن رجل ~~اكترى أرضا يزرعها وانقطع الماء عنها قبل تمام الوقت؟ قال: يحط عنه من ~~الأجرة بقدر ما لم ينتفع بها أو بقدر انقطاع الماء عنها. فصرح بأن انقطاع ~~الماء بعد الزرع يوجب أن يحط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة وعلى ~~هذا أصحابنا من غير خلاف أعلمه. وذكر القاضي وغيره أنه إذا اكترى أرضا ~~للزرع فزرعها ثم أصابها غرق آفة من غير الشرب فلم ينبت لزمه الكراء وذكر أن ~~أحمد نص على ذلك وأنها لو غرقت في وقت زرعها فلم يمكنه الزراعة PageV30P291 # لم تلزمه الأجرة لتعذر التسليم وكذلك ذكر صاحب التفريع مذهب مالك في ~~الصورتين. فالقاضي يفرق بين الصورتين كالنصين المفترقين: يفرق بين انقطاع ~~الماء وبين حدوث الغرق وغيره من الآفات بأن انقطاع الماء فوات نفس المنفعة ~~المعقود عليها؛ لأن المعقود عليه أرض لها ماء فانقطاع الماء المعتاد بمنزلة ~~عدم التسليم المستحق كموت الدابة. والأجرة إنما تستحق بدوام التسليم ~~المستحق. وأما الغرق وغيره من الآفات التي تفسد الزرع فهو إتلاف لعين ملك ms8925 ~~المستأجر فهو كما لو استأجر دارا فتلف له فيها ثوب. وحقيقة الفرق: أنه مع ~~انقطاع الماء لم تسلم المنفعة ومع تلف الزرع تسلم المنفعة؛ لكن حصل ما أتلف ~~ملك المستأجر فهو كما لو تلف بعد الحصاد. وسوى طائفة من أصحابنا - كالشيخ ~~أبي محمد - في الإجارة بين انقطاع الماء وحدوث الغرق الذي يمنع الزرع أو ~~يضر الزرع؛ بأن ذلك إن عطل المنفعة أسقط الأجرة وإن أمكن الانتفاع معه على ~~تعب من القصور: مثل أن يكون الغرق يمنع بعض الزراعة أو يسوء الزرع ثبت به ~~الفسخ وإن كان ذلك لا يضر كغرق بماء ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ~~ولا يضره وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها الماء من مكان آخر أو ~~كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه لم # PageV30P292 # يكن له الفسخ. وعلى هذه الطريقة ينقل جواب أحمد من مسألة انقطاع الماء ~~إلى مسألة غرق الزرع ومن مسألة غرق الزرع إلى مسألة انقطاع الماء؛ لأن ~~المعنى في الجميع واحد. وذلك إن غرق الزرع الحادث قبل الزرع إذا منع من ~~الزرع فالحادث بعده يمنع من نبات الزرع كما أن انقطاع الماء يمنع من نبات ~~الزرع والمعقود عليه المقصود بالعقد هو التمكن من الانتفاع إلى حين الحصاد ~~ليس إلقاء البذر هو جميع المعقود عليه ولو كان ذلك وحده هو المعقود عليه ~~لوجب إذا انقطع الماء بعد ذلك أن لا يملك الفسخ ولا يسقط شيء من الأجرة ولم ~~يقولوا به ولا يجوز أن يقال به؛ لأنا نعلم يقينا أن مقصود المستأجر الذي ~~عقد عليه العقد هو تمكنه من الانتفاع بتربة الأرض وهوائها ومائها وشمسها ~~إلى أن يكمل صلاح زرعه فمتى زالت منفعة التراب أو الماء أو الهواء أو الشمس ~~لم ينبت الزرع ولم يستوف المنفعة المقصودة بالعقد كما لو استأجر دارا ~~للسكنى فتعذرت السكنى بها لبعض الأسباب مثل خراب حائط أو انقطاع ماء أو ~~انهدام سقف ونحو ذلك. ولا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب ~~سقوط الأجرة ms8926 أو نقصها أو الفسخ وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة ~~وانهدام الدار وانقطاع ماء السماء: فكذلك حدوث الغرق # PageV30P293 # وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع. يوضح ذلك أن المقصود ~~المعقود عليه ليس هو مجرد فعل المستأجر الذي هو شق الأرض وإلقاء البذر حتى ~~يقال: إذا تمكن من ذلك فقد تمكن من المنفعة جميعها وإن حصل بعده ما يفسد ~~الزرع ويمنع الانتفاع به؛ لأن ذلك منتقض بانقطاع الماء بعد ذلك؛ ولأن ~~المعقود عليه نفس منفعة الأرض وانتفاعه بها ليس هو فعله؛ فإن فعله ليس هو ~~منفعة له ولا فيه انتفاع له؛ بل هو كلفة عليه وتعب ونصب يذهب فيه نفعه ~~وماله. وهذا بخلاف سكنى الدار وركوب الدابة؛ فإن نفس السكنى والركوب انتفاع ~~وبذلك قد نفعته العين المؤجرة. وأما شق الأرض فتعب ونصب وإلقاء البذر إخراج ~~مال وإنما يفعل ذلك لما يرجوه من انتفاعه بالنفع الذي يخلقه الله في الأرض ~~من الإنبات كما قال تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} وقال: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب} وقال: {فأنبتنا فيها حبا} {وعنبا وقضبا} {وزيتونا ونخلا} . وليس ~~لقائل أن يقول: إن إنبات الأرض ليس مقدورا للمستأجر ولا للمؤجر والمعقود ~~عليه يجب أن يكون مقدورا عليه؛ لأن هذا # PageV30P294 # خلاف إجماع المسلمين؛ بل وسائر العقلاء؛ فإن المعقود عليه المقصود ~~بالإجارة لا يجب أن يكون من فعل أحد المتآجرين؛ بل يجوز أن يجعل غيرهما من ~~حيوان أو جماد وإن كانا عاجزين عن تلك المنفعة: مثل أن يؤجره عبدا أو دابة ~~ونفعها هو باختيارها. ومثل أن يؤجره دارا للسكنى ونفس الانتفاع بها هو بما ~~خلق الله فيها من البقاء على تلك الصورة ليس ذلك من فعل المؤجر. وكذلك ~~جريان الماء من السماء ونبعه من الأرض هو داخل في المعقود عليه وليس هو من ~~مقدور أحدهما. وكذلك إذا آجره منقولا من سلاح أو كتب أو ثياب أو آلة صناعة ~~أو غير ذلك؛ فإن المنفعة التي فيه ms8927 ليست من فعل المؤجر. ونظائر ذلك كثيرة. ~~فكذلك نفع الأرض الذي يخلقه الله فيها حتى ينبت الزرع بترابها ومائها ~~وهوائها وشمسها وإن كان أكثره لا يدخل في مقدور البشر - هو المعقود عليه ~~المقصود بالعقد فإذا تلف هذا المعقود عليه بطل العقد وإن بطل بعضه كان كما ~~لو تعطل منفعة غيره من الأعيان المؤجرة؛ بل بطلان الإجارة أو نقص الأجرة ~~هنا أولى منه في جوائح الثمر. فإن الذين تنازعوا هناك من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي حجتهم أن الثمرة تلفت بعد القبض فهو كما لو تلفت بعد الجذاذ أو ~~بعد # PageV30P295 # وقته. وأما هنا فقد اتفق الأئمة على أن المنفعة إنما تقبض - القبض ~~المضمون على المستأجر - شيئا فشيئا. ولهذا اتفقوا على أنه إذا تلفت العين ~~أو تعطلت المنفعة أو بعضها في أثناء المدة سقطت الأجرة أو بعضها أو ملك ~~الفسخ. وإنما دخلت الشبهة على من دخلت عليه حيث ظن أن المنفعة المقصودة ~~بالعقد إثارة الأرض والبذر فيها. وظن أن تلف الزرع بعد ذلك بغرق أو غيره ~~بمنزلة تلف زرع الزارع بعد الحصاد وبمنزلة تلف ثوب له في الدار المستأجرة. ~~وهذه غفلة بينة لمن تدبر. ولهذا ينكر كل ذي فطرة سليمة ذلك حتى من لم يمارس ~~علم الفقه من الفلاحين وشذاذ المتفقهة ونحوهم. فإنهم يعلمون أن المعقود ~~عليه هو انتفاع المستأجر منفعة العين المؤجرة؛ لا مجرد تعبه ونفقته الذي هو ~~طريق إلى الانتفاع؛ فإن ذلك بمنزلة إسراجه وإلجامه واقتياده للفرس ~~المستأجرة وذلك طريق إلى الانتفاع بالركوب؛ لا أنه المعقود عليه وإن كان ~~داخلا فيه. وكذلك شد الأحمال وعقد الحبال ونحو ذلك هو طريق إلى الانتفاع ~~بالحمل على الدابة وهو داخل في المعقود عليه بطريق التبع. وإلا فالمعقود ~~عليه المقصود هو نفس حمل الدابة للحمل والركوب وإن كان الحمل نفع الدابة ~~والإسراج والشد فعل المستأجر فكذلك هنا الشق والبذر وإن كان فعله فهو داخل ~~في الإجارة بطريق التبع؛ لأنه طريق إلى النفع المعقود عليه المقصود بالعقد ~~وهو # PageV30P296 # نفع الأرض بما يخلقه فيها من ماء وهواء ms8928 وشمس. فمن ظن أن مجرد فعله هو ~~المعقود عليه فقد غلط غلطا بينا باليقين الذي لا شبهة فيه. وسبب غلطه كون ~~فعله أمرا محسوسا لحركته وكون نفع الأرض أمرا معقولا لعدم حركتها فالذهن ~~لما أدرك الحركة المحسوسة توهم أنها هي المعقود عليه وهذا غلط منقوض بسائر ~~صور الإجارة؛ فإن المعقود عليه هو نفع الأعيان المؤجرة سواء كانت جامدة ~~كالأرض والدار والثياب أو متحركة كالأناسي والدواب؛ لا عمل الشخص المستأجر؛ ~~وإنما عمل الشخص المستأجر طريق إلى استيفاء المنفعة. فتارة يقرن به ~~الاستيفاء كالركوب واللبس. وتارة يتأخر عنه الاستيفاء كالبناء والغراس ~~والزرع. فإن المعقود عليه حصول منفعة الأرض للبناء والغراس والزرع؛ لا مجرد ~~عمل الباني الغارس الزارع الذي هو حق نفسه كيف يكون حق نفسه هو الذي بذل ~~الأجرة في مقابلته؟ وإنما يبذل الأجرة فيما يصل إليه من منفعة العين ~~المؤجرة لا فيما هو له من عمل نفسه؛ فإن شراء حقه بحقه محال. ومن تصور هذه ~~قطع بما ذكرناه ولم يبق عنده فيه شبهة إن شاء الله. وإذا كان المعقود عليه ~~نفس منفعة العين من أول المدة إلى آخرها # PageV30P297 # فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة: بنقص ماء وانقطاعه أو بزيادته وتغريقه أو ~~حدوث جراد أو برد أو حر أو ثلج ونحو ذلك مما يكون خارجا عن العادة ومانعا ~~من المنفعة المعتادة فإن ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها. فيجب أن ~~يملك الفسخ أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة كانقطاع الماء وليس ~~بين انقطاع الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم. # فصل: # إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنه عليه من الأجرة ~~بقدر ما حصل له من المنفعة. وهذا نوعان: # أحدهما: حصول المنفعة في بعض زمن الإجارة أو بعض أجزاء العين المستأجرة ~~فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ويجب بقسط ما حصل من المنفعة وتكون ~~الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة والأزمنة؛ فإن كلا منهما قد يكون ~~متماثلا وقد يكون مختلفا؛ بأن يكون بعض ms8929 الأرض خيرا من بعض وكري بعض فصول ~~السنة أغلى من بعض. وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم. والثاني: نقص المنفعة في ~~نفس المكان الواحد والزمان الواحد؛ # PageV30P298 # مثل أن يقل ماء السماء عن الوجه المعتاد أو يحصل غرق ينقص الزرع ونحو ذلك ~~فهنا لأصحابنا وجهان: (أحدهما: أنه لا يملك إلا الفسخ. # والثاني - وهو مقتضى المنصوص وقياس المذهب - أنه يخير بين الفسخ وبين ~~الأرش كالبيع؛ بل هو في الإجارة أوكد؛ لأنه في البيع يمكنه الرد والمطالبة ~~بالثمن. وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة فإنه لا يردها إلا متغيرة. فلو قيل ~~هنا: إنه ليس له إلا المطالبة بالأرش: كما نقول على إحدى الروايتين: إن ~~تعيب المبيع عند المشتري يمنع الرد بالعيب القديم ويوجب الأرش - لكان ذلك ~~أوجه وأقيس من قول من يقول: ليس له إذا تعقب المنفعة إلا الرد دون المطالبة ~~بالأرش. فهذا قول ضعيف جدا بعيد عن أصول الشريعة وقواعد المذهب وخلاف ما نص ~~عليه أحمد وأئمة أصحابه؛ وإن كان القاضي قد يقوله في " المجرد " ويتبعه ~~عليه ابن عقيل أو غيره فالقاضي رضي الله عنه صنف " المجرد " قديما بعد أن ~~صنف " شرح المذهب " وقبل أن يحكم " التعليق " و " الجامع الكبير " وهو يأخذ ~~المسائل التي وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم فيجيب فيها بما نص عليه ~~أحمد # PageV30P299 # وأصحابه وبما تقتضيه أصوله عنده فربما حصل في بعض المسائل التي تتفرع ~~وتتشعب ذهول للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص في نحو ذلك. ~~وعلى هذا فإذا حصل من الضرر - كالبرد الشديد والغرق والهواء المؤذي والجراد ~~والجليد والفأر ونحو ذلك - ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة المستحقة ~~بالعقد فيصنع في ذلك كما يصنع في أرش المبيع المعيب: تنظر قيمة الأرض بدون ~~تلك الآفة وقيمتها مع تلك الآفة وينسب النقص إلى القيمة الكاملة ويحط من ~~الأجرة المسماة بقدر النقص كأن تكون أجرتها مع السلامة تساوي ألفا ومع ~~الآفة تساوي ثمانمائة فالآفة قد نقصت خمس القيمة فيحط خمس الأجرة المسماة ~~وكذلك في جائحة الثمر: ينظر كم نقصته الجائحة؟ هل ms8930 نقصته ثلث قيمته أو ربعها ~~أو خمسها؟ يحط عنه من الثمن بقدره. وكذلك لو تغير الثمر وعاب نظر كم نقصه ~~ذلك العيب من قيمته؟ وحط من الثمن بنسبته. وأما ما قد يتوهمه بعض الناس أن ~~جائحة الزرع في الأرض المستأجرة توضع من رب الأرض أو يوضع من رب الأرض بعض ~~الزرع قياسا على جائحة المبيع في الثمر والزرع: فهذا غلط؛ فإن المشتري ~~للثمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع. فإذا تلفت قبل التمكن من # PageV30P300 # القبض تلفت من ملك البائع. وأما المستأجر فإنما استحق بالعقد الانتفاع ~~بالأرض. وأما الزرع نفسه فهو ملكه الحادث على ملكه؛ لم يملكه بعقد الإجارة ~~وإنما ملك بعقد الإجارة المنفعة التي تنبته إلى حين كمال صلاحه. فيجب الفرق ~~بين جائحة الزرع والثمر المشترى وبين الجائحة في منفعة الأرض المستأجرة ~~المزروعة؛ فإن هذا مزلة أقدام ومضلة أفهام غلط فيها خلائق من الحكام ~~والمقومين والمجيحين والملاك والمستأجرين حتى إن بعضهم يظنون أن جائحة ~~الإجارة للأرض المزروعة بمنزلة جائحة الزرع المشترى. وبعض المتفقهة يظن أن ~~الأرض المزروعة إذا حصل بها آفة منعت من كمال الزرع لم تنقص المنفعة ولم ~~يتلف شيء منها وكلا الأمرين غلط لمن تدبر. ونظير الأرض المستأجرة للازدراع ~~الأرض المستأجرة للغراس والبناء؛ فإن المؤجر لا يضمن قيمة الغراس والبناء ~~إذا تلف؛ ولكن لو حصلت آفة منعت كمال المنفعة المستحقة بالعقد مثل أن ~~يستولي عدو يمنع الانتفاع بالغراس والبناء أو تحصل آفة من جراد أو آفة تفسد ~~الشجر المغروس أو حصل ريح يهدم الأبنية ونحو ذلك فهنا نقصت المنفعة ~~المستحقة بالعقد نظير نقص المنفعة في الأرض المزروعة. ولما كان كثير من ~~الناس يتوهم أن المستأجر توضع عنه الجائحة في # PageV30P301 # نفس الزرع والبناء والغراس كالمشتري: نفى ذلك العلماء ويشبه أن يكون هذا ~~معنى ما نص عليه أحمد ونقله أصحابنا. كالقاضي وأبي محمد حيث قالوا - واللفظ ~~لأبي محمد -: إذا استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر. نص ~~عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن المعقود عليه منافع الأرض ms8931 ولم تتلف إنما ~~تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا فتلفت الثياب ~~فيها. فهذا الكلام يقتضي أن المؤجر لا يضمن شيئا من زرع المستأجر كما يضمن ~~البائع بزرع المشتري ولذلك ذكر ذلك في باب جوائح الأعيان وعلل ذلك بأن ~~التالف إنما هو عين ملك المستأجر لا المنفعة. وهذا حسن في نفي ضمان نفس ~~الزرع. ويظهر ذلك فيما إذا تلف الزرع بعد كماله. وقد بينا فيما تقدم أن نفس ~~المنفعة المعقود عليها تنقص وتتعطل بما يصيب الزرع من الآفة فيحط من الأجرة ~~بقدر ما نقص من المنفعة. فما نفى فيه الشيخ الخلاف ضمان نقص العين ولم يذكر ~~ضمان نقص المنفعة هنا؛ لكن ذكره في كتاب الإجارة. والموضع موضع اشتباه وفي ~~كلام أكثر العلماء فيها إجمال. وبما حققناه يتضح الصواب. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV30P302 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر أرضا مقيلا ومراحا وللزراعة إن أمكن أيضا؛ لينتفع بذلك ~~انتفاع مثله بمثلها ثم إن الأرض المذكورة شمل الماء بعضها وترك بعضها. فهل ~~تصح الإجارة بذلك؟ وهل يلزم المستأجر خراج الأرض كاملا ولم ينتفع ببعضها؟ ~~وهل القول قول المستأجر في الانتفاع أم لا؟ والرجل يستأجر أرضا أو دارا أو ~~حانوتا أو غير ذلك من ناظر وقف أو ولي يتيم ثم كان غبطة وزيادة لليتيم ~~والوقف. فهل يفسخ حكم الإجارة؟ ويقبل زيادة ما جرى؟ # فأجاب: # أما إجارة أرض تصلح للزراعة فجائز سواء كان قد شملها الري أو لم يكن ~~يشملها إذا كانت الأرض مما جرت العادة بأن الري يشملها. كما تكرى الأرض ~~التي جرت عادتها أن تشرب من الماء قبل أن ينزل المطر عليها وهذا مذهب أئمة ~~المسلمين: كمالك وأبي حنيفة والإمام أحمد. وهو أيضا مذهب الشافعي الصحيح في ~~مذهبه. # PageV30P303 # ولكن بعض أصحابه غلط في معرفة مذهبه فلم يفرق بين الأرض التي ينالها ~~الماء في أغلب الأوقات. والأرض التي لا ينالها الماء إلا نادرا كالأراضي ~~التي تشرب في غير الأوقات. ثم هذه الأرض التي صحت إجارتها إن شملها الري ~~وأمكن الزرع ms8932 المعتاد وجبت الأجرة. وإن لم يرو منها لم يجب على المستأجر شيء ~~من الأجرة. وإن روي بعضها دون بعض وجب من الأجرة بقدر ما روي. ومن ألزم ~~المستأجر بالإجارة وطالبه بالأجرة إذا لم ترو الأرض فقد خالف إجماع ~~المسلمين. فإذا كان كذلك فقول القائل: أجرتكها مقيلا ومراحا لا حاجة إليه ~~ولا فائدة فيه وإنما فعل ذلك من ظن أنه لا تجوز الإجارة قبل ري الأرض والذي ~~فعلوه من إجارتها مقيلا ومراحا باطل بإجماع المسلمين لوجهين: أحدهما: أن ~~هذه الأرض لا تصلح مقيلا ومراحا؛ فإن الماشية لا تروح وتقيل إلا بأرض تقيم ~~بها في العادة مثل أن تكون بقرب ما ترعاه وتشرب منه فأما التي ليس فيها ماء ~~ولا زرع ولا عمارة فلا تصلح مقيلا ومراحا وإجارة العين بمنفعة ليست فيها ~~إجارة باطلة. الثاني: أن هذه المنفعة إن كانت حاصلة فهي منفعة غير متقومة ~~في # PageV30P304 # مثل هذه الأرض؛ بل البرية كلها تشارك هذه الأرض في كونها مقيلا ومراحا ~~والمنفعة التي لا قيمة لها في العادة بمنزلة الأعيان التي لا قيمة لها لا ~~يصح أن يرد على هذه عقد إجارة ولا على هذه عقد بيع بالاتفاق كالاستظلال ~~والاستضاءة من بعد. وأما إجارة الأرض لينتفع بذلك انتفاع مثله بمثلها ~~فجائز. وأما قوله: استأجر مقيلا ومراحا وللزراعة إن أمكن أيضا؛ لينتفع بذلك ~~انتفاع مثله بمثله. فالإجارة صحيحة؛ لكن قوله: مقيلا ومراحا كلام لغو لا ~~فائدة فيه وإذا لم يمكن الانتفاع بها سقطت الأجرة. وإن أمكن الانتفاع ~~ببعضها وجبت الأجرة بقدر ذلك. وأما إذا تنازعا في إمكان الانتفاع رجع في ~~ذلك إلى غيرهما؛ فإن الناس يعلمون هل رويت؟ أم لم ترو؟ # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر أرضا وصرح في الإجارة أنه كان عاينها ولم يعاينها قبل ~~إيجارها ووصفها المؤجر بأنها تروى كل عام ولم يسلم المؤجر للمستأجرين وصرح ~~أن فيها مقيلا ومراحا وظهر فيها بقدر ربعها شراقي. فهل تصح هذه الإجارة إذا ~~لم يعاينها المستأجرون؟ وهل # PageV30P305 # يلزمهم القيام بما روي من الأرض المذكورة خاصة؟ ms8933 أو يلزمهم القيام بما شرق ~~فلم ينتفعوا به ولم يعاينوه؟ # فأجاب: # إذا لم يرها ولم توصف له لم تصح الإجارة عند جمهور العلماء ومن صححها ~~أثبت لهم الخيار خيار الرؤية وإن وصفت بوصف بأنها تروى كل عام فلم ترو فلهم ~~فسخ الإجارة إذا وجدت بخلاف الصفة والشرط الذي شرط لهم. ولو أجرهم إجارة ~~مطلقة فروي بعضها ولم يرو بعض لم تجب عليهم الأجرة ما لم يرو. ولو ذكر في ~~الإجارة أنها مقيل ومراح فإن إجارة هذه الأرض التي لا تروى للمقيل والمراح ~~باطلة بين العلماء؛ لأن ما لا يروى لا ينتفع به مقيلا ومراحا فإنها كسائر ~~البرية التي لا زرع فيها ولا ماء ومثل هذه المنفعة لا تتقوم ولا قدر لها لو ~~كانت موجودة فكيف وهي منتفية والإجارة إنما تصح على منفعة مقصودة. وإذا كان ~~ما لا نفع فيه أو لا قيمة لنفعه؛ لم يصح. فكذلك إجارة ما لا نفع فيه لما ~~استؤجر له ولا قيمة لتلك المنفعة. وهذا على قول من صحح الحيل وليس يبطلها؛ ~~فإن الأمر عنده ظاهر فإنه علم أن المقصود بالعقد إنما هو الانتفاع بالزرع ~~وإظهار ما سوى ذلك كذب وخداع. وإجارة الأرض التي تروى غالبا قبل الري جائزة ~~عند الأئمة وأما ما تروى أحيانا ففيه نزاع. # PageV30P306 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر أرضا قبالة بلا معرفة مساحتها مقيلا ومراحا ومرعى ومزرعا ~~لينتفع بها مدة سبع سنين وأن الأرض المذكورة غرقت وتبحرت وعدم الانتفاع بها ~~وعندما غرقت قصد الإقالة منها وقد بقي في الإجارة لما غرقت وعدم الآخر من ~~الانتفاع. فهل يجب عليه في سنة غرقها وتبحرها خراج أم لا؟ وهل يجوز أن ~~يقال؟ # فأجاب: # إجارة الأرض المعينة جائزة وإن لم يعلم ذرعاتها كما يجوز بيعها وبيع سائر ~~المعينات وإن لم يعلم مقدارها فإن بيع العين جزافا جائز بالسنة والإجماع. ~~كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاز بيع الشرك في الأرض الربعة ~~والحائط وبيع الثمر على الشجر بعد بدو صلاحه. وأقرهم على بيع ms8934 الطعام جزافا. ~~ثم إذا تعطلت منفعتها بغرق أو غيره لم يجب عليه أجرة ما تعطل من المنفعة ~~باتفاق المسلمين. # PageV30P307 # و ### | سئل: # عن رجل استأجر قرية وغلب على أرضها الماء # بسبب أنه انكسر عليه نهر وعجزوا عن رده. فهل يسقط عنهم من الأجرة بقدر ما ~~غرق؟ أم لا؟ وإذا حكم عليه حاكم بلزوم جميع الأجرة فهل ينفذ حكمه؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، له أن يفسخ الإجارة وله أن يحط من الأجرة بقدر ما نقص من ~~المنفعة ومن حكم بلزوم العقد وجميع الأجرة فقد حكم بخلاف الإجماع ولا ينفذ ~~حكمه. # وسئل - رحمه الله -: # إذا تعطل بعض منافع الدار. فهل يسقط من الأجرة بقدر ذلك؟ # فأجاب: # نعم يسقط عنه من الأجرة بقدر ما تعطل من المنفعة المستحقة بالعقد. # PageV30P308 # وسئل - رحمه الله -: # عمن استأجر بستانا فيه أرض بياض وشجره أكثر استأجره سنتين وصورة الأرض ~~بياض وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء وجعلوا المساقاة حيلة لبيع الثمر ~~قبل حله فأتلف الجراد أكثر الثمر. فهل يسقط عن المستأجر ما أتلفه الجراد؟ # فأجاب: # هذه المعاملات الواقعة على البساتين المسماة بالضمان: سواء كانت قبل ظهور ~~الثمرة وقبل بدو صلاحها أو بعدهما أو بينهما وسواء سميت ضمانا أو سميت - ~~للتحيل - مساقاة وإجارة؛ فإنه إذا تلف الثمر بجراد أو نحوه من الآفات ~~السماوية كنهب الجيوش وغير ذلك فإنه يجب وضع الجائحة عن المستأجر المشتري ~~فيحط عنه من العوض بقدر ما تلف من العوض سواء كان العقد فاسدا أو صحيحا. ~~وعلى كلا الصورتين نص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث أنس ~~وجابر. وهو قول جماهير العلماء في العقد الصحيح. فكيف في العقد الفاسد أو ~~المختلف فيه أو المتحيل على صحته والله أعلم. # PageV30P309 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم عليهم لأصحاب القرية دراهم وتقاوي وأن التقاوي جميعها بذروها في ~~القرية المذكورة وقد جاء برد أهلك الزرع بعد إقباله. فهل يلزم الفلاحين ~~المذكورين القيام بجميع التقاوي التي قبضوها؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كانت التقاوي من الملاك بذرا في ms8935 الأرض في زراعة صحيحة أو فاسدة فلا ~~ضمان على الفلاحين إذا فعلوا بها ما أمروا به وإن سميت مع ذلك باسم القرض ~~الفاسد؛ فإن المقصود بها مزارعة وإذا بذر المالك فيها بذرا يرجع به. وأما ~~إن كانت قرضا مطلقا في الذمة يتصرف فيه المقترض بأشياء فهي في ذمة المقترض ~~وإن تلف زرعه والدراهم. # PageV30P310 # و ### | سئل: # عن رجل استأجر أملاكا موقوفة # وقلت الرغبات في سكانها وعمل بذلك محضرا بأرباب الخبرة. فهل يضع عنه شيئا ~~إذا رأى في ذلك مصلحة للوقف؟ وإذا حط عنه هل يرجع عليه إذا انقضت مدة ~~الإجارة؟ وهل لمستحقي ريع الوقف التعرض على الناظر بسبب ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا استأجر ما تكون منفعة إيجاره للناس. مثل الحمام والفندق ~~والقيسارية ونحو ذلك. فنقصت المنفعة المعروفة مثل أن ينتقل جيران المكان ~~ويقل الزبون لخوف أو خراب أو تحويل ذي سلطان لهم ونحو ذلك. فإنه يحط من ~~المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة؛ سواء رضي الناظر وأهل ~~الوقف أو سخطوا. ولا يرجع على المستأجر بما وضع عنه إذا لم توضع إلا قدر ما ~~نقص من المنفعة المعروفة. والله أعلم. # PageV30P311 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استأجر من رجل إقطاعه وهو قيراط واحد ونصف قيراط من الناحية إجارة ~~شرعية؛ لينتفع المستأجر بذلك بالزراعة كيف شاء على الوجه المشروع ولم يكن ~~في الإجارة المذكورة مراحا ولا مقيلا. وقد سرق بعض ما في الناحية المذكورة ~~ولم ينتفع به. فهل يلزم المستأجر المذكور أجرة ما تعطل؟ أم لا؟ # فأجاب: # ما لم يشمله الري من الأرض فإنه يسقط بقدره من الأجرة باتفاق العلماء. ~~وإن قال في الإجارة: مقيلا ومراحا أو أطلق ولو لم يرو شيء من الأرض: لم يجب ~~عليه شيء من الأجرة باتفاق العلماء. وإن قال في الإجارة: مقيلا ومراحا. ~~والله أعلم. # PageV30P312 ### | باب العارية # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن استعار من رجل فرسا ليركبها إلى باب النصر واشترط المستعير على أن لا ~~يسير بالفرس سوى إلى باب النصر ويجيء من ساعته ms8936 فسار بها إلى بركة الحجاج ~~ولم يجئ إلا بعد العصر فانتكب الفرس وباعها صاحبها بنصف قيمتها. فهل يجب ~~على المستعير نصف نقص القيمة؟ # فأجاب: # نعم، إذا كان قد زاد في الاستعمال على ما أذن له صاحبها فهو ظالم ضامن ما ~~يتلف بعدوانه فما نقص من قيمة الفرس بهذا الظلم كان ضامنا له باتفاق ~~الأئمة. # PageV30P313 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أعار فرسا وهي شركة بغير إذن شريكه فماتت الفرس عند الذي أعارها ~~شريكه فمن يضمن حصة الشريك؟ # فأجاب: # إذا أعار نصيب الشريك بغير إذنه وتلفت الفرس كان له مطالبة المعير ~~المعتدي بقيمة نصيبه وله مطالبة المستعير أيضا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة استعارت زوجي حلق وقد عدموا منها. فهل يلزمها قيمة الحلق؟ # فأجاب: # إن كانت فرطت في حفظها لزمها غرامتها باتفاق العلماء. وإن لم تفرط ففي ~~ذلك نزاع مشهور بينهم. ففي مذهب أبي حنيفة لا ضمان عليها وفي مذهب الشافعي ~~وأحمد عليها الضمان وعند مالك إذا تلفت بسبب معلوم فلا ضمان عليها وإذا ~~ادعت التلف بسبب خفي لم يقبل منها. والله أعلم. # PageV30P314 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل سافر وانتهى به الطريق إلى قرية فعزم عليه رجل فبات عنده وطلب منه ~~دابة فلما وصل إلى الفندق ماتت؟ # فأجاب: # هذه المسألة فيها قولان للعلماء: أحدهما: لا ضمان عليه إذا تلفت بغير ~~تفريطه ولا عدوانه. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وبعض أصحاب الإمام أحمد. ~~والقول الثاني: عليه الضمان وهو مذهب الشافعي وأحمد. والله أعلم. # وسئل: # عمن استعار من رجل شيئا فأعاره وهو لا يشك في أنه عمر وقطع بأنه ذلك ~~الشخص وطلب ما أعاره فأنكر فحلف بالطلاق الثلاث أنه هو المستعير فطلع خلاف ~~ما ظنه وجاء بالعارية. فهل يقع عليه الطلاق والحالة هذه؟ أم لا؟ # PageV30P315 # فأجاب: إذا كان الأمر على ما ذكر من أنه يعتقد صدق نفسه فما حلف عليه لم ~~يقع به الطلاق وإن تبين له فيما بعد أنه أخطأ والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين ms8937 عند أمير فقال الأمير لأحدهما: اطلب سيف رفيقك على سبيل العارية ~~فأجاب وأخذه الأمير فعدم عنده: هل تلزم المطالبة للأمير أو للرسول الذي ~~استعاره؟ # فأجاب: # إذا كان الرسول لم يكذب ولم يتعد فلا ضمان عليه؛ بل الضمان على المستعير ~~إن كان فرط أو اعتدى باتفاق العلماء وإلا ففي ضمانه نزاع. والله أعلم. # PageV30P316 ### | باب الغصب # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن غصب زرع رجل وحصده. هل يباح للفقراء اللقاط المتساقط؟ # فأجاب: نعم يباح اللقاط كما كان يباح لو حصدها المالك كما يباح رعي الكلإ ~~في الأرض المغصوبة نص الإمام أحمد على هذه المسألة الثانية؛ وذلك لأن ما ~~يباح من الكلإ واللقاط لا يختلف بالغصب وعدمه ولا يمنعه حق المالك. # و ### | سئل: # عن رجل له أرض ملك وهي بيده ثلاثون سنة # فجاء رجل جذ زرعه منها ثم زرعها في ثاني سنة. فما يجب عليه؟ # فأجاب: # ليس لأحد أن يستولي عليه بغير حق؛ بل له أن يطالب # PageV30P317 # من زرع في ملكه بأجرة المثل وله أن يأخذ الزرع إذا كان قائما ويعطيه ~~نفقته. والله أعلم. # وسئل: # عمن سرق كيل غلة. وبذره ولم يعرف مالكه فهل يحل له الزرع كله؟ # فأجاب: # أما مقدار البذر فيتصدق به بلا ريب وأما الزيادة ففيها نزاع. وأعدل ~~الأقوال أن يجعل ذلك مزارعة فيأخذ نصيبه ونصيب صاحب البذر يتصدق به عنه. ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل غصب عينا فباعها # من رجل عالم بالغصب فجاء صاحب العين فأخذها من يد المشتري. فهل للمشتري ~~أن يرجع على الغاصب الذي اشتراها منه مع علمه بالغصب بالثمن الذي بذله له؟ ~~أم المشتري لا يرجع على الغاصب بشيء والذي نقده للغاصب يروح مجانا؟ فكيف ~~الحكم في ذلك؟ . # PageV30P318 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، بل للمشتري أن يرجع على الغاصب بالثمن الذي قبضه ~~منه سواء كان عالما بالغصب أو لم يكن عالما؛ فإن الثمن قبضه بغير حق ولو ~~كان برضاه. فإنهما لو تبايعا ما لا يحل بيعه: من خمر أو خنزير برضاهما لوجب ~~أن يرد المبيع ms8938 فيتلف الخمر والخنزير ويرد على المشتري الثمن فكيف إذا باعه ~~مال الغير؟ وبأي وجه بقي الثمن في يد الغاصب فلا حق له فيه وإنما هو ملك ~~المشتري. والله أعلم. # وسئل - رضي الله عنه -: # عن رجل غرس نوى في أرض الغير؟ : # فأجاب: # الحمد لله، إذا غرس نخلة تملكها في أرض الغير ابنه لم يكن لورثة ابنه ~~فيها حق بل الحق فيها له ولأهل الأرض فالنخلة له وعليه أجرة الأرض لأهلها ~~إذا أبقوها في أرضهم. والله أعلم. # PageV30P319 # و ### | سئل: # عن رجل كسب بعيرا وجاب البعير بعيرا. # فهل في نتاجها رخصة في الأربع مذاهب؟ . # فأجاب: # نتاج الدابة لمالكها ولا يحل للغاصب؛ لكن إذا كان النتاج مستولدا من عمل ~~المستولي. فمن الناس من يجعل النماء بين المالك والعامل كالمضاربة ونحوها. ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل له بهائم حلال وأنزى عليها فحل حرام. # فهل في نتاجهم شبهة؟ . # فأجاب: # إذا أنزى على بهائمه فحل غيره فالنتاج له؛ ولكن إذا كان ظالما في ~~الإنزاء؛ بحيث يضر بالفحل المنزي فعليه ضمان ما نقص لصاحبه فإن لم يعرف ~~صاحبه تصدق بقيمة نقصه. وأما إن كان لا يضره فلا قيمة له فإن {النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل} . والله أعلم. # PageV30P320 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى بهيمة بثمن بعضه حلال وبعضه حرام فأي شيء يحكم به الشرع؟ . # الجواب # فأجاب: إذا كان اشتراها بثمن بعضه له وبعضه مغصوب فنصفها ملكه والنصف ~~الآخر لا يستحقه؛ بل يدفعه إلى صاحبه إن أمكن وإلا تصدق به عنه فإن حصل من ~~ذلك نماء كان حكمه حكم الأصل: نصفه له ونصفه للجهة الأخرى. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن جارية لسيدة تطلب لنفسها زركشا على لسان سيدتها # ثم إن الجارية طلبت على لسان سيدتها خاتما وأنكرت السيدة والجارية ~~معترفة؟ . # فأجاب: # إذا كانت طلبت على لسان سيدتها ولم تكن أذنت لها كانت الجارية غاصبة ~~قابضة لذلك بغير حق فإذا تلف في يدها فضمانه في رقبة الجارية وسيدتها ~~بالخيار بين أن تفتديها فتؤدي قيمة ما ms8939 أخذته وبين أن تسلمها لتباع ويؤخذ من ~~ثمنها ذلك. والله أعلم. # PageV30P321 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن الأموال التي تقبض بطريق المناهب التي تجري بين الأعراب إذا كان فيها ~~حيوان تناسل وعين حصل فيها ربح أو شجر أثمر. هل النسل والربح للغاصب؛ لكونه ~~هو الذي يرعى الحيوان ويتجر في العين ويسقي الشجر؟ أم للمالك المغصوب منه؟ ~~والأموال التي بأيدي هؤلاء الأعراب. هل تزكى؟ أم لا؟ وإذا تاب الغاصب وقد ~~جهل المالك؟ ما حكمه؟ هل يتصدق بالجميع أو البعض؟ وهل تصح التوبة من الزنا ~~والسرقة. ونحو ذلك؟ وفي أقوام من الأحمدية وغيرهم ممن يحضر سماع الغناء ~~والملاهي ويمسكون الحيات ويدخلون النار ولا يحترقون. وإذا لم يعطوا من ~~الزكاة غضبوا وتوجهوا على المانع لهم ويقولون: هذه في إبلك هذه في غنمك في ~~كذا. . . ويموت بعض الإبل والغنم فيقولون: هذه بخواطرنا. فهل يجوز إعطاء ~~هؤلاء من الزكاة خوفا منهم؟ أو لغير ذلك؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما المال المغصوب إذا عمل فيه الغاصب حتى حصل ~~منه نماء: ففيه أقوال للعلماء: هل النماء للمالك # PageV30P322 # وحده؟ أو يتصدقان به؟ أو يكون بينهما كما يكون بينهما إذا عمل فيه بطريق ~~المضاربة والمساقاة والمزارعة وكما يدفع الحيوان إلى من يعمل عليه بجزء من ~~دره ونسله أو يكون للعامل أجرة مثله إن كانت عادتهم جارية بمثل ذلك كما فعل ~~عمر بن الخطاب لما أقرض أبو موسى الأشعري ابنيه من مال الفيء مائتي ألف ~~درهم وخصهما بها دون سائر المسلمين ورأى عمر بن الخطاب أن ذلك محاباة لهما ~~لا تجوز وكان المال قد ربح ربحا كثيرا بلغ به المال ثمانمائة ألف درهم ~~فأمرهما أن يدفعا المال وربحه إلى بيت المال وأنه لا شيء لهما من الربح ~~لكونهما قبضا المال بغير حق. فقال له ابنه عبد الله: إن هذا لا يحل لك؛ فإن ~~المال لو خسر وتلف كان ذلك من ضماننا فلماذا تجعل علينا الضمان ولا تجعل ~~لنا الربح؟ فتوقف عمر. فقال له بعض الصحابة: نجعله مضاربة بينهم وبين ~~المسلمين: ms8940 لهما نصف الربح وللمسلمين نصف الربح فعمل عمر بذلك. وهذا مما ~~اعتمد عليه الفقهاء في المضاربة وهو الذي استقر عليه قضاء عمر بن الخطاب ~~ووافقه عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو العدل؛ فإن النماء حصل ~~بمال هذا وعمل هذا فلا يختص أحدهما بالربح ولا تجب عليهم الصدقة بالنماء؛ ~~فإن الحق لهما لا يعدوهما؛ بل يجعل الربح بينهما كما لو كانا مشتركين شركة ~~مضاربة. # PageV30P323 # وهكذا الذي يعمل على ماشية غيره أو بستانه أو أرضه حتى يحصل بمزروع أو در ~~أو نسل؛ لكن من العلماء من لا يجوز العمل هنا بجزء من النماء وإنما تجوز ~~عنده الإجارة. وأصح قولي العلماء: أنها تجوز المساقاة وتجوز المزارعة سواء ~~كان البذر من المالك أو من العامل أو منهما كما {عامل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم} . ~~رواه البخاري في صحيحه. وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسعد بن ~~أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وغيرهما كانوا يدفعون إلى من يزرعها ليبذر من ~~عنده والزرع بينهما وكان عامة بيوت المهاجرين والأنصار مزارعون. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن المخابرة التي كانوا يفعلونها وهو أنهم كانوا ~~يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها كما ثبت ذلك في الصحيحين وهذا الذي نهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم محرم باتفاق العلماء كما لو شرط في المضاربة ~~أن يكون لأحدهما دراهم مقدرة. وإنما العدل أن يشتركا فيما يرزقه الله من ~~النماء؛ لهذا جزء شائع ولهذا جزء شائع فيشتركان في المغنم ويشتركان في ~~المغرم فإن لم يحصل شيء ذهب نفع مال هذا ونفع بدن هذا. # PageV30P324 # فصل: # والأموال التي بأيدي هؤلاء الأعراب المتناهبين إذا لم يعرف لها مالك معين ~~فإنه يخرج زكاتها فإنها إن كانت ملكا لمن هي في يده كانت زكاتها عليه وإن ~~لم تكن ملكا له ومالكها مجهول لا يعرف فإنه يتصدق بها كلها فإذا تصدق بقدر ~~زكاتها كان خيرا من ms8941 أن لا يتصدق بشيء منها. فإخراج قدر الزكاة منها أحسن من ~~ترك ذلك على كل تقدير. وإذا كان ينهب بعضهم بعضا فإن كان النهب بين طائفتين ~~معروفتين فإنه ينظر قدر ما أخذته كل طائفة من الأخرى فإن كانوا سواء تقاضيا ~~وأقر كل قوم على ما بأيديهم وإن لم يعرف عين المنهوب منه. كما لو تقاتلوا ~~قتال جاهلية وقتل هؤلاء بعض هؤلاء وهؤلاء بعض هؤلاء وأتلف هؤلاء بعض أموال ~~هؤلاء؛ فإن الواجب القصاص بين الطائفتين. فتقابل النفوس بالنفوس والأموال ~~بالأموال فإن فضل لإحدى الطائفتين على الأخرى شيء طالبتها بذلك. # PageV30P325 # وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى} قال غير واحد من السلف: نزلت هذه الآية في قبيلتين ~~من العرب كان بينهما قتال فأمر الله تعالى أن يقاص من القتلى: الحر من ~~هؤلاء بالحر من هؤلاء والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. ثم قال: {فمن عفي له ~~من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} . يقول: إن فضل لأحدهما ~~على الآخر شيء فليؤده إليهم بمعروف والتتبعة الأخرى أن يطالبهم به بإحسان ~~والاتباع هو المطالبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {مطل الغني ظلم ~~وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع} . وهذا لأن الطوائف الممتنعة التي يعين ~~بعضها بعضا في القتال ثم يكون الضمان فيها على الذي يباشر القتال والأخذ ~~والإتلاف وعلى الردء الذي يعينه عند جمهور العلماء. ولهذا كان في مذهب ~~الجمهور أن قطاع الطريق يقتل منهم الردء والمباشر. وعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قتل ربيئة المحاربين وهو الناظر الذي ينظر لهم الطريق. فالمتعاونون على ~~الظلم والعدوان تجب عليهم العقوبة بالضمان وغيره ولهذا قال عامة الفقهاء إن ~~الطائفتين المقتتلتين على عصبية ورياسة تضمن كل طائفة ما أتلفت للأخرى من # PageV30P326 # نفس ومال. فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعرف عين المتلف. وإن ~~كان قدر المنهوب مجهولا لا يعرف ما نهب هؤلاء من هؤلاء ولا قدر ما نهب ~~هؤلاء من هؤلاء فإنه يحمل الأمر على التساوي؛ ms8942 كمن اختلط في ماله حلال وحرام ~~ولم يعرف أيهما أكثر فإنه يخرج نصف ماله والنصف الباقي له حلال كما فعل عمر ~~بن الخطاب بالعمال على الأموال؛ فإنه شاطرهم. فأخذ نصف أموال عماله على ~~الشام ومصر والعراق. فإنه رأى أنه اختلط بأموالهم شيء من أموال المسلمين ~~ولم يعرف لا أعيان المملوك ولا مقدار ما أخذه هؤلاء من هؤلاء ولا هؤلاء من ~~هؤلاء؛ بل يجوز أن يكون مع الواحد أقل من حقه وأكثر ففي مثل هذا يقر كل ~~واحد على ما في يده إذا تاب من التعاون على الإثم والعدوان فإن المجهول ~~كالمعدوم يسقط التكليف به ويزكي ذلك المال كما يزكيه المالك. وإن عرف أن في ~~ماله حلالا مملوكا وحراما لا يعرف مالكه وعرف قدره فإنه يقسم المال على قدر ~~الحلال والحرام فيأخذ قدر الحلال وأما الحرام فيتصدق به عن أصحابه كما يفعل ~~من عنده أموال مجهولة الملاك: من غصوب وعواري وودائع؛ فإن جمهور العلماء: ~~كمالك # PageV30P327 # وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: إنه يتصدق بها. وهذا هو المأثور ~~في مثل ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن لم يعرف مقدار ~~الحلال والحرام فإنه يجعل المال نصفين يأخذ لنفسه نصفه والنصف الثاني يوصله ~~إلى أصحابه إن عرفهم وإلا تصدق به. وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح ~~المسلمين: فيعطى منه من يستحق الزكاة ويقرى منه الضيف ويعان فيه الحاج ~~وينفق في الجهاد وفي أبواب البر التي يحبها الله ورسوله كما يفعل بسائر ~~الأموال المجهولة وهكذا يفعل من تاب من الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه. # وسئل - رحمه الله -: # عن وال وضع يده على عشرين ألف درهم لإنسان وثبت عليه عند حاكم وهم يعلمون ~~أن جميع موجوده حرام نهب أموال الناس. فهل يجوز لهم أن يأخذوا من هذا المال ~~عوض ما أخذه لهم لأنهم يعلمون أن جميع ماله حرام؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كان جميع ما بيده أخذه من # PageV30P328 # الناس بغير حق: مثل أن يأخذ من اللصوص وقطاع ms8943 الطريق بعض ما يأخذونه من ~~أموال الناس ومثل أن يطلب ظلم أقوام فيعطوه ما ينكف به عن ظلمهم ومثل أن ~~يحمي بعض الناس عن مساواة نظرائهم فيما يطلب منهم ليعطوه رشوة ومثل أن يظلم ~~في حكمه أو يعدل برشوة يأخذها ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم ~~ومثل أن يهدر دماء المقتولين برشوة من القاتلين. فهذه الأموال ونحوها هي ~~مستحقة لأصحابها. كاللص الذي يسرق أموالا ويخلط بعضها ببعض فإن ذلك لا ~~يحرمها على أصحابها؛ بل يقتسمون الأموال بينهم على قدر حقوقهم وإن جهل عين ~~مال الرجل لكونه باعه ونحو ذلك فعوضه يقوم مقامه. ومن اكتسب بهذه الأموال ~~بتجارة ونحوها فقيل: الربح لأرباب الأموال. وقيل له: إذا اشترى في ذمته. ~~وقيل: بل يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث. وقيل: بل يقسم الربح بينه وبين أرباب ~~الأموال كالمضاربة. كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبو موسى ~~الأشعري لابنيه دون العسكر. وهذا أعدل الأقوال. وإذا كان كذلك فأهل الأموال ~~يقتسمون ما وجدوه على قدر حقوقهم؛ فإن ذلك إما عين أموالهم وإما وفاء ~~ديونهم الثابتة في ذمته؛ بل الحق أن حقوقهم متعلقة بالأمرين جميعا بذمته ~~وبالأموال. فأما إذا لم يعرف مقدار ما غصبه ولا أعيان الغرماء كلهم: فمن ~~أخذ منهم من هذه # PageV30P329 # الأموال قدر حقه لم يحكم بأن ذلك حرام؛ لا سيما إذا كان قد اتجر في ~~الأموال التي بيده فإنه يستحق حينئذ أكثر من قدر حقه؛ لكن يخاف أن تكون ~~الأموال التي بيده تضيق عن حقوق جميع المستحقين لكن المجهول منهم الذي لا ~~يعلم صار كالمعدوم فإن كان الذي يأخذ قدر حقه له. ولم يظلم سائر الغرماء ~~المعروفين لم نحكم بتحريم ما أخذه؛ لكن إن ظهر فيما بعد غرماء ولهم قسط من ~~ماله كان لهم المطالبة بقدر حقوقهم فمن استولى على المال يؤخذ من كل واحد ~~بقدر ما استولى والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # سئلت عن قوم أخذت لهم غنم أو غيرها من المال ثم ردت عليهم أو بعضها وقد ms8944 ~~اشتبه ملك بعضهم ببعض. # فأجبتهم: # أنه إن عرف قدر المال تحقيقا قسم الموجود بينهم على قدره وإن لم يعرف إلا ~~عدده قسم على العدد؛ لأن المالين إذا اختلطا قسما بينهما وإن كان يدفع لكل ~~منهم عن ماله ما كان للآخر؛ لأن الاختلاط جعلهم شركاء؛ لا سيما على أصلنا ~~أن الشركة تصح بالعقد مع امتياز المالين؛ لكن الاشتباه في الغنم ونحوها ~~يقوم مقام الاختلاط في المائعات. # PageV30P330 # وعلى هذا فينبغي أنه إذا اشتركا فيما يتشابه من الحيوان والثياب أنه يصح ~~كما لو كان رأس المال دراهم إذا صححناها بالعروض وإذا كانوا شركاء ~~بالاختلاط والاشتباه فعند القسمة يقسم على قدر المالين فإن كان المردود ~~جميع ما لهم فظاهر وإن كان بعضه فذلك البعض هو بعض المشترك كما لو رد بعض ~~الدراهم المختلطة. يبقى إن كان حيوانا. فهل يجب قسمته أعيانا عند طلب بعضهم ~~قولا واحدا أو يخرج على القولين في الحيوان المشترك؟ فالأشبه خروجه على ~~الخلاف؛ لأنه إذا كان لأحدهما عشرة رءوس وللآخر عشرون فما وجد فلأحدهما ~~ثلثه وللآخر ثلثاه كذلك. لكن المحذور في هذه المسألة أن مال كل منهما إن ~~عرف قيمته فظاهر وإن لم يعرف إلا عدده مع أن غنم أحدهما قد تكون خيرا من ~~غنم الآخر فالواجب عند تعذر معرفة رجحان أحدهما على الآخر التسوية؛ لأن ~~الضرورة تلجئ إلى التسوية. وعلى هذا فسواء اختلط غنم أحدهما بالآخر عمدا أو ~~خطأ يقسم المالان على العدد إن لم يعرف الرجحان. وإن عرف وجهل قدره أثبت ~~منه القدر المتيقن وأسقط الزائد المشكوك فيه؛ لأن الأصل عدمه. # PageV30P331 # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز له أن يخرق ثوبه كما يخرق ثوبه؟ # فأجاب: # وأما القصاص في إتلاف الأموال مثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له أو ~~يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك. فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن ~~أحمد: أحدهما: أن ذلك غير مشروع؛ لأنه إفساد ولأن العقار والثياب غير ~~مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم قدرا من الأموال ~~وإذا جاز إتلافها ms8945 على سبيل القصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم فالأموال أولى. ~~ولهذا يجوز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا كقطع الشجر ~~المثمر. وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة فهذا فيه نزاع؛ فإنه إذا أتلف له ~~ثيابا أو حيوانا أو عقارا ونحو ذلك: فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع ~~القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في # PageV30P332 # مذهب الشافعي وأحمد. فإن الشافعي قد نص على أنه إذا هدم داره بناها كما ~~كانت فضمنه بالمثل. وقد روي عنه في الحيوان نحو ذلك وكذلك أحمد يضمن أولاد ~~المغرور بجنسهم في المشهور عنه وإذا اقترض حيوانا رد مثله في المنصوص عنه. ~~وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب؛ فإن داود عليه السلام قد ضمن أهل الحرث ~~الذي نفشت فيه غنم القوم بالقيمة وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان ~~عليه السلام أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا بالماشية بدل ~~ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد ~~اعتدى بعض بني أمية على بستان له فقلعوه وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه ~~كما كان. فقيل له: إن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة فتكلم الزهري ~~فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة. ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع ~~اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه وهو الدراهم والدنانير مع ~~اعتبار القيمة؛ فإن القيمة معتبرة في الموضعين والجنس مختص بأحدهما ولا ريب ~~أن الأغراض متعلقة بالجنس وإلا فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان ما يصنع ~~بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري بها مثله قيل: الظالم الذي فوته ماله هو أحق بأن ~~يضمن له مثل ما فوته إياه؛ أو نظير ما أفسده من ماله. # PageV30P333 # و ### | سئل: # عن تجار أخذهم حرامية ثم ردوا عليهم من المال شيئا. # فهل من عرف شيئا من ماله يأخذه؟ أو يقسم على رءوس الأموال المأخوذة ~~بالسوية إلخ؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما من وجد ماله بعينه فهو أحق به وأما ms8946 الذين عدمت أموالهم ~~فيتقاسمون ما غرمه الحرامية لهم على قدر أموالهم؛ لا على عدد الرؤوس. والله ~~أعلم. # و ### | سئل: # عن عسكر نزلوا مكانا باتوا فيه # فجاء أناس سرقوا لهم قماشا فلحقوا السارق فضربه أحدهم بالسيف ثم حمل إلى ~~مقدم العسكر ثم مات بعد ذلك. # الجواب # فأجاب: إذا كان هذا هو الطريق في استرجاع ما مع السارق لم يلزم الضارب ~~شيء. وقد روى ابن عمر: أن لصا دخل داره فقام # PageV30P334 # إليه بالسيف فلولا أنهم ردوه عنه لضربه بالسيف. وفي الصحيحين: {من قتل ~~دون ماله فهو شهيد} . # و ### | سئل: # عما قدمه للسلطان من المغصوب # إلخ؟ # فأجاب: # أما ما قدمه للسلطان من المغصوب وأعطاه ما أعطاه فليتصدق بقدر ذلك ~~المغصوب عن صاحبه إن لم يعرفه وكذلك ما أهداه للأمير أو عوضه عنه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يطحن في طواحين السلطان يستأجرها وهو يعلم أن بعضها ما هو غصب وفي ~~رجل يعمل في زرع السلطان هل نصيبه منه حلال وما يكسبه الأول من الطاحون؟ # فأجاب: # أما الأراضي السلطانية والطواحين السلطانية التي لم يعلم أنها مغصوبة ~~فيجوز للإنسان أن يعمل فيها مزارعة بنصيب من الزرع. ويجوز أن يستأجرها ~~ويجوز أن يعمل فيها بأجرته # PageV30P335 # مع الضمان. وأما إذا علم أنها مغصوبة ولم يعرف لها مالك معين؛ فهذه فيها ~~نزاع. والأظهر أنه يجوز العمل فيها إذا كان العامل لا يأخذ إلا أجرة عمله ~~فإنه حينئذ لا يكون قد ظلم أحدا شيئا فالعمل فيها خير من تعطيلها على كل ~~تقدير. وهذا إن أمكن أن ترد إلى أصحابها وإلا صرفت في مصالح المسلمين؛ ~~والمجهول كالمعدوم. وأما إذا عرف أن للأرض مالكا معينا وقد أخذت منه بغير ~~حق فلا يعمل فيها بغير إذنه أو إذن وليه أو وكيله. والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن يطلب منهم كلف يجمعونها من أهل البلد # فإذا كانوا سووا بين الناس فيما طلب منهم وهم مغصوبون في ذلك. فهل عليهم ~~إثم؟ # فأجاب: # بل هذه الكلف التي تطلب من الناس بحق أو بغير حق يجب العدل ms8947 فيها ويحرم أن ~~يوفر فيها بعض الناس ويجعل قسطه على غيره ومن قام فيها بنية العدل. وتخفيف ~~الظلم مهما أمكن وإعانة الضعيف لئلا يتكرر الظلم عليه بلا نية إعانة ~~الظالم: كان كالمجاهد في سبيل الله إذا تحرى العدل وابتغى وجه الله. # PageV30P336 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ~~الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه بمنه وكرمه: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~تسليما. ### | فصل في " المظالم المشتركة " # التي تطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء ~~يؤخذ على أموالهم أو رءوسهم: مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم؛ ~~إما على عدد رءوسهم أو عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم كما ~~يؤخذ منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع ~~أو تؤخذ منهم الكلف التي أحدثت في غير الأجناس الشرعية # PageV30P337 # كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك: يؤخذ ~~منهم إذا باعوا. ويؤخذ ذلك تارة من البائعين. وتارة من المشترين وإن كان قد ~~قيل: إن بعض ذلك وضع بتأويل وجوب الجهاد عليهم بأموالهم واحتياج الجهاد إلى ~~تلك الأموال كما ذكره صاحب (غياث الأمم) وغيره مع ما دخل في ذلك من الظلم ~~الذي لا مساغ له عند العلماء. ومثل الجبايات التي يجبيها بعض الملوك من أهل ~~بلده كل مدة. ويقول: إنها مساعدة له على ما يريد ومثل ما يطلبه الولاة ~~أحيانا من غير أن يكون راتبا؛ إما لكونهم جيشا قادمين يجمعون ما يجمعونه ~~لجيشهم وإما لكونهم يجمعون لبعض العوارض: كقدوم السلطان أو حدوث ولد له ~~ونحو ذلك. وإما أن ترمى عليهم سلع تباع منهم بأكثر من أثمانها وتسمى " ~~الحطائط ". ومثل القافلة الذين يسيرون حجاجا أو ms8948 تجارا أو غير ذلك. فيطلب ~~منهم على عدد رءوسهم أو دوابهم أو قدر أموالهم؛ أو يطلب مطلقا منهم كلهم ~~سواء كان الطالب ذا السلطان في بعض المدائن والقرى كالذين يقعدون على ~~الجسور وأبواب المدائن فيأخذون ما يأخذونه. أو كان الآخذون قطاع طريق: ~~كالأعراب والأكراد والترك الذين يأخذون مكوسا من أبناء السبيل ولا يمكنونهم ~~من العبور حتى يعطوهم ما يطلبون. فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال ~~عليهم لزوم العدل فيما # PageV30P338 # يطلب منهم وليس لبعضهم أن يظلم بعضا فيما يطلب منهم؛ بل عليهم التزام ~~العدل فيما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق ~~فإن هذه الكلف التي أخذت منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها ~~بالنسبة إليهم. وإنما يختلف حالها بالنسبة إلى الأخذ فقد يكون أخذا بحق وقد ~~يكون أخذا بباطل. وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم ~~وأموالهم فليس لبعضهم أن يظلم بعضا في ذلك؛ بل العدل واجب لكل أحد على كل ~~أحد في جميع الأحوال والظلم لا يباح شيء منه بحال حتى إن الله تعالى قد ~~أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله تعالى: {كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ~~. والمؤمنون كانوا يعادون الكفار بأمر الله فقال تعالى [مبينا] (1) : لا ~~يحملكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا عليهم بل اعدلوا عليهم فإنه أقرب ~~للتقوى. وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره؛ بل ~~إما أن يؤدي قسطه فيكون عادلا وإما أن يؤدي زائدا على قسطه فيعين شركاءه ~~بما أخذ منهم فيكون محسنا. وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال ~~امتناعا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم؛ فإن المال إذا ~~كان يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه PageV30P339 # أو رشوة أو غيرهما: كان قد ظلم من يؤخذ منه القسط الذي يخصه. وليس هذا ~~بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره؛ فإن هذا ms8949 جائز: مثل أن ~~يمتنع عن أداء ما يخصه فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره. وهذا ك ### | الوظائف السلطانية التي توضع على القرى # مثل أن يوضع عليهم عشرة آلاف درهم فيطلب من له جاه بإمرة أو مشيخة أو ~~رشوة أو غير ذلك أن لا يؤخذ منه شيء وهم لا بد لهم من أخذ جميع المال وإذا ~~فعل ذلك أخذ ما يخصه من سائر الشركاء فيمتنع من أداء ما ينوبه ويؤخذ من ~~سائر الشركاء؛ فإن هذا ظلم منه لشركائه؛ لأن هذا لم يدفع الظلم عن نفسه إلا ~~بظلم شركائه وهذا لا يجوز. وليس له أن يقول: أنا لم أظلمهم؛ بل ظلمهم من ~~أخذ منهم الحصتين؛ لأنه يقال # أولا: هذا الطالب قد يكون مأمورا ممن فوقه أن يأخذ ذلك المال فلا يسقط عن ~~بعضهم نصيبه إلا أخذه من نصيب ذلك الآخر فيكون أمره بأن لا يأخذ أمرا ~~بالظلم. # الثاني: أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعليه أن يعدل بينهم فيما يطلبه ~~منهم وإن كان أصل الطلب ظلما فعليه أن يعدل في هذا الظلم ولا يظلم فيه ظلما ~~ثانيا فيبقى ظلما مكررا فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين ~~كان قد ظلم ظلما مكررا بخلاف ما إذا # PageV30P340 # أخذ من كل قسطه. ولأن النفوس ترضى بالعدل بينها في الحرمان وفيما يؤخذ ~~منها ظلما ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء. ولهذا جاءت الشريعة ~~بأن المريض له أن يوصي بثلث ماله لغير وارث ولا يخص الوارث بزيادة على حقه ~~من ذلك الثلث وإن كان له أن يعطيه كله للأجنبي. وكذلك في عطية الأولاد: هو ~~مأمور أن يسوي بينهم في العطاء أو الحرمان ولا يخص بعضهم بالإعطاء من غير ~~سبب يوجب ذلك؛ لحديث النعمان بن بشير وغيره. # الثالث: أنه إذا طلب من القاهر أن لا يأخذ منه وهو يعلم أنه يضع قسطه على ~~غيره فقد أمره بما يعلم أنه يظلم فيه غيره وليس للإنسان أن يطلب من غيره ما ~~يظلم فيه غيره وإن ms8950 كان هو لم يأمره بالظلم كمن يولي شخصا ويأمره أن لا يظلم ~~وهو يعلم أنه يظلم فليس له أن يوليه وكذلك من وكل وكيلا وأمره أن لا يظلم ~~وهو يعلم أنه يظلم وكذلك من طلب من غيره أن يوفيه دينه من ماله الحلال وهو ~~يعلم أنه لا يوفيه إلا مما ظلمه من الناس. وكذلك هذا طلب منه أن يعفيه من ~~الظلم وهو يعلم أنه لا يعفيه إلا بظلم غيره فليس له أن يطلب منه ذلك. ~~(الرابع: أن هذا يفضي إلى أن الضعفاء الذين لا ناصر لهم يؤخذ منهم جميع ذلك ~~المال والأقوياء لا يؤخذ منهم شيء من وظائف الأملاك مع أن أملاكهم أكثر ~~وهذا يستلزم من الفساد والشر # PageV30P341 # ما لا يعلمه إلا الله تعالى كما هو الواقع. (الخامس: أن المسلمين إذا ~~احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدوهم وجب على القادرين الاشتراك في ذلك وإن ~~كان الكفار يأخذونه بغير حق فلأن يشتركوا فيما يأخذه الظلمة من المسلمين ~~أولى وأحرى. # فصل: # وعلى هذا فإذا تغيب بعض الشركاء؛ أو امتنع من الأداء فلم يؤخذ منه وأخذ ~~من غيره حصته؛ كان عليه أن يؤدي قدر نصيبه إلى من أدى عنه في أظهر قولي ~~العلماء كما يؤدي ما عليه من الحقوق الواجبة ويلزم بذلك ويعاقب على أدائه ~~كما يعاقب على أداء سائر الحقوق الواجبة عليه كالعامل في الزكاة إذا طلب من ~~أحد الشريكين أكثر من الواجب وأخذه بتأويل فللمأخوذ منه أن يرجع على الآخر ~~بقسطه. وإن كان بغير تأويل فعلى قولين: أظهرهما أن له أن يرجع أيضا؛ كناظر ~~الوقف وولي اليتيم والمضارب والشريك والوكيل وسائر من تصرف لغيره بولاية أو ~~وكالة إذا طلب منه ما ينوب ذلك المال من الكلف مثل ما إذا أخذت منه الكلف ~~السلطانية عن الأملاك أو أخذ من التجار في الطرق والقرى ما ينوب الأموال ~~التي معهم؛ فإن لهم أن يؤدوا ذلك من نفس المال؛ بل يجب عليهم إذا خافوا إن ~~لم يؤدوه أن يؤخذ أكثر منه. وإذا قدر # PageV30P342 # أن المال ms8951 صار غائبا فاقترضوا عليه وأدوا عنه أو أدوا من مال لهم عن مال ~~الموكل والمولي عليه: كان لهم الرجوع بقدر ذلك من ماله. وعلى هذا عمل ~~المسلمين في جميع الأعصار والأمصار. ومن لم يقل بذلك فإنه يلزم قوله من ~~الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد؛ فإن الكلف التي تؤخذ من الأموال على وجه ~~الظلم كثيرة جدا. فلو كان ما يؤديه المؤتمن على مال غيره عنه من تلك الكلف ~~التي تؤخذ منه قهرا بغير حق تحسب عليه إذا لم يؤدها من غير مال المؤتمن لزم ~~من ذلك ذهاب كثير من أموال الأمناء ولزم أن لا يدخل الأمناء في مثل ذلك ~~لئلا تذهب أموالهم. وحينئذ يدخل في ذلك الخونة الفجار الذين لا يتقون الله؛ ~~بل يأخذون من الأموال ما قدروا عليه ويدعون نقص المقبوض المستخرج أو زيادة ~~المصروف المؤدى كما هو المعروف من حال كثير من المؤتمنين على الأموال ~~السلطانية؛ لكن هؤلاء قد يدخل في بعض ما يفعلونه تأويل؛ بخلاف الوكيل ~~والشريك والمضارب وولي اليتيم وناظر الوقف ونحوهم. وإذا كان كذلك فالمؤتمن ~~على المال المشترك بينه وبين شريكه إذا كان يعتد له بما أخذ منه من هذه ~~الكلف فما قبضه عمال الزكاة باسم الزكاة أولى أن يعتد له به وإن قبضوا فوق ~~الواجب بلا تأويل؛ لا سيما وهذا # PageV30P343 # هو الواقع كثيرا أو غالبا في هذه الأزمان فإن عمال الزكاة يأخذون من ~~زكوات الماشية أكثر من الواجب بكثير وكذلك من زكوات التجارات ويأخذون من كل ~~من كان المال بيده سواء كان مالكا أو وكيلا أو شريكا أو مضاربا أو غيرهم. ~~فلو لم يعتد للأمناء بما أخذ منهم ظلما لزم من الفساد ما لا يحصيه إلا رب ~~العباد. وأيضا فذلك الإعطاء قد يكون واجبا للمصلحة؛ فإنه لو لم يؤده لأخذ ~~الظلمة أكثر منه ومعلوم أن المؤتمن على مال غيره إذا لم يمكنه دفع الظلم ~~الكثير إلا بأداء بعض المطلوب وجب ذلك عليه؛ فإن حفظ المال واجب. فإذا لم ~~يمكن إلا بذلك وجب فما ms8952 لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأيضا فالمنازع يسلم ~~أنهم لو أكرهوا المؤتمن على أخذ غير ماله لم يكن ضامنا وأن العامل الظالم ~~إذا أخذ من المال المشترك أكثر من الواجب لم يكن ضامنا وإنما وقعت لهم ~~الشبهة إذا أكره المؤدي على الأداء عنه كيف كان فأدى عنه مما اقترض عليه أو ~~من مال إنسان ليرجع عليه. فيقال لهم: أي فرق بين أن يكرهه على الأداء عنه ~~من مال نفسه أو من مال الغائب. ومعلوم أن إلزامه بالأداء عن الغائب ~~والممتنع أعظم ضررا عليه من الأداء من عين مال الغائب والممتنع؛ فإن أداء ~~ما يطلب من الغائب أهون عليه من أداء ذلك من مال نفسه فإذا عذر فيما # PageV30P344 # يؤديه من مال الغائب لكونه مكرها على الأداء فلأن يعذر إذا أكره على ~~الأداء عنه أولى وأحرى. فإن قال المنازع: لأن المؤدى هناك عين مال المكره ~~المؤدي فهو المظلوم. فيقال لهم: بل كلاهما مظلوم: هذا مظلوم بالأداء عن ذاك ~~وذاك مظلوم بطلب ماله. فكيف يحمل كله على المؤدي والمقصود بالقصد الأول هو ~~طلب المال من المؤدى عنه؟ وإنما الأعمال بالنيات والطالب الظالم إنما قصده ~~أخذ مال ذلك لا مال هذا وإنما طلب من هذا الأداء عن ذاك. وأيضا فهذا المكره ~~على الأداء عن الغائب مظلوم محض بسبب نفسه وماله وذاك مظلوم بسبب ماله فكيف ~~يجعل مال هذا وقاية لمال ذاك لظلم هذا الظالم الذي أكرهه أو يكون صاحب ~~المال القليل قد أخذ منه أضعاف ما يخصه وصاحب المال الكثير لم يؤخذ منه ~~شيء؟ . وغاية هذا أن يشبه ب ### | غصب المشاع؛ # فإن الغاصب إذا قبض من العين المشتركة نصيب أحد الشريكين كان ذلك من مال ~~ذلك الشريك في أظهر قولي العلماء وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما؛ ~~لأنه إنما قصد أخذ مال أحد الشريكين. # PageV30P345 # ولو أقر أحد الابنين بأخ ثالث وكذبه أخوه لزم المقر أن يدفع إلى المقر به ~~ما فضل عن حقه وهو السدس في مذهب مالك وأحمد بن حنبل. وكذلك ms8953 ظاهر مذهب ~~الشافعي وهو قول جمهور السلف. جعلوا ما غصبه الأخ المنكر من مال المقر به ~~خاصة؛ لأنه لم يقصد أن يأخذ شيئا من حق المقر. ولكن أبو حنيفة قال في غصب ~~المشاع: إن ما قبضه الغاصب يكون من الشريكين جميعا باعتبار صورة القبض من ~~غير اعتبار نية. وكذلك قال في الأخ المنكر: إن ما غصبه يكون منهما جميعا ~~فيدفع المقر إلى المقر به نصف ما في يده وهو الربع ويكون النصف الذي غصبه ~~المنكر منهما جميعا. وهذا قول في مذهب أحمد والشافعي. وقول الجمهور هو ~~الصواب لأجل النية. وكذلك هنا إنما قبض الظالم عن ذلك المطلوب؛ لم يقصد أخذ ~~مال الدافع. فإن قيل: فلو غلط الظالم مثل أن يقصد القطاع أخذ مال شخص ~~فيأخذون غيره ظنا أنه الأول. فهل يضمن الأول مال هذا الذي ظنوه الأول؟ قيل: ~~باب الغلط فيه تفصيل ليس هذا موضعه؛ ولكن الفرق بينهما معلوم وليس هذا مثل ~~هذا؛ فإن الظالم الغالط الذي أخذ مال هذا لم يأخذه عن غيره ولكنه ظنه مال ~~زيد فظهر أنه مال عمرو فقد قصد أن يأخذ مال زيد فأخذ مال عمرو كمن طلب قتل ~~معصوم # PageV30P346 # فقتل معصوما آخر ظنا منه أنه الأول. وهذا بخلاف من قصد مال زيد بعينه وأن ~~يأخذ من الشركاء ما يقسم بينهم بالعدل وأخذ من بعضهم عن بعض؛ فإن هذا لم ~~يغلط؛ بل فعل ما أراده قصد أخذ مال شخص وطلب المال من المستولي على ماله من ~~شريك أو وكيل ونحو ذلك ليؤديه عنه. أو طلبوا من أحد الشركاء مالا عن الأمور ~~المشتركة تؤخذ من الشركاء كلهم لم يغلطوا في ظنهم. فإذا كانوا إنما قصدوا ~~الأخذ من واحد بل قصدوا العدل بينه وبين شركائه ولكن إنما قدروا على الأخذ ~~من شريكه فكيف يظلم هذا الشريك مرتين؟ . ونظير هذا أن يحتاج ولي بيت المال ~~إلى إعطاء ظالم لدفع شره عن المسلمين؛ كإعطاء المؤلفة قلوبهم لدفع شرهم أو ~~إعطاء الكفار إذا احتاج - والعياذ بالله - إلى ذلك ولم يكن ms8954 في بيت المال ~~شيء واستسلف من الناس أموالا أداها فهل يقول عاقل أن تلك الأموال تذهب من ~~ضمان من أخذت منه ولا يرجع على بيت المال بشيء؛ لأن المقبوض كان عين ~~أموالهم لا عين أموال بيت المال؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~يعطون ما يعطونه: تارة من عين المال. وتارة مما يستسلفونه. فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستسلف على الصدقة وعلى الفيء فيصرفه في المصارف الشرعية: ~~من إعطاء المؤلفة # PageV30P347 # قلوبهم وغيرهم. وكان في الآخذين من لا يحل له الأخذ؛ بل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: {إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا ~~قالوا: يا رسول الله: فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي ~~البخل} . ولا يقول عاقل إن ذلك المال يذهب من عين من اقترض منه؛ بل هو ~~بمنزلة ما إذا كان عين مال الصدقة والفيء؛ لأن المعطي جاز له الإعطاء وإن ~~لم يجز للآخذ الأخذ. هذا وهو يعطيه باختياره فكيف بمن أكره على الإعطاء ~~وجاز له الإعطاء أو وجب عليه؟ ولا يقال ولي الأمر هنا اقترض أموال الناس ~~منهم؛ لأنه يقال: إنما اقترضها ليدفعها إلى ذلك الظالم الذي طلب أخذ أموال ~~المسلمين فأدى عنهم ما اقترضه ليدفع به عنهم الضرر وعليه أن يوفي ذلك من ~~أموالهم المشتركة مال الصدقات والفيء ولا يقال: لا يحل له صرف أموالهم؛ فإن ~~الذي أخذه ذلك الظالم كان مال بعضهم؛ بل إعطاء هذا القليل لحفظ نفوسهم ~~وأموالهم واجب. وإذا كان الإعطاء واجبا لدفع ضرر هو أعظم منه فمذهب مالك ~~وأحمد بن حنبل المشهور عنه وغيرهما: أن كل من أدى عن غيره واجبا فله أن ~~يرجع به عليه إذا لم يكن متبرعا بذلك وإن أداه بغير إذنه؛ مثل من قضى دين ~~غيره بغير إذنه. سواء كان قد ضمنه بغير إذنه وأداه بغير إذنه أو أداه عنه ~~بلا ضمان. # PageV30P348 # وكذلك من افتك أسيرا من الأسر بغير إذنه يرجع عليه بما افتكه به. وكذلك ~~من أدى عن ms8955 غيره نفقة واجبة عليه؛ مثل أن ينفق على ابنه أو زوجته أو بهائمه؛ ~~لا سيما إذا كان للمنفق فيها حق: مثل أن يكون مرتهنا أو مستأجرا. أو كان ~~مؤتمنا عليها: مثل المودع ومثل راد العبد الآبق ومثل إنفاق أحد الشريكين ~~على البهائم المشتركة. وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن} فأمر بإيتاء الأجر بمجرد إرضاعهن ولم يشترط عقد استئجار ولا ~~إذن الأب لها في أن ترضع بالأجر؛ بل لما كان إرضاع الطفل واجبا على أبيه ~~فإن أرضعته المرأة استحقت الأجر بمجرد إرضاعها. وهذا في الأم المطلقة قول ~~أكثر الفقهاء يقولون: إنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع. وأبو حنيفة يقول ~~بذلك في الأم وإن كان لا يقول برجوع المؤدي للدين وخالفه صاحباه. والمفرق ~~يقول: الأم أحق برضاع ابنها من غيرها؛ حتى لو طلبت الإرضاع بالأجر لقدمت ~~على المتبرعة. قيل: فكذلك من له حق في بهائم الغير كالمستأجر؛ والمرتهن: ~~يستحق مطالبة المالك بالنفقة على بهائمه فذلك أحق من الأم بالإرضاع. وأيضا ~~فلا يلزم من كونه يستحق ذلك بعقد المعاوضة أن يستحقه بدون عقد؛ إلا أن يكون ~~الإرضاع واجبا على الأب وإذا كان إنما # PageV30P349 # أداه لكونه واجبا عليه فهكذا جميع الواجبات عليه أن يؤديها إلى من أدى ~~عنه وأحسن إليه بالأداء عنه. وهذا إذا كان المعطي مختارا فكيف إذا أكره على ~~أداء ما يجب عليه؟ فإن الظالم القادر إذا لم يعطه المطلوب الذي طلبه منه ~~ضره ضررا عظيما؛ إما بعقوبة بدنية وإما بأخذ أكثر منه. وحينئذ يجب عليه دفع ~~ما يندفع به أعظم الضررين بالتزام أدناهما فلو أدى الغير عنه بغير إكراه ~~لكان له أن يرجع عليه بما أداه عنه فكيف إذا أكره على الأداء عنه. وأيضا ~~فإذا كان الطلب من الشركاء كلهم فقد تقدم أنه ليس لبعضهم أن يمتنع مما عليه ~~امتناعا يستلزم تكثير الظلم على غيره. وحينئذ فيكون الأداء واجبا على جميع ~~الشركاء: كل يؤدي قسطه الذي ينوبه إذا قسم المطلوب بينهم بالعدل. ومن أدى ~~عن غيره ms8956 قسطه بغير إكراه كان له أن يرجع به عليه وكان محسنا إليه في الأداء ~~عنه ومباشرة الظالمين دونه؛ فإن المباشر يحصل له ضرر في نفسه وماله والغالب ~~إنما يحصل له الضرر في ماله فقط فإذا أدى عنه لئلا يحضر كان محسنا إليه في ~~ذلك فيلزمه أن يعطيه ما أداه عنه كما يوفي المقرض المحسن؛ فإن جزاء القرض ~~الوفاء والحمد ومن غاب ولم يؤد حتى أدى عنه الحاضرون لزمه أن يعطيهم قدر ما ~~أدوه عنه ويلزم بذلك ويعاقب إن امتنع عن أدائه ويطيب لمن أدى عنه أن يأخذ ~~نظير ذلك من ماله كما يأخذ # PageV30P350 # المقرض من المقترض نظير ما أقرضه. ومن قبض ذلك من ذلك المؤدى عنه وأداه ~~إلى هذا المؤدي جاز له أخذه سواء كان الملزم له بالأداء هو الظالم الأول أو ~~غيره. ولهذا له أن يدعي بما أداه عنه عند حكام العدل وعليهم أن يحكموا على ~~هذا بأن يعطيه ما أداه عنه كما يحكم عليه بأداء بدل القرض ولا شبهة على ~~الآخذ في أخذ بدل ماله. ولا يقال: إنه أخذ أموال الناس؛ فإنه إنما أخذ منهم ~~ما أداه عنهم وبدل ما أقرضهم إياه من مال وبدل ما وجب عليهم أداؤه فإنه ليس ~~لأحد الشركاء أن يمتنع عن أداء ما ينوبه إذا علم أن ذلك يؤخذ من سائر ~~الشركاء كما تقدم. وإذا لم يكن له هذا الامتناع كان الأداء واجبا عليه فمن ~~أدى عنه ناويا للرجوع فله الرجوع إذا أداه طوعا؛ لإحسانه إليه بالأداء عنه. ~~فكيف إذا أكره على الأداء عنه ولو لم يكن الأداء واجبا عليه؛ بل قد أكره ~~ذلك الرجل على الأداء عنه رجع عليه؛ فإنه بسببه أكره ذاك وأخذ ماله. وهذا ~~كمن صودر على مال فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقاؤه أو شركاؤه على أن ~~يؤدوا عنه ويرجعوا عليه فلهم الرجوع؛ فإن أموالهم إنما أخذت بسببه وبسبب ~~الدفع عنه. فإن الآخذ منه إما أن يأخذ لاعتقاده أنه ظالم كما يصادر ولاة ~~الأمور بعض نوابهم ويقولون: إنهم أخذوا ms8957 من الأموال أكثر مما # PageV30P351 # صودروا عليه؛ وإما أن يكون صاحب مال كثير فيطلب منه الطالب ما يقول: إنه ~~ينوب ماله. فأقاربه وجيرانه وأصدقاؤه وغيرهم ممن أخذ ماله بسبب مال هذا أو ~~بسبب أعماله؛ إنما ظلموا لأجله وأخذت أموالهم لأجل ماله وصيانة لماله ~~والطالب إنما مقصوده ماله لا أموال أولئك وشبهته وإرادته إنما هي متعلقة ~~بماله دون أموالهم. فكيف تذهب أموالهم هدرا من غير سبب منهم ويبقى مال هذا ~~محفوظا وهو الذي طولبوا لأجله ولو لم يستحق هؤلاء المؤدون عن غيرهم الرجوع ~~لحصل فساد كثير في النفوس والأموال؛ فإن النفوس والأموال قد يعتريها من ~~الضرر والفساد ما لا يندفع إلا بأداء مال عنهم فلو علم المؤدون أنهم لا ~~يستحقون الرجوع بما أدوه إلا إذا أذن ذلك الشخص لم يؤدوا وهو قد لا يأذن؛ ~~إما لتغيبه أو لحبسه أو غير ذلك وإما لظلمه نفسه وتماديه على ما يضر نفسه ~~وماله سفها منه وظلما حرمه الشارع عليه. ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ~~ورسوله فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضررا نهاه الله عنه ومن دفع ذلك الضرر ~~العظيم عنه بما هو أخف منه فقد أحسن إليه وفي فطر الناس جميعهم أن من لم ~~يقابل الإحسان بالإحسان فهو ظالم معتد وما عده المسلمون ظلما فهو ظلم. كما ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه ما رآه المسلمون حسنا فهو عند # PageV30P352 # الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح. وأصل هذا اعتبار المقاصد ~~والنيات في التصرفات وهذا الأصل قد قرر وبسط في كتاب: " بيان الدليل على ~~بطلان التحليل " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - في ابن اللتبية العامل ~~الذي قبل الهدايا لما استعمله على الصدقات فأهدي إليه هدايا فلما رجع حاسبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما أخذ وأعطى وهو الذي يسميه أهل الديوان ~~الاستيفاء كما يحاسب الإنسان وكيله وشريكه على مقبوضه ومصروفه وهو الذي ~~يسميه أهل الديوان المستخرج والمصروف فقال ابن اللتبية: هذا لكم وهذا أهدي ~~لي. فقال النبي صلى الله ms8958 عليه وسلم -: {ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ~~ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر ~~أيهدى إليه؟ أم لا؟ والذي نفسي بيده ما من رجل نستعمله على العمل فيغل منه ~~شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة ~~لها خوار أو شاة تيعر - ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال: ألا هل بلغت؟} أو ~~كما قال صلى الله عليه وسلم والحديث متفق على صحته. فلما كان المعطون ~~المهدون إنما أعطوه وأهدوا إليه لأجل ولايته جعل ذلك من جملة المال المستحق ~~لأهل الصدقات؛ لأنه بسبب # PageV30P353 # أموالهم قبض ولم يخص به العامل الذي قبضه فكذلك ما قبض بسبب أموال بعض ~~الناس فعنها يحاسب وهو من توابعها فكما أنه أعطي لأجلها فهو مغنم ونماء ~~لها؛ لا لمن أخذه فما أخذ لأجلها فهو مغرم ونقص منها لا على من أعطاه. ~~وكذلك من خلص مال غيره من التلف بما أداه عنه يرجع به عليه؛ مثل من خلص ~~مالا من قطاع أو عسكر ظالم أو متول ظالم ولم يخلصه إلا بما أدى عنه فإنه ~~يرجع بذلك وهو محسن إليه بذلك وإن لم يكن مؤتمنا على ذلك المال ولا مكرها ~~على الأداء عنه فإنه محسن إليه بذلك وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. فإذا ~~خلص عشرة آلاف درهم بألف أداها عنه كان من المحسنين فإذا أعطاه الألف كان ~~قد أعطاه بدل قرضه وبقي عمله وسعيه في تخليص المال إحسانا إليه لم يجزه به. ~~هذا أصوب قولي العلماء. ومن جعله في مثل هذا متبرعا ولم يعطه شيئا فقد قال ~~منكرا من القول وزورا وقد قابل الإحسان بالإساءة. ومن قال هذا هو الشرع ~~الذي بعث الله به رسوله فقد قال على الله غير الحق؛ لكنه قول بعض العلماء ~~وقد خالفهم آخرون. ونسبة مثل هذه الأقوال إلى الشرع توجب سوء ظن كثير من ~~الناس في الشرع وفرارهم منه والقدح في أصحابه. فإن من العلماء ms8959 من قال قولا ~~برأيه # PageV30P354 # وخالفه فيه آخرون وليس معه شرع منزل من عند الله؛ بل الأدلة الشرعية قد ~~تدل على نقيض قوله وقد يتفق أن من يحكم بذلك يزيد ذلك ظلما بجهله وظلمه ~~ويتفق أن كل أهل ظلم وشر يزيدون الشر شرا وينسبون هذا الظلم كله إلى شرع من ~~نزهه الله عن الظلم وبعثه بالعدل والحكمة والرحمة وجعل العدل المحض الذي لا ~~ظلم فيه هو شرعه. ولهذا كان العدل وشرعه متلازمين. قال الله تعالى: {إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل} وقال تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم ~~فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} وقال ~~تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} . ~~فما أنزل عليه والقسط متلازمان فليس فيما أنزل الله عليه ظلم قط؛ بل قد قال ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} والله أعلم والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV30P355 # وسئل الشيخ - قدس الله روحه -: # عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليها من الكلف السلطانية ما جرت به ~~العادة وهو يختار أن يسقط الظلم كله ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه وهو ~~يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره فإن الظلم لا يترك منه شيء؛ بل ~~ربما يزداد وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيسقط النصف ~~والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها ~~وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته ~~وإقطاعه؟ وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه أم عليه أن ~~يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع وهو ms8960 إذا رفع يده لا يزول الظلم بل يبقى ~~ويزداد. فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في ~~هذا الفعل؟ أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم. فهل يطالب على ذلك؟ أم لا؟ وأي ~~الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله أم رفع يده مع ~~بقاء الظلم وزيادة. وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من ~~المنفعة به ورفع ما رفعه من الظلم. فهل الأولى # PageV30P356 # له أن يوافق الرعية؟ أم يرفع يده. والرعية تكره ذلك لعلمها أن الظلم يبقى ~~ويزداد برفع يده. # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه وولايته ~~خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء ~~غيره كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم عليه ~~في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل ~~منه. وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه. فنشر العدل - ~~بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان - فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما ~~يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه ولا يطالب والحالة هذه بما ~~يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه رفعها ~~لا يطالب بها وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالا لا يمكن دفعها إلا ~~بإقرار بعض تلك الوظائف وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية ~~لمن يقرر الظلم أو يزيده ولا يخففه كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيرا ~~للمسلمين من إقرارها كلها ومن صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من ~~غيره ومن تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسان # PageV30P357 # من غيره والمقطع الذي يفعل هذا الخير يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم ~~ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى ms8961 ~~المسلمين غير ظالم لهم يثاب ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره ولا ضمان ~~عليه فيما أخذه ولا إثم عليه في الدنيا والآخرة إذا كان مجتهدا في العدل ~~والإحسان بحسب الإمكان. وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعامل في المضاربة ~~والشريك وغير هؤلاء ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا ~~يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضه من أموالهم للقادر الظالم: فإنه محسن في ~~ذلك غير مسيء وذلك مثل ما يعطي هؤلاء المكاسين وغيرهم في الطرقات والأشوال ~~والأموال التي اؤتمنوا؛ كما يعطونه من الوظائف المرتبة على العقار والوظائف ~~المرتبة على ما يباع ويشترى؛ فإن كل من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات ~~من هذه البلاد ونحوها فلا بد أن يؤدي هذه الوظائف فلو كان ذلك لا يجوز لأحد ~~أن يتصرف لغيره لزم من ذلك فساد العباد وفوات مصالحهم. والذي ينهى عن ذلك ~~لئلا يقع ظلم قليل لو قبل الناس منه تضاعف الظلم والفساد عليهم فهو بمنزلة ~~من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع الطريق فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا ~~أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة: لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئا ~~من الأموال # PageV30P358 # التي معكم للناس فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه ولكن ~~لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير وسلبوا مع ذلك فهذا مما لا يشير ~~به عاقل فضلا أن تأتي به الشرائع فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. فهذا المتولي المقطع الذي ~~يدفع بما يوجد من الوظائف ويصرف إلى من نسبه مستقرا على ولايته وإقطاعه ~~ظلما وشرا كثيرا عن المسلمين أعظم من ذلك ولا يمكنه دفعه إلا بذلك إذا رفع ~~يده تولى من يقره ولا ينقص منه شيئا هو مثاب على ذلك ولا إثم عليه في ذلك ~~ولا ضمان في الدنيا والآخرة. وهذا بمنزلة وصي اليتيم وناظر الوقف الذي لا ~~يمكنه إقامة مصلحتهم إلا بدفع ما يوصل من المظالم السلطانية إذا ms8962 رفع يده ~~تولى من يجور ويريد الظلم فولايته جائزة ولا إثم عليه فيما يدفعه؛ بل قد ~~تجب عليه هذه الولاية. وكذلك الجندي المقطع الذي يخفف الوظائف عن بلاده ولا ~~يمكنه دفعها كلها؛ لأنه يطلب منه خيل وسلاح ونفقة لا يمكنه إقامتها إلا بأن ~~يأخذ بعض تلك الوظائف وهذا مع هذا ينفع المسلمين في # PageV30P359 # الجهاد فإذا قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئا من هذا؛ بل ارفع يدك عن هذا ~~الإقطاع فتركه وأخذه من يريد الظلم ولا ينفع المسلمين: كان هذا القائل ~~مخطئا جاهلا بحقائق الدين؛ بل بقاء الخيل من الترك والعرب الذين هم خير من ~~غيرهم وأنفع للمسلمين وأقرب للعدل على إقطاعهم مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان ~~خير للمسلمين من أن يأخذ تلك الإقطاعات من هو أقل نفعا وأكثر ظلما. ~~والمجتهد من هؤلاء المقطعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه ~~الله على ما فعل من الخير ولا يعاقبه على ما عجز عنه ولا يؤاخذه بما يأخذ ~~ويصرف إذا لم يكن إلا ذلك [و] (1) كان ترك ذلك يوجب شرا أعظم منه. والله ~~أعلم. PageV30P360 # وسئل شيخ الإسلام # عن رجل أخذ ماله ظلما بغير حق وانتهك عرضه أو نيل منه في بدنه فلم يقتص ~~في الدنيا وعلم أن ما عند الله خير وأبقى. فهل يكون عفوه عن ظالمه مسقطا ~~عند الله؟ أم نقصا له؟ أم لا يكون؟ أو يكون أجره باقيا كاملا موفرا؟ وأيما ~~أولى مطالبة هذا الظالم والانتقام منه يوم القيامة - وتعذيب الله له. أو ~~العفو عنه وقبول الحوالة على الله تعالى؟ # فأجاب: # لا يكون العفو عن الظالم ولا قليله مسقطا لأجر المظلوم عند الله ولا ~~منقصا له؛ بل العفو عن الظالم يصير أجره على الله تعالى؛ فإنه إذا لم يعف ~~كان حقه على الظالم فله أن يقتص منه بقدر مظلمته وإذا عفا وأصلح فأجره على ~~الله. وأجره الذي هو على الله خير وأبقى. قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} ms8963 . فقد أخبر أن ~~جزاء السيئة سيئة مثلها بلا عدوان وهذا هو القصاص في الدماء والأموال ~~والأعراض ونحو ذلك. ثم قال: # PageV30P361 # {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} وقد ذكر عن الإمام أحمد لما ظلم في محنته ~~المشهورة أنه لم يخرج حتى حلل من ظلمه. وقال: ذكرت حديثا ذكر عن مبارك بن ~~فضالة عن الحسن قال: {إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليقم من وجب أجره ~~على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح} . وقد قال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وأباح لهم سبحانه وتعالى ~~إذا عاقبوا الظالم أن يعاقبوه بمثل ما عاقب به ثم قال: {ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين} فعلم أن الصبر عن عقوبته بالمثل خير من عقوبته. فكيف يكون مسقطا ~~للأجر أو منقصا له وقد قال تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} ~~. فجعل الصدقة بالقصاص الواجب على الظالم - وهو العفو عن القصاص - كفارة ~~للعافي والاقتصاص ليس بكفارة له فعلم أن العفو خير له من الاقتصاص. وهذا ~~لأن ما أصابه من المصائب مكفر للذنوب ويؤجر العبد على صبره عليها ويرفع ~~درجته برضاه بما يقضيه الله عليه منها. قال الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه ~~المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وفي الصحيحين عن النبي # PageV30P362 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا ~~حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه} . وفي ~~المسند: {أنه لما نزل قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر: يا ~~رسول الله نزلت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال: يا أبا بكر ألست ~~تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء. فذلك ما تجزون به} وفيه أيضا: ~~{المصائب حطة تحط الخطايا عن صاحبها كما تحط الشجرة القائمة ورقها} . ~~والدلائل على أن المصائب كفارات ms8964 كثيرة إذا صبر عليها أثيب على صبره فالثواب ~~والجزاء إنما يكون على العمل - وهو الصبر - وأما نفس المصيبة فهي من فعل ~~الله؛ لا من فعل العبد وهي من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه بها. ~~وفي المسند " أنهم دخلوا على أبي عبيدة بن الجراح وهو مريض. فذكروا أنه ~~يؤجر على مرضه فقال: ما لي من الأجر ولا مثل هذه. ولكن المصائب حطة " فبين ~~لهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - أن نفس المرض لا يؤجر عليه بل يكفر به عن ~~خطاياه. وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب فيكون فيه أجر بهذا # PageV30P363 # الاعتبار. ومن الناس من يقول: لا بد فيه من التعويض والأجر والامتنان وقد ~~يحصل له ثواب بغير عمل كما يفعل عنه من أعمال البر. وأما الصبر على المصائب ~~ففيها أجر عظيم قال تعالى: {وبشر الصابرين} {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون} {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون} . فالرجل إذا ظلم بجرح ونحوه فتصدق به كان الجرح مصيبة يكفر بها ~~عنه ويؤجر على صبره وعلى إحسانه إلى الظالم بالعفو عنه؛ فإن الإحسان يكون ~~بجلب منفعة وبدفع مضرة؛ ولهذا سماه الله صدقة. وقد قال تعالى: {وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في ~~السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} ~~فذكر: أنه يحب المحسنين والعافين عن الناس. وتبين بهذا أن هذا من الإحسان. ~~والإحسان ضد الإساءة وهو فعل الحسن سواء كان لازما لصاحبه أو متعديا إلى ~~الغير ومنه قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها} . فالكاظم للغيظ والعافي عن الناس قد أحسن إلى نفسه وإلى ~~الناس؛ فإن ذلك عمل حسنة مع نفسه ومع الناس ومن أحسن إلى الناس فإلى نفسه. ~~كما يروى عن بعض السلف أنه قال: ما أحسنت إلى أحد وما أسأت إلى أحد # PageV30P364 # وإنما أحسنت إلى نفسي وأسأت إلى نفسي. قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم ms8965 ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها} وقال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها} . ولو لم يكن الإحسان إلى الخلق إحسانا إلى المحسن يعود نفعه عليه ~~لكان فاعلا إثما أو ضررا؛ فإن العمل الذي لا يعود نفعه على فاعله؛ إما حيث ~~لم يكن فيه فائدة وإما شر من العبث؛ إذا ضر فاعله. والعفو عن الظالم أحد ~~نوعي الصدقة: المعروف والإحسان إلى الناس. وجماع ذلك الزكاة. والله سبحانه ~~دائما يأمر بالصلاة والزكاة وهي الصدقة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: {كل معروف صدقة} وذلك نوعان: أحدهما: ~~اتصال نفع إليه. الثاني: دفع ضرر عنه. فإذا كان المظلوم يستحق عقوبة الظلم ~~ونفسه تدعوه إليه فكف نفسه عن ذلك ودفع عنه ما يدعوه إليه من إضراره فهذا ~~إحسان منه إليه وصدقة عليه والله تعالى يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر ~~المحسنين. فكيف يسقط أجر العافي وهذا عام في سائر ما للعبد من الحقوق على ~~الناس؛ ولهذا إذا # PageV30P365 # ذكر الله في كتابه حقوق العباد وذكر فيها العدل ندب فيها إلى الإحسان ~~فإنه سبحانه يأمر بالعدل والإحسان. كما قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} . فجعل الصدقة على المدين ~~المعسر بإسقاط الدين عنه خيرا للمتصدق من مجرد إنظاره. وقال تعالى: {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} فسمى ~~إسقاط الدية صدقة. وقال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى} فجعل العفو عن نصف الصداق الواجب على الزوج بالطلاق قبل ~~الدخول أقرب للتقوى من استيفائه. وعفو المرأة إسقاط نصف الصداق باتفاق ~~الأمة. وأما عفو الذي بيده عقدة النكاح. فقيل: هو عفو الزوج وأنه تكميل ~~للصداق للمرأة وعلى هذا يكون هذا العفو من جنس ذلك العفو فهذا العفو إعطاء ~~الجميع وذلك العفو إسقاط الجميع. والذي ms8966 حمل من قال هذا القول عليه؛ أنهم ~~رأوا أن غير المرأة لا يملك إسقاط حقها الواجب كما لا يملك إسقاط سائر ~~ديونها. وقيل: الذي بيده عقدة النكاح. هو ولي المرأة المستقل بالعقد بدون ~~استئذانها: # PageV30P366 # كالأب للبكر الصغيرة وكالسيد للأمة وعلى هذا يكون العفوان من جنس واحد. ~~ولهذا لم يقل: إلا أن يعفون أو يعفوا هم والخطاب في الآية للأزواج. وقال ~~تعالى حكاية عن لقمان أنه قال لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر ~~على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وقال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه ~~فأولئك ما عليهم من سبيل} {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في ~~الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور} . فهناك في قول لقمان ذكر الصبر على المصيبة فقال: {إن ذلك من عزم ~~الأمور} وهنا ذكر الصبر والعفو فقال: {إن ذلك لمن عزم الأمور} وذكر ذلك بعد ~~قوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} {إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق} فذكر سبحانه الأصناف ~~الثلاثة في باب الظلم الذي يكون بغير اختيار المظلوم؛ وهم: العادل والظالم ~~والمحسن. ف ### | العادل من انتصر بعد ظلمه # وهذا جزاؤه أنه ما عليه من سبيل فلم يكن بذلك ممدوحا ولكن لم يكن بذلك ~~مذموما. وذكر الظالم بقوله: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في ~~الأرض بغير الحق} فهؤلاء عليهم السبيل للعقوبة والاقتصاص. وذكر المحسنين # PageV30P367 # فقال: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} . والقرآن فيه جوامع الكلم. ~~وهذا كما ذكر في آخر البقرة أصناف الناس في المعاملات التي تكون باختيار ~~المتعاملين وهم ثلاثة: محسن وظالم وعادل. فالمحسن: هو المتصدق. والظالم: هو ~~المربي. والعادل: هو البائع. فذكر هنا حكم الصدقات وحكم الربا وحكم ~~المبايعات والمداينات. وكما أن من توهم أنه بالعفو يسقط حقه أو ينقص: غالط ~~جاهل ضال؛ بل بالعفو يكون أجره أعظم؛ فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذل ~~ويحصل للظالم ms8967 عز واستطالة عليه فهو غالط في ذلك. كما ثبت في الصحيح وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: ما زاد ~~الله عبدا بعفو إلا عزا وما نقصت صدقة من مال وما تواضع أحد لله إلا رفعه ~~الله} . فبين الصادق المصدوق: أن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزا وأنه ~~لا تنقص صدقة من مال وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. وهذا رد لما ~~يظنه من يتبع الظن وما تهوى الأنفس من أن العفو يذله والصدقة تنقص ماله ~~والتواضع يخفضه. وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: {ما ضرب # PageV30P368 # رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط ~~إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه قط شيء فانتقم لنفسه؛ إلا أن تنتهك ~~محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء. حتى ينتقم لله} . ~~وخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أكمل الأخلاق وقد كان من خلقه ~~أنه لا ينتقم لنفسه وإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ~~فيعفو عن حقه ويستوفي حق ربه. والناس في الباب أربعة أقسام: منهم من ينتصر ~~لنفسه ولربه وهو الذي يكون فيه دين وغضب. ومنهم من لا ينتصر لا لنفسه ولا ~~لربه وهو الذي فيه جهل وضعف دين. ومنهم من ينتقم لنفسه؛ لا لربه وهم شر ~~الأقسام. وأما الكامل فهو الذي ينتصر لحق الله ويعفو عن حقه. كما قال {أنس ~~بن مالك: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف قط. ~~وما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان ~~بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول: دعوه لو قضي شيء لكان} . فهذا في العفو ~~عما يتعلق بحقوقه # PageV30P369 # وأما في حدود الله فلما {شفع عنده أسامة بن زيد - وهو الحب ابن الحب وكان ~~هو أحب إليه من أنس وأعز عنده ms8968 - في امرأة سرقت شريفة أن يعفو عن قطع يدها: ~~غضب وقال: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله إنما أهلك من كان قبلكم. أنهم ~~كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ~~والذي نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها} . فغضب على أسامة ~~لما شفع في حد لله وعفا عن أنس في حقه. وكذلك لما {أخبره أسامة أنه قتل ~~رجلا بعد أن قال: لا إله إلا الله: قال أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله ~~فما زال يكررها حتى قلت: ليته سكت} . والأحاديث والآثار في استحباب العفو ~~عن الظالم وأن أجره بذلك أعظم كثيرة جدا. وهذا من العلم المستقر في فطر ~~الآدميين. وقد قال تعالى لنبيه: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ~~فأمره أن يأخذ بالعفو في أخلاق الناس وهو ما يقر من ذلك. قال ابن الزبير: ~~أمر الله نبيه أن يأخذ بالعفو من أخلاق الناس وهذا كقوله: {ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو} من أموالهم. هذا من العفو ويأمر بالمعروف ويعرض عن ~~الجاهلين. وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة؛ فإن الإنسان مع الناس إما ~~أن يفعلوا معه غير # PageV30P370 # ما يحب أو ما يكره. فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ولا يطالبهم ~~بزيادة. وإذا فعلوا معه ما يكره أعرض عنهم وأما هو فيأمرهم بالمعروف. وهذا ~~باب واسع. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده أو يغصبه شيئا. ثم يصيب له مالا ~~من جنس ماله. فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه؟ # فأجاب: # وأما إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين. فهل يأخذه أو نظيره بغير ~~إذنه؟ فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرا لا يحتاج إلى إثبات ~~مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده ~~واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه ~~الحق بلا ريب؛ كما ثبت ms8969 في الصحيحين {أن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا ~~رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وبني. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} فأذن لها أن تأخذ نفقتها ~~بالمعروف بدون إذن وليه. # PageV30P371 # وهكذا من علم أنه غصب منه ماله غصبا ظاهرا يعرفه الناس فأخذ المغصوب أو ~~نظيره من مال الغاصب. وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله فأخذ من ~~ماله بقدره ونحو ذلك. والثاني: ألا يكون سبب الاستحقاق ظاهرا. مثل أن يكون ~~قد جحد دينه أو جحد الغصب ولا بينة للمدعي. فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له ~~أن يأخذ وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: له أن يأخذ وهو مذهب الشافعي. وأما ~~أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيسوغ الأخذ من جنس الحق؛ لأنه استيفاء ولا يسوغ ~~الأخذ من غير الجنس لأنه معاوضة فلا يجوز إلا برضا الغريم. والمجوزون ~~يقولون: إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة؛ ~~لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من ~~خانك} وفي المسند عن {بشير بن الخصاصية أنه قال: يا رسول الله إن لنا ~~جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء ~~أنأخذه؟ # PageV30P372 # قال: لا أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك} . وفي السنن عن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم ~~من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: لا} رواه أبو داود وغيره. فهذه ~~الأحاديث تبين أن حق المظلوم في نفس الأمر إذا كان سببه ليس ظاهرا، [و] (1) ~~أخذه خيانة لم يكن له ذلك وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه؛ لكنه خان الذي ~~ائتمنه فإنه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه والاستحقاق ليس ظاهرا ~~كان خائنا. وإذا قال: أنا مستحق لما ms8970 أخذته في نفس الأمر لم يكن ما ادعاه ~~ظاهرا معلوما. وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ولا بينة له فإذا قهرها ~~على الوطء من غير حجة ظاهرة فإنه ليس له ذلك. ولو قدر أن الحاكم حكم على ~~رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له أن ~~يطأها لما هو الأمر عليه في الباطن. فإن قيل لا ريب أن هذا يمنع منه ظاهرا ~~وليس له أن يظهر ذلك قدام الناس؛ لأنهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنه حرام في ~~الظاهر؛ لكن الشأن إذا كان يعلم سرا فيما بينه وبين الله؟ قيل: فعل ذلك سرا ~~يقتضي مفاسد كثيرة منهي عنها فإن فعل PageV30P373 # ذلك في مظنة الظهور والشهرة وفيه ألا يتشبه به من ليس حاله كحاله في ~~الباطن فقد يظن الإنسان خفاء ذلك فيظهر مفاسد كثيرة ويفتح أيضا باب ~~التأويل. وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلا بالظلم كالمقتص ~~الذي لا يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان فإنه لا يجوز له الاقتصاص. وذلك أن نفس ~~الخيانة محرمة الجنس. فلا يجوز استيفاء الحق بها؛ كما لو جرعه خمرا أو تلوط ~~به أو شهد عليه بالزور: لم يكن له أن يفعل ذلك؛ فإن هذا محرم الجنس. ~~والخيانة من جنس الكذب. فإن قيل: هذا ليس بخيانة؛ بل هو استيفاء حق. والنبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن خيانة من خان وهو أن يأخذ من ماله مالا يستحق ~~نظيره. قيل هذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن الحديث فيه {أن قوما لا يدعون لنا ~~شاذة ولا فاذة إلا أخذوها. أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: لا أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك. ولا تخن من خانك} . وكذلك قوله في حديث الزكاة: ~~{أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون منا؟ فقال: لا} . الثاني: أنه قال: {ولا ~~تخن من خانك} . ولو أراد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين ~~من خانه ومن لم يخنه وتحريم مثل # PageV30P374 # هذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان وسؤال. وقد قال: {ولا تخن ms8971 من خانك} فعلم أنه ~~أراد أنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك. فإذا أودع الرجل ~~مالا فخانه في بعضه ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل فهذا هو المراد ~~بقوله: {ولا تخن من خانك} . الثالث: أن كون هذا خيانة لا ريب فيه وإنما ~~الشأن في جوازه على وجه القصاص؛ فإن الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل ~~وقطع الطريق وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص: كالفواحش والكذب ~~ونحو ذلك. قال تعالى في الأول: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} . وقال: {وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} . وقال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم} . فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل. فلما قال هاهنا: ~~{ولا تخن من خانك} علم أن هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مديون وله عند صاحب الدين بضاعة والثمن سبعون درهما ومقدار ~~البضاعة تسعون درهما وقد توفي المديون واحتاط على موجوده فأراد صاحب الدين ~~أن يطلع الورثة على البضاعة # PageV30P375 # فاختشى أن يأخذوها ولم يوصلوه إلى حقه وإن أخفاها فيبقى إثم فرطها عليه ~~ويخاف أن يطالبه بغير البضاعة؟ # فأجاب: # يبيعها ويستوفي من الثمن ما له في ذمة الميت من الأجرة والثمن وما بقي ~~يوصله إلى مستحق تركته. وإذا حلفوه فله أن يحلف أنه ليس له عندي غير هذا ~~وإن أحب أن يشتري بضاعة مثل تلك البضاعة ويحلف أنه لا يستحق عنده إلا هذا. ~~بشرط أن تكون البضاعة مثل تلك أو خيرا منها. # و ### | سئل: # عن رجل له مال غصب # أو مطل في دين ثم مات. فهل تكون المطالبة له في الآخرة؟ أم للورثة؟ ~~أفتونا مأجورين. # فأجاب: # أما من غصب له مال أو مطل به فالمطالبة في الآخرة له. كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كانت لأخيه عنده مظلمة في دم أو ~~مال أو عرض فليستحلل من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم فإن كانت له ms8972 ~~حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فألقيت عليه} ~~. # PageV30P376 # فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلامة إذا كانت في المال طالب ~~المظلوم بها ظالمه ولم يجعل المطالبة لورثته وذلك أن الورثة يخالفونه في ~~الدنيا فما أمكن استيفاؤه في الدنيا كان للورثة وما لم يمكن استيفاؤه في ~~الدنيا فالطالب به في الآخرة المظلوم نفسه. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن قوم دخل في زرعهم جاموسان. # فعرقبوهما فماتا وقد يمكن دفعهما بدون ذلك فما يجب عليهم؟ وما يجب على ~~أرباب المواشي من حفظها؟ وعلى أرباب الزرع من حفظه؟ # فأجاب: # ليس لهم دفع البهائم الداخلة إلى زرعهم إلا بالأسهل فالأسهل. فإذا أمكن ~~إخراجهما بدون العرقبة فعرقبوهما عزروا على تعذيب الحيوان بغير حق. وعلى ~~العدوان على أموال الناس بما يردعهم عن ذلك وضمنوا للمالك بدلهما. وعلى أهل ~~الزرع حفظ زرعهم بالنهار وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل كما قال بذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV30P377 # و ### | سئل: # عن المال المغصوب من الإبل وغيرها # إذا نمت عند الغاصب ثم تاب كيف يتخلص من المال. وهل هو حرام؟ أم لا؟ # فأجاب: # أعدل الأقوال في ذلك: أن يجعل نماء المال بين المالك والعامل كما لو دفعه ~~إلى من يقوم عليه بجزء من نمائه ثم إن الأصل ونصيب المالك إذا تعذر دفعه ~~إلى مالكه صرفه في مصالح المسلمين. # و ### | سئل: # عمن غصب شاة ثم تراضى هو ومالكها. # هل يجوز أكلها؟ # فأجاب: # نعم إذا تراضى هو ومالكها جاز أكلها. # PageV30P378 # وسئل - رحمه الله -: # عن غلام في يده فرس فطلعت نعامة من إصطبل وهجمت على الخيل والغلام ماسك ~~الفرس واثنان قعود فرفس أحدهما وتوفي فما يجب على الغلام؟ وما يجب على صاحب ~~الفرس؟ . # فأجاب: # إذا رفسته برجلها فلا ضمان على الغلام ولا على صاحب الفرس؛ بل الفرس باق ~~على ملك صاحبه وهذا مذهب جمهور الأئمة؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. وفي ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الرجل جبار} وقال الشافعي: ~~يضمن ms8973 ما ضربه برجله إذا كان على الفرس راكب أو قائد أو سائق كما وافقه أحمد ~~وغيره على ذلك في اليد. وأما إذا لم يفرط الغلام الذي هو ممسك للفرس فلا ~~ضمان عليه باتفاق العلماء مثل أن تجفل الفرس ويحذر القريب منها. فيقول: ~~حاذروا. فإذا قال ذلك فمن رفست منهما كان هو المفرط ولم يكن على أحد ضمان ~~باتفاق الأئمة والله أعلم. # PageV30P379 # وسئل - رحمه الله -: # عن جمل كبير مربوط على الربيع وإلى جانبه قعود صغير لآخر غير صاحب الجمل ~~الكبير ثم غاب أصحاب الجملين فانقلب الكبير على الصغير فقتله. فما حكمه؟ . # فأجاب: # إذا كان صاحب الجمل الكبير لم يفرط في منعه فلا ضمان عليه مثل أن يكون ~~قيده القيد الذي يمنعه. وأما إذا كان قد فرط بأن قيده قيدا خفيفا لا يمنعه ~~فعليه ضمان ما أتلفه. والله أعلم. # PageV30P380 ### | باب الشفعة # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: # فصل: # اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة - قسمة الإجبار ~~- كالقرية والبستان ونحو ذلك. وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار؛ وإنما ~~يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي. هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين. ~~أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي: كابن سريج. ~~وطائفة من أصحاب أحمد: كأبي الوفاء بن عقيل. وهي رواية المهذب عن مالك. ~~وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله. والثاني: لا تثبت فيه الشفعة ~~وهو قول الشافعي نفسه واختيار # PageV30P381 # كثير من أصحاب أحمد. وهذا القول له حجتان: أحدهما قولهم: إن الشفعة إنما ~~شرعت لرفع ضرر مؤنة القسمة وما لا تجب قسمته ليس فيه هذا الضرر. والثاني: ~~أنه لو وجبت فيه الشفعة لتضرر الشريك؛ فإنه إن باعه لم يرغب الناس في ~~الشراء؛ لخوفهم من انتزاعه بالشفعة. وإن طلب القسمة لم تجب إجابته فلا ~~يمكنه البيع ولا القسمة فلا يقدر أن يتخلص من ضرر شريكه. فلو أثبتنا فيه ~~الشفعة لرفع ضرر الشريك الذي لم يبع لزم إضرار الشريك البائع. والضرر لا ~~يزال بالضرر. ms8974 والقول الأول أصح؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط. فلا يحل له أن ~~يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق ~~به} ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض والربعة والحائط أن يكون ~~مما يقبل القسمة: فلا يجوز تقييد كلام الرسول بغير دلالة من كلامه؛ لا سيما ~~وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة. وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة ~~أثبت من هذا. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه قضى بالشفعة ~~في كل ما لم يقسم # PageV30P382 # فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة} فلم يمنع الشفعة إلا مع إقامة ~~الحدود وصرف الطرق وهذا الحديث في الصحيح عن جابر. وفي السنن عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها. وإن كان ~~غائبا إذا كان طريقهما واحدا} فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق؛ فلأن يقضي ~~بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى. # وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال. أعدلها هذا القول: إنه ~~إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا. وأيضا فمن المعلوم ~~أنه إذا أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا ~~يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه؛ فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه ~~بالمقاسمة وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد. وظن من ظن ~~أنها تثبت لرفع المقاسمة؛ لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان؛ فإنه قد ثبت ~~بالنص والإجماع. أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته ~~إلى المقاسمة ولو كان ضرر المشاركة أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام ~~أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل؛ ~~فإن شريعة # PageV30P383 # الله منزهة عن مثل هذا. وأما قولهم: هذا يستلزم ضرر الشريك البائع. ms8975 ~~فجوابه أنه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين؛ فإن العين تباع ويجبر ~~الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما. وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك ~~وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع. وقد دل على ذلك ~~ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أعتق شركا له ~~في غلام وكان له من المال ما يبلغ ثمن الغلام قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا ~~شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق} فدل هذا ~~الحديث على أن حق الشريك في نصف قيمة الجميع؛ لا في قيمة نصف الجميع؛ فإنه ~~إذا بيع العبد كله ساوى ألف درهم مثلا وإذا بيع نصفه ساوى أقل من خمسمائة ~~درهم وحق الشريك نصف الألف. فهكذا في العقار الذي لا يقسم يستحق نصف قيمته ~~جميعه فيباع جميع العقار ويعطى حصته من الثمن إذا طلب ذلك وبهذا يرتفع عنه ~~الضرر وبهذا يتبين كمال محاسن الشريعة وما فيها من مصالح العباد في المعاش ~~والمعاد. والحمد لله وحده. # PageV30P384 # و ### | سئل: # عن رجل له ملك وله شركة فيه. فاحتاج إلى بيعه # فأعطاه إنسان فيه شيئا معلوما فباعه. فقال: زن لي ما قلت فنقصه عن المثل. ~~فهل يجب عليه أداؤه؟ أم لا؟ وهل يصح للشريك شفعة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # إذا باعه بثمن معلوم كان على المشتري أداء ذلك الثمن. وإن كان البيع ~~فاسدا؛ وقد فات: كان عليه قيمة مثله. وإذا كان الشقص مشفوعا فللشريك فيه ~~الشفعة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى شقصا مشفوعا وكلما طلبه الشفيع أظهر صورة أن البيع كان بدون ~~الرؤية المعتبرة ففسخه الحاكم وأقر المشتري ببراءة البائع مما كان قبضه ~~ووقف الشقص على المشتري كل ذلك دفعا للشفعة. فهل يكون ذلك مسقطا للشفعة؟ ~~وهل تكون هذه # PageV30P385 # التصرفات صحيحة؟ . # فأجاب: # الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق؛ وإنما اختلف ~~الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها وبعد انعقاد السبب وهو ما إذا ms8976 أراد ~~المالك بيع الشقص المشفوع؛ مع أن الصواب أنه لا يجوز الاحتيال على إسقاط حق ~~مسلم وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال المحرم فهو باطل. وما ذكر من إظهار ~~صورة انفساخ المبيع وعود الشقص إلى البائع ثم إظهار براءة البائع ووقفه: ~~فكل ذلك باطل والشقص باق على ملك المشتري وحق الشفيع ثابت فيه؛ إلا أن يترك ~~تركا يسقط الشفعة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن شقص مشفوع ثبت وقفه # وثبت أن حاكما حكم بالشفعة فيه للشريك ولم يثبت الشريك أخذها؟ . # فأجاب: # لا يبطل الوقف إلا إذا أثبت أن الشريك يملك الشقص المشفوع الموقوف على ما ~~في تملكه من اختلاف العلماء. وأما مجرد حكم الحاكم باستحقاق الشفعة فلا ~~ينقض الوقف المتقدم # PageV30P386 # قبل ذلك كما لا يزيل ملك المشتري؛ بل يبقى الأمر موقوفا فإن أخذ الشريك ~~الشقص بالشفعة بطل التصرف الموجود فيه قبل ذلك عند من يقول به؛ وإلا فلا. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى نصف حوش والنصف الآخر اشتراه رجل آخر وأوقف حصته قبل طلب ~~الشريك الأول وأن الشريك الأول قال: أنا آخذه بالشفعة. فهل له ذلك؟ . # فأجاب: # إذا كان الأمر كذلك فلا شفعة له؛ فإن المشتري الثاني وقفه فلا شفعة فيه ~~وشفعة الأول بطلت؛ لكونه أخر الطلب بعد علمه حتى خرجت عن ملك المشتري بوقف ~~أو غيره فلا شفعة. وإن كان قد أخرجه من ملكه بالبيع قبل علمه بالبيع فله ~~الشفعة. وأما الوقف والهبة ففيه نزاع. والله أعلم. # PageV30P387 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له حصة مع شاهد ثم باع الشريك حصته لشاهد آخر بزيادة كثيرة على ~~ثمن المثل في الظاهر وتواطآ بينهما في الباطن على ثمن المثل دفعا للشفعة. ~~فهل تسقط الشفعة؟ أم لا؟ . # فأجاب: # لا يحل الكذب والاحتيال على إسقاط حق المسلم ويجب على المشتري أن يسلم ~~الشقص المشفوع بالثمن الذي تراضيا عليه في الباطن إذا طلب الشريك ذلك وإن ~~منعه ذلك قدح في دينه. وعلى الحاكم أن يحكم بالشفعة إذا تبين حقيقة الأمر. # PageV30P388 ### | باب الوديعة # سئل شيخ الإسلام ms8977 - رحمه الله -: # عن دلال أعطاه إنسان قماشا ليختمه ويبيعه فما وجد الختام فأودعه عند رجل ~~خياط أمين عادتهم يودعون عنده فحضر صاحب القماش هو ودلال آخر وأخذوا القماش ~~من عنده ولم يكن الذي أودعه حاضرا فادعى صاحب القماش أنه عدم له منهم ثوب ~~وأنكر ذلك الدلال: فهل يلزم الدلال الذي كانت عنده الوديعة شيء؟ أم لا؟. # فأجاب: # الحمد لله، إذا ادعوا عدم قبض الوديعة وأنكر ذلك الدلال فالقول قوله مع ~~يمينه ما لم تقم حجة شرعية على تصديق دعواهم. وأما إذا عدم منها شيء: فإن ~~كان الدلال فرط بحيث فعل ما لم يؤذن فيه لفظا ولا عرفا ضمن فإذا كان من ~~عادتهم الإيداع عند هذا الأمين وأصحاب القماش يعلمون ذلك ويقرونه عليه فلا ~~ضمان على الدلالين. والله أعلم. # PageV30P389 # وسئل - رضي الله عنه -: # عن رجل مات وترك بنتين وزوجة وإحدى البنتين غائبة. فهل يجوز لمن له النظر ~~على هذه التركة أن يودع مال الغائبة بحيث لا يعلم هل يحفظه المودع عنده أم ~~يتصرف فيه لنفسه؟ وإذا حدث مظلمة على جملة التركة: هل يختص باستدفاعها عن ~~التركة مال الغائبة أو يعم جميع المال المتروك؟ وإذا استودع عنده قد يحفظه ~~وقد يتصرف لمصلحة نفسه: فهل للمستحق له مطالبة من وضع يده عليه أو من أودعه ~~حيث لا يؤمن عليه وقد مات الناظر والمودع وطلب من تركة المودع فلم يوجد ولم ~~يعلم هل غصب أم لا؟ وهل الإبراء لذمة المستودع عنده أن يترك مع احتمال أن ~~يكون قد وضع عين يده عليه أو يدفع عنه وليه من ورثته ذلك القدر عنه من ~~صدقاته التي هي غير معينة بجهة مخصوصة؟ . # فأجاب: # الحمد لله، هذا المال صار تحت يده أمانة فعليه أن يحفظه حفظ الأمانات ولا ~~يودعه إلا لحاجة - فإن أودعه عند من يغلب على الظن حفظه له - كالحاكم ~~العادل إن وجد أو غيره بحيث لا يكون في إيداعه تفريط. فلا ضمان عليه. وإن ~~فرط في إيداعه فأودعه لخائن # PageV30P390 # أو عاجز مع إمكان ألا يفعل ذلك ms8978 فهو مفرط ضامن. وأما المودع إذا لم يعلم ~~أنه وديعة عنده ففي تضمينه قولان لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره. أظهرهما ~~أنه لا ضمان عليه وما حصل بسبب المال المشترك من المغارم التي تؤخذ ظلما أو ~~غير ظلم فهي على المال جميعه لا يختص بها بعضه. وإذا غصب الوديعة غاصب ~~فللناظر المودع أن يطالبه. وللمودع أيضا أن يطالبه في غيبة المودع. وأما ~~المستحق المالك فله أن يطالب الغاصب وله أن يطالب الناظر أو المودع إن حصل ~~منه تفريط. فأما بدون التفريط والعدوان فليس له المطالبة. وإذا مات هذا ~~المودع ولم يعلم حال الوديعة: هل أخذت منه أو أخذها أو تلفت فإنها تكون ~~دينا على تركته عند جماهير العلماء. كأبي حنيفة ومالك وأحمد وهو ظاهر نص ~~الشافعي وأحد القولين في مذهبه. وإذا كانت دينا عليه وجب وفاؤها من ماله ~~فإن كان له مال غير الوقف وفيت منه وإن لم يكن له مال غير الوقف ففي الوقف ~~على المدين الذي أحاط الدين بماله نزاع مشهور بين أهل العلم. # PageV30P391 # وكذلك الوقف الذي لم يخرج عن يده حتى مات فإنه يبطل في أحد قولي العلماء. ~~كمالك وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وأحمد. وأما إن كان الوقف قد صح ~~ولزم وله مستحقون ولم يكن صاحب الدين ممن تناوله الوقف: لم يكن وفاء الدين ~~من ذلك؛ لكن إن كان ممن تناوله الوقف مثل أن يكون على الفقراء وصاحب الدين ~~فقير: فلا ريب أن الصرف إلى هذا الفقير الذي له دين على الواقف أولى من ~~الصرف إلى غيره. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل استودع مالا على أنه يوصله إن مات المودع لأولاده فمات وترك ورثة ~~غير أولاده وهم زوجتان ومن إحداهما ابنان وبنتان من غيرها وادعى ذو السلطان ~~أن أم الابنين جارية له تحت رقه وأخذها وأولادها ثم مات أحد الولدين ثم ~~ماتت أمه. فهل يكون الأولاد مختصين بجميع المال؟ أو هو لجميع الورثة؟ وإذا ~~لم تصح دعوى من ادعى أن أم الولدين ms8979 مملوكة هل له أن يوصل إليه جميع ما يخص ~~الولدين وأمهم؟ أو له أن يبقي نصيبهم للولد رجاء في رفع الملك عنه أو يفديه ~~من الرق. وهل له أن يتجر في المال إن أبقاه لئلا تفنيه الزكاة؟ # PageV30P392 # فأجاب: # إذا كان هذا المال للمودع وجب أن يوصل إلى كل وارث حقه منه سواء خص به ~~المالك أولاده أو لم يخصهم. وليس لهذا المستودع أن يخص بعض الورثة إلا ~~بإجازة الباقين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله قد أعطى كل ذي ~~حق حقه فلا وصية لوارث} . ولو صرح الوصي بتخصيص بعض الورثة بالمال لم يجز ~~ذلك بدون إجازة الباقين باتفاق الأئمة. وأما المدعي المستولدة فلا يحكم له ~~بمجرد دعواه باتفاق المسلمين؛ لا سيما إن اعترف أنه أعطاه الجارية؛ فإن هذا ~~إقرار منه بالتمليك؛ بل الأمة أم الولد وأولاده منها أحرار. ولو فرض أنها ~~أمة المدعي في نفس الأمر وكان الواطئ يعتقد أنها أمته. فأولاده أحرار ~~باتفاق الأئمة. وهذا المودع يحفظ نصيب هؤلاء الصغار. فإن كان في البلد حاكم ~~عالم عادل قادر يحفظ هذا المال لهم سلمه إليه وإن لم يجد من يحفظ المال لهم ~~أبقاه بيده وليتجر فيه بالمعروف والربح لليتيم وأجره على الله. وأم الولد ~~لا ترث من سيدها شيئا؛ لكن إذا مات أحد بنيها [ورثت منه] (1) والله أعلم. ~~PageV30P393 # وسئل: # عن رجل تحت يده بعير وديعة فسرق من جملة إبله ثم لحق السارق وأخذ منه ~~الإبل وامتنع من دفع ذلك البعير للمودع حتى يحلف أنه كان البعير على ملكه. ~~فحلف بالله العظيم أنه على ملكه وقصد بذلك ملك الحفظ؟ # فأجاب: # أما إذا ملك قبضه والاستيلاد عليه فلا حنث عليه في ذلك ولا إثم؛ وإن قصد ~~أنه ملكه الملك المعروف فهذا كذب؛ لكنه إذا اعتقد جواز هذا لدفع الظلم وفي ~~المعاريض مندوحة عن الكذب وليستغفر الله من ذلك ويتب إليه ولا كفارة عليه. ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن الاقتراض من الوديعة بلا إذنه. # فأجاب: # وأما الاقتراض من مال المودع ms8980 فإن علم المودع علما اطمأن إليه قلبه أن ~~صاحب المال راض بذلك فلا بأس بذلك. وهذا # PageV30P394 # إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة وعلمت منزلتك عنده كما نقل مثل ذلك ~~عن غير واحد وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في بيوت بعض أصحابه ~~وكما بايع عن عثمان رضي الله عنه وهو غائب ومتى وقع في ذلك شك لم يجز ~~الاقتراض. # وقال: إذا اشترى إنسان سلعة: جملا أو غيره وهو مودع فأودعه المشتري عند ~~المودع ثم باعه الآخر كان البيع الثاني باطلا. وإذا سلمه المودع إلى ~~المشتري الثاني كان لمالكه - وهو المشتري الأول - أن يطالب به المودع الذي ~~سلمه ويطالب به المشتري الذي تسلمه. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم لهم عند راهب في دير وديعة وادعى عدمها مع ما كان في الدير ثم ظهر ~~الذي ادعى أن ما عدم من الدير قد باعه. فهل يلزم بالمال؟ أم لا؟ وهل القول ~~قوله؟ ودير هذا الراهب على ساحل البحر المالح وله أخ حرامي في البحر يأوي ~~إليه والحرامية أيضا. # PageV30P395 # فما يجب على ولاة الأمور فيه؟ وهل يجوز قتله وخراب ديره؟ وكان أهل المال ~~طلبوا مالهم منه فلم يسلمه لهم ولهم شهود نصارى يشهدون بذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا ظهر أن المال الذي للمودع لم يذهب فادعى أن الوديعة ذهبت ~~دون ماله فهنا يكون ضامنا للوديعة في أحد قولي العلماء: كقول مالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضمن أنس بن مالك وديعة ~~ادعى أنها ذهبت دون ماله. وأما إذا ادعى أنه ذهب جميع المال ثم ظهر كذبه ~~فهنا وجوب الضمان عليه أوكد. فإذا ادعى المودع صاحب الوديعة أنه طلب ~~الوديعة منه فلم يسلمها إليه أو أنه خان في الوديعة ولم تتلف: كان قبول ~~قوله مع يمينه أقوى وأوكد؛ بل يستحق في مثل هذه الصورة التعزير البليغ الذي ~~يردعه وأمثاله عن الكذب. وهذا مع كونه من أهل الذمة. وإذا شهد عليه من أهل ~~دينه المقبولين عندهم قبلت ms8981 شهادتهم في أحد قولي العلماء وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين. وقبول شهادتهم عليه هنا أوكد. ومن لم يقبل ~~شهادتهم فإنه يحكم بيمين المدعى عليه في مثل هذه الصورة؛ لظهور رجحان قول ~~المدعي # PageV30P396 # في أحد قوليه أيضا. وأما من كان من أهل الذمة يؤوي أهل الحرب أو يعاونهم ~~على المسلمين فإنه قد انتقض عهده وحل دمه وماله والواجب على ولاة الأمور ~~ألا يتركوا مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون على المسلمين في موضع يخاف ضررهم على ~~المسلمين أو ينقل إليهم أولاد المسلمين؛ فإنه قد انتقض عهده وحل دمه وماله. # وسئل: # عن وديعة في كيس مختوم ولم يعلم ما فيه ولا عاينه. وذكر المودع أنها ألف ~~وخمسمائة وثلاث تفاصيل وعدمت الوديعة في جملة قماش. ولما عدمت قال صاحب ~~الوديعة: إن ما فيها شيء يساوي سبعة آلاف. فهل يلزم المودع غرامة ما ذكره ~~في الأول؟ أم يلزمه ما ذكر في الآخر؟ . # فأجاب: # إن تلفت بغير تفريط منه ولا عدوان لم يلزمه ضمان. وإذا ذهبت مع ماله كان ~~أبلغ وإذا ادعى ذلك بسبب ظاهر معلوم: كلف البينة وقبل قوله. # PageV30P397 # ما تقول السادة الفقهاء: # في إنسان يضع في بيت إنسان وديعة بيده من مدة تزيد على عشر سنين تزيد ~~وتنقص في صندوق غير مقفول بقفل وهو يعلم ذلك فمرض المودع مرضا بلغ فيه ~~الموت وصاحبها حاضر عنده يبيت ويصبح فسأله مرارا كثيرة أن يأخذ وديعته أو ~~يقفل عليها بقفل فلم يفعل فعدمت الوديعة من حرزه - بغير تفريط - وحدها ولم ~~يعلم هل عدمت في المرض أو في الصحة. فهل يجب على المودع والحالة هذه ~~ضمانها؟ أم لا؟ وهل يجوز لصاحبها إلزام المودع بها وعسفه بالولاية؟ أم محرم ~~عليه طلب ذلك بالولاية؟ وهل إذا أصر على ذلك يجب على ولي الأمر - وفقه الله ~~- ردعه وزجره عن ذلك؟ أم لا؟ أفتونا مأجورين. إن شاء الله تعالى. # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الأمر على ما وصف وعدمت بغير تفريط ولا عدوان من ~~المودع وعدمت مع ماله؛ لم ms8982 يضمنها باتفاق الأئمة. وكذلك إذا عدمت بتفريط ~~صاحبها كما ذكر فإنه لا ضمان على المودع سواء ضاعت وحدها أو ضاعت مع ماله. # PageV30P398 ### | باب إحياء الموات # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن حكم البناء في طريق المسلمين الواسع إذا كان البناء لا يضر بالمارة؟ # فأجاب: # إن ذلك نوعان: أحدهما: أن يبني لنفسه فهذا لا يجوز في المشهور من مذهب ~~أحمد. وجوزه بعضهم بإذن الإمام. وقد ذكره القاضي أبو يعلى ومن خطه نقلته أن ~~هذه المسألة حدثت في أيامه واختلف فيها جواب المفتين فذكر في مسألة حادثة ~~في الطريق الواسع: هل يجوز للإمام أن يأذن في حيازة بعضه مبينا أن بعضهم ~~أفتى بالجواز وبعضهم أفتى بالمنع واختاره القاضي وذكر أنه كلام أحمد؛ فإنه ~~قال في رواية ابن القاسم: إذا كان الطريق قد سلكه الناس فصار طريقا. فليس ~~لأحد أن يأخذ منه شيئا قليلا ولا كثيرا. قيل له: وإن كان واسعا مثل ~~الشوارع؟ قال: وإن كان واسعا. قال: وهو أشد ممن أخذ حدا # PageV30P399 # بينه وبين شريكه؛ لأن هذا يأخذ من واحد وهذا يأخذ من جماعة المسلمين: ~~قلت: وقد صنف أبو عبد الله بن بطة مصنفا فيمن أخذ شيئا من طريق المسلمين ~~وذكر في ذلك آثارا عن أحمد وغيره من السلف وقد ذكر هذه المسألة غير واحد من ~~المتقدمين والمتأخرين من أصحاب أحمد: منهم الشيخ أبو محمد المقدسي. قال في ~~المغني: وما كان من الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران: فليس لأحد ~~إحياؤه سواء كان واسعا أو ضيقا وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق؛ لأن ~~ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم فأشبه مساجدهم ويجوز الارتفاق ~~بالقعود في الواسع مع ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد ولا يضر ~~بالمارة؛ لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من ~~غير إنكار ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار فلم يمنع كالاجتياز. قال أحمد ~~في السابق إلى دكاكين السوق: دعوه فهو له إلى الليل وكان هذا في سوق ~~المدينة فيما ms8983 مضى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {منى مناخ من سبق} . ~~وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية وتابوت وكساء ونحوه؛ لأن ~~الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه وليس له البناء؛ لا دكة ولا غيرها؛ لأنه ~~يضيق # PageV30P400 # على الناس وتعثر به المارة بالليل والضرير بالليل والنهار ويبقى على ~~الدوام فربما ادعى ملكه بسبب ذلك والسابق أحق به ما دام فيه. # قلت: هذا كله فيما إذا بنى الدكة لنفسه كما يدل عليه أول الكلام وآخره؛ ~~ولهذا علل بأنه قد يدعي أنها ملكه بسبب ذلك مع أن تعليله هذه المسألة يقتضي ~~أن المنع إنما يكون في مظنة الضرر فإذا قدر أن البناء يحاذي ما على يمينه ~~وشماله ولا يضر بالمارة أصلا فهذه العلة منتفية فيه وموجب هذا التعليل ~~الجواز إذا انتفت العلة كأحد القولين اللذين ذكرهما القاضي. وفي الجملة في ~~جواز البناء المختص بالباني الذي لا ضرر فيه أصلا بإذن الإمام قولان: ونظير ~~هذا إذا أخرج روشنا أو ميزابا إلى الطريق النافذ ولا مضرة فيه. فهل يجوز ~~بإذن الإمام؟ على قولين في مذهب أحمد: أحدهما: يجوز كما اختاره ابن عقيل ~~وأبو البركات. (والثاني: لا يجوز كما اختاره غير واحد والمشهور عن أحمد ~~تحريما أو تنزيها وذكر أبو بكر المرذوي في " كتاب الورع " آثارا في ذلك. ~~منها ما نقله المرذوي عن أحمد أنه سقف له دارا وجعل ميزابها إلى الطريق ~~فلما أصبح قال: ادع لي النجار حتى يحول الماء # PageV30P401 # إلى الدار. فدعوته له فحوله وقال: إن يحيى القطان كانت مياهه في الطريق ~~فعزم عليها وصيرها إلى الدار. وذكر عن أحمد أنه ذكر ورع شعيب بن حرب وأنه ~~قال: ليس لك أن تطين الحائط؛ لئلا يخرج إلى الطريق. وسأله المرذوي عن الرجل ~~يحتفر في فنائه البئر أو المحرم للعلو قال: لا؛ هذا طريق المسلمين قال ~~المرذوي: قلت: إنما هو بئر يحفر ويسد رأسها قال: أليس هي في طريق المسلمين ~~وسأله ابن الحكم عن الرجل يخرج إلى طريق المسلمين ms8984 الكنيف أو الأسطوانة: هل ~~يكون عدلا؟ قال: لا يكون عدلا ولا تجوز شهادته. وروى أحمد بإسناده عن علي: ~~أنه كان يأمر بالمثاعب والكنف تقطع عن طريق المسلمين. وعن عائذ بن عمرو ~~المزني قال: لأن يصب طيني في حجلتي أحب إلي من أن يصب في طريق المسلمين. ~~قال: وبلغنا أنه لم يكن يخرج من داره إلى الطريق ماء السماء قال: فرئي له ~~أنه من أهل الجنة قيل له: بم ذلك؟ قال: بكف أذاه عن المسلمين. ومن جوز ذلك ~~احتج بحديث ميزاب العباس. # النوع الثاني: أن يبني في الطريق الواسع ما لا يضر المارة لمصلحة ~~المسلمين: مثل بناء مسجد يحتاج إليه الناس أو توسيع مسجد ضيق بإدخال بعض ~~الطريق الواسع فيه أو أخذ بعض الطريق لمصلحة المسجد: مثل حانوت ينتفع به ~~المسجد فهذا النوع يجوز في مذهب # PageV30P402 # أحمد المعروف. وكذلك ذكره أصحاب أبي حنيفة؛ ولكن هل يفتقر إلى إذن ولي ~~الأمر؟ على روايتين عن أحمد. ومن أصحاب أحمد من لم يحك نزاعا في جواز هذا ~~النوع. ومنهم من ذكر رواية ثالثة بالمنع مطلقا. والمسألة في كتب أصحاب أحمد ~~القديمة والحديثة من زمن أصحابه وأصحاب أصحابه إلى زمن متأخري المصنفين ~~منهم كأبي البركات وابن تميم وابن حمدان وغيرهم. وألفاظ أحمد في " جامع ~~الخلال " و " الشافي " لأبي بكر عبد العزيز " وزاد المسافر " و " المترجم " ~~لأبي إسحاق الجوزجاني وغير ذلك. قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد ~~عن طريق واسع وللمسلمين عنه غنى وبهم إلى أن يكون مسجدا حاجة هل يجوز أن ~~يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس إذا لم يضر بالطريق. " ومسائل إسماعيل بن سعيد ~~" هذا من أجل مسائل أحمد وقد شرحها أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ~~في " كتابه المترجم " وكان خطيبا بجامع دمشق هنا وله عن أحمد مسائل وكان ~~يقرأ كتب أحمد إليه على منبر جامع دمشق فأحمد أجاز البناء هنا مطلقا ولم ~~يشترط إذن الإمام. وقال له محمد بن الحكم. تكره الصلاة في المسجد # PageV30P403 # الذي يؤخذ من الطريق. فقال: أكره الصلاة ms8985 فيه؛ إلا أن يكون بإذن الإمام ~~فهنا اشترط في الجواز إذن الإمام. ومسائل إسماعيل عن أحمد بعد مسائل ابن ~~الحكم؛ فإن ابن الحكم صحب أحمد قديما ومات قبل موته بنحو عشرين سنة. وأما ~~إسماعيل فإنه كان على مذهب أهل الرأي ثم انتقل إلى مذهب أهل الحديث وسأل ~~أحمد متأخرا وسأل معه سليمان بن داود الهاشمي وغيره من علماء أهل الحديث. ~~وسليمان كان يقرن بأحمد حتى قال الشافعي: ما رأيت ببغداد أعقل من رجلين: ~~أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي. وأما الذين جعلوا في المسألة رواية ~~ثالثة فأخذوها من قوله في رواية المرذوي: حكم هذه المساجد التي قد بنيت في ~~الطريق أن تهدم. وقال محمد بن يحيى الكحال: قلت لأحمد: الرجل يزيد في ~~المسجد من الطريق؟ قال: لا يصلي فيه. ومن لم يثبت رواية ثالثة فإنه يقول: ~~هذا إشارة من أحمد إلى مساجد ضيقت الطريق وأضرت بالمسلمين وهذه لا يجوز ~~بناؤها بلا ريب؛ فإن في هذا جمعا بين نصوصه فهو أولى من التناقض بينها. ~~وأبلغ من ذلك أن أحمد يجوز إبدال المسجد بغيره للمصلحة كما فعل ذلك ~~الصحابة. قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: المسجد يخرب # PageV30P404 # ويذهب أهله: ترى أن يحول إلى مكان آخر؟ قال: إذا كان يريد منفعة الناس ~~فنعم؛ وإلا فلا. قال: وابن مسعود قد حول المسجد الجامع من التمارين فإذا ~~كان على المنفعة فلا بأس وإلا فلا. وقد سألت أبي عن رجل بنى مسجدا ثم أراد ~~تحويله إلى موضع آخر قال: إن كان الذي بنى المسجد يريد أن يحوله خوفا من ~~لصوص أو يكون موضعه موضعا قذرا فلا بأس. قال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا ~~المسعودي عن القاسم قال: لما قدم عبد الله بن مسعود إلى بيت المال كان سعد ~~بن مالك قد بنى القصر واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر قال: فنقب بيت المال ~~فأخذ الرجل الذي نقبه فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب فكتب عمر: أن اقطع الرجل ~~وانقل المسجد واجعل بيت المال في قبلة ms8986 المسجد؛ فإنه لن يزال في المسجد مصل. ~~فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة. قال صالح: قال أبي: يقال إن بيت المال ~~نقب في مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود المسجد موضع التمارين اليوم في ~~موضع المسجد العتيق. يعني أحمد: أن المسجد الذي بناه ابن مسعود كان موضع ~~التمارين في زمان أحمد وهذا المسجد هو المسجد العتيق ثم غير مسجد الكوفة ~~مرة ثالثة. وقال أبو الخطاب سئل أبو عبد الله: يحول المسجد؟ قال: إذا كان ~~ضيقا لا يسع أهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه. # PageV30P405 # وجوز أحمد أن يرفع المسجد الذي على الأرض ويبنى تحته سقاية للمصلحة. وإن ~~تنازع الجيران. فقال بعضهم: نحن شيوخ لا نصعد في الدرج واختار بعضهم بناءه. ~~فقال أحمد: ينظر إلى ما يختار الأكثر. وقد تأول بعض أصحابه هذا على أنه ~~ابتدأ البناء ومحققو أصحابه يعلمون أن هذا التأويل خطأ؛ لأن نصوصه في غير ~~موضع صريحة بتحويل المسجد. فإذا كان أحمد قد أفتى بما فعله الصحابة حيث ~~جعلوا المسجد غير المسجد؛ لأجل المصلحة مع أن حرمة المسجد أعظم من حرمة ~~سائر البقاع فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: {أحب البقاع إلى الله مساجدها وأبغض البقاع إلى الله ~~أسواقها} فإذا جاز جعل البقعة المحترمة المشتركة بين المسلمين بقعة غير ~~محترمة للمصلحة فلأن يجوز جعل المشتركة التي ليست محترمة كالطريق الواسع ~~بقعة محترمة وتابعة للبقعة المحترمة بطريق الأولى والأحرى؛ فإنه لا ريب أن ~~حرمة المساجد أعظم من حرمة الطرقات وكلاهما منفعة مشتركة. # PageV30P406 # فصل: # والأمور المتعلقة بالإمام متعلقة بنوابه فما كان إلى الحكام فأمر الحاكم ~~الذي هو نائب الإمام فيه كأمر الإمام مثل تزويج الأيامى والنظر في الوقوف ~~وإجرائها على شروط واقفيها وعمارة المساجد ووقوفها؛ حيث يجوز للإمام فعل ~~ذلك فما جاز له التصرف فيه جاز لنائبه فيه. وإذا كانت المسألة من مسائل ~~الاجتهاد التي شاع فيها النزاع لم يكن لأحد أن ينكر على الإمام ms8987 ولا على ~~نائبه من حاكم وغيره ولا ينقض ما فعله الإمام ونوابه من ذلك. وهذا إذا كان ~~البناء في الطريق وإن كان متصلا بالطريق عند أكثر العلماء: مالك والشافعي ~~وأحمد. وكذلك فناء الدار؛ ولكن هل الفناء ملك لصاحب الدار؟ أو حق من ~~حقوقها؟ فيه وجهان في مذهب أحمد: أحدهما: أنه مملوك لصاحبها وهو مذهب مالك ~~والشافعي. حتى قال مالك في الأفنية التي في الطريق: يكريها أهلها فقال: إن # PageV30P407 # كانت ضيقة تضر بالمسلمين وصنع شيء فيها منعوا ولم يمكنوا. وأما كل فناء ~~إذا انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين في ممرهم فلا أرى به بأسا. قال ~~الطحاوي: وهذا يدل على أنه كان يرى الأفنية مملوكة لأهلها؛ إذ أجاز إجارتها ~~فينبغي أن لا يفسد البيع بشرطها. قال: والذي يدل عليه قول الشافعي: أنه إن ~~كان فيه صلاح للدار فهو ملك لصاحبها؛ إلا أنه لا يجوز بيعه عنده. وذكر ~~الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أن الأفنية لجماعة المسلمين غير مملوكة كسائر ~~الطريق. والذي ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحاب أحمد هو الوجه ~~الثاني وهو أن الأرض تملك دون الطريق؛ إلا أن صاحب الأرض أحق بالمرافق من ~~غيره ولذلك هو أحق بفناء الدار من غيره وهذا مذهب أحمد في الكلأ النابت في ~~ملكه أنه أحق به من غيره وإن كان لا يملكه. . . (1) على قول الجمهور: مالك ~~والشافعي وأحمد. . . (2) . # فإذا كان البناء في فناء المسجد والدار فإنه أحق بالجواز منه في جادة ~~الطريق وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنها اتخذ ~~مسجدا بفناء داره وهذا كالبطحاء التي كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ~~جعلها خارج مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يتحدث ويفعل ما يصان عنه ~~المسجد. فلم يكن مسجدا ولم يكن كالطريق بل. . . (3) اختصاص بالمسجد فمثل ~~هذه PageV30P408 # يجوز البناء فيها بطريق الأولى والبناء كالدخلات التي تكون منحرفة عن ~~جادة الطريق متصلة بالدار والمسجد ومتصلة بالطريق وأهل الطريق لا يحتاجون ~~إليها؛ إلا إذا قدر ms8988 رحبة خارجة عن العادة وهي تشبه الطريق الذي ينفذ المتصل ~~بالطريق النافذ فإنهم في هذا كله أحق من غيرهم. ولو أرادوا أن يبنوا فيه ~~ويجعلوا عليه بابا جاز عند الأكثرين؛ لما تقدم. وعند أبي حنيفة ليس لهم ذلك ~~لما فيه من إبطال حق غيرهم من الدخول إليه عند الحاجة. والأكثرون يقولون: ~~حقهم فيه إنما هو جواز الانتفاع إذا لم يحجر عليه أصحابه كما يجوز الانتفاع ~~بالصحراء المملوكة على وجه لا يضر بأصحابها: كالصلاة فيها والمقيل فيها ~~ونزول المسافر فيها؛ فإن هذا جائز فيها. وفي أفنية الدور بدون إذن المالك ~~عند جماهير العلماء. وذكر أصحاب الشافعي في الانتفاع بالفناء بدون إذن ~~المالك قولين وذكر أصحاب أحمد في الصحراء وجها بالمنع من الصلاة فيها وهو ~~بعيد على نصوص أحمد وأصوله؛ فإنه يجوز أكل الثمرة في مثل ذلك. فكيف ~~بالمنافع التي لا تضره ويجوز على المنصوص عنه رعي الكلأ في الأرض المغصوبة ~~فيدخلها بغير إذن صاحبها لأجل الكلأ. وإن كان من أصحابه من منع ذلك. # PageV30P409 # وأما الانتفاع الذي لا يضر بوجه فهو كالاستظلال بظله والاستضاءة بناره ~~ومثل هذا لا يحتاج إلى إذن فإذا حجر عليها صاحبها صارت ممنوعة؛ ولهذا يفرق ~~بين الثمار التي ليس عليها حائط ولا ناطور فيجوز فيها من الأكل بلا عوض ما ~~لا يجوز في الممنوعة على مذهب أحمد؛ إما مطلقا وإما للمحتاج؛ وإن لم يجز ~~الحمل. وإذا جاز البناء في فناء الملك لصاحبه ففي فناء المسجد للمسجد بطريق ~~الأولى وفناء الدار والمسجد لا يختص بناحية الباب؛ بل قد يكون من جميع ~~الجوانب قال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا كان المحيي أرضا كان أحق ~~بفنائها فلو أراد غيره أن يحفر في أصل حائطه بئرا لم يكن له ذلك وكذلك ذكر ~~أبو حامد والماوردي وغيرهما من أصحاب الشافعي. والله أعلم. # PageV30P410 ### | باب اللقطة # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل وجد فرسا لرجل من المسلمين مع أناس من العرب فأخذ الفرس منهم ثم ~~إن الفرس مرض بحيث إنه لم يقدر على المشي ms8989 فهل للآخذ بيع الفرس لصاحبها؟ أم ~~لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز؛ بل يجب في هذه الحال أن يبيعه الذي استنقذه لصاحبه ~~وإن لم يكن وكله في البيع وقد نص الأئمة على هذه المسألة ونظائرها ويحفظ ~~الثمن. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل لقي لقية في وسط فلاة # وقد أنشد عليها إلى حيث دخل إلى بلده. فهل هي حلال؟ أم لا؟ . # PageV30P411 # فأجاب: يعرفها سنة قريبا من المكان الذي وجدها فيه فإن لم يجد بعد سنة ~~صاحبها فله أن يتصرف فيها وله أن يتصدق بها. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن الدراهم المنثورة يجدها الرجل؟ . # فأجاب: # يعرفها حولا فإن وجد صاحبها وإلا فله أن ينفقها وله أن يتصدق بها. # و ### | سئل: # عن رجل وجد لقطة وعرف بها بعض الناس # بينه وبينه سرا أياما ولها عنده مدة سنين. فما الحكم فيها؟ . # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل له مثل هذا التعريف؛ بل عليه أن يعرفها تعريفا ظاهرا؛ ~~لكن على وجه مجمل: بأن يقول: من ضاع له نفقة أو نحو ذلك. والله أعلم. # PageV30P412 # وسئل - رحمه الله -: # عن حجاج التقوا مع عرب قد قطعوا الطريق على الناس وأخذوا قماشهم فهربوا ~~وتركوا جمالهم والقماش فهل يحل أخذ الجمال التي للحرامية والقماش الذي ~~سرقوه؟ أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ما أخذوه من مال الحجاج فإنه يجب رده إليهم إن أمكن؛ فإن هذا ~~كاللقطة تعرف سنة فإن جاء صاحبها فذاك وإلا فلآخذها أن ينفقها بشرط ضمانها: ~~ولو أيس من وجود صاحبها فإنه يتصدق به ويصرف في مصالح المسلمين. وكذلك كل ~~مال لا يعرف مالكه من الغصوب والعواري والودائع وما أخذ من الحرامية من ~~أموال الناس أو ما هو منبوذ من أموال الناس؛ فإن هذا كله يتصدق به ويصرف في ~~مصالح المسلمين. # وسئل - رحمه الله -: # لما جاء التتار وجفل الناس من بين أيديهم وخلفوا دواب وأثاثا من النحاس ~~وغيره وضمه مسلم وطالت مدته ولم يظهر له صاحب # PageV30P413 # ولا منشد وهو يستعمل الدواب والمتاع. فما يصنع؟ . # فأجاب: # يجوز له أن يستعمله ms8990 ويجوز له أن يتصدق به على من ينتفع به. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن سفينة غرقت في البحر ثم إنها انحدرت وهي معلومة إلى بعض البلاد. وقد ~~كان فيها جرار زيت حار ثم إن أهل القرية تعاونوا على المركب حتى أخرجوها ~~إلى البر وقلبوها فطفا الزيت على وجه الماء وبقي رائحا مع الماء ثم إن أهل ~~القرية جاءوا إلى البحر فوجدوا الزيت على الماء فجمع كل واحد ما قدر عليه ~~والمركب قريبة منهم فهذا الزيت المجموع حلال أم حرام؟ ومركب رمان غرقت ~~وجميع ما فيها انحدر في البحر فبقي كل أحد يجمع من ذلك ولم يعرف له صاحب ~~فهل ما لا يعرف صاحبه حلال؟ أم حرام؟ . # فأجاب: # الذين جمعوا الزيت على وجه الماء قد خلصوا مال المعصوم من التلف ولهم ~~أجرة المثل والزيت لصاحبه. وأما كون الزيت لصاحبه فلا أعلم فيه نزاعا؛ إلا ~~نزاعا قليلا؛ فإنه يروى عن الحسن بأنه قال: هو لمن خلصه. # PageV30P414 # وأما وجوب أجرة المثل لمن خلصه. فهذا فيه قولان للعلماء. أصحهما وجوب ~~الأجرة وهو منصوص أحمد وغيره لأن هذا المخلص متبرع. وأصحاب القول يقولون: ~~إن خلصوه لله تعالى فأجرهم على الله تعالى وإن خلصوه لأجل العوض فلهم ~~العوض؛ لأن ذلك لو لم يفعل لأفضى إلى هلاك الأموال؛ لأن الناس لا يخلصونها ~~من المهالك إذا عرفوا أنهم لا فائدة لهم في ذلك والصحابة قد قالوا فيمن ~~اشترى أموال المسلمين من الكفار: إنه يأخذه ممن اشتراه بالثمن؛ لأنه هو ~~الذي خلصه بذلك الثمن ولأن هذا المال كان مستهلكا لولا أخذ هذا وتخليصه عمل ~~مباح؛ ليس هو عاصيا فيه فيكون المال إذا حصل بعمل هذا والأصل لهذا فيكون ~~مشتركا بينهما؛ لكن لا تجب الشركة على المعين؛ فيجب أجرة المثل ولأن مثل ~~هذا مأذون فيه من جهة العرف؛ فإن عادة الناس أنهم يطلبون من يخلص لهم هذا ~~بالأجرة. و ### | الإجارة تثبت بالعرف والعادة # كمن دخل إلى حمام أو ركب في سفينة بغير مشارطة وكمن دفع طعاما إلى طباخ ~~وغسال ms8991 بغير مشارطة ونظائر ذلك متعددة. ولو كان المال حيوانا فخلصه من مهلكة ~~ملكه كما ورد به الأثر؛ لأن الحيوان له حرمة في نفسه؛ بخلاف المتاع؛ فإن ~~حرمته لحرمة صاحبه فهناك تخليصه لحق الحيوان وهو بالمهلكة قد ييأس صاحبه؛ # PageV30P415 # بخلاف المتاع؛ فإن صاحبه يقول للمخلص: كان يجوز لك من حين أن أدعه والحق ~~فيه لي فإذا لم تعطني حقي لم آذن لك في تخليصه. وأما الرمان إذا لم يعرف ~~صاحبه فهو كاللقطة واللقطة إن رجي وجود صاحبها عرفت حولا وإن كانوا لا ~~يرجون وجود صاحبه ففي تعريفه قولان؛ لكن على القولين لهم أن يأكلوا الرمان ~~أو يبيعوه ويحفظوا ثمنه ثم يعرفوه بعد ذلك. والله أعلم. # وسئل - قدس الله روحه -: # عمن وجد طفلا ومعه شيء من المال ثم رباه حتى بلغ من العمر شهرين. فجاء ~~رجل آخر لترضعه امرأته لله. فلما كبر الطفل ادعت المرأة أنه ابنها وأنها ~~ربته في حضن أبيه. فهل يقبل قولها؟ وهل يجب عليها أن تعطي الرجل الثاني ما ~~أنفقه عليه؟ ويلزم الرجل الأول ما وجد مع ابنه؟ . # فأجاب: # إذا كان الطفل مجهول النسب وادعت أنه ابنها: قبل قولها في ذلك ويصرف من ~~المال الذي وجد معه في نفقته مدة مقامه عند الملتقط. والله أعلم. ~~PageV30P416 # الجزء الحادي والثلاثون ### | كتاب الوقف # إلى النكاح # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # سئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # عن رجل احتكر من رجل قطعة أرض بستان ثم إن المحتكر عمر في أرض البستان ~~صورة مسجد وبنى فيها محرابا وقال لمالك الأرض: هذا عمرته مسجدا فلا تأخذ ~~مني حكره فأجابه إلى ذلك ثم إن مالك الأرض باع البستان ولم يستثن منه شيئا. ~~فهل يصير هذا المكان مسجدا بذلك أم لا؟ وإذا لم يصر مسجدا بذلك: فهل يكون ~~عدم أخذ مالك الأرض الحكر يصير مسجدا؟ وإذا لم يصر بيع البستان جميعه: هل ~~يجوز لباني صورة المسجد أن يضع ما بناه؟ # فأجاب: # إذا لم ms8992 يسبل للناس كما تسبل المساجد؛ بحيث تصلى فيه الصلوات الخمس التي ~~تصلى في المساجد لم يصر مسجدا بمجرد الإذن في العمارة المذكورة وإذا لم يكن ~~قربة يقتضي خروجه من المبيع دخل في المبيع؛ فإن الشروع في تصييره مسجدا لا ~~يجعله مسجدا. # PageV31P005 # وكذلك القول في العمارة لكن ينبغي لمن أخرج ثمن ذلك أن لا يعود إلى ملكه ~~كمن أخرج من ماله مالا ليتصدق به فلم يجد السائل ينبغي له أن يمضي ذلك ~~ويتصدق به على سائل آخر ولا يعيده إلى ملكه وإن لم يجب. وإذا صرف مثل هذا ~~المكان في مصالح مسجد آخر جاز ذلك بل إذا صار مسجدا وكان بحيث لا يصلي فيه ~~أحد جاز أن ينقل إلى مسجد ينتفع به بل إذا جاز أن يباع ويصرف ثمنه في مسجد ~~آخر بل يجوز أن يعمر عمارة ينتفع بها لمسجد آخر. # وسئل - رحمه الله -: # عمن بنى مسجدا وأوقف حانوتا على مؤذن ومقيم معين ولم يتسلم من ريع ~~الحانوت شيئا في حياته. فهل يجوز تناوله بعد وفاته؟ . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا وقف وقفا ولم يخرج من يده ففيه قولان مشهوران ~~لأهل العلم: أحدهما: يبطل وهو مذهب مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين ~~وقول أبي حنيفة وصاحبه محمد. # PageV31P006 # والثاني: يلزم وهو مذهب الشافعي والإمام أحمد في إحدى الروايتين عن أحمد. ~~والقول الثاني في مذهب أبي حنيفة. وقول أبي يوسف. والله أعلم. # وسئل: # عن حقوق زاوية وهو بظاهرها وقد أقيم فيه محراب منذ سنين فرأى من له النظر ~~على المكان المذكور المصلحة في بناء طبقة على ذلك المحراب: إما لسكن الإمام ~~أو لمن يخدم المكان من غير ضرورة تعود على المكان المذكور ولا على أهله. ~~فهل يجوز ذلك؟ . # فأجاب: # إذا لم يكن ذلك مسجدا معدا للصلوات الخمس بل هو من حقوق المكان: جاز أن ~~يبنى فيه ما يكون من مصلحة المكان ومجرد تصوير محراب لا يجعله مسجدا لا ~~سيما إذا كان المسجد المعد للصلوات ففي البناء عليه نزاع بين العلماء. # PageV31P007 # وسئل - رحمه ms8993 الله -: # عمن استأجر أرضا وبنى فيها دارا ودكانا أو شيئا يستحق له كري عشرين درهما ~~كل شهر إذا يعمر وعليه حكر في كل شهر درهم ونصف؟ توقف قديما: فهل يجوز ~~للمستأجر أن يعمر مع ما قد عمره من الملك مسجدا لله ويوقف الملك على ~~المسجد؟ # فأجاب: # يجوز أن يقف البناء الذي بناه في الأرض المستأجرة. سواء وقفه مسجدا أو ~~غير مسجد ولا يسقط ذلك حق أهل الأرض فإنه متى انقضت مدة الإجارة وانهدم ~~البناء زال حكم الوقف سواء كان مسجدا أو غير مسجد وأخذوا أرضهم فانتفعوا ~~بها وما دام البناء قائما فيها فعليه أجرة المثل ولو وقف على ربع أو دار ~~مسجدا ثم انهدمت الدار أو الربع فإن وقف العلو لا يسقط حق ملاك السفل كذلك ~~وقف البناء لا يسقط على ملاك الأرض. # PageV31P008 # وسئل - رحمه الله -: # عمن وصى أو وقف على جيرانه فما الحكم؟ # فأجاب: # إذا لم يعرف مقصود الواقف والوصي لا بقرينة لفظية ولا عرفية ولا كان له ~~عرف في مسمى الجيران: رجع في ذلك إلى المسمى الشرعي وهو أربعون دارا من كل ~~جانب؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الجيران أربعون من ~~هاهنا وهاهنا والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه} . ~~والله أعلم. # وسئل: # عن رجل معرف على المراكب وبنى مسجدا وجعل للإمام في كل المراكب شهر أجرة ~~من عنده: فهل هو حلال؟ أم حرام؟ وهل تجوز الصلاة في المسجد؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كان يعطي هذه الدراهم من أجرة المراكب التي له جاز أخذها وإن كان ~~يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا. والله أعلم. # PageV31P009 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم بيدهم وقف من جدهم من أكثر من مائة وخمسين سنة على مشهد مضاف إلى ~~شيث وعلى ذرية الواقف والفقراء ونظره لهم والوقف معروف بذلك من الزمان ~~القديم. وقد ثبت ذلك في مجلس الحكم الشريف وبيدهم مراسيم الملوك من زمان ~~نور الدين وصلاح الدين تشهد بذلك وتأمر بإعفاء هذا ms8994 الوقف ورعاية حرمته وقد ~~قام نظار هذا الوقف في هذا الوقت طلبوا أن يفرقوا نصف المغل في عمارة ~~المشهد والنصف الذي يبقى لذريته يأخذونه لا يعطونهم إياه ولا يصرفونه في ~~مصارف الوقف؟ . # فأجاب: # لا يجوز هذا للناظر ولا يجوز تمكينهم من أن يصرفوا الوقف في غير مصارفه ~~الشرعية ولا حرمان ورثة الواقف والفقراء الداخلين في شرط الواقف؛ بل ذريته ~~والفقراء أحق بأن يصرف إليهم ما شرط لهم من المشهد المذكور؛ فكيف يحرمون - ~~والحال هذه - بل لو كان الوقف على المشهد وحده لكان صرف ما يفضل إليهم مع ~~حاجتهم أولى من صرفه إلى غيرهم. # PageV31P010 # فمن صرف بعض الوقف على المشهد؛ وأخذ بعضه يصرفه فيما لم يقتضه الشرط؛ ~~وحرم الذرية الداخلين في الشرط؛ فقد عصى الله ورسوله؛ وتعدى حدوده من وجوب ~~أداء الوقف على ذرية الواقف؛ جائر باتفاق أئمة المسلمين المجوزين للوقف؛ ~~وهو أمر قديم من زمن الصحابة والتابعين. وأما بناء المشاهد على القبور ~~والوقف عليها فبدعة؛ لم يكن على عهد الصحابة؛ ولا التابعين؛ ولا تابعيهم؛ ~~بل ولا على عهد الأربعة. وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد ~~على القبور؛ ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره؛ ولا النذر لها؛ ولا العكوف ~~عليها؛ ولا فضيلة للصلاة والدعاء (فيها على المساجد الخالية عن القبور؛ ~~فإنه يعرف أن هذا خلاف دين الإسلام المعلوم بالاضطرار المتفق عليه بين ~~الأئمة؛ فإنه إن لم يرجع فإنه يستتاب؛ بل قد نص الأئمة المعتبرون على أن ~~بناء المساجد على القبور مثل هذا المشهد ونحوه حرام؛ لما ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد} يحذر ما فعلوا؛ قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك ~~لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: قبل أن يموت بخمس: {إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ~~ألا فلا # PageV31P011 # تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك} وفي السنن عنه ms8995 صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {لعن الله زوارات القبور؛ والمتخذين عليها المساجد والسرج} ~~فقد لعن من يبني مسجدا على قبر؛ ويوقد فيه سراجا: مثل قنديل؛ وشمعة؛ ونحو ~~ذلك فكيف يصرف مال أحدهم إلى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويترك صرف ما شرط لهم؛ مع استحقاقهم ذلك في دين الله؟ نعم لو كان هذا مسجدا ~~لله خاليا عن قبر لكانوا هم وهو في تناول شرط الواقف لهما سواء. أما ما ~~يصرف لبناء المشهد فمعصية لله. والصرف إليهم واجب. وإن كان المسجد منفصلا ~~عن القبر فحكمه حكم سائر مساجد المسلمين؛ ولكن لا فضيلة له على غيره. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وقف وقفا على مدرسة. وشرط في كتاب الوقف أنه لا ينزل بالمدرسة ~~المذكورة إلا من لم يكن له وظيفة بجامكية؛ ولا مرتب. وأنه لا يصرف ريعها ~~لمن له مرتب في جهة أخرى؛ وشرط لكل طالب جامكية معلومة: فهل يصح هذا الشرط ~~والحالة هذه؛ وإذا صح فنقص ريع الوقف؛ ولم يصل كل طالب إلى الجامكية ~~المقررة له: فهل يجوز # PageV31P012 # للطالب أن يتناول جامكية في مكان آخر؟ وإذا نقص ريع الوقف ولم يصل كل ~~طالب إلى تمام حقه. فهل يجوز للناظر أن يبطل الشرط المذكور أم لا؟ وإذا حكم ~~بصحة الوقف المذكور حاكم: هل يبطل الشرط والحالة هذه؟ . # فأجاب: # أصل هذه المسائل أن شرط الواقف إن كان قربة وطاعة لله ورسوله كان صحيحا؛ ~~وإن لم يكن شرطا لازما. وإن كان مباحا كما لم يسوغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم السبق إلا في خف أو حافر أو نصل؛ وإن كانت المسابقة بلا عوض قد جوزها ~~بالأقدام وغيرها؛ ولأن الله تعالى قال في مال الفيء: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} فعلم أن الله يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء. وإن ~~كان الغنى وصفا مباحا فلا يجوز الوقف على الأغنياء؛ وعلى قياسه سائر الصفات ~~المباحة؛ ولأن العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابا على ms8996 بذل المال ~~فيه فيكون قد صرف المال فيما لا ينفعه؛ لا في حياته ولا في مماته ثم إذا لم ~~يكن للعامل فيه منفعة في الدنيا؛ كان تعذيبا له بلا فائدة تصل إليه؛ ولا ~~إلى الواقف؛ ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها في سورة ~~الأنعام؛ والمائدة. وإذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في ~~الدين؛ أو في الدنيا # PageV31P013 # كان باطلا بالاتفاق في أصول كثيرة؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى؛ ~~فيكون باطلا؛ ولو كان مائة شرط. مثال ذلك أن يشرط عليه التزام نوع من ~~المطعم؛ أو الملبس؛ أو المسكن الذي لم تستحبه الشريعة؛ أو ترك بعض الأعمال ~~التي تستحب الشريعة عملها ونحو ذلك. يبقى الكلام في تحقيق هذا المناط في ~~اعتبار المسائل؛ فإنه قد يكون متفقا عليه وقد يكون مختلفا فيه؛ لاختلاف ~~الاجتهاد في بعض الأعمال؛ فينظر في شرط ترك من جهة أخرى؛ فما لم يكن فيه ~~مقصود شرعي - خالص أو راجح - كان باطلا؛ وإن كان صحيحا؛ ثم إذا نقص الريع ~~عما شرطه الواقف جاز للمطالب أن يرتزق تمام كفايته من جهة أخرى؛ لأن رزق ~~الكفاية لطلبة العلم من الواجبات الشرعية؛ بل هو من المصالح الكلية التي لا ~~قيام للخلق بدونها؛ فليس لأحد أن يشرط ما ينافيها؛ فكيف إذا لم يعلم أنه ~~قصد ذلك؟ . ويجوز للناظر مع هذه الحالة أن يوصل إلى المرتزقة بالعلم ما جعل ~~لهم وألا يمنعهم من تناول تمام كفايتهم من جهة أخرى يرتبون فيها؛ وليس هذا ~~إبطالا للشرط؛ لكنه ترك العمل به عند تعذره؛ وشروط الله حكمها كذلك وحكم ~~الحاكم لا يمنع ما ذكر. # PageV31P014 # وهذه الأرزاق المأخوذة على الأعمال الدينية إنما هي أرزاق ومعاون على ~~الدين؛ بمنزلة ما يرتزقه المقاتلة؛ والعلماء من الفيء. والواجبات الشرعية ~~تسقط بالعذر؛ وليست كالجعالات على عمل دنيوي؛ ولا بمنزلة الإجارة عليها ~~فهذه حقيقة حال هذه الأموال. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل وقف مدرسة وشرط من يكون له بها وظيفة أن لا يشتغل بوظيفة أخرى ~~بغير مدرسته ms8997 وشرط له فيها مرتبا معلوما. وقال في كتاب الوقف: وإذا حصل في ~~ريع هذه المدرسة نقص بسبب محل أو غيره كان ما بقي من ريع هذا الوقف مصروفا ~~في أرباب الوظائف بها لكل منهم بالنسبة إلى معلومه بالمحاصصة. وقال في كتاب ~~الوقف: وإذا حصل في السعر غلاء فللناظر أن يرتب لهم زيادة على ما قرر لهم ~~بحسب كفايتهم في ذلك الوقت. ثم إذا حصل في ريع الوقف نقص من جهة نقص وقفها ~~بحيث إنه إذا ألغي هذا الشرط من عدم الجمع بينها وبين غيرها يؤدي إلى تعطيل ~~المدرسة: فهل يجوز لمن يكون بها أن يجمع بينها وبين غيرها ليحصل له قدر ~~كفايته والحالة هذه؟ حيث راعى الواقف الكفاية لمن يكون بها أو كما تقدم في ~~فصل غلاء السعر أم لا؟ # PageV31P015 # فأجاب: # الحمد لله، هذه الشروط المشروطة على من فيها كعدم الجمع إنما يلزم الوفاء ~~بها إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي: الذي هو يكون اسمك إما ~~واجب وإما مستحب. فأما المحافظة على بعض الشروط مع فوات المقصود بالشروط ~~فلا يجوز. فاشتراط عدم الجمع باطل مع ذهاب بعض أصل الوقف وعدم حصول الكفاية ~~للمرتب بها لا يجب التزامه ولا يجوز الإلزام به لوجهين: (أحدهما: أن ذلك ~~إنما شرط عليهم مع وجود ريع الموقوف عليهم سواء كان كاملا أو ناقصا فإذا ~~ذهب بعض أصل الوقف لم تكن الشروط مشروطة في هذه الحال وفرق بين نقص ريع ~~الوقف مع وجود أصله وبين ذهاب بعض أصله. (الوجه الثاني: أن حصول الكفاية ~~المرتب بها أمر لا بد منه حتى لو قدر أن الواقف صرح بخلاف ذلك كان شرطا ~~باطلا. مثل أن يقول: إن المرتب بها لا يرتزق من غيرها ولو لم تحصل له ~~كفايته فلو صرح بهذا لم يصح؛ لأن هذا شرط يخالف كتاب الله فإن حصول الكفاية ~~لا بد منها وتحصيلها للمسلم واجب إما عليه؛ وإما على المسلمين فلا يصح شرط ~~يخالف ذلك. وقد ظهر أن الواقف لم يقصد ذلك؛ لأنه شرط ms8998 لهم الكفاية ولكن ذهاب ~~بعض أموال الوقف بمنزلة تلف العين الموقوفة ونحو ذلك. # PageV31P016 # والوقف سواء شبه بالجعل أو بالأجرة أو بالرزق فإن ما على العامل أن يعمل ~~إذا وفى له بما شرط له. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وقف وقفا على مسجد وأكفان الموتى وشرط فيه الأرشد فالأرشد من ~~ورثته ثم للحاكم وشرط لإمام المسجد ستة دراهم والمؤذن والقيم بالتربة ستة ~~دراهم وشرط لهما دارين لسكناهما ثم إن ريع الوقف زاد خمسة أمثاله بحيث لا ~~يحتاج الأكفان إلى زيادة فجعل لهما الحاكم كل شهر ثلاثين درهما ثم اطلع بعد ~~ذلك على شرط الواقف فتوقف في أن يصرف عليهم ما زاد على كل شرط الواقف. فهل ~~يجوز له ذلك؟ وهل يجوز لهما تناوله؟ وأيضا الدار المذكورة انهدمت فأحكرها ~~ناظر الوقف كل سنة بدرهمين فعمرها المستأجر وأجرها في السنة بخمسين درهما. ~~فهل يصح هذا الإحكار؟ # فأجاب: # نعم يجوز أن يعطى الإمام والمؤذن من مثل هذا الوقف الفائض رزق مثلهما هل ~~وإن كان زائدا على ثلاثين بل إذا كانا فقيرين وليس لما زاد مصرف معروف: جاز ~~أن يصرف إليهما منه تمام كفايتهما. وذلك لوجهين: # PageV31P017 # أحدهما: أن تقدير الواقف دراهم مقدرة في وقف مقدار ريع قد يراد به ~~النسبة: مثل أن يشرط له عشرة والمغل مائة ويراد به العشر فإن كان هناك ~~قرينة تدل على إرادة هذا عمل به. ومن المعلوم في العرف أن الوقف إذا كان ~~مغله مائة درهم وشرط له ستة ثم صار خمسمائة فإن العادة في مثل هذا أن يشرط ~~له أضعاف ذلك مثل خمسة أمثاله ولم تجر عادة من شرط ستة من مائة أن يشترط ~~ستة من خمسمائة فيحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم. الثاني: ~~أن الواقف لو لم يشترط هذا فزائد الوقف يصرف في المصالح التي هي نظير ~~مصالحه وما يشبهها: مثل صرفه في مساجد أخر وفي فقراء الجيران ونحو ذلك: لأن ~~الأمر دائر بين أن يصرف في مثل ذلك أو يرصد لما ms8999 يحدث من عمارة ونحوه. ورصده ~~دائما مع زيادة الريع لا فائدة فيه: بل فيه مضرة وهو حبسه لمن يتولى عليهم ~~من الظالمين المباشرين والمتولين الذين يأخذونه بغير حق. وقد روي عن علي بن ~~أبي طالب: أنه حض الناس على مكاتب يجمعون له ففضلت فضلة فأمر بصرفها في ~~المكاتبين والسبب فيه أنه إذا تعذر المعين صار الصرف إلى نوعه. ولهذا كان ~~الصحيح في الوقف هو هذا القول وأن يتصدق بما فضل من كسوته كما كان عمر بن ~~الخطاب يتصدق كل عام بكسوة الكعبة يقسمها بين الحجاج. # PageV31P018 # وإذا كان كذلك؛ فمن المعلوم أن صرف الفاضل إلى إمامه ومؤذنه مع الاستحقاق ~~أولى من الصرف إلى غيرهما وتقدير الواقف لا يمنع استحقاق الزيادة بسبب آخر ~~كما لا يمنع استحقاق غير مسجده. وإذا كان كذلك وقدر الأكفان التي هي ~~المصروفة ببعض الريع صرف ما يفضل إلى الإمام والمؤذن ما ذكر. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أوقف وقفا وشرط التنزيل فيه للشيخ وشرط أن لا ينزل فيه شرير ولا ~~متجوه وأنه نزل فيه شخص بالجاه ثم بدا منه أمر يدل على أنه شرير فرأى الشيخ ~~المصلحة في صرفه اعتمادا على شرط الواقف ونزل الشيخ شخصا آخر بطريق شرط ~~الواقف ومرسوم ألفاظه فهل يجوز صرف من نزل بشرط الواقف بغير مستند شرعي ~~وإعادة المتجوه الشرير المخالف لشرط الواقف. وهل يحرم على الناظر والشيخ ~~ذلك ويقدح ذلك في ولايتهما؟ وهل يحرم على الساعي في ذلك المساعد له؟ # فأجاب: # إذا علم شرط الواقف عدل عنه إلى شرط الله قبل شرط الواقف إذا كان مخالفا ~~لشرط الله. # PageV31P019 # فإن الجهات الدينية مثل الخوانك والمدارس وغيرها لا يجوز أن ينزل فيها ~~فاسق سواء كان فسقه بظلمه للخلق وتعديه عليهم بقوله وفعله. أو فسقه بتعديه ~~حقوق الله التي بينه وبين الله. فإن كلا من هذين الضربين يجب الإنكار عليه ~~وعقوبته فكيف يجوز أن يقرر في الجهات الدينية ونحوها فكيف إذا شرط الواقف ~~ذلك فإنه يصير وجوبه مؤكدا. ومن نزل من أهل ms9000 الاستحقاق تنزيلا شرعيا لم يجز ~~صرفه لأجل هذا الظلم ولا لغيره فكيف يجوز أن يستبدل الظالم بالعادل والفاجر ~~بالبر. ومن أعان على ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان سواء علم شرط الواقف ~~أو لم يعلم. # PageV31P020 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أوقف وقفا على مدرسة وشرط فيها أن ريع الوقف للعمارة؛ والثلثين ~~يكون للفقهاء؛ وللمدرسة؛ وأرباب الوظائف. وشرط أن الناظر يرى بالمصلحة؛ ~~والحال جاريا كذلك مدة ثلاثين سنة؛ وإن حصر المدرسة وملء الصهريج يكون من ~~جامكية الفقهاء؛ لأن لهم غيبة؛ وأماكن غيرها؛ وأن معلوم الإمام في كل شهر ~~من الدراهم عشرون درهما؛ وكذلك المؤذن؛ فطلب الفقهاء بعد هذه المسألة أرباب ~~الوظائف أن يشاركوهم فيما يؤخذ من جوامكهم؛ لأجل الحصر؛ وملء الصهريج؛ وأن ~~أرباب الوظائف قائمون بهذه الوظيفة. ولو لم يكن لهم غيرها هل يجب للناظر ~~موافقة الفقهاء على ما طلبوه. ونقص هؤلاء المساكين عن معلومهم اليسير؟ أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا رأى الناظر تقديم أرباب الوظائف الذين يأخذون على عمل ~~معلوم - كالإمام؛ والمؤذن - فقد أصاب في ذلك؛ إذا كان الذي يأخذونه لا يزيد ~~على جعل مثلهم في العادة؛ كما أنه يجب أن يقدم الجابي والحامل والصانع ~~والبناء ونحوهم ممن يأخذ على عمل يعمله في تحصيل المال؛ أو عمارة المكان؛ ~~يقدمون بأخذ الأجرة. # PageV31P021 # والإمامة والأذان شعائر لا يمكن إبطالها؛ ولا تنقيصها بحال؛ فالجاعل جعل ~~مثل ذلك لأصحابها يقدم على ما يأخذه الفقهاء؛ وهذا بخلاف المدرس والمفيد ~~والفقهاء؛ فإنهم من جنس واحد. وإن أمكن صرف ثمن الحصر؛ وملء الصهريج من ثلث ~~العمارة؛ أو غيره؛ يجعل ذلك؛ ويوفر الثلثان على مستحقيه؛ فإنه إذا شرط أن ~~الثلث للعمارة؛ والثلثين لأرباب الوظائف؛ لم يكن أخذ ثمن الحصر ونحوها من ~~هذا أولى من صرفها من هذا؛ إلا أن يكون للوقف شرط شرعي بخلاف هذا. # وسئل: # عمن وقف تربة وشرط المقري عزبا؛ فهل يحل التنزل مع التزوج؟ # فأجاب: # هذا شرط باطل؛ والمتأهل أحق بمثل هذا من المتعزب؛ إذا استويا في سائر ~~الصفات؛ إذ ليس في التعزب هنا ms9001 مقصود شرعي. # PageV31P022 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وقف وقفا على عدد معلوم من النساء والأرامل والأيتام: وشرط النظر ~~لنفسه في حياته؛ ثم الصالح من ولده بعد وفاته ذكرا كان أو أنثى؛ وللواقف ~~أقارب من أولاد أولاده ممن هو محتاج؛ وقصد الناظر أن يميزهم على غيرهم في ~~الصرف. هل يجوز أن يميزهم؟ # فأجاب: # إذا استووا هم وغيرهم في الحاجة؛ فأقارب الواقف يقدمون على نظرائهم ~~الأجانب؛ كما يقدمون لصلته في حياته. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{صدقتك على المسلمين صدقة؛ وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة} . ولهذا يؤمر أن يوصي ~~لأقاربه الذين لا يرثون؛ إما أمر إيجاب على قول بعض العلماء؛ وإما أمر ~~استحباب كقول الأكثرين؛ وهما روايتان عن أحمد؛ والله أعلم. # PageV31P023 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل وقف وقفا على جهة معينة؛ وشرط شروطا؛ ومات الواقف؛ ولم يثبت الوقف ~~على حاكم وعدم الكتاب قبل ذلك ثم عمل محضرا مجردا يخالف الشروط والأحكام ~~المذكورة في كتاب الوقف وأثبت على حاكم بعد تاريخ الوقف المتقدم ذكره سنتين ~~ثم ظهر كتاب الوقف وفيه شروط لم يتضمن المحضر شيئا منها وتوجه الكتاب ~~للثبوت فهل يجوز منع ثبوته والعمل المذكور أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يجوز منع ثبوته بحال من الأحوال بل إذا أمكن ثبوته وجب ~~ثبوته والعمل به وإن خالفه المحضر المثبت بعده. وإن حكم بذلك المحضر حاكم ~~فالحاكم به معذور بكونه لم يثبت عنده ما يخالفه. ولكن إذا ظهر ما يقال: إنه ~~كتاب الوقف وجب التمكن من إثباته بالطريق الشرعي فإن ثبت وجب العمل به. ~~والله أعلم. # PageV31P024 # وسئل: # عن رجل أوقف وقفا وشرط في بعض شروطه أنهم يقرءون ما تيسر ويسبحون ويهللون ~~ويكبرون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر إلى طلوع الشمس. ~~فهل الأفضل السر أو الجهر؟ وإن شرط الواقف فما يكون؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل الإسرار بالذكر والدعاء - كالصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وغيرها - أفضل؛ ولا هو الأفضل مطلقا إلا لعارض راجح وهو في هذا الوقت ms9002 ~~أفضل خصوصا: فإن الله يقول: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} وفي الصحيح عن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رأى الصحابة - رضي الله عنهم - يرفعون ~~أصواتهم بالذكر قال: أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا: إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته} وفي الحديث: {خير الذكر الخفي؛ وخير الرزق ما كفى} . والله أعلم. # PageV31P025 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وقف وقفا وشرط فيه شروطا على جماعة قراء وأنهم يحضرون كل يوم بعد ~~صلاة الصبح يقرءون ما تيسر من القرآن إلى طلوع الشمس ثم يتداولون النهار ~~بينهم يوما مثنى مثنى ويجتمعون أيضا بعد صلاة العصر يقرأ كل منهم حزبين ~~ويجتمعون أيضا في كل ليلة جمعة. جملة اجتماعهم في الشهر سبعة وسبعون مرة ~~على هذا النحو عند قبره بالتربة؛ وشرط عليهم أيضا أن يبيتوا كل ليلة ~~بالتربة المذكورة وجعل لكل منهم سكنا يليق به وشرط لهم جاريا من ريع الوقف ~~يتناولون في كل يوم وفي كل شهر. فهل يلزمهم الحضور على شرطه عليهم؟ أم ~~يلزمهم أن يتصفوا بتلك الصفات في أي مكان أمكن إقامتهم بوظيفة القراءة أو ~~لا يتعين المكان ولا الزمان؟ وهل يلزمهم أيضا أن يبيتوا بالمكان المذكور أم ~~لا؟ وإن قيل باللزوم فاستخلف أحدهم من يقرأ عنه وظيفته في الوقف والمكان ~~والواقف شرط في كتاب الوقف أن يستنيبوا في أوقات الضرورات فما هي الضرورة ~~التي تبيح النيابة؟ # PageV31P026 # وأيضا إن نقصهم الناظر من معلومهم الشاهد به كتاب الوقف: فهل يجوز أن ~~ينقصوا مما شرط عليهم؟ وسواء كان النقص بسبب ضرورة. أو من اجتهاد الناظر أو ~~من غير اجتهاده وليشف سيدنا بالجواب مستوعبا بالأدلة ويجلي به عن القلوب كل ~~عسر مثابا في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أصل هذه المسألة - وهو على أهل الأعمال التي ~~يتقرب بها إلى الله تعالى والوصية لأهلها والنذر لهم - أن تلك الأعمال لا ~~بد أن تكون من الطاعات التي يحبها الله ورسوله فإذا كانت منهيا ms9003 عنها لم يجز ~~الوقف عليها. ولا اشتراطها في الوقف باتفاق المسلمين وكذلك في النذر ونحوه ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين في الوقف والنذر ونحو ذلك ليس فيه نزاع بين ~~العلماء أصلا. ومن أصول ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله ~~عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . ومن أصوله ما أخرجه البخاري ومسلم ~~في الصحيحين عن عائشة أيضا {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ~~المنبر لما أراد أهل بريرة أن # PageV31P027 # يشترطوا الولاء لغير المعتق. فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في ~~كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب ~~الله أحق وشرط الله أوثق} . وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء ~~على تلقيه بالقبول اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود ليس ذلك ~~مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع بل من اشترط في الوقف أو العتق أو ~~الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما ~~كتبه الله على عباده بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه أو ~~النهي عما أمر به أو تحليل ما حرمه أو تحريم ما حلله فهذه الشروط باطلة ~~باتفاق المسلمين في جميع العقود: الوقف وغيره. وقد روى أهل السنن أبو داود ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الصلح جائز بين المسلمين إلا ~~صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو ~~حرم حلالا} . وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب وهذا وإن كان أكثر ~~العلماء يقولون: إنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ ولا يقتصر على سببه فلا نزاع ~~بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها كالآيات ~~النازلة بسبب معين: مثل آيات المواريث؛ والجهاد والظهار؛ # PageV31P028 # واللعان والقذف والمحاربة والقضاء والفيء والربا والصدقات؛ وغير ذلك. ms9004 ~~فعامتها نزلت على أسباب معينة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والفقه ~~والمغازي مع اتفاق الأمة على أن حكمها عام في حق غير أولئك المعينين وغير ~~ذلك مما يماثل قضاياهم من كل وجه. وكذلك الأحاديث وحديث عائشة مما اتفقوا ~~على عمومه وأنه من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم وبعث بها ~~حيث قال: {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب ~~الله أحق وشرط الله أوثق} . ولكن تنازعوا في العقود المباحات كالبيع ~~والإجارة والنكاح: هل معنى الحديث من اشترط شرطا لم يثبت أنه خالف فيه شرعا ~~أو من اشترط شرطا يعلم أنه مخالف لما شرعه الله؟ هذا فيه تنازع؛ لأن قوله ~~في آخر الحديث: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} يدل على أن الشرط الباطل ما ~~خالف ذلك وقوله: {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل} قد يفهم منه ما ~~ليس بمشروع. وصاحب القول الأول يقول: ما لم ينه عنه من المباحات؛ فهو مما ~~أذن فيه فيكون مشروعا بكتاب الله وأما ما كان في العقود التي يقصد بها # PageV31P029 # الطاعات كالنذر فلا بد أن يكون المنذور طاعة فمتى كان مباحا لم يجب ~~الوفاء به؛ لكن في وجوب الكفارة به نزاع مشهور بين العلماء كالنزاع في ~~الكفارة بنذر المعصية؛ لكن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ونذر المباح مخير ~~بين الأمرين وكذلك الوقف أيضا. وحكم الشروط فيه يعرف بذكر أصلين: أن الواقف ~~إنما وقف الوقوف بعد موته لينتفع بثوابه وأجره عند الله لا ينتفع به في ~~الدنيا فإنه بعد الموت لا ينتفع الميت إلا بالأجر والثواب. ولهذا فرق بين ~~ما قد يقصد به منفعة الدنيا وبين ما لا يقصد به إلا الأجر والثواب. فالأول: ~~كالبيع والإجارة والنكاح فهذا يجوز للإنسان أن يبذل ماله فيها ليحصل أغراضا ~~مباحة دنيوية ومستحبة ودينية بخلاف الأغراض المحرمة. وأما الوقف فليس له أن ~~يبذل ملكه إلا فيما ينفعه في دينه؛ فإنه إذا بذله فيما لا ينفعه في الدين ms9005 ~~والوقف لا ينتفع به بعد موته في الدنيا صار بذل المال لغير فائدة تعود ~~إليه؛ لا في دينه ولا في دنياه وهذا لا يجوز. ولهذا فرق العلماء بين الوقف ~~على معين وعلى جهة. فلو وقف أو وصى لمعين جاز وإن كان كافرا ذميا لأن صلته ~~مشروعة. كما دل على ذلك الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى {وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} ومثل حديث # PageV31P030 # {أسماء بنت أبي بكر لما قدمت أمها وكانت مشركة فقالت: يا رسول الله: إن ~~أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: صلي أمك} والحديث في الصحيحين. وفي ذلك ~~نزل قوله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} وقوله تعالى {ليس ~~عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون ~~إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} . فبين ~~أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {في كل ذات كبد رطبة أجر} فإذا أوصى أو وقف على ~~معين وكان كافرا أو فاسقا لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق ولا شرطا ~~فيه بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلما عدلا فكانت المعصية عديمة التأثير ~~بخلاف ما لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق أو على الطائفة ~~الفلانية بشرط أن يكونوا كفارا أو فساقا فهذا الذي لا ريب في بطلانه عند ~~العلماء. # ولكن تنازعوا في الوقف على جهة مباحة كالوقف على الأغنياء على قولين ~~مشهورين والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة والأصول أنه باطل أيضا لأن ~~الله سبحانه قال في مال الفيء: {كي لا يكون دولة بين # PageV31P031 # الأغنياء منكم} فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولا ~~بين الأغنياء؛ دون الفقراء فعلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه فمن ~~جعل الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دولة ms9006 بين الأغنياء فيتداولونه بطنا ~~بعد بطن دون الفقراء وهذا مضاد لله في أمره ودينه فلا يجوز ذلك. وفي السنن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل} ~~فإذا كان قد نهى عن بذل السبق إلا فيما يعين على الطاعة والجهاد مع أنه بذل ~~لذلك في الحياة وهو منقطع غير مؤبد فكيف يكون الأمر في الوقف. وهذا بين في ~~أصول الشريعة من وجهين: أحدهما: أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين ~~أو الدنيا. وهذا أصل متفق عليه بين العلماء ومن خرج عن ذلك كان سفيها وحجر ~~عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السفيه وكان مبذرا لماله وقد نهى ~~الله في كتابه عن تبذير المال {ولا تبذر تبذيرا} وهو إنفاقه في غير مصلحة ~~وكان مضيعا لماله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في ~~الحديث المتفق عليه عن المغيرة # PageV31P032 # ابن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثرة ~~السؤال وإضاعة المال} . وقد قال الله تعالى في كتابه: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما} . وقد قال كثير من الصحابة والتابعين رضي ~~الله عنهم هذا مثل توكيل السفيه وهو أن يدفع الرجل ماله إلى ولده السفيه أو ~~امرأته السفيهة فينفقان عليه ويكون تحت أمرهما. وقال آخرون: ذلك أن يسلم ~~إلى السفيه مال نفسه فإن الله نهى عن تسليم مال نفسه إليه إلا إذا أونس منه ~~الرشد. والآية تدل على النوعين كليهما: فقد نهى الله أن يجعل السفيه متصرفا ~~لنفسه أو لغيره: بالوكالة أو الولاية. وصرف المال فيما لا ينفع في الدين ~~ولا الدنيا من أعظم السفه فيكون ذلك منهيا عنه في الشرع. إذا عرف هذا: فمن ~~المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع بما يبذله في البيع ~~والإجارة والنكاح وهذا أيضا لا ينتفع به في الدين إن لم ينفقه في سبيل الله ~~وسبيل الله طاعته وطاعة رسوله ms9007 فإن الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوه ~~فيما يحبه وأما ما لا يحبه فلا ثواب في النفقة عليه. ونفقة # PageV31P033 # الإنسان على نفسه وولده وزوجته واجبة؛ فلهذا كان الثواب عليها أعظم من ~~الثواب على التطوعات على الأجانب. وإذا كان كذلك فالمباحات التي لا يثيب ~~الشارع عليها لا يثيب في الإنفاق فيها والوقف عليها. ولا يكون في الوقف ~~عليها منفعة وثواب في الدين ولا منفعة في الوقف عليها في الدنيا. فالوقف ~~عليها خال من انتفاع الواقف في الدين والدنيا فيكون باطلا. وهذا ظاهر في ~~الأغنياء وإن كان قد يكون مستحبا بل واجبا فإنما ذاك إذا أعطوا بسبب غير ~~الغنى: من القرابة والجهاد والدين ونحو ذلك. فأما إن جعل سبب الاستحقاق هو ~~الغنى وتخصيص الغني بالإعطاء مع مشاركة الفقير له في أسباب الاستحقاق سوى ~~الغنى مع زيادة استحقاق الفقير عليه فهذا مما يعلم بالاضطرار في كل ملة أن ~~الله لا يحبه ولا يرضاه فلا يجوز اشتراط ذلك في الوقف. الوجه الثاني: أن ~~الوقف يكون فيما يؤبد على الكفار ونحوهم. وفيما يمنع منه التوارث وهذا لو ~~أن فيه منفعة راجحة وإلا كان يمنع منه الواقف لأنه فيه حبس المال عن أهل ~~المواريث ومن ينتقل إليهم. وهذا مأخذ من قال: لا حبس عن فرائض الله لكن هذا ~~القول ترك لقول عمر وغيره وما في ذلك من المصلحة الراجحة. فأما إذا لم يكن ~~فيه مصلحة راجحة بل قد حبس المال # PageV31P034 # فمنعه الوارث وسائر الناس أن ينتفع به وهو لم ينتفع به فهذا لا يجوز ~~تنفيذه بلا ريب. # ثم هذه المسألة المتنازع فيها هي في الوقف على الصفات المباحة الدنيوية ~~كالغنى بالمال. # وأما الوقف على الأعمال الدينية كالقرآن والحديث والفقه والصلاة والأذان ~~والإمامة والجهاد ونحو ذلك. والكلام في ذلك هو الأصل الثاني. وذلك لا يمكن ~~أن يكون في ذلك نزاع بين العلماء في أنه لا يجوز أن يوقف إلا على ما شرعه ~~الله وأحبه من هذه الأعمال. # فأما من ابتدع عملا لم يشرعه الله وجعله دينا ms9008 فهذا ينهى عن عمل هذا العمل ~~فكيف يشرع له أن يقف عليه الأموال بل هذا من جنس الوقف على ما يعتقده ~~اليهود والنصارى عبادات وذلك من الدين المبدل أو المنسوخ. ولهذا جعلنا هذا ~~أحد الأصلين في الوقف. # وذلك أن باب العبادات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله فليس ~~لأحد أن يجعل شيئا عبادة أو قربة إلا بدليل شرعي. قال تعالى: {أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال تعالى: {المص} {كتاب ~~أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} {اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} # PageV31P035 # ونظائر ذلك في الكتاب كثير يأمر الله فيه بطاعة رسوله واتباع كتابه وينهى ~~عن اتباع ما ليس من ذلك. والبدع جميعها كذلك فإن البدعة الشرعية - أي ~~المذمومة في الشرع - هي ما لم يشرع الله في الدين أي ما لم يدخل في أمر ~~الله ورسوله وطاعة الله ورسوله. فأما إن دخل في ذلك فإنه من الشرعة لا من ~~البدعة الشرعية. وإن كان قد فعل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بما عرف ~~من أمره: كإخراج اليهود والنصارى بعد موته وجمع المصحف وجمع الناس على قارئ ~~واحد في قيام رمضان ونحو ذلك. وعمر بن الخطاب الذي أمر بذلك وإن سماه بدعة ~~فإنما ذلك لأنه بدعة في اللغة إذ كل أمر فعل على غير مثال متقدم يسمى في ~~اللغة بدعة وليس مما تسميه الشريعة بدعة وينهى عنه فلا يدخل فيما رواه مسلم ~~من صحيحه عن جابر قال: كان {رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: ~~إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة} فإن قوله صلى الله عليه وسلم {كل بدعة ضلالة} حق وليس فيما دلت ~~عليه الأدلة الشرعية على الاستحباب بدعة كما قال صلى الله عليه ms9009 وسلم في ~~الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية عن # PageV31P036 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله كأن ~~هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله وعليكم بالسمع ~~والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} وفي رواية: {فإن كل ~~محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} وفي رواية: {وكل ضلالة في النار} ففي هذا ~~الحديث أمر المسلمين باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين وبين أن المحدثات ~~التي هي البدع التي نهى عنها ما خالف ذلك. فالتراويح ونحو ذلك لو لم تعلم ~~دلالة نصوصه وأفعاله عليها لكان أدنى أمرها أن تكون من سنة الخلفاء ~~الراشدين فلا تكون من البدع الشرعية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدعة ونهى عنها. # وبالجملة لا خلاف بين العلماء أن من وقف على صلاة أو صيام أو قراءة أو ~~جهاد غير شرعي ونحو ذلك لم يصح وقفه: بل هو ينهى عن ذلك العمل وعن البذل ~~فيه والخلاف الذي بينهم في المباحات لا يخرج مثله هنا لأن اتخاذ الشيء ~~عبادة واعتقاد كونه عبادة وعمله لأنه عبادة: لا يخلو من أن يكون مأمورا به ~~أو منهيا عنه فإن كان مأمورا به - واجبا # PageV31P037 # أو مستحبا في الشريعة - كان اعتقاد كونه عبادة والرغبة فيه لأجل العبادة ~~ومحبته وعمله مشروعا. وإن لم يكن الله يحبه ولا يرضاه فليس بواجب ولا مستحب ~~لم يجز لأحد أن يعتقد أنه مستحب ولا أنه قربة وطاعة ولا يتخذه دينا ولا ~~يرغب فيه لأجل كونه عبادة. وهذا أصل عظيم من أصول الديانات وهو التفريق بين ~~المباح الذي يفعل لأنه مباح وبين ما يتخذ دينا وعبادة وطاعة وقربة واعتقادا ~~ورغبة وعملا. فمن جعل ما ليس مشروعا ولا هو دينا ولا ms9010 طاعة ولا قربة جعله ~~دينا وطاعة وقربة: كان ذلك حراما باتفاق المسلمين. لكن قد يتنازع العلماء ~~في بعض الأمور: هل هو من باب القرب والعبادات؟ أم لا؟ سواء كان من باب ~~الاعتقادات القولية أو من باب الإرادات العملية حتى قد يرى أحدهم واجبا ما ~~يراه الآخر حراما؛ كما يرى بعضهم وجوب قتل المرتد؛ ويرى آخر تحريم ذلك؛ ~~ويرى أحدهم وجوب التفريق بين السكران وامرأته إذا طلقها في سكره ويرى الآخر ~~تحريم التفريق بينهما؛ وكما يرى أحدهم وجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم ~~ويرى الآخر كراهة قراءته: إما مطلقا وإما إذا سمع جهر الإمام ونحو ذلك من ~~موارد النزاع. كما أن اعتقادها وعملها من موارد النزاع فبذل المال عليها هو ~~من موارد النزاع أيضا وهو الاجتهادية. # PageV31P038 # وأما كل عمل يعلم المسلم أنه بدعة منهي عنها؛ فإن العالم بذلك لا يجوز ~~الوقف باتفاق المسلمين؛ وإن كان قد يشرط بعضهم بعض هذه الأعمال من لم يعلم ~~الشريعة أو من هو يقلد في ذلك لمن لا يجوز تقليده في ذلك فإن هذا باطل كما ~~قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة. ولما في الصحيح عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} . ~~ولهذا اتفق العلماء أن حكم الحاكم العادل إذا خالف نصا أو إجماعا لم يعلمه ~~فهو منقوض فكيف بتصرف من ليس يعلم هذا الباب من واقف لا يعلم حكم الشريعة؛ ~~ومن يتولى ذلك له من وكلائه. وإن قدر أن حاكما حكم بصورة ذلك ولزومه فغايته ~~أن يكون عالما عادلا فلا: ينفذ ما خالف فيه نصا أو إجماعا باتفاق المسلمين. ~~والشروط المتضمنة للأمر بما نهى الله عنه والنهي عن ما أمر الله به مخالفة ~~للنص والإجماع وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فإن طاعته فيه بحسب الإمكان. ~~كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وكما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه: {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ms9011 استطعتم} . # PageV31P039 # فهذه القواعد هي الكلمات الجامعة؛ والأصول الكلية التي تنبني عليها هذه ~~المسائل؛ ونحوها. وقد ذكرنا منها نكتا جامعة بحسب ما تحتمله الورقة يعرفها ~~المتدرب في فقه الدين. وبعد هذا ينظر في تحقيق مناط الحكم في صورة السؤال ~~وغيرها بنظره. فما تبين أنه من الشروط الفاسدة ألغي؛ وما تبين أنه شرط ~~موافق لكتاب الله عمل به؛ وما اشتبه أمره أو كان فيه نزاع فله حكم نظائره. ~~ومن هذه الشروط الباطلة ما يحتاج تغييره إلى همة قوية؛ وقدرة نافذة. ~~ويؤيدها الله بالعلم والدين. وإلا فمجرد قيام الشخص في هوى نفسه لجلب دنيا ~~أو دفع مضرة دنيوية إذا أخرج ذلك مخرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ~~يكاد ينجح سعيه. وإن كان متظلما طالبا من يعينه فإن أعانه الله بمن هو متصف ~~بذلك أو بما يقدره له من جهة تعينه حصل مقصوده. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وما ذكره السائلون فرض تمام الوجود. والله يسهل لهم ولسائر المسلمين من ~~يعينهم على خير الدين والدنيا إنه على كل شيء قدير. فمما لا نزاع فيه بين ~~العلماء أن مبيت الشخص في مكان معين دائما ليس قربة ولا طاعة باتفاق ~~العلماء. ولا يكون ذلك إلا في بعض الأوقات إذا كان في التعيين مصلحة شرعية: ~~مثل المبيت في ليالي منى؛ ومثل # PageV31P040 # مبيت الإنسان في الثغر للرباط. أو مبيته في الحرس في سبيل الله. أو عند ~~عالم أو رجل صالح ينتفع به. ونحو ذلك. فأما أن المسلم يجب عليه أن يرابط ~~دائما ببقعة بالليل لغير مصلحة دينية فهذا ليس من الدين. بل لو كان المبيت ~~عارضا وكان يشرع فيها ذلك لم يكن أيضا من الدين. ومن شرط عليه ذلك ووقف ~~عليه المال لأجل ذلك فلا ريب في بطلان مثل هذا الشرط وسقوطه. بل تعيين مكان ~~للصلوات الخمس أو قراءة القرآن أو إهدائه غير ما عينه الشارع ليس أيضا ~~مشروعا باتفاق العلماء. حتى لو نذر أن يصلي أو يقرأ أو يعتكف في مسجد بعينه ~~غير الثلاثة لم ms9012 يتعين. وله أن يفعل ذلك في غيره؛ لكن في وجوب الكفارة لفوات ~~التعيين قولان للعلماء. والعلماء لهم في وصول العبادات البدنية: كالقراءة؛ ~~والصلاة والصيام إلى الميت قولان: أصحهما أنه يصل؛ لكن لم يقل أحد من ~~العلماء بالتفاضل في مكان دون مكان. ولا قال أحد قط من علماء الأمة ~~المتبوعين: إن الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها عند غيره؛ بل القراءة ~~عند القبر قد اختلفوا في كراهتها فكرهها أبو حنيفة. ومالك والإمام أحمد في ~~إحدى الروايتين. وطوائف من السلف. ورخص فيها طائفة أخرى # PageV31P041 # من أصحاب أبي حنيفة والإمام أحمد وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد ~~وليس عن الشافعي في ذلك كله نص نعرفه. ولم يقل أحد من العلماء: إن القراءة ~~عند القبر أفضل. ومن قال: إنه عند القبر ينتفع الميت بسماعها دون ما إذا ~~بعد القارئ: فقوله هذا بدعة باطلة مخالفة لإجماع العلماء. والميت بعد موته ~~لا ينتفع بأعمال يعملها هو بعد باطلة: لا من استماع ولا قراءة ولا غير ذلك ~~باتفاق المسلمين. وإنما ينتفع بآثار ما عمله في حياته كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو ~~علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له} . وينتفع أيضا بما يهدى إليه من ثواب ~~العبادات المالية: كالصدقة والهبة؛ باتفاق الفقهاء. وكذلك العبادات البدنية ~~في أصح قوليهم. وإلزام المسلمين أن لا يعملوا ولا يتصدقوا إلا في بقعة ~~معينة مثل كنائس النصارى باطل. وبكل حال فالاستخلاف في مثل هذه الأعمال ~~المشروطة جائز وكونها عن الواقف إذا كان النائب مثل المستنيب فقد يكون في ~~ذلك مفسدة راجحة على المصلحة الشرعية كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل ~~في الذمة لأن # PageV31P042 # التعيين فيه مصلحة شرعية. فشرط باطل. ومتى نقصوا من المشروط لهم كان لهم ~~أن ينقصوا من المشروط عليهم بحسب ذلك. والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: ### | قاعدة فيما يشترط الناس في الوقف: # (*) # فإن فيها ما فيه عوض دنيوي وأخروي؛ وما ليس كذلك وفي بعضها تشديد ms9013 على ~~الموقوف عليه. فنقول: الأعمال المشروطة في الوقف على الأمور الدينية مثل ~~الوقف على الأئمة والمؤذنين والمشتغلين بالعلم من القرآن والحديث والفقه ~~ونحو ذلك أو بالعبادات أو بالجهاد في سبيل الله تنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها عمل يقترب به إلى الله تعالى وهو الواجبات والمستحبات التي رغب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وحض على تحصيلها: فمثل هذا الشرط يجب ~~الوفاء به ويقف استحقاق الوقف على حصوله في الجملة. والثاني عمل نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه فاشتراط مثل هذا العمل باطل ~~باتفاق العلماء؛ لما قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب على ~~منبره فقال: PageV31P043 # {ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في ~~كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} . وهذا ~~الحديث وإن خرج بسبب شرط الولاء لغير المعتق فإن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب عند عامة العلماء وهو مجمع عليه في هذا الحديث. وكذا ما كان من ~~الشروط مستلزما وجود ما نهى عنه الشارع فهو بمنزلة ما نهي عنه وما علم أنه ~~نهي عنه ببعض الأدلة الشرعية فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهي عنه لكن قد ~~يختلف اجتهاد العلماء في بعض الأعمال هل هو من باب المنهي عنه؟ فيختلف ~~اجتهادهم في ذلك الشرط؛ بناء على هذا. وهذا أمر لا بد منه في الأمة. ومن ~~هذا الباب أن يكون العمل المشترط ليس محرما في نفسه لكنه مناف لحصول ~~المقصود المأمور به ومثال هذه الشروط أن يشترط على أهل الرباط ملازمته وهذا ~~مكروه في الشريعة مما أحدثه الناس أو يشترط على الفقهاء اعتقاد بعض البدع ~~المخالفة للكتاب والسنة أو بعض الأقوال المحرمة أو يشترط على الإمام أو ~~المؤذن ترك بعض سنن الصلاة والأذان أو فعل بعض بدعهما مثل أن يشترط على ~~الإمام أن يقرأ في الفجر بقصار المفصل أو أن يصل الأذان بذكر غير مشروع أو ~~أن ms9014 يقيم صلاة العيد في المدرسة أو المسجد مع إقامة المسلمين لها على سنة ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم. # PageV31P044 # ومن هذا الباب أن يشترط عليهم: أن يصلوا وحدانا. ومما يلحق بهذا القسم أن ~~يكون الشرط مستلزما ترك ما ندب إليه الشارع مثل أن يشترط على أهل رباط أو ~~مدرسة إلى جانب المسجد الأعظم أن يصلوا فيها فرضهم: فإن هذا دعاء إلى ترك ~~الفرض على الوجه الذي هو أحب إلى الله ورسوله فلا يلتفت إلى مثل هذا بل ~~الصلاة في المسجد الأعظم هو الأفضل؛ بل الواجب هدم مساجد الضرار مما ليس ~~هذا موضع تفصيله. ومن هذا الباب اشتراط الإيقاد على القبور: إيقاد الشمع أو ~~الدهن ونحو ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لعن الله زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج} وبناء المسجد وإسراج المصابيح على القبور ~~مما لم أعلم فيه خلافا أنه معصية لله ورسوله. وتفاصيل هذه الشروط يطول جدا ~~وإنما نذكرها هنا جماع الشروط. (القسم الثالث: عمل ليس بمكروه في الشرع ولا ~~مستحب. بل هو مباح مستوى الطرفين فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به. ~~والجمهور من العلماء: من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أن شرطه باطل فلا ~~يصح عندهم أن يشرط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى وذلك لأن الإنسان ليس له ~~أن يبذل ماله إلا لما له فيه منفعة في الدين أو الدنيا فما دام # PageV31P045 # الإنسان حيا فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة لأنه ينتفع بذلك. ~~فأما الميت فما بقي بعد الموت ينتفع من أعمال الأحياء؛ إلا بعمل صالح قد ~~أمر به أو أعان عليه أو أهدى إليه ونحو ذلك. فأما الأعمال التي ليست طاعة ~~لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال؛ فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملا أو ~~صفة لا ثواب فيها؛ كان السعي في تحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به في دنياه ~~ولا في آخرته؛ ومثل هذا لا يجوز؛ وهذا إنما مقصوده بالوقف التقرب. . والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن أوقف رباطا؛ ms9015 وجعل فيه جماعة من أهل القرآن؛ وجعل لهم كل يوم ما ~~يكفيهم؛ وشرط عليهم شروطا غير مشروعة: منها أن يجتمعوا في وقتين معينين من ~~النهار؛ فيقرءون شيئا معينا من القرآن في المكان الذي أوقفه لا في غيره؛ ~~مجتمعين في ذلك غير متفرقين؛ وشرط أن يهدوا له ثواب التلاوة؛ ومن لم يفعل ~~ما شرط في المكان الذي أوقفه لم يأخذ ما جعل له. فهل جميع الشروط لازمة لمن ~~أخذ المعلوم؟ أم بعضها؟ أم لا أثر لجميعها؟ وهل إذا لزمت القراءة. فهل يلزم ~~جميع ما شرطه منها؟ أم يقرءون ما تيسر عليهم قراءته من غير أن يهدوا شيئا؟ ~~. # PageV31P046 # فأجاب: # الحمد لله، الأصل في هذا أن كل ما شرط من العمل من الوقوف التي توقف على ~~الأعمال فلا بد أن تكون قربة؛ إما واجبا؛ وإما مستحبا وأما اشتراط عمل محرم ~~فلا يصح باتفاق علماء المسلمين؛ بل وكذلك المكروه؛ وكذلك المباح على ~~الصحيح. وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد. ~~كالشروط في سائر العقود. ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ ~~الشارع فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف؛ لا في وجوب العمل ~~بها: أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة؛ كما يستفاد مراد الشارع ~~من ألفاظه؛ فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والتشريك والترتيب ~~في الشرع من ألفاظ الشارع. فكذلك تعرف في الوقف من ألفاظ الواقف. مع أن ~~التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يحمل ~~على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها؛ سواء وافقت العربية العرباء؛ أو ~~العربية المولدة؛ أو العربية الملحونة؛ أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة ~~الشارع؛ أو لم توافقها؛ فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين ~~بها؛ فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل ~~على معرفة مراده وكذلك في # PageV31P047 # خطاب كل أمة وكل قوم؛ فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة. أو الوقف أو ~~الوصية أو النذر أو غير ms9016 ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادهم وإلى ما يدل على ~~مرادهم من عادتهم في الخطاب؛ وما يقترن بذلك من الأسباب. وأما أن تجعل نصوص ~~الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها؛ فهذا كفر ~~باتفاق المسلمين؛ إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة. وإن ~~خالفت كتاب الله كانت باطلة. كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب على منبره وقال: {ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب ~~الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مائة شرط كتاب الله ~~أحق؛ وشرط الله أوثق} . وهذا الكلام حكمه ثابت في البيع والإجارة والوقف ~~وغير ذلك باتفاق الأئمة. سواء تناوله لفظ الشارع. أو لا؛ إذ الأخذ بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. أو كان متناولا لغير الشروط في البيع بطريق الاعتبار ~~عموما معنويا. # PageV31P048 # وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وباطل: بالاتفاق؛ فإن شرط فعلا ~~محرما ظهر أنه باطل فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن شرط مباحا لا ~~قربة فيه كان أيضا باطلا؛ لأنه شرط شرطا لا منفعة فيه لا له ولا للموقوف ~~عليه؛ فإنه في نفسه لا ينتفع إلا بالإعانة على البر والتقوى. وأما بذل ~~المال في مباح: فهذا إذا بذله في حياته مثل الابتياع؛ والاستئجار جاز؛ لأنه ~~ينتفع بتناول المباحات في حياته. # وأما الواقف والموصي فإنهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه ~~من المباحات في الدنيا ولا يثابان على بذل المال في ذلك في الآخرة فلو بذل ~~المال في ذلك عبثا وسفها لم يكن فيه حجة على تناول المال فكيف إذا ألزم ~~بمباح لا غرض له فيه فلا هو ينتفع به في الدنيا ولا في الآخرة؛ بل يبقى هذا ~~منفقا للمال في الباطل مسخر معذب آكل للمال بالباطل. # وإذا كان الشارع قد قال: {لا سبق إلا في ms9017 خف؛ أو حافر أو نصل} فلم يجوز ~~بالجعل شيئا لا يستعان به على الجهاد. وإن كان مباحا وقد يكون فيه منفعة ~~كما في المصارعة والمسابقة على الأقدام فكيف يبذل العوض المؤبد في عمل لا ~~منفعة فيه لا سيما والوقف محبس مؤبد فكيف يحبس المال # PageV31P049 # دائما مؤبدا على عمل لا ينتفع به هو ولا ينتفع به العامل فيكون في ذلك ~~ضرر على حبس الورثة وسائر الآدميين بحبس المال عليهم بلا منفعة حصلت لأحد ~~وفي ذلك ضرر على المتناولين باستعمالهم في عمل هم فيه مسخرون يعوقهم عن ~~مصالحهم الدينية والدنيوية فلا فائدة تحصل له ولا لهم وقد بسطنا الكلام في ~~هذه القاعدة في غير هذا الموضع. فإذا عرف هذا فقراءة القرآن كل واحد على ~~حدته أفضل من قراءة مجتمعين بصوت واحد؛ فإن هذه تسمى " قراءة الإرادة " وقد ~~كرهها طوائف من أهل العلم: كمالك وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. ومن ~~رخص فيها - كبعض أصحاب الإمام أحمد - لم يقل إنها أفضل من قراءة الانفراد ~~يقرأ كل منهم جميع القرآن. وأما هذه القراءة فلا يحصل لواحد جميع القرآن بل ~~هذا يتم ما قرأه هذا وهذا يتم ما قرأه هذا ومن كان لا يحفظ القرآن يترك ~~قراءة ما لم يحفظه. وليس في القراءة بعد المغرب فضيلة مستحبة يقدم بها ~~القراءة في جوف الليل أو بعد الفجر ونحو ذلك من الأوقات فلا قربة في تخصيص ~~مثل ذلك بالوقت. ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا في مكان بعينه # PageV31P050 # فإن كان للتعيين مزية في الشرع: كالصلاة والاعتكاف في المساجد الثلاثة ~~لزم الوفاء به وإن لم يكن له مزية: كالصلاة والاعتكاف في مساجد الأمصار لم ~~يتعين بالنذر الذي أمر الله بالوفاء به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . فإذا كان النذر ~~الذي يجب الوفاء به لا يجب أن يوفى به إلا ما كان طاعة باتفاق الأئمة فلا ~~يجب أن يوفى منه بمباح كما ms9018 لا يجب أن يوفى منه بمحرم باتفاق العلماء في ~~الصورتين. وإنما تنازعوا في لزوم الكفارة: كمذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي. ~~فكيف بغير النذر من العقود التي ليس في لزومها من الأدلة الشرعية ما في ~~النذر. وأما اشتراط إهداء ثواب التلاوة فهذا ينبني على إهداء ثواب العبادات ~~البدنية: كالصلاة والصيام؛ والقراءة فإن العبادات المالية يجوز إهداء ~~ثوابها بلا نزاع وأما البدنية ففيها قولان مشهوران. فمن كان من مذهبه أنه ~~لا يجوز إهداء ثوابها: كأكثر أصحاب مالك والشافعي كان هذا الشرط عندهم ~~باطلا كما لو شرط أن يحمل عن الواقف ديونه فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى. ومن ~~كان من مذهبه أنه يجوز إهداء ثواب العبادات البدنية: كأحمد # PageV31P051 # وأصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك. فهذا يعتبر أمرا آخر وهو أن هذا ~~إنما يكون من العبادات ما قصد بها وجه الله فأما ما يقع مستحقا بعقد إجارة ~~أو جعالة فإنه لا يكون قربة فإن جاز أخذ الأجر والجعل عليه فإنه يجوز ~~الاستئجار على الإمامة والأذان وتعليم القرآن نقول. . . (1) . # وسئل - رحمه الله -: # عمن وقف مدرسة بيت المقدس وشرط على أهلها الصلوات الخمس فيها فهل يصح هذا ~~الشرط؟ وهل يجوز للمنزلين الصلوات الخمس في المسجد الأقصى دونها. ويتناولون ~~ما قرر لهم؟ أم لا يحل التناول إلا بفعل هذا الشرط؟ . # فأجاب: # ليس هذا شرطا صحيحا يقف الاستحقاق عليه كما كان يفتي بذلك في هذه الصورة ~~بعينها الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره من العلماء؛ لأدلة متعددة. وقد ~~بسطناها في غير هذا الموضع مع ما في ذلك من أقوال العلماء. ويجوز للمنزلين ~~أن يصلوا في المسجد الأقصى الصلوات الخمس ولا يصلوها في المدرسة. ويستحقون ~~مع ذلك ما قدر لهم وذلك أفضل لهم PageV31P052 # من أن يصلوا في المدرسة والامتناع من أداء الفرض في المسجد الأقصى لأجل ~~حل الجاري: ورع فاسد يمنع صاحبه الثواب العظيم في الصلاة في المسجد. والله ~~أعلم. # ما تقول السادة العلماء: # في واقف وقف رباطا على الصوفية وكان هذا الرباط قديما جاريا على ms9019 قاعدة ~~الصوفية في الربط: من الطعام والاجتماع بعد العصر فقط؟ فتولى نظره شخص ~~فاجتهد في تبطيل قاعدته وشرط على من به شروطا ليست في الرباط أصلا ثم إنهم ~~يصلون الصلوات الخمس في هذا الرباط ويقرءون بعد الصبح قريبا من جزء ونصف ~~وبعد العصر قريبا من ثلاثة أجزاء حتى إن أحدهم إذا غاب عن صلاة أو قراءة ~~كتب عليه غيبة مع أن هذا الرباط لم يعرف له كتاب وقف؛ ولا شرط. فهل يجوز ~~إحداث هذه الشروط عليهم؟ أم لا؟ وهل يأثم من أحدثها أم لا؟ وهل يحل للناظر ~~الآن أن يكتب عليهم غيبة أم لا؟ وهل يجب إبطال هذه الشروط أم لا؟ وهل يثاب ~~ولي الأمر إذا أبطلها أم لا؟ وإذ كانت هذه الشروط قد شرطها الواقف: هل يجب ~~الوفاء بها أم لا؟ وما الصور في الذي يستحق ذلك؟ وهل إذا كان في الجماعة من ~~هو مشتغل بالعلوم الشرعية يكون أولى ممن هو مترسم برسم ظاهر لا علم عنده؟ ~~ومن لم يكن متأدبا # PageV31P053 # بالآداب الشرعية هل يجوز له تناول شيء من ذلك. أم لا؟ وإذا كان فيهم من ~~هو مشتغل بالعلم الشريف. وله من الدنيا ما لا يقوم ببعض كفايته. هل يكون ~~أولى ممن ليس متأدبا بالآداب الشرعية. ولا عنده شيء من العلم أفتونا ~~مأجورين. وبينوا لنا ذلك بيانا شافيا بالدليل من الكتاب والسنة رضي الله ~~عنكم. # فأجاب - رحمه الله -: # لا يجوز للناظر إحداث هذه الشروط ولا غيرها فإن الناظر إنما هو منفذ لما ~~شرطه الواقف. ليس له أن يبتدئ شروطا لم يوجبها الواقف ولا أوجبها الشارع ~~ويأثم من أحدثها. فإنه منع المستحقين حقهم حتى يعملوا أعمالا لا تجب. ولا ~~يحل أن يكتب على من أخل بذلك غيبة؛ بل يجب إبطال هذه الشروط. ويثاب الساعي ~~في إبطالها مبتغيا بذلك وجه الله تعالى. وأما الصوفي الذي يدخل في الوقف ~~على الصوفية؛ فيعتبر له ثلاثة شروط. أحدها: أن يكون عدلا في دينه؛ يؤدي ~~الفرائض ويجتنب المحارم. الثاني: أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية ms9020 في ~~غالب الأوقات وإن لم تكن واجبة مثل آداب الأكل والشرب واللباس والنوم # PageV31P054 # والسفر والركوب والصحبة والعشرة والمعاملة مع الخلق؛ إلى غير ذلك من ~~الآداب الشريفة قولا وفعلا. ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب ~~التي لا أصل لها في الدين؛ من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوها مما لا ~~يستحب في الشريعة. فإن مبنى الآداب على اتباع السنة ولا يلتفت أيضا إلى ما ~~يهدره بعض المتفقهة من الآداب المشروعة يعتقد - لقلة علمه - أن ذلك ليس من ~~آداب الشريعة؛ لكونه ليس فيما بلغه من العلم أو طالعه من كتبه؛ بل العبرة ~~في الآداب بما جاءت به الشريعة: قولا وفعلا وتركا؛ كما أن العبرة في ~~الفرائض والمحارم بذلك أيضا. والشرط الثالث في الصوفي: قناعته بالكفاف من ~~الرزق؛ بحيث لا يمسك من الدنيا ما يفضل عن حاجته؛ فمن كان جامعا لفضول ~~المال لم يكن من الصوفية الذين يقصد إجراء الأرزاق عليهم؛ وإن كان قد يفسح ~~لهم في مجرد السكنى في الربط ونحوها. فمن حمل هذه الخصال الثلاث كان من ~~الصوفية المقصودين بالربط والوقف عليها. وما فوق هؤلاء من أرباب المقامات ~~العلية والأحوال الزكية وذوي الحقائق الدينية والمنح الربانية: فيدخلون في ~~العموم؛ لكن لا يختص الوقف بهم لقلة هؤلاء؛ ولعسر تمييز الأحوال الباطنة ~~على غالب الخلق؛ فلا يمكن ربط استحقاق الدنيا بذلك؛ ولأن مثل هؤلاء قد لا ~~ينزل الربط إلا نادرا. وما دون هذه الصفات من المقتصرين على مجرد رسم في ~~لبسة أو مشية ونحو ذلك: لا يستحقون الوقف؛ ولا يدخلون في مسمى الصوفية؛ لا ~~سيما # PageV31P055 # إن كان ذلك محدثا لا أصل له في السنة؛ فإن بذل المال على مثل هذه الرسوم ~~فيه نوع من التلاعب بالدين؛ وأكل لأموال الناس بالباطل وصدود عن سبيل الله. ~~ومن كان من الصوفية المذكورين المستحقين فيه قدر زائد: مثل اجتهاد في نوافل ~~العبادات؛ أو سعي في تصحيح أحوال القلب؛ أو طلب شيء من الأعيان؛ أو علم ~~الكفاية: فهو أولى من غيره. ومن لم يكن متأدبا ms9021 بالآداب الشرعية؛ فلا يستحق ~~شيئا ألبتة؛ وطالب العلم الذي ليس له تمام الكفاية: أولى ممن ليس فيه ~~الآداب الشرعية؛ ولا علم عنده؛ بل مثل هذا لا يستحق شيئا. # PageV31P056 # ما تقول السادة العلماء: # في الشروط التي قد جرت العوائد في اشتراط أمثالها من الواقفين على ~~الموقوف عليهم مما بعضه له فائدة ظاهرة وفيه مصلحة مطلوبة وبعضها ليس فيها ~~كبير غرض للواقف؛ وقد يكون فيه مشقة على الموقوف عليه؛ فإن وفى به شق عليه؛ ~~وإن أهمله خشي الإثم وأن يكون متناولا للحرام وذلك كشرط واقف الرباط أو ~~المدرسة المبيت والعزوبة وتأدية الصلوات المفروضات بالرباط وتخصيص القراءة ~~المعينة بالمكان بعينه وأن يكونوا من مدينة معينة أو قبيلة معينة أو مذهب ~~معين وما أشبه ذلك من الشروط في الإمامة بالمساجد والأذان وسماع الحديث ~~بحلق الحديث بالخوانك. فهل هذه الشروط وما أشبهها مما هو مباح في الجملة ~~وللواقف فيه يسير غرض لازمة لا يحل لأحد الإخلال بها ولا بشيء منها؟ أم ~~يلزم البعض منها دون البعض؟ وأي ذلك هو اللازم؟ وأي ذلك الذي لا يلزم؟ وما ~~الضابط فيما يلزم وما لا يلزم؟ . # فأجاب - قدس الله روحه -: # الحمد لله رب العالمين، الأعمال المشروطة في الوقف من الأمور الدينية مثل ~~الوقف على الأئمة والمؤذنين والمشتغلين بالعلم # PageV31P057 # والقرآن والحديث والفقه ونحو ذلك أو بالعبادة أو بالجهاد في سبيل الله ~~تنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: عمل يتقرب به إلى الله تعالى وهو الواجبات والمستحبات التي رغب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وحض على تحصيلها. فمثل هذا الشرط يجب ~~الوفاء به ويقف استحقاق الوقف على حصوله في الجملة. # والثاني: عمل قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: نهي تحريم أو نهي ~~تنزيه فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء لما قد استفاض عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب على منبره فقال: {ما بال أقوام يشترطون ~~شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان ~~مائة شرط كتاب ms9022 الله أحق وشرط الله أوثق} وهذا الحديث وإن خرج بسبب شرط ~~الولاء لغير المعتق فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند عامة ~~العلماء وهو مجمع عليه في هذا الحديث وما كان من الشروط مستلزما وجود ما ~~نهى عنه الشارع فهو بمنزلة ما نهى عنه وما علم ببعض الأدلة الشرعية أنه نهى ~~عنه فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهي عنه؛ لكن قد يختلف اجتهاد العلماء في ~~بعض الأعمال: هل هو من باب المنهي عنه؟ فيختلف اجتهادهم في ذلك الشرط بناء ~~على هذا وهذا أمر لا بد منه في الأمة. # PageV31P058 # ومن هذا الباب أن يكون المشترط ليس محرما في نفسه؛ لكنه مناف لحصول ~~المقصود المأمور به. فمثال هذه الشروط أن يشترط على أهل الرباط ملازمته هذا ~~مكروه في الشريعة كما قد أحدثه الناس أو أن يشترط على الفقهاء اعتقاد بعض ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة أو بعض الأقوال المحرمة أو يشترط على الإمام ~~والمؤذن ترك بعض سنن الصلاة والأذان أو فعل بعض بدعها مثل أن يشترط على ~~الإمام أن يقرأ في الفجر بقصار المفصل وأن يصل الأذان بذكر غير مشروع أو أن ~~يقيم صلاة العيد في المدرسة والمسجد مع إقامة المسلمين لها على سنة نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم. ومن هذا الباب لو اشترط عليهم أن يصلوا وحدانا. ومما ~~يلتحق بهذا القسم أن يكون الشرط مستلزما للحض على ترك ما ندب إليه الشارع ~~مثل أن يشترط على أهل رباط أو مدرسة إلى جانب المسجد الأعظم أن يصلوا فيها ~~فرضهم فإن هذا دعاء إلى ترك أداء الفرض على الوجه الذي هو أحب إلى الله ~~ورسوله فلا يلتفت إلى مثل هذا؛ بل الصلاة في المسجد الأعظم هو الأفضل بل ~~الواجب هدم مساجد الضرار مما ليس هذا موضع تفصيله. ومن هذا الباب اشتراط ~~الإيقاد على القبور وإيقاد شمع أو دهن ونحو ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لعن الله زوارات القبور والمتخذين # PageV31P059 # عليها المساجد والسرج} . وبناء المسجد وإسراج المصابيح على القبور مما ms9023 لم ~~أعلم خلافا أنه معصية لله ورسوله. وتفاصيل هذه الشروط تطول جدا وإنما نذكر ~~هنا جماع الشروط. القسم الثالث: عمل ليس بمكروه في الشرع ولا مستحب بل هو ~~مباح مستوي الطرفين. فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به والجمهور من ~~العلماء من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرط باطل ولا يصح عندهم أن ~~يشترط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى وذلك أن الإنسان ليس له أن يبذل ماله ~~إلا لما فيه منفعة في الدين أو الدنيا فما دام الرجل حيا فله أن يبذل ماله ~~في تحصيل الأغراض المباحة؛ لأنه ينتفع بذلك. فأما الميت فما بقي بعد الموت ~~ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به أو أعان عليه أو قد أهدى ~~إليه ونحو ذلك. فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها ~~الميت بحال. فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملا أو صفة لا ثواب فيها كان ~~السعي فيها بتحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به في دنياه وآخرته. ومثل هذا لا ~~يجوز. وهو إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله تعالى والشارع أعلم من ~~الواقفين بما يتقرب به إلى الله تعالى فالواجب أن يعمل في شروطهم بما يشرطه ~~الله ورضيه في شروطهم. # PageV31P060 # وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: {لا سبق إلا في نصل أو خف؛ أو ~~حافر} وعمل بهذا الحديث فقهاء الحديث؛ ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في ~~المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد الذي هو طاعة لله تعالى؛ ~~فكيف يجوز أن يبذل الجعل المؤبد لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى. ~~وهذه القاعدة معروفة عند العلماء؛ لكن قد تختلف آراء الناس وأهواؤهم في بعض ~~ذلك؛ ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة. ولكن من له هداية من الله تعالى لا ~~يكاد يخفى عليه المقصود في غالب الأمر. وتسمي العلماء مثل هذه الأصول " ~~تحقيق المناط " وذلك كما أنهم جميعهم يشترطون العدالة في الشهادة؛ ويوجبون ~~النفقة بالمعروف؛ ونحو ذلك. ثم قد يختلف ms9024 اجتهادهم في بعض الشروط: هل هو شرط ~~في العدالة؟ ويختلفون في صفة الإنفاق بالمعروف. ونحن نذكر ما ينبه عن ~~مثاله. أما إذا اشترط على أهل الرباط أو المدرسة أن يصلوا فيها الخمس ~~الصلوات المفروضات؛ فإن كانت فيما فيه مقصود شرعي؛ كما لو نذر أن يصلي في ~~مكان بعينه؛ فإن كان في تعيين ذلك المكان قربة وجب الوفاء به؛ بأن يصلي فيه ~~إذا لم يصل صلاة تكون مثل تلك؛ أو أفضل؛ وإلا # PageV31P061 # وجب الوفاء بالصلاة؛ دون التعيين والمكان. والغالب أنه ليس في التعيين ~~مقصود شرعي. فإذا كان قد شرط عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس هناك في جماعة ~~اعتبرت الجماعة؛ فإنها مقصود شرعي بحيث من لم يصل في جماعة لم يف بالشرط ~~الصحيح؛ وأما التعيين فعلى ما تقدم. وأما اشتراط التعزب والرهبانية؛ ~~فالأشبه بالكتاب والسنة أنه لا يصح اشتراطه بحال؛ لا على أهل العلم؛ ولا ~~أهل العبادة؛ ولا على أهل الجهاد؛ فإن غالب الخلق يكون لهم شهوات؛ والنكاح ~~في حقهم مع القدرة إما واجب أو مستحب؛ فاشتراط التعزب في حق هؤلاء إن كان ~~فهو مناقضة للشرع. وإن قيل المقصود بالتعزب الذي لا يستحب له النكاح عند ~~بعض أهل العلم؛ خرج عامة الشباب عن هذا الشرط؛ وهم الذين ترجى المنفعة ~~بتعليمهم في الغالب؛ فيكون كأنه قال: وقفت على المتعلمين الذين لا ترجى ~~منفعتهم في الغالب وقد {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه مال قسم ~~للآهل قسمين؛ وللعزب قسما} فكيف يكون الآهل محروما. وقد قال لأصحابه ~~المتعلمين المتعبدين: {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه ~~أغض للبصر وأحصن للفرج} . # PageV31P062 # فكيف يقال للمتعلمين والمتعبدين: لا تتزوجوا؛ والشارع ندب إلى ذلك العمل؛ ~~وحض عليه. وقد قال: {لا رهبانية في الإسلام} فكيف يصح اشتراط رهبانية. وما ~~يتوهم من أن التعزب أعون على كيد الشيطان والتعلم والتعبد: غلط مخالف للشرع ~~وللواقع؛ بل عدم التعزب أعون على كيد الشيطان والإعانة للمتعبدين ~~والمتعلمين أحب إلى الله ورسوله من إعانة المترهبين منهم. وليس هذا موضع ~~استقصاء ذلك. ms9025 وكذلك اشتراط أهل بلد أو قبيلة من الأئمة والمؤذنين؛ مما لا ~~يصح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن ~~كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم ~~هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا} رواه مسلم. والمساجد لله؛ تبنى ~~لله على الوجه الذي شرعه الله فإذا قيد إمام المسجد ببلد فقد يوجد في غير ~~أهل ذلك البلد من هو أولى منه بالإمامة في شرط الله ورسوله؛ فإن وفينا بشرط ~~الواقف في هذه الحال لزم ترك ما أمر الله به ورسوله وشرط الله أحق وأوثق. # PageV31P063 # وأما بقية الشروط المسئول عنها فيحتاج كل شرط منها إلى كلام خاص فيه؛ لا ~~تتسع له هذه الورقة؛ وقد ذكرنا الأصل. فعلى المؤمن بالله أن ينظر دائما في ~~كل ما يحبه الله ورسوله من الخلق؛ فيسعى في تحصيله بالوقف وغيره؛ وما يكرهه ~~الله ورسوله يسعى في إعدامه وما لا يكرهه الله ولا يحبه يعرض عنه ولا يعلق ~~به استحقاق وقف ولا عدمه ولا غيره. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين. # وسئل - رحمه الله -: # عن زاوية فيها عشرة فقراء مقيمون وبتلك الزاوية مطلع به امرأة عزباء وهي ~~من أوسط النساء؛ ولم يكن شرط الواقف لها مسكنها في تلك الزاوية؛ ولم تكن من ~~أقارب الواقف؛ ولم يكن ساكن في المطلع سوى المرأة المذكورة وباب المطلع ~~المذكور يغلق عليه باب الزاوية. فهل يجوز لها السكنى بين هؤلاء الفقراء ~~المقيمين؛ أم لا؟ أفتونا. # فأجاب: # إن كان شرط الواقف لا يسكنه إلا الرجال سواء كانوا عزبا أو متأهلين منعت ~~لمقتضى الشرط. وكذلك سكنى المرأة بين الرجال والرجال بين النساء يمنع منه ~~لحق الله. والله أعلم. # PageV31P064 # وسئل - رحمه الله -: # عن ناظر وقف له عليه ولاية شرعية وبالوقف (شخص يتصرف بغير ولاية الناظر ~~يتصرف بولاية أحد الحكام لأن له النظر العام وأن الناظر عزل هذا المباشر ms9026 ~~فباشر بعد عزله وسأل الناظر الحاكم أن يدفع هذا عن المباشرة فادعى الحاكم ~~على الناظر دعوى فأنكرها. فهل له أن يولي بدون أمر الناظر الشرعي؟ وهل له ~~أن يكون هو الحاكم بينه وبين هذا الناظر الذي هو خصمه دون سائر الحكام؟ ~~وإذا اعتدى على الناظر فماذا يستحق على عدوانه عليه؟ . # فأجاب: # ليس للحاكم أن يولي ولا يتصرف في الوقف بدون أمر الناظر الشرعي الخاص إلا ~~أن يكون الناظر الشرعي قد تعدى فيما يفعله وللحاكم أن يعترض عليه إذا خرج ~~عما يجب عليه. وإذا كان بين الناظر والحاكم منازعة حكم بينهما غيرهما بحكم ~~الله ورسوله ومن اعتدى على غيره فإنه يقابل على عدوانه إما أن يعاقب بمثل ~~ذلك إن أمكنت المماثلة؛ وإلا عوقب بحسب ما يمكن شرعا. والله أعلم. # PageV31P065 # وسئل - رحمه الله -: # عن ناظرين: هل لهما أن يقتسما المنظور عليه بحيث ينظر كل منهما في نصفه ~~فقط # فأجاب: # لا يتصرفان إلا جميعا في جميع المنظور فيه فإن أحدهما لو انفرد بالتصرف ~~لم يجز فكيف إذا وزع المفرد فإن الشرع شرع جمع المتفرق بالقسمة والشفعة. ~~فكيف يفرق المجتمع. # وسئل: # عمن وقف وقفا وشرط للناظر جراية وجامكية كما شرط للمعين والفقهاء. فهل ~~يقدم الناظر بمعلومه أم لا؟ . # فأجاب: # ليس في اللفظ المذكور ما يقتضي تقدمه بشيء من معلوم بل هو مذكور بالواو ~~التي مقتضاها الاشتراك والجمع المطلق فإن كان ثم دليل منفصل يقتضي جواز ~~الاختصاص والتقدم غير الشرط المذكور: # PageV31P066 # مثل كونه حائزا أجرة عمله مع فقره كوصي اليتيم عمل بذلك الدليل المنفصل ~~الشرعي وإلا فشرط الواقف لا يقتضي التقديم؛ ولا فرق بين الجامكية والجراية ~~فهو بمنزلة العمارة من مال الوقف لا من عمالة الناظر. والله أعلم. # وسئل - رضي الله عنه -: # عمن وقف وقفا على جماعة معينين وفيهم. من قرر الواقف لوظيفته شيئا معلوما ~~وجعل للناظر على هذا الوقف صرف من شاء منهم يخرج بغير خراج وإخراج من شاء ~~منهم والتعوض عنه وزيادة من أراد زيادته ونقصانه على ما يراه ويختاره ويرى ~~المصلحة فيه ms9027 فعزل أحد المعينين واستبدل به غيره من هو أهل للقيام بها ببعض ~~ذلك المعلوم المقدر للوظيفة ووفى باقي ذلك لمصلحة الوقف فهل للناظر فعل ذلك ~~أم لا؟ وإذا عزل أحد المعينين للمصلحة واستمر على تناول المعلوم بعد علمه ~~بالعزل: يفسق بذلك ويجب عليه إعادة ما أخذه أم لا؟ وهل يلزم الناظر بيان ~~المصلحة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الناظر ليس له أن يفعل شيئا في أمر الوقف إلا ~~بمقتضى المصلحة الشرعية وعليه أن يفعل الأصلح فالأصلح. وإذا جعل الواقف ~~للناظر صرف من شاء وزيادة من أراد زيادته ونقصانه، # PageV31P067 # فليس للذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه أو ما يكون فيه اتباع ~~الظن وما تهوى الأنفس بل الذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من الأمور الذي هو ~~خير ما يكون إرضاء لله ورسوله. وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية: ~~كالإمام والحاكم والواقف وناظر الوقف وغيرهم: إذا قيل: هو مخير بين كذا ~~وكذا أو يفعل ما شاء وما رأى فإنما ذاك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة. ~~والمقصود بذلك أنه لا يتعين عليه فعل معين بل له أن يعدل عنه إلى ما هو ~~أصلح وأرضى لله ورسوله وقد قال الواقف: على ما يراه ويختاره ويرى المصلحة ~~فيه. وموجب هذا كله أن يتصرف برأيه واختياره الشرعي الذي يتبع فيه المصلحة ~~الشرعية. وقد يرى هو مصلحة والله ورسوله يأمر بخلاف ذلك ولا يكون هذا مصلحة ~~كما يراه مصلحة وقد يختار ما يهواه لا ما فيه رضى الله فلا يلتفت إلى ~~اختياره حتى لو صرح الواقف بأن للناظر أن يفعل ما يهواه وما يراه مطلقا لم ~~يكن هذا الشرط صحيحا؛ بل كان باطلا لأنه شرط مخالف لكتاب الله {ومن اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق} . وإذا كان كذلك وكان عزل الناظر واستبداله موافقا لأمر الله ورسوله ~~لم يكن للمعزول ولا غيره رد ذلك ولا يتناول شيئا من الوقف # PageV31P068 # والحال ms9028 هذه وإن لم يكن موافقا لأمر الله ورسوله كان مردودا بحسب الإمكان ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} ~~وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} . وإن تنازعوا هل الذي فعله هو ~~المأمور به أم لا؟ رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله فإن كان الذي فعل ~~الناظر أرضى لله ورسوله نفذ وإن كان الأول هو الأرضى ألزم الناظر بإقراره ~~وإن كان هناك أمر ثالث هو الأرضى لزم اتباعه. وعلى الناظر بيان المصلحة فإن ~~ظهرت وجب اتباعها وإن ظهر أنها مفسدة ردت وإن اشتبه الأمر وكان الناظر ~~عالما عادلا سوغ له اجتهاده. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له مزرعة وبها شجر وقف للفقراء تباع كل سنة وتصرف في مصارفها. ثم ~~إن الناظر أجر الوقف لمن يضر بالوقف وكان هناك حوض للسبيل ومطهرة للمسلمين: ~~فهدمها هذا المستأجر وهدم الحيطان. فهل يجوز ذلك أم لا؟ . # فأجاب: # لا يجوز إكراء الوقف لمن يضر به باتفاق المسلمين؛ بل ولا يجوز إكراء ~~الشجر بحال وإن سوقي عليها بجزء حيلة لم يجز بالوقف # PageV31P069 # باتفاق العلماء ولا يجوز إزالة ما كان ينتفع به المسلمون للشرب والطهارة ~~بل يعزر هذا المستأجر الظالم الذي فعل ذلك ويلزم بضمان ما أتلفه من البناء ~~وأما القيمة والشجر فيستغل كما جرت عادتها وتصرف الغلة في مصارفها الشرعية. # سئل: # عن مساجد وجوامع لهم أوقاف وفيها قوام وأئمة ومؤذنون فهل لقاضي المكان أن ~~يصرف منه إلى نفسه. # فأجاب: # بل الواجب صرف هذه الأموال في مصارفها الشرعية فيصرف من الجوامع والمساجد ~~إلى الأئمة والمؤذنين والقوام ما يستحقه أمثالهم. وكذلك يصرف في فرش ~~المساجد وتنويرها كفايتها بالمعروف وما فضل عن ذلك إما أن يصرف في مصالح ~~مساجد أخر. ويصرف في المصالح: كأرزاق القضاة في أحد قولي العلماء. وأما ~~صرفها للقضاة ومنع مصالح المساجد فلا يجوز. والله أعلم. # PageV31P070 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل بنى مدرسة وأوقف عليها وقفا على فقهاء وأرباب وظائف ثم إن السلطنة ~~أخذت أكثر ms9029 الوقف وأن الواقف اشترط المحاصصة بينهم. فهل يجوز للناظر أن يعطي ~~أصحاب الوظائف بالكامل وما بقي للفقهاء؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الذي يحصل بالمحاصصة لأرباب الأعمال التي يستأجر عليها ~~- كالبواب والقيم والسواق ونحوهم - أجرة مثلهم يعطوه زيادة على ذلك وإن كان ~~ما يحصل دون أجرة المثل وأمكن من يعمل بذلك لم يحتج إلى الزيادة وإن كان ~~الحاصل لهم أقل من أجرة المثل ولا يحصل من يعمل بأقل من أجرة المثل فلا بد ~~من تكميل المثل لهم إذا لم تقم مصلحة المكان إلا بهم وإن أمكن أن يجعل شخص ~~واحد قيما وبوابا أو قيما ومؤذنا أو يجمع له بين تلك الوظائف ويقوم بها ~~فإنه يفعل ذلك ولا يكثر العدد الذي لا يحتاج إليه مع كون الوقف قد عاد إلى ~~ريعه: بل إذا أمكن سد أربع وظائف بواحد فعل ذلك. والله أعلم. # PageV31P071 # وسئل: # عن دار حديث شرط واقفها في كتاب وقفها ما صورته بحروفه. قال: والنظر في ~~أمر أهل الدار على اختلاف أصنافهم إثباتا وصرفا: وإعطاء ومنعا وزيادة ونقصا ~~ونحو ذلك إلى شيخ المكان. وكذلك النظر إليه في خزانة كتبها وسائر ما يشبه ~~ذلك أو يلحق به. وله إذا كان عنده الوقف في أمر من الأمور أن يفوض ذلك إلى ~~من يتولاه. ثم قال: والنظر في أمر الأوقاف وأمورها المالية إلى الواقف - ~~ضاعف الله ثوابه - يفوض ذلك إلى من يشاء ومتى فوض ذلك إليه تلقاه بحكم ~~الشرط المقارن لإنشاء الوقف وينتقل بعد ذلك إلى حاكم المسلمين بدمشق وله أن ~~يصرف إلى من سوى ذلك من عامل وغيره من مغل الوقف على حسب ما تقتضيه الحال. ~~فهل إذا لم يكن في شرط النظر في كتاب الوقف شيء آخر يكون النظر المشروط ~~للحاكم مختصا بحاكم مذهب معين بمقتضى لفظ الشرط المذكور؟ أم لا يختص بحاكم ~~معين بل يكون النظر المذكور لمن كان حاكما بدمشق على أي مذهب كان من ~~المذاهب الأربعة؟ وإذا لم يكن # PageV31P072 # مختصا وفوض بعض الحكام قضاة القضاة أعزهم الله بدمشق ms9030 المحروسة لأهل كان ~~النظر المذكور بمقتضى ما رآه من عدم الاختصاص يجوز لحاكم آخر منعه من ذلك ~~أو بعض ما فعله بغير قادح؟ # فأجاب: # ليس في اللفظ المذكور في شرط الواقف ما يقتضي اختصاصه بمذهب معين على ~~الإطلاق فإن ذلك يقتضي أنه لو لم يكن في البلد إلا حاكم على غير المذهب ~~الذي كان عليه حاكم البلد ومن الواقف أن لا يكون له النظر وهذا باطل باتفاق ~~المسلمين فما زال المسلمون يقفون الأوقاف ويشرطون أن يكون النظر للحاكم أو ~~لا يشترطون ذلك في كتاب الوقف فإن ذلك يقتضي بطلان الشرع في الوقوف العامة ~~التي لم يعين ولي الأمر لها ناظرا خاصا وفي الوقوف الخاصة نزاع معروف. ثم ~~قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب وبعد ذلك يكون للحاكم مذهب آخر. . كما ~~يكون في العراق وغيرها من بلاد الإسلام فإنهم كانوا يولون قضاة القضاة تارة ~~لحنفي وتارة لمالكي وتارة لشافعي وتارة لحنبلي. وهذا القاضي يولي في ~~الأطراف من يوافقه على مذهبه تارة ومن يخالفه أخرى ولو شرط الإمام على ~~الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط وفي فساد ~~العقد وجهان. # PageV31P073 # ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاء أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا ~~الشرط فعلوا. فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم ~~مما في التقدير كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما؛ ولكن ~~هذا لا يسوغ لواقف أن لا يجعل النظر في الوقف إلا لذي مذهب معين دائما مع ~~إمكان؛ إلا أن يتولى في ذلك المذهب فكيف إذا لم يشرط ذلك. ولهذا كان في بعض ~~بلاد الإسلام يشرط على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب معين كما صار أيضا في ~~بعضها بولاية قضاة مستقلين ثم عموم النظر في عموم العمل وإن كان في كل من ~~هذا نزاع معروف وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان: هل يعين الأقرب؟ أو بالقرعة؟ ~~فيه نزاع معروف. وهذه الأمور التي فيها اجتهاد إذا ms9031 فعلها ولي الأمر نفذت. ~~وإذا كان كذلك فالحاكم على أي مذهب كان إذا كانت ولايته تتناول النظر في ~~هذا الوقف كان تفويضه سائبا ولم يجز لحاكم آخر نقض مثل هذا لا سيما إذا كان ~~في التفويض إليه من المصلحة في المال ومستحقه ما ليس في غيره. ولو قدر أن ~~حاكمين ولى أحدهما شخصا وولى آخر شخصا: كان الواجب على ولي الأمر أن يقدم ~~أحقهما بالولاية؛ فإن من عرفت قوته وأمانته يقدم على من ليس كذلك باتفاق ~~المسلمين. # PageV31P074 # و ### | سئل: # عن الناظر متى يستحق معلومه: # من حين فوض إليه؟ أو من حين مكنه السلطان؟ أو من حين المباشرة؟ # فأجاب: # الحمد لله، المال المشروط للناظر مستحق على العمل المشروط عليه فمن عمل ~~ما عليه يستحق ماله. والله أعلم. # وسئل: # عمن استأجر أرض وقف من الناظر على الوقف النظر الشرعي ثلاثين سنة بأجرة ~~المثل وأثبت الإجارة عند حاكم من الحكام وأنشأ عمارة وغرس في المكان مدة ~~أربع سنين ثم سافر والمكان في إجارته وغاب إحدى عشرة سنة فلما حضر وجد بعض ~~الناس قد وضع يده على الأرض وادعى أنه استأجرها وذلك بطريق شرعي. فهل له ~~نزع هذا الثاني وطلبه بتفاوت الأجرة. # PageV31P075 # فأجاب: إن كان الثاني قد استأجر المكان من غير من له ولاية الإيجار ~~واستأجره مع بقاء إجارة صحيحة عليه: فالإجارة باطلة ويده يد عادية مستحقة ~~للرفع والإزالة. وإذا كان الثاني استأجرها وتسلمها وهي في إجارة الأول. ~~فالأول مخير بين أن يفسخ الإجارة وتسقط عنه الإجارة من حين الفسخ ويطالب ~~أهل المكان بالإجارة لهذا الثاني المتولي عليه؛ يطلبون منه أجرة المثل إن ~~كانت الإجارة فاسدة؛ وإن كانت صحيحة طالبوه بالفسخ وبين إمضاء الإجارة؛ ~~ويعطي أهل المكان أجرتهم؛ ويطالب الغاصب بأجرة المثل من حين استيلائه على ~~ما استأجره. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوم وقف عليهم حصة من حوانيت؛ وبعضها وقف على جهة أخرى وتلك ملكا ~~لغيرهم وشرط الواقف المذكور النظر في ذلك للأسن فإذا استووا في ذلك فهم ~~شركاء في النظر. فتداعى الوقف المذكور ms9032 إلى الخراب فأجروه لمالكي باقي الحصة ~~مدة ثلاثين سنة بأجرة حالة وأجرة مؤجلة؛ وعينوا شهود الإجارة جميع ما في ~~الحوانيت المذكورة: من خشب وقصب وجريد وجدر وطولها وعرضها؛ وغير ذلك. وذكر ~~شهود الإجارة فيها: اعترف فلان وفلان - الآخران المذكوران - بقبض الأجرة ~~الحالة بتمامها؛ ومن في درجتها. ومات المستأجر. وانتقل # PageV31P076 # ما كان ملكا له من ذلك لغيره وانقضت مدة الإجارة وانتقل الوقف المذكور ~~إلى البطن الثاني: فهل للبطن الثاني أن يتسلموا الحوانيت المذكورة على ما ~~هي عليه الآن وقد اعترف الآخران بقبض الأجرة الحالة ليصرفاها في عمارة ~~الوقف وإعادته إلى ما كان عليه أو يلزمهم إقامة البينة على أن الآخران ~~المذكوران لما قبضا الأجرة صرفاها في العمارة أو المستأجرين أو من انتقل ~~إليهم ما كان ملكا للمستأجر المنع من تسليم الحصة المذكورة من الحوانيت إلا ~~على صورتها الأولى والحالة هذه؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل ما كان في العرصة المشتركة من البناء بيد أهل العرصة ثابتة ~~عليه بحكم الاشتراك أيضا حتى يقيم أحدهم حجة شرعية باختصاصه بالبناء ولا ~~يقبل مجرد دعوى أحد الشركاء في العرصة الاختصاص بالبناء سواء كانت العرصة ~~المشتركة بين وقف وطلق أو بين طلقتين أو وقفين. ويد المستأجر إنما هي على ~~المنفعة وليس بمجرد الإجارة تثبت دعوى استحقاق البناء إلا أن يقيم بذلك ~~حجة. والله أعلم. # PageV31P077 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أقر قبل موته بعشرة أيام أن جميع الحانوت والأعيان التي بها وقف ~~على وجوه البر والقربات. وتصرف الأجرة والثواب من مدة تتقدم على إقراره هذا ~~بعشرين سنة. ففعل بمقتضى شرط إقراره. وعين الناظر الإمام بعد موته ثم عين ~~ناظرا آخر من غير عزل الإمام الناظر الأول فصرف أحد الناظرين على ثبوت ~~الوقف ما جرت العادة بصرفه على ثبوت مثله من ريع الوقف من غير أن يصرف إلى ~~مستحقي الريع شيئا. فهل تجب الأجرة من الريع؟ أم من تركة الميت المقر ~~بالوقف المذكور؟ وإذا تعذر إيجار العين الموقوفة بسبب اشتغالها بمال الورثة ~~فهل تجب الأجرة على الورثة تلك المدة؟ ms9033 وهل تفوت الأجرة السابقة في ذمة ~~الميت بمقتضى إقراره بالمدة الأولى ويرجع بها في تركته؟ وهل إذا عين ناظرا ~~ثم عين ناظرا آخر يكون عزلا للأول من غير أن يتلفظ بعزله؟ أم يشتركان في ~~النظر؟ وهل إذا علم الشهود ثبوت المال في تركة الميت يحل كتمه أم لا. # فأجاب: # ليست أجرة إثبات الوقف والسعي في مصالحه من تركة # PageV31P078 # الميت فإن ما زاد على المقر به كله مستحق للورثة وإنما عليهم رفع أيديهم ~~عن ذلك وتمكين الناظر منه وليس عليه السعي ولا أجرة ذلك. وأما العين المقر ~~بها إذا انتفع بها الورثة أو وضعوا أيديهم عليها بحيث يمنع الانتفاع ~~المستحق بها فعليهم أجرة المنفعة في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ممن يقول ~~بأن منافع الغصب مضمونة. والنزاع في المسألة مشهور. وإقرار الميت بأنها وقف ~~من المدة المتقدمة ليس بصريح في أنه كان مستوليا عليها بطريق الغصب والضمان ~~لا يجب بالاحتمال. وأما تعيين ناظر بعد آخر فيرجع في ذلك إلى عرف مثل هذا ~~الوقف وعادة أمثاله فإن كان هذا في العادة رجوعا كان رجوعا وكذلك إن كان في ~~لفظه ما يقتضي انفراد الثاني بالتصرف وإلا فقد عرفت المسألة وهي ما إذا وصى ~~بالعين لشخص ثم وصى بها لآخر: هل يكون رجوعا أم لا؟ وما علمه الشهود من حق ~~مستحق يصل الحق إلى مستحقه بشهادتهم لم يكتموها وإن كان يوجد من لا يستحقه ~~ولا يصل إلى من يستحقه فليس عليهم أن يعينوا واحدا منهما وإن كان أخذه ~~بتأويل واجتهاد لم يكن عليهم أيضا نزعه من يده بل يعان المتأول المجتهد على ~~من لا تأويل له ولا اجتهاد. # PageV31P079 # وسئل - رحمه الله -: # عن صورة كتاب وقف نصه: هذا ما وقفه عامر بن يوسف بن عامر على أولاده: علي ~~وطريفة؛ وزبيدة. بينهم على الفريضة الشرعية؛ ثم على أولادهم من بعدهم؛ ثم ~~على أولاد أولادهم ثم على أولاد أولاد أولادهم. ثم على نسلهم وعقبهم من ~~بعدهم وإن سفلوا؛ كل ذلك على الفريضة الشرعية على أنه من توفي من ms9034 أولادهم ~~المذكورين؛ وأولاد أولادهم؛ ونسلهم. وعقبهم من بعدهم: عن ولد؛ أو ولد ولد؛ ~~ونسل؛ أو عقب وإن سفل: كان ما كان موقوفا عليه؛ راجعا إلى ولده؛ وولد ولده؛ ~~ونسله؛ وعقبه من بعده؛ وإن سفل. كل ذلك على الفريضة الشرعية. ومن توفي منهم ~~عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب - وإن بعد - كان ما كان موقوفا ~~عليه راجعا إلى من هو في طبقته وأهل درجته من أهل الوقف: على الفريضة ~~الشرعية؛ ثم على جهات ذكرها في كتاب الوقف - والمسئول من السادة العلماء أن ~~يتأملوا شرط الواقف المذكور - ثم توفي عن بنتين فتناولتا ما انتقل إليهما ~~عنه؛ ثم توفيت إحداهما عن ابن وابنة ابن. # PageV31P080 # فهل يشتركان في نصيبها؛ أم يختص به الابن دون ابنة الابن؟ ثم إن الابن ~~المذكور توفي عن ابن: هل يختص بما كان جاريا على أبيه دون ابنة الابن؟ وهل ~~يقتضي شرط الواقف المذكور ترتيب الجملة على الجملة؟ أو الأفراد على ~~الأفراد. # فأجاب: # هذه المسألة فيها قولان عند الإطلاق معروفان للفقهاء في مذهب الإمام أحمد ~~وغيره؛ ولكن الأقوى أنها لترتيب الأفراد على الأفراد وأن ولد الولد يقوم ~~مقام أبيه لو كان الابن موجودا مستحقا قد عاش بعد موت الجد واستحق أو عاش ~~ولم يستحق لمانع فيه أو لعدم قبوله للوقف أو لغير ذلك أو لم يعش بل مات في ~~حياة الجد. ويكون على هذا التقدير مقابلة الجمع بالجمع؛ وهي تقتضي توزيع ~~الأفراد على الأفراد كما في قوله {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} أي لكل واحد ~~نصف ما تركت زوجته؛ وقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} أي حرم على كل واحد أمه ~~ونحو ذلك. كذلك قوله: على أولادهم؛ ثم على أولاد أولادهم أي: على كل واحد ~~بعد موت أبيه. وأما في هذه فقد صرح الواقف بأنه من مات عن ولد انتقل نصيبه ~~إلى ولده؛ وهذا صريح في أنه لترتيب الأفراد على الأفراد؛ فلم يبق في هذه ~~المسألة نزاع. وإنما الشبهة في أن الولد إذا مات في حياة أبيه وله ms9035 ولد؛ ثم ~~مات الأب عن ولد آخر وعن ولد الولد الأول: هل يشتركان؟ أو ينفرد به الأول؟ # PageV31P081 # الأظهر في هذه المسألة أنهما يشتركان؛ لأنه إذا كان المراد أن كل ولد ~~مستحق بعد موت أبيه - سواء كان عمه حيا أو ميتا - فمثل هذا الكلام إذا ~~يشترط فيه عدم استحقاق الأب كما قال الفقهاء في ترتيب العصبة: إنهم الابن ~~ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه؛ ثم العم ثم بنو العم؛ ونحو ذلك؛ فإنه لا يشترط في ~~الطبقة الثانية إلا عدم استحقاق الأولى. فمتى كانت الثانية موجودة والأولى ~~لا استحقاق لها استحقت الثانية؛ سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ولا ~~يشترط لاستحقاق الثانية استحقاق الأولى؛ وذلك لأن الطبقة الثانية تتلقى ~~الوقف من الواقف لا من الثانية فليس هو كالميراث الذي يرثه الابن؛ ثم ينتقل ~~إلى ابنه وإنما هو كالولاء الذي يورث به فإذا كان ابن المعتق قد مات في ~~حياة المعتق؛ ورث الولاء ابن ابنه. وإنما يغلط من يغلط في مثل هذه المسألة ~~حين يظن أن الطبقة الثانية تتلقى من التي قبلها؛ فإن لم تستحق الأولى شيئا ~~لم تستحق الثانية. ثم يظنون أن الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ~~ابنه؛ وليس كذلك؛ بل هم يتلقون من الواقف؛ حتى لو كانت الأولى محجوبة بمانع ~~من الموانع: مثل أن يشترط الواقف في المستحقين أن يكونوا فقراء أو علماء أو ~~عدولا؛ أو غير ذلك ويكون الأب مخالفا للشرط المذكور وابنه متصفا به فإنه ~~يستحق الابن وإن لم يستحق أبوه. كذلك إذا مات # PageV31P082 # الأب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه. وهكذا جميع الترتيب في الحضانة ~~وولاية النكاح والمال وترتيب عصبة النسب والولاء في الميراث وسائر ما جعل ~~المستحقون فيه طبقات ودرجات فإن الأمر فيه على ما ذكر. وهذا المعنى هو الذي ~~يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم. ومن صرح منهم بمراده فإنه يصرح بأن ~~ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا لا سيما والناس يرحمون ~~من مات والده ولم يرث حتى إن ms9036 الجد قد يوصي لولد ولده؛ ومعلوم أن نسبة هذا ~~الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء. فكيف يحرم ولد ولده اليتيم ويعطي ~~ولد ولده الذي ليس بيتيم فإن هذا لا يقصده عاقل. ومتى لم نقل بالتشريك بقي ~~الوقف في هذا الولد وولده؛ دون ذرية الولد الذي مات في حياة أبيه. والله ~~أعلم. # PageV31P083 # و ### | سئل: # عن امرأة أوقفت وقفا على تربتها بعد موتها وأرصدت للمقرئين شيئا معلوما # وما يفضل عن ذلك للفقراء أو وجوه البر وإن لها قرابة: خالها قد افتقر ~~واحتاج؛ وانقطع عن الخدم وأن الناظر لم يصرف له ما يقوم بأوده. فهل يجب ~~إلزام الناظر بما يقوم بأود القرابة ودفع حاجته دون غيره؟ . # فأجاب: # إذا كان للموقفة قرابة محتاج كالخال ونحوه فهو أحق من الفقير المساوي له ~~في الحاجة وينبغي تقديمه. وإذا اتسع الوقف لسد حاجته سدت حاجته منه. # وسئل - رحمه الله -: # عن أوقاف ببلد على أماكن مختلفة: من مدارس؛ ومساجد وخوانك؛ وجوامع؛ ~~ومارستانات؛ وربط؛ وصدقات وفكاك أسرى من أيدي الكفار. وبعضها له ناظر خاص ~~وبعضها له ناظر من جهة # PageV31P084 # ولي الأمر وقد أقام ولي الأمر على كل صنف من هذه الأصناف ديوانا يحفظون ~~أوقافه؛ ويصرفون ريعه في مصارفه ورأى الناظر أن يفرز لهذه المعاملات ~~مستوفيا يستوفي حساب هذه المعاملات - يعني الأوقاف كلها - وينظر في تصرفات ~~النظار والمباشرين؛ ويحقق عليهم ما يجب تحقيقه من الأموال المصروفة ~~والباقي؛ وضبط ذلك عنده؛ ليحفظ أموال الأوقاف عند اختلاف الأيدي؛ وتغيير ~~المباشرين ويظهر بمباشرته محافظة بعض العمال على فائدة. فهل لولي الأمر أن ~~يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة أم لا؟ وإذا صار الآن يفعل ذلك إذا رأى فيه ~~مصلحة وقرر المذكور وقرر له معلوما يسيرا على كل من هذه لا يصل إلى ريع ~~معلوم أحد المباشرين لها ودون ذلك بكثير لما يظهر له من المصلحة فيه. فهل ~~يكون ذلك سائغا؟ وهل يستحق المستوفي المذكور تناول ما قرر له أم لا إذا قام ~~بوظيفته؟ وإذا كانت وظيفته استرجاع الحساب عن كل سنة ms9037 على حكم أوضاع الكتاب؛ ~~ووجد ارتفاع حساب سنين أو أكثر فتصرف وعمل فيه وظيفته. هل يستحق معلوم ~~المدة التي استرجع حسابهم فيها وقام بوظيفته بذلك الحساب؟ . # فأجاب: # نعم، لولي الأمر أن ينصب ديوانا مستوفيا لحساب الأموال الموقوفة عند ~~المصلحة كما له أن ينصب الدواوين مستوفيا لحساب الأموال السلطانية: كالفيء؛ ~~وغيره. وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله: # PageV31P085 # من كل مال يعمل فيه بقدر ذلك المال واستيفاء الحساب وضبط مقبوض المال ~~ومصروفه من العمل الذي له أصل؛ لقوله تعالى {والعاملين عليها} وفي الصحيح: ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على الصدقة فلما رجع حاسبه} وهذا ~~أصل في محاسبة العمال المتفرقين. والمستوفي الجامع نائب الإمام في محاسبتهم ~~ولا بد عند كثرة الأموال ومحاسبتهم من ديوان جامع. ولهذا لما كثرت الأموال ~~على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع " الدواوين " ديوان ~~الخراج وهو ديوان المستخدمين على الارتزاق واستعمل عليه عثمان بن حنيف. ~~وديوان النفقات وهو ديوان المصروف على المقاتلة والذرية الذي يشبه في هذه ~~الأوقات ديوان الحبس والثبوتات ونحو ذلك. واستعمل عليه زيد بن ثابت. وكذلك ~~الأموال الموقوفة على ولاة الأمر من الإمام والحاكم ونحوه إجراؤها على ~~الشروط الصحيحة الموافقة لكتاب الله وإقامة العمال على ما ليس عليه عامل من ~~جهة الناظر. والعامل في عرف الشرع يدخل فيه الذي يسمى ناظرا ويدخل فيه غير ~~الناظر لقبض المال ممن هو عليه صرفه ودفعه إلى من هو له؛ لقوله {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} . ونصب المستوفي الجامع للعمال ~~المتفرقين بحسب الحاجة والمصلحة. وقد يكون واجبا إذا لم تتم مصلحة قبض ~~المال وصرفه إلا به فإن ما لا # PageV31P086 # يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد يستغنى عنه عند قلة العمل ومباشرة ~~الإمام للمحاسبة بنفسه كما في نصب الإمام للحاكم عليه أن ينصب حاكما عند ~~الحاجة والمصلحة إذا لم تصل الحقوق إلى مستحقها أو لم يتم فعل الواجب وترك ~~المحرم إلا به. وقد يستغني عنه الإمام إذا ms9038 أمكنه مباشرة الحكم بنفسه. ~~{ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر الحكم واستيفاء الحساب بنفسه} ~~وفيما بعد عنه يولي من يقوم بالأمر ولما كثرت الرعية على عهد أبي بكر وعمر ~~والخلفاء استعملوا القضاة ودونوا الدواوين في أمصارهم وغيرهما فكان عمر ~~يستنيب زيد بن ثابت بالمدينة على القضاء والديوان. وكان بالكوفة قد استعمل ~~عمار بن ياسر على الصلاة والحرب: مثل نائب السلطان والخطيب فإن السنة كانت ~~أنه يصلي بالناس أمير حربهم. واستعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت ~~المال واستعمل عثمان بن حنيف على ديوان الخراج. وإذا قام المستوفي بما عليه ~~من العمل استحق ما فرض له والجعل الذي ساغ له فرضه. وإذا عمل هذا ولم يعط ~~جعله فله أن يطلب على العمل الخاص فإن ما وجب بطريق المعاملة يجب. # PageV31P087 # وسئل: # عن رجل استأجر قطع أرض وقف؛ وغرس فيها غراسا وأثمر؛ ومضت مدة للإيجار؛ ~~فأراد نظار الوقف قلع الغراس. فهل لهم ذلك؟ أو أجرة المثل؟ وهل يثاب ولي ~~الأمر على مساعدته؟ # فأجاب: # ليس لأهل الأرض قلع الغراس؛ بل لهم المطالبة بأجرة المثل أو تملك الغراس ~~بقيمته؛ أو ضمان نقصه إذا قلع. وما دام باقيا فعلى صاحبه أجرة مثله. وعلى ~~ولي الأمر منع الظالم من ظلمه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل متولي إمامة مسجد وخطابته؛ ونظر وقفه: من سنين معدودة بمرسوم ولي ~~الأمر وله مستحق بحكم ولايته الشرعية فهل لنظار وقف آخر أن يضعوا أيديهم ~~على هذا الوقف؛ أو يتصرفوا فيه بدون هذا الناظر؛ وأن يصرفوا مال المسجد ~~المذكور في غير جهته؛ أو يمنعوا ما قدر له على ذلك. ولو قدر أن هذا الوقف ~~كان في ديوان أولئك من مدة ثم # PageV31P088 # أخرجه ولي الأمر؛ وجعله للإمام الخطيب: فهل لهم ذلك - والحالة هذه أن ~~يتصرفوا فيه ويمنعوه التصرف مع بقاء ولايته؟ وهل إذا تصرف فيه متعد وصرف ~~منه شيئا إلى غيره مع حاجة الإمام وقيام المصالح وأصر على ذلك - والحالة ~~هذه - يقدح في دينه وعدالته أم لا. # فأجاب: # ليس ms9039 لناظر غير الناظر المتولي هذا الوقف أن يضع يده عليه ولا يتصرف فيه ~~بغير إذنه؛ لا نظار وقف آخر ولا غيرهم؛ سواء كانوا قبل ذلك متولين نظره أو ~~لم يكونوا متولين نظره ولا لهم أن يصرفوا مال المسجد في غير جهاته التي وقف ~~عليها - والحال ما ذكر - بل يجب أن يعطي الإمام وغيره ما يستحقونه كاملا؛ ~~ولا ينقصون من مستحقهم لأجل أن يصرفوا الفاضل إلى وقف آخر؛ فإن هذا لا نزاع ~~في أنه لا يجوز؛ وإنما تنازع العلماء في جواز صرف الفاضل ومن جوزه فلم يجوز ~~لغير الناظر المتولي أن يستقل بذلك ومن أصر على صرف مال لغير مستحقه ومنع ~~المستحق قدح في دينه وعدالته. # PageV31P089 # وسئل - رحمه الله -: # عن واقف وقف على فقراء المسلمين. فهل يجوز لناظر الوقف أن يصرف جميع ريعه ~~إلى ثلاثة - والحالة هذه - أم لا؛ وإن جاز له أن يصرف إلى ثلاثة؛ وكان من ~~أقارب الواقف فقير - ثبت فقره واستحقاقه للصرف إليه من ذلك - فهل يجوز ~~الصرف إليه عوضا عن أحد الثلاثة الأجانب من الواقف؛ وإذا جاز الصرف إليه: ~~فهل هو أولى من الأجنبيين المصروف إليهما؟ وإذا كان أولى: فهل يجوز للناظر ~~أن يصرف إلى قريب الواقف المذكور قدر كفايته من الوقف - والحالة هذه - وإذا ~~جاز له ذلك: فهل يكون فعله ذلك أولى وأفضل من أن ينقص من كفايته؛ ويصرف ذلك ~~القدر إلى الأجنبي - والحالة هذه. # فأجاب: # الحمد لله، يجب على ناظر الوقف أن يجتهد في مصرفه؛ فيقدم الأحق؛ فالأحق. ~~وإذا قدر أن المصلحة الشرعية اقتضت صرفه إلى ثلاثة مثل أن لا يكفيهم أقل من ~~ذلك؛ فلا يدخل غيرهم من الفقراء. وإذا كفاهم وغيرهم من الفقراء يدخل ~~الفقراء معهم؛ ويساويهم مما يحصل من ريعه وهم أحق منه عند التزاحم ونحو ~~ذلك. وأقارب # PageV31P090 # الواقف الفقراء أولى من الفقراء الأجانب مع التساوي في الحاجة. ويجوز أن ~~يصرف إليه كفايته إذا لم يوجد من هو أحق منه. وإذا قدر وجود فقير مضطر كان ~~دفع ضرورته واجبا. وإذا لم يندفع إلا ms9040 بتنقيص كفاية أولئك من هذا الوقف من ~~غير ضرورة تحصل لهم تعين ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ولى ذا شوكة على وقف من مساجد وربط وغير ذلك اعتمادا على دينه ~~وعلما بقصده للمصلحة. فعند توليته - وجد تلك الوقوف على غير سنن مستقيم ~~ويتعرض إليها - كره مباشرتها؛ لئلا يقع الطمع في مالها وغير ملتفتين إلى ~~صرفها في استحقاقها. وهم مثل القاضي والخطيب وإمام الجامع وغير ذلك فإنهم ~~يأخذون من عموم الوقف وهو مع هذا عاجز عن صد التعرض عنها ومع اجتهاده فيها ~~ومبالغته. فهل يحل للسائل عزل نفسه عنها وعن القيام بما يقدر عليه من ~~مصالحها؛ مع العلم بأنه بأجرة يكثر التعرض فيها والطمع في مالها. وهل يحل ~~له تناول أجرة عمله منها مع كونه ذا عائلة وعاجزا عن تحصيل قوتهم من غيرها؟ ~~وهل يحل للناظر إذا وجد مكانا خربا أن يصرف # PageV31P091 # ماله في مصلحة غيره عند تحققه بأن مصلحته ما يتصور أن تقوم بعمارته؟ وهل ~~إذا فضل عن جهته شيء من ملكها صرفه إلى مهم غيره وعمارة لازمة يمكن أن ~~تحفظه لكثرة التعرض إليه أم لا؟ # فأجاب: # أصل هذه إنما أوجبه الله من طاعته وتقواه مشروط بالقدرة كما قال تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح ~~والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وباحتمال أدنى المفسدتين ~~لدفع أعلاهما. فمتى لم يندفع الفساد الكبير عن هذه الأموال الموقوفة ~~ومصارفها الشرعية إلا بما ذكر - من احتمال المفسدة القليلة - كان ذلك هو ~~الواجب شرعا. وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب ~~التزامه أو مزاحمة ما هو أوجب من ذلك. وله بإجماع المسلمين مع الحاجة تناول ~~أجرة عمله فيها؛ بل قد جوزه من جوزه مع الغنى أيضا كما جوز الله تعالى ~~للعاملين على الصدقات الأخذ مع الغنى عنها. وإذا خرب مكان موقوف فتعطل نفعه ~~بيع وصرف ثمنه ms9041 في نظيره أو نقلت إلى نظيره وكذلك إذا خرب بعض الأماكن ~~الموقوف عليها # PageV31P092 # - كمسجد ونحوه - على وجه يتعذر عمارته فإنه يصرف ريع الوقف عليه إلى ~~غيره. وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره أو مصلحة المسلمين من أهل ~~ناحيته ولم يحبس المال دائما بلا فائدة وقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم ~~كسوة الكعبة بين الحجيج؛ ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ~~ونحوها وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقا. # وسئل - رحمه الله -: # عن الوقف الذي أوقف على الأشراف ويقول: إنهم أقارب: هل الأقارب شرفاء أم ~~غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئا من الوقف أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الوقف على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو على ~~بعض أهل البيت: كالعلويين والفاطميين أو الطالبيين الذين يدخل فيهم بنو ~~جعفر؛ وبنو عقيل. أو على العباسيين ونحو ذلك فإنه لا يستحق من ذلك إلا من ~~كان نسبه صحيحا ثابتا. فأما من ادعى أنه منهم ولم يثبت أنه منهم؛ أو علم ~~أنه ليس منهم: فلا يستحق من هذا الوقف وإن ادعى أنه منهم: كبني عبد الله بن ~~ميمون القداح؛ فإن أهل # PageV31P093 # العلم بالأنساب وغيرهم يعلمون أنه ليس لهم نسب صحيح. وقد شهد بذلك طوائف ~~أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب وثبت في ذلك محاضر شرعية. ~~وهذا مذكور في كتب عظيمة من كتب المسلمين بل ذلك مما تواتر عند أهل العلم. ~~وكذلك من وقف على " الأشراف " فإن هذا اللفظ في العرف لا يدخل فيه إلا من ~~كان صحيح النسب من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأما إن وقف واقف على ~~بني فلان؛ أو أقارب فلان؛ ونحو ذلك ولم يكن في الوقف ما يقتضي أنه لأهل ~~البيت النبوي وكان الموقوف ملكا للواقف يصح وقفه في ذرية المعين: لم يدخل ~~بنو هاشم في هذا الوقف. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل بيده مسجد بتواقيع ms9042 إحياء سنة شرعية بحكم نزول من كان بيده توقيعا ~~بالنزول ثابتا بالحكام ثم إن ولد من كان بيده المسجد أولا تعرض لمن بيده ~~المسجد الآن وطلب مشاركته. ولم يكن له مستند شرعي غير أنه كان بيد والده. ~~فهل يجوز أن يلجأ إلى الشركة بغير رضاه؟ # PageV31P094 # فأجاب: الحمد لله. لا يجوز إلزام إمام مسجد على المشاركة - والحالة هذه - ~~ولا التشريك بينهما؛ أو عزله بمجرد ما ذكر: من كون أبيه كان هو الإمام فإن ~~المساجد يجب أن يولى فيها الأحق شرعا وهو الأقرأ لكتاب الله؛ والأعلم بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسبق إلى الأعمال الصالحة: مثل أن يكون ~~أسبق هجرة؛ أو أقدم سنا. فكيف إذا كان الأحق هو المتولي فإنه لا يجوز عزله ~~باتفاق العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن مدرسة وقفت على الفقهاء والمتفقهة الفلانية برسم سكناهم واشتغالهم ~~فيها. فهل تكون السكنى مختصة بالمرتزقين؟ وهل يجوز إخراج أحد من الساكنين ~~مع كونه من الصنف الموقوف عليه؟ # فأجاب: # لا تختص السكنى والارتزاق بشخص واحد. وتجوز السكنى من غير ارتزاق من ~~المال كما يجوز الارتزاق من غير سكنى. ولا يجوز قطع أحد الصنفين إلا بسبب ~~شرعي - إذا كان الساكن مشتغلا - سواء كان يحضر الدرس أم لا. # PageV31P095 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ملك إنسانا أنشابا قائمة على الأرض الموقوفة على الملك المذكور ~~وغيره أيام حياته؛ ثم بعد وفاته على أولاده؛ وعلى من يحدثه الله من الأولاد ~~من الذكور والإناث بينهم بالسوية: على أن من توفي منهم وترك ولدا كان نصيبه ~~من الوقف إلى ولده؛ أو ولد ولده وإن سفل واحدا كان أو أكثر ذكرا كان أو ~~أنثى؛ من ولد الظهر والبطن؛ يستوي في ذلك الذكور والإناث. وإن توفي ولم يكن ~~له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك كان نصيبه من ذلك مصروفا إلى من هو في ~~درجته؛ مضافا إلى ما يستحقه من ريع هذا الوقف. فإن لم يكن له أخ ولا أخت؛ ~~ولا من يساويه في الدرجة: كان نصيبه مصروفا إلى ms9043 أقرب الناس إليه: الأقرب ~~فالأقرب من ولد الظهر والبطن؛ تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى من ولد ~~الظهر والبطن بالسوية؛ إلى حين انقراضهم. فإن لم يبق أحد يرجع بنسبه إلى ~~الموقوف عليه لا من جهة الأب ولا من جهة البنت: كان مغل الوقف مصروفا إلى ~~الفقراء والمساكين بثغر دمياط المحروسة؛ والواردين إليه؛ والمترددين عليه ~~يفرقه الناظر على ما يراه. ثم على أسارى المسلمين # PageV31P096 # فمن أهل الوقف الأول أحد البنات توفيت ولم يكن لها ولد أخذ إخوتها ~~نصيبها؛ ثم ماتت البنت الثانية ولها ابنتان أخذتا نصيبها؛ ثم بعد ذلك ماتت ~~البنت الثالثة ولم يكن لها ولد أخذت أختها نصيبها ثم بعد ذلك ماتت الأخت ~~الرابعة فأخذوا لها الثلثين. فهل يصح لأولاد خالته نصيب معه أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، البنت الأولى انتقل نصيبها إلى إخوتها الثلاثة؛ ~~كما شرطه الواقف؛ لا يشارك أولاد هذه لأولاد هذه في النصيب الأصلي الذي كان ~~لأمها. وأما النصيب العائد - وهو الذي كان للثالثة وانتقل إلى الرابعة - ~~فهذا يشترك فيه أولاد هذه وأولاد هذه؛ كما يشترك فيه أمهما هذا أظهر ~~القولين في هذه المسألة. وقيل: إن جميع ما حصل للرابعة وهو نصيبها؛ ونصيب ~~الثالثة ينتقل إلى أولادها خاصة؛ لأن الواقف قال: وإن توفي ولم يكن له ولد ~~ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك كان نصيبه مصروفا إلى من في درجته مضاف إلى ما ~~يستحقه من ريع الوقف. قالوا: فالمضاف كالمضاف إليه فإذا كان هذا ينتقل إلى ~~أولاده فكذلك الآخر: لأن قول الواقف: من مات منهم وترك ولدا كان نصيبه من ~~الوقف إلى ولده يتناول الأصلي والعائد. والأظهر هو القول الأول؛ فإن قوله: ~~كان نصيبه. يتناول النصيب # PageV31P097 # الذي تقدم ذكره. وأما تناوله لما بعد ذلك فمشكوك فيه فلا يدخل بالشك بل ~~قد يقال: هذا هو في الأصل نصيب الميت عنه كما ذكر الواقف والظاهر من حال ~~الواقف لفظا وعرفا أنه سوى بين الطبقة في نصيب من ولد له ولد فأخذه المساوي ~~بكونه كان في الطبقة وأولاده ms9044 في الطبقة: كأولاد الميت الأول. فكما أن ~~الميتين لو كانا حيين اشتركا في هذا النصيب العائد: فكذلك يشترك فيه ولدهما ~~من بعدهما؛ فإن نسبتهما إلى صاحب النصيب نسبة واحدة. وهذا هو الذي يقصده ~~الناس بمثل هذه الشروط كما يشهد بذلك عرفهم وعادتهم. والمقصود إجراء الوقف ~~على الشروط الذي يقصدها الواقف ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع. ~~يعني في الفهم والدلالة. فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة كما يفهم مقصود ~~الشارع. ومن كشف أحوال الواقفين علم أنهم يقصدون هذا المعنى؛ فإنه أشبه ~~بالعدل. ونسبة أولاد الأولاد إلى الواقف سواء فليس له غرض في أن يعطي ابن ~~هذا نصيبين أو ثلاثة لتأخر موت أبيه وأولئك لا يعطون إلا نصيبا واحدا؛ لا ~~سيما وهذا المتأخر قد استغل الوقف فقد يكون خلف لأولاده بعض ما استغله ~~والذي مات أولا لم يستغله إلا قليلا فأولاده أقرب إلى # PageV31P098 # الحاجة ونسبتهما إلى الواقف سواء. فكيف يقدم من هو أقرب إلى الحاجة إلى ~~من هو أبعد عنها وهما في القرب إليه وإلى الميت صاحب النصيب - بعد انقراض ~~الطبقة - سواء وهو كما لو مات صاحبه آخرا ولو مات آخرا اشترك جميع الأولاد ~~فيه؛ بل هذا يتناوله قول الواقف: إن توفي ولم يكن له ولد ولا ولد ولد كان ~~نصيبه مصروفا إلى من هو في درجته. فإن لم يكن له أخ ولا أخت ولا من يساويه ~~في الدرجة: فيكون نصيبه مصروفا إلى أقرب الناس وكلهم في القرب إليه سواء. ~~والله أعلم. # PageV31P099 # وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: # عن واقف وقف وقفا على أولاده ثم على أولاد أولاده ثم على أولاد أولاد ~~أولاده ونسله وعقبه دائما ما تناسلوا: على أنه من توفي منهم عن غير ولد ولا ~~ولد ولد ولا نسل ولا عقب: كان ما كان جاريا عليه من ذلك على من في درجته ~~وذوي طبقته. فإذا توفي بعض هؤلاء الموقوف عليهم عن ولد أو ولد ولد أو نسل ~~أو عقب لمن يكون نصيبه؟ هل يكون لولده؟ أو ms9045 لمن في درجته من الإخوة وبني ~~العم ونحوهم؟ . # فأجاب: # نصيبه ينتقل إلى ولده دون إخوته وبني عمه: لوجوه متعددة نذكر منها ثلاثة. ~~أحدها أن قوله: على أولاده ثم على أولاد أولاده. مقيد بالصفة المذكورة بعده ~~وهي قوله: على أنه من توفي منهم عن غير ولد انتقل نصيبه إلى ذوي طبقته. وكل ~~كلام اتصل بما يقيده فإنه يجب اعتبار ذلك المقيد دون إطلاقه أول الكلام. ~~بيان المقدمة الأولى: أن هذه الجملة وهي قوله: على أنه من توفي منهم. في ~~موضع نصب على الحال والحال صفة في المعنى والصفة مقيدة للموصوف # PageV31P100 # وإن شئت قلت: لأنة جار ومجرور متصل بالفعل والجار والمجرور مفعول في ~~النفي وذلك مقيد للفعل. وإن شئت قلت: لأنه كلام لم يستقل بنفسه فيجب ضمه ~~إلى ما قبله. وإن شئت قلت: لأن الكلام الأول لم يسكت عليه المتكلم حتى وصله ~~بغيره وصلة الكلام مقيدة له. وكل هذه القضايا معلومة بالاضطرار في كل لغة. ~~بيان الثانية: أن الكلام متى اتصل به صفة أو شرط أو غير ذلك من الألفاظ ~~التي تغير موجبه عند الإطلاق وجب العمل بها ولم يجز قطع ذلك الكلام عن تلك ~~الصفات المتصلة به. وهذا مما لا خلاف فيه أيضا بين الفقهاء بل ولا بين ~~العقلاء. وكل هذا تنبني جميع الأحكام المتعلقة بأقوال المكلفين من العبادات ~~والمعاملات: مثل الوقف والوصية والإقرار والبيع والهبة والرهن والإجارة ~~والشركة وغير ذلك. # ولهذا قال الفقهاء: يرجع إلى لفظ الواقف في الإطلاق والتقييد. ولهذا لو ~~كان أول الكلام مطلقا أو عاما ووصله المتكلم بما يخصه أو يقيده كان ~~الاعتبار بذلك التقييد والتخصيص فإذا قال: وقفت على أولادي. كان عاما. فلو ~~قال الفقراء أو العدول أو الذكور. اختص الوقف بهم؛ وإن كان أول كلامه عاما. ~~وليس لقائل أن يقول: لفظ الأولاد عام وتخصيص أحد النوعين بالذكر لا ينفي ~~الحكم عن النوع الآخر؛ بل العقلاء كلهم مجمعون على أنه # PageV31P101 # قصر الحكم على أولئك المخصوصين في آخر الكلام - مثبتو المفهوم ونفاته - ~~ويسمون هذا " التخصيص المتصل ". ويقولون: ms9046 لما وصل اللفظ العام بالصفة ~~الخاصة صار الحكم متعلقا بذلك الوصف فقط وصار الخارجون عن ذلك الوصف خارجين ~~عن الحكم. أما عند نفاة المفهوم فلأنهم لم يكونوا يستحقون شيئا إلا إذا ~~دخلوا في اللفظ؛ فلما وصل اللفظ العام بالصفة الخاصة أخرجهم من اللفظ؛ فلم ~~يصيروا داخلين فيه فلا يستحقون. فهم ينفون استحقاقهم لعدم موجب الاستحقاق. ~~وأما عند مثبتي المفهوم فيخرجون لهذا المعنى ولمعنى آخر وهو أن تخصيص أحد ~~النوعين بالذكر يدل على قصد تخصيصه بالحكم وقصد تخصيصهم بالحكم ملتزم لنفيه ~~عن غيرهم. فهم يمنعون استحقاقهم لانتفاء موجبه. ولقيام مانعه. وكذلك لو قيد ~~المطلق مثل أن يقول: وقفت على أولادي على أنهم يعطون إن كانوا فقراء. أو ~~على أنهم يستحقون إذا كانوا فقراء. أو وقفت على أولادي على أنه يصرف من ~~الوقف إلى الموجودين منهم إذا كانوا فقراء. ووقفت على أنه من كان فقيرا كان ~~من أهل الوقف. فإن هذا مثل قوله: وقفت على أولادي على الفقراء منهم؛ أو ~~بشرط أن يكونوا فقراء؛ أو إن كان فقيرا. ولو قال: وقفت على بناتي على أنه ~~من كانت أيما أعطيت ومن تزوجت ثم طلقها زوجها أعطيت؛ فإن هذا مثل قوله: ~~وقفت على # PageV31P102 # بناتي على الأيامى منهم؛ فإن صيغة " على " من صيغ الاشتراط كما قال. {إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} . واتفق الفقهاء ~~أنه لو قال: زوجتك بنتي على ألف: أو على أن تعطيها ألفا؛ أو على أن يكون ~~لها في ذمتك ألف: كان ذلك شرطا ثابتا وتسميته صحيحة وليس في هذا خلاف وقد ~~أخطأ من اعتقد أن في مذهب الإمام أحمد أو غيره خلاف في ذلك؛ من أجل ~~اختلافهم فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق على ألف أو لعبده: أنت حر على ألف ~~فلم تقبل الزوجة والعبد؛ فإنه في إحدى الروايتين عن أحمد يقع العتق ~~والطلاق؛ فإنه ليس مأخذه أن هذه الصيغة ليست للشرط؛ فإنه لا يختلف مذهبه ~~أنه لو قال: خلعتك على ألف أو كاتبتك على ms9047 ألف أو زوجتك على ألف أو قال: ~~بعتك هذا العبد على أن ترهنني به كذا أو على أن يضمنه زيد أو زوجتك بنتي ~~على أنك حر: أن هذه شروط صحيحة ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء كلهم. وإنما ~~المأخذ أن العتق والطلاق لا يفتقران إلى عوض ولم يعلق الطلاق بشرط؛ وإنما ~~شرط فيه شرطا وفرق بين التعليق على الشرط وبين الشرط في الكلام المنجز؛ ~~ولهذا لا يصح كثير من التصرفات المعلقة مع صحة الاشتراط فيها؛ وهذه الصفة ~~قد تعذر وجودها والطلاق # PageV31P103 # الموصوف إذا فاتت صفته هل يفوت جميعه؟ أو يثبت هو دون الصفة؟ فيه اختلاف. ~~إذا تبين أن قوله: على أنه من توفي منهم. شرط حكمي ووصف معنوي للوقف ~~المذكور؛ وأنه يجب اعتباره والعمل بموجبه؛ فمعلوم أنه إذا اعتبر القيد ~~المذكور في الكلام كان انتقال نصيب المتوفى إلى ذوي طبقته مشروطا بعدم ولده ~~وأن الواقف لم يصرف إليهم نصيب المتوفى في هذه الحال ومعلوم حينئذ أنه لا ~~يجوز صرف نصيب المتوفى إليهم في ضد هذه الحال وهو ما إذا كان له ولد وهو ~~المطلوب. وعلم أن هذا ثابت باتفاق الفقهاء؛ بل والعقلاء القائلين بالمفهوم ~~والنافين له؛ فإن صرف الوقف إلى غير من صرفه إليه الواقف حرام؛ وهو لم ~~يصرفه إليهم. فهذا المنع لانتفاء الموجب متفق عليه ولأنه قد منع صرفه إليهم ~~وهذا المنع لوجود المانع مختلف فيه. وتقدير الكلام: وقفت على أولادي ثم على ~~أولادهم بشرط أن ينتقل نصيب المتوفى منهم إلى أهل طبقته إذا كان قد توفي عن ~~غير ولد. وليس يختلف أحد من الفقهاء في أن هذا الباب يقصر كل القيود ~~المذكورة وإنما يغلط هنا من لم يحكم دلالات الألفاظ اللغوية ولم يميز بين ~~أنواع أصول الفقه السمعية ولم يتدرب فيما علق بأقوال المكلفين من الأحكام ~~الشرعية # PageV31P104 # ولا هو جرى في فهم هذا الخطاب على الطبيعة العربية والفطرة السليمة ~~النقية فارتفع عن شأن العامة بحيث لم يدخل في زمرتهم فيما يفهمونه في عرف ~~خطابهم وانحط عن أوج الخاصة ms9048 فلم يهتد للتمييز بين المشبهات في الكلام حتى ~~تقر الفطر على ما فطرها عليه الذي أحسن كل شيء خلقه؛ والحمق أدى به إلى ~~الخلاص من كناسة بترا. ومن أحكم العلوم حتى أحاط بغاياتها رده ذلك إلى ~~تقرير الفطر على بداياتها وإنما بعثت الرسل لتكميل الفطرة؛ لا لتغييرها ~~{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} . ومعلوم أن كل من ~~سمع هذا الكلام من أهل اللسان العربي خاصتهم وعامتهم لم يفهموا منه إلا ~~إعطاء أهل طبقة المتوفى بشرط أن لا يكون للمتوفى ولد ويعقلون أن هذا الكلام ~~واحد متصل بعضه ببعض. وإنما نشأ غلط الغالط من حيث توهم أن الكلام الأول ~~فيه عموم والكلام الثاني قد خص أحد النوعين بالذكر فيكون من " باب تعارض ~~العموم والمفهوم ". ثم قد يكون ممن نظر في كتب بعض المتكلمين أو بعض ~~الفقهاء الذين لا يقولون بدلالة المفهوم وإذا قالوا بها رأوا دلالة العموم ~~راجحة عليها لكون الخلافات فيها أضعف منه في دلالة المفهوم فإنه لم يخالف ~~في العموم إلا شرذمة لا يعتد بهم وقد خالف في المفهوم طائفة من الفقهاء # PageV31P105 # وطوائف من أهل الكلام حتى قد يتوهم من وقع له هذا أنه لا ينبغي أن يترك ~~صريح الشرط أو عمومه لمفهوم الصفة مع ضعفه. فنعوذ بالله من العمى في ~~البصيرة أو حول يرى الواحد اثنين؛ فإن الأعمى أسلم حالا في إدراكه من ~~الأحول إذا كان مقلدا للبصير والبصير صحيح الإدراك. ولولا خشية أن يحسب ~~حاسب أن لهذا القول مساغا أو أنه قد يصح على أصول بعض الفقهاء لكان الإضراب ~~عن بيانه أولى. فيقال: هذا الذي تكلم الناس فيه من دلالة المفهوم هل هي حجة ~~أم لا؟ وإذا كانت حجة فهل يخص بها العام أم لا؟ إنما هو في كلامين منفصلين ~~من متكلم واحد أو في حكم الواحد ليس ذلك في كلام واحد متصل بعضه ببعض؛ ولا ~~في كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما. فهنا ثلاثة أقسام. أحدها: كلامان ~~من متكلم واحد أو في ms9049 حكم الواحد. وإنما ذكرنا ذلك ليدخل فيه إذا كان أحدهما ~~كلام الله والآخر كلام رسوله؛ فإن حكم ذلك حكم ما لو كانا جميعا من كلام ~~الله أو كلام رسوله: مثل قوله صلى الله عليه وسلم " {الماء طهور لا ينجسه ~~شيء} مع قوله " {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} فإن المتكلم بهما واحد ~~صلى الله عليه وسلم وهما كلامان. فمن قال: إن المفهوم حجة يخص به العموم خص ~~عموم قوله: " {الماء طهور لا ينجسه شيء} " بمفهوم {إذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل الخبث} مع أن مفهوم العدد # PageV31P106 # أضعف من مفهوم الصفة. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما. ~~ومن امتنع من ذلك قال: قوله: " {الماء طهور} عام وقوله: " {إذا بلغ الماء ~~قلتين لم ينجس} هو بعض ذلك العام وهو موافق له في حكمه فلا تترك دلالة ~~العموم لهذا: وكذلك قوله في كتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر " {في الإبل في ~~خمس منها شاة} إلى آخره. مع قوله في حديث آخر " {في الإبل السائمة في كل ~~أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة} ونظائره كثيرة: منها ما قد اتفق الناس ~~على ترجيح المفهوم فيه: مثل قوله: " {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا} مع قوله ~~" {جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا} فإنه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست ~~بطهور. ومنها ما قد اختلفوا فيه كقوله في هذا الحديث: " {وجعلت تربتها لي ~~طهورا} فإن الشافعي وأحمد وغيرهما جعلوا مفهوم هذا الحديث مخصصا لقوله " ~~{جعلت لي كل أرض طيبة طهورا} . ومنها ما قد اتفقوا على تقديم العموم فيه ~~كقوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} مع قوله: {ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا} فإن أكلها حرام سواء قصد بدارا كبر اليتيم أو لا. ~~وقد اختلف الناس في هاتين الدلالتين إذا تعارضتا. فذهب أهل الرأي وأهل ~~الظاهر وكثير من المتكلمين وطائفة من المالكية والشافعية # PageV31P107 # والحنبلية: إلى ترجيح العموم. وذهب الجمهور من المالكية والشافعية ~~والحنبلية وطائفة من المتكلمين: إلى تقديم المفهوم وهو المنقول ms9050 صريحا عن ~~الشافعي وأحمد وغيرهما. والمسألة محتملة وليس هذا موضع تفصيلها؛ فإنها ذات ~~شعب كثيرة وهي متصلة بمسألة " المطلق والمقيد " وهي غمرة من غمرات " أصول ~~الفقه " وقد اشتبهت أنواعها على كثير من السابحين فيه. لكن المقصود أن ~~مسألتنا ليست من هذا الباب مع أنها لو كانت منه لكان الواجب على من يفتي ~~بمذهب الشافعي وأحمد أن يبني هذه المسألة على أصولهما وأصول أصحابهما دون ~~ما أصله بعض المتكلمين الذين لم يمعنوا النظر في آيات الله. ودلائله: التي ~~بينها في كتابه وعلى لسان رسوله ولا أحاطوا علما بوجوه الأدلة ودقائقها ~~التي أودعها الله في وحيه الذي أنزله ولا ضبطوا وجوه دلالات اللسان الذي هو ~~أبين الألسنة وقد أنزل الله به أشرف الكتب. وإنما هذه المسألة هي من القسم ~~الثاني وهو أن يكون كلام واحد متصل بعضه ببعض آخره مقيد لأوله: مثل ما لو ~~قال: " {الماء طهور لا ينجسه شيء إذا بلغ قلتين} أو يقول: " {الماء طهور ~~إذا بلغ قلتين # PageV31P108 # لا ينجسه شيء} أو يقول: {في كل خمس من الإبل شاة وفي عشر شاتان تجب هذه ~~الزكاة في الإبل السائمة} كما قال: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات} فأطلق وعمم ثم قال في آخره: {ذلك لمن خشي العنت منكم} ~~فإنه لا خلاف بين الناس أن هذا الكلام لا يؤخذ بعموم أوله بل إنما تضمن ~~طهارة القلتين فصاعدا ووجوب الزكاة في السائمة. لكن نفاة المفهوم يقولون: ~~لم يتعرض لما سوى ذلك بنفي ولا إثبات فنحن ننفيه بالأصل إلا أن يقوم دليل ~~ناقل عن الأصل. والجمهور يقولون بل ننفيه بدليل هذا الخطاب الموافق للأصل. ~~ومما يوضح الفرق بين الكلام المتصل والمنفصل: أن رجلا لو قال: وصيت بهذا ~~المال للعلماء يعطون منه إذا كانوا فقراء. ولو قال: مرة: وصيت به للعلماء ~~ثم قال: أعطوا من مالي للعلماء إذا كانوا فقراء. فهنا يقال تعارض العموم ~~والمفهوم؛ لكن مثل هذا لا يجيء في الوقف فإنه إذا وقف على صفة عامة أو خاصة ~~لم يمكن ms9051 تغييرها؛ بخلاف الوصية ولو فسر الموصي لفظه بما يخالف ظاهره قبل ~~منه؛ بخلاف الواقف. ولهذا قلنا: إن تقييد هذا الكلام بالصفة المتأخرة واجب ~~عند جميع الناس القائلين بالمفهوم ونفته فإن هذا ليس من هذا الباب وإنما هو ~~من باب الكلام المقيد بوصف في آخره. # PageV31P109 # القسم الثالث: أن يكون في كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما: مثل ~~شاهدين شهدا أن جميع الدار لزيد وشهد آخران أن الموضع الفلاني منها لعمرو ~~فإن هاتين البينتين يتعارضان في ذلك الموضع ولا يقول أحد: أنه يبني العام ~~كل الخاص هنا. وقد غلط بعض الناس مرة في مثل هذه المسألة فرأى أنه يجمع بين ~~البينتين لأنه من باب العام والخاص كما غلط بعضهم في القسم الثاني فألحقوه ~~بالأول. ومن نور الله قلبه فرق بين هذه الأقسام الثلاثة وعلم أن الفرق ~~بينها ثابت في جميع الفطر وإنما خاصة العلماء إخراج ما في القوة إلى الفعل ~~فلو سلم أن الكلام الأول عام أو مطلق فقد وصل بما يقيده ويخصصه وقد أطبق ~~جميع العقلاء على أن مثل هذا مخصوص مقيد وليس عاما ولا مطلقا. ففرق - أصلحك ~~الله - بين أن يتم الكلام العام المطلق فيسكت عليه ثم يعارضه مفهوم خاص أو ~~مقيد وبين أن يوصل بما يقيده ويخصصه. ألست تعلم أن جميع الأحكام مبنية على ~~هذا؟ فإنه لو حلف وسكت سكوتا طويلا ثم وصله باستثناء أو عطف أو وصف أو غير ~~ذلك لم يؤثر. فلو قال: والله لا أسافر ثم سكت سكوتا طويلا ثم قال: إن شاء ~~الله. أو قال: إلى المكان الفلاني. أو قال: ولا أتزوج. أو قال: لا أسافر ~~راجلا. لم تتقيد اليمين بذلك. ولو حلف مرة: لا أسافر ثم حلف مرة ثانية: لا ~~يسافر راجلا. لم تقيد # PageV31P110 # اليمين الأولى بقيد الثانية. ولو قال: لا أسافر راجلا. لتقيدت يمينه بذلك ~~بالاتفاق. فلما قال هنا: وقفت على أولادي ثم على أولادهم ثم على أولاد ~~أولادهم: على أنه من توفي منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوي طبقته: صار ~~المعنى ms9052 وقفت وقفا مقيدا بهذا القيد المتضمن انتقال نصيب المتوفى إلى أهل ~~طبقته بشرط عدم ولده. وصار مثل هذا أن يقول: وقفت على ولدي وولد ولدي ونسلي ~~وعقبي: على أن الأولاد يستحقون هذا الوقف بعد موت آبائهم. أفليس كل فقيه ~~يوجب أن استحقاق الأولاد مشروط بموت الآباء؟ وأنه لو اقتصر على قوله: على ~~ولدي وولد ولدي اقتضى التشريك؟ ويوضح هذه المسألة التي قد يظن أنها مثل هذه ~~أنه لو وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على المساكين: لم ينتقل إلى المساكين شيء ~~حتى يموت الثلاثة هذا هو المشهور. فلو قال في هذه الصورة: وقفت على زيد ~~وعمرو وبكر ثم على المساكين: على أنه من مات من الثلاثة انتقل نصيبه إلى ~~الآخرين إذا لم يكن في بلد الوقف مسكين. أو قال: على أنه من مات من الثلاثة ~~ولم يوجد من المساكين أحد انتقل نصيبه إلى الآخرين. أو يقول: على أنه من ~~مات من الثلاثة انتقل نصيبه إلى الآخرين إن كانا فقيرين. أو إن كانا مقيمين ~~ببلد الوقف ونحو # PageV31P111 # ذلك. أفليس كل فقيه؛ بل كل عاقل يقضي بأن استحقاق الباقين لنصيب المتوفى ~~مشروط بهذا الشرط؟ وأن هذا الشرط الذي تضمنه الكلام يجب الرجوع إليه؛ فإن ~~الكلام إنما يتم بآخره ولا يجوز اعتبار الكلام المقيد دون مطلقه وهذا مما ~~قد اضطر الله العقلاء إلى معرفته إلا أن يحول بين البصيرة وبين الإدراك ~~مانع فيفعل الله ما يشاء. ومسألتنا أوضح من هذه الأمثلة. ومثال ذلك أن ~~يقول: وقف على أولادي ثم على أولادهم على أنه من مات منهم وهو عدل انتقل ~~نصيبه إلى ولده. فهل يجوز أن ينتقل الوقف إلى الولد سواء كان الميت مسلما ~~أو كافرا وسواء كان عدلا أو فاسقا فمن توهم أنه ينتقل إليه لاندراجه في ~~اللفظ العام قيل له: اللفظ العام لم ينقطع ويسكت عليه حتى يعمل به؛ وإنما ~~هو موصول بما قيده وخصصه. ولا يجوز أن يعتبر بعض الكلام الواحد دون بعض ~~وهذا أبين من فلق الصبح؛ ولكن من لم ms9053 يجعل الله له نورا فما له من نور. ومن ~~أراد أن يبهر المتكلم في هذا فليكثر من النظائر التي يصل فيها الكلام العام ~~أو المطلق بما يخصه ويقيده: مثل أن تقول: وقفت على الفقهاء على أنه من حضر ~~الدرس صبيحة كل يوم استحق. أو وقفت على الفقراء على أنه من جاور بالحرمين ~~منهم استحق. أو تقول: على أن # PageV31P112 # يجاور بأحد الحرمين. أو على أن الفقهاء يشهدون الدرس في كل غداة ونحو ذلك ~~من النظائر التي تفوت العدد والإحصاء. # ومما يغلط فيه بعض الأذهان في مثل هذا أن يحسب أن بين أول الكلام وآخره ~~تناقضا أو تعارضا. وهذا شبهة من شبهات بعض الطماطم من منكري العموم؛ فإنهم ~~قالوا: لو كانت هذه الصيغ عامة لكان الاستثناء رجوعا أو نقضا. وهذا جهل؛ ~~فإن ألفاظ العدد نصوص مع جواز ورود الاستثناء عليها كما قال تعالى: {فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} وكذلك النكرة في الموجب مطلقة مع جواز ~~تقييدها في مثل قوله: {فتحرير رقبة} . وإنما أتي هؤلاء من حيث توهموا أن ~~الصيغ إذا قيل: هي عامة: قيل: إنها عامة مطلقا. وإذا قيل: إنها عامة مطلقا ~~ثم رفع بالاستثناء بعض موجبها: فقد اجتمع في ذلك المرفوع العموم المثبت له ~~والاستثناء النافي له. وذلك تناقض أو رجوع. فيقال لهم: إذا قيل: هي عامة ~~فمن شرط عمومها أن تكون منفصلة عن صلة مخصصة فهي عامة عند الإطلاق؛ لا عامة ~~على الإطلاق. واللفظ الواحد تختلف دلالته بحسب إطلاقه وتقييده؛ ولهذا أجمع ~~الفقهاء أن الرجل لو قال: له ألف درهم من النقد الفلاني. أو مكسرة # PageV31P113 # أو سود أو ناقصة أو طبرية أو ألف إلا خمسين ونحو ذلك: كان مقرا بتلك ~~الصفة المقيدة. ولو كان الاستثناء رجوعا لما قبل في الإقرار؛ إذ لا يقبل ~~رجوع المقر في حقوق الآدميين. وكثيرا ما قد يغلط بعض المتطرفين من الفقهاء ~~في مثل هذا المقام فإنه يسأل عن شرط واقف أو يمين حالف ونحو ذلك: فيرى أول ~~الكلام مطلقا أو عاما وقد قيد ms9054 في آخره. فتارة يجعل هذا من باب تعارض ~~الدليلين ويحكم عليهما بالأحكام المعروفة للدلائل المتعارضة من التكافؤ ~~والترجيح. وتارة يرى أن هذا الكلام متناقض؛ لاختلاف آخره وأوله. وتارة ~~يتلدد تلدد المتحير وينسب الشاطر إلى فعل المقصر. وربما قال: هذا غلط من ~~الكاتب. وكل هذا منشؤه من عدم التمييز بين الكلام المتصل والكلام المنفصل. ~~ومن علم أن المتكلم لا يجوز اعتبار أول كلامه حتى يسكت سكوتا قاطعا وأن ~~الكاتب لا يجوز اعتبار كتابه حتى يفرغ فراغا قاطعا: زالت عنه شبهة في هذا ~~الباب وعلم صحة ما تقوله العلماء في دلالات الخطاب. ومن أعظم التقصير نسبة ~~الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس ~~ثم يعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر فلو جاز أن يقال: قوله: ~~على أنه من مات منهم عن غير ولد. غلط لم يكن ذلك بأولى من أن # PageV31P114 # يقال: قوله: " ثم " هو الغلط؛ فإن الغلط في تبديل حرف بحرف بالنسبة إلى ~~الكاتب أولى من الغلط بذكر عدة كلمات؛ فإن قوله: عن غير ولد ولا ولد ولد ~~ولا نسل ولا عقب مشتمل على أكثر من عشر كلمات. ثم من العجب أن يتوهم أن هذا ~~توكيد؛ والمؤكد إنما يزيح الشبهة؛ فكان قوله: من مات منهم عن ولد. أولى من ~~قوله: من مات منهم عن غير ولد. إذا كان الحكم في البابين واحدا وقصد ~~التوكيد؛ فإن نقل نصيب الميت إلى إخوته مع ولده تنبيه على نقله إليهم مع ~~عدمهم. إما أن يكون التوكيد ببيان الحكم الجلي دون الخفي فهذا خروج عن حدود ~~العقل والكلام. ثم التوكيد لا يكون بالأوصاف المقيدة للموصوف؛ فإنه لو قال: ~~أكرم الرجال المسلمين. وقال: أردت إكرام جميع الرجال وخصصت المسلمين بالذكر ~~توكيدا وذكرهم لا ينفي غيرهم بعد دخولهم في الاسم الأول: لكان هذا القول ~~ساقطا غير مقبول أصلا؛ فإن المسلمين صفة للرجال؛ والصفة تخصص الموصوف. فلا ~~يبقى فيه عموم؛ لكن لو قال: أكرم الرجال والمسلمين - بحرف العطف مع اتفاق ~~الحكم في المعطوف ms9055 والمعطوف عليه وكونه بعضه - لكان توكيدا؛ لأن المعطوف لا ~~يجب أن يقيد المعطوف عليه ويخصصه؛ لما بينهما من المغايرة الحاصلة بحرف ~~العطف؛ بخلاف الصفات # PageV31P115 # ونحوها فإنها مقيدة؛ وكذلك بعض أنواع العطف؛ لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك؛ ~~ولهذا فرق الفقهاء بين العطف المغير وغير المغير في " باب الإقرار والطلاق ~~والعقود ". ومن رام أن يجعل الكلام معنى صحيحا قبل أن يتم لزمه أن يجعل أول ~~كلمة التوحيد كفرا وآخرها إيمانا؛ وأن المتكلم بها قد كفر؛ ثم آمن. فنعوذ ~~بالله من هذا الخبال. وإن كان قد نقل عن بعض الناس أنه قال: ما كلمة أولها ~~كفر وآخرها إيمان؟ فقيل له: ما هي؟ فقال: كلمة الإخلاص. قلت قصد بذلك أن ~~أولها لو سكت عليه كان كفرا؛ ولم يرد أنها كفر مع اتصالها بالاستثناء؛ فإنه ~~لو أراد هذا لكان قد كفر. ولهذا قال المحققون: الاستثناء تكلم بما عدا ~~المستثنى. وغلط بعضهم فظن أنه إذا قال: ألف إلا خمسين. كانت الألف مجازا؛ ~~لأنه مستعمل في غير ما وضع له؛ لأنه موضوع لجملة العدد؛ ولم يرد المتكلم ~~ذلك. فيقال له: هو موضوع له إذا كان منفردا عن صلة؛ وذلك الشرط قد زال. ثم ~~يقال له: إنما فهم المعنى هنا بمجموع قوله: ألف إلا خمسين؛ لا بنفس الألف. ~~فصارت هذه الألفاظ الثلاثة هي الدالة على تسعمائة وخمسين. وهذه شبهة من رأى ~~أن العام المخصوص تخصيصا متصلا مجاز. كالعام المخصوص تخصيصا منفصلا عند ~~كثير من الناس # PageV31P116 # وسياق هذا القول يوجب أن كل اسم أو فعل وصل بوصف؛ أو عطف بيان؛ أو بدل؛ ~~أو أحد المفعولات المقيدة أو الحال أو التمييز أو نحو ذلك: كان استعماله ~~مجازا. وفساد هذا معلوم بالاضطرار والفرق بين القرينة اللفظية المتصلة ~~باللفظ الدالة بالوضع وبين ما ليس كذلك من القرائن الحالية والقرائن ~~اللفظية التي لا تدل على المقصود بالوضع - كقوله: رأيت أسدا يكتب وبحرا ~~راكبا في البحر - وبين الألفاظ المنفصلة معلوم يقينا من لغة العرب والعجم. ~~ومع هذا فلا ريب عند أحد من العقلاء ms9056 أن الكلام إنما يتم بآخره وأن دلالته ~~إنما تستفاد بعد تمامه وكماله؛ وأنه لا يجوز أن يكون أوله دالا دون آخره؛ ~~سواء سمي أوله " حقيقة أو مجازا " ولا أن يقال: إن أوله يعارض آخره. فإن ~~التعارض إنما يكون بين دليلين مستقلين والكلام المتصل كله دليل واحد ~~فالمعارضة بين أبعاضه كالمعارضة بين أبعاض الأسماء المركبة. وهذا كلام بين ~~خصوصا في " باب الوقوف " فإن الواقف يريد أن يشرط شروطا كثيرة في الموقوف ~~والموقوف عليه: من الجمع والترتيب والتسوية والتفضيل والإطلاق والتقيد: ~~يحتمل سجلا كبيرا. ثم إنه لم يخالف مسلم في أنه لا يجوز اعتبار أول كلامه ~~إطلاقا وعموما وإلغاء آخره أو يجعل ما قيده وفصله وخصصه في آخر كلامه ~~مناقضا أو معارضا لما صدر # PageV31P117 # به كلامه من الأسماء المطلقة أو العامة؛ فإن مثل هذا مثل رجل نظر في وقف ~~قد قال واقفه: وقفت على أولادي ثم على أولادهم. ثم قال بعد ذلك: ومن شرط ~~الموقوف عليهم أن يكونوا فقراء أو عدولا ونحو ذلك فقال: هدا الكلام متعارض: ~~لأنه في أول كلامه قد وقف على الجميع وهذا مناقض لتخصيص البعض ثم يجعل هذا ~~من " باب الخاص والعام " ومن " باب تعارض الأدلة " فمعلوم أن هذا كله خبط؛ ~~إذ التعارض فرع على استقلال كل منهما بالدلالة والاستقلال بالدلالة فرع على ~~انقضاء الكلام وانفصاله فأما مع اتصاله بما يغير حكمه فلا يجوز جعل بعضه ~~دليلا مخالفا لبعض. والله سبحانه يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه. # فإن قيل: قوله: على أنه من مات منهم. يجوز أن يكون شرطه الواقف ليبين أن ~~الوقف ينتقل إلى من بقي؛ وأنه لا ينقطع في وسطه؛ فإن من الفقهاء من قد خرج ~~في قوله: على ولدي ثم على ولد ولدي إذا مات أحدهم ثلاثة أقوال؛ كالأقوال ~~الثلاثة في قوله: على أولادي الثلاثة ثم على المساكين. أحدها - وهو المشهور ~~- أنه يكون للباقين من الطبقة العليا والثاني: أنه ينتقل إلى الطبقة ~~الثانية؛ كما لو انقرضت الطبقة العليا. # PageV31P118 # والثالث: أنه يكون مسكوتا فيكون منقطع الوسط؛ ms9057 كما لو قال: وقفته على زيد؛ ~~وبعد موته بعشر سنين على المساكين. وإذا كان انقطاعه في وسط عند موت الواحد ~~محتملا فقد ذكر الواقف هذا الشرط لينفي هذا الاحتمال وإن كان هذا الشرط ~~مقتضى الوقف على القول الأول؛ ثم من الشروط ما يكون مطابقا لمقتضى المدلول ~~فيزيد موجبها توكيدا. قلنا: سبحان الله العظيم هذا كلام من قد نأى عن موضع ~~استدلالنا. فإنا لم نستدل بصيغة الشرط المطلقة؛ وإنما استدللنا بما تضمنه ~~الشرط من التقييد؛ فإن هذا الكلام جيد لو كان الواقف قال: على أنه من مات ~~منهم انتقل نصيبه إلى ذوي طبقته. ولو قال هذا لم يكن في المسألة شبهة أن ~~نصيب الميت ينتقل إلى ذوي الطبقة مع الولد وعدمه من وجوه متعددة. منها: أن ~~هذا هو موجب الكلام الأول عند الإطلاق ولم يوصل بما يغيره. ومنها: أنه وصل ~~بما وكد موجب مطلقه. ومنها: أنه قد شرط ذلك شرطا نفى به الصرف إلى الطبقة ~~الثانية ونفى به الانقطاع سواء كان للميت ولد أو لم يكن. وإنما صورة ~~مسألتنا أنه قال: على أنه من توفي منهم عن غير ولد # PageV31P119 # ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب كان نصيبه لذوي طبقته. فجعل الانتقال إليهم ~~مشروطا بموت الميت عن غير ولد. وهذا الشرط - كما أنه قد نفى به الانقطاع ~~فقد قيد به الانتقال إلى ذوي الطبقة واللفظ دال عليهما دلالة صريحة فإفادته ~~لإحداهما لا تنفي إفادته للأخرى كما لو قال: وقفت على أولادي الثلاثة ثم ~~على المساكين: على أنه من مات منهم في حياة الواقف صرف نصيبه إلى من في ~~درجته. فهل يجوز أن يصرف نصيبه إلى ذوي الطبقة إذا مات بعد موت الواقف. هذا ~~لم يقله أحد في هذه الصورة؛ لكن قد يقال: إنه مسكوت عن موته بعد موت الواقف ~~فيكون منقطع الوسط. والصواب الذي عليه الناس قديما وحديثا: أنه يكون ~~للمساكين لأن اللفظ اقتضى جعله للثلاثة؛ ثم للمساكين فحيث لم يصرف إلى ~~الثلاثة تعين صرفه إلى المساكين لحصر الواقف الوقف فيها ms9058 مع أن بحث مسألتنا ~~أظهر من هذه كما تقدم؛ بل لو فرض أن قائلا قد قال: إذا مات عن غير ولد يكون ~~منقطعا وإذا مات عن ولد لم يكن: لجاز أن يقال: هذا الشرط لنفي احتمال ~~الانقطاع ومع هذا فهو دال على التقييد كما ذكرناه فإنه يدل على صرف نصيب ~~الميت عن غير ولد إلى طبقته وعلى عدم الصرف إليهم مع الولد. فالدلالة ~~الأولى تنفي الانقطاع والدلالة الثانية توجب الاشتراك ولا منافاة بينهما. # PageV31P120 # بل الأولى حصلت من وضع هذا اللفظ والثانية حصلت من مجموع الشرط أو الكلام ~~الأول؛ فكيف والأمر ليس كذلك. فإن قيل: هذا نفي للاحتمال في هذه الصورة وإن ~~كان لم ينفه في أخرى قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو لم تكن الصورة المذكورة ~~مقيدة للفظ المطلق فإن قوله: من مات منهم. مطلق وقد قيده: عن غير ولد. وفي ~~مثل هذا لا يقال: ذكر صورة وترك أخرى؛ إلا إذا كان الكلام مستقلا بنفسه غير ~~متصل بغيره؛ فأما إذا كان الكلام متصلا بغيره فإنه يصير قيدا في ذلك الأول؛ ~~فإن قوله: عن غير ولد. نصب على الحال أيضا؛ والحال صفة والصفة مقيدة فكأنه ~~قال: بشرط أنه من كان موته على هذه الصفة انتقل نصيبه إلى ذوي الطبقة؛ أو ~~أنه ينتقل نصيب الميت إلى ذوي الطبقة بشرط أن لا يكون للميت ولد ومعلوم ~~بالاضطرار أن الانتقال المشروط بصفة لا يجوز إثباته بدون تلك الصفة. فقوله: ~~عن غير ولد. صفة لموت الميت؛ والانتقال إذا مات الميت على هذه الحال صفة ~~للوقف والوقف الموصوف بصفة وتلك الصفة موصوفة بأخرى: لا يجوز إثباته إلا مع ~~وجود الصفة وصفة الصفة. فلا يجوز أن يكون وقفا على الأولاد؛ ثم أولادهم؛ ~~إلا بشرط انتقال نصيب المتوفى إلى ذوي الطبقة. # PageV31P121 # ولا يجوز نقل نصيب الميت إلى ذوي الطبقة إلا بشرط موته عن غير ولد أو ولد ~~ولد أو نسل أو عقب؛ حتى لو كان له ولد - وإن بعد - كان وجوده مانعا من ~~الانتقال إلى ذوي الطبقة وموجبا ms9059 للانتقال إليه بقوله: على أولاده ثم أولاد ~~أولاده. ثم نسله وعقبه دائما ما تناسلوا. واعلم أن هذا السؤال لا يكاد ~~ينضبط وجوه فساده مع ما ذكرناه. لكثرتها. منها: أنه لو كان قصده مجرد نفي ~~احتمال الانقطاع لكان التعميم بقوله: من مات منهم انتقل نصيبه. أو التنبيه ~~بقوله: من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ذوي طبقته. هو الواجب؛ فإنه إذا ~~انتقل نصيبه إلى ذوي الطبقة مع الولد فمع عدمه أولى. أما أن ينص على ~~انتقاله إلى الطبقة مع عدم الولد نافيا بذلك احتمال الانقطاع ثم يريد منا ~~أن نفهم انتقاله إليهم أيضا مع الولد لمجرد قوله: على ولدي ثم ولد ولدي. مع ~~أن احتمال الانقطاع هنا قائم مع احتمال آخر ينفرد به وهو الانتقال إلى ~~الولد؛ لأن احتمال انتقاله إلى ولد الولد هنا أظهر من احتمال الانقطاع ومع ~~أن فهم التخصيص مع التقييد أظهر من فهم الانقطاع ومع أن دلالة قوله: على ~~ولد ولدي. في الانتقال إلى الطبقة مع عدم الولد أظهر من دلالته في الانتقال ~~إليهم مع وجود الولد. فقد أراد منا أن نفهم الكلام المقلوب ونخرج عن حدود ~~العقل والبيان؛ فإن # PageV31P122 # تركه لرفع احتمال الانقطاع وغيره فيما هو فيه أظهر؛ وعدوله عن العبارة ~~المحققة لنفي الانقطاع مطلقا بلا لبس إلى عبارة هي في التقييد أظهر منها في ~~مجرد نفي انقطاع بعض الصور دليل قاطع على أنه لم يقصد بذلك. ونظير هذا رجل ~~قال لعبده: أكرم زيدا إن كان رجلا صالحا فأكرمه. وكان غير صالح فلم يكرمه ~~الغلام. فقال له سيده: عصيت أمري. ألم آمرك بإكرامه؟ قال: قد قلت لي: إن ~~كان صالحا فأكرمه قال: إنما قلت هذا لئلا تتوهم أني أبغض الصالحين فلا ~~تكرمه مع صلاحه فنفيت احتمال التخصيص في هذه الصورة. فهل يقبل هذا الكلام ~~من عاقل أو ينسب الغلام إلى تفريط أو يقول للسيد: هذه العبارة دالة على ~~التخصيص ولو كنت مثبتا للتعميم لكان الواجب أن تقول: أكرمه وإن لم يكن ~~صالحا؛ لأن إكرام الصالح ms9060 يصير من باب التنبيه؛ أو أكرمه وإن كان صالحا إن ~~كان حبا لك صحيحا وكذا هنا يقول المنازع: هو نقله إلى الطبقة سواء كان له ~~ولد أو لم يكن. فإذا قيل له: فلم قيد النقل بقوله: على أنه من مات منهم عن ~~غير ولد انتقل نصيبه إلى الطبقة؟ قال: لينفي احتمال الانقطاع في هذه الصورة ~~دون الصورة التي هي أولى بنفي الانقطاع فيها. فيقال له: كان الكلام # PageV31P123 # العربي في مثل هذا: على أنه من توفي منهم وإن كان له ولد انتقل نصيبه إلى ~~من في درجته. أو يقول: على أنه من توفي منهم وإن لم يكن له ولد. فيأتي بحرف ~~العطف. أما إذا قال: على أنه من توفي منهم عن غير ولد. فهذا نص في التقييد ~~لا يقبل غيره. ومن توهم غير هذا أو جوزه ولو على بعد أو جوز لعاقل أن يجوزه ~~فلا ريب أنه خارج عن نعمة الله التي أنعم بها على الإنسان حيث علمه البيان. ~~وما ظني أنه لو ترك وفطرته توهم هذا ولكن قد يعرض للمفطر آفات تصدها عن ~~سلامتها كما نطقت به الأحاديث. ومنها: أن العاقل لا ينفي احتمالا بعيدا ~~بإثبات احتمال أظهر منه ومعلوم أنه لو سكت عن هذا الشرط لكان احتمال ~~الانقطاع في غاية البعد. فإنه إما خلاف الإجماع أو معدود من الوجوه السود. ~~وإذا ذكر الشرط صار احتمال التقييد وترتيب التوزيع احتمالا قويا؛ إما ظاهرا ~~عند المنازع؛ أو قاطعا عند غيره. فكيف يجوز أن يحمل كلام الواقف على المنهج ~~الذميم دون الطريق الحميد مع إمكانه. ومنها: أن هذا الاحتمال لا يتفطن له ~~إلا بعض الفقهاء ولعله لم يخلق في الإسلام إلا من زمن قريب واحتمال التقييد ~~أمر لغوي موجود قبل الإسلام. فكيف يحمل كلام واقف متقدم على الاحتراز من ~~احتمال لا # PageV31P124 # يخطر إلا بقلب الفرد من الناس بعد الفرد. ولعله لم يخطر ببال الواقف؛ دون ~~أن يحمل على الاحتراز من احتمال قائم بقلب كل متكلم أو غالب المتكلمين: منذ ~~علم آدم البيان. ms9061 ومنها أن الواقف إذا كان قصده نفي احتمال الانقطاع في هذه ~~الصورة بقوله: عن غير ولد. أيضا صالح لأن يكون نفى به احتمال الانقطاع في ~~الصور الأخرى ويكون نفي احتمال الانقطاع فيها بانتقال نصيب من مات عن ولد ~~إلى ولده؛ فإن هذا فيه صون هذا التقييد عن الإلغاء ورفع للانقطاع في ~~الصورتين. ومعلوم أن حمل كلام الواقف على هذا أحسن من جعله مهدرا مبتورا. ~~ومنها: أن هذا المقصود كان حاصلا على التمام لو قال: على أنه من مات منهم. ~~فزيادة اللفظ ونقص المعنى خطأ لا يجوز حمل كلام المتكلم عليه إذا أمكن أن ~~يكون له وجه صحيح وهو هنا كذلك. # منها: أن هذا الكلام مبني على أن قوله: على أولادي ثم على أولادهم. مقتض ~~لترتيب المجموع على المجموع وهذا الاقتضاء مشروط بعدم وصل اللفظ بما يقيده؛ ~~فإنه إذا وصل بما يقيده ويقتضي ترتيب الأفراد على الأفراد: مثل قوله: على ~~أنه من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده. ونحو ذلك من العبارات: كان ذلك ~~الاقتضاء منتفيا # PageV31P125 # بالاتفاق. وهذا اللفظ وهو قوله: على أنه من توفي منهم عن غير ولد. ظاهر ~~في تقييد الانتقال بعدم الولد وإنما يصرفه من يصرفه عن هذا الظهور لمعارضة ~~الأول له وشرط كون الأول دليلا عدم الصلة المغيرة فيدور الأمر فتبطل ~~الدلالة. وذلك أنه لا يثبت كون الأول مقتضيا لترتيب المجموع إلا مع ~~الانقطاع عن المغير ولا يثبت هنا الانقطاع عن المغير حتى يثبت أن هذا لا ~~يدل على التغيير؛ بل على معنى آخر. ولا تثبت دلالته على ذلك المعنى حتى ~~يثبت أن المتقدم دليل على ترتيب المجموع. وهذا هو الدور وهو مصادرة على ~~المطلوب فإنه جعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه. ومنها أن يقال: قوله عن غير ~~ولد. قيد في الانتقال أم لا؟ فإن قال: ليس بقيد. فهو مكابرة ظاهرة في ~~اللغة. وإن قال: هو قيد قيل له: فيجوز إثبات الحكم المقيد بدون قيده. فإن ~~قال: نعم بالدليل الأول. قيل: فيجوز الاستدلال بأول الكلام مطلقا ms9062 عما قيد ~~به في آخره. فإن قال: نعم علم أنه مكابر. وإن قال: لا. ثبت المطلوب. وهذه ~~مقدمات يقينية لا يقدح فيها كون الكلام له فوائد أخر. ومن وقف عليها مقدمة ~~لم يبق إلا معاندا أو مسلما للحق. ومنها: أنه إذا قيل بأن الوقف يكون منقطع ~~الوسط إذا مات الميت عن غير ولد ولا يكون منقطعا إذا مات عن ولد: كان لهذا ~~السؤال # PageV31P126 # وجه؛ لكن يكون حجة على المنازع؛ فإنه إذا كان متصلا مع موته عن ولد فإن ~~كان ينتقل إلى الولد فهو المطلوب. وإن كان ينتقل إلى الطبقة: فمحال أن يقول ~~فقيه: إنه ينتقل إلى الطبقة مع الولد ويكون منقطعا مع عدم الولد. فثبت أن ~~جعل هذا الكلام رفعا لاحتمال الانقطاع دليل ظاهر على انتقال نصيب المتوفى ~~عن ولد إلى ولده. ودلائل هذا مثل المطر. والله يهدي من يشاء إلى سواء ~~الصراط. # الوجه الثاني: في أصل المسألة أن قوله: على أولاده ثم على أولادهم. مقتض ~~للترتيب. وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد. وهنا جمعان: أحدهما ~~مرتب على الآخر. والأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان. أحدهما: ما ~~يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام سواء قدر وجود الفرد الآخر أو عدمه. ~~والثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد؛ فيكون وجود كل منها شرطا في ثبوت ~~الحكم للآخر. مثال الأول قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم} {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} . ومثال # PageV31P127 # الثاني قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ~~فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس؛ وكلا منهم مخاطب بالعبادة والطهارة؛ ~~وليس كل واحد من الأمة أمة وسطا. ولا خير أمة. ثم العموم المقابل بعموم آخر ~~قد يقابل كل فرد من هذا بكل فرد من هذا كما في قوله: {آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} فإن كل واحد من ~~المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل. وقد يقابل ms9063 المجموع ~~بالمجموع بشرط الاجتماع منهما؛ كما في قوله: {قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا} فإن الالتقاء ثبت لكل منهما حال اجتماعهما. وقد يقابل شرط الاجتماع ~~من أحدهما كقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} فإن مجموع الأمة خير للناس ~~مجتمعين ومنفردين. وقد يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد ~~فيكون لكل واحد من العمومين واحد من العموم الآخر كما يقال: لبس الناس ~~ثيابهم وركب الناس دوابهم. فإن كل واحد منهم ركب دابته ولبس ثوبه. وكذلك ~~إذا قيل: الناس يحبون أولادهم. أي: كل واحد يحب ولده؛ ومن هذا قوله سبحانه: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} أي كل والدة ترضع ولدها؛ بخلاف ما لو قلت: الناس ~~يعظمون الأنبياء؛ فإن كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء. فقول الواقف: ~~على أولاده؛ ثم على أولادهم: قد اقتضى ترتيب # PageV31P128 # أحد العمومين على الآخر فيجوز أن يريد أن العموم الثاني بمجموعه مرتب على ~~مجموع العموم الأول وعلى كل فرد من أفراده فلا يدخل شيء من هذا العموم ~~الثاني في الوقف حتى ينقضي جميع أفراد العموم الأول ويجوز أن يريد ترتيبا ~~يوزع فيه الأفراد على الأفراد فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم ~~والده؛ لا عند عدم والد غيره؛ كما في قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن} ~~وقولهم: الناس يحبون أولادهم. واللفظ صالح لكلا المعنيين صلاحا قويا؛ لكن ~~قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى كما رجح الجمهور ترتيب الكل على ~~الكل في قوله: وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على المساكين. فإنه ليس بين ~~المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على ~~الآخر ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين ولعمرو هذا ولبكر هذا؛ ~~بخلاف قولنا: الناس يحبون أولادهم؛ فإن المراد هنا من له ولد. فصار أحد ~~العمومين مقاوما للآخر. وفي أولادهم من الإضافة ما اقتضى أن يعين لكل إنسان ~~ولده دون ولد غيره. وكما يترجح المعنى الثاني في قوله سبحانه: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} إلى آخره فإنه لم يحرم ms9064 على كل واحد من المخاطبين ~~جميع أمهات المخاطبين وبناتهم؛ وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته # PageV31P129 # وكذلك قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ~~ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط وكذلك قوله: {والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} إنما معناه اتبع كل واحد ~~ذريته؛ ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء. وهذا كثير ~~في الكلام: مثل أن يقول: الناس في ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون في أموالهم ~~وينفقون على أولادهم وما أشبه ذلك. ثم الذي يوضح أن هذا المعنى قوي في ~~الوقف ثلاثة أشياء. أحدها: أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده ~~لا يؤخرون الانتقال إلى انقضاء الطبقة؛ والكثرة دليل القوة؛ بل والرجحان. ~~الثاني: أن الوقف على الأولاد يقصد به غالبا أن يكون بمنزلة الموروث الذي ~~لا يمكن بيعه؛ فإن المقصود الأكبر انتفاع الذرية به على وجه لا يمكنهم ~~إذهاب عينه. وأيضا فإن بين الوقف والميراث هنا شبه من جهة أن الانتقال إلى ~~ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما. ثم مثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث ~~كما أطلقها الله تعالى في قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} # PageV31P130 # {ولهن الربع مما تركتم} لما فهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على ~~الأفراد؛ لا مقابلة المجموع بالمجموع ولا مقابلة كل واحد بكل واحد ولا ~~مقابلة كل واحد بالمجموع كما لو قال الفقيه لرجل: مالك ينتقل إلى ورثتك ثم ~~إلى ورثتهم؛ فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه. فليكن قوله: ~~على أولادهم ثم على أولاد أولادهم كذلك؛ إما صلاحا وإما ظهورا. # الثالث: أن قوله: في أولادهم. محال أن يحصل في هذه الإضافة مقابلة كل فرد ~~بكل فرد فإن كل واحد من الأولاد ليس مضافا إلى كل واحد من الوالدين؛ وإنما ~~المعنى: ثم على ما لكل واحد من الأولاد. فإذا قال: وقفت على زيد وعمرو وبكر ~~ثم على أولادهم. فالضمير عائد إلى زيد ms9065 وعمرو وبكر وهذه المقابلة مقابلة ~~التوزيع. وفي الكلام معنيان: إضافة وترتيب. فإذا كانت مقابلة الإضافة ~~مقابلة توزيع أمكن أن يكون مقابلة الترتيب أيضا مقابلة توزيع كما أن قوله ~~{يرضعن أولادهن} لما كان معنى إرضاع وإضافة والإضافة موزعة: كان الإرضاع ~~موزعا. وقوله {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} لما كان معنى إضافة موزعة: كان ~~الاستحقاق موزعا. وهذا يبين لك أن مقابلة التوزيع في هذا الضرب قوية سواء ~~كانت راجحة أو مرجوحة أو مكافية. # PageV31P131 # وللناس تردد في موجب هذه العبارة عند الإطلاق في الوقف وإن كان كثير منهم ~~أو أكثرهم يرجحون ترتيب الجمع على الجمع بلا توزيع كما في قولنا: على هؤلاء ~~ثم على المساكين. ولأصحابنا في موجب ذلك عند الإطلاق وجهان مع أنهم لم ~~يذكروا في قوله: وقفت على هذين ثم على المساكين خلافا. والفرق بينهما على ~~أحد الوجهين ما قدمناه. والمشهور عند أصحاب الشافعي أنه لترتيب الجمع على ~~الجمع. ولهم وجه: أنه من مات عن ولد أو غير ولد فنصيبه منقطع الوسط. وخرج ~~بعضهم وجها أن نصيب الميت ينتقل إلى جميع الطبقة الثانية. وليس الغرض هنا ~~الكلام في موجب هذا اللفظ لو أطلق فإنا إنما نتكلم على تقدير التسليم لكونه ~~يقتضي ترتيب الجمع على الجمع؛ إذ الكلام على التقدير الآخر ظاهر فأما صلاح ~~اللفظ للمعنيين فلا ينازع فيه من تصور ما قلناه. وإذا ثبت أنه صالح فمن ~~المعلوم أن اللفظ إذا وصل بما يميز أحد المعنيين الصالحين له وجب العمل به ~~ولا يستريب عاقل في أن الكلام الثاني يبين أن الواقف قصد أن ينقل نصيب كل ~~والد إلى ولده؛ وإلا لم يكن فرق بين أن يموت أحد منهم عن ولد أو عن غير ولد ~~بل لم يكن إلى ذكر الشرط حاجة أصلا. أكثر ما يقال: إنه توكيد لو خلا عن ~~دلالة المفهوم. فيقال: حمله على التأسيس أولى من حمله على التوكيد # PageV31P132 # واعلم أن هذه الدلالة مستمدة من أشياء: أحدها: صلاح اللفظ الأول لترتيب ~~التوزيع. # الثاني: أن المفهوم يشعر بالاختصاص. وهذا لا ms9066 ينازع فيه عاقل وإن نازع في ~~كونه دليلا. الثالث: أن التأسيس أولى من التوكيد وليس هذا من باب تعارض ~~الدليلين؛ ولا من باب تقييد الكلام المطلق وإنما هو من باب تفسير اللفظ ~~الذي فيه احتمال المعنيين. فإن قلتم: اللفظ الأول إن كان ظاهرا في ترتيب ~~الجمع فهذا صرف للظاهر. وإن قلتم: هو محتمل أو ظاهر في التوزيع: منعناكم ~~وإن قلتم لا يوصف اللفظ بظهور ولا إكمال إلا عند تمامه والأول لم يتم: فهذا ~~هو الدليل الأول فما الفرق بينهما؟ قلنا: في الدليل الأول بيان أن اللفظ ~~الأول لو كان نصا لا يقبل التأويل عند الإطلاق فإن وصله بما يقيده يبطل تلك ~~الدلالة كما لو قال: وقفت على زيد ثم قال: إن كان فقيرا فهذا لا يعد تفسيرا ~~للفظ محتمل وإنما هو تقييد. وفي هذا الدليل بيان أن اللفظ الأول محتمل ~~لمعنيين ولا يجوز وصفه بظهور في أحدهما إلا أن ينفصل عما بعده. فأما إذا ~~اتصل بما بعده بين ذلك الوصل أحد المعنيين. # PageV31P133 # فقولكم: اللفظ الأول لا يخلو أن يكون ظاهرا في أحدهما أو محتملا. قلنا: ~~قبل تمامه لا يوصف بواحد من الثلاثة وإنما قد يوصف بالصلاح للمعاني ~~الثلاثة. ولا يقال فيه: صرف للظاهر أصلا فإنه لا ظاهر لكلام لم يتم بعد ~~وإنما ظاهر الكلام ما يظهر منه عند فراغ المتكلم. وبهذا يتبين منشأ الغلط ~~في عموم اللفظ الأول؛ فإن قوله: على أولادي ثم على أولادهم. عام في أولاد ~~أولاده بلا تردد. فلا يجوز إخراج أحد منهم. وهو مقتض للترتيب أيضا؛ فإن ~~الأولاد مرتبون على أولاد الأولاد لكن ما صفة هذا العموم: أهو عموم التفسير ~~والتوزيع المقتضي لمقابلة كل فرد بفرد؟ أو عموم الشياع المقتضي لمقابلة كل ~~فرد بكل فرد؟ ومن ادعى أن اللفظ صريح في هذا بمعنى أنه نص فيه فهو جاهل ~~بالأدلة السمعية والأحكام الشرعية خارج عن مناهج العقول الطبيعية. ومن سلم ~~صلاح اللفظ لهما؛ وادعى رجحان أحدهما عند انقطاع الكلام: لم ننازعه فإنها ~~ليست مسألتنا. وإن نازع في ms9067 رجحان المعنى الأول بعد تلك الصلة فهو أيضا مخطئ ~~قطعا. وهذه حجة عند مثبتي المفهوم ونفاته؛ كالوجه الأول؛ فإن نافي المفهوم ~~يقول: المسكوت لم يدخل في الثاني؛ لكن إن دخل في الأول عملت به؛ ونسلم أنه ~~إذا غلب على الظن أو إذا علم أن لا موجب للتخصيص سوى الاختصاص بالحكم: كان ~~المفهوم دليلا. فإذا تأمل قوله: # PageV31P134 # على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لأهل طبقته. قال إن كان مراد ~~الواقف عموم الشياع كان هذا اللفظ مقيدا لبيان مراده ومتى دار الأمر بين أن ~~تجعل هذه الكلمة مفسرة للفظ الأول؛ وبين أن تكون لغوا: كان حملها على ~~الإفادة والتفسير أولى؛ لوجهين: أحدهما: أني أعتبرها؛ واعتبار كلام الواقف ~~أولى من إهداره. والثاني: أجعلها بيانا للفظ المحتمل حينئذ؛ فأدفع بها ~~احتمالا كنت أعمل به لولا هي وإذا كان الكلام محتملا لمعنيين كان المقتضي ~~لتعيين أحدهما قائما سواء كان ذلك الاقتضاء مانعا من النقيض أو غير مانع. ~~فإذا حملت هذا اللفظ على البيان كنت قد وفيت المقتضي حقه من الاقتضاء وصنت ~~الكلام الذي يميز بين الحلال والحرام عن الإهدار والإلغاء. فأين هذا ممن ~~يأخذ بما يحتمله أول اللفظ ويهدر آخره؛ وينسب المتكلم به إلى العي واللغو. ~~والذي يوضح هذا أن قوله: على أنه. من صيغ الاشتراط والتقييد والشرط إنما ~~يكون لما يحتمله العقد؛ مع أن إطلاقه لا يقتضيه. بيان ذلك أن قوله: بعت ~~واشتريت. لا يقتضي أجلا ولا رهنا ولا ضمينا ولا نقدا غير نقد البلد ولا صفة ~~زائدة في المبيع؛ لكن اللفظ يحتمله بمعنى أنه صالح لهذا ولهذا؛ لكن عند ~~الإطلاق ينفي هذه الأشياء؛ فإن اللفظ لا يوجبها والأصل عدمها. فمتى قال: ~~على أن ترهنني به # PageV31P135 # كذا كان هذا تفسيرا لقوله: بعتك بألف بمنزلة قوله: بألف متعلقة برهن. # الوجه الثالث: أن قوله: على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوي ~~طبقته. دليل على أن من مات منهم عن ولد لم يكن نصيبه لذوي طبقته. وهذه ~~دلالة المفهوم؛ ms9068 وليس هذا موضع تقريرها؛ لكن نذكر هنا نكتا تحصل المقصود. ~~أحدها: أن القول بهذه الدلالة مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا: من ~~المالكية والشافعية والحنبلية؛ بل هو نص هؤلاء الأئمة وإنما خالف طوائف من ~~المتكلمين مع بعض الفقهاء. فيجب أن يضاف إلى مذاهب الفقهاء ما يوافق ~~أصولهم. فمن نسب خلاف هذا القول إلى مذهب هؤلاء كان مخطئا. وإن كان بما ~~يتكلم به مجتهدا فيجب أن يحتوي على أدوات الاجتهاد. ومما يقضي منه العجب ظن ~~بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس؛ بمنزلة ~~القياس. وهذا خلاف إجماع الناس؛ فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة ~~دلالات الألفاظ. أو قائل أنه ليس من جملتها. أما هذا التفصيل فمحدث. ثم ~~القائلون بأنه حجة إنما قالوا هو حجة في الكلام مطلقا؛ واستدلوا على كونه ~~حجة بكلام الناس. وبما ذكره أهل اللغة؛ وبأدلة عقلية # PageV31P136 # تبين لكل ذي نظر أن دلالة المفهوم من جنس دلالة العموم والإطلاق والتقييد ~~وهو دلالة من دلالات اللفظ. وهذا ظاهر في كلام العلماء والقياس ليس من ~~دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة وإنما يصير دليلا بنص الشارع؛ بخلاف ~~المفهوم؛ فإنه دليل في اللغة؛ والشارع بين الأحكام بلغة العرب. الثاني: أن ~~هذا المفهوم من باب مفهوم الصفة الخاصة المذكورة بعد الاسم العام وهذا قد ~~وافق عليه كثير ممن خالف في الصفة المبتدأة حتى إن هذا المفهوم يكون حجة في ~~الاسم غير المشتق؛ كما احتج به الشافعي وأحمد في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {جعلت لي الأرض مسجدا} " {وجعلت تربتها طهورا} . وذلك أنه إذا قال: ~~الناس رجلان مسلم وكافر فأما المسلم فيجب عليك أن تحسن إليه. علم بالاضطرار ~~أن المتكلم قصد تخصيص المسلم بهذا الحكم؛ بخلاف ما لو قال ابتداء: يجب عليك ~~أن تحسن إلى المسلم. فإنه قد يظن أنه إنما ذكره على العادة لأنه هو المحتاج ~~إلى بيان حكمه غالبا؛ كما في قوله: " {كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله ~~وعرضه} وكذلك " {في الإبل السائمة الزكاة} ms9069 أقوى من قوله " {في السائمة ~~الزكاة} لأنه إذا قال " {في الإبل السائمة} فلو كان حكمها مع السوم وعدمه ~~سواء لكان قد طول اللفظ ونقص المعنى أما # PageV31P137 # إذا قال: " {في السائمة} فقد يظن أنه خصها بالذكر لكونها أغلب الأموال أو ~~لكون الحاجة إلى بيانها أمس وهذا بين كذلك هنا إذا كان مقصوده انتقال نصيب ~~الميت إلى طبقته مع الولد وعدمه. فلو قال: فمن مات منهم كان نصيبه لذوي ~~طبقته. كان قد عمم الحكم الذي أراده؛ واختصر اللفظ. فإذا قال: فمن مات منهم ~~عن غير ولد ولا نسل ولا عقب كان ما كان جاريا عليه من ذلك لمن في درجته ~~وذوي طبقته. كان قد طول الكلام ونقص المعنى؛ بخلاف ما إذا حمل في ذلك على ~~الاختصاص بالحكم؛ فإنه يبقى الكلام صحيحا معتبرا والواجب اعتبار كلام ~~المصنف ما أمكن. ولا يجوز إلغاؤه بحال مع إمكان اعتباره. الوجه الثالث: أن ~~نفاة المفهوم لإمكان أن يكون للتخصيص بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم: إما ~~عدم الشعور بالمسكوت أو عدم قصد بيان حكمه أو كون المسكوت أولى بالحكم منه ~~أو كونه مساويا له في بادئ الرأي أو كونه سئل عن المنطوق أو كونه قد جرى ~~بسبب أوجب بيان المنطوق أو كون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق أو كون ~~الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق فإذا علم أو غلب على الظن أن لا ~~موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه ~~مخصوص بالحكم. # PageV31P138 # ولهذا كان نفاة المفهوم يحتجون في مواضع كثيرة بمفهومات؛ لأنهم لا يمنعون ~~أن يظهر قصد التخصيص في بعض المفهومات. وهذا من هذا الباب؛ فإن قوله: من ~~مات منهم عن غير ولد. قد يشعر بالقسمين وله مقصود في بيان الشرط وليس هذا ~~من باب التنبيه؛ فإنه إذا جعل نصيب الميت ينتقل إلى إخوته عند عدم ولده لم ~~يلزم أن ينقله إليهم مع وجود ولده والحاجة داعية إلى بيان النوعين؛ بل لو ~~كان النوعان عنده سواء - وقد خص بالذكر حال عدم ms9070 الوالد - لكان ملبسا معميا؛ ~~لأنه يوهم خلاف ما قصد بخلاف ما إذا حمل على التخصيص. الرابع: أن الوصف إذا ~~كان مناسبا اقتضى العلية. وكون الميت لم يخلف ولدا مناسب لنقل حقه إلى أهل ~~طبقته فيدل على أن علة النقل إلى ذوي الطبقة الموت عن غير ولد فيزول هذا ~~بزوال علته وهو وجود الولد. الخامس: أن كل من سمع هذا الخطاب فهم منه ~~التخصيص وذلك يوجب أن هذا حقيقة عرفية. إما أصلية لغوية أو طارية منقولة. ~~وعلى التقديرين يجب حمل كلام المتصرفين عليها باتفاق الفقهاء. واعلم أن ~~إثبات هذا في هذه الصورة الخاصة لا يحتاج إلى بيان كون المفهوم دليلا؛ لأن ~~المخالف في المفهوم إنما يدعي سلب العموم عن المفهومات # PageV31P139 # لا عموم السلب فيها؛ فقد يكون بعض المفهومات دليلا لظهور المقصود فيها. ~~وهذا المفهوم كذلك؛ بدليل فهم الناس منه ذلك ومن نازع في فهم ذلك فإما فاسد ~~العقل أو معاند. وإذا ثبت أن هذا الكلام يقتضي عدم الانتقال إلى ذوي الطبقة ~~مع وجود الأولاد فإما أن لا يصرف إليهم ولا إلى الأولاد؛ وهو خلاف قوله: ~~على أولادهم ثم على أولاد أولادهم أبدا ما تناسلوا. أو يصرف إلى الأولاد ~~فهو المطلوب. # فإن قيل: قد يسلم أن المفهوم دليل؛ لكن قد عارضه اللفظ الصريح أولا أو ~~اللفظ العام: فلا يترك ذلك الدليل لأجل المفهوم. قيل: عنه أجوبة. # أحدها: أن اللفظ الأول لا دلالة فيه بحال على شيء لأن اللفظ إنما يصير ~~دليلا إذا تم وقطع عما بعده. أما إذا وصل بما بعده فإنه يكون جزءا من ~~الدليل؛ لا دليلا. وجزء الدليل ليس هو الدليل. ومن اعتقد أن الكلام المتصل ~~بعضه ببعض يعارض آخره المقيد أوله المطلق فما درى أي شيء هو تعارض ~~الدليلين. الثاني: أن اللفظ الأول لو فرض تمامه ليس بصريح. كما تقدم بيانه ~~بل هو محتمل لمعنيين. وأما كونه عاما فمسلم لكنا لا نخصه بل نبقيه على # PageV31P140 # عمومه؛ وإنما الكلام في صفة عمومه؛ بل ما حملناه عليه أبلغ في عمومه لأن ms9071 ~~أولاد الأولاد يأخذ كل منهم في حياة أعمامه وبعد موتهم. وعلى ذلك التقدير ~~إنما يأخذ في حياتهم فقط. واللفظ المتناول لهم في حالين أعم من المتناول ~~لهم في أحدهما. الثالث: لو فرض أن هذا من " باب تعارض العموم والمفهوم " ~~فالصواب أن مثل هذا المفهوم يقدم على العموم كما هو قول أكثر المالكية ~~والشافعية والحنبلية وقد حكاه بعض الناس إجماعا من القائلين بالمفهوم؛ لأن ~~المفهوم دليل خاص والدليل الخاص مقدم على العام. ولا عبرة بالخلاف في ~~المفهوم؛ فإن القياس الجلي مقدم على المفهوم؛ مع أن المخالفين في القياس ~~قريبون من المخالفين في المفهوم؛ وخبر الواحد يخص به عموم الكتاب مع أن ~~المخالفين في خبر الواحد أكثر من المخالفين عموم الكتاب. # فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه مبني على أن الضمير في قوله: على أنه من مات. ~~عائد إلى جميع من تقدم؛ وهذا ممنوع؛ فإن من الفقهاء المعتبرين من قال: إن ~~الاستثناء في شروط الواقف إذا تعقب جملا معطوفة (1) وإذا كان الضمير عائدا ~~إلى الجملة الأخيرة فتبقى الجمل الأولى على ترتيبها؟ . PageV31P141 # قيل: هذا باطل من وجوه. أحدها: أن لازم هذا القول أنه لو قال: على أولادي ~~ثم أولادهم ثم أولاد أولادهم ثم أولاد أولاد أولادهم ونسلهم وعقبهم؛ على ~~أنه من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده ومن مات منهم عن غير ولد كان نصيبه ~~لمن في درجته: لكان هذا الشرط في الطبقة الآخرة وأن الطبقة الأولى والثانية ~~والثالثة إذا مات الميت منهم لم ينتقل نصيبه إلى ولده؛ بل إلى ذوي الطبقة ~~عملا بمقتضى مطلق الترتيب؛ فإن التزم المنازع هذا اللازم وقال: كذلك أقول. ~~كان هذا قولا مخالفا لما عليه عمل المسلمين قديما وحديثا في كل عصر وكل ~~مصر؛ فإن الوقوف المشرطة بهذه الشروط لا يحصي عددها إلا الله تعالى. وما ~~زال المسلمون من قضاتهم ومفتيهم وخاصتهم وعامتهم يجعلون مثل هذا الشرط ~~ثابتا في جميع الطبقات من غير نكير لذلك ولا منازع فيه. فمن قال خلاف ذلك ~~علم أنه قد ابتدع قولا يخالف ms9072 ما أجمعت عليه القرون السالفة والعلم بهذا ~~ضروري. ثم لو فرض أن في هذا خلافا لكان خلافا شاذا معدودا من الزلات وبحسب ~~قول من الضعف أن يبنى على مثل هذا. ومن لوازم هذا القول أنه لو قال. وقف ~~على أولادي ثم أولادهم ثم أولاد أولادهم على أنه من # PageV31P142 # كان منهم فقيرا صرف إليه ومن كان منهم غنيا لم يصرف إليه. فإنه يصرف إلى ~~الطبقة الأولى؛ والثانية سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ أو يختص التفصيل ~~بالطبقة الثالثة. وكذلك لو قال: على أنه من تزوج منهم أعطي ومن لم يتزوج لم ~~يعط. وكذلك لو قال: ومن شرط الوقف على أنه يصرف إلى الفقراء منهم دون ~~الأغنياء. أو بشرط أن يصرف إلى فقرائهم دون أغنيائهم. وهكذا صور كثيرة لا ~~يأتي عليها الإحصاء من التزم فيها قياس هذا القول كان قد أتى بداهية دهيا ~~وإن قال: بل يعود الشرط إلى جميع الطبقات؛ كما هو المعلوم عند الناس فقد ~~علم بالاضطرار أن مسألتنا واحدة من هذا النوع؛ ليس بينها وبين هذه الصور من ~~الفرق ما يجوز أن يذهب على مميز. الوجه الثاني: أن الناس لا يفهمون من هذا ~~الكلام إلا الاشتراط في جميع الطبقات. والدليل عليه أن الوقوف المشروطة ~~بمثل هذا أكثر من أن تحصى ثم لم يفهم الناس منها إلا هذا ولعله لم يخطر ~~الاختصاص بالطبقة الأخيرة ببال واقف ولا كاتب ولا شاهد ولا مستمع ولا حاكم ~~ولا موقوف عليه. وإذا كان هذا هو المفهوم من هذا الكلام في عرف الناس وجب ~~حمل كلام المتكلمين على عرفهم في خطابهم سواء كان عرفهم موافقا للوضع ~~اللغوي أو مخالفا له. فإن كان موجب اللغة # PageV31P143 # عود الشرط إلى الطبقات كلها فالعرف مقرر له. وإن فرض أن موجب اللغة قصره ~~على الطبقة الأخيرة كان العرف مغيرا لذلك الوضع. وكلام الواقفين والحالفين ~~والموصين ونحوهم محمول على الحقائق العرفية دون اللغوية على أنا نقول: هذا ~~هو المفهوم من هذا الكلام في العرف والأصل تقرير اللغة لا تغييرها فيستدل ~~بذلك على ms9073 أن هذا هو مفهوم اللفظ في اللغة؛ إذ الأصل عدم النقل. ومن نازع في ~~أن الناس خاصتهم وعامتهم يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق عود الشرط إلى ~~جميع الطبقات علم أنه مكابر وإذا سلمه ونازع في حمل كلام المتصرف على ~~المعنى الذي يفهمونه علم أنه خارج عن قوانين الشريعة. فهاتان مقدمتان ~~يقينيتان؛ والعلم بهما مستلزم لعود الشرط إلى جميع الطبقات. الوجه الثالث: ~~أنه إذا حمل الكلام على عود الشرط إلى الجملة الأخيرة فقط: كانت فائدته على ~~رأي المنازع أنه لولا هذا الشرط لاشترك العقب في جميع الوقف الذي انتقل ~~إليهم من الطبقة التي فوقهم والذي انتقل إليهم ممن مات منهم عن ولد أو عن ~~غير ولد. فإذا قال: فمن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لذوي طبقته. أفاد ذلك ~~أن يختص ذووا الطبقة بنصيب المتوفى إذا لم يكن له ولد؛ دون من فوقهم ومن ~~دونهم. وهذا لم يكن مفهوما من اللفظ وإذا كان له ولد اشترك جميع أهل الوقف ~~في نصيب المتوفى ولده وغير ولده. وإذا حمل الكلام # PageV31P144 # على عود الشرط إلى الطبقات كلها أفاد أن ينتقل نصيب المتوفى إلى طبقته ~~إذا لم يكن له ولد. وإلى ولده إذا كان له ولد. ومعلوم قطعا من أحوال الخلق ~~أن من اشترك بين جميع الطبقات لا ينقل نصيب الميت إلى ذوي طبقته فقط دون من ~~هو فوقه وإذا كان له ولد لم ينقله إلى ولده؛ بل يجعله كأحدهم؛ فإنه على هذا ~~التقدير يكون قد جعل ذوي الطبقة أولى من ولد الميت مع أنه لم يراع ترتيب ~~الطبقات ومعلوم أن هذا لا يقصده عاقل؛ فإن العاقل إما أن يراع ترتيب ~~الطبقات فلا يشرك أو ينقل نصيب المتوفى إلى ولده كالإرث. أما أنه مع ~~التشريك يخص نصيب المتوفى إخوته دون ولده: فهذا خلاف المعلوم من أحوال ~~الناس. ولو فرض أن الضمير متردد بين عوده إلى الجميع وعوده إلى الطبقة ~~الأخيرة كانت هذه الدلالة الحالية العرفية معينة لأحد الاحتمالين. فإن قيل: ~~هذا يلزمكم إذا أعدتم ms9074 الضمير إلى الجميع؛ فإن اللفظ يقتضي الترتيب في أربع ~~طبقات والتشريك في الباقية. فأنتم تقولون في بقية الطبقات مثلما نقوله. ~~قلنا: هذا فيه خلاف؛ فإن الطبقات الباقية هل يشرك بينها عملا بما تقتضيه ~~الواو من مطلق التشريك أو يرتب بينها استدلالا بالترتيب فيما # PageV31P145 # ذكره على الترتيب في الباقي كما هو مفهوم عامة الناس من مثل هذا الكلام ~~فإن الواو كما أنها لا تقتضي الترتيب فهي لا تنفيه فإن كان في الكلام قرينة ~~تدل عليه وجب رعايتها. وقد تنازع الناس في هذا. فإن قلنا بالثاني فلا كلام. ~~وإن قلنا بالأول قلنا أيضا: إنه يقتضي انتقال نصيب الميت إلى ولده في جميع ~~الطبقات؛ فإن نقل نصيب الميت إلى ذوي طبقته إذا لم يكن له ولد دون سائر أهل ~~الوقف تنبيه على أنه ينقله إلى ولده إن كان له ولد والتنبيه دليل أقوى من ~~النص حتى في شروط الواقفين. ولهذا لو قال: وقفت على ولدي على أنه من كان ~~فاسقا لا يعطى درهما واحدا. فإنه لا يجوز أن يعطى درهمان بلا ريب؛ فإنه نبه ~~بحرمانه القليل على حرمانه الكثير كذلك نبه بنقل نصيب الميت إذا لم يكن له ~~ولد إلى إخوته على نقله إلى الولد إذا كانا موجودين فيكون منع الإخوة مع ~~الولد مستفادا من التقييد وإعطاء الولد مستفادا من تنبيه الخطاب وفحواه. ~~وإيضاح ذلك أن إعطاء نصيب الميت لذوي طبقته دون سائر أهل الوقف ودون تخصيص ~~الأقرب إلى الميت: دليل على أنه جعل سبب الاختصاص القرب إلى الميت لا القرب ~~إلى الواقف ولا مطلق الاستحقاق. ومعلوم # PageV31P146 # أن الولد عند وجودهم أقرب إلى الميت فيكون سبب استحقاقهم أوكد فيكون ذلك ~~دليلا على أن الواقف قصد إعطاءهم. وسنذكر إن شاء الله ما يرد على هذا. ~~الوجه الرابع: أن الضمير يجب عوده إلى جميع ما تقدم ذكره فإن تعذر عوده إلى ~~الجميع أعيد إلى أقرب المذكورين أو إلى ما يدل دليل على تعيينه. فأما ~~اختصاصه ببعض المذكور من غير موجب فمن باب التخصيص المخالف للأصل ms9075 الذي لا ~~يجوز حمل الكلام عليه إلا بدليل. وذلك لأن الأسماء المضمرة إضمار الغيبة هي ~~في الأمر العام موضوعة لما تقدم ذكره من غير أن يكون لها في نفسها دلالة ~~على جنس أو قدر. فلو قال: أدخل على بني هاشم ثم بني المطلب ثم سائر قريش ~~وأكرمهم وأجلسهم ونحو هذا الكلام: لكان الضمير عائدا إلى ما تقدم ذكره. ~~وليس هذا من باب اختلاف الناس في الاستثناء المتعقب جملا: هل يعود إلى ~~جميعها أو إلى أقربها؟ لأن الخلاف هناك إنما نشأ لأن الاستثناء يرفع بعض ما ~~دخل في اللفظ فقال من قصره على الجملة الأخيرة: إن المقتضي للدخول في الجمل ~~السابقة قائم والمخرج مشكوك فيه فلا يزال عن المقتضي بالشك. وهذا المعنى ~~غير موجود في الضمير؛ فإن الضمير اسم موضوع لما تقدم ذكره وهو صالح للعموم ~~على سبيل الجمع؛ فإنه يجب حمله على العموم إذا لم يقم مخصص وعلى هذا فحمل ~~الضمير على العموم حقيقة فيه وحمله على الخصوص مثل تخصيص اللفظ العام. # PageV31P147 # الوجه الخامس: أنه إذا قال: وقفت على أولادي ثم على أولادهم ثم على أولاد ~~أولادهم على أنه من توفي منهم عن ولد أو عن غير ولد. فإن إعادة الضمير إلى ~~الطبقة الثالثة ترجيح من غير مرجح. والظاهر؛ بل المقطوع به من حال العاقل: ~~أنه لا يفعل ذلك؛ فإن العاقل لا يفرق بين المتماثلات من غير سبب: فإما أن ~~يكون مقصوده إعطاء الأقرب إليه فالأقرب في جميع الطبقات إذا نقل نصيب الميت ~~إلى ابنه في جميع الطبقات. أما كونه في بعض الطبقات يخص الأقربين إليه وفي ~~بعضها بنقل النصيب إلى ولد الميت أو إلى ذوي طبقته: فما يكاد عاقل يقصد هذا ~~وإذا دار حمل اللفظ بين ما الظاهر إرادته وبين ما الظاهر عدم إرادته: كان ~~حمله على ما ظهرت إرادته هو الواجب؛ فإن اللفظ إنما يعمل به لكونه دليلا ~~على المقصود. فإذا كان في نفسه محتملا وقد ترجح أحد الاحتمالين تعين الصرف ~~إليه فإذا انضم إلى ذلك أنه تخصيص ms9076 للعموم ببعض الأفراد التي نسبتها ونسبة ~~غيرها إلى غرض الواقف سواء كان كالقاطع في العموم. الوجه السادس: أن هذه ~~الصفة في معنى الشرط والشرط المتعقب جملا يعود إلى جميعها باتفاق الفقهاء ~~ولا عبرة في هذا المقام بمن خالف ذلك من بعض المتأخرين؛ فإن الفقهاء قد ~~نصوا أن رجلا لو قال: والله لأفعلن كذا ولأفعلن كذا - إن شاء الله - أن كلا ~~الفعلين يكون معلقا # PageV31P148 # بالمشيئة. وكذلك لو قال: لأضربن زيدا؛ ثم عمرا ثم بكرا - إن شاء الله. ~~وكذلك لو قال: الطلاق يلزمه ليفعلن كذا وعبده حر ليفعلن كذا أو امرأته كظهر ~~أمه ليفعلن كذا - إن شاء الله. وإنما اختلفوا في الاستثناء المخصص؛ لا في ~~الاستثناء المعلق. وهذا من باب الاستثناء المعلق: مثل الشروط؛ لأوجه: ~~أحدها: أن الاستثناء بإلا ونحوها متعلق بالأسماء؛ لا بالكلام. والاستثناء ~~بحروف الجزاء متعلق بالكلام. وقوله: على أنه ونحوه. متعلق بالكلام فهو ~~بحروف الجزاء أشبه منه بحروف الاستثناء: إلا وأخواتها. وذلك أن قوله: وقفت ~~على أولادي إلا زيدا. الاستثناء فيه متعلق بأولادي. وقوله: وقفت على أولادي ~~إن كانوا فقراء. الشرط فيه متعلق بقوله. وقفت. وهو الكلام وهو المعنى ~~المركب. وكذلك قوله على أن يكونوا فقراء. حرف الاستعلاء معلق لمعنى الكلام ~~وهو وقفت. وهذا قاطع لمن تدبره. الثاني. أن هذا بيان لشروط الوقف التي يقف ~~الاستحقاق عليها؛ ليس المقصود بها إخراج بعض ما دخل في اللفظ فهي شروط ~~معنوية. الثالث: أن قوله: من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لمن في درجته. ~~جملة شرطية جزائية مجعولة خبر أن المفتوحة واسم أن ضمير # PageV31P149 # الشأن وأن وما في خبرها في تأويل المصدر. فيصير التقدير: وقفت على هذا. ~~الرابع: أن حرف " على " للاستعلاء. فإذا قال الرجل: وقفت على أنه يكون كذا. ~~أو بعتك على أن ترهنني. كان المعنى وقفت وقفا مستعليا على هذا الشرط فيكون ~~الشرط أساسا وأصلا لما على عليه وصار فوقه والأصل متقدم على الفرع. وهذا ~~خاصية الشرط؛ ولهذا فرق من فرق بين الشرط والاستثناء بأن الشرط منزلته ~~التقدم ms9077 على المشروط فإذا أخر لفظا كان كالمتصدر في الكلام ولو تصدر في ~~الكلام تعلقت به جميع الجمل فكذلك إذا تأخر. فلو قال: وقفت على أولادي ثم ~~على أولادهم ثم على أولاد أولادهم إن كانوا فقراء. كان بمنزلة قوله: على أن ~~يكونوا فقراء. وأحد اللفظين موجب لعود الضمير إلى جميع الطبقات فكذلك ~~الآخر. واعلم أن هذه الدلائل توجب أن الضمير يعود إلى جميع الطبقات في هذه ~~المسألة عند القائلين بأن الاستثناء المتعقب جملا يعود إلى جميعها ~~والقائلين بأنه يعود إلى الأخيرة منها كما اتفقوا على مثل ذلك في الشرط. # الوجه السابع: أن هذا السؤال فاسد على مذهب الشافعي خصوصا وعلى مذهب غيره ~~أيضا: وذلك أن الرجل لو قال لامرأته # PageV31P150 # أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار؛ فإنه لا يقع بها طلاق حتى تدخل ~~الدار فطلق حينئذ ثلاثا إن كانت مدخولا بها؛ أو واحدة إن كانت غير مدخول ~~بها. هذا قول أبي يوسف ومحمد. وقيل عن أبي يوسف ومحمد تطلق غير المدخول بها ~~ثلاثا كالواو عندهما؛ وهو مذهب الشافعي؛ وأقوى الوجهين في مذهب أحمد. وقال ~~أبو حنيفة والقاضي أبو يعلى من أصحاب أحمد وطائفة معه: بل تتعلق بالشرط ~~الجملة الأخيرة فقط. فإن كانت مدخولا بها تنجز طلقتان وتعلق بالشرط واحدة. ~~وإن كانت غير مدخول بها تنجزت طلقة بانت بها؛ فلم يصح إيقاع الأخريتين لا ~~تنجيزا ولا تعليقا. قالوا: لأن ثم للترتيب مع التراخي فيصير كأنه قال: أنت ~~طالق؛ ثم سكت ثم قال: أنت طالق إن دخلت الدار. وأما الأولون فقالوا: " ثم " ~~حرف عطف يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه كالواو؛ لكن الواو تقتضي ~~مطلق الجمع والتشريك من غير دلالة على تقدم أو تأخر أو مقارنة وثم تقتضي ~~التشريك مع التأخر. وافتراقهما في المعنى لا يوجب افتراقهما في نفس ~~التشريك. وأما كونها للتراخي فعنه جوابان. أحدهما. أن مقتضاها مطلق ~~الترتيب؛ فيعطف بها المتعقب والمتراخي # PageV31P151 # لكن لما كان للمتعقب حرف يخصه - وهو الفاء - صارت " ثم " علامة على ~~المعنى الذي انفردت به وهو ms9078 التراخي وإلا فلو قال لمدخول بها: أنت طالق ثم ~~طالق. أو أنت طالق فطالق: لم يكن بين هذين الكلامين فرق هنا. الثاني أن ما ~~فيها من التراخي إنما هو في المعنى لا في اللفظ. فإذا قال الرجل: جاء زيد ~~ثم عمرو. فهذا كلام متصل بعضه ببعض. لا يجوز أن يقال هو. بمنزلة من سكت ثم ~~قال: عمرو. فمن قال: إن قوله: أنت طالق ثم طالق. بمنزلة من سكت ثم قال ~~طالق. فقد أخطأ؛ وإنما غايته أن يكون بمنزلة من قال: أنت طالق طلاقا يتراخى ~~عنه طلاق آخر. وهذا لا يمنع من تعلق الجميع بالشرط: تقدم أو تأخر. فإذا كان ~~من مذهب الشافعي وهؤلاء أن قوله: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار. ~~بمنزلة قوله: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار. وقوله. أنت طالق وطالق ~~وطالق إن دخلت الدار في المدخول بها. وكذلك قوله: أنتن طوالق؛ ثم أنتن ~~طوالق: إن دخلتن الدار. وأن الشرط تعلق بالجميع؛ فكيف يجوز أن ينسب إلى ~~مذهبه أن العطف بما يقتضي الترتيب يوجب الصرف إلى من يليه الشرط دون ~~السابقين وهلا قيل هنا: إذا ثبت وقوع الطلاق نصا باللفظين الأولين؛ ولم ~~يثبت ما يغيره: وجب PageV31P152 # تقرير الطلاق الواقع؛ بل مسألة الطلاق أولى بقصر الشرط على الجملة ~~الأخيرة لأن إحدى الطلقتين ليس لها تعلق بالأخرى من حيث الوجود؛ بل يمكن ~~إيقاعهما معا؛ بخلاف ولد الولد؛ فإنهم لا يوجدون إلا متعاقبين. فالحاجة هنا ~~داعية إلى الترتيب ما لا تدعو إليه في الطلاق. وأيضا فإن جواز تعقيب البيع ~~والوقف ونحوهما بالشروط متفق عليه؛ بخلاف الطلاق؛ فإن مذهب شريح وطائفة معه ~~- وهي رواية مرجوحة عن أحمد - أن الطلاق لا يصح تعليقه بشرط متأخر كما ذهب ~~بعض الفقهاء من أصحاب (1) وغيرهم إلى أنه لا يصح الاستثناء من الطلاق. فإذا ~~كانوا قد أعادوا الشرط إلى جميع الجمل المرتبة بثم. فالقول بذلك في غيرها ~~أولى. وهذا الكلام لمن تدبره يجتث قاعدة من نسب إلى مذهب الشافعي ما يخالف ~~هذا. فإن ms9079 قيل: فقد قال به بعض الفقهاء من الحنفية والحنبلية: فهؤلاء يقولون ~~به هنا؟ قلنا: قد أسلفنا فيما مضى أن الضمير عائد إلى الجميع في أصول ~~الجميع؛ لدليل دل على الرجوع من جهة كون الضمير حقيقة # PageV31P153 # في جميع ما تقدم وأن هذا هو المفهوم من الكلام. ثم الذي يقول بهذا يفرق ~~بين هذا وبين الطلاق من وجوه. أحدها: أن الشرط في الطلاق متعلق بالفعل الذي ~~هو (1) وتلك الأسماء المعطوفة بعضها على بعض كلها داخلة في حيز هذا الفعل؛ ~~وهي من جهة المعنى مفاعيل له؛ بمنزلة الشرط في القسم. فإنه إذا قال: والله ~~لأفلعن كذا وكذا ثم كذا: إن شاء الله. كان الشرط متعلقا بالفعل في جواب ~~القسم والمفاعيل داخلة في مستثناه. وتناول الفعل لمفاعيله على حد واحد فإذا ~~كان قد قيد تناوله لها بقيد تقيد تناوله للجميع بذلك القيد؛ بخلاف قوله: ~~أنت طالق ثم طالق: إن شاء زيد. فإن المتعلق بالشرط هنا اسم الفاعل؛ لا نفس ~~المبتدأ. والخبر الثاني ليس بداخل في خبر الخبر الآخر؛ بل كلاهما داخل في ~~خبر المبتدأ؛ فلهذا خرج هنا خلاف وهذا فرق بين لمن تأمله. الوجه الثاني: أن ~~الشرط في الطلاق؛ وهو قوله: إن دخلت الدار. ليس فيه ما يوجب تعلقه بجميع ~~الجمل؛ بخلاف قوله: على أنه من مات منهم. فإن الضمير يقتضي العود إلى جميع ~~المذكور. الثالث: أن إحدى الجملتين في الطلاق لا تعلق لها بالأخرى؛ فإن ~~PageV31P154 # الطلقة تقع مع وجود الأولى وعدمها. فإذا علقت بالشرط لم تستلزم تعليق ~~الأولى؛ لانفصالها عنها. وقد اعتقدوا أن " ثم " بمنزلة التراخي في اللفظ ~~فيزول التعلق اللفظي والمعنوي فتبقى الجملة الأولى أجنبية عن الشرط على ~~قولهم. وأما قوله: ثم على أولادهم فإنه متعلق بالجملة الأولى من جهة الضمير ~~ومن جهة الوجود ومن جهة الاستحقاق. فلا يصح اللفظ بهذه الجملة إلا بعد ~~الأولى ولا وجود لمعناها إلا بعد الأولى ولا استحقاق لهم إلا بعد الأولى؛ ~~سواء قدر التراخي في اللفظ أو لم يقدر فلا يمكن أن تجعل الأولى أجنبية عن ms9080 ~~الثانية حتى تعلق الثانية وحدها بالشرط. والذي تحقق أن النزاع إنما هو في ~~الطلاق فقط: أنه لو قال: والله لأضربن زيدا ثم عمرا ثم بكرا - إن شاء الله ~~- عاد استثناء إلى الجميع. فقوله: وقفت على أولادي ثم على أولادهم ثم على ~~أولاد أولادهم إن كانوا فقراء. أبلغ من قوله: إن شاء الله. من حيث إن هنا ~~تعلق الضمير. الوجه الثامن: أن هذا الفرق الذي ذكره بعض الفقهاء بين العطف ~~بالحرف المرتب والحرف الجامع إنما ذكره في الاستثناء. ثم قال: وكذلك القول ~~في الصفة. والصفة إذا أطلقت فكثيرا ما يراد بها الصفة الصناعية النحوية. ~~وهو الاسم التابع لما قبله في إعرابه: مثل أن تقول: # PageV31P155 # وقفت على أولادي. ثم على الفقراء العدول. فإن اختصاص الجملة هنا بالصفة ~~الأخيرة قريب. ومسألتنا شروط حكمية. وهي إلى الشروط اللفظية أقرب منها إلى ~~الاستثناء. وإن سميت صفات من جهة المعنى. والدليل على أنه قصد هذا أنه قال: ~~وإن كان العطف بالواو ولا فاصل فمذهب الشافعي رجوع الاستثناء إلى الجميع. ~~وكذلك القول في الصفة. فعلم أنه قصد أن هذا مذهب الشافعي مشيرا إلى خلاف ~~أبي حنيفة؛ فإنه إنما يعيد ذلك إلى الجملة الأخيرة. وهذا إنما يقوله أبو ~~حنيفة في الاستثناء والصفات التابعة؛ لا يقوله في الشروط والصفات التي تجري ~~مجرى الشروط. فصار هنا أربعة أقسام. أحدها: الاستثناء بحرف " إلا " المتعقب ~~جملا؛ والخلاف فيه مشهور. الثاني: الاستثناء بحروف الشرط؛ فالاستثناء هنا ~~عائد إلى الجميع. الثالث: الصفات التابعة للاسم الموصوف بها وما أشبهها (1) ~~وعطف البيان؛ فهذه توابع مخصصة للأسماء المتقدمة فهي بمنزلة الاستثناء. ~~الرابع: الشروط المعنوية بحرف الجر: مثل قوله: على أنه. أو: تشرط أن يفعل. ~~أو بحروف العطف: مثل قوله: ومن شرطه كذا PageV31P156 # ونحو ذلك. فهذه مثل الاستثناء بحروف الجزاء. والضابط أن كل ما كان من ~~تمام الاسم فهو من جنس الاستثناء بإلا؛ وكلما كان متعلقا بنفس الكلام وهو ~~النسبة الحكمية التي بين المبتدأ والخبر وبين الفعل والفاعل فهو في معنى ~~الاستثناء بحرف الشرط. ومعلوم أن حروف الجر ms9081 وحروف الشرط المتأخرة إنما ~~تتعلق بنفس الفعل المتقدم وهو قوله: وقفت. وهو الكلام. والجملة والاستثناء ~~والبدل والصفة النحوية وعطف البيان متعلق بنفس الأسماء التي هي مفاعيل هذا ~~الفعل. # ويجوز كلام من فرق على جمل أجنبيات مثل أن تقول: وقفت على أولادي ثم على ~~ولد فلان؛ ثم على المساكين: على أنه لا يعطي منهم إلا صاحب عيال. ففي مثل ~~هذا قد يقوى اختصاص الشرط بالجملة الأخيرة لكونها أجنبية من الجملة الأولى؛ ~~ليست من جنسها؛ بخلاف الأولاد وأولاد الأولاد فإنهم من جنس واحد. وحمل ~~الكلام على أحد هذين المعنيين أو نحوهما متعين مع ما ذكرنا من دليل إرادة ~~ذلك على أنه لو كان فيه تخصيص لكلامه فإنه واجب لما ذكرناه؛ فإنه إذا كان ~~قد جاء إلى كلام الأئمة الذين قالوا: الاستثناء أو الصفة إذا تعقب جملا ~~معطوفا بعضها على بعض عاد إلى جميع الجمل. فخص ذلك ببعض حروف العطف لما رآه ~~من الدليل. فلأن نخص نحن كلامه بما ذكرناه من نصوص كلامهم # PageV31P157 # الموجب للتسوية بين الواو وثم بطريق الأولى. فإن سلم أن كلامه محمول على ~~ما ذكرناه وإلا تكلمنا معه ب الوجه التاسع: وهو أن هذا الفرق المدعى بين ~~الحرف الجامع جمعا مطلقا والحرف المرتب فرق لا أصل له في اللغة ولا في ~~العرف ولا في كلام الفقهاء ولا في كلام الأصوليين ولا في الأحكام الشرعية. ~~والدليل المذكور على صحته فاسد. فيجب أن يكون فاسدا. أما الأول؛ فإن أهل ~~اللغة قالوا: حروف العطف هي التي تشرك بين ما قبلها وما بعدها في الإعراب. ~~وهي نوعان: نوع يشرك بينهما في المعنى أيضا وهي: الواو والفاء وثم. فأما ~~الواو فتدل على مطلق التشريك والجمع؛ إلا عند من يقول: إنها للترتيب. وأما ~~" ثم " فإنها تدل على مطلق الترتيب. وقد يقال: إنها للتراخي. وأما الفاء ~~فإنها تدل على نوع من الترتيب وهو التعقيب. فهذه الحروف لا يخالف بعضها ~~بعضا في نفس اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في المعنى واشتراكهما فيه؛ وإنما ~~تفترق في زمان الاجتماع. فلو قيل: ms9082 إن العطف بالواو يقتضي اشتراك المعطوف ~~والمعطوف عليه فيما يلحق الجمل من استثناء ونعت ونحو ذلك والعطف بثم لا ~~يقتضي اشتراكهما في هذه اللواحق: للزم من ذلك أن لا تكون ثم # PageV31P158 # مشتركة حيث تكون الواو مشتركة ومعلوم أن هذا مخالف لما عليه أهل اللغة بل ~~هو خلاف المعلوم من لغة العرب. والأحكام اللغوية التي هي دلالات الألفاظ ~~تستفاد من استعمال أهل اللغة والنقل عنهم فإذا كان النقل والاستعمال قد ~~اقتضيا أنهما للاشتراك في المعنى: كان دعوى انفراد أحدهما بالتشريك دون ~~الآخر خروجا عن لغة العرب وعن المنقول عنهم. وأما العرف فقد أسلفنا أن ~~الناس لا يفهمون من مثل هذا الكلام إلا عود الشرط إلى الجميع والعلم بهذا ~~من عرف الناس ضروري. وأما كلام العلماء من الفقهاء والأصوليين فإنهم تكلموا ~~في الاستثناء المتعقب جملا فقال قوم: إنه يعود إلى جميعها. وقال قوم: يعود ~~إلى الأخيرة منها. وقال قوم: إن كان بين الجملتين تعلق عاد الاستثناء إلى ~~جميعها وإن كانتا أجنبيتين عاد إلى الأخيرة. ثم فصلوا الجمل المتعلق بعضها ~~ببعض من الأجنبية وذكروا عدة أنواع من التفصيل. وقال قوم: العطف مشترك بين ~~الجميع. وقال قوم: بالوقف في جميع هذه المذاهب. ثم ليس أحد من هؤلاء فرق ~~بين العطف بالواو والفاء أو ثم: بل قولهم المعطوف بعضها على بعض يعم ~~الجميع. وكذلك الفقهاء ذكروا هذا في " باب الأيمان " و " باب الوقف " ثم ~~بنوه على أصلهم فقالوا: الاستثناء أو الوصف إذا تعقب جملا عاد # PageV31P159 # إلى جميعها أو إلى بعضها. وقد اعترف من فصل بأن الأئمة أطلقوا هذا الكلام ~~وأنه هو الذي فصل فلا يجوز أن ينسب إلى الأئمة إلا ما قالوه. وأما الأحكام ~~فإنه لو قال: والله لأضربن زيدا ثم عمرا ثم بكرا - إن شاء الله. عاد ~~الاستثناء إلى الجميع. وكذلك لو قال: الطلاق يلزمني لأضربن هذا ثم هذا ثم ~~هذا. أو قال: لآخذن الدية لأذبحن الشاة. لأطبخنها. إلى غير ذلك من الصور. ~~وأما ما استدل به فإنه قال: إذا كان العطف بما يقتضي ms9083 ترتيبها فالصرف إلى ~~جميع المتقدمين فيه بعض النظر والغموض فإن انصراف الاستثناء إلى الذين ~~يليهم الاستثناء مقطوع به وانعطافه على جميع السابقين. والعطف بالحرف ~~المرتب محتمل غير مقطوع به. وإذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف نصا ولم يثبت ~~ما يغيره: وجب تقرير الاستحقاق ولم يجز تغييره لمحتمل متردد. فنقول: الجواب ~~من وجوه. أحدها: أن هذا بعينه موجود في العطف بالواو؛ فإن انعطافه على جميع ~~السابقين محتمل غير مقطوع سواء كان العطف بحرف مرتب أو مشترك غير مرتب. ~~وهذا بعينه دليل من أوجب قصر الاستثناء على الجملة الأخيرة. # PageV31P160 # فإن قال: قد ثبت العموم في الجمل المتقدمة فلا يجوز تخصيصه بمحتمل متردد ~~- وليس غرضنا هنا إفساد هذا الدليل - بل نقول موجب هذا الدليل اختصاص ~~التوابع بالجملة الأخيرة مطلقا. أما التفريق بين عاطف وعاطف فليس في هذا ~~الدليل ما يقتضيه أصلا. وأي فرق عند العقلاء بين أن يقول: وقفت على أولادي ~~وعلى المساكين إلا أن يكونوا فساقا نعم صاحب هذا القول ربما قوي عنده ~~اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة وهاب مخالفة الشافعي فغاظ ما عنده من ~~الرجحان مع أنا قد بينا أن مسألتنا ليست من موارد الخلاف؛ وإنما الخلاف في ~~الاستثناء أو الصفة الإعرابية. فأما الشرط والصفة الشرطية فلا خلاف فيهما ~~بين الفقهاء. وبالجملة من سلم أن الجمل المعطوفة بالواو يعود الاستثناء إلى ~~جميعها كان ذكره لهذا الدليل مبطلا لما سلمه فلا يقبل منه؛ فإن تسليم الحكم ~~مستلزم تسليم بطلان ما يدل على نقيضه فلا يقبل منه دليل يدل على عدم عود ~~الاستثناء إلى الجميع. الوجه الثاني: أن قوله: انصراف الاستثناء إلى الذين ~~يليهم الاستثناء مقطوع به. فممنوع بل يجوز أن يعود الاستثناء إلى الجملة ~~الأولى فقط إذا دل على ذلك دليل. ويجوز للمتكلم أن ينوي ذلك ويقصده وإن # PageV31P161 # كان حالفا مظلوما؛ فإنه لو قال: قاتل أهل الكتاب وعادهم وأبغضهم إلا أن ~~يعطوا الجزية. كان الاستثناء عائدا إلى الجملة الأولى فقط وقد قال سبحانه: ~~{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ms9084 فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} وهذا الاستثناء في الظاهر عائد إلى ~~الجملة الأولى. وقال سبحانه: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} - إلى قوله - {إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم} وليس هذا مستثنى مما يليه؛ بل من أول الكلام. وقد قال جماعة من ~~أهل العلم في قوله: {لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} إن {قليلا} عائد إلى قوله: ~~{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} {إلا قليلا} وهذا الاستثناء ~~عائد إلى جملة بينها وبين الاستثناء جمل أخرى. " والمقدم في القرآن والمؤخر ~~" باب من العلم وقد صنف فيه العلماء: منهم الإمام أحمد وغيره وهو متضمن ~~هذا. وشبهه أن يكون الاستثناء مؤخرا في اللفظ مقدما في النية. # ثم التقديم والتأخير في لغة العرب و ### | الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه # بجملة معترضة وبين غيرهما: لا ينكره إلا من لم يعرف اللغة وقد قال ~~سبحانه: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين # PageV31P162 # آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} فقوله: {أن يؤتى} ~~من تمام قول أهل الكتاب. أي: كراهة أن يؤتي فهو مفعول تؤمنوا وقد فصل ~~بينهما بقوله: {قل إن الهدى هدى الله} وهي جملة أجنبية؛ ليست من كلام أهل ~~الكتاب؛ فأيما أبلغ الفصل بين الفعل والمفعول أو بين المستثنى والمستثنى ~~منه وإذا لم يكن عود الاستثناء إلى الأخيرة مقطوعا به لم يجب عود الاستثناء ~~إليها؛ بل ربما كان في سياقه ما يقتضي أن عوده إلى الأولى أوكد. ومسألتنا ~~من هذا الباب كما تقدم. # الثالث قوله: إذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف نصا ولم يثبت ما يغيره وجب ~~تقرير الاستحقاق. قلنا أولا: مسألتنا ليست من هذا الباب؛ فإن قوله: على ~~أولاده ثم على أولادهم ليس نصا في ترتيب الطبقة على الطبقة؛ ms9085 فإنه صالح ~~لترتيب الأفراد على الأفراد؛ لكن هذا يجب في خصوص مسألتنا مع من يريد أن ~~يدخلها تحت عموم هذا الكلام ثم من يقول من راس: لا نسلم ثبوت الاستحقاق ~~بلفظ الواقف نصا في شيء من الصور التي يعقبها استثناء أو شرط؛ فإن اللفظ ~~إنما يكون نصا إذا لم يتصل بما يغيره والتغيير محتمل فشرط كونه نصا مشكوك ~~فيه ومتى كان شرط # PageV31P163 # الحكم مشكوكا فيه لم يثبت؛ فإنه لا نص مع احتمال التغيير؛ لا سيما مثل ~~هذا الاحتمال القوي الذي هو عند أكثر العلماء راجح. فإن قال: المقتضي ~~لدخولهم قائم والمانع من خروجهم مشكوك فيه. قلت على قول من يمنع تخصيص ~~العلة لا أسلم قيام المقتضي لدخولهم فإن المقتضي لدخولهم هو اللفظ الذي لم ~~يوصل به ما يخرجهم فلا أعلم أن هذا اللفظ لم يوصل به ما يخرجهم حتى أعلم أن ~~هذا الاستثناء لا يخرجهم وهذا الشرط مشكوك فيه. وأما على قول من يقول ~~بتخصيصها فأسلم قيام المقتضي لكن شرط اقتضائه عدم المانع المعارض. وهنا ما ~~يصلح أن يكون مانعا معارضا فما لم يقم دليل يبقى صلاحه للمعارضة وإلا لم ~~يعمل المقتضي عمله والصلاح للمعارضة لا مزية فيه. وهذا البحث بعينه - وهو ~~بحث القائلين بعود الاستثناء إلى جميع الجمل مع القاصرين على الجملة ~~الأخيرة. ثم يقول من راس: إذا قال مثلا وقفت على أولادي ثم على الفقراء إلا ~~الفساق - المنازع يقول: ولدي نص في أولاده والفساق يجوز أن يختص بالفقراء. ~~فنقول له: هذا معارض بمثله؛ فإن الفساق نص في جميع الفساق فإنه اسم جمع ~~معرف باللام وإذا كان عاما وجب شموله لكل فاسق؛ فدعوى اختصاصه بفساق ~~الفقراء دون الأولاد يحتاج إلى مخصص. # PageV31P164 # فليست المحافظة على عموم الأولاد لعدم العلم بالتخصيص بأولى من المحافظة ~~على عموم الفساق لعدم العلم بالمخصص؛ بل الراجح إخراجهم لأسباب. أحدها: أن ~~الأصل عدم دخولهم في الوقف وقد تعارض عمومان في دخولهم وخروجهم فيسلم ~~النافي لدخولهم عن معارض راجح. الثاني: أنا قد تيقنا خروجهم من إحدى ~~الجملتين ms9086 فكان أحد العمومين المعطوفين مخصوصا فإلحاق شريكه في التخصيص أولى ~~من إدخال التخصيص على ما ليس بشريكه. الثالث: أن المعطوف والمعطوف عليه ~~بمنزلة الجملة الواحدة فإذا ورد التخصيص عليها ضعفت؛ بخلاف عموم المستثنى ~~فإنه لم يرد عليه تخصيص. الرابع: كون الفسق مانعا يقتضي رجحانه عند الواقف ~~على المقتضي للإعطاء فإذا تيقنا رجحانه في موضع كان ترجيحه في موضع آخر ~~أولى من ترجيح ما لم يعرف رجحانه بحال. الخامس أن قوله: نص الواقف. إن عنى ~~به ظاهر لفظه فعود الاستثناء إلى جميع الجمل ظاهر لفظه أيضا عند هذا القول ~~فلا فرق بينهما. وإن عنى به النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فمعلوم أن # PageV31P165 # كل لفظ يقبل الاستثناء فلا بد أن يكون إما عددا أو عموما والعمومات ظواهر ~~ليست نصوصا. السادس قوله: لا يجوز تغييره بمحتمل متردد. نقول بموجبه؛ فإن ~~عود الاستثناء عندنا إلى جميع الجمل ليس بمحتمل متردد بل هو نص أيضا ~~بالتفسير الأول. والدليل على ذلك غلبته على الاستعمال قال تعالى: {والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر} - إلى قوله - {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} {إلا من تاب} وهو عائد إلى قوله: ~~{يلق} و {يضاعف} {ويخلد} . وقال سبحانه: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون} {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} وقال تعالى: {أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} {خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون} {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم} وقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} - إلى قوله - {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم} {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فهذا استثناء ~~قد تعقب عدة جمل. فإن معنى الجملة في هذا الباب هو اللفظ الذي يصح إخراج ~~بعضه وهو الاسم العام. أو اسم العدد؛ ليس معناه الجملة التي هي الكلام # PageV31P166 # المركب من اسمين أو اسم وفعل ms9087 أو اسم وحرف. وقد ثبت بما روي عن الصحابة أن ~~قوله: {إلا الذين تابوا} في آية القذف عائد إلى الجملتين وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا ~~بإذنه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي ~~على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى} . وهذا كثير ~~في الكتاب والسنة؛ بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة ~~التي تعقبت جملا وجدها عائدة إلى الجميع. هذا في الاستثناء. فأما في الشروط ~~والصفات فلا يكاد يحصيها إلا الله. وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة ~~وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم ~~الأغلب؛ لأن الاستثناء إما أن يكون موضوعا لهما حقيقة فالأصل عدم الاشتراك ~~أو يكون موضوعا للأقل فقط فيلزم أن يكون استعماله في الباقي مجازا والمجاز ~~على خلاف الأصل؛ فكثرته على خلاف الأصل فإذا جعل حقيقة فيما غلب على ~~استعماله فيه مجازا فيما قل استعماله فيه: كنا قد عملنا بالأصل النافي ~~للاشتراك وبالأصل النافي للمجاز في صور التفاوت. وهو أولى من تركه مطلقا. # PageV31P167 # وإذا ثبت أن عود الاستثناء إلى جميع الجمل نص بمعنى أنه ظاهر اللفظ فهو ~~المطلوب. وليس الغرض هنا تقرير هذه المسألة وإنما الغرض التنبيه على مواضع ~~المنع. وهذا البحث الذي ذكره وارد في كل تخصيص متصل؛ فإنه ليس المحافظة على ~~عموم المخصوص بأولى من المحافظة على عموم المخصص؛ بل هذا أولى؛ لأنه عام ~~باق على عمومه؛ ولأن ذكر التخصيص عقب كل جملة مستقبح. فلو قال: وقفت على ~~أولادي على أنه من مات منهم عن ولد أو عن غير ولد كان نصيبه لولده أو لذوي ~~طبقته ثم على ولد ولدي على هذا الشرط ثم على ولد ولد ولدي على هذا الشرط. ~~لعد هذا من الكلام الذي غيره أفصح منه وأحسن. ثم يقال لمن نازعنا: ومعلوم ~~قطعا أن عامة الواقفين يقصدون الاشتراط في جميع الطبقات؛ ولا يعبرون ms9088 بهذه ~~العبارة المستغربة؛ بل يقتصرون على ما ذكره أولا. فلولا أن ذلك كاف في ~~تبليغ ما في نفوسهم لما اقتصروا عليه. والله يشهد - وكفى بالله شهيدا - أنا ~~نتيقن أن الكلام في مسألتنا يقيني وأنه ليس من مسالك المظنون؛ لكن في قدرة ~~الله سبحانه أن يجعل اليقين عند قوم جهلا عند آخرين. ويعد الكلام على هذا ~~تكلفا. ولولا أن الحاجة مست إلى ذلك بظن من يظن أن لمن ينازع في هذه ~~المسألة متعلقا أو أنها مسألة من مسائل الاجتهاد لما أطلنا هذه الإطالة. # PageV31P168 # فإن قيل: الذي يرجح عود الضمير إلى الجملة الأخيرة هنا: أن الجملة ~~الأخيرة عطفت بالواو وعطف عليها بالواو فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الأولى في ~~الترتيب؛ إذ الوقف ههنا مشترك بين البطون فلم يبق بينها وبين الأولى من ~~الأحكام إلا مسمى الوقفية على الجميع والكيفية مختلفة فاقتضى ذلك استقلالها ~~بنفسها واختصاصها بما يعقبها: فإنه إذا تخلل الجمل الفصل بشرط كل جملة أوجب ~~ذلك اختصاص الشرط الأخير وما ذاك إلا لاختلاف الأحكام حينئذ. والاختلاف ~~موجود ههنا. قيل عنه وجوه: أحدها أن قوله: عطفت بالواو وعطف عليها بالواو. ~~يقتضي أنها هي لفظ النسل. فإن كان لفظ النسل والعقب بمعنى واحد فلم يعطف ~~عليها في المعنى شيء. وإن كانا بمعنيين فيجب أن يكون الضمير عائدا إلى ~~الجملة المعطوفة؛ لا المعطوف عليها. الثاني قوله: فاقتضى ذلك مخالفتها ~~للأولى في حكم الترتيب. قد تقدم منع ذلك. وذكرنا أن من الفقهاء من يجعل هذا ~~الوقف مرتبا إلى يوم القيامة فإن قوله: ثم على أولاد أولاده ونسله وعقبه. ~~لم يتعرض فيه للترتيب بنفي ولا إثبات؛ لكن لما كان الأصل عدم الترتيب ~~نفيناه عند الانطلاق. # PageV31P169 # فلما رتب هنا في كلامه الأول - مع العلم بأن العاقل لا يفرق في مثل هذا ~~بل يكتفي بما ذكره أولا - كان إعادة الشرط تسمح؛ ولكن غرضنا هنا تقرير هذا. # الثالث: لو سلمنا أنه يوجب الاشتراك بين المعطوف فلا يوجب ذلك اختلافهما ~~في الحكم الذي اشتركا فيه بحرف العطف؛ فإن غاية ما في ms9089 هذا أنه جعل البطن ~~الرابع وما بعده طبقة واحدة كما جعل في البطن الأول ولد الكبير والصغير. ~~والولد الكبير والصغير طبقة واحدة ولم يرتب بعضهم على بعض باعتبار الأسنان. ~~فقوله. فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الأولى في الترتيب. فيه إبهام؛ فإنه إن ~~عني به أن هذه الجملة بالنسبة إلى أفرادها مخالفة لتلك الجمل: فليس كذلك بل ~~جملة. فإنها حاوية لأفرادها على سبيل الاشتراك لا على سبيل الترتيب. وإن ~~عني به أن هذه الجملة لم يرتب عليها غيرها فالجملة الأولى لم تترتب على ~~غيرها. وهذا إنما جاء من ضرورة كونها آخر الجمل وليس ذلك بفرق مؤثر. كما لم ~~يكن كون الأولى غير مرتبة فرقا مؤثرا. وإن عني به أن هذه الجملة مشتملة على ~~طبقات متفاوتة بخلاف الجمل الأولى فذلك فرق لا يعود إلى دلالة اللفظ ولا ~~إلى الحكم المدلول عليه باللفظ مع أن الجمل الأولى قد يحصل فيها من التفاوت ~~أكثر من ذلك فقد يكون أولاد الأولاد عشرين بين الأول والآخر سبعون سنة ~~ويكون للأول # PageV31P170 # أولاد قبل وجود إخوته فيموت أولاده وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده ~~قبل انقراض إخوته. وربما لم يكن قد بقي من النسل والعقب إلا نفر يسير ~~فينقرضون. ثم هذه فروق عادت إلى الموجود لا إلى دلالة اللفظ. الرابع قوله: ~~فلم يبق بينها وبين الأولى من الأحكام إلا مسمى الوقفية. قيل: ليس بينهما ~~فرق أصلا؛ بل تناول الجملة الأولى لأفرادها كتناول الثانية لأفرادها؛ لكن ~~الجملة الثانية أكثر في الغالب. وهذا غير مؤثر. وقوله: الكيفية مختلفة. ~~ممنوع؛ فإن كيفية الوقف على الأولاد مثل كيفية الوقف على النسل والعقب: ~~يشترك هؤلاء فيه وهؤلاء فيه. الخامس: لو سلم أن بينهما فرقا خارجا عن دلالة ~~اللفظ فذلك لا يقدح في اشتراكهما في العطف؛ فإن هذا الاختلاف في الكيفية لو ~~كان صحيحا كان بمنزلة قوله: {كل نفس ذائقة الموت} فإن ذوق الميت يختلف ~~اختلافا متباينا؛ لكن هذا الاختلاف لا دلالة للفظ عليه فلم يمنع من ~~الاشتراك الذي دل عليه العموم. السادس: أن الكيفية المختلفة ms9090 مدلول عليها ~~بالعطف وذلك لا يوجب الاستقلال والاختصاص بما يعقبها كما لو قال: وقفت على ~~أولادي الذكور والإناث وأولاد بني وأولاد أولاد أولادي: على أنه من توفي ~~منهم # PageV31P171 # وإنما الفصل الذي يقطع الثانية عن الأولى أن يفصل بين الجملتين بشرط: مثل ~~أن يقول: وقفت على أولادي على أن يكونوا فقراء ثم على أولاد أولادي على أن ~~يكونوا عدولا. فإن الشرط الثاني مختص عما قبله؛ لكون الأول قد عقب بشرطه. ~~والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بشرط يفصله عن مشاركة الثاني في جميع ~~أحكامه؛ بخلاف ما إذا كان الاختلاف من غير فصل لفظي. السابع قوله: وما ذاك ~~إلا لاختلاف الأحكام. قلنا لا نسلم؛ بل إنما ذاك لأجل الفصول اللفظية ~~المانعة من الاشتراك فيما ذكر من الأحكام للفظ. أما إذا كان الفرق بين ~~المعطوف والمعطوف عليه لمعنى يرجع إلى لفظ المعطوف: فهذا شأن كل معطوف ~~ومعطوف عليه من جنسين. وفرق بين أن يفصل بين الجملتين بشرط مذكور وبين أن ~~يكون مفهوم لفظ إحدى الجملتين غير مفهوم الأخرى. وهذا بين لمن تدبره. # فإن قيل: هنا مرجح ثان وهو أن جعله مختص بالجملة الأخيرة يفيد ما لم يدل ~~اللفظ عليه وهو منع اشتراك النسل في نصيب من مات عن غير ولد؛ فإنه لولا هذا ~~الشرط لاشتركوا في جميع حقهم المتلقى عمن فوقهم وعمن مات عن ولد أو غير ~~ولد؛ بخلاف ما إذا عاد إلى جميع # PageV31P172 # الجمل؛ فإنه يكون مؤكدا فقط؛ فإنا كنا نجعل نصيب الميت عن غير ولد ~~لطبقته. قيل عنه وجوه: أحدها: أنا قدمنا أن هذه الفائدة باطلة؛ فإن العاقل ~~لا يقول: هؤلاء أعلاهم وأسفلهم مشتركون في الوقف فمن مات عن غير ولد اختص ~~بنصيبه إخوته؛ دون آبائه وأعمامه. ومن مات عن ولد لم يختص بنصيبه أحد لا ~~ولده ولا غيره؛ فإن هذا لم يفعله أحد ولا يفعله من يستحضره فإنه بمنزلة من ~~يقول: أعطوا البعيد مني ومن الميت واحرموا القريب مني ومن الميت. وقول ~~القائل: يقصد مثل هذا في العادات. فما علمنا أحدا ms9091 قصد هذا. الثاني: أنا قد ~~منعنا كون هذا مقتضاه التشريك فتبطل الفائدة. الثالث: أن في عوده إلى جميع ~~الجمل فوائد. أحدها: أنه يدل بنطقه على نقل نصيب الميت عن غير ولد إلى ذوي ~~طبقته وتنبيهه الذي هو أقوى من النطق على نقل نصيب المتوفى عن ولد إلى ولده ~~كما تقدم ذكره. # PageV31P173 # الفائدة الثانية: أن قوله: على أولاده ثم أولاد أولاده - إلى قوله دائما ~~ما تناسلوا وأبدا ما تعاقبوا. يقتضي استحقاق ذريته للوقف فإذا مات الميت ~~وليس له إلا ذوي طبقته وأولاد أولاده: أفاد الشرط إخراج الطبقة؛ فيبقى ~~الأولاد داخلين في اللفظ الأول مع الثاني. فمجموع قوله: على أولادي ثم ~~أولاد أولادي. مع قوله: على أن نصيب الميت عن غير ولد ينتقل إلى إخوته. ~~دلنا على أن نصيب الميت عن ولد ينتقل إلى ولده؛ لأنهم في عموم قوله: أولاد ~~أولادي ودخلت الطبقة في العموم فلما خرجت الطبقة بالشرط بقي ولد الولد. ~~وهكذا كل لفظ عام لنوعين أخرج أحدهما فإنه يتعين الآخر. وهذه دلالة ثانية ~~على انتقال نصيب الميت عن ولد إلى ولده من جهة اللفظ العام الذي لم يبق فيه ~~إلا هم وهي غير دلالة التنبيه. وإن شئت عبرت عن ذلك بأن تقول: نصيب الميت ~~إما للأولاد أو لأولاد الأولاد كما دل على انحصار الوقف فيهما قوله: على ~~أولادي ثم على أولادهم. فكما منع الأولاد أن ينتقل إليهم نصيب الميت عن ~~ولد: تعين أن يكون للنوع الآخر. يبقى أن يقال: فقد يكون هناك من ليس من ~~الطبقة؛ ولا من الولد. قلنا: إذا ظهرت الفائدة في بعض الصور حصل المقصود ~~وهي صورة مسألتنا فإنا لم نتكلم إلا في نصيب الميت: هل يصرف إلى إخوته أو ~~ولده؟ # PageV31P174 # أما لو كان للميت عم - مثلا - فنقول: - حرمان طبقة الميت تنبيه على حرمان ~~من هم أبعد عنه؛ فإن طبقته لم يحرمهم لبعدهم من الوقف؛ فإن الولد أبعد ~~منهم. وقد بينا أن ذلك يقتضي إعطاء الولد في أكثر الصور فعلم أنه حرمهم ~~لبعدهم عن الميت. وهذا المعنى ms9092 في أعمام الميت أقوى فيكونون بالمنع مع الولد ~~أحرى. الفائدة الثالثة: أنه دليل على أنه قصد ترتيب الأفراد على الأفراد؛ ~~لا ترتيب المجموع على المجموع كما لو قال: على أنه من مات منهم عن ولد كان ~~نصيبه لولده. فإن قيل: هذا حمل اللفظ الواحد على مفهومين مختلفين فإن ~~فائدته في الأول بيان ترتيب الأفراد على الأفراد وفي الثاني بيان اختصاص ~~الطبقة بنصيب المتوفى. فمن منع من أن يراد باللفظ الواحد حقيقتان. أو ~~مجازان أو حقيقة ومجاز: يمنع منه. ومن جوزه. قلنا: على هذا التقدير: إذا ~~ثبت أمر بلفظ الواقف نصا لم يجز تغييره بمحتمل متردد. قيل هذا السؤال ضعيف ~~جدا لوجوه: أحدها: أن مورده جعله مقررا لوجه ثان في بيان عود الضمير إلى ~~الجملة الأخيرة؛ غير ما ذكر أولا من عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة. ثم ~~إنه في آخر الأمر - على قول المجوزين لأن يراد باللفظ الواحد معنياه - ~~اعتمد على ذلك الجواب فما صار وجها آخر. # PageV31P175 # الثاني: أنا نقول: هذا مبني على أن الشرط أفاد في الطبقة الأخيرة عدد ~~نصيب المتوفى عن غير ولد إلى ذوي طبقته. والمتوفى عن ولد يشترك فيه جميع ~~الطبقة. وهذا ممنوع من وجهين تقدما. # الثالث: لو سلمنا ذلك فليس هذا من باب استعمال اللفظ في معنيين مختلفين ~~إنما هو من باب استعمال اللفظ الواحد في معنى واحد وذلك معدود من الألفاظ ~~المتواطئة. وذلك أن فائدة اللفظ بمنطوقه نقل نصيب المتوفى عن غير ولد إلى ~~طبقته. وهذه فائدة متجددة في جميع الجمل. ثم إن تقيد الانتقال إلى الطبقة ~~بوجود الولد دليل على أنه عنى ترتيب الأفراد. وهذه دلالة لزومية. واللفظ ~~إذا دل بالمطابقة على معنى وبالالتزام على معنى آخر لم يكن هذا من القسم ~~المختلف فيه كعامة الألفاظ فإن كونه دليلا على ترتيب الأفراد إنما جاء من ~~جهة أنه شرط في استحقاق الطبقة نصيب المتوفى عدم ولده. ثم علم بالعقل أنه ~~لو قصد ترتيب المجموع لم يشرطه بهذا الشرط؛ فإن ترتيب المجموع واشتراط هذا ~~الشرط متنافيان ms9093 وكون هذين المعنيين يتنافيان قضية عقلية فهمت بعد تصور كل ~~واحد من المعنيين؛ لأن أحد اللفظين دل عليهما بالوضع. وهذا كما فهموا من ~~قوله {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله تعالى {يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين} أن أقل الحمل ستة أشهر. ونظائره كثيرة. # PageV31P176 # الرابع: لو فرض أن هذا من " باب استعمال اللفظ الواحد في معنييه " فلا ~~نسلم أن منع ذلك هو الحق؛ بل ليس ذلك مذهب أحد من الأئمة المعتبرين؛ وإنما ~~هو قول طائفة من المتكلمين. والذي يدل عليه كلام عامة الصحابة والتابعين ~~وعامة الفقهاء وعامة أهل اللغة وأكثر المتكلمين جواز ذلك فلم لا يجوز أن ~~يحمل كلامه على ما يعتقد هو صحته ويناظر عليه. الخامس: أن ما ادعوه من أن ~~النص لا يدفع بمحتمل. تقدم جوابه وبينا أنه لا نص هنا؛ بل يدفع المحتمل ~~بالنص. وذكرنا أن هذا البحث هو المنصوص عن الأئمة الكبار الفائدة الرابعة: ~~أنه قصد بهذا الشرط نفي انقطاع الوقف ونفي اشتراك جميع أهل الوقف في نصيب ~~المتوفى عن غير ولد ونبه بذلك على أنه عنى بقوله عن: ولده. ترتيب الأفراد. ~~فإن قيل: عوده إلى جميع الجمل يوجب انقطاع الوقف في الوسط فحمل اللفظ على ~~ما ينفي الانقطاع أولى؛ لأن من مات عن ولد لا يصرف نصيبه إلى الطبقة عملا ~~بموجب الشرط ولا إلى الولد عملا بموجب الترتيب المطلق. فإن قلتم: إذا ~~جعلناه مبنيا لترتيب الأفراد لم يكن موجبا للانقطاع # PageV31P177 # فنجيب عنه بالبحث المتقدم وهو أن استحقاق الطبقة مستحق لظاهر اللفظ فلا ~~يترك بمتردد محتمل. قيل: أولا هذا الوجه لا يتم إلا بهذا البحث وهو إنما ~~ذكر ليكون مؤيدا له والمؤيد للشيء يجب أن يكون غيره ولا يكون معتمدا عليه. ~~فإذا كان الوجه لا يتم إلا بذلك البحث كانت صحته موقوفة على صحته والفرع لا ~~يكون أقوى من أصله ولا يكسبه قوة؛ بل يكون تقوية ذلك الوجه به تقوية الشيء ~~بنفسه. وهذا نوع من المصادرة. وإذا كان هذا مبنيا على ذلك الوجه وقد أجبنا ~~عنه فيما مضى: ms9094 فقد حصل الجواب عن هذا. ثم نقول: الانتفاع ينتفي من ثلاثة ~~أوجه: أحدها: أن الوقف محصور في الأولاد ثم أولادهم. فإذا مات الميت عن ولد ~~فنصيبه إما لإخوته أو لبنيهم أو لبنيه أو لعمومته؛ لأن الشرط يقتضي انحصار ~~الوقف في الأولاد ثم أولاد الأولاد. وهم إما ذو طبقته أو من هو أعلى منه: ~~عمومته ونحوهم؛ فإنه لا يستحق شيئا مع وجود أبيه ومن هو أسفل منه: ولده ~~وولد إخوته وطبقتهم. فأما طبقته فانتفوا بالقيد المذكور في استحقاقهم. وأما ~~بنوهم فانتفوا لثلاثة # PageV31P178 # أسباب أحدها: بطريق التنبيه؛ فإن أباهم أقرب إلى الميت وإلى الواقف. فإذا ~~لم ينقل إلى الأقرب فإلى الأبعد أولى. والثاني: أنه سواء عنى بالترتيب ~~ترتيب المجموع أو ترتيب الأفراد لا يستحقون في هذه الحال؛ فإن الطبقة ~~العليا لم تنقرض وآباؤهم لم يموتوا. الثالث أنهم في هذه الحال ليسوا من أهل ~~الوقف ولم ينتقل إليهم ما هم أصل فيه فلا ينتقل إليهم ما هم فروع فيه. وأما ~~العمومة فإنه لا يتصور أن يستحق الميت شيئا مع وجود عمومته إلا على قولنا ~~ففرض هذه الصورة على رأي المنازع محال. وإذا كان وجود العمومة مستلزما لصحة ~~هذا القول: فمحال أنه يستلزم ذلك ما يفسده؛ فإن الشيء الواحد لا يستلزم صحة ~~الشيء وفساده؛ لكن يقال: قد كان الميت أولا لم يخلف إلا إخوة وولدا ثم مات ~~ولده عن ولد وأعمامه. فنقول: حرمان الإخوة مع الولد تنبيه على حرمان ~~العمومة. وهذا حقيقة الجواب: أن نفي إخوته تنبيه على نفي عمومته كما تقدم. ~~الوجه الثاني: - النافي للانقطاع - أن إعطاء الإخوة نصيب الميت دون سائر ~~أهل الوقف تنبيه على إعطاء الولد كما تقدم. # PageV31P179 # الثالث: أن ذلك دليل على أن الترتيب المتقدم: ترتيب الأفراد على الأفراد. ~~وقد قدمنا تقرير هذا. والله سبحانه يوفقنا لما يحبه ويرضاه. والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # وسئل - رحمه الله -: # عن وقف على أربعة أنفس: عمرو وياقوتة وجهمة وعائشة: يجري عليهم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين. ms9095 فمن توفي منهم عن ولد أو ولد ولد أو عن نسل وعقب وإن سفل: عاد ~~ما كان جاريا عليه من ذلك على ولده ثم على ولد ولده ثم على نسله وعقبه ثم ~~من بعده وإن سفل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. ومن توفي منهم عن غير ولد ~~ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب عاد نصيبه وقفا على إخوته الباقين ثم على ~~أنسالهم وأعقابهم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين على الشرط والترتيب المقدم ~~ذكرهما. فإذا لم يبق لهؤلاء الإخوة الموقوف عليهم نسل ولا عقب أو توفوا ~~بأجمعهم ولم يعقبوا ولا واحد منهم عاد ذلك وقفا على الأسارى ثم على ~~الفقراء. ثم توفي عمر عن فاطمة وتوفيت فاطمة عن عيناشي ابنة إسماعيل بن أبي ~~يعلى ثم توفيت عيناشي عن غير نسل ولا عقب ولم يبق من # PageV31P180 # ذرية هؤلاء الأربعة إلا بنت إسماعيل بن أبي يعلى وكلاهما من ذرية جهمة. ~~فهاتان الجهتان اللتان تليهما عيناشي بعد موت أبيها هل ينتقل إلى أختها ~~رقية؟ أو إليها أو إلى ابنة عمها صفية؟ # فأجاب: # هذا النصيب الذي كان لعيناشي من أمها ينتقل إلى ابنتي العم المذكورتين. ~~ولا يجوز أن تخص به أختها لأبيها لأن الواقف ذكر: أن من توفي من هؤلاء ~~الإخوة الموقوف عليهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب عاد نصيبه ~~وقفا على إخوته ثم على أنسالهم وأعقابهم على الشرط والترتيب المقدم ذكرهما. ~~وهذه العبارة تعم من انقطع نسله أولا وآخرا. فكل من انقطع نسله من هؤلاء ~~الإخوة كان نصيبه لإخوته ثم لأولادهم؛ لأن الواقف لو لم يرد هذا لكان قد ~~سكت عن بيان حكم من أعقب أولا ثم انقطع عقبه ولم يبين مصرف نصيبه. وذلك غير ~~جائز؛ لأنه إنما نقل الوقف إلى الأسرى والفقراء إذا لم يبق له ولا لموقوف ~~عليهم نسل ولا عقب. فمتى أعقبوا - ولو واحدا منهم - لم ينتقل إلى الأسرى ~~شيء ولا إلى الفقراء. وذلك يوجب أن ينتقل نصيب من انقطع نسله منهم إلى ~~الإخوة الباقين ms9096 وهو المطلوب. وأيضا فإنه قسم حال المتوفى من الأربعة ~~الموقوف عليهم إلى حالين؛ إما أن يكون له ولد أو نسل وعقب أو لا يكون. فإن ~~كان له # PageV31P181 # انتقل نصيبه إلى الولد ثم إلى ولد الولد ثم إلى النسل والعقب؛ وإن لم يكن ~~انتقل إلى الإخوة ثم إلى أولادهم. فينبغي أن يعم هذا القسم ما لم يدخل في ~~القسم الأول ليعم البيان جميع الأحوال؛ لأنه هو الظاهر من حال المتكلم؛ ~~ولأنه لو لم يكن كذلك لزم الإهمال والإلغاء وإبطال الوقف على قول. ودلالة ~~الحال تنفي هذا الاحتمال. وإذا عم ما لم يدخل في القسم الأول دخل فيه من لا ~~ولد له ومن لا ولد لولده ومن لا عقب له. وإذا كان كذلك فأي هؤلاء الأربعة ~~لم يكن له عقب كان نصيبه لإخوته ثم لعقبه. وأيضا فإن الواقف قد صرح بأن من ~~مات منهم عن غير عقب انتقل نصيبه إلى إخوته ثم إلى أولادهم. وهذا المقصود ~~لا يختلف بين أن لا يخلف ولدا أو يخلف ولدا ثم يخلف ولده ولدا؛ فإن العاقل ~~لا يقصد الفرق بين هاتين الحالتين؛ لأن التفريق بين المتماثلين قد علم ~~بمطرد العادة أن العاقل لا يقصده فيجب أن لا يحمل كلامه عليه؛ بل يحمل ~~كلامه على ما دل عليه دلالة الحال والعرف المطرد إذا لم يكن في اللفظ ما هو ~~أولى منه. وإذا كان انقطاع النسل أولا وآخرا سواء بالنسبة إلى الانتقال إلى ~~الإخوة وجب حمل الكلام عليه. واعلم أن من أمعن النظر علم قطعا أن الواقف ~~إنما قصد هذا بدلالة الحال # PageV31P182 # واللفظ سائغ له وليس في الكلام وجه ممكن هو أولى منه. فيجب الحمل عليه ~~قطعا. وأيضا فإن الوقف يراد للتأييد فيجب بيان حال المتوفى في جميع الطبقات ~~فيكون قوله: ومن توفي منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب في قوة ~~قوله: ومن كان منهم ميتا ولا عقب له. لأن عدم نسله بعد موته بمنزلة كونهم ~~معدومين حال موته فلا فرق في قوله ms9097 هذا وقوله: ومن مات منهم ولا ولد له. ~~وقوله: ومن مات منهم ولم يكن له ولد. وهذه العبارة وإن كان قد لا يفهم منها ~~إلا عدم الذرية حين الموت في بعض الأوقات؛ لكن اللفظ سائغ؛ لعدم الذرية ~~مطلقا؛ بحيث لو كان المتكلم قال: قد أردت هذا لم يكن خارجا عن حد الإفهام. ~~وإذا كان اللفظ سائغا له ولم يتناول صورة الحادثة إلا هذا اللفظ: وجب ~~إدراجها تحته؛ لأن الأمر إذا دار بين صورة يحكم فيها بما يصلح له لفظ ~~الواقف ودلالة حاله وعرف الناس كان الأول هو الواجب بلا تردد. إذا تقرر ~~هذا: فعم جد عيناشي هو الآن متوفى عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب ~~فيكون نصيبه لإخوته الثلاثة على أنسالهم وأعقابهم. والحال التي انقطع فيها ~~نسله لم يكن من ذريته إلا هاتان المرأتان فيجب أن تستويا في نصيب عيناشي. ~~وهكذا القول في كل واحد انقطع نسله؛ فإن نصيبه ينتقل إلى ذرية إخوته؛ إلا ~~أن # PageV31P183 # يبقى أحد من ذرية أبيهم الذي انتقل إليه الوقف منه أو من ذرية أمه التي ~~انتقل إليه الوقف منها: فيكون باقي الذرية هم المستحقين لنصيب أمهم أو ~~أبيهم لدخولهم في قوله: فمن توفي منهم عن ولد أو ولد ولد. واعلم أن الكلام ~~إن لم يحمل على هذا كان نصيب هذا وقفا منقطع الانتهاء لأنه قال: فمن توفي ~~منهم عن ولد كان نصيبه لولده ثم لولد ولده ثم لنسله وعقبه. ولم يبين بعد ~~انقراض النسل إلى من يصير؛ لكن بين في آخر الشرط أنه لا ينتقل إلى الأسرى ~~والفقراء حتى تنقرض ذرية الأربعة فيكون مفهوم هذا الكلام صرفه إلى الذرية. ~~وهاتان من الذرية وهما سواء في الدرجة ولم يبق غيرهما: فيجب أن يشتركا فيه. ~~وليس بعد هذين الاحتمالين إلا أن يكون قوله: ومن توفي منهم. عائدا إلى ~~الأربعة وذريتهم. فيقال حينئذ: عيناشي قد توفيت عن أخت من أبيها وابنة عم: ~~فيكون نصيبه لأختها. وهذا الحمل باطل قطعا لا ينفذ حكم حاكم إن ms9098 حكم بموجبه؛ ~~لأن الضمير أولا في قوله: فمن توفي منهم. عائد إلى الأربعة. فالضمير في ~~قوله: ومن توفي منهم. عائد ثانيا إلى هؤلاء الأربعة؛ لأن الرجل إذا قال: ~~هؤلاء الأربعة من فعل منهم كذا فافعل به كذا وكذا ومن فعل منهم كذا فافعل ~~لولده كذا: علم بالاضطرار أن الضمير الثاني هو الضمير الأول. ولأنه قال: ~~ومن توفي منهم عن غير ولد عاد نصيبه # PageV31P184 # إلى إخوته الباقين. وهذا لا يقال إلا فيمن له إخوة تبقى بعد موته وإنا ~~نعلم هذا في هؤلاء الأربعة؛ لأن الواحد من ذريتهم قد لا يكون له إخوة باقون ~~فلو أريد بذلك المعنى لقيل: على إخوته إن كان له إخوة. أو قيل: ومن مات ~~منهم عن إخوة. كما قيل في الولد: ومن مات منهم عن ولد. وهذا ظاهر لا خفاء ~~به. وأيضا فلو فرض أن من مات من أهل الوقف عن إخوة كان نصيبه لإخوته فإنما ~~ذلك في الإخوة الذين شركوه في نصيب أبيه وأمه؛ لا في الإخوة الذين هم أجانب ~~عن النصيب الذي خلقه - على ما هو مقرر في موضعه من كتب الفقه على المذاهب ~~المشهورة - وهذا النصيب إنما تلقته عيناشي من أمها. وأختها رقية أجنبية من ~~أمها؛ لأنها أختها من أبيها فقط. فنسبة أختها لأبيها وابنة عمها إلى نصيب ~~الأم سواء. وهذا بين لمن تأمله والله أعلم. # وسئل: # عن واقف وقف وقفا على ولديه: عمر وعبد الله بينهما بالسوية نصفين: أيام ~~حياتهما أبدا ما عاشا دائما ما بقيا ثم كل أولادهما من بعدهما وأولاد ~~أولادهما ونسلهما وعقبهما أبدا ما تناسلوا # PageV31P185 # بطنا بعد بطن. فتوفي عبد الله المذكور وخلف أولادا فرفع عمر ولد عبد الله ~~إلى حاكم يرى الحكم بالترتيب وسأله رفع يد ولد عبد الله عن الوقف وتسليمه ~~إليه فرفع يد ولد عبد الله وسلمه إلى عمر بحكم أنه من البطن الأول فهل يكون ~~ذلك الحكم جاريا في جميع البطون أم لا؟ ثم إن عمر توفي وخلف أولادا فوضعوا ~~أيديهم على الوقف بغير حكم حاكم ms9099 فطلب ولد عبد الله من حاكم يرى الحكم ~~بالتشريك بينهم في الوقف تشريكهم؛ لأن الواقف جمع بين الأولاد والنسل ~~والعقب في الاستحقاق بعد عبد الله وعمر بالواو الذي يقتضي التشريك؛ دون ~~الترتيب. وأن قوله: بطنا بعد بطن لا يقتضي الترتيب فهل الحكم لهم بالمشاركة ~~صحيح أم لا؟ وهل حكم الأول لعمر متقدم على ولد عبد الله مناقضا للحكم ~~بالتشريك بين أولاد عمر وأولاد عبد الله؟ وهل لحاكم ثالث أن يبطل هذا الحكم ~~والتنفيذ؟ # فأجاب: # مجرد الحكم لأحد الأخوين الأولين بجميع الوقف بعد موت أخيه المتوفى لا ~~يكون جاريا في جميع البطون ولا يكون حكما لأولاده بما حكم له به؛ فإن قوله: ~~ثم على أولادهما. هل هو لترتيب المجموع على المجموع أو لترتيب الأفراد على ~~الأفراد بحيث ينتقل نصيب كل ميت إلى ولده؟ فيه قولان للفقهاء. وكذلك قوله: ~~وأولادهما من بعدهما بطنا بعد بطن. هل هو للترتيب أو للتشريك؟ فيه قولان. ~~فإذا حكم الحاكم باستحقاق عمر الجميع بعد موت عبد الله كان هذا لاعتقاده # PageV31P186 # لترتيب المجموع على المجموع. فإذا مات عمر فقد يرى ذلك الحاكم الترتيب في ~~الطبقة الأولى فقط كما قد يشعر به ظاهر اللفظ. وقد يكون يرى أن الترتيب في ~~جميع البطون؛ لكن ترتيب الجميع على الجميع ويشترك كل طبقة من الطبقتين في ~~الوقف دون من هو أسفل منها. وقد يرى غيره وأنه بعد ذلك لترتيب الأفراد على ~~الأفراد فإذا حكم حاكم ثان فيما لم يحكم فيه الأول بما لا يناقض حكمه لم ~~يكن نقضا لحكمه فلا ينقض هذا الثاني إلا بمخالفة نص أو إجماع. والله أعلم. # وسئل - رضي الله عنه -: # عمن وقف وقفا على ابن ابنه فلان ثم على أولاده: واحدا كان أم أكثر ثم على ~~أولاد أولاده ثم نسله وعقبه. فمن توفي منهم عن ولد أو ولد ولد أو عن نسل ~~وعقب عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على من معه في درجته. فتوفي الأول عن ~~أولاد توفي أحدهم في حياته عن أولاد ثم مات الأول ms9100 وخلف بنته وولدي ابنه. ~~فهل تأخذ البنت الجميع؟ أو ينتقل إلى ولدي الابن ما كان يستحقه أبوهما لو ~~كان حيا؟ # فأجاب: # بل النصيب الذي كان يستحقه محمد الميت في حياة أبيه لو عاش ينتقل إلى ~~ولديه دون أخته؛ فإن الواقف قد ذكر أن قوله: على # PageV31P187 # أولاده ثم على أولاد أولاده إنما أراد به ترتيب الأفراد على الأفراد لا ~~ترتيب الجملة على الجملة بما بينه. وإن كان ذلك هو مدلول اللفظ عند الإطلاق ~~على أحد القولين. والحقوق المرتب أهلها شرعا أو شرطا إنما يشترط انتقالها ~~إلى الطبقة الثانية عند عدم الأولى أو عدم استحقاقها؛ لاستحقاق الأولى أولا ~~كما يقول الفقهاء في العصب بالميراث أو النكاح: الابن ثم ابنه ثم الأب ثم ~~أبوه. فاستحقاق ابن الابن مشروط بعدم أبيه؛ لعدم استحقاقه - لمانع يقوم به ~~من كفر وغيره - لا يشترط أن أباه يستحق شيئا لم ينتقل إليه كذلك في الأم: ~~النكاح والحضانة وولاية غسل الميت والصلاة عليه. وإنما يتوهم من يتوهم ~~اشتراط استحقاق الطبقة الأولى؛ لتوهمه أن الوقف ينتقل من الأولى إليها ~~وتتلقاه الثانية عن الأولى؛ كالميراث وليس كذلك؛ بل هي تتلقى الوقف عن ~~الواقف كما تلقته الأولى وكما تتلقى الأقارب حقوقهم عن الشارع؛ لكن يرجع في ~~الاستحقاق إلى ما شرطه الشارع والواقف من الترتيب. # PageV31P188 # وسئل - رحمه الله -: # عن وقف إنسان شيئا على زيد ثم على أولاد زيد الثمانية فمات واحد من أولاد ~~زيد الثمانية المعينين في حال حياة زيد وترك ولدا ثم مات زيد. فهل ينتقل ~~إلى ولد ولد زيد ما استحقه ولد زيد لو كان حيا؟ أم يختص الجميع بأولاد زيد؟ # فأجاب: # نعم يستحق ولد الولد ما كان يستحقه والده ولا ينتقل ذلك إلى أهل طبقة ~~الميت ما بقي من ولده وولد ولده أحد وذلك لأن قول الواقف: على زيد ثم على ~~أولاده ثم أولاد أولاده. فيه للفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم عند ~~الإطلاق قولان. أحدهما: أنه لترتيب الجملة على الجملة كالمشهور في قوله: ~~على زيد وعمرو ثم على المساكين. ms9101 والثاني: أنه لترتيب الأفراد على الأفراد ~~كما في قوله تعالى {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} أي لكل واحد نصف ما تركته ~~زوجته. وكذلك قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} أي حرمت على كل واحد أمه؛ إذ # PageV31P189 # مقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع الأفراد على الأفراد كما في قوله: لبس ~~الناس ثيابهم وركب الناس دوابهم. وهذا المعنى هو المراد في صورة السؤال ~~قطعا؛ إذ قد صرح الواقف بأن من مات من هؤلاء عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ~~فصار المراد ترتيب الأفراد على الأفراد في هذه الصورة المقيدة بلا خلاف؛ إذ ~~الخلاف إنما هو مع الإطلاق. وإذا كان كذلك فاستحقاق المرتب في الشرع والشرط ~~في الوصية والوقف وغير ذلك إنما يشترط في انتقاله إلى الثاني عدم استحقاق ~~الأول سواء كان قد وجد واستحق أو وجد ولم يستحق أو لم يوجد بحال كما في قول ~~الفقهاء في ترتيب العصبات وأولياء النكاح والحضانة وغيرهم فيستحق ذلك الابن ~~ثم ابنه وإن سفل ثم الأب ثم أبوه وإن علا فإن الأقرب إذا عدم أو كان ممنوعا ~~لكفر أو رق انتقل الحق إلى من يليه. ولا يشترط في انتقال الحق إلى من يليه ~~أن يكون الأول قد استحق. وكذلك لو قال: النظر في هذا لفلان ثم لفلان أو ~~لابنه. فمتى انتفى النظر عن الأول لعدمه أو جنونه أو كفره انتقل إلى الثاني ~~سواء كان ولدا أو غير ولد. وكذلك ترتيب العصبة في الميراث وفي الإرث ~~بالولاء وفي الحضانة وغير ذلك. # PageV31P190 # وكذلك في الوقف: لو وقف على أولاده طبقة بعد طبقة عصبتهم وشرط أن يكونوا ~~عدولا؛ أو فقراء أو غير ذلك وانتفى شرط الاستحقاق في واحد من الطبقة الأولى ~~أو كلهم. انتقل الحق عند عدم استحقاق الأول إلى الطبقة الثانية إذا كانوا ~~متصفين بالاستحقاق. وسر ذلك أن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف؛ لا ~~من الطبقة الأولى؛ لكن تلقيهم ذلك مشروط بعدم الأولى كما أن العصبة البعيدة ~~تتلقى الإرث من الميت؛ لا من العاصب القريب؛ لكن شرط استحقاقه عدم العاصب ms9102 ~~القريب. وكذلك الولاء - في القول المشهور عند الأئمة - يرث به أقرب عصبة ~~الميت يوم موت المعتق؛ لأنه يورث كما يورث المال. وإنما يغلط ذهن بعض الناس ~~في مثل هذا حيث يظن أن الولد يأخذ هذا الحق إرثا عن أبيه أو كالإرث؛ فيظن ~~أن الانتقال إلى الثانية مشروط باستحقاق الأولى كما ظن ذلك بعض الفقهاء. ~~فيقول: إذا لم يكن الأب قد ترك شيئا لم يرثه الابن. وهذا غلط؛ فإن الابن لا ~~يأخذ ما يأخذ الأب بحال ولا يأخذ عن الأب شيئا؛ إذ لو كان الأب موجودا لكان ~~يأخذ الريع مدة حياته ثم ينتقل إلى ابنه الريع الحادث بعد موت الأب؛ لا ~~الريع الذي يستحقه؛ وأما رقبة الوقف فهي باقية على حالها: حق الثاني فيها ~~في وقته نظير حق الأول في وقته لم ينتقل إليهم إرثا. # PageV31P191 # ولهذا اتفق المسلمون في طبقات الوقف أنه لو انتفت الشروط في الطبقة ~~الأولى أو بعضهم لم يلزم حرمان الطبقة الثانية إذا كانت الشروط موجودة ~~فيهم؛ وإنما نازع بعضهم فيما إذا عدموا قبل زمن الاستحقاق. ولا فرق بين ~~الصورتين. ويبين هذا أنه لو قيل بانتقال نصيب الميت إلى إخوته لكونه من ~~الطبقة كان ذلك مستلزما لترتيب جملة الطبقة على الطبقة؛ أو أن بعض الطبقة ~~الثانية أو كلهم لا يستحق إلا مع عدم جميع الطبقة الأولى. ونص الواقف يبين ~~أنه أراد ترتيب الأفراد على الأفراد؛ مع أنا نذكر في الإطلاق قولين: الأقوى ~~ترتيب الأفراد مطلقا؛ إذ هذا هو المقصود من هذه العبارة؛ وهم يختارون تقديم ~~ولد الميت على أخيه فيما يرثه أبوه فإنه يقدم الولد على الأخ. وإن قيل بأن ~~الوقف في هذا منقطع فقد صرح هذا الواقف بالألفاظ الدالة على الاتصال فتعين ~~أن ينتقل نصيبه إلى ولده. وفي الجملة فهذا مقطوع به؛ لا يقبل نزاعا فقهيا؛ ~~وإنما يقبل نزاعا غلطا. وقول الواقف: فمن مات من أولاد زيد أو أولاد أولاده ~~وترك ولدا أو ولد ولد وإن سفل: كان نصيبه إلى ولد ولده أو ولد ولد ولده. ~~يقال ms9103 فيه: إما أن يكون قوله: نصيبه. يعم النصيب الذي يستحقه إذا كان متصفا ~~بصفة الاستحقاق سواء استحقه أو لم يستحقه ولا يتناول إلا ما استحقه. فإن ~~كان الأول فلا كلام وهو الأرجح لأنه بعد موته ليس هو في هذه الحال مستحقا ~~له؛ ولأنه لو كان الأب ممنوعا لانتفاء # PageV31P192 # صفة مشروطة فيه مثلا: مثل أن يشترط فيهم الإسلام أو العدالة أو الفقر كان ~~ينتقل مع وجود المانع إلى ولده كما ينتقل مع عدمه؛ ولأن الشيء يضاف إلى ~~الشيء بأدنى ملابسة فيصدق أن يقال: نصيبه بهذا الاعتبار؛ ولأن حمل اللفظ ~~على ذلك. يقتضي أن يكون كلام الواقف متناولا لجميع الصور الواقعة فهو أولى ~~من حمله على الإخلال بذكر البعض؛ ولأنه يكون مطابقا للترتيب الكلامي؛ وليس ~~ذلك هو المفهوم من ذلك عند العامة الشارطين مثل هذا. وهذا أيضا موجب ~~الاعتبار والقياس النظري عند الناس في شروطهم إلى استحقاق ولد الولد الذي ~~يكون يتيما لم يرث هو وأبوه من الجد شيئا فيرى الواقف أن يجبره بالاستحقاق ~~حينئذ؛ فإنه يكون لاحقا فيما ورث أبوه من التركة وانتقل إليه الإرث. وهذا ~~الذي يقصده الناس موافق لمقصود الشارع أيضا؛ ولهذا يوصون كثيرا بمثل هذا ~~الولد. وإن قيل: إن هذا اللفظ لا يتناول إلا ما استحقه كان هذا مفهوم منطوق ~~خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له وإذا لم يكن له مفهوم كان مسكوتا عنه في هذا ~~الموضع؛ ولكن قد يتناوله في قوله: على زيد ثم على أولاده ثم على أولاد ~~أولادهم. فإنا ذكرنا أن موجب هذا اللفظ مع ما ذكر بعده من أن الميت ينتقل ~~نصيبه إلى ولده صريح في أن المراد ترتيب الأفراد على الأفراد. والتقدير على ~~زيد ثم على أولاده ثم على ولد كل واحد # PageV31P193 # بعد والده وهذا اللفظ يوجب أن يستحق كل واحد ما كان أبوه مستحقه لو كان ~~متصفا بصفة الاستحقاق كما يستحق ذلك أهل طبقاته. وهذا متفق عليه بين علماء ~~المسلمين في أمثال ذلك شرعا وشرطا وإذا كان هذا موجب استحقاق الولد وذلك ms9104 ~~التفصيل إما أن يوجب استحقاق الولد أيضا. وهو الأظهر. أو لا يوجب حرمانه ~~فيقر العمل بالدليل السالم عن المعارض المقاوم. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن وقف وقفا على أولاده: فلان وفلان وفلان. وعلى ابن ابنه فلان: على أنه ~~من توفي منهم عن ولد ذكر انتقل نصيبه إلى ولده ومن مات عن بنت انتقل نصيبه ~~إليها؛ ثم إلى أعمامها؛ ثم بني أعمامها الأقرب فالأقرب منهم. فمات ابن ابن ~~عن غير ولد وترك أخته من أبويه وأعمامه فأيهم أحق؟ . # فأجاب: # ينتقل نصيبه إلى أخته لأبويه؛ فإنه قد ظهر من قصد الواقف تخصيص ما كان ~~ينبغي أن يستحقه أصله؛ وتخصيص نصيب الميت عن غير ولد بالأقرب إليه وأنه ~~أقام موسى ابن الابن مقام ابنه؛ لأن أباه كان ميتا وقت الوقف. والله أعلم # PageV31P194 # وسئل - رحمه الله -: # عن قرية وقفها السلطان صلاح الدين؛ فجعل ريعها وقفا على شخص معين؛ ثم على ~~أولاده من بعده؛ والنصف والربع على الفقراء. واستمر الأمر على هذه الصورة ~~والقرية عامرة؛ فلما كان سنة دخول قازان خربت هذه القرية واستمرت دائرة مدة ~~ثمان سنين فجاء رجل من المشايخ وأخذ توقيعا سلطانيا بتمكينه من أن يعمر هذه ~~القرية فعمرها وتوفي إلى رحمة الله وخلف أيتاما صغارا فقراء لا مال لهم ~~فجاءت امرأة من ذرية الموقوف عليه صاحب الريع فأثبتت نسبها وتسلمت ريع هذه ~~القرية واستمر النصف والربع على الفقراء بحكم شرط الواقف وبقي أولاد الذي ~~عمر القرية فقراء. فهل يجوز لهم أن يقبضوا كفايتهم في جملة الفقراء؟ أم لهم ~~ما غرمه والدهم على تعميرها ما لم يستوف عوضه قبل وفاته؟ # فأجاب: # إن كانوا داخلين في شروط الواقف فإنهم يستحقون ما يقتضيه الشرط وإن قدر ~~تعذر الصرف إلى الموصوفين لتعذر بعض الأوصاف. فكان هؤلاء الأطفال مشاركين ~~في الاستحقاق لمن يصرف إليه المال - فينبغي # PageV31P195 # أن يصرف إليهم أيضا ما غرمه والدهم من القرية بالمعروف من ماله؛ ليستوفي ~~عوضه فإنهم يستوفونه من مغل الوقف. # وسئل - رحمه الله -: # عن قسمة الوقف ومنافعه # فأجاب: # ما كان ms9105 وقفا على جهة واحدة لم يجز قسمة عينه وإنما يجوز قسمة منافعه ~~بالمهايأة. وإذا تهايئوا ثم أرادوا نقضها فلهم ذلك وإذا لم يقع من المستحق ~~أو وكيله فهي باطلة. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن وقف على جهة واحدة فقسمه قاسم حنبلي # معتقدا جواز ذلك: حيث وجد في المختصرات: إنا إذا قلنا القسمة إقرار جاز ~~قسمة الوقف ثم تناقل الشريكان بعض الأعيان ثم طلب بعضهم نصيبه الأول من ~~المقاسمة؟ # فأجاب: # إذا كان الوقف على جهة واحدة فإن عينه لا تقسم قسمة # PageV31P196 # لازمة؛ لا في مذهب أحمد ولا غيره؛ وإنما في المختصرات لما أرادوا بيان ~~فروع قولنا: القسمة إقرار أو بيع. فإذا قلنا: هي بيع لم يجز لأن الوقف لا ~~يباع. وإذا قلنا: هي إقرار جاز قسمته في الجملة. ولم يذكروا شروط القسمة ~~كما جرت به العادة في أمثال ذلك. وقد ذكر طائفة منهم في قسمة الوقف وجهين ~~وصرح الأصحاب بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين فأما الوقف على ~~جهة واحدة فلا تقسم عينه اتفاقا: فالتعليق حق الطبقة الثانية والثالثة؛ لكن ~~تجوز المهايأة على منافعه. و " المهايأة " قسمة المنافع. ولا فرق في ذلك ~~بين مناقلة المنافع وبين تركها على المهايأة بلا مناقلة فإن تراضوا بذلك ~~أعيد المكان شائعا كما كان في العين والمنفعة. والله أعلم. # وسئل: # عن وقف على جماعة وأن بعض الشركة قد دفع في الفاكهة مبلغا وأن بعض الشركة ~~امتنع من التضمين والضمان وطلب أن يأخذ ممن يشتريه قدر حصته من الثمرة. فهل ~~يحكم عليه الحاكم بالبيع مع الشركة أم لا؟ # فأجاب: # إذا لم تمكن قسمة ذلك قبل البيع بلا ضرر فعليه أن يبيع مع شركائه ~~ويقاسمهم الثمن. # PageV31P197 # وسئل: # عن وقف لمصالح الحرم وعمارته ثم بعد ذلك يصرف في وجوه البر والصدقات وعلى ~~الفقراء والمساكين المقيمين بالحرم فهل يجوز أن يصرف من ذلك على القوام ~~والفراشين القائمين بالوظائف؟ # فأجاب: # نعم القائمون بالوظائف مما يحتاج إليه المسجد: من تنظيف وحفظ وفرش ~~وتنويره وفتح الأبواب؛ وإغلاقها ونحو ذلك: هم ms9106 من مصالحه: يستحقون من الوقف ~~على مصالحه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل اشترى دارا ولم يكن في كتبه غير ثلاث حدود والحد الرابع لدار وقف. ~~ثم إن الذي اشترى هدم الدار وعمرها. ثم إنه فتح الطاقة في دار الوقف يخرج ~~النور منها إلى مخزن وجعل إلى جنب الجدار سقاية مجاورة للوقف محدثة تضر ~~حائط الوقف وبرز بروزا على دور قاعة الوقف. فإذا بنى على دور القاعة؛ وجعل ~~أخشاب سقف على الجدار الذي # PageV31P198 # للوقف وفعل هذا بغير إذن ولي الأمر وذكر أنه استأجره كل سنة بثلاثة دراهم ~~وولي الأمر لم يؤجره إلى الآن ولا المباشرون. ثم إن رجلا حلف بالله أنه ~~يستأجر هذا الجدار وهو بين الدور وأزيل ما فعله من البروز والسقاية ولم ~~أحدث فيه عمارة إلا احتسابا بالله تعالى واستأجره كل سنة بعشرين درهما مدة ~~عشرين سنة حتى تبقى دور قاعة الوقف نيرة ولم تتضرر الجيرة بالعلو. فهل يجوز ~~الإيجار للذي تعدى؟ أم للذي قصد المثوبة وزيادة للوقف بالأجرة إن أجره ولي ~~الأمر المنفعة بالزيادة ولإزالة الضرر عن الوقف؟ # فأجاب: # ليس له أن يبني على جدار الوقف ما يضر به باتفاق الناس؛ بل وكذلك إذا لم ~~يضر به عند جمهور العلماء ودعواه الاستئجار غير مقبولة بغير حجة. ولو آجر ~~إجارة فيها ضرر على الوقف لم تكن إجارة شرعية. ومن طلب استئجاره بعد هذا ~~وكان ذلك مصلحة للوقف فإنه يجوز؛ بل يجب أن يؤجر وإذا كان له نية حسنة حصل ~~له من الأجر والثواب بحسب ذلك. والله أعلم. # PageV31P199 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ساكن في خان وقف وله مباشر لرسم عمارته وإصلاحه وأن الساكن أخبر ~~المباشر أن مسكنه يخشى سقوطه وهو يدافعه ثم إن المباشر صعد إلى المسكن ~~المذكور ورآه بعينه وركضه برجله وقال: ليس بهذا سقوط ولا عليك منه ضرر؛ ~~وتركه ونزل فبعد نزوله سقط المسكن المذكور على زوجة الساكن وأولاده فمات ~~ثلاثة وعدم جميع ماله: فهل يلزم المباشر من مات ويغرم المال الذي عدم أم ~~لا؟ # فأجاب: # على ms9107 هذا المباشر المذكور الذي تقدم إليه وأخر الاستهدام ضمان ما تلف ~~بسقوطه؛ بل يضمن ولو كان مالك المكان: إذا خيف السقوط وأعلم بذلك وإن لم ~~يكن المعلم له مستأجرا منه عند جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم؛ لكن بعضهم يشترط الإشهاد عليه ~~وأكثرهم لا يشترط ذلك؛ فإنه مفرط بترك نقضه وإصلاحه ولو ظن أنه لا يسقط. ~~فإنه كان عليه أن يري ذلك لأرباب الخبرة بالبناء فإذا ترك ذلك كان مفرطا ~~ضامنا لما تلف بتفريطه؛ لا سيما مع قوله للمستأجر: إن شئت فاسكن وإن شئت ~~فلا تسكن؛ فإن هذا عدوان منه. # PageV31P200 # فإن المستأجر له مطالبة المؤجر بالعمارة التي يحتاج إليها المكان والتي ~~هي من موجب العقد. وهذه العمارة واجبة من وجهين: من جهة حق أهل الوقف ومن ~~جهة حق المستأجر. والعلماء متفقون على أنه ليس لناظر الوقف أن يفرط في ~~العمارة التي استحقها المستأجر. فهذان التفريطان يجب عليه بتركهما ضمان ما ~~تلف بتفريطه فيضمن مال الوقف للوقف ويدخل في ذلك المنافع التي استحقها ~~المستأجر؛ بخلاف ما لو كانت العين باقية؛ فإن له أن يضمنه إياها وله أن ~~يفسخ الإجارة. وأما ما تلف بالتفريط من النفوس والأموال التي للمستأجر ~~فيضمن من هذه الوجوه الثلاثة ويضمن ما تلف للجيران من الوجه الأول كما ذهب ~~إليه جماهير العلماء. # و ### | سئل: # عن مال موقوف على فكاك الأسرى؛ # وإذا استدين بمال في ذمم الأسرى بخلاصهم لا يجدون وفاءه: هل يجوز صرفه من ~~الوقف؟ وكذلك لو استدانه ولي فكاكهم بأمر ناظر الوقف أو غيره؟ # فأجاب: # نعم يجوز ذلك؛ بل هو الطريق في خلاص الأسرى أجود من إعطاء المال ابتداء ~~لمن يفتكهم بعينهم فإن ذلك يخاف عليه وقد يصرف # PageV31P201 # في غير الفكاك. وأما هذا فهو مصروف في الفكاك قطعا. ولا فرق بين أن يصرف ~~عين المال في جهة الاستحقاق أو يصرف ما استدين كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم تارة يصرف مال الزكاة إلى أهل السهمان وتارة يستدين لأهل السهمان ms9108 ثم ~~يصرف الزكاة إلى أهل الدين. فعلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل تحته حصة في حمام وهي موقوفة على الفقراء والمساكين # فخرب شيء من الحمام في زمان العدو. فأجر تلك الحصة لشخص مدة ثمان سنين ~~بثمانمائة درهم وأذن له أن تصرف تلك الأجرة في العمارة الضرورية في الحمام ~~فعمر المستأجر وصرف في العمارة: حتى صارت أجرة الحصة المذكورة وذكر أنه فضل ~~له على الوقف مال زائد عن الأجرة من غير إذن المؤجر فهل يجوز له ذلك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا عمر عمارة زائدة عن العمارة الواجبة على الوجه المأذون ~~فيها لم يكن على أهل الحمام أن يقوموا ببقية تلك العمارة الزائدة ولا ~~قيمتها؛ بل له أن يأخذها إذا لم يضر أخذها بالوقف. وإذا كانت العمارة تزيد ~~كراء الحمام فاتفقوا على أن تبقى العمارة له؛ لا يعطونه بقيمتها؛ بل # PageV31P202 # يكون ما يحصل من زيادة الأجرة بإزاء ذلك: جاز ذلك. وإن أراد أهل الوقف أن ~~يقلعوا العمارة الزائدة فلهم ذلك؛ إذا لم تنقص المنفعة المستحقة بالعقد. ~~وإن اتفقوا على أن يعطوه بقية العمارة ويزيدهم في الأجرة بقدر ما زاد من ~~المنفعة جاز. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن وقف على تكفين الموتى يفيض ريعه كل سنة على الشرط: هل يتصدق به. # وهل يعطي منه أقارب الواقف الفقراء؟ # فأجاب: # إذا فاض الوقف عن الأكفان صرف الفاضل في مصالح المسلمين. وإذا كان أقاربه ~~محاويج فهم أحق من غيرهم. والله أعلم. # وسئل: # عن فقيه منزل في مدرسة ثم غاب مدة البطالة: فهل يحل منعه من الجامكية أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يغب إلا شهر البطالة فإنه يستحق ما يستحقه الشاهد؛ لا ~~فرق في أشهر البطالة بين أن يكون البطال شاهدا أو غائبا والله أعلم. # PageV31P203 # وسئل: # عن مقرئ على وظيفة ثم إنه سافر واستناب شخصا ولم يشترط عليه فلما عاد قبض ~~الجميع ولم يخرج من المكان. فهل يستحق النائب المشروط أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم النائب ms9109 يستحق المشروط كله؛ لكن إذا عاد المستنيب فهو أحق ~~بمكانه والله أعلم. # وسئل: # عمن وقف وقفا مستغلا ثم مات فظهر عليه دين: فهل يباع الوقف في دينه؟ # فأجاب: # إذا أمكن وفاء الدين من ريع الوقف لم يجز بيعه وإن لم يمكن وفاء الدين ~~إلا ببيع شيء من الوقف - وهو في مرض الموت - بيع باتفاق العلماء. وإن كان ~~الوقف في الصحة: فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف بين العلماء في مذهب أحمد ~~وغيره. ومنعه قول قوي. # PageV31P204 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال في مرضه: إذا مت فداري وقف على المسجد الفلاني فتعافى ثم حدث ~~عليه ديون: فهل يصح هذا الوقف ويلزم. أم لا؟ # فأجاب: # يجوز أن يبيعها في الدين الذي عليه؛ وإن كان التعليق صحيحا كما هو أحد ~~قولي العلماء. وليس هذا بأبلغ من التدبير وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه باع المدبر في الدين. والله أعلم. # وسئل: # عمن وقف وقفا على ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم برسم شمع أو زيت ~~وذلك بعد موته ثم إنه قصد أن يغير الوقف ويجعله على الفقراء والمساكين ~~بالقاهرة. وإن لم يجز ذلك: فهل يجوز على الفقراء المجاورين بالمدينة - ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أم لا؟ . # PageV31P205 # فأجاب: أما الوصية بما يفعل به موته فله أن يرجع فيها ويغيرها باتفاق ~~المسلمين؛ ولو كان قد أشهد بها وأثبتها سواء كانت وصية بوقف أو عتق أو غير ~~ذلك. وفي الوقف المعلق بموته والعتق نزاعان مشهوران. والوقف على زيت وشمع ~~يوقد على قبر ليس برا باتفاق العلماء؛ بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} . ~~وأما تنوير المسجد النبوي على المصلين وغيره فتنوير بيوت الله حسن؛ لكن إذا ~~كان للمسجد ما يكفي تنويره لم يكن للزيادة التي لا فائدة فيها فائدة ~~مشروعة؛ ولم يكن ذلك مصروفا في تنويره؛ بل تصرف في غيره. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن الوقف إذا فضل من ريعه ms9110 واستغني عنه؟ # فأجاب: # يصرف في نظير تلك الجهة. كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر؛ لأن ~~الواقف غرضه في الجنس والجنس واحد فلو قدر أن المسجد الأول خرب ولم ينتفع ~~به أحد صرف ريعه في مسجد آخر فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء؛ فإن هذا # PageV31P206 # الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه ولا إلى تعطيله فصرفه في جنس المقصود أولى ~~وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف. وقد روى أحمد عن علي رضي الله عنه أنه حض ~~الناس على إعطاء مكاتب ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين. # وسئل: # عن رجل صالح فرض له القاضي بشيء من الصدقات؛ لأجله وأجل الفقراء الواردين ~~عليه. فهل يجوز لأحد أن يزاحمه في ذلك؟ أو يتغلب عليه باليد القوية؟ # فأجاب: # قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {المسلم أخو ~~المسلم لا يحل للمسلم أن يبيع على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا ~~تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صفحتها؛ فإن لها ما قدر لها} فإذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عقود المعاوضات قد نهى أن يستام الرجل على سوم ~~أخيه وأن يخطب على خطبته قبل أن يدخل المطلوب في ملك الإنسان فكيف يحل ~~للرجل أن يجيء إلى من فرض له ولي الأمر على الصدقات أو غيرها ما يستحقه ~~ويحتاج إليه فيزاحمه على ذلك ويريد أن ينزعه منه فإن هذا أشد تحريما من ~~ذلك. والله أعلم. # PageV31P207 # وسئل - رحمه الله -: # عن وقف أرض على مسجد فيها أشجار معطلة من الثمر وتعطلت الأرض من الزراعة ~~بسببها. فهل يجوز قلع الأشجار وصرف ثمنها في مصالح المسجد وتزرع الأرض ~~وينتفع بها؟ # فأجاب: # نعم، إذا كان قلع الأشجار مصلحة للأرض بحيث يزيد الانتفاع بالأرض إذا ~~قلعت فإنها تقلع. وينبغي للناظر أن يقلعها ويفعل ما هو الأصلح للوقف ويصرف ~~ثمنها فيما هو أصلح للوقف من عمارة الوقف أو مسجد إن احتاج إلى ذلك. والله ~~أعلم. # وسئل: # عن مصيف مسجد بني فيه ms9111 قبر فسقية وهدم بحكم الشرع وللمسجد بيت خلاء ولم ~~يكن فيه موضع يسع الوضوء. فهل يجوز أن يعمل في المصيف مكان للوضوء ويترك ما ~~هو في الفسقية التي كانت بنيت قبرا؟ # PageV31P208 # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، نعم إذا كان هذا مصلحة للمسجد وأهله وليس فيه محذور إلا مجرد ~~الوضوء في المسجد جاز أن يفعل ذلك؛ فإن الوضوء في المسجد جائز؛ بل لا يكره ~~عند جمهور العلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن مسجد مغلق عتيق فسقط وهدم وأعيد مثل ما كان في طوله وعرضه ورفعه ~~الباني له عن ما كان عليه وقدمه إلى قدام وكان تحته خلوة فعمل تحته بيتا ~~لمصلحة المسجد. فهل يجوز تجديد البيت وسكنه؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز أن يعمل في ذلك ما كان مصلحة للمسجد وأهله: من تجديد ~~عمارة وتغيير العمارة من صورة إلى صورة ونحو ذلك والله سبحانه أعلم. # PageV31P209 # وسئل - رحمه الله -: # عن مساجد وجامع يحتاج إلى عمارة وعليها رواتب مقررة على القابض والريع لا ~~يقوم بذلك. فهل يحل أن يصرف لأحد قبل العمارة الضرورية؟ وإلى من يحل؟ وما ~~يصنع بما يفضل عن الريع أيدخر أم يشتري به عقارا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا أمكن الجمع بين المصلحتين بأن يصرف ما لا بد من صرفه ~~لضرورة أهله وقيام العمل الواجب بهم وأن يعمر بالباقي: كان هذا هو المشروع. ~~وإن تأخر بعض العمارة قدرا لا يضر تأخره؛ فإن العمارة واجبة والأعمال التي ~~لا تقوم إلا بالرزق واجبة وسد الفاقات واجبة فإذا أقيمت الواجبات كان أولى ~~من ترك بعضها. وأما من لا تقوم العمارة إلا بهم: من العمال والحساب فهم من ~~العمارة. وأما ما فضل من الريع عن المصارف المشروطة ومصارف المساجد فيصرف ~~في جنس ذلك: مثل عمارة مسجد آخر ومصالحها؛ وإلى جنس المصالح ولا يحبس المال ~~أبدا لغير علة محدودة؛ لا سيما في مساجد قد علم أن ريعها يفضل عن كفايتها ~~دائما فإن حبس مثل هذا المال من الفساد {والله لا يحب الفساد} . # PageV31P210 # وسئل - رحمه الله -: # عن حاكم ms9112 خطيب رتب له على فائض مسجد رزقه فيبقى سنتين لا يتناول شيئا؛ ~~لعدم الفائض. ثم زاد الريع في السنة الثالثة: فهل له أن يتناول رزق ثلاث ~~سنين من ذلك المغل؟ # فأجاب: # إن كان لمغل السنة الثالثة مصارف شرعية بالشرط الصحيح وجب صرفها فيه ولم ~~يجز للحاكم أخذه. وأما إذا لم يكن له مصرف أصلا واقتضى نظر الإمام أن يصرفه ~~إلى الحاكم عوضا عما فاته في الماضي: جاز ذلك والله أعلم. # PageV31P211 # وقال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن ~~تيمية قدس الله روحه. ### | فصل: في إبدال الوقف # حتى المساجد بمثلها أو خير منها للحاجة أو المصلحة وكذلك إبدال الهدي ~~والأضحية؛ والمنذور وكذلك إبدال المستحق بنظيره إذا تعذر صرفه إلى المستحق. ~~والإبدال يكون تارة بأن يعوض فيها بالبدل. وتارة بأن يباع ويشترى بثمنها ~~المبدل. فمذهب أحمد في غير المسجد يجوز بيعه للحاجة. وأما المسجد فيجوز ~~بيعه أيضا للحاجة: في أشهر الروايتين عنه وفي الأخرى لا تباع عرصته بل تنقل ~~آلتها إلى موضع آخر. ونظير هذا " المصحف " فإنه يكره بيعه كراهة تحريم أو ~~تنزيه. وأما إبداله فيجوز عنده في إحدى الروايتين عنه من غير كراهة؛ ولكن ~~ظاهر مذهبه: أنه إذا بيع واشتري بثمنه فإن هذا من جنس # PageV31P212 # الإبدال؛ إذ فيه مقصوده؛ فإن هذا فيه صرف نفعه إلى نظير المستحق إذا تعذر ~~صرفه إلى عينه. فإن المسجد إذا كان موقوفا ببلدة أو محلة فإذا تعذر انتفاع ~~أهل تلك الناحية به صرفت المنفعة في نظير ذلك فيبنى بها مسجد في موضع آخر ~~كما يقول مثل ذلك في زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد: تصرف إلى ~~مسجد آخر ويجوز صرفها عنده في فقراء الجيران. واحتج على ذلك بأن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين فكذلك كسوة سائر ~~المساجد؛ لأن المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد واحتج على صرفها في ~~نظير ذلك: بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جمع مالا لمكاتب ففضلت فضلة عن ~~قدر ms9113 كتابته فصرفها في مكاتب أخر؛ فإن المعطين أعطوا المال للكتابة فلما ~~استغنى المعين صرفها في النظير. والمقصود أن أحمد بن حنبل - رحمه الله - ~~اختلف قوله في بيع المسجد عند عدم الانتفاع به ولم يختلف قوله في بيع غيره ~~عند الحاجة. قال: في رواية ابنه عبد الله: إذا خرب المسجد يباع وينفق ثمنه ~~على مسجد آخر. وقال القاضي أبو يعلى في " المجرد " وابن عقيل في " الفصول " ~~وغيرهما واللفظ للقاضي -: ونفقة الوقف من غلته؛ لأن القصد الانتفاع به مع ~~بقاء عينه. وهذا لا يمكن إلا بالإنفاق عليه فكان إبقاؤه يتضمن الإنفاق # PageV31P213 # عليه، وما يبقى للموقوف عليه فإن لم تكن له غلة مثل أن كان عبدا تعطل أو ~~بهيمة هزلت فالموقوف عليه بالخيار بين الإنفاق عليه لأنه هو المالك وبين أن ~~يبيعه ويصرف ثمنه في مثله. وإن كان الموقوف على المساكين فالنفقة في بيت ~~المال لأنه لا مالك له بعينه فهو كالمسجد. . . (1) وإن رأى الإمام بيعه ~~وصرف ثمنه في مثله جاز وإذا كان الوقف دارا فخربت وبطل الانتفاع بها بيعت ~~وصرف ثمنها إلى شراء دار ويجعل وقفا مكانها. وكذلك الفرس الحبيس إذا هرم ~~وتعطل يباع ويشترى بثمنه فرس يصلح لما وقف له. قال في رواية بكر بن محمد: ~~إن أمكن أن يشتري بثمنه فرسا اشترى وجعل حبيسا؛ وإلا جعله في ثمن دابة حبيس ~~وكذلك المسجد إذا خرب وحصل بموضع لا يصلي فيه جاز نقله إلى موضع عامر وجاز ~~بيع عرصته. نص عليه في رواية عبد الله. قال أبو بكر: وتكون الشهادة في ذلك ~~على الإمام. قال وقال أبو بكر في " كتاب القولين ": وقد روى علي بن سعيد: ~~أن المساجد لا تباع ولكن تنقل. قال أبو بكر: وبالأول أقول. يعني رواية عبد ~~الله؛ لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس. وقال أحمد في رواية الحسن بن ~~ثواب في عبد لرجل بمكة - يعني وقفا - فأبى العبد أن يعمل: PageV31P214 # يباع فيبدل عبدا مكانه. ذكرها القاضي أبو يعلى في مسألة عتق الرهن في " ~~التعليق ". قال أبو البركات: فجعل ms9114 امتناعه كتعطل نفعه. يعني ويلزم بإجباره ~~كل العمل كما يجبر المستأجر وإن كان امتناعه محرما وجعل تعذر الانتفاع بهذا ~~الوجه كتعطله؛ نظرا إلى مصلحة الوقف. # فصل: # وأما إبدال المسجد بغيره؛ للمصلحة مع إمكان الانتفاع بالأول: ففيه قولان ~~في مذهب أحمد. واختلف أصحابه في ذلك؛ لكن الجواز أظهر في نصوصه وأدلته. ~~والقول الآخر ليس عنه به نص صريح؛ وإنما تمسك أصحابه بمفهوم خطه؛ فإنه ~~كثيرا ما يفتي بالجواز للحاجة وهذا قد يكون تخصيصا للجواز بالحاجة وقد يكون ~~التخصيص لكون ذلك هو الذي سئل عنه واحتاج إلى بيانه. وقد بسط أبو بكر عبد ~~العزيز ذلك في " الشافي " الذي اختصر منه " زاد المسافر " فقال: حدثنا ~~الخلال ثنا صالح بن أحمد ثنا أبي ثنا يزيد بن هارون ثنا المسعودي عن القاسم ~~قال: لما قدم عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - على بيت المال كان سعد ~~بن مالك قد بنى # PageV31P215 # القصر واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر. قال فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذي ~~نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب فكتب عمر: أن لا تقطع الرجل وانقل المسجد ~~واجعل بيت المال في قبلته فإنه لن يزال في المسجد مصل. فنقله عبد الله فخط ~~له هذه الخطة. قال صالح. قال أبي: يقال: إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة ~~فحول عبد الله بن مسعود المسجد. فموضع التمارين اليوم في موضع المسجد ~~العتيق. قال: وسألت أبي عن رجل بنى مسجدا؛ ثم أراد تحويله إلى موضع آخر؟ ~~قال: إن كان الذي بنى المسجد يريد أن يحوله خوفا من لصوص أو يكون موضعه ~~موضع قذر فلا بأس أن يحوله. يقال: إن بيت المال نقب وكان في المسجد فحول ~~ابن مسعود المسجد. ثنا محمد بن علي ثنا أبو يحيى ثنا أبو طالب: سئل أبو عبد ~~الله هل يحول المسجد؟ قال: إذا كان ضيقا لا يسمع أهله فلا بأس أن يجعل إلى ~~موضع أوسع منه. ثنا محمد بن علي ثنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن ~~مسجد خرب: ترى ms9115 أن تباع أرضه وتنفق على مسجد آخر أحدثوه؟ قال: إذا لم يكن له ~~جيران ولم يكن أحد يعمره فلا أرى به بأسا أن يباع وينفق على الآخر. ثنا ~~محمد بن عبد الله ثنا أبو داود قال سمعت أحمد سئل عن مسجد فيه خشبتان لهما ~~قيمة # PageV31P216 # وقد تشعثت وخافوا سقوطه. أتباع هاتان الخشبتان وينفق على المسجد ويبدل ~~مكانهما جذعين؟ قال: ما أرى به بأسا. واحتج بدواب الحبيس التي لا ينتفع بها ~~تباع ويجعل ثمنها في الحبيس. ولا ريب أن في كلامه ما يبين جواز إبدال ~~المسجد للمصلحة وإن أمكن الانتفاع به؛ لكون النفع بالثاني أكمل ويعود الأول ~~طلقا. وقال أبو بكر في " زاد المسافر ": قال أحمد في رواية صالح: نقب بيت ~~المال بالكوفة وعلى بيت المال ابن مسعود فكتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد وصير بيت المال في قبلته؛ فإنه لن ~~يخلو من مصل فيه. فنقله سعد إلى موضع التمارين اليوم وصار سوق التمارين في ~~موضعه وعمل بيت المال في قبلته فلا بأس أن تنقل المساجد إذا خربت. وقال في ~~رواية أبي طالب: إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع ~~منه. جوز تحويله لنقص الانتفاع بالأول؛ لا لتعذره. وقال القاضي أبو يعلى: ~~وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفا من لصوص وإذا كان موضعه قذرا. ~~وبالثاني قال القاضي أبو يعلى. وقال في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله ~~أن يرفعوه من الأرض؛ ويجعل تحته سقاية وحوانيت وامتنع بعضهم من ذلك؟ ينظر ~~إلى قول أكثرهم # PageV31P217 # ولا بأس به. قال فظاهر هذا أنه أجاز أن يجعل سفل المسجد حوانيت وسقاية. ~~قال: ويجب أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود بالمسجد. ~~قال: وكان شيخنا أبو عبد الله - هو ابن حامد - يمنع من ذلك؛ ويتأول المسألة ~~على أنهم اختلفوا في ذلك عند ابتداء بناء المسجد قبل وقفه. قال: وليس يمتنع ~~على أصلنا جواز ذلك إذا كان فيه ms9116 مصلحة لأنا نجيز بيعه ونقله إلى موضع آخر. ~~قال: وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد في مسجد ليس بحصين من الكلاب ~~وغيرها وله منارة فرخص في نقضها ويبنى بها حائط المسجد للمصلحة. ومال ابن ~~عقيل في " الفصول " إلى قول ابن حامد فقال: هذا يجب أن يحمل على أن الحاجة ~~دعت إلى ذلك كما أن تغيير المسجد ونقله ما جاز عنده إلا للحاجة فيحمل هذا ~~الإطلاق على ذلك؛ لا على المستقر. قال: والأشبه أن يحمل على مسجد يبتدأ ~~إنشاؤه. وعلى هذا فاختلفوا كيف يبنى؟ فأما بعد كونه مسجدا فلا يجوز أن يباع ~~ولا أن يجعل سقاية تحته. وكذلك رجح أبو محمد قول ابن حامد وقال: هو أصح ~~وأولى وإن خالف الظاهر. قال: فإن المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته ~~وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا ~~يعطل نفع المسجد فلا يجوز صرفه في ذلك. قال: ولو جاز جعل # PageV31P218 # أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية ~~وحوانيت ويجعل بدله مسجد في موضع آخر. وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه؛ فإن نصه ~~صريح في أن المسجد إذا أرادوا رفعه من الأرض وأن يجعل تحته سقاية وحوانيت ~~وأن بعضهم امتنع من ذلك وقد أجاب بأنه ينظر إلى قول أكثرهم. ولو كان هذا ~~عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع في بنيه إذا كان جائزا ولم ينظر في ذلك ~~إلى قول أكثرهم؛ فإنهم إن كانوا مشتركين في البناء لم يجبر أحد الشركاء على ~~ما يريده الآخرون إذا لم يكن واجبا ولم يبن إلا باتفاقهم. ولأن قوله: ~~أرادوا رفعه من الأرض وأن يجعل تحته سقاية: بين في أنه ملصق بالأرض فأرادوا ~~رفعه وجعل سقاية تحته. وأحمد اعتبر اختيار الأكثر من المصلين في المسجد؛ ~~لأن الواجب ترجيح أصلح الأمرين وما اختاره أكثرهم كان أنفع للأكثرين؟ فيكون ~~أرجح. وأيضا فلفظ المسألة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز قال: قال في ~~رواية سليمان بن الأشعث: إذا بنى ms9117 رجل مسجدا فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه ~~بناء أجود من الأول فأبى عليه الباني الأول فإنه يصير إلى قول الجيران ~~ورضاهم: إذا أحبوا هدمه وبناءه وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ~~ويعمل في أسفله سقاية فمنعهم من ذلك مشايخ ضعفاء وقالوا: لا نقدر أن نصعد: ~~فإنه يرفع ويجعل سقاية ولا أعلم # PageV31P219 # بذلك بأسا وينظر إلى قول أكثرهم. فقد نص على هذا وتبديل بنائه بأجود وإن ~~كره الواقف الأول وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته وإن منعهم مشايخ ضعفاء ~~إذا اختار ذلك الجيران واعتبر أكثرهم. قال: وقال في رواية ابن الحكم: إذا ~~كان للمسجد منارة والمسجد ليس بحصين: فلا بأس أن تنقض المنارة فتجعل في ~~حائط المسجد لتحصينه. قال أبو العباس: وما ذكروه من الأدلة لو صح لكان ~~يقتضي ترجيح غير هذا القول فيكون في المسألة قولان. وقد رجحوا أحدهما. فكيف ~~وهي حجج ضعيفة أما قول القائل: لا يجوز النقل والإبدال إلا عند تعذر ~~الانتفاع: فممنوع ولم يذكروا على ذلك حجة لا شرعية ولا مذهبية. فليس عن ~~الشارع ولا عن صاحب المذهب هذا النفي الذي احتجوا به؛ بل قد دلت الأدلة ~~الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك وقد قال أحمد: إذا كان المسجد ~~يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه. وضيقه بأهله لم يعطل نفعه؛ ~~بل نفعه باق كما كان؛ ولكن الناس زادوا وقد أمكن أن يبنى لهم مسجد آخر وليس ~~من شرط المسجد أن يسع جميع الناس. ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر؛ لأن ~~اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من تفريقهم في مسجدين؛ لأن الجمع كلما كثر ~~كان أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " {صلاة الرجل مع الرجل أزكى من ~~صلاته وحده # PageV31P220 # وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله ~~تعالى} " رواه أبو داود وغيره. وهذا مع أنه يجوز بناء مسجد آخر إذا كثر ~~الناس وإن كان قريبا مع منعه لبناء مسجد ضرارا. قال أحمد ms9118 في رواية صالح: لا ~~يبنى مسجد يراد به الضرار لمسجد إلى جانبه فإن كثر الناس فلا بأس أن يبنى ~~وإن قرب. فمع تجويزه بناء مسجد آخر عند كثرة الناس وإن قرب أجاز تحويل ~~المسجد إذا ضاق بأهله إلى أوسع منه؛ لأن ذلك أصلح وأنفع؛ لا لأجل الضرورة؛ ~~ولأن الخلفاء الراشدين: عمر وعثمان - رضي الله عنهما - غيرا مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمر عمر بن الخطاب بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر وصار ~~الأول سوق التمارين للمصلحة الراجحة؛ لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد؛ فإنه ~~لم يتعطل نفعها؛ بل ما زال باقيا. وكذلك خلفاء المسلمين بعدهم: كالوليد ~~والمنصور والمهدي: فعلوا مثل ذلك بمسجدي الحرمين وفعل ذلك الوليد بمسجد ~~دمشق وغيرها مع مشورة العلماء في ذلك وإقرارهم حتى أفتى مالك وغيره بأن ~~يشترى الوقف المجاور للمسجد ويعوض أهله عنه. فجوزوا بيع الوقف والتعويض عنه ~~لمصلحة المسجد؛ لا لمصلحة أهله. فإذا بيع وعوض عنه لمصلحة أهله كان أولى ~~بالجوار. وقول القائل: لو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه # PageV31P221 # الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجد في موضع ~~آخر. قيل نقول بموجب ذلك وهذا هو الذي ذكره أحمد ورواه عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وعليه بنى مذهبه. فإن عمر بن الخطاب خرب المسجد الأول - مسجد ~~الجامع الذي كان لأهل الكوفة - وجعل بدله مسجدا في موضع آخر من المدينة ~~وصار موضع المسجد الأول سوق التمارين. فهذه الصورة التي جعلوها نقضا في ~~المعارضة وأصلا في قياسهم هي الصورة التي نقلها أحمد وغيره عن الصحابة وبها ~~احتج هو وأصحابه على من خالفهم وقال أصحاب أحمد: هذا يقتضي إجماع الصحابة ~~رضي الله عنهم عليها. فقالوا - وهذا لفظ ابن عقيل في المفردات في مسألة ~~إبدال المسجد - وأيضا روى يزيد بن هارون قال: ثنا المسعودي عن القاسم قال: ~~لما قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر ~~واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر فنقب بيت المال وأخذ ms9119 الرجل الذي نقبه فكتب إلى ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب عمر: لا تقطع الرجل وانقل المسجد واجعل ~~بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنه لن يزال في المسجد مصل. فنقله عبد الله فخط ~~له هذه الخطة. قال أحمد: يقال إن بيت المال نقب في مسجد الكوفة فحول عبد ~~الله المسجد وموضع التمارين اليوم في موضع المسجد العتيق. قال ابن عقيل: ~~وهذا كان مع توفر الصحابة: فهو # PageV31P222 # كالإجماع إذا لم ينكر أحد ذلك مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدونه ~~خطأ؛ لأنهم أنكروا على عمر النهي عن المغالات في الصدقات حتى ردت عليه ~~امرأة وردوه عن أن يحد الحامل فقالوا: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما ~~جعل لك على ما في بطنها سبيلا. وأنكروا على عثمان في إتمام الصلاة في الحج ~~حتى قال: إني دخلت بلدا فيه أهلي. وعارضوا عليا حين رأى بيع أمهات الأولاد ~~فلو كان نقل المسجد منكرا لكان أحق بالإنكار؛ لأنه أمر ظاهر فيه شناعة. ~~واحتج أيضا بما روى أبو حفص في المناسك عن عائشة - رضي الله عنها أنه قيل ~~لها: يا أم المؤمنين إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع ويجعل ~~ثمنها في سبيل الخير. فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنها وقف وصرف ثمنها ~~في سبيل الخير. لأن ذلك أصلح للمسلمين: وهكذا قال من رجح قول ابن حامد في ~~وقف الاستغلال كأبي محمد: قال: وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية؛ لكن قلت ~~أو كان غيره أنفع منه وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه لأن الأصل تحريم ~~البيع؛ وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ~~ومع الانتفاع به. وإن قلنا يضيع المقصود. اللهم إلا أن يبلغ من قلة النفع ~~إلى حد لا يعد نفعا فيكون وجود ذلك كالعدم. فيقال: ما ذكروه ممنوع. ولم ~~يذكروا عليه دليلا شرعيا ولا مذهبيا # PageV31P223 # وإن ذكروا شيئا من مفهوم كلام أحمد أو منطوقه: فغايته أن يكون رواية عنه ~~قد عارضها رواية ms9120 أخرى عنه هي أشبه بنصوصه وأصوله وإذا ثبت في نصوصه وأصوله ~~- جواز إبدال المسجد للمصلحة الراجحة فغيره أولى. وقد نص على جواز بيع غيره ~~أيضا للمصلحة؛ لا للضرورة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. # وأيضا فيقال لهم: لا ضرورة إلى بيع الوقف؛ وإنما يباع للمصلحة الراجحة ~~ولحاجة الموقوف عليهم إلى كمال المنفعة؛ لا لضرورة تبيح المحظورات؛ فإنه ~~يجوز بيعه لكمال المنفعة وإن لم يكونوا مضطرين ولو كان بيعه لا يجوز - - ~~لأنه حرام - لم يجز بيعه لضرورة ولا غيرها كما لم يجز بيع الحر المعتق ولو ~~اضطر سيده المعتق إلى ثمنه؛ وغايته أن يتعطل نفعه فيكون كما لو كان حيوانا ~~فمات. # ثم يقال لهم: بيعه في عامة المواضع لم يكن إلا مع قلة نفعه؛ لا مع تعطل ~~نفعه بالكلية؛ فإنه لو تعطل نفعه بالكلية لم ينتفع به أحد؛ لا المشتري ولا ~~غيره. وبيع ما لا منفعة فيه لا يجوز أيضا. فغايته أن يخرب ويصير عرصة وهذه ~~يمكن الانتفاع بها بالإجارة بأن تكرى لمن يعمرها. وهو الذي يسميه الناس " ~~الحكر " ويمكن أيضا أن يستسلف ما يعمر به ويوفي من كري الوقف. وهذا على ~~وجهين: # أحدهما: أن يتبرع متبرع بالقرض؛ ولكن هذا لا يعتمد عليه. # PageV31P224 # والثاني أن يؤجر إجارة غير موصوفة في الذمة وتؤخذ الأجرة فيعمر بها؛ ~~ليستوفي المستأجر المقابلة للأجرة. وهذان طريقان يكونان للناس إذا خرب ~~الوقف: تارة يؤجرون الأرض وتبقى حكرا. وتارة يستسلفون من الأجرة ما يعمرون ~~به وتكون تلك الأجرة أقل منها لو لم تكن سلفا. وعامة ما يخرب من الوقف يمكن ~~فيه هذا. ومع هذا فقد جوزوا بيعه والتعويض بثمنه؛ لأن ذلك أصلح لأهل الوقف؛ ~~لا للضرورة ولا لتعطل الانتفاع بالكلية؛ فإن هذا لا يكاد ينفع وما لا ينتفع ~~به لا يشتريه أحد؛ لكن قد يتعذر ألا يحصل مستأجر ويحصل مشتر؛ ولكن جواز بيع ~~الوقف إذا خرب ليس مشروطا بألا يوجد مستأجر بل يباع ويعوض عنه إذا كان ذلك ~~أصلح من الإيجار؛ فإنه إذا أكريت الأرض مجردة كان كراؤها ms9121 قليلا. وكذلك إذا ~~استسلفت الأجرة للعمارة قلت المنفعة فإنهم لا ينتفعون بها مدة استيفاء ~~المنفعة المقابلة لما عمر به؛ وإنما ينتفعون بها بعد ذلك؛ ولكن الأجرة ~~المسلفة تكون قليلة ففي هذا قلت منفعة الوقف. فتبين أن المسوغ للبيع ~~والتعويض نقص المنفعة؛ لكون العوض أصلح وأنفع؛ ليس المسوغ تعطيل النفع ~~بالكلية. ولو قدر التعطيل ليكن ذلك من الضرورات التي تبيح المحرمات وكلما ~~جوز للحاجة لا للضرورة كتحلي النساء بالذهب والحرير والتداوي بالذهب ~~والحرير فإنما أبيح لكمال # PageV31P225 # الانتفاع؛ لا لأجل الضرورة التي تبيح الميتة ونحوها؛ وإنما الحاجة في هذا ~~تكميل الانتفاع؛ فإن المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها. ~~فهذه هي الحاجة في مثل هذا. وأما الضرورة التي يحصل بعدمها حصول موت أو مرض ~~أو العجز عن الواجبات كالضرورة المعتبرة في أكل الميتة فتلك الضرورة ~~المعتبرة في أكل الميتة لا تعتبر في مثل هذا. والله أعلم. ولهذا جوز طائفة ~~من الأصحاب هذا الموضع؛ بينوا أنه عند التعطيل بالكلية ينتهي الوقف؛ وإنما ~~الكلام إذا بقي منه ما ينتفع به. ومن هؤلاء أبو عبد الله بن تيمية قال في " ~~ترغيب القاصد ": الحكم الخامس إذا تعطل الوقف فله أحوال أحدها أن ينعدم ~~بالكلية؛ كالفرس إذا مات فقد انتهت الوقفية. الثانية: أن يبقى منه بقية ~~متمولة: كالشجرة إذا عطبت والفرس إذا أعجف والمسجد إذا خرب فإن ذلك يباع ~~ويصرف في تحصيل مثله أو في شقيص من مثله. الثالثة حصر المسجد إذا بليت ~~وجذوعه إذا تكسرت وتحطمت فإنه يباع ويصرف في مصالح المسجد وكذلك إذا أشرفت ~~جذوعه على التكسير أو داره على الانهدام وعلم أنه لو أخر لخرج عن أن ينتفع ~~به فإنه يباع. # PageV31P226 # قال أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبات ~~لها قيمة وقد تشعثت جاز بيعها وصرف ثمنها عليه. الرابعة إذا خرب المسجد ~~وآلته تصلح لمسجد آخر يحتاج إلى مثلها فإنها تحول إليه وأما الأرض فتباع ~~هذا إذا لم يمكن عمارته بثمن بعض آلته وإلا بيع ذلك وعمر ms9122 به. نص عليه. ~~الخامسة إذا ضاق المسجد بأهله أو تفرق الناس عنه لخراب المحلة فإنه يباع ~~ويصرف ثمنه في إنشاء مسجد آخر؛ أو في شقص في مسجد. فقد بين من قال هذا: أنه ~~لا يمكن بيعه مع تعطل المنفعة بالكلية؛ بل إذا أبقى منه ما ينتفع به وحينئذ ~~فالمقصود التعويض عنه بما هو أنفع لأهل الوقف منه؛ ولم يشترط أحد من ~~الأصحاب. تعذر إجارة العرصة مع العلم بأنه في غالب الأحوال يمكن إجارة ~~العرصة؛ لكن يحصل لأهل الوقف منها أقل مما كان يحصل لو كان معمورا وإذا ~~بيعت فقد يشترى بثمنها ما تكون أجرته أنفع لهم؛ لأن العرصة يشتريها من ~~يعمرها لنفسه فينتفع بها ملكا ويرغب فيها لذلك ويشتري بثمنها ما تكون غلته ~~أنفع من غلة العرصة. فهذا محل الجواز الذي اتفق الأصحاب عليه. وحقيقته تعود ~~إلى أنهم عوضوا أهل الوقف عنه بما هو أنفع لهم منه # PageV31P227 # فإن قيل: فلفظ الخرقي: وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا واشترى بثمنه ما يرد ~~على أهل الوقف. قيل: هذا اللفظ إما أن يراد به أنه لم يرد شيئا مما كان ~~يرده لما كان معمورا: مثل دور وحوانيت خربت فإنها لو تشعثت ردت بعض ما كانت ~~ترده مع كمال العمارة؛ بخلاف ما إذا خربت بالكلية فإنها لا ترد شيئا من ~~ذلك. وأما أن يراد به: لا ترد شيئا. لتعطيل نفعه من جميع الوجوه. فإن كان ~~مراده هو الأول وهو الظاهر الذي يليق أن يحمل عليه كلامه - فهو مطابق لما ~~قلناه؛ ولهذا قال بيع. ولو تعطل نفعه من كل الجهات لم يجز بيعه. وإن كان ~~مراده أنه تعطل على أهل الوقف انتفاعهم به من كل وجه؛ لتعذر إجارة العرصة ~~مع إمكان انتفاع غيرهم بها؛ كما قال أحمد في العبد؛ فإن أراد هذه الصورة ~~كان منطوق كلامه موافقا لما تقدم؛ ولكن مفهومه يقتضي أنه إذا أمكن أهل ~~الوقف أن يؤجروه بأقل أجرة لم يجز بيعه. وهذا غايته أن يكون قولا في ~~المذهب؛ لكن نصوص أحمد تخالف ms9123 ذلك في بيع المسجد والفرس الحبيس وغيرهما؛ كما ~~قد ذكر المسجد. وأما الفرس الحبيس إذا عطب فإن الذي يشتريه قد يشتريه ~~ليركبه أو يديره في الرحى ويمكن أهل الجهاد أن ينتفعوا به في مثل ذلك: مثل ~~الحمل عليه واستعماله في الرحى وإجارته وانتفاعهم بأجرته؛ ولكن المنفعة ~~المقصودة لحبسه وهي الجهاد عليه تعطلت ولم يتعطل انتفاعهم به بكل وجه. # PageV31P228 # فصل: # وإذا كان يجوز في ظاهر مذهبه في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه ~~وعينه محترمة شرعا: يجوز أن يبدل به غيره للمصلحة - لكون البدل أنفع وأصلح؛ ~~وإن لم تتعطل منفعته بالكلية ويعود الأول طلقا؛ مع أنه مع تعطل نفعه ~~بالكلية: هل يجوز بيعه؟ عنه فيه روايتان - فلأن يجوز الإبدال بالأصلح ~~والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى؛ فإنه عنده يجوز بيع ما يوقف ~~للاستغلال للحاجة قولا واحدا وفي بيع المسجد للحاجة روايتان. فإذا جوز على ~~ظاهر مذهبه أن يجعل المسجد الأول طلقا ويوقف مسجد بدله للمصلحة وإن لم ~~تتعطل منفعة الأول: فلأن يجوز أن يجعل الموقوف للاستغلال طلقا ويوقف بدله ~~أصلح منه وإن لم تتعطل منفعة الأول أحرى؛ فإن بيع الوقف المستغل أولى من ~~بيع المسجد وإبداله أولى من إبدال المسجد لأن المسجد تحترم عينه شرعا ويقصد ~~الانتفاع بعينه: فلا يجوز إجارته ولا المعاوضة عن منفعته؛ بخلاف وقف ~~الاستغلال؛ فإنه يجوز إجارته والمعاوضة عن نفعه؛ وليس المقصود أن يستوفي ~~الموقوف عليه منفعته بنفسه كما يقتصد مثل ذلك في المسجد ولا له حرمة شرعية ~~لحق الله تعالى كما للمسجد. # PageV31P229 # وأيضا فالوقف لله فيه شبه من التحرير وشبه من التمليك وهو أشبه بأم الولد ~~عند من يمنع نقل الملك فيها؛ فإن الوقف من جهة كونه لا يبيعه أحد يملك ثمنه ~~ولا يهبه ولا يورث عنه: يشبه التحرير والإعتاق. ومن جهة أنه يقبل المعارضة ~~بأن يأخذ عوضه فيشتري به ما يقوم مقامه: يشبه التمليك؛ فإنه إذا أتلف ضمن ~~بالبدل واشترى بثمنه ما يقوم مقامه عند عامة العلماء بخلاف المعتق؛ فإنه ~~صار حرا لا يقبل المعاوضة. ms9124 فالبيع الثابت في الطلق لا يثبت في الوقف بحال ~~وهو أن يبيعه المالك أو وليه أو وكيله ويملك عوضه: من غير بدل يقوم مقامه. ~~وهذا هو البيع الذي تقرن به الهبة والإرث كما قال عمر بن الخطاب في وقفه: ~~لا يباع ولا يوهب ولا يورث. ويشبه هذا أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ~~رضي الله عنهما - جعلا الأرض المفتوحة عنوة فيئا للمسلمين: كأرض السواد ~~وغيرها ولم يقسما شيئا مما فتح عنوة. ولما كانوا يمنعون من شرائها؛ لئلا ~~يقر المسلم بالصغار - فإن الخراج كالجزية أو يبطل حق المسلمين - ظن بعض ~~العلماء أنهم منعوا بيعها لكونها وقفا والوقف لا يباع وزعموا أن ذلك يوجب ~~أن مكة لا تباع لكونها فتحت عنوة. وهذا غلط؛ فإن أرض الخراج المفتوحة عنوة ~~المجعولة فيئا توهب وتورث؛ فإنها تنتقل عمن هي بيده إلى وارثه ويهبها. وهذا ~~ممتنع في الوقف. وإذا بيعت لمن يقوم فيها مقام البائع ولم يغير شيئا: فهذه ~~المسألة تعلقت الأحكام الشرعية بأعيانها وما سواها تعلقت بجنسه؛ لا بعينه ~~فيؤدى خراجها فلم يكن في ذلك ضرر على مستحقها ولا زال حقهم عنها # PageV31P230 # والوقف إنما منع بيعه لئلا يبطل حق مستحقيه. وهذه يجوز فيها إبدال شخص ~~بشخص بالاتفاق فسواء كان بطريق المعاوضة أو غيرها. والمقصود هنا: أن الوقف ~~فيه شوب التحرير والتمليك؛ ولهذا اختلف الفقهاء في الوقف على المعين: هل ~~يفتقر إلى قبوله كالهبة؛ أو لا يفتقر إلى قبوله كالعتق؟ على قولين مشهورين؛ ~~بخلاف الوقف على جهة عامة كالمساجد. والوقف على المعين أقرب إلى التمليك من ~~وقف المساجد ونحوها مما يوقف على جهة عامة؛ ووقف المساجد أشبه بالتحرير من ~~غيرها؛ فإنها خالصة لله عز وجل كما قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا} وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك ms9125 أن يكونوا من المهتدين} والمساجد بيوت الله كما أن ~~العتيق صار حرا أي خالصا لله. " والتحرير " التخليص من الرق ومنه الطين ~~الحر وهو الخالص. فالعتق تخليص العبد لله. ولهذا منع الشارع أن يجعل بعض ~~مملوكه حرا وبعضه رقيقا وقال: " ليس لله شريك " فإذا أعتق بعضه عتق جميعه ~~وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {من أعتق شركا ~~له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه ~~حصصهم وعتق عليه العبد} " وكذلك # PageV31P231 # في الصحيحين مثله من حديث أبي هريرة. فأوجب تكميل عتقه؛ وإن كان ملكا ~~لغيره وألزم المعتق بأن يعطي شركاءه حصصهم من الثمن؛ لتكميل عتق العبد لئلا ~~يكون لله شريك. ومذهب الأئمة الأربعة وسائر الأمة وجوب تكميل العتق؛ لكن ~~الجمهور يقولون: إذا كان موسرا ألزم بالعوض كما في حديث ابن عمر وأبي ~~هريرة؛ وإن كان معسرا: فمنهم من قال بالسعاية: بأن يستسعى العبد وهو مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين: اختارها أبو الخطاب. ومنهم من لا يقول ~~بها وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى واختارها أكثر أصحابه. ~~والمقصود أن المساجد أبلغ الموقوفات تحريرا وشبها بالعتق وليس لأحد أن ~~يعتاض عن منفعتها كما يجوز ذلك في غيرها كما أنه لا يملك أحد أعتق عبدا ~~منافعه. ومع هذا فأحمد اتبع الصحابة في جواز إبدال المسجد بمسجد آخر وجعل ~~المسجد الأول سوقا. وجوز إبدال الهدي والأضحية بخير منها مع أنها أيضا لله ~~تعالى يجب ذبحها لله: فلأن يجوز الإبدال في غيرها وهو أقرب إلى التمليك ~~أولى؛ فإن حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل ما لا يقبلها حقوق الله ~~تعالى ولا تمنع المعاوضة في حق الآدمي إلا أن يكون في ذلك ظلم لغيره أو ~~يكون في ذلك حق لله أو يكون من حقوق الله؛ فإنه لا يجوز إبدال الصلوات ~~والحج بعمل آخر؛ ولا القبلة # PageV31P232 # بقبلة أخرى ولا شهر رمضان بشهر آخر ولا وقت الحج ومكانه بوقت آخر ومكان ~~آخر؛ بل ms9126 أهل الجاهلية لما ابتدعوا النسيء الذي يتضمن إبدال وقت الحج بوقت ~~آخر قال الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} ~~والمساجد الثلاثة التي بنتها الأنبياء - عليهم السلام - وشرع للناس السفر ~~إليها ووجب السفر إليها بالنذر: لا يجوز إبدال عرصتها بغيرها؛ بل يجوز ~~الزيادة فيها وإبدال التأليف والبناء بغيره كما دلت عليه السنة وإجماع ~~الصحابة؛ بخلاف غيرها فإنه لا يتعين للنذر؛ ولا يسافر إليه: فيجوز إبداله ~~للمصلحة كما تقدم. والله أعلم. ومما يبين ذلك أن الوقف على معين قد تنازع ~~العلماء فيه هل هو ملك للموقوف عليه؟ أو هو باق على ملك الواقف؟ أو هو ملك ~~لله تعالى؟ على ثلاثة أقوال معروفة في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وأكثر ~~أصحاب أحمد يختارون أنه ملك للموقوف عليه كالقاضي وابن عقيل. وأما المسجد ~~ونحوه فليس ملكا لمعين باتفاق المسلمين؛ وإنما يقال: هو ملك لله. وقد يقال: ~~هو ملك لجماعة المسلمين. لأنهم المستحقون للانتفاع به فإذا جاز إبدال هذا ~~بخير منه للمصلحة فالأول أولى؛ إما بأن يعوض عنها بالبدل؛ وإما أن تباع ~~ويشترى بثمنها البدل. والإبدال كما تقدم يبدل بجنسه بما هو أنفع للموقوف ~~عليه. # PageV31P233 # فصل: # قد نص أحمد على أبلغ من ذلك - وهو وقف ما لا ينتفع به إلا مع إبدال عينه ~~- فقال أبو بكر عبد العزيز في " الشافي ": نقل الميموني عن أحمد: أن ~~الدراهم إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة وإذا كانت على المساكين ~~فليس فيها صدقة. قلت: رجل وقف ألف درهم في السبيل؟ قال: إن كانت للمساكين ~~فليس فيها شيء. قلت: فإن وقفها في الكراع والسلاح؟ قال: هذه مسألة لبس ~~واشتباه. قال أبو البركات: وظاهر هذا جواز وقف الأثمان لغرض القرض أو ~~التنمية والتصدق بالربح كما قد حكينا عن مالك والأنصاري. قال: ومذهب مالك ~~صحة وقف الأثمان للقرض. ذكره صاحب " التهذيب " وغيره في الزكاة وأوجبوا ~~فيها الزكاة كقولهم في الماشية الموقوفة على الفقراء. ms9127 وقال محمد بن عبد ~~الله الأنصاري: يجوز وقف الدنانير؛ لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك عينها ~~وتدفع مضاربة ويصرف ربحها في مصرف الوقف ومعلوم أن القرض والقراض يذهب عينه ~~ويقوم بدله مقامه وجعل المبدل به قائما مقامه لمصلحة الوقف وإن لم تكن ~~الحاجة ضرورة الوقف لذلك. وهذه المسألة فيها نزاع في مذهبه فكثير من أصحابه ~~منعوا وقف الدراهم والدنانير؛ لما ذكره الخرقي ومن اتبعه ولم يذكروا عن ~~أحمد نصا بذلك ولم ينقله القاضي وغيره إلا عن الخرقي وغيره. # PageV31P234 # وقد تأول القاضي رواية الميموني فقال: ولا يصح وقف الدراهم والدنانير على ~~ما نقل الخرقي. قال: قال أحمد في رواية: الميموني إذا وقف ألف درهم في سبيل ~~الله وللمساكين فلا زكاة فيها وإن وقفها في الكراع والسلاح فهي مسألة لبس. ~~قال: ولم يرد بهذا وقف الدراهم؛ وإنما أراد إذا أوصى بألف تنفق على أفراس ~~في سبيل الله فتوقف في صحة هذه الوصية. قال أبو بكر: لأن نفقة الكراع ~~والسلاح على من وقفه فكأنه اشتبه عليه إلى أين تصرف هذه الدراهم إذا كان ~~نفقة الكراع والسلاح على أصحابه. والأول أصح؛ لأن المسألة صريحة في أنه وقف ~~الألف لم يوص بها بعد موته؛ لأنه لو وصى أن تنفق على خيل وقفها غيره جاز ~~ذلك بلا نزاع؛ كما لو وصى بما ينفق على مسجد بناه غيره. وقول القائل: إن ~~نفقة الكراع والسلاح على من وقفه. ليس بمسلم في ظاهر المذهب؛ بل إن شرط له ~~الواقف نفقة وإلا كان من بيت المال كسائر ما يوقف للجهات العامة كالمساجد. ~~وإذا تعذر من ينفق عليه بيع ولم يكن على الواقف الإنفاق عليه. وأحمد توقف ~~في وجوب الزكاة؛ لا في وقفها؛ فإنه إنما سئل عن ذلك؛ لأن مذهبه أن الوقف ~~إذا كان على جهة خاصة: كبني فلان وجبت فيه الزكاة عنده في عينه. فلو وقف ~~أربعين شاة على بني فلان وجبت الزكاة في عينها في المنصوص عنه وهو مذهب ~~مالك. قال في رواية مهنا فيمن وقف أرضا أو غنما ms9128 في سبيل الله: لا زكاة عليه ~~ولا عشر: هذا في السبيل؛ إنما يكون ذلك إذا جعله في قرابته # PageV31P235 # ولهذا قال أصحابه: هذا يدل على ملك الموقوف عليه لرقبة الوقف. وجعلوا ذلك ~~إحدى الروايتين عنه. وفي مذهبه قول آخر: أنه لا زكاة في عين الوقف؛ لقصور ~~ذلك. واختاره القاضي في " المجرد " وابن عقيل وهو قول أكثر أصحاب الشافعي. ~~وأما ما وقفه على جهة عامة: كالجهاد والفقراء والمساكين فلا زكاة فيه في ~~مذهبه ومذهب الشافعي. وأما مالك فيوجب فيه الزكاة. فتوقف أحمد فيما وقف في ~~الكراع والسلاح؛ لأن فيها اشتباها؛ لأن الكراع والسلاح قد يعينه لقوم ~~بعينهم: إما لأولاده أو غيرهم؛ بخلاف ما هو عام لا يعتقبه التخصيص. # فصل: # وقال في رواية بكر بن محمد فيمن وصى بفرس وسرج ولجام مفضض: يوقف في سبيل ~~الله حبيس فهو على ما وقف وأوصى وإن بيع الفضة من السرج واللجام وجعل في ~~وقف مثله فهو أحب إلي؛ لأن الفضة لا ينتفع بها ولعله يشترى بتلك الفضة سرج ~~ولجام فيكون أنفع للمسلمين. فقيل له: تباع الفضة وتصرف في نفقة الفرس؟ قال: ~~لا. وهذا مما ذكره الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز والقاضي وأبو محمد ~~المقدسي وغيرهم. فقد صرح أحمد بأن الفرس واللجام المفضض هو على ما وقف ~~وأوصى وأنه إن بيعت الفضة من السرج واللجام وجعل في وقف مثله فهو أحب إليه. ~~قال: لأن الفضة لا ينتفع بها ولعله يشترى بتلك الفضة سرج ولجام فيكون أنفع ~~للمسلمين. فخير بين إبقاء الحلية الموقوفة وقفا وبين # PageV31P236 # أن تباع ويشترى بثمنها ما هو أنفع للمسلمين من سرج ولجام. وهذا يبين أفضل ~~الأمرين. وقوله: لأن الفضة لا ينتفع بها. لم يرد به أنه لا منفعة بها بحال؛ ~~فإن التخلي منفعة مباحة ويجوز استئجار من يصوغ الحلية المباحة ولو أتلف ~~متلف الصياغة المباحة ضمن ذلك وقد نص أحمد على ذلك ولو لم يكن منفعة لم يصح ~~الاستئجار عليها ولا ضمنت بالإتلاف؛ بل أراد نفي كمال المنفعة كما يقال هذا ~~لا ينفع. ms9129 يراد أنه لا ينفع منفعة تامة. ويدل على ذلك قوله: ويشترى بثمنها ~~ما هو أنفع للمسلمين. فدل على أن كلاهما سائغ والثاني أنفع؛ ولأنه لو لم ~~تكن فيه منفعة بحال لم يصح وقفه؛ فإن وقف ما لا ينتفع به لا يجوز وهذا يبين ~~أن أفضل الأمرين أن يباع الوقف ويبدل بما هو أنفع منه للموقوف عليه وأن ذلك ~~أفضل من إبقائه وقفا؛ لأنه أصلح للموقوف عليه ولم يوجب الإبدال. وقوله: فهو ~~على ما وقف وأوصى. يقتضي أن هذا حكم ما وقفه وما وصى بوقفه؛ وإن كانت ~~المسألة التي سئل عنها هي فيمن وصى بوقفه ومعلوم أنه يجب اتباع شرطه فيما ~~وصى بوقفه؛ كما يجب فيما وقفه كما يجب اتباع كلامه فيما وصى بعتقه كما يجب ~~ذلك فيما أعتقه؛ وأنه لا يجوز أن يوقف ويعتق غير ما أوصى بوقفه وعتقه؛ كما ~~لا يجوز أن يجعل الموقوف والمعتق غير ما وقفه وأعتقه. فجواز الإبدال في ~~أحدهما كجوازه في الآخر. وقد علل استحبابه للإبدال بمجرد كون البدل أنفع ~~للمسلمين من الزينة. # PageV31P237 # ونظير هذا إذا وقف ما هو مزين بنقوش ورخام وخشب وغير ذلك مما يكون ثمنه ~~مرتفعا لزينته؛ فإنه يباع ويشترى بثمنه ما هو أنفع لأهل الوقف. فالاعتبار ~~بما هو أنفع لأهل الوقف؛ وقد تكون تلك الفضة أنفع لمشتريها وهذا لأن انتفاع ~~المالك غير انتفاع أهل الوقف؛ ولهذا يباع الوقف الخرب لتعطل نفعه؛ ومعلوم ~~أن ما لا نفع فيه لا يجوز بيعه؛ لكن تعطل نفعه على أهل الوقف ولم يتعطل على ~~المالك؛ لأن أهل الوقف مقصودهم الاستغلال أو السكنى. وهذا يتعذر في الخراب ~~والمالك يشتريه فيعمره بماله. وقد اختلف مذهب أحمد في مثل هذه الحلية. على ~~قولين كحلية الخوذة والجوشن وحمائل السيف ونحو ذلك من لباس الجهاد؛ فإن ~~لباس خيل الجهاد كلباس المجاهدين. وهذه الرواية تدل على جواز تحلية لباس ~~الخيل بالفضة: كالسرج واللجام؛ فإنه جوز وقف ذلك. وجعل بيعه وصرف ثمنه في ~~وقف مثله أحب إليه؛ ولو لم يبح ذلك لم يخير ms9130 بين هذا وهذا. وقال القاضي في " ~~المجرد " ظاهر هذا أنه أبطل الوقف في الفضة التي على اللجام والسرج؛ لأن ~~الانتفاع بذلك محرم؛ وليس كذلك الحلي الذي استعماله مباح وأجاز صرف ذلك في ~~جنس ما وقفه من السروج واللجم ومنع من صرفه في نفقة الفرس؛ لأنه ليس من جنس ~~الوقف. والقاضي بنى هذا على أن هذه الحلية محرمة. وأنه إذا وقف ما يحرم ~~الانتفاع به فإنه يباع ويشترى به ما يباح الانتفاع به. فيوقف على تلك ~~الجهة. ومعلوم أنه لولا أن مقتضى عقد الوقف جواز الإبدال للمصلحة لم يجز ~~هذا. كما أنه في البيع # PageV31P238 # والنكاح لما لم يكن مقتضى العقد جواز الإبدال لم يصح بيع ما لا يحل ~~الانتفاع به. ولا نكاح من يحرم وطؤها. وهذا يشبه ما لو أهدى ما لا يجوز أن ~~يكون هديا؛ فإنه يشترى بثمنه ما يكون هديا وكذلك في الأضحية. وكلام أحمد ~~يدل على الطريقة الأولى؛ لا على الثانية. وهي طريقة أبي محمد وغيره من ~~أصحاب أحمد قال أبو محمد: أباح أحمد أن يشترى بفضة السرج واللجام سرجا ~~ولجاما؛ لأنه صرف لهما في جنس ما كانت عليه حيث لم ينتفع بهما فيه. فأشبه ~~الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد جاز بيعه وصرف ثمنه في مثله. ~~قال: ولم يجز إنفاقها على الفرس لأنه صرف لها إلى غير جهتها. وأبو محمد جعل ~~ذلك من باب تعطل النفع بالكلية كعطب الفرس وخراب الوقف؛ بناء على أصله؛ ~~فإنه لا يجوز بيعه إلا إذا تعطل نفعه بالكلية كما تقدم ويدل على أن وقف ~~الحلية صحيح وهو قول الخرقي والقاضي وغيرهما. والقاضي يجعل المذهب قولا ~~واحدا في صحة وقفه. وأما أبو الخطاب وغيره فيجعلون في المسألة خلافا؛ بل ~~ويذكرون النصوص أنه لا يصح. بحسب ما بلغهم من نصه. قال القاضي: فإن وقف ~~الحلي على الإعارة واللبس؟ فقال في رواية الأثرم وحنبل: لا يصح وأنكر ~~الحديث الذي يروى عن أم سلمة في وقفه. قال القاضي: وظاهر ما نقله الخرقي ~~جواز ms9131 وقفه؛ لأنه يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه. وقوله: لا يصح. يعني لا ~~يصح الحديث # PageV31P239 # فيه؛ ولم يقصد لا يصح الوقف فيه. وقال أبو الخطاب: وأما وقف الحلي على ~~الإعارة واللبس فجائز على ظاهر ما نقله الخرقي. ونقل عنه الأثرم وحنبل. أنه ~~لا يصح. وتجويزه لوقف السرج واللجام المفضض يوافق ما ذكره الخرقي؛ لكن ~~إبداله بما هو أنفع لأهل الوقف أفضل عنده أن يشترى بالحلية سرج ولجام. # فصل: # ونصوص أحمد في غير موضع واختيار جمهور أصحابه جواز إبدال " الهدي ~~والأضحية " بخير منها. قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتري الأضحية ~~يسمنها للأضحى؟ يبدلها بما هو خير منها؛ لا يبدلها بها هو دونها. فقيل له: ~~فإن أبدلها بما هو خير منها يبيعها؟ قال نعم. قال القاضي: وقد أطلق القول ~~في رواية صالح وابن منصور وعبد الله بجواز أن تبدل الأضحية بما هو خير ~~منها. قال: ورأيت في مسائل الفضل بن زياد: إذا سماها لا يبيعها إلا لمن ~~يريد أن يضحي بها. وهاتان الروايتان عنه كالروايتين عنه في المسجد: هل يباع ~~أو تنقل آلته لخير منه؟ كذلك هنا: منع في إحدى الروايتين أن يأخذ عنها بدلا # PageV31P240 # إلا إذا كانت يضحى بها؛ لتعلق حرمة التضحية بعينها. وقال الخرقي: ويجوز ~~أن تبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها. وقال القاضي أبو يعلى في: " التعليق ~~" إذا أوجب بدنة جاز بيعها؛ وعليه بدنة مكانها؛ فإن لم يوجب مكانها حتى ~~زادت في بدن أو شعر أو ولدت كان عليه مثلها زائدة ومثل ولدها ولو أوجب ~~مكانها قبل الزيادة والولد لم يكن عليه شيء من الزيادة. ولم أعلم في أصحاب ~~أحمد من خالف في هذا؛ إلا أبا الخطاب؛ فإنه اختار أنه لا يجوز إبدالها. ~~وقال: إذا نذر أضحية وعينها زال ملكه عنها؛ ولم يجز أن يتصرف فيها ببيع ولا ~~إبدال؛ وكذلك إذا نذر عتق عبد معين أو دراهم معينة. وقال هذا قياس المذهب ~~عندي؛ لأن التعيين يجري مجرى النص في النذر الذي لا يلحقه الفسخ؛ لأن أحمد ms9132 ~~قد نص في رواية صالح وإبراهيم بن الحارث فيمن نذر أضحية بعينها فأعورت أو ~~أصابها عيب: تجزيه ولو كانت في ملكه لم تجزه ووجبت عليه صحيحة؛ كما لو نذر ~~أضحية مطلقة. قال: وكذلك نص في رواية حنبل في الهدي إذا عطب في الحرم: فقد ~~أجزأ عنه؛ ولو كان في ملكه لم يجزه؛ ووجب بدله. وغير ذلك من المسائل. فدل ~~على ما قلت. وأبو الخطاب بنى ذلك على أن ملكه زال عنها؛ فلا يجوز الإبدال ~~بعد زوال الملك وهو قول أصحاب مالك. والشافعي وأبو حنيفة يجوزون إبدالها ~~بخير منها. وبنى أصحابه ذلك هم والقاضي أبو يعلى وموافقوه على أن ملكه لم ~~يزل عنها. والنزاع بين الطائفتين في هذا الأصل. وأحمد وفقهاء أصحابه # PageV31P241 # لا يحتاجون أن يبنوا على هذا الأصل. وقال أبو الخطاب: هذا هو القياس في ~~النذر؛ أنه إذا نذر الصلاة في مسجد بعينه لزمه؛ وإنما تركناه للشرع وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم " {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد} " فقيل له: ~~فلو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز له الصلاة في المسجد الحرام؟ فقال: إن ~~لم يصح الخبر بذلك لم نسلم على هذه الرواية. وهذا الذي قاله أبو الخطاب كما ~~أنه خلاف نصوص أحمد وجمهور أصحابه فهو خلاف سائر أصوله؛ فإن جواز الإبدال ~~عند أحمد لا يفتقر إلى كون ذلك في ملكه؛ بل ولا تأثير لذلك في جواز ~~الإبدال؛ فإنه لو نذر عتق عبد فعينه لم يجز إبداله بلا ريب وإن لم يخرج عن ~~ملكه؛ بل ويقول: خرجت الأضحية عن ملكه؛ ويجوز إبدالها بخير منها؛ كما نقول ~~مثل ذلك في المساجد وكما نقول بجواز الإبدال في المنذورات؛ لأن الذبح عبادة ~~لله وذبح الأفضل أحب إلى الله تعالى فكان هذا كإبدال المنذور بخير منه وذلك ~~خير لأهل الحرم؛ بخلاف العتق؛ فإن مستحقه هو العبد فبطل حقه بالإبدال. ~~والنزاع في كون الأضحية المعينة بالنذر ثابتة على ملكه أو خارجة عن ملكه ~~إلى الله يشبه النزاع في الوقف على الجهة العامة. والمشهور ms9133 في مذهب أحمد ~~والجمهور في ذلك أنها ملك لله. وقد يقال: لجماعة المسلمين والمتصرف فيه ~~بالتحويل هم المسلمون المستحقون للانتفاع به فيتصرفون فيه بحكم الولاية؛ لا ~~بحكم الملك # PageV31P242 # وكذلك الهدي والأضحية المعين بالنذر إذا قيل إنه يخرج عن ملك صاحبه؛ فإن ~~له ولاية التصرف فيه بالذبح والتفريق فكذلك له ولاية التصرف فيه بالإبدال ~~كما لو أتلفه متلف فإنه كان يأخذ ثمنه يشتري به بدله وإن لم يكن مالكا له. ~~فكونه خارجا عن ملكه لا يناقض جواز تصرفه فيه بولاية شرعية. وقول القائل: ~~يملكه صاحبه أو لا يملكه. في ذلك وفي نظائره؟ كقوله: العبد يملك أو لا يملك ~~وأهل الحرب هل يملكون أموال المسلمين أو لا يملكونها والموقوف عليه هل يملك ~~الوقف أو لا يملكه؟ إنما نشأ فيها النزاع بسبب ظن كون الملك جنسا واحدا ~~تتماثل أنواعه وليس الأمر كذلك؛ بل الملك هو القدرة الشرعية والشارع قد ~~يأذن للإنسان في تصرف دون تصرف ويملكه ذلك التصرف دون هذا فيكون مالكا ملكا ~~خاصا؛ ليس هو مثل ملك الوارث؛ ولا ملك الوارث كملك المشتري من كل وجه؛ بل ~~قد يفترقان. وكذلك ملك النهب والغنائم ونحوهما قد خالف ملك المبتاع ~~والوارث. فقول القائل: إنه يملك الأضحية المعينة. إن أراد أنه يملكها كما ~~يملك المبتاع؛ بحيث يبيعها ويأخذ ثمنها لنفسه ويهبها لمن يشاء وتورث عنه ~~ملكا فليس الأمر كذلك. وكذلك إن أراد بخروجها عن ملكه أنه انقطع تصرفه فيها ~~كما ينقطع التصرف بالرق أو البيع فليس الأمر كذلك؛ بل له فيها ملك خاص وهو ~~ملكه أن يحفظها ويذبحها ويقسم لحمها ويهدي ويتصدق ويأكل. وهذا الذي يملكه ~~من أضحيته لا يملكه من أضحيته غيره. # PageV31P243 # فصل: # والدليل على ذلك وجوه: # أحدها: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال " {لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ~~ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين: بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه} ~~" ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض ولو ms9134 كان تغييرها وإبدالها بما ~~وصفه صلى الله عليه وسلم واجبا لم يتركه فعلم أنه كان جائزا وأنه كان أصلح ~~لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام. وهذا فيه تبديل بنائها ببناء ~~آخر. فعلم أن هذا جائز في الجملة؟ وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع ~~الإبدال. وأيضا فقد ثبت أن عمر وعثمان غيرا بناء مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أما عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع وأما عثمان فبناه ~~بمادة أعلى من تلك كالساج. وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفا أبدلها ~~الخلفاء الراشدون بغيرها. وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره ~~منكر. ولا فرق بين إبدال البناء ببناء وإبدال العرصة بعرصة: إذا اقتضت ~~المصلحة ذلك؛ ولهذا أبدل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة بمسجد آخر: أبدل نفس ~~العرصة # PageV31P244 # وصارت العرصة الأولى سوقا للتمارين. فصارت العرصة سوقا بعد أن كانت ~~مسجدا. وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة. وأيضا فقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه جوز إبدال المنذور بخير منه. ففي المسند مسند أحمد ~~وسنن أبي داود قال أبو داود: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد يعني ابن سلمة ~~أنا حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله {أن رجلا قام يوم ~~الفتح فقال يا رسول الله: إني نذرت إن فتح الله عز وجل عليك مكة أن أصلي في ~~بيت المقدس قال أبو سلمة: مرة ركعتين قال: صل هاهنا ثم أعاد عليه فقال: صل ~~هاهنا ثم أعاد عليه؛ قال: فشأنك إذا} قال أبو داود: وروي نحوه عن عبد ~~الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا في السنن طريق ثالث رواه ~~أحمد وأبو داود. عن طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود: ~~ثنا (1) بن خالد ثنا أبو عاصم وثنا عباس العنبري ثنا روح عن ابن جريج أنا ~~يوسف بن الحكم بن أبي سفيان: أنه سمع حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن ms9135 عوف عن ~~رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر زاد فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {والذي بعث محمدا بالحق لو صليت هاهنا لأجزأ عنك صلاة في ~~بيت المقدس} " قال أبو داود رواه الأنصار عن ابن جريج. قال حفص بن عمر بن ~~حنة: وقال عمر: أخبراه عن عبد الرحمن بن عوف عن رجال من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم. PageV31P245 # وفي المسند وصحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما {أن امرأة شكت شكوى ~~فقالت: إن شفاني الله فلأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد ~~الخروج فجاءت ميمونة تسلم عليها وأخبرتها بذلك فقالت اجلسي وكلي ما صنعت ~~وصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد ~~الكعبة} ". وهذا مذهب عامة العلماء كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما وأبي ~~يوسف صاحب أبي حنيفة وابن المنذر وغيرهم: قالوا: إذا نذر أن يصلي في بيت ~~المقدس أجزأه الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وإن نذر الصلاة في ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه الصلاة في المسجد الحرام وإن نذر ~~الصلاة في المسجد الحرام لم تجزه الصلاة في غيره عند الأكثرين وهو مذهب ابن ~~المسيب ومالك والشافعي في أصح قوليه ومذهب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. وحكي ~~عن أبي حنيفة: لا يتعين شيء للصلاة؛ بخلاف ما لو نذر أن يأتي المسجد الحرام ~~لحج أو عمرة؛ فإن هذا يلزمه بلا نزاع. وأبو حنيفة بنى هذا على أصله؛ وهو ~~أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. وأما مالك وأحمد ~~والشافعي في ظاهر مذهبه فيوجبون بالنذر ما كان طاعة؛ وإن لم يكن جنسه واجبا ~~بالشرع كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة # PageV31P246 # رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا ms9136 يعصه} ". والنبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " صل هاهنا " وقال: {لو صليت هنا لأجزأ عنك صلاة - أو كل صلاة - في ~~بيت المقدس} " فخص الأمر بالصلاة في المسجد الحرام ولم يقل: صل حيث شئت ~~وقال: " {لو صليت هاهنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس} " فجعل المجزى عنه ~~الصلاة في المسجد الأفضل؛ لا في كل مكان. فدل هذا على أنه لم ينقله إلى ~~البدل إلا لفضله؛ لا لكون الصلاة لم تتعين. وقد ثبت عنه في الصحاح تفضيل ~~مسجده والمسجد الحرام على المسجد الأقصى وفي السنن والمسند تفضيل المسجد ~~الحرام على مسجده وثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أنه ~~قال: " {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~ومسجدي هذا} " وفي لفظ لمسلم: " {إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد} ". فدل ذلك ~~على أن السفر إلى هذه الثلاثة بر وقربة وعمل صالح؛ ولهذا أذن له النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يذهب إلى الأقصى مع أمره له أن يصلي في المسجد الحرام ~~وإخباره أن ذلك يجزيه فدل ذلك على أنه أمر ندب وأنه مخير بين أن يفعل عين ~~المنذور وأن يفعل ما هو أفضل منه. ومعلوم أن النذر يوجب عليه ما نذره لله ~~تعالى من الطاعة؛ لقوله: {من نذر أن يطيع الله فليطعه} وهو أمر أوجبه هو ~~على نفسه لم يجب بالشرع ابتداء # PageV31P247 # ثم إن الشارع بين أن البدل الأفضل يقوم مقام هذا والأضحية والهدي المعين ~~وجوبه من جنس وجوب النذر المعين. فدل ذلك على أن إبداله بخير منه أفضل من ~~ذبحه بعينه: كالواجب بالشرع في الذمة؛ كما لو وجب عليه بنت مخاض فأدى بنت ~~لبون؛ أو وجب عليه بنت لبون فأدى حقة وفي ذلك حديث في السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يبين أنه إذا أدى أفضل مما وجب عليه أجزأه رواه أبو داود في ~~السنن وغيره. قال أبو داود: ثنا محمد بن منصور ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ~~أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله ms9137 بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمارة بن عمرو بن حزم عن {أبي بن كعب قال: بعثني ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه ~~فيه إلا بنت مخاض فقلت له أد بنت مخاض؛ فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن ~~فيه ولا ظهر؛ ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها. فقلت له: ما أنا بآخذ ~~ما لم أومر به وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب فإن أحببت أن ~~تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك ~~رددته. قال. فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ من صدقة ~~مالي وايم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسوله قط ~~قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما علي إلا بنت مخاض وذلك # PageV31P248 # ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى علي ~~وها هي هذه قد جئتك بها يا رسول الله. خذها فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك قال: ~~فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة} وما في هذا الحديث من إجزاء سن ~~أعلى من الواجب مذهب عامة أهل العلم الفقهاء المشهورين وغيرهم. فقد ثبت أن ~~إبدال الواجب بخير منه جائز بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع وبإيجاب العبد. ~~ولا فرق بين الواجب في الذمة وما أوجبه معينا فإنما وجب في الذمة وإن كان ~~مطلقا من وجه فإنه مخصوص متميز عن غيره ولهذا لم يكن له إبداله بدونه بلا ~~ريب. وعلى هذا فلو نذر أن يقف شيئا ms9138 فوقف خيرا منه كان أفضل فلو نذر أن يبني ~~لله مسجدا وصفه أو يقف وقفا وصفه. فبنى مسجدا خيرا منه ووقف وقفا خيرا منه ~~كان أفضل. ولو عينه فقال: لله علي أن أبني هذه الدار مسجدا أو وقفها على ~~الفقراء والمساكين. فبنى خيرا منها ووقف خيرا منها. كان أفضل: كالذي نذر ~~الصلاة بالمسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام أو كانت عليه بنت مخاض فأدى ~~خيرا منها. # وقد تنازع الفقهاء في الواجب المقدر إذا زاده: كصدقة الفطر إذا أخرج أكثر ~~من صاع. فجوزه أكثرهم وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد # PageV31P249 # وغيرهم. وروي عن مالك كراهة ذلك. وأما الزيادة في الصفة فاتفقوا عليها ~~والصحيح جواز الأمرين؛ لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} وقد ثبت ~~باتفاق أهل العلم - وهو في كتب الحديث الصحاح وغيرها وكتب التفسير والفقه - ~~أن الله لما أوجب رمضان كان المقيم مخيرا بين الصوم وبين أن يطعم كل يوم ~~مسكينا. فكان الواجب هو إطعام المسكين وندب سبحانه إلى إطعام أكثر من ذلك ~~فقال تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير ~~له} ثم قال: {وأن تصوموا خير لكم} فلما كانوا مخيرين كانوا على ثلاث درجات: ~~أعلاها الصوم ويليه أن يطعم في كل يوم أكثر من مسكين وأدناها أن يقتصر على ~~إطعام مسكين. ثم إن الله حتم الصوم بعد ذلك وأسقط التخيير في الثلاثة. # فإن قيل: ففي سنن أبي داود: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي. ثنا محمد بن ~~سلمة عن أبي عبد الرحيم عن جهم بن الجارود عن سالم بن عبد الله عن أبيه: ~~قال {أهدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نجيبة فأعطى بها ثلاثمائة دينار؛ ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أهديت نجيبة فأعطيت ~~بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: لا. انحرها إياها} ~~فقد نهاه عن بيعها وأن يشتري بثمنها بدنا؟ # PageV31P250 # قيل: ms9139 هذه القضية - بتقدير صحتها - قضية معينة؛ ليس فيها لفظ عام يقتضي ~~النهي عن الإبدال مطلقا ونحن لم نجوز الإبدال مطلقا. ولا يجوزه أحد من أهل ~~العلم بدون الأصل وليس في هذا الحديث أن البدل كان خيرا من الأصل؛ بل ظاهره ~~أنها كانت أفضل. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {سئل: ~~أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها} وقد قال تعالى: {ومن ~~يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} وقد قيل: من تعظيمها استحسانها ~~واستسمانها والمغالاة في أثمانها. وهذه النجيبة كانت نفيسة؛ ولهذا بذل فيها ~~ثمن كثير فكان إهداؤها إلى الله أفضل من أن يهدى بثمنها عدد دونها والملك ~~العظيم قد يهدى له فرس نفيسة فتكون أحب إليه من عدة أفراس بثمنها فالفضل ~~ليس بكثرة العدد فقط بل قد قال الله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون} فما كان أحب إلى المرء إذا تقرب به إلى الله تعالى كان أفضل له من ~~غيره؛ وإن استويا في القيمة؛ فإن الهدية والأضحية عبادة بدنية ومالية؛ ليست ~~كالصدقة المحضة؛ بل إذا ذبح النفيس من ماله لله تعالى كان أحب إلى الله ~~تعالى. قال بعض السلف: لا يهدي أحدكم لله تعالى ما يستحي أن يهديه لكريمه. ~~وقد قال تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا ~~فيه} وقد قرب ابنا آدم قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. وقد ذكر ~~أن سبب ذلك أن أحدهما قرب نفيس ماله والآخر قرب الدون من ماله. والله أعلم. # PageV31P251 # وسئل شيخ الإسلام: # عن الواقف والناذر يوقف شيئا؛ ثم يرى غيره أحظ لموقوف عليه منه هل يجوز ~~إبداله؛ كما في الأضحية؟ # فأجاب: # وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه كما في إبدال الهدي: فهذا نوعان ~~أحدهما: أن الإبدال للحاجة مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه: ~~كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به للغزو فإنه يباع ويشترى بثمنه ~~ما يقوم مقامه والمسجد إذا خرب ما ms9140 حوله فتنقل آلته إلى مكان آخر. أو يباع ~~ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه: أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود ~~الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه. وإذا خرب ولم تمكن عمارته فتباع ~~العرصة ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز؛ فإن الأصل إذا لم ~~يحصل به المقصود قام بدله مقامه. والثاني الإبدال لمصلحة راجحة: مثل أن ~~يبدل الهدي بخير منه ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد ~~منه وبيع الأول: فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد ~~بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر؛ ~~وصار الأول سوقا للتمارين فهذا إبدال لعرصة المسجد. # PageV31P252 # وأما إبدال بنائه ببناء آخر؛ فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بناء غير بنائه الأول وزادا فيه؛ وكذلك المسجد الحرام فقد ثبت في ~~الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد ~~بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض؛ ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس ~~منه وبابا يخرج الناس منه} . فلولا المعارض الراجح لكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يغير بناء الكعبة. فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ ~~لأجل المصلحة الراجحة. وأما إبدال العرصة بعرصة أخرى: فهذا قد نص أحمد ~~وغيره على جوازه اتباعا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث فعل ذلك ~~عمر واشتهرت القضية ولم تنكر. وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه: مثل أن ~~يقف دارا أو حانوتا أو بستانا أو قرية يكون مغلها قليلا فيبدلها بما هو ~~أنفع للوقف: فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء: مثل أبي عبيد في ~~حرمويه قاضي مصر وحكم بذلك. وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى ~~عرصة للمصلحة؛ بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة بحيث يصير ~~المسجد سوقا فلأن يجوز إبدال المستغل بمستغل آخر أولى وأحرى. وهو قياس قوله ~~في إبدال الهدي بخير ms9141 منه. وقد نص على أن المسجد اللاصق بأرض إذا رفعوه ~~وبنوا تحته سقاية واختار ذلك الجيران: فعل ذلك. لكن من أصحابه من منع إبدال ~~المسجد والهدي والأرض الموقوفة وهو قول الشافعي وغيره؛ لكن النصوص والآثار ~~والقياس تقتضي جواز الإبدال للمصلحة. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV31P253 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن أوقف وقفا على الفقراء. وهو من كروم يحصل لأصحابها ضرر به. فهل يجوز ~~أن يرجع فيه ويقف غيره؟ وهل إذا فعل يكون الاثنان وقفا؟ # فأجاب: # إذا كان في ذلك ضرر كل الجيران جاز أن يناقل عنه ما يقوم مقامه ويعود ~~الأول ملكا والثاني وقفا كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسجد ~~الكوفة لما جعل مكانه مسجدا صار الأول سوقا للتمارين. # وسئل: # عن حوض سبيل وعليه وقف إسطبل وقد باعه الناظر ولم يشتر بثمنه شيئا من مدة ~~ست سنين. فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما بيعه بغير استبدال لما يقوم مقامه فلا ريب أنه لا يجوز. ~~وأما إذا باعه لتعطل نفعه واشترى بالثمن ما يقوم مقامه فهذا يجوز على ~~الصحيح في قولي العلماء وإن استبدل به خيرا منه مع وجود نفعه ففيه نزاع. ~~والله أعلم. # PageV31P254 # وسئل - رحمه الله -: # عن قرية بها عدة مساجد بعضها قد خرب لا تقام الصلاة إلا في واحد منها ~~ولها وقف عليها كلها: فهل تجب عمارة الخرب وإقامة الجماعة في مسجد ثان؟ وهل ~~يحل إغلاقها؟ # فأجاب: # نعم تجب عمارة المسجد إلى إقامة الصلاة فيه. وكذلك ترتيب إمام في مسجد ~~آخر يجب أن يفعل عند المصلحة والحاجة؛ ولا يحل إغلاق المساجد عما شرعت له. ~~وأما عند قلة أهل البقعة واكتفائهم بمسجد واحد مثل أن يكونوا حوله فلا يجب ~~تفريق شملهم في غير مسجدهم. # وسئل أيضا: # عن وقف كل جماعة توفي بعضهم وله شقيق وولد وللعلماء في ذلك خلاف مستفيض ~~في مثله: هل يخص الولد أم الأخ؟ فشهد قوم أنه يخص الولد دون الأخ بمقتضى ~~شرط الواقف مع عدم تحقيقهم الحد الموقوف؛ بحيث إنهم غيروا بعض ms9142 الحدود عما ~~هي عليه: فهل يجوز لهم ذلك؟ وهل للحاكم أن يحكم # PageV31P255 # بشهادتهم هذه من غير استفصال؟ وما الحكم في مجموع السؤال؟ أفتونا مفصلا ~~مأجورين. إن شاء الله تعالى # فأجاب: # الحمد لله، الشهادة في الوقف بالاستحقاق غير مقبولة وكذلك في الإرث من ~~الأمور الاجتهادية كطهارة الماء ونجاسته ولكن الشاهد يشهد بما يعلمه من ~~الشروط؛ ثم الحاكم يحكم في الشرط بموجب اجتهاده. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن وقف على رجل؛ ثم على أولاده فاقتسمه الفلاحون # ثم تناقل بعضهم حصته إلى جانب حصة شريكه فهل تنفسخ القسمة والمناقلة؟ # فأجاب: # لا تصح قسمة رقبة الوقف الموقوف على جهة واحدة؛ لكن تصح قسمة المنافع وهي ~~" المهايأة ". وإذا كانت مطلقة لم تكن لازمة؛ لا سيما إذا تغير الموقوف ~~فتجوز بغير هذه المهايأة. # وسئل: # عن بيعة بقرية ولها وقف وانقرض النصارى بتلك القرية وأسلم من بقي منهم. ~~فهل يجوز أن يتخذ مسجدا؟ # فأجاب: # نعم إذا لم يبق من أهل الذمة الذين استحقوا تلك أحد جاز أن يتخذ مسجدا؛ ~~لا سيما إن كانت ببر الشام فإنه فتح عنوة. # PageV31P256 # وسئل - رحمه الله -: # عن مسجد مجاور كنيسة مغلقة خراب سقط بعض جدرانها على باب المسجد وعلى ~~رحابه التي يتوصل منها وزال بعض الجدار الذي انهدم وسقط على جدار المسجد ~~ويخاف على المسلمين من وقعها ومن يصلي بالمسجد؟ وإذا آلت كلها للخراب هل ~~تهدم؟ # فأجاب: # نعم إذا خيف تضرر المسجد وإيذاء المصلين فيه وجب إزالة ما يخاف من الضرر ~~على المسجد وأهله. وإذا لم يزل إلا بالهدم هدمت؛ بل قد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {لا قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم} وإذا كانت هذه ~~في أرض فتحت عنوة وجب أن تزال ولا تترك مجاورة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن مسجد ليس له وقف وبجواره ساحة: هل يجوز أن تعمل سكنا للإمام أفتونا؟ # فأجاب: # يجوز ذلك والحالة هذه؛ فإن الساحة ليست من المسجد؛ كما ذكر. والله أعلم. # PageV31P257 # وسئل - رحمه الله -: # عمن هو في مسجد يأكل ms9143 وقفه. ولا يقوم بمصالحه. وللواقف أولاد محتاجون: فهل ~~لهم تغييره وإقامة غيره وأخذ الفائض عن مصلحة المسجد؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يقم بالواجب فإنه يغيره من له ولاية ذلك لمن يقوم ~~بالواجب إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب. وأما الفاضل عن مصلحة المسجد ~~فيجوز صرفه في مساجد أخر وفي المستحقين للصدقة من أقارب الواقف وجيران ~~المسجد. # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز أن يبني خارج المسجد من ريع الوقف مسكنا ليأوي فيه أهل المسجد ~~الذين يقومون بمصالحه؟ # فأجاب: # نعم، يجوز لهم أن يبنوا خارج المسجد من المساكن ما كان مصلحة لأهل ~~الاستحقاق لريع الوقف القائمين بمصلحته. # PageV31P258 # وسئل - رحمه الله -: # عن مسجد أعلاه طبقة وهو عتيق البناء وأن الطبقة لم يسكنها أحد ولم ينتفع ~~بها لكونها ساقطة وأنها ضرر على المسجد لثقلها عليه تخربه ولا له شيء يعمر ~~منه: فهل يجوز نقض الطبقة التي أعلاه أو يغلق ذلك المسجد؟ # فأجاب: # إذا كان نقض الطبقة مصلحة للمسجد فتنقض وتصرف الأنقاض في مصالح المسجد ~~وإن أمكن أن يشتري بها ما يوقف عليه أو يصرف في عمارته أو عمارة وقفه: فعل ~~ذلك. # وسئل: # عن رجل استأجر أرضا موقوفة وبنى عليها ما أراد؛ ثم أوقف ذلك البناء وشرط ~~أن يعطى الأجرة الموقوفة من ريع وقفه عليها وحكم الحاكم بصحة الوقف على ~~الشروط المذكورة في الوقف. فهل يجوز نقض ذلك أم لا؟ وإذا أراد الواقف نقض ~~الوقف بعد ثبوته ليدخل فيه عددا آخر بوقف ثان: هل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # إذا حكم الحاكم بصحة الوقف لم يجز فيه تغييره ولا تبديل شروطه. # PageV31P259 # وسئل: # عن وقف على الفقراء والمساكين وفيه أشجار زيتون وغيره يحمل بعض السنين ~~بثمر قليل؛ فإذا قطعت وبيعت يشترى بثمنها ملك يغل بأكثر منها: فهل للناظر ~~ذلك؟ وهل إذا طالبه بعض المستحقين للوقف يقطع الشجر ويبيعه ويقسم منه عليهم ~~فهل لهم ذلك؟ أم شراء الملك؟ وإذا تولى شخص فوجد من تقدمه غير شرط الواقف ~~فجهد في عمل شرط الواقف: فهل له أن يأخذ ما جرت ms9144 به العادة من الجامكية؛ ~~بكونه لم يقدر أن يعمل بما شرطه الواقف وهذا الناظر فقير لا مال له: فهل له ~~أن يأخذ من نسبة الفقراء ويكون نظره تبرعا بينوا لنا ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز بيع تلك الأشجار وأن يشترى بها ما يكون مغله أكثر؛ ~~فإن الشجر كالبناء وللناظر أن يغير صورة الوقف من صورة إلى صورة أصلح منها ~~كما غير الخلفاء الراشدون صورة المسجدين اللذين بالحرمين الشريفين وكما نقل ~~عمر بن الخطاب مسجد الكوفة من موضع إلى موضع وأمثال ذلك. ولا يقسم ثمن ~~الشجر بين الموجودين؛ لأن الشجر كالبناء لا يختص بثمنه الموجودون؛ وليس هو ~~بمنزلة الشجر والزرع والمنافع التي يختص كل أهل طبقة بما يؤخذ في زمنها ~~منها # PageV31P260 # وأما الناظر فعليه أن يعمل ما يقدر عليه من العمل الواجب ويأخذ لذلك ~~العمل ما يقابله فإن كان الواجب عشرة أجزاء من العوض المستحق أخذه وإن كان ~~يستحق الجميع على ما يعمله أخذ الجميع. وله أن يأخذ على فقره ما يأخذه ~~الفقير على فقره. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن تغيير صورة الوقف # فأجاب: # الحمد لله، أما ما خرج من ذلك عن حدود الوقف إلى طريق المسلمين وإلى حقوق ~~الجيران: فيجب إزالته بلا ريب. وأما ما خرج إلى الطريق النافذ فلا بد من ~~إزالته وأما إن كان خرج إلى ملك الغير فإن أذن فيه وإلا أزيل. وأما تغيير ~~صورة البناء من غير عدوان فينظر في ذلك إلى المصلحة فإن كانت هذه الصورة ~~أصلح للوقف وأهله أقرت. وإن كان إعادتها إلى ما كانت عليه أصلح أعيدت. وإن ~~كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف بنيت. فيتبع في صورة البناء مصلحة ~~الوقف ويدار مع المصلحة حيث كانت. وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين - كعمر ~~وعثمان - أنهما قد غيرا صورة الوقف للمصلحة بل فعل عمر بن الخطاب ما هو ~~أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم فصار سوق التمارين وبنى لهم مسجدا ~~في مكان آخر. والله أعلم. # PageV31P261 # و ### | سئل: # عمن ناصب على ms9145 أرض وقف # على أن للوقف ثلثي الشجر المنصوب وللعامل الثلث: فهل لمن بعده من النظار ~~بيع نصيب الوقف من الشجر؟ # فأجاب: # لا يجوز له بيع ذلك إلا لحاجة تقتضي ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة وقفت على ولديها دكاكين ودارا ثم بعد بنيها وبني أولادها يرجع ~~على وقف مدرسة نور الدين الشهيد وغيره من المصارف الشرعية ثم إن بعض قرائب ~~المرأة تعدى وتحيل وباع الوقف ثم إن الورثة حاكموا المشتري ورقم القاضي على ~~شهود الكتاب: وهو صحيح ثابت. فقام المشتري وأوقفها صدقة على خبز يصرف ~~للمساكين. وجعل الرئيس ناظرا على الصدقة: فهل يصح ذلك. وإذا علم الرئيس ~~العالم المتعبد أن هذا مغتصب: فهل يحل له أن يكون ناظرا عليه وما يكون؟ # فأجاب: # بيع الوقف الصحيح اللازم الذي يحصل به مقصود الوقف من الانتفاع لا يجوز ~~ولا يصح وقف المشتري له ولا يجوز للناظر على الوقف الثاني أن يصرفه إلى غير ~~المستحقين قبل ولا يتصرف فيه بغير مسوغ شرعي سواء تصرف بحكم النظر الباطل ~~أو بغير ذلك. والله أعلم. # PageV31P262 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل بنى حائطا في مقبرة المسلمين؛ يقصد أن يحوز نفعه لدفن موتاه فادعى ~~رجل أن له موتى تحت الحائط وما هو داخل الحائط: فهل يجوز له ذلك؟ # فأجاب: # ليس له أن يبني على مقبرة المسلمين حائطا ولا أن يحتجز من مقبرة المسلمين ~~ما يختص به دون سائر المستحقين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن حمام أكثرها وقف على الفقراء والمساكين والفقهاء وأن إنسانا له حمامات ~~بالقرب منها. وأنه احتال واشترى منها نصيبا وأخذ الرصاص الذي يخصه من ~~الحاصل وعطل الحمام وضار: فهل يلزمه العمارة أسوة الوقف أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس له أن يتصرف في الحمام المشتركة بغير إذن الشركاء ولا ~~بإذن الشارع ولا يستولي على شيء منها بغير إذن الشركاء ولا يقسم # PageV31P263 # بنفسه شيئا ويأخذ نصيبه منه سواء كان رصاصا أو غيره؛ ولا يغير بناء شيء ~~منها ولا يغير القدر ولا غيرها وهذا ms9146 كله باتفاق المسلمين. وليس له أن ~~يغلقها؛ بل يكري على جميع الشركاء إذا طلب بعضهم ذلك؛ وتقسم بينهم الأجرة. ~~وهذا مذهب جماهير العلماء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإذا احتاجت الحمام إلى ~~عمارة لا بد منها فعلى الشريك أن يعمر معهم في أصح قولي العلماء. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن قناة سبيل لها فايض ينزل على قناة الوسخ وقريب منها قناة طاهرة قليلة ~~الماء: فهل يجوز أن يساق ذلك الفائض إلى المطهرة. وهل يثاب فاعل ذلك؟ وهل ~~يجوز منعه؟ # فأجاب: # نعم، يجوز ذلك بإذن ولي الأمر ولا يجوز منع ذلك إذا لم يكن فيه مصلحة ~~شرعية ويثاب الساعي في ذلك. والله أعلم. # PageV31P264 # وسئل - رحمه الله -: (*) # عن الوقف الذي يشترى بعوضه ما يقوم مقامه، وذلك مثل الوقف الذي أتلفه ~~متلف فإنه يؤخذ منه عوضه يشتري به ما يقوم مقامه؛ فإن الوقف مضمون بالإتلاف ~~باتفاق العلماء ومضمون باليد. فلو غصبه غاصب تلف تحت يده العادية فإن عليه ~~ضمانه باتفاق العلماء؛ لكن قد تنازع بعضهم في بعض الأشياء هل تضمن بالغصب ~~كالعقار. وفي بعضها هل يصح وقفه كالمنقول؟ ولكن لم يتنازعوا أنه مضمون ~~بالإتلاف باليد كالأموال؛ بخلاف أم الولد؛ فإنهم وإن اتفقوا على أنها ~~مضمونة بالإتلاف: فقد تنازعوا هل تضمن باليد أو لا؟ فأكثرهم يقول: هي ~~مضمونة باليد: كمالك والشافعي وأحمد. وأما أبو حنيفة فيقول: لا تضمن باليد. ~~وضمان اليد هو ضمان العقد. كضمان البايع تسليم المبيع وسلامته من العيب ~~وأنه بيع بحق. وضمان دركه عليه بموجب العقد وإن لم يشترطه بلفظه. ومن أصول ~~الاشتراء ببدل الوقف: إذا تعطل نفع الوقف؛ فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم ~~مقامه: في مذهب أحمد وغيره. وهل يجوز مع كونه مغلا أن يبدل بخير منه؟ فيه ~~قولان في مذهبه. والجواز مذهب أبي ثور وغيره. PageV31P265 # والمقصود أنه حيث جاز البدل: هل يشترط أن يكون في الدرب أو البلد الذي ~~فيه الوقف الأول. أم يجوز أن يكون بغيره إذا كان ذلك أصلح لأهل الوقف: مثل ~~أن يكونوا مقيمين ببلد ms9147 غير بلد الوقف وإذا اشتري فيه البدل كان أنفع لهم؛ ~~لكثرة الريع ويسر التناول؟ فنقول: ما علمت أحدا اشترط أن يكون البدل في بلد ~~الوقف الأول؛ بل النصوص عند أحمد وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه ~~يقتضي أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة أهل الوقف؛ فإن أصله في هذا الباب مراعاة ~~مصلحة الوقف؛ بل أصله في عامة العقود اعتبار مصلحة الناس؛ فإن الله أمر ~~بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها. {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} وقال شعيب: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} وقال تعالى: {فمن ~~اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} {ألا إنهم هم المفسدون} . وقد جوز ~~أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة كما جوز تغييره للمصلحة. واحتج ~~بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد آخر ~~وصار المسجد الأول سوقا للتمارين. وجوز أحمد إذا خرب المكان أن ينقل المسجد ~~إلى قرية أخرى؛ بل ويجوز؛ في أظهر الروايتين عنه: أن يباع ذلك المسجد ويعمر ~~بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى. فاعتبر ~~المصلحة بجنس المسجد؛ وإن كان في # PageV31P266 # قرية غير القرية الأولى: إذ كان جنس المساجد مشتركة بين المسلمين والوقف ~~في قوم بعينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد؛ فإن الوقف على معينين ~~حق لهم لا يشركهم فيه غيرهم وغاية ما فيه أن يكون بعد انقضائهم لجهة عامة: ~~كالفقراء؛ والمساكين. فيكون كالمسجد. فإذا كان الوقف ببلدهم أصلح لهم كان ~~اشتراء البدل ببلدهم هو الذي ينبغي فعله لمتولي ذلك. وصار هذا كالفرس ~~الحبيس الذي يباع ويشترى بقيمته ما يقوم مقامه إذا كان محبوسا على ناس ببعض ~~الثغور ثم انتقلوا إلى ثغر آخر فشراء البدل بالثغر الذي هو فيه مضمون أولى ~~من شرائه بثغر آخر. وإن كان الفرس حبيسا ms9148 على جميع المسلمين فهو بمنزلة ~~الوقف على جهة عامة: كالمساجد والوقف على المساكين. ومما يبين هذا: أن ~~الوقف لو كان منقولا: كالنور والسلاح وكتب العلم؛ وهو وقف على ذرية رجل ~~بعينهم جاز أن يكون مقر الوقف حيث كانوا بل كان هذا هو المتعين؛ بخلاف ما ~~لو أوقف على أهل بلد بعينه. لكن إذا صار له عوض: هل يشتري به ما يقوم مقامه ~~إذا كان العوض منقولا؟ فأن يشتري بهذا العوض في بلد مقامهم أولى من أن ~~يشتري به في مكان العقار الأول إذا كان ذلك أصلح لهم؛ إذ ليس في تخصيص مكان ~~العقار # PageV31P267 # الأول مقصود شرعي ولا مصلحة لأهل الوقف. وما لم يأمر به الشارع ولا مصلحة ~~فيه للإنسان فليس بواجب ولا مستحب. فعلم أن تعيين المكان الأول ليس بواجب ~~ولا مستحب لمن يشتري بالعوض ما يقوم مقامه؛ بل العدول عن ذلك جائز. وقد ~~يكون مستحبا وقد يكون واجبا إذا تعينت المصلحة فيه. والله أعلم. # PageV31P268 ### | باب الهبة والعطية # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الصدقة والهدية أيهما أفضل؟ # فأجاب: # الحمد لله، " الصدقة " ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص ~~معين ولا طلب غرض من جهته؛ لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات. وأما " ~~الهدية " فيقصد بها إكرام شخص معين؛ إما لمحبة وإما لصداقة؛ وإما لطلب ~~حاجة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها فلا ~~يكون لأحد عليه منة ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم وهي ~~الصدقات ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره. وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلا ~~أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة: مثل الإهداء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حياته محبة له. ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه وأخ ~~له في الله: فهذا قد يكون أفضل من الصدقة. # PageV31P269 # وسئل: # عمن وهب أو أباح لرجل شيئا مجهولا: هل يصح؟ كما لو أباحه ثمر شجرة في ~~قابل؟ ولو أراد الرجوع هل يصح؟ # فأجاب: ms9149 # تنازع العلماء في هبة المجهول: فجوزه مالك حتى جوز أن يهب غيره ما ورثه ~~من فلان؛ وإن لم يعلم قدره وإن لم يعلم أثلث هو أم ربع؟ وكذلك إذا وهبه حصة ~~من دار ولا يعلم ما هو وكذلك يجوز هبة المعدوم كأن يهبه ثمر شجره هذا العام ~~أو عشرة أعوام؛ ولم يجوز ذلك الشافعي. وكذلك المعروف في مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد المنع من ذلك؛ لكن أحمد وغيره يجوز في الصلح على المجهول والإبراء ~~منه ما لا يجوزه الشافعي. وكذلك أبو حنيفة يجوز من ذلك ما لا يجوزه ~~الشافعي. فإن الشافعي يشترط العلم بمقدار المعقود عليه في عامة العقود حتى ~~عوض الخلع والصداق وفيما شرط على أهل الذمة. وأكثر العلماء يوسعون في ذلك. ~~وهو مذكور في موضعه. ومذهب مالك في هذا أرجح. وهذه المسألة متعلقة بأصل آخر ~~وهو: أن عقود المعاوضة كالبيع والنكاح والخلع: تلزم قبل القبض. فالقبض - ~~موجب العقد ومقتضاه - # PageV31P270 # ليس شرطا في لزومه. والتبرعات: كالهبة والعارية فمذهب أبي حنيفة والشافعي ~~أنها لا تلزم إلا بالقبض؛ وعند مالك تلزم بالعقد. وفي مذهب أحمد نزاع ~~كالنزاع في المعين: هل يلزم بالعقد أم لا بد من القبض؟ وفيه عنه روايتان. ~~وكذلك في بعض صور العارية. وما زال السلف يعيرون الشجرة ويمنحون المنايح؛ ~~وكذلك هبة الثمر واللبن الذي لم يوجد ويرون ذلك لازما ولكن هذا يشبه ~~العارية؛ لأن المقصود بالعقد يحدث شيئا بعد شيء كالمنفعة؛ ولهذا كان هذا ~~مما يستحقه الموقوف عليه كالمنافع؛ ولهذا تصح المعاملة بجزء من هذا: ~~كالمساقاة. وأما إباحة ذلك فلا نزاع بين العلماء فيه وسواء كان ما أباحه ~~معدوما أو موجودا معلوما أو مجهولا؛ لكن لا تكون الإباحة عقدا لازما ~~كالعارية عند من لا يجعل العارية عقدا لازما؛ كأبي حنيفة والشافعي. وأما ~~مالك فيجعل ذلك لازما إذا كان محدودا بشرط أو عرف وفي مذهب أحمد نزاع ~~وتفصيل. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة وهبت لزوجها كتابها ولم يكن لها أب سوى إخوة: فهل لهم أن ~~يمنعوها ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله ms9150 رب العالمين، ليس لإخوتها عليها ولاية ولا حجر؛ فإن كانت ممن ~~يجوز تبرعها في مالها صحت هبتها سواء رضوا أو لم يرضوا. والله أعلم. # PageV31P271 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة لها أولاد غير أشقاء فخصصت أحد الأولاد وتصدقت عليه بحصة من ~~ملكها دون بقية إخوته ثم توفيت المذكورة وهي مقيمة بالمكان المتصدق به: فهل ~~تصح الصدقة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يقبضها حتى ماتت بطلت الهبة في المشهور من مذهب الأئمة ~~الأربعة. وإن أقبضته إياه لم يجز على الصحيح أن يختص به الموهوب له؛ بل ~~يكون مشتركا بينه وبين إخوته. والله أعلم. # وقال: # فصل: # وأما العقود التي يشترط القبض في لزومها واستقرارها: كالصدقة والهبة ~~والرهن والوقف - عند من يقول إن القبض شرط في لزومه - فهذا أيضا يصح في ~~المشاع عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد ولم يجوزها أبو حنيفة. ~~قال: لأن القبض شرط فيها وقبضها غير ممكن قبل القسمة وأما الجمهور فقالوا ~~تقبض في هذه العقود كما تقبض في البيع وإن كان القبض من موجب البيع ليس ~~شرطا في صحته ولا لزومه. ويقبض ما لا ينقسم؛ فإنهم اتفقوا على جواز هبته ~~مشاعا؛ لتعذر القسمة فيه. # PageV31P272 # ثم إذا وهب المشاع الذي تصح هبته بالاتفاق: كالذي لا ينقسم والمتنازع فيه ~~عند من يجوز هبته: كمالك والشافعي وأحمد وقبض ذلك قبض مثله وحازه الموهوب ~~له والمتصدق عليه: لزم بذلك باتفاق المسلمين: يتصرف فيه بأنواع التصرفات ~~الجائزة في المشاع. فإن شاء أن يبيعه أو يهبه وإن شاء تهايآ هو والمتهب فيه ~~بالمكان أو بالزمان. وإن شاءا أكرياه جميعا؛ كما يفعل ذلك كل شريكين للشقص ~~مع مالك الشقص الذي لم يوهب. وإن تصرف فيه بالمساكنة للمتهب مهايأة أو غير ~~مهايأة لا ينقص الهبة ولا يبطلها. ومن قال غير ذلك فقد خرق إجماع المسلمين. ~~وما فعله الفقهاء من أصحاب مالك في كتبهم: من اشتراط الخيار وأن بقاءه في ~~يد الواهب: بإكراء أو استعارة أو غيرها يبطل الحيازة وأن حيازة المتهب له ~~ثم عوده إلى الواهب ms9151 في الزمن القريب يبطل حيازته وفي الزمن الطويل كالسنة ~~نزاع وأنه إذا مرض أو أفلس قبل الحيازة بطلت ونحو ذلك. ومثل تنازعهم: هل ~~يجبر على الإقباض أم لا؟ وعند أبي حنيفة والشافعي لا يجبر وعند مالك يجبر ~~وعند أحمد في الغبن روايتان. وأمثال هذه المسائل: فهذا كله في نفس الموهوب ~~المفرد والمشاع فأما النصف الباقي على ملك الواهب فهم متفقون - اتفاقا ~~معلوما عند علماء الشريعة بالاضطرار من دين الإسلام - أن تصرف المالك فيه ~~لا يبطل ما وقع من الهبة والحيازة السابقة في النصيب. ومتفقون على أن هذين ~~الشريكين يتصرفان كتصرف الشركاء. ومن توهم من المتفقهة أنه # PageV31P273 # بعد إقباض النصيب المشاع إذا تساكنا في الدار فسكن هذا في النصف الباقي ~~له وهذا في النصف الآخر - مهايأة أو غير مهايأة - أن ذلك ينقض الهبة - كما ~~لو كان السكنى في نفس الموهوب كما يقوله مالك في ذلك - فقد خرق إجماع ~~المسلمين وهو من أبعد الناس عن مذاق الفقه ومعرفة الشريعة. فإن هذا لو كان ~~صحيحا لكان الواهب للمشاع يتعطل انتفاعه بما بقي له وكان بمنزلة واهب ~~الجميع؛ ولأن الفقهاء إنما ذكروا ذلك في الموهوب؛ لأن بقاء يد الواهب عليه ~~وعوده إليه في المدة اليسيرة يمتنع معها الحوز في العادة؛ وربما كان ذلك ~~ذريعة إلى الهبة من غير حوز فيظهر سكناها بطريق العارية حيلة؛ ولهذا روي عن ~~عثمان رضي الله عنه - أنه قال: ما بال أقوام يعطي أحدهم ولده العطية؛ فإن ~~مات ولده قال: مالي وفي يدي؛ وإن مات هو قال: كنت وهبته؛ لا يثبت من الهبة ~~إلا ما حازه الولد من مال والده. ثم سألوه عن الصغير فقال حوز والده حوز ~~له. وبهذا أخذ مالك وغيره. وهذا ظاهر في نفس الأمر مفردا كان أو مشاعا. ~~فأما النصيب الآخر الذي لم يوهب: فهو بمنزلة عين أخرى لم توهب: يتصرف تصرف ~~الشريك بحيث لو احتاج إلى عمارة أجبر على ذلك عند أحمد ومالك في ظاهر مذهبه ~~وبحيث تجب فيه الشفعة. وإذا كان قسمة عينه يمكن ms9152 قسم إن كان قابلا للقسمة. ~~وإن لم يقبلها: فهل يجبر على البيع إذا طلبه الآخر ليقتسما الثمن؟ فيه ~~قولان للعلماء. والإجبار قول مالك وأبي حنيفة وأحمد. وعدمه قول # PageV31P274 # الشافعي. وهذا واضح على من له في الفقه بالشريعة أدنى إلمام إذا كان يفهم ~~مأخذ الفقهاء؛ ولكن من لم يميز إذا رأى ما ذكروه من الفروع في الموهوب وخيل ~~إليه أن هذا فيه وفي النصيب الآخر: كان هذا بعيدا من التميز في الأحكام ~~الشرعية والمسائل الفقهية وليست هذه المسألة مما تقبل النزاع والخلاف أصلا ~~ومن العجب أنهم يطلبون النقل في هذه المسألة من " كتاب الهبة والصدقة " ~~ونحو ذلك؛ وليس هذا موضعها؛ وإنما موضعها " كتاب الشركة والقسمة " ونحو ~~ذلك؛ فإن السؤال إنما وقع عن التصرف في الشقص الباقي لم يقع في النصيب ~~الموهوب وإن تخيل متخيل أن التساكت يقتضي ثبوت يد كل منهما على الجميع. قيل ~~له: فحينئذ تكون يد كل من الشريكين على جميع المشترك وإن صح هذا لم يصح يد ~~المشترك بحال فإن أبا حنيفة إنما قاله فيما يقبل القسمة ثم إذا قدر أن يد ~~الشريك على الجميع فهذه لا تمنع الحيازة المعتبرة في المشاع؛ فإنه إذا وهب ~~شقصا من عين فإنما عليه أن يقبض الموهوب فقط مع بقاء يده على ما لم يهبه؛ ~~سواء قيل: إن بقاء يده على نصيبه يعم الجميع أو لا يعم. فعلم أن استيلاء ~~الشريك الواهب على نصيبه وتصرفه فيه لا يمنع الحوز ابتداء ولا يمنعه دواما ~~باتفاق المسلمين. # وسئل: # عمن وهب ربع مكان فتبين أقل من ذلك هل تبطل الهبة؟ # فأجاب: # لا تبطل. # PageV31P275 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له بنتان ومطلقة حامل وكتب لابنتيه ألفي دينار وأربع أملاك ثم بعد ~~ذلك ولد للمطلقة ولد ذكر ولم يكتب له شيئا ثم بعد ذلك توفي الوالد وخلف ~~موجودا خارجا عما كتبه لبنتيه وقسم الموجود بينهم على حكم الفريضة الشرعية: ~~فهل يفسخ ما كتب للبنات أم لا؟ # فأجاب: # هذه المسألة فيها نزاع بين أهل العلم: إن كان قد ms9153 ملك البنات تمليكا تاما ~~مقبوضا. فإما أن يكون كتب لهن في ذمته ألفي دينار من غير إقباض أو أعطاهن ~~شيئا ولم يقبضه لهن: فهذا العقد مفسوخ ويقسم الجميع بين الذكر والأنثيين. ~~وأما مع حصول القبض: ففيه نزاع. وقد روي أن سعد بن عبادة قسم ماله بين ~~أولاده فلما مات ولد له حمل فأمر أبو بكر وعمر أن يعطى الحمل نصيبه من ~~الميراث فلهذا ينبغي أن يفعل بهذا كذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم} وقال: {إني لا أشهد على جور} لمن أراد ~~تخصيص بعض أولاده بالعطية. وعلى البنات أن يتقين الله ويعطين الابن حقه. # PageV31P276 # {وقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي خصص بعض أولاده: أشهد على هذا غيري} ~~تهديدا له؛ فإنه قال: " اردده " وقد رده ذلك الرجل. وأما إذا وصى لهن بعد ~~موته فهي غير لازمة باتفاق العلماء. والصحيح من قولي العلماء أن هذا الذي ~~خص بناته بالعطية دون حمله يجب عليه أن يرد ذلك في حياته كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإن مات ولم يرده رد بعد موته على أصح القولين أيضا؛ طاعة ~~لله ولرسوله واتباعا للعدل الذي أمر به؛ واقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما. ولا يحل للذي فضل أن يأخذ الفضل؛ بل عليه أن يقاسم إخوته في جميع ~~المال بالعدل الذي أمر الله به. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل: # عن رجل له جارية فأذن لولده أن يستمتع بالجارية المذكورة ويطأها ولم يصدر ~~منه تمليك له بالجارية ولا هبة ولا غير ذلك وأن الجارية حصل لها ولد من ولد ~~مالك الجارية المذكورة. فهل يكون الإذن في الاستمتاع والوطء تمليكا للولد؟ ~~وهل يكون الولد حرا وتكون الجارية أم ولد لولد مالك الجارية فيحرم بيعها ~~للمالك والد الصبي الآذن لولده في استمتاعها ووطئها؟ # الجواب: # الحمد لله، هذه المسألة تبنى على أصلين أحدهما صفة العقود. ومذهب مالك ~~وأحمد في المشهور من مذهبه وغيرهما أن البيع والهبة والإجارة لا تفتقر إلى ~~صيغة؛ بل ms9154 يثبت ذلك # PageV31P277 # بالمعاطاة فما عده الناس بيعا أو هبة أو إجارة فهو كذلك. ومذهب الشافعي ~~المشهور اعتبار الصيغة؛ إلا في مواضع مستثناة. وحيث كان ذلك بالصيغة فليس ~~لذلك عند الجمهور صيغة محدودة في الشرع؛ بل المرجع في الصيغة المفيدة لذلك ~~إلى عرف الخطاب. وهذا مذهب الجمهور؛ ولذلك صححوا الهبة بمثل قوله: أعمرتك ~~هذه الدار وأطعمتك هذا الطعام وحملتك على هذه الدابة ونحو ذلك مما يفهم منه ~~أهل الخطاب به الهبة. وتجهيز المرأة بجهازها إلى بيت زوجها تمليك كما أفتى ~~به أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما وذلك أن الله ذكر البيع والإجارة والعطية ~~مطلقا في كتابه؛ ليس لها حد في اللغة ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف. ~~والمقصود بالخطاب إفهام المعاني فأي لفظ دل عليه مقصود العقد انعقد به. ~~وعلى هذا قاعدة الناس إذا اشترى أحد لابنه أمة وقال: خذها لك استمتع بها ~~ونحو ذلك كان هذا تمليكا عندهم. وأيضا: فمن كان يعلم أن الأمة لا توطأ إلا ~~بملك إذا أذن لابنه في الاستمتاع بها لا يكون مقصوده إلا تمليكها؛ فإن كان ~~قد حصل ما يدل على التمليك على قول جمهور العلماء - وهو أصح قوليهم - كان ~~الابن واطئا في ملكه وولده حر لاحق النسب والأمة أم ولد له لا تباع ولا ~~توهب ولا تورث. وأما إن قدر أن الأب لم يصدر منه تمليك بحال واعتقد الابن ~~أنه قد ملكها: كان ولده أيضا حرا ونسبه لاحق ولا حد عليه. وإن # PageV31P278 # اعتقد الابن أيضا أنه لم يملكها ولكن وطئها بالإذن: فهذا ينبني على " ~~الأصل الثاني ". فإن العلماء اختلفوا فيمن وطئ أمة غيره بإذنه. قال: مالك ~~يملكها بالقيمة حبلت أو لم تحبل. وقال الثلاثة: لا يملكها بذلك. فعلى قول ~~مالك: هي أيضا ملك للولد وأم ولد له وولده حر. وعلى قول الثلاثة الأمة لا ~~تصير أم ولد؛ لكن الولد هل يصير حرا مثل أن يطأ جارية امرأته بإذنها؟ فيه ~~عن أحمد روايتان: " إحداهما " لا يكون حرا وهذا مذهب أبي حنيفة؛ وإن ظن ~~أنها حلال ms9155 له. " الثاني " أن الولد يكون حرا؛ وهذا هو الصحيح إذا ظن الواطئ ~~أنها حلال فهو المنصوص عن الشافعي وأحمد في المرتهن فإذا وطئ الأمة ~~المرهونة بإذن الراهن وظن أن ذلك جائز؛ فإن ولده ينعقد حرا؛ لأجل الشبهة؛ ~~فإن شبه الاعتقاد أو الملك يسقط الحد باتفاق الأئمة. فكذلك يؤثر في حرية ~~الولد ونسبه؛ كما لو وطئها في نكاح فاسد أو ملك فاسد؛ فإن الولد يكون حرا ~~باتفاق الأئمة. وأبو حنيفة يخالفهما في هذا ويقول: الولد مملوك. وأما مالك ~~فعنده أن الواطئ قد ملك الجارية بالوطء المأذون فيه. وهل على هذا الواطئ ~~بالإذن قيمة الولد؟ فيه قولان للشافعي " أحدهما " وهو المنصوص عن أحمد أنه ~~لا تلزمه قيمته؛ لأنه وطئ بإذن المالك فهو كما لو أتلف ماله بإذنه. " ~~والثاني " تلزمه قيمته وهو قول بعض # PageV31P279 # أصحاب أحمد. ومن أصحاب الشافعي من زعم أن هذا مذهبه قولا واحدا. وأما ~~المهر فلا يلزمه في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. وللشافعي فيه قولان " أحدهما ~~": يلزمه كما هو مذهب أبي حنيفة. وكل موضع لا تصير الأمة أم ولد فإنه يجوز ~~بيعها. # وسئل: # عن امرأة تصدقت على ولدها في حال صحتها وسلامتها بحصة من كل ما يحتمل ~~القسمة من مدة تزيد كل عشر سنين وماتت المتصدقة ثم تصدق المتصدق عليه بجميع ~~ما تصدقت به والدته عليه على ولده في حياته وثبت ذلك جميعه بعد وفاة ~~المتصدقة الأولى عند بعض القضاة وحكم به: فهل لبقية الورثة أن تبطل ذلك ~~بحكم استمراره بالسكنى بعد تسليمه لولدها المتصدق عليه أم لا؟ # فأجاب - رحمه الله -: # إذا كانت هذه الصدقة لم تخرج عن يد المتصدق حتى مات بطلت باتفاق الأئمة ~~في أقوالهم المشهورة. وإذا أثبت الحاكم ذلك لم يكن إثباته لذلك العقد موجبا ~~لصحته. وأما الحكم بصحته وله ورثة والحالة هذه فلا يفعل ذلك حاكم عالم؛ إلا ~~أن تكون القضية ليست على هذه الصفة فلا يكون حينئذ حاكما. وأما أن تكون ~~الصدقة قد أخرجها المتصدق # PageV31P280 # عن يده إلى من تصدق عليه وسلمها التسليم الشرعي: فهذه ms9156 مسألة معروفة عند ~~العلماء فإن لم يكن المعطي أعطى بقية الأولاد مثل ذلك وإلا وجب عليه أن يرد ~~ذلك أو يعطي الباقين مثل ذلك؛ لما ثبت في الصحيح {عن النعمان بن بشير قال: ~~نحلني أبي غلاما فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: إني نحلت ابني غلاما ~~وإن أمه قالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لك ولد ~~غيره؟ قلت: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قلت: لا. قال: أشهد على ~~هذا غيري} وفي رواية {لا تشهدني؛ فإني لا أشهد على جور واتقوا الله واعدلوا ~~بين أولادكم. اردده} فرده. والله أعلم. # وسئل: # عن دار لرجل وأنه تصدق منها بالنصف والربع على ولده لصلبه والباقي وهو ~~الربع تصدق به على أخته شقيقته ثم بعد ذلك توفي ولده الذي كان تصدق عليه ~~بالنصف والربع ثم إن المتصدق تصدق بجميع الدار على ابنته: فهل تصح الصدقة ~~الأخيرة ويبطل ما تصدق به أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان قد ملك أخته الربع تمليكا مقبوضا وملك ابنه الثلاثة أرباع: فملك ~~الأخت ينتقل إلى ورثتها؛ لا إلى البنت وليس للمالك أن ينقله إلى ابنته. ~~والله أعلم. # PageV31P281 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة ماتت ولها أب وأم وزوج وهي رشيدة. وقد أخذ أبوها القماش. ولم ~~يعط الورثة شيئا؟ # فأجاب: # لا يقبل منه ذلك؛ بل ما كان في يدها من المال فهو لها ينتقل إلى ورثتها. ~~وإن كان هو اشتراه وجهزها به على الوجه المعتاد في الجهاز فهو تمليك لها. ~~فليس له الرجوع بعد موتها. # وسئل: # هل لمن أهدي كلب صيد فأهدى للمهدى عوضا هل له أكل هذه الهدية؟ # فأجاب: # إذا أعطى الكلب المعلم ولم يكن من نيته أن يأخذ عوضا ولا قصد بالهدية ~~الثواب؛ بل إكراما للمهدى إليه ثم إن المهدى إليه أعطاه شيئا فلا بأس. # PageV31P282 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عما إذا وهب لإنسان شيئا ثم رجع ms9157 فيه: هل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس لواهب أن ~~يرجع في هبته؛ إلا الوالد فيما وهبه لولده} . وهذا مذهب الشافعي ومالك ~~وأحمد وغيرهم؛ إلا أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة: مثل من يعطي رجلا عطية ~~ليعاوضه عليها أو يقضي له حاجة: فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظا أو ~~عرفا فله أن يرجع في هبته أو قدرها. والله أعلم. # وسئل: # عن الرجل يهب الرجل شيئا: إما ابتداء؛ أو يكون دينا عليه ثم يحصل بينهما ~~شنآن فيرجع في هبته: فهل له ذلك؟ وإذا أنكر الهبة وحلف الموهوب له أنه لا ~~يستحق الواهب في ذمته شيئا: هل يحنث أم لا؟ # PageV31P283 # فأجاب: # الحمد لله، ليس لواهب أن يرجع في هبته غير الوالد؛ إلا أن تكون الهبة على ~~جهة المعاوضة لفظا أو عرفا فإذا كانت لأجل عوض ولم يحصل فللواهب الرجوع ~~فيها. والله أعلم. # وسئل: # عمن وهب لابنه هبة ثم تصرف فيها وادعى أنها ملكه: فهل يتضمن هذا الرجوع ~~في الهبة أم لا؟ # فأجاب: # نعم يتضمن ذلك الرجوع. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل وهب لإنسان فرسا ثم بعد ذلك بمدة طلب الواهب منه أجرتها فقال له: ~~ما أقدر على شيء؛ وإلا فرسك خذها. قال الواهب: ما آخذها إلا أن تعطيني ~~أجرتها: فهل يجوز ذلك وتجوز له أجرة أم لا؟ # فأجاب: # إذا أعاد إليه العين الموهوبة فلا شيء له غير ذلك وليس له المطالبة ~~بأجرتها ولا مطالبته بالضمان؛ فإنه كان ضامنا لها وكان يطعمها بانتفاعه بها ~~مقابلة لذلك. # PageV31P284 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قدم لأمير مملوكا على سبيل التعويض المعروف بين الناس من غير ~~مبايعة فمكث الغلام عند الأمير مدة سنة يخدمه ثم مات الأمير: فهل لصاحب ~~المملوك التعلق على ورثة الأمير بوجه: بثمن أو أجرة خدمة أو بحال من ~~الأحوال؟ # فأجاب: # نعم إذا وهبه بشرط الثواب لفظا أو عرفا فله أن يرجع في الموهوب ما لم ~~يحصل له الثواب الذي استحقه إذا ms9158 كان الموهوب باقيا؛ وإن كان تالفا فله ~~قيمته أو الثواب. والثواب هنا هو العوض المشروط على الموهوب. # وسئل: # عن رجل أهدى الأمير هدية لطلب حاجة؛ أو التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده ~~أو ما أشبه ذلك: فهل يجوز أخذ هذه الهدية على هذه الصورة أم لا؟ وإن أخذ ~~الهدية انبعثت النفس إلى قضاء الشغل وإن لم يأخذ لم تنبعث النفس في قضاء ~~الشغل: فهل يجوز أخذها وقضاء شغله أو لا يأخذ ولا يقضي؟ # PageV31P285 # ورجل مسموع القول عند مخدومه إذا أعطوه شيئا للأكل أو هدية لغير قضاء ~~حاجة: فهل يجوز أخذها؟ وإن ردها على المهدي انكسر خاطره: فهل يحل أخذ هذا ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، في سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~{من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب ~~الربا} وسئل ابن مسعود عن السحت؟ فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك ~~هدية فتقبلها. فقال له: أرأيت إن كانت هدية في باطل؟ فقال ذلك كفر {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولهذا قال العلماء: إن من أهدى ~~هدية لولي أمر ليفعل معه ما لا يجوز كان حراما على المهدي والمهدى إليه. ~~وهذه من الرشوة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم {لعن الله الراشي ~~والمرتشي} والرشوة تسمى " البرطيل ". " والبرطيل " في اللغة: هو الحجر ~~المستطيل فاه. فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب: ~~كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه كما {كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ~~نارا قيل يا رسول الله فلم تعطيهم قال؟ يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي ~~البخل} ومثل ذلك إعطاء من أعتق وكتم عتقه أو أسر خبرا أو كان ظالما للناس ~~فإعطاء هؤلاء: جائز للمعطي حرام عليهم أخذه. وأما الهدية في الشفاعة: # PageV31P286 # مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع عنه ms9159 مظلمة أو يوصل إليه حقه أو يوليه ~~ولاية يستحقها أو يستخدمه في الجند المقاتلة - وهو مستحق لذلك - أو يعطيه ~~من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القراء أو النساك أو غيرهم - ~~وهو من أهل الاستحقاق. ونحو هذه الشفاعة التي فيها إعانة على فعل واجب أو ~~ترك محرم: فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهدية ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ~~ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه. هذا هو المنقول عن السلف ~~والأئمة الأكابر. وقد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك وجعل هذا من " ~~باب الجعالة " وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة: فهو غلط؛ لأن مثل ~~هذا العمل هو من المصالح العامة التي يكون القيام بها فرضا؛ إما على ~~الأعيان؛ وإما على الكفاية ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن يكون ~~الولاية وإعطاء أموال الفيء والصدقات وغيرها لمن يبذل في ذلك ولزم أن يكون ~~كف الظلم عمن يبذل في ذلك والذي لا يبذل لا يولى ولا يعطى ولا يكف عنه ~~الظلم وإن كان أحق وأنفع للمسلمين من هذا. والمنفعة في هذا ليست لهذا ~~الباذل حتى يؤخذ منه الجعل على الآبق والشارد. وإنما المنفعة لعموم الناس: ~~أعني المسلمين؛ فإنه يجب أن يولي في كل مرتبة أصلح من يقدر عليها وأن يرزق ~~من رزق المقاتلة والأئمة والمؤذنين وأهل العلم الذين هم أحق الناس وأنفعهم ~~للمسلمين. وهذا واجب على الإمام وعلى الأمة أن يعاونوه على ذلك فأخذ جعل من ~~شخص معين على ذلك يفضي إلى أن تطلب هذه # PageV31P287 # الأمور بالعوض ونفس طلب الولايات منهي عنه فكيف بالعوض؟ ولزم أن من كان ~~ممكنا فيها يولى ويعطى وإن كان غيره أحق وأولى؛ بل يلزم تولية الجاهل ~~والفاسق والفاجر وترك العالم العادل القادر؛ وأن يرزق في ديوان المقاتلة ~~الفاسق والجبان العاجز عن القتال وترك العدل الشجاع النافع للمسلمين. وفساد ~~مثل هذا كثير. وإذا أخذ وشفع لمن لا يستحق وغيره أولى فليس له أن يأخذ ولا ~~يشفع؛ وتركهما خير. وإذا ms9160 أخذ وشفع لمن هو الأحق الأولى وترك من لا يستحق ~~فحينئذ ترك الشفاعة والأخذ أضر من الشفاعة لمن لا يستحق. ويقال لهذا الشافع ~~الذي له الحاجة التي تقبل بها الشفاعة: يجب عليك أن تكون ناصحا لله ورسوله ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم. ولو لم يكن لك هذا الجاه والمال فكيف إذا كان لك ~~هذا الجاه والمال فأنت عليك أن تنصح المشفوع إليه فتبين له من يستحق ~~الولاية والاستخدام والعطاء. ومن لا يستحق ذلك؛ وتنصح للمسلمين بفعل مثل ~~ذلك وتنصح لله ولرسوله بطاعته؛ فإن هذا من أعظم طاعته وتنفع هذا المستحق ~~بمعاونته على ذلك كما عليك أن تصلي وتصوم وتجاهد في سبيل الله. وأما الرجل ~~المسموع الكلام فإذا أكل قدرا زائدا عن الضيافة الشرعية فلا بد له أن يكافئ ~~المطعم بمثل ذلك أو لا يأكل القدر الزائد؛ وإلا فقبوله الضيافة الزائدة مثل ~~قبوله للهدية؛ وهو من جنس الشاهد والشافع إذا أدى الشهادة وقام بالشفاعة؛ ~~لضيافة أو جعل فإن هذا من أسباب الفساد. والله أعلم. # PageV31P288 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قدم لبعض الأكابر غلاما والعادة جارية أنه إذا قدم يعطى ثمنه أو ~~نظير الثمن فلم يعط شيئا وتزوج وجاءه أولاد وتوفي: فهل أولاده أحرار أم لا؟ ~~وهل يرث أولاد مالك الأصل صاحب العهدة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانت العادة الجارية بالتعويض وأعطاه على هذا الشرط فإنه ~~يستحق أحد الأمرين: إما التعويض وإما الرجوع في الموهوب. وأما المملوك فإنه ~~إذا لم يعتقه الموهوب له فإنه يكون باقيا على ملكه. وأما أولاده فيتبعون ~~أمهم فإن كانت حرة فهم أحرار وإن كانت مملوكة فهم ملك لمالكها؛ لا لمالك ~~الأب؛ إذ الأولاد في المذاهب الأربعة وغيرها يتبعون أمهم في الحرية والرق ~~ويتبعون أباهم في النسب والولاء. وإذا لم يرجع الواهب حتى فات الرجوع فله ~~أن يطالب الموهوب له بالتعويض إن كان حيا وفي تركته إن كان ميتا: كسائر ~~الديون. وإن كان قد عتق وله أولاد من حرة فهم أحرار. # PageV31P289 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل ms9161 اشترى عبدا ووهبه شيئا حتى أثرى العبد ثم ظهر أن العبد كان حرا: ~~فهل يأخذ منه ما وهبه ظنا منه أنه عبد؟ # فأجاب: # نعم له أخذه. # وسئل: # عن رجل طلق زوجته وسألها الصلح فصالحها. وكتب لها دينارين. فقال لها: ~~هبيني الدينار الواحد فوهبته ثم طلقها: فهل لها الرجوع في الهبة والحال ~~هذه؟ # فأجاب: # نعم، لها أن ترجع فيما وهبته والحال هذه فإنه سألها الهبة وطلقها مع ذلك ~~وهي لم تطلب نفسها أن يأخذ مالها بسؤالها ويطلقها. والله أعلم. # PageV31P290 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل وهب لزوجته ألف درهم وكتب عليه بها حجة ولم يقبضها شيئا وماتت وقد ~~طالبه ورثتها بالمبلغ: فهل له أن يرجع في الهبة؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يكن لها في ذمته شيء قبل ذلك - لا هذا المبلغ ولا ما ~~يصلح أن يكون هذا المبلغ عوضا عنه: مثل أن يكون قد أخذ بعض جهازها وصالحها ~~عن قيمته بهذا المبلغ ونحو ذلك - فإنه لا يستحق ورثتها شيئا من هذا الدين ~~في نفس الأمر فإن كان إقرار فله أن يحلفهم أنهم لا يعلمون أن باطن هذا ~~الإقرار يخالف ظاهره وإذا قامت بينة على المقر والمقر له بأن هذا الإقرار ~~تلجئة فلا حقيقة له. ولو كان قيمة ما أقر به من مالها أقل من هذا المبلغ ~~فصالحها على أكثر من قيمته: ففي لزوم هذه الزيادة نزاع بين العلماء: تبطله ~~طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد ويصححه أبو حنيفة وهو قياس قول أحمد وغيره ~~وهو الصحيح. والله أعلم. # PageV31P291 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل عليه دين وله مال يستغرقه الدين ويفضل عليه من الدين وأوهب في مرض ~~موته لمملوك معتوق من ذلك المال: فهل لأهل الدين استرجاعه أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا كان عليه دين مستغرق لماله فليس له في مرض الموت أن ~~يتبرع لأحد بهبة؛ لا محاباة ولا إبراء من دين إلا بإجازة الغرماء؛ بل ليس ~~للورثة حق إلا بعد وفاء الدين. وهذا باتفاق المسلمين كما أن النبي صلى ms9162 الله ~~عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية والتبرع في مرض الموت كالوصية باتفاق ~~الأئمة الأربعة. # وسئل: # عن رجل مات وخلف ولدين ذكرين وبنتا وزوجة وقسم عليهم الميراث ثم إن لهم ~~أختا بالمشرق: فلما قدمت تطلب ميراثها فوجدت الولدين ماتا والزوجة أيضا ~~ووجدت الموجود عند أختها فلما ادعت عليها وألزمت بذلك فخافت من القطيعة ~~بينهما: فأشهدت على نفسها بأنها أبرأتها # PageV31P292 # فلما حصل الإبراء منها حلف زوجها بالطلاق أن أختها لا تجيء إليها ولا هي ~~تروح لها؛ والمذكورة لم تهبها المال إلا لتحصيل الصلة والمودة بينهما؛ ولم ~~يحصل غرضها: فهل لها الرجوع في الهبة؟ وهل يمنع الإبراء أن تدعي بذلك وتطلب ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا كانت قد قالت عند الهبة: أنا أهب أختي ~~لتعينني على أموري ونتعاون أنا وهي في بلاد الغربة. أو قالت لها أختها: ~~هبيني هذا الميراث قالت: ما أوهبك إلا لتخدميني في بلاد الغربة؛ ثم أوهبتها ~~أو جرى بينهما من الاتفاق ما يشبه ذلك؛ بحيث وهبتها لأجل منفعة تحصل لها ~~منها؛ فإذا لم يحصل لها الغرض فلها أن تفسخ الهبة وترجع فيها. فالعوض في ~~مثل هذه الهبة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. قيل: إن منفعته تكون بقدر ~~قيمة ذلك. والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة لها زوج؛ ولها عليه صداق فلما حضرتها الوفاة أحضرت شاهد عدل ~~وجماعة نسوة وأشهدت على نفسها أنها أبرأته من الصداق: فهل يصح هذا الإبراء ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان الصداق ثابتا عليه إلى أن مرضت مرض الموت لم يصح ذلك ~~إلا بإجازة الورثة الباقين. وأما إن كانت أبرأته في الصحة # PageV31P293 # جاز ذلك وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد. وثبت أيضا بشهادة ~~امرأتين ويمين عند مالك وقول في مذهب أحمد. وإن أقرت في مرضها أنها أبرأته ~~في الصحة لم يقبل هذا الإقرار عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما؛ ويقبل عند ~~الشافعي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله قد أعطى كل ذي حظ حظه ~~فلا وصية لوارث} ms9163 وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل خص بعض الأولاد على بعض؟ # فأجاب: # ليس له في حال مرضه أن يخص أحدا منهم بأكثر من قدر ميراثه باتفاق ~~المسلمين وإذا فعل ذلك فلباقي الورثة رده وأخذ حقوقهم؛ بل لو فعل ذلك في ~~صحته لم يجز ذلك في أصح قولي العلماء بل عليه أن يرده كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يرده حيا وميتا. ويرده المخصص بعد موته. # PageV31P294 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أعطى بعض أولاده شيئا ولم يعط الآخر؛ لكون الأول طائعا له: فهل له ~~بر من أطاعه وحرمان من عصاه وحلف الذي لم يعطه بالطلاق أنه لا يكلم أباه إن ~~لم يواسه: فهل له مخرج؟ وهل اليمين بالطلاق تجري مجرى الإيمان أم لا؟ # فأجاب: # على الرجل أن يعدل بين أولاده كما أمر الله ورسوله فقد ثبت في الصحيحين ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبشير بن سعد لما نحل ابنه النعمان ~~نحلا وأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على ذلك فقال له: اتقوا الله ~~واعدلوا بين أولادكم وقال: لا تشهدني على هذا فإني لا أشهد على جور وقال ~~له: اردده} فرده بشير. وقال له على سبيل التهديد: {لا أشهد على هذا غيري} . ~~لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعي: مثل أن يكون محتاجا مطيعا لله والآخر غني عاص ~~يستعين بالمال على المعصية فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر الله ~~بمنعه فقد أحسن. # PageV31P295 # وأما الذي حلف أنه لا يكلم أباه. فأيما يمين من أيمان المسلمين حلف بها ~~الرجل فعليه إذا حنث كفارة يمين. وأي يمين حلف عليها ورأى الحنث خيرا من ~~الإصرار عليها فإنه يكفر عن يمينه ويحنث كما دل عليه الكتاب والسنة وسواء ~~حلف باسم الله أو بالنذر أو بالطلاق أو العتاق أو الظهار أو الحرام كقوله: ~~إن فعلت كذا فمالي صدقة وعلي عشر حجج وعلي صوم سنة ونسائي طوالق وعبيدي ~~أحرار ونحو ذلك فكل ms9164 ما كان من أيمان المسلمين أجزأت فيه كفارة. وما لم يكن ~~من أيمان المسلمين: كالحلف بالكعبة والمشايخ والملوك والآباء: فإنها أيمان ~~محرمة غير منعقدة ولا حرمة لها. وليس في شرع الله ورسوله إلا يمينان: يمين ~~منعقدة ففيها الكفارة. ويمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث. ومن أثبت من ~~العلماء يمينا منعقدة غير مكفرة: فقوله ضعيف مخالف للكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة والقياس الجلي. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل له أولاد: ذكور وإناث. فنحل البنات دون الذكور قبل وفاته: فهل ~~يبقى في ذمته شيء أم لا؟ # PageV31P296 # فأجاب: # لا يحل له أن ينحل بعض أولاده دون بعض؛ بل عليه أن يعدل بينهم كما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {اتقوا الله: واعدلوا بين أولادكم} وكان ~~رجل قد نحل بعض أولاده؛ وطلب أن يشهد فقال: {إني لا أشهد على جور وأمره برد ~~ذلك} فإن كان ذلك بالكلام ولم يسلم إلى البنات ما أعطاهم حتى مات أو مرض ~~مرض الموت فهذا مردود باتفاق الأئمة وإن كان فيه خلاف شاذ. وإن كان قد ~~أقبضهم في الصحة: ففي رده قولان للعلماء. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل ترك أولادا ذكورا وإناثا وتزوج الإناث قبل موت أبيهم فأخذوا ~~الجهاز جملة كثيرة. ثم لما مات الرجل لم يرث الذكور إلا شيئا يسيرا فهل على ~~البنات أن يتحاصوا هم والذكور في الميراث والذي معهم أو لا؟ # فأجاب: # يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية ولا يجوز أن يفضل بعضا على ~~بعض كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل ~~وأمر برده. فإن فعل ومات قبل العدل كان الواجب على من فضل أن يتبع العدل ~~بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال - الأول والآخر - على كتاب الله تعالى ~~{للذكر مثل حظ الأنثيين} . والله أعلم. # PageV31P297 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل وهب لأولاده مماليك ثم قصد عتقهم: فهل الأفضل استرجاعهم منهم ~~وعتقهم أو إبقاؤهم في يد الأولاد؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان أولاده محتاجين ms9165 إلى المماليك فتركهم لأولاده أفضل من ~~استرجاعهم وعتقهم؛ بل صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق؛ كما ثبت في ~~الصحيح: {أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت جارية لها فذكرت ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو أعطيتها أخوالك كان خيرا لك} فإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد فضل إعطاء الخال على العتق فكيف الأولاد ~~المحتاجون وأما إن كان الأولاد مستغنين عن بعضهم فعتقه حسن وله أن يرجع في ~~هذه الهبة عند الشافعي وأحمد وغيرهما؛ ولا يرجع فيها عند أبي حنيفة. والله ~~أعلم. # PageV31P298 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل توفيت زوجته وخلفت أولادا وموجودا تحت يده وليس له قدرة أن يتزوج: ~~فهل له أن يشتري من موجود الأولاد جارية تخدمهم ويطؤها ويتزوج من مالهم؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يكن ذلك مضرا بأولاده فله أن يتملك من مالهم ما يشتري ~~به أمة يطؤها وتخدمهم. والله أعلم. # وسئل: # عن امرأة أعطاها زوجها حقوقها في حال حياته ولها منه أولاد وأعطاها مبلغا ~~غير صداقها لتنفع به نفسها وأولادها. فإن ادعى عليها أحد وأراد أن يحلفها: ~~فهل يجوز لها أن تحلف لنفي الظلم عنها؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا وهب لأولاده منها ما وهبه؛ وقبض ذلك؛ ولم يكن فيه ظلم ~~لأحد: كان ذلك هبة صحيحة؛ ولم يكن لأحد أن ينتزعه # PageV31P299 # منها. وإذا كان قد جعل نصيب الأولاد إليها حيا وميتا؛ وهي أهل لم يكن ~~لأحد نزعه منها. وإذا حلفت: تحلف أن عندها للميت شيء. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل تصدق على ولده بصدقة ونزلها في كتاب زوجته؛ وقد ضعف حال الوالد؛ ~~وجفاه ولده: فهل له الرجوع في هبته أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان قد أعطاه للمرأة في صداق زوجته لم يكن للإنسان أن يرجع فيه ~~باتفاق العلماء. # وسئل: # عن رجل أعطى أولاده الكبار شيئا ثم أعطى لأولاده الصغار نظيره: ثم إنه ~~قال: اشتروا بالريع ملكا؛ أوقفوه على الجميع بعد أن قبضوا ما أعطاهم: فهل ~~يكون ذلك رجوعا أم لا؟ ms9166 # فأجاب: # الحمد لله، لا يزول ملك الولدين المملكين بما ذكر؛ إذ ليس ذلك رجوعا في ~~الهبة؛ ولو كان رجوعا في الهبة لم يجز له الرجوع في مثل هذه الهبة؛ فإنه ~~إذا أعطى الولدين الآخرين ما عدل به بينهما وبين # PageV31P300 # الباقين فليس له أن يرجع عن العدل الذي أمره الله به ورسوله. كيف وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله واعدلوا في أولادكم} وقال: {إني لا ~~أشهد على جور} وقال في التفضيل: " اردده " وقال على سبيل التهديد للمفضل: ~~{أشهد على هذا غيري} والله أعلم. # وسئل: # عن رجل ملك بنته ملكا ثم ماتت وخلفت والدها وولدها: فهل يجوز للرجل أن ~~يرجع فيما كتبه لبنته أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ما ملكته البنت ملكا تاما مقبوضا وماتت انتقل إلى ~~ورثتها فلأبيها السدس والباقي لابنها إذا لم يكن لها وارث " غيرهما ". وليس ~~له الرجوع بعد موت البنت فيما ملكها بالاتفاق. # و ### | سئل: # عن رجل وهب لابنته مصاغا # لم يتعلق به حق لأحد وحلف بالطلاق أن لا يأخذ منها شيئا منه؛ واحتاج أن ~~يأخذ منها شيئا: فهل له أن يرجع في هبته أم لا؟ وإن أعطته شيئا من طيب ~~نفسها هل يحنث أم لا؟ # PageV31P301 # فأجاب: # الحمد لله، له أن يرجع فيما وهبه لها؛ لكنه إن فعل المحلوف عليه حنث. فإن ~~كان قصده أن لا يأخذ شيئا بغير طيب قلبها أو بغير إذنها فإن طابت نفسها أو ~~أذنت لم يحنث. # و ### | سئل: # عن رجل له أولاد وهب لهم ماله # ووهب أحدهم نصيبه لولده؛ وقد رجع الوالد الأول فيما وهبه لأولاده؛ فردوا ~~عليه إلا الذي وهبه لولده امتنع: فهل يلزمه أن ينتزعه من ولده ويسلمه ~~لوالده؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان قد وهب لولده شيئا ولم يتعلق به حق الغير: مثل أن ~~يكون قد صارت عليه دين؛ أو زوجوه لأجل ذلك: فله أن يرجع في ذلك. والله ~~أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل ماتت والدته وخلفته ووالده وكريمته # ثم ماتت كريمته فأراد والده أن ms9167 يزوجه فقال: ما أزوجك حتى تملكني ما ورثته ~~عن والدتك: فملكه ذلك وتصدق عليه بالربع بشهود ثم بعد ذلك مرض # PageV31P302 # والده مرضا غيب عقله فرجع فيما تصدق به على ولده وأوقفها على زوجته وولده ~~وابنته ولم يذكر ولده وانتسخ كتاب الوقف مرتين: فهل له أن يخصص أولاده ~~ويخرج ولده من جميع إرث والدته؟ # فأجاب: # إن كان الأب قد أعطى ابنه شيئا عوضا عما أخذه له فليس له أن يرجع بذلك ~~بلا نزاع بين العلماء. وأما إن كان تصدق به عليه صدقة لله ففي رجوعه عليه ~~قولان للعلماء. أحدهما لا يرجع. والثاني يرجع عند مالك والشافعي وأحمد. ~~ومتى رجع وعقله غائب؛ أو أوقف وعقله غائب أو عقد عقدا: لم يصح رجوعه ولا ~~وقفه؛ إذا كان مغيبا عقله بمرض بلا نزاع بين العلماء. # وسئل: # عن رجل سرق له مبلغ؛ فظن في أحد أولاده أنه هو أخذه؛ ثم صار يدعو عليه ~~وهجره؛ وهو بريء ولم يكن أخذ شيئا: فهل يؤجر الولد بدعاء والده عليه. # فأجاب: # نعم إذا كان الولد مظلوما؛ فإن الله يكفر عنه بما يظلمه ويؤجره على صبره؛ ~~ويأثم من يدعو على غيره عدوانا. # PageV31P303 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل خلف شيئا من الدنيا وتقاسمه أولاده وأعطوا أمهم كتابها وثمنها ~~وبعد قليل وجد الأولاد مع أمهم شيئا يجيء ثلث الوراثة. فقالوا: من أين لك ~~هذا المال؟ فقالت: لما كان أبوكم مريضا طلبت منه شيئا فأعطاني ثلث ماله ~~فأخذوا المال من أمهم؛ وقالوا: ما أعطاك أبونا شيئا: فهل يجب رد المال ~~إليها. # فأجاب: # ما أعطى المريض في مرض الموت لوراثه فإنه لا ينفذ إلا بإجازة الورثة؛ فما ~~أعطاه المريض لامرأته فهو كسائر ماله؛ إلا أن يجيز ذلك باقي الورثة. وينبغي ~~للأولاد أن يقروا أمهم ويجيزوا ذلك لها؛ لكن لا يجبرون على ذلك؛ بل تقسم ~~جميع التركة. قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا وصية لوارث} . # PageV31P304 ### | كتاب الوصايا # سئل - رحمه الله تعالى -: # عمن قال: يدفع هذا المال إلى يتامى فلان في مرض موته ولم يعرف ms9168 أهذا ~~إقرار؟ أو وصية؟ # الجواب # فأجاب: إن كان هناك قرينة تبين مراده هل هو إقرار أو وصية عمل بها؛ وإن ~~لم يعرف: فما كان محكوما له به لم يزل عن ملكه بلفظ مجمل بل يجعل وصية. # و ### | سئل: # عن مودع مرض مودعه # فقال له: أما يعرف ابنك بهذه الوديعة؟ فقال: فلان الأسير يجيء ما يقدر ~~على شيء يعود عليه؛ وقصد بذلك أن يكون موصدا له ولم يزد على ذلك فإذا خرج ~~من الثلث هل يجوز أن يصرفه في مصالح ذلك الأسير؟ # PageV31P305 # فأجاب: تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على ذلك كما إذا فهمت المخاطبة من ~~الموصي ويبقى قبول [حكم] (1) الوصية في التصرف فيها موقوفا على قبول الموصى ~~له لفظا أو عرفا وعلى إذنه في التصرف فيها أو إذن الشارع ويجوز صرف مال ~~الأسير في فكاكه بلا إذنه. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل كتب وصيته وذكر في وصيته: أن في ذمته لزوجته مائة درهم ولم تكن ~~زوجته تعلم أن لها في ذمته شيئا: فهل يجوز لوصيه بعد موته دفع الدراهم ~~لزوجته بغير يمين - إذا كان قد أقر لها من غير استحقاق؟ # فأجاب: # لا يحل لها أن تأخذ من ذلك شيئا؛ فإن هذا يكون وصية لوارث لا يجوز له ~~وصيته بإجماع المسلمين؛ إلا بإجازة بقية الورثة وأما في الحكم فلا تعطى ~~شيئا حتى تصدقه على الإقرار في مرض الموت وإلا كان باطلا عند أكثر العلماء ~~وإذا صدقته كل الإقرار فادعى الوصي أو بعض الورثة أن هذا الإقرار من غير ~~استحقاق - كما جرت عادة بعض الناس أنه يجعل الإنشاء إقرارا - فإن ذلك ~~بمنزلة أن يدعي في الإقرار أنه أقر قبل القبض. ومثل ذلك قد تنازع العلماء ~~في التحليف عليه. والصحيح أنه يحلف. والصحيح أنها لا تعطى شيئا حتى تحلف. ~~PageV31P306 # و ### | سئل: # عن امرأة أعتقت جارية دون البلوغ وكتبت لها أموال # ها ولم تزل تحت يدها إلى حال وفاتها - أي السيدة المعتقة - وخلفت ورثة: ~~فهل يصح تمليكها للجارية؟ أم للورثة انتزاعها؟ أو بعضها؟ # فأجاب: # الحمد ms9169 لله، أما مجرد التمليك بدون القبض الشرعي فلا يلزم به عقد الهبة؛ ~~بل للوارث أن ينتزع ذلك وكذلك إن كانت هبة تلجئة بحيث توهب في الظاهر وتقبض ~~مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينتزعه منه إذا شاء ونحو ذلك من الحيل ~~التي تجعل طريقا إلى منع الوارث أو الغريم حقوقهم فإذا كان الأمر كذلك: ~~كانت أيضا هبة باطلة؛ والله أعلم. # وسئل: # عمن أشهد على أبيه أن عنده ثلاثمائة في حجة عن فلانة فقال ورثتها: لا ~~يخرج إلا بثلثها فقال المشهود عليه: أمي تبرع بها. فما الحكم؟ # فأجاب: # مجرد هذا الإشهاد لا يوجب أن يكون هذا المال تركة مخلفة يستحق الورثة ~~ثلثيها؛ لاحتمال ألا يكون من مال المرأة ولاحتمال أن يكون حجة الإسلام ~~الخارجة من صلب التركة؛ والله أعلم. # PageV31P307 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تصدق على ابنته لصلبه. وأسند وصيته لرجل فآجره مدة ثلاثين سنة؛ ~~وقد توفي الوصي المذكور. ورشد من كان وصية عليها ولم ترض الموصى عليها بعد ~~رشدها بإجارة الوصي؛ وأن الوصي أجر ذلك بغير قيمة المثل: فهل تنفسخ الإجارة ~~وتتصرف في ملكها عادة الملاك؟ # فأجاب: # لها أن تفسخ هذه الإجارة بلا نزاع بين العلماء؛ وإنما النزاع هل تقع ~~باطلة من أصلها؟ أو مضمونة على المؤجر؟ والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أوصى لأولاده بسهام مختلفة وأشهد عليه عند وفاته بذلك فهل تنفذ ~~هذه الوصية؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يجوز للمريض تخصيص بعض أولاده بعطية منجزة ولا ~~وصية بعد الموت ولا أن يقر له بشيء في ذمته؛ وإذا فعل ذلك لم يجز تنفيذه ~~بدون إجازة بقية الورثة. وهذا كله باتفاق # PageV31P308 # المسلمين ولا يجوز لأحد من الشهود أن يشهد على ذلك شهادة يعين بها على ~~الظلم وهذا التخصيص من الكبائر الموجبة للنار حتى قد روى أهل السنن ما يدل ~~على الوعيد الشديد لمن فعل ذلك؛ لأنه كالمتسبب في الشحناء وعدم الاتحاد بين ~~ذريته؛ لا سيما في حقه فإنه يتسبب في عقوقه وعدم بره. # وسئل: # عن رجل ms9170 له زرع ونخل. فقال عند موته لأهله: أنفقوا من ثلثي على الفقراء ~~والمساكين إلى أن يولد لولدي ولد فيكون لهم. فهل تصح هذه الوصية أم لا؟ # فأجاب: # نعم تصح هذه الوصية؛ فإن الوصية لولد الولد الذين لا يرثون جائزة كما وصى ~~الزبير بن العوام لولد عبد الله بن الزبير. والوصية تصح للمعدوم بالمعدوم ~~فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث ولد الولد فيكون لهم. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل أوصى لأولاده الذكور بتخصيص ملك دون الإناث وأثبته على يد الحاكم ~~قبل وفاته: فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # لا يجوز أن يخص بعض أولاده دون بعض في وصيته ولا مرض موته باتفاق العلماء ~~ولا يجوز له على أصح قولي العلماء أن يخص بعضهم بالعطية # PageV31P309 # في صحته أيضا بل عليه أن يعدل بينهم ويرد الفضل {كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بشير بن سعيد حيث قال له: اردده فرده وقال: إني لا أشهد على جور ~~وقال له على سبيل التهديد: أشهد على هذا غيري} . ولا يجوز للولد الذي فضل ~~أن يأخذ الفضل؛ بل عليه أن يرد ذلك في حياة الظالم الجائر وبعد موته كما ~~يرد في حياته في أصح قولي العلماء. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة وصت لطفلة تحت نظر أبيها بمبلغ من ثلث مالها وتوفيت الموصية ~~وقبل للطفلة والدها الوصية المذكورة بعد وفاتها؛ وادعى لها عند الحاكم بما ~~وصت الموصية وقامت البينة بوفاتها وعليها بما نسب إليها من الإيصاء وعلى ~~والدها بقبول الوصية لابنته وتوقف الحاكم عن الحكم للطفلة بما ثبت لها عنده ~~بالبينة لتعذر حلفها لصغر سنها: فهل يحلف والدها؟ أو يوقف الحكم إلى البلوغ ~~ويحلفها؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحلف والدها؛ لأنه غير مستحق؛ ولا يوقف الحكم إلى بلوغها ~~وحلفها؛ بل يحكم لها بذلك بلا نزاع بين العلماء؛ ما لم يثبت معارض. بل أبلغ ~~من هذا لو ثبت لصبي أو لمجنون حق على غائب عنه من دين عن مبيع أو بدل قرض ~~أو أرش جناية أو غير ذلك ms9171 مما لو كان مستحقا بالغا عاقلا: يحلف على عدم ~~الإبراء أو الاستيفاء في أحد قولي # PageV31P310 # العلماء؛ ويحكم به للصبي والمجنون ولا يحلف وليه كما قد نص عليه العلماء. ~~ولهذا لو ادعى مدع على صبي أو مجنون جناية أو حقا لم يحكم له؛ ولا يحلف ~~الصبي والمجنون. وإن كان البالغ العاقل لا يقول إلا بيمين. ولها نظائر. هذا ~~فيما يشرع فيه اليمين بالاتفاق أو على أحد قولي العلماء. فكيف بالوصية التي ~~لم يذكر العلماء تحليف الموصى له فيها؛ وإنما أخذ بعض الناس. والوصية تكون ~~للحمل باتفاق العلماء ويستحقها إذا ولد حيا ولم يقل مسلم: إنها تؤخر إلى ~~حين بلوغه. ولا يحلف. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن امرأة وصت وصايا في حال مرضها؛ ولزوجها ولأخيها بشيء # ثم بعد مدة طويلة وضعت ولدا ذكرا وبعد ذلك توفيت: فهل يبطل حكم الوصية # فأجاب: # أما ما زاد على ثلث التركة فهو للوارث والولد اليتيم لا يتبرع بشيء من ~~ماله. فأما الزوج الوارث فالوصية له باطلة؛ لأنه وارث. وأما الأخ فالوصية ~~له صحيحة؛ لأنه مع الولد ليس بوارث؛ وإن كان عند الوصية وارثا. فينظر ما ~~وصت به للأخ والناس فإن وسعه الثلث وإلا قسم بينهم على قدر وصاياها. # PageV31P311 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت ولم يكن لها وارث سوى ابن أخت لأم وقد أوصت بصدقة أكثر من ~~الثلث: فهل للوصي أن ينفذ ذلك ويعطي ما بقي لابن أختها؟ # فأجاب: # يعطي الموصى له الثلث وما زاد عن ذلك إن أجازه الوارث جاز؛ وإلا بطل. ~~وابن الأخت يرث المال كله عند من يقول بتوريث ذوي الأرحام؛ وهو الوارث في ~~هذه المسألة عندهم. وهو مذهب جمهور السلف وأبي حنيفة وأحمد وطوائف من أصحاب ~~الشافعي. وهو قول في مذهب مالك إذا فسد بيت المال. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل مات وخلف ستة أولاد ذكور وابن ابن وبنت ابن ووصى لابن ابنه بمثل ~~نصيب أولاده ولبنت ابنه بثلث ما بقي من الثلث بعد أن كان يعطي ابن ابنه ~~نصيبه. فكم يكون ms9172 نصيب كل واحد من أولاده؟ # فأجاب: # الحمد لله، ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة أن هذه المسألة تصح من ~~ستين لكل ابن ثمانية ولصاحب الوصية ثلث ما بقي بعد الثلث اثني عشر ثلث ذلك ~~أربعة. ولها طرق يعمل بها. وجواب هذه المسألة معروف في كتب العلم. # PageV31P312 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل توفي وله مال كثير وله ولد صغير؛ وأوصى في حال مرضه أن يباع فرسه ~~الفلاني ويعطى ثمنه كله لمن يحج عنه حجة الإسلام. وبيعت بتسعمائة درهم. ~~فأراد الحاكم أن يستأجر إنسانا أجنبيا ليحج بهذا المقدار فجاء رجل غيره ~~فقال: أنا أحج بأربعمائة. فهل يجوز ذلك؟ أو يتعين ما أوصى به؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل يجب إخراج جميع ما أوصى به إن كان يخرج من ثلثه؛ وإن كان ~~لا يخرج من ثلثه لم يجب على الورثة إخراج ما زاد على الثلث؛ إلا أن يكون ~~واجبا عليه بحيث لا يحصل حجة الإسلام [إلا به] (1) . والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل خلف أولادا وأوصى لأخته كل يوم بدرهم؛ # فأعطيت ذلك حتى نفد المال؛ ولم يبق من التركة إلا عقار مغله كل سنة ~~ستمائة درهم: فهل تعطى ذلك؟ أو درهما كما أوصى لها؟ PageV31P313 # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يكن ما بقي متسعا لأن تعطى منه كل يوم درهما؛ ويبقى ~~للورثة درهمان: فلا تعطى إلا ما يبقى معه للورثة الثلثان؛ لا يزاد على ~~مقدار الثلث شيء إلا بإجازة الورثة المستحقين؛ إذا كان المجيز بالغا رشيدا ~~أهلا للتبرع. وإن لم يكن المجيز كذلك؛ أو لم يجز: لم تعط شيئا. ولو لم يخلف ~~الميت إلا العقار فإنها تعطى من مغله أقل الأمرين من الدرهم الموصى به أو ~~ثلث المغل فإن كان المغل أقل من ثلاثة دراهم كل يوم لم تعط إلا ثلث ذلك؛ ~~فلو كان درهما أعطيت ثلث درهم فقط؛ وإن أخذت زيادة على مقدار ثلث المغل ~~استرجع منها ذلك؛ وليس في ذلك نزاع بين العلماء. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن امرأة توفيت وخلفت أباها ms9173 وعمها أخا أبيها شقيقه وجدتها # وكان أبوها قد رشدها قبل أن يزوجها ثم إنها أوصت في مرض موتها لزوجها ~~بالنصف. ولعمها بالنصف الآخر؛ ولم توص لأبيها وجدتها بشيء: فهل تصح هذه ~~الوصية؟ # فأجاب: # أما الوصية للعم فصحيحة؛ لكن لا ينفذ فيما زاد على الثلث إلا بإجازة ~~والوصية للزوج لا ينفذ شيء منها إلا بإجازة الورثة. وإذا لم تجز الورثة بما ~~زاد على الثلث كان للزوج نصف الباقي بعد هذه الوصية التي هي الثلث وللجدة ~~السدس وللأب الباقي وهو الثلث. # PageV31P314 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة أوصت قبل موتها بخمسة أيام بأشياء: من حج وقراءة وصدقة: فهل ~~تنفذ الوصية؟ # فأجاب: # إذا أوصت بأن يخرج من ثلث مالها ما يصرف في قربة لله وطاعته وجب تنفيذ ~~وصيتها؛ وإن كان في مرض الموت. وأما إن كان الموصى به أكثر من الثلث كان ~~الزائد موقوفا فإن أجازه الورثة جاز وإلا بطل. وإن وصت بشيء في غير طاعة لم ~~تنفذ وصيتها. # وسئل: # عن رجل أوصى زوجته عند موته أنها لا تهب شيئا من متاع الدنيا لمن يقرأ ~~القرآن ويهدي له وقد ادعى أن في صدره قرآنا يكفيه ولم تكن زوجته تعلم بأنه ~~كان يحفظ القرآن: فهل أصاب فيما أوصى؟ وقد قصدت الزوجة الموصى إليها أنها ~~تعطي شيئا لمن يستحقه يستعين به على سبيل الهدية: ويقرأ جزءا من القرآن ~~ويهديه لميتها: فهل يفسح لها في ذلك؟ # PageV31P315 # فأجاب: # الحمد لله، تنفذ وصيته؛ فإن إعطاء أجرة لمن يقرأ القرآن ويهديه للميت ~~بدعة لم ينقل عن أحد من السلف؛ وإنما تكلم العلماء فيمن يقرأ لله ويهدي ~~للميت. وفيمن يعطي أجرة على تعليم القرآن وجوه. فأما الاستئجار على القراءة ~~وإهدائها فهذا لم ينقل عن أحد من الأئمة ولا أذن في ذلك؛ فإن القراءة إذا ~~كانت بأجرة كانت معاوضة فلا يكون فيها أجر ولا يصل إلى الميت شيء وإنما يصل ~~إليه العمل الصالح والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة ~~وإنما تكلموا في الاستئجار على التعليم لكن هذه المرأة ms9174 إذا أرادت نفع زوجها ~~فلتتصدق عنه بما تريد الاستئجار به فإن الصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة ~~وينفعه الله بها. وإن تصدقت بذلك على قوم من قراء القرآن الفقراء ليستغنوا ~~بذلك عن قراءتهم حصل من الأجر بقدر ما أعينوا على القراءة وينفع الله الميت ~~بذلك. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن مسجد لرجل، وعليه وقف والوقف عليه حكر؛ # وأوصى قبل وفاته أن يخرج من الثلث ويشترى الحكر الذي للوقف فتعذر مشتراه؛ ~~لإن الحكر وقف وله ورثة وهم ضعفاء الحال وقد وافقهم الوصي على شيء من الثلث ~~لعمارة المسجد: فهل إذا تأخر من الثلث شيء للأيتام يتعلق في ذمة الوصي؟ # فأجاب: # بل على الوصي أن يخرج جميع الثلث كما أوصاه الميت؛ ولا يدع للورثة شيئا ~~ثم إن أمكن شراء الأرض التي عينها الموصي اشتراها ووقفها # PageV31P316 # وإلا اشترى مكانا آخر ووقف على الجهة التي وصى بها الموصى؛ كما ذكره ~~العلماء فيما إذا قال: بيعوا غلامي من زيد وتصدقوا بثمنه. فامتنع فلان من ~~شرائه؛ فإنه يباع من غيره ويتصدق بثمنه فالوصية بشراء معين والتصدق به لوقف ~~كالوصية ببيع معين والتصدق بثمنه؛ لأن الموصى له هنا جهة الصدقة والوقف وهي ~~باقية؛ والتعيين إذا فات قام بدله مقامه؛ كما لو أتلف الوقف متلف أو أتلف ~~الموصى به متلف؛ فإن بدلهما يقوم مقامهما في ذلك فيفرق بين الموصى به ~~والموقوف؛ وبين بدل الموصى له والموقوف عليه؛ فإنه لو وصى لزيد لم يكن ~~لغيره ولو وصى أن يعتق عبده المعين أو نذر عتق عبد معين فمات المعين لم يقم ~~غيره مقامه. وتنازع الفقهاء إذا وصى أن يحج عنه فلان بكذا فامتنع ذلك ~~المعين من الحج وكان الحج تطوعا: فهل يحج عنه أم لا؟ على قولين هما وجهان ~~في مذهب أحمد وغيره؛ لأن الحج مقصود في نفسه؛ ويقع المعين مقصودا فمن ~~الفقهاء من غلب جانب التعيين. ومنهم من قال: بل الحج مقصود أيضا كما أن ~~الصدقة والوقف مقصودان وتعيين الحج كتعيين الموقوف والمتصدق به فإذا فات ~~التعيين أقيم بدله ms9175 كما يقام في الصدقة والوقف. # PageV31P317 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أوصى في مرضه المتصل بموته بأن يباع شراب في حانوت العطر قيمته ~~مائة وخمسون درهما يضاف ذلك إلى ثلاثمائة درهم من ماله وأن يشترى بذلك ~~عقار؛ ويجعل وقفا على مصالح مسجد لإمامه ومؤذنه وزيته. وكتب ذلك قبل مرضه؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا أوصى أن يباع شيء معين من ماله من عقار أو ~~منقول يضم إلى ثمنه شيء آخر قدره من ماله ويصرف ذلك في وقف شرعي: جاز. وإذا ~~كان ذلك يخرج من الثلث أخرج وإن لم ترض الورثة وما أعطاه للورثة في مرض ~~موته إن أعطى أحدا منهم زيادة على قدر ميراثه لم يجز إلا بإجازة الورثة وإن ~~أعطى كل إنسان شيئا معينا بقدر حقه أو بعض حقه: ففيه قولان للعلماء في مذهب ~~أحمد وغيره: " أحدهما " له ذلك وهو مذهب الشافعي. " والثاني " ليس له ذلك ~~وهو مذهب أبي حنيفة وإذا قيل: إن له ذلك بحسب ميراث أحدهم؛ فإن عطية المريض ~~في مرض الموت المخوف بمنزلة وصيته بعد موته في مثل ذلك باتفاق الأئمة. ~~والله أعلم. # PageV31P318 ### | باب الموصى إليه # سئل - رحمه الله تعالى -: # عن وصي على أيتام بوكالة شرعية: وللأيتام دار فباعها وكيل الوصي من قبل ~~أن ينظرها وقبض الثمن ثم زيد فيها: فهل له أن يقبل الزيادة؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كان الوكيل باعها بثمن المثل وقد رئيت له صح البيع. وإن لم تر له: فيه ~~نزاع. وإن باعها بدون ثمن المثل فقد فرط في الوصية ويرجع عليه بما فرط فيه ~~أو يفسخ البيع إذا لم يبذل له تمام المثل. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل جليل القدر له تعلقات كثيرة مع الناس وأوصى بأمور: فجاء رجل إلى ~~وصيه في حياة الموصي؛ وقال: يا فلان: جئتك في حياة فلان # PageV31P319 # الموصي بمال فلي عنده كذا وكذا. فذكر الوصي ذلك للموصي: فقال الموصي من ~~ادعى بعد موتي علي شيئا فحلفه وأعطاه بلا بينة: فهل يجوز أو يجب على الوصي ~~فعل ms9176 ذلك مع يمين المدعي. # فأجاب: # نعم: يجب على الوصي تسليم ما ادعاه هذا المدعي إذا حلف عليه وسواء كان ~~يخرج من الثلث أو لا؛ أما إذا كان يخرج من الثلث كان أسوأ الأحوال؛ كما ~~يكون هذا الموصي متبرعا بهذا الإعطاء. ولو وصى لمعين إذا فعل فعلا أو وصى ~~لمطلق موصوف: فكل من الوصيتين جائز باتفاق الأئمة فإنهم لا ينازعون في جواز ~~الوصية بالمجهول؛ ولم يتنازعوا في جواز الإقرار بالمجهول؛ ولهذا لا يقع ~~شبهة لأحد في أنه إذا خرج من الثلث وجب تسليمه وإنما قد تقع الشبهة فيما ~~إذا لم يخرج من الثلث. والصواب المقطوع به أنه يجب تسليم ذلك من رأس المال؛ ~~لأن الدين مقدم على الوصايا فإن هذا الكلام مفهومه رد اليمين على المدعي ~~والأمر بتسليم ما حلف عليه. لكن رد اليمين هل هو كالإقرار؟ أو كالبينة؟ فيه ~~للعلماء قولان. فإذا قيل: هو كالإقرار صار هذا إقرارا لهذا المدعي؛ غايته ~~أنه أقر بموصوف أو بمجهول؛ وكل من هذين إقرار يصح باتفاق العلماء؛ مع أن ~~هذا الشخص المعين ليس الإقرار له إقرارا بمجهول؛ فإنه هو سبب اللفظ العام ~~وسبب اللفظ العام مراد فيه قطعا كأنه قال: هذا الشخص المعين إن حلف على ما ~~ادعاه فأعطوه إياه. ومثل هذه الصفة جائزة باتفاق العلماء واجب تنفيذها. وإن # PageV31P320 # قيل: إن الرد كالبينة صار حلف المدعي مع نكول المدعى عليه بينة ويصير ~~المدعي قد أقام بينة على ما ادعاه ومثل هذا يجب تسليم ما ادعاه إليه بلا ~~ريب هذا على أصل من لا يقضي برد اليمين على المدعي: كمالك والشافعي وأحد ~~القولين في مذهب الإمام أحمد. وأما عند من يقضي بالنكول كأبي حنيفة وأحمد ~~في أشهر الروايتين عنه فالأمر عنده أوكد؛ فإنه إذا رضي الخصمان فحلف المدعي ~~كان جائزا عندهم؛ وكان من النكول أيضا فالرجل الذي قد علم أن بينه وبين ~~الناس معاملات متعددة منها ما هو بغير بينة؛ وعليه حقوق قد لا يعلم أربابها ~~ولا مقدارها. لا تكون مثل هذه الصفة منه تبرعا؛ ms9177 بل تكون وصية بواجب والوصية ~~بواجب لآدمي تكون من رأس المال باتفاق المسلمين؛ وذلك أنه إذا علم أن عليه ~~حقا وشك في أدائه لم يكن له أن يحلف؛ بل إذا حلف المدعى عليه وأعطاه فقد ~~فعل الواجب فإذا كان عليه حق لا يعلم عين صاحبه كان عليه أن يفعل ما تبرأ ~~به ذمته فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم ~~عينها وكمن عليه دين لأحد رجلين لا يعلم عين المستحق؛ فإذا قال: من حلف ~~منكما فهو له ونحو ذلك. فقد أدى الواجب. وأيضا فإنه إذا ادعي عليه بأمر لا ~~يعلم ثبوته ولا انتفاءه لم يكن له أن يحلف على نفيه يمين بت؛ لأن ذلك حلف ~~على ما لا يعلم؛ بل عليه أن يفعل ما يغلب على ظنه؛ وإذا أخبره من يصدقه ~~بأمر بني عليه وإذا رد اليمين على المدعي # PageV31P321 # عند اشتباه الحال عليه فقد فعل ما يجب عليه؛ فإنه لو نهاهم عن إعطائه قد ~~يكون ظالما مانعا المستحق؛ وإن أمر بإعطاء كل مدع أفضى إلى أن يدعي الإنسان ~~بما لا يستحقه وذلك تبرع؛ فإذا أمر بتحليفه وإعطائه فقد فعل ما يجب عليه ~~حيث بنى الأمر على ما يغلب على ظنه أن تبرأ ذمته منه فإن كان قد فعل الواجب ~~أخرج ذلك من رأس المال. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن وصي على أولاد أخيه وتوفي وخلف أولادا. وضعوا أيديهم على موجود ~~والدهم: فهل يلزم أولاد الوصي المتوفى الخروج عن ذلك والدعوى عليهم؟ # فأجاب: # إذا عرف أن مال اليتامى كان مختلطا بمال الرجل فإنه ينظر كم خرج من مال ~~اليتامى نفقة وغيرها ويطلب الباقي وما أشبه ذلك ويرجع فيه إلى العرف ~~المطرد. # و ### | سئل: # عن رجل وصي على مال يتيم وقد قارض فيه # مدة ثلاث سنين وقد ربح فيه فائدة من وجه حل: فهل يحل للوصي أن يأخذ من ~~الفائدة شيئا؟ أو هي لليتيم خاصة؟ # PageV31P322 # فأجاب: الربح كله لليتيم؛ لكن إن كان الوصي ms9178 فقيرا وقد عمل في المال فله ~~أن يأخذ أقل الأمرين من أجرة مثله أو كفايته فلا يأخذ فوق أجرة عمله وإن ~~كانت الأجرة أكثر من كفايته لم يأخذ أكثر منها. # وسئل - رحمه الله -: # عن وصي تحت يده أيتام أطفال ووالدتهم حامل: فهل يعطي الأطفال نفقة والذي ~~يخدم الأطفال والوالدة إذا أخذت صداقها: فهل يجوز أن تأكل الأطفال ووالدتهم ~~ومن يخدمهم جميع المال؟ # فأجاب: # أما الزوجة فتعطى قبل وضع الحمل. وأما سائر الورثة فإن أخرت قسمة التركة ~~إلى حين الوضع فينفق على اليتامى بالمعروف ولا بأس أن يختلط مالهم بمال ~~الأم؛ ويكون خبزهم جميعا وطبخهم جميعا إذا كان ذلك مصلحة لليتامى؛ فإن ~~الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى: ~~{ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم ~~المفسد من المصلح} . وأما الحمل فإن أخرت فلا كلام وإن عجلت أخر له نصيب ~~ذكر احتياطا. وهل تستحق الزوجة نفقة لأجل الحمل الذي في بطنها وسكنى؟ على ~~ثلاثة أقوال للعلماء. # PageV31P323 # أحدها: لا نفقة لها؛ ولا سكنى وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~الروايتين والشافعي في قول. والثاني: لها النفقة والسكنى؛ وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد؛ وقول طائفة. والثالث: لها السكنى؛ دون النفقة كما نقل ~~عن مالك والشافعي في قول. # وسئل - رحمه الله -: # عن يتيمة حضر من يرغب في تزويجها ولها أملاك: فهل يجوز للوصي أن يبيع من ~~عقارها شيئا ويصرف ثمنه في جهاز وقماش لها وحلي يصلح لمثلها أم لا؟ # فأجاب: # نعم للولي أن يبيع من عقارها ما يجهزها به؛ ويجهزها الجهاز المعروف ~~والحلي المعروف. # وسئل: # عن وصي على أختيه وقد كبرتا ولديهما؛ وآنس منهما الرشد: فهل يحتاج إلى ~~إثبات عند الحاكم؟ أو إلى شهود؟ # PageV31P324 # فأجاب: إذا آنس الوصي منهم الرشد دفع إليهم المال ولا يحتاج إلى شهود؛ بل ~~يقر برشدهم ويسلم إليهم المال وذلك جائز بغير إذن الحاكم لكن له إثبات ذلك ~~عند الحاكم. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن وصي قضى دينا ms9179 عن الموصي بغير ثبوت عند الحاكم؛ # وعوض عن الغائب بدون قيمة المثل: فهل للورثة فسخ ذلك؟ # فأجاب: # ليس للوصي أن يقضي ما يدعي من الدين إلا بمستند شرعي؛ بل ولا بمجرد دعوى ~~من المدعي؛ فإنه ضامن له. ولا يجوز له التعويض إلا بقيمة المثل وما عوضه ~~بدون القيمة بما لا يتغابن الناس به؛ فإما أن يضمن ما نقص من حق الورثة ~~وإما أن يفسخ التعويض ويوفي الغريم حقه. والمستند الشرعي متعدد: مثل إقرار ~~الميت أو إقرار من يقبل إقراره عليه: مثل وكيله إذا أقر بما وكله فيه ويدخل ~~في ذلك ديوان الأمير وأستاذ داره: مثل شاهد يحلف معه المدعي ومثل خط الميت ~~الذي يعلم أنه خطه وغير ذلك. # وسئل: # عن نصراني توفي وخلف تركة وأوصى وصيته وظهرت عليه ديون بمساطر وغير ~~مساطر؛ فهل للوصي أن يعطي أرباب الديون بغير ثبوت على يد حاكم؟ # PageV31P325 # فأجاب: # إذا كان الميت ممن يكتب ما عليه للناس في دفتر ونحوه وله كاتب يكتب بإذنه ~~ما عليه ونحوه فإنه يرجع في ذلك إلى الكتاب الذي بخطه أو خط وكيله؛ فما كان ~~مكتوبا وليس عليه علامة الوفاء كان بمنزلة إقرار الميت به فالخط في مثل ذلك ~~كاللفظ وإقرار الوكيل فيما وكل فيه بلفظه أو خطه المعتبر مقبول؛ ولكن على ~~صاحب الدين اليمين بالاستحقاق أو نفي البراءة كما لو ثبت الدين بإقرار ~~لفظي. وأما إعطاء المدعي ما يدعيه بمجرد قوله الذي لا فرق فيه بين دعواه ~~ودعوى غيره فلا يجوز. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الوصي ونحوه إذا كان بعض مال الوصي مشتركا بينه وبين وصي عليه وللموصى ~~فيه نصيب؛ وباع الشركاء أنصباءهم أو اكتروه للوصي؛ واحتاج الولي أن يبيع ~~نصيب اليتيم؛ أو يكريه معهم: فهل يجوز له الشراء؟ # فأجاب: # يجوز له الشراء؛ لأن الشركاء غير متهمين في بيع نصيبهم ولأن الشركاء إذا ~~عينوا الوصي تعين عن غيره في نصيب اليتيم دخل ضرورة ويشهد له المعنى قال ~~الله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ms9180 المصلح} . # PageV31P326 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن وصي يتيم وهو يتجر له ولنفسه بماله فاشترى لليتيم صنفا ثم باعه واشترى ~~له بثمنه ثم بعد ذلك اشترى المذكور ومات ولم يعين: هل هو لأحدهم أو لهما. ~~فهل يكون الصنف لورثة الوصي أم لليتيم؟ # فأجاب: # إذا علم أنه لم يشتره إلا بماله وحده أو بمال اليتيم وحده فإنه لأحدهما: ~~ينظر في ذلك: هل يمكن علمه بأن يعرف مقدار مال اليتيم. ومقدار مال نفسه. ~~وينظر دفاتر الحساب وما كتبه بخطه ونحو ذلك وإن كان مال اليتيم متميزا بأن ~~يكون ما اشتراه بكتبه ونحو ذلك كان مما لم يكتبه لنفسه فإن تعذر معرفة ~~المستحق من كل وجه كان فيه للفقهاء. ثلاثة أقوال. أحدها: أن يقسم بينهما ~~كقول أبي حنيفة كما لو تداعيا عينا يدهما عليها والثاني: يوقف الأمر حتى ~~يصطلحا كقول الشافعي لأن المستحق أحدهما لا بعينه. والثالث: وهو مذهب أحمد ~~أنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة حلف وأخذ لما في السنن {عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~لواحد منهما بينة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم استهما عليه} رواه أبو ~~داود والنسائي. وفي لفظ لأبي داود {إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها ~~فليستهما عليه} رواه البخاري ولفظه {أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على ~~قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف} والله أعلم. # PageV31P327 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن أيتام تحت الحجر؛ ولهم وصي وكفيل ولأمهم زوج أجنبي: فهل له عليهم حكم؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس لزوج الأم عليهم حكم في أبدانهم ولا أموالهم؛ ~~بل الأم المزوجة بالأجنبي لا حضانة لها لئلا يحضنهم الأجنبي فإن الزوجة تحت ~~أمر الزوج فأسقط الشارع حضانتها؛ لئلا يكونوا في حضانة أجنبي؛ وإنما ~~الحضانة لأم الأم؛ أو لغيرها من الأقارب. وأما المال فأمره إلى الوصي. ~~والنكاح للعصبة. # وسئل: # عن رجل حضرته الوفاة فأوصى وصية بحضرته: أن هذه الدار نصفها للحرم ~~الشريف؛ ونصفها لمملوكي ms9181 " سنقر " المعتوق الحر: ولم يكن له وارث سوى ابن ~~أستاذه؛ وأن الوصي قال لابن أستاذه: هذا ما يجوز للمسلمين منعه؛ فخلى كلام ~~الوصي وباعه وتصرف فيها تصرف المالك: فهل يصح بيعه؟ # فأجاب: # إذا كانت الوصية تخرج من الثلث وجب تنفيذها ولم يكن للورثة إبطالها فإن ~~جحدوها فله تحليفهم ومتى شهد له شاهد بقبول الوصي أو غيره فله أن يحلف مع ~~شاهده ويأخذ حصته. # PageV31P328 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تحت حجر بطريق شرعي وأن الوصي توفي إلى رحمة الله تعالى وترك ولده ~~وأن ولده قد وضع يده على ما ترك والده وعلى ما كان والده وضع يده عليه من ~~مال المحجور عليه وأن اليتيم طلب الحساب من ولد الوصي فهل له ذلك وأن ولده ~~ادعى أن والده أقبض بعض مال محجوره لزيد وهو لا يستحق إقباض ذلك شرعا وأنه ~~بإشهاد عليهما ثم إن ذلك القابض الذي أقبضه الوصي ادعى أنه أقبض ذلك المال ~~لليتيم. فهل تجوز هذه الشهادة على اليتيم المحجور عليه ما ذكر؟ أم لا؟ وهل ~~له أن يرجع على مال الوصي بما أقبضه من ماله لمن لا يستحق إقباضه شرعا؟ وهل ~~لولد الوصي الرجوع عما أقبضه والده بغير مستند شرعي؟ وما الحكم في ذلك؟ # فأجاب - رحمه الله -: # إذا مات الوصي ولم يعرف أن مال اليتيم قد ذهب بغير تفريط فهو باق بحكم ~~يوجب إبقاءه في تركة الميت؛ لكن هل يكون دينا يحاص الغرماء؟ أو يكون أمانة ~~يؤخذ من أصل المال؟ فيه نزاع. وإذا ادعى الوارث رده إليه لم يقبل بمجرد ~~قوله. وأما إذا كان الوصي قد أقبضه لغيره وذلك الغير أقبضه لليتيم فإن ثبت ~~ذلك وكان الإقباض مما يسوغ: فقد برئت ذمة الوصي في ذلك: مثل أن # PageV31P329 # يكون اليتيم قد رشد فسلم إليه ماله بعد أن آنس الرشد؛ وإن لم يثبت ذلك ~~عند الحاكم فإن ذلك الحجر عنه لا يحتاج إلى ثبوت الحاكم ولا حكمه؛ بل متى ~~آنس الوصي منه الرشد فعليه أن يدفع إليه ماله كما قال الله ms9182 تعالى: {فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} . وأما إن كان الوصي قد سلم ~~المال من لا يجوز تسليمه إليه فهو ضامن له ثم إن كان المال وصل إلى اليتيم ~~الباين رشده فقد برئت ذمة الوصي كما تبرأ ذمة كل غاصب يوصل المال إلى ~~مستحقه ولو كان بغير فعل الغاصب ولا تعد: مثل أن يأخذه المالك قهرا أو ~~يخلصه له بعض الناس أو تطيره إليه الريح فإن أنكر اليتيم بعد إيناس الرشد ~~وصوله إليه من جهة ذلك القابض الذي ليس بوكيل للوصي فالقول قوله مع يمينه ~~وأما إن أنكر إقباض الوصي أو وكيله لأحد: فهل يقبل قوله؟ أو قول الوصي؟ فيه ~~نزاع مشهور بين العلماء. # وسئل - رحمه الله -: # عن وصي تحت يده مال لأيتام: فهل يجوز أن يخرج من ماله حصته؛ ومن مالهم ~~حصته؛ وينفقه عليهم وعليه؟ # PageV31P330 # فأجاب: ينفق على اليتيم بالمعروف. وإذا كان خلط طعامه بطعام الرجل أصلح ~~لليتيم فعل ذلك كما قال تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} فإن الصحابة كانوا لما ~~توعد الله على من يأكل مال اليتيم بالعذاب العظيم يميزون طعام اليتيم عن ~~طعامهم فيفسد فسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية. # وسئل - رحمه الله -: # عن أيتام تحت يد وصي ولهم أخ من أم؛ وقد باع الوصي حصته على إخوته؛ وذكر ~~[أن] (1) الملك كان واقعا؛ ولم تعلم الأيتام ببيعه لما باعه الوصي منه ~~إليهم: فهل يجوز البيع أم لا؟ # فأجاب: # بيع العقار ليس للوصي أن يفعله إلا لحاجة أو مصلحة راجحة بينة؛ وإذا ذكر ~~أنه باعه للاستهدام لم يكن له أن يشتريه لليتيم الآخر؛ لأن في ذلك ضررا ~~لليتيم الآخر إن كان صادقا؛ وضررا للأول إن كان كاذبا. PageV31P331 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له جارية وله منها ms9183 أولاد خمسة وأودع عند إنسان دراهم وقال له: إن ~~أنا مت تعطيها الدراهم ثم إنه مات فأخذت من الوصي بعض الدراهم ثم إن ~~أولادها طلبوها إلى الحاكم؛ وطلبوا منها الدراهم؛ فأعطتهم إياها واعترفت ~~أنها أخذتها من الموصي ثم إنهم طلبوا الوصي بجملة المال وادعوا أن الذي ~~أقرت به أنه منها لم يكن منه؛ إلا كان بعد أن أكرهوها على ذلك: فالقول قول ~~المرأة أنه من المبلغ أم لا؟ # فأجاب: # القول قول المستودع الموصى إليه في قدر المال مع يمينه والقول قوله: أنه ~~دفع إلى المرأة ما دفع إذا صدقته على ذلك والقول قول كل منهما مع يمينه أنه ~~ليس عنده أكثر من ذلك. والوصية لأم الولد وصية صحيحة إذا كانت تخرج من ~~الثلث؛ ولهذه المرأة أن تأخذ ما وصي لها به إذا كان دون الثلث فإن أنكر ~~الوارث الوصية فلها عليه اليمين وإن شهد لها شاهد عدل وحلفت مع شاهدها حكم ~~لها بذلك؛ وإذا خرج المال عن يد الوصي وشهد لها قبلت شهادته لها. # PageV31P332 # وإذا كانت كتمت أولا ما عند الوصي لتأخذ منه ما وصى لها به كان ذلك عذرا ~~لها في الباطن وإن لم يقم لها بذلك بينة. فإن من علم أنه يستحق مالا في ~~باطن ذلك وأخذه كان متأولا في ذلك؛ مع اختلاف العلماء في مسائل هذا الباب. ~~والله أعلم. # وسئل رحمه الله -: # عن وصي نزل عن وصيته عند الحاكم وسلم المال إلى الحاكم وطلب منه أن يأذن ~~له في محضر ليسلمه: فهل يجب ذلك على الحاكم؟ # فأجاب: # إذا كان محتاجا إلى ذلك لدفع ضرر عن نفسه فعلى الحاكم إجابته إلى ذلك فإن ~~المقصود بالحكم إيصال الحقوق إلى مستحقيها ودفع العدوان وهو يعود إلى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والإلزام بذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وصى لرجلين على ولده ثم إنهما اجتهدا في ثبوت الوصية: فهل لهم أن ~~يأخذوا من مال اليتيم ما غرموا على ثبوتها؟ # فأجاب: # إذا كانا متبرعين بالوصية فما أنفقاه على إثباتها ms9184 بالمعروف: فهو من مال ~~اليتيم. والله أعلم. # PageV31P333 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل توفي صاحب له في الجهاد؛ فجمع تركته في مدة ثلاث سنين بعد تعب: ~~فهل يجب له على ذلك أجرة؟ # فأجاب: # إن كان وصيا فله أقل الأمرين من أجرة مثله؛ أو كفايته وإن كان مكرها على ~~هذا العمل فله أجرة مثله وإن عمل متبرعا فلا شيء له من الأجرة؛ بل أجره على ~~الله وإن عمل ما يجب غير متبرع: ففي وجوب أجره نزاع. والأظهر الوجوب. # PageV31P334 ### | كتاب الفرائض # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن امرأة توفي زوجها وخلف أولادا؟ # فأجاب: # للزوجة الصداق؛ والباقي في ذمته حكمها فيه حكم سائر الغرماء وما بقي بعد ~~الدين والوصية النافذة إن كان هناك وصية فلها ثمنه مع الأولاد. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وأبوين وقد احتاط الأب على التركة؛ وذكر أنها ~~غير رشيدة. فهل للزوج ميراث منها؟ # فأجاب: # ما خلفته هذه المرأة: فلزوجها نصفه؛ ولأبيها الثلث والباقي للأم. وهو ~~السدس في مذهب الأئمة الأربعة سواء كانت رشيدة أو غير رشيدة. # PageV31P335 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة ماتت: عن أبوين وزوج؛ وأربعة أولاد ذكور وأنثى. فقال الزوج ~~لجماعة شهود: اشهدوا. على أن نصيبي - هو ستة - لأبوي زوجتي؛ وأولادها ~~المذكورين بالفريضة الشرعية فما خص كل واحد منهم؟ # فأجاب: # إذا كان قد ملكه نصيبه الذي هو ستة أسهم لسائر الورثة على الفريضة ~~الشرعية والباقي ثمانية عشر سهما: للأبوين ثمانية أسهم وأولاده عشرة أسهم ~~فترد تلك الستة على هذه الثمانية عشر سهما ويقسم الجميع. بينهم على ثمانية ~~عشر سهما كما يرد الفاضل عن ذوي السهام بينهم عند من يقول بالرد فإن نصيب ~~الوارث جعله لهم بمنزلة النصيب المردود بينهم. # و ### | سئل: # عن امرأة ماتت ولها زوج وجدة وإخوة أشقاء؛ وابن: # فما يستحق كل واحد من الميراث؟ # فأجاب: # للزوج الربع وللجدة السدس وللابن الباقي ولا شيء للإخوة باتفاق الأئمة. # PageV31P336 # وسئل: # عن امرأة توفيت: وخلفت زوجا وابنتين؛ ووالدتها وأختين شقيقتين: فهل ترث ~~الأخوات؟ # فأجاب: # يفرض للزوج ms9185 الربع وللأم السدس وللبنتين الثلثان. أصلها من اثني عشر وتعول ~~إلى ثلاثة عشر وأما الأخوات فلا شيء لهن مع البنات؛ لأن الأخوات مع البنات ~~عصبة؛ ولم يفضل للعصبة شيء هذا مذهب الأئمة الأربعة. # و ### | سئل: # عن امرأة ماتت: وخلفت زوجا وأما وأختا شقيقة وأختا لأب وأخا وأختا لأم؟ # فأجاب: # المسألة على عشرة أسهم أصلها من ستة وتعول إلى عشرة وتسمى " ذات الفروخ " ~~لكثرة عولها: للزوج النصف؛ وللأم السدس سهم وللشقيقة ثلاثة؛ وللأخت من الأب ~~السدس تكملة الثلثين ولولدي الأم الثلث سهمان. فالمجموع عشرة أسهم. وهذا ~~باتفاق الأئمة الأربعة. # PageV31P337 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت: وخلفت زوجا وبنتا وأما وأختا من أم. فما يستحق كل واحد ~~منهم؟ # فأجاب: # هذه الفريضة تقسم على أحد عشر: للبنت ستة أسهم وللزوج ثلاثة أسهم؛ وللأم ~~سهمان ولا شيء للأخت من الأم؛ فإنها تسقط بالبنت باتفاق الأئمة كلهم. وهذا ~~على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد. ومن لا يقول بالرد: كمالك ~~والشافعي: فيقسم عندهم على اثني عشر سهما؛ للبنت ستة؛ وللزوج ثلاثة؛ وللأم ~~سهمان؛ والسهم الثاني عشر لبيت المال (*) . # فصل: # والمقصود هنا: أن النصوص شاملة لجميع الأحكام. ونحن نبين ذلك فيما هو من ~~أشكل الأشياء لننبه به على ما سواه والفرائض من أشكلها. فنقول: PageV31P338 # النص والقياس - وهما الكتاب والميزان - دلا على أن ### | الثلث يختص به ولد الأم # كما هو قول علي ومن وافقه وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وروى ~~حرب التشريك وهو قول زيد ومن وافقه وقول مالك والشافعي واختلف في ذلك عن ~~عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة حتى قيل: إنه اختلف فيها عن جميع الصحابة ~~إلا عليا وزيدا؛ فإن عليا لم يختلف عنه أنه لم يشرك وزيد لم يختلف عنه أنه ~~يشرك. قال العنبري: القياس ما قال علي والاستحسان ما قال زيد. قال العنبري: ~~هذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة. فيقال: النص والقياس دلا على ما قال علي. ~~أما النص فقوله تعالى: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} والمراد ms9186 ~~به: ولد الأم وإذا أدخلنا فيهم ولد الأبوين لم يشتركوا في الثلث؛ بل زاحمهم ~~غيرهم. وإن قيل: إن ولد الأبوين منهم وأنهم من ولد الأم فهو غلط والله ~~تعالى قال: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس} الآية. وفي قراءة سعد وابن مسعود (من الأم) والمراد به ولد ~~الأم بالإجماع. ودل على ذلك قوله: {فلكل واحد منهما السدس} وولد الأبوين ~~والأب في آية في قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ # PageV31P339 # هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} ~~فجعل لها النصف وله جميع المال وهكذا حكم ولد الأبوين. ثم قال: {وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} وهذا حكم ولد الأبوين؛ لا الأم ~~باتفاق المسلمين. فدل ذكره تعالى لهذا الحكم في هذه الآية وكذلك الحكم في ~~تلك الآية على أن أحد الصنفين غير الآخر. وإذا كان النص قد أعطى ولد الأم ~~الثلث فمن نقصهم منه فقد ظلمهم. وولد الأبوين جنس آخر. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر} . وهذا ~~يقتضي أنه إذا لم تبق الفرائض شيئا لم يكن للعصبة شيء وهنا لم تبق الفرائض ~~شيئا. وأما قول القائل: إن أباهم كان حمارا فقد اشتركوا في الأم. فقول فاسد ~~حسا وشرعا. أما الحس: فلأن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا ولم يكونوا ~~من بني آدم. وإذا قيل: مراده أن وجوده كعدمه فيقال: هذا باطل فإن الوجود لا ~~يكون معدوما. وأما الشرع: فلأن الله حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد ~~الأم # PageV31P340 # وإذا قيل؛ فالأب. إذا لم ينفعهم لم يضرهم؟ قيل: بلى. قد يضرهم كما ~~ينفعهم؛ بدليل ما لو كان ولد الأم واحدا وولد الأبوين كثيرين؛ فإن ولد الأم ~~وحده يأخذ السدس والباقي يكون لهم كله ولولا الأب لتشاركوا هم وذاك الواحد ~~في الثلث وإذا جاز أن يكون وجود الأب ms9187 ينفعهم جاز أن يحرمهم. فعلم أنه ~~يضرهم. وأيضا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة المتصلة: ذكر وأنثى لا ~~تفرق أحكامها. فالأخ من الأبوين لا يكون كأخ من أب ولا كأخ من أم ولا يعطى ~~بقرابة الأم وحدها كما لا يعطى بقرابة الأب وحده؛ بل القرابة المشتركة من ~~الأبوين؛ وإنما يفرد إذا كان قرابة لأم منفردا مثل ابني عم: أحدهما أخ لأم ~~فهنا ذهب الجمهور إلى أن للأخ لأم السدس ويشتركان في الباقي وهو مأثور عن ~~علي وروي عن شريح: أنه جعل الجميع للأخ من الأم كما لو كان ابن عم لأبوين ~~والجمهور يقولون: كلاهما في بنوة العم سواء هما ابن عم من أبوين أو من أب ~~والإخوة من الأم مستقلة ليست مقترنة حتى يجعل كابن عم لأبوين. ومما يبين ~~الحكم في " مسألة المشركة " أن لو كان فيهن أخوات من أب لفرض لهن الثلثان ~~وعالت الفريضة؛ فلو كان معهن أخوهن سقطن ويسمى " الأخ المشئوم " فلما صرن ~~بوجوده يصرن عصبة: صار تارة ينفعهن. وتارة يضرهن؛ ولم يجعل وجوده كعدمه في ~~حالة الضر. كذلك قرابة الأب لما # PageV31P341 # الإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى. فهذا مجرى " العصوبة " فإن ~~العصبة تارة يحوز المال كله وتارة يحوز أكثره؛ وتارة أقله وتارة لا يبقى له ~~شيء وهو إذا استغرقت الفرائض المال. فمن جعل العصبة تأخذ مع استغراق ~~الفرائض المال فقد خرج عن الأصول المنصوصة في الفرائض. وقول القائل: هو ~~استحسان. يقال هذا استحسان يخالف الكتاب والميزان؛ فإنه ظلم للإخوة من ~~الأم؛ حيث يؤخذ حقهم فيعطاه غيرهم. والمنازعون في هذه المسألة ليس معهم حجة ~~إلا أنه قول زيد. فقد روي عن عمر: أنه حكم بها فعمل بذلك من عمل من أهل ~~المدينة وغيرها كما عملوا بمثل ذلك في ميراث الجد والإخوة. وعملوا بقول زيد ~~في غير ذلك من الفرائض تقليدا له وإن كان النص والقياس مع من خالفه. وبعضهم ~~يحتج لذلك بقوله: {أفرضكم زيد} . وهو حديث ضعيف؛ لا أصل له. ولم يكن زيد ~~على عهد النبي ms9188 صلى الله عليه وسلم معروفا بالفرائض. حتى أبو عبيدة لم يصح ~~فيه إلا قوله: {لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح} . وكذلك ~~اتباعهم لزيد في " الجد " مع أن جمهور الصحابة على خلافه. فجمهور الصحابة ~~موافقون للصديق في أن الجد كالأب يحجب الإخوة وهو مروي عن بضعة عشر من ~~الصحابة ومذهب أبي حنيفة وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد. اختاره أبو ~~حفص البرمكي من أصحابه وحكاه # PageV31P342 # بعضهم رواية عن أحمد. وأما المورثون للإخوة مع الجد فهم علي وابن مسعود ~~وزيد ولكل واحد قول انفرد به. وعمر بن الخطاب كان متوقفا في أمره. والصواب ~~بلا ريب قول الصديق؛ لأدلة متعددة ذكرناها في غير هذا الموضع. # وأما ### | " العمريتان " # فليس في القرآن ما يدل على أن للأم الثلث مع الأب والزوج؛ بل إنما أعطاها ~~الله الثلث إذ ورثت المال هي والأب فكان القرآن قد دل على أن ما ورثته هي ~~والأب تأخذ ثلثه والأب ثلثيه واستدل بهذا أكابر الصحابة: كعمر وعثمان وعلي ~~وابن مسعود وزيد وجمهور العلماء على أن ما يبقى بعد فرض الزوجين يكونان فيه ~~أثلاثا قياسا على جميع المال إذا اشتركا فيه وكما يشتركان فيما يبقى بعد ~~الدين والوصية. ومفهوم القرآن ينفي أن تأخذ الأم الثلث مطلقا فمن أعطاها ~~الثلث مطلقا حتى مع الزوجة فقد خالف مفهوم القرآن. وأما الجمهور فقد عملوا ~~بالمفهوم فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه كميراثها إذا لم يرث بل إن ورثه ~~أبوه فلأمه الثلث مطلقا وأما إذا لم يرثه أبوه؛ بل ورثه من دون الأب: كالجد ~~والعم والأخ فهي بالثلث أولى فإنها إذا أخذت الثلث مع الأب فمع غيره من ~~العصبة أولى. # PageV31P343 # فدل القرآن على أنه إذا لم يرثه إلا الأم والأب؛ أو عصبة غير الأب سوى ~~الابن؛ فلأمه الثلث؛ وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ وأما الابن ~~فإنه أقوى من الأب؛ فلها معه السدس. وإذا كان مع العصبة ذو فرض فالبنات ~~والأخوات قد أعطوا الأم معهن السدس والأخت الواحدة إذا كانت هي ms9189 والأم فالأم ~~تأخذ الثلث مع الذكر من الإخوة فمع الأنثى أولى. وإنما الحجب عن الثلث إلى ~~السدس بالإخوة؛ والواحد ليس إخوة. فإذا كانت مع الأخ الواحد تأخذ الثلث فمع ~~العم وغيره بطريق الأولى. وفي الجد نزاع: يروى عن ابن مسعود والجمهور على ~~أنها مع الجد تأخذ ثلث المال وهو الصواب؛ لأن الجد أبعد منها؛ وهو محجوب ~~بالأب فلا يحجبها عن شيء من حقها؛ ومحض القياس أن الأب مع الأم؛ كالبنت من ~~الابن والأخت مع الأخ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد هما عصبة. وقد أعطيت ~~الزوجة نصف ما يعطاه الزوج؛ لأنهما ذكر وأنثى من جنس. وأما دلالة الكتاب في ### | ميراث الأم؛ # فإن الله يقول: {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فالله تعالى فرض لها بشرطين: أن لا يكون ~~له ولد. وأن يرثه أبوه؛ فكان في هذا دلالة على أنها لا تعطى الثلث مطلقا مع ~~عدم الولد # PageV31P344 # وهذا مما يدل على صحة قول أكابر الصحابة والجمهور الذين يقولون: لا تعطى ~~في " العمريتين " - زوج وأبوان؛ وزوجة وأبوان - ثلث جميع المال. قال ابن ~~عباس وموافقوه: فإنها لو أعطيت الثلث هنا لكانت تعطاه مع عدم الولد مطلقا ~~وهو خلاف ما دل عليه القرآن. وقد روي عنه أنه قال لزيد: أفي كتاب الله ثلث ~~ما بقي؟ أي ليس في كتاب الله إلا سدس وثلث. فيقال: وليس في كتاب الله ~~إعطاؤها الثلث مطلقا فكيف يعطيها مع الزوجين الثلث بل في كتاب الله ما يمنع ~~إعطاءها الثلث مع الأب وأحد الزوجين. فإنه لو كان كذلك كان يقول: فإن لم ~~يكن له ولد فلأمه الثلث. فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا؛ فلما خص ~~الثلث ببعض الحال: علم أنها لا تستحق مطلقا. فهذا مفهوم المخالفة الذي يسمى ~~دليل الخطاب يدل على بطلان قول من أعطاها الثلث إلا العمريتين ولا وجه ~~لإعطائها الثلث مع مخالفته للإجماع. إلى أن قال: فإن قوله: {وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} دل ms9190 على أن لها الثلث والباقي للأب بقوله ورثه أبواه فإنه لما ~~جعل الميراث ميراثا بينهما ثم أخرج نصيبها دل على أن الباقي نصيبه. وإذا ~~أعطي الأب الباقي معها لم يلزم أن يعطى غيره مثل ما أعطي. وإنما أعطينا ~~سائر العصبة بقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وبقوله: ~~{ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} # PageV31P345 # وبقول النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى ~~رجل ذكر} . # فصل: # وأما ميراث الأخوات مع البنات: وأنهن عصبة. كما قال: ( {وله أخت} - الذي ~~هو قول جمهور الصحابة والعلماء - فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا فإن قوله ~~تعالى {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} . فدل على أن الأخت ترث ~~النصف مع عدم الولد. وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن ~~الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان لها النصف ~~سواء كان له ولد أو لم يكن له فكان ذكر الولد تدليسا وعبثا مضرا وكلام الله ~~منزه عن ذلك. ومن هذا قوله تعالى {ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} ~~وقوله {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} وإذا علم أنها مع الولد ~~لا ترث النصف فالولد إما ذكر وإما أنثى. # PageV31P346 # أما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى؛ بدليل قوله: {وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ولد} فلم يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن لها ولد ~~والإرث المطلق هو حوز جميع المال فدل ذلك على أنه إذا كان لها ولد لم يحز ~~المال؛ بل: إما أن يسقط وإما أن يأخذ بعضه. فيبقى إذا كان لها ولد: فإما ~~ابن وإما بنت. والقرآن قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف فدل على أن البنت ~~لا تمنعه النصف الآخر؛ إذا لم يكن إلا بنت وأخ. ولما ms9191 كان فتيا الله إنما هو ~~في الكلالة؛ والكلالة من لا والد له ولا ولد: علم أن من ليس له ولد ووالد ~~ليس هذا حكمه. ولما كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز المال - مال الأخت - ~~فيكون لها عصبة؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب ~~والأخ عصبة فالابن بطريق الأولى. وقد قال تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون} ودل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا ~~الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر} أن ما بقي بعد الفرائض لا يرثه إلا ~~العصبة وقد علم أن الابن أقرب ثم الأب؛ ثم الجد؛ ثم الإخوة. وقضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن أولاد بني الأم يتوارثون؛ دون بني العلات. فالأخ للأبوين ~~أولى من الأخ للأب وابن الابن يقوم مقام الابن وكذلك كل بني أب أدنى هم ~~أقرب من بني الأب الذي هو أعلى منه وأقر بهم إلى الأب الأعلى # PageV31P347 # فهو أقرب إلى الميت. وإذا استويا في الدرجة فمن كان لأبوين أولى ممن كان ~~للأب. فلما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد. وأنه مع ذكور ولد ~~يكون الابن عاصبا يحجب الأخت؛ كما يحجب أخاها. بقي الأخت مع إناث الولد: ~~ليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت في هذه الحال. بقي مع البنت: إما أن ~~تسقط؛ وإما أن يكون لها النصف وإما أن تكون عصبة. ولا وجه لسقوطها؛ فإنها ~~لا تزاحم البنت. وأخوها لا يسقط. فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من ~~الأقارب والبعيد لا يسقط القريب ولأنها كانت تساوي البنت مع اجتماعهما ~~والبنت أولى منها فلا تساوى بها؛ فإنه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن ~~النصف كزوج وبنت فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والإخوة لا ~~يزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإن الأولاد أولى منهم. والله إنما أعطاها ~~النصف إذا كان الميت كلالة. فلما بطل سقوطها وفرضها لم يبق إلا أن تكون ~~عصبة أولى من البعيد ms9192 كالعم وابن العم وهذا قول الجمهور. وقد دل عليه حديث ~~البخاري {عن ابن مسعود لما ذكر له أن أبا موسى وسلمان بن ربيعة قالا: في ~~بنت وبنت ابن. وأخت: للبنت النصف # PageV31P348 # وللأخت النصف وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. فقال: لقد ضللت إذا وما أنا ~~من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ~~وبنت الابن السدس تكملة الثلثين. وما بقي للأخت} فدل ذلك أن الأخوات مع ~~البنات عصبة والأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع ~~البنت. وقوله صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ} فهذا عام خص ~~منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {تحوز المرأة ~~ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه} وإذا كان عاما ~~مخصوصا: خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة. # فصل: # وأما " ميراث البنتين " فقد قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف} فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ولها وحدها ~~النصف ولما فوق اثنتين الثلثان. بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا ~~الربع فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه قال: {وإن ~~كانت # PageV31P349 # واحدة فلها النصف} فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون ~~لها إلا مع هذا الوصف؛ بخلاف قوله: {فإن كن نساء} ذكر ضمير (كن) و (ونساء) ~~وذلك جمع لم يمكن أن يقال: اثنتين؛ لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن ~~الحكم لا يختص باثنتين فلزم أن يقال: {فوق اثنتين} لأنه قد عرف حكم ~~الثنتين؛ وعرف حكم الواحدة وإذا كانت واحدة فلها النصف ولما فوق الثنتين ~~الثلثان: امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين فلا يكون لهما جميع المال ~~لكل واحدة النصف فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان فكيف الثلاثة ولا يكفيها ~~النصف لأنه لها بشرط أن تكون واحدة فلا يكون ms9193 لها إذا لم تكن واحدة. وهذه ~~الدلالة تظهر من قراءة النصب {وإن كانت واحدة} فإن هذا خبر كان تقديره: فإن ~~كانت بنتا واحدة أي مفردة ليس معها غيرها {فلها النصف} فلا يكون لها ذلك ~~إذا كان معها غيرها فانتفى النصف وانتفى الجميع فلم يبق إلا الثلثان. وهذه ~~دلالة من الآية. وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات: {فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك} كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من ~~الأختين. وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أعطى ابنتي سعد بن ~~الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ما بقي ". وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف ~~عن ابن عباس. # PageV31P350 # ودلت آية (الولد) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؛ فكذلك قال في ~~الأخوات {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} ولم يذكر ما فوقهما؛ ~~فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى؛ ~~بخلاف آية البنات؛ فإنه لم يدل قوله {للذكر مثل حظ الأنثيين} إلا على أن ~~لها الثلث مع أخيها وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث فصار بيانه في كل من ~~الآيتين من أحسن البيان؛ لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد ~~على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين وفي آية الصيف لما دل الكلام ~~على ميراث الأختين وكان ذلك دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو ~~الأربعة وما زاد: لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين. فهناك ذكر ما فوق ~~البنتين دون البنتين وفي الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما ~~يقتضيه حسن البيان في كل موضوع ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد ~~وحكم الأختين فصاعدا: بقي بيان الابنتين فصاعدا من الصنفين ليكون البيان ~~مستوعبا للأقسام. ولفظ " الإخوة " وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعني به الجنس ~~من غير قصد القدر منه: فيتناول الاثنين فصاعدا. وقد يعني به الثلاثة ~~فصاعدا. وفي هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقا؛ لأنه بين الواحدة قبل ذلك؛ ~~ولأن ms9194 ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه ~~بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة وقد صرح بذلك في قوله: {وإن كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة} إلى قوله: {فهم شركاء في الثلث} فقوله: (كانوا) # PageV31P351 # ضمير جمع وقوله: {أكثر من ذلك} أي من أخ وأخت ثم قال: {فهم شركاء في ~~الثلث} فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله: فهم والمظهر وهو قوله شركاء. ~~فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا: الاثنين ~~فصاعدا؛ لقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} وقوله؛ {فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس} وقوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء} . # فصل: # وأما " الجدة " فكما قال الصديق: ليس لها في كتاب الله شيء؛ فإن الأم ~~المذكورة في كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا فالجدة ~~وإن سميت أما لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض فأدخلت في لفظ ~~الأمهات في قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~أعطاها السدس " فثبت ميراثها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل ~~عنه لفظ عام في الجدات؛ بل ورث الجدة التي سألته فلما جاءت الثانية أبا بكر ~~جعلها شريكة الأولى في السدس. وقد تنازع الناس في " الجدات " فقيل: لا يرث ~~الاثنتان: أم الأم وأم الأب كقول مالك وأبي ثور. وقيل: لا يرث إلا ثلاث ~~هاتان وأم الجد؛ لما {روى إبراهيم النخعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV31P352 # ورث ثلاث جدات: جدتيك من قبل أبيك وجدتك من قبل أمك} وهذا مرسل حسن؛ فإن ~~مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل. فأخذ به أحمد. ولم يرد في النص إلا توريث ~~هؤلاء. وقيل: بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث؛ وهو قول الأكثرين كأبي ~~حنيفة والشافعي وغيرهما وهو وجه في مذهب أحمد. وهذا القول أرجح؛ لأن لفظ ~~النص وإن لم يرد في كل جدة فالصديق لما جاءته الثانية قال لها: لم يكن ~~السدس التي أعطي إلا لغيرك؛ ولكن هي لو خلت به فهو لها. فورث الثانية. ms9195 ~~والنص إنما كان في غيرها. ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت: فترث أم ~~أم الأب وأم أم الأم بالاتفاق: فيبقى أم أبي الجد: أي فرق بينها وبين أم ~~الجد وإن فرق بين أم الأب وأم الجد. ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد؛ بل ~~هو جد أعلى كذلك الجد كالأب؛ كأي وصف يفرق بين أم أم الأب وأم أبي الجد ~~يبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء؛ فكذلك أم أم أبيه وأم ~~أبي أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء؛ فوجب اشتراكهما في الميراث. وأيضا فهؤلاء ~~جعلوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث وأم أبي الأب لا ترث. ورجحوا الجدة ~~من جهة الأم على الجدة من جهة الأب. وهذا ضعيف فلم تكن أم الأم أولى به من ~~أم الأب؛ وأقارب الأم لم # PageV31P353 # يقدموا في شيء من الأحكام بل أقارب الأب أولى في جميع الأحكام؛ فكذلك في ~~الحضانة. والصحيح أنها لا تسقط بابنها - أي الأب - كما هو أظهر الروايتين ~~عن أحمد؛ لحديث ابن مسعود. ولأنها ولو أدلت به فهي لا ترث ميراثه؛ بل هي ~~معه كولد الأم مع الأم لم يسقطوا بها. وقول من قال: من أدلى بشخص سقط به. ~~باطل: طردا وعكسا. باطل طردا: بولد الأم مع الأم وعكسا: بولد الابن مع ~~عمهم؛ وولد الأخ مع عمهم. وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يدل به؛ ~~وإنما العلة أنه يرث ميراثه فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه ~~والجدات يقمن مقام الأم فيسقطن بها وإن لم يدلين بها. # وأما كون ### | " بنات الابن مع البنت " # لهن السدس تكملة الثلثين وكذلك الأخوات من الأب مع أخت الأبوين؛ فلأن ~~الله قال. {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} وقد علم أن الخطاب تناول ولد البنين؛ دون ولد ~~البنات وأن قوله {أولادكم} يتناول من ينسب إلى الميت؛ وهم ولده وولد ابنته ~~وأنه متناولهم على ms9196 الترتيب: يدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب؛ لما قد ~~عرف من أنما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر والابن # PageV31P354 # أقرب من ابن الابن فإذا لم تكن إلا بنت فلها النصف؛ وبقي من نصيب البنات ~~السدس؛ فإذا كان هنا بنات ابن فإنهن يستحققن الجميع لولا البنت؛ فإذا أخذت ~~النصف فالباقي لهن. # وكذلك في الأخت من الأبوين مع الأخت من الأب: {أخبر ابن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى للبنت بالنصف؛ ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين} ~~وأما إذا استكملت البنات الثلثين لم يبق فرض؛ فإن كان هناك عصبة من ولد ~~البنين فالمال له؛ لأنه أولى ذكر؛ وإن كان معه أو فوقه عصبها عند جمهور ~~الصحابة والعلماء كالأربعة وغيرهم. وأما ابن مسعود فإنه يسقطها؛ لأنها لا ~~ترث مفردة. # والنزاع في الأخت للأب مع أخيها إذا استكمل البنات الثلثين. فالجمهور ~~يجعلون البنات عصبة مع إخوانهن يقتسمون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين سواء ~~زاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص وتوريثهن هنا أقوى وقول ابن مسعود معروف في ~~نقصانهن. # PageV31P355 # فصل: # وفي من " عمي موتهم " فلم يعرف أيهم مات أولا فالنزاع مشهور فيهم. ~~والأشبه بأصول الشريعة أنه لا يرث بعضهم من بعض بل يرث كل واحد ورثته ~~الأحياء وهو قول الجمهور وهو قول في مذهب أحمد؛ لكن خلاف المشهور في مذهبه ~~وذلك لأن المجهول كالمعدوم في الأصول كالملتقط لما جهل حال المالك كان ~~المجهول كالمعدوم فصار مالكا لما التقطه؛ لعدم العلم بالملك. وكذلك " ~~المفقود " قد أخذ أحمد بأقوال الصحابة الذين جعلوا المجهول كالمعدوم ~~فجعلوها زوجة الثاني ما دام الأول مجهولا باطنا وظاهرا كما في اللقط فإذا ~~علم صار النكاح موقوفا على إجازته ورده فخير بين امرأته والمهر. فإن اختار ~~امرأته كانت زوجته وبطل نكاح الثاني ولم يحتج إلى طلاقه والمقصود هنا أن ~~أحمد تبع الصحابة الذين جعلوا المجهول كالمعدوم وهنا إذا كان أحدهما قد مات ~~قبل الآخر فذاك مجهول والمجهول كالمعدوم فيكون تقدم أحدهما على الآخر ~~معدوما فلا يرث أحدهما صاحبه. وأيضا فالميراث جعل للحي ms9197 ليكون خليفة للميت ~~ينتفع بماله. # PageV31P356 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل توفي: وله عم شقيق وله أخت من أبيه: فما الميراث # فأجاب: # للأخت النصف، والباقي للعم وذلك باتفاق المسلمين. # وسئل: # عن امرأة ماتت وخلفت من الورثة بنتا وأخا من أمها وابن عم فما يخص كل ~~واحد؟ # فأجاب: # للبنت النصف ولابن العم الباقي. ولا شيء للأخ من الأم لكن إذا حضر القسمة ~~فينبغي أن يرضخ له. والبنت تسقط الأخ من الأم في مذهب الأئمة الأربعة. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت: عن زوج وأب وأم وولدين: أنثى وذكر ثم بعد وفاتها توفي ~~والدها: وترك أباه وأخته وجده وجدته. # PageV31P357 # فأجاب: # للزوج الربع وللأبوين السدسان وهو الثلث والباقي للولدين أثلاثا؛ ثم ما ~~تركه الأب: فلجدته سدسه ولأبيه الباقي ولا شيء لأخته ولا جده؛ بل كلاهما ~~يسقط بالأب. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له أولاد وكسب جارية وأولدها فولدت ذكرا فعتقها وتزوجت ورزقت ~~أولادا فتوفي الشخص فخص ابنه الذي من الجارية دارا وقد توفي. فهل يخص إخوته ~~من أمه شيء مع إخوته الذين من أبيه؟ # فأجاب: # للأم السدس ولإخوته من الأم الثلث والباقي لإخوته من أبيه: للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت: وخلفت زوجا وابن أخت؟ # فأجاب: # للزوج النصف وأما ابن الأخت ففي أحد الأقوال له الباقي وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه وأحمد في المشهور عنه وطائفة من أصحاب الشافعي. # PageV31P358 # وفي القول الثاني: الباقي لبيت المال؛ وهو قول كثير من أصحاب الشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايات. وأصل هذه المسألة: تنازع العلماء في " ذوي الأرحام ~~" الذين لا فرض لهم ولا تعصيب. فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من ~~لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين. ومذهب أكثر السلف ~~وأبي حنيفة والثوري وإسحاق وأحمد في المشهور عنه يكون الباقي لذوي الأرحام ~~{بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} ولقول النبي صلى الله عليه وسلم {الخال ~~وارث من لا وارث له يرث ماله ويفك عانه} . # وسئل ms9198 - رحمه الله تعالى -: # عن رجل مات وترك زوجة وأختا لأبويه وثلاث بنات أخ لأبويه: فهل لبنات الأخ ~~معهن شيء؟ وما يخص كل واحدة منهن؟ # فأجاب: # للزوجة الربع؛ وللأخت لأبوين النصف. ولا شيء لبنات الأخ: والربع الثاني ~~إن كان هناك عصبة فهو للعصبة وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي ~~العلماء وعلى الآخر هو لبيت المال. # PageV31P359 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل مات وخلف بنتا وله أولاد أخ من أبيه وهم صغار وله ابن عم راجل وله ~~بنت عم وله أخ من أمه وليس هو من أولاد أعمامه: فمن يأخذ المال؟ ومن يكون ~~ولي البنت؟ # فأجاب: # أما الميراث فنصفه للبنت ونصفه لأبناء الأخ. وأما حضانة الجارية فهي لبنت ~~العم؛ دون العم من الأم؛ ودون ابن العم الذي ليس بمحرم وله الولاية على ~~المال الذي لليتيمة لوصي أو نوابه. # و ### | سئل: # عمن ترك ابنتين وعمه أخا أبيه من أمه: فما الحكم؟ # فأجاب: # إذا مات الميت: وترك بنتيه وأخاه من أمه. فلا شيء لأخيه لأمه باتفاق ~~الأئمة بل للبنتين الثلثان والباقي للعصبة إن كان له عصبة وإلا فهو مردود ~~على البنتين أو بيت المال. # PageV31P360 # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل توفي: وخلف أخا له؛ وأختا شقيقين؛ وبنتين وزوجة وخلف موجودا. وكان ~~الأخ المذكور غائبا فما تكون القسمة؟ # فأجاب: # للزوجة الثمن وللبنتين الثلثان؛ وللإخوة خمسة قراريط: بين الأخ والأخت ~~أثلاثا. فتحصل للزوجة ثلاثة قراريط ولكل بنت ثمانية قراريط؛ وللأخ ثلاثة ~~قراريط وثلث وللأخت قيراط وثلثا قيراط. # وسئل: # عن رجل له خالة ماتت وخلفت موجودا؛ ولم يكن لها وارث: فهل يرثها ابن ~~أختها؟ # فأجاب: # هذا في أحد قولي العلماء هو الوارث؛ وفي الآخر بيت المال الشرعي. # وسئل: # عن رجل كانت له بنت عم وابن عم فتوفيت بنت العم؛ وتركت بنتا؛ ثم توفي ابن ~~العم المذكور؛ وترك ولدين فبقي الولدان وبنت بنت # PageV31P361 # العم المتوفية؛ ثم توفيت البنت: وتركت أولاد عم فمن يستحق الميراث أولاد ~~ابن العم من الأم؛ أم أولاد عمها؟ # الجواب: # مذهب الإمام ms9199 أحمد وغيره ممن يقول بالتنزيل - كما نقل نحو ذلك عن الصحابة ~~والتابعين وهو قول الجمهور - فتنزيل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى ~~به قريبا كان أو بعيدا؛ ولا يعتبر القرب إلى الوارث ثم اتحدت الجهة فإن ~~أولاد العم لهم ثلثا المال وأولاد ابن عم الأم ثلث المال فإن أولئك ينتهي ~~أمرهم إلى الأم. وإذا وجد أم مع أب؛ أو مع جد كان للأم الثلث؛ والباقي له. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل: خلف زوجة وثلاثة أولاد ذكور منها. ثم مات أحدهم وخلف أمه وأخويه. ~~ثم مات الآخر وخلف أمه وأخاه. ثم مات الثالث: وخلف أمه وابنا له: فما يحصل ~~للأم من تركته؟ # فأجاب: # للزوجة من تركة الميت الأول الثمن والباقي للإخوة الذين هم أولاد الميت؛ ~~ثم الأخ الأول: لأمه سدس تركته والباقي لأخويه. والأخ الثاني: لأمه ثلث ~~تركته؛ والباقي لأخيه والأخ الثالث: لأمه سدس التركة؛ والباقي لابنه. # PageV31P362 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين - إخوة لأب - وكانت أم أحدهما أم ولد؛ تزوجت بإنسان ورزقت منه ~~اثنين وكان ابن الأم المذكورة تزوج ورزق ولدا ومات وخلف ولده فورث أباه ثم ~~مات الولد وكان قد مات أخوه من أبيه في حياته وخلف ابنا فلما مات الولد خلف ~~أخوه اثنين: وهم إخوة أبيه من أمه وخلف ابن عم من أبيه: فما الذي يخص إخوة ~~أبيه؟ وما الذي يخص ابن عمه؟ # فأجاب: # الحمد لله، الميراث جميعه لابن عمه من الأب وأما إخوة أبيه من الأم فلا ~~ميراث لهما وهذا باتفاق المسلمين لكن ينبغي للميت أن يوصي لقرابته الذين لا ~~يرثونه فإذا لم يوص فينبغي إذا حضروا القسمة أن يعطوا منه؛ كما قال تعالى: ~~{وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم ~~قولا معروفا} . # وسئل: # عن رجل توفي وخلف ابنين وبنتين؛ وزوجة وابن أخ فتوفي الابنان وأخذت ~~الزوجة ما خصها وتزوجت بأجنبي وبقي نصيب الذكرين ما قسم وأن الزوجة حبلت من ~~الزوج الجديد فأراد بقية الورثة # PageV31P363 # قسمة الموجود فمنع البقية إلى ms9200 حيث تلد الزوجة. فهل يكون لها إذا ولدت ~~مشاركة في الوجود؟ # فأجاب: # الحمد لله، الميت الأول لزوجته الثمن والباقي لبنيه وبناته للذكر مثل حظ ~~الأنثيين ولا شيء لابن الأخ فيكون للزوجة ثلاثة قراريط ولكل ابن سبعة ~~قراريط وللبنتين سبعة قراريط. ثم الابن الأول لما مات خلف أخاه وأختين وأمه ~~والأخ الثاني خلف أختيه وأمه وابن عمه. والحمل إن كان موجودا عند موت ~~أحدهما ورثا منه؛ لأنه أخوة من أمه. وينبغي لزوج المرأة أن يكف عن وطئها من ~~حين موت هذا. وهذا كما أمر بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه إذا لم ~~يطأها وولدته علم أنه كان موجودا وقت الموت. وإذا وطئها وتأخر الحمل اشتبه؛ ~~لكن من أراد من الورثة أن يعطى حقه أعطي الثلثين ووقف للحمل نصيب وهو ~~الثلث. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن يتيم له موجود تحت أمين الحكم وأن عمه تعمد قتله حسدا فقتله وثبت عليه ~~ذلك. فما الذي يجب عليه شرعا وما حكم الله في قسم ميراثه: من وقف وغيره وله ~~من الورثة والده وأخ من أمه وجد لأمه وأولاد القاتل # PageV31P364 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما الميراث من المال فإنه لورثته والقاتل لا يرث ~~شيئا باتفاق الأئمة؛ بل للأم الثلث والأخ من الأم السدس والباقي لابن العم. ~~ولا شيء للجد أبي الأم. وأما " الوقف " فيرجع فيه إلى شرط الواقف الموافق ~~للشرع. وأما " دم المقتول " فإنه لورثته: وهم الأم والأخ وابن العم القاتل ~~في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. ومذهب مالك أنهم إن اختلفوا: فأرادت الأم ~~أمرا وابن العم أمرا فإنه يقدم ما أراده ابن العم؛ وهو ذو العصبية في إحدى ~~الروايات التي اختارها كثير من أصحابه. وفي " الثانية " وهي رواية ابن ~~القاسم التي عليها العمل عند المغاربة: أن الأمر أمر من طلب الدم سواء كان ~~هو العاصب أو ذات الفرض. و " الرواية الثالثة " كمذهب الشافعي: أن من عفا ~~من الورثة صح عفوه؛ وصار حق الباقين في الذمة. لكن ابن العم: هل يقتل أباه ms9201 ~~هذا فيه قولان أيضا: " أحدهما " لا يقتله كمذهب الشافعي وأحمد؛ في المشهور ~~عنه. وفي " الثاني " يقتله: كقول مالك وهو قول في مذهب أحمد؛ لكن القود ثبت ~~للمقتول ثم انتقل إلى الوارث؛ لكن كره مالك له قتله ومن وجب له القود فله ~~أن يعفو وله أن يأخذ الدية وإذا عفا بعض المستحق للقود سقط وكان حق الباقين ~~في الدية. وله أن يأخذ الدية بغير رضا القاتل في مذهب الشافعي # PageV31P365 # وأحمد في المشهور وفي رواية أخرى لا يأخذ الدية إلا برضا القاتل وهو مذهب ~~أبي حنيفة ومالك. وإذا سقط القود عن قاتل العمد؛ فإنه يضرب مائة جلدة ويحبس ~~سنة عند مالك وطائفة من أهل العلم دون الباقين. # وسئل عن قوله: # جدتي أمه وأبي جده ... وأنا عمة له وهو خالي # أفتنا يا إمام حماك الله ... ويكفيك حادثات الليالي # فأجاب - رحمه الله -: # رجل زوج ابنه أم بنته ... وأتى البنت بالنكاح الحلال # فأتت منه ببنت قالت الشعراء ... وقالت لابن هاتيك خالي # رجل تزوج امرأة وتزوج ابنه بأمها ولد له بنت ولابنه ابن فبنته هي ~~المخاطبة بالشعر. فجدتها أم أمها هي أم ابن الابن زوجة الابن وأبوها جد ابن ~~ابنه وهي عمته أخت أبيه من الأب وهو خالها أخو أمها من الأم. والله أعلم. # PageV31P366 # وسئل - رحمه الله -: عن قوله # ما بال قوم غدوا قد مات ميتهم ... فأصبحوا يقسمون المال والحللا # فقالت امرأة من غير عترتهم ... ألا أخبركم أعجوبة مثلا # في البطن مني جنين دام يشكركم ... فأخروا القسم حتى تعرفوا الحملا # فإن يكن ذكرا لم يعط خردلة ... وإن يكن غيره أنثى فقد فضلا # بالنصف حقا يقينا ليس ينكره ... من كان يعرف فرض الله لا زللا # إني ذكرت لكم أمري بلا كذب ... فلا أقول لكم جهلا ولا مثلا. # الجواب # فأجاب: زوج وأم واثنان من ولد الأم وحمل من الأب؛ والمرأة الحامل ليست أم ~~الميت بل هي زوجة أبيها. فللزوج النصف وللأم السدس ولولد الأم الثلث. فإن ~~كان الحمل ذكرا فهو أخ من أب فلا شيء له باتفاق العلماء. ms9202 وإن كان الحمل ~~أنثى فهو أخت من أب فيفرض لها النصف وهو فاضل عن السهام. فأصلها من ستة ~~وتعول إلى تسعة. وأما إن كان الحمل من أم الميت: فهكذا الجواب في أحد قولي ~~العلماء من الصحابة ومن بعدهم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. ~~وعلى القول الآخر إن كان الحمل ذكرا يشارك ولد الأم كواحد منهم؛ ولا يسقط ~~وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه. # PageV31P367 # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن امرأة مزوجة ولزوجها ثلاث شهور وهو في مرض مزمن فطلب منها شرابا ~~فأبطأت عليه فنفر منها. وقال لها: أنت طالق ثلاثة وهي مقيمة عنده تخدمه ~~وبعد عشرين يوما توفي الزوج: فهل يقع الطلاق؟ وهل إذا حلف على حكم هذه ~~الصورة يحنث؟ وهل للوارث أن يمنعها الإرث؟ # فأجاب: # أما الطلاق فإنه يقع إن كان عاقلا مختارا لكن ترثه عند جمهور أئمة ~~الإسلام وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في القول القديم كما قضى ~~به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف. فإنه طلقها في مرض موته ~~فورثها منه عثمان. وعليها أن تعتد أبعد الأجلين: من عدة الطلاق أو عدة ~~الوفاة. وأما إن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل طلق زوجته طلقة واحدة قبل الدخول بها في مرضه الذي مات فيه: فهل ~~يكون ذلك طلاق الفار؟ ويعامل بنقيض قصده؟ وترثه الزوجة وتستكمل جميع صداقها ~~عليه؟ أم لا ترث وتأخذ نصف الصداق والحالة هذه؟ # PageV31P368 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة مبنية على " مسألة المطلق بعد الدخول ~~في مرض الموت " والذي عليه جمهور السلف والخلف توريثها كما قضى بذلك عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه لامرأة عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ وقد كان ~~طلقها في مرضه وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في القديم. ثم على ~~هذا: هل ترث بعد انقضاء العدة؟ والمطلقة قبل الدخول؟ على قولين للعلماء: ~~أصحهما أنها ترث أيضا وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور ms9203 عنه وقول للشافعي؛ ~~لأنه قد روي أن عثمان ورثها بعد انقضاء العدة؛ ولأن هذه إنما ورثت لتعلق ~~حقها بالتركة لما مرض مرض الموت وصار محجورا عليه في حقها وحق سائر الورثة؛ ~~بحيث لا يملك التبرع لوارث ولا يملكه لغير وارث بزيادة على الثلث كما لا ~~يملك ذلك بعد الموت؛ فلما كان تصرفه في مرض موته بالنسبة إلى الورثة كتصرفه ~~بعد الموت لا يملك قطع إرثها فكذلك لا يملك بعد مرضه وهذا هو " طلاق الفار ~~" المشهور بهذا الاسم عند العلماء وهو القول الصحيح الذي أفتى به. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل زوج ابنته وكتب الصداق عليه ثم إن الزوج مرض بعد ذلك فحين قوي ~~عليه المرض فقبل موته بثلاثة أيام طلق الزوجة؛ ليمنعها من الميراث: فهل يقع ~~هذا الطلاق؟ وما الذي يجب لها في تركته؟ # PageV31P369 # فأجاب: # هذه المطلقة إن كانت مطلقة طلاقا رجعيا ومات زوجها وهي في العدة ورثته ~~باتفاق المسلمين وإن كان الطلاق بائنا كالمطلقة ثلاثا؛ ورثته أيضا عند ~~جماهير أئمة الإسلام وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما ~~طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثا في مرض موته ~~فشاور عثمان الصحابة فأشاروا على أنها ترث منه ولم يعرف عن أحد من الصحابة ~~في ذلك خلاف. وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير فإنه قال: لو كنت أنا ~~لم أورثها وابن الزبير قد انعقد الإجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد وإلى ~~ذلك ذهب أئمة التابعين ومن بعدهم وهو مذهب أهل العراق: كالثوري؛ وأبي حنيفة ~~وأصحابه ومذهب أهل المدينة؛ كمالك وأصحابه ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن ~~حنبل وأمثاله وهو القول القديم للشافعي وفي الجديد وافق ابن الزبير لأن ~~الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق فكذلك لا ترثه هي ولأنها ~~حرمت عليه بالطلاق فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها فتكون أجنبية فلا ~~ترث. والجمهور قالوا: إن المريض مرض الموت قد تعلق الورثة بماله من حين ~~المرض؛ وصار محجورا ms9204 عليه بالنسبة إليهم فلا يتصرف في مرض موته من التبرعات ~~إلا ما يتصرفه بعد موته؛ فليس له في مرض الموت أن يحرم بعض الورثة ميراثه ~~ويخص بعضهم بالإرث كما ليس له ذلك بعد الموت وليس له أن يتبرع لأجنبي بما ~~زاد على الثلث في مرض موته؛ كما لا يملك ذلك بعد الموت. # PageV31P370 # وفي الحديث: {من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة} وإذا كان كذلك ~~فليس له بعد المرض أن يقطع حقها من الإرث؛ لا بطلاق؛ ولا غيره. وإن وقع ~~الطلاق بالنسبة له إذ له أن يقطع نفسه منها ولا يقطع حقها منه. وعلى هذا ~~القول ففي وجوب العدة نزاع. هل تعتد عدة الطلاق أو عدة الوفاة؟ أو أطولهما؟ ~~على ثلاثة أقوال. أظهرها أنها تعتد أبعد الأجلين وكذلك هل يكمل لها المهر؟ ~~قولان. أظهرهما أنه يكمل لها المهر أيضا؛ فإنه من حقوقها التي تستقر كما ~~تستحق الإرث. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأتين: إحداهما مسلمة والأخرى كتابية ثم قال: إحداكما ~~طالق ومات قبل البيان فلمن تكون التركة من بعده؟ وأيهما تعتد عدة الطلاق؟ # فأجاب: # هذه المسألة فيها تفصيل ونزاع بين العلماء. فمنهم من فرق بين أن يطلق ~~معينة وينساها أو يجهل عينها؛ وبين أن يطلق مبهمة ويموت قبل تمييزها ~~بتعيينه أو تعريفه. ثم منهم من يقول: يقع الطلاق بالجميع. كقول مالك. ومنهم ~~من يقول لا يقع إلا بواحدة: كقول الثلاثة وإذا قدر تعيينها ولم تعين: فهل ~~تقسم # PageV31P371 # التركة بين المطلقة وغيرها كما يقوله أبو حنيفة؟ أو يوقف الأمر حتى ~~يصطلحا كما يقول الشافعي؟ أو يقرع بين المطلقة وغيرها كما يقول أحمد وغيره ~~من فقهاء الحديث؟ على ثلاثة أقوال والقرعة بعد الموت هي قرعة على المال؛ ~~ولهذا قال بها من لم ير القرعة في المطلقات. والصحيح في هذه المسألة - سواء ~~كانت المطلقة مبهمة أو مجهولة - أن يقرع بين الزوجتين فإذا خرجت القرعة على ~~المسلمة لم ترث هي ولا الذمية شيئا أما هي فلأنها مطلقة وأما الذمية فإن ~~الكافر لا يرث ms9205 المسلم وإن خرجت القرعة على الذمية ورثت المسلمة ميراث زوجة ~~كاملة هذا إذا كان الطلاق طلاقا محرما للميراث مثل أن يبينها في حال صحته. ~~فأما إن كان الطلاق رجعيا في الصحة والمرض ومات قبل انقضاء العدة فهذه ~~زوجته ترث وعليها عدة الوفاة باتفاق الأئمة وتنقضي بذلك عدتها عند جمهورهم: ~~كمالك والشافعي وأبي حنيفة وهو قول أحمد في إحدى الروايتين. والمشهور عنه ~~أنها تعتد أطول الأجلين من مدة الوفاة والطلاق. وإن كان الطلاق بائنا في ~~مرض الموت فإن جمهور العلماء على أن البائنة في مرض الموت ترث إذا كان ~~طلقها طلاقا فيه قصد حرمانها الميراث. هذا قول مالك. وهو يرثها وإن انقضت ~~عدتها وتزوجت وهو مذهب أبي حنيفة وهو يرثها ما دامت في العدة وهو المشهور ~~عنه ما لم تتزوج. وللشافعي ثلاثة أقوال كذلك؛ لكن قوله الجديد أنها لا ترث. # PageV31P372 # وأما إذا لم يتهم بقصد حرمانها: فالأكثرون على أنها لا ترث فعلى هذا لا ~~ترث هذه المرأة؛ لأن مثل هذا الطلاق الذي لم يعين فيه لا يظهر فيه قصد ~~الحرمان ومن ورثها مطلقا - كأحمد في إحدى الروايتين - فالحكم عنده كذلك. ~~وإذا ورثت المبتوتة فقيل: تعتد أبعد الأجلين وهو ظاهر مذهب أحمد وقول أبي ~~حنيفة ومحمد. وقيل: تعتد عدة الطلاق فقط وهو قول مالك والشافعي المشهور عنه ~~ورواية عن أحمد وقول للشافعي. وأما صورة أنها لم تتبين المطلقة: فإحداهما ~~وجبت عليها عدة الوفاة والأخرى عدة الطلاق وكل منهما وجبت عليه إحدى ~~العدتين فاشتبه الواجب بغيره؛ فلهذا كان الأظهر هنا وجوب العدتين على كل ~~منهما؛ لأن الذمة لا تبرأ من أداء الواجب إلا بذلك. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل توفي وخلف مستولدة له ثم بعد ذلك توفيت المستولدة وخلفت ولدا ذكرا ~~وبنتين فهل للبنات ولاء مع الذكر؟ وهل يرثن معه شيئا؟ # PageV31P373 # فأجاب: هذا فيه روايتان عن أحمد " إحداهما " وهو قول أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي: أن الولاء يختص بالذكور. " والثانية " أن الولاء مشترك بين ~~البنين والبنات للذكر مثل حظ الأنثيين. والله أعلم. # وسئل - رحمه ms9206 الله -: # عن رجل له جارية وله ولد: فزنى بالجارية. وهي تزني مع غيره فجاءت بولد ~~ونسبته إلى ولده فاستلحقه ورضي السيد. فهل يرث إذا مات مستلحقه؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كان الولد استلحقه في حياته وقال: هذا ابني لحقه النسب وكان من أولاده ~~إذا لم يكن له أب يعرف غيره. وكذلك إن علم أن الجارية كانت ملكا للابن فإن ~~{الولد للفراش؛ وللعاهر الحجر} . # وسئل - رحمه الله -: # عمن له والدة؛ ولها جارية فواقعها بغير إذن والدته؛ فحملت منه؛ فولدت ~~غلاما وملكهما ويريد أن يبيع ولده من الزنا؟ # فأجاب: # هذا ينبغي له أن يعتقه باتفاق العلماء؛ بل قد تنازع العلماء: هل يعتق ~~عليه من غير إعتاق؟ على قولين: # PageV31P374 # " أحدهما ": أنه يعتق عليه وهو مذهب أبي حنيفة. وقول القاضي أبي يعلى من ~~أصحاب أحمد؛ ولكن مع هذا لا يرث هذا لهذا؛ ولا هذا لهذا. " والثاني ": لا ~~يعتق عليه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في المنصوص عنه والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أعطى لزوجته من صداقها جارية فأعتقتها ثم بعد مدة وطئ الجارية ~~فولدت ابنا وولدت زوجته بنتا وتوفي: فهل يرث الابن الذي من الجارية مع بنت ~~زوجته؟ # فأجاب: # إذا كان قد وطئ الجارية المعتقة بغير نكاح؛ وهو يعلم أن الوطء حرام فولده ~~ولد زنا؛ لا يرث هذا الواطئ؛ ولا يرثه الواطئ في مذهب الأئمة الأربعة. ~~والله أعلم. # PageV31P375 ### | باب العتق ### | سئل: # عن عتق ولد الزنا # فأجاب: # يجوز عتق ولد الزنا ويثاب بعتقه. والله أعلم. # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل قرشي: تزوج بجارية مملوكة. فأولدها ولدا. هل يكون الولد حرا؟ أم ~~يكون عبدا مملوكا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا تزوج الرجل المرأة وعلم أنها مملوكة. فإن ~~ولدها منه مملوك لسيدها باتفاق الأئمة؛ فإن الولد يتبع أباه في النسب ~~والولاء ويتبع أمه في الحرية والرق. فإن كان الولد ممن يسترق جنسه ~~بالاتفاق: فهو رقيق بالاتفاق وإن كان ممن تنازع الفقهاء في رقه: وقع النزاع ~~في رقه كالعرب. والصحيح أنه يجوز " استرقاق العرب ms9207 والعجم " لما ثبت في ~~الصحيحين {عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ~~ثلاث # PageV31P376 # سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: هم أشد أمتي على الرجال. وجاءت صدقاتهم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذه صدقات قومنا. قال: وكانت سبية منهم عند عائشة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل} وفي لفظ لمسلم: ~~{ثلاث خلال سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني تميم لا أزال ~~أحبهم بعدها كان على عائشة محرر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقي ~~من هؤلاء. وجاءت صدقاتهم فقال: هذه صدقات قومي وقال: هم أشد الناس قتلا في ~~الملاحم.} وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد ~~إسماعيل} . ففي هذا الحديث أن بني إسماعيل يعتقون. فدل على ثبوت الرق عليهم ~~كما {أمر عائشة أن تعتق عن المحرر الذي كان عليها من بني إسماعيل} . وفيه " ~~من بني تميم " لأنهم من ولد إسماعيل. وفي صحيح البخاري عن مروان بن الحكم ~~والمسور بن مخرمة {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن ~~مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم معي من ترون # PageV31P377 # وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي ~~وقد كنت استأنيت بكم وكان انتظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ~~ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ~~راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا؛ فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المسلمين؛ وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ms9208 أما بعد ~~فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم ~~أن يطيب بذلك فليفعل؛ ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه من أول ما ~~يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس: طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنا لا ندري من أذن في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى ~~يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم؛ ثم رجعوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد طيبوا؛ وأذنوا.} ففي هذا الحديث ~~الصحيح أنه سبى نساء هوازن؛ وهم عرب وقسمهم بين الغانمين. فصاروا رقيقا ~~لهم؛ ثم بعد ذلك طلب أخذهم منهم: إما تبرعا وإما معاوضة وقد جاء في الحديث ~~أنه أعتقهم كما في حديث عمر لما اعتكف وبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعتق السبي فأعتق جارية كانت عنده والمسلمون كانوا يطئون ذلك السبي بملك ~~اليمين كما في سبي أوطاس وهو من سبي هوازن فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال فيه: {لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} . # PageV31P378 # وفي المسند للإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنه قالت {قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق فوقعت جويرية بنت الحارث لثابت بن قيس بن ~~شماس أو لابن عم له كاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة فأتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله: أنا جويرية بنت الحارث بن ~~أبي ضرار سعيد قومه؛ وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك وجئتك أستعينك ~~على كتابتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك في خير من ذلك؟ قالت: ~~وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي كتابتك؛ وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله ~~قال: قد فعلت قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تزوج جويرية بنت الحارث فأرسلوا ما بأيديهم قالت: فقد عتق بتزوجه إياها ~~مائة أهل بيت ms9209 من بني المصطلق وما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها ~~منها} وهذه الأحاديث ونحوها مشهورة؛ بل متواترة: أن {النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يسبي العرب} وكذلك خلفاؤه بعده كما قال الأئمة وغيرهم: {سبى النبي ~~صلى الله عليه وسلم العرب} وسبى أبو بكر بني ناجية وكان يطارد العرب بذلك ~~الاسترقاق وقد قال الله لهم: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ~~كتاب الله عليكم} وفي حديث أبي سعيد وغيره أنها نزلت في المسبيات أباح الله ~~لهم وطأها بملك اليمين. # PageV31P379 # وإذا سبيت واسترقت بدون زوجها جاز وطؤها بلا ريب وإنما فيه خلاف شاذ في ~~مذهب أحمد وحكي الخلاف في مذهب مالك. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه ~~من أهل العلم على أن المرأة إذا وقعت في ملك ولها زوج مقيم بدار الحرب أن ~~نكاح زوجها قد انفسخ وحل لمالكها وطؤها بعد الاستبراء وأما إذا سبيت مع ~~زوجها ففيه نزاع بين أهل العلم. ومعلوم أن عامة السبي الذي كان يسبيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان في " الحرب " وقد قاتل أهل الكتاب؛ فإنه خرج لقتال ~~النصارى عام تبوك ولم يجر بينهم قتال وقد بعث إليهم السرية التي أمر عليها ~~زيد؛ ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة. ومع هذا فكان في النصارى: العرب ~~والروم. وكذلك قاتل اليهود بخيبر والنضير وقينقاع؛ وكان في يهود العرب بنو ~~إسرائيل. وكذلك يهود اليمن: كان فيهم العرب وبنو إسرائيل. وأيضا فسبب ~~الاسترقاق هو " الكفر " بشرط " الحرب " فالحر المسلم لا يسترق بحال؛ ~~والمعاهد لا يسترق؛ والكفر مع المحاربة موجود في كل كافر فجاز استرقاقه كما ~~يجوز قتاله؛ فكل ما أباح قتل المقاتلة أباح سبي الذرية؛ وهذا حكم عام في ~~العرب والعجم وهذا مذهب مالك والشافعي في الجديد من قوليه وأحمد. وأما أبو ~~حنيفة فلا يجوز استرقاق العرب؛ كما لا يجوز ضرب الجزية عليهم لأن العرب ~~اختصوا بشرف النسب؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم # PageV31P380 # واختص كفارهم بفرط عدوانه؛ فصار ذلك مانعا من قبول الجزية ms9210 كما أن المرتد ~~لا تؤخذ منه الجزية؛ للتغليظ؛ ولما حصل له من الشرف بالإسلام السابق. واحتج ~~بما روي عن عمر أنه قال: ليس على عربي ملك. والذين نازعوه لهم قولان في ~~جواز استرقاق من لا تقبل منه الجزية هما روايتان عن أحمد. " إحداهما " أن ~~الاسترقاق كأخذ الجزية؛ فمن لم تؤخذ منه الجزية لا يسترق؛ وهذا مذهب أبي ~~حنيفة وغيره وهو اختيار الخرقي؛ والقاضي وغيرهما من أصحاب أحمد وهو قول ~~الإصطخري من أصحاب الشافعي. وعند أبي حنيفة تقبل الجزية من كل كافر؛ إلا من ~~مشركي العرب وهو رواية عن أحمد. فعل هذا لا يجوز استرقاق مشركي العرب؛ لكون ~~الجزية لا تؤخذ منهم؛ ويجوز استرقاق مشركي العجم وهو قول الشافعي؛ بناء على ~~قوله: إن العرب لا يسترقون. والرواية الأخرى عن أحمد أن الجزية لا تقبل إلا ~~من أهل الكتاب؛ والمجوس كمذهب الشافعي. فعلى هذا القول في مذهب أحمد لا ~~يجوز استرقاق أحد من المشركين؛ لا من العرب ولا من غيرهم. كاختيار الخرقي ~~والقاضي وغيرهما. وهذان القولان في مذهب أحمد لا يمنع فيه الرق؛ لأجل النسب ~~لكن لأجل الدين فإذا سبى عربية فأسلمت # PageV31P381 # استرقها وإن لم تسلم أجبرها على الإسلام. وعلى هذا يحملون ما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة يفعلونه من استرقاق العرب. وأما الرقيق الوثني ~~فلا يجوز إقراره عندهم برق؛ كما يجوز بجزية. وهذا كما أن الصحابة سبوا ~~العربيات والوثنيات ووطئوهم؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا توطأ ~~حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} . ثم الأئمة الأربعة ~~متفقون على أن الوطء إنما كان بعد الإسلام وأن وطء الوثنية لا يجوز كما لا ~~يجوز تزويجها. " والقول الثاني ": أنه يجوز استرقاق من لا تؤخذ منهم الجزية ~~من أهل الأوثان؛ وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى بناء على أن ~~الصحابة استرقوهم؛ ولم نعلم أنهم أجبروهم على الإسلام ولأنه لا يجوز قتلهم ~~فلا بد من استرقاقهم والرق فيه من الغل ما ليس في أخذ الجزية. وقد تبين ms9211 مما ~~ذكرناه أن الصحيح جواز استرقاق العرب. أما " الأثر " المذكور عن عمر إذا ~~كان صحيحا صريحا في محل النزاع فقد خالفه أبو بكر وعلي؛ فإنهم سبوا العرب ~~ويحتمل أن يكون قول عمر محمولا على أن العرب أسلموا قبل أن يسترق رجالهم ~~فلا ضرب عليهم رق كما أن قريشا أسلموا كلهم فلم يضرب عليهم رق؛ لأجل ~~إسلامهم لا لأجل النسب؛ ولم تتمكن الصحابة من سبي نساء قريش؛ كما تمكنوا # PageV31P382 # من سبي نساء طوائف من العرب؛ ولهذا لم يسترق منهم أحد؛ ولم يحفظ عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في النهي عن سبيهم شيء. # وأما إذا تزوج العربي مملوكة فنكاح الحر للمملوكة لا يجوز إلا بشرطين: ~~خوف العنت وعدم الطول إلى نكاح حرة في مذهب مالك والشافعي وأحمد. وعللوا ~~ذلك بأن تزوجه يفضي إلى استرقاق ولده فلا يجوز للحر العربي ولا العجمي أن ~~يتزوج مملوكة إلا لضرورة وإذا تزوجها للضرورة كان ولده مملوكا. وأما أبو ~~حنيفة فالمانع عنده أن تكون تحته حرة وهو يفرق في الاسترقاق بين العربي ~~وغيره. وأما إذا وطئ الأمة بزنا فإن ولدها مملوك لسيدها بالاتفاق؛ وإن كان ~~أبوه عربيا؛ لأن النسب غير لاحق. وأما إذا وطئها بنكاح وهو يعتقدها حرة أو ~~استبرأها فوطئها يظنها مملوكته: فهنا ولده حر سواء كان عربيا أو عجميا. ~~وهذا يسمى " المغرور " فولد المغرور من النكاح أو البيع حر؛ لاعتقاده أنه ~~وطئ زوجة حرة أو مملوكته. وعليه الفداء لسيد الأمة كما قضت بذلك الصحابة؛ ~~لأنه فوت سيد الأمة ملكهم فكان عليه الضمان. وفي ذلك تفريع ونزاع ليس هذا ~~موضعه. والله أعلم # PageV31P383 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له مملوك هرب ثم رجع فلما رجع أخفى سكينته: وقتل نفسه: فهل يأثم ~~سيده؟ وهل تجوز عليه صلاة؟ # فأجاب: # الحمد لله، لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى عليه؛ بل ~~كان عليه إذا لم يمكنه دفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرج الله فإن كان ~~سيده ظلمه حتى فعل ms9212 ذلك: مثل أن يقتر عليه في النفقة أو يعتدي عليه في ~~الاستعمال أو يضربه بغير حق أو يريد به فاحشة ونحو ذلك؛ فإن على سيده من ~~الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية {ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~من قتل نفسه فقال لأصحابه: صلوا عليه} فيجوز لعموم الناس أن يصلوا عليه. ~~وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم فإذا تركوا الصلاة عليه زجرا لغيره اقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا حق. والله أعلم. # PageV31P384 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن مماليك ضمنوا رجلا وكانوا مماليك إنسان وهو مسلم نجس ببلاد التتر. وهم ~~متفقون على طاعة الله ورسوله يطلبون الحج ويصلون ويزكون ويتصدقون وهو غلب ~~عليه العصيان يمنعهم عن طاعة الله ورسوله؛ فلم تطب لهم مخالفة الله ورسوله؛ ~~وهو قاطع طريق وشارب خمر وزان وتارك للصلاة وقاتل النفس التي حرم الله ~~ويطلبون منه البيع؛ فلم يبعهم ويطلبون العتق فلم يعتقهم وكلما تلفظوا له ~~بشيء من ذلك ضربهم ويسجنهم فيموتوا جوعا فاتفقوا وهربوا إلى مصر طالبين ~~طاعة الله ورسوله فمنهم اليوم حجاج. فهل في طاعة الله ورسوله نص لأجل ~~أبقهم؟ # فأجاب: # إذا كانوا كما ذكروا يمنعهم ذلك الرجل من فعل ما أمر الله ورسوله ويكرههم ~~على فعل ما نهى الله عنه ورسوله: كان خروجهم من تحت يده جائزا؛ بل واجبا ~~وقد أحسنوا فيما فعلوا فإنه لا حرمة لمن يكون كذلك؛ إذ لو كان في طاعة ~~المسلمين فكيف إذا كان في طاعة التتر؟ فإنه يجب قتاله. وإن كان مسلما. ~~وهؤلاء المهاجرون الذين فروا بأنفسهم قد أحسنوا في ذلك والعبد إذا هاجر من ~~أرض الحرب فإنه حر؛ ولا حكم عليه لأحد. # PageV31P385 # وسئل: # عن نائب أخذ من مال مخدومه مبلغا؛ واشترى به مماليك؛ فقيل له: لأي شيء ~~تأخذ مال أستاذك وتشتري به مماليك؟ وقال: أشتريها له وهي باقية على ملكه ثم ~~أعتقها جميعها. وادعى في العتق أنها مماليكه وهو اليوم معسر عن قيمة ثمنهم. ~~فهل يصح العتق؟ # فأجاب: # إذا اشترى مماليك للرجل بإذنه فهم ms9213 كذلك للرجل؛ وإذا أعتقهم بغير إذن ~~المالك لم يصح عتقه. وإن اشتراهم بمال الرجل بغير إذنه فلصاحب المال أن ~~يأخذهم وله أن يغرم هذا الغاصب ماله. وإذا أعتقهم هذا المشتري فلصاحب المال ~~أن يأخذهم ويكون العتق باطلا والله أعلم. PageV31P386 # الجزء الثاني والثلاثون ### | كتاب النكاح # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله ~~روحه -: # عمن أصابه سهم من سهام إبليس المسمومة؟ # فأجاب: # من أصابه جرح مسموم فعليه بما يخرج السم ويبرئ الجرح بالترياق والمرهم ~~وذلك بأمور: " منها ": أن يتزوج أو يتسرى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إذا نظر أحدكم إلى محاسن امرأة فليأت أهله؛ فإنما معها مثل ما معها} ~~وهذا مما ينقص الشهوة ويضعف العشق. " الثاني ": أن يداوم على الصلوات الخمس ~~والدعاء والتضرع وقت السحر. وتكون صلاته بحضور قلب وخشوع. وليكثر من الدعاء ~~بقوله: {يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى ~~طاعتك وطاعة رسولك} فإنه متى أدمن الدعاء والتضرع لله صرف قلبه عن ذلك كما ~~قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} . # PageV32P005 # " الثالث ": أن يبعد عن مسكن هذا الشخص والاجتماع بمن يجتمع به؛ بحيث لا ~~يسمع له خبرا ولا يقع له على عين ولا أثر؛ فإن البعد جفا ومتى قل الذكر ضعف ~~الأثر في القلب. فليفعل هذه الأمور وليطالع بما تجدد له من الأحوال. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل عازب ونفسه تتوق إلى الزواج؛ غير أنه يخاف أن يتكلف من المرأة ما ~~لا يقدر عليه وقد عاهد الله أن لا يسأل أحدا شيئا فيه منة لنفسه وهو كثير ~~التطلع إلى الزواج: فهل يأثم بترك الزواج؟ أم لا؟ # فأجاب: # قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يا معشر الشباب ~~من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع ~~فعليه بالصوم؛ ms9214 فإنه له وجاء} . و " استطاعة النكاح " هو القدرة على المؤنة؛ ~~ليس هو القدرة على الوطء؛ فإن الحديث إنما هو خطاب للقادر على فعل الوطء؛ ~~ولهذا أمر من لم يستطع أن يصوم؛ فإنه له وجاء. ومن لا مال له: هل يستحب أن ~~يقترض ويتزوج؟ فيه نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره. وقد قال تعالى: ~~{وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} . وأما " الرجل ~~الصالح " فهو القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده. # PageV32P006 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل خطب على خطبته رجل آخر: فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل ~~للرجل أن يخطب على خطبة أخيه: ولا يستام على سوم أخيه} ولهذا اتفق الأئمة ~~الأربعة في المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك وإنما تنازعوا في ~~صحة نكاح الثاني؟ في قولين. " أحدهما ": أنه باطل؛ كقول مالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين. " والآخر ": أنه صحيح؛ كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في ~~الرواية الأخرى؛ بناء على أن المحرم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة. ومن ~~أبطله قال: إن ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى. ولا نزاع بينهم في أن فاعل ~~ذلك عاص لله ورسوله؛ وإن نازع في ذلك بعض أصحابهم. والإصرار على المعصية مع ~~العلم بها يقدح في دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين. # PageV32P007 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن امرأة فارقت زوجها وخطبها رجل في عدتها وهو ينفق عليها: فهل يجوز ذلك؟ ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة؛ ولو كانت في عدة وفاة باتفاق ~~المسلمين. فكيف إذا كانت في عدة الطلاق ومن فعل ذلك يستحق العقوبة التي ~~تردعه وأمثاله عن ذلك فيعاقب الخاطب والمخطوبة جميعا ويزجر عن التزويج بها؛ ~~معاقبة له بنقيض قصده. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل طلق زوجته ثلاثا وأوفت العدة عنده وخرجت وبعد وفاء العدة تزوجت ~~وطلقت في يومها ولم يعلم مطلقها إلا ثاني يوم: فهل يجوز له ms9215 أن يتفق معها ~~إذا أوفت عدتها أن يراجعها؟ # فأجاب: # ليس له في زمن العدة من غيره أن يخطبها ولا ينفق عليها ليتزوجها وإذا كان ~~الطلاق رجعيا لم يجز له التعريض أيضا وإن كان بائنا ففي جواز التعريض نزاع. ~~هذا إذا كانت قد تزوجت بنكاح رغبة. وأما إن كانت قد تزوجت بنكاح محلل فقد ~~{لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له} . # PageV32P008 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل خطب ابنة رجل من العدول واتفق معه على المهر: منه عاجل ومنه آجل. ~~وأوصل إلى والدها المعجل من مدة أربع سنين؛ وهو يواصلهم بالنفقة؛ ولم يكن ~~بينهم مكاتبة. ثم بعد هذا جاء رجل فخطبها؛ وزاد عليه في المهر ومنع الزوج ~~الأول؟ # فأجاب: # لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب إلى النكاح وركنوا إليه ~~باتفاق الأئمة؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل ~~للرجل أن يخطب على خطبة أخيه} . وتجب عقوبة من فعل ذلك وأعان عليه: عقوبة ~~تمنعهم وأمثالهم عن ذلك. وهل يكون نكاح الثاني صحيحا؛ أو فاسدا؟ فيه قولان ~~للعلماء: في مذهب مالك وأحمد وغيرهما. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يدخل على امرأة أخيه؛ وبنات عمه؛ وبنات خاله: هل يحل له ذلك؟ أم ~~لا؟ # فأجاب: # لا يجوز له أن يخلو بإحداهن؛ ولكن إذا دخل مع غيره من غير خلوة ولا ريبة ~~جاز له ذلك. والله أعلم. # PageV32P009 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أملك على بنت؛ وله مدة سنين ينفق عليها ودفع لها وعزم على الدخول: ~~فوجد والدها قد زوجها غيره؟ # فأجاب: # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {المسلم أخو المسلم لا يحل ~~للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه؛ ولا يستام على سوم أخيه؛ ولا يبيع على بيع ~~أخيه} . فالرجل إذا خطب امرأة؛ وركن إليه من إليه نكاحها - كالأب المجبر - ~~فإنه لا يحل لغيره أن يخطبها. فكيف إذا كانوا قد ركنوا إليه وأشهدوا ~~بالإملاك المتقدم للعقد وقبضوا منه الهدايا ms9216 وطالت المدة فإن هؤلاء فعلوا ~~محرما يستحقون العقوبة عليه بلا ريب؛ ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحا أو ~~باطلا؟ فيه قولان للعلماء " أحدهما " - وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد ~~- أن عقد الثاني باطل؛ فتنزع منه وترد إلى الأول. " والثاني " أن النكاح ~~صحيح؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ فيعاقب من فعل المحرم ويرد إلى الأول ~~جميع ما أخذ منه والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنة. # PageV32P010 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل طلق زوجته ثلاثا ولهما ولدان وهي مقيمة عند الزوج في بيته مدة ~~سنين ويبصرها وتبصره: فهل يحل لها الأكل الذي تأكل من عنده؟ أم لا؟ وهل له ~~عليها حكم؟ أم لا؟ # فأجاب: # المطلقة ثلاثا هي أجنبية من الرجل؛ بمنزلة سائر الأجنبيات؛ فليس للرجل أن ~~يخلو بها؛ كما ليس له أن يخلو بالأجنبية. وليس له أن ينظر إليها إلى ما لا ~~ينظر إليه من الأجنبية؛ وليس له عليها حكم أصلا. ولا يجوز له أن يواطئها ~~على أن تزوج غيره ثم تطلقه وترجع إليه ولا يجوز أن يعطيها ما تنفقه في ذلك؛ ~~فإنها لو تزوجت رجلا غيره بالنكاح المعروف الذي جرت به عادة المسلمين ثم ~~مات زوجها أو طلقها ثلاثا لم يجز لهذا الأول أن يخطبها في العدة صريحا ~~باتفاق المسلمين كما قال تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا} ~~ونهاه أن يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. أي حتى تنقضي العدة. فإذا ~~كان قد نهاه عن هذه المواعدة والعزم في العدة فكيف إذا كانت في عصمة زوجها ~~فكيف إذا كان الرجل لم يتزوجها بعد: تواعد # PageV32P011 # على أن تتزوجه ثم تطلقه وتزوج بها المواعد. فهذا حرام باتفاق المسلمين ~~سواء قيل: إنه يصح نكاح المحلل أو قيل: لا. فلم يتنازعوا في أن التصريح ~~بخطبة معتدة من غيره أو متزوجة بغيره أو بخطبة مطلقة ثلاثا أنه لا يجوز. ~~ومن فعل ذلك يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة ms9217 باتفاق الأئمة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل يتكلم شبه كلام النساء؛ وهو " طنجير " هل يحل دخوله على النساء؟ ~~وما الحكم فيه؟ # فأجاب. # بل مثل هذا يجب نفيه؛ وإخراجه: فلا يسكن بين الرجال ولا بين النساء؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنث وأمر بنفي المخنثين وقال: {أخرجوهم من ~~بيوتكم} ومع هذا فلم يكن طنجيرا؛ فكيف الطنجير وقد نص على ذلك الشافعي ~~وأحمد وغيرهما. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # في الأسباب التي بين الله وعباده وبين العباد: # الخلقية والكسبية. الشرعية؛ والشرطية. قال الله تعالى: {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} ~~افتتح السورة بذكر خلق الجنس الإنساني من نفس واحدة؛ وأن زوجها مخلوق منها ~~وأنه بث منهما الرجال والنساء: أكمل الأسباب وأجلها ثم # PageV32P012 # ذكر ما بين الآدميين من الأسباب المخلوقة الشرعية: كالولادة ومن الكسبية ~~الشرطية: كالنكاح ثم قال: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} قال ~~طائفة من المفسرين من السلف: {تساءلون به} تتعاهدون به وتتعاقدون. وهو كما ~~قالوا؛ لأن كل واحد من المتعاقدين عقد البيع أو النكاح أو الهدنة أو غير ~~ذلك يسأل الآخر مطلوبه: هذا يطلب تسليم المبيع. وهذا تسليم الثمن: وكل ~~منهما قد أوجب على نفسه مطلوب الآخر فكل منهما طالب من الآخر موجب لمطلوب ~~الآخر. ثم قال: {والأرحام} . و " العهود " و " الأرحام ": هما جماع الأسباب ~~التي بين بني آدم؛ فإن الأسباب التي بينهم: إما أن تكون بفعل الله أو ~~بفعلهم. فالأول " الأرحام " والثاني " العهود " ولهذا جمع الله بينهما في ~~مواضع؛ في مثل قوله: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} فالإل: القرابة ~~والرحم. والذمة العهد والميثاق. وقال تعالى في أول البقرة: {الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} وقال: {الذين ~~يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} {والذين يصلون ما أمر الله به أن ~~يوصل} إلى قوله: ms9218 {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل} . واعلم أن حق الله داخل في الحقين. ومقدم عليهما؛ ولهذا ~~قدمه في قوله {اتقوا ربكم الذي خلقكم} فإن الله خلق العبد وخلق أبويه وخلقه ~~من أبويه. فالسبب الذي بينه وبين الله هو الخلقي التام؛ بخلاف سبب الأبوين؛ ~~فإن أصل مادته منهما وله مادة من غيرهما؛ ثم إنهما لم يصوراه في الأرحام. ~~والعبد ليس له مادة إلا # PageV32P013 # من أبويه والله هو خالقه وبارئه ومصوره ورازقه وناصره وهاديه؛ وإنما حق ~~الأبوين فيه بعض المناسبة لذلك؛ فلذلك قرن حق الأبوين بحقه في قوله: {أن ~~اشكر لي ولوالديك} وفي قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا} وفي قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} وجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم التبرؤ من الأبوين كفرا؛ لمناسبته للتبرؤ من ~~الرب. وفي الحديث الصحيح: {من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر} أخرجاه ~~في الصحيحين وقوله: {كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق} وقوله: {لا ترغبوا ~~عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم} . فحق النسب والقرابة والرحم ~~تقدمه حق الربوبية وحق القريب المجيب الرحمن؛ فإن غاية تلك أن تتصل بهذا ~~كما قال الله؛ {أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ~~ومن قطعها بتته} وقال: {الرحم شجنة من الرحمن} وقال {لما خلق الله الرحم ~~تعلقت بحقو الرحمن فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة} . وقد قيل في ~~قوله {لا يرقبون في مؤمن إلا} إن " الإل " الرب كقول الصديق لما سمع قرآن ~~مسيلمة: إن هذا كلام لم يخرج من إل. وأما دخول حق الرب في العهود والعقود. ~~فكدخول العبد في السلام وشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول ~~الله؛ فإن هذا عهد الإسلام وهو أشرف العهود وأوكدها وأعمها وأكملها # PageV32P014 ### | باب أركان النكاح وشروطه # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: # فصل: ### | عمدة من قال: لا يصح النكاح إلا بلفظ ms9219 " الإنكاح " و " التزويج " - # وهم أصحاب الشافعي وابن حامد ومن وافقهم من أصحابنا كأبي الخطاب والقاضي ~~وأصحابه ومن بعده - إلا في لفظ " أعتقتك وجعل عتقك صداقك " أنهم قالوا: ما ~~سوى هذين اللفظين " كناية " والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنية والنية في ~~القلب لا تعلم فلا يصح عقد النكاح بالكناية لأن صحته مفتقرة إلى الشهادة ~~عليه والنية لا يشهد عليها؛ بخلاف ما يصح بالكناية: من طلاق وعتق وبيع؛ فإن ~~الشهادة لا تشترط في صحة ذلك. ومنهم من يجعل ذلك تعبدا؛ لما فيه من ثبوت ~~العبادات. وهذا قول من لا يصححه إلا بالعربية من أصحابنا وغيره وهذا ضعيف ~~لوجوه. " أحدها " لا نسلم أن ما سوى هذين كناية؛ بل ثم ألفاظ هي حقائق ~~عرفية في العقد أبلغ من لفظ " أنكحت " فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء ~~والعقد ولفظ " الإملاك " خاص بالعقد لا يفهم إذا قال القائل: أملك فلان على ~~فلانة. إلا العقد كما في الصحيحين: {أملكتكها على ما معك من القرآن} سواء ~~كانت الرواية باللفظ أو بالمعنى. # PageV32P015 # " الثاني " أنا لا نسلم أن الكناية تفتقر إلى النية مطلقا؛ بل إذا قرن ~~بها لفظ من ألفاظ الصريح أو حكم من أحكام العقد كانت صريحة كما قالوا في " ~~الوقف " إنه ينعقد بالكناية: كتصدقت وحرمت وأبدت. إذا قرن بها لفظ أو حكم. ~~فإذا قال: أملكتكها فقال: قبلت هذا التزويج. أو أعطيتكها زوجة فقال: قبلت. ~~أو أملكتكها على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ونحو ذلك: ~~فقد قرن بها من الألفاظ والأحكام ما يجعله صريحا. " الثالث " أن إضافة ذلك ~~إلى الحرة يبين المعنى؛ فإنه إذا قال في ابنته: ملكتكها أو أعطيتكها أو ~~زوجتكها ونحو ذلك: فالمحل ينفي الإجمال والاشتراك. " الرابع " أن هذا منقوض ~~عليهم بالشهادة في الرجعة؛ فإنها مشروعة إما واجبة وإما مستحبة. وهي شرط في ~~صحة الرجعة على قول وبالشهادة على البيع وسائر العقود؛ فإن ذلك مشروع مطلقا ~~سواء كان العقد بصريح أو كناية مفسرة. " الخامس ": أن الشهادة تصح على ~~العقد. ويثبت بها عند ms9220 الحاكم على أي صورة انعقدت. فعلم أن اعتبار الشهادة ~~فيه لا يمنع ذلك. " السادس " أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما ويشهد ~~الشهود على ما فسروه. # PageV32P016 # " السابع " أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في ~~الظاهر بلا نزاع. ومعلوم أن اجتماع الناس وتقديم الخطبة وذكر المهر ~~والمفاوضة فيه والتحدث بأمر النكاح: قاطع في إرادة النكاح؛ وأما التعبد ~~فيحتاج إلى دليل شرعي. ثم العقد جنس لا يشرع فيه التعبد بالألفاظ؛ لأنها لا ~~يشترط فيها الإيمان؛ بل تصح من الكافر وما يصح من الكافر لا تعبد فيه. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل وكل ذميا في قبول نكاح امرأة مسلمة: هل يصح النكاح؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة فيها نزاع؛ فإن الوكيل في قبول ~~النكاح لا بد أن يكون ممن يصح منه قبوله النكاح لنفسه في الجملة. فلو وكل ~~امرأة أو مجنونا أو صبيا غير مميز لم يجز؛ ولكن إذا كان الوكيل ممن يصح منه ~~قبول النكاح بإذن وليه ولا يصح منه القبول بدون إذن وليه: فوكل في ذلك مثل ~~أن يوكل عبدا في قبول النكاح بلا إذن سيده أو يوكل سفيها محجورا عليه بدون ~~إذن وليه أو يوكل صبيا مميزا بدون إذن وليه: فهذا فيه قولان للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره. وإن كان يصح منه قبول النكاح بغير إذن؛ لكن في الصورة ~~المعينة لا يجوز لمانع فيه: مثل أن يوكل في نكاح الأمة من لا يجوز له ~~تزوجها صحت الوكالة. # PageV32P017 # وأما " توكل الذمي " في قبول النكاح له فهو يشبه تزويج الذمي ابنته ~~الذمية من مسلم ولو زوجها من ذمي جاز؛ ولكن إذا زوجها من مسلم: ففيها قولان ~~في مذهب أحمد وغيره. قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز؛ بل يوكل مسلما. وقيل: لا ~~يزوجها إلا الحاكم بإذنه. وكونه وليا في تزويج المسلم مثل كونه وكيلا في ~~تزويج المسألة. ومن قال: إن ذلك كله جائز قال: إن الملك في النكاح يحصل ~~للزوج؛ لا للوكيل باتفاق العلماء؛ بخلاف الملك في ms9221 غيره؛ فإن الفقهاء ~~تنازعوا في ذلك: فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أن حقوق العقد. تتعلق بالموكل ~~والملك يحصل له: فلو وكل مسلم ذميا في شراء خمر لم يجز. وأبو حنيفة يخالف ~~في ذلك. وإذا كان الملك يحصل للزوج وهو الموكل للمسلم: فتوكيل الذمي بمنزلة ~~توكله في تزويج المرأة بعض محارمها كخالها؛ فإنه يجوز توكله في قبول نكاحها ~~للموكل وإن كان لا يجوز له تزوجها كذلك الذمي إذا توكل في نكاح مسلم وإن ~~كان لا يجوز له تزوج المسلمة؛ لكن الأحوط ألا يفعل ذلك؛ لما فيه من النزاع؛ ~~ولأن النكاح فيه شوب العبادات. ويستحب " عقده في المساجد " وقد جاء في ~~الآثار: " من شهد إملاك مسلم فكأنما شهد فتحا في سبيل الله ". ولهذا وجب في ~~أحد القولين مذهب أحمد وغيره أن يعقد بالعربية كالأذكار المشروعة. وإذا كان ~~كذلك لم ينبغ أن يكون الكافر متوليا نكاح مسلم؛ ولكن لا يظهر مع ذلك أن ~~العقد باطل؛ فإنه ليس على بطلانه دليل شرعي؛ والكافر يصح منه النكاح وليس ~~هو من أهل العبادات. والله أعلم. # PageV32P018 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن مريض تزوج في مرضه: فهل يصح العقد؟ # فأجاب: # نكاح المريض صحيح ترث المرأة في قول جماهير علماء المسلمين من الصحابة ~~والتابعين ولا تستحق إلا مهر المثل؛ لا تستحق الزيادة على ذلك بالاتفاق. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له بنت وهي دون البلوغ فزوجوها في غيبة أبيها. ولم يكن لها ولي؛ ~~وجعلوا أن أباها توفي وهو حي وشهدوا أن خالها أخوها فهل يصح العقد أم لا؟ # فأجاب: # إذا شهدوا أن خالها أخوها فهذه شهادة زور ولا يصير الخال وليا بذلك؛ بل ~~هذه قد تزوجت بغير ولي فيكون نكاحها باطلا عند أكثر العلماء والفقهاء ~~كالشافعي وأحمد وغيرهما. وللأب أن يجدده. ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها ~~مات فهو شاهد زور يجب تعزيره ويعزر الخال. وإن كان دخل بها فلها المهر ~~ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في المشهور ms9222 عنه. والله أعلم. # PageV32P019 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة لها أب وأخ ووكيل أبيها في النكاح وغيره حاضر فذهبت إلى الشهود ~~وغيرت اسمها واسم أبيها وادعت أن لها مطلقا يريد تجديد النكاح وأحضرت رجلا ~~أجنبيا وذكرت أنه أخوها فكتبت الشهود كتابها على ذلك ثم ظهر ما فعلته وثبت ~~ذلك بمجلس الحكم: فهل تعزر على ذلك؟ وهل يجب تعزير المعرفين والذي ادعى أنه ~~أخوها والذي عرف الشهود بما ذكر؟ وهل يختص التعزير بالحاكم؟ أو يعزرهم ولي ~~الأمر من محتسب وغيره؟ # فأجاب: # الحمد لله، تعزر تعزيرا بليغا؛ ولو عزرها ولي الأمر مرات كان ذلك حسنا ~~كما كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير في الفعل إذا اشتمل على أنواع من ~~المحرمات فكان يعزر في اليوم الأول مائة وفي الثاني مائة وفي الثالث مائة: ~~يفرق التعزير؛ لئلا يفضي إلى فساد بعض الأعضاء. وذلك أن هذه قد ادعت إلى ~~غير أبيها واستخلفت أخاها وهذا من الكبائر فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا} بل قد ~~ثبت في الصحيح عن سعد وأبي بكرة أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{من ادعى إلى غير أبيه # PageV32P020 # فالجنة عليه حرام} وثبت ما هو أبلغ من ذلك في الصحيح عن أبي ذر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه يقول: {ليس منا من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم إلا ~~كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن رمى رجلا ~~بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه} وهذا تغليظ عظيم يقتضي أن ~~يعاقب على ذلك عقوبة عظيمة يستحق فيها مائة سوط ونحو ذلك. وأيضا فإنها لبست ~~على الشهود وأوقعتهم في العقود الباطلة؛ ونكحت نكاحا باطلا؛ فإن جمهور ~~العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل يعزرون من يفعل ذلك اقتداء بعمر بن ~~الخطاب رضي الله ms9223 عنه وهذا مذهب الشافعي وغيره؛ بل طائفة منهم يقيمون الحد ~~في ذلك بالرجم وغيره. ومن جوز النكاح بلا ولي مطلقا؛ أو في المدينة: فلم ~~يجوز في هذا الوجه من دعوى النسب الكاذب وإقامة الولي الباطل فكان عقوبة ~~هذه متفقا عليها بين المسلمين. وتعاقب أيضا على كذبها وكذلك الدعوى أنه كان ~~زوجها وطلقها؛ ويعاقب الزوج أيضا. وكذلك الذي ادعى أنه أخوها. يعاقب على ~~هذين الريبتين. وأما المعرفون بهم فيعاقبون على شهادة الزور: بالنسب لها ~~والتزويج والتطليق وعدم ولي حاضر. وينبغي أن يبالغ في عقوبة هؤلاء؛ فإن ~~الفقهاء قد نصوا على أن شاهد الزور يسود وجهه؛ بما نقل عن عمر بن الخطاب # PageV32P021 # رضي الله عنه أنه كان يسود وجهه. إشارة إلى سواد وجهه بالكذب. وأنه كان ~~يركبه دابة مقلوبا إلى خلف. إشارة إلى أنه قلب الحديث ويطاف به يشهره بين ~~الناس أنه شاهد زور. وتعزير هؤلاء ليس يختص بالحاكم؛ بل يعزره الحاكم ~~والمحتسب وغيرهما من ولاة الأمور القادرين على ذلك ويتعين ذلك في مثل هذه ~~الحال التي ظهر فيها فساد كثير في النساء؛ وشهادة الزور كثيرة؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن ~~يعمهم الله بعقاب منه} والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن إجبار الأب لابنته البكر البالغ على النكاح: هل يجوز أم لا؟ # فأجاب: # وأما إجبار الأب لابنته البكر البالغة على النكاح: ففيه قولان مشهوران؛ ~~هما روايتان عن أحمد. " أحدهما " أنه يجبر البكر البالغ كما هو مذهب مالك ~~والشافعي وهو اختيار الخرقي والقاضي وأصحابه. و " الثاني " لا يجبرها كمذهب ~~أبي حنيفة وغيره وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز ابن جعفر. وهذا القول هو ~~الصواب. والناس متنازعون في " مناط الإجبار " هل # PageV32P022 # هو البكارة؟ أو الصغر؟ أو مجموعها؟ أو كل منهما؟ على أربعة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره. والصحيح أن مناط الإجبار هو الصغر وأن البكر البالغ لا يجبرها ~~أحد على النكاح؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ms9224 أنه ~~قال: {لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر فقيل له: إن البكر ~~تستحي؟ فقال: إذنها صماتها} وفي لفظ في الصحيح {البكر يستأذنها أبوها} فهذا ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم لا تنكح حتى تستأذن. وهذا يتناول الأب وغيره ~~وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة؛ وأن الأب نفسه يستأذنها. وأيضا ~~فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها وبضعها أعظم ~~من مالها فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها مع كراهتها ورشدها وأيضا: فإن الصغر ~~سبب الحجر بالنص والإجماع. وأما جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول ~~الإسلام؛ فإن الشارع لم يجعل البكارة سببا للحجر في موضع من المواضع المجمع ~~عليها فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع. وأيضا: فإن ~~الذين قالوا بالإجبار اضطربوا فيما إذا عينت كفؤا وعين الأب كفؤا آخر: هل ~~يؤخذ بتعيينها؟ أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد. فمن جعل ~~العبرة بتعيينها نقض أصله ومن جعل # PageV32P023 # العبرة بتعيين الأب كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما لا يخفى فإنه ~~قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {الأيم أحق بنفسها من ~~وليها؛ والبكر تستأذن وإذنها صماتها} وفي رواية: {الثيب أحق بنفسها من ~~وليها} . فلما جعل الثيب أحق بنفسها دل على أن البكر ليست أحق بنفسها؛ بل ~~الولي أحق وليس ذلك إلا للأب والجد. هذه عمدة المجبرين وهم تركوا العمل بنص ~~الحديث وظاهره؛ وتمسكوا بدليل خطابه؛ ولم يعلموا مراد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. وذلك أن قوله: {الأيم أحق بنفسها من وليها} يعم كل ولي وهم يخصونه ~~بالأب والجد. " والثاني " قوله: {والبكر تستأذن} وهم لا يوجبون استئذانها؛ ~~بل قالوا: هو مستحب حتى طرد بعضهم قياسه؛ وقالوا لما كان مستحبا اكتفى فيه ~~بالسكوت وادعى أنه حيث يجب استئذان البكر فلا بد من النطق. وهذا قاله بعض ~~أصحاب الشافعي وأحمد. وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم؛ ولنصوص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه قد ms9225 ثبت بالسنة الصحيحة المستفيضة؛ واتفاق الأئمة ~~قبل هؤلاء أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها فإنه يستأذنها؛ وإذنها صماتها. ~~وأما المفهوم: فالنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين البكر والثيب؛ كما قال في ~~الحديث الآخر: {لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر} فذكر في ~~هذه لفظ " الإذن " وفي هذه لفظ " الأمر " وجعل إذن هذه الصمات؛ كما أن إذن ~~تلك النطق. فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين البكر # PageV32P024 # والثيب؛ لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار؛ وذلك لأن " البكر " لما ~~كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها؛ بل تخطب إلى وليها ~~ووليها يستأذنها فتأذن له؛ لا تأمره ابتداء: بل تأذن له إذا استأذنها ~~وإذنها صماتها. وأما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح فتخطب ~~إلى نفسها وتأمر الولي أن يزوجها. فهي آمرة له وعليه أن يعطيها فيزوجها من ~~الكفء إذا أمرته بذلك. فالولي مأمور من جهة الثيب ومستأذن للبكر. فهذا هو ~~الذي دل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأما تزويجها مع كراهتها ~~للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع ~~أو إجارة إلا بإذنها ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده. فكيف يكرهها ~~على مباضعة ومعاشرة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته والله قد جعل ~~بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه. فأي ~~مودة ورحمة في ذلك؟ ثم إنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين فقد أمر الله ببعث ~~حكم من أهله وحكم من أهلها. و " والحكمان " كما سماهما الله عز وجل: هما ~~حكمان عند أهل المدينة وهو أحد القولين للشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة ~~والقول الآخر: هما " وكيلان " والأول أصح؛ لأن الوكيل # PageV32P025 # ليس بحكم ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة ولا يشترط أن يكون من الأهل ولا ~~يختص بحال الشقاق ولا يحتاج في ذلك إلى نص خاص؛ ولكن إذا وقع الشقاق ms9226 فلا بد ~~من ولي لهما يتولى أمرهما؛ لتعذر اختصاص أحدهما بالحكم على الآخر. فأمر ~~الله أن يجعل أمرهما إلى اثنين من أهلهما فيفعلان ما هو الأصلح من جمع ~~بينهما وتفريق: بعوض أو بغيره. وهنا يملك الحكم الواحد مع الآخر الطلاق ~~بدون إذن الرجل ويملك الحكم الآخر مع الأول بذل العوض من مالها بدون إذنها؛ ~~لكونهما صارا وليين لهما. وطرد هذا القول: أن الأب يطلق على ابنه الصغير ~~والمجنون: إذا رأى المصلحة؛ كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. وكذلك يخالع عن ~~ابنته إذا رأى المصلحة لها. وأبلغ من ذلك أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب ~~أن يعفو عن نصف الصداق إذا قيل: هو الذي بيده عقدة النكاح. كما هو قول مالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والقرآن يدل على صحة هذا القول؛ وليس الصداق ~~كسائر مالها؛ فإنه وجب في الأصل نحلة وبضعها عاد إليها من غير نقص وكان ~~إلحاق الطلاق بالفسوخ فوجب ألا يتنصف؛ لكن الشارع جبرها بتنصيف الصداق؛ لما ~~حصل لها من الانكسار به ولهذا جعل ذلك عوضا عن المتعة عند ابن عمر والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايات عنه فأوجبوا المتعة لكل مطلقة؛ إلا لمن طلقت بعد ~~الفرض وقبل # PageV32P026 # الدخول والمسيس فحسبها ما فرض لها. وأحمد في الرواية الأخرى مع أبي حنيفة ~~وغيره لا يوجبون المتعة إلا لمن طلقت قبل الفرض والدخول ويجعلون المتعة ~~عوضا عن نصف الصداق ويقولون: كل مطلقة فإنها تأخذ صداقا؛ إلا هذه. وأولئك ~~يقولون: الصداق استقر قبل الطلاق بالعقد والدخول والمتعة سببها الطلاق فتجب ~~لكل مطلقة؛ لكن المطلقة بعد الفرض وقبل المسيس متعت بنصف الصداق فلا تستحق ~~الزيادة. وهذا القول أقوى من ذلك القول: فإن الله جعل الطلاق سبب المتعة ~~فلا يجعل عوضا عما سببه العقد والدخول؛ لكن يقال على هذا: فالقول الثالث ~~أصح؛ وهو الرواية الأخرى عن أحمد: أن كل مطلقة لها متعة؛ كما دل عليه ظاهر ~~القرآن وعمومه حيث قال: {وللمطلقات متاع بالمعروف} وأيضا فإنه قد قال: {إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ms9227 أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} . فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس ~~ولم يخص ذلك بمن لم يفرض لها مع أن غالب النساء يطلقن بعد الفرض. وأيضا ~~فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق فسبب المهر هو العقد. فالمفوضة التي لم يسم ~~لها مهرا يجب لها مهر المثل بالعقد ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل ~~عليه حديث بروع بنت واشق التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهر ~~وقضى لها النبي صلى الله عليه وسلم بأن {لها مهر امرأة من نسائها لا وكس ~~ولا شطط} لكن هذه لو طلقت قبل # PageV32P027 # المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن؛ لكونها لم تشترط مهرا مسمى ~~والكسر الذي حصل لها بالطلاق انجبر بالمتعة؛ وليس هذا موضع بسط هذه ~~المسائل. ولكن " المقصود ": أن الشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا لم ~~ترده؛ بل إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق فإنه يجعل أمرها إلى غير الزوج ~~لمن ينظر في المصلحة من أهلها؛ مع من ينظر في المصلحة من أهله فيخلصها من ~~الزوج بدون أمره؛ فكيف تؤسر معه أبدا بدون أمرها. والمرأة أسيرة مع الزوج؛ ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان ~~عندكم؛ أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بنت بالغ وقد خطبت لقرابة لها فأبت. وقال أهلها للعاقد: اعقد وأبوها ~~حاضر: فهل يجوز تزويجها؟ # فأجاب: # أما إن كان الزوج ليس كفؤا لها فلا تجبر على نكاحه بلا ريب وأما إن كان ~~كفؤا فللعلماء فيه قولان مشهوران؛ لكن الأظهر في الكتاب والسنة والاعتبار ~~أنها لا تجبر؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا تنكح البكر حتى ~~يستأذنها أبوها. وإذنها صماتها} . والله أعلم. # PageV32P028 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج بكرا بولاية أبيها؛ ولم يستأذن حين العقد؛ وكان قدم العقد ~~عليها لزوج قبله؛ وطلقت قبل الدخول بغير إصابة؛ ثم دخل بها الزوج الثاني ~~فوجدها بنتا فكتم ذلك ms9228 وحملت الزوجة منه واستقر الحال بينهما فلما علم الزوج ~~أنها لم تستأذن حين العقد عليها سأل عن ذلك قيل له: إن العقد مفسوخ؛ لكونها ~~بنتا ولم تستأذن: فهل يكون العقد مفسوخا؟ والوطء شبهة؟ ويلزم تجديد العقد ~~أم لا؟ # فأجاب: # أما إذا كانت ثيبا من زوج وهي بالغ فهذه لا تنكح إلا بإذنها باتفاق ~~الأئمة؛ ولكن إذا زوجت بغير إذنها ثم أجازت العقد جاز ذلك في مذهب أبي ~~حنيفة ومالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين؛ ولم يجز في مذهب الشافعي ~~وأحمد في رواية أخرى. وإن كانت ثيبا من زنا فهي كالثيب من النكاح في مذهب ~~الشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة. وفيه قول آخر: أنها كالبكر وهو مذهب أبي ~~حنيفة نفسه ومالك. وإن كانت البكارة زالت بوثبة أو بأصبع أو نحو ذلك فهي ~~كالبكر عند الأئمة الأربعة. وإذا كانت بكرا فالبكر يجبرها أبوها على النكاح ~~وإن كانت بالغة: في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وفي ~~الأخرى وهي # PageV32P029 # مذهب أبي حنيفة وغيره أن الأب لا يجبرها إذا كانت بالغا وهذا أصح ما دل ~~عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشواهد الأصول. فقد تبين في هذه ~~المسألة أن أكثر العلماء يقولون: إذا اختارت هي العقد جاز؛ وإلا احتاج إلى ~~استئناف. وقد يقال: هو الأقوى هنا؛ لا سيما والأب إنما عقد معتقدا أنها بكر ~~وأنه لا يحتاج إلى استئذانها؛ فإذا كانت في الباطن بخلاف ذلك كان معذورا. ~~فإذا اختارت هي النكاح لم يكن هذا بمنزلة تصرف الفضولي. ووقف العقد على ~~الإجازة فيه نزاع مشهور بين العلماء والأظهر فيه التفصيل بين بعضها وبعض ~~كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. # وقال الشيخ - رحمه الله -: # ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد وأنه إذا امتنع لا يكون ~~عاقا وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه مع قدرته على أكل ما ~~تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى؛ فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة ~~المكروه من الزوجين على طول ms9229 يؤذي صاحبه كذلك ولا يمكن فراقه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تحت حجر والده وقد تزوج بغير إذن والده وشهد المعروفون أن والده ~~مات وهو حي: فهل يصح العقد أم لا؟ وهل يجب على الولد إذا تزوج بغير إذن ~~والده حق أم لا؟ # PageV32P030 # فأجاب إن كان سفيها محجورا عليه: لا يصح نكاحه بدون إذن أبيه ويفرق ~~بينهما. وإذا فرق بينهما قبل الدخول فلا شيء عليه. وإن كان رشيدا صح نكاحه ~~وإن لم يأذن له أبوه. وإذا تنازع الزوجان: هل نكح وهو رشيد أو وهو سفيه: ~~فالقول قول مدعي صحة النكاح. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل خطب امرأة ولها ولد والعاقد مالكي فطلب العاقد الولد فتعذر حضوره ~~وجيء بغيره وأجاب العاقد في تزويجها: فهل يصح العقد؟ # فأجاب: # لا يصح هذا العقد؛ وذلك لأن الولد وليها وإذا كان حاضرا غير ممتنع لم ~~تزوج إلا بإذنه. فأما إن غاب غيبة بعيدة انتقلت الولاية إلى الأبعد أو ~~الحاكم. ولو زوجها شافعي معتقدا أن الولد لا ولاية له كان من مسائل ~~الاجتهاد؛ لكن الذي زوجها مالكي يعتقد أن لا يزوجها إلا ولدها فإذا لبس ~~عليه وزوجها من يعتقده ولدها ولم يكن هذا الحاكم قد زوجها بولايته ولا زوجت ~~بولاية ولي من نسب أو ولاء فتكون منكوحة بدون إذن ولي أصلا. وهذا النكاح ~~باطل عند الجمهور كما وردت به النصوص. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها فلما انقضت العدة هربت إلى ~~بلد مسيرة يوم وتزوجت بغير إذن أخيها ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد ~~أم لا؟ # PageV32P031 # فأجاب: إذا لم يكن أخوها عاضلا لها وكان أهلا للولاية: لم يصح نكاحها ~~بدون إذنه والحال هذه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج بالغة من جدها أبي أبيها وما رشدها ولا معه وصية من أبيها ~~فلما دنت وفاة جدها أوصى على البنت رجلا أجنبيا: فهل للجد المذكور على ~~الزوجة ولاية بعد أن أصابها الزوج؛ وهل له أن يوصي عليها؟ ms9230 # فأجاب: # أما إذا كانت رشيدة فلا ولاية عليها؛ لا للجد ولا غيره باتفاق الأئمة وإن ~~كانت ممن يستحق الحجر عليها ففيه للعلماء قولان: " أحدهما " أن الجد له ~~ولاية وهذا مذهب أبي حنيفة. و " الثاني " لا ولاية له وهو مذهب مالك وأحمد ~~في المشهور عنه. وإذا تزوجت الجارية ومضت عليها سنة وأولدها أمكن أن تكون ~~رشيدة باتفاق العلماء. # وسئل: # عمن برطل ولي امرأة ليزوجها إياه فزوجها ثم صالح صاحب المال عنه: فهل على ~~المرأة من ذلك درك؟ # فأجاب: # آثم فيما فعل، وأما النكاح فصحيح ولا شيء على المرأة من ذلك؟ # PageV32P032 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له جارية وقد أعتقها وتزوج بها ومات. ثم خطبها من يصلح: فهل ~~لأولاد سيدها أن يزوجوها؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا خطبها من يصلح لها فعلى أولاد سيدها أن يزوجوها فإن ~~امتنعوا من ذلك زوجها الحاكم أو عصبة المعتق إن كان له عصبة غير أولاده؛ ~~لكن من العلماء من يقدم الحاكم إذا عضل الولي الأقرب وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد في رواية. ومنهم من يقدم العصبة كأبي حنيفة في المشهور عنه فإذا لم ~~يكن له عصبة زوج الحاكم باتفاق العلماء ولو امتنع العصبة كلهم زوج الحاكم ~~بالاتفاق. وإذا أذن العصبة للحاكم جاز باتفاق العلماء # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج معتقة رجل؛ وطلقها وتزوجت بآخر وطلقها ثم حضرت إلى البلد ~~الذي فيه الزوج الأول فأراد ردها ولم يكن معها براءة فخاف أن يطلب منه ~~براءة: فحضرا عند قاضي البلد وادعى أنها جاريته وأولدها وأنه يريد عتقها ~~ويكتب لها كتابا: فهل يصح هذا العقد أم لا؟ # PageV32P033 # فأجاب: # إذا زوجها القاضي بحكم أنه وليها وكانت خلية من الموانع الشرعية ولم يكن ~~لها ولي أولى من الحاكم: صح النكاح. وإن ظن القاضي أنها عتيقة وكانت حرة ~~الأصل: فهذا الظن لا يقدح في صحة النكاح. وهذا ظاهر على أصل الشافعي؛ فإن ~~الزوج عنده لا يكون وليا. وأما من يقول إن المعتقة يكون زوجها المعتق وليها ~~والقاضي نائبه: فهنا إذا زوج ms9231 الحاكم بهذه النيابة ولم يكن قبولها من جهتها ~~ولكن من كونها حرة الأصل: فهذا فيه نظر. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن أعراب نازلين على البحر وأهل بادية وليس عندهم ولا قريبا منهم حاكم ~~ولا لهم عادة أن يعقدوا نكاحا إلا في القرى التي حولهم عند أئمتها: فهل يصح ~~عقد أئمة القرى لهم مطلقا لمن لها ولي ولمن ليس لها ولي؛ وربما كان أئمة ~~ليس لهم إذن من متول: فهل يصح عقدهم في الشرع مع إشهاد من اتفق من المسلمين ~~على العقود أم لا؟ وهل على الأئمة إثم إذا لم يكن في العقد مانع غير هذا ~~الحال الذي هو عدم إذن الحاكم للإمام بذلك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما من كان لها ولي من النسب وهو العصبة من النسب أو الولاء: ~~مثل أبيها وجدها وأخيها وعمها وابن أخيها وابن عمها وعم أبيها وابن عم ~~أبيها وإن كانت معتقة فمعتقها أو عصبة معتقها: فهذه يزوجها الولي بإذنها ~~والابن ولي عند الجمهور ولا يفتقر ذلك إلى حاكم باتفاق العلماء. # PageV32P034 # وإذا كان النكاح بحضرة شاهدين من المسلمين صح النكاح. وإن لم يكن هناك ~~أحد من الأئمة. ولو لم يكن الشاهدان معدلين عند القاضي بأن كانا مستورين - ~~صح النكاح إذا أعلنوه ولم يكتموه في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة. ولو كان ~~بحضرة فاسقين صح النكاح أيضا عند أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ولو ~~لم يكن بحضرة شهود بل زوجها وليها وشاع ذلك بين الناس صح النكاح في مذهب ~~مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. وهذا أظهر قولي العلماء فإن ~~المسلمين مازالوا يزوجون النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالإشهاد وليس في اشتراط الشهادة في ~~النكاح حديث ثابت؛ لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المساند. وأما من لا ~~ولي لها فإن كان في القرية أو الحلة نائب حاكم زوجها هو وأمير الأعراب ~~ورئيس القرية. وإذا كان فيهم إمام مطاع زوجها ms9232 أيضا بإذنها. والله أعلم. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيين؟ # فأجاب: # لا ولاية له عليهم في النكاح كما لا ولاية له عليهم في الميراث فلا يزوج ~~المسلم الكافرة سواء كانت بنته أو غيرها ولا يرث كافر مسلما ولا مسلم ~~كافرا. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف. # PageV32P035 # لكن المسلم إذا كان مالكا للأمة زوجها بحكم الملك وكذلك إذا كان ولي أمر ~~زواجها بحكم الولاية. وأما بالقرابة والعتاقة فلا يزوجها؛ إذ ليس في ذلك ~~إلا خلاف شاذ عن بعض أصحاب مالك في النصراني يزوج ابنته كما نقل عن بعض ~~السلف أنه يرثها وهما قولان شاذان. وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث ~~المسلم؛ ولا يتزوج الكافر المسلمة. والله سبحانه قد قطع الولاية في كتابه ~~بين المؤمنين والكافرين وأوجب البراءة بينهم من الطرفين وأثبت الولاية بين ~~المؤمنين فقد قال تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال تعالى: {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} إلى قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} إلى ~~قوله: {فإن حزب الله هم الغالبون} والله تعالى إنما أثبت الولاية بين أولي ~~الأرحام بشرط الإيمان كما قال تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} . وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين # PageV32P036 # آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} إلى قوله: {والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض} إلى قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ms9233 فأولئك ~~منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له جارية معتقة وقد طلبها منه رجل ليتزوجها فحلف بالطلاق ما أعطيك ~~إياها: فهل يلزمه الطلاق إذا وكل رجلا في زواجها لذلك الرجل؟ # فأجاب: # متى فعل المحلوف عليه بنفسه أو وكيله حنث؛ لكن إذا كان الخاطب كفؤا فله ~~أن يزوجها الولي الأبعد: مثل ابنه أو أبيه أو أخيه أو يزوجها الحاكم بإذنها ~~ودون إذن المعتق؛ فإنه عاضل ولا يحتاج إلى إذنه ولا حنث عليه إذا زوجت كل ~~هذا الوجه. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يعقد عقود الأنكحة بولي وشاهدي عدل: هل للحاكم منعه؟ # فأجاب: # ليس للحاكم أن يمنع المذكور أن يتوكل للولي فيعقد العقد على الوجه ~~الشرعي؛ لكن من لا ولي لها لا تزوج إلا بإذن السلطان وهو الحاكم. والله ~~أعلم. # PageV32P037 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل خطب امرأة حرة لها ولي غير الحاكم فجاء بشهود وهو يعلم فسق ~~الشهود؛ لكن لو شهدوا عند الحاكم قبلهم: فهل يصح نكاح المرأة بشهادتهم؟ ~~وإذا صح هل يكره؟ # فأجاب: # نعم يصح النكاح والحال هذه. و " العدالة " المشترطة في شاهدي النكاح إنما ~~هي أن يكونا مستورين غير ظاهري الفسق وإذا كانا في الباطن فاسقين وذلك غير ~~ظاهر؛ بل ظاهرهما الستر انعقد النكاح بهما في أصح قولي العلماء: في مذهب ~~أحمد والشافعي وغيرهما؛ إذ لو اعتبر في شاهدي النكاح أن يكونا معدلين عند ~~الحاكم لما صح نكاح أكثر الناس إلا بذلك وقد علم أن الناس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي كانوا يعقدون الأنكحة ~~بمحضر من بعضهم؛ وإن لم يكن الحاضرون معدلين عند أولي الأمر. ومن الفقهاء ~~من قال: يشترط أن يكونا مبرزي العدالة: فهؤلاء شهود الحكام معدلون عندهم ~~وإن كان فيهم من هو فاسق في نفس الأمر. فعلى التقديرين ينعقد النكاح ~~بشهادتهم وإن كانوا في الباطن فساقا. والله أعلم. # PageV32P038 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ms9234 الله عليه وسلم ~~{لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله ~~كيف إذنها؟ قال. أن تسكت} متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال. {الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في ~~نفسها وإذنها صماتها} وفي رواية: {البكر يستأذنها أبوها في نفسها وصمتها ~~إقرارها} رواه مسلم في صحيحه {وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. تستأمر قالت عائشة: فقلت له: فإنها ~~تستحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك إذنها إذا هي سكتت} {وعن ~~خنساء ابنة خدام أن أباها زوجها وهي بنت فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرد نكاحه} رواه البخاري. # فأجاب: # المرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن كرهت ذلك لم تجبر على النكاح؛ إلا الصغيرة البكر فإن أباها يزوجها ~~ولا إذن لها. وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها # PageV32P039 # لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين وكذلك البكر البالغ ليس لغير الأب ~~والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع المسلمين. فأما الأب والجد فينبغي لهما ~~استئذانها. واختلف العلماء في استئذانها: هل هو واجب؟ أو مستحب؟ والصحيح ~~أنه واجب. ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به وينظر في ~~الزوج: هل هو كفؤ أو غير كفؤ؟ فإنه إنما يزوجها لمصلحتها؛ لا لمصلحته؛ وليس ~~له أن يزوجها بزوج ناقص؛ لغرض له: مثل أن يتزوج مولية ذلك الزوج بدلها ~~فيكون من جنس الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أو يزوجها ~~بأقوام يحالفهم على أغراض له فاسدة. أو يزوجها لرجل لمال يبذله له وقد ~~خطبها من هو أصلح لها من ذلك الزوج فيقدم الخاطب الذي برطله على الخاطب ~~الكفؤ الذي لم والآمدي. وأصل ذلك أن تصرف الولي في بضع ms9235 وليته كتصرفه في ~~مالها فكما لا يتصرف في مالها إلا بما هو أصلح كذلك لا يتصرف في بضعها إلا ~~بما هو أصلح لها؛ إلا أن الأب له من التبسط في مال ولده ما ليس لغيره كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {أنت ومالك لأبيك} بخلاف غير الأب. # وسئل - رحمه الله -: # عن المرأة التي يعتبر إذنها في الزواج شرعا هل يشترط الإشهاد عليها ~~بإذنها لوليها؟ أم لا؟ وإذا قال الولي: إنها أذنت لي في تزويجها من هذا # PageV32P040 # الشخص: فهل للعاقد أن يعقد بمجرد قول الولي؟ أم قولها؟ وكيفية الحكم في ~~هذه المسألة بين العلماء؟ # فأجاب: # الحمد لله، الإشهاد على إذنها ليس شرطا في صحة العقد عند جماهير العلماء؛ ~~وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي وأحمد بأن ذلك شرط. والمشهور في ~~المذهبين - كقول الجمهور - أن ذلك لا يشترط. فلو قال الولي: أذنت لي في ~~العقد؛ فعقد العقد وشهد الشهود على العقد ثم صدقته الزوجة على الإذن: كان ~~النكاح ثابتا صحيحا باطنا وظاهرا وإن أنكرت الإذن كان القول قولها مع ~~يمينها؛ ولم يثبت النكاح. ودعواه الإذن عليها كما لو ادعى النكاح بعد موت ~~الشهود ونحو ذلك. والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل ~~العقد لوجوه ثلاثة: " أحدها " أن ذلك عقد متفق على صحته ومهما أمكن أن يكون ~~العقد متفقا على صحته فلا ينبغي أن يعدل عنه إلى ما فيه خلاف وإن كان ~~مرجوحا؛ إلا لمعارض راجح. " الوجه الثاني " أن ذلك معونة على تحصيل مقصود ~~العقد وأمان من جحوده لا سيما في مثل المكان والزمان الذي يكثر فيه جحد ~~النساء وكذبهن فإن ترك الإشهاد عليها كثيرا ما يفضي إلى خلاف ذلك. ثم إنه ~~يفضي إلى أن تكون زوجة في الباطن دون الظاهر. وفي ذلك مفاسد متعددة. # PageV32P041 # " والوجه الثالث ": أن الولي قد يكون كاذبا في دعوى الاستئذان؛ وأن يحتال ~~بذلك على أن يشهد أنه قد زوجها وأن يظن الجهال أن النكاح يصح بدون ذلك إذا ~~كان عند العامة أنها إذا ms9236 زوجت عند الحاكم صارت زوجة. فيفضي إلى قهرها ~~وجعلها زوجة بدون رضاها. وأما " العاقد " الذي هو نائب الحاكم إذا كان هو ~~المزوج لها بطريق الولاية عليها؛ لا بطريق الوكالة للولي؛ فلا يزوجها حتى ~~يعلم أنها قد أذنت. وذلك بخلاف ما إذا كان شاهدا على العقد. وإن زوجها ~~الولي بدون إذنها فهو نكاح الفضولي. وهو موقوف على إذنها عند أبي حنيفة ~~ومالك وهو باطل مردود عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه. # وسئل - رحمه الله -: # عن بنت زالت بكارتها بمكروه ولم يعقد عليها عقد قط وطلبها من يتزوجها؛ ~~فذكر له ذلك فرضي: فهل يصح العقد بما ذكر إذا شهد المعروفون أنها بنت؛ ~~لتسهيل الأمر في ذلك؟ # فأجاب: # إذا شهدوا أنها ما زوجت كانوا صادقين ولم يكن في ذلك تلبيس على الزوج؛ ~~لعلمه بالحال. وينبغي استنطاقها بالأدب؛ فإن العلماء متنازعون: هل إذنها ~~إذا زالت بكارتها بالزنا: الصمت أو: النطق. و " الأول " مذهب الشافعي؛ ~~وأحمد كصاحبي أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومالك إذنها الصمات كالتي لم تزل ~~عذرتها. # PageV32P042 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بنت يتيمة ولها من العمر عشر سنين ولم يكن لها أحد وهي مضطرة إلى من ~~يكفلها: فهل يجوز لأحد أن يتزوجها بإذنها أم لا؟ # فأجاب: # هذه يجوز تزويجها بكفؤ لها عند أكثر السلف والفقهاء وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد في ظاهر مذهبه؛ وغيرهما. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى: ~~{ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء} الآية. وقد أخرجا تفسير هذه الآية في الصحيحين عن عائشة وهو ~~دليل في اليتيمة؛ وزوجها من يعدل عليها في المهر؛ لكن تنازع هؤلاء: هل تزوج ~~بإذنها أم لا؟ فذهب أبو حنيفة أنها تزوج بغير إذنها ولها الخيار إذا بلغت ~~وهي رواية عن أحمد. وظاهر مذهب أحمد أنها تزوج بغير إذنها إذا بلغت تسع ~~سنين ولا خيار لها إذا بلغت؛ لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {اليتيمة تستأذن في نفسها فإن ms9237 سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز عليها} ~~وفي لفظ: {لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز ~~عليها} . # PageV32P043 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن صغيرة دون البلوغ مات أبوها: هل يجوز للحاكم أو نائبه أن يزوجها أم ~~لا؟ وهل يثبت لها الخيار إذا بلغت أم لا؟ # فأجاب: # إذا بلغت تسع سنين فإنه يزوجها الأولياء - من العصبات والحاكم ونائبه - ~~في ظاهر مذهب أحمد وهو مذهب أبي حنيفة وغيرهما كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة في مثل قوله تعالى {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن} وأخرجا في الصحيحين عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ~~عن قول الله عز وجل: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع} قالت؛ يا ابن أختي هذه اليتيمة في حجر وليها ~~تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها؛ فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن ~~يقسط في صداقها؛ فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن ويبلغوا بهن على سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم ~~من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن؛ فأنزل الله # PageV32P044 # عز وجل: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} الآية. قالت عائشة ~~والذي ذكر الله أنه {يتلى عليكم في الكتاب} الآية الأولى التي قالها الله ~~عز وجل؛ {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~قالت عائشة: وقول الله عز وجل في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة ~~أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حيث تكون قليلة المال والحال. وفي لفظ ~~آخر: إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا في نكاحها في إكمال الصداق؛ وإذا كانت ~~مرغوبا عنها في قلة المال والجمال رغبوا عنها؛ وأخذوا غيرها من ms9238 النساء. ~~قال: فكما يتركونها حتى يرغبوا عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها؛ ~~إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها من الصداق. فهذا يبين أن الله أذن لهم أن ~~يزوجوا اليتامى من النساء إذا فرضوا لهن صداق مثلهن؛ ولم يأذن لهم في ~~تزويجهن بدون صداق المثل؛ لأنها ليست من أهل التبرع؛ ودلائل ذلك متعددة. ثم ~~الجمهور الذين جوزوا إنكاحها لهم قولان: " أحدهما " وهو قول أبي حنيفة ~~وأحمد في إحدى الروايتين: أنها تزوج بدون إذنها؛ ولها الخيار إذا بلغت. و " ~~الثاني " وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره: أنها لا تزوج إلا بإذنها؛ ولا ~~خيار لها إذا بلغت. وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة كما روى أبو هريرة؛ ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {تستأذن # PageV32P045 # اليتيمة في نفسها؛ فإن سكتت فهو إذنها؛ وإن أبت فلا جواز عليها} رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: {تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت؛ وإن أبت ~~فلا جواز عليها} . فهذه السنة نص في القول الثالث الذي هو أعدل الأقوال ~~أنها تزوج؛ خلافا لمن قال: إنها لا تزوج حتى تبلغ فلا تصير " يتيمة ". ~~والكتاب والسنة صريح في دخول اليتيمة قبل البلوغ في ذلك؛ إذ البالغة التي ~~لها أمر في مالها يجوز لها أن ترضى بدون صداق المثل؛ ولأن ذلك مدلول اللفظ ~~وحقيقته ولأن ما بعد البلوغ وإن سمي صاحبه يتيما مجازا فغايته أن يكون ~~داخلا في العموم. وأما أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: ~~فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بنت يتيمة ليس لها أب؛ ولا لها ولي إلا أخوها وسنها اثنتا عشرة سنة ~~ولم تبلغ الحلم؛ وقد عقد عليها أخوها بإذنها: فهل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: # هذا العقد صحيح في مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته الذي عليه عامة ~~أصحابه ومذهب أبي حنيفة أيضا. لكن أحمد في ms9239 المشهور عنه يقول: إذا زوجت ~~بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا # PageV32P046 # بلغت. وأبو حنيفة وأحمد في رواية يقول: تزوج بلا إذنها ولها الخيار إذا ~~بلغت. وهذا أحد القولين في مذهب مالك أيضا. ثم عنه رواية: إن دعت حاجة إلى ~~نكاحها ومثلها يوطأ جاز. وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت. وقال ابن بشير: ~~اتفق المتأخرون أنه يجوز نكاحها إذا خيف عليها الفساد. والقول " الثالث " ~~وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: أنها لا تزوج حتى تبلغ إذا لم ~~يكن لها أب وجد. قالوا: لأنه ليس لها ولي يجبر وفي نفسها لا إذن لها قبل ~~البلوغ؛ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها. و " القول الأول " أصح بدلالة ~~الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله تعالى يقول: {ويستفتونك في النساء قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا ~~تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما} وقد ثبت عن عائشة ~~رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فإن كان لها ~~مال وجمال تزوجها ولم يقسط في صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها فنهي ~~أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال. ~~وقوله: {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} يفتيكم ونفتيكم في ~~المستضعفين. فقد أخبرت # PageV32P047 # عائشة في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم: أن هذه الآية نزلت ~~في اليتيمة تكون في حجر وليها وأن الله أذن له في تزويجها إذا أقسط في ~~صداقها وقد أخبر أنها في حجره. فدل على أنها محجور عليها. وأيضا فقد ثبت في ~~السنن من حديث أبي موسى وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا جواز عليها} ~~فيجوز تزويجها بإذنها ومنعه بدون إذنها. وقد قال ms9240 صلى الله عليه وسلم {لا ~~يتم بعد احتلام} ولو أريد " باليتيم " ما بعد البلوغ: فبطريق المجاز؛ فلا ~~بد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده. أما تخصيص لفظ " اليتيم " بما بعد ~~البلوغ فلا يحتمله اللفظ بحال؛ ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه ~~كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه: ~~عند أكثر العلماء كما دل على ذلك القرآن بقوله: {وابتلوا اليتامى حتى إذا ~~بلغوا النكاح} الآية. فأمر بالابتلاء قبل البلوغ؛ وذلك قد لا يأتي إلا ~~بالبيع - ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور - وكذلك إسلامه؛ كما يصح صومه ~~وصلاته وغير ذلك لما له في ذلك من المنفعة. فإذا زوجها الولي بإذنها من كفؤ ~~جاز وكان هذا تصرفا بإذنها وهو مصلحة لها وكل واحد من هذين مصحح لتصرف ~~المميز. والله أعلم. # PageV32P048 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن بنت دون البلوغ وحضر من يرغب في تزويجها: فهل يجوز للحاكم أن يزوجها ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان الخاطب لها كفؤا جاز تزويجها في أصح قولي العلماء وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. ثم منهم من يقول تزوج بلا أمرها ولها ~~الخيار كمذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد. ومنهم من يقول؛ إذا بلغت تسع سنين ~~زوجت بإذنها ولا خيار لها إذا بلغت. وهو ظاهر مذهب أحمد؛ لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت فلا ~~جواز عليها} رواه أبو داود والنسائي وغيرهما. وتزويج " اليتيمة " ثابت ~~بالكتاب والسنة قال تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان} وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها نزلت في اليتيمة التي يرغب وليها أن ينكحها إذا كان لها ~~مال ولا ينكحها إذا لم يكن لها مال فنهوا عن نكاحهن حتى يقسطوا لهن في ~~الصداق. فقد ms9241 أذن الله للولي أن ينكح اليتيمة؛ إذا أصدقها صداق المثل. والله ~~أعلم. # PageV32P049 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج يتيمة صغيرة وعقد عقدها الشافعي المذهب ولم تدرك إلا بعد ~~العقد بشهرين: فهل هذا العقد جائز أم لا؟ # فأجاب: # أما " اليتيمة " التي لم تبلغ قبل لا يجبرها على تزويجها غير الأب. ~~والجد. والأخ والعم والسلطان الذي هو الحاكم أو نواب الحاكم في العقود: ~~للفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال. " أحدها " لا يجوز وهو قول الشافعي ومالك؛ ~~والإمام أحمد في رواية. " والثاني " يجوز النكاح بلا إذنها ولها الخيار إذا ~~بلغت؛ وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد. و " الثالث " أنها تزوج بإذنها؛ ~~ولا خيار لها إذا بلغت. وهذا هو المشهور من مذهب أحمد. فهذه التي لم تبلغ ~~يجوز نكاحها في مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما. ولو زوجها حاكم يرى ذلك: فهل ~~يكون تزويجه # PageV32P050 # حكما لا يمكن نقضه؟ أو يفتقر إلى حاكم غيره يحكم بصحة ذلك؟ على وجهين في ~~مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أصحهما الأول. لكن الحاكم المزوج هنا شافعي ~~فإن كان قد قلد قول من يصحح هذا النكاح وراعى سائر شروطه وكان ممن له ذلك: ~~جاز. وإن كان قد أقدم على ما يعتقد تحريمه كان فعله غير جائز. وإن كان قد ~~ظنها بالغا فزوجها فكانت غير بالغ لم يكن في الحقيقة قد زوجها؛ ولا يكون ~~النكاح صحيحا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وجد صغيرة فرباها فلما بلغت زوجها الحاكم له ورزق منها أولادا؛ ثم ~~وجد لها أخ بعد ذلك: فهل هذا النكاح صحيح؟ # فأجاب: # إذا كان لها أخ غائب غيبة منقطعة ولم يكن يعرف حينئذ لها أخ لكونها ضاعت ~~من أهلها حين صغرها إلى ما بعد النكاح: لم يبطل النكاح المذكور. والله ~~أعلم. # PageV32P051 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن بنت يتيمة وقد طلبها رجل وكيل على جهات المدينة وزوج أمها كاره في ~~الوكيل. فهل يجوز أن يزوجها عمها وأخوها بلا إذن منها أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، المرأة البالغ لا يزوجها ms9242 غير الأب والجد بغير إذنها باتفاق ~~الأئمة؛ بل وكذلك لا يزوجها الأب إلا بإذنها في أحد قولي العلماء؛ بل في ~~أصحهما وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر قالوا يا رسول ~~الله فإن البكر تستحي؟ قال: إذنها صماتها} وفي لفظ {يستأذنها أبوها وإذنها ~~صماتها} وأما العم والأخ فلا يزوجانها بغير إذنها باتفاق العلماء. وإذا ~~رضيت رجلا وكان كفؤا لها وجب على وليها - كالأخ ثم العم - أن يزوجها به فإن ~~عضلها وامتنع من تزويجها زوجها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه ~~باتفاق العلماء؛ فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه؛ ولا يعضلها عن ~~نكاح من ترضاه إذا كان كفؤا باتفاق الأئمة؛ وإنما يجبرها ويعضلها أهل ~~الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض؛ لا لمصلحة المرأة ~~ويكرهونها على ذلك أو يخجلونها حتى تفعل. ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤا ~~لها لعداوة # PageV32P052 # أو غرض. وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان وهو مما حرمه الله ~~ورسوله واتفق المسلمون على تحريمه وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا ~~في مصلحة المرأة؛ لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره ~~فإنه يقصد مصلحة من تصرف له لا يقصد هواه فإن هذا من الأمانة التي أمر الله ~~أن تؤدى إلى أهلها فقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} وهذا من النصيحة الواجبة وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة. قالوا لمن ~~يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم} والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة وقعدت معه أياما وجاء أناس ادعوا أنها في ملكهم ~~وأخذوها من بيته ونهبوه؛ ولم يكن حاضرا: فهل يجوز أخذها وهي حامل؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يبن للزوج أنها أمة؛ بل تزوجها نكاحا مطلقا كما جرت به ~~العادة؛ وظن ms9243 أنها حرة؛ وقيل له: إنها حرة: فهو مغرور وولده منها حر؛ لا ~~رقيق. وأما " النكاح " فباطل إذا لم يجزه السيد باتفاق المسلمين. وإن أجازه ~~السيد صح في مذهب أبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين؛ ولم يصح في مذهب ~~الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى؛ بل يحتاج # PageV32P053 # إلى نكاح جديد. وأما إن ظهرت حاملا من غير الزوج: فالنكاح باطل بلا ريب؛ ~~ولا صداق عليه إذا لم يدخل بها؛ وليس لهم أن يأخذوا شيئا من ماله بل كل ما ~~أخذ من ماله رد إليه. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن تزويج المماليك بالجواري من غير عتق إذا كانوا لمالك واحد؟ ومن يعقد ~~طرفي النكاح في الطرفين لهما؟ ولأولادهما؟ وهل للسيد أن يتسرى بهن؟ # فأجاب: # تزويج المماليك بالإماء جائز سواء كانوا لمالك واحد أو لمالكين مع بقائهم ~~على الرق. وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين. والذي يزوج الأمة سيدها أو ~~وكيله. وأما المملوك فهو يقبل النكاح لنفسه إذا كان كبيرا أو يقبل له ~~وكيله. وإن كان صغيرا فسيده يقبل له. فإذا كان الزوجان له قال بحضرة ~~شاهدين: زوجت مملوكي فلان بأمتي فلانة وينعقد النكاح بذلك. وأما العبد ~~البالغ: فهل لسيده أن يزوجه بغير إذنه ويكرهه على ذلك؟ فيه قولان للعلماء " ~~أحدهما " لا يجوز وهو مذهب الشافعي وأحمد. " والثاني " يجبره وهو مذهب أبي ~~حنيفة ومالك. والأمة في المملوك الصغير يزوجهما بغير إذنهما بالاتفاق. # PageV32P054 # وأما " الأولاد " فهم تبع لأمهم في " الحرية والرق " وهم تبع لأبيهم في ~~النسب والولاء باتفاق المسلمين. فمن كان سيد الأم كان أولادها له سواء ~~ولدوا من زوج أو من زنا. كما أن البهائم من الخيل والإبل والحمير إذا نزا ~~ذكرها على أنثاها كان الأولاد لمالك الأم. ولو كانت الأم معتقة أو حرة ~~الأصل والأب مملوكا كان الأولاد أحرارا. وأما " النسب " فإنهم ينتسبون إلى ~~أبيهم. وإذا كان الأب عتيقا والأم عتيقة كانوا منتسبين إلى موالي الأب وإن ~~كان الأب مملوكا انتسبوا إلى موالي الأم فإن عتق الأب بعد ذلك انجر الولاء ~~من موالي ms9244 الأم إلى موالي الأب. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. ومن كان مالكا ~~للأم ملك أولادها وكان له أن يتسرى بالبنات من أولاد إمائه؛ إذا لم يكن ~~يستمتع بالأم فإنه يستمتع ببناتها؛ فإن استمتع بالأم فلا يجوز أن يستمتع ~~ببناتها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل شريف زوج ابنته وهي بكر بالغ لرجل غير شريف مغربي معروف بين الناس ~~بالصلاح برضا ابنته وإذنها ولم يشهد عليها الأب بالرضا: فهل يكون ذلك قادحا ~~في العقد أم لا؟ مع استمرار الزوجة بالرضا وذلك قبل الدخول وبعده وقدح قادح ~~فأشهدت الزوجة أن الرضا والإذن صدرا منها: فهل يحتاج في ذلك تجديد العقد؟ # PageV32P055 # فأجاب: لا تفتقر صحة النكاح إلى الإشهاد على إذن المرأة قبل النكاح في ~~المذاهب الأربعة إلا وجها ضعيفا في مذهب الشافعي وأحمد؛ بل قال: إذا قال ~~الولي: أذنت لي جاز عقد النكاح والشهادة على الولي والزوج. ثم المرأة بعد ~~ذلك إن أنكرت: فالنكاح ثابت. هذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وأما ~~مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه إذا لم تأذن حتى عقد النكاح جاز ~~وتسمى: " مسألة وقف العقود " كذلك العبد إذا تزوج بدون إذن مواليه؛ فهو على ~~هذا النزاع. أما " الكفاءة في النسب " فالنسب معتبر عند مالك. أما عند أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: فهي حق للزوجة والأبوين فإذا ~~رضوا بدون كفء جاز وعند أحمد هي حق لله فلا يصح النكاح مع فراقها. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل زوج ابنة أخيه من ابنه والزوج فاسق لا يصلي وخوفوها حتى أذنت في ~~النكاح وقالوا: إن لم تأذني وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك وهو الآن يأخذ ~~مالها؛ ويمنع من يدخل عليها لكشف حالها: كأمها وغيرها؟ # PageV32P056 # فأجاب: # الحمد لله، ليس للعم ولا غيره من الأولياء أن يزوج موليته بغير كفء إذا ~~لم تكن راضية بذلك باتفاق الأئمة؛ وإذا فعل ذلك استحق العقوبة الشرعية التي ~~تردعه وأمثاله عن مثل ذلك؛ بل لو رضيت هي بغير كفء كان ms9245 لولي آخر غير المزوج ~~أن يفسخ النكاح؛ وليس للعم أن يكره المرأة البالغة على النكاح بكفء. فكيف ~~إذا أكرهها على التزويج بغير كفء بل لا يزوجها إلا بمن ترضاه باتفاق ~~المسلمين. وإذا قال لها: إن لم تأذني وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك. فأذنت ~~بذلك لم يصح هذا الإذن ولا النكاح المترتب عليه؛ فإن الشرع لا يمكن غير ~~الأب والجد من إجبار الصغيرة باتفاق الأئمة؛ وإنما تنازع العلماء في " الأب ~~والجد " في الكبيرة وفي الصغيرة مطلقا. وإذا تزوجها بنكاح صحيح كان عليه أن ~~يقوم بما يجب لها ولا يتعدى عليها في نفسها ولا مالها. وما أخذه من ذلك ~~ضمنه وليس له أن يمنع من يكشف حالها إذا اشتكت بل إما أن يمكن من يدخل ~~عليها ويكشف حالها: كالأم وغيرها. وإما أن تسكن بجنب جيران من أهل الصدق ~~والدين يكشفون حالها. والله أعلم. # PageV32P057 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له عبد وقد حبس نفسه وقصد الزواج: فهل له أن يتزوج أم لا؟ # فأجاب: # نعم له التزوج على أصل من يجبر السيد على تزويجه كمذهب أحمد والشافعي على ~~أحد قوليه؛ فإن تزويجه كالإنفاق عليه إذا كان محتاجا إلى ذلك وقد قال ~~تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} فأمر بتزويج ~~العبيد والإماء كما أمر بتزويج الأيامى. وتزويج الأمة إذا طلبت النكاح من ~~كفء واجب باتفاق العلماء والذي يأذن له في النكاح مالك نصفه أو وكيله وناظر ~~النصيب المحبس. # وسئل: # عن رجل تزوج عتيقة بعض بنات الملوك الذين يشترون الرقيق من مالهم ومال ~~المسلمين بغير إذن معتقها: فهل يكون العقد صحيحا أم لا؟ # فأجاب: # أما إذا أعتقها من مالها عتقا شرعيا فالولاية لها باتفاق العلماء وهي ~~التي ترثها ثم أقرب عصباتها من بعدها. # PageV32P058 # وأما تزويج هذه " العتيقة " بدون إذن المعتقة؟ فهذا فيه قولان مشهوران ~~للعلماء فإن من لا يشترط إذن الولي: كأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين ~~يقول بأن هذا النكاح يصح عنده؛ لكن من يشترط إذن الولي كالشافعي وأحمد لهم ~~قولان في هذه ms9246 المسألة وهما روايتان عن أحمد " إحداهما " أنها لا تزوج إلا ~~بإذن المعتقة فإنها عصبتها. وعلى هذا: فهل للمرأة نفسها أن تزوجها؟ على ~~قولين: هما روايتان عن أحمد. و " الثاني " أن تزويجها لا يفتقر إلى إذن ~~المعتقة؛ لأنها لا تكون ولية لنفسها فلا تكون ولية لغيرها؛ ولأنه لا يجوز ~~تزوجها عندهم فلا يفتقر إلى إذنها فعلى هذا يزوج هذه المعتقة من يزوج ~~معتقها بإذن العتيقة: مثل أخ المعتقة ونحوه إن كان من أهل ولاية النكاح؛ ~~وإن لم يكن أهلا وزوجها الحاكم جاز؛ وإلا فلا. وإن كانوا أهلا عند أبي ~~حنيفة فالولاء لهم والحاكم يزوجها. # وسئل: # عن رجل خطب امرأة فسئل عن نفقته؟ فقيل له: من الجهات السلطانية شيء فأبى ~~الولي تزويجها فذكر الخاطب أن فقهاء الحنفية جوزوا تناول ذلك: فهل ذكر ذلك ~~أحد في جواز تناوله من الجهات؟ وهل للولي المذكور دفع الخاطب بهذا السبب مع ~~رضاء المخطوبة؟ # PageV32P059 # فأجاب: أما الفقهاء الأئمة الذين يفتى بقولهم فلم يذكر أحد منهم جواز ~~ذلك؛ ولكن في أوائل الدولة " السلجوقية " أفتى طائفة من الحنفية والشافعية ~~بجواز ذلك وحكى أبو محمد بن حزم في " كتابه " إجماع العلماء على تحريم ذلك ~~وقد كان " نور الدين محمود الشهيد التركي " قد أبطل جميع الوظائف المحدثة ~~بالشام والجزيرة. ومصر والحجاز وكان أعرف الناس بالجهاد. وهو الذي أقام ~~الإسلام بعد استيلاء " الإفرنج والقرامطة " على أكثر من ذلك. ومن فعل ما ~~يعتقد حكمه متأولا تأويلا سائغا - لا سيما مع حاجته - لم يجعل فاسقا بمجرد ~~ذلك؛ لكن بكل حال فالولي له أن يمنع موليته ممن يتناول مثل هذا الرزق الذي ~~يعتقده حراما؛ لا سيما أن رزقها منه فإذا كان الزوج يطعمها من غيره أو تأكل ~~هي من غيره: فله أن يزوجها إذا كان الزوج متأولا فيما يأكله. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل زوج ابنته لشخص ولم يعلم ما هو عليه فأقام في صحبة الزوجة سنين ~~فعلم الولي والزوجة ما الزوج عليه: من النجس والفساد وشرب الخمر والكذب ~~والأيمان الخائنة فبانت الزوجة منه بالثلاث: ms9247 فهل يجوز للولي الإقدام على ~~تزويجه أم لا؟ ثم إن الولي استتوب الزوج مرارا عديدة ونكث ولم يرجع: فهل ~~يحل تزويجها؟ # PageV32P060 # فأجاب: # إذا كان مصرا على الفسق فإنه لا ينبغي للولي تزويجها له كما قال بعض ~~السلف: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها. لكن إن علم أنه تاب فتزوج به ~~إذا كان كفؤا لها وهي راضية به. وأما " نكاح التحليل " فقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل والمحلل له} . ولا تجبر ~~المرأة على نكاح التحليل باتفاق العلماء. # و ### | سئل: # عن " الرافضة " هل تزوج؟ # فأجاب: # الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال ولا ينبغي للمسلم أن يزوج موليته ~~من رافضي وإن تزوج هو رافضية صح النكاح إن كان يرجو أن تتوب وإلا فترك ~~نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرافضي ومن يقول لا تلزمه الصلوات الخمس: هل يصح نكاحه من الرجال ~~والنساء؟ فإن تاب من الرفض ولزم الصلاة حينا ثم عاد لما كان عليه: هل يقر ~~على ما كان عليه من النكاح؟ # فأجاب: # لا يجوز لأحد أن ينكح موليته رافضيا ولا من يترك الصلاة. ومتى زوجوه على ~~أنه سني فصلى الخمس ثم ظهر أنه رافضي لا يصلي أو عاد إلى الرفض وترك ~~الصلاة: فإنهم يفسخون النكاح. # PageV32P061 ### | باب المحرمات في النكاح ### | قاعدة في المحرمات في النكاح نسبا وصهرا # سئل الشيخ - رحمه الله -: عن بيانها مختصرا؟ # فأجاب: الحمد لله رب العالمين، أما المحرمات " بالنسب " فالضابط فيه أن ~~جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه؛ إلا بنات أعمامه؛ وأخواله وعماته ~~وخالاته. وهذه الأصناف الأربعة هن اللاتي أحلهن الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} الآية. فأحل ms9248 سبحانه لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم من النساء أجناسا أربعة؛ ولم يجعل خالصا له من دون المؤمنين إلا ~~الموهوبة؛ التي تهب نفسها للنبي؛ فجعل هذه من خصائصه: له أن يتزوج الموهوبة ~~بلا مهر وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين. بل ليس لغيره أن يستحل بضع امرأة ~~إلا مع وجوب مهر كما قال تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين} . واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدر لها ~~مهرا: صح النكاح ووجب لها المهر إذا دخل بها؛ وإن طلقها قبل الدخول فليس ~~لها مهر؛ بل # PageV32P062 # لها المتعة بنص القرآن وإن مات عنها ففيها قولان. وهي " مسألة {بروع بنت ~~واشق التي استفتي عنها ابن مسعود شهرا ثم قال: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن ~~صوابا فمن الله؛ وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه: ~~لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث. فقام رجال من ~~أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق ~~بمثل ما قضيت به في هذه} قال علقمة: فما رأيت عبد الله فرح بشيء كفرحه ~~بذلك. وهذا الذي أجاب به ابن مسعود هو قول فقهاء الكوفة كأبي حنيفة وغيره ~~وفقهاء الحديث كأحمد وغيره وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر له وهو مذهب ~~مالك أنه لا مهر لها وهو مروي عن علي وزيد وغيرهما من الصحابة. وتنازعوا في ~~" النكاح إذا شرط فيه نفي المهر " هل يصح النكاح؟ على قولين في مذهب أحمد ~~وغيره: " أحدهما " يبطل النكاح كقول مالك. و " الثاني " يصح ويجب مهر المثل ~~كقول أبي حنيفة والشافعي. والأولون يقولون: هو " نكاح الشغار " الذي أبطله ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نفى فيه المهر وجعل البضع مهرا للبضع. وهذا ~~تعليل أحمد بن حنبل في غير موضع من كلامه؛ وهذا تعليل أكثر قدماء أصحابه. ~~والآخرون: منهم من يصحح نكاح الشغار كأبي حنيفة؛ وقوله أقيس على هذا الأصل؛ ~~لكنه مخالف للنص وآثار الصحابة فإنهم ms9249 أبطلوا نكاح الشغار. ومنهم من يبطله # PageV32P063 # ويعلل البطلان إما بدعوى التشريك في البضع وإما بغير ذلك من العلل كما ~~يفعله أصحاب الشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد: كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. ~~" والقول الأول " أشبه بالنص والقياس الصحيح كما قد بسط في موضعه. وتنازعوا ~~أيضا في انعقاد النكاح مع المهر بلفظ " التمليك " و " الهبة " وغيرهما: ~~فجوز ذلك الجمهور؛ كمالك وأبي حنيفة وعليه تدل نصوص أحمد؛ وكلام قدماء ~~أصحابه. ومنعه الشافعي وأكثر متأخري أصحاب أحمد كابن حامد والقاضي ومن ~~تبعهما؛ ولم أعلم أحدا قال هذا قبل ابن حامد من أصحاب أحمد. والمقصود هنا: ~~أن الله تعالى لم يخص رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بنكاح الموهوبة بقوله: ~~{وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من ~~دون المؤمنين} فدل ذلك على أن سائر ما أحله لنبيه صلى الله عليه وسلم حلال ~~لأمته وقد دل على ذلك قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} فلما أحل امرأة ~~المتبني لا سيما للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك إحلالا للمؤمنين: دل ~~ذلك على أن الإحلال له إحلال لأمته وقد أباح له من أقاربه بنات العم ~~والعمات وبنات الخال والخالات وتخصيصهن بالذكر يدل على تحريم ما سواهن؛ لا ~~سيما وقد قال بعد ذلك: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} ~~أي من بعد هؤلاء # PageV32P064 # اللاتي أحللناهن لك وهن المذكورات في قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} فدخل في " ~~الأمهات " أم أبيه وأم أمه وإن علت بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وكذلك دخل ~~في " البنات " بنت ابنه وبنت ابن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه. وكذلك دخل ~~في " الأخوات " الأخت من الأبوين والأب والأم. ودخل في " العمات " و " ~~الخالات " عمات الأبوين وخالات الأبوين. وفي " بنات الأخ والأخت " ولد ~~الإخوة وإن سفلن فإذا حرم عليه أصوله وفروعه ms9250 وفروع أصوله البعيدة؛ دون بنات ~~العم والعمات وبنات الخال والخالات. وأما " المحرمات بالصهر " فيقول: كل ~~نساء الصهر حلال له إلا أربعة أصناف بخلاف الأقارب. فأقارب الإنسان كلهن ~~حرام؛ إلا أربعة أصناف. وأقارب الزوجين كلهن حلال؛ إلا أربعة أصناف وهن ~~حلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء وبناتهن. فيحرم على كل من الزوجين ~~أصول الآخر وفروعه. ويحرم على الرجل أم امرأته؛ وأم أمها وأبيها وإن علت. ~~وتحرم عليه بنت امرأته وهي الربيبة وبنت بنتها وإن سفلت وبنت الربيب أيضا ~~حرام؛ كما نص عليه الأئمة المشهورون: الشافعي وأحمد وغيرهما ولا أعلم فيه ~~نزاعا. ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا؛ وامرأة ابنه وإن سفل. ~~فهؤلاء " الأربعة " هن المحرمات بالمصاهرة في كتاب الله؛ وكل من الزوجين # PageV32P065 # يكون أقارب الآخر أصهارا له وأقارب الرجل أحماء المرأة؛ وأقارب المرأة ~~أختان الرجل. وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد؛ إلا الربيبة فإنها لا ~~تحرم حتى يدخل بأمها فإن الله لم يجعل هذا الشرط إلا في الربيبة والبواقي ~~أطلق فيهن التحريم. فلهذا قال الصحابة: أبهموا ما أبهم الله. وعلى هذا ~~الأئمة الأربعة وجماهير العلماء. وأما بنات هاتين وأمهاتهما فلا يحرمن ~~فيجوز له أن يتزوج بنت امرأة أبيه وابنه باتفاق العلماء؛ فإن هذه ليست من ~~حلائل الآباء والأبناء فإن " الحليلة " هي الزوجة. وبنت الزوجة وأمها ليست ~~زوجة؛ بخلاف الربيبة فإن ولد الربيب ربيب؛ كما أن ولد الولد ولد وكذلك أم ~~أم الزوجة أم للزوجة وبنت أم الزوجة لم تحرم فإنها ليست أما. فلهذا قال من ~~قال من الفقهاء: بنات المحرمات محرمات؛ إلا بنات العمات والخالات وأمهات ~~النساء وحلائل الآباء والأبناء. فجعل بنت الربيبة محرمة؛ دون بنات الثلاثة. ~~وهذا مما لا أعلم فيه نزاعا. ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به ~~النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم؛ وإن كان ذلك ~~النكاح باطلا عند الله ورسوله: مثل الكافر إذا تزوج نكاحا محرما في دين ~~الإسلام فإن هذا يلحقه فيه النسب وتثبت به المصاهرة. فيحرم على كل واحد ~~منهما ms9251 أصول الآخر وفروعه باتفاق العلماء وكذلك كل وطء اعتقد أنه ليس حراما ~~وهو حرام: مثل # PageV32P066 # من تزوج امرأة نكاحا فاسدا وطلقها وظن أنه لم يقع به الطلاق لخطئه أو ~~لخطأ من أفتاه فوطئها بعد ذلك فجاءه ولد: فهنا يلحقه النسب وتكون هذه ~~مدخولا بها: فتحرم؛ وإن كانت لها أم لم يدخل بأمها باتفاق العلماء. فالكفار ~~إذا تزوج أحدهم امرأة نكاحا يراه في دينه وأسلم بعد ذلك ابنه - كما جرى ~~للعرب الذين أسلم أولادهم وكما يجري في هذا الزمان كثيرا - فهذا ليس له أن ~~يتزوج بامرأة ابنه؛ وإن كان نكاحها فاسدا باتفاق العلماء. فالنسب يتبع ~~باعتقاد الوطء للحل؛ وإن كان مخطئا في اعتقاده. والمصاهرة تتبع النسب. فإذا ~~ثبت النسب فالمصاهرة بطريق الأولى. وكذلك " حرية الولد " يتبع اعتقاد أبيه؛ ~~فإن الولد يتبع أباه في " النسب والحرية " ويتبع أمه في هذا باتفاق ~~العلماء؛ ويتبع في الدين خيرهما دينا عند جماهير أهل العلم وهو مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك. فمن وطئ أمة غيره بنكاح ~~أو زنا كان ولده مملوكا لسيدها؛ وإن اشتراها ممن ظن أنه مالك لها أو تزوجها ~~يظنها حرة فهذا يسمى " المغرور " وولدها حر باتفاق الأئمة لاعتقاده أنه يطأ ~~من يصير الولد بوطئها حرا فالنسب والحرية يتبع اعتقاد الواطئ وإن كان ~~مخطئا؛ فكذلك تحريم المصاهرة؛ وإنما تنازع العلماء في الزنا المحض هل ينشر ~~حرمة المصاهرة فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. التحريم قول أبي حنيفة ~~وأحمد والجواز مذهب الشافعي؛ وعن مالك روايتان. # PageV32P067 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل كان له سرية بكتاب؛ ثم توفي إلى رحمة الله؛ وله ابن ابن وقد تزوج ~~سرية جده المذكور: فهل يحل ذلك؟ # فأجاب: # لا يجوز له تزويج سرية جده التي كان يطؤها باتفاق المسلمين وإذا تزوجها ~~فرق بينهما؛ ولا يحل إبقاؤه معها؛ وإن استحل ذلك استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا ~~قتل. # وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: # فصل: # وأما تحريم " الجمع " فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن؛ ولا بين المرأة ~~وعمتها؛ ms9252 ولا بين المرأة وخالتها. لا تنكح الكبرى على الصغرى؛ ولا الصغرى ~~على الكبرى؛ فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن ذلك؛ فروي أنه قال: {إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم بين أرحامكم} . ولو رضيت ~~إحداهما بنكاح الأخرى عليها لم يجز؛ فإن الطبع يتغير؛ ولهذا لما {عرضت أم ~~حبيبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها؛ فقال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم أوتحبين ذلك؟ فقالت: # PageV32P068 # لست لك بمخلية وأحق من شركني في الخير أختي فقال: إنها لا تحل لي. فقيل ~~له: إنا نتحدث أنك ناكح درة بنت أبي سلمة فقال: لو لم تكن ربيبتي في حجري ~~لما حلت لي. فإنها بنت أخي من الرضاع أرضعتني وأباها أبا سلمة ثويبة أمة ~~أبي لهب فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن} وهذا متفق عليه بين العلماء. # و" الضابط " في هذا: أن كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع ~~بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب. ~~فإن الرحم المحرم لها " أربعة أحكام " حكمان متفق عليهما. وحكمان متنازع ~~فيهما فلا يجوز ملكهما بالنكاح ولا وطؤهما. فلا يتزوج الرجل ذات رحمه ~~المحرم؛ ولا يتسرى بها. وهذا متفق عليه؛ بل هنا يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب؛ فلا تحل له بنكاح؛ ولا ملك يمين؛ ولا يجوز له أن يجمع بينهما في ملك ~~النكاح فلا يجمع بين الأختين؛ ولا بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. ~~وهذا أيضا متفق عليه. ويجوز له أن يملكهما؛ لكن ليس له أن يتسراهما. فمن ~~حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى الأختين ولا ~~الأمة وعمتها؛ والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة؛ ~~وهو قول أكثر العلماء. وهم متفقون على أنه لا يتسرى من تحرم عليه بنسب أو ~~رضاع وإنما تنازعوا في الجمع فتوقف بعض الصحابة فيها وقال: أحلتهما آية؛ ~~وحرمتهما # PageV32P069 # آية وظن أن تحريم الجمع قد يكون كتحريم العدد؛ ms9253 فإن له أن يتسرى ما شاء من ~~العدد ولا يتزوج إلا بأربع. فهذا تحريم عارض وهذا عارض بخلاف تحريم النسب ~~والصهر فإنه لازم؛ ولهذا تصير المرأة من ذوات المحارم بهذا ولا تصير من ~~ذوات المحارم بذلك؛ بل أخت امرأته أجنبية منه لا يخلو بها ولا يسافر بها ~~كما لا يخلو بما زاد على أربع من النساء؛ لتحريم ما زاد على العدد. وأما ~~الجمهور فقطعوا بالتحريم وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم. ~~قالوا: لأن كل ما حرم الله في الآية بملك النكاح حرم بملك اليمين وآية ~~التحليل وهي قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} إنما أبيح فيها جنس المملوكات ولم ~~يذكر فيها ما يباح ويحرم من التسري كما لم يذكر ما يباح ويحرم من الممهورات ~~والمرأة يحرم وطؤها إذا كانت معتدة ومحرمة وإن كانت زوجة أو سرية. وتحريم ~~العدد كان لأجل وجوب العدل بينهن في القسم كما قال تعالى: {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} أي: لا تجوروا ~~في القسم هكذا قال السلف وجمهور العلماء. وظن طائفة من العلماء أن المراد ~~أن لا تكثر عيالكم. وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة. وغلط أكثر ~~العلماء من قال ذلك لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. ~~وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: {تعولوا} ~~لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما ~~يحصل بالزوجات ومع هذا فقد أباح # PageV32P070 # مما ملكت اليمين ما شاء الإنسان بغير عدد؛ لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ~~ولا يستحققن على الرجل وطئا؛ ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته ~~وبنتها وأخته وابنته من الرضاع ولو كان عنينا أو موليا لم يجب أن يزال ملكه ~~عنها. والزوجات عليه أن يعدل بينهن في القسم " وخير الصحابة أربعة " فالعدل ~~الذي يطيقه عامة الناس ينتهي ms9254 إلى الأربعة. وأما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله قواه على العدل فيما هو أكثر من ذلك - على القول المشهور - ~~وهو وجوب القسم عليه وسقوط القسم عنه على القول الآخر كما أنه لما كان أحق ~~بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج بلا مهر. قالوا: وإذا كان " تحريم جمع ~~العدد " إنما حرم لوجوب العدل في القسم وهذا المعنى منتف في المملوكة؛ ~~فلهذا لم يحرم عليه أن يتسرى بأكثر من أربع؛ بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنه ~~إنما كان دفعا لقطيعة الرحم بينهما وهذا المعنى موجود بين المملوكتين كما ~~يوجد في الزوجتين فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل ~~إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة الرحم. ولما كان هذا المعنى هو ~~المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب ~~أو نسب بلا حرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد ~~الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين امرأة علي وابنته. # PageV32P071 # وهذا يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن هاتين المرأتين ~~وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى ~~إنما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظا ولا معنى. ~~وأما إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والخال: فيجوز الجمع ~~بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد؛ لأن بينهما رحما غير ~~محرم وأما " الحكمان المتنازع فيهما " فهل له أن يملك ذا الرحم المحرم؟ وهل ~~له أن يفرق بينهما في ملك فيبيع أحدهما دون الآخر؟ هاتان فيهما نزاع وأقوال ~~ليس هذا موضعها. " وتحريم الجمع " يزول بزوال النكاح فإذا ماتت إحدى الأربع ~~أو الأختين أو طلقها أو انفسخ نكاحها وانقضت عدتها: كان له أن يتزوج رابعة ~~ويتزوج الأخت الأخرى باتفاق العلماء وإن طلقها طلاقا رجعيا لم يكن له تزوج ~~الأخرى عند عامة العلماء. الأئمة الأربعة وغيرهم وقد روى عبيدة السلماني ~~قال: ms9255 لم يتفق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء كاتفاقهم على أن ~~الخامسة لا تنكح في عدة الرابعة ولا تنكح الأخت في عدة أختها وذلك لأن ~~الرجعية بمنزلة الزوجة فإن كلا منهما يرث الآخر لكنها صائرة إلى البينونة ~~وذلك لا يمنع كونها زوجة كما لو أحالها إلى أجل مثل أن يقول: إن أعطيتني ~~ألفا في رأس الحول فأنت طالق. فإن هذه صائرة إلى بينونة # PageV32P072 # صغرى؛ ومع هذا فهي زوجة باتفاق العلماء وإذا قيل لا يمكن أن تعطيه العوض ~~المعلق به فيدوم النكاح؟ قيل: والرجعية يمكن أن يراجعها فيدوم النكاح. ~~وكذلك لو قال: إن لم تلدي في هذا الشهر فأنت طالق. وكانت قد بقيت على واحدة ~~فهاهنا هي زوجة لا يزول نكاحها إلا إذا انقضى الشهر ولم تلد وإن كانت صائرة ~~إلى بينونة. وإنما تنازع العلماء هل يجوز له وطؤها كما تنازعوا في وطء ~~الرجعية؟ وأما إذا كان الطلاق بائنا: فهل يتزوج الخامسة في عدة الرابعة؟ ~~والأخت في عدة أختها؟ هذا فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. والجواز مذهب ~~مالك والشافعي. والتحريم مذهب أبي حنيفة وأحمد. والله أعلم. # PageV32P073 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قوم يتزوج هذا أخت هذا؛ وهذا أخت هذا أو ابنته وكلما أنفق هذا أنفق ~~هذا؛ وإذا كسا هذا كسا هذا وكذلك في جميع الأشياء وفي الإرضاء والغضب: إذا ~~رضي هذا رضي هذا وإذا أغضب هذا أغضب الآخر: فهل يحل ذلك؟ # فأجاب: # يجب على كل من الزوجين أن يمسك زوجته بمعروف أو يسرحها بإحسان؛ ولا له أن ~~يعلق ذلك على فعل الزوج الآخر. فإن المرأة لها حق على زوجها؛ وحقها لا يسقط ~~بظلم أبيها وأخيها قال الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فإذا كان ~~أحدهما يظلم زوجته وجب إقامة الحق عليه؛ ولم يحل للآخر أن يظلم زوجته ~~لكونها بنتا للأول. وإذا كان كل منهما يظلم زوجته لأجل ظلم الآخر فيستحق كل ~~منهما العقوبة؛ وكان لزوجة كل منهما أن تطلب حقها من زوجها؛ ولو شرط هذا في ~~النكاح ms9256 لكان هذا شرطا باطلا من جنس " نكاح الشغار " وهو أن يزوج الرجل أخته ~~أو ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته فكيف إذا زوجه على أنه إن ~~أنصفها أنصف الآخر وإن ظلمها ظلم الآخر زوجته؛ فإن هذا محرم بإجماع ~~المسلمين ومن فعل ذلك استحق العقوبة التي تزجره عن مثل ذلك. # PageV32P074 # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل متزوج بخالة إنسان وله بنت فتزوج بها فجمع بين خالته وابنته: فهل ~~يصح؟ # فأجاب: # لا يجوز أن يتزوج خالة رجل وابنته بأن يجمع بينهما؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها} وهذا متفق ~~عليه بين الأئمة الأربعة وهم متفقون على أن هذا الحديث يتناول خالة الأب ~~وخالة الأم والجدة ويتناول عمة كل من الأبوين أيضا فليس له أن يجمع بين ~~المرأة وخالة أبيها ولا خالة أمها عند الأئمة الأربعة. # وسئل: # عن رجل جمع في نكاح واحد بين خالة رجل وابنة أخ له من الأبوين: فهل يجوز ~~الجمع بينهما أم لا؟ # فأجاب: # الجمع بين هذه المرأة وبين الأخرى هو الجمع بين المرأة وبين خالة أبيها؛ ~~فإن أباها إذا كان أخا لهذا الآخر من أمه أو أمه وأبيه: كانت # PageV32P075 # خالة هذا خالة هذا؛ بخلاف ما إذا كان أخاه من أبيه فقط؛ فإنه لا تكون ~~خالة أحدهما خالة الآخر؛ بل تكون عمته. والجمع بين المرأة وخالة أبيها ~~وخالة أمها أو عمة أبيها أو عمة أمها: كالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ~~عند أئمة المسلمين وذلك حرام باتفاقهم. وإذا تزوج إحداهما بعد الأخرى كان ~~نكاح الثانية باطلا لا يحتاج إلى طلاق ولا يجب بعقده مهر ولا ميراث ولا يحل ~~له الدخول بها وإن دخل بها فارقها كما تفارق الأجنبية فإن أراد نكاح ~~الثانية فارق الأولى فإذا انقضت عدتها تزوج الثانية؛ فإن تزوجها في عدة ~~طلاق رجعي لم يصح العقد الثاني باتفاق الأئمة وإن كان الطلاق بائنا لم يجز ~~في مذهب أبي حنيفة وأحمد وجاز في مذهب مالك والشافعي. فإذا طلقها ms9257 طلقة أو ~~طلقتين بلا عوض كان الطلاق رجعيا ولم يصح نكاح الثانية حتى تنقضي عدة ~~الأولى باتفاق الأئمة فإن تزوجها لم يجز أن يدخل بها فإن دخل بها في النكاح ~~الفاسد وجب عليه أن يعتزلها فإنها أجنبية ولا يعقد عليها حتى تنقضي عدة ~~الأولى المطلقة باتفاق الأئمة. وهل له أن يتزوج هذه الموطوءة بالنكاح ~~الفاسد في عدتها منه؟ فيه قولان للعلماء: " أحدهما " يجوز وهو مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي. " والثاني " لا يجوز وهو مذهب مالك وفي مذهب أحمد القولان. # PageV32P076 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل اشترى جارية ووطئها ثم ملكها لولده. فهل يجوز لولده وطؤها؟ # فأجاب: # الحمد الله، لا يجوز للابن أن يطأها بعد وطء أبيه والحال هذه باتفاق ~~المسلمين. ومن استحل ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وفي السنن {عن ~~البراء بن عازب قال: رأيت خالي أبا بردة ومعه رايته فقلت: إلى أين؟ فقال: ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن ~~أضرب عنقه وأخمس ماله} ولا نزاع بين الأئمة أنه لا فرق بين وطئها بالنكاح ~~وبين وطئها بملك اليمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة من مدة سنة ولم يدخل بها وطلقها قبل الإصابة: فهل ~~يجوز له أن يدخل بالأم بعد طلاق البنت؟ # فأجاب: # لا يجوز تزويج أم امرأته وإن لم يدخل بها. والله أعلم. # PageV32P077 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل طلق امرأته وهي مرضعة لولده فلبثت مطلقة ثمانية أشهر ثم تزوجت ~~برجل آخر فلبثت معه دورة شهر ثم طلقها فلبثت مطلقة ثلاثة أشهر ولم تحض؛ لا ~~في الثمانية الأولى ولا في مدة عصمتها مع الرجل الثاني ولا في الثلاثة ~~الأشهر الأخيرة ثم تزوج بها المطلق الأول أبو الولد: فهل يصح هذان العقدان؟ ~~أو أحدهما؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يصح العقد الأول والثاني؛ بل عليها أن تكمل عدة الأول. ثم ~~تقضي عدة الثاني. ثم بعد انقضاء العدتين تتزوج من شاءت منهما. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل ms9258 تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين رزق منها ولدا له من العمر سنتان ~~وذكرت أنها لما تزوجت لم تحض إلا حيضتين وصدقها الزوج وكان قد طلقها ثانيا ~~على هذا العقد المذكور: فهل يجوز الطلاق على هذا العقد المفسوخ؟ # PageV32P078 # فأجاب: # إن صدقها الزوج في كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة: فالنكاح باطل وعليه ~~أن يفارقها وعليها أن تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطء الثاني. فإن كانت حاضت ~~الثالثة قبل أن يطأها الثاني فقد انقضت عدة الأول ثم إذا فارقها الثاني ~~اعتدت له ثلاث حيض ثم تزوج من شاءت بنكاح جديد وولده ولد حلال يلحقه نسبه؛ ~~وإن كان قد ولد بوطء في عقد فاسد لا يعلم فساده. # وسئل - رحمه الله -: # عن مطلقة ادعت وحلفت أنها قضت عدتها فتزوجها زوج ثان ثم حضرت امرأة أخرى ~~وزعمت أنها حاضت حيضتين وصدقها الزوج على ذلك؟ # فأجاب: # إذا لم تحض إلا حيضتين فالنكاح الثاني باطل باتفاق الأئمة وإذا كان الزوج ~~مصدقا لها وجب أن يفرق بينهما: فتكمل عدة الأول بحيضة ثم تعتد من وطء ~~الثاني عدة كاملة ثم بعد ذلك إن شاء الثاني أن يتزوجها تزوجها. # و ### | سئل: # عن امرأة بانت فتزوجت بعد شهر ونصف بحيضة واحدة؟ # فأجاب: # تفارق هذا الثاني وتتم عدة الأول بحيضتين ثم بعد ذلك تعتد من وطء الثاني ~~بثلاث حيضات ثم بعد ذلك يتزوجها بعقد جديد. # PageV32P079 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا ولم يدخل بها ولم يصبها ثم طلقها ~~ثلاثا ثم عقد عليها شخص آخر ولم يدخل بها ولم يصبها؛ ثم طلقها ثلاثا: فهل ~~يجوز للذي طلقها أولا أن يتزوج بها؟ # فأجاب: # إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة الأربعة لا ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها فإذا طلقها قبل الدخول لم تحل للأول. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بنتا بكرا ثم طلقها ثلاثا ولم يصبها: فهل يجوز أن يعقد عليها ~~عقدا ثانيا أم لا؟ # فأجاب: # طلاق ms9259 البكر ثلاثا كطلاق المدخول بها ثلاثا عند أكثر الأئمة. # PageV32P080 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن يقول: إن المرأة إذا وقع بها الطلاق الثلاث تباح بدون نكاح ثان للذي ~~طلقها ثلاثا: فهل قال هذا القول أحد من المسلمين ومن قال هذا القول ماذا ~~يجب عليه؟ ومن استحلها بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان ماذا يجب عليه؟ وما ~~صفة النكاح الثاني الذي يبيحها للأول؟ أفتونا مأجورين مثابين يرحمكم الله. # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله رب العالمين، إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث فإنها تحرم عليه ~~حتى تنكح زوجا غيره بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ولم يقل أحد من علماء ~~المسلمين إنها تباح بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون زوج ثان ومن نقل هذا عن ~~أحد منهم فقد كذب. ومن قال ذلك أو استحل وطأها بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون ~~نكاح زوج ثان فإن كان جاهلا يعذر بجهله - مثل أن يكون نشأ بمكان قوم لا ~~يعرفون فيه شرائع الإسلام أو يكون حديث عهد بالإسلام أو نحو ذلك - فإنه ~~يعرف دين الإسلام؛ فإن أصر على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ~~ثان أو على استحلال هذا الفعل: فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كأمثاله من # PageV32P081 # المرتدين الذين يجحدون وجوب الواجبات وتحريم المحرمات وحل المباحات التي ~~علم أنها من دين الإسلام وثبت ذلك بنقل الأمة المتواتر عن نبيها عليه أفضل ~~الصلاة والسلام. وظهر ذلك بين الخاص والعام كمن يجحد وجوب " مباني الإسلام ~~" من الشهادتين والصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام أو جحد " ~~تحريم الظلم وأنواعه " كالربا والميسر أو تحريم الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن وما يدخل في ذلك من تحريم " نكاح الأقارب " سوى بنات العمومة والخؤولة ~~وتحريم " المحرمات بالمصاهرة " وهن أمهات النساء وبناتهن وحلائل الآباء ~~والأبناء ونحو ذلك من المحرمات أو حل الخبز. واللحم والنكاح واللباس؛ وغير ~~ذلك مما علمت إباحته بالاضطرار من دين الإسلام: فهذه المسائل مما لم يتنازع ~~فيها المسلمون لا سنيهم ولا بدعيهم. ولكن تنازعوا في مسائل كثيرة من " ~~مسائل ms9260 الطلاق والنكاح " وغير ذلك من الأحكام: كتنازع الصحابة والفقهاء ~~بعدهم في " الحرام " هل هو طلاق أو يمين أو غير ذلك؟ وكتنازعهم في " ~~الكنايات الظاهرة " كالخلية والبرية والبتة: هل يقع بها واحدة رجعية أو ~~بائن أو ثلاث؟ أو يفرق بين حال وحال؟ وكتنازعهم في " المولي ": هل يقع به ~~الطلاق عند انقضاء المدة إذا لم يف فيها؟ أم يوقف بعد انقضائها حتى يفيء أو ~~يطلق؟ وكتنازع العلماء في طلاق السكران. والمكره وفي الطلاق بالخط وطلاق # PageV32P082 # الصبي المميز وطلاق الأب على ابنه وطلاق الحكم الذي هو من أهل الزوج بدون ~~توكيله. كما تنازعوا في بذل أجر العوض بدون توكيلها. وغير ذلك من المسائل ~~التي يعرفها العلماء. وتنازعوا أيضا في مسائل " تعليق الطلاق بالشرط " ~~ومسائل " الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر " كقوله: إن فعلت ~~كذا فعلي الحج أو صوم شهر أو الصدقة بألف. وتنازعوا أيضا في كثير من مسائل ~~" الأيمان " مطلقا في موجب اليمين وهذا كتنازعهم في تعليق الطلاق بالنكاح: ~~هل يقع أو لا يقع؟ أو يفرق بين العموم والخصوص؟ أو بين ما يكون فيه مقصود ~~شرعي وبين أن يقع في نوع ملك أو غير ملك؟ وتنازعوا في الطلاق المعلق بالشرط ~~بعد النكاح؟ على ثلاثة أقوال. فقيل: يقع مطلقا. وقيل: لا يقع. وقيل: يفرق ~~بين الشرط الذي يقصد وقوع الطلاق عند كونه وبين الشرط الذي يقصد عدمه. وعدم ~~الطلاق عنده. " فالأول " كقوله: إن أعطيتيني ألفا فأنت طالق. " والثاني " ~~كقوله: إن فعلت كذا فعبيدي أحرار ونسائي طوالق وعلي الحج. وأما النذر ~~المعلق بالشرط فاتفقوا على أنه إذا كان مقصوده وجود الشرط كقوله: إن شفى ~~الله مريضي أو سلم مالي الغائب فعلي صوم شهر أو الصدقة بمائة: أنه يلزمه. ~~وتنازعوا فيما إذا لم يكن مقصوده وجود الشرط؛ بل مقصوده عدم الشرط وهو حالف ~~بالنذر كما إذا قال: لا أسافر وإن سافرت # PageV32P083 # فعلي الصوم أو الحج أو الصدقة أو علي عتق رقبة ونحو ذلك؛ على ثلاثة ~~أقوال: فالصحابة وجمهور السلف على أنه يجزيه كفارة يمين وهو مذهب ms9261 الشافعي ~~وأحمد وهو آخر الروايتين عن أبي حنيفة وقول طائفة من المالكية: كابن وهب ~~وابن أبي العمر وغيرهما. وهل يتعين ذلك أم يجزيه الوفاء؟ على قولين في مذهب ~~الشافعي وأحمد. وقيل: عليه الوفاء كقول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ~~وحكاه بعض المتأخرين قولا للشافعي؛ ولا أصل له في كلامه. وقيل: لا شيء عليه ~~بحال كقول طائفة من التابعين وهو قول داود وابن حزم. وهكذا تنازعوا على هذه ~~الأقوال الثلاثة فيمن حلف بالعتاق أو الطلاق أن لا يفعل شيئا كقوله: إن ~~فعلت كذا فعبدي حر أو امرأتي طالق. هل يقع ذلك إذا حنث أو يجزيه كفارة يمين ~~أو لا شيء عليه؟ على ثلاثة أقوال. ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق. ~~واتفقوا على أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي لا يقع به ~~الطلاق؛ بل ولا يجب عليه إذا لم يكن قربة؛ ولكن هل عليه كفارة يمين؟ على ~~قولين. " أحدهما " يجب عليه كفارة يمين وهو مذهب أحمد في المشهور عنه ومذهب ~~أبي حنيفة فيما حكاه ابن المنذر والخطابي وابن عبد البر وغيرهم وهو الذي ~~وصل إلينا في كتب أصحابه وحكى القاضي أبو يعلى وغيره. وعنه أنه لا كفارة ~~فيه و " الثاني " لا شيء عليه وهو مذهب الشافعي. # PageV32P084 # فصل: # وأما إذا قال: إن فعلته فعلي إذا عتق عبدي. فاتفقوا على أنه لا يقع العتق ~~بمجرد الفعل؛ لكن يجب عليه العتق. وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة. وقيل: لا يجب عليه شيء وهو قول طائفة من التابعين وقول داود وابن ~~حزم. وقيل: عليه كفارة يمين وهو قول الصحابة وجمهور التابعين ومذهب الشافعي ~~وأحمد وهو مخير بين التكفير والإعتاق على المشهور عنهما. وقيل: يجب التكفير ~~عينا؛ ولم ينقل عن الصحابة شيء في الحلف بالطلاق فيما بلغنا بعد كثرة البحث ~~وتتبع كتب المتقدمين والمتأخرين؛ بل المنقول عنهم إما ضعيف؛ بل كذب من جهة ~~النقل وإما ألا يكون دليلا على الحلف بالطلاق؛ فإن الناس لم يكونوا يحلفون ~~بالطلاق على عهدهم؛ ولكن ms9262 نقل عن طائفة منهم في الحلف بالعتق أن يجزيه كفارة ~~يمين كما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر. وقد نقل عن بعض هؤلاء نقيض هذا ~~القول. وأنه يعتق. وقد تكلمنا على أسانيد ذلك في غير هذا الموضع. ومن قال ~~من الصحابة والتابعين: إنه لا يقع العتق فإنه لا يقع الطلاق بطريق الأولى ~~كما صرح بذلك من صرح به من التابعين. وبعض العلماء ظن أن الطلاق لا نزاع ~~فيه فاضطره ذلك إلى أن عكس موجب الدليل فقال: يقع الطلاق؛ دون العتاق وقد ~~بسط الكلام على هذه المسائل وبين ما فيها من مذاهب الصحابة والتابعين لهم # PageV32P085 # بإحسان والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين وحجة كل قوم في غير هذا ~~الموضع. # وتنازع العلماء فيما إذا حلف بالله أو الطلاق أو الظهار أو الحرام أو ~~النذر أنه لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو جاهلا بأنه المحلوف عليه: ~~فهل يحنث كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد القولين للشافعي وإحدى الروايات ~~عن أحمد؟ أولا يحنث بحال كقول المكيين والقول الآخر للشافعي والرواية ~~الثانية عن أحمد؟ أو يفرق بين اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما كالرواية ~~الثالثة عن أحمد وهو اختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد والقفال ~~من أصحاب الشافعي؟ وكذلك لو اعتقد أن امرأته بانت بفعل المحلوف عليه ثم ~~تبين له أنها لم تبن؟ فقيه قولان. وكذلك إذا حلف بالطلاق أو غيره على شيء ~~يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه؟ ففيه ثلاثة أقوال كما ذكر ولو حلف على ~~شيء يشك فيه ثم تبين صدقه؟ ففيه قولان. عند مالك يقع وعند الأكثرين لا يقع ~~وهو المشهور من مذهب أحمد. والمنصوص عنه في رواية حرب التوقف في المسألة ~~فيخرج على وجهين كما إذا حلف ليفعلن اليوم كذا ومضى اليوم أو شك في فعله هل ~~يحنث؟ على وجهين. واتفقوا على أنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا ~~احتملها لفظه ولم يخالف الظاهر أو خالفه وكان مظلوما. وتنازعوا هل يرجع إلى ~~سبب # PageV32P086 # اليمين وسياقها وما هيجها؟ على قولين: ms9263 فمذهب المدنيين كمالك وأحمد وغيره ~~أنه يرجع إلى ذلك والمعروف في مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يرجع لكن في ~~مسائلهما ما يقتضي خلاف ذلك. وإن كان السبب أعم من اليمين عمل به عند من ~~يرى السبب. وإن كان خاصا: فهل يقصر اليمين عليه؟ فيه قولان في مذهب أحمد ~~وغيره. وإن حلف على معين يعتقده على صفة فتبين بخلافها؟ ففيه أيضا قولان. ~~وكذلك لو طلق امرأته بصفة؛ ثم تبين بخلافها مثل أن يقول: أنت طالق إن دخلت ~~الدار - بالفتح - أي لأجل دخولك الدار؛ ولم تكن دخلت. فهل يقع به الطلاق؟ ~~على قولين في مذهب أحمد وغيره. وكذلك إذا قال: أنت طالق لأنك فعلت كذا ونحو ~~ذلك ولم تكن فعلته؟ ولو قيل له: امرأتك فعلت كذا؛ فقال: هي طالق. ثم تبين ~~أنهم كذبوا عليها؟ ففيه قولان وتنازعوا في الطلاق المحرم: كالطلاق في ~~الحيض؛ وكجمع الثلاث عند الجمهور الذين يقولون إنه حرام؛ ولكن الأربعة ~~وجمهور العلماء يقولون: كونه حراما لا يمنع وقوعه كما أن الظهار محرم وإذا ~~ظاهر ثبت حكم الظهار؛ وكذلك " النذر " قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه نهى عنه} ومع هذا يجب عليه الوفاء به بالنص والإجماع. ~~والذين قالوا لا يقع: اعتقدوا أن كل ما نهى الله عنه فإنه يقع فاسدا لا ~~يترتب عليه حكم والجمهور فرقوا بين أن يكون الحكم يعمه لا يناسب فعل # PageV32P087 # المحرم: كحل الأموال والإبضاع وإجزاء العبادات وبين أن يكون عبادة تناسب ~~فعل المحرم كالإيجاب والتحريم؛ فإن المنهي عن شيء إذا فعله قد تلزمه بفعله ~~كفارة أو حد أو غير ذلك من العقوبات: فكذلك قد ينهى عن فعل شيء فإذا فعله ~~لزمه به واجبات ومحرمات؛ ولكن لا ينهى عن شيء إذا فعله أحلت له بسبب فعل ~~المحرم الطيبات؛ فبرئت ذمته من الواجبات؛ فإن هذا من " باب الإكرام ~~والإحسان " والمحرمات لا تكون سببا محضا للإكرام والإحسان؛ بل هي سبب ~~للعقوبات إذا لم يتقوا الله تبارك وتعالى. كما قال تعالى: {فبظلم من الذين ms9264 ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} وقال تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر} إلى قوله تبارك وتعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم} وكذلك ما ذكره تعالى ~~في قصة البقرة من كثرة سؤالهم وتوقفهم عن امتثال أمره كان سببا لزيادة ~~الإيجاب ومنه قوله تعالى {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وحديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن ~~شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته} ولما {سألوه عن الحج: أفي كل عام؟ قال: ~~لا. ولو قلت: نعم لوجب؛ ولو وجب لم تطيقوه؛ ذروني ما تركتم؛ فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا نهيتم عن شيء ~~فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} . ومن هنا قال طائفة من ~~العلماء: إن الطلاق الثلاث حرمت به المرأة عقوبة للرجل حتى لا يطلق؛ فإن ~~الله يبغض الطلاق؛ وإنما يأمر به الشياطين والسحرة كما قال تعالى في السحر: ~~{فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} وفي # PageV32P088 # الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الشيطان ينصب عرشه على ~~البحر؛ ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة؛ فيأتي أحدهم فيقول ما ~~زلت به حتى شرب الخمر. فيقول الساعة يتوب ويأتي الآخر فيقول: ما زلت به حتى ~~فرقت بينه وبين امرأته. فيقبله بين عينيه. ويقول: أنت أنت} . وقد روى أهل ~~التفسير والحديث والفقه: أنهم كانوا في أول الإسلام يطلقون بغير عدد؛ يطلق ~~الرجل المرأة ثم يدعها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ضرارا ~~فقصرهم الله على الطلقات الثلاث؛ لأن الثلاث أول حد الكثرة وآخر حد القلة. ~~ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت عليه ~~الآثار والأصول؛ ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه ~~أحيانا. وحرمه في مواضع باتفاق العلماء. كما إذا طلقها في الحيض ولم تكن ~~سألته الطلاق؛ فإن هذا الطلاق حرام باتفاق العلماء. والله تعالى بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ms9265 بأفضل الشرائع وهي الحنيفية السمحة كما قال: {أحب الدين ~~إلى الله الحنيفية السمحة} فأباح لعباده المؤمنين الوطء بالنكاح. والوطء ~~بملك اليمين. واليهود والنصارى لا يطئون إلا بالنكاح؛ لا يطئون بملك ~~اليمين. و " أصل ابتداء الرق " إنما يقع من السبي. والغنائم لم تحل إلا ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال: {فضلنا ~~على الأنبياء بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة # PageV32P089 # وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا ~~وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة وأعطيت الشفاعة} فأباح ~~سبحانه للمؤمنين أن ينكحوا وأن يطلقوا وأن يتزوجوا المرأة المطلقة بعد أن ~~تتزوج بغير زوجها. " والنصارى " يحرمون النكاح على بعضهم ومن أباحوا له ~~النكاح لم يبيحوا له الطلاق. " واليهود " يبيحون الطلاق؛ لكن إذا تزوجت ~~المطلقة بغير زوجها حرمت عليه عندهم. والنصارى لا طلاق عندهم. واليهود لا ~~مراجعة بعد أن تتزوج غيره عندهم. والله تعالى أباح للمؤمنين هذا وهذا. ولو ~~أبيح الطلاق بغير عدد - كما كان في أول الأمر - لكان الناس يطلقون دائما: ~~إذا لم يكن أمر يزجرهم عن الطلاق؛ وفي ذلك من الضرر والفساد ما أوجب حرمة ~~ذلك ولم يكن فساد الطلاق لمجرد حق المرأة فقط: كالطلاق في الحيض حتى يباح ~~دائما بسؤالها؛ بل نفس الطلاق إذا لم تدع إليه حاجة منهي عنه باتفاق ~~العلماء: إما نهي تحريم أو نهي تنزيه. وما كان مباحا للحاجة قدر بقدر ~~الحاجة. والثلاث هي مقدار ما أبيح للحاجة؛ كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض ~~هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} وكما قال: {لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج # PageV32P090 # فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا} وكما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد ~~قضاء نسكه ثلاثا. وهذه الأحاديث في الصحيح. وهذا مما احتج به من لا يرى ~~وقوع الطلاق إلا من القصد؛ ولا ms9266 يرى وقوع طلاق المكره؛ كما لا يكفر من تكلم ~~بالكفر مكرها بالنص والإجماع؛ ولو تكلم بالكفر مستهزئا بآيات الله وبالله ~~ورسوله كفر؛ كذلك من تكلم بالطلاق هازلا وقع به. ولو حلف بالكفر فقال: إن ~~فعل كذا فهو بريء من الله ورسوله؛ أو فهو يهودي أو نصراني. لم يكفر بفعل ~~المحلوف عليه؛ وإن كان هذا حكما معلقا بشرط في اللفظ؛ لأن مقصوده الحلف به ~~بغضا له ونفورا عنه؛ لا إرادة له؛ بخلاف من قال: إن أعطيتموني ألفا كفرت ~~فإن هذا يكفر. وهكذا يقول من يفرق بين الحلف بالطلاق وتعليقه بشرط لا يقصد ~~كونه وبين الطلاق المقصود عند وقوع الشرط. # ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن الخلع فسخ للنكاح؛ وليس هو من ~~الطلقات الثلاث كقول ابن عباس والشافعي وأحمد في أحد قوليهما لأن المرأة ~~افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير؛ وليس هو من الطلاق المكروه في الأصل ~~ولهذا يباح في الحيض؛ بخلاف الطلاق. وأما إذا عدل هو عن الخلع وطلقها إحدى ~~الثلات بعوض فالتفريط منه. وذهب طائفة من السلف: كعثمان بن عفان وغيره؛ ~~ورووا في ذلك حديثا مرفوعا. وبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد جعلوه ~~مع الأجنبي فسخا. كالإقالة. والصواب أنه مع الأجنبي كما هو مع المرأة؛ فإنه ~~إذا كان افتداء المرأة كما يفدى # PageV32P091 # الأسير فقد يفتدي الأسير بمال منه ومال من غيره وكذلك العبد يعتق بمال ~~يبذله هو وما يبذله الأجنبي وكذلك الصلح يصح مع المدعى عليه ومع أجنبي فإن ~~هذا جميعه من باب الإسقاط والإزالة. وإذ كان الخلع رفعا للنكاح؛ وليس هو من ~~الطلاق الثلاث: فلا فرق بين أن يكون المال المبذول من المرأة أو من أجنبي. ~~وتشبيه فسخ النكاح بفسخ البيع: فيه نظر؛ فإن البيع لا يزول إلا برضى ~~المتابعين؛ لا يستقل أحدهما بإزالته؛ بخلاف النكاح؛ فإن المرأة ليس إليها ~~إزالته؛ بل الزوج يستقل بذلك؛ لكن افتداؤها نفسها منه كافتداء الأجنبي لها. ~~ومسائل الطلاق وما فيها من الإجماع والنزاع مبسوط في غير هذا الموضوع. ~~والمقصود هنا إذا ms9267 وقع به الثلاث حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين كما دل ~~عليه الكتاب والسنة ولا يباح إلا بنكاح ثان وبوطئه لها عند عامة السلف ~~والخلف؛ فإن النكاح المأمور به يؤمر فيه بالعقد. وبالوطء بخلاف المنهي عنه؛ ~~فإنه ينهى فيه عن كل من العقد والوطء؛ ولهذا كان النكاح الواجب والمستحب ~~يؤمر فيه بالوطء من العقد " والنكاح المحرم " يحرم فيه مجرد العقد. وقد ثبت ~~في الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة رفاعة القرظي. لما ~~أرادت أن ترجع إلى رفاعة بدون الوطء لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك} ~~وليس في هذا خلاف إلا عن سعيد بن المسيب فإنه - مع أنه أعلم التابعين - لم ~~تبلغه السنة في هذه المسألة. " والنكاح المبيح " هو النكاح المعروف عند ~~المسلمين وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين # PageV32P092 # الزوجين مودة ورحمة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: {حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك} فأما " نكاح المحلل " فإنه لا يحلها للأول عند جماهير ~~السلف وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل ~~والمحلل له} وقال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما. ~~وكذلك قال عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم: إنه لا يبيحها إلا بنكاح ~~رغبة؛ لا نكاح محلل. ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه رخص في نكاح التحليل. ~~ولكن تنازعوا في " نكاح المتعة " فإن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من ~~ثلاثة أوجه. " أحدها " أنه كان مباحا في أول الإسلام بخلاف التحليل. " ~~الثاني " أنه رخص فيه ابن عباس وطائفة من السلف؛ بخلاف التحليل فإنه لم ~~يرخص فيه أحد من الصحابة. " الثالث " أن المتمتع له رغبة في المرأة وللمرأة ~~رغبة فيه إلى أجل؛ بخلاف المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال وهو ليس ~~له رغبة فيها بل في أخذ ما يعطاه وإن كان له رغبة فهي من رغبته في الوطء؛ ~~لا في اتخاذها زوجة من جنس رغبة الزاني؛ ولهذا قال ابن عمر: لا يزالان ~~زانيين؛ وإن ms9268 مكثا عشرين سنة. إذ الله علم من قلبه أنه يريد أن يحلها له. ~~ولهذا تعدم فيه خصائص النكاح؛ فإن النكاح المعروف كما قال تعالى: {ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم # PageV32P093 # مودة ورحمة} والتحليل فيه البغضة والنفرة؛ ولهذا لا يظهره أصحابه؛ بل ~~يكتمونه كما يكتم السفاح. ومن شعائر النكاح إعلانه كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف} ولهذا يكفي في إعلانه ~~الشهادة عليه عند طائفة من العلماء وطائفة أخرى توجب الإشهاد والإعلان؛ ~~فإذا تواصوا بكتمانه بطل. ومن ذلك الوليمة عليه والنثار والطيب والشراب ~~ونحو ذلك مما جرت به عادات الناس في النكاح. وأما " التحليل " فإنه لا يفعل ~~فيه شيء من هذا؛ لأن أهله لم يريدوا أن يكون المحلل زوج المرأة ولا أن تكون ~~المرأة امرأته؛ وإنما المقصود استعارته لينزو عليها كما جاء في الحديث ~~المرفوع تسميته بالتيس المستعار؛ ولهذا شبه بحمار العشريين الذي يكترى ~~للتقفيز على الإناث؛ ولهذا لا تبقى المرأة مع زوجها بعد التحليل كما كانت ~~قبله؛ بل يحصل بينهما نوع من النفرة. ولهذا لما لم يكن في التحليل مقصود ~~صحيح يأمر به الشارع: صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع فصار طائفة ~~من عامة الناس يظنون أن ولادتها لذكر يحلها أو أن وطأها بالرجل على قدمها ~~أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هي تحته يحلها. ومنهم من يظن أنهما إذا التقيا ~~بعرفات كما التقى آدم وامرأته أحلها ذلك. ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم ~~تمكنه من نفسها؛ بل تمكنه من أمة لها. ومنهن من تعطيه شيئا وتوصيه بأن يقر ~~بوطئها. ومنهم من يحلل الأم وبنتها. إلى أمور أخر قد بسطت في غير هذا ~~الموضع بيناها # PageV32P094 # في " كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل " ولا ريب أن المنسوخ من ~~الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا؛ فإنه لو قدر أن الشريعة تأتي ~~بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكنا وإن كان هذا منسوخا. وإما أن ms9269 يقال: إن ~~من طلق امرأته لا تحل له حتى يستكري من يطؤها فهذا لا تأتي به شريعة. وكثير ~~من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين؛ فإن المرأة المعتدة لا ~~يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو عدة وفاة ~~قال تعالى " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} فنهى الله تعالى عن ~~المواعدة سرا وعن عزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. وإذا كان هذا في ~~عدة الموت فهو في عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين؛ فإن المطلقة قد ترجع إلى ~~زوجها؛ بخلاف من مات عنها. وأما " التعريض " فإنه يجوز في عدة المتوفى عنها ~~ولا يجوز في عدة الرجعية وفيما سواهما. فهذه المطلقة ثلاثا لا يحل لأحد أن ~~يواعدها سرا ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين ~~وإذا تزوجت بزوج ثان وطلقها ثلاثا لم يحل للأول أن يواعدها سرا ولا يعزم ~~عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين. وذلك أشد وأشد. # PageV32P095 # وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها لا تصريحا ولا تعريضا: باتفاق ~~المسلمين فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثا أن يخطبها؛ لا تصريحا ~~ولا تعريضا. باتفاق المسلمين. وخطبتها في هذه الحال أعظم من خطبتها بعد أن ~~تتزوج بالثاني. وهؤلاء " أهل التحليل " قد يواعد أحدهم المطلقة ثلاثا ~~ويعزمان قبل أن تنقضي عدتها وقبل نكاح الثاني على عقدة النكاح بعد النكاح ~~الثاني نكاح المحلل ويعطيها ما تنفقه على شهود عقد التحليل وللمحلل وما ~~ينفقه عليها في عدة التحليل والزوج المحلل لا يعطيها مهرا ولا نفقة عدة ولا ~~نفقة طلاق؛ فإذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز في هذه وقت نكاحها ~~بالثاني أن يخطبها الأول - لا تصريحا ولا تعريضا - فكيف إذا خطبها قبل أن ~~تتزوج بالثاني؟ أو إذا كان بعد ms9270 أن يطلقها الثاني لا يحل للأول أن يواعدها ~~سرا ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله: فكيف إذا فعل ذلك من قبل ~~أن يطلق بل قبل أن يتزوج بل قبل أن تنقضي عدتها منه فهذا كله يحرم باتفاق ~~المسلمين. وكثير من أهل التحليل يفعله وليس في التحليل صورة اتفق المسلمون ~~على حلها ولا صورة أباحها النص؛ بل من صور التحليل ما أجمع المسلمون على ~~تحريمه ومنها ما تنازع فيه العلماء. وأما الصحابة فلم يثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له منهم؛ وهذا وغيره يبين أن من ~~التحليل ما هو شر من نكاح المتعة وغيره # PageV32P096 # من الأنكحة التي تنازع فيها السلف؛ وبكل حال فالصحابة أفضل هذه الأمة ~~وبعدهم التابعون كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} فنكاح ~~تنازع السلف في جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف كل تحريمه. وإذا تنازع فيه ~~الخلف فإن أولئك أعظم علما ودينا؛ وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره ~~أحق مما اتفقوا على تحريمه وإن اشتبه تحريمه على من بعدهم. والله تعالى ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بيتيمة وشهدت أمها ببلوغها فمكثت في صحبته أربع سنين ثم بانت ~~منه بالثلاث ثم شهدت أخواتها ونساء أخر: أنها ما بلغت إلا بعد دخول الزوج ~~بها بتسعة أيام وشهدت أمها بهذه الصورة؛ والأم ماتت والزوج يريد المراجعة؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل للزوج أن يتزوجها إذا طلقها ثلاثا عند جمهور العلماء ~~فإن مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه: أن نكاح هذه صحيح وإن كان قبل ~~البلوغ. ومذهب مالك وأحمد في المشهور أن الطلاق يقع في النكاح الفاسد ~~المختلف فيه. ومثل هذه المسائل يقبح فإنها # PageV32P097 # من أهل البغي فإنهم لا يتكلمون في صحة النكاح حين كان يطؤها ويستمتع بها ~~حتى إذا طلقت ثلاثا أخذوا يسعون فيما يبطل النكاح حتى لا يقال: إن الطلاق ~~وقع ms9271 وهذا من المضادة لله في أمره فإنه حين كان الوطء حراما لم يتحر ولم ~~يسأل فلما حرمه الله أخذ يسأل عما يباح به الوطء ومثل هذا يقع في المحرم ~~بإجماع المسلمين وهو فاسق؛ لأن مثل هذه المرأة إما أن يكون نكاحها الأول ~~صحيحا. وإما ألا يكون. فإن كان صحيحا: فالطلاق الثلاث واقع والوطء قبل نكاح ~~زوج غيره حرام. وإن كان النكاح الأول باطلا: كان الوطء فيه حراما وهذا ~~الزوج لم يتب من ذلك الوطء. وإنما سأل حين طلق؛ لئلا يقع به الطلاق فكان ~~سؤالهم عما به يحرم الوطء الأول لأجل استحلال الوطء الثاني. وهذه المضادة ~~لله ورسوله. والسعي في الأرض بالفساد فإن كان هذا الرجل طلقها ثلاثا فليتق ~~الله وليجتنبها؛ وليحفظ حدود الله؛ فإن من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. ~~والله أعلم. # وسئل: # عن رجل تزوج امرأة بولاية أجنبي ووليها في مسافة دون القصر؛ معتقدا أن ~~الأجنبي حاكم؛ ودخل بها واستولدها ثم طلقها ثلاثا ثم أراد # PageV32P098 # ردها قبل أن تنكح زوجا غيره: فهل له ذلك؛ لبطلان النكاح الأول بغير إسقاط ~~الحد ووجوب المهر؛ ويلحق النسب؛ ويحصل به الإحصان. # فأجاب: # لا يجب في هذا النكاح حد إذا اعتقد صحته؛ بل يلحق به النسب ويجب فيه ~~المهر؛ ولا يحصل الإحصان بالنكاح الفاسد. ويقع الطلاق في النكاح المختلف ~~فيه إذا اعتقد صحته. وإذا تبين أن المزوج ليس له ولاية بحال ففارقها الزوج ~~حين علم فطلقها ثلاثا لم يقع طلاق والحال هذه؛ وله أن يتزوجها من غير أن ~~تنكح زوجا غيره. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن تزوج امرأة من سنتين ثم طلقها ثلاثا وكان ولي نكاحها فاسقا: فهل يصح ~~عقد الفاسق؛ بحيث إذا طلقت ثلاثا لا تحل له إلا بعد نكاح غيره؟ أو لا يصح ~~عقده فله أن يتزوجها بعقد جديد وولي مرشد من غير أن ينكحها غيره؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان قد طلقها ثلاثا فقد وقع به الطلاق؟ وليس لأحد بعد ~~الطلاق الثلاث أن ينظر في الولي: هل كان عدلا ms9272 أو فاسقا؛ ليجعل فسق الولي ~~ذريعة إلى عدم وقوع الطلاق؛ فإن أكثر # PageV32P099 # الفقهاء يصححون ولاية الفاسق وأكثرهم يوقعون الطلاق في مثل هذا النكاح؛ ~~بل وفي غيره من الأنكحة الفاسدة. فإذا فرع على أن النكاح فاسد؛ وأن الطلاق ~~لا يقع فيه؛ فإنما يجوز أن يستحل الحلال من يحرم الحرام؛ وليس لأحد أن ~~يعتقد الشيء حلالا حراما. وهذا الزوج كان وطئها قبل الطلاق ولو ماتت ~~لورثها: فهو عامل على صحة النكاح فكيف يعمل بعد الطلاق على فساده فيكون ~~النكاح صحيحا إذا كان له غرض في صحته فاسدا إذ كان له غرض في فساده وهذا ~~القول يخالف إجماع المسلمين؛ فإنهم متفقون على أن من اعتقد حل الشيء كان ~~عليه أن يعتقد ذلك سواء وافق غرضه أو خالفه ومن اعتقد تحريمه كان عليه أن ~~يعتقد ذلك في الحالين. وهؤلاء المطلقون لا يفكرون في فساد النكاح بفسق ~~الولي إلا عند الطلاق الثلاث لا عند الاستمتاع والتوارث فيكونون في وقت ~~يقلدون من يفسده وفي وقت يقلدون من يصححه بحسب الغرض والهوى ومثل هذا لا ~~يجوز باتفاق الأمة. ونظير هذا أن يعتقد الرجل ثبوت " شفعة الجوار " إذا كان ~~طالبا لها ويعتقد عدم الثبوت إذا كان مشتريا؛ فإن هذا لا يجوز بالإجماع ~~وهذا أمر مبني على صحة ولاية الفاسق في حال نكاحه وبني على فساد ولايته # PageV32P100 # في حال طلاقه: فلم يجز ذلك بإجماع المسلمين. ولو قال المستفتي المعين: ~~أنا لم أكن أعرف ذلك وأنا من اليوم ألتزم ذلك: لم يكن من ذلك لأن ذلك يفتح ~~باب التلاعب بالدين وفتح للذريعة إلى أن يكون التحليل والتحريم بحسب ~~الأهواء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضا ~~كذلك وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟ # فأجاب: # إذا طلقها ثلاثا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد ~~ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله فإنه يريد أن يستحل ~~محارم الله ms9273 قبل الطلاق وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند ~~مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير ~~الأئمة. والله أعلم. # PageV32P101 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج امرأة " مصافحة " على صداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار وقد ~~دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إذا رزق بينهما ولد يرث أم ~~لا؟ وهل عليهما الحد أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا تزوجها بلا ولي ولا شهود وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل ~~باتفاق الأئمة؛ بل الذي عليه العلماء أنه {لا نكاح إلا بولي} {وأيما امرأة ~~تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل} . وكلا هذين ~~اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال غير واحد من ~~السلف: لا نكاح إلا بشاهدين. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومالك ~~يوجب إعلان النكاح. " ونكاح السر " هو من جنس نكاح البغايا؛ وقد قال الله ~~تعالى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} فنكاح السر من جنس ذوات ~~الأخدان؛ وقال تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} وقال تعالى: {ولا تنكحوا # PageV32P102 # المشركين حتى يؤمنوا} فخاطب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من ~~السلف: إن المرأة لا تنكح نفسها وإن البغي هي التي تنكح نفسها. لكن إن ~~اعتقد هذا نكاحا جائزا كان الوطء فيه وطء شبهة يلحق الولد فيه ويرث أباه. ~~وأما العقوبة فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج " مصافحة " وقعدت معه أياما فطلع لها زوج آخر فحمل الزوج ~~والزوجة وزوجها الأول فقال لها: تريدين الأول أو الثاني؟ فقالت: ما أريد ~~إلا الزوج الثاني فطلقها الأول ورسم للزوجة أن توفي عدته وتم معها الزوج: ~~فهل يصح ذلك لها أم لا؟ # فأجاب: # إذا تزوجت بالثاني قبل أن توفي عدة الأول وقد فارقها الأول: إما لفساد ~~نكاحه؛ وإما لتطليقه لها؛ وإما لتفريق الحاكم بينهما: فنكاحها فاسد؛ تستحق ~~العقوبة: هي؛ وهو؛ ومن زوجها؛ بل عليها أن تتم عدة الأول ثم إن كان الثاني ~~قد ms9274 وطئها اعتدت له عدة أخرى؛ فإذا انقضت العدتان تزوجت حينئذ بمن شاءت: ~~بالأول أو بالثاني أو غيرهما. # PageV32P103 # وسئل - رحمه الله -: # عن أمة متزوجة وسافر زوجها وباعها سيدها وشرط أن لها زوجا فقعدت عند الذي ~~اشتراها أياما؛ فأدركه الموت فأعتقها فتزوجت ولم يعلم أن لها زوجا؛ فلما ~~جاء زوجها الأول من السفر أعطى سيدها الذي باعها الكتاب لزوجها الذي جاء من ~~السفر والكتاب بعقد صحيح شرعي: فهل يصح العقد بكتاب الأول؟ أو الثاني؟ # فأجاب: # إن كان تزوجها نكاحا شرعيا: إما على قول أبي حنيفة بصحة نكاح الحر بالأمة ~~وإما على قول مالك والشافعي وأحمد بأن يكون عادما للطول خائفا من العنت: ~~فنكاحه لا يبطل بعتقها؛ بل هي زوجته بعد العتق لكن عند أبي حنيفة في رواية ~~لها الفسخ فلها أن تفسخ النكاح فإذا قضت عدته تزوجت بغيره إن شاءت وعند ~~مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه لا خيار لها؛ بل هي زوجته؛ ومتى تزوجت ~~قبل أن يفسخ النكاح: فنكاحها باطل باتفاق الأئمة. وأما إن كان نكاحها الأول ~~فاسدا فإنه يفرق بينهما؛ وتتزوج من شاءت بعد انقضاء العدة. # PageV32P104 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أقر عند عدول أنه طلق امرأته من مدة تزيد على المدة الشرعية فهل ~~يجوز لهم تزويجها له الآن؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إن كان المقر فاسقا أو مجهولا لم يقبل قوله في إسقاط ~~العدة التي فيها حق الله؛ وليس هذا إقرارا محضا على نفسه حتى يقبل من ~~الفاسق بل فيه حق لله؛ إذ في العدة حق الله وحق للزوج. وإما إذا كان عدلا ~~غير متهم: مثل أن يكون غائبا فلما حضر أخبرها أنه طلق من مدة كذا وكذا فهل ~~تعتد من حين بلغها الخبر إذا لم تقم بذلك بينة؟ أو من حين الطلاق كما لو ~~قامت به بينة؟ فيه خلاف مشهور: عن أحمد وغيره والمشهور عنه هو الثاني. ~~والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها؛ ولا أصابها فولدت بعد شهرين: فهل يصح ~~النكاح؟ # وهل يلزمه ms9275 الصداق أم لا؟ # PageV32P105 # فأجاب: # الحمد لله، لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين وكذلك لا يستقر عليه المهر ~~باتفاق المسلمين؛ لكن للعلماء في العقد قولان: أصحهما أن العقد باطل؛ كمذهب ~~مالك وأحمد وغيرهما. وحينئذ فيجب التفريق بينهما؛ ولا مهر عليه ولا نصف ~~مهر؛ ولا متعة؛ كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت الفرقة فيها قبل الدخول؛ لكن ~~ينبغي أن يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد؛ لقطع النزاع. " والقول الثاني " ~~أن العقد صحيح؛ ثم لا يحل له الوطء حتى تضع كقول أبي حنيفة. وقيل: يجوز له ~~الوطء قبل الوضع؛ كقول الشافعي فعلى هذين القولين إذا طلقها قبل الدخول ~~فعليه نصف المهر؛ لكن هذا النزاع إذا كانت حاملا من وطء شبهة أو سيد أو ~~زوج؛ فإن النكاح باطل باتفاق المسلمين؛ ولا مهر عليه إذا فارق قبل الدخول. ~~وأما الحامل من الزنا فلا كلام في صحة نكاحها والنزاع فيما إذا كان نكحها ~~طائعا وأما إذا نكحها مكرها فالنكاح باطل في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل " ركاض " يسير في البلاد في كل مدينة شهرا أو شهرين ويعزل عنها ~~ويخاف أن يقع في المعصية: فهل له أن يتزوج في مدة إقامته # PageV32P106 # في تلك البلدة؛ وإذا سافر طلقها وأعطاها حقها؛ أو لا؟ وهل يصح النكاح أم ~~لا؟ # فأجاب: # له أن يتزوج؛ لكن ينكح نكاحا مطلقا لا يشترط فيه توقيتا بحيث يكون إن شاء ~~مسكها وإن شاء طلقها. وإن نوى طلاقها حتما عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك. ~~وفي صحة النكاح نزاع ولو نوى أنه إذا سافر وأعجبته أمسكها وإلا طلقها جاز ~~ذلك. فأما أن يشترط التوقيت فهذا " نكاح المتعة " الذي اتفق الأئمة الأربعة ~~وغيرهم على تحريمه؛ وإن كان طائفة يرخصون فيه: إما مطلقا وإما للمضطر كما ~~قد كان ذلك في صدر الإسلام فالصواب أن ذلك منسوخ كما ثبت في الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رخص لهم في المتعة عام الفتح قال: {إن ~~الله قد حرم المتعة إلى يوم القيامة} والقرآن ms9276 قد حرم أن يطأ الرجل إلا زوجة ~~أو مملوكة بقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وهذه ~~المستمتع بها ليست من الأزواج ولا ما ملكت اليمين فإن الله قد جعل للأزواج ~~أحكاما: من الميراث والاعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر وعدة الطلاق ~~ثلاثة قروء ونحو ذلك من الأحكام التي لا تثبت في حق المستمتع بها فلو كانت # PageV32P107 # زوجة لثبت في حقها هذه الأحكام؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن هذه ~~الأحكام نسخت المتعة. وبسط هذا طويل وليس هذا موضعه. وإذا اشترط الأجل قبل ~~العقد فهو كالشرط المقارن في أصح قولي العلماء وكذلك في " نكاح المحلل ". ~~وأما إذا نوى الزوج الأجل ولم يظهره للمرأة: فهذا فيه نزاع: يرخص فيه أبو ~~حنيفة والشافعي ويكرهه مالك وأحمد وغيرهما كما أنه لو نوى التحليل كان ذلك ~~مما اتفق الصحابة على النهي عنه وجعلوه من نكاح المحلل؛ لكن نكاح المحلل شر ~~من نكاح المتعة؛ فإن نكاح المحلل لم يبح قط إذ ليس مقصود المحلل أن ينكح؛ ~~وإنما مقصوده أن يعيدها إلى المطلق قبله فهو يثبت العقد ليزيله وهذا لا ~~يكون مشروعا بحال؛ بخلاف المستمتع فإن له غرضا في الاستمتاع؛ لكن التأجيل ~~يخل بمقصود النكاح من المودة والرحمة والسكن ويجعل الزوجة بمنزلة المستأجرة ~~فلهذا كانت النية في نكاح المتعة أخف من النية في نكاح المحلل وهو يتردد ~~بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه. وأما " العزل " فقد حرمه طائفة من ~~العلماء؛ لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة. والله أعلم. # PageV32P108 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن قال: إن المرأة المطلقة إذا وطئها الرجل في الدبر تحل لزوجها: هل هو ~~صحيح أم لا؟ # فأجاب: # هذا قول باطل مخالف لأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أئمة المسلمين؛ ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمطلقة ثلاثا: {لا. حتى تذوقي عسيلته ~~ويذوق عسيلتك} وهذا نص في أنه لا بد من العسيلة. وهذا لا يكون بالدبر ولا ms9277 ~~يعرف في هذا خلاف. وأما ما يذكر عن بعض المالكية - وهم يطعنون في أن يكون ~~هذا قولا - وما يذكر عن سعيد ابن المسيب من عدم اشتراط الوطء فذاك لم يذكر ~~فيه وطء الدبر وهو قول شاذ صحت السنة بخلافه وانعقد الإجماع قبله وبعده. # وقال الشيخ - رحمه الله -: ### | " نكاح الزانية " # حرام حتى تتوب سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلا ريب وهو ~~مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم # PageV32P109 # أحمد بن حنبل وغيره وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه وهو قول ~~الثلاثة؛ لكن مالك يشترط الاستبراء وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء ~~إذا كانت حاملا؛ لكن إذا كانت حاملا لا يجوز وطؤها حتى تضع والشافعي يبيح ~~العقد والوطء مطلقا؛ لأن ماء الزاني غير محترم وحكمه لا يلحقه نسبه. هذا ~~مأخذه. وأبو حنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإن الحامل إذا وطئها ~~استلحق ولدا ليس منه قطعا؛ بخلاف غير الحامل. ومالك وأحمد يشترطان " ~~الاستبراء " وهو الصواب؛ لكن مالك وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة ~~والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى ~~وأتباعه أنه لا بد من ثلاث حيض والصحيح أنه لا يجب إلا الاستبراء فقط؛ فإن ~~هذه ليست زوجة يجب عليها عدة وليست أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها ~~سيدها وتلك لا يجب عليها إلا الاستبراء فهذه أولى. وإن قدر أنها حرة - ~~كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إما من المعتق وإما من غيره - فإن ~~هذه عليها استبراء عند الجمهور ولا عدة عليها. وهذه الزانية ليست كالموطوءة ~~بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ؛ مع أن في إيجاب العدة على تلك نزاعا. وقد ~~ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة: أن " المختلعة " ليس عليها ~~إلا الاستبراء بحيضة؛ لا عدة كعدة المطلقة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول ~~عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر في آخر قوليه. وذكر مكي: أنه إجماع ~~الصحابة وهو قول قبيصة بن ذؤيب # PageV32P110 # وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وغيرهم ms9278 من فقهاء الحديث. وهذا هو الصحيح ~~كما قد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. فإذا كانت المختلعة لكونها ليست ~~مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء - ويسمى الاستبراء عدة - ~~فالموطوءة بشبهة أولى والزانية أولى. وأيضا " فالمهاجرة " من دار الكفر ~~كالممتحنة التي أنزل الله فيها: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن} الآية. قد ذكرنا في غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها ~~وأن ذلك كان يكون بعد استبرائها بحيضة مع أنها كانت مزوجة؛ لكن حصلت الفرقة ~~بإسلامها واختيارها فراقه؛ لا بطلاق منه. وكذلك قوله: {والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم} فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الاستبراء والمسبية ~~ليس عليها إلا الاستبراء بالسنة واتفاق الناس وقد يسمى ذلك عدة. وفي السنن ~~في حديث {بريرة لما أعتقت: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تعتد} فلهذا ~~قال من قال من أهل الظاهر كابن حزم: إن من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلا ~~هذه. وهذا ضعيف؛ فإن لفظ " تعتد " في كلامهم يراد به الاستبراء كما ذكرنا ~~سو (1) وقد روى ابن ماجه عن عائشة {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن ~~تعتد بثلاث حيض} فقال كذا لكن هذا حديث معلول PageV32P111 # أما " أولا " فإن عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أن العدة عندها ثلاثة ~~أطهار وأنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة حلت فكيف تروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض والنزاع بين المسلمين من عهد ~~الصحابة إلى اليوم في العدة: هل هي ثلاث حيض أو ثلاث أطهار؟ وما سمعنا أحدا ~~من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنها ثلاث حيض ولو كان لهذا أصل عن ~~عائشة لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة. ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم ~~والدواعي على معرفتها؛ لأن فيها أمرين عظيمين " أحدهما " أن المعتقة تحت ~~عبد تعتد بثلاث حيض. " والثاني " أن العدة ثلاث حيض. وأيضا فلو ثبت ذلك كان ~~يحتج به من يرى أن المعتقة إذا اختارت نفسها ms9279 كان ذلك طلقة بائنة كقول مالك ~~وغيره وعلى هذا فالعدة لا تكون إلا من طلاق؛ لكن هذا أيضا قول ضعيف. ~~والقرآن والسنة والاعتبار يدل على أن الطلاق لا يكون إلا رجعيا وأن كل فرقة ~~مباينة فليست من الطلقات الثلاث حتى الخلع كما قد بسط الكلام عليه في غير ~~هذا الموضع. والمقصود هنا الكلام في " نكاح الزانية " وفيه مسألتان " ~~إحداهما " في استبرائها وهو عدتها وقد تقدم قول من قال: لا حرمة لماء ~~الزاني. يقال له: الاستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول؛ بل لحرمة ماء الثاني؛ ~~فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدا ليس منه وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد ~~علقت من الزاني. وأيضا ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة # PageV32P112 # فراشا قولان لأهل العلم والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر} فجعل الولد للفراش؛ دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشا ~~لم يتناوله الحديث وعمر ألحق أولادا ولدوا في الجاهلية بآبائهم. وليس هذا ~~موضع بسط هذه المسألة. " والثانية " أنها لا تحل حتى تتوب؛ وهذا هو الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة والاعتبار؛ والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين} وفي السنن حديث أبي مرثد الغنوي في عناق. والذين لم ~~يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلا ونسخا. أما التأويل: فقالوا المراد ~~بالنكاح الوطء وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل. أما " أولا " فليس في ~~القرآن لفظ نكاح إلا ولا بد أن يراد به العقد وإن دخل فيه الوطء أيضا. فأما ~~أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط. " وثانيها " أن سبب ~~نزول الآية إنما هو استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية ~~فكيف يكون سبب النزول خارجا من اللفظ " الثالث " أن قول القائل: الزاني لا ~~يطأ إلا زانية أو الزانية لا يطؤها إلا زان؛ كقوله: الآكل لا يأكل إلا ~~مأكولا والمأكول لا يأكله إلا # PageV32P113 # آكل ms9280 والزوج لا يتزوج إلا بزوجة والزوجة لا يتزوجها إلا زوج؛ وهذا كلام ~~ينزه عنه كلام الله. " الرابع " أن الزاني قد يستكره امرأة فيطؤها فيكون ~~زانيا ولا تكون زانية وكذلك المرأة قد تزني بنائم ومكره على أحد القولين ~~ولا يكون زانيا. " الخامس " أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت ~~بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه. " السادس " قال: {لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك} فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه ~~زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم. " ~~السابع " أنه قد قال قبل ذلك: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك وأما " النسخ " فقال سعيد ~~بن المسيب وطائفة: نسخها قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} ولما علم أهل هذا ~~القول أن دعوى النسخ بهذه الآية ضعيف جدا ولم يجدوا ما ينسخها فاعتقدوا أنه ~~لم يقل بها أحد قالوا: هي منسوخة بالإجماع كما زعم ذلك أبو علي الجبائي ~~وغيره. أما # PageV32P114 # على قول من يرى من هؤلاء أن الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسى ~~ابن أبان وغيره وهو قول في غاية الفساد مضمونه أن الأمة يجوز لها تبديل ~~دينها بعد نبيها وأن ذلك جائز لهم كما تقول النصارى: أبيح لعلمائهم أن ~~ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه؛ وليس هذا من أقوال المسلمين. وممن يظن ~~الإجماع من يقول: الإجماع دل على نص ناسخ لم يبلغنا؛ ولا حديث إجماع في ~~خلاف هذه الآية. وكل من عارض نصا بإجماع وادعى نسخه من غير نص يعارض ذلك ~~النص فإنه مخطئ في ذلك كما قد بسط الكلام على هذا في موضع آخر وبين أن ~~النصوص لم ينسخ منها شيء إلا بنص باق محفوظ عند الأمة. وعلمها بالناسخ الذي ~~العمل به أهم عندها من علمها بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به وحفظ الله ~~النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة. وقول من قال: هي منسوخة بقوله: ~~{وأنكحوا الأيامى ms9281 منكم} في غاية الضعف؛ فإن كونها زانية وصف عارض لها يوجب ~~تحريما عارضا: مثل كونها محرمة ومعتدة ومنكوحة للغير؛ ونحو ذلك مما يوجب ~~التحريم إلى غاية ولو قدر أنها محرمة على التأبيد لكانت كالوثنية ومعلوم أن ~~هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقا أو مؤقتا؛ وإنما أمر ~~بإنكاح الأيامى من حيث الجملة؛ وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما ~~أنها لا تنكح في العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب. # PageV32P115 # وقد احتجوا بالحديث الذي فيه: {إن امرأتي لا ترد يد لامس. فقال طلقها. ~~فقال: إني أحبها. قال: فاستمتع بها} الحديث. رواه النسائي وقد ضعفه أحمد ~~وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة؛ ولو صح لم يكن صريحا؛ فإن ~~من الناس من يؤول " اللامس " بطالب المال؛ لكنه ضعيف. لكن لفظ " اللامس " ~~قد يراد به من مسها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج ~~وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه. ولا تمكنه من وطئها. ~~ومثل هذه نكاحها مكروه؛ ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه؛ لما ذكر أنه ~~يحبها؛ فإن هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد ~~لامس: فجعل اللمس باليد فقط ولفظ " اللمس والملامسة " إذا عني بهما الجماع ~~لا يخص باليد بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم} . وأيضا فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهى ~~زانية؛ فإن دوام النكاح أقوى من ابتدائه. وإلا حرام أو العدة تمنع الابتداء ~~دون الدوام فلو قدر أنه قام دليل شرعي على أن الزانية بعد العقد لا يجب ~~فراقها لكان الزنا كالعدة تمنع الابتداء دون الدوام جمعا بين الدليلين. " ~~فإن قيل " ما ### | معنى قوله: {لا ينكحها إلا زان أو مشرك} ؟ " # قيل ": المتزوج بها إن كان مسلما فهو زان وإن لم يكن مسلما فهو كافر. فإن ~~كان مؤمنا بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زان؛ وإن ms9282 لم يكن مؤمنا ~~بما جاء به الرسول فهو مشرك كما كانوا عليه في الجاهلية كانوا يتزوجون # PageV32P116 # البغايا. يقول: فإن تزوجتم بهن كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك ~~فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم فأنتم زناة. لأن هذه تمكن من نفسها غير ~~الزوج من وطئها فيبقى الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك وكل امرأة اشترك في ~~وطئها رجلان فهي زانية؛ فإن الفروج لا تحتمل الاشتراك؛ بل لا تكون الزوجة ~~إلا محصنة. ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانيا كان مذموما عند الناس؛ ~~وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس ولهذا يقول في " الشتمة ": ~~سبه بالزاي والقاف. أي قال يا زوج القحبة فهذا أعظم ما يتشاتم به الناس؛ ~~لما قد استقر عند المسلمين من قبح ذلك فكيف يكون مباحا ولهذا كان قذف ~~المرأة طعنا في زوجها فلو كان يجوز له التزوج ببغي لم يكن ذلك طعنا في ~~الزوج ولهذا قال من قال من السلف: ما بغت امرأة نبي قط. فالله تعالى أباح ~~للأنبياء أن يتزوجوا كافرة ولم يبح تزوج البغي لأن هذه تفسد مقصود النكاح ~~بخلاف الكافرة؛ ولهذا أباح الله للرجل أن يلاعن مكان أربعة شهداء إذا زنت ~~امرأته وأسقط عنه الحد بلعانه؛ لما في ذلك من الضرر عليه وفي الحديث {لا ~~يدخل الجنة ديوث} والذي يتزوج ببغي هو ديوث وهذا مما فطر الله على ذمه ~~وعيبه بذلك جميع عباده المؤمنين بل وغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم: ~~كلهم يذم من تكون # PageV32P117 # امرأته بغيا ويشتم بذلك ويعير به فكيف ينسب إلى شرع الإسلام إباحة ذلك ~~وهذا لا يجوز أن يأتي به نبي من الأنبياء فضلا عن أفضل الشرائع؛ بل يجب أن ~~تنزه الشريعة عن مثل هذا القول الذي إذا تصوره المؤمن ولوازمه استعظم أن ~~يضاف مثل هذا إلى الشريعة ورأى أن تنزيهها عنه أعظم من تنزيه عائشة عما ~~قاله أهل الإفك وقد أمر الله المؤمنين أن يقولوا: {سبحانك هذا بهتان عظيم} ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يفارق عائشة لأنه ms9283 لم يصدق ما قيل أولا ~~ولما حصل له الشك استشار عليا وزيد بن حارثة وسأل الجارية؛ لينظر إن كان ~~حقا فارقها حتى أنزل الله براءتها من السماء فذلك الذي ثبت نكاحها. ولم يقل ~~مسلم: إنه يجوز إمساك بغي. وكان المنافقون يقصدون بالكلام فيها الطعن في ~~الرسول ولو جاز التزوج ببغي لقال: هذا لا حرج علي فيه كما كان النساء ~~أحيانا يؤذينه حتى يهجرهن فليس ذنوب المرأة طعنا؛ بخلاف بغائها فإنه طعن ~~فيه عند الناس قاطبة ليس أحد يدفع الذم عمن تزوج بمن يعلم أنها بغية مقيمة ~~على البغاء ولهذا توسل المنافقون إلى الطعن حتى أنزل الله براءتها من ~~السماء وقد كان سعد بن معاذ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من يعذرني ~~من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا ~~رجلا ما علمت عليه إلا خيرا فقام: سعد بن معاذ - الذي اهتز لموته عرش ~~الرحمن - فقال: أنا أعذرك منه: إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه وإن ~~كان من # PageV32P118 # إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فأخذت سعد بن عبادة غيرة - قالت ~~عائشة: وكان قبل ذلك امرأ صالحا؛ ولكن أخذته حمية؛ لأن ابن أبي كان كبير ~~قوم فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد ابن حضير: ~~فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وثار الحيان ~~حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل يسكنهم} . فلولا أن ما قيل في ~~عائشة طعن في النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب المؤمنون قتل من تكلم بذلك ~~من الأوس والخزرج لقذفه لامرأته ولهذا كان من قذف أم النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقتل. لأنه قدح في نسبه وكذلك من قذف نساءه يقتل لأنه قدح في دينه ~~وإنما لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم ~~براءتها وأنها من أمهات المؤمنين اللاتي لم يفارقهن عليه. . . (1) إذ كان ~~يمكن أن يطلقها فتخرج بذلك ms9284 من هذه الأمومة في أظهر قولي العلماء؛ فإن فيمن ~~طلقها النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاثة أقوال " في مذهب أحمد وغيره. " ~~أحدها " أنها ليست من أمهات المؤمنين. " والثاني " أنها من أمهات المؤمنين. ~~" والثالث " يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. والأول أصح؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما خير نساءه بين الإمساك والفراق وكان المقصود لمن ~~فارقها أن يتزوجها غيره. فلو كان هذا مباحا لم يكن ذلك قدحا في دينه. ~~PageV32P119 # وبالجملة فهذه المسألة في قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاج إلى كثرة ~~الأدلة فإن الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك؛ لكن لما كان قد أباح مثل ذلك ~~كثير من علماء المسلمين - الذين لا ريب في علمهم ودينهم من التابعين ومن ~~بعدهم وعلو قدرهم - بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط في ذلك؛ ولهذا نظائر ~~كثيرة: يكون القول ضعيفا جدا وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم ~~والإيمان وسادات الناس؛ لأن الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلا في ~~الرد إلى الكتاب والسنة وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي لا ينطق على الهوى. # فإن قيل: فقد قال: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ؟ قيل: هذا يدل ~~على أن الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى الروايتين ~~عن أحمد فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان: كان وطؤه لهذه من جنس ~~وطئه لغيرها من الزواني وقد قال الشعبي: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع ~~رحمها. و " أيضا " فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة ~~إلى أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيرا فلم أر من يزني بنساء الناس أو ~~ذكران إلا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة. و " ~~أيضا " فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف ~~فتحتاج إلى الزنا. # PageV32P120 # و " أيضا " فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما ms9285 هو ~~الواقع. فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة وإن استحلت ما حرمه الله ~~كانت مشركة؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك فلا يكاد يعرف في نساء ~~الرجل الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة ~~تامة وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء ~~الأجانب وقد جاء في الحديث: {بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم} ~~فقوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية} إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا ~~أو أن ذلك يفضي إلى زناها. وأما الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا ~~زنا. # وكذلك {والمحصنات من المؤمنات} الحرائر وعن ابن عباس: هن العفائف. فقد ~~نقل عن ابن عباس تفسير {المحصنات} بالحرائر. وبالعفائف وهذا حق. فنقول مما ~~يدل على ذلك قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ~~واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب} {اليوم أحل لكم ~~الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين} . " المحصنات " قد قال أهل التفسير: هن العفائف. هكذا ~~قال الشعبي والحسن والنخعي والضحاك والسدي. وعن ابن عباس: هن الحرائر ولفظ ~~المحصنات إن أريد به " الحرائر " فالعفة داخلة في الإحصان بطريق الأولى؛ ~~فإن أصل # PageV32P121 # المحصنة هي العفيفة التي أحصن فرجها قال الله تعالى: {ومريم ابنت عمران ~~التي أحصنت فرجها} وقال تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات} وهن العفائف قال حسان بن ثابت: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # ثم عادة العرب أن الحرة عندهم لا تعرف بالزنا؛ وإنما تعرف بالزنا الإماء ~~ولهذا {لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند امرأة أبي سفيان على ألا ~~تزني قالت: أوتزني الحرة} فهذا لم يكن معروفا عندهم. والحرة خلاف الأمة ~~صارت في عرف العامة أن ms9286 الحرة هي العفيفة؛ لأن الحرة التي ليست أمة كانت ~~معروفة عندهم بالعفة وصار لفظ الإحصان يتناول الحرية مع العفة؛ لأن الإماء ~~لم تكن عفائف وكذلك الإسلام هو ينهى عن الفحشاء والمنكر وكذلك المرأة ~~المتزوجة زوجها يحصنها لأنها تستكفي به ولأنه يغار عليها. فصار لفظ " ~~الإحصان " يتناول: الإسلام والحرية والنكاح. وأصله إنما هو العفة؛ فإن ~~العفيفة هي التي أحصن فرجها من غير صاحبها كالمحصن الذي يمتنع من غير أهله ~~وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل الكتاب نكاح المحصنات " والبغايا ~~" لسن محصنات: فلم يبح الله نكاحهن. ومما يدل على ذلك قوله: {إذا آتيتموهن ~~أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} والمسافح الزاني الذي يسفح ~~ماءه مع هذه وهذه # PageV32P122 # وكذلك المسافحة والمتخذة الخدن الذي تكون له صديقة يزني بها دون غيره ~~فشرط في الحل أن يكون الرجل غير مسافح ولا متخذ خدن. فإذا كانت المرأة بغيا ~~وتسافح هذا وهذا لم يكن زوجها محصنا لها عن غيره؛ إذ لو كان محصنا لها كانت ~~محصنة وإذا كانت مسافحة لم تكن محصنة. والله إنما أباح النكاح إذا كان ~~الرجال محصنين غير مسافحين وإذا شرط فيه ألا يزني بغيرها - فلا يسفح ماءه ~~مع غيرها - كان أبلغ وأبلغ. وقال أهل اللغة: " السفاح " الزنا. قال ابن ~~قتيبة {محصنين} أي متزوجين {غير مسافحين} قال: وأصله من سفحت القربة إذا ~~صببتها. فسمى " الزنا " سفاحا؛ لأنه يصب النطفة وتصب المرأة النطفة. وقال ~~ابن فارس: " السفاح " صب الماء بلا عقد ولا نكاح فهي التي تسفح ماءها. وقال ~~الزجاج: {محصنين} أي عاقدين التزوج. وقال غيرهما: متعففين غير زانين وكذلك ~~قال في النساء {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير ~~مسافحين} ففي هاتين الآيتين اشترط أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين بكسر ~~الصاد. " والمحصن " هو الذي يحصن غيره؛ ليس هو المحصن بالفتح الذي يشترط في ~~الحد. فلم يبح إلا تزوج من يكون محصنا للمرأة غير مسافح ومن تزوج ببغي مع ~~بقائها على البغاء ولم يحصنها من غيره - بل هي كما ms9287 كانت قبل النكاح تبغي مع ~~غيره - فهو مسافح بها لا محصن لها. وهذا حرام بدلالة القرآن. # PageV32P123 # فإن قيل: إنما أراد بذلك أنك تبتغي بمالك النكاح لا تبتغي به السفاح ~~فتعطيها المهر على أن تكون زوجتك ليس لغيرك فيها حق بخلاف ما إذا أعطيتها ~~على أنها مسافحة لمن تريد وأنها صديقة لك تزني بك دون غيرك فهذا حرام؟ قيل: ~~فإذا كان النكاح مقصوده أنها تكون له؛ لا لغيره وهي لم تتب من الزنا: لم ~~تكن موفية بمقتضى العقد؟ فإن قيل: فإنه يحصنها بغير اختيارها فيسكنها حيث ~~لا يمكنها الزنا؟ قيل: أما إذا أحصنها بالقهر فليس هو بمثل الذي يمكنها من ~~الخروج إلى الرجال ودخول الرجال إليها؛ لكن قد عرف بالعادات والتجارب أن ~~المرأة إذا كانت لها إرادة في غير الزوج احتالت إلى ذلك بطرق كثيرة وتخفى ~~على الزوج وربما أفسدت عقل الزوج بما تطعمه وربما سحرته أيضا وهذا كثير ~~موجود: رجال أطعمهم نساؤهم وسحرتهم نساؤهم حتى يمكن المرأة أن تفعل ما ~~شاءت؛ وقد يكون قصدها مع ذلك أن لا يذهب هو إلى غيرها؛ فهي تقصد منعه من ~~الحلال أو من الحرام والحلال. وقد تقصد أن يمكنها أن تفعل ما شاءت فلا يبقى ~~محصنا لها قواما عليها؛ بل تبقى هي الحاكمة عليه. فإذا كان هذا موجودا فيمن ~~تزوجت ولم تكن بغيا: فكيف بمن كانت بغيا؟ والحكايات في هذا الباب كثيرة. ~~ويا ليتها مع التوبة يلزم # PageV32P124 # منه دوام التوبة: فهذا إذا أبيح له نكاحها وقيل له: أحصنها واحتفظ أمكن ~~ذلك. أما بدون التوبة فهذا متعذر أو متعسر. ولهذا تكلموا في توبتها فقال ~~ابن عمر وأحمد بن حنبل: يراودها على نفسها. فإن أجابته كما كانت تجيبه لم ~~تتب. وقالت طائفة منهم أبو محمد: لا يراودها؛ لأنها قد تكون تابت فإذا ~~راودها نقضت التوبة ولأنه يخاف عليه إذا راودها أن يقع في ذنب معها. والذين ~~اشترطوا امتحانها قالوا: لا يعرف صدق توبتها بمجرد القول فصار كقوله: {إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} و " المهاجر " قد يتناول ms9288 التائب قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {المهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمهاجر من هجر ~~السوء} فهذه إذا ادعت أنها هجرت السوء امتحنت على ذلك وبالجملة لا بد أن ~~يغلب على قلبه صدق توبتها. وقوله تعالى {ولا متخذي أخدان} حرم به أن يتخذ ~~صديقة في السر تزني معه لا مع غيره وقد قال سبحانه في آية الإماء {ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} فذكر في " الإماء " {محصنات ~~غير مسافحات ولا متخذات أخدان} وأما " الحرائر " فاشترط فيهن أن يكون ~~الرجال محصنين غير مسافحين وذكر في المائدة {ولا متخذي أخدان} # PageV32P125 # لما ذكر نساء أهل الكتاب وفي النساء لم يذكر إلا غير مسافحين؛ وذلك أن ~~الإماء كن معروفات بالزنا دون الحرائر فاشترط في نكاحهن أن يكن محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان فدل ذلك أيضا على أن الأمة التي تبغي لا يجوز ~~تزوجها إلا إذا تزوجها على أنها محصنة يحصنها زوجها فلا تسافح الرجال ولا ~~تتخذ صديقا. وهذا من أبين الأمور في تحريم نكاح الأمة الفاجرة مع ما تقدم. ~~وقد روي عن ابن عباس {محصنات} عفائف غير زوان {ولا متخذات أخدان} يعني ~~أخلاء: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي. وعنه ~~رواية أخرى: " المسافحات " المعلنات بالزنا " والمتخذات أخدان " ذوات ~~الخليل الواحد. قال بعض المفسرين: كانت المرأة تتخذ صديقا تزني معه ولا ~~تزني مع غيره. فقد فسر ابن عباس هو وغيره من السلف المحصنات بالعفائف وهو ~~كما قالوا وذكروا أن الزنا في الجاهلية كان نوعين: نوعا مشتركا ونوعا ~~مختصا. والمشترك ما يظهر في العادة؛ بخلاف المختص فإنه مستتر في العادة. ~~ولما حرم الله المختص وهو شبيه بالنكاح؛ فإن النكاح تختص فيه المرأة ~~بالرجل: وجب الفرق بين النكاح الحلال ms9289 والحرام من اتخاذ الأخدان؛ فإن هذه ~~إذا كان يزني بها وحدها لم يعرف أنها لم يطأها غيره ولم يعرف أن الولد الذي ~~تلده منه ولا يثبت لها خصائص النكاح. # فلهذا كان عمر بن الخطاب يضرب على " النكاح السر " فإن نكاح السر من جنس ~~اتخاذ الأخدان شبيه به لا سيما إذا زوجت نفسها بلا ولي ولا شهود # PageV32P126 # وكتما ذلك: فهذا مثل الذي يتخذ صديقة ليس بينهما فرق ظاهر معروف عند ~~الناس يتميز به عن هذا فلا يشاء من يزني بأمرة صديقة له إلا قال: تزوجتها. ~~ولا يشاء أحد أن يقول لمن تزوج في السر: إنه يزني بها إلا قال ذلك فلا بد ~~أن يكون بين الحلال والحرام فرق مبين قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} وقال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم} فإذا ظهر للناس أن هذه المرأة قد أحصنها تميزت عن المسافحات ~~والمتخذات أخدانا وإذا كان يمكنها أن تذهب إلى الأجانب لم تتميز المحصنات ~~كما أنه إذا كتم نكاحها فلم يعلم به أحد لم تتميز من المتخذات أخدانا. وقد ~~اختلف العلماء فيما يتميز به هذا عن هذا فقيل: الواجب الإعلان فقط سواء ~~أشهد أو لم يشهد كقول مالك وكثير من فقهاء الحديث وأهل الظاهر وأحمد في ~~رواية. وقيل: الواجب الإشهاد سواء أعلن أو لم يعلن كقول أبي حنيفة والشافعي ~~ورواية عن أحمد. وقيل: يجب الأمران وهو الرواية الثالثة عن أحمد. وقيل: يجب ~~أحدهما وهو الرواية الرابعة عن أحمد. واشتراط " الإشهاد " وحده ضعيف؛ ليس ~~له أصل في الكتاب ولا في السنة فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه حديث. ومن الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون دائما له شروط لم ~~يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مما تعم به البلوى فجميع ~~المسلمين يحتاجون إلى معرفة هذا. وإذا كان هذا شرطا كان ذكره أولى من ذكر ~~المهر وغيره مما لم يكن له ذكر في كتاب الله ms9290 ولا حديث ثابت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتبين أنه ليس مما # PageV32P127 # أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم. قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة ~~الحديث: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح شيء ~~ولو أوجبه لكان الإيجاب إنما يعرف من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~هذا من الأحكام التي يجب إظهارها وإعلانها فاشتراط المهر أولى؛ فإن المهر ~~لا يجب تقديره في العقد بالكتاب والسنة والإجماع ولو كان قد أظهر ذلك لنقل ~~ذلك عن الصحابة: ولم يضيعوا حفظ ما لا بد للمسلمين عامة من معرفته فإن ~~الهمم والدواعي تتوافر على نقل ذلك والذي يأمر بحفظ ذلك. وهم قد حفظوا نهيه ~~عن نكاح الشغار ونكاح المحرم ونحو ذلك من الأمور التي تقع قليلا؛ فكيف ~~النكاح بلا إشهاد إذا كان الله ورسوله قد حرمه وأبطله كيف لا يحفظ في ذلك ~~نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لو نقل في ذلك شيء من أخبار الآحاد ~~لكان مردودا عند من يرى مثل ذلك؛ فإن هذا من أعظم ما تعم به البلوى أعظم من ~~البلوى بكثير من الأحكام فيمتنع أن يكون كل نكاح للمسلمين لا يصح إلا ~~بإشهاد؛ وقد عقد المسلمون من عقود الأنكحة ما لا يحصيه إلا رب السموات؛ ~~فعلم أن اشتراط الإشهاد دون غيره باطل قطعا؛ ولهذا كان المشترطون للإشهاد ~~مضطربين اضطرابا يدل على فساد الأصل فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع إذا ~~كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين والشهادة التي لا تجب عندهم قد أمر الله ~~فيها بإشهاد ذوي العدل فكيف بالإشهاد الواجب. # PageV32P128 # ثم من العجب أن الله أمر " بالإشهاد في الرجعة " ولم يأمر به في النكاح ~~ثم يأمرون به في النكاح ولا يوجبه أكثرهم في الرجعة والله أمر بالإشهاد في ~~الرجعة؛ لئلا ينكر الزوج ويدوم مع امرأته فيفضي إلى إقامته معها حراما؛ ولم ~~يأمر بالإشهاد على طلاق لا رجعة معه لأنه حينئذ يسرحها بإحسان عقيب العدة ~~فيظهر الطلاق. ms9291 ولهذا قال يزيد بن هارون مما يعيب به أهل الرأي: أمر الله ~~بالإشهاد في البيع دون النكاح؛ وهم أمروا به في النكاح دون البيع. وهو كما ~~قال. والإشهاد في البيع إما واجب وإما مستحب وقد دل القرآن والسنة على أنه ~~مستحب. وأما النكاح فلم يرد الشرع فيه بإشهاد واجب ولا مستحب وذلك أن ~~النكاح أمر فيه بالإعلان فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد فإن المرأة تكون ~~عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته فكان هذا الإظهار الدائم مغنيا عن ~~الإشهاد كالنسب؛ فإن النسب لا يحتاج إلى أن يشهد فيه أحدا على ولادة ~~امرأته؛ بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن الإشهاد؛ بخلاف ~~البيع؛ فإنه قد يجحد ويتعذر إقامة البينة عليه ولهذا إذا كان النكاح في ~~موضع لا يظهر فيه كان إعلانه بالإشهاد. فالإشهاد قد يجب في النكاح؛ لأنه به ~~يعلن ويظهر؛ لا لأن كل نكاح لا ينعقد إلا بشاهدين؛ بل إذا زوجه وليته ثم ~~خرجا فتحدثا بذلك وسمع الناس أو جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه ~~تزوجها: كان هذا كافيا. وهكذا كانت عادة السلف لم يكونوا يكلفون إحظار ~~شاهدين ولا كتابة صداق # PageV32P129 # ومن القائلين بالإيجاب من اشتراط شاهدين مستورين وهو لا يقبل عند الأداء ~~إلا من تعرف عدالته: فهذا أيضا لا يحصل به المقصود. وقد شذ بعضهم فأوجب من ~~يكون معلوم العدالة؛ وهذا مما يعلم فساده قطعا فإن أنكحة المسلمين لم ~~يكونوا يلتزمون فيها هذا. وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد على قوله ~~باشتراط الشهادة. فقيل: يجزئ فاسقان: كقول أبي حنيفة. وقيل: يجزئ مستوران ~~وهذا المشهور عن مذهبه ومذهب الشافعي. وقيل: في المذهب لا بد من معروف ~~العدالة. وقيل: بل إن عقد حاكم فلا يعقده إلا بمعروف العدالة بخلاف غيره؛ ~~فإن الحكام هم الذين يميزون بين المبرور والمستور. ثم المعروف العدالة عند ~~حاكم البلد: فهو خلاف ما أجمع المسلمون عليه قديما وحديثا: حيث يعقدون ~~الأنكحة فيما بينهم والحاكم بينهم والحاكم لا يعرفهم. وإن اشترطوا من يكون ms9292 ~~مشهورا عندهم بالخير فليس من شرط العدل لمقبول الشهادة أن يكون كذلك. ثم ~~الشهود يموتون وتتغير أحوالهم وهم يقولون: مقصود الشهادة إثبات الفراش عند ~~التجاحد حفظا لنسب الولد. فيقال: هذا حاصل بإعلان النكاح ولا يحصل بالإشهاد ~~مع الكتمان مطلقا. فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان يصح وإن لم يشهد ~~شاهدان. وأما مع الكتمان والإشهاد فهذا مما ينظر فيه. وإذا اجتمع الإشهاد ~~والإعلان. فهذا الذي لا نزاع في صحته. وإن خلا عن الإشهاد والإعلان: فهو ~~باطل عند العامة فإن قدر فيه خلاف # PageV32P130 # فهو قليل. وقد يظن أن في ذلك خلافا في مذهب أحمد؛ ثم يقال ما يميز هذا عن ~~المتخذات أخدانا. وفي المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك ~~بإثبات الفراش؛ لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيما للنكاح. وهذا يعود إلى ~~مقصود الإعلان. وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض ولا يعرف من عنده هل ~~هي امرأته أو خدينه مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل: فهذا قد ~~يقال: يجب الإشهاد هنا. ولم يكن الصحابة يكتبون " صداقات " لأنهم لم يكونوا ~~يتزوجون على مؤخر؛ بل يعجلون المهر وإن أخروه فهو معروف؛ فلما صار الناس ~~يتزوجون على المؤخر والمدة تطول وينسى: صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة ~~في إثبات الصداق؛ وفي أنها زوجة له؛ لكن هذا الإشهاد يحصل به المقصود؛ سواء ~~حضر الشهود العقد أو جاءوا بعد العقد فشهدوا على إقرار الزوج والزوجة ~~والولي وقد علموا أن ذلك نكاح قد أعلن وإشهادهم عليه من غير تواص بكتمانه ~~إعلان. # وهذا بخلاف " الولي " فإنه قد دل عليه القرآن في غير موضع والسنة في غير ~~موضع وهو عادة الصحابة إنما كان يزوج النساء الرجال لا يعرف أن امرأة تزوج ~~نفسها. وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات أخدان ولهذا قالت عائشة: لا ~~تزوج المرأة نفسها؛ فإن البغي هي التي تزوج نفسها. لكن لا يكتفي بالولي حتى ~~يعلن؛ فإن من الأولياء من يكون مستحسنا على قرابته # PageV32P131 # قال الله تعالى: {وأنكحوا الأيامى ms9293 منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} ~~وقال تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} فخاطب الرجال بإنكاح الأيامى ~~كما خاطبهم بتزويج الرقيق. وفرق بين قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركين} ~~وقوله: {ولا تنكحوا المشركات} . وهذا الفرق مما احتج به بعض السلف من أهل ~~البيت. و " أيضا " فإن الله أوجب الصداق في غير هذا الموضع ولم يوجب ~~الإشهاد. فمن قال: إن النكاح يصح مع نفي المهر ولا يصح إلا مع الإشهاد: فقد ~~أسقط ما أوجبه الله وأوجب ما لم يوجبه الله. وهذا مما يبين أن قول المدنيين ~~وأهل الحديث أصح من قول الكوفيين في تحريمهم " نكاح الشغار " وأن علة ذلك ~~إنما هو نفي المهر فحيث يكون المهر: فالنكاح صحيح كما هو قول المدنيين وهو ~~أنص الروايتين وأصرحهما عن أحمد بن حنبل واختيار قدماء أصحابه. وهذا ~~وأمثاله مما يبين رجحان أقوال أهل الحديث والأثر وأهل الحجاز - كأهل ~~المدينة - على ما خالفها من الأقوال التي قيلت برأي يخالف النصوص؛ لكن ~~الفقهاء الذين قالوا برأي يخالف النصوص بعد اجتهادهم واستفراغ وسعهم - رضي ~~الله عنهم - قد فعلوا ما قدروا عليه من طلب العلم واجتهدوا والله يثيبهم ~~وهم مطيعون لله سبحانه في ذلك والله يثيبهم على اجتهادهم: فآجرهم الله على ~~ذلك؛ وإن كان الذين علموا ما جاءت به النصوص # PageV32P132 # أفضل ممن خفيت عليه النصوص. وهؤلاء لهم أجران وأولئك لهم أجر كما قال ~~تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . ومن تدبر نصوص ~~الكتاب والسنة وجدها مفسرة لأمر النكاح لا تشترط فيه ما يشترطه طائفة من ~~الفقهاء؛ كما اشترط بعضهم: ألا يكون إلا بلفظ الإنكاح والتزويج. واشترط ~~بعضهم: أن يكون بالعربية. واشترط هؤلاء وطائفة: ألا يكون إلا بحضرة شاهدين. ~~ثم إنهم مع هذا صححوا النكاح مع نفي المهر. ثم صاروا طائفتين: طائفة تصحح " ~~نكاح الشغار " لأنه لا مفسد له إلا نفي المهر وذلك ليس بمفسد عندهم. وطائفة ~~تبطله وتعلل ذلك بعلل فاسدة؛ كما قد بسطناه في ms9294 مواضع. وصححوا " نكاح المحلل ~~" الذي يقصد التحليل فكان قول أهل الحديث وأهل المدينة الذين لم يشترطوا ~~لفظا معينا في النكاح ولا إشهاد شاهدين مع إعلانه وإظهاره وأبطلوا نكاح ~~الشغار وكل نكاح نفي فيه المهر وأبطلوا نكاح المحلل. . . (1) أشبه بالكتاب ~~والسنة وآثار الصحابة. ثم إن كثيرا من أهل الرأي الحجازي والعراقي وسعوا " ~~باب الطلاق " فأوقعوا طلاق السكران والطلاق المحلوف به وأوقع هؤلاء طلاق ~~PageV32P133 # المكره وهؤلاء الطلاق المشكوك فيه فيما حلف به وجعلوا الفرقة البائنة ~~طلاقا محسوبا من الثلاث فجعلوا الخلع طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث. إلى ~~أمور أخرى وسعوا بها الطلاق الذي يحرم الحلال وضيقوا النكاح الحلال. ثم لما ~~وسعوا الطلاق صار هؤلاء يوسعون في الاحتيال في عود المرأة إلى زوجها وهؤلاء ~~لا سبيل عندهم إلى ردها؛ فكان هؤلاء في آصار وأغلال وهؤلاء في خداع ~~واحتيال. ومن تأمل الكتاب والسنة وآثار الصحابة تبين له أن الله أغنى عن ~~هذا وأن الله بعث محمدا بالحنيفية السمحة التي أمر فيها بالمعروف ونهى عن ~~المنكر وأحل الطيبات وحرم الخبائث والله سبحانه أعلم. وصلى الله على محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: # عن بنت الزنا: هل تزوج بأبيها؟ # فأجاب: # الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها وهو الصواب ~~المقطوع به؛ حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين. والمنقول ~~عن أحمد: أنه يقتل من فعل ذلك. فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولا. وأما " ~~المتأول " فلا يقتل؛ وإن كان مخطئا. وقد يقال: هذا مطلقا كما قاله الجمهور: ~~إنه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولا؛ وإن كان مع ذلك لا يفسق عند ~~الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وفسقه # PageV32P134 # مالك وأحمد في الرواية الأخرى. والصحيح: أن المتأول المعذور لا يفسق؛ بل ~~ولا يأثم. وأحمد لم يبلغه أن في هذه المسألة خلافا؛ فإن الخلاف فيها إنما ~~ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف؛ فلهذا لم يعرفه. والذين سوغوا " نكاح ~~البنت من الزنا " حجتهم في ذلك ms9295 أن قالوا: ليست هذه بنتا في الشرع؛ بدليل ~~أنهما لا يتوارثان؛ ولا يجب نفقتها؛ ولا يلي نكاحها ولا تعتق عليه بالملك ~~ونحو ذلك من أحكام النسب وإذا لم تكن بنتا في الشرع لم تدخل في آية التحريم ~~فتبقى داخلة في قوله {وأحل لكم ما وراء ذلكم} . وأما حجة الجمهور فهو أن ~~يقال: قول الله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} الآية هو متناول لكل من ~~شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازا وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من ~~الأحكام: أم لم يثبت إلا التحريم خاصة ليس العموم في آية التحريم كالعموم ~~في آية الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} وبيان ذلك من ثلاثة أوجه: " أحدها " أن آية التحريم تتناول البنت ~~وبنت الابن وبنت البنت؛ كما يتناول لفظ " العمة " عمة الأب؛ والأم والجد. ~~وكذلك بنت الأخت وبنت ابن الأخت. وبنت بنت الأخت. ومثل هذا العموم لا يثبت ~~لا في آية الفرائض ولا نحوها من الآيات والنصوص التي علق فيها الأحكام ~~بالأنساب. # PageV32P135 # " الثاني " أن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة} وفي لفظ {ما يحرم من ~~النسب} وهذا حديث متفق على صحته وعلى الأئمة به: فقد حرم الله على المرأة ~~أن تتزوج بطفل غذته من لبنها أو أن تنكح أولاده وحرم على أمهاتها وعماتها ~~وخالتها؛ بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن ~~وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه. فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح ~~بنته من الرضاع ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب - سوى التحريم وما ~~يتبعها من الحرمة - فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه وأين المخلوقة من ~~مائه من المتغذية بلبن در بوطئه فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب ومن ~~جهة التنبيه والفحوى وقياس الأولى. " الثالث " أن الله تعالى قال: {وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم} قال العلماء: احتراز عن ms9296 ابنه الذي تبناه كما ~~قال: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} ~~ومعلوم أنهم في الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد ~~المتبني فإذا كان الله تعالى قيد ذلك بقوله: {من أصلابكم} علم أن لفظ " ~~البنات " ونحوها يشمل كل من كان في لغتهم داخلا في الاسم. وأما قول القائل: ~~إنه لا يثبت في حقها الميراث ونحوه. فجوابه أن النسب تتبعض أحكامه فقد ثبت ~~بعض أحكام النسب دون بعض كما # PageV32P136 # وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا يرثه. ~~واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشا؟ على قولين. كما ثبت ~~{عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بزمعة بن ~~الأسود وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص فاختصم فيه سعد وعبد ابن زمعة (*) ~~فقال سعد: ابن أخي. عهد إلي أن ابن وليدة زمعة هذا ابني. فقال عبد: أخي ~~وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك يا ~~عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر؛ احتجبي منه يا سودة} لما رأى من ~~شبهه البين بعتبة فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة. وقد تنازع العلماء في ~~ولد الزنا: هل يعتق بالملك؟ على قولين في مذهب أبي حنيفة وأحمد. وهذه ~~المسألة لها بسط لا تسعه هذه الورقة. ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن ~~يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين؛ لا على وجه القدح فيه ولا على وجه ~~المتابعة له فيها فإن في ذلك ضربا من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال ~~الضعيفة وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى ~~يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل ~~الإلحاد. والله أعلم. PageV32P137 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل زنى بامرأة في حال شبوبيته وقد رأى معها في هذه الأيام بنتا وهو ~~يطلب التزويج بها ولم يعلم هل هي منه أو ms9297 من غيره وهو متوقف في تزويجها؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل له التزويج بها عند أكثر العلماء؛ فإن بنت التي زنى ~~بها من غيره لا يحل التزوج بها عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين. وأما بنته من الزنا فأغلظ من ذلك وإذا اشتبهت عليه بغيرها حرمتا ~~عليه. # وسئل - رحمه الله -: # عمن زنى بامرأة وحملت منه فأتت بأنثى: فهل له أن يتزوج البنت؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل ذلك عند جماهير العلماء ولم يحل ذلك أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيره من العلماء - مع ~~كثرة اطلاعهم - في ذلك نزاعا بين السلف فأفتى أحمد # PageV32P138 # ابن حنبل: إن فعل ذلك قتل. فقيل له؛ إنه حكى فلان في ذلك خلافا عن مالك؟ ~~فقال: يكذب فلان. وذكر أن ولد الزنا يلحق بأبيه الزاني إذا استلحقه عنه ~~طائفة من العلماء وأن عمر بن الخطاب " ألاط " أي ألحق أولاد الجاهلية ~~بآبائهم والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {الولد للفراش وللعاهر الحجر} هذا ~~إذا كان للمرأة زوج. وأما " البغي " التي لا زوج لها: ففي استلحاق الزاني ~~ولده منها نزاع. " وبنت الملاعنة " لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس ~~فيه إلا نزاع شاذ؛ مع أن نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته ~~وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة. وهذا لأن " النسب " تتبعض أحكامه فقد يكون ~~الرجل ابنا في بعض الأحكام دون بعض. فابن الملاعنة ليس بابن؛ لا يرث ولا ~~يورث وهو ابن في " باب النكاح " تحرم بنت الملاعنة على الأب. والله سبحانه ~~وتعالى حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب فلا يحل للرجل أن يتزوج بنته من ~~الرضاعة ولا أخته؛ مع أنه لا يثبت في حقها من " أحكام النسب " لا إرث ولا ~~عقل ولا ولاية ولا نفقة ولا غير ذلك إنما تثبت في حقها حرمة النكاح ~~والمحرمية. و " أمهات المؤمنين " أمهات في الحرمة فقط؛ لا في المحرمية. ~~فإذا كانت البنت التي أرضعتها امرأته بلبن در بوطئه تحرم عليه وإن لم ms9298 تكن ~~منسوبة إليه في الميراث وغيره: فكيف بمن خلقت من نطفته فإن هذه أشد اتصالا ~~به من تلك وقوله تعالى في القرآن # PageV32P139 # {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} الآية: يتناول ما يسمى بنتا حتى يحرم عليه ~~بنت بنته وبنت ابنه؛ بخلاف قوله في الفرائض: {يوصيكم الله في أولادكم} فإن ~~هذا إنما يتناول ولده وولد ابنه لا يتناول ولد بنته؛ ولهذا لما كان لفظ ~~الابن والبنت يتناول ما يسمى بذلك مطلقا قال الله تعالى: {وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم} ليحرز عن الابن المتبنى - كزيد - الذي كان يدعى: زيد بن ~~محمد. فإن هذا كانوا يسمونه " ابنا " فلو أطلق اللفظ لظن أنه داخل فيه؛ ~~فقال تعالى {الذين من أصلابكم} ليخرج ذلك. وأباح للمسلمين أن يتزوج الرجل ~~امرأة من تبناه بقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} . فإذا كان لفظ " ~~الابن " و " البنت " يتناول كل من ينتسب إلى الشخص حتى قد حرم الله بنته من ~~الرضاعة: فبنته من الزنا تسمى " بنته " فهي أولى بالتحريم شرعا وأولى أن ~~يدخلوها في آية التحريم. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وأحمد ~~بن حنبل وأصحابه وجماهير أئمة المسلمين ولكن النزاع المشهور بين الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم في الزنا هل ينشر حرمة المصاهرة؛ فإذا أراد أن يتزوج ~~بأمها وبنتها من غيره؟ فهذه فيها نزاع قديم بين السلف؛ وقد ذهب إلى كل قول ~~كثير من أهل العلم: كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك؛ ~~وأبو حنيفة وأحمد ومالك في الرواية الأخرى: يحرمون ذلك. فهذه إذا قلد ~~الإنسان فيها أحد القولين جاز ذلك. والله أعلم. # PageV32P140 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن طلع إلى بيته ووجد عند امرأته رجلا أجنبيا فوفاها حقها وطلقها؛ ثم ~~رجع وصالحها وسمع أنها وجدت بجنب أجنبي؟ # فأجاب: # في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم {أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الجنة ~~قال: وعزتي وجلالي لا يدخلك بخيل ولا كذاب ولا ديوث} " والديوث " الذي لا ms9299 ~~غيرة له. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن المؤمن يغار ~~وإن الله يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه} وقد قال تعالى: ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين} . ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن الزانية لا ~~يجوز تزوجها إلا بعد التوبة وكذلك إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن ~~يمسكها على تلك الحال بل يفارقها وإلا كان ديوثا. # PageV32P141 # و ### | سئل: # عن رجل تزوج ابنته من الزنا؟ # فأجاب: # لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين. حتى إن الإمام أحمد أنكر ~~أن يكون في ذلك نزاع بين السلف؛ وقال: من فعل ذلك فإنه يقتل. وقيل له عن ~~مالك: إنه أباحه فكذب النقل عن مالك. وتحريم هذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~وأحمد وأصحابه؛ ومالك وجمهور أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي. وأنكر ~~أن يكون الشافعي نص على خلاف ذلك؛ وقالوا: إنما نص على بنته من الرضاع؛ دون ~~الزانية التي زنى بها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل زنى بامرأة ومات الزاني: فهل يجوز لولد المذكور أن يتزوج بها أم ~~لا؟ # فأجاب: # هذه حرام في مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك وفي القول ~~الآخر يجوز وهو مذهب الشافعي. # PageV32P142 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن كان له أمة يطؤها وهو يعلم أن غيره يطؤها ولا يحصنها؟ # فأجاب: # هو ديوث؛ " ولا يدخل الجنة ديوث ". والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له جارية تزني: فهل يحل له وطؤها؟ # فأجاب: # إذا كانت تزني فليس له أن يطأها حتى تحيض ويستبرئها من الزنا؛ فإن ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} عقدا ووطئا. ومتى وطئها مع كونها ~~زانية كان ديوثا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه {قال له رجل يا رسول الله إن ~~امرأتي لا ترد كف لامس} فهل هو ms9300 ما ترد نفسها عن أحد؟ أو ما ترد يدها في ~~العطاء عن أحد؟ وهل هو الصحيح أم لا؟ # PageV32P143 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره وقد تأوله بعض ~~الناس على أنها لا ترد طالب مال؛ لكن ظاهر الحديث وسياقه يدل على خلاف ذلك. ~~ومن الناس من اعتقد ثبوته وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يمسكها مع ~~كونها لا تمنع الرجال وهذا مما أنكره غير واحد من الأئمة فإن الله قال في ~~كتابه العزيز: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} وفي سنن أبي داود وغيره: {أن رجلا كان ~~له في الجاهلية قرينة من البغايا يقال لها: عناق؛ وأنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن تزوجها؛ فأنزل الله هذه الآية} . وقد قال سبحانه وتعالى: {ومن ~~لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} فإنما أباح ~~الله نكاح الإماء في حال كونهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان. والمسافحة ~~التي تسافح مع كل أحد. والمتخذات الخدن التي يكون لها صديق واحد. فإذا كان ~~من هذه حالها لا تنكح فكيف بمن لا ترد يد لامس؛ بل تسافح من اتفق وإذا كان ~~من هذه حالها في الإماء فكيف بالحرائر. وقد قال تعالى: {والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} فاشترط هذه الشروط في الرجال هنا # PageV32P144 # كما اشترطه في النساء هناك. وهذا يوافق ما ذكره في سورة النور من قوله ~~تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} لأنه من تزوج زانية تزاني مع غيره لم يكن ماؤه ~~مصونا محفوظا فكان ماؤه مختلطا بماء غيره. والفرج الذي يطؤه مشتركا وهذا ms9301 هو ~~الزنا. والمرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يميز بين الحلال والحرام كان ~~وطؤه لها من جنس وطء الزاني للمرأة التي يزني بها وإن لم يطأها غيره. وإن ~~من صور الزنا اتخاذ الأخدان. والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل ~~توبتها؟ على قولين مشهورين؛ لكن الكتاب والسنة والاعتبار يدل على أن ذلك لا ~~يجوز. ومن تأول آية النور بالعقد وجعل ذلك منسوخا فبطلان قوله ظاهر من ~~وجوه. ثم المسلمون متفقون على ذم الدياثة. ومن تزوج بغيا كان ديوثا ~~بالاتفاق. وفي الحديث: {لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث} قال تعالى: ~~{الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} ~~أي الرجال الطيبون للنساء الطيبات والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات وكذلك ~~في النساء؛ فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثا. وإذا كان قرينها ~~خبيثا كانت خبيثة وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين ~~ولولا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ. ولهذا قال السلف: ~~ما بغت امرأة نبي قط ولو كان تزوج البغي جائزا لوجب تنزيه # PageV32P145 # الأنبياء عما يباح. كيف وفي نساء الأنبياء من هي كافرة كما في أزواج ~~المؤمنات من هو كافر كما قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من ~~الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} {وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ~~ونجني من القوم الظالمين} . وأما البغايا فليس في الأنبياء ولا الصالحين من ~~تزوج بغيا لأن البغاء يفسد فراشه. ولهذا أبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية ~~اليهودية والنصرانية إذا كان محصنا غير مسافح ولا متخذ خدن. فعلم أن تزوج ~~الكافرة قد يجوز وتزوج البغي لا يجوز؛ لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه. وأما ~~ضرر بغائها فيتعدى إليه. والله أعلم. ### | فصل: # في اعتبار النية في النكاح # قد بسط الكلام في غير هذا الموضع ms9302 وبين أن المقصود في العقود معتبر. وكل ~~هذا ينبغي: إبطال الحيل وإبطال نكاح المحلل إذا قصد التحليل والمخالع بخلع ~~اليمين؛ فإن هذا لم يقصد # PageV32P146 # النكاح وهذا لم يقصد فراق المرأة؛ بل هذا مقصوده أن تكون امرأته وقصد ~~الخلع مع هذا ممتنع. وذاك مقصوده أن تكون زوجة المطلق ثلاثا وقصده مع هذا ~~أن تكون زوجة له ممتنع؛ ولهذا لا يعطي مهرا؛ بل قد يعطونه من عندهم ولا ~~يطلب استلحاق ولد ولا مصاهرة في تزويجها؛ بل قد يحلل الأم وبنتها: إلى غير ~~ذلك مما يبين أنه لم يقصد النكاح. " وأما نكاح المتعة " إذا قصد أن يستمتع ~~بها إلى مدة ثم يفارقها: مثل المسافر الذي يسافر إلى بلد يقيم به مدة ~~فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها؛ ولكن النكاح عقده عقدا مطلقا: ~~فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد. قيل: هو نكاح جائز وهو اختيار أبي محمد ~~المقدسي وهو قول الجمهور. وقيل: إنه نكاح تحليل لا يجوز؛ وروي عن الأوزاعي؛ ~~وهو الذي نصره القاضي وأصحابه في الخلاف. وقيل: هو مكروه؛ وليس بمحرم. ~~والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم وذلك أنه قاصد للنكاح وراغب فيه؛ ~~بخلاف المحلل؛ لكن لا يريد دوام المرأة معه. وهذا ليس بشرط؛ فإن دوام ~~المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها. فإذا قصد أن يطلقها بعده مدة فقد ~~قصد أمرا جائزا؛ بخلاف نكاح المتعة فإنه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء ~~المدة؛ ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل. وأما هذا فملكه ثابت مطلق وقد ~~تتغير نيته فيمسكها دائما؛ وذلك جائز له كما أنه لو تزوج بنية إمساكها ~~دائما ثم بدا له طلاقها جاز ذلك ولو تزوجها. # PageV32P147 # بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها: جاز؛ ولكن هذا لا يشترط في ~~العقد لكن لو شرط أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان: فهذا موجب العقد ~~شرعا؛ وهو شرط صحيح عند جمهور العلماء ولزمه موجب الشرع: كاشتراط النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عقد البيع {بيع المسلم للمسلم ms9303 لا داء ولا غائلة ولا ~~خبثة} وهذا موجب العقد. وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق فلعل غالب من ~~تزوجها كان في نيته أن يطلقها بعد مدة ولم يقل أحد: إن ذلك متعة. وهذا أيضا ~~لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام ~~به ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه فقد تتغير نيته فليس في هذا ما يوجب ~~تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة وعزم الطلاق لو قدر بعد عقد النكاح لم ~~يبطله ولم يكره مقامه مع المرأة - وإن نوى طلاقها - من غير نزاع نعلمه في ~~ذلك مع اختلافهم فيما حدث من تأجيل النكاح: مثل أن يؤجل الطلاق الذي ~~بينهما؛ فهذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد: " أحدهما " تنجز الفرقة وهو ~~قول مالك؛ لئلا يصير النكاح مؤجلا. " والثاني " لا تنجز لأن هذا التأجيل ~~طرأ على النكاح والدوام أقوى من الابتداء. فالعدة والردة والإحرام تمنع ~~ابتداءه؛ دون دوامه فلا يلزم إذا منع التأجيل في الابتداء أن يمنع في ~~الدوام لكن يقال: ومن الموانع ما يمنع الدوام والابتداء أيضا: فهذا محل ~~اجتهاد. كما اختلف في # PageV32P148 # العيوب الحادثة وزوال الكفاءة: هل تثبت الفسخ؟ فأما حدوث نية الطلاق إذا ~~أراد أن يطلقها بعد شهر فلم نعلم أن أحدا قال إن ذلك يبطل النكاح فإنه قد ~~يطلق؛ وقد لا يطلق عند الأجل. كذلك الناوي عند العقد في النكاح. وكل منهما ~~يتزوج الآخر إلى أن يموت فلا بد من الفرقة والرجل يتزوج الأمة التي يريد ~~سيدها عتقها ولو أعتقت كان الأمر بيدها وهو يعلم أنها لا تختاره وهو نكاح ~~صحيح. ولو كان عتقها مؤجلا أو كانت مدبرة وتزوجها وإن كانت لها عند مدة ~~الأجل اختيار فراقه. والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقد. ~~فهو بالنسبة إليه ليس بلازم وهو بالنسبة إلى المرأة لازم. ثم إذا عرف أنه ~~بعد مدة يزول اللزوم من جهتها ويبقى جائزا لم يقدح في النكاح؛ ولهذا يصح ~~نكاح المجبوب والعنين وبشروط يشترطها ms9304 الزوج مع أن المرأة لها الخيار إذا لم ~~يوف بتلك الشروط. فعلم أن مصيره جائزا من جهة المرأة لا يقدح وإن كان هذا ~~يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين. فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة. ~~مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق وهذا من لوازم النكاح ~~فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ~~ذنبا أو إذا نقص ماله ونحو ذلك. فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله أو ~~قدمت امرأته الغائبة أو قضى وطره منها: من هذا الباب. # PageV32P149 # وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته ولم تخرج بذلك عن زوجيته؛ بل ما زالت ~~زوجته حتى طلقها وقال له النبي صلى الله عليه وسلم {اتق الله وأمسك عليك ~~زوجك} وقيل: إن الله قد كان أعلمه أنه سيتزوجها وكتم هذا الإعلام عن الناس ~~فعاتبه الله على كتمانه فقال: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} من إعلام الله ~~لك بذلك. وقيل: بل الذي أخفاه أنه إن طلقها تزوجها. وبكل حال لم يكن عزم ~~زيد على الطلاق قادحا في النكاح في الاستدامة وهذا مما لا نعرف فيه نزاعا. ~~وإذا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال. وهذا يرد ~~على من قال: إنه إذا نوى الطلاق بقلبه وقع. فإن قلب زيد كان قد خرج عنها ~~ولم تزل زوجته إلى حين تكلم بطلاقها وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به} وهذا مذهب ~~الجمهور: كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وهو إحدى الروايتين عن مالك. ولا يلزم ~~إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق فيما بعد؛ فإن النية المبطلة ~~ما كانت مناقضة لمقصود العقد والطلاق بعد مدة أمر جائز لا يناقض مقصود ~~العقد إلى حين الطلاق؛ بخلاف المحلل فإنه لا رغبة له في نكاحها ألبتة بل في ~~كونها زوجة الأول ولو أمكنه ذلك بغير تحليل لم يحلها هذا. وإن ms9305 كان مقصوده ~~العوض فلو حصل له بدون نكاحها لم يتزوج وإن كان مقصوده هنا وطأها ذلك ~~اليوم: فهذا من # PageV32P150 # جنس البغي التي يقصد وطأها يوما أو يومين بخلاف المتزوج الذي يقصد المقام ~~والأمر بيده ولم يشرط عليه أحد أن يطلقها كما شرط على المحلل. فإن قدر من ~~تزوجها نكاحا مطلقا ليس فيه شرط ولا عدة ولكن كانت نيته أن يستمتع بها ~~أياما ثم يطلقها؛ ليس مقصوده أن تعود إلى الأول: فهذا هو محل الكلام؛ وإن ~~حصل بذلك تحليلها للأول فهو لا يكون محلا إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطا ~~لفظيا أو عرفيا. سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده. وأما إذا لم يكن فيه ~~قصد تحليل ولا شرط أصلا: فهذا نكاح من الأنكحة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن هذا " التحليل " الذي يفعله الناس اليوم: إذا وقع على الوجه الذي ~~يفعلونه من الاستحقاق والإشهاد وغير ذلك من سائر الحيل المعروفة: هل هو ~~صحيح أم لا؟ وإذا قلد من قال به هل: يفرق بين اعتقاد واعتقاد؟ وهل الأولى ~~إمساك المرأة أم لا؟ # فأجاب: # التحليل الذي يتواطئون فيه مع الزوج - لفظا أو عرفا - على أن يطلق المرأة ~~أو ينوي الزوج ذلك: محرم. لعن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV32P151 # فاعله في أحاديث متعددة وسماه " التيس المستعار " وقال: {لعن الله المحلل ~~والمحلل له} . وكذلك مثل عمر وعثمان وعلي وابن عمر وغيرهم لهم بذلك آثار ~~مشهورة: يصرحون فيها بأن من قصد التحليل بقلبه فهو محلل؛ وإن لم يشترطه في ~~العقد. وسموه " سفاحا ". ولا تحل لمطلقها الأول بمثل هذا العقد ولا يحل ~~للزوج المحلل إمساكها بهذا التحليل بل يجب عليه فراقها؛ لكن إذا كان قد ~~تبين باجتهاد أو تقليد جواز ذلك؛ فتحللت وتزوجها بعد ذلك ثم تبين له تحريم ~~ذلك: فالأقوى أنه لا يجب عليه فراقها؛ بل يمنع من ذلك في المستقبل وقد عفا ~~الله في الماضي عما سلف. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن إمام عدل طلق امرأته وبقيت عنده في بيته حتى استحلت تحليل أهل ms9306 مصر ~~وتزوجها. # فأجاب: # إذا تزوجها الرجل بنية أنه إذا وطئها طلقها ليحلها لزوجها الأول أو تواطآ ~~على ذلك قبل العقد أو شرطاه في صلب العقد - لفظا أو عرفا: فهذا وأنواعه " ~~نكاح التحليل " الذي اتفقت الأمة على بطلانه وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل والمحلل له} . # PageV32P152 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل طلق زوجته ثلاثا ثم أوفت العدة ثم تزوجت بزوج ثان وهو " المستحل ~~": فهل الاستحلال يجوز بحكم ما جرى لرفاعة مع زوجته في أيام النبي صلى الله ~~عليه وسلم أم لا؟ ثم إنها أتت لبيت الزوج الأول طالبة لبعض حقها فغلبها على ~~نفسها ثم إنها قعدت أياما وخافت وادعت أنها حاضت؛ لكي يردها الزوج الأول ~~فراجعها إلى عصمته بعقد شرعي وأقام معها أياما فظهر عليها الحمل وعلم أنها ~~كانت كاذبة في الحيض فاعتزلها إلى أن يهتدي بحكم الشرع الشريف. # فأجاب: # أما إذا تزوجها زوج ليحلها لزوجها المطلق فهذا المحلل وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل والمحلل له} . وأما حديث ~~رفاعة فذاك كان قد تزوجها نكاحا ثابتا؛ لم يكن قد تزوجها ليحلها للمطلق. ~~وإذا تزوجت بالمحلل ثم طلقها فعليها العدة باتفاق العلماء؛ إذ غايتها أن ~~تكون موطوءة في نكاح فاسد فعليها العدة منه. وما كان يحل للأول وطؤها؛ وإذا ~~وطئها فهو زان عاهر؛ ونكاحها الأول قبل أن تحيض ثلاثا باطل باتفاق الأئمة ~~وعليه أن يعتزلها فإذا جاءت # PageV32P153 # بولد ألحق بالمحلل؛ فإنه هو الذي وطئها في نكاح فاسد ولا يلحق الولد في ~~النكاح الأول؛ لأن عدته انقضت وتزوجت بعد ذلك بمن وطئها وهذا يقطع حكم ~~الفراش بلا نزاع بين الأئمة ولا يلحق بوطئه زنا؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {الولد للفراش. وللعاهر الحجر} . لكن إن علم المحلل أن الولد ليس ~~منه؛ بل من هذا العاهر فعليه أن ينفيه باللعان فيلاعنها لعانا ينقطع فيه ~~نسب الولد. ويلحق نسب الولد بأمه. ولا يلحق بالعاهر. # وسئل - رحمه الله -: # هل ms9307 تصح مسألة العبد أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، تزوج المرأة المطلقة بعبد يطؤها ثم تباح الزوجة هي من صور ~~التحليل وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل ~~والمحلل له} . # وسئل: # عن رجل حنث من زوجته فنكحت غيره ليحلها للأول: فهل هذا النكاح صحيح أم ~~لا؟ # PageV32P154 # فأجاب: # قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن الله المحلل والمحلل ~~له} وعنه أنه قال: {ألا أنبئكم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. ~~قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له} . واتفق على تحريم ذلك أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان: مثل عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ~~وعبد الله بن عمر وغيرهم؛ حتى قال بعضهم: لا يزالا زانيين؛ وإن مكثا عشرين ~~سنة إذا علم الله من قلبه أنه يريد أن يحلها له. وقال بعضهم: لا نكاح إلا ~~نكاح رغبة؛ لا نكاح دلسة. وقال بعضهم: من يخادع الله يخدعه. وقال بعضهم: ~~كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحا. وقد اتفق أئمة ~~الفتوى كلهم أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلا. وبعضهم لم يجعل للشرط ~~المتقدم ولا العرف المطرد تأثيرا وجعل العقد مع ذلك كالنكاح المعروف نكاح ~~الرغبة. وأما الصحابة والتابعون وأكثر أئمة الفتيا فلا فرق عندهم بين هذا ~~العرف واللفظ وهذا مذهب أهل المدينة وأهل الحديث وغيرهما والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن العبد الصغير إذا استحلت به النساء وهو دون البلوغ: هل يكون ذلك زوجا ~~وهو لا يدري الجماع؟ # PageV32P155 # فأجاب: # ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه {لعن آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه ولعن الله المحلل والمحلل له} قال الترمذي حديث صحيح. وثبت ~~إجماع الصحابة على ذلك: كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم حتى ~~قال عمر: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقال عثمان: لا ms9308 نكاح إلا ~~نكاح رغبة لا نكاح دلسة. وسئل ابن عباس عن من طلق امرأته مائة طلقة؟ فقال: ~~بانت منه بثلاث وسائرها اتخذ بها آيات الله هزوا. فقال له السائل: أرأيت إن ~~تزوجتها وهو لا يعلم: لأحلها ثم أطلقها؟ فقال له ابن عباس: من يخادع الله ~~يخدعه. وسئل عن ذلك فقال: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة؛ إذا علم ~~الله من قلبه أنه يريد أن يحلها له. وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في " ~~كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل " وهذا لعمري إذا كان المحلل كبيرا ~~يطؤها ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته. فأما العبد الذي لا وطء فيه أو فيه ولا ~~يعد وطؤه وطئا كمن لا ينتشر ذكره: فهذا لا نزاع بين الأئمة في أن هذا لا ~~يحلها. " ونكاح المحلل " مما يعير به النصارى المسلمين حتى يقولون: إن ~~المسلمين قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى تزني. ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك هو وأصحابه والتابعون لهم بإحسان وجمهور ~~أئمة المسلمين والله أعلم. # PageV32P156 ### | باب الشروط في النكاح # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # فصل: # الشروط الفاسدة في النكاح كثيرة: " كنكاح الشغار " " والمحلل " " والمتعة ~~". ومثل أن يتزوجها على ألا مهر لها أو على مهر محرم ونحو ذلك من الشروط ~~الفاسدة. وللعلماء فيها أقوال. " أحدها " أنه لا يصح النكاح. ثم هل يصح إذا ~~إمضاء الشرط الفاسد بعد ذلك؟ فيه نزاع. وهذا أحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد وهو اختيار طائفة من أئمة أصحابه: كأبي بكر الخلال وأبي بكر عبد ~~العزيز # PageV32P157 # " والثاني " يصح النكاح ويبطل الشرط؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه في ~~الجميع؛ وخرج ذلك طائفة من أصحاب أحمد: كأبي الخطاب ms9309 وابن عقيل وغيرهما قولا ~~في مذهبه؛ حتى في النكاح الباطل؛ فإن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون ببطلانه ~~وزفر يصحح العقد ويلغي الأصل وقد خرج كلاهما قولا في مذهب أحمد. وهذا ~~التخريج من نصه في قوله: إن جئتني بالمهر إلى وقت كذا؛ وإلا فلا نكاح ~~بيننا. فإنه حكي عنه فيه ثلاث روايات: رواية بصحتهما. ورواية بفسادهما. ~~ورواية بصحة العقد دون الشرط. وكذلك فيما إذا تزوجها على أن ترد إليه ~~المهر: فقد نص على صحة العقل وبطلان الشرط. و " القول الثالث " في الشروط ~~الفاسدة: أنه يبطل نكاح الشغار والمتعة ونكاح التحليل المشروط في العقد ~~ويصح النكاح مع المهر المحرم ومع نفي المهر. وهذا مذهب الشافعي؛ وهو ~~الرواية الثانية عن أحمد اختارها كثير من أصحابه: كالحربي والقاضي أبي يعلى ~~وأتباعه. وهؤلاء يفرقون بين ما صححوه من عقود النكاح مع الشرط الفاسد وما ~~أبطلوه بأن الشرط إذا انتفى وقع النكاح؛ وإلا كان باطلا: " كنكاح المتعة " ~~وكذلك " نكاح التحليل " إذا قدره بالفعل مثل أن يقول: زوجتكها إلى أن ~~تحلها. وأما إذا قال: على أنك إذا أحللتها فلا نكاح بينكما؛ أو على أنك ~~تطلقها إذا أحللتها: فهذا فيه نزاع في مذهب الشافعي. وأبو يوسف يوافق ~~الشافعي على قوله ببطلانه. # PageV32P158 # وأما " نكاح الشغار " فلهم في علة إبطاله أقوال: هل العلة التشريك في ~~البضع؟ أو تعليق أحد النكاحين على الآخر؟ أو كون أحد العقدين سلفا من ~~الآخر؟ إلى غير ذلك مما ذكر بأقلامهم في غير هذا الموضع. وأما " النكاح ~~بالمهر الفاسد " و " شرط نفي المهر " فصححوه موافقة لأبي حنيفة: بناء على ~~أن النكاح يصح بدون تسمية المهر فيصح مع نفي المهر. وهؤلاء جعلوا نكاح ~~المتعة أصلا لما يبطلونه من الأنكحة ونكاح المفوضة أصلا لما يصححونه ونكاح ~~الشغار جعلوه نوعا آخر وهذا أصل قول أبي حنيفة في الشروط الفاسدة في النكاح ~~والفرق بينها وبين الشروط الفاسدة في البيع والإجارة؛ فإنه قال: إنه لا يصح ~~مع عدم تسمية العوض فلا يصح مع الجهل به ولا مع الشروط الفاسدة؛ لأن ذلك ~~يتضمن ms9310 الجهل بالعوض؛ لأنه يجب إسقاط الشرط الفاسد وإسقاط ما يقابله من ~~الثمن فيكون باقي الثمن مجهولا. وقد احتج الأكثرون على هؤلاء بالنصوص ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن نكاح الشغار وعن نكاح ~~التحليل كنهيه عن نكاح المتعة والنهي عن النكاح يقتضي فساده كنهيه عن ~~النكاح في العدة والنكاح بلا ولي ولا شهود. وبأن الصحابة أبطلوا هذه العقود ~~ففرقوا بين الزوجين في نكاح الشغار وجعلوا نكاح التحليل سفاحا وتوعدوا ~~المحلل بالرجم ومنعوا من غير نكاح الرغبة كما ذكرنا الآثار الكثيرة عنهم ~~بذلك في " كتاب إبطال التحليل " فتبين بالنصوص وإجماع الصحابة فساد هذه ~~الأنكحة. # PageV32P159 # ولأن النكاح إذا قيل بصحته ولزومه: فإما أن يقال بذلك مع الشرط المحرم ~~الفاسد وهذا خلاف النص والإجماع. وإما أن يقال به مع إبطال الشرط فيكون ذلك ~~إلزاما للعاقد بعقد لم يرض به ولا ألزمه الله به. ومعلوم أن موجب العقد: ~~إما أن يلزم بإلزام الشارع؛ أو إلزام العاقد. فالأول كالعقود التي ألزمه ~~الشارع بها؛ كما ألزم الشارع الكافر الحربي بالإسلام وكما ألزم من عليه ~~يمين واجبة حنث فيها بواحدة بالإعتاق والصوم وكما ألزم من احتاج إلى سوى ~~ذلك. . . (1) بالبيع والشراء في صور متعددة. و " الثاني " المقابلة. . . ~~(2) وكما يلزم الضامن دين المدين مع بقائه في ذمته وكما يلتزم كل من ~~المتبايعين والمتصالحين والمتآجرين بما يلتزمه للآخر. وإذا كان كذلك ~~فالنكاح المشروط فيه شرط فاسد لم يلزم الشارع صاحبه أن يعقده بدون ذلك ~~الشرط ولا هو التزم أن يعقده مجردا عن الشرط. فإلزامه بما لم يلتزمه هو ولا ~~ألزمه به الشارع إلزام للناس بما لم يلزمهم الله به ولا رسوله وذلك لا ~~يجوز. ولأن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع: بدليل قوله في الحديث ~~الصحيح: {إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} . ثم البيع لا ~~يجوز إلا بالتراضي؛ لقوله تعالى {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} فالنكاح ~~لا يجوز إلا بالتراضي بطريق الأولى والأحرى. والعقد الفاسد لم يرض به ~~العاقد إلا ms9311 على تلك الصفة PageV32P160 # فإلزامه بدون تلك الصفة إلزام بعقد لم يرض به وهو خلاف النصوص والأصول؛ ~~ولهذا لم يجوز أن يلزم في البيع بما لم يرض به. ولهذا قال أصحاب أحمد ~~كالقاضي أبي يعلى وغيره: إذا صححنا البيع دون الشرط الفاسد على إحدى ~~الروايتين عنه - فلمشترط الشرط إذا لم يعلم تحريمه الفسخ أو المطالبة بأرش ~~فواته؛ كما قالوا مثل ذلك في الشرط الصحيح إذا لم يوف به؛ لكن الشرط الصحيح ~~يلزم الوفاء به كالعقد الصحيح وإذا لم يوف به فله الفسخ مطلقا؛ لأنه لم يرض ~~بدونه. وأما الشرط الفاسد فلا يلزم الوفاء به كما لا يلزم الوفاء بالعقد ~~الفاسد؛ لكن له أيضا العقد بدونه وله فسخ العقد كما لو اشترط صفة في البيع ~~فلم يكن على تلك الصفة وكما لو ظهر بالبيع عيب. فأحمد - رضي الله عنه - ~~يقول في البيع مع الشرط الفاسد: إنه يصح البيع في إحدى الروايتين؛ بل في ~~أنصهما عنه لأن فوات الشرط والصفة لا يبطل البيع والمشترط ينجبر ضرره ~~بتخليته من الفسخ كما في فوات الصفات المشروطة من العيوب. وأما النكاح ~~فالشروط فيه ألزم. وإذا شرط صفة في أحد الزوجين كالشرط الأوفى - في إحدى ~~الروايتين وهو أحد الوجهين لمالك والشافعي - ملك الفسخ لفواتها وكذلك له ~~الفسخ عنده بالعيوب المانعة من مقصود النكاح. . . (1) ويملك الفسخ وأما ~~التحليل فهو غير مقصود والمقصود في العقود عنده معتبر والمتعة نكاح إلى أجل ~~والنكاح لا يتأجل. PageV32P161 # " والشغار " علله هو وكثير من أصحابه كالخلال وأبي بكر عبد العزيز بنفي ~~المهر وكونه جعل أحد البضعين مهرا للآخر وهذا تعليل أصحاب مالك وعلله كثير ~~من أصحابه بتعليل أصحاب الشافعي. يبقى أن يقال: فكان ينبغي مع الشرط الفاسد ~~أن يخير العاقد بين التزام العقد بدونه وبين فسخه كما في الشروط الفاسدة في ~~البيع. قيل: إن قلنا إن النكاح لا ينعقد إلا بصيغة الإنكاح والتزويج؛ لأن ~~ذلك هو الصريح فيه وهو لا ينعقد بالكناية - كما يقوله أبو حامد والقاضي أبو ~~يعلى وأتباعهما من أصحاب أحمد موافقة ms9312 لأصحاب الشافعي وقلنا إن البيع يصح ~~فيه شرط الخيار دون النكاح: ظهر الفرق لأن البيع يمكن عقده جائزا بخلاف ~~النكاح. والمصححون لنكاح التحليل والشغار أو ونحوهما قد يقولون: ما نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم نصححه؛ فإنا لا نصححه مع كونه شغارا وتحليلا ~~ومتعة ولكن نبطل شرط أصل العقد في المهر ونبطل شرط التحليل كذلك شرط ~~التأجيل عند من يقول بذلك. ويبقى العقد لازما ليس فيه شغار ولا تحليل؛ ~~ولهذا قال أصحاب أبي حنيفة في أحد القولين: إنه يصح نكاح التحليل ولا تحل ~~به للمطلق ثلاثا؛ عملا بقوله: {لعن الله المحلل والمحلل له} فإنهم إنما ~~يصححونه مع إبطال شرط التحليل فيكون نكاحا لازما ولا يحلونها # PageV32P162 # للأول؛ لأنه إذا أحلت للأول قصد بذلك تحليلها للأول فإذا لم تحل به للأول ~~لم يقصد به التحليل للأول فلا يكون نكاح تحليل. وعلى هذا القول لا ينكح أحد ~~المرأة إلا نكاح رغبة؛ لا نكاح تحليل ولو نكحها بنية التحليل أو شرطه ثم ~~قصد الرغبة هي وهو وأسقطا شرط التحليل: فهل يحتاج إلى استئناف عقد أم يكفي ~~استصحاب العقد الأول؟ فيه نزاع. وهو يشبه إسقاط الشرط الفاسد في البيع: هل ~~يصح معه أم لا وهو قصد. ومثله إذا عقد العقد بدون إذن من اشترط إذنه: هل ~~يقع باطلا أو موقوفا على الإجازة؟ فيه قولان مشهوران وهما قولان في مذهب ~~أحمد " أحدهما " أنه يقع باطلا ولا يوقف كقول الشافعي. " الثاني " أنه يقف ~~على الإجازة كقول أبي حنيفة ومالك فإذا عقد العقد بنية فاسدة أو شرط فاسد ~~فقد يقول: إنه على القولين في الوقف؛ فمن قال بالوقف وقفه على إزالة المفسد ~~ومن لا فلا. فزوال المانع كوجود المقتضي. وإذا كان موقوفا على حصول بعض ~~شروطه فهو كالوقف على زوال بعض موانعه. . . (1) . # إذ جعلتموه زوجا مطلقا يلزمها نكاحه فقد ألزمتموها بنكاح لم ترض به وهذا ~~خلاف الأصول والنصوص وأصح الأقوال في هذا الباب: أن الأمر إليها فإن رضيت ~~بدون ذلك الشرط كان زوجا ولا يحتاج إلى ms9313 استئناف عقد. وإن لم ترض به لم يكن ~~زوجا: كالنكاح الموقوف على إجازتها وكذلك في النكاح PageV32P163 # على مهر لم يسلم لها؛ لتحريمه أو استحقاقه فإن شاءت أن ترضى به زوجا بمهر ~~آخر كان ذلك وإن شاءت أن تفارقه فلها ذلك؛ وليس قبل رضاها نكاح لازم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة فشرط عليه عند النكاح أنه لا يتزوج عليها ولا ينقلها ~~من منزلها. وكانت لها ابنة فشرط عليه أن تكون عند أمها وعنده ما تزال فدخل ~~على ذلك كله: فهل يلزمه الوفاء؟ وإذا أخلف هذا الشرط؟ فهل للزوجة الفسخ أم ~~لا؟ # فأجاب: الحمد لله، نعم تصح هذه الشروط وما في معناها في: مذهب الإمام ~~أحمد وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم: كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ~~رضي الله عنهما وشريح القاضي والأوزاعي وإسحاق ولهذا يوجد في هذا الوقت ~~صداقات أهل المغرب القديمة لما كانوا على مذهب الأوزاعي فيها هذه الشروط. ~~ومذهب مالك إذا شرط أنه إذا تزوج عليها أو تسرى أن يكون أمرها بيدها ونحو ~~ذلك: صح هذا الشرط أيضا وملكت الفرقة به وهو في المعنى نحو مذهب أحمد في ~~ذلك؛ لما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن أحق ~~الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} وقال عمر بن الخطاب: مقاطع ~~الحقوق عند الشروط # PageV32P164 # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء ~~من غيره وهذا نص في مثل هذه الشروط؛ إذ ليس هناك شرط يوفى به بالإجماع غير ~~الصداق والكلام فتعين أن تكون هي هذه الشروط. وأما شرط مقام ولدها عندها ~~ونفقته عليه: فهذا مثل الزيادة في الصداق والصداق يحتمل من الجهالة فيه - ~~في المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك - ما لا يحتمل في الثمن ~~والأجرة وكل جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز؛ لا سيما مثل ~~هذا يجوز في الإجارة ونحوها في مذهب أحمد وغيره: إن استأجر الأجير بطعامه ~~وكسوته ويرجع ms9314 في ذلك إلى العرف. فكذلك اشتراط النفقة على ولدها يرجع فيه ~~إلى العرف بطريق الأولى. ومتى لم يوف لها بهذه الشروط فتزوج وتسرى: فلها ~~فسخ النكاح. لكن في توقف ذلك على الحاكم نزاع؛ لكونه خيارا مجتهدا فيه ~~كخيار العنة والعيوب؛ إذ فيه خلاف. أو يقال: لا يحتاج إلى اجتهاد في ثبوته ~~وإن وقع نزاع في الفسخ به؛ كخيار المعتقة: يثبت في مواضع الخلاف عند ~~القائلين به بلا حكم حاكم مثل أن يفسخ على التراخي. وأصل ذلك أن توقف الفسخ ~~على الحكم هل هو الاجتهاد في ثبوت الحكم أيضا؟ أو أن الفرقة يحتاط لها؟ ~~والأقوى أن الفسخ المختلف فيه كالعنة لا يفتقر إلى حكم حاكم؛ لكن إذا رفع ~~إلى حاكم يرى فيه إمضاءه أمضاه وإن رأى إبطاله أبطله. والله أعلم. # PageV32P165 # وسئل - رحمه الله -: # عمن شرط أنه لا يتزوج على الزوجة ولا يتسرى ولا يخرجها من دارها أو من ~~بلدها. فإذا شرطت على الزوج قبل العقد واتفقا عليها وخلا العقد عن ذكرها: ~~هل تكون صحيحة لازمة يجب العمل بها كالمقارنة أو لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم تكون صحيحة لازمة إذا لم يبطلاها حتى لو قارنت عقد العقد. ~~هذا ظاهر مذهب الإمام أبي حنيفة والإمام مالك وغيرهما في جميع العقود وهو ~~وجه في مذهب الشافعي: يخرج من مسألة " صداق السر والعلانية " وكذا يطرده ~~مالك وأحمد في العبادات؛ فإن النية المتقدمة عندهما كالمقارنة. وفي مذهب ~~أحمد قول ثان: أن الشروط المتقدمة لا تؤثر. وفيه قول ثالث وهو الفرق بين ~~الشرط الذي يجعل غير مقصود كالتواطؤ على أن البيع تلجئة لا حقيقة له وبين ~~الشرط الذي لا يخرجه عن أن يكون مقصودا كاشتراط الخيار ونحوه. وأما عامة ~~نصوص أحمد وقدماء أصحابه ومحققي المتأخرين: على أن الشروط والمواطأة التي ~~تجري بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حتى عقدا العقد فإن العقد ~~يقع # PageV32P166 # مقيدا بها وعلى هذا جواب أحمد في مسائل الحيل في البيع والإجارة والرهن ~~والقرض وغير ذلك. وهذا كثير موجود في كلامه وكلام أصحابه ms9315 تضيق الفتوى عن ~~تعديد أعيان المسائل. وكثير منها مشهور عند من له أدنى خبرة بأصول أحمد ~~ونصوصه؛ لا يخفى عليه ذلك. وقد قررنا دلائل ذلك من الكتاب والسنة وإجماع ~~السلف وأصول الشريعة في " مسألة التحليل ". ومن تأمل العقود التي كانت تجري ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وغيره مثل عقد البيعة التي كانت بينه وبين ~~الأنصار ليلة العقبة وعقد الهدنة الذي كان بينه وبين قريش عام الحديبية. ~~وغير ذلك: علم أنهم اتفقوا على الشروط ثم عقدوا العقد بلفظ مطلق وكذلك عامة ~~نصوص الكتاب والسنة في الأمر بالوفاء بالعقود والعهود والشروط والنهي عن ~~الغدر والثلاث تتناول ذلك تناولا واحدا؛ فإن أهل اللغة والعرف متفقون على ~~التسمية والمعاني الشرعية توافق ذلك. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بنتا عمرها عشر سنين واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم ولا ~~ينقلها عنهم ولا يدخل عليها إلا بعد سنة. فأخذها إليه وأخلف ذلك ودخل عليها ~~وذكر الدايات: أنه نقلها ثم # PageV32P167 # سكن بها في مكان يضربها فيه الضرب المبرح ثم بعد ذلك سافر بها ثم حضرا ~~بها ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضربها: فهل يحل أن تدوم معه ~~على هذا الحال؟ # فأجاب: # إذا كان الأمر على ما ذكر فلا يحل إقرارها معه على هذه الحالة. بل إذا ~~تعذر أن يعاشرها بالمعروف فرق بينهما؛ وليس له أن يطأها وطئا يضر بها؛ بل ~~إذا لم يمتنع من العدوان عليها فرق بينهما. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل شرط على امرأته بالشهود أن لا يسكنها في منزل أبيه فكانت مدة ~~السكنى منفردة وهو عاجز عن ذلك: فهل يجب عليه ذلك؟ وهل لها أن تفسخ النكاح ~~إذا أراد إبطال الشرط؟ وهل يجب عليه أن يمكن أمها أو أختها من الدخول عليها ~~والمبيت عندها أم لا؟ # فأجاب: # لا يجب عليه ما هو عاجز عنه؛ لا سيما إذا شرطت الرضا بذلك بل إذا كان ~~قادرا على مسكن آخر لم يكن لها عند كثير من أهل العلم ms9316 - كمالك وأحد القولين ~~في مذهب أحمد وغيرهما - غير ما شرط لها فكيف إذا كان عاجزا؟ وليس لها أن ~~تفسخ النكاح عند هؤلاء وإن كان قادرا. فأما إذا كان ذلك السكن يصلح لسكنى ~~الفقير وهو عاجز عن غيره فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء. وليس عليه ~~أن يمكن من الدخول إلى منزله: لا أمها ولا أختها: إذا كان معاشرا لها ~~بالمعروف. والله أعلم. # PageV32P168 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل تزوج وشرطوا عليه في العقد أن كل امرأة يتزوج بها تكون طالقا وكل ~~جارية يتسرى بها تعتق عليه؛ ثم إنه تزوج وتسرى: فما الحكم في المذاهب ~~الأربعة؟ # فأجاب: # هذا الشرط غير لازم في مذهب الإمام الشافعي. ولازم له في مذهب أبي حنيفة: ~~متى تزوج وقع به الطلاق ومتى تسرى عتقت عليه الأمة وكذلك مذهب مالك. وأما ~~مذهب أحمد فلا يقع به الطلاق ولا العتاق؛ لكن إذا تزوج وتسرى كان الأمر ~~بيدها: إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته لقوله صلى الله عليه وسلم {إن ~~أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج} ولأن رجلا تزوج امرأة بشرط ~~أن لا يتزوج عليها فرفع ذلك إلى عمر فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط. ~~فالأقوال في هذه المسألة ثلاثة: " أحدها " يقع به الطلاق والعتاق. و " ~~الثاني " لا يقع به ولا تملك امرأته فراقه. و " الثالث " - وهو أعدل ~~الأقوال أنه لا يقع به طلاق ولا عتاق؛ لكن لامرأته ما شرط لها: فإن شاءت ~~تقيم معه؛ وإن شاءت أن تفارقه. وهذا أوسط الأقوال. # PageV32P169 # وسئل الشيخ - رحمه الله -: # عن رجل حلف بالطلاق. أنه ما يتزوج فلانة ثم بدا له أن ينكحها: فهل له ~~ذلك؟ وفي رجل تزوج امرأة؛ وشرط في العقد أنه لا يتزوج عليها ثم تزوج: فهل ~~يثبت لها الخيار أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، له أن يتزوجها ولا يقع به الطلاق إذا تزوجها عند ~~جمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وإذا شرط في العقد أنه لا ~~يتزوج عليها وإن تزوج ms9317 عليها كان أمرها بيدها: كان هذا الشرط صحيحا لازما في ~~مذهب مالك وأحمد وغيرهما. ومتى تزوج عليها فأمرها بيدها إن شاءت أقامت وإن ~~شاءت فارقت. والله أعلم. # PageV32P170 # باب العيوب في النكاح # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة تزوجت برجل فلما دخل رأت بجسمه برصا: فهل لها أن تفسخ عليه ~~النكاح؟ # فأجاب: # إذا ظهر بأحد الزوجين جنون أو جذام أو برص: فللآخر فسخ النكاح؛ لكن إذا ~~رضي بعد ظهور العيب فلا فسخ له. وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئا من جهازها ~~وإن فسخت قبل الدخول سقط مهرها وإن فسخت بعده لم يسقط. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجذوما: فهل لها فسخ النكاح؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا ظهر أن الزوج مجذوم. فللمرأة فسخ النكاح بغير اختيار ~~الزوج. والله أعلم. # PageV32P171 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بكرا فوجدها مستحاضة لا ينقطع دمها من بيت أمها وأنهم غروه: ~~فهل له فسخ النكاح ويرجع على من غره بالصداق؟ وهل يجب على أمها وأبيها يمين ~~إذا أنكروا أم لا؟ وهل يكون له وطؤها أم لا؟ # فأجاب: # هذا عيب يثبت به فسخ النكاح في أظهر الوجهين في مذهب أحمد وغيره؛ لوجهين ~~" أحدهما " أن هذا مما لا يمكن الوطء معه إلا بضرر يخافه وأذى يحصل له. " ~~والثاني " أن وطء المستحاضة عند أحمد في المشهور عنه لا يجوز؛ إلا لضرورة. ~~وما يمنع الوطء حسا: كاستداد الفرج. أو طبعا كالجنون والجذام: يثبت الفسخ ~~عند مالك والشافعي وأحمد؛ كما جاء عن عمر. وأما ما يمنع كمال الوطء ~~كالنجاسة في الفرج: ففيه نزاع مشهور والمستحاضة أشد من غيرها وإذا فسخ قبل ~~الدخول فلا مهر عليه وإن فسخ بعده؟ قيل: إن الصداق يستقر بمثل هذه الخلوة ~~وإن كان قد وطئها فإنه يرجع بالمهر على من غره. وقيل: لا يستقر فلا شيء ~~عليه وله أن يحلف من ادعى الغرور عليه أنه لم يغره. ووطء المستحاضة فيه ~~نزاع مشهور. وقيل: يجوز وطؤها؛ كقول # PageV32P172 # الشافعي وغيره. وقيل: لا يجوز إلا للضرورة؛ وهو مذهب ms9318 أحمد في المشهور ~~عنه. وله الخيار ما لم يصدر عنه ما يدل على الرضا بقول أو فعل؛ فإن وطئها ~~بعد ذلك فلا خيار له؛ إلا أن يدعي الجهل: فهل له الخيار؟ فيه نزاع مشهور ~~والأظهر ثبوت الفسخ. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة على أنها بكر فبانت ثيبا فهل له فسخ النكاح ويرجع على ~~من غره أم لا؟ # فأجاب: # له فسخ النكاح وله أن يطالب بأرش الصداق - وهو تفاوت ما بين مهر البكر ~~والثيب فينقص بنسبته من المسمى وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر. والله أعلم. # PageV32P173 ### | باب نكاح الكفار # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {ولدت من نكاح؛ لا من سفاح} ما معناه؟ # فأجاب: # الحمد لله، الحديث معروف من مراسيل علي بن الحسين - رضي الله عنهما - ~~وغيره. ولفظه: {ولدت من نكاح لا من سفاح لم يصبني من نكاح الجاهلية شيء} ~~فكانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة. # وسئل - رحمه الله -: # عن النكاح قبل بعثة الرسل: أهو صحيح أم لا؟ # فأجاب: (*) # كانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة: منها نكاح الناس اليوم. وذلك ~~النكاح في الجاهلية صحيح عند جمهور العلماء وكذلك سائر مناكح أهل الشرك ~~التي لا تحرم في الإسلام ويلحقها أحكام النكاح الصحيح: من الإرث والإيلاء ~~واللعان والظهار وغير ذلك. وحكي عن مالك أنه قال: نكاح أهل الشرك ليس ~~بصحيح. ومعنى هذا عنده: أنه لو طلق PageV32P174 # الكافر ثلاثا لم يقع به طلاق ولو طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فتزوجها ~~ذمي ووطئها لم يحلها عنده ولو وطئ ذمي ذمية بنكاح لم يصر بذلك محصنا. وأكثر ~~العلماء يخالفونه في هذا. وأما كونه صحيحا في لحوق النسب وثبوت - الفراش: ~~فلا خلاف فيه بين المسلمين؛ فليس هو بمنزلة وطء الشبهة؛ بل لو أسلم الزوجان ~~الكافران أقرا على نكاحهما بالإجماع وإن كانا لا يقران على وطء شبهة وقد ~~احتج الناس بهذا الحديث على أن نكاح الجاهلية نكاح صحيح واحتجوا بقوله: ~~{وامرأته حمالة الحطب} وقوله {امرأت فرعون} وقالوا: ms9319 قد سماها الله " امرأة ~~" والأصل في الإطلاق الحقيقة. والله أعلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # في صحيح البخاري قال: قال عطاء عن ابن عباس: كان المشركون على منزلتين من ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ~~ويقاتلونه. ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. وكان إذا هاجرت امرأة ~~من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح؛ فإن هاجر ~~زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. فإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما ~~للمهاجرين ثم ذكر في أهل العهد مثل حديث مجاهد وإن هاجر عبد أو أمة ~~للمشركين أهل العهد لم يرد وردت أثمانهم. وقال عطاء عن ابن عباس: كانت ~~قريبة بنت أبي أمية عند عمر بن الخطاب؛ وطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ~~وكانت أم الحكم ابنة أبي سفيان تحت عياض بن غنم الفهري فطلقها فتزوجها عبد ~~الله بن عثمان. # PageV32P175 # ثم ذكر في باب بعده: وقال: ابن جريج: قلت لعطاء: امرأة من المشركين جاءت ~~إلى المسلمين أيعاض زوجها منها لقوله تعالى {وآتوهم ما أنفقوا} ؟ قال: لا. ~~إنما كان ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد. قال مجاهد: هذا ~~كله في صلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش. قلت: حديث ابن عباس ~~فيه فصول. " أحدها " أن المهاجرة من أهل الحرب ليس عليها عدة؛ إنما عليها ~~استبراء بحيضة وهذا أحد قولي العلماء في هذه المسألة؛ لأن العدة فيها حق ~~للزوج كما قال الله تعالى: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} ولهذا قلنا: لا ~~تتداخل. وهذه ملكت نفسها بالإسلام والهجرة كما يملك العبد نفسه بالإسلام ~~والهجرة فلم يكن للزوج عليها حق؛ لكن الاستبراء فيها كالأمة المعتقة وقد ~~يقوي هذا قول من يقول: المختلعة يكفيها حيضة؛ لأن كلاهما متخلصة. " الثاني ~~" أن زوجها إذا هاجر قبل النكاح ردت إليه وإن كانت قد حاضت ومع هذا فقد روى ~~البخاري بعد هذا عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية ms9320 قبل ~~زوجها بساعة حرمت عليه. وما ذكره ابن عباس في المهاجرة يوافق المشهور من ~~{أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ردت على أبي العاص بن الربيع ~~بالنكاح الأول} وقد كتبت في الفقه في هذا آثارا ونصوصا عن الإمام أحمد ~~وغيره. # PageV32P176 # " الثالث " قوله: إن المهاجر من عبيدهم يكون حرا له ما للمهاجرين؛ كما في ~~قصة أبي بكرة ومن هاجر معه من عبيد أهل الطائف وهذا لا ريب فيه؛ فإنه ~~بالإسلام والهجرة ملك نفسه؛ لأن مال أهل الحرب مال إباحة فمن غلب على شيء ~~ملكه؛ فإذا غلب على نفسه فهو أولى أن يملكها والإسلام يعصم ذلك. # " الرابع " أن المهاجر من رقيق المعاهدين: يرد عليهم ثمنه دون عينه؛ لأن ~~مالهم معصوم: فهو كما لو أسلم عبد الذمي يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة ~~أو عتق فإن فعل وإلا بيع عليه ولا يرد عينه عليهم؛ لأنهم يسترقون المسلم ~~وذلك لا يجوز؛ بخلاف رد الحر إليهم فإنهم لا يسترقونه ولهذا لما شرط النبي ~~صلى الله عليه وسلم رد النساء مع الرجال فسخ الله ذلك وأمره أن لا يرد ~~النساء المسلمات فقال: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} لأنه يستباح في ~~الكفر من المرأة المسلمة ما لا يستباح من الرجل لأن المرأة الأسيرة كالرجل ~~الأسير وأمره برد المهر عوضا. # PageV32P177 # وسئل - رحمه الله تعالى -: (*) # عن قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات} وقد أباح العلماء التزويج ~~بالنصرانية واليهودية: فهل هما من المشركين؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة قال تعالى: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم. وقد روي عن ابن عمر: أنه كره نكاح النصرانية. وقال: لا ~~أعلم شركاء أعظم ممن تقول إن ربها عيسى ابن مريم. وهو اليوم مذهب طائفة من ~~أهل البدع وقد احتجوا بالآية التي في سورة البقرة وبقوله: {ولا تمسكوا بعصم ms9321 ~~الكوافر} . والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه: " أحدها " أن أهل الكتاب ~~لم يدخلوا في المشركين فجعل أهل الكتاب غير مشركين بدليل قوله: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} . ~~PageV32P178 # فإن قيل فقد وصفهم بالشرك بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} . قيل: إن أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك؛ فإن الله ~~إنما بعث الرسل بالتوحيد فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك ~~ولكن النصارى ابتدعوا الشرك كما قال: {سبحانه وتعالى عما يشركون} فحيث ~~وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به وجب ~~تميزهم عن المشركين لأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد؛ ~~لا بالشرك: فإذا قيل أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين؛ فإن الكتاب ~~الذي أضيفوا إليه لا شرك فيه كما إذا قيل: المسلمون وأمة محمد. لم يكن فيهم ~~من هذه الجهة؛ لا اتحاد ولا رفض ولا تكذيب بالقدر ولا غير ذلك من البدع. ~~وإن كان بعض الداخلين في الأمة قد ابتدع هذه البدع؛ لكن أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة فلا يزال فيها من هو متبع لشريعة التوحيد؛ ~~بخلاف أهل الكتاب. ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم ~~بل قال: {عما يشركون} بالفعل وآية البقرة قال فيها: (المشركين) و ~~(المشركات) بالاسم. والاسم أوكد من الفعل # PageV32P179 # " الوجه الثاني " أن يقال: إن شملهم لفظ المشركين من سورة البقرة كما ~~وصفهم بالشرك: فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفردا ومقرونا؛ فإذا ~~أفردوا دخل فيهم أهل الكتاب وإذا قرنوا مع أهل الكتاب لم يدخلوا فيهم كما ~~قيل مثل هذا في اسم " الفقير " و " المسكين " ونحو ذلك. فعلى هذا يقال: آية ~~البقرة عامة وتلك خاصة. والخاص يقدم على العام. " الوجه الثالث " أن يقال: ~~آية المائدة ناسخة لآية البقرة؛ لأن المائدة ms9322 نزلت بعد البقرة باتفاق ~~العلماء وقد جاء في الحديث {المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها ~~وحرموا حرامها} والآية المتأخرة تنسخ الآية المتقدمة إذا تعارضتا. وأما ~~قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فإنها نزلت بعد صلح الحديبية لما هاجر من ~~مكة إلى المدينة وأنزل الله " سورة الممتحنة " وأمر بامتحان المهاجرين. وهو ~~خطاب لمن كان في عصمته كافرة. و " اللام " لتعريف العهد والكوافر المعهودات ~~هن المشركات مع أن الكفار قد يميزوا من أهل الكتاب أيضا في بعض المواضع ~~كقوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} فإن أصل دينهم هو ~~الإيمان؛ ولكن هم # PageV32P180 # كفروا مبتدعين الكفر كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الإماء الكتابيات: ما الدليل على وطئهن بملك اليمين من الكتاب والسنة ~~والإجماع والاعتبار؟ وعلى تحريم الإماء المجوسيات؟ أفتونا مأجورين؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، وطء " الإماء الكتابيات " بملك اليمين أقوى من ~~وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم؛ ولم يذكر ~~عن أحد من السلف تحريم ذلك كما نقل عن بعضهم المنع من نكاح الكتابيات؛ وإن ~~كان ابن المنذر قد قال: لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم نكاحهن. ولكن ~~التحريم هو قول الشيعة؛ ولكن في كراهة نكاحهن مع عدم الحاجة نزاع والكراهة ~~معروفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وكذلك كراهة وطء الإماء؟ فيه نزاع. روي ~~عن الحسن: أنه كرهه. والكراهة في ذلك مبنية # PageV32P181 # على كراهة التزوج. وأما التحريم فلا يعرف عن أحد؛ بل قد تنازع العلماء في ~~جواز تزويج الأمة الكتابية: جوزه أبو حنيفة وأصحابه وحرمه مالك والشافعي ~~والليث والأوزاعي وعن أحمد روايتان: أشهرهما كالثاني؛ فإن الله سبحانه إنما ~~أباح نكاح المحصنات بقوله تعالى: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين ms9323 أوتوا الكتاب من قبلكم} الآية. فأباح المحصنات منهم وقال في آية ~~الإماء: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} فإنما أباح ~~النساء المؤمنات؛ وليس هذا موضع بسط هذه المسألة. وأما " الأمة المجوسية " ~~فالكلام فيها ينبني على أصلين. " أحدهما " أن نكاح المجوسيات لا يجوز كما ~~لا يجوز نكاح الوثنيات. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وذكره الإمام أحمد عن ~~خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل ~~البدع. و " الأصل الثاني " أن من لا يجوز نكاحهن لا يجوز وطؤهن بملك اليمين ~~كالوثنيات وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وحكي عن أبي ثور: أنه: قال ~~يباح وطء الإماء بملك اليمين على أي دين كن # PageV32P182 # وأظن. هذا يذكر عن بعض المتقدمين. فقد تبين أن في وطء الأمة الوثنية ~~نزاعا. وأما الأمة الكتابية فليس في وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع؛ بل في ~~التزوج بها خلاف مشهور. وهذا كله مما يبين أن القول بجواز التزوج بهن مع ~~المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه. وحينئذ فنقول: الدليل على ~~أنه لا يحرم التسري بهن وجوه: " أحدها " أن الأصل الحل ولم يقم على تحريمهن ~~دليل من نص ولا إجماع ولا قياس فبقي حل وطئهن على الأصل؛ وذلك أن ما يستدل ~~به من ينازع في حل نكاحهن كقوله: {ولا تنكحوا المشركات} وقوله: {ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر} إنما يتناول النكاح؛ لا يتناول الوطء بملك اليمين. ومعلوم ~~أنه ليس في السنة ولا في القياس ما يوجب تحريمهن فيبقى الحل على الأصل. " ~~الثاني " أن قوله تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} يقتضي عموم جواز الوطء بملك اليمين مطلقا ~~إلا ما استثناه الدليل؛ حتى إن عثمان وغيره من الصحابة جعلوا مثل هذا النص ~~متناولا للجمع بين الأختين حين قالوا: أحلتهما آية وحرمتهما آية. فإذا ~~كانوا قد جعلوه عاما في صورة ms9324 حرم فيها النكاح فلأن يكون عاما في صورة لا ~~يحرم فيها النكاح أولى وأحرى. # PageV32P183 # " الثالث " أن يقال: قد أجمع العلماء على حل ذلك كما ذكرناه ولم يقل أحد ~~من المسلمين: إنه يجوز نكاحهن ويحرم التسري بهن؛ بل قد قيل: يحرم الوطء في ~~ملك اليمين حيث يحرم الوطء في النكاح. وقيل: يجوز التزوج بهن. فعلم أن ~~الأمة مجمع على التسري بها ولم يكن أرجح من حل النكاح؛ ولم يكن دونه. فلو ~~حرم التسري دون النكاح كان خلاف الإجماع " الرابع " أن يقال: إن حل نكاحهن ~~يقتضي حل التسري بهن من طريق الأولى والأحرى. وذلك أن كل من جاز وطؤها ~~بالنكاح جاز وطؤها بملك اليمين بلا نزاع. وأما العكس فقد تنازع فيه؛ وذلك ~~لأن ملك اليمين أوسع؛ لا يقتصر فيه على عدد؛ والنكاح يقتصر فيه على عدد. ~~وما حرم فيه الجمع بالنكاح قد نوزع في تحريم الجمع فيه بملك اليمين؛ وله أن ~~يستمتع بملك اليمين مطلقا من غير اعتبار قسم ولا استئذان في عزل ونحو ذلك ~~مما حجر عليه فيه لحق الزوجة. وملك النكاح نوع رق وملك اليمين رق تام وأباح ~~الله للمسلمين أن يتزوجوا أهل الكتاب؛ ولا يتزوج أهل الكتاب نساءهم؛ لأن ~~النكاح نوع رق كما قال عمر: النكاح رق؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. ~~وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله؛ وقرأ قوله تعالى {وألفيا سيدها ~~لدى الباب} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله في النساء فإنهن ~~عوان عندكم} فجوز # PageV32P184 # للمسلم أن يسترق هذه الكافرة ولم يجوز للكافر أن يسترق هذه المسلمة لأن ~~الإسلام يعلو ولا يعلى عليه كما جوز للمسلم أن يملك الكافر ولم يجوز للكافر ~~أن يملك المسلم. فإذا جواز وطئهن من ملك تام أولى وأحرى. يوضح ذلك: أن ~~المانع: إما الكفر؛ وإما الرق. وهذا الكفر ليس بمانع؛ والرق ليس مانعا من ~~الوطء بالملك؛ وإنما يصلح أن يكون مانعا من التزوج. فإذا كان المقتضي للوطء ~~قائما والمانع منتفيا: جاز الوطء. فهذا الوجه مشتمل ms9325 على " قياس التمثيل " ~~وعلى " قياس الأولى " ويخرج منه " وجه رابع " يجعل " قياس التعليل ". ~~فيقال: الرق مقتض لجواز وطء المملوكة؛ كما نبه النص على هذه العلة كقوله: ~~{أو ما ملكت أيمانكم} وإنما يمتنع الوطء بسبب. يوجب التحريم؛ بأن تكون ~~محرمة بالرضاع؛ أو بالصهر أو بالشرك ونحو ذلك. وهذه ليس فيها ما يصلح للمنع ~~إلا كونها كتابية وهذا ليس بمانع فإذا كان المقتضي للحل قائما والمانع ~~المذكور لا يصلح أن يكون معارضا: وجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض ~~المقاوم. وهذه الوجوه بعد تمام تصورها توجب القطع بالحل. " الوجه الخامس " ~~أن من تدبر سير الصحابة والسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~وجد آثارا كثيرة تبين أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مانعا؛ بل هذه كانت سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه: مثل الذي كانت له أم ولد وكانت تسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقام يقتلها # PageV32P185 # وقد روى حديثها أبو داود وغيره. وهذه لم تكن مسلمة لكن هذه القصة قد ~~يقال: إنه لا حجة فيها؛ لأنها كانت في أوائل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة ولم يكن حينئذ يحرم نكاح المشركات وإنما ثبت التحريم بعد الحديبية ~~لما أنزل الله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وطلق عمر امرأته كانت بمكة ~~وأما الآية التي في البقرة فلا يعلم تاريخ نزولها وفي البقرة ما نزل متأخرا ~~كآيات الزنا وفيها ما نزل متقدما: كآيات الصيام. ومثل ما روي {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك قال للجد بن قيس: هل لك في نساء بني ~~الأصفر؟ فقال: {ائذن لي ولا تفتني} } ومثل فتحه لخيبر وقسمه للرقيق ولم ينه ~~المسلمين عن وطئهن حتى يسلمن كما أمرهم بالاستبراء. بل من يبيح " وطء ~~الوثنيات بملك اليمين " قد يستدل بما جرى يوم أوطاس من قوله: {لا توطأ حامل ~~حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} على جواز وطء الوثنيات بملك ~~اليمين. وفي هذا كلام ليس هذا موضعه والصحابة لما فتحوا البلاد لم ms9326 يكونوا ~~يمتنعون عن وطء النصرانيات. # PageV32P186 # فصل: # وأما " المجوسية " فقد ذكرنا أن الكلام فيها مبني على أصلين: # " أحدهما " أن المجوس لا تحل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم والدليل على هذا ~~وجوه. " أحدها " أن يقال: ليسوا من أهل الكتاب ومن لم يكن من أهل الكتاب لم ~~يحل طعامه ولا نساؤه. أما المقدمة الأولى ففيها نزاع شاذ فالدليل عليها أنه ~~سبحانه قال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} {أن ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} ~~فتبين أنه أنزل القرآن كراهة أن يقولوا ذلك ومنعا لأن يقولوا ذلك ودفعا لأن ~~يقولوا ذلك فلو كان قد أنزل على أكثر من طائفتين لكان هذا القول كذبا فلا ~~يحتاج إلى مانع من قوله. (وأيضا فإنه قال: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} ~~فذكر الملل الست وذكر أنه يفصل بينهم يوم القيامة ولما ذكر الملل التي فيها ~~سعيد في الآخرة قال: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى # PageV32P187 # والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} في موضعين. فلم يذكر ~~المجوس ولا المشركين: فلو كان في هاتين الملتين سعيد في الآخرة كما في ~~الصابئين واليهود والنصارى لذكرهم فلو كان لهم كتاب لكانوا قبل النسخ ~~والتبديل على هدى؛ وكانوا يدخلون الجنة إذا عملوا بشريعتهم كما كان اليهود ~~والنصارى قبل النسخ والتبديل فلما لم يذكر المجوس في هؤلاء علم أنه ليس لهم ~~كتاب؛ بل ذكر الصابئين دونهم مع أن الصابئين ليس لهم كتاب إلا أن يدخلوا في ~~دين أحد من أهل الكتابين. وهو دليل على أن المجوس أبعد عن الكتاب منهم. ~~وأيضا ففي المسند والترمذي وغيرهما من كتب الحديث والتفسير والمغازي الحديث ~~المشهور: {لما اقتتلت فارس والروم وانتصرت الفرس: ففرح بذلك المشركون؛ ~~لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب واستبشر بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكون النصارى أقرب إليهم؛ لأن لهم كتابا وأنزل الله تعالى: {الم} {غلبت ~~الروم} {في أدنى الأرض وهم ms9327 من بعد غلبهم سيغلبون} {في بضع سنين} الآية} . ~~وهذا يبين أن المجوس لم يكونوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لهم ~~كتاب. " وأيضا " ففي حديث الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره من التابعين: {أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس وقال: سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم} وهذا مرسل. # PageV32P188 # وعن خمسة من الصحابة توافقه ولم يعرف عنهم خلاف وأما حذيفة فذكر أحمد: ~~أنه تزوج بيهودية. وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم. " والمرسل " في أحد ~~قولي العلماء حجة؛ كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وفي ~~الآخر هو حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه ~~آخر. وهذا قول الشافعي. فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء. وهذا المرسل ~~نص في خصوص المسألة غير محتاج إلى أن يبنى على المتقدمين. فإن قيل: روي عن ~~علي: أنه كان لهم كتاب فرفع. قيل: هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره وإن صح ~~فإنه إنما يدل على أنه كان لهم كتاب فرفع لا أنه الآن بأيديهم كتاب؛ وحينئذ ~~فلا يصح أن يدخلوا في لفظ (أهل الكتاب إذ ليس بأيديهم كتاب؛ لا مبدل ولا ~~غير مبدل ولا منسوخ ولا غير منسوخ؛ ولكن إذا كان لهم كتاب ثم رفع بقي لهم ~~شبهة كتاب وهذا القدر يؤثر في حقن دمائهم بالجزية إذا قيدت بأهل الكتاب. ~~وأما الفروج والذبائح: فحلها مخصوص بأهل الكتاب. وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {سنوا بهم سنة أهل الكتاب} دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما ~~أمر أن يسن بهم سنتهم في أخذ الجزية خاصة كما فعل ذلك الصحابة فإنهم لم ~~يفهموا من هذا اللفظ إلا هذا الحكم وقد روي مقيدا: {غير ناكحي نسائهم؛ ولا ~~آكلي ذبائحهم} فمن جوز أخذ الجزية من أهل الأوثان قاس # PageV32P189 # عليهم غيرهم في الجزية ومن خصهم بذلك قال: إن لهم شبهة كتاب بخلاف غيرهم ~~والدماء تعصم بالشبهات؛ ولا تحل الفروج والذبائح بالشبهات. ms9328 ولهذا لما تنازع ~~علي وابن عباس في ذبائح بني تغلب قال علي: إنهم لم يتمسكوا من النصرانية ~~إلا بشرب الخمر. وقرأ ابن عباس قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~فعلي رضي الله عنه منع من ذبائحهم مع عصمة دمائهم وهو الذي روى حديث كتاب ~~المجوس فعلم أن التشبه بأهل الكتاب في بعض الأمور يقتضي حقن الدماء دون ~~الذبائح والنساء. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل تكلم بكلمة الكفر وحكم بكفره ثم بعد ذلك حلف بالطلاق من امرأته ~~ثلاثا: فإذا رجع إلى الإسلام هل يجوز له أن يجدد النكاح من غير تحليل أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا ارتد ولم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدة امرأته؛ فإنها ~~تبين منه عند الأئمة الأربعة. وإذا طلقها بعد ذلك: فقد طلق أجنبية فلا يقع ~~بها الطلاق. فإذا عاد إلى الإسلام فله أن يتزوجها. وإن طلقها في زمن العدة ~~قبل أن يعود إلى الإسلام: فهذا فيه قولان # PageV32P190 # للعلماء " أحدهما " أن البينونة تحصل بنفس الردة وهو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك في المشهور عنه وأحمد في إحدى الروايتين عنه. فعلى هذا يكون الطلاق ~~بعد هذا طلاق الأجنبية فلا يقع. " والثاني " أن النكاح لا يزول حتى تنقضي ~~العدة فإن أسلم قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما. وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى عنه. فعلى هذا إذا كان الطلاق في العدة وعاد إلى ~~الإسلام قبل انقضاء العدة: تبين أنه طلق زوجته فيقع الطلاق. وإن كان لم يعد ~~إلى الإسلام حتى انقضت العدة. تبين أنه طلق أجنبية فلا يقع به الطلاق. ~~والله أعلم. # PageV32P191 ### | باب الصداق # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | السنة: تخفيف الصداق # وألا يزيد على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته: فقد روت عائشة - ~~رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن أعظم النساء ~~بركة أيسرهن مئونة} وعن ابن عباس {عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيرهن ~~أيسرهن صداقا} وعن الحسن البصري قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ms9329 {ألزموا ~~النساء الرجال ولا تغالوا في المهور} . وخطب عمر بن الخطاب الناس فقال: ألا ~~لا تغالوا في مهور النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند ~~الله: كان أولاكم النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه ولا ~~أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي: حديث صحيح. ~~ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقا يضر به إن نقده ويعجز عن وفائه إن كان ~~دينا. قال أبو هريرة: {جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # PageV32P192 # إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أواق فكأنما تنحتون الفضة من عرض ~~هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه قال: فبعث ~~بعثا إلى بني عبس فبعث ذلك الرجل فيهم} . رواه مسلم في صحيحه. " والأوقية " ~~عندهم أربعون درهما وهي مجموع الصداق ليس فيه مقدم ومؤخر. وعن أبي حدرد ~~الأسلمي: {أنه ذكر أنه تزوج امرأة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه ~~في صداقها فقال: كم أصدقت؟ قال: فقلت؛ مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون ~~الدراهم من أوديتكم ما زدتم} رواه الإمام أحمد في مسنده. وإذا أصدقها دينا ~~كثيرا في ذمته وهو ينوي ألا يعطيها إياه كان ذلك حراما عليه فإنه قد روى ~~أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من تزوج امرأة بصداق ينوي ~~ألا يؤديه إليها فهو زان ومن ادان دينا ينوي ألا يقضيه فهو سارق} . وما ~~يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر وهم ~~لا يقصدون أخذه من الزوج وهو ينوي ألا يعطيهم إياه: فهذا منكر قبيح مخالف ~~للسنة خارج عن الشريعة. # PageV32P193 # وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو في الغالب لا يطيقه فقد حمل نفسه وشغل ذمته ~~وتعرض لنقص حسناته وارتهانه بالدين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه. و ### | المستحب في " الصداق " # مع القدرة واليسار: أن يكون ms9330 جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا بناته وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة. ~~بالدراهم الخالصة نحوا من تسعة عشر دينارا. فهذه سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الصداق {قال أبو هريرة رضي الله عنه كان: صداقنا إذ كان فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عشر أواق وطبق بيديه. وذلك أربعمائة درهم} رواه الإمام أحمد ~~في مسنده وهذا لفظ أبي داود في سننه. {وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم كان ~~صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة ~~أوقية ونشا. قالت أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية: فذلك خمسمائة ~~درهم} . رواه مسلم في صحيحه وقد تقدم عن عمر أن صداق بنات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان نحوا من ذلك فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على ~~صداق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواتي هن خير خلق الله في كل ~~فضيلة وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صداق أمهات ~~المؤمنين. وهذا مع القدرة واليسار فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق ~~المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. # PageV32P194 # و ### | الأولى تعجيل الصداق كله # للمرأة قبل الدخول إذا أمكن فإن قدم البعض وأخر البعض: فهو جائز. وقد كان ~~السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق. {فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وزن نواة من ذهب} . قالوا: وزنها ثلاثة دراهم ~~وثلث. وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين وهي من أفضل أيم من قريش بعد أن ~~خطبها الخليفة لابنه فأبى أن يزوجها به. والذي نقل عن بعض السلف من تكثير ~~صداق النساء فإنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم وكانوا يعجلون الصداق كله ~~قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئا. ومن كان له يسار ms9331 ووجد فأحب أن يعطي ~~امرأته صداقا كثيرا فلا بأس بذلك كما قال تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا} . أما من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه أو يعجز عن ~~وفائه: فهذا مكروه. كما تقدم وكذلك من جعل في ذمته صداقا كثيرا من غير وفاء ~~له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل يتزوج على صداق معين مكتوب ويتفقا على مقدم فيعطيه ثم يموت: هل ~~يحسب المقدم من جملة الصداق المكتوب؟ # فأجاب: # وأما ما يقدمه الزوج للمرأة من النقد الذي اتفقوا عليه غير الصداق الذي ~~يكتب في الكتاب إذا أعطاها الزوج ذلك أو بعضه أو # PageV32P195 # بدله؛ فإنه لا يحسب عليها من الصداق المكتوب؛ بل لو لم يعطها ذلك لكان ~~لها أن تطلبه في أظهر قولي العلماء وكان من الصداق الذي يستقر بالموت تأخذه ~~كله بعد موته؛ فإنها إذا رضيت بأن يكون لها مقدم ومؤخر؛ يسميه السلف عاجلا ~~وآجلا وشارطته على أن يقدم لها كذا ويؤخر كذا. وإن لم تذكر حين العقد ~~فالشرط المتقدم على العقد إذا لم يفسخ حين عقد العقد كالمشروط في أظهر قولي ~~العلماء كما قد بسط الكلام على ذلك في الكتاب الكبير الذي صنفته في " مسائل ~~الذرايع والحيل " و " بيان الدليل على بطلان التحليل " إلا أن يكون المراد ~~أنه إذا دخل بها يعطيها قبل الدخول ذلك فإذا لم يدخل بها لم تستحق ما شرط ~~لها تعجيله قبل الدخول. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة عجل لها زوجها نقدا ولم يسمه في كتاب الصداق ثم توفي عنها فطلب ~~الحاكم أن يحسب المعجل من الصداق المسمى في العقد؛ لكون المعجل لم يذكر في ~~الصداق. # فأجاب: # الحمد لله، إن كانا قد اتفقا على العاجل المقدم والآجل المؤخر - كما جرت ~~به العادة - فللزوجة أن تطلب المؤخر كله إن لم يذكر المعجل في العقد وكذلك ~~إن كان قد أهدى لها - كما جرت به العادة. وأما إن كان أقبضها من الصداق ~~المسمى حسب على الزوجة. والله أعلم. # PageV32P196 # وسئل ms9332 - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصداق مدة شهرين ولم يوجد له ~~موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يطلقه؟ # فأجاب: # إذا لم يعرف له مال حلفه الحاكم على إعساره وأطلقه. ولم يجز حبسه وتكليفه ~~البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة بكر تزوجها رجل ودخل بها ثم ادعى أنها كانت ثيبا وتحاكما إلى ~~حاكم فأرسل معها امرأتين وجدوها كانت بكرا فأنكر. ونكل عن المهر: ما يجب ~~عليه؟ # فأجاب: # ليس له ذلك؛ بل عليه كمال المهر كما قال زرارة وقضى الخلفاء الراشدون ~~والأئمة المهديون: أن من أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجبت عليه العدة ~~والمهر. والله أعلم. # PageV32P197 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل خطب امرأة فاتفقوا على النكاح من غير عقد وأعطى أباها لأجل ذلك ~~شيئا فماتت قبل العقد: هل له أن يرجع بما أعطى؟ # فأجاب: # إذا كانوا قد وفوا بما اتفقوا عليه ولم يمنعوه من نكاحها حتى ماتت فلا ~~شيء عليهم؛ وليس له أن يسترجع ما أعطاهم كما أنه لو كان قد تزوجها استحقت ~~جميع الصداق وذلك لأنه إنما بذل لهم ذلك ليمكنوه من نكاحها وقد فعلوا ذلك ~~وهذا غاية الممكن. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة تزوجت ثم بان أنه كان لها زوج ففرق الحاكم بينهما: فهل لها مهر؟ ~~وهل هو المسمى؛ أو مهر المثل؟ # فأجاب: # إذا علمت أنها مزوجة ولم تستشعر؛ لا موته ولا طلاقه: فهذه زانية مطاوعة ~~لا مهر لها. وإذا اعتقدت موته وطلاقه فهو وطء شبهة بنكاح فاسد فلها المهر ~~وظاهر مذهب أحمد ومالك أن لها المسمى؛ وعن أحمد رواية أخرى كقول الشافعي أن ~~لها مهر المثل. والله أعلم. # PageV32P198 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن معسر: هل يقسط عليه الصداق؟ # فأجاب: # إذا كان معسرا قسط عليه الصداق على قدر حاله ولم يجز حبسه؛ لكن أكثر ~~العلماء يقبلون قوله في الإعسار مع يمينه وهو مذهب الشافعي وأحمد. ومنهم من ~~لا يقبل البينة إلا بعد الحبس؛ كما يقوله من يقوله من ms9333 أصحاب أبي حنيفة. ~~فإذا كانت الحكومة عند من يحكم بمذهب الشافعي وأحمد لم يحبس. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر وكتب عليه صداقا ألف دينار وشرطوا عليه ~~أننا ما نأخذ منك شيئا إلا عندنا هذه عادة وسمعة والآن توفي الزوج وطلبت ~~المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟ # فأجاب: # إذا كانت الصورة على ما ذكر لم يجز لها أن تطالب إلا ما اتفقا عليه وأما ~~ما ذكر على الوجه المذكور فلا يحل لها المطالبة به بل يجب لها ما اتفقا ~~عليه. # PageV32P199 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة تزوجت برجل؛ فهرب وتركها من مدة ست سنين ولم يترك عندها نفقة ثم ~~بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها فلما اطلع الحاكم عليها فسخ العقد بينهما: فهل ~~يلزم الزوج الصداق أم لا؟ # فأجاب: # إن كان النكاح الأول فسخ لتعذر النفقة من جهة الزوج وانقضت عدتها؛ ثم ~~تزوجت الثاني: فنكاحه صحيح. وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول: ~~فنكاحه باطل. وإن كان الزوج والزوجة علما أن نكاح الأول باق؛ وأنه يحرم ~~عليهما النكاح: فيجب إقامة الحد عليهما. وإن جهل الزوج نكاح الأول أو نفاه ~~أو جهل تحريم نكاحه قبل الفسخ: فنكاحه نكاح شبهة؛ يجب عليه فيه الصداق ~~ويلحق فيه النسب ولا حد فيه وإن كانت غرته المرأة أو وليها فأخبره أنها ~~خلية عن الأزواج: فله أن يرجع بالصداق الذي أداه على من غره في أصح قولي ~~العلماء. # PageV32P200 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # إذا خلا الرجل بالمرأة فمنعته نفسها من الوطء # ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإمام أحمد - الذي ذكره أصحابه: ~~كالقاضي أبي يعلى وأبي البركات وغيرهما - وغيره من الأئمة الأربعة: مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة. وإذا اعترفت بأنها لم تمكنه من وطئها لم يستقر مهرها ~~باتفاقهم. ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم. وإذا كانت مبغضة ~~له مختارة سواه فإنها تفتدي نفسها منه. # وسئل - رحمه الله -: # عن مملوك في الرق والعبودية: تزوج بامرأة من المسلمين ثم ms9334 بعد ذلك ظهرت ~~عبوديته؛ وكان قد اعترف أنه حر؛ وأن له خيرا في مصر؛ وقد ادعوا عليه ~~بالكتاب وحقوق الزوجية واقترض من زوجته شيئا: فهل يلزم شيء أو لا؟ # الجواب # فأجاب: الحمد لله. تزوج العبد بغير إذن سيده إذا لم يجزه السيد باطل ~~باتفاق المسلمين وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر} لكن إذا أجازه السيد بعد العقد صح في # PageV32P201 # مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين؛ ولم يصح في مذهب الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى. وإذا طلب النكاح فعلى السيد أن يزوجه لقوله تعالى ~~{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله} . وإذا غر المرأة وذكر أنه حر وتزوجها؛ ودخل بها: وجب المهر ~~لها بلا نزاع؛ لكن هل يجب المسمى: كقول مالك في رواية؟ أو مهر المثل كقول ~~أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية؟ أو يجب الخمسان: كأحمد في رواية ثالثة؟ ~~هذا فيه نزاع بين العلماء. وقد يتعلق هذا الواجب برقبته كقول أحمد في ~~المشهور عنه والشافعي في قول؛ وأظنه قول أبي حنيفة. أو يتعلق ذلك بذمة ~~العبد فيتبع به إذا أعتق كقول الشافعي في الجديد وقول أبي يوسف ومحمد ~~وغيرهما؟ والأول أظهر؛ فإن قوله لهم: إنه حر تلبيس عليهم؛ وكذب عليهم ثم ~~دخوله عليها بهذا الكذب عدوان منه عليهم. والأئمة متفقون على أن المملوك لو ~~تعدى على أحد فأتلف ماله؛ أو جرحه أو قتله: كانت جنايته متعلقة برقبته؛ لا ~~تجب في ذمة السيد؛ بل يقال للسيد: إن شئت أن تفك مملوكك من هذه الجناية؛ ~~وإن شئت أن تسلمه حتى تستوفي هذه الجناية من رقبته. وإذا أراد أن يقتله ~~فعليه أقل الأمرين: من قدر الجناية أو قيمة العبد: في مذهب الشافعي وأحمد ~~في المشهور عنه وغيرهما. # PageV32P202 # وعند مالك وأحمد في رواية يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ فهذا العبد ~~ظالم معتد جار على هؤلاء: فتتعلق جنايته برقبته. وكذلك ما اقترضه من ms9335 مال ~~الزوجة مع قوله إنه حر: فهو عدوان عليهم فيتعلق برقبته في أصح قولي ~~العلماء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة اعتاضت عن صداقها بعد موت الزوج فباعت العوض وقبضت الثمن ثم ~~أقرت أنها قبضت الصداق من غير ثمن الملك: فهل يبطل حق المشتري؟ أو يرجع ~~عليها بالذي اعترفت أنها قبضته من غير الملك؟ # فأجاب: # لا يبطل حق بمجرد ذلك وللورثة أن يطلبوا منها ثمن الملك الذي اعتاضت به؛ ~~إذا أقرت بأن قبض صداقها قبل ذلك. وكان قد أفتى طائفة بأنه يرجع عليها ~~بالذي اعترفت بقبضه من التركة وليس بشيء؛ لأن هذا الإقرار تضمن أنها استوفت ~~صداقها وأنها بعد هذا الاستيفاء له أحدثت ملكا آخر؛ فإنما فوتت عليهم ~~العقار؛ لا على المشتري. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة؛ وكتب كتابها ودفع لها الحال بكماله وبقي المقسط من ~~ذلك ولم تستحق عليه شيئا؛ وطلبها للدخول فامتنعت؛ ولها خالة تمنعها: فهل ~~تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إليه؟ # PageV32P203 # فأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها والحال هذه باتفاق الأئمة ولا ~~لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها؛ بل تعزر الخالة على منعها من فعل ما ~~أوجب الله عليها وتجبر المرأة على تسليم نفسها للزوج. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة فطلقها ثلاثا ولها كتاب إلى مدة وهو معسر؟ # فأجاب: # إذا كان معسرا لم يجز مطالبتها له حتى يوسر وإذا شهدت بينة بذلك سمعت؛ بل ~~القول قوله مع يمينه إذا لم يعرف له مال في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة وفي ظاهر الحال أنه حر فأقامت في صحبته إحدى عشرة سنة ~~ثم طلقها ولم يردها وطالبته بحقوقها فقال: أنا مملوك يجب الحجر علي: فهل ~~يلزمه القيام بحق الزوجة على حكم الشرع الشريف في المذاهب الأربعة؟ # PageV32P204 # فأجاب: # حق الزوجة ثابت لها المطالبة به لوجهين: " أحدهما " أن مجرد دعواه الرق ~~لا يسقط حقها والحال ما ذكر؛ فإن الأصل في الناس الحرية وإذا ادعى أنه ms9336 ~~مملوك بلا بينة ولم يعرف خلاف ذلك ففي قبول قوله ثلاثة أقوال للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره. " أحدها " يقبل فيما عليه دون ماله على غيره كمذهب أبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد في قول لهم. " والثاني " لا يقبل بحال كقول من قال ~~ذلك من المالكية وهو إحدى الروايتين عن أحمد. " والثالث " يقبل قوله مطلقا؛ ~~وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد فإذا كان مع دعوى المدعي لرقه لا يقبل ~~إقراره بما يسقط حقها عند جمهور أئمة الإسلام: فكيف بمجرد دعواه الرق؟ وكيف ~~وله خير وإقطاع؛ وهو منتسب؛ وقد ادعى الحرية حتى زوج بها؟ " الوجه الثاني " ~~أنه لو قدر أنه كذب ولبس عليها وادعى الحرية حتى تزوج بها ودخل: فهذا قد ~~جنى بكذبه وتلبيسه؛ والرقيق إذا جنى تعلقت جنايته برقبته: فلها أن تطلب ~~حقها من رقبته إلا أن يختار سيده أن يفديه بأداء حقها: فله ذلك. # PageV32P205 ### | باب وليمة العرس # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن طعام الزواج؟ وطعام العزاء؟ وطعام الختان؟ وطعام الولادة؟ . # الجواب # فأجاب: أما " وليمة العرس " فهي سنة والإجابة إليها مأمور بها وأما " ~~وليمة الموت " فبدعة مكروه فعلها والإجابة إليها. وأما " وليمة الختان " ~~فهي جائزة: من شاء فعلها ومن شاء تركها. وكذلك " وليمة الولادة " إلا أن ~~يكون قد عق عن الولد؛ فإن العقيقة عنه سنة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # هل يكره طعام الطهور أم لا؟ وهل فرق بينه وبين وليمة العرس أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما " وليمة العرس " فسنة مأمور بها باتفاق العلماء؛ حتى إن ~~منهم من أوجبها؛ فإنها تتضمن إعلان النكاح وإظهاره وذلك يتضمن الفرق بينه ~~وبين السفاح واتخاذ الأخدان؛ ولهذا كانت الإجابة إليها واجبة عند العلماء ~~عند شروط ذلك وانتفاء موانعه. وأما " دعوة الختان " فلم # PageV32P206 # تكن الصحابة تفعلها وهي مباحة؛ ثم من العلماء أصحاب أحمد وغيره من كرهها. ~~ومنهم من رخص فيها؛ بل يستحبها. وأما الإجابة إليها؛ فإن كل من فعلها آثم. ~~ومنهم من استحبها. ومنهم من لم يستحبها. ومنهم من كره الإجابة إليها أيضا. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه ms9337 الله تعالى -: # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أكل مع مغفور غفر له ": هل صح ذلك ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لم ينقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؛ ~~وإنما ذكروا أنه رئي في المنام يقول ذلك؛ وليس هذا على الإطلاق صحيح. والله ~~أعلم. # وسئل: # عن معنى قوله: " من أتى إلى طعام لم يدع إليه فقد دخل سارقا وخرج مغيرا " # فأجاب: # الحمد لله، معناه الذي يدخل إلى دعوة بغير إذن أهلها؛ فإنه يدخل مختفيا ~~كالسارق ويأكل بغير اختيارهم فيستحيون من نهيه: فيخرج كالمغير الذي يأخذ ~~أموال الناس بالقهر. والله أعلم. # PageV32P207 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن " شرب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا " - يعني تنفس ثلاثا - فلو شرب ~~أحد مرة هل يكون حراما؟ وهل ورد أنه لم يشرب مرة فقط؟ وقد جاء في بعض الكتب ~~العشرة " أنه شرب مرة واحدة " وقد كتب في هذا فتيا وقالوا: إذا شرب مرة ~~حرام؛ ولم يسمع أحد من أهل العلم هذا القول وقد ورد الحديث أيضا: " أنه شرب ~~صلى الله عليه وسلم قائما " فهل هذا للتنزيه؟ أو للتحريم؟ وهل إذا شرب من ~~غير عذر قائما عليه إثم؟ وهل إذا شرب مرة واحدة هل يكون حراما؟ # فأجاب: # الحمد لله، الأفضل أن يتنفس في الشرب ثلاثا ويكون نفسه في غير الإناء؛ ~~فإن التنفس في الإناء منهي عنه وإن لم يتنفس وشرب بنفس واحد جاز؛ فإن في ~~الصحيح عن أنس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا} ~~وفي رواية لمسلم: {كان يتنفس في الشراب ثلاثا يقول: إنه أروى وأمرى} . فهذا ~~دليل على استحباب التنفس ثلاثا. وفي الصحيح عن أبي قتادة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {إذا شرب أحدكم # PageV32P208 # فلا يتنفس في الإناء} فهذا فيه النهي عن التنفس في الإناء. وعن أبي سعيد ~~الخدري: {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التنفس في الشراب فقال الرجل: ~~القذاة أراها في الإناء؟ فقال: أهرقها قال: فإني ms9338 لا أروى عن نفس واحد: قال: ~~فأبن القدح عن فيك} رواه الترمذي وصححه. فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الشرب بنفس واحد؛ ولكن لما قال له الرجل: إني لا أروى من نفس واحد قال: ~~{أبن القدح عن فيك} أي لتتنفس إذا احتجت إلى النفس خارج الإناء. وفيه دليل ~~على أنه لو روي في نفس واحد ولم يحتج إلى النفس جاز. وما علمت أحدا من ~~الأئمة أوجب التنفس وحرم الشرب بنفس واحد. وفعله صلى الله عليه وسلم يدل ~~على الاستحباب كما كان {يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله} ~~ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه كان تاركا للاختيار وكان وضوءه ~~صحيحا من غير نزاع أعلمه بين الأئمة. # وأما ### | " الشرب قائما " # فقد جاءت أحاديث صحيحة بالنهي وأحاديث صحيحة بالرخصة؛ ولهذا تنازع ~~العلماء فيه وذكر فيه روايتان عن أحمد؛ ولكن الجمع بين الأحاديث أن تحمل ~~الرخصة على حال العذر. فأحاديث النهي مثلها في الصحيح " {أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن الشرب قائما} وفيه # PageV32P209 # عن قتادة عن أنس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما} قال ~~قتادة: فقلنا: الأكل؟ فقال: ذاك شر وأخبث. وأحاديث " الرخصة " مثل حديث ما ~~في الصحيحين عن علي وابن عباس قال: {شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما من ~~زمزم} وفي البخاري عن علي: أن عليا في رحبة الكوفة شرب وهو قائم. ثم قال: ~~إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما ~~صنعت. وحديث علي هذا قد روي فيه أثر أنه كان ذلك من زمزم كما جاء في حديث ~~ابن عباس هذا كان في الحج والناس هناك يطوفون ويشربون من زمزم ويستقون ~~ويسألونه ولم يكن موضع قعود مع أن هذا كان قبل موته بقليل فيكون هذا ونحوه ~~مستثنى من ذلك النهي وهذا جار عن أحوال الشريعة: أن المنهي عنه يباح عند ~~الحاجة؛ بل ما هو أشد من هذا يباح عند الحاجة؛ بل المحرمات التي ms9339 حرم أكلها ~~وشربها كالميتة والدم تباح للضرورة. وأما ما حرم مباشرته طاهرا - كالذهب ~~والحرير - فيباح للحاجة وهذا النهي عن صفة في الأكل والشرب: فهذا دون النهي ~~عن الشرب في آنية الذهب والفضة وعن لباس الذهب والحرير؛ إذ ذاك قد جاء فيه ~~وعيد ومع هذا فهو مباح للحاجة: فهذا أولى. والله أعلم. # PageV32P210 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الأكل والشرب قائما: هل هو حلال؟ أم حرام؟ أم مكروه كراهية تنزيه؟ وهل ~~يجوز الأكل والشرب إذا كان له عذر كالمسافر أو الأكل والشرب في الطريق ~~ماشيا؟ # فأجاب: # أما مع العذر فلا بأس: فقد ثبت {أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء ~~زمزم وهو قائم} فإن الموضع لم يكن موضع قعود وأما مع عدم الحاجة فيكره؛ ~~لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. وبهذا التفصيل يحصل الجمع ~~بين النصوص. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال: " إن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل بطيخا أصفر عمره " ~~وقال الآخر: " إن النبي صلى الله عليه وسلم أكل العنب دو دو "؟ # فأجاب: # الحمد لله، قوله: " أكل العنب: دو دو " كذب؛ لا أصل له وأما البطيخ فقد ~~كانوا يأكلون البطيخ؛ لكن المشهور عندهم كان البطيخ # PageV32P211 # الأخضر وما ينقل عن الإمام أحمد: أنه امتنع عن أكل البطيخ؛ لعدم علمه ~~بكيفية أكل النبي صلى الله عليه وسلم كذب على الإمام أحمد. كان صلى الله ~~عليه وسلم يأكل فاكهة بلده ما قدمت له فاكهة. فترك أكلها لا على سبيل الزهد ~~الفاسد ولا على سبيل الورع الفاسد؛ بل كان لا يرد موجودا؛ ولا يتكلف مفقودا ~~ويتبع قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ~~لله إن كنتم إياه تعبدون} . فأمر بالأكل والشكر. فمن حرم الطيبات عليه ~~وامتنع من أكلها بدون سبب شرعي: فهو مذموم مبتدع داخل في قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ومن أكلها بدون الشكر الواجب ~~فيها فهو مذموم قال الله تعالى: {ثم ms9340 لتسألن يومئذ عن النعيم} أي شكر ~~النعيم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال. {الطاعم الشاكر ~~بمنزلة الصائم الصابر} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{إن الله ليرضى عن العبد بأن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة ~~فيحمده عليها} وكذلك " الإسراف في الأكل " مذموم وهو مجاوزة الحد. ومن أكل ~~بنية الاستعانة على عبادة كان مأجورا على ذلك وكذلك ما ينفقه على أهل بيته ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. {نفقة المسلم على أهله ~~يحتسبها صدقة} وقال لسعد: {إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت ~~بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك} . # PageV32P212 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم {إنه مكتوب على قشر البطيخ: لا إله إلا ~~الله موسى كليم الله. لا إله إلا الله عيسى روح الله. لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله} . وأيضا " من أكله بقشره كان له بكل نهشة عشر حسنات وحط عنه عشر ~~سيئات وإن أكله ببزره فبكل ألف درجة في الجنة "؟ وأنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لأبي هريرة: " ألك قميصان؟ بع الواحد وكل به بطيخا أصفر " وهل صح عنه ~~صلى الله عليه وسلم " أكل البطيخ بالرطب " وما معنى البطيخ بالرطب إن صح ~~الحديث؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، الأحاديث المتقدمة في البطيخ كلها مختلقة لم يرغب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أكل البطيخ. وجميع ما يروى من هذا الجنس فهو ~~كذب. وأما أكل " البطيخ بالرطب " فهو كأكل القثاء بالرطب والحديث بذلك أصح. ~~والمراد به حلاوة هذا ورطوبة هذا. وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد. فهذا ~~بيان أكل البطيخ الأخضر بالرطب أو التمر. فأما أكله بالرطب الأصفر فلا أصل ~~له؛ لا من نص؛ ولا قياس. والله أعلم. # PageV32P213 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حضر عنده جماعة ليطعمهم شيئا فلما أحضر المائدة والخبز عليها وغاب ~~ليأتي بالأدم فقال رجل: " إذا حضر الخبز قال النبي ms9341 صلى الله عليه وسلم " لا ~~تنتظروا شيئا " فأكلوا الخبز؛ وحضر الإدام بقي بلا خبز فقالوا له كذبت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم " وغرمت الرجل الخبز: فهل هذا الحديث الذي ذكره ~~صحيح أم لا؟ # فأجاب. # الحمد لله، لم يجئ في هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا ~~يقوله بعض الناس؛ ومعناه الأمر بالقناعة وأنه يكتفى بالخبز إذا حضر ولا ~~ينتظر غيره ولا يطلب من المضيف غيره؛ فإن ذلك من كرامته. فأما إن كانوا ~~منتظرين أدما يحضر وإذا أكلوا الخبز بقي الأدم وحده: فانتظارهم حتى يأكلوا ~~الأدم مع الخبز هو الذي يصلح. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل إذا كان أكثر ماله حلالا وفيه شبهة قليلة. فإذا أضاف الرجل أو ~~دعاه هل يجيبه أم لا؟ # PageV32P214 # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان في الترك مفسدة - من قطيعة رحم أو فساد ذات البين ~~ونحو ذلك - فإنه يجيبه لأن الصلة وصلاح ذات البين واجب فإذا لم يتم إلا ~~بذلك كان واجبا وليست الإجابة محرمة. أو يقال: إن مصلحة ذلك الفعل راجحة ~~على ما يخاف من الشبهة وإن لم يكن فيه مفسدة؛ بل الترك مصلحة توقيه الشبهة. ~~ونهى الداعي عن قليل الإثم. وكان في الإجابة مصلحة الإجابة فقط وفيها مفسدة ~~الشبهة. فأيهما أرجح؟ هذا فيه خلاف فيما أظنه. وفروع هذه المسألة كثيرة قد ~~نقل أصحابنا وغيرهم فيها مسائل قد يرجح بعض العلماء جانب الترك والورع. ~~ويرجح بعضهم جانب الطاعة والمصلحة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل معه مال من حلال وحرام: فهل يجوز لأحد أن يأكل من عيشه أم لا؟ # فأجاب: # إن عرف الحرام بعينه لم يأكل حتما وإن لم يعرف عينه لم يحرم الأكل منه؛ ~~لكن إذا كثر الحرام كان متروكا ورعا. والله أعلم. # PageV32P215 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن اللعب بالشطرنج: أحرام هو؟ أم مكروه؟ أم مباح؟ فإن قلتم: حرام؛ فما ~~الدليل على تحريمه؟ وإن قلتم: مكروه؛ فما الدليل على كراهته؟ أو مباح فما ~~الدليل على إباحته؟ # فأجاب: # الحمد لله رب ms9342 العالمين، اللعب بها: منه ما هو محرم متفق على تحريمه: ومنه ~~ما هو محرم عند الجمهور؛ ومكروه عند بعضهم؛ وليس من اللعب بها ما هو مباح ~~مستوي الطرفين عند أحد من أئمة المسلمين؛ فإن اشتمل اللعب بها على العوض ~~كان حراما بالاتفاق؛ قال أبو عمر بن عبد البر إمام المغرب: أجمع العلماء ~~على أن اللعب بها على العوض قمار لا يجوز. وكذلك لو اشتمل اللعب بها على ~~ترك واجب أو فعل محرم: مثل أن يتضمن تأخير الصلاة عن وقتها؛ أو ترك ما يجب ~~فيها من أعمالها الواجبة باطنا أو ظاهرا؛ فإنها حينئذ تكون حراما باتفاق ~~العلماء. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تلك ~~صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا ~~يذكر الله فيها إلا قليلا} فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة صلاة ~~المنافقين. وقد ذم الله صلاتهم بقوله: # PageV32P216 # {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وقال تعالى: {فويل للمصلين} ~~{الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقد فسر السلف " السهو عنها " بتأخيرها عن ~~وقتها وبترك ما يؤمر به فيها كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة ~~المنافق تشتمل على التأخير والتطفيف: قال سلمان الفارسي: إن الصلاة مكيال؛ ~~فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في " المطففين ". وكذلك ~~فسروا قوله: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} قال: إضاعتها تأخيرها عن ~~وقتها وإضاعتها حقوقها كما جاء في الحديث {إن العبد إذا أكمل الصلاة ~~بطهورها وقراءتها وخشوعها صعدت ولها برهان كبرهان الشمس وتقول حفظك الله ~~كما حفظتني وإذا لم يكمل طهورها وقراءتها وخشوعها فإنها تلف كما يلف الثوب؛ ~~ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني} . والعبد وإن أقام صورة ~~الصلاة الظاهرة فلا ثواب إلا على قدر ما حضر قلبه فيه منها كما جاء في ~~السنن لأبي داود وغيره عن النبي ms9343 صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن العبد ~~لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها؛ إلا ~~خمسها؛ إلا سدسها؛ إلا سبعها؛ إلا ثمنها؛ إلا تسعها إلا عشرها} . وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وإذا غلب عليها ~~الوسواس ففي براءة الذمة منها ووجوب الإعادة قولان # PageV32P217 # معروفان للعلماء: " أحدهما " لا تبرأ الذمة وهو قول أبي عبد الله بن حامد ~~وأبي حامد الغزالي وغيرهما. والمقصود أن " الشطرنج " متى شغل عما يجب باطنا ~~أو ظاهرا حرام باتفاق العلماء. وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج ~~إلى بسط. وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة: من مصلحة النفس أو الأهل أو ~~الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو صلة الرحم؛ أو بر الوالدين أو ما يجب ~~فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور. وقل عبد اشتغل بها ~~إلا شغلته عن واجب. فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة متفق ~~عليه. وكذلك إذا اشتملت على محرم أو استلزمت محرما فإنها تحرم بالاتفاق: ~~مثل اشتمالها على الكذب؛ واليمين الفاجرة؛ أو الخيانة التي يسمونها ~~المغاضاة أو على الظلم أو الإعانة عليه فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين. ولو ~~كان ذلك في المسابقة والمناضلة فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد؛ ونحو ذلك ~~وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادا غير ذلك: مثل اجتماع على مقدمات الفواحش؛ ~~أو التعاون على العدوان أو غير ذلك؛ أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة ~~والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم: فهذه الصورة وأمثالها ~~مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها. وإذا قدر خلوها عن ذلك كله: فالمنقول ~~عن الصحابة المنع من ذلك؛ وصح عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه مر ~~بقوم يلعبون بالشطرنج # PageV32P218 # فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ شبههم بالعاكفين على ~~الأصنام كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms9344 {شارب الخمر ~~كعابد وثن} والخمر والميسر قرينان في كتاب الله تعالى. وكذلك النهي عنها ~~معروف عن ابن عمر وغيره من الصحابة. والمنقول عن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد ~~وأصحابه " تحريمها ". وأما الشافعي فإنه قال: أكره اللعب بها؛ للخبر؛ ~~واللعب بالشطرنج والحمام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالا من النرد وهكذا نقل ~~عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه: أنه يكرهها ويراها دون النرد ولا ريب أن ~~كراهته كراهة تحريم؛ فإنه قال: للخبر. ولفظ الخبر الذي رواه هو عن مالك {من ~~لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله} فإذا كره الشطرنج. . . (1) وإن كانت أخف ~~من النرد. وقد نقل عنه أنه توقف في التحريم وقال: لا يتبين لي أنها حرام. ~~وما بلغنا أن أحدا نقل عنه لفظا يقتضي نفي التحريم. والأئمة الذين لم تختلف ~~أصحابهم في تحريمها أكثر ألفاظهم " الكراهة " قال ابن عبد البر: أجمع مالك ~~وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج؛ وقالوا: لا يجوز شهادة ~~المدمن المواظب على لعب الشطرنج. وقال يحيى: سمعت مالكا يقول: لا خير في ~~الشطرنج وغيرها وسمعته يكره اللعب بها وبغيرها من الباطل ويتلو هذه الآية: ~~{فماذا بعد الحق PageV32P219 # إلا الضلال} وقال أبو حنيفة: أكره اللعب بالشطرنج والنرد. فالأربعة تحرم ~~كل اللهو. وقد تنازع الجمهور في مسألتين: " إحداهما ### | " هل يسلم على اللاعب بالشطرنج؟ # فمنصوص أبي حنيفة وأحمد والمعافى بن عمران وغيرهم: أنه لا يسلم عليه. ~~ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد: أنه يسلم عليه. ومع هذا فإن مذهب مالك أن ~~الشطرنج شر من النرد. ومذهب أحمد أن النرد شر من الشطرنج كما ذكره الشافعي. ~~والتحقيق في ذلك أنهما إذا اشتملا على عوض أو خلوا عن عوض فالشطرنج شر من ~~النرد؛ لأن مفسدة النرد فيها وزيادة مثل صد القلب عن ذكر الله؛ وعن الصلاة؛ ~~وغير ذلك؛ ولهذا يقال: إن الشطرنج على مذهب القدر؛ والنرد على مذهب الجبر. ~~واشتغال القلب بالتفكير في الشطرنج أكثر. وأما إذا اشتمل النرد على عوض ~~فالنرد شر. وهذا هو السبب في كون أحمد والشافعي وغيرهما ms9345 جعلوا النرد شرا ~~لاستشعارهم أن العوض يكون في النرد دون الشطرنج. ومن هنا تبين الشبهة التي ~~وقعت في هذا الباب؛ فإن الله تعالى حرم الميسر في كتابه واتفق المسلمون على ~~تحريم الميسر واتفقوا على أن المغالبات المشتملة على القمار من الميسر؛ ~~سواء كان بالشطرنج أو بالنرد أو بالجوز أو بالكعاب أو البيض قال غير واحد ~~من التابعين: كعطاء وطاووس ومجاهد؛ وإبراهيم النخعي: كل شيء من القمار فهو ~~من الميسر؛ حتى لعب # PageV32P220 # الصبيان بالجوز. فالذين لم يحرموا الشطرنج كطائفة من أصحاب الشافعي ~~وغيرهم اعتقدوا أن لفظ " الميسر " لا يدخل فيه إلا ما كان قمارا؛ فيحرم لما ~~فيه من أكل المال بالباطل كما يحرم مثل ذلك في المسابقة والمناضلة لو أخرج ~~كل منهما السبق ولم يكن بينهما محلل: حرموا ذلك لأنه قمار. وفي السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أدخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن ~~يسبق فهو قمار؛ ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار} ~~{والنبي صلى الله عليه وسلم حرم بيوع الغرر} لأنها من نوع القمار: مثل أن ~~يشتري العبد الآبق والبعير الشارد؛ فإن وجده كان قد قمر البائع وإن لم يجده ~~كان البائع قد قمره فلما اعتقدوا أن هذه المغالبات إنما حرمت لما فيها من ~~أكل المال بالباطل لم يحرموها إذا خلت عن العوض. ولهذا طرد هذا طائفة من ~~أصحاب الشافعي المتقدمين في " النرد " فلم يحرموها إلا مع العوض؛ لكن ~~المنصوص عن الشافعي وظاهر مذهبه تحريم النرد مطلقا وإن لم يكن فيها عوض؛ ~~ولهذا قال: أكرهها؛ للخبر. فبين أن مستنده في ذلك الخبر؛ لا القياس عنده. ~~وهذا مما احتج به الجمهور عليه فإنه إذا حرم النرد ولا عوض فيها فالشطرنج ~~إن لم يكن مثلها فليس دونها. وهذا يعرفه من خبر حقيقة اللعب بها فإن ما في ~~النرد من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ومن إيقاع العداوة والبغضاء: هو في ~~الشطرنج أكثر بلا ريب وهي تفعل في النفوس فعل حميا ms9346 الكؤوس. فتصد عقولهم # PageV32P221 # وقلوبهم عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمور ~~والحشيشة. وقليلها يدعو إلى كثيرها فتحريم النرد الخالية عن عوض مع إباحة ~~الشطرنج مثل تحريم القطرة من خمر العنب وإباحة الغرفة من نبيذ الحنطة. وكما ~~أن ذلك القول في غاية التناقض من جهة الاعتبار والقياس والعدل فهكذا القول ~~في الشطرنج. " وتحريم النرد " ثابت بالنص كما في السنن عن أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله} ~~وقد رواه مالك في الموطأ وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها أن أهل ~~بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد فأرسلت إليهم: إن لم تخرجوها ~~لأخرجنكم من داري وأنكرت ذلك عليهم. ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر: ~~أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها. وفي بعض ألفاظ الحديث ~~عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت عنده؛ فقال: ~~{عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها} فعلق المعصية بمجرد اللعب بها ~~ولم يشترط عوضا؛ بل فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها. وقد روى مسلم في صحيحه عن ~~أبي بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من لعب ~~بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه} وفي لفظ آخر: {فليشقص ~~الخنازير} فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا # PageV32P222 # الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده في لحم الخنزير ودمه وكالذي يشقص ~~الخنازير: يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع القصاب. وهذا التشبيه متناول اللعب ~~بها باليد سواء وجد أكل أو لم يوجد كما أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه ~~وتشقيص لحمه متناول لمن فعل ذلك سواء كان معه أكل بالفم أو لم يكن فكما أن ~~ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل فكذلك النرد ينهى عنه وإن لم ~~يكن معه أكل مال بالباطل. وهذا يتقرر بوجوه يتبين بها تحريم ms9347 " النرد " " ~~والشطرنج " ونحوهما. " أحدها " أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا ~~بصورة المقامرة فقط؛ فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبي لكان من ~~صور الجعالة؛ ومع هذا فقد نهي عن ذلك؛ إلا فيما ينفع: كالمسابقة والمناضلة ~~كما في الحديث: {لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل} لأن بذل المال فيما لا ~~ينفع في الدين ولا في الدنيا منهي عنه وإن لم يكن قمارا. وأكل المال ~~بالباطل حرام بنص القرآن وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم {كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل؛ إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ~~ملاعبته امرأته فإنهن من الحق} . قوله " من الباطل " أي مما لا ينفع فإن ~~الباطل ضد الحق. والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه. ويراد به ~~الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد وهو الأمر النافع فما ليس من هذا فهو ~~باطل؛ ليس بنافع. # PageV32P223 # وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة؛ لكن لا يؤكل به المال ~~ولهذا جاز السباق بالأقدام والمصارعة وغير ذلك وإن نهي عن أكل المال به. ~~وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح وإن نهي عن أكل المال به. فتبين أن ما ~~نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة فلا يجوز قصر النهي على ذلك. ولو كان ~~النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل ومثل الرمي ~~بالنشاب ونحو ذلك؛ فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه مع أنه عمل صالح ~~واجب أو مستحب كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ارموا ~~واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا} {ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس ~~منا} {وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل} {وقرأ على المنبر: {وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} الآية ثم قال: ألا إن القوة الرمي ألا ~~إن القوة الرمي} فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله واتفق المسلمون على الأمر ~~به بما نهى ms9348 الله ورسوله وأصحابه من بعده وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا ~~مجرد المقامرة كان النرد والشطرنج كالمناضلة. " الوجه الثاني " أن يقال: هب ~~أن علة التحريم في الأصل هي المقامرة لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في ~~التحريم؛ فقال تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر # PageV32P224 # ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ؟ فوصف الأربعة بأنها ~~رجس من عمل الشيطان؛ وأمر باجتنابها ثم خص الخمر والميسر بأنه يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة. ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} كما علق ~~الفلاح بالاجتناب في قوله: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون} ولهذا يقال: إن هذه ~~الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه. ومعلوم أن " الخمر " لما ~~أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه فلا يجوز اقتناؤها ولا شرب قليلها بل كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها ونهى عن ~~تخليلها وإن كانت ليتامى. مع أنها اشتريت لهم قبل التحريم؛ ولهذا كان ~~الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد وابن المبارك وغيرهما: أنه ليس في الخمر ~~شيء محترم؛ لا خمرة الخلال ولا غيرها وأنه من اتخذ خلا فعليه أن يفسده قبل ~~أن يتخمر: بأن يصب في العصير خلا وغير ذلك مما يمنع تخميره؛ بل كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم {نهى عن الخليطين} لئلا يقوى أحدهما على صاحبه فيفضي ~~إلى أن يشرب الخمر المسكر من لا يدري. ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي ~~يدب السكر فيها ولا يدري ما به كالدباء والحنتم والظرف المزفت والمنقور من ~~الخشب. وأمر بالانتباذ في السقاء الموكى لأن السكر ينظر: إذا كان في الشراب ~~انشق الظرف؛ وإن كان في نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره. فالمقصود ~~سد الذرائع المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه. # PageV32P225 # وكذلك كان يشرب النبيذ ms9349 ثلاثا وبعد الثلاث يسقيه أو يريقه لأن الثلاث مظنة ~~سكره؛ بل كان أمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة. فهذا كله. . . (1) ~~سدا للذريعة؛ لأن النفوس لما كانت تشتهي ذلك وفي اقتنائها - ولو للتخليل - ~~ما قد يفضي إلى شربها كما أن شرب قليلها يدعو إلى كثيرها فنهي عن ذلك. فهذا ~~" الميسر " المقرون " بالخمر " إذا قدر أن علة تحريمه أكل المال بالباطل ~~وما في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة. ومن المعلوم أن هذه الملاعب ~~تشتهيها النفوس وإذا قويت الرغبة فيها أدخل فيها العوض كما جرت به العادة ~~وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك لو لم يكن فيه مصلحة راجحة ~~وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع: مثل المسابقة والمصارعة ونحو ذلك فإن ~~تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة ~~النفوس بالاكتساب بها. وهذا المعنى نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: {من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه} فإن الغامس ~~يده في ذلك يدعوه إلى أكل الخنزير وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته فإذا حرم ~~ذلك فكذلك اللعب الذي هو مقدمة أكل المال بالباطل وسببه وداعيته. ~~PageV32P226 # وبهذا يتبين ما ذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع. فما كان معينا ~~على ما أمر الله به في قوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل} جاز بجعل وبغير جعل. وما كان مفضيا إلى ما نهى الله عنه: كالنرد ~~والشطرنج: فمنهي عنه بجعل وبغير جعل. وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة ~~راجحة: كالمسابقة والمصارعة: جاز بلا جعل. # " الوجه الثالث " أن يقال: قول القائل: إن الميسر إنما حرم لمجرد ~~المقامرة دعوى مجردة وظاهر القرآن والسنة والاعتبار يدل على فسادها. وذلك ~~أن الله تعالى قال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} . فنبه على علة التحريم وهي ~~ما في ذلك من حصول المفسدة وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة فإن وقوع ~~العداوة ms9350 والبغضاء من أعظم الفساد. وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة ~~اللذين كل منهما إما واجب وإما مستحب من أعظم الفساد. ومن المعلوم أن هذا ~~يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما وإن لم يكن فيه عوض وهو في الشطرنج ~~أقوى؛ فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما فعل خصمه وفيما يريد أن يفعل ~~هو وفي لوازم ذلك ولوازم لوازمه حتى لا يحس بجوعه ولا عطشه ولا بمن يسلم ~~عليه ولا بحال أهله ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله فضلا أن يذكر ربه أو ~~الصلاة. # PageV32P227 # وهذا كما يحصل لشارب الخمر؛ بل كثير من الشراب يكون عقله أصحى من كثير من ~~أهل الشطرنج والنرد. واللاعب بها لا تنقضي نهمته منها إلا بدست بعد دست؛ ~~كما لا تنقضي نهمة شارب الخمر إلا بقدح بقدح وتبقى آثارها في النفس بعد ~~انقضائها أكثر من آثار شارب الخمر حتى تعرض له في الصلاة والمرض وعند ركوب ~~الدابة؛ بل وعند الموت؛ وأمثال ذلك من الأوقات التي يطلب فيها ذكره لربه ~~وتوجهه إليه. تعرض له تماثيلها وذكر الشاه والرخ والفرزان ونحو ذلك. فصدها ~~للقلب عن ذكر الله قد يكون أعظم من صد الخمر وهي إلى الشرب أقرب كما قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للاعبيها: ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون وقلب الرقعة وكذلك العداوة والبغضاء بسبب غلبة أحد ~~الشخصين للآخر وما يدخل في ذلك من التظالم والتكاذب والخيانة التي هي من ~~أقوى أسباب العداوة والبغضاء وما يكاد لاعبها يسلم عن شيء من ذلك. والفعل ~~إذا اشتمل كثيرا على ذلك وكانت الطباع تقتضيه ولم يكن فيه مصلحة راجحة حرمه ~~الشارع قطعا فكيف إذا اشتمل على ذلك غالبا وهذا أصل مستمر في أصول الشريعة ~~كما قد بسطناه في " قاعدة سد الذرائع " وغيرها وبينا أن كل فعل أفضى إلى ~~المحرم كثيرا: كان سببا للشر والفساد؛ فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية ~~وكانت مفسدته راجحة: نهي عنه؛ بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي ms9351 عنه إذا لم ~~يكن فيه مصلحة راجحة # PageV32P228 # فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد؛ ولهذا نهي عن الخلوة بالأجنبية. وأما ~~النظر فلما كانت الحاجة تدعو إلى بعضه رخص منه فيها ما تدعو له الحاجة؛ لأن ~~الحاجة سبب الإباحة كما أن الفساد والضرر سبب التحريم فإذا اجتمعا رجح ~~أعلاهما كما رجح عند الضرر أكل الميتة؛ لأن مفسدة الموت شر من مفسدة ~~الاغتذاء بالخبيث. " والنرد والشطرنج " ونحوهما من المغالبات فيها من ~~المفاسد ما لا يحصى وليس فيها مصلحة معتبرة؛ فضلا عن مصلحة مقاومة. غايته ~~أن يلهي النفس ويريحها كما يقصد شارب الخمر ذلك. وفي راحة النفس بالمباح ~~الذي لا يصد عن المصالح ولا يجتلب المفاسد غنية والمؤمن قد أغناه الله ~~بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب} . وفي سنن ابن ماجه وغيره {عن أبي ذر: أن هذه الآية لما نزلت ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر لو أن الناس كلهم عملوا بهذه الآية ~~لوسعتهم} وقد بين سبحانه في هذه الآية أن المتقي يدفع عنه المضرة وهو أن ~~يجعل له مخرجا مما ضاق على الناس ويجلب له المنفعة ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~" وكل ما يتغذى به الحي مما تستريح به النفوس وتحتاج إليه في طيبها ~~وانشراحها فهو من الرزق والله تعالى يرزق ذلك لمن اتقاه بفعل المأمور وترك ~~المحظور. ومن طلب ذلك بالنرد والشطرنج ونحوهما من الميسر: فهو بمنزلة من ~~طلب ذلك بالخمر وصاحب الخمر يطلب الراحة ولا يزيده إلا تعبا وغما؛ وإن كانت ~~تفيده # PageV32P229 # مقدارا من السرور: فما يعقبه من المضار ويفوته من المسار أضعاف ذلك كما ~~جرب ذلك من جربه وهكذا سائر المحرمات. ومما يبين أن " الميسر " لم يحرم ~~لمجرد أكل المال بالباطل - وإن كان أكل المال بالباطل محرما ولو تجرد عن ~~الميسر فكيف إذا كان في الميسر - بل في الميسر علة أخرى غير أكل المال ~~بالباطل كما في الخمر: أن الله قرن بين الخمر والميسر وجعل العلة ms9352 في تحريم ~~هذا هي العلة في تحريم هذا ومعلوم أن الخمر لم تحرم لمجرد أكل المال ~~بالباطل وإن كان أكل ثمنها من أكل المال بالباطل: فكذلك الميسر يبين ذلك أن ~~الناس أول ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر: أنزل ~~الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما} و " المنافع " التي كانت قيل هي المال. وقيل: هي ~~اللذة. ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذين؛ فإنهم كانوا ينتفعون بثمنها ~~والتجارة فيها كما كانوا ينتفعون باللذة التي في شربها؛ ثم إنه صلى الله ~~عليه وسلم لما حرم الخمر {لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها ~~وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها} . وكذلك " الميسر " ~~كانت النفوس تنتفع بما تحصله به من المال وما يحصل به من لذة اللعب. ثم قال ~~تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأن الخسارة في # PageV32P230 # المقامرة أكثر والألم والمضرة في الملاعبة أكثر. ولعل المقصود الأول ~~لأكثر الناس بالميسر إنما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة وأن المقصود ~~الأول لأكثر الناس بالخمر إنما هو ما فيها من لذة الشرب وإنما حرم العوض ~~فيها لأنه أخذ مال بلا منفعة فيه فهو أكل مال بالباطل كما حرم ثمن الخمر ~~والميتة والخنزير والأصنام. فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النهي فقط ~~وهي تابعة وتترك المفسدة الأصلية التي هي فساد العقل والقلب والمال مادة ~~البدن والبدن تابع القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم {ألا إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي ~~القلب} . والقلب هو محل ذكر الله تعالى وحقيقة الصلاة. فأعظم الفساد في ~~تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذي هو ملك البدن: أن يصد عما خلق له من ~~ذكر الله والصلاة ويدخل فيما يفسد من التعادي والتباغض. والصلاة حق الحق. ~~والتحاب والموالاة حق الخلق. وأين هذا من أكل مال بالباطل ومعلوم أن مصلحة ~~البدن مقدمة على مصلحة المال ومصلحة القلب مقدمة على ms9353 مصلحة البدن؛ وإنما ~~حرمة المال لأنه مادة البدن؛ ولهذا قدم الفقهاء في كتبهم ربع العبادات على ~~ربع المعاملات وبهما تتم مصلحة القلب والبدن. ثم ذكروا ربع المناكحات؛ لأن ~~ذلك مصلحة الشخص. وهذا مصلحة النوع الذي يبقى بالنكاح. ثم لما ذكروا ~~المصالح ذكروا ما يدفع المفاسد في ربع الجنايات. # PageV32P231 # وقد قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} و " عبادة الله تتضمن ~~معرفته ومحبته والخضوع له؛ بل تتضمن كل ما يحبه ويرضاه. وأصل ذلك وأجله ما ~~في القلوب: الإيمان والمعرفة والمحبة لله والخشية له والإنابة إليه والتوكل ~~عليه والرضى بحكمه مما تضمنه الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن وكل ذلك ~~داخل في معنى ذكر الله والصلاة وإنما الصلاة وذكر الله من باب عطف الخاص ~~على العام كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقوله تعالى {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} كما قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ~~فجعل السعي إلى الصلاة سعيا إلى ذكر الله. ولما كانت الصلاة متضمنة لذكر ~~الله تعالى الذي هو مطلوب لذاته والنهي عن الشر الذي هو مطلوب لغيره: قال ~~تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} أي ذكر الله ~~الذي في الصلاة أكبر من كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ وليس المراد أن ذكر ~~الله خارج الصلاة أفضل من الصلاة وما فيها من ذكر الله؛ فإن هذا خلاف ~~الإجماع. ولما كان ذكر الله هو مقصود الصلاة قال أبو الدرداء: ما دمت تذكر ~~الله فأنت في صلاة ولو كنت في السوق. ولما كان ذكر الله # PageV32P232 # يعم هذا كله قالوا: إن مجالس الحلال والحرام ونحو ذلك مما فيه ذكر أمر ~~الله ونهيه ووعده ووعيده ونحو ذلك من مجالس الذكر. والمقصود هنا: أن يعرف " ~~مراتب المصالح والمفاسد " وما يحبه الله ورسوله وما لا يبغضه مما أمر الله ~~به ورسوله: كان لما يتضمنه من تحصيل المصالح التي يحبها ويرضاها ودفع ~~المفاسد التي يبغضها ويسخطها؛ وما ms9354 نهي عنه كان لتضمنه ما يبغضه ويسخطه ~~ومنعه مما يحبه ويرضاه. وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ~~ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها وما ينفعها من حقائق الإيمان وما ~~يضرها من الغفلة والشهوة كما قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا} وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا} {ذلك مبلغهم من العلم} فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير ~~من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن. ~~وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى " سياسة النفس وتهذيب الأخلاق " ~~بمبلغهم من العلم كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة والقرامطة مثل أصحاب " رسائل ~~إخوان الصفا " وأمثالهم؛ فإنهم يتكلمون في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق ~~بمبلغهم من علم الفلسفة وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة وهم في غاية ما ~~ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير كما بسط في غير هذا الموضع. # PageV32P233 # وقوم من الخائضين في " أصول الفقه " وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف ~~المناسبة إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف ~~المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم ورأوا أن المصلحة " نوعان " ~~أخروية ودنيوية: جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من ~~الحكم؛ وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول ~~والدين الظاهر وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف ~~بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله ~~وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه وغير ذلك من ~~أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء ~~بالعهود. وصلة الأرحام؛ وحقوق المماليك والجيران وحقوق المسلمين بعضهم على ~~بعض وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه حفظا للأحوال السنية وتهذيب ~~الأخلاق. ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح. فهكذا ~~من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل؛ والنفع الذي كان ~~فيهما بمجرد أخذ ms9355 المال. يشبه هذا. . . (1) أن هذه المغالبات تصد عن ذكر ~~الله وعن الصلاة من جهة كونها عملا؛ لا من جهة أخذ المال؛ فإنها لا تصد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة إلا كما يصد سائر أنواع أخذ المال؛ ومعلوم أن الأموال ~~التي يكتسب بها المال لا ينهى عنها مطلقا؛ لكونها تصد عن ذكر الله وعن ~~PageV32P234 # الصلاة؛ بل ينهى منها عما يصد عن الواجب كما قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ~~وقال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله} وقال تعالى: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة} فما كان ملهيا وشاغلا عما أمر الله تعالى به من ذكره ~~والصلاة له فهو منهي عنه؛ وإن لم يكن جنسه محرما: كالبيع؛ والعمل في ~~التجارة وغير ذلك. فلو كان اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما في جنسه مباحا؛ ~~وإنما حرم إذا اشتمل على أكل المال بالباطل: كان تحريمه من جنس تحريم ما ~~نهي عنه من المبيعات والمؤجرات المشتملة على أكل المال بالباطل كبيوع ~~الغرر. فإن هذه لا يعلل النهي عنها بأنها تصد عما يجب من ذكر الله وعن ~~الصلاة فإن البيع الصحيح منه ما كان يصد وأن المعاملات الفاسدة: لا يعلل ~~تحريمها بأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة فيمكن أن يقال تلك المعاملات ~~الصحيحة ينهى منها عما يصد عن الواجب فتبين أن تحريم الميسر ليس لكونه من ~~المعاملات الفاسدة وأن نفس العمل به منهي عنه لأجل هذه المفسدة كما حرم شرب ~~الخمر. وهذا بين لمن تدبره. ألا ترى أنه لما حرم الربا لما فيه من الظلم ~~وأكل المال بالباطل قرن بذلك ذكر البيع الذي هو عدل وقدم عليه ذكر الصدقة ~~التي هي إحسان. فذكر في آخر سورة البقرة حكم الأموال: المحسن والعادل ~~والظالم: # PageV32P235 # ذكر الصدقة والبيع والربا. والظلم في الربا وأكل ms9356 المال بالباطل به أبين ~~منه في الميسر؛ فإن " المرابي " يأخذ فضلا محققا من المحتاج؛ ولهذا عاقبه ~~الله بنقيض قصده فقال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وأما " المقامر " ~~فإنه قد يغلب فيظلم فقد يكون المظلوم هو الغني وقد يكون هو الفقير وظلم ~~الفقير المحتاج أشد من ظلم الغني. وظلم يتعين فيه الظالم القادر أعظم من ~~ظلم لا يتعين فيه الظالم؛ فإن ظلم القادر الغني للعاجز الضعيف أقبح من ~~تظالم قادرين غنيين لا يدرى أيهما هو الذي يظلم. فالربا في ظلم الأموال ~~أعظم من القمار ومع هذا فتأخر تحريمه وكان آخر ما حرم الله تعالى في القرآن ~~فلو لم يكن في الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه. وقد ~~أباح الشارع أنواعا من الغرر للحاجة كما أباح اشتراط ثمر النخل بعد التأبير ~~تبعا للأصل وجوز بيع المجازفة وغير ذلك. وأما الربا فلم يبح منه؛ ولكن أباح ~~العدول عن التقدير بالكيل إلى التقدير بالخرص عند الحاجة كما أباح التيمم ~~عند عدم الماء للحاجة؛ إذ الخرص تقدير بظن والكيل تقدير بعلم. والعدول عن ~~العلم إلى الظن عند الحاجة جائز. فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس ~~فيه إلا مجرد أكل المال بالباطل؛ لكن الميسر تطلب به الملاعبة والمغالبة ~~نهي عنه الإنسان لفساد عقله مع فساد ماله. مثل ما فيه من الصدود عن ذكر ~~الله وعن الصلاة. وكل من الخمر والميسر فيه إيقاع العداوة والبغضاء وفيه ~~الصد عن ذكر الله وعن الصلاة: أعظم من الربا وغيره من المعاملات الفاسدة. # PageV32P236 # فتبين أن " الميسر " اشتمل على " مفسدتين ": مفسدة في المال. وهي أكله ~~بالباطل. ومفسدة في العمل وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل ~~وفساد ذات البين. وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي فينهى عن أكل المال ~~بالباطل مطلقا ولو كان بغير ميسر كالربا وينهى عما يصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال. فإذا اجتمعا عظم ~~التحريم: فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا. ولهذا حرم ms9357 ذلك قبل ~~تحريم الربا ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب ~~يتداوى بها كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم ~~وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ولا يوقع العداوة ~~والبغضاء؛ لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه كل ذلك ~~مبالغة في الاجتناب. فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا. والمعين على الميسر ~~كالمعين على الخمر؛ فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. وكما أن الخمر ~~تحرم الإعانة عليها ببيع أو عصر أو سقي أو غير ذلك: فكذلك الإعانة على ~~الميسر: كبائع آلاته والمؤجر لها والمذبذب الذي يعين أحدهما: بل مجرد ~~الحضور عند أهل الميسر كالحضور عند أهل شرب الخمر. وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها ~~الخمر} وقد رفع إلى عمر بن # PageV32P237 # عبد العزيز رضي الله عنه قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم فقيل له: إن فيهم ~~صائما. فقال ابدءوا به ثم قال: أما سمعت قوله تعالى {وقد نزل عليكم في ~~الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} فاستدل عمر بالآية؛ لأن الله تعالى ~~جعل حاضر المنكر مثل فاعله؛ بل إذا كان من دعا إلى دعوة العرس لا تجاب ~~دعوته إذا اشتملت على منكر حتى يدعه مع أن إجابة الدعوة حق: فكيف بشهود ~~المنكر من غير حق يقتضي ذلك. فإن قيل: إذا كان هذا من الميسر فكيف استجازه ~~طائفة من السلف؟ قيل له: المستجيز للشطرنج من السلف بلا عوض كالمستجيز ~~للنرد بلا عوض من السلف وكلاهما مأثور عن بعض السلف؛ بل في الشطرنج قد تبين ~~عذر بعضهم كما كان الشعبي يلعب به لما طلبه الحجاج لتولية القضاء. رأى أن ~~يلعب به ليفسق نفسه ولا يتولى القضاء للحجاج ورأى أن يحتمل مثل هذا ليدفع ~~عن نفسه إعانة مثل ms9358 الحجاج على مظالم المسلمين. وكان هذا أعظم محذورا عنده؛ ~~ولم يمكنه الاعتذار إلا بمثل ذلك. ثم يقال: من المعلوم أن الذين استحلوا ~~النبيذ المتنازع فيه من السلف والذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف ~~أكثر وأجل قدرا من هؤلاء؛ فإن ابن عباس ومعاوية وغيرهما رخصوا في الدرهم ~~بالدرهمين وكانوا متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النساء؛ لا في اليد ~~باليد. وكذلك من ظن أن الخمر # PageV32P238 # ليست إلا المسكر من عصير العنب: فهؤلاء فهموا من الخمر نوعا منه دون نوع ~~وظنوا أن التحريم مخصوص به. وشمول الميسر لأنواعه كشمول الخمر والربا ~~لأنواعهما. و ### | ليس لأحد أن يتبع زلات العلماء # كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله ~~تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا كما قال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا} قال الله: قد فعلت. وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا ~~نتبع من دونه أولياء وأمرنا أن لا نطيع مخلوقا في معصية الخالق ونستغفر ~~لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فنقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان} الآية. وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا ~~من الأمور. ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله؛ ونرعى حقوق المسلمين؛ لا ~~سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله. ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل ~~عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا: فهو من الظالمين. ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان ~~من أولياء الله المتقين. والله سبحانه أعلم. # PageV32P239 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجلين اختلفا في " الشطرنج " فقال أحدهما: هي حرام. وقال الآخر: هي ~~ترد عن الغيبة وعن النظر إلى الناس مع أنها حلال: فأيهما المصيب؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما إذا كان بعوض أو يتضمن ترك واجب: مثل تأخير ~~الصلاة عن وقتها أو تضييع واجباتها أو ترك ما يجب من مصالح العيال وغير ذلك ~~مما أوجب على ms9359 المسلمين؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين وكذلك إذا تضمن كذبا أو ~~ظلما وغير ذلك من المحرمات؛ فإنه حرام بالإجماع. وإذا خلا عن ذلك فجمهور ~~العلماء: كمالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وكثير من ~~أصحاب الشافعي: أنه حرام. وقال هؤلاء: إن الشافعي لم يقطع بأنه حلال؛ بل ~~كرهه. وقيل: إنه قال: لم يتبين إلي تحريمه. والبيهقي أعلم أصحاب الشافعي ~~بالحديث وأنصرهم للشافعي. ذكر إجماع الصحابة على المنع منه: عن علي بن أبي ~~طالب وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس وأبي موسى وعائشة - رضي الله عنهم - ولم ~~يحك عن الصحابة في ذلك نزاعا. ومن نقل عن أحد من الصحابة أنه رخص فيه فهو ~~غالط. والبيهقي وغيره من أهل الحديث أعلم بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالا ~~بلا إسناد قال البيهقي: جعل الشافعي اللعب بالشطرنج من المسائل المختلف ~~فيها. # PageV32P240 # في أنه لا يوجب رد الشهادة فأما كراهيته اللعب بها فقد صرح بها فيما ~~قدمنا ذكره وهو الأشبه والأولى بمذهبه. فالذين كرهوا أكثر ومعهم من يحتج ~~بقوله. وروي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه كان يقول: الشطرنج ميسر العجم. وروي بإسناده عن علي: أنه مر بقوم ~~يلعبون بالشطرنج وقال: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ؟ لأن يمس ~~أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها. وعن علي رضي الله عنه أنه مر ~~بمجلس من مجالس تيم الله وهم يلعبون بالشطرنج فقال: أما والله لغير هذا ~~خلقتم أما والله لولا أن يكون سنة لضربت بها وجوهكم وعن مالك قال: بلغنا أن ~~ابن عباس ولي مال يتيم فأحرقها. وعن ابن عمر أنه سئل عن الشطرنج فقال: هو ~~شر من النرد. وعن أبي موسى الأشعري قال: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وعن ~~عائشة: أنها كانت تكره الكيل وإن لم يقامر عليها. وأبو سعيد الخدري كان ~~يكره اللعب بها. فهذه أقوال الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عن صحابي خلاف ~~ذلك. ثم روى البيهقي أيضا ms9360 عن أبي جعفر محمد بن علي المعروف بالباقر أنه سئل ~~عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية. قال البيهقي: روينا في كراهية ~~اللعب بها. عن يزيد بن أبي حبيب ومحمد ابن سيرين وإبراهيم ومالك بن أنس. ~~قلت: " والكراهية " في كلام السلف كثيرا وغالبا يراد بها التحريم وقد صرح ~~هؤلاء بأنها كراهة تحريم؛ بل صرحوا بأنها شر من النرد والنرد حرام؛ وإن لم ~~يكن فيها عوض. # PageV32P241 # وروي بإسناده عن جامع بن وهب عن أبي سلمة قال: قلت للقاسم بن محمد: ما " ~~الميسر "؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة: فهو ميسر. قال يحيى بن ~~أيوب: حدثني عبد الله بن عمر. أنه سمع عمر بن عبد الله يقول: قلت للقاسم بن ~~محمد: هذا النرد ميسر. أرأيت الشطرنج ميسر هي؟ قال القاسم: كل ما ألهى عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب حدثنا أبو ~~قيس عن عقبة بن عامر قال: لأن أعبد صنما يعبد في الجاهلية أحب إلي من أن ~~ألعب بهذا الميسر. قال القيسي: وهي عيدان كان يلعب بها في الأرض. وبإسناده ~~عن فضالة بن عبيد قال: ما أبالي ألعبت بالكيل أو توضأت بدم خنزير ثم قمت ~~إلى الصلاة. وما ذكر عن علي بن أبي طالب: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج ~~فقال: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ؟ ثابت عنه يشبههم بعباد ~~الأصنام وذلك كقوله: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} {إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون} . و " الميسر " يدخل فيه " النردشير " ونحوه وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من لعب بالنردشير فقد ~~صبغ يده في لحم خنزير ودمه} وفي السنن أنه قال. {من لعب بالنردشير فقد عصى ~~الله ورسوله} . ومذهب الأئمة الأربعة أن اللعب بالنرد حرام وإن لم يكن ~~بعوض. وقد ms9361 قال ابن عمر ومالك بن أنس وغيرهما: إن الشطرنج شر من النرد وقال ~~أبو حنيفة # PageV32P242 # وأحمد بن حنبل والشافعي وغيرهم: النردشير من الشطرنج. وكلا القولين صحيح ~~باعتبار؛ فإن النرد إذا كان بعوض والشطرنج بغير عوض: فالنرد شر منه وهو ~~حرام حينئذ بالإجماع. وأما إن كان كلاهما بعوض أو كلاهما بلا عوض فالشطرنج ~~شر من النرد؛ لأن الشطرنج يشغل القلب ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من ~~النرد. ولهذا قيل: الشطرنج مبني على مذهب القدر والنرد مبني على مذهب ~~الجبر. فإن صاحب النرد يرمي ويحسب بعد ذلك وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدر ~~ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل؛ فإفساد الشطرنج للقلب أعظم من إفساد ~~النرد؛ ولكن كان معروفا عند العرب؛ والشطرنج لم يعرف إلا بعد أن فتحت ~~البلاد؛ فإن أصله من الهند وانتقل منهم إلى الفرس؛ فلهذا جاء ذكر النرد في ~~الحديث؛ وإلا فالشطرنج شر منه إذا استويا في العوض أو عدمه. وقد بسط جواب ~~السؤال في موضع آخر. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل لعب بالشطرنج وقال: هو خير من النرد: فهل هذا صحيح؟ وهل اللعب ~~بالشطرنج بعوض أو غير عوض حرام؟ وما قول العلماء فيه؟ # فأجاب: # الحمد لله، اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد. ~~وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من لعب بالنرد # PageV32P243 # فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه} وقال: {من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله} وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج ~~فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ وروي أنه قلب الرقعة عليهم. ~~وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر وهو كما قالوا؛ فإن الله حرم ~~الميسر وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض ~~وهو من القمار والميسر الذي حرمه الله. والنرد حرام عند الأئمة الأربعة ~~سواء كان بعوض أو غير عوض؛ ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض؛ لاعتقاده ~~أنه ms9362 لا يكون حينئذ من الميسر. وأما الشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وأبو حنيفة ~~وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض؛ وكذلك الشطرنج صرح هؤلاء الأئمة ~~بتحريمها: مالك؛ وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. وتنازعوا أيهما أشد؟ فقال مالك ~~وغيره: الشطرنج شر من النرد. وقال أحمد وغيره: الشطرنج أخف من النرد؛ ولهذا ~~توقف الشافعي في النرد إذا خلا عن المحرمات؛ إذ سبب الشبهة في ذلك أن أكثر ~~من يلعب فيها بعوض بخلاف الشطرنج فإنها تلعب بغير عوض غالبا. وأيضا فظن ~~بعضهم أن اللعب بالشطرنج يعين على القتال؛ لما فيها من صف الطائفتين. و " ~~التحقيق " أن النرد والشطرنج إذا لعب بهما بعوض فالشطرنج شر منها؛ لأن ~~الشطرنج حينئذ حرام بإجماع المسلمين وكذلك يحرم # PageV32P244 # بالإجماع إذا اشتملت على محرم: من كذب ويمين فاجرة أو ظلم أو جناية أو ~~حديث غير واجب ونحوها وهي حرام عند الجمهور وإن خلت عن هذه المحرمات؛ فإنها ~~تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء أعظم من النرد إذا كان ~~بعوض. وإذا كانا بعوض فالشطرنج شر في الحالين. وأما إذا كان العوض من ~~أحدهما ففيه من أكل المال بالباطل ما ليس في الآخر والله تعالى قرن الميسر ~~بالخمر والأنصاب والأزلام لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وفيها ~~إيقاع العداوة والبغضاء؛ فإن الشطرنج إذا استكثر منها تستر القلب وتصده عن ~~ذلك أعظم من تستر الخمر. وقد شبه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لاعبيها ~~بعباد الأصنام حيث قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ كما شبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر بعابد الوثن في الحديث الذي في المسند ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {شارب الخمر كعابد الوثن} . وأما ما ~~يروى عن سعيد بن جبير من اللعب بها: فقد بين سبب ذلك: أن الحجاج طلبه ~~للقضاء فلعب بها؛ ليكون ذلك قادحا فيه فلا يولى القضاء. وذلك أنه رأى ولاية ~~الحجاج أشد ضررا عليه في دينه من ذلك والأعمال بالنيات وقد يباح ما هو ms9363 أعظم ~~تحريما من ذلك لأجل الحاجة. وهذا يبين أن اللعب بالشطرنج كان عندهم من ~~المنكرات كما نقل عن علي وابن عمر وغيرهما؛ ولهذا قال أبو حنيفة وأحمد ~~وغيرهما: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج؛ لأنه مظهر للمعصية وقال صاحبا أبي ~~حنيفة: يسلم عليه. # PageV32P245 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم {من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده في ~~لحم خنزير ودمه} ؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما قوله: {من لعب بالنردشير فهو كمن غمس يده في لحم خنزير ~~ودمه} فهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره. واللعب بالنرد حرام وإن لم يكن بعوض ~~عند جماهير العلماء وبالعوض حرام بالإجماع. # وسئل - رحمه الله -: # عن اللعب بالحمام؟ # فأجاب: # اللعب بالحمام منهي عنه وفي السنن {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة} . ومن لعب بالحمام فأشرف على ~~حريم الناس أو رماهم بالحجارة فوقعت على الجيران فإنه يعزر على ذلك تعزيرا ~~يردعه عن ذلك ويمنع من ذلك فإن هذا فيه ظلم وعدوان على الجيران؛ مع ما فيه ~~من اللعب المنهي عنه. والله أعلم. # PageV32P246 ### | باب العشرة # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن أقوام يعاشرون " المردان " وقد يقع من أحدهم قبلة ومضاجعة للصبي ~~ويدعون أنهم يصحبون لله؛ ولا يعدون ذلك ذنبا ولا عارا؛ ويقولون: نحن نصحبهم ~~بغير خنا؛ ويعلم أبو الصبي بذلك وعمه وأخوه فلا ينكرون: فما حكم الله تعالى ~~في هؤلاء؟ وماذا ينبغي للمرء المسلم أن يعاملهم به والحالة هذه؟ # الجواب # فأجاب: # الحمد لله، الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من ~~الأمور ولا يجوز تقبيله على وجه اللذة؛ بل لا يقبله إلا من يؤمن عليه: ~~كالأب؛ والإخوة. ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه باتفاق الناس؛ بل يحرم ~~عند جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك؛ وإنما ينظر إليه لحاجة بلا ريبة مثل ~~معاملته والشهادة عليه؛ ونحو ذلك كما ينظر إلى المرأة للحاجة. وأما " ~~مضاجعته ": فهذا أفحش من أن يسأل عنه؛ فإن النبي صلى الله ms9364 عليه وسلم قال: ~~{مروهم بالصلاة لسبع؛ واضربوهم عليها لعشر؛ وفرقوا # PageV32P247 # بينهم في المضاجع} إذا بلغوا عشر سنين ولم يحتلموا بعد فكيف بما هو فوق ~~ذلك وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: {لا يخلو رجل بامرأة إلا ~~كان ثالثهما الشيطان} وقال: {إياكم والدخول على النساء. قالوا: يا رسول ~~الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت} فإذا كانت الخلوة محرمة لما يخاف منها ~~فكيف بالمضاجعة وأما قول القائل: إنه يفعل ذلك لله. فهذا أكثره كذب وقد ~~يكون لله مع هوى النفس كما يدعي من يدعي مثل ذلك في صحبة النساء الأجانب؛ ~~فيبقى كما قال تعالى في الخمر {فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما} وقد روى الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن وفد عبد القيس ~~لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه ~~خلف ظهره؛ وقال: إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظر} . هذا وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو مزوج بتسع نسوة؛ والوفد قوم صالحون ولم تكن ~~الفاحشة معروفة في العرب وقد روي عن المشايخ من التحذير عن صحبة " الأحداث ~~" ما يطول وصفه. وليس لأحد من الناس أن يفعل ما يفضي إلى هذه المفاسد ~~المحرمة وإن ضم إلى ذلك مصلحة من تعليم أو تأديب؛ فإن " المردان " يمكن ~~تعليمهم وتأديبهم بدون هذه المفاسد التي فيها مضرة عليهم وعلى من يصحبهم ~~وعلى المسلمين: بسوء الظن تارة وبالشبهة أخرى؛ بل روي: أن رجلا كان يجلس # PageV32P248 # إليه المردان فنهى عمر رضي الله عنه عن مجالسته. ولقي عمر بن الخطاب شابا ~~فقطع شعره؛ لميل بعض النساء إليه؛ مع ما في ذلك من إخراجه من وطنه؛ ~~والتفريق بينه وبين أهله. ومن أقر صبيا يتولاه: مثل ابنه وأخيه أو مملوكه ~~أو يتيم عند من يعاشره على هذا الوجه: فهو ديوث ملعون {ولا يدخل الجنة ~~ديوث} فإن الفاحشة الباطنة ما يقوم عليها بينة في العادة؛ وإنما تقوم على ~~الظاهرة وهذه العشرة القبيحة من الظاهرة وقد ms9365 قال الله تعالى: {ولا تقربوا ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن} . فلو ذكرنا ما حصل في مثل هذا من الضرر والمفاسد وما ذكره ~~العلماء: لطال. سواء كان الرجل تقيا أو فاجرا؛ فإن التقي يعالج مرارة في ~~مجاهدة هواه وخلاف نفسه؛ وكثيرا ما يغلبه شيطانه ونفسه؛ بمنزلة من يحمل ~~حملا لا يطيقه فيعذبه أو يقتله؛ والفاجر يكمل فجوره بذلك. والله أعلم # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين تراهنا في عمل زجلين وكل منهما له عصبية؟ وعلى من تعصب لهما؟ ~~وفي ذكرهما التغزل في المردان وغير ذلك وما أشبههما؟ أفتونا مأجورين. # PageV32P249 # فأجاب: الحمد لله. هؤلاء المتغالبون بهذه الأزجال؛ وما كان من جنسها هم ~~والمتعصبون من الطرفين؛ والمراهنة في ذلك وغير المراهنة ظالمون معتدون ~~آثمون مستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تردعهم وأمثالهم من سفهاء ~~الغواة العصاة الفاسقين عن مثل هذه الأقوال والأعمال التي لا تنفع في دين ~~ولا دنيا؛ بل تضر أصحابها في دينهم ودنياهم. وعلى " ولاة الأمور وجميع ~~المسلمين " الإنكار على هؤلاء وأعوانهم؛ حتى ينتهوا عن هذه المنكرات ~~ويراجعوا طاعة الله ورسوله وملازمة الصراط المستقيم الذي يجب على المسلمين ~~ملازمته؛ فإن هذه المغالبات مشتملات على منكرات محرمات؛ وغير محرمات بل ~~مكروهات. ومن المحرمات التي فيها [ما] (1) تحريمه ثابت بالإجماع وبالنصوص ~~الشرعية؛ وذلك من وجوه. " أحدها " المراهنة على ذلك بإجماع المسلمين؛ وكذلك ~~لو كان المال مبذولا من أحدهما؛ أو من غيرها: لم يجز؛ لا على قول من يقول: ~~لا سبق إلا في خف أو حافر؛ أو نصل. ولا على قول من يقول: السبق في غير هذه ~~الثلاثة. أما على القول الأول فظاهر وفي ذلك الحديث المعروف في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل} . ~~وهذه الثلاثة من أعمال الجهاد في سبيل الله فإخراج السبق فيها من أنواع ~~إنفاق المال في سبيل الله؛ بخلاف غيرها من المباحات: كالمصارعة والمسابقة ~~بالإقدام؛ فإن هذه ms9366 الأعمال ليست من الجهاد؛ فلهذا رخص فيها من غير سبق؛ ~~{فإن النبي صلى الله عليه وسلم PageV32P250 # صارع ابن عبد يزيد؛ وسابق عائشة رضي الله عنها} وأذن في السباق لسلمة بن ~~الأكوع. وأما على القول الثاني فلا بد أن تكون المغالبة في عمل مباح؛ وهذه ~~ليست كذلك. وذلك يظهر " بالوجه الثاني ": وهو أن هذه الأقوال فيها من وصف ~~المردان وعشقهم؛ ومقدمات الفجور بهم ما يقتضي ترغيب النفوس في ذلك؛ وتهييج ~~ذلك في القلوب. وكل ما فيه إعانة على الفاحشة والترغيب فيها: فهو حرام؛ ~~وتحريم هذا أعظم من تحريم الندب والنياحة وذلك يثير الحزن؛ وهذا يثير ~~الفسق. والحزن قد يرخص فيه؛ وأما الفسق فلا يرخص في شيء منه. وهذا من جنس " ~~القيادة ". وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا ~~تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها} فنهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن وصف المرأة؛ لئلا تتمثل في نفسه صورتها فكيف بمن يصف المردان بهذه ~~الصفات ويرغب في الفواحش بمثل هذه الأقوال المنكرات: التي تخرج القلب ~~السليم؛ وتعمي القلب السقيم؛ وتسوق الإنسان إلى العذاب الأليم وقد أمر عمر ~~رضي الله عنه بضرب نائحة: فضربت حتى بدا شعرها؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين ~~إنه قد بدا شعرها؟ فقال: لا حرمة لها؛ إنما تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه ~~وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به؛ وتفتن الحي وتؤذي الميت؛ وتبيع عبرتها ~~وتبكي شجو غيرها: إنها لا تبكي على ميتكم وإنما تبكي على أخذ دراهمكم. وبلغ ~~عمر أن شابا يقال له: " نصر # PageV32P251 # ابن حجاج " تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه إلى البصرة وقال: ~~لا يكون عندي من تغنى به النساء. فكيف لو رأى عمر من يغني بمثل هذه الأقوال ~~الموزونة في المردان مع كثرة الفجور وظهور الفواحش وقلة الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله ولدينه. ويدعون إلى ما ~~نهى الله عنه؛ ويصدون عما أمر الله به ويصدون عن سبيل ms9367 الله؛ ويبغونها عوجا. ~~" الوجه الثالث " أن هذا الكلام الموزون كلام فاسد مفردا أو مركبا لأنهم ~~غيروا فيه كلام العرب وبدلوه؛ بقولهم: ماعوا وبدوا وعدوا. وأمثال ذلك مما ~~تمجه القلوب والأسماع وتنفر عنه العقول والطباع. وأما " مركباته " فإنه ليس ~~من أوزان العرب؛ ولا هو من جنس الشعر ولا من أبحره الستة عشر ولا من جنس ~~الأسجاع والرسائل والخطب. ومعلوم أن " تعلم العربية؛ وتعليم العربية " فرض ~~على الكفاية؛ وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن. فنحن مأمورون أمر إيجاب ~~أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي؛ ونصلح الألسن المائلة عنه؛ فيحفظ ~~لنا طريقة فهم الكتاب والسنة؛ والاقتداء بالعرب في خطابها. فلو ترك الناس ~~على لحنهم كان نقصا وعيبا؛ فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة ~~والأوزان القويمة: فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان ~~الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان؛ الذي لا يهذي به إلا قوم من ~~الأعاجم الطماطم الصميان " # PageV32P252 # الوجه الرابع " أن المغالبة بمثل هذا توقع العداوة والبغضاء وتصدهم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة وهذا من جنس النقار بين الديوك والنطاح بين الكباش؛ ~~ومن جنس مغالبات العامة التي تضرهم ولا تنفعهم والله سبحانه حرم الخمر ~~والميسر. والميسر هو القمار؛ لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع ~~العداوة والبغضاء. و " الميسر المحرم " ليس من شرطه أن يكون فيه عوض بل ~~اللعب بالنرد حرام باتفاق العلماء وإن لم يكن فيه عوض وإن كان فيه خلاف شاذ ~~لا يلتفت إليه. وقد قال صلى الله عليه وسلم {من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله} لأن النرد يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء؛ ~~وهذه المغالبات تصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة؛ وتوقع بينهم العداوة ~~والبغضاء: أعظم من النرد فإذا كان أكثر الأئمة قد حرم الشطرنج وجعله مالك ~~أعظم من النرد مع أن اللاعبين بالنرد والشطرنج وإن كانوا فساقا: فهم أمثل ~~من هؤلاء. وهذا بين. " الوجه الخامس " وهو أن غالب هؤلاء: إما زنديق منافق؛ ~~وإما فاجر فاسق ولا يكاد يوجد فيهم مؤمن ms9368 بر؛ بل وجد حاذقهم منسلخا من دين ~~الإسلام مضيعا للصلوات متبعا للشهوات؛ لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؛ ولا ~~يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدين دين المسلمين. وإن كان مسلما كان فاسقا ~~مرتكبا للمحرمات؛ تاركا للواجبات. وإن كان الغالب عليهم إما النفاق وإما ~~الفسق: كان حكم الله في الزنديق قتله من غير استتابة وحكمه في الفاسق إقامة ~~الحد عليه: إما بالقتل أو بغيره والمخالط # PageV32P253 # لهم والمعاشر إذا ادعى سلامته من ذلك لم يقبل؛ فإنه إما أن يفعل معهم ~~المحرمات ويترك الواجبات وإما أن يقرهم على المنكرات فلا يأمرهم بمعروف ولا ~~ينهاهم عن منكر. وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة وقد رفع إلى عمر بن عبد ~~العزيز أقوام يشربون الخمر فأمر بجلدهم الحد فقيل: إن فيهم صائما؟ فقال: ~~أبدءوا بالصائم فاجلدوه: ألم يسمع إلى قوله تعالى {وقد نزل عليكم في الكتاب ~~أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره} ؟ . قوله تعالى {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين} {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم ~~يتقون} فنهى سبحانه عن القعود مع الظالمين؛ فكيف بمعاشرتهم؟ أم كيف ~~بمخادنتهم وهؤلاء قوم تركوا المقامرة بالأيدي وعجزوا عنها: ففتحوا القمار ~~بالألسنة والقمار بالألسنة أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي. والواجب ~~على المسلمين المبالغة في عقوبة هؤلاء وهجرهم واستتابتهم؛ بل لو فرض أن ~~الرجل نظم هذه الأزجال العربية من غير مبالغة لنهي عن ذلك؛ بل لو نظمها في ~~غير الغزل. فإنهم تارة ينظمونها بالكفر بالله وبكتابه ورسوله كما نظمها أبو ~~الحسن التستري " في " وحدة الوجود " وأن الخالق هو المخلوق. وتارة ينظمونها ~~في الفسق: كنظم هؤلاء الغواة والسفهاء الفساق. ولو قدر أن ناظما نظم هذه ~~الأزجال في مكان حانوت: نهي؛ فإنها تفسد اللسان العربي وتنقله إلى العجمة ~~المنكرة. # PageV32P254 # وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات وهو " التكلم ~~بغير العربية " إلا لحاجة كما نص على ذلك مالك والشافعي ms9369 وأحمد بل قال مالك: ~~من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه. مع أن سائر الألسن يجوز النطق ~~بها لأصحابها؛ ولكن سوغوها للحاجة وكرهوها لغير الحاجة ولحفظ شعائر ~~الإسلام؛ فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي وبعث به نبيه العربي وجعل ~~الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام فكيف بمن ~~تقدم على الكلام العربي - مفرده ومنظومه - فيغيره ويبدله ويخرجه عن قانونه ~~ويكلف الانتقال عنه إنما هذا نظير ما يفعله بعض أهل الضلال من الشيوخ ~~الجهال حيث يصمدون إلى الرجل العاقل فيؤلهونه ويخنثونه؛ فإنهم ضادوا الرسول ~~إذ بعث بإصلاح العقول والأديان وتكميل نوع الإنسان وحرم ما يغير العقل من ~~جميع الألوان. فإذا جاء هؤلاء إلى صحيح العقل فأفسدوا عقله وفهمه وقد ضادوا ~~الله وراغموا حكمه. والذين يبدلون اللسان العربي ويفسدونه لهم من هذا الذم ~~والعقاب بقدر ما يفتحونه؛ فإن صلاح العقل واللسان مما يؤمر به الإنسان. ~~ويعين ذلك على تمام الإيمان وضد ذلك يوجب الشقاق والضلال والخسران. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يتحدث بين الناس بكلام وحكايات مفتعلة كلها كذب: هل يجوز ذلك؟ # PageV32P255 # فأجاب: # أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر: فإنه عاص لله ~~ورسوله وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم: ويل له ويل له ثم ويل له} وقد قال ~~ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ~~ينجزه. وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مسلم وضرر في الدين: فهو أشد ~~تحريما من ذلك. وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ~~ذلك. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # " التشبه بالبهائم " في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه: في ~~أصواتها وأفعالها؛ ونحو ذلك مثل: أن ينبح نبيح الكلاب؛ أو ينهق نهيق الحمير ~~ونحو ذلك. وذلك لوجوه: " أحدها " أنا قررنا في " اقتضاء الصراط ms9370 المستقيم " ~~نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه؛ بالأعراب ~~وبالأعاجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك: في أمور من خصائصهم وبينا أن من أسباب ~~ذلك # PageV32P256 # أن المشابهة تورث مشابهة الأخلاق؛ وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب ~~اكتسب من أخلاقها: كالكلابين والجمالين. وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل ~~الجفاء وقسوة القلوب: أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم؛ فكيف يكون التشبه بنفس ~~البهائم فيما هي مذمومة بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن ~~التشبه بالبهائم مطلقا فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذموما بعينه؛ لأن ~~ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه؛ إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيا ~~أو عجميا خير من كونه كلبا أو حمارا أو خنزيرا فإذا وقع النهي عن التشبه ~~بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه؛ لكون ذلك تشبها فيما يستلزم النقص ويدعو ~~إليه: فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذموما ومنهيا ~~عنه. " الوجه الثاني " أن كون الإنسان مثل البهائم مذموم؛ قال تعالى: {ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون} . " الوجه الثالث ": أن الله سبحانه إنما شبه الإنسان بالكلب ~~والحمار ونحوهما في معرض الذم له كقوله: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم ~~يتفكرون} # PageV32P257 # {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} وقال تعالى: ~~{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} الآية. ~~وإذا كان التشبه بها إنما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه ~~بها: فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذموما؛ لكن إن كان تشبه بها في ~~عين ما ذمه الشارع: صار مذموما من وجهين. وإن كان فيما لم يذمه بعينه: صار ~~مذموما من جهة التشبه المستلزم للوقوع في المذموم بعينه. يؤيد هذا: " الوجه ~~الرابع ms9371 " وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {العائد في هبته كالعائد ~~في قيئه؛ ليس لنا مثل السوء} . ولهذا يذكر: أن الشافعي وأحمد تناظرا في هذه ~~المسألة فقال له الشافعي: الكلب ليس بمكلف. فقال له أحمد: ليس لنا مثل ~~السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ~~هذا المثل إلا ليبين أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموما وإن لم يكن ~~الكلب مذموما في ذلك من جهة التكليف؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله ~~سبحانه قد بين بقوله: {ساء مثلا} أن التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه ~~عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموما بقدر ذلك المثل ~~السوء. " الوجه الخامس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه كلب} وقال: {إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ~~وإذا # PageV32P258 # سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا} فدل ذلك ~~على أن أصواتها مقارنة للشياطين وأنها منفرة للملائكة. ومعلوم أن المشابه ~~للشيء لا بد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة فإذا نبح نباحها كان في ~~ذلك من مقارنة الشياطين وتنفير الملائكة بحسبه. وما يستدعي الشياطين وينفر ~~الملائكة: لا يباح إلا لضرورة؛ ولهذا لم يبح اقتناء الكلب إلا لضرورة؛ لجلب ~~منفعة: كالصيد. أو دفع مضرة عن الماشية والحرث حتى قال صلى الله عليه وسلم ~~{من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراط} . " ~~وبالجملة " فالتشبه بالشيء يقتضي من الحمد والذم بحسب الشبه؛ لكن كون ~~المشبه به غير مكلف لا ينفي التكليف عن المتشبه كما لو تشبه بالأطفال ~~والمجانين. والله سبحانه أعلم. " الوجه السادس " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال} وذلك ~~لأن الله خلق كل نوع من الحيوان وجعل صلاحه وكماله في أمر مشترك بينه وبين ~~غيره وبين أمر مختص به. فأما الأمور المشتركة فليست من خصائص أحد النوعين؛ ms9372 ~~ولهذا لم يكن من مواقع النهي؛ وإنما مواقع النهي الأمور المختصة. فإذا كانت ~~الأمور التي هي من خصائص النساء ليس للرجال التشبه بهن فيها والأمور التي ~~من خصائص الرجال ليس # PageV32P259 # للنساء التشبه بهم فيها: فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا يجوز ~~للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى. وذلك لأن الإنسان بينه ~~وبين الحيوان قدر جامع مشترك وقدر فارق مختص ثم الأمر المشترك: كالأكل ~~والشرب والنكاح والأصوات والحركات؛ لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان ~~فيها أحكام تخصه؛ ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها. فالأمور المختصة ~~به أولى؛ مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها؛ ولكن فيه أوصاف تشبه ~~أوصافها من بعض الوجوه. والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن؛ لا في الخارج. ~~وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفا بالحقيقة للحيوان وجعل ~~كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه وهي جميعها لا يماثل فها الحيوان؛ فإذا ~~تعمد مماثلة الحيوان وتغيير خلق الله: فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة وذلك ~~محرم. والله أعلم. # وقال - رحمه الله -: # فصل قوله: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} يقتضي وجوب ~~طاعتها لزوجها مطلقا: من خدمة وسفر معه وتمكين له وغير ذلك كما # PageV32P260 # دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث " الجبل الأحمر " وفي ~~" السجود " وغير ذلك؛ كما تجب طاعة الأبوين؛ فإن كل طاعة كانت للوالدين ~~انتقلت إلى الزوج؛ ولم يبق للأبوين عليها طاعة: تلك وجبت بالأرحام وهذه ~~وجبت بالعهود كما سنقرر إن شاء الله هذين الأصلين العظيمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها. فأيهما أفضل: برها لوالديها أو ~~مطاوعة زوجها؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها ~~وطاعة زوجها عليها أوجب قال الله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب ~~بما حفظ الله} وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الدنيا ~~متاع وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت ms9373 عنها حفظتك في نفسها ومالك} . وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت ~~فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت} وفي الترمذي عن أم سلمة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها ~~دخلت # PageV32P261 # الجنة} وقال الترمذي حديث حسن. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها} ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأخرجه أبو داود ولفظه: {لأمرت النساء أن ~~يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق} وفي المسند عن أنس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن ~~يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده ~~لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تجري بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ~~ما أدت حقه} وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن ~~رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل ~~أحمر: لكان لها أن تفعل} أي لكان حقها أن تفعل. وكذلك في المسند وسنن ابن ~~ماجه وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن أبي أوفى قال: {لما قدم معاذ من الشام ~~سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام ~~فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك يا رسول ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ذلك فإني لو كنت آمرا ~~أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت # PageV32P262 # المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى ~~تؤدي حق زوجها؛ ولو سألها نفسها وهي على ms9374 قتب لم تمنعه} وعن طلق بن علي قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما رجل دعا زوجته لحاجته فلتأته ولو ~~كانت على التنور} رواه أبو حاتم في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن وفي ~~الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا دعا الرجل ~~امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبانا عليها: لعنتها الملائكة حتى ~~تصبح} . والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن ~~ثابت: الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله تعالى {وألفيا سيدها لدى الباب} . ~~وقال عمر بن الخطاب: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. وفي ~~الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {استوصوا بالنساء خيرا ~~فإنما هن عندكم عوان} فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير فليس لها أن ~~تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق ~~الأئمة. وإذا أراد الرجل أن ينتقل إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ ~~حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون ~~أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لها أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج ~~وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى ~~يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما # PageV32P263 # تطلبه ليطلقها فلا يحل لها أن تطيع واحدا من أبويها في طلاقه إذا كان ~~متقيا لله فيها. ففي السنن الأربعة وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس ~~فحرام عليها رائحة الجنة} وفي حديث آخر {المختلعات والمنتزعات هن ~~المنافقات} وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل ~~المحافظة على الصلوات وصدق الحديث وأداء الأمانة ونهيها عن تبذير مالها ~~وإضاعته ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن ~~تطيعهما في ms9375 ذلك ولو كان الأمر من غير أبويها. فكيف إذا كان من أبويها وإذا ~~نهاها الزوج عما أمر الله أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه ~~في ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنه لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق} بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في ~~معصية فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية فإن الخير ~~كله في طاعة الله ورسوله والشر كله في معصية الله ورسوله. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجة أسكنها بين ناس مناجيس وهو يخرج بها إلى الفرج وإلى أماكن ~~الفساد ويعاشر مفسدين. فإذا قيل له: انتقل من هذا المسكن السوء. فيقول: أنا ~~زوجها ولي الحكم في امرأتي ولي السكنى. فهل له ذلك؟ # PageV32P264 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس له أن يسكنها حيث شاء ولا يخرجها إلى حيث ~~شاء؛ بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها ولا يخرج بها عند أهل الفجور؛ بل ليس ~~له أن يعاشر الفجار على فجورهم ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين: عقوبة ~~على فجوره بحسب ما فعل وعقوبة على ترك صيانة زوجته وإخراجها إلى أماكن ~~الفجور. فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك. والله أعلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # وأما " إتيان النساء في أدبارهن " فهذا محرم عند جمهور السلف والخلف كما ~~ثبت ذلك في الكتاب والسنة وهو المشهور في مذهب مالك. وأما القول الآخر ~~بالرخصة فيه: فمن الناس من يحكيه رواية عن مالك ومنهم من ينكر ذلك ونافع ~~نقل عن ابن عمر أنه لما قرأ عليه: {نساؤكم حرث لكم} قال له ابن عمر: إنها ~~نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. فمن الناس من يقول غلط نافع على ابن عمر ~~أو لم يفهم مراده؛ وكان مراده: أنها نزلت في إتيان النساء من جهة الدبر في ~~القبل؛ فإن الآية نزلت في ذلك باتفاق العلماء وكانت # PageV32P265 # اليهود تنهى عن ذلك ms9376 وتقول: إذا أتى الرجل المرأة في قبلها من دبرها جاء ~~الولد أحول. فأنزل الله هذه الآية. " والحرث " موضع الولد؛ وهو القبل. فرخص ~~الله للرجل أن يطأ المرأة في قبلها من أي الجهات شاء. وكان سالم بن عبد ~~الله بن عمر يقول: كذب العبد على أبي. وهذا مما يقوي غلط نافع على ابن عمر؛ ~~فإن الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ؛ كقول عبادة: كذب أبو محمد. لما قال: ~~الوتر واجب. وكقول ابن عباس: كذب نوف: لما قال لما صاحب الخضر ليس موسى بني ~~إسرائيل. ومن الناس من يقول: ابن عمر هو الذي غلط في فهم الآية. والله أعلم ~~أي ذلك كان؛ لكن نقل عن ابن عمر أنه قال. أويفعل هذا مسلم لكن بكل حال معنى ~~الآية هو ما فسرها به الصحابة والتابعون وسبب النزول يدل على ذلك. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ينكح زوجته في دبرها. أحلال هو أم حرام؟ # فأجاب: # " وطء المرأة في دبرها " حرام بالكتاب والسنة وهو قول جماهير السلف ~~والخلف؛ بل هو اللوطية الصغرى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في # PageV32P266 # أدبارهن} وقد قال تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} " والحرث ~~" هو موضع الولد؛ فإن الحرث هو محل الغرس والزرع. وكانت اليهود تقول: إذا ~~أتى الرجل امرأته من دبرها جاء الولد أحول فأنزل الله هذه الآية؛ وأباح ~~للرجل أن يأتي امرأته من جميع جهاتها؛ لكن في الفرج خاصة. ومتى وطئها في ~~الدبر وطاوعته عزرا جمعيا؛ فإن لم ينتهيا وإلا فرق بينهما؛ كما يفرق بين ~~الرجل الفاجر ومن يفجر به والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها؟ وهل أباحه أحد من العلماء؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " الوطء في الدبر " حرام في كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين: من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم؛ فإن الله قال في كتابه: {نساؤكم حرث ms9377 لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} وقد ~~ثبت في الصحيح: أن اليهود كانوا يقولون إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من ~~دبرها جاء الولد أحول فسأل المسلمون عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} و " الحرث " موضع ~~الزرع. والولد إنما يزرع في الفرج لا في الدبر {فأتوا حرثكم} وهو موضع ~~الولد. {أنى شئتم} أي من أين شئتم: من قبلها ومن دبرها وعن يمينها وعن ~~شمالها. فالله تعالى سمى النساء حرثا؛ وإنما رخص في إتيان الحروث والحرث ~~إنما يكون # PageV32P267 # في الفرج. وقد جاء في غير أثر: أن الوطء في الدبر هو اللوطية الصغرى وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله لا يستحيي من الحق لا ~~تأتوا النساء في حشوشهن} " و " الحش " هو الدبر وهو موضع القذر والله ~~سبحانه حرم إتيان الحائض مع أن النجاسة عارضة في فرجها فكيف بالموضع الذي ~~تكون فيه النجاسة المغلظة: و " أيضا " فهذا من جنس اللواط ومذهب أبي حنيفة ~~وأصحاب الشافعي وأحمد وأصحابه أن ذلك حرام لا نزاع بينهم وهذا هو الظاهر من ~~مذهب مالك وأصحابه؛ لكن حكى بعض الناس عنهم رواية أخرى بخلاف ذلك. ومنهم من ~~أنكر هذه الرواية وطعن فيها. وأصل ذلك ما نقل عن نافع أنه نقله عن ابن عمر ~~وقد كان سالم بن عبد الله يكذب نافعا في ذلك. فإما أن يكون نافع غلط أو غلط ~~من هو فوقه. فإذا غلط بعض الناس غلطة لم يكن هذا مما يسوغ خلاف الكتاب ~~والسنة كما أن طائفة غلطوا في إباحة الدرهم بالدرهمين واتفق الأئمة على ~~تحريم ذلك لما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة وكذلك طائفة غلطوا في أنواع ~~من الأشربة. ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر خمر؛ ~~وكل خمر حرام} وأنه سئل عن أنواع من الأنبذة فقال: {كل مسكر حرام} {ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام} وجب اتباع هذه السنن الثابتة. ولهذا نظائر في ms9378 الشريعة. ~~ومن وطئ امرأته في دبرها وجب أن يعاقبا على ذلك عقوبة تزجرهما فإن علم ~~أنهما لا ينزجران فإنه يجب التفريق بينهما. والله أعلم. # PageV32P268 ### | باب القسم بين الزوجات # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل متزوج بامرأتين وإحداهما يحبها ويكسوها ويعطيها ويجتمع بها أكثر ~~من صاحبتها؟ # فأجاب: # الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين؛ وفي السنن ~~الأربعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كانت له ~~امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل} . ~~فعليه أن يعدل في القسم. فإذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثا بات عند ~~الأخرى بقدر ذلك ولا يفضل إحداهما في القسم؛ لكن إن كان يحبها أكثر ويطؤها ~~أكثر: فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله تعالى: {ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} أي: في الحب والجماع وفي السنن الأربعة عن ~~عائشة قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل فيقول: هذا قسمي ~~فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك} يعني: القلب. # PageV32P269 # وأما العدل في " النفقة والكسوة " فهو السنة أيضا اقتداء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة؛ مع ~~تنازع الناس في القسم: هل كان واجبا عليه؟ أو مستحبا له؟ وتنازعوا في العدل ~~في النفقة: هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة. وهذا ~~العدل مأمور له ما دامت زوجة؛ فإن أراد أن يطلق إحداهما فله ذلك فإن اصطلح ~~هو والتي يريد طلاقها على أن تقيم عنده بلا قسم وهي راضية بذلك جاز؛ كما ~~قال تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} وفي الصحيح عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية ~~في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتها فيريد طلاقها؛ فتقول: لا تطلقني ~~وأمسكني وأنت في حل من يومي: فنزلت هذه الآية. وقد {كان النبي صلى الله ~~عليه ms9379 وسلم أراد أن يطلق سودة فوهبت يومها لعائشة فأمسكها بلا قسمة} وكذلك ~~رافع بن خديج جرى له نحو ذلك ويقال إن الآية أنزلت فيه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له امرأتان؛ ويفضل إحداهما على الأخرى في النفقة وسائر الحقوق حتى ~~إنه هجرها: فما يجب عليه؟ # PageV32P270 # فأجاب: يجب عليه أن يعدل بين المرأتين وليس له أن يفضل إحداهما في القسم؛ ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما ~~أكثر من الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل} . وإن لم يعدل بينهما: فإما أن ~~يمسك بمعروف؛ وإما أن يسرح بإحسان. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل إذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها: فهل عليه إثم أم ~~لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟ # فأجاب: # يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من ~~إطعامها. " والوطء الواجب " قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: ~~بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته. وهذا أصح القولين. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: (*) # عن امرأة تضع معها دواء عند المجامعة؛ تمنع بذلك نفوذ المني في مجاري ~~الحبل: فهل ذلك جائز حلال أم لا؟ وهل إذا بقي ذلك الدواء معها بعد الجماع ~~ولم يخرج. يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل أم لا؟ PageV32P271 # فأجاب: # أما صومها وصلاتها فصحيحة وإن كان ذلك الدواء في جوفها. وأما جواز ذلك ~~ففيه نزاع بين العلماء والأحوط: أنه لا يفعل. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عما إذا نظر الرجل إلى جميع بدن امرأته ولمسه حتى الفرج: عليه شيء أم لا؟ # فأجاب: # لا يحرم على الرجل النظر إلى شيء من بدن امرأته ولا لمسه لكن يكره النظر ~~إلى الفرج. وقيل لا يكره. وقيل: لا يكره إلا عند الوطء. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة مطلقة وهي ترضع، وقد آجرت لبنها ثم انقضت عدتها وتزوجت: فهل ~~للمستأجر أن يمنعها أن تدخل على زوجها خشية أن تحمل منه فيقل اللبن على ~~الولد؟ # فأجاب: # أما ms9380 مجرد الشك فلا يمنع الزوج ما يستحقه من الوطء لا سيما وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لقد هممت أن أنهى عن # PageV32P272 # ذلك ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضر أولادهم} فقد أخبر صلى ~~الله عليه وسلم أنهم يفعلون ذلك فلا يضر الأولاد ولم ينه عنه. وإذا كان ~~كذلك لم يجز منع الزوج حقه إذا لم يكن فيه منع الحق السابق المستحق بعقد ~~الإجارة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الأب إذا كان عاجزا عن أجرة الرضاع: فهل له إذا امتنعت الأم عن ~~الإرضاع إلا بأجرة أن يسترضع غيرها؟ # فأجاب: # نعم لأنه لا يجب عليه ما لا يقدر عليه. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن تسلط عليه ثلاثة: الزوجة والقط والنمل: الزوجة ترضع من ليس ولدها ~~وتنكد عليه حاله وفراشه بذلك والقط يأكل الفراريج والنمل يدب في الطعام: ~~فهل لهم حرق بيوتهم بالنار أم لا؟ وهل يجوز لهم قتل القط؟ وهل له منع ~~الزوجة من إرضاعها؟ # فأجاب: # ليس للزوجة أن ترضع غير ولدها إلا بإذن الزوج. والقط إذا صال على ماله: ~~فله دفعه عن الصول ولو بالقتل وله أن يرميه بمكان بعيد؛ فإن لم يكن دفع ~~ضرره إلا بالقتل قتل. وأما النمل: فيدفع ضرره بغير التحريق. والله أعلم. # PageV32P273 ### | باب النشوز # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له زوجة تصوم النهار وتقوم الليل وكلما دعاها الرجل إلى فراشه ~~تأبى عليه وتقدم صلاة الليل وصيام النهار على طاعة الزوج: فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين؛ بل يجب عليه أن تطيعه إذا طلبها إلى ~~الفراش وذلك فرض واجب عليها. وأما قيام الليل وصيام النهار فتطوع: فكيف ~~تقدم مؤمنة النافلة على الفريضة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا ~~بإذنه} ورواه أبو داود وابن ms9381 ماجه وغيرهما ولفظهم: {لا تصوم امرأة وزوجها ~~شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه} فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~حرم على المرأة أن تصوم تطوعا إذا كان زوجها شاهدا إلا بإذنه فتمنع بالصوم ~~بعض ما يجب له عليها: # PageV32P274 # فكيف يكون حالها إذا طلبها فامتنعت وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إذا دعا الرجل المرأة إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح} وفي ~~لفظ: {إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح} وقد قال الله تعالى: ~~{فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} فالمرأة الصالحة هي التي ~~تكون " قانتة " أي مداومة على طاعة زوجها. فمتى امتنعت عن إجابته إلى ~~الفراش كانت عاصية ناشزة وكان ذلك يبيح له ضربها كما قال تعالى: {واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا} وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج؛ حتى ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة ~~تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها} وعنه صلى الله عليه وسلم {أن النساء قلن له: ~~إن الرجال يجاهدون ويتصدقون ويفعلون ونحن لا نفعل ذلك. فقال. حسن فعل ~~إحداكن يعدل ذلك} أي: أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبا لرضا ~~الله وإكرامه لها؛ من غير أن تعمل ما يختص بالرجال. والله أعلم. # PageV32P275 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حلف على زوجته وقال: لأهجرنك إن كنت ما تصلين فامتنعت من الصلاة ~~ولم تصل وهجر الرجل فراشها. فهل لها على الزوج نفقة أم لا؟ وماذا يجب عليها ~~إذا تركت الصلاة؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا امتنعت من الصلاة فإنها تستتاب فإن تابت وإلا قتلت. وهجر ~~الرجل على ترك الصلاة من أعمال البر التي يحبها الله ورسوله ولا نفقة لها ~~إذا امتنعت من تمكينه إلا مع ترك الصلاة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن له زوجة لا تصلي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: ms9382 هل ~~يجب عليه أن يفارقها أم لا؟ # فأجاب: # نعم عليه أن يأمرها بالصلاة ويجب عليه ذلك. بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل ~~من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك وقد قال # PageV32P276 # تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} الآية. وقال تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} الآية. وقال ~~عليه الصلاة والسلام {علموهم وأدبوهم} . وينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ~~ذلك بالرغبة كما يحضها على ما يحتاج إليها فإن أصرت على ترك الصلاة فعليه ~~أن يطلقها وذلك واجب في الصحيح. وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي ~~باتفاق المسلمين؛ بل إذا لم يصل قتل. وهو يقتل كافرا مرتدا؟ على قولين ~~مشهورين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قوله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن} وفي قوله تعالى {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} إلى قوله تعالى {والله ~~بما تعملون خبير} . يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ذاك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، " النشوز " في قوله تعالى {تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع} هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا تطيعه إذا ~~دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير إذنه ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب ~~عليها من طاعته. # PageV32P277 # وأما " النشوز " في قوله تعالى {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} فهو النهوض ~~والقيام والارتفاع. وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ ومنه النشر من ~~الأرض وهو المكان المرتفع الغليظ. ومنه قوله تعالى {وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها} أي نرفع بعضها إلى بعض. ومن قرأ ننشزها أراد نحييها. فسمى المرأة ~~العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها وسمي النهوض ~~نشوزا لأن القاعد يرتفع من الأرض. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له زوجة وهي ناشز تمنعه نفسها: فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب ~~عليها؟ # فأجاب: # الحمد لله، تسقط نفقتها وكسوتها إذا لم تمكنه من نفسها وله أن يضربها إذا ~~أصرت على النشوز. ولا يحل لها أن تمنع من ms9383 ذلك إذا طالبها به؛ بل هي عاصية ~~لله ورسوله وفي الصحيح: {إذا طلب الرجل المرأة إلى فراشه فأبت عليه كان ~~الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح} . # PageV32P278 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له امرأة وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مدة ثمانية شهور ولم ينتفع ~~بها؟ # فأجاب: # إذا نشزت عنه فلا نفقة لها وله أن يضربها إذا نشزت؛ أو آذته أو اعتدت ~~عليه. # وسئل - رحمه الله -: # عما يجب على الزوج إذا منعته من نفسها إذا طلبها؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يحل لها النشوز عنه ولا تمنع نفسها منه؛ بل إذا امتنعت منه ~~وأصرت على ذلك فله أن يضربها ضربا غير مبرح ولا تستحق نفقة ولا قسما. # وسئل: # عمن تزوج بامرأة ودخل بها وهو مستمر في النفقة وهي ناشز. ثم إن والدها ~~أخذها وسافر من غير إذن الزوج. فماذا يجب عليهما؟ # PageV32P279 # فأجاب: # الحمد لله، إذا سافر بها بغير إذن الزوج فإنه يعزر على ذلك. وتعزر الزوجة ~~إذا كان التخلف يمكنها؛ ولا نفقة لها من حين سافرت. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: (*) # عن رجل تزوج امرأة من مدة إحدى عشرة سنة وأحسنت العشرة معه وفي هذا ~~الزمان تأبى العشرة معه وتناشزه: فما يجب عليها؟ # فأجاب: # لا يحل لها أن تنشز عليه ولا تمنع نفسها فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ~~ساخطا عليها حتى تصبح} فإذا أصرت على النشوز فله أن يضربها وإذا كانت ~~المرأة لا تقوم بما يجب للرجل عليها فليس عليه أن يطلقها ويعطيها الصداق؛ ~~بل هي التي تفتدي نفسها منه فتبذل صداقها ليفارقها كما {أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس أن يعطي صداقها فيفارقها} . وإذا كان ~~معسرا بالصداق لم تجز مطالبته بإجماع المسلمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة ما ينتفع بها ولا تطاوعه في أمر وتطلب منه نفقة وكسوة ~~وقد ضيقت عليه أموره: ms9384 فهل تستحق عليه نفقة وكسوة؟ PageV32P280 # فأجاب: # إذا لم تمكنه من نفسها أو خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة ~~وكذلك إذا طلب منها أن تسافر معه فلم تفعل فلا نفقة لها ولا كسوة فحيث كانت ~~ناشزا عاصية له فيما يجب له عليها من طاعته: لم يجب لها نفقة ولا كسوة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة متزوجة برجل ولها أقارب كلما أرادت أن تزورهم أخذت الفراش وتقعد ~~عندهم عشرة أيام وأكثر وقد قربت ولادتها ومتى ولدت عندهم لم يمكن أن تجيء ~~إلى بيتها إلا بعد أيام ويبقى الزوج بردان. فهل يجوز لهم أن يخلوها تلد ~~عندهم؟ # فأجاب: # لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه ~~ويحبسها عن زوجها سواء كان ذلك لكونها مرضعا أو لكونها قابلة أو غير ذلك من ~~الصناعات وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله؛ ~~ومستحقة للعقوبة. # PageV32P281 ### | باب الخلع # وسئل الشيخ - رحمه الله تعالى -: # ما هو الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة؟ # فأجاب: # الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه ~~فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها كما يفتدى الأسير وأما إذا كان كل منهما ~~مريدا لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام. وقال رحمه الله إذا كانت مبغضة ~~له مختارة لفراقه فإنها تفتدي نفسها منه فترد إليه ما أخذته من الصداق ~~وتبريه مما في ذمته ويخلعها كما في الكتاب والسنة واتفق عليه الأئمة. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة مبغضة لزوجها طلبت الانخلاع منه وقالت له: إن لم تفارقني وإلا ~~قتلت نفسي فأكرهه الولي على الفرقة وتزوجت غيره وقد طلبها الأول وقال: إنه ~~فارقها مكرها وهي لا تريد إلا الثاني؟ # PageV32P282 # فأجاب: # إن كان الزوج الأول أكره على الفرقة بحق: مثل أن يكون مقصرا في واجباتها ~~أو مضرا لها بغير حق من قول أو فعل كانت الفرقة صحيحة والنكاح الثاني صحيحا ~~وهي زوجة الثاني. وإن كان أكره ms9385 بالضرب أو الحبس وهو محسن لعشرتها حتى ~~فارقها لم تقع الفرقة بل إذا أبغضته وهو محسن إليها فإنه يطلب منه الفرقة ~~من غير أن يلزم بذلك فإن فعل وإلا أمرت المرأة بالصبر عليه إذا لم يكن ما ~~يبيح الفسخ. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اتهم زوجته بفاحشة؛ بحيث إنه لم ير عندها ما ينكره الشرع إلا ~~[أنه] (1) ادعى أنه أرسلها إلى عرس ثم تجسس عليها فلم يجدها في العرس ~~فأنكرت ذلك ثم إنه أتى إلى أوليائها وذكر لهم الواقعة فاستدعوا بها لتقابل ~~زوجها على ما ذكر فامتنعت خوفا من الضرب؛ فخرجت إلى بيت خالها ثم إن الزوج ~~بعد ذلك جعل ذلك مستندا في إبطال حقها؛ وادعى أنها خرجت بغير إذنه: فهل ~~يكون ذلك مبطلا لحقها؟ والإنكار الذي أنكرته عليه يستوجب إنكارا في الشرع؟ # فأجاب: # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فلا يحل ~~للرجل أن يعضل المرأة: بأن يمنعها ويضيق عليها PageV32P283 # حتى تعطيه بعض الصداق ولا أن يضربها لأجل ذلك؛ لكن إذا أتت بفاحشة مبينة ~~كان له أن يعضلها لتفتدي منه؛ وله أن يضربها. هذا فيما بين الرجل وبين ~~الله. وأما " أهل المرأة " فيكشفون الحق مع من هو فيعينونه عليه فإن تبين ~~لهم أنها هي التي تعدت حدود الله وآذت الزوج في فراشه: فهي ظالمة متعدية ~~فلتفتد منه. وإذا قال: إنه أرسلها إلى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل إلى ~~أين ذهبت؟ فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لا ريبة عندهم وصدقها أولئك القوم أو ~~قالوا لم تأت إلينا؛ وإلى العرس لم تذهب: كان هذا ريبة وبهذا يقوى قول ~~الزوج. وأما " الجهاز " الذي جاءت به من بيت أبيها فعليه أن يرده عليها بكل ~~حال وإن اصطلحوا فالصلح خير ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج ~~في ذلك؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا لم يتفقا على ms9386 رجوعها إليه ~~فلتبرئه من الصداق وليخلعها الزوج؛ فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله ~~كما قال الله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} . والله أعلم. # PageV32P284 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن ثيب بالغ لم يكن وليها إلا الحاكم فزوجها الحاكم لعدم الأولياء ثم ~~خالعها الزوج وبرأته من الصداق بغير إذن الحاكم: فهل تصح المخالعة ~~والإبراء؟ # فأجاب: # إذا كانت أهلا للتبرع جاز خلعها وإبراؤها بدون إذن الحاكم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة قال لها زوجها: إن أبرأتيني فأنت طالق. فأبرأته ولم تكن تحت ~~الحجر ولا لها أب ولا أخ. ثم إنها ادعت أنها سفيهة لتسقط بذلك الإبراء. # فأجاب: # لا يبطل الإبراء بمجرد دعواها ولو قامت بينة بأنها سفيهة ولم تكن تحت ~~الحجر لم يبطل الإبراء بذلك؛ وإن كانت هي المتصرفة لنفسها. والله أعلم. # PageV32P285 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة أبرأت زوجها من جميع صداقها ثم بعد ذلك أشهد الزوج على نفسه أنه ~~طلق زوجته المذكورة على البراءة وكانت البراءة تقدمت على ذلك: فهل يصح ~~الطلاق؟ وإذا وقع يقع رجعيا أم لا؟ # فأجاب: # إن كانا قد تواطآ على أن تهبه الصداق وتبريه على أن يطلقها فأبرأته ثم ~~طلقها: كان ذلك طلاقا بائنا. وكذلك لو قال لها: أبرئيني وأنا أطلقك. أو: إن ~~أبرأتيني طلقتك. ونحو ذلك من عبارات الخاصة والعامة التي يفهم منها أنه سأل ~~الإبراء على أن يطلقها. وأما إن كانت أبرأته براءة لا تتعلق بالطلاق؛ ثم ~~طلقها بعد ذلك: فالطلاق رجعي ولكن هل لها أن ترجع في الإبراء إذا كان يمكن ~~لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر في العادة إلا لأن يمسكها أو خوفا من أن ~~يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد. وأما ~~إذا كانت قد طابت نفسها بالإبراء مطلقا وهو أن يكون ابتداء منها لا بسبب ~~منه ولا عوض: فهنا لا ترجع فيه بلا ريب. والله أعلم. # PageV32P286 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قال لامرأته: هذا ms9387 ابن زوجك لا يدخل لي بيتا؛ فإنه ابني ربيته؛ ~~فلما اشتكاه لأبيه قال للزوج: إن أبرأتك امرأتك تطلقها؟ قال: نعم. فأتى بها ~~فقال لها الزوج: إن أبرأتيني من كتابك ومن الحجة التي لك علي: فأنت طالق؟ ~~قالت: نعم. وانفصلا وطلع الزوج إلى بيت جيرانه فقال: هي طالق ثلاثا ونزل ~~إلى الشهود فسألوه كم طلقت؟ قال: ثلاثا على ما صدر منه: فهل يقع عليه ~~الطلاق الثلاث؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان إبراؤها على ما دل عليه سياق الكلام ليس مطلقا بل ~~بشرط أن يطلقها بانت منه ولم يقع بها بعد هذا طلاق والشرط المتقدم على ~~العقد كالشرط المقارن والشرط العرفي كاللفظي. وقول هذا الذي من جهتها له: ~~إن جاءت زوجتك وأبرأتك تطلقها؟ وقوله: اشتراط عليه أنه يطلقها إذا أبرأته ~~ومجيئه بها بعد ذلك وقوله: أنت إن أبرأتيني قالت: نعم. متنزل على ذلك وهو ~~أنه إذا أبرأته يطلقها: بحيث لو قالت: أبرأته وامتنع لم يصح الإبراء فإن ~~هذا إيجاب وقبول في العرف لما تقدم من الشروط ودلالة الحال؛ والتقدير: ~~أبرأتك بشرط أن تطلقني. # PageV32P287 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل طلق زوجته طلقة رجعية؛ فلما حضر عند الشهود قال له بعضهم: قل: ~~طلقتها على درهم. فقال له ذلك؛ فلما فعل قالوا له: قد ملكت نفسها فلا ترجع ~~إليك إلا برضاها. فإذا وقع المنع: هل يسقط حقه مع غرره بذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان قد طلقها طلقة رجعية ثم إن الشاهد قد لقنه أن يقول: ~~طلقها على درهم فقال ذلك معتقدا أنه يقر بذلك الطلاق الأول لا ينشئ طلاقا ~~آخر: لم يقع به غير الطلاق الأول ويكون رجعيا لا بائنا وإذا ادعى عليه أنه ~~قال ذلك القول الثاني إنشاء لطلاق آخر ثان وقال: إنما قلته إقرارا بالطلاق ~~الأول وليس ممن يعلم أن الطلاق بالعوض يبينها. فالقول قوله مع يمينه؛ لا ~~سيما وقرينة الحال تصدقه؛ فإن العادة جارية بأنه إذا طلقها ثم حضر عند ~~الشهود فإنما حضر ليشهدوا عليه بما وقع ms9388 من الطلاق. # PageV32P288 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الخلع ": هل هو طلاق محسوب من الثلاث؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ ~~الطلاق ونيته؟ # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف فظاهر مذهب الإمام أحمد ~~وأصحابه أنه فرقة بائنة وفسخ للنكاح؛ وليس من الطلاق الثلاث. فلو خلعها عشر ~~مرات كان له أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجا غيره وهو أحد قولي ~~الشافعي. واختاره طائفة من أصحابه ونصروه؛ وطائفة نصروه ولم يختاروه؛ وهذا ~~قول جمهور فقهاء الحديث: كإسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود وابن المنذر وابن ~~خزيمة. وهو ثابت عن ابن عباس وأصحابه: كطاوس وعكرمة. و " القول الثاني ": ~~أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث. وهو قول كثير من السلف وهو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي في قوله الآخر؛ ويقال: إنه الجديد وهو الرواية الأخرى عن ~~أحمد. وينقل ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة ~~العلم بالحديث: كابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم: النقل عن هؤلاء؛ ~~ولم يصححوا إلا قول ابن عباس؛ إنه فسخ: وليس بطلاق. وأما الشافعي وغيره ~~فقال لا نعرف حال من روى هذا عن عثمان: هل هو ثقة أم ليس بثقة؟ فما صححوا ~~ما نقل عن الصحابة؛ بل اعترفوا أنهم لا يعلمون صحته. # PageV32P289 # وما علمت أحدا من أهل العلم بالنقل صحح ما نقل عن الصحابة من أنه طلاق ~~بائن محسوب من الثلاث؛ بل أثبت ما في هذا عندهم ما نقل عن عثمان وقد نقل عن ~~عثمان بالإسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة. وقال: لا عليك ~~عدة. وهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة؛ وليس بطلاق؛ إذ الطلاق بعد الدخول ~~يوجب الاعتداد بثلاث قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين بخلاف الخلع؛ فإنه قد ~~ثبت بالسنة وآثار الصحابة أن العدة فيها استبراء بحيضة وهو مذهب إسحاق وابن ~~المنذر وغيرهما وإحدى الروايتين عن أحمد. وقد رد ابن عباس امرأة على زوجها ~~بعد طلقتين وخلع مرة قبل أن تنكح زوجا غيره وسأله إبراهيم ms9389 بن سعد بن أبي ~~وقاص لما ولاه ابن الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له: إن عامة طلاق ~~أهل اليمن هو الفداء؟ فأجابه ابن عباس بأن الفداء ليس بطلاق؛ ولكن الناس ~~غلطوا في اسمه. واستدل ابن عباس بأن الله تعالى قال: {الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} قال ابن عباس. ~~فقد ذكر الله تعالى الفدية بعد الطلاق مرتين ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره} وهذا يدخل في الفدية خصوصا وغيرها عموما فلو ~~كانت الفدية طلاقا لكان الطلاق أربعا. وأحمد في المشهور عنه هو ومن تقدم ~~اتبعوا ابن عباس. # PageV32P290 # واختلف هؤلاء في " المختلعة " هل عليها عدة ثلاثة قروء؟ أو تستبرأ بحيضة؟ ~~على قولين: هما روايتان عن أحمد " إحداهما " تستبرئ بحيضة وهذا قول عثمان ~~وابن عباس؛ وابن عمر في آخر روايتيه وهو قول غير واحد من السلف؛ ومذهب ~~إسحاق وابن المنذر وغيرهما وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن ~~من وجوه حسنة كما قد بينت طرقها في غير هذا الموضع. وهذا مما احتج به من ~~قال: إنه ليس من الطلاق الثلاث وقالوا لو كان منه لوجب فيه تربص ثلاثة قروء ~~بنص القرآن واحتجوا به على ضعف من نقل عن عثمان؛ أنه جعلها طلقة بائنة؛ ~~فإنه قد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه جعلها تستبرئ بحيضة ولو كانت مطلقة ~~لوجب عليها تربص ثلاثة قروء. وإن قيل: بل عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة. ~~فهذا لم يقل به أحد من العلماء فاتباع عثمان في الرواية الثابتة عنه التي ~~يوافقه عليها ابن عباس ويدل عليها الكتاب والسنة: أولى من رواية راويها ~~مجهول وهي رواية جمهان ms9390 الأسلمي عنه أنه جعلها طلقة بائنة. وأجود ما عند من ~~جعلها طلقة بائنة من النقل عن الصحابة هو هذا النقل عن عثمان وهو مع ضعفه ~~قد ثبت عنه بالإسناد الصحيح ما يناقضه فلا يمكن الجمع بينهما؛ لما في ذلك ~~من خلاف النص والإجماع. # PageV32P291 # وأما النقل عن علي وابن مسعود فضعيف جدا والنقل عن عمر مجمل لا دلالة فيه ~~وأما النقل عن ابن عباس أنه فرقة وليس بطلاق. فمن أصح النقل الثابت باتفاق ~~أهل العلم بالآثار وهذا مما اعتضد به القائلون بأنه فسخ: كأحمد وغيره ~~والذين اتبعوا ما نقل عن الصحابة من أنه طلقة بائنة من الفقهاء ظنوا تلك ~~نقولا صحيحة؛ ولم يكن عندهم من نقد الآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها ما ~~عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك فصار هؤلاء يرون أن الذين خالفوا ابن ~~عباس وأمثاله من الصحابة أجل منه وأكثر عددا ولم يعلموا أنه لم يثبت خلافه ~~عن أحد من الصحابة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل} وكان ما استنبطه في هذه المسألة من القرآن واستدل به ~~من السنة عن كمال فقهه في الدين وعلمه بالتأويل وهو أكثر الصحابة فتيا. قيل ~~للإمام أحمد: أي الصحابة أكثر فتيا؟ قال: ابن عباس. وهو أعلم وأفقه طبقة في ~~الصحابة وكان عمر بن الخطاب يدخله مع أكابر الصحابة - كعثمان وعلي وابن ~~مسعود ونحوهم - في الشورى ولم يكن عمر يفعل هذه بغيره من طبقته وقال ابن ~~مسعود لو أدرك ابن عباس إسناننا لما عشره منا أحد. أي ما بلغ عشره. ~~والناقلون لهذه المسألة عنه أجل أصحابه وأعلمهم بأقواله: مثل طاووس وعكرمة؛ ~~فإن هذين كانا يدخلان عليه مع الخاصة بخلاف عطاء وعمرو بن دينار ونحوهما ~~فقد كانوا يدخلون عليه مع العامة. ومعلوم أن خواص العالم # PageV32P292 # عندهم من علمه ما ليس عند غيرهم كما عند خواص الصحابة - مثل الخلفاء ~~الراشدين الأربعة وابن مسعود وعائشة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم - من ~~العلم ما ليس عند من ms9391 ليس له مثلهم من الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمقصود بهذا: أن كثيرا من الناس يظن أن ابن عباس خالفه في هذه المسألة ~~كثير من الصحابة أو أكثرهم ولا يعلمون أنه لم يثبت عن الصحابة إلا ما يوافق ~~قوله؛ لا ما يناقضه. وإن قدر أن بعضهم خالفه فالمرجع فيما تنازعوا فيه إلى ~~الكتاب والسنة. قال هؤلاء: والطلاق الذي جعله الله ثلاثا هو الطلاق الرجعي ~~وكل طلاق في القرآن في المدخول بها هو الطلاق الرجعي غير الطلقة الثالثة. ~~ولذلك قال أحمد في أحد قوليه: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الرجعي. ~~قال هؤلاء: فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى رجعي وبائن فقد خالف ~~الكتاب والسنة؛ بل كل ما فيه بينونة فليس من الطلاق الثلاث؛ فإذا سمي طلاقا ~~بائنا ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع فيه. قالوا: ولو كان ~~الخلع طلاقا لما جاز في الحيض فإن الله حرم طلاق الحائض وقد سلم لنا ~~المنازعون أو أكثرهم أنه يجوز في الحيض؛ ولأن الحاجة داعية إليه في الحيض. ~~قالوا: والله تعالى إنما حرم المرأة بعد الطلقة الثالثة عقوبة للرجل لئلا ~~يطلق لغير حاجة؛ فإن الأصل في الطلاق الحظر؛ وإنما أبيح منه قدر الحاجة ~~والحاجة تندفع بثلاث مرات؛ ولهذا أبيحت الهجرة ثلاثا والإحداد لغير موت ~~الزوج ثلاثا ومقام المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا. والأصل في الهجرة ~~ومقام المهاجر بمكة التحريم. # PageV32P293 # ثم اختلف هؤلاء. هل من شرط كونه فسخا أن يكون بغير لفظ الطلاق ونيته؟ على ~~ثلاثة أقوال: # " أحدها ": أنه لا بد أن يكون بغير لفظ الطلاق ونيته. فمن خالع بلفظ ~~الطلاق أو نواه فهو من الطلاق الثلاث وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب ~~الشافعي وأحمد ثم قد يقول هؤلاء: إذا عري عن صريح الطلاق ونيته فهو فسخ. ~~وقد يقولون: إنه لا يكون فسخا إلا إذا كان بلفظ الخلع. والفسخ والمفاداة ~~دون سائر الألفاظ: كلفظ الفراق والسراح والإبانة وغير ذلك من الألفاظ التي ~~لا يفارق الرجل امرأته إلا بها ms9392 مع أن ابن عباس لم يسمه إلا فدية وفراقا ~~وخلعا وقال: الخلع فراق؛ وليس بطلاق. ولم يسمه ابن عباس فسخا ولا جاء في ~~الكتاب والسنة تسميته " فسخا " فكيف يكون لفظ الفسخ صريحا فيه دون لفظ ~~الفراق وكذلك أحمد بن حنبل أكثر ما يسميه " فرقة " ليست بطلاق. وقد يسميه " ~~فسخا " أحيانا؛ لظهور هذا الاسم في عرف المتأخرين. " والثاني " أنه إذا كان ~~بغير لفظ الطلاق كلفظ " الخلع " " والمفاداة " " والفسخ " فهو فسخ سواء نوى ~~به الطلاق أو لم ينو. وهذا الوجه ذكره غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد. ~~وعلى هذا القول: فهل هو فسخ إذا عري عن صريح الطلاق بأي لفظ وقع من الألفاظ ~~والكنايات؟ أو هو مختص بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة؟ على وجهين كالوجهين ~~على القول الأول. # PageV32P294 # وهذا القول أشبه بأصولهما من الذي قبله؛ فإن اللفظ إذا كان صريحا في باب ~~ووجد معادا فيه لم يكن كناية في غيره؛ ولهذا لو نوى بلفظ الظهار الطلاق لم ~~يقع عند عامة العلماء وعلى هذا دل الكتاب والسنة. وكذلك عند أحمد: لو نوى ~~بلفظ الحرام الطلاق لم يقع؛ لأنه صريح في الظهار؛ لاسيما على أصل أحمد. ~~وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة في الخلع فلا تكون كناية في ~~الطلاق فلا يقع بها الطلاق بحال؛ ولأن لفظ الخلع والمفاداة والفسخ والعوض ~~إما أن تكون صريحة في الخلع؛ وصريحة في الطلاق أو كناية فيهما فإن قيل ~~بالأول - وهو الصحيح - لم يقع بها الطلاق وإن نواه. وإن قيل بالثاني: لزم ~~أن يكون لفظ الخلع والفسخ والمفاداة من صريح الطلاق فيقع بها الطلاق كما ~~يقع بلفظ الطلاق عند التجرد؛ وهذا لم يقله أحد ولم يعدها أحد من الصرائح. ~~فإن قيل: هي مع العوض صريحة في الطلاق. قيل: هذا باطل على أصل الشافعي فإن ~~ما ليس بصريح عنده لا يصير صريحا بدخول العوض؛ ولهذا قال الشافعي ومن وافقه ~~من أصحاب أحمد: إن النكاح لا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج لأن ما سوى ~~ذلك كناية والكناية تفتقر إلى النية والنية ms9393 لا يمكن إلا بإشهاد عليها ~~والنكاح لا بد فيه من الشهادة؛ فإذا قال: ملكتكها بألف وأعطيتكها بألف ونحو ~~ذلك أو وهبتكها لم يجعل دخول العوض قرينة في كونه نكاحا: لاحتمال تمليك ~~الرقبة. كذلك لفظ المفاداة يحتمل المفاداة من الأسر. ولفظ الفسخ إن كان ~~طلاقا مع # PageV32P295 # العوض فهو طلاق بدون العوض؛ ولم يقل أحد من أصحاب الشافعي: إنه صريح في ~~الطلاق بدون العوض بل غايته أن يكون كناية. وهذا القول مع كونه أقرب من ~~الأول: فهو أيضا ضعيف. " القول الثالث " أنه فسخ بأي لفظ وقع؛ وليس من ~~الطلاق الثلاث. وأصحاب هذا القول لم يشترطوا لفظا معينا ولا عدم نية ~~الطلاق؛ وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأصحابه؛ وهو المنقول عن أحمد بن حنبل ~~وقدماء أصحابه في الخلوع بين لفظ ولفظ؛ لا لفظ الطلاق ولا غيره؛ بل ألفاظهم ~~صريحة في أنه فسخ بأي لفظ كان أصرح من لفظ الطلاق في معناه الخالص. وأما ~~الشافعي فلم يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره بل لما ذكر ~~قول ابن عباس وغيره وأصحابه ذكر عن عكرمة أنه قال: كل ما أجازه المال فليس ~~بطلاق. قال: وأحسب من لم يجعله طلاقا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ ~~الطلاق. # ومن هنا ذكر محمد بن نصر والطحاوي ونحوهما: أنهم لا يعلمون نزاعا في ~~الخلع بلفظ الطلاق. ومعلوم أن مثل هذا الظن لا ينقل به مذاهب السلف ويعدل ~~به عن ألفاظهم وعلمهم؛ وأدلتهم البينة في التسوية بين جميع الألفاظ؛ وأما ~~أحمد فكلامه بين في أنه لا يعتبر لفظا ولا يفرق بين لفظ ولفظ وهو متبع لابن ~~عباس في هذا # PageV32P296 # القول وبه اقتدى. وكان أحمد يقول: إياك أن تكلم في مسألة ليس لك فيها ~~إمام. وإمامه في هذه المسألة هو ابن عباس ونقله أحمد وغيره عن ابن عباس ~~وأصحابه. فتبين أن الاعتبار عندهم ببذل المرأة العوض وطلبها الفرقة. وقد ~~كتبت ألفاظهم في هذا الباب في الكلام المبسوط. " وأيضا " فقد روى البخاري ~~في صحيحه عن ابن ms9394 عباس: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس بن ~~شماس - وهو أول من خالع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءت امرأته ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: لا أنقم عليه خلقا ولا دينا ولكن ~~أكره الكفر بعد في الإسلام؛ فذكرت أنها تبغضه. فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتردين عليه الحديقة فقالت: نعم. قال: اقبل الحديقة وطلقها ~~تطليقة} وابن عباس الذي يروي هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ~~أيضا {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بحيضة استبراء. وقال: لا عدة ~~عليك} وأفتى بأن طلاق أهل اليمن الذي يسمونه " الفداء " ليس من الطلاق ~~الثلاث مع أن إبراهيم بن سعد قال له: عامة طلاق أهل اليمن الفداء فقال له: ~~ليس الفداء بطلاق؛ وإنما هو فراق ولكن الناس غلطوا في اسمه. فأخبره السائل ~~أن طلاقهم هو الفداء وهذا ظاهر في أن ذلك يكون بلفظ الطلاق وأدنى أحواله أن ~~يعم لفظ الطلاق وغيره وابن عباس أطلق الجواب # PageV32P297 # وعمم ولم يستثن الفداء بلفظ الطلاق ولا عين له لفظا مع علمه بأن وقوع ذلك ~~بلفظ الطلاق أكثر منه بغيره؛ بل العامة لا تعرف لفظ الفسخ والخلع ونحو ذلك ~~إن لم يعلمها ذلك معلم ولا يفرقون بين لفظ ولفظ؛ بل كثير منهم إذا قيل له: ~~خالع امرأتك. طلقها بلا عوض وقال: قد خلعتها. فلا يعرفون الفرق بين لفظ ~~ولفظ إن لم يذكر لهم الغرض في أحد اللفظين. # وأهل اليمن إلى اليوم تقول المرأة لزوجها: طلقني. فيقول لها: ابذلي لي ~~فتبذل له الصداق أو غيره فيطلقها. فهذا عامة طلاقهم وقد أفتاهم ابن عباس ~~بأن هذا فدية وفراق وليس بطلاق. ورد امرأة على زوجها بعد طلقتين وفداء مرة. ~~فهذا نقل ابن عباس وفتياه واستدلاله بالقرآن بما يوافق هذا القول. وهذا كما ~~أنه مقتضى نصوص أحمد وأصوله فهو مقتضى أصول الشرع ونصوص الشارع؛ فإن ~~الاعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها؛ لا بألفاظها. فإذا كان المقصود ~~باللفظين واحدا ms9395 لم يجز اختلاف حكمهما. ولو كان المعنى الواحد إن شاء العبد ~~جعله طلاقا وإن شاء لم يجعله طلاقا كان تلاعبا وهذا باطل وقد أوردوا على ~~هذا: أن المعتقة تحته إذا خيرها زوجها فإن لها أن تطلق نفسها ولها أن تفسخ ~~النكاح لأجل عتقها. قالوا: فهي مخيرة بين الأمرين وكذلك الزوج مع العوض ~~يملك إيقاع فسخ ويملك إيقاع طلاق. وهذا القياس ضعيف؛ فإن هذه إذا طلقت ~~نفسها إنما يقع الطلاق رجعيا: فتكون مخيرة بين # PageV32P298 # إيقاع فرقة بائنة وبين إيقاع طلاق رجعي. وهذا مستقيم؛ كما يخير الزوج بين ~~أن يخلعها مفارقة فرقة بائنة وبين أن يطلقها بلا عوض طلاقا رجعيا؛ وإنما ~~المخالف للأصول أن يملك فرقة بائنة إن شاء جعلها فسخا وإن شاء جعلها طلاقا ~~والمقصود في الموضعين واحد وهو الفرقة البائنة؛ والأمر إليه في جعلها طلاقا ~~أو غير طلاق: فهذا هو المنكر الذي يقتضي أن يكون العبد إن شاء جعل العقد ~~الواحد طلاقا وإن شاء جعله غير طلاق مع أن المقصود في الموضعين واحد. " ~~وأيضا " فالذي يرجع إلى العبد هو قصد الأفعال وغايتها؛ وأما الأحكام فإلى ~~الشارع. فالشارع يفرق بين حكم هذا الفعل وحكم هذا الفعل؛ لاختلاف المقصود ~~بالفعلين. فإذا كان مقصود الرجل بها واحدا لم يكن مخيرا في إثبات الحكم ~~ونفيه ومعلوم أن مقصود الفرقة واحد لا يختلف. " وأيضا " فمعنى الافتداء ~~ثابت فيما إذا سألته أن يفارقها بعوض؛ والله علق حكم الخلع بمسمى الفدية ~~فحيث وجد هذا المعنى فهو الخلع المذكور في كتاب الله تعالى. " وأيضا " فإن ~~الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن؛ فلم يذكر الله تعالى طلاق ~~المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة؛ فلو كان الافتداء طلاقا # PageV32P299 # لثبت فيه الرجعة وهذا يزيل معنى الافتداء؛ إذ هو خلاف الإجماع؛ فإنا نعلم ~~من قال: إن الخلع المطلق يملك فيه العوض ويستحق فيه الرجعة. لكن قال طائفة ~~هو غير لازم؛ فإن شاء رد العوض وراجعها؛ وتنازع العلماء فيما إذا شرط ~~الرجعة في العوض: هل يصح؟ على قولين: هما روايتان عن ms9396 مالك. وبطلان الجمع ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي وهو قول متأخري أصحاب أحمد. ثم من هؤلاء من يوجب ~~العوض ويرد الرجعة. ومنهم من يثبت الرجعة ويبطل العوض. وهما وجهان في مذهب ~~أحمد والشافعي؛ وليس عن أحمد في ذلك نص. وقياس مذهب أحمد صحته بهذا الشرط ~~كما لو بذلت مالا على أن تملك أمرها. فإنه نص على جواز ذلك ولأن الأصل عنده ~~جواز الشرط في العقود إلا أن يقوم على فسادها دليل شرعي وليس الشرط الفاسد ~~عنده ما يخالف مقتضى العقد عند الإطلاق؛ بل ما خالف مقصود الشارع وناقض ~~حكمه؛ كاشتراط الولاء لغير المعتق واشتراط البائع للوطء مع أن الملك ~~للمشتري ونحو ذلك. " وأيضا " فالفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث لم ~~يعرف عن أحد من السلف: لا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم. والشافعي - ~~رضي الله عنه - لم ينقله عن أحد؛ بل ذكر: أنه يحسب أن الصحابة يفرقون. ~~ومعلوم أن هذا ليس نقلا لقول أحد من السلف. والشافعي ذكر هذا في أحكام ~~القرآن. ورجح فيه أن الخلع طلاق وليس بفسخ فلم يجز هذا القول لما ظنه من ~~تناقض أصحابه وهو أنهم يجعلونه بلفظ طلاقا بائنا من الثلاث # PageV32P300 # وبلفظ ليس من الثلاث فلما ظنه من تناقضه عدل عن ترجيحه. ولكن هذا التناقض ~~لم ينقله: لا هو؛ ولا أحد غيره عن أحد من السلف القائلين به ولا من اتبعه. ~~كأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه؛ وإنما قاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد لما ~~وجدوا غيرهم قد ذكروا الفرق فيه بين لفظ الطلاق وغيره؛ وذكر بعضهم كمحمد بن ~~نصر والطحاوي: أنهم لا يعلمون في ذلك نزاعا؛ وإنما قاله بعض المتأخرين من ~~أصحاب أحمد والمنقول عن السلف قاطبة: إما جعل الخلع فرقة بائنة وليس بطلاق. ~~وإما جعله طلاقا. وما رأيت في كلام أحد منهم أنه فرق بين لفظ ولفظ ولا ~~اعتبر فيه عدم نية الطلاق؛ بل قد يقولون كما يقول عكرمة: كل ما أجازه المال ~~فليس بطلاق ونحو ذلك من العبارات: مما يبين أنهم اعتبروا مقصود ms9397 العقد؛ لا ~~لفظا معينا والتفريق بين لفظ ولفظ مخالف للأصول والنصوص. وببطلان هذا الفرق ~~يستدل من يجعل الجميع طلاقا: فيبطل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة. وهذا ~~الفرق إذا قيل به كان من أعظم الحجج على فساد قول من جعله فسخا؛ ولهذا عدل ~~الشافعي - رضي الله عنه - عن ترجيح هذا القول؛ لما ظهر له أن أهله يفرقون. ~~" وأيضا " ففي السنن أن {فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم طلق أيتهما شئت قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها} . ~~وهو حديث حسن فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما وهذه ~~الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة؛ وليست # PageV32P301 # من الطلاق الثلاث. فدل ذلك على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من ~~الثلاث. ويدل على أن الذي أسلم وتحته أكثر من أربع إذا قال: قد طلقت هذه ~~كان ذلك فرقة لها واختيارا للأخرى؛ خلاف ما يقوله من يقوله من أصحاب ~~الشافعي وأحمد: أنه إذا قال لإحداهما طلقها كان ذلك اختيارا لها. قالوا: ~~لأن الطلاق لا يكون إلا لزوجة. فإن هذا القول مخالف للسنة والعقول؛ فإن ~~المطلق للمرأة زاهد فيها راغب عنها فكيف يكون مختارا لها مريدا لبقائها ~~وإنما أوقعهم في مثل هذا ظنهم أن لفظ الطلاق لا يستعمل إلا فيما هو من ~~الطلاق الثلاث وهذا ظن فاسد مخالف للشرع واللغة وإجماع العلماء. # وأيضا فإن الطلاق لم يجعل الشارع له لفظا معينا؛ بل إذا وقع الطلاق بأي ~~لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض ~~متأخري الشيعة والظاهرية؛ ولا يعرف في ذلك خلاف عن السلف. فإذا قال: ~~فارقتك. أو سرحتك. أو: سيبتك. ونوى به الطلاق وقع وكذلك سائر الكنايات. ~~فإذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو سيبني بألف أو ~~فارقني بألف أو خلني بألف. فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو ~~اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف. وكذلك سائر ألفاظ ms9398 الكنايات. مع أن لفظ ~~الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعيا فهما من ~~ألفاظ الكناية في الطلاق. فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟ ! # PageV32P302 # وقد اختلف العلماء في صحة الخلع بغير عوض؟ على قولين: هما روايتان عن ~~أحمد. " أحدهما " كقول أبي حنيفة والشافعي وهي اختيار أكثر أصحابه. " ~~والثانية " يصح كالمشهور في مذهب مالك وهي اختيار الخرقي. وعلى هذا القول ~~فلا بد أن ينوي بلفظ الخلع الطلاق ويقع به طلاق بائن لا يكون فسخا على ~~الروايتين نص على ذلك أحمد رحمه الله فإنه لو أجاز أن يكون فسخا بلا عوض ~~لكان الرجل يملك فسخ النكاح ابتداء ولا يحسب ذلك عليه من الثلاث وهذا لا ~~يقوله أحد؛ فإنه لو جاز ذلك لكان هذا يستلزم جعل الطلاق بغير عدد كما كانوا ~~في الجاهلية: وفي أول الإسلام لم يكن للطلاق عدد. فلو كان لفظ الفسخ أو ~~غيره يقع ولا يحسب من الثلاث لكان ذلك يستعمل بدل لفظ الطلاق ومعناه معنى ~~الطلاق بلا عدد. وهذا باطل. وإن قيل: هو طلاق بائن. قيل: هذا أشد بطلانا؛ ~~فإنه إن قيل إنه لا يملك إلا الطلاق الرجعي ولا يملك طلاقا بائنا بطل هذا. ~~وإن قيل: إنه يملك إيقاع طلاق بائن فلو جوز له أن يوقعه بلفظ الفسخ ولا ~~يكون من الثلاث لزم المحذور وهو أن يطلق المرأة كلما شاء ولا يحسب عليه من ~~الثلاث. ولهذا لم يتنازع العلماء أن لفظ الخلع بلا عوض ولا سؤال لا يكون ~~فسخا؛ وإنما النزاع فيما إذا طلبت المرأة أن يطلقها طلقة بائنة بلا عوض: هل ~~تملك ذلك؟ على قولين. # PageV32P303 # فإن العلماء تنازعوا على ثلاثة أقوال في الطلاق البائن. فقيل: إن شاء ~~الزوج طلق طلاقا بائنا وإن شاء طلق طلاقا رجعيا؛ بناء على أن الرجعة حق له. ~~وإن شاء أثبتها. وإن شاء نفاها. وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد. وأظنه ~~رواية عن مالك. وقيل: لا يملك الطلاق البائن ابتداء بل إذا طلبت منه ~~الإبانة ملك ذلك ms9399 وهذا معروف عن مالك ورواية عن أحمد اختارها الخرقي. وقيل: ~~لا يملك إبانتها بلا عوض؛ بل سواء طلبت ذلك أو لم تطلبه ولا يملك إبانتها ~~إلا بعوض. وهذا مذهب أكثر فقهاء الحديث وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر ~~مذهبه وعليه جمهور أصحابه وهو قول إسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة ~~وداود وغيرهم وعليه أكثر النقول الثابتة عن أكثر الصحابة وعلى هذا القول ~~يدل الكتاب والسنة؛ فإن الله لم يجعل الطلاق إلا رجعيا وليس في كتاب الله ~~طلاق بائن من الثلاث؛ إلا بعوض لا بغير عوض بل كل فرقة تكون بائنة فليست من ~~الثلاث. # وأيضا فإن ### | الخلع والطلاق يصح بغير اللفظ العربي # باتفاق الأئمة ومعلوم أنه ليس في لغة العجم لفظ يفرق مع العوض بين ما هو ~~خلع وما هو طلاق ليس بخلع؛ وإنما يفرق بينهما ما يختص بالخلع من دخول العوض ~~فيه وطلب المرأة الفرقة. فلفظ الطلاق يضاف إلى غير المرأة كقولهم: طلقت ~~الدنيا وطلقت ودك. وإذا أضيف إلى المرأة فقد يراد به الطلاق من غير الزوج ~~كما تقول أنت: طالق من وثاق أو طالق من الهموم والأحزان # PageV32P304 # ولو وصل لفظ الطلاق بذلك لم يقع به بلا ريب وإن نواه ولم يصله بلفظ دين ~~وفي قبوله في الحكم نزاع. فإذا وصل لفظ الطلاق بقوله: أنت طالق بألف. ~~فقالت: قبلت. أو قالت: طلقني بألف. فقال: طلقتك. كان هذا طلاقا مقيدا ~~بالعوض؛ ولم يكن هو الطلاق المطلق في كتاب الله؛ فإن ذلك جعله الله رجعيا ~~وجعل فيه تربص ثلاثة قروء؛ وجعله ثلاثا. فأثبت له ثلاثة أحكام. # وهذا ليس برجعي بدلالة النص والإجماع ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء ~~بالسنة فلذلك يجب أن لا يجعل من الثلاث؛ وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى " ~~الطلاق " عند الإطلاق؛ وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما يسمى الحلف ~~بالنذر " نذر اللجاج والغضب " فيسمى نذرا مقيدا؛ لأن لفظه لفظ النذر وهو في ~~الحقيقة من الأيمان؛ لا من النذور: عند الصحابة وجمهور السلف والشافعي ~~وأحمد ms9400 وغيرهما. # وكذلك لفظ " الماء " عند الإطلاق لا يتناول المني؛ وإن كان يسمى ماء مع ~~التقييد كقوله تعالى: {خلق من ماء دافق} {يخرج من بين الصلب والترائب} . ~~وكذلك لفظ " الخف " لا يتناول عند الإطلاق المقطوع وإن كان يقال خف مقطوع. ~~فلا يدخل المقطوع في لفظ المسح على الخفين # PageV32P305 # ولا فيما نهي عنه المحرم من لبس الخف على الأصح من أقوال العلماء؛ فلهذا ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم أولا بقطع الخفين؛ لأن المقطوع ليس ~~بخف ثم رخص في عرفات في لبس السراويل ولبس الخفاف ولم يشترط فتق السراويل ~~ولا قطع الخفاف. والسراويل المفتوق والخف المقطوع: لا يدخل في مسمى " الخف ~~" و " السراويل " عند الإطلاق. وكذلك لفظ " البيع " المطلق لا يتناول بيع ~~الخمر والميتة والخنزير وإن كان يسمى بيعا مع التقييد. وكذلك " الإيمان " ~~عند الإطلاق إنما يتناول الإيمان بالله ورسوله؛ وأما مع التقييد فقد قال ~~الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} لا يدخل في مطلق الإيمان. وكذلك لفظ " البشارة " عند الإطلاق ~~إنما تناول الإخبار بما يسر؛ وأما مع التقييد فقد قال تعالى: {فبشرهم بعذاب ~~أليم} . وأمثال ذلك كثيرة فالطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق الذي ~~يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة وما كان بعوض فلا رجعة له فيه؛ ~~وليس من الطلاق المطلق؛ وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها # PageV32P306 # كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها؛ وهذا الفداء ليس من الطلاق الثلاث ~~سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء والسراح؛ أو الفراق أو الطلاق أو ~~الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ. ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجمهور من ~~الأجنبي: فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة؛ كما يجوز أن ~~يبذل الأجنبي لسيد العبد عوضا ليعتقه؛ ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطا بما ~~إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج؛ لمصلحتها في ذلك كما يفتدي الأسير. وفي ~~مذهب الشافعي وأحمد وجه أنه إذا قيل: إنه فسخ: لم يصح ms9401 من الأجنبي. قالوا. ~~لأنه حينئذ يكون إقالة؛ والإقالة لا تصح مع الأجنبي. وهذا الذي ذكره أبو ~~المعالي وغيره من أهل الطريقة الخراسانية. والصحيح في المذهبين أنه على ~~القول بأنه فسخ هو فسخ وإن كان من الأجنبي كما صرح بذلك من صرح به من فقهاء ~~المذهبين وإن كان صاحب " شرح الوجيز " لم يذكر ذلك فقد ذكره أئمة العراقيين ~~كأبي إسحاق الشيرازي في " خلافه " وغيره. وهذا لأنهم جعلوه كافتداء الأسير ~~وكالبذل لإعتاق العبد؛ لا كالإقالة؛ فإن المقصود به رفع ملك الزوج عن رق ~~المرأة لتعود خالصة من رقه؛ ليس المقصود منه نقل ملك إليها؛ فهو شبيه ~~بإعتاق العبد؛ وفك الأسير؛ لا بالإقالة في البيع فلهذا يجوز باتفاق الأئمة ~~بدون الصداق المسمى؛ وجوزه الأكثرون بأكثر من الصدقات؛ ويجوز أيضا بغير جنس ~~الصداق وليست الإقالة كذلك؛ بل # PageV32P307 # الإقالة المقصود بها تراد العوض. وإذا كرهنا أو حرمنا أخذ زيادة على ~~صداقها فهذا لأن العوض المطلق في خروجها من ملك الزوج هو المسمى في النكاح ~~فإن البضع لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما يباع المال ويوهب ويورث وكما تؤجر ~~المنافع وتعار وتورث والتجارة والإجارة جائزة في الأموال بالنص والإجماع. # وأما التجارة المجردة في المنافع: مثل أن يستأجر دارا ويؤجرها بأكثر من ~~الأجرة من غير عمل يحدثه. ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد " ~~أشهرهما " عنه يجوز وهو قول أكثر العلماء: كمالك والشافعي. " والثاني ": لا ~~يجوز كقول أبي حنيفة. قالوا. لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن. و " الأول " ~~أصح؛ لأن هذه المنافع مضمونة على المستأجر. بمعنى أنه إذا سلم إليه العين ~~المؤجرة ولم ينتفع بالعين تلفت على ملكه؛ بخلاف ما إذا تلفت العين المؤجرة؛ ~~فإن هذا بمنزلة تلف الثمر قبل صلاحه. والمقصود هنا أن المنافع التي تورث قد ~~تنوزع في جواز التجارة فيها؛ فكيف بالأبضاع التي لا توهب ولا تورث بالنص ~~والإجماع؛ وإنما كان أهل الجاهلية يرثون الأبضاع فأبطل الله ذلك. فلو أراد ~~الزوج أن يفارق المرأة ويزوجها بغيره ليأخذ صداقها لم يملك ذلك. ولو ms9402 وطئت ~~بشبهة لكان المهر لها دونه فلهذا نهى عن الزيادة. وإذا شبه الخلع بالإقالة؛ ~~فالإقالة في كل عقد بحسبه وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # PageV32P308 # وهذا القول الذي ذكرناه من أن الخلع فسخ تبين به المرأة بأي لفظ كان: هو ~~الصحيح الذي عليه تدل النصوص والأصول. وعلى هذا فإذا فارق المرأة بالعوض ~~عدة مرات كان له أن يتزوجها؛ سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره. وإذا قيل: ~~الطلاق صريح في إحدى الثلاث فلا يكون كناية في الخلع. قيل: إنما الصريح ~~اللفظ المطلق. فأما المقيد بقيد يخرجه عن ذلك: فهو صريح في حكم المقيد كما ~~إذا قال: أنت طالق من وثاق. أو من الهموم والأحزان؛ فإن هذا صريح في ذلك؛ ~~لا في الطلاق من النكاح. وإذا قال: أنت طالق بألف. فقالت: قبلت. فهو مقيد ~~بالعوض وهو صريح في الخلع؛ لا يحتمل أن يكون من الثلاث ألبتة فإذا نوى أن ~~يكون من الثلاث فقد نوى باللفظ ما لا يحتمله كما لو نوى بالخلع أن تحرم ~~عليه حتى تنكح زوجا غيره. فنيته هذا الحكم باطل كذلك نيته أن يكون من ~~الثلاث باطل وكذلك لو نوى بالظهار الطلاق أو نوى بالإيلاء الطلاق مؤجلا مع ~~أن أهل الجاهلية كانوا يعدون الظهار طلاقا والإيلاء طلاقا: فأبطل الله ~~ورسوله ذلك وحكم في " الإيلاء " بأن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان مع تربص ~~أربعة أشهر. وحكم في " الظهار " بأنه إذا عاد كما قال: كفر قبل المماسة ولا ~~يقع به طلاق. ولهذا كان من جعل الإيلاء طلاقا مؤجلا أو جعل التحريم الذي في ~~معنى الظهار طلاقا: قوله مرجوح فيه شبه لما كانوا عليه أولا بخلاف من # PageV32P309 # فرق بين حقيقة الظهار؛ وحقيقة الإيلاء وحقيقة الطلاق؛ فإن هذا علم حدود ~~ما أنزل الله على رسوله فلم يدخل في الحدود ما ليس منه ولم يخرج منه ما هو ~~فيه. وكذلك " الافتداء " له حقيقة يباين بها معنى الطلاق الثلاث: فلا يجوز ~~أن يدخل حقيقة الطلاق في حقيقة الافتداء؛ ولا حقيقة الافتداء في حقيقة ~~الطلاق؛ ms9403 وإن عبر عن أحدهما بلفظ الآخر أو نوى بأحدهما حكم الآخر فهو كما ~~إذا نوى بالطلقة الواحدة؛ أو الخلع: أن تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره. فنية ~~هذا الحكم باطل؛ وكذلك نيته أن تكون من الثلاث باطل؛ فإن الله لم يحرمها ~~حتى تنكح زوجا غيره إلا بعد الطلقة الثالثة فمن نوى هذا الحكم بغير هذا ~~الطلاق فقد قصد ما يناقض حكم الله ورسوله؛ كذلك من نوى بالفرقة البائنة أن ~~الفرقة نقص بعض من الثلاث فقد قصد ما يناقض حكم الله ورسوله وليس له ذلك. ~~وإذا كان قصد هذا أو هذا لجهله بحكم الله ورسوله كان كما لو قصد بسائر ~~العقود ما يخالف حكم الله ورسوله فيكون جاهلا بالسنة؛ فيرد إلى السنة كما ~~قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة. وكما قال طائفة من السلف فيمن ~~طلق ثلاثا بكلمة: هو جاهل بالسنة فيرد إلى السنة. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم للمخالع: {وطلقها تطليقة} إذن له في ~~الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة. كما قد بين دلالة الكتاب والسنة ~~على أن " الطلاق السنة " أن يطلق طلقة واحدة ثم يراجعها أو يدعها حتى تنقضي ~~عدتها وأنه متى طلقها # PageV32P310 # ثنتين أو ثلاثا قبل رجعة أو عقد جديد: فهو طلاق بدعة محرم عند جمهور ~~السلف والخلف كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد في آخر قوليه؛ ~~واختيار أكثر أصحابه. وهل يقع الطلاق المحرم؟ فيه نزاع بين السلف والخلف؛ ~~كما قد بسط في موضعه وذكر ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: كان ~~الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة وزمان أبي بكر ~~وصدرا من خلافة عمر؛ فلما تتابع الناس على ذلك قال عمر: إن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة؛ فلو نفذناه عليهم فأنفذه عليهم. وقد ~~تكلمنا على هذا الحديث وعلى كلام الناس فيه بما هو مبسوط في موضعه. وذكرنا ~~الحديث الآخر الذي يوافقه الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث محمد ms9404 بن ~~إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة؛ عن ابن عباس {أن ركانة طلق امرأته ~~ثلاثا؛ فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مجلس؟ أم مجالس قال: بل في مجلس واحد فردها عليه} وقد أثبت هذا ~~الحديث أحمد بن حنبل؛ وبين أنه أصح من رواية من روى في حديث ركانة. أنه ~~طلقها ألبتة {وأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلفه: ما أردت إلا واحدة؟ ~~قال: ما أردت إلا واحدة. فردها عليه} فإن رواة هذا مجاهيل الصفات لا يعرف ~~عدلهم وحفظهم ولهذا ضعف أحمد وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم # PageV32P311 # من أئمة الحديث حديثهم؛ بخلاف حديث الثلاث فإن إسناده جيد؛ وهو من رواية ~~ابن عباس موافق لحديثه الذي في الصحيح؛ والذين رواه علماء فقهاء وقد عملوا ~~بموجبه كما أفتى طاووس وعكرمة؛ وابن إسحاق: أن الثلاث واحدة. وقد قال من ~~قال منهم: هذا أخطأ السنة فيرد إلى السنة. وما ذكره أبو داود في سننه من ~~تقديم رواية ألبتة؛ فإنما ذاك لأنه لم يذكر حديث داود بن الحصين هذا عن ~~عكرمة عن ابن عباس وإنما ذكر طريقا آخر عن عكرمة من رواية مجهول. فقدم ~~رواية مجهول على مجهول. وأما رواية داود بن الحصين هذه فهي مقدمة على تلك ~~باتفاق أهل المعرفة؛ ولكن هذه الطريق لم تبلغ أكثر العلماء كما أن حديث ~~طاووس لا يعرفه كثير من الفقهاء؛ بل أكثرهم. وقد بسط الكلام على هذا في ~~مواضع وبين الكلام على ما نقل عن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة في ~~الإفتاء بلزوم الثلاث: أن ذلك كان لما أكثر الناس من فعل المحرم وأظهروه ~~فجعل عقوبة لهم. وذكر كلام الناس على " الإلزام بالثلاث ": هل فعله من فعله ~~من الصحابة لأنه شرع لازم من النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو فعله عقوبة ظهور ~~المنكر وكثرته؟ وإذا قيل: هو عقوبة: فهل موجبها دائم لا يرتفع؟ أو يختلف ~~باختلاف الأحوال؟ وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعا لازما ولا عقوبة ms9405 ~~اجتهادية لازمة؛ بل غايته أنه اجتهاد سايغ مرجوح أو عقوبة عارضة # PageV32P312 # شرعية والعقوبة إنما تكون لمن أقدم عليها عالما بالتحريم. فأما من لم ~~يعلم بالتحريم ولما علمه تاب منه: فلا يستحق العقوبة فلا يجوز إلزام هذا ~~بالثلاث المجموعة؛ بل إنما يلزم واحدة. هذا إذا كان الطلاق بغير عوض. فأما ~~إذا كان بعوض فهو " فدية " كما تقدم فلا يحل له أن يوقع الثلاث أيضا بالعوض ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطلق بالعوض إلا واحدة لا أكثر كما ~~لا يطلق بغيره إلا واحدة لا أكثر؛ لكن الطلاق بالعوض طلاق مقيد: هو فدية ~~وفرقة بائنة؛ ليس هو الطلاق المطلق في كتاب الله؛ فإن هذا هو الرجعي. فإذا ~~طلقها ثلاثا مجموعة بعوض وقيل: إن الثلاث بلا عوض واحدة وبالعوض فدية لا ~~تحسب من الثلاث كانت هذه الفرقة بفدية لا تحسب من الثلاث وكان لهذا المفارق ~~أن يتزوجها عقدا جديدا ولا يحسب عليه ذلك الفراق بالعوض من الثلاث فلا ~~يلزمه الطلاق لكونه محرما والثنتان محرمة والواحدة مباحة؛ ولكن تستحب ~~الواحدة بالعوض من الثلاث؛ لأنها فدية وليست من الطلاق الذي جعله الله ~~ثلاثا؛ بل يجوز أن يتزوج المرأة وتكون معه على ثلاث. و " جماع الأمر " أن ~~البينونة نوعان: " البينونة الكبرى " وهي إيقاع البينونة الحاصلة بإيقاع ~~الطلاق الثلاث الذي تحرم به المرأة حتى تنكح زوجا غيره. و " البينونة ~~الصغرى " وهي: التي تبين بها المرأة وله أن يتزوجها بعقد # PageV32P313 # جديد في العدة وبعدها. فالخلع تحصل به البينونة الصغرى دون الكبرى. ~~والبينونة الكبرى الحاصلة بالثلاث تحصل إذا أوقع الثلاث على الوجه المباح ~~المشروع وهو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه؛ أو يطلقها واحدة ~~وقد تبين حملها ويدعها حتى تنقضي العدة؛ ثم يتزوجها بعقد جديد. وله أن ~~يراجعها في العدة. وإذا تزوجها أو ارتجعها فله أن يطلقها الثانية على الوجه ~~المشروع. فإذا طلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو كلمات قبل رجعة أو عقد فهو محرم ~~عند الجمهور؛ وهو مذهب مالك وأبي حنيفة في المشهور ms9406 عنه؛ بل وكذلك إذا طلقها ~~الثلاث في أطهار قبل رجعة أو عقد؛ في مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه. ولو ~~أوقع الثلاث إيقاعا محرما: فهل يقع الثلاث؟ أو واحدة؟ على قولين معروفين ~~للسلف والخلف؛ كما قد بسط في موضعه. فإذا قيل: إنه لا يقع لم يملك البينونة ~~الكبرى بكلمة واحدة وإذا لم يملكها لم يجز أن تبذل له العوض فيما لا يملكه ~~فإذا بذلت له العوض على الطلاق الثلاث المحرمة بذلت له العوض فيما يحرم ~~عليه فعله ولا يملكه فإذا أوقعه لم يقع منه إلا المباح والمباح بالعوض إنما ~~هو بالبينونة الصغرى دون الكبرى؛ بل لو طلقها ثنتين وبذلت له العوض على ~~الفرقة بلفظ الطلاق أو غير الطلاق لم تقع الطلقة الثالثة على قولنا: إن ~~الفرقة بعوض فسخ تحصل به البينونة الصغرى؛ فإذا فارقها بلفظ الطلاق أو غيره ~~في هذه الصورة وقعت به " البينونة الصغرى " وهو الفسخ # PageV32P314 # دون الكبرى. وجاز له أن يتزوج المرأة بعقد جديد؛ لكن إن صرحت ببذل العوض ~~في الطلقة الثالثة المحرمة وكان مقصودها أن تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره: ~~فقد بذلت العوض في غير البينونة الصغرى وهو يشبه ما إذا بذلت العوض في ~~الخلع بشرط الرجعة. فإن اشتراطه الرجعة في الخلع يشبه اشتراطها الطلاق ~~المحرم لها فيه وهو في هذه الحال يملك الطلقة الثالثة المحرمة لها كما كان ~~يملك قبل ذلك الطلاق الرجعي. والله سبحانه أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما. # فصل: # في " الفرقة " التي تكون من الطلاق الثلاث والتي لا تكون من الثلاث؛ فإن ~~انقسام الفرقة إلى هذين النوعين متفق عليه بين المسلمين - فيما أظن - فإنه ~~لو حدث بينهما ما أوجب التحريم المؤبد بدون اختيارهما ms9407 # PageV32P315 # كالمصاهرة - كانت فرقة تعتبر طلاقا؛ لكن تنازع العلماء في أنواع كثيرة من ~~" المفارقات " مثل: " الخلع " ومثل " الفرقة باختلاف الدين " و " الفرقة ~~لعيب في الرجل " مثل جب أو عنة ونحو ذلك: هل هو طلاق من الثلاث؟ أم ليس من ~~ذلك؟ وسبب ذلك " تنقيح " " مناط الفرق " بين الطلاق وغيره. ومذهب الشافعي ~~وأحمد في هذا الباب أوسع من مذهب أبي حنيفة ومالك؛ ولهذا اختلف قولهما في ~~الخلع: هل هو طلاق؟ أم ليس بطلاق؟ والمشهور عن أحمد أنه ليس بطلاق كقول ابن ~~عباس وطاوس وغيرهما وهو أحد قولي الشافعي؛ لكن فرق من فرق من أصحاب الشافعي ~~وأحمد بين أن يكون بلفظ الطلاق أو بغيره. فإن كان بلفظه: فهو طلاق منقص. ~~وإن كان بلفظ آخر ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضا. وإن خلا عن لفظ الطلاق ~~ونيته: فهو محل النزاع. وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق كما يحتاج مناط الفرق ~~إلى تحرير فإن هذا يبنى على أصلين " أحدهما " أن لفظ الطلاق لا يمكن أن ~~ينوي به غير الطلاق المعدود. " الثاني " تحرير معنى الخلع المخالف لمعنى ~~الطلاق المعدود وإلا فإذا قدر أن لفظ الطلاق يحتمل الطلاق المعدود. ويحتمل ~~معنى آخر ونوى # PageV32P316 # ذلك المعنى: لم يقع به الطلاق المعدود. وقد قال الفقهاء: إنه إذا قال: ~~أنت طالق ونوى من وثاق أو من زوج قبلي: لم يقع به الطلاق فيما بينه وبين ~~الله. وهل يقبل منه في الحكم؟ على قولين معروفين هما روايتان عن أحمد. فعلم ~~أن الطلاق المضاف إلى المرأة يعني به الطلاق المعدود ويعني به غير ذلك. وقد ~~يضاف الطلاق إلى غير المرأة كما يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: يا دنيا ~~قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك. ومثل الشعر المأثور عن الشافعي: اذهب فودك ~~من ودادي طالق. والمنع من ذلك؛ لما جاءت به السنة من أن لفظ الطلاق المضاف ~~إلى المرأة يراد به الفرقة ولا يكون من الطلاق المعدود: كما روى الإمام ~~أحمد وأهل السنن الثلاثة: أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ms9408 يزيد بن أبي ~~حبيب عن أبي وهب الجيشاني {عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت يا رسول ~~الله إني أسلمت وتحتي أختان؟ قال: طلق أيتهما شئت} هذا لفظ أبي داود قال. ~~حدثنا يحيى بن معين حدثنا وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث ~~عن يزيد بن أبي حبيب. وروى أبو داود من حديث هشيم وعيسى بن المختار عن ابن ~~أبي ليلى عن خميصة بن الشمردل {عن قيس بن الحارث أنه قال: أسلمت وعندي ثمان ~~نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اختر منهن أربعا} # PageV32P317 # ورواه ابن ماجه أيضا. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه واللفظ له: {أن ~~ابن عمر قال: أسلم غيلان وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~خذ منهن أربعا} قال الترمذي سمعت محمدا يقول: هذا غير محفوظ والصحيح ما روى ~~شعيب وغيره عن الزهري قال: حدثت عن محمد بن سويد أن غيلان. . . فذكره. وفي ~~لفظ الإمام أحمد. فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ~~ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في ~~نفسك ولعلك لا تملك إلا قليلا وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو ~~لأورثهن منك؛ ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال. وقد روى هذا الحديث ~~مالك في الموطأ عن الزهري مرسلا وقد رواه الشافعي وأحمد في مسنديهما في ~~حديث محمد بن جعفر وغيره عن معمر عن الزهري مرسلا؛ لكن بين الإمام أحمد ~~وغيره: أن هذا مما غلط فيه معمر لما قدم البصر فإنه حدثهم به من حفظه وكان ~~معمر يغلط إذا حدث من حفظه فرواه البصريون عنه كمحمد بن جعفر - غندر - ~~وغيره على الغلط وأما أصحابه الذين سمعوا من كتبه كعبد الرزاق وغيره فرووه ~~على الصواب. ففي حديث فيروز: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: طلق ~~أيتهما شئت} ليس المراد بذلك الطلاق المعدود على قول الشافعي وأحمد ~~وغيرهما؛ بل المراد ms9409 # PageV32P318 # منه فراقا ليس من الطلاق المعدود؛ فإنه لا يجب عليه أن يطلقها بنص الطلاق ~~المعدود؛ بل يفارقها عندهم بغير لفظ الطلاق وأما لفظ الطلاق فلهم فيه كلام ~~سنذكره إن شاء الله. وهكذا ما جاء في حديث غيلان: {أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن} وليس عليه أن يفارقها فرقة تحسب من الطلاق المعدود. وقد تنازع ~~الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد. . . # والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك أنه يطلقها بنص ~~الطلاق المعدود بل أراد المفارقة: وجوه. " أحدها " أنه قال في الحديث ~~الآخر: {خذ منهن أربعا} فدل على أنه إذا اختار منهن أربعا كفى ذلك ولا ~~يحتاج إلى إنشاء طلاق في البواقي فلو كان فراقهن من الطلاق المعدود لاحتاج ~~إلى إنشاء سببه كما لو قال: والله لأطلقن إحدى امرأتي. فإنه لا بد أن يحدث ~~لها طلاقا؛ فلو قال أخذت هذه لم يكن هذا وحده طلاقا للأخرى. اللهم إلا أن ~~يقال: هذا مما قد يقع به الطلاق بالأخرى مع النية. " الثاني " أن يقال: ما ~~زاد على الأربع حرام عليه بالشرع وما كانت محرمة بالشرع لم تحتج إلى طلاق؛ ~~لكن المحرمة لما لم تكن معينة كانت له ولاية التعيين. # PageV32P319 # " الثالث " أن يقال إن: الله قد ذكر في كتابه خصائص الطلاق وهي منتفية من ~~هذه الفرقة فقال تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى قوله: ~~{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فجعل المطلقة زوجها أحق برجعتها في العدة؛ وما ~~زاد على الأربع لا يمكنه أن يختار واحدة منهن في العدة إلا أن يقول قائل: ~~له في العدة أن يرتجع واحدة من المفارقات ويطلق غيرها: وهذا لا أعلمه قولا. ~~" الرابع " أن الله قال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ~~فجعل له بعد الطلقتين أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان وهذا ليس له في ما زاد ~~على الأربع إذا فارقهن؛ إلا أن يقال: له الرجعة بشرط البدل. " الخامس " أن ~~الله قال: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} وهذا الفراق لا يقضي على ~~العدة؛ بل عليه إذا ms9410 أسلم أن يفارق ما زاد على الأربع. وهذا دليل ظاهر. " ~~السادس " أنه قال: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة} وهذه المفارقة ليست كذلك. " السابع " أنه قال: {وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} وهذه ~~ليست كذلك. # PageV32P320 # " الثامن " أن فراق إحدى الأختين وما زاد على الأربع واجب بالشرع عينا. ~~والله لم يوجب الطلاق عينا قط؛ بل أوجب إما الإمساك بالمعروف وإما التسريح ~~بإحسان. " التاسع ": أن الطلاق مكروه في الأصل. ولهذا لم يرخص الله فيه إلا ~~في ثلاث وحرم الزوجة بعد الطلقة الثالثة: عقوبة للرجل لئلا يطلق وهنا ~~الفرقة مما أمر الله بها ورسوله فكيف يجعل ما يحبه الله ورسوله داخلا في ~~الجنس الذي يكرهه الله ورسوله وصار هذا كما أن هجرة المسلمين كانت محظورة ~~في الأصل رخص الشارع منها في الثلاث. فأما الهجرة المأمور بها: كهجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه للثلاثة الذين خلفوا خمسين ليلة فإنها كانت ~~هجرة يحبها الله ورسوله فلا تكون من جنس ما هو مكروه أبيح منه الثلاث ~~للحاجة وكذلك إحداد غير الزوجة لما كان محرما في الأصل أبيح منه الثلاث ~~للحاجة. فأما إحداد الزوجة أربعة أشهر وعشرا فلما كان مما أمر الله به ~~ورسوله لم يكن من جنس ما كرهه الله ورخص منه في ثلاث للحاجة فكذلك الفرقة ~~التي يأمر الله بها ورسوله لا تكون من جنس الطلاق الذي يكرهه الله ورسوله ~~ورخص منه في ثلاث للحاجة. والخلع من هذا الباب فقد روى البخاري في صحيحه من ~~حديث خالد الحذاء عن عكرمة {عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه من خلق ~~ولا دين # PageV32P321 # ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين ~~عليه حديقته؟ قالت نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة ~~وطلقها تطليقة} فهذا فيه من رواية عكرمة ms9411 {عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: اقبل الحديقة. وطلقها تطليقة} . وقد ثبت عن ابن عباس ~~وعكرمة وغيرهما: أنهم لم يكونوا يجعلون الخلع من الطلقات الثلاث قال أحمد ~~بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ~~ابن عباس قال: الخلع تفريق؛ وليس بطلاق. وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي ~~يذهب إلى قول ابن عباس. وهو قول إسحاق وأبي ثور؛ وداود وأصحابه؛ غير ابن ~~حزم. وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس أنه سأله ~~إبراهيم بن سعد عن رجل طلق امرأته تطليقتين؛ ثم اختلعت منه: أينكحها؟ قال ~~ابن عباس: نعم. ذكر الله الطلاق في الآية وفي آخرها والخلع بين ذلك. وروى ~~عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس قال: كان أبي لا يرى الفداء طلاقا؛ ~~ويخير له بينهما. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع عكرمة؛ سمع ~~ابن عباس يقول: ما أجازه المال فليس بطلاق. فهذا عكرمة يقول: إن كل فرقة ~~وقعت بمال فليست من الطلاق الثلاث؛ وذلك أن هذا هو معنى الفدية المذكورة في ~~كتاب الله # PageV32P322 # و " الفدية " ليست من الطلاق الثلاث كما بينه ابن عباس؛ مع أن ابن عباس ~~وعكرمة هما اللذان روى البخاري من طريقهما حديث امرأة ثابت بن قيس كما ~~تقدم. . . (1) . # قال: وحديثهم يرويه عكرمة مرسلا. قال أبو بكر عبد العزيز: هو ضعيف مرسل. ~~فيقال. هذا في بعض طرقه وسائر طرقه ليس فيها إرسال. ثم هذه الطريق قد رواها ~~مسندة من هو مثل من أرسلها إن لم يكن أجل منه. وفي مثل هذا يقضي المسند على ~~المرسل. وقد روى هذا الحديث الحاكم في صحيحه المسمى " بالمستدرك " وقال: ~~هذا حديث صحيح الإسناد غير أن عبد الرزاق أرسله عن معمر وخرجه القشيري في ~~أحكامه التي شرط فيها أن لا يروي إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة ~~الأخبار وكان صحيحا على طريقة بعض أهل الحديث الحفاظ وأئمة ms9412 الفقه النظار. ~~قال: وقول عثمان وابن عباس قد خالفه قول عمر وعلي فإنهما قالا: عدتها ثلاث ~~حيض. وأما ابن عمر فقد روى مالك عن نافع عنه قال ### | : عدة المختلعة # عدة المطلقة؛ وهو أصح عنه. # فيقال: أما المنقول عن عمر وعلي. . . (2) وبتقدير ثبوت النزاع بين ~~الصحابة فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول والسنة قد بينت أن ~~الواجب حيضة. . . (3) ومما بين ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ~~ثابت بن قيس أن تحيض PageV32P323 # وتتربص حيضة واحدة؛ وتلحق بأهلها. فلو كان قد طلقها إحدى الطلقات الثلاث ~~للزمتها عدة مطلقة بنص القرآن واتفاق المسلمين؛ بخلاف الخلع فإنه قد ثبت عن ~~غير واحد من السلف والخلف أنه ليس له عدة؛ وإنما فيه استبراء بحيض. والنزاع ~~في هذه المسألة معروف. أما الحديث المسند فرواه أهل السنن فقال النسائي: ~~حدثنا محمد بن يحيى المروزي حدثني شاذان بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي ~~حدثنا علي بن [المبارك] (1) عن يحيى بن أبي كثير أخبرني محمد بن عبد ~~الرحمن. أن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته. ورواه النسائي عن يعقوب بن ~~إبراهيم بن سعد حدثني عمي؛ حدثنا أبي؛ عن ابن إسحاق. ورواه ابن أبي عاصم عن ~~محمد بن سعد وعن يعقوب بن مهران عن الربيع بنت معوذ. ورواه ابن ماجه عن علي ~~بن سلمة النيسابوري حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد؛ حدثني أبي عن ابن ~~إسحاق؛ حدثنا عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت وكلاهما يزعم {أن ثابت بن ~~قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصبح ~~- وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي - فأتى أخوها يشتكيه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأرسل إليه؛ فقال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم. ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة؛ وتلحق بأهلها} . ~~أي بعد حيضة. ورواه PageV32P324 # أبو داود في سننه والترمذي في جامعه وأبو بكر بن أبي عاصم في " كتاب ~~الطلاق " له: ثلاثتهم ms9413 عن محمد بن عبد الرحمن البغدادي حدثنا علي بن يحيى ~~القطان أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة {عن ابن ~~عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عدتها حيضة} وقال الترمذي حديث حسن غريب. ورواه الحاكم في صحيحه. وقال أبو ~~داود: هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وروى الترمذي أيضا {عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء: أنها ~~اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم - أو أمرت - أن تعتد بحيضة} وقال الترمذي حديث الربيع الصحيح أنها ~~أمرت أن تعتد بحيضة وروى النسائي وابن أبي عاصم وابن ماجه عن الربيع بنت ~~معوذ ابن عفراء قالت. اختلعت من زوجي. ثم جئت عثمان فسألت ماذا علي من ~~العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة. ~~ولفظ ابن ماجه: تمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. وأما النسائي وابن أبي عاصم: ~~فلم يقولا " عنده " قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المغالية كانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه. فهذه ثلاث طرق لحديث ~~امرأة ثابت بن قيس بن شماس التي خالعها {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها ~~أن تعتد بحيضة واحدة} ورواه أبو بكر # PageV32P325 # بن أبي عاصم في " كتاب الطلاق " من الحديث المسند عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أربع طرق. فيكون للحديث خمسة طرق أو ستة: ذكر حديث الربيع الذي ~~فيه ذكر مريم المغالية (*) ؛ ولم يذكر حديث الربيع المتقدم الذي فيه ضرب ~~ثابت لامرأته جميلة. وقد صححه ابن حزم وغيره؛ ذكر: قال: حدثنا أحمد بن محمد ~~بن عمر حدثنا عمر بن يونس؛ عن سليمان بن أبي سليمان عن يحيى بن أبي كثير عن ~~محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع: {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~المختلعة أن ms9414 تعتد بحيضة} . وقال أيضا: حدثنا محمد بن سليمان حدثنا عبد الله ~~بن يوسف حدثنا ابن لهيعة؛ حدثنا أبو الأسود؛ عن يحيى بن النظر ويزيد بن عبد ~~الله بن قسيط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان؛ {عن ~~الربيع بنت معوذ ابن عفراء: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ~~عن امرأة ثابت بن قيس: أنه كان بينها وبين زوجها بعض الشيء وكان رجلا فيه ~~حدة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته؛ فأرسل إلى ثابت؛ ثم إنه قبل ~~منها الفدية فافتدت منه فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة} ~~قال أبو بكر بن أبي عاصم: مما دل على أن الخلع فسخ؛ لا طلاق: ما ثبت به ~~الإسناد؛ حدثنا محمد بن مصفى حدثنا سويد بن عبد العزيز PageV32P326 # - هو يحيى بن سعيد - عن عمرة {عن حبيبة بنت سهيل؛ قالت: امرأة كان هم أن ~~يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبها ثابت بن قيس فتزوجها وكان في ~~خلق ثابت شدة فضربها. فأصبحت بالغلس على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟ فقالت حبيبة: أنا يا رسول ~~الله لا أنا ولا ثابت. قال: فلم يكن أن جاء ثابت؛ فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ضربتها؟ قال نعم. ضربتها فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خذ منها فقالت: يا رسول الله: إن عندي كل شيء أعطانيه. فقال. فأخذ ~~منها وجلست في بيتها} . قال ابن أبي عاصم: ولم يذكر: " طلاقا ". قال: وفي " ~~حيضة واحدة " دليل على أنها ليست بمطلقة؛ وكذلك في عدتها في بيتها ولو كانت ~~مطلقة لكان لها السكنى والنفقة. قلت: هذا على قول من يجعل الخلع طلقة رجعية ~~إذا كان طلاقا كما هو قول أبي محمد عن جمهور أهل الحديث وداود. وابن أبي ~~عاصم يوافقهم على ذلك: مذهبه أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى؛ على حديث ~~فاطمة ms9415 بنت قيس قال ابن أبي عاصم: وممن قال تعتد بحيضة: عثمان بن عفان وابن ~~عمر وممن قال: فسخ؛ وليس بطلاق: ابن عباس وابن الزبير. قلت: وقد ذكر ابن ~~المنذر عن أحمد بن حنبل. أنه ضعف كل ما يروى عن الصحابة مخالفا لقول ابن ~~عباس. # PageV32P327 # وقد ذكر الشيخ أبو محمد في " مغنيه " هذه الرواية التي ذكرها أبو بكر عبد ~~العزيز في " الشافي " عن أحمد منه نقلها أبو محمد؛ وهي موجودة في غير ذلك ~~من الكتب فقال: وأكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة. منهم ~~سعيد بن المسيب. ومنها طائفة من العلماء منهم مالك والشافعي. قال: وروي عن ~~عثمان بن عفان وابن عمر؛ وابن عباس وأبان بن عثمان وإسحاق وابن المنذر: أن ~~عدة المختلعة حيضة. وروى ابن القاسم عن أحمد كما {روى ابن عباس: أن امرأة ~~ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة} رواه ~~النسائي وعن الربيع بنت معوذ مثل ذلك رواه النسائي وابن ماجه. قال: ولنا ~~قوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ولأنها فرقة بعد الدخول ~~في الحياة فكانت ثلاثة قروء كالخلع. فقال: أما الآية فلا يجوز الاحتجاج بها ~~حتى يبين أن المختلعة مطلقة وهذا محل النزاع ولو قدر شمول نص لها فالخاص ~~يقضي على العام والآية قد استثنى منها غير واحدة من المطلقات: كغير المدخول ~~بها والحامل والأمة والتي لم تحض وإنما تشمل المطلقة التي لزوجها عليها ~~الرجعة. وأما القياس المذكور. فيقال لا نسلم أن العلة في الأصل مجرد الوصف ~~المذكور ولا نسلم الحكم في جميع صور الناس؛ ثم هو منقوض بالمفارقة لزوجها ~~وقد دلت السنة على أن الواجب فيهما الاستبراء. # PageV32P328 # وأما الرواية: هل هي جميلة بنت أبي؟ أو سهلة بنت سهيل؟ أو أخرى؟ فهذا مما ~~اختلفت فيه الرواية؛ فإما أن يكونا قصتين أو ثلاثا؛ وإما أن أحد الراويين ~~غلط في اسمها وهذا لا يضر مع ثبوت القصة؛ فإن الحكم لا يتعلق باسم امرأته. ~~وقصة خلعه لامرأته مما تواترت به النقول واتفق ms9416 عليه أهل العلم. وقد روى ~~مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي {عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها ~~كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من هذه؟ قالت أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله قال: ما شأنك؟ قالت: لا ~~أنا ولا ثابت بن قيس. لزوجها فلما جاء ثابت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة يا رسول ~~الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت: خذ منها ~~فأخذ منها وجلست في أهلها} . وقد ذكر ابن حزم هذا الحديث وحديث الاعتداد ~~بحيضة في حجة من يقول إن الخلع فسخ وقال: قالوا: فهذا يبين أن الخلع ليس ~~طلاقا؛ لكنه فسخ؛ ولم يذكر حديث ابن عباس إلا من طريق عبد الرزاق المرسل؛ ~~وقال: أما حديث عبد الرزاق فساقط؛ لأنه مرسل؛ # PageV32P329 # وفيه عمرو بن مسلم وليس بشيء؛ وأما خبر الربيع وحبيبة فلو لم يأت غيرهما ~~لكانا حجة قاطعة؛ لكن رويا من طريق البخاري. وذكر ما تقدم من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {اقبل الحديقة وطلقها تطليقة} قال: فكان هذا الخبر فيه ~~زيادة على الخبرين المذكورين لا يجوز تركها وإذ هو طلاق فقد ذكر الله عدة ~~الطلاق فهو زائد على ما في حديث الربيع والزيادة لا يجوز تركها. فيقال له: ~~أما قولك عن حديث عبد الرزاق: إنه مرسل. فقد رواه أبو داود والترمذي: من ~~حديث همام بن يوسف مسندا كما تقدم ومن أصلك: أن هذه زيادة من الثقة فتكون ~~مقبولة والحديث قد حسنه الترمذي. وأما قولك عن عمرو بن مسلم. فيقال: قد روى ~~له مسلم في صحيحه والبخاري في " كتاب أفعال العباد " وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال يحيى بن معين في رواية إبراهيم بن ~~المسند: لا ms9417 بأس به وقال أبو أحمد بن عدي: وليس له حديث منكر جدا. وأما ~~الحديث الآخر الذي اعترفت بصحته وجعلته حجة قاطعة لولا المعارض: فهو نص في ~~المسألة حيث أمرها النبي صلى الله عليه وسلم {أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق ~~بأهلها} . # PageV32P330 # وأما ما ذكرت: أن الطريق الأخرى فيه زيادة وهو أنه أمره أن يطلقها تطليقة ~~واحدة والمطلقة تجب عليها العدة: فليس هذا زيادة؛ بل إن لم يكن المراد ~~بالطلقة هنا الفسخ: كانت هذه الرواية معارضة لتلك؛ فإن تلك الرواية فيها نص ~~بأنها تلحق بأهلها مع الحيضة الواحدة ولو لم يكن إلا قوله: {أمرها أن تعتد ~~بحيضة واحدة} لكان هذا بينا في أنه أمرها بحيضة واحدة لا بأكثر منها؛ إذ لو ~~أمرها بثلاث لما جاز أن يقتصر على قوله: " أمرها بحيضة واحدة " فكيف وقد ~~قال: " وتلحق بأهلها " وأيضا فسائر الروايات من الطرق يعاضد هذا أو يوافق ~~وقد عضدها عمل عثمان بن عفان وهو أحد الخلفاء الراشدين بذلك وقد تقدم بعض ~~طرق حديثه وأنه اتبع في ذلك السنة في امرأة ثابت بن قيس. وأيضا فلو قدر أنه ~~قال في الراوية الأخرى: " أمرها أن تعتد بثلاث حيض " لكان هذا تعارضا في ~~الرواية ينظر فيه إلى أصح الطريقين. فكيف وليس فيه إلا قوله: " وطلقها ~~تطليقة " والراوي لذلك هو ابن عباس وصاحبه وهما يرويان أيضا " أنه أمرها أن ~~تعتد بحيضة " وهما أيضا يقولان: الخلع فدية لا تحسب من الطلقات الثلاث. ~~وقوله: " وطلقها تطليقة " إن كان هذا محفوظا من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع ما قبله فلا بد من أحد أمرين: إما أن يقال: الطلاق # PageV32P331 # بعوض لا تحسب فيه العدة بثلاثة أشهر؛ ويكون هذا مخصوصا من لفظ القرآن. ~~وإذا قيل: هذا في الطلاق بعوض: فهو في الخلع بطريق الأولى. وإما أن يقال: ~~مراده بقوله " طلقها تطليقة " هو الخلع؛ وإنه لا فرق عند الشارع بين لفظ ~~الخلع والطلاق إذا كان ذلك بعوض؛ فإن هذا فدية؛ وليس هو الطلاق المطلق في ~~كتاب الله؛ كما قال ذلك من ms9418 قاله من السلف؛ وهذا يعود إلى المعنى الأول. ~~وبكل حال فإنه إذا لم يجعل الشارع في ذلك عدة علم أنه ليس من الطلاق الثلاث ~~فإن القرآن صريح بأن ما كان من الطلاق الثلاث ففيه العدة. وأيضا: فهذا ~~إجماع فيما نعلمه لا نعلم أحدا نازع في هذا وقال: إن الخلع طلقة محسوبة من ~~الثلاث ومع ذلك لا عدة فيه. وهذا مما يؤيد أن الخلع فسخ وقد تقدم بعض ~~المنقول عن عثمان وغيره. وروى يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن نافع ~~مولى ابن عمر: أنه سمع الربيع بنت معوذ ابن عفراء وهي تخبر عبد الله بن ~~عمر: أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان فجاء عمها إلى عثمان فقال: إن ~~ابنة معيذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث ~~بينهما ولا عدة عليها؛ إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة؛ خشية أن يكون بها ~~حبل فقال عبد الله بن عمر: ولعثمان خيرنا وأعلمنا. قال ابن حزم: فهذا عثمان ~~والربيع ولها صحبة وعمها وهو من كبار الصحابة وابن عمر: كلهم لا يرى في ~~الفسخ عدة. # PageV32P332 # فإن قيل: فقد نقل عن عثمان وابن عمر: أنه طلاق كما روى حماد بن سلمة عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان: أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن ~~أسيد فاختلعت منه فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك وقال: هي ~~واحدة؛ إلا أن تكون سميت شيئا فهو على ما سميت. وقد روى مالك عن نافع عن ~~ابن عمر قال: عدة المختلعة عدة المطلقة. وقد روى أبو داود قال: حدثنا عثمان ~~بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة {عن ابن عباس: أن زوج ~~بريرة كان عبدا أسود فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد} ~~(1) ، وهكذا رواه ابن أبي عاصم: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام عن قتادة عن ~~عكرمة {عن ابن عباس قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بريرة ms9419 بأربع ~~قضايا: أمرها أن تختار وأمرها أن تعتد} . وقال: حدثنا الحلواني حدثنا عمرو ~~بن. . . (2) حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: أحسبه قال فيه: " تعتدي عدة الخلع " فهذا فسخ أوجب فيه ~~العدة؛ ولهذا قال ابن حزم: إنه لا عدة في شيء من الفسوخ؛ إلا في هذا؛ لأنه ~~لا يقول بالقياس؛ وليس في النص إيجاب العدة في فسخ. PageV32P333 # لكن لفظ " الاعتداد " يستعمل عندهم في الاعتداد بحيضة كما في حديث ~~المختلعة من غير وجه " أمرها أن تعتد بحيضة " وقالت عائشة في قوله: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي فهن لكم حلال إذا انقضت ~~عدتهن والمراد بها: " الاستبراء "؛ فإن المسبية لا يجب في حقها إلا ~~الاستبراء بحيضة كما {قال صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل ~~حتى تضع؛ ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} وقال فيه: فأنزل الله: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وهكذا في الحديث المعروف عن أبي ~~سعيد الخدري في سبايا أوطاس من رواية أبي الخليل {حلال إذا انقضت عدتهن} ~~(*) وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ~~ذات حمل حتى تستبرأ} وأبو سعيد روى هذا وهذا. وعلى الحديثين: أم الولد تعتد ~~بحيضة؛ وقال عمرو بن عاصم: وأحسبه قال: تعتد عدة الحرة. شك لا تقوم به حجة. ~~وعن أحمد في عدة المختلعة روايتان: ذكرهما أبو بكر في " كتاب الشافي " قال ~~أبو بكر في الشافي: " باب عدة المختلعة والملاعنة وامرأة عصبى " وروى ~~بإسناده عن الأثرم وإبراهيم بن الحارث: أنه قيل لأبي عبد الله عدة كل مطلقة ~~ثلاث حيض؟ قال: نعم؛ إلا الأمة. قيل له: المختلعة والملاعنة وامرأة المرتد؟ ~~قال: نعم. كل فرقة عدتها ثلاث حيض. وعن أبي طالب أن PageV32P334 # أبا عبد الله قال في المختلعة تعتد مثل المطلقة ثلاث حيض. وروي عن أحمد ~~بن القاسم قال أبو عبد الله: عدة المختلعة حيضة. قال عبد العزيز: والعمل ~~على رواية ms9420 الأثرم والعبادي: أن كل فرقة من الحرائر عدتها ثلاث حيض وحديث ~~المختلعة أمرت أن تعتد بحيضة ضعيف؛ لأنه مرسل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبما قلت أذهب وهو قول عثمان بن عفان. قلت ابن القاسم كثيرا ما يروي ~~عن أحمد الأقوال المتأخرة التي رجع إليها كما روى عنه أن جمع الثلاث محرم ~~وذكر أنه رجع عن قوله: إنه مباح وأنه تدبر القرآن فلم يجد فيه الطلاق إلا ~~رجعيا. وهكذا قد يكون أحمد ثبتت عنده في المختلعة فرجع إليها فقوله: عدتها ~~حيضة. لا يكون إلا إذا ثبت عنده الحديث؛ وإذا ثبت عنده لم يرجع عنه. ~~ولأصحاب أحمد في وطء الشبهة وجهان - وكذلك ابن عمر كان يقول أولا: إن عدتها ~~ثلاث حيض فلما بلغه قول عثمان بن عفان أنها تستبرأ بحيضة رجع إليه ابن عمر. ~~وما ذكره أبو بكر عن عثمان رواية مرجوحة والمشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة ~~وهو قول ابن عباس؛ وآخر القولين عن ابن عمر ولم يثبت عن صحابي خلافه فإنه ~~روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف وهو قول أبان بن عثمان وعكرمة وإسحاق بن ~~راهويه وغيره من فقهاء الحديث. # PageV32P335 # وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: كان " المشركون " على منزلتين ~~من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ~~ويقاتلونه ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا هاجرت امرأة ~~من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح فإن هاجر ~~زوجها قبل أن تنكح ردت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران. ولهما ~~للمهاجرين؛ ثم ذكر في " أهل العهد " مثل حديث مجاهد وإن هاجر عبد أو أمة ~~للمشركين أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم. ففي هذا الحديث أن المهاجرة من ~~دار الحرب إذا حاضت ثم طهرت: حل لها النكاح فلم يكن يجب عليها إلا ~~الاستبراء بحيضة؛ لا بثلاثة قروء؛ وهي معتدة من وطء زوج؛ لكن زال نكاحه ~~عنها بإسلامها. ففي هذا أن ms9421 الفرقة الحاصلة باختلاف الدين - كإسلام امرأة ~~الكافر - إنما يوجب استبراء بحيضة: وهي فسخ من الفسوخ؛ ليست طلاقا. وفي هذا ~~نقص لعموم من يقول: كل فرقة في الحياة بعد الدخول توجب ثلاثة قروء. وهذه ~~حرة مسلمة؛ لكنها معتدة من وطء كافر. # PageV32P336 # وقد ### | تنازع العلماء في امرأة الكافر هل عليها عدة؟ أم استبراء؟ # على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة ومالك لا عدة عليها. وما في هذا ~~الحديث من رد إناث عبيد المعاهدين: فهو نظير رد مهور النساء المهاجرات من ~~أهل الهدنة وهن الممتحنات اللاتي قال الله فيهن: {إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن} الآية. ومن أنه كان إذا هاجر زوجها قبل أن تنكح فهو أحق ~~بها. فهذا أحد الأقوال في المسألة وهو أن الكافر إذا أسلمت امرأته: هل ~~تتعجل الفرقة مطلقا؟ أو يفرق بين المدخول بها وغيرها؟ أو الأمر موقوف ما لم ~~تتزوج فإذا أسلم فهي امرأته؟ والأحاديث إنما تدل على هذا القول ومنها هذا ~~الحديث ومنها حديث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الثابت في ~~الحديث أنه ردها بالنكاح الأول بعد ست سنين؛ كما رواه أحمد في مسنده ورواه ~~أهل السنن: أبو داود وغيره والحاكم في صحيحه عن ابن عباس قال: {رد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زينب على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئا} ~~وفي رواية " بعد ست سنين " وفي إسناده ابن إسحاق؛ ورواه الترمذي وقال: ليس ~~بإسناده بأس. وروى أبو داود والحاكم في صحيحه {عن ابن عباس قال: أسلمت ~~امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت؛ فجاء زوجها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني كنت أسلمت؛ وعلمت بإسلامي: ~~فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر؛ وردها إلى زوجها ~~الأول} وفي إسناده سماك. # PageV32P337 # فقد ردها لما ذكر أنه أسلم وعلمت بإسلامه ولم يستفصله: هل أسلما معا؟ أو ~~هل أسلمت قبل أن تنقضي العدة؟ وترك الاستفصال يدل على أن الجواب عام مطلق ~~في كل ما تتناوله ms9422 صور السؤال. وهذا لأنه متى أسلم على شيء فهو له. وإذا ~~أسلم على مواريث لم تقسم قسمت على حكم الإسلام وكذلك على عقود لم تقبض فإنه ~~يحكم فيها بحكم الإسلام ولو أسلم رقيق الكافر الذمي لم يزل ملكه عنه؛ بل ~~يؤمر بإزالة ملكه عنه ويحال بينه وبين ثبوت يده عليه؛ واستمتاعه بإمائه: أم ~~ولده وغيرها والاستخدام فكذلك إذا أسلمت المرأة حيل بينها وبين زوجها فإن ~~أسلم قبل أن يتعلق بها حق غيره فهو كما لو أسلم قبل أن يباع رقيقه فهو أحق ~~بهم والدوام أقوى من الابتداء؛ ولأن القول بتعجيل الفرقة خلاف المعلوم ~~بالتواتر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقول بالتوقف على انقضاء ~~العدة أيضا كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت ذلك فيمن أسلم على ~~عهده من النساء والرجال مع كثرة ذلك ولأنه لا مناسبة بين العدة وبين ~~استحقاقها بإسلام أحدهما. وقياس ذلك على الرجعة من أبطل القياس من وجوه ~~كثيرة. " وأيضا " فالنبي صلى الله عليه وسلم {قال في السبايا: لا توطأ حامل ~~حتى تضع؛ ولا غير ذات حمل حتى تحيض} وهذا الحديث يقتضي أنه لا يجب في ~~الاستبراء إلا الحيض؛ أو الحمل في الصغيرة التي لا تحيض؛ والأمة لا يتصور ~~هذا في حقها فليس في الحديث إيجاب استبراء على من لا تحيض # PageV32P338 # وإيجاب ذلك بعيد عن القياس؛ ولهذا اضطرب القائلون به على أقوال كل منها ~~منقوض. " وأيضا " فلم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~بالاستبراء في غير هذا؛ لأنهن كن موطوآت لهن أزواج. وأما الإماء اللاتي كن ~~يبعن على عهده فلم يكن يوطأن في العادة؛ بل كن للاستخدام في الغالب. وهذا ~~يقتضي أن الأمة التي لم يطأها سيدها لا يجب على المستبرئ استبراؤها كما لا ~~يجب استبراؤها إذا تزوجت؛ فإذا لم يجب في التزويج: ففي التسري أولى وأحرى؛ ~~وقد قال ابن عمر: لا استبراء على المسلمة وذلك لأنها توطأ فمن لا يجب عليها ~~عدة ولا استبراء إذا زوجت لم ms9423 يجب عليها استبراء إذا وطئت بملك اليمين وكذلك ~~قال الليث بن سعد قال: إن كانت ممن لا يحمل مثلها لم يجب استبراؤها لا بحيض ~~ولا بحمل. فهذا موافق للنص. وقال أبو حنيفة إذا استبرؤها. . . (1) استبراء ~~عليه وقال مالك إذا كانت في يده كالوديعة ونحوها وعلم أنها لم توطأ لم يحتج ~~إلى استبراء إذا استبرأها (2) ، وكذلك الذي قال لا يجب الاستبراء إلا على ~~حامل أو موطوءة. وإليه مال الروياني. PageV32P339 # والذي يدل عليه النص أن الاستبراء مشروع حيث أمكن أن تكون حاملا فإنه أمر ~~بالاستبراء الحامل والحائض من المسبيات اللاتي لا تعلم حالهن. فأما مع ~~العلم ببراءة الرحم فلا معنى للاستبراء. وحديث ابن شهاب الذي في الموطأ ~~مرسل. " والقرآن " ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات؛ لا ~~على من فارقها زوجها بغير طلاق ولا على من وطئت بشبهة ولا على المزني بها. ~~فإذا مضت السنة بأن المختلعة إنما عليها الاعتداد بحيضة الذي هو استبراء ~~فالموطوءة بشبهة والمزني بها أولى بذلك كما هو أحد الروايتين عن أحمد في ~~المختلعة؛ وفي المزني بها. والموطوءة بشبهة دون المزني بها؛ ودون المختلعة. ~~. فبأيهما ألحقت لم يكن عليها إلا الاعتداد بحيضة كما هو أحد الوجهين. " ~~والاعتبار " يؤيد هذا القول فإن المطلقة لزوجها عليها رجعة ولها متعة ~~بالطلاق ونفقة وسكنى في زمن العدة فإذا أمرت أن تتربص ثلاثة قروء لحق ~~الزوج؛ ليتمكن من ارتجاعها في تلك المدة: كان هذا مناسبا وكان له في طول ~~العدة حق كما قال تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن # PageV32P340 # من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} فبين سبحانه أن العدة ~~للرجل على المطلقة إذا وجبت؛ فإذا مسها كان له عليها العدة لأجل مسه لها ~~وكان له الرجعة عليها ولها بإزاء ذلك النفقة والسكنى كما لها متاع لأجل ~~الطلاق. أما غير المطلقة إذا لم يكن لها نفقة ولا سكنى ولا متاع ولا للزوج ~~الحق برجعتها: فالتأكد من براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة كما يحصل في ~~المملوكات وكونها حرة لا ms9424 أثر له بدليل أن أم الولد تعتد بعد وفاة زوجها ~~بحيضة عند أكثر الفقهاء كما هو قول ابن عمر وغيره وهي حرة: فالموطوءة بشبهة ~~ليست خيرا منها. والتي فورقت بغير طلاق وليس لها نفقة ولا سكنى ولا رجعة ~~عليها ولا متاع: هي بمنزلتها. فإن قيل: هذا ينتقض بالمطلقة آخر ثلاث ~~تطليقات فإنه لا نفقة لها ولا سكنى ولا رجعة ومع هذا تعتد بحيضة؟ قيل: هذه ~~المطلقة لها المتعة عند الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وكثير من السلف أو ~~أكثرهم ولها النفقة عند مالك والشافعي وكثير من فقهاء الحجاز وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد ولها السكنى مع ذلك عند كثير من فقهاء العراق كأبي حنيفة ~~وغيره: فلا بد لها من متاع أو سكنى عند عامة العلماء. فإذا وجبت العدة ~~بإزاء ذلك كان فيه من المناسبة ما ليس في إيجابها على من لا متاع لها ولا ~~نفقة ولا سكنى وقد ثبت {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر فاطمة بنت قيس # PageV32P341 # لما طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات أن تعتد وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم ~~مكتوم ثم أمرها بالانتقال إلى بيت أم شريك} والحديث وإن لم يكن في لفظه أن ~~تعتد ثلاث حيض فهذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء؛ فإن كان هذا ~~إجماعا: فهو الحق والأمة لا تجتمع على ضلالة. وإن كان من العلماء من قال: ~~إن المطلقة ثلاثا إنما عليها إلا الاستبراء لا الاعتداد بثلاث حيض: فهذا له ~~وجه قوي بأن يكون طول العدة في مقابلة استحقاق الرجعة وهذا هو السبب في ~~كونها جعلت ثلاثة قروء. فمن لا رجعة عليها لا تتربص ثلاثة قروء؛ وليس في ~~ظاهر القرآن إلا ما يوافق هذا القول؛ لا يخالفه وكذلك ليس في ظاهره إلا ما ~~يوافق القول المعروف لا يخالفه. فأي القولين قضت السنة كان حقا موافقا ~~لظاهر القرآن. والمعروف عند العلماء هو الأول بخلاف المختلعة فإن السنة مضت ~~فيها بما ذكر وثبت ذلك عن أكابر الصحابة وغير واحد من ms9425 السلف؛ وهو مذهب غير ~~واحد من أئمة العلم؛ وليس في القرآن إلا ما يوافقه لا يخالفه؛ فلا يقاس هذا ~~بهذا. والمعاني المفرقة بين الاعتداد بثلاثة قروء والاستبراء إن علمناها ~~وإلا فيكفينا اتباع ما دلت عليه الأدلة الشرعية الطاهرة المعروفة. ومما ~~يوضح هذا أن المسبيات اللاتي يبتدئ الرق عليهن قد تقدم الإشارة إلى حديث ~~أبي سعيد الذي فيه: أن الله أباح وطأهن للمسلمين لما تحرجوا من # PageV32P342 # وطئهن وأنزل في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وقال ~~فيه: إن أجل وطئهن إذا نقضت عدتهن. {وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ} وروي: " ~~حتى تحيض حيضة " والعلماء عامة إنما يوجبون في ذلك استبراء بحيضة وهو ~~اعتداد من وطء زوج يلحقه النسب ووطؤه محترم وإن كان كافرا حربيا فإن ~~محاربته أباحت قتله وأخذ ماله واسترقاق امرأته. على نزاع وتفصيل بين ~~العلماء؛ لكن لا خلاف أن نسب ولده ثابت منه وأن ماءه ماء محترم لا يحل لأحد ~~أن يطأ زوجته قبل الاستبراء باتفاق المسلمين؛ بل قد لعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من فعل ذلك كما في الحديث الصحيح في مسلم: {أنه أتى على امرأة ~~مجح على باب فسطاط فقال: لعل سيدها يلم بها قالوا: نعم. قال: لقد هممت أن ~~ألعنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستعبده وهو لا يحل ~~له} و {نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره} . لكن هذه الزوجة لم يفارقها ~~زوجها باختياره؛ لا بطلاق؛ ولا غيره؛ لكن طريان الرق عليها أزال ملكه إلى ~~المسترق أو اشتباه زوجها بغيره أزال ذلك. فعلم أنه ليس بنكاح زال عن امرأة؛ ~~فإنه يوجب العدة بثلاثة قروء. ولو أن الكافر تحاكم إلينا هو وامرأته في ~~العدة ثم طلق امرأته # PageV32P343 # لألزمناها بثلاثة قروء: فعلم أن المطلقة عليها ثلاثة قروء مطلقا وأن هذه ~~لما زال نكاحها بغير طلاق لم يكن عليها ثلاثة قروء. فلا يقال: ms9426 إن كل معتدة ~~من مفارقة زوج في الحياة عليها ثلاثة قروء؛ بل هذا منقوض بهذه بالنص ~~والإجماع. # فصل: # وهذا الذي دل عليه القرآن والسنة وآثار أكابر الصحابة - كعثمان وغيره - ~~من أن عدة المختلعة: حيضة واحدة: يزول به الإشكال في مسألة " تداخل العدتين ~~": كما إذا تزوجت المرأة في عدتها بمن أصابها؛ فإن المأثور عن الصحابة كعمر ~~وعلي: أنها تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطء الثاني فعليها تمام عدة الأول ~~وعدة للثاني. وبه أخذ جمهور الفقهاء: كمالك والشافعي وأحمد. واختلف عمر ~~وعلي: هل تباح للأول بعد قضاء العدتين؟ فقال عمر: لا ينكحها أبدا. وبه أخذ ~~مالك. وقال علي: هو خاطب من الخطاب وبه أخذ الشافعي. وعن أحمد روايتان. ~~وأما أبو حنيفة فعنده لا يجب عليها إلا عدة واحدة من الثاني وتدخل فيها ~~بقية عدة الأول وذكر بعض أصحابه أن هذا القول منقول عن ابن مسعود؛ لكن لم ~~نعرف لذلك إسنادا. فنقول بتداخل العدتين؛ فإن العدة حق له؛ إذ لو أراد ~~الزوج إسقاطها لم يمكنه ذلك فدخل بعضها في بعض: كالحدود؛ والكفارات؛ فإنه # PageV32P344 # لو سرق ثم سرق: لم يقطع إلا يد واحدة وكذلك لو شرب؛ ثم شرب لم يكن عليه ~~إلا حد واحد. فالحدود وجبت في جنس الذنب؛ لا في قدره. ولهذا تجب بسرقة ~~المال الكثير والقليل؛ وتجب بشرب القليل والكثير؛ لأن الموجب له جنس الذنب؛ ~~لا قدره. فإذا لم يفترق الحكم بين قليله وكثيره في القدر لم يفترق بين ~~واحده وعده؛ فإن الجميع من جنس القدر وكذلك كفارة الجماع في رمضان إذا وطئ ~~ثم وطئ قبل أن يكفر. فمن قال بتداخل العدتين قال: عدة المطلقة من هذا الباب ~~فإن سببها الوطء ليست مثل عدة الوفاة التي سببها العقد؟ وهي تجب مع قليل ~~الوطء وكثيره فإن الموجب لها جنس الوطء ولا فرق بين أن يكون الواطئ واحدا ~~أو اثنين. وطرده لو اشترى أمة قد اشترك في وطئها جماعة لم يكن عليها إلا ~~استبراء واحد؛ وإن كان الواطئ جماعة. وقد نوزعوا في هذه ms9427 الصورة فقيل: بل ~~تستبرأ لكل من الشريكين استبراء واحدا إذا كانت في ملكهما. فأما إذا باعاها ~~لغيرهما: فهنا لا يجب على المشتري إلا استبراء واحد ولم يقل أحد علمناه إن ~~الأمة المملوكة بسبي أو شراء أو إرث ونحو ذلك عليها استبراءات متعددة بعدد ~~الواطئين. وكذلك لو اشترى رجل جارية وباعها قبل أن يستبرئها لم يكن على ~~المشتري الثاني إلا استبراء واحد. قال الفقهاء: ولا نقول عليه أن يستبرئها ~~مرتين. واعتذر بعضهم بأن الاستبراء سببه تعدد الملك ولم يتعدد؛ ولهذا لا ~~يوجبون الاستبراء إذا أعتقها وتزوجها إذا لم يكن البائع قد وطئها ويوجبونه ~~إذا لم يعتقها؛ بخلاف العدة فإن سببها الرق. والكلام في عدة الاستبراء له ~~موضع آخر. # PageV32P345 # " والمقصود " هنا: أنه لا يتعدد وما علمنا أحدا قال يتعدد؛ وإن كان أحد ~~قال هذا فإن السنة تخصمه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر إلا بمجرد ~~الاستبراء حيث قال: {لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ} ~~فعلق الحل بمجرد الاستبراء ولم يفرق وإذا كان الاستبراء من جنس العدة ولا ~~يتعدد بتعدد الواطئ: فالعدة كذلك. هذا ما يحتج به لأبي حنيفة رحمه الله. ~~وأما الجمهور فقالوا: العدة فيها حق لآدمي. واستدلوا بقوله تعالى: {إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن} الآية. قالوا: فقد نفى الله أن يكون للرجال على النساء ~~عدة في هذا الموضع؛ وليس هنا عدة لغير الرجال فعلم أن العدة فيها حق للرجال ~~حيث وجبت إذ لو لم يكن كذلك لم يكن في نفي أن يكون للرجال عليهن عدة ما ~~ينفي أن يكون لله عدة فلو كانت العدة حقا محضا لله لم يقل: {فما لكم عليهن ~~من عدة} إذ لا عدة لهم لا في هذا الموضع ولا غيره ولو كانت العدة نوعين ~~نوعا لله ونوعا فيه حق للأزواج: لم يكن في نفي عدة الأزواج ما ينفي العدة ~~الأخرى فدل القرآن على أن العدة حيث وجبت ففيها حق ms9428 للأزواج وحينئذ فإذا ~~كانت العدة فيها حق لرجلين لم يدخل حق أحدهما في الآخر؛ فإن حقوق الآدميين ~~لا تتداخل كما لو كان لرجلين دينان على واحد أو كان لهما عنده أمانة أو ~~غصب؛ فإن عليه أن يعطي كل ذي حق حقه. فهذا الذي قاله الجمهور من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وغيرهم. # PageV32P346 # واحتجوا على أبي حنيفة بأنه يقول: لو تزوج المسلم ذمية وجبت عليها المدة ~~حقا محضا للزوج؛ لأن الذمية لا تؤاخذ بحق الله؛ ولهذا لا يوجبها إذا كان ~~زوجها ذميا وهم لا يعتقدون وجوب العدة وهذا الذي قاله له الأكثرون حسن ~~موافق لدلالة القرآن ولما قضى به الخلفاء الراشدون لا سيما ولم يثبت عن ~~غيرهم خلافه؛ وإن ثبت فإن الخلفاء الراشدين إذا خالفهم غيرهم كان قولهم هو ~~الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي: تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة} . لكن من تمام كون العدة حقا للرجل أن ~~يكون له فيها حق على المرأة وهو ثبوت الرجعة؛ كما قال تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن ~~كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فأمرهن بالتربص؛ ~~وجعل الرجل أحق بردها في مدة التربص وليس في القرآن طلاق إلا طلاق رجعي: ~~إلا الثالثة المذكورة في قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} وذلك طلاق أوجب تحريمها فلا تحل له بعقد يكون برضاها ورضا وليها؛ ~~فكيف تباح بالرجعة. أما المرأة التي تباح لزوجها في العدة فإن زوجها أحق ~~برجعتها في العدة بدون عقد وليس في القرآن طلاق بائن تباح فيه بعقد ولا ~~يكون الزوج أحق بها؛ بل متى كانت حلالا له كان أحق بها. # PageV32P347 # وعلى هذا فيظهر كون العدة حقا للرجل. فإنه يستحق بها الرجعة؛ بخلاف ما ~~إذا أوجبت في الطلاق البائن التي تباح فيه بعقد؛ فإنه هنا لا حق له ms9429 إذ ~~النكاح إنما يباح برضاهما جميعا؛ ولهذا طرد أبو حنيفة أصله؛ لما كان الطلاق ~~عنده ينقسم إلى: بائن ورجعي وله أن يوقع البائن بلا رضاها. جعل الرجعة حقا ~~محضا للزوج: له أن يسقطها وله ألا يسقطها؛ بخلاف العدة فإنه ليس له ~~إسقاطها؛ فلا تكون حقا له وهذا يؤيد أن الخلع ليس بطلاق؛ فإنه موجب ~~للتسوية. ويؤيد أنه ليس للرجل فيه عدة على المرأة كما يكون في الطلاق؛ بل ~~عليها استبراء بحيضة؛ فإن الاستبراء بحيضة حق لله؛ لأجل براءة الرحم فلا بد ~~منه في كل موطوءة سواء وطئت بنكاح صحيح أو فاسد أو بملك يمين فإنه يجب ~~لبراءة رحمها من ماء الواطئ الأول؛ لئلا يختلط ماؤه بماء غيره وكذلك يجب ~~على أصح قولي العلماء على الموطوءة بالزنى؛ لأجل ماء الواطئ الثاني؛ لئلا ~~يختلط ماؤه بماء الزاني. وهذا مذهب مالك وأحمد. وإذا لم يجب على المختلعة ~~إلا عدة بحيضة: فعلى المنكوحة نكاحا فاسدا أولى؛ فإنه لا رجعة عليها. ولا ~~نفقة لها. فإن قيل: ففي حديث طليحة أن عمر بن الخطاب قال: أيما امرأة نكحت ~~في عدتها فإن لم يدخل بها الثاني أتمت عدة زوجها وإن دخل بها أتمت بقية ~~عدتها للأول ثم اعتدت للثاني. وكذلك عن علي: أنه قضى أنها تأتي ببقية عدتها ~~للأول ثم تأتي للثاني بعدة مستقبلة فإذا انقضت عدتها فإن شاءت نكحت وإن ~~شاءت لم تنكح؟ # PageV32P348 # قيل: نعم. لكن لفظ " العدة " في كلام السلف يقال على القروء الثلاثة وعلى ~~الاستبراء بحيضة كما تقدم نظائره. وحينئذ فعمر وعلي إن كان قولهما في ~~المختلعة ونحوها أنها تعتد بحيضة فيكونان أرادا أنها تعتد بحيضة. وإن كان ~~قولهما أنها تعتد بثلاثة قروء: فيكون هذا فيه قولان للصحابة؛ فإن عثمان قد ~~ثبت عنه أن المختلعة تعتد بحيضة. وإن قيل: بل قد نقول: تعتد المختلعة بحيضة ~~والمنكوحة نكاحا فاسدا بثلاثة قروء: فهذا القول إذا قيل به يحتاج إلى بيان ~~الفرق بين المسألتين. فإن قيل: فقد اختلف عمر وعلي هل تباح للثاني؟ فقال ~~عمر: لا ينكحها ms9430 أبدا. وقال علي: إذا انقضت عدتها - يعني من الثاني - فإن ~~شاءت نكحت وإن شاءت لم تنكح. ولو كان وطء الثاني كوطء الشبهة لم يمنع الأول ~~أن يتزوجها؛ فإن الرجل لو وطئت امرأته بشبهة لم يزل نكاحه بالإجماع؛ بل ~~يعتزلها حتى تعتد ولو وطئت الرجعية بشبهة لم يسقط حق الزوج شيء؟ قيل: أولا ~~هذا السؤال لا تعلق له بقدر العدة فسواء كانت العدة استبراء بحيضة أو كانت ~~بتربص ثلاثة قروء. هذا وارد في الصورتين. ولا ريب أن الزوج المطلق الذي ~~اعتدت من وطئه إن كان طلقها الطلقة الثالثة فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا ~~غيره فلا يمكنه أن يراجعها في عدتها منه وأما إن فارقها فرقة بائنة كالخلع ~~- ونكحت في مدة اعتدادها منه: مثل أن تنكح قبل أن تستبرأ بحيضة: فهنا إذا ~~أراد أن يتزوجها في عدتها فإنما يتزوجها بعقد # PageV32P349 # جديد؛ وليس له أن يتزوج بعدة من غيره بعقد جديد؛ فإن العدة من الغير تمنع ~~ابتداء النكاح ولا تمنع دوامه فليس لأحد أن يتزوج بعدة؛ لا من وطء شبهة ولا ~~نكاح فاسد؛ بل ولا زنى؛ وإن كانت امرأته إذا وطئت بشبهة أو زنى لم يبطل ~~نكاحه؛ بل يجتنبها حتى يستبرئها ثم يطؤها. وإذا قيل: فهذه معتدة من الوطء ~~فكيف يمنع من نكاحها في العدة؟ قيل: " أولا " هذا لا يتعلق بقدر العدة. ~~وقيل " ثانيا " لا نص ولا إجماع يبيح لكل معتدة أن تنكح في عدتها؛ لكن ~~الإجماع انعقد على ذلك في مثل المختلعة؛ إذ لا عدة عليها لغير الناكح. فأما ~~إذا وجبت عليها عدة من غيره: فهنا المانع كونها معتدة من غيره كما يمنع بعد ~~انقضاء عدتها منه؛ فإن الخلية من عدتها له أن ينكحها؛ وإذا كان بعدة من ~~الغير لم يكن له ذلك. فالعدة ليست مانعة من النكاح ولا موجبة لحله وانتفاء ~~مانع واحد لا يبيح الغير إذا وجد مانع آخر؛ ولكن يظن الظان أن العدة منه ~~وجبت لإباحة عقده. وهذا غلط. وأما إن كان الطلاق الأول رجعيا فارتجاعه ~~إياها في ms9431 بقية عدتها منه كارتجاعه لو وطئت بشبهة في عدتها من الطلاق الرجعي ~~لا فرق بينهما. # PageV32P350 # وكذلك الذي قضى به علي: أن الثاني لا ينكحها حتى تنقضي عدتها منه. وهو ~~ظاهر مذهب أحمد. وأما مذهب الشافعي فيجوز عنده للثاني أن ينكحها في عدتها ~~منه كما يجوز للواطئ بشبهة أن يتزوج الموطوءة في عدتها منه وكذلك كل من نكح ~~امرأة نكاحا فاسدا له أن يتزوجها في عدتها منه. وأحمد له في هذا الأصل ~~روايتان. " إحداهما " لا يجوز وهو مذهب مالك؛ ليميز بين ماء وطء الشبهة ~~وماء المباح المحض. " والثاني " يجوز كمذهب الشافعي؛ لأن النسب لاحق في ~~كليهما. وعلى هذه الرواية فمن أصحاب أحمد من جوز للثاني أن ينكحها في عدتها ~~منه كما هو قول الشافعي كما يجوز ذلك لكل معتدة من نكاح فاسد على هذه ~~الرواية. ومنهم من أنكر نصه وقال هنا: كان يذكر فيها عدة من الوطء الأول ~~وهذا الواطئ الثاني لم تعتد منه عقب مفارقته لها؛ بل تخلل بين مفارقته ~~وعدته عدة الأول وهي قد وجب عليها عدتان لهما وتقديم عدة الأول كان لقدم ~~حقه؛ وإلا فلو وضعت ولدا ألحق بالثاني لكانت عدة الثاني متقدمة على عدة ~~الأول فهي في أيام عدة الأول عليها حق للثاني وفي الاعتداد # PageV32P351 # من الثاني عليها حق للأول؛ بدليل أنها لو وضعت ولدا بعد اعتدادها من ~~الأول وأمكن كونه من الأول والثاني عرض على القافة. فإذا كان للأول حق في ~~مدة عدتها من الثاني لم يكن للثاني أن يتزوجها في مدة العدة. فهذا أشهر ~~الأقوال في هذه المسألة وهو المأثور عن الصحابة وهو نص أحمد وعليه جمهور ~~أصحابه وقد تبعه الجد - رحمه الله - في " محرره ". وأما مقدار العدة فقد ~~ذكرنا عن أحمد روايتين في المختلعة فإن لم يكن بينها وبين المنكوحة نكاحا ~~فاسدا فرق شرعي وإلا وجب أن يقال في المنكوحة نكاحا فاسدا: إنما تعتد بحيضة ~~كما مضت به السنة. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل تخاصم مع زوجته وهي معه بطلقة ms9432 واحدة فقالت له: طلقني. فقال: إن ~~أبرأتيني فأنت طالق فقالت. أبرأك الله مما يدعي النساء على الرجال. فقال ~~لها: أنت طالق. وظن أنه يبرأ من الحقوق وهو شافعي المذهب؟ # فأجاب: # نعم هو بريء مما تدعي النساء على الرجال إذا كانت رشيدة. # PageV32P352 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قالت له زوجته: طلقني وأنا أبرأتك من جميع حقوقي عليك؛ وآخذ البنت ~~بكفايتها يكون لها عليك مائة درهم. كل يوم سدس درهم. وشهد العدول بذلك ~~فطلقها على ذلك بحكم الإبراء أو الكفالة: فهل لها أن تطالبه بفرض البنت بعد ~~ذلك؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا خالعها على أن تبرئه من حقوقها وتأخذ الولد بكفالته ولا تطالبه ~~بنفقة. صح ذلك عند جماهير العلماء: كمالك وأحمد في المشهور من مذهبه ~~وغيرهما؛ فإنه عند الجمهور يصح الخلع بالمعدوم الذي ينتظر وجوده كما تحمل ~~أمتها وشجرها. وأما نفقة حملها ورضاع ولدها ونفقته. فقد انعقد سبب وجوده ~~وجوازه؛ وكذلك إذا قالت له: طلقني وأنا أبرأتك من حقوقي وأنا آخذ الولد ~~بكفالته. وأنا أبرأتك من نفقته ونحو ذلك مما يدل على المقصود. وإذا خالع ~~بينهما على ذلك من يرى صحة مثل هذا الخلع - كالحاكم المالكي - لم يجز لغيره ~~أن ينقضه وإن رآه فاسدا ولا يجوز له أن يفرض له # PageV32P353 # عليه بعد هذا نفقة للولد؛ فإن فعل الحاكم الأول كذلك حكم في أصح قولي ~~العلماء. والحاكم متى عقد عقدا ساغ فيه الاجتهاد أو فسخ فسخا جاز فيه ~~الاجتهاد: لم يكن لغيره نقضه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال لصهره: إن جئت لي بكتابي وأبرأتني منه فبنتك طالق ثلاثا؛ فجاء ~~له بكتاب غير كتابه؛ فقطعه الزوج ولم يعلم هل هو كتابه أم لا؟ فقال: أبو ~~الزوجة: اشهدوا عليه أن بنتي تحت حجري واشهدوا علي أني أبرأته من كتابها ~~ولم يعين ما في الكتاب ثم إنه مكث ساعة وجاء أبو الزوجة بحضور الشهود؛ وقال ~~له: أي شيء قلت يا زوج؟ فقال الزوج اشهدوا علي أن بنت هذا طالق ثلاثا ثم إن ~~الزوج ادعى ms9433 أن هذا الطلاق الصريح بناء على أن الإبراء الأول صحيح: فهل يقع؟ ~~أم لا؟ # فأجاب: # قوله الأول معلق على الإبراء فإن لم يبره لم يقع الطلاق. وأما قوله ~~الثاني فهو إقرار منه؛ بناء على أن الأول قد وقع فإن كان الأول لم يقع فإنه ~~لم يقع بالثاني شيء # PageV32P354 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجة فحلف أبوها أنه ما يخليها معه وضربها وقال له أبوها: ~~أبرئيه. فأبرأته وطلقها طلقة؛ ثم ادعت أنها لم تبره إلا خوفا من أبيها: فهل ~~تقع على الزوجة الطلقة؟ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كانت أبرأته مكرهة بغير حق لم يصح الإبراء ولم يقع الطلاق ~~المعلق به. وإن كانت تحت حجر الأب وقد رأى الأب أن ذلك مصلحة لها فإن ذلك ~~جائز في أحد قولي العلماء كما في مذهب مالك وقول في مذهب أحمد. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بنت يتيمة تحت الحجر مزوجة قال لها الزوج: إن أبرأتيني من صداقك فأنت ~~طالق ثلاثا: فمن شدة الضرب والفزع أوهبته. ثم رجعت فندمت: هل لها أن ترجع. ~~ولا يحنث؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا أكرهها على الهبة أو كانت تحت الحجر: لم تصح الهبة؛ ولم يقع الطلاق. ~~والله أعلم. # PageV32P355 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له امرأة كساها كسوة مثمنة: مثل مصاغ وحلي وقلائد وما أشبه ذلك ~~خارجا عن كسوة القيمة وطلبت منه المخالعة وعليه مال كثير مستحق لها عليه ~~وطلب حلية منها ليستعين به على حقها أو على غير حقها فأنكرته ويعلم أنها ~~تحلف وتأخذ الذي ذكره عندها والثمن يلزمه؛ ولم يكن له بينة عليها؟ . # فأجاب: # إن كان قد أعطاها ذلك الزائد عن الواجب على وجه التمليك لها فقد ملكته ~~وليس له إذا طلقها هو ابتداء أن يطالبها بذلك؛ لكن إن كانت الكارهة لصحبته ~~وأرادت الاختلاع منه: فلتعطه ما أعطاها من ذلك ومن الصداق الذي ساقه إليها ~~والباقي في ذمته؛ ليخلعها كما مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~{امرأة ثابت بن قيس ms9434 بن شماس حيث أمرها برد ما أعطاها} . وإن كان قد أعطاها ~~لتتجمل به كما يركبها دابته ويحذيها غلامه ونحو ذلك؛ لا على وجه التمليك ~~للعين: فهو باق على ملكه فله أن يرجع # PageV32P356 # فيه متى شاء؛ سواء طلقها أو لم يطلقها. وإن تنازعا هل أعطاها على وجه ~~التمليك؟ أو على وجه الإباحة؟ ولم يكن هناك عرف يقضي به: فالقول قوله مع ~~يمينه أنه لم يملكها ذلك. وإن تنازعا هل أعطاها شيئا أو لم يعطها ولم يكن ~~حجة يقضي له بها؛ لا شاهد واحد ولا إقرار ولا غير ذلك: فالقول قولها مع ~~يمينها أنه لم يعطها. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل باع شيئا من قماشه فخاصمته زوجته لأجل أنه باع قماشه وحصل بينهما ~~شنآن عليه وهم في الخصام وجاء ناس من قرابتها فقال الرجل للناس الذين ~~حضروا: هذه المرأة إن لم تقعد مثل الناس وإلا تخلى وتزوج. ثم قال: إن ~~أعطيتني كتابك لهذا الرجل كنت طالقا ثلاثا وكان نيته أنها تبرئه فحنقت ~~وأعطت الكتاب للرجل: فهل يقع الطلاق؟ أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان مقصوده إعطاء الكتاب على وجه الإبراء فأعطته عطاء مجردا ولم ~~تبرئه منه: لم يقع به الطلاق. وإذا قال: كان مقصودي الإعطاء في ذلك؛ إذ لا ~~غرض له إلا في الإبراء وتسليم الصداق يمنع من الادعاء به ومجرد إيداعه فلا ~~غرض له. والله أعلم. # PageV32P357 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل مالكي المذهب حصل له نكد بينه وبين والد زوجته فحضر قدام القاضي. ~~فقال الزوج لوالد الزوجة: إن أبرأتني ابنتك أوقعت عليها الطلاق. فقال ~~والدها أنا أبرأتك. فحضر الزوج ووالد الزوجة قدام بعض الفقهاء فأبرأه ~~والدها بغير حضورها وبغير إذنها: فهل يقع الطلاق أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، أصل هذه المسألة فيه نزاع بين العلماء فمذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد في المنصوص المعروف عنهم: أنه ليس للأب أن يخالع على شيء من ~~مال ابنته سواء كانت محجورا عليها أو لم تكن لأن ذلك تبرع بمالها فلا يملكه ~~كما لا يملك ms9435 إسقاط سائر ديونها. ومذهب مالك يجوز له أن يخالع عن ابنته ~~الصغيرة بكرا كانت أو ثيبا لكونه يلي مالها وروي عنه: أن له أن يخالع عن ~~ابنته البكر مطلقا؛ لكونه يجبرها على النكاح. وروي عنه: يخالع عن ابنته ~~مطلقا كما يجوز له أن يزوجها بدون # PageV32P358 # مهر المثل للمصلحة وقد صرح بعض أصحاب الشافعي وجها في مذهبه أنه يجوز في ~~حق البكر الصغيرة أن يخالعها بالإبراء من نصف مهرها إذا قلنا: إن الذي بيده ~~عقدة النكاح هو الولي؛ وخطأه بعضهم؛ لأنه إنما يملك الإبراء بعد الطلاق؛ ~~لأنه إذا ملك إسقاط حقها بعد الطلاق لغير فائدة فجواز ذلك لمنفعتها وهو ~~يخلعها من الزوج أولى؛ ولهذا يجوز عندهم كلهم أن يختلعها من الزوج بشيء من ~~ماله؛ وكذلك لها أن تخالعه بمالها إذا ضمن ذلك الزوج. فإذا جاز له أن ~~يختلعها ولم يبق عليها ضرر إلا إسقاط نصف صداقها. ومذهب مالك يخرج على أصول ~~أحمد من وجوه. منها أن الأب له أن يطلق ويخلع امرأة ابنه الطفل في إحدى ~~الروايتين؛ كما ذهب إليه طوائف من السلف. ومالك يجوز الخلع دون الطلاق؛ لأن ~~في الخلع معاوضة. وأحمد يقول: له التطليق عليه لأنه قد يكون ذلك مصلحة له ~~لتخليصه من حقوق المرأة وضررها وكذلك لا فرق في إسقاط حقوقه بين المال وغير ~~المال. " وأيضا " فإنه يجوز في إحدى الروايتين للحكم في الشقاق أن يخلع ~~المرأة بشيء من مالها بدون إذنها؛ ويطلق على الزوج بدون إذنه: كمذهب # PageV32P359 # مالك وغيره. وكذلك يجوز للأب أن يزوج المرأة بدون مهر المثل وعنده في ~~إحدى الروايتين أن الأب بيده عقدة النكاح وله أن يسقط نصف الصداق. ومذهبه ~~أن للأب أن يتملك لنفسه من مال ولده ما لا يضر بالولد حتى لو زوجها واشترط ~~لنفسه بعض الصداق: جاز له ذلك. وإذا كان له من التصرف في المال والتملك هذا ~~التصرف لم يبق إلا طلبه لفرقتها وذلك يملكه بإجماع المسلمين. ويجوز عنده ~~للأب أن يعتق بعض رقبة المولى عليه للمصلحة. فقد يقال: الأظهر ms9436 أن المرأة إن ~~كانت تحت حجر الأب له أن يخالع معاوضة وافتداء لنفسها من الزوج فيملكه الأب ~~كما يملك غيره من المعاوضات وكما يملك افتداءها من الأسر؛ وليس له أن يفعل ~~ذلك إلا إذا كان مصلحة لها. وقد يقال: قد لا يكون مصلحتها في الطلاق؛ ولكن ~~الزوج يملك أن يطلقها وهو لا يقدر على منعه؛ فإذا بذل له العوض من غيرها لم ~~يمكنها منعه من البذل. فأما إسقاط مهرها وحقها الذي تستحقه بالنكاح فقد ~~يكون عليها في ذلك ضرر. والأب قد يكون غرضه باختلاعها حظه لا لمصلحتها وهو ~~لا يملك إسقاط حقها بمجرد حظه بالاتفاق. فعلى قول من يصحح الإبراء يقع ~~الإبراء والطلاق. وعلى قول من لا يجوز إبراءه إن ضمنه وقع الطلاق بلا نزاع؛ ~~وكان على الأب للزوج # PageV32P360 # مثل الصداق عند أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم. وعنده في ~~الجديد: إنما عليه مهر المثل. وأما إن لم يضمنه إن علق الطلاق بالإبراء. ~~فقال له: إن أبرأتني فهي طالق. فالمنصوص عن أحمد أنه يقع الطلاق إذا اعتقد ~~الزوج أنه يبرأ ويرجع على الأب بقدر الصداق؛ لأنه غره؛ وهو إحدى الروايتين ~~في مذهب أبي حنيفة وفي الأخرى لا يقع شيء. وهو قول الشافعي. وهو قول في ~~مذهب أحمد؛ لأنه لم يبرأ في نفس الأمر. والأولون قالوا: وجد الإبراء. وأمكن ~~أن يجعل الأب ضامنا بهذا الإبراء. وأما إن طلقها طلاقا لم يعلقه على ~~الإبراء فإنه يقع؛ لكن عند أحمد يضمن للزوج الصداق؛ لأنه غره. وعند الشافعي ~~لا يضمن له شيئا؛ لأنه لم يلزم شيئا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة طلقها زوجها ثلاثا وأبرأت الزوج من حقوق الزوجية قبل علمها ~~بالحمل فلما بان الحمل طالبت الزوج بفرض الحمل: فهل يجوز لها ذلك أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان الأمر كما ذكر لم تدخل نفقة الحمل في الإبراء. وكان لها أن تطلب ~~نفقة الحمل. ولو علمت بالحمل وأبرأته من حقوق الزوجية فقط لم # PageV32P361 # يدخل في ذلك نفقة الحمل؛ لأنها تجب بعد زوال ms9437 النكاح وهي واجبة للحمل في ~~أظهر قولي العلماء: كأجرة الرضاع. وفي الآخر هي للزوجة من أجل الحمل فتكون ~~من جنس نفقة الزوجات والصحيح أنها من جنس نفقة الأقارب كأجرة الرضاع. اللهم ~~إلا أن يكون الإبراء بمقتضى أنه لا تبقى بينهما مطالبة بعد النكاح أبدا ~~فإذا كان الأمر كذلك ومقصودهما المبارأة بحيث لا يبقى للآخرة مطالبة بوجه: ~~فهذا يدخل فيه الإبراء من نفقة الحمل. PageV32P362 # الجزء الثالث والثلاثون ### | كتاب الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما كثيرا. ### | باب طلاق السنة وطلاق البدعة # فصل: # مختصر فيما " يحل من الطلاق ويحرم " وهل يلزم المحرم؟ أو لا يلزم؟ فنقول: ~~الطلاق منه ما هو محرم بالكتاب والسنة والإجماع. ومنه ما ليس بمحرم " ~~فالطلاق المباح " باتفاق العلماء - هو أن يطلق الرجل # PageV33P005 # امرأته طلقة واحدة؛ إذا طهرت من حيضتها بعد أن تغتسل وقبل أن يطأها ثم ~~يدعها فلا يطلقها حتى تنقضي عدتها. وهذا الطلاق يسمى " طلاق السنة " فإن ~~أراد أن يرتجعها في العدة فله ذلك بدون رضاها ولا رضا وليها. ولا مهر جديد. ~~وإن تركها حتى تقضي العدة: فعليه أن يسرحها بإحسان فقد بانت منه. فإن أراد ~~أن يتزوجها بعد انقضاء العدة جاز له ذلك؛ لكن يكون بعقد؛ كما لو تزوجها ~~ابتداء أو تزوجها غيره ثم ارتجعها في العدة أو تزوجها بعد العدة وأراد أن ~~يطلقها؛ فإنه يطلقها كما تقدم. ثم إذا ارتجعها أو تزوجها مرة ثانية وأراد ~~أن يطلقها فإنه يطلقها كما تقدم فإذا طلقها الطلقة الثالثة حرمت عليه حتى ~~تنكح زوجا غيره كما حرم الله ذلك ورسوله وحينئذ فلا تباح له إلا ms9438 بعد أن ~~يتزوجها غيره النكاح المعروف الذي يفعله الناس إذا كان الرجل راغبا في نكاح ~~المرأة ثم يفارقها. فأما إن تزوجها بقصد أن يحلها لغيره فإنه محرم عند أكثر ~~العلماء كما نقل عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم وكما دلت على ذلك ~~النصوص النبوية والأدلة الشرعية. ومن العلماء من رخص في ذلك كما قد بين ذلك ~~في غير هذا الموضع. # PageV33P006 # وإن كانت المرأة مما لا تحيض لصغرها أو كبرها؛ فإنه يطلقها متى شاء سواء ~~كان وطئها أو لم يكن يطؤها؛ فإن هذه عدتها ثلاثة أشهر. ففي أي وقت طلقها ~~لعدتها؛ فإنها لا تعتد بقروء ولا بحمل؛ لكن من العلماء من يسمي هذا " طلاق ~~سنة " ومنهم من لا يسميه " طلاق سنة " ولا " بدعة ". # وإن طلقها في الحيض أو طلقها بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها: فهذا ~~الطلاق محرم ويسمى " طلاق البدعة " وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع. وإن ~~كان قد تبين حملها وأراد أن يطلقها: فله أن يطلقها. وهل يسمى هذا طلاق سنة؟ ~~أو لا يسمى طلاق سنة ولا بدعة؟ فيه نزاع لفظي. وهذا ### | " الطلاق المحرم " # في الحيض وبعد الوطء وقبل تبين الحمل هل يقع؟ أو لا يقع؟ سواء كانت واحدة ~~أو ثلاثا؟ فيه قولان معروفان للسلف والخلف. # وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مثل أن يقول: أنت ~~طالق ثلاثا. أو أنت طالق وطالق وطالق. أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق. أو ~~يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق. أو يقول: أنت طالق ~~ثلاثا. أو عشر طلقات أو مائة طلقة أو # PageV33P007 # ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة ~~أقوال سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها. ومن السلف من فرق بين ~~المدخول بها وغير المدخول بها. وفيه قول رابع محدث مبتدع. " أحدها ": أنه ~~طلاق مباح لازم وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها ~~الخرقي. " الثاني " أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك وأبي ms9439 حنيفة وأحمد في ~~الرواية المتأخرة عنه. اختارها أكثر أصحابه وهذا القول منقول عن كثير من ~~السلف: من الصحابة والتابعين. والذي قبله منقول عن بعضهم. " الثالث ": أنه ~~محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة. وهذا القول منقول عن طائفة من السلف ~~والخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الزبير بن العوام وعبد ~~الرحمن بن عوف ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان؛ وهو قول كثير من ~~التابعين ومن بعدهم: مثل طاووس وخلاس بن عمرو؛ ومحمد بن إسحاق؛ وهو قول ~~داود وأكثر أصحابه؛ ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه ~~جعفر بن محمد ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة وهو قول بعض أصحاب أبي ~~حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل. # PageV33P008 # وأما " القول الرابع " الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة: فلا يعرف عن أحد ~~من السلف وهو أنه لا يلزمه شيء. والقول " الثالث " هو الذي يدل عليه الكتاب ~~والسنة؛ فإن كل طلاق شرعه الله في القرآن في المدخول بها إنما هو الطلاق ~~الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يطلق الثلاث جميعا ولم يشرع له أن يطلق ~~المدخول بها طلاقا باينا ولكن إذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه فإذا ~~انقضت عدتها بانت منه. # فالطلاق " ثلاثة أنواع " باتفاق المسلمين: # " الطلاق الرجعي " وهو الذي يمكنه أن يرتجعها فيه بغير اختيارها وإذا مات ~~أحدهما في العدة ورثه الآخر. # و " الطلاق البائن " وهو ما يبقى به خاطبا من الخطاب لا تباح له إلا بعقد ~~جديد. " والطلاق المحرم لها " لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وهو فيما إذا ~~طلقها ثلاث تطليقات كما أذن الله ورسوله وهو: أن يطلقها ثم يرتجعها في ~~العدة. أو يتزوجها ثم يطلقها ثم يرتجعها. أو يتزوجها ثم يطلقها الطلقة ~~الثالثة. فهذا الطلاق المحرم لها حتى تنكح زوجا غيره باتفاق العلماء. وليس ~~في كتاب الله ولا سنة رسوله في المدخول بها طلاق بائن يحسب من الثلاث. ~~ولهذا كان مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد في ظاهر مذهبه. ms9440 والشافعي في أحد ~~قوليه وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر. # PageV33P009 # وداود وابن خزيمة وغيرهم: أن " الخلع " فسخ للنكاح وفرقة بائنة بين ~~الزوجين لا يحسب من الثلاث. وهذا هو الثابت عن الصحابة: كابن عباس. وكذلك ~~ثبت عن عثمان بن عفان: وابن عباس وغيرهما: أن المختلعة ليس عليها أن تعتد ~~بثلاثة قروء؛ وإنما عليها أن تعتد بحيضة وهو قول إسحاق بن راهويه؛ وابن ~~المنذر وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وروي في ذلك أحاديث معروفة في ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يصدق بعضها بعضا وبين أن ذلك ثابت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: روي عن طائفة من الصحابة أنهم جعلوا الخلع ~~طلاقا؛ لكن ضعفه أئمة الحديث: كالإمام أحمد بن حنبل؛ وابن خزيمة؛ وابن ~~المنذر والبيهقي وغيرهم. كما روي في ذلك عنهم. # و" الخلع " أن تبذل المرأة عوضا لزوجها؛ ليفارقها قال الله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم} {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} {فإن طلقها فلا تحل له # PageV33P010 # من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا ~~أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} {وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بكل شيء عليم} فبين سبحانه أن المطلقات ms9441 بعد الدخول يتربصن أي ينتظرن ~~ثلاث قروء. " والقرء " عند أكثر الصحابة: كعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى ~~وغيرهم: الحيض. فلا تزال في العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة وهذا مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه. وذهب ابن عمر وعائشة وغيرهما أن العدة ~~تنقضي بطعنها في الحيضة الثالثة وهي مذهب مالك والشافعي. # وأما المطلقة قبل الدخول فقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك} أي في ذلك التربص. ثم قال: {الطلاق مرتان} فبين أن الطلاق الذي ذكره ~~هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها: هو (مرتان مرة بعد مرة كما إذا ~~قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مائة مرة. فلا بد أن يقول: ~~سبحان الله. سبحان الله. حتى يستوفي العدد. فلو أراد أن يجمل # PageV33P011 # ذلك فيقول: سبحان الله مرتين أو مائة مرة. لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة ~~والله تعالى لم يقل: الطلاق طلقتان. بل قال: مرتان فإذا قال لامرأته: أنت ~~طالق اثنتين أو ثلاثا أو عشرا أو ألفا. لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة ~~{وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين جويرية: لقد قلت بعدك أربع ~~كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه. سبحان ~~الله زنة عرشه. سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله مداد كلماته} أخرجه مسلم ~~في صحيحه فمعناه أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك كقوله صلى الله عليه ~~وسلم {ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت ~~من شيء بعد} ليس المراد أنه سبح تسبيحا بقدر ذلك. فالمقدار تارة يكون وصفا ~~لفعل العبد وفعله محصور. وتارة يكون لما يستحقه الرب فذاك الذي يعظم قدره؛ ~~وإلا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلا مرة ~~واحدة. ولما شرع النبي ms9442 صلى الله عليه وسلم أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثا ~~وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا وثلاثين. فلو قال: سبحان الله ~~والحمد لله والله أكبر عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة. ولا نعرف أن ~~أحدا طلق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم امرأته ثلاثا بكلمة واحدة ~~فألزمه النبي صلى الله عليه وسلم بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن ~~ولا نقل أهل الكتب المعتد عليها في ذلك شيئا؛ # PageV33P012 # بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث بل موضوعة؛ بل ~~الذي في صحيح مسلم وغيره من السنن والمسانيد عن طاووس عن ابن عباس أنه قال: ~~كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة ~~عمر: طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم ~~فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وفي رواية لمسلم وغيره عن طاووس ~~أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن ~~عباس: نعم: وفي رواية: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن ~~الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ قال: ~~قد كان ذلك فلما كان في زمن عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم وروى ~~الإمام أحمد في مسنده حدثنا سعيد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق ~~حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه قال. {طلق ~~ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها ~~حزنا شديدا؛ قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال: ~~طلقتها ثلاثا. قال؛ فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك وحدة ~~فأرجعها إن شئت قال: فرجعها} . فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر؛ ~~وقد ms9443 أخرجه أبو عبد الله المقدسي في كتابه " المختارة " الذي هو أصح من " ~~صحيح الحاكم ". وهكذا روى أبو داود وغيره من حديث # PageV33P013 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم {في مجلس واحد} مفهومه أنه لو لم يكن في ~~مجلس واحد لم يكن الأمر كذلك؛ وذلك لأنها لو كانت في مجالس لأمكن في العادة ~~أن يكون قد ارتجعها؛ فإنها عنده والطلاق بعد الرجعة يقع. والمفهوم لا عموم ~~له في جانب المسكوت عنه؛ بل قد يكون فيه تفصيل كقوله: {إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل الخبث أو لم ينجسه شيء} وهو إذا بلغ قلتين فقد يحمل الخبث وقد لا ~~يحمله. وقوله {في الإبل السائمة الزكاة} وهي إذا لم تكن سائمة قد يكون فيها ~~الزكاة - زكاة التجارة - وقد لا يكون فيها وكذلك قوله: {من قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه} ومن لم يقمها فقد يغفر له بسبب ~~آخر. وكقوله: {من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه} وقوله ~~تعالى تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمة الله} ومن لم يكن كذلك فقد يعمل عملا آخر يرجو به رحمة الله مع ~~الإيمان وقد لا يكون كذلك. فلو كان في مجالس فقد يكون له فيها رجعة وقد لا ~~يكون: بخلاف المجلس الواحد الذي جرت عادة صاحبه بأنه لا يراجعها فيه؛ فإن ~~له فيه الرجعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {ارجعها إن شئت} ~~ولم يقل كما قال في حديث ابن عمر: {مره فليراجعها} فأمره بالرجعة والرجعة ~~يستقل بها الزوج؛ بخلاف المراجعة. وقد روى أبو داود وغيره {أن ركانة طلق ~~امرأته ألبتة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الله ما أردت إلا واحدة؟ ~~فقال: ما أردت بها إلا واحدة. # PageV33P014 # فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم} وأبو داود لما لم يرو في سننه ~~الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده فقال: حديث " ألبتة " أصح من حديث ابن ~~جريج {أن ركانة ms9444 طلق امرأته ثلاثا} لأن أهل بيته أعلم؛ لكن الأئمة الأكابر ~~العارفون بعلل الحديث والفقه فيه: كالإمام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما ~~وأبي عبيد وأبي محمد بن حزم وغيره: ضعفوا حديث ألبتة وبينوا أن رواته قوم ~~مجاهيل؛ لم تعرف عدالتهم وضبطهم وأحمد أثبت حديث الثلاث وبين أنه الصواب ~~مثل قوله: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة. وقال أيضا: حديث ركانة ~~في ألبتة ليس بشيء لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن ~~عباس {أن ركانة طلق امرأته ثلاثا} وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق ~~ألبتة وأحمد إنما عدل عن حديث ابن عباس؛ لأنه كان يرى أن الثلاث جائزة ~~موافقة للشافعي. فأمكن أن يقال: حديث ركانة منسوخ. ثم لما رجع عن ذلك وتبين ~~أنه ليس في القرآن والسنة طلاق مباح إلا الرجعي عدل: عن حديث ابن عباس لأنه ~~أفتى بخلافه وهذا علة عنده في إحدى الروايتين عنه؛ لكن الرواية الأخرى التي ~~عليها أصحابه أنه ليس بعلة فيلزم أن يكون مذهبه العمل بحديث ابن عباس. وقد ~~بين في غير هذا الموضع أعذار الأئمة المجتهدين - رضي الله عنهم - الذين ~~ألزموا من أوقع جملة الثلاث بها مثل عمر رضي الله عنه فإنه لما رأى الناس ~~قد أكثروا مما حرمه الله عليهم من جمع الثلاث ولا ينتهون عن ذلك إلا ~~بعقوبة: # PageV33P015 # رأى عقوبتهم بإلزامها؛ لئلا يفعلوها. إما من نوع التعزير العارض الذي ~~يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق الرأس وينفي وكما منع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين تخلفوا عن الاجتماع بنسائهم. وإما ~~ظنا أن جعلها واحدة كان مشروطا بشرط وقد زال كما ذهب إلى مثل ذلك في متعة ~~الحج: إما مطلقا وإما متعة الفسخ. # والإلزام بالفرقة لمن لم يقم بالواجب: مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ لكن تارة ~~يكون حقا للمرأة. كما في العنين والمولى عند جمهور العلماء والعاجز عن ~~النفقة عند من يقول به. وتارة يقال: إنه حق لله كما في تفريق الحكمين بين ms9445 ~~الزوجين عند الأكثرين إذا لم يجعلا وكيلين وكما في وقوع الطلاق بالمولى عند ~~من يقول بذلك من السلف والخلف إذا لم يف في مدة التربص وكما قال من الفقهاء ~~من أصحاب أحمد وغيره: إنهما إذا تطاوعا في الإتيان في الدبر فرق بينهما ~~والأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد فعليه أن يطيعه ~~كما قال أحمد وغيره كما {أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن ~~يطيع أباه لما أمره أبوه بطلاق امرأته} . فالإلزام إما من الشارع. وإما من ~~الإمام. بالفرقة إذا لم يقم الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد. فلما كان ~~الناس إذا لم يلزموا بالثلاث يفعلون المحرم رأى عمر إلزامهم بذلك لأنهم لم ~~يلزموا طاعة الله ورسوله مع بقاء النكاح؛ ولكن كثير من الصحابة # PageV33P016 # والتابعين نازعوا من قال ذلك؛ إما لأنهم لم يروا التعزيز بمثل ذلك. وإما ~~لأن الشارع لم يعاقب بمثل ذلك. وهذا فيمن يستحق العقوبة. وأما من لا ~~يستحقها بجهل أو تأويل فلا وجه لإلزامه بالثلاث. وهذا شرع شرعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما شرع نظائره لم يخصه: ولهذا قال من قال من السلف والخلف: ~~إن ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في فسخ الحج إلى العمرة - التمتع كما ~~أمر به أصحابه في حجة الوداع - هو شرع مطلق كما أخبر به {لما سئل أعمرتنا ~~هذه لعامنا هذا؟ أم للأبد؟ فقال: لا؛ بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة} . وإن قول من قال: إنما شرع للشيوخ لمعنى يختص بهم مثل ~~بيان جواز العمرة في أشهر الحج: قول فاسد؛ لوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع. ~~وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فأمر المؤمنين عند تنازعهم برد ~~ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. فما تنازع فيه السلف والخلف وجب رده إلى ~~الكتاب ms9446 والسنة. وليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها ~~جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة؛ بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام ~~بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله؛ وعلى هذا # PageV33P017 # يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع؛ فإن كل عقد يباح تارة ويحرم تارة ~~- كالبيع والنكاح - إذا فعل على الوجه المحرم لم يكن لازما نافذا كما يلزم ~~الحلال الذي أباحه الله ورسوله ولهذا اتفق المسلمون على أن ما حرمه الله من ~~نكاح المحارم ومن النكاح. في العدة ونحو ذلك يقع باطلا غير لازم وكذلك ما ~~حرمه الله من بيع المحرمات: كالخمر والخنزير؛ والميتة. وهذا بخلاف ما كان ~~محرم الجنس كالظهار والقذف والكذب وشهادة الزور ونحو ذلك فإن هذا يستحق من ~~فعله العقوبة بما شرعه الله من الأحكام؛ فإنه لا يكون تارة حلالا وتارة ~~حراما حتى يكون تارة صحيحا وتارة فاسدا. وما كان محرما من أحد الجانبين ~~مباحا من الجانب الآخر - كافتداء الأسير واشتراء المجحود عتقه ورشوة الظالم ~~لدفع ظلمة أو لبذل الحق الواجب وكاشتراء الإنسان المصراة وما دلس عيبه ~~وإعطاء المؤلفة قلوبهم ليفعل الواجب أو ليترك المحرم وكبيع الجالب لمن تلقى ~~منه ونحو ذلك فإن - المظلوم يباح له فعله وله أن يفسخ العقد وله أن يمضيه؛ ~~بخلاف الظالم فإن ما فعله ليس بلازم. والطلاق هو مما أباحه الله تارة وحرمه ~~أخرى. فإذا فعل على الوجه الذي حرمه الله ورسوله لم يكن لازما نافذا كما ~~يلزم ما أحله الله ورسوله كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV33P018 # {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} وقد قال تعالى: {الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فبين أن الطلاق الذي شرعه الله للمدخول بها ~~- وهو الطلاق الرجعي - (مرتان وبعد المرتين: إما {فإمساك بمعروف} بأن ~~يراجعها فتبقى زوجته وتبقى معه على طلقة واحدة. وإما {تسريح بإحسان} بأن ~~يرسلها إذا انقضت العدة كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ms9447 ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ثم قال بعد ذلك: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} وهذا هو الخلع سماه " افتداء " لأن ~~المرأة تفتدي نفسها من أسر زوجها كما يفتدي الأسير والعبد نفسه من سيده بما ~~يبذله. قال تعالى: {فإن طلقها} يعني الطلقة الثالثة {فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} . {فإن طلقها} يعني هذا الزوج الثاني {فلا جناح عليهما} ~~يعني عليها وعلى الزوج الأول {أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} وكذلك ~~قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا} {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم # PageV33P019 # الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} . وفي ~~الصحيح والسنن والمسانيد عن {عبد الله بن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض. ~~فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال. مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم إن شاء بعد أمسكها. وإن شاء طلقها ~~قبل أن يجامعها. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء} وفي رواية ~~في الصحيح: {أنه أمره أن يطلقها طاهرا أو حاملا} وفي رواية في الصحيح " قرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} . وعن ابن ~~عباس وغيره من الصحابة: الطلاق على " أربعة أوجه ": وجهان حلال. ووجهان ~~حرام. فأما ms9448 اللذان هما حلال فأن يطلق امرأته طاهرا في غير جماع. أو يطلقها ~~حاملا قد استبان حملها. وأما اللذان هما حرام فأن يطلقها حائضا. أو يطلقها ~~بعد الجماع لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا رواه الدارقطني وغيره. وقد ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل له أن يطلقها إلا إذا طهرت من ~~الحيض قبل أن يجامعها؛ وهذا هو الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فإن ذلك ~~الطهر أو العدة. فإن طلقها قبل العدة يكون قد طلقها قبل الوقت الذي أذن ~~الله فيه ويكون قد طول عليها التربص وطلقها من غير حاجة به إلى # PageV33P020 # طلاقها. والطلاق في الأصل مما يبغضه الله وهو أبغض الحلال إلى الله وإنما ~~أباح منه ما يحتاج إليه الناس كما تباح المحرمات للحاجة؛ فلهذا حرمها بعد ~~الطلقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له لينتهي الإنسان عن إكثار ~~الطلاق. فإذا طلقها لم تزل في العدة متربصة ثلاثة قروء وهو مالك لها يرثها ~~وترثه وليس له فائدة في تعجيل الطلاق قبل وقته؛ كما لا فائدة في مسابقة ~~الإمام؛ ولهذا لا يعتد له بما فعله قبل الإمام؛ بل تبطل صلاته إذا تعمد ذلك ~~في أحد قولي العلماء وهو لا يزال معه في الصلاة حتى يسلم. # ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض؛ لأنه على قول فقهاء الحديث ليس ~~بطلاق؛ بل فرقة بائنة وهو في أحد قوليهم تستبرأ بحيضة لا عدة عليها وهذه ~~إحدى الروايتين عند أحمد؛ ولأنها تملك نفسها بالاختلاع فلهما فائدة في ~~تعجيل الإبانة لرفع الشر الذي بينهما؛ بخلاف الطلاق الرجعي فإنه لا فائدة ~~في تعجيله قبل وقته؛ بل ذلك شر بلا خير. وقد قيل: إنه طلاق في وقت لا يرغب ~~فيها وقد لا يكون محتاجا إليه؛ بخلاف الطلاق وقت الرغبة فإنه لا يكون إلا ~~عن حاجة. {وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: مره فليراجعها} مما ~~تنازع العلماء فيه في مراد النبي صلى الله عليه وسلم ففهم منه طائفة من ~~العلماء: أن الطلاق قد ms9449 لزمه فأمر أن يرتجعها؛ ثم يطلقها في الطهر إن شاء. ~~وتنازع # PageV33P021 # هؤلاء: هل الارتجاع واجب أو مستحب؟ وهل له أن يرتجعها في الطهر الأول أو ~~الثاني؟ وفي حكمة هذا النهي؟ أقوال: ذكرناها وذكرنا مأخذها في غير هذا ~~الموضع. وفهم طائفة أخرى: أن الطلاق لم يقع ولكنه لما فارقها ببدنه كما جرت ~~العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه واعتزلته ببدنها؛ {فقال ~~لعمر: مره فليراجعها} ولم يقل: فليرتجعها. " والمراجعة " مفاعلة من ~~الجانبين: أي ترجع إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا؛ لأن الطلاق لم يلزمه ~~فإذا جاء الوقت الذي أباح الله فيه الطلاق طلقها حينئذ إن شاء. قال هؤلاء: ~~ولو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة؛ ~~بل فيه مضرة عليهما؛ فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع وحينئذ ~~يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق؛ وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعا؛ ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه أن يطأها قبل الطلاق؛ بل إذا ~~وطئها لم يحل له أن يطلقها حتى يتبين حملها؛ أو تطهر الطهر الثاني. وقد ~~يكون زاهدا فيها يكره أن يطأهما فتعلق منه؛ فكيف يجب عليه وطؤها ولهذا لم ~~يوجب الوطء أحد من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين؛ ولكن أخر ~~الطلاق إلى الطهر الثاني. ولولا أنه طلقها أولا لكان له أن يطلقها في الطهر ~~الأول؛ لأنه لو أبيح له الطلاق في # PageV33P022 # الطهر الأول لم يكن في إمساكها فائدة مقصودة بالنكاح إذا كان لا يمسكها ~~إلا لأجل الطلاق؛ فإنه لو أراد أن يطلقها في الطهر الأول لم يحصل إلا زيادة ~~ضرر عليهما والشارع لا يأمر بذلك فإذا كان ممتنعا من طلاقها في الطهر الأول ~~ليكون متمكنا من الوطء الذي لا يعقبه طلاق؛ فإن لم يطأها أو وطئها أو حاضت ~~بعد ذلك: فله أن يطلقها؛ ولأنه إذا امتنع من وطئها في ذلك الطهر ثم طلقها ~~في الطهر الثاني: دل على أنه محتاج إلى طلاقها؛ لأنه لا رغبة له فيها إذ لو ms9450 ~~كانت له فيها رغبة لجامعها في الطهر الأول. قالوا لأنه لم يأمر ابن عمر ~~بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله ولو كان الطلاق قد وقع وهو ~~يرتجعها لأمر بالإشهاد؛ ولأن الله تعالى لما ذكر الطلاق في غير آية لم يأمر ~~أحدا بالرجعة عقيب الطلاق؛ بل قال: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف} فخير الزوج إذا قارب انقضاء العدة بين أن يمسكها بمعروف - ~~وهو الرجعة - وبين أن يسيبها فيخلي سبيلها إذا انقضت العدة؛ ولا يحبسها بعد ~~انقضاء العدة كما كانت محبوسة عليه في العدة قال الله تعالى: {لا تخرجوهن ~~من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} . وأيضا فلو كان الطلاق ~~المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله وذلك الفساد لا يرتفع ~~برجعة يباح له الطلاق # PageV33P023 # بعدها والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله؛ فإنه إن كان ~~راغبا في المرأة فله أن يرتجعها وإن كان راغبا عنها فليس له أن يرتجعها ~~فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية؛ بل زيادة مفسدة ويجب ~~تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد والله ~~ورسوله إنما نهى عن الطلاق البدعي لمنع الفساد فكيف يأمر بما يستلزم زيادة ~~الفساد وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص؛ فإن هذا القول متناقض؛ ~~إذ الأصل الذي عليه السلف والفقهاء: أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت ~~على الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة وهذا وإن كان نازع فيه طائفة من أهل ~~الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء؛ لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~كانوا يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها وهذا متواتر ~~عنهم. وأيضا فإن لم يكن ذلك دليلا على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبين ~~الصحيح من الفاسد فإن الذين قالوا: النهي لا يقتضي الفساد. قالوا: نعلم صحة ~~العبادات والعقود وفسادها بجعل الشارع هذا شرطا أو مانعا ونحو ذلك. وقوله # PageV33P024 # هذا صحيح. وليس بصحيح من خطاب الوضع والإخبار. ومعلوم أنه ms9451 ليس في كلام ~~الله ورسوله. وهذه العبارات مثل قوله: الطهارة شرط في الصلاة والكفر مانع ~~من صحة الصلاة وهذا العقد وهذه العبادة لا تصح. ونحو ذلك؛ بل إنما في كلامه ~~الأمر والنهي والتحليل والتحريم وفي نفي القبول والصلاح كقوله: {لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول} وقوله: {هذا لا يصلح} وفي كلامه: ~~{إن الله يكره كذا} وفي كلامه: الوعد ونحو ذلك من العبارات فلم نستفد الصحة ~~والفساد إلا بما ذكره وهو لا يلزم أن يكون الشارع بين ذلك وهذا مما يعلم ~~فساده قطعا. وأيضا فالشارع يحرم الشيء لما فيه من المفسدة الخالصة أو ~~الراجحة. ومقصوده بالتحريم المنع من ذلك الفساد وجعله معدوما. فلو كان مع ~~التحريم يترتب عليه من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازما نافذا ~~كالحلال لكان ذلك إلزاما منه بالفساد الذي قصد عدمه. فيلزم أن يكون ذلك ~~الفساد قد أراد عدمه مع أنه ألزم الناس به وهذا تناقض ينزه عنه الشارع صلى ~~الله عليه وسلم. وقد قال بعض هؤلاء: إنه إنما حرم الطلاق الثلاث لئلا يندم ~~المطلق: دل على لزوم الندم له إذا فعله. وهذا يقتضي صحته. # PageV33P025 # فيقال له: هذا يتضمن أن كل ما نهى الله عنه يكون صحيحا كالجمع بين المرأة ~~وعمتها؛ لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم. فيقال: إن كان ما قاله هذا صحيحا هنا ~~دليل على صحة العقد؛ إذ لو كان فاسدا لم تحصل القطيعة وهذا جهل؛ وذلك أن ~~الشارع بين حكمته في منعه مما نهي عنه وأنه لو أباحه للزم الفساد فقوله ~~تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وقوله عليه السلام {لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم} ونحو ذلك ~~يبين أن الفعل لو أبيح لحصل به الفساد فحرم منعا من هذا الفساد. ثم الفساد ~~ينشأ من إباحته ومن فعله. إذا اعتقد الفاعل أنه مباح أو أنه صحيح فأما مع ~~اعتقاد أنه محرم باطل والتزام أمر الله ورسوله فلا تحصل المفسدة وإنما ms9452 تحصل ~~المفسدة من مخالفة أمر الله ورسوله. والمفاسد فيها فتنة وعذاب قال الله ~~تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~وقول القائل: لو كان الطلاق غير لازم لم يحصل الفساد. فيقال: هذا هو مقصود ~~الشارع صلى الله عليه وسلم فنهى عنه وحكم ببطلانه ليزول الفساد ولولا ذلك ~~لفعله الناس واعتقدوا صحته فيلزم الفساد. وهذا نظير قول من يقول: النهي عن ~~الشيء يدل على أنه مقصود وأنه شرعي وأنه يسمى بيعا ونكاحا وصوما. كما ~~يقولون في نهيه عن نكاح الشغار ولعنه المحلل والمحلل له ونهيه عن بيع ~~الثمار قبل أن يبدو صلاحها # PageV33P026 # ونهيه عن صوم يوم العيدين ونحو ذلك. فيقال: أما تصوره حسا فلا ريب فيه. ~~وهذا كنهيه عن نكاح الأمهات والبنات وعن بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير ~~والأصنام كما في الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن ~~الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت ~~شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن؛ ويدهن الجلود ويستصبح بها الناس. فقال: ~~لا هو حرام ثم قال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها} فتسميته لهذا نكاحا وبيعا لم يمنع أن يكون فاسدا باطلا بل ~~دل على إمكانه حسا. وقول القائل: إنه شرعي. إن أراد أنه يسمى بما أسماه به ~~الشارع: فهذا صحيح. وإن أراد أن الله أذن فيه: فهذا خلاف النص والإجماع. ~~وإن أراد أنه رتب عليه حكمه وجعله يحصل المقصود ويلزم الناس حكمه؛ كما في ~~المباح فهذا باطل بالإجماع في أكثر الصور التي هي من موارد النزاع ولا ~~يمكنه أن يدعي ذلك في صورة مجمع عليها؛ فإن أكثر ما يحتج به هؤلاء بنهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن الطلاق في الحيض ونحو ذلك مما هو من موارد النزاع؛ ~~فليس معهم صورة قد ثبت فيها مقصودهم؛ لا بنص ولا إجماع. وكذلك " المحلل " ~~الملعون لعنه لأنه قصد التحليل للأول بعقده؛ لا لأنه أحلها في نفس الأمر ~~فإنه لو ms9453 تزوجها بنكاح رغبة لكان قد أحلها بالإجماع؛ وهذا غير ملعون ~~بالإجماع # PageV33P027 # فعلم أن اللعنة لمن قصد التحليل. وعلم أن الملعون لم يحللها في نفس الأمر ~~ودلت اللعنة على تحريم فعله والمنازع يقول فعله مباح فتبين أنه لا حجة معهم ~~بل الصواب مع السلف وأئمة الفقهاء ومن خرج عن هذا الأصل من العلماء ~~المشهورين في بعض المواضع فإن لم يكن له جواب صحيح وإلا فقد تناقض كما ~~تناقض في مواضع غير هذه. والأصول التي لا تناقض فيها ما أثبت بنص أو إجماع ~~وما سوى ذلك فالتناقض موجود فيه وليس هو حجة على أحد. والقياس الصحيح الذي ~~لا يتناقض هو موافق للنص والإجماع؛ بل ولا بد أن يكون النص قد دل على ~~الحكم؛ كما قد بسط في موضع آخر. وهذا معنى العصمة؛ فإن كلام المعصوم لا ~~يتناقض ولا نزاع بين المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فيما ~~بلغه عن الله تعالى فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين. وكذلك ~~الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة؛ بخلاف ما سوى ذلك؛ ولهذا كان مذهب ~~أئمة الدين أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه الذي فرض الله على جميع الخلائق الإيمان به وطاعته وتحليل ~~ما حلله وتحريم ما حرمه وهو الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر وأهل ~~الجنة وأهل النار والهدى والضلال والغي والرشاد. فالمؤمنون أهل الجنة وأهل ~~الهدى والرشاد: هم متبعون. والكفار أهل النار وأهل الغي والضلال هم الذين ~~لم يتبعوه. # PageV33P028 # ومن آمن به باطنا وظاهرا واجتهد في متابعته: فهو من المؤمنين السعداء وإن ~~كان قد أخطأ وغلط في بعض ما جاء به فلم يبلغه أو لم يفهمه. قال الله تعالى ~~عن المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح {عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت} وفي السنن عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم ms9454 يورثوا دينارا ~~ولا درهما وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به أخذ بحظ وافر} وقد قال تعالى: ~~{وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} فقد خص أحد النبيين ~~الكريمين بالتفهيم مع ثنائه على كل منهما بأنه أوتي علما وحكما. فهكذا إذا ~~خص الله أحد العالمين بعلم أمر وفهمه لم يوجب ذلك ذم من لم يحصل له ذلك من ~~العلماء. بل كل من اتقى الله ما استطاع فهو من أولياء الله المتقين؛ وإن ~~كان قد خفي عليه من الدين ما فهمه غيره. وقد {قال واثلة بن الأسقع - وبعضهم ~~يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - من طلب علما فأدركه فله أجران ومن ~~طلب علما فلم يدركه فله أجر} . وهذا يوافق ما في الصحيح عن عمرو بن العاص ~~وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر} . وهذه الأصول لبسطها موضع آخر. ~~وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا؛ لأن الطلاق المحرم مما يقول فيه كثير ~~من الناس. إنه لازم. والسلف أئمة الفقهاء والجمهور يسلمون: أن النهي يقتضي # PageV33P029 # الفساد. ولا يذكرون في الاعتذار عن هذه الصورة فرقا صحيحا. وهذا مما تسلط ~~به عليهم من نازعوهم في أن النهي يقتضي الفساد. واحتج بما سلموه له من ~~الصور؛ وهذه حجة جدلية لا تفيد العلم بصحة قوله؛ وإنما تفيد أن منازعيه ~~أخطئوا: إما في صور النقض وإما في محل النزاع. وخطؤهم في إحداهما لا يوجب ~~أن يكون الخطأ في محل النزاع؛ بل هذا الأصل أصل عظيم عليه مدار كثير من ~~الأحكام الشرعية فلا يمكن نقضه بقول بعض العلماء الذين ليس معهم نص ولا ~~إجماع؛ بل الأصول والنصوص لا توافق بل تناقض قولهم. ومن تدبر الكتاب والسنة ~~تبين له أن الله لم يشرع الطلاق المحرم جملة قط. وأما الطلاق البائن فإنه ~~شرعه قبل الدخول وبعد انقضاء العدة. وطائفة من العلماء يقول لمن لم ms9455 يجعل ~~الثلاث المجموعة إلا واحدة: أنتم خالفتم عمر؛ وقد استقر الأمر على التزام ~~ذلك في زمن عمر وبعضهم يجعل ذلك إجماعا فيقول لهم: أنتم خالفتم عمر في ~~الأمر المشهور عنه الذي اتفق عليه الصحابة؛ بل وفي الأمر الذي معه فيه ~~الكتاب والسنة فإن منكم من يجوز التحليل. وقد ثبت عن عمر أنه قال: لا أوتي ~~بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقد اتفق الصحابة على النهي عنه: مثل عثمان ~~وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم؛ ولا يعرف عن أحد من الصحابة ~~أنه أعاد المرأة إلى زوجها بنكاح تحليل. وعمر وسائر الصحابة معهم الكتاب # PageV33P030 # والسنة {كلعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له} وقد خالفهم من ~~خالفهم في ذلك اجتهادا. والله يرضى عن جميع علماء المسلمين. وأيضا فقد ثبت ~~عن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية ونحو ذلك: إنها طلقة رجعية. وأكثرهم ~~يخالفون عمر في ذلك. وقد ثبت عن عمر: أنه خير المفقود إذا رجع فوجد امرأته ~~قد تزوجت خيره بين امرأته وبين المهر. وهذا أيضا معروف عن غيره من الصحابة: ~~كعثمان وعلي. وذكره أحمد عن ثمانية من الصحابة وقال: إلى أي شيء يذهب الذي ~~يخالف هؤلاء ومع هذا فأكثرهم يخالفون عمر وسائر الصحابة في ذلك ومنهم من ~~ينقض حكم من حكم به. وعمر والصحابة جعلوا الأرض المفتوحة عنوة؛ كأرض الشام ~~ومصر والعراق وخراسان والمغرب: فيئا للمسلمين؛ ولم يقسم عمر ولا عثمان أرضا ~~فتحها عنوة ولم يستطب عمر أنفس جميع الغانمين في هذه الأرضين؛ وإن ظن بعض ~~العلماء أنهم استطابوا أنفسهم في السواد؛ بل طلب منهم بلال والزبير وغيرهما ~~قسمة أرض العنوة فلم يجبهم ومع هذا فطائفة منهم يخالف عمر والصحابة في مثل ~~هذا الأمر العظيم الذي استقر الأمر عليه من زمنهم؛ بل ينقض حكم من حكم ~~بحكمهم أيضا. فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي لم يخمسوا قط مال فيء ولا خمسه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جعلوا خمس الغنيمة خمسة أقسام متساوية ~~ومع هذا: فكثير ms9456 منهم يخالف ذلك. ونظائر هذا متعددة. # PageV33P031 # والأصل الذي اتفق عليه علماء المسلمين: أن ما تنازعوا فيه وجب رده إلى ~~الله والرسول كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . ولا يجوز لأحد أن ~~يظن بالصحابة أنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على خلاف ~~شريعته. بل هذا من أقوال أهل الإلحاد؛ ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول ~~بإجماع أحد بعده كما يظن طائفة من الغالطين؛ بل كل ما أجمع المسلمون عليه ~~فلا يكون إلا موافقا لما جاء به الرسول لا مخالفا له بل كل نص منسوخ بإجماع ~~الأمة فمع الأمة النص الناسخ له؛ تحفظ الأمة النص الناسخ كما تحفظ النص ~~المنسوخ وحفظ الناسخ أهم عندها وأوجب عليها من حفظ المنسوخ ويمنع أن يكون ~~عمر والصحابة معه أجمعوا على خلاف نص الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن قد ~~يجتهد الواحد وينازعه غيره وهذا موجود في مسائل كثيرة. هذا منها كما بسط في ~~موضع غير هذا. ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه أن المبتوتة لها السكنى ~~والنفقة فظن أن القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة فمنهم من قال: لها ~~السكنى فقط. ومنهم من قال: لا نفقة لها ولا سكنى. وكان من هؤلاء ابن عباس ~~وجابر وفاطمة بنت قيس وهي التي روت عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: ~~{ليس لك نفقة ولا سكنى} فلما احتجوا عليها بحجة عمر وهي قوله تعالى {لا ~~تخرجوهن # PageV33P032 # من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قالت هي وغيرها من ~~الصحابة - كابن عباس وجابر وغيرهما - هذا في الرجعية لقوله تعالى {لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} فأي أمر يحدث بعد الثلاث وفقهاء الحديث كأحمد ~~ابن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس. وكذلك ~~أيضا في " الطلاق " لما قال تعالى: {لعل ms9457 الله يحدث بعد ذلك أمرا} قال غير ~~واحد من الصحابة والتابعين والعلماء هذا يدل على أن الطلاق الذي ذكره الله ~~هو الطلاق الرجعي؛ فإنه لو شرع إيقاع الثلاث عليه لكان المطلق يندم إذا فعل ~~ذلك ولا سبيل إلى رجعتها: فيحصل له ضرر بذلك والله أمر العباد بما ينفعهم ~~ونهاهم عما يضرهم؛ ولهذا قال تعالى أيضا بعد ذلك: {فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} وهذا إنما يكون في الطلاق الرجعي لا ~~يكون في الثلاث ولا في البائن. # وقال تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} فأمر بالإشهاد ~~على الرجعة والإشهاد عليها مأمور به باتفاق الأمة: قيل: أمر إيجاب. وقيل ~~أمر استحباب. وقد ظن بعض الناس: أن الإشهاد هو الطلاق وظن أن الطلاق الذي ~~لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإجماع وخلاف الكتاب والسنة ولم يقل أحد ~~من العلماء المشهورين به؛ فإن الطلاق أذن فيه أولا ولم يأمر فيه # PageV33P033 # بالإشهاد وإنما أمر بالإشهاد حين قال: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو فارقوهن بمعروف} . والمراد هنا بالمفارقة تخلية سبيلها إذا قضت العدة ~~وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح. والإشهاد في هذا باتفاق المسلمين فعلم ~~أن الإشهاد إنما هو على الرجعة. ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها ~~فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقا محرما ولا يدري أحد ~~فتكون معه حراما فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجد اللقطة أن يشهد عليها؛ لئلا يزين ~~الشيطان كتمان اللقطة؛ وهذا بخلاف الطلاق فإنه إذا طلقها ولم يراجعها بل ~~خلى سبيلها فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته؛ بل هي مطلقة؛ بخلاف ما إذا ~~بقيت زوجة عنده فإنه لا يدري الناس أطلقها أم لم يطلقها. # وأما النكاح فلا بد من التمييز بينه وبين السفاح واتخاذ الأخدان كما أمر ~~الله تعالى؛ ولهذا مضت السنة بإعلانه فلا يجوز أن يكون كالسفاح مكتوما؛ ~~لكن: هل الواجب مجرد الإشهاد؟ ms9458 أو مجرد الإعلان وإن لم يكن إشهاد؟ أو يكفي ~~أيهما كان؟ هذا فيه نزاع بين العلماء كما قد ذكر في موضعه. وقال الله ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} وهذه الآية ~~عامة في كل من يتق الله. وسياق الآية يدل على أن التقوى مرادة من هذا النص ~~العام فمن اتقى الله في الطلاق فطلق كما # PageV33P034 # أمر الله تعالى جعل الله له مخرجا مما ضاق على غيره ومن يتعد حدود الله ~~فيفعل ما حرم الله عليه فقد ظلم نفسه ومن كان جاهلا بتحريم طلاق البدعة فلم ~~يعلم أن الطلاق في الحيض محرم أو إن جمع الثلاث محرم: فهذا إذا عرف التحريم ~~وتاب صار ممن اتقى الله فاستحق أن يجعل الله له مخرجا. ومن كان يعلم أن ذلك ~~حرام وفعل المحرم وهو يعتقد أنها تحرم عليه ولم يكن عنده إلا من يفتيه ~~بأنها تحرم عليه: فإنه يعاقب عقوبة بقدر ظلمه كمعاقبة أهل السبت بمنع ~~الحيتان أن تأتيهم فإنه ممن لم يتق الله فعوقب بالضيق. وإن هداه الله فعرفه ~~الحق وألهمه التوبة وتاب: فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له وحينئذ فقد دخل ~~فيمن يتقي الله فيستحق أن يجعل الله له فرجا ومخرجا فإن نبينا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم نبي الرحمة ونبي الملحمة. فكل من تاب فله فرج في شرعه؛ ~~بخلاف شرع من قبلنا فإن التائب منهم كان يعاقب بعقوبات: كقتل أنفسهم وغير ~~ذلك؛ ولهذا كان ابن عباس إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا يقول له: لو اتقيت ~~الله لجعل لك مخرجا. وكان تارة يوافق عمر في الإلزام بذلك للمكثرين من فعل ~~البدعة المحرمة عليهم؛ مع علمهم بأنها محرمة. وروي عنه أنه كان تارة لا ~~يلزم إلا واحدة. وكان ابن مسعود يغضب على أهل هذه البدعة ويقول: أيها الناس ~~من أتى الأمر على وجهه فقد تبين له؛ وإلا فوالله ما ms9459 لنا طاقة بكل ما ~~تحدثون. # PageV33P035 # ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر؛ ولا ~~عثمان؛ ولا علي " نكاح تحليل " ظاهر تعرفه الشهود والمرأة والأولياء ولم ~~ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين أنهم أعادوا ~~المرأة على زوجها بنكاح تحليل فإنهم إنما كانوا يطلقون في الغالب طلاق ~~السنة. ولم يكونوا يحلفون بالطلاق؛ ولهذا لم ينقل عن الصحابة نقل خاص في ~~الحلف؛ وإنما نقل عنهم الكلام في إيقاع الطلاق؛ لا في الحلف به. والفرق ~~ظاهر بين الطلاق وبين الحلف به كما يعرف الفرق بين النذر وبين الحلف بالنذر ~~فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مرضي. أو قضى ديني أو ~~خلصني من هذه الشدة؛ فلله علي أن أتصدق بألف درهم. أو أصوم شهرا؛ أو أعتق ~~رقبة: فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والإجماع. وإذا ~~علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم إن زوجت فلانا. أن أضرب ~~فلانا. إن لم أسافر من عندكم: فعلي الحج. أو: فمالي صدقة. أو: فعلي عتق. ~~فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر؛ ليس بناذر: فإذا لم يف ~~بما التزمه أجزأه كفارة يمين وكذلك أفتى الصحابة فيمن قال: إن فعلت كذا فكل ~~مملوك لي حر. أنه يمين يجزيه فيها كفارة اليمين؛ وكذلك قال كثير من ~~التابعين في هذا كله لما أحدث الحجاج بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة - ~~وهو التحليف بالطلاق؛ والعتاق؛ والتحليف باسم الله؛ وصدقة المال. وقيل: كان ~~فيها التحليف بالحج - # PageV33P036 # نكلم حينئذ التابعون ومن بعدهم في هذه الأيمان وتكلموا في بعضها على ذلك. ~~فمنهم من قال: إذا حنث بها لزمه ما التزمه. ومنهم من قال: لا يلزمه إلا ~~الطلاق والعتاق. ومنهم من قال: بل هذا جنس إيمان أهل الشرك؛ لا يلزم بها ~~شيء. ومنهم من قال: بل هي من أيمان المسلمين يلزم فيها ما يلزم في سائر ~~أيمان المسلمين. واتبع هؤلاء ما نقل في هذا الجنس ms9460 عن الصحابة وما دل عليه ~~الكتاب والسنة كما بسط في موضع آخر. # و" المقصود هنا " أنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه ~~الراشدين لم تكن امرأة ترد إلى زوجها بنكاح تحليل وكان إنما يفعل سرا؛ ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {لعن الله آكل الربا وموكله؛ وشاهديه ~~وكاتبه ولعن المحلل والمحلل له} قال الترمذي: حديث صحيح. ولعن صلى الله ~~عليه وسلم في الربا: الآخذ والمعطي والشاهدين والكاتب؛ لأنه دين يكتب ويشهد ~~عليه ولعن في التحليل: المحلل والمحلل له ولم يلعن الشاهدين والكاتب لأنه ~~لم يكن على عهده تكتب الصداقات في كتاب فإنهم كانوا يجعلون لصداق في العادة ~~العامة قبل الدخول ولا يبقى دينار في ذمة الزوج ولا يحتاج إلى كتاب وشهود ~~وكان المحلل يكتم ذلك هو والزوج المحلل له. والمرأة والأولياء والشهود لا ~~يدرون بذلك. {ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له} إذ ~~كانوا هم الذين فعلوا المحرم؛ دون هؤلاء. والتحليل لم يكونوا يحتاجون إليه ~~في الأمر الغالب إذ كان الرجل إنما يقع منه الطلاق الثلاث إذا طلق بعد رجعة ~~أو عقد فلا يندم بعد الثلاث إلا نادر من الناس؛ وكان # PageV33P037 # يكون ذلك بعد عصيانه وتعديه لحدود الله فيستحق العقوبة فيلعن من يقصد ~~تحليل المرأة له؛ ويلعن هؤلاء أيضا: لأنهما تعاونا على الإثم والعدوان. ~~فلما حدث " الحلف بالطلاق " واعتقد كثير من الفقهاء. أن الحانث يلزمه ما ~~ألزمه نفسه ولا تجزيه كفارة يمين واعتقد كثير منهم أن الطلاق المحرم يلزم ~~واعتقد كثير منهم أن جمع الثلاث ليس بمحرم واعتقد كثير منهم أن طلاق ~~السكران يقع واعتقد كثير منهم أن طلاق المكره يقع. وكان بعض هذه الأقوال ~~مما تنازع فيه الصحابة؛ وبعضها مما قيل بعدهم: كثر اعتقاد الناس لوقوع ~~الطلاق مع ما يقع من الضرر العظيم والفساد في الدين والدنيا بمفارقة الرجل ~~امرأته فصار الملزمون بالطلاق في هذه المواضع المتنازع فيها " حزبين ". " ~~حزبا " اتبعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في تحريم ms9461 ~~التحليل فحرموا هذا مع تحريمهم لما لم يحرمه الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~تلك الصور فصار في قولهم من الأغلال والآصار والحرج العظيم المفضي إلى ~~مفاسد عظيمة في الدين والدنيا أمور. منها: ردة بعض الناس عن الإسلام لما ~~أفتي بلزوم ما التزمه. ومنها سفك الدم المعصوم. ومنها زوال العقل. ومنها ~~العداوة بين الناس. ومنها تنقيص شريعة الإسلام. إلى كثير من الآثام. إلى ~~غير ذلك من الأمور العظام. " وحزبا " رأوا أن يزيلوا ذلك الحرج العظيم ~~بأنواع من الحيل التي بها تعود المرأة إلى زوجها. # PageV33P038 # وكان مما أحدث أولا " نكاح التحليل ". ورأى طائفة من العلماء أن فاعله ~~يثاب؛ لما رأى في ذلك من إزالة تلك المفاسد بإعادة المرأة إلى زوجها وكان ~~هذا حيلة في جميع الصور لرفع وقوع الطلاق. ثم أحدث في " الأيمان " حيل ~~أخرى. فأحدث أولا الاحتيال في لفظ اليمين ثم أحدث الاحتيال بخلع اليمين؛ ثم ~~أحدث الاحتيال بدور الطلاق ثم أحدث الاحتيال بطلب إفساد النكاح. وقد أنكر ~~جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها ورأوا أن في ذلك إبطال ~~حكمة الشريعة وإبطال حقائق الأيمان المودعة في آيات الله وجعل ذلك من جنس ~~المخادعة والاستهزاء بآيات الله حتى قال أيوب السختياني في مثل هؤلاء: ~~يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي ~~ثم تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونصره وعزره ومن أعظم ~~ما يصدون به عن سبيل الله ويمنعون من أراد الإيمان به ومن أعظم ما يمتنع ~~الواحد منهم به عن الإيمان كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه وذكر أنه كان ~~يتبين له محاسن الإسلام إلا ما كان من جنس " التحليل " فإنه الذي لا يجد ~~فيه ما يشفي الغليل. وقد قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ms9462 في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث # PageV33P039 # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} فوصف رسوله بأنه يأمر بكل ~~معروف وينهى عن كل منكر ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث ويضع الآصار والأغلال ~~التي كانت على من قبله. وكل من خالف ما جاء به من الكتاب والحكمة من ~~الأقوال المرجوحة فهي من الأقوال المبتدعة التي أحسن أحوالها أن تكون من ~~الشرع المنسوخ الذي رفعه الله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم إن كان قائله ~~من أفضل الأمة وأجلها وهو في ذلك القول مجتهد قد اتقى الله ما استطاع وهو ~~مثاب على اجتهاده وتقواه مغفور له خطؤه فلا يلزم الرسول قول قاله غيره ~~باجتهاده. وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر} وثبت عنه في الصحيح أنه {كان يقول ~~لمن بعثه أميرا على سرية وجيش: وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على ~~حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن ~~أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك} . وهذا يوافق ما ثبت في الصحيح: {أن سعد بن ~~معاذ لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد حاصرهم فنزلوا على حكمه. فأنزلهم على حكم سعد بن معاذ لما طلب ~~منهم حلفا وهم من الأنصار أن يحسن إليهم وكان سعد بن معاذ خلاف ما يظن به ~~بعض قومه: كان مقدما لرضا الله ورسوله على رضا # PageV33P040 # قومه؛ ولهذا لما مات اهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه فحكم فيهم: أن ~~تقتل مقاتلتهم وتسبى حريمهم وتقسم أموالهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقد حكمت فيهم بحكم الملك} وفي رواية. {لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع ~~سموات} والعلماء ورثة الأنبياء وقد قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ms9463 ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا ~~آتينا حكما وعلما} فهذان نبيان كريمان في حكومة واحدة فخص الله أحدهما ~~بفهمها مع ثنائه على كل منهما بأنه آتاه حكما وعلما فكذلك العلماء ~~المجتهدون - رضي الله عنهم - للمصيب منهم أجران وللآخر أجر. وكل منهم مطيع ~~لله بحسب استطاعته ولا يكلفه الله ما عجز عن علمه. ومع هذا فلا يلزم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قول غيره ولا يلزم ما جاء به من الشريعة شيء من الأقوال ~~المحدثة؛ لا سيما إن كانت شنيعة. ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ~~ينزهون شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من خطئهم وخطأ غيرهم. كما قال عبد ~~الله بن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله وإن ~~يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه. وكذلك روي عن الصديق في ~~الكلالة وكذلك عن عمر في بعض الأمور؛ مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه ~~على هذا الوجه حتى يوجد النص موافقا لاجتهادهم كما وافق النص اجتهاد ابن ~~مسعود وغيره # PageV33P041 # وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله وبما يجب من تعظيم شرع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن يضيفوا إليه إلا ما علموه منه؛ وما أخطئوا فيه - وإن كانوا ~~مجتهدين - قالوا: إن الله ورسوله بريئان منه. وقد قال الله تعالى: {وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين} وقال: {فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} ~~وقال: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} . ولهذا تجد المسائل ~~التي تنازعت فيها الأمة على أقوال؛ وإنما القول الذي بعث به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم واحد منها وسائرها إذا كان أهلها من أهل الاجتهاد أهل العلم ~~والدين: فهم مطيعون لله ورسوله مأجورون غير مأزورين؛ كما إذا خفيت جهة ~~القبلة في السفر اجتهد كل قوم فصلوا إلى جهة من الجهات الأربع؛ فإن الكعبة ~~ليست إلا في جهة واحدة منها وسائر المصلين مأجورون على صلاتهم حيث اتقوا ما ~~استطاعوا. ومن آيات ما بعث به الرسول صلى الله عليه ms9464 وسلم أنه إذا ذكر مع ~~غيره على الوجه المبين ظهر النور والهدى على ما بعث به؛ وعلم أن القول ~~الآخر دونه؛ فإن خير الكلام كلام الله؛ وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقد قال سبحانه وتعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} وهذا التحدي # PageV33P042 # والتعجيز. ثابت في لفظه ونظمه ومعناه كما هو مذكور في غير هذا الموضع. ~~ومن أمثال ذلك: ما تنازع المسلمون فيه من مسائل الطلاق فإنك تجد الأقوال ~~فيه " ثلاثة ": قول فيه آصار وأغلال. وقول فيه خداع واحتيال. وقول فيه علم ~~واعتدال. وقول يتضمن نوعا من الظلم والاضطراب. وقول يتضمن نوعا من الظلم ~~والفاحشة والعار. وقول يتضمن سبيل المهاجرين والأنصار. وتجدهم في مسائل ~~الأيمان بالنذر؛ والطلاق والعتاق على ثلاثة أقوال. قول يسقط أيمان المسلمين ~~ويجعلها بمنزلة أيمان المشركين. وقول يجعل الأيمان اللازمة ليس فيها كفارة ~~ولا تحلة كما كان شرع غير أهل القبلة. وقول يقيم حرمة أيمان أهل التوحيد ~~والإيمان؛ ويفرق بينهما وبين أيمان أهل الشرك والأوثان ويجعل فيها من ~~الكفارة والتحليل ما جاء به النص والتنزيل واختص به أهل القرآن دون أهل ~~التوراة والإنجيل. وهذا هو الشرع الذي جاء به خاتم المرسلين وإمام المتقين؛ ~~وأفضل الخلق أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين؛ وعلى ~~التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. # PageV33P043 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # مختصر جامع في مسائل " الأيمان والطلاق " وما بينهما من اتفاق وافتراق؛ ~~فإن المسألة قد تكون من مسائل الأيمان دون الطلاق. وقد تكون من مسائل ~~الطلاق دون الأيمان وقد تكون من مسائل النوعين. فإن الكلام المتعلق بالطلاق ~~ثلاثة أنواع. والأيمان ثلاثة أنواع. أما الكلام المتعلق بالطلاق فهو: إما ~~صيغة تنجيز. وإما صيغة تعليق. وإما صيغة قسم. أما " صيغة التنجيز " فهو ~~إيقاع الطلاق مطلقا مرسلا من غير تقييد بصفة ولا يمين؛ كقوله: أنت طالق. أو ~~مطلقة. أو: فلانة طالق. أو: أنت الطلاق. أو: طلقتك ونحو ذلك ms9465 مما يكون بصيغة ~~الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل أو اسم المفعول: فهذا يقال له: طلاق منجز. ~~ويقال. طلاق مرسل. ويقال: طلاق مطلق. أي غير معلق بصفة. فهذا إيقاع للطلاق ~~وليس هذا # PageV33P044 # بيمين يخير فيه بين الحنث وعدمه؛ ولا كفارة في هذا باتفاق المسلمين ~~والفقهاء في عرفهم المعروف بينهم لا يسمون هذا يمينا ولا حلفا؛ ولكن من ~~الناس من يقول: حلفت بالطلاق. ومراده أنه أوقع الطلاق. # وأما " صيغة القسم " فهو أن يقول: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعل ~~كذا. فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره أو منع لنفسه أو لغيره أو على تصديق ~~خبر أو تكذيبه: فهذا يدخل في مسائل الطلاق والأيمان فإن هذا يمين باتفاق ~~أهل اللغة؛ فإنها صيغة قسم وهو يمين أيضا في عرف الفقهاء لم يتنازعوا في ~~أنها تسمى يمينا؛ ولكن تنازعوا في حكمها. فمن الفقهاء من غلب عليها جانب ~~الطلاق فأوقع به الطلاق إذا حنث. ومنهم من غلب عليه جانب اليمين فلم يوقع ~~به الطلاق بل قال: عليه كفارة يمين. أو قال لا شيء عليه بحال. وكذلك ~~تنازعوا فيما إذا حلف بالنذر فقال: إذا فعلت كذا فعلي الحج أو صوم شهر أو ~~مالي صدقة؛ لكن هذا النوع اشتهر الكلام فيه عن السلف من الصحابة وغيرهم. ~~وقالوا: إنه أيمان تجزي فيه كفارة يمين؛ لكثرة وقوع هذا في زمن الصحابة؛ ~~بخلاف الحلف بالطلاق فإن الكلام فيه إنما عرف عن التابعين ومن بعدهم ~~وتنازعوا فيه على القولين. # PageV33P045 # والثالث " صيغة تعليق " كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق. ويسمى هذا طلاقا ~~بصفة. فهذا إما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت ~~الصفة. وإما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة. " فالأول " حكمه ~~حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء. ولو قال: إن حلفت يمينا فعلي عتق رقبة ~~وحلف بالطلاق حنث بلا نزاع نعلمه بين العلماء المشهورين وكذلك سائر ما ~~يتعلق بالشرط لقصد اليمين كقوله: إن فعلت كذا فعلي عتق رقبة أو فعبيدي ~~أحرار أو فعلي الحج ms9466 أو علي صوم شهر أو فمالي صدقة أو هدي ونحو ذلك؛ فإن هذا ~~بمنزلة أن يقول: العتق يلزمني لا أفعل كذا وعلي الحج لا أفعل كذا ونحو ذلك؛ ~~لكن المؤخر في صيغة الشرط مقدم في صيغة القسم والمنفي في هذه الصيغة مثبت ~~في هذه الصيغة. " والثاني " وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة. فهذا ~~يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف وكذلك ~~إذا وقت الطلاق بوقت؛ كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر. وقد ذكر غير واحد ~~الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق ولم يعلم فيه خلافا قديما؛ لكن ابن حزم ~~زعم أنه لا يقع به الطلاق وهو قول الإمامية مع أن ابن حزم ذكر في " كتاب ~~الإجماع " إجماع العلماء على أنه يقع به الطلاق # PageV33P046 # وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه مخرج اليمين: هل يقع الطلاق؟ أو ~~لا يقع ولا شيء عليه؟ أو يكون يمينا مكفرة؟ على ثلاثة أقوال: كما أن نظائر ~~ذلك من الأيمان فيها هذه الأقوال الثلاثة. وهذا الضرب وهو الطلاق المعلق ~~بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها وليس فيها معنى الحض والمنع كقوله: إن طلعت ~~الشمس فأنت طالق. هل هو يمين؟ فيه قولان " أحدهما " هو يمين كقول أبي حنيفة ~~وأحد القولين في مذهب أحمد. " الثاني " أنه ليس بيمين كقول الشافعي والقول ~~الآخر في مذهب أحمد. وهذا القول أصح شرعا. ولغة. وأما العرف فيختلف. # فصل: # وأما أنواع الأيمان الثلاثة " فالأول ". أن يعقد اليمين بالله. و " ~~الثاني " أن يعقدها لله. " والثالث " أن يعقدها بغير الله أو لغير الله. ~~فأما " الأول " فهو الحلف بالله. فهذه يمين منعقدة مكفرة بالكتاب والسنة ~~والإجماع. وأما " الثالث " وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل: أن يحلف ~~بالطواغيت؛ أو بأبيه. أو الكعبة: أو غير ذلك من المخلوقات: فهذه يمين غير # PageV33P047 # محترمة لا تنعقد ولا كفارة بالحنث فيها باتفاق العلماء؛ لكن نفس الحلف ~~بها منهي عنه فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ms9467 ~~حلف فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل لا إله إلا الله} وسواء في ذلك ~~الحلف بالملائكة والأنبياء وغيرهم باتفاق العلماء؛ إلا أن في الحلف بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم " قولين " في مذهب أحمد وقول الجمهور أنها يمين غير ~~منعقدة ولا كفارة فيها. وأما عقدها لغير الله فمثل أن ينذر للأوثان ~~والكنائس أو يحلف بذلك فيقول: إن فعلت كذا فعلي للكنيسة كذا أو لقبر فلان ~~كذا ونحو ذلك. فهذا إن كان نذرا فهو شرك وإن كان يمينا: فهو شرك إذا كان ~~يقول ذلك على وجه التعظيم كما يقول المسلم: إن فعلت كذا فعلي هدي وأما إذا ~~قاله على وجه البغض لذلك كما يقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي. أو ~~نصراني فهذا ليس مشركا وفي لزوم الكفارة له قولان معروفان للعلماء. وما كان ~~من نذر شرك أو يمين شرك فعليه أن يتوب إلى الله من عقدها؛ ليس فيها وفاء ~~ولا كفارة إنما ذلك فيما كان لله أو بالله. # وأما المعقود لله فعلى وجهين. " أحدهما " أن يكون قصده التقرب إلى الله؛ ~~لا مجرد أن يحض أو يمنع. وهذا هو النذر فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # PageV33P048 # {كفارة النذر كفارة يمين} وثبت عنه أن قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} . فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر لله طاعة ~~فعليه الوفاء به وإن نذر ما ليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به. وما كان ~~محرما لا يجوز الوفاء به؛ لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين عند ~~أكثر السلف وهو قول أحمد وهو قول أبي حنيفة. قيل: مطلقا. وقيل: إذا كان في ~~معنى اليمين. " والثاني " أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو ~~التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله: إن ~~فعلت كذا فعلي الحج وصوم سنة ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق. فهذا ~~الصنف يدخل في مسائل " الأيمان " ويدخل في مسائل " الطلاق ms9468 والعتاق والنذر ~~والظهار ". وللعلماء فيه ثلاثة أقوال. " أحدها " أنه يلزمه ما حلف به إذا ~~حنث؛ لأنه التزم الجزاء عند وجود الشرط وقد وجد الشرط فيلزمه: كنذر التبرر ~~المعلق بالشرط. " والقول الثاني ": هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا ~~حنث؛ لا كفارة ولا وقوع؛ لأن هذا حلف بغير الله وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت} وفي رواية في الصحيح {: لا ~~تحلفوا إلا بالله} " # PageV33P049 # والقول الثالث " أن هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان. ومن ~~العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب - وهو الحلف بالنذر - وما عقده ~~لله من تحريم - وهو الحلف بالطلاق والعتاق - فقالوا في الأول: عليه كفارة ~~يمين إذا حنث. وقالوا في الثاني: يلزمه ما علقه وهو الذي حلف به إذا حنث؛ ~~لأن الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك ~~والملتزم في الثاني وقوع حرمة. وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة. و " ~~القول الثالث " هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وعليه تدل أقوال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجملة كما قد بسط في موضعه. وذلك ~~أن الله قال في كتابه: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين} إلى قوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وقال تعالى: {قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم} وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه} ~~وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى. أما اللفظ فلقوله: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} وقوله: {ذلك كفارة أيمانكم} وهذا خطاب للمؤمنين فكل ~~ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا # والحلف بالمخلوقات شرك ليس من أيمانهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~{من حلف بغير الله فقد أشرك} رواه أهل السنن أبو داود # PageV33P050 # وغيره فلا تدخل هذه في أيمان المسلمين. وأما ما عقده بالله أو ms9469 لله فهو من ~~أيمان المسلمين فيدخل في ذلك؛ ولهذا لو قال: أيمان المسلمين أو أيمان ~~البيعة تلزمني ونوى دخول الطلاق والعتاق: دخل في ذلك كما ذكر ذلك الفقهاء ~~ولا أعلم فيه نزاعا ولا يدخل في ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من المخلوقات ~~وإذا كانت من أيمان المسلمين تناولها الخطاب. وأما من جهة المعنى فهو أن ~~الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين؛ لئلا تكون اليمين موجبة عليهم أو ~~محرمة عليهم لا مخرج لهم كما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن تشرع ~~الكفارة؛ لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء باليمين فلو كان من الأيمان ما لا ~~كفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة. وأيضا فقد قال الله تعالى: {ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} نهاهم الله أن ~~يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم من فعل ما أمر به؛ لئلا يمتنعوا عن طاعته ~~باليمين التي حلفوها فلو كان في الأيمان ما ينعقد ولا كفارة فيه لكان ذلك ~~مانعا لهم من طاعة الله إذا حلفوا به. وأيضا فقد قال تعالى: {للذين يؤلون ~~من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} {وإن عزموا ~~الطلاق فإن الله سميع عليم} ، " والإيلاء " هو الحلف والقسم والمراد ~~بالإيلاء هنا أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته وهو إذا حلف بما عقده بالله ~~كان موليا وإن حلف بما عقده لله # PageV33P051 # كالحلف بالنذر والظهار والطلاق والعتاق كان موليا عند جماهير العلماء: ~~كأبي حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد وأحمد. ومن العلماء من لم يذكر ~~في هذه المسألة نزاعا كابن المنذر وغيره وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل يمين ~~منعت جماعا فهي إيلاء والله سبحانه وتعالى قد جعل المولي بين خيرتين: إما ~~أن يفيء وإما أن يطلق. والفيئة هي الوطء: خير بين الإمساك بمعروف والتسريح ~~بإحسان. فإن فاء فوطئها حصل مقصودها وقد أمسك بمعروف وقد قال تعالى: {فإن ~~فاءوا فإن الله غفور رحيم} ومغفرته ورحمته للمولي توجب رفع الإثم عنه وبقاء ~~امرأته. ولا تسقط الكفارة ms9470 كما في قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~فبين أنه غفور رحيم بما فرضه من تحلة الأيمان حيث رحم عباده بما فرضه لهم ~~من الكفارة وغفر لهم بذلك نقضهم لليمين التي عقدوها؛ فإن موجب العقد الوفاء ~~لولا ما فرضه من التحلة التي جعلها تحل عقدة اليمين. وإن كان المولي لا ~~يفيء؛ بل قد عزم على الطلاق؛ فإن الله سميع عليم. فحكم المولي في كتاب ~~الله: أنه إما أن يفيء وإما أن يعزم الطلاق. فإن فاء فإن الله غفور رحيم لا ~~يقع به طلاق وهذا متفق عليه في اليمين بالله تعالى. # وأما ### | " اليمين بالطلاق " # فمن قال: إنه يقع به الطلاق فلا يكفر؛ فإنه يقول: إن فاء المولي بالطلاق ~~وقع به الطلاق وإن عزم الطلاق فأوقعه وقع به # PageV33P052 # الطلاق. فالطلاق على قوله لازم سواء أمسك بمعروف؛ أو سرح بإحسان. والقرآن ~~يدل على أن المولي مخير: إما أن يفيء؛ وإما أن يطلق. فإذا فاء لم يلزمه ~~الطلاق؛ بل عليه كفارة الحنث إذا قيل بأن الحلف بالطلاق فيه الكفارة؛ فإن ~~المولي بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث عند جمهور العلماء وفيه قول ~~شاذ: أنه لا شيء عليه بحال. وقول الجمهور أصح؛ فإن الله بين في كتابه كفارة ~~اليمين في سورة المائدة وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه} . فإن قيل المولي ~~بالطلاق إذا فاء غفر الله له ما تقدم من تأخير الوطء للزوجة وإن وقع به ~~الطلاق ورحمه بذلك؟ " قيل ": هذا لا يصح. فإن أحد قولي العلماء القائلين ~~بهذا الأصل أن الحالف بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ امرأته لا يجوز له وطؤها ~~بحال؛ فإنه إذا أولج حنث وكان النزع في أجنبية وهذه إحدى الروايتين عن أحمد ~~وأحد القولين في مذهب مالك. " والثاني " يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها ~~وتحرم بها عليه امرأته. ومعلوم ms9471 أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة في الوطء ~~والمرأة لا تختار وطأة يقع بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له ~~فلا يحصل مقصودها بهذه الفيئة. وأيضا: فإنه على هذا التقدير لا فائدة في # PageV33P053 # التأجيل؛ بل تعجيل الطلاق أحب إليها لتقضي العدة لتباح لغيره فإذا كان لا ~~بد لها من الطلاق على التقديرين: كان التأجيل ضررا محضا لها وهذا خلاف ~~مقصود الإيلاء الذي شرع لنفع المرأة؛ لا لضرها. وما ذكرته من النصوص قد ~~استدل به الصحابة وغيرهم من العلماء في هذا الجنس فأفتوا من حلف فقال: إن ~~فعلت كذا فمالي هدي وعبيدي أحرار ونحو ذاك: بأن يكفر يمينه فجعلوا هذا ~~يمينا مكفرة؛ وكذلك غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا هذا متناولا ~~للحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك من الأيمان وجعلوا كل يمين يحلف بها الحالف ~~ففيها كفارة يمين وإن عظمت. وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا الضرب فيه شبه ~~من النذر والطلاق والعتاق وشبه من الأيمان؛ وليس كذلك؛ بل هذه أيمان محضة؛ ~~ليست نذرا ولا طلاقا. ولا عتاقا وإنما يسميها بعض الفقهاء " نذر اللجاج ~~والغضب " تسمية مقيدة ولا يقتضي ذلك أنها تدخل في اسم النذر عند الإطلاق. ~~وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضة كما قرر ذلك ~~الشافعي وأحمد وغيرهما في الحلف بالنذر؛ لكن هي أيمان علق الحنث فيها على ~~شيئين " أحدهما " فعل المحلوف عليه: و " الثاني " عدم إيقاع المحلوف به. # PageV33P054 # فقول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج هذا العام. بمنزلة قوله: والله إن ~~فعلت كذا لأحجن هذا العام وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا إذا فعل ولم ~~يحج ذلك العام كذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أحج هذا العام. إنما ~~تلزمه الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي ~~أن أعتق عبدي. أو أطلق امرأتي؛ فإنه لا تلزمه الكفارة إلا إذا فعله ولم ~~يطلق ولم يعتق ولو قال: والله إن فعلت كذا فوالله لأطلقن ms9472 امرأتي ولأعتقن ~~عبدي. وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق وعبدي حر: هو بمنزلة قوله: ~~والله إن فعلت كذا ليقعن بي الطلاق والعتاق ولأوقعن الطلاق والعتاق وهو إذا ~~فعله لم تلزمه الكفارة إلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق وإذا لم يوقعه لم ~~يقع لأنه لم يوجد شرط الحنث؛ لأن الحنث معلق بشرطين والمعلق بالشرط قد يكون ~~وجوبا وقد يكون وقوعا. فإذا قال: إن فعلت كذا فعلي صوم شهر. فالمعلق وجوب ~~الصوم. وإذا قال: فعبدي حر وامرأتي طالق فالمعلق وقوع العتاق والطلاق وقد ~~تقدم أن الرجل المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط وقع كما إذا كان ~~قصده أن يطلقها إذا أبرأته من الصداق فقال: إن أبرأتيني من صداقك فأنت ~~طالق. فهنا إذا وجدت الصفة وقع الطلاق. وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره ~~وقوع الجزاء عند الشرط فهذا حالف كما لو قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا # PageV33P055 # وأما قول القائل: إنه التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه: فهذا باطل من أوجه. ~~" أحدها " أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو ~~نصراني. وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: هو التزام للكفر والإسلام عند ~~الشرط ولا يلزمه ذلك بالاتفاق؛ لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط؛ بل قصد الحلف ~~به وهذا المعنى موجود في سائر أنواع الحلف بصيغة التعليق. " الثاني " أنه ~~إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي: لم يلزمه أن يطلقها بالاتفاق ~~إذا فعله. " الثالث " أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين: " ~~أحدهما " أن يكون الملتزم قربة. " والثاني " أن يكون قصده التقرب إلى الله ~~به؛ لا الحلف به. فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل ~~والشرب لم يلزمه. ولو التزم قربة: كالصلاة والصيام: والحج: على وجه الحلف ~~بها لم يلزمه؛ بل تجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف وهو مذهب ~~الشافعي وأحمد؛ وآخر الروايتين عن أبي حنيفة وقول المحققين من أصحاب مالك. # PageV33P056 # وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين؛ وهو ms9473 يكره وقوعه إذا ~~وجد الشرط كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به؛ وكما يكره وجوب تلك العبادات ~~إذا حلف بها. وأما قول القائل: إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة؟ " ~~فيقال ": النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات؛ ولهذا جعله شركا؛ لأنه عقد اليمين ~~بغير الله؛ فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله؛ ولهذا كان النذر ~~أبلغ من اليمين؛ فوجوب الكفارة فيما عقد لله أولى من وجوبها فيما عقد ~~بالله. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الفرق بين الطلاق والحلف " وإيضاح الحكم في ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. # الصيغ التي يتكلم بها الناس في الطلاق والعتاق والنذر والظهار والحرام " ~~ثلاثة أنواع ". # PageV33P057 # " النوع الأول " صيغة التنجيز مثل أن يقول: امرأتي طالق. أو: أنت طالق. ~~أو: فلانة طالق. أو هي مطلقة. ونحو ذلك: فهذا يقع به الطلاق ولا تنفع فيه ~~الكفارة بإجماع المسلمين. ومن قال: إن هذا فيه كفارة فإنه يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل. وكذلك إذا قال: عبدي حر. أو علي صيام شهر. أو: عتق رقبة. أو: ~~الحل علي حرام. أو: أنت علي كظهر أمي: فهذه كلها إيقاعات لهذه العقود بصيغ ~~التنجيز والإطلاق. " والنوع الثاني " أن يحلف بذلك فيقول: الطلاق يلزمني ~~لأفعلن كذا. أو لا أفعل كذا. أو يحلف على غيره - كعبده وصديقه الذي يرى أنه ~~يبر قسمه - ليفعلن كذا. أو لا يفعل كذا. أو يقول: الحل علي حرام لأفعلن ~~كذا. أو لا أفعله. أو يقول: علي الحج لأفعلن كذا. أو لا أفعله ونحو ذلك: ~~فهذه صيغ قسم وهو حالف بهذه الأمور؛ لا موقع لها. وللعلماء في هذه الأيمان ~~ثلاثة أقوال. " أحدها " أنه إذا حنث لزمه ما حلف به. " والثاني " لا يلزمه ~~شيء. و " الثالث " يلزمه كفارة يمين. ومن العلماء من فرق بين الحلف والطلاق ~~والعتاق وغيرها. والقول الثالث أظهر الأقوال؛ لأن الله تعالى قال: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} ms9474 وقال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة وعدي بن حاتم ~~وأبي # PageV33P058 # موسى أنه قال: {ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ~~وليكفر عن يمينه} وجاء هذا المعنى في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي موسى ~~وعبد الرحمن بن سمرة وهذا يعم جميع أيمان المسلمين فمن حلف بيمين من أيمان ~~المسلمين وحنث أجزأته كفارة يمين. ومن حلف بإيمان الشرك: مثل أن يحلف بتربة ~~أبيه؛ أو الكعبة أو نعمة السلطان أو حياة الشيخ أو غير ذلك من المخلوقات: ~~فهذه اليمين غير منعقدة ولا كفارة فيها إذا حنث باتفاق أهل العلم. " والنوع ~~الثالث " من الصيغ: أن يعلق الطلاق أو العتاق أو النذر بشرط؛ فيقول: إن كان ~~كذا فعلي الطلاق. أو الحج. أو فعبيدي أحرار. ونحو ذلك: فهذا ينظر إلى ~~مقصوده فإن كان مقصوده أن يحلف بذلك ليس غرضه وقوع هذه الأمور - كمن ليس ~~غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط - فحكمه حكم الحالف؛ وهو من " باب اليمين ~~". وأما إن كان مقصوده وقوع هذه الأمور: كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع ~~الشرط: مثل أن يقول لامرأته: إن أبرأتيني من طلاقك أنت طالق. فتبرئه. أو ~~يكون عرضه أنها إذا فعلت فاحشة أن يطلقها فيقول: إذا فعلت كذا فأنت طالق؛ ~~بخلاف من كان غرضه أن يحلف عليها ليمنعها؛ ولو فعلته لم يكن له غرض في ~~طلاقها فإنها تارة يكون طلاقها أكره إليه من الشرط فيكون حالفا. وتارة يكون ~~الشرط المكروه أكره إليه من طلاقها؛ فيكون موقعا للطلاق إذا وجد # PageV33P059 # ذلك الشرط فهذا يقع به الطلاق وكذلك إن قال: إن شفى الله مريضي فعلي صوم ~~شهر فشفي فإنه يلزمه الصوم. فالأصل في هذا: أن ينظر إلى مراد المتكلم ~~ومقصوده فإن كان غرضه أن تقع هذه الأمور وقعت منجزة أو معلقة إذا قصد ~~وقوعها عند وقوع الشرط. وإن كان مقصوده أن يحلف بها؛ وهو يكره وقوعها إذا ~~حنث وإن وقع ms9475 الشرط فهذا حالف بها؛ لا موقع لها فيكون قوله من " باب اليمين ~~"؛ لا من " باب التطليق والنذر " فالحالف هو الذي يلتزم ما يكره وقوعه عند ~~المخالفة كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي؛ أو نصراني ونسائي طوالق وعبيدي ~~أحرار وعلي المشي إلى بيت الله. فهذا ونحوه يمين؛ بخلاف من يقصد وقوع ~~الجزاء من ناذر ومطلق ومعلق فإن ذلك يقصد ويختار لزوم ما التزمه وكلاهما ~~ملتزم؛ لكن هذا الحالف يكره وقوع اللازم وإن وجد الشرط الملزوم كما إذا ~~قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني فإن هذا يكره الكفر ولو وقع الشرط: ~~فهذا حالف. والموقع يقصد وقوع الجزاء اللازم عند وقوع الشرط الملزوم؛ سواء ~~كان الشرط مرادا له أو مكروها أو غير مراد له. فهذا موقع ليس بحالف. ~~وكلاهما ملتزم معلق؛ لكن هذا الحالف يكره وقوع اللازم. والفرق بين هذا وهذا ~~ثابت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكابر التابعين وعليه دل ~~الكتاب والسنة وهو مذهب جمهور العلماء. # PageV33P060 # كالشافعي وأحمد وغيرها: في تعليق النذر. قالوا: إذا كان مقصوده النذر ~~فقال: لئن شفى الله مريضي فعلي الحج. فهو ناذر إذا شفى الله مريضه لزمه ~~الحج فهذا حالف تجزئه كفارة يمين ولا حج عليه. وكذلك قال أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل ابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة. وزينب ربيبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغير واحد من الصحابة في من قال إن فعلت كذا فكل ~~مملوك لي حر. قالوا: يكفر عن يمينه. ولا يلزمه العتق. هذا مع أن العتق طاعة ~~وقربة؛ فالطلاق لا يلزمه بطريق الأولى كما قال ابن عباس رضي الله عنه ~~الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله. ذكره البخاري في صحيحه. بين ~~ابن عباس أن الطلاق إنما يقع بمن غرضه أن يوقعه؛ لا لمن يكره وقوعه كالحالف ~~به والمكره عليه وعن عائشة أنها قالت: كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة ~~اليمين بالله. وهذا يتناول جميع الأيمان: من الحلف بالطلاق والعتاق والنذر. ~~وغير ms9476 ذلك. والقول بأن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق مذهب خلق كثير من ~~السلف والخلف؛ لكن فيهم من لا يلزمه الكفارة: كداود وأصحابه ومنهم من يلزمه ~~كفارة يمين: كطاووس وغيره من السلف والخلف. و ### | الأيمان التي يحلف بها الخلق # ثلاثة أنواع. " أحدها " يمين محترمة منعقدة: كالحلف باسم الله تعالى: ~~فهذه فيها الكفارة بالكتاب والسنة والإجماع. # PageV33P061 # " الثاني " الحلف بالمخلوقات: كالحالف بالكعبة. فهذه لا كفارة فيها ~~باتفاق المسلمين. " والثالث " أن يعقد اليمين لله فيقول: إن فعلت كذا فعلي ~~الحج. أو مالي صدقة. أو فنسائي طوالق. أو فعبيدي أحرار؛ ونحو ذلك فهذه فيها ~~الأقوال الثلاثة المتقدمة: إما لزوم المحلوف به وإما الكفارة وإما لا هذا ~~ولا هذا. وليس في حكم الله ورسوله إلا يمينان: يمين من أيمان المسلمين ~~ففيها الكفارة. أو يمين ليست من أيمان المسلمين: فهذه لا شيء فيها إذا حنث. ~~فهذه الأيمان إن كانت من أيمان المسلمين ففيها كفارة؛ وإن لم تكن من أيمان ~~المسلمين لم يلزم بها شيء. فأما إثبات يمين يلزم الحالف بها ما التزمه ولا ~~تجزئه فيها كفارة: فهذا ليس في دين المسلمين؛ بل هو مخالف للكتاب والسنة. ~~والله تعالى ذكر في سورة التحريم حكم أيمان المسلمين وذكر في السورة التي ~~قبلها حكم طلاق المسلمين فقال في سورة التحريم: {يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} وقال في سورة الطلاق: {يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن ~~يتعد حدود # PageV33P062 # الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} {فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة ~~لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ms9477 الله فهو حسبه إن الله بالغ ~~أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} فهو سبحانه بين في هذه السورة حكم الطلاق ~~وبين في تلك حكم أيمان المسلمين. وعلى المسلمين أن يعرفوا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله فيعرفوا ما يدخل في الطلاق وما يدخل في أيمان المسلمين ~~ويحكموا في هذا بما حكم الله ورسوله ولا يتعدوا حدود الله فيجعلوا حكم ~~أيمان المسلمين وحكم طلاقهم حكم أيمانهم؛ فإن هذا مخالف لكتاب الله وسنة ~~رسوله. وإن كان قد اشتبه بعض ذلك على كثير من علماء المسلمين فقد عرف ذلك ~~غيرهم من علماء المسلمين والذين ميزوا بين هذا وهذا من الصحابة والتابعين ~~هم أجل قدرا عند المسلمين ممن اشتبه عليه هذا وهذا وقد قال الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} فما تنازع فيه المسلمين وجب رده إلى الكتاب والسنة. ~~والاعتبار - الذي هو أصح القياس وأجلاه - إنما يدل على قول من فرق بين هذا ~~وهذا مع ما في ذلك من صلاح المسلمين في دينهم ودنياهم إذا # PageV33P063 # فرقوا بين ما فرق الله ورسوله بينه فإن الذين لم يفرقوا بين هذا وهذا ~~أوقعهم هذا الاشتباه: إما في آصار وأغلال وإما في مكر واحتيال: كالاحتيال ~~في ألفاظ الأيمان والاحتيال بطلب إفساد النكاح والاحتيال بدور الطلاق ~~والاحتيال بخلع اليمين والاحتيال بالتحليل. والله أغنى المسلمين بنبيهم ~~الذي قال الله فيه: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} أي يخلصهم ~~من الآصار والأغلال؛ ومن الدخول في منكرات أهل الحيل. والله تعالى أعلم. ### | فصل: # في التفريق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والذي يقصد به اليمين. # " فالأول " أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط وإن كان الشرط مكروها له؛ ~~لكنه إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق؛ لكون الشرط أكره إليه من الطلاق؛ ~~فإنه وإن كان يكره ms9478 طلاقها ويكره الشرط؛ لكن إذا وجد الشرط فإنه يختار ~~طلاقها: مثل أن يكون كارها للتزوج بامرأة بغي أو فاجرة أو خائنة أو هو لا ~~يختار طلاقها؛ لكن إذا فعلت هذه الأمور: اختار طلاقها؛ فيقول إن زنيت أو ~~سرقت أو خنت فأنت طالق. ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها: إما عقوبة لها؛ ~~وإما كراهة لمقامه معها # PageV33P064 # على هذا الحال: فهذا موقع للطلاق عند الصفة؛ لا حالف: ووقوع الطلاق في ~~مثل هذا هو المأثور عن الصحابة: كابن مسعود؛ وابن عمر؛ وعن التابعين وسائر ~~العلماء؛ وما علمت أحدا من السلف قال في مثل هذا: إنه لا يقع به الطلاق؛ ~~ولكن نازع في ذلك طائفة من الشيعة وطائفة من الظاهرية. وهذا ليس بحالف؛ ولا ~~يدخل في لفظ اليمين المكفرة الواردة في الكتاب والسنة؛ ولكن من الناس من ~~سمى هذا حالفا كما أن منهم من يسمي كل معلق حالفا؛ ومن الناس من يسمي كل ~~منجز للطلاق حالفا. وهذه الاصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل في اللغة؛ ولا في ~~كلام الشارع ولا كلام الصحابة؛ وإنما سمي ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين ~~من القدر المشترك عند المسمى. وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة. وأما التعليق ~~الذي يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم بخلاف النوع الأول ~~فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم. وهذا القسم إذا ذكره بصيغة ~~الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء؛ وهو أكره إليه من الشرط: فيكون ~~كارها للشرط؛ وهو للجزاء أكره ويلتزم أعظم المكروهين عنده ليمتنع به من ~~أدنى المكروهين. فيقول: إن فعلت كذا فامرأتي طالق. أو عبيدي أحرار. أو علي ~~الحج ونحو ذلك. أو يقول لامرأته: إن زنيت أو سرقت أو خنت: فأنت طالق يقصد ~~زجرها أو تخويفها باليمين لا إيقاع الطلاق إذا فعلت؛ لأنه يكون مريدا لها ~~وإن # PageV33P065 # فعلت ذلك؛ لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال فهو علق بذلك ~~لقصد الحظر والمنع؛ لا لقصد الإيقاع: فهذا حالف ليس بموقع. وهذا هو الحالف ~~في الكتاب ms9479 والسنة وهو الذي تجزئه الكفارة. والناس يحلفون بصيغة القسم وقد ~~يحلفون بصيغة الشرط التي في معناها؛ فإن علم هذا وهذا سواء باتفاق العلماء. ~~والله أعلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # بعد أن ذكر مبنى أحكام أصول الدين على ثلاثة أقسام الكتاب والسنة ~~والإجماع وتقدم. ### | فصل: # " والطلاق نوعان " # نوع أباحه الله ونوع حرمه. فالذي أباحه أن يطلقها إذا كانت ممن تحيض بعد ~~أن تطهر من الحيض قبل أن يطأها ويسمى " طلاق السنة " فإن كانت ممن لا تحيض ~~طلقها أي وقت شاء أو يطلقها حاملا قد تبين حملها فإن طلقها بالحيض أو في ~~طهر بعد أن وطئها: كان هذا طلاقا محرما بإجماع المسلمين. وفي وقوعه " قولان ~~" للعلماء. والأظهر أنه لا يقع # PageV33P066 # وطلاق السنة المباح: إما أن يطلقها طلقة واحدة ويدعها حتى تنقضي العدة ~~فتبين أو يراجعها في العدة. فإن طلقها ثلاثا أو طلقها الثانية أو الثالثة ~~في ذلك الطهر: فهذا حرام وفاعله مبتدع عند أكثر العلماء: كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد في المشهور عنه وكذلك إذا طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة أو ~~العقد عند مالك وأحمد في ظاهر مذهبه وغيرهما؛ ولكن هل يلزمه واحدة؟ أو ~~ثلاث؟ فيه قولان. قيل: يلزمه الثلاث؛ وهو مذهب الشافعي. والمعروف من مذهب ~~الثلاثة. وقيل: لا يلزمه إلا طلقة واحدة؛ وهو قول كثير من السلف والخلف ~~وقول طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة؛ وهذا القول أظهر؛ وقد ثبت في صحيح ~~مسلم عن {ابن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر؛ وصدرا من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة} . وفي مسند الإمام ~~أحمد بإسناد جيد عن ابن عباس: {أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في ~~مجلس واحد؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم هي واحدة} ولم ينقل أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإسناد ثابت أنه ألزم بالثلاث لمن طلقها جملة واحدة؛ ~~وحديث ركانة الذي يروي فيه أنه طلقها ألبتة؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~" سأله "؛ وقال: " ما أردت إلا ms9480 واحدة "؟ ضعيف عند أئمة الحديث: ضعفه أحمد، ~~والبخاري وأبو عبيد، وابن حزم؛ بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط. ~~وبين أحمد أن الصحيح في حديث ركانة أنه طلقها ثلاثا وجعلها واحدة. وقد ~~بسطنا الكلام في غير هذا الموضع. والله أعلم. # PageV33P067 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان، ف ### | الأيمان ثلاثة أقسام: # " أحدها " ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات. كالكعبة ~~والملائكة والمشايخ والملوك والآباء؛ وتربتهم ونحو ذلك: فهذه يمين غير ~~منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء؛ بل هي منهي عنها باتفاق أهل العلم ~~والنهي نهي تحريم في أصح قوليهم. ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت} وقال {إن الله ينهاكم أن ~~تحلفوا بآبائكم} وفي السنن عنه أنه قال: {من حلف بغير الله فقد أشرك} . " ~~والثاني " اليمين بالله تعالى كقوله: والله لأفعلن. فهذه يمين منعقدة فيها ~~الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين. وأيمان المسلمين التي هي في معنى ~~الحلف بالله مقصود الحالف بها تعظيم الخالق - لا الحلف بالمخلوقات - كالحلف ~~بالنذر والحرام والطلاق والعتاق كقوله: إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج ~~إلى بيت الله. أو الحل علي حرام لا أفعل كذا. أو إن فعلت كذا فكل ما أملكه ~~حرام. أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا. أو لا أفعله. أو إن # PageV33P068 # فعلته فنسائي طوالق وعبيدي أحرار وكل ما أملكه صدقة. ونحو ذلك فهذه ~~الأيمان للعلماء فيها ثلاثة أقوال. قيل إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به. وقيل ~~لا يلزمه شيء. وقيل: يلزمه كفارة يمين. ومنهم من قال: الحلف بالنذر يجزيه ~~فيه الكفارة والحلف بالطلاق والعتاق يلزمه ما حلف به. وأظهر الأقوال وهو ~~القول الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة وعليه يدل الكتاب والسنة ~~والاعتبار: أنه يجزئه كفارة يمين في جميع أيمان المسلمين كما قال الله ~~تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وقال تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms9481 قال: {من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه} فإذا قال: الحل ~~علي حرام لا أفعل كذا. أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. أو إن فعلت كذا فعلي ~~الحج. أو مالي صدقة: أجزأه في ذلك كفارة يمين فإن كفر كفارة الظهار فهو ~~أحسن. وكفارة اليمين يخير فيها بين العتق أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ~~وإذا أطعمهم أطعم كل واحد جراية من الجرايات المعروفة في بلده: مثل أن يطعم ~~ثمان أواق أو تسع أواق بالشامي ويطعم مع ذلك إدامها؛ كما جرت عادة أهل ~~الشام في إعطاء الجرايات خبزا وإداما. وإذا كفر يمينه لم يقع به الطلاق. # PageV33P069 # وأما إذا قصد إيقاع الطلاق على الوجه الشرعي: مثل أن ينجز الطلاق فيطلقها ~~واحدة في طهر لم يصبها فيه: فهذا يقع به الطلاق باتفاق العلماء وكذلك إذا ~~علق الطلاق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها: مثل أن يكون مريدا للطلاق إذا ~~فعلت أمرا من الأمور. فيقول لها: إن فعلته فأنت طالق. قصده أن يطلقها إذا ~~فعلته: فهذا مطلق يقع به الطلاق عند السلف وجماهير الخلف؛ بخلاف من قصده أن ~~ينهاها ويزجرها باليمين؛ ولو فعلت ذلك الذي يكرهه لم يجز أن يطلقها؛ بل هو ~~مريد لها وإن فعلته؛ لكنه قصد اليمين لمنعها عن الفعل؛ لا مريدا أن يقع ~~الطلاق وإن فعلته: فهذا حلف لا يقع به الطلاق في أظهر قولي العلماء من ~~السلف والخلف؛ بل يجزئه كفارة يمين كما تقدم. # فصل: # والطلاق الذي يقع بلا ريب هو الطلاق الذي أذن الله فيه وأباحه وهو أن ~~يطلقها في الطهر قبل أن يطأها أو بعد ما يبين حملها: طلقة واحدة # PageV33P070 # فأما " الطلاق المحرم " مثل أن يطلقها في الحيض أو يطلقها بعد أن يطأها ~~وقبل أن يبين حملها: فهذا الطلاق محرم باتفاق العلماء. وكذلك إذا طلقها ~~ثلاثا بكلمة أو كلمات في طهر واحد: فهو محرم عند جمهور العلماء. وتنازعوا ~~فيما يقع بها. فقيل: يقع بها الثلاث. وقيل: لا يقع بها إلا طلقة واحدة ms9482 وهذا ~~هو الأظهر الذي يدل عليه الكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه. وكذلك الطلاق ~~المحرم في الحيض وبعد الوطء: هل يلزم؟ فيه قولان للعلماء والأظهر أنه لا ~~يلزم كما لا يلزم النكاح المحرم والبيع المحرم. وقد ثبت في الصحيح عن {ابن ~~عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا ~~من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة} . وثبت أيضا في مسند أحمد: {أن ركانة بن ~~عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم هي ~~واحدة} ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذه السنة بل ما يخالفها ~~إما أنه ضعيف؛ بل مرجوح. وإما أنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك كما قد بسط ذلك ~~في موضعه. والله أعلم. # PageV33P071 # فصل: # الطلاق منه طلاق سنة أباحه الله تعالى وطلاق بدعة حرمه الله. فطلاق السنة ~~أن يطلقها طلقة واحدة إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها؛ أو يطلقها حاملا ~~قد تبين حملها. فإن طلقها وهي حائض أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين ~~حملها فهذا " طلاق محرم " بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وتنازع العلماء: ~~هل يلزم؟ أو لا يلزم؟ على " قولين ". والأظهر أنه لا يلزم. وإن طلقها ثلاثا ~~بكلمة أو بكلمات في طهر واحد قبل أن يراجعها مثل أن يقول: أنت طالق. ثلاثا. ~~أو أنت طالق ألف طلقة. أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق. ونحو ذلك من الكلام: ~~فهذا حرام عند جمهور العلماء من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ~~وأحمد وظاهر مذهبه. وكذلك لو طلقها ثلاثا قبل أن تنقضي عدتها: فهو أيضا ~~حرام عند الأكثرين وهو مذهب مالك وأحمد في ظاهر مذهبه. وأما " السنة " إذا ~~طلقها طلقة واحدة لم يطلقها الثانية حتى يراجعها في العدة أو يتزوجها بعقد ~~جديد بعد العدة فحينئذ له أن يطلقها الثانية # PageV33P072 # وكذلك الثالثة فإذا طلقها الثالثة كما أمر الله ورسوله حرمت عليه حتى ~~تنكح زوجا غيره. # وأما لو طلقها " الثلاث " طلاقا ms9483 محرما مثل أن يقول: لها أنت طالق ثلاثة ~~جملة واحدة: فهذا فيه قولان للعلماء " أحدهما " يلزمه الثلاث. و " الثاني " ~~لا يلزمه إلا طلقة واحدة وله أن يرتجعها في العدة وينكحها بعقد جديد بعد ~~العدة. وهذا قول كثير من السلف والخلف وهو قول طائفة من أصحاب مالك وأبي ~~حنيفة وأحمد ابن حنبل؛ وهذا أظهر القولين؛ لدلائل كثيرة: منها ما ثبت في ~~الصحيح عن {ابن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة} . ومنها ما رواه الإمام أحمد ~~وغيره بإسناد جيد عن ابن عباس: أن {ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في ~~مجلس واحد وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هي واحدة وردها ~~عليه} وهذا الحديث قد ثبته أحمد بن حنبل وغيره. وضعف أحمد وأبو عبيد وابن ~~حزم وغيرهم ما روي {أنه طلقها ألبتة وقد استحلفه ما أردت إلا واحدة؟} فإن ~~رواة هذا مجاهيل لا يعرف حفظهم وعدلهم؛ ورواة الأول معروفون بذلك. ولم ينقل ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد مقبول أن أحدا طلق امرأته ثلاثا ~~بكلمة واحدة فألزمه الثلاث؛ بل روي في ذلك أحاديث كلها كذب باتفاق أهل ~~العلم؛ ولكن جاء في أحاديث صحيحة: {أن فلانا طلق امرأته ثلاثا} . أي ثلاثا ~~متفرقة. وجاء {أن الملاعن طلق ثلاثا} وتلك امرأة لا سبيل له إلى رجعتها؛ بل ~~هي # PageV33P073 # محرمة عليه سواء طلقها أو لم يطلقها كما لو طلق المسلم امرأته إذا ارتدت ~~ثلاثا. وكما لو أسلمت امرأة اليهودي فطلقها ثلاثا؛ أو أسلم زوج المشركة ~~فطلقها ثلاثا. وإنما الطلاق الشرعي أن يطلق من يملك أن يرتجعها أو يتزوجها ~~بعقد جديد والله أعلم. ### | فصل: (*) # إذا حلف الرجل بالحرام # فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا. أو الحل علي حرام لا أفعل كذا أو ما ~~أحل الله علي حرام إن فعلت كذا. أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا. ~~أو نحو ذلك وله زوجة: ففي هذه المسألة ms9484 نزاع مشهور بين السلف والخلف؛ ولكن ~~القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق ولو قصد بذلك الحلف ~~بالطلاق. وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى ~~به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده. ولو قال: أنت علي كظهر أمي وقصد به ~~الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء وفي ذلك أنزل الله ~~القرآن؛ فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا والإيلاء طلاقا فرفع الله ذلك كله ~~وجعل في الظهار الكفارة الكبرى. وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة ~~أشهر: فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان. كذلك قال كثير من السلف والخلف: ~~إنه إذا كان مزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا وهذا مذهب ~~أحمد وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث PageV33P074 # في يمينه أجزأته الكفارة في مذهبه؛ لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار وسواء ~~حلف أو أوقع وهو المنقول عن أحمد. وقيل: بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين. ~~وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار. وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره. فالحالف ~~بالحرام يجزيه كفارة يمين كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا ~~فعلي الحج. أو مالي صدقة كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف ~~من الصحابة والتابعين؛ كذلك الحلف. بالطلاق يجزئ فيه أيضا كفارة يمين كما ~~أفتى به [جماعة] من السلف والخلف والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك؛ بل ~~معناه يوافقه. فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم ففيها كفارة يمين كما ~~دل عليه الكتاب والسنة. وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن ~~يظاهر: فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين. ~~والله سبحانه أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن طلق في الحيض والنفاس: هل يقع عليه الطلاق أم لا؟ # فأجاب: # أما قوله لها: أنت طالق ثلاثا وهي حائض فهي مبنية على أصلين " أحدهما " ~~أن الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة ms9485 والإجماع؛ فإنه # PageV33P075 # لا يعلم في تحريمه نزاع وهو طلاق بدعة. وأما " طلاق السنة " أن يطلقها في ~~طهر لا يمسها فيه أو يطلقها حاملا قد استبان حملها؛ فإن طلقها في الحيض؛ أو ~~بعد ما وطئها وقبل أن يستبين حملها له: فهو طلاق بدعة كما قال تعالى: {يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} . وفي الصحاح ~~والسنن والمسانيد: أن {ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر ~~الله أن يطلق فيها النساء} . وأما جمع " الطلقات الثلاث " ففيه قولان " ~~أحدهما " محرم أيضا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا ~~مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه واختاره أكثر أصحابه ~~وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق ~~المدخول بها - غير قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق ~~الطلاق على ثلاثة أطهار فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه " قولان " هما روايتان ~~عن أحمد " إحداهما " له ذلك وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة. " ~~والثانية " ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف # PageV33P076 # وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر ~~عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه. " والقول الثاني " أن جمع الثلاث ليس ~~بمحرم؛ بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد: ~~اختارها الخرقي. واحتجوا بأن {فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن ~~المغيرة ثلاثا وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا وبأن ### | الملاعن # طلق امرأته ثلاثا ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك} . وأجاب ~~الأكثرون بأن حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات هكذا ثبت ~~في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات؛ ms9486 لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا ~~مجتمعات. وقول الصحابي: طلق ثلاثا. يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات. بأن ~~يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها. وهذا طلاق سني واقع ~~باتفاق الأئمة. وهو المشهور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى ~~الطلاق ثلاثا. وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم إنما يقع قليلا؛ ~~فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق ولا يجوز أن ~~يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا؛ بل هذا قول بلا دليل؛ بل هو بخلاف ~~الدليل. وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة ~~التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكدا لموجب ~~اللعان # PageV33P077 # والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها؛ لا سيما والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد فرق بينهما فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها وإن ~~كان بعدها دل على بقاء النكاح. والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا ~~فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح ~~زوجا غيره وامتنع حينئذ أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما؛ لأنهما ~~صارا أجنبيين ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا. فيقال: ~~فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما؛ فلما فرق بينهما دل على بقاء ~~النكاح وأن الثلاث لم تقع جميعا؛ بخلاف ما إذا قيل إنه يقع بها واحدة رجعية ~~فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما. وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا. فأنفذه ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه احتاج إلى إنفاذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم واختصاص الملاعن بذلك ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم ~~يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ. فدل على أنه لما قصد الملاعن ~~بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم مقصوده؛ بل ~~زاده؛ فإن ms9487 تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق؛ إذ تحريم اللعان لا يزول وإن ~~نكحت زوجا غيره وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة. واستدل ~~الأكثرون بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي وإلا ~~الطلاق للعدة كما في قوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # PageV33P078 # فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} إلى قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا} {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} وهذا إنما يكون ~~في الرجعي. وقوله: {فطلقوهن لعدتهن} يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق ~~للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة. أي ~~لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم ~~تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين. فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم ~~فقد بينا فساده في موضع آخر؛ فإن هذا قول ضعيف؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام ~~إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم ~~طلقها ليطيل حبسها فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن حاجة إلى أن ~~يراجعها والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر كما جاءت ~~بذلك الآثار ودل على أنه كان مستقرا عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة ~~سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة؟ أو يقع ولا يستأنف له العدة؟ ~~وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة فلا يكون ~~طلاق إلا يتعقبه عدة؛ إذا كان بعد الدخول كما دل عليه القرآن فلزمه على ذلك ~~هذا القول الفاسد. وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه ~~يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيرا ~~فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في ~~العدة قبل الرجعة فلا # PageV33P079 # يكون جائزا فلم يكن ذلك طلاقا للعدة ولأنه قال: {فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} فخيره بين ms9488 الرجعة وبين أن يدعها تقضي ~~العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ~~ولم يسرح بإحسان. وقد قال تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فهذا يقتضي أن هذا حال كل مطلقة فلم يشرع إلا ~~هذا الطلاق ثم قال: {الطلاق مرتان} أي هذا الطلاق المذكور (مرتان. وإذا ~~قيل: سبح مرتين. أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول سبحان الله مرتين؛ بل لا بد ~~أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة ~~بعد مرة فإذا قال: أنت طالق ثلاثا. أو مرتين: لم يجز أن يقال: طلق ثلاث ~~مرات ولا مرتين؛ وإن جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين؛ ثم قال بعد ~~ذلك " {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فهذه الطلقة ~~الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: ~~{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} الآية. وهذا ~~إنما يكون فيما دون الثلاث وهو يعم كل طلاق فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع. ~~ودلائل تحريم الثلاث # PageV33P080 # كثيرة قوية: من الكتاب والسنة؛ والآثار والاعتبار كما هو مبسوط في موضعه. ~~وسبب ذلك أن " الأصل في الطلاق الحظر " وإنما أبيح منه قدر الحاجة كما ثبت ~~في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن إبليس ينصب عرشه على ~~البحر ويبعث سراياه: فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ~~ما زلت به حتى فعل كذا؛ حتى يأتيه الشيطان فيقول: مازلت به حتى فرقت بينه ~~وبين امرأته؛ فيدنيه منه؛ ويقول: أنت أنت ويلتزمه} وقد قال تعالى في ذم ~~السحر: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} وفي السنن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات} وفي السنن ~~أيضا عن النبي صلى الله عليه ms9489 وسلم أنه قال: {أيما امرأة سألت زوجها الطلاق ~~من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة} ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات وحرمت ~~عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره وإذا كان إنما أبيح للحاجة ~~فالحاجة تندفع بواحدة فما زاد فهو باق على الحظر. # " الأصل الثاني " أن الطلاق المحرم الذي يسمى " طلاق البدعة " إذا أوقعه ~~الإنسان هل يقع أم لا؟ فيه نزاع بين السلف والخلف. والأكثرون يقولون بوقوعه ~~مع القول بتحريمه. وقال آخرون: لا يقع. مثل طاووس وعكرمة وخلاس وعمر ومحمد ~~بن إسحاق وحجاج بن أرطاة وأهل الظاهر: # PageV33P081 # كداود وأصحابه. وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد ويروى عن أبي جعفر ~~الباقر وجعفر بن محمد الصادق وغيرهما من أهل البيت وهو قول أهل الظاهر: ~~داود وأصحابه؛ لكن منهم من لا يقول بتحريم الثلاث. ومن أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع مجموع الثلاث إذا أوقعها جميعا؛ بل يقع منها ~~واحدة ولم يعرف قوله في طلاق الحائض؛ ولكن وقوع الطلاق جميعا قول طوائف من ~~أهل الكلام والشيعة. ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول: إذا أوقع الثلاث جملة لم ~~يقع به شيء أصلا؛ لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان وطوائف من أهل الكلام والشيعة؛ لكن ابن حزم من ~~الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث؛ فلذا يوقعها وجمهورهم على تحريمها ~~وأنه لا يقع إلا واحدة. ومنهم من عرف قوله في الثلاث ولم يعرف قوله في ~~الطلاق في الحيض كمن ينقل عنه من أصحاب أبي حنيفة ومالك. وابن عمر روي عنه ~~من وجهين أنه لا يقع. وروي عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت: أنه يقع. وروي ذلك ~~عن زيد. وأما " جمع الثلاث " فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة: روي الوقوع ~~فيها عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة. وعمران ~~بن حصين وغيرهم. وروي عدم الوقوع فيها عن أبي بكر وعن عمر صدرا من خلافته ~~وعن علي بن أبي طالب وابن ms9490 مسعود وابن عباس أيضا وعن الزبير وعبد الرحمن بن ~~عوف. رضي الله عنهم أجمعين. # PageV33P082 # قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذي سماه " المقنع في أصول ~~الوثائق. وبيان ما في ذلك من الدقائق ": وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا في ~~كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه ~~مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما ~~يلزمه طلقة واحدة وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما وذلك لأن قوله: " ثلاثا ~~" لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات؛ لأنه إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: ~~طلقت ثلاث مرات يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت منه فذلك ~~يصح. ولو طلقها مرة واحدة فقال: طلقتها ثلاث مرات لكان كاذبا وكذلك لو حلف ~~بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان وأما لو حلف بالله فقال: أحلف ~~بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله. قال: ومثل ذلك قال ~~الزبير ابن العوام وعبد الرحمن بن عوف. روينا ذلك كله عن ابن وضاح يعني ~~الإمام محمد بن وضاح الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة ويحيى ~~بن معين وسحنون بن سعيد وطبقتهم. قال: وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ ~~هدى ومحمد بن عبد السلام الحسيني فقيه عصره وابن بقي بن مخلد وأصبغ ابن ~~الحباب وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة وذكر هذا عن بضعة عشر فقيها من فقهاء ~~طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس. قلت: وقد ذكره التلمساني رواية عن ~~مالك وهو قول محمد بن مقاتل الرازي من أئمة الحنفية حكاه عن المازني وغيره ~~وقد ذكر هذا رواية عن # PageV33P083 # مالك وكان يفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية وهو وغيره ~~يحتجون بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود وغيرهما عن طاووس عن ~~{ابن عباس أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ms9491 ~~بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد ~~استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؛ فأمضاه عليهم} . وفي ~~رواية: أن {أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك. ~~فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم وأجازه} . والذين ~~ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة وكذلك كل حديث فيه: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة. أو أن أحدا في زمنه أوقعها ~~جملة فألزمه بذلك} مثل حديث يروى عن علي وآخر عن عبادة بن الصامت وآخر عن ~~الحسن عن ابن عمر وغير ذلك فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل ~~هي موضوعة ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنها موضوعة كما هو مبسوط في موضعه. ~~وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا: ثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى بلزوم ~~الثلاث. # PageV33P084 # وجواب المستدلين أن ابن عباس روي عنه من طريق عكرمة أيضا أنه كان يجعلها ~~واحدة؛ وثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاووس مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وموقوفا على ابن عباس؛ ولم يثبت خلاف ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فالمرفوع {أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ فردها عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم} قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا سعيد بن إبراهيم؛ ~~حدثنا أبي؛ عن ابن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس؛ ~~قال: {طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد؛ ~~فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف ~~طلقتها؟ قال: فقال: طلقتها ثلاثا قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال. فإنها ~~تلك واحدة فارجعها إن شئت قال فراجعها؛} وكان ابن عباس يقول: إنما الطلاق ~~عند كل طهر. قلت وهذا الحديث قال ms9492 فيه ابن إسحاق حدثني داود؛ وداود من شيوخ ~~مالك ورجال البخاري؛ وابن إسحاق إذا قال. حدثني. فهو ثقة عند أهل الحديث. ~~وهذا إسناد جيد؛ وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود في السنن؛ ولم يذكر أبو ~~داود هذا الطريق الجيد؛ فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا أصح؛ وليس الأمر ~~كما قاله بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك؛ وهو كما قال أحمد. وقد ~~بسطنا الكلام على ذلك في موضع آخر. # PageV33P085 # وهذا المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من وجهين وهو رواية عكرمة عن ابن ~~عباس من وجهين عن عكرمة وهو أثبت من {رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن ~~ركانة ونافع بن عجير: أنه طلقها ألبتة وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استحلفه فقال: ما أردت إلا واحدة؟} فإن هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم ~~وليسوا فقهاء وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم. وقال ~~أحمد بن حنبل: حديث ركانة في ألبتة ليس بشيء. وقال أيضا: حديث ركانة لا ~~يثبت أنه طلق امرأته ألبتة لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة ~~عن ابن عباس {أن ركانة طلق امرأته ثلاثا} وأهل المدينة يسمون " ثلاثا " ~~ألبتة. فقد استدل أحمد على بطلان حديث ألبتة بهذا الحديث الآخر الذي فيه ~~أنه طلقها ثلاثا وبين أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق ألبتة وهذا ~~يدل على ثبوت الحديث عنده وقد بينه غيره من الحفاظ وهذا الإسناد وهو قول ~~ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: هو إسناد ثابت عند ~~أحمد وغيره من العلماء. وبهذا الإسناد روي: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رد ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول} وصحح ذلك أحمد وغيره من العلماء. ~~وابن إسحاق إذا قال: حدثني فحديثه صحيح عند أهل الحديث إنما يخاف عليه ~~التدليس إذا عنعن وقد روى أبو داود في سننه هذا عن ابن عباس من وجه آخر ~~وكلاهما يوافق حديث طاووس عنه وأحمد ms9493 كان يعارض حديث طاووس بحديث فاطمة بنت ~~قيس: أن زوجها طلقها ثلاثا ونحوه. # PageV33P086 # وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا ثم رجع أحمد عن ذلك وقال تدبرت القرآن ~~فوجدت الطلاق الذي فيه هو الرجعي. أو كما قال. واستقر مذهبه على ذلك وعليه ~~جمهور أصحابه وتبين من حديث فاطمة أنها كانت مطلقة ثلاثا متفرقات؛ لا ~~مجموعة وقد ثبت عنده حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من جمع ثلاثا ~~لم يلزمه إلا واحدة. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك؛ بل ~~القرآن يوافق ذلك والنهي عنده يقتضي الفساد. فهذه النصوص والأصول الثابتة ~~عنه تقتضي من مذهبه أنه لا يلزمه إلا واحدة وعدوله عن القول بحديث ركانة ~~وغيره كان أولا لما عارض ذلك عنده من جواز جمع الثلاث؛ فكان ذلك يدل على ~~النسخ؛ ثم إنه رجع عن المعارضة وتبين له فساد هذا المعارض. وأن جمع الثلاث ~~لا يجوز: فوجب على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض وليس يعل حديث ~~طاووس بفتيا ابن عباس بخلافه؛ وهذا علمه في إحدى الروايتين عنه؛ ولكن ظاهر ~~مذهبه الذي عليه أصحابه أن ذلك لا يقدح في العمل بالحديث لا سيما وقد بين ~~ابن عباس عذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإلزام. بالثلاث. وابن عباس ~~عذره هو العذر الذي ذكره عن عمر رضي الله عنه وهو أن الناس لما تتابعوا ~~فيما حرم الله عليهم استحقوا العقوبة على ذلك فعوقبوا بلزومه؛ بخلاف ما ~~كانوا عليه قبل ذلك؛ فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم. # PageV33P087 # وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب فيها ~~ثمانين وينفي فيها ويحلق الرأس؛ ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكما قاتل علي بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتفريق بين الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به أحيانا: إما مع ~~بقاء النكاح وإما بدونه. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الثلاثة الذين ~~خلفوا وبين ms9494 نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق والمطلق ثلاثا حرمت عليه ~~امرأته حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق وعمر بن الخطاب ومن ~~وافقه كمالك وأحمد في إحدى الروايتين حرموا المنكوحة في العدة على الناكح ~~أبدا؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده والحكمان لهما عند أكثر ~~السلف أن يفرقا بينهما بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالما معتديا؛ لما في ذلك من ~~منعه من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار وهو ~~قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وإلزام عمر بالثلاث لما ~~أكثروا منه: إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة وإما أن يكون رآه ~~شرعا لازما؛ لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا ~~قليلا: وهكذا كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعة: هل كان نهي اختيار ~~لأن إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة كان أفضل من التمتع؟ أو كان قد نهى عن ~~الفسخ؛ لاعتقاده أنه كان مخصوصا بالصحابة؟ وعلى التقديرين فالصحابة قد # PageV33P088 # نازعوه في ذلك وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم: في المتعة ~~وفي الإلزام بالثلاث. وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ~~والرسول كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى ونازعه في ~~ذلك كثير من الصحابة وأكثر العلماء على قولهم. وكان هو وابن مسعود يريان أن ~~الجنب لا يتيمم وخالفهما عمار وأبو موسى وابن عباس وغيرهم من الصحابة وأطبق ~~العلماء على قول هؤلاء؛ لما كان معهم الكتاب والسنة. والكلام على هذا كثير ~~مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به. والذين لا ~~يرون الطلاق المحرم لازما يقولون: هذا هو الأصل الذي عليه أئمة الفقهاء: ~~كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وهو: أن إيقاعات العقود المحرمة لا تقع ~~لازمة: كالبيع المحرم والنكاح المحرم والكتابة المحرمة ولهذا أبطلوا نكاح ~~الشغار ونكاح المحلل وأبطل مالك وأحمد البيع يوم الجمعة عند النداء؛ وهذا ~~بخلاف الظهار ms9495 المحرم فإن ذلك نفسه محرم؛ كما يحرم القذف وشهادة الزور ~~واليمين الغموس وسائر الأقوال التي هي نفسها محرمة: فهذا لا يمكن أن ينقسم ~~إلى صحيح وغير صحيح؛ بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال فعوقب المظاهر ~~بالكفارة ولم يحصل ما قصده به من الطلاق؛ فإنهم كانوا يقصدون به الطلاق وهو ~~موجب لفظه؛ فأبطل الشارع ذلك لأنه قول محرم؛ وأوجب فيه الكفارة. أما الطلاق ~~فجنسه مشروع: كالنكاح والبيع؛ فهو يحل تارة ويحرم تارة # PageV33P089 # فينقسم إلى صحيح وفاسد كما ينقسم البيع والنكاح. والنهي في هذا الجنس ~~يقتضي فساد المنهي عنه ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فأبطل الشارع ~~ذلك؛ لأنه قول محرم: كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق وإلا ~~فهم كانوا يقصدون الطلاق بلفظ الظهار؛ كلفظ الحرام وهذا قياس أصل الأئمة: ~~مالك؛ والشافعي وأحمد. ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوه لما ~~بلغهم من الآثار. فلما ثبت عندهم عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التي ~~طلق امرأته وهي حائض قالوا: هم أعلم بقصته فاتبعوه في ذلك. ومن نازعهم ~~يقول: مازال ابن عمر وغيره يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها؛ ~~فإن الاعتبار بما رووه؛ لا بما رأوه وفهموه. وقد ترك جمهور العلماء قول ابن ~~عمر الذي فسر به قوله: " فاقدروا له " وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره ~~لحديث {البيعين بالخيار} مع أن قوله هو ظاهر الحديث. وترك جمهور العلماء ~~تفسيره لقوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} . وقوله نزلت هذه الآية في كذا. ~~وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن ~~عباس: أن بيع الأمة طلاقها؛ مع أنه روى حديث {بريرة وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خيرها بعد أن بيعت وعتقت} فإن الاعتبار بما رووه لا ما رأوه ~~وفهموه. # PageV33P090 # ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم ألزموا بالثلاث المجموعة قالوا: لا ~~يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع؛ واعتقد طائفة لزوم هذا الطلاق وأن ذلك ~~إجماع؛ لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا؛ لا ms9496 سيما وصار القول بذلك معروفا عن ~~الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق. قال المستدلون: هؤلاء الذين هم ~~بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام يقولون جامع الثلاث لا يقع به شيء: هذا ~~القول لا يعرف عن أحد من السلف؛ بل قد تقدم الإجماع على بعضه؛ وإنما الكلام ~~هل يلزمه واحدة؟ أو يقع ثلاث؟ والنزاع بين السلف في ذلك ثابت لا يمكن رفعه؛ ~~وليس مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها: من كتاب ولا سنة ولا ~~إجماع وإن كان بعضهم قد احتج على هذا بالكتاب وبعضهم بالسنة وبعضهم ~~بالإجماع؛ وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر من ذلك؛ لكن المنازع يبين أن هذه ~~كلها حجج ضعيفة وأن الكتاب والسنة والاعتبار إنما تدل على نفي اللزوم وتبين ~~أنه لا إجماع في المسألة؛ بل الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن ~~الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مما شرعه النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأمته شرعا لازما كما شرع تحريم المرأة بعد الطلقة الثالثة؛ بل كانوا ~~مجتهدين في العقوبة بإلزام ذلك إذا كثر ولم ينته الناس عنه. # PageV33P091 # وقد ذكرت الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث لمن ~~عصى الله بإيقاعها جملة فأما من كان يتقي الله فإن الله يقول: {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب} فمن لا يعلم التحريم حتى ~~أوقعها ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم: فهذا لا ~~يستحق أن يعاقب؛ وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس: ~~ما يوجب لزوم الثلاث له ونكاحه ثابت بيقين وامرأته محرمة على الغير بيقين ~~وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إلى ### | نكاح التحليل # الذي حرمه الله ورسوله. و " نكاح التحليل " لم يكن ظاهرا على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه. ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة ~~الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل؛ بل {لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم المحلل ms9497 والمحلل له} و {لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه} ولم يذكر ~~في التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الولي؛ لأن التحليل الذي كان يفعل كان ~~مكتوما بقصد المحلل أو يتواطأ عليه هو والمطلق المحلل له. والمرأة ووليها ~~لا يعلمون قصده ولو علموا لم يرضوا أن يزوجوه؛ فإنه من أعظم المستقبحات ~~والمنكرات عند الناس؛ ولأن عاداتهم لم تكن بكتابة الصداق في كتاب ولا إشهاد ~~عليه؛ بل كانوا يتزوجون ويعلنون النكاح ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين ~~وقت العقد كما هو # PageV33P092 # مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ وليس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الإشهاد على النكاح حديث صحيح. هكذا قال أحمد بن حنبل وغيره. فلما ~~لم يكن على عهد عمر رضي الله عنه تحليل ظاهر ورأي في إنفاذ الثلاث زجرا لهم ~~عن المحرم: فعل ذلك باجتهاده. أما إذا كان الفاعل لا يستحق العقوبة وإنفاذ ~~الثلاث يفضي إلى وقوع التحليل المحرم - بالنص وإجماع الصحابة - والاعتقاد ~~وغير ذلك من المفاسد لم يجز أن يزال مفسدة حقيقية بمفاسد أغلظ منها؛ بل جعل ~~الثلاث واحدة في مثل هذا الحال كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر أولى؛ ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون ~~بلزوم الثلاث في حال دون حال كما نقل عن الصحابة. وهذا: إما لكونهم رأوه من ~~" باب التعزير " الذي يجوز فعله بحسب الحاجة؛ كالزيادة على أربعين في الخمر ~~والنفي فيه وحلق الرأس. وإما لاختلاف اجتهادهم: فرأوه تارة لازما. وتارة ~~غير لازم. وبالجملة فما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته " شرعا لازما ~~" إنما لا يمكن تغييره لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا؛ لا سيما الصحابة؛ لا ~~سيما الخلفاء الراشدون؛ وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال: ~~كالرافضة والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه ولو قدر أن أحدا ~~فعل ذلك # PageV33P093 # لم يقره المسلمون على ذلك؛ فإن هذا ms9498 إقرار على أعظم المنكرات والأمة ~~معصومة أن تجتمع على مثل ذلك وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل ~~الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به ~~نصوص الكتاب والسنة وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل ~~على نص ناسخ فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخا فإن كانوا ~~أرادوا ذلك فهذا قول يجوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى ~~من: أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة؛ ويحلوا ما ~~رأوا تحليله مصلحة وليس هذا دين المسلمين ولا كان الصحابة يسوغون ذلك ~~لأنفسهم. ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما ~~يستتاب أمثاله؛ ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران ~~ويخطئ فيكون له أجر واحد. # وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم " شرعا معلقا بسبب " إنما يكون مشروعا ~~عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة. وبعض ~~الناس ظن أن هذا نسخ لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا الظن غلط؛ ولكن عمر استغنى في زمنه عن ~~إعطاء المؤلفة قلوبهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه؛ لا لنسخه كما لو فرض أنه ~~عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك. # PageV33P094 # و " متعة الحج " قد روي عن عمر أنه نهى عنها وكان ابنه عبد الله ابن عمر ~~وغيره يقولون: لم يحرمها؛ وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل وهو أن يعتمر ~~أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج؛ فإن هذه العمرة أفضل من عمرة ~~المتمتع والقارن باتفاق الأئمة حتى إن مذهب أبي حنيفة وأحمد منصوص عنه: أنه ~~إذا اعتمر في غير أشهر الحج وأفرد الحج في أشهره: فهذا أفضل من مجرد التمتع ~~والقران؛ مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد. ومن الناس من قال: إن عمر ~~أراد فسخ الحج إلى العمرة. قالوا إن هذا محرم به ms9499 لا يجوز وأن ما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الفسخ كان خاصا بهم وهذا قول كثير من ~~الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي. وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا ~~وقالوا: بل الفسخ واجب ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعا: مبتدئا أو فاسخا ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع وهذا قول ابن عباس ~~وأصحابه ومن اتبعه من أهل الظاهر والشيعة. و " القول الثالث ": أن الفسخ ~~جائز وهو أفضل. ويجوز أن لا يفسخ وهو قول كثير من السلف والخلف: كأحمد بن ~~حنبل وغيره من فقهاء الحديث؛ ولا يمكن الإنسان أن يحج حجة مجمعا عليها إلا ~~أن يحج متمتعا ابتداء من غير فسخ. فأما حج المفرد والقارن: ففيه نزاع معروف ~~بين السلف والخلف كما تنازعوا في جواز الصوم في السفر وجواز الإتمام في ~~السفر ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة. # PageV33P095 # وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة: كعمران بن حصين وعلي بن ~~أبي طالب وعبد الله بن عباس وغيرهم؛ بخلاف نهيه عن متعة النساء فإن عليا ~~وسائر الصحابة وافقوه على ذلك وأنكر علي على ابن عباس إباحة المتعة قال: ~~إنك امرؤ تائه؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء وحرم لحوم ~~الحمر الأهلية عام خيبر فأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباس إباحة الحمر ~~وإباحة متعة النساء؛ لأن ابن عباس كان يبيح هذا وهذا فأنكر عليه علي ذلك ~~وذكر له {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة وحرم الحمر الأهلية} ~~ويوم خيبر كان تحريم الحمر الأهلية. وأما تحريم المتعة فإنه عام فتح مكة ~~كما ثبت ذلك في الصحيح. وظن بعض الناس أنها حرمت؛ ثم أبيحت ثم حرمت. فظن ~~بعضهم أن ذلك ثلاثا؛ وليس الأمر كذلك فقول عمر بن الخطاب: إن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أنفذناه عليهم فأنفذه عليهم: هو ~~بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن ينفذ ms9500 عليهم الثلاث فهذا إما أن ~~يكون كالنهي عن متعة الفسخ؛ لكون ذلك كان ذلك مخصوصا بالصحابة وهو باطل؛ ~~فإن هذا كان على عهد أبي بكر ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك. ~~وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة النساء. وإن قدر أن عمر ~~رأى ذلك لازما فهو اجتهاد منه اجتهده في المنع من فسخ الحج؛ لظنه أن ذلك ~~كان خاصا # PageV33P096 # وهذا قول مرجوح قد أنكره غير واحد من الصحابة والحجة الثانية هي مع من ~~أنكره. وهكذا الإلزام بالثلاث. من جعل قول عمر فيه شرعا لازما. قيل له: ~~فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. وإما ~~أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة وهذا أشبه الأمرين بعمر ثم ~~العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من " وجهين " من جهة أن العقوبة بذلك: هل ~~تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره كتحريق ~~علي الزنادقة بالنار؛ وقد أنكره عليه ابن عباس وجمهور الفقهاء مع ابن عباس. ~~ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها فمن كان من (المتقين استحق أن ~~يجعل الله له فرجا ومخرجا لم يستحق العقوبة. ومن لم يعلم أن جمع الثلاث ~~محرم فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلا طلاقا سنيا. ~~فإنه من (المتقين في باب الطلاق. فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة؛ ~~بل يلزم بواحدة منها. وهذه المسائل عظيمة. وقد بسطنا الكلام عليها في موضع ~~آخر من مجلدين؛ وإنما نبهنا عليها هاهنا تنبيها لطيفا. والذي يحمل عليه ~~أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله ~~بحسب (الحاجة: كالزيادة على أربعين في الخمر. # PageV33P097 # وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما وتارة غير لازم. وأما القول بكون لزوم ~~الثلاث شرعا لازما كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي. ms9501 وعلى هذا ~~القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته؛ ولا يلزم شيء ~~لكونها كانت حائضا إذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة. # فصل: # وأما " الطلاق في الحيض " فمنشأ النزاع في وقوعه: أن {النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب لما أخبره أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي ~~حائض: مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر} فمن العلماء من فهم ~~من قوله: " فليراجعها " أنها رجعة المطلقة. وبنوا على هذا أن المطلقة في ~~الحيض يؤمر برجعتها مع وقوع الطلاق. وهل هو أمر استحباب؟ أو أمر إيجاب؟ على ~~" قولين " هما روايتان عن أحمد. والاستحباب مذهب أبي حنيفة والشافعي. ~~والوجوب مذهب مالك. وهل يطلقها في الطهر الأول الذي يلي حيضة الطلاق؟ أو لا ~~يطلقها إلا في طهر من حيضة ثانية؟ على " قولين " أيضا هما روايتان عن أحمد ~~ووجهان في قول أبي حنيفة. وهل عليه أن يطأها قبل الطلاق الثاني؟ جمهورهم لا ~~يوجبه. ومنهم من يوجبه وهو وجه في مذهب أحمد؛ وهو قوي على قياس قول من يوقع ~~الطلاق؛ لكنه ضعيف في الدليل. # PageV33P098 # وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض: هل هو تطويل العدة كما يقوله أصحاب ~~مالك والشافعي وأكثر أصحاب أحمد؟ أو لكونه حال الزهد في وطئها فلا تطلق إلا ~~في حال رغبة في الوطء؛ لكون الطلاق ممنوعا لا يباح إلا لحاجة كما يقول ~~أصحاب أبي حنيفة وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟ أو هو تعبد لا يعقل معناه كما ~~يقوله بعض المالكية؟ على ثلاثة أقوال ومن العلماء من قال: قوله: {مره ~~فليراجعها} لا يستلزم وقوع الطلاق بل لما طلقها طلاقا محرما حصل منه إعراض ~~عنها ومجانبة لها؛ لظنه وقوع الطلاق فأمره أن يردها إلى ما كانت كما قال في ~~الحديث الصحيح {لمن باع صاعا بصاعين: هذا هو الربا فرده} وفي الصحيح عن ~~عمران بن حصين أن {رجلا أعتق ستة مملوكين فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين ورد أربعة للرق} وفي ms9502 السنن عن ابن عباس {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رد زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول} فهذا رد ~~لها. {وأمر علي بن أبي طالب أن يرد الغلام الذي باعه دون أخيه} . {وأمر ~~بشيرا أن يرد الغلام الذي وهبه لابنه} . ونظائر هذا كثيرة. ولفظ ### | " المراجعة " # يدل على العود إلى الحال الأول. ثم قد يكون ذلك بعقد جديد كما في قوله ~~تعالى {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} وقد يكون برجوع بدن كل منهما ~~إلى صاحبه وإن لم يحصل هناك طلاق كما # PageV33P099 # إذا أخرج الزوجة أو الأمة من داره فقيل له: راجعها. فأرجعها كما في حديث ~~علي: حين راجع الأمر بالمعروف. وفي كتاب عمر لأبي موسى: وأن تراجع الحق فإن ~~الحق قديم. واستعمال لفظ " المراجعة " يقتضي المفاعلة. والرجعة من الطلاق ~~يستقل بها الزوج بمجرد كلامه فلا يكاد يستعمل فيها لفظ المراجعة؛ بخلاف ما ~~إذا رد بدن المرأة إليه فرجعت باختيارها فإنهما قد تراجعا كما يتراجعان ~~بالعقد باختيارهما بعد أن تنكح زوجا غيره. وألفاظ الرجعة من الطلاق: هي ~~الرد والإمساك. وتستعمل في استدامة النكاح: كقوله تعالى: {وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} ولم يكن هناك طلاق وقال تعالى: ~~{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} والمراد به الرجعة بعد ~~الطلاق. والرجعة يستقل بها الزوج ويؤمر فيها بالإشهاد. والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمر ابن عمر بالإشهاد وقال: " مره فليراجعها " ولم يقل: ~~ليرتجعها " وأيضا " فلو كان الطلاق قد وقع: كان ارتجاعها ليطلقها في الطهر ~~الأول أو الثاني زيادة وضررا عليها وزيادة في الطلاق المكروه فليس في ذلك ~~مصلحة لا له ولا لها؛ بل فيه إن كان الطلاق قد وقع بارتجاعه ليطلق مرة ~~ثانية زيادة ضرر وهو لم يمنعه عن الطلاق؛ بل أباحه له في استقبال # PageV33P100 # الطهر مع كونه مريدا له؛ فعلم أنه إنما أمره أن يمسحها وأن يؤخر الطلاق ~~إلى الوقت الذي يباح فيه كما يؤمر من فعل شيئا قبل وقته أن يرد ما فعل ms9503 ~~ويفعله إن شاء في وقته. لقوله صلى الله عليه وسلم {من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد} والطلاق المحرم ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود. وأمره ~~بتأخير الطلاق إلى الطهر الثاني ليتمكن من الوطء في الطهر الأول فإنه لو ~~طلقها فيه لم يجز أن يطلقها إلا قبل الوطء فلم يكن في أمره بإمساكها إليه ~~إلا بزيادة ضرر عليها إذا طلقها في الطهر الأول. " وأيضا " فإن ذلك معاقبة ~~له على أن يعمل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده. وبسط الكلام في هذه المسألة ~~واستيفاء كلام الطائفتين له موضع آخر. وإنما المقصود هنا التنبيه على ~~الأقوال ومأخذها. لا ريب أن الأصل بقاء النكاح ولا يقوم دليل شرعي على ~~زواله بالطلاق المحرم؛ بل النصوص والأصول تقتضي خلاف ذلك. والله أعلم. # PageV33P101 ### | باب طلاق السكران ونحوه # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن " السكران غائب العقل " هل يحنث إذا حلف بالطلاق أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسالة فيها " قولان " للعلماء، أصحهما أنه ~~لا يقع طلاقه فلا تنعقد يمين السكران ولا يقع به طلاق إذا طلق وهذا ثابت عن ~~أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ ولم يثبت عن الصحابة خلافه فيما أعلم وهو قول ~~كثير من السلف والخلف: كعمر بن عبد العزيز وغيره وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد: اختارها طائفة من أصحابه وهو القول القديم للشافعي واختاره طائفة من ~~أصحابه وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة: كالطحاوي. وهو مذهب غير هؤلاء. ~~وهذا القول هو الصواب؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن {ماعز بن مالك لما جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه زنى: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يستنكهوه} ليعلموا هل هو سكران؟ أم لا؟ فإن كان سكران لم يصح إقراره؛ وإذا ~~لم يصح إقراره علم أن أقواله باطلة كأقوال المجنون؛ ولأن # PageV33P102 # السكران وإن كان عاصيا في الشرب فهو لا يعلم ما يقول وإذا لم يعلم ما ~~يقول لم يكن له قصد صحيح {وإنما الأعمال بالنيات} . وصار هذا ms9504 كما لو تناول ~~شيئا محرما جعله مجنونا؛ فإن جنونه وإن حصل بمعصية فلا يصح طلاقه ولا غير ~~ذلك من أقواله. ومن تأمل أصول الشريعة ومقاصدها تبين له أن هذا القول هو ~~الصواب وأن إيقاع الطلاق بالسكران قول ليس له حجة صحيحة يعتمد عليها؛ ولهذا ~~كان كثير من محققي مذهب مالك والشافعي كأبي الوليد الباجي وأبي المعالي ~~الجويني - يجعلون الشرائع في النشوان فأما الذي علم أنه لا يدري ما يقول ~~فلا يقع به طلاق بلا ريب. والصحيح أنه لا يقع الطلاق إلا ممن يعلم ما يقول ~~كما أنه لا تصح صلاته في هذه الحالة ومن لا تصح صلاته لا يقع طلاقه وقد ~~قال: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " تصرفات السكران ". # قد تنازع الناس فيه قديما وحديثا وفيه النزاع في مذهب أحمد وغيره وكثير ~~من أجوبة أحمد فيه كان التوقف. والأقوال الواقعة في مذهب أحمد وغيره: القول ~~بصحة تصرفاته مطلقا: أقواله وأفعاله. والقول بفسادها مطلقا. والفرق بين ~~أقواله وأفعاله. والفرق بين الحدود وغيرها. والفرق # PageV33P103 # بين ما له وما عليه. وما ينفرد به وما لا ينفرد به. وهذا التنازع موجود ~~في مذهب أحمد وغيره. ثم تنازعوا فيمن زال عقله بغير سكر " كالبنج " هل يلحق ~~بالسكران؟ أو المجنون؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره وكل من أصحاب أحمد ~~يتمسك في ذلك بشيء من كلامه؛ وليس عنه رواية ووجها؛ بل روايتان متأولتان. ~~وتنازعوا فيمن " أكره على شرب الخمر " هل يأثم بذلك؟ على وجهين. ومن أصحاب ~~أحمد كالخلال: من ينصر أنه لا يقع عليه طلاقه. ومنهم كالقاضي من ينصر وقوع ~~طلاقه. والذين أوقعوا طلاقه لهم " ثلاثة. مآخذ " " أحدها " أن ذلك عقوبة ~~له. وصاحب هذا قد يفرق بين الحدود وغيرها وهذا ضعيف؛ فإن الشريعة لم تعاقب ~~أحدا بهذا الجنس من إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه؛ ولأن في هذا من الضرر على ~~زوجته البريئة وغيرها ما لا يجوز؛ فإنه لا يجوز أن يعاقب الشخص بذنب غيره؛ ~~ولأن ms9505 السكران عقوبته ما جاءت به الشريعة من الجلد ونحوه فعقوبته بغير ذلك ~~تغيير لحدود الشريعة؛ ولأن الصحابة إنما عاقبته بما السكر مظنته؛ وهو ~~الهذيان والافتراء # PageV33P104 # في القول: على أنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون. فبين ~~أن إقدامه على السكر الذي هو مظنة الافتراء يلحقه بالمقدم على الافتراء؛ ~~إقامة لمظنة الحكمة مقام الحقيقة؛ لأن الحكمة هنا خفية مستترة؛ لأنه قد لا ~~يعلم افتراؤه ولا متى يفتري ولا على من يفتري؛ كما أن المضطجع يحدث ولا ~~يدري هل هو أحدث أم لا فقام النوم مقام الحدث. فهذا فقه معروف فلو كانت ~~تصرفاته من هذا الجنس: لكان ينبغي أن تطلق امرأته سواء طلق أو لم يطلق كما ~~يحد حد المفتري سواء افترى أو لم يفتر. وهذا لا يقوله أحد. " المأخذ الثاني ~~" أنه لا يعلم زوال عقله إلا بقوله وهو فاسق بشربه فلا يقبل قوله في عدم ~~العقل والسكر. وحقيقة هذا القول أنه لا يقع الطلاق في الباطن؛ ولكن في ~~الظاهر لا يقبل دعوى المسقط. ومن قال بهذا قد يفرق بين ما ينفرد به. " ~~المأخذ الثالث " وهو مأخذ الأئمة منصوصا عنهم: الشافعي وأحمد: أن حكم ~~التكليف جار عليه؛ ليس كالمجنون المرفوع عنه القلم ولا النائم. وذلك أن ~~القلم مرفوع عن المجنون والسكران معاقب كما ذكره الصحابة. وليس مأخذ أجود ~~من هذا. وكذلك قال أحمد: ما قيل فيه أحسن من هذا. وهذا ضعيف أيضا فإنه إن ~~أريد أنه وقت السكر يؤمر وينهى فهذا باطل؛ فإن من # PageV33P105 # لا عقل له ولا يفهم الخطاب لم يدر بشرع ولا غيره على أنه يؤمر وينهى؛ بل ~~أدلة الشرع والعقل تنفي أن يخاطب مثل هذا. وإن أريد أنه قد يؤاخذ بما يفعله ~~في سكره: فهذا صحيح في الجملة؛ لكن هذا لأنه خوطب في صحوه بأن لا يشرب ~~الخمر الذي يقتضي تلك الجنايات فإذا فعل المنهي عنه لم يكن معذورا فيما ~~فعله من المحرم كما قلت في سكر الأحوال الباطنة: إذا كان سبب السكر محذورا ~~لم يكن ms9506 السكران معذورا. هذا الذي قلته قد يقتضي أنه في الحدود كالصاحي وهذا ~~قريب. وأنا إنما تكلمت على تصرفاته: صحتها وفسادها. وأما قوله تعالى {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فهو نهي لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة ~~أو نهي لهم عن الشرب قريب الصلاة أو نهي لمن يدب فيه أوائل النشوة. وأما في ~~حال السكر فلا يخاطب بحال. والدليل على أنه لا تصح تصرفاته وجوه: # " أحدها " حديث جابر بن سمرة الذي في صحيح مسلم لما {أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم باستنكاه ماعز بن مالك} . # " الثاني " أن عبادته كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع؛ فإن الله نهى عن ~~قرب الصلاة مع السكر حتى يعلم ما يقوله واتفق الناس على هذا؛ بخلاف الشارب ~~غير السكران فإن عبادته تصح بشروطها ومعلوم أن صلاته إنما لم تصح لأنه لم ~~يعلم ما يقول؛ كما دل عليه القرآن. فنقول: كل من بطلت # PageV33P106 # عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى كالنائم والمجنون ونحوهما فإنه ~~قد تصح عبادات من لا يصح تصرفه؛ لنقص عقله: كالصبي والمحجور عليه لسفه. " ~~الثالث " أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل. فمن لا ~~تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد ~~لها سائر الجسد ألا وهي القلب} فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ~~ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي. أو إثبات ملك أو إزالته. وهذا معلوم ~~بالعقل مع تقرير الشارع له. " والرابع " أن العقود وغيرها من التصرفات ~~مشروطة بالقصود. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات} ~~وقد قررت هذه القاعدة في " كتاب بيان الدليل. على بطلان التحليل " وقررت: ~~أن كل لفظ بغير قصد من المتكلم؛ لسهو وسبق لسان وعدم عقل: فإنه لا يترتب ~~عليه حكم. وأما إذا قصد اللفظ ولم يقصد معناه: كالهازل؛ فهذا فيه تفصيل. ~~والمراد هنا " بالقصد " القصد العقلي الذي ms9507 يختص بالعقل. فأما القصد ~~الحيواني الذي يكون لكل حيوان: فهذا لا بد منه في وجود الأمور الاختيارية ~~من الألفاظ والأفعال وهذا وحده غير كاف في صحة العقود والأقوال؛ فإن ~~المجنون والصبي وغيرهما لهما # PageV33P107 # هذا القصد كما هو للبهائم ومع هذا فأصواتهم وألفاظهم باطلة مع عدم ~~التمييز؛ لكن الصبي المميز والمجنون الذي يميز أحيانا يعتبر قوله حين ~~التمييز. " الخامس " أن هذا من باب خطاب الوضع والإخبار؛ لا من باب خطاب ~~التكليف: وذلك أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده ~~وفسادها؛ فإن العقود ليست من باب العبادات التي يثاب عليها ولا الجنايات ~~التي يعاقب عليها؛ بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن ~~والكافر وهي من لوازم وجود الخلق؛ فإن العهود والوفاء بها أمر لا تتم مصلحة ~~الآدميين إلا بها؛ لاحتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار؛ ~~وإنما تصدر عن العقل. فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ~~ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق. # يوضح ذلك أنه معلوم أن قبل تحريم الخمر كان كلام السكران باطلا بالاتفاق؛ ~~ولهذا لما تكلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في سكره قبل التحريم ~~بقوله: هل أنتم إلا عبيد لأبي. لم يكن مؤاخذا عليه. وكذلك لما خلط المخلط ~~من المهاجرين الأولين في سورة {قل يا أيها الكافرون} قبل النهي لم يعتب ~~عليه. وكذلك الكفار لو شربوا الخمر وعاهدوا وشرطوا لم يلتفت إلى ذلك منهم ~~بالاتفاق ومن سكر سكرا لا يعاقب عليه مثل أن يشرب ما لا يعلم أنه يسكره ~~ونحو ذلك. فأما من سكر بشرب محرم فلا ريب أنه يأثم # PageV33P108 # بذلك ويستحق من عقوبة الدنيا والآخرة ما جاء به أمر الله تعالى. فهذا ~~الفرق ثابت بينه وبين من سكر سكرا يعذر فيه فأما كون عهده الذي يعاهد به ~~الآدميين منعقدا يترتب عليه أثره ويحصل به مقصوده: فهذا لا فرق فيه بين سكر ~~المعذور وغير المعذور؛ لأن هذا ms9508 إنما كان الموجب لصحته أن صاحبه فعله وهو ~~عاقل مميز؛ لا أنه بر وفاجر. والشرع لم يجعل السكران بمنزلة الصاحي أصلا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اختصم مع زوجته خصومة شديدة؛ بحيث تغير عقله فقال لزوجته: أنت ~~طالق ثلاثا: فهل يجب بذلك أم لا. # فأجاب: # إذا بلغ الأمر إلى أن لا يعقل ما يقول - كالمجنون - لم يقع به شيء. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل غضب فقال: طالق؛ ولم يذكر زوجته؛ واسمها؟ # فأجاب: # إن لم يقصد بذلك تطليقها لم يقع بهذا اللفظ طلاق. # PageV33P109 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أكره على الطلاق؟ # فأجاب: # إذا أكره بغير حق على الطلاق لم يقع به عند جماهير العلماء: كمالك. ~~والشافعي وأحمد وغيرهم. وهو المأثور عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كعمر بن الخطاب وغيره. وإذا كان حين الطلاق قد أحاط به أقوام يعرفون بأنهم ~~يعادونه أو يضربونه ولا يمكنه إذ ذاك أن يدفعهم عن نفسه وادعى أنهم أكرهوه ~~على الطلاق: قبل قوله. فإن كان الشهود بالطلاق يشهدون بذلك وادعى الإكراه: ~~قبل قوله وفي تحليفه نزاع. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل مسك وضرب وسجنوه وغصبوه على طلاق زوجته فطلقها طلقة واحدة وراحت ~~وهي حاملة منه؟ # PageV33P110 # فأجاب: # الحمد لله، هذا الطلاق لا يقع. وأما نكاحها وهي حامل من الزوج الأول فهو ~~نكاح باطل بإجماع المسلمين؛ ولو كان الطلاق قد وقع فكيف إذا لم يكن قد وقع ~~ويعزر من أكرهه على الطلاق ومن تولى هذا النكاح المحرم الباطل. ويجب ~~التفريق بينهما حتى تقضي العدة من الأول بالوضع. والعدة من الثاني فيها ~~خلاف. إن كان يعلم أن النكاح محرم فالصحيح أنه لا بد من ذلك. وأما إن كان ~~يعتقد صحة النكاح فلا بد أن تعتد من وطء الثاني. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال: أنا ما أريدك قومي؛ روحي إلى أهلك أنا أبا أطلقك ونوى بهذا ~~اللفظ الطلاق: فهل يشرع أن يراجعها ويتزوجها بصداق ثان. أفتونا؟ # فأجاب: # الوعد بالطلاق لا يقع ولو ms9509 كثرت ألفاظه ولا يجب الوفاء بهذا الوعد ولا ~~يستحب. وأما إذا أوقع بها الطلاق قبل أن يقول: اذهبي إلى بيت أمك وأراد ~~يذكر أنه يطلقها؛ لا أنه سيطلقها: فهذا يقع به طلقة واحدة إذا لم ينو أكثر ~~وله أن يراجعها في العدة بلا رضاها وبلا ولي ولا مهر. والله أعلم. # PageV33P111 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل متزوج وله أولاد ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها هل يجوز ~~له طلاقها؟ # فأجاب: # لا يحل له أن يطلقها لقول أمه؛ بل عليه أن يبر أمه وليس تطليق امرأته من ~~برها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة وزوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت: فهل عليها ~~إثم في دعاء أمها عليها؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ~~ولا في زيارتهم ولا يجوز في نحو ذلك؛ بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها ~~بمعصية الله أحق من طاعة أبويها {وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت ~~الجنة} وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي # PageV33P112 # من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها. اللهم إلا أن ~~يكونا مجتمعين على معصية أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها ~~بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل نوى أن يطلق زوجته إذا حاضت ولم يتلفظ بطلاق؛ فلما أن حاضت علم ~~أنها طلقت بمجرد النية فقال للشهود: آن طلقة زوجتي. قالوا: متى طلقتها؟ ~~قال: أول أمس؛ بناء على ظنه فلما مضى حيضتان غير الحيضة التي ظن أنها طلقت ~~فيها زوجها الشهود برجل آخر ثم مكثت عنده وطلقها ثم وفت عدتها ثم أراد ~~الزوج الأول ردها: فهل هي حلال له بالنكاح الأول أم يجب عقد جديد.؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا نوى أنه سيطلقها إذا حاضت فهذا لا يقع به طلاق باتفاق ~~العلماء؛ بل لا بد أن يطلقها بعد ذلك فإذا لم يطلقها بعد ذلك لم ms9510 يقع طلاق. ~~وإذا اعتقد أن تلك النية طلاق فأقر أنه طلقها بتلك النية لم يقع بهذا ~~الإقرار في الباطن؛ ولكن يؤخذ به في الحكم. وإذا لم يقع به شيء فهي باقية ~~على زوجيته في الباطن والله أعلم. # PageV33P113 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجة وأمه ما تريد الزوجة فطلق الزوجة ثم قال. كل امرأة ~~أتزوجها من هذه المدينة التي داخل السور: لا امرأته ولا غيرها. فإن راجع ~~امرأته أو تزوج غيرها من المدينة يكون العقد صحيحا؟ # فأجاب: # بل يتزوج إن شاء من المدينة؛ وإن شاء من غيرها ويكون العقد صحيحا. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تخاصم مع زوجته فأراد أن يقول: هي طالق طلقة واحدة فسبق لسانه ~~فقال ثلاثة؛ ولم يكن ذلك نيته: فما الحكم؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا سبق لسانه بالثلاث من غير قصد وإنما قصد واحدة لم يقع به ~~إلا واحدة؛ بل لو أراد أن يقول: طاهر. فسبق لسانه بطالق لم يقع به الطلاق ~~فيما بينه وبين الله. والله أعلم. # PageV33P114 # وسئل: # عن امرأة داينت زوجها ثم قالت له: إني أخاف أنك لا توفيني. فقال لها: إن ~~لم أوفيك إلى آخر شهر رمضان هذا وإلا فأنت طالق ثلاثا والزوج غائب في قوص ~~وما وكل أحدا: فهل إذا أبرأت المرأة زوجها من الدين ومضى الشهر يقع الطلاق ~~أم لا؟ وإذا تبرع أحد (بقضاء الدين: فهل يسقط الدين ولا يقع الطلاق بمضي ~~الشهر؟ أو يقع؟ # فأجاب: # أما إذا أبرأته فإنه لا يحنث عند كثير من الفقهاء: كأبي حنيفة ومحمد وقول ~~في مذهب أحمد وغيره؛ لوجهين: " أحدهما " أنه بالإبراء تعذر الوفاء فصار ~~الإيفاء ممتنعا. " الثاني " أن المحلوف على فعله بمنزلة المأمور بفعله؛ وقد ~~علم أن العبد إنما هو مأمور بوفاء الدين ما كان ثابتا؛ فكذلك اليمين وعرف ~~الناس فهذا كهذا؛ فإن الحالف إنما يقصد بهذا في العادة تبرئة ذمته وقطع ~~مطالبة الغريم له ووفاءه إذا كان الدين باقيا. وكذلك إذا وفى الدين عنه ~~موف: فقد برئت ذمته من الدين بغير فعله؛ ms9511 كما يبرأ بالإبراء وتعذر الإيفاء ~~من جهته وحصل مقصود الغريم فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قضاء الدين ~~على الغريم كقضائه حيث قال: {أرأيت لو كان على أبيك} وفي حديث آخر {على أمك ~~دين فقضيتيه عنها أكان يجزئ عنه قالت نعم قال الله أحق بالوفاء} والله ~~أعلم. # PageV33P115 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل طلق زوجته الطلاق الثلاث قبل أن يدخل بها وهي بكر: فهل له سبيل في ~~مراجعتها؟ # فأجاب. # الحمد لله، الطلاق ثلاثا قبل الدخول وبعد الدخول سواء في ثبوت التحريم ~~بذلك عند الأئمة الأربعة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا ولم يدخل بها ولم يصبها ثم طلقها ~~ثلاثا ثم عقد عليها شخص آخر ولم يدخل بها ولم يصبها ثم طلقها ثلاثا: فهل ~~يجوز للذي طلقها أولا أن يتزوج بها؟ # الجواب # فأجاب: إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة ~~الأربعة؛ لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها فإذا طلقها قبل الدخول لم ~~تحل للأول. # PageV33P116 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قال: كل شيء أملكه علي حرام. فهل تحرم امرأته وأمته عليه أم لا؟ # فأجاب: # أما غير الزوجة فعليه كفارة يمين. وأما الزوجة فللعلماء فيها نزاع. هل ~~تطلق؟ أو تجب عليه كفارة ظهار؟ فمذهب مالك. هو طلاق. ومذهب أبي حنيفة ~~والشافعي في أظهر قوليه: عليه كفارة يمين. ومذهب أحمد عليه كفارة ظهار؛ إلا ~~أن ينوي غير ذلك ففيه نزاع. والصحيح أنه لا يقع به طلاق. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل خاصم زوجته وضربها فقالت له: طلقني. فقال: أنت علي حرام: فهل تحرم ~~عليه أم لا؟ # فأجاب: # أما قوله: أنت علي حرام ففيه قولان للعلماء. قيل: عليه كفارة الظهار إذا ~~أمكنته من نفسها. وقيل: لا شيء عليه. ولا خلاف بين العلماء أنه يجب عليها ~~أن تمكنه. والله أعلم. # PageV33P117 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل له زوجة ولها أولاد وبنات منه وتزوج غيرها ثم إنه كتب وكالة ~~لزوجته الجديدة ms9512 وقال: متى رددت أم أولادي كان طلاقها بيدك ووكلها في طلاقها ~~مدة عشرة سنين؛ وقد طلق التي بيدها الوكالة: فهل تصح هذه الوكالة أم لا؟ ~~وإذا صحت: فهل تبطل الوكالة بطلاق الموكلة أم لا؟ # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله، هذه المسألة قد يظن من يظن أن الوكالة بحالها؛ بناء على أن ~~الزوج إذا وكل امرأته في بيع ونحوه ثم طلقها ثلاثا لم تبطل الوكالة ~~بالتطليق كما ذكر الفقهاء؛ لكن هذه ليست تلك. والصواب في هذه الصورة ~~المسئول عنها أنها تبطل بالتطليق لأنه هنا لم يرد أن يطلقها وقد استناب ~~غيره في ذلك كما يريد أن يبيع متاعه فيوكل شخصا؛ وإنما المراد تمكينها هي ~~من الطلاق ليكون أمرها بيد هذه الزوجة فإن شاءت طلقت وإن شاءت لم تطلقها؛ ~~وهو قد اشترط لها أن يكون أمر هذه بيدها؛ لئلا تبقي زوجته إلا برضاها. ~~فالمقصود أني لا أتزوجها إلا برضاك. ومعنى ذلك أني لا أجمع بينك وبينها؛ ~~لما تكره المرأة من الضرة فيكون هذا من موانع ما يستحقه بالعقد من القسم ~~ونحوه فإذا طلقها ثلاثا لم يبق لها عليه حق قسم # PageV33P118 # ولا نحوه فلا تزاحمها تلك في الحقوق ولا تكون ضرة لها ولا يعتبر رضاها في ~~تزوجه بتلك. فإن الرجل في العادة إنما يقصد إرضاء المرأة بترك زوجته عليها ~~إذا كانت زوجته فأما بعد البينونة فلا يقصد إرضاءها فكيف وهو قد طلقها ~~ثلاثا وهذا غاية إسخاطها فمن أسخطها بذلك كيف يقصد إرضاءها بما هو دونه ~~وبهذا ونحوه يعلم من عادة الناس أن هذا إنما جعل أمرها بيدها ما دامت هذه ~~الممكنة زوجة؛ فإذا صارت أجنبية لم يكن بيدها شيء من أمر تلك. وهذا كله إذا ~~جعل هذا الشرط لازما فإذا لم يجعل شرطا لازما فيكون كما لو قال لها ابتداء: ~~أمرك بيدك. أو: أمر فلانة بيدك. وهذا له الرجوع فيه. وأما صورة السؤال فيه ~~أنه مشروط في العقد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن أحق الشروط أن ~~توفوا به ما استحللتم ms9513 به الفروج} أخرجاه في الصحيحين ولهذا كان مذهب طوائف ~~من السلف والخلف وعمرو بن العاص وحماد بن زيد وطاووس؛ والأوزاعي وأحمد بن ~~حنبل وغيرهم: إذا اشترط لها أن لا يتزوج عليها كان الشرط صحيحا. وإذا تزوج ~~كان لها الخيار وهذا أبلغ من كونه يشترط لها أنه إذا تزوج فأمر الزوجة ~~بيدها؛ ومقصودها واحد؛ وفي كلا الموضعين إنما يكون لها الخيار ما دامت ~~زوجة. # PageV33P119 # وأما مذهب أبي حنيفة والشافعي فعندهما هذا الشرط باطل لا يلزم؛ وإذا كان ~~كذلك كان هذا كما لو فعله بغير شرط. والوكالة عقد جائز باتفاق العلماء فله ~~أن يفسخ عقد الوكالة. وإذا تنازع العلماء فيما إذا قال لزوجته: أمرك بيدك ~~فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: هو كالتوكيل. وله أن يرجع فيه قبل أن تختار. ~~وقال أبو حنيفة ومالك: إنه كالتمليك. فليس له أن يخرجه عن يدها ولكن هذه ~~الصورة وقعت على مذهب مالك وأحمد وغيرهما لمن يرى أن له أن يشترط في العقد ~~لها ما تملك به الطرق إذا تزوج عليها. ولا ريب أنها لا تملك ذلك إلا إذا ~~كان نكاحها باقيا. فإذا أبانها لم يكن لها في الشرط حق. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل جرى بينه وبين زوجته كلام وكان على عزم السفر فقال لوكيله: إن ~~كانت ترضى بهذه النفقة العادة فسلم إليها النفقة وإن لم ترض بالنفقة فسلم ~~إليها كتابها وأن الوكيل بعدما سافر الموكل سلم إليها كتابها وطلق عليها ~~طلقة رجعية وسير علم الموكل أنه قد طلقها طلقة رجعية فلما علم الموكل ما ~~هان عليه فأشهد على نفسه أنه راجعها وسير طلبها فلما سمع الوكيل أنه راجع ~~زوجته ذكر أنه طلق عليه ثلاثا: فهل يجوز للرجل المراجعة لزوجته بعد قول ~~الوكيل ذلك؟ # PageV33P120 # فأجاب: # الحمد لله، قوله: يسلم إليها كتابها. كناية عن الطلاق فإذا قال الموكل: ~~إنه أراد به الطلاق أو علم بذلك بدلالة الحال: ملك أن يطلق واحدة ولم يملك ~~الوكيل أن يطلق ثلاثا إلا بإذن الموكل. وإذا قال للوكيل لم أرد ms9514 بذلك أنه ~~يطلقها ثلاثا قبل قوله؛ ولم يمكن الوكيل أن يطلقها ثلاثا وإذا طلقها الوكيل ~~واحدة ثم راجعها الزوج صحت الرجعة. # PageV33P121 # باب الحلف بالطلاق وغير ذلك # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن يمين الغموس في الحلف بالطلاق وعن رجل قال لزوجته: لا يدخل أهلك بيتي ~~فصعب عليه: فحلف بالطلاق الثلاث أنه ما قاله ويعلم أنه قاله. # فأجاب: # الأيمان التي يحلف بها الناس نوعان: " أحدهما " أيمان المسلمين. و " ~~الثاني " أيمان المشركين فالقسم الثاني الحلف بالمخلوقات: كالحلف بالكعبة ~~والملائكة والمشايخ والملوك والآباء والسيف وغير ذلك مما يحلف بها كثير من ~~الناس. فهذه الأيمان لا حرمة لها؛ بل هي غير منعقدة ولا كفارة على من حنث ~~فيها باتفاق المسلمين؛ بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا ~~إله إلا الله} وثبت عنه في الصحيح أنه قال {من حلف فليحلف بالله أو ليصمت} ~~وفي السنن عنه. {من حلف بغير الله فقد أشرك} رواه الترمذي وصححه. فهذه ~~الأيمان باتفاق الأئمة # PageV33P122 # وأكثرهم على أن النبي نهى عنها؛ بل قد روي عن ابن مسعود وابن عباس ~~وغيرهما أنه قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي أن أحلف بغيره صادقا قال: ~~وهذا لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب. والنذر للمخلوقات أعظم ~~من الحلف بها فمن نذر لمخلوق لم ينعقد نذره ولا وفاء عليه باتفاق العلماء: ~~مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشايخ وغيرهم كمن ينذر للشيخ جاكير. وأبي ~~الوفاء أو المنتظر أو الست نفيسة أو للشيخ رسلان أو غير هؤلاء وكذلك من نذر ~~لغير هؤلاء: زيتا أو شمعا أو ستورا أو نقدا: ذهبا أو دراهم أو غير ذلك: فكل ~~هذه النذور محرمة باتفاق المسلمين ولا يجب؛ بل ولا يجوز الوفاء بها باتفاق ~~المسلمين وإنما يوفي بالنذر إذا كان لله عز وجل وكان طاعة؛ فإن النذر لا ~~يجوز إلا إذا كان عبادة ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما ms9515 شرع. فمن نذر لغير ~~الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله وهو كالسجود لغير الله. ولو نذر ~~ما ليس عبادة - كما لو نذرت المرأة صوم أيام الحيض - لم يلزم ذلك. ولا يجوز ~~صيام أيام الحيض باتفاق المسلمين كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصيه} ولو نذر أن يسافر إلى قبر نبي من الأنبياء أو شيخ من ~~المشايخ؛ أو مشهده؛ أو مقامه أو مسجد غير المساجد الثلاثة لم يكن عليه أن ~~يوفي بنذره باتفاق الأئمة. # PageV33P123 # وكذلك ### | من نذر صلاة أو صوما # أو صدقة أو اعتكافا أو أضحية أو هديا أو نذر أن يسافر إلى مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو المقدس: ففيه " قولان " للعلماء وهما قولان للشافعي. " ~~أحدهما " ليس عليه أن يوفي به وهو مذهب أبي حنيفة. ومن أصله أن لا يجب ~~بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع: كالصلاة والصيام والاعتكاف: فيجب ~~بالنذر لأن الصوم واجب عنده وعند أحمد في إحدى الروايتين وعند مالك؛ فلهذا ~~وجب عنده. وإتيان المسجد ليس واجبا بالشرع فلا يجب عنده بالنذر. و " القول ~~الثاني " يجب الوفاء إذا نذر إتيان المسجدين؛ وهو مذهب مالك وأحمد؛ لأن ذلك ~~طاعة لله. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله فليطعه} ~~هذا إن كان قصد أن يسافر للمسجد للصلاة فيه وللاعتكاف ونحو ذلك. وأما إذا ~~كان قصده نفس زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا للعبادة في مسجده لم ~~يف بهذا النذر؛ نص عليه مالك وغيره من العلماء؛ وليس بين الأئمة في ذلك ~~نزاع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} أخرجاه في الصحيحين. # PageV33P124 # فمن نذر سفرا إلى بقعة ليعظمها غير هذه الثلاثة كالسفر إلى الطور الذي ~~كلم الله عليه موسى بن عمران أو غار ms9516 حراء الذي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتحنث فيه أو غار ثور الذي قال الله تعالى فيه: {ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار} لم يف بهذا النذر باتفاق الأئمة؛ فكيف بما سوى ذلك من الغيران ~~والكهوف وكذلك لو نذر السفر إلى قبر الخليل عليه السلام أو قبر أبي بريد أو ~~قبر أحمد بن حنبل أو قبور أهل البقيع؛ فإن زيارة القبور مشروعة لمن كان ~~قريبا منها وكان مقصوده الدعاء للميت. فأما السفر إليها فمنهي عنه. وأما ~~الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فجمهور العلماء على أنه أيضا منهي عنه ولا ~~تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه (هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه، وعنه تنعقد به اليمين. # فصل: # " النوع الثاني " أيمان المسلمين. فإن حلف باسم الله فهي أيمان منعقدة ~~بالنص والإجماع وفيها الكفارة إذا حنث. وإذا حلف بما يلتزمه لله كالحلف ~~بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي عشر ~~حجج. أو فمالي صدقة. أو: علي صيام شهر. أو: فنسائي طوالق: أو عبيدي أحرار. ~~أو يقول: الحل علي حرام لا أفعل كذا. أو # PageV33P125 # الطلاق يلزمني لا أفعل كذا وكذا. أو إلا فعلت كذا. وإن فعلت كذا فنسائي ~~طوالق. أو عبيدي أحرار ونحو ذلك؛ فهذه الأيمان أيمان المسلمين عند الصحابة ~~وجمهور العلماء وهي أيمان منعقدة. وقال طائفة: بل هو من جنس الحلف ~~بالمخلوقات فلا تنعقد. والأول أصح وهو قول الصحابة؛ فإن عمر وابن عمر وابن ~~عباس وغيرهم كانوا ينهون عن النوع الأول. وكانوا يأمرون من حلف بالنوع ~~الثاني أن يكفر عن يمينه ولا ينهونه عن ذلك فإن هذا من جنس الحلف بالله ~~والنذر لله وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كفارة ~~النذر كفارة يمين} فقول القائل: لله علي أن أفعل كذا. إن قصد به اليمين فهو ~~يمين؛ كما لو قال: لله علي كذا. أو إن أقتل فلانا فعلي كفارة: في مذهب أحمد ~~وأبي حنيفة وهو الذي ذكره ms9517 الخراسانيون في مذهب الشافعي. فالذين قالوا: هذا ~~يمين منعقدة. منهم من ألزم الحالف بما التزمه فألزمه إذا حنث بالنذر ~~والطلاق والعتاق والظهار والحرام وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة. ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق وبين غيرهما. وهو المعروف عن ~~الشافعي. ومنهم من فرق بين النذر وغيره وهو المشهور عن أحمد ومنهم من فرق ~~بين الطلاق وغيره وهو أبو ثور. والصحيح أن هذه الأيمان كلها فيها كفارة إذا ~~حنث ولا يلزمه إذا حنث لا نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام. وهذا معنى أقوال ~~الصحابة فقد ثبت النقل عنهم صريح بذلك في الحلف بالعتق والنذر. وتعليلهم ~~وعموم كلامهم # PageV33P126 # يتناول الحلف بالطلاق وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنه لا يلزم الحلف ~~بالطلاق طلاقا كما ثبت عن طاووس وعكرمة وعن أبي جعفر وجعفر ابن محمد. ومن ~~هؤلاء من ألزم الكفارة وهو الصحيح. ومنهم من لم يلزمه الكفارة. فللعلماء في ~~الحلف بالطلاق أكثر من " أربعة أقوال " قيل: يلزمه مطلقا؛ كقول الأربعة. ~~وقيل: لا يلزمه مطلقا؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم وغيرهما. ~~وقيل: إن قصد به اليمين لم يلزمه وهو أصح الأقوال؛ وهو معنى قول الصحابة " ~~اليمين ". # ففي لزوم الكفارة " قولان " أصحهما أنه يلزمه إذا كانت اليمين على مستقبل ~~فإن كانت اليمين على ماض أو حاضر قصده به الخبر - لا الحض والمنع - كقوله: ~~والله لقد فعلت كذا. أو لم أفعله. وقوله: الطلاق يلزمني لقد فعلت كذا. أو ~~لم أفعله. أو الحل علي حرام لقد فعلت كذا. فهذا إما أن يكون معتقدا صدق ~~نفسه؛ أو يعلم أنه كاذب؛ فإن كان يعتقد صدق نفسه " ففيه ثلاثة أقوال ". " ~~أحدها " لا يلزمه شيء في جميع هذه الأيمان؛ وهذا أظهر قولي الشافعي؛ ~~والرواية الثانية عن أحمد. فمن حلف بالطلاق والعتاق أو غيرهما # PageV33P127 # على شيء يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا شيء عليه على هذا القول ~~وهذا أصح الأقوال. " والثاني " يكون كالحلف على المستقبل في الجميع وهذا هو ~~القول الثاني للشافعي والرواية ms9518 الثانية عن أحمد. فعلى هذا تلزمه الكفارة ~~فيما يكفره " والقول الثالث " أن يمينه إذا كانت مكفرة كالحلف بسم الله فلا ~~شيء عليه؛ بل هذا من لغو اليمين؛ وإن كانت غير مكفرة كالحلف بالطلاق ~~والعتاق لزمه ذلك وهذا مذهب مالك؛ وأبي حنيفة وأحمد في المشهور فإذا كانت ~~اليمين غموسا - وهو أن يحلف كاذبا عالما بكذب نفسه - فهذه اليمين يأثم بها ~~باتفاق المسلمين وعليه أن يستغفر الله منها وهي كبيرة من الكبائر؛ لا سيما ~~إن كان مقصوده أن يظلم غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على ~~يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان} ثم إن كانت ~~مما يكفر: ففيها كفارة عند الشافعي وأحمد في رواية وأما الأكثرون فقالوا: ~~هذه أعظم من أن تكفر وهذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. ~~قالوا: والكبائر لا كفارة فيها كما لا كفارة في السرقة والزنا وشرب الخمر؛ ~~وكذلك قتل العمد لا كفارة فيه عند الجمهور. # PageV33P128 # وإذا حلف بالتزام يمين غموس كالصورة التي سأل عنها السائل مثل أن يقول: ~~الحل عليه حرام ما فعلت كذا. أو الطلاق يلزمني ما فعلت كذا. أو إن فعلت ~~كذا. فمالي صدقة. أو فعلي الحج. أو فنسائي طوالق. أو عبيدي أحرار. فقيل: ~~تلزمه هذه اللوازم إذا قلنا لا كفارة في الغموس؛ وإن قلنا: هذه أيمان مكفرة ~~في المستقبل؛ لأنه لو لم يلزمه ذلك لخلت هذه الأيمان عن الكفارة ولزوم ما ~~التزمه وهو اختيار " جدي أبي البركات " وكذلك قال محمد بن مقاتل الرازي: من ~~حلف بالكفر يمينا غموسا كفر. " والقول الثاني " أن هذا كاليمين الغموس ~~بالله هي من الكبائر ولا يلزمه ما التزمه من النذر والطلاق والحرام وهو أصح ~~القولين وعلى هذا القول فكل من لم يقصده لم يلزمه نذر ولا طلاق ولا عتاق ~~ولا حرام سواء كانت اليمين منعقدة أو كانت غموسا أو كانت لغوا وإنما يلزم ~~الطلاق والعتاق والنذر لمن قصد ذلك؛ فإن التعليق " نوعان " نوع يقصد به ~~وقوع الجزاء ms9519 إذا وقع الشرط: فهذا تعليق لازم. فإذا علق النذر أو الطلاق أو ~~العتاق على هذا الوجه لزمه. فإذا قال لامرأته: إذا تطهرت من الحيض فأنت ~~طالق. أو إذا تبين حملك فأنت طالق وقع بها الطلاق عند الصفة وكذلك إذا علقه ~~بالهلال وكذلك لو نهاها عن أمر وقال: إن فعلته فأنت طالق: وهو إذا فعلته ~~يريد أن يطلقها فإنه يقع به الطلاق ونحو هذا. # PageV33P129 # بخلاف مثل أن ينهاها عن فاحشة أو خيانة أو ظلم فيقول: إن فعلتيه أنت ~~طالق. فهو وإن كان يكره طلاقها؛ لكن إذا فعلت ذلك المنكر كان طلاقها أحب ~~إليه من أن يقيم معها على هذا الوجه. فهذا يقع به الطلاق فقد ثبت عن ~~الصحابة أنهم أوقعوا الطلاق المعلق بالشرط إذا كان قصده وقوعه عند الشرط ~~كما ألزموه بالنذر؛ بخلاف من كان قصده اليمين. والذي قصده اليمين هو مثل ~~الذي يكره الشرط ويكره الجزاء وإن وقع الشرط مثل أن يقول: إن سافرت معكم ~~فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة وعلي عشر حجج. وأنا بريء من دين ~~الإسلام ونحو ذلك فهذا مما يعرف قطعا أنه لا يريد أن تلزمه هذه الأمور وإن ~~وجد الشرط. فهذا هو الحالف. فيجب الفرق في جميع التعليقات ومن قصده وقوع ~~الجزاء ومن قصده اليمين. فإذا طلق امرأته طلاقا منجزا أو معلقا بصفة يقصد ~~إيقاع الطلاق عندها: وقع به الطلاق إذا كان حلالا وهو أن يطلقها طلقة واحدة ~~في طهر لم يصبها فيه أو حامل قد تبين حملها. " وأما ### | الطلاق الحرام " # كما لو طلق في الحيض أو الطهر بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها: ففيه ~~نزاع. والأظهر أنه لا يلزم كما لا يلزم النكاح المحرم ونحوه. وجمع الثلاث ~~حرام عند الجمهور. فإذا طلق ثلاثا: فهل يلزمه الثلاث؟ أو واحدة؟ ففيه قولان ~~أظهرهما أنه لا يلزمه إلا واحدة. وقد بسطنا الكلام على هذه المسائل في غير ~~هذا الموضع. والله أعلم. # PageV33P130 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # إذا " حلف الرجل بالطلاق " فقال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا؛ أو لا ms9520 أفعله. ~~أو الطلاق لازم لي لأفعلنه. أو إن لم أفعله فالطلاق يلزمني. أو لازم ونحو ~~هذه العبارات التي تتضمن التزام الطلاق في يمينه ثم حنث في يمينه: فهل يقع ~~به الطلاق؟ فيه " قولان " لعلماء المسلمين في المذاهب الأربعة وغيرها من ~~مذاهب علماء المسلمين. " أحدهما " أنه لا يقع الطلاق وهذا منصوص عن أبي ~~حنيفة نفسه وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي: كالقفال وأبي سعيد المتولي ~~صاحب " التتمة " وبه يفتي ويقضي في هذه الأزمنة المتأخرة طائفة من أصحاب ~~أبي حنيفة والشافعي وغيرهم من أهل السنة والشيعة في بلاد الشرق والجزيرة ~~والعراق وخراسان والحجاز واليمن وغيرها. وهو قول داود وأصحابه - كابن حزم ~~وغيره - كانوا يفتون ويقضون في بلاد فارس والعراق والشام ومصر وبلاد المغرب ~~إلى اليوم فإنهم خلق عظيم وفيهم قضاة ومفتون عدد كثير. وهو قول طائفة من ~~السلف كطاووس وغير طاووس، وبه يفتي كثير من # PageV33P131 # علماء المغرب في هذه الأزمنة المتأخرة من المالكية وغيرهم وكان بعض شيوخ ~~مصر يفتي بذلك وقد دل على ذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل المنصوص عنه وأصول ~~مذهبه في غير موضع. # ولو " حلف بالثلاث " فقال: الطلاق يلزمني ثلاثا لأفعلن كذا ثم لم يفعل ~~فكان طائفة من السلف والخلف من أصحاب مالك وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم ~~يفتون بأنه لا يقع به الثلاث؛ لكن منهم من يوقع به واحدة وهذا منقول عن ~~طائفة من الصحابة والتابعين وغيرهم في التنجيز؛ فضلا عن التعليق واليمين. ~~وهذا قول من اتبعهم على ذلك من أصحاب مالك وأحمد وداود في التنجيز والتعليق ~~والحلف. ومن السلف طائفة من أعيانهم فرقوا في ذلك بين المدخول بها وغير ~~المدخول بها. والذين لم يوقعوا طلاقا بمن قال الطلاق يلزمني لأفعلن كذا: ~~منهم من لا يوقع به طلاقا؛ ولا يأمره بكفارة. ومنهم من يأمره بكفارة. وبكل ~~من القولين أفتى كثير من العلماء. وقد بسطت أقوال العلماء في هذه المسائل ~~وألفاظهم ومن نقل ذلك عنهم؛ والكتب الموجود ذلك فيها؛ والأدلة على هذه ~~الأقوال في مواضع أخر تبلغ عدة مجلدات. ms9521 # PageV33P132 # وهذا بخلاف الذي ذكرته في مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ وهو فيما إذا حلف ~~بصيغة اللزوم مثل قوله. الطلاق يلزمني؛ ونحو ذلك وهذا النزاع في المذهبين ~~سواء كان منجزا أو معلقا بشرط أو محلوفا به: ففي المذهبين: هل ذلك صريح؟ أو ~~كناية؟ أو لا صريح ولا كناية فلا يقع به الطلاق وإن نواه؟ ثلاثة أقوال. وفي ~~مذهب أحمد قولان هل ذلك صريح؛ أو كناية. وأما الحلف بالطلاق أو التعليق ~~الذي يقصد به الحلف: فالنزاع فيه من غيرهم بغير هذه الصيغة. فمن قال: إن من ~~أفتى بأن الطلاق لا يقع في مثل هذه الصورة خالف الإجماع وخالف كل قول في ~~المذاهب الأربعة فقد أخطأ؛ واقتفى ما لا علم به وقد قال الله تعالى: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم} بل أجمع الأئمة الأربعة وأتباعهم وسائر الأئمة مثلهم ~~على أنه من قضى بأنه لا يقع الطلاق في مثل هذه الصورة لم يجز نقض حكمه. ومن ~~أفتى به ممن هو من أهل الفتيا ساغ له ذلك ولم يجز الإنكار عليه باتفاق ~~الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين ولا على من قلده. ولو قضى أو أفتى ~~بقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة في مسائل الأيمان والطلاق وغيرهما ~~مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين ولم يخالف كتابا ولا سنة ولا معنى ~~ذلك؛ بل كان القاضي به والمفتي به يستدل عليه بالأدلة الشرعية - كالاستدلال ~~بالكتاب والسنة - فإن هذا يسوغ له أن يحكم به ويفتي به. # PageV33P133 # ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم ولا منعه من الحكم به ~~ولا من الفتيا به ولا منع أحد من تقليده. ومن قال: إنه يسوغ المنع من ذلك ~~فقد خالف إجماع الأئمة الأربعة؛ بل خالف إجماع المسلمين مع مخالفته لله ~~ورسوله؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فأمر ms9522 ~~الله المؤمنين بالرد فيما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وهو الرد إلى ~~الكتاب والسنة. فمن قال: إنه ليس لأحد أن يرد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب ~~والسنة؛ بل على المسلمين اتباع قولنا دون القول الآخر من غير أن يقيم دليلا ~~شرعيا - كالاستدلال بالكتاب والسنة - على صحة قوله فقد خالف الكتاب والسنة ~~وإجماع المسلمين وتجب استتابة مثل هذا وعقوبته كما يعاقب أمثاله. فإذا كانت ~~المسألة مما تنازع فيه علماء المسلمين وتمسك بأحد القولين؛ لم يحتج على ~~قوله بالأدلة الشرعية - كالكتاب والسنة - وليس مع صاحب القول الآخر من ~~الأدلة الشرعية ما يبطل به قوله: لم يكن لهذا الذي ليس معه حجة تدل على صحة ~~قوله أن يمنع ذلك الذي يحتج بالأدلة الشرعية بإجماع المسلمين؛ بل جوز أن ~~يمنع المسلمون من القول الموافق للكتاب والسنة وأوجب على الناس اتباع القول ~~الذي يناقضه بلا حجة شرعية توجب عليهم اتباع هذا القول وتحرم عليهم اتباع ~~ذلك القول؛ فإنه قد انسلخ من الدين تجب استتابته وعقوبته # PageV33P134 # كأمثاله وغايته أن يكون جاهلا فيعذر بالجهل أولا حتى يتبين له أقوال أهل ~~العلم ودلائل الكتاب والسنة؛ فإن أصر بعد ذلك على مشاقة الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين: فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وكل ~~يمين من أيمان المسلمين غير اليمين بالله عز وجل: مثل الحلف بالطلاق ~~والعتاق والظهار والحرام والحلف بالحج والمشي والصدقة والصيام وغير ذلك: ~~فللعلماء فيها نزاع معروف عند العلماء سواء حلف بصيغة القسم فقال: الحرام ~~يلزمني: أو العتق يلزمني: لأفعلن كذا. أو حلف بصيغة العتق فقال: إن فعلت ~~كذا فعلي الحرام ونسائي طوالق أو فعبيدي أحرار أو مالي صدقة وعلي المشي إلى ~~بيت الله تعالى. واتفقت الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين على أنه يسوغ ~~للقاضي أن يقضي في هذه المسائل جميعها بأنه إذا حنث لا يلزمه ما حلف به؛ بل ~~إما أن لا يجب عليه شيء. وإما أن تجزيه الكفارة. ويسوغ للمفتي أن يقضي ~~بذلك. وما زال في المسلمين من ms9523 يفتي بذلك من حين حدث الحلف بها. وإلى هذه ~~الأزمنة. منهم من يفتي بالكفارة فيها. ومنهم يفتي بأنه لا كفارة فيها ولا ~~لزوم المحلوف به كما أن منهم من يفتي بلزوم المحلوف به. وهذه الأقوال ~~الثلاثة في الأمة من يفتي بها بالحلف بالطلاق والعتاق والحرام والنذر. وأما ~~إذا حلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة؛ فإنه لا كفارة في هذا باتفاق ~~المسلمين. # PageV33P135 # فالأيمان " ثلاثة أقسام ": أما الحلف بالله ففيه الكفارة بالاتفاق. وأما ~~الحلف بالمخلوقات فلا كفارة فيه بالاتفاق؛ إلا الحلف بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم " قولان " في مذهب أحمد. والجمهور أنه لا كفارة فيه وقد عدى بعض أصحاب ~~ذلك إلى جميع النبيين. وجماهير العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم على خلاف ذلك. ~~وأما ما عقد من الأيمان بالله تعالى وهو هذه الأيمان فللمسلمين فيها " ~~ثلاثة أقوال " وإن كان من الناس من ادعى الإجماع في بعضها: فهذا كما أن ~~كثيرا من مسائل النزاع يدعي فيها الإجماع من لم يعلم النزاع ومقصوده أني لا ~~أعلم نزاعا. فمن علم النزاع وأثبته كان مثبتا عالما وهو مقدم على النافي ~~الذي لا يعلمه باتفاق المسلمين. وإذا كانت المسألة مسألة نزاع في السلف ~~والخلف ولم يكن مع من ألزم الحالف بالطلاق أو غيره نص كتاب ولا سنة ولا ~~إجماع: كان القول بنفي لزومه سائغا باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة ~~المسلمين؛ بل هم متفقون على أنه ليس لأحد أن يمنع قاضيا يصلح للقضاء أن ~~يقضي بذلك ولا يمنع مفتيا يصلح للفتيا أن يفتي بذلك؛ بل هم يسوغون الفتيا ~~والقضاء في أقوال ضعيفة؛ لوجود الخلاف فيها فكيف يمنعون مثل هذا القول الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة والقياس الصحيح الشرعي والقول به ثابت عن السلف ~~والخلف؛ بل الصحابة الذين هم خير هذه الأمة ثبت عنهم أنهم أفتوا في الحلف ~~بالعتق الذي هو أحب إلى الله تعالى من الطلاق: أنه لا يلزم الحالف به؛ بل ~~يجزيه # PageV33P136 # كفارة يمين. فكيف يكون قولهم في الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله؟ ~~وهل يظن بالصحابة رضوان الله ms9524 عليهم أنهم يقولون فيمن حلف بما يحبه الله من ~~الطاعات - كالصلاة والصيام والصدقة والحج: أنه لا يلزمه أن يفعل هذه ~~الطاعات بل يجزيه كفارة يمين؛ ويقولون فيما لا يحبه الله؛ بل يبغضه: إنه ~~يلزم من حلف به. وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالكفر والإسلام أنه لا ~~يلزمه كفر ولا إسلام. فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهوديا ~~بالاتفاق. وهل يلزمه كفارة يمين؟ على " قولين " " أحدهما " يلزمه؛ وهو مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. " والثاني " لا يلزمه؛ وهو قول مالك ~~والشافعي؛ ورواية عن أحمد؛ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه إذا اعتقد أنه ~~يصير كافرا إذا حنث وحلف به فإنه يكفر. قالوا: لأنه مختار للكفر. والجمهور ~~قالوا: لا يكفر؛ لأن قصده أن لا يلزمه الكفر؛ فلبغضه له حلف به. وهكذا كل ~~من حلف بطلاق أو غيره إنما يقصد بيمينه أنه لا يلزمه لفرط بغضه له. وبهذا ~~فرق الجمهور بين " نذر التبرر " و " نذر اللجاج والغضب " قالوا: لأن الأول ~~قصده وجود الشرط والجزاء؛ بخلاف الثاني. فإذا قال: إن شفى الله # PageV33P137 # مريضي فعلي عتق رقبة. أو فعبدي حر: لزمه ذلك بالاتفاق. وأما إذا قال: إن ~~فعلت كذا فعلي عتق رقبة. أو فعبدي حر. وقصده أن لا يفعله فهذا موضع النزاع: ~~هل يلزمه العتق في الصورتين؟ أو لا يلزمه في الصورتين؟ أو يجزيه كفارة ~~يمين؟ أو يجزيه الكفارة في تعليق الوجوب دون تعليق الوقوع؟ وهذه الأقوال ~~الثلاثة في الطلاق ولو قال اليهودي: إن فعلت كذا فأنا مسلم وفعله لم يصر ~~مسلما بالاتفاق لأن الحالف حلف بما يلزمه وقوعه وهكذا إذا قال المسلم: إن ~~فعلت كذا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار؛ وأنا يهودي: وهو يكره أن يطلق نساءه ~~ويعتق عبيده ويفارق دينه مع أن المنصوص عن الأئمة الأربعة وقوع العتق. ~~ومعلوم أن سبعة من الصحابة: مثل ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم ~~سلمة وحفصة وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم أجل من أربعة من علماء ms9525 ~~المسلمين فإذا قالوا هم وأئمة التابعين إنه لا يلزمه العتق المحلوف به؛ بل ~~يجزيه كفارة يمين: كان هذا القول - مع دلالة الكتاب والسنة - إنما يدل على ~~هذا القول. فكيف يسوغ لمن هو من أهل العلم والإيمان أن يلزم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالقول المرجوح في الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة الشرعية ~~مع ما لهم من مصلحة دينهم ودنياهم؛ فإن # PageV33P138 # في ذلك من صيانة أنفسهم وحريمهم وأموالهم وأعراضهم وصلاح ذات بينهم وصلة ~~أرحامهم؛ واجتماعهم على طاعة الله ورسوله؛ واستغنائهم عن معصية الله ~~ورسوله: ما يوجب ترجيحه لمن لا يكون عارفا بدلالة الكتاب والسنة؛ فكيف بمن ~~كان عارفا بدلالة الكتاب والسنة. فإن القائل بوقوع الطلاق ليس معه من الحجة ~~ما يقاوم قول من نفى وقوع الطلاق. ولو اجتهد من اجتهد في إقامة دليل شرعي ~~سالم عن المعارض المقاوم على وقوع الطلاق على الحالف لعجز عن ذلك كما عجز ~~عن تحديد ذلك. فهل يسوغ لأحد أن يأمر بما يخالف إجماع المسلمين ويخرج عن ~~سبيل المؤمنين؛ فإن القول الذي ذهب إليه بعض العلماء. وهو لم يعارض نصا ولا ~~إجماعا ولا ما في معنى ذلك ويقدم عليه الدليل الشرعي من الكتاب والسنة ~~والقياس الصحيح ليس لأحد المنع من الفتيا به والقضاء به. وإن لم يظهر ~~رجحانه فكيف إذا ظهر رجحانه بالكتاب والسنة وبين ما لله فيه من المنة. فإن ~~الله تعالى يقول: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وقال في كتابه: {ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت ~~الذي هو خير} وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV33P139 # من وجوه كثيرة وفي مسلم من حديث أبي هريرة وعدي بن حاتم وأبي موسى ~~الأشعري وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن ~~سمرة: {إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ~~وتحللتها} وفي ms9526 الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له من أن يعطي الكفارة التي فرض الله} . ~~وقال البخاري: من استلج في أهله فهو أعظم إثما. فقوله صلى الله عليه وسلم " ~~يلج " من اللجاج؛ ولهذا سميت هذه الأيمان " نذر اللجاج والغضب ". # والألفاظ التي يتكلم بها الناس في الطلاق " ثلاثة أنواع ". " صيغة ~~التنجيز. والإرسال " كقوله: أنت طالق أو مطلقة فهذا يقع به الطلاق باتفاق ~~المسلمين. " الثاني " صيغة قسم كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا. أو لا ~~أفعل كذا. فهذا يمين باتفاق أهل اللغة واتفاق طوائف الفقهاء واتفاق العامة ~~واتفاق أهل الأرض. " الثالث " صيغة تعليق كقوله: إن فعلت كذا فامرأتي طالق. ~~فهذه إن كان قصده به اليمين - وهو الذي يكره وقوع الطلاق مطلقا كما يكره. # PageV33P140 # الانتقال عن دينه - إذا قال إن فعلت كذا فأنا يهودي. أو يقول اليهودي: إن ~~فعلت كذا فأنا مسلم: فهو يمين حكمه حكم الأول الذي هو بصيغة القسم باتفاق ~~الفقهاء. فإن اليمين هي ما تضمنت حضا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا بالتزام ~~ما يكره الحالف وقوعه عند المخالفة. فالحالف لا يكون حالفا إلا إذا كره ~~وقوع الجزاء عند الشرط. فإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفا ~~سواء كان يريد الشرط وحده ولا يكره الجزاء عند وقوعه أو كان يريد الجزاء ~~عند وقوعه غير مريد له أو كان مريدا لهما. فأما إذا كان كارها للشرط وكارها ~~للجزاء مطلقا - يكره وقوعه؛ وإنما التزمه عند وقوع الشرط ليمنع نفسه أو ~~غيره ما التزمه من الشرط؛ أو ليحض بذلك - فهذا يمين. وإن قصد إيقاع الطلاق ~~عند وجود الجزاء كقوله؛ إن أعطيتني ألفا فأنت طالق وإذا طهرت فأنت طالق ~~وإذا زنيت فأنت طالق. وقصده إيقاع الطلاق عند الفاحشة؛ لا مجرد الحلف ~~عليها: فهذا ليس بيمين؛ ولا كفارة في هذا عند أحد من الفقهاء فيما علمناه؛ ~~بل يقع به الطلاق إذا وجد الشرط عند السلف وجمهور الفقهاء. # PageV33P141 # فاليمين التي يقصد بها ms9527 الحض أو المنع أو التصديق؛ أو التكذيب - بالتزامه ~~عند المخالفة ما يكره وقوعه - سواء كانت بصيغة القسم؛ أو بصيغة الجزاء: ~~يمين عند جميع الخلق من العرب وغيرهم؛ فإن كون الكلام يمينا مثل كونه أمرا ~~أو نهيا وخبرا. وهذا المعنى ثابت عند جميع الناس: العرب وغيرهم وإنما تتنوع ~~اللغات في الألفاظ؛ لا في المعاني؛ بل ما كان معناه يمينا أو أمرا أو نهيا ~~عند العجم فكذلك معناه يمين أو أمر أو نهي عند العرب. وهذا أيضا يمين ~~الصحابة رضوان الله عليهم وهو يمين في العرف العام ويمين عند الفقهاء كلهم. ~~وإذا كان " يمينا " فليس في الكتاب والسنة لليمين إلا حكمان. إما أن تكون ~~اليمين منعقدة محترمة ففيها الكفارة. وإما أن لا تكون منعقدة محترمة - ~~كالحلف بالمخلوقات: مثل الكعبة والملائكة؛ وغير ذلك - فهذا لا كفارة فيه ~~بالاتفاق. فأما يمين منعقدة؛ محترمة غير مكفرة: فهذا حكم ليس في كتاب الله ~~ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يقوم دليل شرعي سالم عن المعارض ~~المقام. فإن كانت هذه اليمين من أيمان المسلمين فقد دخلت في قوله تعالى ~~للمسلمين: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . وإن لم تكن من أيمانهم؛ بل ~~كانت من الحلف بالمخلوقات: فلا يجب بالحنث لا كفارة ولا غيرها فتكون مهدرة. # PageV33P142 # فهذا ونحوه من دلالة الكتاب والسنة والاعتبار يبين أن الإلزام بوقوع ~~الطلاق للحالف في يمينه حكم يخالف الكتاب والسنة وحسب القول الآخر أن يكون ~~مما يسوغ الاجتهاد. فأما أن يقال إنه لم يجب على المسلمين كلهم العمل بهذا ~~القول ويحرم عليهم العمل بذلك القول: فهذا لا يقوله أحد من علماء المسلمين ~~بعد أن يعرف ما بين المسلمين من النزاع والأدلة. ومن قال بالقول المرجوح ~~وخفي عليه القول الراجح كان حسبه أن يكون قوله سائغا لا يمنع من الحكم به ~~والفتيا به. أما إلزام المسلمين بهذا القول ومنعهم من القول الذي دل عليه ~~الكتاب والسنة: فهذا خلاف أمر الله ورسوله وعباده المؤمنين من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم. فمن منع الحكم والفتيا ms9528 بعدم وقوع الطلاق وتقليد من نفى ~~بذلك فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين. ولا يفعل ذلك إلا من ~~لم يكن عنده علم فهذا حسبه أن يعذر؛ لا يجب اتباعه ومعاند متبع لهواه لا ~~يقبل الحق إذا ظهر له ولا يصغي لمن يقوله ليعرف ما قال؛ بل يتبع هواه بغير ~~هدى من الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} فإنه: إما مقلد وإما ~~مجتهد. فالمقلد لا ينكر القول الذي يخالف متبوعه إنكار من يقول هو باطل ~~فإنه لا يعلم أنه باطل؛ فضلا عن أن يحرم القول به ويوجب القول بقول سلفه. ~~والمجتهد ينظر ويناظر وهو مع ظهور قوله لا يسوغ قول منازعيه الذي ساغ فيه ~~الاجتهاد وهو ما لم يظهر أنه خالف نصا ولا إجماعا فمن خرج عن حد # PageV33P143 # التقليد السائغ والاجتهاد كان فيه شبه من الذين {وإذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} وكان من اتبع هواه بغير ~~هدى من الله. ومن قال إنه اتبع هذه الفتيا فولد له ولد بعد ذلك فهو ولد ~~زنا: كان هذا القائل في غاية الجهل والضلال والمشاقة لله ولرسوله. وعلى ~~الجملة إذا كان الملتزم به قربة لله تعالى يقصد به القرب إلى الله تعالى: ~~لزمه فعله أو الكفارة. ولو التزم ما ليس بقربة: كالتطليق والبيع والإجارة ~~ومثل ذلك: لم يلزمه؛ بل يجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور المسلمين وهو ~~قول الشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وقول المحققين من أصحاب ~~مالك؛ لأن الحلف بالطلاق على وجه اليمين يكره وقوعه إذا وجد الشرط كما يكره ~~وقوع الكفر: فلا يقع وعليه الكفارة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن قال: الطلاق يلزمني على المذاهب الأربعة أو نحو ذلك: هل يلزمه الطلاق ~~كما قال؟ أم كيف الحكم؟. # فأجاب: # وأما قول الحالف: الطلاق يلزمني على مذاهب الأئمة الأربعة أو على مذهب من ~~يلزمه بالطلاق؛ لا من يجوز في الحلف به كفارة. أو فعلي # PageV33P144 # الحج: على ms9529 مذهب مالك بن أنس. أو فعلي كذا على مذهب من يلزمه من فقهاء ~~المسلمين. أو فعلي كذا على أغلظ قول قيل في الإسلام. أو فعلي كذا أني لا ~~أستفتي من يفتيني بالكفارة في الحلف بالطلاق. أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا ~~ولا أستفتي من يفتيني بحل يميني أو رجعة في يميني ونحو هذه الألفاظ التي ~~يغلظ فيها اللزوم تغليظا يؤكد به لزوم المعلق عند الحنث؛ لئلا يحنث في ~~يمينه؛ فإن الحالف عند اليمين يريد تأكيد يمينه بكل ما يخطر بباله من أسباب ~~التأكيد ويريد منع نفسه من الحنث فيها بكل طريق يمكنه وذلك كله لا يخرج هذه ~~العقود عن أن تكون أيمانا مكفرة ولو غلظ الأيمان التي شرع الله فيها ~~الكفارة بما غلظ ولو قصد ألا يحنث فيها بحال: فذلك لا يغير شرع الله. ~~وأيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين؛ بل ما كان الله قد أمر به قبل يمينه ~~فقد أمر به بعد اليمين واليمين ما زادته إلا توكيدا. وليس لأحد أن يفتي ~~أحدا بترك ما أوجبه الله ولا بفعل ما حرمه الله ولو لم يحلف عليه فكيف إذا ~~حلف عليه؟ وهذا مثل الذي يحلف على فعل ما يجب عليه: من الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وطاعة السلطان ومناصحته وترك ~~الخروج ومحاربته وقضاء الدين الذي عليه وأداء الحقوق إلى مستحقيها ~~والامتناع من الظلم والفواحش وغير ذلك. فهذه الأمور كانت قبل اليمين واجبة ~~وهي بعد اليمين أوجب. # PageV33P145 # وما كان محرما قبل اليمين فهو بعد اليمين أشد تحريما؛ ولهذا كانت الصحابة ~~يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على طاعته والجهاد معه وذلك واجب عليهم ~~ولو لم يبايعوه فالبيعة أكدته وليس لأحد أن ينقض مثل هذا العقد. وكذلك ~~مبايعة السلطان التي أمر الله بالوفاء بها ليس لأحد أن ينقضها ولو لم يحلف ~~فكيف إذا حلف بل لو عاقد الرجل غيره على بيع أو إجارة أو نكاح: لم يجز له ~~أن يغدر به ولوجب عليه الوفاء بهذا العقد فكيف بمعاقدة ولاة ms9530 الأمور على ما ~~أمر الله به ورسوله: من طاعتهم ومناصحتهم والامتناع من الخروج عليهم. فكل ~~عقد وجب الوفاء به بدون اليمين إذا حلف عليه كانت اليمين موكدة له ولو لم ~~يجز فسخ مثل هذا العقد بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت ~~فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر ~~وإذا خاصم فجر} . وما كان مباحا قبل اليمين إذا حلف الرجل عليه لم يصر ~~حراما؛ بل له أن يفعله ويكفر عن يمينه وما لم يكن واجبا فعله إذا حلف عليه ~~لم يصر واجبا عليه بل له أن يكفر يمينه ولا يفعله ولو غلظ في اليمين بأي ~~شيء غلظها؛ فأيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين وليس لأحد أن يحرم بيمينه ~~ما أحله الله ولا يوجب بيمينه ما لم يوجبه الله. هذا هو شرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم # PageV33P146 # وأما شرع من قبله فكان في شرع بني إسرائيل إذا حرم الرجل شيئا حرم عليه ~~وإذا حلف ليفعلن شيئا وجب عليه ولم يكن في شرعهم كفارة فقال تعالى: {كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة} فإسرائيل حرم على نفسه شيئا فحرم عليه وقال الله تعالى لنبينا: ~~{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور ~~رحيم} {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وهذا الفرض هو المذكور في قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم ~~به مؤمنون} {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ms9531 أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} . ولهذا لما لم ~~يكن في شرع من قبلنا كفارة بل كانت اليمين توجب عليهم فعل المحلوف عليه أمر ~~الله أيوب أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به ولا يحنث لأنه لم يكن في شرعه كفارة ~~يمين ولو كان في شرعه كفارة يمين كان ذلك أيسر عليه من ضرب امرأته ولو ~~بضغث؛ فإن أيوب كان قد رد الله عليه أهله ومثلهم معهم؛ لكن لما كان ما ~~يوجبونه باليمين بمنزلة ما # PageV33P147 # يجب بالشرع. كانت اليمين عندهم كالنذر. والواجب بالشرع قد يرخص فيه عند ~~الحاجة كما يرخص في الجلد الواجب في الحد إذا كان المضروب لا يحتمل ~~التفريق؛ بخلاف ما التزمه الإنسان بيمينه في شرعنا فإنه لا يلزم بالشرع ~~فيلزمه ما التزمه وله مخرج من ذلك في شرعنا بالكفارة. ولكن بعض علمائنا لما ~~ظنوا أن الأيمان مما لا مخرج لصاحبه منه بل يلزمه ما التزمه فطنوا أن شرعنا ~~في هذا الموضع كشرع بني إسرائيل احتاجوا إلى الاحتيال في الأيمان: إما في ~~لفظ اليمين وإما بخلع اليمين وإما بدور الطلاق وإما بجعل النكاح فاسدا فلا ~~يقع فيه الطلاق. وإن غلبوا عن هذا كله دخلوا في التحليل وذلك لعدم العلم ~~بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع من الحنيفية ~~السمحة وما وضع الله به من الآصار والأغلال كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل ~~شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} {الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . وصار ما شرعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأمته هو الحق في نفس الأمر وما أحدث غيره غايته أن يكون ~~بمنزلة شرع من قبله مع شرعه؛ وإن كان # PageV33P148 # الذين قالوه باجتهادهم لهم سعي ms9532 مشكور وعمل مبرور وهم مأجورون على ذلك ~~مثابون عليه؛ فإنه كل ما كان من مسائل النزاع التي تنازعت فيه الأمة فأصوب ~~القولين فيه ما وافق كتاب الله وسنة رسوله: من أصاب هذا القول فله أجران ~~ومن لم يؤده اجتهاده إلا إلى القول الآخر كان له أجر واحد؛ والقول الموافق ~~لسنته مع القول الآخر بمنزلة طريق سهل مخصب يوصل إلى المقصود وتلك الأقوال ~~فيها بعد وفيها وعورة وفيها حدوثة. فصاحبها يحصل له من التعب والجهد أكثر ~~مما في الطريقة الشرعية. ولهذا أذاعوا ما دل عليه الكتاب والسنة على تلك ~~الطريقة التي تتضمن من لزوم ما يبغضه الله ورسوله: من القطيعة والفرقة؛ ~~وتشتيت الشمل وتخريب الديار وما يحبه الشيطان والسحرة من التفريق بين ~~الزوجين وما يظهر ما فيها من الفساد لكل عاقل. ثم إما أن يلزموا هذا الشر ~~العظيم ويدخلوا في الآصار والأغلال. وإما أن يدخلوا في منكرات أهل الاحتيال ~~وقد نزه الله النبي وأصحابه من كلا الفريقين بما أغناهم به من الحلال. " ~~فالطرق ثلاثة ": أما الطريقة الشرعية المحضة الموافقة للكتاب والسنة وهي ~~طريق أفاضل السابقين الأولين وتابعيهم بإحسان. وأما طريقة الآصار والأغلال ~~والمكر والاحتيال وإن كان من سلكها من سادات أهل العلم والإيمان وهم مطيعون ~~لله ورسوله فيما أتوا به من الاجتهاد # PageV33P149 # المأمور به {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} . وهذا كالمجتهد في القبلة إذا ~~أدى اجتهاد كل فرقة إلى جهة من الجهات الأربع: فكلهم مطيعون لله ورسوله ~~مقيمون للصلاة؛ لكن الذي أصاب القبلة في نفس الأمر له أجران والعلماء ورثة ~~الأنبياء وقال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} وكل ~~مجتهد مصيب: بمعنى أنه مطيع لله؛ ولكن الحق في نفس الأمر واحد. والمقصود ~~هنا أن ما شرع الله تكفيره من الأيمان هو مكفر ولو غلظه بأي وجه غلظ ولو ~~التزم أن لا يكفره كان له أن يكفره فإن التزامه أن لا يكفره التزام لتحريم ~~ما أحله ms9533 الله ورسوله وليس لأحد أن يحرم ما أحله الله ورسوله؛ بل عليه في ~~يمينه الكفارة. فهذا الملتزم لهذا الالتزام الغليظ هو يكره لزومه إياه ~~وكلما غلظ كان لزومه له أكره إليه وإنما التزمه لقصده الحظر والمنع؛ ليكون ~~لزومه له مانعا من الحنث؛ لم يلتزمه لقصد لزومه إياه عند وقوع الشرط؛ فإن ~~هذا القصد يناقض عقد اليمين؛ فإن الحالف لا يحلف إلا بالتزام ما يكره وقوعه ~~عند المخالفة؛ ولا يحلف قط إلا بالتزامه ما يريد وقوعه عند المخالفة فلا ~~يقول حالف إن فعلت كذا غفر الله لي ولا أماتني على الإسلام؛ بل يقول: إن ~~فعلت # PageV33P150 # كذا فأنا يهودي أو نصراني أو نسائي طوالق أو عبيدي أحرار. أو كل ما أملكه ~~صدقة أو علي عشر حجج حافيا مكشوف الرأس على مذهب مالك بن أنس أو فعلي ~~الطلاق على المذاهب الأربعة أو فعلي كذا على أغلظ قول. وقد يقول مع ذلك: ~~علي أن لا أستفتي من يفتيني بالكفارة ويلتزم عند غضبه من اللوازم ما يرى ~~أنه لا مخرج له منه إذا حنث. ليكون لزوم ذلك مانعا من الحنث وهو في ذلك لا ~~يقصد قط أن يقع به شيء من تلك اللوازم وإن وقع الشرط أو لم يقع وإذا اعتقد ~~أنها تلزمه التزمها لاعتقاده لزومها إياه مع كراهته لأن يلتزمه؛ لا مع ~~إرادته أن يلتزمه وهذا هو الحالف واعتقاد لزوم الجزاء غير قصده للزوم ~~الجزاء. فإن قصد لزوم الجزاء عند الشرط: لزمه مطلقا؛ ولو كان بصيغة القسم ~~فلو كان قصده أن يطلق امرأته إذا فعلت ذلك الأمر أو إذا فعل هو ذلك الأمر. ~~فقال: الطلاق يلزمني لا تفعلين كذا. وقصده أنها تفعله فتطلق؛ ليس مقصوده أن ~~ينهاها عن الفعل ولا هو كاره لطلاقها؛ بل هو مريد لطلاقها: طلقت في هذه ~~الصورة ولم يكن هذا في الحقيقة حالفا؛ بل هو معلق للطلاق على ذلك الفعل ~~بصيغة القسم ومعنى كلامه معنى التعليق الذي يقصد به الإيقاع فيقع به الطلاق ~~هنا عند الحنث في اللفظ الذي هو ms9534 بصيغة القسم. ومقصوده مقصود التعليق. ~~والطلاق هنا إنما # PageV33P151 # وقع عند الشرط الذي قصد إيقاعه عنده؛ لا عند ما هو حنث في الحقيقة؛ إذا ~~لاعتبار بقصده ومراده؛ لا بظنه واعتقاده: فهو الذي تبنى عليه الأحكام كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ~~نوى} . والسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وجماهير الخلف من أتباع ~~الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره إذا ~~قصد به الطلاق فهو طلاق وإن قصد به غير الطلاق لم يكن طلاقا. وليس للطلاق ~~عندهم لفظ معين؛ فلهذا يقولون: إنه يقع بالصريح والكناية. ولفظ الصريح ~~عندهم كلفظ الطلاق لو وصله بما يخرجه عن طلاق المرأة لم يقع به الطلاق كما ~~لو قال لها: أنت طالق من وثاق الحبس أو من الزوج الذي كان قبلي ونحو ذلك. # والمرأة إذا أبغضت الرجل كان لها أن تفتدي نفسها منه كما قال تعالى {ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} وهذا الخلع تبين به المرأة ~~فلا يحل له أن يتزوجها بعده إلا برضاها وليس هو كالطلاق المجرد؛ فإن ذلك ~~يقع رجعيا له أن يرتجعها في العدة بدون رضاها؛ لكن تنازع العلماء في هذا ~~الخلع: هل يقع به طلقة بائنة محسوبة من الثلاث؟ أو # PageV33P152 # تقع به فرقة بائنة وليس من الطلاق الثلاث بل هو فسخ؟ على قولين مشهورين. ~~و " الأول " مذهب أبي حنيفة ومالك وكثير من السلف ونقل عن طائفة من ~~الصحابة؛ لكن لم يثبت عن واحد منهم بل ضعف أحمد بن حنبل وابن خزيمة وابن ~~المنذر وغيرهم جميع ما روي في ذلك عن الصحابة. و " الثاني " أنه فرقة بائنة ~~وليس من الثلاث وهذا ثابت عن ابن عباس باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهو قول ~~أصحابه: كطاوس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي ms9535 وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل ~~وغيره من فقهاء الحديث وإسحاق بن راهويه؛ وأبي ثور وداود وابن المنذر وابن ~~خزيمة وغيرهم. واستدل ابن عباس على ذلك بأن الله تعالى ذكر الخلع بعد ~~طلقتين ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فلو كان ~~الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا. ثم أصحاب هذا القول تنازعوا: هل يشترط أن ~~يكون الخلع بغير لفظ الطلاق؟ أو لا يكون إلا بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة ~~ويشترط مع ذلك أن لا ينوي الطلاق؟ أو لا فرق بين أن ينويه أو لا ينويه وهو ~~خلع بأي لفظ وقع بلفظ الطلاق أو غيره؟ على أوجه في مذهب أحمد وغيره: أصحها ~~الذي دل عليه كلام ابن عباس وأصحابه وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه وهو الوجه ~~الأخير وهو: أن الخلع هو الفرقة بعوض فمتى فارقها بعوض فهي # PageV33P153 # مفتدية لنفسها به وهو خالع لها بأي لفظ كان ولم ينقل أحد قط لا عن ابن ~~عباس وأصحابه ولا عن أحمد بن حنبل أنهم فرقوا بين الخلع بلفظ الطلاق وبين ~~غيره؛ بل كلامهم لفظه ومعناه يتناول الجميع. والشافعي رضي الله عنه لما ذكر ~~القولين في الخلع هل هو طلاق أم لا؟ قال: وأحسب الذين قالوا هو طلاق هو ~~فيما إذا كان بغير لفظ الطلاق؟ ولهذا ذكر محمد بن نصر والطحاوي أن هذا لا ~~نزاع فيه والشافعي لم يحك عن أحد هذا؛ بل ظن أنهم يفرقون. وهذا بناه ~~الشافعي على أن العقود وإن كان معناها واحدا فإن حكمها يختلف باختلاف ~~الألفاظ. وفي مذهبه في نزاع في الأصل وأما أحمد بن حنبل فإن أصوله ونصوصه ~~وقول جمهور أصحابه أن الاعتبار في العقود بمعانيها لا بالألفاظ وفي مذهبه ~~قول آخر: أنه تختلف الأحكام باختلاف الألفاظ وهذا يذكر في التكلم بلفظ ~~البيع وفي المزارعة بلفظ الإجارة وغير ذلك. وقد ذكرنا ألفاظ ابن عباس ~~وأصحابه وألفاظ أحمد وغيره وبينا أنها بينة في عدم التفريق. وأن أصول الشرع ~~لا تحتمل التفريق وكذلك أصول أحمد. وسببه ms9536 ظن الشافعي أنهم يفرقون. وقد ~~ذكرنا في غير هذا الموضع وبينا أن الآثار الثابتة في هذا الباب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وابن عباس وغيره تدل دلالة بينة أنه خلع؛ وإن كان بلفظ ~~الطلاق وهذه الفرقة توجب البينونة. والطلاق الذي ذكره الله تعالى في كتابه ~~هو الطلاق الرجعي. # PageV33P154 # قال هؤلاء وليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلا بل كل طلاق ~~ذكره الله تعالى في القرآن فهو الطلاق الرجعي. وقال هؤلاء: ولو قال ~~لامرأته: أنت طالق طلقة بائنة لم يقع بها إلا طلقة رجعية؛ كما هو مذهب أكثر ~~العلماء؛ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه. قالوا: وتقسيم ~~الطلاق إلى رجعي وبائن تقسيم مخالف لكتاب الله وهذا قول فقهاء الحديث وهو ~~مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل طلاق بغير عوض لا يقع إلا رجعيا وإن ~~قال: أنت طالق طلقة بائنة أو طلاقا بائنا: لم يقع به عندهما إلا طلقة ~~رجعية. وأما الخلع ففيه نزاع في مذهبهما. فمن قال بالقول الصحيح طرد هذا ~~الأصل واستقام قوله ولم يتناقض كما يتناقض غيره؛ إلا من قال من أصحاب ~~الشافعي وأحمد: إن الخلع بلفظ الطلاق يقع طلاقا بائنا فهؤلاء أثبتوا في ~~الجملة طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث فنقضوا أصلهم الصحيح الذي دل عليه ~~الكتاب والسنة. وقال بعض الظاهرية: إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقا رجعيا؛ ~~لا بائنا؛ لأنه لم يمكنه أن يجعله طلاقا بائنا لمخالفة القرآن؛ وظن أنه ~~بلفظ الطلاق يكون طلاقا فجعله رجعيا وهذا خطأ؛ فإن مقصود الافتداء لا يحصل ~~إلا مع البينونة؛ ولهذا كان حصول البينونة بالخلع مما لم يعرف فيه خلاف بين ~~المسلمين؛ لكن بعضهم جعله جائزا؛ فقال: للزوج أن يرد العوض ويراجعها؛ والذي ~~عليه الأئمة الأربعة والجمهور أنه لا يملك الزوج وحده أن يفسخه ولكن لو ~~اتفقا على فسخه كالتقايل: فهذا فيه نزاع آخر كما بسط في موضعه. # PageV33P155 # والمقصود هنا أن كتاب الله يبين أن الطلاق بعد الدخول لا يكون إلا رجعيا ~~وليس في كتاب ms9537 الله طلاق بائن إلا قبل الدخول. وإذا انقضت العدة فإذا طلقها ~~ثلاثا فقد حرمت عليه وهذه البينونة الكبرى وهي إنما تحصل بالثلاث لا بطلقة ~~واحدة مطلقة؛ لا يحصل بها لا بينونة كبرى ولا صغرى. وقد ثبت عن ابن عباس ~~أنه قيل له. إن أهل اليمن عامة طلاقهم الفداء فقال ابن عباس: ليس الفداء ~~بطلاق. ورد المرأة على زوجها بعد طلقتين وخلع مرة. وبهذا أخذ أحمد بن حنبل ~~في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه؛ لكن تنازع أهل هذا القول: هل يختلف ~~الحكم باختلاف الألفاظ؟ والصحيح أن المعنى إذا كان واحدا فالاعتبار بأي لفظ ~~وقع؛ وذلك أن الاعتبار بمقاصد العقود وحقائقها لا باللفظ وحده فما كان خلعا ~~فهو خلع بأي لفظ كان وما كان طلاقا فهو طلاق بأي لفظ كان وما كان يمينا فهو ~~يمين بأي لفظ كان وما كان إيلاء فهو إيلاء بأي لفظ كان وما كان ظهارا فهو ~~ظهار بأي لفظ كان. والله تعالى ذكر في كتابه " الطلاق " و " اليمين " و " ~~الظهار " و " الإيلاء " و " الافتداء " وهو الخلع وجعل لكل واحد حكما فيجب ~~أن نعرف حدود ما أنزل الله على رسوله وندخل في الطلاق ما كان طلاقا وفي ~~اليمين ما كان يمينا وفي الخلع ما كان خلعا وفي الظهار ما كان ظهارا؛ وفي ~~الإيلاء ما كان إيلاء. وهذا هو الثابت عن أئمة الصحابة وفقهائهم والتابعين ~~لهم بإحسان. ومن العلماء من اشتبه عليه بعض ذلك ببعض # PageV33P156 # فيجعل ما هو ظهار طلاقا: فيكثر بذلك وقوع الطلاق الذي يبغضه الله ورسوله ~~ويحتاجون إما إلى دوام المكروه؛ وإما إلى زواله بما هو أكره إلى الله ~~ورسوله منه وهو " نكاح التحليل ". وأما الطلاق الذي شرعه الله ورسوله فهو ~~أن يطلق امرأته إذا أراد طلاقها طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه أو كانت ~~حاملا قد استبان حملها ثم يدعها تتربص ثلاثة قروء فإن كان له غرض راجعها في ~~العدة وإن لم يكن له فيها غرض:؟ سرحها بإحسان. ثم إن بدا له بعد هذا ~~إرجاعها ms9538 يتزوجها بعقد جديد ثم إذا أراد ارتجاعها أو تزوجها وإن أراد أن ~~يطلقها طلقها فهذا ### | طلاق السنة # المشروع. ومن لم يطلق إلا طلاق السنة لم يحتج إلى ما حرم الله ورسوله من ~~نكاح التحليل وغيره؛ بل إذا طلقها ثلاث تطليقات له في كل طلقة رجعة أو عقد ~~جديد: فهنا قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ولا يجوز عودها إليه بنكاح ~~تحليل أصلا؛ بل قد {لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له} ~~واتفق على ذلك أصحابه وخلفاؤه الراشدون وغيرهم فلا يعرف في الإسلام أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدا من خلفائه أو أصحابه أعاد المطلقة ثلاثا ~~إلى زوجها بعد نكاح تحليل أبدا ولا كان نكاح التحليل ظاهرا على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بل كان من يفعله سرا وقد لا تعرف المرأة ولا وليها وقد ~~{لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له} وفي الربا قال: {لعن ~~الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه} فلعن الكاتب والشهود لأنهم كانوا ~~يشهدون على دين الربا ولم يكونوا يشهدون على نكاح التحليل. # PageV33P157 # و " أيضا " فإن النكاح لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكتب فيه ~~صداق كما تكتب الديون ولا كانوا يشهدون فيه لأجل الصداق؛ بل كانوا يعقدونه ~~بينهم وقد عرفوا به ويسوق الرجل المهر للمرأة فلا يبقى لها عليه دين؛ فلهذا ~~لم يذكر رسول الله في نكاح التحليل الكاتب والشهود كما ذكرهم في الربا. ~~ولهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإشهاد على النكاح حديث. ~~ونزاع العلماء في ذلك على أقوال في مذهب أحمد وغيره. فقيل: يجب الإعلان ~~أشهدوا أو لم يشهدوا فإذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد وهو مذهب مالك وأحمد ~~في إحدى الروايات. وقيل: يجب الإشهاد: أعلنوه أو لم يعلنوه فمتى أشهدوا ~~وتواصوا بكتمانه لم يبطل وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايات. وقيل: يجب الأمران الإشهاد والإعلان. وقيل: يجب أحدهما. وكلاهما ~~يذكر في مذهب أحمد. # وأما ms9539 " نكاح السر " الذي يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحدا: فهو باطل ~~عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح قال الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} ، وهذه المسائل مبسوطة في ~~موضعها. # PageV33P158 # وإنما المقصود هنا التنبيه على الفرق بين الأقوال الثابتة بالكتاب والسنة ~~وما فيها من العدل والحكمة والرحمة؛ وبين الأقوال المرجوحة وأن ما بعث الله ~~به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة يجمع مصالح العباد في ~~المعاش والمعاد على أكمل وجه؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولا ~~نبي بعده وقد جمع الله في شريعته ما فرقه شرائع من قبله من الكمال؛ إذ ليس ~~بعده نبي فكمل به الأمر كما كمل به الدين. فكتابه أفضل الكتب وشرعه أفضل ~~الشرائع ومنهاجه أفضل المناهج وأمته خير الأمم وقد عصمها الله على لسانه ~~فلا تجتمع على ضلالة؛ ولكن يكون عند بعضها من العلم والفهم ما ليس عند بعض ~~والعلماء ورثة الأنبياء وقد قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما} فهذان نبيان كريمان حكما في قصة فخص الله أحدهما بالفهم؛ ولم ~~يعب الآخر؛ بل أثنى عليهما جميعا بالحكم والعلم. وهذا حكم العلماء ~~المجتهدين ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل العاملين بالكتاب. وهذه القضية التي ~~قضى فيها داود وسليمان لعلماء المسلمين فيها وما يشبهها أيضا قولان. منهم ~~من يقضي بقضاء داود. ومنهم من يقضي بقضاء سليمان وهذا هو الصواب وكثير من ~~العلماء أو أكثرهم لا يقول به؛ بل قد لا يعرفه. وقد بسطنا هذا في غير هذا ~~الجواب. والله أعلم بالصواب. # PageV33P159 # وأما إذا " حلف بالحرام " فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا أو الحل علي ~~حرام لا أفعل كذا أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا أو ما يحل على ~~المسلمين يحرم علي إن فعلت كذا أو نحو ذلك وله زوجة. ففي هذه المسألة نزاع ~~مشهور بين السلف والخلف؛ لكن القول ms9540 الراجح أن هذه يمين لا يلزمه بها طلاق ~~ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق وهو مذهب أحمد المشهور عنه حتى لو قال: أنت علي ~~حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده. ولو قال أنت علي كظهر أمي وقصد ~~به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء وفي ذلك أنزل الله ~~القرآن فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا والإيلاء طلاقا: فرفع الله ذلك كله ~~وجعل في الظهار الكفارة الكبرى وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة ~~أشهر. فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان. وكذلك قال كثير من السلف ~~والخلف: إنه إذا كان مزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا وهو ~~مذهب أحمد. وإذا حلف بالظهار أو الحرام لا يفعل شيئا وحنث في يمينه: أجزأته ~~الكفارة في مذهبه؛ لكن قيل: إن الواجب كفارة ظهار سواء حلف # PageV33P160 # أو أوقع وهو المنقول عن أحمد. وقيل: بل إن حلف به أجزأه كفارة يمين وإن ~~أوقعه لزمه كفارة ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصل أحمد وغيره. فالحالف ~~بالحرام تجزئه كفارة يمين كما تجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا ~~فعلي الحج أو فمالي صدقة. وكذلك إذا حلف بالعتق لزمته كفارة يمين عند أكثر ~~السلف من الصحابة والتابعين وكذلك الحلف بالطلاق تجزئ أيضا فيه كفارة يمين ~~كما أفتى من أفتى به من السلف والخلف والثابت عن الصحابة لا يخالف ذاك؛ بل ~~معناه يوافقه. وكل يمين يحلف بها المسلمون من أيمانهم ففيها كفارة يمين كما ~~دل عليه الكتاب والسنة. وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو يعتق أو أن ~~يظاهر: فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا فلا تجزئه كفارة يمين. ~~والله أعلم بالصواب. # PageV33P161 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قال: الطلاق يلزمني ما بقيت أحلف بالطلاق؛ إلا إن كنت ساهيا؛ أو ~~غالطا. لأنه تخاصم مع شخص وحصل له حرج فقال: أيمان المسلمين تلزمني. أو ~~الأيمان تلزمني على مذهب مالك: لا بد أن أشكوك إلى المحتسب. ولم يكن ms9541 ذكر ~~اليمين الأول؛ وهو شافعي المذهب: فما يجب على اليمين؟ . # فأجاب: # إذا كان ناسيا لليمين الأول وحلف الثانية ثم ذكرها بعد ذلك فلا حنث عليه ~~في ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال لزوجته: الطلاق يلزمني متى رأيت فلانة عندك طلقتك: فهل يحنث ~~إذا طلعت ولم يرها أو اجتمعوا ثلاثتهم في مكان غير المحلوف عليه؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # إذا طلعت ولم يرها أو اجتمع بها في بيت غيره لم يحنث إلا أن يكون في ~~بيته؛ أو [في] (1) سبب اليمين ما يقتضي ذلك. والله أعلم. PageV33P162 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل خرجت زوجته بغير إذنه ثم قال لها: الطلاق يلزمني ثلاثا ما بقيت ~~أرفع العصا عنك؛ ونيته في ذلك إذا خرجت بغير إذنه: فهل يجب الطلاق بالحال؛ ~~أو إذا خرجت بغير إذنه؟ وهل إذا أذن لها بعد ذلك؟ # فأجاب: # لا طلاق عليه بالحال؛ بل إذا خرجت بغير إذنه حنث فإن أذن لها إذنا عاما ~~جاز إذا لم يكن له نية أو سبب يخالف ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اتهم زوجته بسرقة دراهم؛ فقالت: والله ما أخذت شيئا. فقال الطلاق ~~يلزمني منك ثلاثا إن لم تحضري الدراهم: ما تكون له زوجته؟ # فأجاب: # إن تبين أنها لم تأخذ الدراهم فلا حنث عليه في أصح قولي العلماء لأن ~~المحلوف عليه ممتنع؛ ولأنه لم يقصد بردها إلا إذا كانت أخذتها. والله أعلم. # PageV33P163 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل جرى منه كلام في زوجته وهي حامل فقال: إن جاءت زوجتي ببنت فهي ~~طالق ثم إنه قبل الولادة جرى بينهم كلام فنزل عن طلقة ثم إنها بعد ذلك وضعت ~~بنتا. فهل يقع على الزوج الطلاق أم لا؟ # فأجاب: # إن كان قد أبانها بالطلقة بأن تكون الطلقة بعوض أو ودعها حتى تنقضي ~~عدتها: فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء. وفيها قولان للشافعي " أحدهما " ~~يقع وهو رواية مخرجة فيذهب أحمد. وإن كان لم يبنها بل راجع في العدة فإن ~~النكاح باق فإن وجدت ms9542 الصفة المعلق بها وقع الطلاق. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تخاصما هو وامرأته وانجرح منها؛ فقال: الطلاق يلزمني منك ثلاثا: ~~إن قلت طلقني طلقتك. فسكتت ثم قالت لأمها: أي شيء يقول؟ قالت أمها يقول ~~كذا. قولي له: طلقني: ثم قالت المرأة: طلقني. فهل يقع طلاق بواحدة؛ أو ~~بثلاث؟ أو لا يقع؟ # PageV33P164 # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم ينو بقوله: إذا قلت طلقني طلقتك. أنه طلقها في المجلس؛ ~~بل يطلقها عند الشهود. وأما إذا لم ينو شيئا لم يحنث إذا افترقا من غير ~~طلاق لكن يطلقها بعد ذلك الطلاق الذي قصد بيمينه. وأما إذا لم يقصد أن ~~يطلقها ثلاثا ولا اثنتين أجزأ أن يطلقها طلقة واحدة. هذا إن كان مقصوده ~~إجابة سؤالها مطلقا. وأما إذا قصد إجابة سؤالها إذا كانت طالبة للطلاق فإذا ~~رجعت وقالت؛ لا أريد الطلاق: لم يكن عليه شيء إذا لم يطلقها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قال لزوجته وهو ساكن بها في غير منزل سكنها: إن قعدت عندكم فأنت ~~طالق؛ وإن سكنت عندكم فأنت طالق؛ ثم قال أيضا: أنت علي حرام؛ ثم انتقل ~~بنفسه ومتاعه دون زوجته إلى مكان آخر؛ وعادت زوجته إلى مكانها الأول؛ فإذا ~~عاد وقعد عند زوجته يقع عليه طلقة واحدة؟ أم طلقتان؟ وهل السكن هو القعود؟ ~~أو بينهما عموم وخصوص؟ وإذا لم ينو بالحرام الطلاق: هل يقع عليه كما لو ~~نوى؟ وهل إذا كان مذهب تزول به هذه الصورة مخالفا لمذهبه هل يجوز له ~~التقليد أم لا؟ # PageV33P165 # فأجاب: الحمد لله. أما قوله: إن قعدت عندكم وإن سكنت عندكم فإن كان نية ~~الحالف بالقعود إذا انتقض سبب تلك الحال؛ بمنزلة من دعي إلى غداء فحلف أنه ~~لا يتغدى؛ فإن سبب اليمين أنه أراد بذلك الغداء المعين ولهذا كان الصحيح ~~أنه لا يحنث بغداء غير ذلك: وهكذا إذا كان قد زار هو وامرأته قوما فرأى من ~~الأحوال ما كره أن تقيم تلك المرأة عندهم فحلف أنه لا يقيم ولا يسكن وقصد ~~على ms9543 تلك الحال أو كان سبب اليمين يدل على ذلك. وأما إن كان قد نوى العموم ~~بحيث قصد أنه لا يقعد عندهم ولا يساكنهم بحال فإنه لا يحنث بالقعود. وإن ~~أطلق اليمين ففيه نزاع مشهور بين العلماء. وحيث يحنث بالقعود فإنه إذا كان ~~القعود الذي قصده هو السكنى لم يحنث بأكثر من طلقة؛ إلا أن يقصد أكثر من ~~ذلك؛ كما لو كرر اليمين بالله على فعل واحد لم يلزمه إلا كفارة واحدة على ~~الصحيح. وإن كان القعود داخلا في ضمن السكنى - كما هو ظاهر اللفظ المطلق - ~~فهذه المسألة تداخل الصفات كما لو قال: إن أكلت تفاحة واحدة: فقد قيل: تقع ~~طلقتان؛ لوجود الصفتين. وقيل: لا يقع إلا طلقة واحدة أيضا. وهو أقوى فإن ~~المفهوم من هذا الكلام أنك طالق سواء أكلت تفاحة كاملة أو نصفها وكذلك إذا ~~قال: إن قعدت. فالقعود " لفظ مشترك " يراد به السكنى مشتملا على العقود ~~ويكون # PageV33P166 # أولا حلف أنه لا يقعد ثم حلف على ما هو أعم من ذلك وهو السكنى فإذا سكن ~~كان الأول بعض الثاني فلا يقع أكثر من طلقة إذا قيل بوقوع الطلاق عليه على ~~أقوى القولين. وأما ### | قوله: " أنت علي حرام " # فإن حلف أن لا يفعل شيئا ففعله: فعليه كفارة يمين. وإن لم يحلف؛ بل حرمها ~~تحريما: فهذا عليه كفارة ظهار ولا يقع به طلاق في الصورتين. وهذا قول جمهور ~~أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين: يقولون: ~~إن الحرام لا يقع به طلاق إذا لم ينوه كما روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان ~~وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم وإن كان من متأخري أتباع ~~بعض الأئمة من زعم أن هذا اللفظ قد صار بحكم العرف صريحا في الطلاق: فهذا ~~ليس من قول هؤلاء الأئمة المتبوعين. وقد كانوا في أول الإسلام يرون لفظ " ~~الظهار " صريحا في الطلاق وهو قوله: أنت علي كظهر أمي حتى تظاهر أوس بن ~~الصامت من امرأته المجادلة التي ثبت حكمها ms9544 فيما أنزل الله {قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} وأفتاها النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولا بالطلاق حتى نسخ الله ذلك وجعل الظهار موجبا للكفارة ولو نوى به ~~الطلاق. # PageV33P167 # " والحرام " نظير الظهار لأن ذلك تشبيه لها بالمحرمة وهذا نطق بالتحريم ~~وكلاهما منكر من القول وزور فقد دل كتاب الله على أن تحريم الحلال يمين ~~بقوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~. مع أن هذا ليس موضع بسط ذلك. وأما تقليد المستفتي للمفتي فالذي عليه ~~الأئمة الأربعة وسائر أئمة العلم أنه ليس على أحد ولا شرع له التزام قول ~~شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأروع ممن يمكنه استفتاؤه. ~~ومنهم من يقول: بل يخير بين المفتين وإذا كان له نوع تمييز فقد قيل: يتبع ~~أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه فإن هذا أولى من التخيير المطلق. وقيل: ~~لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد. والأول أشبه. فإذا ترجح عند ~~المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله بحسب تمييزه وإما لكون قائله أعلم ~~وأروع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل قال لحماته: إن لم تبيعيني جاريتك وإلا ابنتك طالق ثلاثا. فقالوا: ~~ما نبيعك الجارية. فقال؛ ابنتكم طالق ثلاثا. ونيته إن لم تعطيني الجارية؟ # PageV33P168 # فأجاب: # إن كان قد نوى الشرط بقلبه ولم يقصد الطلاق فلا حنث عليه. وهذا مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يلزمه الطلاق فيما بينه وبين الله. والله ~~أعلم. # وسئل: # عن من قال لزوجته: إن دخلت الدار. فأنت طالق. فدخلت ناسية؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت ناسية لم يقع الطلاق ~~في أظهر قولي العلماء وهو مذهب أهل مكة. كعمرو بن دينار وابن جريج وغيرهما ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام الشجاع المقدام ms9545 ليث الحروب وأسد السنة؛ الصابر في ذات ~~الله على المحنة العلم الحجة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ~~رحمه الله رب البرية: # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن صوت وحرف وأن الرحمن على العرش ~~استوى: على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره هل يحنث في هذا؟ أم لا؟ ~~(*) PageV33P169 # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # الحمد لله رب العالمين، إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن ~~والمداد الذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية: فقد حنث في يمينه. وما علمت ~~أحدا من الناس يقول ذلك وإن كان قد يكره تجريد الكلام في المداد الذي في ~~المصحف وفي صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن. ومن الناس من ~~تكلم في صوت العبد وإن كنا نعلم أن الذي نقرؤه هو كلام الله حقيقة؛ لا كلام ~~غيره وأن الذي بين اللوحين هو كلام الله حقيقة؛ لكن ما علمت أحدا حكم على ~~مجموع المداد المكتوب به وصوت العبد بالقرآن: بأنه قديم. ولكن الذين في ~~قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام رسوله وكلام ~~السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان في " باب صفات الله " إلا المعاني ~~التي تليق بالخلق؛ لا بالخالق ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه في كلام ~~الله وكلام رسوله إذا وجدوا ذلك فيها وإن وجدوه في كلام التابعين للسلف ~~افتروا الكذب عليهم ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الذي فهموه أو زادوا ~~عليهم في الألفاظ وغيروها قدرا ووصفا كما نسمع من ألسنتهم ونرى في كتبهم. ~~ثم بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكي هذا المذهب عمن حكوه عنهم ويذم ~~ويبحث مع من لا وجود له وذمه واقع على موصوف غير # PageV33P170 # موجود نظير ما صرف الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {ألا ~~تعجبون من قريش يشتمون مذمما وأنا محمد} . وهذا نظير ما تحكي الرافضة عن ~~أهل السنة من أهل الحديث والفقه والعبادة والمعرفة أنهم ناصبة وتحكي ~~القدرية عنهم أنهم مجبرة وتحكي ms9546 الجهمية عنهم أنهم مشبهة ويحكي من خالف ~~الحديث ونابذ أهله عنهم: أنهم نابتة وحشوية وغثاء وغثرا. إلى غير ذلك من ~~الأسماء المكذوبة. ومن تأمل كتب المتكلمين الذين يخالفون هذا القول وجدهم ~~لا يبحثون في الغالب أو في الجميع إلا مع هذا القول الذي ما علمنا لقائله ~~وجودا. وإن كان مقصود الحالف: أن القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو هذه المائة والأربع عشرة سورة: حروفها ومعانيها وأن القرآن ~~ليس هو الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف؛ بل هو مجموع الحروف ~~والمعاني وأن تلاوتنا للحروف وتصورنا للمعاني لا يخرج المعاني والحروف عن ~~أن تكون موجودة قبل وجودنا: فهذا مذهب المسلمين. ولا حنث عليه. وكذلك إن ~~كان مقصوده أن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم: هو ~~كلام الله سبحانه حقيقة؛ لا مجازا وأنه # PageV33P171 # لا يجوز نفي كونه كلام الله؛ إذ الكلام يضاف حقيقة لمن قاله متصفا به ~~مبتديا وإن كان قد قاله غيره مبلغا مؤديا وهو كلام لمن اتصف به مبتديا؛ لا ~~من بلغه مؤديا. فإنا بالاضطرار نعلم من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودين سلف الأمة أن قائلا لو قال: إن هذه الحروف - حروف القرآن - ما هي من ~~القرآن وإنما القرآن اسم لمجرد المعاني: لأنكروا ذلك عليه غاية الإنكار ~~وكان عندهم بمنزلة من يقول: إن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو ~~داخل في اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هذا اسم للروح دون الجسد. ~~أو يقول: إن الصلاة ليست اسما لحركات القلب والبدن؛ وإنما هي اسم لأعمال ~~القلب فقط. وكذلك ذكر الشهرستاني - وهو من أخبر الناس بالملل والنحل ~~والمقالات في نهاية الإقدام - أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن ~~مذهب سلف الأمة نفي الخلق عنها؛ وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها. ولا ~~يحسب اللبيب أن في العقل أو في السمع ما يخالف ذلك؛ بل من تبحر في المقولات ~~ووقف على أسرارها: علم قطعا أن ليس في ms9547 العقل الصريح الذي لا يكذب قط ما ~~يخالف مذهب السلف وأهل الحديث؛ بل يخالف # PageV33P172 # ما قد يتوهمه المنازعون لهم بظلمة قلوبهم وأهواء نفوسهم؛ أو ما قد ~~يفترونه عليهم لعدم التقوى وقلة الدين. ولو فرض - على سبيل التقدير - أن ~~العقل الصريح الذي لا يكذب يناقض بعض الأخبار: للزوم أحد الأمرين: إما ~~تكذيب الناقل. أو تأويل المنقول؛ لكن - ولله الحمد - هذا لم يقع؛ ولا ينبغي ~~أن يقع قط فإن حفظ الله لما أنزله من الكتاب والحكمة يأبى ذلك. نعم يوجد ~~مثل هذا في أحاديث وضعتها الزنادقة ليشينوا بها أهل الحديث كحديث " عرق ~~الخيل " و " الجمل الأورق " وغير ذلك مما يعلم العلماء بالحديث أنه كذب. ~~ومما يوضح هذا ما قد استفاض عن علماء الإسلام: مثل الشافعي والحميدي؟ وأحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم: من إنكارهم على من زعم أن لفظ القرآن ~~مخلوق والآثار بذلك مشهورة في كتاب ابن أبي حاتم وكتاب اللكائي؛ تلميذ أبي ~~حامد الإسفراييني وكتاب الطبراني؛ وكتاب شيخ الإسلام وغيرهم ممن يطول ذكره. ~~وليس هذا موضع التقرير بالأدلة والأسولة والأجوبة. # PageV33P173 # وكذلك إن كان مراد الحالف بذكر الصوت: التصديق بالآثار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته وتابعيهم التي وافقت القرآن وتلقاها السلف بالقبول: مثل ~~ما خرجا في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من {أن الله ينادي آدم ~~بصوت} وما استشهد به البخاري في هذا الباب من {أن الله ينادي عباده يوم ~~القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب} ومثل {أن الله إذا تكلم ~~بالوحي - القرآن؛ أو غيره - سمع أهل السموات صوته} وفي قول ابن عباس: سمعوا ~~صوت الجبار. وأن الله كلم موسى بصوت. إلى غير ذلك من الآثار التي قالها: ~~إما ذاكرا وإما آثرا: مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة ~~وعبد الله بن أنيس وجابر بن عبد الله ومسروق أحد أعيان كبار التابعين وأبي ~~بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أحد الفقهاء السبعة وعكرمة مولى ابن ~~عباس والزهري وابن ms9548 المبارك وأحمد بن حنبل؛ ومن لا يحصى كثرة. ولا ينقل عن ~~أحد من علماء الإسلام قبل المائة الثانية أنه أنكر ذلك ولا قال خلافه؛ بل ~~كانت الآثار مشهورة بينهم متداولة في كل عصر ومصر؛ بل أنكر ذلك شخص في وقت ~~الإمام أحمد؛ وهو أول الأزمنة التي نبغت فيها البدع بإنكار ذلك على النصوص ~~وإلا فقبله قد نبغ من أنكر ذلك وغيره فهجر أهل الإسلام ما أنكر ذلك. وصار ~~بين المسلمين كالجمل الأجرب. فإن أراد الحالف ما هو منقول عن السلف نقلا ~~صحيحا فلا حنث عليه # PageV33P174 # وأما حلفه: أن " الرحمن على العرش استوى " على ما يفيده الظاهر ويفهمه ~~الناس من ظاهره: فلفظة " الظاهر " قد صارت مشتركة؛ فإن الظاهر في الفطر ~~السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير ~~من المتأخرين. فإن أراد الحالف بالظاهر شيئا من المعاني التي هي من خصائص ~~المحدثين أو ما يقتضي نوع نقص: بأن يتوهم أن الاستواء مثل استواء الأجسام ~~على الأجسام أو كاستواء الأرواح إن كانت لا تدخل عنده في اسم الأجسام: فقد ~~حنث في ذلك وكذب؛ وما أعلم أحدا يقول ذلك؛ إلا ما يروى عن مثل داود ~~الجواربي البصري ومقاتل بن سليمان الخراساني وهشام بن الحكم الرافضي؛ ~~ونحوهم؛ إن صح النقل عنهم فإنه يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ~~نفسه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإن مباينته للمخلوقين وتنزهه عن مشاركتهم ~~أكبر وأعظم مما يعرفه العارفون من خليقته ويصفه الواصفون. وإن كل صفة ~~تستلزم حدوثا أو نقصا غير الحدوث فيجب نفيها عنه. ومن حكى عن أحد من أهل ~~السنة أنه قاس صفاته بصفات خلقه: فهو إما كاذب؛ أو مخطئ. وإن أراد الحالف ~~بالظاهر ما هو الظاهر في فطر المسلمين قبل ظهور الأهواء وتشتت الآراء؛ وهو ~~الظاهر الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى # PageV33P175 # كما أن هذا هو الظاهر في سائر ما يطلق عليه سبحانه من أسمائه وصفاته ~~كالحياة؛ والعلم والقدرة؛ والسمع والبصر؛ والكلام؛ والإرادة والمحبة والغضب ~~والرضا كقوله: {ما ms9549 منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} و {ينزل ربنا إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة} إلى غير ذلك فإن ظاهر هذه الألفاظ إذا أطلقت علينا أن تكون ~~أعراضا أو أجساما؛ لأن ذواتنا كذلك؛ وليس ظاهرها إذا أطلقت على الله سبحانه ~~وتعالى إلا ما يليق بجلاله ويناسب نفسه الكريمة؛ فكما أن لفظ " ذات " و " ~~وجود " و " حقيقة ": تطلق على الله وعلى عباده وهو على ظاهره في الإطلاقين؛ ~~مع القطع بأنه ليس ظاهره في حق الله مساويا لظاهره في حقنا. ولا مشاركا له: ~~فيما يوجب نقصا أو حدوثا سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة أو مشتركة؛ أو ~~مشككة كذلك قوله: {أنزله بعلمه} و {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ~~{لما خلقت بيدي} {الرحمن على العرش استوى} . الباب في الجميع واحد. وكان ~~قدماء " الجهمية " ينكرون جميع الصفات لله التي هي فينا أعراض كالعلم ~~والقدرة. أو أجسام: كاليد والوجه. وحدثاؤهم أقروا بكثير من الصفات التي هي ~~فينا أعراض: كالعلم والقدرة. وأنكروا بعضها والصفات التي هي فينا أجسام. ~~وفيهم من أقر ببعض الصفات التي هي فينا أجسام كاليد. # PageV33P176 # " وأما السلفية " فعلى ما حكاه الخطابي وأبو بكر الخطيب وغيرهما قالوا: ~~مذهب السلف إجراء أحاديث الصفات وآيات الصفات على ظاهرها. مع نفي الكيفية ~~والتشبيه عنها؛ فلا نقول: إن معنى اليد القدرة ولا إن معنى السمع العلم. ~~وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع ~~فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات ~~الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية. فقد أخبرك الخطابي والخطيب - وهما ~~إمامان من أصحاب الشافعي متفق على علمهما بالنقل وعلم الخطابي بالمعاني - ~~أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. والله ~~يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذاهب السلف فما علمت أحدا منهم خالف ذلك. ~~ومن قال من المتأخرين: إن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد. فيجب لمن أحسن به ~~الظن أن يعرف أن معنى قوله " الظاهر " الذي يليق بالمخلوق لا ms9550 بالخالق. ولا ~~شك أن هذا غير مراد. ومن قال: إنه مراد فهو بعد قيام الحجة عليه كافر. فهنا ~~" بحثان ": لفظي ومعنوي. أما المعنوي: فالأقسام ثلاثة في قوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} ونحوه. أن يقال: استواء كاستواء # PageV33P177 # مخلوق: أو يفسر باستواء مستلزم حدوثا أو نقصا: فهذا الذي يحكي عن الضلال ~~المشبهة والمجسمة وهو باطل قطعا بالقرآن وبالعقل. وإما أن يقال: ما ثم ~~استواء حقيقي أصلا ولا على العرش إله ولا فوق السموات رب: فهذا مذهب الضالة ~~الجهمية المعطلة وهو باطل قطعا بما علم بالاضطرار من دين الإسلام لمن أمعن ~~النظر في العلوم النبوية وبما فطر الله عليه خليقته من الإقرار بأنه فوق ~~خلقه كإقرارهم بأنه ربهم. قال ابن قتيبة: ما زالت الأمم عربها وعجمها في ~~جاهليتها وإسلامها معترفة بأن الله في السماء أي على السماء. أو يقال: بل ~~استوى سبحانه على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله ويناسب كبرياءه وأنه ~~فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه مع أنه سبحانه هو حامل للعرش ولحملة ~~العرش وإن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ~~كما قالته أم سلمة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس. فهذا مذهب ~~المسلمين. وهو الظاهر من لفظ استوى عند عامة المسلمين الباقين على الفطر ~~السليمة التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل. هذا هو الذي أراده يزيد بن ~~هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله وهو من أتباع التابعين حيث ~~قال # PageV33P178 # من زعم أن {الرحمن على العرش استوى} خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي ~~فإن الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سمواته كما {أنشد ~~عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم فأقره النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا} # وقال عبد الله بن المبارك - الذي أجمعت فرق الأمة على إمامته وجلالته حتى ~~قيل: إنه أمير المؤمنين في ms9551 كل شيء. وقيل: ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك ~~وقد أخذ عن عامة علماء وقته: مثل الثوري ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي ~~وطبقتهم - قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من ~~خلقه. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة - الملقب إمام الأئمة وهو ممن يعرج ~~أصحاب الشافعي بما ينصره من مذهبه ويكاد يقال: ليس فيهم أعلم بذلك منه -: ~~من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه باين من خلقه: وجب أن يستتاب فإن ~~تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة ولا ~~أهل الذمة وكان ماله فيئا. وقال مالك بن أنس الإمام فيما رواه عنه عبد الله ~~بن نافع وهو مشهور # PageV33P179 # عنه: إن الله في السماء؛ وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان. وقال ~~الإمام أحمد بن حنبل: مثل ما قال مالك وما قاله ابن المبارك. والآثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر علماء الأمة بذلك متواترة عند من ~~تتبعها؟ وقد جمع العلماء فيها مصنفات صغارا وكبارا؛ ومن تتبع الآثار علم ~~أيضا قطعا أنه لا يمكن أن ينقل عن أحد منهم حرف واحد يناقض ذلك؛ بل كلهم ~~مجمعون على كلمة واحدة؛ وعقيدة واحدة؛ يصدق بعضهم بعضا؛ وإن كان بعضهم أعلم ~~من بعض؛ كما أنهم متفقون على الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان فيهم من هو أعلم بخصائص النبوة ومزاياها وحقوقها وموجباتها وحقيقتها ~~وصفاتها. ثم ليس أحد منهم قال يوما من الدهر: ظاهر هذا غير مراد؛ ولا قال ~~هذه الآية أو هذا الحديث مصروف عن ظاهره؛ مع أنهم قد قالوا مثل ذلك في آيات ~~الأحكام المصروفة عن عمومها وظاهرها؛ وتكلموا فيما يستشكل مما قد يتوهم أنه ~~تناقض. وهذا مشهور لمن تأمله. وهذه الصفات أطلقوها بسلامة وطهارة وصفاء لم ~~يشوبوه بكدر ولا غش. ولو لم يكن هذا هو الظاهر عند المسلمين لكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم سلف الأمة قالوا للأمة: الظاهر الذي تفهمونه ms9552 غير ~~مراد ولكان أحد من المسلمين استشكل هذه الآية وغيرها. # PageV33P180 # فإن كان بعض المتأخرين قد زاغ قلبه حتى صار يظهر له من الآية معنى فاسد ~~مما يقتضي حدوثا أو نقصا: فلا شك أن الظاهر لهذا الزايغ غير مراد. وإذا ~~رأينا رجلا يفهم من الآية هذا الظاهر الفاسد قررنا عنده " أولا ": أن هذا ~~المعنى ليس مفهوما من ظاهر الآية. ثم قررنا عنده " ثانيا " أنه في نفسه ~~معنى فاسد. حتى لو فرض أنه ظاهر الآية - وإن كان هذا فرض ما لا حقيقة له - ~~لوجب صرف الآية عن ظاهرها كسائر الظواهر التي عارضها ما أوجب أن المراد بها ~~غير الظاهر. واعلم أن من لم يحكم دلالات اللفظ ويعلم أن ظهور المعنى من ~~اللفظ: تارة يكون بالوضع اللغوي؛ أو العرفي؛ أو الشرعي؛ إما في الألفاظ ~~المفردة وإما في المركبة. وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذي ~~تتغير به دلالته في نفسه. وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التي ~~تجعله مجازا. وتارة بما يدل عليه حال المتكلم والمخاطب والمتكلم فيه. ~~وسيأتي الكلام الذي يعين أحد محتملات اللفظ أو يبين أن المراد به هو مجازه ~~إلى غير ذلك من الأسباب التي تعطي اللفظ صفة الظهور؛ وإلا فقد يتخبط في هذه ~~المواضع. نعم إذا لم يقترن باللفظ قط شيء من القرائن المتصلة التي تبين ~~مراد المتكلم؛ بل علم مراده بدليل آخر لفظي منفصل: فهنا أريد به خلاف ~~الظاهر. كالعموم المخصوص بدليل منفصل. وإن كان الصارف عقليا ظاهرا: ففي ~~تسمية المراد خلاف الظاهر. خلاف مشهور في " أصول الفقه ". # PageV33P181 # وبالجملة فإذا عرف المقصود فقولنا: هذا هو الظاهر. أو ليس هو الظاهر: ~~خلاف لفظي؛ فإن كان الحالف ممن في عرف خطابه أن ظاهر هذه الآية ما هو مماثل ~~لصفات المخلوقين: فقد حنث. وإن كان في عرف خطابه أن ظاهرها هو ما يليق ~~بالله تعالى لم يحنث. وإن لم يعلم عرف أهل ناحيته في هذه اللفظة: ولم يكن ~~سبب يستدل به على مراده وتعذر العلم بنيته: فقد جاز أن ms9553 يكون أراد معنى ~~صحيحا وجاز أن يكون أراد معنى باطلا: فلا يحنث بالشك. وهذا كله تفريع على ~~قول من يقول: إن من حلف على شيء يعتقده. كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث. ~~وأما على قول من لم يحنثه فالحكم في يمينه ظاهر. واعلم أن عامة من ينكر هذه ~~الصفة وأمثالها إذا بحثت عن الوجه الذي أنكروه وجدتهم قد اعتقدوا أن ظاهر ~~هذه الآية كاستواء المخلوقين. أو استواء يستلزم حدوثا أو نقصا ثم حكوا عن ~~مخالفهم هذا القول ثم تبعوا في إقامة الأدلة على بطلانه ثم يقولون: فيتعين ~~تأويله: إما بالاستيلاء أو بالظهور والتجلي أو بالفضل والرجحان الذي هو علو ~~القدر والمكانة. ويبقى " المعنى الثالث " وهو: استواء يليق بجلاله يكون ~~دلالة هذا اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة والسمع والبصر على ~~معانيها: قد دل السمع عليه # PageV33P182 # بل من أكثر النظر في آثار الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالاضطرار أنه ~~ألقى إلى الأمة إن ربكم الذي تعبدونه فوق كل شيء وعلى كل شيء. فوق العرش ~~وفوق السموات. وعلم أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل ~~شيء عليم وعلى كل شيء قدير. وأنه لا ينقل عن واحد لفظ يدل لا نصا ولا ظاهرا ~~على خلاف ذلك. ولا قال أحد منهم يوما من الدهر إن ربنا ليس فوق العرش أو ~~أنه ليس على العرش أو أن استواءه على العرش كاستوائه على البحر. إلى غير ~~ذلك من ترهات الجهمية ولا مثل استواءه باستواء المخلوق ولا أثبت له صفة ~~تستلزم حدوثا أو نقصا. والذي يبين لك خطأ من أطلق " الظاهر " على المعنى ~~الذي يليق بالخلق: أن الألفاظ " نوعان ". " أحدهما " ما معناه مفرد: كلفظ ~~الأسد والحمار والبحر والكلب. فهذه إذا قيل: " أسد الله وأسد رسوله " أو ~~قيل للبليد: حمار. أو للعالم أو السخي أو الجواد من الخيل: بحر. أو قيل ~~للأسد: كلب. فهذا مجاز؛ # PageV33P183 # ثم إن قرنت به قرينة تبين المراد {كقول النبي صلى الله عليه وسلم لفرس ~~أبي طلحة: إن ms9554 وجدناه لبحرا} وقوله: {إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله ~~على المشركين} {وقوله لعثمان: إن الله يقمصك قميصا} وقول ابن عباس: الحجر ~~الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه وصافحه فكأنما بايع ربه. أو كما قال. ~~ونحو ذلك. فهذا اللفظ فيه تجوز؛ وإن كان قد ظهر من اللفظ مراد صاحبه. وهو ~~محمول على هذا الظاهر في استعمال هذا المتكلم؟ لا على الظاهر في الوضع ~~الأول وكل من سمع هذا القول علم المراد به وسبق ذلك إلى ذهنه لاستحالة ~~إرادة المعنى الأول وهذا يوجب أن يكون نصا؛ لا محتملا. وليس حمل اللفظ على ~~هذا المعنى من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال ~~المرجوح في شيء. وهذا أحد مثارات غلط الغالطين في هذا الباب حيث يتوهم أن ~~المعنى المفهوم من هذا اللفظ مخالف للظاهر وأن اللفظ متأول. " النوع الثاني ~~" من الألفاظ ما في معناه إضافة: إما بأن يكون المعنى إضافة محضة: كالعلو ~~والسفول وفوق وتحت. ونحو ذلك. أو أن يكون معنى ثبوتيا فيه إضافة: كالعلم ~~والحب والقدرة والعجز # PageV33P184 # والسمع والبصر فهذا النوع من الألفاظ لا يمكن أن يوجد له معنى مفرد بحسب ~~بعض موارده؛ لوجهين. " أحدهما " أنه لم يستعمل مفردا قط. " الثاني " أن ذلك ~~يلزم منه الاشتراك أو المجاز؛ بل يجعل حقيقة في القدر المشترك بين موارده. ~~وما نحن فيه من هذا الباب؛ فإن لفظ استوى لم تستعمله العرب في خصوص جلوس ~~الآدمي - مثلا - على سريره حقيقة حتى يصير في غيره مجازا: كما أن لفظ " ~~العلم " لم تستعمله العرب في خصوص العرف القائم بقلب البشر المنقسم إلى " ~~ضروري " و " نظري " حقيقة واستعملته في غيره مجازا؛ بل المعنى تارة: يستعمل ~~بلا تعدية كما في قوله: {ولما بلغ أشده واستوى} . وتارة: يعدى بحرف الغاية ~~كما في قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} . وتارة: يعدى بحرف ~~الاستعلاء. ثم هذا تارة: يكون صفة لله. وتارة: يكون صفة لخلقه. فلا يجب أن ~~يجعل في أحد الموضعين حقيقة وفي الآخر مجازا. ولا ms9555 يجوز أن يفهم من استواء ~~الله الخاصية التي تثبت للمخلوق دون الخالق؛ كما في قوله تعالى {والسماء ~~بنيناها بأيد} وقوله تعالى {مما عملت أيدينا} وقوله # PageV33P185 # تعالى {صنع الله الذي أتقن كل شيء} وقوله تعالى {ولقد كتبنا في الزبور} ~~{وكتبنا له في الألواح من كل شيء} فهل يستحل مسلم أن يثبت لربه خاصية ~~الآدمي الباني الصانع الكاتب العامل؟ أم يستحل أن ينفي عنه حقيقة العمل ~~والبناء كما يختص به ويليق بجلاله؟ أم يستحل أن يقول: هذه الألفاظ مصروفة ~~عن ظاهرها؟ أم الذي يجب أن يقول: عمل كل أحد بحسبه فكما أن ذاته ليست مثل ~~ذوات خلقه: فعمله وصنعه وبناؤه؛ ليس مثل عملهم وصنعهم وبنائهم. ونحن لم ~~نفهم من قولنا: بنى فلان. وكتب فلان: ما في عمله من المعالجة والتأثر إلا ~~من جهة علمنا بحال الباني؛ لا من جهة مجرد اللفظ الذي هو لفظ الفعل وما يدل ~~عليه بخصوص إضافته إلى الفاعل المعين. وبهذا ينكشف لك كثير مما يشكل على ~~كثير من الناس وترى مواقع اللبس في كثير من هذا الباب. والله يوفقنا وسائر ~~إخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل. ويجمع قلوبنا على دينه ~~الذي ارتضاه لنفسه وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وصلى الله على محمد صاحب الحوض ~~المورود وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # PageV33P186 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن لا يدخل دار جاره ثم اضطر إلى الدخول فدخل: ~~فهل يقع عليه طلاق بذلك أم لا؟ وإذا لزمه الكفارة فما الدليل على لزومها؟ # فأجاب - رضي الله عنه - فقال: # الحمد لله، إذا حلف بالطلاق أو العتاق يمينا تقتضي حضا أو منعا كقوله: ~~الطلاق أو العتق يلزمه ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا. أو قوله: إن فعلت كذا ~~فامرأتي طالق. أو فعبدي حر. ونحو ذلك: فللعلماء فيها ثلاثة أقوال. " أحدها ~~" أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق. وهذا قول بعض التابعين وهو المشهور ~~عند أكثر الفقهاء. ms9556 " والثاني " لا يقع به شيء ولا كفارة عليه. وهذا مأثور ~~عن بعض السلف وهو مذهب داود وابن حزم. وغيرهما من المتأخرين؛ ولهذا كان ~~سفيان بن عيينة شيخ الشافعي وأحمد لا يفتي بالوقوع؛ فإنه روى # PageV33P187 # عن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا. فقيل له: أكان يراه ~~يمينا قال: لا أدري. فجزم بأنه لم يكن يوقع الطلاق وشك هل كان يجعله يمينا ~~فيها كفارة؟ " والقول الثالث " أنه يجزئه كفارة يمين وهذا مأثور عن طائفة ~~من الصحابة وغيرهم في العتق كما نقل ذلك عن عمر وحفصة بنت عمر وزينب ربيبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أفتوا من قال لفلان: إن لم أفرق بينك ~~وبين امرأتك فمالي صدقة وأرقائي أحرار. فقالوا: كفر عن يمينك ودع الرجل مع ~~امرأته: يا هاروت وماروت وهذا قول أبي ثور وغيره من الفقهاء في العتق وكذلك ~~رواه حماد بن سلمة في " جامعه " عن حبيب بن الشهيد. أنه سأل الحسن البصري ~~عن رجل قال: كل مملوك له حر إن دخل على أخيه. فقال: يكفر عن يمينه. وروي ~~ذلك عن أبي هريرة وأم سلمة قال أبو بكر الأثرم في مسنده ثنا عارم بن الفضل ~~ثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي: ثنا بكر بن عبد الله أخبرني أبو رافع قال ~~قالت مولاتي ليلى بنت العجماء؛ كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي ~~يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال: ~~فأتيت زينب بنت أم سلمة - وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب ~~قال: فأتيتها فجاءت - يعني إليها - # PageV33P188 # فقالت: في البيت هاروت وماروت قالت يا زينب جعلني الله فداك: إنها قالت ~~كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ~~ونصرانية خلي بين الرجل وبين امرأته يعني وكفري يمينك. فأتيت حفصة أم ~~المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها؛ فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك: ~~إنها قالت كل مملوك لها محرر وكل مال هدي وهي ms9557 يهودية وهي نصرانية. فقالت ~~يهودية ونصرانية خلي بين الرجل وبين امرأتك. يعني وكفري عن يمينك. فأتت عبد ~~الله بن عمر فجاء يعني إليها؛ فقام على الباب فسلم؛ فقالت (سا أنت وسا ~~أبوك؛ فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أنت؟ . من أي شيء أنت أفتتك زينب ~~وأفتتك حفصة أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني ~~الله فداك: إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي ~~نصرانية. فقال: يهودية ونصرانية كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وبين امرأته. ~~وهذا الأثر معروف؛ قد رواه حميد أيضا وغيره عن بكر بن عبد الله المزني. ~~ورواه أحمد وغيره وذكروا أن الثلاثة أفتوها بكفارة يمين لكن سليمان التيمي ~~ذكر في روايته: كل مملوك لها حر؛ ولم يذكر هذه الزيادة حميد وغيره. وبهذا ~~أجاب أحمد لما فرق بين الحلف بالعتق والحلف بغيره. # PageV33P189 # وعارض ذلك أثر آخر ذكره عن ابن عمر وابن عباس فقال المروذي: قال أبو عبد ~~الله: إذا قال كل مملوك له حر: فيعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس ~~فيهما كفارة. وقال: ليس قول: كل مملوك لها حر. في حديث ليلى بنت العجماء. ~~وحديث أبي رافع أنها سألت ابن عمر وحفصة. وزينب وذكرت العتق فأفتوها بكفارة ~~اليمين وأما حميد وغيره فلم يذكروا العتق. قال: وسألت أبا عبد الله عن حديث ~~أبي رافع قصة امرأته وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين قلت ~~فيها المشي؟ قال: نعم. أذهب إلى أن فيها كفارة يمين قال أبو عبد الله ليست ~~تقول فيه كل مملوك إلا (1) قلت: فإذا حلف بعتق مملوكه يحنث؟ قال: يعتق كذا ~~يروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا للجارية تعتق ثم قال: ما سمعنا إلا ~~من عبد الرزاق عن معمر. وقلت: فإيش إسناده؟ قال: معمر؛ عن إسماعيل بن أمية ~~عن عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس. وقال: إسماعيل بن أمية وأيوب بن ~~موسى: مكيان. وقال أبو طالب قال أبو عبد ms9558 الله: من حلف بالمشي إلى بيت الله ~~وهو يحرم بحجة وهو يهدي وماله في المساكين صدقة وكل يمين يكفر عندها عقد ~~يمين يحلف على شيء فإنما هي كفارة يمين على حديث بكر عن أبي رافع في قصة ~~حفصة. حلفت لتفرقن بينها وبين زوجها فقالت: يا هاروت وماروت كفري عن يمينك ~~واعتقي جاريتك فجعل ذلك كله كفارة يمين عن العتق: فهذا أفضل؛ وذلك أن العتق ~~ليس فيه كفارة ولا استثناء. والاستثناء PageV33P190 # دائما يكون في اليمين التي تكفر فأوجب العتق؛ وجعل في غيره كفارة. قلت: ~~فهذا الذي ذكره الإمام أحمد - رضي الله عنه - في أجوبته؛ ولكن المنصوص عنه ~~في غير موضع يقتضي أنه يجزئه كفارة يمين؛ فإنه قد نص في غير موضع: أن ~~الاستثناء لا يكون [إلا] (1) في اليمين المكفرة ونص على أنه إذا حلف ~~بالطلاق والعتاق فإن مذهبه أنه لا ينفعه الاستثناء؛ فإن له أن يستثني: ~~بخلاف ما إذا أوقع الطلاق والعتاق قولا واحدا كما نقل ذلك عن ابن عباس وهو ~~مذهب مالك وغيره. وقد نقل عن أحمد " الشيخ أبو حامد الإسفراييني " ومن ~~اتبعه: الفرق في الاستثناء بين الطلاق والعتاق وذلك غلط على أحمد؛ إنما هذا ~~قول القدرية؛ فإنهم يقولون إن المشيئة بمعنى الأمر والعتق طاعة؛ بخلاف ~~الطلاق. فإذا قال: عبده حر إن شاء الله وقع العتق. وإذا قال: امرأته طالق ~~إن شاء الله لم يقع الطلاق. ورووا في ذلك حديثا مسندا من رواية أهل الشام ~~عن معاذ وهو مما وضعته القدرية الذين كانوا بالشام. وسبب الغلط في ذلك: أن ~~أحمد قال فيمن قال: إن ملكت فلانا فهو حر إن شاء الله فملكه عتق. وقال فيمن ~~قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق إن شاء الله PageV33P191 # فتزوجها لم تطلق. ففرق بين التعليقين؛ لأن من أصله أن العتق معلق بالملك ~~لأنه من باب القرب كالنذر فيصح تعليقه على الملك كما في قوله تعالى {ومنهم ~~من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} والعتق يصح أن ~~يكون مقصودا بالملك؛ ولهذا يصح ms9559 بيع العبد بشرط عتقه بخلاف الطلاق فإنه ليس ~~هو المقصود بالنكاح. فلو قيل: إنه يقع عليه لم يكن للنكاح فائدة والعقود ~~التي لا يحصل بها مقصودها باطلة. فلما فرق أحمد في هذه المسألة بين الطلاق ~~والعتق اعتقد من نقل عنه أن الفرق لأجل الاستثناء بالمشيئة وذلك غلط عليه. ~~والمقصود هنا أنه يتنوع الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق فإذا قال: إن ~~فعلت كذا فعبدي حر؛ أو فامرأتي طالق إن شاء الله نفعه الاستثناء في أصح ~~الروايتين عنه وإذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله. فقال طائفة ~~من أصحابه: كأبي محمد وأبي البركات - هنا ينفعه الاستثناء قولا واحدا. ~~وقيل: بل الروايتان في صيغة القسم وفي صيغة التعليق؛ وهذا أشبه بكلام أحمد؛ ~~وهو مذهب مالك وأصحابه؛ فإن لهم في النوعين قولين فإذا كان أحمد في أصح ~~الروايتين عنه يجوز الاستثناء في الحلف بالعتق سواء كان بصيغة الجزاء أو ~~بصيغة القسم مع قوله: إن الاستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفرة - لزم من ~~ذلك أن تكون هذه من الأيمان المكفرة. قال في رواية # PageV33P192 # أبي طالب - وقد سئل عن الاستثناء فقال: الاستثناء فيما يكفر قال الله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} فكل يمين فيها كفارة؛ غير ~~الطلاق والعتاق. وأما كون سليمان التيمي هو الذي ذكر: كل مملوك له حر. ~~فسليمان التيمي ثقة ثبت؛ وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة؛ وسببه - ~~والله أعلم - أن يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه؛ لما فيه من النزاع. ~~يبين ذلك: أن من الناس من لم يذكر العتق في ذلك عن التيمي أيضا مع أن ~~التيمي كان يذكر العتق بلا نزاع. قال الميموني: قال أحمد وابن أبي عدي: لم ~~يذكروا في حديث أبي رافع عتق. قلت: ومحمد بن أبي عدي هو أجل من روى عن ~~التيمي فعلم أن من الرواة من كان يترك هذه الزيادة مع أنها ثابتة في ~~الحديث؛ ولهذا لما ثبتت عند أبي ثور أخذ بها. وأما الرواية الأخرى عن ابن ~~عباس وابن عمر ms9560 فقد قال أحمد ما سمعناه إلا من عبد الرزاق وعن معمر. وعثمان ~~بن حاضر قد قيل: إنه سمع من ابن عباس وقال أبو زرعة: هو يماني حميري ثقة ~~وقد روى له أبو داود وابن ماجه. والأثر الأول أثبت؛ ورجاله ورواته من أهل ~~العلم والفقهاء الذين يعلمون ما يروون؛ وهذا الأثر فيه تمويه؛ ولم يضبط لنا ~~لفظه. وقد بسط # PageV33P193 # الكلام على تضعيفه في موضع آخر؛ فإن صح كان في ذلك نزاع عن الصحابة وقد ~~ذكر البخاري عن ابن عمر أثرا في الطلاق يحتمل أن يكون من هذا الباب ويحتمل ~~ألا يكون منه. " وبالجملة " فالنزاع في هذه المسألة ثابت بين السلف: كعطاء ~~والحسن البصري وغيرهما وقد ذكر أبو محمد المقدسي في شرح قول الخرقي: " ومن ~~حلف بعتق ما يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك: من عبيده وإمائه ومكاتبيه ~~ومدبريه وأمهات أولاده وشقص يملكه من مملوك ". فقال: معناه إذا قال إن فعلت ~~كذا فكل مملوك لي حر وعتيق. أو: فكل ما أملك حر؛ فإن هذا إذا حنث عتق ~~مماليكه ولم يغن عنه كفارة وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس؛ وبه قال ابن أبي ~~ليلى؛ والثوري؛ ومالك والأوزاعي؛ والليث؛ والشافعي؛ وإسحاق قال: وروي عن ~~ابن عمر؛ وأبي هريرة؛ وعائشة وأم سلمة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة والحسن ~~وأبي ثور: يجزئه كفارة يمين؛ لأنها يمين فتدخل في عموم قوله تعالى {فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين} وذكر حديث أبي رافع المتقدم قال: ولنا أنه علق العتق ~~على شرط وهو قابل للتعليق فينتفع بوجود شرطه كالطلاق والآية مخصوصة بالطلاق ~~والعتق في معناه؛ ولأن العتق ليس بيمين في الحقيقة؛ إنما هو تعليق بشرط ~~فأشبه الطلاق. قال: فأما حديث أبي رافع فإن أحمد # PageV33P194 # قال فيه: كفر عن يمينك. واعتق جاريتك؛ وهذه زيادة يجب قبولها ويحتمل أنها ~~لم يكن لها مملوك سواها. قلت: القياس المذكور عندهم منتقض بكل ما يعلقه ~~بالشرط: من صدقة المال والمشي إلى مكة والهدي وقوله: إن فعلت كذا فعلي أن ~~أعتق أو أطلق وقوله: إن ms9561 فعل كذا فهو يهودي أو نصراني وأمثال ذلك مما صيغته ~~صيغة الشرط وهو عندهم يمين اعتبارا بمعناه. والأصل الذي مشى عليه ممنوع؛ ~~فإن الطلاق فيه نزاع؛ بل إذا لم يوقعوا العتاق مع كونه قربة فأولى ألا ~~يوقعوا الطلاق. وأبو ثور لم يسلم الطلاق؛ لكن قال: إن كان فيه إجماع ~~فالإجماع أولى ما اتبع؛ وإلا فالقياس أنه كالعتاق - وقد علم أنه ليس فيه ~~إجماع. وأما ما ذكره من الزيادة في حديث أبي رافع وأنهم قالوا: اعتقي ~~جاريتك. فهذا غلط فإن هذا الحديث لم يذكر فيه أحد أنهم قالوا: اعتقي جاريتك ~~وقد رواه أحمد والجوزجاني والأثرم وابن أبي شيبة وحرب الكرماني وغير واحد ~~من المصنفين: فلم يذكروا ذلك. وكلام أحمد في عامة أجوبته يبين أنه لم يذكر ~~أحمد عنهم ذلك؛ وإنما أجاب بكون الحلف بعتق المملوك إنما ذكره التيمي. وأبو ~~محمد نقل ذلك من " جامع الخلال " والخلال ذكر ذلك في ضمن مسألة أبي طالب # PageV33P195 # كما قد بيناه. وذلك غلط على أحمد. وأبو طالب له أحيانا غلطات في فهم ما ~~يرويه: هذا منها. وأما ما نقله عن أحمد من أن الاستثناء لا يكون إلا في ~~اليمين المكفرة: فهذا نقله عن أحمد غير واحد مع أن أبا طالب ثقة والغالب ~~على روايته الصحة؛ ولكن ربما غلط في اللفظ. فأما نقله: أن الاستثناء فيما ~~يكفر فلم يغلط فيه؛ بل نقله كما نقله غيره. قال هارون بن عبد الله: قيل ~~لأبي عبد الله: أليس قد كان ابن عباس يرى الاستثناء بعد حين؟ قال: إنما هذا ~~في القول؛ ليس في اليمين؛ كان يذهب إلى قول الله عز وجل: {ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} قال أبو عبد الله: إنما هذا في القول؛ ~~ليس في اليمين وإنما يكون الاستثناء جائزا فيما تكون فيه الكفارة إذا حلف ~~بالطلاق والعتاق لا يكفر. فقد نص على أن الاستثناء لا يكون إلا في اليمين ~~المكفرة فإذا كان قد نص مع ذلك على جواز الاستثناء فيما إذا حلف ms9562 بالطلاق ~~والعتاق لزمه إجراء الكفارة في ذلك وهذا الذي قاله هو مقتضى الكتاب والسنة ~~فإن الله تعالى قال: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} إلى قوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقا وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا # PageV33P196 # وقد قال صلى الله عليه وسلم {من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن ~~شاء ترك} فما دخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم دخل في قول الله تعالى. ~~والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء؛ ~~بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة. # وأما ### | التعليق المحض # كقوله: إن طلعت الشمس فأنت طالق. ففيه قولان مشهوران لهم ومذهب الشافعي ~~وأصحاب أحمد في أحد الوجهين ليس بيمين كاختيار القاضي أبي يعلى. ومذهب أبي ~~حنيفة وأصحاب أحمد في الوجه الآخر: هو يمين كاختيار أبي الخطاب وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه} وهذا عام يقتضي أن كل يمين فيها هذا فما لا ~~يمكن فيه هذا فليس بيمين. " والمقصود " هنا ذكر تحرير المنقول عن السلف ~~والأئمة في هذه المسألة. وسيأتي ذكر الدلائل إن شاء الله تعالى وذكر ~~البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: لا طلاق إلا عن وطر ولا عتق إلا ما ~~ابتغي به وجه # PageV33P197 # الله. ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق ليس له غرض بالطلاق ولا هو متقرب ~~بالعتق؛ بل هو حالف بهما؛ وأما الطلاق فقد قيل: إن فيه كفارة. وقيل: لا ~~كفارة فيه. وهذا الثاني قول داود وأصحابه. والشيعة يقولون: لا يقع به ~~الطلاق ولا يلزمه كفارة. وهو قول ضعيف وإن كان القول بلزوم الطلاق وعدم ~~التكفير ضعيفا أيضا وهو أضعف منه. والقول بلزوم الكفارة هو المأثور عن ~~طاووس وغيره؛ وهو مقتضى أقوال الصحابة وبه أفتى جماعة من المفتين المالكية ~~وغيرهم ولا ريب ms9563 أن الطلاق أولى ألا يقع من العتق فإذا أفتى الصحابة بأنه لا ~~يقع العتق فالطلاق أولى؛ ولكن أبا ثور لم يبلغه في الطلاق شيء فقال؛ القياس ~~يقتضي أن الطلاق لا يقع أيضا؛ إلا أن يكون فيه إجماع فهو أولى أن يتبع. # وأما إذا قال: إذا فعلت كذا فعلي أن أعتق عبدي أو أطلق امرأتي ومالي صدقة ~~وعلي الحج أو فعلي صوم كذا ونحو ذلك فهنا يجزئه كفارة يمين في مذهب أحمد ~~والشافعي وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهي رواية محمد. ويقال: إن أبا ~~حنيفة رجع إليها وقول طائفة من أصحاب مالك وهو المأثور عن عامة الصحابة ~~والتابعين ويسميه الفقهاء " نذر اللجاج والغضب ". هذا إذا كان المنذور ~~قربة: كان العتق ونحوه فإن لم يكن قربة كالطلاق فلا شيء فيه عند أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد في رواية؛ لكن المشهور عنه: أن عليه كفارة يمين. # PageV33P198 # " فنذر التبرر " مثل أن يكون مقصود الناذر حصول الشرط ويلتزم فعل الجزاء ~~شكرا لله تعالى؛ كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا ~~أو نحو ذلك: فهذا النذر عليه أن يوفي به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه} رواه البخاري. ~~وأما " نذر اللجاج والغضب " فقصد الناذر أن لا يكون الشرط ولا الجزاء: مثل ~~أن يقال له: سافر مع فلان. فيقول: إن سافرت فعلي صوم كذا وكذا أو علي الحج. ~~فمقصوده أن لا يفعل الشرط ولا الجزاء وكما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن ~~فعل كذا. أو إن فعل كذا فهو كافر ونحو ذلك؛ فإن الأئمة متفقون على أنه إذا ~~وجد الشرط فلا يكفر بل عليه كفارة يمين عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور ~~عنه. وعند مالك والشافعي لا شيء عليه؛ بخلاف ما إذا قال: إن أعطيتموني ~~الدراهم كفرت فإنه يكفر بذلك؛ بل ينجز كفره؛ لأنه قصد حصول الكفر عند وجود ~~الشرط. فطائفة من الفقهاء نظروا إلى لفظ ms9564 الناذر فقالوا: قد علق الحكم بشرط ~~فيجب وجوده عند وجود الشرط؛ ولم يفرقوا بين " نذر اللجاج " و " نذر التبرر ~~". وأما الصحابة وجمهور السلف والمحققون فقالوا: الاعتبار بمعنى اللفظ. ~~والمشترط هنا قصده وجود الشرط والجزاء؛ وهناك قصده أن لا يكون # PageV33P199 # هذا ولا هذا؛ ولهذا يحلف بصيغة الشرط تارة. وبصيغة القسم أخرى. مثل أن ~~يقول: علي الحج لأفعلن كذا أو لا فعلت كذا أو علي العتق إن فعلت كذا أو لا ~~فعلت كذا. وهذا حجة من أمره بكفارة في العتق وكذا في الطلاق؛ فإنه إذا قيل ~~له: سافر. فقال: عليه العتق أو الطلاق لا يفعل كذا أو إن فعل كذا فعبده حر ~~أو امرأته طالق: فقصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء: فهو حالف بذلك؛ لا ~~موقع له. قالوا: وهذا الحالف التزم وقوع الطلاق فهو كما لو التزم إيقاعه ~~بأن يقول: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق أو أطلق. ولو قال هذا لم يلزمه أن يطلق ~~باتفاق الأئمة؛ لكن في وجوب الإعتاق قولان. فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لا ~~يقع به طلاق ولا عتاق؛ لكن الشافعي يلزمه الكفارة إذا لم يعتق ولا يلزمه ~~الكفارة إذا لم يطلق. في المشهور من مذهبه. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. ~~وأحمد يلزمه الكفارة فيهما على ظاهر مذهبه وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأن ~~المنذور إذا لم يكن قربة لم يكن عليه فعله بالاتفاق ومذهب الشافعي وغيره ~~المشهور: لا كفارة عليه إذا لم يفعله. ومذهب أحمد المشهور: عليه كفارة ~~يمين. قال هؤلاء: التزامه الوقوع كالتزامه الكفر؛ ولو التزمه لم يكفر ~~بالاتفاق؛ بل عليه كفارة يمين في إحدى القولين كما تقدم. # PageV33P200 # قال الموقعون للطلاق والعتاق: الفرق بينهما أنه هنا التزم حكما شرعيا وهو ~~الوقوع وهناك التزم فعلا من أفعاله وهو الإيقاع كقوله: فعلي الحج أو علي ~~الصوم أو علي الصدقة وهو في الفعل مخير بين أن يفعله وبين أن يتركه ويكفر؛ ~~بخلاف الحكم فإنه إلى الله تعالى. قالوا: وقد ثبت أن الخلع جائز بنص القرآن ~~والسنة فإذا قال لامرأته: إن ms9565 أعطيتني كذا فأنت طالق. فأعطته إياه وقع ~~الطلاق. فيقاس عليه سائر الشروط إذا علق بها الطلاق وقع وكذلك ثبت جواز ~~الكتابة بالكتاب والسنة وفي معناها ما إذا قال لعبده: إن أعطيتني ألفا فأنت ~~حر؛ وكذلك تعليق العتق بسائر الشروط. فهذا منتهى ما يحتج به هؤلاء. وأما ~~أولئك فيقولون. قولكم إن اللازم بها حكم شرعي وهناك فعل غلط؛ بل اللازم ~~المعلق بالشرط في كلا الموضعين حكم شرعي؛ لكن في إحداهما وقوع وفي الآخرة ~~وجوب. فقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج. إنما يكون فيه وجوب الحج؛ لا نفس ~~فعله. ثم يقال: لا فرق بين أن يكون الجزاء حكما شرعيا أو أن يكون ملازما ~~له. كالسبب والمسبب اللازم له؛ فإنه لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل ~~كذا. فقد التزم حكما وذلك لا يلزمه عند وقوع الشرط بلا نزاع. وأيضا فلو ~~قال: إن فعلت كذا فعلي الصوم؛ أو فعلي الحج. فالجزاء وجوب الصوم والحج. ثم ~~إذا وجب عليه فعله بحكم الوجوب فالوجوب # PageV33P201 # هو التعليق بالشرط؛ ليس المعلق بالشرط نفس فعله؛ إذ لو كان المعلق نفس ~~فعله لوجد عند وجود الشرط اللغوي ولكن المعلق وجوب الإعتاق والحج ونحو ذلك ~~ثم هو مخير بين التزام هذا الوجوب؛ وبين التكفير. وفيما إذا قال: إن فعلت ~~كذا فعبدي حر. فالجزاء نفس الحرية ومقتضاها تحريم استعباده وكذلك وقوع ~~الطلاق موجبه تحريم استمتاعه. فالتحريم هنا موجب الجزاء؛ لا نفس الجزاء. ~~وهذا من باب خطاب الوضع والإخبار؛ وذلك من خطاب التكليف. وكذا قوله: إن ~~فعلت كذا فمالي صدقة؛ فإنه التزم أن يصير المال صدقة. فهذا حكم شرعي؛ لا ~~فعل؛ لكن إذا صار صدقة لزمه أن يخرجه. ولو قال: فعبدي حر التزم أن يصير حرا ~~فلو قال. فعلي أن أعتق هذا فالملتزم وجوب العتق. ثم إذا وجب كان عليه فعله. ~~ومع هذا فله رفع الوجوب؛ وإذا قال: فهو حر فإنه التزم نفس الحرية وهو إذا ~~صار حرا كان عليه إرساله كما أن المرأة إذا صارت طالقة ثلاثا كان عليه ~~إرسالها ms9566 وأن لا يخلو بها ولا يطأها. فالناذر في هذه الصورة التزم الحكم ~~والفعل يتبعه. ثم إذا فعل ما أوجبه فهو الإيقاع للطلاق والعتق: حصل الوقوع. ~~فموجب التعليق وجوب يتبعه إيقاع ووقوع. ثم إذا قصد بهذا التعليق اليمين صار ~~يمينا؛ ولم يلزمه الوجوب ولا الإيقاع ولا الوقوع. فإذا كان قصد اليمين منع ~~الثلاثة فلأن يمنع واحد منها وهو الوقوع بطريق الأولى. # PageV33P202 # قالوا: ولأن المظاهر والمحرم إذا قال: أنت علي كظهر أمي وأنت علي حرام. ~~إنما التزم حكما شرعيا؛ لم يلتزم فعلا. ومع هذا فدخلت في ذلك الكفارة. ~~قالوا: فكما أنه يخير فيما إذا كان الملتزم وجوب العتق بين أن يلتزمه أو ~~يكفر فكذلك إذا التزم وقوعه يخير بين أن يلتزم وقوعه فيعتقه ويرسل العبد ~~فيكون إعتاقه إرساله إمضاء للمنذور؛ وبين أن لا يعتقه ولا يرسله فلا يكفر ~~إمضاء له؛ بل يكون عليه كفارة كما إذا قال: إن فعلت كذا فهذا المال صدقة أو ~~هذا البعير هدي وحنث. فهو مخير بين أن يتصدق بالمال ويرسل البعير هديا؛ ~~فيكون قد التزم موجب كونه صدقة وهديا؛ وبين أن يكفر ويمسك المال والهدي فلا ~~يرسله. وأما إذا التزم محرما؛ مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي إهانة المصحف؛ ~~ونحو ذلك. فهنا ليس له ذلك باتفاق العلماء وفي وجوب الكفارة النزاع ~~المتقدم؛ وكذلك إذا التزم حكما لا يجوز التزامه مثل قوله: إن فعلت كذا فهو ~~يهودي أو نصراني. فهذا لا يجوز له التزام الكفر بوجه من الوجوه ولو قصد ذلك ~~لكان كافرا بالقصد. والمقصود: أنه لا فرق لا في الشرع ولا في العرف بين أن ~~يلتزم الحكم الموجب عليه فعلا يقتضي ذلك الفعل حكما آخر يقتضي وجوب فعل أو ~~تحريمه وبين أن يلتزم الحكم المقتضي لوجوب ذلك الفعل أو تحريمه. فالتزام ~~وجوب الفعل الذي يقتضي ذلك الحكم كما إذا قال: فعلي أن أطلق أو أعتق. فإنه # PageV33P203 # التزم وجوب الطلاق والإعتاق والتطليق وذلك فعل منه يوجب حكما وهو وقوع ~~الطلاق والعتاق. ومعلوم أن التزامه لوجوب الفعل المقتضي ms9567 للحكم الثاني الذي ~~هو الوقوع أقوى من التزامه الوقوع؛ فإنه هناك التزم حكمين وفعلين وهو هنا ~~التزم أحد الحكمين وأحد الفعلين فالذي التزمه في موارد النزاع في بعض ما ~~التزمه في مواقع الإجماع. فإذا كان له أن لا يلتزم هذا فذاك بطريق الأولى. ~~فهو في مواقع الإجماع إذا قصد بالتعليق اليمين فهو مخير بين أن يحنث ويكفر ~~يمينه وبين أن يوفي بما التزمه فيوقع العتق والطلاق والصدقة فكذلك الذي ~~التزمه في مواقع النزاع بطريق الأولى. والحنث في هذه اليمين يكون بأن يوجد ~~الشرط ولا يوجد الجزاء فلا يحنث إلا بهذين الشرطين. فإذا قال: إذا فعلت كذا ~~فعلي الحج أو العتق أو الطلاق: لم يحنث إلا إذا فعله ولم يوجد الجزاء ~~المعلق به فإن أوقع الجزاء المعلق به لم يحنث؛ كما أنه لو لم يوجد الشرط لم ~~يحنث ولو قدر أنه التزم فعلا كقوله: إن فعلت كذا عتق عبدي أو طلقت امرأتي. ~~فإنه لا فرق بين ذلك وبين أن يقول: فعلي عتق عبدي أو طلاق امرأتي. فالتزام ~~أحد الأمرين متضمن لالتزام الآخر؛ فإن الوجوب يقتضي أن عليه فعل الواجب ~~والتحريم يقتضي أن له فعل المحرم. والإيجاب مستلزم للوجوب؛ والتحريم مستلزم ~~للحرمة. والوجوب يقتضي الفعل والإيقاع مستلزم الوقوع مقتض للحرمة والحرمة ~~مقتضية للترك. فلا فرق بين أن يلتزم الإيجاب # PageV33P204 # والوجوب والفعل أو التحريم أو الحرمة أو الإيقاع أو الوقوع أو الحرمة ~~التي هي موجب ذلك. قال هؤلاء: وأما حجة من احتج بالخلع والكتابة وتعليق ذلك ~~بعوض فجوابه عند أهل الظاهر - ابن حزم ونحوه - أنهم يقولون: لا يقع شيء من ~~العتاق والطلاق والمعلق بالشرط؛ بناء على أن هذا لم يرد به نص وما لم يرد ~~نص بإباحته في العقود والشروط فهو عندهم باطل. ولا يكتفون في ذلك بالأدلة ~~العامة الدالة على وجوب الوفاء بالشروط والعهد وتحريم الغدر ونحو ذلك؛ ~~لاعتقادهم أن هذه النصوص منسوخة. وهذا القول ضعيف كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع. واسم الطلاق والعتاق في القرآن يتناول المنجز والمعلق بالشرط ms9568 إذا ~~كان المقصود وقوعه عند الشرط؛ فإن كلاهما داخل في مسمى التطليق؛ بخلاف ما ~~يكره وقوعه عند الشرط فإنه يمين داخل في مسمى التطليق. وعلى هذا فالجواب ~~على قول الأئمة والجمهور مبني على الفرق بين الشرط المقصود وجوده والشرط ~~المقصود عدمه وعدم الجزاء الذي علق به وهو الذي يراد به الحلف ولا يراد به ~~وقوع الجزاء عند الشرط. والفرق بين هذين هو مذهب الصحابة؛ لا يعرف عنهم فيه ~~خلاف وهو مذهب جماهير السلف # PageV33P205 # والفقهاء وهو مذهب الشافعي وأحمد وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو قول ~~في مذهب مالك. فيقال: إنه هنا قصد الشرط والجزاء كما قصد ذاك نذر التبرر. ~~فكما أنه فرق في النذور المعلقة بالشروط بين ما يقصد فيه ثبوتها وبين ما ~~يقصد فيه نفيها؛ كذلك هذا. فإن هذا جميعه من باب واحد وهي أحكام معلقة ~~بشروط وإذا كان الشرع أو العقل والعرف تفرق في الأحكام المعلقة بالشروط ~~اللغوية بين ما يقصد ثبوته وبين ما يقصد انتفاءه - كما اتفق على ذلك ~~الصحابة وجمهور الفقهاء - لم يجز تسوية أحدهما بالآخر. وإنما يحسن الاحتجاج ~~بالخلع والكتابة كل من يمنع تعليق الطلاق بالشروط جملة كما هو مذهب ابن حزم ~~والإمامية أو بعضهم؛ فإن هؤلاء يقولون: إن الطلاق المعلق بشرط لا يقع بحال؛ ~~بناء على أنه لا يقع عندهم من الطلاق إلا ما ثبت أن الشارع أذن فيه. قالوا: ~~ولم يثبت أنه أذن في هذا فهم لا يقولون بالقياس وجعلوا ما نقل عن الصحابة ~~والتابعين في الحلف بالطلاق والعتاق حجة لهم؛ وليس بحجة لهم؛ فإن المنقول ~~عن طاوس أنه لا يرى الحلف بالطلاق شيئا وهذا لا يقضي أنه لا يرى تعليقه ~~بالشروط بحال بل قد يفرق بين الشرط المقصود ثبوته والمقصود عدمه كما أن هذا ~~هو قول طاووس وعطاء وغيرهما في مسألة " نذر اللجاج والغضب " # PageV33P206 # ولهذا لما دخل الشافعي مصر سأله سائل عن هذه المسألة إذا قال: إن فعلت ~~كذا فعلي الحج أو فعلي الصوم. فأفتاه الشافعي بكفارة يمين وكان الغالب على ms9569 ~~أهل مصر قول مالك: إن عليه الحج والصوم. ومع هذا فلما حنث ابن عبد الرحمن ~~القاسم في هذه اليمين أفتاه عبد الرحمن القاسم - الذي هو العمدة في مذهب ~~مالك - بكفارة يمين. وقال: أفتيتك بقول الليث بن سعد وإن عدت أفتيتك بقول ~~مالك. والمحققون من متأخري أصحاب مالك يرجحون الإفتاء بكفارة يمين وهو الذي ~~رجع إليه أبو حنيفة آخرا. وأما جمهور السلف من الصحابة والتابعين فإنهم ~~يقولون يجزئه كفارة يمين كما هو مذهب الشافعي وأحمد. والمشهور عندهما أنه ~~يخير بين التكفير وبين فعل الملتزم. وعن أحمد رواية: أن عليه الكفارة عينا ~~ويذكر قولا في مذهب الشافعي. كذلك جماعة من المفتين أصحاب مالك يفتون في ~~الحلف بالطلاق بكفارة يمين ويحتجون بما رووه عن عائشة أنها قالت: كل يمين ~~وإن عظمت فكفارتها كفارة اليمين بالله. وهذا قول طاوس ومن وافقه من السلف ~~وهو معنى قول الصحابة. وهذه المسائل مسائل جليلة تحتاج إلى بسط طويل ليس ~~هذا موضعه. والله أعلم. # PageV33P207 # فصل: # والإفتاء بهذا الأصل لا يحتاج إليه في الغالب؛ بل غالب مسائل الأيمان ~~بالطلاق والعتاق واليمين بالله تعالى والنذر والحرام ونحو ذلك يحتاج فيه ~~إلى قواعد. " القاعدة الأولى " إذا حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو ~~جاهلا بأنه المحلوف عليه. فللعلماء فيه ثلاثة أقوال. " أحدها " لا يحنث ~~بحال في جميع الأيمان وهذا مذهب المكيين: كعطاء وابن أبي نجيح وعمرو بن ~~دينار وغيرهم ومذهب إسحاق بن راهويه وهو أحد قولي الشافعي بل أظهرهما وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد. ونظرت جوابه في هذه الرواية فوجدت الناقلين له ~~بقدر الناقلين لجوابه في الرواية الثانية التي اختارها الخلال صاحبه ~~والخرقي والقاضي وغيرهم من أصحابه. وهو الفرق بين اليمين المكفرة كاليمين ~~بالله تعالى والظهار والحرام واليمين التي لا تكفر - على منصوصه - وهي ~~اليمين بالطلاق والعتاق. و " القول الثالث " أنه يحنث في جميع الأيمان وهو ~~مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الثالثة عنه. # PageV33P208 # والقول الأول أصح؛ لأن الحض والمنع في اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في ~~الأمر والنهي؛ فإن ms9570 الحالف على نفسه أو عبده أو قرابته أو صديقه الذي يعتقد ~~أنه يطيعه هو طالب لما حلف على فعله مانع لما حلف على تركه وقد وكد طلبه ~~ومنعه باليمين فهو بمنزلة الأمر والنهي المؤكد. وقد استقر بدلالة الكتاب ~~والسنة أن من فعل المنهي عنه ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه ولا يكون عاصيا ~~مخالفا: فكذلك من فعل المحلوف ناسيا أو مخطئا فإنه لا يكون حانثا مخالفا ~~ليمينه. ويدخل في ذلك من فعله متأولا أو مقلدا لمن أفتاه أو مقلدا لعالم ~~ميت أو مجتهدا مصيبا أو مخطئا. فحيث لم يتعمد المخالفة؛ ولكن اعتقد أن هذا ~~الذي فعله ليس فيه مخالفة لليمين فإنه لا يكون حانثا. ويدخل في هذا إذا ~~خالع وفعل المحلوف عليه معتقدا أن الفعل بعد الخلع لم تتناوله يمينه فهذه ~~الصورة تدخل في يمين الجاهل المتأول عند من يقول: إن هذا الخلع خلع الأيمان ~~باطل وهو أصح أقوال العلماء وأما من جعله صحيحا فذلك يقول: إنه فعل المحلوف ~~عليه في زمن البينونة والمرأة لو فعلت المحلوف عليه بعد البينونة وانقضاء ~~العدة لم يحنث الرجل بالاتفاق وكذلك إذا فعلته في عدة الطلاق البائن عند ~~الجمهور: كمالك والشافعي وأحمد الذين يقولون: إن المختلعة لا يلحقها طلاق. ~~وأما أبو حنيفة فإنه يقول: يلحقها الطلاق؛ فيحنث عنده إذا وجدت الصفة في ~~زمن البينونة ولو كان الرجل عاميا فقيل له: خالع امرأتك وافعل المحلوف عليه ~~ولم يعرف معنى الخلع فظن أنه طلاق مجرد # PageV33P209 # فطلقها ثم فعل المحلوف عليه يظن أنه لا يحنث بذلك: لم يقع به الطلاق عند ~~من لا يحنث الجاهل المتأول وكذلك لو قيل له: زلها بطلقة. فأزالها بطلقة ثم ~~فعل المحلوف عليه: لم يقع عليه بالفعل طلقة ثانية وإن كانت الطلقة الأولى ~~رجعية؛ لكن في صورة النسيان والخطأ والجهل لا يحنث وتبقى اليمين معقودة عند ~~جماهير العلماء؛ وليس فيه نزاع إلا وجه ضعيف لبعض المتأخرين. # " القاعدة الثانية " إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه. ~~فهذا أولى بعدم التحنيث ms9571 من مسألة فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا؛ ولهذا ~~فرق أبو حنيفة ومالك وغيرهما بين هذه الصورة وصورة الناسي والجاهل فقالوا ~~هنا لا يحنث في اليمين بالله تعالى وهناك يحنث. قالوا: لأنه هنا كانت ~~اليمين على الماضي فلم تنعقد؛ لأن الحالف على ماض إن كان عالما فهو: إما ~~صادق بار. وإما أن يكون متعمدا للكذب فتكون يمينه اليمين الغموس. وإما أن ~~يكون مخطئا معتقدا أن الأمر كما حلف عليه: فهذا لا إثم عليه في ذلك ولا ~~يكون على فاعله إثم الكذاب. وهذا هو ### | لغو اليمين # عند هؤلاء ومثل هذا يجوز على الأنبياء وغيرهم كما يجوز عليهم النسيان كما ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين: لم أنس ولم تقصر وكان ~~صلى الله عليه وسلم قد نسي فقال له ذو اليدين: بلى قد نسيت. فقال: أكما ~~يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم} وفي الحديث الصحيح {أنه لما صلى بهم خمسا ~~فقالوا له بعد الصلاة: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا صليت خمسا. ~~قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني} . # PageV33P210 # قالوا: # وأما اليمين على المستقبل فإنها منعقدة والخطأ والنسيان واقع في الفعل لا ~~في العقد فلهذا فرق بين الماضي والمستقبل في اليمين بالله. وأما في الطلاق ~~فقالوا أيضا في الماضي والمستقبل كإحدى الروايات عن أحمد في المستقبل. وأما ~~مذهب الشافعي وأحمد فعلى قولهما لا يحنث الجاهل والناسي في المستقبل فكذلك ~~لا يحنث المخطئ حين عقد اليمين الذي حلف على شيء يعتقد أنه كما حلف عليه ~~فتبين بخلافه. وأما على قولهما: إنه يحنث في المستقبل فيحنث في الماضي؛ ~~تسوية بين الماضي والمستقبل فكذلك لا يحنث. وهذه طريقة من سلكها من أصحاب ~~الشافعي وأحمد: كأبي البركات في " محرره ". وأصحاب هذه الطريقة يقولون: إن ~~من قال: إنه لا يحنث إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: ~~فيلزمه ألا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا. ويضعفون قول مالك ~~وأبي حنيفة في الفرق وقيل: بل لا ms9572 يحنث في الماضي قولا واحدا وفي المستقبل ~~قولان. وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد سلكوا مسلك أصحاب أبي حنيفة ومالك: ~~ففرقوا بين الماضي والمستقبل فقالوا: إذا حلف بالله على شيء يعتقده كما حلف ~~عليه فتبين بخلافه فإنه لا يحنث ولو حلف لا يفعل المحلوف عليه ففعله ناسيا ~~أو جاهلا ففيه # PageV33P211 # روايتان. وهذه طريقة القاضي أبي يعلى وابن عقيل في " الفصول " وأبي محمد ~~المقدسي؛ وغيرهم فجعلوا النزاع في المستقبل دون الماضي. وهؤلاء منهم من قال ### | : " لغو اليمين " # هو أن يحلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه بلا نزاع. وأما إذا ~~سبق لسانه في المستقبل: ففيه روايتان. وهذه طريقة القاضي وابن عقيل في " ~~الفصول "؛ واختار القاضي في " خلافه " أن قوله في المستقبل لا والله بلى ~~والله ليس بلغو وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما. ومنهم من قال: ما يسبق ~~على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء وفيما إذا حلف على شيء فتبين ~~بخلافه روايتان. وهذه طريقة أبي محمد. " والصواب " أن النزاع في الصورتين؛ ~~فإن الشافعي في رواية الربيع عنه يوجب الكفارة فيمن حلف على شيء يعتقده كما ~~حلف عليه فتبين بخلافه؛ ولكن القول الآخر للشافعي أن هذا لغو كقول الجمهور ~~وهذا هو قول محمد بن الحسن وكذا هو ظاهر مذهب أحمد أن كلا النوعين لغو لا ~~كفارة فيه وهذا قول جمهور أهل العلم؛ ولهذا جزم أكثر أصحاب أحمد بأنه لا ~~كفارة لا في هذا ولا في هذا. ولم يذكروا نزاعا؛ لأنه نص على أن كليهما لغو ~~في جوابه كما ذكر ذلك الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما من المتقدمين. وذكر ~~طائفة عنه في اللغو " روايتين " رواية كقول أبي حنيفة ومالك. ورواية كقول # PageV33P212 # الشافعي كما ذكر ذلك طائفة: منهم ابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهما. وصرح بعض ~~هؤلاء - كابن عقيل وغيره - بأنه إذا قيل: إن اللغو هو أن يسبق على لسانه ~~اليمين من غير قصد فإنه إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه ~~حنث. فلهذا صار في مذهبه عدة ms9573 طرق. " طريقة القدماء " أن كليهما لغو قولا ~~واحدا. " وطريقة القاضي " أن الماضي لغو قولا واحدا وفي سبق اللسان في ~~المستقبل روايتان وهذه الطريقة توافق مذهب أبي حنيفة ومالك. " وطريقة أبي ~~محمد " أن سبق اللسان لغو قولا واحدا. وفي الماضي روايتان. وهذه الطريقة ~~توافق مذهب الشافعي. " والطريقة الرابعة " وهي أضعف الطرق: أن اللغو في ~~إحدى الروايتين هذا دون هذا وفي الأخرى هذا دون هذا. " والطريقة الخامسة " ~~وهي الجامعة بين الطرق: أن في مذهبه ثلاث روايات كما ذكر ذلك صاحب المحرر ~~فإذا سبق على لسانه: لا والله بلى والله وهو يعتقد أن الأمر كما حلف عليه: ~~فهذا لغو باتفاق الأئمة # PageV33P213 # الأربعة.وإذا سبق على لسانه اليمين في المستقبل أو تعمد اليمين على أمر ~~يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: ففي الصورتين أقوال ثلاثة؛ هي الروايات ~~الثلاث عن أحمد. " أحدها " أن الجميع لغو كقول الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد ~~وهي ومذهبه في إحدى الطريقتين بلا نزاع عنه. وعلى هذه الطريقة فقد فسر ~~اللغو بهذا. وهذا أحد قولي الشافعي. " والثاني " أنه يحنث في الماضي دون ما ~~سبق على لسانه وهو أحد قولي الشافعي أيضا. " والثالث " بالعكس كمذهب أبي ~~حنيفة ومالك. فقد تبين أن المخطئ في عقد اليمين الذي حلف على شيء يعتقده ~~كما حلف عليه فتبين بخلافه هو في إحدى الطريقتين كالناسي والجاهل وفي ~~الأخرى لا يحنث قولا واحدا. والمعروفة عند أئمة أصحاب أحمد. وعلى هذا ~~فالحالف بالطلاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه لا يحنث إذا لم ~~يحنث الناسي والجاهل في المستقبل: إما تسوية بينهما. وإما بطريق الأولى على ~~اختلاف الطريقتين. وهكذا ذكر المحققون من الفقهاء. # PageV33P214 # وقد ظن بعض متأخري الفقهاء كالسامري صاحب " المستوعب " أنه إذا حلف ~~بالطلاق والعتاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه يحنث قولا ~~واحدا؛ لأن الطلاق لا لغو فيه وهذا خطأ؛ فإن الذي يقول إن الطلاق لا لغو ~~فيه هو الذي يحنث الناسي والجاهل إذا حلف بالطلاق وأما من لم يحنث الناسي ~~والجاهل فإنه لا ms9574 يقول لا لغو في الطلاق - إذا فسر اللغو بأن يحلف على شيء ~~يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه - فإن عدم الحنث في هذه الصورة: إما أن ~~يكون أولى بعدم الحنث في تلك الصورة أو يكون مساويا لها؛ كما قد بيناه. ولا ~~يمكن أحد أن يقول: إنه إذا حلف بالطلاق والعتاق على امرأته لا يفعله ففعله ~~ناسيا أو جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يحنث؛ ويقول إذا حلف على أمر يعتقده ~~كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه يحنث؛ لأن الجهل المقارن لعقد اليمين أخف من ~~الجهل المقارن لفعل المحلوف عليه وغايته أن يكون مثله؛ ولأن اليمين الأولى ~~منعقدة اتفاقا. وأما الثانية ففي انعقادها نزاع بينهم. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن حلف بالطلاق على أمر من الأمور ثم حنث في يمينه: هل يقع به الطلاق أم ~~لا؟ # فأجاب: # المسألة فيها نزاع بين السلف والخلف على ثلاثة أقوال. # PageV33P215 # " أحدها " أنه يقع الطلاق إذا حنث في يمينه وهذا هو المشهور عند أكثر ~~الفقهاء المتأخرين حتى اعتقد طائفة منهم أن ذلك إجماع؛ ولهذا لم يذكر ~~عامتهم عليه حجة وحجتهم عليه ضعيفة جدا وهي: أنه التزم أمرا عند وجود شرط ~~فلزمه ما التزمه. وهذا منقوض بصور كثيرة وبعضها مجمع عليه: كنذر الطلاق ~~والمعصية والمباح وكالتزام الكفر على وجه اليمين؛ مع أنه ليس له أصل يقاس ~~به إلا وبينهما فرق مؤثر في الشرع ولا دل عليه عموم نص ولا إجماع؛ لكن لما ~~كان موجب العقد لزوم ما التزمه صار يظن في بادئ الرأي أن هذا عقد لازم وهذا ~~يوافق ما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ~~ومحرمة كما يقال: إنه كان شرع من قبلنا. لكن نسخ هذا شرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وفرض للمسلمين تحلة أيمانهم وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما ~~فرضه من الكفارة. وأما إذا لم يحنث في يمينه فلا يقع به الطلاق بلا ريب؛ ~~إلا على قول ضعيف يروى عن شريح ويذكر رواية عن ms9575 أحمد فيما إذا قدم الطلاق. ~~وإذا قيل: يقع به الطلاق؛ فإن نوى باليمين الثانية توكيد الأولى - لا إنشاء ~~يمين أخرى - لم يقع به إلا طلقة واحدة؛ وإن أطلق وقع به ثلاث وقيل: لا يقع ~~به إلا واحدة. # PageV33P216 # و " القول الثاني " أنه لا يقع به طلاق ولا يلزمه كفارة. وهذا مذهب داود ~~وأصحابه وطوائف من الشيعة. ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف؛ بل هو ~~مأثور عن طائفة صريحا كأبي جعفر الباقر راوية جعفر بن محمد. وأصل هؤلاء أن ~~الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر: لغو كالحلف بالمخلوقات. ~~ويفتي به في اليمين التي يحلف بها بالتزام الطلاق طائفة من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي: كالقفال وصاحب " التتمة " وينقل عن أبي حنيفة نصا؛ بناء على أن ~~قول القائل: الطلاق يلزمني أو لازم لي ونحو ذلك: صيغة نذر؛ لا صيغة إيقاع ~~كقوله: لله علي أن أطلق. ومن نذر أن يطلق لم يلزمه طلاق بلا نزاع؛ ولكن في ~~لزومه الكفارة له قولان. " أحدهما " يلزمه وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل وهو ~~المحكي عن أبي حنيفة: إما مطلقا. وإما إذا قصد به اليمين. " والثاني " لا. ~~وهو قول طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي كالقفال والبغوي وغيرهما. ~~فمن جعل هذا نذرا ولم يوجب الكفارة # PageV33P217 # في نذر الطلاق: يفتي بأنه لا شيء عليه كما أفتى بذلك طائفة من أصحاب ~~الشافعي وغيرهم ومن قال: عليه كفارة لزمه على قوله كفارة يمين كما يفتى ~~بذلك طائفة من الحنفية والشافعية. وأما " الحنفية " فبنوه على أصله في أن ~~من حلف بنذر المعاصي والمباحات فعليه كفارة يمين وكذلك يقول ذلك من يقوله ~~من أصحاب الشافعي؛ لتفريقه بين أن يقول: علي نذر. فلا يلزمه شيء. وبين أن ~~يقول: إن فعلته فعلي نذر. فعليه كفارة يمين. ففرق هؤلاء بين نذر الطلاق ~~وبين الحلف بنذر الطلاق. # وأحمد عنده على ظاهر مذهبه المنصوص عنه: أن نذر الطلاق فيه كفارة يمين ~~والحلف بنذره عليه فيه كفارة يمين وقد وافقه على ذلك من وافقه من ~~الخراسانيين من أصحاب ms9576 الشافعي وجعله الرافعي والنووي وغيرهما هو المرجح في ~~مذهب الشافعي وذكروا ذلك في نذر جميع المباحات؛ لكن قوله: الطلاق لي لازم ~~فيه صيغة إيقاع في مذهب أحمد فإن نوى بذلك النذر ففيه كفارة يمين عنده. # و " القول الثالث " وهو أصح الأقوال وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة ~~والاعتبار: أن هذه يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان ~~المسلمين وهو الكفارة عند الحنث؛ # PageV33P218 # إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفارة. وهذا قول ~~طائفة من السلف والخلف: كطاووس وغيره. وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم ~~حتى يقال: إن في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمة المالكية وهو ~~مقتضى نصوص أحمد بن حنبل وأصوله في غير موضع. وعلى هذا القول فإذا كرر ~~اليمين المكفرة مرتين أو ثلاثا على فعل واحد: فهل عليه كفارة واحدة؟ أو ~~كفارات؟ فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد. أشهرهما عنه تجزيه كفارة ~~واحدة. وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن حزم وغيره في الحلف بالطلاق كما ~~حكوها في الحلف بالعتق والنذر وغيرهما فإذا قال: إن فعلت كذا فعبيدي أحرار: ~~ففيها الأقوال الثلاثة؛ لكن هنا لم يقل أحد من أصحاب أبي حنيفة والشافعي: ~~إنه لا يلزمه العتق كما قالوا ذلك في الطلاق. فيصح نذره بخلاف الطلاق. ~~والمنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجزئه كفارة يمين كما ~~ثبت ذلك عن ابن عمر وحفصة وزينب. ورووه أيضا عن عائشة. # PageV33P219 # وأم سلمة وابن عباس وأبي هريرة؛ وهو قول أكابر التابعين؛ كطاووس وعطاء ~~وغيرهما ولم يثبت عن صحابي ما يخالف ذلك؛ لا في الحلف بالطلاق ولا في الحلف ~~بالعتاق؛ بل إذا قال الصحابة: إن الحالف بالعتق لا يلزمه العتق فالحالف ~~بالطلاق أولى عندهم. وهذا كالحلف بالنذر مثل: أن يقول: إن فعلت كذا فعلي ~~الحج. أو صوم سنة. أو ثلث مالي صدقة. فإن هذا يمين تجزئ فيه الكفارة ms9577 عند ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وهو ~~قول جماهير التابعين: كطاووس وعطاء وأبي الشعثاء وعكرمة والحسن وغيرهم وهو ~~مذهب الشافعي المنصوص عنه ومذهب أحمد بلا نزاع عنه وهو إحدى الروايتين عن ~~أبي حنيفة اختارها محمد بن الحسن وهو قول طائفة من أصحاب مالك كابن وهب ~~وابن أبي الغمر وأفتى ابن القاسم ابنه بذلك. والمعروف عن جمهور السلف من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم: أنه لا فرق بين أن يحلف بالطلاق أو العتاق أو ~~النذر: إما أن تجزئه الكفارة في كل يمين. وإما أن لا شيء عليه. وإما أن ~~يلزمه كما حلف به؛ بل إذا كان قوله: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق رقبة. وقصد ~~به اليمين لا يلزمه العتق؛ بل يجزئه كفارة يمين ولو قاله على وجه النذر ~~لزمه # PageV33P220 # بالاتفاق فقوله: فعبدي حر أولى ألا يلزمه لأن قصد اليمين إذا منع أن ~~يلزمه الوجوب في الإعتاق والعتق فلأن يمنع لزوم العتق وحده أولى " وأيضا " ~~فإن ثبوت الحقوق في الذمم أوسع نفوذا؛ فإن الصبي والمجنون والعبد قد تثبت ~~الحقوق في ذممهم مع أنه لا يصح تصرفهم فإذا كان قصد اليمين مع ثبوت العتق ~~المعلق في الذمة ممنوع فلأن يمنع وقوعه أولى وأحرى وإذا كان العتق الذي ~~يلزمه بالنذر لا يلزمه إذا قصد به اليمين فالطلاق الذي لا يلزم بالنذر أولى ~~أن لا يلزم إذا قصد به اليمين؛ فإن التعليق إنما يلزم فيه الجزاء إذا قصد ~~وجوب الجزاء عند وجوب الشرط كقوله: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق وإن شفى ~~الله مريضي فثلث مالي صدقة وأما إذا كان يكره وقوع الجزاء وإن وجد الشرط ~~وإنما التزمه ليحض نفسه أو يمنعها أو يحض غيره أو يمنعه: فهذا مخالف كقوله: ~~إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق ~~وعلي عشر حجج وصوم: فهذا حالف باتفاق الصحابة والفقهاء وسائر الطوائف وقد ~~قال الله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وقال تعالى: ms9578 {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه في الصحيح أنه قال: {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه} وهذا يتناول # PageV33P221 # أيمان جميع المسلمين لفظا ومعنى؛ ولم يخصه نص ولا إجماع ولا قياس؛ بل ~~الأدلة الشرعية تحقق عمومه. # واليمين في كتاب الله وسنة رسوله " نوعان ": نوع محترم منعقد مكفر كالحلف ~~بالله. ونوع غير محترم؛ ولا منعقد ولا مكفر وهو الحلف بالمخلوقات. فإن كانت ~~هذه اليمين من أيمان المسلمين ففيها الكفارة. وهي من النوع الأول. وإن لم ~~تكن من أيمان المسلمين فهي من الثاني. وأما إثبات يمين منعقدة؛ غير مكفرة ~~فهذا لا أصل له في الكتاب والسنة. وتقسيم أيمان المسلمين إلى يمين مكفرة ~~وغير مكفرة كتقسيم الشراب المسكر إلى خمر وغير خمر. وتقسيم السفر إلى طويل ~~وقصير. وتقسيم الميسر إلى محرم وغير محرم؛ بل الأصول تقتضي خلاف ذلك. وبسط ~~الكلام له موضوع آخر لكن هذا " القول الثالث " وهو القول بثبوت الكفارة في ~~جميع أيمان المسلمين هو القول الذي تقوم عليه الأدلة الشرعية التي لا ~~تتناقض وهو المأثور عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكابر ~~التابعين: # PageV33P222 # إما في جميع الأيمان. وإما في بعضها. وتعليل ذلك بأنه يمين. والتعليل ~~بذلك يقتضي ثبوت الحكم في جميع أيمان المسلمين. والصيغ ثلاثة " صيغة تنجيز ~~" كقوله: أنت طالق فهذه ليست يمينا ولا كفارة في هذا باتفاق المسلمين " ~~والثاني " صيغة قسم كما إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهذه يمين ~~باتفاق أهل اللغة والفقهاء. " والثالث " صيغة تعليق. فهذه إن قصد بها ~~اليمين فحكمها حكم الثاني باتفاق العلماء. وأما إن قصد وقوع الطلاق عند ~~الشرط: مثل أن يختار طلاقها إذا أعطته العوض فيقول: إن أعطيتني كذا فأنت ~~طالق. ويختار طلاقها إذا أتت كبيرة فيقول: أنت طالق إن زنيت أو سرقت. وقصده ~~الإيقاع عند الصفة؛ لا الحلف: فهذا يقع به الطلاق باتفاق السلف؛ فإن الطلاق ~~المعلق بالصفة روي وقوع الطلاق فيه ms9579 عن غير واحد من الصحابة: كعلي وابن ~~مسعود وأبي ذر وابن عمر ومعاوية وكثير من التابعين ومن بعدهم وحكى الإجماع ~~على ذلك غير واحد # PageV33P223 # وما علمت أحدا نقل عن أحد من السلف أن الطلاق بالصفة لا يقع وإنما علم ~~النزاع فيه عن بعض الشيعة وعن ابن حزم من الظاهرية. وهؤلاء الشيعة بلغتهم ~~فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده الحلف: فظنوا أن كل تعليق كذلك كما ~~أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى عن بعض الصحابة والتابعين فيمن علق ~~الطلاق بصفة أنه يقع عندها: فظنوا أن ذلك يمين. وجعلوا كل تعليق يمينا كمن ~~قصده اليمين ولم يفرقوا بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به ~~الإيقاع؛ كما لم يفرق أولئك بينهما في نفس الطلاق. وما علمت أحدا من ~~الصحابة أفتى في اليمين بلزوم الطلاق. كما لم أعلم أحدا منهم أفتى في ~~التعليق الذي يقصد به اليمين وهو المعروف عن جمهور السلف حتى قال به داود ~~وأصحابه. ففرقوا بين تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به ~~الإيقاع كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره. والفرق بينهما ظاهر؛ فإن ~~الحالف يكره وقوع الجزاء وإن وجدت الصفة كقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا ~~يهودي أو نصراني: فهو يكره الكفر وإن وجدت الصفة؛ إنما التزامه لئلا يلزم ~~وليمتنع به من الشرط؛ لا لقصد وجوده عند الصفة. وهكذا الحلف بالإسلام لو ~~قال الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم. والحالف بالنذر والحرام والظهار والطلاق ~~والعتاق إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج وعبيدي أحرار ونسائي طوالق ومالي ~~صدقة # PageV33P224 # فهو يكره هذه اللوازم وإن وجد الشرط وإنما علقها ليمنع نفسه من الشرط؛ لا ~~لقصد وقوعها وإذا وجد الشرط فالتعليق الذي يقصد به الإيقاع من باب الإيقاع ~~والذي يقصد به اليمين من باب اليمين. وقد بين الله في كتابه أحكام الطلاق ~~وأحكام الإيمان. وإذا قال: إن سرقت إن زنيت: فأنت طالق. فهذا قد يقصد به ~~اليمين وهو أن يكون مقامها مع هذا الفعل أحب إليه ms9580 من طلاقها؛ وإنما قصده ~~زجرها وتخويفها لئلا تفعل: فهذا حلف لا يقع به الطلاق وقد يكون قصده إيقاع ~~الطلاق وهو أن يكون فراقها أحب إليه من المقام معها مع ذلك فيختار إذا ~~فعلته أن تطلق منه: فهذا يقع به الطلاق. والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن حلف لا يكلم صهر أخيه # وحلف بالثلاث ما يدخل منزله: ثم دخل بغير رضاه؟ # فأجاب: # إذا كان الحالف قد اعتقد أن المحلوف عليه يطيعه ويبر يمينه ولا يدخل إذا ~~حلف عليه؛ فتبين له الأمر بخلاف ذلك ولو علم أنه كذلك لم يحلف. ففي حنثه ~~نزاع بين العلماء. والأقوى أنه لا يحنث. والله أعلم. # PageV33P225 # وسئل: # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يسكن في المكان الذي هو فيه وقد انتقل ~~وأخلاه: فهل يجوز له أن يعود؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كان السبب الذي حلف لأجله قد زال فله أن يعود. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل حلف على زوجته بالطلاق الثلاث أنها لا تحط يدها في خريطته ولا ~~تأخذ منها شيئا وقال ذلك مدة أربع شهور؛ ثم بعد ذلك حلف يمينا ثانيا أنها ~~لا تنقل ما سمعت إلى أحد؛ ثم بعد ذلك نقلته للناس فقال لها زوجها: ما حلفت ~~عليك بالطلاق أنك لا تنقليه إلى أحد وقد نقلته؟ قالت: نقلته وما علمت علي ~~يمينا. فقال: الآن قد وقع الطلاق. قومي أعطني خريطتي وأعطني منها الخيط فما ~~بقي علي يمين وقد وقع علي الطلاق. # PageV33P226 # قالت: أنا ما علمت أن علينا يمينا بالدائم؛ إنما اعتقدت اليمين مدة خمسة ~~أو ستة أيام. فقال لها: أنا ما أعرف؛ أنت الساعة طالق مني بالطلاق الثلاث: ~~فهل يلزمها الطلاق من أول يمين؟ أو من الثاني؟ # فأجاب: # إن كانت قد اعتقدت أن حكم يمينه قد انقضى وفعلت المحلوف عليه بعد ذلك: لم ~~يحنث الحالف. وإن كان قد قال أنت الساعة طالق مني ثلاثا؛ لاعتقاده أنه وقع ~~به الطلاق: لم يقع بذلك شيء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل ms9581 كاتب عبده وحصل منه حرج أوجب أنه حلف بالطلاق الثلاث أنه لا ~~يفارقه من الضرب والترسيم إلى حيث يحضر إليه حسابه أو يعيد إليه ما التمسه ~~من الجامكية: فهل يجوز خلاصه بوجه من الوجوه الشرعية؟ أفتونا. # فأجاب - رضي الله عنه -: # إن كان إحضار الحساب المطلوب قد عجز عنه المحلوف عليه وعن إعادة المطلوب ~~من الجامكية: لم يجز أن يطالب بواحد منهما؛ بل يلزم ولي الأمر الحالف ~~بفراقه وإذا ألزمه بذلك لم يحنث على الصحيح من قولي العلماء؛ ولم يكن عليه ~~طلاق سواء ألزمه بذلك والي حرب السلطان ونحوه أو والي حكم أو كاتب فوقه ~~ينفذ حكمه فيه بالعدل وهكذا إن # PageV33P227 # لم يجب عليه إحضار أحدهما فإنه إذا لم يكن واجبا في الشرع الذي بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم وجب إلزامه بفراقه وإذا فارقه والحال هذه لم ~~يحنث. كذلك إن اعتقد الحالف أن الأمر على صفة فتبين الأمر بخلافه: مثل أن ~~يعتقد أن في الحساب كشف أمور يجب كشفها فتبين الأمر بخلافه فإنه لا يحنث ~~عند كثير من العلماء إذا فارقه وكذلك إن اعتقد أن إعادة الجامكية واجب عليه ~~فحلف على ذلك؛ ثم تبين أنه ليس بواجب: فإنه لا يحنث عند كثير من أهل العلم ~~وكذلك لو اعتقد أن المحلوف عليه قادر على الفعل المطلوب فتبين أنه عاجز؛ ~~فإنه لا يحنث عند كثير من أهل العلم. وهو أحسن القولين وأقواهما في الشرع ~~وكذلك لو اعتقد أنه خان أو سرق مالا: فحلف على إعادته ثم تبين أنه لم يخن ~~ولم يسرق فإنه لا يحنث في أصح قولي العلماء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث وهو غضبان: أنها ما تدخل بيت عمتها ورزقت ~~زوجته ولدا؛ ثم بعد ذلك دخلت المرأة المحلوف عليها بيت عمتها وكان قد قال ~~للحالف ناس: إنه إذا ولدت المرأة ودخلت فلا حنث عليه أفتونا؟ . # PageV33P228 # فأجاب: # إذا كان الحالف قد اعتقد أن المرأة إذا ولد لها ولد لا حنث عليه ودخلت ~~بهذا الاعتقاد: ms9582 فلا حنث عليه؛ لكن يمينه باقية فإذا فعل المحلوف عليه عالما ~~عامدا حنث. والله أعلم. # وسئل: # عن رجل حلف على زوجته فقال لها: إن خرجت وأنا غائب فأنت طالق ثلاثا؛ فلما ~~قدم من السفر قالت له: والله احتجت إلى الحمام ولم أقدر للغسل بالبيت؟ # فأجاب: # إن كانت اعتقدت أن هذه الصورة ليست داخلة في يمينه وأنها لا تكون مخالفة ~~ليمينه إذا فعلت ذلك: لم يحنث الحالف في يمينه. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجتان فعدم من بيته مبلغ فحلف بالطلاق الثلاث من الجديدة أنه ~~إذا لم يطلع لهذا المبلغ الذي عدم من بيته ما يخلي العتيقة في بيته وكان في ~~عقيدته أن العتيقة هي التي خانت في المبلغ المحلوف عليه؟ # PageV33P229 # فأجاب - أيده الله -: # إذا كان قد اعتقد أن العتيقة قد خانته فحلف إن لم تأت بذلك لأخرجها؛ لأجل ~~ذلك ثم تبين أنها لم تخنه: لم يكن عليه أن يخرجها ولا حنث عليه. والله ~~أعلم. # وسئل: # عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه ما يزوج ابنته لرجل معين ثم إنه زوجها ~~بغيره ثم بانت من الثاني بالثلاث: فهل له أن يزوجها للرجل الذي كان قد حلف ~~عليه أم لا؟ # فأجاب: # إن كان نية الحالف أو سبب اليمين يقتضي الحلف على ذلك التزويج خاصة: جاز ~~أن يزوجها المرة الثانية: مثل أن يكون قد امتنع لتزويجه؛ لكونه طلب منه ~~جهازا كثيرا ثم في المرة الثانية قنع بها بلا جهاز. وأما إن كان السبب ~~باقيا: حنث. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حج له زوجتان وحلف بالطلاق الثلاث أنه لا يطعمهم شيئا. # PageV33P230 # فأجاب: # إن كان نيته أن سبب اليمين يقتضي أنه امتنع لسبب وقد زال ذلك السبب انحلت ~~يمينه في أظهر قولي العلماء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن حلف بالطلاق الثلاث على زوجته أنها لا تنزل من بيته إلا بإذنه ثم ~~إنها قالت: أنا اليوم أتغدى أنا وأمك فاعتقد أن أمه تجيء إلى عندها واعتقدت ~~الزوجة أنه أذن لها: فذهبت ms9583 إلى عند أمه. # فأجاب: # الطلاق والحالة هذه لا يقع به في أصح قولي العلماء كما هو إحدى قولي ~~الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن هذه هي مسألة الجاهل والناسي والنزاع ~~فيها مشهور هل يحنث؟ أم لا يحنث؟ أم يفرق بين اليمين المكفرة وغيرها؟ ~~والصواب أنه لا يحنث مطلقا؟ لأن البر والحنث في اليمين بمنزلة الطاعة ~~والمعصية في الأمر؛ إذا كان المحلوف عليه جملة طلبية. فإن المحلوف عليه: ~~إما " جملة خبرية " فيكون مقصود الحالف التصديق والتكذيب. وإما " جملة ~~طلبية " فيكون مقصود الحالف # PageV33P231 # الحيض والمنع فهو يحض نفسه أو من يحلف عليه ويمنع نفسه أو من يحلف عليه ~~فهو أمر ونهي مؤكد بالقسم. فالحنث في ذلك كالمعصية في الأمر المجرد. ومعلوم ~~أنه قد استقر في الشريعة: أن من فعل المنهي عنه ناسيا أو مخطئا معتقدا أنه ~~ليس هو المنهي - كأهل التأويل السائغ - فإنه لا يكون هذا الفاعل آثما ولا ~~عاصيا كما قد استجاب الله قول المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} فكذلك من نسي اليمين؛ أو اعتقد أن الذي فعله ليس هو المحلوف عليه؛ ~~لتأويل؛ أو غلط: كسمع ونحوه: لم يكن مخالفا اليمين فلا يكون حالفا. فلا فرق ~~في ذلك بين أن يكون الحلف بالله تعالى أو بسائر الأيمان؛ إذ الأيمان يفترق ~~حكمها في المحلوف به. أما في المحلوف عليه فلا فرق والكلام هنا في المحلوف ~~عليه؛ لا في المحلوف به. ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق لم يجعل ذلك ~~تعليقا محضا: كالتعليق بطلوع الشمس ولا مقصوده وقوع الشرط والجزاء: كنذر ~~التبرر وكالتعليق على العوض في مثل الخلع؛ وإنما مقصوده حض نفسه أو منع من ~~حلف عليه ومنع نفسه أو من حلف عليه؛ كما يقصد ذلك الناذر: نذر اللجاج ~~والغضب؛ ولهذا اتفق الفقهاء على تسمية ذلك يمينا وكان الصحيح في مذهب أحمد ~~وغيره جواز الاستثناء في ذلك؛ بخلاف المحض فإنه إيقاع مؤقت فليس هو يمين ~~على الصحيح ولا ينفع فيه الاستثناء منه عند من لا يجوز الاستثناء في ~~الإيقاع: كمالك وأحمد ms9584 وغيرهما. والله أعلم. # PageV33P232 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل وجد ابن خالته عند زوجته فحلف بالطلاق: أن ابن خالته كان عند ~~زوجته وكذلك كان عندها؟ # فأجاب: # إذا كان الحالف صادقا في يمينه فلا حنث عليه. وكذلك إذا اعتقد صدق نفسه ~~فلا حنث عليه؛ ولو كان الأمر في الباطن بخلاف ذلك: في أصح قولي العلماء. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حلف بالطلاق أنه ما يتزوج فلانة؛ ثم بدا له أن ينكحها فهل له ذلك؟ # فأجاب - نور الله مرقده وضريحه -: # الحمد لله رب العالمين، له أن يتزوجها ولا يقع بها طلاق إذا تزوجها عند ~~جمهور السلف؛ وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. # PageV33P233 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل امتنعت عليه زوجته من مجامعتها؛ فانجرح من امتناعها عليه فحلف ~~بالطلاق وكانت حاملا أن لا يجامعها بعد الولادة: فهل يقع عليه الطلاق إن ~~جامعها بعد الولادة أم لا؟ وهل ينظر إلى السبب المهيج لليمين أم لا؟ # فأجاب: # إذا جامعها بعد الولادة ينظر في ذلك إلى نية الحالف وسبب اليمين فإن كان ~~حلف لسبب وزال السبب فلا حنث عليه: في أظهر قولي العلماء في مذهب أحمد ~~وغيره؛ فإن من حلف على معين لسبب: كأن يحلف أن لا يدخل البلد لظلم رآه فيه ~~ثم يزول الظلم. أو لا يكلم فلانا ثم يزول الفسق ونحو ذلك: ففي حنثه حينئذ " ~~قولان " في مذهب أحمد وغيره أظهرهما أنه لا حنث عليه؛ لأن الحض والمنع في ~~اليمين كالأمر والنهي: فالحلف كل نفسه أو غيره بمنزلة الناهي عن الفعل. ومن ~~نهى عن دخول بلد أو كلام شخص لمعنى ثم زال ذلك المعنى زال المنهي عنه كما ~~إذا امتنع أن يبدأ رجلا بالسلام؛ لكونه كافرا فأسلم. وأن لا يدخل بلدا؛ ~~لكونه دار حرب فصار دار إسلام. ونحو ذلك؛ فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال ~~بزوالها # PageV33P234 # فالرجل إذا حلف لا يواقع امرأته إذا كان قصده عقوبتها؛ لكونها تماطله ~~وتنشز عليه إذا طلب ذلك؛ فإذا تابت من ذلك وصارت مطيعة موافقة زال سبب ms9585 ~~الهجر الذي علقها به كما لو هجرها لنشوز ثم زال. وأما إن كان قصده الامتناع ~~من وطئها أبدا؛ لأجل الذنب المتقدم. تابت أو لم تتب بحيث لو علم أنها تتوب ~~توبة صحيحة كان مقصوده عقوبتها على ما مضى كما يعاقب الرجل غيره لذنب ماض ~~تاب منه أو لم يتب؛ لا لغرض الزجر عن المستقبل؛ بل لمجرد شفاء غيظه؛ ونحو ~~ذلك: فهذا نوع آخر والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حلف على زوجته بالطلاق أنه ما يطؤها لستة شهور ولم يكن بقي لها ~~غير طلقة ونيته أن لا يطأها حتى تنقضي المدة: فإذا انقضت المدة ماذا يفعل؟ # فأجاب: # إذا انقضت المدة فله وطؤها ولا شيء عليه إذا لم تطالبه بالوطء عند انقضاء ~~أربعة أشهر. هذا مذهب مالك وأحمد والشافعي. والجمهور. وهو يسمى " موليا ". # PageV33P235 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له زوجة وجارية فتسرى بالجارية فغارت المرأة: فحلف إلا يعود يطأ ~~الجارية ثم أعتقها؛ وتزوجت الجارية فأقامت مع الزوج مدة وتوفي عنها: فهل ~~للمعتق أن يتزوجها؟ # فأجاب: # إذا كانت نيته أو سبب اليمين يقتضي أنه لا يطؤها بملك كان له أن يتزوجها ~~ويطأها؛ وإن كان ذلك يقتضي أنه لا يطؤها بحال لا ملك ولا عقد حنث إذا فعل ~~المحلوف عليه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عليه مبلغ لشخصين قال: الطلاق الثلاث أن الشهر ما ينفصل حتى ~~يعطيهما المبلغ وإن لم يحلف حبسه. والآن ما حصل والشهر بقي فيه اليوم؛ وهو ~~خائف أن يقع عليه الحنث: فإذا خالع الزوجة بطلقة واحدة يفيده هذا ولا يقع ~~عليه الطلاق الثلاث؛ أم لا؟ # فأجاب: # إذا أكره على اليمين بغير حق؛ بأن يكون عاجزا عن وفاء الدين # PageV33P236 # وأكره على اليمين وإلا حبس وضرب: لم ينعقد يمينه ولا حنث فيها. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل يشتري البقل بشيء يزن عليه الحق؛ والبعض يشتريه بلا حق وحضر له من ~~يخاف منه؛ فحلف بالطلاق أنه أي شيء اشتريته تزن حقه: فهل يجوز له أن يشتري ms9586 ~~الفلت؟ # فأجاب: # إذا أكره على اليمين بغير حق لم تنعقد يمينه؛ ولا حنث عليه وإذا لم يمكن ~~من أعوان الضمان فليس له عنده حق؛ لا في الشرع؛ ولا في العادة. وإذا لم يكن ~~له عنده حق لم يحنث بترك إعطائه. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل وضع حجة في بيت أخيه فعدمت # ثم بعد أيام طلبها ولم يجدها فحلف بالطلاق أنه ما يدخل بيت أخيه حتى يعطى ~~الحجة معتقدا وجودها؟ # فأجاب: # إن كانت الحجة قد عدمت قبل اليمين ولكن اعتقد بقاءها: فإنه لا يحنث عند ~~جمهور العلماء؛ لوجهين " أحدهما " أنه حلف على ممتنع لذاته كما لو حلف ~~ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه. وهذا لا يحنث عند الأكثرين. و " ~~الثاني " اعتقد بقاءها وإمكان إعطائها فحلف على شيء يعتقده موصوفا بصفة ~~فتبين بخلاف تلك الصفة. # PageV33P237 ### | باب تعليق الطلاق بالشروط # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل حلف بالطلاق ثم استثنى بعد هنيهة بقدر ما يمكن فيه الكلام؟ # فأجاب: # لا يقع فيه الطلاق ولا كفارة عليه والحال هذه. ولو قيل له: قل: إن شاء ~~الله ينفعه ذلك أيضا؛ ولو لم يخطر له الاستثناء إلا لما قيل له. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حنق من زوجته فقال: أنت طالق ثلاثا قالت له زوجته: قل الساعة قال ~~الساعة ونوى الاستثناء؟ . # PageV33P238 # فأجاب: إن كان اعتقاده أنه إذا قال: الطلاق يلزمني إن شاء الله أنه لا ~~يقع به الطلاق ومقصوده تخويفها بهذا الكلام؛ لا إيقاع الطلاق: لم يقع ~~الطلاق. فإن كان قد قال في هذه الساعة: إن شاء الله فإن مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي أن الطلاق المعلق بالمشيئة لا يقع ومذهب مالك وأحمد يقع كما روي ~~عن ابن عباس؛ لكن هذا لما كان مقصوده واعتقاده أنه لا يقع صار الكلام عنده ~~كلاما لا يقع به طلاق فلم يقصد التكلم بالطلاق. وإذا قصد المتكلم بكلام لا ~~يعتقد أنه يقع به الطلاق: مثل ما لو تكلم العجمي بلفظ وهو لا يفهم معناه لم ~~يقع ms9587 وطلاق الهازل: وقع لأن قصد المتكلم الطلاق وإن لم يقصد إيقاعه. وهذا لم ~~يقصد لا هذا؛ ولا هذا وهو يشبه ما لو رأى امرأة فقال: أنت طالق يظنها ~~أجنبية؛ فبانت امرأته؛ فإنه لا يقع به طلاق على الصحيح. والله أعلم. # PageV33P239 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اعتقد مسألة " الدور " المسندة لابن سريج ثم حلف بالطلاق على شيء ~~لا يفعله ثم فعله ثم رجع عن المسألة وراجع زوجته ثم بعد ذلك حلف على شيء ~~بالطلاق الثلاث أن لا يفعله ثم بعد ذلك قال لزوجته: أنت طالق: فهل يقع عليه ~~الطلاق الثلاث؟ أم يستعمل المسألة الأولى: المشار إليها؟ # فأجاب: # " المسألة السريجية " باطلة في الإسلام " محدثة لم يفت بها أحد من ~~الصحابة والتابعين ولا تابعيهم؛ وإنما ذكرها طائفة من الفقهاء بعد المائة ~~الثالثة وأنكر ذلك عليهم جمهور فقهاء المسلمين. وهو الصواب؛ فإن ما قاله ~~أولئك يظهر فساده من وجوه. منها أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ~~الله أباح الطلاق كما أباح النكاح وأن دين المسلمين مخالف لدين النصارى ~~الذين لا يبيحون الطلاق فلو كان في دين المسلمين ما يمتنع معه الطلاق لصار ~~دين المسلمين مثل دين النصارى. # PageV33P240 # " وشبهة هؤلاء " أنهم قالوا: إذا قال لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي فأنت ~~طالق قبله ثلاثا ثم طلقها بعد ذلك طلاقا منجزا: لزم أن يقع المعلق ولو وقع ~~المعلق يقع المنجز فكان وقوعه يستلزم عدم وقوعه: فلا يقع؛ وهذا خطأ؛ فإن ~~قولهم: لو وقع المنجز لوقع المعلق. إنما يصح لو كان التعليق صحيحا؛ فأما ~~إذا كان التعليق باطلا لا يلزم وقوع التعليق. والتعليق باطل؛ لأن مضمونه ~~وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث باطل في دين المسلمين. ~~ومضمونه أيضا إذا وقع عليك طلاقي لم يقع عليك طلاقي. وهذا جمع بين ~~النقيضين؛ فإنه إذا لم يقع الشرط لم يقع الجزاء. وإذا وقع الشرط لزم ~~الوقوع. فلو قيل: لا يقع مع ذلك. لزم أن يقع ولا يقع وهذا جمع بين ~~النقيضين. وأيضا فالطلاق إذا وقع لم ms9588 يرتفع بعد وقوعه فلما كان كلام المطلق ~~يتضمن محالا في الشريعة - وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث - ومحالا في العقل ~~وهو الجمع بين وقوع الطلاق وعدم وقوعه: كان القائل بالتسريج مخالفا للعقل ~~والدين؛ لكن إذا اعتقد الحالف صحة هذا اليمين باجتهاد أو تقليد وطلق بعد ~~ذلك معتقدا أنه لا يقع به الطلاق: لم يقع به الطلاق؛ لأنه لم يقصد التكلم ~~بما يعتقده طلاقا؛ فصار كما لو تكلم العجمي بلفظ الطلاق وهو لا يفهمه؛ بل ~~وكذلك لو خاطب من يظنها أجنبية بالطلاق فتبين أنها امرأته: فإنه لا لا يقع ~~به على الصحيح. ولو تبين له فساد التسريج بعد ذلك وأنه يقع المنجز # PageV33P241 # لم يكن ظهور الحق له فيما بعد موجبا لوقوع الطلاق عليه. وكذلك إن احتاط ~~فراجع امرأته خوفا أن يكون الطلاق وقع به أو معتقدا وقوع الطلاق به: لم ~~يقع. ولو أقر بعد ما تبين له فساد التسريج أن الطلاق وقع لم يقع بهذا ~~الإقرار شيء ولو اعتقد وقوع الطلاق فراجع امرأته ثم فعل المحلوف عليه ~~معتقدا أنه قد حنث فيه مرة فلا يحنث في مرة ثانية: لم يقع به: فهذا الفعل ~~شيء واليمين التي حلف بها أنه لا يفعل ذلك الشيء باقية فإن كان سبب اليمين ~~باقيا في باقية وإن زال سبب اليمين فله فعل المحلوف عليه؛ بناء على ذلك ولم ~~يحنث. وكذلك لو تزوجها ثم فعل المحلوف عليه معتقدا أن البينونة حصلت وانقطع ~~حكم اليمين الأولى لم يحنث؛ لاعتقاده زوال اليمين كما لا يحنث الجاهل بأن ~~ما فعله هو المحلوف عليه في أصح قولي العلماء وأما قوله لزوجته بعد ذلك: ~~أنت طالق فإنه تقع هذه الطلقة وإذا اعتقد أنه بهذه الطلقة قد كملت ثلاثا ~~وأقر أنه طلقها ثلاثا: لم يقع بهذا الاعتقاد شيء ولا بهذا الإقرار. # وسئل - رحمه الله -: # ما قولكم في العمل " بالسريجية " وهو أن يقول الرجل لامرأته: إذا طلقتك ~~فأنت طالق قبله ثلاثا. وهذه المسألة تسمى " مسألة ابن سريج "؟ # PageV33P242 # الجواب: # هذه المسألة لم يفت بها أحد من ms9589 سلف الأمة ولا أئمتها؛ لا من الصحابة؛ ولا ~~التابعين؛ ولا أئمة المذاهب المتبوعين؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ~~ولا أصحابهم الذين أدركوهم: كأبي يوسف ومحمد والمزني والبويطي وابن القاسم ~~وابن وهب وإبراهيم الحربي وأبي بكر الأثرم وأبي داود وغيرهم؛ لم يفت أحد ~~منهم بهذه المسألة؛ وإنما أفتى بها طائفة من الفقهاء بعد هؤلاء وأنكر ذلك ~~عليهم جمهور الأمة كأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وكثير من أصحاب الشافعي ~~وكان الغزالي يقول بها ثم رجع عنها وبين فسادها وقد علم من دين المسلمين أن ~~نكاح المسلمين لا يكون كنكاح النصارى. والدور الذي توهموه فيها باطل؛ فإنهم ~~ظنوا أنه إذا وقع المنجز وقع المعلق وهو إنما يقع لو كان التعليق صحيحا؛ ~~والتعليق باطل؛ لأنه اشتمل على محال في الشريعة وهو وقوع طلقة مسبوقة ~~بثلاث؛ فإن ذلك محال في الشريعة والتسريج يتضمن لهذا المحال في الشريعة ~~فيكون باطلا. وإذا كان قد حلف بالطلاق معتقدا أنه لا يحنث ثم تبين له فيما ~~بعد أنه لا يجوز: فليمسك امرأته ولا طلاق عليه فيما مضى ويتوب في المستقبل. ~~والحاصل أنه لو قال الرجل لامرأته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا فطلقها ~~وقع المنجز على الراجح ولا يقع معه المعلق؛ لأنه لو وقع المعلق وهو الطلاق ~~الثلاث لم يقع المنجز لأنه زائد على عدد الطلاق وإذا لم يقع المنجز # PageV33P243 # لم يقع المعلق. وقيل: لا يقع شيء لأن وقوع المنجز يقتضي وقوع المعلق ~~ووقوع المعلق يقتضي عدم وقوع المنجز وهذا القيل لا يجوز تقليده. وابن سريج ~~بريء مما نسب إليه فيها قاله الشيخ عز الدين. # وسئل - رحمه الله -: # هل تصح " مسألة ابن سريج " أم لا؟ فإن قلنا: لا تصح فمن قلده فيها وعمل ~~فيها فلما علم بطلانها استغفر الله من ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة محدثة في الإسلام؛ ولم يفت بها أحد ~~من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من الأئمة الأربعة؛ وإنما أفتى بها طائفة ~~من المتأخرين وأنكر ذلك عليهم جماعة علماء المسلمين ومن قلد فيها ms9590 شخصا ثم ~~تاب فقد عفا الله عما سلف ولا يفارق امرأته وإن كان قد تزوج بها إذا كان ~~متأولا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج بامرأة وجاءه منها ولد وأوصاه الشهود أو غيرهم: أنه إذا دخل ~~على زوجته أن يقول لها: إذا طلقتك فأنت طالق قبل طلاقك ثلاثا. فهل يجوز ذلك ~~العقد أم لا؟ # PageV33P244 # فأجاب: # الحمد لله، النكاح صحيح لا يحتاج إلى استئناف " والتسريج " الذي لا يتكلم ~~به لا يفسد النكاح باتفاق العلماء؛ لكنه إن طلقها بعد ذلك وقع به الطلاق ~~عند جماهير أهل العلم: من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة وكثير من أصحاب ~~الشافعي أو أكثر. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجة طلبت منه الطلاق وطلقها وقال: ما بقيت أعود إليها أبدا ~~فوجده صاحبه فقال: ما أصدقك على هذا إلا إن قلت: كلما تزوجت هذه كانت طالقا ~~على مذهب مالك ولم ير الأحكام الشرعية: فهل له أن يردها؟ # فأحاب: # الحمد لله، أما إن قصد كلما تزوجتها برجعة أو عقد جديد - وهو ظاهر كلامه ~~- فمتى ارتجعها قبل انقضاء العدة طلقت ثانية ثم إن ارتجعها طلقت ثالثة - ~~وإن تركها حتى تنقضي عدتها بانت منه؛ فإذا تزوجها بعد ذلك فمن قال: إن ~~تعليق الطلاق بالنكاح يقع في مثل هذا - كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية - ~~قال إن هذه إذا تزوجها يقع بها الطلاق. وأما من لم يقل بذلك - كالشافعي ~~وأحمد في المشهور عنه - فهذه لما علق طلاقها كانت رجعية والرجعية كالزوجة ~~في مثل هذا؛ لكن تخلل البينونة: هل يقطع # PageV33P245 # حكم الصفة؟ ظاهر مذهب أحمد أنه لا يقطع. وقد نص على الفرق في تعليق ~~الطلاق على النكاح بين أن يكون في عدة أو لا يكون فعلى مذهبه يقع الطلاق ~~بها إذا تزوجها وهو أحد قولي الشافعي. وعلى قوله الآخر الذي يقول فيه: إن ~~البينونة تقطع حكم الصفة وهو رواية عن أحمد؛ فإن قوله إذا تزوجها كقوله إذا ~~دخلت الدار. وإذا بانت انحلت هذه اليمين فيجوز له أن يتزوجها ms9591 ولا يقع به ~~طلاق وهو الذي يرجحه كثير من أصحاب الشافعي. وأما قوله على مذهب مالك فإنه ~~التزام منه لمذهب بعينه وذلك لا يلزم؛ بل له أن يقلد مذهب الشافعي. وإن كان ~~الطلاق بائنا بعوض والتعليق بعد هذا في العدة وغيره تعليق بأجنبية فلا يقع ~~به شيء إذا تزوجها في مذهب الشافعي. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل شافعي المذهب بانت منه زوجته بالطلاق الثلاث ثم تزوجت بعده وبانت ~~من الزوج الثاني؛ ثم أرادت صلح زوجها الأول؛ لأن لها منه أولادا فقال لها: ~~إنني لست قادرا على النفقة؛ وعاجزا عن الكسوة فأبت ذلك: فقال لها: كلما ~~حللت لي حرمت علي: فهل تحرم عليه؟ وهل يجوز ذلك؟ # PageV33P246 # فأجاب: # الحمد لله، لا تحرم عليه بذلك؛ لكن فيها قولان: " أحدهما " أن له أن ~~يتزوجها ولا شيء عليه. و " الثاني " عليه كفارة: إما كفارة ظهار في قول. ~~وإما كفارة يمين في قول آخر. وكذلك مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أن له أن ~~يتزوجها ولا يقع به طلاق؛ لكن في التكفير نزاع. وإنما. يقول بوقوع الطلاق ~~بمثل هذه من يجوز تعليق الطلاق على النكاح: كأبي حنيفة ومالك؛ بشرط أن يرى ~~الحرام طلاقا كقول مالك وإذا نواه كقول أبي حنيفة. وأما الشافعي وأحمد ~~فعندهما لو قال: كلما تزوجتك فأنت طالق لم يقع به طلاق فكيف في الحرام؛ لكن ~~أحمد يجوز عليه في المشهور عنه تصحيح الظهار قبل الملك؛ بخلاف الشافعي. ~~والله أعلم. PageV33P247 # الجزء الرابع والثلاثون # كتاب الظهار إلى قتال أهل البغي # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. ### | باب الظهار # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -: # عن رجل قال لامرأته: أنت علي مثل أمي وأختي؟ # فأجاب: # إن كان مقصوده أنت علي مثل أمي وأختي في الكرامة فلا شيء عليه. وإن كان ~~مقصوده يشبهها بأمه وأخته في " باب النكاح " فهذا ظهار عليه ما على المظاهر ~~فإذا أمسكها فلا يقربها حتى يكفر كفارة ظهار. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ms9592 تزوج وأراد الدخول الليلة الفلانية؛ وإلا كانت عندي مثل أمي وأختي ~~ولم تتهيأ له ذلك الوقت الذي طلبها فيه: فهل يقع طلاق؟ # PageV34P005 # فأجاب: # لا يقع عليه طلاق في المذاهب الأربعة؛ لكن يكون مظاهرا فإذا أراد الدخول ~~فإنه يكفر قبل ذلك. الكفارة التي ذكرها الله في " سورة المجادلة " فيعتق ~~رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حنق من زوجته فقال: إن بقيت أنكحك أنكح أمي تحت ستور الكعبة. هل ~~يجوز أن يصالحها؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا نكحها فعليه كفارة الظهار: عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ولا يمسها حتى يكفر. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين قال أحدهما لصاحبه: يا أخي لا تفعل هذه الأمور بين يدي امرأتك ~~قبيح عليك فقال: ما هي إلا مثل أمي. فقال: لأي شيء قلت سمعت أنها تحرم بهذا ~~اللفظ ثم كرر على نفسه وقال: أي والله هي عندي مثل أمي: هل تحرم على الزوج ~~بهذا اللفظ؟ # PageV34P006 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن أراد بقوله: إنها مثل أمي أنها تستر علي ولا ~~تهتكني ولا تلومني كما تفعل الأم مع ولدها؛ فإنه يؤدب على هذا القول ولا ~~تحرم عليه امرأته؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا يقول لامرأته: ~~يا أختي فأدبه - وإن كان جاهلا لم يؤدب على ذلك وإن استحق العقوبة على ما ~~فعله من المنكر - وقال أختك هي فلا ينبغي أن يجعل الإنسان امرأته كأمه. وإن ~~أراد بها عندي مثل أمي. أي في الامتناع عن وطئها والاستمتاع بها ونحو ذلك ~~مما يحرم من الأم فهي مثل أمي التي ليست محلا للاستمتاع بها: فهذا " مظاهر ~~" يجب عليه ما يجب على المظاهر فلا يحل له أن يطأها حتى يكفر " كفارة ~~الظهار " فيعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا. وإذا فعل ذلك حل له ذلك باتفاق المسلمين؛ إلا ms9593 أن ينوي أنها ~~محرمة علي كأمي: فهذا يكون مظاهرا في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وحكي ~~في مذهب مالك نزاع في ذلك: هل يقع به الثلاث؟ أم لا؟ والصواب المقطوع به ~~أنه لا يقع به طلاق ولا يحل له الوطء حتى يكفر باتفاقهم ولا يقع به الطلاق ~~بذلك والله أعلم. # PageV34P007 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال لامرأته بائن عنه إن رددتك تكوني مثل أمي وأختي: هل يجوز أن ~~يردها؟ وما الذي يجب عليه؟ # فأجاب: # في أحد قولي العلماء عليه كفارة ظهار وإذا ردها في الآخر لا شيء. والأول ~~أحوط. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال في غيظه لزوجته: أنت علي حرام مثل أمي. # فأجاب: # هذا مظاهر من امرأته داخل في قوله: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور} {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير} {فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} ~~فهذا إذا أراد إمساك زوجته ووطئها فإنه لا يقربها حتى يكفر هذه الكفارة ~~التي ذكرها الله. # PageV34P008 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قالت له زوجته: أنت علي حرام مثل أبي وأمي. وقال لها: أنت علي ~~حرام مثل أمي وأختي: فهل يجب عليه طلاق؟ # فأجاب: # لا طلاق بذلك؛ ولكن إن استمر على النكاح فعلى كل منهما كفارة ظهار قبل أن ~~يجتمعا وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا. # PageV34P009 ### | باب ما يلحق من النسب # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج بنتا بكرا بالغا ودخل بها؛ فوجدها بكرا ثم إنها ولدت ولدا ~~بعد مضي ستة أشهر بعد دخوله بها: فهل يلحق به الولد أم لا؟ وإن الزوج حلف ~~في الطلاق منها أن الولد ولده من صلبه: فهل يقع به الطلاق أم لا؟ والولد ~~ابن ms9594 سوي كامل الخلقة وعمر سنين أفتونا مأجورين؟ # فأجاب - رضي الله عنه -: # الحمد لله، إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر من حين دخل بها ولو بلحظة لحقه ~~الولد باتفاق الأئمة - ومثل هذه القصة وقعت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه. واستدل الصحابة على إمكان كون الولد لستة أشهر بقوله تعالى: {وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} فإذا ~~كان مدة الرضاع من الثلاثين حولين يكون الحمل ستة أشهر؛ فجمع في الآية أقل ~~الحمل وتمام الرضاع ولو لم يستلحقه فكيف إذا استلحقه وأقر به بل لو استلحق ~~مجهول النسب؛ وقال: إنه ابني لحقه باتفاق المسلمين؛ إذا كان ذلك ممكنا ولم ~~يدع أحد أنه ابنه: كان بارا في يمينه؛ ولا حنث عليه. والله أعلم. # PageV34P010 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل اشترى جارية بكرا وباشرها وهي لا تخرج ولا تدخل وهي حامل منه ~~فأخرجها إلى السوق وينكر ويحلف: أنه ما هو ولده؟ # فأجاب: # إذا اعترف أنه وطئها مثل أن يكون قد أقر بذلك فإن الولد يلحقه ويجعل هذا ~~الحمل منه إذا وضعت لمدة الإمكان وليس له أن يبيع الحمل ولا أمه؛ لكن إذا ~~ادعى الاستبراء ففي قبول قوله وتحليفه نزاع بين العلماء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة وأقامت في صحبته خمسة عشر يوما ثم طلقها الطلاق البائن ~~وتزوجت بعده بزوج آخر بعد إخبارها بانقضاء العدة من الأول؛ ثم طلقها الزوج ~~الثاني بعد مدة ست سنين وجاءت بابنة وادعت أنها من الزوج الأول: فهل يصح ~~دعواها. ويلزم الزوج الأول ولم يثبت أنها ولدت البنت وهذا الزوج والمرأة ~~مقيمان ببلد واحد وليس لها مانع من دعوى النساء ولا مطالبته بنفقة ولا فرض؟ # PageV34P011 # فأجاب: # الحمد لله، لا يلحق هذا الولد الذي هو البنت بمجرد دعواها والحالة هذه ~~باتفاق الأئمة؛ بل لو ادعت أنها ولدته في حال يلحق به نسبه إذا ولدته وكانت ~~مطلقة وأنكر هو أن تكون ولدته لم تقبل في دعوى الولادة بلا نزاع حتى تقيم ms9595 ~~بذلك بينة. ويكفي امرأة واحدة: عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وعند ~~مالك وأحمد في الرواية الأخرى لا بد من امرأتين. وأما الشافعي فيحتاج عنده ~~إلى أربع نسوة. ويكفي يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته. وأما إن كانت الزوجية ~~قائمة ففيها قولان في مذهب أحمد " أحدهما " لا يقبل قولها كمذهب الشافعي. " ~~والثاني " يقبل كمذهب مالك. وأما إذا انقضت عدتها ومضى لها أكثر الحمل ثم ~~ادعت وجود حمل من الزوج الأول المطلق: فهذه لا يقبل قولها بلا نزاع بل لو ~~أخبرت بانقضاء عدتها ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا ولدون مدة الحمل: فهل ~~يلحقه؟ على قولين مشهورين لأهل العلم. ومذهب أبي حنيفة وأحمد أنه يلحق وهذا ~~اختيار ابن سريج من أصحاب الشافعي؛ لكن المشهور من مذهب الشافعي ومالك أنه ~~لا يلحقه. وهذا النزاع إذا لم تتزوج فأما إذا تزوجت بعد إخبارها بانقضاء ~~عدتها ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر؛ فإن هذا لا يلحق نسبه بالأول قولا ~~واحدا. فإذا عرفت مذهب الأئمة في هذين الأصلين فكيف يلحقه نسبه # PageV34P012 # بدعواها بعد ست سنين. ولو قالت ولدته ذلك الزمن قبل أن يطلقني لم يقبل ~~قولها أيضا؛ بل القول قوله مع يمينه إنها لم تلدها على فراشه ولو قالت هي: ~~وضعت هذا الحمل قبل أن أتزوج بالثاني وأنكر الزوج الأول ذلك: فالقول قوله ~~أيضا أنها لم تضعها قبل تزوجها بالثاني؛ لا سيما مع تأخر دعواها إلى أن ~~تزوجت الثاني؛ فإن هذا مما يدل على كذبها في دعواها؛ لا سيما على أصل مالك ~~في تأخر الدعوى الممكنة بغير عذر في هذه المسائل ونحوها. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن طلق امرأته ثلاثا وأفتاه مفت بأنه لم يقع الطلاق فقلده الزوج ووطئ ~~زوجته بعد ذلك وأتت منه بولد: فقيل: إنه ولد زنا؟ # فأجاب: # من قال ذلك فهو في غاية الجهل والضلالة والمشاقة لله ورسوله فإن المسلمين ~~متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج أنه نكاح سائغ إذا وطئ فيه فإنه يلحقه ~~فيه ولده ويتوارثان باتفاق المسلمين ms9596 وإن كان ذلك النكاح باطلا في نفس الأمر ~~باتفاق المسلمين سواء كان الناكح كافرا أو مسلما. واليهودي إذا تزوج بنت ~~أخيه كان ولده منه يلحقه نسبه ويرثه باتفاق المسلمين، وإن كان ذلك النكاح ~~باطلا باتفاق المسلمين # PageV34P013 # ومن استحله كان كافرا تجب استتابته. وكذلك المسلم الجاهل لو تزوج امرأة ~~في عدتها كما يفعل جهال الأعراب ووطئها يعتقدها زوجة كان ولده منها يلحقه ~~نسبه ويرثه باتفاق المسلمين. ومثل هذا كثير. فإن " ثبوت النسب " لا يفتقر ~~إلى صحة النكاح في نفس الأمر؛ بل الولد للفراش كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {الولد للفراش وللعاهر الحجر} " فمن طلق امرأته ثلاثا ووطئها يعتقد ~~أنه لم يقع به الطلاق: إما لجهله. وإما لفتوى مفت مخطئ قلده الزوج. وإما ~~لغير ذلك فإنه يلحقه النسب ويتوارثان بالاتفاق؛ بل ولا تحسب العدة إلا من ~~حين ترك وطأها؛ فإنه كان يطؤها يعتقد أنها زوجته فهي فراش له فلا تعتد منه ~~حتى تترك الفراش. ومن نكح امرأة " نكاحا فاسدا " متفقا على فساده أو مختلفا ~~في فساده أو ملكها ملكا فاسدا متفقا على فساده أو مختلفا في فساده أو وطئها ~~يعتقدها زوجته الحرة أو أمته المملوكة: فإن ولده منها يلحقه نسبه ويتوارثان ~~باتفاق المسلمين. والولد أيضا يكون حرا؛ وإن كانت الموطوءة مملوكة للغير في ~~نفس الأمر ووطئت بدون إذن سيدها؛ لكن لما كان الواطئ مغرورا بها زوج بها ~~وقيل: هي حرة أو بيعت فاشتراها يعتقدها ملكا للبائع؛ فإنما وطئ من # PageV34P014 # يعتقدها زوجته الحرة أو أمته المملوكة: فولده منها حر؛ لاعتقاده. وإن كان ~~اعتقاده مخطئا وبهذا قضى الخلفاء الراشدون واتفق عليه أئمة المسلمين. ~~فهؤلاء الذين وطئوا وجاءهم أولاد لو كانوا قد وطئوا في نكاح فاسد متفق على ~~فساده وكان الطلاق وقع بهم باتفاق المسلمين وهم وطئوا يعتقدون أن النكاح ~~باق؛ لإفتاء من أفتاهم أو لغير ذلك: كان نسب الأولاد بهم لاحقا ولم يكونوا ~~أولاد زنا؛ بل يتوارثون باتفاق المسلمين. هذا في المجمع على فساده فكيف في ~~المختلف في فساده؟ وإن كان القول ms9597 الذي وطئ به قولا ضعيفا: كمن وطئ في نكاح ~~المتعة أو نكاح المرأة نفسها بلا ولي ولا شهود؛ فإن هذا إذا وطئ فيه يعتقده ~~نكاحا لحقه فيه النسب فكيف بنكاح مختلف فيه وقد ظهرت حجة القول بصحته ~~بالكتاب والسنة والقياس وظهر ضعف القول الذي يناقضه وعجز أهله عن نصرته بعد ~~البحث التام؛ لانتفاء الحجة الشرعية؟ فمن قال إن هذا النكاح أو مثله يكون ~~فيه الولد ولد زنا لا يتوارثان هو وأبوه الوطء مخالف لإجماع المسلمين. ~~منسلخ من رتبة الدين فإن كان جاهلا عرف وبين له أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وخلفاءه الراشدين وسائر أئمة الدين ألحقوا أولاد أهل الجاهلية بآبائهم ~~وإن كانت محرمة بالإجماع؛ ولم يشترطوا في لحوق النسب أن يكون النكاح جائزا ~~في شرع المسلمين. فإن أصر على مشاقة الرسول من بعد # PageV34P015 # ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل. فقد ظهر أن من أنكر الفتيا بأنه لا يقع الطلاق وادعى الإجماع على ~~وقوعه وقال إن الولد ولد زنا: هو المخالف لإجماع المسلمين مخالف لكتاب الله ~~وسنة رسول الله رب العالمين وإن المفتي بذلك أو القاضي بذلك فعل ما لا يسوغ ~~له بإجماع المسلمين. وليس لأحد المنع من الفتيا بقوله ولا القضاء بذلك ولا ~~الحكم بالمنع من ذلك باتفاق المسلمين والأحكام باطلة بإجماع المسلمين. ~~والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ادعت عليه مطلقته بعد ست سنين ببنت وبعد أن تزوجت بزوج آخر فألزمه ~~بعض الحكام باليمين فقال الرجل: أحلف أن هذه ما هي بنتي. فقال الحاكم: ما ~~تحلف إلا أنها ما هي بنتها فامتنع أن يحلف إلا أنها ما هي بنتي وكان معه ~~إنسان فقال للحاكم: هذا ما يحل له أن يحلف أنها ما هي بنت هذه المرأة فضربه ~~الحاكم بالدرة وأحرق به فحلف الرجل فكتب عليه فرض البنت. فهل ms9598 يصح هذا ~~الفرض؟ . # PageV34P016 # فأجاب: # الحمد لله، عليه اليمين أنها لم تلدها في العدة أو أنها لم تلدها على ~~فراشه أو أنها لم تلدها في بيته؛ بحيث أمكن لحوق النسب به. فأما إذا تزوجت ~~بغيره وأمكن أنها ولدتها من الثاني فليس عليه اليمين أنها لم تلدها. وإذا ~~حلفت أنها لم تلدها قبل نكاح الثاني آخرا. وإذا أكره على الإقرار لم يصح ~~إقراره. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها ولا أصابها فولدت بعد شهرين: فهل يصح ~~النكاح؟ وهل يلزمه الصداق أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يلحق به الولد باتفاق المسلمين وكذلك لا يستقر عليه المهر ~~باتفاق المسلمين لكن للعلماء في العقد " قولان " أصحهما أن العقد باطل؛ ~~كمذهب مالك وأحمد وغيرهما. وحينئذ فيجب التفريق بينهما ولا مهر عليه ولا ~~نصف مهر ولا متعة؛ كسائر العقود الفاسدة إذا حصلت الفرقة فيها قبل الدخول؛ ~~لكن ينبغي أن يفرق بينهما حاكم يرى فساد العقد لقطع النزاع. و " القول ~~الثاني " أن العقد صحيح؛ ثم لا يحل له الوطء حتى تضع؛ كقول أبي حنيفة. ~~وقيل: يجوز له الوطء قبل الوضع كقول الشافعي، # PageV34P017 # فعلى هذين القولين إذا طلقها قبل الدخول فعليه نصف المهر؛ لكن هذا النزاع ~~إذا كانت حاملا من وطء شبهة أو سيد أو زوج؛ فإن النكاح باطل باتفاق ~~المسلمين ولا مهر عليه إذا فارق قبل الدخول وأما الحامل من الزنا فلا كلام ~~في صحة نكاحها. والنزاع فيما إذا كان نكحها طائعا وأما إذا نكحها مكرها ~~فالنكاح باطل في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما # PageV34P018 ### | باب العدد # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة طلقها زوجها في الثامن والعشرين من ربيع الأول وأن دم الحيض ~~جاءها مرة ثم تزوجت بعد ذلك في الثالث والعشرين من جمادى الآخر من السنة ~~وادعت أنها حاضت ثلاث حيض ولم تكن حاضت إلا مرة فلما علم الزوج الثاني ~~طلقها طلقة واحدة ثانيا في العشر من شعبان من السنة ثم أرادت أن تزوج ~~بالمطلق الثاني وادعت أنها آيسة: فهل يقبل قولها وهل يجوز ms9599 تزويجها؟ # فأجاب: # الإياس لا يثبت بقول المرأة؛ لكن هذه إذا قالت إنه ارتفع لا تدري ما رفعه ~~فإنها تؤجل سنة فإن لم تحض فيها زوجت. وإذا طعنت في سن الإياس فلا تحتاج ~~إلى تأجيل. وإن علم أن حيضها ارتفع بمرض أو رضاع كانت في عدة حتى يزول ~~العارض. فهذه المرأة كان عليها " عدتان ": عدة للأول وعدة من وطء الثاني. ~~ونكاحه فاسد لا يحتاج إلى طلاق فإذا لم تحض إلا مرة واستمر انقطاع الدم # PageV34P019 # فإنها تعتد العدتين بالشهور ستة أشهر بعد فراق الثاني إذا كانت آيسة. ~~وإذا كانت مستريبة كان سنة وثلاثة أشهر. وهذا على قول من يقول: أن العدتين ~~لا تتداخلان: كمالك والشافعي وأحمد. وعند أبي حنيفة تتداخل العدتان من ~~رجلين؛ لكن عنده الإياس حد بالسن وهذا الذي ذكرناه هو أحسن قولي الفقهاء ~~وأسهلهما وبه قضى عمر وغيره. وأما على القول الآخر فهذه المستريبة تبقى في ~~عدة حتى تطعن في سن الإياس فتبقى على قولهم تمام خمسين أو ستين سنة لا ~~تتزوج. ولكن في هذا عسر وحرج في الدين وتضييع مصالح المسلمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة ولها عنده أربع سنين لم تحض وذكرت أن لها أربع سنين ~~قبل زواجها لم تحض فحصل من زوجها الطلاق الثلاث: فكيف يكون تزويجها بالزوج ~~الآخر؟ وكيف تكون العدة وعمرها خمسون سنة. # فأجاب: # الحمد لله، هذه تعتد عدة الآيسات " ثلاثة أشهر " في أظهر قولي العلماء؛ ~~فإنها قد عرفت أن حيضها قد انقطع وقد عرفت أنه قد انقطع انقطاعا مستمرا؛ ~~بخلاف المستريبة التي لا تدري ما رفع حيضها: هل هو ارتفاع # PageV34P020 # إياس؟ أو ارتفاع لعارض ثم يعود: كالمرض والرضاع؟ فهذه " ثلاثة أنواع ". ~~فما ارتفع لعارض: كالمرض والرضاع؛ فإنها تنتظر زوال العارض بلا ريب. ومتى ~~ارتفع لا تدري ما رفعه: فمذهب مالك وأحمد في المنصوص عنه وقول للشافعي: ~~أنها تعتد عدة الآيسات بعد أن تمكث مدة الحمل كما قضى بذلك عمر. ومذهب أبي ~~حنيفة والشافعي في الجديد أنها تمكث حتى تطعن في سن الإياس ms9600 فتعتد عدة ~~الآيسات. وفي هذا ضرر عظيم عليها؛ فإنها تمكث عشرين أو ثلاثين أو أربعين ~~سنة لا تتزوج. ومثل هذا الحرج مرفوع عن الأمة؛ وإنما اللائي يئسن من المحيض ~~فإنهن يعتددن ثلاثة أشهر بنص القرآن وإجماع الأمة. لكن العلماء مختلفون: هل ~~للإياس سن لا يكون الدم بعده إلا دم إياس؟ وهل ذلك السن خمسون أو ستون؟ أو ~~فيه تفصيل؟ ومتنازعون: هل يعلم الإياس بدون السن؟ وهذه المرأة قد طعنت في ~~سن الإياس على أحد القولين وهو الخمسون ولها مدة طويلة لم تحض وقد ذكرت ~~أنها شربت ما يقطع الدم والدم يأتي بدواء: فهذه لا ترجو عود الدم إليها فهي ~~من الآيسات تعتد عدة الآيسات. والله أعلم. # PageV34P021 # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة فسخ الحاكم نكاحها عقب الولادة لما ثبت عنده من تضررها بانقطاع ~~نفقة زوجها وعدم تصرفه الشرعي عليها المدة التي يسوغ فيها فسخ النكاح ~~لمثلها. وبعد ثلاثة شهور من فسخ النكاح رغب فيها من يتزوجها: فهل يجوز أن ~~تعتد بالشهور؛ إذ أكثر النساء لا يحضن مع الرضاعة أو يستمر بها الضرر إلى ~~حيث ينقضي الرضاع ويعود إليها حيضها أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل تبقى في العدة حتى تحيض ثلاث حيض وإن تأخر ذلك إلى انقضاء ~~مدة الرضاع وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وبذلك قضى عثمان بن عفان ~~وعلي بن أبي طالب بين المهاجرين والأنصار ولم يخالفهما أحد. فإن أحبت ~~المرأة أن تسترضع لابنها من يرضعه لتحيض أو تشرب ما تحيض به: فلها ذلك. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة كانت تحيض وهي بكر فلما تزوجت ولدت ستة أولاد ولم تحض بعد ذلك ~~ووقعت الفرقة من زوجها وهي مرضع وأقامت عند أهلها # PageV34P022 # نصف سنة ولم تحض وجاء رجل يتزوجها غير الزوج الأول فحضروا عند قاض من ~~القضاة فسألها عن الحيض؟ فقالت: لي مدة سنين ما حضت. فقال القاضي: ما يحل ~~لك عندي زواج فزوجها حاكم آخر ولم يسألها عن الحيض فبلغ خبرها إلى قاض آخر ~~فاستحضر الزوج والزوجة ms9601 فضرب الرجل مائة جلدة وقال: زنيت وطلق عليه ولم يذكر ~~الزوج الطلاق فهل يقع به طلاق؟ # فأجاب: # إن كان قد ارتفع حيضها بمرض أو رضاع فإنها تتربص حتى يزول العارض وتحيض ~~باتفاق العلماء؛ وإن كان ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه فهذه في أصح قولي ~~العلماء على ما قال عمر: تمكث سنة ثم تزوج وهو مذهب أحمد المعروف في مذهبه ~~وقول للشافعي: وإن كانت " في القسم الأول " فنكاحها باطل والذي فرق بينهما ~~أصاب في ذلك وأصاب في تأديب من فعل ذلك. وإن كانت من " القسم الثاني " قد ~~زوجها حاكم لم يكن لغيره من الحكام أن يفرق بينهما ولم يقع بها طلاق فإن ~~فعل الحاكم لمثل ذلك يجوز في أصح الوجهين. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن مرضع استبطأت الحيض فتداوت لمجيء الحيض فحاضت ثلاث حيض وكانت مطلقة: ~~فهل تنقضي عدتها؛ أم لا. # PageV34P023 # فأجاب: # نعم إذا أتى الحيض المعروف لذلك اعتدت به. كما أنها لو شربت دواء قطع ~~الحيض أو باعد بينه: كان ذلك طهرا. وكما لو جاعت أو تعبت؛ أو أتت غير ذلك ~~من الأسباب التي تسخن طبعها وتثير الدم فحاضت بذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة شابت لم تبلغ سن الإياس وكانت عادتها أن تحيض فشربت دواء فانقطع ~~عنها الدم واستمر انقطاعه؛ ثم طلقها زوجها وهي على هذه الحالة: فهل تكون ~~عدتها من حين الطلاق بالشهور أو تتربص حتى تبلغ سن الآيسات؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كانت تعلم أن الدم [لا] (1) يأتي فيما بعد ~~فعدتها ثلاثة أشهر. وإن كان يمكن أن يعود الدم ويمكن أن لا يعود فإنها ~~تتربص بعد سنة ثم تتزوج كما قضى به عمر بن الخطاب في المرأة يرتفع حيضها لا ~~تدري ما رفعه؛ فإنها تتربص سنة وهذا مذهب الجمهور: كمالك والشافعي. ومن ~~قال: إنها تدخل في سن الآيسات: فهذا قول ضعيف جدا؛ مع ما فيه من الضرر الذي ~~لا تأتي الشريعة بمثله؛ أو تمنع من النكاح وقت حاجتها إليه ويؤذن لها فيه ms9602 ~~حين لا تحتاج إليه. PageV34P024 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل مرض مرضا متصلا بموته وله زوجة فأمرها أن تخرج من داخل الدار إلى ~~خارجها فتوقفت عن الخروج فقال لها: أنت طالق. فخرجت وحجبت وجهها عنه فطلبها ~~فدخلت عليه محتجبة فسألها عن احتجابها لما هو؟ فأخبرته بما أوقع من الطلاق؛ ~~فأنكر وقال: ما حلفت ولا طلقت ومات بعد أيام: فهل يلزمها الطلاق؟ أم عدة ~~الوفاة؟ # فأجاب: # عليها عدة الوفاة مع عدة الطلاق؛ ولها الميراث. هذا إن كان عقله حاضرا ~~حين تكلم بالطلاق؛ وإن كان عقله غائبا لم يلزمها إلا عدة الوفاة. والله ~~أعلم. # PageV34P025 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين ورزق منها ولدا له من العمر سنتان ~~وذكرت أنها لما تزوجت لم تحض إلا حيضتين وصدقها الزوج وكان قد طلقها ثانيا ~~على هذا العقد المذكور: فهل يجوز الطلاق على هذا العقد المفسوخ؟ # فأجاب: # إن صدقها الزوج في كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة فالنكاح باطل وعليه أن ~~يفارقها. وعليها أن تكمل عدة الأول ثم تعتد من وطء الثاني. فإن كانت حاضت ~~الثالثة قبل أن يطأها الثاني فقد انقضت عدة الأول؛ ثم إذا فارقها الثاني ~~اعتدت له ثلاث حيض ثم تزوج من شاءت بنكاح جديد. وولده ولد حلال يلحقه نسبه؛ ~~وإن كان قد ولد بوطء في عقد فاسد لا يعلم فساده. # PageV34P026 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # فصل: المعتدة عدة الوفاة # تتربص أربعة أشهر وعشرا وتجتنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها ولا تتزين ~~ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة وتلزم منزلها فلا تخرج بالنهار إلا لحاجة ~~ولا بالليل إلا لضرورة ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله: كالفاكهة ~~واللحم: لحم الذكر والأنثى ولها أكل ذلك باتفاق علماء المسلمين وكذلك شرب ~~ما يباح من الأشربة ويجوز لها أن تلبس ثياب القطن والكتان وغير ذلك مما ~~أباحه الله؛ وليس عليها أن تصنع ثيابا بيضاء أو غير بيض للعدة؛ بل يجوز لها ~~لبس المقفص؛ لكن لا تلبس ما تتزين به المرأة: مثل ms9603 الأحمر والأصفر والأخضر ~~الصافي والأزرق الصافي ونحو ذلك ولا تلبس الحلي مثل الأسورة والخلاخل ~~والقلايد ولا تختضب بحناء ولا غيره؛ ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال ~~المباحة: مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء. # PageV34P027 # ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة: مثل كلام من تحتاج إلى كلامه ~~من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك. وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ونساؤه صلى ~~الله عليه وسلم ولا يحل لهن أن يتزوجن بغيره أبدا لا في العدة ولا بعدها ~~بخلاف غيرهن وعلى المسلمين احترامهن كما يحترم الرجل أمه؛ لكن لا يجوز لغير ~~محرم يخلو بواحدة منهن ولا يسافر بها. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة معتدة عدة وفاة؛ ولم تعتد في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: ~~فهل يجب عليها إعادة العدة؟ وهل تأثم بذلك؟ # فأجاب: # العدة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشرا من حين الموت ولا تقضي العدة. فإن ~~كانت خرجت لأمر يحتاج إليه ولم تبت إلا في منزلها فلا شيء عليها. وإن كانت ~~قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة أو باتت في غير ضرورة أو ~~تركت الإحداد: فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك؛ ولا إعادة عليها. # PageV34P028 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يوما؛ فما قدرت تخالف مرسوم ~~السلطان؛ ثم سافرت وحضرت إلى القاهرة ولم تتزين لا بطيب؛ ولا غيره: فهل ~~تجوز خطبتها؛ أم لا؟ # فأجاب: # العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فإن كان قد بقي من هذه شيء ~~فلتتمه في بيتها ولا تخرج ليلا ولا نهارا إلا لأمر ضروري؛ وتجتنب الزينة ~~والطيب في بدنها وثيابها. ولتأكل ما شاءت من حلال وتشم الفاكهة وتجتمع بمن ~~يجوز لها الاجتماع به في غير العدة؛ لكن إن خطبها إنسان لا تجيبه صريحا. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة عزمت على الحج هي ms9604 وزوجها فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن ~~تحج؟ # فأجاب: # ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة. # PageV34P029 ### | باب الاستبراء # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل اشترى جارية؛ ثم بعد يومين أو ثلاثة وطئها قبل أن تحيض ثم باعها ~~بعد عشرة أيام: فهل يجوز للسيد الثاني أن يطأها قبل أن تحيض؟ # فأجاب: # لم يكن يحل له وطؤها قبل أن يستبرئها باتفاق الأئمة كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} ~~وكذلك المشتري الثاني لا يجوز له وطؤها قبل أن تحيض عنده باتفاق الأئمة؛ بل ~~لا يجوز في أحد قولي العلماء أن يبيعها الواطئ حتى يستبرئها. وهل عليه ~~استبراء وعلى المشتري استبراء؟ أو استبراءان؟ أو يكفيهما استبراء واحد؟ على ~~قولين. والله أعلم. # PageV34P030 ### | باب الرضاع # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # وأما " المحرمات بالرضاع " فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب} وفي لفظ: {يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة} ~~وهذا مما اتفق عليه علماء المسلمين؛ لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء ~~المعروفين. فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام صار ~~ولدها باتفاق الأئمة وصار الرجل الذي در اللبن بوطئه أبا لهذا المرتضع ~~باتفاق الأئمة المشهورين وهذا يسمى " لبن الفحل " وقد ثبت ذلك بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {فإن عائشة كانت قد أرضعتها امرأة وكان لها زوج ~~يقال له أبو القعيس فجاء أخوه يستأذن عليها فأبت أن تأذن له حتى سألت # PageV34P031 # النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: إيذني له فإنه عمك فقالت عائشة: إنما ~~أرضعتني المرأة؛ ولم يرضعني الرجل فقال: إنه عمك فليلج عليك} . وقال: {يحرم ~~من الرضاعة ما يحرم من النسب} . وإذا صار الرجل والمرأة والدي المرتضع صار ~~كل من أولادهما إخوة المرضع؛ سواء كانوا من الأب فقط أو من المرأة أو منهما ~~أو كانوا أولادا لهما من ms9605 الرضاعة؛ فإنهم يصيرون إخوة لهذا المرتضع من ~~الرضاعة؛ حتى لو كان لرجل امرأتان فأرضعت هذه طفلا وهذه طفلة: كانا أخوين؛ ~~ولم يجز لأحدهما التزوج بالآخر باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور علماء ~~المسلمين. وهذه " المسألة " سئل عنها ابن عباس فقال: اللقاح واحد يعني ~~الرجل الذي وطئ المرأتين حتى در اللبن واحد. ولا فرق باتفاق المسلمين بين ~~أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة وبعد ~~الرضاعة: باتفاق المسلمين. وما يظنه كثير من الجهال أنه إنما يحرم من رضع ~~معه: هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه فإن أصر على استحلال ذلك استتيب كما ~~يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة فإن تاب وإلا قتل. وإذا كان كذلك ~~فجميع " أقارب المرأة أقارب للمرتضع من الرضاعة " أولادها إخوته وأولاد ~~أولادها أولاد إخوته وآباؤها وأمهاتها # PageV34P032 # أجداده وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته: وكل هؤلاء حرام عليه وأما " ~~بنات أخواله وخالاته من الرضاع " فحلال كما يحل ذلك من النسب؛ وأقارب الرجل ~~أقاربه من الرضاع: أولاد إخوته وأولادهم أولاد إخوته. وإخوته أعمامه وعماته ~~وهن حرام عليه. وحل له بنات عمه وبنات عماته. وأولاد المرتضع بمنزلته كما ~~أن أولاد المولود بمنزلته فليس لأولاده من النسب والرضاع أن يتزوجوا إخوته ~~ولا إخوة أبيه لا من نسب ولا رضاع لأنهم أعمامهم وعماتهم وأخوالهم ~~وخالاتهم. وأما إخوة المرتضع من نسب أو رضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم ~~أجانب منها ومن أقاربها فيجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة؛ كما ~~إذا كان أخ للرجل من أبيه وأخت من أمه. وبالعكس: جاز أن يتزوج أحدهما ~~الآخر؛ وهو نفسه لا يتزوج واحدا منهما: فكذلك المرتضع هو نفسه لا يتزوج ~~واحدا من أولاد مرضعه؛ ولا أحدا من أولاد والديه فإن هؤلاء إخوته من ~~الرضاع؛ وهؤلاء إخوته من النسب. ويجوز لإخوته من الرضاع أن يتزوجوا إخوته ~~من النسب كما يجوز لإخوته من أبيه أن يتزوجوا إخوته من أمه. وهذا كله متفق ~~عليه بين العلماء. # PageV34P033 # ولكن بعض المنتصبين للفتيا قد يغلظ في هذه المسائل؛ ms9606 لالتباس أمرها على ~~المستفتين ولا يذكرون ما يسألون عنه بالأسماء والصفات المعتبرة في الشرع ~~مثل أن يقول: اثنان تراضعا: هل يتزوج هذا بأخت هذا؟ وهذا سؤال مجمل. ~~فالمرتضع نفسه ليس له أن يتزوج من أخوات الآخر اللاتي هن من أمه التي ~~أرضعت؛ وإن كان له أخوات من غير تلك الأم فهن أجانب من المرتضع فللمرتضع أن ~~يتزوج منهن. وكذلك إذا قيل: طفل وطفلة تراضعا أو طفلان تراضعا: هل يحل أن ~~يتزوج أحدهما بإخوة الآخر ويتزوج الأخوات من الجانبين بعضهم لبعض؟ فجواب ~~ذلك أن إخوة كل من المتراضعين لهم أن يتزوجوا أخوات الآخر؛ إذا لم يرتضع ~~الخاطب من أم المخطوبة ولا المخطوبة من أم الخاطب وهذا متفق عليه بين ~~العلماء. وأما المتراضعان فليس لأحدهما أن يتزوج شيئا من أولاد المرضعة فلا ~~يتزوج هذا بأحد من إخوة الآخر من الأم التي أرضعته أو من الأب صاحب اللبن ~~ويجوز أن يتزوج كل منهما من إخوة الآخر الذين ليسوا من أولاد أبويه من ~~الرضاعة. فهذا جواب هذه الأقسام. فإن الرضيع: إما أن يتزوج من إخوة المرتضع ~~الآخر من تلك المرأة أو الرجل وإما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من ~~النسب أو من رضاعة أخرى. وإخوة الرضيع إما أن يتزوجوا من هؤلاء وإما من ~~هؤلاء وإما من هؤلاء. فإخوة الرضيع لهم أن يتزوجوا الجميع: أولاد المرضعة # PageV34P034 # وزوجها من نسب أو رضاع. ولإخوة هذا أن يتزوجوا بإخوة هذا؛ بل لأب هذا من ~~النسب أن يتزوج أخته من الرضاع. وأما أولاد المرضعة فلا يتزوج أحد منهن ~~المرتضع؛ ولا أولاده؛ ولا يتزوج أحدا من أولاد إخوته وأخواته؛ لا من نسب؛ ~~ولا من رضاع فإنه يكون: إما عما وإما خالا. وهذا كله متفق عليه بين ~~العلماء. " ثم الرضاع المحرم " فيه ثلاثة أقوال مشهورة ثلاث روايات عن أحمد ~~" أحدها " أنه يحرم كثيره وقليله. وهي مذهب مالك وأبي حنيفة؛ لإطلاق ~~القرآن. " والثاني " لا تحرم الرضعة والرضعتان ويحرم ما فوق ذلك. وهو مذهب ~~طائفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ms9607 الصحيح: {لا تحرم الرضعة ~~والرضعتان} " وروي " {المصة والمصتان} " وروي {الإملاجة؛ والإملاجتان} " ~~فنفى التحريم عنهما وبقي الباقي على العموم والمفهوم. " والثالث " أنه لا ~~يحرم إلا خمس رضعات وهو مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد لحديثين صحيحين. حديث ~~عائشة: {إن مما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ~~فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك} ولأمره صلى الله عليه ~~وسلم لامرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة بن ~~عتبة بن ربيعة خمس رضعات؛ ليصير محرما لها بذلك. # PageV34P035 # وعلى هذا فالرضعة في مذهب الشافعي وأحمد ليست هي الشبعة وهو أن يلتقم ~~الثدي ثم يسيبه ثم يلتقمه ثم يسيبه حتى يشبع بل إذا أخذ الثدي ثم تركه ~~باختياره فهي رضعة سواء شبع بها أو لم يشبع إلا برضعات فإذا التقمه بعد ذلك ~~فرضع ثم تركه فرضعة أخرى وإن تركه بغير اختياره ثم عاد قريبا ففيه نزاع. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # ما الذي يحرم من الرضاع؟ وما الذي لا يحرم؟ وما دليل حديث عائشة رضي الله ~~عنها " {أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب} . ولتبينوا جميع التحريم ~~منه؟ وهل للعلماء فيه اختلاف؟ وإن كان لهم اختلاف فما هو الصواب والراجح ~~فيه؟ وهل حكم رضاع الصبي الكبير الذي دون البلوغ أو الذي يبلغ حكمه حكم ~~الصغير الرضيع؛ فإن بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين؛ وأكثر وأقل؟ وهل ~~يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض؟ وبينوه ~~بيانا شافيا؟ # الجواب: # الحمد لله، حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته؛ وهو متلقى بالقبول؛ فإن ~~الأئمة اتفقوا على العمل به ولفظه: {يحرم من الرضاع ما يحرم من # PageV34P036 # النسب} " والثاني: " {يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة} ": وقد استثنى ~~بعض الفقهاء المستأخرين من هذا العموم صورتين؛ وبعضهم أكثر من ذلك وهذا ~~خطأ؛ فإنه لا يحتاج أن يستثنى من الحديث شيء. ونحن نبين ذلك فنقول. إذا ~~ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات في الحولين صارت المرأة أمه ms9608 وصار زوجها ~~الذي جاء اللبن بوطئه أباه فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة وحينئذ فيكون ~~جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن غيرها ~~إخوة له سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة. وإذا كان أولادهما ~~إخوته كان أولاد أولادهما أولاد إخوته فلا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من ~~أولادهما ولا أولاد أولادهما؛ فإنهم: إما إخوته وإما أولاد إخوته وذلك يحرم ~~من الولادة. وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته من الرضاع وأبوها وأمها ~~أجداده وجداته من الرضاع فلا يجوز له أن يتزوج أحدا من إخوتها. ولا من ~~أخواتها وإخوة الرجل أعمامه وعماته. وأبو الرجل وأمهاته أجداده وجداته؛ فلا ~~يتزوج بأعمامه وعماته ولا بأجداده وجداته؛ لكن يتزوج بأولاد الأعمام ~~والعمات؛ فإن جميع أقارب الرجل حرام عليه؛ أولاد الأعمام والعمات؛ وأولاد ~~الخال والخالات كما ذكر الله في قوله # PageV34P037 # {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك} فهؤلاء " الأصناف الأربعة " هي المباحات من الأقارب فيبحن من ~~الرضاعة. وإذا كان المرتضع ابنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد أولادهما ~~ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب. فهذه الجهات الثلاث منها ~~تنتشر حرمة الرضاع. وأما إخوة المرتضع من النسب؛ وأبوه من النسب وأمه من ~~النسب: فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع؛ ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ~~ولا نسب ولا رضاع؛ لأن الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا ~~نسب بينهما؛ بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه؛ فكيف إذا كان أخ ~~من النسب وأخت من الرضاع؛ فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج هذا. ~~وبهذا تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه ~~من الرضاعة بأمه من النسب كما يتزوج بأخته من النسب. ويجوز لأخيه من النسب ~~أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير ms9609 له في النسب؛ فإن أخ الرجل من النسب ~~لا يتزوج بأمه من النسب. وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ولا ~~ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به. # PageV34P038 # فيقول من لا يحقق: يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا ~~في الرضاع. وهذا غلط منه؛ فإن نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه ~~من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من ~~امرأة واللبن لفحل؛ فإنه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من ~~الرضاعة؛ لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من ~~الرضاعة؛ لكونهما ولديهما من الرضاعة؛ لا لكونهما أخوي ولديهما. فمن تدبر ~~هذا ونحوه زالت عنه الشبهة. وأما ### | " رضاع الكبير " # فإنه لا يحرم في مذهب الأئمة الأربعة؛ بل لا يحرم إلا رضاع الصغير كالذي ~~رضع في الحولين. وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين الأئمة؛ لكن مذهب ~~الشافعي وأحمد أنه لا يحرم. فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يحرم ~~أحدهما على الآخر برضاع القرايب: مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب: فهنا ~~لا تحرم عليه زوجته؛ لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من ~~الرضاعة لأخيه من النسب؛ إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع؛ وإنما حرمت ~~على أخيه لأنها أمه من الرضاع وليست أم نفسه من الرضاع. وأم المرتضع من ~~الرضاع لا تكون أما لإخوته من النسب؛ لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع ~~غيره. نعم: # PageV34P039 # لو كان للرجل نسوة يطأهن وأرضعت كل واحدة طفلا لم يجز أن يتزوج أحدهما ~~الآخر؛ ولهذا لما سئل ابن عباس عن ذلك قال: اللقاح واحد. وهذا مذهب الأئمة ~~الأربعة؛ لحديث أبي القعيس الذي في الصحيحين عن عائشة وهو معروف. وتحرم ~~عليه أم أخيه من النسب؛ لأنها أمه أو امرأة أبيه؛ وكلاهما حرام عليه. وأما ~~أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه؛ لأن زوجها صاحب اللبن ليس ~~أبا لهذا؛ لا ms9610 من النسب ولا من الرضاعة. فإذا قال القائل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب} " وأم أخيه من النسب ~~حرام فكذلك من الرضاع. قلنا: هذا تلبيس وتدليس؛ فإن الله لم يقل: حرمت ~~عليكم أمهات أخواتكم؛ وإنما قال: {حرمت عليكم أمهاتكم} وقال تعالى: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم ~~تكن أمه. وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة. وأما منكوحة أبيه ~~من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم؛ لكن فيها نزاع لكونها من ~~المحرمات بالصهر؛ لا بالنسب والولادة. وليس الكلام هنا في تحريمها فإنه إذا ~~قيل: تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث. وأما أم أخيه التي ~~ليست أما ولا منكوحة أب: فهذه لا توجد في # PageV34P040 # النسب؛ فلا يجوز أن يقال: تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة ~~فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من ~~النسب: لا نظير لها من الولادة فلا تحرم. وهذا متفق عليه بين المسلمين. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن طفل ارتضع من امرأة مع ولدها رضعة أو بعض رضعة ثم تزوجت برجل آخر ~~فرزقت منه ابنة: فهل يحل للطفل المرتضع تزويج الابنة على هذه الصورة أم لا؟ ~~وما دليل مالك - رحمه الله - وأبي حنيفة في أن " المصة الواحدة " أو " ~~الرضعة الواحدة " تحرم؛ مع ما ورد من الأحاديث التي خرجها مسلم في صحيحه: ~~منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحرم المصة ولا المصتان} " ~~ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان} ~~" ومنها " {أن رجلا من بني عامر بن صعصعة قال يا رسول الله هل تحرم الرضعة ~~الواحدة؟ قال: لا} " ومنها عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {كان فيما ~~أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن} ms9611 وما حجتهما مع هذه الأحاديث ~~الصحيحة. # PageV34P041 # فأجاب: # هذه المسألة فيها نزاع مشهور في مذهب الشافعي. وأحمد في المشهور عنه لا ~~يحرم إلا خمس رضعات؛ لحديث عائشة المذكور وحديث سالم مولى أبي حذيفة لما ~~{أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن أبي ربيعة أن ~~ترضعه خمس رضعات} وهو في الصحيح أيضا فيكون ما دون ذلك لم يحرم فيحتاج إلى ~~خمس رضعات. وقيل يحرم الثلاث فصاعدا وهو قول " طائفة " منهم أبو ثور وغيره ~~وهو رواية عن أحمد. واحتجوا بما في الصحيح: {لا تحرم المصة ولا المصتان ولا ~~الإملاجة ولا الإملاجتان} " قالوا: مفهومه أن الثلاث تحرم ولم يحتج هؤلاء ~~بحديث عائشة. قالوا: لأنه لم يثبت أنه قرآن إلا بالتواتر وليس هذا بمتواتر. ~~فقال لهم الأولون: معنا حديثان صحيحان مثبتان. أحدهما يتضمن شيئين حكما ~~وكونه قرآنا. فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة. وأما ما فيه من كونه ~~قرآنا فهذا لم نثبته ولم نتصور أن ذلك قرآن؛ إنما نسخ رسمه وبقي حكمه. فقال ~~أولئك: هذا تناقض وقراءة شاذة عند الشافعي؛ فإن عنده أن القراءة الشاذة لا ~~يجوز الاستدلال بها؛ لأنها لم تثبت بالتواتر كقراءة # PageV34P042 # ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وأجابوا عن ذلك بجوابين: " أحدهما ~~" أن هذا فيه حديث آخر صحيح وأيضا فلم يثبت أنه بقي قرآن لكن بقي حكمه. و " ~~الثاني " أن هذا الأصل لا يقول به أكثر العلماء؛ بل مذهب أبي حنيفة؛ بل ذكر ~~ابن عبد البر إجماع العلماء على أن القراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن ~~الصحابة فإنه يجوز الاستدلال بها في الأحكام. و " القول الثاني " في ~~المسألة أنه يحرم قليله وكثيره كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك؛ وهي رواية ~~ضعيفة عن أحمد. وهؤلاء احتجوا بظاهر قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة} وقال اسم " الرضاعة " في القرآن مطلق. وأما الأحاديث ~~فمنهم من لم تبلغه. ومنهم من اعتقد أنها ضعيفة. ومنهم من ظن أنها تخالف ~~ظاهر القرآن واعتقد أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن وتقييد ms9612 مطلقه بأخبار ~~الآحاد. فقال " الأولون ": هذه أخبار صحيحة ثابتة عند أهل العلم بالحديث ~~وكونها لم تبلغ بعض السلف لا يوجب ذلك ترك العمل بها عند من يعلم صحتها. ~~وأما القرآن فإنه يحتمل أن يقال: فكما أنه قد علم بدليل آخر أن الرضاعة ~~مقيدة بسن مخصوص فكذلك يعلم أنها مقيدة بقدر مخصوص. وهذا كما أنه علم ~~بالسنة مقدار الفدية في قوله: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وإن كان ~~الخبر المروي خبرا واحدا؛ بل كما ثبت بالسنة " {أنه لا تنكح المرأة على ~~عمتها # PageV34P043 # ولا تنكح المرأة على خالتها} وهو خبر واحد بظاهر القرآن؛ واتفق الأئمة ~~على العمل به. وكذلك فسر بالسنة المتواترة وغير المتواترة بحمل قوله {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} . وفسر بالسنة المتواترة أمور من ~~العبادات والكفارات والحدود: ما هو مطلق من القرآن. فالسنة تفسر القرآن ~~وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. والتقييد " بالخمس " له أصول كثيرة في ~~الشريعة؛ فإن الإسلام بني على خمس والصلوات المفروضات خمس وليس فيما دون ~~خمس صدقة والأوقاص بين النصب خمس أو عشر أو خمس عشرة وأنواع البر خمس كما ~~قال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} وقال في الكفر: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر} وأولو العزم؛ وأمثال ذلك بقدر الرضاع المحرم ليس بغريب في أصول ~~الشريعة. والرضاع إذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشز العظم فيصير نباته به ~~كنباته من الأبوين؛ وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة؛ ولهذا لم ~~يحرم رضاع الكبير؛ لأنه بمنزلة الطعام والشراب. والرضعة والرضعتان ليس لها ~~تأثير كما أنه قد يسقط اعتبارها كما يسقط اعتبار ما دون نصاب السرقة حتى لا ~~تقطع الأيدي بشيء من التافه؛ واعتباره في نصاب الزكاة فلا يجب فيها شيء إذا ~~كان أقل. ولا بد من حد فاصل. فهذا هو # PageV34P044 # التنبيه على مأخذ الأئمة في هذه المسألة. وبسط الكلام فيها يحتاج إلى ~~ورقة أكبر من هذه؛ وهي من أشهر مسائل النزاع. والنزاع فيها من زمان ms9613 الصحابة ~~والصحابة رضي الله عنهم تنازعوا في هذه المسألة والتابعون بعدهم. وأما إذا ~~شك: هل دخل اللبن في جوف الصبي أو لم يحصل؟ فهنا لا نحكم بالتحريم بلا ريب. ~~وإن علم أنه حصل في فمه فإن حصول اللبن في الفم لا ينشر الحرمة باتفاق ~~المسلمين. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن أختين ولهما بنات وبنين فإذا أرضع الأختان: هذه بنات هذه وهذه بنات ~~هذه: فهل يحرمن على البنين أم لا؟ # فأجاب: # إذا أرضعت المرأة الطفلة خمس رضعات في الحولين صارت بنتا لها؛ فصار جميع ~~أولاد المرضعة إخوة لهذه المرتضعة: ذكورهم؛ وإناثهم من ولد قبل الرضاع؛ ومن ~~ولد بعده. فلا يجوز لأحد من أولاد المرضعة أن يتزوج المرتضعة؛ بل يجوز ~~لإخوة المرتضعة أن يتزوجوا بأولاد المرضعة الذين لم يرتضعوا من أمهن. ~~فالتحريم إنما هو على المرتضعة؛ لا على # PageV34P045 # إخوتها الذين لم يرتضعوا. فيجوز أن يتزوج أخت أخته إذا كان هو لم يرتضع ~~من أمها وهي لم ترضع من أمه. وأما هذه المرتضعة فلا تتزوج واحدا من أولاد ~~من أرضعتها. وهذا باتفاق الأئمة. وأصل هذا أن المرتضعة تصير المرضعة أمها ~~فيحرم عليها أولادها وتصير إخوتها وأخواتها وأخوالها وخالاتها ويصير الرجل ~~الذي له اللبن أباها وأولاده من تلك المرأة وغيرها إخوتها وإخوة الرجل ~~أعمامها وعماتها ويصير المرتضع وأولاده وأولاد أولاده أولاد المرضعة والرجل ~~الذي در اللبن بوطئه. وأما إخوة المرتضع وأخواته وأبوه وأمه من النسب فهم ~~أجانب؛ لا يحرم عليهم بهذا الرضاع شيء. وهذا كله باتفاق الأئمة الأربعة وإن ~~كان لهم نزاع في غير ذلك. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل ارتضع مع رجل وجاء لأحدهما بنت: فهل للمرتضع أن يتزوج بالبنت؟ # فأجاب: # إذا ارتضع الطفل من المرأة خمس رضعات في الحولين صار ابنا لها وصار جميع ~~أولادها إخوته الذين ولدتهم قبل الرضاعة والذين ولدتهم بعد الرضاعة. ~~والرضاعة يحرم فيها ما يحرم من الولادة بسنة رسول الله # PageV34P046 # صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة فلا يجوز لأحد أن يتزوج بنت الآخر كما ~~لا يجوز أن ms9614 يتزوج بنت أخيه من النسب باتفاق الأئمة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له بنات خالة أختان واحدة رضعت معه والأخرى لم ترضع معه: فهل يجوز ~~له أن يتزوج التي لم ترضع معه؟ # فأجاب: # إذا ارتضع معها خمس رضعات في الحولين صار ابنا لها؛ حرم عليه جميع بناتها ~~من ولد قبل الرضاع ومن ولد بعده؛ لأنهن أخواته باتفاق العلماء. ومتى ارتضعت ~~المخطوبة من أم لم يجز لها أن تتزوج واحدا من بني المرضعة. وأما إذا كان ~~الخاطب لم يرتضع من أم المخطوبة ولا هي رضعت من أمه؛ فإنه يجوز أن يتزوج ~~أحدهما بالآخر. باتفاق العلماء وإن كان إخوتها تراضعا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة استأجرت لبنتها مرضعة يوما أو شهرا ومضت السنون وللمرضعة ولد ~~قبلها: فهل يحل لهما الزواج؟ # PageV34P047 # فأجاب: # الحمد لله، إذا أرضعتها الداية خمس رضعات في الحولين صارت بنتا لها؛ ~~فجميع أولاد المرضعة حرام على هذه المرضعة؛ وإن ولد قبل الرضاع أو بعده. ~~وهذا باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل؛ ولكن ~~إذا كان للمرتضعة أخوات من النسب جاز لهن أن يتزوجن بأخواتها من الرضاع ~~باتفاق المسلمين. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج امرأة بعد امرأة وقد ارتضع طفل من الأولى وللأب من الثانية ~~بنت: فهل للمرتضع أن يتزوج هذه البنت؟ وإذا تزوجها ودخل بها: فهل يفرق ~~بينهما؟ وهل في ذلك خلاف بين الأئمة. # فأجاب: # إذا ارتضع الرضاع المحرم لم يجز له أن يتزوج هذه البنت في مذاهب الأئمة ~~الأربعة بلا خلاف بينهم؛ لأن اللبن للفحل وقد سئل ابن عباس عن رجل له ~~امرأتان أرضعت إحداهما طفلا والأخرى طفلة: فهل يتزوج أحدهما الآخر؟ فقال: ~~لا. اللقاح واحد. والأصل في ذلك حديث {عائشة المتفق عليه قالت. قالت استأذن ~~علي أفلح أخو أبي القعيس وكانت قد أرضعتني امرأة أبي القعيس فقالت: لا آذن ~~لك حتى أستأذن رسول الله فسألته صلى الله عليه وسلم فقال: إنه عمك فليلج ~~عليك يحرم # PageV34P048 # من الرضاع ما ms9615 يحرم من الولادة} " وإذا تزوجها ودخل بها فإنه يفرق بينهما ~~بلا خلاف بين الأئمة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له قرينة لم يتراضع هو وأبوها؛ لكن لهما إخوة صغار تراضعوا فهل ~~يحل له أن يتزوج بها؟ وإن دخل بها ورزق منها ولدا: فما حكمهم؟ وما قول ~~العلماء فيهم؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا لم يرتضع هو من أمها ولم ترضع هي من أمه بل إخوته رضعوا ~~من أمها وإخوتها رضعوا من أمه: كانت حلالا له باتفاق المسلمين بمنزلة أخت ~~أخيه من أبيه. فإن الرضاع ينشر الحرمة إلى المرتضع وذريته وإلى المرضعة ~~وإلى زوجها الذي وطئها حتى صار لها لبن فتصير المرضعة امرأته وولدها قبل ~~الرضاع وبعده أخو الرضيع؛ ويصير الرجل أباه وولده قبل الرضاع وبعده أخو ~~الرضيع. فأما إخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب فهم أجانب من أبويه من ~~الرضاعة وإخوته من الرضاع. وهذا كله متفق عليه بين المسلمين: أن انتشار ~~الحرمة إلى الرجل؛ فإن هذه تسمى " مسألة الفحل " والذي ذكرناه هو مذهب ~~الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين. وكان بعض السلف يقول: لبن الفحل ~~لا يحرم. والنصوص الصحيحة: هي تقرر مذهب الجماعة. # PageV34P049 # وسئل - رحمه الله -: # عن أختين شقيقتين لإحداهما بنتان وللأخرى ذكر وقد ارتضعت واحدة من ~~البنتين وهي الكبيرة مع الولد: فهل يجوز له أن يتزوج بالتي لم ترضع. # فأجاب: # إذا ارتضعت الواحدة من أم الصبي ولم يرتضع هو من أمها جاز له أن يتزوج ~~أختها: باتفاق المسلمين. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة أودعت بنتها عند امرأة أخيها وغابت وجاءت فقالت: أرضعتها. ~~فقالت: لا. وحلفت على ذلك ثم إن ولد أخيها كبر وكبرت بنتها الصغيرة وأختها ~~ارتضعت مع أخيه الذي يريد أن يتزوج بها فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # إذا كانت البنت لم ترضع من أم الخاطب ولا الخاطب ارتضع من أمها: جاز أن ~~يتزوج أحدهما بالآخر وإن كان أخوها وأخواتها من أم الخاطب؛ فإن هذا لا يؤثر ~~بإجماع المسلمين؛ بل الطفل إذا ارتضع من # PageV34P050 # امرأة صارت أمه ms9616 وزوجها صاحب اللبن أباه وصار أولادها إخوته وأخواته. وأما ~~إخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب وأمه من النسب فهم أجانب يجوز لهم أن ~~يتزوجوا أخواته كما يجوز من النسب أن تتزوج أخت الرجل من أمه بأخيه من ~~أبيه. وكل هذا متفق عليه بين المسلمين بلا نزاع فيه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ذات بعل ولها لبن على غير ولد ولا حمل فأرضعت طفلة لها دون ~~الحولين خمس رضعات متفرقات وهذه المرضعة عمة الرضيعة من النسب ثم أراد ابن ~~بنت هذه المرضعة أن يتزوج بهذه الرضيعة: فهل يحرم ذلك؟ # فأجاب: # أما إذا وطئها زوج ثم بعد ذلك ثاب لها لبن: فهذا اللبن ينشر الحرمة فإذا ~~ارتضعت طفلة خمس رضعات صارت بنتها وابن بنتها ابن أختها وهي خالته سواء كان ~~الارتضاع مع طفل أو لم يكن. وأما أختها من النسب التي لم ترضع فيحل له أن ~~يتزوج بها. ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط فهذا ينشر الحرمة ~~في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وهي رواية عن أحمد. وظاهر مذهبه أنه لا ~~ينشر الحرمة. والله أعلم. # PageV34P051 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل خطب قريبته فقال: والدها هي رضعت معك ونهاه عن التزويج بها فلما ~~توفي أبوه تزوج بها وكان العدول شهدوا على والدتها أنها أرضعته ثم بعد ذلك ~~أنكرت وقالت: ما قلت هذا القول إلا لغرض: فهل يحل تزويجها؟ # فأجاب: # إن كانت الأم معروفة بالصدق وذكرت أنها أرضعته خمس رضعات فإنه يقبل قولها ~~في ذلك فيفرق بينهما إذا تزوجها في أصح قولي العلماء كما ثبت في صحيح ~~البخاري " {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عقبة بن الحارث أن يفارق ~~امرأته لما ذكرت الأمة السوداء أنها أرضعتهما} ". وأما إذا شك في صدقها أو ~~في عدد الرضعات: فإنها تكون من الشبهات: فاجتنابها أولى ولا يحكم بالتفريق ~~بينهما إلا بحجة توجب ذلك. وإذا رجعت عن الشهادة قبل التزويج لم تحرم ~~الزوجة؛ لكن إن عرف أنها كاذبة في ms9617 رجوعها وأنها رجعت لأنه دخل عليها حتى ~~كتمت الشهادة: لم يحل التزويج والله أعلم. # PageV34P052 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة؛ وولد له منها أولاد عديدة فلما كان في في هذه المدة ~~حضر من نازع الزوجة وذكر لزوجها أن هذه الزوجة في عصمتك شربت من لبن أمك؟ # فأجاب: # إن كان هذا الرجل معروفا بالصدق وهو خبير بما ذكر وأخبر أنها رضعت من أم ~~الزوج خمس رضعات في الحولين: رجع إلى قوله في ذلك؛ وإلا لم يجب الرجوع؛ وإن ~~كان قد عاين الرضاع. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ارتضع من امرأة وهو طفل صغير على بنت لها؛ ولها أخوات أصغر منها: ~~فهل يحرم منهن أحد أم لا؟ # فأجاب: # إذا ارتضع من امرأة خمس رضعات في الحولين صار ابنا لتلك المرأة فجميع ~~الأولاد الذين ولدوا قبل الرضاع؛ والذين ولدوا بعده: هم إخوة لهذا المرتضع ~~باتفاق المسلمين أيضا. # PageV34P053 # وسئل - رحمه الله -: # عن أختين إحداهما لها ابن ذكر والأخرى لها أنثى فأرضعت أم الذكر الأنثى ~~ولم ترضع أم الأنثى الذكر ثم جاءت هذه بنات وهذه ذكور فهل يجوز أن يتزوج ~~أخو المرتضع بالبنت التي ارتضعت بلبن أخيه أم لا؟ وكذلك هل يتزوج أولاد هذه ~~بأولاد هذه بسوى المرضعين؟ # فأجاب: # الحمد لله، الأنثى المرتضعة لا تتزوج أحدا من أولاد المرضعة؛ لا من ولد ~~لها قبل الرضاعة ولا بعدها. وأما إخوة المرتضعة فيتزوجون من شاءوا من أولاد ~~المرضعة. فيتزوج واحد لم يرتضع بأولاد المرأة التي لم ترضعه ولم يتزوج بأحد ~~من أولاد من أرضعته. وإذا رضع طفل من أم هذا؛ أو طفلة من أولاد هذا: لم يجز ~~لأحدهما أن يتزوج أولاد الأخرى؛ ويجوز لإخوة كل من المتراضعين أن يتزوج ~~بإخوة الآخر إذا لم يرضع واحد منها من أم الآخر؛ والتحريم إنما يثبت في حق ~~المرتضع خاصة؛ دون من لم يرضع من إخوته؛ لكن يحرم عليه جميع أولاد المرضعة. ~~والله أعلم. # PageV34P054 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل رمد فغسل عينيه بلبن زوجته: فهل تحرم عليه. ms9618 إذا حصل لبنها في ~~بطنه؟ ورجل يحب زوجته فلعب معها فرضع من لبنها: فهل تحرم عليه؟ # فأجاب: # الحمد لله، ما غسل عينيه بلبن امرأته يجوز ولا تحرم بذلك عليه امرأته ~~لوجهين. " أحدهما " أنه كبير. والكبير إذا ارتضع من امرأته أو من غير ~~امرأته لم تنشر بذلك حرمة الرضاع عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء؛ كما ~~دل على ذلك الكتاب والسنة. وحديث عائشة في قصة سالم مولى أبي حذيفة مختص ~~عندهم بذلك؛ لأجل أنهم تبنوه قبل تحريم التبني. " الثاني " أن حصول اللبن ~~في العين لا ينشر الحرمة ولا أعلم في هذا نزاعا؛ ولكن تنازع العلماء في ~~السعوط وهو ما إذا دخل في أنفه بعد تنازعهم في الوجور وهو ما يطرح فيه من ~~غير رضاع وأكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر الروايتين عن أحمد. ~~وكذلك يحرم السعوط في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ~~وللشافعي قولان. والجواب عن المسألة الثانية أن ارتضاعه لا يحرم امرأته في ~~مذهب الأئمة الأربعة. # PageV34P055 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # إذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات قبل أن يتم له حولين فإنه يصير ~~ولدها؛ فيحرم عليه كل من ولد لها قبل الرضاع وبعده؛ ويصير زوجها الذي ~~أحبلها در لبنها أباه؛ فيحرم عليه جميع أولاد ذلك الرجل. فإذا ارتضعت ~~امرأته طفلا وطفلة كل واحد خمس رضعات لم يجز أن يتزوج أحدهما بالآخر؛ بل ~~هما أخوان. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن صبي أرضعته كرتين ثم حملت بعد ذلك بعشر سنين؛ وجاءت ببنت وصار الصبي ~~شابا: فهل له أن يتزوج بتلك البنت أم لا؟ # فأجاب: # إذا ارتضع منها خمس رضعات في حولين فقد صار ابنها؛ ويحرم عليه كل ما ~~ولدته المرأة: سواء ولدته قبل الرضاع أو بعده: باتفاق العلماء # PageV34P056 # و " الرضعة " أن يلتقم الثدي فيشرب منه ثم يدعه: فهذه رضعة. فإذا كان في ~~كرة واحدة قد جرى له خمس مرات فهذه خمس رضعات؛ وإن جرى ذلك خمس مرات في ~~كرتين فهو أيضا خمس رضعات وليس ms9619 المراد بالرضعة ما يشربه في نوبة واحدة في ~~شربه؛ فإنها قد ترضعه بالغداة ثم بالعشي ويكون في كل نوبة قد أرضعته رضعات ~~كثيرة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الصبي إذا رضع من غير أمه؛ وكذلك الصبية إذا رضعت: ماذا يحرم عليه ~~نكاحه بعد ذلك؟ وما حد الرضعة المحرمة؟ وهل للرضاعة بعد الفطام تأثير في ~~التحريم؟ وهل تبقى المرأة حرام على من تعدى سنين الرضاعة أم لا؟ # فأجاب: # إذا ارتضع الطفل أو الطفلة من امرأة خمس رضعات في الحولين فقد صار ولدها ~~من الرضاعة؛ وصار الرجل الذي در اللبن بوطئه أباه من الرضاعة وإخوة المرأة ~~أخواله وخالاته وإخوة الرجل أعمامه وعماته. وآباؤها أجداده وجداته؛ وأولاد ~~كل منهما إخوته وأخواته. وكل هؤلاء حرام عليه فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم ~~من النسب. وكذلك أولاد هذا المرتضع يحرمون على أجداده وجداته؛ وإخوته ~~وأخواته وأعمامه وعماته؛ # PageV34P057 # وأخواله وخالاته من الرضاعة. وهذا كله باتفاق المسلمين فيثبت حرمة الرضاع ~~من جهة الأبوين ومن جهة الولد. وأما أبو المرتضع من النسب وأمهاته وإخوته ~~وأخواته من النسب: فكل هؤلاء أجانب من المرتضعة وأقاربها: باتفاق العلماء ~~فيجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة ويجوز لجميع إخوة المرتضع ~~أن يتزوجوا بمن شاءوا من بنات المرضعة سواء في ذلك التي أرضعت مع الطفل ~~وغيرها. ولا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولاد المرضعة؛ لا بمن ولد قبل ~~الرضاع ولا من ولد بعده باتفاق العلماء. وكثير من الناس يغلط في هذا ~~الموضوع فلا يميز بين إخوة المرتضع من النسب الذين هم أجانب من المرأة وبين ~~أولاد المرتضعة الذين إخوته من الرضاع ويجعل الجميع نوعا واحدا؛ وليس كذلك؛ ~~بل يجوز لهؤلاء أن يتزوجوا من هؤلاء. وأما المرتضع فلا يتزوج أحدا من أولاد ~~المرضعة. ولو تراضع طفلان فرضع هذا أم هذا ورضعت هذه أم هذا ولم يرضع أحد ~~من إخوتها من أم الآخر حرم على كل منهم أن يتزوج أولاد مرضعته سواء ولد قبل ~~الرضاعة أو بعدها ولم يحرم على ms9620 أخ واحد منهما من النسب أن يتزوج أخت الآخر ~~من الرضاعة. # PageV34P058 # و " الرضاعة المحرمة بلا ريب " أن يرضع خمس رضعات فيأخذ الثدي فيشرب منه ~~ثم يدعه ثم يأخذه فيشرب مرة ثم يدعه ولو كان ذلك في زمن واحد مثل غدائه ~~وعشائه. وأما دون الخمس فلا يحرم في مذهب الشافعي. وقيل: يحرم القليل ~~والكثير: كقول أبي حنيفة ومالك. وقيل لا يحرم إلا ثلاث رضعات. والأقوال ~~الثلاثة مروية عن أحمد؛ لكن الأول أشهر عنه لحديث عائشة الذي في الصحيحين ~~{كان مما نزل في القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخ ذلك بخمس رضعات فتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك} " " وفي المسند وغيره أيضا {أنه ~~صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن ترضع شخصا خمس رضعات؛ لتحرم عليه} . " ~~والرضاع المحرم " ما كان في الحولين؛ فإن تمام الرضاع حولان كاملان كما قال ~~تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ~~وما كان بعد تمام الرضاعة فليس من الرضاعة؛ ولهذا كان جمهور العلماء ~~والأئمة الأربعة وغيرهم على أن رضاع الكبير لا تأثير له واحتجوا بما في ~~الصحيحين عن {عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل ~~فقال من هذا يا عائشة؟ قلت: أخي من الرضاعة قال. يا عائشة انظرن من ~~إخوانكن؟ إنما الرضاعة من المجاعة} وروى الترمذي عن أم سلمة قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ~~وكان قبل الفطام} . ومعنى قوله في: " الثدي " أي وقته وهو الحولان كما جاء # PageV34P059 # في الحديث {إن ابني إبراهيم مات في الثدي} أي وهو في زمن الرضاع. وهذا لا ~~يقتضي أنه لا رضاع بعد الحولين ولا بعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام ~~الحولين. وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرم. واحتجوا ~~بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة {أن أم سلمة قالت لعائشة: إنه ~~يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما ms9621 أحب أن يدخل علي فقالت عائشة: ما لك في ~~رسول الله أسوة حسنة قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله إن سالما ~~يدخل علي وهو رجل في نفس أبي حذيفة منه شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرضعيه حتى يدخل عليك} وفي رواية لمالك في الموطأ قال: " {أرضعيه خمس ~~رضعات} " فكان بمنزلة ولده من الرضاعة. وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى ~~غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به؛ مع أن عائشة روت عنه ~~قال: " {الرضاعة من المجاعة} " لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو ~~تغذية. فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام. وهذا هو ~~إرضاع عامة الناس. وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم. وقد يجوز ~~للحاجة ما لا يجوز لغيرها. وهذا قول متوجه. ولبن الآدميات طاهر عند جمهور ~~العلماء؛ ولكن شك بعض المتأخرين فقال. هو نجس. # PageV34P060 # وتنازع العلماء في جواز بيعه منفردا؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ~~وغيره. قيل: يجوز بيعه كمذهب الشافعي. وقيل: لا يجوز كمذهب أبي حنيفة. ~~وقيل: يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأتين إحداهما لها ابن والأخرى بنت فأرضعت أم البنت الابن مرارا ثم ~~مات الابن؛ ثم جاء بعده ابن آخر ولم يرضع مما رضع: فهل يجوز له أن يتزوج ~~بالبنت المذكورة؟ أم تحرم عليه لأجل رضاعة أخيه. # الجواب: # إذا أراد أخو المرتضع من النسب أن يتزوج أولاد المرضعة جاز ذلك باتفاق ~~الأئمة سواء كان المرتضع حيا أو ميتا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له بنت عم؛ ووالد البنت المذكورة قد رضع بأم الرجل المذكور مع أحد ~~إخوته وذكرت أم الرجل المذكور: أنه لما رضعها كان عمره أكثر من حولين: فهل ~~للرجل المذكور أن يتزوج بنت عمه؟ # فأجاب: # إن كان الرضاع بعد تمام الحولين لم يحرم شيئا. # PageV34P061 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة أعطت لامرأة أخرى ولدا؛ وهما في الحمام ms9622 فلم تشعر المرأة التي ~~أخذت الولد إلا وثديها في فم الصبي فانتزعته منه في ساعته وما علمت هل ~~ارتضع أم لا: فهل يحرم على الصبي المذكور أن يتزوج من بنات المرأة ~~المذكورة؛ أم لا؟ # فأجاب: # لا يحرم على الصبي المذكور بذلك أن يتزوج واحدة من أولاد هذه المرأة ~~فإنها ليست أمه ولا تحرم عليه بالشك عند أحد من الأئمة الأربعة. والله ~~أعلم. # PageV34P062 ### | باب النفقات والحضانة # قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # في قوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها} ~~إلى قوله: {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} مع قوله: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} إلى قوله: ~~{سيجعل الله بعد عسر يسرا} وفي ذلك أنواع من الأحكام بعضها مجمع عليه ~~وبعضها متنازع فيه. وإذا تدبرت كتاب الله تبين أنه يفصل النزاع بين من يحسن ~~الرد إليه وأن من لم يهتد إلى ذلك؛ فهو إما لعدم استطاعته فيعذر. أو ~~لتفريطه فيلام. # وقوله تعالى {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} يدل على أن هذا ### | تمام الرضاعة # وما بعد ذلك فهو غذاء من الأغذية. وبهذا يستدل من يقول: الرضاع بعد ~~الحولين بمنزلة رضاع الكبير. وقوله: {حولين كاملين} يدل على أن لفظ " ~~الحولين " يقع على حول وبعض آخر. وهذا معروف في كلامهم يقال: لفلان عشرون ~~عاما إذا أكمل ذلك. قال الفراء والزجاج وغيرهما: لما جاز أن يقول: " حولين ~~" ويريد أقل منهما كما قال تعالى: {فمن تعجل في يومين} ومعلوم أنه يتعجل # PageV34P063 # في يوم وبعض آخر؛ وتقول: لم أر فلانا يومين. وإنما تريد يوما وبعض آخر. ~~قال " كاملين " ليبين أنه لا يجوز أن ينقص منهما. وهذا بمنزلة قوله تعالى ~~{تلك عشرة كاملة} فإن لفظ " العشرة " يقع على تسعة وبعض العاشر. فيقال: ~~أقمت عشرة أيام. وإن لم يكملها. فقوله هناك {كاملة} بمنزلة قوله هنا ~~{كاملين} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ms9623 وسلم أنه: قال {الخازن ~~الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفورا طيبة به نفسه أحد المتصدقين} " ~~فالكامل الذي لم ينقص منه شيء؛ إذ الكمال ضد النقصان. وأما " الموفر " فقد ~~قال: أجرهم موفرا. يقال: الموفر. للزائد؛ ويقال: لم يكلم. أي يجرح كما جاء ~~في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في " كتاب الزهد " عن وهب بن منبه: {أن ~~الله تعالى قال لموسى وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي ~~سالما موفرا؛ لم تكلمه الدنيا ولم تكلمه نطعة الهوى} وكان هذا تغيير الصفة ~~وذاك نقصان القدر وذكر " أبو الفرج " هل هو عام في جميع الوالدات؟ أو يختص ~~بالمطلقات؟ على قولين. والخصوص قول سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدي ~~ومقاتل في آخرين. والعموم قول أبي سليمان الدمشقي والقاضي أبي يعلى في ~~آخرين. قال القاضي ولهذا نقول: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها سواء كانت مع ~~الزوج أو مطلقة. " قلت " الآية حجة عليهم؛ فإنها أوجبت للمرضعات رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف؛ لا زيادة على ذلك. وهو يقول: تؤجر نفسها # PageV34P064 # بأجرة غير النفقة. والآية لا تدل على هذا؛ بل إذا كانت الآية عامة دلت ~~على أنها ترضع ولدها مع إنفاق الزوج عليها كما لو كانت حاملا فإنه ينفق ~~عليها وتدخل نفقة الولد في نفقة الزوجية؛ لأن الولد يتغذى بغذاء أمه وكذلك ~~في حال الرضاع فإن نفقة الحمل هي نفقة المرتضع. وعلى هذا فلا منافاة بين ~~القولين؛ فالذين خصوه بالمطلقات أوجبوا نفقة جديدة بسبب الرضاع كما ذكر في ~~" سورة الطلاق " وهذا مختص بالمطلقة وقوله تعالى {حولين كاملين} قد علم أن ~~مبدأ الحول من حين الولادة والكمال إلى نظير ذلك. فإذا كان من عاشر المحرم ~~كان الكمال في عاشر المحرم في مثل تلك الساعة؛ فإن الحول المطلق هو اثنا ~~عشر شهرا من الشهر الهلالي كما قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله} وهكذا ما ذكره من العدة أربعة أشهر وعشرا أولها من ~~حين الموت وآخرها إذا مضت عشر بعد نظيره؛ فإذا ms9624 كان في منتصف المحرم فآخرها ~~خامس عشر المحرم وكذلك الأجل المسمى في البيوع وسائر ما يؤجل بالشرع ~~وبالشرط. وللفقهاء هنا قولان آخران ضعيفان. " أحدهما " قول من يقول: إذا ~~كان في أثناء الشهر كان جميع الشهور بالعدد فيكون الحولان ثلثمائة وستين. ~~وعلى هذا القول تزيد المدة اثني عشر يوما وهو غلط بين. # PageV34P065 # و " القول الثاني " قول من يقول: منها واحد بالعدد وسائرها بالأهلة. وهذا ~~أقرب؛ لكن فيه غلط؛ فإنه على هذا إذا كان المبدأ عاشر المحرم وقد نقص ~~المحرم كان تمامه تاسعه فيكون التكميل أحد عشر فيكون المنتهي حادي عشر ~~المحرم وهو غلط أيضا. وظاهر القرآن يدل على أن على الأم إرضاعه لأن قوله: ~~{يرضعن} خبر في معنى الأمر. وهي مسألة نزاع؛ ولهذا تأولها من ذهب إلى القول ~~الآخر. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء؛ لأن عليهم ~~الاسترضاع؛ لا على الوالدات؛ بدليل قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} ~~وقوله: {فآتوهن أجورهن} فلو كان متحتما على الوالدة لم يكن عليه الأجرة. ~~فيقال: بل القرآن دل على أن للابن على الأم الفعل وعلى الأب النفقة ولو لم ~~يوجد غيرها تعين عليها وهي تستحق الأجرة والأجنبية تستحق الأجرة ولو لم ~~يوجد غيرها. وقوله تعالى {لمن أراد أن يتم الرضاعة} دليل على أنه لا يجوز ~~أن يريد إتمام الرضاع ويجوز الفطام قبل ذلك إذا كان مصلحة وقد بين ذلك ~~بقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} وذلك ~~يدل على أنه لا يفصل إلا برضى الأبوين فلو أراد أحدهما الإتمام والآخر ~~الفصال قبل ذلك كان الأمر لمن أراد الإتمام؛ لأنه قال تعالى: {والوالدات # PageV34P066 # يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن} وقوله تعالى {يرضعن} صيغة خبر ومعناه الأمر. والتقدير ~~والوالدة مأمورة بإرضاعه حولين كاملين إذا أريد إتمام الرضاعة؛ فإذا أرادت ~~الإتمام كانت مأمورة بذلك وكان على الأب رزقها وكسوتها وإن أراد الأب ~~الإتمام كان له ذلك؛ فإنه لم يبح الفصال إلا بتراضيهما ms9625 جميعا. يدل على ذلك ~~قوله تعالى {لمن أراد أن يتم الرضاعة} . ولفظة (من) إما أن يقال: هو عام ~~يتناول هذا وهذا ويدخل فيه الذكر والأنثى فمن أراد الإتمام أرضعن له. وإما ~~أن يقال: قوله تعالى {لمن أراد أن يتم الرضاعة} إنما هو المولود له وهو ~~المرضع له. فالأم تلد له وترضع له كما قال تعالى: {فإن أرضعن لكم} . والأم ~~كالأجير مع المستأجر. فإن أراد الأب الإتمام أرضعن له وإن أراد أن لا يتم ~~فله ذلك وعلى هذا التقدير فمنطوق الآية أمرهن بإرضاعه عند إرادة الأب ~~ومفهومها أيضا جواز الفصل بتراضيهما. يبقى إذا أرادت الأم دون الأب مسكوتا ~~عنه؛ لكن مفهوم قوله تعالى {عن تراض} أنه لا يجوز كما ذكر ذلك مجاهد وغيره؛ ~~ولكن تناوله قوله تعالى {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فإنها إذا أرضعت ~~تمام الحول فله أرضعت وكفته بذلك مؤنة الطفل فلولا رضاعها لاحتاج إلى أن ~~يطعمه شيئا آخر. # PageV34P067 # ففي هذه الآية بين أن على الأم الإتمام إذا أراد الأب وفي تلك بين أن على ~~الأب الأجر إذا أبت المرأة. قال مجاهد: " التشاور " فيما دون الحولين: إن ~~أرادت أن تفطم وأبى فليس لها وإن أراد هو ولم ترد فليس له ذلك حتى يقع ذلك ~~على تراض منهما وتشاور يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما ولا رضيعهما. وقوله ~~تعالى {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} قال إذا أسلمتم أيها الآباء إلى أمهات ~~الأولاد أجر ما أرضعن قبل امتناعهن: روي عن مجاهد والسدي. وقيل: إذا أسلمتم ~~إلى الظئر أجرها: بالمعروف: روي عن سعيد بن جبير ومقاتل. وقرأ ابن كثير: ~~(أتيتم) بالقصر. وقوله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ولم ~~يقل: وعلى الوالد كما قال {والوالدات} لأن المرأة هي التي تلده وأما الأب ~~فلم يلده؛ بل هو مولود له لكن إذا قرن بينهما قيل: {وبالوالدين إحسانا} ~~فأما مع الإفراد فليس في القرآن تسميته والدا بل أبا. وفيه بيان أن الولد ~~ولد للأب؛ لا للأم؛ ولهذا كان عليه نفقته حملا وأجرة رضاعه. وهذا يوافق ms9626 ~~قوله تعالى {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} فجعله موهوبا للأب. ~~وجعل بيته بيته في قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} وإذا كان ~~الأب هو المنفق عليه جنينا ورضيعا والمرأة وعاء: فالولد زرع للأب قال ~~تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فالمرأة هي الأرض المزروعة ~~والزرع فيها للأب وقد {نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الرجل ماءه # PageV34P068 # زرع غيره} " يريد به النهي عن وطء الحبالى فإن ماء الواطئ يزيد في الحمل ~~كما يزيد الماء في الزرع وفي الحديث الآخر الصحيح: " {لقد هممت أن ألعنه ~~لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستعبده وهو لا يحل ~~له} ؟ " وإذا كان الولد للأب وهو زرعه كان هذا مطابقا لقوله صلى الله عليه ~~وسلم {أنت ومالك لأبيك} " وقوله صلى الله عليه وسلم {إن أطيب ما أكل الرجل ~~من كسبه وإن ولده من كسبه} " فقد حصل الولد من كسبه كما دلت عليه هذه ~~الآية؛ فإن الزرع الذي في الأرض كسب المزدرع له الذي بذره وسقاه وأعطى أجرة ~~الأرض فإن الرجل أعطى المرأة مهرها وهو أجر الوطء كما قال تعالى: {ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} وهو مطابق لقوله تعالى {ما أغنى عنه ~~ماله وما كسب} وقد فسر {وما كسب} بالولد. فالأم هي الحرث وهي الأرض التي ~~فيها زرع والأب استأجرها بالمهر كما يستأجر الأرض وأنفق على الزرع بإنفاقه ~~لما كانت حاملا ثم أنفق على الرضيع كما ينفق المستأجر على الزرع والثمر إذا ~~كان مستورا وإذا برز؛ فالزرع هو الولد وهو من كسبه. وهذا يدل على أن للأب ~~أن يأخذ من ماله ما لا يضر به؛ كما جاءت به السنة وأن ماله للأب مباح وإن ~~كان ملكا للابن فهو مباح للأب أن يملكه وإلا بقي للابن؛ فإذا مات ولم ~~يتملكه ورث عن الابن. وللأب أيضا أن يستخدم الولد ما لم يضر به. وفي هذا ~~وجوب طاعة الأب على الابن إذا كان ms9627 العمل مباحا لا يضر بالابن؛ فإنه لو ~~استخدم عبده في معصية أو اعتدى عليه لم يجز فالابن أولى. # PageV34P069 # ونفع الابن له إذا لم يأخذه الأب؛ بخلاف نفع المملوك فإنه لمالكه كما أن ~~ماله لو مات لمالكه لا لوارثه. ودل ما ذكره على أنه لا يجوز للرجل أن يطأ ~~حاملا من غيره وأنه إذا وطئها كان كسقي الزرع يزيد فيه وينميه ويبقى له ~~شركة في الولد فيحرم عليه استعباد هذا الولد فلو ملك أمة حاملا من غيره ~~ووطئها حرم استعباد هذا الولد؛ لأنه سقاه؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم {: ~~كيف يستعبده وهو لا يحل له. وكيف يورثه أي يجعله موروثا منه وهو لا يحل له} ~~. ومن ظن أن المراد: كيف يجعله وارثا. فقد غلط؛ لأن تلك المرأة كانت أمة ~~للواطئ والعبد لا يجعل وارثا إنما يجعل موروثا. فأما إذا استبرئت المرأة ~~علم أنه لا زرع هناك. ولو كانت بكرا أو عند من لا يطؤها ففيه نزاع والأظهر ~~جواز الوطء؛ لأنه لا زرع هناك وظهور براءة الرحم هنا أقوى من براءتها من ~~الاستبراء بحيضة؛ فإن الحامل قد يخرج منها من الدم مثل دم الحيض؛ وإن كان ~~نادرا. وقد تنازع العلماء هل هو حيض أو لا؟ فالاستبراء ليس دليلا قاطعا على ~~براءة الرحم؛ بل دليل ظاهر. والبكارة وكونها كانت مملوكة لصبي أو امرأة أدل ~~على البراءة. وإن كان البائع صادقا وأخبره أنه استبرأها حصل المقصود ~~واستبراء الصغيرة التي لم تحض والعجوز والآيسة في غاية البعد. # PageV34P070 # ولهذا اضطرب القائلون هل تستبرأ بشهر؟ أو شهر ونصف؟ أو شهرين؟ أو ثلاثة ~~أشهر؟ وكلها أقوال ضعيفة. وابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يستبرئ البكر ولا ~~يعرف له مخالف من الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاستبراء ~~إلا في المسبيات كما قال في سبايا أوطاس: " {لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ~~ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة} " لم يأمر كل من ورث أمة أو اشتراها أن يستبرئها ~~مع وجود ذلك في زمنه فعلم أنه أمر ms9628 بالاستبراء عند الجهل بالحال؛ لإمكان أن ~~تكون حاملا. وكذلك من ملكت وكان سيدها يطؤها ولم يستبرئها؛ لكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يذكر مثل هذا؛ إذ لم يكن المسلمون يفعلون مثل هذا؛ لا ~~يرضى لنفسه أحد أن يبيع أمته الحامل منه؛ بل لا يبيعها إذا وطئها حتى ~~يستبرئها فلا يحتاج المشتري إلى استبراء ثان. ولهذا لم ينه عن وطء الحبالى ~~من السادات إذا ملكت ببيع أو هبة؛ لأن هذا لم يكن يقع؛ بل هذه دخلت في نهيه ~~صلى الله عليه وسلم {أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره.} وقوله تعالى: {وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقال تعالى في تلك الآية: {فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن} يدل على أن هذا الأجر هو رزقهن وكسوتهن بالمعروف إذا لم ~~يكن بينهما مسمى # PageV34P071 # ترجعان إليه. " وأجرة المثل " إنما تقدر بالمسمى إذا كان هناك مسمى ~~يرجعان إليه كما في البيع والإجارة لما كان السلعة هي أو مثلها بثمن مسمى ~~وجب ثمن المثل إذا أخذت بغير اختياره وكما قال: النبي صلى الله عليه وسلم ~~{من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد} فهناك أقيم العبد؛ لأنه ومثله يباع في ~~السوق فتعرف القيمة التي هي السعر في ذلك الوقت وكذلك الأجير والصانع كما ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعلي {أن يعطي الجازر من ~~البدن شيئا وقال: نحن نعطيه من عندنا} " فإن الذبح وقسمة اللحم على المهدي؛ ~~فعليه أجرة الجازر الذي فعل ذلك وهو يستحق نظير ما يستحقه مثله إذا عمل ~~ذلك؛ لأن الجزارة معروفة ولها عادة معروفة. وكذلك سائر الصناعات: كالحياكة ~~والخياطة والبناء. وقد كان من الناس من يخيط بالأجرة على عهده فيستحق هذا ~~الخياط ما يستحقه نظراؤه وكذلك أجير الخدمة يستحق ما يستحقه نظيره؛ لأن ذلك ~~عادة معروفة عند الناس. وأما " الأم المرضعة " فهي نظير سائر الأمهات ~~المرضعات بعد الطلاق وليس لهن عادة مقدرة إلا اعتبار ms9629 حال الرضاع بما ذكر ~~وهي إذا كانت حاملا منه وهي مطلقة استحقت نفقتها وكسوتها بالمعروف وهي في ~~الحقيقة نفقة على الحمل. وهذا أظهر قولي العلماء كما قال تعالى: {وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} . # PageV34P072 # وللعلماء هنا ثلاثة أقوال: " أحدها " أن هذه النفقة نفقة زوجة معتدة ولا ~~فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا. وهذا قول من يوجب النفقة للبائن كما ~~يوجبها للرجعية كقول طائفة من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة وغيره؛ ~~ويروى عن عمر وابن مسعود؛ ولكن على هذا القول ل يس لكونها حاملا تأثير ~~فإنهم ينفقون عليها حتى تنقضي العدة؛ سواء كانت حاملا أو حائلا. " القول ~~الثاني " أنه ينفق عليها نفقة زوجة؛ لأجل الحمل؛ كأحد قولي الشافعي وإحدى ~~الروايتين عن أحمد. وهذا قول متناقض؛ فإنه إن كان نفقة زوجة فقد وجب لكونها ~~زوجة لا لأجل الولد. وإن كان لأجل الولد فنفقة الولد تجب مع غير الزوجة كما ~~يجب عليه أن ينفق على سريته الحامل إذا أعتقها. وهؤلاء يقولون: هل وجبت ~~النفقة للحمل؟ أو لها من أجل الحمل؟ على قولين. فإن أرادوا لها من أجل ~~الحمل. أي لهذه الحامل من أجل حملها فلا فرق. وإن أرادوا - وهو مرادهم - ~~أنه يجب لها نفقة زوجة من أجل الحمل: فهذا تناقض فإن نفقة الزوجة تجب وإن ~~لم يكن حمل. ونفقة الحمل تجب وإن لم تكن زوجة. و " القول الثالث " وهو ~~الصحيح: أن النفقة تجب للحمل؛ ولها من أجل الحمل؛ لكونها حاملا بولده؛ فهي ~~نفقة عليه؛ لكونه أباه # PageV34P073 # لا عليها لكونها زوجة. وهذا قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي ~~وأحمد؛ والقرآن يدل على هذا؛ فإنه قال تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن} ثم قال تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} وقال ~~هنا: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فجعل أجر الإرضاع على من ~~وجبت عليه نفقة الحامل؛ ومعلوم أن أجر الإرضاع يجب على الأب لكونه أبا ~~فكذلك نفقة الحامل؛ ولأن نفقة الحامل ورزقها وكسوتها بالمعروف؛ ms9630 وقد جعل أجر ~~المرضعة كذلك؛ ولأنه قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} أي وارث الطفل فأوجب عليه ~~ما يجب على الأب. وهذا كله يبين أن نفقة الحمل والرضاع من " باب نفقة الأب ~~على ابنه "؛ لا من " باب نفقة الزوج على زوجته ". وعلى هذا فلو لم تكن زوجة ~~بل كانت حاملا بوطء شبهة يلحقه نسبه أو كانت حاملا منه وقد أعتقها وجب عليه ~~نفقة الحمل كما يجب عليه نفقة الإرضاع؛ ولو كان الحمل لغيره كمن وطئ أمة ~~غيره بنكاح أو شبهة أو إرث فالولد هنا لسيد الأمة فليس على الواطئ شيء وإن ~~كان زوجا ولو تزوج عبد حرة فحملت منه فالنسب هاهنا لاحق؛ لكن الولد حر؛ ~~والولد الحر لا تجب نفقته على أبيه العبد؛ ولا أجرة رضاعه؛ فإن العبد ليس ~~له مال ينفق منه على ولده وسيده لا حق له في ولده؛ فإن ولده: إما حر وإما ~~مملوك لسيد الأمة. نعم. لو كانت الحامل أمة والولد حر مثل المغرور الذي ~~اشترى أمة فظهر أنها # PageV34P074 # مستحقة لغير البائع أو تزوج حرة فظهر أنها أمة: فهنا الولد حر وإن كانت ~~أمة مملوكة لغير الواطئ لأنه إنما وطئ من يعتقدها مملوكة له أو زوجة حرة ~~وبهذا قضت الصحابة لسيد الأمة بشراء الولد وهو نظيره. فهنا الآن ينفق على ~~الحامل كما ينفق على المرضعة له. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل كان له زوجة وطلقها ثلاثا وله منها بنت ترضع وقد ألزموه بنفقة ~~العدة: فكم تكون مدة العدة التي لا تحيض فيها لأجل الرضاعة # فأجاب: # الحمد لله، أما جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد فعندهم لا نفقة ~~للمعتدة البائن المطلقة ثلاثا. وأما أبو حنيفة فيوجب لها النفقة ما دامت في ~~العدة. وإذا كانت ممن تحيض فلا تزال في العدة حتى تحيض ثلاث حيض. والمرضع ~~يتأخر حيضها في الغالب. وأما أجر الرضاع فلها ذلك باتفاق العلماء؛ كما قال ~~تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ولا تجب النفقة إلا على الموسر؛ فأما ~~المعسر فلا نفقة ms9631 عليه. # PageV34P075 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة مزوجة محتاجة. فهل تكون نفقتها واجبة على زوجها؟ أو من صداقها؟ # فأجاب: # المزوجة المحتاجة نفقتها على زوجها واجبة من غير صداقها وأما صداقها ~~المؤخر فيجوز أن تطالبه؛ وإن أعطاها فحسن؛ وإن امتنع لم يجبر حتى يقع ~~بينهما فرقة: بموت أو طلاق أو نحوه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: (*) # عن رجل تزوج بامرأة ما ينتفع بها ولا تطاوعه في أمر وتطلب منه نفقة وكسوة ~~وقد ضيقت عليه أموره: فهل تستحق عليه نفقة وكسوة؟ # فأجاب: # إذا لم تمكنه من نفسها أو خرجت من داره بغير إذنه: فلا نفقة لها ولا ~~كسوة؛ وكذلك إذا طلب منها أن تسافر معه فلم تفعل فلا نفقة لها ولا كسوة ~~فحيث كانت ناشزا عاصية له فيما يجب له عليها طاعته لم يجب لها نفقة ولا ~~كسوة. PageV34P076 # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن المرأة والرجل إذا تحاكما في النفقة والكسوة؛ هل القول قولها؟ أم قول ~~الرجل؟ وهل للحاكم تقدير النفقة والكسوة بشيء معين؟ والمسئول بيان حكم ~~هاتين المسألتين بدلائلهما. # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانت المرأة مقيمة في بيت زوجها مدة تأكل وتشرب وتكتسي ~~كما جرت به العادة؛ ثم تنازع الزوجان في ذلك فقالت هي: أنت ما أنفقت علي ~~ولا كسوتني؛ بل حصل ذلك من غيرك. وقال هو: بل النفقة والكسوة كانت مني. ~~ففيها قولان للعلماء. " أحدهما " القول قوله وهذا هو الصحيح الذي عليه ~~الأكثرون ونظير هذا أن يصدقها تعلم صناعة وتتعلمها ثم يتنازعان فيمن علمها ~~فيقول هو: أنا علمتها وتقول هي: أنا تعلمتها من غيره. ففيها وجهان في مذهب ~~الشافعي وأحمد. والصحيح من هذا كله أن القول قول من يشهد له العرف والعادة ~~وهو مذهب مالك. وأبو حنيفة يوافق على أنها لا تستحق عليه شيئا؛ لأن النفقة ~~تسقط بمضي الزمان عنده كنفقة الأقارب وهو قول في مذهب أحمد. وأصحاب هذا ~~القول يقولون: # PageV34P077 # وجبت على طريقة الصلة فتسقط بمضي الزمان والجمهور ومالك والشافعي وأحمد ~~في المشهور عنه يقولون: وجبت بطريق المعاوضة ms9632 فلا تسقط بمضي الزمان. ولكن ~~إذا تنازعا في قبضها فقال بعض أصحاب الشافعي وأحمد: القول قول المرأة؛ لأن ~~الأصل عدم المقبوض كما لو تنازعا في قبض الصداق. والصواب أنه يرجع في ذلك ~~إلى العرف والعادة؛ فإذا كانت العادة أن الرجل ينفق على المرأة في بيته ~~ويكسوها وادعت أنه لم يفعل ذلك فالقول قوله مع يمينه وهذا القول هو الصواب ~~الذي لا يسوغ غيره لأوجه: " أحدها " أن الصحابة والتابعين على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لم يعلم منهم امرأة قبل قولها في ~~ذلك ولو كان قول المرأة مقبولا في ذلك لكانت الهمم متوفرة على دعوى النساء ~~وذلك كما هو الواقع. فعلم أنه كان مستقرا بينهم أنه لا يقبل قولها. " ~~الثاني " أنه لو كان القول قولها لم يقبل قول الرجل إلا ببينة فكان يحتاج ~~إلى الإشهاد عليها كلما أطعمها وكساها وكان تركه ذلك تفريطا منه إذا ترك ~~الإشهاد على الدين المؤجل ومعلوم أن هذا لم يفعله مسلم على عهد السلف. # PageV34P078 # " الثالث " أن الإشهاد في هذا متعذر أو متعسر فلا يحتاج إليه كالإشهاد ~~على الوطء؛ فإنهما لو تنازعا في الوطء وهي ثيب لم يقبل مجرد قولها في عدم ~~الوطء عند الجمهور؛ مع أن الأصل عدمه؛ بل إما أن يكون القول قول الرجل أو ~~يؤمر بإخراج المني أو يجامعها في مكان وقريب منهما من يعلم ذلك بعد انقضاء ~~الوطء. على ما للعلماء في ذلك من النزاع. فهنا دعواها وافقت الأصل ولم تقبل ~~لتعذر إقامة البينة على ذلك. والإنفاق في البيوت بهذه المثابة ولا يكلف ~~الناس الإشهاد على إعطاء النفقة؛ فإن هذا بدعة في الدين وحرج على المسلمين ~~واتباع لغير سبيل المؤمنين. # " الرابع " أن العلماء متنازعون ### | : هل يجب تمليك النفقة؟ # على قولين. والأظهر أنه لا يجب ولا يجب أن يفرض لها شيئا؛ بل يطعمها ~~ويكسوها بالمعروف. وهذا القول هو الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال في النساء {: لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف} " كما في ~~المملوك {وكسوته ms9633 بالمعروف} وقال: " {حقها أن تطعمها إذ طعمت وتكسوها إذا ~~اكتسيت} كما قال في المماليك: " {إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس.} هذه عادة المسلمين ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه لا يعلم قط أن رجلا فرض ~~لزوجته نفقة؛ بل يطعمها ويكسوها. # PageV34P079 # وإذا كان كذلك كان له ولاية الإنفاق عليها كما له ولاية الإنفاق على ~~رقيقه وبهائمه وقد قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} وقال زيد بن ~~ثابت: الزوج سيد في كتاب الله. وقرأ قوله: {وألفيا سيدها لدى الباب} وقال ~~عمر بن الخطاب: النكاح رق؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. ويدل على ذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم " {اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ~~وإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله} " فقد أخبر أن ~~المرأة عانية عند الرجل؛ والعاني الأسير وأن الرجل أخذها بأمانة الله فهو ~~مؤتمن عليها ولهذا أباح الله للرجل بنص القرآن أن يضربها وإنما يؤدب غيره ~~من له عليه ولاية؛ فإذا كان الزوج مؤتمنا عليها وله عليها ولاية: كان القول ~~قوله فيما اؤتمن عليه وولي عليه كما يقبل قول الولي في الإنفاق على اليتيم ~~وكما يقبل قول الوكيل والشريك والمضارب والمساقي والمزارع فيما أنفقه على ~~مال الشركة. وإن كان في ذلك معنى المعاوضة. وعند النكاح من جنس المشاركة ~~والمعاوضة والرجل مؤتمن فيه فقبول قوله في ذلك أولى من قبول قول أحد ~~الشريكين وكذلك لو أخذت المرأة نفقتها من ماله بالمعروف وادعت أنه لم يعطها ~~نفقة: قبل قولها مع يمينها في هذه الصورة لأن الشارع سلطها على ذلك؛ كما ~~{قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف لما ~~قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح؛ وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي ~~فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} . # PageV34P080 # وكذلك لو كان الزوج مسافرا عنها مدة وهي مقيمة في بيت أبيها وادعت أنه لم ~~يترك لها نفقة ولا ms9634 أرسل إليها بنفقة: فالقول قولها مع يمينها وأمثال ذلك. ~~فلا بد من التفصيل في الماضي مطلقا في هذا الباب. وهذه المعاني من تدبرها ~~تبين له سر هذه المسألة فإن قبول قول النساء في عدم النفقة في الماضي فيه ~~من الضرر والفساد. ما لا يحصيه إلا رب العباد. وهو يئول إلى أن المرأة تقيم ~~مع الزوج خمسين سنة ثم تدعي نفقة خمسين سنة وكسوتها وتدعي أن زوجها مع ~~يساره وفقرها لم يطعمها في هذه المدة شيئا وهذا مما يتبين الناس كذبها فيه ~~قطعا وشريعة الإسلام منزهة عن أن يحكم فيها بالكذب والبهتان؛ والظلم ~~والعدوان. " الوجه الخامس " أن الأصل المستقر في الشريعة أن اليمين مشروعة ~~في جنبة أقوى المتداعيين؛ سواء ترجح ذلك بالبراءة الأصلية؛ أو اليد الحسية ~~أو العادة العملية؛ ولهذا إذا ترجح جانب المدعي كانت اليمين مشروعة في حقه ~~عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد؛ كالأيمان في القسامة وكما لو أقام شاهدا ~~عدلا في الأموال فإنه يحكم له بشاهد ويمين والنبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~البينة على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي حجة ترجح جانبه؛ ولهذا قال ~~جمهور العلماء في الزوجين إذا تنازعا في متاع البيت فإنه يحكم لكل منهما ~~بما جرت العادة باستعماله إياه فيحكم للمرأة بمتاع النساء # PageV34P081 # وللرجل بمتاع الرجال؛ وإن كانت اليد الحسية منهما ثابتة على هذا وهذا ~~لأنه يعلم بالعادة أن كلا منهما يتصرف في متاع جنسه. وهنا العادة جارية بأن ~~الرجل ينفق على امرأته ويكسوها فإن لم يعلم لها جهة تنفق منها على نفسها ~~أجري الأمر على العادة: " الوجه السادس " أن هذه المرأة لا بد أن تكون أكلت ~~واكتست في الزمان الماضي وذلك إما أن يكون من الزوج وإما أن يكون من غيره. ~~والأصل عدم غيره فيكون منه كما قلنا في أصح الوجهين: إن القول قوله في أنه ~~علمها الصناعة والقراءة التي أصدقها تعليمها؛ لأن الحكم الحادث يضاف إلى ~~السبب المعلوم؛ كما لو سقط في الماء نجاسة فرئي متغيرا بعد ذلك وشك هل تغير ms9635 ~~بالنجاسة أو غيرها؟ فأصح الوجهين أنه يضاف التغير إلى النجاسة. ويدل على ~~ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى عدي بن حاتم فيما ~~إذا رمى الصيد وغاب عنه ولم يجد فيه أثرا غير سهمه أنه يأكله؛ لأن الأصل ~~عدم سبب آخر زهقت به نفسه بخلاف ما إذا تردى في ماء أو خالط كلبه كلابا ~~أخرى فإن تلك لأسباب شاركت في الزهوق. وبسط هذه المسائل له موضع آخر غير ~~هذا. # PageV34P082 # فصل: # وأما تقدير الحاكم النفقة والكسوة فهذا يكون عند التنازع فيها كما يقدر ~~مهر المثل إذا تنازعا فيه وكما يقدر مقدار الوطء إذا ادعت المرأة أنه ~~يضربها؛ فإن الحقوق التي لا يعلم مقدارها إلا بالمعروف متى تنازع فيها ~~الخصمان قدرها ولي الأمر. وأما الرجل إذا كان ينفق على امرأته بالمعروف كما ~~جرت عادة مثله لمثلها: فهذا يكفي ولا يحتاج إلى تقدير الحاكم. ولو طلبت ~~المرأة أن يفرض لها نفقة يسلمها إليها مع العلم بأنه ينفق عليها بالمعروف ~~فالصحيح من قولي العلماء في هذه الصورة أنه لا يفرض لها نفقة ولا يجب ~~تمليكها ذلك كما تقدم؛ فإن هذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ~~المبني على العدل. والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة ~~مرجعها إلى العرف وليست مقدرة بالشرع؛ بل تختلف باختلاف أحوال البلاد ~~والأزمنة وحال الزوجين وعادتهما؛ فإن الله تعالى قال: {وعاشروهن بالمعروف} ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} " وقال: ~~{لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف} . # PageV34P083 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # في قول الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى قوله: ~~{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة} إلى قوله تعالى {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} . فجعل المباح أحد أمرين: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأخبر أن ~~الرجال ليسوا أحق بالرد إلا إذا أرادوا إصلاحا؛ وجعل لهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وقال تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن ms9636 أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف} وقال تعالى في الآية الأخرى: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف} وقال تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم ~~بالمعروف} وقوله هنا: {بالمعروف} . يدل على أن المرأة لو رضيت بغير المعروف ~~لكان للأولياء العضل والمعروف تزويج الكفء. وقد يستدل به من يقول: مهر ~~مثلها من المعروف؛ فإن المعروف هو الذي يعرفه أولئك. وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن} إلى قوله: {وعاشروهن بالمعروف} فقد ذكر أن التراضي بالمعروف ~~والإمساك # PageV34P084 # بالمعروف؛ والتسريح بالمعروف والمعاشرة بالمعروف وأن لهن وعليهن بالمعروف ~~كما قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فهذا المذكور في القرآن ~~هو الواجب العدل في جميع ما يتعلق بالنكاح من أمور النكاح وحقوق الزوجين؛ ~~فكما أن ما يجب للمرأة عليه من الرزق والكسوة هو بالمعروف؛ وهو العرف الذي ~~يعرفه الناس في حالهما نوعا وقدرا وصفة وإن كان ذلك يتنوع بتنوع حالهما من ~~اليسار والإعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار؛ والمكان فيطعمها ~~في كل بلد مما هو عادة أهل البلد وهو العرف بينهم. وكذلك ما يجب لها عليه ~~من المتعة والعشرة فعليه أن يبيت عندها ويطأها بالمعروف. ويختلف ذلك ~~باختلاف حالها وحاله. وهذا أصح القولين في الوطء الواجب أنه مقدر بالمعروف؛ ~~لا بتقدير من الشرع قررته في غير هذا الموضع. والمثال المشهور هو " النفقة ~~" فإنها مقدرة بالمعروف تتنوع بتنوع حال الزوجين عند جمهور المسلمين. ومنهم ~~من قال: هي مقدرة بالشرع نوعا وقدرا: مدا من حنطة أو مدا ونصفا أو مدين؛ ~~قياسا على الإطعام الواجب في الكفارة على أصل القياس والصواب المقطوع به ما ~~عليه الأمة علما وعملا قديما وحديثا؛ فإن القرآن قد دل على ذلك وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV34P085 # {أنه قال لهند امرأة أبي سفيان لما قالت له يا رسول الله إن أبا سفيان ~~رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~خذي ms9637 ما يكفيك وولدك بالمعروف} فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف ولم يقدر ~~لها نوعا ولا قدرا ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع كما ~~بين فرائض الزكاة والديات. وفي صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في خطبته العظيمة بعرفات: {لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف} . # وإذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف فمعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع ~~بحالة الزوجة في حاجتها وبتنوع الزمان والمكان وبتنوع حال الزوج في يساره ~~وإعساره وليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة ولا كسوة الشتاء ~~ككسوة الصيف ولا كفاية طعامه كطعامه ولا طعام البلاد الحارة كالباردة ولا ~~المعروف في بلاد التمر والشعير. كالمعروف في بلاد الفاكهة والخمير. وفي ~~مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه عن {حكيم بن معاوية القشيري عن ~~أبيه أنه قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا ~~أكلت وتكسوها إذا اكتسيت؛ ولا تضرب الوجه؛ ولا تقبح؛ ولا تهجر إلا في ~~البيت.} فهذه ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن للزوجة مرة أن ~~تأخذ كفاية ولدها بالمعروف وقال في الخطبة التي خطبها يوم أكمل الله # PageV34P086 # الدين في أكبر مجمع كان له في الإسلام: {لهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} وقال للسائل المستفتي له عن حق الزوجة: {تطعمها إذا أكلت وتكسوها ~~إذا اكتسيت} " ولم يأمر في شيء من ذلك بقدر معين؛ لكن قيد ذلك بالمعروف ~~تارة وبالمواساة بالزوج أخرى. وهكذا قال في ### | نفقة المماليك؛ # ففي الصحيحين عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {: هم إخوانكم ~~خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل؛ ~~وليلبسه مما يلبس؛ ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم} وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {للمملوك طعامه وكسوته ~~ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق} ففي الزوجة والمملوك أمره واحد: تارة يذكر ~~أنه يجب الرزق والكسوة بالمعروف. وتارة يأمر بمواساتهم بالنفس. فمن ms9638 العلماء ~~من جعل المعروف هو الواجب والمواساة مستحبة. وقد يقال أحدهما تفسير للآخر. ~~وعلى هذا ف ### | الواجب هو الرزق والكسوة بالمعروف في النوع والقدر وصفة الإنفاق. # وإن كان العلماء قد تنازعوا في ذلك. أما " النوع " فلا يتعين أن يعطيها ~~مكيلا كالبر ولا موزونا كالخبز ولا ثمن ذلك كالدراهم؛ بل يرجع في ذلك إلى ~~العرف. فإذا أعطاها كفايتها بالمعروف مثل أن يكون عادتهم أكل التمر والشعير ~~فيعطيها ذلك. # PageV34P087 # أو يكون أكل الخبز والإدام فيعطيها ذلك. وإن كان عادتهم أن يعطيها حبا ~~فتطحنه في البيت فعل ذلك. وإن كان يطحن في الطاحون ويخبز في البيت فعل ذلك. ~~وإن كان يخبز في البيت فعل ذلك. وإن كان يشتري خبزا من السوق فعل ذلك. ~~وكذلك الطبيخ ونحوه فعلى ما هو المعروف فلا يتعين عليه دراهم ولا حبات ~~أصلا؛ لا بشرع ولا بفرض؛ فإن تعين ذلك دائما من المنكر ليس من المعروف وهو ~~مضر به تارة وبها أخرى. وكذلك " القدر " لا يتعين مقدار مطرد؛ بل تتنوع ~~المقادير بتنوع الأوقات. وأما " الإنفاق " فقد قيل: إن الواجب تمليكها ~~النفقة والكسوة. وقيل: لا يجب التمليك. وهو الصواب؛ فإن ذلك ليس هو ~~المعروف؛ بل عرف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى يومنا هذا أن ~~الرجل يأتي بالطعام إلى منزله فيأكل هو وامرأته ومملوكه: تارة جميعا. وتارة ~~أفرادا. ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم ~~دراهم تتصرف فيها تصرف المالك؛ بل من عاشر امرأة بمثل هذا الفرض كانا عند ~~المسلمين قد تعاشرا بغير المعروف وتضارا في العشرة؛ وإنما يفعل أحدهما ذلك ~~بصاحبه عند الضرر؛ لا عند العشرة بالمعروف. # PageV34P088 # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الزوجة مثل ما أوجب في ~~المملوك. تارة قال: " {لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف} " كما قال في المملوك. ~~وتارة قال: {تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت} " كما قال في المملوك. ~~وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته فعلم أن هذا الكلام ~~لا يقتضي إيجاب التمليك. وإذا ms9639 تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها ~~إذا أكل ويكسوها إذا اكتسى وذلك هو المعروف لمثلها في بلدها فلا حق لها سوى ~~ذلك. وإن أنكرت ذلك أمره الحاكم أن ينفق بالمعروف؛ بل ولا له أن يأمر ~~بدراهم مقدرة مطلقا أو حب مقدر مطلقا؛ لكن يذكر المعروف الذي يليق بهما. # فصل: # وكذلك " قسم الابتداء والوطء والعشرة والمتعة " واجبان كما قد قررناه ~~بأكثر من عشرة أدلة ومن شك في وجوب ذلك فقد أبعد تأمل الأدلة الشرعية ~~والسياسة الإنسانية. ثم الواجب قيل. مبيت ليلة من أربع ليال والوطء في كل ~~أربعة أشهر مرة كما ثبت ذلك في المولى والمتزوج أربعا. وقيل: إن الواجب ~~وطؤها بالمعروف فيقل ويكثر بحسب حاجتها وقدرته كالقوت سواء. # فصل: # وكذلك ما عليها من موافقته في المسكن وعشرته ومطاوعته في المتعة فإن ذلك ~~واجب عليها بالاتفاق. عليها أن تسكن معه في أي بلد أو دار إذا # PageV34P089 # كان ذلك بالمعروف ولم تشترط خلافه؛ وعليها أن لا تفارق ذلك بغير أمره إلا ~~لموجب شرعي فلا تنتقل ولا تسافر ولا تخرج من منزله لغير حاجة إلا بإذنه كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم {فإنهن عوان عندكم} بمنزلة العبد والأسير ~~وعليها تمكينه من الاستمتاع بها إذا طلب ذلك وذلك كله بالمعروف غير المنكر؛ ~~فليس له أن يستمتع استمتاعا يضر بها ولا يسكنها مسكنا يضر بها ولا يحبسها ~~حبسا يضر بها. # فصل: # وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام ~~والشراب والخبز والطحن والطعام لمماليكه وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ ~~فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب ~~عليه العشرة والوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر ~~الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد ~~عاشره بالمعروف. وقيل - وهو الصواب - وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب ~~الله؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى العاني ~~والعبد ms9640 الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف. ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة ~~اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف وهذا هو الصواب فعليها أن ~~تخدمه # PageV34P090 # الخدمة المعروفة من مثلها لمثله ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال: فخدمة البدوية ~~ليست كخدمة القروية وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة. # فصل: # والمعروف فيما له ولها هو موجب العقد المطلق؛ فإن العقد المطلق يرجع في ~~موجبه إلى العرف كما يوجب العقد المطلق في البيع النقد المعروف فإن شرط ~~أحدهما على صاحبه شرطا لا يحرم حلالا ولا يحلل حراما فالمسلمون عند شروطهم؛ ~~فإن موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة. ومن العرف تارة أخرى؛ لكن كلاهما ~~مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله فإن لكل من العاقدين أن يوجب للآخر على نفسه ~~ما لم يمنعه الله من إيجابه ولا يمنعه أن يوجب في المعاوضة ما يباح بذله ~~بلا عوض: كعارية البضع؛ والولاء لغير المعتق؛ فلا سبيل إلى أن يجب بالشرط ~~فإنه إذا حرم بذله كيف يجب بالشرط فهذه أصول جامعة مع اختصار. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل متزوج بامرأة وسافر عنها سنة كاملة؛ ولم يترك عندها شيئا # ولا لها شيء تنفقه عليها وهلكت من الجوع فحضر من يخطبها # PageV34P091 # ودخل بها وحملت منه فعلم الحاكم أن الزوج الأول موجود ففرق بينهما ووضعت ~~الحمل من الزوج الثاني؛ والزوج الثاني ينفق عليها إلى أن صار عمر المولود ~~أربع سنين ولم يحضر الزوج الأول ولا عرف له مكان: فهل لها أن تراجع الزوج ~~الثاني؟ أو تنتظر الأول. # فأجاب: # إذا تعذرت النفقة من جهته فلها فسخ النكاح فإذا انقضت عدتها تزوجت بغيره. ~~والفسخ للحاكم؛ فإذا فسخت هي نفسها لتعذر فسخ الحاكم أو غيره: ففيه نزاع. ~~وأما إذا لم يفسخ الحاكم بل شهد لها أنه قد مات وتزوجت لأجل ذلك ولم يمت ~~الزوج: فالنكاح باطل؛ لكن إذا اعتقد الزوج الثاني أنه صحيح لظنه موت الزوج ~~الأول وانفساخ النكاح أو نحو ذلك فإنه يلحق به النسب؛ وعليه المهر ولا حد ~~عليه؛ لكن تعتد له حتى تنقضي ms9641 عدتها منه ثم بعد ذلك ينفسخ نكاح الأول إن ~~أمكن وتتزوج بمن شاءت. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل زوج ابنته لرجل وأراد الزوج السفر إلى بلاده فقال له وكيل الأب في ~~قبول النكاح: لا تسافر إما أن تعطي الحال من الصداق وتنتقل بالزوجة أو ترضي ~~الأب. فسافر ولم يجب إلى ذلك وهو غائب # PageV34P092 # عن الزوجة المذكورة مدة سنة ولم يصل منه نفقة: فهل لوالد الزوجة أن يطلب ~~فسخ النكاح. # فأجاب: # نعم إذا عرضت المرأة عليه فبذل له تسليمها؛ وهي ممن يوطأ مثلها وجب عليه ~~النفقة بذلك؛ فإذا تعذرت النفقة من جهته كان للزوجة المطالبة بالفسخ؛ إذا ~~كان محجورا عليها على وجهين. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # في رجل تبرع وفرض لأمه على نفسه وهي صحيحة عاقلة في كل يوم درهمين وأذن ~~لها أن تستدين وتنفق عليها وترجع عليه وبقيت مقيمة عنده مدة ولم تستدن لها ~~نفقة ثم توفيت ولم تترك عليها دينا وخلفت من الورثة ابنها هذا وبنتين. ثم ~~توفي ابنها بعدها: فهل يصير ما فرض على نفسه دينا في ذمته يؤخذ من تركته ~~ويقسم على ورثتها أم لا؟ وهل إذا حكم حاكم مع قولكم النفقة تسقط بمضي ~~المدة: هل ينفذ حكمه أم لا؟ وهل يجب استرجاع ما أخذ ورثتها من تركة ولدها ~~بهذا الوجه أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، ليس ذاك دينا لها في ذمته ولا يقضى من تركته ~~والمستحقة ورثتها وما علمت أن أحدا من العلماء قال إن نفقة # PageV34P093 # القريب تثبت في الذمة لما مضى من الزمان؛ إلا إذا كان قد استدان عليه ~~النفقة بإذن حاكم أو أنفق بغير إذن حاكم غير متبرع وطلب الرجوع بما أنفق: ~~فهذا في رجوعه خلاف. فأما استقرارها في الذمة بمجرد الفرض - إما بإنفاق ~~متبرع أو بكسبه كما يقال مثله في نفقة الزوجة - فما علمت له قائلا فإذا كان ~~الحكم مخالفا للإجماع لم يلزم بحكم حاكم ولمن أخذ منه المال بغير حق أن ~~يرجع بما أخذه. ومذهب أبي حنيفة تسقط بمضي ms9642 الزمان؛ وإن قضى بها القاضي؛ إلا ~~أن يأذن القاضي في الاستدانة لأن للقاضي ولاية عامة فصار كإذن الغائب؛ وذكر ~~بعضهم في قضاء القاضي هل يصير به دينا؟ روايتين؛ لكن حملوا رواية الوجوب ~~على ما إذا أمر بالاستدانة والإنفاق عليهم ويرجع بذلك. وكذا إذا كان الزوج ~~موسرا وتمرد وامتنع عن الإنفاق فطلبت المرأة أن يأمرها بالاستدانة فأمرها ~~القاضي بذلك وترجع عليه؛ لأن أمر القاضي كأمره ولو قضى القاضي لها بالنفقة ~~فأمرها بالاستدانة على الزوج؛ لئلا يبطل حقها في النفقة بموت أحدهما؛ لأن ~~النفقة تسقط بموت أحدهما فكانت فائدة الأمر بالاستدانة لتأكيد حقها في ~~النفقة؛ لأن القاضي مأمور بإيصال الحق إلى المستحق وهذه طريقة. لكن لو أمر ~~القريب بالاستدانة ولم يستدن؛ بل استغنى بنفقة متبرع؛ أو بكسب له: فقد فهم ~~القاضي شمس الدين أن النفقة تستقر في الذمة بهذه الصورة لإطلاقهم الأمر ~~بالاستدانة من غير اشتراط وجود الاستدانة وغيره إنما فهم أن الاستدانة لأجل ~~وجود الاستدانة. وأما الإذن في الاستدانة من غير وجودها لا يصير المأذون ~~فيه دينا حتى يستدان. # PageV34P094 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة توفيت وخلفت من الورثة ولدا ذكرا وقد ادعى على أبيه بالصداق ~~والكسوة: فهل يلزم الزوج الكسوة الماضية قبل موتها والابن محتاج؟ # فأجاب: # إذا كان الأمر على ما ذكر فعلى الأب أن يوفيه ما يستحقه؛ بل لو لم يكن ~~للابن ميراث وكان محتاجا عاجزا عن الكسوة: فعلى الأب إذا كان موسرا أن ينفق ~~عليه وعلى زوجته وأولاده الصغار المحتاجين والعاجزين عن الكسب. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تزوج بامرأة ودخل بها وهو مستمر النفقة وهي ناشز؛ ثم إن والدها ~~أخذها وسافر من غير إذن الزوج: فماذا يجب عليهما؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا سافر بها بغير إذن الزوج فإنه يعزر على ذلك وتعزر الزوجة ~~إذا كان التخلف يمكنها ولا نفقة لها من حين سافرت. والله أعلم # PageV34P095 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج عند قوم مدة سنة ثم جرى بينهم كلام فادعوا عليه بكسوة سنة ~~فأخذوها منه ثم ms9643 ادعوا عليه بالنفقة وقالوا: هي تحت الحجر؛ وما أذنا لك أن ~~تنفق عليها: فهل يجوز ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا كان الزوج تسلمها التسليم الشرعي وهو أو أبوه ~~أو نحوهما يطعمها كما جرت به العادة: لم يكن للأب ولا لها أن تدعي بالنفقة؛ ~~فإن هذا هو الإنفاق بالمعروف الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه وسائر المسلمين في كل عصر ومصر وكذلك نص على ذلك أئمة ~~العلماء؛ بل من كلف الزوج أن يسلم إلى أبيها دراهم ليشتري لها بها ما ~~يطعمها في كل يوم فقد خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ ~~وإن كان هذا قد قاله بعض الناس. فكيف إذا كان قد أنفق عليها بإقرار الأب ~~لها بذلك وتسليمها إليهم؛ مع أنه لا بد لها من الأكل؛ ثم أراد أن يطلب ~~النفقة؛ ولا يعتد بما أنفقوا عليها؛ فإن هذا باطل في الشريعة لا تحتمله ~~أصلا. ومن توهم ذلك معتقدا أن النفقة حق لها كالدين فلا بد أن يقبضه الولي ~~وهو لم يأذن فيه: كان مخطئا من وجوه # PageV34P096 # منها: أن المقصود بالنفقة إطعامها؛ لا حفظ المال لها. " الثاني " أن قبض ~~الولي لها ليس فيه فائدة: " الثالث " أن ذلك لا يحتاج إلى إذنه؛ فإنه واجب ~~لها بالشرع والشارع أوجب الإنفاق عليها فلو نهى الولي عن ذلك لم يلتفت ~~إليه. " الرابع " إقراره لها مع حاجته إلى النفقة إذن عرفي ولا يقال: إنه ~~لم يأمن الزوج على النفقة؛ لوجهين: " إحداهما " أن الائتمان بها حصل بالشرع ~~كما اؤتمن الزوج على بدنها والقسم لها وغير ذلك من حقوقها؛ فإن الرجال ~~قوامون على النساء والنساء عوان عند الرجال كما دل على ذلك الكتاب والسنة. ~~" الثاني " أن الائتمان العرفي كاللفظي. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حبسته زوجته على كسوتها وصداقها وبقي مدة: فهل لها أن تطالبه ~~بنفقتها مدة إقامته في حبسها أم لا؟ # فأجاب: # إن كان معسرا فحبسته كانت ظالمة له مانعة له من التمكن منها: ms9644 فلا تستحق ~~عليه في تلك المدة نفقة. وإن كان لها حق واجب حال وهو قادر على أدائه فمنعه ~~بعد الطلب الشرعي كان ظالما فإذا كانت مع هذا باذلة ما يجب عليها وجبت لها ~~النفقة. # PageV34P097 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له زوجة وله مدة سبع سنين لم ينتفع بها؛ لأجل مرضها: فهل تستحق ~~عليه نفقة أم لا؟ فإن لم تكن تستحق وحكم عليه حاكم: فهل يجب عليه إعطاؤها ~~أم لا؟ # فأجاب: # نعم، تستحق النفقة في مذهب الأئمة الأربعة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل طلق زوجته طلقة واحدة وكانت حاملا فأسقطت: فهل تسقط عنه النفقة أم ~~لا؟ # فأجاب: # نعم، إذا ألقت سقطا انقضت به العدة وسقطت به النفقة وسواء كان قد نفخ فيه ~~الروح أم لا إذا كان قد تبين فيه خلق الإنسان؛ فإن لم يتبين ففيه نزاع. # PageV34P098 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل طلق زوجته ثلاثا وألزمها بوفاء العدة في مكانها فخرجت منه قبل أن ~~توفي العدة وطلبها الزوج ما وجدها: فهل لها نفقة العدة. # فأجاب: # لا نفقة لها؛ وليس لها أن تطالب بنفقة الماضي في مثل هذه العدة في ~~المذاهب الأربعة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل ماتت زوجته وخلفت له ثلاث بنات: فأعطاهم لحميه وحماته وقال: روحوا ~~بهم إلى بلدكم حتى أجيء إليهم؛ فغاب عنهم ثلاث سنين فهل على والدهم نفقتهم ~~وكسوتهم في هذه المدة أم لا؟ # فأجاب: # ما أنفقوه عليهم بالمعروف بنية الرجوع به على والدهم فلهم الرجوع به عليه ~~إذا كان ممن تلزمه نفقتهم. والله أعلم. # PageV34P099 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل وطئ أجنبية حملت منه ثم بعد ذلك تزوج بها: فهل يجب عليه فرض الولد ~~في تربيته أم لا؟ # فأجاب: # الولد ولد زنا؛ لا يلحقه نسبه عند الأئمة الأربعة؛ ولكن لا بد أن ينفق ~~عليه المسلمون؛ فإنه يتيم من اليتامى ونفقة اليتامى على المسلمين مؤكدة. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل متزوج بامرأة ولها ولد من غيره وله فرض على أبيه تتناوله أمه ~~والزوج يقوم ms9645 بالصبي بكلفته ومؤنته مدة سنين وحين تزوج الرجل كان من الصداق ~~خمسة دنانير حالة فشارطته على أنها لا تطالبه بها إذا كان ينفق على الولد ~~ما دام الصبي عنده؛ ولم تعين له كلفة ولا نفقة: فهل له مطالبة أم الصبي ~~بكلفة مدة مقامه عنده؟ # PageV34P100 # فأجاب: # إذا كان الأمر على ما ذكر ولم يوف امرأته بما شرطت له فليس له أن يطالب ~~بما أنفقه على الصبي إذا كان الإنفاق بمعروف؛ فإنه ليس متبرعا بذلك سواء ~~أنفق بإذن أمه أم لا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة تطعم من بيت زوجها؛ بحكم أنها تتعب فيه؟ # فأجاب: # الحمد لله، تطعم بالمعروف: مثل الخبز والطبيخ والفاكهة ونحو ذلك مما جرت ~~العادة بإطعامه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عجز عن الكسب ولا له شيء وله زوجة وأولاد: فهل يجوز لولده الموسر ~~أن ينفق عليه وعلى زوجته وإخوته الصغار؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، نعم على الولد الموسر أن ينفق على أبيه وزوجة ~~أبيه وعلى إخوته الصغار وإن لم يفعل ذلك كان عاقا لأبيه قاطعا لرحمه مستحقا ~~لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة. والله أعلم. # PageV34P101 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له ولد وطلب منه ما يمونه؟ # فأجاب: # إذا كان موسرا وأبوه محتاجا فعليه أن يعطيه تمام كفايته وكذلك إخوته إذا ~~كانوا عاجزين عن الكسب: فعليه أن ينفق عليهم إذا كان قادرا على ذلك ولأبيه ~~أن يأخذ من ماله ما يحتاجه بغير إذن الابن؛ وليس للابن منعه. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له ولد وله مال والوالد فقير وله عائلة وزوجه غير والدة الولد ~~الكبير: فهل يجب على ولده نفقة والده ونفقة إخوته وزوجته أم لا؟ # فأجاب: # إذا كان الأب عاجزا عن النفقة والابن قادرا على الإنفاق عليهم فعليه ~~الإنفاق عليهم. # PageV34P102 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل عاجز عن نفقة بنته وكان غائبا وهي عند أمها وجدتها تنفق عليها؛ مع ~~أنها موسرة وليس عليه فرض: فهل لها أن ترجع بالنفقة المدة التي كان عاجزا ~~عن ms9646 النفقة فيها؟ وهل القول قوله في إعساره إذا لم يعرف له مال؟ أو قول ~~المدعي؟ وإذا كان مقيما في بلد فيها خيره ويريد أخذ بنته معه وهو يسافر سفر ~~نقلة: فيستحق السفر بها وتكون الحضانة لأمها؟ # فأجاب: # أما المدة التي كان عاجزا عن النفقة فيها فلا نفقة عليه ولا رجوع لمن ~~أنفق فيها بغير إذنه بغير نزاع بين العلماء وإنما النزاع فيما إذا أنفق ~~منفق بدون إذنه مع وجوب النفقة على الأب. فقيل: يرجع بما أنفق غير متبرع ~~كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في قول. ولا يجوز حبسه على هذه ~~النفقة ولا على الرجوع بها حتى يثبت الوجوب بيساره. فإذا اختلفا في اليسار ~~ولم يعرف له مال: فالقول قوله مع يمينه. وإذا كان مقيما في غير بلد الأم ~~فالحضانة له؛ لا للأم؛ وإن كانت الأم أحق بالحضانة في البلد الواحد. وهذا ~~أيضا مذهب الأئمة الأربعة. والله أعلم. # PageV34P103 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له مطلقة وله منها ولد؛ وقد بلغ من العمر سبع سنين وهم يريدون ~~فرضه. وقد تزوجت أمه؛ وكفلته جدته ووجهت كفيله وسافروا به إلى الإسكندرية ~~وغيبوه مدة سبع سنين؛ وطلب منه فرض السنين الماضية؟ # فأجاب: # إذا حكم له حاكم لم يكن لأمه أن تغيبه عنه؛ وإذا غيبته عنه والحالة هذه ~~لم يكن لها أن تطالبه بالنفقة المفروضة ولا بما أنفقوه عليه في هذه الحالة. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عليه وقف من جده ثم على ولده؛ وهو يتناول أجرته؛ وله ملك زاد أجرة ~~كثيرة وغيرها؛ والكل معطل وله ولد معسر؛ وله أهل وأولاد؛ فطلب ابنه بعض ~~الأماكن ليدولبه فلم يجبه: فهل # PageV34P104 # يجوز له ذلك؟ وهل يجب على الأب أن يؤجرهم وينفق على ولده؟ أو تجب عليه ~~النفقة مع غنى الوالد وإعسار الولد؟ # فأجاب: # نعم، عليه نفقة ولده بالمعروف إذا كان الولد فقيرا عاجزا عن الكسب ~~والوالد موسرا وإذا لم يمكن الإنفاق على الولد إلا بإجارة ما هو متعطل في ~~عقاره وبعمارة ما يمكن ms9647 عمارته منه أو يمكن الولد من أن يؤجر ويعمر ما ينفق ~~منه على نفسه؛ فعلى الوالد ذلك؛ بل من كان له عقار لا يعمره ولا يؤجره فهو ~~سفيه مبذر لماله؛ فينبغي أن يحجر عليه الحاكم لمصلحة نفسه لئلا يضيع ماله. ~~فأما إذا كان له ولد يتعين ذلك لأجل مصلحته ومصلحة ولده. والله أعلم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قال الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فلفظ {المولود ~~له} أجود من لفظ " الوالد " لوجوه: أنه يعم الوالد وسيد العبد وأنه يبين أن ~~الولد لأبيه لا لأمه. فيفيد هذا أن الولد لأبيه كما نقوله نحن من: أن الأب ~~يستبيح مال ولده ومنافعه وأنه يبين جهة الوجوب عليه وهو كون الولد له؛ لا ~~للأم. وأن الأم هي التي ولدته حقيقة؛ دون الأب. فهذه أربعة أوجه. ولهذا ~~يقال: ولد لفلان مولود. ولد لي ولد. # PageV34P105 # وهذه الآية توجب رزق المرتضع على أبيه؛ لقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فأوجب نفقته حملا ~~ورضيعا بواسطة الإنفاق على الحامل والمرضع فإنه لا يمكن رزقه بدون رزق ~~حامله ومرضعه. فسئلت: فأين نفقة الولد على أبيه بعد فطامه؟ فقلت: دل عليه ~~النص تنبيها؛ فإنه إذا كان في حال اختفائه وارتضاعه أوجب نفقة من تحمله ~~وترضعه؛ إذ لا يمكن الإنفاق عليه إلا بذلك: فالإنفاق عليه بعد فصاله إذا ~~كان يباشر الارتزاق بنفسه أولى وأحرى. وهذا من حسن الاستدلال فقد تضمن ~~الخطاب التنبيه بأن الحكم في المسكوت أولى منه في المنطوق؛ وتضمن تعليل ~~الحكم بكون النفقة إنما وجبت على الأب لأنه هو الذي له الولد دون الأم؛ ومن ~~كان الشيء له كانت نفقته عليه؛ ولذا سمي الولد كسبا في قوله: (وما كسب وفي ~~قوله: " {إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه؛ وإن ولده من كسبه} . # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له جارية تائبة وتصلي وتصوم: أي شيء يلزم سيدها إذا لم يجامعها؟ # فأجاب: # إذا كانت محتاجة إلى النكاح فليعفها: إما بأن ms9648 يطأها وإما بأن يزوجها لمن ~~يطؤها ولا يجوز أن يطأها إلا زوج أو سيدها # PageV34P106 # وسئل - رحمه الله -: # عن الصدقة على المحتاجين من الأهل وغيرهم؟ # فأجاب: # إن كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد فإن نفقة القريب واجبة عليه ~~فلا يعطى البعيد ما يضر بالقريب. وأما الزكاة والكفارة فيجوز أن يعطى منها ~~القريب الذي لا ينفق عليه. والقريب أولى إذا استوت الحالة. ### | باب الحضانة # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له ولد وتوفي ولده وخلف ولدا عمره ثمان سنين والزوجة تطالب الجد ~~بالفرض وبعد ذلك تزوجت وطلقت ولم يعرف الجد بها وقد أخذت الولد وسافرت ولا ~~يعلم الجد بها: فهل يلزم الجد فرض أم لا؟ # فأجاب: # إذا تزوجت الأم فلا حضانة لها وإذا سافرت سفر نقلة فالحضانة للجد دونها؛ ~~ومن حضنته ولم تكن الحضانة لها وطالبت بالنفقة لم يكن لها ذلك؛ فإنها ظالمة ~~بالحضانة؛ فلا تستحق المطالبة بالنفقة: وإن كان الجد عاجزا عن نفقة ابن ~~ابنه لم تجب عليه نفقته. # PageV34P107 # وقال - قدس الله روحه -: # فصل: # " اليتيم " في الآدميين من فقد أباه؛ لأن أباه هو الذي يهذبه؛ ويرزقه؛ ~~وينصره: بموجب الطبع المخلوق؛ ولهذا كان تابعا في الدين لوالده؛ وكان نفقته ~~عليه وحضانته عليه والإنفاق هو الرزق. و " الحضانة " هي النصر لأنها ~~الإيواء ودفع الأذى. فإذا عدم أبوه طمعت النفوس فيه؛ لأن الإنسان ظلوم جهول ~~والمظلوم عاجز ضعيف فتقوى جهة الفساد من جهة قوة المقتضى ومن جهة ضعف ~~المانع ويتولد عنه فسادان: ضرر اليتيم؛ الذي لا دافع عنه ولا يحسن إليه ~~وفجور الآدمي الذي لا وازع له. فلهذا أعظم الله أمر اليتامى في كتابه في ~~آيات كثيرة مثل قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ~~وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين} وقوله: {ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} - إلى قوله - {وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين} وقوله: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين} # PageV34P108 # وقوله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ms9649 فإخوانكم ~~والله يعلم المفسد من المصلح} وقوله: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} {وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} - إلى قوله - {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} وقوله: {وإذا ~~حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} وقوله: {واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا} - إلى قوله - {وبذي القربى واليتامى والمساكين} ~~وقوله: {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} - إلى قوله - {وأن تقوموا لليتامى بالقسط ~~وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما} وقوله: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وقوله: في ~~الأنعام: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} وقوله: ~~{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين} وقوله: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا} وقوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} وقوله: {وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين في المدينة} وقوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول # PageV34P109 # ولذي القربى واليتامى والمساكين} وقوله: {فذلك الذي يدع اليتيم} {ولا يحض ~~على طعام المسكين} وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له بنت لها سبع سنين ولها والدة متزوجة وقد أخذها بحكم الشرع ~~الشريف بحيث إنه ليس لها كافل غيره وقد اختارت أم المذكورة أن تأخذها من ~~الرجل بكفالتها إلى مدة معلومة وهو يخاف أن ترجع عليه فيما بعد بالكسوة ~~والنفقة عند بعض المذاهب وكيف نسخة ما يكتب بينهما. # الجواب: # الحمد لله رب العالمين، ما دام الولد عندها وهي تنفق عليه وقد أخذته على ~~أن تنفق ms9650 عليه من عندها ولا ترجع على الأب: لا نفقة لها باتفاق الأئمة. أي ~~لا ترجع عليه بما أنفقت هذه المدة؛ لكن لو أرادت أن تطلب بالنفقة في ~~المستقبل فللأب أن يأخذ الولد منها أيضا؛ فإنه لا يجمع لها بين الحضانة في ~~هذه الحال ومطالبة الأب بالنفقة مع ما ذكرنا بلا نزاع؛ لكن لو اتفقا على ~~ذلك: فهل يكون العقد بينهما لازما؟ هذا فيه خلاف والمشهور من مذهب مالك هو ~~لازم. وإذا كان كذلك فلا ضرر للأب في هذا الالتزام. والله أعلم. # PageV34P110 # وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: (*) # الحمد لله الذي نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه ~~وسلم تسليما كثيرا. # فصل: # في مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء في " حضانة الصغير المميز " هل هي ~~للأب؟ أو للأم؟ أو يخير بينهما؟ فإن كثيرا من كتب أصحاب أحمد إنما فيها أن ~~الغلام إذا بلغ سبع سنين خير بين أبويه وأما الجارية فالأب أحق بها. وهؤلاء ~~الذين ذكروا هذا كالخرقي وغيره بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة ولم ~~يبلغهم سائر نصوصه؛ فإن كلام أحمد كثير منتشر جدا وقل من يضبط جميع نصوصه ~~في كثير من المسائل؛ لكثرة كلامه وانتشاره وكثرة من كان يأخذ العلم عنه. " ~~وأبو بكر الخلال " قد طاف البلاد وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين ~~مجلدا وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه وأما ما جمعه من PageV34P111 # نصوصه فمن أصول الدين مثل: " كتاب السنة " نحو ثلاث مجلدات ومثل أصول ~~الفقه والحديث مثل " كتاب العلم " الذي جمعه من الكلام على علل الأحاديث ~~مثل " كتاب العلل " الذي جمعه من كلامه في " أعمال القلوب والأخلاق والأدب ~~" ومن كلامه في " الرجال والتاريخ " فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس ~~عنه. " والمقصود هنا " أن النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما في ms9651 " ~~مسألة البنت " وفي " مسألة الابن " وعنه في الابن ثلاث روايات معروفة وممن ~~ذكرهن أبو البركات في " محرره ". وعنه في الجارية روايتين؛ وممن ذكرهما أبو ~~عبد الله بن تيمية في كتابيه: " التلخيص " " وترغيب القاصد " والروايات ~~موجودة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها في عدة كتب. وممن ذكر هذه الروايات ~~القاضي أبو يعلى في " تعليقه " نقل عن أحمد في الغلام: أمه أحق به حتى ~~يستغني عنها؛ ثم الأب أحق به. فقال في رواية الفضل بن زياد: إذا عقل الغلام ~~واستغنى عن الأم فالأب أحق به. وقال في رواية أبي طالب والأب أحق بالغلام ~~إذا عقل واستغنى عن الأم. وهذا الذي نقله القاضي أبو يعلى والثاني وغيرهما ~~هو المنقول عن أبي حنيفة قال: إذا أكل وحده ولبس وحده وتوضأ وحده فالأب أحق ~~به. ونقل ابن المنذر: أنه يخير بين أبويه عن أبي حنيفة وأبي ثور. والأول هو ~~مذهب أبي حنيفة الموجود في كتب أصحابه وهو إحدى الروايتين عن مالك؛ فإنه ~~نقل عنه ابن وهب: الأم أحق به حتى # PageV34P112 # يثغر؛ ولكن المشهور عنه أن الأم أحق به ما لم يبلغ. وهذه هي الرواية ~~الثالثة عن أحمد. وأما المشهور عن أحمد وهو تخيير الغلام بين أبويه: فهو ~~مذهب الشافعي وإسحق بن راهويه وموافقته للشافعي وإسحق أكثر من موافقته ~~لغيرهما وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما وكان يثني عليهما ويعظمهما ~~ويرجح أصول مذاهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما. ومذهبه أن ~~أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم والشافعي وإسحق هما عنده من أجل فقهاء ~~الحديث في عصرهما وجمع بينهما بمسجد الخيف فتناظرا في " مسألة إجارة بيوت ~~مكة " والقصة مشهورة وذكر أحمد أن الشافعي علا إسحق بالحجة في موضع وأن ~~إسحق علاه بالحجة في موضع. فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة وإسحق يمنع ~~منهما وكانت الحجة مع الشافعي في جواز بيعها ومع إسحق في المنع من إجارتها. ~~والرواية الثالثة عن أحمد: أن الأم أحق بالغلام مطلقا كمذهب مالك أخذت من ~~قوله في رواية حنبل: في الرجل يطلق امرأته ms9652 وله منها أولاد صغار فالأم أعطف ~~عليهم مقدار ما يعقلون الأدب فتكون الأم بهم أحق ما لم تتزوج فإذا تزوجت ~~فالأب أحق بولده: غلاما كان أو جارية. قال الشيخ أبو البركات. فهذه الرواية ~~تدل على أنه إذا كبر وصار يعقل الأدب # PageV34P113 # فإنه يكون مقره أيضا عند الأم؛ لكن في وقت الأدب وهو النهار يكون عند ~~الأب وهذه المدونة مذهب مالك بعينه الذي حكيناه. فصار في المسألة ثلاث ~~روايات. ومذهب مالك في " التهذيب " أن الأم أحق به ما لم يبلغ والأب ~~يتعاهده عندها وأدبه وبعثه إلى المكتب ولا يبيت إلا عند الأم. قلت: وحنبل ~~وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل المدينة كما ~~كان يسأله إسحق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره وكما كان يسأله ~~الميموني عن مسائل الأوزاعي وكما كان يسأله إسماعيل في سعيد الشالنجي عن ~~مسائل أبي حنيفة وأصحابه؛ فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي حنيفة واجتهد في ~~مسائل كثيرة رجح فيها مذهب أهل الحديث وسأل عن تلك المسائل أحمد وغيره ~~وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام مسجد دمشق. وأما " حضانة البنت " ~~إذا صارت مميزة فوجدنا عنه روايتين منصوصتين وقد نقلهما غير واحد من أصحابه ~~كأبي عبد الله بن تيمية وغيره. " إحداهما " أن الأب أحق بها كما هو موجود ~~في الكتب المعروفة في مذهبه. و " الثانية " أن الأم أحق بها. قال في رواية ~~إسحق بن منصور يقضي بالجارية للأم والخالة حتى إذا احتاجت إلى التزويج ~~فالأب أحق بها # PageV34P114 # وقال في رواية مهنا بن يحيى: إن الأم والجدة أحق بالجارية حتى تتزوج. قال ~~أبو عبد الله في " ترغيب القاصد " وإن كانت جارية فالأب أحق بها بغير ~~تخيير. وعنه: الأم أحق بها حتى تحيض. وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب ~~مالك وأبي حنيفة. ففي " المدونة " مذهب مالك: أن الأم أحق بالولد ما لم ~~يبلغ سواء كان ذكرا أو أنثى فإذا بلغ وهو أنثى نظرت فإذا كانت الأم في حوز ~~ومنعة وتحصن فهي أحق بها ms9653 أبدا ما لم تنكح وإن بلغت أربعين سنة؛ وإن لم تكن ~~في منع وحرز وتحصن أو كانت غير مرضية في نفسها فللأب أخذها منها والوصي ~~وكذلك الأولياء والوصي كالأب في ذلك إذا أخذ إلى أمانة وتحصن. ومذهب الليث ~~بن سعد نحو ذلك قال: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ إلا أن تكون الأم غير ~~مرضية في نفسها وأدبها لولدها أخذت منها إذا بلغت؛ إلا أن تكون صغيرة لا ~~يخاف عليها وقال أبو حنيفة: الأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض ومن سوى ~~الأم والجدة أحق بها حتى تبلغ حدا تشتهى ولفظ الطحاوي: حتى تستغني كما في ~~الغلام مطلقا. وأما " التخيير في الجارية " فهو قول الشافعي ولم أجده ~~منقولا لا عن أحمد ولا عن إسحاق كما نقل عنهما التخيير في الغلام؛ ولكن نقل ~~عن الحسن بن صالح بن حيي: أنها تخير إذا كانت كاعبا والتخيير في الغلام. ~~ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق للحديث الوارد # PageV34P115 # في ذلك حيث {خير النبي صلى الله عليه وسلم غلاما بين أبويه} " وهي قضية ~~معينة ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا. والحديث الوارد في تخيير ~~الجارية ضعيف مخالف لإجماعهم و ### | الفرق بين تخيير الغلام والجارية # أن هذا التخيير تخيير شهوة وتخيير رأي ومصلحة؛ كتخيير من يتصرف لغيره ~~كالإمام والولي؛ فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن ~~والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون مصيبا في اجتهاده حاكما بحكم ~~الله ويكون له أجران؛ وقد لا يصيبه فيثاب كل استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه ~~عن معرفة المصلحة كالذي ينزل أهل حصن على حكمه كما {نزل بنوا قريظة على حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما سأله فيهم بنو عبد الأشهل قال: ألا ترضون أن ~~أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ فرضوا بذلك وطمع من كان يحب استبقاءهم أن ~~سعدا يحابيهم؛ لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من الموالاة فلما أتى سعد ~~حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم. وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم فقال النبي ms9654 صلى ~~الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات} وهذا يقتضي أنه ~~لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر. وإن كان لا بد من ~~إنفاذه. ومثل ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه: ~~{وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على # PageV34P116 # حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم: ولكن أنزلهم على حكمك وحكم ~~أصحابك} . ولهذا قال الفقهاء: إنه إذا حاصر الإمام حصنا فنزلوا على حكم ~~حاكم جاز؛ إذا كان رجلا حرا مسلما عدلا من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد ولا ~~يحكم إلا بما فيه حظ الإسلام: من قتل أو رق أو فداء. وتنازعوا فيما إذا حكم ~~بالمن فأباه الإمام: هل يلزم حكمه أو لا يلزم؟ أو يفرق بين المقاتلة ~~والذرية؟ على ثلاثة أقوال. وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لا حظ ~~فيه للمسلمين. و " المقصود " أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه ~~هو تخيير رأي ومصلحة يطلب أي الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله كما ينظر ~~المجتهد في أدلة المسائل فأي الدليلين كان أرجح اتبعه؛ ولكن معنى قولنا " ~~تخيير " أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت؛ بل قد يتعين فعل ~~هذا تارة وهذا تارة. وقوله في القرآن: {فإما منا بعد وإما فداء} يقتضي فعل ~~أحد الأمرين؛ وذلك لا يمنع تغيير هذا في حال وهذا في حال كما في قوله: {هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا} فتربص أحد الأمرين لا يمتنع بعينه إذا كان الجهاد فرضا علينا ~~بعض الأوقات فحينئذ يصيبه الله بعذاب بأيدينا كما في قوله: {قاتلوهم يعذبهم ~~الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} {ويذهب غيظ ~~قلوبهم} # PageV34P117 # ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ms9655 أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} لا يقتضي أن الإمام يخير تخيير ~~مشيئة. ففعل هذه الأربع مسائل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال وهذا ~~في حال. ثم أكثرهم يقولون: تلك الأحوال مضبوطة بالنص فإن قتلوا تعين قتلهم ~~وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف كما هو مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وروي في ذلك حديث مرفوع. ومنهم من يقول: التعيين ~~باجتهاد الإمام كقول مالك فإذا رأى أن القتل هو المصلحة قتل؛ وإن لم يكن قد ~~قتل. ومن هذا الباب ### | " تخيير الإمام في الأرض المفتوحة عنوة " بين جعلها فيئا وبين جعلها غنيمة # كما هو قول الأكثرين: كأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وأحمد في المشهور ~~عنه؛ فإنهم قالوا: إن رأى المصلحة جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين كما قسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وإن رأى أن لا يقسمها جاز كما لم يقسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مكة مع أنه فتحها عنوة. شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة؛ ~~والسيرة المستفيضة وكما قاله جمهور العلماء ولأن خلفاءه بعده - أبو بكر ~~وعمر وعثمان - فتحوا ما فتحوا من أرض العرب والروم وفارس: كالعراق؛ والشام ~~ومصر؛ وخراسان ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين ~~الغانمين؛ لا السواد ولا غير السواد بل جعل العقار فيئا للمسلمين داخلا في ~~قوله: {ما أفاء الله على رسوله # PageV34P118 # من أهل القرى فلله وللرسول} الآية؛ ولم يستأذنوا في ذلك الغانمين؛ بل طلب ~~كثير من الغانمين قسم العقار فلم يجيبوهم إلى ذلك كما طلب بلال من عمر أن ~~يقسم أرض الشام وطلب منه الزبير أن يقسم أرض مصر فلم يجيبوهم إلى ذلك ولم ~~يستطب أحد من الخلفاء أحدا من الغانمين في ذلك. وهذا مما احتج به من جعل ~~الأرض فيئا بنفس الفتح ومن ذلك نص مذهبه كإسماعيل بن إسحاق وقالوا الأرض ~~ليست داخلة في الغنيمة؛ فإن الله حرم على بني إسرائيل المغانم وملكهم ~~العقار؛ فعلم أنه ليس في المغانم. ms9656 وهذا القول هو الذي يذكر رواية عن أحمد؛ ~~كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعي: إنه يجب قسم العقار والمنقول؛ لأن ~~الجميع مغنوم وقال الشافعي: إن مكة لم تفتح عنوة؛ بل صلحا فلا يكون علي ~~منها حجة. ومن حكى عنه أنه قال: إنها فتحت عنوة - كصاحب " الوسيط " وغيره - ~~فقد غلط عليه؛ وقال: لأن السواد لا أدري ما أقول فيه إلا أن أظن فيه ظنا ~~مقرونا بعلم وظن أن عمر استطاب الغانمين كما روى قيس بن حارثة. وبسط هذا له ~~موضع آخر. وقول الجمهور أعدل الأقاويل وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول وهم ~~الذين قالوا: نخير الإمام بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة؛ لا تخيير شهوة ~~ومشيئة وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية: كناظر ~~الوقف ووصي اليتيم والوكيل المطلق لا يخيرون تخيير. مشيئة وشهوة؛ بل تخيير ~~اجتهاد ونظر وطلب الجواز الأصلح: كالرجل المبتلى # PageV34P119 # بعدوين وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما فيبتدئ بماله أنفع: كالإمام في ~~تولية من يوليه من ولاة الحرب والحكم والمال: يختار الأصلح فالأصلح ~~للمسلمين " فمن ولى رجلا على عصابة وهو يجد فيهم من هو أرضى لله منه فقد ~~خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين ". وهذا بخلاف من خير بين شيئين فله أن ~~يفعل أيهما شاء: كالمكفر إذا خير بين الإطعام والكسوة والعتق؛ فإنه وإن كان ~~أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل المفضول. وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح ~~وبين الغسل؛ وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول ~~الوقت وآخره؛ وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك تخيير الآكل والشارب بين أنواع ~~الأطعمة والأشربة المباحة؛ وإن كان نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى ~~إذا تعين المأكول وجب أكله وإن كان ميتة فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه ~~أكلها في المشهور عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم. وفي ### | " كفارة المجامع في رمضان " هل هي على التخيير؟ أو على الترتيب؟ # فيها قولان هما روايتان عن أحمد والأكثرون على أنها على الترتيب؛ لكن ~~الترتيب ms9657 فيها ثبت بحكاية المجامع؛ لا بلفظ عام؛ فلهذا أقدم بعض العلماء على ~~أن ألزم بعض الملوك بالصوم عينا وأن الترتيب فيها ليس شرعا عاما؛ بل هو من ~~باب تنقيح المناط وقدم العتق في حق من يكون عنده أصعب من الصيام: كالأعراب. ~~وأما من كان العتق أسهل عليه فلا يجب تقديمه. # PageV34P120 # وكذلك " تخيير الحاج " بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين ~~يخيرون بين الثلاثة وتخيير المسافرين بين الفطر والصوم عند الجمهور. وأما ~~من يقول: لا يجوز أن يحج إلا متمتعا أو أنه يتعين الفطر في السفر - كما ~~تقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة - فلا يجئ هذا على ~~أصلهم. وكذلك " القصر " عند الجمهور الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلي إلا ~~ركعتين ليس له أن يصلي أربعا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في ~~السفر قط إلا ركعتين ولا أحد من أصحابه في حياته. وحديث عائشة الذي فيه ~~أنها صلت في حياته السفر أربعا كذب عند حذاق أهل العلم بالحديث. كما قد بسط ~~في موضعه. إذ المقصود هنا أن ### | " التخيير في الشرع نوعان " # فمن خير فيما يفعله لغيره بولايته عليه وبوكالة مطلقة: لم يبح له فيها ~~فعل ما شاء؛ بل عليه أن يختار الأصلح وأما من تصرف لنفسه: فتارة يأمره ~~الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده كما يأمر المجتهد بطلب أقوى ~~الأقاويل وأصلح الأحكام في نفس الأمر. وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع ~~التي خير بينها كما تقدم. هذا إذا كان مكلفا. وأما " الصبي المميز " يخير ~~تخيير شهوة حيثما كان كل من الأبوين نطير الآخر؛ ولم يضبط في حقه حكم عام ~~للأب أو للأم فلا يمكن أن يقال: # PageV34P121 # كل أب فهو أصلح للمميز من الأم ولا كل أم هي أصلح له من الأب؛ بل قد يكون ~~بعض الآباء أصلح وبعض الأمهات أصلح. وقد يكون الأب أصلح في حال والأم أصلح ~~في حال. فلم يمكن أن يعين أحدهما في هذا؛ بخلاف الصغير فإن الأم أصلح له من ms9658 ~~الأب؛ لأن النساء أرفق بالصغير وأخبر بتغذيته وحمله وأصبر على ذلك وأرحم ~~به: فهي أقدر. وأخبر وأرحم وأصبر: في هذا الموضع فعينت الأم في حق الطفل ~~غير المميز بالشرع. ولكن يبقى " تنقيح المناط ": هل عينهن الشارع؛ لكون ~~قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة؟ أو لكون النساء أقوم بمقصود ~~الحضانة من الرجال فقط؟ وهذا فيه قولان للعلماء. يظهر أمرهما في تقديم نساء ~~العصبة على أقارب الأم: مثل أم الأم وأم الأب. والأخت من الأم والأخت من ~~الأب. ومثل العمة والخالة ونحو ذلك. هذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد ~~وأرجح القولين في الحجة تقديم نساء العصبة وهو الذي ذكره الخرقي في " ~~مختصره " في العمة والخالة. وعلى هذا أم الأب مقدمة على أم الأم. والأخت من ~~الأب مقدمة على الأخت من الأم. والعمة مقدمة على الخالة كما تقدم. وأقارب ~~الأب من الرجال على أقارب الأم والأخ للأب أولى من الأخ للأم والعم أولى من ~~الخال؛ بل قد قيل: إنه لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال والحضانة # PageV34P122 # لا تثبت إلا لرجل من العصبة أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو وراث فإن ~~عدموا فالحاكم. وعلى الوجه الثاني فلا حضانة للرجال من أقارب الأم. وهذان ~~الوجهان في مذهب الشافعي وأحمد. فلو كانت جهات الأقربة راجحة لترجح رجالها ~~ونساؤها فلما لم يترجح رجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها أيضا؛ لأن مجمع أصول ~~الشرع إنما يقدم أقارب الأب في الميراث والعقد والنفقة وولاية الموت والمال ~~وغير ذلك ولم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام فمن قدمهن في ~~الحضانة فقد خالف أصول الشريعة ولكن قدم الأم لأنها امرأة؛ وجنس النساء في ~~الحضانة مقدمات على الرجال. وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد كما ~~قدم الأم على الأب وتقديم أخواته على إخوته وعماته على أعمامه وخالاته على ~~أخواله. هذا هو القياس والاعتبار الصحيح. وأما تقديم جنس نساء الأم على ~~نساء الأب فمخالف للأصول والعقول ولهذا كان من قال هذا موضع يتناقض ولا ~~يطرد أصله؛ ms9659 ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة ~~حتى توجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا ~~الجنس. فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب؛ كأحد القولين من مذهب أحمد وهو ~~عند مالك والشافعي وأبي حنيفة. ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على ~~الأخت # PageV34P123 # من الأم ويقدم الخالة على العمة كقول الشافعي في الجديد وطائفة من أصحاب ~~أحمد. وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمة على العمات؛ لكونهن من جهة الأم. ~~ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات: من كانت لأبوين أولى ثم من كانت ~~لأب؛ ثم من كانت لأم. وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع؛ لكن إذا ضم ~~هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم ظهر التناقض. وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات ~~الأب والجد على الخالات والأخوات للأم وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض ~~هذا الأصل ولهذا لا يوافق القول الآخر أن الخالة والأخت للأم أولى من أم ~~الأب؛ كقول الشافعي في القديم؛ وهذا أطرد لأصلهم؛ لكنه في غاية المناقضة ~~لأصول الشرع. " وطائفة أخرى " طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على ~~من كانت لأب؛ لقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج. وبالغ بعض هؤلاء في طرد ~~قياسه حتى قدم الخالة على الأخت من الأب لقول زفر ورواية عن أبي حنيفة ~~ووافقها ابن سريج؟ ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت من الأب رواه عن ~~أبي حنيفة وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه حتى قال: إن الخالة أولى من ~~الجدة أم الأب. ويروون عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر؛ فإنكم ~~إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام. وكان يقول: من القياس # PageV34P124 # قياس أقبح من البول في المسجد. وزفر كان معروفا بالإمعان في طرد قياسه ~~إلى الأصل الثابت في الذي قاس عليه ومن علة الحكم في الأصل " وهو جواب سؤال ~~المطالبة ". فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه. كما أن زفر اعتقد أن النكاح ~~إلى ms9660 أجل يبطل فيه التوقيت ويصح النكاح لازما. وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب ~~أحمد فكان مضمون هذا القول: أن نكاح المتعة يصح لازما غير موقت وهو خلاف ~~المنصوص وخلاف إجماع السلف. والأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن ~~لمن بعدهم إحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول ~~عن الصواب؛ وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنها باطلة أو تصح مؤجلة. ~~فالقول بلزومها مطلق خلاف الإجماع: وسبب هذا القول اعتقادهم أن كل شرط فاسد ~~في النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازما مع إبطال شرط التحليل. وأمثال ~~ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج} " فدل النص على أن ~~الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع؛ فإذا كانت ~~الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها؛ بل إما أن يبطل العقد وإما ~~أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط فكيف بالمشروط في ~~النكاح: وأصل " عمدتهم " كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق كما ثبت بالكتاب ~~والسنة والإجماع فقاسوا الذي يشرط فيه نفي المهر # PageV34P125 # على النكاح الذي لم يزل تقدير الصداق فيه كما فعل أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي وأكثر متأخري أصحاب أحمد. ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح " نكاح ~~الشغار " بناء على أنه لا يوجب إشغاره عن المهر. وأما الشافعي ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بين الشغار وغيره؛ لأن فيه تشريكا في البضع أو ~~تعليق العقد أو غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع. وبين فيه أن كل هذه ~~فروق غير مؤثرة. وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو المنصوص عن ~~أحمد في عامة أجوبته؛ وعامة أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفساده بشرط ~~إشغار النكاح عن المهر وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر ~~فاسد فإن الله فرض فيه المهر؛ فلم يحل ms9661 لغير الرسول النكاح بلا مهر. فمن ~~تزوج بشرط أنه لا يجب مهر فلم. يعتبر الذي أذن الله؛ فإن الله إنما أباح ~~العقد لمن يبتغي بماله محصنا غير مسافح كما قال تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} فمن طلب النكاح بلا مهر فلم ~~يفعل ما أحل الله وهذا بخلاف من اعتقد أنه لا بد من مهر؛ لكن لم يقدره كما ~~قال تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة} فهذا نكاح المهر المعروف وهو مهر المثل. # PageV34P126 # وهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع؛ فإن البيع بثمن المثل وهو السعر أو ~~الإجارة بثمن المثل: لا يصح. وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه ~~الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في البيع. وأما الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: يجب أجرة المثل في ما جرت العادة فيه ومثل ذلك ~~كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكرا أو يسكن في خان أو حجرة عادتها ~~بذلك أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة أو بناية إلى من ~~يعمل بالأجرة أو ركب دابة مكاري يكاري بالأجرة أو سفينة ملاح يركب بالأجرة ~~فإن هذه إجارة عند جمهور العلماء ويجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك. ~~فهذه إجارة عن المثل وكذلك إذا ابتاع طعاما مثل ما ينقطع به السعر أو بسعر ~~ما يبيعون الناس أو بما اشتراه من بلده أو برقمه: فهذا يجوز في أحد القولين ~~في مذهب أحمد وغيره. وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير هذا ~~الموضوع؛ وإن كثيرا من متأخري أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا القول بفساد هذه ~~العقود لقول الشافعي وغيره. وبسط هذه المسائل له موضع آخر. والمقصود هنا ~~كان " مسائل الحضانة " وإن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم ~~لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة وفساد اللازم ~~يستلزم فساد الملزوم؛ بل الصواب بلا ريب أنها # PageV34P127 # قدمت ms9662 لكونها امرأة فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل. فتقدم الأم ~~على الأب والجدة على الجد والأخت على الأخ والخالة على الخال والعمة على ~~العم. وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا بسطه في موضع آخر. إذ ~~المقصود هنا ذكر مسألة الصغير المميز والفرق بين الصبي والصبية فتخيير ~~الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له ولهذا كان تعيين ~~الأب كما قاله أبو حنيفة وأحمد. . . (1) الأم كما قاله مالك وأحمد في رواية ~~والتخيير تخيير شهوة؛ ولهذا قالوا: إذا اختار الأب مدة ثم اختار الأم فله ~~ذلك حتى قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه وكذلك إن اختار ~~أبدا. وهذا هو قول القائلين بالتخيير: الحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن ~~حنبل. وقالوا: إذا اختار الأم كان عندها ليلا وأما بالنهار فيكون عند الأب؛ ~~ليعلمه ويؤدبه. هذا هو مذهب الشافعي وأحمد. كذلك قال مالك وهو يقول يكون ~~عندها بلا تخيير والأب يتعاهده عندها وأدبه وبعثه للمكتب ولا يبيت إلا عند ~~الأم. قال أصحاب الشافعي وأحمد: إن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارا ولم ~~يمنع من زيارة أمه ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل. فأما " البنت " إذا ~~خيرت: فكانت عند الأم تارة وعند الأب تارة. أفضى ذلك إلى كثرة بروزها ~~وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان PageV34P128 # ولا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها. وقد عرف بالعادة أن ~~ما يتناوب الناس على حفظه ضاع ومن الأمثال السائرة " لا يصلح القدر بين ~~طباخين ". " وأيضا " فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة ~~فلا يبقى الأب تام الرغبة ولا الأم تامة الرغبة في حفظها وليس الذكر ~~كالأنثى كما قالت امرأة عمران: {رب إني نذرت لك ما في بطني} {وإني وضعتها ~~أنثى} {وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم} {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب} - إلى قوله - {وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم ms9663 يكفل مريم} فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى ~~أسرعوا إلى كفالتها فكيف غيرها من النساء وهذا أمر معروف بالتجربة أن ~~المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة ما لا يحتاج إليه الصبي وكل ما كان أستر ~~لها وأصون كان أصلح لها. ولهذا كان لباسها المشروع لباسا يسترها ولعن من ~~يلبس لباس الرجال وقال لأم سلمة في عصابتها {: لية لا ليتين} " رواه أبو ~~داود وغيره وقال في الحديث الصحيح. " {صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما ~~بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا ~~يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها ~~عباد الله} . # PageV34P129 # و " أيضا " يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها ~~وتتربع ولا تفترش وفي الإحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها وأن ~~لا ترقى فوق الصفا والمروة. كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونهيت أن تسافر ~~إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها. ~~فكيف إذا كانت صغيرة مميزة وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها وهي قابلة ~~للانخداع وفي الحديث {النساء لحم على وظم إلا ما ذب عنه.} فهذا قياس أن مثل ~~هذه الصفة المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها وترددها بين الأبوين ~~مما يخل بذلك من جهة أنها هي لا يجتمع قلبها على مكان معين ولا يجتمع قلب ~~أحد الأبوين على حفظها. ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة ~~يخل بكمال حفظها وهو ذريعة إلى ظهورها وبروزها فكان الأصلح لها أن تجعل عند ~~أحد الأبوين مطلقا لا تمكن من التخيير كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين: ~~مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. وليس في تخييرها نص ولا قياس صحيح والفرق ~~ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن؛ لا سيما والذكر محبوب مرغوب والبنت مزهود ~~فيها. فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه فكيف مع زهدها فيه فالأصلح ~~لها لزوم أحدهما؛ لا التردد بينهما. ثم هناك ms9664 يحصل الاجتهاد في تعيين ~~أحدهما: فمن عين الأم كمالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين لا بد أن ~~يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها ولهذا قالوا ما ذكره مالك والليث وغيرهما: ~~إذا لم تكن الأم في موضع حرز # PageV34P130 # وتحصين أو كانت غير مرضية: فللأب أخذها منها. وهذا هو الذي راعاه أحمد في ~~الراوية المشهورة عن أصحابه؛ فإنه إذا كان لا بد من رعاية حفظها وصيانتها ~~وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلا ريب فالأب أقدر على ~~حفظها وصيانتها وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد والأب له من الهيبة ~~والحرمة ما ليس للأم. وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ~~ذلك حرز فلو قدر أن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها أو مهمل لحفظها وصيانتها ~~فإنه يقدم الأم في هذه الحالة. فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا ~~حصل به مصلحتها أو اندفعت به مفسدتها. فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما ~~فالآخر أولى بها بلا ريب حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما ~~نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته. فلو قدرنا أن الأب ديوث لا يصونه ~~والأم تصونه: لم نلتفت إلى اختيار الصبي فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما ~~لكونه يوافق هواه الفاسد ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار وترك ما ~~ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة فيختار من أبويه من يحصل له معه ما ~~يهواه والآخر قد يرده ويصلحه ومتى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من ~~يفسد معه حاله والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {مروهم بالصلاة لسبع ~~واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع} " فمتى كان أحد الأبوين ~~يأمره بذلك والآخر # PageV34P131 # لا يأمره كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع ~~لله ورسوله في تربيته والآخر عاص لله ورسوله؛ فلا نقدم من يعصي الله فيه ~~على من يطيع الله فيه؛ بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما ms9665 أمر الله به ~~ورسوله ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب أو يفعل معه ~~الحرام: قدم من يفعل الواجب ولو اختار الصبي غيره؛ بل ذلك العاصي لا ولاية ~~له عليه بحال؛ بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له عليه؛ بل ~~إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن نضم إليه من يقوم ~~معه بالواجب. فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله ~~في حقه ومع حصوله عند الآخر تحصل: قدم الأول قطعا. وليس هذا الحق من جنس ~~الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاية إن كان الوارث حاجزا أو عاجزا. ~~بل هو من جنس " الولاية " ولاية النكاح والمال التي لا بد فيها من القدرة ~~على الواجب وفعله بحسب الإمكان. وإذا قدر أن الأب تزوج ضرة وهي تترك عند ~~ضرة أمها لا تعمل مصلحتها بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها وأمها تعمل مصلحتها ~~ولا تؤذيها فالحضانة هنا للأم. ولو قدر أن التخيير مشروع وأنها اختارت الأم ~~فكيف إذا لم يكن كذلك. ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام في ~~تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا. والعلماء متفقون على ~~أنه لا يتعين أحدهما مطلقا؛ بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك ~~على البر العادل المحسن القائم بالواجب. والله أعلم. # PageV34P132 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له ولد كبير فسافر مع كرائم أمواله في البحر المالح وله آخر مراهق ~~من أم أخرى مطلقة منه ولها أب وأم؛ والولد عندهم مقيم فأراد والده أخذه ~~وتسفيره صحبة أخيه بغير رضا الوالدة وغير رضا الولد: فهل له ذلك؟ # فأجاب: # يخير الولد بين أبويه؛ فإن اختار المقام عند أمه وهي غير مزوجة كان عندها ~~ولم يكن للأب تسفيره؛ لكن يكون عند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه وعند أمه ~~ليلا. وإن اختار أن يكون عند الأب كان عنده. وإذا كان عند الأب ورأى من ~~المصلحة له تسفيره ولم يكن ms9666 في ذلك ضرر على الولد فله ذلك. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج بامرأة ومعها بنت وتوفيت الزوجة وبقيت البنت عنده رباها؛ وقد ~~تعرض بعض الجند لأخذها: فهل يجوز ذلك. # الجواب: # ليس للجند عليها ولاية بمجرد ذلك. فإذا لم يكن لها من يستحق الحضانة ~~بالنسب فمن كان أصلح لها حضنها وزوج أمها محرم لها. وأما الجند فليس محرما ~~لها: فإذا كان يحضنها حضانة تصلحها لم تنقل من عنده لأجنبي لا يحل له النظر ~~إليها والخلوة بها. # PageV34P133 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ### | فصل: # إذا كان الابن في حضانة أمه فأنفقت عليه تنوي بذلك الرجوع على الأب # فلها أن ترجع على الأب في أظهر قولي العلماء وهو مذهب مالك وأحمد في ظاهر ~~مذهبه الذي عليه قدماء أصحابه فإن من أصلهما أن من أدى عن غيره واجبا رجع ~~عليه وإن فعله بغير إذن: مثل أن يقضي دينه أو ينفق على عبده أو يخشى أن ~~يقتله العدو؛ وقد قال تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فأمر بإيتاء ~~الأجر بمجرد الإرضاع؛ ولم يشترط عقدا ولا إذنا. فإن تبرعت بذلك لم يكن لها ~~أن ترجع. فإذا شرط عليها أنها إن سافرت بالبنت لم يكن لها نفقة ورضيت بذلك ~~فسافرت بها لم يكن لها نفقة؛ ولو نوت الرجوع؛ لأنها ظالمة متعدية بالسفر ~~بها؛ فإنه ليس لها أن تسافر به بغير إذن أبيها وهو لم يأذن لها في السفر ~~إلا إذا كانت متبرعة بالنفقة؛ فمتى سافرت وطلبت الرجوع بالنفقة لم يكن لها ~~ذلك. والله أعلم. # PageV34P134 ### | باب الجنايات # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن القصاص # فأجاب: # القصاص ثابت بين المسلمين باتفاق الأمة يقتص للهاشمي المسلم من الحبشي ~~المسلم وللحبشي المسلم من الهاشمي المسلم: في الدماء والأموال والأعراض ~~وغير ذلك. بحيث يجوز القصاص في الأعراض يجوز للرجل أن يقتص. فإذا قال له ~~الهاشمي: يا كلب قال له يا كلب وإذا قال: لعنك الله. قال له: لعنك الله. ~~ويجوز ذلك. وهذا من معنى قوله تعالى {ولمن انتصر بعد ms9667 ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل} {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم} {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} . ولو كذب ~~عليه لم يكن له أن يكذب عليه. وكذلك من سب أبا رجل فليس له أن يسب أباه ~~سواء كان هاشميا أو غير هاشمي؛ فإن أبا الساب # PageV34P135 # لم يظلمه؛ وإنما ظلمه الساب {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . ولكن إن سب مسلم ~~أبا مسلم فإنه يعزر على ذلك. فالهاشمي إذا سب أبا مسلم عزر الهاشمي على ~~ذلك. ومن سب أبا هاشمي عزر على ذلك ولا يجعل ذلك سبا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولو سب أباه وجده لم يحمل على النبي صلى الله عليه وسلم فإن اللفظ ليس ~~ظاهرا في ذلك؛ إذ الجد المطلق: هو أبو الأب. وإذا سمي العبد جدا فأجداده ~~كثيرة فلا يتعين واحد؛ وسب النبي صلى الله عليه وسلم كفر يوجب القتل فلا ~~يزول الإيمان المتعين بالشك ولا يباح الدم المعصوم بالشك؛ لا سيما والغالب ~~من حال المسلم هو أن لا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم فلا لفظه ولا حاله ~~يقتضي ذلك ولا يقبل عليه قول من ادعى أنه قصد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بلا حجة. والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام: # عن حكم قتل المتعمد وما هو: هل إن قتله على مال؟ أو حقد؟ أو على أي شي ~~يكون قتل المتعمد؟ وقال قائل: إن كان على مال فما هو هذا أو على حقد؛ أو ~~على دين: فما هو متعمد. فقال القائل: فالمتعمد؟ قال: إذا قتله على دين ~~الإسلام لا يكون مسلما # PageV34P136 # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا قتله على دين الإسلام: مثل ما يقاتل النصراني ~~المسلمين على دينهم: فهذا كافر شر من الكافر المعاهد فإن هذا كافر محارب ~~بمنزلة الكفار الذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهؤلاء ~~مخلدون في جهنم كتخليد غيرهم من الكفار وأما إذا قتله قتلا محرما؛ لعداوة ~~أو مال أو خصومة ونحو ms9668 ذلك فهذا من الكبائر؛ ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل ~~السنة والجماعة وإنما يكفر بمثل هذا الخوارج؛ ولا يخلد في النار من أهل ~~التوحيد أحد عند أهل السنة والجماعة؛ خلافا للمعتزلة الذين يقولون بتخليد ~~فساق الملة. وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} . وجوابهم: على ~~أنها محمولة على المتعمد لقتله على إيمانه. وأكثر الناس لم يحملوها على ~~هذا؛ بل قالوا: هذا وعيد مطلق قد فسره قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي ذلك حكاية عن بعض أهل السنة أنه كان في ~~مجلس فيه عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة فقال عمرو: يؤتى بي يوم القيامة فيقال ~~لي: يا عمروا من أين قلت. إني لا أغفر لقاتل؟ فأقول: أنت يا رب قلت: {ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} . قال: فقلت له: فإن قال لك: ~~فإني قلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فمن أين ~~علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ فسكت عمرو بن عبيد # PageV34P137 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن القاتل عمدا أو خطأ: هل يدفع الكفارة المذكورة في القرآن {فصيام شهرين ~~متتابعين} ؟ أو يطالب بدية القتل؟ # فأجاب: # " قتل الخطأ " لا يجب فيه إلا الدية والكفارة ولا إثم فيه. وأما القاتل ~~عمدا فعليه الإثم فإذا عفى عنه أولياء المقتول أو أخذوا الدية: لم يسقط ~~بذلك حق المقتول في الآخرة. وإذا قتلوه ففيه نزاع في مذهب أحمد. والأظهر أن ~~لا يسقط؛ لكن القاتل إذا كثرت حسناته أخذ منه بعضها ما يرضى به المقتول أو ~~يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحا. وقاتل الخطأ تجب عليه الدية ~~بنص القرآن واتفاق الأمة والدية تجب للمسلم والمعاهد كما قد دل عليه القرآن ~~وهو قول السلف والأئمة؛ ولا يعرف فيه خلاف متقدم؛ لكن بعض متأخري الظاهرية ~~زعم أنه الذي لا دية له. # PageV34P138 # وأما ms9669 " القاتل عمدا " ففيه القود فإن اصطلحوا على الدية. جاز ذلك بالنص ~~والإجماع فكانت الدية من مال القاتل؛ بخلاف الخطأ فإن ديته على عاقلته. ~~وأما " الكفارة " فجمهور العلماء يقولون: قتل العمد أعظم من أن يكفر كذلك ~~قالوا في اليمين الغموس. هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه ~~كما اتفقوا كلهم على أن الزنى أعظم من أن يكفر؛ فإنما وجبت الكفارة بوطء ~~المظاهر والوطء في رمضان. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: بل تجب ~~الكفارة في العمد واليمين الغموس. واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد ~~الكفارة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن جماعة اشتركوا في قتل رجل وله ورثة صغار وكبار: فهل لأولاده الكبار أن ~~يقتلوهم؛ أم لا؟ وإذا وافق ولي الصغار - الحاكم أو غيره - على القتل مع ~~الكبار: فهل يقتلون أم لا؟ # فأجاب: # إذا اشتركوا في قتله وجب القود على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة وللورثة ~~أن يقتلوا ولهم أن يعفوا. فإذا اتفق الكبار من الورثة على # PageV34P139 # قتلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى ~~الروايتين. وكذا إذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار ~~فيقتلون. # وسئل - رحمه الله -: # عن الإنسان يقتل مؤمنا متعمدا أو خطأ وأخذ منه القصاص في الدنيا أولياء ~~المقتول والسلطان: فهل عليه القصاص في الآخرة أم لا؟ وقد قال تعالى: {النفس ~~بالنفس} . # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما القاتل خطأ فلا يؤخذ منه قصاص؛ لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة؛ لكن الواجب في ذلك الكفارة ودية مسلمة إلى أهل القتيل إلا ~~أن يصدقوا. وأما " القاتل عمدا " إذا اقتص منه في الدنيا: فهل للمقتول أن ~~يستوفي حقه في الآخرة؟ فيه قولان في مذهب أحمد وكذلك غيره فيما أظن من ~~يقول: لا حق له عليه؛ لأن الذي عليه استوفي منه في الدنيا. ومنهم من يقول: ~~بل عليه حق؛ فإن حقه لم يسقط بقتل الورثة كما لم يسقط حق الله بذلك؛ وكما ~~لا يسقط حق المظلوم الذي غصب ماله وأعيد إلى ورثته؛ ms9670 بل له أن يطالب الظالم ~~بما حرمه من الانتفاع به في حياته. والله أعلم. # PageV34P140 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قتل رجلا عمدا؛ وللمقتول بنت عمرها خمس سنين وزوجته حامل منه ~~وأبناء عم: فهل يجوز أن يقتص منه قبل بلوغ البنت ووضع الحمل؛ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس لسائر الورثة قبل وضع الحمل أن يقتصوا منه؛ إلا عند مالك ~~فإن عنده للعصبة أن يقتصوا منه قبل ذلك. أما إن وضعت بنتا أو بنتين بحيث ~~يكون لبني العم نصيب من التركة: كان للعصبة أن يقتصوا قبل بلوغ البنات عند ~~أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية؛ ولم يجز لهن القصاص في المشهور عنه؛ وهو ~~قول الشافعي. وهل لولي البنات كالحاكم أن يقوم مقامهن في الاستيفاء والصلح ~~على مال؟ روايتان عن أحمد. " إحداهما " وهو قول جمهور العلماء جواز ذلك. و ~~" الثانية " لا يجوز القصاص؛ كقول الشافعي؛ لكن إذا كانت البنات محاويج هل ~~لوليهن المصالحة على مال لهن؟ فيه خلاف مشهور في مذهب الشافعي. # PageV34P141 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قتله جماعة وكان اثنان حاضران قتله واتفق الجماعة على قتله وقاضي ~~الناحية عاين الضرب فيه ونواب الولاية؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا قامت البينة على من ضربه حتى مات واحدا كان أو أكثر فإن ~~لأولياء الدم أن يقتلوهم كلهم ولهم أن يقتلوا بعضهم. وإن لم تعلم عين ~~القاتل فلأولياء المقتول أن يحلفوا على واحد بعينه أنه قتله ويحكم لهم ~~بالدم والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن جماعة اجتمعوا وتحالفوا على قتل رجل مسلم وقد أخذوا معهم جماعة أخرى ~~ما حضروا تحليفهم وتقدموا إلى الشخص وضربوه بالسيف والدبابيس؛ ورموه في ~~البحر: فهل القصاص عليهم جميعهم أم لا؟ # فأجاب: # إذا اشتركوا في قتل معصوم بحيث أنهم جميعهم باشروا قتله وجب القود عليهم ~~جميعهم؛ وإن كان بعضهم قد باشر وبعضهم قائم يحرس # PageV34P142 # المباشر؛ ويعاونه. ففيها قولان " أحدهما " لا يجب القود إلا على المباشر ~~وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ بحيث أنه لا بد في فعل كل شخص من أن ms9671 ~~يكون صالحا للزهوق. و " الثاني " يجب على الجميع؛ وهو قول مالك. وإن كان ~~قتله لغرض خاص: مثل أن يكون بينهم عداوة أو خصومة أو يكرهونه على فعل لا ~~يبيح قتله: فهنا القود لوارثه: إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية. ~~وإن كان الوارث صغيرا لم يبلغ فلمن له الولاية عليه وإن لم يكن له ولي ~~فالسلطان وليه والحاكم نائبه في أحد القولين للعلماء كمذهب أبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين. وفي القول الثاني لا حتى يبلغ وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد في الرواية الأخرى. # وسئل - رحمه الله -: # عمن اتفق على قتله أولاده وجواره ورجل أجنبي: فما حكم الله فيهم؟ # فأجاب: # إذا اشتركوا في قتله جاز قتلهم جميعهم والأمر في ذلك ليس للمشاركين في ~~قتله؛ بل لغيرهم من ورثته فإن كان له إخوة كانوا هم أولياءه؛ وكانوا أيضا ~~الوارثين لماله؛ فإن القاتل لا يرث المقتول. وليس للسلطان حق لا في دمه ولا ~~في ماله؛ بل الإخوة لهم الخيار: إن شاءوا قتلوا جميع المشتركين في قتله ~~البالغ منهم وإن شاءوا قتلوا بعضهم. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. وأما ~~المباشرون لقتله فيجوز قتلهم باتفاق الأئمة. # PageV34P143 # وأما الذين أعانوا بمثل إدخال الرجل إلى البيت وحفظ الأبواب ونحو ذلك: ~~ففي قتلهم قولان للعلماء ويجوز قتلهم في مذهب مالك وغيره. والممسك يقتل في ~~مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهما ولا ميراث لهما. وإن كان الصغار ~~من أولاده أعانوا أيضا على قتله لم يكن دمه إليهم ولا إلى وليهم؛ بل إلى ~~الإخوة. وأما ميراثهم من ماله ففيه نزاع. والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد ~~أنهم لا يرثون من ماله والصغار يعاقبون بالتأديب ولا يقتلون ومذهب أبي ~~حنيفة ومالك: الصغار يرثون من ماله والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين تضاربا وتخانقا فوقع أحدهما فمات: فما يجب عليه؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا خنقه الخنق الذي يموت به المرء غالبا وجب ~~القود عليه عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة؛ ولو ~~ادعى أن ms9672 هذا لا يقتل غالبا لم يقبل منه بغير حجة. فأما إن كان أحدهما قد ~~غشي عليه بعد الخنق ورفسه الآخر برجله حتى خرج من فمه شيء فمات: فهذا يجب ~~عليه القود بلا ريب فإن هذا قاتل نفسا عمدا؛ فيجب عليه القود؛ إذا كان ~~المقتول يكافئه بأن يكون حرا مسلما فيسلم إلى ورثة المقتول إن شاءوا أن ~~يقتلوه وإن شاءوا عفوا عنه وإن شاءوا أخذوا الدية. # PageV34P144 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه فجرى دمه فقام ~~الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميتا؟ # فأجاب: # يجب القود على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه؛ فإن مثل هذا الفعل قد ~~يقتل غالبا؛ فإن موته بهذا الفعل دليل على أنه فعل به ما يقتل غالبا؛ ~~والفعل الذي يقتل غالبا يجب به القود في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي ~~أبي حنيفة: مثل ما لو ضربه في أنثييه حتى مات فيجب القود ولو خنقه حتى مات ~~وجب القود فكيف إذا اجتمعا؟ وولي المقتول مخير إن شاء قتل وإن شاء أخذ ~~الدية وإن شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئا لنفسه ولا ~~لبيت المال؛ وإنما الحق في ذلك لأولياء المقتول. # وسئل - رحمه الله -: # عمن ضرب رجلا ضربة فمكث زمانا ثم مات والمدة التي مكث فيها كان ضعيفا من ~~الضربة: ما الذي يجب عليه؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا ضربه عدوانا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة ولا ~~قود فيه وهذا إن لم يكن موته من الضربة. والله أعلم. # PageV34P145 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل يهودي قتله مسلم: فهل يقتل به؟ أو ماذا يجب عليه؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا قصاص عليه عند أئمة المسلمين ولا يجوز قتل الذمي بغير حق؛ ~~فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {لا يقتل مسلم ~~بكافر} ". ولكن تجب عليه الدية. فقيل: الدية الواجبة نصف دية المسلم. وقيل: ~~ثلث ديته. وقيل: يفرق بين العمد ms9673 والخطأ فيجب في العمد مثل دية المسلم ويروى ~~ذلك عن عثمان بن عفان: أن مسلما قتل ذميا فغلظ عليه وأوجب عليه كمال الدية. ~~وفي الخطأ نصف الدية. ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم {: أنه جعل ~~دية الذمي نصف دية المسلم} . وعلى كل حال تجب كفارة القتل أيضا وهما عتق ~~رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. # وسئل - رحمه الله -: # عن طائفة تسمى " العشيرة قيس ويمن " يكثر القتل بينهم ولا يبالون به وإذا ~~طلب منهم القاتل أحضروا شخصا غير القاتل يتفقون معه على أن يعترف # PageV34P146 # بالقتل عند ولي الأمر فإذا اعترف جهزوا إلى المتولي من يدعي أنه من قرابة ~~المقتول ويقول: أنا قد أبريت هذا القاتل مما أستحقه عليه ويجعلون ذلك ذريعة ~~إلى سفك الدماء وإقامة الفتن فإذا رأى ولي الأمر وضع دية المقتول الذي لا ~~يعرف قاتله من الطوائف الذين أثبت أسماءهم في الديوان على جميع الطوائف ~~منهم له ذلك أم لا؟ أو رأى وضع ذلك على أهل محلة القاتل كما نقل عن بعض ~~الأئمة رضي الله عنهم؟ أو رأى تعزير هؤلاء العشير عند إظهارهم الفتن وسفك ~~الدماء والفساد بوضع مال عليهم يؤخذ منهم ليكف نفوسهم العادية عن ذلك كله: ~~فهل له ذلك أم لا؟ وهل يثاب على ذلك؟ أفتونا مأجورين. # فأجاب - أيده الله -: # الحمد لله، أما إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل مكان المقتول ~~باتفاق الأئمة. وأما إذا لم يعرف قاتله لا ببينة ولا إقرار: ففي مثل هذا ~~تشرع القسامة. فإذا كان هناك لوث حلف المدعون خمسين يمينا عند الجمهور: ~~مالك والشافعي وأحمد كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القتيل ~~الذي وجد بخيبر فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعى ~~عليهم أولا؛ فإن مذهبه أن اليمين لا تكون إلا في جانب المدعى عليه والجمهور ~~يقولون هي في جنب أقوى المتداعيين. فأما إذا عرف القاتل فإن كان قتله لأخذ ~~مال فهو محارب يقتله الإمام حدا وليس لأحد ms9674 أن يعفو عنه؛ لا أولياء المقتول ~~ولا غيرهم. وإن قتل لأمر خاص فهذا أمره إلى أولياء المقتول فإن شاءوا عفوا ~~عنه. وللإمام في مذهب # PageV34P147 # مالك أن يجلده مائة ويحبسه سنة. فهذا التعزير يحصل المقصود. وعلى هذا ~~فإذا كان أولياء المقتول قد رضوا بقتل صاحبهم فلا أرغم الله إلا بآنافهم. ~~وإذا قيل: توضع الدية في بعض الصور على أهل المكان مع القسامة في الدية ~~لورثة المقتول؛ لا لبيت المال ولم يقل أحد من الأئمة أن دية المقتول لبيت ~~المال. وكذلك لا توضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة. وهؤلاء المعروفون ~~بالفتن والفساد لولي الأمر أن يمسك منهم من عرف بذلك فيحبسه؛ وله أن ينقله ~~إلى أرض أخرى ليكف بذلك عدوانه؛ وله أن يعزر أيضا من ظهر منه الشر ليكف به ~~شره وعدوانه. ففي العقوبات الجارية على سنن العدل والشرع ما يعصم الدماء ~~والأموال ويغني ولاة الأمور عن وضع جبايات تفسد العباد والبلاد. ومن اتهم ~~بقتل وكان معروفا بالفجور فلولي الأمر عند طائفة من العلماء أن يعاقبه ~~تعزيزا على فجوره وتعزيرا له وبهذا وأمثاله يحصل مقصود السياسة العادلة. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن قال: أنا ضاربه والله قاتله؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا يؤاخذ بإقراره ويجب عليه ما يجب على القاتل. وأما قوله: ~~والله قاتله. إن أراد به أن الله قابض روحه أو أن الله هو المميت كل أحد ~~وهو خالق أفعال العباد ونحو ذلك: فهذا لا يندفع عنه موجب القتل بذلك؛ بل ~~يجب عليه ما يجب على القاتل. # PageV34P148 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل راكب فرس مر به دباب ومعه دب فجفل الفرس ورمى راكبه ثم هرب ورمى ~~رجلا فمات؟ # فأجاب: # لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكن الدباب عليه العقوبة. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أخذ له مال فاتهم به رجلا من أهل التهم ذكر ذلك عنده فضربه على ~~تقريره فأقر ثم أنكر. فضربه حتى مات: فما عليه؟ ولم يضربه إلا لأجل ما أخبر ~~عنه بذلك. # فأجاب: ms9675 # عليه أن يعتق رقبة مؤمنة كفارة وتجب دية هذا المقتول؛ إلا أن يصالح ورثته ~~على أقل من ذلك ولو كان قد فعل به فعلا يقتل غالبا بلا حق ولا شبهة لوجب ~~القود ولو كان بحق لم يجب شيء. والله أعلم. # PageV34P149 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل جندي وله إقطاع في بلد الريع وقال في البلد قتيل فقالوا إن الفلاح ~~النصراني الذي هو من الريع هو القاتل فطلب القاتل إلى ولاة الأمور فلم ~~يوجد؛ ومسكوا أخا النصراني المتهم وهو في السجن ومع ذلك يتطلبون الجندي ~~بإحضار النصراني ولم يكن ضامنا؟ # فأجاب: # إذا كان الجندي لا يعلم حال المتهم ولا هو ضامن له لم تجز مطالبته لكن ~~إذا كان مطلوبا بحق وهو يعرف مكانه دل عليه فإن قال: إنه لا يعرف مكانه ~~فالقول قوله. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل عثر على سبعة أنفس فحصل بينهم خصومة؛ فقاموا بأجمعهم ضربوه بحضرة ~~رجلين لا يقربا لهؤلاء ولا لهؤلاء؛ وعايناه إلى أن مات من ضربهم؛ فما يلزم ~~السبعة الذين يساعدون على قتله؟ # PageV34P150 # فأجاب: إذا شهد لأولياء المقتول شاهدان ولم يثبت عدالتهما: فهذا لوث إذا ~~حلف معه المدعون خمسين يمينا - أيمان القسامة - على واحد بعينه حكم لهم ~~بالدم؛ وإن أقسموا على أكثر من واحد ففي القود نزاع. وأما إن ادعوا أن ~~القتل كان خطأ أو شبه عمد مثل أن يضربوه بعصا ضربا لا يقتل مثله غالبا: ~~فهنا إذا ادعوا على الجماعة أنهم اشتركوا في ذلك فدعواهم مقبولة ويستحقون ~~الدية. # وسئل - رحمه الله -: # عما إذا قال المضروب: ما قاتلي إلا فلان: فهل يقبل قوله أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يؤخذ بمجرد قوله بلا نزاع؛ ولكن هل يكون قوله ~~لوثا يحلف معه أولياء المقتول خمسين يمينا ويستحقون دم المحلوف عليه؟ على ~~قولين مذكورين للعلماء: " أحدهما " أنه ليس بلوث وهو مذهب الشافعي وأحمد ~~وأبي حنيفة. و " الثاني " أنه لوث وهو قول مالك. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين شربا؛ وكان معهما رجل آخر فلما أرادوا أن ms9676 يرجعوا إلى بيوتهم ~~تكلما فضرب واحد صاحبه ضربة بالدبوس فوقع عن فرسه فوقف # PageV34P151 # عنده ذلك الرجل الذي معهما حتى ركب فرسه وجاء معه إلى منزله؛ ولم يقف ~~عنده فوقع عن فرسه ثانية ثم إنه أصبح ميتا؛ فسأل رجل من أصحاب الميت ذلك ~~الرجل خفية؛ ولم يعلمه بموته؛ فذكر له قضيتهما فشهد عليه الشهود بأن فلانا ~~ضربه ولم يسمع الشهود من الميت؛ وأن المتهم لم يظهر نفسه خوف العقوبة؛ لكي ~~لا يقر على نفسه وللميت بنت ترضع وإخوة؟ # فأجاب: # إن كان الذي شرب الخمر يعلم ما يقول فهذا إذا قتل فهو قاتل يجب عليه ~~القود وعقوبة قاتل النفس باتفاق العلماء. وأما إن كان قد سكر بحيث لا يعلم ~~ما يقول أو أكثر من ذلك؛ وقتل: فهل يجب عليه القود ويسلم إلى أولياء ~~المقتول ليقتلوه إن شاءوا؟ هذا فيه قولان للعلماء وفيه روايتان عن أحمد؛ ~~لكن أكثر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أصحاب أحمد ~~يوجبون عليه القود؛ كما يوجبونه على الصاحي فإن لم يشهد بالقتل إلا واحد لم ~~يحكم به إلا أن يحلف مع ذلك أولياء المقتول خمسين يمينا؛ وهذا إذا مات ~~بضربه وكان ضربه عدوانا محضا فأما إن مات مع ضرب الآخر: ففي القود نزاع ~~وكذلك إن ضربه دفعا لعدوانه عليه أو ضربه مثل ما ضربه سواء مات بسبب آخر أو ~~غيره. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل واعد آخر على قتل مسلم بمال معين ثم قتله؛ فما يجب عليه في الشرع؟ # PageV34P152 # فأجاب: # نعم، إذا قتله الموعود والحالة هذه وجب القود وأولياء المقتول بالخيار: ~~إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية وإن أحبوا عفوا. وأما الواعد فيجب أن ~~يعاقب عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا. وعند بعضهم يجب عليه القود. # وسئل - رحمه الله -: # عن القاتل ولده عمدا لمن ديته؟ # فأجاب: # وأما الوارث كالأب وغيره إذا قتل مورثه عمدا فإنه لا يرث شيئا من ماله؛ ~~ولا ديته باتفاق الأئمة؛ بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل أبا ms9677 كان أو ~~غيره ويرثها سائر الورثة غير القاتل. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل تخاصم مع شخص فراح إلى بيته فحصل له ضعف فلما قارب الوفاة أشهد كل ~~نفسه أن قاتله فلان فقيل له. كيف قتلك؟ فلم يذكر شيئا. فهل يلزمه شيء أم ~~لا؟ وليس بهذا المريض أثر قتل ولا ضرب أصلا وقد شهد خلق من العدول أنه لم ~~يضربه ولا فعل به شيئا؟ # PageV34P153 # فأجاب: # أما بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإجماع المسلمين؛ بل إنما يجب على ~~المدعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه إما يمين واحدة عند أكثر العلماء: ~~كأبي حنيفة وأحمد. وإما خمسون يمينا: كقول الشافعي. والعلماء قد تنازعوا في ~~الرجل إذا كان به أثر القتل - كجرح أو أثر ضرب - فقال فلان: ضربني عمدا: هل ~~يكون ذلك لوثا؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال ~~مالك: هو لوث فإذا حلف أولياء الدم خمسين يمينا حكم به. ولو كان القتل خطأ ~~فلا قسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك. وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ فكيف ~~وليس به أثر قتل؛ وقد شهد الناس بما شهدوا به: فهذه الصورة ليس فيها قسامة ~~بلا ريب على مذهب الأئمة. # و ### | سئل: # عمن اتهم بقتيل، فهل يضرب ليقر؟ أم لا؟ # فأجاب: # إن كان هناك لوث وهو ما يغلب على الظن أنه قتله جاز لأولياء المقتول أن ~~يحلفوا خمسين يمينا ويستحقون دمه وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلا مع القرائن ~~التي تدل على أنه قتله فإن بعض العلماء جوز تقريره بالضرب في هذه الحال ~~وبعضهم منع من ذلك مطلقا. # PageV34P154 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد وخاصم رجل آخر في غنم ضاعت له ~~وقال: ما يكون عوض هذا إلا رقبتك. ثم وجد هذا مقتولا وأثر الدم أقرب إلى ~~القرية التي منها المتهم وذكر رجل له قتله؟ # فأجاب: # إذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا أن ذلك المخاصم هو الذي قتله حكم لهم ~~بدمه؛ وبراءة من سواه فإنما بينهما من ms9678 العداوة والخصومة والوعيد بالقتل ~~وأثر الدم وغير ذلك لوث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتله فإذا ~~حلفوا مع ذلك أيمان القسامة الشرعية استحقوا دم المتهم وسلم إليهم برمته ~~كما قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الذي قتل بخيبر ولم يجب ~~على أهل البقعة جناية؛ لا في العادة السلطانية ولا في حكم الشريعة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن شخصين اتهما بقتيل فأمسكا وعوقبا العقوبة المؤلمة فأقر أحدهما على ~~نفسه وعلى رفيقه ولم يقر الآخر ولا اعترف بشيء: فهل يقبل قوله أم لا؟ # PageV34P155 # فأجاب: # إن شهد شاهد مقبول على شخص أنه قتله كان لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين ~~يمينا ويستحقوا الدم. وكذلك إن كان هناك لوث يغلب على الظن الصدق؛ وإلا حلف ~~المدعى عليه ولا يؤاخذ بلا حجة. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # من اتهموا بقتيل فضربوهم واعترف واحد منهم بالعقوبة: فهل يسري على ~~الباقي؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن أقر واحد عدل أنه قتله كان لوثا فلأولياء المقتول أن ~~يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا به الدم. وأما إذا أقر مكرها ولم يتبين صدق ~~إقراره: فهنا لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ هو به ولا غيره. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن سفار جاءتهم حرامية فقاتلوهم فقتل الحرامية من السفار رجلا ثم إن ابن ~~عم المقتول اتبع الحرامية هو وناس من قومه فلحقهم وقبضهم وسأل عن القاتل ~~فعين الحرامية شخصا منهم وقالوا: هذا قتل ابن عمك: فقتله؛ ثم بعد ذلك طلع ~~القاتل أخا ذلك الشخص الذي عينه الحرامية؟ # PageV34P156 # فأجاب: # أما المسافر المقتول ظلما فيجب على من قتله من الحرامية القود بشروطه ~~وأما الشخص الثاني المقتول ظلما إذا كان معصوما فإن كان الدال عليه متعمدا ~~الكذب فعليه القود وإن كان مخطئا وجبت الدية على عاقلته إن كان له عاقلة؛ ~~وإلا فعليه. وأما قاتله فإن لم يتعمد قتله؛ بل أخطأ فيه؛ فللورثة أن ~~يطالبوا بالدية له أو لعاقلته؛ لكن إذا ضمن الدية رجع بها على الدال أو ~~عاقلته؛ فإنه هو ms9679 الذي يضاف إليه القتل في مثل هذا؛ ولهذا يجب قتله إذا تعمد ~~الكذب؛ كما يجب القتل على الشهود إذا رجعوا عن الشهادة وقالوا تعمدنا ~~الكذب. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قتل قتيلا؛ وله أب وأم وقد وهبا للقاتل دم ولدهما وكتبا عليه حجة ~~أنه لا ينزل بلادهم ولا يسكن فيها ومتى سكن في البلاد كان دم ولدهما على ~~القاتل فإذا سكن: فهل يجوز لهم المطالبة بالدم؛ أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا عفوا عنه بهذا الشرط ولم يف بهذا الشرط لم يكن العفو ~~لازما؛ بل لهم أن يطالبوه بالدية في قول بعض العلماء وبالدم في قول آخر. ~~وسواء قيل: هذا الشرط صحيح؛ أم فاسد. وسواء قيل: يفسد العقد بفساده أو لا ~~يفسد؛ فإن ذينك القولين مبنيان على هذه الأصول # PageV34P157 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن صبي دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دية: مثل أن يكسر سنا أو يفقأ ~~عينا ونحو ذلك؛ خطأ: فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دية الجناية من أبي الصبي ~~وحده إن كان موسرا؟ أم يطلبوها من عم الصبي أو ابن عمه؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما إذا فعل ذلك خطأ فديته على عاقلته بلا ريب؛ كالبالغ ~~وأولى. وإن فعل عمدا فعمده خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه. وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أن عمده ~~إذا كان غير باغ في ماله. وأما " العاقلة " التي تحمل: فهم عصبته: كالعم ~~وبنيه والإخوة وبنيهم باتفاق العلماء. وأما أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته ~~أيضا عند الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه. وفي ~~الرواية الأخرى وهو قول الشافعي: أبوه وابنه ليسا من العاقلة. # PageV34P158 # والذي " تحمله العاقلة " بالاتفاق ما كان فوق ثلث الدية: مثل قلع العين ~~فإنه يجب فيه نصف الدية. وأما دون الثلث: كدية السن: وهو نصف عشر الدية ~~ودية الأصبع وهي عشر الدية: فهذا لا تحمله العاقلة في مذهب مالك وأحمد؛ بل ~~هو في ماله عند الشافعي. ms9680 وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون دية السن والموضحة ~~وهو المقدر كأرش الشجة التي دون الموضحة. وإذا وجب على الصبي شيء ولم يكن ~~له مال حمله عنه أبوه في إحدى الروايتين عن أحمد وروي ذلك عن ابن عباس. وفي ~~الرواية الأخرى وهو قول الأكثرين: أنه في ذمته؛ وليس على أبيه شيء. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإثم علي. فإذا فعلت هذا وسمعت ~~منه: فما يجب عليهما من الكفارة؟ # فأجاب: # إن فعلت ذلك فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجدا فصيام شهرين ~~متتابعين وعليهما غرة عبد أو أمة لوارثه الذي لم يقتله؛ لا للأب فإن الأب ~~هو الآمر بقتله فلا يستحق شيئا. # PageV34P159 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عدل له جارية اعترف بوطئها بحضرة عدول وأنها حبلت منه وأنه سأل ~~بعض الناس عن أشياء تسقط الحمل وأنه ضرب الجارية ضربا مبرحا على فؤادها ~~فأسقطت عقيب ذلك؛ وأن الجارية قالت: إنه كان يلطخ ذكره بالقطران ويطؤها حتى ~~يسقطها وأنه أسقاها السم وغيره من الأشياء المسقطة مكرهة. فما يجب على مالك ~~الجارية بما ذكر؟ وهل هذا مسقط لعدالته أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين وهو من الوأد الذي قال الله ~~فيه: {وإذا الموءودة سئلت} {بأي ذنب قتلت} وقد قال: {ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق} ولو قدر أن الشخص أسقط الحمل خطأ مثل أن يضرب المرأة خطأ ~~فتسقط: فعليه غرة عبد أو أمة؛ بنص النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة ~~وتكون قيمة الغرة بقدر عشر دية الأم عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي ~~وأحمد. كذلك عليه " كفارة القتل " عند جمهور الفقهاء وهو المذكور في قوله ~~تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا} إلى قوله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين # PageV34P160 # توبة من الله} وأما إذا تعمد الإسقاط فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تردعه عن ~~ذلك وذلك مما يقدح في دينه وعدالته. والله ms9681 أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة حامل تعمدت إسقاط الجنين إما بضرب وإما بشرب دواء: فما يجب ~~عليها؟ # فأجاب: # يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة غرة: عبد أو ~~أمة تكون هذه الغرة لورثة الجنين؛ غير أمه فإن كان له أب كانت الغرة لأبيه ~~فإن أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك وتكون قيمة الغرة عشر دية أو خمسين ~~دينارا. وعليها أيضا عند أكثر العلماء عتق رقبة فإن لم تجد صامت شهرين ~~متتابعين فإن لم تستطع أطعمت ستين مسكينا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة دفنت ابنها بالحياة حتى مات فإنها كانت مريضة؛ وهو مريض فضجرت ~~منه: فما يجب عليها؟ # PageV34P161 # فأجاب: # الحمد لله، هذا هو الوأد الذي قال الله تعالى فيه: {وإذا الموءودة سئلت} ~~{بأي ذنب قتلت} وقال الله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} وفي ~~الصحيحين عن ابن مسعود {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أي الذنب ~~أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك} وإذا كان الله قد حرم قتل الولد مع الحاجة وخشية الفقر فلأن ~~يحرم قتله بدون ذلك أولى وأحرى. وهذه في قول الجمهور يجب عليها الدية تكون ~~لورثته؛ ليس لها منها شيء باتفاق الأئمة. وفي وجوب الكفارة عليها قولان. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الرجل يلطم الرجل أو يكلمه أو يسبه: هل يجوز أن يفعل به كما فعل؟ # فأجاب: # وأما " القصاص في اللطمة والضربة " ونحو ذلك: فمذهب الخلفاء الراشدين ~~وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ذلك كله وهو المنصوص عن ~~أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي. وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه لا ~~يشرع في ذلك قصاص؛ لأن المساواة فيه متعذرة في الغالب وهذا قول كثير من ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. # PageV34P162 # والأول أصح؛ فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت بالقصاص في ذلك وكذلك ~~سنة الخلفاء الراشدين وقد قال تعالى: ms9682 {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وقال تعالى: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ونحو ذلك. وأما قول ~~القائل: إن المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بد لهذه الجناية من ~~عقوبة: إما قصاص وإما تعزير. فإذا جوز أن يعزز تعزيرا غير مضبوط الجنس ~~والقدر فلأن يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في ~~القصاص معتبر بحسب الإمكان ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته ~~أو قريبا منها كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط؛ فالذي ~~يمنع القصاص في ذلك خوفا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه. فعلم ~~أنما جاءت به السنة أعدل وأمثل. وكذلك له أن يسبه كما يسبه: مثل أن يلعنه ~~كما يلعنه. أو يقول: قبحك الله. فيقول: قبحك الله. أو: أخزاك الله. فيقول ~~له: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب يا خنزير فيقول: يا كلب يا خنزير فأما إذا ~~كان محرم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه لم يكن له أن يكفره ولا يكذب ~~عليه. وإذا لعن أباه لم يكن له أن يلعن أباه لأن أباه لم يظلمه. # PageV34P163 # وسئل - رحمه الله -: # عمن ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه؟ # فأجاب: # إذا تعطلت منفعة أصبعه بالجناية التي اعتدى فيها وجبت دية الأصبع وهي عشر ~~الدية الكاملة. والله أعلم. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن اثنين: أحدهما حر والآخر عبد: حملوا خشبة فتهورت منهم الخشبة من غير ~~عمد؛ فأصابت رجلا؛ فأقام يومين وتوفي: فما يجب على الحر والعبد؟ وماذا يجب ~~على مالك العبد إذا تغيب العبد؟ # فأجاب: # إذا حصل منهما تفريط أو عدوان وجب الضمان عليهما. وإن كان هو المفرط ~~بوقوفه حيث لا يصلح فلا ضمان. وإن لم يحصل تفريط منهما فلا ضمان عليهما. ~~وإن كان بطريق السبب فلا ضمان. # PageV34P164 # وإذا وجب الضمان عليهما نصفين فنصيب العبد يتعلق برقبته فإن شاء سيده أن ~~يسلمه في الجناية وإن شاء أن يفتديه. وإذا افتداه فإنه يفتديه بأقل الأمرين ~~من ms9683 قيمته وقدر جنايته في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه وفي ~~الأخرى وفي مذهب مالك يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ. فأما إن جنى العبد ~~وهرب بحيث لا يمكن سيده تسليمه فليس على السيد شيء إلا أن يختار. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن ثلاثة حملوا عمود رخام ثم أن منهم اثنين رموا العمود على الآخر كسروا ~~رجله. فما يجب عليهم؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم إذا ألقوا عليه عمود الرخام حتى كسروا ساقه وجب ضمان ذلك؛ ~~لكن من العلماء من يوجب بعيرين من الإبل كما هو المشهور عن أحمد: ومنهم من ~~يوجب فيه حكومة وهو أن يقوم المجني عليه كأنه لا كسر به ثم يقوم مكسورا؛ ~~فينظر ما نقص من قيمته: فيجب بقسطه. والله أعلم. # PageV34P165 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجلين تخاصما وتماسكا بالأيدي ولم يضرب أحدهما الآخر وكان أحدهما ~~مريضا ثم تفارقا في عافية ثم بعد أسبوع توفي أحدهما وهرب الآخر قبل موته ~~بثلاثة أيام فمسك أبو الهارب وألزموه بإحضار ولده فاعتقد أن الخصم لم يمت؛ ~~والتزم لأهله أنه مهما تم عليه كان هو القائم به؛ فلما مات اعتقلوا أباه ~~تسعة أشهر فراضى أبوه أهل الميت بمال وأبرئ المتهوم وكل أهله: فهل لهذا ~~الملتزم بالمبلغ أن يرجع كل أحد من بني عمه بشيء من المبلغ وهل يبرأ ~~الهارب؟ # فأجاب: # إن ثبت أن الهارب قتله خطأ بأن يكون أحدهما مريضا وقد ضربه الآخر ضربا ~~شديدا يزيد في مرضه وكان سببا في موته: فالدية على العاقلة. فعلى عصبة بني ~~العم وغيرها أن يتحملوا هذا القدر الذي رضي به أهل القتيل فإنه أخف من ~~الدية وأما إن لم يثبت شيء من ذلك؛ لكن أخذ الأب بمجرد إقراره: لم يلزمهم ~~بإقرار الأب شيء؛ وليس لأهل الدية الذين صالحوا على هذا القدر أن يطالبوا ~~بأكثر منه. والله أعلم. # PageV34P166 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل رأى رجلا قتل ثلاثة من المسلمين في شهر رمضان ولحس السيف بفمه. ~~وأن ولي الأمر لم يقدر عليه ليقيم ms9684 عليه الحد وأن الذي رآه قد وجده في مكان ~~لم يقدر على مسكه: فهل له أن يقتل القاتل المذكور بغير حق؟ وإذا قتله هل ~~يؤجر على ذلك أو يطالب بدمه؟ # فأجاب: # إن كان قاطع طريق قتلهم لأخذ أموالهم وجب قتله ولا يجوز العفو عنه وإن ~~كان قتلهم لغرض خاص مثل خصومة بينهم أو عداوة: فأمره إلى ورثة القتيل: إن ~~أحبوا قتله قتلوه وإن أحبوا عفوا عنه وإن أحبوا أخذوا الدية. فلا يجوز قتله ~~إلا بإذن الورثة الآخرين. وأما إن كان قاطع طريق: فقيل: بإذن الإمام؛ فمن ~~علم أن الإمام أذن في قتله بدلائل الحال جاز أن يقتله على ذلك وذلك مثل أن ~~يعرف أن ولاة الأمور يطلبونه ليقتلوه وأن قتله واجب في الشرع: فهذا يعرف ~~أنهم آذنون في قتله؛ وإذا وجب قتله كان قاتله مأجورا في ذلك. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين قبض أحدهما على واحد والآخر ضربه فشلت يده؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا فيه نزاع. والأظهر أنه يجب على الاثنين القود إن وجب وإلا ~~فالدية عليهما. والله أعلم. # PageV34P167 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل وجد عند امرأته رجلا أجنبيا فقتلها ثم تاب بعد موتها وكان له ~~أولاد صغار فلما كبر أحدهما أراد أداء كفارة القتل ولم يجد قدرة على العتق ~~فأراد أن يصوم شهرين متتابعين: فهل تجب الكفارة على القاتل؟ وهل يجزئ قيام ~~الولد بها؟ وإذا كان الولد امرأة فحاضت في زمن الشهرين: هل ينقطع التتابع؟ ~~وإذا غلب على ظنها أن الطهر يحصل في وقت معين: هل يجب عليها الإمساك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كان قد وجدهما يفعلان الفاحشة وقتلها فلا شيء عليه في ~~الباطن في أظهر قولي العلماء وهو أظهر القولين في مذهب أحمد؛ وإن كان يمكنه ~~دفعه عن وطئها بالكلام كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: {لو أن رجلا اطلع في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شيء} و {نظر رجل ~~مرة في بيته فجعل يتبع عينه بمدرى لو ms9685 أصابته لقلعت عينه} وقال: {إنما جعل ~~الاستئذان من أجل النظر} وقد كان يمكن دفعه بالكلام. وجاء رجل إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه # PageV34P168 # وبيده سيف متلطخ بدم قد قتل امرأته فجاء أهلها يشكون عليه فقال الرجل: ~~إني قد وجدت لكاعا قد تفخذها فضربت ما هنالك بالسيف فأخذ السيف فهزه ثم ~~أعاده إليه فقال: إن عاد فعد. ومن العلماء من قال يسقط القود عنه إذا كان ~~الزاني محصنا سواء كان القاتل هو زوج المرأة أو غيره كما يقوله طائفة من ~~أصحاب الشافعي وأحمد. والقول الأول إنما مأخذه أنه جنى على حرمته فهو كفقء ~~عين الناظر وكالذي انتزع يده من فم العاض حتى سقطت ثناياه فأهدر النبي صلى ~~الله عليه وسلم دمه وقال: {يدع يده في فيك فتقضمها كما يقضم الفحل} وهذا ~~الحديث الأول القول به مذهب الشافعي وأحمد. ومن العلماء من لم يأخذ به قال: ~~لأن دفع الصائل يكون بالأسهل. والنص يقدم على هذا القول. وهذا القول فيه ~~نزاع بين السلف والخلف فقد دخل اللص على عبد الله بن عمر فأصلت له السيف ~~قالوا: فلولا أنا نهيناه عنه لضربه وقد استدل أحمد بن حنبل بفعل ابن عمر ~~هذا مع ما تقدم من الحديثين وأخذ بذلك. وأما إن كان الرجل لم يفعل بعد ~~فاحشة؛ ولكن وصل لأجل ذلك فهذا فيه نزاع والأحوط لهذا أن يتوب من القتل من ~~مثل هذه الصورة وفي # PageV34P169 # وجوب الكفارة عليه نزاع فإذا كفر فقد فعل الأحوط؛ فإن الكفارة تجب في قتل ~~الخطأ. وأما قتل العمد فلا كفارة فيه عند الجمهور: كمالك وأبي حنيفة وأحمد ~~في المشهور عنه. وعليه الكفارة عند الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى. وإذا ~~مات من عليه الكفارة ولم يكفر فليطعم عنه وليه ستين مسكينا فإنه بدل الصيام ~~الذي عجزت عنه قوته فإذا أطعم عنه في صيام رمضان فهذا أولى. والمرأة إن ~~صامت شهرين متتابعين لم يقطع الحيض تتابعها بل تبني بعد الطهر باتفاق ~~الأئمة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل ضرب ms9686 رجلا بسيف شل يده ثم إنه جاءه ودفع إليه أربعة أفدنة طين ~~سواء؛ مصالحة ثم أكلها اثني عشر سنة ولم يكتب بينه وبينه أبدا وحال المضروب ~~ضعيف: فهل يلزم الضارب الدية؟ # الجواب # فأجاب: إن كان صالحه عن شلل يده على شيء وجب ما اصطلحا عليه؛ ولم يكن ~~لهذا أن يزيده ولا لهذا أن ينقصه. وأما إن كان أعطاه شيئا بلا مصالحة فله ~~أن يطلب تمام حقه. وشلل اليد فيه دية اليد. والله أعلم. # PageV34P170 # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل ضرب رجلا فتحول حنكه ووقعت أنيابه وخيطوا حنكه بالإبر فما يجب؟ # فأجاب: # يجب في الأسنان في كل سن نصف عشر الدية خمسون دينارا أو خمس من الإبل أو ~~ستمائة درهم ويجب في تحويل الحنك الأرش: يقوم المجني عليه كأنه عبد سليم ثم ~~يقوم وهو عبد معيب ثم ينظر تفاوت ما بين القيمتين فيجب بنسبته من الدية. ~~وإذا كانت الضربة مما تقلع الأسنان في العادة فللمجني عليه القصاص وهو أن ~~يقلع له مثل تلك الأسنان من الضارب. # وسئل - رحمه الله -: # عن مسلم قتل مسلما متعمدا بغير حق ثم تاب بعد ذلك: فهل ترجى له التوبة ~~وينجو من النار أم لا؟ وهل يجب عليه دية أم لا؟ . # فأجاب: # قاتل النفس بغير حق عليه " حقان ": حق لله بكونه تعدى حدود الله وانتهك ~~حرماته. فهذا الذنب يغفره الله بالتوبة الصحيحة كما قال # PageV34P171 # تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا} أي لمن تاب. وقال: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} {إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} ~~وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن رجلا ~~قتل تسعة وتسعين رجلا ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه ms9687 فسأله: هل من ~~توبة؟ فقال: أبعد تسعة وتسعين تكون لك توبة فقتله فكمل به مائة ثم مكث ما ~~شاء الله ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه فسأله هل لي من توبة؟ قال: ومن ~~يحول بينك وبين التوبة ولكن ائت قرية كذا فإن فيها قوما صالحين فاعبد الله ~~معهم فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ ~~فبعث الله ملكا يحكم بينهم فأمر أن يقاس فإلى أي القريتين كان أقرب ألحق ~~به؛ فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة فغفر الله له} " والحق الثاني " حق ~~الآدميين. فعلى القاتل أن يعطي أولياء المقتول حقهم فيمكنهم من القصاص؛ أو ~~يصالحهم بمال أو يطلب منهم العفو فإذا فعل ذلك فقد أدى ما عليه من حقهم ~~وذلك من تمام التوبة. # PageV34P172 # وهل يبقى للمقتول عليه حق يطالبه به يوم القيامة؟ على قولين للعلماء في ~~مذهب أحمد وغيره؛ ومن قال يبقى له؛ فإنه يستكثر القاتل من الحسنات حتى يعطي ~~المقتول من حسناته بقدر حقه ويبقى له ما يبقى فإذا استكثر القاتل التائب من ~~الحسنات رجيت له رحمة الله؛ وأنجاه من النار ولا يقنط من رحمة الله إلا ~~القوم الفاسقون. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجلين اختلفا في قتل النفس عمدا. فقال أحدهما: إن هذا ذنب لا يغفر ~~وقال الآخر: إذا تاب تاب الله عليه؟ # فأجاب: # أما حق المظلوم فإنه لا يسقط باستغفار الظالم القاتل؛ لا في قتل النفس؛ ~~ولا في سائر مظالم العباد؛ فإن حق المظلوم لا يسقط بمجرد الاستغفار؛ لكن ~~تقبل توبة القاتل وغيره من الظلمة؛ فيغفر الله له بالتوبة الحق الذي له. ~~وأما حقوق المظلومين فإن الله يوفيهم إياها: إما من حسنات الظالم وإما من ~~عنده. والله أعلم. # PageV34P173 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن اتهموه النصارى في قتل نصارى ولم يظهر عليه؛ فأحضروه إلى النائب ~~بالكرك؛ وألزموه أن يعاقبه؛ فعوقب حتى مات ولم يقر بشيء: فما يلزم النصارى ~~الذين التزموا بدمه؟ # فأجاب: # يجب عليهم ضمان الذي التزموا دمه إن مات تحت العقوبة بل يعاقبون كما ms9688 عوقب ~~أيضا؛ كما روى أبو داود في السنن عن النعمان بن بشير: قضى نحو ذلك. والله ~~أعلم. # PageV34P174 ### | كتاب الحدود # قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا} وقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا} وقوله: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} وكذلك قوله: {ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا} لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه ~~والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد؛ بل ~~هو نوع من الجهاد. فقوله: {كتب عليكم القتال} وقوله: {وقاتلوا في سبيل ~~الله} وقوله: {إلا تنفروا يعذبكم} ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين ~~و " القدرة " هي السلطان؛ فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه. # والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة ~~خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك # PageV34P175 # فكان لها عدة أئمة: لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق؛ ~~ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل ~~العدل؛ وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في ~~أهل طاعتهم فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم وكذلك لو لم يتفرقوا؛ لكن طاعتهم ~~للأمير الكبير ليست طاعة تامة؛ فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم ~~يسقط عنهم القيام بذلك؛ بل عليهم أن يقيموا ذلك؛ وكذلك لو فرض عجز بعض ~~الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على ~~القادر عليه. وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه. إذا كانوا ~~قادرين فاعلين بالعدل. كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل ~~القادر فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى؛ أو عاجزا عنها: لم يجب تسليمها إليه ~~مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم ~~يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. ms9689 والأصل أن هذه الواجبات تقام على ~~أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا ~~بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها ~~فإنها من " باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " فإن كان في ذلك من فساد ~~ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه. والله ~~أعلم. # PageV34P176 ### | باب حد الزنا # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عمن زنى بأخته: ماذا يجب عليه؟ # فأجاب: # وأما من زنى بأخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله والحجة في ذلك ما رواه ~~{البراء بن عازب قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه راية فقلت: أين تذهب يا ~~خالي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج بامرأة أبيه؛ ~~فأمرني أن أضرب عنقه وأخمس ماله} . والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة مزوجة بزوج كامل ولها أولاد فتعلقت بشخص من الأطراف أقامت معه ~~على الفجور؛ فلما ظهر أمرها سعت في مفارقة الزوج: فهل بقي لها حق على ~~أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك ~~منها قتلها سرا؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟ # PageV34P177 # فأجاب: # الحمد لله، الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات فإن لم ~~تمتنع إلا بالحبس حبسوها؛ وإن احتاجت إلى القيد قيدوها. وما ينبغي للولد أن ~~يضرب أمه. وأما برها فليس لهم أن يمنعوها برها ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث ~~تتمكن بذلك من السوء؛ بل يمنعوها بحسب قدرتهم. وإن احتاجت إلى رزق وكسوة ~~رزقوها وكسوها ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتل ولا غيره وعليهم الإثم ~~في ذلك. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن بلد فيها جوار سائبات يزنون مع النصارى والمسلمين؟ # فأجاب: # على سيد الأمة إذا زنت أن يقيم عليها الحد كما في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها؛ ثم إن زنت فليجلدها؛ ~~ثم إن زنت فليجلدها؛ ثم ms9690 إن زنت في الرابعة فليبعها ولو بظفير} والظفير ~~الحبل. فإن لم يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عاصيا لله ~~ورسوله. وكان إصراره على المعصية قادحا في عدالته. فأما إذا كان هو يرسلها ~~لتبغي وتنفق على نفسها من مهر البغاء أو يأخذ هو شيئا من ذلك: فهذا ممن ~~لعنه الله ورسوله؛ وهو فاسق خبيث؛ أذن في الكبيرة وأخذ مهر البغي؛ ولم ~~ينهها عن الفاحشة. ومثل هذا لا يجوز أن يكون معدلا؛ بل لا يجوز إقراره بين ~~المسلمين؛ بل يستحق العقوبة # PageV34P178 # الغليظة حتى يصون إماءه. وأقل العقوبة أن يهجر فلا يسلم عليه ولا يصلى ~~خلفه إذا أمكنت الصلاة خلف غيره ولا يستشهد ولا يولى ولاية أصلا. ومن استحل ~~ذلك فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وكان مرتدا لا ترثه ورثته ~~المسلمون. وإن كان جاهلا بالتحريم عرف ذلك حتى تقوم عليه الحجة فإن هذا من ~~المحرمات المجمع عليها. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن حلف لولده أنه إن فعل منكرا يقيم عليه الحد فأقر لوالده فضربه مائة ~~جلدة وبقي تغريب عام: فهل يجوز في تغريب العام كفارة أم لا؟ # فأجاب: # أنه إذا غربه في الحبس ولو في دار الأب بر في يمينه وإن كان مطلقا غير ~~مقيد في موضع معين؛ فإنه لا يجب القيد ولا جعله في مكان مظلم. والله أعلم. # و ### | سئل: # عمن وجب عليه حد الزنا فتاب قبل أن يحد: فهل يسقط عنه الحد بالتوبة؟ # PageV34P179 # فأجاب: إن تاب من الزنا والسرقة؛ أو شرب الخمر قبل أن يرفع إلى الإمام: ~~فالصحيح أن الحد يسقط عنه كما يسقط عن المحاربين بالإجماع إذا تابوا قبل ~~القدرة. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أذنب ذنبا يجب عليه حد من الحدود: مثل جلد أو حصب ثم تاب من ذلك ~~الذنب وأقلع واستغفر ونوى أن لا يعود: فهل يجزئه ذلك؟ أو يحتاج ذلك إلى أن ~~يأتي إلى ولي الأمر ويعرفه بذنبه ليقيم عليه الحد؛ أم لا؟ وهل ستره على ~~نفسه وتوبته أفضل ms9691 أم لا؟ # الجواب # فأجاب: إذا تاب توبة صحيحة تاب الله عليه من غير حاجة إلى أن يقر بذنبه ~~حتى يقام عليه الحد وفي الحديث: {من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر ~~بستر الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله} وفي الأثر أيضا: {من ~~أذنب سرا فليتب سرا ومن أذنب علانية فليتب علانية} وقد قال تعالى: {والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} الآية. # وسئل - رحمه الله -: # عن إثم المعصية وحد الزنا: هل تزاد في الأيام المباركة أم لا؟ # فأجاب: # نعم، المعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ وعقابها بقدر ~~فضيلة الزمان والمكان. # PageV34P180 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن امرأة قوادة تجمع الرجال والنساء وقد ضربت وحبست؛ ثم عادت تفعل ذلك ~~وقد لحق الجيران الضرر بها: فهل لولي الأمر نقلها من بينهم أم لا؟ # فأجاب: # نعم، لولي الأمر كصاحب الشرطة أن يصرف ضررها بما يراه مصلحة: إما بحبسها ~~وإما بنقلها عن الحرائر؛ وإما بغير ذلك مما يرى فيه المصلحة وقد كان عمر بن ~~الخطاب يأمر العزاب أن لا تسكن بين المتأهلين وأن لا يسكن المتأهل بين ~~العزاب؛ وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونفوا شابا خافوا الفتنة به من المدينة إلى البصرة وثبت في ~~الصحيحين. {أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين وأمر بنفيهم من ~~البيوت خشية أن يفسدوا النساء} . فالقوادة شر من هؤلاء والله يعذبها مع ~~أصحابها. # وسئل: # عن " الفاعل والمفعول به " بعد إدراكهما ما يجب عليهما؟ وما يطهرهما؟ وما ~~ينويان عند الطهارة؟ # PageV34P181 # فأجاب: # أما الفاعل والمفعول به فيجب قتلهما رجما بالحجارة سواء كانا محصنين أو ~~غير محصنين؛ لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من ~~وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به} ولأن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم اتفقوا على قتلهما. وعليهما الاغتسال من الجنابة وترتفع ~~الجنابة من الاغتسال؛ لكن لا يطهران من نجاسة الذنب إلا بالتوبة وهذا ms9692 معنى ~~ما روي: {أنهما لو اغتسلا بالماء ينويان رفع الجنابة واستباحة الصلاة. . .} ~~. # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله في " التهذيب ": من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول واقتلوا الفاعل ~~بها: فهل يجب ذلك أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذا فيه حديث رواه أبو داود في السنن؛ وهو قوله: {من أتى ~~بهيمة فاقتلوه واقتلوها} وهو أحد قولي العلماء؛ كأحد القولين في مذهب أحمد ~~ومذهب الشافعي. # PageV34P182 ### | باب حد القذف # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عمن قذف رجلا لأنه ينظر إلى حريم الناس وهو كذب عليه: فما يجب على ~~القاذف؟ . # الجواب: # إذا كان الأمر على ما ذكر فإنه يعزر على افترائه على هذا الشخص بما يزجره ~~وأمثاله إذا طلب المقذوف ذلك. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تزوج امرأة من أهل الخير وله مطلقة وشرط إن رد مطلقته كان الصداق ~~حالا ثم إنه رد المطلقة وقذف هو ومطلقته عرض الزوجة ورموها بالزنا؟ بإنها ~~كانت حاملا من الزنا وطلقها بعد دخوله بها: فما الذي يجب عليهما؟ وهل يقبل ~~قولها؟ وهل يسقط الصداق أم لا؟ # PageV34P183 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، أما مطلقته فتحد على قذفها ثمانين جلدة إذا طلبت ~~ذلك المرأة المقذوفة ولا تقبل لها شهادة أبدا لأنها فاسقة. وكذلك الرجل ~~عليه ثمانون جلدة إذا طلبت المرأة ذلك ولا تقبل له شهادة أبدا وهو فاسق إذا ~~لم يتب. وهل له إسقاط الحد باللعان؟ فيه للفقهاء " ثلاثة أقوال " في مذهب ~~أحمد وغيره. قيل: يلاعن. وقيل: لا يلاعن. وقيل: إن كان ثم ولد يريد نفيه ~~لاعن؛ وإلا فلا. وصداقها باق عليه لا يسقط باللعان كما سن ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهذا كله باتفاق الأئمة؛ إلا ما ذكرناه من جواز اللعان ~~ففيه الأقوال الثلاثة " أحدها " لا يلاعن؛ بل يحد حد القذف وتسقط شهادته ~~وهذا مذهب أحمد في أشهر الروايات عنه وأحد الوجهين في مذهب الشافعي. و " ~~الثاني " يلاعن وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. و " الثالث " إن ~~كان هناك حمل لاعن؛ لنفيه؛ وإلا فلا. وهو أحد ms9693 الوجهين في مذهب الشافعي ~~ورواية عن أحمد. والله أعلم. # و ### | سئل: # عن رجل قال لرجل: أنت فاسق شارب الخمر ومنعه من أجرة ملكه الذي يملك ~~انتفاعه شرعا؟ # PageV34P184 # فأجاب: # إذا كان المقذوف محصنا وجب على القاذف حد القذف إذا طلبه المقذوف وأما ~~شتمه بغير ذلك إذا كان كاذبا فعليه أن يعزر على ذلك. وأما ضربه وحبسه إذا ~~كان ظالما؛ فإنه يفعل به كما فعل وما عطله عليه من المنفعة ضمنه. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قذف رجلا وقال له: أنت علق ولد زنا: فما الذي يجب عليه؟ # فأجاب: # إذا قذفه بالزنا أو اللواط كقوله: أنت علق وكان ذلك الرجل حرا مسلما لم ~~يشتهر عنه ذلك فعليه حد القذف إذا طلبه المقذوف وهو ثمانون جلدة إن كان ~~القاذف حرا؛ وأربعون إن كان رقيقا. عند الأئمة الأربعة. # PageV34P185 ### | باب حد المسكر # قال شيخ الإسلام - رضي الله عنه -: # أما " الأشربة المسكرة " فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وسائر العلماء أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثيره ~~فقليله حرام. وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل ~~وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب ~~أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ: مثل أبي الليث السمرقندي وغيره. وهذا ~~قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه ~~وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير ~~هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين. وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة ~~كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أن ما أسكر من غير الشجرتين - ~~النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك ~~فإنما يحرم # PageV34P186 # منه القدر الذي يسكر. وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأما عصير ~~العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع ~~المسلمين. وأصحاب " القول الثاني " قالوا: لا يسمى خمرا إلا ما كان من ~~العنب. وقالوا: إن نبيذ التمر والزبيب ms9694 إذا كان نيئا مسكرا حرم قليله وكثيره ~~ولا يسمى خمرا فإن طبخ أدنى طبخ حل. وأما عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم ~~يحل إلا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فأما بعد أن يصير خمرا فلا يحل وإن طبخ ~~إذا كان مسكرا بلا نزاع. و " القول الأول " الذي عليه جمهور علماء المسلمين ~~هو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله تعالى قال في ~~كتابه: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون} {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} . واسم " الخمر " ~~في لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن كان يتناول المسكر من التمر وغيره ولا ~~يختص بالمسكر من العنب؛ فإنه قد ثبت بالنقول الصحيحة أن الخمر لما حرمت ~~بالمدينة النبوية وكان تحريمها بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم ~~يكن من عصير العنب شيء فإن المدينة ليس # PageV34P187 # فيها شجر عنب؛ وإنما كانت خمرهم من التمر. فلما حرمها الله عليهم أراقوها ~~بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بل وكسروا أوعيتها وشقوا ظروفها؛ وكانوا ~~يسمونها " خمرا ". فعلم أن اسم " الخمر " في كتاب الله عام لا يختص بعصير ~~العنب. فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزل تحريم ~~الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة؛ ما منها شراب العنب. وفي الصحيحين ~~عن أنس رضي الله عنه قال: إن الخمر حرمت يومئذ من البسر والتمر. وفي لفظ ~~لمسلم: لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر؛ وما بالمدينة شراب ~~إلا من تمر وبسر. وفي لفظ للبخاري: وحرمت علينا حين حرمت وما نجد خمر ~~الأعناب إلا قليلا؛ وعامة خمرنا البسر والتمر. وفي الصحيحين عن أنس رضي ~~الله عنه قال. كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من فريخ زهو وتمر فجاءهم آت ~~فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فأهرقها ~~فأهرقتها. وقد ثبت {عن ms9695 النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أن ~~الخمر يكون من الحنطة والشعير؛ كما يكون من العنب} ففي الصحيحين عن ابن عمر ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال على منبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر؛ # PageV34P188 # والعسل؛ والحنطة؛ والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وروى أهل السنن أبو ~~داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا؛ ومن التمر ~~خمرا ومن العسل خمرا} زاد أبو داود: {وأنا أنهى عن كل مسكر} . # وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل مسكر خمر وهو ~~حرام كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: {سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل ~~شراب أسكر فهو حرام} وفي الصحيحين {عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ~~قلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع. وهو من العسل ~~ينبذ حتى يشتد؟ قال. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع ~~الكلم بخواتيمه فقال: كل مسكر حرام} وفي صحيح مسلم عن جابر {أن رجلا من ~~حبشان. وحبشان من اليمن سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه ~~بأراضيهم من الذرة يقال له: المزر فقال: أمسكر هو؟ قال: نعم. قال: كل مسكر ~~حرام؛ إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا؟ يا ~~رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار} وفي ~~صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} وفي رواية له: {كل مسكر خمر وكل خمر # PageV34P189 # حرام} وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما ms9696 أسكر كثيره ~~فقليله حرام} رواه ابن ماجه والدارقطني وصححه وقد روى أهل السنن مثله من ~~حديث جابر ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والأحاديث كثيرة صحيحة في ~~هذا الباب. ولكن عذر من خالفها من أهل العلم أنها لم تبلغهم وسمعوا أن من ~~الصحابة من شرب النبيذ وبلغتهم في ذلك آثار: فظنوا أن الذي شربوه كان مسكرا ~~وإنما كان الذي تنازع فيه الصحابة هو ما نبذ في الأوعية الصلبة؛ فإن {النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ في الدباء وهو القرع وفي الحنتم وهو ما ~~يصنع من التراب من الفخار ونهى عن النقير وهو الخشب الذي ينقر ونهى عن ~~المزفت وهو الظرف المزفت وأمرهم أن ينتبذوا في الظروف الموكاة} وهو أن ينقع ~~التمر أو الزبيب في الماء حتى يحلو فيشرب حلوا قبل أن يشتد. فهذا حلال ~~باتفاق المسلمين. ونهاهم أن ينتبذوا هذا النبيذ الحلال في تلك الأوعية؛ لأن ~~الشدة تدب في الشراب شيئا فشيئا فيشربه المسلم وهو لا يدري أنه قد اشتد ~~فيكون قد شرب محرما وأمرهم أن ينتبذوا في الظرف الذي يربطون فمه لأنه إن ~~اشتد الشراب انشق الظرف فلا يشربون مسكرا. والنهي عن " نبيذ الأوعية القوية ~~" فيه أحاديث كثيرة مستفيضة ثم روي عنه إباحة ذلك كما في صحيح مسلم عن ~~بريدة بن الحصيب قال: قال # PageV34P190 # رسول الله صلى الله عليه وسلم {كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم ~~فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا} وفي رواية {نهيتكم عن الظروف ~~وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام} فمن الصحابة والتابعين من ~~لم يثبت عنده النسخ فأخذ بالأحاديث الأول. ومنهم من اعتقد صحة النسخ فأباح ~~الانتباذ في كل وعاء وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. والنهي عن بعض الأوعية ~~قول مالك. وعن أحمد روايتان. فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف ~~من شرب النبيذ ظنوا أنهم شربوا المسكر: فقال طائفة منهم: كالشافعي والنخعي ~~وأبي حنيفة وشريك وابن أبي ليلى ms9697 وغيرهم: يحل ذلك كما تقدم. وهم في ذلك ~~مجتهدون قاصدون للحق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر} . وأما سائر العلماء ~~فقالوا بتلك الأحاديث الصحيحة. وهذا هو الثابت عن الصحابة وعليه دل القياس ~~الجلي؛ فإن الله تعالى قال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ~~فإن المفسدة التي لأجلها حرم الله سبحانه وتعالى الخمر هي أنها تصد عن ذكر ~~الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء. وهذا أمر تشترك فيه جميع ~~المسكرات؛ لا فرق في ذلك بين مسكر ومسكر # PageV34P191 # والله سبحانه وتعالى حرم القليل؛ لأنه يدعو إلى الكثير وهذا موجود في ~~جميع المسكرات. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الخمر والميسر " هل فيهما إثم كبير ومنافع للناس؟ وما هي المنافع؟ # فأجاب: # هذه الآية أول ما نزلت في الخمر؛ فإنهم سألوا عنها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله هذه الآية؛ ولم يحرمها فأخبرهم أن فيها " إثما " وهو ما ~~يحصل بها من ترك المأمور وفعل المحظور وفيها " منفعة " وهو ما يحصل من ~~اللذة ومنفعة البدن والتجارة فيها فكان من الناس من لم يشربها ومنهم من ~~شرب؛ ثم بعد هذا شرب قوم الخمر فقاموا يصلون وهم سكارى؛ فخلطوا في القراءة؛ ~~فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} فنهاهم عن شربها قرب الصلاة؛ فكان منهم من تركها. ثم بعد ~~ذلك أنزل الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} . " فحرمها الله في هذه الآية من وجوه ~~متعددة؛ فقالوا: انتهينا. انتهينا. ومضى حينئذ أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإراقتها؛ فكسرت الدنان والظروف؛ ولعن عاصرها؛ ومعتصرها؛ وشاربها؛ ~~وآكل ثمنها. # PageV34P192 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل يجوز شرب قليل ما أسكر كثيره من غير خمر العنب. كالصرماء والقمز ~~والمزر؟ أو لا يحرم إلا القدح الأخير؟ # فأجاب: # الحمد لله، ms9698 قد ثبت في الصحيحين {عن أبي موسى قال: قلت يا رسول الله أفتنا ~~في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو العسل ينبذ حتى يشتد. والمزر وهو ~~من الذرة ينبذ حتى يشتد قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي ~~جوامع الكلم فقال: كل مسكر حرام} {وعن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل شراب ~~أسكر فهو حرام} وفي صحيح مسلم عن جابر {أن رجلا من اليمن سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر ~~فقال: أمسكر هو؟ قال: نعم. فقال: كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن يشرب ~~المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: ~~عرق أهل النار؛ أو عصارة أهل النار} . # PageV34P193 # ففي هذه الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أشربة من ~~غير العنب كالمزر وغيره فأجابهم بكلمة جامعة وقاعدة عامة: {إن كل مسكر ~~حرام} وهذا يبين أنه أراد كل شراب كان جنسه مسكرا حرام سواء سكر منه أو لم ~~يسكر كما في خمر العنب. ولو أراد بالمسكر القدح الأخير فقط لم يكن الشراب ~~كله حراما؛ ولكان بين لهم؛ فيقول اشربوا منه ولا تسكروا. ولأنه {سألهم عن ~~المزر أمسكر هو؟ فقالوا: نعم. فقال. كل مسكر حرام} . فلما سألهم " أمسكر ~~هو؟ " إنما أراد يسكر كثيره كما يقال. الخبز يشبع؛ والماء يروي وإنما يحصل ~~الري والشبع بالكثير منه لا بالقليل. كذلك المسكر إنما يحصل السكر بالكثير ~~منه فلما قالوا له: هو مسكر. قال: {كل مسكر حرام} فبين أنه أراد بالمسكر ~~كما يراد بالمشبع والمروي ونحوهما ولم يرد آخر قدح؛ وفي صحيح مسلم عن عبد ~~الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل مسكر خمر؛ وكل خمر حرام} ~~وفي لفظ: {كل مسكر حرام} ومن تأوله على القدح الأخير لا يقول: إنه خمر ~~والنبي ms9699 صلى الله عليه وسلم جعل كل مسكر حراما. وفي السنن عن النعمان بن ~~بشير. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن من الحنطة خمرا ومن الشعير ~~خمرا ومن الزبيب خمرا ومن العسل خمرا} وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب قال على ~~منبر النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV34P194 # أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: من العنب ~~والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أن الخمر التي حرمها اسم لكل ~~مسكر سواء كان من العسل أو التمر أو الحنطة أو الشعير؛ أو لبن الخيل أو غير ~~ذلك. وفي السنن عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر ~~حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام} قال الترمذي حديث حسن وقد روى ~~أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم {ما أسكر كثيره فقليله حرام} من ~~حديث جابر وابن عمر؛ وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وغيره وصححه الدارقطني ~~وغيره. وهذا الذي عليه جماهير أئمة المسلمين: من الصحابة والتابعين وأئمة ~~الأمصار والآثار ولكن بعض علماء المسلمين سمعوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رخص في النبيذ؛ وأن الصحابة كانوا يشربون النبيذ: فظنوا أنه السكر؛ ~~وليس كذلك؛ بل النبيذ الذي شربه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو أنهم ~~كانوا ينبذون التمر أو الزبيب أو نحو ذلك في الماء حتى يحلو فيشربه أول يوم ~~وثاني يوم؛ وثالث يوم؛ ولا يشربه بعد ثلاث؛ لئلا تكون الشدة قد بدت فيه؛ ~~وإذا اشتد قبل ذلك لم يشرب. وقد # PageV34P195 # روى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليشربن ناس من أمتي ~~الخمر يسمونها بغير اسمها} وروي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أربعة ~~أوجه وهذا يتناول من شرب هذه الأشربة التي يسمونها الصرماء وغير ذلك؛ ~~والأمر في ذلك واضح؛ فإن خمر العنب قد أجمع المسلمون على ms9700 تحريم قليلها ~~وكثيرها؛ ولا فرق في الحس ولا العقل بين خمر العنب والتمر والزبيب والعسل؛ ~~فإن هذا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ وهذا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ~~وهذا يوقع العداوة والبغضاء؛ وهذا يوقع العداوة والبغضاء. والله سبحانه قد ~~أمر بالعدل والاعتبار؛ وهذا هو " القياس الشرعي " وهو التسوية بين ~~المتماثلين؛ فلا يفرق الله ورسوله بين شراب مسكر وشراب مسكر فيبيح قليل هذا ~~ولا يبيح قليل هذا؛ بل يسوي بينهما وإذا كان قد حرم القليل من أحدهما حرم ~~القليل منهما؛ فإن القليل يدعو إلى الكثير وأنه سبحانه أمر باجتناب الخمر ~~ولهذا يؤمر بإراقتها؛ ويحرم اقتناؤها وحكم بنجاستها؛ وأمر بجلد شاربها؛ كل ~~ذلك حسما لمادة الفساد؛ فكيف يبيح القليل من الأشربة المسكرة والله أعلم. # PageV34P196 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن نبيذ التمر؛ والزبيب والمزر " والسويقة " التي تعمل من الجزر والذي ~~يعمل من العنب " يسمى " النصوح ": هل هو حلال؟ وهل يجوز استعمال شيء من هذا ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، كل شراب مسكر فهو خمر فهو حرام بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه باتفاق الصحابة كما ثبت عنه في الصحيح من ~~حديث أبي موسى: {أنه سئل عن شراب يصنع من الذرة يقال له المزر وشراب يصنع ~~من العسل يقال له البتع وكان قد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ~~فقال: كل مسكر حرام} وفي الصحيحين عن عائشة عنه أنه قال: {كل شراب أسكر فهو ~~حرام} وفي الصحيح عن ابن عمر عنه أنه قال: {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} وفي ~~لفظ الصحيح: {كل مسكر خمر؛ وكل خمر حرام} وفي السنن عنه أنه قال: {ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام} وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ والله عز وجل حرم عصير ~~العنب النيء إذا غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لما فيه من الشدة المطربة التي تصد ~~عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء. وكل ما كانت فيه هذه الشدة ~~المطربة فهو خمر من أي مادة كان: ms9701 من الحبوب؛ والثمار؛ وغير ذلك. وسواء كان ~~نيئا أو مطبوخا؛ # PageV34P197 # لكنه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه لم يبق مسكرا؛ اللهم إلا أن يضاف ~~إليه أفاويه أو نوع آخر. والأصل في ذلك {أن كل ما أسكر فهو حرام} وهذا مذهب ~~جماهير العلماء الأئمة كما قال الشافعي وأحمد وغيرهم وهذا المسكر يوجب الحد ~~على شاربه وهو نجس عند الأئمة. وكذلك " الحشيشة " المسكرة يجب فيها الحد؛ ~~وهي نجسة في أصح الوجوه؛ وقد قيل: إنها طاهرة. وقيل: يفرق بين يابسها ~~ومائعها: والأول الصحيح لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء؛ بخلاف ما لا ~~يسكر بل يغيب العقل كالبنج؛ أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب؛ فإن ذلك ~~ليس بنجس. ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف ~~حقيقة أمرها؛ فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها؛ بخلاف ~~البنج ونحوه مما لا لذة فيه. والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس ~~وما لا تشتهيه فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفي فيه بالزاجر ~~الشرعي؛ فجعل العقوبة فيه التعزيز. وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع ~~الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو الحد. " والحشيشة " من هذا الباب. # وسئل - رحمه الله -: # عن " النصوح " هل هو حلال أم حرام؟ وهم يقولون: إن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه كان يعمله. " وصورته " أن يأخذ ثلاثين رطلا من ماء عنب ويغلي حتى ~~يبقى ثلثه؛ فهل هذه صورته؟ وقد نقل # PageV34P198 # من فعل بعض ذلك أنه يسكر؛ وهو اليوم جهارا في الإسكندرية ومصر؛ ونقول ~~لهم: هو حرام؛ فيقولون: كان على زمن عمر؛ ولو كان حراما لنهى عنه؟ # فأجاب: # الحمد لله، قد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصحاح والسنن والمسانيد أنه حرم كل مسكر وجعله خمرا كما في صحيح مسلم عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر خمر وكل خمر حرام} ~~وفي لفظ {كل مسكر حرام} وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ms9702 وسلم ~~أنه قال: {كل شراب أسكر فهو حرام} وفي الصحيحين عن أبي موسى {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل عن شراب العسل يسمى البتع وكان قد أوتي جوامع ~~الكلم؛ فقال: كل مسكر حرام} . وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال على ~~المنبر - منبر النبي صلى الله عليه وسلم - إن الله حرم الخمر وهي من خمسة ~~أشياء: من الحنطة والشعير والعنب والتمر والزبيب؛ والخمر ما خامر العقل. ~~وهو في السنن مسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عنه من ~~غير وجه أنه قال: {ما أسكر كثيره فقليله حرام} وقد صححه طائفة من الحفاظ. ~~والأحاديث في ذلك كثيرة. فمذهب أهل الحجاز واليمن؛ ومصر؛ والشام والبصرة ~~وفقهاء الحديث: كمالك والشافعي؛ وأحمد بن حنبل وغيرهم: أن كل ما أسكر # PageV34P199 # كثيره فقليله حرام؛ وهو خمر عندهم من أي مادة كانت: من الحبوب والثمار ~~وغيرها سواء كان من العنب أو التمر؛ أو الحنطة أو الشعير أو لبن الخيل أو ~~غير ذلك وسواء كان نيئا أو مطبوخا وسواء ذهب ثلثاه أو ثلثه؛ أو نصفه أو غير ~~ذلك. فمتى كان كثيره مسكرا حرم قليله بلا نزاع بينهم. ومع هذا فهم يقولون ~~بما ثبت عن عمر؛ فإن عمر رضي الله عنه لما قدم الشام وأراد أن يطبخ ~~للمسلمين شرابا لا يسكر كثيره طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مثل ~~الرب فأدخل فيه أصبعه فوجده غليظا فقال: كأنه الطلا. يعني الطلا الذي يطلى ~~به الإبل فسموا ذلك " الطلا ". فهذا الذي أباحه عمر لم يكن يسكر وذكر ذلك ~~أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال: أنه مباح بإجماع المسلمين وهذا ~~بناء على أنه لا يسكر ولم يقل أحد من الأئمة المذكورين إنه يباح مع كونه ~~مسكرا ولكن نشأت " شبهة " من جهة أن هذا المطبوخ قد يسكر؛ لأشياء إما لأن ~~طبخه لم يكن تاما؛ فإنهم ذكروا صفة طبخه أنه يغلي عليه أولا حتى يذهب وسخه ~~ثم يغلي عليه بعد ذلك حتى يذهب ms9703 ثلثاه فإذا ذهب ثلثاه والوسخ فيه كان الذاهب ~~منه أقل من الثلثين؛ لأن الوسخ يكون حينئذ من غير الذاهب. وإما من جهة أنه ~~قد يضاف إلى المطبوخ من الأفاويه وغيرها # PageV34P200 # ما يقويه ويشده حتى يصير مسكرا فيصير بذلك من باب الخليطين وقد استفاض عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه {نهى عن الخليطين} لتقوية أحدهما صاحبه كما ~~نهى عن خليط التمر والزبيب وعن الرطب والتمر ونحو ذلك. وللعلماء نزاع في " ~~الخليطين " إذا لم يسكر كما تنازع العلماء في نبيذ الأوعية التي لا يشتد ما ~~فيها بالغليان وكما تنازعوا في العصير والنبيذ بعد ثلاث. وأما إذا صار ~~الخليطان من المسكر فإنه حرام باتفاق هؤلاء الأئمة. فالذي أباحه عمر من ~~المطبوخ كان صرفا فإذا خلطه بما قواه وذهب ثلثاه لم يكن ذلك ما أباحه عمر. ~~وربما يكون لبعض البلاد طبيعة يسكر فيها ما ذهب ثلثاه فيحرم إذا أسكر؛ فإن ~~مناط التحريم هو السكر باتفاق الأئمة. ومن قال. إن عمر أو غيره من الصحابة ~~أباح مسكرا فقد كذب عليهم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن قال: إن خمر العنب والحشيشة يجوز بعضه إذا لم يسكر في مذهب الإمام ~~أبي حنيفة: فهل هو صادق في هذه الصورة؟ أم كاذب في نقله؟ ومن استحل ذلك: هل ~~يكفر أم لا؟ وذكر أن قليل المزر يجوز شربه فهل حكمه حكم خمر العنب في مذهب ~~الإمام أبي حنيفة؟ أم له حكم آخر كما ادعاه هذا الرجل؟ # PageV34P201 # فأجاب: # الحمد لله، أما الخمر التي هي عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ~~فيحرم قليلها وكثيرها باتفاق المسلمين ومن نقل عن أبي حنيفة إباحة قليل ذلك ~~فقد كذب؛ بل من استحل ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ولو استحل شرب ~~الخمر بنوع شبهة وقعت لبعض السلف أنه ظن أنها إنما تحرم على العامة؛ لا على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فاتفق الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أن ~~مستحل ذلك يستتاب فإن أقر بالتحريم جلد وإن أصر على استحلالها قتل. بل وأبو ms9704 ~~حنيفة يحرم القليل والكثير من أشربة أخر: وإن لم يسمها خمرا كنبيذ التمر ~~والزبيب النيء فإنه يحرم عنده قليله وكثيره إذا كان مسكرا وكذلك المطبوخ من ~~عصير العنب الذي لم يذهب ثلثاه فإنه يحرم عنده قليله إذا كان كثيره يسكر. ~~فهذه الأنواع الأربعة تحرم عنده قليلها وكثيرها وإن لم يسكر منها. وإنما ~~وقعت " الشبهة " في سائر المسكر كالمزر الذي يصنع من القمح ونحوه: فالذي ~~عليه جماهير أئمة المسلمين كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن {أهل ~~اليمن قالوا يا رسول الله إن عندنا شرابا يقال له البتع من العسل؛ وشرابا ~~من الذرة يقال له المزر وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم ~~فقال: كل مسكر فهو حرام} وفي الصحيحين # PageV34P202 # عن عائشة عنه أنه قال: {كل شراب أسكر فهو حرام} وفي الصحيح أيضا عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} وفي ~~السنن من غير وجه عنه أنه قال: {ما أسكر كثيره فقليله حرام} واستفاضت ~~الأحاديث بذلك. فإن الله لما حرم الخمر لم يكن لأهل مدينة النبي صلى الله ~~عليه وسلم شراب يشربونه إلا من التمر فكانت تلك خمرهم وجاء {عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يشرب النبيذ} والمراد به النبيذ الحلو وهو أن يوضع ~~التمر أو الزبيب في الماء حتى يحلو ثم يشربه {وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد نهاهم أن ينتبذوا في القرع والخشب والحجر والظرف المزفت} لأنهم إذا ~~انتبذوا فيها دب السكر وهم لا يعلمون فيشرب الرجل مسكرا {ونهاهم عن ~~الخليطين من التمر والزبيب جميعا} لأن أحدهما يقوي الآخر؛ {ونهاهم عن شرب ~~النبيذ بعد ثلاث} لأنه قد يصير فيه السكر والإنسان لا يدري. كل ذلك مبالغة ~~منه صلى الله عليه وسلم. فمن اعتقد من العلماء أن النبيذ الذي أرخص فيه ~~يكون مسكرا - يعني من نبيذ العسل والقمح ونحو ذلك فقال: يباح أن يتناول منه ~~ما لم يسكر - فقد أخطأ. وأما جماهير العلماء فعرفوا ms9705 أن الذي أباحه هو الذي ~~لا يسكر وهذا القول هو الصحيح في النص والقياس. أما " النص " فالأحاديث ~~الكثيرة فيه. وأما " القياس " فلأن جميع الأشربة المسكرة متساوية في كونها ~~تسكر # PageV34P203 # والمفسدة الموجودة في هذا موجودة في هذا والله تعالى لا يفرق بين ~~المتماثلين بل التسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجلي. فتبين. أن كل ~~مسكر خمر حرام والحشيشة المسكرة حرام ومن استحل السكر منها فقد كفر؛ بل هي ~~في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر. فالخمر كالبول والحشيشة كالعذرة. # قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية # فصل: # وأما " الحشيشة " الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات ~~والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله ولو ~~لم يكن مسكرا: كالبنج فإن المسكر يجب فيه الحد وغير المسكر يجب فيه ~~التعزير. وأما قليل " الحشيشة المسكرة " فحرام عند جماهير العلماء كسائر ~~القليل من المسكرات وقول النبي صلى الله عليه وسلم {كل مسكر خمر وكل خمر ~~حرام} يتناول ما يسكر. ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا أو مشروبا؛ أو ~~جامدا أو مائعا. فلو اصطبغ كالخمر كان حراما ولو أماع # PageV34P204 # الحشيشة وشربها كان حراما. ونبينا صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم ~~فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت ~~الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن. فلما قال: {كل مسكر حرام} ~~تناول ذلك ما كان بالمدينة من خمر التمر وغيرها وكان يتناول ما كان بأرض ~~اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك ودخل في ذلك ما حدث بعده من ~~خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم. فلم يفرق أحد من العلماء بين ~~المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير وإن كان أحدهما موجودا في ~~زمنه كان يعرفه والآخر لم يكن يعرفه؛ إذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمرا من ~~لبن الخيل. وهذه " الحشيشة " فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في ~~أواخر المائة السادسة ms9706 وأوائل السابعة حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ~~ظهور سيف " جنكسخان " لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب ~~سلط الله عليهم العدو وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهي شر ~~من الشراب المسكر من بعض الوجوه والمسكر شر منها من وجه آخر فإنها مع أنها ~~تسكر آكلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل ~~الكبير كالسفتجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنونا ~~بسبب أكلها. # PageV34P205 # ومن الناس من يقول. إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث ~~نشوة ولذة وطربا كالخمر وهذا هو الداعي إلى تناولها وقليلها يدعو إلى ~~كثيرها كالشراب المسكر والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ ~~فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب فيها الحد ~~كما يجب في الخمر. وتنازعوا في " نجاستها " على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد ~~وغيره. فقيل هي نجسة. وقيل: ليست بنجسة. وقيل: رطبها نجس كالخمر ويابسها ~~ليس بنجس. والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ~~ومائعها فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى ~~يصحو ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في ~~هذا وهذا والصلاة فرض عينية؛ لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوما كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما فإن ~~تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما فإن تاب تاب ~~الله عليه فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل: ~~وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار أو عرق أهل النار} وأما قول القائل: ~~إن هذه ما فيها آية ولا حديث: فهذا من جهله؛ فإن القرآن والحديث فيهما ~~كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية، تتناول كل ما # PageV34P206 # دخل فيها وكل ما دخل فيها ms9707 فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام وإلا ~~فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى جميع الخلق وقال: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} وقال: ~~{وما أرسلناك إلا كافة للناس} وقال تعالى: {الذي نزل الفرقان على عبده ~~ليكون للعالمين نذيرا} وقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فاسم " الناس ~~" و " العالمين " يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند ~~والبربر فلو قال قائل: إن محمدا ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأن ~~الله لم يذكرهم في القرآن كان جاهلا كما لو قال: إن الله لم يرسله إلى بني ~~تميم وبني أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب فإن الله لم يذكر هذه ~~القبائل بأسمائها الخاصة؛ وكما لو قال: إن الله لم يرسله إلى أبي جهل وعتبة ~~وشيبة؛ وغيرهم من قريش؛ لأن الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة في القرآن. ~~وكذلك لما قال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} ~~دخل في الميسر الذي لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وكل ~~الميسر حرام باتفاق المسلمين. وإن لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ~~كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض فإنه حرام بإجماع المسلمين وهو (الميسر الذي ~~حرمه الله؛ ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. و " النرد " أيضا من ~~(الميسر الذي حرمه الله؛ وليس في القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم # PageV34P207 # خاص؛ بل لفظ الميسر يعمها وجمهور العلماء على أن النرد والشطرنج محرمان ~~بعوض وغير عوض. وكذلك قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} - إلى قوله - {إذا حلفتم} وقوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~تناول أيمان المسلمين التي كانوا يحلفون بها على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتي صاروا يحلفون بها بعد؛ فلو حلف بالفارسية والتركية والهندية ~~والبربرية باسم الله تعالى بتلك اللغة انعقدت يمينه؛ ووجبت عليه الكفارة ~~إذا ms9708 حنث باتفاق العلماء مع أن اليمين بهذه اللغات لم تكن من أيمان المسلمين ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا بخلاف من حلف بالمخلوقات: ~~كالحلف بالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك وغير ذلك؛ فإن هذه ليست من ~~أيمان المسلمين؛ بل هي شرك كما قال صلى الله عليه وسلم {من حلف بغير الله ~~فقد أشرك} . وكذلك قال تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا} يعم كل ما ~~يسمى صعيدا ويعم كل ماء: سواء كان من المياه الموجودة في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو مما حدث بعده. فلو استخرج قوم عيونا وكان فيها ماء متغير ~~اللون والريح والطعم وأصل الخلقة وجب الاغتسال به بلا نزاع نعرفه بين # PageV34P208 # العلماء وإن لم تكن تلك المياه معروفة عند المسلمين على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما قال تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فدخل فيه ~~كل مشرك من العرب وغير العرب كمشركي الترك والهند والبربر؛ وإن لم يكن ~~هؤلاء ممن قتلوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك قوله تعالى ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} يدخل فيه جميع أهل الكتاب؛ وإن لم يكونوا ممن قتلوا على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذين قتلوا على زمانه كانوا من نصارى العرب ~~والروم؛ وقاتل اليهود قبل نزول هذه الآية؛ وقد دخل فيها النصارى: من القبط؛ ~~والحبشة؛ والجركس والأل واللاص؛ والكرج؛ وغيرهم. فهذا وأمثاله نظير عموم ~~القرآن لكل ما دخل في لفظه ومعناه؛ وإن لم يكن باسمه الخاص. ولو قدر بأن ~~اللفظ لم يتناوله وكان في معنى ما في القرآن والسنة ألحق به بطريق الاعتبار ~~والقياس؛ كما دخل اليهود والنصارى والفرس في عموم الآية ودخلت جميع ~~المسكرات في معنى خمر العنب وأنه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالكتاب ~~والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط # PageV34P209 # و (الكتاب) القرآن، و (الميزان) العدل. والقياس الصحيح ms9709 هو من العدل؛ لأنه ~~لا يفرق بين المتماثلين؛ بل سوى بينهما فاستوت السيئات في المعنى الموجب ~~للتحريم؛ لم يخص أحدها بالتحريم دون الآخر؛ بل من العدل أن يسوي بينهما ولو ~~لم يسو بينهما كان تناقضا وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض. ولو أن الطبيب ~~حمى المريض عن شيء لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب. والشرع ~~طب القلوب والأنبياء أطباء القلوب والأديان ولا بد إذا أحل الشرع شيئا منه ~~أن يخص هذا بما يفرق به بينه وبين هذا حتى يكون فيه معنى خاص بما حرمه دون ~~ما أحله. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه؟ # فأجاب: # الحمد لله، هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر؛ والسكر ~~منها حرام باتفاق المسلمين؛ ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب؛ فإن ~~تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه؛ ولا يدفن في مقابر المسلمين. وأما إن ~~اعتقد ذلك قربة وقال: هي لقيمة الذكر والفكر وتحرك العزم الساكن إلى أشرف ~~الأماكن وتنفع في # PageV34P210 # الطريق: فهو أعظم وأكبر فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب ~~الخمر؛ ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة؛ قال الله تعالى: {وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} ومن كان يستحل ذلك جاهلا وقد سمع ~~الفقهاء: # يقول حرموها من غير عقل ونقل ... وحرام تحريم غير الحرام # فإنه ما يعرف الله ورسوله وأنها محرمة والسكر منها حرام بالإجماع. وإذا ~~عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافرا مرتدا كما تقدم. وكل ما يغيب ~~العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب فإن تغيب العقل حرام بإجماع ~~المسلمين. وأما تعاطي " البنج " الذي لم يسكر ولم يغيب العقل. ففيه ~~التعزير. وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة؛ وإنما يتناولها ~~الفجار؛ لما فيها من النشوة والطرب فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك والخمر ms9710 ~~توجب الحركة والخصومة وهذه توجب الفتور والذلة وفيها مع ذلك من فساد المزاج ~~والعقل؛ وفتح باب الشهوة؛ وما توجبه من الدياثة: مما هي من شر الشراب ~~المسكر وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار. # PageV34P211 # وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب: ثمانون سوطا؛ أو أربعون. إذا ~~كان مسلما يعتقد تحريم المسكر ويغيب العقل. وتنازع الفقهاء في نجاستها؟ على ~~ثلاثة أقوال " أحدها " أنها ليست نجسة. " والثاني " أن مائعها نجس؛ وأن ~~جامدها طاهر. و " الثالث " وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر فهذه تشبه العذرة؛ ~~وذلك يشبه البول وكلاهما من الخبائث التي حرمها الله ورسوله ومن ظهر منه ~~أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر؛ وشر منه من بعض الوجوه؛ ~~ويهجر ويعاقب على ذلك كما يعاقب هذا؛ للوعيد الوارد في الخمر؛ مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم {لعن الله الخمر وشاربها وساقيها؛ وبائعها ومبتاعها؛ ~~وحاملها وآكل ثمنها} ومثل قوله: {من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~يوما؛ فإن تاب تاب الله عليه؛ فإن عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~يوما؛ فإن تاب تاب الله عليه؛ وإن عاد فشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~يوما؛ فإن تاب تاب الله عليه؛ وإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان ~~حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال؛ وهي عصارة أهل النار} وقد ثبت عنه ~~في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل مسكر حرام وسئل عن هذه الأشربة ~~وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام} . # PageV34P212 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عما يجب على آكل الحشيشة؟ ومن ادعى أن أكلها جائز حلال مباح؟ # فأجاب: # أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام وهي من أخبث الخبائث المحرمة وسواء أكل منها ~~قليلا أو كثيرا؛ لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين ومن استحل ~~ذلك فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا؛ لا يغسل ولا يصلى عليه ~~ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتد شر من حكم اليهودي والنصراني ms9711 سواء ~~اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الفكر والذكر ~~وأنها تحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن وأنهم لذلك يستعملونها. وقد كان ~~بعض السلف ظن أن الخمر تباح للخاصة متأولا قوله تعالى {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور ~~الصحابة فيهم اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على ~~أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على الاستحلال # PageV34P213 # قتلوا. وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها وتناولها فإنه يجلد الحد ~~ثمانين سوطا أو أربعين. هذا هو الصواب. وقد توقف بعض الفقهاء في الجلد لأنه ~~ظن أنها مزيلة للعقل غير مسكرة كالبنج ونحوه مما يغطي العقل من غير سكر فإن ~~جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين: إن كان مسكرا ففيه جلد الخمر وإن لم يكن ~~مسكرا ففيه التعزير بما دون ذلك. ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل. والصحيح أن ~~الحشيشة مسكرة كالشراب؛ فإن آكليها ينشون بها ويكثرون تناولها بخلاف البنج ~~وغيره فإنه لا ينشي ولا يشتهى. وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من ~~المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير. " ~~والحشيشة " مما يشتهيها آكلوها ويمتنعون عن تركها؛ ونصوص التحريم في الكتاب ~~والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك وإنما ظهر في الناس أكلها قريبا ~~من نحو ظهور التتار؛ فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يأخذ شيئا من العنب ويضيف إليه أصنافا من العطر ثم يغليه إلى أن ينقص ~~الثلث ويشرب منه لأجل الدواء ومتى أكثر شربه أسكر؟ # PageV34P214 # فأجاب: # الحمد لله، متى كان كثيره يسكر فهو حرام وهو خمر ويحد صاحبه كما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جماهير السلف والخلف ~~كما في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل مسكر ~~خمر وكل خمر حرام} ms9712 وفي الصحيحين عن عائشة قالت: {سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل شراب ~~أسكر فهو حرام} وفي الصحيح {عن أبي موسى قال قلت يا رسول الله: أفتنا في ~~شراب كنا نصنعه في اليمن البتع وهو من نبيذ العسل ينبذ حتى يشتد فقال: كل ~~مسكر حرام} وفي صحيح مسلم عن جابر {أن رجلا من حبشان اليمن سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن شراب يصنعونه بأرضهم يقال له المزر فقال: أيسكر؟ قال ~~نعم. فقال: كل مسكر حرام؛ إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من ~~طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار؛ أو ~~عصارة أهل النار} وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة: {ما ~~أسكر كثيره فقليله حرام} وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ. والأحاديث في ذلك ~~متعددة. وإذا طبخ العصير حتى يذهب ثلثه أو نصفه وهو يسكر فهو حرام عند ~~الأئمة الأربعة؛ بل هو خمر عند مالك والشافعي وأحمد. وأما إن ذهب ثلثاه ~~وبقي # PageV34P215 # ثلثه: فهذا لا يسكر في العادة؛ إلا إذا انضم إليه ما يقويه أو لسبب آخر. ~~فمتى أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين وهو " الطلاء " الذي أباحه عمر بن ~~الخطاب للمسلمين. وأما إن أسكر بعد ما طبخ وذهب ثلثاه: فهو حرام أيضا عند ~~مالك والشافعي وأحمد. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن المداومة على شرب الخمر وترك الصلاة وما حكمه في الإصرار على ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما " شارب الخمر " فيجب باتفاق الأئمة أن يجلد الحد إذا ثبت ~~ذلك عليه وحده أربعون جلدة أو ثمانون جلدة. فإن جلده ثمانين جاز باتفاق ~~الأئمة وإن اقتصر على الأربعين ففي الإجزاء نزاع مشهور فمذهب أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد في إحدى الروايتين أنه يجب الثمانون ومذهب الشافعي وأحمد في ~~الرواية الأخرى عنه أن الأربعين الثانية تعزير يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام ~~فإن احتاج إلى ذلك لكثرة الشرب أو ms9713 إصرار الشارب ونحو ذلك فعل وقد كان عمر ~~بن الخطاب يعزر بأكثر من ذلك؛ كما روي عنه أنه كان ينفي الشارب عن بلده ~~ويمثل به بحلق رأسه. # PageV34P216 # وقد روي من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم {من شرب الخمر فاجلدوه ثم ~~إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة: ~~فاقتلوه} فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة. وأكثر العلماء لا يوجبون ~~القتل؛ بل يجعلون هذا الحديث منسوخا؛ وهو المشهور من مذاهب الأئمة. وطائفة ~~يقولون: إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك كما في حديث آخر في ~~السنن أنه نهاهم عن أنواع من الأشربة قال: {فإن لم يدعوا ذلك فاقتلوهم} . ~~والحق ما تقدم. وقد ثبت في الصحيح {أن رجلا كان يدعى حمارا وهو كان يشرب ~~الخمر؛ فكان كلما شرب جلده النبي صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل فقال: لعنه ~~الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تلعنه؛ ~~فإنه يحب الله ورسوله} وهذا يقتضي أنه جلد مع كثرة شربه. وأما " تارك ~~الصلاة " فإنه يستحق العقوبة باتفاق الأئمة وأكثرهم - كمالك والشافعي وأحمد ~~- يقولون: إنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا ~~كغيره من أصحاب الكبائر؟ على قولين. فإذا لم تمكن إقامة الحد على مثل هذا ~~فإنه يعمل معه الممكن: فيهجر: ويوبخ حتى يفعل المفروض ويترك المحظور ولا ~~يكون ممن قال الله فيه: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} مع أن إضاعتها تأخيرها عن وقتها فكيف بتاركها؟ # PageV34P217 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل عنده حجرة خلفها فلوة: فهل يجوز الشرب من لبنها أم لا؟ # فأجاب: # يجوز الشرب من لبنها؛ إذا لم يصر مسكرا. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل اعتاد أن يتناول كل ليلة قبل العصر شيئا من المعاجين مدة سنين. ~~فسئل عن ذلك؟ فقال: أرى فيه أشياء من المنافع: فهل يباح ذلك له أم لا؟ # فأجاب: # إن كان ذلك ms9714 يغيب العقل لم يجز له أكله فإن كل ما يغيب العقل يحرم باتفاق ~~المسلمين. # PageV34P218 # وسئل - رحمه الله -: # عن قوله صلى الله عليه وسلم {من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن ~~عاد فاقتلوه} هل لهذا الحديث أصل؟ ومن رواه؟ # فأجاب: # نعم، له أصل وهو مروي من وجوه متعددة وهو ثابت عند أهل الحديث؛ لكن أكثر ~~العلماء يقولون: هو منسوخ. وتنازعوا في ناسخه؟ على عدة أقاويل. ومنهم من ~~يقول: بل حكمه باق. وقيل: بل الوجوب منسوخ والجواز باق. وقد رواه أحمد ~~والترمذي وغيرهما ولا أعلم أحدا قدح فيه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن هش الذرة فأخذ يغلي في قدره ثم ينزله ويعمل عليه قمحا ويخليه إلى ~~بكرة ويصفيه: فيكون مما لا يسكر في ذلك اليوم ثم يخليه يومين أو ثلاثة بعد ~~ذلك فيبقى يسكر: هل يجوز أن يشرب منه في أول يوم أم لا؟ # PageV34P219 # فأجاب: # يجوز شربه ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام. فأما إذا أسكر فإنه حرام بنص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سواء أسكر بعد الثلاثة أو قبل الثلاثة ومتى أسكر ~~حرم فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: {كل مسكر خمر وكل مسكر حرام} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الخمر " إذا غلى على النار ونقص الثلث: هل يجوز استعماله أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا صار مسكرا فإنه حرام تجب إراقته ولا يحل بالطبخ. وأما إذا ~~طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ولم يسكر فإنه حلال عند ~~جماهير المسلمين. وأما إن طبخ قبل أن يصير مسكرا حتى ذهب ثلثه أو نصفه فإن ~~كان مسكرا فإنه حرام في مذهب الأئمة الأربعة. وإن لم يكن مسكرا فإنه يستعمل ~~ما لم يسكر إلى ثلاثة أيام. # PageV34P220 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن جماعة من المسلمين رجال كهول وشبان وهم حجاج مواظبون على أداء ما ~~افترض عليهم: من صوم وصلاة وعبادة. وفيهم كبير القدر معروفون بالثقة ~~والأمانة بين المسلمين في أقوالهم وأفعالهم؛ ليس عليهم شيء من ظواهر السوء ms9715 ~~والفسوق وقد اجتمعت عقولهم وأذهانهم ورأيهم على أكل " الغبيراء " وكان ~~قولهم واعتقادهم فيها أنها معصية وسيئة؛ غير أنهم مع ذلك يقولون في ~~اعتقادهم بدليل كتاب الله سبحانه وتعالى وهو {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~وذكروا أيضا أنها حرام؛ غير أن لهم وردا بالليل وتعبدات ويزعمون أنها إذا ~~حصلت نشوتها برءوسهم تأمرهم بتلك العبادة ولا تأمرهم بسوء ولا فاحشة ونسبوا ~~أنه ليس لها ضرر لأحد من خلق الله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة وأنه لا ~~يجب على من أكلها حد من الحدود؛ إلا أنها تتعلق بمخالفة أمر من أمور الله ~~سبحانه وتعالى والله يغفر ما بين العبد وربه. واجتمع بهم رجل صادق القول ~~وذكر عنهم ذلك ووافقهم على أكلها بحكمهم عليه وحديثهم له واعترف على نفسه ~~بذلك: فهل يجب على آكلها حد شارب الخمر أم لا؟ أفتونا. # PageV34P221 # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، نعم يجب على آكلها حد شارب الخمر. وهؤلاء القوم ~~ضلال جهال عصاة لله ولرسوله وكفى برجل جهلا أن يعرف بأن هذا الفعل محرم ~~وأنه معصية لله ولرسوله ثم يقول: إنه تطيب له العبادة وتصلح له حاله ويح ~~هذا القائل أيظن أن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حرم على ~~الخلق ما ينفعهم ويصلح لهم حالهم نعم قد يكون في الشيء منفعة وفيه مضرة ~~أكثر من منفعته فيحرمه الله سبحانه وتعالى؛ لأن المضرة إذا كانت أكثر من ~~المنفعة بقيت الزيادة مضرة محضة وصار هذا الرجل كأنه قال لرجل: خذ مني هذا ~~الدرهم واعطني دينارا فجهله يقول له: هو يعطيك درهما فخذه والعقل يقول: ~~إنما يحصل الدرهم بفوات الدينار وهذا ضرر لا منفعة له؛ بل جميع ما حرمه ~~الله ورسوله إن ثبت فيه منفعة ما فلا بد أن يكون ضرره أكثر. فهذه " الحشيشة ~~الملعونة " هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده ~~المؤمنين المعرضة صاحبها لعقوبة الله؛ إذا كانت كما يقوله الضالون: من أنها ~~تجمع الهمة: وتدعو إلى العبادة فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله ~~وخلقه ms9716 وطبعه أضعاف ما فيها من خير؛ ولا خير فيها؛ ولكن هي تحلل الرطوبات؛ ~~فتتصاعد الأبخرة إلى الدماغ؛ وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ما يفعله ~~من عبادة؛ ويشغله بتلك التخيلات عن إضرار الناس. وهذه رشوة الشيطان يرشو ~~بها المبطلين ليطيعوه # PageV34P222 # فيها؛ بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش؛ وكل منفعة تحصل بهذا ~~السبب فإنها تنقلب مضرة في المآل؛ ولا يبارك لصاحبها فيها؛ وإنما هذا نظير ~~السكران بالخمر؛ فإنها تطيش عقله حتى يسخو بماله؛ ويتشجع على أقرانه؛ ~~فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل؛ وإنما أورثته عدم ~~العقل. ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال فيجود بجهله؛ لا عن عقل ~~فيه. وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل؛ وفتحت باب الخيال: تبقى ~~العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى؛ فإن الراهب تجده ~~يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف؛ فإن دينه باطل والباطل ~~خفيف ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن ~~الخلق بما لا تجود به في الحق؛ وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم أو يدعو ~~المؤمن إلى فعله لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ~~ولم يبال بما بذله عوضا عن ذلك؛ وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه؛ ~~وإنما ذلك لذة ساعة بمنزلة لذة الزاني حال الفعل ولذة شفاء الغضب حال القتل ~~ولذة الخمر حال النشوة ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا وذنوبه محيطة به ~~وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه. وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة ~~من قلة الغيرة؛ وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثا وإما مأبونا؛ وإما ~~كلاهما. وتفسد الأمزجة # PageV34P223 # حتى جعلت خلقا كثيرا مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفتج ومن لم يجن منهم ~~فقد أعطته نقص العقل ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل؛ ثم إن ~~كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهي وإن كانت لا توجب قوة نفس ~~صاحبها حتى ms9717 يضارب ويشاتم فكفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة ~~إذا سكر منها وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر. ثم إنها تورث من ~~مهانة آكلها ودناءة نفسه وانفتاح شهوته: ما لا يورثه الخمر. ففيها من ~~المفاسد ما ليس في الخمر؛ وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة فهي ~~بالتحريم أولى من الخمر؛ لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر؛ ~~وضرر شارب الخمر على الناس أشد؛ إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكل الحشيشة ~~صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر؛ وإنما حرم الله المحارم ~~لأنها تضر أصحابها. وإلا فلو ضرت الناس ولم تضره لم يحرمها؛ إذ الحاسد يضره ~~حال المحسود ولم يحرم الله اكتساب المعالي لدفع تضرر الحاسد. هذا وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل مسكر خمر؛ وكل مسكر حرام} وهذه مسكرة ولو ~~لم يشملها لفظ بعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها؛ مع أن ~~فيها مفاسد أخر غير مفاسد الخمر توجب تحريمها. والله أعلم. # PageV34P224 ### | باب التعزير # سئل شيخ الإسلام أبو العباس: # عن رجل من أمراء المسلمين له مماليك وعنده غلمان: فهل له أن يقيم على ~~أحدهم حدا إذا ارتكبه؟ وهل له أن يأمرهم بواجب إذا تركوه كالصلوات الخمس ~~ونحوها؟ وما صفة السوط الذي يعاقبهم به؟ # فأجاب: # الحمد لله، الذي يجب عليه أن يأمرهم كلهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~والبغي وأقل ما يفعل أنه إذا استأجر أجيرا منهم يشترط عليه ذلك كما يشترط ~~عليه ما يشترطه من الأعمال ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرده. وإذا كان قادرا ~~على عقوبتهم بحيث يقره السلطان على ذلك في العرف الذي اعتاد الناس وغيره لا ~~يعاقبهم على ذلك لكونهم تحت حمايته ونحو ذلك فينبغي له أن يعزرهم على ذلك ~~إذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات إلا بالعقوبة وهو المخاطب بذلك ~~حينئذ فإنه هو القادر عليه وغيره # PageV34P225 # لا يقدر على ذلك؛ مراعاة له. فإن لم يستطع أن يقيم ms9718 هو الواجب ولم يقم ~~غيره بالواجب صار الجميع مستحقين العقوبة قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن ~~الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} وقال: {من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان} لاسيما إذا كان يضربهم لما يتركونه من حقوقه فمن القبيح ~~أن يعاقبهم على حقوقه ولا يعاقبهم على حقوق الله. والتأديب يكون بسوط معتدل ~~وضرب معتدل. ولا يضرب الوجه ولا المقاتل. # وسئل - قدس الله روحه -: # عن رجل يسفه على والديه: فما يجب عليه؟ # فأجاب: # إذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه فإنه يجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه ~~وأمثاله عن مثل ذلك بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيحين أنه قال: {من الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا: وكيف ~~يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه} فإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره ~~لئلا يسب أباه فكيف إذا سب هو أباه مباشرة: فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه ~~عن عقوق # PageV34P226 # الوالدين اللذين قرن الله حقهما بحقه حيث قال: {أن اشكر لي ولوالديك} ~~وقال تعالى {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} فكيف بسبهما؟ . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل من أكابر مقدمي العسكر معروف بالخير والدين وكذب عليه بعض ~~المكاسين حتى ضربه وعلقه وطاف به على حمار؛ وحبسه بعد ذلك: هل يجب على ولي ~~الأمر ضرب من ظلمه؟ . # فأجاب: # من كذب عليه وظلمه حتى فعل به ذلك فإنه تجب عقوبته التي تزجره وأمثاله عن ~~مثل ذلك باتفاق المسلمين؛ بل جمهور السلف يثبتون القصاص في مثل ذلك؛ فمن ~~ضرب غيره وجرحه بغير حق فإنه يفعل به كما فعل؛ كما قال عمر بن الخطاب: " ~~أيها الناس إني لم أبعث عمالي إليكم ms9719 ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ~~ولكن ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيأكم فلا يبلغني أن ~~أحدا ضربه عامله بغير حق إلا أقدته. فراجعه عمرو بن العاص في ذلك فقال لهم: ~~{إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد ممن ظلمه} . # PageV34P227 # وسئل - قدس الله روحه -: # عمن شتم رجلا وسبه؟ # فأجاب: # إذا اعتدى عليه بالشتم والسب فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه؛ ~~فيشتمه إذا لم يكن ذلك محرما لعينه: كالكذب. وأما إن كان محرما لعينه ~~كالقذف بغير الزنا فإنه يعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعه وأمثاله من ~~السفهاء ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذي يشرع إذا تكرر ~~سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن شتم رجلا فقال له: أنت ملعون ولد زنا؟ # فأجاب: # يجب تعزيره على هذا الكلام ويجب عليه حد القذف إن لم يقصد بهذه الكلمة ما ~~يقصده كثير من الناس من قصدهم بهذه الكلمة أن المشتوم فعله خبيث كفعل ولد ~~الزنا. # PageV34P228 # وسئل - رحمه الله -: # عن سامري ضرب مسلما وشتمه؟ # فأجاب: # تجب عقوبته عقوبة بليغة تردعه وأمثاله. والله أعلم # وسئل - رحمه الله -: # عن " الاستمناء " # فأجاب: # أما الاستمناء فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء وعلى فاعله التعزير؛ ~~وليس مثل الزنا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الاستمناء " هل هو حرام؟ أم لا؟ # فأجاب: # أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء وهو أصح القولين في مذهب ~~أحمد وكذلك يعزر من فعله. وفي القول الآخر هو # PageV34P229 # مكروه غير محرم وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره ونقل عن طائفة من ~~الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة: مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه ~~إلا به ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض وهذا قول أحمد وغيره. وأما بدون ~~الضرورة فما علمت أحدا رخص فيه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل يهيج عليه بدنه فيستمني بيده؛ وبعض الأوقات يلصق وركيه على ذكره؛ ~~وهو يعلم ms9720 أن إزالة هذا بالصوم؛ لكن يشق عليه؟ # فأجاب: # أما ما نزل من الماء بغير اختياره فلا إثم عليه فيه؟ لكن عليه الغسل إذا ~~أنزل الماء الدافق. وأما إنزاله باختياره بأن يستمني بيده: فهذا حرام عند ~~أكثر العلماء؛ وهو أحد الروايتين عن أحمد؛ بل أظهرهما. وفي رواية أنه ~~مكروه؛ لكن إن اضطر إليه مثل أن يخاف الزنا إن لم يستمن أو يخاف المرض: ~~فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء؛ وقد رخص في هذه الحال طوائف من السلف ~~والخلف ونهى عنه آخرون. والله أعلم. # PageV34P230 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل جلد ذكره بيده حتى أمنى: فما يجب عليه؟ # فأجاب: # وأما جلد الذكر باليد حتى ينزل فهو حرام عند أكثر الفقهاء مطلقا وعند ~~طائفة من الأئمة حرام إلا عند الضرورة مثل أن يخاف العنت أو يخاف المرض أو ~~يخاف الزنا: فالاستمناء أصلح. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل له ولد صغير فاتهم وضرب بالمقارع؛ وخسر والده أربعمائة درهم ثم ~~وجدت السرقة فجاء صاحب السرقة وصالح المتهوم على مائتي درهم: فهل يصح منه ~~إبراء بغير رضى والده إذا كان تحت الحجر؟ وإذا لم يصح فما يجب في دية ~~الضرب؟ وهل لوالده بعد إبراء الصغير أن يطالبه بضرب ولده أم لا؟ # PageV34P231 # فأجاب: # إذا كان المضروب تحت حجر أبيه لم يصح صلحه ولا إبراؤه. وما غرمه أبوه ~~بسبب هذه التهمة الباطلة فله أن يرجع به على من غرمه إياه بعدوانه سواء ~~أبرأه الابن أو لم يبرئه فالمضروب يستحق أن يضرب من طلب ضربه من المتهمين ~~له مثل ما ضربه إذا لم يعرف بالشر قبل ذلك. هكذا ذكره النعمان بن بشير أن ~~ذلك حكم الله ورسوله رواه {أبو داود وغيره؛ فإنه قال لقوم طلبوا منه أن ~~يضرب رجلا على تهمة: إن شئتم ضربته لكم فإن ظهر ما لكم عنده وإلا ضربتكم ~~مثل ما ضربته فقالوا هذا حكمك؟ فقال هذا حكم الله ورسوله} . وهذا في ضرب من ~~لم يعرف بالشر وأما ضرب من عرف بالشر فذاك مقام آخر وقد ms9721 ثبت القصاص في ~~الضرب واللطم ونحو ذلك عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين. ~~وجاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونص عليه غير واحد من الأئمة ~~كأحمد بن حنبل وغيره؛ وإن كان كثير من الفقهاء لا يرى القصاص في مثل هذا؛ ~~بل يرى فيه التعزير فالأول هو الصحيح؛ ولكن هل للأب أن يستوفي حق القصاص ~~الذي لابنه؟ أم يتركه حتى يبلغ؟ هذا فيه نزاع معروف بين العلماء. وأما إن ~~كان الابن بالغا فله العقوبات البدنية واستبقاؤها. # PageV34P232 ### | باب القطع في السرقة # سئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن رجل سرق بيته مرارا ثم وجد بعد ذلك في بيته مملوك بعد أن أغلق بابه ~~فأخذ فأقر أنه دخل البيت مختلسا مرارا عديدة ولم يقر أنه أخذ شيئا: فهل ~~يلزمه ما عدم لهم من البيت؟ وما الحكم فيه؟ # فأجاب: # هذا العبد يعاقب باتفاق المسلمين على ما ثبت عليه من دخول البيت؛ ويعاقب ~~أيضا عند كثير من العلماء. فإذا أقر بما تبين أنه أخذ المال: مثل أن يدل ~~على موضع المال أو على من أعطاه إياه ونحو ذلك: أخذ المال وأعطي لصاحبه إن ~~كان موجودا وغرمه إن كان تالفا. وينبغي للمعاقب له أن يحتال عليه بما يقر ~~به كما يفعل الحذاق من القضاة والولاة بمن يظهر لهم فجوره حتى يعترف وأقل ~~ما في ذلك أن يشهد عليهم برد اليمين على المدعي فإذا حلف رب المال حينئذ ~~حكم لرب المال إذا حلف. وأما الحكم لرب المال بيمينه بما ظهر من اللوث ~~والأمارات # PageV34P233 # التي يغلب على الظن صدق المدعي: فهذا فيه اجتهاده. وأما في النفوس فالحكم ~~بذلك مذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد: والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له مملوك ذكر أنه سرق له قماشا وذكر الغلام أنه أودعه؟ عند سيده ~~القديم في منديل: فهل يقبل قوله في ذلك؟ وما يلزم في ذلك # فأجاب: # لا يؤخذ بمجرد قول الغلام باتفاق المسلمين سواء كان الحاكم بينهما والي ~~الحرب أو قاضي الحكم؛ بل الذي عليه ms9722 جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ونحوها ~~أن ينظر في المتهم: فإما أن يكون معروفا بالفجور وإما أن يكون مجهول الحال. ~~فإن كان معروفا بالبر لم يجز مطالبته ولا عقوبته. وهل يحلف؟ على قولين ~~للعلماء. ومنهم من قال: يعزر من رماه بالتهمة. وإما أن يكون مجهول الحال ~~فإنه يحبس حتى يكشف أمره. قيل: يحبس شهرا. وقيل: اجتهاد ولي الأمر لما في ~~السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حبس في تهمة} # PageV34P234 # وإن كان قد يكون الرجل معروفا بالفجور المناسب للتهمة فقال طائفة من ~~الفقهاء: يضربه الوالي؛ دون القاضي. وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك ~~والشافعي والإمام أحمد. ومن الفقهاء من قال: لا يضرب وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه أمر الزبير بن العوام أن يمس بعض المعاهدين ~~بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~عاهدهم عليه وقال له: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات ~~والحروب. فقال: المال كثير والعهد قريب من هذا وقال للزبير: دونك هذا فمسه ~~الزبير بشيء من العذاب فدلهم على المال} . وأما إذا ادعى أنه استودع المال ~~فهذا أخف فإن كان معروفا بالخير لم يجز إلزامه بالمال باتفاق المسلمين؛ بل ~~يحلف المدعى عليه سواء كان الحاكم واليا أو قاضيا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عما يتعلق بالتهم في المسروقات في ولايته؛ فإن ترك الفحص في ذلك ضاعت ~~الأموال وطمعت الفساق. وإن وكله إلى غيره ممن هو تحت يده غلب على ظنه أنه ~~يظلم فيها أو يتحقق أنه لا يفي بالمقصود في ذلك؟ وإن # PageV34P235 # أقدم وسأل أو أمسك المتهومين وعاقبهم خاف الله تعالى في إقدامه على أمر ~~مشكوك فيه؟ وهو يسأل ضابطا في هذه الصورة وفي أمر قاطع الطريق؟ # فأجاب: # أما التهم في السرقة وقطع الطريق ونحو ذلك فليس له أن يفوضها إلى من يغلب ~~على ظنه أنه يظلم فيها مع إمكان أن يقيم فيها ms9723 من العدول ما يقدر عليه وذلك ~~أن الناس في التهم " ثلاثة أصناف ". " صنف " معروف عند الناس بالدين والورع ~~وأنه ليس من أهل التهم. فهذا لا يحبس ولا يضرب؛ بل ولا يستحلف في أحد قولي ~~العلماء؛ بل يؤدب من يتهمه فيما ذكره كثير منهم. و " الثاني " من يكون ~~مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور. فهذا يحبس حتى يكشف عن حاله. وقد قيل: ~~يحبس شهرا. وقيل: يحبس بحسب اجتهاد ولي الأمر. والأصل في ذلك ما روى أبو ~~داود وغيره {أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة} وقد نص على ذلك ~~الأئمة وذلك أن هذه بمنزلة ما لو ادعى عليه مدع فإنه يحضر مجلس ولي الأمر ~~الحاكم بينهما وإن كان في ذلك تعويقه عن أشغاله فكذلك تعويق هذا إلى أن ~~يعلم أمره ثم إذا سأل عنه ووجد بارا أطلق. وإن وجد فاجرا كان من " الصنف ~~الثالث " وهو الفاجر الذي قد عرف منه السرقة قبل ذلك أو عرف بأسباب السرقة: ~~مثل أن يكون # PageV34P236 # معروفا بالقمار والفواحش التي لا تتأتى إلا بالمال وليس له مال ونحو ذلك ~~فهذا لوث في التهمة؛ ولهذا قالت طائفة من العلماء إن مثل هذا يمتحن بالضرب ~~يضربه الوالي والقاضي - كما قال أشهب صاحب مالك وغيره - حتى يقر بالمال. ~~وقالت طائفة. يضربه الوالي؛ دون القاضي كما قال ذلك طائفة من أصحاب الشافعي ~~وأحمد كما ذكره القاضيان الماوردي والقاضي أبو يعلى في كتابيهما في الأحكام ~~السلطانية وهو قول طائفة من المالكية كما ذكره الطرسوسي وغيره. ثم المتولي ~~له أن يقصد بضربه مع تقريره عقوبته على فجوره المعروف فيكون تعزيرا ~~وتقريرا. وليس على المتولي أن يرسل جميع المتهومين حتى يأتي أرباب الأموال ~~بالبينة على من سرق؛ " بل قد أنزل على نبيه في قصة كانت تهمة في سرقة قوله ~~تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن للخائنين خصيما} {واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما} {ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم إن الله لا ms9724 يحب من كان خوانا أثيما} {يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان ~~الله بما يعملون محيطا} {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن ~~يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} إلى آخر الآيات وكان ~~سبب ذلك أن قوما يقال لهم بنو أبيرق سرقوا # PageV34P237 # لبعض الأنصار طعاما ودرعين فجاء صاحب المال يشتكي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاء قوم يزكون المتهمين بالباطل؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ظن صدق المزكين فلام صاحب المال: فأنزل الله هذه الآية " ولم يقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصاحب المال: أقم البينة؛ ولا حلف المتهمين؛ لأن أولئك ~~المتهمين كانوا معروفين بالشر وظهرت الريبة عليهم. وهكذا حكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالقسامة في الدماء إذا كان هناك لوث يغلب على الظن صدق ~~المدعين؛ فإن هذه الأمور من الحدود في المصالح العامة؛ ليست من الحقوق ~~الخاصة فلولا القسامة في الدماء لأفضى إلى سفك الدماء فيقتل الرجل عدوه ~~خفية ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة؛ واليمين على القاتل والسارق ~~والقاطع سهلة فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين. وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم؛ ولكن ~~اليمين على المدعى عليه} هذا فيما لا يمكن من المدعي حجة غير الدعوى فإنه ~~لا يعطى بها شيئا ولكن يحلف المدعى عليه. فأما إذا أقام شاهدا بالمال فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم في المال بشاهد ويمين وهو قول فقهاء ~~الحجاز وأهل الحديث كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وإذا كان في دعوى الدم لوث ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعين: {أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون ~~دم صاحبكم؟} # PageV34P238 # كذلك أمر " قطاع الطريق " وأمر " اللصوص " وهو من المصالح العامة التي ~~ليست من الحقوق الخاصة؛ فإن الناس لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم في ~~المساكن والطرقات إلا بما يزجرهم في قطع هؤلاء ولا يزجرهم أن يحلف ms9725 كل منهم؛ ~~ولهذا اتفق الفقهاء على أن قاطع الطريق لأخذ المال يقتل حتما وقتله حد لله؛ ~~وليس قتله مفوضا إلى أولياء المقتول. قالوا؛ لأن هذا لم يقتله لغرض خاص ~~معه؛ إنما قتله لأجل المال فلا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره فقتله ~~مصلحة عامة. فعلى الإمام أن يقيم ذلك. وكذلك " السارق " ليس غرضه في مال ~~معين وإنما غرضه أخذ مال هذا ومال هذا كذلك كان قطعه حقا واجبا لله ليس لرب ~~المال؛ بل رب المال يأخذ ماله وتقطع يد السارق حتى لو قال صاحب المال: أنا ~~أعطيه مالي لم يسقط عنه القطع كما {قال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم أنا ~~أهبه ردائي فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهلا فعلت قبل أن تأتي به} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد ~~الله في أمره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن ~~قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال} {وقال للزبير ~~بن العوام إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع} . # PageV34P239 # ومما يشبه هذا من ظهر عنده مال يجب عليه إحضاره كالمدين إذا ظهر أنه غيب ~~ماله وأصر على الحبس وكمن عنده أمانة ولم يردها إلى مستحقها ظهر كذبه. فإنه ~~لا يحلف؛ لكن يضرب حتى يحضر المال الذي يجب إحضاره أو يعرف مكانه كما {قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام عام خيبر في عم حيي بن أخطب ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن له الذهب والفضة؛ فقال لهذا ~~الرجل: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب فقال: ~~المال كثير والعهد أحدث من هذا ثم قال: دونك هذا فمسه بشيء من العذاب فدلهم ~~عليه في خربة هناك} فهذا لما قال أذهبته النفقات والحروب والعادة تكذبه في ~~ذلك لم يلتفت إليه بل أمر بعقوبته حتى دلهم على المال؛ ms9726 فكذلك من أخذ من ~~أموال الناس وادعى ذهابها دعوى تكذبه فيها العادة كان هذا حكمه. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن كان له ذهب مخيط في ثوبه فأعطاه للغسال نسيانا؛ فلما رده الغسال إليه ~~بعد غسله وجد مكان الذهب مفتقا ولم يجده: فما الحكم فيه؟ # الجواب: # إما أن يحلف المدعى عليه بما يبريه وإما أن يحلف المدعي أنه أخذ الذهب ~~بغير حق ويضمنه؛ فإن كان الغسال معروفا بالفجور وظهرت الريبة بظهور الفتق ~~جاز ضربه وتعزيره. والله أعلم. # PageV34P240 ### | باب حد قطاع الطريق # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن أقوام يقطعون الطريق على المسلمين ويقتلون من يمانعهم عن ماله ويفجرون ~~بحريم المسلمين ويعذبون كل من يمسكونه من المسلمين من ذكر وأنثى حتى يدلهم ~~على شيء من أموال المسلمين؛ ثم الإمام بلغه خبرهم؛ فأمر السلطان بعض الناس ~~أن يروح إليهم ويمنعهم من قتل المسلمين وأخذ أموالهم؛ فخرجوا عليه وقالوا ~~المسيرين إليهم؛ وامتنعوا من طاعة السلطان فهل يحل قتالهم أم لا؟ وهل إذا ~~أخذ السلطان من مالهم شيئا وباعه على المسلمين يحل لأحد أن يشتريه؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يحل قتال هؤلاء بل يجب؛ وإذا أخذ السلطان من أموالهم ~~بإزاء ما أخذوه من أموال المسلمين ولم يعرف مستحقه جاز الشراء منه وإن ~~كانوا أخذوا شيئا من أموال المسلمين ففي أخذ أموالهم خلاف بين الفقهاء. ~~وإذا قلد السلطان أحد القولين بطريقة ساغ له ذلك. # PageV34P241 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن المفسدين في الأرض؛ الذين يستحلون أموال الناس ودماءهم: مثل السارق ~~وقاطع الطريق: هل للإنسان أن يعطيهم شيئا من ماله؟ أو يقاتلهم؟ وهل إذا قتل ~~رجل أحدا منهم: فهل يكون ممن ينسب إلى النفاق؟ وهل عليه إثم في قتل من طلب ~~قتله؟ # فأجاب: # أجمع المسلمون على جواز مقاتلة قطاع الطريق وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {من قتل دون ماله فهو شهيد} . " فالقطاع " إذا طلبوا ~~مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئا باتفاق الأئمة؛ بل يدفعهم بالأسهل ~~فالأسهل فإن لم يندفعوا إلا ms9727 بالقتال فله أن يقاتلهم فإن قتل كان شهيدا وإن ~~قتل واحدا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرا؛ وكذلك إذا طلبوا دمه كان له أن ~~يدفعهم ولو بالقتل إجماعا؛ لكن الدفع عن المال لا يجب بل يجوز له أن يعطيهم ~~المال ولا يقاتلهم. وأما الدفع عن النفس ففي وجوبه قولان هما روايتان عن ~~أحمد. # PageV34P242 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن تاجر نصب عليه جماعة؛ وأخذوا مبلغا فحملهم لولي الأمر؛ وعاقبهم حتى ~~أقروا بالمال وهم محبوسون على المال ولم يعطوه شيئا وهم مصرون على أنهم لا ~~يعطونه شيئا؟ # فأجاب: # الحمد لله، هؤلاء من كان المال بيده وامتنع من إعطائه فإنه يضرب حتى يؤدي ~~المال الذي بيده لغيره. ومن كان قد غيب المال وجحد موضعه فإنه يضرب حتى يدل ~~على موضعه. ومن كان متهما لا يعرف هل معه من المال شيء أم لا؛ فإنه يجوز ~~ضربه معاقبة له على ما فعل من الكذب والظلم. ويقرر مع ذلك على المال أين ~~هو. ويطلب منه إحضاره. والله أعلم # PageV34P243 # وسئل - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # عن ثلاثة من اللصوص أخذ اثنان منهم جمالا والثالث قتل الجمال: هل تقتل ~~الثلاثة؟ # فأجاب: # إذا كان الثلاثة حرامية اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة قتل الثلاثة وإن ~~كان الذي باشر القتل واحدا منهم. والله أعلم. PageV34P244 # الجزء الخامس والثلاثون # كتاب قتال أهل البغي إلى نهاية الإقرار # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ### | باب الخلافة والملك وقتال أهل البغي # قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا؛ من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # أما بعد: ms9728 فهذه " قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله " في كل حال على ~~كل أحد وأن ما أمر الله به ورسوله من طاعة الله وولاة # PageV35P005 # الأمور ومناصحتهم: واجب؛ وغير ذلك من الواجبات قال الله تعالى: {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} وقال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم كما ~~أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. ~~وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول. قال العلماء: الرد ~~إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول بعد موته هو الرد إلى سنته؛ ~~قال الله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~فجعل الله الكتاب الذي أنزله هو الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وفي ~~صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن {النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قام يصلي بالليل يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل # PageV35P006 # وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون: اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم} وفي صحيح مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة ~~قالوا: لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم} وفي صحيح مسلم أيضا ms9729 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: {إن الله يرضى لكم ثلاثا؛ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} وفي ~~السنن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وزيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم ~~يسمعه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه. ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة ~~المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} . و " يغل " بالفتح هو المشهور ~~ويقال: غلى صدره فغل إذا كان ذا غش وضغن وحقد أي قلب المسلم لا يغل على هذه ~~الخصال الثلاثة وهي الثلاثة المتقدمة في قوله: {إن الله يرضى لكم ثلاثا أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن ~~تناصحوا من ولاه الله أمركم} فإن الله إذا # PageV35P007 # كان يرضاها لنا لم يكن قلب المؤمن الذي يحب ما يحبه الله يغل عليها ~~يبغضها ويكرهها فيكون في قلبه عليها غل؛ بل يحبها قلب المؤمن ويرضاها. وفي ~~صحيح البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: {بايعنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط ~~والمكره؛ وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول أو ~~نقوم بالحق أينما كنا؛ لا نخاف في الله لومة لائم} وفي الصحيحين أيضا عن ~~عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {على المرء المسلم ~~السمع والطاعة فيما أحب وكره؛ إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ~~ولا طاعة} وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة ~~عليك} . ومعنى قوله ms9730 {وأثرة عليك} {وأثرة علينا} أي وإن استأثر: ولاة الأمور ~~عليك فلم ينصفوك ولم يعطوك حقك؛ كما في الصحيحين عن {أسيد بن حضير رضي الله ~~عنه أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا ~~تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى ~~تلقوني على الحوض} . وهذا كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال {قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها تكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: # PageV35P008 # يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال؟ تؤدون الحق الذي عليكم ~~وتسألون الله الذي لكم} وفي صحيح مسلم عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال ~~{سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعونا حقنا: فما تأمرنا؟ فأعرض عنه؛ ~~ثم سأله فأعرض؛ ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فحدثه الأشعث بن قيس قال؛ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا ~~وعليكم ما حملتم} . فذلك ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ~~ومناصحتهم: هو واجب على المسلم؛ وإن استأثروا عليه. وما نهى الله عنه ~~ورسوله من معصيتهم: فهو محرم عليه؛ وإن أكره عليه. # فصل: # وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان ~~وإن لم يعاهدهم عليه وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة كما يجب عليه الصلوات ~~الخمس والزكاة والصيام وحج البيت. وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من ~~الطاعة؛ فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله ~~من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم. فالحالف على هذه # PageV35P009 # الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه سواء حلف بالله أو غير ذلك ~~من الأيمان التي يحلف بها المسلمون؛ فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ~~ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه؛ فكيف إذا حلف عليه وما نهى الله ورسوله ms9731 ~~عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك. وهذا كما أنه إذا حلف ليصلين ~~الخمس وليصومن شهر رمضان أو ليقضين الحق الذي عليه ويشهدن بالحق: فإن هذا ~~واجب عليه وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه وما نهى الله عنه ورسوله من ~~الشرك والكذب وشرب الخمر والظلم والفواحش وغش ولاة الأمور والخروج عما أمر ~~الله به من طاعتهم: هو محرم؛ وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه ولهذا من ~~كان حالفا على ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم أو ~~الصلاة أو الزكاة أو صوم رمضان أو أداء الأمانة والعدل ونحو ذلك: لا يجوز ~~لأحد أن يفتيه بمخالفة ما حلف عليه والحنث في يمينه؛ ولا يجوز له أن يستفتي ~~في ذلك. ومن أفتى مثل هؤلاء بمخالفة ما حلفوا عليه والحنث في أيمانهم: فهو ~~مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام؛ بل لو أفتى آحاد العامة بأن ~~يفعل خلاف ما حلف عليه من الوفاء في عقد بيع أو نكاح أو إجارة أو غير ذلك ~~مما يجب عليه الوفاء به من # PageV35P010 # العقود التي يجب الوفاء بها وإن لم يحلف عليها فإذا حلف كان أوكد فمن ~~أفتى مثل هذا بجواز نقض هذه العقود. والحنث في يمينه: كان مفتريا على الله ~~الكذب مفتيا بغير دين الإسلام فكيف إذا كان ذلك في معاقدة ولاة الأمور التي ~~هي أعظم العقود التي أمر الله بالوفاء بها. وهذا كما أن جمهور العلماء ~~يقولون: يمين المكره بغير حق لا ينعقد سواء كان بالله أو النذر أو الطلاق ~~أو العتاق؛ وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. ثم إذا أكره ولي الأمر الناس ~~على ما يجب عليهم من طاعته ومناصحته وحلفهم على ذلك: لم يجز لأحد أن يأذن ~~لهم في ترك ما أمر الله به ورسوله من ذلك ويرخص لهم في الحنث في هذه ~~الأيمان؛ لأن ما كان واجبا بدون اليمين فاليمين تقويه؛ لا تضعفه؛ ولو قدر ~~أن صاحبها أكره عليها. ومن أراد أن يقول ms9732 بلزوم المحلوف مطلقا في بعض ~~الأيمان؛ لأجل تحليف ولاة الأمور أحيانا. قيل له: وهذا يرد عليك فيما ~~تعتقده في يمين المكره؛ فإنك تقول: لا يلزم وإن حلف بها ولاة الأمور. ويرد ~~عليك في أمور كثيرة تفتي بها في الحيل؛ مع ما فيه من معصية الله تعالى ~~ورسوله وولاة الأمور. # PageV35P011 # وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من ~~معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم: بوجه من الوجوه كما قد عرف من ~~عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم. وقد ثبت في الصحيح عن ~~ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ينصب لكل غادر ~~لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدره} قال: وإن من أعظم الغدر. يعني بإمام ~~المسلمين. وهذا حدث به عبد الله بن عمر لما قام قوم من أهل المدينة يخرجون ~~عن طاعة ولي أمرهم؛ ينقضون بيعته. وفي صحيح مسلم عن {نافع قال جاء عبد الله ~~بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان؛ زمن يزيد بن ~~معاوية؛ فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك ~~لأحدثك حديثا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يدا لقي ~~الله يوم القيامة ولا حجة له؛ ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية} ~~وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه ليس أحد من الناس يخرج ~~من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية} وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من خرج من ~~الطاعة وفارق الجماعة؛ فمات مات ميتة جاهلية؛ ومن قاتل تحت راية عمية؛ يغضب ~~لعصبية، # PageV35P012 # أو يدعو إلى عصبية؛ أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية} وفي لفظ {ليس من ~~أمتي من خرج على ms9733 أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يوفي لذي ~~عهدها؛ فليس مني ولست منه} . # " فالأول " هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر؛ ويفارق الجماعة. # " والثاني " هو الذي يقاتل لأجل العصبية؛ والرياسة؛ لا في سبيل الله كأهل ~~الأهواء: مثل قيس ويمن. # " والثالث " مثل الذي يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي؛ ليأخذ ~~ماله وكالحرورية المارقين الذين قاتلهم علي بن أبي طالب الذي قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله ~~لمن قتلهم يوم القيامة} . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي ~~الأمر؛ وإن كان عبدا حبشيا كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة} وعن {أبي ~~ذر قال: أوصاني خليلي أن اسمعوا وأطيعوا؛ ولو كان حبشيا مجدع # PageV35P013 # الأطراف} وعن البخاري: {ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة} وفي صحيح مسلم عن {أم ~~الحصين رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع ~~وهو يقول: ولو استعمل عبدا يقودكم بكتاب الله اسمعوا وأطيعوا} وفي رواية: ~~{عبد حبشي مجدع} وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: {خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ~~ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ~~قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: لا؛ ما أقاموا فيكم ~~الصلاة لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من ~~معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة} وفي صحيح مسلم ~~عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المقسطين عند الله على منابر من نور ms9734 عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين. الذين ~~يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا} وفي صحيح مسلم عن {عائشة رضي الله عنها ~~أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي ~~شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به} ~~وفي الصحيحين عن {الحسن البصري قال عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار في ~~مرضه الذي مات فيه # PageV35P014 # فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية ~~يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة} وفي رواية لمسلم: ~~{ما من أمير يلي من أمر المسلمين شيئا ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل ~~معهم الجنة} وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته ~~وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه. والعبد راع ~~على مال سيده وهو مسئول عنه ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} وفي ~~الصحيحين عن علي رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر ~~عليهم رجلا؛ فأوقد نارا فقال: ادخلوها. فأراد الناس أن يدخلوها وقال ~~الآخرون. إنا فررنا منها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة وقال ~~للآخرين قولا حسنا؛ وقال: لا طاعة في معصية الله؛ إنما الطاعة في المعروف} ~~. # PageV35P015 # فصل: # قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال الله تعالى ~~{وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال ms9735 تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول} {وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا} وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} . فطاعة الله ~~ورسوله واجبة على كل أحد؛ وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن ~~أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله. ومن كان لا يطيعهم ~~إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم؛ وإن # PageV35P016 # منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاثة لا يكلمهم ~~الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم؛ ولا يزكيهم؛ ولهم عذاب أليم. رجل على فضل ~~ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل؛ ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له ~~بالله لآخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا ~~لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفى؛ وإن لم يعطه منها لم يف} . # PageV35P017 # وقال - قدس الله روحه -: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # قاعدة: # قال النبي صلى الله عليه وسلم {خلافة النبوة ثلاثون سنة؛ ثم يؤتي الله ~~ملكه - أو الملك - من يشاء} لفظ أبي داود من رواية عبد الوارث والعوام ~~{تكون الخلافة ثلاثين عاما ثم يكون الملك} {تكون الخلافة ثلاثين سنة ثم ~~تصير ملكا} وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد ~~والعوام بن حوشب وغيره عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رواه أهل السنن: كأبي داود وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره ~~في تقرير خلافة ms9736 الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد؛ واستدل به على من ~~توقف في خلافة علي؛ من # PageV35P018 # أجل افتراق الناس عليه؛ حتى قال أحمد: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو ~~أضل من حمار أهله؛ ونهى عن مناكحته وهو متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السنة ~~وأهل المعرفة والتصوف وهو مذهب العامة. وإنما يخالفهم في ذلك بعض أهل ~~الأهواء من أهل الكلام ونحوهم: كالرافضة الطاعنين في خلافة الثلاثة أو ~~الخوارج الطاعنين في خلافة الصهرين المنافيين: عثمان وعلي أو بعض الناصبة ~~النافين لخلافة علي أو بعض الجهال من المتسننة الواقفين في خلافته ووفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته ~~وإلى عام ثلاثين سنة كان إصلاح ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن ~~علي السيد بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين في شهر ~~جمادى الأولى وسمي " عام الجماعة " لاجتماع الناس على " معاوية " وهو أول ~~الملوك. وفي الحديث الذي رواه مسلم: {ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ~~ورحمة ثم يكون ملك وجبرية ثم يكون ملك عضوض} وقال صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المشهور في السنن وهو صحيح: {إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة} . # PageV35P019 # ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين " خلفاء " وإن كانوا ملوكا؛ ولم ~~يكونوا خلفاء الأنبياء بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كانت بنو ~~إسرائيل يسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون ~~خلفاء فتكثر؛ قالوا فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول؛ ثم أعطوهم ~~حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم} . فقوله: " فتكثر " دليل على من سوى ~~الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرا. وأيضا قوله: {فوا ببيعة الأول فالأول} دل ~~على أنهم يختلفون؛ والراشدون لم يختلفوا. وقوله: {فأعطوهم حقهم؛ ms9737 فإن الله ~~سائلهم عما استرعاهم} دليل على مذهب أهل السنة؛ في إعطاء الأمراء حقهم؛ من ~~المال والمغنم. وقد ذكرت في غير هذا الموضع أن مصير الأمر إلى الملوك ~~ونوابهم من الولاة؛ والقضاة والأمراء ليس لنقص فيهم فقط بل لنقص في الراعي ~~والرعية جميعا؛ فإنه " كما تكونون: يولى عليكم " وقد قال الله تعالى: ~~{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد ~~أمر به صلى الله عليه وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله؛ ومناصحتهم ~~والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم؛ والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك # PageV35P020 # من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم؛ فإنه من " باب التعاون ~~على البر والتقوى " وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانتهم على ظلمهم ~~وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك؛ مما هو من " باب التعاون على الإثم ~~والعدوان " وما أمر به أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لهم ~~ولغيرهم على الوجه المشروع؛ وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالات الله إليهم؛ ~~بحيث لا يترك ذلك جبنا ولا بخلا ولا خشية لهم ولا اشتراء للثمن القليل ~~بآيات الله؛ ولا يفعل أيضا للرئاسة عليهم ولا على العامة ولا للحسد ولا ~~للكبر ولا للرياء لهم ولا للعامة. ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه. بحيث ~~يخرج عليهم بالسلاح؛ وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة ~~كما دلت عليه النصوص النبوية؛ لما في ذلك من الفساد الذي يربو على فساد ما ~~يكون من ظلمهم؛ بل يطاع الله فيهم وفي غيرهم ويفعل ما أمر به ويترك ما نهى ~~عنه. وهذه جملة تفصيلها يحتاج إلى بسط كثير والغرض هنا بيان " جماع الحسنات ~~والسيئات " الواقعة بعد خلافة النبوة: في الإمارة وفي تركها؛ فإنه مقام ~~خطر؛ وذلك أن خبره بانقضاء " خلافة النبوة " فيه الذم للملك والعيب له؛ لا ~~سيما وفي حديث {أبي # PageV35P021 # بكرة: أنه استاء للرؤيا وقال: خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء} . ~~ثم النصوص الموجبة لنصب الأئمة والأمراء ms9738 وما في الأعمال الصالحة التي ~~يتولونها من الثواب: حمد لذلك وترغيب فيه؛ فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه ~~وفي حكم اجتماع الأمرين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن ~~الله خيرني بين أن أكون عبدا رسولا وبين أن أكون نبيا ملكا فاخترت أن أكون ~~عبدا رسولا} فإذا كان الأصل في ذلك شوب الولاية؛ من الإمارة والقضاء ~~والملك: هل هو جائز في الأصل والخلافة مستحبة؟ أم ليس بجائز إلا لحاجة من ~~نقص علم أو نقص قدرة بدونه؟ فنحتج بأنه ليس بجائز في الأصل بل الواجب خلافة ~~النبوة لقوله صلى الله عليه وسلم {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي تمسكوا بها؛ وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فكل بدعة ~~ضلالة} بعد قوله: {من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا} فهذا أمر وتحضيض ~~على لزوم سنة الخلفاء وأمر بالاستمساك بها وتحذير من المحدثات المخالفة لها ~~وهذا الأمر منه والنهي: دليل بين في الوجوب. # PageV35P022 # ثم اختص من ذلك قوله: {اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر} فهذان أمر ~~بالاقتداء بهما والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم. وفي هذا تخصيص للشيخين ~~من وجهين " أحدهما " أن " السنة " ما سنوه للناس. وأما " القدوة " فيدخل ~~فيها الاقتداء بهما فيما فعلاه مما لم يجعلوه سنة " الثاني " أن السنة ~~أضافها إلى الخلفاء؛ لا إلى كل منهم. فقد يقال: أما ذلك فيما اتفقوا عليه؛ ~~دون ما انفرد به بعضهم. وأما القدوة فعين القدوة بهذا وبهذا. وفي هذا الوجه ~~نظر. ويستفاد من هذا. أن ما فعله عثمان وعلي من الاجتهاد الذي سبقهما بما ~~هو أفضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص وموافقة جمهور الأمة على رجحانه وكان ~~سببه افتراق الأمة: لا يؤمر بالاقتداء بهما فيه؛ إذ ليس ذلك من سنة ~~الخلفاء؛ وذلك أن أبا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة وسلما من ~~التأويل في الدماء والأموال. وعثمان رضي الله عنه غلب الرغبة وتأول في ~~الأموال. وعلي غلب الرهبة وتأول في الدماء. وأبو بكر وعمر كمل زهدهما في ~~المال ms9739 والرياسة. وعثمان كمل زهده في الرياسة. وعلي كمل زهده في المال. # PageV35P023 # وأيضا فكون النبي صلى الله عليه وسلم استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل ~~على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب. وقد يحتج من يجوز " الملك " بالنصوص ~~التي منها {قوله لمعاوية: إن ملكت فأحسن} ونحو ذلك وفيه نظر. ويحتج بأن عمر ~~أقر معاوية لما قدم الشام على ما رآه من أبهة الملك لما ذكر له المصلحة فيه ~~فإن عمر قال: لا آمرك ولا أنهاك ويقال في هذا: إن عمر لم ينهه؛ لا أنه أذن ~~له في ذلك؛ لأن معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ذلك ولم يثق عمر بالحاجة. فصار ~~محل اجتهاد في الجملة فهذان القولان متوسطان: أن يقال: الخلافة واجبة وإنما ~~يجوز الخروج عنها بقدر الحاجة. أو أن يقال: يجوز قبولها من الملك بما ييسر ~~فعل المقصود بالولاية ولا يعسره؛ إذ ما يبعد المقصود بدونه لا بد من إجازته ~~وأما ملك فإيجابه أو استحبابه محل اجتهاد. وهنا طرفان " أحدهما " من يوجب ~~ذلك في كل حال وزمان وعلى كل أحد ويذم من خرج عن ذلك مطلقا أو لحاجة كما هو ~~حال أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتسننة والمتزهدة. ~~والثاني: # PageV35P024 # من يبيح الملك مطلقا؛ من غير تقيد بسنة الخلفاء؛ كما هو فعل الظلمة ~~والإباحية وأفراد المرجئة. وهذا تفصيل جيد وسيأتي تمامه. و " تحقيق الأمر " ~~أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما أن يكون لعجز العباد ~~عن خلافة النبوة أو اجتهاد سائغ أو مع القدرة على ذلك علما وعملا؛ فإن كان ~~مع العجز علما أو عملا كان ذو الملك معذورا في ذلك. وإن كانت خلافة النبوة ~~واجبة مع القدرة؛ كما تسقط سائر الواجبات مع العجز كحال النجاشي لما أسلم ~~وعجز عن إظهار ذلك في قومه؛ بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه؛ ~~لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف. وإن كان مع القدرة ~~علما وعملا وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة وأن اختيار ms9740 الملك جائز ~~في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا: فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا إثم ~~على الملك العادل أيضا. وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلى في " المعتمد " ~~لما تكلم في تثبيت خلافة معاوية وبنى ذلك على ظهور إسلامه وعدالته وحسن ~~سيرته وأنه ثبتت إمامته بعد موت علي لما عقدها الحسن له وسمي ذلك " عام ~~الجماعة " وذكر حديث عبد الله بن مسعود: {تدور رحا الإسلام على رأس خمس # PageV35P025 # وثلاثين} قال: قال أحمد في رواية ابن الحكم: يروي عن الزهري أن معاوية ~~كان أمره خمس سنين لا ينكر عليه شيء؛ فكان هذا على حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم " خمس وثلاثين سنة ": قال ابن الحكم: قلت لأحمد: من قال حديث ابن ~~مسعود {تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين} إنها من مهاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: لقد أخبر هذا وما عليه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصف ~~الإسلام بسير هو بالجناية إنما يصف ما يكون بعده من السنين. قال: وظاهر هذا ~~من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث؛ وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس ~~والثلاثين وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال: كل بيعة كانت بالمدينة ~~فهي خلافة نبوة لنا. قال القاضي: وظاهر هذا: أن ما كان بغير المدينة لم يكن ~~خلافة نبوة. قلت: نصوص أحمد على أن الخلافة تمت بعلي كثيرة جدا. ثم عارض ~~القاضي ذلك بقوله: {الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا} قال السائل: فلما خص ~~الخلافة بعده بثلاثين سنة: كان آخرها آخر أيام علي وأن بعد ذلك يكون ملكا: ~~دل على أن ذلك ليس بخلافة فأجاب القاضي: بأنه يحتمل أن يكون المراد به " ~~الخلافة " التي لا يشوبها ملك بعده " ثلاثون # PageV35P026 # سنة " وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة. ومعاوية: قد شابها الملك؛ وليس ~~هذا قادحا في خلافته؛ كما أن ملك سليمان لم يقدح في نبوته وإن كان غيره من ~~الأنبياء فقيرا. قلت: فهذا يقتضي أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا ~~وأن ذلك لا ينافي ms9741 العدالة وإن كانت الخلافة المحضة أفضل. وكل من انتصر ~~لمعاوية وجعله مجتهدا في أموره ولم ينسبه إلى معصية: فعليه أن يقول بأحد ~~القولين: إما جواز شوبها بالملك أو عدم اللوم على ذلك فيتجه إذا (1) قال إن ~~خلافة النبوة واجبة؛ فلو قدر فإن عمل سيئة فكبيرة وإن كان دينا؛ أو لأن ~~الفاسق من غلبت سيئاته حسناته؛ وليس كذلك وهذا رحمته بالملوك العادلين؛ إذ ~~هم في الصحابة من يقتدى به. وأما أهل البدع كالمعتزلة: فيفسقون معاوية لحرب ~~علي وغير ذلك؛ بناء على أنه فعل كبيرة وهي توجب التفسيق فلا بد من منع إحدى ~~المقدمتين. ثم إذا ساغ هذا للملوك: ساغ للقضاة والأمراء ونحوهم. وأما إذا ~~كانت خلافة النبوة واجبة وهي مقدورة؛ وقد تركت: فترك الواجب سبب للذم ~~والعقاب. ثم هل تركها كبيرة أو صغيرة؟ PageV35P027 # إن كان صغيرة لم يقدح في العدالة وإن كان كبيرة ففيه القولان. لكن يقال ~~هنا: إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ويترك من ~~السيئات المنهي عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله ~~من محظور: فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته؛ فإذا كان غيره مقصرا في هذه ~~الطاعة التي فعلها مع سلامته عن سيئاته؛ فله " ثلاثة أحوال " إما أن يكون ~~الفاضل من حسنات الأمير أكثر من مجموع حسنات هذا أو أقل. فإن كانت فاضلة ~~أكثر كان أفضل وإن كان أقل كان مفضولا وإن تساويا تكافآ. هذا موجب العدل؛ ~~ومقتضى نصوص الكتاب والسنة في الثواب والعقاب. وهو مبني على قول من يعتبر ~~الموازنة والمقابلة في الجزاء؛ وفي العدالة أيضا. وأما من يقول: إنه ~~بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد؛ ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة: فلا يجيء ~~هذا وهو قول طائفة من العلماء في العدالة. والأول أصح على ما تدل عليه ~~النصوص. ويتفرع من هنا " مسألة " وهو ما إذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة ~~الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب: فلها صورتان: # PageV35P028 # إحداهما: إذا لم يمكن إلا ذلك فهنا لا يبقى ms9742 سيئة فإن ما لا يتم الواجب؛ ~~أو المستحب إلا به: فهو واجب أو مستحب. ثم إن كان مفسدته دون تلك المصلحة ~~لم يكن محظورا كأكل الميتة للمضطر ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها ~~الحاجات كلبس الحرير في البرد ونحو ذلك. وهذا باب عظيم. فإن كثيرا من الناس ~~يستشعر سوء الفعل؛ ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب ~~الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجا في المحبوب أو يصير ~~مباحا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة كما أن من الأمور المباحة؛ بل ~~والمأمور بها إيجابا أو استحبابا: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو ~~مرجوحة كالصيام للمريض وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت كما قال صلى ~~الله عليه وسلم {قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي ~~السؤال} . وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول أحيانا عن بعض سنة الخلفاء كما ~~يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة؛ وذلك فيما إذا ~~وقع العجز عن بعض سنتهم أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه؛ بأن تكون ~~الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل. # PageV35P029 # وهكذا " مسألة الترك " كما قلناه أولا وبينا أنه لا يخالفه إلا أهل البدع ~~ونحوهم من أهل الجهل والظلم. " والصورة الثانية " إذا كان يمكن فعل الحسنات ~~بلا سيئة؛ لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه ~~نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار المأمور بها إيجابا أو استحبابا إن لم ~~يبذل لنفسه ما تحبه من بعض الأمور المنهي عنها التي إثمها دون منفعة الحسنة ~~فهذا القسم واقع كثيرا: في أهل الإمارة والسياسة والجهاد وأهل العلم ~~والقضاء والكلام؛ وأهل العبادة والتصوف وفي العامة. مثل من لا تطيعه نفسه ~~إلى القيام بمصالح الإمارة - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة ~~الحدود وأمن السبل وجهاد العدو وقسمة المال - إلا بحظوظ منهي عنها من ~~الاستئثار ببعض المال؛ والرياسة على الناس والمحاباة في القسم وغير ذلك من ms9743 ~~الشهوات وكذلك في الجهاد: لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور. ~~وفي العلم لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه وأصول الدين إلا بنوع من ~~المنهي عنه من الرأي والكلام. ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة ~~المشروعة والمعرفة المأمور بها إلا بنوع من الرهبانية. فهذا القسم كثر في ~~دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم وقضاتهم وعلمائهم ~~وعبادهم. أعني أهل زمانهم. وبسببه # PageV35P030 # نشأت الفتن بين الأمة. فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الأمور المنهي ~~عنها؛ فذموهم وأبغضوهم. وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأمور بها ~~فأحبوهم. ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات. والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم ~~حسنات. وقد تقدم أصل هذه المسألة وهو أنه إذا تعسر فعل الواجب في الإمارة ~~إلا بنوع من الملك: فهل يكون الملك مباحا كما يباح عند التعذر؟ ذكرنا فيه ~~القولين؛ فإن أقيم التعسر مقام التعذر: لم يكن ذلك إثما وإن لم يقم كان ~~إثما. وأما ما لا تعذر فيه ولا تعسر: فإن الخروج فيه عن سنة الخلفاء اتباع ~~للهوى. " فالتحقيق " أن الحسنات: حسنات والسيئات: سيئات وهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا. وحكم الشريعة أنهم لا يؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات ولا ~~يؤمرون به. ولا يجعل حظ أنفسهم عذرا لهم في فعلهم؛ إذا لم تكن الشريعة ~~عذرتهم؛ لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات ويحضون على ذلك؛ ويرغبون فيه. وإن ~~علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة؛ كما يؤمر الأمراء بالجهاد؛ وإن ~~علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة ~~الجهاد. ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة ~~الواجبة لم ينهوا عنها؛ لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة؛ ~~إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين فيفعل حينئذ تمام الواجب كما كان # PageV35P031 # عمر بن الخطاب يستعمل من فيه فجور؛ لرجحان المصلحة في عمله؛ ثم يزيل ~~فجوره بقوته وعدله. ويكون ترك النهي عنها حينئذ: مثل ترك الإنكار باليد ms9744 أو ~~بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر. فإذا كان النهي مستلزما ~~في القضية المعينة لترك المعروف الراجح: كان بمنزلة أن يكون مستلزما لفعل ~~المنكر الراجح كمن أسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين كما هو مأثور عن بعض من ~~أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو ~~يشرب الخمر أو يفعل بعض المحرمات ولو نهى عن ذلك ارتد عن الإسلام. ففرق بين ~~ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة ~~راجحة وبين إذنه في فعله. وهذا يختلف باختلاف الأحوال. ففي حال أخرى يجب ~~إظهار النهي: إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف من فعله. أو لرجاء الترك. ~~أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال؛ ولهذا تنوع حال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أمره ونهيه وجهاده وعفوه؛ وإقامته الحدود وغلظته ورحمته. # PageV35P032 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قد ذكرت فيما تقدم: الكلام على " الملك ": هل هو جائز في شريعتنا ولكن ~~خلافة النبوة مستحبة وأفضل منه؟ أم خلافة النبوة واجبة؟ وإنما تجويز تركها ~~إلى الملك للعذر كسائر الواجبات؟ تكلمت على ذلك. وأما في شرع من قبلنا؛ فإن ~~الملك جائز؛ كالغنى يكون للأنبياء تارة وللصالحين أخرى قال الله تعالى في ~~داود: {وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} وقال عن سليمان: {رب اغفر ~~لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} وقال عن يوسف: {رب ~~قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} فهؤلاء ثلاثة أنبياء أخبر ~~الله أنه آتاهم الملك وقال: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ~~فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} {فمنهم من آمن ~~به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا} فهذا ملك لآل إبراهيم وملك لآل داود ~~وقد قال مجاهد في قوله: {تؤتي الملك من تشاء} قال: النبوة فجعل النبوة ~~نفسها ملكا. # PageV35P033 # والتحقيق أن من النبوة ما يكون ملكا؛ فإن النبي له ثلاثة أحوال: إما ms9745 أن ~~يكذب؛ ولا يتبع ولا يطاع: فهو نبي لم يؤت ملكا. وإما أن يطاع. فنفس كونه ~~مطاعا هو ملك؛ لكن إن كان لا يأمر إلا بما أمر به: فهو عبد رسول ليس له ~~ملك. وإن كان يأمر بما يريده مباحا له ذلك بمنزلة الملك كما قيل لسليمان: ~~{هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} فهذا نبي ملك. فالملك هنا قسيم العبد ~~الرسول كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم {اختر إما عبدا رسولا وإما نبيا ~~ملكا} . وأما بالتفسير الأول وهو " الطاعة والاتباع " فقسم من النبوة ~~والرسالة وهؤلاء أكمل. وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه كان عبدا ~~رسولا. مؤيدا مطاعا متبوعا فأعطي فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر ~~من اتبعه ولينتفع به الخلق ويرحموا به. ويرحم بهم. ولم يختر أن يكون ملكا ~~لئلا ينقص؛ لما في ذلك من الاستمتاع بالرياسة والمال عن نصيبه في الآخرة؛ ~~فإن العبد الرسول أفضل عند الله من النبي الملك؛ ولهذا كان أمر نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم: أفضل من داود وسليمان. ويوسف حتى إن من أهل ~~الكتاب من طعن في نبوة داود وسليمان كما يطعن كثير من الناس في ولاية بعض ~~أهل الرياسة والمال؛ وليس الأمر كذلك. # PageV35P034 # وأما " الملوك الصالحون " فقوله سبحانه: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ~~قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ~~قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من ~~يشاء والله واسع عليم} {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} ~~وقوله سبحانه: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا} {إنا مكنا ~~له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا} الآية. قال مجاهد: ملك الأرض مؤمنان ~~وكافران فالمؤمنان سليمان وذو القرنين. والكافران بختنصر ونمرود وسيملكها ~~خامس من هذه الأمة. وقوله تعالى {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} . وأما " جنس الملوك " فكثيرة كقوله: {وكان ms9746 ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} وقوله: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف} . # PageV35P035 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # اعلم أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ~~ليظهره على الدين كله وأكمل لأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعله على شريعة ~~من الأمر وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وجعل كتابه مهيمنا ~~على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها وجعل له شرعة ومنهاجا وشرع لأمته سنن ~~الهدى؛ ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد. كتاب يهدي به وحديد ~~ينصره كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} ~~فالكتاب به يقوم العلم والدين. والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية ~~والقبوض. والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين. ولهذا كان في ~~الأزمان المتأخرة الكتاب للعلماء والعباد. والميزان للوزراء والكتاب وأهل ~~الديوان. والحديد للأمراء والأجناد. والكتاب له الصلاة؛ والحديد له الجهاد؛ ~~ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد وكان {النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول في عيادة المريض: اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة؛ ~~وينكأ لك عدوا} وقال عليه الصلاة والسلام {رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} # PageV35P036 # ولهذا جمع بينهما في مواضع من القرآن؛ كقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} ~~. والصلاة أول أعمال الإسلام؛ وأصل أعمال الإيمان؛ ولهذا سماها إيمانا في ~~قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي صلاتكم إلى بيت المقدس. هكذا نقل عن ~~السلف وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} وقال: {فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فوصفهم بالمحبة التي هي حقيقة الصلاة كما ~~قال: {محمد رسول الله ms9747 والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} فوصفهم بالشدة على الكفار والضلال. وفي ~~الصحيح {أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ~~وجهاد في سبيله فقيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور} مع قوله في الحديث الصحيح ~~{لما سأله ابن مسعود: أي العمل أفضل؟ قال الصلاة في وقتها قال ثم ماذا؟ ~~قال: بر الوالدين قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله} فإن قوله " ~~إيمان بالله " دخل فيه الصلاة؛ ولم يذكر في الأول بر الوالدين؛ إذ ليس لكل ~~أحد والدان. فالأول مطلق والثاني مقيد بمن له والدان. # PageV35P037 # ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن ~~سلك سبيلهم من ولاة الأمور - في الدولة الأموية والعباسية - أن الإمام يكون ~~إماما في هذين الأصلين جميعا: الصلاة والجهاد. فالذي يؤمهم في الصلاة يؤمهم ~~في الجهاد وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا استعمل رجلا على بلد: مثل عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن ~~أبي العاص على الطائف. وغيرهما: كان هو الذي يصلي بهم ويقيم الحدود وكذلك ~~إذا استعمل رجلا على مثل غزوة؛ كاستعماله زيد بن حارثة وابنه أسامة وعمرو ~~بن العاص وغيرهم: كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس؛ ولهذا استدل ~~المسلمون بتقديمه أبا بكر في الصلاة على أنه قدمه في الإمامة العامة. وكذلك ~~كان أمراء " الصديق " - كيزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد وشرحبيل بن ~~حسنة. وعمرو بن العاص وغيرهم - أمير الحرب هو إمام الصلاة. وكان نواب " عمر ~~بن الخطاب " كاستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب والصلاة وابن ~~مسعود على القضاء وبيت المال وعثمان بن حنيف على الخراج. ومن هنا أخذ الناس ~~ولاية الحرب وولاية الخراج وولاية القضاء فإن عمر بن الخطاب هو أمير ~~المؤمنين فلما انتشر المؤمنون وغلبوا الكافرين على البلاد وفتحوها واحتاجوا ~~إلى زيادة في الترتيب: وضع # PageV35P038 # لهم " الديوان " ديوان الخراج للمال المستخرج ms9748 وديوان العطاء والنفقات ~~للمال المصروف ومصر لهم الأمصار: فمصر الكوفة والبصرة ومصر الفسطاط؛ فإنه ~~لم يؤثر أن يكون بينه وبين جند المسلمين نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل؛ ~~فجعل هذه الأمصار مما يليه. # فصل: # وكانت " مواضع الأئمة ومجامع الأمة " هي المساجد؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى: ففيه الصلاة والقراءة والذكر؛ ~~وتعليم العلم والخطب. وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء ~~وتعريف العرفاء. وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم. ~~وكذلك عماله في: مثل مكة والطائف وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى ~~وكذلك عماله على البوادي؛ فإن لهم مجمعا فيه يصلون وفيه يساسون كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إن بني إسرائيل كان تسوسهم الأنبياء؛ كلما ذهب ~~نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون قالوا: فما ~~تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول واسألوا الله لكم؛ فإن الله سائلهم ~~عما استرعاهم} . # PageV35P039 # وكان " الخلفاء والأمراء " يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في ~~بيوتهم؛ لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع. وكان سعد بن أبي وقاص قد ~~بنى له بالكوفة قصرا وقال: أقطع عني الناس فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد ~~بن مسلمة وأمره أن يحرقه فاشترى من نبطي حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصره ~~فحرقه؛ فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته؛ ولكن بنيت قصور الأمراء. ~~فلما كانت إمارة معاوية احتجب لما خاف أن يغتال كما اغتيل علي واتخذ ~~المقاصير في المساجد ليصلي فيها ذو السلطان وحاشيته واتخذ المراكب؛ فاستن ~~به الخلفاء الملوك بذلك فصاروا مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس ~~ويباشرون الجمعة والجماعة والجهاد وإقامة الحدود: لهم قصور يسكنون فيها ~~ويغشاهم رءوس الناس فيها كما كانت " الخضراء " لبني أمية قبلي المسجد ~~الجامع والمساجد يجتمع فيها للعبادات والعلم ونحو ذلك. # فصل: # طال الأمد وتفرقت الأمة وتمسك كل قوم بشعبة من الدين بزيادات زادوها ~~فأعرضوا عن شعبة منه أخرى. أحدثت الملوك والأمراء " القلاع والحصون " وإنما ~~كانت تبنى الحصون ms9749 والمعاقل قديما في الثغور خشية # PageV35P040 # أن يدهمها العدو؛ وليس عندهم من يدفعه عنها وكانوا يسمون الثغور الشامية ~~" العواصم " وهي قنسرين وحلب. وأحدثت " المدارس " لأهل العلم. وأحدثت " ~~الربط والخوانق " لأهل التعبد. وأظن مبدأ انتشار ذلك في " دولة السلاجقة ". ~~فأول ما بنيت المدارس والرباطات للمساكين ووقفت عليها وقوف تجري على أهلها ~~في وزارة " نظام الملك ". وأما قبل ذلك فقد وجد ذكر المدارس وذكر الربط؛ ~~لكن ما أظن كان موقوفا عليها لأهلها؛ وإنما كانت مساكن مختصة وقد ذكر ~~الإمام معمر بن زياد من أصحاب الواحدي في " أخبار الصوفية " أن أول دويرة ~~بنيت لهم في البصرة. وأما " المدارس " فقد رأيت لها ذكرا قبل دولة السلاجقة ~~في أثناء المائة الرابعة ودولتهم إنما كانت في المائة الخامسة وكذلك هذه " ~~القلاع والحصون " التي بالشام عامتها محدث كما بنى الملك العادل قلعة دمشق ~~وبصرى وحران وذلك أن النصارى كانوا كثيري الغزو إليهم وكان الناس بعد ~~المائة الثالثة قد ضعفوا عن دفاع النصارى عن السواحل حتى استعلوا على كثير ~~من ثغور الشام الساحلية. # PageV35P041 # فصل: # في " الخلافة والسلطان " وكيفية كونه ظل الله في الأرض قال الله تعالى: ~~{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} وقال الله تعالى: {يا داود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله} . وقوله: {إني جاعل في الأرض خليفة} يعم آدم وبنيه؛ لكن الاسم ~~متناول لآدم عينا كقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} وقوله: {خلق ~~الإنسان من صلصال كالفخار} {وخلق الجان من مارج من نار} وقوله: {وبدأ خلق ~~الإنسان من طين} {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} {ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين} إلى أمثال ذلك. ولهذا كان بين " داود وآدم " من المناسبة ما أحب ~~به داود حين أراه ذريته وسأل عن عمره؟ فقيل: أربعون سنة. فوهبه من عمره ~~الذي هو ألف سنة ستين سنة. والحديث صحيح رواه الترمذي وغيره وصححه؛ ولهذا ~~كلاهما ابتلي بما ابتلاه به من الخطيئة كما أن كلا منهما ms9750 # PageV35P042 # مناسبة للأخرى؛ إذ جنس الشهوتين واحد ورفع درجته بالتوبة العظيمة التي ~~نال بها من محبة الله له وفرحه به ما نال ويذكر عن كل منهما من البكاء ~~والندم والحزن ما يناسب بعضه بعضا. # " والخليفة " هو من كان خلفا عن غيره. فعيلة بمعنى فاعلة. كان {النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا سافر يقول: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في ~~الأهل} وقال صلى الله عليه وسلم {من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله ~~بخير فقد غزا} وقال: {أوكلما خرجنا في الغزو خلف أحدهم وله نبيب كنبيب ~~التيس يمنح إحداهن اللبنة من اللبن لئن أظفرني الله بأحد منهم لأجعلنه ~~نكالا} وفي القرآن: {سيقول لك المخلفون من الأعراب} وقوله: {فرح المخلفون ~~بمقعدهم خلاف رسول الله} . # والمراد " بالخليفة " أنه خلف من كان قبله من الخلق. والخلف فيه مناسبة ~~كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خلفه على ~~أمته بعد موته وكما {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر لحج أو عمرة أو ~~غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة} . فيستخلف تارة ابن ~~أم مكتوم وتارة غيره {واستخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك.} وتسمى ~~الأمكنة التي يستخلف فيها الإمام " مخاليف " مثل: مخاليف اليمن ومخاليف أرض ~~الحجاز ومنه الحديث: {حيث خرج من مخلاف إلى مخلاف} ومنه قوله تعالى {وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم # PageV35P043 # فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم} وقوله تعالى {ولقد أهلكنا القرون من ~~قبلكم لما ظلموا} - إلى قوله تعالى - {ثم جعلناكم خلائف في الأرض} ومنه ~~قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} الآية. ~~وقد ظن بعض القائلين الغالطين - كابن عربي - أن " الخليفة " هو الخليفة عن ~~الله مثل نائب الله؛ وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفا وربما ~~فسروا " تعليم آدم الأسماء كلها " التي جمع معانيها الإنسان. ويفسرون " خلق ~~آدم على ms9751 صورته " بهذا المعنى أيضا وقد أخذوا من الفلاسفة قولهم: الإنسان هو ~~العالم الصغير. وهذا قريب. وضموا إليه أن الله هو العالم الكبير؛ بناء على ~~أصلهم الكفري في وحدة الوجود وأن الله هو عين وجود المخلوقات. فالإنسان من ~~بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات ويتفرع على هذا ما يصيرون ~~إليه من دعوى الربوبية والألوهية المخرجة لهم إلى الفرعونية والقرمطية ~~والباطنية وربما جعلوا " الرسالة " مرتبة من المراتب وأنهم أعظم منها ~~فيقرون بالربوبية والوحدانية والألوهية؛ وبالرسالة ويصيرون في الفرعونية. ~~هذا إيمانهم. أو يخرجون في أعمالهم أن يصيروا (سدى لا أمر عليهم ولا نهي؛ ~~ولا إيجاب ولا تحريم. # PageV35P044 # والله لا يجوز له خليفة؛ ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله قال: ~~لست بخليفة الله؛ ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي ذلك. بل ~~هو سبحانه يكون خليفة لغيره قال النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم أنت ~~الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في ~~أهلنا} وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين ليس له ~~شريك ولا ظهير ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. والخليفة إنما يكون عند عدم ~~المستخلف بموت أو غيبة ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف. وسمي " خليفة " ~~لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى ~~وهو منزه عنها؛ فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب وهو غني يرزق ولا يرزق ~~يرزق عباده وينصرهم ويهديهم ويعافيهم: بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه ~~والتي هي مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها. فالله هو الغني الحميد ~~له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما {يسأله من في السماوات والأرض كل ~~يوم هو في شأن} {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ولا يجوز أن يكون ~~أحد خلفا منه ولا يقوم مقامه؛ لأنه لا سمي له ولا كفء له. فمن جعل له خليفة ~~فهو مشرك به. وأما الحديث النبوي {السلطان ظل ms9752 الله في الأرض يأوي إليه كل ~~ضعيف وملهوف} وهذا صحيح فإن الظل مفتقر إلى آو وهو رفيق له # PageV35P045 # مطابق له نوعا من المطابقة والآوي إلى الظل المكتنف بالمظل صاحب الظل ~~فالسلطان عبد الله مخلوق مفتقر إليه لا يستغني عنه طرفة عين؛ وفيه من ~~القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي ~~بها قوام الخلق ما يشبه أن يكون ظل الله في الأرض وهو أقوى الأسباب التي ~~بها يصلح أمور خلقه وعباده فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس وإذا فسد ~~فسدت بحسب فساده؛ ولا تفسد من كل وجه؛ بل لا بد من مصالح؛ إذ هو ظل الله؛ ~~لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من جميع الأذى. وتارة لا يمنع إلا بعض ~~الأذى. وأما إذا عدم الظل فسد الأمر كعدم سر الربوبية التي بها قيام الأمة ~~الإنسانية. والله تعالى أعلم. # PageV35P046 # وقال رحمه الله تعالى-: # فصل: # حكى أصحابنا - كالقاضي أبي يعلى وغيره - عن الإمام أحمد في خلافة أبي بكر ~~هل ثبتت باختيار المسلمين له؟ أو بالنص الخفي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~أو البين؟ " أحدهما " بالاختيار وهو قول جمهور العلماء والفقهاء وأهل ~~الحديث. والمتكلمين: كالمعتزلة والأشعرية وغيرهم. و " الثانية " بالنص ~~الخفي وهو قول طوائف أهل الحديث والمتكلمين ويروى عن الحسن البصري. وبعض ~~أهل هذا القول يقولون بالنص الجلي. وأما قول " الإمامية " إنها ثبتت بالنص ~~الجلي على علي. وقول " الزيدية الجارودية " إنها بالنص الخفي عليه. وقول " ~~الراوندية " إنها بالنص على العباس. فهذه أقوال ظاهرة الفساد عند أهل العلم ~~والدين. وإنما يدين بها. إما جاهل وإما ظالم. وكثير ممن يدين بها زنديق. # PageV35P047 # والتحقيق في " خلافة أبي بكر " وهو الذي يدل عليه كلام أحمد: أنها انعقدت ~~باختيار الصحابة ومبايعتهم له وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوعها ~~على سبيل الحمد لها والرضى بها؛ وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه وأنه دل ~~الأمة وأرشدهم إلى بيعته. فهذه الأوجه الثلاثة: الخبر والأمر والإرشاد: ~~ثابت من النبي صلى الله عليه وسلم. " فالأول " كقوله: ms9753 {رأيت كأني على قليب ~~أنزع منها فأتى ابن أبي قحافة فنزع. ذنوبا أو ذنوبين} الحديث وكقوله: {كأن ~~ميزانا دلي من السماء إلى الأرض. فوزنت بالأمة فرجحت ثم وزن عمر} الحديث. ~~وكقوله: {ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس ~~من بعدي ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر} . فهذا إخبار منه بأن ~~الله والمؤمنين: لا يعقدونها إلا لأبي بكر الذي هم بالنص عليه. وكقوله: ~~{أري الليلة رجل صالح كأن أبا بكر نيط برسول الله} الحديث وقوله: {خلافة ~~النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا} وأما " الأمر " فكقوله: {اقتدوا بالذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر} وقوله: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي} {وقوله: للمرأة التي سألته إن لم أجدك؟ قال: فأتي أبا بكر} {وقوله ~~لأصحاب الصدقات: إذا لم تجدوه أعطوها لأبي بكر} ونحو ذلك. # PageV35P048 # و " الثالث " تقديمه له في الصلاة وقوله: {سدوا كل خوخة في المسجد إلا ~~خوخة أبي بكر} وغير ذلك من خصائصه ومزاياه. وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة ~~بالسنة دل عليها القرآن. " فالأول " في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم} الآية: وقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} وقوله: {وسيجزي الله الشاكرين} والثاني قوله: {ستدعون إلى قوم ~~أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} الآية. والثالث كقوله: {وسيجنبها ~~الأتقى} وقوله: {النبيين والصديقين} وقوله: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار} ونحو ذلك. فثبتت صحة خلافته ووجوب طاعته بالكتاب ~~والسنة؛ والإجماع وإن كانت إنما انعقدت بالإجماع والاختيار. كما أن الله ~~إذا أمر بتولية شخص أو إنكاحه. أو غير ذلك من الأمور معه؛ فإن ذلك الأمر لا ~~يحصل إلا بعقد الولاية والنكاح والنصوص قد دلت على أمر الله بذلك العقد ~~ومحبته له فالنصوص دلت على أنهم مأمورون باختياره والعقد له وأن الله يرضى ~~ذلك ويحبه. وأما حصول المأمور به المحبوب: فلا يحصل إلا بالامتثال. فلما ~~امتثلوا ما أمروا به عقدوا له باختيارهم وكان هذا أفضل في حقهم وأعظم في ~~درجتهم. # PageV35P049 # وقال - رحمه الله -: # فصل: # أهل ms9754 الأهواء في " قتال علي ومن حاربه " على أقوال: # أما " الخوارج " فتكفر الطائفتان المقتتلان جميعا. (*) # وأما " الرافضة " فتكفر من قاتل عليا؛ مع المتواتر عنه من أنه حكم فيهم ~~بحكم المسلمين ومنع من تكفيرهم. ولهم في قتال طلحة والزبير؛ وعائشة ثلاثة ~~أقوال: " أحدها " تفسيق إحدى الطائفتين؛ لا بعينها. وهو قول عمرو بن عبيد ~~وأصحابه. و " الثاني " تفسيق من قاتله إلا من تاب ويقولون: إن طلحة والزبير ~~وعائشة تابوا وهذا مقتضى ما حكي عن جمهورهم؛ كأبي الهذيل وأصحابه وأبي ~~الحسين وغيرهم. وذهب بعض الناس إلى تخطئته في قتال طلحة والزبير؛ دون قتال ~~أهل الشام. ففي الجملة " أهل البدع ": من الخوارج والروافض والمعتزلة؛ ~~ونحوهم: يجعلون القتال موجبا لكفر أو لفسق. PageV35P050 # وأما " أهل السنة " فمتفقون على عدالة القوم؛ ثم لهم في التصويب والتخطئة ~~مذاهب لأصحابنا وغيرهم. " أحدها " أن المصيب علي فقط. و " الثاني " الجميع ~~مصيبون. و " الثالث " المصيب واحد؛ لا بعينه. و " الرابع " الإمساك عما شجر ~~بينهم مطلقا؛ مع العلم بأن عليا وأصحابه هم أولى الطائفتين بالحق كما في ~~حديث أبي سعيد لما قال النبي صلى الله عليه وسلم {تمرق مارقة على حين فرقة ~~من المسلمين فيقتلهم أولى الطائفتين بالحق} وهذا في حرب أهل الشام ~~والأحاديث تدل على أن حرب الجمل فتنة وأن ترك القتال فيها أولى فعلى هذا ~~نصوص أحمد وأكثر أهل السنة. وذلك الشجار بالألسنة والأيدي أصل لما جرى بين ~~الأمة بعد ذلك؛ في الدين والدنيا. فليعتبر العاقل بذلك؛ وهو مذهب أهل السنة ~~والجماعة. # وسئل - رحمه الله -: # عن طائفتين من الفلاحين اقتتلتا فكسرت إحداهما الأخرى؛ وانهزمت المكسورة ~~وقتل منهم بعد الهزيمة جماعة: فهل يحكم للمقتولين من المهزومين بالنار ~~ويكونون داخلين في قول النبي صلى الله عليه وسلم {القاتل والمقتول في ~~النار} أم لا؟ وهل يكون حكم المنهزم حكم من يقتل منهم في المعركة؟ أم لا؟ # PageV35P051 # فأجاب: # الحمد لله، إن كان المنهزم قد انهزم بنية التوبة عن المقاتلة المحرمة لم ~~يحكم له بالنار فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وأما إن ms9755 ~~كان انهزامه عجزا فقط ولو قدر على خصمه لقتله فهو في النار كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل ~~صاحبه} فإذا كان المقتول في النار لأنه أراد قتل صاحبه فالمنهزم بطريق ~~الأولى؛ لأنهما اشتركا في الإرادة والفعل والمقتول أصابه من الضرر ما لم ~~يصب المهزوم؛ ثم إذا لم تكن هذه المصيبة مكفرة لإثم المقاتلة فلأن لا تكون ~~مصيبة الهزيمة مكفرة أولى؛ بل إثم المنهزم المصر على المقاتلة أعظم من إثم ~~المقتول في المعركة واستحقاقه للنار أشد؛ لأن ذلك انقطع عمله السيئ بموته؛ ~~وهذا مصر على الخبث العظيم؛ ولهذا قالت طائفة من الفقهاء: إن منهزم البغاة ~~يقتل إذا كان له طائفة يأوي إليها فيخاف عوده؛ بخلاف المثخن بالجرح منهم ~~فإنه لا يقتل. وسببه أن هذا انكف شره والمنهزم لم ينكف شره. وأيضا فالمقتول ~~قد يقال: إنه بمصيبة القتل قد يخفف عنه العذاب؛ وإن كان من أهل النار ~~ومصيبة الهزيمة دون مصيبة القتل. فظهر أن المهزوم أسوأ حالا من المقتول إذا ~~كان مصرا على قتل أخيه. ومن تاب فإن الله غفور رحيم. # PageV35P052 # وسئل - رحمه الله -: # عن " البغاة والخوارج ": هل هي ألفاظ مترادفة بمعنى واحد؟ أم بينهما فرق؟ ~~وهل فرقت الشريعة بينهما في الأحكام الجارية عليهما أم لا؟ وإذا ادعى مدع ~~أن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهم إلا في الاسم؛ وخالفه مخالف مستدلا ~~بأن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه فرق بين أهل الشام وأهل النهروان: فهل ~~الحق مع المدعي؟ أو مع مخالفه؟ # فأجاب: # الحمد لله، أما قول القائل: إن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهما إلا ~~في الاسم. فدعوى باطلة ومدعيها مجازف فإن نفي الفرق إنما هو قول طائفة من ~~أهل العلم من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم: مثل كثير من المصنفين ~~في " قتال أهل البغي " فإنهم قد يجعلون قتال أبي بكر لمانعي الزكاة وقتال ~~علي الخوارج ms9756 وقتاله لأهل الجمل وصفين إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى ~~الإسلام. من باب " قتال أهل البغي " # PageV35P053 # ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل ~~العدالة؛ لا يجوز أن يحكم عليهم بكفر ولا فسق؛ بل مجتهدون: إما مصيبون وإما ~~مخطئون. وذنوبهم مغفورة لهم. ويطلقون القول بأن البغاة ليسوا فساقا فإذا ~~جعل هؤلاء وأولئك سواء لزم أن تكون الخوارج وسائر من يقاتلهم من أهل ~~الاجتهاد الباقين على العدالة سواء؛ ولهذا قال طائفة بفسق البغاة ولكن أهل ~~السنة متفقون على عدالة الصحابة. وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين " ~~الخوارج المارقين " وبين " أهل الجمل وصفين " وغير أهل الجمل وصفين. ممن ~~يعد من البغاة المتأولين. وهذا هو المعروف عن الصحابة وعليه عامة أهل ~~الحديث والفقهاء والمتكلمين وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم: من أصحاب ~~مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق} وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة ويبين أن المارقين ~~نوع ثالث ليسوا # PageV35P054 # من جنس أولئك؛ فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية. وقال في حق ~~الخوارج المارقين: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته ~~مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن ~~قتلهم يوم القيامة} وفي لفظ: {لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان ~~نبيهم لنكلوا عن العمل} . وقد روى مسلم أحاديثهم في الصحيح من عشرة أوجه ~~وروى هذا البخاري من غير وجه ورواه أهل السنن والمسانيد؛ وهي مستفيضة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم متلقاة بالقبول أجمع عليها علماء الأمة من ~~الصحابة ومن اتبعهم واتفق الصحابة على قتال هؤلاء الخوارج. وأما " أهل ~~الجمل وصفين " فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب وأكثر أكابر الصحابة ~~لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا ms9757 الجانب واستدل التاركون للقتال ~~بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة ~~وبينوا أن هذا قتال فتنة. وكان علي رضي الله عنه مسرورا لقتال الخوارج ~~ويروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بقتالهم؛ وأما قتال " ~~صفين " فذكر أنه ليس معه فيه نص؛ وإنما هو رأي رآه وكان أحيانا يحمد من لم ~~ير القتال. # PageV35P055 # وقد ثبت في الصحيح {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن إن ~~ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين} فقد مدح الحسن ~~وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين: أصحاب علي وأصحاب معاوية وهذا ~~يبين أن ترك القتال كان أحسن وأنه لم يكن القتال واجبا ولا مستحبا. " وقتال ~~الخوارج " قد ثبت عنه أنه أمر به وحض عليه فكيف يسوي بين ما أمر به وحض ~~عليه وبين ما مدح تاركه وأثنى عليه. فمن سوى بين قتال الصحابة الذين ~~اقتتلوا بالجمل وصفين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج ~~المارقين والحرورية المعتدين: كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم ~~المبين. ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين ~~يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين كما يقال مثل ذلك في الخوارج ~~المارقين؛ فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين مع اتفاقهم ~~على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين والإمساك عما شجر بينهم. ~~فكيف نسبة هذا بهذا وأيضا {فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج ~~قبل أن يقاتلوا} . وأما " أهل البغي " فإن الله تعالى قال فيهم: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين # PageV35P056 # اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء. فالاقتتال ابتداء ليس مأمورا به؛ ~~ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم؛ ثم إن بغت الواحدة قوتلت؛ ولهذا قال ~~من قال من الفقهاء: إن البغاة لا يبتدءون بقتالهم ms9758 حتى يقاتلوا. وأما ~~الخوارج فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: {أينما لقيتموهم فاقتلوهم ~~فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} وقال: {لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل عاد} . وكذلك مانعو الزكاة؛ فإن الصديق والصحابة ابتدءوا ~~قتالهم قال الصديق: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات ~~وإن أقروا بالوجوب. ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعهما وقاتل الإمام عليها ~~مع إقراره بالوجوب؟ على قولين هما روايتان عن أحمد كالروايتين عنه في تكفير ~~الخوارج وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن القرآن ~~قد نص على إيمانهم وإخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم. # PageV35P057 # وسئل - رحمه الله -: # عمن يلعن " معاوية " فماذا يجب عليه؟ وهل قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه الأحاديث، وهي إذا {اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون} ؟ وأيضا {إن عمارا ~~تقتله الفئة الباغية} وقتله عسكر معاوية؟ وهل سبوا أهل البيت؟ أو قتل ~~الحجاج شريفا؟ # فأجاب: # الحمد لله، من لعن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - كمعاوية بن ~~أبي سفيان، وعمرو بن العاص ونحوهما؛ ومن هو أفضل من هؤلاء: كأبي موسى ~~الأشعري، وأبي هريرة، ونحوهما؛ أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة، والزبير، ~~وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق، وعمر، أو عائشة أم المؤمنين، ~~وغير هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فإنه مستحق للعقوبة ~~البليغة باتفاق أئمة الدين. وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون ~~القتل؟ كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تسبوا أصحابي، ~~فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل # PageV35P058 # أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} . واللعنة أعظم من السب. وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لعن المؤمن كقتله} فقد جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms9759 لعن المؤمن كقتله. وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيار المؤمنين، كما ثبت عنه أنه قال: {خير القرون القرن الذي ~~بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم} وكل من رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤمنا به فله من الصحبة بقدر ذلك، كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يغزو جيش، فيقول: هل فيكم من صحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو جيش فيقول: هل فيكم من ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون، نعم. فيفتح لهم، وذكر الطبقة ~~الثالثة} فعلق الحكم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما علقه بصحبته. ~~ولما كان لفظ " الصحبة " فيه عموم وخصوص: كان من اختص من الصحابة بما يتميز ~~به عن غيره يوصف بتلك الصحبة، دون من لم يشركه فيها، {قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث أبي سعيد المتقدم لخالد بن الوليد لما اختصم هو وعبد ~~الرحمن: يا خالد لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه} فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من ~~السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح فتح الحديبية، وخالد بن الوليد ~~وغيره ممن أسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا دون أولئك، قال تعالى: {لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح # PageV35P059 # وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى} والمراد " بالفتح " فتح الحديبية لما بايع النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه تحت الشجرة، وكان الذين بايعوه أكثر من ألف وأربعمائة، وهم ~~الذين فتحوا خيبر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~{لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة} . " وسورة الفتح " الذي فيها ذلك ~~أنزلها الله قبل أن تفتح مكة؛ بل قبل أن يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان قد بايع أصحابه تحت الشجرة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصالح ~~المشركين ms9760 صلح الحديبية المشهور، وبذلك الصلح حصل من الفتح ما لا يعلمه إلا ~~الله؛ مع أنه قد كان كرهه خلق من المسلمين؛ ولم يعلموا ما فيه من حسن ~~العاقبة حتى قال سهل بن حنيف: أيها الناس اتهموا الرأي، فقد رأيتني يوم أبي ~~جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت. رواه ~~البخاري وغيره، فلما كان من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودخل هو ومن اعتمر معه مكة معتمرين، وأهل مكة يومئذ مع المشركين؛ ولما كان ~~في العام الثامن فتح مكة في شهر رمضان؛ وقد أنزل الله في سورة الفتح: ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} فوعدهم في سورة الفتح أن ~~يدخلوا مكة آمنين؛ وأنجز موعده من # PageV35P060 # العام الثاني، وأنزل في ذلك: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} ~~وذلك كله قبل فتح مكة. فمن توهم أن " سورة الفتح " نزلت بعد فتح مكة فقد ~~غلط غلطا بينا. " والمقصود " أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من ~~الصحبة بما استحقوا به التفضيل على من بعدهم، حتى قال لخالد: {لا تسبوا ~~أصحابي} فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله. ولما كان " لأبي بكر ~~الصديق " رضي الله عنه من مزية الصحبة ما تميز به على جميع الصحابة خصه ~~بذلك في الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري عن أبي الدرداء، أنه {كان بين ~~أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر، وجاء أبو ~~بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما جرى، ثم إن عمر ندم، فخرج ~~يطلب أبا بكر في بيته، فذكر له أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~جاء عمر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لأبي بكر؛ وقال: أيها الناس إني ~~جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت فهل ~~أنتم تاركو لي ms9761 صاحبي فهل أنتم تاركو لي صاحبي} فما أوذي بعدها. فهنا خصه ~~باسم الصحبة، كما خصه به القرآن في قوله تعالى # PageV35P061 # {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} وفي ~~الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن عبدا خيره الله ~~بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر، فقال: بل ~~نفديك بأنفسنا؛ وأموالنا. قال: فجعل الناس يعجبون أن ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ ولكن أخي وصاحبي، سدوا كل خوخة في ~~المسجد إلا خوخة أبي بكر} وهذا من أصح حديث يكون باتفاق العلماء العارفين ~~بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وأحواله " والمقصود " أن الصحبة ~~فيها خصوص وعموم، وعمومها يندرج فيه كل من رآه مؤمنا به، ولهذا يقال صحبته ~~سنة؛ وشهرا، وساعة، ونحو ذلك. و " معاوية، وعمرو بن العاص، وأمثالهم " من ~~المؤمنين؛ لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق؛ بل قد ثبت في الصحيح أن {عمرو بن ~~العاص لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم قال: على أن يغفر لي ما تقدم من ~~ذنبي. فقال: # PageV35P062 # يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله} ومعلوم أن الإسلام الهادم ~~هو إسلام المؤمنين؛ لا إسلام المنافقين. وأيضا فعمرو بن العاص وأمثاله ممن ~~قدم مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية هاجروا إليه من ~~بلادهم طوعا لا كرها، والمهاجرون لم يكن فيهم منافق؛ وإنما كان النفاق في ~~بعض من دخل من الأنصار؛ وذلك أن الأنصار هم أهل المدينة؛ فلما أسلم أشرافهم ~~وجمهورهم احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقا؛ لعز الإسلام وظهوره في ~~قومهم. وأما أهل مكة فكان أشرافهم وجمهورهم كفارا ms9762 فلم يكن يظهر الإيمان إلا ~~من هو مؤمن ظاهرا وباطنا؛ فإنه كان من أظهر الإسلام يؤذى ويهجر؛ وإنما ~~المنافق يظهر الإسلام لمصلحة دنياه. وكان من أظهر الإسلام بمكة يتأذى في ~~دنياه؛ ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر معه أكثر ~~المؤمنين، ومنع بعضهم من الهجرة إليه، كما منع رجال من بني مخزوم مثل ~~الوليد بن المغيرة أخو خالد أخو أبي جهل لأمه؛ ولهذا {كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقنت لهؤلاء ويقول في قنوته: اللهم نج الوليد بن الوليد، وسلمة ~~بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها ~~عليهم سنينا كسني يوسف} . والمهاجرون من أولهم إلى آخرهم ليس فيهم من اتهمه ~~أحد بالنفاق؛ بل كلهم مؤمنون مشهود لهم بالإيمان {ولعن المؤمن كقتله} . # PageV35P063 # وأما " معاوية بن أبي سفيان وأمثاله " من الطلقاء الذين أسلموا بعد فتح ~~مكة: كعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، ~~وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب؛ هؤلاء وغيرهم ممن حسن إسلامهم باتفاق ~~المسلمين، ولم يتهم أحد منهم بعد ذلك بنفاق. {ومعاوية قد استكتبه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب} . وكان ~~أخوه يزيد بن أبي سفيان خيرا منه وأفضل، وهو أحد الأمراء الذين بعثهم أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه في فتح الشام، ووصاه بوصية معروفة، وأبو بكر ماش، ~~ويزيد راكب، فقال له: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ~~لست براكب، ولست بنازل. إني أحتسب خطاي في سبيل الله. وكان عمرو بن العاص ~~هو الأمير الآخر والثالث شرحبيل بن حسنة، والرابع خالد بن الوليد، وهو ~~أميرهم المطلق، ثم عزله عمر، وولى أبا عبيدة عامر بن الجراح، الذي ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له أنه أمين هذه الأمة فكان فتح ~~الشام على يد أبي عبيدة، وفتح العراق على يد سعد بن أبي وقاص. ثم لما مات ~~يزيد بن أبي ms9763 سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من ~~أعظم الناس فراسة، وأخبرهم بالرجال، وأقومهم # PageV35P064 # بالحق، وأعلمهم به، حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كنا نتحدث أن ~~السكينة تنطق على لسان عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله ضرب ~~الحق على لسان عمر وقلبه} وقال: {لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر} وقال ابن ~~عمر: ما سمعت عمر يقول في الشيء إني لأراه كذا وكذا إلا كان كما رآه. وقد ~~{قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا ~~غير فجك} . ولا استعمل عمر قط؛ بل ولا أبو بكر على المسلمين: منافقا، ولا ~~استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم؛ بل لما قاتلا أهل ~~الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة ~~توبتهم، وكان عمر يقول لسعد بن أبي وقاص وهو أمير العراق: لا تستعمل أحدا ~~منهم، ولا تشاورهم في الحرب. فإنهم كانوا أمراء أكابر: مثل طليحة الأسدي، ~~والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والأشعث بن قيس الكندي، وأمثالهم، فهؤلاء ~~لما تخوف أبو بكر وعمر منهم نوع نفاق لم يولهم على المسلمين. فلو كان " ~~عمرو بن العاص " ومعاوية بن أبي سفيان وأمثالهما " ممن يتخوف منهما النفاق ~~لم يولوا على المسلمين؛ بل عمرو بن العاص قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة ذات السلاسل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يول على المسلمين ~~منافقا، {وقد استعمل على نجران أبا سفيان بن حرب أبا معاوية، ومات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان # PageV35P065 # نائبه على نجران} وقد اتفق المسلمون على أن إسلام معاوية خير من إسلام ~~أبيه أبي سفيان، فكيف يكون هؤلاء منافقين والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يأتمنهم على أحوال المسلمين في العلم والعمل وقد علم أن معاوية وعمرو بن ~~العاص وغيرهما كان بينهم من الفتن ما كان، ولم يتهمهم أحد من أوليائهم، لا ~~محاربوهم، ولا غير ms9764 محاربيهم: بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بل جميع ~~علماء الصحابة والتابعين بعدهم متفقون على أن هؤلاء صادقون على رسول الله، ~~مأمونون عليه في الرواية عنه، والمنافق غير مأمون على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بل هو كاذب عليه، مكذب له. وإذا كانوا مؤمنين، محبين لله ورسوله: فمن ~~لعنهم فقد عصى الله ورسوله، وقد ثبت في صحيح البخاري ما معناه: {أن رجلا ~~يلقب حمارا، وكان يشرب الخمر، وكان كلما شرب أتي به إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم جلده فأتي به إليه مرة، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنوه، ~~فإنه يحب الله ورسوله} . وكل مؤمن يحب الله ورسوله، ومن لم يحب الله ورسوله ~~فليس بمؤمن، وإن كانوا متفاضلين في الإيمان وما يدخل فيه من حب وغيره. هذا ~~مع أنه صلى الله عليه وسلم {لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، ~~وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها} وقد نهى عن لعنة هذا ~~المعين، لأن اللعنة من " باب الوعيد " فيحكم به # PageV35P066 # عموما وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة، أو حسنات ماحية أو ~~مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من الأسباب التي ضررها يرفع ~~العقوبة عن المذنب. فهذا في حق من له ذنب محقق. وكذلك " حاطب بن أبي بلتعة ~~" فعل ما فعل وكان يسيء إلى مماليكه حتى ثبت في الصحيح أن {غلامه قال: يا ~~رسول الله والله ليدخلن حاطب بن أبي بلتعة النار. قال: كذبت، إنه شهد بدرا؛ ~~والحديبية} . وفي الصحيح عن {علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أرسله والزبير بن العوام، وقال لهما: ائتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها ~~كتاب قال علي: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى لقينا الظعينة، فقلنا: أين ~~الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب. فقلنا لها: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، ~~قال فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كتاب من ms9765 ~~حاطب إلى بعض المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا يا حاطب فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ~~هذا ارتدادا عن ديني، ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام؛ ولكن كنت امرأ ملصقا في ~~قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المسلمين لهم قرابات يحمون بهم ~~أهاليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك منهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها ~~قرابتي وفي لفظ: وعلمت أن ذلك لا يضرك. يعني لأن الله ينصر رسوله والذين ~~آمنوا. فقال عمر: دعني # PageV35P067 # أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا، ~~وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم} فهذه السيئة العظيمة غفرها الله له بشهود بدر. فدل ذلك على أن الحسنة ~~العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة، والمؤمنون يؤمنون بالوعد والوعيد، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم {من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة} ~~وأمثال ذلك؛ مع قوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص، ولا ~~يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص؛ ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم ~~في العموم؛ لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب؛ لقوله تعالى ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} والعبد إذا ~~اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته فإن الله يثيبه ~~على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه؛ وإنما يقول بحبوط ~~الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر، ~~وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وأن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من ~~الإيمان شيء. وهذه أقوال فاسدة، مخالفة للكتاب، والسنة المتواترة، وإجماع ~~الصحابة. # PageV35P068 # وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ~~ولا القرابة ولا ms9766 السابقين ولا غيرهم؛ بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، ~~والله تعالى يغفر لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، ~~أو بغير ذلك من الأسباب، قال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون} {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين} {ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} وقال تعالى: {حتى ~~إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من ~~المسلمين} {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة} . ولكن الأنبياء رضوان الله تعالى عليهم أجمعين هم الذين قال ~~العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب. فأما الصديقون، والشهداء؛ ~~والصالحون: فليسوا بمعصومين. وهذا في الذنوب المحققة. وأما ما اجتهدوا فيه: ~~فتارة يصيبون، وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا ~~اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال ~~يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم؛ ويقولون: إنهم معصومون. ~~وتارة يجفون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا ~~يعصمون، ولا يؤثمون. # PageV35P069 # ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال. فطائفة سبت السلف ~~ولعنتهم؛ لاعتقادهم أنهم فعلوا ذنوبا، وأن من فعلها يستحق اللعنة؛ بل قد ~~يفسقونهم؛ أو يكفرونهم، كما فعلت الخوارج الذين كفروا علي بن أبي طالب، ~~وعثمان بن عفان، ومن تولاهما، ولعنوهم، وسبوهم، واستحلوا قتالهم. وهؤلاء هم ~~الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، ~~وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية} وقال صلى الله عليه وسلم ~~{تمرق مارقة على فرقة من المسلمين، فتقاتلها أولى الطائفتين لأجل الحق} ~~وهؤلاء هم المارقة الذين مرقوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكفروا ~~كل من تولاه. وكان المؤمنون قد افترقوا فرقتين: فرقة مع علي، ms9767 وفرقة مع ~~معاوية. فقاتل هؤلاء عليا وأصحابه، فوقع الأمر كما أخبر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكما ثبت عنه أيضا في الصحيح أنه {قال عن الحسن ابنه: إن ابني ~~هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين} فأصلح الله به ~~بين شيعة علي وشيعة معاوية. وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بهذا ~~الصلح الذي كان على يديه وسماه سيدا بذلك؛ لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ~~ورسوله، ويرضاه الله ورسوله. ولو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو ~~الذي أمر الله به ورسوله لم يكن الأمر كذلك؛ بل يكون الحسن قد ترك الواجب، ~~أو الأحب إلى # PageV35P070 # الله. وهذا النص الصحيح الصريح يبين أن ما فعله الحسن محمود، مرضي لله ~~ورسوله، وقد ثبت في الصحيح، أن {النبي صلى الله عليه وسلم كان يضعه على ~~فخذه، ويضع أسامة بن زيد، ويقول: اللهم إني أحبهما، وأحب من يحبهما} وهذا ~~أيضا مما ظهر فيه محبته ودعوته صلى الله عليه وسلم فإنهما كانا أشد الناس ~~رغبة في الأمر الذي مدح النبي صلى الله عليه وسلم به الحسن، وأشد الناس ~~كراهة لما يخالفه وهذا مما يبين أن القتلى من أهل صفين لم يكونوا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمنزلة الخوارج المارقين، الذين أمر بقتالهم، وهؤلاء ~~مدح الصلح بينهم ولم يأمر بقتالهم؛ ولهذا كانت الصحابة والأئمة متفقين على ~~قتال الخوارج المارقين، وظهر من علي رضي الله عنه السرور بقتالهم؛ ومن ~~روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم: ما قد ظهر عنه وأما ~~قتال الصحابة فلم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر، ولم يظهر فيه ~~سرور؛ بل ظهر منه الكآبة، وتمنى أن لا يقع، وشكر بعض الصحابة، وبرأ ~~الفريقين من الكفر والنفاق، وأجاز الترحم على قتلى الطائفتين، وأمثال ذلك ~~من الأمور التي يعرف بها اتفاق علي وغيره من الصحابة على أن كل واحدة من ~~الطائفتين مؤمنة. وقد شهد القرآن بأن اقتتال المؤمنين لا يخرجهم عن الإيمان ms9768 ~~بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على # PageV35P071 # الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} فسماهم " مؤمنين " وجعلهم " إخوة " مع ~~وجود الاقتتال والبغي. والحديث المذكور {إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون} ~~كذب مفترى لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من دواوين ~~الإسلام المعتمدة. و " معاوية " لم يدع الخلافة؛ ولم يبايع له بها حين قاتل ~~عليا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، ~~وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن ~~يبتدوا عليا وأصحابه بالقتال، ولا يعلوا. بل لما رأى علي رضي الله عنه ~~وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة ~~واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة رأى أن ~~يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة. وهم قالوا: إن ذلك ~~لا يجب عليهم، وإنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين قالوا: لأن عثمان ~~قتل مظلوما باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون # PageV35P072 # لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا. وعلي لا يمكنه دفعهم، كما ~~لم يمكنه الدفع عن عثمان؛ وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ~~ويبذل لنا الإنصاف. وكان في جهال الفريقين من يظن بعلي وعثمان ظنونا كاذبة، ~~برأ الله منها عليا، وعثمان: كان يظن بعلي أنه أمر بقتل عثمان، وكان علي ~~يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ ~~على قتله. وهذا معلوم بلا ريب من علي رضي الله عنه. فكان أناس من محبي علي ~~ومن مبغضيه يشيعون ذلك عنه: فمحبوه يقصدون بذلك الطعن على عثمان بأنه كان ~~يستحق القتل، وأن عليا أمر بقتله. ومبغضوه يقصدون بذلك الطعن على علي، وأنه ~~أعان على قتل الخليفة المظلوم ms9769 الشهيد، الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم ~~يسفك دم مسلم في الدفع عنه، فكيف في طلب طاعته وأمثال هذه الأمور التي ~~يتسبب بها الزائغون على المتشيعين العثمانية، والعلوية. وكل فرقة من ~~المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئا لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن ~~يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه فإن فضل علي وسابقيته، ~~وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله: كانت عندهم ظاهرة معروفة، كفضل ~~إخوانه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم رضي الله عنهم # PageV35P073 # ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد، وسعد كان قد ترك هذا الأمر، ~~وكان الأمر قد انحصر في عثمان وعلي؛ فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا ~~علي رضي الله عنه وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم ~~والعدوان وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار ~~يطاع فيه من غيره أولى منه بالطاعة؛ ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف، ~~ونهى عن الفرقة والاختلاف؛ ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون ~~من الفرقة. وأما الحديث الذي فيه {إن عمارا تقتله الفئة الباغية} فهذا ~~الحديث قد طعن فيه طائفة من أهل العلم؛ لكن رواه مسلم في صحيحه، وهو في بعض ~~نسخ البخاري: قد تأوله بعضهم على أن المراد بالباغية الطالبة بدم عثمان، ~~كما قالوا: نبغي ابن عفان بأطراف الأسل. وليس بشيء؛ بل يقال ما قاله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهو حق كما قاله، وليس في كون عمار تقتله الفئة ~~الباغية ما ينافي ما ذكرناه، فإنه قد قال الله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فقد جعلهم مع ~~وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة؛ بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم ~~مؤمنين. وليس كل ما كان # PageV35P074 # بغيا وظلما أو عدوانا يخرج عموم ms9770 الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم؛ فكيف ~~يخرج ذلك من كان من خير القرون؟ وكل من كان باغيا، أو ظالما، أو معتديا، أو ~~مرتكبا ما هو ذنب فهو " قسمان " متأول، وغير متأول، فالمتأول المجتهد: كأهل ~~العلم والدين، الذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها ~~كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم ~~بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف. ~~فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال الله تعالى: {ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا ~~الدعاء. وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام إنما حكما في ~~الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم. ~~والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم ~~يكن بذلك ملوما ولا مانعا لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم ~~بالحكم يكون إثما وظلما، والإصرار عليه فسقا، بل متى علم تحريمه ضرورة كان ~~تحليله كفرا. فالبغي هو من هذا الباب. # PageV35P075 # أما إذا كان الباغي مجتهدا ومتأولا، ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه ~~على الحق وإن كان مخطئا في اعتقاده: لم تكن تسميته " باغيا " موجبة لإثمه، ~~فضلا عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين؛ يقولون: مع ~~الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم؛ لا عقوبة لهم؛ بل للمنع من ~~العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة؛ لا يفسقون. ويقولون هم كغير ~~المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان ~~أن لا يصدر منهم؛ بل تمنع البهائم من العدوان. ويجب على من قتل مؤمنا خطأ ~~الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا من رفع إلى الإمام من ~~أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له، والباغي المتأول يجلد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة. ثم ~~بتقدير أن ms9771 يكون " البغي " بغير تأويل: يكون ذنبا، والذنوب تزول عقوبتها ~~بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك. ثم {إن ~~عمارا تقتله الفئة الباغية} ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه؛ بل ~~يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من ~~العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه # PageV35P076 # كان في العسكر من لم يرض بقتل عمار: كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره؛ ~~بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو. ويروى أن معاوية ~~تأول أن الذي قتله هو الذي جاء به؛ دون مقاتليه: وأن عليا رد هذا التأويل ~~بقوله: فنحن إذا قتلنا حمزة. ولا ريب أن ما قاله علي هو الصواب؛ لكن من نظر ~~في كلام المتناظرين من العلماء الذين ليس بينهم قتال ولا ملك، وأن لهم في ~~النصوص من التأويلات ما هو أضعف من معاوية بكثير. ومن تأول هذا التأويل لم ~~ير أنه قتل عمارا، فلم يعتقد أنه باغ، ومن لم يعتقد أنه باغ وهو في نفس ~~الأمر باغ: فهو متأول مخطئ. والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل ~~عمارا؛ لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى ~~القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من ~~الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول عمار، وسهل بن حنيف، ~~وأبو أيوب. وفي الثاني سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة؛ وأسامة بن زيد، ~~وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا ~~الرأي؛ ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من ~~القاعدين. # PageV35P077 # و " حديث عمار " قد يحتج به من رأى القتال؛ لأنه إذا كان قاتلوه بغاة ~~فالله يقول: {فقاتلوا التي تبغي} . والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في {أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها} ~~وتقول: إن هذا القتال ونحوه هو ms9772 قتال الفتنة؛ كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ~~ذلك؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقتال؛ ولم يرض به؛ وإنما رضي ~~بالصلح؛ وإنما أمر الله بقتال الباغي؛ ولم يأمر بقتاله ابتداء؛ بل قال: ~~{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} قالوا: والاقتتال الأول لم يأمر الله ~~به؛ ولا أمر كل من بغي عليه أن يقاتل من بغى عليه؛ فإنه إذا قتل كل باغ ~~كفر؛ بل غالب المؤمنين؛ بل غالب الناس: لا يخلو من ظلم وبغي؛ ولكن إذا ~~اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما؛ وإن لم تكن واحدة ~~منهما مأمورة بالقتال، فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت؛ لأنها لم تترك ~~القتال؛ ولم تجب إلى الصلح؛ فلم يندفع شرها إلا بالقتال. فصار قتالها ~~بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. {من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ~~ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد} . قالوا: فبتقدير ~~أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء؛ بل أمرنا بالإصلاح # PageV35P078 # بينهم و " أيضا "، فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين معهم ناكلين عن القتال ~~فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه ضعيفي الطاعة له. و " المقصود " أن هذا ~~الحديث لا يبيح لعن أحد من الصحابة، ولا يوجب فسقه. وأما " أهل البيت " فلم ~~يسبوا قط. ولله الحمد. ولم يقتل الحجاج أحدا من بني هاشم، وإنما قتل رجالا ~~من أشراف العرب، وكان قد تزوج بنت عبد الله بن جعفر فلم يرض بذلك بنو عبد ~~مناف ولا بنو هاشم ولا بنو أمية حتى فرقوا بينه وبينها؛ حيث لم يروه كفؤا. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن الفتن التي تقع من أهل البر وأمثالها؛ فيقتل بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم ~~حرمة بعض: فما حكم الله تعالى فيهم؟ ms9773 # فأجاب: # الحمد لله، هذه الفتن وأمثالها من أعظم المحرمات، وأكبر المنكرات، قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله # PageV35P079 # عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على ~~شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون} {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وهؤلاء الذين تفرقوا ~~واختلفوا حتى صار عنهم من الكفر ما صار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض} فهذا من الكفر؛ وإن كان ~~المسلم لا يكفر بالذنب، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} فهذا حكم ~~الله بين المقتتلين من المؤمنين: أخبر أنهم إخوة، وأمر أولا بالإصلاح بينهم ~~إذا اقتتلوا {فإن بغت إحداهما على الأخرى} ولم يقبلوا الإصلاح {فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل} فأمر ~~بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن {تفيء إلى أمر الله} أي ترجع إلى أمر الله. ~~فمن رجع إلى أمر الله وجب أن يعدل بينه وبين خصمه، ويقسط بينهما. فقبل أن ~~نقاتل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما أمرنا بالإصلاح بينهما مطلقا؛ لأنه ~~لم تقهر إحدى الطائفتين بقتال. # PageV35P080 # وإذا كان كذلك فالواجب أن يسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذي أمر الله ~~به ورسوله، ويقال لهذه: ما تنقم من هذه؟ ولهذه: ما تنقم من هذه؟ فإن ثبت ~~على إحدى الطائفتين أنها اعتدت على الأخرى: ms9774 بإتلاف شيء من الأنفس، ~~والأموال: كان عليها ضمان ما أتلفته. وإن كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء ~~أتلفوا لهؤلاء تقاصوا بينهم، كما قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وقد ذكرت طائفة من السلف ~~أنها نزلت في مثل ذلك في طائفتين اقتتلتا فأمرهم الله بالمقاصة، قال: {فمن ~~عفي له من أخيه شيء} والعفو الفضل فإذا فضل لواحدة من الطائفتين شيء على ~~الأخرى {فاتباع بالمعروف} والذي عليه الحق يؤديه بإحسان. وإن تعذر أن تضمن ~~واحدة للأخرى، فيجوز أن يتحمل الرجل حمالة يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن ~~يأخذها بعد ذلك من زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته في هذه الحالة وإن ~~كان غنيا، {قال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة بن مخارق الهلالي: يا ~~قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فيسأل ~~حتى يجد سدادا من عيش، ثم يمسك. ورجل أصابته فاقة؛ فإنه يقوم ثلاثة من ذوي ~~الحجى من قومه؛ فيقولون: قد أصاب فلانا فاقة، فيسأل حتى يجد قواما من عيش ~~وسدادا من عيش؛ ثم يمسك. ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته، ثم يمسك} . ~~والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله ~~به مهما أمكن. # PageV35P081 # ومن كان من الطائفتين يظن أنه مظلوم مبغي عليه فإذا صبر وعفا أعزه الله ~~ونصره؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما زاد ~~الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله؛ ولا نقصت صدقة ~~من مال} وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} ~~وقال تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم} {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} فالباغي ~~الظالم ينتقم الله منه في الدنيا والآخرة؛ فإن البغي مصرعه، قال ابن مسعود: ~~ولو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا. ومن ms9775 حكمة الشعر: # قضى الله أن البغي يصرع أهله ... وأن على الباغي تدور الدوائر # ويشهد لهذا قوله تعالى {إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة} الآية، وفي ~~الحديث: {ما من ذنب أحرى أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا من البغي، وما ~~حسنة أحرى أن يعجل لصاحبها الثواب من صلة الرحم} فمن كان من إحدى الطائفتين ~~باغيا ظالما فليتق الله وليتب، ومن كان مظلوما مبغيا عليه وصبر كان له ~~البشرى من الله، قال تعالى: {وبشر الصابرين} قال عمرو بن أوس: هم الذين لا ~~يظلمون إذا ظلموا، وقد قال تعالى للمؤمنين في حق عدوهم: {وإن تصبروا وتتقوا ~~لا يضركم كيدهم # PageV35P082 # شيئا} وقال يوسف عليه السلام لما فعل به إخوته ما فعلوا فصبر واتقى حتى ~~نصره الله ودخلوا عليه وهو في عزه {قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا ~~أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فمن ~~اتقى الله من هؤلاء وغيرهم بصدق وعدل، ولم يتعد حدود الله، وصبر على أذى ~~الآخر وظلمه: لم يضره كيد الآخر؛ بل ينصره الله عليه. وهذه الفتن سببها ~~الذنوب والخطايا، فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر الله ويتوب إليه فإن ذلك ~~يرفع العذاب، وينزل الرحمة، قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ~~ورزقه من حيث لا يحتسب} قال الله تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير} {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} {وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله} . # PageV35P083 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن طائفتين تزعمان أنهما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تتداعيان بدعوة ~~الجاهلية: كأسد وهلال، وثعلبة، وحرام، وغير ذلك. وبينهم أحقاد ودماء؛ فإذا ~~تراءت الفئتان سعى المؤمنون بينهم ms9776 لقصد التأليف، وإصلاح ذات البين؛ فيقول ~~أولئك الباغون: إن الله قد أوجب علينا طلب الثأر بقوله: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس} - إلى قوله - {والجروح قصاص} ثم إن المؤمنين يعرفونهم أن ~~هذا الأمر يفضي إلى الكفر: من قتل النفوس، ونهب الأموال. فيقولون: نحن لنا ~~عليهم حقوق، فلا نفارق حتى نأخذ ثأرنا بسيوفنا، ثم يحملون عليهم، فمن انتصر ~~منهم بغى وتعدى وقتل النفس، ويفسدون في الأرض: فهل يجب قتال الطائفة ~~الباغية وقتلها، بعد أمرهم بالمعروف؟ أو ماذا يجب على الإمام أن يفعل بهذه ~~الطائفة الباغية؟ # فأجاب: # الحمد لله، قتال هاتين الطائفتين حرام بالكتاب والسنة والإجماع، حتى قال ~~صلى الله عليه وسلم {إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في ~~النار. قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: # PageV35P084 # إنه أراد قتل صاحبه} وقال صلى الله عليه وسلم {لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض} وقال صلى الله عليه وسلم {إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، ~~كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا. ألا ليبلغ الشاهد منكم ~~الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع} . والواجب في مثل هذا ما أمر الله به ~~ورسوله، حيث قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} فيجب الإصلاح بين هاتين ~~الطائفتين، كما أمر الله تعالى. والإصلاح له طرق. " منها " أن تجمع أموال ~~الزكوات وغيرها حتى يدفع في مثل ذلك فإن الغرم لإصلاح ذات البين، يبيح ~~لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقدر ما غرم، كما ذكره الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما، كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة بن مخارق: إن ~~المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته، ثم ~~يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فيسأل حتى يجد سدادا من عيش، ثم يمسك. ~~ورجل أصابته ms9777 فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، فيقولون: قد أصابت ~~فلانا فاقة، فيسأل؛ # PageV35P085 # حتى يجد قواما من عيش، وسدادا من عيش، ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة ~~فإنه يأكله صاحبه سحتا} . ومن طرق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما ~~عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال {فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين} . ومن طرق الصلح أن يحكم بينهما بالعدل. فينظر ما ~~أتلفته كل طائفة من الأخرى من النفوس والأموال، فيتقاصان {الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وإذا فضل لإحداهما على الأخرى شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان؛ فإن كان يجهل عدد القتلى، أو مقدار المال: جعل ~~المجهول كالمعدوم. وإذا ادعت إحداهما على الأخرى بزيادة: فإما أن تحلفها ~~على نفي ذلك، وإما أن تقيم البينة، وإما تمتنع عن اليمين فيقضى برد اليمين ~~أو النكول. فإن كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا ~~تجيب إلى أمر الله ورسوله، وتقاتل على ذلك أو تطلب قتال الأخرى وإتلاف ~~النفوس والأموال، كما جرت عادتهم به؛ فإذا لم يقدر على كفها إلا بالقتل ~~قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله؛ وإن أمكن أن تلزم بالعدل بدون القتال # PageV35P086 # مثل أن يعاقب بعضهم، أو يحبس؛ أو يقتل من وجب قتله منهم، ونحو ذلك: عمل ~~ذلك، ولا حاجة إلى القتال. # وأما قول القائل: إن الله أوجب علينا طلب الثأر. فهو كذب على الله ~~ورسوله؛ فإن الله لم يوجب على من له عند أخيه المسلم المؤمن مظلمة من دم أو ~~مال أو عرض أن يستوفي ذلك؛ بل لم يذكر حقوق الآدميين في القرآن إلا ندب ~~فيها إلى العفو، فقال تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} وقال ~~تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وأما ~~قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ~~ومن لم ms9778 يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} فهذا مع أنه مكتوب على بني ~~إسرائيل، وإن كان حكمنا كحكمهم مما لم ينسخ من الشرائع: فالمراد بذلك ~~التسوية في الدماء بين المؤمنين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم} . {النفس بالنفس} وإن كان ~~القاتل رئيسا مطاعا من قبيلة شريفة والمقتول سوقي طارف، وكذلك إن كان كبيرا ~~وهذا صغيرا، أو هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا عربيا وهذا عجميا، أو هذا هاشميا ~~وهذا قرشيا. وهذا رد لما كان عليه # PageV35P087 # أهل الجاهلية من أنه إذا قتل كبير من القبيلة قتلوا به عددا من القبيلة ~~الأخرى غير قبيلة القاتل، وإذا قتل ضعيف من قبيلة لم يقتلوا قاتله إذا كان ~~رئيسا مطاعا فأبطل الله ذلك بقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~فالمكتوب عليهم هو العدل، وهو كون النفس بالنفس؛ إذ الظلم حرام. وأما ~~استيفاء الحق فهو إلى المستحق، وهذا مثل قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} أي لا يقتل غير قاتله. وأما إذا طلبت إحدى ~~الطائفتين حكم الله ورسوله، فقالت الأخرى نحن نأخذ حقنا بأيدينا في هذا ~~الوقت: فهذا من أعظم الذنوب الموجبة عقوبة هذا القاتل الظالم الفاجر، وإذا ~~امتنعوا عن حكم الله ورسوله ولهم شوكة وجب على الأمير قتالهم؛ وإن لم يكن ~~لهم شوكة: عرف من امتنع من حكم الله ورسوله، وألزم بالعدل. وأما قولهم: لنا ~~عليهم حقوق من سنين متقادمة. فيقال لهم نحن نحكم بينكم في الحقوق القديمة ~~والحديثة، فإن حكم الله ورسوله يأتي على هذا. # وأما من قتل أحدا من بعد الاصطلاح، أو بعد المعاهدة والمعاقدة: فهذا ~~يستحق القتل، حتى قالت طائفة من العلماء: إنه يقتل حدا، ولا يجوز العفو عنه ~~لأولياء المقتول. وقال الأكثرون: بل قتله قصاص، والخيار فيه إلى أولياء ~~المقتول. # PageV35P088 # وإن كان الباغي طائفة فإنهم يستحقون العقوبة، وإن لم يمكن كف صنيعهم إلا ~~بقتالهم قوتلوا، وإن أمكن بما دون ذلك عوقبوا بما يمنعهم من البغي والعدوان ms9779 ~~ونقض العهد والميثاق، قال صلى الله عليه وسلم {ينصب لكل غادر لواء يوم ~~القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان} وقد قال تعالى: {فمن ~~عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ~~ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} قالت طائفة من العلماء المعتدي هو ~~القاتل بعد العفو، فهذا يقتل حتما. وقال آخرون: بل يعذب بما يمنعه من ~~الاعتداء. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن أقوام لم يصلوا ولم يصوموا، والذي يصوم لم يصل، ومالهم حرام، ويأخذون ~~أموال الناس، ويكرمون الجار والضعيف، ولم يعرف لهم مذهب، وهم مسلمون؟ # فأجاب: # الحمد لله، هؤلاء وإن كانوا تحت حكم ولاة الأمور فإنه يجب أن يأمروهم ~~بإقامة الصلاة، ويعاقبوا على تركها، وكذلك الصيام. وإن أقروا بوجوب الصلاة ~~الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة؛ وإلا فمن لم يقر بذلك فهو كافر، وإن ~~أقروا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها عوقبوا حتى # PageV35P089 # يقيموها، ويجب قتل كل من لم يصل إذا كان بالغا عاقلا عند جماهير العلماء، ~~كمالك، والشافعي، وأحمد. وكذلك تقام عليهم الحدود. وإن كانوا طائفة ممتنعة ~~ذات شوكة؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة: ~~كالصلاة، والصيام. والزكاة، وترك المحرمات. كالزنا، والربا، وقطع الطريق، ~~ونحو ذلك. ومن لم يقر بوجوب الصلاة والزكاة فإنه كافر يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل. ومن لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار فهو كافر أكفر ~~من اليهود والنصارى. وعقوق الوالدين من الكبائر الموجبة للنار. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن أقوام مقيمون في الثغور، يغيرون على الأرمن وغيرهم، ويكسبون المال ~~ينفقون على الخمر والزنا: هل يكونون شهداء إذا قتلوا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن كانوا إنما يغيرون على الكفار المحاربين، فإنما الأعمال ~~بالنيات. وقد {قالوا يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية؛ ويقاتل ~~رياء: فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ~~في سبيل الله} فإن كان أحدهم لا يقصد إلا أخذ المال، # PageV35P090 # وإنفاقه ms9780 في المعاصي: فهؤلاء فساق مستحقون للوعيد. وإن كان مقصودهم أن ~~تكون كلمة الله هي العليا؛ ويكون الدين لله: فهؤلاء مجاهدون؛ لكن إذا كانت ~~لهم كبائر كان لهم حسنات وسيئات. وأما إن كانوا يغيرون على المسلمين الذين ~~هناك: فهؤلاء مفسدون في الأرض؛ محاربون لله ورسوله؛ مستحقون للعقوبة ~~البليغة في الدنيا والآخرة. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن جندي مع أمير، وطلع السلطان إلى الصيد، ورسم السلطان بنهب ناس من ~~العرب وقتلهم، فطلع إلى الجبل فوجد ثلاثين نفرا فهربوا، فقال الأمير: سوقوا ~~خلفهم، فردوا عليهم ليحاربوا، فوقع من الجندي ضربة في واحد فمات: فهل عليه ~~شيء أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا كان هذا المطلوب من الطائفة المفسدة الظلمة ~~الذين خرجوا عن الطاعة وفارقوا الجماعة وعدوا على المسلمين في دمائهم ~~وأموالهم بغير حق، وقد طلبوا ليقام فيهم أمر الله ورسوله: فهذا الذي عاد ~~منهم مقاتلا يجوز قتاله، ولا شيء على من قتله على الوجه المذكور؛ بل ~~المحاربون يستوي فيهم المعاون والمباشر عند جمهور الأئمة: كأبي حنيفة، ~~ومالك، وأحمد، فمن كان معاونا كان حكمه حكمهم. # PageV35P091 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الأخوة " التي يفعلها بعض الناس في هذا الزمان، والتزام كل منهم ~~بقوله: إن مالي مالك، ودمي دمك، وولدي ولدك، ويقول الآخر كذلك، ويشرب أحدهم ~~دم الآخر: فهل هذا الفعل مشروع، أم لا؟ وإذا لم يكن مشروعا مستحسنا. فهل هو ~~مباح، أم لا؟ وهل يترتب على ذلك شيء من الأحكام الشرعية التي تثبت بالأخوة ~~الحقيقية، أم لا؟ وما معنى الأخوة التي آخى بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين المهاجرين والأنصار؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذا الفعل على هذا الوجه المذكور ليس مشروعا ~~باتفاق المسلمين؛ وإنما كان أصل الأخوة أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى ~~بين المهاجرين والأنصار، وحالف بينهم في دار أنس بن مالك، كما آخى بين سعد ~~بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، حتى قال سعد لعبد الرحمن: خذ شطر مالي، ~~واختر إحدى زوجتي حتى أطلقها وتنكحها ms9781 فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في ~~مالك وأهلك، دلوني على السوق. وكما آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء. ~~وهذا كله في الصحيح. # PageV35P092 # وأما ما يذكر بعض المصنفين في " السيرة " من أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~آخى بين علي وأبي بكر، ونحو ذلك: فهذا باطل باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛ ~~فإنه لم يؤاخ بين مهاجر ومهاجر، وأنصاري وأنصاري، وإنما آخى بين المهاجرين ~~والأنصار، وكانت المؤاخاة والمحالفة يتوارثون بها دون أقاربهم، حتى أنزل ~~الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فصار الميراث ~~بالرحم دون هذه المؤاخاة والمحالفة. وتنازع العلماء في مثل هذه المحالفة ~~والمؤاخاة: هل يورث بها عند عدم الورثة من الأقارب والموالي؟ على قولين: " ~~أحدهما " يورث بها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، لقوله ~~تعالى {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} . " والثاني " لا يورث بها ~~بحال، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في الرواية المشهورة عند أصحابه ~~وهؤلاء يقولون هذه الآية منسوخة. وكذلك تنازع الناس هل يشرع في الإسلام أن ~~يتآخى اثنان ويتحالفا كما فعل المهاجرون والأنصار؟ فقيل: إن ذلك منسوخ، لما ~~رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا حلف في ~~الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة} ولأن الله ~~قد جعل المؤمنين إخوة بنص القرآن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم {المسلم ~~أخو # PageV35P093 # المسلم لا يسلمه، ولا يظلمه، والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه} فمن كان قائما بواجب الإيمان كان أخا لكل ~~مؤمن، ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه، وإن لم يجر بينهما عقد خاص؛ فإن ~~الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله: {إنما المؤمنون إخوة} وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم {وددت أني قد رأيت إخواني} . ومن لم يكن خارجا عن حقوق ~~الإيمان وجب أن يعامل بموجب ذلك، فيحمد على حسناته؛ ويوالى عليها، وينهى عن ~~سيئاته، ويجانب عليها بحسب الإمكان، وقد قال النبي صلى ms9782 الله عليه وسلم ~~{انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت يا رسول الله أنصره مظلوما، فكيف أنصره ~~ظالما قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه} . والواجب على كل مسلم أن يكون ~~حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته: تابعا لأمر الله ورسوله. فيحب ما أحبه الله ~~ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي ~~من يعادي الله ورسوله. ومن كان فيه ما يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه ~~من سيئات عومل بموجب ذلك، كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب، ~~والموالاة والمعاداة، والحب والبغض؛ بحسب ما فيهم من البر والفجور، فإن ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . # PageV35P094 # وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، وبخلاف المرجئة ~~والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب، وهؤلاء إلى جانب. وأهل السنة ~~والجماعة وسط. ومن الناس من يقول: تشرع تلك المؤاخاة والمحالفة، وهو يناسب ~~من يقول بالتوارث بالمحالفة. لكن لا نزاع بين المسلمين في أن ولد أحدهما لا ~~يصير ولد الآخر بإرثه مع أولاده. والله سبحانه قد نسخ التبني الذي كان في ~~الجاهلية حيث كان يتبنى الرجل ولد غيره، قال الله تعالى: {ما جعل الله لرجل ~~من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم} وقال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين} . وكذلك لا يصير مال كل واحد منهما مالا ~~للآخر يورث عنه ماله؛ فإن هذا ممتنع من الجانبين؛ ولكن إذا طابت نفس كل ~~واحد منهما بما يتصرف فيه الآخر من ماله فهذا جائز، كما كان السلف يفعلون، ~~وكان أحدهما يدخل بيت الآخر ويأكل من طعامه مع غيبته؛ لعلمه بطيب نفسه ~~بذلك، كما قال تعالى: {أو صديقكم} . وأما شرب كل واحد منهما دم الآخر. فهذا ~~لا يجوز بحال، وأقل ما في ذلك مع النجاسة التشبيه باللذين يتآخيان متعاونين ~~على الإثم والعدوان، # PageV35P095 # إما على فواحش، أو محبة شيطانية، كمحبة المردان ونحوهم، وإن أظهروا ms9783 خلاف ~~ذلك من اشتراك في الصنائع ونحوها. وإما تعاون على ظلم الغير، وأكل مال ~~الناس بالباطل؛ فإن هذا من جنس مؤاخاة بعض من ينتسب إلى المشيخة والسلوك ~~للنساء، فيواخي أحدهم المرأة الأجنبية، ويخلو بها. وقد أقر طوائف من هؤلاء ~~بما يجري بينهم من الفواحش. فمثل هذه المؤاخاة وأمثالها مما يكون فيه تعاون ~~على ما نهى الله عنه كائنا ما كان: حرام باتفاق المسلمين. وإنما النزاع في ~~مؤاخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى، بحيث تجمعهما طاعة ~~الله، وتفرق بينهما معصية الله، كما يقولون: تجمعنا السنة، وتفرقنا البدعة. ~~فهذه التي فيها النزاع. فأكثر العلماء لا يرونها، استغناء بالمؤاخاة ~~الإيمانية التي عقدها الله ورسوله؛ فإن تلك كافية محصلة لكل خير؛ فينبغي أن ~~يجتهد في تحقيق أداء واجباتها؛ إذ قد أوجب الله للمؤمن على المؤمن من ~~الحقوق ما هو فوق مطلوب النفوس. ومنهم من سوغها على الوجه المشروع إذا لم ~~تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة وإما أن تقال على المشاركة في الحسنات ~~والسيئات، فمن دخل منهما الجنة أدخل صاحبه، ونحو ذلك مما قد يشرطه بعضهم ~~على بعض: فهذه الشروط وأمثالها لا تصح، ولا يمكن الوفاء بها؛ فإن الشفاعة ~~لا تكون # PageV35P096 # إلا بإذن الله، والله أعلم بما يكون من حالهما، وما يستحقه كل واحد ~~منهما، فكيف يلزم المسلم ما ليس إليه فعله، ولا يعلم حاله فيه، ولا حال ~~الآخر ولهذا نجد هؤلاء الذين يشترطون هذه الشروط لا يدرون ما يشرطون؛ ولو ~~استشعر أحدهم أنه يؤخذ منه بعض ماله في الدنيا فالله أعلم هل كان يدخل ~~فيها، أم لا؟ وبالجملة فجميع ما يقع بين الناس من الشروط والعقود ~~والمحالفات في الأخوة وغيرها ترد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فكل شرط يوافق ~~الكتاب والسنة يوفى به، و {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإن ~~كان مائة شرط. كتاب الله أحق، وشرطه أوثق} فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ~~ورسوله كان باطلا: مثل أن يشترط أن يكون ولد غيره ابنه، أو عتق ms9784 غيره مولاه، ~~أو أن ابنه أو قريبه لا يرثه، أو أنه يعاونه على كل ما يريد، وينصره على كل ~~من عاداه سواء كان بحق أو بباطل، أو يطيعه في كل ما يأمره به، أو أنه يدخله ~~الجنة ويمنعه من النار مطلقا، ونحو ذلك من الشروط. وإذا وقعت هذه الشروط ~~وفى منها بما أمر الله به ورسوله؛ ولم يوف منها بما نهى الله عنه ورسوله. ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين. وفي المباحات نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. # PageV35P097 # وكذا في شروط البيوع، والهبات، والوقوف، والنذور؛ وعقود البيعة للأئمة؛ ~~وعقود المشايخ؛ وعقود المتآخيين، وعقود أهل الأنساب والقبائل، وأمثال ذلك؛ ~~فإنه يجب على كل أحد أن يطيع الله ورسوله في كل شيء؛ ويجتنب معصية الله ~~ورسوله في كل شيء؛ ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويجب أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه من كل شيء، ولا يطيع إلا من آمن بالله ورسوله. والله أعلم. # PageV35P098 ### | باب حكم المرتد # سئل شيخ الإسلام - رضي الله عنه -: # عن رجلين تكلما في " مسألة التأبير " فقال أحدهما: من نقص الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو تكلم بما يدل على نقص الرسول كفر؛ لكن تكفير المطلق لا ~~يستلزم تكفير المعين؛ فإن بعض العلماء قد يتكلم في مسألة باجتهاده فيخطئ ~~فيها فلا يكفر؛ وإن كان قد يكفر من قال ذلك القول إذا قامت عليه الحجة ~~المكفرة، ولو كفرنا كل عالم بمثل ذلك لزمنا أن نكفر فلانا - وسمى بعض ~~العلماء المشهورين الذين لا يستحقون التكفير وهو الغزالي - فإنه ذكر في بعض ~~كتبه تخطئة الرسول في مسألة تأبير النخل: فهل يكون هذا تنقيصا بالرسول بوجه ~~من الوجوه؟ وهل عليه في تنزيه العلماء من الكفر إذا قالوا مثل ذلك تعزير، ~~أم لا؟ وإذا نقل ذلك وتعذر عليه في الحال نفس الكتاب الذي نقله منه وهو ~~معروف بالصدق: فهل عليه في ذلك تعزير أم لا؟ وسواء أصاب في النقل عن العالم ~~أم أخطأ؟ وهل يكون في ذلك تنقيص بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن اعتدى على ms9785 ~~مثل هذا، أو نسبه إلى تنقيص بالرسول، أو العلماء، وطلب عقوبته على ذلك: فما ~~يجب عليه؟ أفتونا مأجورين. # PageV35P099 # فأجاب: # الحمد لله، ليس في هذا الكلام تنقص بالرسول صلى الله عليه وسلم بوجه من ~~الوجوه باتفاق علماء المسلمين، ولا فيه تنقص لعلماء المسلمين؛ بل مضمون هذا ~~الكلام تعظيم الرسول وتوقيره، وأنه لا يتكلم في حقه بكلام فيه نقص، بل قد ~~أطلق القائل تكفير من نقص الرسول صلى الله عليه وسلم أو تكلم بما يدل على ~~نقصه، وهذا مبالغة في تعظيمه؛ ووجوب الاحتراز من الكلام الذي فيه دلالة على ~~نقصه. ثم هو مع هذا بين أن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم ~~لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه، وهذا كلام حسن تجب موافقته ~~عليه؛ فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات؛ وإنما ~~أصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين؛ لما يعتقدون أنهم ~~أخطئوا فيه من الدين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين ~~لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض؛ بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا ~~يفسق؛ بل ولا يأثم؛ فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن الله ~~تعالى قال قد فعلت} واتفق علماء المسلمين على أنه لا يكفر أحد من علماء ~~المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء، والذين قالوا: إنه يجوز عليهم ~~الصغائر والخطأ ولا يقرون # PageV35P100 # على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين؛ فإن هؤلاء يقولون: إنهم ~~معصومون من الإقرار على ذلك، ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية، ~~والمالكية، والحنفية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والتفسير، ~~والصوفية: الذين ليسوا كفارا باتفاق المسلمين؛ بل أئمة هؤلاء يقولون بذلك. ~~فالذي حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قال مثله أئمة أصحاب الشافعي ~~أصحاب الوجوه الذين هم أعظم في مذهب ms9786 الشافعي من أبي حامد، كما قال الشيخ ~~أبو حامد الإسفراييني، الذي هو إمام المذهب بعد الشافعي، وابن سريج في ~~تعليقه: وذلك أن عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز عليه الخطأ كما ~~يجوز علينا ولكن الفرق بيننا أنا نقر على الخطأ والنبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يقر عليه، وإنما يسهو ليسن، وروي عنه أنه قال: {إنما أسهو لأسن لكم} . ~~وهذه المسألة قد ذكرها في أصول الفقه هذا الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب ~~الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي. وكذلك ذكرها بقية طوائف أهل العلم: من ~~أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة. ومنهم من ادعى إجماع السلف على ~~هذا القول، كما ذكر ذلك عن أبي سليمان الخطابي ونحوه؛ ومع هذا فقد اتفق ~~المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة، ومن كفرهم بذلك استحق ~~العقوبة الغليظة التي تزجره # PageV35P101 # وأمثاله عن تكفير المسلمين؛ وإنما يقال في مثال ذلك: قولهم صواب أو خطأ. ~~فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب. ومن نازعهم قال: إن قولهم خطأ، والصواب ~~قول مخالفهم. وهذا المسئول عنه كلامه يقتضي أنه لا يوافقهم على ذلك؛ لكنه ~~ينفي التكفير عنهم. ومثل هذا تجب عقوبة من اعتدى عليه، ونسبه إلى تنقيص ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو العلماء؛ فإنه مصرح بنقيض هذا، وهذا. وقد ذكر ~~القاضي عياض هذه المسألة، وهو من أبلغ القائلين بالعصمة، قسم الكلام في هذا ~~الباب، إلى أن قال: " الوجه السابع " أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويختلف في إقراره عليه، وما يطرأ من الأمور البشرية منه ويمكن ~~إضافتها إليه. أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة ~~أعدائه وأذاهم له، ومعرفة ابتداء حاله، وسيرته، وما لقيه من بؤس زمنه، ومر ~~عليه من معانات عيشه، كل ذلك على طريق الرواية، ومذاكرة العلم ومعرفة ما ~~صحت به العصمة للأنبياء، وما يجوز عليهم. فقال: هذا فن خارج من هذه الفنون ~~الستة؛ ليس فيه غمض ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف، ms9787 ولا في ظاهر اللفظ ولا ~~في مقصد اللافظ؛ لكن يجب أن يكون الكلام مع أهل العلم، وطلبة الدين ممن ~~يفهم مقاصده، ويحققون فوائده؛ ويجنب ذلك ممن عساه لا يفقه، أو يخشى به ~~فتنة. # PageV35P102 # وقد ذكر القاضي عياض قبل هذا: أن يقول القائل شيئا من أنواع السب حاكيا ~~له عن غيره، وآثرا له عن سواه. قال: فهذا ينظر في صورة حكايته، وقرينة ~~مقالته؛ ويختلف الحكم باختلاف ذلك على " أربعة وجوه " الوجوب، والندب، ~~والكراهة، والتحريم. ثم ذكر أنه يحمل من ذلك ما ذكره على وجه الشهادة ~~ونحوها مما فيه إقامة الحكم الشرعي على القائل، أو على وجه الرذالة والنقص ~~على قائله؛ بخلاف من ذكره لغير هذين. قال: وليس التفكه بعرض النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا، ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح. ~~فقد تبين من كلام القاضي عياض أن ما ذكره هذا القائل ليس من هذا الباب؛ ~~فإنه من مسائل الخلاف، وأن ما كان من هذا الباب ليس لأحد أن يذكره لغير غرض ~~شرعي مباح. وهذا القائل إنما ذكر لدفع التكفير عن مثل الغزالي وأمثاله من ~~علماء المسلمين، ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين ~~تكلموا في هذا الباب؛ بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من ~~أحق الأغراض الشرعية؛ حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس ~~بكافر حماية له، ونصرا لأخيه المسلم: لكان هذا غرضا شرعيا حسنا، وهو إذا ~~اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد. # PageV35P103 # فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل، مأجور على ذلك، مثاب عليه إذا ~~كانت له فيه نية حسنة؛ والمنكر لما فعله أحق بالتعزير منه؛ فإن هذا يقتضي ~~قوله القدح في علماء المسلمين من الكفر، ومعلوم أن الأول أحق بالتعزير من ~~الثاني إن وجب التعزير لأحدهما، وإن كان كل منهما مجتهدا اجتهادا سائغا ~~بحيث يقصد طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته فلا إثم على واحد منهما، وسواء ms9788 ~~أصاب في هذا النقل أو أخطأ فليس في ذلك تنقيص للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وكذلك أحضر النقل أو لم يحضره؛ فإنه ليس في حضوره فائدة؛ إذ ما نقله عن ~~الغزالي قد قال مثله من علماء المسلمين من لا يحصي عددهم إلا الله تعالى؛ ~~وفيهم من هو أجل من الغزالي؛ وفيهم من هو دونه. ومن كفر هؤلاء استحق ~~العقوبة باتفاق المسلمين؛ بل أكثر علماء المسلمين وجمهور السلف يقولون مثل ~~ذلك، حتى المتكلمون، فإن أبا الحسن الأشعري قال: أكثر الأشعرية والمعتزلة ~~يقولون بذلك؛ ذكره في " أصول الفقه " وذكره صاحبه أبو عمرو بن الحاجب. ~~والمسألة عندهم من الظنيات؛ كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالي، وأبو الحسن ~~الآمدي، وغيرهما؛ فكيف يكفر علماء المسلمين في مسائل الظنون أم كيف يكفر ~~جمهور علماء المسلمين؛ أو جمهور سلف الأئمة وأعيان العلماء بغير حجة أصلا ~~والله تعالى أعلم. # PageV35P104 # وسئل - رحمه الله -: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل قال أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولم يصل ولم يقم بشيء من ~~الفرائض وأنه لم يضره ويدخل الجنة وأنه قد حرم جسمه على النار؟ وفي رجل ~~يقول: أطلب حاجتي من الله ومنك: فهل هذا باطل أم لا؟ وهل يجوز هذا القول أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، إن من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصيام ~~شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الفواحش والظلم ~~والشرك والإفك: فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة ~~المسلمين ولا يغني عنه التكلم بالشهادتين. وإن قال: أنا أقر بوجوب ذلك علي ~~وأعلم أنه فرض وأن من تركه كان مستحقا لذم الله وعقابه؛ لكني لا أفعل ذلك: ~~فهذا أيضا مستحق للعقوبة # PageV35P105 # في الدنيا والآخرة باتفاق المسلمين ويجب أن يصلي الصلوات الخمس باتفاق ~~العلماء. وأكثر العلماء يقولون: يؤمر بالصلاة؛ فإن لم يصل وإلا قتل. فإذا ~~أصر على الجحود حتى قتل كان كافرا باتفاق الأئمة؛ لا يغسل؛ ms9789 ولا يصلى عليه؛ ~~ولا يدفن في مقابر المسلمين. ومن قال: إن كل من تكلم بالشهادتين ولم يؤد ~~الفرائض ولم يجتنب المحارم: يدخل الجنة ولا يعذب أحد منهم بالنار: فهو كافر ~~مرتد. يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ بل الذين يتكلمون بالشهادتين " ~~أصناف " منهم منافقون في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين} الآية وقال ~~تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى} الآية وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {تلك ~~صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت ~~بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} فبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الذي يؤخر الصلاة وينقرها منافق. فكيف بمن لا يصلي ~~وقد قال تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم ~~يراءون} قال العلماء: " الساهون عنها " الذين يؤخرونها عن وقتها والذين ~~يفرطون في واجباتها. فإذا كان هؤلاء المصلون الويل لهم فكيف بمن لا يصلي # PageV35P106 # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه يعرف أمته بأنهم ~~غر محجلون من آثار الوضوء} وإنما تكون الغرة والتحجيل لمن توضأ وصلى فابيض ~~وجهه بالوضوء وابيضت يداه ورجلاه بالوضوء فصلى أغر محجلا. فمن لم يتوضأ ولم ~~يصل لم يكن أغر ولا محجلا فلا يكون عليه سيما المسلمين التي هي الرنك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل الرنك الذي يعرف به المقدم أصحابه ولا يكن هذا من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وثبت في الصحيح " {أن النار تأكل من ابن آدم ~~كل شيء إلا آثار السجود} فمن لم يكن من أهل السجود للواحد المعبود الغفور ~~الودود ذو العرش المجيد: أكلته النار. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " {ليس بين العبد وبين الشرك ms9790 إلا ترك الصلاة} وقال: " {العهد ~~الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وقال: " {أول ما يحاسب عليه ~~العبد من عمله الصلاة} . ولا ينبغي للعبد أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان ~~وما لي إلا الله وفلان وأطلب حاجتي من الله؛ ومن فلان ونحو ذلك؛ بل يقول: ~~ما شاء الله ثم شاء فلان. وأطلب حاجتي من الله؛ ثم من فلان كما في الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد؛ ~~ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد} {وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: ~~أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده} . والله أعلم. وصلى الله على محمد. # PageV35P107 # ما تقول السادة العلماء - رضي الله عنهم -: # في " الحلاج الحسين بن منصور " هل كان صديقا؟ أو زنديقا؟ وهل كان وليا ~~لله متقيا له؟ أم كان له حال رحماني؟ أو من أهل السحر والخزعبلات؟ وهل قتل ~~على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين؟ أو قتل مظلوما؟ أفتونا مأجورين؟ # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: # الحمد لله رب العالمين، الحلاج قتل على الزندقة التي ثبتت عليه بإقراره ~~وبغير إقراره؛ والأمر الذي ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين. ومن ~~قال إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد وإما جاهل ضال. والذي قتل به ما ~~استفاض عنه من أنواع الكفر وبعضه يوجب قتله؛ فضلا عن جميعه. ولم يكن من ~~أولياء الله المتقين؛ بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات: بعضها شيطاني ~~وبعضها نفساني وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه. فلبس الحق بالباطل. ~~وكان قد ذهب إلى بلاد الهند وتعلم أنواعا من السحر وصنف كتابا في السحر ~~معروفا وهو موجود إلى اليوم وكان له أقوال شيطانية ومخاريق بهتانية. # PageV35P108 # وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة أرخوها؛ الذين كانوا في زمنه والذين ~~نقلوا عنهم مثل أبي علي الحطي ذكره في " تاريخ بغداد " والحافظ أبو ms9791 بكر ~~الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في " تاريخ بغداد " وأبو يوسف القزويني صنف ~~مجلدا في أخباره وأبو الفرج بن الجوزي له فيه مصنف سماه " رفع اللجاج في ~~أخبار الحلاج ". وبسط ذكره في تاريخه أبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات ~~الصوفية " أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه ولم يعدوه من مشايخ ~~الطريق؛ وأكثرهم حط عليه. وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد؛ ولم يقتل ~~في حياة الجنيد؛ بل قتل بعد موت الجنيد؛ فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ~~ومائتين. والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة وقدموا به إلى بغداد راكبا على جمل ~~ينادى عليه: هذا داعي القرامطة وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر ~~والزندقة واعترف به: مثل أنه ذكر في كتاب له: من فاته الحج فإنه يبني في ~~داره بيتا ويطوف به كما يطوف بالبيت ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها ~~وقد أجزأه ذلك عن الحج. فقالوا له: أنت قلت هذا؟ قال نعم. فقالوا له: من ~~أين لك هذا؟ قال ذكره الحسن البصري في " كتاب الصلاة " فقال له القاضي أبو ~~عمر: تكذب يا زنديق أنا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه فطلب منهم الوزير أن ~~يشهدوا بما سمعوه ويفتوا بما يجب عليه فاتفقوا على وجوب قتله. # PageV35P109 # لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة: هل تقبل توبته فلا ~~يقتل؟ أم يقتل؛ لأنه لا يعلم صدقه؛ فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه ~~يستتاب فلا يقتل وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة فإن كان صادقا ~~في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا وكان الحد تطهيرا له كما لو تاب ~~الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لا بد من إقامة الحد ~~عليهم؛ فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم ومن كان كاذبا في التوبة ~~كان قتله عقوبة له. فإن كان الحلاج وقت قتله تاب في الباطن فإن الله ينفعه ~~بتلك التوبة وإن كان كاذبا فإنه قتل كافرا. ولما قتل لم يظهر ms9792 له وقت القتل ~~شيء من الكرامات؛ وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله وأن رجله انقطع ~~ماؤها أو غير ذلك فإنه كاذب. وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق ~~وإنما وضعها الزنادقة وأعداء الإسلام حتى يقول قائلهم: إن شرع محمد بن عبد ~~الله يقتل أولياء الله. حتى يسمعوا أمثال هذه الهذيانات؛ وإلا فقد قتل ~~أنبياء كثيرون وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم والتابعين ~~وغيرهم من الصالحين من لا يحصي عددهم إلا الله قتلوا بسيوف الفجار والكفار ~~والظلمة وغيرهم ولم يكتب دم أحدهم اسم الله. والدم أيضا نجس # PageV35P110 # فلا يجوز أن يكتب به اسم الله تعالى. فهل الحلاج خير من هؤلاء ودمه أطهر ~~من دمائهم وقد جزع وقت القتل وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه. ولو ~~عاش افتتن به كثير من الجهال لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية وأحوال ~~شيطانية. ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية ~~والبهتانية. وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه؛ ~~ولهذا لم يذكره القشيري في مشايخ رسالته؛ وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات ~~استحسنها. وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته فلما اطلع على ~~زندقته نزعها منه. وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر ويقول: كنت معه فسمع ~~قارئا يقرأ القرآن فقال: أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن. أو نحو هذا من ~~الكلام. وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه؛ فيظهر عند أهل ~~السنة أنه سني وعند أهل الشيعة أنه شيعي ويلبس لباس الزهاد تارة ولباس ~~الأجناد تارة. وكان من " مخاريقه " أنه بعث بعض أصحابه إلى مكان في البرية ~~يخبئ فيه شيئا من الفاكهة والحلوى ثم يجيء بجماعة من أهل الدنيا إلى قريب ~~من # PageV35P111 # ذلك المكان فيقول لهم: ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية؟ فيشتهي ~~أحدهم فاكهة أو حلاوة فيقول: امكثوا؛ ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتي بما خبأ ~~أو ببعضه فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له وكان ms9793 صاحب سيما وشياطين تخدمه ~~أحيانا كانوا معه على جبل أبي قبيس فطلبوا منه حلاوة فذهب إلى مكان قريب ~~منهم وجاء بصحن حلوى فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن ~~حمله شيطان من تلك البقعة. ومثل هذا يحصل كثيرا لغير الحلاج ممن له حال ~~شيطاني ونحن نعرف كثيرا من هؤلاء في زماننا وغير زماننا: مثل شخص هو الآن ~~بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق فيجيء من الهوى ~~إلى طاقة البيت الذي فيه الناس فيدخل وهم يرونه. ويجيء بالليل إلى " باب ~~الصغير " فيعبر منه هو ورفقته وهو من أفجر الناس. وآخر كان بالشويك في قرية ~~يقال لها: " الشاهدة " يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه وكان ~~شيطان يحمله وكان يقطع الطريق. وأكثرهم شيوخ الشر يقال لأحدهم " البوي " أي ~~المخبث ينصبون له حركات في ليلة مظلمة ويصنعون خبزا على سبيل القربات فلا ~~يذكرون الله ولا يكون عندهم من يذكر الله ولا كتاب فيه ذكر الله؛ ثم يصعد ~~ذلك # PageV35P112 # البواء في الهوى وهم يرونه. ويسمعون خطابه للشيطان وخطاب الشيطان له ومن ~~ضحك أو شرق بالخبز ضربه الدف. ولا يرون من يضرب به. ثم إن الشيطان يخبرهم ~~ببعض ما يسألونه عنه ويأمرهم بأن يقربوا له بقرا وخيلا وغير ذلك وأن ~~يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها فإذا فعلوا قضى حاجتهم. وشيخ آخر ~~أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم " ~~الحوارات " وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان فيقول لي: ~~فلان إن فلانا نذر لك نذرا وغدا يأتيك به وأنا قضيت حاجته لأجلك فيصبح ذلك ~~الشخص يأتيه بذلك النذر؛ ويكاشفه هذا الشيخ الكافر. قال: وكنت إذا طلب مني ~~تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلي؛ وإذ باللاذن في يدي أو في فمي ~~وأنا لا أدري من وضعه قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور. فلما ~~تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم: ذهب الكلب الأسود ms9794 وذهب ~~التغيير؛ فلا يؤتى بلاذن ولا غيره. وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون ~~بعض الناس فيأتي أهل ذلك # PageV35P113 # المصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك ~~المصروع ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة. وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم ~~وطعام تسرقه من الناس حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة فيطلب الشيخ من ~~شياطينه تينا فيحضرونه له فيطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب. وآخر ~~كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين أغرته وقالوا له: نحن نسقط عنك ~~الصلاة ونحضر لك ما تريد. فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة حتى حضر عند بعض ~~الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ~~ذلك المفتون بالشيطان. فكل من خرج عن الكتاب والسنة وكان له حال: من مكاشفة ~~أو تأثير؛ فإنه صاحب حال نفساني؛ أو شيطاني. وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه ~~بأصحاب الأحوال فهو صاحب حال بهتاني. وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون ~~بين الحال الشيطاني والحال البهتاني كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين} {تنزل على كل أفاك أثيم} . و " الحلاج " كان من أئمة هؤلاء: أهل ~~الحال الشيطاني والحال البهتاني. وهؤلاء طوائف كثيرة. # PageV35P114 # فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان والسحرة ~~الذين كانوا للعرب المشركين ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك ~~وغيرهم. ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت؛ فيكلمهم ~~ويقضي ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا فإنهم تأتيهم تلك الصورة التي كانت ~~في الحياة وهو شيطان يتمثل في صورته؛ فيظنونه إياه. وكثير ممن يستغيث ~~بالمشايخ فيقول: يا سيدي فلان أو يا شيخ فلان اقض حاجتي. فيرى صورة ذلك ~~الشيخ تخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته أو يدفع عنه ~~عدوه ويكون ذلك شيطانا قد تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا غيره. وأنا ~~أعرف من هذا وقائع متعددة؛ حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي ~~في شدائد أصابتهم. أحدهم كان خائفا ms9795 من الأرمن والآخر كان خائفا من التتر: ~~فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهواء وقد دفعت عنه عدوه. ~~فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا ولا دفعت عنكم شيئا؛ وإنما هذا الشيطان تمثل ~~لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى. وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا ~~المشايخ مع أصحابهم؛ يستغيث أحدهم بالشيخ فيرى # PageV35P115 # الشيخ قد جاء وقضى حاجته ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم بهذا فيتبين أن ~~ذلك كان شيطانا. وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لي أنه استغاث باثنين كان ~~يعتقدهما وأنهما أتياه في الهواء؛ وقالا له طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ~~ونفعل ونصنع. قلت له: فهل كان من ذلك شيء؟ فقال: لا. فكان هذا مما دله على ~~أنهما شيطانان؛ فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها ~~صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك كما كانت الجن يخبرون الكهان. ولهذا من اعتمد ~~على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكثر من صدقه؛ كشيخ كان يقال ~~له: " الشياح " توبناه وجددنا إسلامه كان له قرين من الجن يقال له: " عنتر ~~" يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة فلما ذكرت له أنك تعبد شيطانا من دون ~~الله اعترف بأنه يقول له: يا عنتر لا سبحانك؛ إنك إله قذر وتاب من ذلك في ~~قصة مشهورة. وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذي قتلناه سنة ~~خمس عشرة وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة وقد انقاد له ~~طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشفه الله لهم. ~~وذلك أن القرين كان تارة يقول له: أنا رسول الله ويذكر أشياء # PageV35P116 # تنافي حال الرسول فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا ~~من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول؛ فذكرت لولاة الأمور أن هذا من ~~جنس الكهان وأن الذي يراه شيطانا؛ ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بل يأتيه في صورة منكرة ويذكر عنه أنه يخضع ms9796 له؛ ويبيح ~~له أن يتناول المسكر وأمورا أخرى. وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما ~~يخبر به من الرؤية؛ ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة؛ لكن كان كافرا في ~~اعتقاده أن ذلك رسول الله. ومثل هذا كثير. ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية ~~بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان؛ فكلما بعدوا عن الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان. فيطيرون في الهواء؛ والشيطان طار ~~بهم. ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه صرعتهم. ومنهم من يحضر طعاما وإداما ~~وملأ الإبريق ماء من الهواء والشياطين فعلت ذلك فيحسب الجاهلون أن هذه ~~كرامات أولياء الله المتقين؛ وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة ~~وأمثالهم. ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق ~~بالباطل ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق ~~المحق من # PageV35P117 # المبطل؛ والتبس عليه الأمر والحال كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب ~~اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء؛ وإنما هم كذابون وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم " {لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون ~~كلهم يزعم أنه رسول الله} . وأعظم الدجاجلة فتنة " الدجال الكبير " الذي ~~يقتله عيسى ابن مريم؛ فإنه ما خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من ~~فتنته وأمر المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم. وقد ثبت " أنه يقول ~~للسماء: أمطري؛ فتمطر؛ وللأرض أنبتي فتنبت " " وأنه يقتل رجلا مؤمنا؛ ثم ~~يقول له قم فيقوم؛ فيقول أنا ربك؛ فيقول له كذبت؛ بل أنت الأعور الكذاب ~~الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما ازددت فيك إلا ~~بصيرة فيقتله مرتين فيريد أن يقتله في الثالثة فلا يسلطه الله عليه " وهو ~~يدعي الإلهية. وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث علامات تنافي ما ~~يدعيه: أحدها " {أنه أعور؛ وإن ربكم ليس بأعور} . والثانية " {أنه مكتوب ~~بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ} . والثالثة قوله: " ~~{واعلموا أن ms9797 أحدكم لا يرى ربه حتى يموت} . # PageV35P118 # فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعي النبوة؛ ومنهم من يكذب ~~بغير ادعاء النبوة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم " {يكون في آخر الزمان ~~دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم} . ~~فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب؛ ولكن إذا قيل: هل تاب قبل الموت أم لا؟ ~~قال الله أعلم؛ فلا يقول ما ليس له به علم؛ ولكن ظهر عنه من الأقوال ~~والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين. والله أعلم به. # PageV35P119 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " المعز معد بن تميم " الذي بنى القاهرة والقصرين: هل كان شريفا ~~فاطميا؟ وهل كان هو وأولاده معصومين؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن؟ وإن كانوا ~~ليسوا أشرافا: فما الحجة على القول بذلك؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة: فهل ~~هم " بغاة " أم لا؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين ~~يحتج بقولهم؟ ولتبسطوا القول في ذلك. # فأجاب: # الحمد لله، أما القول بأنه هو أو أحد من أولاده أو نحوهم كانوا معصومين ~~من الذنوب والخطإ كما يدعيه الرافضة في " الاثني عشر " فهذا القول شر من ~~قول الرافضة بكثير؛ فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل ~~فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة: كعلي والحسن والحسين. رضي الله عنهم. ومع ~~هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال؛ وأنه ~~من أقوال أهل الإفك والبهتان؛ فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم ~~السلام. بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك ولا تجب طاعة من سوى ~~الأنبياء والرسل في كل ما يقول ولا يجب على الخلق اتباعه والإيمان # PageV35P120 # به في كل ما يأمر به ويخبر به ولا تكون مخالفته في ذلك كفرا؛ بخلاف ~~الأنبياء؛ بل إذا خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر في قوليهما ~~وأيهما كان أشبه بالكتاب والسنة تابعه كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ms9798 الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ~~فأمر عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول؛ إذ المعصوم لا يقول إلا حقا. ~~ومن علم أنه قال الحق في موارد النزاع وجب اتباعه كما لو ذكر آية من كتاب ~~الله تعالى أو حديثا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد به قطع ~~النزاع. أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ~~ما يقول فليس بصحيح؛ بل هذه المرتبة هي " مرتبة الرسول " التي لا تصلح إلا ~~له كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال تعالى: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} وقال تعالى: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقال تعالى: {إنما ~~كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله # PageV35P121 # ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} وقال: {ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} وقال تعالى: {تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين} وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى: {لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم} . وأمثال هذه في القرآن كثير بين فيه سعادة من آمن ~~بالرسل واتبعهم وأطاعهم وشقاوة من لم يؤمن بهم ولم ms9799 يتبعهم؛ بل عصاهم. فلو ~~كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهى عنه لكان حكمه في ذلك حكم ~~الرسول. والنبي المبعوث إلى الخلق رسول إليهم؛ بخلاف من لم يبعث إليهم. فمن ~~كان آمرا ناهيا للخلق: من إمام وعالم وشيخ وأولي أمر غير هؤلاء من أهل ~~البيت أو غيرهم وكان معصوما: كان بمنزلة الرسول في ذلك وكان من أطاعه وجبت ~~له الجنة ومن عصاه وجبت له النار كما يقوله القائلون بعصمة علي أو غيره من ~~الأئمة؛ بل من أطاعه يكون مؤمنا؛ ومن عصاه يكون كافرا؛ وكان هؤلاء كأنبياء ~~بني إسرائيل؛ فلا # PageV35P122 # يصح حينئذ قول النبي صلى الله عليه وسلم " {لا نبي بعدي} وفي السنن عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم ~~يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر} . ~~فغاية العلماء من الأئمة وغيرهم من هذه الأمة أن يكونوا ورثة أنبياء. وأيضا ~~فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والإجماع {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصديق ~~في تأويل رؤيا عبرها: أصبت بعضا وأخطأت بعضا} وقال الصديق: أطيعوني ما أطعت ~~الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له أبو بردة: ~~دعني أضرب عنقه فقال له: أكنت فاعلا قال: نعم. فقال: ما كانت لأحد بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا اتفق الأئمة على أن من سب نبيا قتل ومن سب ~~غير النبي لا يقتل بكل سب سبه؛ بل يفصل في ذلك؛ فإن من قذف أم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا؛ لأنه قدح في نسبه ولو قذف غير أم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يعلم براءتها لم يقتل ". وكذلك عمر بن ~~الخطاب كان يقر على نفسه في مواضع بمثل هذه فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين ~~له الحق في خلاف ما قال ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم ~~ويقول في مواضع: والله ما يدري عمر أصاب الحق ms9800 أو أخطأه. ويقول: امرأة أصابت ~~ورجل أخطأ. ومع هذا فقد ثبت في # PageV35P123 # الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {قد كان في الأمم قبلكم ~~محدثون؛ فإن يكن في أمتي أحد فعمر} وفي الترمذي: " {لو لم أبعث فيكم لبعث ~~فيكم عمر} وقال: " {إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه} فإذا كان المحدث ~~الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه ~~بأنه ليس بمعصوم فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته فإن ~~أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة وأعظم طاعة لله ~~ورسوله من سائرهم وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم وقد ثبت بالنقل المتواتر ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {خير هذه الأمة بعد نبيها ~~أبو بكر ثم عمر} روي ذلك عنه من نحو ثمانين وجها وقال علي رضي الله عنه لا ~~أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. والأقوال ~~المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة كثيرة. # بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر وكان ~~الشافعي رضي الله عنه يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه ~~بقول علي فصنف كتاب " اختلاف علي وعبد الله بن مسعود " وبين فيه مسائل ~~كثيرة تركت من قولهما؛ لمجيء السنة بخلافها وصنف بعده محمد بن نصر المروزي ~~كتابا أكبر من ذلك كما ترك من قول علي رضي الله عنه # PageV35P124 # أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا فإنها تعتد أبعد الأجلين ويروى ~~ذلك عن ابن عباس أيضا واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما ~~في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~{أن سبيعة الأسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل ~~بن بعكك فقال: ما أنت بناكح ms9801 حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا فسألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: كذب أبو السنابل. حللت فانكحي} فكذب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قال بهذه الفتيا. وكذلك المفوضة التي تزوجها زوجها ~~ومات عنها ولم يفرض لها مهرا قال فيها علي وابن عباس إنها لا مهر لها وأفتى ~~فيها ابن مسعود وغيره أن لها مهر المثل فقام رجل من أشجع فقال: نشهد " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه ~~". ومثل هذا كثير وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضا في العلم ~~والفتيا كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضا ولو كانوا معصومين لكان ~~مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ~~ويكره كثيرا مما يفعله ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وكان ~~يقول: # لئن عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر # وأجبر الرأي النسيب المنتشر # PageV35P125 # وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب وله ~~فتاوى رجع ببعضها عن بعض كقوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين " ~~أحدهما " المنع من بيعهن. " والثاني " إباحة ذلك. والمعصوم لا يكون له ~~قولان متناقضان؛ إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر كما في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم السنة استقرت فلا يرد عليها بعده نسخ إذ لا نبي بعده وقد وصى ~~الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه ~~بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا أن مصلحته ومصلحة ~~المسلمين ألا يذهب إليهم لا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال ~~معهم؛ وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين ولكنه رضي الله عنه فعل ما رآه ~~مصلحة والرأي يصيب ويخطئ. والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه؛ وليس له أن يخالف ~~معصوما آخر؛ إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتهما واحدة. ~~وهذا باب ms9802 واسع مبسوط في غير هذا الموضع. " والمقصود " أن من ادعى عصمة ~~هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة: هو في غاية الضلال ~~والجهالة ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق؛ بل ولا من له عقل ~~محمود. # PageV35P126 # فكيف تكون العصمة في ذرية " عبيد الله بن ميمون القداح " مع شهرة النفاق ~~والكذب والضلال وهب أن الأمر ليس كذلك: فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك ~~وأكثرها ظلما وانتهاكا للمحرمات وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات وأعظم ~~إظهارا للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة. وقد اتفق ~~أهل العلم على أن دولة بني أمية وبني العباس أقرب إلى الله ورسوله من ~~دولتهم وأعظم علما وإيمانا من دولتهم وأقل بدعا وفجورا من بدعتهم وأن خليفة ~~الدولتين أطوع لله ورسوله من خلفاء دولتهم؛ ولم يكن في خلفاء الدولتين من ~~يجوز أن يقال فيه إنه معصوم فكيف يدعي العصمة من ظهرت عنه الفواحش ~~والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة ~~والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق فهم من أفسق الناس. ومن أكفر الناس. وما ~~يدعي العصمة في النفاق والفسوق إلا جاهل مبسوط الجهل أو زنديق يقول بلا ~~علم. ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى أو بصحة ~~النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم وقد قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} وقال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} وقال عن إخوة يوسف: {وما ~~شهدنا إلا بما علمنا} وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم # PageV35P127 # ولا ثبوت إيمانهم وتقواهم؛ فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام ~~والتزام شرائعه؛ وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن؛ إذ قد عرف ~~في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق قال الله تعالى: {ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وقال تعالى {إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} وقال تعالى: {قالت الأعراب ms9803 آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها ~~وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. فإذا ~~قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في إيمانهم نزاع مشهور. فالشاهد لهم ~~بالإيمان شاهد لهم بما لا يعلمه؛ إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع ~~منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم وكذلك " النسب " قد علم أن جمهور الأمة ~~تطعن في نسبهم ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود. هذا مشهور من شهادة ~~علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل ~~الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم. وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين ~~لأخبار الناس وأيامهم حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في ~~تاريخه ونحوه؛ فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم. # PageV35P128 # وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في ~~تاريخه فإنهم ذكروا بطلان نسبهم وكذلك ابن الجوزي وأبو شامة وغيرهما من أهل ~~العلم بذلك حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كما صنف القاضي ~~أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وذكر أنهم من ~~ذرية المجوس وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود ~~والنصارى؛ بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته فهم أكفر ~~من هؤلاء؛ وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه " المعتمد " فصلا طويلا في ~~شرح زندقتهم وكفرهم وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه " فضائل ~~المستظهرية وفضائح الباطنية " قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. ~~وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا ~~يفضلون على علي غيره؛ بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله: يجعلون هؤلاء ~~من أكابر المنافقين الزنادقة. فهذه مقالة المعتزلة في حقهم فكيف تكون مقالة ~~أهل السنة والجماعة والرافضة الإمامية - مع أنهم من أجهل الخلق وأنهم ليس ~~لهم عقل ولا ms9804 نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة - نعم يعلمون أن مقالة هؤلاء ~~مقالة الزنادقة المنافقين؛ ويعلمون أن مقالة هؤلاء # PageV35P129 # الباطنية شر من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية علي رضي الله عنه. ~~وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف. ~~وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف وكان في بعضهم من البدعة والظلم ما فيه؛ فلم ~~يقدح الناس في نسب أحد من أولئك كما قدحوا في نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى ~~الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء. وقد قام من ولد علي طوائف: من ولد الحسن ~~وولد الحسين كمحمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن ~~وأمثالهما. ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولا من غير أعدائهم لا في نسبهم ولا ~~في إسلامهم وكذلك الداعي القائم بطبرستان وغيره من العلويين وكذلك بنو حمود ~~الذين تغلبوا بالأندلس مدة وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد في نسبهم ولا في ~~إسلامهم. وقد قتل جماعة من الطالبيين على الخلافة لا سيما في الدولة ~~العباسية وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره ولم يقدح أعداؤهم في نسبهم ولا ~~دينهم. وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر ~~العدو أن يطفئه؛ وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى ~~وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم ~~يمكنه ذلك فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولا يجوز أن تتفق على ~~ذلك أقوال العلماء. # PageV35P130 # وهؤلاء " بنو عبيد القداح " ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا ~~يقدحون في نسبهم ودينهم؛ لا يذمونهم بالرفض والتشيع؛ فإن لهم في هذا شركاء ~~كثيرين؛ بل يجعلونهم " من القرامطة الباطنية " الذين منهم الإسماعيلية ~~والنصيرية ومن جنسهم الخرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار المنافقون الذين ~~كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ ولا ريب أن اتباع هؤلاء باطل؛ وقد وصف ~~العلماء أئمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه؛ وذكروا ما بنوا عليه ~~مذاهبهم؛ وأنهم أخذوا بعض قول المجوس وبعض ms9805 قول الفلاسفة؛ فوضعوا لهم " ~~السابق " و " التالي " و " الأساس " و " الحجج " و " الدعاوى " وأمثال ذلك ~~من المراتب. وترتيب الدعوة سبع درجات؛ آخرها " البلاغ الأكبر؛ والناموس ~~الأعظم " مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك. وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب ~~أو إيمان فأقل ما في شهادته أنه شاهد بلا علم قاف ما ليس له به علم؛ وذلك ~~حرام باتفاق الأمة؛ بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على بطلان نسبهم الفاطمي؛ فإن من يكون من ~~أقارب النبي صلى الله عليه وسلم القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته ~~لدينه كمعاداة هؤلاء؛ فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية: ~~من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام؛ فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة # PageV35P131 # هؤلاء؛ بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين ~~آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين ~~الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة؛ ولهذا نجد جميع المأمونين على دين ~~الإسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله أو ~~جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله. وهذا مما يدل على كفرهم وكذبهم في نسبهم. # فصل: # وأما سؤال القائل " إنهم أصحاب العلم الباطن " فدعواهم التي ادعوها من ~~العلم الباطن هو أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون؛ لا يؤمنون بالله ~~ولا برسوله ولا باليوم الآخر فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر ~~باتفاق المسلمين واليهود والنصارى؛ بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا؛ فإن ~~مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر ~~والنواهي والأخبار. أما " الأوامر " فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة ~~المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق. # PageV35P132 # وأما " النواهي " فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن ms9806 يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا ~~على الله ما لا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ذوات المحارم والربا والميسر ~~وغير ذلك. فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون ولكن لهذا ~~باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الذين يقولون إنهم معصومون وإنهم أصحاب العلم الباطن كقولهم: " الصلاة ~~" معرفة أسرارنا؛ لا هذه الصلوات ذات الركوع والسجود والقراءة. و " الصيام ~~" كتمان أسرارنا ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح. و " الحج " زيارة ~~شيوخنا المقدسين. وأمثال ذلك. وهؤلاء المدعون للباطن لا يوجبون هذه ~~العبادات ولا يحرمون هذه المحرمات؛ بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات ومعلوم أن هؤلاء أكفر من ~~اليهود والنصارى فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما وأما " الأخبار " فإنهم لا ~~يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من ~~الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة؛ بل ولا بما ذكرته ~~من أسماء الله وصفاته بل أخبارهم الذي يتبعونها اتباع المتفلسفة المشائين ~~التابعين لأرسطو ويريدون أن يجمعوا # PageV35P133 # بين ما أخبر به الرسل وما يقوله هؤلاء كما فعل أصحاب " رسائل إخوان الصفا ~~" وهم على طريقة هؤلاء العبيديين ذرية " عبيد الله بن ميمون القداح ". فهل ~~ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين أو اليهود أو النصارى: أن ما يقوله أصحاب " ~~رسائل إخوان الصفا " مخالف للملل الثلاث وإن كان في ذلك من العلوم الرياضية ~~والطبيعية وبعض المنطقية والإلهية وعلوم الأخلاق والسياسة والمنزل ما لا ~~ينكر؛ فإن في ذلك من مخالفة الرسل فيما أخبرت به وأمرت به والتكذيب بكثير ~~مما جاءت به وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل. ~~فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث. ومن أكاذيبهم وزعمهم: أن هذه " الرسائل " ~~من كلام جعفر بن محمد الصادق. والعلماء يعلمون أنها إنما وضعت بعد المائة ~~الثالثة زمان بناء القاهرة وقد ذكر واضعها فيها ما حدث في الإسلام ms9807 من ~~استيلاء النصارى على سواحل الشام ونحو ذلك من الحوادث التي حدثت بعد المائة ~~الثالثة. وجعفر بن محمد - رضي الله عنه - توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل ~~بناء القاهرة بأكثر من مائتي سنة؛ إذ القاهرة بنيت حول الستين وثلاثمائة ~~كما في " تاريخ الجامع الأزهر ". ويقال: إن ابتداء بنائها سنة ثمان وخمسين ~~وأنه في سنة اثنتين وستين قدم " معد بن تميم " من المغرب واستوطنها. # PageV35P134 # ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام كانوا من ~~أتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم وأبي علي بن الهيثم اللذين كانا في دولة ~~الحكام نازلين قريبا من الجامع الأزهر. وابن سينا وابنه وأخوه كانوا من ~~أتباعهما. قال ابن سينا: وقرأت من الفلسفة وكنت أسمع أبي وأخي يذكران " ~~العقل " " والنفس " وكان وجوده على عهد الحاكم وقد علم الناس من سيرة ~~الحاكم ما علموه وما فعله هشكين الدرزي بأمره من دعوة الناس إلى عبادته ~~ومقاتلته أهل مصر على ذلك ثم ذهابه إلى الشام حتى أضل وادي التيم بن ثعلبة. ~~والزندقة والنفاق فيهم إلى اليوم وعندهم كتب الحاكم وقد أخذتها منهم وقرأت ~~ما فيها من عبادتهم الحاكم؛ وإسقاطه عنهم الصلاة والزكاة والصيام والحج ~~وتسمية المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرمين لما حرم الله ورسوله ~~بالحشوية. إلى أمثال ذلك من أنواع النفاق التي لا تكاد تحصى. وبالجملة " ~~فعلم الباطن " الذي يدعون مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر؛ بل هو جامع لكل كفر لكنهم فيه على درجات فليسوا مستوين في الكفر؛ إذ ~~هو عندهم سبع طبقات كل طبقة يخاطبون بها طائفة من الناس بحسب بعدهم من ~~الدين وقربهم منه. ولهم ألقاب وترتيبات ركبوها من مذهب المجوس والفلاسفة ~~والرافضة مثل قولهم: " السابق " و " التالي " جعلوهما بإزاء " العقل " # PageV35P135 # و " النفس " كالذي يذكره الفلاسفة وبإزاء النور والظلمة كالذي يذكره ~~المجوس. وهم ينتمون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر " ويدعون أنه هو السابع ~~ويتكلمون في الباطن والأساس والحجة والباب وغير ذلك مما يطول وصفهم. ومن ~~وصاياهم في " الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم ms9808 " أنهم يدخلون على المسلمين من ~~" باب التشيع " وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف وأضعفها عقلا وعلما ~~وأبعدها عن دين الإسلام علما وعملا ولهذا دخلت الزنادقة على الإسلام من باب ~~المتشيعة قديما وحديثا كما دخل الكفار المحاربون مدائن الإسلام بغداد ~~بمعاونة الشيعة كما جرى لهم في دولة الترك الكفار ببغداد وحلب وغيرهما؛ بل ~~كما جرى بتغير المسلمين مع النصارى وغيرهم فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه ~~وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة فإن رأوه قابلا نقلوه ~~إلى الطعن في علي وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء ~~وقالوا: إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم وكانوا قوما ~~أذكياء فضلاء قالوا بأغراضهم الدنيوية بما وضعوه من النواميس الشرعية ثم ~~قدحوا في المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار وجعلوه ضعيف الرأي حيث تمكن عدوه ~~منه حتى صلبه فيوافقون اليهود في القدح في المسيح؛ لكن هم شر من اليهود. ~~فإنهم يقدحون في الأنبياء. وأما موسى ومحمد فيعظمون أمرهما لتمكنهما وقهر # PageV35P136 # عدوهما؛ ويدعون أنهما أظهرا ما أظهرا من الكتاب لذب العامة وأن لذلك ~~أسرارا باطنة من عرفها صار من الكمل البالغين. ويقولون إن الله أحل كل ما ~~نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس بكل طريق؛ ولم يجب علينا شيء ~~مما يجب على العامة: من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك؛ إذ البالغ عندهم قد عرف ~~أنه لا جنة ولا نار؛ ولا ثواب ولا عقاب. وفي " إثبات واجب الوجود " المبدع ~~للعالم على قولين لأئمتهم تنكره وتزعم أن المشائين من الفلاسفة في نزاع إلا ~~في واجب الوجود؛ ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم ~~رسوله في أسفله؛ وأمثال ذلك من كفرهم كثير. وذو الدعوة التي كانت مشهورة؛ ~~والإسماعيلية الذين كانوا على هذا المذهب بقلاع الألموت وغيرها في بلاد ~~خراسان؛ وبأرض اليمن وجبال الشام؛ وغير ذلك: كانوا على مذهب العبيديين ~~المسئول عنهم؛ وابن الصباح الذي كان رأس الإسماعيلية؛ وكان الغزالي يناظر ~~أصحابه لما كان قدم إلى مصر في دولة ms9809 المستنصر وكان أطولهم مدة؛ وتلقى عنه ~~أسرارهم. وفي دولة المستنصر كانت فتنة البساسري في المائة الخامسة سنة ~~خمسين وأربعمائة لما جاهد البساسري خارجا عن طاعة الخليفة القائم بأمر الله ~~العباسي # PageV35P137 # واتفق مع المستنصر العبيدي وذهب يحشر إلى العراق وأظهروا في بلاد الشام ~~والعراق شعار الرافضة كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر وقتلوا طوائف من علماء ~~المسلمين وشيوخهم كما كان سلفهم قتلوا قبل ذلك بالمغرب طوائف وأذنوا على ~~المنابر: " حي على خير العمل " حتى جاء الترك " السلاجقة " الذين كانوا ~~ملوك المسلمين فهزموهم وطردوهم إلى مصر وكان من أواخرهم " الشهيد نور الدين ~~محمود " الذي فتح أكثر الشام واستنقذه من أيدي النصارى؛ ثم بعث عسكره إلى ~~مصر لما استنجدوه على الإفرنج وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذي ~~فتح مصر؛ فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية وأظهر فيها شرائع ~~الإسلام حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام. وكان في أثناء دولتهم ~~يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل كما ~~حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد وامتنع من رواية ~~الحديث خوفا أن يقتلوه وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار ~~وإردب. وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها ~~بالكفر الصريح وكان لهم مدرسة بقرب " المشهد " الذي بنوه ونسبوه إلى الحسين ~~وليس فيه الحسين ولا شيء منه باتفاق العلماء. وكانوا لا يدرسون في مدرستهم ~~علوم المسلمين؛ بل المنطق والطبيعة والإلهي ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة. ~~وبنوا أرصادا على # PageV35P138 # الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون ~~روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ~~ذلك. " والمعز بن تميم بن معد " أول من دخل القاهرة منهم في ذلك فصنف كلاما ~~معروفا عند أتباعه؛ وليس هذا " المعز بن باديس " فإن ذاك كان مسلما من أهل ~~السنة وكان رجلا من ملوك المغرب؛ وهذا بعد ذاك بمدة. ولأجل ما كانوا عليه ~~من الزندقة ms9810 والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ ~~نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار ~~مسيلمة الكذاب. " والقرامطة " الخارجين بأرض العراق الذين كانوا سلفا ~~لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب ثم جاءوا من المغرب إلى مصر؛ ~~فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة وهم أعظم كفرا وردة من كفر ~~أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين؛ فإن أولئك لم يقولوا في الإلهية ~~والربوبية والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء. ولهذا يميز بين قبورهم وقبور ~~المسلمين كما يميز بين قبور المسلمين والكفار؛ فإن قبورهم موجهة إلى غير ~~القبلة. وإذا أصاب الخيل مغل أتوا بها إلى قبورهم كما يأتون بها إلى قبور ~~الكفار وهذه عادة معروفة للخيل إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور # PageV35P139 # النصارى بدمشق وإن كانوا بمساكن الإسماعيلية والنصيرية ونحوهما ذهبوا بها ~~إلى قبورهم وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى أو لهؤلاء ~~العبيديين الذين قد يتسمون بالأشراف وليسوا من الأشراف. ولا يذهبون بالخيل ~~إلى قبور الأنبياء والصالحين؛ ولا إلى قبور عموم المسلمين وهذا أمر مجرب ~~معلوم عند الجند وعلمائهم. وقد ذكر سبب ذلك: أن الكفار يعاقبون في قبورهم ~~فتسمع أصواتهم البهائم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أن الكفار ~~يعذبون في قبورهم ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه كان ~~راكبا على بغلته فمر بقبور فحادت به كادت تلقيه فقال: هذه أصوات يهود تعذب ~~في قبورها} فإن البهائم إذا سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما ~~يذهب المغل وكان الجهال يظنون أن تمشية الخيل عند قبور هؤلاء لدينهم وفضلهم ~~فلما تبين لهم أنهم يمشونها عند قبور اليهود والنصارى والنصيرية ونحوهم دون ~~قبور الأنبياء والصالحين وذكر العلماء أنهم لا يمشونها عند قبر من يعرف ~~بالدين بمصر والشام وغيرها؛ إنما يمشونها عند قبور الفجار والكفار: تبين ~~بذلك ما كان مشتبها. ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه ~~وأعدائه الكفار والمنافقين: علم ms9811 أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث ~~الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون ~~حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمدا؛ بل إبطال جميع المرسلين؛ ~~وأنهم لا يقرون # PageV35P140 # بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره؛ وأن لهم قصدا مؤكدا ~~في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته وأتباع عترته. وأنهم في معاداة ~~الإسلام؛ بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود والنصارى ~~يقرون بأصل الجمل التي جاءت بها الرسل: كإثبات الصانع والرسل؛ والشرائع ~~واليوم الآخر ولكن يكذبون بعض الكتب والرسل كما قال الله سبحانه: {إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} {أولئك هم الكافرون حقا ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} . وأما هؤلاء القرامطة فإنهم في الباطن ~~كافرون بجميع الكتب والرسل يخفون ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به؛ لا ~~يظهرونه كما يظهر أهل الكتاب دينهم لأنهم لو أظهروه لنفر عنهم جماهير أهل ~~الأرض من المسلمين وغيرهم وهم يفرقون بين مقالتهم ومقالة الجمهور؛ بل ~~الرافضة الذين ليسوا زنادقة كفارا يفرقون بين مقالتها ومقالة الجمهور ويرون ~~كتمان مذهبهم واستعمال التقية وقد لا يكون من الرافضة من له نسب صحيح مسلما ~~في الباطن ولا يكون زنديقا؛ لكن يكون جاهلا مبتدعا. وإذا كان هؤلاء مع صحة ~~نسبهم وإسلامهم يكتمون ما هم عليه من البدعة والهوى لكن جمهور الناس ~~يخالفونهم: فكيف بالقرامطة الباطنية الذين يكفرهم أهل الملل كلها من ~~المسلمين واليهود والنصارى. # PageV35P141 # وإنما يقرب منهم " الفلاسفة المشاءون أصحاب أرسطو " فإن بينهم وبين ~~القرامطة مقاربة كبيرة. ولهذا يوجد فضلاء القرامطة في الباطن متفلسفة: ~~كسنان الذي كان بالشام والطوسي الذي كان وزيرا لهم بالألموت ثم صار منجما ~~لهؤلاء وملك الكفار وصنف " شرح الإشارات لابن سينا " وهو الذي أشار على ملك ~~الكفار بقتل الخليفة وصار عند الكفار الترك هو المقدم على الذين يسمونهم " ~~الداسميدية " فهؤلاء وأمثالهم يعلمون أن ما يظهره القرامطة ms9812 من الدين ~~والكرامات ونحو ذلك أنه باطل؛ لكن يكون أحدهم متفلسفا ويدخل معهم لموافقتهم ~~له على ما هو فيه من الإقرار بالرسل والشرائع في الظاهر وتأويل ذلك بأمور ~~يعلم بالاضطرار أنها مخالفة لما جاءت به الرسل. فإن " المتفلسفة " متأولون ~~ما أخبرت به الرسل من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر بالنفي والتعطيل ~~الذي يوافق مذهبهم وأما الشرائع العملية فلا ينفونها كما ينفيها القرامطة؛ ~~بل يوجبونها على العامة؛ ويوجبون بعضها على الخاصة أو لا يوجبون ذلك. ~~ويقولون إن الرسل فيما أخبروا به وأمروا به لم يأتوا بحقائق الأمور؛ ولكن ~~أتوا بأمر فيه صلاح العامة وإن كان هو كذبا في الحقيقة ولهذا اختار كل مبطل ~~أن يأتي بمخاريق لقصد صلاح العامة كما فعل " ابن التومرت " الملقب بالمهدي ~~ومذهبه في الصفات مذهب الفلاسفة # PageV35P142 # لأنه كان مثلها في الجملة ولم يكن منافقا مكذبا للرسل معطلا للشرائع ولا ~~يجعل للشريعة العملية باطنا يخالف ظاهرها؛ بل كان فيه نوع من رأي الجهمية ~~الموافق لرأي الفلاسفة ونوع من رأي الخوارج الذين يرون السيف ويكفرون ~~بالذنب. فهؤلاء " القرامطة " هم في الباطن والحقيقة أكفر من اليهود ~~والنصارى وأما في الظاهر فيدعون الإسلام؛ بل وإيصال النسب إلى العترة ~~النبوية وعلم الباطن الذي لا يوجد عند الأنبياء والأولياء وأن إمامهم ~~معصوم. فهم في الظاهر من أعظم الناس دعوى بحقائق الإيمان وفي الباطن من ~~أكفر الناس بالرحمن بمنزلة من ادعى النبوة من الكذابين قال تعالى: {ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله} . وهؤلاء قد يدعون هذا وهذا. فإن الذي يضاهي ~~الرسول الصادق لا يخلو: إما أن يدعي مثل دعوته فيقول: إن الله أرسلني وأنزل ~~علي. وكذب على الله. أو يدعي أنه يوحى إليه ولا يسمي موحيه كما يقول: قيل ~~لي ونوديت وخوطبت ونحو ذلك ويكون كاذبا فيكون هذا قد حذف الفاعل. أو لا ~~يدعي واحدا من الأمرين؛ لكنه يدعي أنه يمكنه أنه يأتي بما أتى به الرسول. ~~ووجه ms9813 القسمة أن ما يدعيه في مضاهاة الرسول إما أن يضيفه إلى الله أو إلى ~~نفسه أو لا يضيفه إلى أحد. # PageV35P143 # فهؤلاء في دعواهم مثل الرسول هم أكفر من اليهود والنصارى فكيف بالقرامطة ~~الذين يكذبون على الله أعظم مما فعل مسيلمة وألحدوا في أسماء الله وآياته ~~أعظم مما فعل مسيلمة وحاربوا الله ورسوله أعظم مما فعل مسيلمة. وبسط حالهم ~~يطول؛ لكن هذه الأوراق لا تسع أكثر من هذا. وهذا الذي ذكرته حال أئمتهم ~~وقادتهم العالمين بحقيقة قولهم ولا ريب أنه قد انضم إليهم من الشيعة ~~والرافضة من لا يكون في الباطن عالما بحقيقة باطنهم ولا موافقا لهم على ذلك ~~فيكون من أتباع الزنادقة المرتدين الموالي لهم؛ الناصر لهم؛ بمنزلة أتباع ~~الاتحادية؛ الذين يوالونهم؛ ويعظمونهم؛ وينصرونهم ولا يعرفون حقيقة قولهم ~~في وحدة الوجود؛ وأن الخالق هو المخلوق. فمن كان مسلما في الباطن وهو جاهل ~~معظم لقول ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم من أهل الاتحاد فهو ~~منهم وكذا من كان معظما للقائلين بمذهب الحلول والاتحاد؛ فإن نسبة هؤلاء ~~إلى الجهمية كنسبة أولئك إلى الرافضة والجهمية ولكن القرامطة أكفر من ~~الاتحادية بكثير؛ ولهذا كان أحسن حال عوامهم أن يكونوا رافضة جهمية. وأما ~~الاتحادية ففي عوامهم من ليس برافضي ولا جهمي صريح؛ ولكن لا يفهم كلامهم؛ ~~ويعتقد أن كلامهم كلام الأولياء المحققين. وبسط هذا الجواب له مواضع غير ~~هذا. والله أعلم. # PageV35P144 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين وأعانهم على ~~إظهار الحق المبين وإخماد شعب المبطلين: في " النصيرية " القائلين باستحلال ~~الخمر وتناسخ الأرواح وقدم العالم وإنكار البعث والنشور والجنة والنار في ~~غير الحياة الدنيا وبأن " الصلوات الخمس " عبارة عن خمسة أسماء وهي: علي ~~وحسن وحسين ومحسن وفاطمة. فذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزئهم عن ~~الغسل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها. وبأن " ~~الصيام " عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم في ~~كتبهم ويضيق هذا الموضع عن إبرازهم؛ وبأن إلههم الذي ms9814 خلق السموات والأرض هو ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو عندهم الإله في السماء والإمام في الأرض ~~فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أن يؤنس خلقه وعبيده؛ ~~ليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه. وبأن النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا ~~يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم: حتى ~~يخاطبه معلمه. وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلفوه على كتمان دينه ومعرفة مشايخه # PageV35P145 # وأكابر أهل مذهبه؛ وعلى ألا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه ~~وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره فيعرف انتقال الاسم ~~والمعنى في كل حين وزمان. فالاسم عندهم في أول الناس آدم والمعنى هو شيث ~~والاسم يعقوب والمعنى هو يوسف. ويستدلون على هذه الصورة كما يزعمون بما في ~~القرآن العظيم حكاية عن يعقوب ويوسف - عليهما الصلاة والسلام - فيقولون: ~~أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن يتعدى منزلته فقال: {سوف أستغفر لكم ~~ربي} وأما يوسف فكان المعنى المطلوب فقال: {لا تثريب عليكم اليوم} فلم يعلق ~~الأمر بغيره؛ لأنه علم أنه الإله المتصرف ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو ~~المعنى ويقولون: يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره؛ وهل ترد الشمس ~~إلا لربها ويجعلون سليمان هو الاسم وآصف هو المعنى القادر المقتدر. ~~ويقولون: سليمان عجز عن إحضار عرش بلقيس وقدر عليه آصف لأن سليمان كان ~~الصورة وآصف كان المعنى القادر المقتدر وقد قال قائلهم: هابيل شيث يوسف ~~يوشع آصف شمعون الصفا حيدر ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا ~~النمط إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: محمد هو الاسم وعلي ~~هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا. فمن ~~حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليا هو الرب وأن محمدا هو الحجاب # PageV35P146 # وأن سلمان هو الباب وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور سنة ~~سبعمائة فقال: أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين ولا حجاب عليه إلا ~~محمد ms9815 الصادق الأمين ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين ويقولون إن ~~ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال وكذلك الخمسة الأيتام والاثنا عشر ~~نقيبا وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم الخبيثة وأنهم لا يزالون ~~يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام ~~والاستمرار ويقولون: إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~ويليه في رتبة الإبليسية أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان - رضي الله عنهم ~~أجمعين وشرفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين ~~والمفسدين - فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب. ~~ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة. وهذه الطائفة ~~الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام (وهم معروفون مشهورون ~~متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء ~~المسلمين وعلمائهم ومن عامة الناس أيضا في # PageV35P147 # هذا الزمان؛ لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الإفرنج ~~المخذولين على البلاد الساحلية؛ فلما جاءت أيام الإسلام انكشف حالهم وظهر ~~ضلالهم. والابتلاء بهم كثير جدا. فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوج منهم؟ ~~وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا؟ وما حكم الجبن المعمول من إنفحة ~~ذبيحتهم؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟ ~~وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم؟ أم يجب على ولي الأمر ~~قطعهم واستخدام غيرهم من رجال المسلمين الكفاة وهل يأثم إذا أخر طردهم؟ أم ~~يجوز له التمهل مع أن في عزمه ذلك؟ وإذا استخدمهم وأقطعهم أو لم يقطعهم هل ~~يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه ~~المسمى؛ فأخره ولي الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين أو ~~أرصده لذلك هل يجوز له فعل هذه الصور؟ أم يجب عليه؟ وهل دماء النصيرية ~~المذكورين مباحة وأموالهم حلال أم لا؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله ~~تعالى بإخماد باطلهم وقطعهم من حصون ms9816 المسلمين وحذر أهل الإسلام من مناكحتهم ~~وأكل ذبائحهم وألزمهم بالصوم والصلاة ومنعهم من إظهار دينهم الباطل وهم ~~الذين يلونه من الكفار: هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدي والترصد لقتال ~~التتار في بلادهم وهدم بلاد # PageV35P148 # سيس وديار الإفرنج على أهلها؟ أم هذا أفضل من كونه يجاهد النصيرية ~~المذكورين مرابطا؟ ويكون أجر من رابط في الثغور على ساحل البحر خشية قصد ~~الفرنج أكبر أم هذا أكبر أجرا؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن ~~يشهر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى ~~أن يهدي بعضهم إلى الإسلام وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم مسلمين بعد خروجهم ~~من ذلك الكفر العظيم أم يجوز التغافل عنهم والإهمال؟ وما قدر المجتهد على ~~ذلك والمجاهد فيه والمرابط له والملازم عليه؟ ولتبسطوا القول في ذلك مثابين ~~مأجورين إن شاء الله تعالى إنه على كل شيء قدير؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية: # الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف ~~القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى؛ بل وأكفر من كثير من المشركين ~~وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل ~~كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع ~~وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ~~ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولا بملة من الملل السالفة بل يأخذون كلام ~~الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور # PageV35P149 # يفترونها؛ يدعون أنها علم الباطن؛ من جنس ما ذكره السائل ومن غير هذا ~~الجنس؛ فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى ~~وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان ~~وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ms9817 ~~ما ذكر السائل ومن جنس قولهم: إن " الصلوات الخمس " معرفة أسرارهم و " ~~الصيام المفروض " كتمان أسرارهم " وحج البيت العتيق " زيارة شيوخهم وأن ~~(يدا أبي لهب) هما أبو بكر وعمر وأن (النبأ العظيم والإمام المبين) هو علي ~~بن أبي طالب؛ ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة فإذا ~~كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر ~~زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ~~ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره ~~السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم؛ ~~وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من ~~اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام. وما ذكره السائل ~~في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء في وصفهم. ومن المعلوم عندنا ~~أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم وهم دائما مع كل ~~عدو للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين. ومن # PageV35P150 # أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم ~~المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار. ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - ~~والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين فإن ثغور المسلمين ما ~~زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها ~~المسلمون في خلافة أمير المؤمنين " عثمان بن عفان " رضي الله عنه فتحها " ~~معاوية بن أبي سفيان " إلى أثناء المائة الرابعة. فهؤلاء المحادون لله ~~ورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى على الساحل؛ ثم بسببهم ~~استولوا على القدس الشريف وغيره؛ فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك؛ ~~ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى " كنور الدين ~~الشهيد وصلاح الدين " وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها ~~منهم وفتحوا أيضا أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة ~~واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ومن ذلك التاريخ ~~انتشرت دعوة الإسلام بالديار ms9818 المصرية والشامية. ثم إن التتار ما دخلوا بلاد ~~الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ~~ومؤازرتهم؛ فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو " النصير # PageV35P151 # الطوسي " كان وزيرا لهم بالألموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية ~~هؤلاء. ولهم " ألقاب " معروفة عند المسلمين تارة يسمون " الملاحدة " وتارة ~~يسمون " القرامطة " وتارة يسمون " الباطنية " وتارة يسمون " الإسماعيلية " ~~وتارة يسمون " النصيرية " وتارة يسمون " الخرمية " وتارة يسمون " المحمرة " ~~وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم كما أن الإسلام ~~والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه: إما لنسب وإما لمذهب وإما لبلد ~~وإما لغير ذلك. وشرح مقاصدهم يطول وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم ~~الرفض وباطنه الكفر المحض. وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من من ~~الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة ولا ~~الإنجيل ولا القرآن. ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه؛ ولا بأن له دينا أمر ~~به ولا أن له دارا يجزي الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار. # PageV35P152 # وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين وتارة ~~يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور ويضمون إلى ذلك الرفض. ويحتجون ~~لذلك من كلام النبوات: إما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: {أول ما خلق الله العقل} والحديث موضوع باتفاق أهل ~~العلم بالحديث؛ ولفظه " {إن الله لما خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل. فقال ~~له: أدبر فأدبر} فيحرفون لفظه فيقولون " {أول ما خلق الله العقل} ليوافقوا ~~قول المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل. ~~وإما بلفظ ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع ~~أصحاب " رسائل إخوان الصفا " ونحوهم فإنهم من أئمتهم. وقد دخل كثير من ~~باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من ~~المنتسبين إلى العلم والدين؛ ms9819 وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم؛ فإن ~~هؤلاء لهم في إظهار دعوتهم الملعونة التي يسمونها " الدعوة الهادية " درجات ~~متعددة ويسمون النهاية " البلاغ الأكبر والناموس الأعظم " ومضمون البلاغ ~~الأكبر جحد الخالق تعالى؛ والاستهزاء به وبمن يقر به حتى قد يكتب أحدهم اسم ~~الله في أسفل رجله وفيه أيضا جحد شرائعه ودينه وما جاء به الأنبياء ودعوى ~~أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن في طلبها ومنهم من أساء ~~في # PageV35P153 # طلبها حتى قتل ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول ويجعلون المسيح من ~~القسم الثاني. وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج ومن تحليل ~~نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش: ما يطول وصفه. ولهم إشارات ومخاطبات يعرف ~~بها بعضهم بعضا. وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل ~~الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس ~~فضلا عن خاصتهم. # وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم؛ ولا يجوز أن ~~ينكح الرجل مولاته منهم ولا يتزوج منهم امرأة ولا تباح ذبائحهم. وأما " ~~الجبن المعمول بإنفحتهم " ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر إنفحة الميتة ~~وكإنفحة ذبيحة المجوس؛ وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون ~~الذبائح. فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن؛ لأن ~~إنفحة الميتة طاهرة على هذا القول؛ لأن الإنفحة لا تموت بموت البهيمة ~~وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا ينجس. ومذهب مالك والشافعي وأحمد في ~~الرواية الأخرى أن هذا الجبن نجس لأن الإنفحة عند هؤلاء نجسة؛ لأن لبن ~~الميتة وإنفحتها عندهم نجس. ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من ~~أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم ~~أكلوا جبن المجوس. وأصحاب القول الثاني # PageV35P154 # نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى. فهذه مسألة اجتهاد؛ ~~للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين. وأما " أوانيهم وملابسهم " فكأواني ~~المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة. والصحيح في ذلك أن ~~أوانيهم ms9820 لا تستعمل إلا بعد غسلها؛ فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن يصيب أوانيهم ~~المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتنجس بذلك فأما الآنية التي لا يغلب على ~~الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون ~~فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه من جرة نصرانية. فما شك في نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك. ولا ~~يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم؛ فإن الله سبحانه ~~وتعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين: كعبد الله ~~ابن أبي ونحوه؛ وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع ~~المسلمين؛ ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام؛ لكن يسرون ذلك فقال الله: ~~{ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون} فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر ~~والإلحاد. # وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من ~~الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم؛ فإنهم من أغش الناس # PageV35P155 # للمسلمين ولولاة أمورهم وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر ~~من المخامر الذي يكون في العسكر؛ فإن المخامر قد يكون له غرض: إما مع أمير ~~العسكر وإما مع العدو. وهؤلاء مع الملة ونبيها ودينها وملوكها؛ وعلمائها ~~وعامتها وخاصتها وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى ~~إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته. والواجب على ولاة الأمور ~~قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر؛ فإن ضررهم في ~~الثغر أشد وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على ~~دين الإسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ بل إذا كان ~~ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم ولا ~~يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه بل أي وقت قدر على الاستبدال ms9821 بهم ~~وجب عليه ذلك. وأما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما ~~المسمى وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على ذلك. فإن كان العقد صحيحا وجب ~~المسمى وإن كان فاسدا وجبت أجرة المثل وإن لم يكن استخدامهم من جنس # PageV35P156 # الإجارة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة؛ لكن هؤلاء لا يجوز ~~استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون إلا قيمة عملهم. فإن لم يكونوا ~~عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم؛ لكن دماؤهم وأموالهم مباحة. # وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء؛ فمن قبل توبتهم ~~إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم. ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ~~ورثتهم من جنسهم؛ فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال؛ لكن هؤلاء إذا أخذوا ~~فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف ~~وفيهم من قد لا يعرف. فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم فلا يتركون مجتمعين ~~ولا يمكنون من حمل السلاح ولا أن يكونوا من المقاتلة ويلزمون شرائع ~~الإسلام: من الصلوات الخمس وقراءة القرآن. ويترك بينهم من يعلمهم دين ~~الإسلام ويحال بينهم وبين معلمهم. فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وسائر ~~الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاءوا إليه قال لهم الصديق: اختاروا إما ~~الحرب المجلية وإما السلم المخزية. قالوا: يا خليفة رسول الله هذه الحرب ~~المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم ~~وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ونقسم ما أصبنا من أموالكم ~~وتردون ما أصبتم من أموالنا وتنزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب # PageV35P157 # الخيل وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين ~~أمرا بعد ردتكم. فوافقه الصحابة في ذلك؛ إلا في تضمين قتلى المسلمين فإن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على ~~الله. يعني هم شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر في ذلك. وهذا الذي ~~اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء والذي تنازعوا فيه ms9822 تنازع فيه ~~العلماء. فمذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن؛ ~~كما اتفقوا عليه آخرا وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومذهب ~~الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى هو القول الأول. فهذا الذي فعله الصحابة ~~بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ~~ظاهرة فيه فيمنع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدرع التي تلبسها المقاتلة ~~ولا يترك في الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا. ويلزمون شرائع الإسلام حتى ~~يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج ~~عنهم وسير إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور. فإما أن يهديه الله ~~تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين. ولا ريب أن جهاد هؤلاء ~~وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات وهو أفضل من جهاد من ~~لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد ~~المرتدين والصديق # PageV35P158 # وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب؛ فإن ~~جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه. ~~وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين. وحفظ ~~رأس المال مقدم على الربح. وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر ~~أولئك؛ بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب ~~وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل ~~الكتاب. ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا ~~يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم؛ بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون ~~حقيقة حالهم ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين ولا ~~يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به ورسوله. ولا يحل لأحد أن ~~ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله؛ فإن هذا من أعظم أبواب الأمر ~~بالمعروف ms9823 والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى؛ وقد قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم} وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين. والمعاون على كف شرهم ~~وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ ~~فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم؛ كما قال الله # PageV35P159 # تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال أبو هريرة كنتم خير الناس للناس ~~تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الإسلام. فالمقصود بالجهاد ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد ~~بحسب الإمكان فمن هداه الله سعد في الدنيا والآخرة ومن لم يهتد كف الله ~~ضرره عن غيره. ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر: هو ~~أفضل الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم " {رأس الأمر الإسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى} " وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: {إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما ~~بين السماء إلى الأرض أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيله} " وقال صلى ~~الله عليه وسلم " {رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه} " ~~ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن ~~الفتنة. والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} {الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم ~~الفائزون} {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} ~~{خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} . والحمد لله رب العالمين وصلاته ~~وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # PageV35P160 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الدرزية " و " النصيرية ": ما حكمهم؟ # فأجاب: # هؤلاء " الدرزية " و " النصيرية " كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ms9824 ~~ذبائحهم ولا نكاح نسائهم؛ بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين ~~الإسلام ليسوا مسلمين؛ ولا يهود ولا نصارى لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ~~ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج؛ ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة ~~والخمر وغيرهما. وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق ~~المسلمين. فأما " النصيرية " فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير وكان من ~~الغلاة الذين يقولون: إن عليا إله وهم ينشدون: # أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين # ولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين # ولا طريق إليه إلا ... سلمان ذو القوة المتين # وأما " الدرزية " فأتباع هشتكين الدرزي؛ وكان من موالي الحاكم أرسله إلى ~~أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلهية الحاكم ويسمونه # PageV35P161 # " الباري العلام " ويحلفون به وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن ~~إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم أعظم كفرا من الغالية يقولون بقدم ~~العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته وهم من القرامطة ~~الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب وغايتهم أن يكونوا ~~" فلاسفة " على مذهب أرسطو وأمثاله أو " مجوسا ". وقولهم مركب من قول ~~الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقا. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # ردا على نبذ لطوائف من " الدروز " # كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ ~~لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين؛ بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل ~~طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم؛ ~~بل يقتلون أينما ثقفوا؛ ويلعنون كما وصفوا؛ ولا يجوز استخدامهم للحراسة ~~والبوابة والحفاظ. ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم؛ ويحرم ~~النوم معهم في بيوتهم؛ ورفقتهم؛ والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ~~ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي ~~شيء يراه المقيم لا المقام عليه. والله المستعان وعليه التكلان. # PageV35P162 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن هؤلاء " القلندرية " الذين يحلقون ذقونهم: ما هم؟ ms9825 ومن أي الطوائف ~~يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم ~~قلندر عنبا وكلمه بلسان العجم؟ # فأجاب: # أما هؤلاء " القلندرية " المحلقي اللحى: فمن أهل الضلالة والجهالة ~~وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق؛ بل كثير منهم أكفر من اليهود ~~والنصارى وهم ليسوا من أهل الملة؛ ولا من أهل الذمة. وقد يكون فيهم من هو ~~مسلم؛ لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر. ومن قال إن " قلندر " موجود في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب وافترى؛ بل قد قيل: أصل هذا الصنف أنهم ~~كانوا قوما من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض ~~واجتناب المحرمات. هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه ثم إنهم ~~بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات. بمنزلة # PageV35P163 # " الملامية " الذين كانوا يخفون حسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح ~~من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب. وصاحبه مأجور على نيته؛ ثم حدث قوم ~~فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة؛ ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من ~~الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات؛ وزعموا أن ذلك دخول منهم في " ~~الملاميات " ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في ~~الدنيا والآخرة؛ وتجب عقوبتهم جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ~~ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور. وليس ذلك مختصا بهم؛ بل كل من كان من ~~المتنسكة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ~~ومن وافقهم من الملوك والأغنياء؛ والكتاب؛ والحساب؛ والأطباء؛ وأهل الديوان ~~والعامة: خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله لا يقر بجميع ما ~~أخبر الله به على لسان رسوله؛ ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله؛ أو يدين بدين ~~يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرا: مثل من يعتقد أن شيخه ~~يرزقه؛ أو ينصره أو يهديه؛ أو يغيثه؛ أو يعينه؛ أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ~~ويسجد له؛ ms9826 أو كان يفضله على النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا مطلقا؛ أو ~~مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى؛ أو كان يرى أنه هو أو ~~شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ~~ذلك؛ ومنافقون إن لم يظهروه. # PageV35P164 # وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم ~~والإيمان وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من ~~آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. ~~وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من الإيمان ~~القليل ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة ~~عليه كما في الحديث المعروف: " {يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ~~ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا الشيخ الكبير؛ والعجوز الكبيرة. ويقولون: ~~أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني ~~عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار} . وأصل ذلك أن المقالة التي ~~هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق كما دل على ذلك ~~الدلائل الشرعية؛ فإن " الإيمان " من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله؛ ليس ~~ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ~~ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل من قال: إن ~~الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام؛ أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع ~~كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك # PageV35P165 # حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل الذي قال: إذا أنا ~~مت فاسحقوني وذروني في اليم؛ لعلي أضل ms9827 عن الله ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا ~~يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: {لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل} وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ~~وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها والفتوى لا ~~تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن يعتقد أن الكواكب لها تأثير في الوجود أو يقول: إن له نجما في السماء ~~يسعد بسعادته ويشقى بعكسه ويحتج بقوله تعالى: {فالمدبرات أمرا} وبقوله: ~~{فلا أقسم بمواقع النجوم} ويقول: إنها صنعة إدريس عليه السلام ويقول عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن نجمه كان بالعقرب والمريخ. فهل هذا من دين ~~الإسلام أم لا؟ وحتى لو لم يكن من الدين: فماذا يجب على قائله؟ والمنكرون ~~على هؤلاء يكونون من الآمرين بالمعروف؛ والناهين عن المنكر أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، النجوم من آيات الله الدالة عليه المسبحة له الساجدة له؛ كما ~~قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض # PageV35P166 # والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} ثم قال: ~~{وكثير حق عليه العذاب} وهذا التفريق يبين أنه لم يرد السجود لمجرد ما فيها ~~من الدلالة على ربوبيته كما يقول ذلك طوائف من الناس؛ إذ هذه الدلالة؛ ~~يشترك فيها جميع المخلوقات؛ فجميع الناس فيهم هذه الدلالة؛ وهو قد فرق فعلم ~~أن ذلك قول زائد من جنس ما يختص به المؤمن ويتميز به عن الكافر الذي حق ~~عليه العذاب. وهو سبحانه مع ذلك قد جعل فيها منافع لعباده وسخرها لهم كما ~~قال تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} وقال: ~~{والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما ~~في الأرض جميعا منه} ومن منافعها الظاهرة ما يجعله سبحانه بالشمس من الحر ~~والبرد والليل والنهار ونضاج الثمار وخلق الحيوان والنبات والمعادن؛ وكذلك ~~ما يجعله بها لهم من الترطيب والتيبيس؛ وغير ذلك من الأمور المشهودة ms9828 كما ~~جعل في النار الإشراق والإحراق وفي الماء التطهير والسقي وأمثال ذلك من ~~نعمه التي يذكرها في كتابه كما قال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~{لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} وقد أخبر الله ~~في غير موضع أنه يجعل حياة بعض مخلوقاته ببعض كما قال تعالى: {لنحيي به ~~بلدة ميتا} وكما قال: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به # PageV35P167 # من كل الثمرات} وكما قال: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} . فمن قال من أهل الكلام: إن الله ~~يفعل هذه الأمور عندها؛ لا بها. فعبارته مخالفة لكتاب الله والأمور ~~المشهودة؛ كمن زعم أنها مستقلة بالفعل هو مشرك مخالف العقل والدين. وقد ~~أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ~~وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا وأخبر أن الشياطين ترجم بالنجوم وإن كانت ~~النجوم التي ترجم بها الشياطين من نوع آخر غير النجوم الثابتة في السماء ~~التي يهتدى بها؛ فإن هذه لا تزول عن مكانها؛ بخلاف تلك؛ ولهذه حقيقة مخالفة ~~لتلك؛ وإن كان اسم النجوم يجمعها؛ كما يجمع اسم الدابة والحيوان للملك ~~والآدمي والبهائم والذباب والبعوض. وقد ثبت بالأخبار الصحيحة التي اتفق ~~عليها العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصلاة عند كسوف الشمس ~~والقمر؛ وأمر بالدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وقال: {إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته} " وفي رواية " {آيتان ~~من آيات الله يخوف بهما عباده} " هذا قاله ردا لما قاله بعض جهال الناس: إن ~~الشمس كسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كسفت يوم موته ~~وظن بعض الناس لما كسفت أن كسوفها كان لأجل موته وأن موته هو # PageV35P168 # السبب لكسوفها كما يحدث عن موت بعض الأكابر مصائب في الناس فبين النبي ~~صلى الله عليه ms9829 وسلم أن الشمس والقمر لا يكون كسوفهما عن موت أحد من أهل ~~الأرض ولا عن حياته: ونفى أن يكون للموت والحياة أثرا في كسوف الشمس والقمر ~~وأخبر أنهما من آيات الله وأنه يخوف عباده. فذكر أن من حكمة ذلك تخويف ~~العباد؛ كما يكون تخويفهم في سائر الآيات: كالرياح الشديدة والزلازل والجدب ~~والأمطار المتواترة ونحو ذلك من الأسباب التي قد تكون عذابا كما عذب الله ~~أمما بالريح والصيحة والطوفان وقال تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من ~~أغرقنا} وقد قال: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا} وإخباره بأنه يخوف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سببا لعذاب ~~ينزل كالرياح العاصفة الشديدة. وإنما يكون ذلك إذا كان الله قد جعل ذلك ~~سببا لما ينزل في الأرض. فمن أراد بقوله: إن لها تأثيرا. ما قد علم بالحس ~~وغيره من هذه الأمور فهذا حق؛ ولكن الله قد أمر بالعبادات التي تدفع عنا ما ~~يرسل به من الشر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الخسوف بالصلاة ~~والصدقة والدعاء والاستغفار والعتق وكما كان صلى الله عليه وسلم إذا هبت ~~الريح أقبل وأدبر وتغير وأمر أن يقال عند هبوبها: " {اللهم إنا نسألك خير ~~هذه الريح وخير ما # PageV35P169 # أرسلت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما أرسلت به} " وقال: " {إن الريح ~~من روح الله وإنها تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فلا تسبوها؛ ولكن سلوا الله ~~من خيرها وتعوذوا بالله من شرها} " فأخبر أنها تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب. ~~وأمر أن نسأل الله من خيرها ونعوذ بالله من شرها. فهذه السنة في أسباب ~~الخير والشر: أن يفعل العبد عند أسباب الخير الظاهرة والأعمال الصالحة ما ~~يجلب الله به الخير وعند أسباب الشر الظاهرة من العبادات ما يدفع الله به ~~عنه الشر فأما ما يخفى من الأسباب فليس العبد مأمورا بأن يتكلف معرفته؛ بل ~~إذا فعل ما أمر به وترك ms9830 ما حظر: كفاه الله مؤنة الشر ويسر له أسباب الخير ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} . وقد قال تعالى ~~فيمن يتعاطى السحر لجلب منافع الدنيا: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان} - إلى قوله - {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند ~~الله خير لو كانوا يعلمون} فأخبر سبحانه أن من اعتاض بذلك يعلم أنه لا نصيب ~~له في الآخرة؛ وإنما يرجو بزعمه نفعه في في الدنيا. كما يرجون بما يفعلونه ~~من السحر المتعلق بالكواكب وغيرها مثل الرياسة والمال. ثم قال: {ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله # PageV35P170 # خير لو كانوا يعلمون} فبين أن الإيمان والتقوى هما خير لهما في الدنيا ~~والآخرة قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~{الذين آمنوا وكانوا يتقون} الآية وقال في قصة يوسف: {وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} ~~{ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} فأخبر أن أجر الآخرة خير ~~للمؤمنين المتقين مما يعطون في الدنيا من الملك والمال كما أعطي يوسف. وقد ~~أخبر سبحانه بسوء عاقبة من ترك الإيمان والتقوى في غير آية في الدنيا ~~والآخرة؛ ولهذا قال تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} والمفلح الذي ينال ~~المطلوب وينجو من المرهوب. فالساحر لا يحصل له ذلك وفي سنن أبي داود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس ~~شعبة من السحر} " و " السحر " محرم بالكتاب والسنة والإجماع: وذلك أن ~~النجوم التي من السحر نوعان " أحدهما " علمي وهو الاستدلال بحركات النجوم ~~على الحوادث؛ من جنس الاستقسام بالأزلام. " الثاني " عملي وهو الذي يقولون ~~إنه القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية: كطلاسم ونحوها وهذا من أرفع ~~أنواع السحر. وكل ما حرمه الله ورسوله فضرره أعظم من نفعه # PageV35P171 # " فالثاني " وإن توهم ms9831 المتوهم أن فيه تقدمة للمعرفة بالحوادث وأن ذلك ~~ينفع. فالجهل في ذلك أضعف ومضرة ذلك أعظم من منفعته؛ ولهذا قد علم الخاصة ~~والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب ~~فيها أضعاف الصدق وهم في ذلك من أنواع الكهان وقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: {إن منا قوما يأتون الكهان فقال: إنهم ~~ليسوا بشيء فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بالشيء فيكون حقا ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يسمعها الجني يقرها ~~في أذن وليه} " وأخبر " {أن الله إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: الحق. وأن كل أهل السماء يخبرون أهل السماء التي تليهم حتى ~~ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض فربما سمع ~~الكلمة قبل أن يدركه الشهاب وربما أدركه الشهاب بعد أن يلقيها قال صلى الله ~~عليه وسلم فلو أتوا بالأمر على وجهه؛ ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة} ". ~~وهكذا " المنجمون " حتى إني خاطبتهم بدمشق وحضر عندي رؤساؤهم. وبينت فساد ~~صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها قال رئيس منهم: والله إنا ~~نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة. # PageV35P172 # وذلك أن مبنى علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث والعلم ~~بالسبب يوجب العلم بالمسبب وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام الذي لا ~~يتخلف عنه حكمه وهؤلاء أكثر ما يعلمون - إن علموا - جزءا يسيرا من جملة ~~الأسباب الكثيرة ولا يعلمون بقية الأسباب ولا الشروط ولا الموانع مثل من ~~يعلم أن الشمس في الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر فيريد أن يعلم من هذا - ~~مثلا - أنه حينئذ أن العنب الذي في الأرض الفلانية يصير زبيبا؛ على أن هناك ~~عنبا وأنه ينضج وينشره صاحبه في الشمس وقت الحر فيتزبب. فهذا وإن كان يقع ~~كثيرا؛ لكن أخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم ms9832 إذ قد يكون هناك عنب وقد ~~لا يكون؛ وقد يثمر ذلك الشجر إن خدم وقد لا يثمر وقد يؤكل عنبا وقد يعصر ~~وقد يسرق وقد يزبب وأمثال ذلك. والدلالة الدالة على فساد هذه الصناعة ~~وتحريمها كثيرة؛ وليس هذا موضعها وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " {من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ~~يوما} " و " العراف " قد قيل إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ~~ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق ولو قيل: إنه في اللغة اسم لبعض هذه ~~الأنواع فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي كما قيل في اسم الخمر ~~والميسر ونحوهما. # PageV35P173 # وأما إنكار بعض الناس أن يكون شيء من حركات الكواكب وغيرها من الأسباب ~~فهو أيضا قول بلا علم؛ وليس له في ذلك دليل من الأدلة الشرعية ولا غيرها؛ ~~فإن النصوص تدل على خلاف ذلك كما في الحديث الذي في السنن عن عائشة رضي ~~الله عنها " {أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة ~~تعوذي بالله من شر هذا فهذا الغاسق إذا وقب} " وكما تقدم في حديث الكسوف ~~حيث أخبر " {أن الله يخوف بهما عباده} " وقد تبين أن معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته} " أي لا يكون الكسوف ~~معللا بالموت فهو نفي العلة الفاعلة كما في الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم ~~عن ابن عباس عن رجال من الأنصار أنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ رمي بنجم فاستنار فقال: " {ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ فقالوا: ~~كنا نقول: ولد الليلة عظيم أو مات عظيم فقال: إنه لا يرمى بها لموت أحد ولا ~~لحياته ولكن الله إذا قضى بالأمر سبح حملة العرش} " وذكر الحديث في مسترق ~~السمع. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الرمي بها لأجل أنه قد ولد ~~عظيم أو مات عظيم؛ بل لأجل الشياطين المسترقين السمع. ففي كلا الحديثين من ms9833 ~~أن موت الناس وحياتهم لا يكون سببا لكسوف الشمس والقمر ولا الرمي بالنجم؛ ~~وإن كان موت بعض الناس قد يقتضي حدوث أمر في السموات كما ثبت في الصحاح " ~~{إن العرش عرش الرحمن اهتز لموت سعد # PageV35P174 # بن معاذ} " وأما كون الكسوف أو غيره قد يكون سببا لحادث في الأرض من عذاب ~~يقتضي موتا أو غيره: فهذا قد أثبته الحديث نفسه. وما أخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا ينافى لكون الكسوف له وقت محدود يكون فيه حيث لا يكون ~~كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السرار ولا يكون خسوف القمر إلا في وسط ~~الشهر وليالي الإبدار. ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه ~~بالحساب ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل كما يمكن المعرفة ~~بما مضى من الأهلة وما يستقبل إذ كل ذلك بحساب كما قال تعالى: {وجعل الليل ~~سكنا والشمس والقمر حسبانا} وقال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} وقال تعالى: ~~{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب} وقال: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} . ومن هنا ~~صار بعض العامة إذا رأى المنجم قد أصاب في خبره عن الكسوف المستقبل يظن أن ~~خبره عن الحوادث من هذا النوع؛ فإن هذا جهل إذ الخبر الأول بمنزلة إخباره ~~بأن الهلال يطلع: إما ليلة الثلاثين وإما ليلة إحدى وثلاثين فإن هذا أمر ~~أجرى الله به العادة لا يخرم أبدا؛ وبمنزلة خبره أن الشمس تغرب آخر النهار ~~وأمثال ذلك. فمن عرف منزلة الشمس والقمر ومجاريهما علم ذلك وإن كان ذلك ~~علما قليل المنفعة. # PageV35P175 # فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله ~~سببا لما يقضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت أو لغيره ممن ~~ينزل الله به ذلك كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة كقوم ~~عاد كانت في الوقت المناسب وهو آخر الشتاء كما قد ذكر ذلك أهل التفسير ms9834 وقصص ~~الأنبياء؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم " {إذا رأى مخيلة - وهو السحاب ~~الذي يخال فيه المطر - أقبل وأدبر وتغير وجهه فقالت له عائشة: إن الناس إذا ~~رأوا مخيلة استبشروا؟ فقال: يا عائشة وما يؤمنني؟ قد رأى قوم عاد العذاب ~~عارضا مستقبل أوديتهم فقالوا هذا عارض ممطرنا قال الله تعالى: {بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} } وكذلك الأوقات الذي ينزل الله فيها ~~الرحمة كالعشر الآخرة من رمضان والأول من ذي الحجة وكجوف الليل؛ وغير ذلك ~~هي أوقات محدودة لا تتقدم ولا تتأخر وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل في ~~غيرها. وقد جاء في بعض طرق أحاديث الكسوف ما رواه ابن ماجه وغيره في قوله ~~صلى الله عليه وسلم " {إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله إذا ~~تجلى لشيء من خلقه خشع له} " وقد طعن في هذا الحديث أبو حامد ونحوه وردوا ~~ذلك؛ لا من جهة علم الحديث؛ فإنهم قليلو المعرفة به كما كان أبو حامد يقول ~~عن نفسه: أنا مزجى البضاعة في علم الحديث # PageV35P176 # ولكن من جهة كونهم اعتقدوا أن سبب الكسوف إذا كان - مثلا - كون القمر إذا ~~حاذاها منع نورها أن يصل إلى الأرض لم يجز أن يعلل ذلك بالتجلي. والتجلي ~~المذكور لا ينافي السبب المذكور؛ فإن خشوع الشمس والقمر لله في هذا الوقت ~~إذا حصل لنوره ما يحصل من انقطاع يرفع تأثيره عن الأرض؛ وحيل بينه وبين محل ~~سلطانه وموضع انتشاره وتأثيره؛ فإن الملك المتصرف في مكان بعيد لو منع ذلك ~~لذل لذلك. وأما قوله تعالى: {فالمدبرات أمرا} فالمدبرات هي الملائكة. وأما ~~إقسام الله بالنجوم كما أقسم بها في قوله: {فلا أقسم بالخنس} {الجواري ~~الكنس} فهو كإقسامه بغير ذلك من مخلوقاته كما أقسم بالليل والنهار والشمس ~~والقمر وغير ذلك: يقتضي تعظيم قدر المقسم به والتنبيه على ما فيه من الآيات ~~والعبرة والمنفعة للناس؛ والإنعام عليهم وغير ذلك؛ ولا يوجب ذلك أن تتعلق ~~القلوب به أو يظن أنه هو المسعد المنحس كما لا ms9835 يظن ذلك في {والليل إذا ~~يغشى} {والنهار إذا تجلى} وفي {والذاريات ذروا} {فالحاملات وقرا} وفي ~~{والطور} {وكتاب مسطور} وأمثال ذلك. واعتقاد المعتقد أن نجما من النجوم ~~السبعة هو المتولي لسعده ونحسه اعتقاده فاسد وأن المعتقد أنه هو المدبر له: ~~فهو كافر. وكذلك إن انضم إلى ذلك دعاؤه والاستعانة به كان كفرا؛ وشركا محضا ~~وغاية # PageV35P177 # من يقول ذلك أن يبني ذلك على أن هنا الولد حين ولد بهذا الطالع. وهذا ~~القدر يمتنع أن يكون وحده هو المؤثر في أحوال هذا المولود؛ بل غايته أن ~~يكون جزءا يسيرا من جملة الأسباب. وهذا القدر لا يوجب ما ذكر؛ بل ما علم ~~حقيقة تأثيره فيه مثل حال الوالدين وحال البلد الذي هو فيه؛ فإن ذلك سبب ~~محسوس في أحوال المولود؛ ومع هذا فليس هذا مستقلا. ثم إن الأوائل من هؤلاء ~~المنجمين المشركين الصابئين وأتباعهم قد قيل إنهم كانوا إذا ولد لهم ~~المولود أخذوا طالع المولود وسموا المولود باسم يدل على ذلك فإذا كبر سئل ~~عن اسمه أخذ السائل حال الطالع. فجاء هؤلاء الطرقية يسألون الرجل عن اسمه ~~واسم أمه ويزعمون أنهم يأخذون من ذلك الدلالة على أحواله وهذه ظلمات بعضها ~~فوق بعض منافية للعقل والدين. وأما اختياراتهم وهو أنهم يأخذون الطالع لما ~~يفعلونه من الأفعال: مثل اختياراتهم للسفر أن يكون القمر في شرفه وهو " ~~السرطان " وألا يكون في هبوطه وهو " العقرب " فهو من هذا الباب المذموم. ~~ولما أراد علي بن أبي طالب أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم فقال: يا ~~أمير المؤمنين لا تسافر؛ فإن القمر في العقرب؛ فإنك إن سافرت # PageV35P178 # والقمر في العقرب هزم أصحابك - أو كما قال - فقال علي: بل أسافر ثقة ~~بالله وتوكلا على الله وتكذيبا لك؛ فسافر فبورك له في ذلك السفر حتى قتل ~~عامة الخوارج وكان ذلك من أعظم ما سر به؛ حيث كان قتاله لهم بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وأما ما يذكره بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" لا تسافر والقمر في ms9836 العقرب " فكذب مختلق باتفاق أهل الحديث. وأما قول ~~القائل: إنها صنعة إدريس. فيقال " أولا " هذا قول بلا علم؛ فإن مثل هذا لا ~~يعلم إلا بالنقل الصحيح؛ ولا سبيل لهذا القائل إلى ذلك؛ ولكن في كتب هؤلاء ~~" هرمس الهرامسة " ويزعمون أنه هو إدريس. " والهرمس " عندهم اسم جنس؛ ولهذا ~~يقولون: " هرمس الهرامسة " وهذا القدر الذي يذكرونه عن هرمسهم يعلم المؤمن ~~قطعا أنه ليس هو مأخوذا عن نبي من الأنبياء على وجهه؛ لما فيه من الكذب ~~والباطل. ويقال " ثانيا ": هذا إن كان أصله مأخوذا عن إدريس فإنه كان معجزة ~~له وعلما أعطاه الله إياه فيكون من العلوم النبوية. وهؤلاء إنما يحتجون ~~بالتجربة والقياس؛ لا بأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # PageV35P179 # ويقال " ثالثا " إن كان بعض هذا مأخوذا عن نبي فمن المعلوم قطعا أن فيه ~~من الكذب والباطل أضعاف ما هو مأخوذ من ذلك النبي. ومعلوم قطعا أن الكذب ~~والباطل الذي في ذلك أضعاف الكذب والباطل الذي عند اليهود والنصارى فيما ~~يأثرونه على الأنبياء وإذا كان اليهود والنصارى قد تيقنا قطعا أن أصل دينهم ~~مأخوذ عن المرسلين وأن الله أنزل التوراة والإنجيل والزبور كما أنزل القرآن ~~وقد أوجب الله علينا أن نؤمن بما أنزل علينا وما أنزل على من قبلنا كما قال ~~تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ثم مع ذلك قد أخبرنا الله أن أهل الكتاب ~~حرفوا وبدلوا وكذبوا وكتموا؛ فإذا كانت هذه حال الوحي المحقق والكتب ~~المنزلة يقينا؛ مع أنها إلينا أقرب عهدا من إدريس ومع أن نقلتها أعظم من ~~نقلة النجوم وأبعد عن تعمد الكذب والباطل وأبعد عن الكفر بالله ورسوله ~~واليوم الآخر. فما الظن بهذا القدر إن كان فيه ما هو منقول عن إدريس فإنا ~~نعلم أن فيه من الكذب والباطل والتحريف أعظم مما في علوم أهل الكتاب. وقد ~~ثبت في صحيح البخاري عن النبي ms9837 صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إذا حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا # PageV35P180 # آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون} " فإذا كنا مأمورين فيما يحدثنا به أهل الكتاب أن لا نصدق إلا بما ~~نعلم أنه الحق كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه باطل: فكيف يجوز تصديق هؤلاء ~~فيما يزعمون أنه منقول عن إدريس عليه السلام وهم في ذلك أبعد عن علمهم ~~المصدق من أهل الكتاب ويقال " رابعا ": لا ريب أن النجوم " نوعان ": حساب ~~وأحكام. فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب. وصفاتها ومقادير ~~حركاتها وما يتبع ذلك فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض ~~وصفتها ونحو ذلك؛ لكن جمهور التدقيق منه كثير التعب قليل الفائدة؛ كالعالم ~~مثلا بمقادير الدقائق والثواني والثوالث في حركات السبعة المتحيرة {بالخنس} ~~{الجواري الكنس} . فإن كان أصل هذا مأخوذا عن إدريس فهذا ممكن والله أعلم ~~بحقيقة ذلك كما يقول ناس إن أصل الطب مأخوذ عن بعض الأنبياء. وأما الأحكام ~~التي هي من جنس السحر فمن الممتنع أن يكون نبي من الأنبياء كان ساحرا وهم ~~يذكرون أنواعا من السحر ويقولون: هذا يصلح لعمل النواميس. أي " الشرائع ~~والسنن " ومنها ما هو دعاية الكواكب وعبادة لها وأنواع من الشرك الذي يعلم ~~كل من آمن بالله ورسوله بالاضطرار أن نبيا من الأنبياء لا يأمر بذلك # PageV35P181 # ولا علمه وإضافة ذلك إلى بعض الأنبياء كإضافة من أضاف ذلك إلى سليمان ~~عليه السلام لما سخر الله له الجن والإنس والطير؛ فزعم قوم أن ذلك كان ~~بأنواع من السحر حتى إن طوائف من اليهود والنصارى لا يجعلونه نبيا حكيما ~~فنزهه الله من ذلك فقال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} الآية. وكذلك أيضا ~~الاستدلال على الحوادث بما يستدلون به من الحركات العلوية والاختيارات ~~للأعمال: هذا كله يعلم قطعا أن نبيا من الأنبياء لم يؤمر قط بهذا؛ إذ فيه ~~من الكذب ms9838 والباطل ما ينزه عنه العقلاء الذين هم دون الأنبياء بكثير وما فيه ~~من الحق فهو شبيه بما قال إمام هؤلاء ومعلمهم الثاني " أبو نصر الفارابي " ~~قال ما مضمونه: إنك لو قلبت أوضاع المنجمين؛ فجعلت مكان السعد نحسا ومكان ~~النحس سعدا أو مكان الحار باردا أو مكان البارد حارا أو مكان المذكر مؤنثا ~~أو مكان المؤنث مذكرا وحكمت: لكان حكمك من جنس أحكامهم يصيب تارة ويخطئ ~~أخرى. وما كان بهذه المثابة فهم ينزهون عنه بقراط وأفلاطون وأرسطو وأصحابه ~~الفلاسفة المشائين الذين يوجد في كلامهم من الباطل والضلال نظير ما يوجد في ~~كلام اليهود والنصارى؛ فإذا كانوا ينزهون عنه هؤلاء الصابئين وأنبياءهم ~~الذين أقل نسبة وأبعد عن معرفة الحق من اليهود والنصارى: فكيف يجوز نسبته ~~إلى نبي كريم # PageV35P182 # ونحن نعلم من أحوال أئمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق - وليس هو بنبي ~~من الأنبياء - من جنس هذه الأمور ما يعلم كل عالم بحال جعفر رضي الله عنه ~~أن ذلك كذب عليه؛ فإن الكذب عليه من أعظم الكذب حتى نسب إليه أحكام " ~~الحركات السفلية " كاختلاج الأعضاء وحوادث الجو من الرعد والبرق والهالة ~~وقوس الله الذي يقال له: " قوس قزح " وأمثال ذلك والعلماء يعلمون أنه بريء ~~من ذلك كله. وكذلك نسب إليه " الجدول " الذي بنى عليه الضلال طائفة من ~~الرافضة وهو كذب مفتعل عليه افتعله عليه عبد الله بن معاوية أحد المشهورين ~~بالكذب؛ مع رياسته وعظمته عند أتباعه. وكذلك أضيف إليه كتاب " الجفر ~~والبطاقة والهفت " وكل ذلك كذب عليه باتفاق أهل العلم به حتى أضيف إليه " ~~رسائل إخوان الصفا " وهذا في غاية الجهل؛ فإن هذه الرسائل إنما وضعت بعد ~~موته بأكثر من مائتي سنة؛ فإنه توفي سنة ثمان وأربعين ومائة وهذه الرسائل ~~وضعت في دولة بني بويه في أثناء المائة الرابعة في أوائل دولة بني عبيد ~~الذين بنوا القاهرة وضعها جماعة؛ وزعموا أنهم جمعوا بها بين الشريعة ~~والفلسفة؛ فضلوا وأضلوا. وأصحاب " جعفر الصادق " الذين أخذوا عنه العلم؛ ~~كمالك بن أنس وسفيان بن عيينة وأمثالهما ms9839 من الأئمة أئمة الإسلام براء من ~~هذه الأكاذيب. # PageV35P183 # وكذلك كثير ما يذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في " كتاب حقائق ~~التفسير " عن جعفر من الكذب الذي لا يشك في كذبه أحد من أهل المعرفة بذلك. ~~وكذلك كثير من المذاهب الباطلة التي يحكيها عنه الرافضة. وهي من أبين الكذب ~~عليه. وليس في فرق الأمة أكثر كذبا واختلافا من " الرافضة " من حين نبغوا. ~~ف ### | أول من ابتدع الرفض # كان منافقا زنديقا يقال له " عبد الله بن سبأ " فأراد بذلك إفساد دين ~~المسلمين كما فعل " بولص " صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى حيث ابتدع لهم ~~بدعا أفسد بها دينهم وكان يهوديا فأظهر النصرانية نفاقا فقصد إفسادها وكذلك ~~كان " ابن سبأ " يهوديا فقصد ذلك وسعى في الفتنة لقصد إفساد الملة فلم ~~يتمكن من ذلك؛ لكن حصل بين المؤمنين تحريش وفتنة قتل فيها عثمان رضي الله ~~عنه وجرى ما جرى من الفتنة ولم يجمع الله - ولله الحمد - هذه الأمة على ~~ضلالة؛ بل لا يزال فيها طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها ~~حتى تقوم الساعة؛ كما شهدت بذلك النصوص المستفيضة في الصحاح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ردها. وكانت " ثلاثة طوائف " غالية؛ وسبابة ومفضلة # PageV35P184 # فأما " الغالية " فإنه حرقهم بالنار فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد ~~له أقوام فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله. فاستتابهم ثلاثا فلم يرجعوا ~~فأمر في الثالث بأخاديد فخدت وأضرم فيها النار ثم قذفهم فيها وقال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وفي صحيح البخاري أن عليا أتى بزنادقتهم فحرقهم وبلغ ذلك {ابن عباس فقال: ~~أما أنا فلو كنت لم أحرقهم؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب ~~الله ولضربت أعناقهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه} ~~وأما " السبابة " فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله فهرب منه إلى ms9840 ~~قرقيسيا؛ وكلمه فيه وكان علي يداري أمراءه؛ لأنه لم يكن متمكنا ولم يكونوا ~~يطيعونه في كل ما يأمرهم به. وأما " المفضلة " فقال: لا أوتى بأحد يفضلني ~~على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين وروي عنه من أكثر من ثمانين وجها ~~أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وفي صحيح البخاري عن ~~محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ # PageV35P185 # فقال يا بني؟ أوما تعرف قال: لا. قال: أبو بكر؛ قال: ثم من؟ قال: عمر. ~~وفي الترمذي وغيره أن عليا روى هذا التفضيل عن النبي صلى الله عليه وسلم. " ~~والمقصود هنا " أنه قد كذب على علي بن أبي طالب من أنواع الكذب الذي لا ~~يجوز نسبتها إلى أقل المؤمنين حتى أضافت إليه القرامطة والباطنية والخرمية ~~والمزدكية والإسماعيلية والنصيرية مذاهبها التي هي من أفسد مذاهب العالمين ~~وادعوا أن ذلك من العلوم الموروثة عنه. وهذا كله إنما أحدثه المنافقون ~~الزنادقة الذين قصدوا إظهار ما عليه المؤمنون وهم يبطنون خلاف ذلك ~~واستتبعوا الطوائف الخارجة عن الشرائع؛ وكان لهم دول؛ وجرى على المؤمنين ~~منهم فتن حتى قال " ابن سينا ": إنما اشتغلت في علوم الفلاسفة لأن أبي كان ~~من أهل دعوة المصريين. يعني من بني عبيد الرافضة القرامطة فإنهم كانوا ~~ينتحلون هذه العلوم الفلسفية؛ ولهذا تجد بين هؤلاء وبين الرافضة ونحوهم من ~~البعد عن معرفة النبوات اتصال وانضمامات يجمعهم فيه الجهل الصميم بالصراط ~~المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. فإذا كان في الزمان الذي هو أقل من سبعمائة سنة قد كذب على أهل ~~بيته وأصحابه وغيرهم وأضيف إليهم من مذاهب الفلاسفة والمنجمين ما يعلم # PageV35P186 # كل عاقل براءتهم منه ونفق ذلك على طوائف كثيرة منتسبة إلى هذه الملة مع ~~وجود من يبين كذب هؤلاء وينهى عن ذلك ويذب عن الملة بالقلب واليد واللسان ~~فكيف الظن بما يضاف إلى " إدريس " وغيره من الأنبياء من أمور النجوم ~~والفلسفة مع ms9841 تطاول الزمان وتنوع الحدثان واختلاف الملك والملل والأديان ~~وعدم من يبين حقيقة ذلك من حجة وبرهان واشتمال ذلك على ما لا يحصى من الكذب ~~والبهتان. # وكذلك دعوى المدعي أن نجم النبي صلى الله عليه وسلم كان بالعقرب والمريخ ~~وأمته بالزهرة وأمثال ذلك: هو من أوضح الهذيان المباينة لأحوال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما يدعونه من هذه الأحكام فإن من أوضح الكذب قولهم إن نجم ~~المسلمين بالزهرة ونجم النصارى بالمشترى؛ مع قولهم إن المشترى يقتضي العلم ~~والدين والزهرة تقتضي اللهو واللعب. وكل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل ~~جهلا وضلالة وأبعدهم عن معرفة المعقول والمنقول وأكثر اشتغالا بالملاهي ~~وتعبدا بها. والفلاسفة متفقون كلهم على أنه ما قرع العالم ناموس أعظم من ~~الناموس الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أكمل عقلا ودينا وعلما ~~باتفاق الفلاسفة حتى فلاسفة اليهود والنصارى فإنهم لا يرتابون في أن ~~المسلمين أفضل عقلا ودينا. # PageV35P187 # وإنما يمكث أحدهم على دينه. إما اتباعا لهواه ورعاية لمصلحة دنياه في ~~زعمه؛ وإما ظنا منه أنه يجوز التمسك بأي ملة كانت وأن الملل شبيهة بالمذاهب ~~الإسلامية فإن جمهور الفلاسفة والمنجمين وأمثالهم يقولون بهذا ويجعلون ~~الملل بمنزلة الدول الصالحة وإن كان بعضها أفضل من بعض. وأما الكتب ~~السماوية المتواترة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فناطقة بأن الله لا ~~يقبل من أحد دينا سوى الحنيفية وهى الإسلام العام: عبادة الله وحده لا شريك ~~له والإيمان بكتبه؛ ورسله واليوم الآخر كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وبذلك أخبرنا عن ~~الأنبياء المتقدمين وأممهم قال نوح: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وقال في إبراهيم: {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} {ووصى ms9842 بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~وقال موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} وقال. ~~{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا} وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ~~وقال في # PageV35P188 # الحواريين: {أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} وقد قال ~~مطلقا: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم} {إن الدين عند الله الإسلام} وقال: {قل آمنا ~~بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن ~~له مسلمون} {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} . فإذا كان المسلمون باتفاق كل ذي عقل أولى أهل الملل بالعلم ~~والعقل والعدل وأمثال ذلك مما يناسب عندهم آثار المشترى والنصارى أبعد عن ~~ذلك وأولى باللهو واللعب وما يناسب عندهم آثار الزهرة كان ما ذكروه ظاهر ~~الفساد. ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة حتى إن كبير الفلاسفة الذي ~~يسمونه " فيلسوف الإسلام " يعقوب بن إسحاق الكندي عمل تسييرا لهذه الملة: ~~زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة وأخذ ذلك منه من أخرج " مخرج ~~الاستخراج " من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده ووافقهم على ذلك من ~~زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف التي في # PageV35P189 # أوائل السور وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفا. وحسابها في الجملة ~~الكثير ستمائة وثلاثة وتسعون. ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير أن الله لما ~~أنزل {الم} قال بعض اليهود: بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون فلما أنزل بعد ذلك ~~{الر} و {الم} قالوا. خلط علينا. فهذه الأمور التي توجد في ضلال اليهود ~~والنصارى وضلال المشركين والصابئين من المتفلسفة والمنجمين: مشتملة من هذا ~~الباطل على ms9843 ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن دين ~~الإسلام محرمة فيه؛ فيجب إنكارها والنهي عنها على المسلمين على كل قادر: ~~بالعلم والبيان واليد واللسان فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسوس الملل. ولا ~~ينفق الباطل في الوجود إلا بشوب من الحق؛ كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق ~~بالباطل بسبب الحق اليسير الذي معهم يضلون خلقا كثيرا عن الحق الذي يجب ~~الإيمان به ويدعونه إلى الباطل الكثير الذي هم عليه. وكثيرا ما يعارضهم من ~~أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحق والباطل ولا يقيم الحجة التي تدحض ~~باطلهم ولا يبين حجة الله التي أقامها برسله فيحصل بسبب ذلك فتنة. وقد ~~بسطنا القول في هذا الباطل ونحوه في غير هذا الموضع. والله أعلم. # PageV35P190 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في هؤلاء " ~~المنجمين " الذين يجلسون على الطرق وفي الحوانيت وغيرها ويجلس عندهم ~~النساء. والفساق أيضا بسبب النساء ويزعم هؤلاء المنجمون أنهم يخبرون ~~بالأمور المغيبة معتمدين في ذلك على صناعة التنجيم ويكتبون للناس الأوفاق ~~ويسحرون ويكتبون الطلاسم ويعلمون النساء السحر لأزواجهم وغيرهم ويجتمع ~~النساء والرجال على أبواب الحوانيت بسبب ذلك وربما آل الأمر إلى غير ذلك من ~~إفساد النساء على أزواجهن وإفساد عقائد الناس وتعلق همجهم بالسحر والكواكب ~~وإعراضهم عن الله عز وجل والتوكل عليه في الحوادث والنوازل: فهل يحل ذلك أم ~~لا؟ وهل صناعة " التنجيم " محرمة أم لا؟ وهل يجوز أخذ الأجرة على ذلك ~~وبذلها حرام أم لا؟ وهل يجوز لمن له تعلق بالحانوت من ناظر ومالك ووكيل أن ~~يؤجره من ذلك أم لا؟ وهل الأجرة حرام أم لا؟ وهل يجب على ولي الأمر وكل ~~مسلم يقدر على ذلك إزالة ذلك أم لا؟ # PageV35P191 # وهل إذا لم يفعل ولي الأمر الإنكار عليهم يدخل في وعيد الحديث الصحيح ~~المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: " {ما من وال يسترعيه ms9844 الله ~~رعية ثم لم يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة} " وإذا أنكر ولي ~~الأمر هذا المنكر يدخل في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ؟ وهل يثاب على ذلك ~~الثواب الجزيل إذا أنكره أم لا؟ وإن رأوا أن يذكروا ما حضرهم من الأحاديث ~~الوعيدية في ذلك مأجورين. إن شاء الله تعالى؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، لا يحل شيء من ذلك وصناعة " التنجيم " التي ~~مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال ~~الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة؛ بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل ~~قال الله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} وقال: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} قال عمر وغيره: الجبت السحر. وروى ~~أبو داود في سننه بإسناد حسن عن قبيصة بن مخارق عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " {العيافة والطرق والطيرة من الجبت} " قال عوف # PageV35P192 # راوي الحديث: العيافة زجر الطير؛ والطرق الخط يخط في الأرض. وقيل بالعكس. ~~فإذا كان الخط ونحوه الذي هو من فروع النجامة من الجبت؛ فكيف بالنجامة؟ " ~~وذلك أنهم يولدون الأشكال في الأرض؛ لأن ذلك متولد من أشكال الفلك. وروى ~~أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " {من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر؛ ~~زاد ما زاد} " فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من ~~السحر؛ وقد قال الله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} وهكذا الواقع؛ فإن ~~الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة. ~~وروى أحمد ومسلم في الصحيح؛ عن صفية بنت عبيد؛ عن بعض أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {من أتى عرافا فسأله عن ~~شيء لم تقبل له ms9845 صلاة أربعين يوما} " والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض ~~العلماء. وعند بعضهم هو في معناه. فإذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول. ~~وروى أيضا في صحيحه {عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله إن ~~قوما منا يأتون الكهان. قال: فلا تأتوهم} " فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن إتيان الكهان والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي # PageV35P193 # وغيره من العلماء وحكي ذلك عن العرب. وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوأ ~~حالا منه فلحق به من جهة المعنى. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ( {ثمن الكلب خبيث. ومهر البغي خبيث وحلوان الكاهن خبيث} وحلوانه الذي ~~تسميه العامة " حلاوته " ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه المنجم وصاحب ~~الأزلام التي يستقسم بها مثل الخشبة المكتوب عليها أب ج د والضارب بالحصى ~~ونحوهم فما يعطى هؤلاء حرام. وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من ~~العلماء: كالبغوي والقاضي عياض؛ وغيرهما. وفي الصحيحين {عن زيد بن خالد ~~قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية على إثر سماء كانت من ~~الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال أصبح ~~من عبادي مؤمن بي وكافر بي فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~وكافر بالكواكب} " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " {ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها ~~كافرين؛ ينزل الله الغيث ويقولون بكوكب كذا وكذا.} " وفي صحيح مسلم عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " {أربع في أمتي من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب ~~والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالأنواء} " وفيه عن ابن عباس؛ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: هو الاستسقاء ~~بالأنواء؛ أو كما قال. # PageV35P194 # والنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة بالنهي عن ذلك ~~أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها. وقد تبين بما ذكرناه أن الأجرة ~~المأخوذة ms9846 على ذلك والهبة والكرامة حرام على الدافع؛ والآخذ وأنه يحرم على ~~الملاك والنظار والوكلاء إكراء الحوانيت المملوكة أو الموقوفة أو غيرها من ~~هؤلاء الكفار والفساق بهذه المنفعة؛ إذا غلب على ظنهم أنهم يفعلون فيها هذا ~~الجبت الملعون. ويجب على ولي الأمر وكل قادر السعي في إزالة ذلك. ومنعهم من ~~الجلوس في الحوانيت أو الطرقات؛ أو دخولهم على الناس في منازلهم لذلك وإن ~~لم يفعل ذلك فيكفيه قوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} وقوله ~~سبحانه وتعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم ~~السحت} فإن هؤلاء الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت بإجماع المسلمين؛ ~~وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية الصديق عنه أنه قال: " {إن الناس ~~إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} " وأي منكر أنكر ~~من عمل هؤلاء الأخابث؛ سوس الملك؛ وأعداء الرسل؛ وأفراخ الصابئة عباد ~~الكواكب فهل كانت بعثة الخليل صلاة الله وسلامه عليه إمام الحنفاء إلا إلى ~~سلف هؤلاء؛ فإن نمرود بن كنعان كان ملك هؤلاء؛ وعلماء الصابئة هم المنجمون ~~ونحوهم وهل عبدت الأوثان في غالب الأمر إلا عن رأي هذا الصنف الخبيث الذين ~~يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله # PageV35P195 # ومن استقووه ممن ينتسب إلى التدين بكتاب فإنه الخليق بأن يأخذ بنصيب من ~~قوله: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين ~~على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} ~~. وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين ms9847 أن أهل الإيمان أهل ~~العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعائهم وتوكلهم على الله ~~ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضا بأن أهل العبادات ~~والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى ~~الأفلاك أن تجلبه. فالحمد لله الذي جعل خير الدنيا والآخرة في اتباع ~~المرسلين وجعل خير أمة هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقال ~~تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك # PageV35P196 # فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} والله يؤيد ويعين على الدين ~~واتباع سبيل المؤمنين. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن صناعة " التنجيم " والاستدلال بها على الحوادث: هل هو حلال أم حرام؟ ~~يحل أخذ الأجرة وبذلها أم لا؟ وهل يجب على ولي الأمر منعهم وإزالتهم من ~~الجلوس في الدكاكين؟ # فأجاب: # بل ذلك محرم بإجماع المسلمين وأخذ الأجرة على ذلك و [منعهم] (1) من ~~الجلوس في الحوانيت والطرقات ومنع الناس من أن يكروهم والقيام في ذلك من ~~أفضل الجهاد في سبيل الله. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عمن قال لشريف: يا كلب يا ابن الكلب لا تمد يدك إلى حوض الحمام. فقيل له: ~~إنه شريف فقال: لعنه الله ولعن من شرفه. فقيل له: أين عقلك؟ هذا شريف فقال: ~~كلب بن كلب فقام إليه وضربه فهل يجب قتله أم لا؟ وشهد عليه بذلك عدو له؟ ~~PageV35P197 # فأجاب: # لا تقبل شهادة العدو على عدوه ولو كان عدلا؛ وليس هذا الكلام بمجرده من ~~باب السب الذي يقتل صاحبه بل يستفسر عن قوله من شرفه. فإن ثبت بتفسيره أو ~~بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لعن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قتله. ~~وإن لم يثبت ذلك أو ثبت بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل أن يريد لعن من يعظمه أو يبجله أو لعن من يعتقده شريفا: لم ~~يكن ms9848 ذلك موجبا للقتل باتفاق العلماء؛ لا يظن بالذي ليس بزنديق أنه يقصد لعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فمن عرف من حاله أنه مؤمن ليس بزنديق كان ذلك ~~دليلا على أنه لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يجب قتل مسلم بسب أحد ~~من الأشراف باتفاق العلماء إنما يقتل من سب الأنبياء. وفيمن سب الصحابة ~~تفصيل ونزاع بين العلماء. ولكن من ثبت عليه أنه اعتدى بقوله أو فعله على ~~شريف أو غيره عوقب على عدوانه: إما بالقصاص بما يكون فيه المماثلة وإما ~~التعزيز بما يمنعه من العدوان وإما بحد القذف إن كان العدوان قذفا يوجب ~~الحد. وتجب عقوبة المعتدين أيضا وإن كان شريفا فقد ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا ~~إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي # PageV35P198 # نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها} ". وما يشرع فيه ~~القصاص في الدماء والأموال وغيرها لا فرق فيه بين الشريف وغيره قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " {المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم} " ~~الحديث. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أراد أن يشتكي على رجل فشفع فيه جماعة فقال: لو جاءني محمد بن عبد ~~الله فيه ما قبلت. فقالوا: كفرت استغفر الله من قولك فقال: ما أقول؟ # فأجاب - رحمه الله تعالى -: # أما قول الرجل لو جاءني محمد بن عبد الله. إذا ثبت عليه هذا الكلام فإنه ~~يقتل على ذلك؛ ولو تاب بعد رفعه إلى الإمام لم يسقط عنه القتل في أظهر قولي ~~العلماء؛ ولكن إن تاب قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه القتل في أظهر القولين؛ ~~وإن عزر بعد التوبة كان سائغا. # PageV35P199 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل لعن اليهود ولعن دينه وسب التوراة: فهل يجوز لمسلم أن يسب كتابهم ~~أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، ليس لأحد أن يلعن التوراة؛ بل من أطلق لعن التوراة فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا ms9849 قتل. وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله وأنه ~~يجب الإيمان بها: فهذا يقتل بشتمه لها؛ ولا تقبل توبته في أظهر قولي ~~العلماء. وأما إن لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس به في ~~ذلك فإنهم ملعونون هم ودينهم وكذلك إن سب التوراة التي عندهم بما يبين أن ~~قصده ذكر تحريفها مثل أن يقال نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما ~~فيها ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر: فهذا الكلام ~~ونحوه حق لا شيء على قائله. والله أعلم. # PageV35P200 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة؟ # فأجاب: # الحمد لله، كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير ~~من كل من كفر به؛ وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة ~~الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار ~~كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق ~~للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به؛ ولو قدر أنه يكفر ~~فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {من قال لا إله إلا الله ~~دخل الجنة} " وقال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا ~~الحديث وإذا فعل غير ذلك ولم يبال ما نقص من دينه # PageV35P201 # وزاد في دنياه لم يدخل في ضمن هذا الحديث. قال له ناقل الحديث: أنا لو ~~فعلت كل ما لا يليق وقلت لا إله إلا الله: دخلت الجنة ولم أدخل النار؟ # فأجاب - رحمه الله -: # الحمد لله رب العالمين، من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة ~~يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار ~~وهم كثيرون؛ بل المنافقون قد يصومون ms9850 ويصلون ويتصدقون؛ ولكن لا يتقبل منهم ~~قال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وقال تعالى: ~~{قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين} {وما منعهم ~~أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وقال تعالى: {إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا} وقال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} ~~وقال تعالى {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} - إلى قوله - {فاليوم لا يؤخذ ~~منكم فدية ولا من الذين كفروا} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " {آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان} " ~~ولمسلم " {وإن # PageV35P202 # صلى وصام وزعم أنه مسلم} " وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة ~~من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب؛ وإذا وعد أخلف؛ وإذا عاهد غدر وإذا خاصم ~~فجر} " ولكن إن قال: لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك ~~فإنه لا يخلد في النار؛ إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن من دخلها من ~~" فساق أهل القبلة " من أهل السرقة والزنا وشرب الخمر وشهادة الزور وأكل ~~الربا وأكل مال اليتيم؛ وغير هؤلاء فإنهم إذا عذبوا فيها عذبهم على قدر ~~ذنوبهم كما جاء في الأحاديث الصحيحة " {منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ~~ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء ~~الله أن يمكثوا أخرجوا بعد ذلك كالحمم؛ فيلقون في نهر يقال ms9851 له الحياة ~~فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ويدخلون الجنة مكتوب على رقابهم: ~~هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار} . وتفصيل هذه المسألة في غير هذا ~~الموضع. والله أعلم. # PageV35P203 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حبس خصما له عليه دين بحكم الشرع فحضر إليه رجل يشفع فيه فلم يقبل ~~شفاعته فتخاصما بسبب ذلك فشهد الشافع على الرجل لأنه صدر منه كلام يقتضي ~~الكفر وخاف الرجل غائلة ذلك فأحضر إلى حاكم شافعي وادعى عليه رجل من ~~المسلمين بأنه تلفظ بما قيل عنه وسأل حكم الشرع في ذلك. فقال الحاكم للخصم ~~عن ذلك فلم يعترف فلقن أن يعترف ليتم له الحكم بصحة إسلامه وحقن دمه فاعترف ~~بأن ذلك صدر منه جاهلا بما يترتب عليه ثم أسلم ونطق بالشهادتين وتاب ~~واستغفر الله تعالى ثم سأل الحاكم المذكور أن يحكم له بإسلامه وحقن دمه ~~وتوبته وبقاء ماله عليه فأجابه إلى سؤاله وحكم بإسلامه وحقن دمه وبقاء ماله ~~عليه وقبول توبته وعزره تعزير مثله وحكم بسقوط تعزير ثان عنه وقضى بموجب ~~ذلك كله. ثم نفذ ذلك حاكم آخر حنفي: فهل الحكم المذكور صحيح في جميع ما حكم ~~له به أم لا؟ وهل يفتقر حكم الشافعي إلى حضور خصم من جهة بيت المال؛ أم لا؟ ~~وهل لأحد أن يتعرض بما صدر منه من أخذ ماله أو شيء منه بعد إسلامه أم لا؟ ~~وهل يحل لحاكم آخر بعد الحكم # PageV35P204 # والتنفيذ المذكورين أن يحكم في ماله بخلاف الحكم الأول وتنفيذه أم لا؟ ~~وهل يثاب ولي الأمر على منع من يتعرض إليه بأخذ ماله أو شيء منه بما ذكر أم ~~لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم الحكم المذكور صحيح وكذلك تنفيذه وليس لبيت المال في مال ~~مثل هذا حق باتفاق المسلمين؛ ولا يفتقر الحكم بإسلامه وعصمة ماله إلى حضور ~~خصم من جهة بيت المال؛ فإن ذلك لا يتوقف على الحكم؛ إذ الأئمة متفقون على ~~أن المرتد إذا أسلم عصم بإسلامه دمه وماله وإن لم يحكم بذلك حاكم؛ ولا كلام ms9852 ~~لولي بيت المال في مال من أسلم بعد ردته؛ بل مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ~~أيضا في المشهور عنه أن من شهدت عليه بينة بالردة فأنكر وتشهد الشهادتين ~~المعتبرتين حكم بإسلامه ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه فكيف إذا لم يشهد ~~عليه عدل؟ فإنه من هذه الصورة لا يفتقر الحكم بعصمة دمه وماله إلى إقراره ~~باتفاق المسلمين. ولا يحتاج عصمة دم مثل هذا إلى أن يقر ثم يسلم بعد إخراجه ~~إلى ذلك فقد يكون فيه إلزام له بالكذب على نفسه أنه كفر؛ ولهذا لا يجوز أن ~~يبنى على مثل هذا الإقرار حكم الإقرار الصحيح؛ فإنه قد علم أنه لقن الإقرار ~~وأنه مكره عليه في المعنى؛ فإنه إنما فعله # PageV35P205 # خوف القتل. ولو قدر أن كفر المرتد كفر سب فليس في الحكام بمذهب الأئمة ~~الأربعة من يحكم بأن ماله لبيت المال بعد إسلامه؛ إنما يحكم من يحكم بقتله ~~لكونه يقتل حدا عندهم على المشهور. ومن قال يقتل لزندقته فإن مذهبه أنه لا ~~يؤخذ بمثل هذا الإقرار. وأيضا فمال الزنديق عند أكثر من قال بذلك لورثته من ~~المسلمين فإن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا إذا ماتوا ورثهم المسلمون مع الجزم بنفاقهم؛ كعبد الله بن أبي ~~وأمثاله ممن ورثهم ورثتهم الذين يعلمون بنفاقهم ولم يتوارث أحد من الصحابة ~~غير الميراث منافق. والمنافق هو الزنديق في اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في ~~توبة الزنديق. وأيضا فحكم الحاكم إذا نفذ في دمه الذي قد يكون فيه نزاع نفذ ~~في ماله بطريق الأولى؛ إذ ليس في الأمة من يقول يؤخذ ماله ولا يباح دمه فلو ~~قيل بهذا كان خلاف الإجماع؛ فإذا لم يتوقف الحكم بعصمة دمه على دعوى من جهة ~~ولي الأمر فماله أولى. وقد تبين أن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال غير ممكن ~~من وجوه " أحدها " أنه لم يثبت عليه ما يبيح دمه؛ لا ببينة. ولا بإقرار ~~متعين؛ # PageV35P206 # ولكن بإقرار قصد به عصمة ماله ودمه من جنس الدعوى ms9853 على الخصم المسخر. " ~~الثاني " أن الحكم بعصمة دمه وماله واجب في مذهب الشافعي والجمهور وإن لم ~~يقر؛ بل هو واجب بالإجماع مع عدم البينة والإقرار. " الثالث " أن الحكم ~~صحيح بلا ريب. " الرابع " أنه لو كان حكم مجتهد فيه لزال ذلك بتنفيذ المنفذ ~~له. " الخامس " أنه ليس في الحكام من يحكم بمال هذا لبيت المال ولو ثبت ~~عليه الكفر ثم الإسلام؛ ولو كان الكفر سبا؛ فكيف إذا لم يثبت عليه أم كيف ~~إذا حكم بعصمة ماله بل مذهب مالك وأحمد الذي يستند إليها في مثل هذه من ~~أبعد المذاهب عن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال؛ لأن مثل هذا الإقرار عندهم ~~إقرار تلجئة لا يلتفت إليه؛ ولما عرف من مذهبهما في الساب. والله أعلم. # PageV35P207 ### | كتاب الأطعمة # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن أكل لحوم الخيل: هل هي حلال؟ # فأجاب: # الحمد لله، هي حلال عند جمهور العلماء: كالشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة ~~وعامة فقهاء الحديث وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~{حرم عام خيبر لحوم الحمر وأباح لحوم الخيل} وقد ثبت: " {أنهم نحروا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا وأكل لحمه} # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن بغل تولد من حمار وحش وفرس: هل يؤكل أم لا؟ # فأجاب: # إذا تولد البغل بين فرس وحمار وحش أو بين أتان وحصان جاز أكله وهكذا كل ~~متولد بين أصلين مباحين؛ وإنما حرم ما تولد من بين حلال وحرام " كالبغل " ~~الذي أحد أبويه حمار أهلي و " كالسبع " المتولد بين الضبع والذئب " ~~والإسبار " المتولد من بين الذئب والضبعان والله أعلم. # PageV35P208 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن نعجة ولدت خروفا نصفه كلب ونصفه خروف وهو نصفان بالطول: هل يحل أكله؛ ~~أو تحل ناحية الخروف؟ # فأجاب: # الحمد لله، لا يؤكل من ذلك شيء فإنه متولد من حلال وحرام وإن كان مميزا. ~~لأن الأكل لا يكون إلا بعد التذكية؛ ولا يصح تذكية مثل هذا لأجل الاختلاط. ~~والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن ms9854 عنز لرجل ولدت عناقا وماتت العنزة؛ فأرضعت امرأته العناق: فهل يجوز ~~أكل لحمها أو شرب لبنها أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله، نعم يجوز له ذلك # PageV35P209 # وسئل - رحمه الله -: # هل يجوز شرب " الإقسما "؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كانت من زبيب فقط فإنه يباح شربه ثلاثة أيام إذا لم يشتد ~~باتفاق العلماء: أما إن كان من خليطين يفسد أحدهما الآخر مثل الزبيب والبسر ~~أو بقي أكثر من الثلاث: فهذا فيه نزاع. وإن وضع فيه ما يحمضه كالخل ونحوه ~~وماء الليمون كما يوضع في الفقاع المشذب فهذا يجوز شربه مطلقا فإن حموضته ~~تمنعه أن يشتد. فكل هذه الأشربة إذا حمضت ولم تصر مسكرة يجوز شربها. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل: نزل عند قوم ولم يكن معه ما يأكل هو ولا دابته وامتنع القوم أن ~~يبيعوه وأن يضيفوه فحصل له ضرر ولدابته: فهل له أن يأخذ منهم ما يكفيه بغير ~~اختيارهم؟ # PageV35P210 # فأجاب: إذا اضطر هو ودابته وعندهم مال يطعمونه ولم يطعموه فله أن يأخذ ~~كفايته بغير اختيارهم ويعطيهم ثمن المثل. وإن كان في سفر وجب عليهم أن ~~يضيفوه إن كانوا قادرين على ضيافته؛ فإن لم يضيفوه أخذ ضيافته بغير ~~اختيارهم ولا شيء عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم " {حق الضيف واجب على ~~كل مسلم} وقال: " {أيما رجل نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن ~~يعاقبهم بمثل قراه من زرعهم ومالهم} وقال: " {من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك ~~فهو صدقة} . والله أعلم. # PageV35P211 ### | باب الذكاة # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل ذبيحة يهودي أو نصراني ~~مطلقا ولا يدري ما حالهم: هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم بعد ذلك؟ بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عند جميع ~~الناس وهم أهل ذمة يؤدون الجزية ولا يعرف من هم ولا من آباؤهم: فهل ~~للمنكرين عليهم منعهم ms9855 من الذبح للمسلمين؟ أم لهم الأكل من ذبائحهم كسائر ~~بلاد المسلمين. # فأجاب - رضي الله عنه -: # ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود والنصارى في هذا الزمان ~~ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ومن أنكر ذلك فهو جاهل مخطئ؛ مخالف لإجماع ~~المسلمين فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء المسلمين ومسائل ~~الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة: لا الإنكار ~~المجرد المستند إلى # PageV35P212 # محض التقليد؛ فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء كيف والقول بتحريم ذلك في ~~هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدا مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان وذلك لأن المنكر ~~لهذا لا يخرج عن " قولين ". إما أن يكون ممن يحرم " ذبائح أهل الكتاب " ~~مطلقا كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة. وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ~~ذبائحهم. وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ولا من ~~أقوال أتباعهم. وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله ~~تعالى قال في كتابه: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . فإن ~~قيل هذه الآية معارضة بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وبقوله تعالى: ~~{ولا تمسكوا بعصم الكوافر} . قيل الجواب من ثلاثة أوجه. أحدها أن الشرك ~~المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب؛ وإنما يدخلون في الشرك المقيد ~~قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل # PageV35P213 # الكتاب والمشركين} فجعل المشركين قسما غير أهل الكتاب وقال تعالى: {إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} ~~فجعلهم قسما غيرهم. فأما دخولهم في المقيد ففي قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} فوصفهم بأنهم مشركون. وسبب هذا أن ~~أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك ms9856 كما قال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} ولكنهم بدلوا وغيروا فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به ~~الله سلطانا فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا؛ لا باعتبار أصل الدين. ~~وقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتي ~~كن في عصم المسلمين وأولئك كن مشركات؛ لا كتابيات من أهل مكة ونحوها. # PageV35P214 # " الوجه الثاني " إذا قدر أن لفظ " المشركات " و " الكوافر " يعم ~~الكتابيات: فآية المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة ~~باتفاق العلماء كما في الحديث: " {المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا ~~حلالها وحرموا حرامها} والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء ~~المسلمين؛ لكن الجمهور يقولون: إنه مفسر له. فتبين أن صورة التخصيص لم ترد ~~باللفظ العام. وطائفة يقولون: إن ذلك نسخ بعد أن شرع. " الوجه الثالث " إذا ~~فرضنا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم والآخر أحلهما. فالنص ~~المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين. " أحدهما " أن سورة المائدة هي ~~المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص المتقدم. ولا يقال إن هذا نسخ ~~للحكم مرتين؛ لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعي حلل ذلك؛ بل كان ~~لعدم التحريم؛ بمنزلة شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك. والتحريم المبتدأ ~~لا يكون نسخا لاستصحاب حكم الفعل؛ ولهذا لم يكن تحريم النبي صلى الله عليه ~~وسلم " {لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير} ناسخا لما دل عليه ~~قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية - من ~~أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة؛ فإن هذه ~~الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية؛ ولم يثبت تحليل # PageV35P215 # ما سوى ذلك؛ بل كان ما سوى ms9857 ذلك عفوا لا تحليل فيه ولا تحريم كفعل الصبي ~~والمجنون. وكما في الحديث المعروف " {الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ~~ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه} وهذا محفوظ عن سلمان ~~الفارسي موقوفا عليه أو مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على ذلك ~~أنه قال في سورة المائدة: {اليوم أحل لكم الطيبات} فأخبر أنه أحلها ذلك ~~اليوم وسورة المائدة مدنية بالإجماع وسورة الأنعام مكية بالإجماع. فعلم أن ~~تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة وقوله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات} وقال تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ~~لهم} إلى آخرها. فثبت نكاح الكتابيات وقيل ذلك كان إما عفوا على الصحيح ~~وإما محرما ثم نسخ. يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء. " الوجه الثاني ~~" أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع والكلام في ~~نسائهم كالكلام في ذبائحهم فإذا ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر؛ وحل أطعمتهم ~~ليس له معارض أصلا. ويدل على ذلك أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر ~~عليه أحد من الصحابة فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك. # PageV35P216 # فإن قيل قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} محمول على ~~الفواكه والحبوب. قيل: هذا خطأ لوجوه. " أحدها " أن هذه مباحة من أهل ~~الكتاب والمشركين والمجوس فليس في تخصيصها بأهل الكتاب فائدة. " الثاني " ~~أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعاما بفعلهم وهذا إنما يستحق في ~~الذبائح التي صارت لحما بذكاتهم. فأما الفواكه فإن الله خلقها مطعومة لم ~~تصر طعاما بفعل آدمي. " الثالث " أنه قرن حل الطعام بحل النساء وأباح ~~طعامنا لهم كما أباح طعامهم لنا. ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب ~~دون المشركين فكذلك حكم الطعام. والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب. " ~~الرابع " أن لفظ " الطعام " عام. وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله ~~للفاكهة فيجب إقرار اللفظ على عمومه؛ لا سيما وقد قرن به قوله تعالى: ~~{وطعامكم ms9858 حل لهم} ونحن يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا فكذلك يحل لنا ~~أن نأكل جميع أنواع طعامهم. وأيضا فقد ثبت في الصحاح؛ بل بالنقل المستفيض: ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية فأكل ~~منها لقمة ثم قال: # PageV35P217 # إن هذه تخبرني أن فيها سما} ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك ~~الشاة. وثبت في الصحيح: " {أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه ~~شحم قال قلت لا أطعم اليوم من هذا أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يضحك ولم ينكر عليه} . وهذا مما استدل به العلماء على جواز أكل ~~جيش المسلمين من طعام أهل الحرب قبل القسمة. وأيضا فإن {رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة} رواه الإمام أحمد. و ~~" الإهالة " من الودك الذي يكون من الذبيحة من السمن ونحوه الذي يكون في ~~أوعيتهم التي يطبخون فيها في العادة ولو كانت ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم ~~كأواني المجوس ونحوهم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم " {أنه نهى عن ~~الأكل في أوعيتهم حتى رخص أن يغسل} . وأيضا فقد استفاض أن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح ~~أهل الكتاب اليهود والنصارى وإنما امتنعوا من ذبائح المجوس. ووقع في جبن ~~المجوس من النزاع ما هو معروف بين المسلمين؛ لأن الجبن يحتاج إلى الإنفحة. ~~وفي إنفحة الميتة نزاع معروف بين العلماء. فأبو حنيفة يقول بطهارتها ومالك ~~والشافعي يقولان بنجاستها وعن أحمد روايتان. # PageV35P218 # فصل: # " المأخذ الثاني " الإنكار على من يأكل ذبائح أهل الكتاب هو كون هؤلاء ~~الموجودين لا يعلم أنهم من ذرية من دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل وهو ~~المأخذ الذي دل عليه كلام السائل؛ وهو المأخذ الذي تنازع فيه علماء ~~المسلمين أهل السنة والجماعة. وهذا مبني على أصل؛ وهو أن قوله تعالى: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ms9859 ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} هل المراد به من هو بعد نزول ~~القرآن متدين بدين أهل الكتاب؟ أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين ~~أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ على قولين للعلماء. " فالقول الأول " هو ~~قول جمهور المسلمين من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة؛ ومالك وأحد ~~القولين في مذهب أحمد؛ بل هو المنصوص عنه صريحا. و " الثاني " قول الشافعي؛ ~~وطائفة من أصحاب أحمد. # [وأصل هذا القول أن عليا وابن عباس تنازعا في ذبائح بني تغلب فقال علي: ~~لا تباح ذبائحهم ولا نساؤهم؛ فإنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب # PageV35P219 # الخمر وروي عنه أنه قال نغزوهم لأنهم لم يقوموا بالشروط التي شرطها عليهم ~~عثمان؛ فإنه شرط عليهم أن] (1) وغير ذلك من الشروط. وقال ابن عباس: بل ~~تباح؛ لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} . وعامة المسلمين من ~~الصحابة وغيرهم لم يحرموا ذبائحهم؛ ولا يعرف ذلك إلا عن علي وحده وقد روي ~~معنى قول ابن عباس عن عمر بن الخطاب. فمن العلماء من رجح قول عمر وابن عباس ~~وهو قول الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وصححها ~~طائفة من أصحابه؛ بل هي آخر قوليه؛ بل عامة المسلمين من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم على هذا القول. وقال أبو بكر الأثرم: ما علمت أحدا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كرهه إلا عليا وهذا قول جماهير فقهاء الحجاز والعراق ~~وفقهاء الحديث والرأي كالحسن وإبراهيم النخعي والزهري وغيرهم وهو الذي نقله ~~عن أحمد أكثر أصحابه وقال إبراهيم بن الحارث: كان آخر قول أحمد على أنه لا ~~يرى بذبائحهم بأسا. ومن العلماء من رجح قول علي وهو قول الشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه. وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب؛ وهم الذين ~~تنازع فيهم الصحابة. فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل: تنوخ وبهراء ~~PageV35P220 # وغيرهما من اليهود: فلا أعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا؛ ولا عن ~~الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من السلف؛ وإنما كان ms9860 النزاع بينهم في بني ~~تغلب خاصة؛ ولكن من أصحاب أحمد من جعل فيهم روايتين كبني تغلب. والحل مذهب ~~الجمهور كأبي حنيفة ومالك وما أعلم للقول الآخر قدوة من السلف. ثم هؤلاء ~~المذكورون من أصحاب أحمد قالوا من كان أحد أبويه غير كتابي بل مجوسيا لم ~~تحل ذبيحته ومناكحة نسائه. وهذا مذهب الشافعي فيما إذا كان الأب مجوسيا. ~~وأما الأم فله فيها قولان فإن كان الأبوان مجوسيين حرمت ذبيحته عند الشافعي ~~ومن وافقه من أصحاب أحمد وحكي ذلك عن مالك. وغالب ظني أن هذا غلط على مالك؛ ~~فإني لم أجده في كتب أصحابه وهذا تفريع على الرواية المخرجة عن أحمد في ~~سائر اليهود والنصارى من العرب. وهذا مبني على إحدى الروايتين عنه في نصارى ~~بني تغلب وهو الرواية التي اختارها هؤلاء. فأما إذا جعل الروايتين في بني ~~تغلب دون غيرهم من العرب أو قيل إن النزاع عام وفرعنا على القول بحل ذبائح ~~بني تغلب ونسائهم كما هو قول الأكثرين: فإنه على هذه الرواية لا عبرة ~~بالنسب؛ بل لو كان الأبوان جميعا مجوسيين أو وثنيين والولد من أهل الكتاب ~~فحكمه حكم أهل الكتاب على هذا القول بلا ريب كما صرح بذلك الفقهاء من أصحاب ~~أحمد وأبي حنيفة وغيرهم. # PageV35P221 # ومن ظن من أصحاب أحمد وغيرهم أن تحريم نكاح من أبواه مجوسيان أو أحدهما ~~مجوسي قول واحد في مذهبه فهو مخطئ خطأ لا ريب فيه لأنه لم يعرف أصل النزاع ~~في هذه المسألة؛ ولهذا كان من هؤلاء من يتناقض فيجوز أن يقر بالجزية من دخل ~~في دينهم بعد النسخ والتبديل ويقول مع هذا بتحريم نكاح نصراني العرب مطلقا ~~ومن كان أحد أبويه غير كتابي كما فعل ذلك طائفة من أصحاب أحمد. وهذا تناقض. ~~والقاضي أبو يعلى وإن كان قد قال هذا القول هو وطائفة من أتباعه فقد رجع عن ~~هذا القول في " الجامع الكبير " وهو آخر كتبه فذكر فيمن انتقل إلى دين أهل ~~الكتاب من عبدة الأوثان: كالروم وقبائل من العرب وهم تنوخ؛ وبهراء ms9861 ومن بني ~~تغلب هل تجوز مناكحتهم؛ وأكل ذبائحهم؟ وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا بأس ~~بنكاح نصارى بني تغلب وأن الرواية الأخرى مخرجة على الروايتين عنه في ~~ذبائحهم؛ واختار أن المنتقل إلى دينهم حكمه حكمهم سواء كان انتقاله بعد ~~مجيء شريعتنا أو قبلها وسواء انتقل إلى دين المبدلين أو دين لم يبدل ويجوز ~~مناكحته وأكل ذبيحته. وإذا كان هذا فيمن أبواه مشركان من العرب والروم فمن ~~كان أحد أبويه مشركا فهو أولى بذلك. هذا هو المنصوص عن أحمد فإنه قد نص على ~~أنه من دخل في دينهم بعد النسخ والتبديل كمن دخل في دينهم في هذا الزمان ~~فإنه يقر بالجزية. قال أصحابه: وإذ أقررناه بالجزية حلت ذبائحهم ونساؤهم ~~وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما. # PageV35P222 # وأصل النزاع في هذه المسألة ما ذكرته من نزاع علي وغيره من الصحابة في ~~بني تغلب والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه (1) والجمهور أحلوها وهي ~~الرواية الأخرى عن أحمد. ثم الذين كرهوا ذبائح بني تغلب تنازعوا في مأخذ ~~علي. فظن بعضهم أن عليا إنما حرم ذبائحهم ونساءهم لكونه لم يعلم أن آباءهم ~~دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل. وبنوا على هذا أن الاعتبار في ~~أهل الكتاب بالنسب لا بنفس الرجل وأن من شككنا في أجداده هل كانوا من أهل ~~الكتاب أم لا؟ أخذنا بالاحتياط فحقنا دمه بالجزية احتياطا وحرمنا ذبيحته ~~ونساءه احتياطا. وهذا مأخذ الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد. وقال آخرون: ~~بل علي لم يكره ذبائح بني تغلب إلا لكونهم ما تدينوا بدين أهل الكتاب في ~~واجباته ومحظوراته؛ بل أخذوا منه حل المحرمات فقط؛ ولهذا قال: إنهم لم ~~يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب الخمر. وهذا المأخذ من قول علي هو ~~المنصوص عن أحمد وغيره وهو الصواب. " وبالجملة " فالقول بأن أهل الكتاب ~~المذكورين في القرآن هم من كان دخل جده في ذلك قبل النسخ والتبديل قول ~~ضعيف. والقول بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أراد ذلك قول ضعيف؛ بل ms9862 ~~الصواب المقطوع به أن كون PageV35P223 # الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبة وكل من تدين بدين ~~أهل الكتاب فهو منهم سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل وسواء ~~كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي ~~حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع ~~معروف. وهذا القول هو الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم ولا أعلم بين ~~الصحابة في ذلك نزاعا وقد ذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم واحتج بذلك في هذه ~~المسألة على من لا يقر الرجل في دينهم بعد النسخ والتبديل كمن هو في زماننا ~~إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب فإنه تؤكل ذبيحته وتنكح نساؤه. وهذا يبين خطأ ~~من يناقض منهم. وأصحاب هذا القول الذي هو قول الجمهور يقولون من دخل هو أو ~~أبواه أو جده في دينهم بعد النسخ والتبديل أقر بالجزية سواء دخل في زماننا ~~هذا أو قبله. وأصحاب القول الآخر يقولون: متى علمنا أنه لم يدخل إلا بعد ~~النسخ والتبديل لم تقبل منه الجزية؛ كما يقوله بعض أصحاب أحمد مع أصحاب ~~الشافعي. والصواب قول الجمهور؛ والدليل عليه وجوه: " أحدها " أنه قد ثبت ~~أنه كان من أولاد الأنصار جماعة تهودوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقليل كما قال ابن عباس. إن المرأة كانت مقلاتا - والمقلات التي لا يعيش ~~لها ولد. كثيرة القلت والقلت الموت والهلاك كما يقال: امرأة مذكار وميناث ~~إذا كانت كثيرة الولادة # PageV35P224 # للذكور والإناث والسما (1) الكثيرة الموت. قال ابن عباس - فكانت المرأة ~~تنذر إن عاش لها ولدان تجعل أحدهما يهوديا لكون اليهود كانوا أهل علم وكتاب ~~والعرب كانوا أهل شرك وأوثان؛ فلما بعث الله محمدا كان جماعة من أولاد ~~الأنصار تهودوا فطلب آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام فأنزل الله تعالى: {لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} الآية. فقد ثبت أن هؤلاء كان آباؤهم ~~موجودين تهودوا. ومعلوم أن هذا دخول بأنفسهم ms9863 في اليهودية قبل الإسلام وبعد ~~مبعث المسيح وهذا بعد النسخ والتبديل ومع هذا نهى الله عز وجل عن إكراه ~~هؤلاء الذين تهودوا بعد النسخ والتبديل على الإسلام وأقرهم بالجزية. وهذا ~~صريح في جواز عقد الذمة لمن دخل بنفسه في دين أهل الكتاب بعد النسخ ~~والتبديل. فعلم أن هذا القول هو الصواب دون الآخر. ومتى ثبت أنه يعقد له ~~الذمة ثبت أن العبرة بنفسه لا بنسبه وأنه تباح ذبيحته وطعامه باتفاق ~~المسلمين؛ فإن المانع لذلك لم يمنعه إلا بناء على أن هذا الصنف ليسوا من ~~أهل الكتاب فلا يدخلون فإذا ثبت بنص السنة أنهم من أهل الكتاب دخلوا في ~~الخطاب بلا نزاع. " الوجه الثاني " أن جماعة من اليهود الذين كانوا ~~بالمدينة وحولها كانوا عربا ودخلوا في دين اليهود؛ ومع هذا فلم يفصل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أكل طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة: بين من دخل ~~أبواه بعد مبعث عيسى عليه السلام ومن دخل قبل ذلك؛ ولا بين المشكوك في ~~نسبه؛ بل حكم PageV35P225 # في الجميع حكما واحدا عاما. فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة وجعل طائفة ~~لا تقر بالجزية وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم: ~~تفريق ليس له أصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وقد ~~علم بالنقل الصحيح المستفيض أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من العرب ~~وغيرهم من بني كنانة وحمير وغيرهما من العرب؛ ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن: " {إنك تأتي قوما أهل كتاب وأمره أن يأخذ من ~~كل حالم دينارا أو عدله معافريا} ولم يفرق بين من دخل أبوه قبل النسخ أو ~~بعده. وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى الذين كان فيهم عرب كثيرون أقرهم ~~بالجزية وكذلك سائر اليهود والنصارى من العرب لم يفرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا أحد من خلفائه وأصحابه بين بعضهم وبعض بل قبلوا منهم الجزية ~~وأباحوا ذبائحهم ونساءهم. وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف ms9864 ~~وصنف. ومن تدبر السيرة النبوية علم كل هذا بالضرورة وعلم أن التفريق قول ~~محدث لا أصل له في الشريعة. " الوجه الثالث " أن كون الرجل مسلما أو يهوديا ~~أو نصرانيا ونحو ذلك من أسماء الدين هو حكم يتعلق بنفسه؛ لاعتقاده وإرادته ~~وقوله وعمله؛ لا يلحقه هذا الاسم بمجرد اتصاف آبائه بذلك؛ لكن الصغير حكمه ~~في أحكام الدنيا حكم أبويه؛ لكونه لا يستقل بنفسه فإذا بلغ وتكلم بالإسلام ~~أو بالكفر كان حكمه معتبرا بنفسه باتفاق المسلمين فلو كان أبواه # PageV35P226 # يهودا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين باتفاق المسلمين؛ ولو كانوا مسلمين ~~فكفر كان كافرا باتفاق المسلمين؛ فإن كفر بردة لم يقر عليه لكونه مرتدا ~~لأجل آبائه. وكل حكم علق بأسماء الدين من إسلام وإيمان وكفر ونفاق وردة ~~وتهود وتنصر إنما يثبت لمن اتصف بالصفات الموجبة لذلك. وكون الرجل من ~~المشركين أو أهل الكتاب هو من هذا الباب؛ فمن كان بنفسه مشركا فحكمه حكم ~~أهل الشرك وإن كان أبواه غير مشركين ومن كان أبواه مشركين وهو مسلم فحكمه ~~حكم المسلمين لا حكم المشركين فكذلك إذا كان يهوديا أو نصرانيا وآباؤه ~~مشركين فحكمه حكم اليهود والنصارى. أما إذا تعلق عليه حكم المشركين مع كونه ~~من اليهود والنصارى لأجل كون آبائه قبل النسخ والتبديل كانوا مشركين فهذا ~~خلاف الأصول. " الوجه الرابع " أن يقال: قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب والمشركين} وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ~~فإن أسلموا فقد اهتدوا} وأمثال ذلك إنما هو خطاب لهؤلاء الموجودين وإخبار ~~عنهم. والمراد بالكتاب هو الكتاب الذي بأيديهم الذي جرى عليه من النسخ ~~والتبديل ما جرى ليس المراد به من كان متمسكا به قبل النسخ والتبديل فإن ~~أولئك لم يكونوا كفارا؛ ولا هم ممن خوطبوا بشرائع القرآن ولا قيل لهم في ~~القرآن: {يا أهل الكتاب} فإنهم قد ماتوا قبل نزول القرآن. وإذا كان كذلك ~~فكل من تدين بهذا الكتاب الموجود عند # PageV35P227 # أهل الكتاب فهو من أهل الكتاب وهم كفار تمسكوا بكتاب مبدل منسوخ؛ وهم ms9865 ~~مخلدون في نار جهنم كما يخلد سائر أنواع الكفار والله تعالى مع ذلك شرع ~~إقرارهم بالجزية وأحل طعامهم ونساءهم. " الوجه الخامس " أن يقال: هؤلاء ~~الذين كفروا من أهل الكتاب بالقرآن هم كفار وإن كان أجدادهم كانوا مؤمنين ~~وليس عذابهم في الآخرة بأخف من عذاب من كان أبوه من غير أهل الكتاب؛ بل ~~وجود النسب الفاضل هو إلى تغليظ كفرهم أقرب منه إلى تخفيف كفرهم. فمن كان ~~أبوه مسلما وارتد كان كفره أغلظ من كفر من أسلم هو ثم ارتد؛ ولهذا تنازع ~~الناس فيمن ولد على الفطرة إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام: هل تقبل توبته؟ ~~على قولين. هما روايتان عن أحمد. وإذا كان كذلك فمن كان أبوه من أهل الكتاب ~~قبل النسخ والتبديل ثم إنه لما بعث الله عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم ~~كفر بهما وبما جاءا به من عند الله واتبع الكتاب المبدل المنسوخ كان كفره ~~من أغلظ الكفر ولم يكن كفره أخف من كفر من دخل بنفسه في هذا الدين المبدل ~~ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند رسوله ولا ينفعه دين آبائه إذا ~~كان هو مخالفا لهم فإن آباءه كانوا إذ ذاك مسلمين؛ فإن دين الله هو الإسلام ~~في كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله في كل زمان فهو مسلم ومن كفر بشيء من ~~كتب الله ورسله فليس مسلما في أي زمان كان. # PageV35P228 # وإذا لم يكن لأولاد بني إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من الكفار ~~الذين ماثلوهم في اتباع الدين المبدل المنسوخ علم بذلك بطلان الفرق بين ~~الطائفتين وإكرام هؤلاء بإقرارهم بالجزية وحل ذبائحهم ونسائهم دون هؤلاء ~~وأنه [ثم] (1) فرق مخالف لأصول الإسلام وأنه لو كان الفرق بالعكس كان أولى ~~ولهذا يوبخ الله بني إسرائيل على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ما لا ~~يوبخه غيرهم من أهل الكتاب؛ لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة في ~~الدين والدنيا فكفروا نعمته وكذبوا رسله وبدلوا كتابه وغيروا دينه {ضربت ~~عليهم الذلة أين ms9866 ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من ~~الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} . فهم مع شرف آبائهم وحق دين ~~أجدادهم من أسوأ الكفار عند الله وهو أشد غضبا عليهم من غيرهم؛ لأن في ~~كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة والقسوة وكتمان العلم وتحريف الكتاب ~~وتبديل النص وغير ذلك ما ليس في كفر هؤلاء فكيف يجعل لهؤلاء الأرجاس ~~الأنجاس الذين هم من أبغض الخلق إلى الله مزية على إخوانهم الكفار مع أن ~~كفرهم إما مماثل لكفر إخوانهم الكفار وإما أغلظ منه؛ إذ لا يمكن أحدا أن ~~يقول: إن كفر الداخلين أغلظ من كفر هؤلاء مع تماثلهما في الدين بهذا الكتاب ~~الموجود. PageV35P229 # " الوجه السادس " أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام ~~الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل؛ فإن الله ~~تعالى قال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {لا ~~فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على ~~أسود إلا بالتقوى. الناس من آدم وآدم من تراب} ولهذا ليس في كتاب الله آية ~~واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه؛ وإنما يمدح بالإيمان ~~والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيح أنه قال: " {أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن الفخر ~~بالأحساب. والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم} . فجعل الفخر ~~بالأحساب من أمور الجاهلية فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون ~~أجداده لهم حسب شريف فكيف يكون لكافر من أهل الكتاب فخر على كافر من أهل ~~الكتاب بكون أجداده كانوا مؤمنين وإذا لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة ~~لأحد الفريقين على الآخرين في الدين لأجل النسب علم أنه لا فضل لمن كان من ~~اليهود ms9867 والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل ~~على من كان أبوه داخلا فيه بعد النسخ والتبديل. وإذا تماثل دينهما تماثل ~~حكمهما في الدين. # PageV35P230 # والشريعة إنما علقت بالنسب أحكاما مثل كون الخلافة من قريش وكون ذوي ~~القربى لهم الخمس وتحريم الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك؛ ~~لأن النسب الفاضل مظنة أن يكون أهله أفضل من غيرهم؛ كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " {الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم ~~في الإسلام إذا فقهوا} والمظنة تعلق الحكم بما إذا خفيت [الحقيقة] (*) أو ~~انتشرت. فأما إذا ظهر دين الرجل الذي به تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره ~~لم يتعلق بنسبه الأحكام الدينية ولهذا لم يكن لأبي لهب مزية على غيره لما ~~عرف كفره كان أحق بالذم من غيره؛ ولهذا جعل لمن يأتي بفاحشة من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضعفان من العذاب كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله ~~أجرين من الثواب. فذوو الأنساب الفاضلة إذا أساءوا كانت إساءتهم أغلظ من ~~إساءة غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم. فكفر من كفر من بني إسرائيل إن ~~لم يكن أشد من كفر غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم فلا أقل من المساواة ~~بينهم؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء إن من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف ~~عنه العقوبة في الدنيا أو في الآخرة؛ بل إما أن تكون عقوبتهم أشد عقوبة من ~~غيرهم في أشهر القولين؛ أو تكون عقوبتهم أغلظ في القول الآخر؛ لأن من أكرمه ~~بنعمته ورفع قدره إذا قابل حقوقه بالمعاصي وقابل نعمه بالكفر كان أحق ~~بالعقوبة ممن لم ينعم عليه كما أنعم عليه. PageV35P231 # " الوجه السابع " أن يقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا ~~الشام والعراق ومصر وخراسان وغيرهم كانوا يأكلون ذبائحهم؛ لا يميزون بين ~~طائفة وطائفة؛ ولم يعرف عن أحد من الصحابة الفرق بينهم بالأنساب؛ وإنما ~~تنازعوا في بني تغلب خاصة؛ لأمر يختص بهم كما أن عمر ضعف عليهم ms9868 الزكاة وجعل ~~جزيتهم مخالفة لجزية غيرهم ولم يلحق بهم سائر العرب وإنما ألحق بهم من كان ~~بمنزلتهم. " الوجه الثامن " أن يقال: هذا القول مستلزم ألا يحل لنا طعام ~~جمهور من أهل الكتاب؛ لأنا لا نعرف نسب كثير منهم ولا نعلم قبل أيام ~~الإسلام أن أجداده كانوا يهودا أو نصارى قبل النسخ والتبديل ومن المعلوم أن ~~حل ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع فإذا كان هذا القول ~~مستلزما رفع ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم أنه باطل. " الوجه التاسع ~~" أن يقال: ما زال المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم فمن أنكر ذلك ~~فقد خالف إجماع المسلمين. وهذه الوجوه كلها لبيان رجحان القول بالتحليل ~~وأنه مقتضى الدليل. فأما أن مثل هذه المسألة أو نحوها من مسائل الاجتهاد ~~يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل فهذا ~~خلاف إجماع المسلمين. # PageV35P232 # فقد تنازع المسلمون في جبن المجوس والمشركين فليس لمن رجح أحد القولين أن ~~ينكر على صاحب القول الآخر إلا بحجة شرعية. وكذلك تنازعوا في متروك التسمية ~~وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها غير الله وفي شحم الثرب والكليتين ~~وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم وتنازعوا في ~~ذبح الكتابي للضحايا ونحو ذلك من مسائل وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم ~~المشهورين فمن صار إلى قول مقلدا لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار إلى ~~القول الآخر مقلدا لقائله؛ لكن إن كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد ~~للحجج الشرعية إذا ظهرت. ولا يجوز لأحد أن يرجع قولا على قول بغير دليل ولا ~~يتعصب لقول على قول ولا قائل على قائل بغير حجة؛ بل من كان مقلدا لزم حكم ~~التقليد؛ فلم يرجح؛ ولم يزيف؛ ولم يصوب؛ ولم يخطئ: ومن كان عنده من العلم ~~والبيان ما يقوله سمع ذلك منه فقبل ما تبين أنه حق ورد ما تبين أنه باطل ~~ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين. والله تعالى قد ms9869 فاوت بين الناس في قوى ~~الأذهان كما فاوت بينهم في قوى الأبدان. وهذه المسألة ونحوها فيها من أغوار ~~الفقه وحقائقه ما لا يعرفه إلا من عرف أقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم ~~يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول العالم الآخر وحجته فإنه من العوام ~~المقلدين؛ لا من العلماء الذين يرجحون ويزيفون. والله تعالى يهدينا ~~وإخواننا لما يحبه ويرضاه: وبالله التوفيق. والله أعلم. # PageV35P233 # وقال - رحمه الله تعالى -: # وتجوز ذكاة المرأة والرجل وتذبح المرأة وإن كانت حائضا؛ فإن حيضتها ليست ~~في يدها. وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين وقد ذبحت امرأة شاة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها. # وسئل شيخ الإسلام - رحمه الله -: # عن الدابة كالجاموس وغيره في الماء فيذبح ويموت في الماء: هل يؤكل؟ # فأجاب: # إذا كان الجرح غير موح وغاب رأس الحيوان في الماء لم يحل أكله؛ فإنه ~~اشترك في حكمه الحاضر والمبيح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن ~~حاتم: " {إن خالط كلبك كلاب فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على ~~غيره} . وإن كان بدنه في الماء ورأسه خارج الماء لم يضر ذلك شيئا. وإن كان ~~الجرح موحيا ففيه نزاع معروف. # PageV35P234 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن دابة ذبحت فخرج منها دم كثير ولم تتحرك؟ # فأجاب: # إذا خرج منها الذي يخرج من الحي المذبوح في العادة هو دم الحي فإنه يحل ~~أكلها في أظهر قولي العلماء. والله تعالى أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " المنخنقة وأخواتها " إذا بلغت مبلغا لا تعيش بعده: هل تعمل فيها ~~الذكاة؟ وفي المتردية في البئر أو النهر إذا لم يقدر على تذكيتها؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة فيها نزاع معروف. وأظهر الأقوال أنها ~~إذا تحركت عند الذبح وجرى دمها أكلت؛ فهذا هو المنقول عن الصحابة وعليه يدل ~~الكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى قال: {والمنخنقة} - إلى قوله - {إلا ما ~~ذكيتم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم " {ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكل} . # PageV35P235 # وأما ما وقع ms9870 في بئر ونحوها ولم يوصل إلى مذبحه فتجرح حيث أمكن مثل الطعن ~~في فخذها كما يفعل بالصيد الممتنع وتباح بذلك عند جمهور العلماء؛ إلا أن ~~يكون أعان على موتها سبب آخر: مثل أن يكون رأسها غاطسا في الماء فتكون قد ~~ماتت بالجرح والغرق؛ فلا تباح حينئذ. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن " الغنم والبقر " ونحو ذلك إذا أصابه الموت وأتاه الإنسان هل يذكي ~~شيئا منه وهو متيقن حياته حين ذبحه وأن بعض الدواب لم يتحرك منه جارحة حين ~~ذكاته: فهل الحركة تدل على وجود الحياة وعدمها يدل على عدم الحياة أم لا؟ ~~فإن غالب الناس يتحقق حياة الدابة عند ذبحها وإراقة دمها ولم تتحرك فيقول: ~~إنها ميتة فيرميها؟ وهل الدم الأحمر الرقيق الجاري حين الذبح يدل على أن ~~فيها حياة مستقرة والدم الأسود الجامد القليل دم الموت أم لا؟ وما أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " {ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوا} ؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية # PageV35P236 # والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} . وقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} ~~عائد إلى ما تقدم: من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع: ~~عند عامة العلماء؛ كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم فما أصابه قبل ~~أن يموت أبيح. لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك. فمنهم من قال: ما تيقن ~~موته لا يذكى كقول مالك ورواية عن أحمد. ومنهم من يقول: ما يعيش معظم اليوم ~~ذكي. ومنهم من يقول: ما كانت فيه حياة مستقرة ذكي كما يقوله من يقوله من ~~أصحاب الشافعي وأحمد. ثم من هؤلاء من يقول: الحياة المستقرة ما يزيد على ~~حركة المذبوح. ومنهم من يقول: ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح. والصحيح: ~~أنه إذا كان حيا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح؛ فإن حركات ~~المذبوح لا تنضبط؛ بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته. وقد ms9871 قال صلى الله ~~عليه وسلم " {ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا} فمتى جرى الدم الذي ~~يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله. والناس يفرقون بين دم ما كان حيا ~~ودم ما كان ميتا؛ فإن الميت يجمد دمه ويسود؛ ولهذا حرم الله الميتة؛ ~~لاحتقان الرطوبات فيها؛ فإذا جرى منها الدم الذي يخرج من المذبوح الذي ذبح ~~وهو حي حل أكله؛ وإن تيقن # PageV35P237 # أنه يموت؛ فإن المقصود ذبح ما فيه حياة فهو حي وإن تيقن أنه يموت بعد ~~ساعة. فعمر بن الخطاب رضي الله عنه تيقن أنه يموت وكان حيا جازت وصيته ~~وصلاته وعهوده. وقد أفتى غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم بأنها إذا مصعت ~~بذنبها أو طرفت بعينها أو ركضت برجلها بعد الذبح؛ حلت؛ ولم يشرطوا أن تكون ~~حركتها قبل ذلك أكثر من حركة المذبوح. وهذا قاله الصحابة لأن الحركة دليل ~~على الحياة والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة؛ ~~بل قد تكون حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك. والإنسان قد يكون نائما فيذبح ~~وهو نائم ولا يضطرب وكذلك المغمى عليه يذبح ولا يضطرب وكذلك الدابة قد تكون ~~حية فتذبح ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية؛ ولكن خروج الدم الذي ~~لا يخرج إلا من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة. والله أعلم. # PageV35P238 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # و " التسمية على الذبيحة " مشروعة؛ لكن قيل: هي مستحبة كقول الشافعي. ~~وقيل: واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور عنه. وقيل: تجب مطلقا؛ فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدا أو ~~سهوا كالرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره وهو قول غير واحد ~~من السلف. وهذا أظهر الأقوال؛ فإن الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله ~~في غير موضع كقوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} وقوله ~~{فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} {وما لكم ألا ms9872 تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} وفي الصحيحين أنه قال: " {ما أنهر ~~الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا} وفي الصحيح أنه قال لعدي: " {إذا أرسلت ~~كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل وإن خالط كلبك كلاب آخر فلا تأكل؛ ~~فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره} . # PageV35P239 # وثبت في الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: " {لكم كل عظم ~~ذكر اسم الله عليه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علفا لدوابكم} قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " {فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن} فهو صلى ~~الله عليه وسلم لم يبح للجن المؤمنين إلا ما ذكر اسم الله عليه؛ فكيف ~~بالإنس؛ ولكن إذا وجد الإنسان لحما قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ويذكر ~~اسم الله عليه؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح {أن ~~قوما قالوا يا رسول الله إن ناسا حديثي عهد بالإسلام يأتون باللحم ولا ندري ~~أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا} # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن " الذبيحة " التي يتيقن أنه ما سمي عليها: هل يجوز أكلها؟ وهل تنجس ~~الأواني؟ # فأجاب: # الحمد لله، " التسمية " عليها واجبة بالكتاب والسنة وهو قول جمهور ~~العلماء؛ لكن إذا لم يعلم الإنسان هل سمى الذابح أم لم يسم أكل منها وإن ~~تيقن أنه لم يسم لم يأكل وكذلك الأضحية. # PageV35P240 ### | باب الأيمان والنذور # قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # " القاعدة الخامسة " في " الأيمان والنذور " قال الله تعالى: {يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} وقال تعالى: {ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع ~~عليم} وقال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم والله غفور حليم} {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن ms9873 ~~فاءوا فإن الله غفور رحيم} {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله ~~الذي أنتم به مؤمنون} {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة # PageV35P241 # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم} . وفيها " قواعد عظيمة " لكن تحتاج إلى تقديم مقدمات نافعة جدا في ~~هذا الباب وغيره. " المقدمة الأولى " أن اليمين تشتمل على جملتين: جملة ~~مقسم بها وجملة مقسم عليها. ومسائل الأيمان إما في حكم المحلوف به وإما في ~~حكم المحلوف عليه. فأما المحلوف به فالأيمان التي يحلف بها المسلمون مما قد ~~يلزم بها حكم " ستة أنواع " ليس لها سابع: " أحدها " اليمين بالله وما في ~~معناها مما فيه التزام كفر على تقدير الخبر كقوله هو يهودي أو نصراني إن ~~فعل كذا. على ما فيه من الخلاف بين الفقهاء. " الثاني " اليمين بالنذر الذي ~~يسمى " نذر اللجاج والغضب " كقوله علي الحج لا أفعل كذا أو إن فعلت كذا ~~فعلي الحج أو مالي صدقة إن فعلت كذا ونحو ذلك. " الثالث " اليمين بالطلاق. ~~" الرابع " اليمين بالعتاق. " الخامس " اليمين بالحرام كقوله علي الحرام لا ~~أفعل كذا. " السادس " الظهار؛ كقوله: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فهذا ~~مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم. # PageV35P242 # فأما " الحلف بالمخلوقات " كالحلف بالكعبة أو قبر الشيخ أو بنعمة السلطان ~~أو بالسيف أو بجاه أحد من المخلوقين: فما أعلم بين العلماء خلافا أن هذه ~~اليمين مكروهة منهي عنها وأن الحلف بها لا يوجب حنثا ولا كفارة. وهل الحلف ~~بها محرم أو مكروه كراهة تنزيه؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره: أصحهما أنه ~~محرم. ولهذا قال أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره: إنه إذا قال: أيمان ~~المسلمين تلزمني إن فعلت كذا لزمه ms9874 ما يفعله في اليمين بالله والنذر والطلاق ~~والعتاق والظهار ولم يذكروا الحرام؛ لأن يمين الحرام ظهار عند أحمد وأصحابه ~~فلما كان موجبها واحدا عندهم دخل الحرام في الظهار؛ ولم يدخل النذر في ~~اليمين بالله وإن جاز أن يكفر يمينه بالنذر؛ لأن موجب الحلف بالنذر المسمى ~~" بنذر اللجاج والغضب " عند الحنث هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور ~~وموجب الحلف بالله هو التكفير فقط. فلما اختلف موجبهما جعلوهما يمينين. نعم ~~إذا قالوا بالرواية الأخرى عن أحمد وهو أن الحلف بالنذر موجبه الكفارة فقط ~~دخلت اليمين بالنذر في اليمين بالله تعالى. أما اختلافهم واختلاف غيرهم من ~~العلماء في أن مثل هذا الكلام. هل تنعقد به اليمين؟ أو لا تنعقد؟ فسأذكره ~~إن شاء الله تعالى وإنما غرضي هنا حصر الأيمان التي يحلف بها المسلمون. ~~وأما ### | أيمان البيعة # فقالوا: أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفي وكانت السنة أن الناس ~~يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV35P243 # يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوها. وإما أن يذكروا ~~الشروط التي يبايعون عليها؛ ثم يقولون: بايعناك على ذلك كما بايعت الأنصار ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة. فلما أحدث الحجاج ما أحدث من العسف ~~كان من جملته أن حلف الناس على بيعهم لعبد الملك بن مروان بالطلاق والعتاق ~~واليمين بالله وصدقة المال. فهذه الأيمان الأربعة هي كانت أيمان البيعة ~~القديمة المبتدعة ثم أحدث المستخلفون عن الأمراء من الخلفاء والملوك وغيرهم ~~أيمانا كثيرة أكثر من تلك وقد تختلف فيها عاداتهم؛ ومن أحدث ذلك فعليه إثم ~~ما ترتب على هذه الأيمان من الشر. # " المقدمة الثانية " أن هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة ~~بصيغة الجزاء؛ لا يتصور أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين. " فالأول " ~~كقوله والله لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني أن أفعل كذا أو علي الحرام لا ~~أفعل كذا؛ أو علي الحج لا أفعل. " والثاني " كقوله إن فعلت كذا فأنا يهودي ~~أو نصراني أو بريء من الإسلام. أو إن فعلت ms9875 كذا فامرأتي طالق أو إن فعلت كذا ~~فامرأتي حرام أو فهي علي كظهر أمي أو إن فعلت كذا فعلي الحج أو فمالي صدقة. ~~ولهذا عقد الفقهاء لمسائل الأيمان بابين أحدهما " باب تعليق الطلاق بالشروط ~~" فيذكرون فيه الحلف بصيغة الجزاء: كإن ومتى وإذا وما أشبه # PageV35P244 # ذلك وإن دخل فيه صيغة القسم ضمنا وتبعا. والباب الثاني " باب جامع ~~الأيمان " مما يشترك فيه الحلف بالله والطلاق والعتاق وغير ذلك؛ فيذكرون ~~فيه الحلف بصيغة القسم وإن دخلت صيغة الجزاء ضمنا وتبعا. ومسائل أحد ~~البابين مختلطة بمسائل الباب الآخر لاتفاقهما في المعنى كثيرا أو غالبا. ~~وكذلك طائفة من الفقهاء كأبي الخطاب وغيره - لما ذكروا في كتاب الطلاق " ~~باب تعليق الطلاق بالشروط " أردفوه " بباب جامع الأيمان " وطائفة أخرى ~~كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما إنما ذكروا " باب جامع الأيمان " في " ~~كتاب الأيمان " لأنه أمس. ونظير هذا " باب حد القذف " منهم من يذكره عند " ~~باب اللعان " لاتصال أحدهما بالآخر. ومنهم من يؤخره إلى " كتاب الحدود " ~~لأنه به أخص. وإذا تبين أن لليمين " صيغتين " صيغة القسم وصيغة الجزاء. ~~فالمقدم في صيغة القسم مؤخر في صيغة الجزاء والمؤخر في صيغة الجزاء مقدم في ~~صيغة القسم. والشرط المثبت في صيغة الجزاء منفي في صيغة القسم فإنه إذا ~~قال: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل فالطلاق مقدم ~~مثبت؛ والفعل مؤخر منفي: فلو حلف بصيغة الجزاء فقال: إن فعلت كذا فامرأتي ~~طالق كان يقدم الفعل مثبتا ويؤخر الطلاق منفيا كما أنه في القسم قدم الحكم ~~وأخر الفعل. وبهذه القاعدة تنحل مسائل من مسائل الأيمان. # PageV35P245 # فأما " صيغة الجزاء " فهي " جملة فعلية " في الأصل؛ فإن أدوات الشرط لا ~~يتصل بها في الأصل إلا الفعل. " وأما صيغة القسم " فتكون فعلية كقوله أحلف ~~بالله؛ أو تالله أو والله ونحو ذلك. وتكون " اسمية " كقوله لعمر الله ~~لأفعلن والحل علي حرام لأفعلن. ثم هذا التقسيم ليس من خصائص الأيمان التي ~~بين العبد وبين الله؛ بل غير ذلك من العقود التي تكون بين الآدميين. تارة ms9876 ~~تكون بصيغة التعليق الذي هو الشرط والجزاء كقوله في " الجعالة " من رد عبدي ~~الآبق فله كذا؛ وقوله في " السبق " من سبق فله كذا. وتارة بصيغة التنجيز: ~~إما " صيغة خبر " كقوله بعت وزوجت وإما " صيغة طلب " كقوله بعني واخلعني. # " المقدمة الثالثة " - وفيها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها - أن صيغة ~~التعليق التي تسمى " صيغة الشرط وصيغة المجازاة " تنقسم إلى " ستة أنواع " ~~لأن الحالف إما أن يكون مقصوده وجود الشرط فقط أو وجود الجزاء فقط أو ~~وجودهما؛ وإما أن لا يقصد وجود واحد منهما بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط أو ~~الجزاء فقط أو عدمهما. " فالأول " بمنزلة كثير من صور الخلع والكتابة ونذر ~~التبرر؛ والجعالة ونحوها فإن الرجل إذا قال لامرأته. إن أعطيتني ألفا فأنت ~~طالق أو فقد خلعتك. أو قال لعبده: إن أديت ألفا فأنت حر أو قال. إن رددت ~~عبدي الآبق فلك ألف أو قال: إن شفى الله مريضي أو # PageV35P246 # سلم مالي الغائب: فعلي عتق كذا؛ والصدقة بكذا: فالمعلق قد لا يكون مقصوده ~~إلا أخذ المال ورد العبد وسلامة العتق والمال وإنما التزم الجزاء على سبيل ~~العوض كالبائع الذي إنما مقصوده أخذ الثمن والتزم رد المبيع على سبيل ~~العوض. فهذا الضرب شبيه بالمعاوضة في البيع والإجارة. وكذلك إذا كان قد جعل ~~الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول: إذا ضربت أمي فأنت طالق أو إن خرجت من الدار ~~فأنت طالق فإنه في الخلع عاوضها بالتطليق عن المال لأنها تريد الطلاق وهنا ~~عوضها عن معصيتها بالطلاق. وأما " الثاني " فمثل أن يقول لامرأته: إذا طهرت ~~فأنت طالق أو يقول لعبده: إذا مت فأنت حر أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر أو ~~فمالي صدقة ونحو ذلك من التعليق الذي هو توقيت محض. فهذا الضرب بمنزلة ~~المنجز في أن كل واحد منهما قصد الطلاق والعتاق وإنما أخره إلى الوقت ~~المعين بمنزلة تأجيل الدين وبمنزلة من يؤخر الطلاق من وقت إلى وقت لغرض له ~~في التأخير؛ لا لعوض ولا لحث على طلب أو خبر؛ ولهذا قال ms9877 الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم: إذا حلف أنه لا يحلف مثل أن يقول: والله لا أحلف بطلاقك أو إن حلفت ~~بطلاقك فعبدي حر أو فأنت طالق. فإنه إذا قال: إن دخلت أو لم تدخلي ونحو ذلك ~~مما فيه معنى الحض أو المنع فهو حالف ولو كان تعليقا محضا كقوله: إذا طلعت ~~الشمس فأنت طالق أو إن طلعت الشمس فاختلفوا فيه فقال أصحاب الشافعي ليس ~~بحالف وقال أصحاب أبي حنيفة والقاضي في " الجامع ": هو حالف. # PageV35P247 # وأما " الثالث " وهو أن يكون مقصوده وجودهما جميعا فمثل الذي قد آذته ~~امرأته حتى أحب طلاقها واسترجاع الفدية منها فيقول: إن أبرأتيني من صداقك ~~أو من نفقتك فأنت طالق وهو يريد كلا منهما. وأما " الرابع " وهو أن يكون ~~مقصوده عدم الشرط لكنه إذا وجد لم يكره الجزاء؛ بل يحبه أو لا يحبه ولا ~~يكرهه فمثل أن يقول لامرأته إن زنيت فأنت طالق أو إن ضربت أمي فأنت طالق ~~ونحو ذلك من التعليق الذي يقصد فيه عدم الشرط؛ ويقصد وجود الجزاء عند وجوده ~~بحيث تكون إذا زنت أو إذا ضربت أمه يجب فراقها لأنها لا تصلح له فهذا فيه ~~معنى اليمين ومعنى التوقيت؛ فإنه منعها من الفعل وقصد إيقاع الطلاق عنده ~~كما قصد إيقاعه عند أخذ العوض منها أو عند طهرها أو طلوع الهلال. وأما " ~~الخامس " وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء وتعليقه بالشرط لئلا يوجد؛ وليس له ~~غرض في عدم الشرط: فهذا قليل كمن يقول إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا. وأما ~~" السادس " وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط والجزاء؛ وإنما تعلق الجزاء ~~بالشرط ليمتنع وجودهما فهو مثل نذر اللجاج والغضب. # PageV35P248 # ومثل الحلف بالطلاق والعتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب مثل أن يقال ~~له؛ تصدق. فيقول: إن تصدق فعليه صيام كذا وكذا أو فامرأته طالق أو فعبيده ~~أحرار. أو يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فعلي نذر كذا أو امرأتي طالق أو عبدي ~~حر. أو يحلف على فعل غيره ممن يقصد منعه - كعبده ونسيبه ms9878 وصديقه ممن يحضه ~~على طاعته - فيقول له: إن فعلت أو إن لم تفعل: فعلي كذا؛ أو فامرأتي طالق؛ ~~أو فعبدي حر ونحو ذلك: فهذا نذر اللجاج والغضب. وهذا وما أشبهه من الحلف ~~بالطلاق والعتاق يخالفه في المعنى " نذر التبرر والتقرب " وما أشبهه من " ~~الخلع " و " الكتابة "؛ فإن الذي يقول إن سلمني الله أو سلم مالي من كذا أو ~~إن أعطاني الله كذا؛ فعلي أن أتصدق؛ أو أصوم؛ أو أحج. قصده حصول الشرط الذي ~~هو الغنيمة أو السلامة؛ وقصد أن يشكر الله على ذلك بما نذره له؛ وكذلك ~~المخالع والمكاتب قصده حصول العوض وبذل الطلاق والعتاق عوضا عن ذلك وأما ~~النذر في اللجاج والغضب إذا قيل له: افعل كذا فامتنع من فعله ثم قال: إن ~~فعلته فعلي الحج أو الصيام. فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط؛ ثم إنه لقوة ~~امتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه؛ ليكون لزومها له إذا ~~فعل مانعا له من الفعل؛ وكذلك إذا قال: إن فعلته فامرأتي طالق؛ أو فعبيدي ~~أحرار؛ إنما مقصوده الامتناع والتزم بتقدير الفعل ما هو شديد عليه # PageV35P249 # من فراق أهله وذهاب ماله؛ ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق أو صدقة ~~ولا أن يفارق امرأته. ولهذا سمى العلماء هذا " نذر اللجاج؛ والغضب " مأخوذ ~~من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين " {لأن يلج أحدكم ~~بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي الكفارة التي فرض الله له} " ~~فصورة هذا النذر صورة نذر التبرر في اللفظ؛ ومعناه شديد المباينة لمعناه. ~~ومن هنا نشأت " الشبهة " التي سنذكرها في هذا الباب - إن شاء الله تعالى - ~~على طائفة من العلماء؛ ويتبين فقه الصحابة رضي الله عنهم الذين نظروا إلى ~~معاني الألفاظ لا إلى صورها. إذا ثبتت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق ~~فقد علمت أن بعضها معناه معنى اليمين بصيغة القسم؛ وبعضها ليس معناه ذلك. ~~فمتى كان الشرط المقصود حضا على فعل أو منعا منه أو تصديقا لخبر؛ أو ms9879 ~~تكذيبا: كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه؛ كنذر اللجاج؛ والحلف بالطلاق على ~~وجه اللجاج والغضب. " القاعدة الأولى " أن الحالف بالله سبحانه وتعالى قد ~~بين الله تعالى حكمه بالكتاب والسنة والإجماع فقال تعالى: {ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم} وقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وقال تعالى: {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين # PageV35P250 # من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تشكرون} وأما السنة ففي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة ~~{أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة؛ فإنك ~~إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا ~~حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك} " ~~فبين له النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأمانة الذي هو الإمارة وحكم العهد ~~الذي هو اليمين. وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن تشرع ~~الكفارة ولهذا قالت عائشة: كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل الله ~~كفارة اليمين وذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به كما يجب ~~بسائر العقود وأشد؛ لأن قوله: أحلف بالله أو أقسم بالله ونحو ذلك: في معنى ~~قوله أعقد بالله؛ ولهذا عدي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في الربط والعقد ~~فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة؛ ~~ولهذا سماه الله عقدا في قوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فإذا كان ~~قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله ~~من التحلة ولهذا سمي حلها حنثا. و " الحنث " هو الإثم في الأصل فالحنث فيها ~~سبب للإثم لولا الكفارة الماحية فإنما الكفارة منعته أن يوجب إثما. # PageV35P251 # ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضا في كفارة الظهار بعد ~~أن كان الظهار في الجاهلية ms9880 وأول الإسلام طلاقا وكذلك الإيلاء كان عندهم ~~طلاقا فإن هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإن الإيلاء إذا ~~وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرما وتحريم الوطء تحريما ~~مطلقا مستلزم لزوال الملك الذي هو الطلاق وكذلك الظهار إذا وجب التحريم ~~فالتحريم مستلزم لزوال الملك؛ فإن الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق؛ ولهذا ~~قال سبحانه: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ~~والله غفور رحيم} {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} " والتحلة " مصدر حللت ~~الشيء أحله تحليلا وتحلة كما يقال كرمته تكريما وتكرمة. وهذا مصدر يسمى به ~~المحلل نفسه الذي هو الكفارة فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم تحليل ~~اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد. ولهذا استدل من استدل من أصحابنا ~~وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأن التحلة ~~لا تكون بعد الحنث؛ فإنه بالحنث تنحل اليمين؛ وإنما تكون التحلة إذا أخرجت ~~قبل الحنث لتنحل اليمين وإنما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنها كفرت ما في الحنث ~~من سبب الإثم لنقض عهد الله. فإذا تبين أن ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء ~~بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما ~~رفعه عنها من الآصار التي نبه عليها بقوله: {ويضع عنهم إصرهم} . # PageV35P252 # فالأفعال " ثلاثة " إما طاعة وإما معصية وإما مباح. فإذا حلف ليفعلن ~~مباحا أو ليتركنه فهاهنا الكفارة مشروعة بالإجماع. وكذلك إذا كان المحلوف ~~عليه فعل مكروه أو ترك مستحب وهو المذكور في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} . وأما إن كان المحلوف ~~عليه فعل واجب أو ترك محرم فهاهنا لا يجوز الوفاء بالاتفاق؛ بل يجب التكفير ~~عند عامة العلماء. وأما قبل أن تشرع الكفارة فكان الحالف على مثل هذا لا ~~يحل له الوفاء بيمينه ولا كفارة له ترفع عنه مقتضى الحنث؛ بل يكون عاصيا ~~معصية لا كفارة فيها سواء وفى أو لم ms9881 يف كما لو نذر معصية عند من لم يجعل في ~~نذره كفارة؛ وكما إن كان المحلوف عليه فعل طاعة غير واجبة. # فصل: # فأما الحلف بالنذر الذي هو " نذر اللجاج والغضب " مثل أن يقول: إن فعلت ~~كذا فعلي الحج أو فمالي صدقة أو فعلي صيام. يريد بذلك أن يمنع نفسه عن ~~الفعل. أو أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلي الحج ونحوه: فمذهب أكثر أهل العلم ~~أنه يجزئه كفارة يمين من أهل مكة والمدينة والبصرة والكوفة وهو قول فقهاء ~~الحديث: كالشافعي وأحمد. وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم وهذا إحدى الروايتين عن ~~أبي حنيفة وهو الرواية المتأخرة عنه. # PageV35P253 # ثم اختلف هؤلاء فأكثرهم قالوا: هو مخير بين الوفاء بنذره وبين كفارة ~~يمين؛ وهذا قول الشافعي والمشهور عن أحمد. ومنهم من قال: بل عليه الكفارة ~~عينا كما يلزمه ذلك في اليمين بالله وهو الرواية الأخرى عن أحمد وقول بعض ~~أصحاب الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة في الرواية الأخرى وطائفة: بل يجب ~~الوفاء بهذا النذر وقد ذكروا أن الشافعي سئل عن هذه المسألة بمصر فأفتى ~~فيها بالكفارة فقال له السائل: يا أبا عبد الله هذا قولك؟ قال: قول من هو ~~خير مني عطاء بن أبي رباح. وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حنث ابنه في هذه ~~اليمين فأفتاه بكفارة يمين بقول الليث بن سعد وقال: إن عدت أفتيتك بقول ~~مالك وهو الوفاء به. ولهذا يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على النذر؛ ~~لعمومات الوفاء بالنذر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه} ولأنه حكم جائز معلق بشرط فوجب عند ثبوت شرطه كسائر الأحكام. ~~والقول الأول هو الصحيح. والدليل عليه - مع ما سنذكره إن شاء الله من دلالة ~~الكتاب والسنة - ما اعتمده الإمام أحمد وغيره قال أبو بكر الأثرم في " ~~مسائله " سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل قال: ما له في رتاج الكعبة؟ قال ~~كفارة يمين واحتج بحديث عائشة. قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يحلف ~~بالمشي إلى بيت الله ms9882 أو الصدقة بالملك ونحو ذلك من الأيمان؟ فقال: # PageV35P254 # إذا حنث فكفارة؛ إلا أني لا أحمله على الحنث ما لم يحنث قيل له تفعل. قيل ~~لأبي عبد الله: فإذا حنث كفر؟ قال: نعم. قيل له: أليس كفارة يمين؟ قال: ~~نعم. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفت بكذا ~~وكذا وكل مملوك لها حر فأفتيت بكفارة يمين فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس ~~حين أفتيا فيمن حلف بعتق جارية وأيمان فقال: أما الجارية فتعتق. وقال ~~الأثرم حدثنا الفضل بن دكين ثنا حسن عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة ~~قالت: من قال مالي في ميراث الكعبة وكل مالي فهو هدي وكل مالي في المساكين ~~فليكفر يمينه. وقال حدثنا عارم بن الفضل ثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي ~~حدثنا بكر بن عبد الله أخبرني أبو رافع قال قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: ~~كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية: إن لم تطلق ~~امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ~~ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت: ~~في البيت هاروت وماروت قالت: يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك ~~لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية ~~خلي بين الرجل وبين # PageV35P255 # امرأته فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت: يا أم ~~المؤمنين جعلني الله فداك: إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي ~~يهودية وهي نصرانية فقالت: يهودية ونصرانية خلي بين الرجل وبين امرأته قال ~~فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها فقام على الباب فسلم فقال: أمن حجارة ~~أنت؟ أم من حديد أنت أم من أي شيء أنت أفتتك زينب؛ وأفتتك أم المؤمنين: فلم ~~تقبلي فتياها قالت يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك ~~لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ms9883 وهي نصرانية. فقال: يهودية ونصرانية ~~كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وبين امرأته. وقال الأثرم حدثنا عبد الله بن ~~رجاء أنبأنا عمران عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى: أن امرأة سألت ابن عباس ~~أن امرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته فقال ابن عباس: في غضب أم في رضى؟ ~~قالوا: في غضب. قال: إن الله تبارك وتعالى لا يتقرب إليه بالغضب؛ لتكفر عن ~~يمينها. وقال: حدثني ابن الطباع ثنا أبو بكر بن عياش. عن العلاء بن المسيب ~~عن يعلى بن النعمان وعكرمة عن ابن عباس: سئل عن رجل جعل ماله في المساكين؟ ~~فقال: أمسك عليك مالك وأنفقه على عيالك. واقض به دينك وكفر عن يمينك # PageV35P256 # وروى الأثرم عن أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج سئل عطاء عن رجل قال ~~علي ألف بدنة؟ قال يمين. وعن رجل قال علي ألف حجة؟ قال يمين. وعن رجل قال: ~~مالي هدي؟ قال: يمين. وعن رجل قال: مالي في المساكين؟ قال: يمين. وقال ~~أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة: عن الحسن وجابر بن زيد في ~~الرجل يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة؟ قالا: ليس الإحرام إلا ~~على من نوى الحج يمين يكفرها. وقال أحمد: ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ~~ابن طاوس عن أبيه قال: يمين يكفرها. وقال حرب الكرماني حدثنا المسيب بن ~~واضح ثنا يوسف بن أبي السفر؛ عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح سألت ابن ~~عباس عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله الحرام؟ قال: إنما المشي على من ~~نواه فأما من حلف في الغضب فعليه كفارة يمين. وأيضا فإن الاعتبار في الكلام ~~بمعنى الكلام لا بلفظه؛ وهذا الحالف ليس مقصوده قربة لله وإنما مقصوده الحض ~~على فعل أو المنع منه وهذا معنى اليمين. فإن الحالف يقصد الحض على فعل أو ~~المنع منه ثم إذا علق ذلك الفعل بالله تعالى أجزأته الكفارة فلا تجزئه إذا ~~علق به وجوب عبادة أو تحريم مباح بطريق الأولى لأنه ms9884 إذا علقه بالله ثم حنث ~~كان موجب حنثه أنه قد هتك إيمانه بالله حيث لم يف بعهده وإذا علق به وجوب ~~فعل أو تحريمه فإنما يكون موجب حنثه ترك واجب أو فعل محرم ومعلوم أن الحنث ~~الذي # PageV35P257 # موجبه خلل في التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصي؛ فإذا كان الله قد ~~شرع الكفارة لإصلاح ما اقتضى الحنث في التوحيد فساده ونحو ذلك وجبره فلأن ~~يشرع لإصلاح ما اقتضى الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى. وأيضا فإنا نقول: ~~إن موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق. والنذر نوع من اليمين وكل نذر ~~فهو يمين فقول الناذر: لله علي أن أفعل. بمنزلة قوله: أحلف بالله لأفعلن؛ ~~موجب هذين القولين التزام الفعل معلقا بالله. والدليل على هذا قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {النذر حلف} فقوله إن فعلت كذا فعلي الحج لله. بمنزلة ~~قوله: إن فعلت كذا فوالله لأحجن. وطرد هذا أنه إذا حلف ليفعلن برا لزمه ~~فعله ولم يكن له أن يكفر فإن حلفه ليفعلنه نذر لفعله. وكذلك طرد هذا أنه ~~إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحا فقد حلف على فعلها بمنزلة ما لو قال: والله ~~لأفعلن كذا: ولو حلف بالله ليفعلن معصية أو مباحا لزمته كفارة يمين فكذلك ~~لو قال: آلله علي أن أفعل كذا. ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين ~~البابين. # فصل: # فأما اليمين " بالطلاق والعتاق " في اللجاج والغضب: مثل أن يقصد بها حضا ~~أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا: كقوله الطلاق يلزمني لأفعلن # PageV35P258 # كذا أو لا فعلت كذا وإن فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن لم أفعله فعبيدي ~~أحرار. فمن قال من الفقهاء المتقدمين: إن نذر اللجاج والغضب يجب فيه الوفاء ~~فإنه يقول هنا يقع الطلاق والعتاق أيضا. وأما الجمهور الذين قالوا في نذر ~~اللجاج والغضب تجزئه الكفارة فاختلفوا هنا - مع أنه لم يبلغني عن أحد من ~~الصحابة في الحلف بالطلاق كلام وإنما بلغنا الكلام فيه عن التابعين ومن ~~بعدهم؛ لأن اليمين به محدثة لم يكن يعرف ms9885 في عصرهم. ولكن بلغنا الكلام في ~~الحلف بالعتق كما سنذكره إن شاء الله. فاختلف التابعون ومن بعدهم - في ~~اليمين بالطلاق والعتاق فمنهم من فرق بينه وبين اليمين بالنذر؛ وقالوا: إنه ~~يقع الطلاق والعتاق بالحنث ولا تجزئه الكفارة؛ بخلاف اليمين بالنذر. هذا ~~رواية عوف عن الحسن؛ وهو قول الشافعي وأحمد في الصريح المنصوص عنه وإسحاق ~~بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم. فروى حرب الكرماني عن معتمر بن سليمان عن عوف ~~عن الحسن قال: كل يمين وإن عظمت ولو حلف بالحج والعمرة؛ وإن جعل ماله في ~~المساكين ما لم يكن طلاق امرأة في ملكه يوم حلف أو عتق غلام في ملكه يوم ~~حلف. فإنما هي يمين. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل ~~يقول لابنه إن كلمتك فامرأتي طالق وعبدي حر؟ فقال: لا يقوم هذا مقام ~~اليمين؛ ويلزمه ذلك في الغضب والرضا. وقال سليمان بن داود: يلزمه الحنث في ~~الطلاق والعتاق وبه قال أبو خيثمة قال # PageV35P259 # إسماعيل: وأخبرنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن ~~أمية عن عثمان بن أبي حازم أن امرأة حلفت بمالها في سبيل الله أو في ~~المساكين وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا فسألت ابن عمر وابن عباس؟ ~~فقالا: أما الجارية فتعتق وأما قولها في المال فإنها تزكي المال. قال أبو ~~إسحاق الجوزجاني: الطلاق والعتق لا يحلان في هذا محل الأيمان ولو كان ~~المجرى فيها مجرى الأيمان لوجب على الحالف بها إذا حنث كفارة وهذا مما لا ~~يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها. قلت: أخبر أبو إسحاق بما بلغه من العلم ~~في ذلك؛ فإن أكثر مفتيي الناس في ذلك الزمان من أهل المدينة وأهل العراق ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك كانوا لا يفتون في نذر اللجاج والغضب إلا بوجوب ~~الوفاء لا بالكفارة. وإن أكثر التابعين مذهبهم فيها الكفارة؛ حتى إن ~~الشافعي لما أفتى بمصر بالكفارة كان غريبا بين أصحابه المالكية وقال له ~~السائل: يا أبا عبد الله هذا قولك؟ فقال: قول ms9886 من هو خير مني عطاء بن أبي ~~رباح. فلما أفتى فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وسليمان بن ~~داود وابن أبي شيبة وعلي بن المديني ونحوهم في الحلف بالنذر بالكفارة؛ وفرق ~~من فرق بين ذلك وبين الطلاق والعتاق لما سنذكره صار الذي يعرف قول هؤلاء ~~وقول أولئك # PageV35P260 # لا يعلم خلافا في الطلاق والعتاق وإلا فسنذكر الخلاف إن شاء الله تعالى ~~عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقد اعتذر الإمام أحمد عما ذكرناه عن ~~الصحابة في كفارة العتق بعذرين " أحدهما " انفراد سليمان التيمي بذلك. " ~~والثاني " معارضته بما رواه عن ابن عمر وابن عباس أن العتق يقع من غير ~~تكفير. وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم ~~المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد قال المروذي: قال أبو عبد الله: إذا قال: ~~كل مملوك له حر. يعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة ~~وقال: وليس يقول كل مملوك لها حر في حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع ~~أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب وذكرت العتق فأمروها بكفارة إلا التيمي؛ ~~وغيره لم يذكروا العتق قال سألت أبا عبد الله عن حديث أبي رافع قصة امرأته ~~وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين قلت فيها المشي؟ قال نعم ~~أذهب إلى أن فيه كفارة يمين. وقال أبو عبد الله ليس يقول فيه كل مملوك إلا ~~التيمي. قلت: فإذا حلف بعتق مملوكه فحنث؟ قال: يعتق كذا يروى عن ابن عمر ~~وابن عباس أنهما قالا الجارية تعتق؛ ثم قال: ما سمعنا إلا من عبد الرزاق عن ~~معمر. قلت: فإيش إسناده؟ : قال: معمر عن إسماعيل؛ عن عثمان بن أبي حازم عن ~~ابن عمر وابن عباس وقال: إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وهما مكيان. # PageV35P261 # فقد فرق بين الحلف بالطلاق والعتق والحلف بالنذر بأنهما لا يكفران واتبع ~~ما بلغه في ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه عارض ما روي من الكفار عن ابن عمر ~~وحفصة وزينب مع انفراد التيمي ms9887 بهذه الزيادة. وقال صالح بن أحمد قال أبي: ~~وإذا قال: جاريتي حرة إن لم أصنع كذا وكذا؟ قال: قال ابن عمر وابن عباس: ~~يعتق. وإذا قال: كل مالي في المساكين لم يدخل فيه جاريته فيه كفارة فإن ذا ~~لا يشبهه ذا ألا ترى أن ابن عمر فرق بينهما العتق والطلاق لا يكفران. ~~وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إذا قال الرجل: مالي في المساكين أنه يتصدق به ~~على المساكين وإذا قال: مالي على فلان صدقة. وفرقوا بين قوله: إن فعلت كذا ~~فمالي صدقة أو فعلي الحج؛ وبين قوله: فامرأتي طالق؛ أو فعبدي حر: بأنه هناك ~~موجب القول وجوب الصدقة والحج لا وجود الصدقة والحج فإذا اقتضى الشرط وجوب ~~ذلك كانت الكفارة بدلا عن هذا الواجب كما يكون بدلا عن غيره من الواجبات ~~كما كانت في أول الإسلام بدلا عن الصوم الواجب وبقيت بدلا عن الصوم على ~~العاجز عنه وكما يكون بدلا عن الصوم الواجب في ذمة الميت؛ فإن الواجب إذا ~~كان في الذمة أمكن أن يخير بين أدائه وبين أداء غيره. وأما العتق والطلاق ~~فإن موجب الكلام وجودهما فإذا وجد الشرط وجد العتق والطلاق وإذا وقعا لم ~~يرتفعا بعد وقوعهما؛ لأنهما لا يقبلان الفسخ؛ بخلاف ما لو قال إن فعلت كذا ~~فلله علي أن أعتق؛ فإنه # PageV35P262 # هنا لم يعلق العتق؛ وإنما علق وجوبه بالشرط فيخير بين فعل هذا الإعتاق ~~الذي أوجبه على نفسه وبين الكفارة التي هي بدل عنه؛ ولهذا لو قال: إذا مت ~~فعبدي حر. عتق بموته من غير حاجة إلى الإعتاق؛ ولم يكن له فسخ هذا التدبير ~~عند الجمهور؛ إلا قولا للشافعي ورواية عن أحمد. وفي بيعه الخلاف المشهور. ~~ولو وصى بعتقه فقال: إذا مت فاعتقوه كان له الرجوع في ذلك كسائر الوصايا ~~وكان له بيعه هنا وإن لم يجز بيع المدبر. وذكر أبو عبد الله إبراهيم بن ~~محمد بن محمد بن عرفة في تاريخه: أن المهدي لما رأى ما أجمع عليه رأي أهل ~~بيته من العهد إلى ابنه عزم ms9888 على خلع عيسى ودعاهم إلى البيعة لموسى؛ فامتنع ~~عيسى من الخلع وزعم أن عليه أيمانا تخرجه من أملاكه وتطلق نساءه. فأحضر له ~~المهدي ابن علاثة ومسلم بن خالد وجماعة من الفقهاء فأفتوه بما يخرجه عن ~~يمينه واعتاض عما يلزمه في يمينه بمال كثير ذكره ولم يزل إلى أن خلع وبويع ~~للمهدي ولموسى الهادي بعده. وأما " أبو ثور " فقال في العتق المعلق على وجه ~~اليمين يجزئه كفارة يمين كنذر اللجاج والغضب؛ لأجل ما تقدم من حديث ليلى ~~بنت العجماء التي أفتاها عبد الله بن عمر وحفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل ~~مملوك لي محرر. وهذه القصة هي مما اعتمدها الفقهاء المستدلون في مسألة " ~~نذر # PageV35P263 # اللجاج والغضب " لكن توقف أحمد وأبو عبيد عن العتق فيها لما ذكرته من ~~الفرق. وعارض أحمد ذلك. وأما الطلاق فلم يبلغ أبا ثور فيه أثر فتوقف عنه مع ~~أن القياس عنده مساواته للعتق؛ لكن خاف أن يكون مخالفا للإجماع. و " الصواب ~~" أن الخلاف في الجميع - الطلاق وغيره - لما سنذكره ولو لم ينقل في الطلاق ~~نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق بكفارة يمين ~~من باب التنبيه على الحلف بالطلاق؛ فإنه إذا كان نذر العتق الذي هو قربة ~~لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة: فالحلف بالطلاق ليس بقربة إما أن ~~تجزئ فيه الكفارة أو لا يجب فيه شيء على قول من يقول نذر غير الطاعة لا شيء ~~فيه. ويكون قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقك كما ~~كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله: فعبيدي أحرار. بمنزلة قوله: فعلي ~~أن أعتقهم. على أني إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف ~~بالطلاق وذلك - والله أعلم - لأن الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم ~~وإنما ابتدعه الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فاختلف فيه التابعون ومن ~~بعدهم. " فأحد القولين " أنه يقع ms9889 به كما تقدم. و " القول الثاني " أنه لا ~~يلزم الوقوع. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه # PageV35P264 # كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا. قلت: أكان يراه يمينا؟ قال: لا أدري. ~~فقد أخبر ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يراه موقعا للطلاق وتوقف في كونه ~~يمينا يوجب الكفارة؛ لأنه من باب نذر ما لا قربة فيه. وفي كون مثل هذا ~~يمينا خلاف مشهور وهذا قول أهل الظاهر: كداود وأبي محمد بن حزم؛ لكن بناء ~~على أنه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق. واختلفوا في المؤجل وهو بناء على ~~ما تقدم من أن العقود لا يصح منها إلا ما دل نص أو إجماع على وجوبه أو ~~جوازه وهو مبني على " ثلاث مقدمات " يخالفون فيها. " أحدها " كون الأصل ~~تحريم العقود. " الثاني " أنه لا يباح ما كان في معنى النصوص. " الثالث " ~~أن الطلاق المؤجل والمعلق لم يندرج في عموم النصوص. وأما المأخذ المتقدم من ~~كون هذا كنذر اللجاج والغضب فهذا قياس قول الذين جوزوا التكفير في نذر ~~اللجاج والغضب وفرقوا بين نذر التبرر ونذر الغضب فإن هذا الفرق يوجب الفرق ~~بين المعلق الذي يقصد وقوعه عند الشرط وبين المعلق المحلوف به الذي يقصد ~~عدم وقوعه؛ إلا أن يصح الفرق المذكور بين كون المعلق هو الوجود أو الوجوب. ~~وسنتكلم عليه. وقد ذكرنا أن هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع قد ~~ذكرناها وكذلك هو أيضا لازم لمن قال في نذر اللجاج والغضب بكفارة # PageV35P265 # كما هو ظاهر مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة التي اختارها ~~أكثر متأخري أصحابه وإحدى الروايتين عن ابن القاسم التي اختارها كثير من ~~متأخري المالكية؛ فإن التسوية بين الحلف بالنذر والحلف بالعتق هو المتوجه؛ ~~ولهذا كان هذا من أقوى حجج القائلين بوجوب الوفاء في الحلف بالنذر؛ فإنهم ~~قاسوه على الحلف بالطلاق والعتاق واعتقده بعض المالكية مجمعا عليه. وأيضا ~~فإذا حلف بصيغة القسم كقوله عبيدي أحرار لأفعلن أو نسائي طوالق لأفعلن: فهو ~~بمنزلة قوله: ms9890 مالي صدقة لأفعلن وعلي الحج لأفعلن. والذي يوضح التسوية أن ~~الشافعي إنما اعتمد في الطلاق المعلق على فدية الخلع قاله في البويطي وهو " ~~كتاب مصري " من أجود كلامه وذلك أن الفقهاء يسمون الطلاق المعلق بسبب طلاقا ~~بصفة ويسمون ذلك الشرط صفة. ويقولون: إذا وجدت الصفة في زمان البينونة وإذا ~~لم توجد الصفة ونحو ذلك. وهذه التسمية لها وجهان. " أحدهما " أن هذا الطلاق ~~موصوف بصفة؛ ليس طلاقا مجردا عن صفة؛ فإنه إذا قال: أنت طالق في أول السنة ~~أو إذا طهرت. فقد وصف الطلاق بالزمان الخاص؛ فإن الظرف صفة للمظروف وكذلك ~~إذا قال: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق. فقد وصفه بعوضه. # PageV35P266 # و " الثاني " أن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر ونحوها حروف الصفات. فلما ~~كان هذا معلقا بالحروف التي قد تسمى " حروف الصفات " سمي طلاقا بصفة كما لو ~~قال: أنت طالق بألف. و " الوجه الأول " هو الأصل؛ فإن هذا يعود إليه؛ إذ ~~النحاة إنما سموا حروف الجر حروف الصفات لأن الجار والمجرور يصير في المعنى ~~صفة لما تعلق به فإذا كان الشافعي وغيره إنما اعتمدوا في الطلاق الموصوف ~~على طلاق الفدية وقاسوا كل طلاق بصفة عليه صار هذا. . . (1) # كما أن ### | النذر المعلق بشرط # مذكور في قوله تعالى. {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين} ومعلوم أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة؛ فقد فرقوا ~~بين النذر المقصود شرطه وبين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج اليمين ~~فلذلك يفرق بين الطلاق المقصود وصفه كالخلع حيث المقصود فيه العوض والطلاق ~~المحلوف به الذي يقصد عدمه وعدم شرطه؛ فإنه إنما يقاس بما في الكتاب والسنة ~~ما أشبهه ومعلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة المحلوف عليها ~~التي يقصد عدمها كما فرق بينهما في النذر سواء. والدليل على هذا القول: ~~الكتاب والسنة والأثر والاعتبار. PageV35P267 # أما " الكتاب " فقوله سبحانه: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ms9891 والله ~~مولاكم وهو العليم الحكيم} فوجه الدلالة أن الله قال: {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض ~~لها تحلة وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى فلو ~~فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفا للآية كيف وهذا عام لم تخص منه ~~صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي؛ فإن ~~اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما ~~فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في ~~غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب. # فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن رحمه أو ليمنعن الواجب ~~عليه من أداء أمانة ونحوها: فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ~~ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه؛ ثم إن وفى بيمينه كان ~~عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه وإن ~~طلق امرأته ففي الطلاق أيضا من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه. أما ~~الدين فإنه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين: # PageV35P268 # إما كراهة تنزيه أو كراهة تحريم فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما ~~من الأولاد والعشرة ما يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم وكذلك ضرر ~~الدنيا كما يشهد به الواقع؛ بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه ~~وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق وقد قرن الله فراق الوطن ~~بقتل النفس؛ ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء: ~~إنها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج صارت محصرة ~~وجاز لها التحلل؛ لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو ~~أو القريب منه وهذا ظاهر فيما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي ms9892 أن أطلقك أو أعتق ~~عبيدي؛ فإن هذا في نذر اللجاج والغضب بالاتفاق كما لو قال: والله لأطلقنك ~~أو لأعتقن عبيدي؛ وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده ~~المفرقون. وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وأيضا فإن الله قال: {لم تحرم ~~ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} وذلك يقتضي أنه ما من ~~تحريم لما أحل الله إلا والله غفور لفاعله رحيم به وأنه لا علة تقتضي ثبوت ~~ذلك التحريم لأن قوله (لم) لأي شيء. استفهام في معنى النفي والإنكار ~~والتقدير لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم فلو كان الحالف ~~بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له لكان هنا سبب ~~يقتضي تحريم الحلال ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل. # PageV35P269 # وأيضا قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم} إلى قوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} والحجة ~~منها كالحجة من الأولى وأقوى؛ فإنه قال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~وهذا عام لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها؛ ثم بين وجه المخرج من ذلك ~~بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته} أي فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا عام؛ ثم قال: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} وهذا عام كعموم قوله: {واحفظوا أيمانكم} . ومما يوضح " ~~عمومه " أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله صلى الله عليه وسلم {من ~~حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك} فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق ~~والعتاق والنذر والحلف بالله. وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز ~~الطلاق موافقة لابن عباس لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف؛ وإنما الحلف المنعقد ~~ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه: إما بصيغة القسم وإما بصيغة الجزاء وما ~~كان في معنى ذلك؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وهذه الدلالة تنبيه على ~~أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة " نذر اللجاج والغضب ms9893 " فإنهم ~~احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا قوله: {تحلة أيمانكم} {كفارة ~~أيمانكم} عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر ~~اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء. # PageV35P270 # فإن قيل: المراد في الآية اليمين بالله فقط فإن هذا هو المفهوم من مطلق ~~اليمين ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله {عقدتم ~~الأيمان} {تحلة أيمانكم} منصرفا إلى اليمين المعهودة عندهم وهي اليمين ~~بالله وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عندهم. والحلف بالطلاق ونحوه لم ~~يكن معروفا عندهم ولو كان اللفظ عاما فقد علمنا أنه لم يدخل فيه اليمين ~~التي ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه؛ ~~لأنه ليس من اليمين المشروعة؛ لقوله: {من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~فليصمت} وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث. ~~فيقال: لفظ " اليمين " شمل هذا كله بدليل استعمال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله كقوله صلى الله عليه وسلم " النذر ~~حلف " وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق: كفر يمينك. وكذلك فهمه الصحابة ~~من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سنذكره. ولإدخال العلماء لذلك في ~~قوله صلى الله عليه وسلم {من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ~~ترك} ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال: {لم تحرم ما أحل الله لك} ثم ~~قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} فاقتضى هذا أن نفس تحريم الحلال يمين ~~كما استدل به ابن عباس وغيره. وسبب نزول الآية: إما تحريمه العسل وإما ~~تحريمه مارية # PageV35P271 # القبطية. وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية؛ وليس يمينا ~~بالله؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد ~~الله بن عباس وغيرهم - أن تحريم الحلال يمين مكفرة: إما " كفارة كبرى " ~~كالظهار وإما " كفارة صغرى " كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ~~ونحوه يمينا. " وأيضا " فإن قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} إما أن ms9894 يراد ~~به: لم تحرم بلفظ الحرام؟ وإما: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ ~~وإما: لم تحرمه مطلقا؟ فإن أريد الأول والثالث فقد ثبت أن تحريمه بغير ~~الحلف بالله يمين فيعم. وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله ~~الحلف بالله تحريما للحلال ومعلوم أن اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية؛ ~~لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا لا ~~شرعيا فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم ~~قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} وحينئذ فقوله: {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال لأن هذا حكم ذلك الفعل فلا بد ~~أن يطابق صوره؛ لأن تحريم الحلال هو سبب قوله: {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما لئلا يكون جوابا عن ~~البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم وهذا التقدير في قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} إلى قوله: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} . # PageV35P272 # وأيضا فإن الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على ~~اليمين بالله وغيرها. وأيضا فنقول: على الرأس. سلمنا أن اليمين المذكورة في ~~الآية المراد بها اليمين بالله تعالى وأن ما سوى اليمين بالله تعالى لا ~~يلزم بها حكم فمعلوم أن الحلف بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله ~~تعالى أو لعمر الله أو: والقرآن العظيم فإنه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ~~ونحوها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ ولأن الحلف بصفاته ~~كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أعوذ بوجهك} {وأعوذ بكلمات الله التامات} {وأعوذ برضاك ~~من سخطك} ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء. وإذا كان كذلك فالحلف ~~بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله؛ فإنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي ~~الحج. فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج ms9895 عليه حكم من أحكام الله تعالى ~~وهو من صفاته. وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا قال: فامرأتي طالق ~~وعبدي حر. فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله ~~كما أن الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: {ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا} فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته؛ ~~لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإن ~~قوله: علي الحج والصوم. عقد # PageV35P273 # لله؛ ولكن إذا كان حالفا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ~~ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله كما أنه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده ~~لله. " يوضح ذلك " أنه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنما ~~حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به لأنه يعظمه في قلبه إذا ربط به ~~شيئا لم يحله؛ فإذا حل ما ربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه وقطع السبب ~~الذي بينه وبينه. وكما قال بعضهم: اليمين العقد على نفسه لحق من له حق ~~ولهذا. إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال ~~تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم} وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في عد الكبائر؛ وذلك أنه إذا ~~تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدا به فقد نقص الصلة التي بينه وبين ربه ~~بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله؛ بخلاف ما إذا حلف ~~على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه التعظيم لله؛ لكن ~~الله أباح له حل هذا العقد الذي عقده؛ كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة ~~أو يزيل عنه وجوبها. ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي. أو ~~نصراني إن لم يفعل ms9896 ذلك. فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلن؛ لأنه ربط عدم # PageV35P274 # الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله ~~وهذا هو حقيقة الحلف بالله. فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم ~~أدنى حالا من ربطه بالله. " يوضح ذلك " أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد ~~لها بإيمانه بالله وهو ما في قلبه من جلال الله وإكرامه الذي هو جد الله ~~ومثله الأعلى في السموات والأرض كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح لله ~~وذاكر له بقدر ما في قلبه من معرفته وعبادته؛ ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم ~~الله كما في قوله {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} مع قوله: {اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا} فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة به فهو ~~مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته ~~علما وفضلا وإجلالا وإكراما وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه ~~قلبه من ذلك كما قال سبحانه: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} وكما في موضع آخر: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان} . فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالأيمان وارتباطه ~~به دون قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث بغير أيمانه تزول حقيقته كما قال ~~{لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} وكما أنه إذا حلف على ذلك يمينا # PageV35P275 # فاجرة كانت من الكبائر وإذا اشترى بها مالا معصوما فلا خلاق له في الآخرة ~~ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم؛ لكن الشارع علم أن ~~الحالف بها ليفعلن أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق ~~به لغرض الحالف باليمين الغموس فشرع له الكفارة وحل هذا العقد وأسقطها عن ~~لغو اليمين لأنه لم يعقد قلبه شيئا من الجناية على إيمانه فلا حاجة إلى ~~الكفارة. وإذا ظهر أن موجب لفظ اليمين انعقاد الفعل بهذا اليمين الذي هو ~~إيمانه بالله فإذا عدم الفعل كان مقتضى ms9897 لفظه عدم إيمانه. هذا لولا ما شرع ~~الله من الكفارة كما أن مقتضى قوله: إن فعلت كذا أوجب علي كذا. أنه عند ~~الفعل يجب ذلك الفعل لولا ما شرع الله من الكفارة. " يوضح ذلك " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال} أخرجاه في ~~الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا ~~كالغموس في قوله: والله ما فعلت كذا؛ إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من ~~الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على ~~المستقبل. وطرد هذا المعنى أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق ~~أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي ~~العلماء. وبهذا يحصل الجواب عن قولهم: المراد به اليمين المشروعة. # PageV35P276 # و " أيضا " قوله سبحانه وتعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} فإن السلف مجمعون أو كالمجمعين ~~على أن معناها أنكم لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس؛ بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا أو ~~ليفعلن مكروها أو حراما ونحوه فإذا قيل له: افعل ذلك أو لا تفعل هذا. قال: ~~قد حلفت بالله: فيجعل الله عرضة ليمينه. فإذا كان قد نهى عباده أن يجعلوا ~~نفسه مانعا لهم في الحلف من البر والتقوى. والحلف بهذه الأيمان إن كان ~~داخلا في عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعا من باب التنبيه بالأعلى على ~~الأدنى فإنه إذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي فغيره ~~أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا وإذا تبين أننا منهيون عن أن ~~نجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس فمعلوم ~~أن ذلك إنما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به فإذا ~~حلف الرجل بالنذر أو ms9898 بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح فهو ~~بين أمرين: إن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ~~ويصلح بين الناس وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور؛ فقد ~~يكون خروج أهله منه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه فإن أقام ~~على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى فصارت ~~عرضة ليمينه أن يبر ويتقي فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة. # PageV35P277 # وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة: ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم ~~له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه} ورواه البخاري أيضا ~~من حديث عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {من استلج في أهله ~~بيمين فهو أعظم إثما} فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللجاج باليمين في ~~أهل الحالف أعظم من التكفير. " واللجاج " التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل ~~لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا " نذر اللجاج والغضب " ~~فإنه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان. ~~وأيضا {فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت ~~على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك} أخرجاه في ~~الصحيحين وفي رواية في الصحيحين {فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير} وروى مسلم ~~في صحيحه عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير} وفي رواية ~~{فليأت الذي هو خير. وليكفر عن يمينه} وهذا نكرة # PageV35P278 # في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف؛ فإذا رأى غير ms9899 ~~اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركا ~~لخير فيرى فعله خيرا من تركه أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله فقد ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. وقوله ~~هنا " على يمين " هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمي ~~الأمر المحلوف عليه يمينا كما يسمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع ~~بيعا ونحو ذلك وكذلك أخرجاه في الصحيحين {عن أبي موسى الأشعري في قصته وقصة ~~أصحابه؛ لما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه فقال: والله ما ~~أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ثم قال: إني والله إن شاء الله لا أحلف على ~~يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها} وفي رواية في ~~الصحيحين {إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير} وروى مسلم في صحيحه عن عدي ~~بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا حلف أحدكم على اليمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير} وفي رواية لمسلم أيضا ~~{من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير} وقد ~~رويت هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير # PageV35P279 # هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي. فهذه نصوص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المتواترة أنه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو ~~النذر ونحوه. وروى النسائي عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته} وهذا ~~صريح بأنه قصد تعميم كل يمين في الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف ~~بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا ~~يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم عن عمرو ms9900 بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أن ~~أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت ~~تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن ~~مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا ~~يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك} فهذا ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج ~~والغضب بأن يكفر يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور واحتج بما سمعه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في ~~قطيعة الرحم وفيما لا يملك} ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية ~~أو قطيعة فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنما عليه الكفارة؛ كما أفتاه ~~عمر. ولولا أن هذا النذر # PageV35P280 # كان عنده يمينا لم يقل له كفر عن يمينك. وإنما قال صلى الله عليه وسلم ~~{لا يمين ولا نذر} لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما قصد به ~~التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة. وفي هذا الحديث دلالة أخرى ~~وهو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يمين ولا نذر في معصية الرب ولا ~~في قطيعة رحم} يعم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا سواء كانت اليمين بالله أو ~~كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي أو كانت ~~بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق. ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم ~~إما أن يكون نهيه عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط أو يكون مقصوده ~~مع ذلك لا يلزمه ما في اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم وهذا الثاني هو ~~الظاهر؛ لاستدلال عمر بن الخطاب به؛ فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم ~~يصح استدلال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما أجاب به السائل من ms9901 الكفارة ~~دون إخراج المال في كسوة الكعبة؛ ولأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم يعم ~~ذلك كله. وأيضا فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين ~~والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما روى ابن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فقال إن شاء الله ~~فلا حنث عليه} رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن # PageV35P281 # وأبو داود ولفظه حدثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان؛ عن أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من حلف على يمين فقال إن شاء ~~الله فقد استثنى} ورواه أيضا من طريق عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك ~~غير حنث} وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حلف فقال ~~إن شاء الله لم يحنث} رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ولفظه " فله ثنياه " ~~والنسائي وقال: " فقد استثنى " ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر ~~وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث وقالوا: ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة؛ بل ~~كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه وإنما الخلاف ~~فيما إذا كان بصيغة الجزاء. وإنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع ~~الطلاق والعتاق والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر. وسنذكر إن شاء الله ~~" قاعدة الاستثناء " فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله: {من ~~حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه} فكذلك يدخل في قوله {من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه} فإن كلا ~~اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم {من حلف ~~على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه} العموم فيه مثله في قوله: # PageV35P282 # {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ms9902 منها فليأت الذي خير وليكفر عن يمينه} ~~وإذا كان لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الاستثناء هو لفظه في ~~حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير وكل ما ~~ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء كما نص عليه أحمد في غير موضع. ومن ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بقوله: {من حلف على يمين فقال إن ~~شاء الله فلا حنث عليه} جميع الأيمان التي يحلف بها من اليمين بالله ~~وبالنذر وبالطلاق وبالعتاق وبقوله: {من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها} ~~إنما قصد به اليمين بالله أو اليمين بالله والنذر. فقوله ضعيف فإن حضور ~~موجب أحد اللفظين بقلب النبي صلى الله عليه وسلم مثل حضور موجب اللفظ الآخر ~~إذ كلاهما لفظ واحد؛ والحكم فيهما من جنس واحد وهو رفع اليمين. إما ~~بالاستثناء وإما بالتكفير. # وبعد هذا فاعلم أن الأمة انقسمت في دخول الطلاق والعتاق في حديث ~~الاستثناء على " ثلاثة أقسام ". " فقوم " قالوا: يدخل في ذلك الطلاق ~~والعتاق أنفسهما؛ حتى لو قال أنت طالق إن شاء الله وأنت حر إن شاء الله: ~~دخل ذلك في عموم الحديث وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما. # PageV35P283 # وقوم قالوا [لا] (1) يدخل في ذلك الطلاق والعتاق؛ لا إيقاعهما ولا الحلف ~~بهما بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم وهذا أشهر القولين في مذهب مالك وإحدى ~~الروايتين عن أحمد. و " القول الثالث " أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل في ~~ذلك؛ بل يدخل فيه الحلف بالطلاق والعتاق وهذه الرواية الثانية عن أحمد. ومن ~~أصحابه من قال: إن كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث ونفعته المشيئة ~~رواية واحدة؛ وإن كان بصيغة الجزاء ففيه روايتان و " هذا القول الثالث " هو ~~الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور ~~التابعين: كسعيد بن المسيب والحسن؛ لم يجعلوا في الطلاق استثناء ولم يجعلوه ~~من الأيمان؛ ثم قد ذكرنا عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف ~~بالصدقة والهدي والعتاق ونحو ms9903 ذلك يمينا مكفرة وهذا معنى قول أحمد في غير ~~موضع: الاستثناء في الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان قال أيضا: الثنيا في ~~الطلاق لا أقول به؛ وذلك أن الطلاق والعتاق حرفان واقعان. وقال أيضا: إنما ~~يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة والطلاق والعتاق لا يكفران. وهذا الذي ~~قاله ظاهر وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يمينا أصلا وإنما هو بمنزلة ~~العفو عن القصاص والإبراء من الدين ولهذا لو قال: " والله لا أحلف على يمين ~~ثم إنه أعتق عبدا له أو طلق امرأته أو أبرأ PageV35P284 # غريمه من دم أو مال أو عرض؛ فإنه لا يحنث؛ ما علمت أحدا خالف في ذلك. فمن ~~أدخل إيقاع الطلاق والعتاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على ~~يمين فقال إن شاء الله لم يحنث} فقد حمل العام ما لا يحتمله كما أن من أخرج ~~من هذا العام قوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعله إن شاء الله أو ~~إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله. فقد أخرج من القول العام ما هو داخل ~~فيه فإن هذا يمين بالطلاق والعتاق. وهنا ينبغي تقليد أحمد بقوله: الطلاق ~~والعتاق ليسا من الأيمان؛ فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما. ~~وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا؛ ولهذا لو قال: والله لا أحلف على ~~يمين أبدا. ثم قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق. حنث. وقد تقدم أن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سموه يمينا وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا وكذلك ~~عامة المسلمين سموه يمينا ومعنى اليمين موجود فيه فإنه إذا قال: أحلف بالله ~~لأفعلن إن شاء الله. فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه ~~والمعنى إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله فإذا لم يفعل لم يكن قد ~~شاءه؛ فلا يكون ملتزما له. فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد - أي الحالف - ~~إن شاء الله أن أكون حالفا كان معنى هذا مغايرا الاستثناء في الإنشاءات ~~كالطلاق، # PageV35P285 # وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ms9904 ذلك. وكذلك قوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا ~~إن شاء الله. تعود المشيئة عند الإطلاق إلى الفعل فالمعنى لأفعلنه إن شاء ~~الله فعله فمتى لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ملتزما للطلاق؛ ~~بخلاف ما لو عنى بالطلاق يلزمني إن شاء الله لزومه إياه فإن هذا بمنزلة ~~قوله أنت طالق إن شاء الله. وقول أحمد: إنما يكون الاستثناء فيما فيه حكم ~~الكفارة والطلاق والعتاق لا يكفران. كلام حسن بليغ؛ لما تقدم من أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خرج حكم الاستثناء وحكم الكفارة مخرجا واحدا بصيغة ~~الجزاء وبصيغة واحدة فلا يفرق بين ما جمعه النبي صلى الله عليه وسلم بل إن ~~الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ~~ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها فإنها واجبة بوجوب ~~أسبابها فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله وإنما تعلق على المشيئة ~~الحوادث التي قد يشاؤها الله وقد لا يشاؤها من أفعال العباد ونحوها ~~والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في اليمين التي قد يحصل فيها ~~الموافقة بالبر تارة والمخالفة بالحنث أخرى. ووجوب الكفارة بالحنث في ~~اليمين التي تحتمل الموافقة والمخالفة كارتفاع اليمين بالمشيئة التي تحتمل ~~التعليق وعدم التعليق: فكل من حلف على شيء ليفعلنه فلم يفعله فإنه إن علقه ~~بالمشيئة فلا حنث عليه وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته الكفارة فالاستثناء ~~والتكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيها الموافقة # PageV35P286 # فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص فهذا على ما ~~أوجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره: ~~الطلاق والعتاق لا يكفران. كقوله وقول غيره: لا استثناء فيهما وهذا في ~~إيقاع الطلاق والعتاق. وأما الحلف بهما فليس تكفيرا لهما؛ وإنما هو تكفير ~~للحلف بهما كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك ~~في نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ~~وإنما يكفر الحلف ms9905 بهم وإلا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا ~~كفارة فيها لمن يقدر عليها وكما أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق. ~~فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج ~~والغضب؛ وليس ذلك تكفيرا للعتق وإنما هو تكفير للحلف به. فلازم قول أحمد ~~هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كان الحلف بهما تصح فيه ~~الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمناه. وأما من ~~لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب ~~مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه وسنتكلم ~~إن شاء الله في " مسألة الاستثناء " على حدة. # PageV35P287 # وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه ~~لأنه لا استثناء فيه لزم من هذا القول أن الاستثناء في الحلف بهما. وأما من ~~فرق من أصحاب أحمد فقال: يصح في الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة. ~~فهذا الفرق لم أعلمه منصوصا عليه عن أحمد؛ ولكنهم معذورون فيه من قوله حيث ~~لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين كما نص في الاستثناء في الحلف ~~بهما على روايتين؛ لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ~~ينصرونها. ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو ~~تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه ~~ويعتقد أنها غير لوازم. والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم ~~لوازم قوله وقياسه. فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات ~~أو نص على نفيه. وإذا نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص ~~فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه في تلك ~~المسألة مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة ~~بعلة ms9906 ينقضها في موضع آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه ~~في الاستثناء روايتان. فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات ~~هل يسمى ذلك مذهبا؟ أو لا يسمى؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور. # PageV35P288 # فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهبا له والخلال وصاحبه وغيرهما لا ~~يجعلونه مذهبا له. والتحقيق أن هذا قياس قوله ولازم قوله؛ فليس بمنزلة ~~المذهب المنصوص عنه؛ ولا أيضا بمنزلة ما ليس بلازم قوله؛ بل هو منزلة بين ~~منزلتين. هذا حيث أمكن أن لا يلازمه. وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له ~~أو آمرا به أو ملزما له إذا أوقعه صاحبه وكذلك العتق وكذلك النذر. وهذه ~~العقود من النذور والطلاق والعتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد أو تحريم ~~أشياء عليه. والوجوب والتحريم إنما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه؛ فإنه ~~لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق ولو تكلم بهذه ~~الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا وعند الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار ~~الصحابة لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه؛ لم يقصد حكمها؛ ولا قصد ~~التكلم بها ابتداء. فكذلك الحالف إذا قال: إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو ~~الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق ولا تكلم بما يوجبه ابتداء؛ وإنما قصده ~~الحض على ذلك الفعل. أو منع نفسه منه كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه؛ ~~ثم قال على طريق المبالغة في الحض والمنع: إن فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا ~~علي حرام؛ لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما ~~جميعا لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه. وإذا لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه ~~وإنما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم. # PageV35P289 # و " أيضا " فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة لم يبلغني أنه كان ~~يحلف بها على عهد قدماء الصحابة؛ ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي ~~رتبها الحجاج بن يوسف وهي تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال ms9907 والطلاق ~~والعتاق. ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق ~~وإنما الذي بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم. ثم هذه " البدعة " ~~قد شاعت في الأمة وانتشرت انتشارا عظيما؛ ثم لما اعتقد من اعتقد أن الطلاق ~~يقع بها لا محالة: صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على الأمة ما هو شبيه ~~بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل ونشأ عن ذلك " خمسة أنواع من الحيل ~~والمفاسد " في الأيمان حتى اتخذوا آيات الله هزوا وذلك أنهم يحلفون بالطلاق ~~على ترك أمور لا بد لهم من فعلها إما شرعا وإما طبعا وعلى فعل أمور يصلح ~~فعلها إما شرعا وإما طبعا وغالب ما يحلفون بذلك في حال اللجاج والغضب. ثم ~~فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما يزيد على كثير من أغلال ~~اليهود وقد قيل إن الله إنما حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره لئلا ~~يسارع الناس إلى الطلاق؛ لما فيه من المفسدة. فإذا حلفوا بالطلاق على ~~الأمور اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى فعل تلك الأمور أو تركها مع ~~عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم " أربعة أنواع من الحيل " أخذت عن ~~الكوفيين وغيرهم. # PageV35P290 # " الحيلة الأولى " في المحلوف عليه فيتأول لهم خلاف ما قصدوه وخلاف ما ~~يدل عليه الكلام في عرف الناس وعاداتهم. وهذا هو الذي وصفه بعض المتكلمين ~~في الفقه ويسمونه " باب المعاياة " و " باب الحيل في الأيمان " وأكثره مما ~~يعلم بالاضطرار من الدين أنه لا يسوغ في الدين ولا يجوز حمل كلام الحالف ~~عليه؛ ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره يشددون النكير على من يحتال في هذه ~~الأيمان. " الحيلة الثانية " إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه ~~احتالوا للفعل المحلوف عليه؛ بأن يأمروه بمخالعة امرأته ليفعل المحلوف عليه ~~في زمن البينونة وهذه الحيلة أحدث من التي قبلها وأظنها حدثت في حدود ~~المائة الثالثة؛ فإن عامة الحيل إنما نشأت عن بعض أهل الكوفة وحيلة الخلع ~~لا تمشي على أصلهم؛ لأنهم يقولون: إذا فعل المحلوف عليه ms9908 في العدة وقع به ~~الطلاق لأن المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم فيحتاج المحتال بهذه ~~الحيلة أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه بعد انقضائها وهذا ~~فيه ضرر عليه من جهة طول المدة. فصار يفتي بها بعض أصحاب الشافعي. وربما ~~ركبوا معها أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من: أن الخلع فسخ؛ ~~وليس بطلاق. فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل المحلوف عليه ثم ~~تزوجها؛ فإما أن يفتوه بنقص عدد الطلاق؛ أو يفتوه بعدمه وهذا الخلع الذي هو ~~" خلع الأيمان " شبيه بنكاح المحلل سواء؛ فإن ذلك # PageV35P291 # عقد عقدا لم يقصده وإنما قصد إزالته وهذا فسخ فسخا لم يقصده وإنما قصد ~~إزالته وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله ابن بطة جزءا في إبطالها ~~وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في غير هذا الموضع. " ~~الحيلة الثالثة " إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه احتالوا في المحلوف به ~~فيبطلونه بالبحث عن شروطه. فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي يبحثون ~~عن صفة عقد النكاح لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدا؛ ليرتبوا على ذلك أن ~~الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع ومذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى ~~روايتيه أن الولي الفاسق لا يصح نكاحه والفسوق غالب على كثير من الناس ~~فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق حتى رأيت من صنف في ~~هذه المسألة مصنفا مقصوده به الاحتيال لرفع الطلاق. ثم تجد هؤلاء الذين ~~يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون في صفة عقد النكاح وكون ولاية الفاسق لا ~~تصح عند إيقاع الطلاق الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم إلى أنه يقع ~~في الفاسد في الجملة وأما عند الوطء والاستمتاع الذي أجمع المسلمون على أنه ~~لا يباح في النكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك ولا ينظرون في ذلك أيضا عند ~~الميراث وغيره من أحكام النكاح الصحيح؛ بل عند وقوع الطلاق خاصة. وهذا نوع ~~من اتخاذ آيات ms9909 الله هزوا ومن المكر في آيات الله؛ إنما أوجبه الحلف بالطلاق ~~والضرورة إلى عدم وقوعه. # PageV35P292 # " الحيلة الرابعة " الشرعية في إفساد المحلوف به أيضا؛ لكن لوجود مانع؛ ~~لا لفوات شرط؛ فإن أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا أنه إذا قال ~~لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي وإذا طلقتك فأنت طالق قبل ثلاثا فإنه لا يقع ~~عليها بعد ذلك طلاق أبدا؛ لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق وإذا وقع ~~المعلق امتنع وقوع المنجز فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع وأما عامة ~~فقهاء الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك؛ بل رأوه من الزلات التي يعلم ~~بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام؛ حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن ~~عبد الله صلى الله عليه وسلم أن الطلاق أمر مشروع في كل نكاح وأنه ما من ~~نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق: وسبب الغلط أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام ~~فقالوا: إذا وقع المنجز وقع المعلق. وهذا الكلام ليس بصحيح فإنه مستلزم ~~وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع في الشريعة. فالكلام ~~المشتمل على ذلك باطل؛ وإذا كان باطلا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ ~~لأنه إنما يلزم إذا كان التعليق صحيحا. ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام ~~الثلاث؟ أم يبطل التعليق ولا يقع إلا المنجز؟ على قولين في مذهب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما. وما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على رفع ~~الطلاق؟ أم قاله طردا لقياس اعتقد صحته واحتال بها من بعده؟ لكني رأيت # PageV35P293 # مصنفا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة ومقصوده ~~بها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق. ولهذا صاغوها بقوله: إذا وقع عليك طلاقي ~~فأنت طالق قبله ثلاثا. لأنه لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا لم ~~تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان كلاهما في الدور سواء. وذلك لأن الرجل ~~إذا قال لامرأته إذا طلقتك فعبدي حر أو فأنت طالق: لم يحنث إلا بتطليق ~~ينجزه بعد هذه اليمين؛ أو يعلقه بعدها ms9910 على شرط فيوجد. فإن كل واحد من ~~التنجيز والتعليق الذي وجد شرطه تطليق. أما إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه ~~اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع ~~الطلاق به تطليقا؛ لأن التطليق لا بد أن يصدر عن المطلق ووقوع الطلاق بصفة ~~يفعلها غيره ليس فعلا منه. فأما إذا قال: إذا وقع عليك طلاقي. فهذا يعم ~~المنجز والمعلق بعد هذا بشرط والواقع بعد هذا بشرط تقدم تعليقه. فصوروا ~~المسألة بصورة قوله: إذا وقع عليك طلاقي. حتى إذا حلف الرجل بالطلاق لا ~~يفعل شيئا قالوا له: قل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا. فيقول ~~ذلك فيقولون له: افعل الآن ما حلفت عليه؛ فإنه لا يقع عليك طلاق فهذا " ~~التسريج " المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينا أنه ليس من الشريعة ~~التي بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم إنما نفقه في الغالب وأحوج ~~كثيرا من الناس إلا الحلف بالطلاق وإلا فلولا ذلك لم يدخل فيه أحد؛ لأن ~~العاقل لا يكاد يقصد انسداد باب الطلاق عليه إلا نادرا. # PageV35P294 # " الحيلة الخامسة " إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال لا في المحلوف عليه ~~قولا ولا فعلا ولا في المحلوف به إبطالا ولا منعا: احتالوا لإعادة النكاح " ~~بنكاح المحلل " الذي دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد ~~الأصول على تحريمه وفساده ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد ما لا يعلمه ~~إلا الله كما قد نبهنا على بعضه في " كتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل ~~" وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق؛ وإلا فالطلاق ~~الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلا إذا قصده ومن قصده لم يترتب عليه ~~من الندم والفساد ما يترتب على من اضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث. فهذه " ~~المفاسد الخمس " التي هي الاحتيال على نقض الأيمان وإخراجها من مفهومها ~~ومقصودها ثم الاحتيال بالخلع وإعادة النكاح ثم الاحتيال بالبحث عن فساد ~~النكاح ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق ثم الاحتيال ms9911 بنكاح المحلل: في هذه ~~الأمور من المكر والخداع والاستهزاء بآيات الله واللعب الذي ينفر العقلاء ~~عن دين الإسلام ويوجب طعن الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها ~~وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات ~~التي تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان. # PageV35P295 # وأكثر ما أوقع الناس فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها واستخراجهم لها ~~هو حلف الناس بالطلاق واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة؛ حتى لقد فرع ~~الكوفيون وغيرهم من فروع الأيمان شيئا كثيرا مبناه على هذا الأصل وكثير من ~~الفروع الضعيفة التي يفرعها هؤلاء ونحوهم هي كما كان الشيخ أبو محمد ~~المقدسي رحمه الله يقول: مثالها مثال رجل بنى دارا حسنة على حجارة مغصوبة ~~فإذا نوزع في استحقاق تلك الحجارة التي هي الأساس فاستحقها غيره انهدم ~~بناؤه؛ فإن الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة وإلا لم يكن لها منفعة. ~~فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه المفاسد ~~العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار في هؤلاء شبه ~~من أهل الكتاب كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مع أن لزوم الطلاق عند ~~الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أفتى به أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا اتفق عليه التابعون لهم ~~بإحسان والعلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول الشريعة ولا حجة لمن قاله أكثر ~~من عادة مستمرة أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند ~~الأمة وهم ولله الحمد فوق ما يظن بهم؛ لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد ~~إلى الله وإلى الرسول وقد خالفهم من ليس دونهم؛ بل مثلهم أو فوقهم. فإنا قد ~~ذكرنا عن أعيان من الصحابة # PageV35P296 # كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ودينه وأخته حفصة أم المؤمنين ~~وزينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من أمثل فقيهات الصحابة ms9912 ~~الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق والطلاق أولى منه. وذكرنا عن طاوس وهو من ~~أفاضل علماء التابعين علما وفقها ودينا: أنه لم يكن يرى اليمين بالطلاق ~~موقعة له. # فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد وحاله ~~في الشريعة هذه الحال: كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا الفساد لم ~~يشرعه الله ولا رسوله كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق من يزدرعها ويستثمرها ~~ويبيع الخضر ونحوها. # وذلك أن الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه وليعقن أباه وليقتلن عدوه ~~المسلم المعصوم وليأتين الفاحشة وليشربن الخمر وليفرقن بين المرء وزوجه ~~ونحو ذلك من كبائر الإثم والفواحش فهو بين " ثلاثة أمور " إما أن يفعل هذا ~~المحلوف عليه: فهذا لا يقوله مسلم؛ لما فيه من ضرر الدنيا والآخرة مع أن ~~كثيرا من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك سببا لتخفيف ~~الأمر عليه وإقامة عذره. # PageV35P297 # وإما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما استخرجه قوم من المفتين: ففي ~~ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر في دينه والكيد له وضعف العقل ~~والدين والاعتداء لحدوده والانتهاك لمحارمه والإلحاد في آياته: ما لا خفاء ~~به؛ وإن كان في إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك فقد دخل من الغلط في ~~ذلك - وإن كان مغفورا لصاحبه المجتهد المتقي لله - ما فساده ظاهر لمن تأمل ~~حقيقة الدين. وإما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه؛ بل يطلق امرأته كما ~~يفعله من يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق. ففي ذلك من الفساد في الدين ~~والدنيا ما لا يأذن الله به ولا رسوله. أما " فساد الدين " فإن الطلاق منهي ~~عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~{إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات} وقال: {أيما امرأة سألت زوجها ~~الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة} وقد اختلف العلماء هل هو ~~محرم؟ أو مكروه؟ وفيه روايتان عن أحمد. وقد استحسنوا جواب أحمد - رضي الله ~~عنه - لما ms9913 سئل عمن حلف بالطلاق وحرم ليطأن امرأته وهي حائض. فقال: يطلقها ~~ولا يطؤها قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض. وهذا الاستحسان يتوجه على ~~أصلين: إما على قوله إن الطلاق ليس بحرام. وإما أن يكون تحريمه دون تحريم ~~الوطء. وإلا فإذا كان كلاهما حراما لم يخرج من حرام إلا إلى حرام. # PageV35P298 # وأما " ضرر الدنيا " فأبين من أن يوصف؛ فإن لزوم الطلاق والمحلوف به في ~~كثير من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة في مثل هذا قط فإن ~~المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة وهي متاعه الذي ~~قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم {الدنيا متاع وخير متاعها المرأة ~~المؤمنة إن نظرت إليها أعجبتك؛ وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في ~~نفسها ومالك} وهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {لما سأله ~~المهاجرون أي المال نتخذ؟ فقال: لسانا ذاكرا؛ وقلبا شاكرا أو امرأة صالحة ~~تعين أحدكم على إيمانه} رواه الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان ~~ويكون منها من المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه فيكون ألم ~~الفراق أشد عليها من الموت أحيانا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق ~~الأوطان؛ خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون ~~بالفراق ويفسد حالهم ثم يفضي ذلك إلى القطيعة بين أقاربها ووقوع الشر لما ~~زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله تعالى بها في قوله: {فجعله نسبا وصهرا} ~~ومعلوم أن هذا من الحرج الداخل في عموم قوله: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} ومن العسر المنفي بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} # " وأيضا " فإذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان: من صدقة أو ~~عتاقة وتعليم علم؛ وصلة رحم وجهاد في سبيل الله وإصلاح بين الناس # PageV35P299 # ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها؛ فإنه لما عليه من ~~الضرر العظيم في الطلاق أعظم ألا يفعل ذلك؛ بل ms9914 ولا يؤمر به شرعا؛ لأنه قد ~~يكون الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال. وهذه ~~المفسدة هي التي أزالها الله ورسوله بقوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم} وقوله صلى الله عليه وسلم {لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له ~~عند الله من أن يأتي الكفارة} . فإن قيل: فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه ~~الضرائر الثلاث فلا ينبغي له أن يحلف؟ قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله ~~الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلا بضرر عظيم؛ فإن الله لم يحمل علينا ~~إصرا كما حمله على الذين من قبلنا. فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في ~~حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ~~ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجا وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف ~~عليه فإنه لا يفعل ذلك إلا وهو مريد الطلاق: إما لكراهة المرأة أو غضب ~~عليها ونحو ذلك. وقد جعل الله الطلاق ثلاثة فإذا كان إنما يتكلم بالطلاق ~~باختياره وله ذلك ثلاث مرات: كان وقوع الضرر بمثل هذا نادرا؛ بخلاف الأول؛ ~~فإن مقصوده لم يكن الطلاق؛ إنما كان أن # PageV35P300 # يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى ~~فعله أو تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه. " وأيضا " فإن ~~الذي بعث الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم في " باب الأيمان " ~~تخفيفها بالكفارة؛ لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم. فإنهم كانوا في ~~الجاهلية يرون الظهار طلاقا واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس ~~بن الصامت من امرأته. " وأيضا " فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فإنه ليس ~~بينهما من الفرق إلا ما ذكرناه وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس ~~بإلغاء الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين؛ وذلك أن ~~الرجل إذا قال: إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي أو فعلي أن أطلق امرأتي ~~أو فعلي الحج أو فأنا ms9915 محرم بالحج أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة فإنه تجزئه ~~كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه؛ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: ~~فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق. أو فالطلاق لي لازم. ~~أو فامرأتي طالق. أو: فعبيدي أحرار؛ فإن قوله علي الطلاق لا أفعل كذا أو ~~الطلاق يلزمني لا أفعل كذا: فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا أو الحج ~~لي لازم لا أفعل كذا. وكلاهما يمينان محدثان ليستا مأثورتين عن العرب ولا ~~معروفتين عن الصحابة؛ وإنما # PageV35P301 # المتأخرون صاغوا من هذه المعاني أيمانا وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى ~~كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب تحلف بها؛ ~~لا فرق بين هذا وهذا إلا أن قوله: إن فعلت فمالي صدقة. يقتضي وجوب الصدقة ~~عند الفعل. وقوله: فامرأتي طالق. يقتضي وجود الطلاق. فالكلام يقتضي وقوع ~~الطلاق بنفس الشرط وإن لم يحدث بعد هذا طلاقا ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى ~~يحدث صدقة. وجواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء المفرقون من " وجهين " " ~~أحدهما " منع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها وفي بعض صور الفروع ~~المقيس عليها. " والثاني " بيان عدم التأثير. أما " الأول " فإنه إذا قال: ~~إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فأنا محرم أو فبعيري هدي. فالمعلق بالصفة وجود ~~الصدقة والإحرام والهدي لا وجوبهما كما أن المعلق في قوله: فعبدي حر ~~وامرأتي طالق. وجود الطلاق والعتق لا وجوبهما؛ ولهذا اختلف الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم فيما إذا قال هذا: هدي وهذا صدقة لله: هل يخرج عن ملكه أو ~~لا يخرج؟ فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجته وعبده عن ملكه. وأكثر ما في ~~الباب أن الصدقة # PageV35P302 # والهدي يتملكهما الناس بخلاف الزوجة والعبد. وهذا لا تأثير له وكذلك لو ~~قال: علي الطلاق لأفعلن كذا أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهو كقوله: علي ~~الحج لأفعلن كذا فهو جعل المحلوف به هاهنا وجوب الطلاق؛ لا وجوده كأنه قال: ~~إن فعلت كذا فعلي أن أطلق. فبعض صور الحلف بالطلاق يكون ms9916 المحلوف به صيغة ~~وجوب. كما أن بعض صور الحلف بالنذر يكون المحلوف به صيغة وجود. و " أما ~~الجواب الثاني " فنقول: هب أن المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق والعتق ~~والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء أليس موجب الشرط ثبوت هذا ~~الوجوب؟ بل يجزئه كفارة يمين كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجوب بل يجزيه ~~كفارة يمين عند وجوب الشرط فإن كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب كذلك عند ~~الشرط لا يثبت هذا الوجود؛ بل كما لو قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن ~~فعل كذا؛ فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط؛ ثم إذا وجد الشرط لم يوجد ~~الكفر بالاتفاق؛ بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء. ولو قال ابتداء: هو ~~يهودي أو نصراني أو كافر يلزمه الكفر؛ بمنزلة قوله ابتداء: عبدي حر؛ ~~وامرأتي طالق؛ وهذه البدنة هدي وعلي هدي؛ وعلي صوم # PageV35P303 # يوم الخميس. ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده كقوله: إذا هل الهلال فقد ~~برئت من دين الإسلام لكان الواجب أنه يحكم بكفره؛ لكن لا يناجز الكفر؛ لأن ~~توقيته دليل على فساد عقيدته. قيل: فالحلف بالنذر إنما عليه فيه الكفارة ~~فقط قيل: مثله في الحلف بالعتق؛ وكذلك الحلف بالطلاق كما لو قال فعلي أن ~~أطلق امرأتي. ومن قال إنه إذا قال: فعلي أن أطلق امرأتي. لا يلزمه شيء. ~~فقياس قوله في الطلاق لا يلزمه شيء؛ ولهذا توقف طاوس في كونه يمينا. وإن ~~قيل: إنه يخير بين الوفاء به والتكفير فكذلك هنا يخير بين الطلاق والعتق ~~وبين التكفير فإن وطئ امرأته كان اختيارا للتكفير؛ كما أنه في الظهار يكون ~~مخيرا بين التكفير وبين تطليقها؛ فإن وطئها لزمته الكفارة؛ لكن في الظهار ~~لا يجوز له الوطء حتى يكفر لأن الظهار منكر من القول وزور حرمها عليه. وأما ~~هنا فقوله: إن فعلت فهي طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقها. أو قال والله ~~لأطلقنها. إن لم يطلقها فلا شيء عليه؛ وإن طلقها فعليه كفارة يمين. يبقى أن ~~يقال: هل تجب ms9917 الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ؟ كما لو قال: والله ~~لأطلقنها الساعة ولم يطلقها؟ أو لا تجب إلا إذا عزم على إمساكها؟ أو لا تجب ~~حتى يوجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل كالذي يخير # PageV35P304 # بين فراقها وإمساكها لعيب ونحوه وكالمعتقة تحت عبده؟ أو لا تجب بحال حتى ~~يفوت الطلاق؟ قيل الحكم في ذلك كما لو قال: فثلث مالي صدقة أو هدي ونحو ذلك ~~والأقيس في ذلك أنه مخير بينهما على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على ~~الرضا بأحدهما كسائر أنواع الخيار. # فصل: # موجب " نذر اللجاج والغضب " عندنا أحد شيئين على المشهور إما التكفير ~~وإما فعل المعلق. ولا ريب أن موجب اللفظ في مثل قوله: إن فعلت كذا فعلي ~~صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر: هو الوجوب عند الفعل. ~~فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ~~ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم ~~الآخر؛ كما في الواجب المخير. وكذلك إن قال: إن فعلت كذا فعلي عتق هذا ~~العبد؛ أو تطليق هذه المرأة أو علي أن أتصدق أو أهدي. فإن ذلك يوجب استحقاق ~~العبد للإعتاق؛ والمال للتصدق والبدنة للهدي. ولو أنه نجز ذلك فقال: هذا ~~المال صدقة وهذه البدنة هدي وعلي عتق هذا العبد: فهل يخرج عن ملكه بذلك؟ أو ~~يستحق الإخراج؟ فيه خلاف # PageV35P305 # وهو يشبه قوله: هذا وقف. فأما إذا قال: هذا العبد حر وهذه المرأة طالق. ~~فهو إسقاط؛ بمنزلة قوله: ذمة فلان بريئة من كذا أو من دم فلان أو من قذفي ~~فإن إسقاط حق الدم والمال والعرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع وملك ~~اليمين. فإن قال: إن فعلت فعلي الطلاق أو فعلي العتق أو فامرأتي طالق أو ~~فعبيدي أحرار. وقلنا إن موجبه أحد الأمرين؛ فإنه يكون مخيرا بين وقوع ذلك ~~وبين وجوب الكفارة كما لو قال: فهذا المال صدقة أو هذه البدنة هدي ms9918 ونظير ~~ذلك ما لو قال: إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار أو نسائي طوالق. وقلنا التخيير ~~إليه؛ فإنه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الأمرين من الوقوع ~~أو وجوب الكفارة. ومثال ذلك أيضا إذا أسلم وتحته أكثر من أربع؛ أو أختان ~~فاختار إحداهما. فهذه المواضع التي تكون الفرقة أحد اللازمين: إما فرقة ~~معين أو نوع الفرقة؛ لا يحتاج إنشاء طلاق؛ لكن لا يتعين الطلاق إلا بما ~~يوجب تعيينه كما في النظائر المذكورة. ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين ~~الاختيار؟ أو من حين الحنث؟ يخرج على نظير ذلك. فلو قال في جنس مسائل نذر ~~اللجاج والغضب: اخترت # PageV35P306 # التكفير أو اخترت فعل المنذور: هل يتعين بالقول؟ أو لا يتعين إلا بالفعل؟ ~~إن كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين الإنشاء وبين ~~الطلاق والعتق وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلا بالفعل كالتخيير بين خصال ~~الكفارة وإن كان بين الفعل والحكم كما في قوله: إن فعلت كذا فعبدي حر أو ~~امرأتي طالق أو دمي هدر أو مالي صدقة أو بدنتي هدي: تعين الحكم بالقول ولم ~~يتعين الفعل إلا بالفعل. والله أعلم. # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: # فصل: # جليل القدر اليمين المتضمنة حضا أو منعا لنفسه كقوله؛ لأفعلن ولا أفعل. ~~فيها معنى الطلب والخبر؛ وكذلك الوعد والوعيد بخلاف الخبر المحض كقوله ~~{والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا} أو والله ~~ليقدمن الركب. فإن هذا إخبار محض بأمر سيكون كما يخبر عن الماضي بمثل ذلك؛ ~~وبخلاف الطلب المحض؛ كقوله لغيره: افعل أو بالله افعل ونحو ذلك. إذا لم يكن ~~منه إلا مجرد الطلب وهو لا يدري أيطيعه أم يعصيه؛ ولهذا لا يحسن الاستثناء ~~في هذا الضرب ولا كفارة فيه لعدم المخالفة # PageV35P307 # فإنه طلب محض مؤكد بالله كقوله: سألتك بالله إلا ما فعلت أو سألتك بالله ~~لا تفعل. فأما إذا كان المخصوص أو الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له - ~~كعبده وزوجته وولده - فهو كنفسه ms9919 فيها معنى الطلب والخبر؛ فإنه لكونه مطيعا ~~له في العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه فطلب الفعل منهما طلبا قرنه ~~بالإخبار عن كونه. فقوله: لأقومن غدا. يتضمن أمرين " أحدهما " أني مريد ~~القيام غدا. و " الثاني " سيكون القيام غدا؛ بخلاف القسم الخبري المحض فإنه ~~بمعنى سيكون وبخلاف القسم الطلبي المحض فإنه بمعنى أريد منك وأطلب منك أن ~~تقوم والحنث في اليمين لم يجئ لمخالفة المطلوب كما تقدم في الطلب المحض ~~وإنما جاء لمخالفة الخبر كما لو كان خبرا محضا عن مستقبل والاستثناء يعلق ~~الفعل بالمشيئة فيصير المعنى ليكونن هذا إن شاء الله فإن لم يشأ الله لم ~~يكن مخبرا بكونه فلا مخالفة فلا حنث؛ ولهذا يصح الاستثناء " فالخبر المحض " ~~كقوله: " لأطوفن الليلة على تسعين امرأة فلتأتين كل امرأة بفارس يقاتل في ~~سبيل الله " والولادة ليست من فعله المقدور عليه وكما تقول: والله ليجيء ~~زيد إن شاء الله. فصار لقائل: لأفعلن كذا إن شاء الله " ثلاث نيات " # PageV35P308 # " تارة " يكون غرضه تعليق الإرادة والمعنى إن شاء الله كنت الساعة مريدا ~~له وطالبا؛ وإلا فلا. فهذا لا يصح أن يكون مريدا ولا ترتفع الكفارة بهذا ~~وحده كما في قوله: أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شئت. أن المشيئة لا يصح ~~تعليقها فكذا هذا. فمتى قال هذا لم تكن إرادته حاصلة فهذا مثل الذي يطلب ~~منه شيء فيقول: أعطيك إن شاء الله. فلا وعد له وإذا نوى هذا في اليمين صح ~~لكن لا يرفع الكفارة؛ لأن مخالفة الطلب لم توجب الكفارة وإنما أوجبه مخالفة ~~الخبر فلو كان خبرا لا طلب معه غير تعليق وجبت الكفارة. فأكثر ما في هذا ~~انتفاء الطلب والحض من اليمين. " الثاني " أن يكون غرضه تعليق الإخبار. ~~والمعنى أن قيامي كائن إن شاء الله أو أن قيامك كائن إن شاء الله فأنا مخبر ~~بوقوعه إن شاء الله وقوعه وإن لم يشأ فلا أخبر به. وإذا لم يخبر به فلا ~~مخالفة فلا حنث وإن كنت مريدا له الساعة جزما فهذا هو ms9920 المعنى الذي يرفع ~~الكفارة فكأنه قال: أنا شاك في الوقوع فلست أخبر بوقوعه جزما وإنما أخبر ~~بوقوعه عند هذه الصفة. كقوله: لأقومن إن قدم زيد وإن أعطيتني مائة ونحو ذلك ~~وهو وعد أو وعيد معلق بشرط وإن كان الواعد أو المتواعد مريدا في الحال ~~لإنفاذه؛ ولهذا قلنا إن قوله: لأصومن غدا إن شاء الله من رمضان لا يقدح؛ ~~لأن التعليق عاد إلى الإخبار لا إلى الإرادة. ومن الفقهاء # PageV35P309 # من قال: هذا يقدح في إرادته. وهؤلاء يقولون إنه إذا نوى عود الاستثناء ~~إلى طلبه وإرادته نفعه في الكفارة أو لا ترتفع إلا بهذا الشرط. وعلى خاطري ~~هنا قول لا أستثبته. " الثالث " أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنه ~~جازم بإرادته وجازم بأنه سيكون كما لو كان خبرا محضا مثل قوله: لينزلن ابن ~~مريم وليخرجن الدجال ولتقومن الساعة. وهذه أيمان أمر الله رسوله بنوع منها ~~كقوله: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي} فهذا ماض وحاضر وقال: {وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} وقال: {زعم الذين كفروا أن ~~لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} فأمره أن يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث ~~الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا {كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعمر: لآتينه ولأطوفن به} فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه ~~تعليق الإخبار وإنما غرضه تحقيقه كقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله} فإن هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلا بمشيئة الله مثل ما ~~لو قال: ليكونن إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنه إن شاء الله وإن ~~اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبرا لهم بذلك كان متكلما بما لا ~~يفيد. # PageV35P310 # فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت ~~المخالفة وبالنظر إلى لفظه وأنه إنما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ ~~وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه ms9921 فإنه ~~لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك ~~هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله ~~وأكد المشيئة قاصدا بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائدا له في التألي ~~لا معلقا. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه ~~وأما كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أن هذا يكون إن شاء الله وقال ~~مع ذلك: أنا معتقد أنه يكون جازما به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو ~~لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنما وجبت لمخالفة الخبر فإني لو قلت إني أعتقد أن ~~هذا يكون وأنا جازم باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أني ~~جازم بأن هذا سيكون وأخبركم أنه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا ~~اعتقادي وإلا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم ~~بأنه سيكون إن شاء الله لم أكن جازما مطلقا. وكذلك لو كان المعنى أن ~~اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنما المعنى أن اعتقادي ~~ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنه لا ينبغي لأحد أن يخبر ~~بالمستقبلات إلا معلقا بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. # PageV35P311 # وبهذا التقسيم يظهر قول من قال إن نوى بالاستثناء معنى قوله {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا} {إلا أن يشاء الله} فإن الرجل مأمور أن لا يقول ~~لأفعلنه غدا إلا أن يقول إن شاء الله. ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أن ~~الاستثناء الرافع للكفارة إنما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو ~~المشوب؛ لا يعلق ما فيها من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب ~~لا توجب كفارة وإنما يوجبها مخالفة الخبر وذلك لأن الرفع إنما يكون إذا كان ~~في المشيئة تعليق والتعليق إنما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن ~~هنا يعلم أن الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها ms9922 لا الطلاق ولا غيره كما لا ~~يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم ~~الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأن الاستثناء فيها بأسرها استثناء ~~تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله. ويخرج من هذا ### | " الاستثناء في الأيمان " # إن عاد إلى الموافاة فعلى بابه؛ لأن إطلاق الاسم يقتضي استحقاق الجنة كما ~~قاله ابن مسعود وخالفه فيه صاحب معاذ بتأويل صحيح وتركه جائز. وإن كان فعله ~~أحسن # PageV35P312 # من تركه. وهذا معنى كلام أحمد في. . . (1) ومن أصحابنا من أوجبه كما أن ~~المرجئة تحظره ومن الناس من قد يرى تركه أحسن. فالإقسام فيه: إما واجب أو ~~مستحب أو ممنوع. حظرا أو كراهة أو مسنونا أو مستوي الحالتين. وبهذا الذي ~~ذكرناه في اليمين يظهر معنى الوعد والوعيد من جواز نسخ ذلك أو الخلف فيه؛ ~~فإن من رآهما خبرا: قال النسخ يقتضي الكذب والآخر يقول هو خبر متضمن معنى ~~الطلب. فإذا قال: إن فعلت هذا ضربتك. تضمن إني مريد الساعة لضربك إذا فعلته ~~ومخبرك به؛ فليس هو خبرا محضا فيكون النسخ عائدا إلى ما فيه من الطلب ~~تغليبا للطلب على الخبر كما أنه في باب المشيئة والكفارة غلب الخبر على ~~الطلب؛ لأن الكلام إذا تضمن معنيان فقد يغلب أحدهما بحسب الضمائم؛ ولهذا ~~فرق في الخلف بين الوعد والوعيد لأن الواعد لما تضمن كلامه طلب الخبر ~~الموعود به من نفسه في معرض المقابلة صار ذلك بمنزلة التزامه الأعواض من ~~العقود؛ فإنه أمر وجب لغيره عليه فلا يجوز إبطاله والمتوعد تضمن كلامه طلب ~~الشر المتوعد به في معرض المقابلة بمنزلة إلزامه لغيره عوضا إذا بذل هو ما ~~يجب عليه وما وجب له على الغير فله التزامه وله ترك التزامه. PageV35P313 # فقولك: بعتك هذا بألف. في معنى المواعد بالألف عند حصول المبيع وفي معنى ~~المطالب بالمبيع عند بذل الألف. فمطالبته بالوعيد الذي هو العقوبة ليس ~~بأحسن حالا من مطالبته بسائر الحقوق الواجبة له على سبيل المقابلة؛ فإن أخذ ~~الحقوق من الناس ms9923 فيها شوب الألم فلا يخلص من نوع عقوبة وإن لم تسم بها ~~فإنما الغرض تمثيل هذا بهذا فيما يجب للمتكلم وما يجب عليه فإذا كان الوعد ~~والوعيد وإن تضمنا خبرا فهما متضمنين طلبا صيرهما ذلك بمنزلة الإنشاء الذي ~~وإن كان صيغته صيغة الخبر عن الماضي فهو إنشاء لأمر حاضر. وهذان وإن كان ~~لفظهما لفظ الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب فإذا كان وعد وجب ~~فسمي خلفه كذبا كما قال لمن قال: {لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا} ~~{والله يشهد إنهم لكاذبون} وإذا كان وعيدا لم يجب إنفاذه لتضمنه معنى بيان ~~الاستحقاق. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد كما ذكره السلف في قوله: {وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} وأما الوعد بعد الاستحقاق فلا يجوز ~~نسخه لأنه موجب المشروط. وأما قبل العمل فيتوجه جواز نسخه كفسخ التعليقات ~~الجائزة غير اللازمة من الجعالة ونحوها؛ فإنه إذا قال: من رد عبدي الآبق ~~فله درهم. فله فسخ ذلك قبل العمل. والفسخ كالنسخ. هذا فسخ لإنشاءات هي ~~العقود المتضمنة التزام إرادة له أو عليه وهذا فسخ لطلب أيضا. وكما أن ~~المتصور في الفسخ أنه رفع الحكم الذي هو الطلب أو الإذن # PageV35P314 # فالفسخ رفع الحكم الذي هو الإرادة أو الإباحة وكذلك الوعد والوعيد رفع ~~الحكم الذي هو إرادة الإعطاء أو الإباحة. فهذا كله إنما كان لأن من الكلام ~~ما تضمن معنى الطلب والخبر وهو الأيمان والنذور والوعد والوعيد والعقود. ~~فهذا " القسم الثالث " المركب هو الذي اضطرب الناس في أحكامه ولهذا قسم ~~بعضهم الكلام إلى خبر وإنشاء ليكون الإنشاء أعم من الطلب؛ لأنه ينشئ طلبا ~~وإذنا وما ثم غير الطلب والإذن؛ لأنه إما أن يطلب من نفسه أو من غيره وجودا ~~أو عدما. وقد يقال: الإذن يتضمن معنى الطلب؛ لأنه طلب من نفسه تمكين ~~المأذون له كما أن الالتزام متضمن معنى الطلب لأنه جعل على نفسه حقا يطلبه ~~المستحق وجوبا وهناك جعله له مباحا. فهذا هذا. والله أعلم: فيعود الأمر إلى ~~طلب ms9924 أو خبر؛ أو مركب منهما. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. # فصل: # وبما قدمناه من الأصل تظهر مسألة " الاستثناء في الظهار " فإن قوله أنت ~~علي حرام. وأنت علي كظهر أمي. قال أحمد: يصح فيه الاستثناء؛ لأن موجبه ~~الكفارة إذا حنث بالعود. وأصل أحمد: أن كل ما شرعت فيه الكفارة شرع فيه ~~اليمين وإلا فلا. # PageV35P315 # وقال طائفة من أصحابه منهم ابن بطة والعكبري وابن عقيل: لا يصح فيه ~~الاستثناء لأنه إنشاء بمنزلة التطليق والإعتاق؛ فإنه ليس من جملتين كالقسم؛ ~~وإنما هو جملة واحدة كسائر الإنشاءات؛ فقوله: أنت علي حرام كقوله: أنت ~~طالق. ليس هنا فعل مستقبل يعلق بالمشيئة كما في قوله: لأخرجن. وهذا في بادئ ~~الرأي أقوى للمشابهة الصورية. لكن قول أحمد أفقه وأدخل في المعنى. وإنما هو ~~والله أعلم في ذلك بمنزلة من عد نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر؛ للاستواء ~~في الصورة اللفظية. ومن عده يمينا لمشابهة اليمين في معنى وصفها وهو ~~المحلوف عليه ومن أعطاه حكمهما لجمعه معناهما. فإن نصفه يشبه اليمين في ~~المعنى ونصفه يشبه النذر. ولهذا سائر الألفاظ المعلق بها الأحكام قد ينظر ~~ناظر إلى صورتها وآخر إلى معناها وآخر إليهما معا كما في قوله لأفعلن. ~~الصورة صورة الخبر والمعنى قد يكون خبرا وقد يكون طلبا وقد يجتمعان. فقوله: ~~أنت علي كظهر أمي. كان في الجاهلية إنشاء محضا للتحريم والتحريم لا يثبت ~~بدون الطلاق فكان عندهم طلاقا على موجب ظاهر لفظه؛ لأن الطلاق يستلزم ~~التحريم. فجعلوا اللازم دليلا على الملزوم فأبطل الله ذلك؛ لأنه منكر من ~~القول وزور فإن الحلال لا يكون كالحرام المؤبد ولم يجعله طلاقا وإن عني به ~~الطلاق لأن الطلاق لا يثبت إلا بعد ثبوت المعنى الفاسد وهو المشابهة # PageV35P316 # المحرمة؛ فصار كقوله: أنت يهودية أو نصرانية. إذا عنى به الطلاق فإن هذا ~~لا يثبت إلا بعد ثبوت الكفر الذي لا يجوز له أن يثبته فيها. أو أنت أتان أو ~~ناقة أو أنت علي كالأتان والناقة. ومن هنا قال أكثر الصحابة إن قوله: أنت ~~علي ms9925 حرام. أيضا يمين ليس بطلاق وصرح بعضهم بأنه يمين مغلظة كالظهار. وهو ~~مذهب أحمد. فصار قوله أنت علي كظهر أمي. بمنزلة لا أقربنك؛ لأن إثبات ~~المشابهة للأم يقتضي امتناعه عن وطئها ويقتضي رفع العقد. فأبطل الشارع رفع ~~العقد لأن هذا إلى الشارع؛ لا إليه؛ فإن العقود والفسوخ أثبات الله لا تثبت ~~إلا بإذن الشارع وأثبت امتناعه من الفعل لأن فعل الوطء وتركه إليه هو مخير ~~فيه فلما صار بمنزلة قوله: لا ينبغي مني وطؤك. فهذا معنى اليمين؛ لكنه جعله ~~يمينا كبرى ليس بمنزلة اليمين بالله لأن تلك اليمين شرع الحلف بها فلم يعص ~~في عقدها وهذه اليمين منكر من القول وزور؛ ولأن هذه اليمين تركها واجب ~~فكانت الكفارة عوضا عن ذلك. ولهذا كانت اليمين بالله لا توجب تحريم الفعل ~~إلى التكفير وهذه اليمين توجب تحريم الحنث إلى التكفير فلم يكن له أن يحنث ~~فيها حتى يحلها ووجبت فيها الكفارة الكبرى. وكونها جملة واحدة لا يمتنع ~~اندراجها في اسم اليمين كلفظ النذر هو يمين وجملة واحدة؛ وإنما العبرة بما ~~تضمن عهدا # PageV35P317 # وقد سمى الله كل تحريم " يمينا " بقوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} - إلى ~~قوله - {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} كما سمى الصحابة نذر اللجاج والغضب ~~" يمينا " وهو جملة شرطية؛ نظرا إلى المعنى. يوضح ذلك أن الظهار لو كان ~~إنشاء محضا لأوجب حكمه؛ ولم يكن فيه كفارة؛ إذ الكفارة لا تكون لرفع عقد أو ~~فسخ؛ وإنما تكون لرفع إثم المخالفة التي تضمنها عقده؛ ولهذا لما كان كل من ~~عقد اليمين وعقد الظهار لا يوجب الكفارة إلا إذا وجدت المخالفة علم أنه ~~يمين. والشافعي يقول يوجب لفظ الظهار ترك العقد فإذا أمسكها مقدار ما يمكنه ~~إزالته وجبت الكفارة. وأما أحمد والجمهور فعندهم يوجب لفظه الامتناع من ~~الوطء على وجه يكون حراما فالكفارة ترفع هذا التحريم فلا يجوز الوطء قبل ~~ارتفاعه. وكذلك يقول أحمد في قوله: أنت علي حرام. أن موجبه الامتناع من ~~الوطء على جهة التحريم؛ لكن من يفرق بينهما ms9926 يقول: إنه في الظهار ما كان ~~يمكن أن يعطي اللفظ ظاهره؛ فإنه لا تصير مثل أمه في دين الإسلام فاقتصر به ~~على بعضه وهو ترك الوطء؛ دون ترك العقد كما كانوا في الجاهلية. # PageV35P318 # ولفظ الحرام يمكن إثبات موجبه. وقد يقول أحمد: إن الحرام لا يمكن إثبات ~~موجبه؛ فإن تحريم العين لا يثبت أبدا والتحريم العارض لا يثبت بدون شبيه؛ ~~إذ ليس هو المفهوم من مطلق التحريم؛ وإنما هو تحريم مقيد فاستعمل بعض موجب ~~اللفظ وهو تحريم الفعل الذي هو وطء ولأن التحريم المضاف إلى العين إنما ~~يراد به الفعل فكأنه [قال] (1) وطؤك حرام. وهذا في معنى قوله: والله لا ~~أطؤك. فكما أن الإيلاء لا يكون طلاقا ولو نوى به الطلاق فكذلك التحريم؛ إذ ~~الإيلاء نوع من الأيمان القسمية والظهار نوع من الأيمان التحريمية. والبحث ~~فيه يتوجه أن يقال: نضعه على أدنى درجات التحريم؛ لأن اللفظ مطلق فلا تثبت ~~الزيادة إلا بسبب كما في قوله: أنت طالق. لا يقع إلا واحدة؛ وكما اكتفي في ~~التشبيه بالتحريم. أما إذا نوى الطلاق فيقال: وإن نوى الطلاق بالظهار. # فصل: # ويتصل بهذا " إذا حلف بالظهار أو بالحرام " على حظ أو منع كقوله إن فعلت ~~هذا فأنت علي كظهر أمي أو حرام؛ أو الحرام يلزمني أو الظهار لا أفعله أو ~~لأفعلنه. فهذا أصحابنا فيه إذا حنث بالظهار كما أنه يقع به الطلاق والعتق؛ ~~ولهذا قالوا في أيمان المسلمين: منها الظهار. PageV35P319 # وكنت أفتي بهذا تقليدا؛ ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط كما لو ~~قال: إن فعلت هذا فأنت علي حرام. عقوبة لها على فعله. وأفتيت بعد هذا أن ~~عليه كفارة يمين إذا كان مقصوده عدم الفعل وعدم التحريم كما قلناه في مسألة ~~" نذر اللجاج والغضب " وكما قلناه في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا ~~وقوله: هو يستحل الخمر والميتة إن فعل كذا. فإنه لما لم يكن مقصوده الحكم ~~عند الشرط وإنما الغرض الامتناع من فعل؛ فكذلك إذا قال الحل علي حرام إن ms9927 ~~فعل كذا؛ وليس غرضه تحريم الحلال عند الفعل؛ وإنما غرضه الامتناع من الفعل ~~وذكر التزام ذلك تقديرا تحقيقا للمنع كما ذكر التزام التهود والتنصر تقديرا ~~كما أنه معنى اليمين بالله هتكت حرمة الأيمان بالله إن فعلت هذا أو نقصت ~~حرمة الله أو استخففت بحرمة الله إن فعلت. وموجب الأيمان كلها من جهة اللفظ ~~الوفاء وأنه متى حنث فقد هتك أيمانه وأنه تهود وتنصر كما أن موجب نذر ~~اللجاج والغضب من اللفظ وجوب الوفاء؛ فإن الحكم المعلق بشرط يجب عند وجوده ~~والحالف بشيء على فعل قد التزم ذلك الفعل وجعله معلقا بمعظمه المحلوف به. ~~فمتى لم يفعله فقد هتك تلك الحرمة. # PageV35P320 # وقوله: أحلف بالله أو بكذا. في معنى قوله أعقده به وألصقه به؛ ولهذا يسمى ~~المصاحب " حليفا " كما كان يقال لعثمان: " حليف المحراب " وعلته لا يتخلف؛ ~~ولهذا قيل: إن الباء لإلصاق المحلوف عليه بالمحلوف به؛ وإنما أتى بلام ~~القسم توكيدا ثانيا كأنه قال: ألصق وأعتقد بالله مضمون قولي لأفعلن. ولهذا ~~سمي ### | التكفير قبل الحنث " # تحلة " لأنه يحل هذا العقد الذي عقد بالمحلوف به مثل فسخ البيع الذي يحل ~~ما بين البائع والمشتري من الانعقاد. فالشارع جعل الأيمان من باب العقود ~~الجائزة بهذا البدل؛ لا من اللازمة مطلقا كما كان العقد بين المحلوف عليه ~~والمحلوف به وهو الله سبحانه سوغ سبحانه لعبده أن يحل هذا العقد الذي عقد ~~لي وبي بالكفارة التي هي عبادة وقربة وكان العبد مخيرا بين تمام عقده وبين ~~حله بالبدل المشروع؛ إذ كان العبد هو الذي عقد هذا المحلوف عليه بالله ~~سبحانه كما كانوا في أول الإسلام مخيرين بين الصيام الذي أوجبه وبين تركه ~~بالكفارة وكما أن المعتمر في أشهر الحج إذا أراد أن يحج من عامه مخير بين ~~أن ينشئ للحج سفرا وبين أن يتركه بهدي التمتع فهو مخير في إكمال الحج ~~بالسفر أو بالهدي. ولهذا قلنا: ليس جبرانا. لأن دم الجبران لا يخير في سببه ~~كترك الواجبات؛ وإنما هو هدي واجب كأنه مخير بين العبادة البدنية ms9928 المحضة # PageV35P321 # أو البدنية المالية وهو الهدي؛ ولكن قد يقال: إذا كان واجبا فلا يؤكل منه ~~بخلاف التطوع؟ قلنا هدي النذر أيضا فيه خلاف وما وجب معينا يأكل منه ~~باتفاق؛ لأن نفس الذابح لله مهديا إلى بيته أعظم المقصودين؛ ولهذا اختلف ~~العلماء في وجوب تفرقته في الحرم؛ وإن كنا نحن نوجب ذلك فيما هو هدي دون ما ~~هو نسك؛ ليظهر تحقيقه بتسميته هديا وهو الإهداء إلى الكعبة. فإذا ظهر أن ~~المقتضي للوفاء قائم وإنما الشارع جعل الكفارة رخصة ثم قد يجب وقد يستحب ~~كما في أكل المضطر للميتة: فهذا المعنى موجود في " نذر اللجاج والغضب " وما ~~أشبهه وكذلك في قوله " إن فعلت كذا فأنت علي حرام "؛ بخلاف ما لو أراد ثبوت ~~التحريم عقوبة لها مثل أن يقول لها أو لأمها: إن فعلت كذا فأنت علي حرام. ~~فهنا يكون مقصوده ثبوت التحريم كما أن في " نذر التبرر " مقصوده ثبوت ~~الوجوب وكما في " الخلع " مقصوده أخذ العوض ونحو ذلك. فهذا التفريق متوجه ~~على أصلنا فإنا كما فرقنا في التزام الإيجاب المعلق ينبغي أن نفرق في ~~التزام التحريم المعلق. وينبغي أن نخيره إذا حنث بين الوفاء بالتحريم وبين ~~تكفير يمينه كما خيرناه في النذر. # PageV35P322 # ثم إن طردنا في الطلاق والعتاق - كما يتخرج على أصولنا وكما يؤثر عن ~~الصحابة جعل العتق داخلا في " نذر اللجاج " وعن طاوس وغيره أنهم كانوا لا ~~يرون الحلف بالطلاق شيئا وتوقف الراوي: هل كان طاوس يعدها يمينا؟ - فهو ~~متوجه وهو أقوى إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن فرقنا بين ~~الطلاق والعتق وبين الحرام والظهار فمتوجه أيضا لأنه هناك علق نفس الوقوع ~~الذي لا يعلق بمشيئة وهناك علق يمينا كأنه قال: إن فعلت هذا فعلي يمين حرام ~~أو فعلي يمين ظهار أو إن فعلت هذا صرت مظاهرا ومحرما. وهو إذا صار مظاهرا ~~محرما لم يقع به شيء؛ وإنما يثبت تحريم تزيله الكفارة فصار مثل قوله إن ~~فعلت كذا فعلي حجة أو فأنا حاج أو أنا محرم. وهذا ms9929 فيه نظر فليتحقق. # PageV35P323 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # فصل: # في رجل حلف أنه من حين عقل لم يفعل الذنب وكان قد فعل هذا الذنب وله نحو ~~عشرين سنة؛ ونوى بقلبه أنه لم يفعله من حين بلغ. فهذا ينظر إلى مراده ~~بقوله: من حين عقل. فإن كان مراده من حين بلغ الحلم. فهو بار ولا حنث عليه ~~بلا ريب. وإن كان مراده: أنه لم يفعله من حين ميز. فابن عشر سنين يميز. ~~فهذا إذا كان يعلم كذب نفسه فيمينه غموس وهي من الكبائر عليه أن يتوب إلى ~~الله منها. فإن كانت من الأيمان المكفرة ففيها قولان: جمهور أهل العلم ~~يقولون هي أعظم من أن تكفر؛ وإنما تمحى بالتوبة الصحيحة وهذا مذهب مالك ~~وأبي حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه. و " القول الثاني " أن فيها ~~الكفارة وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الثانية عنه فاليمين بالله ~~مكفرة باتفاق العلماء. وأما الحلف بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق ~~والكفر كقوله: إن فعلت كذا وكذا فعلي الحج أو مالي صدقة أو علي الحرام أو ~~الطلاق # PageV35P324 # يلزمني لأفعلن كذا وإن كنت فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن كنت فعلت كذا ~~فإني يهودي أو نصراني. فهذه المسألة للعلماء فيها " ثلاثة أقوال " فقيل: ~~إذا حنث يلزمه التوبة. وقيل: لا شيء عليه. وقيل: بل عليه كفارة يمين وهو ~~أظهر الأقوال كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. فإن كان قد حلف ~~بهذه الأيمان يمينا غموسا فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس وقال إن هذه ~~الأيمان تكفر فإنه يوجب فيها كفارة. وأما من قال: اليمين الغموس أعظم من أن ~~تكفر فلهم " قولان " " أحدهما " أن هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق ~~وعتاق وكفر. وإن قيل إن ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهي الحلف على ~~المستقبل وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. واحتجوا بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم {من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال} قالوا لأن هذه ~~اليمين غير منعقدة بل الحنث ms9930 فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم ~~فيها ما التزمه مع علمه بكذبه فيجب إلزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجرا ~~لمن يحلف يمينا كاذبة بخلاف اليمين المنعقدة فإن صاحبها مطيع لله ليس بعاص. # PageV35P325 # و " القول الثاني " وهو قول الأكثرين أن لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره ~~كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنما قصد في كلا الموضعين ~~اليمين. فهو لم يقصد إذا كان كاذبا أن يكون كافرا ولا أن يلزمه ما التزمه ~~من نذر وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل ~~أن يلزمه ذلك؛ بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين: فما فرق فيه ~~بين الكفر والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به ~~في الموضع الآخر؛ لكن هو في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه ~~الغموس فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر وإذا تاب ~~من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل ~~إنما صدر منه الحلف بذلك. والله أعلم. # PageV35P326 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن حلف بالمشي إلى مكة هل يلزمه المشي؟ أو الحج راكبا ويفتدي؟ أو يلزمه ~~كفارة يمين؟ # فأجاب: # الحمد لله، بل يجزيه كفارة يمين عند جماهير علماء المسلمين من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان: مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ابن عمر وحفصة بنت ~~عمر وزينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير هؤلاء رضي الله عنهم. ~~وهو مذهب الشافعي وأحمد وهو الرواية المتأخرة عن أبي حنيفة وبذلك أفتى ابن ~~القاسم ابنه لما حنث في هذه اليمين وعلى هذا القول دل الكتاب والسنة. كما ~~بسط في غير موضع والله أعلم. # PageV35P327 # بسم الله الرحمن الرحيم # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا ms9931 إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # قال الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس والله سميع عليم} {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم} {للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم # PageV35P328 # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون} فذكر الله اسم " الأيمان " في أربعة مواضع في قوله: {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم} وقوله {بما عقدتم الأيمان} وقوله: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} وقوله: {واحفظوا أيمانكم} وقوله تعالى {يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} {قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} وهذا الاستفهام استفهام ~~إنكار يتضمن النهي؛ فإن الله لا يستفهم لطلب الفهم والعلم فإنه بكل شيء ~~عليم؛ ولكن مثل هذا يسميه أهل العربية " استفهام إنكار " واستفهام الإنكار ~~يكون بتضمن الإنكار مضمون الجملة: إما إنكار نفي إن كان مضمونها خبرا وإما ~~إنكار نهي إن كان مضمونها إنشاء. والكلام إما خبر وإما إنشاء. وهذا كقوله ~~{عفا الله عنك لم أذنت لهم} وقوله: {لم تقولون ما لا تفعلون} ونحو ذلك. ~~فالله تعالى نهى نبيه عن تحريم الحلال كما نهى المؤمنين وأخبر أنه فرض لهم ~~تحلة أيمانهم كما ذكر كفارة اليمين بعد النهي عن تحريم الحلال في سورة ~~المائدة. وقوله: {قد ms9932 فرض الله لكم تحلة أيمانكم} هو ما ذكره # PageV35P329 # في سورة المائدة. وكان سبب نزول التحريم تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحلال: إما أمته مارية القبطية وإما العسل؛ وإما كلاهما. وكذلك آية ~~المائدة فإن طائفة من المسلمين كانوا قد حرموا الطيبات إما تبتلا وترهبا ~~كما عزم على ذلك عثمان بن مظعون ومن وافقه من الصحابة حتى نهاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك؛ وإما غير ذلك. وبين الله لهم أن الله جعل لمن حرم ~~الحلال من هذه الأمة مخرجا؛ وأن اليمين المتضمنة تحريمه للحلال له منها ~~مخرج بالكفارة التي شرعها الله. ليسوا كالذين من قبلهم الذين كانوا إذا ~~حرموا شيئا حرم عليهم ولم يكن لهم أن يكفروا قال تعالى: {كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} ولذلك ~~قد قيل: إنهم كانوا إذا حلفوا على فعل شيء لزمهم ولم يكن لهم أن يكفروا؛ ~~ولهذا قالت عائشة: كان أبو بكر الصديق لا يحنث في اليمين حتى أنزل الله ~~كفارة اليمين؛ ولهذا أمر الله أيوب بما يحلل يمينه لأنه لم يكن لهم كفارة. ~~فإن اليمين على الأشياء: تارة تكون حضا وإلزاما وتارة تكون منعا وتحريما. ~~كما أن عهد الله ورسوله وحكمه على خلقه ينقسم إلى هذين القسمين ولذا كان " ~~الظهار " في الجاهلية وأول الإسلام طلاقا حتى أنزل الله فيه الكفارة وكذلك ~~كان " الإيلاء " طلاقا حتى أنزل الله حكمه؛ وذلك لأن الظهار نوع من ~~التحريم؛ فموجبه رفع الملك؛ إذ الزوجة لا تكون محرمة على التأبيد. و " ~~الإيلاء " يقتضي عندهم تحريم الوطء وذلك ينافي النكاح. # PageV35P330 # وقد ذكر الله لفظ " اليمين " في مواضع من كتابه فقال تعالى: {تحبسونهما ~~من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ~~ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} - إلى قوله - {فآخران يقومان ~~مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} {ذلك أدنى ms9933 أن يأتوا بالشهادة ~~على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} وقال تعالى في سورة براءة ~~في سياق ذكر معاهدة المشركين: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ~~ينتهون} {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة} وقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} {ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به} وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت} وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة} قال أهل اللغة - وهذا لفظ الجوهري ~~- اليمين القسم. والجمع أيمن وأيمان فقال: سمي بذلك لأنهم كانوا إذا ~~تحالفوا يمسك كل امرئ منهم على يمين صاحبه. # PageV35P331 # فصل: # ولفظ " اليمين " في كتاب الله؛ وكذا في لفظ أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذين خوطبوا بالقرآن أولا يتناول عندهم ما حلف عليه بالله بأي ~~لفظ كان الحلف وبأي اسم من أسمائه كان الحلف. وكذلك الحلف بصفاته كعزته و. ~~. . وأحكامه كالتحريم والإيجاب؛ فإن التحريم والإيجاب من أحكامه. والحالف ~~إذا قال: أحلف بالله ليكونن. فهو قد التزم ذلك الفعل وأوجبه على نفسه أو ~~حرمه على نفسه وعقد اليمين بالله؛ فجعل لزوم الفعل معقودا بالله لئلا يمكن ~~فسخه ونقضه فموجب يمينه في نفسها لزوم ذلك الفعل له أو انتقاض إيمانه بالله ~~الذي عقد به اليمين. وهذا الثاني لا سبيل له إليه فتعين الأول؛ لكن الشارع ~~في شريعتنا لم يجعل له ولاية التحريم على نفسه والإيجاب على نفسه مطلقا؛ بل ~~شرع له تحلة يمينه وشرع له الكفارة الرافعة لموجب الإثم الحاصل بالحنث في ~~اليمين إذا كان الحنث والتكفير خيرا من المقام على اليمين. وقد تنازع ~~الفقهاء في " اليمين " هل تقتضي إيجابا ms9934 وتحريما ترفعه الكفارة؟ أو لا تقتضي ~~ذلك؟ أو هي موجبة لذلك لولا ما جعله الشرع مانعا من هذا الاقتضاء؟ على " ~~ثلاثة أقوال " أصحها " الثالث " كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى. # PageV35P332 # و " المقصود " أن نذكر من أقوال الصحابة ما يبين معنى اليمين في كتاب ~~الله وسنة رسوله وفي لغتهم؛ ففي سنن أبي داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا ~~يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن ~~أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت ~~تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن ~~مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لا ~~يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا في ما لا تملك} . ~~وهذا الرجل تكلم بصيغة التعليق صيغة الشرط والجزاء وعلق وجوب صرف ماله في ~~رتاج الكعبة على مسألته القسمة وهذه الصيغة يقصد بها " نذر التبرر " كقوله ~~إن شفى الله مريضي وسلم مالي الغائب فثلث مالي صدقة ويقصد بها نذر اليمين ~~الذي يسمى " نذر اللجاج والغضب " كما قصد هذا المعلق. والصيغة في الموضعين ~~صيغة تعليق لكن المعنى والقصد متباين؛ فإنه في أحد الموضعين مقصوده حصول ~~الشرط الذي هو نعمة من الله كشفاء المريض وسلامة المال. والتزام طاعة الله ~~شكرا لله على نعمته وتقربا إليه وفي النوع الآخر مقصوده أن يمنع نفسه أو ~~غيره من فعل أو يحضه عليه وحلف فالوجوب لامتناعه من وجوب هذا عليه وكراهة ~~ذلك وبغضه إياه كما يمتنع من الكفر ويبغضه ويكرهه فيقول: إن فعلت فهو # PageV35P333 # يهودي أو نصراني. وليس مقصوده أنه يكفر؛ بل لفرط بغضه للكفر به حلف أنه ~~لا يفعل؛ قصدا لانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم؛ فإن الكفر اللازم يقصد نفيه ~~فقصد به الفعل لنفي الفعل أيضا كما إذا حلف بالله فلعظمة الله في قلبه عقد ~~به اليمين ليكون المحلوف عليه لازما لإيمانه بالله؛ فيلزم من وجود ms9935 الملزوم ~~وهو الإيمان بالله وجود اللازم وهو لزوم الفعل الذي حلف عليه وكذلك إذا حلف ~~أن لا يفعل أمرا جعل امتناعه منه لازما لإيمانه بالله وهذا هو عقد اليمين؛ ~~وليس مقصوده رفع إيمانه بل مقصوده أن لا يرتفع إيمانه ولا ما عقده به من ~~الامتناع؛ فسمى عمر بن الخطاب هذا " يمينا " واستدل على أنه ليس عليه الفعل ~~المعلق بالشرط بقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يمين عليك ولا نذر في ~~معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا في ما لا يملك} . والنبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر اليمين والنذر كما ذكر الله في كتابه اليمين والنذر؛ فإن اليمين - ~~مقصودها الحض أو المنع من الإنشاء. أو التصديق أو التكذيب في الخبر. والنذر ~~ما يقصد به التقرب إلى الله ولهذا أوجب سبحانه الوفاء بالنذر؛ لأن صاحبه ~~التزم طاعة لله فأوجب على نفسه ما يحبه الله ويرضاه قصدا للتقرب بذلك الفعل ~~إلى الله. وهذا كما أوجب الشارع على من شرع في الحج والعمرة إتمام ذلك لله؛ ~~لقوله: # PageV35P334 # {وأتموا الحج والعمرة لله} وإن كان الشارع متطوعا. وتنازع العلماء في ~~وجوب إتمام غيرهما. ولم يوجب سبحانه الوفاء باليمين لأن مقصود صاحبها الحض ~~والمنع؛ ليس مقصوده التقرب إلى الله تعالى. ولكن صيغة النذر تكون غالبا ~~بصيغة التعليق صيغة المجازات كقوله إن شفى الله مريضي كان علي عتق رقبة. ~~وصيغة اليمين غالبا تكون بصيغة القسم كقوله والله لأفعلن كذا وقد يجتمع ~~القسم والجزاء كقوله {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين} {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} {فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون} . ولهذا ترجم الفقهاء على إحدى الصيغتين " باب التعليق بالشروط " ~~كتعليق الطلاق والعتاق والنذر وغير ذلك وعلى الأخرى " باب جامع الأيمان " ~~كما يشترك فيه اليمين بالله والطلاق والعتاق والظهار والحرام وغير ذلك. ~~ومسائل أحد البابين مختلطة بمسائل الآخر. ولهذا كان من الفقهاء من ذكر ~~مسائل جامع الأيمان ms9936 مع مسائل التعليق ومنهم من ذكرها في " باب الأيمان " ~~والمنفي بإحدى الصيغتين مثبت بالأخرى والمقدم في إحداهما مؤخر في الأخرى: ~~فإذا قال: إن فعلت كذا فمالي حرام أو عبدي حر أو امرأتي طالق أو مالي صدقة. ~~أو فعلي كذا وكذا حجة أو صوم شهر أو نحو ذلك # PageV35P335 # فهو بمنزلة أن يقول: الطلاق يلزمه لا يفعل كذا أو العتق أو الحرام يلزمه ~~والمشي إلى مكة يلزمه لا يفعل كذا ونحو ذلك. ففي صيغة الجزاء أثبت الفعل ~~وقدمه وأخر الحكم. ولما أخر الفعل ونفاه وقدم الحكم والمحلوف به مقصوده أن ~~لا يكون ولا يهتك حرمته وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فأنا كافر أو يهودي أو ~~نصراني فهو كقوله: والله لأنه كذا. ولهذا كان نظر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه إلى معنى الصيغة ومقصود المتكلم سواء كانت بصيغة المجازات أو بصيغة ~~القسم. فإذا كان مقصوده الحط أو المنع جعلوه يمينا وإن كان بصيغة المجازات ~~وإن كان مقصوده التقرب إلى الله جعلوه ناذرا وإن كان بصيغة القسم؛ ولهذا ~~جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناذر حالفا؛ لأنه ملتزم للفعل بصيغة ~~المجازاة. فإن كان المنذور مما أمر الله به أمره به وإلا جعل عليه كفارة ~~يمين. وكذلك الحالف إنما أمره أن يكفر يمينه إذا حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها اعتبارا بالمقصود في الموضعين فإذا كان المراد ما يحبه الله ~~ويرضاه أمر به وهو النذر الذي يوفى به وإن كان بصيغة القسم. وإن كان غيره ~~أحب إلى الله وأرضى منه أمر بالأحب الأرضى لله وإن كان بصيغة النذر وأمر ~~بكفارة يمين. وهذا كله تحقيقا لطاعة الله ورسوله وأن يكون الدين كله لله ~~وأن كل يمين أو نذر أو عقد أو شرط تضمن ما يخالف أمر الله ورسوله فإنه لا ~~يكون لازما بل يجب تقديم أمر الله ورسوله على كل ذلك. # PageV35P336 # فكل ما يقصده العباد من الأفعال والتروك إن كان مما أمر الله به ورسوله ~~فإن الله يأمر به وبالإعانة عليه وإن كان ms9937 مما نهى الله عنه ورسوله فإن الله ~~ينهى عنه وعن الإعانة عليه وإن كان من المباحات فهو مع النية الحسنة يكون ~~طاعة ومع النية السيئة يكون ذنبا ومع عدم كل منهما لا هذا ولا هذا. فالشرع ~~دائما في الأيمان والنذور والشروط والعقود يبطل منها ما كان مخالفا لأمر ~~الله ورسوله؛ لكن إذا كان قد علق تلك الأمور بإيمانه بالله شرعت الكفارة ~~ماحية لمقتضى هذا العقد؛ فإنه لولا ذلك لكان موجبه الإثم إذا خالف يمينه؛ ~~ولهذا سمي " حنثا " قال تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس} وقد تواترت الآثار عن الصحابة والتابعين وغيرهم ~~بأن معنى هذه الآية أنه لا يحلف أحدكم على أنه لا يبر ولا يتقي الله ولا ~~يصل رحمه فإذا أمر بذلك قال أنا قد حلفت بالله فيجعل الحلف بالله مانعا له ~~من طاعة الله ورسوله. فإذا كان قد نهى سبحانه أن يجعل الله أي الحلف بالله ~~مانعا من طاعة الله فغير ذلك أولى أن ينهى عن كونه مانعا من طاعة الله. ~~والأيمان الشرعية الموجبة للكفارة كلها تعود إلى الحلف بالله كما سننبه ~~عليه إن شاء الله تعالى. وإنما المقصود هنا ذكر بعض الآثار قال أبو بكر ~~الأثرم في سننه: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن رجل قال: ماله في ~~رتاج الكعبة # PageV35P337 # قال: كفارة يمين واحتج بحديث عائشة. قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن ~~الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله أو الصدقة بالملك أو نحو هذه الأيمان فقال: ~~إذا حنث فكفارة يمين إلا أني لا أحمله على الحنث ما لم يحنث قيل له لا ~~يفعل. قيل لأبي عبد الله: فإذا حنث كفر؟ قال: نعم. قيل له: أليس كفارة ~~يمين؟ قال: نعم. قال الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا حسن عن ابن أبي ~~نجيح عن عطاء عن عائشة قالت: من قال مالي في ميراث الكعبة وكل مالي فهو هدي ~~وكل مالي فهو في المساكين فليكفر يمينه. وقال الأثرم: حدثنا عارم بن ms9938 الفضل ~~حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي: حدثنا بكر بن عبد الله أخبرني أبو رافع ~~قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي ~~يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال فأتيت ~~زينب ابنة أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال: ~~فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت: في البيت هاروت وماروت. قالت يا زينب جعلني ~~الله فداك؛ إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي ~~نصرانية فقالت: يهودية ونصرانية خلي بين الرجل وامرأته فأتيت حفصة أم ~~المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت يا أم المؤمنين جعلني الله # PageV35P338 # فداك إنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية ~~فقالت: يهودية ونصرانية خلي بين الرجل وبين امرأته قال: فأتيت عبد الله بن ~~عمر فجاء معي إليها فقام على الباب فسلم فقالت بينا أنت وبينا أبوك فقال: ~~أمن حجارة أنت أمن حديد أنت أي شيء أنت أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم ~~تقبلي فتياهما قالت. يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك؛ إنها قالت كل ~~مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية فقال: يهودية ~~ونصرانية كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وبين امرأته. وذكر هذا عبد الرزاق ~~في " مصنفه " عن التيمي عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن بكر بن عبد الله ~~المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت لي مولاتي ليلى ابنة العجماء: كل ~~مملوك لها حر وكل مالها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك. قال ~~فأتتنا زينب بنت أم سلمة. وكان إذا ذكرت امرأة فقيهة ذكرت زينب فذكرت ذلك ~~لها فقالت. خلي بين الرجل وبين امرأته وكفري عن يمينك قال فأتتنا حفصة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا أم المؤمنين جعلني الله فداك وذكرت لها ~~يمينها فقالت: كفري عن يمينك قال: وأتينا عبد الله بن عمر فقلنا يا ms9939 أبا عبد ~~الرحمن وذكرت له يمينها فقال: كفري يمينك وخلي بين الرجل وامرأته. # PageV35P339 # قال ابن عبد البر: قوله: وكل مملوك لها حر. هو من رواية سليمان التيمي ~~وأشعث الحمراني عن بكر المزني مع هذا الحديث وفي رواية أشعث في هذا الحديث ~~ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وحفصة وعائشة وأم سلمة؛ وإنما هو زينب بنت أم ~~سلمة. وقال الأثرم: حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران؛ عن قتادة عن ~~زرارة بن أبي أوفى أن امرأة سألت ابن عباس: أن امرأة جعلت بردها عليها هديا ~~إن لبسته؟ فقال ابن عباس: أفي غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب. قال. إن الله ~~تبارك وتعالى لا يتقرب إليه بالغضب لتكفر عن يمينها قلت: ابن عباس استفسر ~~النذر هل مقصودها التقرب بالمنذور كما قد يقول القائل إن سلم مالي تصدقت به ~~أو مقصودها الحلف أنها لا تلبسه فيكون عليها كفارة يمين فقال: أفي غضب أم ~~رضا؟ فلما قالوا: في غضب علم أنها حالفة لا ناذرة ولهذا سمى الفقهاء هذا " ~~نذر اللجاج والغضب " فهو يمين وإن كان صيغته صيغة الجزاء. وقال الأثرم. ~~حدثني ابن الطباع حدثنا أبو بكر بن عياش عن العلاء بن المسيب؛ عن يعلى بن ~~النعمان؛ عن عكرمة عن ابن عباس: سئل عن رجل جعل ماله في المساكين؟ قال. ~~أمسك عليك مالك وأنفقه على # PageV35P340 # عيالك واقض به دينك وكفر عن يمينك وقال حرب الكرماني في مسائله حدثنا ~~المسيب بن واضح حدثنا يوسف بن أبي السفر؛ عن الأوزاعي؛ عن عطاء بن أبي رباح ~~قال سألت ابن عباس عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله الحرام؟ قال: إنما ~~المشي على من نواه فأما من حلف في الغضب فعليه كفارة يمين. وقال الأثرم. ~~حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود حدثنا معتمر عن أبيه؛ عن ابن عمر والحسن قال: ~~إذا كان نذر الشكر فعليه وفاء نذره والنذر في المعصية والغضب يمين. وقال ~~الأثرم: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق حدثنا ~~ابن ms9940 جريج قال: سئل عطاء عن رجل قال علي ألف بدنة؟ فقال: يمين وعن رجل قال: ~~علي ألف حجة؟ قال يمين؛ وعن رجل قال: مالي هدي؟ قال يمين وعن رجل قال مالي ~~في المساكين؟ قال يمين. وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة ~~عن الحسن وجابر بن زيد في الرجل يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة؟ ~~قال ليس الإحرام إلا على من نوى الحج يمين يكفرها. وقال أحمد: حدثنا عبد ~~الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: يمين يكفرها. وقال الأثرم ~~حدثنا أبو عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن المنهال عن أبي وائل في ~~رجل قال: هو محرم بحجة؟ قال يمين وقال حدثنا أبو عبد الله حدثنا محمد بن ~~يزيد الواسطي عن أيوب يعني أبا العلاء عن # PageV35P341 # قتادة ومنصور عن الحسن: في رجل قال: إن دخل منزل فلان فعليه مشي إلى بيت ~~الله؟ قال عليه كفارة يمين قال: فإن نذر أن يمشي فعليه المشي وإن لم يطق ~~المشي ركب فأهدى. وقال أبو عبد الله: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا ~~عاصم بن محمد عن أخيه عمر بن محمد قال: جاء إنسان فاستفتى القاسم بن محمد ~~بن أبي بكر فقال: يا أبا محمد كيف ترى في رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله؟ ~~فقال القاسم أجعله نذرا؟ قال لا. أوجعله لله؟ قال: لا قال: فليكفر عن يمينه # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: # ذكر ابن عساكر ما ذكره حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يقال مروان بن ~~الحكم كان عنده قضاء وكان يتبع قضاء عمر وذكر ما ذكره أبو زرعة الدمشقي. ~~قال: الاختلاف بين الناس في هذين الرجلين: محمد بن الوليد الزبيدي وشعيب بن ~~أبي حمزة وقد أخبرني الحكم بن نافع أنه رآهما جميعا الزبيدي وشعيب بن أبي ~~حمزة. ورأيته للزبيدي أكثر تعظيما وهما صاحبا الزهري بالرصافة من قبل هشام ~~بن عبد الملك: محمد بن الوليد الزبيدي على بيت المال وشعيب ms9941 بن أبي حمزة على ~~نفقات هشام. وعن بقية قال قال لنا الأوزاعي: ما فعل محمد بن الوليد ~~الزبيدي؟ قال قلت: ولي بيت المال. قال إنا لله وإنا إليه راجعون # PageV35P342 # وذكر ما ذكره الذهلي من حديث الزهري حدثنا سعيد بن كثير بن عفير أخبرنا ~~عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب: أن امرأة ~~نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الأمر فقدمت ~~المدينة تستفتي عن نذرها فجاءت عبد الله بن عمر فقال لها عبد الله: لا أعلم ~~الله أمر في النذر إلا بالوفاء قالت المرأة: فأنحر ابني؟ فقال عبد الله بن ~~عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم ثم لم يزدها ابن عمر على ذلك. فجاءت ~~عبد الله بن عباس فاستفتته عن ذلك فقال أمر الله بوفاء النذر ونهاكم أن ~~تقتلوا أنفسكم. وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط أن ~~ينحر أحدهم فلما توافى له عشرة وأقرع بينهم أيهم ينحر فصارت القرعة على عبد ~~الله بن عبد المطلب وكان أحب الناس إلى عبد المطلب فقال عبد المطلب. اللهم ~~أهو أو مائة من الإبل ثم أقرع بينه وبين مائة من الإبل في الجاهلية؛ وصارت ~~القرعة على نحر مائة من الإبل فقال ابن عباس للمرأة فإني أرى أن تنحري مائة ~~من الإبل مكان ابنك. فبلغ الحديث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فقال: ما ~~أرى ابن عمر وابن عباس أصابا الفتيا " إنه لا نذر في معصية الله " استغفري ~~الله وتوبي إليه واعملي ما استطعت من الخير فأما أن تنحري ابنك فإن الله قد ~~نهاك عن ذلك. قال: فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا أن قد أصاب ~~الفتوى فلم يزل الناس يفتون بأن لا نذر في معصية الله. # PageV35P343 # قلت ابن عمر كان من حاله أنه يتوقف عن النذر للمعصية لا يأمر فيه لا ~~بوفاء ولا ترك كما سئل عن من نذر صوم يوم العيد فقال: أمر ms9942 الله بالوفاء ~~بالنذر ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم؛ وذلك أنه ~~تعارض عنده دليلان: الأمر والنهي. ولم يتبين له أن الأمر بوفاء النذر مقيد ~~بطاعة الله؛ ولهذا نقل مالك في " موطئه " الحديث الذي أخرجه البخاري بعده ~~عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه؛ ومن ندر أن يعصي الله فلا يعصه} مع أن القرآن ليس فيه أمر بالوفاء ~~بالنذر بلفظ النذر مطلقا؛ إذ قوله {يوفون بالنذر} خبر وثناء وقوله: ~~{وليوفوا نذورهم} خاص؛ لكن الله أمر بالوفاء بالعهود والعقود والنذر من ~~ذلك. فهذا والله أعلم معنى قولهما: أمر الله بالوفاء بالنذر. وهذه حال من ~~يجعل العهود والعقود مقتضية للوفاء مطلقا من غير اعتبار في المعقود عليه. ~~وهذا كثيرا ما يعرض لبعض أهل الورع كما عرض لابن عمر حتى إنهم يمتنعون عن ~~نقض كثير من العهود والعقود المخالفة للشريعة وهم يتورعون أيضا عن مخالفة ~~الشريعة فيبقون في الحيرة وأما ابن عباس فعنه في هذه المسألة روايتان: " ~~إحداهما " هذا. " والأخرى " عليه ذبح كبش؛ وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ~~وقول أبي حنيفة وغيره وهذا هو الذي يناسب الشريعة؛ دون الاحتجاج بقصة عبد ~~المطلب فإن عمل أهل الجاهلية لا يحتج به أصلا إلا إذا أقره الإسلام # PageV35P344 # لكن ابن عباس احتج به لكون الدية أقرها الإسلام وهي بدل النفس فرأى هذا ~~البدل يقوم مقام المبدل في الافتداء ثم جعل الافتداء بالكبش اتباعا لقصة ~~إبراهيم وهو الأنسب. والرواية الأخرى عن أحمد عليه كفارة يمين كسائر نذور ~~المعصية. والذي أفتى به مروان أنه لا شيء عليه هو قول الشافعي وأحمد في ~~رواية وكل من يقول نذر المعصية لا شيء فيه. وهذا النذر ظاهره نذر يمين؛ لكن ~~المعروف عن ابن عمر وابن عباس أن ذلك يمين يكفرها. فتبين أنه كان نذر تبرر ~~كنذر عبد المطلب؛ ولكن مالك وغيره من أهل المدينة لا يفرقون بين البابين ~~فرووا القصة بالمعنى الذي عندهم. # وقال - رحمه الله تعالى -: # فصل: # قد ms9943 كتبت في " قاعدة العهود والعقود " القاعدة في العهود الدينية في ~~القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية وفي " ~~كتاب النذر " أيضا أن ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد الله عليه أو ~~بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإن هذه العهود # PageV35P345 # والمواثيق تقتضي له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول ~~فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود ~~والميثاق؛ وما يستحقه عاصي الله ورسوله. هذا هو التحقيق ومن قال من أصحابنا ~~إنه إذا نذر واجبا فهو بعد النذر كما كان قبل النذر؛ بخلاف نذر المستحب. ~~فليس كما قال؛ بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب ~~أولى؛ وليس هذا من باب تحصيل الحاصل؛ بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع حكم ~~غير حكم الآخر؛ مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أم أب؛ فإن فيها سببين كل ~~منهما تستحق به السدس. وكذلك من قال من أصحابنا: إن الشروط التي هي من ~~مقتضى العقد لا يصح اشتراطها؛ أو قال تفسد (1) حتى قال بعض أصحاب الشافعي ~~إذا قال: زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان ~~النكاح فاسدا لأنه شرط فيه الطلاق: فهذا كلام فاسد جدا؛ فإن العقود إنما ~~وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ومطلق العقد له معنى ~~مفهوم فإذا أطلق كانا قد أوجبا ما هو المفهوم منه؛ فإن موجب العقد هو واجب ~~بالعقد كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء وإنما أوجب الوفاء بالعقود كما ~~أوجب الوفاء بالنذر. فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو بعرف وصرح ~~المتعاقدان بإيجابه بلفظ خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام فيكون ~~العاقد PageV35P346 # قد أوجبه مرتين أو جعل له إيجابا خاصا يستغنى به عن الإيجاب العام. وفي ~~القرآن من هذا نظائر مثل قوله: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقوله: {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ms9944 مريم} ~~وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقوله: {قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين} وقوله: {يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أمر أجيره أن يرهن شيئا عند شخص فرهنه عند غيره فعدم الرهن فحلف ~~صاحب الرهن إن لم يأته به لم يستعمله معتقدا أنه لم يعدم ثم تبين له عدمه: ~~فهل يحنث إذا استعمله؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا كان حين حلف معتقدا أن الرهن باق بعينه لم يعدم فحلف ~~ليحضر لم يحنث والحالة هذه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل حلف على ولده لا يدخل الدار حتى يعطيه الكساء الذي أخذه؛ ثم تبين ~~له أنه لم يأخذ شيئا: فهل يحنث إذا دخل أم لا؟ # PageV35P347 # فأجاب: # إذا دخل منزله فلا حنث عليه إذا كانت الحالة ما ذكر؛ لكون المحلوف عليه ~~ممتنعا لذاته كما لو حلف ليشربن الماء الذي في هذا الإناء وليس فيه ماء في ~~أصح القولين؛ ولأنه إنما حلف لاعتقاده أن ابنه أخذه وتبين بخلاف ذلك. ومثل ~~هذا فيه أيضا نزاع. والصحيح أنه لا حنث فيه فصار غير حانث في هذين الوجهين. ~~والمسألة المشهورة إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فإن ~~هذا جهل بالمحلوف عليه بنفسه وذلك جهل بصفة المحلوف عليه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل حلفت عليه والدته أن لا يصالح زوجته. وإن صالحها ما ترجع تكلمه: ~~فما يجب في أمره وصالح زوجته وأمر والدته في الشرع المطهر؟ # فأجاب: # إذا صالح زوجته كما أمر الله ورسوله فينبغي لها أن تكلمه وتكفر عن ~~يمينها. وكفارة اليمين إما عتق رقبة وإما إطعام عشرة مساكين لكل مسكين ~~رطلان من الخبز. وينبغي أن يأدمه مما يؤكل بالموز والجبن واللحم وغيره وإما ~~كسوة عشرة مساكين ثوبا ثوبا. ويجوز أن يكفر عنها بإذنها الحالف أو زوجته. # PageV35P348 # وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: # كفارة اليمين هي المذكورة في سورة المائدة قال تعالى: {فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ms9945 أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام} فمتى كان واجدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث؛ فإن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام. وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك. " ومقدار ما ~~يطعم " مبني على أصل وهو أن إطعامهم: هل هو مقدر بالشرع؟ أو بالعرف؟ فيه ~~قولان للعلماء. منهم من قال: هو " مقدر بالشرع " وهؤلاء على أقوال. منهم من ~~قال: يطعم كل مسكين صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر؛ كقول ~~أبي حنيفة وطائفة. ومنهم من قال: يطعم كل واحد نصف صاع من تمر وشعير أو ربع ~~صاع من بر؛ وهو مد كقول أحمد وطائفة. ومنهم من قال: بل يجزئ في الجميع مد ~~من الجميع كقول الشافعي وطائفة. " والقول الثاني " أن ذلك مقدر بالعرف لا ~~بالشرع؛ فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعا. وهذا معنى ~~قول مالك قال إسماعيل # PageV35P349 # بن إسحاق: كان مالك يرى في كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة قال مالك: ~~وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم؛ لقول ~~الله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} وهو مذهب داود وأصحابه ~~مطلقا. والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول؛ ولهذا كانوا يقولون ~~الأوسط خبز ولبن خبز وسمن خبز وتمر. والأعلى خبز ولحم. وقد بسطنا الآثار ~~عنهم في غير هذا الموضع وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب ~~والسنة والاعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن ما لم يقدره ~~الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف ~~لا سيما مع قوله تعالى {من أوسط ما تطعمون أهليكم} فإن أحمد لا يقدر طعام ~~المرأة والولد ولا المملوك؛ ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته ~~في ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ولا يقدر الضيافة ~~المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه: هذا مع أن هذه ms9946 واجبة ~~بالشرط فكيف يقدر طعاما واجبا بالشرع؟ بل ولا يقدر الجزية في أظهر ~~الروايتين عنه ولا الخراج؛ ولا يقدر أيضا الأطعمة الواجبة مطلقا سواء وجبت ~~بشرع أو شرط ولا غير الأطعمة مما وجبت مطلقا. فطعام الكفارة أولى أن لا ~~يقدر. # PageV35P350 # و " الأقسام ثلاثة " فما له حد في الشرع أو اللغة رجع في ذلك إليهما. وما ~~ليس له حد فيهما رجع فيه إلى العرف؛ ولهذا لا يقدر للعقود ألفاظا بل أصله ~~في هذه الأمور من جنس أصل مالك كما أن قياس مذهبه أن مذهبه أن يكون الواجب ~~في صدقة الفطر نصف صاع من بر وقد دل على ذلك كلامه أيضا كما قد بين في موضع ~~آخر؛ وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك بالصاع كالتمر والشعير. وقد تنازع ~~العلماء في " الأدم " هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين. والصحيح أنه إن كان ~~يطعم أهله بأدم أطعم المساكين بأدم. وإن كان إنما يطعم بلا أدم لم يكن له ~~أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم المساكين من أوسط ما يطعم أهله. وعلى ~~هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله مدا من حنطة كما يقال عن أهل ~~المدينة وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقي وهو بالدمشقي خمسة أواق ~~وخمسة أسباع أوقية فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن السلف كان الخبز نحوا من ~~أربعة أواق وهذا لا يكفي أكثر أهل الأمصار؛ فلهذا قال جمهور العلماء: يطعم ~~في غير المدينة أكثر من هذا: إما مدان أو مد ونصف على قدر طعامهم فيطعم من ~~الخبز إما نصف رطل بالدمشقي وإما ثلثا رطل وإما رطل وإما أكثر. إما مع ~~الأدم على قدر عادتهم في الأكل في وقت (1) ؛ فإن عادة الناس تختلف بالرخص ~~PageV35P351 # والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف وغير ذلك. وإذا حسب ما ~~يوجبه أبو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقي؛ فإنه يوجب نصف صاع عنده ~~ثمانية أرطال. وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب صاعا ثمانية أرطال ~~وذلك بقدر ما يوجبه الشافعي ست مرات ms9947 وهو بقدر ما يوجبه أحمد بن حنبل ثلاث ~~مرات. والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم فقد يجزئ في بلد ما ~~أوجبه أبو حنيفة وفي بلد ما أوجبه أحمد وفي بلد آخر ما بين هذا وهذا على ~~حسب عادته؛ عملا بقوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} . وإذا جمع عشرة ~~مساكين وعشاهم خبزا وأدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك عند أكثر السلف ~~وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم وهو أظهر القولين ~~في الدليل فإن الله تعالى أمر بإطعام؛ لم يوجب التمليك وهذا إطعام حقيقة. ~~ومن أوجب " التمليك " احتج بحجتين " إحداهما " أن الطعام الواجب مقدر ~~بالشرع ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد يأكل قدر حقه. و " الثانية " أنه ~~بالتمليك يتمكن من التصرف الذي لا يمكنه مع الإطعام. وجواب الأولى أنا لا ~~نسلم أنه مقدر بالشرع؛ وإن قدر أنه مقدر به فالكلام # PageV35P352 # إنما هو إذا أشبع كل واحد منهم غداء وعشاء وحينئذ فيكون قد أخذ كل واحد ~~قدر حقه وأكثر. وأما التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب ~~فيها التمليك لأنه ذكرها باللام بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين} ولهذا حيث ذكر الله التصرف بحرف الظرف كقوله: {وفي الرقاب} {وفي ~~سبيل الله} فالصحيح أنه لا يجب التمليك؛ بل يجوز أن يعتق من الزكاة وإن لم ~~يكن ذلك تمليكا للمعتق ويجوز أن يشتري منها سلاحا يعين به في سبيل الله ~~وغير ذلك ولهذا قال من قال من العلماء الإطعام أولى من التمليك؛ لأن المملك ~~قد يبيع ما أعطيته ولا يأكله؛ بل قد يكنزه فإذا أطعم الطعام حصل مقصود ~~الشارع قطعا. وغاية ما يقال: أن التمليك قد يسمى إطعاما كما يقال؛ {أطعم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدة السدس} وفي الحديث: {ما أطعم الله نبيا ~~طعمة إلا كانت لمن يلي الأمر بعده} لكن يقال: لا ريب أن اللفظ يتناول ~~الإطعام المعروف بطريق الأولى ولأن ذلك إنما يقال إذا ذكر المطعم فيقال: ms9948 ~~أطعمه كذا. فأما إذا أطلق وقيل: أطعم هؤلاء المساكين. فإنه لا يفهم منه إلا ~~نفس الإطعام لكن لما كانوا يأكلون ما يأخذونه سمي التمليك للطعام إطعاما؛ ~~لأن المقصود هو الإطعام. أما إذا كان المقصود مصرفا غير الأكل فهذا لا يسمى ~~إطعاما عند الإطلاق. # PageV35P353 # وقال - قدس الله روحه -: # وأما " النذر " فهو نوعان: طاعة ومعصية. فمن نذر صلاة أو صوما أو صدقة ~~فعليه أن يوفي به وإن نذر ما ليس بطاعة مثل النذر لبعض المقابر والمشاهد ~~وغيرها زيتا أو شمعا أو نفقة أو غير ذلك فهذا نذر معصية وهو شبيه من بعض ~~الوجوه بالنذر للأوثان؛ كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: فهذا لا يجوز ~~الوفاء به بالاتفاق؛ لكن من العلماء من يوجب كفارة يمين كالإمام أحمد ~~وغيره. ومنهم من لا يوجب شيئا وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وإذا صرف الرجل ~~ذلك المنذور في قربة مشروعة مثل أن يصرف الدهن في تنوير المساجد التي هي ~~بيوت الله ويصرف النفقة إلى صالحي الفقراء: كان هذا عملا صالحا يتقبله الله ~~منه؛ مع أن أصل " عقد النذر " مكروه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه {أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير؛ وإنما يستخرج به من البخيل} ~~. والله أعلم. # PageV35P354 ### | باب القضاء # قال أبو العباس - قدس الله روحه -: # " فائدة نافعة جامعة " ### | المقصود من القضاء # وصول الحقوق إلى أهلها وقطع المخاصمة. فوصول الحقوق هو المصلحة وقطع ~~المخاصمة إزالة المفسدة. فالمقصود هو جلب تلك المصلحة وإزالة هذه المفسدة. ~~ووصول الحقوق هو من العدل الذي تقوم به السماء والأرض. وقطع الخصومة هو من ~~" باب دفع الظلم والضرر " وكلاهما ينقسم إلى إبقاء موجود ودفع مفقود. ففي ~~وصول الحقوق إلى مستحقها يحفظ موجودها ويحصل مقصودها وفي الخصومة يقطع ~~موجودها ويدفع مفقودها. فإذا حصل الصلح زالت الخصومة التي هي أحد ~~المقصودين. وأما " الحقوق " فإما أن تكون وصلت معه أو رضي صاحب الحق بتركه ~~وهو جائز وإذا انفصلت الحقوق بحكم وشهادة ونحو ذلك فقد يكون في فصلها جرح ~~الحكام والشهود ونحو ms9949 ذلك وهو من المفاسد التي لا يصار إليها إلا لضرورة ~~كالمخاصمة؛ فإنه قد يكون في الفصل الأمر صعبا بين المتخاصمين وغيرهما. # PageV35P355 # " فالأقسام أربعة ": إما فصل بصلح. فهذا هو الغاية لأنه حصل المقاصد ~~الثلاث على التمام. وإما فصل بحكم مر. فقد حصل معه وصول الحق وقطع الخصومة ~~ولم يحصل معه صلاح ذات البين: وإما صلح على ترك بعض ما يدعي أنه حق. فهذا ~~أيضا قد حصل مقصود الصلح وقطع النزاع؛ ولم يحصل مقصود وصول الحقوق؛ لكن ما ~~يقوم مقامه من الترك. ومن هنا يتبين أن الحكم بالصلح أحسن من الحكم بالفصل ~~المر لأنهما اشتركا في دفع الخصومة وامتاز ذلك بصلاح ذات البين مع ترك ~~أحدهما لحقه؛ وامتاز الآخر بأخذ المستحق حقه مع ضغائن. فتلك المصلحة أكمل ~~لا سيما إن كان الحق إنما هو في الظاهر وقد يكون الباطن بخلافه. وأما لا ~~فضل ولا صلح فهذا لا يصلح يحصل به مفسدة ترك القضاء. وإن كان الحق في يد ~~صاحبه كالوقف وغيره يخاف إن لم يحفظ بالبينات أن ينسيه شرط ويجحد ولا يأتيه ~~ونحو ذلك؛ فهنا في سماع الدعوى والشهادة من غير خصم حفظ الحق المجحود عن ~~خصم مقدر وهذا أحد مقصودي القضاء فلذلك يسمع ذلك. ومن قال من الفقهاء: لا ~~يسمع ذلك كما يقوله طوائف من الحنفية والشافعية والحنبلية فعنده ليس للقضاء ~~فائدة إلا فصل الخصومة ولا خصومة ولا قضاء؛ فلذلك لا تسمع البينة إلا في ~~وجه مدعى عليه لتظهر الخصومة. ومن قال بالخصم المسخر فإنه ينصب للشر ثم ~~يقطعه ومن قال تسمع فإنه يحفظ الحق الموجود ويذر الشر المفقود. والله أعلم. # PageV35P356 # وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # فصل: # فيما جعل الله للحاكم أن يحكم فيه وما لم يجعل لواحد من المخلوقين الحكم ~~فيه بل الحكم فيه على جميع الخلق لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ليس ~~لأحد من الحكام أن يحكم فيه على غيره ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامة. ~~وهذا مثل الأمور العامة الكلية التي أمر الله جميع ms9950 الخلق أن يؤمنوا بها ~~ويعملوا بها وقد بينها في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمعت ~~عليه الأمة أو تنازعت الأمة فيه إذا وقع فيه نزاع بين الحكام وبين آحاد ~~المسلمين: من العلماء أو الجند أو العامة أو غيرهم لم يكن للحاكم أن يحكم ~~فيها على من ينازعه ويلزمه بقوله ويمنعه من القول الآخر فضلا عن أن يؤذيه ~~أو يعاقبه. مثل أن يتنازع حاكم أو غير حاكم في قوله: {أو لامستم النساء} هل ~~المراد به الجماع؟ كما فسره ابن عباس وغيره وقالوا: إن مس المرأة لا ينقض ~~الوضوء لا لشهوة ولا لغير شهوة. أو المراد به اللمس بجميع البشرة إما لشهوة ~~وإما مطلقا؟ كما نقل الأول عن ابن عمر. والثالث قاله بعض العلماء. وللعلماء ~~في هذا " ثلاثة أقوال ". # PageV35P357 # والأظهر هو القول الأول وأن الوضوء لا ينتقض بمس النساء مطلقا وما زال ~~المسلمون يمسون نساءهم ولم ينقل أحد قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك؛ ولا نقل عن الصحابة على حياته أنه توضأ ~~من ذلك؛ ولا نقل عنه قط أنه توضأ من ذلك؛ بل قد نقل عنه في السنن {أنه كان ~~يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ} وقد اختلف في صحة هذا الحديث؛ لكن لا خلاف أنه ~~لم ينقل عنه أنه توضأ من المس. وكذلك تنازع المسلمون في الوضوء من خروج ~~الدم بالفصاد والحجامة والجرح والرعاف وفي " القيء " وفيه قولان مشهوران ~~وقد نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ من ذلك؛ وعن كثير من ~~الصحابة؛ لكن لم يثبت قط أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الوضوء من ذلك ~~بل كان أصحابه يخرجون في المغازي فيصلون ولا يتوضئون؛ ولهذا قال طائفة من ~~العلماء: إن الوضوء من ذلك مستحب غير واجب وكذلك قال في الوضوء " من مس ~~الذكر " و " مس المرأة لشهوة " إنه يستحب الوضوء من ذلك ولا يجب وكذلك ~~قالوا في " الوضوء من القهقهة " و " مما مست النار " إن الوضوء من ms9951 ذلك ~~يستحب ولا يجب؛ فمن توضأ فقد أحسن ومن لم يتوضأ فلا شيء عليه. وهذا أظهر ~~الأقوال. وليس المقصود ذكر هذه المسائل؛ بل المقصود ضرب المثل بها. # PageV35P358 # وكذلك تنازعوا في كثير من مسائل الفرائض كالجد والمشركة وغيرهما وفي كثير ~~من مسائل الطلاق والإيلاء وغير ذلك وكثير من مسائل العبادات في الصلاة ~~والصيام والحج وفي مسائل زيارات القبور؛ منهم من كرهها مطلقا ومنهم من ~~أباحها ومنهم من استحبها إذا كانت على الوجه المشروع وهو قول أكثرهم. ~~وتنازعوا في " السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ": هل يسلم عليه في ~~المسجد وهو مستقبل القبلة؟ أو مستقبل الحجرة؟ وهل يقف بعد السلام يدعو له ~~أم لا؟ وتنازعوا أي المسجدين أفضل: المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم واتفقوا على أنهما أفضل من المسجد الأقصى واتفقوا على أنه لا ~~يستحب السفر إلى بقعة للعبادة فيها غير المساجد الثلاثة واتفقوا على أنه لو ~~نذر الحج أو العمرة لزمه الوفاء بنذره واتفق الأئمة الأربعة والجمهور على ~~أنه لو نذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة لم يلزمه الوفاء بنذره وتنازعوا ~~فيما إذا نذر السفر إلى المسجدين إلى أمور أخرى يطول ذكرها. وتنازعوا في ~~بعض تفسير الآيات وفي بعض الأحاديث: هل ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~أو لم تثبت؟ # PageV35P359 # فهذه الأمور الكلية ليس لحاكم من الحكام كائنا من كان - ولو كان من ~~الصحابة - أن يحكم فيها بقوله على من نازعه في قوله فيقول: ألزمته أن لا ~~يفعل ولا يفتي إلا بالقول الذي يوافق لمذهبي؛ بل الحكم في هذه المسائل لله ~~ورسوله والحاكم واحد من المسلمين فإن كان عنده علم تكلم بما عنده وإذا كان ~~عند منازعه علم تكلم به فإن ظهر الحق في ذلك وعرف حكم الله ورسوله وجب على ~~الجميع اتباع حكم الله ورسوله وإن خفي ذلك أقر كل واحد على قوله - أقر قائل ~~هذا القول على مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه - ولم يكن لأحدهما أن يمنع ~~الآخر إلا بلسان العلم والحجة ms9952 والبيان فيقول ما عنده من العلم. وأما " ~~باليد والقهر " فليس له أن يحكم إلا في المعينة التي يتحاكم فيها إليه مثل ~~ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه وإذا ~~حكم هنا بأحد قولي العلماء ألزم الخصم بحكمه. ولم يكن له أن يقول أنا لا ~~أرضى حتى يحكم بالقول الآخر. وكذلك إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها ~~أحدهما فصل بينهما كما أمر الله ورسوله وألزم المحكوم عليه بما حكم به وليس ~~له أن يقول: أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره؛ فإن الحاكم عليه أن يجتهد ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا ~~اجتهد فأخطأ فله أجر} وقد يخص الله بعض الأنبياء والعلماء # PageV35P360 # والحكام بعلم دون غيره كما قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما} . # وعلى الحكام أن لا يحكموا إلا بالعدل. " والعدل " هو ما أنزل الله كما ~~قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} ثم ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فأوجب الله طاعة أولي الأمر مع طاعة ~~الرسول وأوجب على الأمة إذا تنازعوا أن يردوا ما تنازعوا إلى الله ورسوله ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله. فإن الله سبحانه وتعالى هو الحكم الذي يحكم بين ~~عباده والحكم له وحده وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم؛ فمن ~~أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين وكانت له سعادة الدنيا والآخرة ومن عصى ~~الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب؛ قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ms9953 ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا # PageV35P361 # بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم} وفي صحيح مسلم عن عائشة {أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا ~~فيه يختلفون اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم} . وقال تعالى {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم} فبين سبحانه وتعالى أنه هداهم وبين لهم الحق؛ لكن بعضهم ~~يبغي على بعض مع معرفته بالحق فيتبع هواه ويخالف أمر الله وهو الذي يعرف ~~الحق ويزيغ عنه كما قال تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} فقد بين ~~سبحانه وتعالى أنه بعث الرسل وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ~~ربي عليه توكلت وإليه أنيب} وقال يوسف: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من # PageV35P362 # سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} فالحكم لله وحده ورسله يبلغون عنه؛ فحكمهم حكمه ~~وأمرهم أمره وطاعتهم طاعته فما حكم به الرسول وأمرهم به وشرعه من الدين وجب ~~على جميع الخلائق اتباعه وطاعته؛ فإن ذلك هو حكم الله على خلقه. والرسول ~~يبلغ عن الله قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم ~~إذ ظلموا ms9954 أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فعلى جميع الخلق أن يحكموا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأكرم الخلق على الله ~~ليس لأحد أن يخرج عن حكمه في شيء سواء كان من العلماء أو الملوك أو الشيوخ ~~أو غيرهم. ولو أدركه موسى أو عيسى وغيرهما من الرسل كان عليهم اتباعه كما ~~قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} وروي عن غير واحد من ~~السلف - علي وابن عباس وغيرهما - قالوا: لم # PageV35P363 # يبعث الله نبيا من عهد نوح إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ~~ليؤمنن به ولينصرنه. وهو سبحانه أخذ الميثاق على النبي المتقدم أن يصدق من ~~يأتي بعده وعلى النبي المتأخر أن يصدق من كان قبله؛ ولهذا لم تختلف ~~الأنبياء بل دينهم واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: {إنا معشر الأنبياء ديننا واحد} وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} {وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون} أي ملتكم ملة واحدة كقولهم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} ~~أي ملة. وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام كلهم مسلمون ~~مؤمنون كما قد بين الله في غير موضع من القرآن؛ لكن بعض الشرائع تتنوع فقد ~~يشرع في وقت أمرا لحكمة ثم يشرع في وقت آخر أمرا آخر ms9955 لحكمة؛ كما شرع في أول ~~الإسلام # PageV35P364 # الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك وأمر بالصلاة إلى الكعبة فتنوعت ~~الشريعة والدين واحد وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام وكذلك ~~السبت لموسى من دين الإسلام ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ وهو ~~الصلاة إلى الكعبة فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام ~~ولا هو متبع لأحد من الأنبياء ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعا فشرعه باطل ~~لا يجوز اتباعه كما قال: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله} ولهذا كفر اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ. والله أوجب ~~على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الرسل؛ فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين وهو ما أتى به من ~~الكتاب والسنة فما جاء به الكتاب والسنة وهو الشرع الذي يجب على جميع الخلق ~~اتباعه؛ - وليس لأحد الخروج عنه وهو الشرع الذي يقاتل عليه المجاهدون وهو ~~الكتاب والسنة. وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة كما قال ~~جابر بن عبد الله: {أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - ~~يعني السيف - من خرج عن هذا. يعني المصحف} قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا # PageV35P365 # الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز} فبين سبحانه وتعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل وما به ~~يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد. فمن خرج عن الكتاب والميزان ~~قوتل بالحديد. فالكتاب والعدل متلازمان والكتاب هو المبين للشرع؛ فالشرع هو ~~العدل والعدل هو الشرع ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع ولكن كثيرا من الناس ~~ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع؛ بل يقولون ذلك إما جهلا وإما ~~غلطا وإما عمدا وافتراء وهذا هو الشرع المبدل الذي يستحق أصحابه العقوبة؛ ~~ليس هو الشرع المنزل الذي جاء به جبريل من ms9956 عند الله إلى خاتم المرسلين فإن ~~هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم ولا جهل قال تعالى: {وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} فالذي أنزل الله هو القسط والقسط هو الذي أنزل الله وقال تعالى: {إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل} وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله} فالذي أراه الله في كتابه هو العدل. # وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين ~~وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم؛ فهذه يسوغ # PageV35P366 # القول بها ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فهذا شرع دخل فيه التأويل والاجتهاد وقد يكون في نفس الأمر موافقا ~~للشرع المنزل فيكون لصاحبه أجران وقد لا يكون موافقا له؛ لكن لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها؛ فإذا اتقى العبد الله ما استطاع آجره الله على ذلك وغفر له ~~خطأه. ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ولكن إذا عرف ~~الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذي بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق ~~وذلك هو الشرع المنزل من عند الله وهو الكتاب والسنة وهو دين الله ورسوله ~~لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا يجاهدون على قول عالم ~~ولا شيخ ولا متأول؛ بل يجاهدون ليعبد الله وحده ويكون الدين له كما في ~~المسند عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم {بعثت بالسيف بين يدي ~~الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل ~~والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم} وقال تعالى {وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ~~قال {قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ms9957 ويقاتل حمية ويقاتل رياء: فأي ~~ذلك في سبيل الله؟ فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله} . # PageV35P367 # فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحد إلا الله؛ فلا يدعو غيره ولا يصلي لغيره ~~ولا يسجد لغيره؛ ولا يصوم لغيره ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته ولا يذبح ~~القرابين إلا له ولا ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا ~~يخاف إلا إياه ولا يتقي إلا إياه. فهو الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا ~~يدفع السيئات إلا هو ولا يهدي الخلق إلا هو؛ ولا ينصرهم إلا هو ولا يرزقهم ~~إلا هو ولا يغنيهم إلا هو ولا يغفر ذنوبهم إلا هو قال تعالى: {وقال الله لا ~~تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} {وله ما في السماوات ~~والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون} {وما بكم من نعمة فمن الله ثم ~~إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} . والله تعالى قد حرم ~~الشرك كله وأن يجعل له ندا؛ فلا يدعى غيره لا الملائكة ولا الأنبياء ولا ~~الصالحون ولا الشمس ولا القمر ولا الكواكب ولا الأوثان ولا غير ذلك؛ بل قد ~~بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر قال تعالى: {ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} وقال تعالى: # PageV35P368 # {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ذم الله سبحانه وتعالى لمن يدعو ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم من الصالحين وبين أن هؤلاء الذين يدعونهم لا ~~يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله ms9958 وأنهم يتقربون إلى الله بالوسيلة وهي ~~الأعمال الصالحة ويرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف يدعون المخلوقين ويذرون ~~الخالق وقال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} وهو سبحانه وتعالى عليم بأحوال عباده رحيم بهم؛ ~~كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه رأى امرأة من السبي ~~إذ رأت ولدا ألصقته ببطنها فقال: أترون هذه واضعة ولدها في النار؟ قالوا: ~~لا يا رسول الله قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها} وهو سبحانه سميع قريب ~~قال الله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي إنه سميع قريب} وهو تعالى رحيم ودود. و " الود " اللطف والمحبة؛ فهو ~~يود عباده المؤمنين ويجعل لهم الود في القلوب كما قال تعالى: {إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} قال ابن عباس وغيره: يحبهم ~~ويحببهم إلى عباده. # PageV35P369 # وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح ~~الملحين؛ بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه ويبغض من لا يدعوه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم {: من لا يسأل الله يغضب عليه} وقال تعالى {وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وقال ~~تعالى تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} قال بعض الصحابة: يا رسول الله ~~ربنا قريب فنناجيه؟ أو بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية. وهو سبحانه ~~وتعالى ليس كالمخلوقين الذين ترفع إليهم الحوائج بالحجاب؛ بل في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله قسمت الصلاة بيني ~~وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: ~~{الحمد لله رب العالمين} قال الله حمدني عبدي فإذا قال: {الرحمن الرحيم} ~~قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي؛ ~~فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال ms9959 الله هذه الآية بيني وبين عبدي ~~نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} {صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل} . # PageV35P370 # وهو سبحانه يتولى كلام عباده يوم القيامة كما جاء في الصحيح عن عدي بن ~~حاتم أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيكلمه ~~ربه عز وجل ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ~~شيئا قدمه وينطر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فتستقبله ~~النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد ~~فبكلمة طيبة} وهو سبحانه قريب ممن دعاه يتقرب ممن عبده وأطاعه كما في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا وإن ~~تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة} . والله سبحانه ~~يولي عباده إحسانا وجودا وكرما؛ لا لحاجة إليهم كما قال تعالى: {وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا} ولا يحاسب العباد إلا هو وحده وهو الذي يجازيهم بأعمالهم ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . وهو الذي ~~يرزقهم ويعافيهم وينصرهم ويهديهم؛ لا أحد غيره يفعل ذلك قال تعالى: {أمن ~~هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن # PageV35P371 # الكافرون إلا في غرور} {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ~~ونفور} وقال تعالى: {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ~~ربهم معرضون} وأصح القولين في الآية أن معناه من ذا الذي يكلؤكم بدلا من ~~الله؟ من الذي يدفع الآفات ms9960 عنكم التي تخافونها من الإنس والجن. # والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله عز وجل فهو الذي يبلغهم أمر ~~الله ونهيه ووعده ووعيده وتحليله وتحريمه: فالحلال ما حلله الله ورسوله ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله؛ وليس لأحد أن ~~يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الشرع الذي يجب على ~~ولاة الأمر إلزام الناس به ويجب على المجاهدين الجهاد عليه ويجب على كل ~~واحد اتباعه ونصره. # وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق " حكم الحاكم " ولو كان الحاكم ~~أفضل أهل زمانه؛ بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا ~~إليه في قضية معينة؛ لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء ~~المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله ~~به ورسوله؛ بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء؛ بل له أن ~~يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ومتى ترك العالم ما علمه من # PageV35P372 # كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان ~~مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة قال تعالى: {المص} {كتاب أنزل ~~إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} . ولو ضرب وحبس ~~وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع ~~حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة ~~الله في الأنبياء وأتباعهم قال الله تعالى: {الم} {أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم} وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول ms9961 والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} . # وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة اجتهادية قد تنازع فيها الصحابة ~~والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تخالف ما حكم به فعلى هذا أن يتبع # PageV35P373 # ما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر بذلك ويفتي به ويدعو ~~إليه ولا يقلد الحاكم. هذا كله باتفاق المسلمين. وإن ترك المسلم عالما كان ~~أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقول غيره كان ~~مستحقا للعذاب قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} وإن كان ذلك الحاكم قد خفي عليه هذا النص - مثل كثير من ~~الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم تكلموا في مسائل باجتهادهم وكان ~~في ذلك سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف اجتهادهم - فهم معذورون ~~لكونهم اجتهدوا و {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ولكن من علم سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يجز له أن يعدل عن السنة إلى غيرها قال تعالى: {وما ~~كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} ومن اتبع ما بعث الله به رسوله ~~كان مهديا منصورا بنصرة الله في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى: {ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} {إنهم لهم المنصورون} {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} وإذا أصابت العبد مصيبة كانت بذنبه لا باتباعه للرسول صلى الله ~~عليه وسلم بل باتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم # PageV35P374 # يرحم وينصر وبذنوبه يعذب ويخذل قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ولهذا لما انهزم المسلمون يوم أحد وكانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم واستظهر عليهم العدو بين الله لهم أن ذلك بذنوبهم ~~قال تعالى: {إن ms9962 الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} وقال تعالى: {أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وبين ~~سبحانه حكمة ابتلائهم فقال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} ~~{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} {إن يمسسكم قرح فقد ~~مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ~~ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين} وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} والله قدرها وقدر كل شيء. لكن ما أصاب العبد من عافية ونصر ورزق فهو ~~من إنعام الله عليه وإحسانه إليه فالخير كله من الله؛ وليس للعبد من نفسه ~~شيء بل هو فقير لا يملك # PageV35P375 # لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا: وما أصابه من مصيبة ~~فبذنوبه والله تعالى يكفر ذنوب المؤمنين بتلك المصائب ويأجرهم على الصبر ~~عليها ويغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما ~~يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة ~~يشاكها؛ إلا كفر الله بها من خطاياه} {ولما أنزل الله تعالى قوله: {من يعمل ~~سوءا يجز به} قال أبو بكر: يا رسول الله قد جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل ~~سوءا؟ قال: يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما ~~تجزون به} وقد قص الله علينا في القرآن أخبار الأنبياء وما أصابهم وما أصاب ~~أتباعهم المؤمنين من الأذى في الله ثم إنه تعالى نصرهم وجعل العاقبة لهم ~~وقص علينا ذلك لنعتبر به قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ~~ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل ms9963 شيء وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون} . # فالشرع الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه ويجب على ولاة الأمر نصره والجهاد ~~عليه هو الكتاب والسنة. وأما حكم الحاكم فذاك يقال له قضاء القاضي؛ ليس هو ~~الشرع الذي فرض الله على جميع الخلق طاعته؛ بل القاضي العالم العادل يصيب ~~تارة ويخطئ تارة ولو حكم الحاكم لشخص بخلاف # PageV35P376 # الحق في الباطن لم يجز له أخذه ولو كان الحاكم سيد الأولين والآخرين كما ~~في الصحيحين عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت ~~له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} فهذا سيد ~~الحكام والأمراء والملوك يقول إذا حكمت لشخص بشيء يعلم أنه لا يستحقه فلا ~~يأخذه. وقد أجمع المسلمون على أن حكم الحاكم بالأملاك المرسلة لا ينفذ في ~~الباطن فلو حكم لزيد بمال عمرو وكان مجتهدا متحريا للحق لم يجز له أخذه. ~~وأما في " العقود والفسوخ " مثل أن يحكم بنكاح أو طلاق أو بيع أو فسخ بيع ~~ففيه نزاع معروف وجمهورهم يقولون لا ينفذ أيضا وهي مسألة معروفة؛ وهذا إذا ~~كان الحاكم عالما عادلا وقد حكم في أمر دنيوي. و ### | " القضاة ثلاثة # أنواع " كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {القضاة ثلاثة ~~قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة. ورجل ~~قضى للناس على جهل فهو في النار. ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار} ~~فالقاضي الذي هو من أهل الجنة إذا حكم للإنسان بما يعلم أنه غير حق لم يحل ~~له أخذه؛ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين فكيف إذا حكم ~~في الدين الذي ليس له أن يحكم فيه؛ بل هو فيه واحد من المسلمين إن كان له ~~علم تكلم وإلا سكت؛ # PageV35P377 # مثل أن يحكم بأن السفر إلى غير المساجد الثلاثة مشروع مستحب يثاب فاعله ~~وأن ms9964 من قال إنه لا يستحب يؤذى ويعاقب أو يحبس: فهذا الحكم باطل بإجماع ~~المسلمين؛ لا يحل لمن عرف دين الإسلام أن يتبعه ولا لولي أمر أن ينفذه ومن ~~نفذ مثل هذا الحكم ونصره كان له حكم أمثاله إن قامت عليه الحجة التي بعث ~~الله بها رسوله وخالفها استحقوا العقاب وكذلك إن ألزم بمثل هذا جهلا وألزم ~~الناس بما لا يعلم فإنه مستحق للعقاب فإن كان مجتهدا مخطئا عفي عنه. وقد ~~فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة وإذا ~~تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة ~~العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم؛ بل عليهم أن يبينوا ~~له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذي بعث الله به ~~رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب. وأما من يقول: إن الذي قلته هو ~~قولي أو قول طائفة من العلماء المسلمين؛ وقد قلته اجتهادا أو تقليدا: فهذا ~~باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ~~ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد ~~فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها؛ فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق؛ ~~بل قد قال الله تعالى في القرآن: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن # PageV35P378 # بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير} {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف ~~عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {: أن الله استجاب هذا الدعاء ولما قال ~~المؤمنون: {ربنا لا تؤاخذنا إن ms9965 نسينا أو أخطأنا} قال الله: قد فعلت} وكذلك ~~في سائر الدعاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم {: إن الله تجاوز لأمتي عن ~~الخطإ والنسيان وما استكرهوا عليه} فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا ~~بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم ~~لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأ مجمعا عليه. ~~وإذا قالوا إنا قلنا الحق واحتجوا بالأدلة الشرعية: لم يكن لأحد من الحكام ~~أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم ~~بينه وبينهم الكتاب والسنة والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر ~~فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا؛ ~~كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب ~~مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما # PageV35P379 # فيحكم بأن قوله هو الصواب. فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين ~~المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه؛ بخلاف ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فإنه من عند الله؛ حق وهدى وبيان ليس فيه خطأ قط ولا اختلاف ولا ~~تناقض قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعدى بعضهم على ~~بعض منعوهم العدوان؛ وهم قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة؛ وأن يكون اليهودي ~~والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يلزمه أحد بترك ~~دينه؛ مع العلم بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا ~~طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض؛ وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه ~~هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها؛ فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا. وهذا ~~إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان القول ~~الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ms9966 ولا هو مذهب أئمتهم الذين ~~ينتسبون إليهم؛ ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين؛ ولا فيه آية من كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع ~~الأئمة فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين # PageV35P380 # باتباع هذا القول وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع ~~وأن يقال: القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال ولا يفتى ~~به بل يعاقب ويؤذى من أفتى به ومن تكلم به وغيرهم ويؤذى المسلمون في أنفسهم ~~وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفي ~~على غيرهم وهم يعذرون من خفي عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم ولا يعتدون عليه ~~فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم ويلزم من عرف ما عرفه من ~~شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا ~~لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله ~~لا يغفل عن مثل هذا وليس الحق في هذا لأحد من الخلق فإن الذين اتبعوا ما ~~علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدا في دم ولا مال ولا ~~عرض ولا لأحد عليهم دعوى؛ بل هم قالوا نحن نتبع ما عرفناه من دين الإسلام ~~وما جاء به الكتاب والسنة من توحيد الله وعبادته لا شريك له فلا نعبد إلا ~~الله وحده ونعبده بما أمر به رسوله وشرعه من الدين فما دعانا إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمرنا به أطعناه وما جعله الرسول دينا وقربة ~~وطاعة وحسنة وعملا صالحا وخيرا سمعنا وأطعنا لله ولرسوله واعتقدناه قربة ~~وطاعة وفعلناه وأحببنا من يفعل به ودعونا إليه وما نهانا # PageV35P381 # عنه الرسول انتهينا عنه وإن كان غيرنا يعتقد أن ذلك قربة فنحن علينا أن ~~نطيع الرسول ليس علينا أن نطيع من خالفه وإن كان متأولا. ومعلوم أن أهل ~~الكتاب وأهل البدع يتعبدون تعبدات كثيرة يرونها قربة وطاعة وقد ms9967 نهى عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قال أنا أطيع الرسول ولا أتعبد بهذه ~~العبادات بل أنهى عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسوغ أن ~~يعارض بل لو كان مخطئا مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين. ولا ~~يجب عليه اتباع حكم أحد بإجماع المسلمين وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا العمل طاعة أو قربة أو ليس بطاعة ~~ولا قربة ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشرع أو لا يشرع ليس للحكام في هذا مدخل إلا كما يدخل فيه غيرهم من ~~المسلمين؛ بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن كان ~~عنده علم تكلم بما عنده من العلم. وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع ~~المسلمين؛ بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب ~~قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف ~~الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ويعاقب إن لم يمتنع وأما ~~إذا لم يبين له ذلك بالأدلة # PageV35P382 # الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين ولا منعه من ذلك القول ولا الحكم ~~عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول إن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما ~~قاله فلان وفلان من علماء المسلمين؛ فهذا إذا اجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا ~~بالكتاب والسنة؛ والمنازع له يتكلم بلا علم والحكم الذي حكم به لم يقله أحد ~~من علماء المسلمين فعلماء المسلمين الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن ~~لهم إلزام الناس بذلك إلا بحجة شرعية لا بمجرد حكمهم. # فإن الله إنما أوجب على الناس اتباع الرسول وطاعته واتباع حكمه وأمره ~~وشرعه ودينه؛ وهو حجة الله على خلقه؛ وهو الذي فرق الله به بين الحق ~~والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق الجنة وطريق النار وبه هدى ~~الله الخلق ms9968 قال الله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: {ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل ~~مبشرين ومنذرين} فالحجة على الخلق تقوم بالرسل وما جاء به الرسول هو الشرع ~~الذي يجب على الخلق قبوله وإلى الكتاب والسنة يتحاكم جميع الخلق. # PageV35P383 # ولهذا كان من أصول السنة والجماعة أن من تولى بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كالخلفاء الراشدين وغيرهم لا يجب أن ينفرد واحد منهم بعلم لا ~~يعلمه غيره؛ بل علم الدين الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم يشترك ~~المسلمون في معرفته وإذا كان عند بعضهم من الحديث ما ليس عند بعض بلغه ~~هؤلاء لأولئك؛ ولهذا كان الخلفاء يسألون الصحابة في بعض الأمور: هل عندكم ~~علم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإذا تبين لهم سنة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حكموا بها كما سألهم أبو بكر الصديق عن ميراث الجدة لما أتته فقال: ما ~~لك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا؛ ولكن حتى أسأل ~~الناس. فسألهم؛ فأخبره محمد بن مسلمة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعطاها السدس. وكذلك {عمر بن الخطاب لما سألهم عن الجنين إذا قتل قام ~~بعض الصحابة فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة} ~~أي من قتل جنينا ضمنه بمملوك أو جارية لورثته فقضى بذلك قالوا: وتكون قيمته ~~بقدر عشر دية أمه وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ~~{إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} وروي {أنه ~~ضرب الحق ms9969 على لسانه وقلبه} وقال {لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر} ومع هذا ~~فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة؛ بل كان يشاور الصحابة ~~ويراجع فتارة يقول قولا فترده # PageV35P384 # عليه امرأة فيرجع إليها كما أراد أن يجعل الصداق محدودا لا يزاد على ~~صداقات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من زاد جعلت الزيادة في بيت ~~المال - وكان المسلمون يعجلون الصداق قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرونه إلا ~~أمرا نادرا - فقالت امرأة: يا أمير المؤمنين لم تحرمنا شيئا أعطانا الله ~~إياه في كتابه؟ فقال: وأين؟ فقالت في قوله تعالى {وإن أردتم استبدال زوج ~~مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} فرجع عمر إلى قولها ~~وقال: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وكان في مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض ~~والطلاق يرى رأيا ويرى علي بن أبي طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود رأيا ~~ويرى زيد بن ثابت رأيا؛ فلم يلزم أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتي بقوله ~~وعمر رضي الله عنه إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد ~~من الحكام خيرا من عمر. هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد فكيف إذا كان ~~ما قاله لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا من قبلهم من الصحابة ~~والتابعين؛ وإنما يقوله مثله وأمثاله ممن لا علم لهم بالكتاب والسنة وأقوال ~~السلف والأئمة؛ وإنما يحكمون بالعادات التي تربوا عليها كالذين قالوا: {إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وكما تحكم # PageV35P385 # الأعراب بالسوالف التي كانت لهم وهي عادات كما يحكم التتر " بالياسق " ~~الذي جرت به عاداتهم وأما أهل الإيمان والإسلام والعلم والدين فإنما يحكمون ~~بكتاب الله وسنة رسوله كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال ~~تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} والله ~~سبحانه لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق ms9970 بينهما فإنه لا يعلم ~~أيهما الظالم؛ وليس بينهما بينة؛ بل أمر بحكمين؛ وألا يكونا متهمين؛ بل ~~حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة كما قال تعالى: {وإن خفتم شقاق ~~بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا} أي الحكمين ~~{يوفق الله بينهما} أي بين الزوجين. فإن رأيا المصلحة أن يجمعا بين الزوجين ~~جمعا وإن رأيا المصلحة أن يفرقا بينهما فرقا: إما بعوض تبذله المرأة فتكون ~~الفرقة خلعا إن كانت هي الظالمة وإن كان الزوج هو الظالم فرق بينهما بغير ~~اختياره. وأكثر العلماء على أن هذين حكمان كما سماهما الله حكمين يحكمان ~~بغير توكيل الزوجين وهذا قول مالك والشافعي والإمام أحمد في أحد قوليهما ~~وقيل هما وكيلان كقول أبي حنيفة والقول الآخر في المذهبين. # PageV35P386 # فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين ~~زوجين. ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق ~~المسلمين فكيف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين وقد ~~اشتبهت على كثير من الناس. هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ~~ورسوله فمن كان عنده علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وأوضحه ~~للمسلمين والمسلمون إذا عرفوا شرع نبيهم لم يعدلوا عنه وإن كان كل قوم ~~يقولون عندنا علم من الرسول ولم يكن هناك أمر ظاهر يجمعون فيما تنازعوا فيه ~~كان أحد الحزبين لهم أجران والآخرون لهم أجر واحد كما قال تعالى: {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . " وولي الأمر " إن عرف ما جاء ~~به الكتاب والسنة حكم بين الناس به وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول ~~هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به؛ وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك ~~المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده؛ وليس له أن يلزم ~~أحدا بقبول قول غيره ms9971 وإن كان حاكما. # PageV35P387 # وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم ~~بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع ~~بأسهم بينهم} وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد ~~مرة في زماننا وغير زماننا ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره ~~فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله ~~يقول في كتابه: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} {الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور} فقد وعد الله بنصر من ينصره ونصره هو نصر كتابه ~~ودينه ورسوله؛ لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم فإن ~~الحاكم إذا كان دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما ~~لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم ~~كان أولى أن يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا ~~حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة ~~والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله ~~وأمر بما نهى الله عنه ورسوله: فهذا لون آخر. يحكم فيه رب العالمين وإله ~~المرسلين مالك يوم الدين الذي {له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون} {الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا} . والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم. # PageV35P388 # وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: (*) # " الدعاوى " التي يحكم فيها ولاة الأمور سواء سموا قضاة أو ولاة أو تسمى ~~بعضهم في بعض الأوقات ولاة الأحداث أو ولاة المظالم أو غير ذلك من الأسماء ~~العرفية الاصطلاحية؛ فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق. وعلى ~~كل من ولي أمر ms9972 الأمة أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والقسط وأن يحكم ~~بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الشرع المنزل من عند ~~الله قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} ~~وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل} وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله} وقال تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم} فالدعاوى " قسمان ": دعوى تهمة وغير تهمة. فدعوى التهمة أن يدعي ~~فعلا يحرم على المطلوب يوجب عقوبته؛ مثل قتل؛ أو قطع طريق PageV35P389 # أو سرقة؛ أو غير ذلك من أنواع العدوان المحرم كالذي يستخفي به بما يتعذر ~~إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة. وغير التهمة أن يدعي دعوى ~~عقد من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم؛ مثل ~~دين ثابت في الذمة من ثمن بيع أو قرض أو صداق أو دية خطأ أو غير ذلك. فكل ~~من القسمين قد يكون دعوى حد لله عز وجل محض كالشرب والزنا. وقد يكون حقا ~~محضا لآدمي: كالأموال. وقد يكون فيه الأمران كالسرقة وقطع الطريق فهذان " ~~القسمان " إذا أقام المدعي فيه حجة شرعية وإلا فالقول قول المدعى عليه مع ~~يمينه؛ لما روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن ~~اليمين على المدعى عليه} وفي رواية في الصحيحين عن ابن عباس: {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه} فهذا الحديث نص أن أحدا لا ~~يعطى بمجرد دعواه. ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء تجب فيها اليمين ~~ابتداء على المدعى عليه وليس فيه أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا ~~اليمين على المدعى عليه؛ بل ثبت عنه صلى الله عليه ms9973 وسلم أنه {قال # PageV35P390 # للأنصار لما اشتكوا إليه لأجل قتيلهم الذي قتل بخيبر وهو عبد الله بن سهل ~~فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخوه عبد الرحمن وأبناء عمه حويصة ~~ومحيصة وكان محيصة معه بخيبر وقال: أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون قاتلكم ~~قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبريكم يهود بخمسين يمينا قالوا: ~~وكيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟} أخرجه أصحاب الصحاح والسنن جميعهم مثل البخاري ~~ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وفي رواية في الصحيحين قال: {يقسم خمسون ~~منكم على رجل منهم فيدفع برمته} وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس: أن ~~{النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين} رواه الترمذي وابن ماجه من ~~حديث جابر ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وروي ذلك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة. وهذه الأحاديث أصح وأشهر ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. وابن عباس الذي يروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {أنه قضى باليمين مع الشاهد} وأن هذا قضى به في ~~دعاوى وقضى بهذا في دعاوى. وأما الحديث المشهور في ألسنة الفقهاء {البينة ~~على من ادعى واليمين على من أنكر} فهذا قد روي أيضا؛ لكن ليس إسناده في ~~الصحة والشهرة مثل غيره ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة ولا قال بعمومه ~~أحد من علماء الملة؛ إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وغيره؛ فإنهم # PageV35P391 # يرون اليمين دائما في جانب المنكر حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا ~~يقضون بالشاهد واليمين ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول واستدلوا ~~بعموم هذا الحديث. وأما سائر علماء الملة من أهل المدينة ومكة والشام ~~وفقهاء الحديث وغيرهم: مثل ابن جريح ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم: فتارة يحلفون المدعي وتارة يحلفون المدعى ~~عليه كما جاءت بذلك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأصل عند جمهورهم ~~أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين. " والبينة " عندهم ms9974 اسم لما يبين الحق. ~~وبينهم نزاع في تفاريع ذلك؛ فتارة يكون لوثا مع أيمان القسامة. وتارة يكون ~~شاهدا ويمينا. وتارة يكون دلائل غير الشهود كالصفة للقطة. وأجابوا عن ذلك ~~الحديث: تارة بالتضعيف. وتارة بأنه عام وأحاديثهم خاصة. وتارة بأن أحاديثهم ~~أصح وأكثر وأشهر؛ فالعمل بها عند التعارض أولى وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه طلب البينة من المدعي واليمين من المنكر في حكومات معينة؛ ~~ليست من جنس دعاوى التهم؛ # PageV35P392 # مثل ما خرجا في الصحيحين عن {الأشعث بن قيس أنه قال: كانت بيني وبين رجل ~~حكومة في بئر؛ فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شاهداك أو ~~يمينه فقلت: إذا يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين صبر يقطع بها مال ~~امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان وفي رواية فقال بينتك أنها ~~بئرك؛ وإلا فيمينه} وعن وائل بن حجر قال: {جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني ~~على أرض كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي وبيدي أزرعها ليس له فيها حق. ~~فقال: النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك ~~يمينه فقال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه فليس يتورع ~~من شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~أدبر الرجل أما لئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض} ~~رواه مسلم والترمذي وصححه. ففي هذا الحديث الصحيح أنه لم يوجب على المطلوب ~~إلا اليمين مع ذكر المدعي لفجوره وقال " ليس لك منه إلا ذلك " وكذلك في ~~الحديث الأول كان خصم الأشعث يهوديا هكذا جاء في الصحيحين ومع هذا لم يوجب ~~عليه إلا اليمين وفي حديث القسامة أن الأنصار لما قالوا: # PageV35P393 # كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ لم ينكر ذلك عليهم؛ فعلم أن الدعاوى مختلفة في ~~ذلك. وهذا القسم ms9975 لا أعلم فيه نزاعا. أعني أن القول فيه قول المدعى عليه مع ~~اليمين إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية؛ وهي البينة. والبينة التي هي الحجة ~~الشرعية: تارة تكون بشاهدين عدلين رجلين. وتارة رجل وامرأتين. وتارة أربع ~~شهداء وتارة ثلاثة عند بعض العلماء من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعي وهو ~~دعوى الإفلاس فيمن علم أن له مالا فقد جاء في صحيح مسلم عن قبيصة بن مخارق ~~الهلالي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحل المسألة لأحد إلا لثلاثة ~~رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك؛ ورجل أصابته جائحة ~~اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش؛ ورجل أصابته فاقة حتى ~~يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه يقولون لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش؛ فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها ~~صاحبها سحتا} ولأن الغنى من الأمور الخفية التي تقوى بها التهمة بإخفاء ~~المال. وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب عند جمهور فقهاء الإسلام من ~~أهل الحجاز وفقهاء الحديث. وتارة تكون الحجة نساء: إما امرأة عند أبي حنيفة ~~وأحمد في المشهور عنه وإما امرأتين عند مالك وأحمد في رواية وإما أربع نسوة ~~عند الشافعي. وتارة تكون الحجة غير ذلك. # PageV35P394 # وتارة تكون الحجة اللوث واللطخ والشبهة مع أيمان المدعي خمسين يمينا وهي ~~القسامة التي يبدأ فيها بأيمان المدعي عند عامة فقهاء الحجاز وأهل الحديث. ~~وتمتاز عن غيرها بأن اليمين فيها خمسون يمينا كما امتازت أيمان اللعان بأن ~~كانت أربع شهادات بالله لأن كل يمين أقيمت مقام شاهد. والقسامة توجب القود ~~عند مالك وأحمد وتوجب الدية فقط عند الشافعي. وأهل الرأي لا يحلفون فيها ~~إلا المدعى عليه كما تقدم مع أنهم مع تحليفه يوجبون عليه الدية. على تفصيل ~~معروف ليس الغرض هنا ذكره وإنما الغرض التنبيه على مجامع الأحكام في ~~الدعاوى فإنه باب عظيم والحاجة إليه شديدة عامة. وقد وقع فيه التفريط من ~~بعض ولاة الأمور والعدوان من بعضهم ms9976 ما أوجب الجهل بالحق والظلم للخلق وصار ~~لفظ " الشرع " غير مطابق لمسماه الأصلي؛ بل لفظ الشرع في هذه الأزمنة " ~~ثلاثة أقسام ". " أحدها " الشرع المنزل وهو الكتاب والسنة واتباعه واجب من ~~خرج عنه وجب قتله ويدخل فيه أصول الدين وفروعه؛ وسياسة الأمراء وولاة المال ~~وحكم الحكام ومشيخة الشيوخ وغير ذلك فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن ~~طاعة الله ورسوله. و " الثاني " الشرع المؤول وهو موارد النزاع والاجتهاد ~~بين الأمة فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه ولم تجب على جميع الخلق ~~موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة. # PageV35P395 # و " الثالث " الشرع المبدل مثل ما يثبت من شهادات الزور أو يحكم فيه ~~بالجهل والظلم بغير العدل والحق حكما بغير ما أنزل الله أو يؤمر فيه بإقرار ~~باطل لإضاعة حق: مثل أمر المريض أن يقر لوارث بما ليس بحق ليبطل به حق بقية ~~الورثة فإن الأمر بذلك والشهادة عليه محرمة وإن كان الحاكم الذي لم يعرف ~~باطن الأمر إذا حكم بما ظهر له من الحق لم يأثم فقد قال سيد الحكام صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {إنكم تختصمون إلي؛ ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق ~~أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} # القسم الآخر من الدعاوى " دعاوى التهم " وهي دعوى الجناية والأفعال ~~المحرمة مثل دعوى القتل. وقطع الطريق والسرقة والعدوان على الخلق بالضرب ~~وغيره. فهذا ينقسم المدعى عليه إلى " ثلاثة أقسام " فإن المتهم إما أن يكون ~~ليس من أهل تلك التهمة أو فاجرا من أهل تلك التهمة أو يكون مجهول الحال لا ~~يعرف الحاكم حاله فإن كان برا لم تجز عقوبته بالاتفاق. واختلفوا في عقوبة ~~المتهم له مثل أن يوجد في يد رجل عدل مال مسروق؛ ويقول ذو اليد ابتعته من ~~السوق لا أدري # PageV35P396 # من باعه فلا عقوبة عليه بالاتفاق. ثم قال أصحاب مالك وغيرهم: يحلف ~~المستحق أنه ملكه ما خرج ms9977 عن ملكه ويأخذه قال هؤلاء: لا يمين على المطلوب ثم ~~اختلفوا في العقوبة للمتهم له؟ فقال مالك وأشهب: لا أدب على المدعي إلا أن ~~يقصد أذيته وعيبه وشتمه فيؤدب. وقال أصبغ: يؤدب قصد أذيته أو لم يقصد وكذلك ~~عامة العلماء يقولون إن الحدود التي لله لا يحلف فيها المدعى عليه فإذا أخذ ~~المستحق ماله لم يبق على ذوي اليد دعوى إلا لأجل الحد ولا يحلف. " القسم ~~الثاني " أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور فهذا يحبس حتى ~~ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام. والمنصوص عند أكثر الأئمة أنه يحبسه ~~القاضي والوالي؛ هكذا نص عليه مالك وأصحابه؛ وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي ~~أصحابه وذكره أصحاب أبي حنيفة وقال الإمام أحمد. قد حبس النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تهمة قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره وذلك لما رواه أبو ~~داود في سننه والخلال وغيرهما عن بهز بن حكيم؛ عن أبيه عن جده: {أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة} وروى الخلال عن أبي هريرة {أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حبس في تهمة يوما وليلة} والأصول المتفق عليها بين الأئمة ~~توافق ذلك. فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعى عليه الذي يجب ~~إحضاره وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس # PageV35P397 # الحكم حتى يفصل بينهما ويحضره من مسافة الدعوى التي هي عند بعضهم بريد؛ ~~وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يوم؛ كما يقوله من قاله من أصحاب ~~الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وعند بعضهم أن مسافة القصر أربعة برد ~~مسيرة يومين قاصدين كما يقوله أحمد في إحدى الروايتين؛ ثم الحاكم قد يكون ~~مشغولا عن تعجيل الفصل وقد يكون عنده حكومات سابقة فيبقى المطلوب محبوسا ~~معوقا من حين يطلب إلى حين يفصل بينه وبين خصمه وهذا حبس بدون التهمة ففي ~~التهمة أولى. # فإن " الحبس الشرعي " ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ~~ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد ms9978 أو كان بتوكيل نفس الخصم أو ~~وكيل الخصم عليه؛ ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا كما روى أبو ~~داود وابن ماجه عن {الهرماس بن حبيب عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم بغريم لي فقال لي: الزمه ثم قال: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل ~~بأسيرك} وفي رواية ابن ماجه {ثم مر بي آخر النهار فقال: ما فعل أسيرك يا ~~أخا بني تميم؟} وهذا هو الحبس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حبسا معدا لسجن الناس ولكن لما ~~انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا وحبس ~~فيها.ولقد # PageV35P398 # تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم هل يتخذ الإمام حبسا؟ على قولين. فمن ~~قال: لا يتخذ حبسا؛ قال: يعوقه بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ وهو ~~الذي يسمى " الترسيم ". ولهذا لما كان حضور مجلس الحاكم تعويقا ومنعا من ~~جنس السجن والحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى؟ أم ~~لا يحضر إذا كان ممن يبتذل بالحضور حتى يبين لمدعي الدعوى أصل؟ على قولين ~~هما روايتان عن أحمد. " والثاني " قول مالك. " والأول " قول أبي حنيفة ~~والشافعي. ومن العلماء من قال: الحبس في التهمة إنما هو للوالي والي الحرب؛ ~~دون القاضي وقد ذكرها طائفة من أصحاب الشافعي. كأبي عبد الله الزبيري وأقضى ~~القضاة الماوردي وغيرهما. وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في " أدب القضاة " ~~وغيرهم. واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة: هل هو مقدر؟ أو مرجعه إلى ~~اجتهاد الإمام؟ على قولين ذكرهما القاضي أبو يعلى والقاضي الماوردي ~~وغيرهما. وقيل هو مقدر بشهر وهو قول أبي عبد الله الزبيري. وقيل: هو غير ~~مقدر وهو اختيار الماوردي. # PageV35P399 # القسم " الثالث " أن يكون المتهم معروفا بالفجور مثل المتهم بالسرقة إذا ~~كان معروفا بها قبل ذلك والمتهم بقطع طريق إذا كان معروفا به والمتهم ~~بالقتل أو كان أحد هؤلاء معروفا بما يقتضي ذلك. فإذا جاز حبس ms9979 المجهول فحبس ~~المعروف بالفجور أولى وما علمت أحدا من أئمة المسلمين المتبعين من قال إن ~~المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره من جميع ولاة ~~الأمور؛ فليس هذا على إطلاقه مذهب أحد من الأئمة ومن زعم أن هذا على إطلاقه ~~وعمومه هو الشرع فهو غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولإجماع الأمة وبمثل هذا الغلط الفاحش استجرأ الولاة على مخالفة الشرع ~~وتوهموا أن مجرد الشرع لا بسياسة العالم وبمصالح الأمة واعتدوا حدود الله ~~في ذلك. وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج الناس عنه إلى أنواع من ~~البدع السياسية. فهذا القسم فيه مسائل القسامة والحكم فيها معروف ولا يحتاج ~~إلى ذكرها هاهنا. وأما التهمة في السرقة وقطع الطريق ونحوهما فقد تقدم ذكر ~~الحبس فيهما. # وأما ### | الامتحان بالضرب # ونحوه فاختلف فيه هل: يشرع للقاضي والوالي؟ أم يشرع للوالي دون القاضي؟ ~~أم يشرع الضرب لواحد منهما؟ على " ثلاثة أقوال ". # PageV35P400 # " أحدها " أنه يضرب فيها القاضي والوالي وهذا قول طائفة من العلماء من ~~أصحاب مالك وغيرهم منهم أشهب قاضي مصر قال أشهب: يمتحن بالسجن والأدب ويضرب ~~بالسوط مجردا. " والقول الثاني " لا يضرب بل يحبس كما تقدم وهذا قول أصبغ ~~من أصحاب مالك وقول كثير من الحنفية والشافعية وغيرهم؛ لكن حبس المتهم ~~عندهم أبلغ من حبس المجهول؛ فلذلك اختلفوا هل يحبس حتى يموت؟ فقال عمر بن ~~عبد العزيز وجماعة من أصحاب مالك كمطرف وابن الماجشون وغيرهما أنه يحبس حتى ~~يموت. وهكذا روي عن الإمام أحمد فيمن لم ينته عن بدعته أنه يحبس حتى يموت ~~وقال مالك: لا يحبس حتى يموت. و " القول الثالث " أنه يضربه الوالي دون ~~القاضي وهذا القول ذكره طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كالقاضي أبي الحسن ~~الماوردي والقاضي أبي يعلى وغيرهما. وبسطوا القول في ذلك في كتب " الأحكام ~~السلطانية " وقالوا: إن ولاية الحرب معتمد العقوبة على الجرائم والمنع من ~~الفساد في الأرض وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام؛ ~~بخلاف ولاية ms9980 الحكم فإن مقصودها يحصل بدون ذلك وهذا القول هو قول بجواز ذلك ~~في الشريعة؛ لكن كل ولي أمر بفعل ما فوض إليه فكما أن والي الصدقات لا يملك ~~من القبض والصرف ما يملكه والي # PageV35P401 # الخراج وإن كان كلاهما مالا شرعيا؛ وكذلك والي الحرب ووالي الحكم كل ~~منهما يفعل ما اقتضته ولايته الشرعية مع رعاية العدل وأصول الشريعة. # وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده أو منعه فمتفق عليها بين ~~العلماء ولا أعلم منازعا في أن من وجب عليه حق من دين أو عين وهو قادر على ~~وفائه ويمتنع من أنه يعاقب حتى يؤديه وقد نصوا على عقوبته بالضرب وذكر ذلك ~~المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {لي ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته} رواه أهل السنن مثل أبي داود والنسائي وابن ماجه ~~وثبت في الصحيحين ع نه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مطل الغني ظلم} ~~والظالم يستحق العقوبة. # واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد. والمعصية ~~نوعان: ترك واجب؛ أو فعل محرم. إن ترك الواجبات مع قدرته كقضاء الديون ~~وأداء الأمانات إلى أهلها من الوكالات والودائع وأموال اليتامى والوقوف ~~والأموال السلطانية أو رد المغصوب والمظالم: فإنه يعاقب حتى يؤديها. وكذلك ~~من وجب عليه إحضار نفس؛ لاستيفاء حق وجب عليه مثل أن يقطع رجل الطريق ويفر ~~إلى بعض ذوي قدرة فيحول بينه وبين أخذ الحدود والحقوق منه: فهذا محرم ~~بالاتفاق وقد روى مسلم في صحيحه عن # PageV35P402 # علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لعن الله من أحدث حدثا أو ~~آوى محدثا} وروى أبو داود في سننه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: {من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن حالت ~~شفاعته دون حد في حدود الله فقد ضاد الله في أمره ومن قال في مسلم ما ليس ~~فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال} . فما وجب ms9981 إحضاره من النفوس ~~والأموال استحق الممتنع من فعل الواجب العقوبة حتى يفعله. وأما إذا كان ~~الإحضار إلى من يظلمه أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق. فهذا لا يجب بل ~~ولا يجوز؛ فإن الإعانة على الظلم ظلم قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر ~~والتقوى} . وأما " مواطن الاشتباه " المشتملة على الظلم من الجانبين: مثل ~~ولاة الأموال السلطانية إذا أخذوا ما لا يستحقونه وكان المستخرج لها ظالما ~~في صرفها أيضا: فهذا ليس على أحد أن يعين الظالم القادر على إبقائها بيده ~~ولا يعين الظالم الطالب أيضا في قبضها؛ بل إن ترجيح أحد الجانبين بنوع من ~~الحق أعان على الحق وإن كان كل منهما ظالما ولا يمكن صرفها إلى مستحق # PageV35P403 # عدل بين الظالمين في ذلك فإن العدل مأمور به في جميع الأمور بحسب ~~الإمكان. ومن العدل في ذلك ألا يمكن أحدهما من البغي على الآخر؛ بل يفعل ~~أقرب الممكن إلى العدل. # واختلف العلماء إذا أقر حال الامتحان بالحبس أو الضرب: هل يسوغ ذلك؟ ~~فمنهم من قال: يؤخذ بذلك الإقرار إذا ظهر صدقه: مثل أن يخرج السرقة بعينها ~~ولو رجع عن ذلك بعد الضرب لم يقبل؛ بل يؤخذ به وهذا قول أشهب في القاضي ~~والوالي وهو الذي ذكره القاضيان الماوردي وأبو يعلى في الوالي. ومنهم من ~~قال: لا بد من إقرار آخر بعدد الضرب وإذا رجع عن الإقرار لم يؤخذ به. وهذا ~~قول ابن القاسم وكثير من الشافعية والحنبلية وغيرهم. # وأما " مقدار الضرب " فإذا كان الضرب على ترك واجب: مثل أن يضرب حتى يؤدي ~~الواجب. فهذا لا يتقدر؛ بل يضرب يوما فإن فعل الواجب وإلا ضرب يوما آخر؛ ~~لكن لا يزيد كل مرة على التعزير عند من يقدر أعلاه. وقد تنازع العلماء في " ~~مقدار أعلى التعزير " الذي يقام بفعل المحرمات على أقوال # PageV35P404 # " أحدها ": وهو أحسنها وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي ms9982 وأحمد وغيرهما - ~~أنه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها وإن زاد على حد مقدر ~~في غيرها. فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة وفي السرقة من غير حرز بالضرب ~~الذي يزيد على حد القذف ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع. " القول الثاني " أنه ~~لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما أربعين وإما ثمانين وهو قول كثير من ~~أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. و " القول الثالث " أن لا يزاد في التعزير ~~على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره. وعلى القول الأول: هل ~~يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك " قولان " أحدهما قد ~~يبلغ به القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة وهو قول مالك وبعض ~~أصحاب أحمد كابن عقيل وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل ~~الداعية إلى البدع؛ ومن لا يزول فساده إلا بالقتل؛ وكذلك مذهب مالك قتل ~~الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم. و " القول الثاني " أنه لا يقتل ~~الجاسوس وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والقاضي أبي يعلى من أصحاب أحمد. # PageV35P405 # والمنصوص عن أحمد التوقف في المسألة. وممن يجوز التعزير بالقتل في " ~~الذنوب الكبار " أصحاب أبي حنيفة في مواضع يسمون القتل فيها سياسة كقتل من ~~تكرر لواطه أو قتله بالمثقل؛ فإنهم يجوزون قتله سياسة وتعزيرا؛ وإن كان أبو ~~حنيفة لا يوجب ذلك بل ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة وأما صاحباه فمع سائر ~~الأئمة فيخالفون في أنه يجب القود في القتل؛ وفي وجوب قتل اللوطي إما مطلقا ~~سواء كان محصنا أو غير محصن كمذهب مالك وأحمد في أشهر روايتيه والشافعي في ~~أحد قوليه. وإما أن يكون حده مثل حد الزاني كقول صاحبي أبي حنيفة والشافعي ~~في أشهر قوليه وأحمد في أحد روايتيه. والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاؤه الراشدون يوافق القول الأول فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بجلد ~~الذي أحلت امرأته له جاريتها مائة وجلد أبو بكر وعمر رجلا وجد مع امرأة في ~~فراش مائة؛ ms9983 وعمر بن الخطاب ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة ~~ثم ضربه في اليوم الثاني والثالث مائة مائة. وليس هذا موضع بسط أصناف ~~التعزير فإنها كثيرة الشعب. # فأما ضرب المتهم إذا عرف أن المال عنده وقد كتمه وأنكره ليقر بمكانه فهذا ~~لا ريب فيه؛ فإنه ضرب ليؤدي الواجب من التعريف بمكانه كما يضرب # PageV35P406 # ليؤدي ما عليه من المال الذي يقدر على وفائه وقد جاء في ذلك حديث ابن عمر ~~في الصحيح: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر على الصفراء ~~والبيضاء سأل زيد بن سعية عم حيي بن أخطب فقال: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: ~~يا محمد أذهبته الحروب فقال للزبير: دونك هذا فمسه الزبير بشيء من العذاب ~~فدلهم عليه في خربة؛ وكان حليا في مسك ثور} . فهذا أصل في ضرب المتهم الذي ~~علم أنه ترك واجبا أو فعل محرما. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق ويقول: هذا شرع البندق وهو ~~ناظر على مدرسة وفقهاء: فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذي يذكره تسقط ~~عدالته من النظر أم لا؟ وهل يجب على حاكم المسلمين الذي يثبت عدالته عنده ~~إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذي لا يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من ~~النظر أم لا؟ . # فأجاب: # الحمد لله، ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين ولا ~~الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك: ~~إلا بحكم الله ورسوله. ومن ابتغى غير ذلك تناوله # PageV35P407 # قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ~~وقوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ~~ورسوله في كل ما شجر بينهم ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق أو غيره مما ~~يخالف شرع الله ورسوله ms9984 وحكم الله ورسوله وهو يعلم ذلك: فهو من جنس التتار ~~الذين يقدمون حكم " الياسق " على حكم الله ورسوله ومن تعمد ذلك فقد قدح في ~~عدالته ودينه ووجب أن يمنع من النظر في الوقف. والله أعلم. # PageV35P408 ### | باب الشهادات # سئل شيخ الإسلام - رضي الله عنه -: # عن الرواية: هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته؟ # فأجاب: # أما قوله: هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته. فذا فيه نزاع فإن العبد ~~تقبل روايته باتفاق العلماء وفي قبول شهادته نزاع بين العلماء: فمذهب علي ~~وأنس وشريح تقبل شهادته وهو مذهب أحمد وغيره ومذهب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي لا تقبل شهادته. والمرأة تقبل روايتها مطلقا وتقبل شهادتها في ~~الجملة لكون الشهادة على شخص معين لا يتعدى حكمها إلى الشاهد؛ بخلاف ~~الرواية؛ فإن الرواية يتعدى حكمها فإن الراوي روى حكما يشترك فيه هو وغيره؛ ~~فلهذا لم يشترط في الرواية عدد بخلاف الشهادة. وهذا مما فرقوا به. # PageV35P409 # وسئل - رحمه الله -: # عن مدين كتب محضرا بإعساره وشهد الشهود أنه معسر عما لزمه من الدين ولم ~~يعين مقداره: هل يكفي هذا؟ ولو عينه الشاهد: هل يفتقر أن يقول: ولا شيء ~~منه؟ ولو قال: فهل الثلاثة دراهم؛ أو الدرهم والنصف داخلة في ذلك؟ # فأجاب: # أما الشهادة بالإعسار فإذا شهدوا أنه معسر عما لزمه من الدين؛ وعرفوا ~~قدره: صحت الشهادة لكن هذا لا يمنع قدرته على وفاء بعضه. وتصح الشهادة بذلك ~~وإن لم يعرفوا قدره إذا شهدوا بأنه لا يقدر على وفاء شيء لكن العلم بهذا ~~متعذر في الغالب ولكن إذا كان الدين عن معاوضة - كثمن بيع وبدل قرض - وكان ~~له مال معروف فإذا شهد الشهود بذهاب ماله: صار بمنزلة من لم يعرف له مال. ~~وفي مثل هذا القول قوله مع يمينه أنه معسر عاجز عن وفاء ما يحلف عليه إن ~~ادعى العجز عن وفاء قليل أو كثير حلف على ذلك وحصل المقصود بذلك وإن ادعى ~~أنه ليس له إلا كذا حلف عليه. وأحد القولين في مذهب أحمد وغيره أنه لا بد ms9985 ~~أن تكون البينة الشاهدة بعسرته ثلاثة إذا كان له مال؛ للخبر المأثور في ~~ذلك؛ بخلاف ما لو شهدت # PageV35P410 # بتلف ماله بسبب ظاهر. والحديث حديث قبيصة بن مخارق الهلالي؛ الذي رواه ~~مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تحل المسألة إلا ~~لثلاثة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من ~~عيش؛ أو قال: سدادا من عيش ثم يمسك. ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ~~ذوي الحجى من قومه فيقولون: لقد أصاب فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب ~~قواما من عيش؛ أو قال: سدادا من عيش ثم يمسك. ورجل تحمل حمالة فحلت له ~~المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها ~~صاحبها سحتا} . # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عمن أشهد على نفسه وهو في صحة من عقله وبدنه: أن وارثي هذا لم يرثني ~~غيره: فهل يجوز ذلك؟ ولمن يكون الإرث بعده؟ # فأجاب: # هذه الشهادة لا تقبل بل إن كان وارثا في الشرع ورثه شاء أم أبى وإن لم ~~يكن وارثا في الشرع لم يرث. وليس لأحد أن يتعدى حدود الله ولا يغير دين ~~الله؛ ولو فعل ذلك كرها كان فاسقا من أهل الكبائر؛ كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم {من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة} # PageV35P411 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل تقبل شهادة المرضعة؟ أم لا؟ # الجواب # فأجاب: إن كان الشاهد ذا عدل قبل قوله في ذلك؛ لكن في تحليفه نزاع وقد ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يحلف فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى ~~يبيض ثدياها. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل تقبل شهادة الضرة؟ # فأجاب: # لا تقبل شهادة الضرة فيما يبطل نكاح ضرتها؛ لا برضاع ولا غيره. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن الشهادة على العاصي والمبتدع: هل تجوز بالاستفاضة والشهرة؟ أم لا بد ~~من السماع والمعاينة؟ وإذا كانت الاستفاضة في ذلك كافية فمن ذهب إليه من # PageV35P412 # الأئمة؟ وما وجه ms9986 حجيته؟ والداعي إلى البدعة والمرجح لها؛ هل يجوز الستر ~~عليه؟ أم تتأكد الشهادة ليحذره الناس؟ وما حد البدعة التي يعد بها الرجل من ~~أهل الأهواء؟ # فأجاب: # ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه فإنه يشهد به إذا علمه ~~الشاهد به بالاستفاضة ويكون ذلك قدحا شرعيا كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من ~~المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم في كتبهم الكبار والصغار صرحوا فيما ~~إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه أو رآه واستفاض. ~~وما أعلم في هذا نزاعا بين الناس فإن المسلمين كلهم يشهدون في وقتنا في مثل ~~عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأمثالهما من أهل العدل والدين بما لم ~~يعلموه إلا بالاستفاضة. ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار بن أبي ~~عبيد وعمرو بن عبيد وغيلان القدري وعبد الله بن سبإ الرافضي ونحوهم من ~~الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم {أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا؛ فقال: وجبت ومر ~~عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت قالوا: يا رسول الله ما ~~قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة ~~وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في ~~الأرض} . هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته. # PageV35P413 # وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره فيكتفى بما دون ذلك كما قال ~~عبد الله بن مسعود اعتبروا الناس بأخدانهم؛ وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته. فإذا كان الرجل مخالطا في ~~السير لأهل الشر يحذر عنه. و " الداعي إلى البدعة " مستحق العقوبة باتفاق ~~المسلمين وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن ~~صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم. ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة ~~أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها فإن هذا من جملة ms9987 ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله. و " البدعة " ~~التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها ~~للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة فإن عبد الله بن ~~المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع: ~~الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست ~~الجهمية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. و " الجهمية " نفاة الصفات؛ الذين ~~يقولون: القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة وإن محمدا لم يعرج به إلى ~~الله وإن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ونحو ذلك كما يقوله المعتزلة ~~والمتفلسفة ومن اتبعهم. # PageV35P414 # وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان فاحذرهما: الجهمية والرافضة. ~~فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة الباطنية كالنصيرية ~~والإسماعيلية ومنهم اتصلت الاتحادية؛ فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية. و " ~~الرافضة " في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية؛ فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب ~~المعتزلة؛ ثم قد يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحو من أهل الزندقة ~~والاتحاد. والله ورسوله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن شهود شهدوا بما يوجب الحد ولما شخص قالوا: غلطنا ورجعوا: فهل يقبل ~~رجوعهم؟ # فأجاب: # نعم، إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها لم يحكم بها وإذا كان يعلم أنه قد ~~غلط وجب عليه أن يرجع ولا يقدح ذلك في دينه ولا عدالته. والله أعلم. # PageV35P415 ### | باب القسمة # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجلين بينهما دار مشتركة فطلب أحدهما القسمة فامتنع شريكه من ~~المقاسمة: فهل يجبر على القسمة أم لا؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إن كانت تقبل القسمة من غير ضرر بحيث لا تنقص في ~~البيع أجبر الممتنع على القسمة؛ وإلا كان لطالب القسمة أن يطلب البيع قد ~~يجبر الممتنع ويقسم بينهما الثمن. والإجبار على القسمة المذكورة مذهب ~~الأئمة الأربعة. والإجبار على البيع المذكور مذهب مالك وأبي حنيفة والإمام ~~أحمد. # PageV35P416 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل له عشرة أسهم من أصل أربعة وعشرين ms9988 سهما في بستان مشترك بينه وبين ~~إنسان مختل العقل والحاكم يحجر عليه وهو يقبل القسمة: فهل للحاكم أن يقسم ~~عليه أم لا؟ ويلزم أن ينفق منه على العمارة؟ # فأجاب: # إن كان قابلا للقسمة وطلب الشريك القسم وجب على الحاكم إجابته ولو كان ~~الشريك الآخر رشيدا فكيف إذا كان تحت الحجر؟ وإن لم يكن قابلا للقسمة غير ~~قسمة الإجبار وللحاكم أن يقاسم عن المحجور عليه إذا رآه مصلحة. وإذا طلب ~~الشريك: إما القسمة وإما العمارة: فللحاكم أن يجيبه إلى أحدهما. # PageV35P417 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن ثلاثة شركاء في طاحون ولأحدهم السدس وهو فقيرهم ولم يكن له شيء يقتات ~~به سوى أجرة السدس المختص به وقد منعوه أن يدفعوا إليه إلا في كل ستة أيام ~~يوما وقد طلب منهم كل يوم بقسطه ليستعين به على قوته فامتنعوا من ذلك ~~باقتدارهم على المال والجاه عليه: فما يجب في ذلك؟ # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين، إذا طلب الشريك أن يؤجروا العين ويقسموا الأجرة ~~على قدر حقوقهم أو يهايئوه فيقتسموا المنفعة: وجب على الشركاء أن يجيبوه ~~إلى أحد الأمرين؛ فإن أجابوه إلى المهايأة وطلبوا تطويل الدور الذي يأخذ ~~فيه نصيبه وطلب هو تقصير الدور وجبت إجابته دونهم؛ فإن المهايأة بالزمان ~~فيها تأخير حقوق بعض الشركاء عن بعض فكلما كان الاستيفاء أقرب كان أولى لأن ~~الأصل وجوب استيفاء الشركاء جميعهم حقوقهم والتأخير لأجل الحاجة فكلما قل ~~زمن التأخر كان أولى؛ لا سيما إذا كان مع التأخير لا يمكن الشريك أن يستوفي ~~حقه إلا بضرر مثل إعداد بهائم ليوم والإنفاق عليها في الأسبوع فإنه لا يجب ~~عليه موافقتهم على ما فيه ضرره مع إمكان التعديل بينهم بلا ضرر. والله ~~أعلم. # PageV35P418 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن قسمة اللحم بلا ميزان؟ وقسمة التين والعنب والرمان والبطيخ والخيار ~~عددا؟ # فأجاب: # أما قسمة اللحم بالقيمة فالصحيح أنه يجوز؛ فإن القسمة إفراز بين ~~الأنصباء؛ ليست بيعا على الصحيح. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقاسم ~~أهل خيبر خرصا فيخرص عبد الله ms9989 بن رواحة ما على النخل فيقسمه بين المسلمين ~~واليهود ولا يجوز بيع الرطب خرصا وكذلك كان المسلمون ينحرون الجزر ~~ويقسمونها بينهم بلا ميزان كانوا يفعلون ذلك على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكذلك جميع هذا الباب يجوز قسمة التين والعنب بغير كيل ولا وزن وتجوز ~~قسمة الرمان عددا وكذلك البطيخ والخيار. هذا هو الصحيح في المعدودات كلها ~~أنها تقسم بالقيمة؛ وليست هذه القسمة بيعا؛ لكن تعديل الأجزاء معتبر فيه ~~الخبرة. والمقصود أنه يجوز أن تعدل الأنصاب [ب] (1) ما يمكن إما من كيل أو ~~وزن إن أمكن وإلا بالخرص والتقويم؛ ليس هذا مثل البيع؛ فإن القسمة جائزة في ~~جميع المال ويجوز قسمة التمر قبل بدو صلاحه. والله أعلم. PageV35P419 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # هل يجوز قسمة اللحم بلا ميزان؟ وقسمة التين والعنب والرمان والبطيخ ~~والخيار عددا؟ # فأجاب: # تجوز قسمة الأموال الرطبة كالرطب والعنب وغير ذلك. فالمقصود بالقسمة أن ~~يكون بالعدل فإذا لم يكن التعديل بالكيل والوزن كان التعديل يقوم مقام ذلك ~~من الخرص والتقويم في الأموال الربوية ويجوز أن يشتري الفاكهة بالحنطة ~~والشعير يدا بيد بلا خلاف بين الفقهاء؛ وإنما اختلفوا في جواز بيعها نسيئة ~~والجمهور على أنه يجوز ذلك نسيئة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في ~~المشهور عنه والشافعي في قوله القديم. وهذا مبني على أن علة الربا: هل هو ~~التماثل والقوت؟ والطعام مماثل الطعم؟ فمن قال: هي التماثل والقوت والتماثل ~~مع الطعم جوز ذلك ومن قال: هي الطعم وحده لم يجوز ذلك. والله أعلم. # PageV35P420 ### | باب الإقرار # سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه -: # عن رجل أقر أن جميع الحانوت المعروفة بسكن المقر وما فيها من الأعيان وقف ~~لله تعالى على مسجد وما يتعلق به؛ ثم لم تتمكن البينة من وزن تلك الأعيان ~~حتى مات الواقف وبعض البينة لا تعرف تلك الأعيان المقر بها: هي هذه الأعيان ~~الموجودة الآن؟ فهل يسوغ له هذه الشهادة أن يشهد بها اعتمادا على إقرار ~~المقر وبالاستفاضة من تلك العدلين؟ # فأجاب: # الشاهد يشهد بما سمعه ms9990 من كلام المقر والإقرار يصح بالمعلوم والمجهول ~~والمتميز وغير المتميز. وإذا قامت بينة أخرى بتعيين ما دخل في اللفظ جاز ~~ذلك وعمل بموجب شهادتهم؛ كما لو أقر المقر لفلان بن فلان عندي كذا وأن داري ~~الفلانية أو المحدودة بكذا لفلان ثم شهد شاهدان بأن هذا المعين هو المسمى ~~والموصوف أو المحدود فإن هذا يجوز باتفاق الأئمة وإنما تنازعوا في المعرف: ~~هل يكفي أن يكون واحدا؟ أو لا بد من اثنين؟ على قولين مشهورين لأهل العلم ~~وهما روايتان عن الإمام أحمد. و " الثاني " قول الشافعي وغيره. والله أعلم. # PageV35P421 # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن شخصين تباريا وأشهدا على أنفسهما أن أحدهما لا يستحق على الآخر مطالبة ~~ولا دعوى بسبب دينار ولا درهم؛ ولا أقل من ذلك ولا أكثر وكان لأحدهما على ~~الآخر دين بمسطور شرعي بدراهم معينة فاستثناه صاحب الدين حالة الإبراء؛ ولم ~~يبرأ منه من المسطور المذكور ولا ذكره في المباراة فطلب رب الدين بالمسطور ~~فقال له خصمه: أليس تبارينا؟ فقال: أبرأتك إلا من هذا المسطور: فهل تسمع ~~دعواه الشرعية بالمسطور المذكور؟ # فأجاب: # إذا كان ادعى أنه لم يبرئه من ذلك الحق وأن الغريم يعلم أنه لم يبرئه منه ~~وطلب يمينه أنه لم يبرئه منه. فله ذلك. # PageV35P422 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مات وخلف ابن عم وزوجة طلقها في مرض موته فمسك وكيل الزوجة ابن عم ~~الميت وطلب منه إرث الزوجة الذي لها فأقر أنها وارثة وأنه وضع يده على ما ~~خصه من الميراث مع علمه بالاختلاف وإبراء ابن العم الزوجة وأباها ووكيلها ~~من كل شيء ثم بعد ذلك أحضر بينة عند حاكم شافعي شهدوا أن الميت طلقها في ~~مرض موته وحكم به وقال: ما ترث عندي وطلب استعادة ما أخذ منه: فهل تسمع ~~البينة مع كونه أقر أنها وارثة ومع الإبراء لهم مما قبضوه؛ أم لا؟ وإذا ~~ادعى أنه كان جاهلا بما أقر به فهل يكون القول قوله في دعوى الجهل أم لا؟ # فأجاب: # ليس ما ذكر من الإقرار والإقباض ms9991 والإبراء مع علمه بالاختلاف أن يدعي بما ~~يناقض إقراره وإبراءه ولا يسوغ الحكم له بذلك. وأما الجهل بذلك مع علمه ~~بالاختلاف فكذب. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة كانت مزوجة برجل جندي ورزقت منه ولدين ذكر وأنثى ومات الولد ~~الذكر وأن الزوج المذكور طلقها وأخذت البنت # PageV35P423 # بكفالتها من مدة تزيد عن ثمان سنين وقد حصل الآن مرض شديد وأحضر شهودا ~~وكتب لزوجته ألفي درهم وأختها مطلقة كتب لهما الصداق وكانت قد أبرأته منه ~~وهي في الشام من حين طلقها وكتب لأمهم خمسمائة ومنعني حقي والبنت التي له ~~مني حقها من الوراثة ومن حين رزقت الأولاد ما ساواهم بشيء من أمور الدنيا ~~وقد أعطى رزقه لها؟ # فأجاب: # إقراره لزوجته لا يصح لا سيما أن يجعله وصية فإن الوصية للوارث لا تلزم ~~بدون إجازة الورثة باتفاق المسلمين وكذلك إقراره للوارث لا يجوز عند جمهور ~~العلماء لا سيما مع التهمة فإنه لا يجوز في مذهب أبي حنيفة ومالك والإمام ~~أحمد وغيرهم. وكذلك إقراره بالدين الذي أبرأته صاحبته لا يجوز؛ فإذا كانت ~~قد أبرأته من الصداق ثم أقر لها به لم يجز هذا الإقرار لأنه قد علم أنه كذب ~~ولو جعل ذلك تمليكا لها بدل ذلك لم يجز أيضا عند الجمهور أن يجعل ذلك ~~التمليك دينا في ذمته. وليس له منع البنت حقها من الإرث ولا يمنع المطلقة ~~ما يجب لها عليه وفي الحديث: {من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة} . ~~وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الرجل ليعمل ستين سنة ~~بطاعة الله؛ ثم يجور في وصيته فيختم له بسوء فيدخل النار وإن الرجل ليعمل ~~ستين سنة بمعصية الله ثم يعدل في وصيته فيختم له بخير فيدخل الجنة} ثم قرأ ~~قوله تعالى # PageV35P424 # {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} والله سبحانه أعلم. # وسئل ms9992 - رحمه الله -: # عن رجل بينه وبين شخص شركة فقوي شريكه فمسكه وأهانه؛ وكتب عليه حجة أن ~~الغنم له دون الشركة؟ # فأجاب: # إذا أكرهه بغير حق فأقر كان إقراره باطلا وإشهاده على الإقرار لا ينفعه؛ ~~بل يوجب عقوبة الظالم المعتدي الذي اعتدى على هذا المظلوم بالإكراه؛ وتجب ~~إعانة المظلوم ورد المال إلى مستحقه وإذا أقام بينة بأنه أكره على ذلك سمعت ~~بينته. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن امرأة ماتت وخلفت أولادا منهم أربعة أشقاء. ذكر واحد وثلاث بنات وولد ~~واحد أخوهم من أمهم الجملة خمسة وزوج لم يكن لها منه ولد وأنها أقرت في ~~مرضها المتصل بالموت لأولادها الأشقاء بأن لهم في ذمتها ألف درهم وقصدت ~~بذلك إحرام ولدها وزوجها من الإرث. # PageV35P425 # فأجاب: # إذا كانت كاذبة في هذا الإقرار فهي عاصية لله ورسوله باتفاق المسلمين بل ~~هي من أهل الكبائر الداخلة في الوعيد فإن الجور في الوصية من الكبائر {ومن ~~قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة} وقد قال تعالى: {تلك حدود الله ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن العبد ليعمل ستين سنة بطاعة ~~الله ثم يجور في وصيته فيختم له بسوء فيدخل النار وإن العبد ليعمل ستين سنة ~~بمعصية الله ثم يختم له بخير فيعدل في وصيته فيدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية ~~{تلك حدود الله} } . ومن أعانها على هذا الكذب والظلم فهو شريكها فيه من ~~كاتب ومشير وغير ذلك فكل هؤلاء متعاونون على الإثم والعدوان. ومن لقنها ~~الإقرار الكذب من الشهود فهو فاسق مردود الشهادة. وأما إن كانت صادقة فهي ~~محسنة في ذلك مطيعة لله ولرسوله ومن أعانها على ذلك لأجل الله تعالى. وأما ~~في ظاهر الحكم فأكثر العلماء لا يقبلون هذا الإقرار كأبي حنيفة ومالك وأحمد ~~وغيرهم لأن التهمة فيه ظاهرة ولأن حقوق الورثة تعلقت بمال الميت ms9993 بالمرض ~~فصار محجورا عليه في حقهم ليس له أن يتبرع لأحدهم بالإجماع. # PageV35P426 # ومن العلماء من يقبل الإقرار كالشافعي؛ بناء على حسن الظن بالمسلم وأنه ~~عند الموت لا يكذب ولا يظلم: والواجب على من عرف حقيقة الأمر في هذه القصة ~~ونحوها أن يعاونوا على البر والتقوى لا يعاونون على الإثم والعدوان. وينبغي ~~الكشف عن مثل هذه القضية. فإن وجد شواهد خلاف هذا الإقرار عمل به وإن ظهر ~~شواهد كذبه أبطل. فشواهد الصدق مثل أن يعرف أنه كان لأب هؤلاء الأربعة مال ~~نحو هذا المقر به. وشواهد الكذب بينات يعلم من بعضها أنها تريد حرمان ابنها ~~وزوجها من الميراث؛ فإن ظهر شواهد أحد الجانبين ترجح ذلك الجانب. والله ~~أعلم. # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل مات وخلف رجلين وامرأة فعوضا المرأة ما يخصها من ميراث والدها ~~وأبرأت إخوتها البراءة الشرعية بالعدول عما بقي بأيديهم من مدة تزيد على ~~ستين سنة وهي مقيمة معهم بالناحية؛ ولم يكن لها معهم تعلق بطول هذه المدة؛ ~~فلما توفي إخوتها وتحققت المرأة موت العدول أنكرت المشهود عليها وادعت على ~~وارث إخوتها ما يخصها من ميراث والدها باق مع إخوتها وأثبت لها الحاكم ما ~~ادعته وقامت البينة عليها بالبراءة بطريقها: فهل يندفع ما أثبت لها الحاكم؟ # فأجاب: # الحمد لله، إذا قامت بينة شرعية على إقرارها # PageV35P427 # بالقبض والإبراء الشرعي كانت دعوى ورثتها باطلة ولو أقاموا بينة وأثبتوا ~~ذلك عند الحاكم كانت بينة الإقرار بالقبض والإبراء مقدمة؛ لأن معها مزيد ~~علم اللهم إلا أن تدعي أنها أقرت مكرهة أو حياء أو أقرت قبل القبض ولم يوجد ~~المقر به فلها تحليف المدعى عليه أن باطن الإقرار كظاهره أو أنهم لا يعلمون ~~بذلك الإقرار وإذا كان شهود الإبراء قد ماتوا وخطوطهم معروفة شهد بذلك من ~~يعرف خطوطهم وحكم به من يرى من العلماء مع أن دعواها بحقها بعد هذه المدة ~~الطويلة من غير مانع يعوق لا يقبل في أحد قولي العلماء في مذهب مالك وغيره. ~~والله أعلم. # وسئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه ms9994 -: # عن رجل له ابنتان إحداهما مزوجة والأخرى عزباء وكان كتب للمتزوجة ثلاث ~~آلاف درهم والعزباء سبعة آلاف درهم وقد توفيت المزوجة وخلفت ولدا ذكرا ~~وزوجا وقد طلب الولد والزوج المكتوب من والدها: فهل يرثون ذلك ويجوز لهم ~~مطالبة الولد والوالد يدعي في ذلك الوقت ما كان له ولد ذكر وكتب هذا ~~المكتوب خشية أن تدخل يد الغير في موجده والولد يعش؟ # PageV35P428 # فأجاب: إذا أقر لهذه ولهذه بمال في ذمته ولم يكن لهما قبل ذلك في ذمته ~~مال لم يصر لها عليه بهذا الإقرار شيء؛ وكان هذا الإقرار كذبا باطلا ولو ~~جعل لها في ذمته عطية لها بعد ذلك لم يكن أمرا واجبا بل ينهى عن التفضيل ~~بين الأولاد وينبغي أن يعدل بينهم باتفاق المسلمين؛ وإن كان قد تقدم ما ذكر ~~من الإقرار والعدل بينهم واجب في أصح قولي العلماء ولا يستحق ورثة المرأة ~~من ذلك شيئا. # وسئل - رحمه الله تعالى -: # عن رجل أعتق أمة ثم تزوجها ثم ملكها في صحة من عقله وجواز أمره وسلامة أن ~~جميع ما حوى مسكنهم الذي هم فيه من نحاس وقماش وصناديق ومصاغ وفرش وغير ذلك ~~مما هو خارج عن لبسه ودوابه وعدة خيله ملك لزوجته المذكورة لا حق له في ذلك ~~ولا شيء منه وأن يدها على جميع ذلك متصرفة لا يد له في ذلك ثم أقر لها بذلك ~~وكتب كتاب إقرار شرعي على هذه الصورة: هل يحتاج إلى تفصيل؛ أم لا؟ # فأجاب شيخنا وسيدنا تقي الدين أبو العباس: # الحمد لله، إذا أقر أن جميع ما في بيته ملك لزوجته إلا السلاح والدواب ~~وآلة الخيل كان هذا إقرارا صحيحا يعمل بموجبه بلا خلاف وإذا كان مستنده في ~~هذا الإقرار أنه ملك لزوجته تملكا شرعيا لازما كان الإقرار صحيحا باطنا ~~وظاهرا. والله أعلم. # PageV35P429 # وسئل - رحمه الله -: # عن رجل أقر لرجل بمسطور بدراهم؛ ثم بعد مدة حضر المقر له إلى عند شهود ~~المسطور وقال: إن هذا الإقرار الذي أقر به فاسد وأنا ما لي عنده إلا ms9995 ذهب ~~لبنتي: فهل يكون هذا الإقرار باطلا؟ وهل يجوز للشاهد أن يشهد بالمسطور بعد ~~سماعه من رب الدين ما ذكر؟ # فأجاب: # أما الشاهد فإنه يشهد بما سمع من المقر؛ وليس عليه غير ذلك سواء صدقه ~~المقر له أو كذبه؛ ولكن المقر له إذا قال ذلك فإن فسر كلامه بما يمكن في ~~العادة مثل أن يقول كان لي عنده ذهب فاتفقنا على أن يقر بدله بفضة وصدقه ~~المقر عمل بموجب ذلك وإن كذبه المقر حلف المقر على نفي ما ادعاه المقر له. ~~والله أعلم. # PageV35P430 # وسئل - قدس الله روحه ورضي عنه -: # عن رجل صانع عمل عند معلم صنعة مدة سنين وخرج من عنده قال له: حاسبني؛ ~~قام المعلم ضربه وكتب عليه حجة وأخافه بالولاية فهل له في المسطور حق؟ # فأجاب: # إذا كتب عليه حجة أقر بها وهو مكره بغير حق لم يصح إقراره ولا يجوز ~~إلزامه بما فيها؛ وعلى معلمه أن يحاسبه. والله أعلم. # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. PageV35P431 ms9996